######OpenITI# #META# URI: 1392MuhammadFuadShukri.AlmaniyaNaziyya.Hindawi47968092 #META# Tags: history #META# ID: 47968092 #META# Title: ألمانيا النازية: دراسة في التاريخ الأوروبي المعاصر (١٩٣٩–١٩٤٥) #META# AuthorID: 96173535 #META# Author: محمد فؤاد شكري #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # تصدير‏ # 1 - الريخ الثالث‏ # 2 - النظام الجديد‏ # 3 - أوروبا «الحرة»‏ # 4 - الدعاية الخفية‏ # 5 - الصحف السرية‏ # 6 - حكومة هتلر‏ # 7 - ألمانيا النازية‏ # 8 - ألمانيا الأخرى «غير النازية»‏ # 9 - السلام الدائم‏ # مصادر البحث‏ # تصدير‏ # 1 - الريخ الثالث‏ # 2 - النظام الجديد‏ # 3 - أوروبا «الحرة»‏ # 4 - الدعاية الخفية‏ # 5 - الصحف السرية‏ # 6 - حكومة هتلر‏ # 7 - ألمانيا النازية‏ # 8 - ألمانيا الأخرى «غير النازية»‏ # 9 - السلام الدائم‏ # مصادر البحث‏ # | ألمانيا النازية # | ألمانيا النازية # | دراسة في التاريخ الأوروبي المعاصر (1939-1945) # تأليف # محمد فؤاد شكري # | تصدير # هذه قصة سنوات لا أخال القارئ الكريم قد نسي شيئا مما حملته في طياتها من مفاجآت وحوادث ~~سببت للإنسانية آلاما مبرحة وأدخلت على حياة الأمم تغييرات ظاهرة، ما يزال الجنس البشري ~~يئن من آثارها، وكان لنا - نحن المصريين - نصيب من هذه التجربة المؤلمة. فمن منا لا يذكر ~~ليالي الغارات الجوية الطويلة وحلكة ظلامها! ومن منا لا يذكر الرعب الذي استولى على النفوس ~~عندما كاد العدو يطرق أبواب الإسكندرية أيام معركة العلمين الحاسمة! ومن منا لم يسكن إلى ~~نفسه هنيهة يسألها المصير لو أنه قدر للنازيين وأحلافهم أن يغمروا وادي النيل بجحافلهم ولو ~~إلى زمن قصير! ومن منا لم يتشوق لمعرفة شيء صحيح عن ذلك النظام الجديد الذي كانت تشيد بذكره ~~أبواق الدعاية النازية من محطات إذاعتها وقتذاك، فتحدثت عنه كأنما كان غاية ما ابتكره إنسان ~~لسعادة إنسان، وكأنما كان الغرض منه بناء عالم مثالي وثيق الأركان تكثر فيه الخيرات وتعيش ~~فيه الشعوب محررة غنية وتحيا حياة مطمئنة رخية! # لقد فاجأتنا جميعا الحرب الهتلرية الخاطفة في الأيام الأولى من شهر سبتمبر عام 1939 ~~فأذهلت هذه المفاجأة الأكثرين وإن كان هناك قلائل ممن كانوا يتوقعون قيام الحرب قبل نشوبها ~~فعلا ببضع سنوات منذ وصل أدولف هتلر إلى منصب مستشارية الريخ الألماني في شتاء عام 1923، ~~وزادت مخاوفهم عندما أحرق النازيون الريخستاج في آخر فبراير من العام نفسه. وشاءت المصادفات ~~أن أكون بإنجلترا في صيف ذلك العام، فألقيت نفسي وسط خضم من النشرات والكتب والمطبوعات ms001 ~~والأحاديث والإذاعات، ينقسم أصحابها فريقين: أحدهما يحذر العالم مما سوف يتعرض له من ~~أخطار وشرور جسيمة من جراء وصول الهتلريين إلى الحكم، والآخر يحاول أن يجد في الاستجابة ~~لرغبة الشعب الألماني وسيلة مؤاتية تحول دون انتشار المذاهب الهدامة، وتقيم من ألمانيا ~~حاجزا منيعا يقف في وجه البلشفية الروسية يمنعها من التغلغل في أوروبا الوسطى والوصول إلى ~~أوروبا الغربية كذلك. على أنه كان مما استلفت نظري في لندن في صيف ذلك العام أن الإنسان ~~أينما سار في شوارعها أو جلس في مطاعمها كان يقابل طائفة من الألمان الهاربين من وجه ~~النازية في بلادهم، وبدأ الحديث من ذلك الحين عن مشكلة اللاجئين ولما يمض على الهتلريين في ~~الحكم أربعة شهور. # وفي صيف عام 1934 أتيحت لي الفرصة لمشاهدة بعض العواصم الأوروبية فوجدت عجبا: باريس لا ~~تزال تتأرجح بين اليسار واليمين، وتكاد تفترسها الفوضى على أثر ما اتضح من أن بعض الوزراء ~~في حكومة المسيو «شوطان # Chautemps ~~» كانوا ضالعين مع ~~المحتال الفرنسي «ساشاستافيزكي # Sacha Stavisky ~~» في عملية ~~إصدار سندات مالية مزيفة، فانتحر ستافيزكي في فبراير 1934 عند افتضاح أمره، وكثرت الإشاعات ~~بأن المسئولين هم الذين رأوا التخلص منه بقتله فاستقال رئيس الحكومة ووقعت التحامات دموية ~~بين الشرطة والمتظاهرين الذين ثاروا ضد حكومة «دلاديه # Daladier ~~» الجديدة. وعندما زرت باريس في صيف ذلك العام كان الفاشيون ~~الفرنسيون بزعامة «دي لاروك # de la ~~Rocque ~~» ~~يحملون بشدة على الجمهورية، ويثيرون الاضطراب في كل مكان. وكان دي لاروك يدعو لتأييد مبدأ ~~الزعامة المسئولة في فرنسا، أي نفس المبدأ الذي كان يرتكز عليه النظام النازي في ~~ألمانيا. # وفي روما كان «موسوليني # Mussolini ~~» قد بلغ ذروة مجده ~~وحتم الفاشيست على كل زائري عاصمتهم من الأجانب وقتذاك أن يزوروا المعرض الفاشيستي الكبير ~~حيث كانوا يعرضون «تاريخ» الحركة الفاشية في صور وأشكال منوعة، ويضعون في أبهاء المعرض عدة ~~آثار تفسر ما حدث وقت ظهور الحركة الفاشية وزحف الفاشيين على رومة. على أن أهم ما استلفت ~~نظري في ذلك الوقت أمران: أولهما أن ms002 وزارة الخارجية الإيطالية ما كانت تأذن في تلك الأيام ~~لأحد من الباحثين الذين يدرسون التاريخ بالاطلاع على الوثائق الخاصة بالدبلوماسية الإيطالية ~~في القرن التاسع عشر، فخالفت بهذا العمل ما درجت عليه الحكومات الأوروبية الأخرى، وقد اتضح ~~فيما بعد أن إيطاليا كانت تعد العدة للاعتداء على الحبشة، واعتبرت لذلك الوثائق التاريخية ~~القديمة من أسرار الدولة التي يجب أن يمنع الباحثون من معرفة شيء عنها، وأما الأمر الثاني ~~فهو أنه على الرغم من صلابة بنيان الدولة الفاشستية الظاهري وما كانت تذيعه الدعاية ~~الإيطالية من أن الدوتشي والشعب الإيطالي كانا يدا واحدة وكتلة متماسكة، فقد قابلت أفرادا ~~عديدين ينقمون على حكومة موسوليني ويضمرون لها العداء ولا يحملون الشارة الفاشية إلا ~~مرغمين؛ لأنه بدون هذه الشارة التي تدل على أنهم قيدوا أسماءهم في نقابات العمل المتعددة ~~كانوا معرضين للاحتجاز بدوائر الشرطة أو السجن إذا قوي الاشتباه في أمرهم. # وفي فينا كان الحرس الأهلي # Heimwehr # الذي استندت إليه ~~حكومة «دلفوس # Dollfuss ~~» قد قام بحركة واسعة لإبادة ~~الاشتراكيين الديمقراطيين في النمسا فاستمرت المعركة في فينا أربعة أيام (12-16 فبراير ~~1934)، وكانت انتصارات الحكومة «والهايمفهر» كبيرة، وظن دلفوس أن الأمر قد استتب له ونال ~~مؤازرة إيطاليا الفاشية؛ ولكن دلفوس كان قد أخرج على ما يبدو من حسابه قوة أخرى جديدة بدأت ~~تنمو ويقوى شأنها في النمسا منذ وطد الهر هتلر دعائم الحكم النازي في ألمانيا. وسمع الكاتب ~~عديدين من النمساويين يتحدثون عن تأييدهم للنازية وتعاليمها ويتوقون للانضمام إلى ألمانيا ~~الكبرى وتحقيق «الأنشلوس # Anschluss ~~» ويضمرون لليهود عدواة ~~عظيمة، ومع أن هؤلاء كانوا ينظرون إلى إخماد حركة الاشتراكيين الديمقراطيين كعمل مجيد فإنهم ~~ما كانوا يرضون عن دلفوس واعتماده على موسوليني وإيطاليا ويريدون إبعاده من الحكم، وعندما ~~لقى الكابتن روم # Roehm # وغيره من رؤساء كتائب الهجوم # S. A. # حتفهم في ألمانيا في آخر يونية 1934 في حركة ~~التطهير الواسعة للتخلص من العناصر التي اتهمت بالاعتدال زادت حماسة أنصار النازية في ~~النمسا، واكتنفت حكومة دلفوس الصعوبات من كل جانب، وفي 25 يولية ms003 اغتال النازيون وصنائعهم ~~دلفوس وهو بدار المستشارية، فعبأ موسوليني جيشه على الحدود حتى يمنع تدخل ألمانيا الهتلرية ~~في شئون النمسا. # أما ما حدث بعد ذلك من ازدياد بطش النازيين وسطوتهم في أوروبا، فإن القارئ الكريم سوف يجد ~~ذلك مبسوطا في فصول الكتاب، ويكفي أن أذكر الآن ما كان لهذه الحوادث الجسام من أثر حملني ~~على التفكير في أمر النازية ومعرفة شيء عن أصولها. وقد أتيحت لي في صيف عام 1937 الفرصة مرة ~~أخرى لزيارة إنجلترا وفرنسا، فوجدت باريس مشغولة بمعرضها الدولي العظيم، أما لندن فكان ~~الحديث فيها يدور حول ما عرف وقتذاك باسم سياسة «التهدئة والتسكين»: ومعناها من الوجهة ~~العملية، التسليم بكل ما كان يريده النازيون من توسع على حساب الدول المجاورة وعدم إزعاجهم ~~في شيء؛ حتى لا تتأزم الأمور فتنساق الدول الغريبة مرغمة إلى الدخول في حرب كان لا يرغب ~~فيها أحد من أبناء فرنسا أو إنجلترا. ووجد أنصار التهدئة والتسكين مسوغا لسياستهم من تلك ~~الوعود التي كان لا يبخل بها الهر هتلر عقب كل حادث من حوادث اعتداءاته المتكررة على الحقوق ~~والالتزامات التي أقرتها وأوجدتها الاتفاقات الدولية، فكان من نتائج هذه السياسة عقد اتفاق ~~«ميونخ # Münich ~~» المشهور في 29 سبتمبر 1938 لاقتطاع ~~السوديت من تشكوسلوفاكيا وضمها إلى ألمانيا النازية، واعتقد رئيس الوزارة الإنجليزية وقتذاك ~~المستر نيفل تشمبرلين # Neville ~~Chamberlain # أنه ~~نجح في المحافظة على السلم في العالم؛ لأنه عاد إلى بلاده يحمل في حقيبته تصريحا مشتركا ~~وقعه الهر هتلر وألغى بمقتضاه الحرب كوسيلة لفض ما قد يحدث من خلاف أو نزاع بين إنجلترا ~~وألمانيا في المستقبل. ولكن هتلر جريا على عادته ما لبث حتى نبذ وعوده ظهريا واغتصب ~~البقية الباقية من تشكوسلوفاكيا في مارس 1939. وكان إقدامه على هذه الخطوة منذرا ببداية ~~تحول الدول الغربية من سياسة التهدئة والتسكين إلى خطة مقاومة القوة بمثلها. ومن ذلك الحين ~~لم يغب عن متتبعي تطور الحوادث في أوروبا أن الحرب لا بد واقعة، وظلت حفنة يسيرة من أنصار ~~التهدئة يبذلون كل جهد ms004 لتجنيب العالم ويلات الحرب المدمرة، وحاول رجال المال في لندن وغيرها ~~استمالة النازيين إلى السلم بأن صاروا يعرضون على ألمانيا قروضا مالية عظيمة، ويعدون بفتح ~~الأسواق لتجارتها، ولكن جهودهم باءت بالفشل. وفي سبتمبر 1939 أعلنت إنجلترا الحرب على ~~ألمانيا وتبعها سائر حلفائها وذلك عقب إغارة الألمان على بولندة، ثم أحرز النازيون انتصارات ~~باهرة وافتتحوا معظم بلدان أوروبا الوسطى والغربية وأتاح لهم محور برلين- رومة السيطرة على ~~إيطاليا وإسبانيا، وخشيت كل من السويد وتركيا بأسهم وبقيت إنجلترا وروسيا وحدهما تحملان في ~~أوروبا عبء النضال ضد ألمانيا. وبعد أن بسط النازيون سلطانهم على أوروبا بدأت دعايتهم تتحدث ~~عن النظام الجديد، وعن إنشاء عالم مثالي لا في أوروبا وحدها بل وفي سائر القارات التي كان ~~يطمع النازيون في امتلاكها تحقيقا لأهدافهم في بسط السيطرة الجرمانية على العالم ~~أجمع. # وفي أثناء ذلك كله عظم الاهتمام بمعرفة شيء مما كان يجري من حوادث خلف تلك الجدران ~~العالية التي شيدها النازيون حول قلعتهم الأوروبية، والتي ظنوا أن أحدا لن يجد بها ثلمة ~~ينفذ منها ليشهد بناظريه ما كان يفعله النازيون عند تطبيق هذا النظام الجديد الذي بشرت به ~~دعايتهم. وكانت قد أتيحت لي الفرصة قبل ذلك، فدرست شيئا عن النازية وأساليبها في السنوات ~~القليلة التي سبقت نشوب الحرب الهتلرية، ووجدت في نفسي ميلا إلى مواصلة هذه الدراسة، لا ~~سيما عندما بدأ «روميل» زحفه في الصحراء صوب الإسكندرية، وحدث في غضون ذلك أن ندبتني وزارة ~~المعارف في أغسطس 1941 مفتشا بالتعليم الثانوي فوجدت لدي في أثناء السفر الطويل من بلد إلى ~~آخر متسعا من الوقت قرأت فيه ما وقعت عليه يداي من مؤلفات ومطبوعات تتناول تاريخ الأمة ~~الألمانية والحركة النازية والسياسة الأوروبية في السنوات التي سبقت قيام الحرب الهتلرية، ~~ووصلت من دراستي هذه إلى نتيجتين: أولاهما أن هذا النظام الجديد الذي روج له النازيون إنما ~~هو شر نظام أنتجته قريحة إنسان، وثانيتهما أن تطبيق هذا النظام في أوروبا سوف يكون الأداة ~~التي يهدم بها النازيون أنفسهم تلك القلعة ms005 التي خيل إليهم أنهم قد أحكموا تأسيس بنيانها، ~~ثم وجدت من واجبي أن أبسط شيئا مما وصلت إليه من نتائج، فشجعني على إلقاء بحث في هذا ~~الموضوع جميع إخواني من أساتذة مدرسة الزقازيق الثانوية الكرام، وعلى رأسهم حضرة المربي ~~النابه الأستاذ الكريم السيد هاشم عوض ناظرها وقتذاك. وفي مساء 10 مايو 1943 ألقيت بالقاعة ~~اليونانية بالزقازيق محاضرة موضوعها: (النازي والنظام الجديد في أوروبا)، وقد شجعني ما ~~لقيته من اهتمام حضرات الأفاضل الذين تكرموا بالاستماع إلى هذه المحاضرة على المضي في ~~دراستي منذ ذلك الحين إلى وقت زوال الهتلرية. والآن أقدم إلى القارئ الكريم قصة انهيار ~~ألمانيا السريع، وهي قصة مروعة حقا، راجيا أن أكون قد وفقت في إبراز صورة واضحة لذلك ~~النظام الذي أرادت ألمانيا الهتلرية أن تفرضه على أوروبا فأثارت مقاومة الشعوب ضدها، وكان ~~تطبيقه السبب الذي أدى إلى انهيارها في النهاية. # على أن هذا البحث ما كان يمكن أن يتم في صورته الحاضرة من غير تلك المعاونة الصادقة التي ~~تفضل علي بها حضرات الإخوان الكرام الأساتذة المحترمين عبد المقصود العناني المدرس الأول ~~للمواد الاجتماعية بمدرسة الحلمية الثانوية، وسيد محمد خليل المدرس بالقبة الثانوية، ~~والأستاذ فؤاد بطرس زكي ليسانسيه في التاريخ من كلية الآداب بجامعة الملك فؤاد الأول، وعبد ~~الرحمن محمود عبد التواب مفتش الآثار العربية ... فلحضراتهم جميعا خالص شكري وتقديري. # دكتور محمد فؤاد شكري # القاهرة: ديسمبر سنة 1947 # الفصل الأول # | الريخ الثالث # في شهر نوفمبر من عام 1918 سرت روح التمرد والعصيان في صفوف الجيش والبحرية الألمانية ~~واندلع لهيب الثورة في «كييل» و«همبورج» وعدة مدن أخرى؛ ففي برلين خرجت الجماهير الصاخبة ~~إلى الشوارع تطلب «الصلح والحرية والخبز!» وفي 8 نوفمبر أعلن قادة هذه الثورة من ~~الاشتراكيين الديمقراطيين أن «آل هوهنزلرن» قد نزلوا عن عرش أجدادهم، ثم نادوا بقيام ~~الجمهورية، وأرغم القيصر «ولهلم الثاني» على ترك العرش، وأعلن الاشتراكيون الديموقراطيون ~~الجمهورية، ومع ذلك ظلت المظاهرات على شدتها ووقعت الالتحامات العنيفة في طول البلاد ~~وعرضها، وخصوصا بين الاشتراكيين والشيوعيين. ووسط ms006 هذه الثورات والاضطرابات تغير وجه ~~التاريخ في ألمانيا؛ فقد انعقدت الجمعية الوطنية لوضع دستور «ويمار»، ووقع الوفد الألماني ~~في «فرساي» على شروط الصلح - في 28 يونية 1919 - وفي أغسطس من السنة نفسها بدأت قانونا ~~حياة «الريخ الثاني» أو«جمهورية فرساي» - على حد قول الهر هتلر - وهي جمهورية ويمار ~~المعروفة. # ومع أن تاريخ هذه الجمهورية يشتمل على العوامل التي مهدت بشتى الطرق لقيام السيطرة ~~النازية في ألمانيا، فيكفي أن نشير الآن إلى كثرة ظهور الأحزاب السياسية التي تألفت في حياة ~~هذه الجمهورية، وكانت هذه الأحزاب جميعها ترغب في إعادة الطمأنينة إلى البلاد، وتنشد ~~الاستقرار الداخلي وتريد غسل العار الذي لحق بألمانيا المغلوبة في معاهدات فرساي، وتعمل على ~~رد اعتبارها بين مجموعة الدول الأوروبية الكبيرة. وكان من بين هذه الجماعات السياسية حزب ~~العمال الألمان لمؤسسة «أنتون دركسلر # Anton Drexler ~~» وهو ~~من العمال المتعطلين، وكان عدد أعضاء هذا الحزب عند إنشائه في عام 1919 ستة، ما لبثوا أن ~~صاروا سبعة عندما انضم إليهم في العام نفسه «أدولف هتلر». ومن ذلك الحين بدأت هذه الجماعة ~~صفحة جديدة من حياتها، فأخذ الحزب ينمو، واتسعت دائرة نشاطه، وأطلق عليه هتلر اسم «حزب ~~العمال الألمان الوطني الاشتراكي». # ومع أنه لا يعنينا في هذا الفصل سرد تاريخ هذا الحزب، فمن الواجب أن نشير إلى حقيقة ~~واحدة: هي أنه ظل ينمو ويقوى ساعده في الوقت الذي ساءت فيه أحوال ألمانيا الاقتصادية، سواء ~~أكان ذلك من أثر التضخم المالي الذي قضى على الطبقة المتوسطة، أم من أثر الأزمة العالمية ~~الاقتصادية المعروفة في الثلاثينات الماضية، وهي الأزمة التي طوحت بملايين العمال إلى خارج ~~المصانع، ونشرت البطالة في كل بلد ودولة، فقد أعطت هذه الظروف جماعة هتلر النازيين الفرصة ~~لرد أسباب ذلك الاضطراب الكبير إلى قسوة معاهدات الصلح في فرساي، وإلى جشع اليهود، وإلى ~~خيانة الشيوعيين وأعداء الوطن الداخليين الذين تعمدوا إشعال الثورة فطعنوا جيش القيصرية في ~~ظهره، ومكنوا حلفاء الحرب العالمية الماضية من الانتصار على ألمانيا وإذلالها، كما جعلت هذه ~~الظروف من ms007 السهل على الحزب النازي أن يسرف في بذل الوعود يوزعها ذات اليمين وذات الشمال، ~~حتى يستميل إلى صفوفه جماعة العسكريين الناقمين بسبب الهزيمة وكبار رجال المال الحانقين ~~لضياع أرباح صناعة الحرب، والسياسيين المحترفين من رجال العهد البائد التواقين إلى استئناف ~~نشاطهم السياسي، وأفراد الطبقة المتوسطة «البورجوازي» الذين هدر الإملاق كرامتهم، والعمال ~~المتعطلين الذين تذوقوا مر العيش وشظفه، وغير هؤلاء من الطوائف والجماعات التي حنت إلى يد ~~الزعيم القوي تسيطر من جديد على تنظيم حياتها ونشاطها، وتتكفل بمسئولية تصريف شئونها حتى ~~تصل بها إلى بر السلامة دون أن تحملها مشقة التفكير في تدبير شيء من ذلك: شأن الألمان في كل ~~زمان ومكان. # وفي هذه الظروف الشاذة، كبر حزب النازي وترعرع؛ فقد نشرت الصحيفة الألمانية «فولكشير ~~بوبختر» في عدد خاص صدر في 23 مارس 1932 إحصائية بعدد أعضاء هذا الحزب منذ تأسيسه إلى قبيل ~~وصول أدولف هتلر إلى مستشارية الريخ الألماني، يتبين منها أن الأعضاء الذين كانوا سبعة في ~~عام 1919 ومنهم هتلر نفسه، قد بلغوا 3000 في 1920، و27000 في 1925، و49000 في 1926، و72000 ~~في 1927، و108000 في 1928، و178000 في 1929، و389000 في 1930، و862000 في ديسمبر 1932، ~~و920000 في يناير 1933. # وهذه الإحصائية إنما نهدف من وراء إثباتها إلى توضيح حقيقتين: الأولى، ازدياد عدد أعضاء ~~الحزب في سنوات الأزمة الاقتصادية، والثانية: أن عدد الأعضاء بالقياس إلى مجموع الأمة ~~الألمانية كان في الواقع صغيرا ضئيلا، ولا يدل بأي حال من الأحوال على أن الحزب النازي ~~كان مرآة الرأي العام الصحيح في ألمانيا؛ بل إن هذه الحقيقة الأخيرة لا تلبث أن تزداد ~~وضوحا إذا انتقلنا إلى الشهور التالية عندما اشترك النازيون في الانتخاب لمجلس الريخستاج ~~في 6 نوفمبر 1932؛ فقد نالوا وقتذاك 11705256 صوتا من 26138892، أي بنسبة 32٪ تقريبا. ومع ~~أن زعيمهم بلغ منصب المستشارية في 30 يناير 1933 بفضل مناورات سياسية وحزبية سوف يأتي ~~ذكرها، ومع أن النازيين سيطروا على أداة الانتخاب وأحكموا التدبير والتنظيم، واستطاعوا ~~إثارة الرعب في قلوب الشعب الألماني من خطر البلشفية عقب حريق الريخستاج المدبر في ms008 27 ~~فبراير من العام نفسه؛ فقد نالوا في الانتخابات التالية في 5 مارس 1933 نحو 15874973 صوتا ~~أي بنسبة 43,9٪، فلم يكن للنازيين حتى في أوج عظمتهم الأغلبية التي تمكنهم من الانفراد ~~بالحكم في ألمانيا، والادعاء بأنهم يمثلون الشعب الألماني حقيقة. # ومع ذلك استطاع النازيون أن يفرضوا سيطرتهم التامة على بلادهم، وبذلك استطاعوا أن يصلوا ~~إلى فرض هذه السيطرة على الشطر الأكبر من القارة الأوروبية، ثم باتوا يطمعون أخيرا في ~~التمتع بالسيطرة على بقية أنحاء العالم. # ولم يكد هتلر يتسلم زمام الحكم حتى أخذ يعمل جاهدا على تنفيذ برنامجه الضخم بعد أن أصبح ~~صاحب الحول والطول في ألمانيا. # فمن أقواله المأثورة: «إن الريخ الأول هو دولة بسمارك، والريخ الثاني هو جمهورية فرساي، ~~والريخ الثالث هو دولتي.» أي إن الريخ الثالث يبدأ من اليوم الذي عين فيه أدولف هتلر ~~مستشارا للريخ الألماني في 30 يناير 1933. وقد ظلت دولة أدولف هتلر قائمة إلى أن زالت من ~~الوجود بسبب تحالف الديمقراطيات ضدها، وتحطم ذلك النظام الجديد الذي شاءت أن تفرضه فرضا ~~على شعوب أوروبا. # ومنذ قيام الريخ الثالث مرت سياسة ألمانيا الخارجية في مرحلتين: تميزت الأولى منهما ~~بمحاولة تمزيق معاهدات فرساي بشتى الوسائل تحت ستار العمل على استرداد مكانة ألمانيا كدولة ~~عظيمة بين الدول الأوروبية، أما المرحلة الثانية: فقد تميزت بانتصار ألمانيا في هذه ~~المناوشات التمهيدية، وإقدام الريخ على تلك المغامرة الجريئة التي قصد منها بسط السيطرة ~~الجرمانية على أوروبا، إما بالوسائل السلمية وإما بخوض غمار الحروب. # لذلك لم تكد تنقضي شهور معدودات على وصول هتلر إلى منصب المستشارية حتى أقدمت ألمانيا في ~~أكتوبر 1933 على الانسحاب من مؤتمر تخفيض السلاح، والخروج من عصبة الأمم، ثم أخذت من ذلك ~~الحين تتسلح علانية وفي غير توان، بينما وقفت الدول الغربية مكتوفة الأيدي حتى لقد رفضت ~~فرنسا ما تقدمت به بولندة من عروض للقضاء على النازية وهي ما تزال في مهدها. وعلى ذلك فقد ~~نشدت بولندة السلامة في توقيع ميثاق عدم اعتداء مع ألمانيا في ms009 26 يناير 1934، كان من أثره ~~أن استطاع الريخ تأييد جماعة النازيين في دانتزج الحرة أرضا ومدينة. # وفي 30 يونيو من العام نفسه قضى الهتلريون في ألمانيا ذاتها على المعتدلين من أعضاء الحزب ~~الوطني الاشتراكي في حركة التطهير الواسعة التي كان من ضحاياها الكابتن «روم» وزملاؤه الذين ~~أخذوا على النازية تطرفها. وفي الشهر التالي دبر النازيون قتل مستشار النمسا «دولفوس» على ~~الرغم من الصداقة القائمة بين هذا المستشار وزعيم إيطاليا الفاشية وقتذاك، بل إن قتله كان ~~بسبب هذه الصداقة ذاتها ، ولم يسفر ضجيج موسوليني ورغاؤه عن شيء! ثم أحرزت ألمانيا الهتلرية ~~نصرا جديدا عندما أوقف رئيس الوزارة الفرنسية «لافال» كل مساعدة للجماعات المعارضة ~~للنازية في إقليم السار، وذلك عندما اتخذت العدة للبت في مصير هذا الأقليم بالتصويت ~~العام، فحصل النازيون في 17 يناير 1935 على أكثرية ساحقة مكنتهم في شهر مارس من إدماج السار ~~في ألمانيا. وفي هذا الشهر نفسه أعلن أدولف هتلر أن ألمانيا ترفض المواد العسكرية الخاصة ~~بعدم تسلحها في معاهدات صلح فرساي، فأدخل التجنيد الإجباري في البلاد، ثم مزقت إنجلترا ~~وألمانيا من مواد هذه المعاهدات ما يتعلق بالتسليح البحري، ووصلتا إلى اتفاق جديد أجاز ~~لألمانيا إنشاء أسطول بنسبة 35٪ من قوة الأسطول البريطاني، ثم بناء أسطول من الغواصات مساو ~~لأسطول الغواصات البريطاني. وظنت إنجلترا - وعلى رأسها حكومة رمزي مكدونلد في ذلك الحين - ~~أنها إذا أقامت جبهة متحدة من إيطاليا وفرنسا إلى جانبها لمراقبة ألمانيا النازية فإنها ~~تستطيع ضمان السلم؛ فأنشأت جبهة «ستريزا # Stresa ~~»، ولكن هذه ~~الجبهة كان مقضيا عليها بالفشل منذ تأليفها؛ لأن موسوليني عندما انضم إليها كان يرجو في ~~نظير ذلك أن تطلق يده في أرض الحبشة؛ لذلك لم يطل عمر جبهة «ستريزا» أكثر من أسبوعين وغزت ~~إيطاليا بلاد الحبشة. ولما ترددت الدول في توقيع «العقوبات» على إيطاليا على نحو جدي، ~~ووجد الهر هتلر أن إيطاليا الفاشية بعد أن أصبحت من وقت اعتدائها على الحبشة وانفصام عرى ~~الصداقة بينها وبين الدول الغربية - وخصوصا بريطانيا - قد صارت مرتمية في ms010 أحضان ألمانيا، ~~أقدم الزعيم الألماني على تحطيم اتفاقات «لوكارنو # Locarno ~~» ~~وأرسل جنده في مارس 1936 لاحتلال منطقة الراين (وهي منطقة تقرر أن ينزع سلاحها منذ 1919)، ~~وأفاد هتلر من هذه المغامرة عندما فشلت الدول الغربية - وبخاصة «فرنسا وإنجلترا» - في ~~الاتفاق على عمل مشترك فيما بينهما للمحافظة على اتفاق لوكارنو وتعزيزه، ثم لم تلبث أن رفعت ~~«العقوبات» عن إيطاليا في صيف العام نفسه، وكان معنى هذا انهيار عصبة الأمم، فكان من أثر ~~ذلك أن جرؤ «أرثر جريزر # Grieser ~~» رئيس مجلس شيوخ مدينة ~~دانتزج الحرة ومن كبار النازيين ، على امتهان العصبة مرة بعد أخرى. وعلاوة على ذلك أفاد هتلر ~~من حاجة إيطاليا إلى صداقته، فضغطت الدولتان (ألمانيا وإيطاليا) على النمسا للحصول من هذه ~~الدولة الضعيفة على عدة امتيازات في مصلحة ألمانيا في صيف العام نفسه، وفي هذا الوقت أيضا ~~شجع الحليفان الجديدان الثورة المندلعة في إسبانيا ضد حكومتها الجمهورية (6 يولية 1936)، ~~فأخذا من ذلك الحين يؤيدان علنا الجنرال «فرانكو # Franco ~~» ~~وأنصاره الفاشيين، بإرسال عتاد الحرب والرجال لمساعدة الثوار، ولم تستطع بريطانيا بسبب تردد ~~فرنسا أن تفعل شيئا سوى إرغام هذه الدولة الأخيرة على اتخاذ موقف «الحياد»، والموافقة على ~~اتباع سياسة «عدم التدخل» في شئون إسبانيا. أما روسيا السوفيتية فقد ظلت وحدها تمد ~~الجمهورية الإسبانية بالمعونة. وحيال هذا الضعف الظاهر من جانب الدول الغربية، رأت بلجيكا ~~في أغسطس 1936 أن السلامة في اتباع خطة «أفياد»، فانفصلت عن الدول الغربية، وأدى انفصالها ~~إلى تقصير خط الدفاع عن حدود فرنسا الشرقية. ومنذ أكتوبر اتفقت كل من إيطاليا وألمانيا في ~~«برختسجادن» على اتباع سياسة مشتركة عمومية. وعندما منعت بريطانيا الحكومة الإسبانية من ~~إثارة مسألة التدخل الإيطالي الألماني في إسبانيا أمام عصبة الأمم جرؤ الهر هتلر على تمزيق ~~البقية الباقية من مواد معاهدات فرساي، حتى إذا ما حذر «بلوم» رئيس الوزارة الفرنسية ~~الألمان من المساس بمراكش الإسبانية، أعلن الألمان والإيطاليون في يناير 1937 أن ألمانيا ~~وإيطاليا سوف تتبعان من هذا الحين سياسة مشتركة على أساس ما تقتضيه مصالح ms011 «محور برلين-روما» ~~الذي خرج إلى عالم الوجود في «برختسجادن»؛ فكان معنى هذا قيام محالفة ألمانية إيطالية صريحة ~~ضد الديمقراطية ثم الشيوعية في أوروبا وفي العالم أجمع. وبذلك تبدأ المرحلة الثانية من ~~مراحل سياسة النازيين الخارجية. # ومما يميز هذه المرحلة وقوع عدة حوادث جسام أدت في النهاية إلى اشتعال نيران الحرب ~~العالمية الثانية؛ فقد ظل الألمان والإيطاليون في الشهور التالية بين يناير ويولية 1937 - ~~وعلى الرغم من الوعود الشفوية المتكررة التي أصدروها لتقرير رغبتهم في التزام خطة «عدم ~~التدخل» - يعملون لتأييد الثوار الفاشيين في إسبانيا بكل وسيلة حتى ظهر في أوائل العام ~~التالي أن النصر في النهاية سوف يكون من نصيب (فرانكو) وجماعته، وأن الهزيمة السياسية - ولا ~~شك - سوف تكون من نصيب تلك الدول الديمقراطية التي التزمت سياسة «عدم التدخل». وعلاوة على ~~ذلك أفاد النازيون من توتر الموقف السياسي في أوروبا كل فائدة، فأقدم هتلر على غزو النمسا، ~~ثم ضمها إلى ألمانيا عنوة واقتدارا (في 11 مارس 1938)، وحول النازيون أنظارهم بعد ذلك ~~صوب جمهورية تشيكوسلوفاكيا، فأسفر اتفاق ميونخ (في 30 سبتمبر 1938) بين بريطانيا وفرنسا ~~وألمانيا وإيطاليا عن سلخ بلاد السوديت وضمها إلى ألمانيا. ومع أن الهر هتلر كان قد أكد ~~للمستر تشمبرلين أن السوديت آخر ما يطمع فيه من الأراضي الأوروبية، فإنه ما لبث حتى نقض ~~عهده في مارس من العام التالي، وضم مقاطعتي بوهيميا ومورافيا التشيكية في حكومة واحدة تحت ~~الحماية الألمانية واحتل سلوفاكيا. وفي 22 مارس طلبت ألمانيا أرض «ميميل» من «ليتوانيا» ~~واستولت عليها. وفي أول سبتمبر اعتدت ألمانيا على بولندة، ثم قرر هتلر يوم الاعتداء عليها ~~أن يضم مدينة دانتزج الحرة إلى الريخ الثالث. # وكان الاعتداء على بولندة الشرارة التي أشعلت نار الحرب العالمية الثانية، ومع ذلك كفلت ~~وحشية الغزو الألماني إخضاع بولندة في وقت قصير، لا سيما وقد اضطرت الجيوش الروسية إلى ~~اختراق حدود بولندة الشرقية، حتى إذا كان آخر سبتمبر اقتسمت ألمانيا والروسيا البلاد ~~البولندية فيما بينهما، ثم استطاعت ألمانيا التفرغ للجبهة الغربية، فاكتسحت جحافلها في ms012 ربيع ~~1940 خمس دول مستقلة فاحتلت الدانمرك في أبريل، وأخضعت النرويج بين 9 أبريل و10 يونية، وغزت ~~في 10 مايو تلك الدول التي ظلت محايدة وهي بلجيكا وهولندة ولكسمبرج. وبعد تسليم الملك ~~ليوبولد البلجيكي حطم النازيون مقاومة الحلفاء، فسقطت باريس في أيديهم في 14 يونية ثم ~~احتلوا شطرا كبيرا من فرنسا - بما في ذلك شواطئها الشمالية والغربية - بمقتضى هدنة عقدت ~~مع فرنسا في 22 يونية. وفي أغسطس 1940 بدأت معركة بريطانيا. وفي سبتمبر تدفق الألمان على ~~رومانيا بموافقة حكومتها. وفي 19 نوفمبر اجتمع الملك البلغاري بوريس بالهر هتلر في ~~برختسجادن، فكان النظام الجديد موضع الأحاديث التي دارت بينهما، وأسفر هذا الاجتماع عن تدفق ~~جيوش النازيين على بلغاريا في فبراير 1941، حتى إذا كان يوم 2 مارس من العام نفسه، أعلن ~~«فيلوف # Filoff ~~» رئيس الوزارة البلغارية أن الحكومة ~~الألمانية طلبت إرسال جندها إلى بلغاريا متعهدة في الوقت نفسه بأن مهمة هؤلاء الجنود وقتية، ~~وأن الغرض من إرسالهم المحافظة على السلم في البلقان. بيد أنه لم يلبث أن اتضح في الشهر ~~التالي أن «السلم» المقصود إنما كان اتخاذ بلغاريا قاعدة للهجوم منها على يوغسلافيا ~~واليونان، وقد احتل النازيون هذه البلاد مع شركائهم الإيطاليين في أوائل أبريل. وفي مايو ~~احتل الألمان جزيرة كريت. وفي يونية 1941 بدأ الغزو الألماني لروسيا. ~~••• # تلك إذن كانت الحرب الخاطفة، وفيها انتصر الألمان على طول الخط كما شهدنا حتى نهاية عام ~~1941، ولكن هذه الانتصارات كانت ضئيلة القيمة في الواقع؛ إذ كان الألمان قد خسروا معركة ~~بريطانيا، وكان في استطاعة الإنجليز أن يحشدوا أكبر قواتهم الإمبراطورية أو يضموا إلى صفهم ~~الديمقراطية الأمريكية الكبرى؛ الولايات المتحدة، ثم غيرها من الشعوب الحرة في الشرق ~~والغرب؛ لمنازلة عدوهم في معركة حاسمة. # ومن جهة أخرى، صادف الألمان منذ البداية عدة صعوبات سببتها هذه الحرب الخاطفة، أهمها: أن ~~كثيرا من مراكز الانتاج الصناعي والزراعي ما لبث أن دمر أو تعطل بفعل الحرب، كما أن أسرات ~~عديدة سرعان ما صارت تفر أمام جحافل النازيين الزاحفة على ms013 بلادها، يطلب أفرادها مكانا ~~أمينا يلجئون إليه من شبح الموت الذي يطاردهم، وكان من هؤلاء الحيارى الفارين كثير من ~~الزراع والصناع الذين هم دعامة الإنتاج الاقتصادي في أوطانهم، وعدا هذا فقد فضل عديدون من ~~زعماء الصناعة في البلاد المهددة بالغزو والاحتلال مغادرة منشآتهم الصناعية والهجرة إلى ~~الدول المحايدة أو المتحالفة ضد ألمانيا، فنجم من ذلك كله أن حل الارتباك محل الجهد ~~«المنظم»، وتوقف الإنتاج أو كاد في البلدان المخربة المنهوبة، فماذا يصنع النازيون لتدارك ~~هذه الحال؟ # كان لا بد من إصلاح أداة الإنتاج الاقتصادي بأي ثمن لأمور واضحة جلية؛ فالحرب ما تزال ~~مستعرة الأوار، والتعبئة الكاملة تقتضي الانتفاع بكافة الموارد لمواصلة القتال، ناهيك ~~بالرغبة في إحراز النصر ضد بريطانيا، ولا يتسنى كل ذلك بغير استقرار تلك الشعوب المغلوبة ~~على أمرها واستكانتها إلى العمل المنتج في الحقل والمصنع. ولكن كيف يطمئن المغلوبون إلى ~~التعاون مع الغالبين إذا كان مجرد العيش في ذلة هو ما ينبغي عليهم أن يطمعوا فيه؟ لا بد إذن ~~من تخدير أعصابهم، ولا بد إذن من التمويه عليهم، وكان الحيارى الذين أصابتهم الهزيمة ونزلت ~~بهم الكوارث أشد الناس إقبالا على تصديق كل قول مموه وتعليل النفس بقرب انقشاع الغمة. وعرف ~~شيطان النازي هذا الضعف في الشعوب المقهورة، فراحت الدعاية تدق الطبول وتنفخ في الأبواق ~~مبشرة بأن شمس «النظام الجديد» سوف تبدد تلك الحلوكة المخيمة على الدول التي خضعت ~~لسلطانهم. # وما كان النازيون يقصدون من تخدير أعصاب المغلوبين استئناف النشاط الاقتصادي وتوفير أسباب ~~التعبئة الكاملة فحسب، بل إن كسب الوقت كان من أهم أهدافهم، حتى تتوطد دعائم ذلك النظام، ~~وحتى تمر فترة من الزمن تكفي لتغلغله في كيان أوروبا الاقتصادي والسياسي؛ لأن هذا التغلغل ~~من شأنه أن يرغم الشعوب المغلوبة على تعود هذا النوع الجديد من الحياة، فيكفل مرور الزمن ~~ورسوخ العادة إخماد المقاومة رويدا رويدا، ويضمن استسلام الشعوب إلى العيش في ظل السيطرة ~~النازية في النهاية، فإذا ما انقضى زمن طويل على سريان هذا النظام صار من المتعذر ms014 على ~~الديمقراطية حتى بعد انهزام الهتلريين وانقضاء دولتهم اجتثاث هذا النظام من أصوله ومحو أثره ~~من الوجود. # وكانت الدعوة إلى النظام الجديد وسيلة مؤاتية تتيح الفرصة باسم المساهمة مع ألمانيا ~~المنتصرة في تشييد صرح الحضارة الجديدة لأولئك النفعيين من الكويسلنجيين واللافاليين الذين ~~لا تخلو منهم أمة مقهورة، ولأولئك المغامرين المكبوتين من الكتاب وأشباه المفكرين الذين ~~إذا فشلوا في حياة الفكر الحر الطليق وازور المجتمع عنهم وأهمل أمرهم تلمسوا في فلسفة ~~«النظام الجديد» ينبوعا جديدا ينهلون منه - كأنما قد تفتقت أذهانهم هم وحدهم حتى فهموا ما ~~استغلق على غيرهم - ثم انقلبوا يكيدون لأبناء أوطانهم انتقاما لما توهموه غمطا لمواهبهم ~~وازدراء لثمرات قرائحهم. # وعلى ضوء الاعتبارات السابقة نستطيع أن ندرك لماذا لم تعمل النازية على الدعاية للنظام ~~الجديد في بداية العراك، ولماذا لم يكن النظام الجديد نفسه من أهداف الحرب، فلم يسمع به أحد ~~إلا بعد انهيار فرنسا وإخفاق الألمان في معركة بريطانيا. وعلى ذلك فقد بدأت الدعوة لهذا ~~النظام وئيدة وانية في شهري يولية وأغسطس من عام 1940، ولم تبلغ ذروتها إلا في أغسطس ~~وسبتمبر، وكان الغرض منها إقناع الشعوب المهزومة بأن النازيين إنما يريدون إعادة تنظيم ~~الحياة الأوروبية في عالم مثالي جديد، وأن بريطانيا هي العقبة الكأداء التي يحول عنادها ~~وإصرارها على المقاومة دون تحقيق هذا النظام، وأنه لا سبيل إلى تشييد صرح هذه الحاضرة ~~المثالية إلا بالتعاون مع النازيين؛ حتى يمكن أن توضع أسس ذلك البنيان السياسي والاقتصادي ~~والاجتماعي الذي يريدونه للعالم، وأن من شروط النجاح في هذا العمل الباهر أن يتم التضامن ~~الوثيق مع ألمانيا من أجل مكافحة الإنجليز وإرغام بريطانيا العظمى على التعاون مع النازيين ~~وأحلافهم في إقامة هذا النظام والاعتراف بمزاياه، وإنها لكثيرة. # الفصل الثاني # | النظام الجديد # وهنا يصح للقارئ يسأل: وما أمر هذا النظام الجديد؟ # ونحن إنما نستمد معلوماتنا عن هذا النظام من كتب النازيين ونشراتهم وصحفهم وما إلى ذلك، ~~وفي مقدمة هذه المصادر كتاب «كفاحي» للهر هتلر، ويعتبره النازيون ضروريا لتقريب ~~الاشتراكية الوطنية إلى أذهان ms015 الجماهير على الرغم من صعوبة أسلوبه وغموض معانيه، وكذلك ~~مؤلفات «ألفرد روزنبرج # Rosenberg ~~» رسول النازيين وفيلسوفهم ~~الأكبر، ومن بينها كتابه في عام 1922 عن مبادئ الحزب الاشتراكي وأهدافه، وكتابه المشهور في ~~عام 1930 عن «خرافة القرن العشرين». وقد أعد هذا الكتاب لطبقة المفكرين من «ذوي المواهب ~~العقلية» الذين توسم فيهم النازيون القدرة على إدراك ما يدق فهمه على الجماهير من خفايا هذه ~~الوطنية الاشتراكية. أما كتاب المطالعة أو القراءة الأولية فقد وضع لجماعة الشباب الهتلري. ~~ومن بين تلك المصادر كذلك كتاب «أرنست برجمان # Bergmann ~~» عن ~~«عقائد الدين الجرماني الخمس والعشرين»، وبحوث كل من «روبين # Dr. Ruppen ~~» و«هينكل # Hinkel ~~» و«إزوالد شبنجلر # Sieburg ~~» و«فردريك ~~سيبورج # Spengler ~~»، والأستاذ «أرنست هوير # Hauer ~~» ~~وغيرهم. وكذلك لا ينبغي أن يفوتنا أن نذكر برنامج الحزب النازي نفسه وقد وضع في عام ~~1920. # ويتضح مما يذكره جميع هؤلاء الكتاب أن «التعاليم النازية» ترتكز على حقيقة أساسية ~~واحدة، هي أن الحضارة الحالية يهودية في صميمها تنكر البطولة وترفض النضال والصراع من أجل ~~الحياة، فتحرم الإنسان لذلك من صفات النبل والشرف؛ ولذلك كانت هذه الحضارة التي يقوم عليها ~~النظام اليهودي العالمي في الوقت الحاضر ملوثة بجراثيم الانحلال، وينخر فيها الفساد ولا مفر ~~من تحطيمها في النهاية؛ حتى ينفسح الطريق لقيام نظام آخر معارض لهذا النظام اليهودي المادي. ~~وعلى أساس هذه المغالطة استند النازيون في رسم تلك القواعد التي شيدوا عليها صرح النظام ~~الجرماني الجديد في ألمانيا أولا ومن بعد ذلك في أوروبا. # وخلاصة هذه القواعد أنه كان للوطنية الاشتراكية فضل السبق في إدراك حقيقة العالم في وضعه ~~الصحيح؛ فهي لذلك صاحبة الحق وحدها في قيادة الحرب الصليبية - أي حرب الصليب المعقوف - من ~~أجل بعث الإنسانية وإحيائها وتغيير النظام القائم، على أن يتم ذلك البعث والتغيير على أيدي ~~جنس بشري كتبت له السيادة منذ الأزل على بقية شعوب العالم: الأمر الذي لا يتسنى حدوثه قط ~~دون أن يطبق ما أسماه النازيون «مبدأ الزعامة» أو «الزعامة المسئولة # Feuhrer Prinzip ~~» ومعناه أن تنقاد الحياة ms016 في الدولة لتنظيم عسكري دقيق ~~من شأنه تركيز السلطة في شخص زعيم مطلق التصرف يطيعه المجتمع طاعة عمياء، ويكون وحده ~~المسئول عن هذا المجتمع، ويفسر ذلك «فردريك سيبورج» في قوله: «إن الجرماني يتميز فقط بمقدار ~~الخدمة التي يؤديها للدولة، فلا ينبغي أن يوجد بألمانيا مجرد أفراد عاديين من البشر، وإنما ~~المطلوب هو وجود جرمانيين يفنون أنفسهم في تأدية هذه الخدمة والدولة التي من هذا النوع تعرف ~~باسم دولة الزعامة # Feuhrerstaat # وشعارها «أمة واحدة، ودولة ~~واحدة وزعيم واحد».» # ولذلك لم يلبث زعيم الوطنية الاشتراكية «أدولف هتلر» أن نال بفضل مبدأ الزعامة المسئولة، ~~حقا مقدسا يتحتم بمقتضاه على كل جرماني أن يدين له بالطاعة العمياء وينفذ إرادته دون ~~مناقشة، وقد وضح ذلك «هانز فرانك # Hans Frank ~~» وكان من ~~فطاحل القانونيين النازيين - عندما قال في خطبة له في أكتوبر 1935: # إن الاعتراف بقدسية القوانين التي يوقع عليها أدولف هتلر باسمه لهو أعظم واجباتنا ~~إطلاقا؛ لأنها مستلهمة من روح الأمة الجرمانية؛ ذلك أن الله وحده أعطاه السلطة، ~~فهو لذلك الرسول الذي أرسله الإله ليذود عن حقوق الجرمان في العالم. # بل لقد تطرف النازيون في هذا الخلط؛ إذ أكد «فابريكوس # Fabricus ~~» أن الزعيم هتلر إنما ينتمي إلى «أولئك الذين ينفذون إرادة الله ~~ويحققون حياة السيد المسيح في هذه الحياة الدنيا على نحو منقطع النظير». # ومن أسس التعاليم النازية كذلك أن الجرمان هم سادة الجنس البشري وهم أولئك الذين قدر لهم ~~من الأزل أن يؤلفوا الطبقة الحاكمة في العالم، ويعتمد النازيون في ذلك على أن الشعب ~~الجرماني أرقى الأجناس البشرية وأنقاها قاطبة، ورغبة في تدعيم هذه السيطرة العالمية ابتدع ~~النازيون ما أسموه «نظرية الدم»، وبمقتضاها وزعت أجناس البشر طبقات ومنازل؛ فوضعوا في ~~الطبقة العليا الجرمان أهل الريخ الألماني # Reichdeustche ~~، ~~ويليهم في نفس الطبقة العليا الجرمان الذين لا يعيشون في الريخ ويعرفون باسم «الأقرباء # Volksgenosse ~~» أو # Volksdeutsche ~~. ويأتي بعد هؤلاء النورديون الخلص (أمثال ~~الدانمركيين والنرويجيين والسويديين)، ثم النرلنديون والنورمانديون، ثم الأنجلو سكسون ~~وغيرهم من «الأقرباء» التيوتون. أما الطبقة ms017 السفلى فقد وضعوا فيها الزنوج، ثم وزعوا فيما ~~بين هاتين الطبقتين - العليا والسفلى - بقية الأجناس الأخرى بالترتيب التالي: الطورانيون، ~~ومنهم الأتراك والهنغار، ثم المغول، ومنهم الفن والبلغار، ثم الأجناس الخليطة مثل ~~الرومانيين، ثم السلاف، ثم اليهود، ثم شبه الزنوج. # ومما تجدر ملاحظته أن النازيين أخرجوا من هذا التقسيم الكلت واللاتين، على أن يجري اختيار ~~الطبقة التي يليق في نظر النازيين وضعهم فيها حسب الظروف ومقتضيات الأحوال، مسترشدين في ~~إجراء هذا الاختيار بأمور ثلاثة: هي وثوق الصلة والقرابة التي تربط بين هذين الجنسين ~~والأجناس التي تتألف منها الطبقة العليا، ثم درجة نقاوة الدم، وأخيرا مقدار استعداد هذين ~~الجنسين لممارسة شئون الحكم. # وعدا هذا أنكر النازيون أن آسيا والشرق الأوسط وحوض البحر الأبيض كانت جميعها مهد ~~الحضارة، بل ادعوا أن أقدم ثقافات العالم إنما ظهرت في البقاع النوردية - أي في طرف بحر ~~البلطيق الغربي - ولذلك سهل عليهم الادعاء بأن عبقرية الجنس الجرماني ونشاطه أو حيويته هما ~~وحدهما اللذان أخرجا إلى الوجود كل ما كان ذا قيمة في عالم الفن والعلم والصناعة. وفضلا عن ~~ذلك سوغ النازيون فكرة السيطرة الجرمانية بادعائهم أن الجرمان من الناحية البيولوجية ~~الصرفة أصلح الأجناس قاطبة للنضال من أجل البقاء، ومن شأن هذه الصلاحية ذاتها أن تمكنهم في ~~النهاية من السيطرة على العالم أجمع، فالأقدار وحدها إذن هي التي اختارت الجنس الجرماني ~~لهذه السيطرة. # وقد ترتب على القول بوقوع الاختيار على الجرمان منذ الأزل لممارسة هذه السيطرة العالمية ~~أن أصبح من الواجب على الجرمانيين ألا يعترفوا بغير قانون واحد، هو ذلك القانون الجرماني ~~الذي يخول هذا الجنس المختار أن يفعل كل ما يحقق في النهاية دعم السيطرة الجرمانية ~~العالمية، مهما كانت هذه الفعال مخالفة للقواعد الخلقية والأحكام القانونية المعروفة، بل ~~رفض الجرمان أن يعترفوا بهذه القواعد والأحكام بدعوى أنها من مخلفات الحضارتين الرومانية ~~والمسيحية، وكل منهما في نظر النازيين حضارة منحلة تمسكت بها أجناس وضيعة ولا يمكن أن ~~يسترشد بمبادئها الجنس الجرماني الرفيع الشأن، سواء أكان ذلك في حياته ms018 الداخلية أو في ~~علاقاته الخارجية مع الدول وسائر الأمم. وإلى جانب هذا، اعتبر النازيون أن الغرض من كل نشاط ~~خارجي إنما هو تعزيز الكيان الجرماني الداخلي، حتى يستطيع الريخ أن يبذل بفضل القوة التي ~~يكسبها نشاطا خارجيا جديدا لا تلبث ثمرة نجاحه أن تندمج في الكيان الجرماني الداخلي، ~~فيبذل الريخ بفضل ذلك نشاطا خارجيا أقوى، وهكذا يستمر هذا النشاط قويا مجددا حتى يتم ~~للجنس الجرماني «المبجل» إحراز السيطرة على العالم، أي إن التنظيم الداخلي في نظر النازيين ~~كان حجر الأساس في بنيان «دولة الزعامة»، والأداة التي لا غنى عنها لتحقيق السيطرة ~~الجرمانية العالمية. # وقد استرشد النازيون في هذا التنظيم الداخلي بقواعد مرسومة أهمها ضرورة استخدام جميع ~~القوى البشرية والمادية الموجودة في الدولة واستغلالها إلى أقصى حدود الاستغلال؛ وذلك ~~لتهيئة أداة الحرب والقتال التي تمكن الجرمان من الاستيلاء على الأرض التي يدعي النازيون ~~أن من حقهم أن يملكوها، ثم توطيد مركزهم كأسياد مسيطرين على هذا العالم. وكان معنى ذلك أن ~~يعبئ النازيون جميع الأيدي العاملة ثم أدوات الصناعة والزراعة وسائر وسائل الإنتاج في ~~الدولة، وهو عمل شاق جسيم ما كان يستطيع النازيون أن يقدموا عليه دون الالتجاء إلى الحيلة ~~والدهاء تارة والقسوة الصارمة والغدر تارة أخرى؛ حتى يزيلوا ما يوجد من عقبات داخلية قد ~~تحول دون تنفيذه. # وعلى ذلك فقد اصطنع النازيون الاعتدال في أول الأمر مع مخالفيهم من المواطنين الذين لم ~~ينضووا تحت لواء الوطنية الاشتراكية، وأفاد النازيون من هذا الاعتدال المصطنع؛ لأنهم كما - ~~سبق القول - لم يكونوا بالأغلبية التي تستطيع الانفراد بالحكم عند وصولها إليه، كما ~~استطاعوا عن طريقه تسخير جميع الأيدي العاملة والانتفاع بموارد الثروة التي كان يملكها رجال ~~الصناعة والمال، ولم يكن هؤلاء قد أدركوا بعد جسامة الخطر الذي يتهددهم، وكان غرض النازيين ~~من تسخير هذه القوى إعداد آلة الحرب اللازمة لتنفيذ برنامجهم. # وفي سبيل تهيئة وسائل الحرب استرشد النازيون في إدارة شئون الدولة بمبدأ الاكتفاء الذاتي ~~أو الأوتاركية الاقتصادية # Economic Autarchy # حتى تستطيع ~~الدولة في وقت ms019 الحرب مقاومة الحصر البحري إذا استلزمت ذلك خطة الدفاع؛ وحتى تجد من المواد ~~الداخلية المستمدة من إنتاج الأرض ما يكفيها إذا اتخذت خطة الهجوم. أضف إلى هذا أن ~~الأوتاركية الاقتصادية من شأنها إيجاد «الموازنة» بين العوامل الداخلة في تكوين الدولة ~~الاقتصادي، فلا تصبح الدولة صناعية صرفة أو زراعية صرفة. وقد عارض النازيون في أن تظل دولة ~~الريخ صناعية صرفة؛ لأن النازية نظرت دائما إلى الزراعة كعمل حيوي لتربية العقل السليم في ~~الجسم السليم، وهي تربية ضرورية لإنشاء ذلك الجنس وتلك الطبقة من السادة الجرمان الذين كان ~~من حقهم ممارسة شئون الحكم والسيطرة على العالم دائما. # على أنه مما تجدر ملاحظته أن العمل بمبدأ الاكتفاء الذاتي يحرم على النازيين إنشاء الصلات ~~التجارية مع العالم الخارجي؛ وبخاصة لأنهم كانوا يخشون أن تؤدي هذه الصلات إلى ضياع ذلك ~~الخلق الجرماني «الرفيع» الذي يميزهم من غيرهم كأمة. ومع ذلك أجاز النازيون التجارة، ومع ~~العالم الخارجي في حالات معينة، أهمها: أن تكون هذه التجارة وسيلة يتمكن النازيون بفضلها من ~~تجهيز أداة الحرب وإعدادها بكل سرعة، ثم تحقيق «الاكتفاء الذاتي» نفسه، وذلك إما بافتتاح ~~الأقاليم الغنية بالموارد الطبيعية التي كانت تنقصهم، وإما بتهيئة الوسائل لإنتاج ما يمكن ~~أن يستعيضوا به عن تلك الأشياء التي لم توجد في داخل دولتهم، وهذا فضلا عن جلب الكماليات ~~التي قد يطلبها الشعب لمجرد الترفيه عن نفسه كالبن مثلا. ثم أجاز النازيون الاتجار مع ~~الأمم الأخرى إذا نجم من ذلك ربح لهم أو توقعوا إصابة هدف سياسي معين من وراء هذه ~~التجارة. # وكان من قواعد التنظيم الداخلي كذلك أن توجد الدولة مجتمعا من أفراد متجانسين في ~~تركيبهم الجثماني والعقلي، وتعمل للمحافظة على كيانه وضمان رقيه؛ وذلك حتى تحقق غرضا أسمى ~~بفضل إشرافها على التربية والتعليم؛ هو تنشئة أجيال جديدة من الشباب القادرين على حمل ~~السلاح وبذل النفس في سبيل تأدية الرسالة الجرمانية على خير وجوهها، وحرص النازيون لذلك على ~~أن ينشئوا شبابهم تنشئة صارمة؛ حتى يصبحوا قساة غلاظ الأكباد لا يعرفون ms020 شفقة ولا رحمة، ~~وأصحاب عجرفة وعنجهية وكبرياء لا تلين قلوبهم الصلدة لعاطفة حب أو صداقة، بل إن النازيين ~~كانوا يشترطون الالتحام في المعارك الدموية كآخر مرحلة من مراحل التعليم والتربية لتنشئة ~~أولئك الرجال الأفذاذ # Supermen # الذين تتألف منهم طبقة ~~الأسياد المعدة للحكم والسيطرة. وكانت الأعمال اليدوية الوضيعة من نصيب تلك الشعوب ~~المسخرة المغلوبة على أمرها. # ومع أنه كان من واجب الدولة - على حد قول النازيين - المحافظة على كيان المجتمع وضمان ~~رقيه، فقد كان من رأيهم أن على الدولة أن تضحي بهذا الواجب المزدوج إذا دعت الحاجة الملحة ~~إلى انصرافها بدلا من تحقيق هذه الغابات إلى امتلاك تلك الأراضي التي كان من حق الجنس ~~الجرماني أن يمتلكها في سبيل الوصول إلى السيطرة العالمية. ~~••• # هذه إذن كانت أهم القواعد التي بنى عليها النازيون صرح النظام الجديد في أوروبا؛ ومن ~~الواضح أنهم كانوا يعتبرون الجنس الجرماني أرقى أجناس البشر إطلاقا وأنقاها دما، ومن حقه ~~بفضل هذه الرفعة ونقاوة الدم أن يتمتع بالسيطرة على العالم، ولا بد للوصول إلى هذه السيطرة ~~من تسخير سواد الأمة الألمانية لخدمة طبقة السادة الممتازين أصحاب الحكم في الدولة، ثم ~~تسخير سواد الشعوب الأوروبية وشعوب العالم جميعها لخدمة الجنس الجرماني. وكانت دعامة هذا ~~النظام الجديد ومساك حياته «الزعامة المسئولة»، أي تلك الزعامة التي كانت مسئولة في داخل ~~الريخ عن الشعب الألماني، وفي خارج الريخ عن بقية شعوب العالم في النهاية، وهي زعامة تقوم ~~على أساس الطاعة العمياء لشخص الزعيم في جميع التنظيمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ~~في الريخ وفي أوروبا وفي العالم. وأما رسالة الجنس الجرماني فكانت لا تقتصر على تقويض أركان ~~الحضارة الرومانية المسيحية في أوروبا، بل تريد أن تفرض على الإنسانية نوعا جديدا من ~~الحضارة التي عرفوها باسم حضارة الصليب المعقوف أو حضارة الأرض والدم، الأرض التي تخلق ~~العقول السليمة في الأجسام السليمة، والدم الذي يخول الجنس الجرماني حق السيطرة ~~العالمية. ~~••• # وكان النازيون يعتقدون أنه لا معدى لهم عن إخضاع القارة الأوروبية لسيطرتهم الجرمانية؛ ~~حتى يتسنى لهم إحراز ms021 السيطرة العالمية. واستندوا في ضرورة امتلاك القارة إلى أنه كما تحتم ~~عليهم أن يقيموا في داخل ألمانيا كتلة صلدة متماسكة قوية تمكن الريخ من احتلال ذلك المركز ~~المعد له في أوروبا، فإنه تحتم عليهم كذلك أن يضموا إلى هذا الريخ أرضا شاسعة في القارة ~~الأوروبية ذاتها؛ حتى يؤلفوا من هذه الممتلكات كتلة أخرى صلدة متماسكة تمكن الجرمانية من ~~فرض سيطرتها التامة على سائر أنحاء العالم؛ لأن النازيين كانوا يعتبرون أوروبا مركز العالم ~~أو المحور الذي يشد إليه ويجذب حوله أقاليم الأرض وبلدانها بفضل الروابط التاريخية ~~والثقافية والاقتصادية والصناعية والعسكرية التي ربطت بين أوروبا وكل أقطار العالم. # ولذلك فكر فلاسفة النازيين وجهابذتهم تفكيرا طويلا عميقا في الطرق والوسائل التي يجب ~~أن يتبعوها من أجل «جرمنة» القارة الأوروبية، وأسفر هذا التفكير الطويل العميق عن نظرية ~~عرجاء مشوهة هي نظرية «الحكم بحق الدم»، وهي تكمل في الحقيقة نظرية «الزعامة المسئولة»، ~~ومعناها أن تكون السيطرة الحكومية في جميع البلدان المفتتحة والتي خضعت لقواعد النظام ~~الجديد من نصيب الجنس الجرماني وحده؛ فيباشر أبناؤه شئون الحكم بها ويحرم أهلها في الوقت ~~نفسه من ضمانات القانون الألماني والأنظمة الألمانية التي وضعت لصون نقاوة الدم والشرف ~~الألماني، وكان ذلك منشأ الصلة بين هذه النظرية ونظرية الدم السابقة. بيد أنه مما تجدر ~~الإشارة إليه أن السادة النازيين ما كانوا يقصدون في يوم من الأيام تطهير أو تنقية دماء تلك ~~الأجناس الوضيعة غير الجرمانية؛ لأنهم امتنعوا عن إدماجها في الجنس الجرماني ~~«المبجل». # وعلى ذلك فقد سلك النازيون عند محاولة «جرمنة» أوروبا طريقين: فقد ميزوا بين المناطق ~~التي يقطن بها جرمانيون أنقياء الدم - وما زالت واقعة خارج حدود دولة الريخ الثالث وقتذاك - ~~والمناطق التي تقطن بها شعوب غير جرمانية؛ فسموا الأولى «المناطق المفقودة»؛ أي تلك التي ~~خسرها الجرمان في العصور السابقة وبات من واجبهم أن يعيدوها إلى أحضان الجرمانية ويدمجوها ~~في الريخ الألماني بشريطة أن يجري ذلك من غير إعداد أو تهيئة سابقة، فتسري عليها القوانين ~~الألمانية مباشرة وتخضع بمجرد هذا ms022 الاندماج لجميع الأنظمة النازية. وأما عند جرمنة المناطق ~~الأخرى فقد وجدوا من الضروري إجراء إعداد وتهيئة سابقة قبل إدماج هذه المناطق في الريخ ~~الألماني نهائيا. واتبع النازيون في ذلك عملية ذات شبه كبير بما يعرف بنظام الدوائر ذات ~~المركز الواحد. وتفسير ذلك أن النازيين كانوا يبدءون باعتبار الريخ مركزا لدائرة أولى يضم ~~محيطها عدة أقاليم تقطن بها أجناس غير جرمانية، فصاروا يعملون لإعداد وتهيئة هذه الأقاليم ~~الواقعة في داخل محيط الدائرة حتى إذا ما فرغوا من ذلك أدمجوها في مركز الدائرة وهو الريخ ~~الألماني واستطاعوا بفضل ذلك أن يؤلفوا من الريخ والأقاليم المندمجة فيه مركزا ثانيا ~~لدائرة أخرى جديدة أجروا بداخلها نفس العملية، وهكذا دواليك حتى يتمكنوا من «جرمنة» شطر من ~~القارة الأوروبية قبل أن تنزل بساحتهم الهزيمة. # وكان الأسلوب الذي اتبعه النازيون في تهيئة وإعداد الأقاليم التي أرادوا إدماجها في الريخ ~~الألماني سهلا، قوامه ضمان سيادة الجنس الجرماني أولا، ثم ربط هذه الأقاليم بالريخ ~~الألماني ربطا وثيقا من الناحية الاقتصادية على أساس أن يكون الغنم كله في نصيب الألمان ~~والغرم كله واقعا على الأهلين الذين صاروا يسخرون في خدمة الريخ. وفضلا عن ذلك فإن ~~النازيين ما كانوا يتورعون عن استخدام جميع الحيل والطرق الشيطانية لإبادة العناصر الأجنبية ~~في الأقاليم التي أرادوا إعدادها قبل إدماجها في الريخ. فكان من وسائلهم تلك الهجرة ~~الاختيارية التي أسفرت عن «إرغام» اليهود على مغادرة ألمانيا، ثم اقتلاع أسرات بأكملها من ~~مواطنها بقضها وقضيضها للعيش والعمل في مناطق غريبة بعيدة، كما فعلوا مع التشيك واليهود في ~~بقية أوروبا، ثم إقفار البلاد من أهلها وسكانها، وذلك بمنع النسل إما بالتفرقة بين الزوج ~~وزوجه على غرار ما فعلوا مع البولنديين عندما نقلوهم للعمل الإنتاجي في الريخ، وإما بتعقيم ~~الأفراد تعقيما إجباريا، أو العمل بنصيحة فلاسفة النازيين أمثال «بانز # Banse ~~» و«جونثر # Geunther ~~» ~~وغيرهما ممن أشاروا باستخدام الطرق العلمية لتقليل العناصر الأجنبية أو إبادتها، وكان غرضهم ~~من ذلك التخلص من البولنديين وإفناءهم، ومن هذه الطرق قتل المرضى وذوي العاهات ms023 بدعوى ~~الإشفاق عليهم من أن تستبد بهم الآلام على نحو ما فعلت ألمانيا مع الأشرار والمعتوهين ~~والمرضى الميئوس من شفائهم وغير المرغوب في وجودهم عموما. واستطاع النازيون أن يقتلوا ~~حوالي مائة ألف شخص في داخل الريخ نفسه في مدة عامين «1939-1940»، وتولى هذا العمل الرهيب ~~رجال الجستابو، فاختاروا مراكز هذه المجزرة في البلدان الثلاثة الآتية: «جرافنيك # Grafeneck ~~» بالقرب من «شتوتجارت»، «هارثيم # Hartheim ~~»، و«بيرنا Pirna ~~» ~~بالقرب من درسدن. # وكان من أثر هذه الأساليب الجهنمية أن انتشرت «موجات الانتحار» التي ذهب ضحيتها كثيرون في ~~بلدان أوروبا المقهورة، من ذلك ما جاء في جريدة «لونوفوطان» البارسية في عدد 16 يناير 1941 ~~أن حوالي نصف سكان بلدة «أبفيل # Abbeville ~~» القريبة من ساحل ~~القنال الإنجليزي لقوا حتفهم في موجة انتحارية غريبة جعلت هؤلاء المنكوبين يلقون بأنفسهم ~~في نهر «السوم»، أو يختفون من عالم الوجود دون أن يتركوا أثرا وراءهم، وقد اتضح بالكشف ~~الطبي على بعض الجثث التي أمكن العثور عليها في النهر أن الوفاة إنما حدثت جراء ضربات شديدة ~~على الرأس بآلة ثقيلة، أي إن الوفاة لم تكن بسبب الغرق. ~~••• # وقد كسب الألمان الجولة الأولى من معركة السيطرة على أوروبا، وفي أثناء الأعوام الثلاثة ~~الأولى من انتصارهم ظهر كأنما قد توطدت أركان قلعتهم الأوروبية نهائيا، فمضوا يطبقون ~~النظام الجديد في البلدان التي افتتحوها واحتواها الريخ الثالث ضمن حدوده. # وظهر عند تطبيق النازيين هذا النظام الجديد أنه كان يشتمل على ناحيتين: إحداهما سياسية، ~~والأخرى اقتصادية، يتممان بعضهما بعضا، وهدفهما المشترك فرض السيطرة الجرمانية على القارة ~~الأوروبية، مستندين إلى ذلك التراث التاريخي القديم الذي انحدر إليهم من دولة الجرمان ~~العنيدة ذات السيطرة على أوروبا في العصور الوسطى. وعلى ذلك فقد ارتكزت الفكرة الرئيسية ~~التي قامت عليها «جرمنة» أوروبا على جوهر التنظيم الأوروبي في تلك العصور؛ فقد أنكر ~~النازيون أن العالم الأوروبي استطاع خلال القرون العشرة الماضية أن يقطع شوطا بعيدا في ~~تكوينه الاقتصادي والسياسي حتى ظهرت تلك الدول التي جمعها إطار الخريطة الأوروبية في عام ~~1939، وهي الدول ms024 التي بنت وجودها في الحقيقة على قيام «الدولة الوطنية» منذ أن أخذ في ~~التصدع كيان العصور الوسطى السياسي والاقتصادي والاجتماعي في عصر النهضة الأوروبية الحديثة، ~~وعلى وجه الخصوص منذ بزغت شمس القرن السادس عشر. فمن أقوال «ألفريد روزنبرج» المشهورة: ~~«كانت الدولة الوطنية المثل الأعلى الذي أرادت أن تحققه الثورة الفرنسية، أما الثورة ~~الوطنية الاشتراكية العظيمة (أي الثورة النازية) فقد تمخضت عن مولود جديد، هو الإمبراطورية ~~الجنسية ... ولذلك ينبغي أن تزول الدولة الوطنية من الوجود أو تتحول إلى إمبراطورية قوامها ~~الجنس وحده.» # ولما كان النازيون ينقمون على الحضارة الأوروبية أنها يهودية مادية ويريدون إزالتها، فقد ~~سهل على الدعاية النازية كخطوة تمهيدية، وفي سبيل الدعوة إلى السيطرة الجرمانية أن تمجد ~~تراث العصور الوسطى على اعتبار أن الحضارة في تلك العصور بلغت أوجها في الفترة التي ظهر ~~الجرمان فيها قوام الإمبراطورية الرومانية المقدسة. فذكرت إحدى صحفهم # Deutsche Allegemeine Zeitung # في عدد 27 يناير 1941: # لا نجد - نحن الألمان - ما يخجلنا من العصور الوسطى، بل على العكس من ذلك كانت ~~تلك العصور فترة من الزمن تثير الإعجاب وتدعو حقا إلى الفخر بها؛ لأنها أنتجت ~~نوعا من الحضارة أو الثقافة الممتازة، وهذا على الرغم من ذيوع بعض الآراء الطريفة ~~التي نجح الإنجليز في الإيحاء بها إلى الأمريكيين عن هذه العصور، حتى انطبعت في ~~أذهان هؤلاء كأنها حقائق ثابتة. # وقبل ذلك ببضعة أعوام ذكر «ملر فان در ~~بروك # Moeller Van Der Bruck ~~» في كتابه الذي ظهر عن ألمانيا وإمبراطوريتها الثالثة، في عام 1934: # نحن لا نفكر في أوروبا القائمة اليوم؛ لأنها حقيرة وتافهة، ولكنا نفكر في تلك ~~التي قامت بالأمس، والتي سوف تقوم في الغد بفضل ما يمكن انتشاله وإنقاذه منها! نحن ~~نفكر في ألمانيا الخالدة على ممر الأيام والدهور! في ألمانيا القديمة! أي تلك التي ~~مضى ألفان من الأعوام على ظهورها. # وقبل ذلك أيضا ذكر الأستاذ «بانز # Banse ~~» في كتابه عن ~~«المجال والأمة في عالم الحرب»: # إن من واجب النهضة الجرمانية أولا أن تعمل على بعث الروح ms025 الجرمانية من الأعماق ~~ثقافيا وسياسيا، على أن يكون من غرضها جعل التفكير والحديث والنشاط «أو العمل» ~~جرمانيا خالصا في الأرض الجرمانية، ومن واجبها ثانيا أن تجعل الأرض التي تقطن ~~بها شعوب جرمانية داخلة بأملاكها ضمن حدود دولة موحدة قوية لا يمكن بأي حال من ~~الأحوال أن تكون الدولة الألمانية المعروفة بحدودها المرسومة في عام 1914. # وفي الواقع أراد النازيون إعادة الخريطة الأوروبية إلى ما كانت عليه بين عامي 918-1268 ~~ميلادية، أي من وقت قيام أسرة سكسونيا إلى سقوط آل هوهنشتاوفن، فنشروا في كتاب المطالعة ~~الأولية للشبيبة الهتلرية خريطة بعنوان «الجرمان يحققون وحدة أوروبا»، وهي خريطة ~~الإمبراطورية الرومانية المقدسة حوالي عام 1000 ميلادية، أي بحدودها الممتدة من جنوبي مملكة ~~الدانمرك في الشمال إلى أعلى الحذاء الإيطالي في الجنوب، وتقع في داخل حدود هذه ~~الإمبراطورية الجرمانية كل من دوقية بوهيميا ومارك «أو عواصم» مورافيا والنمسا ودوقية ~~كارينثيا وفريزلند ودوقية اللورين، وكل هذه كانت تقطن بها شعوب جرمانية. وفي شرقي هذه ~~الحدود رسم النازيون دوقية بولندة ثم مملكة هنغاريا. وفي الغرب رسموا مملكة برجنديا. وقد ~~أظهر النازيون في هذه الخريطة مملكة الدانمرك ودرقية بولندة ومملكة هنغاريا ومملكة برجنديا ~~كدويلات أو إمارات تدين بالتبعية والطاعة للإمبراطورية الرومانية المقدسة. # هذه إذن كانت الخريطة التي أراد النازيون أن يرسموها للمجتمع الأوروبي الحديث؛ لإحياء ~~المجد القديم على حد قولهم؛ أو لتحقيق سيطرة السادة الجرمان على أوروبا. وفي السنوات الثلاث ~~الأولى استطاع النازيون إدراك ما أرادوا إلى حد كبير، ذلك بأنهم أدمجوا في الريخ الثالث كل ~~المناطق الجرمانية مثل النمسا «التي سميت بالعواصم ~~الشرقية # Ostmark ~~»، والسوديت ودانتزج والممر البولندي، وأقاموا من دانتزج والممر ~~البولندي ما أسموه الأقليم أو المقاطعة الشرقية # Ostgebiet ~~، ~~وأسموه كذلك إقليم الملاحظة أو المراقبة # Warthegau ~~، وعينوا ~~عليه حاكما هو «زعيم الإقليم # Gauleiter ~~»، ثم أدمج ~~النازيون أرض «أوبين ومالميدي # Oupen et Malmédy ~~»، وكانت ~~هذه مقاطعة بلجيكية منذ عام 1919، ثم اللورين على أن تكون جزءا من مقاطعة ألمانية أسموها ~~العواصم الغربية # Westmark ~~. وفضلا عن ذلك عمد النازيون ~~إلى ms026 تهيئة كل من لكسمبرج والإلزاس وشلزويج-هولشتين الدانمركية لإدماجها جميعا في الريخ ~~الألماني، واتخذوا من التدابير ما يكفل ذلك، فأبعدوا العناصر الأجنبية القاطنة بها كاليهود ~~أو الفرنسيين أو البولنديين، ثم جعلوا «الريخمارك» العملة المتداولة قانونا في هذه ~~الأقاليم وأدخلوا لكسمبرج والإلزاس واللورين ضمن سياج ألمانيا الجمركي. وقد مر بنا كيف ~~جزأ النازيون تشيكوسلفاكيا وأنشئوا من بوهيميا ومورافيا حكومة واحدة وضعوها تحت الحماية ~~الألمانية. على أن هذه «الحماية» ما لبثت أن أدمجت في الريخ الثالث ابتداء من أول أكتوبر ~~1940. # وكان من أثر الهدنة التي وقعها الألمان مع الفرنسيين في غابة «كوومبين # Compiègne ~~» في 22 يونية 1940 أن رسمت خريطة فرنسا على نحو ~~أسفر عن اقتطاع جميع الأرضين التي كانت تقطن بها شعوب جرمانية حوالي عام 900 ميلادية، ثم ~~انضمام هذه الأراضي من الناحية العملية إلى ألمانيا. فقد استرشدد النازيون باعتبارات عسكرية ~~واقتصادية معينة عندما احتلوا أقاليم السواحل الفرنسية المطلة على القنال الإنجليزي والمحيط ~~الأطلنطي، ولكن هذه الاعتبارات وحدها لا تفسر سبب استيلائهم على شمبانيا وبرجنديا وإقليم ~~جبال الجورا الصخرية. ومن السهل معرفة السبب الذي دعاهم إلى احتلال هذه الأقاليم إذا روجعت ~~خريطة «شعوب أوروبا حوالي سنة 900م»، وهي خريطة رسمها «شبرد # W. R. Shepherd ~~» في أطلسه التاريخي المعروف؛ إذ يتضح من هذه الخريطة أن النازيين ~~إنما اقتطعوا من فرنسا جميع الأقاليم التي كانت تسكنها شعوب جرمانية حوالي القرن التاسع ~~الميلادي. # ولم يقف النازيون عند ذلك بل إنهم جزءوا يوغسلافيا؛ فأنشئوا «دولة كرواتيا الجديدة # Croatia ~~» في مايو 1941، ورسموا لها نفس الحدود ~~التي كانت لمملكة كرواتيا القديمة حوالي عام 1000 ميلادية، ثم أدمجوا في الريخ أجزاء ~~يوغسلافيا الأخرى التي كانت تابعة للمملكة الجرمانية أو الإمبراطورية الرومانية المقدسة في ~~ذلك الحين، وهي «كرنيولا # Carniola # وسلوفينيا». # أما بولندة التي كانت في القرن العاشر الميلادي تدفع الجزية للإمبراطورية الرومانية ~~المقدسة - أي للأمة الجرمانية - فقد أراد النازيون أن يقيموا بها «حكومة» على غرار دوقية ~~بولندة القديمة، ولم يكن يقطن بها جرمانيون؛ ولذلك فإنه بمجرد إخضاعها واقتطاع تلك الأراضي ms027 ~~التي اقتسمتها فيما بينها كل من ألمانيا والروسيا وسلوفاكيا، أنشأ الريخ مما تبقى من أرضها ~~الحكومة العامة لبولندة # Le Gouvernement Général ~~، وعين ~~«هانز فرانك # Hanz Frank ~~» حاكما عليها ويعد من فطاحل ~~رجال القانون النازيين، وكان يشغل وقتذاك منصب وزير العدل في الريخ الألماني. ولما كان ~~معروفا أن نظرية نقاوة الجنس الجرماني تمنع النازيين من محاولة «جرمنة» العناصر الأجنبية؛ ~~فقد أصبح من المتوقع أن تظل هذه «الحكومة العامة» بمثابة دولة بولندية يقطن بها إلى جانب ~~البولنديين أولئك اليهود الذين طردهم الألمان من البلاد التي استحوذوا عليها، وخصص النازيون ~~لإقامة اليهود مساحة معيشة عند لوبلين # Lublin # قرب الطرف ~~الجنوبي الشرقي لهذه «الحكومة العامة»، واهتم النازيون بتوثيق الروابط الاقتصادية بين هذه ~~«الحكومة العامة» وألمانيا على أساس استغلال مرافق البلاد لفائدة الريخ وتسخير أهلها في ~~خدمته. غير أن سرعان ما حدث في 15 أغسطس 1940 أن أفصح «هانز فرانك» عن نوايا الريخ الجديدة ~~عندما قال: «نحن نقيم الآن في هذه البلاد وكجرمانيين لن نغادرها أبدا؛ ولذلك فإنا سوف ~~نعامل هذه البلاد في المستقبل كجزء لا يتجزأ من ألمانيا الكبرى، لا غنى عنه لمجال قوتها # Macht-raum # ولن ينظر إليها على أنها أقاليم محتلة ~~فحسب.» # وكان مما دعا النازيين إلى تغيير خطتهم الأولى أنهم وجدوا من السهل عليهم بعد انتصاراتهم ~~الساحقة في مايو 1940، أن يتبعوا أسلوب «الدوائر ذات المركز الواحد» من أجل جرمنة بعض أجزاء ~~بولندة المتاخمة للريخ، فأرادوا إنشاء كتلة جرمانية من تلك «الحكومة العامة» التي أسسوها، ~~وذلك بإقصاء وإبادة العناصر البولندية وغيرها من العناصر التي كانت تقطن بهذا المركز الجديد ~~الذي أرادوا إنشاءه، فضلا عن التمهيد لإعداد دائرة الحكومة العامة قبل إدماجها في الريخ ~~الألماني. وبناء على ذلك ألغى الألمان في ديسمبر 1940 «الرعوية البولندية» قانونا، وأصبح ~~البولنديون في وضعهم الجديد بمثابة «القصر» أو «المحميين # Schutzgbefohlene ~~»، ثم ما لبث حتى ظهر أثر تطبيق النظام الجديد من الناحية ~~العملية في فرض ضريبة إضافية قدرها 15٪ يدفعها البولنديون المقيمون في الحكومة العامة، ~~علاوة تلك الضرائب التي تدفعها ms028 الطبقتان الأخريان: طبقة جرمان الريخ # Reichdeutsche ~~، وطبقة الجرمان ~~الأقرباء # Volksdeutsche ~~، أي إن البولنديين صاروا هم واليهود في مستوى واحد، وكانت هذه ~~الضريبة الإضافية تدعى ضريبة «الموازنة ~~الاجتماعية # Sozialausgleichsabgabe ~~» وكان الغرض من ذلك أن يدفع البولنديون الضريبة الإضافية - على ~~حد قول النازيين - كنوع من التكفير أو التعويض عن ذلك المركز الوضيع الذي كانوا يشتغلونه ~~بالقياس إلى مركز طبقة الجرمان الرفيعة الشأن، ولم ينتظر الهتلريون حتى تتم عملية إعداد ~~«الحكومة العامة» لإدماجها في الريخ الألماني نهائيا، بل عمدوا إلى تجزئة أرضها إلى ~~إقطاعيات أعطيت للنازيين الذين صاروا يؤلفون طبقة «البارونات» على غرار ما حدث إبان العصور ~~الوسطية. ومما عزز هذا التنظيم الإقطاعي، أن العلاقة بين الجرمان «النازيين» والشعب ~~البولندي كانت تشبه في جوهرها علاقة السيد برقيق الأرض في إقطاع العصور الوسطى. وفضلا عن ~~ذلك فقد اختار النازيون الموظفين الذين أوفدوهم إلى بولندة لتطبيق «النظام الجديد» بها من ~~حثالة القوم، ثم تفتق ذهنهم عن اصطلاح جديد أضافوه إلى معجم اللغة الألمانية، ترجمته ~~الحرفية «صالح أو لائق للخدمة في ~~بولندة Polendiensttauglich ~~» وكانوا يطلقونه على كل شخص سيئ السمعة يميل إلى الإجرام وإتيان ~~المخازي. فإذا ارتكب أحد الألمان جرما يستحق عقوبة الحبس طبع النازيون على تذكرة تحقيق ~~الشخصية أو بطاقة العمل المعطاة له كلمة «لائق للخدمة في بولندة»، أما إذا تكرر إجرامه ~~ألحق على الفور بالخدمة في بولندة. ~~••• # وفي الواقع كان هناك - عدا ما ذكرنا - أدلة كثيرة تشير إلى رغبة النازيين في الرجوع ~~بأوروبا إلى التنظيم الذي كان سائدا خلال العصور الوسطى، على أن المهم في ذلك كله أن هؤلاء ~~النازيين كانوا متأثرين بالاعتبارات التاريخية والسياسية والاقتصادية والعسكرية التي سلف ~~بيانها، فأرادوا فتح القارة الأوروبية بأسرها: من «نارفيك» شمالا، إلى بحر إيجه جنوبا؛ ~~حتى يمكنهم اتساع رقعة ممتلكاتهم من امتلاك ذلك المجال الذي عدوه ضروريا لاستمرار حياتهم # Lebens ~~raum # وقوتهم # Macht raum ~~. وقد أدرك هذه الأطماع الظاهرة حلفاء النازيين ~~وأولئك الذين تعاونوا معهم؛ فاعترف «موسوليني» في خطاب له في 23 فبراير 1941 بدخول كل من ms029 ~~فرنسا المحتلة وبلجيكا وهولندة ولكسمبورج، وإسكندناوة والدانمرك في نطاق النفوذ الألماني. ~~وكان هناك ميدان واحد فحسب يستطيع أن يجد فيه مجالا للتوسع حلفاء النازيين والمتعاونون ~~معهم من أمثال إيطاليا وإسبانيا، ولم يكن هذا الميدان سوى القارة الأفريقية. ~~••• # أما وقد أفلح النازيون إلى حد كبير في تحقيق حلم العصور الوسطى ورسموا للقارة الأوروبية ~~تلك الخريطة التي مكنهم انتصارهم من تخطيطها، فإن معرفة النتائج التي أسفر عنها تطبيق ~~النظام الجديد في البلدان المفتوحة من شأنه أن يبين مقدار ما لحق بالشعوب المقهورة من أذى ~~جسيم في عهد السيطرة النازية؛ إذ إن تطبيق النظام الجديد من الناحية الاقتصادية خاصة كان ~~معناه سلب الشعوب المغلوبة ونهب كنوزها وتجريدها من وسائل العيش وحرمانها حق الحياة في أمن ~~واستقرار، وقد اتبع النازيون عدة أساليب شيطانية حتى يكسبوا سرقاتهم الصبغة القانونية؛ ~~كابتكار ما أسموه سياسة الريخمارك، وإصدار أوراق نقد معينة، وسك قدر من العملة الصغيرة كي ~~يستخدمها الجنود الألمان في البلدان التي افتتحوها، ثم المطالبة بنفقات الاحتلال الألماني ~~في أوروبا المحتلة، هذا عدا أعمال السلب والنهب سافرة كانت أو مقنعة مما يدخل في قائمة ~~الأسلاب والمغانم. # وكان المقصود من سياسة الريخمارك أن يصبح «المارك ~~الألماني # Reichmark ~~» العملة المتداولة قانونا في جميع البلدان التي خضعت لسيطرة ~~النازيين؛ وذلك حتى يسلب النازيون الشعوب المغلوبة على أمرها وينهبوها، فقد عمد النازيون ~~إلى وضع سعر «المارك» حسب مشيئتهم وأهوائهم، يرفعون قيمته أو يخفضونها تبعا لما كان عليه ~~سعر العملة المحلية في البلدان المفتتحة، فتجدهم مثلا في هولندة ولكسمبرج وأوبين ومالميدي ~~وغيرها يرفعون سعر المارك بدرجة عظيمة حتى تصبح العملة المحلية رخيصة بالقياس إلى الريخمارك ~~مع أنها كانت تلك البلدان ذات قيمة أعلى من قيمة المارك الألماني قبل الغزو النازي، وفي ~~البلدان التي أدمجها النازيون مباشرة في الريخ الثالث مثل دانتزج والنمسا وغيرها خفض ~~هؤلاء سعر المارك الألماني حتى تصبح قيمته متساوية مع قيمة العملة المحلية وكان سعر هذه ~~العملة أقل من سعر الريخمارك قبل الفتح الألماني. ومما هو جدير بالذكر أن ms030 رفع الريخمارك ~~وخفضه كان من حيث الشكل عملا قانونيا لا غبار عليه. # وكان المقصود من خفض سعر الريخمارك صون العلاقات التجارية والاقتصادية واستقرار هذه ~~العلاقات بين البلدان التي أراد النازي إدماجها في الريخ وبين الريخ نفسه، أما في غير ذلك ~~من البلدان التي كانوا لا يريدون إدماجها في الريخ فإنهم كانوا يقصدون من رفع سعر الريخمارك ~~إعطاء الفرصة للألمان حتى يتمكنوا من شراء منتجاتها بأبخس الأثمان فضلا عن استطاعتهم أن ~~يبيعوها المنتجات الألمانية بأثمان باهظة، أضف إلى هذا أن بعض هذه البلدان التي قصد ~~النازيون أن ينهبوها كان يقطن بها عناصر أجنبية كالبولنديين في «وارثجو # Warthegau ~~» والبلجيكيين والفرنسيين في لكسمبورج والبلجيكيين ~~في «أوبين ومليدي»، وكان هؤلاء يمتلكون الشطر الأكبر من ثروة هذه البلاد المادية والنقدية. ~~وعلى ذلك أعطى رفع الريخمارك الفرصة للنازيين حتى يغتصبوا لأنفسهم تلك الثروة بأقل ثمن ~~ممكن، وعلاوة على ذلك فإنه لم يكن يقصد من وضع سعر للريخمارك على هذا النحو الاستيلاء على ~~السلع والمنتجات والغلات الزراعية فحسب، بل تمكين الألمان على وجه الخصوص من شراء أسهم ~~الشركات والمؤسسات الصناعية والمالية بأثمان بخسة؛ أي الاستيلاء على شطر كبير من رءوس ~~الأموال - منقولة كانت أو ثابتة - كخطوة لا غنى عن اتخاذها في تلك البلدان المفتوحة؛ ~~تمهيدا لفرض سيطرة الجرمان الاقتصادية على أوروبا بأجمعها في النهاية. # وقد ظهر أثر وضع سعر للريخمارك في التبادل التجاري كذلك بين الريخ الألماني، وتلك البلاد ~~التي خضعت لسلطان النازيين، فمن المعروف أن التجارة الدولية تؤثر دائما في سعر العملة؛ ~~بمعنى أنه إذا زادت صادرات دولة عما تستورده نتج عن ذلك «فائض» في ميزانها التجاري، واعتبر ~~ذلك في صالحها، كما أنه ينهض دليلا على أن السعر يرتفع في الدولة المستوردة عما هو عليه في ~~الدولة المصدرة، وفي ظروف التجارة الدولية العادية، تسعى الدول التي زادت وارداتها على ~~صادراتها من أجل إعادة الموازنة وإزالة هذا «الفائض» باتخاذ وسائل شتى معروفة، من أهمها ~~محاولة زيادة الصادرات، وعقد القروض الخارجية، والدفع من أرصدة الذهب وغير ذلك. ولكن ms031 ~~التبادل التجاري بين الريخ الثالث والبلدان المفتتحة كان يخضع لقواعد أخرى. # فقد عمد النازيون من أيام الفتح الأولى إلى استنزاف جميع منتجات الدول المغلوبة على أمرها ~~لحاجتهم إلى هذه المنتجات، صناعية كانت أم زراعية، فعظمت صادرات الدول المفتتحة إلى الريخ ~~دون أن تستطيع استيراد شيء يذكر من ألمانيا، ونجم عن ذلك أن صار لهذه الدول كافة «فائض» ~~لمصلحة ميزانها التجاري، أي إن الريخ الألماني أصبح - بمعنى آخر - مدينا لهذه الدول بمبالغ ~~طائلة، حتى لقد بلغ دين الدانمرك على الريخ الثالث حتى يوم 30 نوفمبر 1941، 849 مليون ~~كرونر، وهذا فضلا عن قروض من نوع آخر نشأت من قيام الدنمرك بنفقات الاحتلال الألماني ~~لبلادها، وقد بلغت هذه النفقات حتى 31 ديسمبر 1941 حوالي 907 ملايين؛ أي إن الاحتلال ~~الألماني كلف هذه البلاد مدة عام ونصف ما يزيد على 1700 مليون كرونر. وفي أول يناير 1942 ~~بلغ دين الدانمرك على ألمانيا 2000 مليون كرونر. # ومع هذا، فقد منع الألمان تلك الدول «المصدرة» التي ظلت دائنة للريخ بأموال طائلة من أن ~~تستورد من دولة أدولف هتلر شيئا من تلك السلع والمتاجر اللازمة لها، والتي كان لا غنى عن ~~استيرادها؛ حتى تتعادل كفتا الميزان التجاري بين الريخ وهذه الدول المغلوبة على أمرها من ~~جهة ؛ وحتى تستخلص هذه الدول ما كان لها من ديون جسيمة على ألمانيا من جهة أخرى. وقد ابتكر ~~شيطان النازي وسيلة أخرى للإمعان في نهب الأمم المقهورة؛ إذ صار الريخ يمتنع عن دفع أثمان ~~السلع المصدرة إليه بدعوى عدم إخراج العملة الألمانية من الريخ، واعتاض عن ذلك بأن صار يطلب ~~إلى البنوك المركزية في البلدان المفتتحة أن تقوم بسداد المطلوب من الريخ لحساب تلك البلاد ~~على شريطة أن يكون الدفع بالعملة المحلية الوطنية نفسها؛ فلا يكون السداد بالريخمارك ~~الألماني. ولما كانت قيمة الريخمارك تزيد كثيرا على قيمة العملة المحلية حسب السعر الحكومي ~~في البلدان المنهوبة فقد ترتب على ذلك أن أضحت الأثمان التي يدفعها النازيون للسلع والمتاجر ~~المصدرة إليهم بخسة ضئيلة، وعلاوة ms032 على ذلك كان معنى تكليف البنوك المركزية بالدفع من ~~الناحية العملية خصم هذه الأثمان من حساب نفقات الاحتلال الألماني التي فرضوها على البلدان ~~المختلفة. وبفضل هذه الأساليب الملتوية صار الألمان يستولون على منتجات البلاد المقهورة، ~~دون أن يدفعوا شيئا من أثمانها. ولا جدال في أن هذا العمل كان ضربا من السرقة يستره قناع ~~قانوني زائف. # وكان من خطط النازيين عند فرض السيطرة الجرمانية الاقتصادية على أوروبا اتخاذ برلين ~~مركزا للتجارة الأجنبية في هذه القارة؛ حتى تحتل برلين ذلك المركز الممتاز الذي استمتعت به ~~لندن في عالم الاقتصاد والمال قبيل الحرب الأخيرة، فأصروا على أن تجري المعاملات التجارية ~~والمالية بين أية دولة وأخرى عن طريق برلين دائما؛ مثال ذلك أنه إذا كان أحد الهولنديين ~~مدينا بمبلغ من المال لشركة بلجيكية، فإنه يستحيل عليه أن يسدد حسابه بالدفع رأسا إلى ~~الشركة البلجيكية، بل صار حتما عليه أن يدفع هذا الدين بالريخمارك إلى مؤسسة معينة أنشأها ~~الألمان في برلين لمباشرة جميع العمليات التجارية والمالية الخاصة ببلجيكا، فتتولى هذه ~~المؤسسة الدفع بالريخمارك إلى الشركة البلجيكية. أما ما كان يحدث فعلا فهو أن تكلف هذه ~~المؤسسة «البنك المركزي» في بلجيكا بأن يقوم هذا البنك بعملية الدفع من حساب نفقات الاحتلال ~~بالطريقة التي سبق بيانها ، أضف إلى ذلك أن الألمان كانوا يحتمون على الدول المحتلة التي ~~تتبادل التجارة فيما بينها أن تودع برلين مبلغا من الريخمارك يرصد لحسابها، ويستخدم في ~~أعمال التصفية التجارية. ويتكون هذا الرصيد بسبب إرغام هذه الدول على تصدير منتجاتها إلى ~~الريخ ومطالبتها بتأدية خدمات مالية معينة وإجبارها على إعطاء ضمانات من الذهب والسندات وما ~~إلى ذلك من وسائل أخرى. بيد أن هذه الدول ما كانت تحصل على شيء من الريخ في مقابل إنشاء هذا ~~الرصيد، ذلك بأن الريخ درج دائما على الدفع عن طريق البنوك المركزية بالأساليب التي سبق ~~ذكرها. على أن الريخ إلى جانب ذلك كله كان يحصل على عمولة كبيرة في نظير قيامه بهذه ~~العمليات المالية والتجارية بين الدول. فكان ms033 من نتائج ذلك كله أنه أصبح من المتعذر على أية ~~دولة من الدول التي خضعت لسلطان النازيين أن تنظم شئون حياتها الاقتصادية على النحو الذي ~~كانت تقتضيه مصلحتها أو بما يمكنها على الأقل من مواجهة مطالب الألمان الاقتصادية والمالية ~~المرهقة. # وثمة ترتيب آخر ابتكره النازيون لصرف مرتبات جنودهم في البلدان المحتلة؛ فقد اخترعوا ما ~~أسموه «سندات إذنية عسكرية # Wehrmachtspverflichtung ~~»، ~~وكانت هذه من فئات كبيرة «50000 ريخمارك فما فوق» وتحمل تعهدا بدفع قيمتها، وقصر التعامل ~~بهذه السندات الإذنية العسكرية على البلدان التي تصدر فيها، ومنع التعامل بها في داخل الريخ ~~نفسه، كما أنه تعذر تحويلها إلى الماركات الألمانية بالرغم من أن القيمة المدونة بها كانت ~~بالريخمارك. ثم طبع النازيون أوراق بنكنوت أسموها أوراق مكاتب أو بنوك الأقراض الألمانية # Reichskreditkassenscheine # ومهمة هذه ~~المكاتب أو البنوك إصدار أوراق البنكنوت من الفئات الصغيرة «50، 20، 5، 2، 1، 0,50 ~~ريخمارك»، علاوة عن سك عملة نقدية صغيرة للمعاملات اليومية، وكان من المتعذر كذلك التعامل ~~بهذه الأوراق والنقود خارج المنطقة المحتلة التي كانت تصدرها ومن باب أولى الريخ نفسه. على ~~أنه مما تجدر ملاحظته أن تلك السندات الإذنية وأوراق البنكنوت ما كانت في الحقيقة إلا وسيلة ~~لإقراض مبالغ معينة للجنود الألمان تمكنهم من شراء منتجات البلدان المحتلة، وذريعة يتخذها ~~الريخ للامتناع عن صرف مرتبات الجنود بالعملة الألمانية حتى لا تنتقل العملة الألمانية إلى ~~البلدان المفتوحة أو تنفق بها. وفضلا عن ذلك أرغمت «البنوك المركزية» في البلدان المحتلة ~~على قبول هذه السندات الإذنية والبنكنوت والنقود وتحويلها إلى عملة محلية، على أن ترصد في ~~مقابل ذلك السندات الإذنية العسكرية وغيرها لحساب الريخ الختامي فتخصم قيمتها من نفقات ~~الاحتلال، ووعد النازيون بتسوية حساباتهم في آخر الأمر مع البلدان المحتلة عند انتهاء ~~الحرب. وبلغت قيمة ما أصدرته البنوك المتنقلة في بولندة في العامين الأولين من الاحتلال ~~1000 مليون ريخمارك، وفي النرويج والدانمرك 500 مليون. وعندما امتدت الحرب إلى الأراضي ~~المنخفضة صدر قرار في 15 مايو 1940 أجاز لتلك البنوك إصدار أو «إقراض» ما قيمته 3000 ms034 مليون ~~ريخمارك لقوات الاحتلال النازية وهيئاتها في الدنمرك والنرويج وهولندة وبلجيكا ولكسمبورج ~~وفرنسا، فبلغت قيمة ما صدر حتى أواخر عام 1941 في جميع البلدان المحتلة - ما عدا ~~تشكوسلفاكيا - 4000 مليون ريخمارك أو حوالي 340 مليون جنيه إنجليزي. ولم يكن إصدار هذه ~~السندات الإذنية وما إليها يستند إلى غطاء كاف من الذهب أو غير ذلك من الضمانات الثابتة. ثم ~~ما لبثت كمية الأوراق والعملة المتداولة أن زادت، ولكن اختفت من الأسواق السلع والمنتجات؛ ~~لأن الألمان كانوا يستولون عليها أولا بأول، مما أدى إلى تضخم في النقد كبير، ارتفعت بسببه ~~أثمان الحاجيات ارتفاعا فاحشا جعل الشعوب المقهورة وقتذاك تعيش في ضنك وبؤس ~~شديدين. # وكانت «نفقات الاحتلال الألماني» من وسائل السلب والنهب التي تفتقت عنها أذهان النازيين؛ ~~فقد استغلت الدعاية النازية في البلدان المحتلة مسألة تعويضات الحرب التي فرضها الحلفاء على ~~ألمانيا المهزومة في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وطفق دعاتهم يتحدثون عن تلك الأضرار ~~البليغة التي أصابت بلادهم بسبب هذه التعويضات، ثم أخذوا يطمئنون الدول المقهورة بأنهم ~~بالرغم من انتصارهم لا يريدون أن يفرضوا أية تعويضات من ذلك النوع عليها، بل يكتفون عوضا ~~عن ذلك بتحصيل النفقات التي يسببها احتلال الجنود الألمان لبلادهم حتى إذا وضعت الحرب ~~أوزارها لم يعد للريخ وجه للمطالبة - كما فعل الحلفاء في الحرب السابقة - بأية تعويضات عند ~~عقد الصلح النهائي. ولم يكن ذلك كله إلا وعودا كاذبة؛ لأن الغرض من نفقات الاحتلال كما ~~فرضها الألمان على البلدان المحتلة إنما كان مجرد السلب والنهب، ذلك بأن النازيين لم يقدروا ~~قيمة نفقات الاحتلال على أساس ما كانت تستطيع أن تدفعه البلدان المفتتحة دون إرهاق لمواردها ~~أو تعطيل لمرافقها وإنتاجها؛ بل إنهم لم يحاولوا اتخاذ ما يتكلفه جند الاحتلال الألماني من ~~نفقات - معتدلة كانت أم فادحة - أساسا لتقديرهم، وإنما قدر النازيون نفقات الاحتلال على ~~أساس ما كانت الدول قبيل انهيارها قد خصصته من أموال في ميزانياتها للدفاع عن سلامتها في ~~أثناء الحرب، مع العلم بأن النفقات المخصصة للدفاع في أوقات الحروب ms035 إنما هي نفقات غير ~~عادية، ويستلزم تقديرها تقليل المصروفات في أبواب الميزانية الأخرى. وعلى ذلك كانت نفقات ~~الاحتلال التي طلبها النازيون جسيمة مرهقة بلغت نسبتها في فرنسا مثلا 140٪ من مجموع ~~ميزانية الحرب في عام 1939، وفي بوهيميا ومورافيا حوالي 114٪ من مجموع ميزانية الحرب في ~~تشيكوسلوفاكيا للعام نفسه، وهكذا كان الحال في سائر البلدان المحتلة. ويتبين جسامة ما نهبه ~~الألمان بسبب نفقات الاحتلال هذه إذا وقفنا على حقيقة التعويضات التي أرغمت ألمانيا على ~~دفعها بعد صلح فرساي، فقد بلغ ما دفعته إلى الحلفاء المنتصرين في الحرب العالمية الأولى 10 ~~بلايين مارك تقريبا في مدة سبع سنوات بين عام 1924-1931، وذلك عندما كان الاتفاق الخاص ~~بالتعويضات ما يزال ساريا، ولكن الألمان استطاعوا أن يجمعوا من فرنسا وبلجيكا وهولندة ~~والدانمرك والنرويج وتشيكوسلوفاكيا ورومانيا في سنة واحدة من سنوات سيطرتهم على أوروبا ~~حوالي 7 أو 8 بلايين مارك، أي إنهم جمعوا في عام واحد حوالي 80٪ مما دفعه الألمان من ~~«تعويضات» كانت موزعة على سبع سنوات، بل إن التعويضات التي دفعتها ألمانيا إلى فرنسا في ~~خلال هذه السنوات السبع كانت أقل من 4 بلايين مارك. أما النازيون فقد استمروا حتى نهاية ~~الحرب يحصلون مثل هذا المبلغ من فرنسا كل ستة شهور كنفقات احتلال. ومما يجدر ذكره أن ~~ألمانيا في سنوات التعويضات السابقة (1924-1931) استطاعت أن تعقد قروضا خارجية بلغت 25 ~~بليون مارك، أي ما يزيد على ما دفعته هي من تعويضات مرتين ونصف مرة. من المعروف أن ألمانيا ~~لم تسدد معظم هذا الدين، بل رفضت أن تدفع التعويضات بعد عام 1931، وزيادة على ذلك منع ~~النازيون في ظل نظامهم الجديد الدول المحتلة من أن تعقد أية قروض، وظلت ألمانيا متمسكة ~~بنفقات الاحتلال حتى وقت انهيارها. # غير أن كل هذه الوسائل لم تكن كافية لسد جشع النازيين ونهمهم، فلجئوا إلى حيل أخرى ~~لابتزاز الأموال واغتصاب ثروة البلدان المقهورة. وكان من أساليب النهب والسلب التي درجوا ~~عليها مصادرة أملاك العدو، وقد بلغت قيمة هذه الأملاك في بولندة مثلا 100 ms036 مليون جنيه ~~إنجليزي، والاستيلاء على رءوس أموال الأعداء المستثمرة في البلدان التي احتلها النازيون، ~~وقد بلغت قيمة رءوس الأموال البريطانية وحدها حوالي 250 مليونا من الجنيهات الإنجليزية، ~~والاستيلاء كذلك على أملاك اليهود ومصادرة ثراوتهم، وكانت قيمتها في الريخ الثالث وحده ~~تتراوح بين 250-500 مليون جنيه إنجليزي، وفي تشيكوسلوفاكيا حوالي 125 مليون جنيه إنجليزي، ~~هذا إلى مصادرة أموال الجمعيات أو الهيئات التي اعتبرها الريخ معادية له على غرار ما فعلوا ~~في هولندة بمقتضى قرار أصدروه في 6 يولية 1940، وبجانب هذا كله فرض النازيون الغرامات على ~~المجالس البلدية والسلطات المحلية في المدن، مثال ذلك أنهم فرضوا على بلدة «تروندهيم # Trondheim ~~» في النرويج غرامة قدرها 60000 كراون أو ما ~~قيمته 13000 دولار، نظير ما بدا منها من العداء نحو الجنود الألمان. كما فرضوا على «لهاي» ~~في هولندة مبلغ 60000 جلدر أو 30000 دولار مقابل إتلاف ثلاث سيارات عسكرية ألمانية كانت ~~متروكة على قارعة الطريق، وعلى مدينة باريس 20 مليونا من الفرنكات أو 400000 دولار؛ لأن ~~أحد الأفراد رفع العلم البريطاني فوق أحد الفنادق بدلا من علم الصليب المعقوف، وعلى ~~«أورليان» بفرنسا مليونا من الفرنكات لتعطيل أسلاك التليفون، ثم تكررت الغرامة ثلاث مرات، ~~وللسبب نفسه أجبرت المدن النرويجية «ستافنجر # Stavanger ~~» ~~و«روجالند» و«هوجيسند» على دفع غرامات بلغ مجموعها 500000 «كراون». # ولم يكن هذا كل ما نهبه النازيون من البلدان المحتلة؛ فقد استولى الألمان بمقتضى اتفاقات ~~الهدنة التي عقدوها مع البلدان المغلوبة على أسلاب كثيرة، كما أنهم ما لبثوا حتى صادروا ~~الذهب المودع بالبنوك؛ فبلغ مقدار ما جمعوه حتى أواخر عام 1941 حوالي 90 بليون مارك أو 36 ~~بليون دولار أو 9000 مليون جنيه إنجليزي، وهذا المبلغ بالذات - على حد قول الهر هتلر في ~~سبتمبر 1939 - يساوي كل ما أنفق على التسليح في ألمانيا منذ أن وصل النازيون إلى الحكم في ~~بداية عام 1933 إلى وقت سيطرتهم على أوروبا. ~~••• # ولم تقف أعمال السلب والنهب التي انطوى عليها النظام الجديد عند هذا الحد؛ فقد عمدوا إلى ~~نقل ms037 الآلات وأدوات الصناعة، بله المعامل برمتها من البلدان المفتوحة إلى الريخ الألماني، ~~وإرغام «العمال» على الهجرة إلى ألمانيا والعمل في مناجمها ومصانعها وحقولها، ذلك بأن ~~الألمان كانوا قد أنشئوا منذ 1935 ما أسموه «الوحدات المتحركة الاقتصادية» ووضعوها تحت ~~إشراف الجنرال «توما» أحد قوادهم، وكانت مهمة هذه الوحدات في وقت السلم أن تقسم ألمانيا إلى ~~«أقاليم دفاعية # Wehrkreise ~~» بلغت ثمانية عشر إقليما؛ ~~وذلك لتعبئة النشاط الاقتصادي في البلاد استعدادا للحرب، حتى إذا نشبت فعلا أصبحت مهمة ~~هذه الوحدات المتحركة أن تنقل أدوات الصناعة وآلاتها من المناطق المعرضة للخطر في داخل ~~الريخ نفسه إلى أماكن أكثر أمنا، وكذلك نقل أدوات الصناعة من البلدان المفتتحة إلى الريخ ~~الألماني. وقد نجم عن هدم المصانع ونقل آلاتها إلى ألمانيا أن انتشرت البطالة في البلدان ~~المحتلة وحرم ملايين العمال وسائل العيش في بلادهم. وابتدع النازيون لحل مشكلة البطالة ~~الطارئة «علاجا» زاد من بؤس الشعوب المحتلة، ذلك بأن النازيين كانوا في حاجة مستمرة إلى ~~الأيدي العاملة لإدارة ومواصلة الإنتاج الحربي؛ فعمدوا إلى إرغام العمال المتعطلين في ~~بلادهم على «الهجرة» إلى ألمانيا للعمل بمصانعها، وابتكروا وسيلة شيطانية لإحصاء هؤلاء ~~العمال المتعطلين وإجبارهم على الذهاب إلى ألمانيا للعمل بمصانعها، وذلك بأن سلطات الاحتلال ~~النازية ما لبثت حتى ألزمت العمال العاطلين أن يقيدوا أسماءهم بسجلات مكاتب العمل نظير ~~إعطائهم «بطاقة بطالة» ينالون بمقتضاها مكافأة معينة يعتاضون بها عما كان يدفع لهم من أجور ~~في أثناء العمل. وكان العمال لا يستطيعون الحصول على المقادير المخصصة لهم ولأسراتهم من ~~المؤن والأغذية إلا إذا أبرزوا هذه البطاقات إلى جانب بطاقات التموين العادية المعطاة لهم. ~~غير أن السلطات النازية كانت تشترط في الوقت نفسه أن يجد العمال المتعطلون عملا ملائما في ~~زمن قصير، وكان ذلك مما يستحيل تنفيذه للأسباب التي بسطناها، وعلى ذلك كان يطلب إلى هؤلاء ~~العمال إما أن يرضوا بالذهاب إلى ألمانيا وإما أن تسحب منهم بطاقات البطالة، فإذا رفضوا ~~السفر إلى ألمانيا كان من السهل بعد ذلك على مخازن البيع الحكومية ms038 أن تتذرع بشتى الوسائل ~~حتى لا تصرف مقادير التموين المخصصة للعامل وأسرته، ولم يكن للعامل إزاء ذلك إلا أن يقبل ~~الذهاب إلى ألمانيا حتى يطرد شبح الجوع عن نفسه وذويه. # وقد ذكرت الإحصاءات الرسمية الألمانية أن عدد العمال الأجانب في ألمانيا حتى 27 أكتوبر ~~1940 بلغ 1600000 منهم حوالي 500000 من أسرى الحرب، وفي يناير 1941 بلغ عددهم 2000000، وكان ~~لا يدخل في عدادهم التشيك؛ لأن العمال من التشيك صاروا لا يعدون من الأجانب بعد إدماج ~~«حماية بوهيميا ومورافيا» في الريخ الألماني منذ أول أكتوبر 1940، ثم زاد عدد العمال ~~الأجانب في الريخ بعد أن وافقت إيطاليا في فبراير 1941 على إرسال 320000 عامل إلى ألمانيا. ~~وكان من أثر حملة الألمان في بلاد البلقان أن أسر الألمان حوالي 500000 من يوغوسلافيا ~~أرسلوا منهم للعمل في الريخ 250000؛ وكذلك جمع النازيون من مملكة كرواتيا الجديدة 50000 ~~عامل، وبلغ عدد الأسرى من البريطانيين واليونانيين الذين أرسلوا للعمل في ألمانيا 230000، ~~فكان عدد الأجانب المشتغلين في ألمانيا حتى صيف 1941 بين 2700000 و3000000 رجل، يضاف إليهم ~~عدد من التشيك وأسرى الحرب الذين كانوا يشتغلون بعض الوقت فقط. # وكان هؤلاء جميعا يعملون في ظروف قاسية مرهقة؛ إذ إن متوسط ساعات العمل في الأسبوع ~~الواحد بلغت حوالي ستين ساعة على أقل تقدير، وكان العمال يقيمون في ثكنات ثم طلب إليهم أن ~~يدفعوا من أجورهم الضئيلة نفقات السكن والطعام عدا بعض الضرائب المحلية والتأمين ضد المرض ~~والحوادث وما إلى ذلك. وأما إذا استطاع العامل بعد هذا كله أن يرسل شيئا من المال لمساعدة ~~أسرته فإن حكومة الريخ كانت تستولي على ما يرسله، ثم تكلف بنوك الدول المحتلة بدفع ما ~~تساويه هذه المبالغ من العملة المحلية. # ولعل أقسى ما في هذه المسألة أن الألمان كانوا يرسلون هؤلاء العمال الأجانب إلى المناطق ~~المعرضة لغارات الطائرات البريطانية، وقد ذاق العمال الدانمركيون الأمرين بسبب اشتغالهم ~~في مصانع وأحواض «لوبيك» و«همبورج» وغيرها، بل إن الألمان ما كانوا يسمحون بوقف العمل حتى ~~في أثناء الغارات، وهلك ms039 بسبب ذلك عدد عظيم من العمال الهولنديين بميناء «همبورج» في إحدى ~~الغارات الشديدة في نوفمبر 1941، أما النازيون فقد فسروا هذه الكارثة بقولهم: «إن هؤلاء ~~العمال كانوا متعبين إلى حد لم يدع لأحد منهم فرصة لمغادرة المكان والالتجاء إلى ~~المخابئ.» # الفصل الثالث # | أوروبا «الحرة» # طبق «النظام الجديد» أول ما طبق في البلدان المحتلة، وكان ينطوي على ضروب من السلب ~~والنهب حرص النازيون على أن يصبغوها بصبغة قانونية؛ ولذلك فقد بات من المتوقع ألا تخضع ~~الشعوب المقهورة لسيطرة النازيين، وأن تعمل على تقويض أركان النظام الجديد الذي فرضه ~~الألمان عليهم بشتى الطرق، وقد سبق القول إنه كان من أهداف الدعاية النازية استمالة بعض ~~العناصر في البلدان المحتلة إلى التعاون مع النازيين في سياسة النظام الجديد بدعوى المساهمة ~~في تشييد صرح ذلك العالم المثالي، الذي يكفل تحت زعامة الريخ الثالث كل طمأنينة وعيش سعيد ~~للشعوب الأوروبية كافة. ومع أن النازيين قصدوا من هذه الدعاية دعم السيطرة الجرمانية على ~~أوروبا، ثم على العالم أجمع، ومع أن تطبيق النظام الجديد أسفر قبل كل شيء عن نهب هذه الشعوب ~~المقهورة وتسخيرها في خدمة «السادة» الجرمان، فقد أفلح النازيون في تصيد طائفة من المغامرين ~~الذين قبلوا التعاون معهم في كل بلد فتحوه، فقد وجدوا في فرنسا أنصارا يؤيدونهم بزعامة ~~«لافال» و«دارلان» و«مارسيل ديا # Déat ~~»، ثم في النرويج ~~الميجر «فيدكون كويسلنج # Vidkun Quisling ~~»، وفي ~~تشيكوسلفاكيا الكولونيل «مورافيش # Moravec ~~» والدكتور ~~«فوسيك # Fousek ~~»، وغيرهما، وفي يوغسلافيا الجنرال ~~«نديش # Nedié ~~» عن سربيا، والدكتور «بافليش Pavélie ~~» عن كرواتيا، وفي هولندة الدكتور «مسرت # Mussert ~~»، ثم في الدانمرك كلا من «فريتز كلوسن # Frits Clausen ~~»، والدكتور «سكفينوس # Scavenius ~~» وزير الخارجية، و«بيترسن Petersen ~~» وزير العدل، ثم في اليونان «تسولاكجلو # Tsolakoglu ~~». # غير أنه إذا استثنيت فرنسا، حيث كان يحاول الماريشال «بيتان» و«لافال» و«ديا» استمالة ~~شطر كبير من الشعب الفرنسي للتعاون مع الريخ الثالث؛ لأصبح عدد الكويسلنجيين في كل بلد من ~~البلدان المفتوحة والمحتلة لا يزيد في الحقيقة على 5٪ من مجموع سكانها، بل إن هذه النسبة ~~تقل كثيرا ms040 في بولندة وتشيكوسلفاكيا وسربيا واليونان والنرويج ودول البلطيق، فلا يزيد في ~~هذه الدول عدد المتعاونيين مع النازي على 1٪ من السكان، وفي بولندة على وجه الخصوص لم يستطع ~~النازيون استمالة أحد إليهم، فلم يجدوا بها غير الجرمان ~~الأقارب # Volksdeutsche # على استعداد لمؤازرتهم. والأوكرانيون وحدهم هم الذين كانوا يميلون ~~إلى التعاون مع الهر هتلر. # ولذلك لم يكن سواد الشعب في هذه الدول المغلوبة على أمرها يوما من الأيام قانعا بالعيش ~~الذليل في ظل الاستغلال النازي المرهق، والأدلة على ذلك متوفرة؛ فهناك الصحف النازية نفسها ~~في الريخ وفي البلدان المحتلة والمفتوحة كانت تشكو مر الشكوى من امتناع الشعوب المقهورة عن ~~التعاون مع الريخ في دعم أركان النظام الجديد، كما كانت هذه الصحف تنشر بعض أخبار المقاومة ~~المنظمة لتعطيل الإنتاج الاقتصادي على وجه الخصوص، ثم هناك الأخبار والنشرات التي كانت ~~تتسرب إلى العالم الخارجي، هذا إلى جانب ما يقصه عدد من سعداء الحظ الذين أفلتوا من معسكرات ~~الاعتقال أو من قبضة الجستابو الملطخة بالدماء. # ومن هذه المعلومات كافة يتبين أن مقاومة هذه الشعوب المقهورة كانت على نوعين: إيجابية ~~وسلبية. # فقد اهتم الغزاة الألمان دائما من بداية الفتح في البلدان التي سقطت في قبضتهم بتجريد ~~الجيوش الوطنية والمدنيين من الأسلحة؛ لأن النازيين الذين يعرفون حق المعرفة مقدار كراهية ~~هذه الشعوب المغلوبة لهم لم يطمئنوا إلى العيش بين وطنيين مسلحين؛ ولذلك تشدد النازيون في ~~جمع الأسلحة وكلف الجستابو ورجال الشرطة بهذه المهمة، ووقع النازيون عقوبة الإعدام فورا ~~في البلدان المفتوحة على كل ممتنع عن تسليم ما لديه من أسلحة وذخيرة. ومع ذلك أخفق النازيون ~~فيما أرادوا إخفاقا ملموسا؛ إذ استطاع أهل الدول المهزومة إخفاء عدد لا يستهان به من ~~الأسلحة سرعان ما ظهر أثرها في حوادث الاغتيال المتكررة التي ذهب ضحيتها كثيرون من الألمان، ~~ومن صنائعهم الذين قبلوا التعاون معهم. ومع أن الألمان عمدوا إلى اتباع طريقة أخذ الرهائن ~~ثم إعدام المئات منهم عند وقوع حوادث الاغتيال، فإن هذه القسوة لم تفد شيئا في ردع ~~الوطنيين ms041 أو تخفيف وطأة هذا النوع من المقاومة الإيجابية؛ بل إن هذه البلدان المفتوحة ~~والمحتلة سرعان ما أصبحت مراكز شديدة الخطر للمقاومة الإيجابية ضد السيطرة النازية. # وكان تنظيم أول مراكز المقاومة الإيجابية في تشيكوسلفاكيا، وسبب ذلك أن حكومة هذه البلاد ~~أدركت من أيام «ميونخ» المعروفة أن الحرب لا محالة واقعة، وأن الوطن سوف يسقط عاجلا أو ~~آجلا تحت نعال الألمانيين، وأن الاحتلال الأجنبي لبلادهم سوف يطول أمده؛ فعمدت الحكومة منذ ~~سبتمبر 1938 بوضع الإرشادات والتعليمات المفصلة لتوضيح ما ينبغي أن يقوم به أهل البلاد من ~~ضروب المقاومة ضد العدو في المستقبل، وبعد انهيار الجيش التشيكو سلفاكي. وكان أهم ما عني به ~~التنظيم الحكومي السري التأكد من وجود أكبر مجموعة ممكنة من الأسلحة الحديثة لدى الأهالي، ~~كالبنادق والمدافع الرشاشة وغير ذلك، مخبأة في حرز مكين يعجز الجستابو أو الجيش الألماني عن ~~العثور عليه، وكذلك نظمت الحكومة جيش المقاومة الإيجابية تنظيما دقيقا؛ فأنشأت الرتب ~~العسكرية ووزعتها على العسكريين والمدنيين على السواء، فكان هناك القواد والضباط والجنود ~~وهكذا. # فما هو إلا أن احتل الألمان من غير قتال بلاد السوديت في أكتوبر 1938، ثم بوهيميا ~~ومورافيا في مارس من العام التالي حتى خرجت إلى عالم الوجود هذه المقاومة الإيجابية المنظمة ~~تبغي إلحاق الأضرار البليغة بعتاد الحرب النازي واغتيال الألمان وصنائعهم. وقد برع ~~التشيكوسلفاكيون في هذا النوع من المقاومة حتى إن «حامي» بوهيميا ومورافيا «هيدريش # Heydrich ~~» والمعروف باسم «جزار مورافيا»، الذي أغتيل في 27 ~~مايو 1942 على أيدي جمعية سرية تابعة للجيش الوطني، رأى أن يوقع الإعدام على 400 من القواد ~~وأركان الحرب والموظفين والصناع والفلاحين التشيك، كما قبض على عدد من الوطنيين بلغ «1400»، ~~ووجه الجستابو إلى هؤلاء جميعا طائفة من التهم المنوعة: منها أنهم نجحوا في إخفاء بعض ~~الأسلحة التي أنتجتها المصانع التشيكية للحرب لأسباب وطنية، وأنهم نظموا حركة المقاومة ~~المعروفة باسم «الإبطاء المتعمد» في الإنتاج، وأنهم قاموا بأعمال «تخريب» واسعة، أو كانوا ~~على اتصال مستمر بطريق اللاسلكي مع لندن، أو أتلفوا آلات وأدوات الصناعة العسكرية ms042 الألمانية ~~وهكذا. وكان من بين الذين أعدموا الدكتور «فرانكنبرجر»، وهو من كبار رجال وزارة الزراعة، ~~اتهمه الجستابو بالعمل على تعطيل تسليم الحبوب والغلات الزراعية الأخرى «التشيكية» إلى ~~سلطات الاحتلال الألماني. ومع ذلك وعلى الرغم من بطش الجستابو وقسوة الاحتلال النازي، فقد ~~ظلت تشيكوسلفاكيا من مراكز المقاومة الإيجابية القوية ضد النازي في أوروبا. # وأما ثاني المراكز الهامة لهذه المقاومة الإيجابية فكان يوغوسلافيا؛ إذ جعل نشاط الجماعات ~~السرية المنظمة حياة الجند الألمان والإيطاليين والهنغاريين والبلغاريين الذين يحتلون ~~بلادهم حياة شقاء وإرهاق مستمر، فهناك شطر من الجيش اليوغسلافي السابق تحت قيادة الجنرال ~~دراجا ميخائيلوفتش كان يعمل جديا كوحدات مدربة على القتال العنيف في غابات البوسنة، ثم في ~~سائر أنحاء البلاد بعد ذلك، وهناك جماعة التشتنك # Cetnik # كانت مهمتها العمل في الجبل الأسود وكرواتيا ودلماسيا، ثم هناك جماعة الشيوعيين ويعرفون ~~باسم «البارتيزان Partisans ~~» كانت مهمتهم الهجوم على مدن ~~يوغسلافيا الشمالية، ثم أخيرا هناك «حزب الفلاحين الكروات» القديم وكانت يوغسلافيا ~~الجنوبية ميدان نشاطه. # وكان جيش الجنرال ميخائيلوفتش يتراوح بين العشرين والمائة ألف جندي نظامي، ويضم إليه ~~عددا من النساء، وقد درب هذا الجيش بحيث كان من السهل على جنده خلع الأردية العسكرية ~~وإخفاء السلاح في الليل، حتى إذا بدأ النهار عادوا إلى أعمالهم العادية كفلاحين أو رعاة ~~خنازير أو صناع أو عمال وهكذا، فلا يمضي وقت قصير حتى يلتحم هؤلاء ثانية في معركة دامية مع ~~جيش الاحتلال، وعبثا كان يحاول الجستابو والجند الألمان عقب المعركة البحث عن الأسلحة أو ~~الذخائر أو الأردية العسكرية. وفي خريف 1941 خاض هذا الجيش غمار معركة حامية في ~~«سابي # Saboé ~~»، استخدم فيها اليوغسلافيون المدافع ~~الثقيلة تحت أنوف الجستابو وسلطات الاحتلال، ومن ضروب المقاومة التي برع فيها هذا الجيش ~~الهجوم على السكك الحديدية ومناجم الفحم ومحطات توليد الكهرباء والجسور والقناطر ومخازن ~~الذخيرة وثكنات الجند الألمان والمطارات وهكذا. # وفي كثير من الأحايين كان يتعاون «التشتنيك» و«البارتيزان» و«حزب الفلاحين الكروات» مع ~~جيش ميخائيلوفتش، إلا أن مهمة «التشتنيك» الأساسية كانت مفاجأة جيش الاحتلال في ms043 جماعات شبه ~~عسكرية سريعة الحركة مسلحة بأسلحة من الطراز الأول، فينزلون بالعدو أضرارا بليغة ويفرون ~~بسلام. وأما مهمة «البارتيزان» و«الفلاحين الكروات» فكانت إرهاق المدن التي يحتلها الألمان ~~والإيطاليون واغتيال الخونة والألمان المتغالين في أساليب التعذيب والإجرام، ثم تخليص ~~الرهائن والغنائم أو تعطيل نقلها. # وعندما كانت هذه الجماعات تعمل متضامنة كانت تؤلف قوة كبيرة وجد الألمان والإيطاليون من ~~جراء نشاطها أن يحتفظوا في هذه البلاد في أثناء الشهور الستة الأولى من عام 1942 بعدد من ~~الفرق العسكرية لا يقل عن ست أو سبع فرق، على الرغم من الحاجة الملحة إلى استخدام هذه القوة ~~العسكرية في ميادين القتال، وهناك أدلة متعددة على مقدار ما أنزلته هذه القوات بالألمان ~~وحلفائهم وصنائعهم من خسائر جسيمة في الأرواح والعتاد الحربي. فقد حدث في يولية 1943 أن قتل ~~الوطنيون اليوغوسلافيون ما لا يقل عن 100 إيطالي عندما هجموا فجأة على الثكنات الإيطالية في ~~جزر دلماسيا التي تقع في البحر الأدرياتيكي تجاه إيطاليا، وقد ترتب على هذا الهجوم أن ~~إيطاليا لم تلبث أن أعلنت التعبئة العامة في ألبانيا، وكذلك ألغيت إجازات جميع أفراد قوات ~~المحور في البلقان وأرسلت سريعا النجدات الكبيرة إلى اليونان. بيد أنه لم تمض أيام قلائل ~~على هذا الحادث المروع حتى اشتبك اليوغوسلافيون الوطنيون مع الألمان في معركة كبيرة في ~~منطقة وادي كمارينكا التي تبعد نحو 50 إلى 60 ميلا جنوب سراجيفو الشرقي عاصمة البوسنة، ثم ~~حدث في شهر سبتمبر من العام نفسه أن التحم اليوغوسلافيون الشيوعيون مع الألمان ومع جماعة ~~الأوستاشي الكرواتية الموالية لهم في منطقة «سنج»، كما استعرت نيران الحرب بينهم وبين ~~الألمان في الجبل الأسود وفي الهرسك، وغنم اليوغوسلافيون كميات كبيرة من الذخائر واستولوا ~~على عدة مدن. وفي أكتوبر كانت قوات الجيش اليوغوسلافي الوطني لا تزال تواصل عملياتها ~~الهجومية بنجاح في الجبل الأسود والهرسك والبوسنة، ودارت معارك عنيفة في ساحل دلماسيا وفي ~~سلوفينيا وعلى حدود ألبانيا وفي كرواتيا، خصوصا مقاطعة سلافونيا على طول حدود هنغاريا. ثم ~~استطاعت العصابات الوطنية أن تقف ms044 على بعد ميل واحد من زغرب وأن تقطع خطوط تموين المدينة، ~~هذا عدا ما فعلته من أعمال التخريب المتعددة كانتزاع خطوط السكك الحديدية ونسف الجسور في ~~جميع هذه المناطق. واضطر الألمان من جراء ذلك إلى اتخاذ عدة تدابير، منها ما أذاعه راديو ~~بودابست منذ يولية عن استعداد القيادة العسكرية الألمانية في سربيا لمنح مكافأة مالية كبيرة ~~لمن يأسر الجنرال ميخائيلوفتش حيا أو ميتا، أو يستطيع استبعاد شره بأية وسيلة كانت. وفي ~~أكتوبر أعلنت الحكومة المجرية الأحكام العرفية في مناطق المجر الجنوبية وفي المناطق المحتلة ~~وفي المنطقة المتاخمة لدولة كرواتيا الضالعة مع الألمانيين. # وفي 14 أكتوبر أذاع الراديو الألماني أن الفيلد ماريشال روميل تولى القيادة العليا ~~للأعمال الحربية الموجهة ضد الثوار اليوغوسلافيين، وعبثا حاول الألمانيون استمالة زعيم حزب ~~الفلاحين الكرواتي عندما عرضوا عليه منصب رئيس الدولة إذا أيد الألمان وحث العصابات ~~الكرواتية على التخلي عن نشاطهم، فوضعه الألمان تحت رقابة شديدة. وكان من جراء تسليم ~~إيطاليا أن صارت الوحدات الإيطالية الباقية في يوغوسلافيا تتعاون مع الجيش اليوغوسلافي ~~الوطني في الجبل الأسود وفي سلوفينيا وفي دلماسيا. وفي أكتوبر كانت جميعها تقاتل إلى جانب ~~اليوغوسلافيين، وفي 26 من الشهر نفسه أحرز اليوغوسلافيون الأحرار انتصارا عظيما عندما ~~استولوا بعد قتال عنيف على بلدة «فارس-ميدان» وهي آخر مركز للصناعات الثقيلة في البوسنة كان ~~لا يزال في أيدي الألمان. وفي أواخر عام 1943 تفوق في الميدان الماريشال «تيتو # Tito ~~» يقود القوات «الوطنية» وسمي جيشه بجيش التحرير، ~~واستطاع أن يقض مضاجع الألمان، حتى تمكن جيشه - إلى جانب القوات الوطنية الأخرى - أن يشغل ~~ما لا يقل عن أربع عشرة فرقة ألمانية، واضطر الألمان إلى جلب إمدادات من اليونان وألبانيا ~~لا تقل عن خمس فرق. وفي بداية عام 1944 كان القتال لا يزال محتدما في جميع ساحات الجبهة في ~~شرقي البوسنة وفي كرواتيا وبالقرب من زغرب وفي دلماسيا وغيرها. # وقد نجم عن نجاح هذه الجيوش الوطنية تعطيل السكك الحديدية الرئيسية والخطوط الاحتياطية ~~الممتدة صوب الجنوب الشرقي إلى البلقان واليونان، ms045 كما عطلت الملاحة في نهر الدانوب بإغراق ~~السفن في مجرى هذا النهر، فاختل النقل من جراء ذلك بين ألمانيا وبلاد البلقان اختلالا ~~كبيرا. وهكذا لم يلبث أن وجد الألمان الذين بنوا آمالا عريضة على إمكان الاستفادة من ~~استغلال ثروة يوغوسلافيا المعدنية والاستيلاء على غلاتها الزراعية أن الفشل يحيق بخططهم ~~جميعا. # وقد سبقت الإشارة إلى الأساليب التي اتبعها النازيون في إبادة البولنديين واليهود منهم ~~خاصة؛ ولذلك فقد ظلت بولندة منذ سقوطها في أيدي النازيين مركزا رئيسيا من مراكز المقاومة ~~الإيجابية والسلبية في أوروبا النازية. ومع أن الألمانيين ارتكبوا مع أهل هذه البلاد فظائع ~~تقشعر من هولها الأبدان، إلا أن ذلك لم يخفف شيئا من حدة هذه المقاومة، بل على العكس من ~~ذلك، قويت هذه المقاومة وزادت عنفا من جراء هذه الفظائع. وكان من المنتظر بعد الغزو، منذ ~~أن تم للنازيين ما أرادوا من تنظيمات تضمن لهم السيطرة وبخاصة في أثناء عامي 1940، 1941 أن ~~يرتفع قليلا ذلك الكابوس الجاثم على صدور البولنديين، ولكن هروب الكثيرين منهم إلى الخارج ~~للقتال مع جيوش الأمم المتحدة، ثم إصرارهم على المقاومة في داخل بلادهم، وزيادة مشاغل ~~الألمان من جانب آخر منذ اشتعلت الحرب الروسية الألمانية، كل ذلك جعل النازيين يمعنون في ~~أساليبهم الوحشية لإبادة البولنديين، فأوقعوا بيهود وارسو مذابح كانت أقساها مذبحة شهر مايو ~~1943 المروعة، كما أكثروا من اعتقال المئات من المثقفين. وفي يونية اتهم حوالي السبعمائة ~~شخص من هؤلاء بأنهم اشتركوا في هيئات سرية تعمل ضد الألمان. واشتد بطش النازيين فنسفوا ~~بالديناميت أو أحرقوا 2000 «ورشة»، و3000 متجر، و100 ألف بيت في المنطقة المخصصة لليهود في ~~مدينة وارسو وحدها. ومن بين المآسي التي وقعت في عام 1943 أن النازيين لم يلبثوا أن نقلوا ~~الأطفال البولنديين الذين تزيد أعمارهم على اثنتي عشرة سنة مع غيرهم من المراهقين إلى ~~معسكرات العمل الإجباري في ألمانيا. وحدث عندما وصلت في شهر مارس قوافل كثيرة من صغار ~~الأطفال إلى بوميرانيا - وكانت أعمار أغلبهم تختلف بين أربع سنوات وعشر - أن ms046 هرع النساء ~~البولنديات في هذه الجهات لتولي هؤلاء الصغار بعنايتهن، فقامت سوق لبيع الأطفال، وكان ~~الحراس الألمان يبيعون الطفل الواحد بأربعين ماركا فحسب، ولم يكن غريبا بعد هذا كله أن ~~تصبح بولندة من مراكز المقاومة الخطيرة في أوروبا المحتلة. # وقد حاول النازيون بشتى الوسائل أن يخمدوا هذه المقاومة بنوعيها «سلبية وإيجابية» وهي لا ~~تزال في مهدها ولكنهم أخفقوا، فلم تلبث الصحف النازية أن نشرت أخبار المقاومة، وكان أهم ما ~~شكت منه ظهور العصابات المسلحة من اللصوص وقطاع الطرق البولنديين الذين دأبوا على مفاجأة ~~مراكز الشرطة الألمانية المنعزلة والحراس الألمان، ومقر قيادة الجستابو نفسه. بيد أنه لم ~~يكن من أغراض هذه العصابات المسلحة الاستيلاء على المال أو الطعام، بالرغم من انتشار ~~المجاعة في بولندة؛ بل إن أهم ما كان يعني هؤلاء اللصوص وقطاع الطرق العثور على أولئك ~~«الجلادين» و«الجزارين» الألمان الذين أهلكوا ألوف البولنديين ليقتلوهم ويستولوا على سلاحهم ~~وذخيرتهم. ومنذ خريف 1941 نظمت هذه العصابات المسلحة، ونجم عن هجومها المتكرر على مخازن ~~الذخيرة والسلاح أن صارت بولندة تحتفظ بقدر وافر من الأسلحة والذخائر مخبأة في جهات متعددة؛ ~~انتظارا لليوم الذي يستطيع البولنديون فيه رفع راية الخلاص والاقتصاص من «جلاديهم» وقت ~~الهجوم على قلعة هتلر الأوروبية. # وكانت اليونان كذلك مركزا رئيسيا للمقاومة الإيجابية في أوروبا؛ فقد أنزل الألمانيون ~~والإيطاليون الذين اشتركوا في احتلال هذه البلاد كما أنزل الألمانيون في كريت، والبلغاريون ~~في مقدونيا صنوف العذاب بالأهلين. ولعل أقسى ما نزل بهم حرمانهم من الأطعمة واستيلاء سلطات ~~الاحتلال على العقاقير الطبية والضمادات وما إلى ذلك، حتى انتشرت المجاعة المخيفة في ~~اليونان وكريت، ومات الأطفال من الجوع والبرد والمرض، وسقط الرجال في شوارع المدن منهوكي ~~القوى، وظلت جثث الموتى مبعثرة في الطرق. وقد بلغ عدد ضحايا الجوع والتعب والبرد والمرض ~~خمسمائة في كل يوم من أيام سنة 1942، واشتدت وطأة المجاعة في العام التالي، حتى ذكرت ~~المصادر العلمية في أنقرة أن حوالي خمسمائة يوناني من طبقة العمال في أثينا وبيريه ماتوا ~~جوعا في النصف الأول ms047 من شهر أكتوبر «1943»، وفي نوفمبر كانت اليونان تواجه كارثة وطنية لا ~~مثيل لها بسبب ما تعانيه من نقص في الأطعمة، أضف إلى ذلك أن «السادة» الألمان والإيطاليين ~~ثم البلغاريين بعد ذلك ظلوا يتفننون في ابتكار الأساليب لإلحاق الأذى بالأهلين، كأنما الغرض ~~من الاحتلال هو إبادة الشعب اليوناني عن بكرة أبيه؛ ولذلك كله لم يكن هناك بد من أن تكون ~~اليونان من مراكز المقاومة الشديدة في البلقان، فإن فلول الجيش اليوناني الباسل ظلت تحارب ~~في جبال «أبيروس» ومقدونيا وتساليا وطراقية وكريت، حتى اضطر الإيطاليون بسبب هذه المقاومة ~~العنيدة إلى الاحتفاظ (1942) بعدد من الفرق لا يقل عن ست عشرة فرقة في اليونان وكريت، وأرغم ~~الألمان على الاحتفاظ بثماني فرق. وفضلا عن ذلك فقد عمد الألمان إلى اعتقال عدد كبير من ~~أهل القرى - وبخاصة في كريت - بمثابة رهائن، وأعدموا معظمهم، ثم صاروا يحرقون القرى كلما ~~نشبت بينهم وبين العصابات اليونانية أو الكريتية معركة من المعارك، أو اعتدى اليونانيون على ~~ضباط الاحتلال الألمان أو الإيطاليين، أو أتلفت عصاباتهم القطارات أو عطلت النقل العسكري. ~~ومع ذلك أعد رجال العصابات بجزيرة كريت في شهر سبتمبر 1943 جيشا من 15000 محارب، بينهم ~~جنود من البريطانيين والنيوزيلنديين للهجوم على حاميات المحور عندما يغزو الحلفاء هذه ~~الجزيرة وتتصدع أركان القلعة الهتلرية، واستطاعت العصابات الكريتية إنشاء مستودع للأسلحة ~~بفضل الهجوم على حاميات المحور وقوافله، وألفوا لهم قيادة عامة تحت أوامر الجنرال «ماندا ~~كاس». وقد استمرت أعمال المقاومة في اليونان على شدتها، ثم لم تلبث أن امتدت إلى المناطق ~~التي كان يشملها الاحتلال البلغاري في شمال اليونان، ثم احتج اليونان على الاحتلال البلغاري ~~لمقدونيا، ونزح كثيرون من سكان هذه المناطق المحتلة إلى الجبال حيث ألفوا العصابات تحت ~~قيادة ضباط الجيش اليوناني. ومع أن النازيين عندما غزوا بلاد اليونان واجتاحوها صادروا جميع ~~السفن الشراعية، فقد استولى رجال العصابات على عدد من هذه السفن وسلحوها بالمدافع السريعة ~~وصاروا يستخدمونها لنقل الإمدادات إلى الأسر الجائعة. وفي نوفمبر شرع الألمان يعدون العدو ~~للقيام بأعمال حربية ms048 هجومية ضد خمسين ألف جندي من رجال العصابات اليونانية المرابطين في ~~المنطقة الجبلية بين تساليا وأبيروس. ~~••• # وكان من أساليب المقاومة الإيجابية، ما يعرف باسم «حركة الإبطاء المتعمد» في العمل ~~والانتاج # Go Slow Movement ~~، وكذلك أعمال التخريب # Sbotage ~~، وهذان النوعان في الحقيقة من أشد ضروب المقاومة ~~الإيجابية خطرا على النازيين، في وقت اشتدت فيه حاجتهم إلى كل ما يمكن إنتاجه من أغذية ~~وأردية صوفية وقطنية وأسلحة وذخائر ومصنوعات وغيرها؛ لإعداد التعبئة العامة ومساعدة ~~النازيين على إحراز السيطرة الجرمانية في القارة الأوروبية، ثم دعم هذه السيطرة في ~~النهاية. # فمن المعروف أنه كان يوجد لدى الألمان في الحرب العالمية الثانية من الأغذية الاحتياطية - ~~بفضل ما سلبوه من الدول الخاضعة لسيطرتهم - كمية تزيد على ما كان لديهم من الأغذية في الحرب ~~الأولى. بيد أن «التخريب» الذي كان يحدث في أدوات الإنتاج كان أعظم خطرا عليها - بلا مراء ~~- من تخريب أعوام الحرب الأولى (1914-1918م). وكذلك أدت حاجة الألمان الملحة إلى المنسوجات ~~الصوفية والقطنية إلى تدبير حملة الشتاء المعروفة في عام (1941-1942) من أجل جمع الملابس ~~الصوفية والقطنية، ودل اهتمام الألمان بهذه الحملة على أن مخازنهم ومصانعهم في الريخ وفي ~~البلدان الخاضعة لهم، قد أصبحت خالية من الصوف والقطن، حتى كان الجنود الألمان المرسلون ~~للقتال في الميدان الروسي يرتدون ملابس النساء الداخلية من صوفية وقطنية طلبا ~~للتدفئة. # وعدا ذلك دلت الحملة الروسية على أن القيادة العسكرية الألمانية أخطأت التقدير إلى مدى ~~بعيد؛ فقد ظل القتال على شدته منذ نشوب الحرب مع الروسيا في صيف 1941؛ ولذلك لم يستطع الهر ~~هتلر الاستغناء عن مقاتلته في شتاء (1941-1942) لإرسالهم من ميدان القتال إلى المصانع ~~والمناجم وغيرها لإنتاج الأسلحة والذخائر الضرورية لهجوم الربيع، بل على العكس من ذلك أرسل ~~النازيون منذ يناير 1942 سيلا من القوات الجديدة إلى الجبهة الشرقية، حتى أقفرت المصانع ~~تماما من العمال الألمان واضطر النازيون إلى الاعتماد كل الاعتماد على الصناع والعمال ~~الأجانب الذين جلبوهم بكثرة عظيمة من البلدان المحتلة للعمل في المصنع والمنجم والحقل، مع ms049 ~~العلم بأن الألمان كانوا حتى صيف 1941 يستخدمون من هؤلاء العمال - ومن بينهم أسرى الحرب - ~~حوالي 3000000 رجل كما سبق ذكره. # بيد أن الاعتماد في الإنتاج على العمال «الأجانب» سواء في داخل الريخ أو في الدول ~~المحتلة، لم يلبث أن مهد الفرصة لظهور حركة الإبطاء المتعمد كأسلوب من أساليب المقاومة ~~الإيجابية الشديدة. ومعنى الإبطاء المتعمد: الإهمال المقصود في العمل، وإتلاف الآلات بدعوى ~~جهل طرق استعمالها، وتضييع الوقت سدى في مناقشات لا طائل تحتها، وتظاهر العمال بالغباوة ~~والبلادة والجهل والخوف في المصنع، وعدم فهم الأوامر والإرشادات والتعليمات على الرغم من ~~إلقائها عليهم المرة بعد المرة، وترك المواد والآلات تسقط وتتحطم أو تتلف «سهوا» أو «قضاء ~~وقدرا»، وهكذا مما يجر إلى تبديد الوقت والجهد ويؤدي في النهاية إلى نقص الإنتاج إلى حد ~~ملحوظ. # ولم تكن حركة الإبطاء المتعمد هذه مقصورة على المصنع وحده؛ بل كانت منتشرة في الحقل وفي ~~مصالح النقل بالسكك الحديدية والأنهار وغيرها، وفي المنازل حيث يقوم بخدمة «السادة» الألمان ~~النساء البولنديات خاصة، فيتعمد العاملون في هذه النواحي بسبب إبطائهم الشديد تضييع الوقت ~~سدى، ثم تخريب أو إتلاف الآلات والأدوات وما إليها، وكل ذلك بدعوى الجهل والنسيان أو ~~التظاهر بالغباوة. ومن أمثلة ذلك وضع الزجاج أو المسامير خطأ أو سهوا في علف المواشي، أو ~~إحراق الملابس الصوفية أو تعمد الإبطاء في أوقات الحصاد حتى تتلف المزروعات بتعرضها للعواصف ~~والعوامل الجوية، أو إخفاء الحبوب، أو ذبح الماشية، أو تعريضها للموت فجأة. ولعل أكبر نجاح ~~صادفته هذه «الحركة» كان في مناجم الفحم حيث يتعذر على الملاحظين الألمان مراقبة كل عامل ~~على حدة، ومع أن النازيين كانوا يوقعون عقوبات شديدة، تبلغ حد الإعدام على كل من تثبت عليه ~~تهمة الإبطاء المقصود أو إتلاف الآلات وغيرها أو التخريب عموما، فقد ظلت حركة «الإبطاء ~~المتعمد» على شدتها، بل كثيرا ما وجد العمال الأجانب وسيلة للانتقام شر انتقام من رؤساء ~~العمل الألمان الذين كانوا يشتدون في ملاحظة العمال المشتغلين في المصانع وغيرها ويوقعون ~~عليهم العقوبات الصارمة ms050 لإبطائهم. # وقد نجحت حركة الإبطاء المتعمد وانتشر التخريب في أوروبا النازية انتشارا كبيرا، فصارت ~~الشعوب المقهورة يباري بعضها بعضا في إتقان هذا النوع من المقاومة الإيجابية، فامتاز ~~البولنديون - إلى جانب قيامهم بأعمال التخريب الكبيرة - بالبراعة في إرهاق أعصاب الأسرات ~~الألمانية التي اعتمدت في إدارة منازلها على «الخدم» البولنديين، كما اعتمدت في أعمال ~~زراعتها على سواعدهم، فأنزل البولنديون بهذه الأسرات خسائر فادحة في المنزل وفي الحقل على ~~السواء. أما النرويجيون الذين كانوا يشتغلون في المصانع وأحواض السفن الألمانية فقد اتخذوا ~~لهم شعارا: «العمل مدى ساعتين في اليوم فحسب لحساب هتلر وست ساعات لحساب الملك هاكون!» ولم ~~يقل عنهم حماسة في ذلك البلجيكيون والهولنديون والتشيك. ومن الحوادث التي تدل على إمعان ~~التشيك في هذا النوع من المقاومة، ما وقع في فينا في 17 نوفمبر سنة 1941 عندما ألقي القبض ~~على ثلاثة منهم وأعدموا رميا بالرصاص؛ «لادعائهم - كما جاء في التقرير الرسمي - أنهم من ~~رجال الجستابو حتى يستطيعوا المضي في أعمالهم غير القانونية!» والحقيقة هي أن هؤلاء الرجال ~~كانوا بدعوى تنفيذ أوامر الجستابو، يكلفون المصانع إنتاج أشياء ومصنوعات لا داعي لها، اقتضى ~~صنعها استهلاك كمية كبيرة من الخامات سدى، إلى جانب تضييع جهود العمال وأوقاتهم في هذه ~~المصانع. ~~••• # وكان من آثار هذه «الحركة» أن نقص الإنتاج كثيرا في المصانع التي كانت تشتغل في أوروبا ~~النازية لحساب الألمان، مثال ذلك أن الإنتاج في تشيكوسلفاكيا في خريف 1941 كان يقل 40٪ عما ~~كانت هذه الدولة تنتجه في الظروف العادية، هذا على الرغم من توفر الخامات والأيدي العاملة ~~بها. وفي مصانع «سكودا» المشهورة قل الإنتاج بنسبة 33٪، وفي مصانع مدافع «برين # Bren ~~» المعروفة قل الإنتاج بنسبة 40٪، وفي مناجم الفحم ~~البلجيكية قل الإنتاج منذ خريف 1941 بنسبة 36٪، ومع أن الألمان أحضروا إلى هذه المناجم ~~عمالا كثيرين، وزادوا من ساعات العمل بها، فقد ظل الإنتاج في ديسمبر 1941 ويناير 1942 ينقص ~~30٪ عن إنتاج العام السابق. ~~••• # أما الفرنسيون فقد كانوا في طليعة الشعوب التي أتقنت هذا النوع من أنواع المقاومة ~~الإيجابية، ms051 حقيقة ظل الفرنسيون في بادئ الأمر في شبه ذهول كبير من صدمة ذلك الانهيار الذي ~~حطم في نفوسهم كل أمل وكل رجاء في المستقبل، حتى نجحت الدعاية النازية في استمالة الأنصار ~~والمتعاونين مع رسل النظام الجديد في فرنسا، ولقيت هذه الدعاية كل تأييد من جانب حكومة ~~فيشي. ولكن الأساليب النازية لم تلبث أن أزالت الغشاوة الثقيلة التي أسدلت على عيون ~~الفرنسيين وأبصارهم عندما وجدوا «السادة» الألمان لا يبغون من تطبيق النظام الجديد سوى نهب ~~فرنسا وسلبها، كما أنهم ظلوا محتفظين بالأسرى الفرنسيين كرهائن حتى يضمنوا سكون هذا الشعب ~~المقهور إلى العيش الذليل، وإرغامه على الرضا وقبول السيطرة الجرمانية على أمل الإفراج عن ~~هؤلاء (المليونين) من الرجال الذين ينتظر عودتهم الأهل والأقرباء في كل بيت من بيوت فرنسا ~~تقريبا. وهذا أيضا عدا حوالي 100000 عامل فرنسي، حتى أغسطس 1942 أرغموا على العمل في ~~ألمانيا بالوسائل التي تقدم ذكرها. وكان من عوامل إحياء الأمل والرجاء في قلوب الفرنسيين ~~إخفاق الألمان في معركة بريطانيا، وإخفاقهم الأول في الحملة الليبية المعروفة، وكذلك عنف ~~القتال في الجبهة الروسية؛ فأفاق الفرنسيون من سباتهم رويدا رويدا، ثم أدركوا أن الجحافل ~~النازية لم تعد تلك الجيوش المظفرة والتي يستحيل قهرها. # لذلك بدأ الفرنسيون منذ أواسط عام 1941 يتقنون أساليب المقاومة الإيجابية. ولما كان ~~النازيون يعتمدون على العمال الفرنسيين في المصانع الفرنسية لإنتاج آلات الحرب، فقد وجد ~~الفرنسيون مجالا واسعا «للتخريب» و«الإبطاء» في المصانع، ومن ذلك الحين كشف الألمان أن ~~الطائرات التي تخرجها المصانع الفرنسية لا تصلح للملاحة الجوية، وأن كثيرين من طياريهم ~~يفقدون الحياة عند محاولة اختبارها قبل إرسالها إلى ميدان القتال، كما كشفوا أن «خرطوش» ~~البنادق والمدافع المرسل من المصانع الفرنسية يصل في الغالب خاليا من المواد المفرقعة. وفي ~~مرسيليا وجد الألمان أن جزءا كبيرا من الأغذية المعدة لتموين الجيش الأفريقي يتلف ويعطب ~~قبل إنزاله إلى سفن النقل. ومن طريف ما يذكر عن أساليب حركة الإبطاء المقصود أن ضابطا ~~نازيا عهد إليه في إنشاء مطار في فرنسا ms052 في أرض ممهدة نوعا، فاستخدم في هذا العمل عددا ~~كبيرا من الفرنسيين، ولكن انقضت أربعة أشهر دون أن يتم إعداد هذا المطار، وعند البحث اتضح ~~أن سبب ذلك هو أن العمال الفرنسيين كانوا يتظاهرون دائما بعدم فهم الأوامر والإرشادات ~~والتعليمات الألمانية، فإذا طلب إليهم مثلا إقامة بناء في ناحية ما حفروا الأرض بدلا من ~~ذلك، وإذا طلب إليهم العكس أقاموا عليها بناء أو شقوا بها ترعة أو حفروا فيها خندقا ~~وهكذا، حتى لم تعد الأرض بعد هذه الشهور الأربعة تصلح لإنشاء المطار على الإطلاق. وكان ~~الفرنسيون يعمدون إلى المناقشة والجدل مع رؤساء العمل الألمان دائما عند إعطاء التعليمات ~~الخاصة بأي عمل في المصنع أو في الحقل، فيتخذون من الجدل الطويل وسيلة لتضييع الوقت وتحقيق ~~فكرة «حركة الإبطاء المتعمد»، ولم تفلح عقوبات الألمان الصارمة - ومنها الإعدام - في إخماد ~~هذه المقاومة. # وكان من أسباب ازدياد المقاومة ما طلبه الهر هتلر من تقديم فوج جديد من العمال الفرنسيين ~~عددهم «470000»، يرسل منهم إلى ألمانيا قبل نهاية شهر يونية من عام 1943 «220000»، أو أن ~~يوضعوا على الأقل تحت تصرف جماعة «تودت» في فرنسا ذاتها، بينما يقدم الباقون وعددهم ~~«250000» في أثناء الأشهر الثلاثة التالية. فقابل الشبان الفرنسيون هذا الطلب بكل أنواع ~~المقاومة العنيفة، واعتصم أهل مقاطعة سافوي بالجبال فرارا من التعبئة، وبلغ عدد الذين ~~لجئوا إلى الجبال والغابات حوالي الثلاثة آلاف، ثم حدث مثل هذا تماما في البرينيه العليا ~~وبريتاني والفنديه، وبلغت نسبة الهاربين في هاتين المقاطعتين الأخيرتين 75٪ من الأهلين، ~~وقذف الشعب في إحدى مواني بريتاني الصغيرة ببعض رجال النازي إلى البحر، واتسعت حركة العصيان ~~بين الفلاحين في مدن أخرى وتفاقمت تفاقما كبيرا. وفي مقاطعتي سانت كلو وجورا عظمت ~~المظاهرات احتجاجا على نقل العمال الفرنسيين عنوة إلى ألمانيا، ووقع اعتداء على رجال ~~الشرطة. وعندما أرغم العمال الفرنسيون على الذهاب إلى القطارات لحملهم إلى ألمانيا عطل ~~المتظاهرون سير هذه القطارات، وأتاحوا الفرصة لفرار كثير من هؤلاء المجندين. وفي سافوي أخذ ~~الإيطاليون يحاصرون الشبان الفرنسيين الذين التجئوا إلى ms053 بلدة «أنسي» الصغيرة، ولم يعدم ~~هؤلاء بدورهم وسيلة للانتقام من مطارديهم، فانقضوا فجأة ذات يوم من أيام شهر أغسطس على أحد ~~المراكز الإيطالية على حدود سويسرة وقتلوا قائد هذا المركز، بينما احتدمت المعارك في الشهر ~~نفسه في سافوي العليا بين رجال العصابات والقوات المسلحة، واضطر الألمان إلى إرسال النجدات ~~لاحتلال منطقة الحدود بأكملها، فوصل في سبتمبر إلى دوفيني وإيفيان وغيرها حوالي 9000 جندي ~~ألماني لمحاولة القضاء على «الماكي»، وهي «عصابات» الوطنيين الفرنسيين الذين اعتصموا ~~بالجبال في سافوي العليا فرارا من العمل تحت إمرة الألمان. وفي سبتمبر كان عدد عصابات ~~«الماكي» حوالي 12000 من الشبان المزودين بالأسلحة والأدوات الخاصة وأجهزة الراديو، وكل ما ~~يفيد في تخريب السكك الحديدية بنوع خاص. # وقد روى مراسل جريدة «جازيت دي لوزان» قصة ما يجري في المنطقة الجبلية من الحوادث، فقال: # ترى شابا من عمال المزارع يبدو مسالما لا خوف منه يدخل بدراجته مزرعة معينة ~~خصصت له، ثم يستقر في حجرة من حجرات بيت صاحب المزرعة بعد تبادل كلمات مع زوجته، ~~ولا يكاد يستقر به المقام في تلك الحجرة حتى يخرج من حقيبته جهاز اللاسلكي ويأخذ في ~~استخدامه، ويجد هذا الشاب بعض الصعوبة في الاتصال بالذين يريد الاتصال بهم، ومع أنه ~~يعلم أن في استطاعة سيارات «البوليس السري الألماني» معرفة مكانه بعد عشرين دقيقة ~~من استخدامه جهازه اللاسلكي فإنه يظل يرسل رسالته إلى نهايتها، على أن إرسال هذه ~~الرسالة يستغرق عادة مدة طويلة، حتى إن الشاب لا يكاد ينتهي من عمله حتى يرى إحدى ~~سيارات الجستابو تدخل المزرعة، ويخرج منها الجنود الألمان مسرعين إلى الحجرة التي ~~كمن فيها الشاب وهم يطلقون النار دون إنذار إلى أن يقع الشاب صريعا مضرجا بدمائه، ~~ويمكن أن يقال، قياسا على ما يحدث هناك: إن قانون هذه العصابات لا يعرف رحمة ولا ~~شفقة؛ إذ إن أنباء هذا الحادث لا تكاد تنتشر في البلاد وتبلغ مسامع رؤساء هذه ~~الجماعة حتى يعمدوا إلى حيلة للانتقام، ذلك بأن سيارة «البوليس» السري الألماني بعد ~~أن ms054 تلتقط رسالة مستعجلة تقصد إلى «جراج» معين ويخرج منها جنود الجستابو ويتقدمون ~~نحو أبواب «الجراج»، وبينما هم يحاولون فتح هذه الأبواب إذا بوابل من رصاص المسدسات ~~يفاجئ الألمان ويقتلهم جميعا عدا السائق، فإنه يضرب ضربا أليما ويطلق ~~سراحه. # وفي الواقع يحيا هؤلاء الشبان حياة محفوفة بأشد الخطر ويضحون بكل شيء حتى بأرواحهم في ~~سبيل أداء واجباتهم. # ومنذ استسلام إيطاليا (في أغسطس وسبتمبر 1943) ترك الجنود الإيطاليون كميات كبيرة من ~~الأسلحة والذخائر في أيدي الثوار في مقاطعتي سافوي وسافوي العليا، كما أن عددا من الضباط ~~والجنود الإيطاليين الذين لم يستطيعوا الالتجاء إلى سويسرة لم يلبثوا أن انضموا إلى هؤلاء ~~«الثوار»؛ كي لا يتمكن الألمان من نزع سلاحهم. وفي نوفمبر نشب القتال بين الألمان والوطنيين ~~الفرنسيين في عدة مدن، منها تولوز ومرسيليا، ثم لم يعد نشاط الوطنيين مقصورا على الجبال، ~~بل أخذ يمتد بسرعة في جنوب فرنسا وفي بريتاني. وفي تولوز اعتدى الوطنيون على الجنود الألمان ~~وقتلوا كثيرا منهم. وفي مرسيليا وقعت مصادمات خطيرة في الشوارع قتل فيها عدد من الألمان. ~~وفي «كان» وغيرها صار لا ينقطع صوت إطلاق الرصاص كلما أرخى الليل سدوله، وقد يكفي أن نذكر ~~آخر الإحصائيات التي عملت وقتذاك عن خسائر الفرنسيين الوطنيين لمعرفة مبلغ ما وصلت إليه ~~المقاومة الإيجابية في فرنسا من عنف وشدة؛ فقد قدر عدد ضحايا الوطنيين الفرنسيين في حوادث ~~المقاومة بنحو 40000، هذا بينما بلغ عدد المسجونين لاشتراكهم في حركة المقاومة السرية نحو ~~نصف مليون. ~~••• # ويتضح مبلغ خطر هذه المقاومة الإيجابية من مراجعة طائفة من حوادث التخريب التي وقعت في ~~أوروبا النازية بين أغسطس 1941، ونوفمبر 1943. # ففي شهر أغسطس 1941 كان عدد حوادث السكك الحديدية في بولندة - حسب الإحصاءات الرسمية ~~الألمانية - 128 حادثا؛ أي بما يزيد على أربعة حوادث يوميا. # وفي ليلة من ليالي سبتمبر 1941 استولى حوالي 400 من التشنتيك و1500 من المدنيين على مناجم ~~الفحم في لجسلاني # Ljeslani # في البوسنة «في يوغسلافيا»، ~~وكان يقوم على حراسة هذه المناجم 75 رجلا قتلوا جميعهم في ملحمة دامية ms055 نسفت بعدها هذه ~~المناجم بالديناميت. ثم ضرب التشنيك محطة توليد الكهرباء المجاورة قبل انسحابهم، وقدرت ~~الحكومة الكرواتية هذه الخسارة بمبلغ 12 مليون كونا (العملة الكرواتية الجديدة). # وفي 16 سبتمبر 1941 نسفت بالديناميت في بولندة قنطرة السكة الحديدية الرئيسية بين ~~«برسلاو» و«وارسو»، وهذا الخط من أعظم خطوط التموين أهمية بين ألمانيا والجبهة الشرقية ~~(الروسية). # وفي 10 أكتوبر أذاع الحاكم الألماني في إقليم «أليسوند # Allesund ~~» في النرويج أن الأهالي ألحقوا أضرارا جسيمة بالتحصينات ~~الألمانية. # وفي 15 ديسمبر نسفت بالديناميت في بلجيكا الشرقية الأسلاك الرئيسية في محطة «بريسو شارات # Bresoux Charatte ~~» لتوليد الكهرباء، وهي تمد ألمانيا ~~الشمالية الغربية. # وفي 4 نوفمبر نسفت بالديناميت أجزاء في منجم فحم «موتيجني» في إقليم ~~«جراند-لينج». # وفي يناير 1942 أصدر رئيس الشرطة في باريس أمرا بالقبض على عصابة من المحاربين يتزعمها ~~عامل يبلغ من العمر 22 سنة، مهمتها إشعال الحرائق في المصانع وتخريب الآلات. وفي الشهر نفسه ~~أعلنت الحكومة الألمانية رسميا أن صعوبة تموين يوغوسلافيا واليونان بالطعام ناشئة من أن ~~عددا كبيرا من موظفي السكك الحديد اليوغوسلافية قد انضموا إلى جيش الجنرال ميخائيلوفتش ~~وإلى جماعات «التشتنيك». # وفي 2 فبراير عين الماجور كويسلنج رئيسا لحكومة النرويج، فتبع ذلك سلسلة من أعمال ~~التخريب؛ إذ أشعلت الحرائق في محطة السكة الحديد في «أوسلو»، ثم انفجرت عدة قنابل في بناء ~~البرلمان النرويجي # Storting ~~، وفي الجامعة والمسرح ~~الحكومي، ثم أشعلت النيران في أكبر مصنع نرويجي للمطاط في «أسكيم # Askim ~~»، وفي مصنع آخر في «درامن # Drammen ~~» وقد خرب المصنعان تماما، وكذلك اشتعلت النيران في «برجن» وفي ~~«لكسفاج # Laxevaag ~~» في مصنع للآلات وفي أحواض ~~السفن. # وفي 21 مايو 1943 أذيعت أنباء عن وقوع اضطرابات خطيرة في عاصمة بلجيكا، وأن الوطنيين ~~البلجيكيين دمروا أخيرا 33 قاطرة، منها 5 قاطرات كانت تجر 18 مركبة محملة بالذخيرة، وعطلوا ~~أو حطموا مؤسسات هامة أخرى. # وفي 31 مايو 1943 أشعل رجال عصابات التخريب النار في أعظم مصنع نسيج في رومانيا للمرة ~~الثانية، وأتلفوا ألوف الكيلوجرامات من المواد الخام، وقدرت الخسائر ms056 ببضعة ملايين ~~لي. # وفي اليوم نفسه أذاعت وكالة الأنباء البلجيكية أن المخربين نسفوا ثلاث محطات مترو في ~~منطقة لييج، وقد نسف منزل عمدة بلدة شوشين. # وفي 3 يونية دمر الوطنيون الفرنسيون منجما يستخرج منه البوكسيت وهو أهم مصدر ~~للألمونيوم، وكذلك دمروا في المدة القصيرة السابقة نحو 300 قاطرة، 1200 عربة مشحونة بمعدات ~~الحرب والمواد الغذائية والجنود، ثم نسفوا ثلاثة جسور. # وفي 18 يونية قتل أكثر من أربعمائة جندي ألماني كانوا في طريقهم إلى اليونان عندما هاجمت ~~جماعة من المخربين القطار الذي كان يقلهم في متروفيكا في كرواتيا وأخرجوه عن الخط. وقد ثأر ~~الألمان لأنفسهم بإحراق المدينة ولم تعد القطارات تمر بهذه المنطقة لكثرة حوادث التخريب في ~~السكك الحديدية حتى بلغ المعدل خمسة قطارات في اليوم الواحد على الرغم من الوحشية التي ~~يستخدمها الألمان في التشفي والانتقام. # وفي 28 يونية أذاعت وكالة الأنباء البلجيكية أن ثلاثة من البلجيكيين وفرنسيا أعدموا ~~على إثر وقوع انفجار شل حركة النشاط في منجم فحم في «لامبو سارت» بمقاطعة هانيولت في ~~بلجيكا، وكذلك نشرت الصحف السرية البلجيكية في هذا الوقت خبرا مفاده أن 38 قاطرة و251 عربة ~~وست «ورش» تابعة للسكك الحديدية دمرت في خلال شهر واحد. وقالت إحدى الصحف السويدية: إن ~~الوطنيين البلجيكيين نسفوا بالديناميت القضبان الحديدية بين «كوتري» و«موسكرون» وبين ~~«تيرلمون» و«لوفان» في عدة أماكن، وقد خرج قطار محمل بالجنود النازيين العائدين إلى ألمانيا ~~عن القضبان، واعتدى الوطنيون كذلك على عدة قطارات ألمانية محملة بالجنود والعتاد الحربي في ~~«غنت» و«جودارفيل» و«ترموند» و«لييج». # وفي 23 يولية جاء من اليونان أن العصابات دمرت جسرين على نهر لوروس، ثم هاجمت القوات ~~المعادية التي كانت تريد إصلاح الجسرين وقطعت المواصلات التليفونية بين بعض المدن. وفي 23 ~~أغسطس أذيع من ستوكهولم نبأ خاص جاء فيه أن أكبر مصنع للألمنيوم في الدانمرك، وهو مصنع ~~«دانسك أليومنيوم فابريك» في كوبنهاجن دمر تدميرا تاما بفعل الأيدي المخربة. # وفي 27 أغسطس وردت الأنباء بأن الجنود الألمان أطلقوا النيران على المتظاهرين في ساحة ~~«الراد ms057 هوسيلادن» الواقعة في قلب كوبنهاجن، وقد اشتدت مقاومة الدانمركيين النازيين حتى أذيع ~~عن طريق الراديو الدانمركي أن الضرر الذي أحدثه المخربون بمصنع المعدات الكهربائية في ~~كوبنهاجن يقدر بمائة ألف جنيه إسترليني على قاعدة أسعار ما قبل الحرب. وقد ظهر من التحقيق ~~أنهم دخلوا المصنع وهم يحملون المسدسات وتغلبوا على الحراس ووضعوا ثلاث قنابل أحدثت ضررا ~~مروعا. # وفي 29 أكتوبر وضعت العصابات الفرنسية أربعين طنا من المواد المتفجرة في مصنع بارود ~~بمدينة «لانجو»، فحدث انفجار مروع سمع في أنحاء ولاية المارن العليا وأحدث الانفجار ضررا ~~بليغا. # وفي 17 نوفمبر حدث انفجار في «جرينوبل»، نسفت من جرائه محطة توليد الغاز، وكذلك مصنع ~~الأسلحة والبارود الألماني. # وفي 19 نوفمبر جاء في الأنباء التي أذيعت من زوريخ أن أعمال التخريب في ازدياد مطرد في ~~موانئ كونستنتزا وفينا ولتر وباساد الواقعة على نهر الدانوب، وكانت تخرج من هذه الموانئ ~~صنادل مشحونة طعاما من النمسا ورومانيا عادة إلى ألمانيا. ~~••• # وفيما يلي بعض الأمثلة التي توضح مبلغ الضرر الذي ألحقته هذه المقاومة الإيجابية بأداة ~~الحرب الألمانية. # من ذلك أن حوالي مليون ونصف خرطوشة صنعتها الشركة «الوطنية البلجيكية» لصنع الأسلحة في ~~«هرستال # Herstal ~~»، لم يلبث أن وجدها الألمان عند ~~وصولها إلى ألمانيا خالية من المواد المفرقعة، كما أن شركة «ستروين» الفرنسية انتجت كمية ~~كبيرة من أجزاء الدبابات وجدها الألمان غير صالحة للاستخدام، فانتقموا من عمال هذه الشركة، ~~بأن اختاروا منهم عددا أعدموهم رميا بالرصاص أمام زملائهم. ومن هذه الأمثلة كذلك أن ~~النازيين عندما احتلوا فرنسا الشمالية وأحصوا ما يمكن أن تنتجه مصانعها من دبابات وطائرات ~~قدروا ما يمكن أن تنتجه هذه المصانع في الشهر الواحد بمائتي دبابة وخمسمائة طائرة. وعلى ~~أساس هذا التقدير وزعوا الخامات على المصانع، ومع ذلك وجد الألمان بعد مدة أن متوسط ما يمكن ~~أن تنتجه هذه المصانع في الشهر الواحد لا يزيد على خمسين طائرة، وأربعين دبابة. ~~••• # على أنه كان من أهم عوامل المقاومة بنوعيها (الإيجابي والسلبي) تأليف ذلك الجيش الكبير ~~الذي يضم تحت ms058 لوائه جميع الشعوب المغلوبة على أمرها في أوروبا النازية، والتي تتوق إلى ~~الخلاص من نير النازي وطغيانهم، هذا الجيش هو «جيش ~~النصر # V. Army ~~» وعلامته حرف # V # المشهور، ومقر قيادة ~~هذا الجيش في لندن، ويتولى تنظيمه الكولونيل «بريتون # Britton ~~». وكان لجيش النصر عدة فروع منظمة في الدول المحتلة، بل لقد امتد ~~نشاطه إلى كل بلد وقرية من بلدان أوروبا النازية وقراها، وكان يربو عدد «جنده» على ملايين ~~كثيرة من الرجال والنساء، ومع أن أكثر هؤلاء كانوا عزلا من السلاح؛ إلا أنهم لم يعدموا ~~وسيلة تمكنهم دائما من النضال ضد الخونة والكويسلنجين وغيرهم من أنصار العدو الذين باعوا ~~أرواحهم رخيصة للنازيين في أوروبا. # وكانت مهمة جيش النصر الكبرى مراقبة هؤلاء الخونة والكويسلنجين لمنعهم من إلحاق الأذى ~~بأوطانهم عن طريق التعاون مع النازيين، ومحاولة فض جماعاتهم وأحزابهم، وكان لدى جيش النصر ~~قوائم كاملة بأسماء هؤلاء، فكان جنود هذا الجيش يكشفون أمر الخونة للناس ويخطون أسماءهم على ~~الجدران في الشوارع ويرهقونهم بتكرار الوعيد والتهديد في خطابات يرسلونها إليهم من غير ~~إمضاءات، وكثيرا ما كان يختفي نفر من هؤلاء الكويسلنجين دون أن يتركوا أثرا وراءهم، أو ~~إذا أمكن العثور على جثة واحد منهم، وجد حرف # V # مرسوما ~~عليها. ولم يفلح النازي والجستابو في حراسة أنصارهم أو في تعطيل جهود جيش النصر، بل إن جند ~~هذا الجيش كثيرا ما وجدوا في الظلام الدامس من جراء الإغارات الجوية المتكررة في فرنسا ~~وبلجيكا وهولندة فرصة مواتية للمضي في نشاطهم، فكانوا يفتحون المجاري، ويزينون بوابات ~~وحواجز القنوات (خصوصا في هولندة)، ويغيرون وضع المصابيح الحمراء لتضليل الدوريات ~~الألمانية، وكثيرا ما كان رجال الجستابو يجدون في الصباح عددا من الجند الألمان ملقى في ~~المجاري أو في القنوات أو مصابا بحادث. # وكان جيش النصر يمضي في نشاطه وفق برنامج منظم فيذيع قائده «الكولونيل بريتون» على الأثير ~~أسماء الخونة ذوي الخطر الذين ينبغي التخلص منهم، أو أسماء أولئك الذين يعملون كجواسيس ~~لحساب الجستابو، فلا ينقضي وقت قصير حتى يكون أكثر هؤلاء قد ms059 اختفوا من الوجود، بينما يعمد ~~الجستابو أنفسهم إلى قتل الجواسيس الذين تذاع أسماؤهم حرصا على سلامة نظام «البوليس» السري ~~الألماني نفسه. # وفي الحق أن جيش النصر كان يطيع أوامر قائده وإرشاداته بكل دقة، ومن أمثلة ذلك أن ~~«الكولونيل بريتون» نشر في بداية عام 1942 اسم الدكتور وليم ~~منجلبرج # Mengelberg # عن كبار الموسيقيين الهولنديين، بين أسماء الخونة الذين يتعاونون ~~مع النازي، فحدث في أول احتفال موسيقى أقامه «منجلبرج» في أمستردام بعد هذه الإذاعة أن ~~قابله الجمهور في قاعة كادت تكون خالية، بكل أنواع الاستنكار حتى شعر «منجلبرج» بتعذر ~~الإقامة في وطنه، واضطر إلى مغادرة هولندة والطواف في سويسرة والبورتغال يقيم بها ~~الاحتفالات الموسيقية. # غير أن أكبر الخدمات التي كان يؤديها جيش النصر، إنما هي نشر المقاومة السلبية وتنظيمها ~~في أنحاء أوروبا النازية. ~~••• # وكان يقصد بالمقاومة السلبية امتناع الشعوب المقهورة عن التعاون مع النازيين الذين يحتلون ~~بلادهم، وعدم الدخول معهم في غير الصلات التي تفرض الظروف الواقعية وجودها وفي حدود ~~الاتفاقات أو التنظيمات الرسمية أو شروط الهدنة، وما إلى ذلك. وإعطاء كل معونة ممكنة لقوات ~~الأمم المتحدة في الحرب ضد النازي، ويدخل في ذلك: تغذية الرأي العام عن طريق الصحافة السرية ~~الحرة - وسيأتي الكلام عنها - وذلك لتأليف كتلة وطنية متماسكة، ترفض التعاون مع الألمان، ~~وتعد العدة لاستقبال يوم الخلاص من نيرهم، ثم إيواء الطيارين البريطانيين وغيرهم من طياري ~~الأمم المتحدة الذين ينجون من الموت عند سقوط طائراتهم في أرض العدو، وتدبير فرار هؤلاء ~~الطيارين ومعاونتهم على اجتياز الحدود أو عبور المانش بسلام إلى شواطئ إنجلترا، كما حدث في ~~النرويج والدانمرك وهولندة وبلجيكا وفرنسا، ثم تسهيل مرور «اللاجئين» والفارين من معسكرات ~~الاعتقال الألمانية، كالبولنديين واليهود وأسرى الحرب، وترك الأنوار مضيئة من أعلى النوافذ ~~«سهوا» وقت الغارات على أمل إرشاد الطائرات المغيرة إلى أهدافها. # وهكذا كثرت أساليب هذه المقاومة السلبية وتنوعت، وكانت أعظم ظهورا في البلدان التي لا ~~تساعد جغرافيتها أو ظروفها السياسية أو وقوعها تحت رقابة جيش الاحتلال ورجال الجستابو ~~الشديدة على إتقان ms060 أهلها أساليب المقاومة الإيجابية، ومن ثم امتازت كل من الدانمرك وهولندة ~~وبلجيكا وبولندة وفرنسا أخيرا بإتقان أساليب المقاومة السلبية، ولو أنه مما ينبغي ذكره أن ~~هذه البلاد جميعا قد أخذت تتحول من مجرد اتباع أساليب المقاومة السلبية الآنفة إلى القيام ~~بأعمال التخريب على نطاق واسع والاشتباك مع العدو في معارك دامية. # وكان الدانمركيون أصحاب الفضل الأول في ظهور نوع المقاومة المعروفة باسم «إعطاء الكتف البارد للضيوف النازيين # Den Kold Skudde ~~»، أي إهمال ~~أمرهم، وعدم الاهتمام بهم، والتمسك بحرفية الاتفاقات الرسمية في المعاملات التي لا مناص من ~~وجودها بين الألمان والدانمركيين، مما أحاط العلاقات المحدودة القائمة بين النازيين وأهل ~~البلاد بجو من «البرود» الشديد، وكان الملك الدانمركي «كرستيان» نفسه زعيم هذه الحركة ~~التي كانت تجعل النازيين يشعرون بعمق الهوة التي تفصل بينهم وبين الشعب الدانمركي كما كانت ~~تجعل من المستحيل على هؤلاء النازيين أن ينتظروا من الدانمركيين غير العداوة الشديدة نحوهم. ~~ومن مظاهر هذه الحركة امتناع الشابات الدانمركيات عن مخالطة الألمان أو الاجتماع بهم في ~~المراقص وإلحاق الإهانة والأذى بأنصار المعاونة مع النازي من جماعة «فريتز كلوسن # Clausen ~~»، والتظاهر بجهل اللغة الألمانية، أو الإجابة ~~على ما يلقيه الألمان على الجمهور من أسئلة باللغة الإنجليزية، وكذلك وضع الورود والأزهار ~~على قبور الطيارين الإنجليز الذين يجدون مثواهم الأخير في الدانمرك ورسم حرف النصر - # V ~~- والحروف الأولى من اسم سلاح الطيران الملكي ~~البريطاني # R. A. F. # على جوانب قبورهم، إلى غير ذلك من ~~الأمور التي دفعت أحد الواصلين من الدانمرك يصف هذه المقاومة بقوله: «من المشكوك فيه أن ~~يلقى أي غاز من ضروب المقاومة نوعا أشد إزعاجا وإيلاما مما يلقاه الألمان في ~~الدانمرك!» # بيد أن الدانمركيين لم يقنعوا بهذه الأساليب، بل أخذت تظهر إلى عالم الوجود حركة سرية ~~واسعة النطاق غرضها التدمير والتخريب في المصانع التي تشتغل لحساب ألمانيا، حتى اضطرت حكومة ~~برلين في أواسط عام (1943) إلى إرسال «بلاغ نهائي» بشأن القضاء على هذه الحركة الخطيرة، ~~والمطالبة بمحاكمة الذين يقترفون أعمال التخريب أمام محاكم ms061 ألمانية بدلا من المحاكم ~~الدانمركية التي لا تعترف بعقوبة الإعدام. وفي أغسطس أعلنت حالة الطوارئ في عدة مدن هامة ~~مع أن الملك «كرستيان» لم يلبث أن أصدر نداء إلى شعبه ناشده فيه التمسك بأهداب الهدوء ~~والنظام، وسواء أحدث ذلك نتيجة ضغط السلطات الألمانية عليه أو لأنه كان لا يزال يفضل خطة ~~«إعطاء الكتف البارد» للضيوف الألمان - فإنه لم تمض ساعات من صدور هذا النداء حتى عادت ~~حوادث التخريب سيرتها الأولى، بل واشتدت وطأتها، ودمر المخربون مصنع «دانسك أليومنيوم ~~فابريك» في كوبنهاجن - مما سبق ذكره - وعلى ذلك احتل الألمان في 24 أغسطس 1943 مدينة ~~كوبنهاجن احتلالا تاما، وأذاع راديو «كالاندبرج» وكان تحت سيطرتهم، نداء يحض العمال في ~~كوبنهاجن على عدم الانقياد إلى دعاة الاستفزاز والثورة، «الذين يوزعون منشورات غفلا من ~~التوقيع يدفعونهم بها إلى أعمال التخريب والتدمير». # ومع هذا فقد ذهبت نصائح الألمان سدى، وترتب على الاحتلال الجديد وقوع حوادث خطيرة، منها ~~التحام الجنود الألمان مع الدانمركيين في مناوشات دامية، ونسف مستودعات الذخيرة في منطقة ~~الأحواض في كوبنهاجن، وفرار جزء من الأسطول الدانمركي إلى موانئ السويد، وإقدام البحارة ~~الدانمركيين على إغراق جميع البوارج الحربية التي كانت في ميناء كوبنهاجن والتي لم تستطع ~~الخروج من الميناء، ثم تمكن عدد كبير من ركوب الزوارق البحرية وفروا عليها إلى السويد ~~أيضا. # وعندما قدمت السلطات الألمانية بسبب هذه الحوادث، إنذارا إلى حكومة الدانمرك طلبت فيه ~~السيطرة العامة على البلاد، رفضت الحكومة هذا الإنذار، وهددت الملك بالاستقالة إذا قبل ~~إنذار الألمان، فأعلن «فون هانيكين» القائد العام الألماني الأحكام العرفية في منشور جاء فيه: # إن الحوادث الأخيرة برهنت على أن الحكومة الدانمركية عاجزة عن المحافظة على ~~النظام في الدانمرك، ولما كانت الاضطرابات التي يسببها سماسرة العدو موجهة ضد الجيش ~~الألماني، فإني بناء على ذلك أعلن الأحكام العرفية في البلاد كلها. # وكانت الخطوة التالية، أن اعتقل الألمان الملك والوزراء وولي العهد وأسرته، وحدثت من جراء ~~ذلك التحامات عنيفة بين جنود الحرس والألمان عند قلعة «سود جنفري» التي اعتقل ms062 بها الملك، ~~على بعد عشرة أميال شمالي كوبنهاجن، وكذلك وقعت التحامات أخرى في ثكنات «ريجرسيورجس»، وفي ~~مدينة «سفند بورج»، و«مستفيد» بجوار كوبنهاجن، وزيادة على ذلك اعتقل الألمان جميع الضباط ~~النظاميين في الدانمرك وقبضوا على رئيس حزب المحافظين، وزعيم هذا الحزب في البرلمان ووزير ~~الشئون الكنسية السابق وزعيم الشباب المعروف «إكسل مولر»، وأحد الشيوخ، وزعماء نقابات ~~العمال. ثم شرعوا يضطهدون اليهود؛ فقبضوا على رئيس الجالية اليهودية في كوبنهاجن، وكان ~~شيخا يناهز الثانية والسبعين، ومعه خمسون من زعماء اليهود، كما عمدوا إلى أخذ «الرهائن» ~~لتقوية الحكم الإرهابي، وهددوا باعتقال زعماء العمال «كرهائن» حتى يخمدوا موجة الاضطراب ~~التي اكتسحت «هلسنجوير» وتسع مناطق أخرى. ثم زادت الأزمة تعقدا عندما استقال في آخر الأمر ~~«سكافينوس» رئيس الوزارة ورجال حكومته، ورفض رجال «البوليس» الدانمركي أداء يمين الإخلاص ~~للقائد الألماني العام «فون هانيكين». ونجم عن هذا الأمر الأخير أن احتل رجال الجستابو ~~وجنود الهجوم جميع مراكز الشرطة بالعاصمة في آخر أغسطس 1943. # ومع هذا، فإن الإجراءات الألمانية الصارمة لم تأت بالنتيجة المرغوبة، فقد استمرت ~~الاضطرابات في كوبنهاجن وفي غيرها من المدن، واتسعت حركة التخريب في الفترة التالية واضطر ~~الألمان بسببها إلى إصدار منشور جديد يعمم حالة الطوارئ في الدانمرك كلها ويصر على التشدد ~~في تنفيذها 7 سبتمبر، ولكن أحدا لم يرتدع، فقد جاء في نبأ من استكهولم في 29 أكتوبر أن ~~المواصلات والحركة العامة قد عطلت في أنحاء الدانمرك بسبب ظهور حركة تخريب جديدة واسعة ~~النظاق، وأن العصابات دخلت محطة ومصنعا لآلات اللاسلكي التي تكشف اقتراب الطائرات المغيرة، ~~فقتلت حارسا وتغلبت على بقية الحراس وحطمت جزءا من المصنع بالقنابل، وأن عصابات أخرى ~~أشعلت النار في مخازن الألمان في «أودنسي» و«أسبرج». # وفي أواخر عام 1943 كانت هذه المقاومة لا تزال على أشدها، فالمصانع تنقطع عن العمل، ويضرب ~~عمالها لأتفه الأسباب، وتكثر حوادث النسف والتدمير بدون توقف في جميع أنحاء البلاد، من ذلك ~~نسف قطار حرب ألماني كان ينقل قوات ألمانية إلى الدانمرك لتعزيز الحامية النازية فيها. ~~وإزاء هذه المقاومة ms063 الخطيرة، اضطر الألمان على ما يبدو، إلى تعديل خطتهم بعض الشيء، فبعث ~~الهر هتلر في أواخر نوفمبر رسالة إلى الملك كرستيان، الذي كان لا يزال حتى هذا الحين في شبه ~~اعتقال رسمي، يقول فيها إنه يقدر موقف الملك ويدرك الصعوبات التي تكتنفه من كل جانب، وأنه ~~لهذا يتوق إلى مقابلته للبحث عن الوسائل التي تكفل علاج هذه المشاكل من الجانبين، «لا سيما ~~أن الدانمرك أصبحت في مفترق الطرق، ويجب أن تساهم بنصيب كامل في جهود المحور الحربية»، وهذا ~~الغرض الأخير كان يستحيل على الملك قبول تحقيقه؛ لذلك رفض «كرستيان» هذه المقابلة واعتذر عن ~~ذلك بأنه لا يزال مقيد الحرية ولا يستطيع فعل شيء ما دام محروما من الحرية الكاملة في ~~العمل، وما لم يرد وزراؤه المعزولون إلى مناصبهم: هذا إلى أن حالته الصحيحة لا تمكنه من ~~تجشم مشاق الأسفار. ولما كان يعرف أن هناك ما يشغل الفوهرر في الوقت الحاضر، فقد أمل أن ~~تتاح لهما فرصة أخرى للاجتماع في وقت قريب! وهكذا جاء رد الملك كرستيان مثلا في الحقيقة من ~~أمثلة حركة «إعطاء الكتف البارد» للضيوف النازيين، التي يتقنها الملك الدانمركي الإتقان ~~كله. # وكذلك أتقن الهولنديون أساليب المقاومة السلبية، وبذل النازيون من مدة جهودا جبارة ~~لإقناع سواد الشعب الهولندي بأن الألمان يلقون إقبالا على معاشرتهم والتعاون معهم من ~~جانب شطر كبير من أهل البلاد، وحتى يقيموا الدليل على صحة دعواهم أكثروا من نشر الصور ~~الشمسية المزيفة، فمنها ما أظهر جماعة من الضباط الألمان يجلسون في أحد الأندية إلى جانب ~~شابات هولنديات، أو بعض الجنود الألمان يتحدثون مع الأطفال ويلاعبونهم وهكذا، كما نشروا ~~صورا جميلة «مزيفة أيضا» لهتلر الطفل، ترسمه كملاك طاهر؛ وذلك حتى يجتذبوا قلوب ~~الهولنديين إلى محبة زعيمهم، ولكن الإخفاق التام كان نصيب هذه المحاولات المزرية ~~جميعا. # بل على العكس من ذلك، لم يلبث الهولنديون بدورهم أن عمدوا إلى أعمال التخريب والتدمير ~~واتخاذ جميع الوسائل التي تؤدي إلى تعطيل الإنتاج وإثارة القلاقل والاضطراب في أنحاء ~~البلاد. وتتضح خطورة الحالة ms064 في هولندة وما بلغت إليه من التوتر أن رئيس الجستابو في هذه ~~البلاد اضطر إلى إصدار عدة أوامر «في أواخر يولية 1943» جاء في أحدها «أن على قوات البوليس ~~العسكري والمدني إطلاق النار في الحال وبلا إنذار على كل تجمهر يشاهد في الميادين العامة ~~أو الشوارع يشترك فيه أكثر من خمسة أشخاص»، أضف إلى هذا إعلان الأحكام العرفية في جميع ~~البلاد الهولندية على أيدي «سايس إينكارت» حامي هولندة النازي ... وقد جاء في مرسوم هذه ~~الأحكام ما نصه: # يحاكم أمام المجلس العسكري ويحكم عليه بالإعدام كل شخص يشترك في الاجتماعات ~~العامة مهما يكن نوعها، وكل من يرفض أن يقوم بالعمل المكلف به ولو كان رفضه ~~سلبيا، وكل من يشترك في الاعتصاب أو يضرب عن العمل، وكل من يحمل سلاحا أو يكون ~~السلاح في حوزته، وكل من يتمرد أو يثور ضد السلطات العامة، وكل من يكتب أو ينشر أو ~~يوزع منشورات من شأنها إثارة الخواطر أو تعكير صفو النظام العام. # ولهذه الفقرة الأخيرة أهمية خاصة؛ لأنها تشير إلى وجود وذيوع ما يعرف في أوروبا النازية ~~باسم «الصحف السرية»، وهذا إلى أنها تتضمن اعترافا واضحا بخطر الدور الخفي الذي كانت ~~تلعبه هذه الصحافة الحرة في تقويض أركان النظام الجديد لا في هولندة وحدها، بل وفي أوروبا ~~الهتلرية جميعها. ~~••• # وقد انتشرت المقاومة السلبية في البلدان المحتلة في أوروبا النازية حتى إن الأطفال وصغار ~~السن لم تكن حماستهم تقل عن حماسة البالغين وكبار السن في إظهار كراهيتهم للألمان، وإصرارهم ~~على عدم التعاون معهم، من ذلك أن جريدة «لوبايي ~~رييل # Le Pays Réel ~~» البلجيكية، وهي صحيفة «لبون ~~ديجريل # Dégrelles ~~» من كبار أنصار النازي في بلجيكا، شكت ذات يوم من أن «المدارس ~~تحرض الأطفال على الثورة»، ثم ذكر المحرر لإثبات ذلك: «أنه صادف تلميذتين صغيرتين تنشدان في ~~الترام أنشودة وطنية تنتهي بما معناه أن بريطانيا العظمى سوف تكسب الحرب لا محالة، فلما ~~سألهما أين تعلمتا هذه الأنشودة أجابتاه: «في المدرسة».» ولم يلبث البلجيكيون أن أخذوا ~~يحتلون مكانا ظاهرا ms065 بين الشعوب المقهورة التي أتقنت أساليب المقاومة السلبية ضد النازي. ~~ومما لا شك فيه أن هذه المقاومة كانت تستمد قوتها من «الصحف السرية» المتعددة التي ما فتئت ~~تعمل على نقل أخبار العالم الخارجية إلى البلجيكيين في صورتها الصحيحة، وتحض أهل البلاد على ~~عدم التعاون مع الألمان وتحيي في نفوسهم الأمل في قرب ساعة الخلاص، وتشجعهم على التآزر في ~~سبيل إلحاق الأذى بآلة الحرب الألمانية. # ومع أنه كانت هناك فئة من البلجيكيين الضالعين مع الألمان إلا أنها كانت أقلية لا تذكر، ~~وقد أصبحت موضع الكراهية والازدراء في البلاد، كما أن العمال والمهندسين البلجيكيين الذين ~~سخرهم الغزاة لإنتاج ما يحتاجون إليه لم يكونوا يزيدون على عشر السكان، ومع هذا فقد ~~اتحدت كلمتهم على تعويق الإنتاج بكل ما في طاقتهم من حيلة أو جهد. أضف إلى ذلك أن ملك ~~البلجيكيين «ليوبولد» قد لزم العزلة منذ مدة طويلة في قصره في «لاكن» على بعد عشرة ~~كيلومترات من بروكسل، لا يقابل أحدا من الغزاة، ويأبى التعاون معهم؛ ولذلك تركه الألمان في ~~مقره مقيد الحرية، غير عابئين به، كما قالوا «ما دام لا يستطيع شيئا في سجنه ~~الحالي». ~~••• # وكان من أهم أنواع المقاومة السلبية تدبير المظاهرات في البلدان المحتلة احتجاجا على ~~أساليب النازي الحكومية، ولإقامة البرهان على أن هذه الشعوب المغلوبة ترفض التعاون مع ~~النازيين إطلاقا. وفي أغلب الأحيان كان الطلبة يتزعمون هذه المظاهرات، كما حدث في «مظاهرات ~~الجامعات الهولندية» في عام 1940، في جامعتي «دلفت # Delft ~~» ~~و«ليدن # Lyden ~~» عندما احتج الطلبة على إخراج الأساتذة ~~اليهود من هاتين الجامعتين، بل إن إصرار «سايس إنكارت # Seyss ~~Inquart ~~» حاكم هولندة النازي على تشريد اليهود الهولنديين وإبادتهم ~~سرعان ما أسفر عن وقوع التحامات دموية بين الهولنديين الوطنيين من جانب والنازيين ~~والهولنديين المتعاونين معهم من أنصار «مسيرت # Mussert ~~» - ~~كويسنلج هولندة - من جانب آخر، ووقعت هذه المعارك خصوصا في أمستردام ولهاي في شهري يناير ~~وفبراير 1941. # وفي العامين الآخرين امتدت عدوى المظاهرات إلى البلدان الأخرى التي وطد النازيون فيها ~~أقدامهم؛ فجاء من «أثينا» ms066 في مايو من عام 1943 أن الطلبة فيها أحدثوا شغبا على إثر حادث ~~قتل فيه الجنود الإيطاليون أحد الطلبة اليونانيين، وقد اعتصم الطلبة في أحد أبنية الجامعة، ~~وأخذوا يرجمون الجنود الإيطاليين بالحجارة وهم ينشدون النشيد الشيوعي الدولي. وكذلك جاء من ~~سلوفاكيا في الشهر نفسه ما يفيد قيام مظاهرات كبيرة في المدة الأخيرة في شرق هذه البلاد ~~احتجاجا على قلة المواد الغذائية بها، ووقوع حوادث محزنة أمام المتاجر الخالية. وفي شهر ~~نوفمبر من العام نفسه 1944 جاء من استوكهلم أن سياسيا أجنبيا زار فينا بعد مؤتمر موسكو ~~أغسطس 1944، أفضى إلى مراسل جريدة «داجنس» في زوريخ بتصريح جاء فيه قوله: # تجتاح النمسا كلها موجة من التفاؤل حتى لقد زاد فيها نشاط الجمعيات السرية وأعمال ~~التخريب زيادة ملحوظة، وقد أعيد تأليف المحنة الوطنية التي أنشئت في خريف سنة 1941، ~~وعهد إليها بإدارة الأعمال السرية في البلاد، واختيرت لجنة فرعية للجنة المعروفة ~~باسم لجنة المقاومة لغرض واحد هو عرقلة أعمال النازي، وقد أصدرت هذه اللجنة منشورا ~~دعت فيه جميع العاملين ضد النازي إلى توحيد صفوفهم والتعاون في أعمالهم، وناشدت ~~النمساويين جميعا الاهتمام بالاشتراك مع جميع الشعوب المقهورة وخاصة جيرانهم منها ~~في الجهود التي تبذلها لتظفر بحريتها. # وكان هذا المنشور يتضمن آراء عملية بشأن طريقة تنظيم المقاومة، ويطلب إلى الجنود أن يفروا ~~إلى إقليم الحدود وينضمنوا إلى الوطنيين المحاربين، وكثيرا ما كان يحدث الاعتداء على ~~الموظفين وجنود الهجوم الألمان مما أدى إلى القبض على الناس جملة وصدور أحكام كثيرة ~~بالإعدام. ويقول مصدر آخر إن عقد مؤتمر موسكو شدد عزائم المقيمين في التيرول، وستير مارك؛ ~~فأخذوا يشعلون نيرانا هائلة في أعلى الجبال. وقد سارت مظاهرات في أحياء العمال في فينا ~~ورفعت الرايات النمساوية على كثير من المباني، فتدخل جنود الهجوم الألمان حينئذ، وقبضوا ~~على مئات من الناس. وقد أبدى السكان مقاومة عنيفة فأطلق الجنود النار عليهم وجرحوا كثيرين. ~~وقد شوهدت أعلام كثيرة مرفوعة كتبت عليها العبارة التالية: «لتحيا الجمهورية ~~النمساوية». # وفي باريس دبر الطلبة المظاهرات ضد النازي، ms067 ومن أمثلة ذلك المظاهرات التي دبرها ~~الطلبة في الحي اللاتيني في أغسطس 1940، في أثناء معركة بريطانيا، وعقب فشل الألمان في هذه ~~المعركة، وقد أطلق الألمان الرصاص على هؤلاء المتظاهرين في كل مرة. ثم مظاهرة 11 نوفمبر ~~1940 وهذه دبرها الطلبة واشترك فيها أهل باريس لإحياء ذكرى الهدنة وزيارة قبر الجندي ~~المجهول تحت «قوس النصر»، ولم ينفض المتظاهرون في ذلك اليوم إلا بعد إطلاق رصاص المدافع ~~الرشاشة عليهم في «ميدان الإتوال Place de l’Etoile ~~»، وقبض ~~الجستابو على مائة وخمسين طالبا تتراوح أعمارهم بين ثلاث عشرة وثماني عشرة سنة، لم يعرف ~~أهلهم عن مصيرهم شيئا منذ ذلك الحين. # وهناك - عدا ذلك - المظاهرات والالتحامات العديدة التي سبقت الإشارة إليها عند الكلام عن ~~مقاومة الفرنسيين ضد تعبئة العمال لتسخيرهم في العمل الإنتاجي في ألمانيا. وكان من جراء ~~إقدام الريخ على تعبئة العمال الفرنسيين أن توجه طلاب الجامعة والمدارس العليا في باريس إلى ~~الماريشال «بيتان» في يولية 1943 بالخطاب التالي: # امتنعنا منذ أكثر من عامين عن كل مظاهرة من شأنها أن تعكر صفو الأمن العام وتعرقل ~~أعمال الحكومة. ولكن سكوتنا لا يعني أننا قبلنا الحوادث التي وقفنا منها موقف ~~المتفرجين المنكوبين. فقد وقع حادث ترحيل آلاف العمال الفرنسيين إلى ألمانيا موقع ~~الاشمئزاز والسخط في نفوسنا، وكان إعجابنا كله متجها إلى الكثيرين من زملائنا ~~الذين تركوا البلاد لمواصلة الكفاح ضد العدو الذي يحتل أرضنا ويستغلنا، وقد كنا في ~~الوقت نفسه نعلل النفس بآمال النهضة الوطنية التي كنت تمثلها في نظرنا، والتي ~~وعدتنا بها في رسائلك. ولكن الحوادث - مع الأسف - كذبت وعودك وأدت إلى انهيار صرح ~~آمالنا. فقد رأينا فرنسا تزداد خضوعا للألمان وذهبت إلى حد التطوع تحت أعلام ~~قاهرها، تلك الأعلام التي بدأ النصر يتحول عنها. أما الآن فقد أزفت الساعة التي يجب ~~علينا فيها أن نستأنف تقاليد الجامعة التي كانت فيما مضى تعرب للملوك بكل حرية عن ~~شكاوى الأمة، وتعبر بكل قوة عن مطالب الفرنسيين. # إننا مثلك نبغض تلك الأكاذيب التي أضرت بنا ضررا كبيرا، ms068 ويجب أن نضيف إلى هذه ~~الأكاذيب أكذوبة الهدنة والتعاون التي دفعت بنا إلى قبول ما قبلته بلجيكا وهولندة ~~والنرويج وبولندة ويوغوسلافيا مكرهة. ولنذكر بوجه خاص أكذوبة «الحملة في سبيل ~~الحضارة» تحت لواء زعيم ينكر جوهر هذه الحضارة ويحتقر حقوق الإنسان. وتلك الأكذوبة ~~الأخرى التي تنحصر في استبدال خمسين ألف مريض من الأسرى بخمسمائة ألف عامل. ونحن ~~الآن نرفض أن نكون ألعوبة لمثل هذه الأكاذيب ، ونصرح بأن الواجب يقضي على جميع ~~الفرنسيين بأن يرفضوا رفضا تاما كل أمر يرمي إلى العمل لتأمين انتصار ألمانيا. ~~وإنه لمن العار علينا أن نعمل في سبيل قضية نعلم حق العلم أنها غير عادلة ولا تتفق ~~مع استقلال فرنسا والمحافظة على حضارة البشر، فجميع زملائنا سيهربون متى وجدوا ~~الفرصة المؤاتية بدلا من أن يساهموا في تعزيز أداة الحرب الألمانية. إن فرنسا ملأي ~~بالغابات والجبال حيث يمكننا انتظار الساعة التي نستطيع فيها الانضمام إلى جيش ~~تحرير الوطن. أما من يستطيع منا الفرار فلن يتردد في الانضمام إلى الزعماء الذين ~~يمثلون روح المقاومة ويستحقون ثقتنا وإعجابنا، وسيسافر الذين يكرهون منا على السفر ~~إلى ألمانيا وهم يعتزمون مساعدة إخوانهم العمال على تحطيم الروح المعنوية فيها، ~~وتخريب مهمات عدونا اللدود. إننا لسنا من الملكيين ولا من المجانين، ولكننا طلبة ~~وطنيون، وسنكافح ونتألم مع زملائنا البواسل في جامعات وارسو وبلغراد ولوبليانا ~~وأكسفورد وكمبردج، وهارفرد، ومونتريال، ولوفان، وليتين، في سبيل انتصار مثلنا ~~المشتركة. ~~••• # هذه صورة موجزة لما كان يجري من ضروب المقاومة في أنحاء أوروبا النازية، وقد ألحقت ~~أضرارا لا يستهان بها بعتاد الحرب الألماني من جهة، كما عطلت أداة الإنتاج الاقتصادي إلى ~~درجة كبيرة. وقد ظهر كيف أرغمت هذه المقاومة الألمان على الاحتفاظ بقوة مسلحة كبيرة في جميع ~~البلدان المقهورة لصيانة قلعتهم الأوروبية من أن تنهار جدرانها، هذا عدا جيش الجستابو ~~الجرار الذي انبث أعضاؤه في كل قرية ومدينة لتأييد الاحتلال الألماني، ولمراقبة أعداء ~~«النظام الجديد» في أوروبا الهتلرية، فأبقى الألمان عدة فرق في البلقان منذ تحولت هذه ~~البلاد، بفضل الجيوش ms069 والعصابات اليوغوسلافية والبونانية خصوصا إلى ميادين قتال جديدة، أصبح ~~من واجب النازيين أن يخوضوا فيها غمار معارك دموية عنيفة حتى يعيدوا فتحها من جديد، وبدءوا ~~يدفعون أثمانا غالية «لانتصاراتهم». ثم عبأ الألمان قوى «البوليس» النظامي، ورجال الجستابو ~~في بقية أوروبا النازية لصون الأمن، والقضاء على عناصر الفوضى والاضطراب، والمحافظة على ~~حياة رجال الاحتلال الألمان، وحياة معاونيهم الكويسلينجيين من أهل البلاد الذين قبلوا ~~التعاون معهم . # ومع ذلك فإن المقاومة لم تكن وحدها مصدر كل متاعب النازيين في أوروبا؛ فسرعان ما صارت ~~مقاومة أهل البلاد المقهورة، منذ أفاقوا من الذهول الذي أصابهم على أثر صدمة الغزو الأولى، ~~تستند إلى تيار خفي لم يلبث أن زادها قوة على قوة، وأقض مضاجع الألمان وشرع بقوض أركان ~~النظام الجديد في أوروبا. هذا التيار الخفي هو «الدعاية المضادة» أو الدعاية الخفية، ذلك ~~السلاح السري الذي ظل نصله مرهفا رغم أنوف النازيين، لا في أوروبا النازية وحدها بل وفي ~~الريخ الثالث، دولة أدلف هتلر نفسه. # الفصل الرابع # | الدعاية الخفية # كانت الدعاية من الأسلحة القاطعة التي أجاد النازيون استخدامها كل الإجادة منذ قبضوا على ~~أزمة الحكم في ألمانيا. ومن الحقائق المعروفة الآن، أنهم كانوا يقصدون من نشر دعايتهم ~~إلى تأييد أركان الحزب النازي في دولة الريخ الثالث، ثم إدماج الريخ في الحزب النازي نفسه، ~~وفرض مبادئهم وتعاليمهم فرضا على الشعب الألماني؛ حتى يتمكنوا من تأليف تلك الكتلة الصلدة ~~المتماسكة التي كانوا يرون أنه لا غنى عن وجودها إذا أرادوا الوصول إلى السيطرة العالمية ~~المنشودة. وكانوا يقصدون كذلك إلى تهيئة بقية الشعوب الأوروبية وإعدادها لاعتناق هذه ~~المبادئ والتعاليم، وقبول سيطرة السادة النازيين عليهم. وقد نجحوا في داخل بلادهم نجاحا ~~منقطع النظير كان من نتيجته أن أصبح الحزب يسيطر كل السيطرة على الحياة الألمانية، ويدفع ~~بالأمة دفعا عن يقين وعقيدة، أو دون تفكير وتدبر أو تحت ضغط ما سلطوه من صنوف الإرهاب على ~~الشعب الألماني، إلى مناصبة الأمم الأخرى العداء والالتحام معها في معارك الحرب الطاحنة. ~~ولم يكن من أهداف ms070 «الدعاية» الداخلية بطبيعة الحال أن يعود الشعب الألماني التفكير مطلقا؛ ~~لأن التفكير من شأنه أن يبعث المرء على أن ينقد كل ما يعرض له من مشاكل، ويدعو إلى مناقشة ~~أعمال رجال الحكم، ويسبب لذلك صعوبات جمة تتطلب جهودا معينة لإزالتها، ولا يتفق وجودها مع ~~برامج النازيين وخططهم. # ومن ناحية أخرى، أصاب النازيون نجاحا كبيرا في بقية أوروبا، وبخاصة في فرنسا والأراضي ~~المنخفضة والبلقان، فظهر في هذه البلدان التي خضعت لطغيانهم سلما، أو من غير مقاومة تذكر، ~~فريق من الكويسلنجيين تقدم ذكرهم، قبلوا التعاون مع النازيين، وأيدوا السيطرة الأجنبية في ~~بلادهم، ومع أن خروج كل هؤلاء إلى الميدان، بمجرد وقوع الاعتداء النازي على أوطانهم، كان ~~مفاجأة دهش لها العالم، فإن الحقيقة هي أن النازيين ظلوا منذ مدة طويلة يلقون بشباكهم في ~~البلاد المجاورة لهم، وكذلك في الأقطار البعيدة عنهم حتى يتصيدوا الموالين لهم، وحتى يجذبوا ~~إليهم الأنصار والمؤيدين، يشترونهم بالمال تارة وبالوعد «أو الوعيد» تارة أخرى. ولعبت ~~الدعاية النازية في ذلك كله دورا دل على مهارة فائقة، واستطاعت أن تقنع كثيرين من هؤلاء ~~الموالين والأنصار «بالأمور» التي شاء النازيون أن يقف العالم كله على «حقيقتها»، ومن هذه ~~«الأمور» - على سبيل المثال - أن اليهود والشيوعيين يأتمرون بالعالم، وأن من الخير كل الخير ~~أن تتحد الشعوب الأوروبية مع النازيين في بناء حضارة جديدة، وأن الكاثوليك أيضا مع أعداء ~~الحضارة، وأنه ينبغي أن يمهد السبيل إلى ذلك كله بإزالة ما لحق بألمانيا من إساءات في ~~معاهدات صلح فرساي المعروفة، وإدخال هذه الدولة في زمرة الدول الكبيرة على قدم المساواة ~~معها وإشراكها في توزيع موارد العالم الأولية. ومن بين هؤلاء «المقتنعين» بصحة هذه الأقوال ~~وجد النازيون ضالتهم، وبفضل مؤازرتهم استطاعوا شيئا فشيئا تحطيم روح الشعوب المعنوية حتى ~~إذا جد الجد وأزف موعد الغزو، اعتمد النازيون على تسليم أهل هذه البلاد في غير حرب أو ~~مقاومة، ثم كان لهم ما أرادوا حتى قيل إن الجيش الألماني في فتوحه الخاطفة الأولى دخل ~~بلادا كان قد سبق فتحها ms071 وإخضاعها منذ مدة طويلة. # بيد أن دور الدعاية النازية لم ينته في الحقيقة عند ذلك، بل سرعان ما طلب إليها بعد ~~الانتصار الخاطف أن تنشر الدعوة بين الشعوب المقهورة لقبول النظام الجديد على نحو ما تقدم ~~ذكره، ومن ذلك الحين صار النازيون يحرصون على تفسير معنى النظام الجديد، ويقيمون البرهان ~~بعد البرهان على أنه النظام الذي يكفل من جميع النواحي الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ~~دعم أركان تلك الحضارة الجديدة التي أطالوا الحديث عنها في السنوات الماضية. ثم اجتهدوا حتى ~~يحببوا أساليبهم وطرائقهم إلى أهل البلاد المفتوحة، وينشروا بينهم تعاليمهم ومبادئهم، ~~ويشوقوهم إلى الإقبال على مناصرتهم وتأييدهم، والتعاون معهم لا لتعزيز شكل الحكم الجديد ~~وتأييد أداته، بل ومن أجل إقصاء العناصر المعارضة جميعها، والقضاء على المقاومة بمختلف ~~أنواعها، وتسخير الأهلين في إنتاج عتاد الحرب، ثم إشراكهم أخيرا في معارك الحرب ~~القاتلة. # واعتمد النازيون على الصحافة والراديو في نشر الدعوة إلى النظام الجديد، ووجدوا في إثارة ~~الإشاعات والأقاويل سلاحا ماضيا لا يقل في أثره عن فعل الكلمة المكتوبة، أو الأحاديث التي ~~ينقلها الأثير إلى كافة الأرجاء، واستند النازيون فيما كانوا يذيعون إلى مبادئ معينة، وصلوا ~~إليها كما قالوا بعد دراسة سيكولوجية الجماعات والشعوب، وأهمها: أن التكرار الكثير من شأنه ~~أن يلصق في ذهن المخاطب نوع الصورة أو الفكرة التي يريد أصحابها أن تعلق في ذهنه وتتغلغل في ~~فؤاده، وأن الكذب الفاضح يجد من سامعه قبولا وتصديقا؛ لأن الشخص إذا اعتاد الكذب «الصغير» ~~في حياته اليومية، وصار لا يصدق الأكذوبة الصغيرة، بل الأكاذيب الضخمة وحدها هي التي تترك ~~أثرا عالقا في نفسه، وأن مثل الجماهير في قدرتها على التفكير كالقطيع من الغنم الذي لا ~~إدراك له ولا تمييز عنده. # ولما كان من شرائط نجاح «الدعاوة» أن تظل الآراء والأقوال الموحى بها والمنقولة إلى ~~الجماعات من نوع واحد وعلى وتيرة واحدة، فقد أصبح ضروريا أن تحاط هذه الجماعة بسياج قوي ~~يعزلها عن غيرها من الجماعات، فلا تجد الآراء والأقوال المغايرة طريقا تنفذ من هذا السياج ms072 ~~إليها. ولذلك أنشئت «الرقابة» وصارت مهمتها في الدول الديكاتورية - وفي ألمانيا بطبيعة ~~الحال - السهر على أن يكون الكتاب والناشرون والقصيصون والمهيمنون على التعليم وتربية ~~النشء، ومن إليهم، كالرسامين، ومديري المسارح، ومخرجي الصور المتحركة وشركات النشر والتوزيع ~~من طراز معين. ذلك بأن هؤلاء جميعا من أصحاب العلم والرأي، وينبغي لذلك أن يسير تفكيرهم في ~~مجرى واحد، فلا يترك الفكر حتى يخرج عن هذا الطريق المرسوم أو يطغو على جوانب هذا المجرى، ~~ولما كانت عدوى الرأي والفكر أخطر من غيرها على النظم القائمة وكانت الصحف السيارة بفضل ما ~~تنشره من أخبار أو تعده من بحوث مبسطة تقرب المعاني وما تشاء من آراء إلى أذهان الجماهير، ~~وتوحي إليها بما تريد أن توحي به أعظم أداة إلى جانب الراديو لإذاعة ما يبغي أصحابها ~~وكتابها إذاعته، وضع النازيون مراسلي الصحف على وجه الخصوص تحت رقابة شديدة، ثم صار ~~الرقيب لا ينشر رسائلهم إذا اشتملت على خبر أو رأي من شأنه أن يفتح أذهان القوم، أو يجعل ~~الشك من ناحية ما يعيشون فيه يتسرب إلى نفوسهم. # ولذلك لم تكد الدعاية النازية تبدأ في نشر الدعوة إلى النظام الجديد من أواسط عام 1940 ~~تقريبا حتى طبق النازيون «الرقابة» الصارمة في البلاد المفتوحة، فسيطروا على الصحافة ~~وعلى «الراديو»، وكانت لهم في ذلك أساليب وطرائق منوعة، الغرض منها جميعا تنظيم نشر ~~الأخبار وإذاعة الآراء التي يوافق النازيون على نشرها وذيوعها. ومن بين تلك الأساليب ~~والطرائق أن يحدث نشر الخبر في البلدان المفتوحة في وقت واحد، على شريطة أن يدرج الخبر أو ~~يدبج المقال في صفحة معينة وفي مكان معين في جميع الصحف وفي جميع المدن، وإذا كان الغرض ~~ترويج فكرة معينة والإيحاء برأي من الآراء لخدمة مآربهم، أفرغوا هذه الفكرة وهذا الرأي في ~~قوالب منوعة تستسيغها أفهام الجماهير والشعوب التي يراد نقل الخبر إليها أو نشر الرأي ~~المعين بين ظهرانيها، والغاية من ذلك ألا يتسرب خبر أو يذيع رأي لا يرغب النازيون فيه، ~~وأن يكون النشر مقصورا على ما ms073 يريدون أن يعرفه سواد الناس وخاصتهم، وفي الصيغة التي ~~تروقهم. # ولهذا التصرف في نظر النازيين عدة مزايا، أولها: تهيئة الفكر حتى يقبل تفسير حادث معين ~~سبق أن دبر النازيون وقوعه منذ مدة، مثال ذلك: الحملة العنيفة التي أثارها النازيون ضد ~~بولندة بدعوى أن البولنديين يسيئون إلى الأقلية البولندية التي تنتمي إلى أصل ألماني # Volks genosse # في بلادهم شر إساءة، ولا يتورعون عن ~~ارتكاب كل جرم من أجل إفناء هذه الأقلية؛ وذلك حتى يشعلوا نيران الحقد والكراهية في نفوس ~~الألمان ضدد الشعب البولندي، وحتى يستنكر الرأي العام الأوروبي أعمال البولنديين الإجرامية ~~المزعومة، فلا تجد بولندة من يعطف عليها حينما تنزل بها الكارثة، ويجتاح الألمان ~~أرضها. # والمزية الثانية: هي أن يألف أهل الريخ أنفسهم، بسبب ما تغمرهم به الدعاوة النازية من ~~أخبار وآراء متلاحقة وعلى وتيرة واحدة - السكون إلى ما يتلقونه من زعمائهم والرضى بما يلقى ~~في روعهم - فينصرفون عن إعمال الفكر والروية، اطمئنانا إلى أن قادتهم إنما يقومون بمهمة ~~التفكير وإعمال الرأي بدلا عنهم، فيصبحون في الحقيقة شبه آلات مسيرة يحركها الزعماء ~~ويوجهونها حسبما يريدون. # ولزيادة أحكام هذا الجهد التوجيهي المنظم - أو كما يسميه النازيون # Gleichschaltung ~~- عني النازيون بكل صغيرة وكبيرة من ~~مسائل النشر، فأصدروا أوامر عدة تقيد الصحف فيما تنشر، وترغمها على اتباع أنظمة خاصة في ~~تدوين الأخبار. ولما خشوا أن تتسرب إلى الصحف آراء مغايرة لآرائهم على الرغم مما قد يتخذونه ~~من احتياطات، حرص النازيون على أن يكون محررو الصحف والكتاب من الأفراد الذين يثقون بهم كل ~~الثقة، ويطمئنون إلى ميولهم ونوع تفكيرهم، ومن ثم أخذوا يبعدون عن إدارات الصحف في جميع ~~البلدان المحتلة، الكتاب والمحررين المشكوك في إخلاصهم، والذين يعتبرونهم من أعداء النظام ~~الجديد، وأحلوا مكانهم أفرادا من الذين يقبلون التعاون معهم. ثم لم يلبث أن دعاهم الحرص ~~إلى إنشاء صحف محلية تكتب باللغة الألمانية في عواصم البلدان المفتوحة، حتى يضمنوا تنفيذ ~~التعليمات التي تصدرها مراكز الدعاوة الألمانية الرئيسية في الريخ، على علاتها ومن غير ~~تعديل أو تحوير ms074 يذهب - ولا شك - بقيمتها وأثرها، مهما كان التعديل أو التحوير طفيفا في ~~ظاهره. ومن ثم أصدر النازيون في باريس صحيفة Pariser ~~Zeitung # الألمانية، وفي وارسو # Warschauer ~~Zeitung # كما أصدروا صحفا أخرى في كركاو، وبلغراد، وبراج، والنرويج، ~~والدانمرك، وكرواتيا، وسلوفاكيا، هذا عدا المئات بل الآلاف من الصحف الصغيرة والمجلات ~~المصورة والنشرات وغير ذلك. ومع أن هذه الصحف كانت تصدر في بلدان مختلفة؛ فقد جاءت جميعها ~~متفقة في الشكل والتبويب وفي نوع الأخبار والبحوث التي تنشرها، حتى لتكاد تكون كلها في ~~الحقيقة نسخا متعددة من صحيفة واحدة، فلا يشعر القارئ بأي اختلاف، ولا يميز بعضها عن بعض ~~سوى ما يدرج في مكان الأنباء المحلية. ~~••• # وكان من أثر هذه الرقابة الصارمة، وهذا «الجهد التوجيهي المنظم» الذي تقوم عليه الدعاوة ~~النازية وإدارتها، أن وجد أهل البلاد المقهورة أنفسهم آخر الأمر في عزلة كاملة عن بقية ~~العالم، يقرءون ما يسمح به «التنظيم» النازي فحسب، ولا يدرون من أحوال الشعوب الأخرى غير ما ~~يجيز النازيون معرفته. ولكن سرعان ما نجم عن هذا الوضع الشاذ رد فعل عميق في نفوس هؤلاء ~~المقهورين، والسبب في ذلك تلك العزلة ذاتها التي فرضت عليهم في وقت عظمت دعاوة النازيين ~~إلى النظام الجديد، وكثرت أقاويلهم التي وصفوا بها «مزايا» النظام المزعومة. هذا بينما وجد ~~الأهلون بالبرهان الساطع مما يلمسونه في حياتهم اليومية أن هذه الدعاوة وهذه الأقاويل ~~كاذبة؛ لأنه بدلا من العيش في ظل حياة وادعة مطمئنة - كما أسرف النازيون في وعودهم - أصبح ~~الأذى من نصيبهم، وصار الظلم ينزل بهم من كل جانب، ويعيشون عيش الذل والضعة في كنف نظام ~~يعمل على انحلال الأسرة وتشتيت أفرادها، ويسخر الشباب والنساء وكبار السن والصغار في العمل ~~الإنتاجي المرهق لمصلحة الريخ وحده، ويسلب أقوات الأهلين ويتركهم يتضورون جوعا ويموتون من ~~العري والبرد زرافات ووحدانا كما حدث في بلاد اليونان وغيرها. لذلك صار من الطبيعي أن ~~يداخلهم الشك في كل ما يقرءونه ويسمعونه عن النظام الجديد، وباتوا لا يصدقون ما تروجه ~~الدعاية النازية من ادعاءات ms075 وأقاويل عن مزايا هذا النظام، ويتوقون إلى الخلاص منه. # ومنذ شعرت هذه الشعوب المقهورة بأن الدعاية النازية: إنما تريد أن تضللهم بما تنشره عليهم ~~من أكاذيب لم يكن المقصود منها في الحقيقة سوى إخماد الروح المعنوية فيهم وتستخيرهم في خدمة ~~مآرب النازيين، وإحكام السيطرة الجرمانية على الشعوب الأوروبية المحقرة. بدأ عهد ما صار ~~يعرف في تاريخ المقاومة في أوروبا المحتلة باسم «الدعاوة المضادة» أو «الدعاوة ~~الخفية». # والواقع أنه كان من المنتظر أن تظهر إلى عالم الوجود هذه «الدعاوة المضادة»، عندما تنتهي ~~موجة الفتوح الخاطفة النازية، وبمجرد أن تفيق الشعوب المقهورة من أثر صدمة الغزو العنيفة؛ ~~إذ يسترد المذهول، سمعه وبصره، ويستعيد إدراكه ووعيه، ومن ثم يصبح في استطاعته أن يميز بين ~~أقوال النازيين وفعالهم، ويمعن النظر فيما يشاهده حوله، ولم يكن من السهل على المغلوب ~~المقهور أن يفيق من ذهوله، ما دامت آلة الحرب النازية الضخمة ماثلة أمامه، وما دام النازيون ~~المنتصرون يستأثرون بأكاليل الغار، ويدوسون تحت نعالهم شعوبا برمتها، وما دام النصر حليفهم ~~في كل مكان وزمان. لذلك أصبح من الضروري أن تلحق بالنازيين الهزيمة، وأن تعترض أعمالهم ~~العسكرية بعض العقبات الكأداء؛ حتى يزول من الأذهان ذلك الزعم بأنهم شياطين لا سبيل إلى ~~قهرهم، وحتى يدرك أهل البلاد المفتوحة أنهم بشر يقعون في الخطأ ويعتريهم الضعف، وأن ~~مقاومتهم والتغلب عليهم في حيز الإمكان. # ولما كانت التعاليم النازية لا تستند إلى شيء من المبادئ التي أخذ بها العالم المتحضر منذ ~~أجيال وقرون، ولما كانت دعواهم في إنشاء النظام الجديد الذي يريدونه دعوى عات جبار لا يرضى ~~عن إذلال الشعوب غير الجرمانية بديلا، ولما كان البرهان قد قام على أن النازيين بشر قد ~~يفلت النصر من أيديهم، وقد تدركهم الهزيمة، فإنه سرعان ما اجتمعت الأسباب التي أفضت إلى ~~ظهور ضروب المقاومة المختلفة التي شهدناها في أوروبا المحتلة، وإلى ظهور الدعاوة المضادة. ~~وغنى عن البيان أن المقاومة والدعاية الخفية سارتا جنبا إلى جنب، بل إن الذي حدث فعلا هو ~~أن الدعاوة المضادة ms076 سبقت المقاومة بعض الشيء، كما أنها كانت في الحقيقة من أساليب المقاومة ~~السلبية المبكرة، هذا إلى أنها كانت من عوامل انتشار المقاومة ذاتها وتوجيهها - كما سيأتي ~~ذكره بعد. # وعلى ذلك كان من أسباب ظهور الدعاوة المضادة، مسلك النازيين أنفسهم في تطبيق النظام ~~الجديد في أوروبا المحتلة، كما كان من عواملها المباشرة هزيمة النازيين في معركة بريطانيا ~~المشهورة «من 8 أغسطس إلى 31 أكتوبر 1940»، هذا على الرغم من جهودهم الجبارة المتوالية، ~~وبخاصة عندما أطلق «جورنج » سلاحه الجوي على لندن في ثمانية وعشرين هجوما كبيرا في وضح ~~النهار ما بين السادس من شهر سبتمبر والخامس من شهر أكتوبر، فقد تطلع أهل البلاد المقهورة ~~إلى نتيجة هذا الصراع العنيف، ولم تفد «رقابة» النازيين الصارمة شيئا في كتم أخبار الخسارة ~~الجسيمة التي نزلت بسلاحهم الجوي. وفي هذه الشهور العصيبة أخذ ينمو الشعور بضرورة المقاومة ~~لدى الشعوب المغلوبة، ثم لم يلبث أن وجد هذا الشعور مكانا في صحف البلدان المحتلة تحت أنوف ~~النازيين، وعلى الرغم من وجود «الرقابة» الصارمة التي أنشأوها، فكان فشل النازيين في هذه ~~المعركة الجوية الهائلة موضع أحاديث القوم وتعليقاتهم، بل وموضع «نكاتهم» في بعض الأحايين، ~~وزادت جرأتهم عندما صار البريطانيون بعد ذلك يرسلون الحملات الجوية المدمرة على أوروبا ~~المحتلة وعلى ألمانيا ذاتها - وهي التي قال عنها جورنج: إنها محوطة بحلقة حديدية من ~~الاستحكامات القوية - فتكررت إغارات البريطانيين على فرنسا الشمالية والغربية وعلى الدانمرك ~~وهولندة وبلجيكا والنرويج، ومن هذه الأحاديث والتعليقات بدأت تظهر «الدعاوة المضادة»، ووجدت ~~هذه الدعاية الخفية في بادئ الأمر طريقها إلى الصحف التي أجاز النازيون صدورها. فقد صارت ~~هذه الصحف تنقل أخبار المعارك الجوية إلى قرائها بكل دقة وأمانة، وكثيرا ما حاول محرروها ~~الإفلات من الرقابة الصارمة، وقد نجحت محاولاتهم في بعض الأحايين. ومن أمثلة ذلك أن صحيفة ~~بلجيكية نشرت ذات يوم خبرا فحواه أن «خمسين قاذفة قنابل ألمانية شوهدت تطير صوب بريطانيا، ~~ولم يعد منها ست وأربعون»، فجاءها إنذار شديد من سلطات الاحتلال الألمانية. ولم تكد تمضي ~~بضعة ms077 أيام حتى نشرت هذه الصحيفة نفسها خبرا آخر عن قاذفات ألمانية ذهبت للإغارة على ~~بريطانيا فقالت: «شوهدت اليوم 34 قاذفة ألمانية تطير صوب إنجلترا، وقد عادت منها 43 طائرة ~~إلى قواعدها سالمة!» فأغلقت السلطات إدارة هذه الصحيفة. وهناك تلك الصحيفة الدانمركية التي ~~أرادت أن تنقل إلى قرائها خبر إغارة موفقة قامت بها الطائرات البريطانية ودمرت مصنعا كان ~~يشتغل لحساب ألمانيا في هذه البلاد، ومنعت سلطات الاحتلال نشر خبر هذه الإغارة حتى مضى ~~يومان، فذكرت إدارة الأخبار الألمانية في اليوم الثالث من وقوعها أن الإغارة التي حدثت لم ~~تكن ناجحة وأن كل ما أصابه الطيارون الإنجليز بقذائفهم كان بقرة واحدة، فانتهزت الصحيفة ~~الدانمركية إذاعة خبر الغارة، وحاولت أن تبين لقارئيها مدى الضرر الحقيقي الذي نجم عنها، ~~على خلاف ما ادعته الدعاية النازية، فأثبتت الخبر كما صاغته السلطات الألمانية، ثم أضافت ~~التعليق الآتي: «ولا تزال هذه البقرة تحترق!» # وبطبيعة الحال لقيت قصة البقرة التي لا تزال تحترق، ذيوعا كبيرا، لا يقل في الحقيقة عن ~~ذيوع قصة الطيارات النازية الثلاثة والأربعين التي عادت إلى قواعدها سالمة! ووجد الأهلون في ~~الأراضي المنخفضة والدانمرك وغيرها في ترديد هاتين القصتين على وجه الخصوص وسيلة للسخر ~~بالسادة النازيين الذين ظلوا في فترة الحرب الأولى يمنون النفس بقهر البريطانيين وغزو ~~بلادهم، وأعلنوا عن هذه الأمنية العزيزة لديهم مرارا وتكرارا، وأكثروا من ترديدها زهوا ~~وافتخارا حتى وضعوا «أغنية» في هذا المعنى: # نحن ذاهبون - أو مبحرون - إلى ~~إنجلترا # Wir fahren gen Engelland ~~. # وصارت الدعاية النازية تذيع هذه الأغنية في برامجها، وأصبحت الأغنية المفضلة أيضا من ~~الجند النازيين في كل مناسبة، وكان الغرض من إذاعة هذه الأغنية وترديدها إخماد أي أمل لدى ~~الشعوب المقهورة في إمكان الاعتماد على بريطانيا في نجدتهم. ولذلك لم يكد يظهر فشل النازيين ~~وعجزهم، وتعرف حكاية الطائرات الثلاثة والأربعين وقصة البقرة ذات الحظ السيئ حتى زالت هيبة ~~الألمانيين إلى حد كبير من النفوس، كما تزعزع الاعتقاد في أن النصر لا بد أن يكون دائما من ~~نصيب السادة ms078 الألمان. ثم اتخذ السخر بالنازيين في هولندة وبلجيكا والدانمرك وفرنسا خصوصا ~~أشكالا منوعة، منها أن أهل الموانئ في هذه البلدان المفتوحة صاروا ينقبون عن الإعلانات ~~القديمة وجداول مواعيد قيام السفن في القنال الإنجليزي، حتى إذا عثروا على عدد من هذه ~~الجداول أو الإعلانات، أعادوا لصقها على جدران ثكنات الجند الألمان، والبنايات العسكرية ~~الألمانية، ثم كتبوا في ذيلها يستفهمون: «وما موعد قيام المركب التالية إلى إنجلترا؟» ~~وفضلا عن ذلك فإن كثيرين من أهل هذه الموانئ صاروا يعترضون الجند الألمان في الطريق حتى ~~يسألوهم إذا كانوا يعرفون أن الهر هتلر قد ابتاع حديثا أقوى جهاز للراديو في العالم! فإذا ~~لم يكن الجندي لبقا متيقظا وسأل بدوره ولماذا يشتري الهر هتلر هذا الجهاز، أجابوه على ~~الفور: «لأن هذه هي الوسيلة الوحيدة التي يمكن أن تأتيه بإنجلترا!» ولعله كان من نتائج ~~إخفاق الألمان في مشروع غزو إنجلترا اختفاء «الأغنية» السابقة، ثم ظهور أغنية أخرى سماها ~~أصحاب «الدعاوة المضادة» بأنشودة «عدم الوصول قط إلى هناك - أي إنجلترا # Niegelungenlied ~~.» ~~••• # وكان من أسباب نمو «الدعاوة المضادة» قيام الحرب بين ألمانيا النازية والروسيا في يونية ~~1941. صحيح أن النصر ظل حليف الألمانيين في المعارك الأولى من هذه الحرب، واقتطع النازيون ~~من دولة السوفييت أقاليم شاسعة، وكان من المنتظر أن يضعف إيمان الشعوب المقهورة من جراء هذا ~~الانتصار السريع في بداية الحملة الروسية، ولكن شيئا من ذلك لم يحدث، لعدة أسباب: منها أن ~~اشتباك النازيين في حرب مع الروسيا التي لا تعرف الجماهير عنها سوى أنها من الأقطار السحيقة ~~ذات الموارد التي لا تنضب من الرجال الصالحين لحمل السلاح، لا بد وأن يخلق لأداة الحرب ~~النازية مشاكل عويصة، لا يكفي النصر السريع لتذليلها ما دام هذا النصر غير حاسم، وما دامت ~~الجيوش الروسية الجرارة تتخذ خطة المراوغة والاستدراج، وتفوت على النازيين كل فرصة للالتحام ~~مع أعدائهم في معركة فاصلة ترغم الروس على التسليم وطلب الهدنة ثم الصلح مع ألمانيا. وقد ~~أصابت الشعوب المغلوبة كبد الحقيقة في تفكيرها هذا، وسرعان ما ms079 وضح على الرغم من الانتصارات ~~الأولى، أن النازيين لا يستطيعون شن الحرب الخاطفة في أملاك الاتحاد السوفيتي ذات الأطراف ~~المترامية ومناطق الإنتاج الكثيرة المتباينة؛ ولذلك فإنه بدلا من أن يكون النصر النازي ~~المبكر في هذه الحرب سببا في إخماد «الدعاوة المضادة»، أصبح على العكس من ذلك من أسباب ~~ازدياد «الدعاية الخفية» وانتشارها. # أضف إلى هذا أن الحملة الروسية - على نحو ما سبقت الإشارة - اقتضت إرسال مئات الألوف من ~~الألمان المجندين إلى جبهة القتال، هذا إلى جانب الفرق المتعددة من أبناء الدول البلقانية ~~الضالعة مع النازيين خصوصا، ونشأت عن هذه الحال معضلة جديدة في الريخ الثالث، هي تزويد ~~المصانع المشتغلة في إنتاج عتاد الحرب الألماني بالأيدي العاملة، وعمد النازيون إلى تذليل ~~هذه الصعوبة بنقل العمال الأجانب للعمل بالمصانع والمناجم الألمانية، ثم تنظيم إنتاج ~~المصانع والمناجم في البلدان المحتلة تحت إشراف سلطات الاحتلال ورجال الجستابو. وقد تقدم ~~بحث مشكلة العمال الأجانب في الريخ عند الكلام عن «الاقتصاد النازي» في أوروبا؛ ولذلك كانت ~~تعبئة الأيدي العاملة وتسخير الأهلين في الإنتاج الألماني من أهم أسباب نمو حركة «الدعاوة ~~المضادة»، ثم إمعان أهل هذه البلدان المغلوبة في اتباع خطة المقاومة بنوعيها معا: السلبي ~~والإيجابي. # وزيادة على ذلك فإنه سرعان ما ظهر أن الحملة الروسية قد كلفت النازيين أثمانا باهظة في ~~العتاد والرجال، وأن تقهقر الروس أمام الجحافل النازية الزاحفة عليهم، كان يجري وفق خطة ~~موضوعة إلى حد كبير؛ لأن الروس علمتهم تجارب الحروب الماضية منذ أكثر من مائة عام - وبخاصة ~~إبان حملة نابليون المشهورة على بلادهم في عام 1812 - أنه كلما أوغل العدو في أرضهم الشاسعة ~~وبعد عن مراكز تموينه، سهل على عصابات المقاتلين الروس قطع خطوط مواصلاته وإرهاق مؤخرته، ~~مما يجعل النصر بعيدا عن متناول يده والغلبة في نهاية الأمر لهم. ومن المعروف أن الروس ~~اتبعوا في حملة نابليون خطة «الأرض المحروقة»، واتبعوا في الحرب الهتلرية الماضية خطة إحراق ~~الأرض بما عليها، وتدمير المرافق وأنابيب المياه وتخريب المساكن وإقفار القرى والدساكر من ~~أهلها، ونقل ms080 مخزونها من المؤن والأغذية؛ وذلك حتى لا يجد الفاتح مأوى أو مأكلا أو موضعا ~~لراحة أو استجمام، وقد ظهرت نتائج ذلك كله عندما اعترف النازيون بأن الحرب الروسية سوف يطول ~~أمدها، وأن الشتاء سوف ينزل عليهم ببرده القارس وهم في الميدان الشرقي المتعب، وأن أساليب ~~الحرب الخاطفة والوحدات الميكانيكية السريعة، لا تفيد شيئا في كسب نصر سريع، على غير ما ~~كان جمهور القادة وسواد الشعب الألماني يتوقع. وهناك أدلة كثيرة على أن النازيين ما كانوا ~~ينتظرون أن يمتد أجل الحرب إلى شتاء العام التالي (1941-1942). وقد أحدثت هذه الخيبة المرة ~~أثرا عميقا في نفوس النازيين، كما أحيت آمالا عريضة في صدور الشعوب المقهورة. وفي الفصول ~~التالية سوف نتحدث عن أثر هذه الخيبة في داخل ألمانيا ذاتها. ~~••• # وفي نهاية العام نفسه (ديسمبر 1941)، جد عامل آخر كان ذا أثر بعيد في نمو الدعاية ~~الخفية، وانتشار الدعاوة المضادة في أوروبا النازية: هذا العامل هو دخول الولايات المتحدة ~~الأمريكية الحرب ضد النازيين وأحلافهم. وجاء دخول الولايات المتحدة الحرب - إلى جانب ~~اعتبارات أخرى قيمة - بمثابة الهزيمة الشنيعة لأداة الدعاية النازية. فقد كان انضمام هذه ~~الديموقراطية العظيمة إلى جانب البريطانيين والأمم المتحدة معهم في الصراع ضد طغمة النازيين ~~نذيرا بأن الحملة الروسية المشئومة على السادة النازيين سوف تزداد شؤما عليهم بمرور ~~الأيام والشهور، وأن الحرب سوف تجد ميادين جديدة خارج القارة الأوروبية تنتقل إليها، ولا ~~يكون للنازيين أمل الانتصار فيها أو الاحتفاظ بالقدرة على السبق في العمليات العسكرية ~~دائما، وأن الحلفاء الجدد عاملون - ولا شك - على إيجاد جبهات للقتال ثانية وثالثة، توزع ~~جهد النازيين وتشتت قوى إنتاجهم، وأن عتاد الحرب من مؤن وأغذية وخامات وذخائر وأسلحة ~~وعقاقير وأدوية، وأيد عاملة ورجال، سوف يتدفق تدفقا على روسيا المحاربة الصامدة، وأن أي ~~أمل لدى النازيين في النصر لا بد وأن ينقضي ويزول عاجلا، وأن فرصة التحرر من سلطان النظام ~~النازي الجديد لا بد آتية، وأن العاملين من أجل الحرية في جميع البلدان المغلوبة على أمرها ~~سوف يظفرون بالخلاص ms081 قريبا إذا هم ساهموا من جانبهم بنصيب في إلحاق الهزيمة الماحقة ~~بالنازيين وبأذنابهم من الكويسلنجيين والمتعاونين معهم في أوروبا النازية. # والواقع أن انحياز الديمقراطية الأمريكية إلى المبادئ التي ناضل البريطانيون وحلفاؤهم من ~~أجل تعزيزها كان حدثا عظيما، لا في تاريخ هذه الحرب الضروس وحدها، بل وفي تاريخ الحضارة ~~الإنسانية كذلك. فمن المعروف أن النازيين ظلوا ينشرون دعاوتهم في جميع أرجاء العالم ~~المتمدين - ومنها الأمريكتان: الشمالية والجنوبية - منذ اللحظة التي وصلوا فيها إلى مراكز ~~الحكم في ألمانيا 1933. وقصة الطابور الخامس ونشاط أعضاء هذا الطابور من الموضوعات التي صار ~~لا يجهلها إنسان منذ أن خلعت ألمانيا النازية القناع وامتشقت حسام الغزو والفتح في وجه ~~الديمقراطيات «المتداعية». ولم تتورع دولة الريخ الثالث لنشر دعاوتها عن استخدام سفاراتها ~~وقنصلياتها في الدول الأجنبية، كخلايا ومراكز لجمع شتات رعاياها فيما وراء البحار، وتنظيمهم ~~في شكل جماعات تأتمر بأمر «الفوهرر» وتذعن لمشيئة الزعيم ورغباته، حتى تألفت من بين ~~الألمان، وأقارب الجرمان، والذين ينحدرون من أصل ألماني ولكنهم تجنسوا بجنسيات غير ألمانية، ~~جماعة ضخمة صارت بمثابة الأداة التي يعتمد عليها الريخ في إضعاف الروح المعنوية لدى الشعوب ~~غير الجرمانية، وبذر بذور الانقسام بين الأهلين، واستمالة الأنصار وهلم جرا. ثم ظهرت من ~~بين أعضاء الطابور الخامس الكبير طائفة من المخربين والمدمرين الذين كانت مهمتهم إضعاف أداة ~~الإنتاج الاقتصادي وتعطيلها في الدول التي شعر النازيون بالخوف من ضخامة مواردها. ولذلك ~~حرصت الدعاية النازية، كما حرص وكلاء النازي في الولايات المتحدة الأمريكية على أن يكثر ~~إنشاء الخلايا النازية بحيث تكون شبكة عريضة تمتد في أرجاء هذه الديموقراطية العظيمة، وكان ~~الغرض من هذا التنظيم نشر الدعاوة القوية ضد دخول الولايات المتحدة الأمريكية هذه الحرب ~~الطاحنة بأي حال من الأحوال، مستندين فيما يبثونه من آراء وينشرونه من كتابات ويروجونه من ~~أقوال، إلى رغبة سواد الشعب الأمريكي في التمسك بخطة الحياد التقليدية وعدم الاشتباك في ~~حروب قد يخرج منها صفر اليدين إلى جانب ما تكلفه هذه الحرب عادة من ضحايا جسيمة في الأموال ~~والأرواح ms082 كما حدث في الحرب العالمية الأولى ... أو كما قال النازيون وصنائعهم! # ومع هذا فإن تمسك الولايات المتحدة بخطة الحياد حيال ذلك الصراع العالمي لم يكن كل ما ~~رغبه النازيون، بل كان من أهدافهم القريبة تنظيم مقاومة فعالة تقف في وجه كل محاولة ترمي ~~بها الدولة إلى تحديد أسلحتها وزيادتها وتقوية استحكامات الدفاع بما يقتضيه هذا الدفاع من ~~بناء السفن الحربية وتجهيز أدوات الحرب الحديثة وما إليها، حتى إذا جد الجد وحدث ما لم يكن ~~في الحسبان، شعرت هذه الديموقراطية العظيمة بنقص استعدادها العسكري ، وخشيت لذلك دخول الحرب، ~~فإذا لم يمنعها هذا الخوف، لحقت بها الهزيمة سريعا، أو ظلت عاملا ثانويا لا يقدم ولا ~~يؤخر في سير الحرب ولا يغير شيئا من نتائجها الحاسمة. # وقد أصاب النازيون بعض النجاح فيما أرادوا، وتأخر بالفعل دخول الولايات المتحدة الحرب ~~مدة، وظلت الشعوب المقهورة تردد أثناء ذلك هذا السؤال: هل تخوض هذه الجمهورية العظيمة غمار ~~الحرب إلى جانب «الديموقراطية» وتساهم في تحرير الأمم وخلاصها؟ ومتى تنحاز الولايات المتحدة ~~إلى جانب البريطانيين وأحلافهم؟ ولا شك في أن انضمام هذه الجمهورية إلى جانب الأمم المتحدة ~~كان غنما كبيرا يقدر أهل البلدان المغلوبة قيمته، كما كان النازيون يدركون خطر الآثار ~~المترتبة عليه. وقد شمرت الدعاية النازية عن ساعدها في شهور الحرب الأولى حتى تمنع نزول هذه ~~الكارثة ... وكانت المهمة شاقة متعبة؛ لأنه لم يكن من واجبها تعزيز رغبة الحياد في داخل ~~الولايات المتحدة فحسب، بل كان عليها أيضا أن تدخل الطمأنينة إلى قلوب الشعب الألماني ~~نفسه في دولة الريخ الثالث؛ لأن الألمان كانوا ما يزالون يذكرون ما أحدثه اشتباك الولايات ~~المتحدة الأمريكية من رجحان كفة الحلفاء السابقين في الحرب العالمية الأولى، ثم هزيمة ~~القيصرية وانتشار الفوضى والاضطراب في البلاد سنوات عدة، حتى وصل النازيون من جراء ذلك كله ~~إلى الحكم والسلطان على أنقاض جمهورية ويمار البائسة. ولعبت الدعاية النازية في هذه المسألة ~~الشائكة دورا غريبا. فبينما كان وكلاؤها وعمالها يبذلون كل جهد في العالم الجديد لاستمالة ~~الرأي ms083 العام الأمريكي إليهم وإلى قبول مبادئهم، وكسب صداقة الأمريكيين وعطفهم على ~~«مطالبهم»، والتمتع بثقتهم، كانوا من ناحية أخرى في داخل ألمانيا ذاتها يحطون من قدر ~~الأمريكيين، ويعتبرونهم من بين الأمم المنحلة التي يسيطر اليهود على شئونها وينفثون سمومهم ~~القاتلة في كيانها. # بيد أنه سرعان ما تبين أن الدعاية النازية في الولايات المتحدة كانت فاشلة، فلم يكد يمضي ~~عام واحد على بداية اعتداء النازيين على أوروبا حتى أصدر رئيسها «فرانكلين ديلانو روزفلت» ~~تصريح «الحريات الأربع» المشهور في 7 يولية 1940 الذي قال فيه: # نأمل أن يطلع علينا المستقبل الذي نعمل على إعداده في الوقت الحاضر بمدنية تقوم ~~دعائمها على حريات البشر الأساسية، وأولى هذه الحريات: حرية القول والرأي، ~~والثانية: الحرية التي تجعل في استطاعة كل إنسان أن يعبد الله وفق معتقده، ~~والثالثة: الحرية التي يحصل عليها الإنسان بالتحرر من نير البؤس، والرابعة: الحرية ~~التي تنتج عن التحرر من الخوف، وليست هذه الحريات أحلاما بعيدة المنال يتطلب ~~تحقيقها أجيالا طويلة، ولكنها مبادئ حقيقية ملموسة يجب على جيلنا الحاضر أن ينشرها ~~في العالم أجمع. # فدل هذا التصريح - تصريح الحريات الأربع - على أن الديموقراطية الأمريكية العظيمة لا يمكن ~~بأي حال أن توافق على مبادئ النازيين وتعاليمهم أو تقبلها، وأنها تسير في الحقيقة بخطى ~~حثيثة صوب الانضمام إلى جانب بريطانيا ومجموعة الأمم المتحدة، وأن الفشل الذريع كان في ~~نهاية الأمر نصيب الدعاية النازية في الولايات المتحدة الأمريكية. وفي الواقع كان التناقض ~~واضحا بين هذه «الحريات الأربع» التي أراد الرئيس الأمريكي ذيوعها حتى تصبح أساسا تقوم ~~عليه حضارة البشر، وبين المبادئ التي انطوى عليها ذلك النظام الجديد، الذي كان يطبقه ~~النازيون في أوروبا المحتلة تمهيدا لفرض السيطرة الجرمانية على أمم العالم قاطبة. # وفي الشهور التالية ترقبت الشعوب التي وقعت تحت نير النازيين بزوغ فجر ذلك اليوم الذي ~~يصبح فيه وقوف الولايات المتحدة إلى جانب الأمم المتحدة حقيقة واقعة، ولم يفد طغيان النازي ~~على أيدي رجال الجستابو الملطخة بالدماء، ولا قسوة سلطات الاحتلال الألماني ولا الرقابة ~~الصارمة، ms084 شيئا في إخماد آمالهم أو عزلهم عن بقية العالم ومنع تسرب الأخبار إليهم. وظل ~~الحال على ذلك، حتى جاء اليوم الذي استطاع أن يجتمع فيه رئيس الحكومة الإنجليزية «ونستون ~~تشرشل» برئيس الجمهورية الأمريكية على ظهر سفينة حربية وسط المحيط الأطلنطي، ووضع الزعيمان ~~«وثيقة الأطلنطي» التاريخية في يوم 14 أغسطس 1941، فكانت هذه الوثيقة بمثابة العهد الأعظم ~~الذي يتمسك به كل شعب يرغب في الحياة الحرة الصادقة في عالم يقوم على مبادئ إنسانية عالية ~~تضمن له البقاء في ظل سلام مستقر لا يهدده طمع الدول الكبيرة ولا يجد فيه النازيون ومن سلك ~~مسلكهم طريقا يمكنهم من تحقيق أغراضهم. وأي برهان أقوى على إيمان الديموقراطية الأمريكية ~~بقدسية المبادئ الإنسانية النبيلة التي تناضل من أجلها بريطانيا والأمم المتحدة، من قول ~~الزعيمين في المادة السادسة من هذه الوثيقة أنهما يأملان بعد سحق الاستبداد النازي أن تتوطد ~~دعائم السلم الذي ينتج لجميع الأمم وسائل العيش بسلام في دائرة حدودها، ويمكن الناس في جميع ~~أنحاء المعمورة من العيش في مأمن من الشقاء والخوف؟ وأي تنديد أشد من هذا التنديد بمبادئ ~~النازية الغاشمة وتعاليمها؟ والحقيقة أنه لم تكد تمضي فترة وجيزة على وضع هذا الميثاق ~~التاريخي حتى اعتدى اليابانيون اعتداءهم الأثيم الغادر على «بيرل هاربور» في 7 ديسمبر 1941، ~~وفي 11 منه أعلنت ألمانيا وإيطاليا الحرب على الولايات المتحدة الأمريكية، فأعلنت أمريكا ~~الحرب عليهما! # وجدد صدور وثيقة الأطلنطي نشاط أنصار المقاومة السلبية والإيجابية في أوروبا النازية ~~ووجدت «الدعاوة المضادة» في المبادئ التي تضمنتها هذه الوثيقة وسيلة لإحياء الأمل في النفوس ~~وزيادة الثقة في النصر القريب. ولعل أظهر آثار هذه «الوثيقة» أن الشعوب المقهورة صارت ~~تتخذها مثالا تنسج على منواله في تحديد الأغراض والأهداف التي تسعى جماعات المقاومة ~~لتحقيقها. فقد استرشد أنصار المقاومة السرية في فرنسا بمبادئ هذا الميثاق في وضع أسس ~~الاتفاق الذي أرادوا أن يجمع بين جبهة المقاومة الداخلية في فرنسا والفرنسيين الأحرار من ~~أنصار «ديجول # De Gaulle ~~» في العمل المشترك من أجل تحقيق ~~البرنامج الذي يرتضونه لتنظيم ms085 الحياة الحرة المستقبلة في فرنسا ذاتها وفي إمبراطوريتها. ~~وجرت هذه المفاوضة تحت أنوف النازيين وعلى الرغم من سيطرة الجستابو الرهيبة، على أساس إزالة ~~حكومة فيشي الآثمة، وتمتع فرنسا «الموحدة» بمطلق السيادة في داخل البلاد وفي الإمبراطورية، ~~بعد استرداد هذه السيادة وهذه الوحدة. ومعنى ذلك أن يسترد الشعب الفرنسي جميع حرياته ~~المفقودة، بالقضاء على دكتاتورية النظام الوطني الاشتراكي الذي أنشأه النازيون في البلاد، ~~وبإنزال العقوبة الشديدة بأولئك الذين تعاونوا مع أعدداء الوطن وساعدوا على تحطيم حقوق ~~الفرنسيين وألحقوا الأذى بمصالحهم ودنسوا شرفهم، وبإعطاء فرنسا جميع الضمانات الداخلية ~~والخارجية، التي تكفل الحرية والاحترام والأمن والطمأنينة لكل مواطن في داخل البلاد، وتمنع ~~عدوها التاريخي من غزوها، ثم تمكنها من رد عدوانه إذا حدثته النفس بالاعتداء عليها مرة ~~ثانية، وكذلك بالإبقاء على فرنسا أمينة على تقاليدها الجمهورية والديموقراطية، وإحياء مثلها ~~العليا في الحرية والإخاء والمساواة! وقد سمي هذا الاتفاق الذي عقد في عام 1942 ب ~~«الميثاق الأطلنطي الفرنسي». # وفي الحق إن الدعاوة المضادة أو الدعاية الخفية قد بلغت أشدها في عام 1942 وصار من ~~المتعذر على النازيين إخمادها مهما استخدموا من أساليب، بل إن حوادث المقاومة الإيجابية ~~التي زادت زيادة كبيرة في ذلك العام أيضا، كان من شأنها هي الأخرى تأييد الروح المعنوية ~~لدى الشعوب المقهورة، وتغذية الدعاوة المضادة بسلسلة لا تنقطع من الأخبار يجد الأهلوان في ~~قراءتها شاحذا لهممهم من جهة ومسريا عن نفوسهم من جهة أخرى. وفضلا عن ذلك فقد لحقت ~~بالنازيين في ذلك العام أكبر هزيمة «حاسمة» في ميدان من الميادين التي عقدوا على الانتصار ~~فيها آمالا عريضة: وهو الميدان الأفريقي، ولم يكن هذا الميدان في يوم من الأيام - كما ~~أذاعت الدعاية النازية والمحورية، بعد أن تذوق السادة النازيون طعم الهزيمة - من الميادين ~~الثانوية؛ لأن فرض السيطرة الجرمانية على القارة الأوروبية ودعم أركان هذه السيطرة كان ~~يقتضي نشر سلطان النازية أيضا في حوض البحر الأبيض. ومنذ بداية الحرب أدرك ثقاة الخبراء ~~العسكريين، وفي مقدمتهم «ماكس فرنر # Max Werner ~~» أن السيطرة ~~على ms086 هذا البحر يقتضي دعمها الاستحواذ على الأراضي الواقعة في حوضه والتي تحد هذا البحر من ~~جنوبه، أي الاستيلاء على أقطار البحر الأبيض الشرقي والقطر المصري وأفريقيا الشمالية ~~والغربية، فكان يوما عظيما ذلك اليوم الذي فوت فيه البريطانيون وأحلافهم على النازيين ~~فرصة النصر في معركة العلمين التاريخية في 4 نوفمبر سنة 1942. ولذلك كله لم يكن غريبا أن ~~تظل الشعوب المغلوبة في أوروبا النازية، أشد الشعوب قلقا وترقيا لنتائج هذه المعركة ~~الفاصلة، ولم يكن غريبا أن يكون البولنديون - وهم من أشد أنصار المقاومة بنوعيها السلبي ~~والإيجابي - أول من عرف بخبر هذه الهزيمة! # فقد حدث في الساعة العاشرة والربع من مساء 4 نوفمبر 1942 أن كان جماعة من الرجال والنساء ~~البولنديين من أنصار الدعاوة المضادة مجتمعين في أحد الأقبية حول جهاز للراديو ينصتون إلى ~~الأخبار بسماعات وضعوها على آذانهم خوفا من أن يتسرب صوت الإذاعة إلى الخارج، فيكشف ~~الجستابو مقرهم ويكون جزاؤهم الإعدام، وإذا بصوت المذيع يتحدث إليهم بلغتهم البولندية من ~~محطة لندن # B. B. C. # وينقل إليهم خبر اندحار «روميل» في ~~معركة العلمين وهزيمته في أفريقيا الشمالية! فكان لهذا الخبر وقع عظيم الأثر في نفوسهم: كيف ~~لا وقد أحرز الحلفاء بعد ثلاث سنوات نصرا حاسما! # ولم يكن البولنديون وحدهم في هذا المساء هم الذين أنصتوا إلى الإذاعة البريطانية؛ فقد سمع ~~هذا الخبر أيضا البورتغاليون، نقله إليهم الراديو بلغتهم البورتغالية، ولم يكن على ~~البورتغاليين من حرج إذا استمعوا إلى إذاعة المحطة الإنجليزية؛ ولذلك لم يكد يشرق صباح ~~اليوم التالي «5 نوفمبر» حتى كان الخبر قد انتشر في أرجاء أوروبا النازية. ولم يكن الراديو ~~وحده صاحب الفضل في ذيوع خبر الهزيمة المنكرة الفاصلة؛ بل خرجت على أهل البلاد المقهورة في ~~صباح اليوم نفسه «الصحف السرية» تحمل هذا النبأ العظيم إلى قرائها في بولندة والنرويج ~~وهولندة وبلجيكا وفرنسا وغيرها، وكانت الصحف السرية من أعظم وسائل الدعاوة المضادة شأنا ~~ومن أشدها خطرا على سلطان النازيين في أوروبا. ~~••• # وهكذا بدا كأن إله الحرب قد أخذ ينصرف عن ms087 تأييد النازيين، وبدأت من ثم تنزل الهزائم ~~بقواتهم بعد ذلك في كل ميدان تقريبا. ثم تفاقمت حوادث التخريب والتدمير في قلب قلعة هتلر ~~الأوروبية. وقد مر بنا كيف أرغم النازيون على خوض غمار الحرب مع العصابات والجيوش ~~اليوغوسلافية واليونانية وغيرها في البلقان، كأنما الحرب قد استؤنفت من جديد من أجل أن يفتح ~~النازيون هذه البلدان مرة ثانية. وفي العام التالي «1943» انهزم «روميل» نهائيا في أفريقيا ~~الشمالية والغربية، واستسلم «فون باولوس» قائد الجيش السادس الألماني مع هيئة أركان حربه ~~أمام ستالينجراد، ثم غزا الحلفاء صقلية وإيطاليا وتوالت هزائم النازيين في الروسيا. وكان من ~~حوادث هذا العام أيضا اجتماع أقطاب الديموقراطيات العظيمة في سلسلة من المؤتمرات في موسكو ~~والقاهرة وطهران؛ لتوحيد الجهد من أجل إحراز النصر النهائي في الحرب ضد ألمانيا واليابان ~~وإيطاليا، وتخليص الإنسانية من شرور النازية المستطيرة، ودعم الأسس التي ينبغي أن يقوم ~~عليها عالم المستقبل على قواعد «الحريات الأربع» ومبادئ ميثاق الأطلنطي. ~~••• # تلك إذن كانت العوامل التي أدت إلى ظهور الدعاوة المضادة في أوروبا النازية وسببت ذيوعها ~~وانتشارها. وإنه يحق لنا الآن أن نتساءل عن أغراض هذه الدعاية الخفية، ثم ننتقل من ذلك إلى ~~بحث الوسائل التي استخدمتها في دعاوتها ضد الطغيان النازي في أوروبا. # كان للدعاوة المضادة من أول الأمر غرض واحد؛ هو المساهمة في الجهد الذي تتطلبه زحزحة ~~كابوس النازيين الجاثم على صدور أهل البلدان المقهورة، ومن أول الأمر أيضا، عرف الأهلون ~~الذين حز في نفوسهم ما شهدوه من وقوع أوطانهم فريسة في أيدي الطغاة الباغين أنه كان من ~~المستحيل عليهم أن يطردوا هؤلاء الغزاة الفاتحين من غير سلاح يشحذونه في وجوههم، ولم يكن ~~هناك من سبيل إلى الحصول على الأسلحة أو إعداد الجيوش المنظمة في عدد كبير من هذه البلدان ~~المغلوبة على أمرها ما دام النازيون أصحاب الحكم والسيطرة، وما دام النصر حليفهم، وما دام ~~سواد الشعب - في المراحل الأولى من الحرب - ينظر إليهم كأنصاف آلهة خلقوا من غير طينة البشر ~~وقدت قلوبهم من الصخر لا ms088 يلينون ولا يرحمون. بيد أنه من جهة أخرى، لم يلبث أن تبدد الذهول ~~الأول رويدا رويدا، وسرعان ما صار طبيعيا أن يتساءل القوم عن خير الطرق المؤدية إلى جمع ~~الشمل وتوحيد الكلمة وتوجيه الرأي لتدبير المقاومة ضد السادة النازيين وإضعاف شوكتهم. ومن ~~ثم ظهرت أغراض الدعاوة المضادة أو الدعاية الخفية منذ اللحظة الأولى ذات معالم معينة واضحة ~~يمكن تلخيصها في أن أصحابها صار دأبهم الآن إحياء الآمال في صدور مواطنيهم، وانتشالهم من ~~الوهدة التي أرداهم فيها النصر الألماني، وإقناعهم بأن ساعة الخلاص لا بد آتية إذا هم ~~أيقنوا أنه يستحيل على الغزاة مهما أوتوا من قوة وسلطان، أن يمحوا من عالم الوجود تقاليد ~~الأمم وأمانيها وآمالها، وأن صاحب الإيمان في قدسية قضيته وعدالتها لا بد منتصر في النهاية. ~~ثم كان من مقتضيات إحياء هذا الأمل في النفوس أن يسترد الأهلون الثقة، وأن تزول من أذهانهم ~~الصورة التي رسمتها انتصارات النازيين الخاطفة، وأن يقوى الشعور بأنه ليس من العسير قط ~~هزيمة أنصاف الآلهة هؤلاء. # ولذلك عنيت الدعاية الخفية عقب الاحتلال النازي في أوروبا بعدة أمور: أولها؛ نشر الأخبار ~~المحلية التي منعت الرقابة النازية نشرها، وأكثر هذه الأخبار متعلق بموقف كبار الشخصيات ~~حيال سلطات الاحتلال الألماني وعدم إذعان بعض هذه الشخصيات لأوامر النازيين الضارة بمصلحة ~~الوطن، وكذلك حرصت الدعاوة المضادة على إذاعة أنباء المقاومة وحوادث التخريب والتدمير ~~والمظاهرات في أرجاء البلاد، والغرض من ذلك كله إقامة البرهان على أن عرق الحياة ما زال ~~ينبض في جثمان الأمة، وأن هناك من يرفض التسليم، وأن من الخير ألا يقنع الأهلون بالعيش ~~الذليل في ظل الاحتلال الألماني. # أما الأمر الثاني: فهو أن الدعاية الخفية اتبعت أسلوب السخر بالسادة الألمان، وكان ذلك من ~~السهولة بمكان، بسبب ما كانوا يبذلون من محاولات خادعة لكسب محبة الشعوب المقهورة وصداقتها، ~~الأمر الذي جعلهم يتغالون في التودد إلى الأفراد وإظهار العطف على الأطفال وحديثي السن. هذا ~~في وقت كانت أداة الحرب النازية تجد في سلب محصولات البلاد وأموالها وثرواتها، وتسخر ms089 ~~الأهلين في الإنتاج المرهق لمصلحة الريخ، وتنقل النفائس التاريخية والتحف والكنوز، وتحرم ~~الأهلين من الأقوات ووقود الدفء، وتستولي على الماشية، وتصدر الألبان ومنتجاتها إلى ~~ألمانيا، وتترك أطفال الأمم المقهورة جوعى لا يجدون من الغذاء ما يسد الرمق ويقيم الأود، ثم ~~لا تتهاون أخيرا في القبض على المئات والألوف من الرجال والنساء وإرسالهم إلى معسكرات ~~الاعتقال، ولا تحجم عن إعدام الرهائن زرافات ووحدانا، بعد أن ترغم هؤلاء التعساء على حفر ~~قبورهم بأيديهم! # أما الأمر الثالث: فهو أن الدعاوة كانت تعمد دائما إلى نشر أخبار العمليات العسكرية التي ~~يقوم بها البريطانيون وحلفاؤهم، كما كانت تحرص على إذاعة أنباء الهزائم الألمانية بكل ~~وسيلة، ولو أن هذه الهزائم كانت قليلة ومتباعدة في بداية تلك الحرب الطاحنة، وكان غرض ~~الدعاية الخفية من ذلك إقامة الدليل على أن السادة النازيين لم يكسبوا المعركة الأخيرة بعد، ~~وأن أمما ما تزال تناضل من أجل الحرية، وأن الألمان ما دام النضام قائما لا يستطيعون ~~الادعاء بأن في قبضتهم تقرير مصير الشعوب نهائيا، وأن الإيمان بالنصر الأخير والثقة ~~الكاملة هما أداة الشعوب العزلاء، وأن المستضعف وحده هو الذي يرضى بالعيش الذليل. # لذلك لم تكد تمضي مدة طويلة على استقرار الاحتلال الألماني في أوروبا النازية، وظهور ~~جماعة الكويسلنجيين الذين دبروا مع النازيين منذ أمد طويل هزيمة أوطانهم، ثم أقبلوا يؤيدون ~~الحكم الجديد ويتعاونون مع الطغاة، حتى اضطلعت الدعاوة المضادة بمهمة أخطر شأنا من غيرها، ~~هي كشف القناع عن حقيقة ذلك النظام الجديد الذي فرضه السادة النازيون على أوروبا فرضا، ~~وتحذير الأهلين مغبة التعاون مع الغزاة الفاتحين. لذلك نشطت الدعاية الخفية في إظهار أكاذيب ~~الألمان وادعاءاتهم، وعكفت على تفسير القواعد التي بنى عليها هؤلاء نظامهم الجديد بأمثلة ~~مستمدة مما كان يفعله الألمانيون كل يوم في البلدان المحتلة. ولما كان الاستقرار ضروريا ~~لدعم أركان النظام الجديد، وكان من أهم عوامل هذا الاستقرار إقبال الأهلين على التعاون مع ~~الفاتحين، فقد أثارت الدعاية الخفية حربا شعواء ضد الكويسلنجيين الذين أجرموا في حق الوطن ~~بتيسير السبل ms090 على الألمان حتى يقيموا نظامهم الجديد على أنقاض الحريات القديمة والمثل ~~العليا الإنسانية التي كسبها البشر بعد نضال قرون عدة. ولذلك أذاعت الدعاية الخفية أسماء ~~«المتعاونين» ووجهت لهم النصح تارة والوعيد تارة أخرى، وحذرت الأهلين أن يثقوا بهم أو ~~يركنوا إليهم أو ينسجوا على منوالهم. ومما يجدر ذكره أنه كثيرا ما حدث من جراء إذاعة شخصية ~~بعض الكويسلنجيين المتسترين - وكانوا أشد خطرا من بقية المتعاونين مع السادة الألمان؛ ~~لأنهم يعملون في كثير من الأحايين كعيون لقوات الجستابو على مواطنيهم - أن كان نصيب هؤلاء ~~الموت في ظروف مريبة، وكانت الوفاة دائما على أيدي الجستابو نفسه تخلصا منهم، حتى لا ~~يحملهم الشعور بالخزي والعار بعد افتضاح أمرهم على السعي للتكفير عن خطاياهم بكشف الستار عن ~~كويسلنجيين آخرين ما يزال سواد الشعب يجهل وجودهم، وحتى لا يبوحوا بشيء مما قد يعرفونه عن ~~نظام الجستابو الخفي في بلادهم. # وفي المدة الأخيرة، وعلى الخصوص بعد ذيوع خبر «ميثاق الأطلنطي» الذي سبق الكلام عنه ~~والحديث عن أثره في أرجاء أوروبا النازية، صارت الدعاية الخفية تعنى بجمع كلمة الشعوب ~~المقهورة على النظام الذي يصح لها اختياره من أجل العيش في ظل حياة هادئة مستقرة عند زوال ~~دولة الصليب المعقوف من القارة الأوروبية، مثال ذلك ما فعلته هذه الدعاية في فرنسا ووضع ~~مبادئ الميثاق الأطلنطي الفرنسي، في عام 1942، وما نشر في موسكو في يناير 1944 عن البرنامج ~~الذي تحدثت عنه جريدة «وولنا بولسكا»، وهي صحيفة اتحاد الوطنيين البولنديين؛ إذ قالت إن ~~البرنامج يتضمن عدة مسائل: منها مد حدود بولندة المحاربة غربا، وتسوية جميع الخلافات ~~القائمة بين بولندة والاتحاد السوفيتي، وإنشاء نظام ديموقراطي برلماني في البلاد، وإخراج ~~جميع العناصر الرجعية من بولندة، وتوزيع الأراضي على الفلاحين، والتوحيد بين البولنديين من ~~غير نظر إلى عقائدهم السياسية، مع استثناء العناصر الرجعية في الخارج. كما ذكرت أن مهمة ~~البدء بتغيير مركز بولندة في العالم، وإدخال التغييرات المنتظرة في بولندة نفسها يجب أن ~~يكون من شأن البولنديين أنفسهم، ولا بد للديموقراطية البولندية من ms091 أن تبحث لها عن مخرج مما ~~هي فيه وأن تجد هذا المخرج، وينبغي لها أن تبعث الوحدة الوطنية وتثبت أركانها في أثناء ~~مناضلة المغير ومكافحته. ~~••• # هذا، وقد تنوعت وسائل هذه الدعاية وتعددت، ومع هذا فإنه لم يكن قط من السهل على أصحابها - ~~وهم جميع الوطنيين في كل أمة منهزمة ما عدا تلك الفئة القليلة التي قبلت التعاون مع الألمان ~~- أن يوحدوا جهود دعاوتهم المضادة، أو ينشئوا بعض الصلة بينهم جميعا حتى يعرف فريق منهم ما ~~يفعله الفريق الآخر، أو تبذل جماعة مساعدة قيمة قد تكون جماعة أخرى في حاجة إليها، إلى غير ~~ذلك، بل إن من أبرز مظاهر هذه الدعاية الخفية استقلال «خلاياها» في العمل، فكانت كل منها ~~منفصلة عن الأخرى، وبلغ من إمعان أصحابها في المحافظة على سرية هذا النشاط حدا جعل توزيع ~~العمل ضروريا على الأفراد متفرقين حتى لا يعرف فرد ما يقوم به فرد آخر من نفس الجماعة ~~الواحدة، وسبب ذلك، الخوف الشديد من بطش سلطات الاحتلال الألمانية في البلدان المقهورة، ~~والخوف من الوقوع في مخالب رجال الجستابو المنتشرين في كل بلد وقرية، ثم الحذر من أن يقف ~~أنصار النظام الجديد من الأهلين على حقيقة ما يفعله أصحاب هذه الدعاية الخفية، فيبلغون ما ~~يعرفون إلى النازي، ويكون نصيب الوطنيين التشريد في معسكرات الاعتقال أو الإعدام، أو ~~الاقتصاص الصارم من ذويهم. # وفي الواقع كان الأفراد، وحدهم في أول الأمر هم الذين أخذوا على عاتقهم نشر الدعاوة ~~المضادة وترويجها، ووجد الفرد في اعتماده على نفسه فحسب فيما يريد فعله أو إذاعته وسيلة ~~تخلصه من الوقوع في قبضة الجستابو. فظهر من ثم إلى عالم الوجود في أوروبا المحتلة فريق من ~~الأفراد «أو الأشخاص» الذين ظل سرهم مكتوما إلى يومنا هذا، وكان بعض هؤلاء أصحاب جرأة ~~عظيمة؛ إذ قاموا بعمليات التخريب والتدمير في الحقول والمصانع ومحطات السكك الحديدية وأحواض ~~السفن وما إليها. ثم ظهر إلى جانبهم فريق من نوع آخر اكتفى أفراده بنقل الأنباء التي منعت ~~الرقابة ذيوعها ونشرها بين مواطنيهم، ms092 حتى إذا وجد الناقل أو المتحدث مستمعا له، جمعت بين ~~الاثنين روابط الكراهية للحكم النازي، ثم لم يلبث أن ينضم إليهم ثالث، ثم رابع، وهكذا حتى ~~تكبر جماعتهم ويتعاون جميعهم في نقل الأخبار بعد أن يسلكوا كل الطرق في سبيل الحصول عليها. ~~ومن أهم تلك الطرق الاستماع إلى الإذاعات الأجنبية «المحرمة» وعلى وجه الخصوص الإذاعة ~~البريطانية المشهورة # B. B. C. # وهم في الأقبية ووراء جدران ~~البيوت المغلقة، وكلهم عيون وآذان حتى لا تأخذهم الغفلة فيفتضح أمرهم ويكون نصيبهم ~~الموت. # ومع أنه قد يسهل على المرء أن يعترف بأن الجماعة المخربة المدمرة كانت أكثر الجماعات جرأة ~~وشجاعة، فإن ناشري الأخبار المسيئة إلى سمعة النازيين، ومروجي الدعاوة المضادة كانوا أيضا ~~أصحاب جرأة وشجاعة فما كان في مقدورهم أن يفلتوا من أقسى العقوبات النازية إذا قدر لهم ~~الوقوع في قبضة سلطات الاحتلال الألمانية. # ولم يكتف هذا الفريق من أنصار الدعاية الخفية بأن يظل نشاطهم مقصورا على نقل الأحاديث أو ~~الاستماع إلى الإذاعة المحرمة، بل إنهم سرعان ما صاروا يجدون طرقا منوعة للهزء بالألمان ~~والسخر بهم وإظهار أباطيلهم في كل فرصة مناسبة، وكانت فرنسا في طليعة الأمم التي أتقن ~~أبناؤها هذا النوع من أساليب الدعاية الخفية، وعلى الخصوص في شهور الاحتلال الأولى، فمن ذلك ~~أنه كثيرا ما كان يحدث أن يجد الألمان في باريس مكتوبا على إعلانات السيارات: «زوروا ~~إيطاليا!» أو «تطوعوا في الجيش اليوناني!» وكثيرا ما كانوا يعثرون في مدن أخرى على عبارات ~~مخطوطة على جدران المنازل وغيرها: «أيها اليونانيون قفوا هنا؛ لأن هذه فرنسا!» وحدث عقب ~~معركة بريطانيا أن قرأ الباريسيون - ومعهم بطبيعة الحال رجال الجستابو وسلطات الاحتلال - ~~عبارات بالطباشير على الجدران تنادي بحياة فرنسا وحياة إنجلترا، وحياة تشرشل والروسيا، كما ~~وجد الألمان أن كثيرا من أعلام الصليب المعقوف قد أنزلت، ورفعت بدلا منها أعلام ~~الجمهورية الفرنسية، ولم يستطع الألمان مكافحة هذه «الحملة الطباشيرية»، بل زاد أصحابها ~~جرأة، ثم صاروا يصوغون عبارات جديدة مثل «يحيا ديجول، ويسقط الألمان!» ووجد أنصار الدعاية ~~الخفية ms093 ميدانا واسعا لنشاطهم في داخل المصانع المشتغلة لحساب النازيين في فرنسا، فوزعت ~~المنشورات العدة بين الصناع، وعنيت هذه المنشورات على وجه الخصوص بإذاعة أنباء هزيمة ~~الألمان في معركة بريطانيا. وحدث ذات صباح أن قرأ الباريسيون بين مجموعة الإعلانات التي ~~أجازها الألمان إعلانا طريفا فات ذكاء النازيين إدراك معنى ما به من عبارات التهكم ~~اللازع؛ لأنه كان يحمل عنوانا جذابا: «إني أتهم إنجلترا!» أما بقية الإعلان فكان كالآتي: # إني أتهم إنجلترا؛ لأن إنجلترا هي التي غزت فرنسا في عام 1940؛ ولأن إنجلترا هي ~~التي أخرجت إلى عالم الوجود فكرة ألمانيا العظمى أو الكبرى؛ ولأن إنجلترا هي التي ~~ضمت إليها النمسا؛ ولأن إنجلترا هي التي اغتالت مانجان، وماجينو ، وبارتو، والملك ~~إسكندر الأول «ملك يوغسلافيا»؛ ولأن إنجلترا هي التي قامت بتسليح نفسها تسليحا ~~خطيرا وعبأت جيشها كله، بما في ذلك الرقيق؛ ولأن إنجلترا هي التي غزت النمسا ~~وتشيكوسلوفاكيا، وهولندة، وبولندة وبلجيكا والنرويج؛ ولأن إنجلترا ... أوه ياللعجب من ~~هؤلاء الإنجليز! # ولم يفطن النازيون إلى حقيقة ما يحمله هذا الإعلان من دعاوة مضادة إلا بعد أن شاهدوا ~~الباريسيين يستغرقون في الضحك بعد قراءته، فأزالوه بعد مضي أربع وعشرين ساعة. # وفي بقية أوروبا النازية لم يقل أنصار هذا النوع من الدعاوة المضادة عن زملائهم في فرنسا؛ ~~فالحملة «الطباشيرية» كانت تجد ميدانا فسيحا في كل بلد مقهور. ومن الحكايات المشهورة ~~الواقعية ما حدث في بروكسل عاصمة بلجيكا، ذلك بأن الألمان علقوا ذات مرة في شوارع هذه ~~المدينة إعلانا يحمل رسم «ونستون تشرشل» واقفا يطل على أسرة من أم وأولاد صغار أضناهم ~~الجوع ولا يجدون على مائدتهم سوى صحاف فارغة، ثم كتبوا تحت هذه الصورة: «أيها الوحش! إنك ~~تسقينا من العذاب كئوسا مرة؟» وكان الغرض من لصق هذا الإعلان إظهار أن بريطانيا وحدها هي ~~المسئولة بسبب الحصار البحري الذي ضربته على أوروبا النازية، عن انتشار المجاعة في بلجيكا. ~~ولكن حدث أن انتهز الأهالي فرصة الظلام الدامس فأجروا تغييرا في الصورة، حتى بدت رأس ~~المستر تشرشل في الصباح التالي، وقد ms094 أعطيت «قصة» عجيبة كما نبت له شارب صغير، فظهر «أدولف ~~هتلر» بدلا من المستر تشرشل يطل على هؤلاء الأطفال الجياع، وانطبق عليه القول: «أيها ~~الوحش! إنك تسقينا من العذاب كئوسا مرة!» # ومن أمثلة هذه الدعاوة المضادة، ما كان يحدث في الدانمرك على نحو ما سبقت الإشارة إليه؛ ~~فقد وجد أهلها أن خير وسيلة لبعث الثقة في النفوس وإشعال جذوة الوطنية إحياء الأناشيد ~~والأغاني القومية الشعبية، وخصوصا في جوتلند الجنوبية «أو شلزويج»، حيث يعتز القوم هناك ~~بهذه الأغاني القديمة ويجدون في ترديدها عزاء وسلوى؛ ولذلك صار مئات منهم يجتمعون للإنشاد ~~في الهواء الطلق، وذاع خبر هذه الأناشيد القومية في أنحاء الدانمرك وسرت العدوى إلى كل ~~مدينة وقرية، وخرج الأهلون في كل مكان لترديدها. وهكذا حدث في سبتمبر من عام 1940 أن قامت ~~أكبر مظاهرة «غنائية» في كوبنهاجن، عندما اجتمع حوالي 150000 دانمركي في ساحة # Faelled Park # للغناء ذات مساء، وحدث مثل ذلك أيضا في ~~بلدة # Esbjerg # حيث احتشد عشرون ألفا من سكانها البالغين 36 ~~ألفا للغرض نفسه، وكذلك في «هازل # Hasle ~~»، ووقع ذلك كله في ~~وقت واحد وفي يوم واحد، حتى يعبر الدانمركيون عما يشعرون به نحو الوطن. وفي الواقع كان شهر ~~سبتمبر من ذلك العام شهرا تاريخيا في قصة الدانمرك الوطنية؛ إذ قرر الشباب في أنحاء ~~الدانمرك تأسيس جماعة «الشباب الدانمركي العامل» برئاسة «هال ~~كوش # Hal Coch ~~» أحد الأساتذة المعروفين. ثم تأسست في طول البلاد وعرضها «أندية ~~تشرشل» تحت أنوف الجستابو وأنصارهم، وغنى الدانمركيون النشيد القومي الإنجليزي بعد أن وضعوا ~~له معنى جديدا: «سوف يكسب تشرشل الحرب لا محالة!» حتى سمى النازيون تلك الحماسة الدافقة ~~«بالمرض الإنجليزي»! # وفي هذه الظروف لم يكن من العسير على أصحاب الدعاوة المضادة أن يروجوا ما يشاءون من أقوال ~~وأقاصيص من أجل إضعاف شوكة النازيين والسخر بهم. ومن النوادر التي انتشرت في هذه البلاد أن ~~أحد بائعي السمك اعتاد المناداة على سمكة في أسواق كوبنهاجن: «سمك من الطراز الأول، وسمين ~~كالماريشال جورنج!» فألقي القبض عليه ms095 وحبس مدة أسبوعين، ولكن لم يكد يطلق سراحه حتى ~~استأنف المناداة على بضاعته قائلا: «سمك من الطراز الأول: ما يزال سمينا كما كان منذ ~~أسبوعين!» وكذلك ظل الدانمركيون زمنا يجدون في موقف ملكهم كريستيان مثالا يحتذى في ~~مقاومة الألمان، وحرصت الدعاية الخفية على إذاعة واقعة من وقائع هذا الملك مع السادة ~~الألمان، وهي أنه كان من عادة الملك كريستيان أن يخرج كل صباح على حصانه للتجول في شوارع ~~كوبنهاجن، فحدث ذات مرة أن مر ببناء من الأبنية العامة، فوجد الصليب المعقوف مرفوعا على ~~أعلى البناء، فطلب إليه ضابطا ألمانيا وأخبره بمخالفة هذا العمل لنصوص الاتفاق القائم ~~وقتذاك بين الدانمرك وألمانيا، فلما أجاب الضابط بأن العلم النازي قد رفع على هذا البناء ~~بمقتضى أمر صادر من برلين، أعلن كريستيان نيته على إرسال جندي دانمركي لإنزال العلم النازي ~~إذا ظل العلم مرفوعا إلى وقت الظهر. وفي الساعة الحادية عشرة والدقيقة الخامسة والخمسين ~~كان العلم ما يزال مرفوعا، فظهر الملك وقال إن أحد الجند الدنمركيين سوف ينتزع العلم من ~~موضعه في الساعة الثالثة عشرة تماما. فهدد الضابط بإطلاق الرصاص على ذلك الجندي، فأجاب ~~الملك: «إذن يمكنك إطلاق الرصاص علي؛ لأني أنا هذا الجندي!» فاضطر الألمان إلى إنزال ~~العلم بعد دقيقة واحدة. # وهكذا تنوعت الأمثلة وتعددت في كل بلد من بلدان أوروبا المحتلة. على أنه كان أيضا من أهم ~~أساليب نشر الدعاية الخفية استخدام ما يعرف باسم «الخطابات المسلسلة»، وذلك أنه لما كان من ~~المتعذر في كثير من الأحايين الحديث علانية في موضوع يهم الوطنيين تحت رقابة الجستابو ~~وعيونهم، فقد كان ناقل الخبر يعمد إلى كتابة ما يريد إذاعته في رقعة صغيرة يضعها في كفه، ~~حتى إذا صافح أحد الوطنيين ترك هذه الرقعة في يد ذلك الوطني الذي يعمد بدوره إلى نسخ عدة ~~رقاع منها يوزعها على أصدقائه ومعارفه الذين يثق بهم، فيقوم هؤلاء بتوزيعها على آخرين بعد ~~أن ينسخوا منها أعدادا أخرى وهكذا. وتتضمن هذه الرقعة عادة، خبر هزيمة لحقت بالنازيين، أو ~~ذكر ms096 حادث تخريب أو تدمير، أو أمر تدبير مظاهرة كبيرة، أو مجرد تحذير الجمهور من بعض حيل ~~النازيين الجديدة لسلب أموال الأهلين أو مواشيهم أو أغذيتهم، وكثيرا ما كانت هذه الرقاع ~~تنقل بعض الأقاصيص التي يقصد من إذاعتها الترويح عن النفس والزراية بالسادة النازيين ~~والسخر بهم وتقوية الروح المعنوية، وشد أزر المقاومة عند سلطات الاحتلال الألماني بجميع ~~الطرق الممكنة. ومن ذلك ما يذكرونه في النرويج حيث أراد النازيون في بداية الاحتلال أن ~~يجتذبوا النرويجيين بالتودد إليهم، ووجدوا «فيدكون كويسلنج» وأنصاره مقبلين على التعاون ~~معهم، وكان من واجب أصحاب الدعاوة المضادة أن يبذلوا كل جهد حتى يعرف سواد الشعب أنه كان ~~هناك أناس ما يزالون يشيدون بذكر الملك والوطن ويرفضون في قرارة نفوسهم العيش الذليل في ظل ~~الاحتلال الألماني، هذا إلى ضرورة التمسك بأهداب الأمل والرجاء دائما. ومن الوقائع التي ~~أذاعت أنباءها الدعاية الخفية ما حدث في «أوسلو»؛ إذ دخل أحد النازيين محلا تجاريا، ثم ~~رفع يده محييا بالتحية الهتلرية وسأل البائعة أن ترشده إلى مكان بيع ملابس الرجال، وكان ~~هذا النازي ينتظر أن تجيبه الفتاة بالتحية النازية ولكنها أبت ذلك، فأجابته على الفور: ~~«يحيا الملك! خلفك إلى الشمال». وفي أبريل 1941 حدث أن استفسر رجال الاحتلال الألماني من ~~أحد وكلاء الكنائس النرويجيين «تليفونيا»، عن مكان في كنيسته يتسع لإيواء مائة جندي ~~ألماني، فأجاب الرجل: «بكل تأكيد! في استطاعتنا أن نجد مكانا يتسع لإيوائهم في فناء ~~الكنيسة المخصص لدفن الموتى.» ~~••• # غير أن الدعاية الخفية سرعان ما وجدت في «الراديو» و«الصحف السرية» أكبر أدواتها الفعالة ~~في نشر دعاوتها ضد النازيين ونظامهم الجديد في أوروبا. ودل استخدام الراديو في الحقيقة على ~~مهارة كبيرة وجرأة عظيمة من جانب أنصار المقاومة في أوروبا النازية، والسبب في هذا، أنه كان ~~من مقتضيات التنظيم الألماني «الرقابة» الصارمة التي أنشئوها من أجل ترويج دعاوتهم للنظام ~~الجديد من جانب، ومن أجل إخماد أية دعاوة مضادة من جانب آخر، أن يجري النازيون تفتيشا ~~دقيقا لمصادرة جميع أجهزة الراديو ذات الموجات القصيرة ms097 خصوصا، وإصدار العقوبات القاسية ~~على كل من يضبط متلبسا بجريمة الاستماع للإذاعات الحرة الأجنبية، وفي مقدمة هذه الإذاعات ~~المرسلة من محطة لندن المشهورة # B. B. C. ~~، وزيادة على ذلك ~~قام النازيون من جهة أخرى بتوزيع أجهزة للراديو ذات موجات معينة تمكن صاحبها من الاستماع ~~للإذاعات النازية المحلية فحسب، هذا إلى أنهم دققوا على وجه الخصوص في التنقيب عن كل أجهزة ~~الإرسال في حوزة الأفراد، وكان غرض النازيين من ذلك كله ألا يستمع الأهلون في البلدان ~~المقهورة إلى أنباء لا يريد النازيون ذيوعها بينهم، وأن يتعذر على الوطنيين الذين رفضوا ~~التعاون معهم، وكان ما يزال لديهم بقية من أمل في الخلاص من سلطانهم أن يقف بعضهم على حقيقة ~~ما يفعله البعض الآخر ويقوم به من ضروب المقاومة ويأتيه من حوادث التخريب والتدمير، أو أن ~~يستطيعوا إنشاء صلة تؤدي إلى جمع الكلمة وتوحيد الصفوف في وجه سلطات الاحتلال ~~الألمانية. # ومع هذا فقد نجح كثيرون من أهل الشعوب المقهورة في الاحتفاظ بأجهزة الراديو ذات الموجات ~~القصيرة، واتخذوا التدابير لإخفاء هذه الأجهزة، ورتبوا الاجتماعات «السرية» في أوقات ~~الإذاعة الأجنبية للاستماع إلى ما يقوله أنصار الحرية في الأمم الديموقراطية. ثم عظم ~~الإقبال على استخدام الراديو عندما صارت محطة الإذاعة البريطانية تنظم برامج باللغات ~~الأجنبية، وقد بلغ عدد اللغات التي كانت تذيع بها هذه المحطة سبعا وأربعين، وتحتل الإذاعة ~~البريطانية مكانا ظاهرا في تاريخ الدعاية الخفية والدعاوة المضادة بسبب ما كانت تنشره من ~~أنباء وتعليقات على هذه الأنباء، ولم يكن يقصد من إذاعتها أن تقف الشعوب المقهورة على حقيقة ~~ما يقع من حوادث وتطورات في أرجاء العالم من أجل القضاء على الطغيان النازي فحسب؛ بل كانت ~~تبغي إلى جانب ذلك إحياء الأمل والرجاء في صدور الأهلين وشد عزيمتهم بفضل ما تنشره من أخبار ~~القوات المحاربة الحرة إلى جانب جيوش البريطانيين والأمريكيين في ميادين القتال المتعددة، ~~ثم بفضل ما كانت تنقله إليهم من أقوال الزعماء الأحرار الذين كانوا يتولون قيادة هذا النضال ~~إلى جانب أقطاب الديموقراطية المعروفين ms098 في العالم، وكانت تظهر لهم بين وقت وآخر طرفا من ~~الأساليب التي كان يتبعها النازيون لدعم أركان نظامهم الجديد في أوروبا وبسط سيطرتهم ~~العالمية. وأخيرا صارت الإذاعة البريطانية إلى جانب ذلك كله تعنى أيضا بجمع كلمة ~~الوطنيين الذين آلوا على أنفسهم مقاومة الاحتلال الألماني في بلادهم. # وقصة الإذاعة البريطانية ( # B. B. C. ~~) طريفة حقا. فمن ~~المعروف أن النازيين منذ خلص لهم الحكم في ألمانيا، كانوا أول من استخدم الراديو في الإذاعة ~~السياسية لترويج مبادئهم قبل نشوب الحرب الماضية بعدة أعوام. ثم أتقن زعيم الدعاوة والنشر ~~في ألمانيا الدكتور «جوبلز» تنظيم هذه الأداة حتى أصبح الراديو من أدوات الحرب الفعالة، ~~وكان يعتمد عليه النازيون في تعبئة الرأي العام الألماني في بلادهم بما يذيعونه من أخبار ~~وادعاءات مضللة كاذبة، وكذلك في حرب الأعصاب المشهورة لإضعاف جبهة المقاومة والدفاع في ~~البلدان التي أرادوا اجتياحها. أما الإذاعة البريطانية فظلت في سنوات السلم لا تعني ~~بالإذاعة الأجنبية. ثم استمر الحال على ذلك المنوال إلى أن وقعت الأزمة التشيكوسلوفاكية ~~المعروفة في سبتمبر 1938، وعندئذ أدركت الحكومة الإنجليزية خطر الموقف، وأيقنت أنه من ~~المتعذر عليها أن تنشر على الملأ آراءها، ورأي رئيس حكومتها وقتذاك المستر نيفل تشمبرلين، ~~بين الشعوب الأوروبية بصدد هذه المسألة الشائكة ما دامت محطة الإذاعة البريطانية لا تعنى ~~بتنظيم برامج أوروبية تاركة للنازيين وحدهم ترويج آرائهم وادعاءاتهم في أنحاء العالم، وكانت ~~تقوم بذلك «وزارة الدعاية» النازية بإشراف الدكتور جوبلز وأعوانه. ولهذا تقرر في 27 سبتمبر ~~من العام نفسه أن تنشر محطة الإذاعة البريطانية # B. B. C. # باللغات الفرنسية والإيطالية والألمانية جميع الخطب التي يلقيها رئيس الوزارة الإنجليزية، ~~ثم الأنباء الهامة. واقتضى تنفيذ هذا القرار وقتذاك تنظيما واسعا لإعداد المترجمين ~~والمذيعين، هذا إلى جانب إجراء تغييرات فنية منوعة. ثم لم تلبث هذه الصعوبات الفنية أن زادت ~~عندما صارت «المحطة» ترتب برامج للإذاعة باللغتين الإسبانية والبورتغالية في صيف العام ~~التالي «1939»، كما صارت تذيع بلغات أخرى بلغت في ذلك الحين سبعا. ثم ازداد العبء الملقى ~~على عاتق هذه ms099 الإذاعة الأجنبية عقب نشوب الحرب الماضية مباشرة، وما تبع ذلك من نجاح الألمان ~~في اجتياح عدة دول في وقت قصير، وإنشاء الحكومات «الحرة» التي صارت تمثل مجموعة الأمم ~~المتحدة في لندن واتجاه الأنظار إلى بريطانيا كموئل للاجئين السياسيين والمضطهدين، ومن ~~إليهم، بل وكمركز لتنظيم المقاومة الشديدة ضد الطغيان النازي. ثم غدت بريطانيا قلعة الحرية ~~التي شاء النازيون أن يفرضوا عليها العزلة فرضا قبل غزوها هي الأخرى. وعلى ذلك نشطت ~~الإذاعة البريطانية نشاطا عظيما في عامي (1940-1941)، وكان واجبها الأكبر أن تسمع أوروبا ~~المقهورة صوت بريطانيا عاليا مرتفعا وسط ضوضاء أسلحة الحرب الميكانيكية وإغارات الطائرات ~~النازية، وأن تسمع القلقين أو اليائسين دقات «ساعة بن» المشهورة، وكان عصيبا ذلك اليوم ~~من أيام ربيع عام 1941 عندما هدمت قذائف النازيين بناية محطة الإذاعة البريطانية. ومع هذا ~~فقد أعيد البناء على عجل وكانت الإذاعة النازية في هذه الأيام الشديدة «من عامي 1940-1941» ~~تكاد لا تلقى منازعا أو منافسا في ميدان الدعاية الأوروبية أو العالمية. # ولكن الحال سرعان ما تبدل بعد ذلك؛ إذ تمكنت الإذاعة البريطانية من تنظيم برامج للإذاعة ~~في أنحاء الممتلكات المستقلة، وفي بلدان الإمبراطورية المختلفة. وفي أغسطس وسبتمبر 1940 ~~كانت قد أحكمت الصلة بطريق الأثير، بين لندن والولايات المتحدة الأمريكية، وقد مهد لذلك - ~~ولا شك - ما قررته الولايات المتحدة ذاتها من ضرورة النزول إلى ميدان الصراع المستعر منذ ~~أبريل في العام السابق «1939»، فلم يكد يمضي أسبوع واحد على استيلاء «موسوليني» على مملكة ~~ألبانيا، حتى ألقى «روزفلت» خطابه المشهور على هيئة ~~الاتحاد الأمريكي Pan American Union # في 14 أبريل سنة 1939، وقال: إن المسألة باتت في الواقع ~~مسألة اختيار بين إقحام الحضارة الحالية في النزاع والحروب التي يثيرها العسكريون، وبين ~~التمسك بمثل السلام العليا واحترام حقوق الفرد والحرص على المدنية التي ينبغي أن تظل جميع ~~الشعوب متمتعة بها. ثم حدث بعد ذلك أن ذهبت أدراج الرياح جميع الجهود التي بذلها الرئيس ~~الأمريكي من أجل تأمين سلامة الأمم ومنع نشوب الحرب، حتى جاء في آخر ms100 الأمر انهيار فرنسا في ~~يونية 1940 مؤذنا في نظر الكثيرين من أهل الولايات المتحدة بقرب انتهاء الحرب في مصلحة ~~ألمانيا، وبأن مقاومة بريطانيا لا طائل تحتها وأنه من المنتظر أن ترضى هذه الدولة بالتسليم ~~عاجلا أو آجلا. وفي هذه الظروف، كان من واجب بريطانيا أن تبذل كل جهد حتى يقف الشعب ~~الأمريكي على مقدار المقاومة التي تبديها من أجل الدفاع عن سلامتها، وإقامة البرهان. على أن ~~هذه الجزر العظيمة لا يمكن أن ترضى بالتسليم للألمان حتى يفنى آخر رجل وامرأة بها، ووقع على ~~عانق الإذاعة البريطانية # B. B. C. # إبلاغ هذه الرسالة إلى ~~العالم الجديد، وكان لصوت المستر «ونستون تشرشل» السحري، أبلغ الأثر في نفوس الأمريكيين. ~~وزيادة على ذلك فقد ظهر في تلك الآونة أن الرأي والشعور قد تحولا نهائيا إلى جانب ~~الديموقراطية البريطانية في النضال الدائر؛ لأن الأمريكيين سرعان ما صاروا يطلبون في خريف ~~1940 معرفة الشيء الكثير عن جهود بريطانيا الحربية ويتساءلون لماذا تذيع لندن إلى الشعوب ~~البريطانية في كندا ونيو فوندلند، والهند الغربية، بينما تترك الأمريكيين من غير الإذاعة ~~لهم؟ ثم كان لأهل هذه الديموقراطية العظيمة ما أرادوا فكتبت جريدة «نيويورك تيمس» في 14 ~~يولية 1940 تثني على جهود محطة الإذاعة البريطانية، ثم قالت ما معناه: إنه سرعان ما تبين من ~~فحص بعض البرامج التي تذاع من هذه المحطة أن بريطانيا أصبحت الآن لا تضيع وقت المستمعين سدى ~~في الإصغاء إلى روايات خيالية! ومن ذلك الحين أصبح الأثير الصلة الفعالة التي ربطت بين ~~بريطانيا وأمريكا، ونقل الأثير خبر ميثاق الأطلنطي بين «روزفلت» و«تشرشل» في أغسطس 1941، ~~وأسدت الإذاعة خدمات جليلة عقب حادث «بيرل هاربور» المشهور، وذلك في أثناء زيارة المستر ~~تشرشل للولايات المتحدة وكندا. ومنذ صارت الولايات المتحدة ترسل جندها إلى الشرق الأوسط ~~والهند، نقلت محطة الإذاعة البريطانية إلى هؤلاء برامج مذاعة من المحطات الأمريكية. # بيد أنه إلى جانب هذا كله، سرعان ما أتمت محطة الإذاعة تنظيم إذاعاتها الأجنبية لا لقوات ~~الأمم المتحدة المحاربة في الميادين فحسب، بل ms101 ولأهل البلدان المقهورة في أوروبا النازية. ثم ~~كان أظهر آثار هذا التنظيم ما حدث في ربيع عام 1941 عند بدء الدعوة لحملة جيش النصر # V-Army # المشهورة، ومع أنه قد سبق الحديث عن هذا الجيش ~~عند الكلام عن ضروب المقاومة الإيجابية والسلبية في أوروبا الهتلرية، فإن ثمت حقيقة واحدة ~~لا ينبغي إغفالها؛ هي أن الفضل في قيام هذه الحملة الواسعة يرجع في الحقيقة إلى الشعوب ~~الأوروبية المقهورة نفسها أكثر من أي شيء آخر، وتفسير ذلك أن أحد أعضاء الحكومة البلجيكية ~~السابقين، «المسيو فكتور ديلافيلي # Victor Delaveleye ~~»، وهو ~~من أولئك الذين عاهدوا النفس على الحديث من لندن إلى البلجيكيين في أرض الوطن، أراد أن ~~يتحقق من أن هناك من يستمع لأحاديثه من مواطينه، فاقترح عليهم ذات مرة أن يحملوا شارة معينة ~~ترمز إليهم هي حرف # V # حرف النصر، وأن يخطوا هذا الحرف ~~بالطباشير على الجدران حتى يكون ذلك بمثابة علامة يعرف بها كل مستمع لإذاعته اللندنية غيره ~~من المستمعين الآخرين، ونال هذا الاقتراح قبولا لدى مذيع آخر، يدعى «جيرسن # Geersens ~~»، فطلب إلى مستمعيه من البلجيكيين في إذاعته ~~الفلمنكية أن يفعلوا هم أيضا مثل إخوانهم، فأجاب أهل بلجيكا - من والون وفلمنك - هذه ~~الرغبة، ثم لم يلبث أن ذاع الخبر، فتبع هؤلاء أهل البلدان الأخرى، وهكذا لم يجيء شهر أبريل ~~من عام 1941، حتى كان حرف النصر # V # منتشرا من أقصى القارة ~~الأوروبية إلى أقصاها من النرويج في الشمال إلى البلقان في الجنوب، وقد تقدم كيف تسلم ~~الكلونيل «بريتون # Britton ~~» إدارة هذه الحملة من لندن. وفي ~~خريف العام نفسه أسدت هذه الحملة خدمة كبرى، عندما انتشر في أرجاء أوروبا «رمز» جديد لنوع ~~المقاومة الإيجابية الخطيرة - وهو رسم السلحفاة - وكان هذا رمزا لحركة الإبطاء المتعمد! ~~وقد سبق ذكر مبلغ الأضرار التي لحقت بأداة الحرب الألمانية من جراء هذا النوع من ~~المقاومة. ~~••• # هذا هو الدور الخطير الذي لعبته محطة الإذاعة ~~البريطانية # B. B. ~~C. # في إثارة المقاومة الفعالة في وجه السادة النازيين في أرجاء ~~القارة. وواضح أن ms102 استخدام هذه الإذاعة كان من أمضى أسلحة الدعاوة المضادة أو الدعاية الخفية ~~التي كانت ترمي إلى تقويض أركان النظام الجديد في أوروبا النازية؛ ولذلك، وقع النازيون ~~عقوبات صارمة على كل متهم بالاستماع إلى الإذاعة البريطانية خصوصا، وتنوعت هذه العقوبات، ~~من الحبس الانفرادي أو الإرسال إلى معسكرات الاعتقال، إلى السجن عدة سنوات أو الإعدام (وذلك ~~على وجه الخصوص في كل من بولندة والنرويج، ثم في ألمانيا ذاتها)، إذا ثبت أن المستمع ~~للإذاعة البريطانية يمتلك جهاز الراديو، ويدعو إخوانه ومواطنيه إلى منزله أو أي مكان آخر ~~للاستماع معه؛ إذ إن النازيين كانوا يعتبرونه في هذه الحالة مروجا لدعاوة العدو ضد سلطات ~~الاحتلال. وقد عنيت حكومات الأمم المتحدة المحاربة (في خارج أوروبا النازية) بإعداد قوائم ~~طويلة بأسماء سيئي الحظ الذين ارتكبوا «جريمة» الإصغاء إلى محطات الإذاعة الأجنبية، وخصوصا ~~محطة # B. B. C. # وصدرت ضدهم أحكام بالسجن أو الإعدام، واشتملت ~~هذه القوائم أيضا على تواريخ صدور هذه الأحكام ذاتها بكل دقة. ولم يكن من العسير على ~~الحكومات إعداد مثل هذه القوائم الكاملة؛ لأن الصحف النازية نفسها في البلدان المحتلة درجت ~~على نشر أخبار هذه الأحكام بين الأنباء المحلية، على أمل أن يكون هذا النشر زاجرا للأهلين، ~~يمنعهم من الاستماع للإذاعات الأجنبية، بيد أن صرامة هذه الأحكام لم تفد شيئا في ردعهم؛ ~~لأن هؤلاء ما كانوا يجدون طريقا يعرفون به شيئا مما يحدث في بلادهم أو يجري في أوروبا ~~النازية وفي العالم عموما غير الاستماع لأنباء محطات الإذاعة الحرة، وعلى وجه الخصوص ~~المحطة البريطانية. وعلى ذلك فإنه بدلا من أن يفلح الألمان في إقناع سواد الشعوب المقهورة ~~بالانصراف عن الإذاعة اللندنية، زاد إقبال الأهلين على هذه الإذاعة وصاروا يحكمون الأساليب ~~التي تمكنهم من مراوغة الجستابو والإفلات من أيديهم. # وانتشرت في أرجاء أوروبا المحتلة أقاصيص عن وقائع كثيرة تبين في الحقيقة مدى فشل سلطات ~~الاحتلال الألماني في مقاومة الإذاعة البريطانية. من ذلك أن أحد الجنود الألمان سأل ذات يوم ~~في شارع من شوارع مدينة «بروكسل» رجلا ms103 من البلجيكيين عن الوقت، فتجاهل الرجل معرفة ~~الألمانية، فسأل الجندي آخر، ولكنه لم يظفر منه بطائل. وعندئذ تقدمت إليه ابنة صغيرة وأظهرت ~~دهشتها كيف لا يعرف هذا الألماني الوقت، مع أن كل إنسان يعرف أن الساعة هي السابعة والربع ~~مساء. فدهش الألماني بدوره، وسألها كيف استطاعت هي أن تحدد الوقت بهذه السهولة دون أن تنظر ~~إلى ساعة ما؟ فقالت: «الأمر يسير هل ترى أحدا من الناس في الشارع؟» فأجاب الألماني بالنفي، ~~فقالت: «حسنا كل الشوارع تكون مقفرة الآن؛ لأن الناس يهرعون في هذه اللحظة إلى بيوتهم حتى ~~يستمعوا للإذاعة الحرة، وهذه موعدها كل مساء الساعة السابعة والربع تماما!» # وحدث أن كتب أحد المتحمسين من أنصار التعاون مع ألمانيا في بلجيكا إلى جريدة «نوفو ~~جورنال» البلجيكية، يشكو من أنه سمع في الترام حديثا بين تلميذتين: قالت إحداهما في ~~أثنائه: «إن مدرس الإنجليزية في مدرستنا رجل عظيم حقا! هل تدرين ماذا يفعل؟ إنه يبدي كل ~~يوم تعليقات منوعة على الأنباء المذاعة من إنجلترا، إن النصر آت لا محالة!» # ومن الأقاصيص الطريفة ما حدث في بروكسل أيضا عندما غادر رجل مسن أحد المقاهي، فسأله ~~رفاقه: «إلى أين؟» فقال: «إلى المنزل لأن هذا وقت الاستماع إلى الإذاعة البريطانية!» ثم ذهب ~~الرجل إلى حال سبيله، ولكنه لم يكد يستقر به المقام في بيته حتى سمع طارقا، ثم لم يلبث أن ~~دهش عندما وجد الجستابو في ردهة البيت يسألونه: «هل أنت الرجل الذي يستمع إلى الإذاعة ~~البريطانية؟» فأجاب: «نعم، وأفعل ذلك كل يوم!» فسألوه: «وأين هذا الراديو؟» فأجاب: «ولكني ~~لا أملك جهازا للاستماع، وإنما جدران المنزل رقيقة لدرجة تمكنني من الاستماع لإذاعة جهاز ~~الراديو الذي يملكه جاري، وحضرته ضابط ألماني.» # الفصل الخامس # | الصحف السرية # أما أخطر وسائل الدعاية الخفية وأشدها أثرا فكانت الصحف السرية التي انتشرت في أرجاء ~~أوروبا النازية. وظهور هذه الصحف كان معناه في الحقيقة وجود حركة مقاومة خفية واسعة يصعب ~~على سلطات الاحتلال الألماني ورجال الجستابو إخمادها، على الرغم من أن النازيين كانوا ms104 أصحاب ~~السطوة في البلدان المفتوحة. ويعتبر ظهور هذه الصحف السرية، ورواجها برهانا ساطعا على أن ~~الهتلريين قد فشلوا تماما، أولا: في كسب صداقة الشعوب المقهورة، واستمالتهم إلى التعاون ~~معهم في ظل النظام الجديد من أجل دعم السيطرة الألمانية، وثانيا: على أنهم بالرغم من ~~تنظيماتهم الواسعة ظلوا عاجزين عن كبح جماح الأهلين والقضاء على الروح المعنوية في البلدان ~~التي دانت لسلطانهم. وزيادة على ذلك فقد قامت الصحف السرية بدور خطير في جمع وتوحيد الصفوف ~~وشد أزر المقاومة ضد السادة الألمان، وهذا بفضل ما كانت تنشره من أنباء وموضوعات متعلقة ~~بنشاط الديموقراطيات العظيمة ونضالها المميت من أجل خلاص الحضارة من شرور النازيين وطغيانهم ~~من جهة، ثم بفضل ما كانت تقوم به من وسائل الدعاوة المضادة التي مر ذكرها. ويكفي برهانا ~~على خطر المهمة التي ألقيت على عاتق هذه الصحف السرية، أنها كانت تعتمد في الأنباء التي ~~تنشرها على إذاعات المحطة البريطانية # B. B. C. ~~، ومعنى هذا ~~أن الصحف السرية تروج الأنباء التي يفرض النازيون عقوبات صارمة بلغت حد الإعدام في أحايين ~~كثيرة على كل مستمع لهذه الإذاعة، مما يدل أيضا على أن جميع الجهود التي بذلها النازيون ~~لمقاومة هذه الإذاعة الحرة قد ذهبت سدى ومن غير طائل. # هذا إلى أن نجاح الدعاوة المضادة في استخدام الصحف السرية دل على أن أنصار الدعاية عديدون ~~بل ومنتشرون في أرجاء أوروبا المحتلة؛ لأن إصدار هذه الصحف السرية لم يكن بالأمر السهل ~~الهين، فهناك قبل كل شيء مشكلة الحصول على الورق؛ لأن سلطات الاحتلال الألماني تهيمن على ~~توزيعه، فلا يستطيع إنسان أو هيئة الحصول على الورق إلا إذا سمح الحاكم الألماني، وعرفت ~~سلطات الاحتلال الوجوه التي يراد استخدامه فيها، وهذا إلى أن الكميات التي تسمح بها السلطات ~~محدودة وتكاد تكفي حاجة البلاد العادية، فكيف يحصل إذن أنصار الدعاوة المضادة على الورق ~~الذي يلزم لصحفهم؟ لا بد من وجود مؤيدين لهذه الدعاية الخفية قبل كل شيء من بين الأهلين ~~الذين استطاعوا التمتع بثقة الألمان؛ لأن هؤلاء وحدهم ms105 هم الذين كانوا يحصلون على هذه ~~الكميات المحدودة من الورق. وكانت هناك مجازفة أخرى؛ إذ كيف يحمل مصدرو الصحف السرية كميات ~~الورق التي يحصلون عليها تحت أنوف هيئات الشرطة والجستابو اليقظين؟ وإذا استطاع أصحاب الصحف ~~الإفلات من ذلك كله، فأين يجدون المطبعة التي تطبع صحيفتهم؟ بيد أنه كما كان هؤلاء يجدون ~~أفرادا وشركات وطنية تعطيهم حاجاتهم من الورق خفية، فإنهم كانوا كذلك يجدون أصحاب مطابع لا ~~يضنون على أصحاب الصحف السرية بما يريدون من أدوات الطباعة كالحبر والحروف والآلات وغير ~~ذلك؛ وكان مصدرو الصحف دائما يعمدون إلى استخدام حروف الطباعة من «البنط» الذي لا تختص ~~باستعماله شركة أو هيئة دون أخرى، حتى يصعب على رجال الجستابو الوقوف على المصدر الذي أمد ~~الصحف السرية بأدوات الطباعة. ورغبة في أن يتعذر العثور على المكان الخفي الذي أقيمت فيه ~~المطبعة السرية كثيرا ما كان أصحاب هذه الصحف يختارون مكانا منعزلا خوفا من أن يسمع ~~القاطنون في الأماكن المجاورة صوت الآلات، ويعرف خبر وجود المطبعة، وقد حرص مصدرو الصحف ~~السرية على ألا يعتمدوا على شركة واحدة لتموينهم بالورق أو مدهم بآلات الطباعة وأدواتها، أو ~~يظلوا في مكان معين يطبعون فيه صحيفتهم مدة طويلة. والسبب في ذلك الإمعان في الحيطة حتى لا ~~يتسرب شيء عن نشاطهم، أو يتعرض معاونوهم في هذا كله لإثارة سخط سلطات الاحتلال عليهم فيكون ~~نصيبهم الموت أو التشريد لا محالة، فإذا ما تم طبع الصحيفة، صادف أصحابها صعوبة التوزيع، ~~فكان عليهم أولا أن ينقلوا ما طبعوه من نسخ عدة قد يثير نقلها الريبة والشكوك، وأن يجدوا ~~موزعين، يوصلون هذه النسخ إلى أيدي الأهلين في كل مدينة وقرية. # ومع هذا، وبالرغم مما كان ينتظر كل مشترك في أية عملية من هذه العمليات جميعها من عقوبة ~~قاسية، الأمر الذي كان يعرفه الأهلون في أوروبا المحتلة حق المعرفة، وبالرغم مما كان ينزله ~~النازيون بمصدري هذه الصحف ومحرريها وموزعيها من عقاب صارم يبلغ حد الإعدام في حالات كثيرة، ~~فإن أصحاب الصحف السرية مضوا في إنجاز ms106 أعمالهم وطبع صحفهم وتوزيعها، وكان من الطبيعي أن ~~يتمكن النازيون بين حين وآخر من القبض على بعض الأفراد المسئولين عن إصدار هذه الصحف ~~وإعدامهم. ومع هذا فإن ذلك لم يفد شيئا في منع صحف أخرى، غير تلك التي مات أصحابها أو ~~أرغموا على الفرار من قبضة الجستابو وترك أوطانهم، من الظهور في أماكن أخرى، وكثيرا ما ~~كان يحدث أن تصدر الصحيفة نفسها التي ظنت سلطات الاحتلال الألماني أنه قد قضي عليها، ~~محتفظة بنفس الشكل الذي اعتادت الظهور به، يتولى تحريرها آخرون لا يقلون وطنية ورغبة في ~~مقاومة الطغيان النازي عن أسلافهم. ~~••• # والوقوف على طرف من قصة هذه الصحف السرية وانتشارها يظهرنا على مبلغ نشاطها وأهمية الخدمة ~~التي كانت تؤديها كأداة من أدوات الدعاية الخفية ذات الأثر الفعال في مكافحة دعاة النظام ~~الجديد في أوروبا النازية. ولما كان عدد من أصحاب هذه الصحف ومحرريها قد استطاع الفرار إلى ~~إنجلترا أو إلى غيرها من الدول الحرة المحاربة أو المحايدة، وكانت أسرات الكثيرين منهم ما ~~تزال تعيش في البلدان المحتلة تحت رقابة الجستابو وفي خطر التعرض للموت أو التشريد والنفي ~~إلى معسكرات الاعتقال، أو قضاء بقية العمر في غياهب السجون، إذا عرف النازيون شيئا عن نشاط ~~أعضاء الأسرة الهاربين، فقد أصبح من المتعذر وقتذاك نشر أسمائهم أو تدوين قصة نشاطهم الخفي ~~كاملة. ولذلك حرصت الحكومات الحرة المحاربة على أن تظل شخصيات هؤلاء الشجعان المغامرين ~~بحياتهم مجهولة، واكتفت بتمجيد ذكرى الأبطال الذين لم يستطيعوا الخلاص والنجاة وكشفت سلطات ~~الاحتلال الألماني أمرهم، فلقوا حتفهم على أيدي الجستابو اللعينة أو قدموا للمحاكمة أمام ~~المحاكم الألمانية العسكرية، ونفذت فيهم أحكام الإعدام الرهيبة، وأصبح من حق التاريخ وحده ~~أن يرفع ذكرهم عاليا، كمثال للتضحية الحرة النزيهة من أجل مصلحة الوطن، وفي سبيل خلاصه من ~~ربقة الاستعمار الأجنبي. # وفي فرنسا بدأ ظهور الصحف السرية من وقت مبكر، عقب الاحتلال الألماني مباشرة. فقد سبب ~~انهيار فرنسا كوارث عظيمة، وكان «بول سيمون» من بين الذين فقدوا ثرواتهم وهو من الوطنيين ~~الممتلئين ms107 حماسة وغيرة، متوقد الذهن عظيم النشاط، قرر منذ اللحظة الأولى أن يشن بمفرده ~~حربا شعواء على السادة الألمان. هذا إلى أنه وجد في هذه الحرب المزمعة وسيلة للترويج عن ~~نفسه إلى جانب إشباع رغبته في الانتقام من غير الاصطدام بالنازيين المدججين بالسلاح والذين ~~كان لا يجرؤ - وهو الأعزل - على الاصطدام بهم. لذلك عمد «بول سيمون» في أيام الاحتلال ~~الأولى، إلى العمل على تعكير صفو الألمان، فصار لا يدع فرصة تمر دون أن يلصق على نوافذ ~~سيارات ضباطهم وكبار رجالهم قصاصات الورق المعد لتغطية ألواح الزجاج حتى لا تتحطم وتتناثر ~~قطعها وقت الإغارات، بعد أن يكتب عليها عبارات مثيرة، مثل: «من هو أجمل رجل آري في أوروبا؟ ~~الدكتور جوبلز على وجه التأكيد!» و«من هو أعظم البلوتاركيين في أوروبا؟ - أي أعظم رجال ~~الحكومة البلوتاركية أو التي تتألف من الأغنياء - الماريشال جورنج دون شك!» هذا عدا عبارات ~~أخرى تهتف بحياة ديجول أو كتابة شعار الجمهورية الفرنسية المعروف: «الحرية والمساواة ~~والإخاء»! # واعتمد «بول سيمون» من مبدأ الأمر على معاونة ثلاثة من الوطنيين، واستطاع مع زملائه ~~العثور على حروف للطباعة صغيرة مصنوعة من الكاوتشوك - مما يلعب به الأطفال عادة - ثم اشترى ~~الجماعة كل ما استطاعوا شراءه من ورق الزجاج المصمغ واستخدموا ذلك كله في لصق عبارات مماثلة ~~لتلك التي تقدم ذكرها، من عبارات الدعاوة المضادة، على جدران باريس. وذات مساء، فكرت ~~الجماعة في إنشاء صحيفة سرية. وبعد مضي أربع وعشرين ساعة كان «بول سيمون» يبذل كل جهد ~~لإقناع أحد أصحاب المخازن المعدة لبيع الورق وأدوات الكتابة حتى يبيعه مطبعة من الكاوتشوك ~~ذات حروف أكبر حجما من الحروف التي كانوا يستخدمونها وتمكنهم من طبع أربعة سطور في وقت ~~واحد. وفي مكان سري أمين، وبعيد عن أعين رجال الجستابو، وبعد عمل شاق مضن استمر شهرا ~~بأكمله وكلف أحدهم فقد إحدى عينيه من كثرة الإجهاد، تمكنت الجماعة من إخراج أول أعداد هذه ~~الصحيفة السرية، وكان اسمها «فالمي # Valmy ~~» وهو اسم المعركة ~~التي أحرز فيها الفرنسيون أول انتصاراتهم على ms108 البروسيين في عام 1792 في أثناء حروب الثورة ~~الفرنسية المعروفة. وأما الاسم الآخر فكان: «عدو واحد، هو الغاضب! # Un seul ennemi-L’envahisseur ~~» وكانت جملة ما ~~طبع من هذا العدد الأول خمسين نسخة فحسب، ولكن سرعان ما أحدث ظهور هذه الصحيفة أثرا ~~عظيما وضجة هائلة، والسبب في ذلك أن ظهور «فالمي» كان تحديا صريحا لسلطات الاحتلال ~~الألماني، وبرهانا ساطعا على أنه ليس من العسير أن يجد الوطنيون سبيلا للإفصاح عما ~~يشعرون به نحو السادة الألمان من كراهية واستخفاف. هذا على الرغم من عيون الجستابو المنبثة ~~في كل مكان، وعلى الرغم من سيف العقوبة الصارمة المسلط على أعناق كل من تحدثه النفس بمقاومة ~~النظام الجديد. # بيد أن «بول سيمون» لم يلبث أن واجه بضع عقبات، أهمها ناشئ من عدم وجود ما يكفي من حبر ~~الطباعة لإصدار العدد الثاني من صحيفته. ولما كان يعرف حق المعرفة أنه كلما قل عدد المشرفين ~~على إصدار هذه الصحيفة، كان ذلك أعون على كتمان سرها، فضلا عن أنه لم يكن يريد أن يلحق ~~بأصدقائه أي أذى بسبب ما قد يقدمونه لصحيفته من معاوية. فقد قرر أن «يسرق» ما يريد من حبر ~~من مقر القيادة الألمانية العامة نفسه في شارع ريفولي، وكان من المتعذر على أي فرنسي ~~الاقتراب من هذا المكان؛ لأن الألمان منعوا سير الفرنسيين في ميدان الكونكورد وفي الشارع ~~الموصل إلى تمثال جان دارك، فكيف إذن يحقق «بول سيمون» رغبته؟ إن ما فعله «بول سيمون» ذات ~~مساء حتى يدخل إلى مقر القيادة الألمانية العامة، ويأخذ ما يشاء من كميات الحبر اللازمة ~~لمطبعته، ما يزال من الأسرار. ولا شك في أن هذا العمل كان يتطلب من «بول سيمون» شجاعة ~~خارقة! ومهما يكن من شيء استطاع هذا الفرنسي أن يصدر العدد الثاني من صحيفته «فالمي» ~~مطبوعا بمداد ألماني! # واتبع «سيمون» نظاما دقيقا في توزيع صحيفته؛ فقسم الموزعين إلى جماعات تعمل منفصلة، ~~ولا تعرف إحداها شيئا مما تفعله الجماعة الأخرى، زيادة في الحيطة وحرصا على حياة المشرفين ~~على إصدار الصحيفة ms109 وعلى حياة موزعيها أنفسهم. وتفنن هؤلاء في ابتكار الطرق التي مكنتهم من ~~توزيع الصحيفة في أماكن لا تخطر على بال إنسان، كما حدث في مقر القيادة الألمانية العامة في ~~شارع «ريفولي» في باريس، عندما عثر الجند الألمان وهم يلبسون خوذاتهم على نسخ مطوية بعناية ~~من صحيفة «فالمي». على أن «بول سيمون» لم يلبث أن وجد في الشابات الباريزيات موزعات من ~~الطراز الأول، يحملن نسخ صحيفته إلى كل مكان يذهبن إليه، حتى صار الجند والضباط الألمان ~~أنفسهم يجدون هذه الصحيفة «المكروهة» مخبأة في جيوبهم، مما سبب لهم الحيرة والارتباك؛ لأن ~~الجستابو ما كان ليدعهم يذهبون بسلام إذا عرف أن «فالمي» قد وجدت طريقا إلى الاستقرار في ~~جيوبهم. وكان من بين هؤلاء الفتيات الجريئات عدد من اللواتي فقدن أزواجهن أو شهدن أخا ~~يختفي وراء جدران مركز قيادة الجستابو العامة في شارع فوش، أو رأين السادة الألمان يسوقون ~~الشبان لإرغامهم على العمل الإجباري في ألمانيا. # وسرعان ما ذاعت شهرة «فالمي» في أرجاء فرنسا، وصار توزيعها غير مقصور على باريس، بل صارت ~~توزع في الأقاليم أيضا. وجد الجستابو من أجل ذلك كله في البحث والتنقيب عن أصحابها ~~ومحرريها وموزعيها عندما بلغ ما يطبعه «بول سيمون» من جريدته حوالي العشرة آلاف نسخة في كل ~~شهر. بيد أنه لم يكن من العسير على رجال الجستابو بما أوتوا من قوة وسلطان وبفضل ما بذلوه ~~من جهود، أن يعثروا بعد مشقة عظيمة على المكان الذي تطبع فيه هذه الجريدة، وعندئذ تعرض ~~أصحابها لخطر داهم. ولكن شاء حسن الحظ أن يبلغهم الخبر في الوقت المناسب، فغادر «سيمون» ~~ورفاقه الوكر قبيل هجوم الجستابو ورجع هؤلاء بخفي حنين، ثم عادت الصحيفة إلى الظهور ~~كعادتها، وبلغ عدد قرائها في أكتوبر من عام 1941 المائة ألف. # ومما تجدر ملاحظته أن «فالمي» لم تحاول معالجة شتى الأمور التي تتناولها بالأسلوب الجدي ~~الذي يتطلب من القارئ إعمال الفكر وكد الذهن، كما أنها امتنعت عن إثارة الموضوعات الجدلية ~~التي قد تعطي للألمان فرصة الرد ومحاولة الإقناع. ms110 فقد فطن محرروها إلى أن أمضى سلاح ~~يستخدمونه ضد السادة النازيين إنما هو سلاح التهكم والسخرية والنقد اللاذع الذي يذهب بهيبة ~~سلطات الاحتلال الألمانية، ويحطم ما يكون قد رسخ في أذهان الباريسيين الذين أذهلهم انهيار ~~بلادهم بهذه السرعة الخاطفة، من أن النصر لا يمكن أن يفلت من قبضة الآلهة النازيين، وأن ~~أحدا لن يجرؤ على نقدهم أو مقاومتهم. وفي الواقع ظلت«فالمي» تقض مضاجع الألمان مدة طويلة، ~~وصار لا يهدأ لهم بال حتى يقبضوا على أصحابها وموزيعها، ومن ثم أحكم رجال الجستابو رقابتهم، ~~وضاعفوا نشاطهم حتى استطاعوا في نهاية الأمر أن يعثروا على مكانها الجديد. ولكن صاحبها «بول ~~سيمون» تمكن في اللحظة الأخيرة من الإفلات من قبضتهم، ونجا بنفسه عبر الحدود، قبل أن يطبق ~~عليه الجستابو شبكتهم الحديدية، ثم اتخذ مقره في لندن يعمل مع جماعة الفرنسيين الأحرار في ~~إنجلترا. # غير أن فرار بول سيمون لم يكن معناه نجاح النازيين في إخماد حركة الصحف السرية في فرنسا. ~~ومع أن هؤلاء بدءوا يتشددون في مراقبة جميع العناصر المعادية في هذه البلاد منذ شهر ~~ديسمبر1941، فإن الصحف السرية والمنشورات والرسائل الصغيرة وما إليها سرعان ما انتشرت ~~انتشارا كبيرا حتى بلغ عدد النشرات الإخبارية السرية في تلك الآونة حوالي العشرين. ولم ~~تكن «فالمي» الصحيفة الوحيدة التي صدرت منذ أيام الاحتلال الأولى؛ لأن صدورها ونجاة صاحبها ~~سرعان ما أفضيا إلى ظهور صحيفتين أخريين: هما «بنتاجرول Pantagruel ~~» وهو اسم البطل الذي أوجده خيال «رابليه» أحد أعلام الأدب ~~الفرنسي القدماء - و«ريزيستانس # Resistance ~~» - أي المقاومة، ~~وقد تبع ظهور هاتين الصحيفتين، إصدار صحف سرية أخرى، منها: «فرنسا الحرة # La France ~~Libre ~~» «صوت باريس # La Voix de Paris ~~»، و«شعب فرنسا Peuple de France ~~»، و«النضال # Combat ~~»، وغير ذلك. # ومما هو جدير بالذكر أن الأطباء في فرنسا «قبل عام 1943» أصدروا صحيفة علمية طبية، ظلت ~~تعنى بجمع الحقائق التي تساعد على معرفة مبلغ الأثر السيئ الذي أحدثه الاحتلال الألماني ~~وتطبيق النظام الجديد النازي في صحة الأهلين. وقد وصلت هذه الصحيفة السرية إلى نتائج ms111 معينة ~~في هذا الموضوع: أهمها؛ أن عدة أمراض ناجمة عن سوء التغذية وقلتها مثل «الأنيميا وضعف ~~الأعصاب وهكذا» صارت تفتك بالأهلين حتى بات متوسط الوزن الذي يفقده الشخص العادي ثلاثة كيلو ~~جرامات في الشهر الواحد. # ولم يكن الوطنيون وحدهم هم الذين أصدروا هذه الصحف السرية، بل اشترك معهم في ذلك أيضا ~~الشيوعيون، وكان لهؤلاء قبل الحرب الأخيرة صحيفة تدعى «الإنسانية # L’Humanité ~~»، أغلقها النازيون في أيام الاحتلال الأولى، ولكنه لم تمض ~~فترة صغيرة حتى عادت الجريدة إلى الظهور وصارت في عداد الصحف السرية ذات الخطر، وتولى ~~تحريرها وإصدارها أحد الراديكاليين المعروفين في باريس وهو «جبرائيل بري # Gabriel Peri ~~». وكان «بري» هذا عندما بدأ يصدر صحيفته ~~السرية رجلا مريضا بالسل، ولا يرجو شفاء من علته الصدرية؛ ولذلك انكب على عمله الجديد بكل ~~همة مضحيا في سبيل مقاومة الاحتلال الألماني بكل ما يملك من مال وصحة، وظلت التبرعات تنهال ~~على صحيفته من كل جانب، لا سيما وأنها صارت لا تقنع في عهدها الجديد بمجرد تأييد قضية ~~الشيوعية، بل أخذت على عاتقها الدفاع عن مصلحة الوطن قبل أي اعتبار آخر، وهذا بترويج ~~الدعاوة المضادة ضد السادة النازيين والعمل على تقويض أركان النظام الجديد في فرنسا، ولكن ~~أيام «بري» كانت معدودة؛ فقد قبض عليه الجستابو، وأودع السجن مدة ساءت في أثنائها صحته ~~كثيرا، وكاد المرض يفتك به لولا أن قرر الألمان إعدامه رميا بالرصاص، وقابل «بري» الموت ~~برباطة جأش وعدم مبالاة وأخذ يردد أغنية من الأغنيات المفضلة لديه، وعبثا حاول جلادوه ~~إرغامه على إبطال التغني بها، بل ارتفع صوته قليلا قبل إطلاق الرصاص عليه، وأثار عمل «بري» ~~هذا إعجابا لا حد له، وعرفه الفرنسيون من ذلك الحين باسم «الرجل الذي مات وهو يغني»، وفي ~~اليوم التالي زار ألوف من الباريسيين وغيرهم المكان الذي أعدم فيه، والذي كان لا يزال ~~ملطخا بدمائه، ووضعوا عليه أكاليل الزهر. # بيد أن متاعب النازيين لم تنقض بوفاة «بري»؛ فقد ظلت تحمل راية المقاومة في فرنسا صحف ~~جريئة، منها جريدة «التحرير ms112 أو الخلاص # Liberation ~~»، وجريدة ~~«بنتاجرول Pantagruel ~~»، أما جريدة «التحرير» السرية ~~فقد عنيت بنشر أنباء محطة الإذاعة البريطانية # B. B. C. # وأسماء الذين أعدمهم الألمان ولقوا حتفهم على أيدي رجال الجستابو. هذا إلى أنها صارت تعني ~~أيضا بتحذير الأهلين حتى لا يقعوا في فخاخ رجال الشرطة وشباكهم، وكانت تنشر كذلك أسماء ~~الفرنسيين الذين قبلوا التعاون مع السادة النازيين في بلادهم، وعظم ذيوع هذه الجريدة حتى ~~صار الضباط الفرنسيون الأسرى في المعتقلات الألمانية لايجدون صعوبة في الحصول على أعداد ~~منها. وكان من بين المشتركين في تحريرها وإصدارها أحد أعضاء البرلمان السابقين عن مدينة ~~ليون، وهو المسيو «أندريه فيليب # André Philip ~~» أستاذ ~~الاقتصاد السياسي في جامعة ليون، وقد عمل في أثناء الحرب كضابط اتصال مع قوات الحملة ~~الإنجليزية في فرنسا، ثم أعيد إلى عمله في الجامعة بعد انهيار فرنسا، ثم استطاع بعد ذلك ~~الفرار إلى إنجلترا. وقبل أن يغادر «أندريه فيليب» فرنسا كانت جريدة «التحرير» توزع خمسين ~~ألف نسخة. # وكان أهم ما عنيت به هذه الجريدة تنظيم المظاهرات، وبث روح المقاومة السلبية في ليون وفي ~~بقية فرنسا لتعطيل سياسة النازيين الأولى والتي أرادوا بها كسب مودة الفرنسيين وصداقتهم في ~~المنطقة المحتلة. وزيادة على ذلك، اضطلعت هذه الجريدة بمهمة توحيد صفوف الفرنسيين حتى لاتظل ~~المقاومة مقصورة على طبقة العمال وحدها؛ لأنه كان ينبغي أن ينضم أهل الطبقة المتوسطة أيضا ~~إلى صفوفها، وكان هؤلاء ما يزالون يعقدون على الماريشال «بيتان Pétain ~~» الآمال في انقاذ فرنسا. فلما استقدم «بيتان» إلى «فيشي # Vichy ~~» المسيو «ببير ~~لافال # Laval ~~» وأعاد استخدامه: انتهزت الجريدة هذه الفرصة لإثارة حملة شعواء ضد ~~حكومة فيشي ونظامها، ولم يكن ذلك في الحقيقة أمرا عسيرا؛ لأن انضمام «لافال» إلى «بيتان» ~~لم يلبث أن نفر القلوب في فرنسا المحتلة وقتذاك من الماريشال الطاعن في السن، وانفض من ~~حوله الأنصار الذين عقدوا على زعامته الآمال العريضة، واستطاعت جريدة «التحرير» أن تكتب عقب ~~هذا الحادث ما معناه: «إن الاختلاف الحقيقي بين فرنسا المحتلة وغير المحتلة، هو أن ألمانيا ms113 ~~في فرنسا المحتلة هي العدو الأول، و«فيشي» هي العدو الثاني، أما في فرنسا غير المحتلة فإن ~~«فيشي» هي العدو الأول، وألمانيا هي العدو الثاني!» # وتعتبر «بنتاجرول Pantagruel ~~» من أقدم الصحف السرية في ~~فرنسا، إن لم تكن أقدمها جميعا. وقبل أن يستطيع «بول سيمون» الفرار من باريس، كان الألمان ~~قد قبضوا على محرر «بنتاجرول» وأعدموه. وقد أسدت «بنتاجرول» خدمات جليلة في الفترة التي ~~قدر لها الظهور في أثنائها، جاء في عددها الأول ما معناه: «إن هذه الصحيفة مخصصة لنشر ~~الأنباء ولا يمكن أن يذهب نضالها ضد سلطات الاحتلال سدى، وغرضها نشر الأخبار التي يذيعها ~~الراديو الإنجليزي، حتى يقف عليها كل من يتعذر عليهم الإصغاء إلى نشرة الأخبار البريطانية ~~والذين يتألمون بسبب عجزهم هذا. إننا نرجو رجاء حارا أن يكون النصر من نصيب الإنجليز؛ لأن ~~هذا من شأنه أن يخلص فرنسا ويرد إليها عددا من أقاليمها المفقودة ومستعمراتها، ثم يحقق لها ~~النجاة من العبودية الاقتصادية والتضخم النقدي. وماينبغي أن ننسى أن إنجلترا قد أعلنت عن ~~أغراضها الحربية التي تتضمن إعادة كيان الأراضي الفرنسية برمتها سليمة، وهذا هو السبب الذي ~~يجعلنا نرغب في انتصارها، ولو أن هذا لا يعني بالضرورة إذلال الشعب الألماني ...» ولعل أهم ما ~~يسترعي النظر في هذه الجريدة أنها أخذت على عاتقها مقاومة الدعاية النازية عند اشتداد ~~إغارات الطائرات البريطانية على الموانئ الفرنسية، فكان مما قالته: «وإذا سلمنا بأن ~~الإنجليز إنما يحاربون من أجلنا كما يحاربون من أجل مصلحتهم - وهذا هو الوضع الصحيح وما ~~يحدث فعلا - فإنه يجب علينا ألا نلومهم؛ لأنهم إنما يفعلون ما يفعله جنودنا أنفسهم عندما ~~ينسف هؤلاء الجسور أو يهدمون القلاع والحصون ...» ومع هذا فقد حرصت الجريدة على أن توضح ~~لقارئيها أنها ليست بالصحيفة الإنجليزية، بل على العكس من ذلك، فإنه من الواجب على كل قارئ ~~أن يساعد على وصول هذه الصحيفة إلى المواطنين الأحرار في بريطانيا العظمى، إذا استطاع إلى ~~ذلك سبيلا؛ إذ ينبغي أن يعرف أصدقاؤنا وحلفاؤنا في إنجلترا، أن الأذى الذي يحاول أعداؤنا ms114 ~~أن يلحقوه بهم بطريق النشر والكتابة في صحفهم لم يفد شيئا في تحطيم عاطفة الصداقة التي ~~تشعر بها نحوهم الجمهرة العظمى من الشعب الفرنسي. وفي عدد من أعداد هذه الصحيفة جاء التعليق ~~التالي: «إن هجوم الربيع 1941 الذي قام به هتلر، أفضى إلى إرسال الجيش الألماني إلى بلغراد، ~~ولكن بلغراد هذه إنما هي عاصمة أوروبية وليست بكل تأكيد عاصمة بريطانيا العظمى! وهكذا يتعطل ~~سير النظام الجديد مرة أخرى، والواقع أن من المستحسن كثيرا أن يذهب الألمان إلى أثينا وإلى ~~بلغراد، ولا ينزلون في لندن!» وكان هذا تهكما واضحا. # والحقيقة أن «بنتاجرول» كغيرها من الصحف السرية كانت تعتمد على التهكم والسخر بالسادة ~~النازيين فيما تكتب أكثر من اعتمادها على أي شيء آخر: الأمر الذي أثار سخط سلطات الاحتلال ~~الألماني، وأوقد حفيظة النازيين ضد هذه الجريدة. وقبل إعدام صاحبها في نوفمبر 1941 بلغ عدد ~~النسخ التي توزعها «بنتاجرول» عشرة آلاف نسخة! # وإلى جانب هذه الصحف السرية كان يوزع أيضا أنصار الدعاوة المضادة عددا من الكتب الصغيرة ~~التي يسهل حملها في الجيب أو في حقيبة اليد الصغيرة. ومن أشهرها، كتيب انتشر انتشارا ~~كبيرا في فرنسا المحتلة عنوانه «نصائح للأهلين في ~~الأرض المحتلة # Conseils á L’Occupé ~~»، وهو كتيب يقع في ست عشرة صفحة، وبلغ عدد ما وزع منه ~~نيفا وسبعة آلاف نسخة. وهو يتضمن إرشادات فيما ينبغي أن يفعله كل رجل وامرأة في المسلك ~~الواجب اتباعه حيال الألمان في بلادهم. وكلها إرشادات في الحقيقة لا غنى عنها من أجل إحكام ~~أساليب المقاومة السلبية: وأهمها؛ الامتناع عن مخالطة الفاتحين، والتظاهر بجهل لغتهم ~~والامتناع عن ارتياد المقاهي التي يؤمونها، ومقاطعة أصحاب المحلات العامة الذين يعلنون عن ~~إمكان التخاطب بالألمانية في محالهم، وزيادة على ذلك فإن هذا الكتيب صار يحذر الأهلين من ~~الانخداع بما تذيعه الدعاية النازية والاستماع لأكاذيب الدكتور جوبلز وأعوانه. # وفي يولية 1942 كان قد بلغ عدد الصحف السرية في فرنسا الثلاثين، هذا عدا المنشورات والكتب ~~الصغيرة وما إليها، فقد أربت على الستين، وفي تلك ms115 الآونة كانت جميع الدلائل تدل على أن هذا ~~العدد آخذ في الزيادة المستمرة! ولعل أبرز نتائج هذه الدعاية الخفية زوال الفروق السياسية ~~التي لعبت فيما مضى دورا خطيرا في تفكك فرنسا وانهيارها، فصار الأهلون جميعا يربطهم الآن ~~رباط واحد، هو ضرورة مجابهة الخطر المحدق بهم من جراء وقوع الوطن تحت أقدام النازيين، وواجب ~~التطلع إلى مستقبل جديد يحفظ على فرنسا وحدتها ويعيد إليها إمبراطوريتها ومجدها، ويكتب لها ~~الخلاص والتحرر من ربقة الاستعباد الألماني، لا في هذا الجيل وحده، بل وخلال الأجيال ~~المقبلة كذلك. ~~••• # ولم تكن فرنسا وحدها موطن هذه الصحف السرية؛ فقد كان من نتيجة الاحتلال الألماني وما تبعه ~~من التضييق على حريات الشعوب وخنقها، وإذلال الأهلين وسلب اقتصادهم القومي، ثم تسخيرهم في ~~العمل لدعم أركان النظام النازي الجديد؛ أن صار أهل البلدان المقهورة يجدون في الصحف السرية ~~وسيلة من الوسائل التي تمكنهم من الإفصاح عن شعورهم وإحياء الآمال في صدور مواطينهم، وجمع ~~الرأي والكلمة على ضرورة مقاومة الطغيان النازي. وكان البلجيكيون من بين هذه الشعوب ~~المغلوبة على أمرها والتي ظلت متشبثة بحقها في حياة حرة طليقة. # وتبدأ قصة الصحف السرية في بلجيكا بحادث جدد في أذهان البلجيكيين ذكريات الصراع الدامي ~~القديم عندما وطئ الغزاة الألمان أرض الوطن بأقدامهم في عهد الاحتلال الأول في أثناء الحرب ~~العالمية الأولى بين عامي 1915 و1918. هذا الحادث هو مفاجأة أهل بروكسل. في يوم 15 أغسطس ~~1940 بظهور أول أعداد صحيفة «بلجيكا ~~الحرة # La Libre Belgique ~~»، ولم يكن هذا العنوان جديدا؛ لأنه في عام 1940 كان لا يزال كثيرون ~~من البلجيكيين يذكرون أنه في يوم أول فبراير 1915 طلعت إلى عالم الوجود، وتحت أنوف رجال ~~الاحتلال القيصري السابق، جريدة المقاومة وقتذاك «بلجيكا الحرة»! # وكان ظهور هذه الصحيفة السرية في عام 1940، نتيجة لأمر أصدره الألمان في مايو من العام ~~نفسه، منعت بمقتضاه أية صحيفة بلجيكية من الظهور قبل أن ينال أصحابها تصريحا بذلك من سلطات ~~الاحتلال الألماني العسكرية، وكذلك منع أي طابع من استخدام مطبعته ms116 في أي غرض من الأغراض قبل ~~أن ينال تصريحا بذلك من هذه السلطات ذاتها. وقد تبع هذا الأمر، استقالة كثيرين من أصحاب ~~الصحف ومحرريها ومراسليها، ولكن النازيين ما لبثوا أن تولوا بأنفسهم جلب المحررين والطابعين ~~لإصدار الصحف اليومية الكبيرة وغيرها كعادتها، وكأن شيئا لم يحدث بل إن السلطات الألمانية ~~لم تتورع عن صب جام غضبها على أصحاب الصحف الذين رفضوا بأي حال من الأحوال، أن يكونوا ~~ضالعين معهم فيما أرادوه. مثال ذلك ما حدث لصاحب جريدة أنتورب المشهورة # Gazat von Antwerp ~~، يدعى «دي هاسك # De Hasque ~~»؛ إذ ألقى النازيون القبض عليه وأودعوه إحدى ~~معسكرات الاعتقال، حيث توفي بعد زمن قصير. ومثال آخر، ما حدث لمدير وكالة بلجا # Belga Agancy # المعروفة ويدعى «بطرس # Beetres ~~». وفي عام 1943 كان كثيرون من أصحاب الصحف البلجيكية ~~ومحرريها ما يزالون في غياهب السجون، منهم «ديمارتو # Demarteau ~~» رئيس اتحاد الصحافة البلجيكية و«أوش # Ochs ~~» صاحب الرسوم الهزلية المشهورة في جريدة «بوركواباه Pourquoi Pas ~~»، وغيرها، وهذا عدا مئات الصحفيين الذين ~~آثروا العيش في فرنسا غير المحتلة في تلك السنوات الأولى، ثم في غيرها من البلدان ~~الحرة. # بيد أنه كان من الطبيعي - وقد تخلى هؤلاء الصحفيون عن أعمالهم - أن يتولى جماعة من ~~الوطنيين الشجعان هذه المهمة، مما أدى إلى ظهور صحيفة: «بلجيكا الحرة» التي أعلنت أن ~~عنوانها التلغرافي هو «الحاكم الألماني العام في بروكسل»، وأن ناشرها هو «بيتربان Peter Pan ~~» - وهو تمثال أقيم في ميدان بروكسل بعد الحرب ~~العالمية الأولى - وأنه لما كانت جميع الأعمال معطلة من جراء الاحتلال الألماني، فإنه لا ~~مسوغ بتاتا لنشر أية إعلانات في هذه الجريدة! وفي يولية 1942 كان قد بلغ عدد ما يوزع منها ~~أربعين ألفا، وفشلت جميع جهود الجستابو في العثور على أصحابها ومحرريها. # وإلى جانب «بلجيكا الحرة» ظهرت ثلاثون صحيفة سرية أخرى توزع في أرجاء بلجيكا، منها ~~«الراية الحمراء # De Roode Vaaen ~~»، و«القناص # De vrije Schuitter ~~»، «ووطننا # Dus Vederland ~~»، وكلها صحف فلمنكية، هذا عن الصحف الوالوانية «الفرنسية» مثل: ~~«تحت الحذاء # Sous ms117 la Botte ~~»، «البربنسون # Barbançonne ~~»، «النيران # Feux de Barrage ~~»، وغيرها، ثم الصحف الاشتراكية: «الأمل # L’Eespoir ~~»، «العصر ~~الحديث # Le Nouveau Temps ~~» و«الراية البيضاء # Le Drapeau Rouge ~~»، ~~«الوضوح # Clarté ~~»، «الشباب الجديد # Le Jeunesse Nouvelle ~~». وكذلك صار للنساء صحيفة سرية ~~هي، «صوت المرأة # La Voix des Femmes ~~» هذا عن صحف أخرى مثل: ~~«الفرقة السوداء # La Legion Noire ~~»، والصحف الهزلية ~~مثل: # Le Coup de queue du Doudon Montois. # وتدل المقالات التي كانت تنشرها هذه الصحف السرية على أن محرريها، من نخبة القوم المثقفين ~~وأفاضلهم، وأن الغرض الذي كانت تتوخاه هذه الصحف هو كشف القناع عن أعمال السلب والنهب التي ~~يرتكبها السادة الألمان تحت ستار دعم أركان النظام الجديد في أوروبا، كما كانت ترمي إلى دحض ~~مفتريات الدعاية النازية، ثم تعزيز روح المقاومة وحض الأهلين على مناصبة النازيين العداء ~~بكل ما يملكون من قوة، وإظهار شخصيات الخونة والضالعين مع العدو والمتعاونين معه، هذا إلى ~~الإفاضة في الثناء على رجال سلاح الطيران البريطاني، ثم نقل الأخبار المذاعة من محطة لندن ~~المعروفة، وعلى وجه الخصوص أنباء العمليات العسكرية وأخبار القوات البلجيكية الحرة المحاربة ~~إلى جانب البريطانيين وحلفائهم في ميادين القتال. ومما يجدر ذكره أن جميع هذه الصحف كانت ~~تؤيد تأييدا كاملا موقف الملك ليوبولد البلجيكي الذي كان يعتبر نفسه سجينا في أيدي ~~السلطات العسكرية الألمانية ويرفض الإذعان للنازيين، أو أن تكون له صلة مباشرة بهم. وزيادة ~~على ذلك برعت هذه الصحف البلجيكية السرية في أسلوب التهكم اللاذع للنيل من هيبة الجندي ~~الألماني، وهذا بفضل ما كانت تذيعه من أقاصيص ونوادر للسخر بهم. وإلى هذه الصحف يرجع الفضل ~~أيضا في تدبير حركات المقاومة لتعطيل أداة الحرب الألمانية، من ذلك أن الألمان الذين كان ~~يزعجهم نقص كميات الورق الموجودة أرادوا أن يمتنع البلجيكيون عن إتلاف الورق القديم المهمل، ~~بدعوى أن صناعة الورق الجديد من هذه الكمية المهملة من شأنها أن تفضي إلى استخدام حوالي 62 ~~ألف بلجيكي، فانبرت الصحف السرية عقب ذلك تطلب إلى الأهلين إتلاف الورق المهمل القديم؛ لأن ms118 ~~الألمان، كما قالت الصحف: «إنما يحتاجون إلى هذا الورق لخدمة أغراض سيئة ليست في مصلحة ~~الوطنيين في شيء». ثم حدث مثل هذا عندما شرع النازيون يجمعون النيكل، فنصحت الصحف السرية ~~الأهلين «أن يخفوا قطع النقد المصنوعة من النيكل لديهم؛ لأنها سوف تنفعهم - ولا شك - في يوم ~~عصيب!» فكانت النتيجة أن النازيين لم يستطيعوا سوى جمع ما يقرب من 6٪ فقط من النيكل الموجود ~~بالبلاد، وكانت تقدر قيمته بنحو مليونين من الفرنكات. أضف إلى ذلك اتساع أعمال التخريب ~~والتدمير في بلجيكا بفضل تشجيع الصحف السرية، مثل إشعال الحرائق في المصانع وانتزاع قضبان ~~السكك الحديدية وتعطيل محطات الإنارة وتوليد الكهرباء، وانفجار القذائف دائما بين ~~الألمان. # ولذا أوقع النازيون عقوبات قاسية على كل من يضبط متلبسا بجريمة قراءة الصحف السرية أو ~~توزيعها أو يشترك في تحريرها أو إدارة أعمالها. وكانت هذه العقوبات تتراوح بين السجن بضعة ~~شهور، والسجن المؤبد، والحبس الانفرادي، والإعدام. مثال ذلك ما حدث في «لييج # Liège ~~»؛ إذ أصدرت المحكمة العسكرية الألمانية في شهر يولية ~~1941 أحكاما صارمة على عدد من الناس اتهموا بالاشتراك في إدارة وتحرير وتوزيع صحف غير ~~مصرح بصدورها، أو ما حدث في فلندرا الشرقية إذ حكم على اثنين بالإعدام؛ لأنهما كانا يوزعان ~~بعض هذه الصحف وبعض النشرات التي تضمنت أنباء مذاعة من لندن، كما سجن كثيرات من الفتيات ~~المتهمات بجريمة توزيع صحف غير قانونية! ومع هذا فإن الصحف السرية كانت منتشرة في بلجيكا. ~~وكان يصدر من «بلجيكا الحرة # La Libre Belgique ~~» وحدها ثلاث ~~طبعات: إحداها في بروكسل، والثانية في لييج، والثالثة في أنتورب. ~~••• # وفي هولندة ظهرت الصحف السرية عقب الاحتلال الألماني مباشرة. بيد أن الحظ لم يكن من نصيب ~~الهولنديين من أنصار الدعاوة المضادة؛ إذ استطاع النازيون في مبدأ الأمر أن يقفوا على حقيقة ~~أمر الكثيرين ممن اشتركوا في تحرير هذه الصحف أو توزيعها؛ فألقوا القبض على عدد كبير من ~~الرجال والنساء، كان نصيب كثيرين منهم الإعدام أو الحياة البائسة في معسكرات الاعتقال، ومع ~~ذلك فقد عجز الألمان ms119 عن إخماد هذه الدعاية الخفية. وفي طليعة الصحف السرية في هولندة جريدة ~~«القول الحق # Het Parool ~~»، وبلغ مقدار ما يوزع منها ~~حوالي العشرين ألف نسخة يقرؤها ما يقرب من المائة ألف قارئ، وكان شعار هذه الجريدة قول ~~النشيد الوطني الهولندي: «سوف أبقى أمينا لوطني حتى أموت!» وكانت هذه الجريدة تقاوم النظام ~~الجديد، فتبين للأهلين ما ينطوي عليه تطبيق هذا النظام من أعمال السلب والنهب الاقتصادي، ~~وتقف بالمرصاد لكل فرد من أعوان «مسيرت # Mussert ~~» كويسلنج ~~هولندة المعروف؛ تكشف عن أعمالهم، وتحذر الأهلين من تصديق ادعاءاتهم، وتزيح الستار عن كل ~~خيانة جديدة يرتكبونها. وكان موزعو هذه الجريدة يتفننون في ابتكار الطرق التي تضمن لجريدتهم ~~الوصول إلى أيدي الأهلين في كل مكان تقريبا، كما كان أصحابها ينتهزون الفرص دائما لزيادة ~~ما يوزع منها. وعند الاحتفال بعيد ميلاد الملكة ولهلمينا في 31 أغسطس سنة 1942 طبع ~~أصحابها رسائل صغيرة ذات لون برتقالي، ووزعوا منها آلاف النسخ في أمستردام وحدها، وكانت ~~تحمل عبارة: «أورنج - وهو اسم البيت المالك الهولندي - سوف ينتصر!» # وهناك غير هذه الجريدة عدة صحف سرية أخرى، منها: «الأرض النرلندية الحرة # Vrij Nederland ~~»، و«شحاذ ~~والبحر! # De Geuzen ~~» و«من الصحراء # Uit de Woestijn ~~» ~~و«شعبنا # Ons Volk ~~» وغير ذلك. والسبب في تعدد هذه الصحف ~~السرية وتنوعها، أن كل جماعة من الأهلين، كالكاثوليك، والعمال، وهلم جرا كانت تمتلك ~~صحيفتها الخاصة بها. ~~••• # ومع أن لكسمبورج تبدو صغيرة في مساحتها بالقياس إلى مجموعة الدول المحيطة بها والتي ~~استولى النازيون عليها في حربهم الخاطفة، إلا أن أهلها لم يكونوا أقل حماسة في مقاومة ~~الاحتلال الألماني من غيرهم من الشعوب المقهورة. وكانت تعترض النازيين في هذا الإقليم ~~الصغير صعوبات كبيرة جعلت من المتعذر عليهم أن يخمدوا صحافتها السرية. فقد استطاعت المقاومة ~~الخفية في هذه الدويلة الصغيرة إنشاء «اتحاد وطني» غرضه الأول جمع كلمة الوطنيين ضد ~~الاحتلال الألماني، وكان ينضم إلى هذا الاتحاد حوالي 98٪ من أهل لكسمبورج. ثم ساعد صغر ~~مساحة الإقليم على إحكام الصلة بين أعضاء «الاتحاد»، وتنظيم جهود أعضائه ms120 على نحو جعل منه في ~~نطاق الدولة القديمة دولة أخرى لها قوانينها وصحفها السرية الخاصة بها. # وكان عدد الصحف السرية التي يملكها هذا الاتحاد ثلاثة، وأهمها: صحيفة # De Freie letzeburger # جريدة المعارضة الوطنية، وكانت تعلن عن أخبارها أنها ~~مستقاة من لندن وموسكو ونيويورك، التي تتصل بها جميعا عن طريق الراديو. وقد حاول الألمان ~~منع وصول الأخبار إليها بقطع التيار الكهربائي في أوقات الإذاعة البريطانية من لندن، ولكن ~~هذه المحاولة أخفقت؛ لأن الجريدة سرعان ما أحضرت أجهزة للراديو من ذوات البطاريات، كما أنه ~~كان من الميسور على محرريها الانتقال إلى الأرض الفرنسية المجاورة والاستماع منها إلى ~~الإذاعة الأجنبية. أما أقطاب هذا «الاتحاد الوطني» فقد مات ثلاثة منهم، أعدم الجستابو اثنين ~~وانتحر الثالث بعد أن قتل برصاص مسدسه ثلاثة من الجستابو الذين هاجموه للقبض عليه، ثم ~~استطاع رابع هو «جون فرسل # John Vercel ~~» الفرار من ~~لندن. ~~••• # وفي «تشيكوسلوفاكيا» عرفت الصحف السرية، قبل أن يجتاح الألمان هذه البلاد بشهرين على ~~الأقل، أي منذ أن تلبد الأفق السياسي في أوروبا بالغيوم، وقلق التشيك على مصير وطنهم، ~~فتألفت من بينهم الجمعيات الوطنية التي أزعجها مسلك الدكتاتوريين النازي والفاشي، وصار ~~أعضاؤها يفكرون في طرق الخلاص من الأخطار التي توقعوا إحداقها بهم، ومن هؤلاء أنصار ~~الديمقراطية الذين ظلت ثقتهم كاملة بزعيم هذه الدولة الحديثة، الدكتور بنيش # Benés ~~، وكان من بين هؤلاء الديمقراطيين رجل قدر له أن يلعب ~~دورا خطيرا في تاريخ الدعاية الخفية في تشيكوسلوفاكيا هو «يوسف سكالدا # Joseph Skalda ~~»، وكان «سكالدا» من الوطنيين المتحمسين ~~الذين جذبوا إليهم القلوب والتف حولهم الأنصار، حر الرأي صادق العزيمة، ظل في أثناء ~~الأزمة التشيكوسلوفاكية المعروفة «سبتمبر 1938-مارس 1939» يتردد على المنتديات والمقاهي ~~وكانت في براج، وفي أكثر بلدان البلقان بمثابة «الصالونات» القديمة التي كان يقصدها أصحاب ~~الفكر والرأي، يتباحثون ويتناقشون في شتى الموضوعات الأدبية والاجتماعية والسياسية. # وحدث ذات مساء أن اجتمع بيوسف سكالدا، في مقهى من هذه المقاهي، رجل من الوطنيين، لم تكن ~~له به أية معرفة سابقة، ودار الحديث بينهما ms121 في هذا الاجتماع بشأن إصدار صحيفة سرية، واختار ~~الاثنان لهذه الجريدة الجديدة اسم # V-Boj # ومعناها: «هيا إلى ~~السلاح!» ومنذ وافق «سكالدا» على ذلك، انكب على عمله الجديد بهمة لا تعرف الكلال حتى استطاع ~~أن يخرج العدد الأول من صحيفته السرية قبل نشوب الحرب، واحتلال الألمان البلاد لمدة شهرين، ~~وكان هذا العدد يتألف من عشرين صفحة، نشرت فيها البحوث التي تروج لآراء أصحابها ~~الديمقراطية، أكثر من عنايتها بنشر الأنباء، ثم ذاعت ذيوعا كبيرا حتى صار لها وكلاء ~~يتولون توزيعها في كل مدينة وقرية تقريبا. ومع هذا لم تتعرض الحكومة القائمة الوطنية ~~وقتذاك لهذه الجريدة بشيء، وصار الناس يتداولونها علنا. ولذلك لم يكد الألمان يحتلون ~~تشيكوسلوفاكيا ويضعون بوهيميا ومورافيا تحت حماية الريخ الثالث حتى نقلت # V-Boj # نشاطها من ميدان الحياة العامة إلى ميدان العمل ~~في طي الخفاء، وساعدت دقة تنظيمها السابق على بقائها واستمرار ذيوعها. # وتدل المقالات التي كانت تنشرها هذه ~~ومع أنه كان من المنتظر أن يفضي مجيء الألمان، ورجال الجستابو، إلى مقاومة الصحف السرية ~~والعمل على إخمادها، فإن السادة الجدد لم يعنوا في بادئ الأمر بمكافحة أصحابها، وظل الحال ~~على ذلك مدة سبعة شهور بتمامها بعد الغزو، واستطاع «سكالدا» ورفاقه - وكان عددهم جميعا ~~عشرة - أن يصدروا عدد # V-Boj # الأول في عهد الاحتلال أو ~~الحماية الألمانية. وفي هذه المرة كان عدد صفحات الجريدة أربعة مزدانة برسوم الأسلحة ~~الهوسية القديمة وصورة أسد بوهيميا الأبيض، وقد تضمن هذا العدد الأول مقالا افتتاحيا يحض ~~التشيك على التمسك بأهداب الأمل والرجاء، وعدم اليأس، ورفض السيطرة الألمانية؛ إذ إنه مهما ~~أصدر النازيون من أوامر وتعليمات، فإنهم لن يستطيعوا التحكم في أفكار الناس، هذا إلى أنه ~~كانت توجد قوات نشيطة في البلدان الأخرى - وعلى وجه الخصوص في بريطانيا - من المنتظر أن ~~تمكن هذه الأفكار من الظهور حرة طليقة. # ومع هذا، فإنه لم يلبث أن حدث في الشهر الحادي عشر، ما دل على أن السلطات الألمانية قد ~~أخذت تهتم بأمر هذه الجريدة، وشرع الجستابو يبحث عن أصحابها ومحرريها. ms122 وإزاء هذه اليقظة ~~الجديدة اضطر «سكالدا» ورفاقه إلى تغيير مقرهم من وقت لآخر، وتسلح كل فرد منهم للدفاع عن ~~نفسه عند الحاجة. والواقع أن الخطر عليهم كان عظيما في تلك الآونة؛ لأن الجريدة كانت قد ~~نمت نموا كبيرا، وزاد مقدار ما يوزع منها، واشترك كثيرون في توزيعها ومن شأن ذلك كله أن ~~يسهل على الجستابو معرفة مقر الصحيفة أو العثور على أحد هؤلاء الموزعين، ثم إرغامه بعد ~~تعذيبه على إفشاء سر الجماعة. على أنه بالرغم من هذه الأخطار ظلت # V-Boj # تظهر بانتظام في الفترة التالية، ثم صارت تنهال ~~عليها البحوث والمقالات من كل جانب، لا يرسلها محرروها بالبريد، بل يرسلونها بطرق أخرى ~~منوعة زيادة في الحيطة والتكتم. وفي هذه المقالات والبحوث وجد «سكالدا» ومعاونوه مادة طيبة ~~للنشر، ولو أنهم حرصوا على نشر الأنباء المذاعة من محطة الإذاعة البريطانية # B. B. C. ~~. هذا إلى أن الجريدة صارت تنشر بعض الصور الهزلية ~~وعددا من الصور الشمسية، حتى غدت # V-Boj # صحيفة بالمعنى ~~الصحيح، ولو أنها لم تصل إلى درجة الكمال والإتقان السابقة قبل العهد الألماني. # وكان أول ما قامت به هذه الصحيفة من أعمال المقاومة السلبية أن حذرت الوطنيين الذين ~~أرادوا في يوم 28 أكتوبر من عام 1939 الاحتفال بذكرى اليوم الذي ظفرت فيه دولة ~~تشيكوسلوفاكيا الحديثة باستقلالها منذ عشرين عاما من نوايا النازيين الذين قرروا إراقة ~~دماء الوطنيين المحتفلين بهذا العيد، فنصحت الجريدة بدلا من إحياء هذه الذكرى في مواكب ~~ومظاهرات، بأن يلزم التشيك منازلهم حتى يتركوا شوارع براج خالية يتجول فيها السادة الألمان ~~وحدهم، ثم اقترحت إلى جانب هذا أن يحتفل الوطنيون بعيدهم القومي، بحمل شارة صغيرة ذات ثلاثة ~~ألوان - شارة الدولة الحديثة: الأزرق والأبيض والأحمر - ونجحت دعوة # V-Boj # نجاحا عظيما. ولكن لسوء الحظ لم يلبث هذا ~~النجاح أن كلف الوطنيين ثمنا غاليا، فقد حدث عندما بزغت شمس يوم 28 أكتوبر 1939، وظهرت ~~براج يخيم عليها السكون من كل جانب كأنه لم يكن بها قاطن، أن قرر «كارل هرمان فرانك» وزير ~~الحماية ms123 الألماني أن يخرج مع أعوانه وفي عدد من قواته النازية ليتجول في أنحاء المدينة؛ عله ~~يعثر ببعض عاثري الحظ الذين اقتضت أعمالهم أن يغادروا منازلهم في هذا اليوم المشئوم، أو عله ~~يستطيع أن يحمل الخراب والدمار إلى بيوت الأهلين المسالمين؛ ولذلك ركب «فرانك» مع جماعته ~~السيارات، وقصدوا جميعا إلى أحد الأحياء الأثرية القديمة في براج «طريق الفلكيين»، فخرج ~~لاستقبالهم يهودي هرم ظن أنهم من السائحين الزائرين الذين يقصدون مشاهدة معالم هذا الحي ~~الأثري، فكان نصيبه الموت. ثم قصد «فرانك» وأعوانه بعد ذلك أحد الميادين الكبيرة في قلب ~~المدينة، وهناك عثروا ببعض المارة فألقوا عليهم القذائف اليدوية، وما أن سمع النازيون صوت ~~هذه المفرقعات حتى تدفقوا من أماكنهم وثكناتهم، وامتلأت بهم الشوارع، واستطاعوا أن يخرجوا ~~اليهود من بيوتهم أو من مخابئهم، وقتلوا منهم سبعة عشر شخصا، ثم قاد الجستابو 36 شخصا آخر ~~أذاقوهم العذاب. وبذلك استطاع النازيون أن يسيلوا الدماء في يوم تشيكوسلوفاكيا الوطني! وكان ~~لهذه المأساة آثار خطيرة؛ إذ إن الأهلين - وقد ذاقوا الأمرين من عنت السلطات الألمانية، ~~وإصرارها على سفك دمائهم - لم يلبثوا أن قرروا بدورهم اتباع أساليب المقاومة الإيجابية ~~المعروفة. ومن ذلك الحين لم تذق «براج» طعم الهدوء يوما واحدا، وقضي من ثم على كل أمل في ~~إمكان التعاون بين التشيك وسلطات الحماية الألمانية. # بيد أن هذا لم يكن كل ما نجم من شرور، فقد أفضى إصرار الأهلين في الأيام التالية على ~~العمل باقتراح # V-Boj # وحمل الشارة التي تقدم ذكرها، إلى ~~إثارة سخط النازيين عليهم، حتى إن هؤلاء كثيرا ما كانوا يوقفون حامليها في الطريق، من أجل ~~أن ينتزعوا هذه الشارة عنوة، ولما أعيتهم الحيل، صاروا ينهالون على أصحابها باللكم والضرب، ~~ثم لجئوا في آخر الأمر إلى إطلاق الرصاص على كل شخص جرؤ على حمل هذه الشارة في ~~عروته! # ولما كانت جريدة # V-Boj # هي المسئولة عن ظهور هذا النوع من ~~المقاومة السلبية، فقد حنق الألمان عليها، ونشط الجستابو نشاطا عظيما للقبض على أصحابها ~~ومحرريها وموزعيها، وعرضت السلطات مكافأة ms124 مالية كبيرة لمن يرشد عن أشخاصهم، أو يدل على مكان ~~طبع الصحيفة. وأسفرت جهود الجستابو الجديدة عن معرفة مكان مؤقت كان قد اختاره «سكالدا» ~~ورفاقه لطبع صحيفتهم بعد حوادث 28 أكتوبر المشئومة في أحد فنادق براج الكبيرة، فأحاط ~~الجستابو بهذا المكان، ثم هاجموه، وباغتوا فيه رجلين، استطاع أحدهما أن يشعل النار في عدد ~~الجريدة الذي أعد للظهور، وأطلق الجستابو عليه الرصاص من الخلف، وقفز الثاني من النافذة ~~فدق عنقه عند سقوطه، وكان كل ما ظفر به الجستابو عبارة عن 20 نسخة فحسب من آخر أعداد ~~الجريدة! # ولم يعطل هذا الحادث نشاط «سكالدا»، بل إن الصحيفة لم تلبث أن أخرجت كتيبا جديدا بعد ~~الحوادث الآنفة تخاطفته الأيدي، ولم يفطن الجستابو في بادئ الأمر إلى حقيقة هذا الكتيب؛ ~~لأنه كان يشبه كتيبا من سلسلة معروفة كانت تصدر في تشيكوسلوفاكيا في تلك الآونة، ولا تعالج ~~الموضوعات السياسية، هذا إلى أن الذي يتصفح هذا الكتيب ما كان يجد سوى أحاديث عن الأدب، حتى ~~إذا بلغ الصفحة الرابعة، عثر على أقوال معادية للسلطات الألمانية وصور هزلية من النوع الذي ~~تجيده الدعاية الخفية، وإلى جانب ذلك بعض النصائح والإرشادات الضرورية لإحكام أساليب ~~المقاومة السلبية. # وفي «براج»، ظل «سكالدا» يصدر صحيفته السرية # V-Boj # بالرغم ~~من الأخطار التي اكتنفته، معتمدا هو وأعوانه على النساء بصفة خاصة في توزيع الصحيفة، حتى ~~اضطر الجستابو إلى استخدام عدد من الألمانيات لمراقبة المحال العامة التي ترتادها السيدات ~~بنوع خاص، ومع هذا فقد أخفقت محاولات الجستابو. وفي هذه الأثناء كانت # V-Boj # قد صارت صحيفة المقاومة السلبية الأولى، وقد نشرت ~~في أحد أعدادها الأخيرة بعض النصائح لقارئيها، كقولها: # إذا قادك سوء الطالع إلى الوقوع في أيديهم - أي الألمان - فلا تنس دائما هذه ~~العبارة: لا أعرف! لا أذكر! وإذا ضربوك وعذبوك فاطلب من الله أن يمنحك القوة ~~والجلد، ثم تذكر مرة أخرى: لا أعرف! لا أذكر! وإذا جابهوك بأحد رفاقك المتعاونين ~~معك، أو أحد أصدقائك ومعارفك، ممن يقولون أمامهم دون تردد: إنه من العبث نكران ms125 أي ~~شيء، ثم يطلب إليك أن تعترف، فتذكر العبارة نفسها: لا أعرف لا أذكر؛ لأن ما تفوه به ~~عدا ما تقدم يحمل بين أطوائه الضرر والسوء. كن شجاعا وفخورا وجلدا صبورا، كن ~~صاحب مكر ودهاء، ثم تعلم كيف تقدر العواقب وتزن الأمور، وفكر طويلا قبل أن ~~تنضم إلى صفوفنا وتعمل معنا، ولا تكن عجولا ... # وزاد غيظ الجستابو وحنقهم، عندما ظهرت صحيفة جديدة في هذه الآونة تسمى التعاون # Collaboration ~~، وكانت في مظهرها، وما اشتملت عليه من ~~عبارات عند بدء القول في بحث أو موضوع، ثم عند اختتام هذا البحث أو الموضوع، ما يدل على ~~أنها كانت تدعو حقيقة إلى التعون مع الألمان: حتى إذا أنعم القارئ في وسط المقال وفي نهاية ~~الصفحة وجد عبارات من نار تدعو الوطنيين إلى مقاومة الطغيان النازي، وتنشر في الواقع «إنجيل ~~الوطنية» الذي حرصت # V-Boj # نفسها على إذاعته. وكانت هذه ~~الصحيفة تتألف من ثماني صفحات، وتشبه كتب الجيب في حجمها، وبلغ ما صدر منها ثلاثة أعداد ~~فحسب، قبل أن يجد الجستابو وراء أصحابها، وقنع هؤلاء بأن يلزموا السكون مؤقتا حتى تهدأ ~~العاصفة. # بيد أن ذيوع # V-Boj # من جهة، وظهور «التعاون» - وهي الجريدة ~~التي روجت تعاليم ومبادئ الصحيفة الأولى - من جهة أخرى، سرعان ما جعل الجستابو يضاعف جهده ~~حتى يقبض على مصدري # V-Boj # ومحرريها. ثم شاء الحظ أن يخدمهم ~~في هذه المرة، ووقع «يوسف سكالدا» في قبضتهم أخيرا، فألقوا به في غياهب السجون مدة طويلة، ~~وبعد مضي ثمانية عشر شهرا، صدر بيان جاء فيه: «إن محكمة الشعب في برلين قد أصدرت حكمها ~~بإعدام يوسف سكالدا، وهو كاتب تشيكي، ثم حكمت بالسجن مددا طويلة على خمسة عشر تشيكيا ~~آخرين؛ لأنهم ساهموا في إصدار ونشر صحيفتين من الصحف التشيكية الحرة!» # وبهذا أسدل الستار على نشاط «يوسف سكالدا»، ولو أن هذا كان لا يعني أن الجستابو قد قضى ~~على جريدة # V-Boj # نهائيا. # ولا تتم قصة الصحف السرية في تشيكوسلوفاكيا من غير الإشارة إلى كتيب لقي إقبالا عظيما ~~في تلك البلاد ms126 ، هو كتاب «الجندي الطيب شفايك في عهد الاحتلال»، وشفايك # Schweik # هذا من الشخصيات المحبوبة في الأدب التشيكوسلوفاكي الحديث، أخرجها ~~إلى عالم الوجود «ياروسلاف هازيك # Jaroslav Hasek ~~» ~~(1884-1933م). وتقع حوادث القصة الأصلية ونوادر «شفايك» في عهد الإمبراطورية النمساوية ~~القديمة وفي أثناء الحرب العالمية الأولى، أما في كتاب الدعاوة المضادة الجديد، فتقع حوادث ~~هذا البطل «شفايك» في عهد الحماية الألمانية في بوهيميا ومورافيا. والكتاب مملوء بالنوادر ~~والقصص التي يقصد بها تشجيع المقاومة ضد الحماية الألمانية. # وكذلك كان من الكتب الصغيرة التي صادفت نجاحا كبيرا، كتيب لا يحمل عنوانا، لم يلبث أن ~~عرفه الوطنيون باسم كتاب «أقاصيص الصيد»، ثم هناك عدة صحف سرية كانت توزع في تشيكوسلوفاكيا ~~المحتلة، منها: «تحرير الوطن # Narodni Osvobozeni ~~» ~~و«الصدق Pravad ~~»، «جمهورية تشيكوسلوفاكيا # Cesko sloveuskia Republike ~~». ~~••• # وفي بولندة حيث أخفق النازيون تماما في استمالة الأهلين إلى التعاون معهم، وصاروا لذلك ~~لا يتورعون عن ارتكاب أية جريمة من أجل إبادة البولنديين وإفنائهم، كانت تنتشر الصحف السرية ~~انتشارا عظيما، ولم يقل عدد ما ظهر منها منذ بداية الاحتلال الألماني عن 150 صحيفة. وأكثر ~~هذه الصحف كانت تتألف من أربع صفحات مخصصة لإذاعة الأنباء، هذا عدا صحف شهرية كانت تعنى ~~بنشر البحوث العلمية والفنية، وتكتب في شئون الاقتصاد والزراعة والتربية، ولكنها لم تلبث أن ~~تنوعت وتعددت، حتى شملت مقالاتها وبحوثها جميع نواحي الحياة البولندية. وفي سبتمبر 1943 كان ~~عدد الصحف السرية التي تظهر بانتظام لا يقل عن 72 صحيفة، وكثير من هذه الصحف لم ينقطع ظهوره ~~منذ بداية الاحتلال الألماني، فإذا أدركنا مقدار الصعوبة التي كان يصادفها أصحابها ومحرروها ~~في العثور على الورق، كان صدور مثل هذا العدد الكبير من الصحف السرية عملا يدعو إلى ~~الإعجاب. # ومن أشهر هذه الصحف: «صوت بولندة # Glos Ploski ~~»، ~~«الرقيب # Warto ~~»، «الثورة # Insurekja ~~»، «نضال ~~العمال # Robotnik in Walce ~~»، «الشعلة Pochodina ~~»، ~~«الشباب # Mlodziez ~~»، «بولندة الحرة # Wolna Polska ~~»، «القضية # Sprawa ~~»، ~~وغيرها. واتخذت أكثرية هذه الصحف شعارا لها بعض العبارات الوطنية، كقولها: «إن النصر هو ~~عدم التسليم بعد الهزيمة!» أو ms127 «إن الهزيمة تكون دائما بمثابة الدرس اللازم لإحراز النصر في ~~النهاية!» أو«إن الفرد الذي يرفض التضحية بنفسه من أجل الخلاص، لا يكون أهلا المتمتع ~~بمزايا الحرية!» هذا عدا بعض الإرشادات، كأن يعطي القارئ العدد الذي بيده إلى قارئ بولندي ~~آخر يثق به. ثم كثيرا ما كانت هذه الصحف تنشر قوائم بأسماء المتبرعين الذين يجودون بالمال ~~وغيره حتى يمكنوها من الظهور. ومما يسترعي النظر أن بعض هؤلاء الوطنيين كانوا يتبرعون ~~بالأغذية كالزبد والبيض والسجاير لمحرري الصحف السرية ومصدريها، والسبب في هذا أنه كان من ~~المتعذر على أصحاب هذه الصحف الذين يطاردهم الجستابو ويرغمون على الانتقال كثيرا من مكان ~~إلى آخر، أن يجدوا كفايتهم من الأغذية، لا سيما وأنهم ما كانوا يستطيعون استخدام بطاقات ~~التموين. # ولعل أهم ما كانت تقوم به هذه الصحف، هو حديثها عن الطرق والأساليب التي يتبعها النازيون ~~في تطبيق النظام الجديد في بولندة، ووصف الآثار التي أحدثها هذا النظام الجديد في حياة ~~البلاد كإغلاق المصانع وتعطل ألوف العمال البولنديين، وصعوبات النقل المتزايدة بالسكك ~~الحديدية، وعجز السلطات الألمانية عن تغيير القضبان الحديدية القديمة البالية والفوضى ~~المنتشرة في مصالح النقل عموما، وما يتبع ذلك، كتعذر نقل الحيوانات والمواشي التي ظفر بها ~~الألمان في «الأوكرين»، فقد كانوا يبغون إرسالها إلى ألمانيا أو إلى ميادين القتال لغذاء ~~الجنود. غير أن عددا كبيرا من هذه المواشي كان ينفق في أفنية المحطات وعلى قارعة ~~الطريق. وغني عن البيان أن مرجع هذا الخلل وهذه الفوضى، إقدام البولنديين على أعمال ~~المقاومة الإيجابية العنيفة. # وكذلك كانت الصحف السرية تشجع الوطنيين على إتقان أساليب المقاومة السلبية كالامتناع عن ~~إعطاء «الفرو» الذي طلبه الألمان حتى يتدثر به جنودهم في الميادين الروسية، أو تسليم أحذية ~~الانزلاق على الجليد التي طلبوها أيضا لاستخدامها في الروسيا وفي النرويج، أضف إلى ذلك أن ~~الصحف السرية صارت تعنى بنشر الموضوعات التي تبحث في آمال البلاد وأمانيها والأغراض التي ~~تعتزم تحقيقها في المستقبل! من ذلك ما نشرته جريدة «بولندة الحرة» في عدد 28 يناير 1942 ms128 حيث ~~قالت: «إننا نناضل من أجل دولة بولندية يكون هدفها الأعلى خدمة جميع مواطنيها على السواء، ~~وهذه الدولة سوف يجري تنظيمها وفق إرادة العدد الأكبر من أهلها، ولفائدة كل فرد من أفرادها؛ ~~ولذلك ينبغي أن تزول جميع الفروق الاجتماعية غير العادلة.» والحقيقة أنه على الرغم من وجود ~~عدة أحزاب سياسية فقد اتفقت كلمتها جميعا على ضرورة توزيع الثروة على أثر انتهاء الحرب ~~توزيعا عادلا، والعمل على تحقيق مبدأ تكافئ الفرص لأبناء الدولة الجديدة. # أما السادة الألمان فقد كافحوا هذه الصحف السرية بكل قسوة وبطش، وليس أدل على ذلك مما حدث ~~في وارسو في أغسطس 1940 عندما قبض الجستابو على فتاتين تبلغان من العمر 14-16 سنة، وعثر ~~معهما على عدد من الصحف السرية، فأعدم الألمان الفتاتين ثم سلموا الجثتين لأسرتيهما حتى لا ~~يتحمل الألمان نفقات الدفن! أو ما حدث في 4 يولية 1941 عندما فاجأ الجستابو منزلا صغيرا ~~في «تزرنيا كوف # Czerniakov ~~»، كان يقيم به جماعة من ~~المسئولين عن إصدار جريدة «صوت بولندة # Glos Polski ~~»، فلم ~~يكتف الجستابو بإطلاق المدافع السريعة على تعساء الحظ في هذا المنزل، بل قبضوا على الأهلين ~~في المنازل المجاورة، وأعدموا الجميع بالرصاص، وبلغ عدد ضحايا هذه المجزرة 83 قتيلا من ~~الإناث والذكران، واشتدت حملة الجستابو على محرري وموزعي الصحف السرية في عام 1941 حتى بلغ ~~متوسط الذين أعدموا «بالجيلوتين» في مدينة «بونزان Ponzàn ~~» 25 شخصا في الأسبوع الواحد. وفي الواقع نصب النازيون «الجيلوتين» في ~~كل مدينة وكل قرية تقريبا. وفي «سيليزيا» صاروا يرغمون أطفال المدارس على حضور عمليات ~~الإعدام في كل مرة. وفي 8 يونية 1942 شنق الألمان علنا في المدينة نفسها خمسة عشر شخصا ~~اتهموهم بتوزيع الصحف السرية، وظلت جثث المتوفين معلقة مدة ثمان وأربعين ساعة، وكان من بين ~~هؤلاء ثلاث عشرة امرأة، هذا عدا عقوبات الإعدام والسجن لمدد طويلة، كان يوقعها النازيون على ~~كل متهم بالاستماع إلى محطة الإذاعة البريطانية # B. B. C. # أو ترويج الأنباء المذاعة من لندن. ~~••• # وفي يوغوسلافيا انبرت صحيفتها السرية ms129 المشهورة «الحرية أو الموت! # Svoboda Ali Smart ~~» تنشر قصة معركة يوغوسلافيا الثانية، هذا بعد أن أعلن ~~الألمان أن البلاد قد دانت بأسرها، وأن الحرب قد وضعت أوزارها في يوغوسلافيا فوقع على عاتق ~~هذه الصحيفة السرية إذن - وكانت تصدر في «لوبليانا # Llubljana ~~» - أن تفضح كذب ادعاءات الألمان وتعلن إلى الملأ تأليف جيش ~~يوغوسلافيا الوطني الذي ظل يرفع راية الجهاد تحت قيادة الجنرال ميخائيلوفتش. فقد استطاع ~~السربيون والكرواتيون والسلوفينيون أن يدفنوا خلافاتهم القديمة؛ حتى يؤلفوا من بينهم جيشا ~~كبيرا يتولى الدفاع عن أرض الوطن، ووقع اختيارهم على الجنرال ميخائيلوفتش للقيادة العامة؛ ~~لأنه كان يتمتع بتاريخ حافل؛ إذ اشترك قبل ذلك في الحرب ضد الأتراك في عام 1912، وضد ~~البلغار في عام 1913، وضد الألمان والنمساويين في عام 1914، ثم كان في استطاعته عندما اجتاح ~~الألمان بلاده في الحرب الماضية أن يفر بسلام إلى القطر المصري على متن إحدى الطائرات، ~~ولكنه رفض وآثر المكث بين مواطنيه، واتخذ مقره في الجبال الوعرة، وهناك انضم إليه ألوف ~~الرجال والنساء لإعداد جيش يوغوسلافيا الوطني. ولعل أهم مميزات ميخائيلوفتش أنه كان أعظم ~~الرجال خبرة بحرب العصابات في القارة بأسرها، وقد استطاع بعد صعوبات جمة أن يجمع جيشا بلغ ~~عدده في يونية 1941 مائة ألف جندي. # وفي ذات يوم من أيام هذا الشهر نفسه، فوجئ الجند الألمان وكذلك الكروات الذين عملوا معهم، ~~بهجوم ميخائيلوفتش ورجاله عليهم، وكان هجوما عنيفا، اكتسح أمامه كل شيء، فاحتل رجاله ~~مدينة بعد أخرى، وقرية بعد قرية، وكان «التشتنيك» عصب هذا الجيش الجديد. ولقي المحاربون في ~~كل مكان حلوا فيه ترحيبا عظيما، وهكذا استطاع ميخائيلوفتش بعد وقت قصير أن يسيطر على ~~مساحة بلغت عشرين ألف ميل مربع «حوالي خمسي يوغوسلافيا»، طهرت جميعها من الإيطاليين ~~والألمان. ثم أنشأ هذا القائد حكومة جديدة هي حكومة «سربيا غير المحتلة»، وانكب بعد ذلك على ~~إصدار الصحف، ومنها صحيفة «الحرية أو الموت»، وبلغ عدد صفحاتها أربعا، ثم صار لا يقتصر ~~توزيعها على الأرض التي دخلت في حوزة «التشتنيك» بل انتشرت في الأراضي ms130 التي احتلها الألمان ~~والإيطاليون أنفسهم. # بيد أن جريدة «الحرية أو الموت» لم تكن وحدها الصحيفة التي صارت توزع في الأراضي المحتلة، ~~فقد نجم عن عمل الألمان على إخماد جميع الصحف اليوغوسلافية اليومية العادية، أن ظهر عدد من ~~الصحف السرية المنوعة. فأصدر السربيون والكرواتيون والسلوفينيون جرائدهم الخاصة بهم، وكان ~~للأخيرين على وجه الخصوص عدة صحف، منها: عدا «الحرية أو الموت»، «سلوفينيا الحرة # Svobodna ~~Slovenijia ~~»، «سلوفينيا وأوروبا # Slovenijia in Europa ~~»، «فجر الحرية # Zarja Svobode ~~»، «الرابطة السلوفينية # Slovenska Zarvey ~~»، وغيرها. وكان للشيوعيين «البارتيزان» بعض الصحف، ~~كما كانت هناك صحيفة هزلية تسمى «طابور ~~خامس # Teti Kolunnista ~~». # وقد تحدثت صحيفة «الرابطة السلوفينية» عن الأهداف التي كان يعمل السلوفينيون الوطنيون على ~~تحقيقها، فقالت: إنه من الضروري أن يطرد جميع الجنود الأجانب الذين يحتلون البلاد، وأن ~~تنشأ دولة سلوفينية موحدة في نطاق دولة يوغوسلافية متحدة كبيرة، على أن تجمع بين الاتحاد ~~اليوغوسلافي المنتظر والبلدان الديموقراطية في العالم أواصر المحالفة المتينة. # أما جميع هذه الصحف السرية، فقد عنيت بنشر أخبار الانتصارات التي أحرزها جيش الجنرال ~~«ميخائيلوفتش»، كما صارت تتحدث عن ضرورة تنظيم أعمال المقاومة الإيجابية في نطاق واسع، ~~وتنشر أخبار النسف والتدمير التي كان يقوم بها الوطنيون من حين إلى آخر، مثل تدمير الجسور، ~~وانتزاع قضبان السكك الحديدية، وقطع أسلاك التليفون، وتعطيل الطرق وهكذا، حتى حلت الفوضى من ~~كل مكان، وتعطل نقل المسافرين والبضائع، وأهم من هذا كله عتاد الحرب الألماني، وجيش العدو. ~~فقد نشرت جريدة «سلوفينيا الحرة» بعض تفصيلات التخريب الذي لحق بالسكك الحديدية في يناير ~~1942: من ذلك أنه لما كان الألمان يسيطرون على وادي «مورافا # Morava ~~» الذي تجري به سكة حديد «نيش # Nish ~~» التي يستخدمونها في نقل الإمدادات الكبيرة، فقد خرب «التشتنيك» هذه ~~السكة، ثم استطاعوا بعد ذلك أن ينشروا الفوضى في نظام النقل بين «نيش» و«أوريسا» عن طريق ~~«صوفيا»، وكان من أخطر ما فعلوه نسف ثلاثة جسور كبيرة بين «زايتشار # Zajetchar ~~» و«نيش»، وانتقم الألمان بأن أخذوا ثلاثين ألفا من الأهلين ~~كرهائن! ولم تلبث السلطات الألمانية ms131 ذاتها أن اعترفت بخطر هذا التدمير عندما نشرت إحدى ~~صحفهم في هذه البلاد # Donau Zeitung # تحذيرا للأهلين جاء فيه ~~ما معناه: «لقد وقعت حوادث تخريب واغتيال، كما أشعلت عمدا حرائق كبيرة، ولكنه إذا ظلت ~~الحرائق تشتعل في حقول القمح، فإن السربيين وحدهم هم الذين سوف يحرمون الخبز. وإذا خربت ~~الطرق والمواصلات والتليفونات، وسائر وسائل الخدمة العامة، فإن الضرر البليغ سوف يلحق ~~بالاقتصاد السربي وحده!» # وزيادة على ذلك استطاع جيش «ميخائيلوفتش» أن يحكم الصلة بينه وبين الحكومة اليوغوسلافية ~~الملكية في لندن، فذكرت جريدة «سلوفينيا وأوروبا»، أن ميخائيلوفتش تمكن من إرسال الدكتور ~~«سكوليتش # Sekulitch ~~» إلى لندن حتى يشرح ما كان يفعله ~~الجيش الوطني في يوغوسلافيا، ويبين مبلغ ما يحتاجه هذا الجيش من السلاح والذخيرة والعتاد ~~الحربي عموما. ثم لم يلبث المحاربون الوطنيون أن أوجدوا نظاما للمخابرات المستمرة مع ~~الحكومة اليوغوسلافية في لندن. ثم ظهرت آثار هذا التدبير المحكم عندما نشرت جريدة «سلوفينيا ~~الحرة» مقالا جاء فيه: «لقد كشف الألمان في الأسبوع الماضي - ويالهول ما كشفوا! - أن ~~ميخائيلوفتش يملك دبابات بين عتاده الحربي، كما يملك أيضا مدافع مضادة للدبابات وعددا ~~عظيما من المدفعية ... وعندما هاجمنا الألمان في أول الأمر كانت هناك عدة مطارات سرية ما ~~تزال في دور التكوين والنمو، أما الآن فإن الجنرال ميخائيلوفتش يستخدم بعض هذه المطارات، ~~هذا إلى جانب ما يوجد لديه من غواصات تجد في العمل، كما يعرف الإيطاليون ذلك حق المعرفة ~~بسبب ما يعانونه منها!» والحقيقة أن الألمان سرعان ما وجدوا أنفسهم مرغمين على خوض غمار ~~حروب شديدة، استخدموا في معاركها الطائرات المنقضة والدبابات والمدفعية الثقيلة، كما صاروا ~~يحشدون القوات الكبيرة، ومن بينها رجال المظلات الهابطة، وذلك كله حتى يستعيدوا بلادا ~~أعلنت القيادة العليا الألمانية منذ مدة أنها قد دخلت في حوزة الغزاة الفاتحين ~~نهائيا. # ومن بين هذه المعارك الدموية الكبيرة، كانت معركة «شاباتز # Chabatz ~~» وهو اسم المدينة التي حاصرها التشتينك من كل جانب بعد أن أبادوا ~~حاميتها الألمانية. وكان من آثار هذه المعركة اشتداد حركة المقاومة الإيجابية ms132 ضد الألمان ~~والطليان في كل مكان تقريبا، حتى صار هؤلاء لا يشعرون بأمن ولا طمأنينة في «بلغراد» ذاتها. ~~وحدث في «بلغراد» ما كان يسوغ عدم الاطمئنان قط، فقد دمرت بها محطة توليد الكهرباء ذات ~~مساء، كما مات الجنرال «شرودر # Schroeder ~~» فجأة وفي ظروف ~~مريبة، ولحق به كثيرون أيضا من الحراس الألمان بالمدينة، ولم يكن من المتوقع أن تخف وطأة ~~هذه المقاومة الشديدة ما دامت الصحف السرية تنشر أخبارها وتشجع أبطالها على المضي في مكافحة ~~الغزاة الفاتحين بجد وهمة. # وسرعان ما جاء دليل حاسم على فشل الألمان في قمع الوطنيين من جهة، وعلى انتصار جيش ~~يوغوسلافيا الوطني من جهة خرى عندما نشرت جريدة «الحرية أو الموت» ذات يوم خبرا مفاده: إن ~~الألمان يريدون المفاوضة مع الجنرال ميخائيلوفتش والاتفاق معه على الشروط التي يرتضيها، ~~وبالفعل حدث في الأيام التالية أن توسط في هذه المفاوضة «كويسلنج» سربيا الجنرال ~~«نيدتش # Neditch ~~»، وعقد الفريقان هدنة وقتية، لم يطرأ ~~في خلالها أي تحسن في حالة بلغراد المحاصرة. ثم لم تلبث أن أخفقت مفاوضات الصلح، وعرض ~~الألمان عقب ذلك مكافأة 200000 دينار ثمنا لرأس الجنرال «ميخائيلوفتش». # وفي عام 1943، كانت صحف يوغوسلافيا السرية في نمو مطر، حتى بلغ عدد قراء الصحف السرية ~~وحدها حوالي المائة ألف، وهذا بينما كانت الصحف الكرواتية السرية تقوم بنشر الدعاية الخفية ~~أو الدعاوة المضادة ضد دولتي المحور. ~~••• # وفي «النرويج» التي أخضعها النازيون لسلطانهم «أبريل-يونية 1940»، كان سواد النرويجيين - ~~على الرغم من انتصارات الألمان الخاطفة، وظهور «كويسلنج» وأنصاره ممن قبلوا التعاون مع ~~الغزاة الفاتحين - لا يزالون كبيري الثقة بانتصار بريطانيا وهزيمة ألمانيا في النهاية؛ ~~ولذلك فإن الصحف النرويجية التي رفضت الانحياز إلى الكويسلنجيين، سرعان ما صارت تحاول ~~مراوغة «الرقيب» الألماني، وتتحين الفرص حتى تنشر على جمهور قرائها التعليمات السرية التي ~~أصدرها الألمان حتى يمنعوا هذه الصحف من إظهار أي عطف نحو قضية إنجلترا أو قضية الديمقراطية ~~عموما، ومن تقديم النقد اللاذع إلى حكومة «كويسلنج» وأعوانه، ومن الإشادة بذكر «هاكون» ملك ~~البلاد، ومن إذاعة القصص أو ms133 النوادر التي تقلل من هيبة السادة النازيين وتجعلهم موضع زراية ~~أهل النرويج وسخريتهم. وكانت الرقابة التي فرضها النازيون على الصحف شديدة في العاصمة ~~«أوسلو» على وجه الخصوص، وكذلك في «برجن»، وانتشر الجستابو في كل مكان لمراقبة أصحاب الصحف ~~ومحرريها. أما في سائر المدن الداخلية فقد تعذر على الألمان أن يوجدوا رقابة صارمة، وكان من ~~أعمال هذه الرقابة اختيار الأنباء التي أجازت سلطات الاحتلال الألمانية إذاعتها، وكذلك بعض ~~المقالات الافتتاحية التي أرغمت الصحف إرغاما على نشرها، وكانت تتضمن تعليقات تنطوي على ~~المبالغة في جسامة الأضرار الناجمة عن إغارات الطائرات البريطانية على الموانئ والمدن ~~النرويجية الساحلية، ثم محاولة إقناع الشعب النرويجي بأنه ما كان ينبغي أن تحل به هذه ~~الكوارث، لو أن الملك «هاكون» قبل البقاء في مملكته ولم يتخذ مقر حكومته في لندن، ويتحالف ~~مع البريطانيين الذين يغيرون على بلاده بطائراتهم وتفتك قذائفهم بأبناء وطنه. # ولما كان سواد الشعب في شهور الاحتلال الأولى يجهل أن أصحاب الصحف الوطنية «النرويجية» ~~ومحرريها إنما يرغمون على كتابة هذه المقالات، ومسدسات الجستابو مسلطة على رءوسهم، كما ~~كانوا يجهلون المحاولات التي تبذلها الصحف حتى تتخلص من «الرقابة» الصارمة، فقد ظن هؤلاء أن ~~هذه الصحف إنما تنشر الدعاوة للنازيين، وتكيل السباب للبيت المالك مختارة؛ ولذلك تدفقت ~~رسائل القراء من كل جانب، يلغي أصحابها اشتراكاتهم، ويقطعون صلتهم بالصحف التي اعتادوا أن ~~يقرءوها منذ مدة طويلة. # وفي يونية 1940 أصدر النازيون عدة تعليمات حتموا على الصحف اتباعها، فيما ينبغي نشره، من ~~ذلك أن البلاغات الحربية الصادرة من البلدان المحاربة ضد ألمانيا لا يجوز نشرها إلا إذا ~~أجازت ذلك وكالة الأنباء النرويجية، الخاضعة لرقابة النازيين، ولا ينبغي أن تنشر الصحف أية ~~أنباء مذاعة بالراديو من البلدان التي في حالة حرب مع ألمانيا، وكذلك لا يجوز أن تنشر الصحف ~~شيئا من الخطابات التي يلقيها أعضاء البيت المالك، أو الحكومة أو القيادة العامة، كما لا ~~ينبغي نشر صور أحد من جميع هؤلاء، وعند الحديث في شئون السياسة الخارجية، ينبغي دائما أن ~~تحترم ms134 الصحف وجهة النظر الألمانية، ولا ينبغي مهاجمة دولة من الدول التي عقدت اتفاقات أو ~~معاهدات مع الريخ الثالث، وكذلك فإنه عند الكلام عن الحالة المالية في البلاد، يجب أن تمتنع ~~الصحف عن نشر كل ما قد يؤدي إلى إثارة الخواطر، بل عليها بدلا من ذلك أن تعرض الموضوعات ~~التي من هذا القبيل بشكل يضمن إدخال الطمأنينة إلى نفوس القارئين، وزيادة على ذلك، فإن من ~~واجب الصحف أن تمتنع امتناعا تاما عن الخوض في كل ما قد يغير النفوس بين النرويجين ~~والألمان، أما إذا رفض محررو الصحف اتباع هذه التعليمات، فإنهم يصبحون معرضين لتوقيع ~~العقوبات الشديدة عليهم عدا غلق صحفهم. # ولم يكن من المنتظر أن تذعن الصحف النرويجية لهذه الأوامر والتعليمات، بل حاول المحررون ~~على الرغم من صرامة الرقابة النازية، أن يتحينوا الفرص حتى يتحرروا من أغلال هذه القيود ~~الشديدة، ونجحت في أحايين كثيرة هذه المحاولات، وساعد على ذلك أن الرقباء الألمان كانوا ~~قليلي الدراية بأساليب الكتابة النرويجية وبحقيقة الأدب النرويجي، ولكن الكويسلنجيين سرعان ~~ما صاروا يوضحون لسادتهم النازيين ما استغلق عليهم فهمه؛ فأغلقت صحف كثيرة، وقبض النازيون ~~على عدد كبير من المحررين، وفي بعض الحالات استبدل النازيون «بقلم التحرير» جماعة من ~~الموالين لهم الذين وثقوا بهم، كما فعلوا في صحيفة «أوسلو» الراديكالية المعروفة ~~«داجبلادت # Dagbladet ~~» وفي غيرها. # بيد أنه كان من نتائج هذه الرقابة الصارمة، ظهور الصحف السرية في بلاد النرويج. وفي خلال ~~شهور الاحتلال التسعة الأولى اعتمد الأهلون في معرفة أنباء العالم الصحيحة على الإذاعات ~~الخارجية، ولم تفد مصادرة الألمان لأجهزة الراديو شيئا في منع الأهلين من الاستماع إلى ~~إذاعة المحطة البريطانية # B. B. C. ~~. إذ سرعان ما استخدم ~~النرويجيون أجهزة جديدة. وفي أول الأمر تناقل الأهلون أخبار هذه الإذاعات شفاها، واستمر ~~الحال على ذلك حتى قرر أحد الوطنيين ويدعى «أولاف # Olav ~~» ~~إنشاء صحيفة سرية، سماها: «نريد ~~وطننا! # Vi Vil Oss et land ~~» ثم استطاع «أولاف» أن يجد من بين الصحافيين الوطنيين خمسة قبلوا العمل ~~معه، وانطلقوا جميعا يعدون ms135 العدة لإصدار جريدتهم الجديدة. # غير أنه كانت هناك صعوبات عدة في بادئ الأمر كادت تقضي على هذا المشروع بالفشل أهمها: ~~صعوبة الحصول على الورق، وحروف الطباعة والمطبعة؛ فبذل الرفاق كل جهد حتى استطاعوا الحصول ~~على كميات مناسبة من الورق وعلى الآلات اللازمة، ثم على مكان يطبعون فيه جريدتهم، وانضم ~~إليهم رجلان آخران فصاروا سبعة، وتمكنوا من إصدار صحيفتهم، وأحدث ظهور عددها الأول أثرا ~~عميقا في النرويج، كما أزعج الألمانيين إزعاجا شديدا؛ لأن هؤلاء كانوا قد ظنوا ~~النرويجيين بعد مضي هذه الفترة الطويلة عقب الاحتلال، قد بدءوا يقنعون بالعيش في ظل النظام ~~الجديد، وتوقع النازيون لذلك أن يكثر مؤيدو هذا النظام يوما بعد يوم. وعلى هذا، كان صدور ~~«نريد وطننا!» قاضيا على أحلامهم وأمانيهم، فجرد الألمان قوة الجستابو الخطيرة لمعرفة ~~محرريها والقبض عليهم، ولكن هذه المحاولات الأولى باءت بالفشل، وعظم حنق الألمان، كما زادت ~~حيرتهم. # ومما أوقد حفيظة الألمان، أن هذه الجريدة السرية، أخذت على عاتقها بيان أضاليل السادة ~~النازيين وفضح أكاذيبهم، وأكاذيب الدعاية النازية، وزيادة على ذلك أتقنت الجريدة أساليب ~~السخر بمروجي الدعاوة من أجل جذب القلوب نحو السادة الألمان، وحث الأهلين على التعاون معهم، ~~كما أنها صارت تحذر النرويجيين من الانخداع بطرائق النازيين الذين حرصوا في هذه الآونة على ~~استمالة أهل البلاد وكسب صداقتهم، أضف إلى هذا أنها أخذت تكشف عن حقيقة الاتفاقات التي ~~عقدها الكويسلنجيون مع الضباط الألمان من أجل ترويج الثقافة الألمانية في البلاد في نظير ~~الحصول على أجر مالي كبير، أو الاستفادة من هذا التعاون مع الغزاة الفاتحين في نواح أخرى، ~~ثم لم تقتصر الجريدة على توجيه النقد اللاذع لسلطات الاحتلال عموما، بل صار «أولاف» على ~~وجه الخصوص ينشر الدعوة في صحيفته السرية إلى مستقبل زاهر عند هزيمة الألمان المحتومة، على ~~أساس إرجاع الملك هاكون إلى عرش بلاده، ثم تأليف كتلة اتحادية كبيرة تضم النرويج إلى مجموعة ~~الدول الديموقراطية في العالم، على أن تتخلى كل دولة من أعضاء هذا الاتحاد عن بعض حقوق ~~السيادة، بحيث لا ms136 يترتب على ذلك أن يفقد عضو الاتحاد المزمع تأليفه ذلك الطابع الشخصي الذي ~~يحفظ للدولة كيانها القومي في النهاية. # ولكن الدعوة إلى إنشاء مجموعة اتحادية من الدول، كانت رأيا جريئا. ومنذ نشر «أولاف» هذا ~~الرأي، قرر الألمان أنه قد بات من الضروري القضاء على هذه الجريدة، والقبض على «أولاف» ~~وإسكات صوته. فجدد من ثم النازيون محاولتهم، وشمر الجستابو عن ساعد الجد. ولما كان توزيع ~~الجريدة قد زاد زيادة عظيمة، فقد أصبح من الميسور نوعا ما على الجستابو أن يقفوا على هوية ~~الأشخاص المشتركين في تحرير الجريدة وطبعها وتوزيعها. وذات يوم هاجم الجستابو المكان الخفي ~~الذي اتخذه «أولاف» وجماعته مقرا لجريدتهم، ولكن هؤلاء كانوا قد عرفوا نية الجستابو ~~فاستطاعوا الفرار قبل الهجوم بيومين اثنين! وفي الأيام التالية ازداد الخطر على «أولاف» حتى ~~اضطر إلى ترك عمله وتدبير الهرب من النرويج، وبعد محاولات متعددة والتعرض لمخاطر كثيرة، ~~استطاع الفرار إلى إنجلترا. # ومع هذا فإن جريدة «نريد وطننا!» لم تكن الجريدة السرية الوحيدة في النرويج، بل سرعان ما ~~ظهرت صحف أخرى، على غرار صحيفة «أولاف»، فكانت هناك صحيفة # Eidsvold ~~، وهذه زينت صفحتها الأولى برسم المكان الذي ~~صدر فيه دستور النرويج القديم في عام 1814، ثم كانت هناك صحيفة «البريد الملكي # KongsPosten ~~»، «علامة الزمان # Tideus Tegn ~~»، «حركة ~~اتحاد العمال الحر # Fri ~~Fagbevegelae ~~»، وأخيرا صحيفة «الراديو # Radioavisin ~~»، وهذه كانت مخصصة لنشر أنباء الإذاعات البريطانية ~~والأجنبية. ~~••• # هذه قصة الصحف السرية في أوروبا المحتلة، التي كانت من أكبر دعامات الدعاية الخفية في ~~القلعة الهتلرية، وهي إن دلت على شيء، فإنما تدل على أن الأهلين في البلدان المقهورة، وقد ~~تذوقوا طعم الأساليب النازية عند تطبيق النظام الجديد، وشهدوا عن كثب ضخامة الأكاذيب التي ~~روجتها الدعاية النازية، وهالهم إذلال أوطانهم تحت نعال الفاتحين الطغاة، صار لا يهدأ لهم ~~بال حتى يروا أوطانهم محررة من نير النازيين وسلطانهم. وقد يظن إنسان أن الشعوب المحتلة ~~وحدها هي التي كانت تئن من حكم هتلر وطغمته، وأنها وحدها هي التي لجأت إلى أساليب المقاومة ms137 ~~لمحاربة الطغيان النازي، وأن النظام الجديد قد أخفق في أوروبا المحتلة فحسب، وأن ألمانيا ~~قلعة هتلر كانت موطدة الدعائم متينة الأساس، ولكن الواقع كان على خلاف ذلك، وكما فشل هتلر ~~ونظامه الجديد في أوروبا المحتلة، فقد فشل كذلك في داخل ألمانيا ذاتها، ولم يكن ثمة مناص من ~~أن تتصدع أركان القلعة الهتلرية المتداعية قصر الزمن أو طال. # الفصل السادس # | حكومة هتلر # تقدم القول عند بحث رغبة النازيين في بسط سيطرتهم العالمية، بأنه كان من الضروري لتحقيق ~~هذه السيطرة العالمية، أن يجعلوا من ألمانيا ذاتها كتلة متماسكة، يستحيل أن يتطرق الضعف ~~إليها؛ حتى يتخذها النازيون مركزا «للدوائر» التي يطمعون في «جرمنتها» في القارة ~~الأوروبية. ومعنى هذا أن يجمع الحزب النازي في داخل ألمانيا كل أسباب السلطة، ويتغلغل أعضاء ~~الحزب في نواحي الحياة الألمانية جميعها، حتى يتمكنوا من إرغام الدولة على الاندماج في ~~الحزب في النهاية، فيصبح الحزب هو الدولة. ولم يكن غريبا أن يطمع النازيون في ذلك؛ لأنه من ~~عادة الدول التي يقبض على زمام الأمور فيها حزب واحد - وهي الدول التي تسيطر عليها ~~الدكتاتورية سيطرة تامة - أن يجد هذا الحزب في القضاء على جميع التقاليد والنظم القديمة ~~ويعمل في الوقت ذاته على إنشاء أنظمة جديدة، قد يحدث إنشاؤها عقب ثورة جامحة تكتسح معالم ~~الحياة القديمة اكتساحا، على غرار ما حدث في الروسيا، أو تظهر إلى عالم الوجود شيئا ~~فشيئا دون التجاء إلى الثورة كما فعل النازيون في ألمانيا، فإن هؤلاء - وهم الذين اشتدت ~~حملتهم على الشيوعيين منذ قيام حركتهم - ما كانوا يريدون أن يعرف عنهم سواد الشعب أنهم من ~~أنصار الانقلاب والثورة؛ ولذلك اتبعوا في مبدأ الأمر أساليب مغايرة لأساليب جيرانهم ~~الشرقيين، وبدءوا يقوضون أركان المقاومة في داخل الريخ بالتغلب على الأحزاب المنافسة ~~لهم. # وكان من عوامل نجاح النازيين أنهم استغلوا الفوضى التي تغلغلت في جميع نواحي الحياة ~~الألمانية عقب هزيمتهم في الحرب العالمية الأولى، وتذمر طبقات الشعب المختلفة من هذه ~~الفوضى، فطفقوا يبذلون كل جهد حتى يستميلوا إليهم هؤلاء ms138 المتذمرين الراغبين في إزالة الآثار ~~التي اعتقدوا أنها من نتائج هزيمة الدولة القيصرية. ولذلك كان أول ما عنى به «حزب العمال ~~الألمان الوطني الاشتراكي»، وضع برنامج شامل صدر في ميونخ في 24 فبراير 1920، وكان يتألف من ~~خمس وعشرين مادة، وأهم ما يلاحظ عليه أنه كان - كما جاء في مقدمته - برنامجا أملته ظروف ~~الحال # Zeitprogramm ~~، وقد يعني هذا الوصف أنه كان برنامجا ~~مؤقتا، أو نهائيا، والغرض من اختيار هذا الوصف بالذات عدم التقيد في الحقيقة بمحتويات ~~البرنامج تقيدا حرفيا إذا أثبتت الظروف في المستقبل أن من المصلحة عدم التمسك بحرفيته. ~~ومع أن النازيين في الاجتماع الكبير الذي عقده أعضاء الحزب في 22 مايو 1926، اتخذوا بعد ~~بحث وتمحيص، قرارا بأن هذا البرنامج لا يمكن تغييره بأي حال من الأحوال. فقد درجوا على ~~تفسير مواده وفق رغباتهم، ثم سلكوا في تطبيق هذه المواد من الوجهة العملية، المسلك الذي ~~أملته عليهم مصالحهم، أي ما يمكنهم من القبض على أزمة السلطة في ألمانيا بأسرها، وإزالة ~~جميع العناصر المعارضة لهم، وزيادة على هذا، تضمن البرنامج مجموعة من الآراء والمبادئ ~~المتضاربة، التي نجمت في الواقع عن السخط المنتشر بين جميع الطبقات المختلفة من جراء ما ~~خلفته الحرب العالمية الأولى من آثار سيئة، وبسبب ما حدث من مشكلات اقتصادية واجتماعية ~~خطيرة، في الفترة التي تلت انتهاء الحرب مباشرة. أضف إلى ذلك أن البرنامج كان يتضمن مبادئ ~~اقتصادية حرص النازيون عند إثباتها على أن تكون من النوع الذي يقتضي تحقيقه كفايات غير تلك ~~التي يتمتع بها أعضاء الحزب - من زعماء وموظفين - ممن يشرفون على تطبيق هذه المبادئ من أجل ~~تحويل ألمانيا إلى دولة وطنية اشتراكية خالصة. # ثم عمل النازيون على أن يشتمل برنامجهم على مطالب اقتصادية تجلب رضاء أصحاب رءوس الأموال، ~~مثل كبار الصناع والمنتجين وكبار الزراع ومن إليهم كما تجلب رضاء الطبقة العمالية. وقد ترتب ~~على المحاولة التي قام بها النازيون للتوفيق بين هذه المصالح المتعارضة، وخصوصا عندما ~~هيمنوا على شئون الدولة وطفقوا ينفذون برنامجهم الاقتصادي، أن صار ms139 يختلف الناس في تفسير ~~الوطنية الاشتراكية. فهناك من وصفها بأنها من ضروب الاحتيال المالي لمساعدة الزعماء ~~النازيين على جمع الثروة الطائلة. وهناك من وصفها بأنها بلشفية صحيحة وإن اتخذت لها لونا ~~مغايرا للون البلشفية الأحمر، أو أنها من النظم التي وضعت خصيصا لحماية الرأسمالية، ~~وهكذا. ولو أن التفسير الحقيقي للوطنية الاشتراكية، على ضوء ما أسفر عنه تطبيق مبادئها في ~~السنوات التي سبقت نشوب الحرب العالمية الثانية وفي السنوات القليلة التالية، هو أنها الخطة ~~والنظام الذي يؤدي إلى تحقيق أطماع جماعة من الناس يسيطرون فعلا على مصير ألمانيا. أما هذه ~~الأطماع ذاتها فإنها تلخص في رغبة النازيين في الاستئثار بكل سيطرة سياسية مطلقة ~~فحسب. # على أن برنامج النازيين «في عام 1920» كان يتضمن فكرة إفناء الفرد في الدولة، على غرار ما ~~يحدث في كل نظام اشتراكي؛ ولذلك فإنه لما كانت الدولة ذات شخصية يجب أن تتلاشى بسببها ومن ~~أجل دعم كيانها حرية الفرد وجميع حقوقه، فقد أصبح من حق الدولة وحدها الهيمنة على حياة ~~الفرد وتدبير شئونه على النحو الذي تراه مؤيدا لمصلحتها العليا وحدها، وترتب على إفناء ~~الفرد في الدولة أن صارت هذه تجمع في خصائصها ومميزاتها السيطرة على شئون التربية والتعليم ~~والصحة العامة والجيش والصحافة، وتقرير مصير مواطنيها، وهكذا. ولذلك فإنه لم يغب عن ~~النازيين النص على هذه الحقوق جميعها في برنامج حزبهم. وكان من المنتظر - بوصف أنهم الأداة ~~التي تتولى عن الدولة إدارة هذه الشئون عند استلام أزمة الحكم في ألمانيا - أن يجمع ~~النازيون في أيديهم السلطة المطلقة. ثم كان من المنتظر أيضا - بفضل ما نص عليه برنامج ~~حزبهم من أن من شروط المواطن أن يكون آريا، وأن يكون جرمانيا ينحدر من سلالة عاشت في ~~ألمانيا أو في البلدان الجرمانية الصحيحة منذ أمد طويل - أن تتعقب دولة الريخ الثالث غير ~~الآريين كاليهود وغيرهم من اللاجئين من البلدان المجاورة، والذين دخلوا ألمانيا ابتداء من 2 ~~أغسطس 1914، بالتشريد والإفناء في غير رحمة أو شفقة. # ولما كان الحزب الوطني الاشتراكي في بدء ms140 تكوينه يريد كعادته جمع أصحاب المذاهب والمشارب ~~المنوعة حوله، فقد ذكر في المادة الرابعة والعشرين من برنامجه، أن الدولة مكلفة بالدفاع عن ~~«المسيحية الواقعية»؛ ولإدخالها الطمأنينة على النفوس، جاء في هذه المادة نفسها ما معناه أن ~~الحزب يطلب التسامح مع الآراء الحديثة المختلفة في الدولة، ما دامت لا تعرض كيان الدولة ~~للخطر، وما دامت لا تتنافى مع عادات الجنس الجرماني وتقاليده، وقد استثنيت اليهودية من هذا ~~التسامح. ومع هذا فإن النص على ضرورة قيام الدولة بمهمة الدفاع عن «المسيحية الواقعية» كان ~~معناه - كما شهد الكاثوليك والبروتستنت على السواء بعد ذلك - أن النازيين عند وصولهم إلى ~~الحكم سوف يتدخلون في شئون العبادة، من أجل إخضاع الكنيسة لسيطرتهم، وأن المسيحية الواقعية ~~سوف تتخذ لذلك معنى غير المعنى الذي عرفه بها سواد الشعب فيما مضى. فقد ظن الأهلون أن ~~انحياز الوطنيين الاشتراكيين إلى معاضدة المسيحية الواقعية، يعني أن الريخ الثالث سوف يضمن ~~للدين المسيحي الحرية الكاملة وزيادة الانتشار، هذا إلى جانب السهر على صيانتها والذود ~~عنها. ولم يشأ النازيون أن يزعزعوا هذا الاعتقاد في بادئ الأمر، ولكنهم عندما ثبتت أقدامهم ~~في الريخ الجديد طفقوا يفسرون «المسيحية الواقعية» بما يتفق مع أهوائهم ويتمشى مع مصلحتهم. ~~ويلخص هذا التفسير في أن المسيحية الواقعية تعني مجرد «الفعال الإنسانية». ~~••• # وإنه لمن الحقائق المعروفة أن النازيين ما استطاعوا الوصول إلى الحكم إلا بفضل الانقسامات ~~الكثيرة في الطبقات الرأسمالية والعمالية. فقد وجد من بين الرأسماليين عدد من زعماء ~~الصناعة المحافظين الذين كانت بغيتهم حل المشكلة الاقتصادية في ألمانيا دون الالتجاء إلى ~~مغامرات أجنبية. وكان هناك فريق آخر من زعماء الصناعة الذين يئسوا من إمكان اجتياز أزمة ~~الاقتصاد الألماني بالطرق والأساليب العادية، فصاروا يدعون إلى الحرب كعلاج حاسم لهذه ~~الأزمة المستحكمة. ومما يذكر أن الفريقين سرعان ما صارا يجدان في دعاوى الوطنيين ~~الاشتراكيين ووعود زعمائهم، وعلى الخصوص الهر هتلر نفسه، ما حملهما على تأييد النازية وهي ~~ما تزال في دور النشوء، ومدها بالأموال اللازمة لتنظيم الحزب، وخوض غمار الانتخابات. وكذلك ms141 ~~وجد من بين كبار أصحاب الأرض والملاك، فريق اعتقد أن الوطنية الاشتراكية عنوان الفوضى ~~الاقتصادية، ومن المنتظر أن يؤدي انتصارها إلى الخراب والدمار. وفريق آخر يخشى البلشفية ~~شأنه في ذلك شأن الطبقات الرأسمالية الأخرى، والطبقات المتوسطة «أو البرجوازي»، وقد أقبل ~~هذا الفريق على الهر هتلر يؤازره على أمل أن يصون نجاحه مصالح كبار الزراع وأصحاب الأراضي؛ ~~لأن النازيين كانوا في نظرهم من لا يجسرون على القيام بتجارب جريئة، بل يتصفون قبل كل شيء ~~بالولاء الكامل للطبقة التي ينتمون إليها، وهي الطبقة المتوسطة التي تستمد قوتها من الأرض، ~~وتدين لها بوجودها. وقد اقتضى هذا التفكير أن يطمئن كبار الرأسماليين المحافظين من جهة، ثم ~~أصحاب الأراضي الواسعة من جهة أخرى، إلى أن مصلحة النازيين ألا يدفعوا بالأمة الألمانية إلى ~~حروب جديدة. ومع هذا، فإن هذه الطبقة المتوسطة نفسها، وهي الطبقة التي يستمد منها النازيون ~~أنصارهم ومؤيديهم، كانت أيضا الطبقة التي ينتمي إليها المحاربون القدماء في ألمانيا، ~~وأصحاب الخوذ الفولاذية برئاسة «سلدت # Seldte ~~» وهم من ~~العسكريين الرجعيين، وكانوا تحت زعامة «ألفرد ~~هوجنبرج # Hugenberg ~~»، وكان من كبار أصحاب رءوس الأموال، ويملك نحو الأربعين صحيفة ~~وعددا من الشركات، منها شركة «أوفا # UFA ~~» السنيمائية ذات ~~الشهرة الذائعة. وهؤلاء جميعا كانوا يريدون الحرب حتى يثأروا لألمانيا وهزيمتها في الحرب ~~العالمية الأولى. # أما الطبقة العمالية، فكانت لا تقل في انقسامها عن الرأسمالية، فهناك أحزاب الشيوعيين ~~والاشتراكيين الديموقراطيين، والأحرار. ومن الغريب أن بعض أحزاب اليسار - كالاشتراكيين ~~الديموقراطيين - ظلوا فترة يعتقدون أن ظفر الحزب النازي لا يكون إلا على حساب العناصر ~~الرجعية، الرأسمالية، وأن هذا الظفر غالي الثمن لا بد أن يفضي إلى تفكك طبقة الناخبين ~~وضعفها، أي الطبقة المتوسطة وجماعة الرأسماليين، وأن العماليين هم الذين يفيدون من انحلال ~~هذه الجماعة في النهاية؛ ولذلك لم يحجموا عن مؤازرة النازيين، وكانوا بموقفهم هذا من ~~العوامل التي يسرت على هؤلاء الظفر بالسلطة المطلقة في ألمانيا. # وفضلا عن ذلك فإن الشيوعيين في ألمانيا، كبقية زملائهم في أرجاء العالم في ذلك الحين، ~~كانوا يتلقون ms142 أوامرهم من مركز الشيوعية الدولية في موسكو؛ ولذلك ظلوا «مستقلين» في نشاطهم ~~عن سائر أحزاب اليسار. وكان الشيوعيون والاشتراكيون الديموقراطيون يجمعون حولهم وفيما بينهم ~~اثني عشر مليونا من الأصوات، للشيوعيين وحدهم منها خمسة ملايين. وفي عهد جمهورية «ويمار» ~~كان زعيم الاشتراكيين الديموقراطيين رجلا من العمال، هو «إرنست ثلمان # Thälmann ~~» صار فيما بعد من مؤسسي الحزب الاشتراكي المستقل، ثم اشترك ~~بعد هذا في تأسيس الحزب الشيوعي، ومنذ عام 1924 ظل يمثل الشيوعيين في الريخستاج حتى مجيء ~~هتلر. وفي عام 1932 رشح «ثلمان» نفسه في انتخابات رئاسة الجمهورية فنال من الأصوات خمسة ~~ملايين، ومع هذا فإنه لم يكن متمتعا بالصفات التي تيسر له جمع كلمة الاشتراكيين الصميمين، ~~فكانت النتيجة أن صار الشيوعيون أنفسهم يعتبرون وجود الاشتراكية الديموقراطية من الموانع ~~التي تحول دون انتشار الروح الاشتراكية الخالصة بين الطبقات العمالية؛ ولذلك أصبحوا يخشون ~~من الاشتراكيين الديموقراطيين، أكثر مما يخافون النازية. ~~••• # وإلى جانب هذا الانقسام الواضح في الطبقات الرأسمالية والعمالية على حد سواء، ساعد سوء ~~الحالة الاقتصادية في ألمانيا، على وصول النازيين إلى الحكم. فمن الظواهر التي لا يمكن ~~نكرانها أن إخفاق الوطنية الاشتراكية أو نجاحها بعد الحرب العالمية الأولى كان يرتبط ~~ارتباطا وثيقا بالحالة الاقتصادية في ألمانيا في عهد جمهورية «ويمار» التي أنشئت على ~~أنقاض القيصرية. فإنه حتى آخر عام 1924 كان «حزب العمال الألمان الوطني الاشتراكي» محروما ~~من الاجتماع أو النشاط قانونا، ولو أن هذا لم يكن معناه أن الحزب قد اختفى من الوجود؛ لأن ~~«لودندورف» لم يلبث أن بسط عليه جناحه، فصار يعرف باسم «حزب الحرية الشعبي» واستطاع أن ~~ينال في انتخابات مايو 1924 - أي في وقت الفوضى الاقتصادية - حوالي 1920000 صوت، وأرسل إلى ~~الريخستاج اثنين وثلاثين نائبا. ومع هذا فإنه عقب البدء في تنفيذ «مشروع داوز # Dawes ~~» لتنظيم مسألة دفع التعويضات الألمانية، وانتعاش حال ~~ألمانيا المعنوية والاقتصادية نوعا ما، فقدت جماعة هتلر حوالي عشرين مقعدا. ثم حدث عند ~~وفاة «فردريك إيبرت # Ebert ~~» رئيس جمهورية ويمار الأول 1925 ~~وإجراء انتخابات الرياسة، ms143 أن انهزم «لودندورف» مرشح الوطنيين الاشتركيين أو الهتلريين، فلم ~~ينل سوى 210968 صوتا. ولما لم تكن هذه الانتخابات حاسمة، أعيد الانتخاب مرة ثانية، ولكن ~~هتلر في هذه المرة فضل إعطاء أصوات حزبه إلى الماريشال الكهل «فون هندنبرج»، ففاز بمنصب ~~رياسة الجمهورية. أما الحزب النازي فقد تدهور شأنه كثيرا عقب ذلك. # وفي مايو 1928 أسفرت الانتخابات العامة لمجلس الريخستاج عن إرسال اثني عشر نائبا نازيا ~~ليس غير. وقد أدرك أدولف هتلر خطر الأزمة التي هددت باجتياح حزبه؛ ولذلك طفق يستميل إليه ~~الوطنيين والرأسماليين وكبار زعماء الصناعة، ومن إليهم. وكان التناقض البين في برنامج ~~الحزب - على نحو ما تقدم ذكره - من أقوى العوامل التي ساعدت الزعيم النازي على استمالتهم. ~~ومع هذا فإن السنوات المنقضية بين عامي 1925 و1929 - وهي الفترة التي استطاعت ألمانيا في ~~أثنائها أن تفيد من التسويات التي وضعت لمسألة التعويضات، ومنها مشروع «يونج # Young ~~» الذي وضع في عام 1929 وقبلته ألمانيا في العام التالي ~~- كانت فترة التنظيم الاقتصادي الذي أوجد حالة من الرخاء، ولو أنه كان رخاء زائفا، فقلت ~~البطالة، ونقص عدد المتعطلين حتى صار لا يزيد على المليونين إلا قليلا، وشرع الريخ يشيد ~~المصانع ويستقدم إليها الآلات والأدوات الجديدة، ويبني الكتدرائيات الفخمة، والمباني الصحية ~~لسكنى العمال، والمتنزهات، ودور السينما والمسارح وهكذا. ووسط هذا الانتعاش، كان من المتعذر ~~على الهر هتلر وحزبه النازي إدراك أي نجاح، على الرغم من الأموال التي أخذت تتدفق على حزبه ~~من أصحاب رءوس الأموال وزعماء الصناعة أمثال «فريتز ~~ثيسن # Fritz Thyssen ~~» وغيره. # بيد أن النجاح كان من نصيب النازيين في النهاية لعدة أسباب، منها عدا ما تقدم: أن الأزمة ~~الاقتصادية الكبرى كانت على وشك اجتياح العالم، ويحدد عام 1929 بداية هذه الأزمة الدولية، ~~وكان من أخطر أسبابها: التوسع في الإنتاج الصناعي. وفي ألمانيا ذاتها حدث هذا التوسع بسرعة ~~عظيمة، وبدرجة تكفي لسد مطالب جزء كبير من أسواق العالم قاطبة، ولكنه كما قال أحد زعماء ~~الصناعة الألمان «كروب فون بوهلن # Krupp von Bohlen ~~»: «إن ~~الصناعة ms144 شيء، والقدرة على بيع المصنوعات شيء آخر!» ولم تستطع السوق الألمانية الداخلية ~~بطبيعة الحال استهلاك كل هذه المنتجات، وكان من الضروري إيجاد أسواق خارجية ولكنه، كما قال ~~«كروب» أيضا: «كانت أسواق العالم مغلقة دوننا مع حاجتنا إلى هذه الأسواق؛ فقد أقامت ~~بريطانيا العظمى حواجز جمركية، كما كانت تعترض التجارة الألمانية في فرنسا وإيطاليا والسويد ~~والبلقان، وفي كل مكان عراقيل من المنتظر أن يصبح التغلب عليها متعذرا من جراء ازدياد هذه ~~العراقيل زيادة مطردة»؛ ولذلك فلم يكد يحل عام 1930، حتى كان العمال الألمان يواجهون أزمة ~~شديدة، فقد تعطل منهم في الأسبوعين الأولين من شهر يناير حوالي الأربعمائة ألف عامل، وهذا ~~بينما زاد عدد المتعطلين في منتصف العام نفسه من حوالي المليونين إلى ستة ملايين. أما ~~الصادرات الألمانية التي بلغت في عام 1929 حوالي الثلاثة عشر ألف مليون ريشمارك، فقد نقصت ~~في عام 1933 إلى خمسة آلاف مليون ريشمارك فحسب. وإلى جانب هذا الجيش الجرار من المتعطلين، ~~وجد عدد عظيم من الرجال والنساء الذين نقصت أوقات عملهم في اليوم إلى ساعات محدودة، ~~وبالتالي نقصت قيمة الأجور التي يقبضونها، ويعيشون عليها. وهكذا أضحت ألمانيا في عام 1930 ~~«بلد الشحاذين!» أي إنها رجعت إلى الحال التي كانت عليها في سنوات التضخم النقدي عقب الهدنة ~~التي عقدت في نهاية الحرب العالمية الأولى. فإذا قدرنا أن كل رجل متعطل يعول في المتوسط ~~أسرة مؤلفة من شخصين اثنين فحسب على أقل تقدير، لوجدنا أن عدد من صاروا يعيشون في بؤس ~~وتعاسة ويعتمدون في قوتهم اليومي على إعانات الدولة وحسنات المتصدقين قد بلغ ثمانية عشر ~~مليونا، هذا عدا حوالي عشرين مليونا آخرين يعيشون على أجورهم المخفضة. # وكان من نتائج سوء الحالة الاقتصادية، أن طرد الاشتراكيون الديموقراطيون من الحكم، ~~وألف الوزارة رجال «الوسط» وعلى رأسهم «هنريك ~~بروننج # Brüning ~~»، وأما النتيجة الهامة فكانت القضاء على أي أمل في بعث الطبقة ~~المتوسطة الألمانية من جديد، وهي دائما عماد الجمهورية الديموقراطية أو الملكية ~~البرلمانية. فقد قضى التضخم النقدي على هذه الطبقة، ثم ms145 لم يمكن إحياؤها في فترة الرخاء ~~الصناعي المفتعل بين عامي 1925-1929، وكان الاشتراكيون الديموقراطيون وحدهم الذين أفادوا من ~~هذا الرخاء، وعندما وقعت الأزمة كان «هرمان مولر # Müller ~~» ~~الوزير الاشتراكي على رأس الحكومة «منذ يولية 1928»، فلم تلبث أن سقطت حكومته بسبب الأزمة ~~في مارس 1930، وبسقوط هذه الحكومة اختفى كل أمل في إمكان إحياء الجمهورية الألمانية. # وأعطى هذا الاضطراب الاقتصادي والسياسي الفرص للوطنيين الاشتراكيين، حتى يعودوا إلى مسرح ~~السياسة بعد أن ظلوا محتجين طوال السنوات الأربع الماضية، وهكذا فاز النازيون في انتخابات ~~14 سبتمبر 1930 بعدد من المقاعد في مجلس الريخستاج بلغ 107 (بعد أن كان لهم 12 مقعدا ليس ~~غير). وكان لهذا الانتصار مغزى كبير، فإن النازيين عندما بلغ عدد المتعطلين حوالي المليون، ~~كان كل ما أحرزوه من أصوات يقل عن المليون، حتى إذا ارتفع عدد المتعطلين إلى ستة ملايين، ~~ظفروا بستة ملايين صوت، ثم استغل النازيون هذا الانتصار إلى درجة بعيدة، فنشطت دعاوتهم ~~تستميل إليهم الأنصار والمؤيدين، وتخفف الأسى عن المتعطلين المنكوبين، ذلك بأنها صارت تلصق ~~مسئولية النكبات الاقتصادية التي حلت بالشعب الألماني، بالساسة الذين وضعوا شروط الصلح في ~~فرساي، وفرضوا على ألمانيا التعويضات، وهذا كله - كما ادعوا - بتحريض من فرنسا عدو الألمان ~~التاريخي. وهكذا ظفر النازيون بأصوات الناخبين الذين انصرفوا أيضا عن تأييد الشيوعيين؛ ~~لخوفهم من أن يدفع هؤلاء بالأمة إلى خوض غمار حرب جديدة، فلم ينل الشيوعيون في هذه ~~الانتخابات سوى 77 مقعدا. وفي الريخستاج، منذ أن خرج الاشتراكيون الديموقراطيون وأنصارهم، ~~أصبح الحكم البرلماني مستحيلا بسبب العداء المستحكم بين الوطنيين الاشتراكيين، وبين ~~الشيوعيين الذين سيطروا فيما بينهم على الحياة السياسية. وكان هذا النضال مؤذنا بنهاية ~~جمهورية ويمار، وممهدا في الحقيقة لاستئثار النازيين بالسلطان الكامل في الدولة. # وفي الشهور التالية ازدادت الأحوال الاقتصادية سوءا، وأفاد النازيون من ذلك كل فائدة؛ ~~لأن الأهلين الذين تذوقوا طعم الفاقة، وأحسوا بالضنك ومرارة العيش، سرعان ما صاروا يتوقون ~~إلى حدوث تغيير أو تبديل جوهري من شأنه إفساح المجال لجماعة جدد من السياسيين الذين ms146 قد ~~يستطيعون انتشالهم من وهدة البؤس والعوز. ولما كانوا قليلي الثقة بالشيوعيين، فقد عقدوا ~~آمالهم على الوطنيين الاشتراكيين، واستطاع الهر هتلر بفضل مؤازرتهم أن ينال في الانتخابات ~~التي أجريت لرياسة الجمهورية في التصويت الأول «في مارس 1932» 11344119 صوتا أو أما يزيد ~~على 30٪، ونال في التصويت الثاني «في 10 أبريل 1932» 13417460 صوتا أو حوالي 37٪، بينما ~~فاز «هندنبرج» بنحو سبعة عشر مليونا ونصف من الأصوات، وفي الانتخابات التالية لمجلس ~~الريخستاج في «31 يولية 1932» أحرز النازيون 13733000 صوت أو ما يزيد على حوالي 37٪ وظفروا ~~بمائتين وثلاثين مقعدا. ~~••• # ومع هذا، فإنه من الحقائق المعروفة أن الهر هتلر ما كان يستطيع الوصول إلى منصب ~~المستشارية، أي رئاسة الحكومة في الريخ الألماني، لو أن «البطانة» المقربة من رئيس ~~الجمهورية «هندنبرج» ظلت متحدة، ولم يعمد بعض أعضائها إلى المناورات السياسية للتخلص من ~~منافسيهم ، والاستئثار بالسيطرة على رجل تقدمت به السن كثيرا، حتى يخلص لهم الحكم في ~~ألمانيا. فمن الثابت أن هندنبرج عقب انتخابات 31 يولية 1932 رفض أن يولي الهر هتلر منصب ~~المستشارية عندما زين فرانز فون بابن # Franz Von Papen # أحد ~~أفراد البطانة لهتلر، أن يطلب إلى الماريشال الكهل إعطاءه مركزا مشابها للمركز الذي ظفر ~~به موسوليني عقب زحفه المشهور على رومة، فغضب هندنبرج وقال كلمته المأثورة: «أيتوقع مثل هذا ~~الرجل أن يصبح مستشارا لدولة الريخ! إن كل ما يستطيع أن يظفر به هو منصب ساعي بريد!» ومن ~~الثابت كذلك أن النازيين في انتخابات 6 نوفمبر 1932، لم يلبثوا أن فقدوا عددا كبيرا من ~~الأصوات، فلم يزد ما أحرزوه على 11700000 صوت تقريبا، ولكن المناورات السياسية وحدها هي ~~التي مهدت الطريق لوصول الهر هتلر إلى منصب المستشارية في النهاية. # فقد التفت حول الماريشال الكهل - كان يناهز الخامسة والثمانين - بطانة، كان من أهم ~~أعضائها ابنه «أوسكار # Oskar ~~»، وهو ضابط عامل في الجيش، ~~و«أوتو ميسنر # Otto Messiner ~~» مستشار الرئيس وأحد وزراء ~~الحكومة، وفرانز فون بابن، أحد مستشاري الريخ في هذا العهد، والجنرال «كيرت فون شليخر # Kurt von Schleicher ~~» من ms147 وزراء الحربية ومن زملاء ~~هندنبرج القدماء، وصاحب أكبر نفوذ في ألمانيا الجمهورية، وغير هؤلاء. وكان غرض هذه البطانة ~~الأساسي بعد أن تبينوا خطر المركز الذي صار يتمتع به النازيون - وعلى رأسهم الهر هتلر - أن ~~ينفض ملايين الناخبين الذين أعطوا أصواتهم للنازيين من حول الهر هتلر، وأن ينصرف اهتمامهم ~~إلى تحقيق أغراض أخرى، كما أنهم صاروا يعنون بضرورة تأييد الرأسماليين وتعزيز مراكزهم حيال ~~أية محاولة اشتراكية ضدهم في المستقبل، كما أرادوا أن يعيدوا تشييد صرح الدولة الألمانية ~~على أساس المسيحية القديم، وهو الأساس الذي كان قد أخذ يتداعى منذ مدة طويلة حتى أشرف على ~~الانهيار، وكانوا يرغبون كذلك في إعادة البحث في الدستور الألماني، وتنظيم كيان الدولة على ~~نحو يضمن استمرار الحكم في أيدي أحزاب «الوطنيين» من أصحاب الإرادة القوية والفكر الناضج، ~~وكانوا يعنون أنفسهم بهذا الوصف؛ لأنهم اعتقدوا أن خلاص ألمانيا - كما أرادوها - لا يمكن أن ~~يحدث إلا إذا حرم الأهلون كافة الحقوق عدا حق واحد يخول لهم انتخاب دكتاتور يهيمن على شئون ~~البلاد، وهو حق لا يستطيع الناخبون ممارسته إلا في فترات متقطعة. # وكان موقف هذه «البطانة» من الوطنية الاشتراكية موقفا غريبا حقا؛ فلم يكن يضيرهم وجود ~~النازيين؛ لأنهم كانوا يدخلون الرعب إلى قلوب الاشتراكيين، ولكنهم كانوا بوصفهم من قواد ~~الجيش يكرهون الفوضى والأحزاب السياسية قاطبة، وبوصفهم من أصحاب الأراضي الزراعية الواسعة ~~يسوءهم رؤية ضياعهم العظيمة، «المفلسة» غنيمة يقتسمها الفلاحون فيما بينهم، كما أنهم كانوا ~~لا يرضون - كرجال أعمال - عن «الأوتاركية» أو «الاكتفاء الذاتي»، وما كانوا يوافقون قط على ~~أن تمتد يد الاشتراكية إلى ممتلكاتهم وثرواتهم، ولكنهم في الوقت نفسه كانوا يكرهون الهر ~~هتلر على اعتبار أنه من قادة الجماهير، وقد ظل مغمورا حتى أتاحت له الظروف الطارئة أن يظهر ~~على مسرح السياسة؛ ولذلك وجدوا أن خير وسيلة لتحقيق أغراضهم أن يحصروا حركة الطبقة المتوسطة ~~التي يتزعمها هتلر - وهي حركة ثورية - وأن يحدوا من انتشارها، حتى يستطيع الرأسماليون ~~استئناف أعمالهم. # وغني عن البيان أن «بطانة» بلغت آراء أعضائها إزاء ms148 الوطنية الاشتراكية من التضارب هذا ~~المبلغ، واعتمدت في وجودها على صداقة رئيس الجمهورية لها وعطفه عليها، ما كان في استطاعتها ~~أن تحقق أغراضها إلا بالالتجاء إلى المناورات السياسية واستصدار المراسيم والقرارات ~~الحكومية، وتعطيل مواد الدستور، حتى يتسنى لها الفوز بالحكم دون إشراك مجلس الريخستاج، «أو ~~الأمة» وبخاصة عندما ظفر الوطنيون الاشتراكيون «النازيون» بمقاعد كثيرة في هذا المجلس، وهذا ~~ما حدث فعلا. فقد ظل مستشار الريخ في تلك الآونة الدكتور بروننج يحكم بمقتضى قرارات ~~استثنائية، وحاول كبح جماح هتلر وأنصاره بتنفيذ مطالب حزبهم المعتدلة. ولكنه ما كاد يشرع في ~~تجزئة «الجفالك» الواسعة في بروسيا الشرقية إلى ملكيات صغيرة حتى ثار عليه أصحاب هذه ~~الأراضي المعروفون باسم «يونكر # Junkers ~~»، واتخذ منافسوه من ~~بين رجال «البطانة» من هذه المحاولة ذريعة لإيغار صدر الماريشال هندنبرج عليه، فطرد ~~«بروننج» من المستشارية في مايو 1932. أما هؤلاء المنافسون فكانوا «هوجنبرج»، زعيم الوطنيين ~~وأصحاب الخوذ الفولاذية، وفون بابن، والدكتور شاخت # Schacht ~~(وكان محافظا لبنك الريخ بين عامي 1923-1929، ثم غادر صفوف الديموقراطيين وانحاز إلى ~~اليمين، ثم اتصل بالنازيين منذ عام 1931)، كما انضم إلى هؤلاء المتآمرين في بطانة الرئيس، ~~الوطنيون الاشتراكيون، وكانوا جميعا قد استطاعوا منذ مدة أن يؤلفوا من بينهم جبهة قوية ~~عرفت باسم «محالفة هارتزبرج»، وكان من أول أعمال هذا التحالف تأييد ترشيح أدولف هتلر ~~لرياسة الجمهورية ضد الماريشال هندنبرج نفسه في انتخابات 10 أبريل 1932. ولم يكفل النجاح ~~للماريشال وقتذاك سوى انحياز الاشتراكيين الديموقراطيين إلى جانبه. # أما هندنبرج، فإنه لم يلبث أن عهد بالمستشارية بعد طرد «بروننج» إلى «فون بابن» على الرغم ~~من أن بابن ما كان يستطيع الحصول على عدد من الأصوات في داخل مجلس الريخستاج يزيد على أصوات ~~حزب «هوجنبرج»؛ ولذلك صار يعتمد الاعتماد كله على صداقة رئيس الجمهورية فحسب. ولما كان غرض ~~«فون بابن» إقصاء الاشتراكيين الديموقراطيين عن حكومة بروسيا إقصاء تاما، فقد قرر ~~الاستناد إلى تأييد الجيش الألماني النظامي الذي تألف بعد الحرب العالمية الأولى وهو ~~«الريشفهر # Reichswehr ~~» وعلى ذلك عين رئيس هذا ms149 الجيش ~~الجنرال «كيرت فون شليخر» وزيرا للحربية، واستطاع فون بابن تنفيذ مآربه. # ومنذ أنشئت جمهورية ويمار الاتحادية، واتسعت اختصاصات حكومة بروسيا حتى شملت ما تزيد ~~مساحته على ثلاثة أرباع دولة الريخ، كان الاشتراكيون الديموقراطيون والكاثوليك ~~والديموقراطيون هم الذين يؤلفون الأكثرية المطلقة في المجلس البروسياني «لاندتاج # Landtag ~~» كما كانت الحكومة البروسيانية للسبب نفسه تتألف ~~من ممثلي هذه الأحزاب الثلاثة، وكان يرأسها رجل من الحزب الاشتراكي الديموقراطي هو ~~«أوتو برون # Otto Braun ~~»، وقد ازدادت صعوبات «أوتو ~~برون» عندما أسفرت انتخابات هذا الدياط البروسياني في 24 أبريل 1932 عن عدم فوز حزب من هذه ~~الأحزاب الثلاثة فوزا يمكن أحدها من تأليف الوزارة أو يجعل من الميسور إنشاء حكومة ~~ائتلافية قوية، فظل «أوتو برون» والاشتراكيون في الحكم «مؤقتا»، ونجم عن ذلك تعذر التعاون ~~بين هذه الحكومة البروسيانية التي تغلب عليها الصبغة «الماركسية» أو الاشتراكية وحكومة ~~الريخ المركزية التي يرأسها «فون بابن»، والتي أطلق عليها اسم «حكومة البارونات»، فأصدر ~~«بابن» - بموافقة هندبرج - مرسوما في 20 يولية 1932 يقضي بتعيينه - أي «فون بابن» - ~~قوميسيرا للريخ في بروسيا، وعين نائب له. وكان هذا المرسوم يقضي إلى جانب هذا، بمنع حكومة ~~بروسيا من مباشرة أعمالها. وبهذا حقق «فون بابن» غرضه الأول، وكان هذا العمل تحديا ~~للاشتراكية التي اعتبرت بروسيا حصنها المنيع منذ مدة طويلة، وكاد طرد الاشتراكيين يفضي إلى ~~ملاحم عنيفة، ولكن «شليخر» أسرع في إظهار استعداده الكامل لمؤازرة «فون بابن»، بينما تفرقت ~~كلمة الاشتراكيين الديموقراطيين والشيوعيين، مما أدى إلى تضعضع الطبقة العمالية؛ لذلك لم ~~يلبث سواد الشعب في الانتخابات التالية لمجلس الريخستاج «31 يولية 1932» أن أظهر سخطه على ~~هذا الانقسام، فكان النصر في تلك الانتخابات حليف النازيين والشيوعيين، ففاز النازيون بما ~~يزيد على 37٪ من عدد الأصوات، وظفروا بمائتين وثلاثين مقعدا، بينما نال الشيوعيون 89 ~~مقعدا، واختفت أحزاب الطبقة المتوسطة تماما، ورجع الاشتراكيون الديموقراطيون إلى حالهم ~~السابقة القديمة في عام 1924. # وثمل جنود الهجوم النازي بخمر الظفر، فاجتاحت الريخ موجة من الإرهاب النازي عنيفة، وطفق ~~النازيون من ذلك الحين ms150 ينتقمون من معارضيهم وأعدائهم السياسيين انتقاما بلغ الغاية في ~~قسوته ووحشيته، حتى اضطر «فون بابن» إلى إعلان الأحكام العرفية، كما هدد «شليخر» باستخدام ~~الجيش النظامي ضد «جنود الهجوم» النازيين، وأصدر «فون بابن» تصريحا أنحى فيه باللائمة على ~~هتلر، وأعلن استعداده لتأييد حكم القانون والقضاء على الفوضى التي أثارها النازيون بمسلكهم. ~~وإزاء هذا التهديد لجأ هتلر إلى المفاوضة، مهددا تارة ومسترضيا تارة أخرى، فجمع جند ~~الهجوم بالقرب من برلين، ووعد بتأييد وزارة فون بابن إذا وافقت أخيرا على إطلاق يد هؤلاء ~~مدة ثلاثة أيام فحسب، ولكن بابن رفض هذا العرض بطبيعة الحال، وزاد حنق هندنبرج عندما طلب ~~هتلر منصب المستشارية لنفسه، فأبقى الرئيس فون بابن في الحكم، وانقلب هتلر وأعوانه منذ ذلك ~~الحين يدبرون المكايد ضد هندنبرج ووزيره، وعمت الفوضى من جراء ذلك كله مجلس الريخستاج حتى ~~اضطر «فون بابن» إلى حله. ثم أجريت انتخابات جديدة في 6 نوفمبر 1932، نال فيها هتلر ~~11705625 صوتا، هذا بينما زاد عدد أنصار الشيوعيين وأنصار «هوجنبرج». وكان من الواضح أن ~~الشيوعيين هم الذين أفادوا من هذه المناورات السياسية. # ولما كان الخوف من نجاح الشيوعيين ما يزال من العوامل الحاسمة في جمع أحزاب اليمين عامة، ~~فقد أدى هذا الخوف إلى عودة الائتلاف بين أنصار «بابن» و«هوجنبرج» و«شاخت» و«الهر هتلر»، ~~فتعززت من ثم جبهة هارتزبرج السابقة. وفي 2 ديسمبر من العام نفسه أخرج «فون بابن» من ~~مستشارية الريخ، وعهد هندنبرج بهذا المنصب إلى رئيس «الريشفهر» الجنرال «فون شليخر»، وكان ~~من الواضح أن سبب سقوط «بابن» هو أنه صار من المتعذر عليه أن يظل في الحكم بعد أن أثار ~~الأمة بأجمعها ضده، وأقنعت «البطانة» القديمة الماريشال هندنبرج بضرورة إعطاء منصب ~~المستشارية إلى رجل قوي. ولما كان «شليخر» في هذه الآونة زعيم الجيش، فقد اعتبر أقوى رجل ~~في ألمانيا، وساعده على تحقيق مطامعه أنه كان من أصدقاء «أوسكار فون هندنبرج» والمقربين ~~إليه، كما أنه كان صديقا لأفراد «البطانة» التي كانت تتمتع بنفوذ كبير لدى ~~الماريشال. # ومنذ أن وصل «شليخر» ms151 إلى الحكم طفق يعمل للقضاء على هتلر وجماعته، ولما كان يعد ~~برنامجا شاملا للإصلاح، وكان يميل في إصلاحه الاجتماعي إلى إدخال تغييرات جريئة من أجل ~~«خلاص ألمانيا» على حد قوله؛ فقد أصبح من السهل عليه لتنفيذ هذه الإصلاحات من جهة، ولإضعاف ~~هتلر من جهة أخرى، أن يوطد الصلة بينه وبين جناح اليسار من حزب هتلر نفسه، وهو الجناح الذي ~~كان يتزعمه «جريجور ستراسر # Strasser ~~»، فعرض عليه منصب نائب ~~المستشارية، كما أنه دعا زعيم «اتحادات التجارة الحرة» ويدعى «ثيودور ليبارت # Leipart ~~» للاشتراك معه في تأليف الحكومة التي أراد أن تقوم على ~~أساس اشتراكي واسع، ولكن هذه الميول الاشتراكية لم تلبث أن أثارت عليه حفيظة أصحاب الأراضي ~~الواسعة # Junkers ~~، كما أغضبت رجال البطانة وشرعوا يدبرون ~~المكائد لإسقاطه، واستطاع «فون بابن» في هذه الظروف أن يجذب الهر هتلر إلى معاونتهم عندما ~~وعد بأن يسدد ديون الحزب النازي التي بلغت في هذه الآونة 12000000 ريشمارك تقريبا. وحدث في ~~بداية شهر يناير من العام التالي 1933 أن عقد اجتماع في «كولون» في بيت «شرودر # Schroeder ~~» أحد رجال المال المعروفين، وفي هذا الاجتماع ~~تقابل هتلر مع فون بابن ومع «شرودر» بفضل وساطة أحد الوكلاء التجاريين وهو «فون ريبنتروب # Ribbentrop ~~» وسويت مالية الحزب النازي، وأسفرت هذه ~~التسوية عن اتفاق كل من هتلر، وشاخب وبابن، وهوجنبرج ورجال بطانة الرئيس هندبرج على ضرورة ~~عزل «شليخر» من منصب المستشارية، ولما عجز «شليخر» عن المقاومة، فكر جديا في تأليف ~~حكومة تستند إلى مؤازرة «الاتحادات # Unions ~~»، وفاوض بالفعل ~~في ذلك كلا من «جزيجور ستراسر» و«تيودور ليبارت»، ثم فاوض زعيم الاشتراكيين الديموقراطيين ~~في الريخستاج فيما إذا كان رجال حزبه على استعداد لتأييده، ولكنه أخفق في محاولته، وازداد ~~موقفه حرجا عندما اقترب موعد افتتاح الريخستاج في 31 يناير 1933، وكان من رأيه حل هذا ~~المجلس قبل اجتماعه، ولكن كان لا بد من حصوله على موافقة هندنبرج ولكنه لم يوفق واستأنف ~~شليخر المفاوضة من جديد. وعلى غير طائل ومن جانب آخر دخل الزعماء المعارضون في مفاوضات ms152 مع ~~هتلر، ولكن هتلر أصر على أن تكون المستشارية في هذه المرة من نصيبه، وظل الحال على كذلك، ~~حتى استطاع «فون باين» في إحدى مناوراته السياسية البارعة، أن يجمع كلمة المعارضين على ~~ضرورة إعطاء منصب المستشارية للهر هتلر. # وكان مما اعتمد عليه «بابن» في حبك خيوط المؤامرة، الإشاعات التي انطلقت في ذلك الحين ~~تروج خبرا مفاده: أن شليخر صار يعد العدة لإحداث «انقلاب» بمؤازرة «الريشفهر»، وبفضل هذا ~~الخوف المصطنع أمكن التأثير في هندنبرج حتى قبل أخيرا أن يعهد بمنصب المستشارية إلى الهر ~~هتلر، فأصبح هتلر مستشار الريخ الجديد. وفي مساء 30 يناير 1933 دبر الهتلريون مظاهرة عظيمة ~~اشترك فيها خمسة عشر ألفا من النازيين حملوا المشاعل في حضرة أدولف هتلر، وكان إلى جانبه ~~الماريشال هندنبرج، فقضت المظاهرة على «آمال» المعارضة، حتى إنها لم تجد مناصا عقب ذلك، من ~~التسليم بدون إبداء أية مقاومة، وعلى إثر تعيين أدولف هتلر مستشارا للريخ الألماني، طفق ~~يتخذ التدابير لمنع «بطانة» الرئيس من تمثيل الدور الذي أفضى إلى إقصاء كل من بروننج، ~~وبابن، وشليخر من الحكم، فعين «هرمان جورنج» وزيرا للريخ، وقوميسيرا للطيران، ووزيرا ~~للداخلية في حكومة بروسيا، وقد خطب «جورنج» رجال الشرطة، فقال: «إن الشرطة لم توجد من أجل ~~العناية بأمر ثمانين أو مائة ألف مجرم في السجون، فجدير بنا أن نضع حدا لهذه الإنسانية ~~المزيفة؛ لأن من واجب الشرطة أن تقوم بأعمال قد تبدو قاسية للغاية، ولكنها في الواقع ضرورية ~~ولا غنى عنها البتة.» وأما هذه الأعمال التي يشير إليها فهي القضاء على أعداء النازيين ~~ومعارضيهم. ولما كان رجال الشرطة النظاميون مائة ألف - وهو عدد لا يكفي لتحقيق هذه الأغراض ~~- فقد شكل «جورنج» قوة إضافية من النازيين تبلغ ثمانين ألفا، وبذلك بدأ عهد الإرهاب النازي ~~في ألمانيا، وسرعان ما تبين لمدبري المكائد السابقين من «بطانة» الرئيس أن هتلر والنازيين ~~إنما يريدون أن يقبضوا على أزمة الحكم بيد من حديد، وأن من العبث أن يتوقعوا الاستمتاع ~~بالمزايا التي ألفوها في العهود الماضية. ثم عظمت ms153 مخاوفهم عندما وجدوا المستشار النازي ~~مصمما على إجراء انتخابات جديدة حتى يفوز بأغلبية مطلقة تمكنه من إنشاء حكومة مؤيدة له، ~~واستطاع بالفعل أن ينال من هندنبرج أمرا بحل الريخستاج وإجراء هذه الانتخابات الجديدة في ~~يوم 5 مارس 1933. # على أن موقف النازيين في أول الأمر لم يزعج كلا من بابن وهوجنبرج وأوسكار فون هندنبرج ~~إلى حد كبير، ولم يقض مضاجعهم تهديد هتلر وأنصاره بأنهم مصممون على البقاء في الحكم مهما ~~كانت نتيجة الانتخابات المقبلة؛ ذلك بأن النازيين كانوا قد اتفقوا معهم وقت المفاوضات التي ~~سبقت تعيين هتلر في منصب المستشارية، على أن يظل الائتلاف قائما لمدة أربعة أعوام على ~~الأقل، ولو اقتضى الأمر مخالفة رغبات الأمة، ولكنهم أدركوا في النهاية أن النازيين سوف ~~يتحينون الفرص لطردهم من الحكومة، وانعدمت من ثم ثقتهم في الهر هتلر، وطفقوا يدبرون المكائد ~~ضده، وانضم إليهم «شليخر» في ذلك. بيد أن هذه المكائد لم تكن خافية على الهر هتلر. والواقع ~~أن الهتلريين أنفسهم لم يكونوا يتوقعون إحراز نصر حاسم في الانتخابات المقبلة؛ ولذلك شرعوا ~~من جانبهم يدبرون «انقلابا سياسيا » يضمن لهم الغلبة والفوز في يوم 5 مارس. ومن هذه ~~الجهود الخفية جميعها، نشأت جميع الحوادث التي كفلت الفوز للنازيين في النهاية. ~~••• # فقد حدث في الأسبوع الثاني من شهر فبراير عام 1933، أن راجت إشاعة فحواها: أن النازيين ~~يريدون إخراج أعضاء «الائتلاف» المتعاونين معهم من الحكومة يوم الانتخابات نفسه، ويطلبون ~~إجراء «استفتاء عام» من أجل انتخاب الهر هتلر لمنصب رئاسة الدولة. ووجد «بابن» في هذه ~~الإشاعة مسوغا لحبك خيوط مؤامراته من أجل الخلاص من هتلر، وقابل في ذلك «هوجنبرج» وحضر ~~المقابلة أيضا زعماء «أصحاب الخوذات الفولاذية»، ثم تباحث «بابن» مع الجنرال «شليخر» ومع ~~الرئيس هندنبرج ومع ابنه «أوسكار»، وأسفرت هذه المؤامرة عن وضع خطة نالت موافقة الجميع، ~~وترمي هذه الخطة إلى حشد جند «الخوذات الفولاذية» في برلين في يوم الانتخابات نفسه، على أن ~~يحتلوا قلب المدينة ويسهروا على حراسة «الولهلمستراس»، بينما تحتشد عدة فرق من الجيش ~~النظامي «الريشفهر» ms154 في «دوبربتز # Döberitz ~~» التي تبعد نحو ~~العشرين ميلا عن برلين، على أن يغادر هندنبرج العاصمة في هذا اليوم إلى «دوبريتز» بحجة ~~الإشراف على استعراض يقوم به جيش «الريشفهر» هناك، حتى إذا وقعت في يوم 5 مارس أية محاولة ~~من جانب الهتلريين لإحداث «انقلاب سياسي» استطاع عشرة آلاف جندي من أصحاب الخوذات الفولاذية ~~مقاومة جنود الهجوم النازيين # S. A. # والدفاع عن قلب المدينة ~~حتى تأتي إليهم نجدة «الريشفهر» من «دوبريتز». # بيد أن هتلر لم يلبث أن عرف أمر هذا التدبير، فأرسل بدوره «هرمان جورنج» يحمل تهديدا إلى ~~«سلدت # Seldte ~~» زعيم جند أصحاب الخوذات الفولاذية، بأنه ~~إذا أبدى هؤلاء أي حراك، فإن هتلر لن يرى مندوحة عن تعبئة قوات جند الهجوم النازيين تعبئة ~~كاملة. وقد أحدث هذا التهديد أثره في نفوس المتآمرين الذين أزعجهم انكشاف أمرهم، وصاروا ~~يخشون عواقب حدوث الاصطدام بين قوات الحكومة، فنكصوا على أعقابهم، وفشلت مؤامرتهم، واستطاع ~~النازيون أن يتفرغوا لمكافحة أعدائهم الآخرين، وهم الجمهوريون والشيوعيون، فأشرف «هرمان ~~جورنج» نفسه على تعقبهم، وفي إحدى الهجمات الفجائية التي قام بها الشرطة على مراكزهم ~~الرئيسية، استطاع جورنج أن يعثر في مقر الحزب الشيوعي «بيت ~~كارل ليبكنخت # Lïebknecht ~~» على خطط مفصلة، قال جورنج إن الشيوعيين وضعوها لتنظيم إشعال ~~الثورة في ألمانيا وأخفوها في أقبية سرية عتيقة. وكان هذا الكشف انتصارا عظيما للنازيين ~~الذين صمموا على استغلال هذا الحادث بشكل يقضي على أعدائهم الشيوعيين قضاء مبرما في ~~الانتخابات المقبلة، ويدخل الذعر والرعب في نفوس الأهلين. وكان أخشى ما يخشاه سواد الشعب ~~في تلك الآونة أن يشعل المتطرفون من أحزاب اليسار نار الثورة في ألمانيا، هذا إلى أنه يقضي ~~على كل أمل لدى «بطانة» الرئيس في إمكان الفوز على الهر هتلر وأعوانه بتدبير أية مؤامرة ~~جديدة. # وعقب ذلك حدث في مساء 27 فبراير 1933 في الساعة الثامنة والدقيقة الخامسة والأربعين أن ~~شهد أهل برلين فجأة ألسنة النيران تصل إلى عنان السماء، واللهب يضيء المدينة، ثم تطاير ~~الخبر بسرعة البرق، بأن الريخستاج يحترق! وكان حريق ms155 الريخستاج من العوامل الحاسمة التي ~~ساعدت النازيين على أن يقبضوا بأيد من حديد على أزمة الحكم في ألمانيا، ويفرضوا على دولة ~~الريخ تلك السيطرة التامة التي طمعوا فيها منذ مدة طويلة، حتى يبسطوا سيطرتهم على القارة ~~الأوروبية، ثم على العالم أجمع في النهاية. # والواقع أن الزعماء النازيين كانوا في تلك الليلة أول من خف إلى مكان الحريق، ونقل الناس ~~عن الهر هتلر قوله في وصف هذا الحادث: «إنه ~~نعمة من السماء # Ein Zeichen-vom Himm el ~~»، وأعلنت الحكومة في التو والساعة أن الحريق من صنع ~~الشيوعيين وحدهم. وفي الليلة نفسها صادر النازيون الصحف الشيوعية وجميع منشورات الشيوعيين ~~وإعلاناتهم الانتخابية، ومنعوا الاجتماعات السياسية، سواء أكانت في الهواء الطلق أم في ~~منازل أفراد الحزب. وفي اليوم التالي وقع هندنبرج قرارا ألغى الدستور بمقتضاه. وفي أول ~~مارس صدر قرار آخر يفرض «الرقابة» على البريد والتليفون والبرق في أنحاء الريخ، فتحقق بكل ~~هذا ظفر النازيين واطمأنوا إلى الدخول في المعركة الانتخابية من غير منافس! والحقيقة أن هذه ~~التدابير الصارمة لم تقض على الشيوعيين وحدهم، بل إنها أوجدت الارتباك والفوضى في صفوف ~~الأحزاب الأخرى، ثم رفعت في ساعات معدودة مستشار الريخ إلى مركز الديكتاتور المطلق. ولم تكن ~~التدابير التي اتخذها النازيون من أجل محاربة أعدائهم ومنافسيهم بنت ساعتها، بل دل صدورها ~~وتنفيذها بالسرعة المتقدمة على أنها كانت معدة منذ مدة سابقة، وما زال التاريخ يلصق تهمة ~~إشعال النار في مبنى الريخستاج بالنازيين وحدهم؛ إذ إنه حتى الآن ما يزال من المستحيل على ~~أي إنسان أن يقف على كنه العلاقة التي ربطت بين النازيين وفان دير لوب هذا الشخص الأبله ~~الذي ثبتت إدانته وحده ثم أعدم. ومن المحتمل أن تظل حقيقة هذه العلاقة مجهولة إلى ~~الأبد. # والمعروف أن «مارينوس فان ديرلوب # Marinus Van Der Lubbe ~~» ~~وهو من الرعايا الهولنديين، لم يكن في يوم من الأيام منتميا إلى الحزب الشيوعي، بل كان هذا ~~الرجل متعطلا، لا مأوى له ومن المخبولين المنغمسين في حمأة الرذيلة ومن ذوي الشذوذ الجنسي. ms156 ~~وقد قبض عليه رجال الشرطة في ليل الحادث عند أحد أبواب الريخستاج، وليس عليه من الملابس غير ~~سراويله؛ لأنه كما يظهر كان قد استخدم قميصه وبقية ملابسه المهلهلة في إشعال الحريق، ومع أن ~~«جورنج» ادعى في ذلك الحين أن «لوب» كان يحمل بطاقة الحزب الشيوعي هذا إلى جانب بضعة أوراق ~~أخرى تلصق التهمة بالشيوعيين والاشتراكيين الديموقراطيين، فإن هذا الادعاء كان كاذبا، كما ~~أن «فان دير لوب» من ناحية أخرى لم يكن من الوكلاء النازيين أصلا. # على أنه مما تجدر ملاحظته أن «فان دير لوب» ما كان يستطيع وحده وبمفرده إشعال الحريق الذي ~~التهم جزءا كبيرا من مبنى الريخستاج في تلك الليلة، فقد أثبت البحث أن مقدارا كبيرا من ~~المواد القابلة للاشتعال، ومنها البترول، قد استخدم فعلا في الحرائق التي نشبت في عدة ~~أماكن مختلفة من هذا المبنى وفي وقت واحد، ولم يكن لدى «لوب» من الملابس ما يكفي لإشعال ~~حريق عظيم يلتهم بهو الريخستاج الكبير بأجمعه قبل وصول رجال المطافئ، وزيادة على ذلك فقد ~~أثبت التحقيق أن وسط هذا المبنى كان شعلة من النيران عقب دخول «فان ديرلوب» إليه بدقيقتين ~~وخمس ثوان فحسب؛ ولذلك فلابد من أن يكون هناك غيره اشتركوا معه، وعلى غير علم منه على ما ~~يبدو في إشعال هذا الحريق الكبير. ولكن أحدا لم يقف على أثر لهؤلاء المساهمين؛ إذ استطاعوا ~~الخروج من المبنى دون أن يراهم أحد. ولما كان هناك قبو سفلي يوضع به جهاز التدفئة، ويمتد ~~منه ممر يربط بين أقبية الريخستاج، والمبنى الذي يقيم به رئيسه، فإن القرائن تدل على أن ~~محدثي الحريق استخدموا هذا الممر الخفي أولا في نقل المواد الملتهبة والبترول إلى ~~الريخستاج، ثم استخدموه في الفرار والنجاة بأنفسهم بعد إشعال الحريق، وكان رئيس الريخستاج ~~الهر هرمان جورنح! # ومع هذا فقد اعتقل النازيون ثلاثة من زعماء الشيوعيين - البلغاريين كانوا يعيشون في برلين ~~في تلك الآونة، وهم «ديمتروف # Dimitroff ~~» و«تانيف # Taneff ~~» و«بوبوف Popoff ~~» ~~بتهمة إشعال الحريق، كما ألقوا القبض على الغائب الشيوعي الألماني ms157 «تورجلر # Torgler ~~»، ثم قدموا الجميع إلى المحاكمة أمام المحكمة ~~العليا الألمانية في ليبزج. وفي هذه المحاكمة اعترف «فان ديرلوب» بجرمه ثم أعدم، وأما ~~«ديمتروف» فقد دافع دفاعا مجيدا وحمل حملة شعواء على الهر جورنج نفسه وعلى النظام النازي ~~بأجمعه، وانتهى الأمر بالحكم ببراءته وبراءة زملائه الآخرين. وقد سافر «ديمتروف» إلى موسكو، ~~أما «تورجلر» الألماني فقد أرسل إلى أحد معسكرات الاعتقال النازية. # ولكن تبرئة الشيوعيين جاءت متأخرة؛ إذ إن النازيين كانوا قد حققوا أغراضهم، فنشروا ~~الإرهاب والرعب في أنحاء البلاد وقام الشرطة بتلك الأعمال التي قال عنها جورنج: «إنها قد ~~تبدو قاسية للغاية ولكنها في الواقع ضرورية ولا غنى عنها البتة.» وعبثا حاول أعضاء الحكومة ~~- من «بطانة» الرئيس هندنبرج - الاحتجاج على هذه الحملة الإرهابية، فقد أجاب جورنج على ذلك ~~بقوله: «إنه يشعر بقوة مركزه إلى حد يسوغ له الاضطلاع بكل مسئولية!» وعمل النازيون على ~~قمع كل معارضة، دون أن يترددوا في ارتكاب أية جريمة حتى صار الأهلون يعثرون في القنوات ~~ومجاري المياه على جثث أفراد عديدين من «العمال» الذين عرفوا بقوة المراس والشكيمة وشدة ~~معارضتهم للحزب النازي. وفي يوم الانتخاب قام بالمحافظة على النظام ثمانون ألفا من أصحاب ~~القمصان السمر النازيين! # ولكن على الرغم من هذا الإرهاب العظيم، لم يظفر النازيون في يوم 5 مارس 1933 بالأغلبية ~~المطلقة؛ فحصلوا على 43,9٪ من الأصوات فحسب، فإذا كانت هذه هي النتيجة التي بلغها النازيون ~~وهم في أوج سطوتهم، ولا أثر للمعارضة أو المنافسة يعكر عليهم صفوهم، فماذا كان يحدث لو أن ~~الريخستاج لم يحرق؟ ولو أن الأحزاب الشيوعية والاشتراكية الديموقراطية على وجه الخصوص ظلت ~~حرة طليقة، تمارس حقوقها الانتخابية في أمان إلى جانب النازيين والضالعين معهم من أحزاب ~~الوطنيين؟ لا شك في أن انتخابات 5 مارس 1933 كانت هزيمة للنازيين لا تقل عن هزيمتهم القديمة ~~في انتخابات 6 نوفمبر من العام السابق. # ومع هذا، فقد جد النازيون حتى يوطدوا أقدامهم بكل وسيلة، فأعلن أدولف هتلر في خطاب ~~ألقاه في مبنى «تمبلهوف» في أول ms158 أبريل أن الثورة الوطنية قد بدأت، وفي اليوم نفسه نظمت ~~مقاطعة اليهود، وفي 2 مايو وبناء على أوامر الحكومة، صادر جنود هتلر جميع ممتلكات الأحزاب ~~والمؤسسات العمالية في أنحاء الريخ، ولم يقاومهم أحد، وقبض النازيون على زعماء الاتحادات ~~التجارية الحرة أمثال «ليبارت # Leipart ~~» و«جراسمان # Grassman ~~» وغيرهما من صغار الزعماء وألقوا بهم في غياهب ~~السجون. وفي 18 مايو صادر الهتلريون جميع مباني وأملاك الجمعيات التعاونية - فخر الاشتراكية ~~الألمانية - كما صادروا جميع مباني الاشتراكيين الديموقراطيين وممتلكاتهم وأموالهم ~~ومطابعهم. وهكذا قضى الهر هتلر على كل منافسيه وأعدائه وهم: «الشيوعيون، النقابات العمالية، ~~الاشتراكيون الديموقراطيون»، وبلغ الإرهاب النازي ذروته؛ إذ كان عدد الذين أرسلوا إلى ~~السجون أو معسكرات الاعتقال نحو 2000000 ألماني، وانفسح المجال أمام «جند الهجوم» الهتلري، ~~ووقع تحت رحمتهم اليهود والاشتراكيون الديموقراطيون والأحرار، ولم ينج من أيديهم الشيخ ~~الكبير أو الصبي الصغير في غير تمييز بين الذكر والأنثى. # ولم يكد ينتهي أمر أحزاب اليسار حتى وجه الهر هتلر عنايته للقضاء على أحزاب اليمين، وكان ~~من السهل عليه بلوغ مقاصده؛ لأن طرد النواب الشيوعيين من الريخستاج أكسب الوطنية الاشتراكية ~~- أو النازية - والبرلمان قوة كبيرة، وبفضل هذه القوة الجديدة، استطاع الهر هتلر أن يقنع ~~حزب الوسط الكاثوليكي في الريخستاج بأن من مصلحة هذا الحزب ومن مصلحة الكنيسة أيضا أن يظفر ~~الهتلريون بالأغلبية المطلقة في الريخستاج، وأن حزب الوسط الكاثوليكي والكنيسة سوف يكون من ~~نصيبهما حتما الانتعاش والنجاح في دولة الريخ الثالث، فقبل الحزب الانحياز إلى النازيين ~~عند التصويت من أجل الموافقة على القانون الذي أعطى الهر هتلر سلطات واسعة استثنائية تمكنه ~~من إصلاح «الدستور» ومن التشريع عن طريق إصدار المراسيم في مدة الأعوام الأربعة التالية، ~~وعندئذ لم يتردد الهر هتلر لحظة واحدة في تطهير الحكومة من «بطانة» الرئيس هندنبرج، والذين ~~تألفت من بينهم وبفضل مساعيهم «جبهة هارنزبرج» القديمة، فطرد في 27 يونية 1933 ألفريد ~~هوجنبرج من الحكومة، وولى مكانه رجلا من جماعة الرأسماليين والصناعيين الذين كانوا يريدون ~~الحرب ويجدون فيها علاجا حاسما لأزمة البلاد الاقتصادية ms159 المستحكمة وهو «الدكتور شميدت # Schmidt ~~». ثم عظم تهديد الهتلريين لأحزاب المحافظين ~~من الكاثوليك والألمان الوطنيين، وحل الاضطهاد بزعمائهم، وقادتهم، كما لو كانوا من ~~الاشتراكيين الديموقراطيين سواء بسواء. وفي آخر الأمر اضطر المحافظون إلى «تصفية» أحزابهم ~~وجماعاتهم. وفي 14 يولية 1933 أعلن الهر هتلر أن الوطنية الاشتراكية هي الحزب القانوني ~~الوحيد في ألمانيا بأسرها. وبهذا تكون قد بدأت حياة الريخ الثالث الجديدة ... ويكون قد تمهد ~~الطريق لخوض غمار الحرب العالمية الثانية! ~~••• # تلك كانت الظروف التي لابست وصول الهتلريين إلى الحكم في ألمانيا، وجمعت أسباب السلطة ~~المطلقة في أيديهم، ومع هذا فإنه ما كان من المستطاع أن يصل النازيون إلى ما وصلوا إليه، ~~وأن يتمكنوا من بسط سلطانهم بشكل يقضي على كل معارضة، لو أنهم لم يعنوا من بادئ الأمر ~~بتنظيم حزبهم وتنسيق جهودهم في نظام من شأنه أن ينشر خلايا الحزب ومؤسساته وهيئاته في كل ~~ركن من أركان الدولة، ويفرض الطاعة العمياء على كل عضو من أعضاء الحزب لزعيمه «الفوهرر» ~~أدولف هتلر. ولذلك فإن تنظيم الحزب النازي نفسه كان من أهم العوامل التي كفلت للهتلريين ~~الفوز، ووضعت مصير البلاد في أيديهم. # فقد جعلت دقة تنظيم الحزب الوطني الاشتراكي من الممكن أن تتغلغل أنظمة الوطنية الاشتراكية ~~في كيان ألمانيا الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، حتى هيمن النازيون في النهاية على حياة ~~الأهلين هيمنة تامة تحت ستار إنشاء «الدولة الجديدة ذات الخدمة الموحدة»، ومعنى هذا أن ينظم ~~نشاط أفراد الدولة في فروع المصالح - أو الخدمات - المختلفة في نطاق واحد تحت إشراف الدولة ~~وبتوجيه منها، ولحمة هذا النظام وسداه الطاعة العمياء لزعيم الدولة. ويشبه الحزب الوطني ~~الاشتراكي في نظامه «نظام المجموعة الشمسية»، بمعنى أن الفوهرر أو الزعيم، وهو أدولف هتلر، ~~يتوسط مجموعة الزعماء الآخرين الذين يشرفون على كل فرع من فروع الحزب وهي كثيرة. ولما كان ~~غرض النازيين إحراز السيطرة السياسية وإحكام الرقابة الدقيقة على حياة الأفراد الذين تتألف ~~منهم دولة الريخ، نظمت إدارة الحزب على نحو يضمن هذه السيطرة وتلك الرقابة. ولذلك صارت هناك ~~تنظيمات ms160 إقليمية ووظائفية واستشارية، استطاع النازيون بفضلها جميعا منذ عام 1932 أن ~~يتوغلوا في كل ناحية من نواحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية، ويتدخلوا في معيشة كل فرد من ~~أفراد المجتمع الألماني. # وينقسم تنظيم الحزب الوطني الاشتراكي قسمين رئيسيين: يعرف أولهما باسم «هيئات الخدمة # Dienstordnungen ~~»، ومن هذه الهيئات نظام الشبيبة ~~الهتلرية، وخدمة العمل والخدمة العسكرية، والخدمة المدنية، والمهن الحرة، أو وظائف الأعمال ~~الكبرى. وبفضل الالتحاق بإحدى هذه الهيئات يتسنى إعداد الفرد وتهيئته لأن يشغل إحدى الوظائف ~~أو يمارس عملا من الأعمال من أجل خدمة الدولة، على شريطة أن يحدث هذا الإعداد تحت إشراف ~~النازيين ووفق أساليبهم، حتى إذا كملت «تربيته» صار انتخابه كمواطن صالح لخدمة الريخ من بين ~~أعضاء هذه الهيئات المختلفة التي يتكون من مجموعها في الحقيقة هيكل الدولة الاقتصادي ~~والاجتماعي في ألمانيا النازية. # أما القسم الثاني: فيتألف من اندماج هذه الهيئات نظريا وعمليا فيما يعرف باسم ~~المصالح أو الدوائر # Staende ~~، ومن مجموعها يتألف ما يعرف ~~عادة بالنظام الوطني الاقتصادي، ومن هذه المصالح أو الدوائر مصلحة أو دائرة الزراعة، ودائرة ~~الصناعة والتجارة، ودائرة الحرف «والمهن اليدوية»، وجبهة العمل، ودائرة الثقافة، وهذه ~~الدائرة الأخيرة تخرج في الحقيقة عن محيط الحياة الاقتصادية. وقد أنشئت جميع هذه الدوائر ~~بمقتضى قرارات ومراسيم صدرت في عامي 1933-1934، ثم أتيحت لها الفرصة حتى تثبت أركانها في ~~خلال الأعوام السابقة على إعلان الحرب العالمية الثانية. وهكذا عندما نشبت الحرب ورغب ~~النازيون في تعبئة مرافق الدولة في خدمة الحرب، أصبح من السهل عليهم أن يدمجوا هذه الدوائر ~~جميعها في «المجلس العام لاقتصاد الحرب» الذي أنشئوه في يناير 1940، ووضعوه تحت رئاسة ~~«جورنج». # ولهذا القسم الثاني في التنظيم النازي أهمية كبيرة؛ لأن «الدوائر # Staende ~~» كما أعلن النازيون أنفسهم إنما تمثل الكيفية التي تجري بها ~~إدارة المصالح المختلفة في الاقتصاد القومي على أساس المبادئ والتعاليم النازية الرئيسية ~~الصحيحة. ومن المعروف أن الوطنية الاشتراكية تعتبر أن «المجتمع الإنتاجي» إنما يقوم على ~~دعامات ثلاث، أولاها: «العمل»، وللعمل قيمة اجتماعية عظمى في هذا النظام الوطني الاشتراكي، ms161 ~~وتهيمن «جبهة العمل» على كل ما يتصل به من شئون، وثانيتها: «الأرض» أو التربة التي ينشأ ~~عليها الزراع، وترتبط بها حياتهم ومصالحهم، وتشرف «دائرة الزراعة» على هذا كله، وثالثتها: ~~«الإنتاج»؛ أي إنتاج السلع التي لا بد من استخدام رءوس الأموال في صنعها، وتشرف عليه «دائرة ~~الصناعة والتجارة». والواقع أن الروابط التي تربط بين هذه الدعامات الثلاث، وما ينجم عن ~~تأثير كل منها في الأخرى، تحت إشراف الدولة، هو ما يطلق عليه النازيون اسم «الاشتراكية ~~الوطنية»، على شريطة أن يتحرر «رأس المال» من خاصية العمل دائما على الزيادة والنمو بطريق ~~الربح والامتلاك والاستئثار. # وقد أفاد النازيون من هذا التنظيم الحزبي الدقيق؛ إذ إنه جعل في مقدورهم، بعد أن دانت لهم ~~السلطة، أن ينظموا الاقتصاد القومي في ألمانيا على نحو حقق مآربهم من السيطرة التي ظفروا ~~بها، فاجتاز الاقتصاد النازي في نموه ثلاث مراحل: الأولى مرحلة الكفاح ضد التعطل من العمل، ~~وقد عرف الهر هتلر نفسه هذه المرحلة؛ إذ قال في 3 فبراير 1933 ما معناه: «سوف تقوم ~~الحكومة الوطنية بوضع حل المشكلة الكبرى؛ مشكلة إعادة تنظيم الاقتصاد الشعبي وفق برنامجين ~~يستغرق العمل بكل منهما أربعة أعوام، هما: تحرير الفلاح الألماني حتى يتمكن من الاحتفاظ ~~بالأسس التي تكفل إمدادنا بمورد لا ينقطع من الطعام والأغذية، تلك الأسس التي تستند إليها ~~حياتنا، وتحرير العامل الألماني بإعداد هجوم عظيم واسع النطاق على مسألة التعطل من العمل؛ ~~ولذلك فإنه في خلال الأعوام الأربعة المقبلة ينبغي أن يتحقق انتزاع الفلاح الألماني من ~~حيرته وكربه، كما ينبغي في بحر هذه المدة نفسها أن يتم القضاء على التعطل عن العمل قضاء ~~مبرما.» # أما المرحلة الثانية فقد خصصت للعودة إلى التسلح من جديد، وتحقيق مبدأ «الاكتفاء الذاتي» ~~في الريخ الألماني. وقد أعلن الهر هتلر أيضا عن بدء هذه المرحلة حين قال في 9 سبتمبر 1936 ~~ما معناه: «واليوم أعلن البرنامج الجديد للسنوات الأربع، وهو على الوجه التالي: ينبغي في ~~خلال أربعة أعوام من تاريخ هذا اليوم أن تصبح ألمانيا ms162 مستقلة عن الأجانب في كل ما يلزمها من ~~مواد لا بد أن تمد بها العبقرية الجرمانية صناعتنا الكيمائية والصناعة المخصصة لإنتاج ~~الآلات وكذلك صناعة التعدين؛ وسوف يكون من شأن إقامة هذه الصناعات الجرمانية العظيمة، ~~استخدام سواد الشعب بعد أن يتم تسليحه من جديد، بطرائق تكفل خدمة الاقتصاد القومي على خير ~~وجه.» # أما آخر المراحل فكانت تعبئة الاقتصاد القومي من أجل المضي في الحرب وكسبها. وقد بدأ تحول ~~الاقتصاد النازي إلى اقتصاد حربي قبل نشوب الحرب بمدة، عندما قسم النازيون البلاد إلى ~~ثماني عشرة منطقة دفاعية # Wehr kreise # بدعوى ضرورة الإشراف ~~على جميع الشئون الاقتصادية، والتأكد من أن القرارات التي تتخذ في هذه الشئون موحدة لا ~~تضارب بينها. وقد تبع هذا التقسيم تعطيل أداة الحكم الذاتي في جميع هذه المناطق. ومن الممكن ~~القول بأن «الاقتصاد الحربي» ظهر إلى الوجود في شكله النهائي في يناير 1940 عندما أنشئ ~~«المجلس العام لاقتصاد الحرب» الذي مر ذكره. ~~••• # ومما يدل على دقة التنظيم الحزبي، تلك الشدة التي اصطنعها الهتلريون في القضاء على ~~العناصر التي بدأت تظهر شيئا من المخالفة أو المعارضة في داخل الصفوف النازية ذاتها؛ إذ ~~كان ظهور الاختلاف في الرأي والانقسام بين النازيين عقب استتباب الأمر لهم في الحكومة، ~~أمرا لا مندوحة عنه، لا سيما وأن أدولف هتلر الذي دعا إلى الثورة وبذل الوعود السخية من ~~أجل إرضاء الشعب الألماني، لم ينفذ شيئا مما دعا إليه ووعد به خلال الشهور التي تلت بلوغه ~~منصب المستشارية، الأمر الذي أثار التذمر ضده وضد حكومته في طول البلاد وعرضها. فالطبقة ~~العمالية كانت ما تزال ترزح تحت ضغط شديد، ثم صارت في العهد الجديد في حال أشبه بحال ~~الرقيق، يعيش أفرادها في ظل إرهاب دائم ولا يستطيعون التفكير في أية مقاومة. ومثل الطبقة ~~العمالية في ذلك سواد الشعب الألماني. ولكن عنصرا له خطره كان يهدد بإضعاف الحركة النازية ~~لو ترك وشأنه وسمح له بالنمو حتى يستفحل أمره، هذا العنصر هو جماعة الراديكاليين النازيين ~~الذين لم يستطيعوا الموافقة ms163 على سياسة الهر هتلر الرجعية، وكانوا يعدون الزعيم بمثابة ~~الأداة التي يحركها «كروب» وأمثاله من كبار رجال الصناعة وأصحاب رءوس الأموال المؤيدين ~~للنازية، كما يحركها الجيش النظامي «الريشفهر»، وكانوا يعتقدون أن من حقهم أن يستمع الزعيم ~~لآرائهم لا لآراء القواد الرجعيين. كما ركز في أذهانهم، بعد التمعن في معنى المبادئ التي ~~تضمنها البرنامج النازي القديم 1920 أن شيئا من هذه المبادئ لم يتحقق، وأن الوطنية ~~الاشتراكية لم يكن نصيبها سوى الغدر والخيانة! وكان من بين الوطنيين الاشتراكيين الذين ~~اتجهوا صوب الاشتراكية الصحيحة، محبذين التعاون مع الاشتراكيين الخلص رجال مثل «ليبارت» ~~وصحبه، كما كان من بينهم «جريجور ستراسر # Gregor Strasser ~~»، ~~وكان هذا الكيمائي البافاري ممن قام على أكتافهم جمع شتات الحزب النازي وتنظيمه عقب حركة ~~الانقلاب المشهورة التي فشلت، والتي حوكم بسببها الهر هتلر وأودع في قلعة «لندسبرج»، أي في ~~الفترة الواقعة بين عام 1923-1926. وقد طلب إليه الراديكاليون النازيون أن يتزعم ~~حركتهم، وكان الزعماء النازيون أنفسهم في تلك الآونة في نضال مستمر فيما بينهم من أجل ~~الحصول على السلطة في داخل الحزب والدولة؛ «فجورنج» ينازع «هيملر» السيطرة على قوة الجستابو ~~و«جوبلز» يخشى «جورنج»، و«هيملر» لا يثق بالكابتن «روم» صاحب السمعة السيئة، و«روم» نفسه ~~يساوره الشك من ناحية «جورنج»، و«جورنج» يحتقر «جوبلز» وهكذا. ولعل أخطر مشاكل تلك الآونة ~~أن الجيش النظامي «الريشفهر» كان لا يرضى عن وجود «جند الهجوم النازيين # Sturm Abteilung (S. ~~A.) ~~»، ~~وقد اتخذت تشكيلاتهم صبغة رسمية منذ أصبح الفوهرر مستشار الريخ الألماني، هذا بينما كان ~~جنود الهجوم أنفسهم لا يثقون «بجند ~~الحرس # Schutz Stafiel (S. S.) ~~» الذين اختارهم الهر هتلر خصيصا من طبقات أرقى؛ حتى يكونوا حرسا ~~له «منذ 1928». # أما أدولف هتلر، فقد أزعجته هذه الفوضى المنتشرة في صفوف حزبه ومؤيديه، وزادت حيرته عندما ~~تدفقت عليه الآراء والنصائح من كل جانب فيما ينبغي عليه فعله حتى يقضي على الانقسام ~~الداخلي، وكان «الريشفهر» في مقدمة المطالبين بضرورة القضاء على هذه الفوضى. وفي 17 يونية ~~1934 خطب «فون بابن» في ms164 «ماربورج» متحدثا باسم كبار الصناع والرأسماليين وأصحاب الأراضي ~~الواسعة «اليونكر»، فحمل بشدة على أولئك النظريين المتعصبين الذين أحدثوا الفوضى وأرادوا أن ~~تبقى ألمانيا متردية في أحضان الاضطراب والثورة. وحدث قبل ذلك بيومين، في 14-15 يونية أن ~~نصح السنيور موسوليني الهر هتلر عند اجتماعهما في البندقية، بأن يقبض على أزمة الأمور ~~بيد من حديد، ويسلك في سياسته الداخلية والحزبية طريقا لا يعرف الهوادة أو الشفقة؛ لذلك ~~لم يأت يوم 20 يونية سنة 1934 حتى كان اليونكر، وكبار الصناع والممولين، والريشفهر، ~~والنازيون الرجعيون قد انتهوا فيما بينهم من تأليف جبهة متحدة على استعداد تام ومهاجمة ~~العناصر المعارضة في داخل الحزب النازي نفسه، وما هي إلا عشرة أيام حتى قامت حركة التطهير ~~الأولى بين النازيين في حادث «حمام الدم» المشهور في 30 يونية 1934. ~~••• # ذلك بأن النازيين كانوا معتمدين في دعم سلطانهم في العام الأول من حكمهم على جند الهجوم # S. A. # أصحاب الأردية السمراء، وكان عددهم يبلغ ~~المليونين أو الثلاثة ملايين. وقد قام جنود الهجوم بما كلفوا به على خير وجه حتى غصت ~~السجون ومعسكرات الاعتقال بأعداء النازيين والمشتبه في ولائهم ومن إليهم، واستمر هذا ~~الإرهاب عاما كاملا، ولكن سرعان ما تبين بعد هذا النجاح أنه لم يصبح لدى جنود الهجوم ~~واجبات معينة يكلفون بأدائها، هذا إلى أن الهر هتلر كان يجد قوة كبيرة أخرى يستند إليها ~~في جماعة جند الحرس # S. S. # وفي قوة الجستابو ذات الخطر، كما ~~أصبح في استطاعة «الفوهرر» أن يعتمد الاعتماد كله على تأييد «الريشفهر » بنوع خاص؛ لأن وزير ~~الحربية الجنرال فون بلومبرج # Blomberg # كان من كبار ~~المعجبين به، فانتفى لذلك كل سبب يدعو إلى بقاء جنود الهجوم، وأصبح من الضروري تسريح هذه ~~القوة. ولكن هذا لم يرق في عين رئيس جنود الهجوم، الكابتن «إرنست ~~روم # Roehm ~~»؛ لذلك تقدم إلى مجلس الوزراء باقتراح يقضي بإدماج جنود الهجوم في ~~الجيش النظامي «الريشفهر» لتأليف جيش وطني ألماني كبير برئاسته، فعارض هذا الرأي كل من «فون ~~بلومبرج» وزير الحربية و«فون فريتش ms165 # Fritsch ~~» القائد العام، ~~بدعوى أن هذا الإدماج من شأنه القضاء قضاء مبرما على الجيش النظامي، فاتخذ «روم» من هذه ~~الدعوى وسيلة لمهاجمة القواد الذين أيدهم جميع الوزراء الرجعيين أمثال جورنج وهيملر «رئيس ~~جند الحرس # S. S. ~~»، وكبار الصناع والممولين واليونكر، ~~ثم طلب هؤلاء جميعا إلى هتلر أن يسرح جند الهجوم. # ولما كان النظام النازي بعد أن مضى عليه عام بطوله لم يفلح في تخفيف وطأة الأزمة ~~الاقتصادية، بل كان من نتائج السياسة التي انتهجها الريخ في هذا العهد إقامة الحواجز ~~الجمركية والتقليل من استيراد المواد الغذائية بكل وسيلة؛ حتى يتسنى للدولة جلب المواد ~~الضرورية لصنع الأسلحة وما إليها، فقد ساء عيش الشعب الألماني، كما حدث لأول مرة منذ سنوات ~~عدة عجز في ميزان ألمانيا التجاري، وتوترت من جراء ذلك كله الأعصاب، وكثر التذمر والاحتجاج ~~في كل مناسبة ومن كل جانب. وساء هتلر أن يشهد في الوقت نفسه انقساما في صفوف حزبه، وكانت ~~ريح هذا الانقسام تهب من ناحيتين: ناحية «روم» وأنصاره من جند الهجوم وكانوا في الحقيقة ~~شراذم مجندة من عامة الشعب والسوقة، وعنصر اضطراب وفوضى، لا يعرفون قانونا، ولا يردعهم ~~رداع، وناحية الراديكاليين من أنصار «جريجور ستراسر» وقد سبق الحديث عنهم. إزاء ذلك قرر ~~«الفوهرر» أن يطهر الحزب من كل هؤلاء بضربة قاصمة مروعة تنشر الذعر والهلع في قلوب ~~النازيين جميعا، وتجعلهم يتذوقون طعم الإرهاب الذي طالما أذاقوه غيرهم. # لذلك أجاب هتلر طلب «الريشفهر»، ووقع اختياره على اليوم الأول من شهر يولية تاريخا للبدء ~~في فض تشكيلات جند الهجوم - في مدى شهرين فحسب! - على ألا يصرح لهؤلاء الجند في أثناء هذه ~~المدة بارتداء قمصانهم السمراء، وقد أثار هذا القرار موجة من الاستياء عظيمة في صفوف هذه ~~القوة التي كانت تعتبر «الفوهرر» مدينا لها بكل نجاح أحرزه منذ بدئ في تكوين الحزب. ومع ~~هذا فلم يكن هناك ما يدل على أن «روم» نفسه أو غيره من قواد الهجوم الآخرين يعتزمون معارضة ~~هذا القرار أو مقاومة الهر هتلر، ولكن موجة التذمر ms166 كانت من الشدة بحيث أقضت مضاجع زعماء ~~«الريشفهر»؛ فشرع الجيش النظامي يستعد لمواجهة نضال مرير توقع حدوثه قريبا مع جنود الهجوم، ~~ويبدو أنه كان لا بد من حدوث انقسام داخلي كبير أو حرب أهلية مروعة تفضي إلى تدهور الحزب ~~النازي وفنائه في النهاية إذا ترك «جنود الهجوم» وشأنهم. لذلك رأى هتلر أن الساعة قد أزفت ~~للقيام بعمل حاسم. # عندئذ أصدر الفوهرر أوامره المشددة إلى كل من جورنج وهيملر، بشأن ما يجب عليهما القيام به ~~في برلين. وفي مساء 29 يونية استقل طيارة مع «جوبلز» إلى ألمانيا الجنوبية، فبلغ ميونخ في ~~الساعة الرابعة من صباح اليوم التالي «30 يونية»، وكان هتلر في المساء السابق قد طلب إلى ~~«واجنر # Wagner ~~» حاكم ميونخ تليفونيا أن تتخذ ~~التدابير الكفيلة بالقضاء على زعماء جند الهجوم، وصدع الحاكم بأمره، ولقي كثيرون من هؤلاء ~~حتفهم، واستطاع هتلر عقب وصوله إلى ميونخ أن يقف من «واجنر» على نتيجة هذا التطهير الأول، ~~ثم استقل سيارة مع فريق من حرسه الخاص إلى ضاحية «فايسي # Weissee ~~» على مسافة عشرين ميلا من ميونخ، حيث كان يقيم «إرنست روم» وغيره ~~من زعماء «الهجوم» يقضون عطلتهم ويستعدون في الوقت ذاته لحضور اجتماع كان من المزمع عقده في ~~اليوم التالي بحضور «الفوهرر» نفسه. وفي الساعة السادسة صباحا بلغ هتلر وجماعته المكان ~~الذي كان فيه «روم»، فأيقظوه من نومه وقبضوا عليه بحضور هتلر، ثم اقتحموا في جناح آخر غرفة ~~أخرى كان يقيم بها «أدموند هاينس # Heines ~~» مع رفيق له، هو ~~سائق سيارته، وقد وجدا معا في فراش واحد، فأطلق المقتحمون عليهما الرصاص . وفي ميونخ نفسها ~~استولى «ردولف هيس # Hess ~~» على «البيت الأسمر» مقر النازيين ~~في هذه المدينة، ووضع به حراسا من جند الحرس # S. S. ~~، كما ~~ألقي القبض في ذلك اليوم على عدد آخر من زعماء جند الهجوم في ميونخ وفي «فايسي»، أما «روم» ~~فقد ألقي في السجن وأعطي مسدسا ينتحر به، ولكنه رفض مصمما على أن يكون موته على يد هتلر ~~نفسه، وعندئذ أطلق عليه ms167 جند الحرس الرصاص وقتلوه في عصر اليوم التالي «أول يولية ~~1934». # وأما بقية فصول هذه المأساة؛ فقد تولى كل من جورنج وهيملر تمثيلها في برلين العاصمة؛ إذ ~~انتهز الرجلان هذه الفرصة لاغتيال أعدائهما القدماء وكل من رغبا في التخلص منه لسبب شخصي. ~~وعلى هذا قتل جند الحرس عددا كبيرا من زعماء الكاثوليك والقواد والوزراء السابقين ورجال ~~الأكليروس وغيرهم، كما قبض الجستابو في يوم 30 يونية على «كارل إرنست» من زعماء جند الهجوم ~~ومن أقرب المقربين إلى «روم»، وكان «كارل إرنست» في بريمن في طريقه إلى الآزورا لتمضية شهر ~~العسل مع عروسه، فحملوه بالطائرة إلى برلين وأعدموه رميا بالرصاص. ومما هو جدير بالذكر أن ~~هؤلاء جميعا لقوا حتفهم وهم ينادون: «يحيا هتلر!» مما يدل على أنهم ما كانوا قط يتوقعون ~~الغدر من جانبه، ومما يدحض مفتريات الفوهرر حين ادعى فيما بعد أن جميع هؤلاء كانوا يدبرون ~~ثورة داخلية حددوا لإشعالها اليوم نفسه الذي أوقع فيه الفوهرر هذه المجزرة الدموية بهم. ~~وكان من بين ضحايا هذا التطهير الدموي، رئيس حكومة بفاريا القديم «جوستاف فون كار # Kahr ~~» الذي كان من بين المتسببين في إخفاق «حركة الانقلاب» ~~التي قام بها الهتلريون في ميونخ في 9 نوفمبر 1923، فرغم سنه المتقدمة «63 عاما» أرسله ~~النازيون إلى معسكر الاعتقال في «داشو # Dachau ~~» حيث لقي ~~حتفه بعد تعذيب أليم، وكذلك لقي «جريجور ستراسر» مصرعه في منزله، كما قتل الأب ستامبفل # Stampfle ~~، وهو القسيس الذي ساعد الهر هتلر في تدوين كتابه ~~«كفاحي»، والجنرال فون شليخر، قتله الجستابو الذين هاجموه في منزله كما قتلوا زوجه التي ~~أرادت حمايته. وكان عدد الذين أعدموا في «حمام الدم» المشئوم يزيد على الألف، وهكذا قضى ~~الهر هتلر على جنود الهجوم وحل تنظيماتهم. ~~••• # وكان من عوامل نجاح الهر هتلر في التغلب على جنود الهجوم ونشر الرعب والإرهاب في ألمانيا ~~- وبخاصة في أثناء أزمة حمام الدم السابقة - أنه استطاع منذ وصوله إلى منصب المستشارية ~~إعداد بوليس الدولة السري الألماني المعروف باسم الجستابو # Gestapo ~~-مختصر # Geheime Staatspolizei ~~- ~~على ms168 أن تكون مهمته القضاء على جميع المعارضين لشخص الفوهرر ولنظام الديكتاتورية ~~النازية. # وكان تأسيس الجستابو على يد هرمان جورنج في أبريل 1933، على أن يكون نشاط رجاله مقصورا ~~على بروسيا وحدها، وكان جورنج في ذلك الحين يتولى رئاسة الوزارة بها إلى جانب وظائفه الأخرى ~~المنوعة، هذا بينما كلفت قوات البوليس السياسي في «ولايات» الاتحاد الألماني الأخرى بتأدية ~~أعمال وواجبات البوليس الوطني الاشتراكي السري. بيد أن المدة التي ظل الجستابو في أثنائها ~~مخصصا للعمل في بروسيا كانت قصيرة. وقد أصدر النازيون عدة قوانين لتنظيم شئون التوظف في ~~الاتحاد الألماني أقصي بمقتضاها غير الآريين والمعروفون بعدائهم أو معارضتهم للنازية وجميع ~~المشتبه في أمرهم من الوظائف التي يشغلونها، كما أوجدت هذه القوانين نوعا من التنسيق ~~الدقيق بين المؤسسات العامة والخاصة مطابقا لما تدعو إليه تعاليم الوطنية الاشتراكية ~~والفلسفة النازية، ثم عين بمقتضى أحد هذه القوانين ويسمى قانون الوصاية # Statthaltergesetz # حكام أو «أوصياء # Reichsstatt halter ~~» يتراوح عددهم بين اثني عشر وأربعة عشر ~~حاكما مسئولين أمام الزعيم أدولف هتلر نفسه. وقد ضمن وجودهم في الحكومات الإقليمية - أي ~~حكومات ولايات الاتحاد - استخدام الشرطة لمصلحة النازيين. ومما ينبغي ذكره أن هؤلاء الحكام، ~~أو الأوصياء، كانوا غير القادة أو الزعماء الذين كان الحزب النازي نفسه يختارهم للإشراف على ~~نشاط الحزب وإدارته في «المناطق الحزبية» التي أوجدها الهتلريون في ألمانيا، ويسمى هؤلاء ~~«بزعماء الأقاليم # Gauleiter ~~». # ومع وجود هذه التنظيمات أدرك النازيون أهمية تعزيز السلطة المركزية الداخلية، فانتهزوا ~~فرصة مرور عام على وصول أدولف هتلر إلى منصب المستشارية وأنشئوا نظاما جديدا في 30 يناير ~~سنة 1934، وضع «البوليس» بمقتضاه تحت إشراف الريخ، وجعل الإشراف على إدارته من نصيب ولايات ~~الاتحاد الألماني، وهي التي أصبحت منذ صدور «قانون الوصاية» السابق عبارة عن مقاطعات إدارية ~~ليس غير. ثم ظل «بوليس» الريخ الألماني الجديد مفتقرا إلى زعيم يستقل بالهيمنة على شئونه، ~~غير وزير الريخ للشئون الداخلية الذي يعد بحكم منصبه مسئولا عن هذه القوة، حتى عين ~~«هنريك هيملر» في أبريل 1934 رئيسا لأهم فروع هذا ms169 «البوليس» وهو الجستابو، وكان هيملر ممن ~~اشتركوا في تنظيم «جنود الحرس # S. S. ~~»، ثم عين زعيما لهم ~~في عام 1929، كما أنه كان من كبار النازيين الذين قاموا بتنظيم المخابرات السرية في داخل ~~ألمانيا وفي البلدان الأجنبية، ثم لم يلبث أن عهد إليه بسبب هذه الخبرة الواسعة برئاسة ~~البوليس السياسي في نوفمبر 1933 أولا في همبرج ثم في مكلنبرج ولوبك، وثورينجيا، وهيس، ~~وبادن، وسكسونيا، ثم عينه «جورنج» رئيسا للبوليس السري في حكومة بروسيا. وهكذا بعد مضي ~~أقل من ثلاثة شهور على وضع «البوليس» تحت إشراف الريخ، عين هنريك هيملر رئيسا «للبوليس ~~السري» في دولة الريخ قاطبة. وفي أثناء حوادث «حمام الدم» المعروفة، كان هيملر رئيس قوة ~~الجستابو الرهيبة. # وظل الجستابو يعمل دون أن يحدد القانون وظائف رجاله؛ بل كان كل ما حدث في هذه الناحية، أن ~~صدرت قرارات أو مراسيم بالموافقة على إجراءات ما يعرف باسم «الحبس الوقائي» في 28 فبراير ~~1933 و8 مارس 1934، كما قررت محكمة الإدارة البروسيانية في 2 مايو 1935 أن «البوليس السري» ~~لا يخضع للرقابة القضائية، ثم لم يلبث أن تأيد هذا الحكم بصدور قانون بروسياني جديد في 10 ~~فبراير 1936، جاء فيه: # أن أوامر وأعمال البوليس السري لا تدخل تحت إشراف المحاكم الإدارية، أو في دائرة ~~بحثها. # هكذا ظلت جميع الشئون المتعلقة بنشاط الجستابو لا يوضح معالمها أو يبين حدودها قانون في ~~دولة الريخ الثالث، بل إن كل ما صدر في هذا الموضوع كان لا يخرج عن تحديد مركز هيملر إزاء ~~وزير داخلية الريخ من حيث مسئولية رئيس الجستابو أمامه، وتعيينه نائبا له في حالة غياب ~~الوزير، وزيادة على ذلك، أعطى هيملر مقعدا في مجلس الوزارة كلما اجتمع الوزراء لبحث ~~المسائل المتعلقة بأعمال «البوليس». # ولعل أهم ما يلاحظ في ذلك كله، أن الجستابو كان مستقلا كل الاستقلال عن الرقابة ~~القضائية. وقد تقدم كيف قضت المحكمة الإدارية البروسيانية في 2 مايو 1935 بعدم خضوع البوليس ~~السري لهذه الرقابة، وجاء في هذا الحكم أيضا أن أي أمر يصدره الجستابو ms170 بسجن الأفراد في ~~«الحبس الوقائي» لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون موضع معارضة في المحاكم القانونية، ثم ~~تأيد هذا الحكم في الفترة التالية، عندما صدرت أحكام أخرى بهذا المعنى أيضا في عام 1936، ~~وفي نفس العام صدر قانون مشهور وضح أعمال الجستابو ومدى نشاطه، فجاء في هذا القانون ما ~~معناه: «أن من واجب بوليس الدولة السري أن يكشف أمر جميع القوى المتضامنة التي يعتبر وجودها ~~خطرا على الدولة وأن يقاومها، ومن واجبه كذلك أن يجمع ويقدر النتائج التي يسفر عنها هذا ~~البحث، على أن يخبر الحكومة بهذه النتائج، وأن يضع تحت تصرفها كل ما يجمعه من أدلة وبراهين، ~~ثم يفصل رئيس بوليس الدولة السري بالاتفاق مع وزير الداخلية في المسائل التي ينبغي أن تكون ~~العناية بها من نصيب بوليس الدولة السري، وعلى أن يجري الفصل في كل مسألة على حدة.» # ووسائل الجستابو في أعماله ثلاث: الإنذار أو التحذير، والحبس الوقائي، والإرسال إلى ~~معسكرات الاعتقال. وقد جرت العادة عند الرغبة في التحذير، أن يستدعى الشخص المراد إنذاره ~~إلى أقرب مركز للبوليس السري، ويتلو الجستابو عليه بعض الحقائق المتعلقة بحياته الخاصة، وما ~~يكون قد تفوه به من أقوال لا يرضى الجستابو عنها، ثم يحذره من العودة إلى ذلك وإلا أرسل ~~إلى معسكر للاعتقال، أما مسألة «الحبس الوقائي» - فهي بحاجة إلى شيء من البيان والتفسير. ~~والأصل في الحبس الوقائي أنه كان مخصصا لوقاية الأفراد الذين لم يرتكبوا جرما معينا، ~~وإنما توصلوا بسبب مسلكهم إلى إثارة كراهية الجماهير ضدهم إلى حد يخشى معه أن يلحق بهم ~~مكروه على أيدي الجماهير لو أنهم تركوا وشأنهم، فلا تجد الشرطة مناصا في هذه الحالة من ~~حجزهم في مركز «البوليس» لوقايتهم من سخط الجماهير عليهم. غير أنه عندما وصل الوطنيون ~~الاشتراكيون إلى الحكم قبض رجال الشرطة على عدد عظيم من الأفراد وأودعوهم الحبس الوقائي من ~~غير ضرورة تدعو إلى ذلك، ومن غير أن تتحقق الشروط المتقدمة في أحوال المقبوض عليهم. وعلى ~~هذا خرج الحبس الوقائي عن كونه ms171 إجراء تقتضيه حماية الأفراد من بطش الجماهير، إلى إجراء صار ~~الغرض منه مجرد «حماية» الدولة من نشاط أفراد اعتبرهم النازيون أعداء لهم. أما معسكرات ~~الاعتقال فكانت أشد الوسائل خطرا، وكثيرا ما لجأ إليها الجستابو للقضاء على أعداء النظام ~~النازي في ألمانيا، ومع أنه كان من المتعذر وقتئذ معرفة عدد هذه المعسكرات بالدقة، فقد ~~اكتسبت بعضها شهرة سيئة كبيرة حتى أصبحت أماكنها معروفة، ومن بينها معسكر الاعتقال في ~~«أرانينبرج # Oranienburg ~~» ثم في «بوشنفلد # Buchenweld ~~» و«داشو # Dachau ~~» و«ساشسنهاوسن # Sachsenhausen ~~» ~~وغيرها. وكان من بين هذه المعسكرات ما هو مخصص لاعتقال النساء. # ومع أن نظام الجستابو كان من الأسرار التي حرص النازيون على عدم إفشائها بحيث لم يكن يعرف ~~دخائله سوى عدد قليل من كبار الزعماء النازيين أنفسهم، فقد استطاع أنصار المقاومة الخفية في ~~أوروبا النازية الوقوف على حقيقة هذا النظام الذي كان من نتائجه انتشار وكلاء الجستابو ~~للتجسس على حياة الأفراد الخاصة والعامة في كل ركن وزاوية. # وكانت قوة الجستابو موزعة على دوائر # Kreise # ثلاث: ~~الدائرة الأولى # Kreis I ~~: كان مقرها شارع البرنس ألبرت ~~في برلين، وكانت فروعها منتشرة في أرجاء ألمانيا، وهي الهيئة التنفيذية لقوة البوليس السري ~~المخصصة للتجسس على الشئون الداخلية، وكان رجالها ينبثون في كل قرية، ويشرفون على أعمال ~~البوليس العادي - أي رجال الأمن المحلي - كما كان من اختصاص هذه الدائرة الهيمنة على ~~معسكرات الاعتقال. # أما الدائرة الثانية # Kreis II ~~: فكان مقرها في ميدان ~~إسكندر، وكانت تختص بالإشراف على أعمال ونشاط الدائرة الأولى، وتتولى «مراقبة» البريد ~~والتليفون والبرق، وينتشر رجالها على حدود الريخ، وفي مكاتب السياحة والسفر، وفي المطارات ~~المدنية، والفنادق الكبيرة. وزيادة على ذلك كانت هذه الدائرة تتولى الإشراف على جميع ~~الوكلاء وأعضاء الهيئات النازية في الخارج، كما تقوم بتوجيه نشاطهم، فكان يذهب في كل ثلاثة ~~شهور مفتشون يمثلون هذه الدائرة لزيارة المراكز الفرعية الموزعة في أنحاء العالم، وكان ~~«الجستابو الأجنبي» منفصلا كل الانفصال عن البعوث والهيئات الدبلوماسية العادية، ولو أن كل ~~سفارة أو مفوضية أو قنصلية في البلدان ms172 الأجنبية لم تكن تخلو من وجود رجل من الجستابو يعمل ~~ضمن موظفيها. # وفي الدائرة الثالثة # Kreis III ~~: كانت تتركز سلطة الإشراف ~~التام على نشاط الجستابو في الدائرتين السابقتين، وكانت هذه السلطة في أيدي جماعة من ذوي ~~الشخصيات المجهولة، ومن المعتقد أنهم كانوا يتلقون تعليماتهم من مكتب هنريك هيملر نفسه، وهو ~~مقر جنود الحرس # S. S. # المخصصين لحراسة مستشار الريخ - ~~ورئيس الدولة - بعد أن توفي هندنبرج في 2 أغسطس 1934. وكانت مهمة أعضاء الدائرة الثالثة إلى ~~جانب الإشراف على أعمال الدائرتين الأولى والثانية ملاحظة سلوك موظفي الحكومة قاطبة، بما في ~~ذلك المبعوثون السياسيون والعسكريون في الخارج، ومراقبة نشاط الهيئات الدبلوماسية والقنصلية ~~في البلدان الأجنبية. # وإلى جانب هذه الدوائر، كانت هناك دائرة رابعة # Kreis IV ~~: ~~تعمل على توجيه نشاط وكلاء الطابور الخامس في أنحاء العالم، على أن تتعاون في ذلك مع قسم ~~الجاسوسية العسكرية برآسة الكولونيل نيكولاي # Nicolai # وكان ~~من ذوي السمعة السيئة. # الفصل السابع # | ألمانيا النازية # سيطر النازيون بفضل تنظيماتهم الحزبية على الحياة الألمانية سيطرة كاملة، وكان غرضهم من ~~هذه السيطرة أن يؤلفوا من الريخ تلك الكتلة الصلدة المتماسكة التي اعتبروا وجودها ضروريا ~~من أجل إحراز السيطرة على القارة الأوروبية، ثم على بقية العالم في النهاية. ولا ريب في أن ~~النازيين نجحوا في فرض سلطانهم على ألمانيا، ولو أنه من المشكوك فيه أنهم نجحوا في تأليف ~~تلك الكتلة الصلدة المتماسكة التي كانوا يحلمون بها. وقد أفضى العمل على فرض سلطانهم على ~~الريخ إلى التدخل في حياة الأفراد، رجاء أن يتمكنوا من توجيه الحياة العامة في ألمانيا حتى ~~تسير في طريق واحد وعلى أسلوب واحد، ثم يقضون في أثناء ذلك على كل معارضة أو تذمر ويسعون ~~لخلق الفرد الألماني الذي يبغون خلقه من جديد وفق الطراز النازي الصميم، أي الفرد الذي لا ~~يستطيع أن يتذوق طعم السعادة الحقيقية الخالصة إلا بالاندماج أو الفناء في شخص الدولة التي ~~يهيمن الزعيم على شئونها ومصيرها. # ولما كان إحكام هذه السيطرة الداخلية من أول الأسس التي أراد ms173 النازيون أن يشيدوا عليها ~~صرح السلطة في داخل ألمانيا وخارجها، فقد وضعوا نصب أعينهم منذ أن خلص الحكم لهم التدخل في ~~حياة الفرد والأسرة. ومر هذا التدخل في مراحل معينة، فنشط النازيون في أول الأمر يبغون فرض ~~رقابتهم الدقيقة على حياة أعضاء الحزب النازي الخاصة؛ حتى ينشئوا أعضاء الحزب تنشئة نازية ~~خالصة صحيحة، ويقصوا من صفوف الحزب كل المشتبه في ولائهم لتعاليم النازية ولشخص الزعيم؛ ~~لذلك لم يكد النازيون يطمئنون إلى خلوص الحزب من كل شائبة، حتى طفقوا يتدخلون في حياة بقية ~~المواطنين. ومنذ بداية شهر مايو عام 1936 اتسعت سلطة الزعماء السياسيين حتى شملت كل مواطني ~~دولة الريخ، وكانت فترة هذه المرحلة طويلة - وهي مرحلة بدأت في الحقيقة منذ وصول النازيين ~~إلى الحكم في عام 1933، وامتدت إلى وقت نشوب الحرب العالمية الثانية في عام 1939، وفي ~~أثنائها بذل النازيون كل جهودهم حتى يعمموا المبادئ والتعاليم النازية ويطبقونها في مناحي ~~الحياة جميعها من خاصة وعامة، ثم صاروا يعملون على تنظيم المجتمع الألماني وفق «توجيه موحد» ~~كاف، الغرض المقصود منه أن يصبح الريخ الثالث مستعدا لخوض غمار الحرب في النهاية من أجل ~~بسط السيطرة الجرمانية على أوروبا ثم على العالم أجمع. # بيد أن اشتعال الحرب لم يلبث أن أفضى إلى زيادة توغل النازيين وتدخلهم في حياة الأفراد ~~الخاصة، حتى يشتد إحكام «التوجيه الموحد» ويقوى الإنتاج الحربي إلى الدرجة المطلوبة من جهة، ~~وحتى يمتنع على الأهلين أي سبيل للتذمر أو المعارضة الداخلية من جهة أخرى. ولذلك فقد ساءت ~~حياة الفرد العادي في أثناء هذه المرحلة إلى حد كبير، وسرعان ما اشتد طغيان النازيين، ~~وبخاصة منذ بدأت حربهم مع الروسيا «في يونية 1941»، حتى تحطمت حياة الفرد الخاصة تحطيما، ~~وعبأت الدولة الكهول والنساء في خدمة الحرب. وتذوق الألمان طعم الهزيمة في الميادين ~~الروسية، ثم أصابهم الدمار في بلادهم عندما أخذت أسراب الطائرات البريطانية والأمريكية تلقي ~~على مدنهم الصناعية الكبيرة أطنان القذائف المحرقة والمدمرة دون رفق أو شفقة، وفي هذا الدور ~~الأخير كان قد بلغ السيل ms174 الزبى، وعجز الأفراد عن أن يحتملوا أكثر مما أرغموا على تحمله من ~~تضحية بالغة طوال السنين الماضية، واضطر النازيون اضطرارا إزاء ذلك كله إلى الاعتراف بوجود ~~ما أطلقوا عليه هم أنفسهم اسم «الجبهة الداخلية» أي الجبهة التي كان عمادها سواد الشعب ~~الألماني المتذمر من ثقل التضحيات التي تحملها على غير طائل. # ومنشأ سيطرة النازيين على حياة الأفراد الخاصة والعامة في ألمانيا أن زعماءهم وقادتهم ~~كانوا يعتبرون أن من واجبهم الإشراف على نشاط الأفراد وتوجيه هذا النشاط الوجهة التي ~~يريدونها؛ لأن الأفراد إذا تركوا وشأنهم كانوا في نظرهم كالأطفال الذين لا يعرفون غير ~~اللهو والعبث، ولا يمكن أن يقدروا ما فيه مصلحتهم أو يصرفوا نشاطهم في وجوه غير التي تطلبها ~~أو ترتضيها الدولة، هذا بينما كان إفناء الفرد في الدولة من المبادئ الأساسية في نظام ~~الوطنية الاشتراكية، وقد قال الدكتور «لي # Ley ~~» زعيم جبهة ~~العمل، ما معناه: «إن الأفراد الذين يتألف منهم كل شعب أطفال؛ ولذلك ينبغي أن يعاملوا كما ~~يعامل الأطفال سواء بسواء.» إلى أن قال: «وعلى السياسي أن يشرف بنفسه على كل شيء.» وقد ~~استطاع النازيون أن يستأثروا بهذا الإشراف والتوجيه كل الاستئثار، فاعترف الدكتور «لي»: ~~«بأنهم - أي أتباع هتلر - قد أوجدوا زعامة تعهدوها حتى أضحى من الممكن أن تقوم هذه الزعامة ~~بفحص حالة كل مواطن مهما صغر شأنه، وإرشاده إلى الطريق الذي ينبغي عليه أن يسلكه في حياته ~~وفق أسباب معقولة.» ولم يكن «لي» مغاليا فيما ذهب إليه أو اعترف به؛ لأن هذا الفحص وذلك ~~الإرشاد، أو بالأحرى إرغام المواطن على أن يسلك مسلكا معينا في حياته الخاصة والعامة، هو ~~ما كان يقوم به النازيون بالفعل في دولتهم الوطنية الاشتراكية، ويسوغ «لي» نفسه هذه ~~السيطرة المرهقة بقوله، واصفا الثورة النازية بأنها: «ثورة شاملة وينبغي أن تكون شاملة، ~~ولا يمكن أن تجيز استثناء، ولو رغب أصحابها ومنشئوها في ذلك.» ولذلك لم يكن هناك مكان لما ~~يصح أن يوصف بالفرد العادي في ألمانيا الوطنية الاشتراكية، بل إن الفرد في دولة ms175 أدولف هتلر ~~ما كان في وسعه أن يستمتع بحياته الخاصة إلا وقت النوم فحسب؛ إذ «مضى العهد الذي يمكن أن ~~يقال فيه: إن هناك شئونا خاصة في ألمانيا.» # وهذه المبادئ هي التي طبقها النازيون في دولتهم بكل دقة، ولم يلجأ النازيون إلى المواربة ~~لإخفاء ما كانوا يريدون؛ بل أعلن الدكتور «لي» تأييدا لإشراف الدولة - أي الحزب النازي ~~نفسه - على حياة الأفراد: «إن من الواجب على كل فرد أن ينضم إلى صفوفنا ويسير معنا، ومن ~~واجبه أن يقبل العمل بالروح المتغلبة علينا ويرضى به، وإلا تعذر عليه تماما أن يجد هواء ~~يستنشقه؛ لأننا سوف نحرمه أية فرصة تمكنه من كسب عيشه، بل ندعه يموت ويفنى، وإذا قال قائل ~~إنه يريد أن يترك وشأنه ليعيش في سلام أجبناه بالنفي دائما، وقلنا له: كلا يا صديقي، فإني ~~لن أفكر في فعل شيء من هذا مطلقا.» والواقع أن الدكتور «لي» كان يعني ما يقول؛ إذ من ~~المعروف أنه كان لديه حوالي المليون من الرجال المنتشرين في كل نواحي البلاد مهمتهم الأولى ~~الحرص على تطبيق ما قاله زعيم جبهة العمل في الريخ الثالث. # ولما كانت هذه مبادئ النازية وتعاليمها، ولم يكن مسموحا للأفراد أن يتخلفوا في الطريق ~~حتى يحيوا الحياة التي يريدونها، عني النازيون من مبدأ الأمر بضرورة القضاء على كل معارضة ~~من شأنها عرقلة سير هذا النظام الوطني الاشتراكي، وضربوا بيد من حديد على كل مخالفة داخلية ~~منذ خلص لهم الحكم في ألمانيا، فقد تساءل وزير دعاوتهم المعروف الهر جوبلز في خطاب ألقاه في ~~نوفمبر 1934: «عن أولئك الذين ينقضون النظام القائم»، فقال: «هل هم من أعضاء الحزب النازي؟ ~~كلا! هل هم إذن بقية الشعب الألماني؟ إذا كان الأمر كذلك فخليق بهم أن يعدوا أنفسهم سعداء؛ ~~لأنهم لا يزالون على قيد الحياة! الواقع أنه من المتعذر كل التعذر أن يطمع إنسان يعيش بفضل ~~ما نظهره من رحمة عليه، في أن نسمح له بتوجيه النقد إلينا.» ورغبة في أن يقضي النازيون على ~~كل أثر للمعارضة أو ms176 التذمر اعتبرت «محكمة الريخ العليا» أي نقد يوجه للنظام القائم من ~~الأمور التي تدخل تحت طائلة القانون، وتقتضي عند الإدانة توقيع العقوبة الصارمة، سواء أكان ~~هذا النقد أو التجريح أو التعريض في دائرة الأسرة وبين جدران البيت، بين الزوج وزوجه أو ~~الوالد وولده، أم كان علانية في محل عام، بل إن هذه المحكمة العليا لم تلبث أن ذهبت في ~~سبتمبر 1937 إلى أنه من واجب الأفراد أن يتحللوا من أية يمين أقسموها على كتمان حديث دار ~~سرا وتناول المتحدث في أثنائه النظام القائم أو نشاط المهيمنين على شئون الشعب بالنقد أو ~~التجريح، كما ذهبت إلى أنه من حقها توقيع العقوبة في الحالات التي يثبت فيها أن المتحدث لم ~~يكن يريد التشهير بالنظام القائم أو بأشخاص المسئولين عن هذا النظام أو بأعمالهم ونشاطهم. ~~ومن الطريف أن المحكمة العليا قضت بعدم إنزال العقوبة بالأشخاص الذين يثبت أنهم كانوا ~~يتحدثون إلى أنفسهم ولا يقصدون إذاعة شيء مما يقولون، ولا يرومون أن يسمع أحد ما يتحدثون به ~~إلى أنفسهم، وكذلك أولئك الذين يدونون انتقاداتهم في مذكرات أو يوميات خاصة، ولا يحتفظون ~~بها من أجل نشرها، ثم وقعت هذه المذكرات أو اليوميات بطريق المصادفة أو الإهمال في أيدي ~~غيرهم. ومع هذا كان «الجستابو» يأخذ برأي مخالف لما ذهبت إليه المحاكم في هذه الشئون وما ~~يماثلها. وقد تقدم كيف سيطر الجستابو سيطرة تامة على الحياة في ألمانيا حتى صار لا يمكن أن ~~يفلت من قبضته إنسان. # وكان من أثر ذلك أنه لم يعد في ألمانيا وجود لحياة خاصة، في البيت أو الأسرة، كما انعدمت ~~الحياة الحرة الطليقة التي تكفل حرية الرأي والفكر والعمل. ومن أقوال بعض الذين درسوا هذا ~~الموضوع في ألمانيا النازية قبل الحرب: «إن تدخل النازيين في حياة الفرد إنما يبدأ في ~~الحقيقة قبل أن يولد ويخرج إلى عالم الوجود، ثم يظل هذا التدخل باقيا حتى بعد وفاة الفرد ~~وانتقاله إلى العالم الآخر؛ لأن النازيين هم الذين يقررون هل ينبغي لك أن تولد أو ms177 لا تولد، ~~فهم الذين يقررون أي الأشخاص يصح له أن يتزوج أو لا يتزوج، وهم الذين يشترطون على من يرغب ~~في الزواج، ويصرح له بذلك، أن يختار الزوج التي يرون أنها تصلح له، وهم الذين يقررون إذا ~~كان ينبغي للمتزوج أن يكون له نسل أو لا يكون، كما أنهم يقررون مصير من يرونهم غير صالحين ~~للزواج، فيقتلونهم أو يخصونهم أو يعقمونهم.» وليس أدل على مبلغ صحة هذا القول من النظر في ~~حياة أسرة عادية في ألمانيا النازية. ~~••• # وفي التنظيم النازي تحتل الأسرة مكانا ممتازا، لا لأن النازيين يعنون بدعم أركانها على ~~اعتبار أنها الأساس الذي يقوم عليه بنيان المجتمع، وإنما يعنى النازيون بأمر الأسرة من وجهة ~~نظر محدودة؛ إذ يعتبرونها مجرد «أداة» تمكنهم إذا أحكموا الإشراف عليها، وسيطروا على حياة ~~أعضائها، من بنيان النظام الوطني الاشتراكي الذي ينشدونه، وهو نظام كما تقدم القول، يرمي ~~إلى إفناء الأسرة في شخص الدولة، وإفناء الفرد في شخص الزعيم تحقيقا في نهاية الأمر لمبدأ ~~الزعامة المسئولة. ومن هذه الناحية وحدها نشأ اهتمام النازيين بأمر الأسرة، فإذا عرف أن من ~~برنامج النازيين لتحقيق سيطرتهم الأوروبية والعالمية، أنه ينبغي من مبدأ الأمر تأليف كتلة ~~صلبة متماسكة في قلب الريخ الألماني، أصبح من الميسور إدراك ما للأسرة من أهمية في نظامهم ~~الاجتماعي والاقتصادي والسياسي؛ إذ كيف يتسنى لهم إنشاء ذلك المجتمع النازي المتماسك في قلب ~~ألمانيا إذا ظل أعضاء كل أسرة أحرارا طليقين، يعيشون ويفكرون، ويعملون كما يشاءون؟ لذلك لم ~~يكد يتسلم النازيون أزمة الحكم في ألمانيا حتى شرعوا ينظمون حياة الأسرة تنظيما دقيقا، ~~ارتبط منذ البداية بالخطط والقواعد التي وضعوها لدعم النظام الجديد، الذي أكثروا من الدعاوة ~~له عندما أحرزوا انتصاراتهم الخاطفة في القارة الأوروبية، بينما لم يكن هذا النظام جديدا ~~في الحقيقة، بل عرفه الأهلون أنفسهم وتذوقوا طعمه في ألمانيا ذاتها، قبل أن يطبقه النازيون ~~في بقية أرجاء أوروبا المفتوحة بزمن طويل. # وكان معنى الإشراف على تنظيم حياة الأسرة، تدخل الدولة - أو بالأحرى الحزب النازي ms178 نفسه - ~~في شئون الزواج، وتربية الأطفال والناشئة، والصحة العامة، كما اقتضى هذا التدخل بحث مركز ~~المرأة، وتحديد العلاقة بين المرأة والرجل، وتنظيم حياة الأسرة من الناحية الاقتصادية أيضا ~~لتعيين مقدار حاجاتها من مأكل وملبس ومأوى وما إلى ذلك من مطالب. # على أن هذا التنظيم لم يكن سهلا هينا؛ لأنه كان يرتبط في الحقيقة بجميع المسائل ~~والمعضلات الاجتماعية الاقتصادية التي واجهت النازيين من أول الأمر، وأهمها: مسائل الآرية ~~واليهودية، وتحديد النسل أو الإكثار منه، واحتقار المرأة أو الإعلاء من شأنها، وإجازة ~~العلاقات الجنسية الشاذة أو تشجيع الزواج، إلى غير ذلك. # ولعل أدق المشكلات التي كانت تواجه الفرد الألماني العادي في دولة النازيين، هي مشكلة ~~زواجه، ولما كان من المتعذر الإفاضة في بحث فكرة الزواج ومنشئها البيولوجي أو الاجتماعي، ~~وتطورها في مختلف العصور، فقد يكفي أن يذكر القارئ أن الزواج في المجتمع الألماني، قبل وصول ~~النازيين إلى الحكم، كان يتم بناء على الرغبة المتبادلة بين الرجل والمرأة على أساس اتفاق ~~الميول أو العاطفة أو المصلحة. ولكنه لما كان الزواج هو الأساس الذي يمهد لقيام الأسرة ~~والرباط الوثيق الذي يحفظها، لم يرض النازيون بأن يظل الزواج من المسائل الشخصية المتروكة ~~لتدبير الراغبين فيه؛ بل جعلوا للزواج مقاييس جديدة: جنسية، واجتماعية، وعقلية، وجثمانية، ~~وخلقية، بدعوى أن ملاحظة هذه المقاييس من الأمور التي تعني الدولة ذاتها قبل أن تعني ~~الأفراد؛ لأن مهمة الدولة في النظام النازي الجديد، إنما هي السهر على إعداد مجتمع وطني ~~اشتراكي صميم، وينبغي لذلك أن تتوافر في الأفراد الذين يتألف منهم هذا المجتمع صفات جثمانية ~~وجنسية وعقلية وخلقية خاصة؛ لذلك سرعان ما أصدر النازيون في هذا الشأن قانونا أسموه: ~~«قانون المحافظة على صحة الشعب الألماني الوراثية»، واشتهر هذا القانون باسم: «قانون الصحة ~~والزواج». # وبمقتضى هذا القانون أنشئت رقابة صارمة على الزواج، فمنع من الاستمتاع به كل مصاب بعاهة ~~جثمانية أو عقلية أو انحلال خلقي ، ثم تحتم في الوقت نفسه على كل راغب في الزواج أن يحصل ~~مقدما على «شهادة صلاحية للزواج»، ms179 وهذه الشهادات كانت تصدرها السلطات المسئولة عن الصحة ~~العامة - أو مكاتب الصحة العمومية - ولم تكن تعطى لمن يطلبها إلا إذا فحص فحصا دقيقا ~~وأجاب على عدة أسئلة تتعلق بحالته الشخصية، وبحال أسرته. ومن المسائل التي كان يفحصها ~~«الممتحنون» وينبغي تدوينها في «شهادة صلاحية الزواج»، أو رخصة الزواج: مقدار نمو الشخص ~~الجثماني، وتوزيع الدهن في جسمه، ونمو عضلاته، ثم حياته الجنسية وحال أعضائه التناسلية، ~~وعدد مرات إخفاقه في أثناء دراسته ونواحي نموه العقلي وسن الطفولة التي أمكنه فيها أن يتكلم ~~وأن يمشي وكذلك أمراض الطفولة، ومقدار انكبابه على الكحول والتدخين ومدى قدرته على الإنسال، ~~إلى غير ذلك من الأمور، وكانت جميع هذه التفاصيل تدون على أحد وجهي الرخصة المعطاة، بينما ~~يلصق على الوجه الآخر صورة شمسية نصفية لصاحب الرخصة. # أما الأشخاص الذين كانوا يحرمون بتاتا من الزواج - رجالا كانوا أم نساء - فهم الذين ~~كانوا يدخلون بمقتضى قانون الصحة والزواج، في زمرة جماعة من الجماعات الأربع الآتية؛ أولا: ~~الأشخاص المصابون بأمراض معدية، ويخشى أن يفضي زواجهم إلى نقل هذه الأمراض إلى زوجاتهم - ~~أو أزواجهم - أو إلى أطفالهم. ثانيا: كل الموضوعين تحت الوصاية أو ما يماثلها. ثالثا: ~~الأشخاص الذين - على الرغم من عدم وجودهم تحت نوع من أنواع الوصاية - يثبت أنهم مصابون ~~باختلال أو ارتباك عقلي، ويبدو من وجهة نظر المجتمع عموما في هذه الحالة أنه من غير ~~المرغوب فيه زواجهم. رابعا: الأشخاص المصابون بأمراض وراثية. وزيادة على ذلك فإن المحاكم ~~النازية عند تفسير هذا القانون ما لبثت أن أضافت جماعة خامسة حرم عليها الزواج، ووصف ~~أفرادها بأنهم من الذين يعتبر زواجهم مخالفا لروح القانون وأهدافه، مثال ذلك: الرجل الذي ~~صار عقيما، فإنه لا يبغي له أن يتزوج من امرأة متمتعة بصحة طيبة وبقدرة كاملة على الإنسال؛ ~~لأن الزواج في هذه الحالة لا يؤدي الغرض منه، وهو إنتاج الأطفال الذين تحتاجهم ~~الدولة. # وأما الأمراض المعدية فهي الزهري والحمى الصفراء والدفتريا والتيفوس، والبرص والجدري، ~~والطاعون، والسل. وأما الموضوعون تحت الوصاية فهم أولئك الذين تقرر ms180 المحاكم عدم قدرتهم على ~~إدارة شئونهم لإصابتهم بالخبل أو إمعانهم في السكر، أو إسرافهم في الاقتراض والاستدانة. ~~وأما أفراد الجماعة الثالثة فهم المتهمون باللواط، والاختلاط الجنسي الشاذ مع النساء، ~~وهؤلاء يجب عليهم أن ينتظروا حتى يكتب لهم الشفاء التام من هذه الأدواء وكذلك الميالون إلى ~~الإجرام أو الذين صدرت ضدهم أحكام بسبب القتل أو السرقة أو خطف الأطفال والأفراد. # ولعل أقسى ما في هذا القانون حرمان الطائفة الثانية من الزواج؛ إذ كيف يتسنى تحديد مدى ~~الاختلال أو الارتباك العقلي الذي يمنع صاحبه من الزواج إطلاقا، أضف إلى هذا أنه حتى في ~~الحالات الأخرى، ما تزال مسألة انتقال الأمراض أو العاهات بالوراثة من المعضلات التي ~~يعالجها العلم ولم يصل فيها إلى رأي حاسم، كما أنه لم يقم دليل قاطع على أن جميع الموضوعين ~~تحت الوصاية أو ما يماثلها لا يصلحون للزواج، ومع هذا فقد تشدد النازيون في تنفيذ هذا ~~القانون إلى حد أنهم صاروا يعتبرون كل زواج وقع مخالفا لمقتضيات «قانون الصحة والزواج» ~~كأنه لم يكن، وكل شخص يقدم على مخالفة هذا القانون يعاقب بالسجن مدة لا تقل عن ثلاثة ~~شهور. # ولم يقنع الزعماء النازيون بإصدار هذا القانون، كما أنهم لم يشاءوا أن يتركوا المحاكم ~~تجري تطبيقه حسبما يبدو لها، فطفقوا من ناحية أخرى يقسمون النساء الألمانيات الصالحات ~~للزواج مجموعات حسب صلاحيتهن البيولوجية، فقال «ولثر ~~داريه # Walther Darré ~~» وزير للزراعة في دولة الريخ، وزعيم المزارعين أو الفلاحين، ما ~~معناه: «إن الألمانيات ينقسمن من هذه الناحية أربعة أقسام: فهناك نساء الدرجة الأولى؛ ~~ويسمح لهن بالزواج من الأشخاص الذين وصفهم «داريه» بأنهم يؤلفون طبقة الأشراف «النازية» ~~الجديدة. وأما نساء الدرجة الثانية؛ فهن اللواتي يسمح لهن بالزواج من هؤلاء الأشراف أو ~~النبلاء، إذا نجحن في خدمة المجتمع في فترة يوضعن في أثنائها تحت الاختبار - ولو أنه لم ~~يبين نوع هذه الخدمة. وأما نساء الدرجة الثالثة؛ فهن اللواتي يستطعن الزواج من رجال الفئة ~~السفلى، على أن تقوم الدولة في هذه الحالة بعقم هؤلاء الرجال حتى ms181 لا ينسلوا أطفالا مشابهين ~~لهم من الفئة السفلى. وأما نساء الدرجة الرابعة؛ فهن اللواتي لا يسمح لهن بالزواج أو ~~الإنسال إطلاقا». # وكأن جميع هذه القيود والاشتراطات لم تكن كافية، فتحدثت إحدى المجلات النازية عن مقياس ~~جديد للزواج، هو مقدار ميل الفرد لغشيان المسارح والاهتمام أو الشغف بالألعاب الرياضية، هذا ~~إلى جانب مقدار خلوص جنسه من الشوائب، فقالت: «من الواجب على كل رجل آري أن يتزوج من امرأة ~~آرية شقراء، ذات عينين واسعتين زرقاوين ووجه طويل بيضي الشكل، جلدها أبيض مشرب بالحمرة، لها ~~أنف دقيق، وفم صغير. كما يجب أن تكون هذه المرأة عذراء مهما كانت الظروف؛ أي إن الرجل ~~الأشقر صاحب العينين الزرقاوين لا ينبغي أن يتزوج من امرأة سمراء أو من امرأة من نوع نساء ~~البحر الأبيض ذات سيقان قصيرة وشعر أسود وأنف معوج وشفاه غليظة وفم واسع، تميل إلى البدانة. ~~وكذلك فإن البطل الآري الأشقر من واجبه ألا يتزوج من امرأة شبه زنجية ذات الرأس المعروف ~~والجسم النحيف الهزيل.» وزيادة على هذا، «فإن البطل الآري من واجبه أن يتزوج من امرأة آرية ~~مساوية له، على أن تكون هذه المرأة من غير المشغوفات بالذهاب إلى المسارح أو الحفلات أو ~~المولعات بالألعاب الرياضية، أو من اللواتي يملن إلى تمضية الوقت خارج بيوتهن.» # وظاهر من جميع ما تقدم أن الغرض من هذه القيود الثقيلة هو أن يظل الجنس الألماني خالصا ~~من كل شائبة، فلا يتزوج الآري إلا من آرية وبالعكس، ثم إنشاء مجتمع نازي سليم العقل والجسم ~~معا. ولتحقيق هذا الغرض قسم النازيون أفراد المجتمع الألماني طبقات ثلاث؛ أولاها: طبقة ~~النبلاء الجدد النازيين، وهم أعضاء الحزب، أو الأفراد الذين ينبغي أن يقوم على أكتافهم ~~تشييد الدولة الوطنية الاشتراكية الجديدة، مثل جنود ~~الحرس # S. S. ~~، وهؤلاء كانوا - كما سنرى - مقيدين إلى جانب ما تقدم في اختيار ~~زوجاتهم بقيود صارمة. أما الثانية: فطبقة العامة من الآريين، بقية أفراد الدولة الذين يجب ~~أن يخضعوا لمقتضيات قانون الصحة والزواج وما يتصل به من تفسيرات قاسية. ms182 أما الثالثة: فطبقة ~~الآريين التي لا يصلح أفرادها أصلا للزواج، أو التي ينبغي أن يمنع أعضاؤها من أن ينسلوا ~~إطلاقا إذا أبيح لهم أن يتزوجوا، وهم يؤلفون الطبقة السفلى. ومما ينبغي ذكره أن النظام ~~النازي الجديد لا يشرع لغير الآريين كالزنوج أو اليهود على وجه الخصوص في داخل ألمانيا ~~ذاتها؛ لأنه لا يعترف بأنهم بشر لهم نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات التي لبقية أفراد ~~المجتمع الألماني؛ ولذلك عني النازيون منذ البداية بمسائل ثلاث؛ هي مسألة نقاء الجنس من ~~الشوائب، ويتصل بذلك اضطهاد اليهود والعمل على إبادتهم بشتى الوسائل. ومسألة الصلاحية ~~الجثمانية والعقلية، ويؤدي بحثها إلى ذكر الوسائل التي كان يتبعها النازيون من أجل إقصاء ~~غير الصالحين من أعضاء المجتمع الألماني. وأخيرا مسألة دعم طبقة النبلاء النازيين ~~الجديدة. # ولما كان الغرض الذي كان يرمي النازيون إلى تحقيقه من هذا كله، إيجاد الكتلة الصلدة ~~المتماسكة في داخل الريخ، تلك الكتلة التي لم يكن عن وجودها غنى في نظرهم لبسط سيطرتهم ~~العالمية في النهاية، فقد تفرغ عن هذه المسائل الثلاث، واتصل بها في الوقت نفسه اتصالا ~~وثيقا، مسألتان أخريان: هما ضرورة تحديد مركز المرأة في المجتمع النازي، وضرورة الإكثار في ~~النسل بشتى الوسائل؛ حتى تجد الدولة الوطنية الاشتراكية «قوة بشرية» تستطيع بعد تنشئتها ~~التنشئة النازية الصحيحة، أن تستخدمها كأداة فعالة في بسط سلطانها على القارة الأوروبية ~~وعلى بقية العالم في النهاية. ~~••• # وكان من رأي مفكري النازيين «أن نوع الجنس الذي ينتمي إليه الإنسان يؤثر في أعمق نزواته ~~النفسية مهما كانت هذه النزوات لا شعورية، كما أن من شأن هذا الأثر أن يتغلغل إلى أدق أجزاء ~~المخ. وعلى ذلك يطبع الجنس خصائص الإنسان النفسية أو الروحية بطابع معين لا يمحى أثره، كما ~~يترك طابعه أيضا على مظهر الإنسان الخارجي. فالجنس هو الذي يعين نوع الأفكار والإدراكات ~~العقلية التي تكون من نصيب الإنسان، وهو أيضا يعين مدى قوته ومدى غرائزه وميوله، ويقرر نوع ~~خلقه وطبيعة نفسه». # وعلى هذه النظرية بنى النازيون أكثر ما في برنامجهم ms183 من قواعد ومطالب، وعلى ضوئها ساروا في ~~تطبيق مبدأ اختيار الصالحين للزواج وللإنسال في دولة الريخ الثالث، وقد قال فيلسوفهم «ألفرد ~~روزنبرج» إنه شديد الاعتقاد بأن الأجناس المختلفة شديدة التباين من حيث أثرها في تكوين ~~الخلق، ورسم السلوك، كما أن هذا الأثر لا مندوحة عن ظهوره في نوع الموسيقى والرقص؛ إذ إن من ~~المسلم به أن نوعا معينا من الموسيقى أو الرقص لا يمكن نقله من شعب اختص به إلى شعب من ~~جنس آخر، وكذلك الحال في أمر اللغة ... وقد اقتفى أثر «روزنبرج» في هذا أيضا عالم آخر، هو ~~الدكتور «جرد شهاك # Gerd Cehak ~~»، فأعلن أن لكل جنس طريقته ~~الخاصة في الكلام من حيث الإسراع أو الإبطاء في إخراج اللفظ، ثم في السير وفي الحركة، ومن ~~رأيه أن الجنس النوردي هو أبطأ الأجناس قاطبة في ذلك، وقد ترتب على الأخذ بنظرية التأثير ~~الجنسي هذه القول بأن كل جنس من الأجناس المعروفة يميل إلى تفضيل ألوان معينة، أي إن لكل ~~جنس مزاجه اللوني الخاص، فيميل النورديون كما يؤكد «الدكتور هانس جونثر # Hans F.R Guenther ~~» إلى اللونين الأزرق والأخضر الخفيف أو الباهت، بينما ~~يفضل الجنس المعروف باسم # Westic # اللونين الأحمر والأصفر، ~~والجنس الديناري الأخضر الغامق والأرجواني والأوستيكي # Ostic # البني والبنفسجي. وكذلك تختلف مقاييس الجمال باختلاف الأجناس، ~~فيذكر «روزنبرج» أن النورديين يميلون إلى طويل القامة النحيف ذي العينين الزرقاوين، ومن ~~رأيه أن الشعوب التي يفضل رجالها السمراوات، قد بدأ ينتشر بينها اختلاط الأجناس، كما أنها ~~في الحقيقة قد شرعت تسير بخطى حثيثة نحو الانحلال والفناء؛ لأن السمراوات لا يمكن أن يكن ~~نورديات بل هن سلالة جنس آخر. وهكذا حتى بلغ «الهذيان الجنسي» درجة بعيدة، فاستطاع «جونثر» ~~وأمثاله أن يميزوا بين المرأة النوردية وغيرها - على حد قولهم - من جلستها؛ فإذا ضمت السيدة ~~ساقيها وقت جلوسها كانت نوردية، أما إذا فعلت عكس ذلك كانت «أوستيكية»، ومن رأيهم أن الرجل ~~الذي يفضل إرخاء لحيته كثيفة تملأ وجهه فهو نوردي، ويمتاز الآري على غيره بفتوته الجثمانية، ~~وتفوقه ms184 على غيره بسبب ذلك في ميادين الرياضة. وقد عظم اعتقاد النازيين بهذا النوع من التفوق ~~إلى حد أن الهر هتلر رفض مصافحة الأبطال الرياضيين من غير الآريين، الذين تفوقوا في الألعاب ~~الأولمبية التي جرت في ألمانيا في عام 1936. وكذلك فإن الإقبال على النظافة من أهم صفات ~~الآريين؛ ولذلك يؤكد الدكتور «جونثر» أن الصابون وفرشاة الشعر اختراعان نورديان. # ولكن متى وأين نشأ هذا الجنس الآري المبجل المفضل؟ # يقول العلماء النازيون إن الجنس الآري أو النوردي وجد منذ أقدم الأزمنة في إقليم يبدأ من ~~«لوبك» ويمتد صوب الشمال إلى «استكهولم» ثم صوب الجنوب إلى «برنزويك»، ويتألف هذا الجنس من ~~رجال أفذاذ أصحاب قامات فرعاء، وسيقان طويلة، نحاف الأجسام، عريضي الكتفين، ضيقي الحوضين، ~~شعرهم أشقر، ولون بشرتهم أبيض، وعيونهم زرقاء أو زرقاء رمادية في العادة، وهو أفضل الأجناس ~~قاطبة، وحامل لواء المدنية والحضارة في العالم، ولهذا السبب نفسه ينبغي أن يبذل النازيون كل ~~جهد من أجل أن يظل مخلدا باقيا. وفي كتاب «كفاحي» شهد الهر هتلر بفضل الآري على العالم، ~~فكتب ما معناه: «إن ما نراه حولنا اليوم من ثقافة إنسانية وبروز في الفن والعلم والصناعة، ~~يكاد يكون برمته من نتاج الآري وحده، وإن هذه الحقيقة ذاتها هي التي تفسر قولنا بأن الآري ~~وحده، كان على وجه التأكيد موجد الحياة الإنسانية العليا؛ ولذلك فإن ما نسميه الإنسان - أو ~~المخلوق البشري - إنما هو في الحقيقة هذا الآري ليس غير. وعلى هذا فإذا قدر للآري الزوال ~~من الوجود، فإن الظلام الحالك سرعان ما يطبق على الأرض، ومن المحتمل لذلك أن تختفي الحضارة ~~الإنسانية في غضون ألوف قليلة من السنوات، ويعود العالم إلى حالته الصحراوية السابقة.» ثم ~~لم يشأ الهر هتلر أن يقصر مسئولية الآريين على نشر الحضارة في أوروبا وأمريكا، بل شاء خياله ~~أن يجعل من الآريين والأوروبيين والأمريكيين رسل الحضارة والمدنية في القارة الآسيوية ~~أيضا، ذلك بأنه عزا إليهم الفضل في إدخال المدنية إلى اليابان، وكان من رأيه أن الآريين هم ~~الذين أوجدوا الثقافة ms185 اليابانية، وأنه إذا قدر للآريين الانسحاب من اليابان ثم قطع صلتهم ~~بها، فإن اليابان لا تلبث أن تغط في نومها القديم الذي أيقظها الآريون منه. # وأمام هذا التمجيد العظيم للآرية وللآريين، يحق للقارئ أن يتساءل، وماذا يا ترى تكون نسبة ~~الآريين الخلص في المجتمع الألماني؟ # لقد أجاب على هذا السؤال الدكتور «جونثر» فقال: «إن نسبتهم تتراوح بين 6٪ و8٪ من مجموع ~~الشعب الجرماني، وأنه من المحتمل أن تكون هذه في الواقع أعلى نسبة موجودة بين أي شعب على ~~ظهر الأرض. أضف إلى ذلك أن هذه النسبة تشمل جميع النورديين الموجودين في العالم، وظاهر أنها ~~نسبة ضئيلة؛ ولذلك فقد أصبح من واجب النازيين أن يفكروا في أنجع الوسائل التي تحفظ هذا ~~الجنس الرفيع الشأن من الانقراض، لا سيما وقد اعتقد النازيون أنفسهم أن عدة مصائب قد نزلت ~~بهذا الجنس النوردي منذ أزمنة قديمة لدرجة تهدد بحدوث أسوأ النتائج للشعب الجرماني، بل ~~وللحضارة قاطبة إذا ظل الأمر غير متدارك بصورة فعالة.» وكان النازيون يعزون أسباب هذه ~~الشرور التي أفنت هذا المقدار العظيم من الجنس النوردي إلى الحروب التي خاض غمارها ~~النورديون الشجعان على مر العصور، فأفنت الأعداد العظيمة منهم، هذا إلى أن الريخ الألماني ~~كثيرا ما كان يخسر أبناءه النورديين الذين آثروا لظروف منوعة الخروج من أرض الوطن والهجرة ~~إلى جهات أخرى، كما أن النورديين الذين ظلوا في الريخ كانوا معرضين للوفاة في سن باكرة ~~بنسبة تفوق كثيرا نسبة الوفيات التي تحدث في هذه السن بين بقية الأهلين من الأجناس الأخرى، ~~على أن النورديين كانوا دائما أقل قدرة على التناسل من غيرهم. بيد أن أشد الأخطار التي ~~يتعرض لها الآريون، منشؤها في زعم النازيين، ما يحدث من اختلاط النورديين بغيرهم من الأجناس ~~الوضيعة. # ولذلك فإنه بينما ينحدر حوالي 6٪ أو8٪ من الجرمانيين من الجنس الآري أو النوردي الصميم، ~~فإن نصف الشعب الجرماني بأجمعه ما يزال يجري في عروقه الدم النوردي ممزوجا بدم الأجناس ~~الأخرى. ولما كان من فضائل المرأة النوردية الاحتشام الشديد، وكان اكتمال ms186 الأنوثة أو ~~الرجولة بين أفراد الشعب النوردي يتأخر وكان الرجل النوردي لا يتزوج من المرأة النوردية إلا ~~في سن متقدمة نسبيا، ولا ينسل المتزوجون سوى القليل من الأطفال، فقد خشي علماء النازيين ~~أمثال الدكتور «جونثر» من احتمال اختفاء الجنس النوردي الخالص في نهاية الأمر، أضف إلى هذا ~~خطر زواج النورديين من النساء السمراوات المتمتعات بالصفات الجنسية المغرية الشائعة بين ~~نساء الأجناس الأخرى غير النوردية، وكذلك فإن من العوامل المساعدة على اختفاء الجنس النوردي ~~ما هو مشاهد في أفراد هذا الجنس من الميل إلى الانتحار. # وفي كتاب «كفاحي» لخص الهر هتلر النتائج التي تحدث من اختلاط الأجناس المختلفة في قوله: ~~إن ذلك يؤدي أولا: إلى هبوط مستوى الجنس الأعلى مكانة. وثانيا: إلى انحطاط جثماني وروحي ~~يفضي - ولا شك - إلى انتشار الضعف والمرض، ولو أن هذا يحدث بطيئا في بداية الأمر. ولذلك ~~رأى الهر هتلر من الضروري أن يسود قانون أعلى ومقدس ينبغي بمقتضاه أن يحرص كل إنسان على أن ~~يظل «الدم» نقيا خالصا. ويسوغ الهر هتلر وجود هذا القانون وواجب العمل به بزعمه أن ~~امتزاج «الدم» وهبوط المستوى الجنسي تبعا لذلك قد أفضيا وحدهما إلى فناء الثقافات القديمة، ~~كما حدث للثقافة الآرية على وجه الخصوص. فقد ظل الفاتحون سادة القوم، وخالقي أو مبتكري ~~ألوان الثقافات المنوعة ما داموا متمسكين بمراكزهم كحكام، وما داموا محتفظين بنقاوة الدم ~~الذي يجري في عروقهم. غير أنه في كل مرة امتزج دم الآري بغيره من دم الأجناس الوضيعة، أظهر ~~التاريخ أن النتيجة الحتمية لهذا الامتزاج كانت اختفاء حامل لواء الحضارة، أي الرجل الآري ~~وحده. # وأما الذين أفادوا من هذا الامتزاج فكانوا دائما شعوب الأجناس الوضيعة؛ لأن الدم الآري ~~من شأنه أن يحفظ لهم بقاءهم؛ إذ بغيره يسيرون إلى الفناء بخطوات سريعة، والشر في ذلك كله أن ~~هذه الشعوب الوضيعة إنما تستمد القوة والحيوية من طريق تدنيس الآريين وإحالتهم إلى شعب ~~«لقيط»، أي إلى شعب غير نقي الدم. # ثم يمضي الهر هتلر فيقول : إن هذا الفساد كان ms187 قد بدأ يحطم ميزات الجنس النوردي في ألمانيا ~~قبل وصول النازيين إلى الحكم إلى حد هدد بجعل القاطنين بالمدن الألمانية الكبيرة خصوصا ~~يشبهون من حيث مستواهم الجنسي الشعوب القاطنة بأرض إيطاليا الجنوبية، ومع هذا فإن خطر ~~انحطاط الجنس النوردي لم يكن في رأيه مقصورا على الجرمانيين وحدهم، بل إنه كان يهدد العالم ~~أجمع بعواقب وخيمة؛ لأن إهمال الألمان في صون نقاء الدم الذي يجري في عروقهم جعلهم يخفقون ~~في إحراز السيطرة العالمية؛ إذ «إن السموم التي أثرت في شعبنا (من جراء امتزاج الدم الآري ~~بدم شعوب الأجناس الأخرى) وخصوصا من أيام حرب الثلاثين سنة المعروفة، لم تسبب انحلال ~~دمائنا فحسب، بل وأرواحنا أيضا، حتى نجم عن ذلك أن أصيب الشعب الجرماني بالانحلال في كل ~~ظرف عصيب قابله؛ إذ ينقص الشعب الألماني وجود غريزة الجماعة القوية التي أساسها وحدة الدم ~~وتجانسه، والتي من شأنها على وجه الخصوص في اللحظات التي يجيء فيها الخطر مهددا أن تصون ~~الأمة وتحفظها من الدمار ... فلو أن الشعب الألماني كان يتمتع بهذه الوحدة المستمدة من وجود ~~غريزة الجماعة القوية في أثناء نموه التاريخي - وهي الوحدة التي انتفعت بها شعوب أخرى - ~~لأصبح الريخ الألماني سيد الكرة الأرضية بأجمعها ...» ~~••• # وقد زعم الهتلريون أن أفضل الطرق الحاسمة لضمان نقاء الدم الآري، في دولة الريخ الثالث، ~~فناء اليهود أو طردهم من ألمانيا؛ ولذلك ارتبطت «هيستريا الدم» عند النازيين «بهيستريا» ~~أخرى كانت وما تزال في الحقيقة أشد خطرا على البشرية من دعاوى الجنس الخالص، والدم النقي، ~~هي «هيستريا اليهودية». وكما أن «هيستريا الدم» لا تستند إلى أي أساس علمي صحيح كما أثبت ~~علماء الأجناس، فإن «هيستريا اليهودية» في ألمانيا تستند إلى طائفة من المعلومات المشوهة ~~والحقائق المزيفة التي حرص النازيون منذ طمعوا في فرض سلطانهم على ألمانيا، على أن يغذوا ~~بها الجماهير المتقلبة في أحضان الفوضى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي أعقبت انهيار ~~دولة الريخ القيصرية بعد هزيمة الحرب العالمية الأولى. # فقد قدر النازيون أنفسهم، قبل اندلاع نيران الحرب العالمية الثانية بعام ms188 واحد، أن عدد ~~سكان ألمانيا - عدا النمسا - الذين يجري في عروقهم دم يهودي بنسبة 25٪ أو أكثر يتراوح بين ~~800000، ومليون، من بينهم 500000 إلى 625000 يهودي و200000 إلى 250000 أنصاف يهود، و100 إلى ~~125000 أرباع يهود. وعلى هذا اعترف النازيون أنفسهم بأن اليهود الخلص كانوا لا يجاوزون ~~7 / 10 أو 9 / 10 من 1٪ من عدد سكان ألمانيا، بينما يبلغ أنصاف اليهود 2 / 10 أو 3 / 10 من ~~1٪، أما أرباع اليهود فيؤلفون جزءا صغيرا يزيد قليلا على 0 / 10 من 1٪ وزيادة على هذا ~~فمن الثابت أن عدد اليهود في ألمانيا كان آخذا في النقصان بدرجة ملموسة قبل حدوث الثورة ~~النازية ذاتها؛ فقد دلت الإحصائيات على أن نسبة المواليد - بما في ذلك اليهود - في عام 1880 ~~بلغت 41,05 في الألف، من ذلك 32,26 في الألف بين اليهود الألمان. ولكن هذه النسبة انخفضت في ~~عام 1910 إلى 33,05 في الألف، من ذلك 16,55 في الألف بين اليهود. وفي الفترة بين عامي ~~1911-1925 بلغت زيادة الوفيات على المواليد بين اليهود البروسيانيين 37,093، ومن المحتمل أن ~~هذه النسبة كانت محفوظة أيضا في بقية أنحاء الريخ. وعلى هذا فإنه استنادا إلى ما كان ~~يذيعه النازيون أنفسهم، يتضح أن عدد اليهود في ألمانيا كان قليلا جدا، بل وآخذا في ~~النقصان المستمر حتى قبل أن يصل النازيون إلى الحكم. # ومع ذلك، زعم النازيون أن اليهود هم أخطر أعداء ألمانيا، ومن حق القارئ أن يسأل كيف تصبح ~~أقلية تافهة لا تزيد على 1٪ أو 1,4٪ مصدر الخطر الكبير على أغلبية عظيمة تبلغ 98٪، ولكن من ~~العبث أن ينتظر إنسان جوابا من النازيين على هذا السؤال، فإذا فعلوا كانت إجابتهم تشتمل ~~على الدعاوى الآتية؛ أولا: أن اليهود إذا لم يكبح جماحهم ظلوا مستأثرين بالمراكز الهامة ~~في البلاد وصار لهم نفوذ كبير لا يتناسب قط مع عددهم الضئيل. ثانيا: أن اليهود جنس جم ~~النشاط يتمتع بحيوية عظيمة حتى إن الفرد الواحد منهم لترجح كفته 99 ألمانيا من غير ~~اليهود. ثالثا: مما يزيد هذا الأمر ms189 خطرا أن الضرر الذي يهدد الريخ ليس مصدره اليهود في ~~داخل ألمانيا نفسها، بل مصدره الحقيقي كل أولئك اليهود المتشردين في أرجاء العالم والذين ~~يتآمرون ضد دولة الريخ الثالث. # ولذلك بدأ اضطهاد اليهود في ألمانيا منذ بدأت الحركة الوطنية الاشتراكية في عام 1920. ومن ~~المعروف أن الوطنية الاشتراكية عند نشأتها كانت تتألف من الزراعيين برئاسة الكونت ~~إرنست تزو ريفنتلو # Ernst zu Reventlow ~~، ومن الحزب ~~الألماني الاشتراكي برئاسة كونز # Kunze ~~، ثم من الشراذم التي ~~التفت حول لودندورف وهتلر وحاولت الثورة في عام 1923، وقد جعل كل هؤلاء اضطهاد اليهود ~~وإقصاءهم عن ألمانيا أو إفناءهم من الأهداف التي تمسكوا بضرورة تحقيقها واشتملت عليها ~~برامجهم. وإلى لودندورف يرجع الفضل في كشف تلك المحالفة ذات الخطر التي ادعى أن اليهود قد ~~أوثقوا عراها مع جماعة الجزويت الدوليين والبنائين الأحرار، من أجل القضاء على الدولة ~~الوطنية وتقويض أركانها. وكان مما ساعد «لودندورف» على الوصول إلى هذا الكشف تلك الأقصوصة ~~الزائفة التي روجها أعداء اليهودية في العالم عندما نشروا في ألمانيا عام 1919 وثيقة عرفت ~~باسم: «بروتوكولات عقلاء أو حكماء ~~صهيون # The Protocols of the Elders of Zion ~~»، قالوا عنها: إنها عبارة عن صورة طبق الأصل من تفاصيل ما جاء في ~~المؤتمر الصهيوني المنعقد في مدينة «بال» من أعمال سويسرة في عام 1897. وتتحدث هذه الوثيقة ~~عن مؤامرة يهودية واسعة النظاق الغرض منها فرض سيطرة اليهود على العالم أجمع. بيد أن كبار ~~المسئولين من اليهود سرعان ما أجمعوا على إنكار هذه الوثيقة وأعلنوا زيفها، ثم استطاعت ~~جريدة «التيمس» في عام 1921 بعد بحث مستقل وفحص دقيق إثبات تزويرها؛ فقد أظهرت هذه الجريدة ~~أن أحد أفراد البوليس السري القيصري الروسي القديم - أو الأوخرانا # Okhrana # كما كانت تدعي هذه القوة - هو الذي وضع هذه البروتوكولات، حتى ~~يوجد مسوغا للحكومة القيصرية يمكنها من المضي في اضطهاد اليهود في الروسيا، وزيادة على ~~ذلك فإن هذا الموظف الروسي لم يبتكر هذه «البروتوكولات» ابتكارا بل كان كل ما فعله أنه ~~استمد وصف الاجتماع الموهوم وما ms190 حدث فيه من رسالة صغيرة وضعها أحد المتهكمين الفرنسيين ~~الديموقراطيين في عام 1865 في عهد الامبراطور نابليون الثالث، يصف فيها اجتماعا عقد في ~~«جهنم» كان الغرض منه - على نحو ما تخيله هذا الفرنسي - التفكير في الوسائل التي تمكن ~~الإمبراطور نابليون الثالث من توسيع فتوحه حتى تشمل العالم أجمع. وأما مقال «التيمس» فقد ~~نشرته الصحف في البلدان الأخرى، ومنها ألمانيا. # ومع هذا، وعلى الرغم من ظهور زيف هذه البروتوكولات، وإقامة البرهان على أنها كانت مزورة، ~~فقد ظل النازيون يمعنون في ادعاءاتهم واستطاع الهر هتلر أن يذكر في كتابه «كفاحي»: «ومع أن ~~«جريدة فرنكفورت # Frankfurter Zeitung ~~» تعلن إلى العالم ~~بذلة وخضوع أن بروتوكولات حكماء أو عقلاء صهيون زائفة مزورة، فإن هذا الإنكار في حد ذاته ما ~~هو في الحقيقة إلا برهان ساطع على أن هذه البرتوكولات حقيقية وغير مزورة.» وقد استطاع الهر ~~هتلر أن يصل إلى نتائج لها خطرها في هذا الموضوع، منها: أن اليهودية الدولية تبغي الاستئثار ~~بالشئون المالية في العالم والسيطرة عليها، وتريد أن تتخذ من الروسيا قاعدة تعمل منها لأجل ~~تقويض أركان الدول الوطنية، ثم تسعى لجعل فلسطين مقرا لجميع المؤامرات التي تحاك خيوطها ~~لتحريك الشعوب للثورة ضد الحكومات الوطنية في العالم. على أنه لما كان اليهودي - كما يقول ~~الهر هتلر - عاجزا عن ممارسة شئون الحكم وإخضاع الجنس الأبيض لسلطانه المباشر، ولما كان ~~يعترف في قرارة نفسه بهذا العجز، فقد أخذ يعمل على تلويث الجنس الأبيض حتى يسهل عليه إخضاع ~~هذه الشعوب؛ ولذلك «فإن الشاب اليهودي ذا الشعر الأسود يكمن ساعات طويلة يشع في وجهه حبور ~~شيطاني، مترقبا الفرصة التي تمكنه من السطو على عرض فتاة غريرة تعوذها الخبرة وتنقصها ~~القدرة على المقاومة ودفع الإغراء، بل إن هذه الرغبة في تلويث البيض هي التي جعلت اليهود ~~يحضرون الجنود السود إلى إقليم الراين بموافقة فرنسا التي تعتبر بلا جدال أكبر أعدائنا، ~~والتي يؤدي ذلك الاختلاط المتزايد بين شعبها وبين الزنوج إلى خطر يهدد في المستقبل الجنس ~~الأبيض في أوروبا.» وقد ms191 خلص الهر هتلر من ذلك كله إلى نتيجة واحدة، هي ضرورة القضاء على ~~اليهود قضاء مبرما، وفي ذلك يقول: «وأعتقد أني إنما أعمل اليوم بما يتفق تمام الاتفاق مع ~~أغراض الخالق العظيم؛ فإني عند مهاجمتي اليهود إنما أخوض في الحقيقة نضالا من أجل إتمام ~~عمل الإله نفسه.» # وإذا كان هذا رأي الزعامة المسئولة، فإن من السهل إدراك مدى تلك الدعاوة التي روج لها ~~النازيون في داخل ألمانيا وخارجها من أجل اضطهاد اليهود وإفنائهم؛ فقد نسج صغار الزعماء ~~والكتاب النازيين على منوال زعيمهم الكبير؛ إذ جاء في نداء وطني اشتراكي أعيد طبعه وتوزيعه ~~مرارا، ما معناه «أن اليهودي هو السبب في أننا نرسف في أغلال الرق والعبودية وهو الذي أفاد ~~من ذلك كل الفائدة»؛ فقد حطم جنسنا ولوث أخلاقنا، وتسبب في نضوب معين حياتنا، وهدم ~~قوتنا، وقال «ريفنتلو # Reventlow ~~»: «إن اليهودي هو الدود ~~الذي ينخر في هيكل الإنسان فعلينا أن نهلكه!» وقال غير هؤلاء إن من مقتضيات طقوس اليهود ~~الدينية قتل المسيحيين واستباحة دمائهم، كما أنهم يأخذون الربا الفاحش لأسباب دينية، ~~ويزيلون بكارة الشابات المسيحيات عامدين، ويعملون على إفساد السلطات الألمانية بما يقدمون ~~من رشوة وغير ذلك، ويشربون دماء سواهم من الأجناس. # وإلى جانب هذه الدعاية، أصدرت دولة الريخ الثالث طائفة من القوانين الصارمة لإقصاء اليهود ~~عن الوظائف الحكومية والخدمة العامة، ولم يكن إصدار هذه القوانين أمرا غريبا أو غير متوقع ~~الحدوث، فإن إقصاء اليهود عن الوظائف وإخراجهم من ألمانيا كان في الحقيقة من أهم الوعود ~~التي تضمنها البرنامج الذي أذاعه النازيون على الأهلين، ولم يعارضه هؤلاء؛ فقد وعد ~~«جريجور ستراسر # Gregor Strasser ~~» في آخر أكتوبر 1931 - ~~أي قبل انفصاله عن النازيين وخروجه عليهم - بأن يقضي النازيون على اليهودية في ألمانيا ~~قضاء مبرما، كما وعد أحد النواب النازيين «في مجلس الديات البروسي» في 2 يونية 1932 «بأنه ~~عقب أن يفرغ النازيون من تنظيف البيت - أي ترتيب شئونهم الداخلية - تصبح مسألة طرد اليهود ~~في ألمانيا في بساطتها وسهولتها كلعبة الأطفال!» وفي هذا ms192 الوقت أيضا، أفضى «هرمان جورنج» ~~بحديث إلى جريدة إيطالية جاء فيه: # بينما ينال اليهود الذين ألحقوا الأذى بألمانيا جزاءهم العادل على ما فعلوا، فإن ~~جميع اليهود الذين دخلوا ألمانيا بعد شهر أغسطس من أيام 1914 سوف يطردون من البلاد، ~~وسوف يطرد كذلك بقية اليهود دون نظر إلى منشئهم، من جميع الوظائف المسئولة في ~~الصحافة والمسرح والسينما والمدارس والجامعات، وعلى الجملة من كل عمل أو وظيفة قد ~~يستطيع شاغلها استخدام نفوذه لإضعاف الأمة وإفسادها ومكافحة الروح الوطنية والقومية ~~ونشر الميول والآراء الدولية، في غير مصلحة الشعب الألماني. # والواقع أنه بعد أن آلت السلطة في ألمانيا للنازيين شرعوا ينفذون وعودهم السابقة دون ~~إبطاء. ففي أول أبريل 1933، أي بعد أقل من شهر واحد من وصول الهر هتلر إلى منصب المستشارية، ~~وفي اليوم نفسه الذي أعلن فيه «الفوهرر» بداية الثورة الوطنية الاشتراكية في الخطاب الذي ~~ألقاه في مبنى «تمبلهوف»؛ حدث أن نظمت مقاطعة اليهود، وبدأ اضطهادهم حتى أصبح يوما ~~تاريخيا لا يمكن أن ينساه اليهود قاطبة. وفي 7 أبريل 1933 صدر قانون يقضي بطرد غير ~~الآريين من الخدمة العامة، أو إقالتهم من وظائفهم إذا استحقوا معاشا، وجاء في تفسير «غير ~~الآريين» أن المقصودين بذلك هم جميع الأفراد الذين يثبت أن أحد آبائهم أو جدودهم من اليهود ~~أو سبق لهم اعتناق اليهودية، على أن يستثنى من ذلك جميع الذين شغلوا وظائف حكومية مدنية ~~قبل أول أغسطس 1914، ومن قاتلوا في الحرب العظمى الماضية دفاعا عن ألمانيا أو في جانب إحدى ~~حليفاتها، وكذلك الذين فقدوا آباءهم أو أبناءهم في أثناء الحرب. وأما الخدمة العامة التي ~~ذكرها هذا القانون فتشمل جميع وظائف الحكومة الفدرالية، أو المحلية، والنقابات، والشركات، ~~والهيئات المختلفة عدا الدينية منها، والقضاء، والمحاماة، والتعليم في الجامعات وغيرها، عدا ~~المدارس اليهودية التي يدرس بها يهود فقط، وجنود الخدمة الوطنية «أو الميلشيا» عدا الضباط ~~والجنود العاملين، ثم أصحاب الوظائف الشرفية، وقد صدر قانون في 18 مايو 1933 يمنع غير ~~الآريين من شغل الوظائف «الشرفية»، وخصوصا ما كان متعلقا ms193 منها بوظائف التأمين الاجتماعي ~~وإسداء المعونة والنجدة لضحايا الحرب. وفي 7 أبريل 1933 صدر قانون خول السلطات القضائية ~~طرد غير الآريين من مهنة المحاماة. وفي 25 أبريل 1933 صدر قانون «لمنع ازدحام المدارس ~~الثانوية والعليا» من شأنه منع غير الآريين بطريق غير مباشرة، من الالتحاق في المستقبل بعمل ~~من الأعمال التي تقتضي مزاولتها ثقافة عالية. وفي 30 يونية 1933 صدر قانون آخر يمنع غير ~~الآريين من شغل الوظائف المدنية، ويقضي بطرد أي موظف متزوج بامرأة غير آرية أو يتزوج في ~~المستقبل بغير آرية. وفي 13 يولية 1933 تقرر إخراج جميع مديري السينما والمخرجين والمؤلفين ~~ومهندسي التصوير ومن إليهم من الخدمة إذا تعذر عليهم إثبات آريتهم. # وفي عام 1935 صدر «قانون وقرار الجنسية وتعيين صفة المواطن»، وقد جاء في هذا القانون ما ~~معناه «أن المواطن في دولة الريخ هو الذي يجري في عروقه الدم الجرماني أو الدم القريب منه، ~~والذي يبين بفضل مسلكه أنه يرغب في خدمة الشعب الألماني ودولة الريخ بأمانة، ويكون صالحا ~~لهذه الخدمة. ولما كان الريخستاج يعتقد تمام الاعتقاد بأن نقاء الجنس الجرماني ضرورة لا غنى ~~عنها لبقاء الأمة الألمانية، ولما كان يحدوه العزم الذي لا يمكن أن يتزعزع للمحافظة على ~~كيانها للأبد؛ لذلك قرر الريخستاج بالإجماع قبول «قانون نورمبرج لصون الجنس والشرف ~~الجرماني» الصادر في سبتمبر 1935. وعلى ذلك يمتنع الزواج بين اليهود والرعايا الذين هم من ~~دم جرماني أو من الدم القريب منه، وكل زواج يعقد بالرغم من وجود هذا القانون يكون لاغيا ~~حتى لو كان هذا الزواج معقودا في الخارج كمحاولة لتجنب آثار هذا القانون ... ولا ينبغي أن ~~يستخدم اليهود في بيوتهم رعايا الريخ الذين هم من دم جرماني أو من دم قريب منه والذين تقل ~~أعمارهم عن خمسة وأربعين عاما، ويمنع اليهود من أن ينشروا علم الريخ أو العلم الوطني أو ~~يظهروا الأعلام القومية. والذين لهم حق التصويت في المسائل السياسية، وشغل الوظائف العامة ~~هم مواطنو الريخ المتمتعون بكامل حقوقهم السياسية ... ولا يمكن أن يكون ms194 اليهودي مواطنا في ~~دولة الريخ، وليس له حق التصويت ولا الحق في أن يشغل إحدى الوظائف العامة ...» # وقد أطلق على جميع القوانين والقرارات والأوامر التي أصدرتها السلطات النازية ضد اليهود ~~اسم «قوانين نورمبرج». وفي الفترة التالية، وعلى الخصوص عند اشتداد الحملة الإرهابية على ~~اليهود، أعادت الصحف نشر بعض هذه القوانين، كما نشرت ملخصا كاملا لأهم محتوياتها، ومن ذلك ~~يتبين أن «قوانين نورمبرج» كانت تقضي أولا: بطرد جميع الموظفين غير الآريين من الخدمة ~~العامة، ويدخل في ذلك الموظفون العاديون وإخوانهم من المستخدمين في البلديات، والمدرسون، ~~وأساتذة الجامعات، والقضاة، والمدعون العموميون. وكذلك صدر قانون يمنع المحامين غير الآريين ~~من مزاولة مهنتهم. وكانت تقضي ثانيا: بحرمان الأطباء غير الآريين ثم أطباء الأسنان ~~والجراحين من مزاولة عملهم. وفي قانون جديد حرم غير الآريين من التوظف في المستقبل، كما أن ~~«جبهة العمل» - وهي التي حلت محل النقابات العمالية واتحادات أصحاب العمل - طبقت هي ~~الأخرى هذه القوانين. كما كانت تقضي ثالثا: بحرمان اليهود من التعليم في المدارس ~~والجامعات. ورابعا: بحرمان غير الآريين - اليهود - من العمل في صناعة الأفلام. وخامسا: ~~بعدم السماح لليهود بالانضمام إلى جامعات الوقاية ضد الغارات الجوية. وسادسا: يمنع أي شخص ~~لا يستطيع إثبات انحداره أو انحدار زوجه من أصل آري منذ عام 1800 ميلادية، من وراثة الأرض ~~التي يزرعها. وسابعا: بتحريم العمل في الصحافة على غير الآريين، إلا إذا كانت الصحف التي ~~يعملون بها يهودية صميمة. وثامنا: بمنع جميع أعضاء الحزب النازي من الاختلاط أو الاتصال ~~باليهود، وهذا بناء على قرار أصدره «ردولف هس» نائب هتلر في ذلك الحين. وتاسعا: بقيام ~~وزارة المعارف النازية بنشر قائمة من الكتب التي فرضت استخدامها في المدارس؛ وذلك حتى تعرف ~~الناشئة المسألة اليهودية على حقيقتها، ومن هذه الكتب «بروتوكولات حكماء صهيون» المزورة. ~~وعاشرا: بإصدار قرار من وزير الداخلية يسمح للآريين فقط بدخول امتحانات كلية الطب، كما ~~أصدر الوزير قرارا ثابتا بعدم إعطاء الصيادلة غير الآريين الترخيص اللازم لمزاولة ~~أعمالهم. وأحد عشر: بإصدار قرار يمنع كل من لا ms195 يستطيع إثبات انحداره وانحدار زوجه من أصل ~~آري منذ عام 1800 ميلادية من الاشتغال في أعمال الطبع والنشر. # هذه خلاصة «قوانين نورمبرج»، وقد تطرف النازيون في تطبيق تلك القوانين؛ فأصدر الحكام ~~ورؤساء البلديات في المدن المختلفة طائفة من القرارات والأوامر والتعليمات ضد اليهود، وكل ~~ما هو يهودي لدرجة كانت تدعو إلى السخرية في بعض الأحايين، من ذلك: الأمر الذي أصدره رئيس ~~بلدة «كوينجسدورف # Koeingsdorf ~~» في بافاريا في أول أكتوبر ~~1935، خاصا بالأبقار والماشية المشتراة بطريق مباشر أو غير مباشر من اليهود، فنص هذا ~~الأمر على ضرورة عزل هذه الأبقار والماشية حتى لا تعيش في صعيد واحد مع الثيران التي يملكها ~~غير اليهود. وزيادة على ذلك نص الأمر على أن الأبقار والماشية التي ثبت أنها كانت تعيش في ~~مكان واحد مع أبقار وماشية يملكها يهودي؛ ينبغي وضعها تحت المراقبة لمدة عام بأكمله، وفي ~~أثناء هذه المدة يتحتم عزلها أيضا عن الثيران التي يملكها آريون. ~~••• # وفي مثل هذه الظروف، كان من الطبيعي أن تنتشر في ألمانيا موجة من الاضطهاد العنيف ضد ~~اليهود، واتخذ هذا الاضطهاد أشكالا منوعة على أيدي المتعصبين، وزعانف القوم وأراذلهم، ~~فأخذوا يدنسون مقابر اليهود ومعابدهم، حتى بلغ عدد الحوادث التي من هذا القبيل إلى صيف عام ~~1932 مائة وتسعة «109»، وأعلن المتعصبون ومن إليهم عزمهم على إحراق معابد اليهود وبيعهم في ~~القريب العاجل. هذا، إلى الضرر الجسيم الذي ألحق بحوانيت اليهود ومخازنهم التجارية. ومن ~~الحوادث المشهورة ما فعله متطرفو النازيين في عيد فصح اليهود عام 1932؛ فقد هاجموا في هذا ~~اليوم في «كورفر تندام» أحد شوارع برلين كل شخص اشتبهوا في أنه ينحدر من جنس سامي. وكان ~~المغيرون - وهم حوالي العشرين - من الشبان صغار السن الذين لا خبرة لهم في مسائل الجنس. ~~واستطاعت هيئة يهودية بعد ذلك أن تنشر قائمة طويلة بحوادث الاعتداء المتكرر على أشخاص ~~اليهود المنفردين. وزيادة على ذلك فقد وجد الصبيان والفتيات الصغيرات تسلية كبيرة في تلطيخ ~~بيوت اليهود وحوانيتهم بالأقذار ورسم الصليب المعقوف - رمز النازية - في كل مكان. ms196 ولم يقتصر ~~الأمر على إهانة كبار السن وإيذائهم، بل إن الأطفال اليهود في المدارس لم يسلموا من ~~الاعتداء عليهم، ومن أن يؤذيهم زملاؤهم المسيحيون. وفي كثير من المدن الصغيرة أرغم التجار ~~اليهود إرغاما على ترك متاجرهم ومحالهم ومغادرة القرية أو المدينة التي عاش فيها أجدادهم ~~منذ أجيال طويلة؛ وذلك لشدة الاضطهاد وإحكام المقاطعة. وفي جامعة برلين قرر الطلبة النازيون ~~طرد جميع اليهود. ومع أنه كان من المنتظر أن يجد اليهودي في المحاكم والقضاء وسيلة للوقاية ~~أو الحماية من اعتداء المعتدين، فإن هذه المحاكم لم تجد سببا يسوغ توقيعها العقوبة على ~~ملحقي الأذى؛ لأنها - كما قررت - كانت لا ترى أن استخدام كلمة يهودي في معرض التحقير من ~~شأنه إثارة غضب أحد، وكذلك فإن هذه المحاكم لم تجد مسوغا لتوقيع عقوبة قاسية على كثيرين ~~ممن اشتركوا في حوادث تدنيس مقابر اليهود وبيعهم. وإذاء هذا كله لم يجد عدد من اليهود في ~~صيف 1932 مناصا من الكتابة إلى مستشار دولة الريخ، يسألونه عما إذا كانت الحكومة لا تجد ~~ضرورة لإعطاء المواطنين اليهود الحماية التي من حقهم كمواطنين أن ينتظروها من ~~حكومتهم. # بيد أنه كان في الحقيقة من المتعذر إعطاء اليهود أي ضمان أو وعد بالحماية ضد الاعتداءات ~~المتكررة عليهم؛ إذ كان زعماء الدولة النازية أنفسهم في طليعة منظمي حركة المقاطعة ~~والاضطهاد، وكانوا لا ينفكون يثيرون الخواطر ضد اليهود في كل آن ولحظة منذ ظهرت الوطنية ~~الاشتراكية بشكلها المتطرف الرهيب إلى عالم الوجود؛ فهناك كتاب «كفاحي» مشحون بالمفتريات ~~الكثيرة على اليهود، ولا يقل عنه في ذلك كتاب «ألفرد روزنبرج» عن «أسطورة القرن العشرين». ~~ومن المعروف أن هذين الكتابين من الكتب التي فرض النازيون قراءتها على الشبيبة الجديدة. ~~وهناك خطابات الهر هتلر نفسه، وهو الذي قال منذ عام 1922: «إن اليهود قد أظهروا نبوغا ~~حقيقيا في معرفة كيف يفيدون من ظروف السياسة المتقلبة، حتى صار لهم أنصار ضمن أحزاب ~~اليمين وأحزاب اليسار يعملون جميعا من أجل نشر الفساد في الدولة بشتى الطرق المرذولة.» ~~وهناك كتابات كبار ms197 النازيين الآخرين أمثال الأستاذ «هرمان ~~جوش # Hermann Gauch ~~»، والدكتور «كريك # Krieck ~~»، ~~و«والتر داريه # Walther Darré ~~»، و«والتر شارر # Walter Scharrer ~~» وغيرهم، وكلها ملأى بالمطاعن على ~~اليهودية واليهود. # ولما كان من المتعذر سرد جميع حوادث اضطهاد اليهود في ألمانيا منذ برز الحزب النازي إلى ~~عالم الوجود ووصل رئيسه إلى مستشارية الريخ، إلى وقت اندلاع الحرب العالمية الثانية، فإنه ~~يكفي أن نسجل الآن حوادث موجات الاضطهاد التي اجتاحت اليهود في كل من ألمانيا والنمسا في ~~شهري أكتوبر ونوفمبر من عام 1938، لا لتبيان ما وصل إليه الطغيان النازي من شدة مريرة فحسب، ~~بل ولأن هذه الاضطهادات المروعة سرعان ما أوجدت مشكلة اللاجئين، تلك المشكلة التي ذهب عدد ~~غفير من اليهود ضحية لها من أوروبا عموما وفي أوروبا الوسطى على وجه الخصوص. # فبعد أن سقطت النمسا في قبضة ألمانيا في مارس 1938 أعلن «هرمان جورنج» في فينا الحرب على ~~اليهود بقوله: «إننا لا نحب اليهود، وهم لا يحبوننا؛ ولذلك فسوف ندخل عليهم السرور بإرغامهم ~~على مغادرة البلاد!» وكان هذا الإعلان بمثابة إنذار لبدء موجة الاضطهاد العظيمة التي سرعان ~~ما أثارت الرعب والفزع في فينا في أبريل من العام نفسه؛ إذ سلط النازيون سيف الإرهاب على ~~أعناق اليهود في هذه المدينة التاريخية القديمة، وكان عدد اليهود بها لا يزيد على 170000، ~~وضاقت السبل في وجه الكثيرين منهم حتى بلغ متوسط من فضلوا الانتحار منهم في كل يوم من أيام ~~هذا الشهر مائة وثلاثين، وظلت موجة الانتحار على شدتها بين اليهود في الشهور التالية، حتى ~~بلغ عدد المنتحرين في يوم من أيام شهر يولية عام 1938 ثمانمائة «800»؛ بل لقد قدر عدد ~~المنتحرين عموما في خلال الشهور الأربعة الأولى من الاحتلال الألماني بنحو سبعة آلاف ~~يهودي. أما الذين لم يلجئوا إلى الانتحار كوسيلة مواتية تخلصهم مما هم فيه من كرب وبلاء، ~~فقد استطاع النازيون أن يبتكروا طرقا منوعة لإفنائهم وإبادتهم، من ذلك تلك الحادثة ~~المشهورة التي رواها «لويس جولدنج # Louis Golding ~~» في كتابه ~~عن «المشكلة اليهودية» في عام 1938، وقد ms198 رواها غيره كذلك، وهي تلخص في أن واحدا وخمسين ~~شخصا وضعوا على ظهر سفينة في نهر الدانوب بالقرب من الحدود التشيكوسلوفاكية دون أن يقدم ~~إليهم طعام أو نقود ... وقد استطاع التشيك أن ينقذوهم، وهيئوا لهم مأوى مؤقتا وأمدوهم ~~بالطعام، ولكنهم ما كانوا يجرءون على الترحيب بهم واستضافتهم مدة طويلة أو على الدوام؛ ~~ولذلك عملوا على ترحيلهم إلى هنغاريا، فأعادتهم إلى النمسا، «ليلاقوا العذاب ثانية!» وقد ~~حدث مثل ذلك أيضا لجماعة أخرى، أخرجتهم النمسا من ديارهم ووضعتهم على ظهر سفينة ظلت تسير ~~بهم في نهر الدانوب عدة أسابيع على غير هدى حتى وقفت خارج إحدى الموانئ النهرية الهنغارية! ~~... وانتهى الأمر بالسماح لهؤلاء المنكوبين بالدخول إلى فلسطين، وكان هؤلاء القلائل - ولا شك ~~- من المحظوظين؛ لأن ألوفا من إخوانهم لم يظفروا بهذه النعمة العظيمة. # أما في ألمانيا؛ فقد بدأت موجة الاضطهاد الكبرى في شهري أكتوبر ونوفمبر من عام 1938 ~~أيضا، وذلك عندما قرر النازيون طرد اليهود نهائيا خارج حدود دولتهم؛ فكان مما حدث نتيجة ~~لهذا القرار أن شرع النازيون يقبضون على اليهود المنحدرين من أصل بولندي المنتشرين في أنحاء ~~الريخ الثالث، وكان أكثرهم لا يزال بملابس النوم الخفيفة عند القبض عليهم وأرغموهم على عبور ~~الحدود البولندية الألمانية سيرا على الأقدام، ومن ورائهم الجنود النازيون بمدافعهم ~~الرشاشة، وقد بلغ عدد هؤلاء المنكوبين 15000 من بينهم ألفان من الأطفال. وفي يوم 29 أكتوبر ~~1938 كان عدد الذين تركوا وشأنهم من غير مأوى أو ملبس أو مأكل، يضربون في الأرض الفضاء ~~الواقعة بين حدود ألمانيا وبولندة عند بلدة زبونستزين # Zbonszyn # نحو سبعة آلاف نسمة. # وقد نشرت جريدة «نيوز كرونيكل» الإنجليزية في عددها الصادر في 14 نوفمبر 1938 قصة هؤلاء ~~التعساء كما رواها واحد منهم، فقالت: # في الساعة الخامسة من صبيحة يوم الجمعة 28 أكتوبر 1938، أوقظنا من نومنا وألقي ~~القبض علينا ... ولما كانت السجون تعج بمن فيها من اليهود البولنديين؛ فقد أرغمنا مع ~~مئات غيرنا على الوقوف والانتظار في ساحة السجن ينهمر علينا المطر مدرارا، وفي هذا ms199 ~~المكان خاطبنا أحد زعماء جنود الحرس # S. S. # وأخبرنا ~~بأنه قد تقرر طردنا وإخراجنا من البلاد، وبأنه سوف يجري ترحيلنا من ألمانيا في ~~الساعة السابعة مساء، ولم يسمح لنا بالعودة إلى بيوتنا. وعلى هذا أرغمنا على ~~مغادرة ألمانيا بما كان على أجسامنا من ملابس ليس غير، أما بقية ملابسنا وكذلك أثاث ~~بيوتنا، وأموالنا، فقد اضطررنا إلى تركها جميعا في ألمانيا، وصادرها رجال ~~الجستابو. ثم نقلنا بعد ذلك إلى عربات السكة الحديدية المخصصة لنقل البهائم، ~~وتذوقنا في هذه الرحلة صنوفا من العذاب وتحملنا آلام الوقوف والجوع والبرد. ثم ~~قطعنا المسافة بين الحدود الألمانية عند «نيو ~~بوشن # Neu Beuchen ~~» والحدود البولندية سيرا على الأقدام، وهي مسافة تبلغ عشرة ~~كيلو مترات، وكان الجنود النازيون عندما غادرنا القطار قبل هذا السير المضني، ~~يدفعوننا ويسوقوننا أمامهم كالأنعام، وينهالون علينا بالضرب المبرح، ويحيطون بنا من ~~اليمين واليسار حاملين بنادقهم ذات الحراب، وفي الخلف، مصوبين مدافعهم الرشاشة ~~نحونا. وفي نهاية الأمر وصلنا إلى الحدود البولندية ونحن في حالة إعياء شديد، حتى ~~سقط على الأرض الشيوخ من الرجال، والعجائز من النساء، وغيرهن من برح بهن التعب ~~وكذلك الأطفال. # وكان جميع هؤلاء يتركون من غير إسعاف أو مساعدة، ولكن الحراس البولنديين لم ~~يسمحوا لنا بالمضي في سبيلنا واجتياز حدود بلادهم وأرغم هذا الحشد - وكنا ثمانية ~~آلاف، من همبورج وبرلين وكولون وإيسن - على المكث في غابة هناك. وفي أثناء ذلك كله ~~ما كان يعنى بأمرنا إنسان، فأخذ منا الجوع كل مأخذ، وعضنا البرد القارس بأنيابه، ~~وسقط منا كثيرون ضحية للجوع والبرد. وظللنا على هذه الحال حتى استطعنا أن نجد ~~مكانا في قرية على الحدود مكثنا بها ثمانية أيام يحرسنا الجنود البولنديون ... وكانت ~~إقامتنا خلال هذه المدة في حظائر الخيول، وفي اثنتين من هذه الحظائر التي ما كانت ~~إحداهما تتسع لأكثر من مائة حصان، اضطر حوالي الثمانية آلاف شخص إلى الإقامة، ~~ينامون على القش ويهلكهم البرد. وأخيرا شكلت لجنة لمساعدتنا وتزويدنا بالطعام؛ ~~فكنا نتناول وجبتين: إحداهما في الصباح والأخرى في المساء، ms200 ولم يكن ما نأكله في كل ~~وجبة يزيد على كسرة صغيرة من الخبز وقليل من الحساء، وهي كمية لم تكن تسد الرمق مما ~~أدى إلى انتشار المرض. وكان المرضى يعزلون في خيام وينامون على القش. وكان عدد هذه ~~الخيام سبعا، ويجري العمل لبناء عشر غيرها بسبب ازدحامها، وليس هناك أي مستشفى، ~~ويزداد عدد المرضى الذين يشكون من الآم المعدة بسبب رداءة الطعام وقلة التغذية. أما ~~الذين أصيبوا بحمى التيفود فقد بلغوا المائة. والماء الموجود في معسكرنا لا يصلح ~~للشرب؛ لأنه ملوث، ومع هذا يدفع اليأس الجميع إلى الشرب منه؛ إذ لا يوجد ~~سواه! # هذه القصة كتبت بعد مضي أسبوع واحد على وجود هؤلاء المنكوبين في المنطقة الحرام الواقعة ~~بين الحدود البولندية والألمانية، وقد اضطر حوالي خمسة آلاف من هؤلاء التعساء إلى البقاء في ~~«زبونستزين # Zbonszyn ~~» أكثر من شهرين، يتلقون مساعدة ~~الهيئات اليهودية البولندية التي جمعت التبرعات لإعانتهم ونجدتهم في جميع أنحاء ~~العالم. ~~••• # أما السبب الذي دعا إلى بقاء هؤلاء المنكوبين وأمثالهم من غير مأوى أو ملبس أو مأكل في ~~المناطق الحرام الواقعة بين حدود دولة الريخ وحدود الدول المجاورة، فهو أن هؤلاء «اللاجئين» ~~اليهود كانوا في الحقيقة لا يحملون «جوازات» أو أية أوراق رسمية من حكومة الريخ الثالث تدل ~~على جنسياتهم؛ ذلك بأن النازيين رفضوا بتاتا إعطاء هؤلاء اليهود المطرودين المنبوذين أية ~~جوازات أو أوراق رسمية، كما فعلوا مع خصومهم السياسيين الآخرين الذين اضطروا إلى الفرار من ~~الطغيان النازي، أو أرغمهم النازيون أنفسهم على مغادرة البلاد، الأمر الذي أوجد ما صار ~~يعرف باسم «مشكلة اللاجئين». # وذلك أنه كان من المتعذر على الحكومات، تبعا لأحكام القانون، أن تقبل في بلادها الأشخاص ~~الذين ليس لديهم جوازات تثبت جنسياتهم، «فعرفوا لذلك باسم الأشخاص الذين لا دولة أو لا وطن ~~لهم»، وكذلك الأشخاص الذين ليس لديهم تأشيرات من قنصليات الدول التي يبغون اجتياز حدودها أو ~~الإقامة بأرضها. # وقد أوضح أحد الثقاة طرفا من أسباب مشكلة «اللاجئين» هذه، بقوله: «إن لعب كرة التنس الذي ~~يتقاذف ms201 أفرادا من البشر قد أصبح أمرا مألوفا معروفا في أوروبا الوسطى منذ وضعت الحرب ~~العظمى الماضية أوزارها، بيد أن عدد ضحايا هذه اللعبة في الماضي كان قليلا، كما أن هؤلاء ~~الضحايا كانوا في الحقيقة من الأفراد الذين أمسوا لا دولة لهم؛ إذ فقدوا جنسياتهم من جراء ~~التغيير الذي طرأ على الخريطة السياسية بعد انحلال امبراطورية الهابسبرج القديمة. أما الآن ~~فقد صار تقاذف أفراد البشر من المسليات الجديدة التي أوجدها إمعان ألمانيا في طرد اليهود ~~وغير الآريين والخصوم السياسيين دون رحمة أو شفقة، وصار حراس الحدود في كل دولة إذا ما أرخى ~~الليل سدوله يتنافسون في الخلاص من أكبر عدد ممكن من هؤلاء «اللاجئين» الموجودين في المناطق ~~الحرام المتاخمة لحدود بلادهم، وذلك بإرغامهم على اجتياز الحدود والدخول إلى أرض الدول ~~المجاورة بطريقة لا يقرها عرف أو قانون، وبذلك يساعد رجال الشرطة في كل دولة مثل هؤلاء ~~الرجال والنساء والأطفال على خرق قوانين الدولة الأخرى، بل إنهم ليدفعونهم إلى ذلك دفعا؛ ~~فكان جند الحرس # S. S. # ورجال الجستابو ينقلون كل مساء حوالي ~~الأربعين لاجئا من النمسا الألمانية إلى القرى الواقعة على حدود مورافيا، ثم يأمرونهم بعد ~~إعطائهم بعض نقود تشيكية بالعدو السريع عبر الحدود، فيتلقاهم من الجانب الآخر الحراس ~~التشيك، ويرغمونهم على عبور الحدود مرة ثانية إلى بلادهم والعودة من حيث أتوا، أما الذين ~~يستطيعون الإفلات من قبضة هؤلاء الحراس، فكانوا يعيشون عيش المجرمين في المدن التي يلجئون ~~إليها؛ لأنهم ما كانوا يجرءون على قيد أسمائهم في سجلات «البوليس» أو كسب قوتهم، بل كانوا ~~في خوف دائم من أن يكشف أمرهم ويرغموا في النهاية على الخضوع لهذه التجربة القاسية مرة ~~أخرى. وكان من أثر هذا الرعب الذي فيه يصبحون وفيه يمسون أن صاروا فريسة سهلة في أيدي أصحاب ~~المحال التي ينزلون بها أو أصحاب الأعمال الذين يستخدمونهم؛ فيظل هؤلاء يهددونهم بفضح أمرهم ~~«للبوليس» حتى يسخروهم في أعمالهم بأجور زهيدة لا يجد اللاجئون مناصا من قبولها؛ خشية أن ~~يؤدي إفشاء سرهم إلى أن ms202 تطبق عليهم القوانين التي وضعتها حكومات هذه البلاد ضد ~~الأجانب.» ~~«وقد حدث مثل ذلك أيضا عند الحدود السويسرية، بل إن حوادث اللاجئين عند هذه الحدود ما ~~لبثت أن زادت زيادة كبيرة؛ إذ إن سويسرة أجازت مؤقتا دخول اللاجئين إلى بلادها، بيد أن ~~السلطات الحكومية في «برن» ما لبثت هي الأخرى أن غيرت من موقفها إزاءهم، فصارت ترفض كما ~~فعلت حكومة «براج» - التشيكوسلوفاكية - قبول اللاجئين إليها، وهكذا أخذ جنودها ورجال الشرطة ~~فيها ومن إليهم يبدون نشاطا عظيما في حراسة معابر الجبال وشواطئ بحيرة «كونستانس» حتى ~~أوصد هذا الباب في وجوه اللاجئين وزادت تبعا لذلك شقاوتهم وتعاستهم.» # تلك كانت «هيستريا اليهودية» في ألمانيا النازية، وظاهر أن هذه الهيستريا بلغت ذروتها في ~~كل من ألمانيا وكذلك النمسا «بعد احتلالها» في شهري أكتوبر ونوفمبر من عام 1938. وفي الواقع ~~إن هذه الموجة القاسية كانت تقترن بحملة واسعة ضد اليهود في ألمانيا، فطفقت الصحف النازية ~~تذكر الأهلين من جديد بقوانين نورمبرج. ونشرت # Schwarze ~~Korps # في عددها الصادر في 23 نوفمبر 1938 - وهي صحيفة الجستابو والحرس ~~الهتلري المختار - # S. S. ~~، طائفة من القوانين والقرارات التي ~~يقصد بها حرمان اليهود من كسب العيش في ألمانيا، ثم قالت: # سوف يستنفد اليهود ما لديهم من رءوس أموال، ويغدون في عداد المجرمين، وعند بلوغ ~~هذه المرحلة، فسوف نواجه ضرورة ملحة شديدة، هي ضرورة إبادة عالم اليهود الإجرامي ~~بالوسائل نفسها التي نتبعها مع المجرمين، أي بالسيف والنار. وأما النتيجة المنتظرة ~~فهي نهاية اليهودية وتحطيمها تحطيما لا قيامة لها من بعده. # ولما كانت «هستريا اليهودية» جزءا متمما «لهستريا الجنس» ولا يمكن أن تنفصل عنها، فقد ~~صار من الضروري إظهار مدى ما بلغته هذه الهيستريا الأخيرة في مسألة صون الجنس الآري وتهيئته ~~للسيطرة العالمية المنتظرة لا من جهة ضمان نقاء الدم الآري وعدم تلوثه بدم الأجناس الأخرى ~~غير الآرية مثل اليهود، وإنما من جهة لا تقل في نظر النازيين خطرا عن سابقتها وهي ضرورة ~~تأسيس المجتمع النازي من أفراد أشداء صحيحي الأجسام، سليمي العقول، ms203 يصلحون بفضل نقاء دمهم، ~~وصحة أبدانهم وسلامة عقولهم «؟» للاستئثار بالحكم والسلطان، لا في ألمانيا وحدها بل وفي ~~العالم أجمع. ~~••• # لم يتورع النازيون عن ارتكاب أشنع الجرائم للتخلص من جميع الأفراد الذين قضوا بعدم ~~صلاحيتهم، لأن يكونوا أعضاء في المجتمع النازي الذي ينبغي أن يتألف في نظرهم من الأفذاذ ~~والأسياد فحسب، ولجئوا في تحقيق أغراضهم إلى وسائل ثلاث: هي القتل، والخصي والتعقيم؛ إذ إنه ~~لم يكن هناك مناص من اختيار الصالحين بدنيا وعقليا وخلقيا حتى ينسلوا أطفالا صالحين ~~من تلك النواحي، يقوم على أكتافهم عندما يشبون عن الطوق صرح الدولة الوطنية الاشتراكية ~~الصميمة. # وقد دلت الإحصائيات على أن عدد المصابين بعلل جثمانية وعقلية وبأمراض تمنعهم من النضال في ~~الحياة من أجل كسب العيش يبلغ المليونين. من هذا العدد الضخم، كان دافعو الضرائب في دولة ~~الريخ يعولون 1151000، وقدر ما كانوا يتكلفونه بمبلغ 1151000000 ريخمارك سنويا. وقدر ~~عدد المصابين منهم بأمراض عقلية بنحو 880000 أي 76٪ من مجموعهم. ويبلغ ما كان ينفقه عليهم ~~دافعو الضرائب سنويا 631000000 ريخمارك أو 54٪ من العبء المالي كله. وقد استدل النازيون ~~من ذلك على أن بقاء هذه الحال على ما هي عليه لا بد مفض إلى تدهور المجتمع في النهاية؛ ~~ولذلك استقر رأيهم على أن من واجب الدولة العمل على التخلص من هؤلاء المرضى غير الصالحين ~~دون إبطاء. # ومع أن النازيين لم يعترفوا صراحة بأنهم يلجئون إلى القتل حتى يتخلصوا ممن يرون أنهم غير ~~صالحين للعيش في المجتمع الألماني، فقد أضحى هذا الأمر من الحقائق المعروفة، ودل البحث على ~~أن عدد القتلى من هؤلاء المنكوبين بلغ في عامي 1939، 1940 مائة ألف شخص اختارهم الزعماء ~~والأخصائيون النازيون، وتولى رجال الجستابو عملية الإجهاز عليهم من غير استشارة أسراتهم في ~~ذلك، فلم يعرف أهلوهم من أمرهم شيئا، بل كان يصلهم نبأ وفاة مرضاهم فجأة على غير انتظار، ~~وقد تقدم كيف أن «جرافينيك»، «هارثيم» و«بيرنا» كانت مراكز هذه المجازر البشرية. # وفي أول يناير 1934 صدر قانون يقضي بأن يخصى غير الصالحين، ثم نفذ ms204 «مكتب سياسة الجنس ~~أو العنصرية» هذا القانون، فبلغ عدد من تم خصيهم في عامي 1934، 1935: 996 شخصا، وقدر ~~المكتب المذكور عدد الذين أخصوا عموما منذ صدور هذا القانون إلى قيام الحرب في سبتمبر ~~1939 بين 1500-2000 أي بما يزيد على 300 شخص في كل سنة. # وبعد خمسة شهور من وصول الهر هتلر إلى الحكم، صدر قانون استطاع النازيون بفضله أن يعقموا ~~«375000» شخصا تقريبا في ست سنوات، أي إلى عام 1939، وأما هذا القانون ويطلق عليه اسم ~~«قانون منع المصابين بالأمراض الوراثية من التناسل» فقد نص على ضرورة إجراء جراحة لكل فرد ~~مصاب بمرض وراثي؛ حتى يصبح عاجزا عن أن يكون له أطفال، على شريطة أن يثبت بطريق الخبرة ~~والتجارب العلمية الطبية أنه من المحتمل جدا أن يرث الأطفال الذين يولدون لهذا الشخص ~~قدرا كبيرا من النقص الجثماني والعقلي، وبلغت هذه الأمراض الوراثية تسعة، منها ضعف العقل، ~~والصرع، والصمم والعمى الوراثيان، والعاهات الجثمانية والجنون والإدمان على المسكرات ~~وغيرها. وكان هذا القانون يطبق على الألمان وعلى الأجانب سواء بسواء، فلم يستطع الأخيرون ~~الإفلات من جراحة العقم إلا إذا غادروا الريخ. وأما الألمانيون المصابون بأحد هذه الأمراض، ~~وكانت سنهم تزيد على عشر سنوات، فكانت تجرى لهم هذه الجراحة، ولم يستثن من ذلك سوى الأشخاص ~~الذين لم تكن لديهم قدرة على التناسل بسبب شيخوختهم أو لأسباب أخرى، وكذلك الأشخاص الذين ~~كان يخشى على حياتهم من إجراء هذه الجراحة لهم، هذا فضلا عن الأشخاص الموضوعين تحت ~~الرقابة التامة في إحدى المؤسسات أو المصحات التي توافق عليها الدولة، أو الذين كانوا ~~يفضلون بمحض اختيارهم دخول إحدى هذه المؤسسات حتى لا تعقمهم الدولة. # وقد أجاز النازيون التعقيم بصفة اختيارية ما دامت الجراحة لا تعرض حياة الراغبين في ~~إجرائها للخطر، وفي غير الظروف التي يثبت فيها أن الأفراد الذين يرغبون فيها، غير مصابين ~~بعاهات أو أمراض يخشى انتقالها بالوراثة إلى ذراريهم، والسبب في هذا القيد أن القانون ~~النازي كان يعتبر الإكثار من النسل واجبا تفرضه الدولة على المواطنين الأصحاء، أصحاب ms205 ~~العقول والأجسام السليمة، كما كان يعتبر منع المرضى والمصابين بالعلل الوراثية من أن ~~يتناسلوا من أهم وأقدس واجبات الدولة. # ولا شك في أن «قانون منع المصابين بالأمراض الوراثية من التناسل» كان من أخطر القوانين ~~التي سنها النازيون وأقساها، فمن الناحية العلمية، لم يقطع علماء البيولوجيا برأي في أنواع ~~الأمراض التي يمكن انتقالها بالوراثة، كما أنه من المتعذر تقدير مدى ضعف التفكير وإعمال ~~الروية لدى أي إنسان، أو إقامة الدليل على أن رجلا من الرجال ضعيف العقل قاصر الذهن، قليل ~~الإدراك، وكل هذه من الحالات التي كان النازيون يطلبون أن يعقم من أجلها أصحابها ولم يجد ~~واضعو هذا القانون وسيلة للتمييز بين ذوي العقول السليمة وذوي العقول المضطربة سوى الالتجاء ~~إلى ما يسمونه «اختبارات الذكاء»، وهي عبارة عن مجموعة من الأسئلة كانت تضعها الحكومة ~~النازية وتطلب إلى الأفراد الذين تريد فحصهم الإجابة عليها، فإذا استطاعوا ذلك كانوا من ~~أصحاب العقول الراجحة السليمة، أما إذا عجزوا كان التعقيم الإجباري من نصيبهم. غير أنه كان ~~يحدث في حالات عدة أن «المرضى» كانوا يستطيعون الحصول على الإجابات المطلوبة في نظير رشوة ~~يدفعونها عن طيب خاطر في سبيل التحرر من قسوة هذا القانون، ولما وجد النازيون أن كثيرين من ~~خصومهم الذين أرادوا حرمانهم القدرة على التناسل نكاية بهم قد استطاعوا الإفلات من ~~«اختبارات الذكاء»، ابتكروا مقاييس أخرى تمكنهم من تنفيذ مآربهم، فقال الهر هتلر: «إنه يكفي ~~لإثبات حالات ضعف العقل، وقصور الذهن أن يوسم الفرد بالتفكير السطحي أو بعدم القدرة على ~~تقليب وجوه الرأي في أمر من الأمور، أو بالانحلال الخلقي.» وهكذا عقم النازيون أكثر من ~~200000 شخص بسبب «ضعف عقولهم»، كما ادعوا. كما سيطروا بفضل هذا القانون وبفضل التفسيرات ~~والاختبارات التي أعدوها على حياة ثمانين مليونا من الأنفس في دولة الريخ الثالث. # ولم يقنع النازيون بإجراء عمليات التعقيم والخصي للأشخاص الذين ينطبق عليهم القانون، بل ~~اتخذوا من وجود هذا القانون ذريعة لإلقاء الرعب والفزع في قلوب أولئك المواطنين الذين ~~اعتبرهم السادة النازيون أعداء للنظام ms206 القائم، فكان التعقيم والخصي إلى جانب القتل والعزل ~~في مصحات الاعتقال من وسائل بسط نفوذهم وسلطانهم على ألمانيا. # ومع هذا كان النازيون يبررون ما يفعلون بأنهم إنما يريدون أن ينشئوا مجتمعا من السادة ~~الصالحين لممارسة شئون الحكم في العالم، فهم من أجل إنشاء هذه الطبقة «النبيلة» لا يترددون ~~في اتباع كل ما يرونه ضروريا للمحافظة على نقاء الدم وخلوص الجنس الآري من الشوائب. ~~وللتأكد من أن الصالحين جثمانيا وعقليا وخلقيا هم وحدهم أصحاب الحق في أن يتناسلوا، ~~وكان ذلك أهم ما دعا النازيين إلى إصدار ما سبق الحديث عنه من القوانين المتعلقة ~~بالزواج. # ومما يدل على أن النازيين كانوا يريدون من سن هذه القوانين الصارمة أن يوجدوا مجتمعا من ~~الرجال الأفذاذ المتعصبين للمبادئ النازية ولتعاليم الزعيم، والذين لا يعرفون غير الدولة ~~الوطنية الاشتراكية الصميمة وطنا لا يحجمون عن أن يفتدوه بالمهج والأرواح، أن الزعماء ~~النازيين حرصوا دائما على أن يختاروا جماعة الحرس المختارة # S. ~~S. # الذين اصطفاهم الهر هتلر وانتقى منهم حراسه الخصوصيين الذين يسهرون ~~على حياته من بين الذين نشئوا نشأة نازية صحيحة، وثبت نقاء جنسهم الآري وصلاحيتهم العقلية ~~والخلقية حسب مقاييس الحزب. ولزيادة التأكد من أن طبقة النبلاء الجديدة من جنود الحرس، سوف ~~تظل دائما بمنأى عن أن يلوثها بطريق المصادفة أو الخطأ امتزاج دم الأجناس الأخرى بدم ~~أعضائها الآري النقي، أو انتقال أحد الأمراض المعدية إلى أفرادها وذرياتهم، لم يقنع ~~النازيون بالقوانين القائمة المعمول بها في هذا الشأن، بل أصدروا أوامر وتعليمات خاصة طلبوا ~~إلى جنود الحرس # S. S. # الخضوع لها والعمل بها. فأصدر «هنريك ~~هيملر» في آخر ديسمبر 1931 أمرا جاء فيه: أولا: رجل ~~الحرس # S. S. # يجري اختياره بدقة من بين الألمان الذين ينحدرون من أصل آري صحيح. ~~ثانيا: وعملا بما تتطلبه أغراض الوطنية الاشتراكية، وبناء على ما هو معروف من أن مستقبل ~~الشعب الألماني «الجرماني» يتوقف على بقاء الدم الذي يجري في عروق هذا الشعب نقيا، تقرر ~~أن نعد تصريحات خاصة لزواج جند الحرس ms207 ابتداء من أول يناير 1933. ثالثا: الغرض من هذا ~~إنشاء أسرات جرمانية محترمة من الجنس الآري، وبقاء هذه الأسرات. رابعا: تعطى أو تمنع ~~تصريحات الزواج هذه بناء على اعتبارات متعلقة بنقاء الجنس وسلامة الصحة الموروثة فحسب. ~~خامسا: كل فرد من أفراد الحرس # S. S. # يريد الزواج عليه أن ~~يحصل على ترخيص من زعيم هذه الجماعة هنريك هيملر. سادسا: جميع من يتزوجون على الرغم من رفض ~~الترخيص لهم بذلك يطردون من جنود الحرس. وفي المواد «السابعة والثامنة والتاسعة» طلب هيملر ~~من الراغبين في الزواج أن يقدموا جميع الوثائق التي تثبت خلوص آريتهم وآرية الزوجات اللواتي ~~يقع عليهن اختيارهم؛ حتى تستطيع الهيئة المكلفة بفحص هذه المسألة أن تهيئ «شجرة الأسرة» ~~كاملة لفرق الحرس، وأن تحتفظ بها ضمن أوراقها ووثائقها. وفي المادة العاشرة والأخيرة، اختتم ~~هيملر هذا الأمر بقوله: «إن جنود الحرس # S. S. # يعرفون دون ~~ريب أننا خطونا بفضل صدور هذا الأمر خطوة لها أهميتها. وكل سخرية أو تحقير أو سوء فهم لا ~~يؤثر فينا، فإنما المستقبل لنا وحدنا!» # ولما كان جنود الحرس من الذين سبق لهم اجتياز اختبارات الحزب النازي المنوعة قبل انضمامهم ~~إلى هذه الجماعة المصطفاة، فإن جميع المتاعب الناشئة عن تطبيق هذا الأمر كانت في الحقيقة من ~~نصيب المرأة التي تحدثها النفس بالزواج من أحد هؤلاء النبلاء الجدد، فكان عليها قبل كل ~~شيء أن تكتب إلى عدد من الأبروشيات حتى تستخرج من سجلاتها شهادات الميلاد ووثائق الزواج ~~الخاصة بأجدادها إلى الجد الثالث على الأقل، ولم يكن استخراج هذه الشهادات والوثائق من ~~الأمور السهلة الهينة، بل كان يتطلب جهدا عظيما من السيدة؛ إذ كثيرا ما كانت تضطر إلى ~~السفر والانتقال من مكان إلى آخر باحثة منقبة، تقابل طائفة من الموظفين وتتحدث إلى رجال ~~الدين المكلفين بحفظ هذه «السجلات» «الثمينة» في الأبروشيات المختلفة، ومن يدري لعلها لا ~~تظفر بعد هذا الجهد المضني بطائل، لضياع هذه الشهادات والوثائق القديمة نتيجة إهمال ~~المكلفين بحفظها في بعض الأحيان. وبعد وصول النازيين إلى الحكم وصدور قوانين ms208 الزواج ~~الصارمة، تعددت حوادث السطو على الأبروشيات لسرقة سجلات المواليد والوفيات وعقود الزواج، ~~رغبة في تزوير شهادات ووثائق يمكن بيعها في «السوق السوداء» التي أوجدتها قوانين الزواج ~~النازية لمن يبغون إثبات أن الدم الآري النقي يجري في عروقهم وعروق أجدادهم من أزمنة ~~قديمة؛ حتى تتاح لهم فرصة الزواج أو الالتحاق بإحدى الوظائف الحكومية الهامة أو الانخراط في ~~سلك الحزب النازي العتيد، أو الانضمام إلى طوائف الحرس ~~الأسود # S. S. # والتمتع بالمزايا التي أضحت من نصيب هؤلاء «النبلاء» الجدد في ~~ألمانيا النازية. # فإذا استطاعت السيدة بعد هذه المتاعب الأولى الحصول على الشهادات والوثائق التي تريدها من ~~الأبروشيات المختلفة، وقبلت السلطات النازية هذه الأوراق وقطعت بأنها صحيحة، وجب عليها بعد ~~ذلك أن تعرض نفسها لفحص طبي دقيق تقوم به وزارة الصحة حتى تحصل على «شهادة الصحة» التي لا ~~غنى عنها بتاتا من أجل إجازة الزواج والموافقة عليه. وقد يظن القارئ أن هذا الفحص طبي ~~بالمعنى المعروف، ولكن الذي يحدث خلاف ذلك؛ إذ يكفي أن تقتنع السلطات النازية بأن السيدة من ~~مؤيدات «الزعيم» والنظام القائم، فتعطيها الشهادة الطبية المطلوبة ما دامت ذات شعر أشقر، ~~وجمجمة طويلة وعينين زرقاوين، ولها غير ذلك من الخصائص الجثمانية التي تميز - في نظر ~~النازيين - الجنس الآري من الأجناس الأخرى. ومما ينبغي ذكره أن هذا الفحص الطبي قد أغفل ~~إغفالا تاما في أثناء الحرب، فصار طالبو الزواج يحصلون على الشهادات الصحية بعد فحص ~~سجلات الصحة العمومية، بينما يعفى الجنود وغيرهم ممن يؤدون خدمات وطنية مماثلة لما يؤديه ~~الجنود من الفحص الطبي إعفاء تاما. # فإذا استطاعت السيدة إرضاء السلطات النازية والحصول على «شجرة الأسرة» المطلوبة أو «جواز ~~الآرية»، ثم على الشهادة الصحية؛ أمكنها أن تقدم طلبا للدولة حتى تحصل على «قرض الزواج» ~~ذلك بأن الدولة النازية أخذت على عاتقها منذ دانت السلطة للهتلريين في دولة الريخ الثالث، ~~إعطاء الزوجين معا قرضا يصل أحيانا إلى الألف من الريخماركات أو الخمسين جنيها ~~إنجليزيا. وعند بدء العمل بهذا النظام منذ أول يونية 1923 ms209 كثر الإقبال على الزواج حتى ~~اعتبر النازيون هذا التنظيم نجاحا عظيما لهم. وعلى هذا لم يكن الغرض الأول من «قروض ~~الزواج» سوى معالجة أزمة البطالة المنتشرة في تلك الأونة بطريق غير مباشر؛ إذ كان من شروط ~~الحصول على «قروض الزواج» أن تكف السيدة المزمعة على الزواج عن مزاولة عمل من أعمال كسب ~~العيش في الدولة، فتفسح بخروجها من ميدان العمل مكانا لأحد الرجال العاطلين. أما ما أحدثه ~~هذا التنظيم من آثار فيحسن إرجاء الكلام فيه حتى يبحث مركز المرأة في ألمانيا في ظل النظام ~~النازي الجديد. # فإذا استطاعت السيدة التسلح «بجواز الآرية»، و«الشهادة الصحية»، و«وثيقة قروض الزواج»، ~~فإن عليها إذا أصرت بعد ذلك كله على الزواج من خطيبها جندي الحرس الأسود # S. ~~S. # أن تلتحق بمدرسة أعدت خصيصا ~~«للعرائس # Bräuteschule ~~»، وهي مدارس انتشرت في ألمانيا ~~وأرغم النازيون «العرائس» على الالتحاق بها؛ حتى يتلقين التعليم الذي كان يعده النازيون ~~ضروريا لكل امرأة تريد الزواج من أحد جنود الحرس، والانضمام بفضل هذا الزواج إلى زمرة ~~«النبلاء» الذين تتألف منهم أرقي الطبقات وأعلاها في المجتمع النازي. ~~••• # ولكن لماذا كان على المرأة وحدها أن تتحمل كل هذه المتاعب؟ بعض السبب في هذا أن جنود ~~الحرس الأسود # S. S. # رجال سبق اختيارهم واطمأن الزعماء ~~إلى أنهم يتمتعون بجميع ميزات «البطل الآري». ولكن السبب الأكبر هو طبيعة المركز الذي كانت ~~تحتله المرأة في المجتمع النازي الجديد. ويوضح نظرة النازيين إلى المرأة ومقدار ما يحملونه ~~لها من احترام أو تحقير، أقوال زعمائهم وكتابهم، وكذلك تصرفاتهم وتشريعاتهم منذ وصولهم إلى ~~الحكم. فقد حرص النازيون من مبدأ الأمر على إبراز حقيقة لها أهميتها: هي أن الدولة التي ~~يعتزمون إنشاءها «دولة رجال» لا يمكن أن تجد المرأة في وظائفها المدنية والسياسية مكانا ~~تستطيع أن تعمل فيه إلى جانب الرجل، أو أن تنافسه في كسب العيش، كما أنها محرومة الحرمان ~~كله في «دولة الرجل» هذه من أية حقوق سياسية، وبخاصة حق التصويت في الانتخابات. # لذلك كتب أحد النازيين عقب وصول حزبه ms210 إلى الحكم يقول: # سوف تعيش المرأة الألمانية منذ الآن في دولة يشيدها ويقودها الرجل، أي في دولة ~~غير برلمانية، دولة محافظة لن يكون للمرأة فيها خلال المدة الطويلة التالية أي ~~نفوذ مباشر، كما كان الحال فيما مضى. # وفي كتاب «أسطورة القرن العشرين»، كتب فيلسوف النازية «ألفرد روزنبرج»: # لقد كان دائما من رأي أصحاب التفكير العميق أن الرجل متفوق على المرأة في ميادين ~~البحث العلمي والاختراع والكشف، وفي جميع الأعمال التي تدعو إلى الابتكار. أما ~~المرأة فوظيفتها مقصورة على صون الدم وتخليد الجنس (أي التناسل). # إلى أن قال: # وفي أوقات المحن العصيبة، يظهر إلى عالم الوجود كل من الرجل المخنث والمرأة ~~«المحررة» وكلاهما دليل الانحلال السياسي والثقافي. وعلى الرغم من جميع الحريات ~~الممنوحة للمرأة، فإن قول الفيلسوف اليوناني أرسطو لا يزال صحيحا وهو: إن عجز ~~المرأة هو الذي يجعل منها المرأة التي نعرفها! # وعلى ذلك، كان منح المرأة نفوذا دائما في أعمال الدولة من علامات انحلال العصر التي لا ~~يمكن أن يخطئها أحد، وآية ذلك - في نظر روزنبرج - «هذا الهبوط الشنيع الذي نلحظه في مستوى ~~الثقافة الأمريكية نتيجة لتمتع المرأة بمركز له خطره في المجتمع الأمريكي»، بل إن «روزنبرج» ~~لا يتردد في الاعتقاد بأنه لو كان أمر الدفاع وتصريف شئون السياسة متروكا بأيدي النساء، ~~لكان مصير أمريكا الضياع والفناء منذ مدة طويلة. وفي عام 1934 تحدث الهر هتلر إلى «مؤتمر ~~النساء» عند انعقاد الحزب النازي فقال: # لقد حرصنا - نحن الوطنيين الاشتراكيين - منذ عهد طويل على أن نمنع النساء من ~~التدخل في شئون الحياة السياسية التي لا تعنيهن؛ إذ إن هذا التدخل عار وأي ~~عار. # ومع هذا، فقد حرص النازيون على ألا يظهروا بمظهر المحقرين لشأن المرأة. ومن الحقائق ~~المعروفة أن النساء في ألمانيا كن من أكبر المشجعين للحزب الوطني الاشتراكي عند نشأته، ومن ~~أكبر المؤيدين للزعيم هتلر وأنصاره في جميع الانتخابات التي أوصلته في النهاية إلى منصب ~~المستشارية، اعترف الهر هتلر نفسه بهذه الحقيقة، فقال إنه لا يسعه سوى الاعتراف بما ms211 كان ~~لجلد النساء وشدة احتمالهن للمصاعب، وإخلاصهن للحركة النازية من أثر كبير في نجاحها، فلولا ~~هذا الجلد وذياك الإخلاص من جانب المرأة الألمانية لما استطاع أن يقود الحزب إلى النصر في ~~النهاية؛ ولذلك لم يشأ الزعماء النازيون في البداية إغضاب المرأة، فشرع «الهر جوبلز» وزير ~~دعاوتهم يفسر أقوال «روزنبرج» وغيره، بقوله: «إن إخراج المرأة من الحياة العامة ليس المقصود ~~منه التخلص منها أو الاستغناء عن خدماتها، وإنما إرجاعها إلى الحياة الأصيلة الشريفة حياة ~~الأسرة والمنزل.» # غير أن أقوال «جوبلز» وأمثاله ما كانت لتغير شيئا من نصيب المرأة التي انحط مركزها في ~~المجتمع الهتلري حتى صارت هدفا لكل الإهانات التي شاء متطرفو النازيين أن يوجهوها إليها. ~~وكانت السيدات «الآريات»، التي نشأ بينهن وبين اليهود غير الآريين مودة وصداقة، أكثر عرضة ~~للتحقير والإهانة من غيرهن، وتحملن عذابا أليما على أيدي الشبان الهتلريين في كل ظرف ~~ومناسبة. من ذلك ما حدث في «نورمبرج» في يوم من أيام شهر أغسطس عام 1933 عندما قبض شاب من ~~جند الهجوم # S. A. # على فتاة آرية تبلغ التاسع عشر ~~ربيعا كانت تسير في صحبة شاب يهودي، فانتزعها قسرا إلى مكان قريب حيث قص شعرها وحلق رأسها ~~وعلق حول عنقها إعلانا كتب عليه: «لقد أسلمت نفسي إلى رجل يهودي!» ولم يكن هذا كل ما حدث ~~للبائسة؛ إذ اجتمع من حولها زعانف النازيين وأرغموها على السير في الشوارع والتنقل من مقهى ~~إلى آخر، وفي كل من هذه المقاهي أرغموها على أن تقف فوق منصة عالية وانهالوا عليها بأفحش ~~ألفاظ الشتم والسباب. أما الفتاة المسكينة فسرعان ما فقدت عقلها عقب هذا الحادث المؤلم، ~~وأودعت مستشفى للأمراض العقلية، ولا يدري أحد ما حدث لها بعد ذلك. وإذا كان هذا نصيب ~~المرأة الآرية، فإن نصيب المرأة اليهودية على أيدي الهتلريين كان أشد وأنكى، فاليهوديات كن ~~«المنبوذات» في المجتمع النازي الجديد. ومن المعروف أن النازيين بعد سقوط النمسا أرغموا ~~السيدات اليهوديات في مدينة فينا على تنظيف «مراحيض» الرجال ونقل القاذورات بأيديهن! # وكذلك يتبين ms212 مبلغ امتهان المرأة من الأساليب التي كان يتبعها الهتلريون في معاملة النساء ~~عامة في المجتمع الألماني. فبينا كانوا يطلبون إلى زوجاتهم البقاء في بيوتهن لإدارة شئون ~~الأسرة ويحضونهن على عدم التزين واستخدام المساحيق وما إليها بحجة أن المرأة النوردية ليست ~~في حاجة إلى مثل هذه الوسائل المنافية للحشمة والتي تلجأ إليها غير الآريات والزنجيات ومن ~~في عدادهن لاصطياد الرجال وإغرائهم، كانوا من ناحية أخرى - باعتبارهم أصحاب السيادة والنفوذ ~~في دولة الرجل الجديدة - يسيرون مع غير زوجاتهم سيرة معوجة، فيقبلون على معاشرة الشقراوات ~~الجميلات خارج نطاق الزوجية، ويطلبون إلى خليلاتهم الاهتمام بكل ما يزيدهن جمالا ويكثرون ~~من إهدائهن الورود والزهور، ويقرعون معهن كئوس الشراب مترعة، حتى قال أحد النقاد ~~الاجتماعيين ما معناه: «إن كل شيء في ألمانيا لا يمكن الحصول عليه بدون بطاقة التموين، عدا ~~الشقراوات، والزهور والرياحين، والشمبانيا، ومعاطف الفرو الثمين والجنبري!» # ولم يقف الأمر عند هذا الحد، فقد ظهرت عوامل أخرى نشأ بعضها - ولا شك - من امتهان المرأة ~~وتحقيرها، وتحريم الزينة عليها وإرغامها على الترهل والبدانة - لأن البدانة كما كان يزعم ~~النازيون من أنجع الوسائل لسرعة الحمل وولادة الأطفال الأصحاء - ونشأ بعضها الآخر من طبيعة ~~تنظيم الحزب النازي نفسه، وكذلك تنظيم الدولة التي شاء الزعماء أن تكون دولة من الرجال، ~~وللرجال وحدهم. وقد نجم عن تضافر هذه العوامل انتشار مرض الاختلاط الجنسي الشاذ بين هؤلاء ~~الرجال أنفسهم. # وهذا المرض الاجتماعي الوبيل، يرجع في الحقيقة إلى أصول تاريخية وثقافية قديمة، يمكن ~~إدراكها إذا عرف شيء عن تاريخ الأمة الألمانية خلال حرب التحرير من السيطرة النابليونية، ~~وكذلك عندما ظهرت رغبتها في التحرر من سلطان الإمبراطورية النمساوية القديمة في القرن ~~التاسع عشر؛ فقد لجأت في سبيل تحقيق أغراضها ومآربها إلى تأليف الجمعيات السياسية من أبناء ~~الجامعات الألمانية وغيرها أمثال: «البورشنشافت # Burschenschaft ~~» وجماعات الطلبة «ستودنتنشافت # Studentenschaft ~~»، وكذلك جماعات «شباب ألمانيا الحرة»: «فرايدوتش يوجند # Ereideutsche Jugend ~~» التي تألفت في عام 1913 من ~~الشبان الذين أرادوا الاحتفال بذكرى مرور مائة عام على معركة «ليبزج»، حيث ms213 انهزم نابليون ~~بونابرت في أكتوبر 1813. وكانت كل من هذه الجماعات تقوم على أساس إفناء الفرد في شخص الحزب ~~أو الجمعية، وإفناء الحزب أو الجمعية في شخص الزعيم، وكان يربط بين الأعضاء من ناحية وبينهم ~~وبين الزعيم من ناحية أخرى رباط الدم على غرار ما كان يحدث بين القبائل والعشائر الجرمانية ~~القديمة. كما أن مؤسسي هذه الجماعات اعتقدوا بضرورة عزل أعضائها الشبان، ومنعهم من مخالطة ~~النساء؛ بدعوى أن هذه المخالطة تصرف الأعضاء عن تكريس أنفسهم لخدمة القضية التي نصبوا ~~أنفسهم لخدمتها؛ ولذلك أنشئوا لأعضاء هذه الجمعيات منتديات خاصة، ورسموا لهم نوع الحياة ~~التي يجب أن يعيشوها في معسكراتهم. وكان من السهل أن ينشأ مرض الاختلاط الجنسي الشاذ بين ~~هذه الجماعات البعيدة عن النساء، شأن كل جماعة تعيش في عزلة جنسية. # وقد تقدم الكلام عن تأسيس الحزب النازي وشرح نظرية «الزعامة » المسئولة وبيان ما كانت ~~تتطلبه تلك الزعامة من ضرورة إفناء الفرد في شخص الزعيم، كما تقدم الكلام عن رغبة الزعماء ~~النازيين في أن يؤلفوا من شبان حزبهم طبقة جديدة من النبلاء في ألمانيا، فعزلوهم عن غيرهم، ~~كما قيدوا زواج أعضاء الحزب وجماعة الحرس الأسود على وجه الخصوص بتلك القيود الصارمة التي ~~سبق ذكرها. ويتضح من هذا كله أن النازيين أنشئوا حزبهم على القواعد والمبادئ ذاتها التي ~~عملت بها الأحزاب والجماعات القديمة، مثل «البورشنشافت» وغيرها. وقد انتشرت العلاقات ~~الجنسية الشاذة بين أعضاء الحزب النازي انتشارا مريعا من مبدأ الأمر حتى صار زعماء الحزب ~~لا يجدون غضاضة في أن يعرف الناس عنهم هذه الصفات المرذولة، بل إنهم كانوا يفخرون بها. وما ~~يزال حادث «إرنست روم» وإخوانه من ضحايا «حمام الدم» المشهور في ميونخ في يونية 1934 ماثلا ~~للأذهان. # وزيادة على ذلك فإن هذه الرذيلة الجنسية الشاذة لم يكن لها سند تاريخي فحسب، بل كانت ترجع ~~كذلك إلى أصل ثقافي. فقد استطاع أحد كبار الكتاب والمؤرخين «أوتوزاريك # Oto Zarek ~~» أن ينشر في عام 1934 بحثا قيما عن تاريخ الثقافة ~~الجرمانية من أدب وشعر وموسيقى ms214 وتصوير وفلسفة واجتماع، وكان من النتائج التي انتهى إليها من ~~جميع هذه البحوث، أن «الروح» الجرمانية روح مزدوجة تحلق بالألمان في سماء الإنسانية والمجد ~~من ناحية، وتهبط بهم إلى حضيض الحيوانية واستمراء البطش والقسوة من ناحية أخرى في الوقت ~~نفسه. وكان من بين ما تناوله هذا الكاتب المؤرخ مسألة وجود هذا المرض الجنسي الشاذ وانتشاره ~~بين الجماعات والأحزاب الألمانية السياسية وغيرها من القديم، وبين الحزب النازي نفسه، وقد ~~أسفرت بحوثه في هذا الموضوع عن نشر حقيقة ظلت الدعاية الألمانية على أيدي الهر جوبلز ~~وأمثاله تحاول أن تطمس معالمها، وهي أن الهر هتلر نفسه زعيم الحزب النازي، وزعيم دولة الريخ ~~الثالث، كان من أشد الناس انغماسا في هذه الرذيلة؛ فقد ذكر «زاريك» في كتابه «الثقافة الجرمانية # German Kultur ~~» صفحة 184 ما ترجمته: # كان «روم» الرجل الذي نجح نجاحا عظيما في تنظيم خلايا الحزب النازي الجديد، ~~فجمع أعضاء الحزب من بين أفراد «حركة الشباب الألماني» الذين كانوا أكثر قبولا من ~~غيرهم للانضمام إلى حزبه، وقد تبين أن ما قاله «بلوهر # Blüher ~~»، قول صادق؛ وهو أن الحركة النازية ما كان يمكن أن تنجح لو ~~أن هتلر لم يضع نفسه على رأسها، «فإن كل شيء يتوقف على الشخصية»، وهذا أمر مسلم ~~به، ولكن شخصية هتلر لم تكن تتلاءم تماما مع ما كان يطلبه «بلوهر»؛ ففيما بين عامي ~~1920، 1922 قبل حركة الانقلاب والثورة الفاشلة Putsch ~~، كان نشاط هتلر الجنسي الشاذ معروفا في ~~ميونخ، ثم سعى هتلر حتى يخفي أمر انغماسه في هذه الرذيلة، ويحيط هذا النشاط بسياج ~~من الكتمان عندما أدرك أنه سوف يحتل مكانا ملحوظا في أعين الجماهير، بل إن يقظته ~~سرعان ما جعلته يحمل على هذه الرذيلة الشاذة في خطبه العامة، ولو أنه كان يعرف حق ~~المعرفة أن أخص أتباعه المقربين إليه كانوا من المنغمسين في حمأة هذه ~~الرذيلة. # وهتلر نفسه هو الذي جعل من «إرنست» صاحب الشهرة السيئة من هذه الناحية في مجتمعات ~~برلين، رئيسا لجند الحرس الأسود # S. S. # في سيلزيا، ms215 ~~وقد ظل «إرنست» يحتل هذا المكان الرفيع حتى قضي عليه فيمن قتلوا من زملاء «روم» ~~في حادث ميونخ. وهتلر نفسه هو الذي اختار «بالدور فون شيراش # Baldur von Schirach ~~» لزعامة شباب الريخ # Reisch Jugend führer ~~، فلم تنقض فترة قصيرة حتى أطلق عليه أحد ~~المتندرين في برلين اسم «مفسد شباب ~~الريخ # Reisch Jugen verführer ~~» - ومعنى # Verführer # بالعربية: المضلل، أو الرجل الذي يحمل سواه على سلوك سبيل الغواية - وهتلر نفسه هو ~~الذي نصب «الدكتور فونك # Dr. Funk ~~» وزيرا لمالية ~~الريخ، والدكتور فونك من الذين كانوا يترددون كل مساء على مواخير الاختلاط الجنسي ~~الشاذ، وهتلر نفسه هو الذي منح مركزا عاليا في وزارة المالية لصديقه «أرنست والتر # Walter ~~» من محترفي الملاكمة ومدربه القديم في ~~السباحة. # ولكن أهم من ذلك تلك القصة التي يرويها ويؤكد صدقها أحد أقرباء وزير نازي مشهور، وهي تلقي ~~ضوءا على حياة هتلر الشاذة؛ فقد اعترف هذا الشاهد بأن «بالدور فون شيراش» كان الشخص المكلف ~~باختيار ضحايا الزعيم، أما هؤلاء الضحايا فكانوا بعد افتراس الزعيم العظيم لهم وقسوته ~~الشاذة معهم، يقتلون في التو والساعة تخلصا منهم حتى لا يذيع شيء من أمر هذه المآسي، ~~وعندئذ يرسل زعيم شباب الريخ خطاب تعزية لوالدي الضحية البائس يخبرهما فيه بأن فتاهما أصيب ~~بحادث أودى بحياته في أثناء خروجه في رحلة للسير على الأقدام مع زملائه. # ويختتم «أوتو زاريك» هذا الحديث بقوله: «وإن هذه القصة لتتفق الاتفاق كله مع نظام التربية ~~الألماني، وطقوس رباط الدم الأخوي الخفية، وهي في الحقيقة النتيجة المنطقية لعملية بدأت في ~~الواقع قبل تأسيس دولة الريخ الثالث على أيدي هتلر بحوالي المائة عام!» ولعل أكبر دليل على ~~انتشار هذه الرذيلة ما أذاعته جريدة الحرس الأسود # S. S. # والبوليس الرسمية - المسماة # Das Schwarzekorps ~~- في مارس ~~1937 من أن عدد المصابين بهذا الداء الوبيل والملتحقين بمخلتف الأندية المخصصة لإتيان هذه ~~الفاحشة في أنحاء الريخ، بلغوا المليونين عند وصول النازيين إلى الحكم. وهذا بطبيعة الحال ~~عدا أولئك الذين كانوا لا ينتمون إلى هيئة ms216 من الهيئات التي أحصيت. # وفي استطاعة القارئ أن يتصور ما تكون عليه حال المرأة في مجتمع تنتشر بين شبابه ورجاله ~~وزعمائه رذيلة الاختلاط الجنسي الشاذ هذا الانتشار المروع! # على أن المصائب التي نزلت بالمرأة الألمانية لم يكن مصدرها جميعا انتشار هذا المرض، ~~فهناك ناحية إيجابية أيضا في التنظيم والتشريع النازي سبب للمرأة الألمانية آلاما لا ~~تحصى، وألحقت بها المذلة والمهانة. مثال ذلك ما فعله النازيون؛ إذ حرموا النساء في دولة ~~الريخ الثالث مباشرة حقوقهن السياسية. # فمن الحقائق المعروفة أن عدد النائبات في مجلس الريخستاج المنحل في 31 يولية عام 1932 كان ~~يبلغ الثمانية والثلاثين امرأة، نقص إلى خمسة وثلاثين في نوفمبر ثم إلى ثلاثين في انتخابات ~~مارس 1933، ثم اختفى النساء من الريخستاج نهائيا منذ استأثر النازيون بالسلطان المطلق في ~~الدولة. وزيادة على ذلك فقد أصدرت الحكومة البروسيانية في 27 أبريل 1934 أمرا يقضي بطرد ~~جميع المتزوجات اللواتي تستطيع أسراتهن إعالتهن من الوظائف، وظلت الحكومة النازية تتذرع ~~بشتى الوسائل لإنقاص عدد الموظفات إلى أقل عدد ممكن. وطرد النازيون فيمن طردوا عددا كبيرا ~~من المعلمات بمدارس البنات واستبدلوا بهن الرجال، وبذلك نقص عدد المدرسات بمدارس البنات ~~العالية في عام 1935 إلى «9941» بعد أن كان قبل استلام النازيين لأزمة الحكم «11370». وفي ~~السنة الدراسية 1935-1936 بلغ عدد من يقومون بالتدريس في المعاهد العالية «5888»، كان عدد ~~النساء بينهم 46، لم يعطين إلى جانب ذلك مناصب ثابتة أو مراكز مستقرة. ومع أن عدد ~~المشتغلات بالأعمال الاجتماعية الصرفة، ظل على ما هو عليه تقريبا مع ازدياد عدد الطبيبات؛ ~~فقد استأثر الرجال بالمراكز المسئولة، وقد هدد الدكتور «جيرهارد واجنر # Gerhard Wagner ~~» وهو رئيس الأطباء النازيين في ذلك الحين، في اجتماع عقد ~~في برلين في ديسمبر 1934: «بأنهم - أي النازيين - سوف يقضون على كل تربية عالية للنساء!» إذ ~~قيد النازيون تعليم المرأة العالي بقيود صارمة، فأصدروا في 23 أبريل 1933 قانونا قضى ~~بإنقاص عدد الطلبة في الجامعات الألمانية إلى 120000 طالب، على أن تبلغ نسبة عدد الطالبات ~~10٪ من هذا المجموع، أي ms217 12000 طالبة، فإذا عرف أن عدد الطالبات في الجامعات الألمانية في ~~آخر سنة مدرسية سبقت وصول النازيين إلى الحكم بلغ «21829» أي 19,2٪ من مجموع الملتحقين ~~بالجامعات؛ لتبين أن عدد الطالبات اللواتي أراد النازيون إخراجهن من الجامعات وحرمانهن ~~الدراسة العالية لم يكن يقل عن «10000» فتاة. ومع أن السلطات النازية لم تلبث أن ألغت هذا ~~القانون في 9 فبراير 1935، فإن الفتاة الألمانية الراغبة في إتمام دراستها العالية كانت تجد ~~مشقة عظيمة في تحقيق هذه الرغبة. # ولكن إذا حرمت المرأة التعليم العالي، والفرصة التي تمكنها من مزاولة المهنة التي يقع ~~عليها اختيارها كالطب أو التدريس أو الخدمة الاجتماعية، فماذا يا ترى كان يريد النازيون أن ~~يكون عملها؟ لم يستطع النازيون الإدلاء برأي صريح حاسم في هذه المسألة، ولو أنهم قالوا إن ~~الخدمة المنزلية، هي ميدان المرأة الطبيعي الذي يتلاءم مع أنوثتها؛ إذ في وسعها أن تعمل ~~كممرضة أو كمربية للأطفال أو مديرة منزل أو خادمة. وكان من رأيهم قبل اشتداد أزمة الأيدي ~~العاملة خلال سنوات الحرب أن العمل في المصانع أو المكاتب لا يتلاءم مع أنوثة المرأة، بل ~~ينبغي أن يكون من نصيب الرجل وحده. والظاهر أنهم كانوا يريدون تفريج أزمة البطالة التي ~~واجهت النازيين في بداية عهدهم. لذلك بذل النازيون جهودا عظيمة لإخراج النساء من ميدان ~~العمل، ولكنها كانت جهودا فاشلة. إذ دلت الإحصائيات الحكومية على أن عدد النساء العاملات ~~قد ارتفع من 4272487 في يناير 1933 إلى 5337573 في عام 1936 أي بزيادة «1065086» امرأة. ~~وسر هذا الفشل أن الرجل المتزوج ظل تحت الحكم النازي عاجزا عن زيادة كسبه بدرجة تمكنه ~~من الإنفاق على أسرته، أضف إلى هذا أن النازيين لم يستطيعوا تحقيق الوعود التي أسرفوا في ~~بذلها للنساء الألمانيات عند بداية حكمهم، ومنها: إعداد «البيوت» ذات الطراز الحديث التي ~~ينبغي أن تكون من نصيب كل أسرة ألمانية في دولة الريخ الجديدة. فقد وجد النازيون أن تشييد ~~هذه البيوت وتهيئتها للسكنى من الأمور المستعصية في وقت كان الزعماء يوجهون فيه نشاط ~~الأمة ms218 الألمانية نحو الاستعداد للحرب المنتظرة، بل لقد كان هذا الاستعداد نفسه من الأسباب ~~التي أدت إلى فشل النازيين في إخراج المرأة من ميادين العمل المختلفة. فإن الحكومة النازية ~~سرعان ما جعلت نشاطها مقصورا على إنتاج عتاد الحرب، حتى ظهرت الحاجة الملحة إلى الأيدي ~~العاملة وإلى استخدام النساء في نواحي الاقتصاد الأهلي المتعددة. بل إن النازيين سرعان ما ~~عمدوا إلى إرغام عدد من النساء على ترك العمل في الحوانيت والمكاتب وهو ما يلائم أنوثتهن ~~للعمل في المصنع والحقل، وقد حدث هذا حتى قبل نشوب الحرب بمدة طويلة، ثم لم تلبث أن عظمت ~~الحاجة إلى خدمات النساء في مختلف الأعمال الإنتاجية بعد قيام الحرب وإخفاق النازيين في ~~جعلها حربا خاطفة، تكفل لهم النصر السريع. # ذلك بأن الحرب أوجدت النازيين أمام مشاكل كثيرة، كان بعضها متعلقا بضرورة استخدام جميع ~~الوسائل التي من شأنها زيادة الإنتاج الحربي، ومن أهم هذه الوسائل: الأيدي العاملة. وكان ~~البعض الآخر متعلقا بضرورة الإكثار من عدد المقاتلين الذين يرسلون تباعا إلى ميادين ~~القتال من جهة، وإلى البلدان التي غزاها الألمان وخضعت لحكمهم من جهة أخرى. وقد أحدث وجود ~~هذه المشكلات تغييرا ملحوظا في مركز المرأة وفي الحياة بصفة عامة في داخل ألمانيا. # فأما عن الأثر الأول: # فقد مر بنا كيف كان عدد النساء العاملات آخذا في الزيادة بدرجة كبيرة، ~~مما يدل على أن النازيين قد أرغموا إرغاما بسبب ظروف الحرب والحاجة إلى ~~الأيدي العاملة على تغيير نظرهم إلى المرأة، حتى صاروا يعترفون لها بالذكاء ~~والقدرة على التفكير، وإمكان الاعتماد عليها كأداة نافعة من أدوات الإنتاج ~~الهامة، فأجازوا لامرأة المزارع الذي أرسل إلى ميدان القتال، أن تدبر ~~شئون المزرعة، ولزوجة صاحب الحانوت الذي سقط في ساحة الوغى أن تدير عمله، ~~وهذا بطبيعة الحال إلى جانب عملها (الطبيعي) الذي يتلاءم مع أنوثتها في ~~البيت والمطبخ. كما أجاز النازيون استخدام الفتيات ضمن القوات المحاربة ~~كعاملات للتليفون والتلغراف، وفي المصانع كذلك. بل إن «الدولة» في هذه ~~الظروف الجديدة، صارت تحتم على النساء المتزوجات ms219 - مهما بلغ عدد أطفالهن - ~~أن يكرسن ساعات معينة من كل يوم، بطريق «التطوع»، للخدمة العامة كبائعات أو ~~مشتغلات في عمل من الأعمال التي كانت تشرف عليها مكاتب العمل الرسمية، وهذا ~~من غير نظر إلى ملاءمة هذه الأعمال أو عدم ملاءمتها لهن (كما جاء في إحدى ~~صحف برلين الصادرة في 18 أبريل 1942 # Berliner ~~Borsenzeitung ~~). وقد نشرت جريدة فرنكفورت # Fransk further Zeitung # في عدد 29 ~~مارس 1942، أنه ينبغي على النساء أن يزاولن بعض المهن التي يقوم بها ~~الإسكافيون أو الكهربائيون ومن إليهم، إلى جانب اشتغالهن بتمريض جرحى ~~الحرب. إذ كان النازيون يطلبون إلى جميع النساء بين سن السادسة عشرة ~~والستين التطوع في خدمة الصليب الأحمر. ويتبين معنى «التطوع» في هذه الخدمة ~~«الإنسانية» مما نشرته جريدة «فولكشير بيوبختر # volkischer Beobachter ~~» في عدد 29 مارس 1942 تحت عنوان: «قلوب ~~النساء في الميدان»؛ إذ قالت ما معناه أن حماسة النساء المتطوعات للتمريض ~~من شأنها أن تقلل من الخطأ الذي يرتكبه غيرهن من النساء اللواتي يصلحن لهذا ~~العمل، ولكنهن يمتنعن عن التضحية بأوقات فراغهن في هذه الخدمة! غير أنه من ~~المنتظر أن يدرك أمثال هؤلاء أهمية هذا العمل الآن! # أما عن الأثر الثاني: # فقد بذل النازيون كل جهد حتى يقنعوا النساء بضرورة الإكثار من ولادة ~~الأطفال بكل وسيلة؛ إذ نظموا حملة واسعة لهذا الغرض، وأطلقت الدعاية ~~النازية العنان لنشاطها في سبيل «معركة الأطفال» التي أرادوا إقناع الشعب ~~الألماني بأن كسبها لا يقل أهمية في الحقيقة عن كسب معارك الحرب الحامية ضد ~~أعداء دولة الريخ الكثيرين الذين يريدون القضاء على ألمانيا الكبرى، وكانت ~~تشرف على هذه الحملة «زعيمة النساء» في الريخ، السيدة «شولتزكلينك # Frau Scholtz-klinck ~~» ومن عباراتها ~~المأثورة: «أعطونا أطفالا ومدافع!» وقد أدرك الزعماء النازيون أنه لا مفر ~~لهم عن تغيير نظرتهم السابقة نحو المرأة حتى يتسنى نجاح هذه المعركة؛ لذلك ~~شرعوا يحثون المرأة النوردية على ضرورة العناية بمظهرها، وانتقاء الأثواب ~~الجميلة التي تناسبها، واستخدام المساحيق التي تلائم بشرتها، كما صاروا ~~يطلبون من الرجال الابتعاد عن ms220 الخشونة و«السلوك» العسكري الجاف في مجالس ~~السيدات، حتى إن زعيم الشباب «بلدور فون شيراش» - وسمعته السيئة أشهر من أن ~~يشار إليها - لم يلبث أن أعلن في يناير سنة 1938 عن إعداد برنامج شامل ~~الغرض منه تجميل الفتيات الألمانيات «سواء أرغبن في ذلك أم رغبن عنه!» - ~~على حد قوله. ثم أنشأ «فون شيراش» جمعية للفتيات الألمانيات بين الثامنة ~~عشرة والحادية والعشرين أطلق عليها اسم جماعة «العمل والجمال والإيمان»، ~~وجعل التحاق الفتيات بها إجباريا. ولم يعطل حملة «التجميل» الجديدة سوى ~~نشوب الحرب. # ومع هذا فقد ظل النازيون يطلبون إلى الألمانيات أن يحرصن على جمال أجسامهن وأناقة مظهرهن ~~على الرغم من الصعوبات التي أوجدتها ظروف الحرب. # على أن «معركة الأطفال» هذه كان نجاحها يتطلب زيادة في إقبال الشعب الألماني المطردة على ~~الزواج، ومن مبدأ الأمر عني النازيون بمسألة الزواج لأهمية هذه المسألة من ناحية نقاء الجنس ~~والدم، وما يترتب على ذلك من تنظيمات اجتماعية وسياسية واقتصادية سبق الحديث عن طرف منها ~~وعن قروض الزواج، كوسيلة من وسائل التشجيع على الخروج من نطاق العزوبة رغبة في الإكثار من ~~النسل. وقد نفذ قانون قرض الزواج هذا ابتداء من أول أغسطس 1933، وأفاد منه كثيرون، حتى ~~بلغ عدد القروض التي أعطتها الدولة «للمتزوجين» من بدء العمل به إلى أول مايو 1939 ~~«1200000» قرضا، كلفت الخزانة حوالي «75000000» ريخمارك. هذا عدا جملة قروض أخرى أعطيت ~~للغرض نفسه بمعدل 25 ألفا في الشهر الواحد. وتدل الإحصائيات الرسمية على أن نسبة الزواج ~~ارتفعت بالفعل من 7,9 في الألف في عام 1932 إلى 9,4 في الألف في عام 1938، كما ارتفعت نسبة ~~المواليد من 15,1 في الألف في عام 1932 إلى 19,7 في الألف في عام 1938. وبلغ عدد المواليد ~~حتى أول مايو 1939 حوالي المليون طفل ولدوا لآباء استطاعوا الزواج بفضل القروض التي حصلوا ~~عليها من الدولة. # وكذلك كان من وسائل تشجيع الإكثار من النسل أن الدولة أخذت على عاتقها إمداد أصحاب ~~الأسرات الكبيرة بالإعانات حتى إن الرجل والد الأطفال الكثيرين صار يحصل على ms221 إعانات تزيد ~~قيمتها على ما يمكن أن يحصل عليه بكسبه من عمله العادي. ولم تشترط الدولة لمنح هذه الإعانات ~~أن يكون الأطفال من أسرة واحدة، بل إن الأسرة التي تتبنى طفلا أو أكثر أو يكون أحد أطفالها ~~من أب آخر وأم أخرى تستطيع أن تحصل كذلك على إعانة الدولة السخية مثلها في ذلك مثل الأسرة ~~العادية المؤلفة من أب وأم وأولادهما. وقد بدأ النازيون يدفعون هذه الإعانات في أكتوبر ~~1935، فبلغ ما دفعوه حتى أول مايو 1939 حوالي «255000000» ريخمارك لأطفال بلغ عددهم حوالي ~~«3750000» أي بمعدل 68 ريخمارك لكل طفل. ولم يلبث أن زاد سخاء النازيين فعدلوا في شروط منح ~~هذه الإعانات، وخففوا من قيودها إلى حد كبير في أكتوبر 1937، ثم في أبريل 1938 حتى بلغ ما ~~صاروا يدفعونه في كل شهر «كما ذكر النازيون أنفسهم في صيف 1939» حوالي 30800000 ريخمارك ~~لعدد من الأطفال يبلغ «2500000». # هذا إلى أن النازيين صاروا يصرفون أجورا عالية لأصحاب الأسر الكبيرة، وذلك عدا تكريمهم ~~للأمهات اللواتي يلدن أطفالا كثيرين، حتى أعد الهر هتلر أوسمة خاصة تعطى للأمهات حسبما ~~يكون لهن من أطفال، فتنال ذات الأربعة أو الخمسة أطفال وساما حديديا، وذات الستة أو ~~السبعة وساما فضيا، وذات الثمانية أو التسعة وساما ذهبيا. وعينت الدولة يوما ~~مشهودا، هو يوم مولد الهر هتلر نفسه «12 أغسطس» من كل عام لتوزيع هذه الوسامات في احتفال ~~رسمي كبير، وسمته، يوم الشرف لجميع الأمهات. وفضلا عن ذلك ضمنت الدولة راحة الحوامل فعملت ~~على تخفيف أعباء العمل، وإزالة المضني منه عن كواهلهن. كما أصدرت قوانين معينة لمعاقبة كل ~~من تحدثه نفسه بإهانة الأمهات أو الحوامل. كما أن الدولة لم تلبث أن اتخذت إجراءات صارمة ~~لمنع الإجهاض، وحرمت ذيوع الموضوعات التي تبحث في وسائل منع الحمل، كما منعت بيع الأدوية أو ~~الأجهزة الخاصة بذلك. # ومع هذا لم يقنع النازيون في معركة الأطفال بما أدركوه من نجاح كان في نظرهم ما يزال ~~محدودا؛ فطفقوا يبحثون عن وسائل جديدة وبخاصة عندما حمي وطيس القتال في ميادين ms222 الحرب ~~المختلفة وعظم عدد قتلاهم. فهداهم التفكير السقيم إلى ابتكار أسلوب جديد للإكثار من النسل، ~~كان وما يزال منذ بدء الخليقة من الأمور التي حرمتها جميع الشرائع والأديان، وأنكرتها ~~المقاييس الخلقية إنكارا شديدا، هذا الأسلوب هو تشجيع التناسل خارج نطاق الزوجية ~~الشرعية. # وقد برر النازيون تشجيعهم هذا العمل المنكر بضرورة توفر الكثرة العددية لديهم حتى ~~يستطيعوا فرض سلطانهم على أوروبا ثم على العالم في النهاية. وقد افتتح الهر هتلر نفسه هذه ~~الحملة الجديدة في سبيل الإكثار من الأطفال عن أي طريق، فقال يتألف برنامج حركة النساء ~~الوطنيات الاشتراكيات من مادة واحدة فحسب هي الطفل! ثم لم يأنف الهر هتلر من استخدام ~~«الطرق» التي توقع فائدتها في إغراء النساء على إتيان هذا المنكر، من ذلك أنه كان ينتهز ~~فرصة انعقاد مؤتمر الحزب السنوي في نورمبرج، فيختار نخبة من الشبان الأشداء أصحاب الأجسام ~~المتسقة ذات العضل المفتول، ويجعلهم يسيرون في عرض بديع أمام الجماهير، وبينهم النساء - ~~طبعا - على ألا يرتدي هؤلاء الشبان سوى سراويل قصيرة وأحذية. وحدث في عام 1935 بعد عرض مثل ~~هذا أن وقف «الفوهرر» يخطب الفتيات والسيدات الحاضرات، فقال: # وعندما يرى النساء هؤلاء الشبان (من جماعة العمل) يرتدون سراويلهم القصيرة ليس ~~غير ويعرضون صدورهم عارية تماما، فإن النساء - ولا شك - سوف يرددن «ما أجمل هؤلاء ~~الشبان! وما أحلى متعة المرأة بهم! # وليس بعد هذا التحريض الرسمي على إتيان الفاحشة شيء. وقد قال فيلسوف النازية «ألفرد ~~روزنبرج»: «إن الأمة الجرمانية ما كانت تستطيع اجتياز الأزمات العصيبة التي اعترضت نموها في ~~الماضي لو أن رجالها آثروا العيش مع امرأة واحدة فحسب!» وقال أيضا: «سوف ينظر الريخ ~~الألماني في المستقبل إلى المرأة التي لا أولاد لها، سواء كانت متزوجة أو غير متزوجة «!»، ~~كعضو لا يتمتع بالحقوق الكاملة التي يتمتع بها بقية أعضاء هذا المجتمع، وعند الكلام في هذا ~~الصدد، لا ينبغي أن تكون جميع العلاقات الجنسية التي تسفر عن ولادة أطفال في خارج نطاق ~~الزوجية، موضع مؤاخذة أو عقوبة قانونية! # ومع هذا ms223 فقد كان هناك متحمسون لفكرة الإكثار من الأطفال غير الشرعيين بحيث يعتبر قول ~~«روزنبرج» سائغا مقبولا، مثال ذلك: ما جاء في صحيفة من صحف «جبهة العمل» في إحدى ~~المناسبات؛ إذ ذكرت أنه من المحتمل جدا أن يكون هؤلاء الأطفال غير الشرعيين أكثر صلاحية ~~من الناحية العنصرية من الأطفال الشرعيين؛ لأن الأطفال غير الشرعيين لا بد وأن يكونوا ~~بالضرورة ثمار حب أشد وأقوى عنفا. وقال الدكتور «لي # Ley ~~» ~~رئيس جبهة العمل ورئيس تحرير هذه الجريدة: «إننا نقاوم في الحقيقة ميولا ضارة عتيقة بالية؛ ~~لأنه لا ينبغي أن يترك الزواج حتى يصبح عقبة في سبيل القوة الدافعة الطبيعية!» أي الشهوة ~~البهيمية بمعنى آخر. # وقد كان لهذه الأقوال وأمثالها آثار بعيدة في المجتمع الألماني؛ فقد نشر مكتب الإحصاء ~~الفدرائي بسويسرة في جريدة فرنكفورت ~~اليومية # Frankfurter Zeitung # بتاريخ 21 أغسطس 1936 إحصاء عن عدد الأولاد البكر الذين ولدوا ~~قبل مضي تسعة أشهر على زواج والديهم، فقال: إنهم يبلغون في كل مائة: 17 في فرنسا، و27 في ~~إيطاليا، و29 في سويسرة، و37 في أستراليا ونيوزيلندة، و51 في سكسونيا الألمانية، ومنذ نشوب ~~الحرب العالمية الثانية شجع الزعماء النازيون الإكثار من هؤلاء الأطفال غير الشرعيين بكل ~~الطرق، وأيد كل من «هس # Hess ~~» و«هيملر # Himmler ~~» المبدأ الذي أذاعه الدكتور «لي # Ley ~~» عن عدم استمرار الزواج الشرعي عقبة تحول دون إطلاق العنان للغريزة ~~الجنسية، فقال «ردولف هس»: # إن كل مولود جديد له أهمية خاصة وقت الحرب؛ لأن الحرب تكلف الأمة حياة كثيرين من ~~خيرة رجالها؛ ولذلك فإنه عندما يذهب الشبان الذين ثبت نقاؤهم من الناحية العنصرية ~~إلى الحرب بعد أن يتركوا وراءهم أطفالا لا تجري في عروقهم دماء آبائهم النقية، وفي ~~وسعهم نقل هذه الدماء إلى الأجيال المستقبلة، بينما تجري في عروقهم كذلك دماء أمهات ~~من الشابات سليمات البنية من الناحية الوراثية، ولكن كان من المتعذر لسبب ما زواجهن ~~من آباء هؤلاء الأطفال، عندئذ سوف يبذل كل جهد حتى لا تترك هذه الكنوز القومية دون ~~أن تلقى ما تستحقه ms224 من العناية. # قال «هنريك هيملر»: # إن الواجب يقضي على السيدات والفتيات الألمانيات اللواتي يجري في عروقهن الدم ~~الآري النقي أن يصبحن أمهات لأطفال يلدنهم من آباء يذهبون إلى جبهات القتال ~~المختلفة، ولو اقتضى الأمر أن يولد هؤلاء الأطفال خارج نطاق الزوجية الشرعية # وقد جاء هذا القول في أمر أصدره «هيملر» في 28 أكتوبر 1942 بوصفه رئيسا لقوة البوليس ~~الألماني ووزيرا للداخلية، إلى جميع جند الحرس ~~الأسود # S. S. # ورجال البوليس، يدعو فيه إلى الإكثار من «إنتاج» الأطفال سواء ~~أكانوا شرعيين أم غير شرعيين، ويطمئن الأمهات اللواتي يترملن من جراء وفاة آباء أطفالهن في ~~ساحات القتال سواء أكان هؤلاء الآباء أزواجا شرعيين أم غير شرعيين على مصير أطفالهن، ~~فيعدهن بأن الدولة ذاتها سوف تقوم بالإنفاق عليهن والعناية بتربية أولادهن، ما دامت هذه ~~الحرب قائمة، وبعد انقضاء الحرب أيضا؛ لأن واجب جند الحرس ~~المختارين # S. S. ~~، وواجب الشابات السليمات ممن يجري في عروقهن الدم الآري النقي، ~~أن يحرصوا جميعا على أن يكون لدى دولة الريخ العدد العظيم من الآريين والآريات لضمان نقاء ~~العنصر الجرماني الخالص وخلوده. # وقد عزز الأساتذة الألمان هذا الرأي الأخير؛ فذكر الأستاذ «إرنست بيرجمان # Ernst Bergmann ~~» ما معناه: «لا مناص من أن تنظر ~~الدولة التي تقوم على أساس معقول إلى المرأة التي لا ولد لها كامرأة محتقرة لا شرف لها، ~~فهناك الآن عدد كبير من الشبان الراغبين في إنشاء الصلات الوثيقة بينهم وبين كثير من ~~السيدات والشابات، وأنه لمن حسن الحظ أن يستطيع الشاب المنحدر من جنس طيب - أي الآري - سد ~~الرغبة الجنسية لدى عشرين شابة بل وإشباعها، ولا شك في أن الفتيات من جانبهن يقبلن بسرور ~~على تلبية الدعوة إلى الإكثار من الأطفال، دون تردد لو اختفت من الوجود نهائيا فكرة ~~الزواج الخاطئة التي تدعو إليها الحضارة الزائفة، زاعمة أن من الضروري أن يتزوج الشاب زوجة ~~واحدة، وأن يكون للمرأة بعل واحد؛ إذ إنها تتعارض كل المعارضة مع جميع حقائق الطبيعة وسننها ~~المعروفة!» # وإذا كانت هذه نصيحة الرجال ms225 المسئولين في دولة الريخ حتى يكسبوا «معركة الأطفال» بأي ثمن، ~~وكانت هذه آراء زعمائهم فيما ينبغي أن يفعله الشبان والشابات في دولتهم من أجل «ملء الأرض» ~~بالأطفال، رجال المستقبل ونسائه في عالم النازية المنتظر، فإنه - ولا شك - من الجهود ~~الضائعة أن يحاول إنسان إقامة البرهان على أن المقاييس الخلقية قد تغيرت تغيرا كبيرا في ~~دولة الريخ الثالث حتى صارت تختلف تماما عما تواضع عليه البشر في تحديد نوع العلاقات ~~الجنسية التي ينبغي أن تسود كل مجتمع منذ نشأة الحضارة الإنسانية حتى الوقت الحاضر، ويكفي ~~للدلالة على مبلغ ما وصلت إليه هذه المعايير الأخلاقية من تدهور، الإشارة إلى طراز جديد من ~~الإعلانات التي كانت تنشرها الصحف الألمانية. من ذلك ما نشرته صحيفة أسبوعية # Süddeutsche Sonntagspost # في سبتمبر 1941، عندما أدرج ~~«جندي في العشرين من عمره له بشرة بيضاء وعينان زرقاوان» إعلانا يطلب فيه - قبل التضحية ~~بنفسه في سبيل الزعيم والوطن - «أن يجتمع بامرأة ألمانية يستطيع أن يضمن لها حملا يؤتي ~~ثماره طفلا كتراث يخلفه لعظمة ألمانيا!» أو ما نشرته هذه الصحيفة نفسها «لفتاة ألمانية ~~ترغب في أن تصبح أما لطفل من والد جندي، يقاتل في سبيل القضية الاشتراكية!» أو ما نشرته ~~صحيفة أخرى في إعلان الوفيات لامرأة أرادت إحياء ذكرى والد طفلها «غير الشرعي» فقالت: # من أجل الزعيم وألمانيا الكبرى، قصف المنون عودك ولما تبلغ الثانية والعشرين يا ~~خطيبي العزيز ووالد طفلي في يوم 16 أغسطس 1941 وأنت تقاتل ضد البلاشفة. # أما عدد الأطفال غير الشرعيين في ألمانيا، فقد بلغ المائة ألف في كل عام، وتذكر الإحصاءات ~~أن هذا العدد مساو لما وصلت إليه نسبة عدد الأطفال غير الشرعيين في عهد جمهورية ويمار، ~~وأنه لمن المتعذر بتاتا فضلا عن ذلك معرفة عدد الأطفال الذين يولدون قبل مضي المدة ~~القانونية للحمل وهي تسعة شهور. ~~••• # وللمرء أن يتساءل: وما مصير هؤلاء الأطفال من شرعيين وغير شرعيين في دولة الريخ الثالث؟ ~~وكيف ينشئون؟ # والإجابة على هذا السؤال، تعود بنا مرة أخرى لذكر المتاعب التي كانت ms226 تصادفها المرأة في ~~دولة الريخ الثالث، وأولى المشاكل التي كانت تعترضها عقب ولادة الطفل، هي انتقاء اسم ~~المولود الجديد، وذلك أن النازيين وضعوا «لتنظيم» اختيار الأسماء في دولتهم قواعد صارمة ~~تقضي باختيار «اسم» من شأنه أن يظهر بوضوح «شخصية» الفرد العنصرية والقومية والجنسية؛ لذلك ~~كان يتحتم اجتناب الأسماء اليهودية واختيار الأسماء النوردية وحدها، وحتى هذه الأسماء كان ~~ينبغي ألا يسبب النطق بها أي شك في كون صاحبها نورديا خالصا. وكانت تقبل الأسماء التي هي ~~من أصل أجنبي إذا شاع استعمالها من زمن قديم حتى صارت جرمانية مثل هانو، ماريا وأليصابات. ~~وكان من الواجب اختيار الأسماء الملائمة لنوع الطفل ذكرا كان أو أنثى، فلا يسمى الصبي ~~«ماريا» كما درج الكاثوليك على ذلك في بعض جهات ألمانيا، وجعل القانون النازي من الصعوبة ~~بمكان تغيير الأسماء واستبدال غيرها بها، ولو أن السلطات الحكومية النازية أخذت لنفسها الحق ~~بمقتضى هذا القانون نفسه في تغيير أسماء من تريد من الأحياء ومن الأموات أيضا. # وكانت السلطات الحكومية تبرر عملها هذا بقولها إن من واجب وزارة الداخلية في الحقيقة ~~التدخل للفصل فيما إذا كانت الأسرة جرمانية الأصل آرية، أو أجنبية أو من جنس غير آري، كما ~~أن من حقها أيضا أن تتدخل للفصل في صحة انتساب الابن لأبيه أو لوالد آخر على أن يسري ~~قرارها على الأحياء والأموات معا. وقد شرح الدكتور «شميدت كليفنو # Schmidt-Kleveno ~~» أحد موظفي «المكتب الرئيسي للحرس ~~الأسود # S. S. # لشئون الجيش والوطن» مسوغات هذا التدخل في إحدى صحف برلين بتاريخ ~~17 ديسمبر 1936، فقال: «من المعروف جيدا أن نسبة الأطفال البكر الذين تحمل بهم أمهاتهم قبل ~~الزواج كبيرة؛ ولذلك فإن الحزب النازي والدولة وبقية أعضاء الأسرة ينبغي أن يخولوا جميعا ~~حق مناقشة شرعية الطفل.» # وفي أبريل 1938 صدر قانون يخول الحكومة الحق في اتخاذ الإجراءات اللازمة للتأكد من صحة ~~نسب كل طفل في كل حالة تدعو فيها المصلحة العامة إلى ذلك، سواء أبدى الوالدان أو أحدهما ~~شكا في صحة نسب الابن أو لم يفعلا ms227 ذلك، ويدل تدخل الحكومة في أكثر الحالات التي طبق فيها ~~القانون، على أن غرض السلطات النازية الأول من هذا كله إنما هو التأكد من صحة آرية الأشخاص ~~المشكوك في جنسهم، أو الاطمئنان إلى أنهم غير مصابين بعاهات أو أمراض وراثية. # أما المشكلة التالية، فكانت تربية هؤلاء الأطفال، وقد ذكر الهر هتلر ما تفعله الدولة ~~النازية لمعالجة هذه المشكلة، فقال في إحدى خطبه في برلين في يوم أول مايو عام 1937 ما ~~معناه: «لقد بدأنا بالشباب؛ إذ هناك بعض كبار السن السخفاء الذين لا يرجى منهم أي نفع ... بيد ~~أن هذا لا يزعجنا في شيء، فنحن نأخذ منهم أطفالهم، ونعمل على تنشئتهم كي يصبحوا مخلوقات ~~بشرية ألمانية جديدة، ونتعهد تربيتهم بكل دقة. والطفل في سن العاشرة لا يدرك شيئا ولا يشعر ~~بأهمية مولده أو نشأته، ولا اختلاف بين طفل وآخر، وفي هذه السن نأخذهم ونصنع منهم مجتمعا ~~يظلون من أعضائه حتى يبلغوا الثامنة عشرة. ومع هذا فنحن أيضا لا ندعهم وشأنهم بعد هذه ~~المرحلة، بل نلحقهم بالحزب، وبجماعة جند الهجوم # S. A. ~~، ~~وبالحرس الأسود # S. S. ~~، وبعد ذلك يلحقون بالجماعات أو ~~التنظيمات الأخرى أو يرسلون مباشرة إلى المصانع أو إلى جبهة العمل وإلى الخدمة العمالية، ~~ويلحقون أيضا بالجيش مدة عامين.» # وهذا ما كان يحدث! فكان الأطفال يعيشون في بيوتهم حيث يتكفل آباؤهم بالإنفاق عليهم حتى ~~يبلغوا العاشرة، وفي أثناء ذلك يقوم النازيون بالإشراف والمراقبة، حتى إذا وجدوا الآباء ~~ينشئون أطفالهم تنشئة لا تتفق مع التعاليم والمبادئ النازية، انتزعوا هؤلاء الأطفال من ~~أحضانهم. وفي فبراير 1937، ثم في نوفمبر من العام نفسه أصدرت المحاكم الألمانية أحكاما ~~تقضي بإعطاء حق تربية الأطفال الذين شكت السلطات الحكومية في عدم أهلية والديهم للقيام ~~بتربيتهم للدولة - أي الحزب النازي نفسه. # وفي سائر مراحل التربية التي أشار إليها الهر هتلر في خطابه، كانت تنحصر مهمة النازيين في ~~قطع الصلة التي تربط بين هؤلاء الشبان والشابات ووالديهم، وذلك بإخماد العواطف البنوية، ~~وتعويد الشابات والشبان الاعتزاز بحياة مستقلة ذات مسئولية ms228 كاملة، وتنفيرهم من «التقاليد ~~البالية الضارة» التي حرص المعلمون القدماء على صونها وملاحظتها في أثناء تربية النشء ~~وتعليمه؛ إذ كانت تقوم - في نظر النازيين - على ضرورة كبت الغرائز الطبيعية، ثم تنفيرهم من ~~هؤلاء الأساتذة والمعلمين القدماء أنفسهم وتشجيعهم على الإمعان في احتقارهم وامتهانهم، ثم ~~تلقينهم مبادئ النازية وتعاليمها القائمة على إفناء الفرد في الدولة، والتضحية من أجل ~~الزعيم والإخلاص في خدمة دولة الريخ الجديدة، وما يقتضيه هذا الإخلاص في مذهبهم من ضرورة ~~التجسس على آبائهم وأقاربهم واحتقارهم. # وفي الواقع لم يكن من المتعذر على النازيين بلوغ مآربهم بتاتا بفضل التنظيمات والجماعات ~~العدة التي أوجدوها وأشار إليها الهر هتلر في خطابه، والتي حتموا على الشباب الالتحاق بها ~~في أثناء عملهم وفي أوقات فراغهم، والتي كان الغرض منها تنمية الأجسام القوية قبل أي شيء ~~آخر. وقد شرحت إحدى الكاتبات # E. O. Lorimer # كيف سيطر ~~النازيون على حياة الشباب في دولة الريخ، فقالت: «تستغرق تنظيمات فرق الكشافة النازية التي ~~تأسست في عام 1933 والالتحاق الإجباري بها منذ أول ديسمبر 1936، نشاط الصبيان في كل لحظة من ~~لحظات فراغهم بعد دراستهم وألعابهم الرياضية الإجبارية، فإن الصبي بين العاشرة والثالثة ~~عشرة يلتحق بجماعات الشبان الألمان حديثي ~~السن # Deutsches Jungvolk ~~، وبين الرابعة عشرة والثامنة عشرة يلتحق بجماعة الشبيبة الهتلرية # Hitler Jugend ~~، وعند بلوغه التاسعة عشرة يجبر ~~على العمل مدة ستة شهور في (خدمة العمل # Arbeitsdienst ~~)، ثم ~~يقضي بعد ذلك مدة سنتين أخريين في الخدمة العسكرية، وله بعد هذه المرحلة أن يدخل إحدى ~~الجامعات أو يلتحق بعمل من الأعمال، أو يحترف إحدى المهن التي يختارها. وفي جميع هذه ~~الحالات لا يكون الشاب حر التصرف في حياته يوجهها كيفما شاء. والسبب في هذا ما تحتمه ~~الدولة من الانتماء إلى جماعة جنود الهجوم # S. A. # أو ~~الحرس الأسود # S. S. ~~، أو الانتماء إلى جبهة العمل # Arbietsfront # وهي بمثابة اتحاد وطني عام لجميع ~~المستخدمين والذين يخدمونهم، أو أن ينتمي إلى جماعة «إنتاج الطعام # Reichsnährstand ~~»، أو إلى غير ذلك من التنظيمات الخاضعة ms229 لإشراف الدولة. وفي ~~سن الخامسة والثلاثين يدخل في زمرة «القوة الاحتياطية». وفي سن الخامسة والأربعين يعتبر ضمن ~~القوات المستعدة للخدمة العسكرية وقت التجنيد ~~العام # Landsturm ~~، ويعنينا بعد ذلك معرفة ما إذا كان في استطاعة الفتى بين العاشرة ~~والتاسعة عشرة أن يجد متسعا من الوقت للدرس والتحصيل في أثناء إقامته في المعسكرات ~~و«فنادق الشباب # Youth Hostels ~~»، والقيام برحلات السير ~~على الأقدام، وممارسة الألعاب الرياضية وما إلى ذلك، لا شك في أن المشرفين على هذه الشئون ~~جميعها لا يدعون لحظة تمر من غير أن يزودوا هؤلاء الفتيان بقدر واف من تعاليم ودروس ~~النازية، وكانت جميع هذه الدروس تدور حول تمجيد الحرب والقتال وإحياء روح المغامرة، حتى إن ~~كتب الأغاني التي وضعها النازيون للفتيان الألمان، كانت حافلة بذكر المعارك والحروب، كما أن ~~الكتب المدرسية المعطاة لجماعة «الشبيبة الهتلرية» كانت تحمل الدعوة إلى انتظار المجد ~~والشرف الرفيع بالموت في ساحة القتال.» # ولم يقنع النازيون بالمدارس العادية الموجودة في دولة الريخ، بل أنشئوا أنواعا جديدة من ~~المدارس يتلقى فيها الأحداث والشبان «الدروس» التي يبغون تلقينها إياهم لتخريج الرجال الذين ~~ينتظر إسناد مناصب الزعامة في الحزب النازي إليهم، ومن هذه المدارس «مدارس أدولف هتلر»، ~~و«المدارس الإعدادية # Aufbau Schools ~~»، و«المدارس الوطنية ~~السياسية # Nationalpolitische ~~Austalten ~~» التي كان يتعلم بها الشبان تمهيدا للالتحاق بالمدارس ~~الحربية. # وقد تناول كثير من الكتاب الأخصائيين بالبحث والتمحيص مسائل التربية والتعليم في ألمانيا ~~النازية، فوصلوا في ذلك إلى نتائج هامة خلاصتها أن النازيين - جريا على عادتهم المعروفة في ~~كل شأن من شئون السياسة والاقتصاد والاجتماع في دولتهم - طبقوا في شئون التربية والتعليم ~~نظريتهم الفلسفية في الحياة # Weltanschauug ~~، واستطاعوا في ~~خلال سبعة أعوام أن يعيدوا تنظيم شئون التربية والتعليم في كل درجاتها حتى يصلوا إلى ~~أغراضهم، وهي أغراض صرح بها وزير معارفهم في حديث له نشرته صحيفة «فولكشير بوباختر» في 13 ~~فبراير 1938، جاء فيه: # تنحصر المهمة التي تضطلع بها التربية عندنا في تخريج الوطنيين ~~الاشتراكيين! # وقبل ذلك بثلاثة أعوام «1935» أعلن «كروجر # W. Kruger ~~» ~~مدير جامعة ms230 برلين أن غرض التربية والتعليم في جامعته، إنما هو الدعوة إلى محو البقايا ~~المتخلفة من العصر الحر الماضي، وإنشاء جامعة وطنية اشتراكية في دولة وطنية اشتراكية جديدة. ~~وكذلك وضح «بوملر # A. Boeumler ~~» أحد المشتغلين بالتربية ~~والتعليم في ألمانيا، الغرض من التعليم في بداية مراحله، فقال إن المدارس الأولية ينبغي أن ~~تصبح مدرسة لمثل الشعب العليا وفلسفته في الحياة، تحت حماية الدولة. وأما المدارس الثانوية ~~فقد جاء في أقوال وزارة المعارف الألمانية 1938 ما يبين الغرض منها، وهو العمل على إقصاء ~~«مثل الثقافة الإنسانية # Bildung ~~» وإفساح المكان «لمثل ~~الرجل الجرماني الذي تؤثر فيه الدماء التي تجري في عروقه والمصير التاريخي الذي ~~ينتظره». # وقد جرى النازيون على تطبيق مبدأ «الترابط ~~والتوحيد # Gleichschaltung ~~» في شئون التربية والتعليم، ومعنى ذلك خضوع تلك الشئون لرقابة ~~الدولة وإشرافها السياسي؛ لأنه لما كان الغرض من التربية والتعليم إعداد الشبان النازيين ~~الذين لا يعرفون مؤثرا في حياتهم أو موجها لها سوى «الدم والمصير التاريخي» - أي إعدادهم ~~ليكونوا أدوات صالحة لخوض معارك الحروب المنتظرة لتحقيق السيطرة الجرمانية الصحيحة على ~~أوروبا والعالم - فقد صار من أهم واجبات الدولة الإشراف على تربية النشء وتكوينه. قال هتلر ~~في خطاب ألقاه يوم مايو 1937: # لن يسلم الريخ الحديث شبانه الأحداث إلى يد أي إنسان! # أصبح من المنتظر أن تكون التربية المزمعة «تربية سياسية» نازية قبل أي اعتبار آخر. ~~وابتداء من عام 1937 استطاع النازيون تطبيق مبدأ «الزعامة المسئولة» في الجامعات والمدارس ~~حتى خرج الأمر في الجامعات من أيدي المجالس والكليات والمديرين في جميع مسائل التربية وشئون ~~التنظيم إلى أيدي وزراء معينين خلعت عليها ألقاب الزعامة في الجامعات المختلفة؛ فكان لكل ~~جامعة ثلاثة زعماء: زعيم الجامعة # Führer # يقوم بأعمال ~~المدير، وزعيم يمثل طائفة الأساتذة والمدرسين في التنظيم المحلي للحزب # Dozentenführer ~~، وزعيم يمثل جماعة الطلاب للغرض نفسه # Studentenfuhrer # ويختار زعيم الجامعة عمداء الكليات ~~وبقية أعضاء مجالس الجامعات. وهذا بينما أضحت مجالس الكليات بمثابة لجان استشارية فقط. ~~وبمقتضى قرار صدر في «3 مارس 1939» أصبح جميع أساتذة الجامعات ms231 ومدرسيها في عداد الموظفين ~~المدنيين، فكانوا يعينون في وظائفهم من قبل الوزارة، ولا يستطيعون الانتقال من جامعة إلى ~~أخرى دون موافقتها، ولو أن الوزارة نفسها تمسكت دائما بحق نقل من تشاء منهم سواء أوافقوا ~~على ذلك أم عارضوا فيه، وكذلك سيطرت الحكومة على المدارس سيطرة كاملة وكانت مهمتها في هذا ~~الميدان سهلة؛ لأن المدرسين كانوا في عداد الموظفين المدنيين منذ مدة طويلة، بمقتضى قانون ~~قديم صدر في عام 1872. ومع هذا فقد تعهد وزير المعارف النازي في فبراير 1933 بطرد كل شخص ~~غير جرماني من جميع المدارس الأولية، والقضاء على كل ما هو غير جرماني في هذه المدارس «بعنف ~~وشدة». وفي يولية من العام نفسه، أنذر المدرسون بضرورة قطع صلاتهم بالحزب الاشتراكي ~~الديمقراطي، كما طلب إليهم أن يدرسوا كتاب «كفاحي» لأدولف هتلر دراسة عميقة، ثم أرغم جميع ~~الموظفين بالمدارس الثانوية على كتابة تعهد بأن يطيعوا قوانين الدولة الوطنية الاشتراكية ~~طاعة عمياء. # وقد عمد النازيون إلى القضاء على جميع المراكز الثقافية التي توقعوا معارضتها لنظامهم ~~وتعاليمهم، فطهروا مكتبات المدارس من الكتب التي ألفها اليهود، أو تضمنت أي امتداح لهذا ~~الشعب، أو قصرت في إظهار الاحترام الكامل للشعب الجرماني والرجل الآري، كما حتم النازيون ~~على رجال المكتبات أن يختاروا ما يريدون شراءه من بين الكتب التي اعتبرتها وزارة المعارف ~~ملاءمة. # وعند النظر في برامج الدراسة النازية يبين مدى التغيير الذي أراد الهتلريون أن يدخلوه على ~~التعليم، وأثر هذا التغيير في الناشئة. فقد أصدروا قرارا في 13 سبتمبر 1933 يحتم تدريس ~~مادة «البيولوجيا» في جميع المدارس الثانوية من أدنى الفرق إلى أعلاها، ولو أدى ذلك إلى ~~تضحية الرياضيات واللغة الأجنبية. وفي 15 يناير 1935 صدر قرار آخر يفسر هذه الخطوة جاء فيه ~~أن «الفوهرر» يريد أن يلم كل فتى وفتاة بالمدرسة بمسألة نقاء الجنس وضرورتها؛ ولذلك ينبغي ~~أن يكون الغرض من تدريس البيولوجيا «إظهار أهمية المحافظة على نقاء الجنس وإدراك ما في ~~امتزاج الأجناس من خطر، ومعرفة المسألة اليهودية وقوانين نورمبرج، والوقوف على حقيقة ms232 ~~الإصلاح الذي تم من أجل تحسين الجنس نتيجة للفلسفة وللتشريع الوطني الاشتراكي». ومعنى هذا ~~أن الغرض من تدريس البيولوجيا ليس إلا تخريج ناشئة تغلي في صدورها مراجل الحقد على اليهود. ~~وفضلا عن ذلك فإن جميع برامج الدراسة تحتم تلقين التلاميذ دروسا معينة في الاجتماع ~~والعلوم والرياضة والسياسة والاقتصاد والتاريخ، على أن يتم هذا كله في ضوء المبادئ ~~والتعاليم النازية المعروفة. فلا بد للتلميذ أو الطالب من أن يحضر دروسا تتناول القبيلة ~~والجنس، وعصر ما قبل التاريخ، وأصل الإنسان والسلالات البشرية، وتطور الشعب الألماني من ~~الناحية السياسية خلال السنوات المائة الأخيرة على وجه الخصوص. ~~••• # هذه صورة موجزة لما كان يجري في داخل ألمانيا منذ تسلم النازيون أزمة الحكم بها، ولكن ~~قد يتساءل المرء، إذا كان الحزب النازي قد أدخل كل هذه التغييرات في حياة الشعب الألماني، ~~وفرض سيطرته عليه، بالتدخل في شئون أفراده الخاصة، وانتهاك الحرية الشخصية، وامتهان المرأة، ~~والقضاء على مئات الألوف من الألمان، سواء أكان ذلك بقتلهم أو بتعقيمهم أو بخصيهم تحت ستار ~~عدم صلاحيتهم لأن يكونوا أعضاء نافعين في المجتمع النازي، ثم إذا كان الحزب النازي قد ضرب ~~بجميع المثل الأخلاقية والمبادئ الاجتماعية عرض الحائط، وانتزع الأبناء من أحضان آبائهم، ~~ولقنهم احتقار هؤلاء الأمهات والآباء حتى يفصم عرى الأسرة ويقوض أركانها، ثم نشأ هؤلاء ~~الأبناء والفتيات التنشئة التي يريدها استعدادا لخوض غمار الحرب لإحراز السيطرة العالمية، ~~إذا كان الأمر كذلك، فهل رضي الألمان عن هذا كله، وسلموا بتلك التغييرات العنيفة عن طيب ~~خاطر وبغير أية مقاومة؟ # لا شك في أن النازيين، مثلهم في ذلك مثل أية جماعة أخرى يعميها التعصب وتصم القسوة ~~آذانها، فتمضي في تنفيذ برامجها لا تلوي على شيء، ولا شك في أنهم استطاعوا الحصول على تأييد ~~شطر من المجتمع الألماني، وهم الذين تمكنوا من البقاء في الحكم سنوات أخمدوا في أثنائها كل ~~مقاومة ، وهيمنوا على تصريف شئون الشعب المادية والروحية، وقد يكون هذا الشطر كبيرا حقا. ~~ولكن سنة العمران وطبيعة التقدم والنمو لا يمكن أن ms233 تهيئ الفرصة للطغاة دائما حتى يمضوا في ~~طغيانهم إلى ما لا نهاية له. وقديما في أشد عصور الطغيان والفساد كان تيار المقاومة الخفية ~~يجري محجوبا عن الأنظار، ونشأ أفراد ووجدت جماعات ما كانت ترضى بالعيش في ظلال الجور، حتى ~~إذا تضافرت عوامل الضعف والتفكك التي لا مناص منها في كل مجتمع يقوم على أساس متداع، بدأ ~~تيار المقاومة ظاهرا جليا، ثم اشتد جريانه حتى يجرف كل ما يعترض سبيله. وليست ألمانيا ~~إلا كغيرها من الدول التي حفظ التاريخ قصصها؛ فقد كانت عوامل المقاومة موجودة منذ وصول ~~النازيين إلى الحكم، ثم بقيت على نشاطها رغم ما بذله النازيون من جهد للقضاء عليها. ومنذ ~~بداية الحرب قويت هذه المقاومة، ثم زادت شدة وعنفا منذ تذوق الألمان طعم الهزيمة في ~~الميادين الروسية وقذفتهم طائرات الأمم المتحالفة بقنابلها وحممها، وأقضت مضاجعهم مثابرة ~~الشعوب المقهورة على المقاومة الإيجابية والسلبية في أرجاء أوروبا المحتلة، وظهر كأنما قد ~~تخلت آلهة النصر نهائيا عن الشعب الألماني المختار. وفي الفصل التالي بيان لهذا كله، ~~ودليل على أن الدولة الوطنية الاشتراكية قد أخفقت أيما إخفاق في تأليف تلك الكتلة الصلدة ~~المتماسكة التي عدت تأليفها ووجودها في قلب الريخ الألماني شرطا أساسيا لإحراز السيطرة ~~على أوروبا، ومن ثم على سائر أنحاء العالم. # الفصل الثامن # | ألمانيا الأخرى «غير النازية» # كان غرض النازيين من فرض سلطانهم الصارم على الحياة في المجتمع الألماني أن يتمكنوا من ~~تأليف تلك الكتلة الصلدة المتماسكة التي اعتبروا وجودها ضروريا من أجل إحراز السيطرة ~~العالمية في النهاية. وقد سبق كيف أنه حتى يتسنى لهم ذلك طفقوا منذ وصولهم إلى الحكم في عام ~~1933 ينظمون الحياة الألمانية ويعملون على توجيهها وجهة خاصة قائمة على فلسفة معينة ذات ~~مثل عليا أوحت بها قرائح زعمائهم وفلاسفتهم، وكانت متفقة في جوهرها وتفصيلاتها مع أغراضهم ~~القريبة والبعيدة في ميادين الاجتماع والاقتصاد والسياسة. # وقد بذل النازيون كل جهودهم حتى يدعموا أركان ذلك «التوجيه المنظم» الذي أقرته فلسفتهم ~~الجديدة والذي عرفه النازيون باسم # Weltanschauung ~~، ومعنى ~~ذلك ms234 على حد قول الدكتور «دنكان جونز # Duncan Jones ~~» تلك ~~الفلسفة التي تفرض على صاحبها إدراكا خاصا لمعنى الحياة ووجود العالم على نحو يجعل نظره ~~للحياة والعالم بمثابة العقيدة الدينية لديه، فيستمسك بها بكل ولاء وإخلاص وتشعل في نفسه ~~جذوة التحمس الشديد لإذاعتها في كل مكان دون أن تعتاق نشاطه الحدود السياسية وغيرها من ~~الحواجز التي تفصل بين بلدان العالم، كأنما مهمته في الواقع التبشير بدين جديد. وكان من ~~وسائل دعم ذلك التوجيه المنظم، إرغام الشعب الألماني على قبوله، والقضاء على كل معارضة من ~~جانب أولئك الذين ظلوا متشبثين بمثل الحياة العليا «القديمة»، ورفضوا هذه «البدعة» ~~الجديدة، فألقى النازيون بهؤلاء المعارضين في غياهب السجون وأرسلوهم إلى معسكرات الاعتقال، ~~ثم لجئوا إلى تطبيق قواعد العلوم النفسية لكسب معركة «التوجيه المنظم»؛ لما كانوا يعلمونه ~~من أثر الدعاية المنظمة القوية في نفوس الأفراد وسلوكهم وأعمالهم، فغدت الدعاية النازية ~~المتقنة من وسائل التبشير بهذه الفلسفة الجديدة بين الألمان وبين شعوب الأرض قاطبة، فادعوا ~~أن النازية قد نجحت في مهمتها نجاحا عظيما إلى حد أن الريخ الثالث أصبح نازيا لحما ~~ودما، فاستطاع الزعماء بفضل ذلك أن يوجدوا في قلب دولتهم الجديدة كتلة نازية صلدة متماسكة ~~لا يتطرق الضعف إليها. وكان غرض الهتلريين المباشر من ترويج هذا الادعاء أن يرغموا الشعب ~~الألماني نفسه على تصديق هذه المزاعم حتى إذا ظل هناك جماعة يتوقون إلى العيش الحر الطليق ~~أسقط في أيديهم أمام هذا السيل الجارف من الدعابة، وأنكروا آمالهم وأحلامهم وراضوا أنفسهم ~~على العيش في ظل السيطرة النازية إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا. # وكان ادعاء النازيين أنهم أنشئوا كتلة نازية صلدة متماسكة في قلب الريخ الألماني من أكبر ~~الأكاذيب التاريخية التي كاد ينخدع بها العالم؛ لأن الريخ الثالث لم يكن نازيا لحما ~~ودما؛ ولأنه كانت هناك إلى جانب ألمانيا النازية، ألمانيا «أخرى» تتألف من كل أولئك الذين ~~ظلوا على الرغم من بطش الجستابو بهم ويئسهم من الحياة في معسكرات الاعتقال يحملون في قلوبهم ~~البغض والكراهية للنازيين ms235 ويتربصون بهم الدوائر، وينظمون حروبا من المقاومة الإيجابية ~~والسلبية في داخل الريخ نفسه لا تقل في خطرها عن مقاومة الشعوب المقهورة في أوروبا النازية ~~ذاتها. # والأدلة على ذلك كثيرة، فإنه على الرغم من نشاط الدعاية النازية أصر عدد من الألمان في ~~السنوات التي سبقت نشوب الحرب الهتلرية على وضع الكتب وإعداد البحوث والمقالات وإصدار ~~النشرات والإحصائيات التي حرص النازيون من جانبهم على مصادرتها وإتلافها وتوقيع العقوبة على ~~أصحابها - إذا عرف الجستابو أسماء الناشرين والمؤلفين - وكان أصحاب هذه المطبوعات السرية ~~يحاولون تهريبها عبر الحدود الألمانية حتى يقف العالم الخارجي على حقيقة ما كان يحدث في ~~داخل الريخ الثالث. ولذلك شغل الجستابو ورجال الحدود بمهمة مصادرة هذه المطبوعات ~~والمنشورات وإتلافها ثم معاقبة مهربيها. # وقد يخيل إلى المرء أن الانتصارات التي أحرزها النازيون في ميدان السياسة الخارجية خصوصا ~~في عام 1937 كانت كفيلة باستمالة سواد الشعب الألماني إلى تأييد النظام القائم والقضاء على ~~كل معارضة داخلية ضد النازيين. بيد أن الذي حدث كان على العكس من ذلك تماما، فقد ظلت هذه ~~المعارضة «السرية» على شدتها حتى إن النازيين استطاعوا في عام 1937 إحصاء «120287» حالة ~~طبعت فيها كتب ومنشورات سرية وغير ذلك من المطبوعات غير القانونية، حدثت في 426 حالة منها ~~التحامات دموية وتبودل إطلاق الرصاص بين البوليس النازي والألمان الذين اختاروا التضحية ~~بأنفسهم عن طيب خاطر في سبيل تهريب هذه المطبوعات عبر الحدود إلى العالم الخارجي. # وقد أدرك النازيون على الرغم من الدعاية الكاذبة لتضليل أهل البلاد من جهة ولتضليل الرأي ~~العام في أوروبا وبقية أنحاء العالم من جهة أخرى، أنه من المتعذر عليهم التفرغ لشئون الحرب ~~الخارجية، تلك الحرب التي هيأوا لها العدة منذ وصولهم إلى الحكم في ألمانيا إلا إذا شددوا ~~الرقابة على مواطنيهم واتخذوا الأهبة للقضاء دون إبطاء على أية معارضة قد تنذر بتصدع الجبهة ~~الداخلية»، ولما كانت مهمة الجستابو الأساسية إحكام هذه الرقابة، فقد أعد هنريك هيملر # he nrich Himmler # رئيس قوة الجستابو وثيقة هامة عرفت ~~باسم «وثيقة هيملر» ms236 وزعها على كبار رؤساء الجيش وضمنها آراءه فيما ينبغي اتخاذه من ~~الوسائل والتنظيمات الكفيلة بضمان النصر عند وقوع الحرب المنتظرة، ووقف العالم على أمر هذه ~~الوثيقة فانكشف سرها في عام 1937، وكانت وثيقة مطولة - تتألف من حوالي 15000 كلمة - تحدث ~~فيها هيملر عن ضرورة تنظيم جماعة الحرس النازي من أصحاب القمصان السوداء # Schutz-Staffel (S. ~~S.) # تحت قيادته، وكانوا في ذلك الحين ~~يبلغون 200000، ثم أوضح بالتفصيل طرق تنظيمهم كما أشار إلى نوع التربية والتعليم الذي يجب ~~اتباعه لإعداد الرجال المختارين، ثم أفرد قسما خاصا من هذا التقرير لوصف نوع المعاملة ~~التي ينبغي أن يعامل بها أصحاب الحظ العاثر الذين يلقون في معسكرات الاعتقال، وانتقل من ~~ذلك إلى وصف أعمال هيئة الجستابو والأسلوب الذي يجري بمقتضاه توزيع هذه الأعمال على ~~أفرادها. # على أن أهم ما يسترعى النظر في هذه الوثيقة هو عناية هيملر الكبيرة بوصف الأخطار التي ~~تنجم عن وجود ما سماه في تقريره بالجبهة الرابعة: أي الميدان الألماني الداخلي، فكان من ~~أقواله عن هذه الجبهة: «لن نكون مشغولين في الحرب المستقلبة بما يحدث فقط في جبهة الجيش ~~المقاتل برا أو في جبهة الأسطول في البحار أو في جبهة سلاح الطيران في الجو، بل سوف يكون ~~لدينا جبهة رابعة لميدان القتال # Kriegaschauplatz # ينبغي ~~علينا مراقبتها والعناية بأمرها، وهذه الجبهة هي ألمانيا الداخلية ... ونحن في حاجة كبيرة إلى ~~عدد أكثر من معسكرات الاعتقال، ولقد أعطاني الزعيم (هتلر) سلطات واسعة تجعل من حقي إلقاء ~~القبض على أي مخلوق اشتبه في أمره ... إذ يصبح ضروريا عند بداية الحرب إلقاء القبض على ~~جماهير غفيرة ... وسوف يتحتم علينا إعدام الجمهرة العظمى من هؤلاء الأسرى السياسيين رميا ~~بالرصاص ... ولذلك فمن الضروري أن يحتل هذه البلاد ما لا يقل عن ثلاثين فرقة من الفرق ذات ~~شارة الجمجمة وعظام الموت # Totenkopf Surmbaenne ~~. لأنه إذا ~~عجزنا عن مراقبة هذه الجبهة الرابعة، جبهة الوطن الداخلية، لتعطيل نشاطها بأية وسيلة، فإن ~~الجبهات الثلاث المقاتلة الأخرى في البر والبحر والجو سوف تصاب من الخلف بطعنة ms237 نجلاء ما في ~~ذلك ريب.» ومن الواضح أن هيملر كان يشير في قوله هذا إلى تلك الأقصوصة التي أذاعها القائد ~~الألماني المعروف لودندورف عقب هزيمة الجيش الألماني في الحرب العالمية الأولى؛ إذ ادعى ~~لودندورف أن جماعة الخونة والشيوعيين هم الذين دبروا هزيمة القيصرية بفضل الثورة التي ~~أشعلوا نيرانها في داخل البلاد خلف ظهور المحاربين في ميدان القتال. وهكذا ذكر هيملر في ~~تلخيصه مخاطبا رجال الجيش أن من واجبهم، بل من واجب كل إنسان يشغل مركزا مسئولا، أن يدرك ~~ما لهذا الميدان الداخلي من أهمية كبيرة؛ «إذ في هذا الميدان وحده سوف يتقرر مصيرنا عند ~~نشوب الحرب، وعلى النجاح أو الإخفاق في هذا الميدان وحده يتوقف أمر حياتنا أو موتنا»، ثم ~~قال: «وقد أصدر الزعيم إلي أمره لحل هذه المسألة بطريقة حازمة صارمة، كما أعطاني سلطات لا ~~حد لها لتنفيذ أوامره.» # هذا موجز تقرير هيملر وكان من الطبيعي ألا يضيع رئيس قوة الجستابو وقته سدى في تفسير ~~الموقف الداخلي في ألمانيا، وفي تفصيل الخطط التي يجب اتخاذها لمكافحة ما أسماه «الجبهة ~~الرابعة» الداخلية إذا كان خطر هذه الجبهة ضئيلا، أو أن المعارضة المتوقع ظهورها في حالة ~~نشوب الحرب ضئيلة لا وزن لها، بل إن السلطات الحكومية ما لبثت أن اتخذت بعد نشوب الحرب بعض ~~تدابير يتضح من صرامتها ومعارضتها لمبادئ القانون والعدالة مقدار ما كانت تخشاه هذه السلطات ~~من أخطار المقاومة الخفية. فقد أشارت إلى أحد هذه التدابير جريدة فرنكفورتر زيتونج في عددها ~~الصادر في 21 يونية 1940 فقالت: # تهمل من الآن فصاعدا بمقتضى قرار أصدرته وزارة الدفاع مدة الحبس المنصوص عليها ~~في الأحكام الصادرة بالأشغال الشاقة مدة الحرب، على شرط أن تكون هذه الأحكام قد ~~صدرت في جرائم ارتكبت في أثناء الحرب، ومعنى ذلك من الوجهة العملية أن أحكام ~~الأشغال الشاقة تظل سارية من تلقاء نفسها طوال مدة الحرب الحالية. # أي إنه لا يحدث إفراج عن أحد هؤلاء المحبوسين مهما قصرت مدة الحبس المحكوم بها عليهم ما ~~دامت الحرب قائمة. ms238 وغني عن البيان أن الجرائم التي يعنيها هذا الأمر كانت تلك التي اتصلت ~~بأعمال المقاومة من إيجابية وسلبية في داخل الريخ الألماني، وذلك منذ أخذت هذه المقاومة ~~تشتد وتتسع رقعة نشاطها بعد قيام الحرب الهتلرية على وجه الخصوص، وبالرغم من تلك الانتصارات ~~الخاطفة التي أحرزها النازيون في جبهات الحرب المختلفة؛ إذ إنه عقب نشوب الحرب ألقى ~~الجستابو القبض على مئات الأهلين وأعدموا منهم عددا كبيرا، ثم ألقوا بما بقي منهم في ~~غياهب السجون وأرسلوهم إلى معسكرات الاعتقال. وقد أمكن العثور على أسماء أشخاص عديدين من ~~هؤلاء الضحايا أعضاء تلك «الجبهة الرابعة» التي تحدث عنها هيملر في «وثيقة عام 1937» ~~السابقة، وكان ذلك بفضل ما نشرته الصحف النازية نفسها بين وقت وآخر من أنبائهم. فقد درجت ~~هذه الصحف على نشر أسماء الأفراد الذين ثبتت إدانتهم وصدرت أحكام ضدهم، فضلا عن أنها كانت ~~تذكر نوع الجريمة التي ارتكبها هؤلاء واستحقوا من أجلها عقوبة الإعدام أو الحبس، وقد ذكرت ~~كذلك التواريخ التي نفذت فيها هذه العقوبات. ويتضح من القوائم التي نشرتها الصحف النازية ~~وقتذاك أن عدد الأفراد الذين أعدمهم النازيون بين 19 أكتوبر 1939 و15 سبتمبر 1941 بلغ خمسين ~~في داخل الريخ، نشرت الصحف النازية أسماءهم وتواريخ إعدامهم ونوع الجرائم التي ارتكبوها. ~~وكانت هذه الجرائم منوعة، منها جريمة الخيانة العظمى وأعمال التخريب، والاستماع إلى ~~الإذاعات الأجنبية وإيواء الطيارين الأعداء، والاشتراك في أحزاب أو جماعات معارضة للنظام ~~القائم وغير ذلك. أما أولئك الذين قتلهم الجستابو وعرفت أسماؤهم بين 24 أكتوبر 1939 و12 سبتمبر 1941 - أي في الوقت الذي كان النازيون قد بلغوا فيه ذروة قوتهم وبسطوا سلطانهم على ~~رقعة شاسعة من أوروبا - فقد بلغوا 33 شخصا، وفضلا عن ذلك فقد صدرت أحكام بالسجن تتراوح ~~مدتها بين 12-108 أشهر على عدد من الأفراد بلغ 69 بين ديسمبر 1939 ونوفمبر 1941، وذلك بسبب ~~استماعهم للإذاعة البريطانية # B. B. C. ~~، وأعدم واحد في ~~نورمبرج لهذا السبب نفسه في 20 مايو 1941. # على أنه مما ينبغي ذكره أن الإحصائيات الآنفة - وهي ms239 كما هو ظاهر لغاية نهاية عام 1941 - ~~لا تشتمل على جميع ما صدر من أحكام بالحبس أو بالإعدام في ألمانيا خلال هذه المدة؛ فقد غصت ~~السجون بالرجال والنساء بسبب الاستماع إلى الإذاعات الأجنبية عموما أو إظهار الاحتقار عند ~~الحديث عن حكومة الريخ أو السخر بشخص الزعيم هتلر أو ترويج الإشاعات والأخبار الكاذبة أو ~~التي ينجم عن إذاعتها ضرر، أو التسبب في ضياع قطع الآلات من المصانع و«الورش»، أو إبداء ~~العطف على أسرى الحرب بإعطائهم بعض لفافات التبغ أو الأطعمة أو المشروبات، أو معاشرة العمال ~~الأجانب المسخرين في خدمة الريخ معاشرة الصديق والخليل، وقد منع النازيون الشابات ~~الألمانيات على وجه الخصوص من معاشرة البولنديين، كما منعوا الرجال الألمان من مخالطة ~~البولنديات. # وواضح في صرامة هذه الأحكام وكثرتها أن ألمانيا ذاتها كانت تعاني نوعا من المقاومة ~~الإيجابية والسلبية لا يقل في شدته عن مقاومة الشعوب الأوروبية المقهورة وقتذاك. فإذا ~~تذكرنا أن عدد القادرين على المقاومة الإيجابية كان قليلا من جراء تجنيد كل صالح للخدمة ~~العسكرية في ألمانيا وإرساله إلى ميادين القتال أو إلى البلدان المحتلة، وأدركنا أن ~~الإحصائيات التي جمعت والحوادث المتفرقة التي عرفت مما كانت تنشره الصحف النازية لا يمكن ~~بأي حال أن تكون كاملة أو نصف كل ما كان يحدث من وقائع؛ لأن النازيين إنما كانوا يقصدون بما ~~ينشرونه تذكير سواد الشعب بأنه من الخير كل الخير الإقلاع عن المقاومة والرضا بالعيش في ظل ~~النظام القائم، وعرفنا أنه لم يكن من صالح النازيين بتاتا أن ينشروا على الملأ كافة ما كان ~~يحدث من ضروب المقاومة خوفا من تصدع الجبهة الداخلية، إذا تذكرنا ذلك كله أمكننا أن نقف ~~على مدى المقاومة التي كان يصادفها النازيون في داخل الريخ الثالث نفسه. # بيد أن أكثر ما كان يخشاه هؤلاء في الحقيقة إنما هو انتشار «التخريب» في داخل المصانع ~~الألمانية، فقد وقعت حوادث من هذا النوع لا ريب في أنها كانت كثيرة، وقد أمكن الوقوف على ~~شيء منها مما نشرته الصحف النازية وقتذاك. مثال ms240 ذلك ما حدث في مصنع «شمنيتز # Chemnitz ~~» للأسلحة حيث وقع ما لا يقل عن 179 حادث إتلاف في ~~خلال شهر واحد (فبراير 1942)، أو ذلك التخريب الذي عطلت بسببه محطة «فورباخ # Forbach ~~» لتوليد الكهرباء. ومما يجدر ذكره أنه قبل حدوث هذا ~~التخريب ببضعة أيام وزعت عدة منشورات ضد النازية بين العمال وفي القرى المجاورة، وألقى ~~الجستابو القبض على كثيرين لهذا السبب. وكان من حوادث التخريب ذات الخطر أيضا تلك ~~الانفجارات التي خربت المصانع في «سبانداو # Spandau ~~» قرب ~~برلين في الوقت نفسه. # وعلى ذلك كان متعذرا على المرء أن ينكر وجود المعارضة الداخلية في ألمانيا ضد السادة ~~النازيين على الرغم مما ابتكره هؤلاء من أساليب الدعاية لإقناع العالم الخارجي في ذلك الحين ~~بأن دولتهم قد أصبحت نازية لحما ودما. وفيما يلي سوف يجد القارئ الدليل تلو الدليل على أن ~~النازيين لم يستطيعوا بتاتا إخماد هذه المعارضة رغم قسوتهم، بل إن هذه المعارضة نبتت منذ ~~وصولهم إلى الحكم وبقيت إلى وقت انهيار دولتهم. وكان من أسباب ازدياد قوتها نشوب الحرب ~~الهتلرية؛ إذ سرعان ما أظهرت الحرب بطلان دعاوى النازيين الذين وعدوا مواطنيهم بأنها سوف ~~تكون حربا خاطفة تنتهي بعد شهور معدودة لا يلبث أبناء الريخ الثالث بعدها حتى يجدوا أنفسهم ~~سادة شعوب العالم قاطبة. # وأسباب وجود هذه المعارضة الداخلية كثيرة ترتبط في جوهرها ارتباطا وثيقا بتلك الخطة ~~التي اتبعها النازيون منذ وصلوا إلى الحكم كي يؤلفوا كتلة صلدة متماسكة في قلب الريخ ~~الألماني، فجروا في سياستهم الداخلية على أسلوب خاص كان الغرض منه أن يصبغوا الحياة العامة ~~والخاصة في الريخ الألماني بصبغة نازية بحتة. وعلى ذلك كان مصدر المعارضة الشديد أن شطرا ~~كبيرا من الشعب الألماني نفسه ما كان يرضى بتاتا أن يرى الزعماء الجدد يضيقون عليه السبل ~~حتى يحرموه حرية اختيار نوع الحياة التي يريد أن يختارها، فضلا عن أنهم كانوا يتدخلون في ~~عقائده الدينية ويعملون لفرض سيطرتهم على الكنائس والمذاهب المختلفة؛ ليرغموها على قبول تلك ~~الفلسفة التي شاءوا أن يبنوا عليها ms241 مثلهم العليا في الحياة، وادعوا أنها فلسفة روحية تختلف ~~كل الاختلاف عن الفلسفة القديمة التي قالوا إنها كانت يهودية مادية، زد على ذلك أن أساليب ~~النازيين في شئون التربية والتعليم ما كانت لتجلب رضاء شطر كبير من الأهلين الذين راعهم أن ~~يروا دعائم الأسرة تنهدم، وفلذات أكبادهم يصبحون بانخراطهم في سلك الشباب الهتلري والحزب ~~النازي نفسه، من الغلاة المتطرفين الذين لا يعرفون لأهلهم كرامة ولا يعترفون للوالدين بحق ~~من الحقوق، ثم لا يترددون في أن يبلغوا أمر آبائهم إلى السلطات الحكومية إذا أظهر الآباء ~~تذمرا من الأحوال السائدة أو تبرما بها، فيكون جزاؤهم من جراء «تجسس» أبنائهم عليهم تمضية ~~بقية العمر في غياهب السجون أو معسكرات الاعتقال. ولم يكن من المنتظر أن تخف وطأة المعارضة ~~بعد قيام الحرب العالمية الثانية؛ لأنه سرعان ما نجم عن إخفاق النازيين في إحراز النصر ~~السريع الخاطف عدد من المشكلات لم يكن الزعماء النازيون قد اتخذوا العدة من قبل لمواجهتها، ~~اللهم إلا إذا كنا نعتبر الالتجاء إلى وسائل الحبس والاعتقال والإعدام حلولا مؤاتية ~~لمعالجة المعضلات. وأهم هذه المشكلات نظام التموين وشدته، ذلك بأن الأفراد العاديين ظلوا ~~زمنا طويلا قبل نشوب الحرب الهتلرية محرومين كثيرا من ضروريات الحياة وكانوا يستعيضون ~~عنها بما كان يقدمه لهم «علماء» النازيين وخبراؤهم من صنوف المعوضات # Ersatz # في المأكل والمشرب والملبس، وكان الفرد لا ينال حاجته من هذه ~~المعوضات إلا بقدر معين وبمقتضى بطاقة التموين المعطاة له، وقد أحكم النازيون الرقابة على ~~شئون التموين منذ عام 1936، أي منذ بدءوا ينفذون «برنامج السنوات الأربع» المشهور بإشراف ~~«هرمان جورنج»، وكان الغرض من هذا البرنامج أن تصبح ألمانيا النازية دولة تعتمد على ~~الاكتفاء الذاتي في حياتها الاقتصادية، فتنقص من الواردات ما أمكنها ذلك، وتبذل كل جهد ~~لزيادة الصادرات زيادة عظيمة، حتى يجتمع لديها «فائض» تستخدمه في جلب المواد الخام اللازمة ~~لصناعة الحرب. ومنذ عام 1936 كذلك نظمت الدعاية النازية برنامجا واسعا على أساس ~~«الاستغناء عن الزبدة والإكثار من صنع المدافع!» فكان من الطبيعي أن ms242 يشتد حرمان الفرد عند ~~نشوب الحرب، وكان أول من أحس وطأة هذا الحرمان الشديد المرأة الألمانية ربة البيت التي وقع ~~على عاتقها تدبير حاجتها وحاجات زوجها وأولادها. على أنه لما كانت أسباب المعارضة الداخلية ~~الأخرى كثيرة يضيق المقام عن التبسط في ذكرها، فقد يكفي اختيار عدد منها لإقامة الحجة على ~~أن «هنريك هيملر» كان صادقا عندما تحدث في وثيقته عن وجود جبهة رابعة في داخل ألمانيا، ~~وأهم أسباب المعارضة تذمر المرأة الألمانية وغضبها من النازيين واشتداد كراهية الأهلين ~~لرجال الحزب النازي، والخلاف الذي حدث بين مختلف الكنائس والمذاهب في دولة الريخ والسلطات ~~الحكومية، وإقدام النازيين على الحرب مع الروس وتطور الموقف الحربي في غير مصلحة الألمان ~~عقب دخول الولايات المتحدة الأمريكية الحرب، وافتضاح أمر هرمان جورنج وظهور كذبه عندما كثرت ~~الإغارات ليلا ونهارا على برلين وعلى مراكز الصناعة والإنتاج الألمانية بعد أن كان يؤكد ~~لمواطنيه استحالة ذلك. ~~••• # وكان تذمر المرأة في ألمانيا النازية راجعا قبل كل شيء إلى صعوبة التموين، فقد أدخل ~~النازيون نظام «الوجبة ذات الصنف الواحد # Eintopfgericht ~~» ~~قبل بدء الحرب العالمية الثانية بخمسة أعوام على الأقل، وطلبوا إلى ربات البيوت التبرع بكل ~~ما يمكن توفيره من نفقات تلزم لطهي أكثر من هذا الصنف الواحد «لصندوق إعانات الشتاء» الذي ~~خصصه النازيون من سنوات مضت للإنفاق منه على العاطلين أو الفقراء. وخلال سنوات السلم عمد ~~النازيون رغبة في أن يتأكدوا من اتباع ربات البيوت لهذا النظام والعمل به إلى إرسال عمالهم ~~من جنود الهجوم # S. A. # أو الحرس الأسود # S. ~~S. # لفحص «مطابخ» البيوت والأطعمة ~~التي بها من وقت لآخر، ثم ما لبثوا حتى زادوا هذا التدخل بدعوى إنشاء «جبهة» جديدة لا غنى ~~عن وجودها لنجاح برنامج السنوات الأربع أسموها «جبهة المطبخ». # وفي عام 1936 كان العثور على البن الجيد والشاي من الأمور المستعصية، ثم اختفت «الزبدة» ~~من عالم الوجود - بدعوى إنفاق المال اللازم لإنتاج أو شراء ذلك الطعام الكمالي في صنع ~~المدافع والأسلحة - ثم اختفى البيض وتبعه الخبز الأبيض ms243 واستعيض عنه بخبز مخلوط أدكن اللون ~~تشمئز منه النفوس، وقلت اللحوم وتعذر الحصول على الأطعمة المحفوظة. ومنذ عام 1936 كذلك خرجت ~~«الصحيفة الوطنية ~~الاشتراكية # Korrespondenz Nationals tische ~~» تقول في أحد أعداد نوفمبر إنه يجب أن يكون لدى الشعب الألماني ~~«معدة سياسية»؛ ولذلك نصحت الجريدة بضرورة الإقلال من الدهنيات واللحوم والإكثار بدلا من ~~ذلك من الأسماك والخضراوات، ونصحت بتفضيل الخبز الأسود على الأبيض، كما نصحت بإجادة المضغ ~~للتأكد من استخلاص المواد المغذية في الطعام. وادعى النازيون أن الإكثار من الأكل خيانة ~~للوطن! ولم يكن في استطاعة الفرد إذا أراد أن يسد رمقه أن يجد حاجته في المطاعم العامة؛ ~~لأنها صارت لا تقدم سوى صحاف معدودة، وقد حدث هذا كله قبل نشوب الحرب الهتلرية بمدة ~~طويلة. # ولما كان توزيع الأغذية جميعها قائما على نظام البطاقات، فقد تحتم على المرأة أن تقف في ~~طوابير أمام الحوانيت في أوقات توزيع هذه الأغذية وبيعها، وكثيرا ما كان يحدث أن تعود ~~المرأة إلى بيتها دون قضاء حاجتها بسبب نفاد ما تريده، وأدرك النازيون ما يسببه ذلك من تذمر ~~السيدات وغضبهن فأعدوا طائفة من النساء مهمتهن ملاحظة «المشتريات» والتجسس عليهن؛ حتى لا ~~تتفوه إحداهن بشيء يهين سمعة السلطات الحكومية. # ثم سوغ النازيون هذا النظام بقولهم: «إن كثيرا من ربات البيوت يتسلط عليهن الخوف ~~الشديد إذا توقعن العجز عن شراء حاجاتهن، وهذا الخوف لا سبيل إلى الخلاص منه؛ لأنهن لا يثقن ~~بأن هناك شيئا اسمه الغد يحصلون فيه على ما يردن، بل إنك لتجدهن منتظرات خارج الحوانيت قبل ~~أن تفتح أبوابها، فيسببن بهذا المسلك الشقاء والتعب لا لأشخاصهن فحسب بل وللباعة والتجار ~~كذلك.» على أن تسلح المرأة بالبطاقة التي بيدها كان لا يعني أنها تستطيع دائما الحصول على ~~المقدار المدون بهذه البطاقة، فقد حدث في شتاء 1941-1942 مثلا أن اختفت البطاطس من ~~الأسواق، وبلغ عدد الحوانيت التي أرغمت على إغلاق أبوابها من جراء نقص الأغذية وعدم وجودها ~~حتى 15 مارس 1943 حوالي المائة ألف في مختلف أنحاء الريخ، ms244 وسبب ذلك زيادة متاعب المرأة ~~الألمانية واضطرها إلى الشراء من «السوق السوداء»، ثم الالتجاء إلى «المقايضة». ولما كانت ~~السلطات الحكومية لا ترى غضاضة كبيرة في ذيوع هذه الوسائل غير القانونية للبيع والشراء ، فقد ~~زاد عدد الأسواق السوداء زيادة عظيمة، وأقبل الأهلون على نظام المقايضة بشغف كبير. # ولم يكن منشأ صعوبات المرأة في عالم النازية نقص الأغذية وعدم وجودها فحسب، بل إن ~~النازيين كانوا قد بدءوا منذ مدة طويلة حملة واسعة حتى يقتصد الناس في استعمال الصابون، ومع ~~قلة هذا الصنف كان النوع الموجود منه من المعوضات # Ersatz # مصنوعا من المواد الرديئة ويؤدي استعماله إلى بلاء الملابس، مما خلق صعوبات جديدة للمرأة ~~الألمانية؛ لأن الحصول على ملابس جديدة كان قد أصبح من أشق الأمور وأبعدها منالا في دولة ~~الريخ الثالث، وكان للنازيين في هذه المسألة أفكار عجيبة، فإنهم كما كانوا يعتبرون الإكثار ~~من الأكل خيانة للوطن، فقد أعلنوا كذلك أن «ارتداء الملابس الجيدة ذات المنظر الحسن خيانة»، ~~وفضلا عن ذلك فإنه لم يفتهم إصدار القرارات الصارمة لتنظيم استهلاك الملابس أو شراء ~~الجديد منها. # مثال ذلك أنهم كانوا يحددون ما يجب أن يبلغه طول قمصان الرجال وعدد الجيوب في بذلاتهم، ~~وحرموا الأكمام أو الذيول الطويلة إلى غير ذلك. وفي 18 مايو 1937 كتب عمدة بلدة ~~«بيرماسنس # Birmasens ~~»: «من الملاحظ أن الأموات كثيرا ~~ما يهيئون للدفن في أردية ثمينة وزينات عظيمة، ومن واجبي أن أسترعي انتباهكم لأمر من واجب ~~كل مواطن أن يعطيه ما يستحقه من عناية كبيرة، ذلك أنه لا ينبغي دفن الموتى متدثرين بملابس ~~أو أردية ثمينة وغالية!» وفي أول يناير 1943 صدرت بطاقة جديدة للملابس يسري العمل بها مدة ~~ثمانية عشر شهرا أنقصت مقدار المنسوجات المرخص بإعطائها في أثناء هذه المدة، وفضلا عن ذلك ~~فإن أحدا ما كان في وسعه الانتفاع بهذه البطاقة إلا إذا أثبت حاجته الملحة إلى الملابس، ~~وأقام الدليل على أن ما يوجد لديه منها قد بات من المتعذر رتق فتوقها أو حياكة ما بلي من ~~أجزائها، ms245 وقد أعطى النازيون عمالهم الحق في فحص خزانات الملابس في البيوت للتأكد من أن ~~المرأة لا تخفي في مكان ما ثيابا أخرى لم يتطرق إليها البلى، وزادت محنة الملابس هذه عند ~~نشوب الحرب مع روسيا، ذلك أن الهتلريين أرغموا ربات البيوت على التبرع بالمعاطف والأردية ~~الثقيلة والأغطية الصوفية «البطاطين» للجند المقاتلين في الجبهة الروسية، وذلك علاوة على ما ~~كانت المرأة ترغم على التبرع به عادة كل شتاء «لصندوق إعانة الشتاء». # وقديما أكثرت الدعاية النازية من بذل الوعود لاستمالة المرأة الألمانية، وكان من أهم هذه ~~الوعود تهيئة البيوت الصحية الحديثة ذات الحدائق الصغيرة، ولكنه لم يمر عام واحد على وصولهم ~~إلى الحكم حتى كان قد أوقف بناء المنازل الجديدة. ومنذ عامي 1935 و1936 قرر النازيون قصر ~~جهودهم على الإنتاج الحربي، فسبب ذلك زوال حلم آخر من الأحلام اللذيذة التي كانت المرأة ~~الألمانية تمني النفس بتحقيقها، وكان من الأسباب القوية التي دفعتها إلى تأييد الحزب النازي ~~في الانتخابات الأولى للريخستاج ثم لرياسة دولة الريخ ذاتها. وزادت محنة المرأة في ألمانيا ~~عندما كثرت الإغارات الليلية والنهارية على المدن وهدمت قذائف الأعداء بيوتا عدة لا سبيل ~~إلى إعادة بنائها، ناهيك عن التفكير في بناء غيرها، فنجم عن ذلك أن ارتفعت الإيجارات ~~ارتفاعا فاحشا حتى إن إيجار الشقة التي كانت مؤلفة من ثلاث غرف بلغ في برلين خمسة عشر ~~جنيها إنجليزيا في الشهر الواحد. على أن مشكلة السكنى هذه كانت مرتبطة بمشكلة أخرى لا ~~تقل عنها خطرا نجمت عن تعذر العثور على الخادمات والمربيات والمرضعات، وكان سبب ذلك ~~«تعبئة» النساء جميعا في خدمة الحرب، ثم صرامة النظام الذي تحتم على ربة البيت أن تتبعه ~~إذا قدر لها العثور على خادمة من بين أولئك البولنديات اللواتي انتزعهن النازيون الفاتحون ~~من أوطانهن وأرسلوهن في عربات البهائم للخدمة في البيوت أو العمل في مواخير الدعارة ~~الرسمية؛ إذ كان يتحتم على ربة البيت الألمانية ألا تسمح لخادمتها البولندية بالراحة من ~~عملها أو تظهر نحوها شيئا من العطف والشفقة، حتى ms246 إذا عرف عنها لين الجانب وحسن المعاملة ~~حرمت في التو والساعة من خادمتها. # ولكن ماذا كانت الوسيلة التي استطاعت بها المرأة الألمانية، وهي التي حتم عليها النظام ~~النازي أن تعيش في شبه عزلة، ثم أقصاها عن جميع الوظائف أن تعبر بها عما شعرت به من حزن ~~وألم وبأس، علاوة على عجزها عن إدراك ما كانت تتطلبه الحرب من تضحيات لا غنى عنها في عرف ~~النازيين من أجل إحراز السيطرة العالمية؟ وجدت المرأة الألمانية المتذمرة الحزينة المتألمة ~~اليائسة وسيلة مؤاتية لإظهار ما كانت تكنه من شعور في إصرارها على نعي زوجها أو ولدها أو ~~شقيقها أو أي عزيز لديها عقب ورود الأخبار منبئة بسقوطه في ساحة الوغى بعيدا عن أهله ~~وعشيرته، فقد انقضى الزمن الذي كانت تجد فيه المرأة الألمانية عزاء وسلوى، بل فخرا ومجدا ~~في موت عزيزها من أجل شخص «الفوهرر» العظيم أو قضية الوطنية الاشتراكية المقدسة بعدما امتد ~~أجل الحرب وطالت الحملة الروسية على وجه الخصوص وتحطمت آمالها في النصر السريع الخاطف وزاد ~~عيشها سوءا في داخل الريخ، وعبثا صارت تحاول السلطات الحكومية إرغام الزوجات والأمهات على ~~اتباع صيغة معينة عند النعي تنص على «سقوط المقاتل في الميدان من أجل الفوهرر والوطن»، ~~وكانت الصحف عند بداية الحرب تنشر قوائم النعي على هذه الصورة، ولكنها ما لبثت عند اشتداد ~~سخط الزوجات والأمهات حتى أفسحت أعمدتها لأنباء النعي تصوغها المرأة كما تريد وتشتهي، فتذكر ~~كيف أن عزيزها «قد عاد إلى الميدان بعد فترة وجيزة أمضاها بين أهله وعشيرته، فلم ينقض ~~يومان على عودته حتى قتل في أرض أجنبية في بلاد روسيا النائية الموحشة!» وهكذا تضمنت أنباء ~~النعي إشارة صريحة إلى مقدار ما كانت تعانيه الأمهات والزوجات من آلام مبرحة ويأس عظيم لا ~~يمكن أن يخفف من حدته القول بأن أبناءهن وأزواجهن إنما ضحوا بأنفسهم في سبيل الزعيم العظيم ~~أو قضية الوطنية الاشتراكية المقدسة أو من أجل الوطن العزيز! # وكان مما زاد في حزن المرأة الألمانية التي فقدت ولدها أو زوجها أنها ms247 كانت ترى عددا ~~كبيرا من الشبان الأقوياء والرجال الصالحين للخدمة العسكرية ينعمون بالوظائف التي أغدقها ~~عليهم الحزب النازي في داخل البلاد عند انخراطهم في سلك «الشباب الهتلري» أو «جبهة العمل» ~~أو غير ذلك من الهيئات والمنظمات النازية، وذلك عدا العدد العظيم من جنود الهجوم والحرس ~~الأسود ورجال الجستابو الذين انتشروا في أرجاء البلاد بحجة الإشراف على الجبهة الداخلية، ~~واعتمدت الحكومة عليهم في دعم نفوذها والقضاء على أية بادرة من بوادر التمرد والعصيان في ~~الريخ الألماني. # وقصة تلك القوات التي كانت تتألف منها شراذم الهجوم ووحدات الحرس الأسود وهيئة الجستابو ~~عجيبة حقا؛ إذ إن توزيع هذه القوات عند بداية الحرب حدث على نحو يضمن قبل أي شيء آخر ~~تحقيق مآرب الزعماء النازيين، في ضرورة السهر على استتباب الأمر للحكومة ودعم أركان النظام ~~القائم عن طريق مراقبة القوات المحاربة في خطوط القتال الأمامية، فضلا عن مراقبة الأهلين ~~في داخل الريخ نفسه. وبيان ذلك أن الهر هتلر أسرع عقب نشوب الحرب إلى تقسيم الحرس الأسود # S. S. # فريقين: فريق عهد إليه الإشراف والمراقبة على ~~خطوط القتال في وحدات صغيرة تنبث بين الجنود في الجبهات المختلفة في الميدان الروسي خاصة، ~~وفريق استبقي في داخل البلاد نفسها لتأييد سلطان الحزب النازي، وكانت مهمة الفريق الأول ~~مراقبة الجنود المقاتلة ومنع انتشار روح التذمر بينهم والحيلولة دون حدوث أية حركة قد يقوم ~~بها الجيش المحارب من أجل التقهقر أو الانسحاب مهما اشتدت ضربات العدو وعظمت خسائر الجيش، ~~وكان يطلق على هذا الفريق اسم «زملاء ~~المحاربين # Waffen-S. S. ~~» وكان عددهم حوالي 350000، أما الفريق الثاني: فقد بلغ عدد ~~رجاله 250000، وكان هتلر قد سمح لوحدات من الحرس الأسود أن تشترك في القتال في بداية الحرب ~~عندما بدأ النصر يبدو سهلا رخيصا، كما اشترك الحرس الأسود في القتال عندما بدأ الزحف على ~~روسيا، غير أنه بعد أن تبين للزعيم أن الحملة الروسية لن تنقضي قبل الشتاء التالي ~~«1941-1942»، أسرع في استدعاء هذه الوحدات المقاتلة وجعل عملها مقصورا على مناوشة العصابات ~~الروسية ms248 في المؤخرة. وبعد ديسمبر 1941 اختص الحرس الأسود بأعمال الإرهاب خلف الخطوط ~~الأمامية، فأصبحت مهمتهم أن ينقلوا الفلاحين الروس والنساء والأطفال من قرية إلى أخرى ومن ~~مكان إلى آخر، وتسليط سوط العذاب على أبدانهم جميعا. # ومنذ ديسمبر سنة 1941 تألفت كذلك من الحرس الأسود وحدات اتخذت مكانها في مؤخرة الجيش ~~الألماني المحارب، وكانت مهمتها السهر على منع حوادث التمرد والعصيان في صفوف المقاتلين في ~~الخطوط الأمامية، ومنع هؤلاء المقاتلين من التقهقر بشتى الوسائل، وفضلا عن ذلك فقد عهد ~~هتلر بمهمة مراقبة وحدات الجيش في خطوط القتال الأمامية إلى جماعات من شراذم الهجوم # S. A. # ورجال الجستابو. # وبلغ عدد الرجال الذين كانت تتألف منهم شراذم الهجوم حسب إحصاء أدلى به «لوتز # Lutze ~~» رئيس أركان حرب هذه الشراذم إلى جريدة سويدية في مايو ~~1942 حوالي مليون وأربعمائة ألف جندي، كان عدد الموجود منهم فعلا في خطوط القتال «989000» ~~بينما ظل أكثر من أربعمائة ألف منتشرين في أنحاء الريخ لتوطيد دعائم الحكم النازي ومراقبة ~~الجبهة الداخلية، وكان عدد الجستابو في تلك الآونة حوالي أربعمائة ألف وجد منهم في داخل ~~ألمانيا ذاتها حوالي ربع مليون، بينما انتشر الباقون في أنحاء أوروبا المحتلة. # فإذا أضيف عدد رجال الحرس الأسود # S. S. # إلى ~~عددجنود الهجوم # S. A. # ممن كلفوا مراقبة الجبهة ~~الداخلية، ثم أضيف إلى هذين الفريقين رجال الجستابو المنتشرون في أرجاء الريخ الثالث لبلغ ~~عدد الرجال الأشداء الأصحاء من هذه الفئات الثلاث «900000» رجل أقاموا بداخل البلاد بدلا ~~من الذهاب إلى خطوط القتال الأمامية والدفاع عن الفوهرر ومبادئ الوطنية الاشتراكية المقدسة ~~وأرض الوطن العزيز! وكان هذا الرقم الضخم لا يشمل بطبيعة الحال أعضاء حزب النازي العاملين ~~أو الموظفين في هيئات الحزب ومنظماته المختلفة ذات الخلايا المتعددة الموزعة في كل مدينة ~~وقرية من مدن وقرى الريخ الألماني، وقد بلغ عدد هؤلاء الموظفين والأعضاء بعض مئات ~~الألوف. # ومع أن وجود هذا العدد الضخم من الرجال الصالحين للقتال بعيدين عن ميادين الحرب كان وحده ~~من أكبر العوامل التي سببت كراهية ms249 شطر كبير من الأهلين للحزب النازي وزعمائه، فإن هذه ~~الكراهية كانت ترجع أيضا إلى ذلك الفزع العظيم الذي استبد بالأهلين من بطش قوات الحرس ~~الأسود ورجال الجستابو وقسوتهم، وليس أدل على مبلغ هذا الفزع مما روته جريدة سويدية # Svenaka Dagbladet # بعددها الصادر في «مالمو # Malmo ~~» في 15 مايو سنة 1942 من أن ثلاثة من الرجال انتحلوا ~~شخصية أعضاء من الجستابو ودخلوا أحد المساكن في برلين زاعمين أنهم إنما حضروا لإجراء تفتيش ~~دقيق بأمر من السلطات الحكومية، فمكنهم هذا الادعاء من الاستيلاء على جميع قطع الأثاث وغير ~~ذلك من النفائس التي راقت في أعينهم، بينما وقف أهل البيت مكتوفي الأيدي لا يبدون حراكا ~~يعقد الخوف ألسنتهم، ويذهب الرعب برشدهم فبقوا على هذه الحالة مدة حتى إذا هدأ روع أحدهم ~~وجد الشجاعة الكافية الذهاب إلى مركز البوليس يقص ما جرى، ولكن أحدا لم يهتم بالبحث عن ~~هؤلاء اللصوص. وفي الواقع لم يكن هذا الحادث الأول والأخير من نوعه؛ فقد وقعت عدة سرقات ~~مشابهة لهذه منذ وصل النازيون إلى الحكم، وبدأت تنتشر في طول البلاد وعرضها منظمات جنود ~~الهجوم والحرس الأسود والجستابو، حتى إن لفظ الجستابو كان وحده كفيلا بإلقاء الرعب والفزع ~~في نفوس الأهلين، ثم تطايرت الإشاعات عن نشاط هؤلاء الجستابو «المرعبين»، وما كانوا يأتونه ~~من جرائم وفظائع، وسرعان ما بلغت هذه الإشاعات حدا جعل السلطات الحكومية تبادر في مارس ~~1942 بتكذيبها تكذيبا قاطعا، وتحذر الأهلين من الاستماع إلى أولئك الذين كانوا «يروجون ~~هذه الأباطيل»، على حد قول الصحف النازية. # وكان من أهم أسباب المقاومة الداخلية اضطهاد النازيين للكنيستين الكاثوليكية ~~والبروتستنتية. وقد بدأ عداء النازيين للكنيسة الكاثوليكية قبل وصولهم إلى الحكم بزمن طويل، ~~يدل على ذلك بيان أصدره أساقفة بافاريا في عام 1931 احتجاجا على الحركة النازية بسبب ~~مبادئها المتعلقة بالعنصرية وتفضيل الجنس الآري على ما عداه من الأجناس، وموقف النازيين من ~~الكتاب المقدس وتدخلهم في أعمال القساوسة، ومنع بعضهم من القيام بوظائفهم الدينية. فقد عمد ~~النازيون في أول الأمر إلى استجلاب ms250 مودة المعتدلين من رجال الدين الكاثوليك الذين أبدوا ~~استعدادهم لتخفيف معارضتهم ضد النازية على أمل أن يفضي هذا التساهل من جانبهم إلى إزالة شيء ~~من أسباب العداء الذي بدا مستحكما بين النازيين والكنيسة الكاثوليكية. وفي تلك السنوات ~~الأولى التزم هتلر خطة الحيطة والحذر في علاقاته مع الكاثوليك؛ لأن شعور الكاثوليك في ~~ألمانيا ضد الشيوعية كان شعورا قويا، فلم يكن من مصلحة النازية بتاتا إثارة عداء ~~الكاثوليك ضدهم بدرجة ظاهرة، وأحرز هتلر انتصارا كبيرا عندما استطاع أن يعقد مع الفاتيكان ~~معاهدة # Concordat # في يولية 1933؛ لأن إبرام ذلك الاتفاق كفل ~~على - حد قول النازيين أنفسهم - اعتراف الكنيسة الكاثوليكية بالوطنية الاشتراكية اعترافا ~~نهائيا. وكان الكونكردات ينص على أن يقسم كل أسقف عند تعيينه في أسقفيته يمين الولاء ~~للدولة الألمانية، وحرم على القساوسة الانضمام إلى الأحزاب السياسية أو مساعدة هذه الأحزاب ~~مهما كانت أغراضها. أما النازيون فقد تعهدوا في نظير ذلك بأن يعطوا الحرية الكاملة لمدارس ~~الكاثوليك والجماعات الدينية الكاثوليكية ما دامت لا تهدف إلى أغراض سياسية، ثم تعهدوا بعدم ~~تدخل الدولة في عقائد الأفراد وكل ما كان متصلا بشئون حياتهم الدينية، وألا يتعرضوا ~~للأطفال الكاثوليك بشيء. # غير أن النازيين الذين كانوا قد وصلوا إلى الحكم قبل هذا الاتفاق بشهور معدودة، كانوا ~~يبيتون النية على نقض التزاماتهم عند أول بادرة، وفضلا عن ذلك فإن مضيهم في تنفيذ برنامجهم ~~الداخلي لتأليف تلك الكتلة الصلبة المتماسكة التي أرادوا إنشاءها في قلب الريخ الألماني ما ~~لبث حتى أثار ضدهم احتجاج الكنيسة الكاثوليكية، وكان سببا في استحكام العداء بين النازيين ~~والكاثوليك في الريخ الثالث. فقد أصدر النازيون بعد مضي ستة أيام من توقيعهم الكونكردات ~~قانون التعقيم، الذي سبق الحديث عنه، فأثاروا بذلك شعور الكاثوليك؛ لأن التعقيم يتعارض مع ~~عقائدهم الدينية ولا يمكن أن يوافقوا عليه بحال من الأحوال، وعدوا إصدار هذا القانون تحديا ~~صريحا لهم. وتوقع النازيون أن يمتنع الكاثوليك عن تنفيذه وأن ينقد القساوسة هذا القانون ~~نقدا مرا، وتحقق ما توقعوه؛ إذ ألقى الكاردينال «فولهابر # Faulhaber ~~» عظة ms251 في آخر عام 1933 يبين فيها موقف الكنيسة الكاثوليكية ~~رسميا من مسألة النسل والتعقيم، وكأنما كان إفصاح الكنيسة الكاثوليكية عن موقفها من هذا ~~القانون كل ما يبتغيه النازيون حتى يعلنوا على الملأ أن رجال الدين الكاثوليك امتهنوا ~~الكونكردات ونقضوا يمين الولاء الذي أقسموه للدولة الألمانية وأنهم مصرون على المضي في ~~عدائهم للوطنية الاشتراكية. وعلى ذلك شرع النازيون يكممون الصحف الكاثوليكية في غير توان. ~~وفي بداية العام التالي «1934» بدأ «ألفريد روزنبرج» يعد حملته لانتزاع الشباب الألماني من ~~أحضان الكنيسة. ولما كان هتلر يأخذ أهبته في تلك الآونة لضمان نجاح الاستفتاء في أقليم ~~السار وانضمامه إلى ألمانيا، وكان النفوذ الكاثوليكي في هذا الإقليم قويا، فقد رأى هتلر ~~عدم الظهور بمظر العداء الصريح للكاثوليكية، ووعد بصون حقوق الكنيسة الكاثوليكية وتنفيذ ~~مواد الكونكردات بكل أمانة، غير أن هذه الوعود لم تكف لإقناع رجال الدين الكاثوليك بأن ~~النازية لا تريد شرا بكنيستهم. فأعد أساقفتهم في اجتماعهم السنوي وقتذاك في بلدة «فولدا» ~~«خطابا رعويا» أظهروا فيه انزعاجهم من سير الأمور وعدم اطمئنانهم إليه، ولكن أحدا من ~~الأفراد لم يقرأ هذا الخطاب؛ لأن الجستابو سرعان ما صادروه وأتلفوا كل أثر له. واشتد عداء ~~النازيين للكاثوليكية، فأعلن زعيم الشباب الهتلري «بلدورفون شيراش» الحرب السافرة ضد ~~المنظمات الكاثوليكية «مارس 1934»، وأسيئت معاملة فتيان الكشافة الكاثوليك في كل ظرف ~~ومناسبة، وانتهز الهتلريون عودة فريق من هؤلاء الفتيان بعد زيارة قاموا بها إلى رومة في ~~غضون عام 1935، ففاجأهم رجال البوليس السري في أثناء عودتهم واغتصبوا منهم آلات التصوير ~~والمسابح والصلبان ومزقوا ملابسهم. وفي العام التالي نشط عداء النازيين للكاثوليكية فأتموا ~~خنق الصحافة الكاثوليكية، وكانوا قد بدءوا يكممون أفواهها منذ وصولهم إلى الحكم رويدا ~~رويدا. وفي عام 1938 كانت قد حلت كل منظمات الشباب الكاثوليكي تقريبا، ولم يبق في ~~الميدان سوى «الشباب الهتلري». # ودأب النازيون على إظهار الكاثوليك بمظهر أولئك الذين يضمرون العداء للدولة دائما ولا ~~يحترمون القوانين ويلطخون سمعة الريخ الألماني، فأصدروا قوانين لمنع تصدير النقد الألماني ~~إلى الخارج، وكان معنى هذا ms252 تعذر سداد الديون المتراكمة على كل تلك الهيئات والمؤسسات ~~الدينية التي اضطرت أيام تدهور المارك الألماني في عهد «جمهورية ويمار» إلى استدانتها من ~~الخارج إلا إذا لجأت إلى التهريب؛ لأن هذه الهيئات والمؤسسات الدينية لم تكن بطبيعة الحال ~~تشتغل بالتجارة حتى يمكنها أن تسدد ديونها بفضل ما تصدره من سلع، فلم تكن ثم وسيلة لتسديد ~~الديون غير تهريب النقد ومخالفة أوامر الحكومة. وفضلا عن ذلك فقد بدأ النازيون في أوائل ~~عام 1937 حملة واسعة الغرض منها اتهام القساوسة والرهبان والراهبات بسوء الخلق، ونشرت الصحف ~~النازية بعناوين كبيرة حوادث هذه الاتهامات المخزية، ووعدت بتقديم ما لا يقل عن ألف من ~~هؤلاء القساوسة والراهبات إلى المحاكمة، وشجعت السلطات أفراد الشعب على البحث عن مرتكبي ~~الموبقات من رجال الدين الكاثوليك، ولكن هذه الحملة الواسعة أسفرت عن إدانة خمسة وثمانين ~~قسيسا من بين خمسة وعشرين ألفا في الريخ، ولم يثبت على راهبة ما أية تهمة من تلك التهم ~~الشنعاء. على أن هذا الفشل لم يمنع النازيين من الإمعان في اضطهاد رجال الدين الكاثوليك من ~~أجل سلامة الدولة على حد قولهم، لعدة أسباب من أهمها: أن الكنيسة الكاثوليكية ذات ثقافة ~~أجنبية، فضلا عن أنها لم تكن مؤسسة وطنية؛ لأن اتجاهاتها وميولها مصطبغة بصبغة دولية، ولا ~~يمكن أن يعد أعضاؤها مواطنين بمعنى الكلمة لما كان لهم من علاقات مع سائر الكاثوليك في ~~الخارج. وهكذا استطاع النازيون في غضون ثمانية أعوام من بدء سيطرتهم أن يلقوا في السجون ~~حوالي خمسة آلاف قسيس. # وعظمت محنة الكاثوليكية بعد نشوب الحرب الهتلرية، وكان من وسائل إرهاقها مصادرة أملاك ~~الكنائس والجماعات الدينية، فصادر الجستابو في عام 1941 مراكز «جماعة يسوع» وبيت الراهبات ~~في مونستر بوستفاليا، ومراكز جماعة القديس أوغسطين بالقرب من «بون» في الراين، وبلغ عدد ~~مراكز هذه الجماعة التي صادرها الجستابو حتى أواخر عام 1941 ثلاثة عشر مركزا. وفي مارس ~~1942 أعلن أسقف برلين أن النازيين صادروا كثيرا من أملاك الكنيسة الكاثوليكية. وفي أبريل ~~من العام نفسه أغلق النازيون أديرة ms253 البندكتين في شتى نواحي ألمانيا. ولكن في عام 1942 كانت ~~الولايات المتحدة الأمريكية قد دخلت الحرب ضد ألمانيا واشتدت غارات قوات الطيران البريطانية ~~على المناطق الغربية، لا سيما وأن الجيش الألماني كان يزحف على روسيا، وأخذت أركان الجبهة ~~الداخلية في التصدع على الرغم من قسوة النازيين وبطش رجال الجستابو، وفي هذه الظروف رفع ~~رجال الكاثوليك أصواتهم فجأة يتحدون فلسفة النظام الهتلري ويهددون بتقويض أركانه، وصحيح أن ~~قادة الكاثوليك قالوا إن الامتثال لأوامر الدولة والخضوع لقوانينها واجب على كل فرد، ولكنهم ~~صاروا يطالبون في الوقت نفسه بتغيير النظم القائمة وإنشاء نظام آخر بدلا من نظام الزعامة ~~المسئولة، فكان معنى ذلك تسديد ضربات المعارضة ضد النظام النازي بأجمعه، وألقى أسقف مونستر ~~الكونت «جالن # Galen ~~» عظاته الثلاث المشهورة في غضون شهري ~~يولية وأغسطس من عام 1941، وحمل على وثنية النازيين حملة شديدة داعيا الآباء إلى إمعان ~~النظر في مستقبل أبنائهم، والمسيحيين إلى اتباع تعاليم الكنيسة الصحيحة؛ فلا يقتلوا النفس ~~التي حرم الله قتلها، ولا يتخذوا من دعوى تخليص المرضى من آلامهم والمجتمع من المعتوهين ~~مسوغا لارتكاب جرائم القتل. وأطال الكونت «جالن» الحديث عن «الوصايا العشر» فوضح ~~لمستمعيه أن مصادرة الأملاك - على غرار ما كان يفعل النازيون - سرقة صريحة، وأن الحب الطليق ~~وإنتاج الأبناء لخدمة الريخ خارج نطاق الزوجية زنا ومعصية، وأن عدم احترام الآباء والأمهات ~~عقوق ونكران، وأن عبادة الطبيعة والدولة والجنس زيغ وكفران. وفي آخر العام نفسه ألقى ~~الكردينال «فولهابر» عظة في كتدرائية ميونخ عدد فيها الاتهامات التي كان يكيلها النازيون ~~للكنيسة الكاثوليكية، ثم أخذ يدحض هذه المفتريات الواحدة بعد الأخرى، وأظهر ما كان يفعله ~~النازيون - على حد قوله - لاقتلاع جذور الكنيسة. وفي مارس 1942 قرئ في الكنائس «خطاب رعوي» ~~وضعه الأساقفة الكاثوليك. وفي العام التالي كان أعداء الكنيسة الكاثوليكية للنازية سافرا، ~~فانفض كثيرون من حول الهتلرية، وزادت مقاومة المتذمرين من نظام النازيين شدة على ~~شدتها. # وكان مما قوى حركة المقاومة «الدينية» موقف النازيين من البروتستنتية في ألمانيا، فقد ~~بدءوا بإحكام رقابة الدولة ms254 على الكنيسة البروتستنتية منذ استتب لهم الأمر في الريخ؛ فعينوا ~~«قومسيريين» للإشراف على شئون الكنائس البروتستنتية في بروسيا وسكسونيا وغيرها عام 1933، ~~ومنعوا نشر كل ما كان يتناول المسائل الكنسية 1934، وارتكبوا غير ذلك من الأعمال التي أثارت ~~المقاومة ضدهم، وألقى النازيون القبض على كبار رجال الدين البروتستنت في ورتمبرج وبافاريا ~~1934، وأرسلوا القساوسة البروتستنت خصوصا في سكسونيا ونساو-هس إلى معسكرات الاعتقال، ~~وقبضوا على سبعمائة منهم في أنحاء بروسيا؛ لأنهم قرءوا من فوق المنابر احتجاجا ضد تلك ~~«الوثنية الجديدة» التي أراد النازيون أن يستعيضوا بها عن الأديان جميعها 1935، ونفوا عددا ~~عظيما من القساوسة البروتستنت في «بروسيا» وغيرها. وعندما ألف المعارضون البروتستنت ~~كنيسة جديدة أسموها الكنيسة الاعترافية، حتى يتحرروا من القيود التي فرضها النازيون على ~~الكنيسة البروتستنتية، عطلت السلطات الحكومية إقامة الشعائر بالكنائس الاعترافية وصادرت ~~أموالها وفرضت رقابة شديدة على مطبوعاتها. غير أن التدابير النازية لم تخضد من شوكة ~~الاعترافيين، وظهر زعماء أمثال مارتن نيمولر وغيره قادوا المعارضة ضد الهتلرية بشجاعة ~~فائقة، وضحى كثيرون بأنفسهم في سبيل تعزيز العقائد المسيحية الصحيحة، فقدم «نيمولر» وإخوانه ~~مذكرة إلى الفوهرر، يتساءلون فيها عن نوايا النازية تجاه الديانة المسيحية 1936. ثم تكررت ~~احتجاجاتهم في العام التالي. وفي يولية ألقى النازيون القبض على نيمولر، وفي فبراير 1938 ~~قدموه للمحاكمة، ثم أرسلوه إلى معسكرات الاعتقال. وعندما بدأ الحرب اشتد الضيق على الكنائس ~~الاعترافية «1939»، فلم يسعها إزاء انتصارات النازيين الباهرة في مراحل الحرب الأولى ~~وانتشار رجال الجستابو في طول البلاد وعرضها سوى أن تطأطئ الرأس انتظارا لساعة الخلاص، ~~وكانت الحرب التي شنها هتلر على روسيا مؤذنة بأن هذه الساعة لا بد آتية. ذلك بأن الحرب ~~الروسية كانت من أهم الأسباب التي أدت إلى ازدياد المقاومة ضد النظام الهتلري وتصدع الجبهة ~~الرابعة نهائيا، فضلا عن أنها كانت بمثابة المعول الذي هدم ذلك البنيان الشامخ: آلة ~~الحرب النازية. فإنه بمجرد أن سرى التذمر في الجيش بين صفوف الجند وضباطهم وكبار قوادهم، ~~بات انهيار ألمانيا أمرا لا مفر من حدوثه. # فقد عرف عن الألمان من ms255 قديم الزمن أنهم يعنون بتنظيم الجيش عناية كبيرة، ومع ذلك قد يخفى ~~على الكثيرين أن الجيش الألماني كان يعد أعظم الجيوش الديمقراطية إطلاقا بعد الجيش ~~الأحمر، وسبب ذلك أن الألمان حين خسروا الحرب العالمية الأولى، رغبوا في الانتفاع من دروس ~~الهزيمة القاسية، وقد وجدوا أن النظام القيصري القديم كان من عوامل تلك الهزيمة؛ إذ كان ~~القواد والضباط والجنود يؤلفون طبقات منفصلة جعلت من المتعذر قيام الألفة والتفاهم بين ~~الرتب العسكرية المختلفة؛ ولذلك حرص الألمان منذ أيام جمهورية ويمار، على أن يزيلوا هذه ~~الفوارق على الأقل بين الضباط وضباط الصف وبقية الجند. وعندما وصل النازيون إلى الحكم درجوا ~~على ذلك حتى خرج إلى عالم الوجود في النهاية جيش «ديمقراطي» شديد التماسك دقيق النظام، يشعر ~~أفراده شعورا قويا بأنهم إنما يؤلفون مجموعة واحدة تربط بينهم جميعا أواصر التفاني في ~~خدمة الوطن. وعلى ذلك ظل الجيش الألماني في مراحل الحرب العالمية الثانية قوة متماسكة لا ~~يمكن أن يجد الوهن إليها سبيلا، وكان من أسباب ذلك أن جميع الانتصارات التي أحرزها ~~النازيون حتى منتصف عام 1941، كانت انتصارات سهلة لم تكلفهم جهودا كبيرة بل كانت كل القوة ~~التي اعتمد عليها الألمان في كسب معاركهم لا تزيد على ربع مليون رجل وحوالي اثنتي عشرة فرقة ~~من فرق الهجوم المصفحة، وبضعة آلاف من رجال الطيران والغواصات، أي إن النازيين - بعبارة ~~أخرى - اعتمدوا في إحراز انتصاراتهم على الجيش المحترف، وعماده الجند المدربون الذين خدموا ~~زمنا طويلا وتغلغلت فيهم روح التنظيم العسكري الألماني، وعرفوا تقاليد الجيش الألماني ~~وحرصوا على الذود عنها. ولكن الأحوال لم تلبث أن تغيرت عندما اضطر النازيون منذ أن بدأت ~~الحرب الروسية في يونية 1941 إلى تجنيد كل شاب في سن الخدمة العسكرية صالح لحمل السلاح، ~~فضموا إلى الجيش الألماني فرقا جديدة جمعوا جنودها من بين أعضاء تلك «الجبهة الرابعة» التي ~~كان يخافها «هيملر» كل الخوف منذ عام 1937، ويرى فيها عوامل انحلال عاجل أو آجل إذا تركت ~~وشأنها، ولم يفرض عليها «الجستابو» نطاقا من المراقبة الشديدة، ms256 ولم يكن «هيملر» في مخاوفه ~~هذه مخطئا أو مغاليا. # فإن هذه «الجبهة الرابعة» التي قام أعضاؤها - من الصناع والعمال والزراع والموظفين ~~المدنيين - بجميع أنواع المقاومة الإيجابية والسلبية في داخل الريخ الألماني، على النحو ~~الذي تقدم ذكره لم يلبث أن ظهر نشاطها في ميادين القتال أيضا، وبخاصة في الميدان الروسي ~~الكبير الذي كان يتطلب من الألمان حشد الألوف من شبان الريخ لمنازلة الجحافل الروسية، ولا ~~جدال في أن تلك المقاومة كانت مقصودة، فضلا عن أنها كانت نتيجة حتمية لما حل بالجنود من ~~التعب والملل والشكوى من سوء التموين، والتذمر من قلة الملابس والتعرض لبرد الروسيا القارص، ~~واليأس من إحراز النصر السريع، على نحو ما كان يعدهم به الهر هتلر من جانب، ويغرر بهم الهر ~~جوبلز بدعايته الواسعة العريضة من جانب آخر. وقد ظهرت المقاومة في أشكال متنوعة، كان منها ~~هروب المقاتلة الألمان وتسليمهم من غير قتال وامتناعهم عن تنفيذ أوامر الهجوم وتفضيلهم ~~التقهقر في الميدان على مواجهة العدو، ثم التذرع بشتى الوسائل عقب وقوعهم في الأسر ~~واطمئنانهم إلى أنهم قد أصبحوا بعيدين عن مخالب الجستابو؛ لإظهار كراهيتهم وبغضهم للنظام ~~النازي وللزعيم، وعصابته. وما لبثت حوادث هذه المقاومة أن استرعت أنظار الروس عقب نشوب ~~الحرب بينهم وبين النازيين، وذلك على الرغم من أن انتصارات الألمان كانت قد جعلتهم في ~~الشهور الأولى من عام 1942 على مقربة من ليننجراد وتجاوزت بهم «سمولنسك» ومكنتهم من التوغل ~~في الأوكرين، فبدأ الروس يدرسون أحوال الهاربين والأسرى الألمان دراسة منظمة تلقي ضوءا ~~كبيرا على حقيقة هذا النوع من المقاومة. وسواء كانت هذه المقاومة ذات أثر فعال في اندحار ~~النازيين في النهاية أو تضافرت عوامل أخرى أشد خطرا على تقويض دعائم الريخ الثالث؛ فإن ~~وجود هذه المقاومة في مراحل الحرب الأولى دليل على أن الهتلريين قد أخفقوا في استمالة سواد ~~الأمة الألمانية إلى تأييد ذلك النظام، الذي فرضوه على ألمانيا فرضا ثم أرادوا تطبيقه على ~~بقية أوروبا النازية، وأسطع برهان على هذا الإخفاق أن الجندي الألماني الذي عمد ms257 إلى الفرار ~~من الخطوط الأمامية أو التسليم أو عصيان الأوامر أو عدم الثبات أمام العدو في بداية الحرب ~~مع روسيا كان - من غير شك - لا يجد في تلك الفلسفة التي قامت عليها دعائم النظام النازي ~~أية مثل عليا خليقة بتضحية النفس، وبذلها رخيصة في سبيل تحقيقها. # فقد أخذ عدد الهاربين من المقاتلة الألمان إلى الجيش الأحمر يزداد منذ بداية الحملة ~~الروسية حتى بلغ درجة جعلت من المتعذر الاعتقاد بأن حوادث الهرب كانت حوادث فردية ، ولا تدل ~~على فقدان الرغبة في القتال لدى شطر من الجنود الألمان في الجبهة الشرقية. ومنذ 18 مارس ~~1942 أشارت صحيفة النازيين الرسمية «فولكشير بيوبختر» إلى هذه الحالة إشارة خفية عندما قالت: # إن الجنود الألمان يفكرون في البرد والقمل وغيره من كلام أكثر مما يفكرون في ~~وطنهم، فإذا فتح جندي فاه في الجبهة الروسية فعل ذلك دائما للشكوى من البرد أو من ~~أن مطبخ الميدان لا يعد الطعام في موعده، أو من أن الخبز قديم أو غير ذلك من ~~الشكاوي. # وجاء في مفكرة يومية عثر عليها الروس بين أوراق «ألفريد روهيل» أحد الضباط الألمان الذين ~~سقطوا في الميدان الأوسط بالقرب من «أفاوفو» في غربي موتزايسك في آخر يناير 1942 ما يؤيد ~~انتشار روح التذمر في الجيش إبان الحملة الروسية. فقد دون هذا الضابط في مذكرته بتاريخ 28 ~~ديسمبر 1941: «إنه من الصعب على المرء أن يفهم ما يحدث الآن، فإننا نتقهقر، مع أننا لم ~~نتقهقر في بولندة، ولم نتقهقر في فرنسا أو اليونان، ولكن هنا في الروسيا، بدلا من التقدم ~~إلى الأمام بدأنا لسبب ما نتقهقر، وهذا أمر يصعب فهمه لا سيما وأن «الزعيم» أكد لنا أن ~~الروس سوف يخرون صرعى، وأن الحملة الروسية لا بد منتهية في ختام عام 1941 حتى يستطيع ~~الانتهاء من الإنجليز أيضا في عام 1942. ولكن هذه الآمال تنهار الآن كأنها بيت من الورق.» ~~وكتب الضابط أيضا في 8 يناير 1942: «لقد أصبح جنودنا غير أولئك الذين عهدناهم من قبل، إنهم ~~الآن يلزمون الصمت ms258 ويصعب على المرء أن يجد من يتحدث إليه منهم، بل إنه ليبدو عليهم التجهم ~~وعدم الثقة، وصحيح أن الجنود ما زالوا يخشون بأس الضباط، ولكن العلاقات القائمة بين الطرفين ~~قد تغيرت نوعا ما، حتى إن الإنسان ليشعر بوجود توتر غير طبيعي. وذلك نذير سوء.» وكتب في ~~اليوم التالي: «اختفى من فرقتنا أمس ثلاثة رجال، ولم يكن هذا الحادث الأول من نوعه، والظاهر ~~أنهم هربوا أو سلموا للعدو.» وكتب في 20 يناير: «اخترق الروس صفوفنا ثانية، ونحن في خطر ~~التطويق وخسارتنا جسيمة ، والجنود متجهمون، يبدو عليهم الوجوم، وحبذا لو أمكن معرفة ما يجول ~~بخاطرهم، ولكنهم يلزمون الصمت دائما، وهذا الصمت يرهق أعصابنا كثيرا.» وذكر في 21 يناير: ~~«لا شك أن الجنود يكثرون من الكلام فيما بينهم، ولم يعد النظام دقيقا، وحدث أمس أن الجندي ~~«هانز إيبرت» أرسل إلى مركز أمامي للمراقبة، ولكنه سرعان ما رجع إلى الجنود لاهثا ~~مذعورا، ولم يعد إلى مركزه إلا بعد أن هدد بإطلاق الرصاص عليه.» وفي 22 يناير كتب يقول: ~~«تزداد نفسية الجنود سوءا يوما بعد يوم ... وقد حدث أمس أن رفض عدد منهم القيام بهجوم مضاد، ~~حتى اضطررنا إلى تهديدهم بإطلاق نيران المدافع الرشاشة عليهم. وقد حاول ثلاثة من الرجال ~~التسليم إلى العدو، فأعدموا رميا بالرصاص. إن النجدات التي تصل إلينا هي من رجال ~~الاحتياطي غير المدربين ...» وأخيرا دون في مذكرته بتاريخ 24 يناير: «وصلت إلينا أوامر ~~تحتم علينا عدم التقهقر خطوة واحدة، وقد أنذر الضباط بأنهم سوف يقدمون إلى المحاكم ~~العسكرية إذا انسحبوا أو تقهقروا قبل أن تصل إليهم أوامر بذلك. ولكن إصدار الأوامر شيء، ~~وإطاعتها شيء آخر، ويبدو أن القيادة العامة لا تدري بكل ما يجري في هذه الجهات على وجهه ~~الصحيح ... إن معركة اليوم يقصد من ورائها الاستيلاء على «أفاروفو» ...» وفي هذه المعركة قضى ~~صاحب المذكرات نحبه. # ومن أمثلة التسليم المقصود إلى العدو ما وقع في أكتوبر 1941 في الجبهة الشمالية عندما ~~أرغم جنود إحدى آلايات المشاة على رفع راية التسليم البيضاء، ms259 فقد غادروا أماكنهم آخذين ~~معهم ضابطهم وسلموا أنفسهم لرجال الجيش الأحمر، وقد حدث أن وقف أحد هؤلاء الجنود خطيبا ~~يتنبأ بقرب انهيار النازية ويحض الجنود الألمان على وقف القتال. وحدث في فبراير 1942 أن ~~عهد إلى فريق من جنود المشاة بمهمة تغطية تقهقر الجيش، ولكنهم بدلا من ذلك «لم يطلقوا ~~رصاصة واحدة على العدو، وعندما اقترب الروس منهم، أرسل رئيسهم مندوبا يبلغهم رغبة جنوده في ~~التسليم». وفي غير الميدان الروسي أمثلة عدة للهرب من الجيش والتسليم للعدو ورفض القتال، ~~حتى إن القيادة العليا الألمانية وجدت من الضروري إرسال الجستابو وطائفة من الجنود ~~المتحمسين للنازية للانضمام إلى القوات المحاربة في الميدان لمراقبة الهاربين أو الراغبين ~~في التسليم أو الممتنعين عن تنفيذ الأوامر والقبض عليهم وتقديمهم إلى المحاكم العسكرية أو ~~إطلاق الرصاص عليهم بدلا من ذلك في التو والساعة. فقد حدث في نوفمبر سنة 1941 أن رفضت وحدة ~~ألمانية في ليل # Lille # على حدود فرنسا الشمالية الشرقية ~~مغادرة الثكنات والانتقال إلى الجبهة الشرقية، فأطلق الرصاص على تسعة وعشرين منهم، وألقي ~~القبض على ثلاثمائة، وأعدم في الشهر نفسه ستة من الجنود الألمان في بتسامو في طرف فنلندة ~~الشمالي لمحاولة الهرب. وفي 23 ديسمبر 1941 حدث في قرية «ميليخوفو» بالقرب من «بلجورود» أن ~~رفض تسعون جنديا إطاعة أوامر الهجوم فأطلق الرصاص عليهم. وفي يناير 1942 أطلق الرصاص ~~على عدد من جند الآلاي السابع والثلاثين بعد المائة بسبب التمرد والعصيان. وفي نفس الشهر ~~أعدم ثلاثة عشر جنديا ألمانيا في «أسن» وثمان في «ليبزج»؛ لرفضهم الذهاب إلى الجبهة ~~الشرقية. وفي فبراير 1942 أعدم ثلاثة وستون من الألمان في «نانسي» بفرنسا؛ لأنهم رفضوا ~~الذهاب إلى خطوط القتال الروسية، وفي نفس الشهر هرب عشرة جنود في أثناء نقلهم بالسكة الحديد ~~من أحد المراكز بفرنسا، وضبط واحد منهم فانتحر قبل محاكمته. # وثمة ظاهرة أخيرة تدل على مبلغ ما كان هناك من شعور عدائي مشترك بين أسرى الحرب الألمان ~~نحو النازية وزعيمها أنه لم تكد السلطات السوفيتية في معسكرات أسرى ms260 الحرب تسمح بتأليف ~~الجمعيات الأدبية للخطابة والمناظرة، وما إلى ذلك حتى انتهز هؤلاء الفرصة للخوض في مساوئ ~~الوطنية الاشتراكية والتدمير الذي تم على أيدي الزعماء النازيين الذين ألقوا - تلبية ~~لأطماعهم وخدمة لمآربهم الشخصية - بملايين الرجال من الألمان، ومن حلفائهم «المكرهين» على ~~التعاون معهم إلى ميادين القتال. # وكان من المتوقع بطبيعة الحال أن تشجع السلطات السوفيتية هذه الحركة فسمحت بذهاب الوفود ~~من الأسرى الألمان لزيارة أسرى الحرب الرومانيين وغيرهم؛ لنشر الدعوة ضد النازية وبيان مبلغ ~~الأخطار التي تستهدف لها البلاد المحتلة من جراء تعاونها مع النازيين، وزيادة على ذلك أذنت ~~السلطات السوفيتية بعقد اجتماعات كبيرة يحضرها مندوبون عن معسكرات أسرى الحرب جميعا؛ ~~لتوضيح موقفهم من النازية وتوثيق العلاقات بين كافة أسرى الحرب على أساس التخلص من الهر ~~هتلر والنازيين كخطوة لا غنى عنها لنشر ألوية السلام على أوروبا. وفي يناير 1943 اجتمع في ~~أحد معسكرات أسرى الحرب في الروسيا مندوبون عن سائر معسكرات الأسرى بلغ عددهم 876، وكان ~~معظم المندوبين من الألمان برئاسة «الأونباشي» ردولف وولف من برلين، ثم كثرت اجتماعات أسرى ~~الحرب في الشهور التالية. فحدث في فبراير أن حضر إلى المعسكر رقم 95 حوالي مائة وتسعين ~~مندوبا يمثلون 1242 من ضباط الصف في المعسكرات الأخرى. وبعد أسابيع قليلة - أي في أواخر ~~مارس - عقد الأسرى الألمان الذين وقعوا في الأسر بين ديسمبر 1941 وفبراير 1942 اجتماعا في ~~المعسكر رقم 74، واتخذوا قرارا طويلا، ختموه بعبارة رنانة: «لتسقط الحرب، وليسقط هتلر ~~وعصابته، وليحي النضال من أجل ألمانيا الحرة!» وفي فبراير ومارس من العام نفسه أصدر ثمانية ~~وعشرون ضابطا من أسرى الحرب الألمان في روسيا نداء طويلا أذاعته المحطات الروسية وكذلك ~~المحطات السرية في الريخ الثالث عدة مرات، أوضح فيه الضباط لأبناء وطنهم كيف غرر هتلر ~~وعصابته بأهل البلاد وزجوا بهم من أجل أطماعهم الجنونية في حرب يفنى فيها مئات الألوف من ~~الشباب سدى، وأنه لا يمكن أن تنتهي ما دام هتلر في الحكم؛ لأنه لن يعقد إنسان أي صلح معه ~~بينما تستطيع حكومة ms261 وطنية يؤيدها الجيش ويوليها الشعب ثقته أن تحصل لألمانيا على صلح خليق ~~بأمة عظيمة، فكان هذا النداء دعوة صريحة للثورة على النازيين في ألمانيا. # وقد يتبادر إلى الذهن أن أسرى الحرب كانوا مدفوعين لظروفهم الخاصة إلى إظهار هذا العداء ~~وهذا البغض نحو النازية وزعيمها، ولكن الحقيقة كانت على عكس ذلك تماما، بل إن هناك من ~~الأمثلة الكثيرة الأخرى ما يكفي لإظهار مبلغ التصدع للجيش الألماني وقتذاك. ولعل من أخطر ~~هذه الحوادث ما وقع في إقليم «الفوج» الفرنسي على الحدود الشرقية بين فرنسا وألمانيا في ~~فبراير 1942، عندما التحم الجند الألمان مع حرس «هيملر» في معارك دموية كما حدث بالقرب من ~~باريس في الوقت نفسه أن أعدم ثمانية من الجنود الألمان؛ لارتكابهم جريمتي التخريب ومحاولة ~~الهرب. وفي «بار دوبيش» في تشيكوسلوفاكيا سار الجنود الألمان في مظاهرة كبيرة؛ فطافوا ~~بشوارع المدينة وهم يصيحون: «نطلب الصلح ونريد العودة إلى الوطن.» فما لبث رجال «هيملر» أن ~~حضروا مسرعين وأطلقوا الرصاص، فقتلوا من المتظاهرين ثمانية وجرحوا ثلاثين وألقوا القبض على ~~ستين منهم. وحدث في أوائل عام 1943 أن اختفى فجأة عدد من القواد في ظروف غامضة كان من بينهم ~~الجنرال «فون ريشناو» عدا غيره من كبار الضباط الألمان، وقد أذاعت المحطات السرية الحرة ~~الألمانية وقتذاك تفصيلات عن ظروف اختفائهم ثم إعدامهم بعد ذلك. ويتبين من هذه التفصيلات أن ~~أحد عشر ضابطا من كبار رجال الطيران الألماني الذين قتلهم «الجستابو» كانوا جميعا قد ~~وقعوا بأسمائهم على «مذكرة» يعارضون فيها هيملر، فكان توقيعهم على هذه المذكرة السبب ~~المباشر لسفك دمائهم. # وكان «هيملر» قد طلب في ذلك الحين أن يكون لدى فرق الحرس النازي من أصحاب القمصان السود # S. S. # الخاضعين لرياسته قوة منفصلة من السلاح ~~الجوي خاصة بها، فلقي هذا الطلب معارضة شديدة من الجنرال «براو شيتش» ومن هيئة القيادة ~~العليا للجيش الألماني، ومن جانب فريق من كبار الضباط وخصوصا في سلاح الطيران، وكانت حجة ~~المعارضين أنه ينبغي الاحتفاظ بوحدة القيادة العليا العسكرية وعدم تجزئتها، وأنه ما دامت ms262 ~~التنظيمات النازية الحزبية المعروفة، وهي فرق الهجوم وفرق الحرس قد دخلت في خدمة الجيش، فقد ~~أصبح من المتحتم عليها الخضوع التام لنظامه. وأمام هذه المعارضة، رأى «هيملر» أن يلجأ إلى ~~«هتلر» حتى يحصل على تأييده، ولكن «هتلر» كما كانت عادته في هذه الأمور ظل مترددا، ورأى ~~تأجيل الفصل في هذا الموضوع، وعندئذ وجد الضباط والقواد بدورهم، وكانوا قد فاتحوا «هتلر» ~~نفسه في الأمر، أن يستميلوا إلى جانبهم «هرمان جورنج». بيد أن «جورنج» الذي كان قد بدأ يفقد ~~في تلك الأونة ذلك النفوذ القديم الذي تمتع به طويلا، لم يلبث أن رأى من مصلحته عدم القطع ~~برأي حاسم قد يرضي فريقا ويغضب فريقا آخر، وفضل بدلا من ذلك أن تظل علاقاته طيبة مع ~~الجماعتين، ولكنه لما كان يرى في شخص «هيملر» منافسا خطيرا له فقد لجأ إلى استخدام ~~الجنرال «ميلش» وسيطا لدى كبار ضباط الطيران في السلاح الجوي حتى يطلب إليهم إعداد «مذكرة» ~~في هذا الموضوع يرفعونها إلى هتلر، متضمنة احتجاجا شديدا على ما يريده «هيملر»، وقد أعد ~~هؤلاء الضباط المذكرة فعلا، وكان عددهم أحد عشر، وعلى رأسهم كل من «أوديت»، «مولدرز»، ~~و«فون فيرا» و«ويلبرج»، فكانت نتيجة ذلك أن اختفى الموقعون عليها في أيام قليلة، فجاء هذا ~~الحادث دليلا جديدا - إلى جانب حوادث أخرى من نوعه - على أن الضعف قد بدأ يتطرق إلى قوة ~~الحرب الألمانية بسبب ذلك الانقسام القائم على وجه الخصوص بين المنظمات النازية العسكرية، ~~وهي تنظيمات حزبية وقوة الجيش المقاتلة النظامية في ألمانيا. وأحدث انقساما كبيرا بين ~~كبار القواد الألمان فشل الألمان في الاحتفاظ بستالينجراد في أواخر عام 1942، واضطرارهم ~~إلى تسليمها للروس ثم التقهقر المستمر في الجبهة الروسية منذ نوفمبر من العام نفسه إلى ~~أواخر 1943، وبدأ جماعة من الضباط الألمان في الجبهة الروسية يضعون الخطط من أيام تسليم ~~«فون باولوس» في ستالينجراد لإسقاط هتلر، وسرعان ما تطورت هذه الخطط بعد ذلك حتى أصبحت ~~مؤامرة طفق أصحابها يضعون التدابير لاغتياله، وكادت المؤامرة تنجح وقتذاك لولا أن الصدفة ~~وحدها جعلت ms263 هتلر يغادر مركز القيادة قبل تنفيذها بحوالي خمس وعشرين دقيقة. # وكانت معركة ستالينجراد فاتحة شؤم على الجيوش الهتلرية؛ إذ انهالت عليها الضربات من كل ~~جانب، فنزلت القوات البريطانية والكندية في جنوبي إيطاليا في سبتمبر 1943، واستمر زحفهم إلى ~~الشمال طوال العام التالي، وأزال سقوط «كاسينو» العقبات التي كانت تعترض سبيل الحلفاء في ~~الطريق إلى روما «مايو 1944»، فتقهقر الألمان بدون نظام أمام الغزاة. وفي أوائل يونية نزلت ~~القوات البريطانية والأمريكية من البحر والجو على ساحل أوروبا الغربي في مقاطعة نورمانديا، ~~فأعلن تشرشل في مجلس العموم البريطاني في 6 يونية 1944 بدء الغزو وفتح الجبهة الثانية، وبدا ~~كأنما قد أطبقت جحافل الحلفاء على «قلعة هتلر» التي ظلت مصدر رعب وفزع ردحا من الزمن، وأنه ~~لا مفر من تقويض أركانها بسرعة خاطفة، وعندئذ أفاق الزعماء النازيون من غفلتهم، وكان من ~~المتوقع أن يتضافروا على دفع هذه الكارثة التي نزلت بساحتهم، ولكن بدلا من ذلك فوجئ العالم ~~يوم 20 يولية 1944 بإذاعة من برلين أن فريق القواد المتذمرين في الجيش الألماني منذ أيام ~~الحملة الروسية أرادوا اغتيال هتلر، ومع أن العناية الألهية وحدها - على حد قول إذاعتهم - ~~هي التي أنقذت هتلر من الموت في «أوبرسالزبرج»، وأن جوبلز استطاع أن يحبط محاولة «عصبة كبار ~~الضباط للاستيلاء على مباني الحكومة في برلين»، فإن الأمر كان على جانب عظيم من الخطر؛ إذ ~~ثبت أن عددا من كبار القواد الذين قادوا الجيوش الألمانية المنتصرة في السنوات الماضية ~~كانوا ضالعين مع المتآمرين أو كانوا على الأقل من الناقمين على هتلر وجماعته، فعزل هؤلاء ~~من مركز القيادة، وكانوا الفيلد مارشال فون رونشتد القائد العام السابق للجيش الألماني في ~~غرب أوروبا، والفيلد مارشال فون براوشتش قائد القوات الألمانية البرية العام سابقا، ~~والفيلد مارشال فون بوك أحد قواد الجيش في روسيا، وزملاؤه الثلاثة في الحملة الروسية الفيلد ~~مارشال فون لبيب، والفيلد مارشال فون مانشتين والفيلد مارشال فون كلايست، ثم الجنرال فون ~~فالكنهاوسن القائد العام السابق في هولندة. وفضلا عن ذلك فقد تمردت وحدات ms264 من القوات البرية ~~والبحرية، وقام الأهلون بحركة عصيان واسعة في المناطق الصناعية التي خربتها قذائف طائرات ~~الحلفاء في ستوتجارت وشواينفرت وبريمن وميونخ، ونشبت الثورة بين وحدات من الجيش الألماني في ~~جنوبي ألمانيا واشتبك الجيش مع الجستابو في جهات مختلفة بألمانيا، ووقعت مصادمات بين شراذم ~~الهجوم وجنود الجيش الألماني في فرنسا في بوردو وليموج ونيم ونانت، وأعطى الفوهرر هيملر ~~سلطات واسعة فقام الآخر بعمليات تطهير واسعة قاسية، فانقض الجستابو على كل من اشتبهوا في ~~أمره يعدمونه رميا بالرصاص أو يرسلونه إلى معسكرات الاعتقال، ونفذ الإعدام في كثير من ~~المقبوض عليهم، وأودع غياهب السجون عديدون من العلماء والنبلاء ورجال المال والصناعة. ~~وتألفت في أوائل أغسطس 1944 «محكمة الشرف»، وكانت مهمتها عزل القواد الذين تحوم حولهم الريب ~~في الجيش، ورفع أسمائهم إلى هتلر حتى يتخذ قرارا بتقديمهم إلى «محكمة الشعب الألمانية»، ~~فباشرت محكمة الشرف مهمتها، وأصدرت قرارها بإدانة كثير من القواد وفصلهم من خدمة الجيش، ~~وبعد محاكمة دامت يومين أصدرت محكمة الشعب الألمانية أحكامها على ثمانين من القواد ~~بالإعدام، ثم نفذ فيهم الحكم شنقا. # ووسط هذا الاضطراب الشامل ظلت تجيء الأخبار السيئة من كل جانب منبثة بتحرج الأمور في ~~الميدان الروسي والجبهة الغربية وميدان إيطاليا، ولم يحدث إعدام القواد المتآمرين أو ~~الضالعين معهم أو انتحار فريق منهم أي تأثير في بقية الضباط والقواد المتذمرين في الجيش ~~الألماني حتى إنه في أوائل سبتمبر كان شغل هؤلاء الشاغل إفساد جميع الخطط التي كان يضعها ~~الفوهرر لمنع إطباق العدو على دولة الزعامة المسئولة، فقد رفض الجنرال فون شولتز أن ينفذ ~~أوامر هتلر له بتدمير أقصى ما يمكن تدميره من باريس حتى يتأخر زحف الحلفاء في فرنسا ~~وبلجيكا، وعظم الشعور بأن اهتمام القواد الألمان كان منصرفا إلى محاولة إدخال قوات الحلفاء ~~الزاحفة من الغرب إلى ألمانيا قبل وصول الروس إليها، واعترف جوبلز بحرج موقف ألمانيا في ~~منتصف سبتمبر. # وفي أواخر الشهر نفسه بعث فون رونشتد بتقرير عن سوء الموقف في الجبهة الغربية، فاشتد ~~القلق بالهر هتلر وفقد ms265 السيطرة على أعصابه؛ إذ بات متيقنا من تدهور الروح المعنوية في نفوس ~~قواد الجيش الألماني، وذلك علاوة على ما كان يخامره من ريبة شديدة في ولائهم أو في عزمهم ~~الصمود أمام العدو، ولمس هتلر تدهور الروح المعنوية في أقرب الناس صلة به وتطايرت الشائعات ~~أن هيملر وجوبلز وجورنج وغيرهم من كبار رجال حكومة الريخ الثالث يعدون العدة للفرار من ~~ألمانيا، حينما يرون بوادر الانهيار التام تلوح للأبصار، ولكن إطباق الروس عليهم من جانب ~~وقوات الأمريكيين والبريطانيين من جانب آخر، لم يدع لهؤلاء الزعماء والقواد فرصة للهرب، ~~وكان الروس أول من طرق أبواب برلين، ونشطت طائرات الحلفاء في تسديد الضربات القاصمة إلى قلب ~~الريخ الألماني، وكان على إثر إحدى هذه الغارات الشديدة أن لقي الهر هتلر حتفه تحت أنقاض ~~دار المستشارية في 1-2 مايو 1945، واختلفت مصائر بقية الزعماء؛ فآثر جوبلز الانتحار، أما ~~بقية الزعماء فقد قدمهم الحلفاء المنتصرون إلى المحاكمة في نورمبرج إحدى معاقل النازية، ~~وأصدرت المحكمة العسكرية الدولية حكم الإعدام على المرشال «هرمان جورنج» والمرشال «ويلهلم ~~كيتل» والجنرال «ألفريد يودل» و«هانز فرانك» و«يوليوس شترايخر» و«سايس أنكوارت» و«يواكيم ~~فون رينتروب» و«أرنست كالتنبرونر» و«ألفريد روزنبرج» و«ويلهلم فريك» «وفريتر سوكل»، وصدر ~~حكم الإعدام أيضا غيابيا على مارتن بورمان الذي اختلفت الآراء في مصيره، كما حكمت بالسجن ~~المؤبد على رودلف هيس والأميرال رايدر وولتر فونك، وحكمت على الأميرال «دونتز» بالسجن عشر ~~سنوات وبخمسة عشر عاما على فون نوراث، وبعشرين سنة على بالدور فون شيراخ وألبرت سبير، وقد ~~أفرج عن كل من هيالمار شاخت وهانز فريتش، وفرانز فون بابن، وكان إصدار الحكم بتاريخ أول ~~أكتوبر 1946، وقد نفذ حكم الإعدام شنقا في 16 أكتوبر 1946، وأما جورنج فقد انتحر قبل ~~تنفيذ الحكم بساعات، وقد أحرقت جثث الأحد عشر زعيما فصارت رمادا تذروه الرياح. # الفصل التاسع # | السلام الدائم # كانت خاتمة حياة الزعماء والفلاسفة النازيين على النحو الذي شهدناه قصاصا عادلا لجماعة ~~توهموا أو زين لهم الشيطان أن باستطاعتهم أن يفرضوا سيطرتهم على العالم أجمع إذا هم ~~أحكموا تدبيرهم ms266 فسلبوا الشعوب حرياتها، وأرغموا الأمم على الخضوع لسلطانهم، ولم تكن ثم ~~مندوحة عن انهيار دولتهم في النهاية؛ لأن ذلك «النظام الجديد» الذي ابتكره خيالهم كان ~~مبنيا على قواعد مستمدة من «فلسفة» هي أقرب إلى الخلط منها إلى شيء آخر؛ فلسفة تقسم الأمم ~~والشعوب إلى طبقات وطوائف من السادة المبجلين الذين توهموا أن من حقهم الأزلي فرض سيطرتهم ~~وسلطانهم على بقية أبناء البشر لا لسبب سوى أن القدر على حد قولهم قد أجرى في عروقهم دما ~~نقيا، وأنشأ هؤلاء السادة في تربة لا تنتج غير الرجال الممتازين، وأما من عداهم فمن ~~الهوام والحشرات التي يجب إبادتها أو معاملتها معاملة الرقيق. وأي نظام ذلك الذي طمع ~~النازيون في إرغام الشعوب على قبوله وهم من الناحية السياسية يريدون الرجوع بالعالم ~~الأوروبي إلى تنظيم عصور مضت وانقضت وصار ينظر إليه الناس على أنه مرحلة من مراحل التطور ~~الإنشائي كان لا بد للعالم من اجتيازها حتى يصل إلى هذه الدرجة من الرقي المادي والمعنوي في ~~هذا القرن العشرين؟ وأي نظام ذلك الذي طمع فيه النازيون في إرغام الشعوب على قبوله وهم من ~~الناحية الاقتصادية يريدون نهب الأمم وسلب ثروتها بطرق بعيدة عن الحق والقانون؟ # لقد أفلح النازيون بتدابيرهم أن يستثيروا المقاومة ضدهم من كل جانب، وعلى الرغم من أن ~~دعايتهم المنظمة القوية كانت تذيع في أرجاء العالم أن الفوهرر والقادة النازيين استطاعوا أن ~~يجعلوا من دولة الريخ الثالث كتلة نازية لحما ودما، فإن عوامل الضعف كانت تعمل رويدا ~~رويدا لتقويض أركان هذه الدولة، وهل كان يتسنى للفوهرر وسائر الزعماء أن يخمدوا في صدور ~~تلك الشعوب المقهورة جذوة الأمل في الخلاص من سلطانهم مهما امتد به الزمن وهم الذين حطموا ~~حياة هذه الشعوب من النواحي الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، حتى إن أوروبا الآن ما تزال ~~تعاني آثار الاحتلال النازي؟ # وقديما كان من برنامج النازيين أن يعيدوا تكوين البنيان الاقتصادي بأوروبا على نحو يكفل ~~تحقيق غرضين: أولهما؛ جعل الجرمان الخلص أرباب الصناعة والمال وحدهم وأصحاب السيطرة ~~والسلطان بفضل ms267 ما يسبغه النشاط الصناعي عليهم من قوة فيزدادون جاها ورقيا، بينما تنصرف ~~بقية الأمم في القارة الأوروبية إلى العناية بشئون الزراعة فتنحط منزلتهم ويصبحون بمرور ~~الزمن عبيدا أرقاء، وأما الغرض الثاني: فهو أن يحطموا كيان الأمم الأوروبية إلى حد يستحيل ~~معه إعادة بنائها إذا قدر لدولتهم الانهيار وخيل إلى النازيين أنهم ما داموا في دست ~~الأحكام بأوروبا كانت عبقريتهم الفذة كفيلة وحدها برعاية النظام الذي وضعوه، وأما إذا انقضى ~~عهدهم لسبب لم يكن في حسبانهم فلن يستطيع أحد من بعدهم منع أوروبا بأجمعها من الانهيار بعد ~~انهيارهم، ولا جدال في أن النازيين أفلحوا في تطبيق نظامهم الجديد وبالطريقة التي هداهم ~~إليها تفكير فلاسفتهم وزعمائهم، ولكنه لا جدال كذلك في أن هذا النجاح نفسه كان المعول الذي ~~هدم به النازيون بنيانهم الشامخ في أوروبا، ويرجع ذلك إلى أسباب ثلاثة: # أولا: إن نجاحهم في تطبيق نظامهم الجديد حرك الشعوب في البلدان المفتتحة إلى المقاومة ~~بشتى ضروبها، وأخفقت صرامة النازيين كما فشل الجستابو في اقتلاع جذور هذه المقاومة، بل صارت ~~تشتد وتقوى كلما غلا النازيون في تطبيق نظامهم، فكانت قلعتهم الهتلرية «قلعة من الورق» ما ~~لبثت أن تداعت أركانها عند أول طارق؛ لأنها ما كانت تضم أقواما مستعدين لبذل نفوسهم من أجل ~~الذود عنها ومنع العدو من اقتحامها، وأما السبب الثاني: فهو أن الوقت كان ألزم ما يكون ~~لنجاح تطبيق هذا النظام من الناحية الاقتصادية، بينما أقدم النازيون السكارى بنشوة الانتصار ~~الخاطف ولذته على إجراء التغييرات الاقتصادية التي اقتصاها تطبيق النظام الجديد دون أن ~~يتخذوا التدابير التي تكفل الاطمئنان إلى أن سيطرتهم باقية مخلدة. # وأنى لهم أن يفعلوا ذلك، فالأسر التي انتزعت من مواطنها بقضها وقضيضها وشتت أفرادها أو ~~أرسلوا للعمل مسخرين في خدمة الريخ في أنحاء أوروبا المحتلة كان لا بد لاستقرارها في ~~مواضعها الجديدة من عامل الوقت، وفضلا عن ذلك فإنه ما كان يكفي أن تنقل المصانع من الروهر ~~مثلا إلى ألمانيا الجنوبية الشرقية، أو يطلب إلى أهل المقاطعات الفرنسية الشمالية ms268 الشرقية ~~أن يقصروا جهودهم على الزراعة، أو تصدر الأوامر بإبطال التعدين في فرنسا المحتلة كذلك، أو ~~تهيئة بولندة لإدماجها في الريخ الصناعي بعد إبادة أهلها، أو ترغم البلدان المفتتحة على ~~اعتبار برلين عاصمة العالم النازي المالية، أو غير ذلك من أباطيل الاقتصاد النازي، فما كان ~~يكفي ذلك كله لأن يخلق أوروبا خلقا اقتصاديا جديدا بين طرفة عين وانتباهتها، ناهيك بعدم ~~ملاءمة هذا النظام لطبيعة تكوين القارة ذاتها وبحاجته إلى وقت طويل حتى ترسخ قواعده وتتوطد ~~أركانه، فلما عجز النازيون عن كسب الوقت، بات العمل الإنتاجي معطلا في بلدان أوروبا ~~المفتتحة حتى إذا ما حانت الساعة وزحفت جيوش العدو عليهم استحال عليهم أن يجدوا موارد كافية ~~لمتابعة إنتاج عتاد الحرب فعجل ذلك بهزيمتهم. وأما السبب الثالث: فإنه كان من مقتضيات ~~العمل بهذا النظام الجديد أن يكون الريخ الثالث نفسه هو المحور الذي يدور عليه هذا النظام ~~بأجمعه. ومنذ استتب للنازيين الحكم والسلطان في ألمانيا عملوا على تهيئة دولة الريخ - أو ~~دولة الزعامة المسئولة على حد قولهم - لاحتلال المركز الذي كان ينتظرها في عهدها الجديد، ~~فأحكموا تطبيق قواعد النظام الجديد في ألمانيا قبل أن يطبقوه في أوروبا المحتلة بنحو ستة ~~أعوام، فأوجدوا بذلك نواة تلك المقاومة الداخلية التي أرغمت هنريك هيملر على إعداد العدة ~~لإخمادها قبل نشوب الحرب الهتلرية بعامين تقريبا. وكان من أثر نجاح النازيين الظاهر في ~~تطبيق النظام الجديد في أوروبا نتيجة لانتصاراتهم الخاطفة الأولى أن زاد خطر الجبهة الرابعة ~~الداخلية، وأخفق الجستابو في داخل الريخ كما أخفقوا في أوروبا المحتلة في إخماد هذه ~~المقاومة، ولم تفلح السجون ومعسكرات الاعتقال ووسائل الإبادة والتقتيل في صون هذه الجبهة من ~~التصدع، وفضلا عن ذلك فقد انتقلت عدوى المقاومة إلى الجند والضباط والقواد، فاضمحلت الروح ~~المعنوية في الألمان جميعا. وكانت محاولة النازيين في تأليف تلك الكتلة الصلبة المتماسكة ~~في قلب الريخ الثالث المعول نفسه الذي قوض دعائم سيطرتهم في الداخل والخارج معا. # والآن - وقد زالت دولة النازيين من الوجود بقضها وقضيضها - حق لنا ms269 أن نتساءل ماذا يكون ~~ذلك النظام الذي يجب أن يحل في ألمانيا محل النظام النازي القديم؟ وهل يكفي أن يعد أقطاب ~~الدول المنتصرة تلك الشعوب التي ذاقت الأمرين من احتلال النازيين لبلادهم بأنه ما دام ~~النازيون قد زالت دولتهم ودمرت أنظمتهم ومنشآتهم وأعدم زعماؤهم أو انتحروا، فإن ذلك وحده ~~ومن تلقاء نفسه كفيل بعودة الأمور إلى مجاريها ومؤذن بأن المستقبل لا بد منطو على العيش ~~الرغيد والحياة المطمئنة الهادئة؟ أم إنه لا مناص من التفكير العميق لابتكار أجدى الوسائل ~~العملية لتحقيق هذه الآمال وإتاحة الفرصة لتلك الشعوب حتى تتحرر من خوف الاعتداء عليها في ~~عقر دارها من جانب طغاة آخرين غاشمين؟ أو هل يسمح المنتصرون بإعطاء الألمان فرصة ثانية ~~تمكنهم من السعي لفرض تلك السيطرة الجرمانية على أوروبا من جديد؟ # في الماضي القريب ادعى أنصار سياسة «التسكين والتهدئة» أن هناك فروقا بين سواد الشعب ~~الألماني وطغمة النازيين، وأن توقيع العقوبة على الجناة المسئولين عن الحرب الهتلرية لا ~~يقتضي إلحاق الأذى بالأمة الألمانية، واتخذوا دليلا على وجود هذه الفوارق تلك المقاومة ~~الإيجابية والسلبية التي أبداها فريق من الألمان الناقمين على النازية، ومع هذا فقد علمنا ~~التاريخ أن الشعب الألماني - كمجموعة - لا يقل في نزوعه إلى السيطرة والطمع في السيادة وخوض ~~غمار الحرب من أجل تحقيق هذه السيطرة وتلك السيادة عن قادته وزعمائه، وكذلك علمتنا التجارب ~~القريبة أن هذا الشعب الألماني الذي قد يبدو أفراده كل على حدة، مساكين وادعين، لا يقل في ~~مجموعه كأمة عن قادته وزعمائه اندفاعا وراء السيطرة والسيادة. ومن ميزات هذا الشعب القدرة ~~على الانتعاش واجتياز الأزمات الاقتصادية بسرعة تدعو إلى العجب، ولكنها تدعو في الوقت نفسه ~~إلى الإشفاق على الشعوب المجاورة له؛ لأن هذا الانتعاش الاقتصادي يقترن دائما بالرغبة في ~~الفتح والتوسع، فهل يسمح للألمان بأن ينتعشوا اقتصاديا بحيث يتمكنون من تجهيز آلة الحرب ~~المخربة من جديد والقذف بالشعوب الأوروبية وبغيرهم من شعوب العالم في أتون الحرب مرة ثانية؟ ~~وما يزال الاعتقاد سائدا بأن منشأ الحرب الهتلرية ms270 والحرب العالمية الأولى كذلك هو حاجة ~~ألمانيا إلى موارد طبيعية لا توجد في بلادها، ولا غنى عن جلبها من الخارج لتنظيم حياتها ~~الاقتصادية، أي إن الدافع إلى الحرب الأخيرة - كما كان الحال في الحرب السابقة - دافع ~~اقتصادي. ومع أنه مما يخرج عن موضوع هذا الكتاب مناقشة هذا الاعتقاد السائد عن جوهر العوامل ~~التي أدت إلى قيام الحرب العالمية الثانية، فإنه مما يجدر ذكره أن كافة المحاولات التي ~~بذلها أقطاب سياسة «التهدئة والتسكين»، وبخاصة في عامي 1938-1939 باستخدام رجال المال ~~والصناعة لإقناع النازيين بالعدول عن إثارة الحرب كان نصيبها الفشل، وكان أصحاب تلك السياسة ~~يرمون إلى عقد اتفاقات اقتصادية مع الريخ الثالث لخدمة التجارة الألمانية في أوروبا ~~الجنوبية الشرقية وفي أفريقية الجنوبية (البريطانية) والسويد وغير ذلك من الأقطار، أضف إلى ~~هذا أنهم حاولوا إقراض ألمانيا (في لندن يولية 1939) ألف مليون من الجنيهات الإنجليزية ~~لمعاونتها على تحويل إنتاجها الصناعي الحربي إلى إنتاج سلمي نظير أن يجري الريخ الثالث ~~تعديلا جوهريا في سياسته الخارجية، على أساس تخفيض تسلحه تحت مراقبة دولية وإخلاء ~~تشيكوسلوفاكيا. بيد أن النازيين - كما كان يتوقع - ما لبثوا أن رفضوا هذه العروض السخية ~~وعلة ذلك أن دافع الحرب لم يصبح في الحقيقة اقتصاديا صرفا كما كان الحال في القرن الماضي ~~على وجه الخصوص. لأنه منذ تقدم الفنون الصناعية، وتطبيق الطرق العلمية الحديثة في الصناعة ~~بحيث أمكن إنتاج طراز الطائرات الجديدة أضحى النضال من أجل إحراز السيطرة العالمية هو الذي ~~يحرك الحوادث ويكيف سياسة الدول، فبدلا من أن تظل «الدولة الوطنية» وحدة التنظيم السياسي ~~كما كان الحال في عصور النشاط الاقتصادي أضحت «القارة» وحدة ذلك التنظيم. وقد حاول أحد ~~الكتاب المعاصرين (ه. ن. بريلسفورد) تلخيص ذلك في قوله: «كانت القاطرة البخارية سببا في ~~حدوث الانقلاب الصناعي، كذلك كان استخدام الطائرة بداية عصر الوحدة القارية.» ولم تكن ~~محاولة النازيين فرض السيطرة الجرمانية على القارة الأوروبية سوى مظهر من مظاهر تلك العوامل ~~الجديدة التي برزت في ميدان السياسة الدولية من أجل إحراز التفوق ms271 والسيطرة على العالم، وهذا ~~ما يفسر إخفاق الساسة «المهدئين» في الفترة التي سبقت قيام الحرب الأخيرة؛ لذلك كان من ~~العبث أن تعاد تجربة «التهدئة» مرة ثانية كعلاج لتجنيب الأمم والشعوب ويلات حرب أخرى يثيرها ~~الألمان كما فعلوا في الحربين العالميتين الأولى والثانية. ومن العبث كذلك أن يرغب واضعو ~~الصلح المنتظر في أن تعود الأمور إلى ما كانت عليه قبل السيطرة النازية. # ولكنه إذا كان قد ثبت إخفاق سياسة «التهدئة والتسكين» في إقناع الألمان بالعدول عن ~~استخدام الحرب كوسيلة لفض مشكلاتهم الاقتصادية والسياسية مع بقية الأمم، وكان معروفا أن ~~التنظيم الذي بني على أساس معاهدات الصلح في فرساي في عام 1919، وما تفرع عن هذه المعاهدات ~~حتى عام 1939، قد أسفر عن تمكن الألمان من إشعال نار الحرب العالمية الثانية، ولا أمل لذلك ~~في سلام دائم إذا أعطي الألمان الفرصة لإعادة تمثيل الرواية من جديد، فما القواعد التي ~~ينبغي على الساسة أن يبنوا على هديها صرح السلام المنتظر؟ وبعبارة أخرى: ما ذلك النظام الذي ~~يجب أن يجري بمقتضاه تنظيم شئون العالم حتى يتجنب البشر ويلات الحروب في المستقبل؟ # على أن البحث في هذه المسألة لم يفت المفكرين والكتاب الاقتصاديين والسياسيين منذ نشوب ~~الحرب الأخيرة وبعد انتهائها، وقد ذهبوا في ذلك مذاهب شتى، ولعل أصحاب التهدئة والتسكين ~~أخفضهم صوتا وأقلهم أنصارا. أما أولئك الذين لا يريدون أن يفوتوا تجارب الماضي القريب دون ~~الاستفادة من عبرها ومواعظها، فقد تنوعت آراؤهم فيما ينبغي اتخاذه من وسائل تكفل استمرار ~~السلم في المستقبل أجيالا عدة، ولعل أظهر ما جاء في هذا الصدد، ما ذكره «بول إينتزج» أحد ~~أعلام المفكرين الأوروبيين في الاقتصاد والسياسة، فمن قوله: إن هناك - ولا شك - نظاما آخر ~~في الاستطاعة أن يشغل مكان النظام الجديد الذي أوجده النازيون، وذلك بأن يطبق النظام الجديد ~~الهتلري تطبيقا عكسيا، أي إنه ينبغي أن يجري ضد ألمانيا ذاتها تطبيق كافة المبادئ ~~والقواعد التي أرادت أن تسترشد بها في تحقيق سيطرتها على أوروبا والعالم، ومعنى ذلك أن ~~يعامل الشعب الألماني ms272 بالمعاملة القاسية التي لقيها البولنديون التعساء من الألمان، فإنه ~~لما كانت ألمانيا قد تعمدت إبادة الشعب البولندي بأسلوب منظم، فهناك ما يبرر تكليف ~~البولنديين بأن يحكموا الأمة الجرمانية على أن نطلق يدهم حتى ينتقموا لأنفسهم مما أصابهم ~~على يد الألمان باتباع نفس الوسائل التي اتبعها هؤلاء لإبادتهم، وذلك بأن يحشدوا الجماعات ~~الغفيرة من الألمان، ويطلقوا الرصاص عليهم أو يحرموهم الطعام حتى يموتوا جوعا ويطردوهم من ~~بيوتهم في أثناء الشتاء حتى يهلكوا بردا إلى غير ذلك مما كان يفعله الألمان في بولندة. ~~وفضلا عن ذلك فإن تطبيق النظام الجديد النازي تطبيقا عكسيا يعني مصادرة الأطعمة ~~الألمانية وموارد أغذية الشعب الألماني ، وتقييد نشاط الألمان الإنتاجي والحد منه، ما دام ~~الحكام أو الفاتحون البولنديون لا يفيدون من هذا النشاط شيئا لمصلحتهم، ومن المتعذر أن ~~يعارض إنسان في ذلك كله بحجة أن هذا الحل القاسي لا يتفق مع القواعد الخلقية أو المبادئ ~~الإنسانية؛ لأن ألمانيا فعلت ذلك وأكبر الظن أنها لن تتردد في العودة إليه إذا سنحت أمامها ~~الفرصة مرة أخرى في المستقبل. بيد أن ما فعله الهتلريون في الماضي القريب - وما تزال ~~الإنسانية تشكو آثاره مر الشكوى - لا يمكن أن تلجأ إليه الديموقراطية الصحيحة لحل مشكلة ~~الحرية والسلم مهما كان حل هذه المشكلة متوقفا على مدى نجاحها في إزالة الخطر ~~الألماني. # على أن هناك - لحسن الحظ - حلا آخر، قد لا يفضي العمل به إلى ضمان السلم ضمانا تاما، ~~ولكن من مزاياه - على حد قول إينتزج - تعطيل قدرة ألمانيا على فعل الشر تعطيلا كبيرا، ~~ولهذا الحل ناحية سياسية وأخرى اقتصادية. فمن الناحية السياسية: يبدو عند تطبيق «النظام ~~الجديد» تطبيقا عكسيا أن تجزئة الريخ بعد إلحاق الهزيمة به أمر لا مفر منه، ومعنى هذا أن ~~تسترجع الدويلات والإمارات الكبيرة الألمانية ذلك الاستقلال القديم الذي تمتعت به قبل أن ~~يتم اتحاد ألمانيا المعروف في عام 1871، فتستعيد هذا الاستقلال كل من النمسا وبافاريا، ~~وورتمبرج، وبادن، وسكسونيا، وغيرها. وكذلك ينبغي أن تقام من «الراين» دولة حاجزة؛ لأن ~~استيلاء ms273 بروسيا على أرض «الراين» حديث العهد نسبيا؛ ولذلك لا يتصف أهلها بتلك البروسيانية ~~الصميمة، على غرار ما يظهر في ألمانيا الشرقية. وفي هذه الإمارات والدويلات المستقلة كافة، ~~ينبغي أن يكون التاج من نصيب الأسرات القديمة التي حكمت هذه البلاد في الماضي، والتي ما ~~يزال لها أتباع ومريدون في ألمانيا؛ لأن من شأن ذلك مساعدة هذه «الدول الجرمانية» على ~~الاستقرار ودعم استقلالها وبقائها منفصلة كل الانفصال في حياتها المستقلة الجديدة عن ~~بروسيا، ولكنه لما كانت بروسيا ذاتها من أيام فردريك الأعظم قد أقامت البرهان المرة بعد ~~الأخرى على طغيانها وإمعانها في العدوان، وإثارة الحروب، فقد سقط حقها في أن تصبح دولة ~~مستقلة ضمن مجموعة الدول الألمانية الأخرى المستقلة، ومع أنه من مقتضيات نجاح هذا الحل ~~السياسي أن يحتل ألمانيا جنود الحلفاء المنتصرين في الحرب الأخيرة، إلا أن هذا الاحتلال ~~ينبغي أن يكون احتلالا مؤقتا في هذه الدول الألمانية المستقلة، ما عدا بروسيا، وقد تدعو ~~الحاجة إلى احتلال بروسيا وحدها احتلالا دائما. # ومن الناحية الاقتصادية يقتضي هذا الحل أيضا تطبيق «النظام الهتلري الجديد» على ألمانيا ~~تطبيقا عكسيا، فمن المعروف أنه كان من أهداف ذلك النظام أن تصبح ألمانيا مركز الصناعة ~~وإنتاج الأسلحة وعتاد الحرب في أوروبا، ثم حرمان سائر الشعوب من صناعاتها، على أن تصبح مهمة ~~هذه الشعوب مجرد إنتاج السلع التي تطلبها ألمانيا وتقديم العمال الأرقاء الذين يسخرون في ~~خدمة الصناعة الألمانية؛ ولذلك ينبغي حرمان ألمانيا المهزومة من صناعاتها إلى حد بعيد، ~~فتمحى من الوجود كافة الصناعات المستخدمة في إنتاج معدات الحرب وأدوات القتال، كما يجب ~~تقليل الصناعات التي يمكن تحويلها لمثل ذلك، هذا إلى أنه يجب أن توضع الصناعات الباقية ~~مباشرة تحت إشراف الأمم المنتصرة ورقابتها، كما يجب الحد من قدرة ألمانيا على إنتاج الخامات ~~والنفط وأدوات الحرب الضرورية. # ولما كان حرمان ألمانيا من الصناعة يترتب عليه نقص ظاهر في حاجتها إلى السكك الحديدية ~~وطرق النقل السريع الأخرى، فقد بات ضروريا خفض طاقة العمل في الخطوط الحديدية ذات الأهمية ~~العسكرية، ms274 أما إذا نجم عن ذلك كله تعطل عدد كبير من العمال الألمان كما هو منتظر، فإن تطبيق ~~هذا النظام العكسي لا يترك هؤلاء المتعطلين دون عمل؛ إذ يجب استخدامهم أولا في الأعمال ~~الإنشائية في البلدان التي وقعت فريسة في قبضة الألمان إبان سيطرتهم، فدمروا مصانعها ~~ومبانيها وخربوا حقولها، فإذا فرغ العمال من هذه الأعمال العمرانية استخدموا في إقامة خطوط ~~قوية من التحصينات في البلدان التي تكرر في الماضي اعتداء الألمان عليها، وفضلا عن ذلك يجب ~~أن يتألف من هؤلاء العمال الألمان «مورد» لا ينضب له معين يوضع تحت تصرف الدول، حتى تستقدم ~~كل دولة من هذا «المورد» العدد الذي تريد استخدامه في جميع الأعمال التي لا تتطلب مهارة ~~فنية، والسبب في ضرورة وجود هذا «المورد» أنه لما كان من واجب الديمقراطية الصحيحة أن تسهر ~~على دوام السلام - وهذا أمر يستحيل تحقيقه إلا إذا احتفظ بجيوش جرارة - فمن المنتظر أن تقل ~~الأيدي العاملة في هذه الدول من جراء تجنيد شبابها في الخدمة العسكرية. ولذلك لا مندوحة عن ~~أن تبحث هذه الدول عن وسيلة تسد هذا النقص المنتظر في الأيدي العاملة بها، فيصبح العمال ~~الألمان ذلك «المورد» الدائم الذي تستطيع الدول أن تستقدم منه ما تريده وكل هذا يتفق مع ~~المبادئ التي كان يطبقها الألمان مع ضحاياهم، مع فارق واحد: هو أن العمال الألمان سوف ~~يعاملون معاملة الأناسي، أضف إلى هذا أنه كان يعرف عن نوايا ألمانيا إذا قدر لها الانتصار ~~أنها تريد أن تنشئ من «الجنس الجرماني الحاكم» جنسا مهمته الحرب والقتال والاضطلاع ~~بالأعمال التي تتطلب مهارة فنية ليس غير، بينما يستخدم ملايين العمال من بين الأجناس التي ~~قد تخضعهم لسلطانها في الأعمال «الوضعية»، ومن الممكن تنفيذ هذه الخطة بشكل عكسي فترغم ~~ألمانيا على تقديم «الأيدي العاملة» ليحلوا محل الرجال الذين تتألف منهم تلك القوة العسكرية ~~التي عليها صون السلم من أن يتعكر مرة ثانية إذا ما حدث الألمان أنفسهم أن يحاولوا مرة ~~أخرى تحقيق أغراض عداونية. # وهناك وسائل عدة لتطبيق ms275 مبدأ «المجال الحيوي» الألماني تطبيقا عكسيا، فقد سبق القول: ~~إنه كان من أهم أغراض «النظام الاقتصادي الجديد» الذي وضعه هتلر أن يجري تعديل الحياة ~~الاقتصادية في البلدان المجاورة على نحو يجعل تكوينها ملائما لحاجات ألمانيا الاقتصادية؛ ~~ولذلك فإن عكس العمل بهذا المبدأ معناه منع الاقتصاد الوطني في هذه البلدان من أن يكون ~~مكملا لنظام الاقتصاد الألماني، ولا جدال في أن مثل ذلك من مصلحة هذه البلدان، وسوف تجد ~~فيه الضمان الكافي لسلامتها؛ لأنه إذا امتنعت البلدان عن إنتاج ما تحتاج إليه ألمانيا فإن ~~ألمانيا لن تستطيع أن تحصل على ما تريده من خامات ونفط وما إلى ذلك، فلا يتجدد عندئذ ~~عدوانها عليها، وعلاوة على ذلك فإن خلو هذه البلدان من المنتجات اللازمة لألمانيا من شأنه ~~أن يصرف الألمان عن الطمع في غزوها وامتلاكها، من ذلك أن زوال موارد النفط الرومانية يساعد ~~- ولا شك - إلى حد كبير على تقليل مدى اعتماد ألمانيا على أوروبا الجنوبية الشرقية في سد ~~مطالب الحرب التي تحتاج إليها، ومن الممكن استغلال موارد النفط في رومانيا بسرعة عظيمة دون ~~التقيد بأية اعتبارات تجارية حتى ينضب معين آبارها، ولا تكون رومانيا موضع أطماع جديدة من ~~جانب الألمان في المستقبل. وعلى كل حال يسود الظن اليوم أن موارد النفط في رومانيا قد أشرفت ~~على النضوب؛ ولذلك كان من واجب الدول المحبة للسلام أن تبذل كل جهد بالتعاون مع رومانيا ~~ذاتها لإخراج رومانيا من قائمة مناطق إنتاج النفط الهامة، فإذا أضيف هذا إلى تحطيم منشآت ~~صنع النفط كيميائيا بتحطيم مصانع تقطيره لأصبح من المتعذر على ألمانيا أن تغامر بحرب ~~عدائية مرة ثانية. # وثمة مثال آخر، هو «فول الصويا» الذي شجعت ألمانيا على زراعته والإكثار من إنتاجه في ~~بلدان أوروبا الجنوبية الشرقية في السنوات القليلة التي سبقت الحرب الأخيرة، وفي أثناء ~~سنوات الحرب أيضا، وقد فعلت ألمانيا ذلك؛ لأن هذا المحصول يستخدم غذاء للإنسان وعلفا ~~للماشية، ويمكن استخراج الزيوت منه واستعماله سمادا. وينمو فول الصويا بكثرة عظيمة في ~~الصين واليابان وغيرهما ms276 من بلدان الشرق الأقصى؛ ولذلك يجب حرمان ألمانيا من الحصول عليه من ~~أوروبا الجنوبية الشرقية حتى يكون اعتمادها كله في سدد حاجتها منه على «منشوكو» وغيرها من ~~البلدان البعيدة؛ إذ إنه لا معنى من الناحية الاقتصادية لأن يرخص بإنتاج «فول الصويا» ~~لبلدان لا تساعد أحوالها الطبيعية أو أجور العمال فيها على إنتاجه بالكميات الهائلة التي ~~تنتجها «منشوكو». ومن الأوفق أن تستورد ألمانيا حاجتها منه من «منشوكو» بطريق البحر الطويل، ~~دون أن يشجع زراعة هذا الصنف في أوروبا الجنوبية الشرقية؛ إذ اهتمام ألمانيا بإدخال زراعته ~~في هذه الأقاليم لم يكن عبثا. ولا جدال في أنه إذا ظلت أوروبا الجنوبية تنتج «فول الصويا» ~~وتمد به ألمانيا فإن الوقت لن يطول كثيرا قبل أن تجد ألمانيا ما يسهل عليها إثارة حرب ~~عالمية ثالثة. # ومن مصلحة البلدان الجنوبية الشرقية في أوروبا أن نعمل على إنشاء الصناعات بأرضها حتى ~~تصبح دولا صناعية ولو إلى حد محدود؛ لأن ذلك من شأنه أن يقلل من اعتمادها على المصنوعات ~~التي تستوردها من ألمانيا، وتقتصر وارداتها من ألمانيا على بعض السلع الكمالية، فبذلك تفقد ~~الصادرات الألمانية أسواقها في هذا الجزء من أوروبا، ويمكن الاستعاضة عن هذه الأسواق ~~المفقودة بأن تظل الأسواق في البلدان الواقعة وراء البحار مفتوحة لتصريف الصادرات ~~الألمانية، كما أن ألمانيا يجب أن تظل معتمدة كذلك في وارداتها من النفظ والخامات على ما ~~تصدره إليها هذه البلدان النائية. # وأما نتيجة هذا «النظام» فهي أن ألمانيا سوف تبقى معتمدة في سد حاجاتها الضرورية على ~~استمرار تجارتها الخارجية عبر البحار، ولا يلحق ذلك أي أذى بها في وقت السلم، بينما يزيد في ~~مقدار الصعوبات التي تصادفها في وقت الحرب زيادة كبيرة، فلا تقدم بسبب هذه الصعوبات ~~المتوقعة على إشعال حرب ثانية. # بيد أنه لا مناص من أن يسفر تطبيق هذا «النظام» عن خفض مستوى المعيشة في ألمانيا. ولكنه ~~لما كان من المتوقع أن تعنى ألمانيا بالزراعة عناية كبيرة، ويرسل العمال الألمان إلى ~~بلادهم دفعات من أجور الخدمة التي يحصلون ms277 عليها في الخارج، ويسرح الجيش الألماني، ويعفى ~~الألمان من نفقات جيوش الاحتلال في بلادهم، فإن من شأن ذلك جميعه أن يخفف كثيرا من وطأة ~~هبوط مستوى المعيشة في ألمانيا، ولو أنه من الطبيعي أن يظل هذا الهبوط ملحوظا، ومع ذلك ~~فهناك ما يمكن أن يجد فيه الشعب الألماني ما يعوضه شيئا كثيرا عما قد يلقاه من شظف العيش، ~~وهو تيقنه من أن زعماءه لن يسمح لهم بأن يقذفوا بألمانيا في حرب جديدة وأن يستغلوا ~~مواردها من أجل التسليح مرة ثانية. وقد لا يرضى عن هذا الحال جيل من الألمان نشأ على ~~الاعتقاد بأن الجنس الجرماني له وحده حق السيادة على سائر الأجناس، ولكن على العالم أن ~~يواجه أمرين لا ثالث لهما: إما خفض مستوى المعيشة في ألمانيا، وهو أمر لا مفر منه، وإما ~~الاستهداف لحرب جديدة. ولذلك فإنه من خطل الرأي أن يعارض أحد فيما ينتظر من خفض مستوى ~~المعيشة في ألمانيا لأسباب إنسانية، وكذلك من الخطأ معارضة ذلك بدعوى أن العالم سوف يخسر ~~كثيرا إذا أضحى ثمانون مليونا من الجرمان يعيشون عيشة غير رخية إلى حد ما، ووجه الخطأ في ~~مثل هذه الأقوال أن شيئا لا يمكن أن يعدل خطر تعرض العالم لأهوال الحرب مرة ثانية، بل إن ~~الاهتمام بصون السلام يجب أن يلغي إلغاء جميع الاعتبارات الأخرى ولا يمكن - من غير شك - أن ~~ينظر إنسان إلى هذا النظام المقترح على أنه من الحلول المثالية؛ لأنه من المتعذر الحصول على ~~حلول مثالية، ولا يعيش البشر في عالم مثالي، وكل ما هنالك أن يختار الإنسان بين طائفتين من ~~المزايا والأفكار. ومن شأن تطبيق «النظام الجديد» تطبيقا عكسيا، أو بعبارة أخرى العمل ~~«بالنظام الجديد المعكوس» أن يقلل كثيرا من خطر نشوب حرب أخرى بفضل اتباع وسائل قد تبدو ~~شاقة مرهقة إذا قيست بتلك التي أوجدتها معاهدة فرساي، ولو أنها من الناحية الإنسانية تفوق ~~كثيرا ما كانت تتبعه ألمانيا. # ويتطلب تطبيق هذا «النظام الجديد المعكوس» وضع خطة محكمة للتنظيم الدولي، وفي كل ms278 دولة على ~~حدة، أي إنه ينبغي استخدام العمال الألمان «المجندين» أو «المسخرين» للخدمة في أوروبا على ~~نحو لا يسبب تعطلا عن العمل في البلدان التي تستخدمهم، فمن المعروف أن الحكومة الفرنسية ~~بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى رفضت أن يقوم العمال الألمان بإعادة بناء المنشآت في ~~الجهات المخربة في فرنسا، بدعوى أن استخدامهم يضر بمصلحة العمال الفرنسيين ومصلحة الصناعات ~~الفرنسية وهذا صحيح - ولا شك - إذا اتبع نظام «الباب المفتوح» الذي لا يقيد الهجرة من بلد ~~إلى آخر، ولذلك سوف يجد العمال الفرنسيون، وتجد الصناعات الفرنسية عند وضع خطة التنظيم ~~المحكم ما يستنفد كل الوقت في إنتاج السلع والبضائع التي تدعو الحاجة المستمرة إليها لسد ~~المطالب اليومية والعادية، وينجم عن استخدام العمال الألمان لذلك عدم الحاجة إلى خفض مستوى ~~المعيشة من أجل تيسير العمل في إعادة بناء الأملاك والمنشآت المخربة، وعلاوة على ذلك فإنه ~~بعد أن يتم هذا العمل الإنشائي ينبغي أن يوجد هذا التنظيم مجالا دائما لاستخدام العمال ~~الألمان دون أن يترتب على ذلك تعطل العمال الوطنيين في البلدان المختلفة. وهناك ما يدعو إلى ~~احتمال زوال الحاجة إلى بقاء الرقابة الدائمة على الدول الجرمانية غير البروسيانية؛ إذ من ~~المحتمل كثيرا أن تستقر الأمور في هذه الدول، فتقتصر عنايتها على النشاط السلمي، بينما ~~يدرك أهلها أن في استطاعتهم - وقد نبذوا جانبا أطماعهم في غزو شعوب العالم وإخضاعها ~~لسلطانهم - أن يبنوا لأنفسهم صرحا من الحياة المطمئنة الرضية، بل إنه ليكاد يكون أمرا ~~مفروغا منه أن يؤدي إحكام رقابة الأمم المنتصرة على بروسيا إلى الحد من عجرفة البروسيين ~~وكسر حدة أطماعهم الأشعبية. ومن المسلم به أن هذه العجرفة والأطماع البروسيانية كانت ~~المسئولة عن ذلك التخريب الذي حدث بأوروبا وتلك الآلام التي ما زالت تقاسيها ~~الإنسانية. # والواقع أنه إذا أدركت بروسيا أنه لم يعد في استطاعتها بعد هذه الهزيمة المنكرة أن تعود ~~إلى التسلح مرة أخرى على نحو ما حدث بين عامي 1933-1939، فإن ذلك في حد ذاته قد يضعف ~~كثيرا ذلك الروح الحربي الذي ms279 يميز بروسيا من غيرها، ولا يشجعه، وقد يأتي الوقت الذي يمكننا ~~أن نرى فيه الأمة البروسيانية وقد اتخذت مكانها بين مجموعة الأمم الحرة في ظل المساواة ~~الشاملة، مساهمة في تلك الجهود التي يجب أن يبذلها الجميع متضامنين من أجل رفاهية العالم ~~وسعادة الإنسانية. # تلك حقيقة المشكلات التي يواجهها أقطاب الأمم المنتصرة بعد الحرب الأخيرة، وإنا لنرجو ~~الله صادقين أن يوفقهم، وأن يستهدفوا رفاهية العالم وسعادة الإنسانية وهم يضعون شروط الصلح ~~النهائية. # | مصادر البحث # (أ) # عن الموقف السياسي في ألمانيا وأوروبا قبل ظهور النازية وفي عهدها. ~~(ب) # عن ألمانيا والنازية. ~~(ج) # عن النظام الجديد، والمشكلات التي ترتبت على تطبيقه. ~~(د) # عن أوروبا المحتلة، والمقاومة. ~~(ه) # عن أهداف الديمقراطيات المتحالفة ومشروعات السلام. ~~(أ) ~~(1) # Averoff, M. 3 Histoires d’une Resistance. Caire ~~1942. ~~(2) ~~... La Lutte de la Grece, 28 oct 1940-30 Mai. 1941. Paris ~~1941. ~~(3) # Bojanov, B. Avec Stalint dans le Kremlin. Paris ~~1930. ~~(4) # Barbusse, H. Staline-Un Homme Nouveau. Paris ~~1935. ~~(5) # Biglaud, E. The Riddle of the Kremlin. London ~~1940. ~~(6) # Birdsall, B. Versailles Twenty Years After. London ~~1941 ~~. ~~(7) # Blue Book, The Govesnment-Documents Concerning ~~German-Polish Relations and the Outbreak of Hostilities Between ~~Great Britain and Germany on Sept. 3, 1939. London ~~1930. ~~(8) # Bruce, M. British Foreign Policy. London ~~1939. ~~(9) # Ciano, The Ciano Diaries 1939-1943, New York ~~1946. ~~(10) # Citrine, Sir W. My Finnish Diary. London ~~1940. ~~(11) # Clark. G. N. Holland and the War. Oxford ~~1941. ~~(12) ~~... Belgium and the War. Oxford ~~1942. ~~(13) # Duchess of Atholl. Searh Light on Spain. London ~~1938. ~~(14) # Duff, Ch. A Key to Victory: Spain. London ~~1940. ~~(15) # Duff, S. G. Europe and the Czechs. London ~~1938 ~~. ~~(16) # Dutt, R. P. World Politics 1918-1936. London ~~1936. ~~(17) # Eastman, M. Stalin’s Russia and the Crisis in ~~Socialism. London 1940. ~~(18) # Fischer, L. Stalin and Hitler. London ~~1940. ~~(19) # Franzero, C. M. Inside Italy. London ~~1941. ~~(20) # Garrat G. T. Europe’s Dance of Death. London ~~1940. ~~(21) ~~... Mussolini’s Roman Empire. London ~~1938. ~~(22) # Gilbert, E. W. How the Map of Europe was Changed. ~~1938-1940 London 1940. ~~(23) # Golding, C. From Versailles to Danzing. London ~~1940. ~~(24) # Gunther, J. Inside Europe. ms280 London ~~1936. ~~(25) # Johnson, H. The Soviet Power. New York ~~1940. ~~(26) # Jackson J. H. Finland. London ~~1938. ~~(27) # Jerrold, D. Britain and Europe 1900-1940. London ~~1941. ~~(28) # Jones E. The Attack From Within. London ~~1941. ~~(29) # Lévy, L. Vérités Sur La France. London ~~1941. ~~(30) # Lippmann, W. U. S. Foreign Policy. London ~~1944. ~~(31) # Massock, R. G. Italy From Within. London ~~1943. ~~(32) # Melville, C. F, Balkan Racket. London ~~1941. ~~(33) # Nicolson, H. Why Britain is at War. London ~~1940. ~~(34) # Owen, F. The Three Dictators. London ~~1940. ~~(35) Pares, B. Russia. London 1941. ~~(36) Pentad. The Remaking of Italy. London ~~1941. ~~(37) Price, G. W. I know These Dictators. London ~~1937. ~~(38) # Salvemini and La Piana. What To Do With Italy. London ~~1943. ~~(39) # S. K. Agent In Italy. London ~~1943. ~~(40) # Sturmthal, A. The Tragedy of European Labour 1918-1939. ~~London 1944. ~~(41) # Theimer, W. An A B C of International Affairs. London ~~1940. ~~(42) # Tissier, Lt. Col. Pierre. The Government of Vichy. ~~London 1942. ~~(43) # Treves, P. Italy Yesterday Today and Tomorrow London ~~1942. ~~(44) # Ullmann, S. de. The Epic of the Finnish Nation. London ~~1944. ~~(45) # Volpe, G. Histoire Du Mouvement Fascite. Roma ~~(?) ~~(46) # Ward, B. Italian Foreign Policy. Oxford ~~1941. ~~(47) # Waterfield, G. What Happened to France. Londen ~~1941. ~~(48) # Weaver, D. Front Page Europe. London ~~1943. ~~(49) # Werner, M. The Battle For The World. London ~~1941. ~~(50) # Woodward, E. L. The Origins of War, Oxford ~~1941. ~~(51) # Zacharoff, L. “We made a mistake.” Hitler, London ~~1942. ~~(ب) ~~(52) # Banse, E. Germany, Prepare for War! (TranS. Alan ~~Harris) London 1935. ~~(53) # Bartlett, V Nazi Germany Explained. London ~~1933. ~~(54) # Borkenau, F. The New German Empire. London ~~1938. ~~(55) ~~(a) Cooper R. W. The Nuremberg Trial. London ~~1947. ~~(56) # Brinitzer, C. and Grossband, B. Germans Versus Huns. ~~London 1941. ~~(57) # Dalton, H. Hitler’s War: Before and After. London ~~1941. ~~(58) # Dodds, E. R. Minds In The Making. London ~~1941. ~~(59) # Duncan-Jones, A. S. The Crooked Cross. London ~~1940. ~~(60) # Einzig, P. Bloodless Invasion. London ~~1938. ~~(61) # Forster, E. M. Nordic Twilight London ~~1940. ~~(62) # Fraenkel, N. The Other Germany. London ~~1943. ~~(63) ~~... Help Us Germans To Beat The Nazis! London ~~1940. ~~(64) # Gangulee, N. The Mind And Face of Nazi Germany. London ~~1942. ~~(65) # Gibbs, Ph. European ms281 Journey ... London ~~1934. ~~(66) # Giles, O. C. The Gestapo. Oxford ~~1940. ~~(67) # Gregory, R. Science in Chains. London ~~1942. ~~(68) # Heiden, K. History of National Socialism. London ~~1934. ~~(69) ~~... Hitler. London 1936. ~~(70) ~~... One Man Against Europe. London ~~1939. ~~(71) # Hitler, A. My Struggle. London ~~1936. ~~(72) # Keane, R. Germany What Next? London ~~1939. ~~(73) # Kirpatrick, C. Nazi Germany. Its Woman And Family Life. ~~London 1940 ~~. ~~(74) # Knickerbocker, H. R. Is Tommorrow Hitler’s. London ~~1942. ~~(75) # Knox, R. Nazi And Nazarene. London ~~1940. ~~(76) # Lend, E. Underground Struggle in Germany. London ~~1938. ~~(77) # Lichtenberger, H. The Third Reich (Trans. Koppel S. Pinson) London 1938. ~~(78) # Lorant, S. I was Hitler’s Prisoner. London ~~1941. ~~(79) # Lorimer, E. O. What Hitler Wants. London ~~1939. ~~(80) # Moeller Van Den Bruck. German’s Third Empire (Trans. E. ~~O. Lorimer). London 1934. ~~(81) # Mower, E. Germany Puts The Clock Back. London ~~1938. ~~(82) # Oliveira, A. R. A People’s History of Germany. London ~~1942. ~~(83) # Rauschning. H. Hitler Speaks. London ~~1934. ~~(84) # Read, D. The Burning of the Reichstag. London ~~1934. ~~(85) ~~... Insanity Fair. London 1938. ~~(86) # Roberts, S. The House that Hitler Built. London ~~1938. ~~(87) # Schütz, W. W. German Home Front. London ~~1943. ~~(88) # Smith, A. D. Guilty Germans? London ~~1942. ~~(89) # Sington, D. and Weidenfeld, A. The Goebels Experiment. ~~London 1942. ~~(90) # Strasser, O. History In My Time. London ~~1941. ~~(91) # Tabouis, G. Blackmail Or War. London ~~1938. ~~(92) # Thomas, K. Women In Nazi Germany. London ~~1943. ~~(93) # Thyssen, F. I paid Hitler. London ~~1947. ~~(94) ~~(a) Trevor-Oper, H. R. The last Days Of Hitler. London ~~1947. ~~(95) # Weaver, D. The Diplomacy of the Third Reich. London ~~(?) ~~(96) # Wolfe, L. By Order of the Gestapo. London ~~1942. ~~(97) # Zarek, O. German Kultur. London ~~1943. ~~(ج) ~~(98) # Angell, N. You And The Refuggee. London ~~1939. ~~(99) # Beales, A. C. F. The Catholic Church And International ~~Order. London 1941. ~~(100) # Carr, E. H. Propaganda in International Politics. ~~Oxford 1940. ~~(101) # Chakotin, S. The Rape of the Masses. London ~~1940. ~~(102) # Deuel, W. People Under Hitler. London ~~1942. ~~(103) # Einzig, P. Hitler’s New Order in Europe. London ~~1941. ~~(104) ~~... Europe in Chains. London 1941. ~~(105) # Gentile, A-S. Le “Racisme” devant La Science. Caire ~~1942. ~~(106) # Hadham, J. God in a World at War. London ~~1941. ~~(107) # Harsch, J. C. ms282 Pattern of Conquest. London ~~1942. ~~(108) # Hoden, M, A Diary of World Affairs. London ~~1941. ~~(109) # Horsefield, J. K. The Real Cost of the War. London ~~1941. ~~(110) # Huxley, J. Argument of Blood. London ~~1941. ~~(111) # Kuczymski, R. R. “Lvüng-Space.” Oxford ~~1940. ~~(112) # Lafitte, F. The Internment of Aliens. London ~~1940. ~~(113) # Miller, D. You Can’t Do Business With Hitler. London ~~1942. ~~(114) Parkes, J. The Jewish Question. Oxford ~~1940. ~~(115) ~~... An Enemy of the People: Antisemitism. London ~~1945. ~~(116) # Rauschning, H. Hitler wants the World! London ~~1941. ~~(117) # Reveille, Th. The Spoil of Europe. London ~~1942. ~~(118) # Ruppin, A. The Jewish Fate and Future. London ~~1940. ~~(119) # Samuel, M. The Great Hatred. London ~~1943. ~~(120) # Simpson, J. H. The Refugee Question. London ~~1939 ~~(121) # Slater, H. Home Guard for Victory. London ~~1941. ~~(122) # Thomas, J. Warfare by Words. London ~~1942. ~~(123) # Wilson, D. Germany’s “New Order,” Oxford ~~1941. ~~(د) ~~(124) # Amyntor. Victors in Chains-Greek Resistance 1942-3. ~~London 1943. ~~(125) # Anonymous, “All Gaul is Divided ...” Letters From ~~Occupied France. London 1941. ~~(126) # Brome, V. Europe’s Free-Press. London ~~1943. ~~(127) # De Jong, L. Holland fights the Nazis. London ~~1941. ~~(128) # Duff, S. G. A German Protectorate. The Czechs under ~~Nazi Rule. London 1942. ~~(129) # Dutch, O. Pall over Europe. London ~~1942. ~~(130) # Europe Under Hitler. In Prospect and in Practice. Roy. ~~Inst. Of Inter. Affairs Oxford 1941. ~~(131) # Feuchtwanger, L. The Devil in France. London ~~1943. ~~(132) # Gathorne Hardy, G. M. Norway and the War. London ~~1941. ~~(133) # Gudme, S. Denmark: Hitler’s “Model Protectorate.” ~~London 1942. ~~(134) # Hasek, J. The Good Soldier Schweik. London ~~1940. ~~(135) # Kernan, Th. Report on France. London ~~1942. ~~(136) # Kraus, R. Europe in Revolt. London ~~1943. ~~(137) # Mackworth, C. Czechoslovakia Fights Back. London ~~1942. ~~(138) ~~“Michael.” France Still Lives. London ~~1942 ~~. ~~(139) # Motz, R. Belgium Unvanquished. London ~~1942. ~~(140) # Myklebost, T. They Came as Friends. (Nazi-Occupied ~~Norway). London 1943. ~~(141) Palmer, P. Denmark in Nazi Chains. London ~~1942. ~~(142) Polish Doctor-A. I saw Poland Suffer. London ~~1941. ~~(143) Pruszynski, K. Poland Fights Back. London ~~1941. ~~(144) # Simon, V. The Gestapo at work in Norway. (Forward By ...) ~~London 1942. ~~(145) # Tayler, E. L. The Strategy of Terror. New York. ~~1940. ~~(146) # Segal, S. Nazi Rule in Poland. London ~~1943. ~~(147) # Sudjic, N. J. Yugoslavia in ms283 Arms. London ~~1942. ~~(148) # Volterkis, A. In Gestapo Service. Cairo ~~1944. ~~(149) # Woodman, D. Europe Rises. London ~~1943. ~~(150) # Worm-Müller, J. C. Norway Revolts against the Nazis. ~~London 1941. ~~(ه) ~~(151) # Acland, R. Uuser Kampf. (Our Struggle). London ~~1949. ~~(152) # America Looks to the Future. (Four Speeches by American ~~Statesmen). Oxford 1942. ~~(153) # Angell, N. The Great Illusion Now. London ~~1939. ~~(154) ~~... Why Freedom Matters. London ~~1940. ~~(155) # Brailsford, H. N. America our Ally. London ~~1940. ~~(156) # Dallin, D. J. Russia and Postwar Europe. New Haven ~~1943. ~~(157) # Eiuzig, P. Appeasement Before, During, and After the ~~War. London 1941. ~~(158) # Evans. R. Prelude to Peace, London ~~1943. ~~(159) # Glover, E. The Psychology of Fear and Courage. London ~~1941. ~~(160) # Goodhart, A. Ouels Actes De Guerre Sont Justifiables? ~~Oxford 1941. ~~(161) # Hancock, W. K. Argument of Empire. London ~~1943. ~~(162) ~~... Empire in the Changing world. London ~~1944. ~~(163) # Joad, C. E. M. What is at stake, and why not say so? ~~London 1940. ~~(164) # Laski, H. J. Where do we go from here? London ~~1941. ~~(165) # Milne, A. A. War with Honour. London ~~1940. ~~(166) # Wells, H. G. The Common Sense of war and Peace. London ~~1940. # إسكندناوة وفنلندة ودول البلطيق. # تقسيم تشيكوسلوفاكيا. # خريطة فرنسا في يونية سنة 1940م ms284