######OpenITI# #META# URI: 1392MuhammadFuadShukri.MisrFiMatlacQarnTasicCashr01.Hindawi86350571 #META# Tags: history #META# ID: 86350571 #META# Title: مصر في مطلع القرن التاسع عشر ١٨٠١–١٨١١م (الجزء الأول) #META# AuthorID: 96173535 #META# Author: محمد فؤاد شكري #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # تصدير‏ # الباب الأول: فترة الفوضى السياسية وظهور محمد علي (1801-1805)‏ # تمهيد: مصر بعد خروج الفرنسيين‏ # 1 - تركيا والمماليك‏ # 2 - فرنسا وسياستها «السلبية» في مصر‏ # 3 - إنجلترا وسياستها الإيجابية في مصر‏ # 4 - ظهور محمد علي: الخطوات الأولى‏ # 5 - ظهور محمد علي: المناداة بولايته‏ # تصدير‏ # الباب الأول: فترة الفوضى السياسية وظهور محمد علي (1801-1805)‏ # تمهيد: مصر بعد خروج الفرنسيين‏ # 1 - تركيا والمماليك‏ # 2 - فرنسا وسياستها «السلبية» في مصر‏ # 3 - إنجلترا وسياستها الإيجابية في مصر‏ # 4 - ظهور محمد علي: الخطوات الأولى‏ # 5 - ظهور محمد علي: المناداة بولايته‏ # | مصر في مطلع القرن التاسع عشر 1801-1811م (الجزء الأول) # | مصر في مطلع القرن التاسع عشر 1801-1811م (الجزء الأول) # تأليف # محمد فؤاد شكري # | تصدير # إن «مصر في مطلع القرن التاسع عشر» دراسة تتناول تاريخ هذه البلاد خلال السنوات العشر ~~الأولى من هذا القرن، منذ خروج الفرنسيين وانتهاء عهد حملتهم في مصر 1801، إلى وقت ~~القضاء على المماليك في مذبحة القلعة 1811. # وسبب اختيار هذه الفترة، أنها مليئة بالأحداث التي كان لها أثر حاسم في تطور تاريخ ~~البلاد بقية القرن التاسع عشر، ثم خلال قسم هام من القرن الذي يليه، أما هذه السنوات ~~العشر فقد شهدت بداية التنافس بين إنجلترا وفرنسا، أو الصراع الذي نشب بينهما للاستئثار ~~بالنفوذ السياسي في مصر، وهو صراع استمر ظاهرا، ويكاد يدور حوله بمفرده تاريخ البلاد ~~في أخطر مراحله، ولسنوات عديدة بعد ذلك. على أن زيادة حدة هذه الفوضى السياسية المنتشرة ~~وقتئذ كانت أسوأ النتائج المباشرة التي نجمت من هذه المنافسة الإنجليزية ~~الفرنسية. # ولقد بقيت هذه الفوضى السياسية من المميزات التي اختصت بها الفترة التي ندرسها. ومع أن ~~الرأي الشائع أن تولية محمد علي الحكم في سنة 1805، كان الحادث الذي أنهى الفوضى ~~السياسية؛ فقد تبين أن اعتلاء محمد علي أريكة الولاية لم ينه هذه الفوضى، بل لقد بقيت ~~تسود البلاد إلى وقت جلاء «حملة فريزر» من الإسكندرية (1807)، ثم استمرت بعض أسبابها ~~القوية إلى أن أمكن على وجه الخصوص تطويع الجند، وأخيرا الخلاص من البكوات المماليك ms0001 ~~(1811). # ولا يجب أن يتبادر إلى الذهن أن تسجيل هذه الوقائع يعني الإشادة بحادث التولية ، أو ~~بالحكومة التي أقيمت على أشلاء البكوات؛ فلقد تبين أن حادث التولية ذاته لم يكن سوى ~~مغامرة كبرى، استندت على أكبر تمويه عرفه التاريخ، ارتكبه متطلع إلى العرش في حق البلاد ~~التي يريد حكومتها، فقد سبقت هذا الحادث إجراءات «مزورة»، واتبعت أساليب ملتوية مهدت ~~للتولية، ثم استمر التمويه حتى بعد المناداة بولاية محمد علي، فاستطاع بفضله أن يجتاز ~~بسلام ما أسميناه بأزمة النقل إلى سالونيك (1806). # ولقد كانت أزمة النقل إلى سالونيك تضارع في خطورتها أزمة الغزو الإنجليزي ومجيء «حملة ~~فريزر» إلى الإسكندرية في السنة التالية (1807)، فأثبتنا طائفة من الوثائق التي تكشف ~~حقيقة هاتين الأزمتين. ولقد كان أثناء وجود حملة فريزر بالإسكندرية أن صار محمد علي ~~يفكر في تأسيس باشوية وراثية في مصر، ومن المحتمل أن تكون هذه الفكرة قد نبتت في ذهن ~~محمد علي قبل ذلك، ولكنه لم يفصح عنها، وللمرة الأولى قطعا، إلا أثناء مفاوضته مع ~~الإنجليز بشأن جلاء حملتهم. # والرغبة في تأسيس الباشوية الوراثية لم تلبث أن صارت العامل الحاسم الذي سيطر على ~~سياسة محمد علي، من ذلك الحين إلى نهاية الفترة التي ندرسها، فكان شرطا أساسيا لفوزه ~~بهذه الباشوية الوراثية، أن يخلص له الحكم في مصر، وأن تتدعم أركانه، ولا يتهدد البلاد ~~من جديد غزو خارجي، وتربطه أوثق الصلات بالسلطان العثماني، فلا يعود هذا الأخير يفكر في ~~عزله، وحتى تمهد هذه العلاقات لتحقيق غايته. # واسترشدت حكومة محمد علي بهذه الاعتبارات جميعها، وذلك في نشاطها بعد تخطي عاصفة ~~الغزو الإنجليزي خصوصا، ولقد كان بعد أن رفض الإنجليز والفرنسيون أن تنال مصر استقلالها ~~أن اتجه محمد علي صوب تركيا؛ لعله يظفر بمطلبه - الباشوية الوراثية - من صاحب السيادة ~~الشرعية عليه نفسه. # ولقد أتينا بطائفة من الوثائق لإظهار نوع السياسة «السلبية» التي كانت تتبعها وقتئذ ~~الحكومة الفرنسية في مصر، ولبيان أن نابليون بالرغم من «سره» المشهور والأطماع التي صورت ~~له إمكان تشييد إمبراطورية «شرقية» كبيرة إلى جانب ms0002 إمبراطوريته المترامية في «الغرب»؛ لم ~~يقدم على معاونة البكوات المماليك جديا لينشئوا حكومة مملوكية قوية، ولم يقبل على ~~مؤازرة محمد علي ليظفر بالحكم والسلطة، وكان وقتئذ إنشاء الحكومة الموالية - أو الخاضعة ~~- لفرنسا في مصر، ضروريا في نظر نابليون ورجال دولته كإجراء يمهد لعودة الاحتلال ~~الفرنسي، أو إذا اتضح أن ذلك متعذر، كوسيلة تكفل لفرنسا استعلاء نفوذها السياسي في مصر، ~~وتفويت الفرصة على غريمتها إنجلترا، وكان «دروفتي» القنصل الفرنسي هو الذي فطن إلى أهمية ~~استمالة محمد علي، والعمل لتأييده، ففعل ذلك، ولكن من تلقاء نفسه ودون أن تصله أية ~~تعليمات في ذلك من حكومته. والذي يجب ذكره، أن «دروفتي» لم يسلك هذا المسلك إلا بعد ~~المناداة بولاية محمد علي، وليس قبلها. # ولقد خلف المسعى من أجل الباشوية الوراثية والاتجاه صوب تركيا آثارا عميقة على ~~«اتجاه» السياسة المصرية، من هذا الوقت المبكر (1807-1811)، فصار ميدان النشاط المصري، ~~الشام وبلاد العرب في «الشرق»، ثم النوبة والسودان في «الجنوب»، وانصرف الجهد المصري عن ~~الامتداد صوب «الغرب»؛ أي في أفريقيا الشمالية. # وكان معنى استقامة الأمر لمحمد علي - وذلك شرط أساسي لنيل الباشوية الوراثية - أن يبذل ~~هذا الباشا كل ما وسعه من جهد وحيلة للاحتفاظ بعرشه، في وجه خصومه وأعدائه الداخليين ~~والخارجيين، ولقد ارتبط في ذهن محمد علي إنشاء الحكومة الموطدة بضرورة الانفراد بالسلطة؛ ~~مما جعله يقضي على كل عناصر المقاومة ضده، سواء كان مبعثها تمرد وعصيان الجند، أو مغامرة ~~بعض قوادهم للاستيلاء على الحكم، أو اعتقاد بعض المتصدرين والأشياخ أن بوسعهم حكومة ~~البلاد بطريق إلزام محمد علي باتباع «نصيحتهم»؛ أو كان مبعثها أخيرا إصرار البكوات ~~المماليك على استخلاص الحكم منه. # والذي لا شك فيه أن سواد المصريين كانوا هم الذين تحملوا أضرار هذه الأحداث والمغامرات، ~~ووقع عليهم بلاء الصراع من أجل تأسيس الحكومة الموطدة التي أرادها محمد علي، وتلك حكومة ~~كانت تتزايد حاجتها الملحة للمال بصورة مستمرة، ويتفنن صاحبها في ابتداع الأساليب التي ~~صار يبتز بها المال من كل الطوائف والطبقات، وامتدت فيها المظالم حتى ms0003 بطشت ب «الفلاحين» في ~~عقر دارهم، فأقفرت القرى من أهلها، وهام على وجوههم أولئك المنكوبون بحكومة الباشا في ~~القاهرة. # ولقد كان حريا بالمشايخ والمتصدرين بسبب هذا كله أن يحاولوا المعارضة ضد حكومة محمد ~~علي، وهم قد ضيق عليهم الباشا كذلك في أرزاقهم، وسلبهم «المغانم» التي تألفت منها دخولهم، ~~فكان أن فعلوا ذلك، وجاءت معارضتهم في نوعين: سافرة يتزعمها السيد عمر مكرم، وصامتة ~~يمثلها الشيخ عبد الرحمن الجبرتي. أما هذه المعارضة فكانت ضعيفة الأثر ولا قيمة لها؛ فهي ~~لم تستطع إزالة حكومة محمد علي، وتلك غاية لم يكن في مقدورها إطلاقا بلوغها لأسباب ~~ذكرناها في موضعها، ثم إنها عجزت عن إقناع محمد علي وحكومته برفع المظالم عن المشايخ ~~والمتصدرين، زعماء هذه المعارضة أنفسهم، والذين احتلت المرتبة الأولى في تفكيرهم دائما ~~الرغبة في تأمين معاشهم، وتنمية ثرواتهم، وهي قد عجزت أيضا عن التوسط لدى الحكومة لرفع ~~المظالم عن سواد الأمة. # حقيقة أثبتت الوثائق أنه كانت هناك محاولة قام بها السيد عمر مكرم للتخلص من حكومة ~~محمد علي، عندما جال بذهنه أثناء وجود «حملة فريزر» بالإسكندرية، أن يستعين بالإنجليز ~~للقضاء على حكومة محمد علي، فاتصل لهذا الغرض بقنصل روسيا والنمسا في مصر، ويدعى ~~«ماكاردل»، ولكنه أخفق في مسعاه؛ لأن الإنجليز لم يكونوا يريدون التوغل في ~~البلاد. # واستلزم الكلام عن هذه المعارضة السافرة والصامتة الترجمة للسيد عمر مكرم وللشيخ عبد ~~الرحمن الجبرتي، وذلك خصوصا لإظهار موقفهما من الأحداث التي عاصراها، وسوف يتضح من سيرة ~~عبد الرحمن الجبرتي أن موقفه من كل الحكومات التي تشكلت في زمانه، كان متسقا في جملته ~~وتفاصيله؛ لأن عاملا واحدا فقط بقي يحدد هذا الموقف، من أيام العهد المملوكي العثماني، ~~قبيل الغزو الفرنسي، ثم أثناء الاحتلال الفرنسي، وفي فترة الفوضى السياسية، إلى قيام ~~حكومة محمد علي؛ ذلك العامل كان نوع الفلسفة السياسية التي أراد بها الشيخ تفسير المجتمع ~~الإنساني والحكومة العادلة التي يجب أن تسوسه، وهي الفلسفة التي استمد الجبرتي عناصرها ~~من قراءاته ودراساته، ثم من تجاربه ومشاهداته. # وعند الكلام ms0004 عن معارضة البكوات المماليك - وبالأحرى مقاومتهم - حرصنا على أن نتتبع ~~أدوار هذه المقاومة، في ضوء الوثائق التي يستبين منها كيف صارت الوقيعة بهؤلاء البكوات ~~في النهاية، أمرا لا مفر منه في نظر محمد علي، فكان محمد علي وحده مدبر مذبحة ~~القلعة، والذي يتحمل وحده قطعا مسئولية هذه المذبحة، وقد وقفت هذه الدراسة عند هذا ~~الحادث المروع. # وغني عن البيان أن القصد من وضع هذا الكتاب ليس بحال من الأحوال مجرد التأريخ لعهد ~~معين من عهود الحكم في مصر، أو أنه تمجيد للمغامرات التي أوصلت صاحبها للحكم والسلطان في ~~مصر، بسبب عوامل كانت «استثنائية» بحتة، وفي فترة من تاريخ البلاد تميزت بنوع من الفوضى ~~السياسية «الشاذة» تعذر على المصريين التغلب عليها بسبب «شذوذها» هذا نفسه. # لقد كان غرضنا دائما في كل دراساتنا السابقة رسم صورة جلية لأحوال المجتمع المصري، ~~ولحياة الشعب المصري نفسه، الاقتصادية والذهنية (أو الثقافية) والسياسية والاجتماعية؛ ~~فعلنا ذلك في كتابنا «عبد الله جاك منو وخروج الفرنسيين من مصر»، الذي يسجل تاريخ البلاد ~~في أواخر القرن الثامن عشر، والذي ظهر في سنة 1952. ويعتبر كتابنا الحالي، من وجوه ~~متعددة، امتدادا لهذه الدراسة في السنوات العشر الأولى من القرن التاسع عشر، في حين أن ~~كتابنا الآخر «بناء دولة: مصر محمد علي» الذي ظهر منذ سنة 1948، كان محاولة للتعمق ~~في فهم حياة المجتمع المصري في كل النواحي التي ذكرناها، وذلك في «مقدمة» مطولة ~~مستندة على طائفة من تقارير المعاصرين الهامة، التي نشرناها في هذا الكتاب نفسه، وينتهي ~~هذا التاريخ عند سنة 1848. # وثمة ملاحظة أخيرة عن «المنهج» الذي اتبعناه في هذه الدراسة، مبعثها اعتبارنا أن مهمة ~~كاتب التاريخ، إنما هي تحري الحقائق أولا، والإلمام كل الإلمام، وقبل كل شيء بتفاصيل ~~الحوادث، بالرجوع إلى المصادر الأصلية؛ لأن ذلك ضروري ضرورة قصوى لربط الحوادث ربطا ~~صحيحا، وحتى يأتي «الغرض» أو تفسير الوقائع سليما صحيحا، و«فلسفة التاريخ» في نظرنا هي ~~هذا التفسير السليم والصحيح، والذي يجعل ممكنا إدراك «الغاية» من الأحداث التي ~~وقعت. ولم تكن إطلاقا ms0005 «فلسفة التاريخ» مجرد استصدار «أحكام» مبتسرة، أو إبداء ملاحظات وآراء ~~سريعة، قد تكون عليها مسحة من الطرافة في بعض الأحايين، ولكنها في أكثر الأوقات ~~متعارضة مع الحقيقة، وذلك لسبب جوهري واحد، هو أن صاحبها لم يكلف نفسه مشقة التنقيب ~~عن تفاصيل ودقائق الوقائع التي يريد أن تستند عليها أحكامه، أو يجري عليها تعليقاته؛ ~~ولذلك فقد آثرنا أن نكون «موضوعيين» في هذه الدراسة، شأننا في كل ما قدمنا من دراسات ~~سابقة، وأن نترك مهمة استصدار الأحكام وإبداء الآراء للقارئ الكريم نفسه، بعد أن يكون قد ~~استعرض «الحقائق» التي سجلنا تفاصيلها. # ولقد استغنينا عن الإشارة في ذيل المتن، في «الهوامش»، عن المصادر والمراجع التي استقينا ~~منها مادة الكتاب، كما استغنينا عن «الحواشي»؛ أي التعليقات التي قد يراد بها زيادة في ~~الشرح أو مجرد استدراك لواقعة معينة، فحاولنا بدلا من ذلك أن يأتي المتن كاملا، ثم ~~رأينا الاستغناء عن إثبات المراجع والمصادر في ذيل الكتاب، فهناك «فهارس» عديدة للمصادر ~~والمراجع الخاصة بحكومة محمد علي، كما أن الوثائق المنشورة معروفة لقارئ التاريخ المصري، ~~مما جعلنا نكتفي بذكر صاحب الوثيقة، وتوضيح الغرض منها، وذكر تاريخها، ومرسلها ومتسلمها، ~~وهكذا الأمر الذي سوف يجعل سهلا على القارئ إذا شاء الاستزادة العثور على هذه الوثائق ~~في مظاعنها، ولقد فعلنا مثل ذلك أيضا في الوثائق غير المنشورة. # وبعد، فقد كنا بدأنا في كتابة هذا التاريخ أثناء التدريس لطلبة الليسانس بقسم التاريخ ~~بجامعة القاهرة في العام الجامعي 1951-1952، فأتممنا فصوله في سبتمبر 1952، ثم كان ~~الفراغ من نسخه وتهيئته للطبع في غضون العام التالي، وبدأ الطبع فعلا في الشهور الأولى ~~من سنة 1954. # وإني أنتهز هذه الفرصة لأتقدم بالشكر الجزيل لزملائي الأساتذة الكرام الذين جعلوا ~~ممكنا طبع هذا الكتاب بمطابع جامعة القاهرة، ثم لإخواني وزملائي الذين عاونوني على ~~إنجازه وإصداره: الأستاذ عبد الحليم محمد عبد القوي بوزارة التربية والتعليم، والزميل ~~الأستاذ السيد محمد رجب حراز بقسم التاريخ بجامعة القاهرة، كما أود أن أذكر بالشكر ~~والتقدير الجهود الطيبة التي بذلها السادة الأفاضل مدير ms0006 مطبعة جامعة القاهرة الأستاذ ~~محمد زكي خليل، ومعاونوه الكرام الذين أشرفوا على طبع الكتاب وإصداره . والله من وراء ~~القصد. # تحريرا بالعباسية، السبت 6 ربيع أول 1378ه، الموافق 20 سبتمبر سنة ~~1958م # المؤلف # الباب الأول # | فترة الفوضى السياسية وظهور محمد علي (1801-1805) # | تمهيد: مصر بعد خروج الفرنسيين # عقد الفرنسيون آمالا عظيمة على إرسال حملتهم المعروفة على مصر في مايو 1798، ~~ولكن هذه الآمال ما لبثت أن انهارت عندما اشتركت قوات الأتراك والبكوات المماليك ~~والإنجليز متآزرة جميعها مع المصريين أهل البلاد لطرد الفرنسيين والقضاء على ~~مشاريعهم السياسية والاستعمارية والعسكرية، فلحقت الهزيمة جيش الشرق، وأرغم «بليار» ~~على مغادرة البلاد في أغسطس سنة 1801، ثم تبعه «منو» في أكتوبر من السنة نفسها، ~~وانطوت صفحة «الحملة الفرنسية» كمغامرة جريئة لم يستفد منها «بونابرت» شيئا بعد ~~أن كان يرجو الاحتفاظ ب «فتحه» الجديد حتى يحين على الأقل موعد السلام العام في ~~أوروبا، وإبرام الصلح الذي ينهي تلك الحروب التي نشبت بين فرنسا الثورية والدول، ~~فيتخذ من إخلاء مصر وسيلة للمساومة أثناء مفاوضات الصلح المنتظرة؛ كي يظفر بشروط ~~أكثر ملاءمة للجمهورية، فإنه ما حان موعد عقد الصلح في أميان في 27 مارس سنة ~~1802، حتى كانت مصر قد خرجت من قبضة الفرنسيين نهائيا. # وأخفقت كذلك مشاريع الفرنسيين الاستعمارية في الشرق بسبب هزيمتهم في مصر، فعجزوا ~~عن إنشاء تلك المستعمرة الجديدة التي كان من أهم أغراض حملتهم على هذه البلاد ~~إنشاؤها على قواعد جديدة، ووفق أساليب جديدة تغاير ما درجوا عليه عند تشييد ~~«إمبراطوريتهم الاستعمارية الأولى» وتعوضهم ما فقدوه، ثم ما كانوا بسبيل فقده في ~~«الأنتيل» وجزر الهند الغربية خصوصا، فكانت البحوث والدراسات العلمية الغزيرة ~~والنافعة التي قام بها علماء الحملة الفرنسية هي الأثر الباقي، بل والخالد الذي ~~أسفرت عنه هذه المغامرة. # وفي مصر ذاتها اعتبر المصريون «الحملة» حدثا من جملة الأحداث التي وقعت ومرت ~~بهم، واختلفت في نظرهم عن الأحداث السابقة منذ أن خضعت البلاد للعثمانيين في أوائل ~~القرن السادس عشر، في أن أصحاب الغلبة الجدد أعداء للسلطان العثماني خليفة ms0007 ~~المسلمين وصاحب البلاد الشرعي، وأنهم أقوام يختلفون عنهم في أخلاقهم وعاداتهم ~~ولغتهم ودينهم وجنسهم وثقافتهم، وحكام زادوا من ثقل الأعباء الواقعة على الأهلين ~~بدل أن يخففوها عنهم بسبب اعتمادهم في تقرير سلطانهم على موارد البلاد فحسب. # وكان الأثر العميق الذي أحدثه الفرنسيون بمجيئهم تشتيت قوى المماليك وتسديد ضربة ~~قاصمة إلى بكوات هذه الطغمة الفاسدة المفسدة والتي سيطرت في مصر وأساءت استخدام ما ~~كان لها من سلطة نافذة زمنا طويلا، حتى إن البكوات المماليك - الذين لعب كبراؤهم في ~~العهد العثماني المملوكي بالأمراء - تعذر عليهم بعد خروج الفرنسيين أن يجمعوا أشتاتهم ~~ليصبحوا قوة ذات وزن في توجيه الأمور في السنوات التالية، وزاد من عوامل ضعفهم ~~وانحلالهم تفرق الكلمة بينهم وانقسامهم إلى شيع وأحزاب متنافسة فيما بينها، ~~ولو أن غرضها جميعها كان استرجاع سلطانها ونفوذها المفقود. # وعادت مصر بعد خروج الفرنسيين إلى حظيرة الدول العثمانية مرة ثانية، وكان من مظاهر ~~السيادة العثمانية عقب خروج الحملة، بقاء الصدر الأعظم يوسف ضياء باشا بالقاهرة ~~لإجراء التنظيمات الحكومية التي تجعل من مصر مقاطعة أو باشوية من مقاطعات أو ~~باشويات الإمبراطورية العثمانية، وبقاء القبطان حسين باشا بعمارته العثمانية في ~~«أبي قير» لتأييد هذه التنظيمات الحكومية، ثم تعيين محمد خسرو باشا أول الولاة على ~~مصر في العهد الجديد. # واعتمد مندوبو الباب العالي في إجراء ترتيباتهم على الجيش العثماني الذي بقي ~~بالبلاد كذلك بعد اشتراكه في طرد الفرنسيين وإجلائهم عنها، وتألف هذا الجيش من خليط ~~من الأجناد الأكراد والإنكشارية والأرنئود (الألبانيين) خصوصا. وكان الأخيرون قوام ~~هذه القوة «العثمانية» لتفوقهم العددي على غيرهم منذ مغادرة الصدر الأعظم البلاد ~~وخروج قسم من العسكر العثمانيين (الإنكشارية) معه. # وصار نجاح الولاة أو الباشوات في دعم باشويتهم والترتيبات الجديدة متوقفا على مدى ~~مؤازرة هؤلاء لهم، ولكن هؤلاء الأجناد ورؤساءهم نظروا للبلاد كأنها «فتح» جديد، لهم ~~بفضل حق الفتح أن ينهبوا ويسلبوا أرزاقها وأموالها، وأن يسيئوا معاملة أهلها أبلغ ~~إساءة، ولم يستطع الباشوات أو «الولاة» كبح جماح الجند؛ لعجزهم عن دفع مرتباتهم أو ~~إنشاء الحكومة ms0008 القوية التي في قدرتها أخذهم بالحزم والشدة ووقف اعتداءاتهم؛ لأن ~~الاضطرابات التي سببها وجود الفرنسيين ثم الحروب التي أدت إلى خروجهم من البلاد؛ ~~عطلت التجارة والزراعة وكل نواحي النشاط الاقتصادي الأخرى، واستولى البكوات ~~المماليك على موارد الأقاليم التي كانت وقتئذ في حوزتهم، فنضب معين الخزينة وافتقر ~~الباشوات إلى المال اللازم لسد نفقات الحكم والإدارة ولدفع مرتبات الجند، فظل هؤلاء ~~الأجناد عامل اضطراب وفوضى، ولجأ الباشوات إلى تحصيل الفرض والمغارم من الأهلين، ~~وضج الأهلون ورؤساؤهم من المشايخ والأعيان بالشكوى والتذمر، وتحركوا للثورة ~~على سلطة الحكومة المزعزعة، وساعد ذلك على انتشار الفوضى. # ولم يسفر خروج الفرنسيين واسترجاع العثمانيين لهذه البلاد - من الناحية الدولية - ~~عن المساعدة على إنهاء الفتن والاضطرابات منها؛ لأن استقرار الأمور في مصر ارتهن ~~بتقرير السلام الأوروبي العام من جهة، كما كان مرتهنا بقيام الحكومة الموطدة ~~الأركان بها من جهة أخرى، فإن صلح «أميان» لم يكن سوى «هدنة مسلحة»، فقامت الحرب ~~بين فرنسا وإنجلترا بعد أقل من عام واحد (مايو 1803)، وعقدت الثانية محالفة مع ~~روسيا ضد فرنسا في أبريل 1805، انضمت إليها النمسا بعد ذلك وبذل الفرنسيون قصارى ~~جهدهم في القسطنطينية حتى يعلن الباب العالي الحرب على أعدائهم، ونجحوا في ~~مسعاهم فأعلنت تركيا الحرب على روسيا وإنجلترا في ديسمبر سنة 1806، وأرسل ~~الإنجليز أسطولهم بقيادة الأميرال دكوورث # Duckworth # إلى الدردنيل والبسفور في فبراير من العام التالي، كما ~~أرسلوا حملة فريزر # Fraser # إلى الإسكندرية في مارس ~~1807، وأوقفت إنجلترا عملياتها العسكرية ضد تركيا عندما عقد نابليون مع القيصر ~~إسكندر معاهدة تلست # Tilsit # في يوليو، ومن شروطها ~~السرية اقتسام أملاك العثمانيين بينهما، ونقض الروس هدنة سلوبودتزي # Solbodizie ~~(المبرمة بينهم وبين الأتراك في ~~أغسطس سنة 1807)، فاستؤنفت الحرب بين الفريقين حتى تم الصلح بينهما في معاهدة ~~بوخارست في 28 مايو سنة 1812، وعندئذ كان نابليون مشغولا بحروبه في إسبانيا، ثم ~~في حملته المشهورة ضد روسيا، وفي حربه القارية العنيفة ونضاله المميت في أثناء ذلك ~~كله مع إنجلترا، حتى لحقت به الهزيمة في «واترلو» في يونيو سنة 1815، واقتاده ~~الإنجليز ms0009 إلى منفاه في سنت هيلانة. # وكان في أثناء هذه الحروب الطويلة أن ظلت مصر تستأثر باهتمام كل من إنجلترا ~~وفرنسا؛ الأولى لخوفها من أن ينزل الفرنسيون جيشا لغزو هذه البلاد واحتلالها مرة ~~ثانية، فيهددوا بعملهم هذا أملاك الإنجليز في الهند خصوصا. والثانية لرغبتها في ~~تأمين مصالحها التجارية قبل أي اعتبار آخر، وظفرها بالنفوذ الأعلى في البلاد ~~واتخاذها الحيطة لتعطيل أية مشروعات عمرانية قد تكون للإنجليز على هذه البلاد، ~~حينما دخلت في نطاق سياستها حتى عام 1811 وتقويض أركان إمبراطورية الإنجليز في ~~الهند، فبعثت الجنرال ديكان # Decaen # إلى ~~«بوندشيري» # Bondichéry # في أبريل سنة 1802، ~~واستمر «ديكان» يناضلهم هناك حتى عام 1811، كما بعثت بالجنرال جاردان # Gardane # إلى الفرس، فعقد مع الشاه معاهدة طهران في ~~24 ديسمبر سنة 1807، واستمر بها حتى اضطر لمغادرتها بعد عامين (فبراير سنة 1809) ~~بسبب نجاح الإنجليز في الاتفاق مع الشاه على طرد الفرنسيين من بلاده. # وبذل الوكلاء الإنجليز والفرنسيون في مصر جهودهم لتأليف الأحزاب من بين البكوات ~~المماليك الذين اعتقدوا أن في وسعهم تأييد مصالحهم، وساعدهم على النجاح تفرق كلمة ~~البكوات بسبب منافساتهم، فانحاز بيت مراد إلى الفرنسيين، وانحاز بيت الألفي إلى ~~الإنجليز، ولو أن كلا الفريقين ظلا يستمعان إلى نصائح «الوكلاء» الإنجليز ~~والفرنسيين على السواء؛ توصلا لتحقيق مآربهم في الظفر بالسلطة العليا في مصر عن أي ~~طريق قد يجدونه. # واتخذ تدخل هؤلاء الوكلاء صورة بذل الوعود بنجدة دولتيهما للمماليك، أو التوسط لدى ~~الباب العالي لإرجاع سلطانهم القديم على الحكومة إليهم، ونشط الوكلاء الإنجليز ~~نشاطا «إيجابيا» في هذا السبيل، حتى إذا اقتضى الموقف الأوروبي إرسال حملة ~~فريزر كانت جهودهم قد تكللت بالنجاح وقتيا، وقيد التزام الحكومة الفرنسية ~~لخطة عدم التورط في أية ارتباطات مع البكوات نشاط وكلائها معهم حتى صار «سلبيا»، ~~وترتب على تدخل الوكلاء الإنجليز والفرنسيين في شئون البلاد أن صار من المتعذر ~~قيام حكومة مستقرة في مصر، فكان هذا التدخل من أكبر العوامل التي زادت من حدة ~~الفوضى السياسية المنتشرة بها. # على أن انتشار الفوضى السياسية لم يلبث ms0010 أن هيأ الفرصة لظهور قوة جديدة في هذا ~~الميدان المضطرب في شخص محمد علي، ظل الباشوات العثمانيون لا يأبهون لها حتى وجد ~~«محمد خسرو» نفسه مطرودا من الولاية، ولقي آخر حتفه (طاهر باشا)، واضطر ثالث إلى ~~المضي في طريقه إلى منصبه الأصلي بالحجاز (أحمد باشا)، وظل الوكلاء الإنجليز ~~والفرنسيون لا يفطنون لها حتى قتل وال ثان (علي باشا الجزائرلي) وطرد البكوات من ~~القاهرة، وانبرى البرديسي لمطاردة الألفي وزاد انشقاق المماليك على أنفسهم، ثم نحي ~~وال آخر عن منصبه (أحمد خورشيد باشا)، ونودي بمحمد علي واليا بالقاهرة. # حضر محمد علي إلى مصر مع الفرقة التي جمعت من «قولة» في الرومللي ومقدونيا مسقط ~~رأسه، وجاءت مع القبطان حسين باشا في عام 1801 لطرد الفرنسيين، وترتب على عودة ~~رئيس هذه الفرقة علي أغا ابن حاكم قولة أو «الجوربجي» إلى بلاده عقب الوصول إلى ~~«أبي قير» أن تسلم محمد علي قيادة فرقته، واشترك بقواته متعاونا مع الإنجليز في ~~العمليات العسكرية ضد الفرنسيين في حملة تلك السنة، واختار القبطان باشا لمهاجمة ~~قلعة الرحمانية، ولكن الفرنسيين بقيادة الجنرال لاجرانج # Lagrange # أخلوها في ليل 10 مايو سنة 1801، قبل الهجوم عليها، ~~فدخلها محمد علي دون قتال، وتوسط أحد أصدقاء محمد علي لدى القبطان باشا فألحقه ~~هذا الأخير بخدمة محمد خسرو باشا أول الولاة أو الباشوات العثمانيين في مصر بعد ~~خروج الفرنسيين. # ثم حدث بعد مكيدة القبطان باشا التي أهلك فيها عددا كبيرا من البكوات المماليك ~~في أبي قير في أكتوبر سنة 1802، أن رقي «محمد علي» قائدا أو سر جيشه في أواخر ~~سنة 1801، وهكذا لم ينقض عام واحد منذ وصوله إلى مصر حتى صار محمد علي مع زميله ~~طاهر باشا القائدين الرئيسيين للجنود الأرنئود (الألبانيين)، عماد القوة العثمانية في ~~مصر. # وشهد محمد علي انتشار الفوضى السياسية في مصر بعد خروج الفرنسيين منها، ولاحظ عن ~~كثب ما يجري بها من حوادث، أقنعته بأن الولاة لن ينجحوا في إنشاء حكومة مستقرة ~~طالما هم يظلون عاجزين عن إخضاع الجنود ورؤسائهم للطاعة والنظام، ms0011 وما بقي البكوات ~~المماليك ينازعونهم السلطة، ويقبل الوكلاء الإنجليز والفرنسيون على مناصرة هؤلاء ~~البكوات، سواء أكانت هذه المناصرة سلبية أم إيجابية، ودلت حوادث إخراج خسرو من ~~الولاية ومقتل طاهر باشا، ثم قتال خسرو مع البكوات المماليك في حرب كانت تارة كفته ~~الراجحة فيها، وتارة كفة المماليك، ومحاولة طاهر باشا التفاهم معهم لعجزه عن ~~الاعتماد على ما لديه من قوات متمردة في مقاومتهم؛ دلت هذه الحوادث على أن ~~الجند الأرنئود إذا سلس قيادهم وحسن تحريكهم بحكمة وحذر صاروا قوة فعالة في ~~تغيير الأوضاع القائمة لصالح رؤسائهم، وأن البكوات المماليك إذا أمكن التغيير بهم ~~فتوهموا، أو توهم فريق منهم، أن في وسعهم الاطمئنان إلى معاونة الأرنئود ورؤسائهم ~~له في الظفر بحكومة القاهرة؛ كان ذلك أدعى لإثارة المنافسة بينهم، وبذر بذور ~~الشقاق في صفوفهم، وتأليب بعضهم على بعض، حتى يضعفوا جميعا وتذهب ريحهم، فيتسنى ~~عندئذ هزيمة طوائفهم وأحزابهم متفرقين متبعثرين. # وشهد محمد علي نشاط القناصل والوكلاء الإنجليز والفرنسيين مع البكوات دائما ثم مع ~~الباشوات كذلك، واستنجاد كلا الفريقين بالدول الأجنبية لتوسيطها لدى الباب العالي، ~~إما لإرجاع الأولين إلى وضعهم السابق في البلاد، وإما لتقليد الآخرين منصب الولاية ~~أو تثبيتهم في هذا المنصب، فأدرك أن استمالة هؤلاء الوكلاء تساعده على تحقيق مآربه ~~إذا هو شاء التطلع لمنصب الباشوية. # ولاحظ محمد علي تذمر القاهريين من المغارم والمظالم التي فرضها عليهم الولاة، ~~وسخطهم على الباشوات الذين لم يردعوا الأجناد عن السلب والنهب والاعتداء عليهم، ~~فرأى أنه إذا هو أنشأ الصلات الطيبة مع المشايخ والعلماء ورؤساء هؤلاء القاهريين ~~وزعمائهم الطبيعيين، فكسب ثقتهم؛ سهل عليه أن يقذف بهم في الميدان في الفرصة ~~المناسبة لجعل نصره حاسما، سواء على البكوات المماليك أو على الولاة أنفسهم. # ومن الثابت أن محمد علي اشترك في جميع الحوادث والانقلابات منذ طرد خسرو باشا من ~~الولاية في مايو سنة 1803، إلى وقت المناداة بولايته هو في القاهرة بعد ثلاثة ~~أعوام فقط في مايو سنة 1805، وقد أتيحت له فرصة الظهور بسبب تلك الفوضى السياسية ~~التي ذكرناها، ms0012 والتي زاد من حدتها ما حدث من تضارب بين سياسة تركيا وسياستي ~~إنجلترا وفرنسا، وقبل كل شيء آخر ما وقع من اصطدام بين المصالح - الفرنسية ~~والإنجليزية - السياسية في مصر. # الفصل الأول # | تركيا والمماليك # اعتقد المماليك أن الأمور سوف تعود إلى حالها السابق بمجرد خروج الفرنسيين من مصر، ~~وأن الفرص قد سنحت لاسترجاع السلطة التي فقدوها والتمتع بالنفوذ الفعلي والمطلق في ~~إدارة شئون البلاد واستعادة الامتيازات القديمة التي كانت لهم قبل الاحتلال ~~الفرنسي. # وكان البكوات قد بدءوا مساعيهم من أجل الاستئثار من جديد بكل سلطة ونفوذ في حكم ~~البلاد من أيام اشتراكهم في الحرب ضد جيش السير رالف أبركرومبي والجنرال هتشنسون ~~(الذي تولى القيادة بعد وفاة أبركرومبي # Abercromby # في موقعة كانوب في 21 مارس سنة 1801)، وجنب القوات العثمانية ضد الفرنسيين. # وغداة وفاة مراد بك في أبريل سنة 1801، كتب عثمان بك البرديسي إلى السير سدني ~~سميث يبلغه هذا النبأ، فبعث بكتابه هذا السير سدني سميث إلى الجنرال هتشنسون الذي ~~بادر بإبلاغ البرديسي في 5 مايو أن لديه تعليمات قاطعة من حكومته لكسبه إلى جانبه ~~وعقد محالفة معه، ووعد بأن يبذل قصارى جهده لمساعدته، وبدأت من ذلك الحين مساعي ~~اللورد إلجين # Elgin # السفير البريطاني بالقسطنطينية ~~من أجل إقناع الباب العالي بأن المماليك هم القوة التي في وسعها الدفاع عن البلاد ~~بعد خروج الفرنسيين منها، ويطلب من الريس أفندي (وزير الخارجية العثمانية) إعطاءهم ~~الحكم في الصعيد (بعد جرجا) مكافأة لهم على ما أبدوه من همة ونشاط في محاربة ~~الفرنسيين، وتوسط في الوقت نفسه الجنرال هتشنسون في القاهرة مع الصدر الأعظم، ثم مع ~~الريس أفندي في القسطنطينية حتى يصفح الباب العالي عن البكوات ويعيد إليهم أملاكهم ~~والأقاليم التي كانت في أيديهم. # ولكن رغبة المماليك في استرجاع نفوذهم وسلطانهم السابق لم تلبث أن اصطدمت برغبة ~~الباب العالي، صاحب السيادة الشرعية على البلاد، الذي كان مصرا بعناد على إرجاع ~~مصر - خمس ممتلكات الدولة العثمانية - كمجرد مقاطعة عادية من مقاطعاتها، وصح عزمه ~~من هذا الوقت المبكر، وبالرغم من ms0013 اشتراك البكوات في الحرب الدائرة ضد الفرنسيين، ~~على القضاء على كل نفوذ لهم وإقصائهم عن الحكم، بل وإبعادهم عن البلاد كذلك، حتى إن ~~«هتشنسون» سرعان ما صار يشكو إلى الريس أفندي في 17-23 يوليو سنة 1801 من مسلك ~~الصدر الأعظم يوسف ضيا باشا معهم، الذي لم يكتف بمنع البكوات من الإقامة ~~بمنازلهم في القاهرة، بل طردهم منها وطرد الست نفيسة المرادية أرملة مراد بك، وذلك ~~بالرغم من تأكيدات الصدر الأعظم ووعوده القاطعة بإرجاع كل أملاك البكوات ~~إليهم. # ويبدو أن «هتشنسون» قد فطن إلى السبب الحقيقي الذي جعل الباب العالي لا يرضى عن ~~استرجاع البكوات لنفوذهم وسيطرتهم السابقة، فكتب في رسالته إلى الريس أفندي في 23 ~~يوليو: «إنه ينبغي للباب العالي أن يكون لديه من الجند ما يكفي لاحتلال المراكز ~~الهامة في البلاد، ولن يبقى الباشا المرسل من القسطنطينية سجينا.» وقد تحدث إلى ~~البكوات المماليك، وجعلهم يشعرون أن إنجلترا تهتم كثيرا بشأنهم، ولكنها لا تستطيع ~~أن تعترف بهم إلا كرعايا للسلطان، وأنه وعدهم ببذل كل جهوده لتخفيف غضب الحكومة ~~العثمانية عليهم، وأن المماليك عليهم في نظير ذلك أن يزيدوا «الخراج» المرسل سنويا ~~للباب العالي. # ونشطت بعد تسليم الجنرال منو بالإسكندرية في أغسطس سنة 1801 مساعي الإنجليز في ~~القسطنطينية من أجل إنشاء حكومة منظمة في مصر بعد جلاء الفرنسيين، وكان عندئذ أن ~~طلب الريس أفندي (شلبي مصطفى أفندي) في أوائل شهر سبتمبر الاجتماع باللورد إلجين ~~لاقتراح عقد مؤتمر يبحث في الوضع المنتظر للحكومة التي يجري إنشاؤها في مصر، وأشار ~~تلميحا في حديثه مع إلجين إلى أنه في وسعه الالتجاء إلى روسيا وطلب نجدة جنود من ~~الروس إذا نشأت حالات معينة متعلقة بالأنظمة الواجب اتخاذها مع المماليك، فهدد ~~إلجين بقطع محادثاته مع الوزراء العثمانيين في موضوع المؤتمر المقترح عقده، إذا ~~كان هناك أي احتمال لاستخدام جنود أجنبية، أو اللجوء إلى نفوذ أجنبي عند وقوع «حالة» ~~غير منتظرة في مصر، غير الجنود أو النفوذ الذي استخدم في إعادة فتح هذه المقاطعة ~~العثمانية، فعدل الباب ms0014 العالي عن موقفه، وفي 14 سبتمبر عقد المؤتمر فأوضح اللورد ~~إلجين مدى ارتباطات الجنرال هتشنسون مع المماليك، وكان جواب الريس أفندي حاسما، ~~ومنه يتبين إصرار الباب العالي على حرمان البكوات من كل نفوذ وسيطرة في مصر، بل ~~وإبعادهم عنها. # قال الريس أفندي إن المماليك أجانب عن مصر اغتصبوا فيها السلطة، وتجعلهم مبادئهم ~~وأنظمتهم في نضال مستمر ضد كل حكومة منظمة يقيمها الباب العالي في مصر، ومع أن ~~العفو العام الذي صدر منذ دخول الجيش العثماني مصر يشمل المماليك كما يشمل سائر ~~السكان؛ فإن واجب الباب العالي أن يتخذ من الضمانات ما يكفل إزالة الأخطار من ~~ناحيتهم في المستقبل؛ ولذلك يرى الباب العالي أن يكون للمماليك وضع مناسب يسمح ~~لهم بالدخول في خدمة السلطان في الوظائف وبنفس المراتب التي لضباطه، ولكن على ~~شريطة ألا يقيم المماليك بالقاهرة؛ حيث إنهم يكونون إذا ظلوا بها مصدر أخطار ومبعث ~~انزعاج مستمر، أما إذا فصلوا عن رؤسائهم ومعاونيهم فسوف لا يكون هناك سبب للخوف ~~منهم، وفيما يتعلق بعساكرهم فهؤلاء يدخلون كذلك في خدمة الباب العالي. # وقد علل الريس أفندي السبب في تقدمه بهذه العروض، بقوله: إن من المتعذر ~~قطعا إعطاء المماليك كل ممتلكاتهم السابقة من غير أن يحفظ لهم ذلك السلطة ~~والسيطرة التامة في البلاد، وعندما ألح «إلجين» في ضرورة بقائهم بمصر واسترجاعهم ~~لممتلكاتهم، تساءل الريس أفندي عما إذا كان «بلاط إنجلترا» عند تدخله لتخليص مصر من ~~الفرنسيين كان يعتزم إعادة هذه البلاد إلى السلطان أو إعطاءها للبكوات ~~المماليك. # وهكذا لم يكن لدى اللورد «إلجين» أي أمل في نجاح مساعيه في القسطنطينية لصالح ~~البكوات المماليك على أساس إرجاع السلطة والنفوذ إليهم في مصر، وفي أكتوبر فوجئ ~~«إلجين» بأخبار مكيدة القبطان باشا في «أبي قير» والصدر الأعظم في القاهرة للقضاء ~~على المماليك. # فقد كان لدى يوسف ضيا والقبطان حسين باشا تعليمات محددة من الباب العالي لتغيير ~~نظام الحكم القديم في مصر، بإنشاء أربع باشويات تحل محل سلطة البكوات المماليك حتى ~~يتسنى إخضاع هذه البلاد لسلطان الدولة ms0015 كسائر مقاطعاتها، وطلب الباب العالي إليهما ~~إلقاء القبض على أكبر عدد مستطاع من البكوات، وإرسالهم إلى القسطنطينية على أساس أن ~~يعطيهم الباب العالي من الأملاك هناك ما يعادل إيرادها ما كانوا يعيشون به في مصر، ~~وخيل إليه أن هذا الانقلاب سوف يحدث بسهولة لاعتقاده أن معاهدة التحالف المبرمة ~~بينه وبين الإنجليز (منذ 5 يناير سنة 1799) تجعل هؤلاء الأخيرين يقفون موقف الحياد ~~من مشروعاته. # ولكن الصدر الأعظم والقبطان باشا لم يستطيعا تنفيذ أوامر الباب العالي بشأن ~~المماليك؛ لأن هؤلاء لقوا كل تأييد من جانب القواد الإنجليز في مصر، كما لم يكن ~~من المنتظر إلى جانب هذا أن يوافق الأهلون على حدوث الانقلاب المنشود، بسبب سخطهم ~~على العثمانيين الذين اشتطوا في معاملتهم عند دخولهم القاهرة، واعتدى جنودهم على ~~الأهلين وآذوهم في القاهرة والأقاليم حتى «تمنى أكثر الناس على حد قول الجبرتي - ~~وخصوصا الفلاحين - أحكام الفرنساوية.» # وعلى ذلك فقد عمد الصدر الأعظم يوسف ضيا باشا - تمهيدا لإجراء التغيير الحكومي ~~المطلوب - إلى أساليب الغدر والوقيعة بالمماليك، وبذر بذور الشقاق بينهم لتفريق ~~كلمتهم قبل البطش بهم، فأعطى «إمارة الصعيد»؛ أي إقطاعة أقاليم الوجه القبلي، إلى ~~محمد بك الألفي، وكانت هذه الأقاليم «ملكا» مشاعا بين البكوات حتى هذا الوقت، ~~ويقتسم «الإمارة» عليها البكوات من بيت مراد، الذين اشتدت المنافسة بينهم وبين ~~البكوات من بيت الألفي دائما، وفضلا عن ذلك، فقد كان البكوات من مرادية أو ألفية ~~متألمين من وقوع الصعيد في قبضة مراد بك وحده، منذ أن عقد معه الجنرال كليبر معاهدة ~~أبريل سنة 1800، التي أعطت مراد «إمارة الصعيد» وجعلته يتمتع وحده بإيرادات هذه ~~الأقاليم القبلية، فجاء تعيين الألفي الآن لهذه الإمارة ضغثا على إبالة، وزاد ~~الانقسام بين البكوات. # وانتهز الصدر الأعظم والقبطان باشا فرصة هذا الانقسام الذي أضعف البكوات؛ ليضربا ~~ضربتهما الأخيرة، فدبر الصدر الأعظم مكيدته المعروفة في القاهرة في 20 أكتوبر سنة ~~1801 (وفي رواية الجبرتي يوم 19 أكتوبر)، بأن دعا إليه في منزله البكوات ~~الموجودين بالقاهرة، وألقى القبض على «شيخ البلد» إبراهيم بك، ms0016 ومرزوق بك، وتسعة من ~~البكوات الآخرين، وأرسل على الفور طاهر باشا إلى الصعيد للقبض على محمد بك الألفي. ~~وكان من المفهوم - كما جاء في تقرير القواد الإنجليز عن هذا الحادث، إلى اللورد ~~إلجين بالقسطنطينية بعد وقوعه بيومين - أن يحذو القبطان باشا حذو الصدر الأعظم ~~بالإسكندرية، ولكن مكيدة القبطان باشا تأخرت حتى يوم 22 أكتوبر، وقد دعا القبطان ~~باشا جماعة البكوات هناك لمقابلته، حتى يبلغهم أمر الباب العالي بإلحاقهم بخدمة ~~السلطان بالقسطنطينية، وضرورة ترحيل من لا يرضى منهم بهذه العروض عن مصر إلى أية ~~جهة يشاؤها. # وكان في أثناء نقل البكوات إلى إحدى سفن عمارته أن حدث الفتك بجماعة منهم؛ فقتل ~~عثمان بك الطنبورجي (المرادي)، وعثمان بك الأشقر، ومراد بك الصغير، وإبراهيم كتخدا ~~السناري، وصالح أغا، ومحمد بك، كما جرح كثيرون، واقتيد الجرحى إلى سفينة القبطان ~~باشا؛ حيث أرغموا على القسم على ألا يذهبوا إلى الأجنبي، وحلف يمين الولاء ~~للسلطان العثماني، وكان من بين هؤلاء عثمان البرديسي، واستعد القبطان باشا لإرسالهم ~~إلى القسطنطينية. # غير أنه ما ذاعت أخبار هاتين المكيدتين حتى أسرع القواد الإنجليز؛ هتشنسون في ~~القاهرة والجنرال ستيوارت في الإسكندرية، بالتدخل لدى الصدر الأعظم والقبطان باشا ~~لإطلاق سراح البكوات الأسرى، واحتجا احتجاجا شديدا على هذه المؤامرة، فأطلق سراح ~~البكوات. # وفي 23 أكتوبر أبلغ القبطان باشا الديوان العثماني ما حدث، فقال إنه وصلت ~~تعليمات الباب العالي المتضمنة الصفح عن جرائم البكوات السابقة، بسبب إلحاح هتشنسون ~~في حمايتهم وعدم إيذائهم - ولو أن هؤلاء يستحقون العقاب فعلا - ولذلك فقد قرر ~~الباب العالي لهم معاشات سنوية من 12، 24، 23 كيسا للبكوات، وستة أكياس للكشاف مع ~~إبعادهم في الوقت نفسه من الديار المصرية، كما تقرر إعطاء من يرغب منهم خدمة الباب ~~العالي وظائف معينة، وأما الذين يرفضون هذا الترتيب فعليهم أن يذهبوا إلى أي ~~مكان آخر يختارونه. # ويستطرد القبطان باشا فيقول إنه وصله من الصدر الأعظم ما يفيد أن جواب ~~السفير الإنجليزي «إلجين» في المؤتمر الذي عقد في القسطنطينية لبحث موضوع المماليك ~~(14 سبتمبر)؛ قطع بأنه ms0017 لم يكن لدى السفير أية تعليمات من حكومته بشأن وضع البكوات ~~تحت حماية دولته المباشرة، كما أكد السفير أنه لا يجول في خاطر «بلاط إنجلترا» بتاتا ~~التدخل في شئون الدولة الداخلية، وتعهد بإقناع هتشنسون بذلك، على أن الصدر الأعظم ~~أبلغه كذلك أنه بينما كان يبحث حلا لإنهاء مسألة البكوات، اتضح أن هؤلاء يبذلون ~~قصارى جهدهم لاستمالة الجنود الأرنئود (الألبانيين) إليهم، الأمر الذي دل على أنه لو ~~تأجل موضوع المماليك أكثر من اللازم، استطاع البكوات تقوية أنفسهم بدرجة ~~تمكنهم من إعلان عصيانهم. # فرأى الصدر الأعظم إحباطا لخطتهم أن يلقي القبض على شيخ البلد إبراهيم بك وغيره ~~من البكوات الذين كانوا معه، وحدد لذلك يوم الثلاثاء 12 جمادى الآخرة 1216، ~~الموافق 20 أكتوبر سنة 1801، وطلب من القبطان باشا إرسال البكوات الموجودين لديه ~~بالإسكندرية إلى سفن الأسطول العثماني؛ وبناء على ذلك فقد نقل القبطان باشا هؤلاء ~~في سفن إلى الأسطول يوم 14 جمادى الآخرة/22 أكتوبر، وكانوا خمسة بكوات؛ حامي ~~إبراهيم بك، وكخيا (أو كتخدا، والمعنى واحد)، ومراد بك المنوفي، وثلاثة من الكشاف، ~~ثم آخرين. # ويذكر القبطان باشا أن سبب المقتلة أن عثمان بك الجرجاوي هدد بإطلاق الرصاص، كما ~~ذكر تدخل الجنرال هتشنسون لإطلاق سراح الأسرى بدعوى «أن أوامر ملكية تقتضيه أن يبسط ~~حمايته على البكوات، وأن مليكه سوف يحارب العثمانيين ورجاله»، إذا هم لم يطلقوا سراح ~~البكوات الذين اختطفوهم، وأن جنوده قد اجتمعت - مهيأة للقتال - وأنه يطلب بإصرار ~~تسليم البكوات، وعندئذ سلم القبطان باشا البكوات وكانوا ثلاثة مع ثلاثة من الكشاف ~~وأتباعهم، واستقبلهم الجنرال ستيوارت مع الترجمان تابرنا # Taberna ~~. # وفي القسطنطينية استمر اللورد «إلجين» يتوسط لدى الباب العالي في صالح المماليك ~~بمناسبة الحديث مع الديوان العثماني عن مقدمات الصلح المبرمة في لندن مع فرنسا في ~~أول أكتوبر سنة 1801، وهي التي تلاها عقد صلح أميان في مارس من العام الثاني، الذي ~~نص في مادته الثامنة على تأييد حقوق الباب العالي وسلطانه الكامل على أملاكه ~~بتمامها، وكما كانت قبل الحرب، عظم اهتمام الإنجليز مدة وقت «مقدمات ms0018 الصلح» بمسألة ~~إنشاء الحكومة المستقرة في مصر، والتي كانوا يرون تعذر إنشائها دون استرجاع البكوات ~~المماليك لسيطرتهم السابقة. # وقد استمر القواد الإنجليز في مصر يؤيدون البكوات ويناصرونهم، حتى إن السلطان ~~سليم الثالث ما لبث أن بعث بكتاب شخصي إلى ملك إنجلترا جورج الثالث في 23 ~~نوفمبر سنة 1801، يرجوه باسم الصداقة والمحالفة التي بينهما أن يأمر قواده وسائر ~~ضباطه بمصر بأن يكفوا عن إعطاء حمايتهم للبكوات وعن إصرارهم على تمكينهم من مصر، ~~ويكفي أن نال معظمهم الصفح والعفو عن جرائمهم وعصيانهم، وأن ترتب لهم الوظائف ~~ويعطوا المعاشات عند دخولهم في خدمة السلطان، وقال سليم: «إن خروج البكوات من مصر ~~بالشكل المعروض الآن يكون مبعث ارتياح له، كما كان خروج الفرنسيين وتخليص مصر من ~~قبضتهم مصدر الارتياح الكامل الذي شعر به.» # وفي 26 يناير سنة 1802 احتج الريس أفندي على مسلك البكوات، فبعث إلى اللورد ~~كافان # Cavan # الذي تسلم قيادة القوات ~~البريطانية بالإسكندرية خلفا لهتشنسون، يشكو من أن البكوات وقت إقامتهم مع الجنرال ~~ستيوارت بالجيزة (وهو الذي طلب إليه هتشنسون التوسط عند الصدر الأعظم لإطلاق ~~سراحهم عقب مكيدة الصدر المعروفة) أشاعوا في القرى المجاورة، وأبلغوا رؤساءها ~~والبدو كتابة أن الإنجليز «قد تكفلوا بإعادتهم إلى وضعهم السابق»، ويحذرون ~~القرى والبدو من إطاعة أوامر رجال الباب العالي وضباطه؛ لأن مصر كانت وستظل ~~دائما خاضعة لسلطانهم، وهددوا أهل القرى والبدو بالانتقام منهم إذا هم عارضوهم، ~~وطلب الريس أفندي من «كافان» أن يصدر تصريحا رسميا وكتابيا يعلن فيه أن ~~إنجلترا صديقة حميمة وحليفة مخلصة للباب العالي، ولا نسمح بأن يلحق أي أذى بصالح ~~حكومة تركيا؛ ولذلك فإنه بدلا من حماية البكوات وهم الذين ظهر عصيانهم وثورتهم على ~~الباب العالي، لا يسع الحكومة الإنجليزية إلا إظهار عدم موافقتها ثباتا على ~~مسلكهم. # ونفى اللورد كافان في جوابه على رسالة الريس أفندي في 28 يناير، أنه يسمح أو ~~يناصر بأية صورة من الصور البكوات أو غيرهم على سلوك مسلك مناوئ لسلطة «سلطانهم ~~الشرعي، إمبراطور الأتراك، وحليف ملك بريطانيا القديم ms0019 والمخلص له»، ولكنه من جهة ~~أخرى اعتذر عن عدم إمكانه إصدار التصريح المطلوب، بدعوى أن إصداره بالشكل المقترح ~~إنما يعني التدخل من جانبه في شئون مصر الداخلية، الأمر الذي يخالف ما لديه من ~~تعليمات من جانب حكومته. # ومع ذلك فقد دلت الحوادث التالية على أن استمر السفير الإنجليزي بالقسطنطينية ~~والقواد الإنجليز في مصر، ثم الوكلاء الإنجليز بعد انسحاب القوات البريطانية ؛ يبذلون ~~قصارى جهدهم لمناصرة البكوات المماليك لأسباب أشرنا إليها وسوف يأتي ذكرها مفصلا ~~في حينه، بينما استمر الباب العالي من جهته مصرا على موقفه منهم. # ولكن كان في مصر بسبب الخطة التي اتبعها ممثلو الباب العالي معهم، وبسبب مسلك ~~البكوات أنفسهم واختلافاتهم وانقساماتهم أن تقرر مصيرهم في النهاية، وكان من ~~الواضح أن رغبة الباب العالي في التخلص من المماليك وتحطيم كل قوة لهم، ثم تدبير ~~المؤامرات التي شهدناها للإيقاع بهم، قد قضى على كل أمل في حدوث أي تفاهم بين ~~العثمانيين والمماليك، بل إن مكائد الصدر الأعظم والقبطان باشا في شهر أكتوبر سنة ~~1801، كانت بمثابة إشارة لقيام الحرب الأهلية في البلاد وبداية عهد من الفوضى ~~السياسية جعل من المتعذر إنشاء الحكومة الموطدة القوية التي تستطيع - في نظر ~~الإنجليز خصوصا - حماية مصر من الاعتداء الخارجي إذا تجدد، ومنع الغزو الأجنبي ~~عنها، بل وأفسحت هذه الفوضى السياسية ذاتها المجال لتدخل كل من الدولتين ~~المتنافستين إنجلترا وفرنسا في شئون مصر لخدمة مآربهما الخاصة. # ولاية خسرو # وكان بعد حادث أكتوبر، أن غادر القبطان حسين باشا مياه «أبي قير» إلى ~~القسطنطينية في أواخر نوفمبر سنة 1801، ثم ما لبث الصدر الأعظم يوسف ضيا أن ~~غادر القاهرة في 8 فبراير سنة 1802، في طريقه إلى الشام، وتوسط القبطان باشا ~~قبل رحيله في تعيين محمد خسرو باشا واليا عثمانيا في مصر، وزوده بالتعليمات ~~اللازمة لإنجاز مهمة «الصدر» مع المماليك وتنفيذ تعليمات الباب العالي بشأنهم، ~~ودخل خسرو القاهرة - وبمعيته محمد علي - في 25 فبراير سنة 1802، وشرع يعمل ~~فورا لتوطيد حكومته وتوسيع سلطان باشويته، وكان المماليك هم العقبة الكأداء ~~التي اعترضت ms0020 طريقه، فقد ظل هؤلاء يعتمدون على القواد الإنجليز، الذين بقوا ~~مرابطين بقواتهم بمنطقة الإسكندرية، ولم يرحل من البلاد سوى جيشهم الذي حضر من ~~الهند بقيادة الجنرال بيرد # Baird # وقت الحرب ~~مع الفرنسيين، وبقي معسكرا بالجيزة حتى غادرها في 10 مايو سنة 1802، وأبحر ~~من السويس نهائيا في يونيو، كما وجد فريق من البكوات في اهتمام نابليون بأمر ~~مصر وحضور مندوبه إليها في أكتوبر من السنة نفسها، وتعيين قومسييريين - أو ~~مندوبين - تجاريين بالبلاد؛ فرصة لتوثيق علاقاتهم بفرنسا. # ورفضوا في هذه الظروف الاستجابة لرغبات الباب العالي، وصمموا على المقاومة، ~~ووجد خسرو نفسه مضطرا إلى الالتحام معهم، واللجوء إلى المخادعة لإضعافهم ~~ببذر بذور التفرقة بينهم وتحطيم جيشهم. # وبدأ خسرو من أجل توطيد حكومته بتأليف حرس خاص من النوبيين ومن الرقيق الأسود ~~اشتراهم من الجلابة (تجار الرقيق) وعهد بتعليمهم وتدريبهم إلى طائفة من ~~الفرنسيين الذين آثروا البقاء بالبلاد بعد خروج جيش الشرق منها، ثم وجد أن لا ~~سبيل إلى مطاردة المماليك إلا باعتماده على الجند الأرنئود (الألبانيين) بقيادة ~~طاهر باشا ومحمد علي، وكان الأول قد بعث به الصدر الأعظم وقت مكيدته المعروفة ~~لقتال البكوات بالصعيد وتعقب الألفي. # ولما كان البكوات منقسمين على أنفسهم، وتشتد المنافسة - على وجه الخصوص - بين ~~محمد الألفي وبين عثمان البرديسي؛ فقد استطاع خسرو أن يستميل للتفاهم معه ~~عثمان بك حسن، وكان هذا رجلا مسالما ظل بمنأى عن مشاحنات البكوات ~~ومنافساتهم، واستند خسرو في مفاتحة عثمان بك حسن في موضوع التفاهم والاتفاق ~~معه على كتاب بعث به إليه قائمقام الصدارة العظمى بالآستانة سيد عبد الله باشا ~~في 30 يوليو سنة 1802، يبلغه فيه رسميا قرار الباب العالي بشأن المماليك ~~بعد أن صفح عنهم بسبب وساطة حلفائه وأصدقائه الإنجليز، وهو يطلب من البكوات ~~الخروج من مصر والانسحاب إلى أي مكان يختارونه من بين رودس وكريت وسالونيك ~~وأزمير والقسطنطينية، وأن ينالوا من المرتبات ضعف ما اقترحه لهم الصدر الأعظم ~~سابقا، وقد طلب عبد الله باشا من خسرو أن يعلن للمماليك عفو الباب العالي ~~عنهم إذا ms0021 قرروا قبول هذه الشروط، وأن يهيئ لهم أسباب الانتقال من مصر مع قبول ~~من يعثر عليه منهم بعد انسحاب البكوات كجند في جيش الدولة. # وكان غرض خسرو من استمالة عثمان بك حسن إغراء البكوات زملائه الآخرين على ~~الحضور إلى القاهرة لإرسالهم إلى القسطنطينية أو إلى أي مكان آخر يريدونه حسب ~~التعليمات المرسلة إليه من الباب العالي، وأفلح مسعى خسرو مع عثمان بك حسن، ~~فحضر إلى القاهرة مع صالح بك الكبير (أو العجوز) وصالح بك الصغير في أواخر ~~يوليو سنة 1802، ومعهم حوالي الثلاثمائة مملوك، وصرحوا لخسروا بأنهم تركوا ~~البكوات الآخرين؛ لأنه لا يجوز في نظرهم مخالفة أوامر السلطان، ولاعتقادهم بأن ~~إخوانهم عاجزون عن مقاومة حكومة السلطان العثماني في مصر. # واعتزم خسرو أن يتخذ من عثمان بك حسن تكأة في تدابيره مع سائر البكوات، ~~فأكرمه إكراما كبيرا على أمل أن تغري هذه المعاملة البكوات الآخرين على ~~الاقتداء به والمجيء إلى القاهرة. # ولكن خسرو - الذي عزا إليه معاصروه الجهل بفنون الحرب والسياسة وشئون الحكم ~~والإدارة - لم يلبث أن ارتكب في معاملته مع المماليك خطأين ظاهرين؛ وذلك أن ~~بكوات الصعيد الذين استمر يطاردهم طاهر باشا بعثوا إلى القاهرة يطلبون هدنة ~~لمدة خمسة شهور، فاتخذ خسرو من هذا الطلب دليلا على أنهم وصلوا إلى درجة من ~~الضعف والبؤس جعلتهم يقبلون التسليم والخضوع لحكومته، فطلب إليهم بدوره أن ~~يحضروا إلى القاهرة حتى يعيشوا بها كرعايا للسلطان العثماني، خاضعين لسيادته ~~إذا شاءوا أن يعيشوا في أمن وسلام كما فعل عثمان بك حسن، وأبلغهم أنه ~~لما كان الباب العالي قد أصدر صفحه وعفوه عنهم، ففي وسعهم إذا قبلوا عروضه ~~عليهم أن يعتمدوا على حماية الباب العالي لهم. # وكان خطأ خسرو الظاهر أنه استثنى من هذا العفو الذي وعد به، ومن هذه الحماية ~~التي ذكرها، رؤساء البكوات وكبارهم: عثمان البرديسي، ومحمد الألفي، وإبراهيم بك ~~(الكبير)، وسليم بك أبو دياب؛ الأمر الذي قرب بين البكوات ثانية، فجمعوا كلمتهم ~~ونبذوا عروضه وأوقعوا بجيشه هزيمة كبيرة في أوائل سبتمبر سنة 1802، في ~~«ألهوه-أولهو» ms0022 بإقليم بني سويف، ومكنهم هذا النصر من النزول إلى الوجه البحري ~~ينهبون ويسلبون ويفرضون على القرى الغرامات والإتاوات الفادحة. # وأخطأ خسرو مرة ثانية عندما استمر في استعداداته العسكرية للانتقام من هذه ~~الهزيمة، في الوقت الذي اعتزم فيه مفاتحة البكوات في الصلح والاتفاق معهم، ~~فعرض عليهم بواسطة عثمان بك حسن، دون أن يأمر بوقف القتال، إقطاعهم الأراضي ~~الممتدة من إسنا إلى آخر الحدود المصرية، ولما كان هؤلاء قد ساورتهم الشكوك في ~~نواياه، ولم تشتمل عروض خسرو على إقليم جرجا الذي كان قد اقترح الوسطاء ~~الإنجليز على الباب العالي إعطاءه لهم، فقد صمموا على ضم هذا الإقليم بأسره ~~إليهم، ورفض خسرو وصمم بدوره مناجزتهم. # وكان خسرو في أثناء مفاوضته مع البكوات قد سير جيشين إلى الوجه البحري؛ أحدهما ~~بقيادة يوسف بك من أعوانه ومعه طاهر باشا، والآخر بقيادة محمد علي؛ وذلك ~~للإطباق على دمنهور، المكان الذي اجتمعت به - منذ نزولها من الصعيد - قوات ~~المماليك بقيادة البرديسي والألفي، وقصد خسرو من إرسال جيشيه تعزيز مفاوضاته، ~~فلما فشلت هذه المفاوضات ظهر جيش يوسف بك أمام دمنهور، وكان جيشا كبيرا أزعج ~~الإنجليز أصدقاء البكوات، وكانوا - كما قدمنا - لا يزالون مرابطين ~~بالإسكندرية، فنصحوا للألفي أقرب أصدقائهم بضرورة تجنب الالتحام مع ~~الأتراك؛ توقيا للهزيمة التي توقعوها، ولكن الألفي عجز عن إقناع زملائه، ~~وانقسم البكوات مرة أخرى؛ فغادر الألفي دمنهور بأتباعه متجها صوب الإسكندرية، ~~وترك البرديسي لقتال العثمانيين. # واعتمد يوسف بك على اشتراك جيش محمد علي معه في المعركة المنتظرة، ولكن محمد ~~علي لم يجد في سيره، وآثر عند وصوله أن ينال جنده قسطا من الراحة، فخاض ~~يوسف بك المعركة وحده في 23 نوفمبر سنة 1802، ودار القتال في سهل منبسط ~~بالقرب من دمنهور، مكن المماليك من استخدام فرسانهم بصورة ألحقت بجيش يوسف ~~بك هزيمة كبيرة، ونجا يوسف بك نفسه من الهلاك بمشقة عظيمة، ثم صار يشكو شكوى ~~مرة من إبطاء محمد علي وتقاعسه وعدم الدخول بقواته في المعركة. # وفي رأي كثيرين من المعاصرين أن معركة دمنهور تحدد بداية ms0023 ذلك التطور الذي ~~أخذ يحدث تدريجيا في تفكير محمد علي، وبداية تعيين موقفه من مجريات الأمور ~~في مصر؛ إذ من الثابت أنه لو اشترك في معركة دمنهور لكانت النتيجة على خلاف ما ~~حدث، ولكنه تعمد عدم الدخول في هذه المعركة لإنقاذ البكوات من هزيمة محققة، ~~وذلك لأسباب عدة: فقد لاحظ محمد علي أن الأمور صارت تجري في مصر منذ عودة ~~العثمانيين إليها، كما لو كانت مصر «بلدا مفتوحا»، تخضع لنهب وطغيان عصابات من ~~اللصوص وقطاع الطرق الذين لا هم لهم سوى استنزاف مواردها والاستبداد ~~بالسلطة فيها؛ لتنفيذ مآربهم حتى أضحت الأطماع والمصلحة الذاتية وحدها هي ~~المتسلطة وسط هذه الفوضى الشاملة. # ورسخ في ذهن محمد علي أن الباشا العثماني خسرو محمد رجل محكوم عليه بالفشل ~~سلفا؛ لأنه لن يستطيع جمع زمام الأمور في يده بسبب ما هو واقع فعلا ~~من تنازع على السلطة بينه وبين المماليك من جهة، ثم بينه وبين رؤساء الجند من ~~جهة أخرى، ويعتمد هؤلاء الأخيرون على ما لديهم من قوات يعجز خسرو عن إخضاعها ~~له بسبب مطالبة الجند المستمرة بمرتباتهم المتأخرة، وخلو خزانة الباشا من المال ~~اللازم لدفعها، وفضلا عن ذلك فقد رأى محمد علي أن البكوات مستأثرون بإيرادات ~~البلاد بسبب خضوع القسم الأكبر من الأقاليم المصرية لسلطانهم، ولهم فوق ذلك من ~~الإرادة والعزم - كعنصر شهد بنفسه نشاطه - ما يضمن تفوقهم على الباشا العثماني؛ ~~وعلى ذلك، فقد كان من رأي محمد علي قبل المساعدة على تحطيم البكوات أن يتم ~~أولا تقرير المسألة في القاهرة ذاتها موئل السلطة العثمانية التي يمثلها خسرو ~~باشا؛ أي تحرير خسرو من العوامل المتعددة الضاغطة عليه والتي حكم محمد علي ~~سلفا بأنها قاضية عليه لا محالة. # ولم يفت على خسرو مغزى امتناع محمد علي عن الاشتراك في معركة دمنهور، وكان ~~مما زاد في حنقه عليه أنه اعتبر «محمد علي» مدينا له بكل شيء، فأضمر له ~~العداوة والكراهية في ذلك الوقت، بل وحاول البطش به عند عودته بعد ذلك من ~~دمنهور، فطلب حضوره في ms0024 «المساء» إلى القلعة، ولكن «محمد علي» أجابه بأنه يحضر في ~~«وضح النهار» ومعه جنده. # وأما المماليك فإنهم لم يستفيدوا من النصر الذي أحرزوه لعدم زحفهم على ~~القاهرة مباشرة، فآثر البرديسي وزملاؤه أن يجعلوا مركز عملياتهم العسكرية ~~قريبا من الإسكندرية ومن أصدقائهم الإنجليز، ولم يحاولوا الانضمام إلى بكوات ~~الصعيد لتعزيز قوات هؤلاء بهم في وقت كان للأتراك فيه بالصعيد ثلاثة مراكز ~~رئيسية: في المنيا وأسيوط وجرجا ، ولكن الإنجليز ما لبثوا أن أخلوا الإسكندرية ~~وغادرها أسطولهم في 16 مارس سنة 1803، وتسلم أحمد خورشيد باشا حكومتها في ~~اليوم التالي، وكان قد عينه خسرو في هذا المنصب، فأنهى جلاء الإنجليز تردد ~~البكوات فانسحبوا من دمنهور إلى الصعيد، وكان أول أثر لانسحابهم سقوط «المنيا» ~~التي هاجمها البرديسي مع إبراهيم بك. # وكان للمنيا أهمية «استراتيجية» كبيرة؛ لوقوعها على مسافة أربعين فرسخا من ~~حدود الصعيد السفلى، ولتحكمها - إذا وجدت بها حامية قوية - على الملاحة في ~~النهر الأعلى بسبب ضيق مجرى النهر أمامها؛ الأمر الذي يترتب عليه عند استيلاء ~~العدو عليها قطع المواصلات النهرية بين الصعيد وسائر الأقاليم الوسطى والبحرية ~~وتقسيم البلاد إلى شطرين، كما يؤدي سقوطها إلى سقوط أسيوط وجرجا، وعلى ذلك فقد ~~جمع البكوات قواتهم في أبريل سنة 1803، وهاجموا المنيا هجوما عنيفا لم تقو ~~على دفعه بسبب ضعف تحصيناتها فسقطت في يد البرديسي، وبلغ الخبر القاهرة في 17 ~~أبريل ففزع القاهريون فزعا كبيرا؛ لأنهم باتوا يتوقعون الآن عدم مجيء المؤن ~~من الصعيد، وهي التي تعتمد عليها القاهرة في تموينها، وخاف الناس من انتشار ~~المجاعة، وخاف خسرو من سقوط أسيوط وجرجا تبعا لتسليم المنيا فاستدعى جند ~~طاهر باشا ومحمد علي من إقليم البحيرة إلى القاهرة. # وأخطأ خسرو عندما فرق بين جند طاهر باشا وجند محمد علي، وهم المشتبه في ~~أمرهم، فأجاز للأولين أن يدخلوا العاصمة، بينما أبقى «محمد علي» وجنده خارجها ~~معسكرين بالجيزة، وكان وجه الخطأ في هذا التمييز بين الفريقين في المعاملة، ~~مع أنه لم يكن قد بدا من جانب طاهر باشا ما يدل على أنه ms0025 مخلص حقا لخسرو ~~باشا. # ثم أخطأ مرة ثانية عندما أراد إرجاع الجند الأرنئود إلى أوطانهم من غير أن ~~يدفع لهم مرتباتهم المتأخرة، فقال «مسيت» في رسالته إلى حكومته بتاريخ 4 ~~مايو: «إن سلوك الأرنئود المنطوي على الجبن، كما ظهر في التحاماتهم مع ~~المماليك عدا ما يتكلفونه من نفقات طائلة، جعل الباب العالي يأمر من مدة ~~بإخراجهم من مصر، وعندما وصل فرمان الباب العالي بذلك كان قد صار للأرنئود ~~متأخرات كثيرة، فحصلت «الحكومة» إتاوات عظيمة من أهل البلاد لدفعها، ولكنه ما ~~وضعت هذه المبالغ في خزينتها حتى طمع ضباط الباشا فيها ونصحوه بطرد الألبانيين ~~(الأرنئود) دون دفع مرتباتهم، فجمع خسرو باشا قوات كافية حوله ثم استدعى ~~إليه طاهر باشا زعيم الأرنئود ليبلغهم الأمر بإخلاء القاهرة حالا، وإلا أطلق ~~الباشا عليهم النار إذا عصوا أمره، فكان طاهر باشا الذي آثره خسرو على محمد ~~علي هو الذي تزعم حركة تمرد الجند وعصيانهم، فقد ثار هؤلاء في 23 أبريل ~~يطالبون بمرتباتهم المتأخرة.» # وارتكب خسرو حماقة أخرى عندما أساء التصرف مع هؤلاء الأرنئود الثائرين، ~~فقال «روشتي» (أو راشته كما يسميه الجبرتي) قنصل النمسا في القاهرة في ~~رسالته إلى البارون شتورمر # Stürmer # السفير ~~النمساوي في القسطنطينية في 30 أبريل 1803، إن خسرو باشا أحال الجنود على ~~الدفتردار خليل أفندي الرجائي، فأحالهم هذا بدوره على محمد علي بدعوى أن محمد ~~علي لا بد أن يكون قد جمع بعض المال من تحصيل الضرائب أثناء مروره بالوجه ~~البحري، فلما نفى محمد علي ذلك قويت الفتنة، وحاصر الجند منزل الدفتردار (29 ~~أبريل)، وطلب هذا من خسرو أن يعجل بفك إساره، ويدفع - دون إمهال - للجند ~~مرتباتهم، ولكن خسرو وعد بأن يدفع بعد عشرة أيام، ورفض الجند إمهال خسرو ~~والدفتردار. # وخيل إلى خسرو أن بوسعه المقاومة من القلعة، وعندئذ اقتحم طاهر باشا القلعة ~~معلنا أنه إنما يفعل ذلك «تنفيذا لأوامر الباب العالي»، فكان في ذلك ختام ~~باشوية خسرو، فكتب الوكيل الفرنسي «كاف» # Caffe # من رشيد في 5 مايو: «إن الأرنئود (جند طاهر باشا ms0026 ~~الثائرين) هاجموا سراي خسرو وتبادلوا مع حرسه وأعوانه إطلاق المدافع ~~والقنابل، كما استخدم الفريقان البنادق والسيوف، فانتصر الثوار وأحرقوا منزل ~~الباشا - وهو نفس المنزل الذي جعله الفرنسيون مقر قيادتهم العامة بالقاهرة، ~~وكان بيت الألفي القديم بالأزبكية - وانفض جماعة خسرو من حوله، ما عدا بعض ~~الفرنسيين الذين كانوا في خدمته وبعض الضباط الترك، فاضطر الباشا إلى الفرار ~~في 2 مايو، وخرج من القاهرة قاصدا المنصورة ودمياط.» # ولزم محمد علي جانب الحيطة والحذر في أثناء هذه الحوادث ، فترك طاهر باشا يتهور ~~في إعلان عصيانه على ممثل الباب العالي الشرعي في مصر، وقد كان من صالح محمد ~~علي أن يرقب ما يترتب على ذلك من آثار في القسطنطينية، وملاحظة وقع هذا ~~«الانقلاب» على الدول ذات المصلحة في استقرار الأمور في البلاد، ثم موقف ~~البكوات المماليك ومراقبة مسلك الإنكشارية؛ وهم طوائف الأجناد الأخرى الذين ~~لم يشتركوا في هذا الحادث. # وقد دل فرار خسرو من القاهرة على أن العثمانيين عاجزون عن إنشاء تلك الحكومة ~~القوية التي في وسعها صون البلاد من أي غزو أجنبي جديد قد يقع عليها، كما دل ~~عصيان الجند وتمردهم، على أن هذه القوات الألبانية (عماد الجيش العثماني في ~~مصر) لا يمكن الاعتماد عليها في الدفاع عن مصر، وعزز عصيانهم هذا رأي القواد ~~الإنجليز فيهم من أيام القتال ضد الفرنسيين لإخراجهم من هذه البلاد، لا سيما ~~بعد أن دلت هزيمتهم في دمنهور والمنيا على أن المماليك وبكواتهم هم القوة ~~العسكرية المفضلة التي في وسعها رد الغزو الأجنبي، على نحو ما اعتقد القواد ~~والوكلاء الإنجليز خصوصا، فأقبلوا الآن أكثر من ذي قبل على مناصرتهم، وانصرف ~~الوكلاء الفرنسيون بدورهم إلى تعطيل مساعي خصومهم الإنجليز ومحاولة إنشاء ~~الصلات الوثيقة مع البكوات؛ حتى يستطيعوا كذلك تأييد المصالح الفرنسية عن ~~طريقهم، فصارت البلاد مسرحا للصراع بين السياستين: الإنجليزية والفرنسية من ~~أجل الظفر بالنفوذ الأعلى فيها، وكان هذا الصراع من أسباب زيادة حدة الفوضى ~~السياسية في مصر في السنوات التالية. # الفصل الثاني # | فرنسا وسياستها «السلبية» في مصر # بدأت ms0027 المفاوضات بين إنجلترا وفرنسا من أجل الاتفاق على إخلاء الفرنسيين لمصر منذ ~~أن ذاعت وتأكدت أخبار انتصار الإنجليز في موقعة كانوب، فعقدت مقدمات الصلح في ~~لندن في أول أكتوبر سنة 1801 بين الدولتين، على أساس إرجاع مصر إلى تركيا ~~والاحتفاظ بممتلكات العثمانيين للباب العالي بتمامها، وكما كانت قبل الحرب الراهنة. ~~ونجح تاليران وزير الخارجية الفرنسية في عقد مقدمات الصلح بين دولته وتركيا مع ~~السيد علي أفندي السفير العثماني في باريس في 9 أكتوبر من العام نفسه، على أساس ~~إخلاء الفرنسيين لمصر وإرجاعها لتركيا. ولما كانت فرنسا تريد استعادة ما كان لها من سطوة قديمة في حوض البحر الأبيض ~~وأساكل الليفانت، فقد نصت المادة الرابعة من هذه المقدمات على أن يمنع الإنجليز من ~~إطالة بقائهم في مصر، فتبطل بفضل ذلك مساعيهم بها مع البكوات المماليك، وهي المساعي ~~التي خشي بونابرت أن يفيد الإنجليز منها تعزيز نفوذهم بها وإلحاق الأذى بالمصالح ~~الفرنسية، بل إن القنصل الأول في هذه الفترة التي سبقت عقد الصلح العام في أميان في ~~27 مارس سنة 1802، كان يرى ضرورة طرد البكوات من مصر كلية، وإتاحة الفرصة للباب ~~العالي لإقامة حكومة «عثمانية» قوية في مصر، عقد بونابرت آمالا كبيرة على رعايتها ~~للمصالح الفرنسية، إذا استطاع أن يكسب ود وصداقة الباب العالي بعد عودة السلام بين ~~فرنسا وتركيا. # وعلى ذلك، فقد بادر بإرسال الكولونيل هوراس سباستياني # Sebastiani # إلى القسطنطينية في 21 أكتوبر سنة 1801 مزودا بكتاب ~~من القنصل الأول إلى السلطان سليم الثالث يحمل نفس التاريخ، واستطاع سباستياني في ~~محادثاته مع الريس أفندي ورجال الديوان العثماني أن يوضح لهم مدى الخطر الذي يستهدف ~~له العثمانيون في مصر، وهم الذين لا يحتلون منها سوى القاهرة وما حولها، بينما لدى ~~الإنجليز سبعة آلاف من قوات الهند يحتلون الجيزة والسويس، وألفان وخمسمائة من ~~الإنجليز يحتلون الإسكندرية ودمياط، وأرغم الجنرال هتشنسون القبطان باشا والصدر ~~الأعظم بعد «المكيدة» المعروفة على تسليم البكوات للإنجليز، واستطاع المماليك بفضل ~~ذلك أن يحشدوا قواتهم بالصعيد، واستمع رجال الديوان العثماني ms0028 لتحذيرات سباستياني، ~~وأكد له «وكيل وزارة الداخلية» بالقسطنطينية أن السير سدني سميث قد عقد معاهدة مع ~~البكوات تحتفظ الحكومة الإنجليزية بالاعتراف بها أو إنكارها حسب الظروف، ورجا الريس ~~أفندي (وزير الخارجية العثمانية) سباستياني ضرورة عدم إغفال هذه المسألة عند عقد ~~مؤتمر الصلح المنتظر في أميان، وأفاد سباستياني من خوف العثمانيين الظاهر من مساعي ~~الإنجليز مع البكوات المماليك، فطلب أن يشترط في معاهدة الصلح النهائية إلغاء «حكومة ~~البكوات» نهائيا وطرد البكوات من مصر إلى الأبد، وتم الاتفاق بينه وبين الحكومة ~~العثمانية على نفس المادة المتعلقة بهذا الموضوع لإدخالها في معاهدة الصلح. # غير أنه سرعان ما تبدل موقف القنصل الأول من البكوات المماليك عند إبرام صلح ~~إميان في 27 مارس من العام التالي، فقد جاء هذا الصلح خلوا من هذه المادة، ولعل ~~السبب في ذلك ما ذكره سباستياني نفسه في تقريره الذي قدمه إلى القنصل الأول عن ~~نتيجة مهمته في القسطنطينية في نهاية عام 1801، أو في بداية العام التالي؛ فقد ~~ذكر في هذا التقرير أن الريس أفندي عندما طلب إليه سباستياني أن يسري مفعول ~~«الامتيازات» على الفرنسيين حتى يستطيعوا الاستفادة منها في معاملاتهم التجارية في ~~مصر كسائر رعايا الدول الأوروبية الأخرى، «لم يخف الريس أفندي أن سكان مصر يشعرون ~~بالود والصداقة نحو الجمهورية الفرنسية، حتى إن اللورد إلجين # Elgin # عند كلامه مع الريس أفندي عن مصر قال: «إن أهلها يأسفون ~~أسفا شديدا على ذهابهم».» # ولذلك فقد قوي أمل القنصل الأول بعد إبرام الصلح في إمكان إنشاء العلاقات التجارية ~~والسياسية الوثيقة مع مصر، واقتضت سياسته إلى جانب ذلك حمل الإنجليز على تعجيل ~~جلائهم عن مصر وعن سائر المواقع التي يحتلونها في البحر الأبيض المتوسط، واتجهت ~~سياسته منذ مارس سنة 1802 نحو تنفيذ معاهدة الصلح دون إبطاء. # ولما كان المماليك بزعامة مراد بك قد أبرموا الاتفاقات مع القواد الفرنسيين ~~وتعاهدوا معهم أيام الحملة الفرنسية، وذلك قبل انضمام البكوات إلى جانب العثمانيين ~~والإنجليز في القتال الذي دار من أجل طرد جيش الشرق من مصر نهائيا؛ ms0029 فقد اعتقد ~~بونابرت أن في وسعه أن يستأنف بسهولة علاقاته مع المماليك، وأن يعتمد عليهم في ~~تأييد النفوذ الفرنسي وخدمة المصالح التجارية الفرنسية، فلم يعد من أهدافه الآن طرد ~~البكوات من مصر، بل صار يتوسط لدى الباب العالي من أجل الوصول إلى تفاهم بينه ~~وبينهم يكفل للبكوات ليس البقاء في مصر فحسب، بل واسترجاع نفوذهم وسلطتهم السابقة ~~في الحكومة. # وقد زاد من اهتمامه بهذه المسألة أنه كان يتوقع قيام الحرب بينه وبين إنجلترا ~~سريعا، فصار يرقب باهتمام زائد نشاط الإنجليز خوفا من أن ينزل هؤلاء حملة ~~إنجليزية في مصر، كما فعل الفرنسيون أنفسهم من قبل وبخاصة عندما كان صلح «أميان» ~~هدنة مسلمة في الحقيقة، ومن المتوقع استئناف الحرب بين إنجلترا وفرنسا في أية لحظة، ~~ثم عظم اهتمام القنصل الأول بمصر عندما قامت الحرب فعلا في مايو سنة ~~1803. # غير أن نشاط بونابرت فيما يتعلق بمصر ظل - بعد صلح إميان - سلبيا في جوهره ولا ~~يعدو إظهار عنايته بدقائق الموقف في مصر، ثم بذل الوعود الطيبة للبكوات وإبداء ~~استعداده لنجدتهم وتمكينهم من استرجاع سلطتهم المفقودة في البلاد، ولكن دون أن ~~«يتورط» معهم في أي عمل إيجابي سوف يكون موجها في هذه الحالة ولا شك ضد الباب العالي، ~~الذي حرص بونابرت كل الحرص بسبب اشتعال الحرب على منعه من الانضمام إلى صفوف ~~أعدائه، فاكتفى بالتوسط من أجل تسوية الخلافات بين الباب العالي وبين المماليك، ثم ~~استمر يبذل الوعود الطيبة فحسب لطائفة البكوات الذين انحازوا برياسة عثمان البرديسي ~~إلى جانب فرنسا بعد حضور ممثليها ومندوبيها إلى مصر، وانحصر اهتمامه في تبصير ~~الباب العالي بجسامة الأخطار التي يتعرض لها سلطانه في مصر بسبب نشاط الإنجليز ~~الذين أفلحوا في كسب جماعة المماليك الأخرى التي يتزعمها محمد الألفي. # ولم يعرض بونابرت على الباب العالي حلولا إيجابية أو عملية لإزالة هذه الأخطار، ~~وكان طبيعيا أن تظل السياسة الفرنسية في مصر سياسة سلبية؛ لأنه تعذر في الحقيقة ~~على بونابرت أن يرتبط مع البكوات أو يشترك معهم في أي عمل قد ms0030 يدل - ولو من بعيد - ~~على أن فرنسا تعتزم معارضة مصالح الباب العالي في مصر، في الوقت الذي حرص فيه ~~بونابرت - وقبل أي اعتبار آخر - على الحيلولة دون انضمام تركيا إلى أعدائه. # وتفسر هذه السلبية نشاط الدبلوماسية الفرنسية في القاهرة والقسطنطينية في فترة ~~الفوضى السياسية في مصر. # فقد بادر القنصل الأول «وقت عقد الصلح في أميان» بترشيح الجنرال برون # Brune # منذ مارس 1802، سفيرا لفرنسا بالقسطنطينية ~~وأصدر إليه تعليماته نهائيا في 18 أكتوبر 1802، وفي 29 أغسطس أبلغ رغبته إلى ~~تاليران وزير خارجيته بإيفاد المواطن هوراس سباستياني في مهمة إلى طرابلس الغرب ~~ليحمل الحاكم بها على الاعتراف براية الجمهورية الإيطالية، ثم إلى الإسكندرية ~~للتعرف على الحالة في مصر، ثم منها إلى يافا ليتفقد شئون فلسطين، ثم إلى عكا وأزمير ~~وزنطة وكيفالونيا وكورفو، ومن الأخيرة إلى فرنسا، وفي 5 سبتمبر أصدر إليه ~~تعليماته. # ومع أن بونابرت أراد أن يرسل سريعا قومسييرين (أو مندوبين) تجاريين إلى مصر، ~~لكنه اعتبر ملء منصب القومسيير العام عملا يمس كرامة فرنسا في وقت كان لا يزال فيه ~~الجيش البريطاني بمصر؛ ولذلك فقد اكتفى القنصل الأول بإصدار أوامر من «سان كلو» ~~بتعيين المواطن دروفتي # Drovetti ~~«القاضي بمحكمة ~~تورين» مساعد قومسيير للعلاقات التجارية بالإسكندرية في 20 أكتوبر، ولو أن ذهاب ~~دروفتي إلى مصر قد تعطل إلى أوائل العام التالي. # ويتضح من التعليمات التي أعطاها القنصل الأول لهؤلاء جميعا اهتمامه بتعجيل جلاء ~~القوات الإنجليزية عن مصر، والإبقاء على الصلات التجارية والسياسية بين فرنسا ومصر، ~~واستمالة البكوات المماليك لمناصرة المصالح الفرنسية دون أن يتسبب عن ذلك إغضاب ~~الباب العالي، فطلب بونابرت من الجنرال برون (تعليمات 18 أكتوبر 1802) أن يبعث إليه ~~بكل ما يستطيع جمعه من معلومات عن مجريات الأمور في مصر يوما بيوم مع العناية - ~~على وجه الخصوص - ببيان العوامل التي يعتبرها السفير الفرنسي معوقة لإقامة السيطرة ~~العثمانية في مصر، ثم طلب إليه الوقوف على وجهة نظر البريطانيين بشأن انسحاب قواتهم ~~من مصر وإخلاء البلاد، وبيان مدى ما للإنجليز من علاقات مع البكوات ms0031 المماليك، مع ~~إظهار ما قد يعتمدون عليه من وسائل للاحتفاظ بمراكزهم في مصر إذا أرادوا البقاء بها ~~بدلا من الجلاء عنها. # وفي التقرير الذي صدر لتاليران في 29 أغسطس 1802 بصدد بعثة سباستياني، طلب إليه ~~القنصل الأول تزويد سباستياني بخطاب إلى باشا القاهرة يخطره بوصول قومسيير (أو ~~مندوب) للعلاقات التجارية إلى الإسكندرية والقاهرة قريبا، كما طلب بونابرت من ~~وزير خارجيته أن يسبق ذلك إيفاد أحد الضباط إلى مصر لمعرفة ما إذا كان الإنجليز قد ~~أخلوا البلاد وفقا لمعاهدة أميان، وأن الهدوء مستتب ولا يوجد ما يمنع ذهاب ~~القومسيير التجاري لملء منصبه في مصر . # ورأى بونابرت أن يحمل سباستياني معه كتابا من السفير العثماني إلى باشا القاهرة ~~يوضح له فيه الغرض الأعظم أهمية من رحلته؛ وهو ملاحظة ما إذا كان الإنجليز قد أخلوا ~~الإسكندرية أو لا يزالون في احتلالها، وطلب القنصل الأول أن تصحب الفرقاطة التي ~~تحمل سباستياني إلى الإسكندرية مركب بريد حتى يتسنى له إبلاغ حكومته كافة المعلومات ~~الخاصة بمركز الإنجليز، وكل ما يهم الحكومة الفرنسية معرفته عن حالة مصر. # وفي التعليمات التي صدرت لسباستياني نفسه في 5 سبتمبر سنة 1802 طلب إليه بونابرت ~~بمجرد وصوله إلى الإسكندرية أن يدون مذكرات وافية عما قد يجده في مينائها من سفن ~~الحرب، وعن قوات الإنجليز بهذا الثغر، وكذلك قوات الأتراك وحال التحصينات، وأن يسجل ~~تاريخ كل ما وقع من حوادث منذ خروج الفرنسيين من الإسكندرية ومن مصر، وأن يجمع ~~معلومات مفصلة عن حالة البلاد الراهنة، وأن يجتمع بالشيخ المسيري (وهو من أنصار ~~الفرنسيين المعروفين، ومن كبار رؤساء الإسكندرية وأصحاب النفوذ بها) ومع رئيسي ~~القوات الإنجليزية والعثمانية، فيسجل أحاديثه مع هؤلاء جميعا ويبعث بها إلى القنصل ~~الأول. # وأشار عليه بونابرت إذا كان الإنجليز عند وصوله لا يزالون كذلك بالجيزة (وقد سبق أن ~~غادرها هؤلاء منذ 10 مايو)، أن يذهب إليها في حراسة متينة، وأن يتمهل في انتقاله من ~~بلدة إلى أخرى، وأن يتحدث في أثناء سيره مع الأهالي في الرحمانية وطرانة والأماكن ~~الأخرى ms0032 التي يمر بها ويدون مذكرات بمحادثاته معهم، حتى إذا بلغ الجيزة بادر ~~بالاجتماع بالمشايخ: المصري والشرقاوي والفيومي وغيرهم - وهم المشايخ الذين تعاونوا ~~راضين أو مكرهين مع الحملة الفرنسية - ويسجل محادثاته معهم كذلك، ويدون مذكرات ~~وافية عن حالة قلعة القاهرة والتحصينات المجاورة، وينقل إلى الأهلين الذين يراهم ~~أقوالا طيبة عن لسان القنصل الأول، ولكن دون أن «يورط» حكومته في شيء، كأن يقول ~~مثلا: «إن بونابرت يحب أهل مصر ويريد لهم السعادة والرفاهية، ولا يزال يذكرهم ~~ويتحدث دائما عنهم.» # وأما فيما يتعلق بالبكوات المماليك، الذين اعتمد بونابرت على كسبهم إلى جانبهم ~~لتعطيل مساعي الإنجليز ووقف نشاطهم وتأييد المصالح الفرنسية في مصر، فقد ذكر بصددهم ~~في تعليماته إلى سباستياني: أنه يجب أن يكون لديه (أي سباستياني) كتاب من «تاليران» ~~إلى باشا القاهرة يبلغه رغبة القنصل الأول في إرسال قومسيير إلى القاهرة حالا، ~~واهتمامه بمعرفة ما إذا كانت الأمور هادئة ومستقرة في مصر لحرصه على إسعادها وضمان ~~السلام لها، وحتى يعرف إذا كان في استطاعته (أي بونابرت) التدخل مع البكوات ~~المماليك من أجل تحقيق هذه السعادة، حتى إذا رغب الباشا أن يذهب سباستياني إلى ~~الصعيد للحديث مع البكوات، ذهب بعد أن يمكث في القاهرة ثمانية أيام أو عشرة، يكون قد ~~استطاع في أثنائها مشاهدة كل شيء والحديث مع الناس، وأن يصطحب معه في عودته ~~الفرنسيين الذين بقوا بالمستشفيات، أو أولئك الذين بقوا مع البكوات المماليك ~~ويريدون العودة إلى فرنسا. # وعلى ذلك فقد بدأت - عقب عقد معاهدة إميان واستئناف العلاقات الدبلوماسية بين ~~فرنسا وتركيا - مساعي القنصل الأول من أجل تحقيق غرضه الجوهري؛ إجلاء الإنجليز عن ~~الإسكندرية بكل سرعة، ثم التوسط للبكوات المماليك لدى الباب العالي حتى يستطيع ~~الاعتماد عليهم إذا عادت السلطة إليهم في رعاية مصالح فرنسا التجارية والسياسية في ~~مصر. # تقابل روسان # Roussin # القائم بأعمال السفارة ~~الفرنسية بالقسطنطينية مع الريس أفندي، واستفسر منه عن سبب تأخر رحيل القوات ~~البريطانية عن مصر، وظفر منه بجواب يوضح وجهة النظر البريطانية. بادر روسان بإرساله ~~إلى «تاليران» في ms0033 26 نوفمبر سنة 1802، ويؤخذ منه - كما جاء في إجابة الريس أفندي ~~- أن تأجيل الجلاء عن مصر مبعثه رغبة الحكومة الإنجليزية في الاطمئنان على مصير ~~البكوات المماليك قبل رحيل قواتهم البرية والبحرية من البلاد، وعندما أوضح الريس ~~أفندي للسفير الإنجليزي اللورد «إلجين» أن رعاية شروط المحالفة الأولية المبرمة بين ~~إنجلترا وتركيا منذ يناير سنة 1799 توجب على الإنجليز الانسحاب من مصر مباشرة ~~بعد خروج الفرنسيين منها، قال «إلجين» إنه حدث بناء على اتفاق لاحق أن أضاف الباب ~~العالي وحكومته (أي إنجلترا) أن هذا الانسحاب يحدث «بعد أن يتوطد السلام والهدوء ~~تماما في مصر ويسترضى جميع الملاك بها»، ومع أن الريس أفندي أجاب بأنه لا يجوز ~~تسمية البكوات ب «الملاك» وتمييزهم بذلك عن غيرهم، وهم الذين يؤلفون من قديم الزمان ~~جزءا متمما من حكومة مصر، رفض اللورد إلجين الأخذ بوجهة النظر هذه، ثم استند في ~~معارضته لها على ما أحرزه البكوات من انتصارات على قوات الباب العالي في ~~مصر. فكان من الواضح حينئذ أنه لا معدى من انتظار ما قد تسفر عنه بعثة سباستياني من حيث ~~إقناع الإنجليز من جهة بتعجيل انسحابهم من مصر، ثم الوقوف على حقيقة الأوضاع في هذه ~~البلاد من جهة أخرى. # بعثة سباستياني # أما سباستياني، فكان قد غادر طولون في 21 سبتمبر 1802 قاصدا إلى طرابلس ~~فبلغها في 30 سبتمبر، ثم غادرها بعد يومين فوصل الإسكندرية يوم 16 أكتوبر، ~~وفي نفس اليوم كتب - بوصفه وزيرا مفوضا من القنصل الأول في الليفانت - يطلب ~~مقابلة الجنرال ستيوارت قائد القوات البريطانية بالإسكندرية للتحدث إليه في ~~أمور هامة كلفه بها القنصل الأول، وفي هذه المقابلة أبلغه ما لديه من أوامر ~~من وزير خارجية حكومته «تاليران» الذي طلب إليه الذهاب إلى الإسكندرية حتى إذا ~~وجد الإنجليز لا يزالون بها، طلب منهم إخلاءها بوجه السرعة وتنفيذ معاهدة ~~أميان، ثم أبلغ الجنرال ستيوارت دهشة القنصل الأول من استمرار الإنجليز في ~~احتلال مصر، وسأله عن الأسباب التي دعت إلى إطالة مدة هذا الاحتلال، وحاول ~~ستيوارت التخلص ms0034 بإجابة مبهمة عن أنه لا خوف من تأخير الانسحاب الذي سوف يحدث ~~فعلا، ولكن سباستياني أصر على جواب أقل إبهاما وغموضا، فذكر ستيوارت ~~أنه ليست لديه أية أوامر من حكومته بإخلاء الإسكندرية، ويعتقد أنه سوف يمضي بها ~~فصل الشتاء، وأنهم (أي الإنجليز) لا يخلون مصر ومالطة - حسب اعتقاده - إلا بعد ~~إبرام معاهدة تجارية بين إنجلترا وفرنسا، فاكتفى سباستياني بهذه البيانات ~~واعتبر مهمته بالنسبة للجنرال ستيوارت ومعرفة نوايا الإنجليز في موضوع الجلاء ~~عن الإسكندرية منتهية. # ولم تترك هذه المقابلة أثرا طيبا في نفس سباستياني عن شخصية القائد ~~الإنجليزي وكفاءته، فقال عنه إنه رجل قليل الذكاء، يتخيل أن بقاءه على رأس ~~القوات البريطانية في مصر يلفت إليه أنظار أوروبا، وأكد سباستياني أنه يعلم ~~يقينا أن ستيوارت يفتش عن إزعاج الوزارة الإنجليزية بكل الوسائل من الموقف في ~~البلاد حتى يمنع الجلاء أو يطيل أمد الاحتلال، وكان في رأي سباستياني أن ~~الجنرال ستيوارت يقع تحت تأثير ياوره الفارس دي ساد # Chevalier de Sades # من المهاجرين الفرنسيين، له ذكاء وعدو ~~لفرنسا. # وفي نفس اليوم قابل خورشيد أحمد باشا حاكم الإسكندرية و«القبطان بك» قائد ~~القوات البحرية العثمانية، فأبلغهما سباستياني بقرب مجيء الوكلاء التجاريين ~~الفرنسيين إلى مصر، وقال سباستياني: «إنهما قد سرا لهذا النبأ سرورا ~~عظيما.» ولم يخفيا عليه أنهما يتألمان من بقاء الإنجليز في هذه البلاد، وأكد ~~لهما سباستياني أن مكثهم بها لن يطول الآن، ولا يترك إبرام الصلح العام (معاهدة ~~إميان) أي شك في أن رحيلهم بات قريبا. # وقابل سباستياني في اليوم التالي (17 أكتوبر) الشيخ المسيري الذي ذكر ~~لسباستياني اعتقاد الناس لحظة وصوله أنه أغا حضر للاستيلاء على المدينة، ~~وأن سكانها قد فرحوا لذلك فرحا عظيما؛ الأمر الذي قال سباستياني إنه ~~لاحظه وشهده بنفسه، ثم قابل في نفس اليوم الشيخ إبراهيم المفتي، وهو رجل قال ~~عنه إنه مخلص كل الإخلاص لفرنسا، وينال من حكومتها معاشا، ولكنه مذموم من ~~الأهالي ويكاد لا يكون له أي نفوذ عليهم. # وأمضى سباستياني يومه التالي (18 أكتوبر) في زيارة ms0035 سد أبي قير الذي قطعه ~~الجنرال هتشنسون عند امتناع الجنرال «منو» بالإسكندرية، وأتلف قطع السد ترعة ~~الإسكندرية التي كانت تجري فوقه وتدفقت مياه البحر من ترعة المعدية (أو ترعة ~~أبي قير) إلى بحيرة مريوط التي كان يحجزها هذا السد، وكانت البحيرة الأخيرة ~~تكاد تكون جافة قبل القطع فغمرتها المياه الآن، وذهب عدد كبير من القرى ضحية ~~هذه المياه، وأرسل الباب العالي المهندس السويدي «رودن» # Rhoden # لإصلاحه، وشك سباستياني في قدرته وكفاءته، وقال إن ~~الإسكندرية بسبب قطع السد صارت تعتمد الآن على المياه المجلوبة من آبار مرابط، ~~ويوجد بقلعة مرابط المحصنة الصغيرة حرس من الإنجليز والأتراك لحماية الأهالي ~~الذين يحضرون لأخذ المياه من الآبار، ثم أمضى يوم 19 أكتوبر بالإسكندرية ~~لمشاهدتها ولاستقبال زائريه. # وفي 20 أكتوبر غادرها في طريقه إلى القاهرة في حراسة ضابطين فرنسيين من ~~الفرقاطة التي أحضرته، فقضى في أبي قير اليوم التالي ومساءه وانتهز فرصة ~~إقامته بها لزيارة قلعتها التي وجدها في حالة تخريب كبير. وفي 22 أكتوبر وصل ~~رشيد بعد أن زار قلعة جوليان، فقابل أغا المدينة ومدير جمركها «عثمان» ثم جميع ~~المسيحيين بها، «وأكد له كل من قابلهم أن الأهالي يأسفون أسفا عظيما على ذهاب ~~الفرنسيين، ويقدسون اسم القنصل الأول». وفي 23 أكتوبر كان سباستياني في ~~«فوه»؛ حيث قابل حاكمها والقاضي والمشايخ، وقد أكد له من قابلهم من المشايخ ~~ولاءهم وصداقتهم للقنصل الأول، وفي اليوم التالي وصل سباستياني إلى ~~«الرحمانية» وقابل بها الشيخ «محمد أبو علي»، ولاحظ أن قلعة الرحمانية تكاد ~~تكون مهدمة تماما. وفي 25 أكتوبر بلغ منوف فاجتمع بالشيخ عابدين الذي عينه ~~القنصل الأول قاضيا بها، وقد أكد له الشيخ «أن مصر ترغب في الدخول مرة أخرى ~~تحت سيطرة بونابرت»، وأكد له سباستياني بدوره ما كان يؤكده دائما للمصريين ~~الذين قابلهم؛ وهو اهتمام القنصل الأول بسعادة أهل مصر ورفاهيتهم ومحبته لهم. ~~وقال سباستياني إن الشيخ عابدين وسائر مشايخ منوف الذين جاءوا لزيارته في بيت ~~هذا الشيخ حدثوه في نفس ما حدثه به مشايخ «فوه»، ms0036 وكان جواب سباستياني: «إن ~~القنصل الأول يشعر نحو بلادكم بحب عظيم، ويتحدث عنها كثيرا، ويهتم بكل ما فيه ~~سعادتكم ولا ينساكم أبدا، وقد أوصى بكم خيرا لدى الباب العالي، وإن ~~«بونابرت» يحكم أغنى وأقوى دولتين في أوروبا: فرنسا وإيطاليا، وقد عقد السلام ~~مع أوروبا، وسوف ترى هذه البلاد مدى اهتمامه بها ومدى الأثر الذي تركته في ~~نفسه ذكرياته الطيبة عن مشايخ مصر السيئي الحظ ...» وقد ذكر سباستياني فيما بعد ~~أن «محمد كاشف» حاكم منوف كان نصيبه القتل وقطع رأسه - بعد مرور سباستياني - ~~بتهمة وجود علاقات بينه وبين المماليك، وأما قلعتا منوف فقد وجدهما سباستياني ~~مخربتين تماما. # وفي نفس اليوم (25 أكتوبر) وصل سباستياني إلى بولاق، وبعث في التو والساعة ~~المواطن جوبير لإخطار باشا القاهرة خسرو محمد بوصوله، فأرسل إليه في صبيحة ~~اليوم التالي (26 أكتوبر 1802) قوة من ثلاثمائة فارس ومائتي جندي من المشاة ~~لاصطحابه في أثناء سيره إلى بيت خسرو باشا، وأطلقت المدافع ترحيبا به. # وكان أول ما فعله سباستياني عند دخوله القاهرة، ومقابلته لخسرو باشا؛ أن ~~أبلغه عقد الصلح بين فرنسا والباب العالي، واستئناف صلات المودة والصداقة ~~والعلاقات التجارية بينهما، وأن بونابرت القنصل الأول قد كلفه بأن يؤكد لخسرو ~~باشا حسن نواياه، وأن ينبئه بخبر وصول المندوبين التجاريين الفرنسيين قريبا ~~إلى مصر. # وشكر خسرو باشا للقنصل الأول نواياه الطيبة ورحب بقدوم مندوبيه التجاريين، ~~وبعد هذه المقابلة انتقل سباستياني إلى المنزل الذي أعده له الباشا، وجاء ~~لزيارته كبار المدينة ورؤساؤها والمباشرون أو المعلمون الأقباط، ثم اجتمع ~~بالباشا مرة أخرى في 27 أكتوبر، وكان اجتماعا طويلا، وذكر له «أن القنصل ~~الأول مهتم به وبالبلاد التي يحكمها أبلغ الاهتمام، ويريد أن يوفر له ~~وللبلاد أسباب السعادة، وأنه لذلك قد كلف «سباستياني» بعرض وساطته على «خسرو ~~باشا» من أجل الصلح بينه وبين البكوات المماليك»، فشكره خسرو على عنايته ~~واهتمام القنصل الأول، ولكنه قال: «إن تعليمات حكومته القاطعة هي حرب الفناء ~~ضد البكوات، وعدم الدخول بتاتا في أية اتفاقات معهم.» # وعندئذ لاحظ سباستياني أن ms0037 سبب انهزام الأتراك في عملياتهم العسكرية الأخيرة ~~مع البكوات لا أقل من خمس مرات، أن الحالة النفسية التي صار عليها الجنود ~~العثمانيون جعلت مركزهم دقيقا للغاية، وأن العناد والإصرار على المضي في ~~قتال المماليك من شأنه أن يمهد في النهاية لضياع مصر ذاتها، وقال ~~سباستياني: إن الباشا يدرك تمام الإدراك أنه لا يستطيع مقاومة البكوات طويلا، ~~وطلب إليه أن يرجو القنصل الأول حتى يبدأ هذه المفاوضة في القسطنطينية، وأن ~~يصل إلى نتيجة سريعة من هذه المفاوضة (لأجل الصلح مع البكوات)، ثم أطلع ~~سباستياني على ما لديه من أوامر الباب العالي، وكان من رأي سباستياني عندئذ ~~أنه يستحيل على خسرو باشا بسببها قبول أي اتفاق مع البكوات، وفي هذه المقابلة ~~أبلغه سباستياتي عزمه على الاجتماع بمشايخ القاهرة ، وأرملة مراد بك، وكذلك ~~زيارة الجهات المجاورة للقاهرة وتحصينات المدينة، وأمر خسرو بأن يصحب ~~سباستياني في كل مكان يقصد إليه الحرس الذي كان قد خصصه له قائلا: إنه يسره ~~دائما أن يقضي الأخير المدة التي يمكثها بالقاهرة في راحة وسرور. # وفي 27 أكتوبر بدأ سباستياني زياراته بزيارة الشيخ عبد الله الشرقاوي، ~~وحضر للاجتماع به في بيت الشيخ عدد كبير من المشايخ، ودار الحديث حول ~~اهتمام القنصل الأول بمصر، وعظم قوته وما كسبه من أكاليل المجد والفخار، ~~وتقديره واحترامه ورعايته لعلماء القاهرة، وانسجام العلاقات بين السلطان سليم ~~الثالث وبونابرت، وقد أظهر المشايخ في كلامهم مقدار ما يكنونه لشخص القنصل ~~الأول من محبة وود. وعلق سباستياني على هذا الحديث بقوله: «إنه دهش مما أبداه ~~المشايخ من شجاعة في إعلان رغبتهم في أن يصبحوا مرة أخرى رعايا للقنصل الأول.» ~~وفضلا عن ذلك فإنه يكفي للتأكد من صدق رغبتهم هذه وعواطفهم نحو القنصل الأول؛ ~~ملاحظة ذلك الحماس العظيم الذي شاهده سباستياني بنفسه، والذي أظهره المشايخ ~~عند إهدائهم صورة بونابرت. وقد أهدى سباستياني صورة بونابرت لكل كبار ~~المشايخ ليس في القاهرة فحسب، بل وفي البلدان الأخرى التي مر بها، وقد ظهر ~~مثل هذا الحماس في كل مكان مر به. ms0038 # وفي 28 أكتوبر زار سباستياني السيد «الشيخ» عمر مكرم نقيب الأشراف، وكان ~~مريضا فقابله ابنه، وأما الشيخ الآخر الذي أراد سباستياني زيارته فكان الشيخ ~~البكري، وكان على علاقات سيئة مع الباشا، فرجاه عدم زيارته خوفا من زيادة هذه ~~العلاقات سوءا، وقد قال لسباستياني مثل هذا القول كل من المشايخ: أحمد ~~العريشي ومحمد المهدي ومحمد الأمير، وأما الشيخ سليمان الفيومي فقد رحب ~~بزيارته ترحيبا كبيرا، وأبدى له «إعجابه الذي يفوق كل الحدود بالقنصل ~~الأول». # وقال سباستياني تعليقا على ما صادفه من ترحيب: «إن مواطنيه جوبير # Jaubert # وبرج # Berge # قد شهدا بأنه لم يسبق بتاتا أن أظهر سكان القاهرة مثل ~~هذه العواطف الودية نحو فرنسا قبل مجيء سباستياني.» وحتى إن كل الناس كانوا ~~ينهضون واقفين عند مرور سباستياني وركبه في شوارع المدينة ، وصار فلكيوها ~~(أو منجموها) يقرءون طالع القنصل الأول. # وزار سباستياني في 29 أكتوبر أرملة مراد بك، وكان في عزم هذه السيدة أن ~~تزور سباستياني في بيته، وقد اشتكت بشدة عند اجتماعه بها من مظالم الأتراك، ~~وألحت عليه في الرجاء أن يعمل لإعادة حكومة البكوات الذين يحفظون في نظير ~~ذلك للفرنسيين وللقنصل الأول حسن صنيعهم معهم إلى أبد الآبدين، فأبلغها ~~سباستياني رغبة بونابرت في توسيطه من أجل الوصول إلى السلام بين البكوات ~~والباب العالي. # ولكن خسرو باشا كانت لديه أوامر قاطعة بمنعه من الدخول في أية مفاوضات ~~معهم، ومع ذلك ففي وسع السيدة أن تؤكد للبكوات - وهي التي قال سباستياني عنها: ~~إنها بمثابة الوكيل لهم في القاهرة - أن القنصل الأول قد تسلم خطاب إبراهيم بك ~~وعثمان بك البرديسي الذي بعثا به إلى بونابرت مؤرخا في 1217ه عقب مكيدتي ~~الصدر الأعظم والقبطان باشا ضد البكوات في أكتوبر سنة 1801، وقد طلب إبراهيم ~~والبرديسي في هذا الخطاب نجدة بونابرت وحمايته للبكوات الذين عقد رئيسهم ~~المتوفى مراد بك معاهدته المعروفة مع الجنرال كليبر، وأبلغوه استعدادهم لقتال ~~العثمانيين إذا منحهم حمايته، واثقين من الانتصار على هؤلاء إذا ظفروا بهذه ~~الحماية، ويرجون القنصل الأول مساعدتهم على الاستمرار ms0039 في البقاء بمصر، ~~واسترجاع سلطتهم وحكومتهم. # وقد عهدا بتسليم هذا الخطاب لبونابرت إلى المسيو جوزيبي # Guiseppi ~~(يوسف) الذي قالا عنه إنه علم بأحوال البكوات وفي ~~استطاعته تزويد بونابرت بتفصيلات أوفى لا يجرءون على تدوينها خوفا من سقوط ~~رسالتهم في أيدي الإنجليز أو الأتراك الذين يملئون الموانئ؛ السبب نفسه الذي ~~جعلهم لا يرسلون أحد كشافيهم بهذه الرسالة. # فأبلغ سباستياني أرملة مراد بك رد بونابرت على هذه الرسالة، وهو اعتزام ~~التدخل لإنهاء خلافاتهم مع الباب العالي بما يناسب الفريقين. # وزار سباستياني في هذا اليوم والأيام التالية القلعة وجزيرة الروضة والجيزة ~~وبولاق وكل القلاع الصغيرة حول المدينة، وتذمر الجند الأتراك من ~~مشاهدته يزور القلاع، ولكنه تظاهر بعدم الانتباه والالتفات لهذا التذمر، ~~ولكن حدث في أثناء عودته من زيارة قلعة «ديبوي» # Dupuy # في 29 أكتوبر أن هدده أحد هؤلاء الجنود برفع ~~«يطقانه» عليه، ولكنه كان سكرانا، ثم أظهر الأهالي سخطهم الشديد عليه، فلم يهتم ~~سباستياني بهذا الحادث، ولكن ما لبث أحد أعيان القاهرة «مصطفى الوكيل» أن ~~اعترض طريقه بعد ذلك وأنب أحد سياسه لسيره أمام فرنسي، وهدده بالجلد ~~بعد رحيل هذا الفرنسي، فشكا سباستياني لخسرو باشا وطلب أن يعتذر مصطفى الوكيل ~~له، ولكنه سرعان ما تبين له أن هذا الرجل كان من المقربين للباشا ويتمتع ~~بحمايته، فكان بعد أن هدد سباستياني بمبارحة البلاد فورا وإبلاغ شكواه إلى ~~حكومته، أن حضر إليه مصطفى الوكيل في اليوم التالي بصحبة «راشته» # Rossetti ~~(قنصل النمسا في مصر) يطلب ~~الصفح. # وقال سباستياني إنه حدث في نفس اليوم تهييج الألبانيين (الجند الأرنئود) ضده، ~~وأن المحميين الإنجليز في رشيد قد بعثوا بكتابين يؤكدون فيهما مشاهدة أسطول ~~فرنسي قريبا من شواطئ الأناضول في طريقه إلى القسطنطينية، وأن زيارة ~~سباستياني لمصر لا غرض لها سوى خديعة المسئولين بهذه البلاد وصرفهم عن اتخاذ ~~الحيطة لدفع الخطر الذي يهددهم، فعمل سباستياني على تكذيب هذه الإشاعات، ~~واستدعى لمقابلته التاجر الذي وصلته رسالة رشيد، وسلمه هذا الأخير الرسالة ~~التي بعث بها سباستياني إلى خسرو باشا مبينا له ms0040 ما تستهدفه هذه الإشاعات ~~الكاذبة والأخبار المغرضة من إحداث الاضطرابات لتكدير صفو العلاقات بين فرنسا ~~والباب العالي، ولكن خسرو - على حد قول سباستياني - لم يقع في الشرك، بل ~~أطلعه على رسالة وصلته من الجنرال ستيوارت كان مرفقا بها أمر يومي (أو بلاغ) ~~من القنصل الأول وقت قيادته لجيش الشرق في مصر بتاريخ فركتيدور من سنة ~~الجمهورية السابعة، يذكر للمصريين أن القسطنطينية كانت تابعة لبلاد العرب، ~~وأنه قد حان الوقت لإعادة سيطرة القاهرة القديمة إليها والقضاء على إمبراطورية ~~العثمانيين في الشرق، ورجا ستيوارت من خسرو أن يتمعن مليا فيما جاء بهذا ~~الأمر اليومي؛ حتى يدرك مدى إخلاص الفرنسيين للباب العالي وقيمة صلحهم مع ~~تركيا. # ثم اعتقد سباستياني أن الإنجليز يدبرون اغتياله، ولكن أثلج صدره أن يرى ~~خسرو باشا يغمره بأنواع التكريم منذ وصوله إلى وقت مغادرته للبلاد ، وشهد ~~بنفسه الوكيل التجاري الإنجليزي بالقاهرة «مسيت» # Missett # هذا التكريم، كما شاهد ما يظهره أهل القاهرة من ~~محبة للفرنسيين. # ولاحظ سباستياني أن أصحاب النفوذ الأكبر في القاهرة - بعد خسرو باشا - كان ~~«راشته» والسيد أحمد المحروقي، وقال عنهما إنهما يكرهان كلاهما فرنسا، وإن ~~العداء - مع ذلك - مستحكم بينهما، والمعتقد أن «روشتي» أو «راشته» قد خان ~~قضية البكوات المماليك، وانحاز الآن إلى جانب العثمانيين، ومع ذلك فإن هذا ~~«الداهية» يعرف كيف يكسب صداقة وعطف المماليك إذا استعادوا نفوذهم، وهو الآن ~~يتاجر مع خسرو باشا في الزعفران والحبوب، وهي تجارة عادت عليه بالربح ~~الوفير حتى أثرى ثراء فاحشا في وقت قصير، ويتذمر من نفوذ المحروقي وروشتي ~~الدفتردار شريف أفندي، وهو ذو سمعة طيبة، قابله سباستياني وأثنى عليه، وقال ~~عنه إنه كان دائما من الحزب الموالي لفرنسا في الديوان العثماني ~~بالقسطنطينية، وقت عضويته به قبل مجيئه إلى هذه البلاد، وقد عينه الباب العالي ~~- قبل مغادرة سباستياني لمصر - باشا على جدة، ولكنه اعتبر هذا التعيين دون ما ~~يستحق، فرفضه، وعين الباب العالي في منصب الدفتردارية رجائي أفندي الذي غادر ~~القسطنطينية في طريقه إلى القاهرة. # وقد عاون سباستياني في نشاطه ms0041 أثناء إقامته بالقاهرة، ترجمان الباشا ~~«ستفاناكي» # Stefanachi # الذي قال عنه ~~إنه يوناني من المورة وصاحب ثروة عريضة وشديد الولاء لفرنسا والتحمس لشخص ~~القنصل الأول؛ لاعتقاده أن الإمبراطورية العثمانية آيلة للزوال، وأن اليونان ~~عند سقوط الدولة سوف تكون تابعة لفرنسا. # وذكر سباستياني أن الشيخ محمد السادات بالرغم مما ناله من إيذاء بعد رحيل ~~الجنرال بونابرت من مصر، رجاه أن يبعث إليه بالمواطن «جوبيير» # Jaubert ~~، حتى إذا ذهب إليه «جوبيير» صار ~~الشيخ السادات يؤكد له مبلغ ولائه ومحبته للقنصل الأول ولفرنسا، وأن المدة ~~التي أقامها هذا الرجل العظيم في مصر كانت عهد خيرات عميمة، وأن مصر لا يسعها ~~كلما ذكرت هذه النعم إلا مباركة هذا الرجل العادل والرحيم، وأنه (أي الشيخ ~~السادات) لا غاية له إلا أن تسنح له الفرصة لإظهار ولائه وإخلاصه له. # وقابل سباستياني عددا من رؤساء ومشايخ البدو ، وقد أظهر جميعهم تذمرهم من ~~العثمانيين. # وفي 2 نوفمبر قابل سباستياني خسرو باشا مودعا، وفي 3 نوفمبر نزل في ~~النيل (في ذهبية خصصها له الباشا) من بولاق في طريقه إلى دمياط للسفر منها إلى ~~الشام، وانتهت مهمته في القاهرة. # وكان رأي سباستياني في خسرو باشا أنه «رجل يحب المجد دون أن يعرف ما هو ~~المجد؛ ولذلك فقد صرف كل جهوده للعناية بتوافه الأمور، مثل كساء الجنود وما ~~إلى ذلك، وهو رجل يجهل كل الجهل فنون الحرب والسياسة وشئون الحكم وأساليب ~~الإدارة، ولا يتقن سوى قطع الرءوس.» حقيقة قد أصدرت إليه حكومته أوامر على ~~غاية من الوحشية، كما ذكر سباستياني أن «ستفاناكي» ترجمان خسرو قد أطلعه على ~~أوامر من الباب العالي تطلب من باشا القاهرة إهلاك كل المماليك المنتشرين ~~في مختلف الجهات في مصر، سواء احتفظ هؤلاء بعلاقاتهم مع البكوات أو قطعوها، ~~كما طلب إليه الباب العالي إذلال رؤساء المشايخ وكبارهم ومصادرة أموالهم ~~وأملاكهم بقدر استطاعته، وإيذاء الشيخين البكري والسادات، على وجه ~~الخصوص. # كما ذكر سباستياني نتيجة لملاحظاته في القاهرة أن الإشاعات تروج بها عن عودة ~~الفرنسيين إليها قبل مضي عامين، وأن ms0042 القنصل الأول سوف يكون عندئذ سيد مصر ~~والشام معا، وتنبأ «منجموهم» بذلك، ويتكلم الناس في هذا الموضوع كأنه حقيقة ~~ثابتة لا مفر من حدوثها، وقال سباستياني: «إن من يعرف البلاد وأوضاعها لا يشك ~~في مدى ما يحدثه ذيوع مثل هذه الآراء فيها.» # وكان في أثناء رحلته إلى دمياط، أن وقف سباستياني بعض الوقت في سمنود في 5 نوفمبر، ثم في المنصورة في اليوم التالي، وقابل حاكمها والشيخ السيد محمد ~~الشناوي، وقد زاره كلاهما مع «كل المشايخ» بالمنصورة، وتحدث معهم بنفس الكلام ~~الذي تحدث به مع مشايخ القاهرة وغيرها، وأظهروا نفس الولاء والمحبة لفرنسا ~~ولقنصلها الأول، وفي مساء اليوم نفسه وصل سباستياني دمياط. # وفي أثناء وجوده بدمياط زار قلعة «العزبة» - عزبة البرج - وأبراج البوغاز (7 نوفمبر) ولاحظ أن القلعة في حالة سيئة ولو أن أبراج البوغاز تنال قسطا طيبا ~~من العناية، وتقيم بالقلعة والأبراج حامية من مائتي رجل. وفي 8 نوفمبر زاره ~~ابن حسن طوبار الذي لا يزال يتمتع بنفس النفوذ دائما على أهل المنزلة، وقد ~~شكا شكوى مرة مما يلحقه به الأتراك من أذى؛ بسبب ما أظهره من ولاء للجيش ~~الفرنسي، وأعلن لسباستياني أنه يتربص للفرصة التي تتيح له البرهنة من جديد ~~على صدق عواطفه نحو فرنسا. # وعند زيارته لإحدى القرى المجاورة (9 نوفمبر) قابل الشيخ إبراهيم البهلول ~~الذي اشتهر عنه مسلكه الطيب وقت محنة الفرنسيين بقيادة الجنرال فيال # Vial # عندما حوصروا في هذه الجهات، فأعفى ~~بونابرت قريته من الضرائب مكافأة لها، وصار الشيخ من أصدق أصدقاء ~~فرنسا. # وفي دمياط قابل سباستياني جميع مشايخها، وخصوصا الشيخ علي خفاجي الذي كان ~~بونابرت قد أنعم عليه بفروة من السمور، وهو رجل قال عنه سباستياني إنه يتمتع ~~بسمعة ونفوذ كبيرين، ولا يزال على ولائه لفرنسا. # وفي دمياط كذلك تسلم سباستياني في 11 نوفمبر رسالة من عثمان بك البرديسي ~~بادر سباستياني بالرد عليها، فأبلغه أن القنصل الأول قد كلفه بإنهاء الخلافات ~~بين البكوات والعثمانيين، ولكن هذه المسألة لا يمكن الكلام فيها إلا في ~~القسطنطينية، ms0043 وأن القنصل الأول لا يزال يرجو لهم الخير ويبغى مساعدتهم. # وفي 14 نوفمبر 1802 غادر سباستياني دمياط قاصدا إلى عكا لإنجاز مهمته، ~~فقابل الجزار باشا، ثم غادر عكا في 17 نوفمبر، فوصل زنطة بعد ثلاثة عشر يوما ~~ثم غادرها إلى مسينا. # وكان لبعثة سباستياني في القاهرة آثار بعيدة؛ فقد سببت «الحفاوة» التي قوبل ~~بها رسميا في القاهرة من جانب الباشا العثماني عند وصوله إليها ثم عند ~~مغادرته لها القلق للإنجليز؛ لا سيما وأن سباستياني قد أظهر للجنرال ستيوارت ~~ما جعل الأخير يعتقد أن القنصل الأول مصمم على خروجهم بكل السرعة، وأنه يبغي ~~من الصلح مع الباب العالي استئناف فرنسا لنشاطها التجاري واستعادتها لنفوذها ~~السياسي في مصر، وأزعجت القائد الإنجليزي رغبة بونابرت في التوسط لإنهاء ~~الخلافات بين الباب العالي والبكوات، ومسعى سباستياني نفسه لكسب مودة الأخيرين ~~ومقابلته - لهذه الغاية - لأرملة مراد بك الست نفيسة، بالقاهرة، وتراسله مع ~~البرديسي؛ الأمر الذي هدد بفشل سياسة الإنجليز في مصر، وهم «الذين استطاعوا ~~استمالة البكوات إلى الوثوق بهم والاعتماد عليهم في بلوغهم السلطة والحكم في ~~مصر». وكان القواد والوكلاء الإنجليز بدورهم يعتمدون عليهم كالقوة المحاربة ~~التي في استطاعتها عند استقرار الأوضاع الجديدة دفع خطر الغزو الأجنبي عن ~~البلاد، وخصوصا من ناحية الفرنسيين أنفسهم، وفضلا عن ذلك فقد دل اجتماع ~~سباستياني بالمشايخ في القاهرة وغيرها، على أن هؤلاء أو فريقا كبيرا منهم ~~أصدقاء لفرنسا، وقد يرضون بحكم بونابرت في مصر مرة أخرى، يشاركهم في هذا ~~الشعور أكثرية السكان المتذمرين من مظالم العثمانيين واعتداء الجند ~~عليهم. # وعلى ذلك فقد اهتم «ستيوارت» بأمر هذه «البعثة» منذ مجيء سباستياني إلى وقت ~~مغادرته البلاد، فنقل إلى حكومته في 18 أكتوبر سنة 1802 كل ما دار بينه وبين ~~سباستياني من حديث في مقابلتهما، وكان من رأي ستيوارت أن الفرنسيين يدبرون ~~بعض الخطط التي تمكنهم - سواء بالمفاوضة أو بطريق آخر أكثر صراحة وعلانية ~~- من استعادة سلطانهم ونفوذهم الممقوت في مصر، وأن الغرض من محاولة ~~«سباستياني» مع خسرو باشا من أجل الاتفاق والصلح ms0044 مع المماليك؛ هو تحقيق هذا ~~المأرب. # وزاد من قلق «ستيوارت» أن خسرو كتب إليه في 9 نوفمبر - دليلا على الود ~~والصداقة القائمة بينه وبين ستيوارت - يبلغه اقتراح سباستياني عليه توسط ~~القنصل الأول من أجل الاتفاق مع البكوات، وكيف أنه ألح على خسرو في ~~الاتصال بالبكوات، أو على الأقل الكتابة إليهم، ولكن خسرو رفض التدخل في ~~مسألة من خصائص الباب العالي نفسه، ثم أضاف أنه ذكر لسباستياني «أنه لما لم ~~يكن لديه أية سلطات تخوله الاتفاق مع الجنرال ستيوارت (في هذه المسألة)، وهو ~~يمثل دولة حليفة لتركيا، فإن معنى قبوله لوساطة فرنسا الإقدام على عمل لا يتفق ~~والاعتراف بالجميل نحو حلفاء الدولة، فضلا عن أنه مخالف لأوامر السلطان»، ~~وتعددت رسائل ستيوارت إلى حكومته وإلى اللورد إلجين سفيرها بالقسطنطينية عن ~~نشاط سباستياني، بناء على المعلومات التي بلغته عنه من الوكلاء الإنجليز طوال ~~شهري أكتوبر ونوفمبر. # وكان مما أبلغه هؤلاء الأخيرون من القاهرة إلى الجنرال ستيوارت (15 نوفمبر) ~~«أن سباستياني يريد الاتصال بالمماليك، ولا يهمل أية وسيلة قد تعينه على ~~بلوغ غرضه، وأنه بعد أن حاول عبثا إقناع خسرو باشا بأن الإنجليز على الأقل ~~سوف يتحدون بقواتهم مع المماليك، متخذا من بقاء الإنجليز بالإسكندرية - بالرغم ~~من انتهاء المدة المنصوص عليها في معاهدة صلح «أميان» لجلائهم - برهانا على صدق ~~مزاعمه؛ لم يلبث أن صار يهدد خسرو باشا بجلب سخط القنصل الأول عليه قائلا: ~~إن نفوذ القنصل الأول لدى الباب العالي قد يبلغ درجة يستطيع بها طلب استدعاء ~~خسرو إذا ظل يعارض سباستياني في أغراضه.» # واهتم اللورد إلجين السفير البريطاني بالقسطنطينية بهذه الأخبار، فأبلغها إلى ~~الريس أفندي الذي أظهر دهشته من زيارة سباستياني للقاهرة؛ لأن الريس أفندي كان ~~يعتقد أن سباستياني سوف يذهب إلى الجزائر وتونس وربما زار المورة وكورفو، ~~ولكنه يجهل أنه كان مكلفا بزيارة مصر والشام، ويجهل أكثر من ذلك «مهمته ~~الدبلوماسية» التي لم يبلغ شيء عنها لحكومته. # وكان من أثر ذلك أن زاد نشاط مساعي الإنجليز في مصر وفي القسطنطينية معا، من ms0045 ~~أجل توثيق علاقاتهم بالبكوات من ناحية، والوصول إلى اتفاق يحسم خلافاتهم مع ~~الباب العالي من ناحية أخرى، وقد خطت الدبلوماسية الإنجليزية خطوات واسعة ~~في هذا السبيل عندما أمر القنصل الأول بنشر تقرير سباستياني عن مهمته، فنشرته ~~الجريدة الرسمية # Moniteur ~~، بعد حذف فقرات منه ~~اقتضت «الحكمة السياسية» حذفها، في 30 يناير 1803. # وذكر التقرير المنشور نشاط سباستياني ومقابلاته التي سبق الحديث عنها، وكان ~~مما جاء فيه أن هناك سوء تفاهم كبيرا بين خسرو باشا والجنرال ستيوارت. وتضمن - ~~علاوة على ذلك - تفصيلات هامة عن حالة الأبراج والقلاع في المراكز ~~المختلفة، وأكثرها مهدم ولا توجد به سوى حاميات ضعيفة وضئيلة، كما هو الحال ~~في حصون وقلاع «أبي قير»، و«جوليان»، والبرلس، والرحمانية، ومنوف، وبولاق، ~~والجيزة، وبركة الحاج، وبلبيس، والصالحية، والمنصورة، وبرجي البوغاز، و«دمياط»، ~~والديبة، والقطية، والعريش، والسويس. بينما لا يوجد في الإسكندرية من القوات ~~العثمانية سوى ستمائة رجل، وفي أبي قير مائة، وفي قلعة جوليان خمسة عشر، وفي ~~رشيد مائتان، وفي الرحمانية خمسة وعشرون، وفي إقليم منوف خمسمائة، وفي القاهرة ~~وبولاق والجيزة خمسمائة، وفي السويس مائة، وفي إقليم المنصورة خمسمائة، وفي ~~إقليمي دمياط والغربية ستمائة، وعددهم جميعا في كل المراكز 7640 فحسب، كما ~~تبلغ قوات العثمانيين العاملة 600 من المشاة، و2000 من الفرسان، و500 من ~~المدفعية، والمجموع 3100. # وأما القوات العثمانية فتبلغ كلها حوالي الستة عشر ألفا، ويؤلف الألبانيون ~~أو الأرنئود القسم الأكبر منها تحت قيادة طاهر باشا، وأضاف التقرير: «أنه من ~~العبث وصف هذه القوات بأنها جيش؛ لأنهم رجال ينقصهم السلاح، ولا نظام لهم ولا ~~يثقون في رؤسائهم وضباطهم، وقد أنهكت قواهم بسبب انغماسهم في الملذات ~~والموبقات، ويتساوى الرؤساء مع جنودهم في جهلهم التام بفنون الحرب والقتال ~~الأولية، ولا يستأثر باهتمامهم سوى الرغبة الملحة في جمع المال والإثراء ~~سريعا، حتى يتسنى لهم عند التقاعد العيش في يسر وطمأنينة.» # وفي هذه المناسبة جاء في التقرير: «أنه يكفي اليوم لفتح مصر ستة آلاف فرنسي ~~فحسب.» # وأما القوات الإنجليزية فقد ذكر التقرير أنها تبلغ 4430 تحتل الإسكندرية ~~والحصون ms0046 المجاورة لها التي أهمل الإنجليز العناية بها. # وأما المماليك، فكان جيشهم يتألف من 300 من المماليك، و3500 من الأعراب ~~من قبيلة العبايدة في الشرق، و3500 من قبيلة بني علي، وقد تزوج محمد بك ~~الألفي من ابنة شيخ القبيلة الأولى، بينما تزوج مرزوق بك ابن إبراهيم بك من ~~ابنة شيخ القبيلة الثانية، ويقتسم الألفي وإبراهيم والبرديسي السلطة في هذا ~~الجيش، ويتخذون جميعهم مقرهم العام في جرجا، ولديهم أربع وعشرون فرنسيا من ~~الذين تخلفوا في البلاد وقت خروج جيش الشرق منها، ويؤلف هؤلاء «مدفعية» صغيرة، ~~وقد انتصر المماليك - حتى كتابة هذا التقرير - في جميع المعارك التي اشتركوا ~~فيها على الأتراك، ويفضلهم المصريون على العثمانيين، بينما يخضع الوجه القبلي ~~بأسره لهم، ويعتبر عثمان بك البرديسي صاحب أعظم ميول ودية نحو فرنسا؛ الأمر ~~الذي أكسبه - على حد قول سباستياني - نفوذا كبيرا. # وقد أظهر تقرير سباستياني عند نشره أن الباشا العثماني بالقاهرة «خسرو محمد» ~~كان مصرا على متابعة «حرب الفناء» ضد المماليك، وأن البكوات من ناحيتهم ~~كانوا مصرين أيضا على استعادة نفوذهم وسلطانهم السابق، وأنهم يطلبون وساطة ~~فرنسا لبلوغهم مقصدهم. أضف إلى هذا أن نشر التقرير دل على أن فرنسا لا تزال ~~مهتمة بأمر مصر، بل وساد الاعتقاد بأنها لا تزال ذات أطماع صريحة في امتلاك ~~هذه البلاد مرة أخرى؛ بدليل كل تلك البيانات المفصلة عن حالة الحصون والقلاع ~~وعن عدد قوات الجيوش، سواء البريطانية منها أو العثمانية أو المملوكية، التي لم ~~يكن من المنتظر - حسب ما يستدل مما جاء بالتقرير - أنها سوف تستطيع مقاومة أي ~~غزو فرنسي؛ لضعفها من ناحية، ولما كان متوقعا من انضمام البكوات للجيش ~~الفرنسي عند غزوه لهذه البلاد، إلى جانب ترحيب أهل البلاد ومشايخهم بعودة ~~الحكم الفرنسي من ناحية أخرى، وكان مما قوى الاعتقاد بأن فرنسا تنوي غزو مصر ~~ما ذكره التقرير من «أنه يكفي اليوم لفتح هذه البلاد ستة آلاف فرنسي ~~فحسب.» # وعلى ذلك فقد أحدث نشر تقرير سباستياني ضجة كبيرة في جميع الدوائر السياسية، ~~وخصوصا في لندن والقسطنطينية، ms0047 فنشرته الجريدة الرسمية في لندن، وكان موضع ~~تعليقات جميع سفراء الدول وممثليها في القسطنطينية، وكتب الجنرال برون في 10 مارس 1803 أن هؤلاء جميعا اتخذوا منه دليلا لإقناع الباب العالي ب «نوايا ~~فرنسا» التي كشفت في هذا التقرير عن خططها المرسومة نحو مصر، واضطر برون للدخول ~~في تفسيرات يبغي منها إزالة الآثار السيئة «التي ترتبت على هذه الأقوال»، والتي ~~من شأنها إلحاق الأذى من طرق خفية بذلك المركز الممتاز الذي بدأ يناله في ~~القسطنطينية، ولكن جهود «برون» لم تنجح؛ لأن رسوخ الاعتقاد - نتيجة لنشر تقرير ~~سباستياني - بأن فرنسا تريد غزو مصر، لم يلبث أن أثر تأثيرا مباشرا على سياسة ~~كل من تركيا وإنجلترا نحوها. # ثم زاد هذا الاعتقاد رسوخا أن القنصل الأول ما لبث أن أظهر بصورة عملية ~~اهتمامه بمصر ورغبته في استعادة علاقاته معها، ودعمها عندما أصدر أمره في 7 ~~مارس 1803 بتعيين المواطن «ماثيو لسبس» - مأمور القنصلية السابق في قادش - نائب ~~قومسيير للعلاقات التجارية الفرنسية بدمياط، على أن يذهب إلى القاهرة ليملأ ~~بها مؤقتا منصب القومسيير العام للعلاقات التجارية حتى يتم تعيين من يشغله، ~~كما أوفد القنصل الأول معه إلى مصر «دروفتي» مساعد قومسيير العلاقات التجارية ~~المعين للإسكندرية منذ 20 أكتوبر 1802. # ماثيو لسبس # ولبعثتي ماثيو لسبس # Mathieu Lesseps # أهمية ~~خاصة من ناحية ارتباط هذا التعيين بسياسة القنصل الأول نحو مصر بعد بعثة ~~سباستياني؛ ولأنه كان حول شخص «لسبس» نفسه أن ابتكر الفرنسيون تلك الأسطورة ~~التي ادعت أن «لسبس» لم يلبث عند حضوره إلى مصر أن أخذ بعبقرية محمد علي ~~ونبوغه، لما شهد منه من رجاحة العقل وحسن التدبير وصدق العزيمة، فأقبل على ~~تشجيع هذا القائد الألباني ومساعدته على الوصول إلى ذلك المركز الرفيع الذي ~~استطاع بفضله فيما بعد أن يؤسس أسرة وراثية للحكم في مصر. # وعندما أرسل «ماثيو لسبس» إلى مصر كان يبلغ حوالي الثلاثين عاما؛ ولد في ~~همبرج في مارس سنة 1774، ونشأ في أسرة شغل أعضاؤها - والده وعمومته - وظائف ~~هامة في السلك السياسي من مدة طويلة، ومنذ ms0048 سنة 1791 تقلد «ماثيو لسبس» نفسه ~~مناصب سياسية هامة في مراكش، وكان عند إرساله إلى مصر نائب قومسيير للعلاقات ~~التجارية في قادش. # ويؤخذ من التعليمات التي صدرت له في 22 مارس سنة 1803 أنه كان عليه القيام ~~من طولون إلى الإسكندرية مع المواطن دروفتي - وللأخير شأن يذكر كذلك في تاريخ ~~هذه الفترة - فيذهب «لسبس» إلى دمياط ومنها إلى القاهرة، ولا يبقى بالإسكندرية ~~إلا ما يكفي من الوقت لتقديم نفسه إلى السلطات العليا بها وتعريفهم - إذا رأى ~~ذلك - بالصفة التي أعطيت له؛ أي تعيينه نائب قومسيير للشئون التجارية ~~للجمهورية الفرنسية، حتى إذا انتهت هذه الرسميات غادر الإسكندرية فورا إلى ~~القاهرة. وهنا نصت التعليمات على أنه بمجرد وصوله إلى القاهرة، عليه أن يؤكد ~~للسلطات القائمة إخلاص الحكومة الفرنسية وصدق نواياها الطيبة. # واستطردت التعليمات المعطاة له، فذكرت كيف أن الموقف في مصر لا يزال ينقصه ~~الاستقرار بسبب إطالة الإنجليز بقاءهم بها، وبسبب الحرب القائمة بين الجند ~~العثمانيين والمماليك مما يقتضي «ماثيو لسبس» أن يتخذ جانب الحيطة والحذر بكل ~~ما يسعه من جهد في علاقاته ومسلكه مع الرؤساء النائبين عن الباب العالي في هذه ~~البلاد، فيعمل جادا للظفر باحترامهم وكسب ثقتهم، وذلك بتجنبه التدخل في ~~المنازعات السائدة بين فريقي العثمانيين والمماليك، وعليه - علاوة على ذلك - ~~ملاحظة «الامتيازات» المبرمة بين فرنسا والباب العالي ويطلب تنفيذها بكل دقة، ~~وكان لرعاية المصالح الفرنسية أن أجاز له القنصل الأول أن يعين «مؤقتا» - وإذا ~~رأى ضرورة لذلك - خدمة لهذه المصالح وكلاء للقومسييرية العامة في الموانئ ~~المصرية التي لم تعين بها حكومته وكلاء لها، ويعرض اختياره على حكومته ~~للموافقة عليه. # وذكرت التعليمات أن «سباستياني» وقت وجوده بدمياط كان قد عين «باسيلي فخري» ~~من أثرياء المسيحيين نائب قومسيير مؤقتا، فأشارت التعليمات ببقاء باسيلي تحت ~~إشراف «لسبس» حتى يتسنى للأخير استلام هذا المنصب نفسه في دمياط، ولما كان ~~القنصل الأول ينتوي تعيين نائب قومسيير في رشيد، فقد طلب إلى «لسبس» أن يختار ~~شخصا لهذا المنصب، إذا وجد ذلك ضروريا، ويعرض هذا الاختيار ms0049 على الوزير ~~المختص للتصديق عليه. # وهكذا دلت هذه التعليمات على أن أعظم اهتمام القنصل الأول كان موجها ~~لاستعادة العلاقات التجارية مع مصر، على أنه مما تجب ملاحظته لتفهم مسلك ~~«لسبس» في أثناء قيامه بمهمته: # أولا: # أن القنصل الأول أراد أن يكون مقره بالقاهرة، فلا يمكث ~~بالإسكندرية إلا أقصر وقت ممكن. # ثانيا: # أنه مع اهتمام القنصل الأول بمسألة المماليك وسعيه ~~بواسطة سفيره «برون» في القسطنطينية من أجل حسم الخلاف ~~بينهم وبين الباب العالي؛ فقد طلب من «لسبس» عدم التدخل ~~في الخلافات السائدة بين الفريقين، وكان السبب في ذلك أن ~~القنصل الأول اعتبر مهمة «لسبس» ثم زميله «دروفتي» كذلك ~~تجارية بحتة، وجرت تقاليد الحكومة الفرنسية على الفصل بين ~~المهام التجارية والسياسية. # ثالثا: # أن هذه التعليمات دلت على أن القنصل الأول كان يجهل ما ~~يمكن أن تتمخض عنه الحوادث في مصر، شأنه في ذلك شأن سائر ~~معاصريه لهذه الحوادث، فلم يلبث أن وجد «لسبس» ثم زميله ~~وخلفه «دروفتي» أنفسهما في حاجة ملحة إلى تعليمات جديدة ~~من حكومتهما لتحديد مسلكهما وموقفهما من الحوادث التي ~~تلاحقت في إثر بعضها بعضا بسرعة عظيمة. # رابعا: # أن القنصل الأول حرص على إبقاء علاقاته الودية مع الباب ~~العالي، لا سيما وقد وقع تاليران مع السيد محمد سعيد غالب ~~أفندي السفير العثماني الجديد في باريس في 25 يونيو سنة ~~1802 (أي بعد معاهدة إميان بثلاثة شهور)، معاهدة تحالف ~~دفاعية هجومية بين الدولتين صدق عليها الباب العالي ~~في 25 أغسطس من العام نفسه، فحرص القنصل الأول على أن ~~يطلب من «لسبس» كسب ثقة مندوبي الباب العالي في مصر، وهم ~~الذين اعتقد «بونابرت» فضلا عن ذلك أنهم أصحاب السلطة ~~الفعلية في البلاد، فلم يكن ظاهرا عند صدور هذه ~~التعليمات أن الباشا العثماني «خسرو محمد» - ممثل السلطان ~~وصاحب السلطة الشرعية في مصر - محروم من كل نفوذ وسلطة ~~فعلية بها، فكان بسبب ذلك كله أن وجد «لسبس» نفسه عند ~~وصوله في موقف لا يحسد عليه وفي حيرة من أمره. # وعند وصول «لسبس» إلى الإسكندرية ms0050 في أواخر مايو سنة 1803 كان الجنرال ~~«ستيوارت» قد غادر مصر منذ مارس سنة 1803، ونحي خسرو باشا عن الولاية، وصارت ~~السلطة الفعلية في القاهرة في يد الألبانيين (الأرنئود) والبكوات المماليك، وأن البدو ~~يقطعون باعتداءاتهم المواصلات النهرية بين الإسكندرية والقاهرة، وأنه لا ~~يستطيع تنفيذ ذلك القسم من تعليماته الذي يطلب إليه الذهاب فورا إلى ~~القاهرة مقر ممثلي الباب العالي صاحب السيادة الشرعية على البلاد، والذين ~~اعتقد القنصل الأول خطأ أنهم أصحاب السلطة الفعلية بها، فكتب «لسبس» من ~~الإسكندرية إلى الجنرال «برون» في 9 يونيو سنة 1803 يشرح له «المركز الدقيق» ~~الذي وجد فيه نفسه بسبب العقبات التي تحول دون ذهابه إلى القاهرة، وأثار ~~«لسبس» في هذه الرسالة موضوعا يتصل بجوهر تعليماته هو في إغضاب مندوبي الباب ~~العالي إذا ذهب إلى القاهرة، وأصر أصحاب السلطة الفعلية بها، الذين ذكر «لسبس» ~~أنهم الأرنئود والبكوات المماليك، على أن يقوم بوظائفه في القاهرة بصفته ~~الرسمية؛ أي نائب قومسيير للشئون التجارية للحكومة الفرنسية؛ ولذلك طلب «لسبس» ~~تعليمات جديدة من حكومته، ثم لم يلبث أن كتب في اليوم التالي: «إن طاهر باشا ~~الذي يتزعم حوالي الثمانية أو العشرة آلاف جندي ألباني بالقرب من القاهرة؛ قد ~~أعلن فجأة عداءه لخسرو باشا وطرده من القاهرة.» وقال «لسبس» إنه يخشى أن ~~يكون للإنجليز يد فيما حدث. # وكانت هذه الحوادث التي ذكرها «لسبس» قد وقعت في أثناء شهر مايو، وتأخر ~~وصول أخبارها إلى الإسكندرية كما هو ظاهر بسبب قطع المواصلات في النهر ~~بينها وبين القاهرة - كما سبقت الإشارة إليه - ولذلك ففي الوقت الذي بعث فيه ~~«لسبس» رسالته الأخيرة بتاريخ 10 يونيو، لم يكن خسرو باشا قد طرد من ~~القاهرة، وأعلنت قائمقامية طاهر باشا في القاهرة فحسب، بل وكان الإنكشارية ~~قد ثاروا على طاهر باشا وقتلوه في 25 مايو سنة 1803، وحاول الإنكشارية تنصيب ~~أحمد باشا (والي جدة والمدينة) وأخفقوا في مسعاهم، وطرد أحمد باشا بدوره من ~~القاهرة، واستأثر بالسيطرة والنفوذ بها محمد علي والبكوات المماليك «إبراهيم ~~والبرديسي»، وتهيأ محمد علي والبرديسي لمطاردة ms0051 خسرو باشا والزحف على دمياط ~~لقتاله. # وعلى ذلك فإنه ما بلغت «لسبس» معلومات أوفى عن مجريات الأمور، حتى بعث يذكر ~~للجنرال «برون» في القسطنطينية في 12 يونيو «أن الأخبار التي وصلته أمس تقول ~~إن الهدوء والسلام مستتبان في القاهرة بفضل مسلك وتدابير البكوات الحكيمة»، ~~وأما دمياط التي كانت التعليمات قد طلبت إليه الذهاب إليها قبل المضي في طريقه ~~إلى القاهرة، فقد كتب «لسبس» في نفس هذه الرسالة: «إن الأرنئود يحاصرونها ~~ونجحوا في الاستيلاء على مواقع الدفاع الأمامية عنها، كما استولوا على مدفعين ~~وعلى سفينتين من سفن المدفعية في النيل»؛ أي إنه يتعذر عليه كذلك الذهاب إلى ~~دمياط. # وفي هذه الظروف إذن بقي «لسبس» في الإسكندرية، وصرف وقته في جمع المعلومات ~~ومراقبة الحوادث، واهتم أكثر ما اهتم بملاحظة نشاط الوكلاء الإنجليز من ~~ناحية، ومعرفة غايات البكوات المماليك ورغائبهم والصلات القائمة بين الوكلاء ~~الإنجليز وبينهم، وقد تبين له أن الإنجليز يولون المماليك حمايتهم ويبذلون ~~قصارى جهدهم لكسبهم حتى يجعلوا من مصر ميدانا لتصريف تجارتهم، وبلدا تخضع ~~حياته التجارية لنشاط الإنجليز التجاري، وذلك بإنشاء الحكومة التي ~~تمكنهم من بلوغ هذه الغاية، وهم يعتمدون في ذلك على نفوذهم السياسي وعلى ~~مؤامراتهم حتى يفوز البكوات المماليك صنائعهم بالسلطة العليا والحكومة في مصر، ~~ويتعارض ذلك كله - كما رأى لسبس - مع مصالح فرنسا التجارية. وأما البكوات ~~فكانوا يسعون لاسترجاع سلطتهم السابقة، ويجتمع إبراهيم بك مع الرسل الذين قال ~~لسبس إن الباب العالي كان يوفدهم لمقابلة إبراهيم، كما صار إبراهيم بك ينهج ~~طريق «مراعاة الخواطر كثيرا» مع الباب العالي؛ الأمر الذي جعل لسبس يعتقد بسير ~~المفاوضات بين الفريقين بنشاط وهمة كبيرة، وأنها قد تنتهي في صالح البكوات، ~~ينهض في رأيه دليلا على ذلك أن الباب العالي صار يبطئ في إرسال النجدات إلى ~~مصر لتأييد سلطة باشا القاهرة، بعد أن وصلت عمارة عثمانية صغيرة إلى الإسكندرية ~~من أربع فرقاطات. # وكان من رأي «لسبس» أن البكوات يريدون الوصول إلى السلطة والحكم، سواء عن ~~طريق الاتفاق مع الباب العالي وإبرام المعاهدات ms0052 معه، أو الانتقاض على تركيا ~~واللجوء إلى القوة والحرب السافرة لتحقيق هذه الغاية، مع الاحتفاظ في كل ~~الحالات بالتبعية لصاحب السيادة الشرعية، ودفع الخراج السنوي، والقيام ~~بالالتزامات الأخرى نحوه على غرار ما حدث في الماضي. واعتقد «لسبس» أنه في ~~استطاعة البكوات الظفر بحكومة القاهرة إن لم يكن بحكومة مصر بأسرها؛ لأنهم ~~يحتلون القلاع والمراكز الرئيسية في داخل القطر؛ مما يحفظ لهم التفوق على ~~الأتراك دائما. # ولكنه اتضح ل «ماثيو لسبس» أن هؤلاء البكوات أنفسهم يعتقدون - كما قال في ~~كتابه إلى حكومته في 20 يونيو سنة 1803 - «أنهم لا يصبحون حقا أصحاب ~~السلطة في مصر وسادتها إلا إذا وافق القنصل الأول واعتمد ما قد يتم من ترتيبات ~~في صالحهم؛ لأنهم يعرفون قوة القنصل الأول وسلطانه ونشاطه، وهم الذين شهدوه عن ~~كثب، وتعودوا الخوف منه واحترامه.» # ولما كان لسبس مقيدا بتعليماته التي قصرت نشاطه على رعاية المصالح التجارية ~~الفرنسية، وأوصته بكسب ثقة واحترام ممثلي الباب العالي الشرعيين في البلاد، ~~وأزعجه ما شاهده من نشاط الوكلاء الإنجليز مع البكوات، واعتقد أن الأخيرين ~~يطلبون صداقة فرنسا ومساعدتها، وهم في رأيه - كما قدمنا - الذين كان من ~~المنتظر أن تصبح لهم السلطة والحكومة الفعلية في مصر، فقد عز لذلك كله ~~على المندوب التجاري الفرنسي أن يمتنع عن مصارحة حكومته برأيه، فقال إن ~~الفكرة أو الاعتقاد الذي يجعل المماليك يطلبون في واقع الأمر وساطة القنصل ~~الأول ومساعدته لهم «إنما هي فكرة مفيدة لنا، وقد تكفي وحدها لإحباط مشاريع ~~الإنجليز.» ثم استدرك فقال: «ولو أن ما يذكره لا يعدو أن يكون مجرد ملاحظة ~~فحسب تبعا ل «نص تعليماته»، ولكنه يرى من واجبه أن يحيط «تاليران» وزير الخارجية ~~علما بأن كل ما شاهده يحمله على الاعتقاد بأن المماليك سوف يقابلون بنهم زائد ~~كل مفاتحة «في موضوع مساعدتهم» قد تأتيهم من جانب الحكومة الفرنسية.» # وكان في أثناء وجود «لسبس» بالإسكندرية أن وصله من عثمان البرديسي من ~~القاهرة كتاب يظهر فيه صداقته للحكومة الفرنسية، ويدعو «لسبس» للمجيء إلى ~~القاهرة والإقامة بها، ms0053 وصار لسبس في حيرة من أمره؛ لأن «الحكومة» القائمة ~~بالقاهرة وقتئذ بزعامة إبراهيم والبرديسي ومحمد علي لم تكن «حكومة» شرعية، وكان ~~«الباشا» العثماني خسرو هاربا من القاهرة، بينما كان «ضباط أو مندوبو الباب ~~العالي» الشرعيون يمثلهم في هذه الظروف أحمد خورشيد حاكم الإسكندرية، ويجب على ~~لسبس بمقتضى تعليماته أن يحصر اتصالاته مع مندوبي الباب العالي، بل ويجب عليه ~~كذلك «عدم التدخل» في أية نزاعات قد تقوم بين هؤلاء الأخيرين، وبين البكوات ~~المماليك وغيرهم ممن قد ينازعونهم السلطة كالجند الأرنئود الذين صار زعيمهم ~~محمد علي متضامنا مع البكوات في إقامة «حكومة» القاهرة غير القانونية. # يقابل ذلك كله أن هذه «الحكومة القاهرية غير القانونية كانت السلطات القائمة» ~~فعلا، وقد نصت التعليمات على وجوب مقابلته ل «السلطات القائمة» بالقاهرة ليؤكد ~~إخلاص وصدق نوايا حكومته لها، فصح عزم «لسبس» على الذهاب إلى القاهرة بعد أن ~~جاءته دعوة البرديسي، وبخاصة لأنه «حسب الأوضاع القائمة قد ينجم تعريض ~~الفرنسيين للخطر وإيذاء مصالحهم التجارية، إذا هو أغضب الحزب الذي يحكم القاهرة ~~يقينا، والذي من المحتمل أن يصبح صاحب السلطان على مصر بأسرها»، وعلاوة على ~~ذلك فقد كان من رأي «لسبس » إذا هو أهمل الجواب على كتاب البرديسي فقد فرصة ~~استمالة البكوات إلى جانب فرنسا وتعطيل نشاط الوكلاء الإنجليز؛ ~~وعلى ذلك فقد وجد من حسن السياسة، وتمشيا مع تعليماته التي أوصته بكسب ثقة ~~واحترام مندوبي الباب العالي وممثلي صاحب السلطان الشرعي في البلاد، أن يطلع ~~أحمد خورشيد على كتاب البرديسي، وأن يستشيره في أمره مؤملا إقناع خورشيد بفضل ~~ما يظهره له من «ثقة» ينم عليها اطلاعه على الرسالة بتمكينه من السفر إلى ~~القاهرة. # وعندئذ طلب «لسبس» أن يجتمع سرا بخورشيد باشا، وأطلعه على «جزء» من كتاب ~~البرديسي، راجيا منه الكتمان والسرية، وسأله رأيه في الجواب عليه، «فأظهر ~~الباشا تأثره من هذه الثقة» التي وضعها المندوب التجاري الفرنسي في شخصه، وأشار ~~عليه بأن يجيب على رسالة البرديسي بعبارات الملاطفة والمسايرة فحسب؛ لأن ~~«لسبس» - كما قال خورشيد - لا يجب أن ms0054 يغيب عن ذهنه «أن المماليك أعداء الباب ~~العالي حليف فرنسا، ولا يجب أن يكون لأحد أية علاقات وثيقة معهم»، وحاول ~~«لسبس» أن يظفر من خورشيد - بناء على هذه «الثقة» التي توهم أن خورشيد باشا صار ~~يقدرها حق قدرها - بإجازة السفر له إلى القاهرة، ولكن خورشيد رفض، بل استطاع ~~أن يفهم محدثه أنه لن يتوانى عن استخدام كل وسيلة لمنع «لسبس» من السفر، ~~وكان في استطاعة خورشيد أن يفعل ذلك؛ لأن «براءة» اعتماد الباب العالي ل «ماثيو ~~لسبس» التي تخوله مباشرة مهام وظيفته لم تكن قد جاءته بعد، ولأن خورشيد اعترض ~~على إقامة «لسبس» بالقاهرة «بالقرب ممن سماهم عصاة» ثائرين على الباب العالي، ~~واضطر «لسبس» إزاء ذلك إلى التصريح بأنه لا رغبة له بتاتا في الذهاب إلى ~~القاهرة، وأجاب على رسالة البرديسي بعبارات ملؤها الأدب والود، منتحلا في ~~الوقت نفسه مختلف الأعذار عن تأخره بالإسكندرية. # وارتكب «لسبس» خطأ كبيرا ب «كشف» البرديسي الذي يسعى لكسب صداقة حكومته وخيانة ~~ثقته به، واعتقد أن في وسعه تبرير هذا المسلك الشائن إذا ادعى - على نحو ما كتب ~~إلى «تاليران» في 20 يونيو 1803 - أنه خشي أن تكون الرغبة في جس نبض الحكومة ~~الفرنسية هي التي جعلت البرديسي يدعوه للحضور إلى القاهرة، أو أن يكون في عزم ~~البرديسي «حمله على إتيان شيء قد يكون موضع استنكار حكومته فيما بعد، فضلا عن ~~أنه كان يخشى إذا علمت الحكومة العثمانية استلامه هذا الكتاب - وهي التي لا ~~يمكن أن تجهل ذلك - أن يسيئها استلامه له، وأن تخرج بسبب ذلك إلى نتائج غير ~~حميدة»، بينما هو إذا أطلع مندوبي الباب العالي على رسالة البرديسي، استطاع «أن ~~يكسب ثقة قوات أو مندوبي السلطان العثماني، وإعطاءهم فكرة عظيمة عن نوايا «فرنسا» ~~الصريحة والموالية لهم». # ثم زادت حيرة «لسبس» عندما وصل أخيرا إلى الإسكندرية في 8 يوليو سنة 1803 ~~«علي باشا الجزائرلي» الوالي الجديد الذي اختاره الباب العالي لباشوية مصر، ~~وكان من أسباب حيرة «لسبس» أنه صار - بقدوم علي باشا - ممثلا ومندوبا ms0055 ~~شرعيا للسلطان في مصر، ولا يبدو أنه بوسع هذا الباشا العثماني الذهاب إلى ~~القاهرة لتسلم منصبه بها بسبب «الحكومة» التي أوجدها بها الحلفاء الجدد ~~محمد علي والبكوات المماليك، إلا إذا أذن له هؤلاء بالحضور إليها، وقبلوا ~~تنصيبه واليا عليهم، وكانت قواتهم في الوقت نفسه قد استولت على دمياط وبعثت ~~بخسرو محمد باشا أسيرا إلى القاهرة، وكان واضحا أن «محمد علي» والبكوات هم ~~أصحاب السلطة الفعلية، أو أن المماليك - على حد قول لسبس نفسه - «أسياد مصر ~~بأسرها ما عدا الإسكندرية»، وكان عليه حينئذ أن يختار بين الإقامة ~~بالإسكندرية، وقد باتت مقر «السلطة الرسمية»، ويقيم بها ممثل الباب العالي، ~~ويكون في هذه الحالة قد نفذ تعليمات حكومته، وبين الذهاب إلى القاهرة، مقر ~~«السلطة الفعلية» الموزعة بين محمد علي وإبراهيم والبرديسي بالاتفاق فيما بينهم ~~جميعا، وفي ذهابه إلى القاهرة مخالفة صريحة لتعليماته. # واختار «لسبس» ترك الإسكندرية إلى القاهرة، وكان «لسبس» إلى جانب هذه الحيرة، ~~في حالة نفسية سيئة على ما يبدو مبعثها خوفه من امتداد عمليات الأرنئود ~~العسكرية إلى الإسكندرية، بعد أن سقطت دمياط في أيدي محمد علي والبرديسي في 3 ~~يوليو، ولم تبلغه أية تعليمات عن الوكيل الفرنسي بدمياط «باسيلي فخري» الذي ~~نهب منزله في حادث سقوطها، ثم بعد أن صارت رشيد في يد البكوات الذين لم ~~يخلوها حتى منتصف يوليو تقريبا، وكان إخلاؤهم لها بسبب انتشار إذاعة في ~~القاهرة عن اعتزام الوهابيين الهجوم على مصر، جعلت إبراهيم بك يحشد قواته ~~بالقاهرة، وعلى ذلك فقد كان الذعر منتشرا بالإسكندرية عند وصول علي باشا ~~الجزائرلي من قدوم الأرنئود إليها من رشيد التي لم يوجد بها ماء صالح للشرب ~~أو أغذية تكفي هؤلاء، فيضطر الأرنئود والعربان للنزوح إلى الإسكندرية، أضف إلى ~~هذا أن «براءته وبراءة زميله دروفتي» لا زالت لم تصل من القسطنطينية، كما لم يصل ~~التراجمة المخصصون للعمل بالقاهرة والإسكندرية، فصح عزم «لسبس» على ترك ~~الإسكندرية. # وطلب «لسبس» مقابلة علي الجزائرلي، في نفس اليوم الذي وصل فيه، وتحدث إليه في ~~موضوع سفره إلى ms0056 القاهرة، وفي 15 يوليو كتب إلى «برون» في القسطنطينية ينقل ~~إليه ما دار بينه وبين الجزائرلي، فقال «إنه اجتمع به طويلا ويبدو له - ~~بالرغم من حذر علي باشا الجزائرلي في حديثه - أنه يميل لمناصرة الإنجليز، أو ~~يريد استخدامهم في الوساطة بينه وبين البكوات للوصول إلى اتفاق ~~معهم.» # ثم إنه عندما تحدث إليه «لسبس» في مسألة سفره إلى القاهرة، لم يلبث أن صار ~~يهول كثيرا في جسامة الأخطار التي سوف يتعرض لها، واستند علي الجزائرلي في ~~تهويله هذا على ما هو قائم من علاقات وثيقة الآن بين الإنجليز والمماليك، ~~وغرضه من ذلك منع «لسبس» بكل الوسائل من الذهاب إلى القاهرة. # ثم استطرد «لسبس» يقول «إنه أعلمه بتصميمه على الذهاب إليها دون أن يذكر له ~~أن المماليك لا يريدون إهلاكه أو إفساد أعماله، ولكنه تذرع بأسباب ~~أخرى، كرغبته في القيام بواجبه وحماية الفرنسيين الموجودين بها، فوافق «علي ~~الجزائرلي»، ولو أنه قال «إنه يعرف أن وجود «لسبس» بالقاهرة لا يمكن أن يفيد ~~لا أطماع دولته ولا صالح حكومة علي باشا نفسه».» # ويبدو أن «علي الجزائرلي» ظل ممانعا في سفر «لسبس» إلى القاهرة، كما فعل ~~خورشيد من قبل، وساعد قطع المواصلات بين القاهرة والإسكندرية - بسبب انسحاب ~~المماليك من رشيد في طريقهم إلى القاهرة - على تعطيل «لسبس» الذي خشي كذلك أن ~~يجد نفسه إذا هو غادر الإسكندرية في هذه الظروف وسط بعض المناوشات أو المعارك، ~~ولو أنه كان أكثر خوفا من دخول الأرنئود والمماليك إلى الإسكندرية في وقت ~~كان حلفاء القاهرة «محمد علي - إبراهيم - البرديسي» يستعدون للزحف عليها ~~وحصارها. # وعلى ذلك فقد تريث «لسبس» حتى علم أن الطريق قد صار مؤمنا، فخشي من ضياع ~~الفرصة، وراح يلح من جديد على «علي الجزائرلي» حتى يسمح له بالسفر، ولم يجد ~~في هذه المرة وسيلة أفضل من «التشاور معه في مسألة العقبة الوحيدة التي كان ~~يثيرها لمنعه من السفر، وهي تعرضه للأخطار»، وظفر منه «لسبس» بجواز ~~سفر، فغادر الإسكندرية في 24 يوليو 1803، ولكنه ما لبث أن علم بأن ms0057 «علي ~~الجزائرلي» كتب إلى البكوات بالقاهرة حتى لا يقابلوه، وأنذرهم بأنهم إذا رحبوا ~~به أثاروا عليهم غضب الباب العالي «وعدم رضا دولة أخرى لم يذكرها»، فدهش ~~«لسبس» وكان من حقه أن يدهش. # ذلك بأن «لسبس» ارتكب في مقابلته هذه مع الجزائرلي نفس الخطأ الذي ارتكبه عند ~~محاولته التأثير على «أحمد خورشيد» لتسهيل حصوله على جواز للسفر إلى القاهرة، ~~فقد حدث أن صار البرديسي يلح في طلب مقابلته بعد أن بعث إليه رسالته، وتردد ~~«لسبس» طويلا خوفا من إثارة غضب «علي الجزائرلي»، ولكنه اقتنع أخيرا ~~بمقابلته صونا للمصالح الفرنسية، فاجتمع به سرا وتحدث البرديسي بصراحة عن ~~آماله ومشروعاته، وعن كراهيته للإنجليز وصداقته لفرنسا، فرأى «لسبس» في ~~«مشاورته» مع علي باشا لإزالة «العقبة» التي أثارها الأخير دائما لمنعه من السفر؛ ~~أن ينقل إليه كل ما تحدث به البرديسي. # ومع أن «لسبس» تذرع بحجج كثيرة في رسالته التي كتبها في القاهرة في 19 أغسطس إلى «تاليران»، ينقل إليه خبر حصوله على جواز سفر إلى القاهرة من «علي ~~باشا»، فإنه لم يذكر شيئا عن هذه الخيانة الجديدة للعهد مع المماليك. # ولكن المؤرخين الفرنسيين أنفسهم يؤكدون هذه الخيانة؛ فقد قال أصحاب ~~التاريخ العلمي والعسكري للحملة الفرنسية في مصر (المجلد التاسع)، إنه بعد ~~مقابلة البرديسي لماثيو لسبس التي ذكرناها، «إن لسبس نسي الواجب الذي تفرضه ~~عليه فرضا ثقة «البرديسي» المطلقة به، فلم ير ما يمنعه من طلب مقابلة سرية مع ~~الوالي «علي الجزائرلي» في اليوم التالي، وأبلغه كل تفاصيل ما دار بينه وبين ~~الزعيم المملوكي، فألح الإنجليز في ضرورة استبقاء «لسبس» في الإسكندرية، وكان ~~غرض «لسبس» من هذه الخطوة أن يحصل بسرعة على جواز المرور الذي كان قد ظل ~~يطلبه من مدة طويلة للسفر إلى القاهرة. حقيقة انتهى الأمر ب «علي الجزائرلي» ~~بإعطائه هذا الجواز، ولكنه حرص في الوقت نفسه على الكتابة إلى البكوات يطلب ~~منهم منع «لسبس» من الوصول إلى القاهرة حتى لا يجلبوا عليهم سخط الباب ~~العالي وبريطانيا العظمى.» # وقد قابل «لسبس» في طريقه ms0058 إلى القاهرة عثمان بك البرديسي في بلدة «فوة» ~~واجتمع به، وذكر «لسبس» في رسالته السالفة الذكر إلى تاليران «أنه تبين له أن ~~البرديسي أمين في ولائه للفرنسيين، ومتذمر من الإنجليز، ولكنه لا يستطيع ~~الجهر بعدائه لهم إلا إذا وقف على حقيقة نوايا القنصل الأول.» # وعند وصول «لسبس» إلى القاهرة قوبل - على حد قوله - بترحيب عظيم، وأرسل إليه ~~إبراهيم بك يطلب الاجتماع به سرا، وتم هذا الاجتماع في بيت إبراهيم بك في 7 ~~أغسطس، فقال له إبراهيم بك: «إن الفرنسيين تسببوا في إيذاء المماليك وأفقدوهم ~~سلطانهم، وغادروا مصر دون أن يفعلوا شيئا لتمكين البكوات من استرجاع نفوذهم ~~وسلطتهم، ولم يجيبوا بشيء على مقترحات وكلاء البكوات الذين لم يطلبوا سوى ~~مؤازرة من كانوا بالأمس أعداءهم، فقد حارب البكوات وتمسكوا بمعاهدة مراد بك مع ~~«كليبر»، وإذا كان البكوات الآن غير متحدين فإنما ذلك خطؤهم هم وحدهم، وقد ~~كلفهم قصر نظرهم هذا ثمنا غاليا، ولقد عرفوا الآن حقيقة الإنجليز ~~والعثمانلي، وخدعهم الإنجليز بوعودهم الخلابة، ولا غرض لهم سوى صرف البكوات عن ~~صداقة ومحبة الفرنسيين، ولكنهم يعرفون مصالحهم، وهم (أي البكوات) لا يريدون ~~رئيسا لهم وحاميا سوى السلطان العظيم بونابرت.» # ورجا إبراهيم بك «لسبس» أن يوفد رسولا يثق به إلى فرنسا؛ «لأن كل خطابات ~~البكوات التي أرسلوها إلى فرنسا لم تصل، وهم لا يعرفون لذلك نوايا القنصل الأول ~~أو ما يريده منهم، وطلب إبراهيم أن يبلغ هذا الرسول «بونابرت» أنهم على ~~استعداد لقبول أية حلول قد يراها، فإذا شاء إعطاءهم الشام تركوا له مصر وقاموا ~~هم بفتح الشام، وإذا شاء بقاءهم بالقاهرة كما كانوا سابقا في نظير دفع الميري ~~للسلطان كانوا طوع إرادته، وإذا شاء أن يعودوا إلى الصعيد أجابوه إلى ذلك ~~أيضا، وإذا شاء أن يساعدهم سرا ودون أن تفسد علاقته بالباب العالي قبلوا ~~مساعدته ونصحه وإرشاداته، وإذا شاء جهرا أن يستقلوا حاربوا من أجله ومعه ~~وهم واثقون من النصر، وأخيرا إذا فرض عليهم «بونابرت» شروطا فهم يطيعون كل ~~ما يمليه عليهم.» # وكثر اجتماع ms0059 «لسبس» بالبكوات في القاهرة، وتردد البكوات «أصدقاء» فرنسا عليه، ~~وكان من هؤلاء الأخيرين «حسين بك الزنطاوي»، وهو يوناني الأصل كسب ثقة عثمان ~~البرديسي رئيس المرادية، وأخفقت مساعي الوكيل الإنجليزي «مسيت» # Missett # في استمالته، فنصب نفسه لمقاومة ~~مساعي الإنجليز مع البكوات، ويبدو أنه كان صاحب الفضل في استمالة جماعة ~~البرديسي إلى فرنسا؛ لما كان يؤمله اليونانيون وقتئذ من تحرير بلادهم على يد ~~بونابرت، واسترعى نظر الوكيل الإنجليزي بالقاهرة ما شهده من ترحيب البكوات ~~بخصمه الفرنسي وتردد المماليك عليه واجتماع رؤسائهم به، فكتب «مسيت» إلى ~~حكومته في 25 أغسطس بأن هناك ما يدعو للاعتقاد «أن تعليمات القنصل الفرنسي ~~ليست مقصورة على حماية التجارة «الفرنسية»، بل وهناك من القرائن ما يدعوه لتصديق ~~أقوال أذيعت قبل رحيل الجيش البريطاني من الإسكندرية تفيد أن البكوات قدموا ~~طلبا إلى فرنسا يطلبون حمايتها»، وكان «مسيت» قد كلف قبل ذلك في 8 أغسطس إلى ~~نائب القنصل الإنجليزي في رشيد «بتروتشي» Petrucci ~~(أو البطروشي أو بطروش كما سماه الجبرتي) ~~أن يتصل بعثمان بك البرديسي وقت وجوده بتلك الجهة، حتى يقف منه على حقيقة ~~نواياه وأن يصرفه عن صداقة الفرنسيين. # ولكن ترحيب البكوات بالمندوب أو «القنصل» الفرنسي، وحسن معاملتهم له ما لبثت ~~أن تغيرت في الشهور التالية، وأما سبب تغير مسلك البكوات معه فهو وقوفهم - ~~على ما يبدو - على «خيانة» لسبس و«كشفه» لهم مع الجزائرلي، وقد شكا «لسبس» من مسلك ~~البكوات معه ومع المحميين الفرنسيين في القاهرة. # ولا شك في أن خيانة «لسبس» لثقة البكوات به كانت خطأ جسيما - كما ذكرنا - بل ~~إن «تاليران» وزير خارجية حكومته ما لبث أن وجه إليه اللوم الشديد عندما علم ~~بما فعله، فكتب إليه في 26 سبتمبر أنه أخطأ في إطلاع «علي الجزائرلي» على ~~كتاب عثمان بك، ولما كان تاليران يعتقد أنه ما زال بالإسكندرية، فقد أبلغه ~~إرادة القنصل الأول الذي يطلب منه الإسراع بالذهاب إلى القاهرة. وأما القنصل ~~الأول فقد ثارت ثائرته عندما بلغه ما فعله «لسبس»، فكتب إلى تاليران في 24 ~~نوفمبر ms0060 أن يبلغ «لسبس» «أنه كان مخطئا عندما أطلع باشا القاهرة (علي باشا ~~الجزائرلي) على خطاب المماليك (عثمان البرديسي)، وأنه يجب عليه أن يرسل إلى ~~فرنسا كل ما قد يعرضه عليه البكوات بعد ذلك، من غير أن يخبر الأتراك بشيء من ~~ذلك.» # وقد ظهر تغير البكوات من ناحيته، عندما فرضت «حكومة القاهرة» في أغسطس إتاوات ~~شديدة على المسيحيين دون استثناء المحميين الفرنسيين، الذين تعفيهم فرمانات ~~الباب العالي - أو الامتيازات - من هذه الإتاوات والمغارم، وتدخل «لسبس» ~~لإعفاء هؤلاء والمحميين التابعين للسويد، والذين لم يكن لهم قنصل بالقاهرة، كما ~~نجح في تخفيف الإتاوات على سائر المسيحيين، وانتهز هذه الفرصة حتى يبلغ ~~إبراهيم بك أنه يعده هو وعثمان البرديسي - الذي كان مع محمد علي بدمنهور وقتئذ ~~استعدادا للزحف على الإسكندرية وحصارها - مسئولين عن أمن الفرنسيين بها عند ~~سقوطها، وطلب إلى إبراهيم أن يصدر «أوامر» صريحة بذلك إلى البرديسي، كما أبدى ~~اهتمامه بصالح وكيل الجمهورية الفرنسية بدمياط «باسيلي فخري» وتعويضه عما ناله ~~من أضرار وقت سقوط دمياط. # وأساء البكوات عموما تمسك «لسبس» بالفرمان - أو الامتيازات - وعندما فرض ~~البكوات في أكتوبر «قرضا» على المسيحيين، لم يفلح «لسبس» هذه المرة في إعفاء ~~«الرعايا» الفرنسيين منه فدفعوا نصيبهم منه، وشكا من عثمان بك الذي وصفه بأنه ~~«رجل أهواء وظالم»، وكان «لسبس» قد أبلغ حكومته عن تقرير هذا القرض وقدره 200 ~~كيس منذ 20 سبتمبر، وقال إنه لم يجد مناصا من قبول «الرعايا» الفرنسيين لدفع ~~نصيبهم منه؛ تفاديا للمخاطر التي قال البكوات: «إن هؤلاء والمسيحيين عموما ~~سوف يعرضون أنفسهم لها إذا امتنعوا عن الدفع.» فقبلوا الدفع أو إقراض «الحكومة» ~~بضمانة الميري «خوفا مما يلحق من أذى بالرعايا الفرنسيين وبالراية ~~الفرنسية.» # وحاول «لسبس» استرضاء عثمان البرديسي منذ عودته إلى القاهرة في 20 سبتمبر، ~~فهنأه على سلامة العودة وبعث إليه بالهدايا كسائر الوكلاء، وطلب مقابلته، ~~ولكنه انتظر أياما كثيرة حتى نفد صبره، وأراد الاتصال بإبراهيم بك «شيخ البلد» ~~للبحث معه في المصالح الفرنسية، ولكن هذا الأخير أحاله دائما على البرديسي، ~~فلم ms0061 يجد «لسبس» مناصا من أن يبعث إليه بترجمانه، وتردد هذا الأخير في شهر ~~أكتوبر مرات كثيرة على البرديسي دون طائل، ولما ذكر له الترجمان بناء على أمر ~~«لسبس» أن هناك معاهدات (امتيازات) قائمة بين الباب العالي وفرنسا، كان جواب ~~البرديسي: «وهل عقدتم معاهدات معي؟ فإني لا أعتقد بغير المعاهدات المعقودة ~~معي، لقد سلبتمونا «سلطاتنا»، وطردتمونا «من القاهرة ومن الحكم»، وذلك هو كل ما نحن ~~مدينون لكم به.» وعندئذ هدد لسبس بمغادرة القاهرة حالا إذا كان البكوات لا ~~يعتبرون فرنسا صديقة لهم، فأكد له البرديسي عندئذ صداقته لفرنسا وصداقته ~~الشخصية له، وادعى أن المرض وحده هو الذي جعله شديدا في كلامه. # ولكن الواقع - كما أشرنا - أن لسبس قد فقد مركزه مع البكوات المماليك، وشعر ~~بامتهان هؤلاء له، ومنذ 20 سبتمبر صار يكتب لحكومته حتى تنقله من القاهرة ~~للعمل في أي ميناء أو مكان آخر في أوروبا متعللا بمرضه وسوء صحته حتى قبل ~~مغادرته باريس، وبحرارة الجو المحرق في مصر وحاجته إلى العلاج وإلا أهلكه ~~المرض، ويطلب عرض مسألته على القنصل الأول، وفي 24 أكتوبر شكا ل «تاليران» من ~~سوء معاملة البرديسي له الذي رفض الاجتماع به بينما هو يقابل الوكيلين؛ ~~النمساوي «روشتي» والإنجليزي «مسيت»، ويجتمع الأخير على وجه الخصوص برؤساء ~~«الحكومة» المملوكية، وينال التجار البريطانيون في رشيد كل التزامات الاحتكارات، ~~وينعمون بمزايا «الامتيازات» وحدهم، ويبغي «روشتي» السيطرة على تجارة البلاد ~~وحده، حتى إن «لسبس» شكا هذه الحالة للست نفيسة المرادية، فقابله في اليوم ~~التالي لزيارته لها عثمان البرديسي في بيته ورحب به، وشكا له بدوره من عدم ~~وصول جواب من بونابرت على رسائله له، وفي 3 نوفمبر شكا «لسبس» لزميله ~~«دروفتي» بالإسكندرية من بقائه بالقاهرة مهددا بالقتل والنهب على أيدي القتلة ~~المهيجين في الوقت الذي لا يستطيع فيه أن يفعل شيئا في مسألة «الامتيازات» ~~ورعاية المصالح التجارية الفرنسية، وشكا له من البكوات الذين أعلنوه أنهم لا ~~يعترفون بالامتيازات التي يتكلم عنها، وقال «لسبس» مهتما إنه «لا يجد نفسه ~~سعيدا في وكر ms0062 اللصوص هذا الذي يتظاهرون فيه بالحيدة الكاذبة والمزيفة، بينما ~~هم جميعا قد باعوا أنفسهم للإنجليز». وفي 22 نوفمبر أخطر «دروفتي» أنه يفكر ~~في مغادرة القاهرة وما عاد يمكنه البقاء بها، ويظن أن بوسعه الالتجاء إلى ~~«علي باشا الجزائرلي» بالإسكندرية، ويوصي دروفتي بملاطفته وملاينته. # ومنذ 28 أكتوبر كتب «مسيت» أن لسبس قد لقي من البكوات في القاهرة معاملة ~~غير تلك التي يتوقعها، حتى إنه طلب فعلا من حكومته أن تبعث في استدعائه من ~~مصر، وحتى إنه قال ذات مرة عندما نفد صبره بسبب إهمال البكوات له «إنه من ~~المتعذر تماما تفسير مسلك هؤلاء معه بعد كل تلك الخطابات التي كتبوها للقنصل ~~الأول، والتي قرأها «لسبس» نفسه، والتي قالوا فيها إنهم جنوده، وإنه والدهم، ~~وإنهم يرجونه ألا يتركهم أبدا»، ثم أضاف: «إن مسلك حسين بك الزنطاوي لا يقل ~~في غرابته عن مسلك الآخرين؛ لأنه عند وصول «لسبس» القاهرة قال له إنه جعله يمر ~~بطريق يمكنه من السير تحت نوافذ بيت القنصل الإنجليزي، حتى يعرف هذا الأخير مدى ~~تعلق الناس ومحبتهم لفرنسا، واليوم يرفض حسين بك الزنطاوي السماح ل «ماثيو ~~لسبس» بشراء بعض القمح لحاجته الخاصة.» # وبقي «لسبس» بالقاهرة على مضض، ووقعت - وهو لا يزال بها - حوادث قتل علي ~~باشا الجزائرلي في يناير سنة 1804، وإعلان «قائمقامية» إبراهيم بك في ~~القاهرة، وخشي «لسبس» على حياته بسبب الاضطرابات التي وقعت في القاهرة وقتئذ ~~نتيجة لاصطدام «الأرنئود وزعيمهم محمد علي» مع البكوات البرديسي وإبراهيم بك، ~~وانهيار المحالفة التي كانت بين هؤلاء البكوات ومحمد علي لأسباب سوف يأتي ~~ذكرها في حينه. # وفي أثناء هذه الاضطرابات التي بدأت من أواخر يناير واستمرت طيلة شهر فبراير، ~~صمم «لسبس» على مغادرة القاهرة، ولكن البكوات حاولوا منعه، فبعث إليه حسين بك ~~الزنطاوي حتى يصرفه عن عزمه. # وكان في أثناء هذه الاضطرابات أن خطا محمد علي خطوته العملية والإيجابية ~~الأولى لاستمالة الوكلاء الفرنسيين وكسب ثقتهم، فأخبره - بعد أن طلب منه ~~الكتمان والسرية - «أن جميع الأرنئود يريدون مرتباتهم، وأنهم بمجرد حصولهم على ~~بعض ms0063 المال سوف يقومون بحركة جليلة تكسبهم رضاء الباب العالي عليهم ثانية، ~~وتقضي قضاء مبرما على المماليك.» # وعندما تحرجت الأمور في القاهرة منذ 27 يناير، أسرع التجار الأوروبيون ~~الذين بقوا في القاهرة بمغادرتها إلى الإسكندرية، فبعث محمد علي والزعماء ~~الأرنئود إلى «لسبس» أنهم عاجزون عن توجيه الجند الأرنئود وإرشادهم، وليسوا ~~لذلك مسئولين عن فعالهم، وأن انفجار العاصمة على وشك الوقوع في أية لحظة؛ ~~ولذلك فهم - لصداقتهم له - ينصحونه بالذهاب إلى الإسكندرية، وأعطاه محمد علي ~~كتاب توصية لسلامته في أثناء رحلته، معنونا باسم عمر بك في رشيد، وهو من ~~رؤساء الأرنئود وصديق لمحمد علي، وصديق كذلك - على حد قول لسبس - لفرنسا، ~~فغادر «لسبس» القاهرة وبيده كتاب محمد علي، فرحب به عمر بك في رشيد، واستطاع ~~الدخول إلى الإسكندرية بسلام في 4 مارس سنة 1804، وفي اليوم التالي كتب يطلب ~~تعليمات من حكومته. # وتمسك محمد علي برغبته في توثيق أواصر العلاقات الودية مع الوكيل الفرنسي، ~~وظهر حرصه على إرضائه عندما طلب من جوهري من رعايا أو محميي فرنسا يدعى ~~«سيبي # Siepie ~~» مبلغا عظيما من المال ~~بعد حوادث طرد البكوات من القاهرة، بدعوى أن لديه مجوهرات ونقود عثمان ~~البرديسي وحسين الزنطاوي، وحصل الاتفاق بين محمد علي وبين سكرتير القومسييرية ~~الفرنسية بالقاهرة - وهو من أقرباء «لسبس»، طلب أن يصطحبه معه إلى القاهرة وأذن ~~بذلك القنصل الأول، وحضر مع «لسبس» - على أن يدفع «سيبي» مبلغا من المال، ~~وبعث محمد علي جنديين إلى مقر القنصلية العامة يأمرهما بعدم مغادرة المكان حتى ~~يظفرا بالمبلغ، فتدخل «لسبس» من الإسكندرية، وانتهت المسألة، وكتب لسبس إلى ~~حكومته في أول أبريل تعليقا على هذا الحادث: إن «محمد علي» بالرغم مما حدث ~~«يبدو له مخلصا كل إخلاص ممكن لفرنسا، وإن هذا الحادث إنما يدل على حقيقة ~~واحدة؛ هي أنه يسترشد في أعماله ونشاطه بمبدأ رئيسي هو المصلحة أو النفع ~~الذاتي.» ثم عاد فكتب من الإسكندرية في 10 أبريل «إن «محمد علي» قد أعطاه كل ~~الترضية اللازمة والممكنة، وإنه أعلن في حضور الفرنسيين الذين تركهم ms0064 «لسبس» في ~~القاهرة، وفي حضور الزعماء والضباط، أن قطع العلاقات الطيبة والتفاهم مع ~~الفرنسيين يزعجه إزعاجا كبيرا، وأنه يكن دائما الود والاحترام لشخص القنصل ~~الأول وللأمة الفرنسية، ويقدر شخص لسبس.» وقد بعث لسبس بكتاب محمد علي إليه ~~إلى حكومته، وفي أواخر مايو أرسل إليه محمد علي يؤكد له مرة أخرى أن في وسع ~~القنصل الأول الاعتماد عليه وعلى جماعته، وأنه علم بفعال «بونابرت» العظيمة، ~~ويكلف «لسبس» أن ينقل إليه ما يشعر به من إعجاب عظيم بشخص القنصل ~~الأول. # وحضر «لسبس» عهدا من حكومة خورشيد باشا بالإسكندرية، وحصل منه على وعود طيبة ~~باحترام «الامتيازات» وعدم إيذاء المحميين أو الرعايا الفرنسيين بها، وتدخل ~~«لسبس» حتى يعيد خورشيد إلى هؤلاء الأموال التي اغتصبها منهم باسم «القروض» ~~وأعادها خورشيد فعلا، وشهد «لسبس» ذهاب خورشيد إلى القاهرة وتوليه الباشوية ~~بها، وظل يرسل إلى حكومته كل ما وقف عليه من معلومات عن الحوادث التي وقعت ~~بالقاهرة بعد طرد البكوات منها، إلى وقت المناداة بخورشيد باشا واليا على ~~مصر، ثم ما وقع من حوادث بين المماليك والباشا العثماني. وقد عاد من ~~الإسكندرية إلى القاهرة حسب تعليمات بونابرت، لكنه لم يمكث بها إلا قليلا ~~فارتحل إلى الإسكندرية في يوليو، وكان الإمبراطور نابليون قد أمر بإعطائه ~~إجازة للعودة إلى فرنسا منذ 7 يوليو سنة 1804، وكان آخر نشاط له أن استقدم ~~من القاهرة إلى الإسكندرية جميع الفرنسيين الذين كانوا بها بسبب الاضطرابات في ~~القاهرة والخوف على أنفسهم وسلامتهم، فوصلوا الإسكندرية في 17 سبتمبر سنة ~~1804، وفي 19 نوفمبر غادر «لسبس» الإسكندرية. # وأخفق «لسبس» في مهمته في مصر، فهو لم يستطع منع اعتداءات السلطات القائمة ~~بالقاهرة على المحميين أو الرعايا الفرنسيين، ولم يفلح في إقناع هؤلاء ~~باحترام «الامتيازات» التي تصون التجارة الفرنسية، وكان كل ما أدركه من نجاح في ~~هذه المسألة إقناعه خورشيد باشا بالإسكندرية بإرجاع الأموال التي اغتصبها من ~~المحميين بالإسكندرية تحت ستار «القروض»، ثم بذل الوعود الطيبة والمبهمة بعد ذلك ~~باحترام «الامتيازات»، وأخفق «لسبس» في الظفر بثقة البكوات المماليك وإن ms0065 ظل هؤلاء ~~وخصوصا عثمان البرديسي يرجون الاعتماد على فرنسا ومناصرتها لهم، وأخفق «لسبس» ~~في كسب احترام وثقة «السلطات العثمانية»، وممثلي الباب العالي الشرعيين في مصر، ~~وأخفق في إحباط مساعي الإنجليز الذين نجحوا في استمالة فريق من البكوات لتأييد ~~سياستهم ومصالحهم في مصر. # وفضلا عن ذلك فقد ارتكب «لسبس» أخطاء كثيرة، أبشعها «خيانة» عهد البكوات ~~المماليك، وأظهر في مهمته عجزا وقصر نظر كبيرين، وخصوصا في علاقاته مع رؤساء ~~الأرنئود ومع محمد علي، على وجه أخص، وفات الوكيل الفرنسي أن يدرك أن ~~السلطة - لا مفر - من نصيب محمد علي عاجلا أو آجلا، ولم يفعل شيئا لمساعدة ~~محمد علي، ولم يخط خطوة من جانبه لاستمالته، بل كان لمحمد علي فضل السبق في ~~محاولة استرعاء انتباه الوكيل الفرنسي له، وجذبه إليه وتوسيطه لدى القنصل ~~الأول حتى يكسب الحكومة الفرنسية لمؤازرته. وأما رأي «لسبس» في محمد علي فقد ~~عبر عنه صراحة في رسالته إلى تاليران من القاهرة في 23 فبراير 1804 - أي قبيل ~~الحوادث التي أفضت إلى طرد البكوات من القاهرة بأيام معدودات - فقال: «إن «محمد علي» زعيم الأرنئود يريد حماية فرنسا وتوسطها لدى السلطان ~~العثماني، وفي وسعي أن أؤكد لك سلفا أنه لا لبس ولا إبهام في ~~مقاصده، وأنه يريد الاستيلاء على السلطة العليا، ولكني لا أعتقد ~~بتاتا أن هذا الزعيم «الألباني» - ولو أنه يقل قسوة وتوحشا عن نظرائه ~~ويبدو مواليا لنا - يتمتع بعبقرية أو نبوغ يمكنه من ابتكار خطة ~~واسعة وبرنامج شامل والوسائل اللازمة لتنفيذه.» # وكان السبب الأكبر في فشل «لسبس» في مهمته إصرار القنصل الأول على المضي ~~في سياسته السلبية نحو مصر، بالرغم مما بذله «لسبس» نفسه لتوجيه أنظار حكومته ~~لحقيقة الموقف في مصر، وكان مبعث هذه الخطة السلبية محاولة بونابرت - قبل أي ~~اعتبار آخر - في الإبقاء على علاقاته الودية مع الباب العالي، ومنع تركيا من ~~الانضمام إلى أعدائه، أضف إلى هذا توهمه أن ممثلي السلطان العثماني كانوا ~~أصحاب السلطة في مصر، فانحصرت سياسته بالنسبة لمصر في عدم إغضاب أو إزعاج ~~مندوبي ms0066 الباب العالي صاحب السيادة الشرعية فيها، ثم مداراة البكوات المماليك، ~~واستعادة صلاته بهم، وجذبهم إلى جانب فرنسا خدمة لمصالحها التجارية في مصر، ~~ولكن دون أن يقوم بأي عمل «إيجابي» من أجل تحقيق رغبة البكوات الرئيسية؛ وهي ~~استرجاعهم لنفوذهم وسلطتهم السابقة، وعودتهم إلى الحكم في الوضع الذي كانوا ~~عليه قبل الغزو الفرنسي في عام 1798، وطلب البكوات نجدة فرنسية من ثلاثة آلاف ~~رجل، وخمسمائة بندقية بالسونكي، وعشرة مدافع ميدان، وألف سيف، وغير ذلك من الأسلحة، ~~إلى جانب قرض «مائتي مليون» من الفرنكات أو ما يمكن إقراضه (يونيو 1804)، ~~وبطبيعة الحال لم يجب «نابليون» على شيء من ذلك، ثم اهتم بونابرت بضرورة ~~ملاحظة نشاط الوكلاء الإنجليز في هذه البلاد؛ خوفا من أن يقدم الإنجليز على ~~غزو مصر واحتلالها، إذا اضطروا بسبب تطور النضال بينهم وبين بونابرت إلى مثل ~~ذلك. ومع أن السفير الإنجليزي بات يبذل قصارى جهده في القسطنطينية من أجل ~~الوصول إلى اتفاق وحل «إيجابي» يحسم الخلاف بين الباب العالي والمماليك، ويهيئ ~~للأخيرين فرصة العودة إلى الحكم في مصر، ونجحوا فعلا في هذه الفترة في ~~سياستهم - على نحو ما سيأتي ذكره بعد - فقد اكتفى بونابرت بعرض وساطته في ~~القسطنطينية، دون أن يعرض حلولا إيجابية على الديوان العثماني، متحاشيا ~~إزعاج الديوان للاعتبارات التي ذكرناها، وقيد هذا الموقف «السلبي» ولا شك نشاط ~~«لسبس» في القاهرة. # فقد طلب «لسبس» تعليمات جديدة من حكومته منذ وصوله إلى الإسكندرية، وتغير ~~الموقف عن الوقت الذي صدرت إليه تعليماته الأولى فيه في مارس 1803، وظل ~~يطلب هذه التعليمات في الشهور التالية حتى نهاية عام 1803، وكتب الجنرال ~~«برون» من القسطنطينية في 25 أكتوبر 1803 يذكر لتاليران، أنه بناء على ~~التقارير التي وصلته من مصر «قد بات الموقف بها في حالة يجعل ضروريا «أن ~~يوضح وزير الخارجية رأيه ورأي حكومته» بشأن هذه البلاد التي قد تكون مبعث إما ~~آمال عظيمة، وإما خيبة وأسف كبيرين»، وضاق صدر «لسبس» من تحرج الموقف وعدم ~~ظفره من حكومته بما ينير له الطريق وسط الاضطرابات السائدة بالقاهرة في ms0067 ~~أواخر عام 1803، فكتب في 2 نوفمبر من هذا العام يطلب تعليمات جديدة، بل ~~وقال: «أما إذا كانت نوايا الحكومة ألا يدخل «لسبس» في أية علاقات أو صلات مع ~~البكوات، فإنه يرى لزاما عليه أن يصرح لحكومته أنه لا يرى داعيا مطلقا لوجود ~~وكيل فرنسي هنا تحت رحمة خناجر القتلة والسفاكين.» # وكان كل ما ظفر به «لسبس» من تعليمات - توضح كذلك سياسة القنصل الأول - رسالة ~~من الجنرال «برون» في القسطنطينية بتاريخ 11 أغسطس 1803 ينبئه باستلام رسائل ~~«لسبس» المؤرخة في 9 و10 يونيو، ويبدي ارتياحه لمسلك الوكيل الفرنسي ~~وملاحظته لتقدم النفوذ الإنجليزي في البلاد ونشاط الجماعات التي تخضع لهذا ~~النفوذ، ثم يطلب منه ألا يغيب عن ذهنه أنه مندوب للحكومة الفرنسية لدى الباب ~~العالي، وبالتالي لدى وكلائه (أي وكلاء الباب العالي) المخلصين في مصر؛ أي أن ~~«برون» صار يحضه على التزام تعليماته الأولى، ثم أكد «تاليران» هذا الواجب ~~عندما بعث إليه بتعليماته في 26 سبتمبر 1803 بمناسبة إطلاع لسبس «علي باشا ~~الجزائرلي» على كتاب عثمان البرديسي، فطلب منه عدم تكدير علاقاته مع ~~العثمانيين وإثارة شكوك هؤلاء من جهته؛ «لأنه من المنتظر بسبب النجدات التي سوف ~~يرسلها الباب العالي أن تصبح لهم السلطة في لحظة واحدة.» # ومع أن «لسبس» كتب أكثر من مرة على أثر مقابلته مع البرديسي وإبراهيم بك أن ~~البكوات يريدون معرفة نوايا القنصل الأول الصريحة، ومدى استعداده لمناصرتهم ~~وإرسال النجدات التي طلبوها من مال ورجال وأسلحة، فقد اكتفى القنصل الأول ~~بتكليف «لسبس» أن يبلغهم وصول رسائلهم إلى بونابرت وأن يؤكد محبته لهم، وفي ~~أواخر أكتوبر 1803 أمر بذهاب المواطن فراميري # Frameri # إلى مصر ليسلم «لسبس» رسالة بالشفرة، ولما لم يكن ~~من سياسة القنصل الأول «السلبية» فعل شيء جدي في صالح البكوات بالتوسط لهم في ~~القسطنطينية من أجل إنهاء خلافاتهم مع الباب العالي، وهو التوسط الذي لم يأت ~~بأية نتيجة، فقد طلب إلى «برون» في أكتوبر أن يستمر في إلفات نظر الباب العالي ~~إلى ضرورة استتباب السلام في ممتلكاته، وأن ms0068 يجعله يدرك ويفهم أن انفصال بعض ~~ممتلكاته من جثمان الدولة، الذي ينجم عن نجاح الثورات المحلية، لا يساعد على ~~استقلال هذه الأجزاء المنفصلة بقدر ما يساعد على استفادة دولة أخرى من ~~الخسارة التي تتحملها وقتئذ الإمبراطورية العثمانية، كما طلب القنصل الأول من ~~«برون» أن يلفت نظر الباب العالي إلى ضرورة تأمين سلامة مصر؛ لأن الإنجليز لم ~~يخلوها إلا مرغمين، ولأن فرنسا طلبت «إخلاءها» في معاهدة أميان، وأن الإنجليز لا ~~يمكن أن يكونوا غير عارفين بالاضطرابات التي صارت تظهر في مصر منذ خروجهم منها، ~~أو أنه لا يد لهم في تحريكها، وواجب الباب العالي أن يشعر بالانزعاج والقلق ~~بسبب مشروعاتهم العدوانية على هذه البلاد ما دام لم يستطع إعادة الأمن والهدوء ~~إلى مصر. # وكانت التعليمات التي أصدرها بونابرت للرسول الذي أوفده إلى مصر غريبة حقا، ~~«يطلب إليه بعد أن يسلم خطاب الشفرة إلى «لسبس» أن يستفيد من وجوده بالبلاد، ~~فيجمع المعلومات الخاصة بقوات المماليك والباب العالي، وحالة الإسكندرية؛ ~~الميناء والشواطئ القريبة، ويقف على الأغراض أو الدوافع التي توجه سياسة كل من ~~المماليك والعثمانيين، ونوع العلاقات السائدة بين الفريقين، ونتائج الصراع ~~المنتظر بينهما، ثم مقدار ما صار لدى المماليك من ثقة بأنفسهم تحت تأثير ~~النفوذ الإنجليزي السري في مصر، ثم معرفة مدى الأثر الذي يحدثه هذا النفوذ ~~فيما قد يقرره البكوات، كما طلب إليه الوقوف على الرأي الذائع في مصر عن ~~الإنجليز، ورأي الأهلين بالبلاد عموما، وحقيقة ميول البكوات خصوصا من ناحية ~~الفرنسيين.» # الفصل الثالث # | إنجلترا وسياستها الإيجابية في مصر # تمهيد # اختلفت الأغراض التي هدفت السياسة الإنجليزية لتحقيقها بالنسبة لهذه البلاد ~~عن أغراض السياسة الفرنسية، وكان اختلافا جوهريا مبعثه حاجة الحكومة ~~الإنجليزية للاطمئنان إلى أن مصر سوف تستطيع - بعد انتهاء الحرب مع فرنسا ~~وخروج الجيش البريطاني منها - الدفاع عن أرضها ومنع الفرنسيين من تجديد غزوهم ~~عليها، بينما كان غرض فرنسا منذ أن أبرمت مقدمات الصلح مع تركيا أن تستأنف ~~صلتها بمصر حتى تدعم علاقاتها التجارية معها وتبني فيها من النفوذ ما يصرف ms0069 هذه ~~البلاد عن مؤازرة الإنجليز إذا اضطرتهم ظروف الحرب والسياسة في نضالهم مع ~~فرنسا إلى النزول مرة أخرى في مصر بعد جلائهم عنها؛ ولذلك فإنه بينما اهتم ~~الفرنسيون - كما شاهدنا - بعد صلحهم مع الأتراك، ثم بعد عقد معاهدة أميان بأن ~~تجلو القوات البريطانية سريعا عن مصر، تباطأ الإنجليز في خروجهم وأطالوا ~~مكثهم بها بعد الصلح العام سنة بتمامها. # وكان سبب ذلك أنهم أرادوا للوصول إلى غايتهم التي ذكرناها: العمل لإنشاء ~~حكومة مستقرة موطدة تتسلم زمام الأمور في مصر، يكون في قدرتها الذود عنها ~~ودفع أي اعتداء قد يقع عليها من ناحية الفرنسيين خصوصا، ثم الحيلولة دون ~~وقوع البلاد فريسة للفوضى السياسية فتصبح عاجزة عن الدفاع عن نفسها. # وبينما لم يستطع الفرنسيون أن يكونوا أصحاب سياسة إيجابية؛ لأنهم جعلوا ~~المسألة المصرية في المرتبة الثانوية أو التالية لسياستهم وجهودهم الحربية ~~التي ارتكزت على كسب التفوق في القارة الأوروبية، والانتصار الحاسم على ~~إنجلترا قبل أي عدو آخر من أعدائها، كان في مقدور الإنجليز أن يختطوا لأنفسهم ~~سياسة إيجابية واضحة نحو مصر؛ لأن منع الفرنسيين من الاستيلاء عليها مرة ~~ثانية، يضمن لهم استمرار تفوق أسطولهم في مياه البحر الأبيض، ويبطل مشروعات ~~القنصل الأول والإمبراطور في الشرق، ويحفظ لهم أملاكهم في الهند، وقد ترتب على ~~هذه الحقيقة أن صارت سياستهم نحو تركيا ومصر - والأخيرة من أملاك ~~الإمبراطورية العثمانية - تسلك طريقا مرسوما هو إقناع الأولى بالمحالفة ~~معها، كما حدث في 5 يناير 1799؛ وذلك لإخراج الفرنسيين من مصر بعد أن ~~احتلوها في حملة بونابرت المعروفة، أو استمالتها إلى عدم الانضمام إلى فرنسا ~~وانشقاقها على الإنجليز أنفسهم، كما حدث خصوصا بعد استئناف الحرب بين إنجلترا ~~وفرنسا في مايو 1803، حتى إذا انحازت تركيا إلى جانب فرنسا، ثم ساءت ~~العلاقات بينها وبين روسيا فقامت الحرب بينهما في ديسمبر 1806، وانفصمت ~~العلاقات بين إنجلترا حليفة روسيا وبين تركيا، بدأت الأولى عملياتها العسكرية ~~بإرسال حملة إلى مياه الدردنيل والبسفور، وأخرى إلى مصر في عام 1807، وهي ~~«حملة فريزر» المعروفة. # فقد اقتضت سياسة الإنجليز الإيجابية ms0070 - منذ أن نزل جيش «أبر كرومبي» في مصر ~~في مارس 1801 لطرد الفرنسيين منها بمعاونة العثمانيين بقيادة الصدر الأعظم ~~يوسف ضيا باشا والقبطان حسين باشا؛ لتأمين الأغراض التي ذكرناها - محاولة ~~تحقيق الاتفاق بين الباب العالي وبين المماليك، وهم القوة التي اعتقد ~~العسكريون - ثم السياسيون - الإنجليز أن في استطاعتها الدفاع عن البلاد، وكان ~~غرض الإنجليز من ذلك حسم الخلافات بين العثمانيين وبينهم؛ لأنهم رأوا أن هذه ~~الخلافات إذا استمرت، فإنها لا تلبث أن تنشر الفوضى في مصر، وتحول دون إقامة ~~الحكومة القوية التي وجب إنشاؤها لضمان الاستقرار في مصر، والقدرة على الدفاع ~~عنها، وكان ارتباط الإنجليز في معاهدة إميان في 25 مارس سنة 1802 بإخلاء ~~البلاد وتسليمها للأتراك من الأسباب التي زادتهم اقتناعا بإنشاء هذه الحكومة ~~الموطدة والمستقرة بها، وقامت جهودهم في التوفيق بين الباب العالي والمماليك ~~في هذه المرحلة على أساس إعطاء المماليك بعض أقاليم الصعيد مع الاحتفاظ بسيادة ~~الباب العالي، على أن تكون للعثمانيين السلطة الفعلية في القاهرة وسائر ~~القطر، ولكن هذه الجهود باءت بالفشل. # ثم لم يلبث أن ازداد قلق الإنجليز وانزعاجهم عندما استؤنفت الحرب بينهم ~~وبين الفرنسيين في مايو 1803 - كما قدمنا - وشهدوا في مصر حربا أهلية ~~أثارها التنازع على السلطة بين الأتراك والأرنئود والمماليك، الذي استمر ~~أربع سنوات من 1803 إلى 1807، وأشاع الفوضى السياسية في البلاد، ولم ~~يقنعهم استلام محمد علي لشئون الحكم بأن قوة جديدة قد ظهرت في هذا الميدان ~~السياسي المضطرب منذ 1805 في وسعها إذا أتيحت لها الفرصة أن تنهي هذه ~~الفوضى السياسية، وتؤمن البلاد ضد أي اعتداء أجنبي عليها؛ لأن الباب العالي ~~كان يناوئ «محمد علي»، ولأن المماليك كانوا يحاربونه، بينما اعتقد الوكلاء ~~الإنجليز في مصر أنه «محمد علي» يميل إلى الجانب الفرنسي، وأن المماليك بالرغم ~~من انحياز فريق منهم إليهم لا يترددون في مناصرة الفرنسيين إذا هم جاءوا ~~إلى البلاد مرة ثانية، وكان نابليون لا يزال يمني النفس بتحقيق مشروعه ~~الشرقي العظيم والخطر يتهدد الإنجليز لذلك من ناحية هذه المشروعات إذا ms0071 نزل ~~بمصر في أثناء نضالهم الذي هو نضال الحياة أو الموت معه. # وكان لهذه الاعتبارات إذن أن صار الإنجليز في مرحلة سياستهم الإيجابية ~~الثابتة منذ 1804؛ يعملون لتمكين المماليك من الاستيلاء على السلطة الفعلية ~~في البلاد بأسرها سواء رضي الباب العالي بذلك أو لم يرض، وفوت عليهم غرضهم ~~انقسام المماليك على أنفسهم، والصراع الذي نشب بين وكلائهم والوكلاء ~~الفرنسيين في مصر - ولا نقول الحكومة الفرنسية - من أجل الاستئثار بالنفوذ ~~الأعلى في مصر، ووجود تلك القوة التي أشرنا إليها في شخص محمد علي الذي كان له ~~من الدهاء ما جعله يفيد في تثبيت ولايته سنة بعد أخرى من كل تلك العوامل التي ~~نشرت الفوضى السياسية في البلاد، وهي الفوضى التي كان الإنجليز كذلك برغم ~~أنوفهم، وعلى غير ما يريدون أو يتوقعون من عواملها بسبب سياستهم ~~الإيجابية. # ولكنه لما كانت إنجلترا تحرص دائما على تأمين مصر من غزو الفرنسيين لها، ولم ~~يكن في نطاق سياستها احتلال مصر وامتلاكها، فقد قررت - على الأقل - أن تمنع ~~منافستها القديمة فرنسا من الظفر بالنفوذ الأعلى في البلاد ودعم مصالحها ~~التجارية والسياسية بها، وانحصرت جهود الوكلاء الإنجليز وساستها وقوادها ~~البريين والبحريين في تحقيق هذه الغاية، حتى إذا يئست إنجلترا من ذلك بين ~~عامي 1804 و1806 خصوصا، واعتقدت أن مصر لن تستطيع وحدها وبوسائلها الدفاع ~~عن نفسها ضد الغزو الفرنسي الذي توقعته فقد بادرت بإرسال حملة فريزر في عام ~~1807، ولم تكن هذه سوى حملة وقائية أو حملة مانعة، ولم يكن غرض الحكومة ~~الإنجليزية منها احتلال مصر وامتلاكها. # وهذه السياسة الإنجليزية الإيجابية مرت - كما شاهدنا - في أثناء تطورها في ~~مراحل عدة، وخضع تطورها لتفاعل هذه السياسة الإيجابية ذاتها مع العوامل ~~الأخرى التي تضافرت وإياها على إشاعة الفوضى في البلاد، ثم مهدت في الوقت ~~نفسه لظهور محمد علي، واتخذت في مرحلتها الأولى شكل الوساطة بين الباب العالي ~~والمماليك من أجل الوصول إلى اتفاق بينهما يكفل إقامة الحكومة الموطدة ~~المستقرة. # أصول السياسة الإنجليزية # وترتد هذه السياسة الإيجابية في أصولها القريبة إلى معاهدة ms0072 التحالف التي ~~أبرمتها إنجلترا مع تركيا في 5 يناير 1799، والتي كان سبب عقدها - كما ~~ذكرنا - رغبة الإنجليز في إخراج الفرنسيين من مصر، ثم إبطال مشروعات بونابرت ~~في الشرق، وفي هذه المعاهدة ضمن كلا الطرفين المتعاقدين أملاك الآخر، وتعهد ~~جورج الثالث ملك إنجلترا بضمان جميع ممتلكات الإمبراطورية العثمانية دون ~~استثناء ما وكما كانت قبل الغزو الفرنسي لمصر، ومعنى ذلك تعهد الإنجليز بإرجاع ~~مصر إلى تركيا بعد طرد الفرنسيين منها، وأن أمر الدفاع عن هذه البلاد سوف يكون ~~عندئذ موكولا للعثمانيين. # وبدأت القوات الإنجليزية والعثمانية العمليات العسكرية ضد العدو المشترك، ~~وكان في أثناء هذه العمليات أن نبتت فكرة الاعتماد على المماليك في الدفاع ~~عن البلاد بعد ذهاب جيش الشرق وبعد ذهاب الإنجليز أنفسهم، ثم التوسط لدى الباب ~~العالي صاحب السيادة الشرعية على مصر، والذي تعهد الإنجليز بموجب معاهدة ~~التحالف معه على إرجاع البلاد إليه، وذلك من أجل الوصول إلى اتفاق بينه وبين ~~المماليك يترتب عليه تهيؤ هؤلاء الأخيرين للدفاع عن مصر، وقد ارتبطت مسألة ~~الدفاع عن مصر بالبحث كذلك في نوع الحكومة المستقرة التي تجب إقامتها والتي ~~يكفل تأسيسها نفسه بقاء سيطرة العثمانيين في البلاد فلا يطردون منها مرة ~~ثانية إذا حدث غزو أجنبي آخر، ومن ناحية فرنسا ذاتها التي يعمل الحلفاء الآن ~~على إخراج جيشها. # وكان مبعث هذا التفكير أن القواد الإنجليز فقدوا كل ثقة في قدرة العثمانيين ~~بفضل ضعف جيوشهم وانعدام النظام بين صفوف الجند، وعجز قوادهم وضباطهم، ~~واعتقدوا كذلك أن أدواء الانحلال المتفشية في الإمبراطورية العثمانية لا سبيل ~~إلى علاجها، بل سوف تقضي عليها، فبدلا من إزالة المساوئ التي تمنع من تشكيل ~~جيش نظامي قوي يستطيع الدفاع عن مصر، صار من المتوقع - في نظرهم - أن تفقد ~~الإمبراطورية العثمانية أملاكها وتفقد مصر ذاتها، التي تصبح عندئذ من نصيب ~~فرنسا الطامعة أبدا في امتلاكها، والتي لن تفتر لها همة - حتى بعد هزيمتها ~~وخروجها منها - في العمل على العودة إليها. # فكان من وقت نزول الجيش البريطاني في الأراضي المصرية أن علت شكوى ms0073 السير ~~«رالف أبر كرومبي» قائد قواته البرية والأميرال «كيث # Keith ~~» قائد قواته البحرية، من عدم تعاون الأتراك معهم ~~ومساعدتهم لهم، وأبلغ اللورد «إلجين # Elgin ~~» ~~السفير الإنجليزي بالقسطنطينية حكومته تذمر هذين القائدين وخيبة أملهما في ~~الحلفاء العثمانيين، وقال السفير عندئذ (9 فبراير 1801) إنه يرى لزاما عليه ~~فعل ذلك حتى يكون لدى حكومته فكرة صحيحة عندما يحين الوقت - بعد انتهاء ~~الحرب - للبحث في المسائل المتعلقة، ليس فقط بمصر وحدها من حيث ارتباط حكومته ~~بواجب إرجاعها إلى تركيا، بل وبالإمبراطورية العثمانية ذاتها التي توافرت ~~الأدلة على انحلالها، ومنها ضعف جيش الصدر الأعظم يوسف ضيا باشا الذي نقصت ~~قواته من الأربعة عشر ألفا إلى الاثني عشر ألفا بالرغم من تقويته بالإمدادات ~~من الرجال والمؤن، بفرار رجاله وانضمامهم إلى جيش باشا عكا أحمد الجزار الذي ~~جمع قوات عظيمة، ومنها خروج «باشوان ~~أوغلو Pasvàn Oglu ~~» الملقب «ببونابرت الشرق»، على طاعة السلطان، والذي ~~وقعت الرومللي والبغدان # Moldavia # تحت سيطرته ~~وعاث فيهما فسادا وتخريبا، ومنها طرد شريف مكة لكل العمال والضباط الأتراك، ~~ثم ما فعله باشوات بغداد وحلب وغيرهم من الحكام البعيدين الذين هم في ثورة ~~فعلية اعترفت بها السلطنة إذعانا للأمر الواقع بضعفها وعجزها. # وكان في هذه الرسالة أن قال إلجين: «وعلى ذلك فإذا كان الأتراك لا يساهمون فيما ندركه من نجاح في ~~عملياتنا العسكرية ضد الفرنسيين في مصر فسوف يكون من حقنا بكل تأكيد ~~التصرف بحرية أوسع عند بحث الترتيبات التي نجد من الحكمة اتخاذها في ~~مصر سواء فيما يتعلق منها بالحكومة العثمانية، أو البكوات المماليك ~~أو مصالحنا البريطانية المباشرة ذاتها.» # وما إن تسلم السير جون هيلي ~~هتشنسون # Sir John Hely Hutchinson # القيادة في مصر بعد مقتل أبر كرومبي في معركة كانوب ~~(21 مارس 1801)، حتى بادر القائد الجديد يبين لحكومته عبث الاعتماد على الأتراك ~~والإمبراطورية العثمانية في الاحتفاظ بمصر والدفاع عنها بعد خروج الفرنسيين ~~منها، فكتب إلى هنري دنداس # Henry Dundas # عضو ~~الوزارة الإنجليزية في 3 أبريل 1801 «أن الحلفاء الأتراك ضعاف ولا عبقرية ~~لهم تعينهم ms0074 على وضع الخطط وتنظيمها ولا نشاط ولا قدرة على تنفيذها، وهم إلى ~~ذلك يسيئون الظن بأصدقائهم ويخشون من أعدائهم، ولا يمكن الاعتماد عليهم إذا ~~تم الاتفاق معهم على عمل شيء ولا يوثق بأية وعود يعطونها.» # بل إن هتشنسون ليشك كثيرا في مقدرة الأتراك على الاحتفاظ بمصر حتى ضد بقايا ~~المماليك وسكان البلاد الذين قال عنهم: ولو أنهم يكرهون الفرنسيين فكراهيتهم ~~للأتراك أشد وأعظم ويرفضون بتاتا سيطرتهم، ولا أمل في استطاعة الأتراك بسط ~~سلطانهم على هذه البلاد بسبب انحلال إمبراطوريتهم التي تسود فيها الخلافات ~~الداخلية حتى لم يبق لحكومتها سوى مظهرها، وانتشرت الفوضى بها وصار الباشوات ~~الحكام في شتى أملاكها مستقلين في شئونهم، ولا يفكرون في شيء غير النهب والسلب ~~وتمكين سلطتهم في مقاطعاتهم؛ حيث يقاومون سلطة الباب العالي ولا يطيعون ~~أوامره، وليس من المنتظر - لذلك - أن تستمر مصر في قبضة الدولة طويلا، بل سوف ~~تسقط في يد دولة أوروبية. # ويعتذر هتشنسون عن ذكر هذه التفصيلات، ولكنه يرى لزاما عليه أن يبلغ ~~ملاحظاته إلى حكومته حتى تتخذ الاحتياطات اللازمة ضد وقوع مصر في يد الفرنسيين ~~مرة أخرى، وفي هذه الرسالة أثار هتشنسون للمرة الأولى مسألة استبقاء ~~الإسكندرية في أيدي الإنجليز حتى بعد تسليم مصر للعثمانيين، فقال: إنه لا يشك ~~في أن حكومته تدرك - تمام الإدراك - أن بقاء حاميات إنجليزية بالإسكندرية ~~وأماكن أخرى ضروري «وإلا فإن الأتراك وحدهم سوف يعجزون عن الاحتفاظ بمصر»، ~~وسوف تخرج هذه من أيديهم. # وكان هذا الخوف نفسه من عودة الفرنسيين إلى هذه البلاد بعد خروجهم منها، ~~ورسوخ الاعتقاد بعجز العثمانيين عن الاحتفاظ بمصر والدفاع عنها هو الذي جعل ~~هتشنسون يقلب وجوه الرأي في مسألة تنظيم الحكومة المنتظرة لتسلم زمام الأمور ~~في مصر بعد انتهاء مهمة الجيش الإنجليزي وتسليم البلاد لتركيا، فكتب في 25 ~~أبريل سنة 1801 إلى اللورد إلجين يقول: ولو أن حكومته قد أصدرت إليه ~~تعليماتها بعدم التدخل في شئون ممتلكات السلطان العثماني الداخلية، فقد رأى من ~~واجبه أن يطلع الوزراء الإنجليز على رأيه في المسائل ms0075 المتصلة بتنظيم شئون مصر، ~~فصار يؤكد لهم وجود احتمال عظيم بأن الأتراك لن يستطيعوا الاحتفاظ بهذه البلاد ~~لأسباب، منها: سوء سيرة الأتراك أنفسهم الذين لا مال ولا مؤن ولا مورد لديهم، ~~والذين ينهبون ويسلبون ويستولون غصبا على كل ما تقع عليه أيديهم، وجندهم ~~شراذم من الدهماء أكثر منهم جيشا بالمعنى المعروف، ومنها أن سلطان الأتراك ~~في مصر سلطان اسمي، «ويكاد يكون كذلك من أيام الفتح الأول في عهد السلطان ~~سليم»؛ ولذلك فإن الإنجليز «سوف يعطونه في مصر بإرجاع هذه البلاد إليه سلطة لم ~~تكن له قط من قبل»، وفي اعتقاد هتشنسون «أن هذه السلطة الوقتية سوف تضعف ~~سلطانه بدلا من تقويته، وإذا لم يضع الأتراك نظاما سياسيا متسقا في مصر - ~~والأمل ضعيف في أنهم سوف يفعلون ذلك - فإنهم سوف يطردون منها مرة ثانية حتى ~~بعد إعطائهم هذه السلطة، ويواجه الإنجليز عندئذ خطرا يظهر في محاولة إحدى ~~الدول الأوروبية، ومن المحتمل جدا أن تكون فرنسا هذه الدولة التي سوف تبذل ~~قصارى جهدها للاستيلاء على مصر، ولا أمل في أن يستطيع الأتراك مقاومة هذا ~~الغزو لما هو معروف عن نظامهم وجيشهم.» # ثم استطرد هتشنسون يقول: «وأخشى أن مصر سوف تصبح مبعث ارتباكات ومتاعب لنا ~~أكثر مما ندركه، وإذا تمكنت فرنسا من الاحتفاظ بسيطرتها التي نالتها في القارة ~~«أوروبا» فسوف يصبح عسيرا منع مصر من الوقوع في قبضتها، والاحتمالات عديدة ~~لوقوع هذا الحادث إذا أخذنا بعين الاعتبار قبل كل شيء حاجة تركيا في حالة ~~ضعفها الراهنة إلى حام يحميها، وليس هناك سوى فرنسا للقيام بهذا الدور؛ لما ~~لها من مصلحة طبيعية وقوية أكثر من غيرها لتصبح هي هذا الحامي. ففرنسا تريد أن ~~تسند هذا البناء المتداعي؛ أي تركيا حتى تمنع دولة أكثر نشاطا وحيوية من ~~امتلاك تجارة الليفانت وحرمان فرنسا مما كان بمثابة أكبر مورد نافع لتجارتها ~~في وقت من الأوقات.» # وقال هتشنسون: «إنه يعتقد كذلك أن كثيرين من الأتراك أنفسهم يفكرون هذا ~~التفكير نفسه»، وكان في هذه الرسالة أن ذكر هتشنسون أنه ms0076 من المتعذر الاحتفاظ ~~بالإسكندرية عند سقوطها دون أن يكون للقوات البريطانية مواصلات مفتوحة مع ~~أجزاء مصر المزروعة الأمر الذي لا يتأتى إلا بسيطرة الإنجليز على مصبات النيل ~~في فرعيه الاثنين. # وأزعج رأي العسكريين هذا، الذي تناول البحث في وضع البلاد، والتشكك في قدرة ~~الأتراك على الاحتفاظ بها إذا تركوا وشأنهم؛ الحكومتين الإنجليزية والعثمانية ~~على السواء، الأولى لأنها مرتبطة بإرجاع مصر إلى تركيا بعد طرد الفرنسيين ~~منها، والثانية لما بدأ يساورها من ظنون في نوايا حلفائها الإنجليز من ناحية ~~تنفيذ الضمان الذي نصت عليه معاهدة «يناير سنة 1799» لأملاك كل من الدولتين ~~المتحالفتين. # ولذلك فقد بادرت الحكومة الإنجليزية تؤكد من جديد سياسة عدم التدخل في شئون ~~ممتلكات الباب العالي الداخلية، وعدم نبذ العهد الذي قطعته على نفسها بإرجاع ~~مصر إلى تركيا، وقصرت الحكومة الإنجليزية اهتمامها فيما يتعلق بمسألة منع ~~الفرنسيين من محاولة غزو هذه البلاد ثانية على البحث في بعض الإجراءات ~~العسكرية فحسب عند نظر هذا الموضوع، فأصدرت في 19 مايو سنة 1801 تعليماتها ~~إلى كل من سفيرها «إلجين» بالقسطنطينية وقائد قواتها «هتشنسون» في مصر بهذا ~~المعنى، فطلبت في تعليماتها للورد «إلجين» «أن يعلن لوزراء الباب العالي بوضوح ~~وجلاء أن قرار الحكومة الإنجليزية قطعا عند طرد الفرنسيين من مصر، هو إرجاع ~~تلك المقاطعة بأسرها إلى الباب العالي وعدم الاشتراك في توجيه شيء من شئونها، ~~إلا فيما يتعلق بوضع حامية بريطانية فحسب في جزء من الساحل حتى وقت عقد الصلح ~~العام، أو لمدة أقصر من ذلك يتم الاتفاق عليها بين الباب العالي وإنجلترا؛ ~~وذلك من أجل التعاون مع الباب العالي في الوسائل التي يمكن بفضلها تأمين مصر ~~ضد مشروعات الغزو الأخرى التي قد تكون لدى الحكومة الفرنسية والتي يحمل ما ~~يبديه حكام فرنسا الحاليون من ميول ظاهرة على الاعتقاد، جزما بأن فرنسا سوف ~~تنتهز أول فرصة سانحة لتنفيذه.» # وفي تعليماتها للجنرال هتشنسون، قالت الحكومة الإنجليزية: إنه بمجرد طرد ~~الفرنسيين من مصر سوف يكون موضع التفكير العميق؛ النظر في القوة التي توجب ~~الضرورة تركها ms0077 في مصر للحيلولة دون تجدد خطر محاولات الغزو من جانب فرنسا، ~~ويصبح الاحتراس والحذر من مشروعات الحكومة الفرنسية هو الغرض الأول حينئذ من ~~البحث في هذه المسألة، وقالت التعليمات ردا على مسألة الاستيلاء على مصبات ~~النيل: إن الحكومة الإنجليزية ترى أن وضع قوة في مركز أبي قير هو كل ما يجب ~~فعله للاحتفاظ بالإسكندرية عند سقوطها ولذلك تجد من واجبها إبلاغ هتشنسون «أن ~~هناك خدمات أخرى تتطلب انسحاب أكبر جزء مستطاع من القوات التي لديه في مصر» ~~إلى مالطة، ويقول صاحب هذه الرسالة اللورد «هوبارت # Hobart ~~» وزير الحربية والمستعمرات في الوزارة الإنجليزية: ~~إنه عند النظر في هذه المسألة يجب أن يتذكر هتشنسون دائما أن «غرض الحكومة ~~الإنجليزية الوحيد هو الاحتراس من مشروعات الحكومة الفرنسية العدائية على مصر، ~~وأن الإنجليز في هذا الأمر ليسوا مرتبطين مع الأتراك أو مدفوعين بآراء خاصة ~~بهم؛ للنظر إلى أبعد من هذا الغرض.» # وبهذه الصورة رسمت الحكومة الإنجليزية لسفيرها ولقائدها ولسائر الوكلاء ~~والعملاء الإنجليز الخطة التي يجب عليهم انتهاجها في موضوع الجلاء وتسليم مصر ~~للأتراك عند الانتصار على جيش الشرق نهائيا، وكانت لحمة هذه الخطة وسداها ~~عدم التدخل في شئون مصر الداخلية؛ أي في شئون مقاطعة من مقاطعات الإمبراطورية ~~العثمانية الواجب عليهم ردها إلى هذه الإمبراطورية كما كانت قبل الغزو ~~الفرنسي، حسب الضمان الذي نصت عليه معاهدة التحالف في يناير سنة 1799 بين ~~إنجلترا وتركيا، ومعنى عدم التدخل هو عدم البحث في نوع الحكومة التي تجب ~~إقامتها في البلاد بعد جلاء القوات البريطانية عنها، والتي كان واجبها الرئيسي ~~في نظر العسكريين خصوصا، ثم فريق من السياسيين أخذ يكثر عددهم تدريجيا، ~~الدفاع عن مصر عند تعرضها لغزو جديد. # ولكنه سرعان ما اتضح أن هذا الوعد الذي قطعته الحكومة الإنجليزية على نفسها ~~بعدم التدخل في شئون مصر الداخلية؛ صار من المتعذر التمسك به، ولما تنقض ~~أسابيع قليلة على صدوره، ومبعث ذلك أن الباب العالي نفسه منذ آخر مايو صار ~~يطلب من ناحيته المباحثة مع الإنجليز في نظام الحكومة ms0078 الواجب إنشاؤها في مصر ~~لتحقيق الغرض الذي سعت إليه الحكومة الإنجليزية ذاتها، والذي اهتم به الأتراك ~~أنفسهم وهو دفع أي غزو جديد على مصر، كما أن العسكريين، وعلى رأسهم الجنرال ~~«هتشنسون»، لم يروا مناصا من بحث موضوع الحكومة المستقبلة في مصر للغرض ~~نفسه، وعلى ذلك فقد حدث في الشهور التالية أن الحكومة الإنجليزية لم تعدل عن ~~وعدها السابق فحسب، بل صارت كذلك تتوسط من أجل الوصول إلى اتفاق بين الباب ~~العالي والمماليك، على اعتبار أن المماليك هم القوة التي في وسعها الدفاع عن ~~مصر، والتي يجب عدم إغفال حقوقها وامتيازاتها في أي نظام قد يوضع للحكومة ~~المنتظرة لها؛ أي إرجاع ممتلكاتهم ووضعهم السابق في حكومة هذه البلاد الفعلية، ~~وكما كانوا إلى وقت الغزو الفرنسي. # أما فيما يتعلق بالأمر الأول، فقد كتب «إلجين» إلى حكومته من القسطنطينية في ~~10 يونيو أن الريس أفندي وزير الخارجية التركية قد طلب مقابلة السفير ~~البريطاني حتى يبحث معه موضوع بقاء قسم من الجيش البريطاني في مصر وفي المياه ~~السورية بعد طرد الفرنسيين لمنع العدو من الهجوم على هذه الجهات مرة أخرى، ~~وحتى يستشيره في أفضل الخطط أو الأنظمة التي يجب اتباعها لتأسيس الحكومة ~~المنتظرة في مصر، وقد اجتمع «إلجين» بالريس أفندي، وفي 20 يونيو قدم الأول ~~للثاني مذكرة بشأن هذه الحكومة المنتظرة، امتدح فيها سلوك المماليك الذين ~~ناضلوا ضد الاحتلال الفرنسي وتحملوا متاعب ومشقات كثيرة في أثناء هذا النضال، ~~ثم تقدم القليلون الذين بقوا منهم لمعاونة القوات المشتركة «الأتراك ~~والإنجليز» بإخلاص، وانتفعت القوات المشتركة من معاونتهم لها، وقال «إلجين» ~~إنه يمكن لذلك الاعتماد على المماليك، ويمكن الاستفادة من تأليف قوة من ~~فرسانهم للذود عن البلاد، لا سيما وأن المماليك يعرفون البلاد معرفة طيبة، ~~واقترح السفير البريطاني إعطاءهم حكومة الأقاليم الواقعة بعد جرجا في الصعيد ~~كمكافأة لهم على ولائهم وما تحملوه من مشقة ونصب، فضلا عن أن هذا الإجراء ~~من شأنه أن يزود هذه الأقاليم بقوة تستطيع الدفاع عنها. # وفي 27 يونيو كتب «إلجين» إلى اللورد ms0079 «هوكسبري # Hawkesbury ~~» ردا على رسالته الأخيرة إليه بتاريخ 19 مايو ~~- وهي الرسالة التي سبق ذكرها والتي ترسم خطة عدم تدخل الحكومة الإنجليزية ~~واقتصارها على الرغبة في إبقاء قسم من قواتها في احتلال الإسكندرية للدفاع عن ~~مصر، فقال: «إنه بدلا من أن يرجو «الإنجليز» الباب العالي السماح لهم بوضع ~~هذه القوة؛ فإن الباب العالي نفسه يطلب ذلك كخدمة إضافية من جانب بريطانيا ~~له.» # واستمر «إلجين» يقول: إنه رأى من واجبه عدم تنفيذ أمر الوزير الصادر في ~~تعليماته إليه في 19 مايو؛ لأنه إذا كانت هذه التعليمات قد اشتملت على تصريح ~~رسمي في الواقع بأن الحكومة الإنجليزية لا مأرب لها ولا صالح، فإن تغير الظروف ~~بعد مقتل بول الأول قيصر روسيا في 24 مايو وإطلاق «نلسن» مدافع أسطوله على ~~«كوبنهاجن» في 2 أبريل 1801 وما تبع ذلك من انحلال حلف المحايدين الذي أحياه ~~هذا القيصر لمقاومة أي اعتداء قد يقع على أعضاء هذا الحلف: «روسيا، السويد، ~~الدانمارك، بروسيا» من جانب إنجلترا، وتبدل أحوال دول أوروبا الشمالية في صالح ~~الإنجليز، كل ذلك يجعل إعلان عدم اهتمام الحكومة الإنجليزية في هذه الظروف من ~~الأسباب التي سوف تؤكد الشك وسوء الظن لدى الحكومة العثمانية من ناحية ~~التأكيدات التي أعطيت دائما من جهة إنجلترا بشأن ضمان أملاك العثمانيين ~~وإرجاع مصر إليهم؛ لأن تقديم تصريح الوزارة الإنجليزية - كما جاء في تعليمات ~~19 مايو - من شأنه أن يجعل العثمانيين يعتقدون أن هذه التأكيدات القاطعة ~~لم تصدر عن نية خالصة وعزم صحيح لا يخضع لتقلبات الموقف وظروف السياسة ~~الأوروبية. # وكان من أثر إغفال «إلجين» تقديم تصريح حكومته إلى الباب العالي أن الوزارة ~~الإنجليزية وجدت من السهل عليها الآن أن تبت بصورة صريحة في موقفها من مسألة ~~الدفاع عن مصر بعد خروج الفرنسيين منها، وما كان يستتبع ذلك من ضرورة البحث ~~والتدخل في موضوع الحكومة الواجب إنشاؤها في مصر لتحقيق هذه الغاية، فكتب ~~«هوكسبري» إلى «إلجين» في 28 يوليو سنة 1801 «أن الحكومة البريطانية ترغب في ~~بقاء جزء من الجيش ms0080 البريطاني في مصر حتى موعد عقد السلام العام، وفيما يتعلق ~~بتسوية مسألة الحكومة الداخلية في مصر، فسياسية الحكومة الإنجليزية هي أن تقوم ~~بدور الوسيط بين الأحزاب المختلفة في مصر فتبذل قصارى جهدها لإنهاء الخلافات ~~القائمة بين هذه الأحزاب وديا»، والمقصود بهذه الأحزاب العثمانيون ~~والمماليك، ثم استطرد هوكسبري فقال: «ومن واجبنا أن نذكر دائما أنه مهما كانت ~~نتائج العمليات العسكرية فالمتوقع - أو المحتمل - أن الحكومة الفرنسية لن ~~تتخلى عن فكرة إقامة الحكم الفرنسي في مصر عند سنوح الفرصة؛ ولذلك فغرضها هو ~~بذر بذور الشقاق بين الجماعات أو الأحزاب المختلفة» أي العمل لمنع إقامة ~~الحكومة القوية التي في وسعها الدفاع عن مصر. # وهكذا بدأ - بصورة رسمية - التدخل في شئون مصر، واتخذ هذا التدخل شكل الوساطة ~~بين الباب العالي وبين المماليك. # على أنه كان من أهم أسباب التحول كذلك، من إظهار عدم الاهتمام إلى التدخل ~~الرسمي ما ظل يلح فيه الجنرال هتشنسون من وجوب هذا التدخل وفي صالح البكوات ~~المماليك أيضا. # مشروع هتشنسون # بينا فيما تقدم كيف أن هتشنسون كان يرى من خطل الرأي الاعتماد على الأتراك ~~وحدهم في الدفاع عن البلاد بعد نجاح العمليات العسكرية وانتهائها بطرد ~~الفرنسيين من مصر، ويرى من الحكمة أن يعهد بهذه المهمة إلى المماليك الأمر ~~الذي استلزم ترضيتهم مبدئيا حتى يتسنى الاطمئنان لقيامهم بهذه المهمة على ~~خير وجه، والأمر الذي اقتضى لهذا السبب نفسه التدخل في شئون مصر الداخلية ~~والبحث سلفا في نوع الحكومة المنتظر إقامتها في مصر بحثا جديا. # واعتمد هتشنسون في مسعاه على رسالة خاصة كان قد بعث بها «هسكيسون # Huskisson ~~» وكيل وزارة الحرب في وزارة ~~المستر بت Pitt # إلى السير رالف أبر كرومبي في ~~23 ديسمبر سنة 1800، يذكر لها فيها بعض المقترحات التي بدت لرجل أقام في مصر ~~وتركيا عشرين عاما «بشأن السياسة التي يجب اتباعها نحو البكوات المماليك ~~الذين سوف يزيدون صعوبات العمليات العسكرية في الحرب - ضد جيشي الشرق في مصر - ~~وأخطار هذه العمليات إذا استمر متعذرا فصل أولئك الذين انضموا منهم إلى ms0081 ~~الفرنسيين، واستمالتهم مع غيرهم من البكوات إلى الاشتراك في العمل من أجل طرد ~~الفرنسيين من مصر.» # وقد جاء في هذه الرسالة أنه من رأي «هسكيسون» أن البكوات إذا تقدموا للتعاون ~~مع الجيوش البريطانية والعثمانية، ففي وسعهم المساهمة بقدر كبير - في طرد ~~الفرنسيين - يفوق أثره كل الجهود التي قد تبذلها الإمبراطورية العثمانية لهذه ~~الغاية. كما كان من رأيه أنهم إذا لم يتقدموا للتعاون، فسوف يكون لوزنهم نفس ~~الأثر وبالنسبة ذاتها في ترجيح الكفة المضادة، ثم استمر «هسكيسون» يقول: إنه ~~يخشى الآن من أن هؤلاء البكوات والمماليك الذين كانوا قبل الغزو الفرنسي أسياد ~~البلاد الحقيقيين؛ قد يستبد الخوف بهم اليوم أكثر من أي وقت مضى من تلك ~~الآراء المناوئة لمصالحهم والتي صار يذيعها الباب العالي بعجلة ودون تبصر ~~بعد معاهدة العريش - وهي المعاهدة المعروفة التي كان الجنرال كليبر قد أبرمها ~~في 24 يناير سنة 1800 لجلاء الفرنسيين عن البلاد وتسليمها للعثمانيين ثم ~~نقضت بعد ذلك - وذلك فيما يتعلق بحكومة مصر المستقبلة أكثر مما يتعلق بطرد ~~الفرنسيين أو بتأسيس نفوذهم في مصر بعد خروجهم منها، وعلاوة على ذلك فقد أكد ~~«هسكيسون» في هذه الرسالة أن القبط واليونان وسكان مصر يفضلون ظلم المماليك ~~على ظلم الأتراك الذين يكرهونهم، «ومن المحتمل جدا أن يعد الصدر الأعظم ~~«يوسف ضيا» - لرغبته في التخلص من الفرنسيين - البكوات بعودة امتيازاتهم ~~وسلطاتهم السابقة إليهم، وأن الباب العالي سوف يكتفي بالاعتراف القديم بسيادته ~~على مصر ودفع الخراج بنظام أكثر من الأول، ولكن من المؤكد أن البكوات سوف لا ~~يثقون بهذه الوعود إلا إذا فهموا كذلك من قائد القوات البريطانية أبر كرومبي ~~نفسه أنهم في نظير انضمامهم إلى القوات الإنجليزية والعثمانية سوف يرون ~~العدالة تجري مجراها في هذه الشئون بقدر المساعدة التي يبذلونها في طرد ~~الفرنسيين.» # ونصح «هسكيسون» قائد القوات البريطانية بأن يجذب إليه مراد بك ويضمن تعاونه ~~معه تعاونا إيجابيا على أن يكون ذلك - إذا أمكن - بموافقة الصدر الأعظم، ~~وأما إذا ظل الصدر الأعظم عنيدا وظل في عماه لا يريد أن ms0082 يدرك مزايا ~~استمالة مراد بك وصداقته، وهي قضية تهتم بها إنجلترا اهتماما عظيما، بل ويجب ~~كذلك عدم تضحية مصالح تركيا نفسها بسبب غرور وصلف وغطرسة رجالها؛ فالواجب على ~~«إنجلترا» أن ترعى مصالح الأتراك في هذه الحالة بالرغم منهم. # وعلى ذلك فإنه ما إن تسلم «هتشنسون» القيادة منذ مارس سنة 1801، حتى وضع ~~نصب عينيه في الحقيقة تنفيذ هذا «البرنامج» الذي رسمه «هسكيسون» وإن كان هذا ~~البرنامج لا يعدو مجرد آراء خاصة بسطها الوزير الإنجليزي في رسالة خاصة للسير ~~«رالف أبر كرومبي»، وقد فسر «هتشنسون» ما تضمنته هذه الرسالة بأنه كان تعليمات ~~إلى «السير رالف» تطلب فيها حكومته أن يبذل كل ما وسعه من جهد وحيلة «لترضية» ~~البكوات واستمالتهم إلى الحكومة البريطانية، وأن «هسكيسون» على ما ظهر ~~«لهتشنسون» كان يتوقع أن يثير الأتراك صعوبات عدة لإبطال هذا المسعى، ولكنه ~~قال بوجود ضرورة قاطعة لرفض الرضوخ لهم، بل ويذكر أن الواجب يقتضي التغلب ~~على هذه الصعوبات خدمة للأتراك أنفسهم. # وواتت الفرص الجنرال «هتشنسون» لبدء هذا المسعى، عندما بعث إليه عثمان ~~الطنبورجي برسالة ينبئه فيها بوفاة مراد بك، ويعرض عليه انضمام المماليك إلى ~~الجيش البريطاني إذا وعدتهم الحكومة الإنجليزية بالعفو عنهم، وتعهدت بحمايتهم؛ ~~لأنهم؛ أي المماليك لا يثقون في الأتراك ووعودهم، وقد وصلت هذه الرسالة ~~«هتشنسون» في 5 مايو سنة 1801، في وقت قال القائد الإنجليزي: «إنه كان من ~~أشد لحظات حملته حروجة»؛ حيث كان يتأهب للزحف ومهاجمة الفرنسيين في الرحمانية، ~~وقد تفوق عليه هؤلاء بمدفعيتهم وفرسانهم، بينما تساوت قواتهم العددية مع ~~قواته؛ ولذلك رأى «هتشنسون» أن يحرمهم من حلفاء أقوياء؛ أي المماليك يمدون ~~الفرنسيين بفرسانهم، ويفيدونهم بمعلوماتهم المحلية فائدة كبرى، فاستند على ~~كتاب «هسكيسون» السالف الذكر، والذي وجد على حد قوله هو نفسه إنه ملزم ~~باعتباره تعليمات من حكومته، وبدأ صلته بعثمان بك الطنبورجي فورا، فكتب إليه ~~في اليوم نفسه من مقر قيادته برشيد في 5 مايو سنة 1801 أنه «مخول من الحكومة ~~البريطانية بمنحه العفو والحماية، وإعطائه الضمان لأملاكه وأملاك ~~أتباعه.» # ورسالة «هتشنسون» ms0083 لعثمان الطنبورجي هذه ذات أهمية كبيرة؛ نظرا لما اشتملت ~~عليه من توكيدات وارتباطات، صار من المتعذر على الحكومة الإنجليزية الإغضاء ~~عنها أو التحلل منها، سواء في علاقاتها مع البكوات المماليك أو مع الباب ~~العالي، بل وجدت في هذه الارتباطات التي ظل كثيرون من رجالها لا يعرفون مداها ~~على وجه الدقة فترة من الوقت، مبررا لنبذ سياسة عدم الاهتمام واستبدال سياسة ~~التدخل بها، والتوسط من أجل الوصول إلى اتفاق بين الباب العالي ~~والمماليك. # ففي هذه الرسالة كتب «هتشنسون»، أنه تسلم خطاب عثمان الطنبورجي، وأسف لوفاة ~~مراد، وسر لاختيار المماليك للطنبورجي خلفا له، ثم قال: ~~«وقد وصلتني تعليمات قاطعة وحاسمة من حكومة جلالة ملك بريطانيا ~~العظمى أن أظفر بودك وصداقتك، وأظفر بمحالفتك، وأبذل قصارى جهدي في ~~العمل لصالحك، ويجب عليك أن تعرف أنه عندما يتكلم قائد إنجليزي ~~باسم مليكه فإن كلمته تصبح مقدسة، فكن واثقا من أني سأنتهز كل فرصة ~~كي أصبح نافعا لك وللجنود الشجعان تحت قيادتك. # وتقول إنك تخشى الأتراك، ولكن هؤلاء حلفاؤنا، وقد كتب القبطان باشا ~~لمراد بك كتابا في لهجة ودية جدا، وتفصل بيني وبين القبطان باشا ~~مسافة كبيرة وأنا بعيد عنه حتى أعرف ما يفعله، ولكنني أعتقد أنه ~~يميل للانتصاف لكم، وأما من جهتنا فإني أعطيك حمايتي وحماية ~~الجيش الإنجليزي وأعدك بذلك وعدا أعظم ما يكون قدسية، ولك أن تعرف ~~أن الأمة الإنجليزية أمة تقوى وورع، تخشى الله وتعدل مع الإنسان، ~~ولم نعبر البحر حتى نأتي عملا سيئا مع أولئك الذين كانوا ~~أصدقاءنا، ولكننا جئنا لغرض واحد فحسب هو طرد الفرنسيين المغتصبين ~~الذين خربوا البلاد، وإعادة ما كان للجميع من أملاك وحقوق، فكن ~~واثقا من أني ساهر على مصالحك، وأنكم لا أنتم ولا أسركم يجب أن ~~تخافوا من أن يلحق بكم أي ضرر أو أذى، فإذا تفضلت بالحضور إلى ~~معسكري أو بإرسال أحد بكواتك، فسوف يتسنى لنا عندئذ وضع الترتيبات ~~التي تريدها، وإني أعدك بذلك قاطعا على نفسي أقدس المواثيق ~~والعهود، ويسرني جدا أن أشرك جيشي مع ms0084 جيشك في محاربة العدو معا، ~~ولكني أعتقد أن الحرب سوف تنتهي قريبا وأن الفرنسيين سوف يعجزون ~~عن مقاومة الأعداء المتحدين ضدهم.» # وفي ختام رسالته أكد «هتشنسون» على «الطنبورجي» بضرورة إرسال أحد البكوات ~~سريعا وأوصاه بالكتمان والسرية في كل أعماله، كما طلب أن يكون لدى هذا ~~المندوب السلطات التي تخوله إبرام الاتفاق مع «هتشنسون» وعمل الترتيبات ~~اللازمة. # ومن الآن فصاعدا اعتبر المماليك هذا الخطاب بمثابة الوثيقة الكبرى أو العهد ~~الأعظم، وتمسكوا به في كل علاقاتهم المقبلة مع الإنجليز؛ لأنه العهد الذي أوجب ~~على الإنجليز - في نظرهم - أن يعيدوا إليهم أملاكهم السابقة، وامتيازاتهم ~~أو حقوقهم التي كانت لهم قبل الغزو الفرنسي؛ أي معاونتهم على استرجاع سلطتهم ~~الفعلية في حكومة البلاد، ومع أن بعض السياسيين الإنجليز - كما فعل ~~ستراتون # Straton # من رجال السفارة ~~الإنجليزية في القسطنطينية وأوفد في مهمة بعد قليل إلى مصر على نحو ما سيأتي ~~ذكره - حاولوا التحلل من شطر من هذا العهد على الأقل بدعوى أن العهود التي ~~قطعها هتشنسون على نفسه كانت لضمان الطنبورجي وجماعته فقط، بدليل أن الكتاب ~~كان موجها إليه وحده، وبدليل أن هذا العهد لم يذكر شيئا عن إبراهيم بك ~~وجماعته، فصمت من ناحية هؤلاء، وليس لإبراهيم - لذلك؛ أي حق في مطالبة ~~الإنجليز بتحقيق الوعد الذي أعطى للطنبورجي، ولا يكون هتشنسون ملزما باتباعه ~~بالنسبة للطنبورجي وجماعته، فقد اتضح كما اعترف «ستراتون» نفسه في رسالته إلى ~~إلجين في 29 يناير 1802 أن هتشنسون على نحو ما يذاع في القاهرة قد أعطى ~~وعودا شفوية لإبراهيم بك وجماعته مشابهة لوعوده المكتوبة للطنبورجي بواسطة ~~الترجمان فيشنزو تابرنا # Vicenzo Taberna # وبحضور «روشتي» قنصل النمسا. # وأما هتشنسون فقد صار يعلل هذه الارتباطات التي ارتبط بها مع المماليك، أو ~~العهود التي قطعها على نفسه بإعادة سلطتهم السابقة إليهم بقوله - كما جاء في ~~رسالته إلى اللورد هوبارت من علقام في 2 يونيو سنة 1801 - «إنه لما كان ~~رجاؤه عظيما في أنه سوف يلقى مساعدة كبيرة من جانب المماليك الذين يفهمون ~~البلاد أفضل من سواهم؛ ms0085 فقد رأى استنادا على ما جاء في خطاب «هسكيسون» المؤرخ ~~في 22 ديسمبر سنة 1800 أنه ليس هناك ما يمنعه من أن يعرض على المماليك ~~حماية وضمان الحكومة الإنجليزية؛ لا سيما وأنهم أنفسهم قد طلبوا منه ذلك ~~قطعا قبل الانضمام إلى صفوف الإنجليز، ثم قال: وليس لدي أي شك في أنهم يفضلون ~~الفرنسيين على الأتراك الذين لا يثقون بتاتا في وعودهم ولا يعتمدون على هذه ~~الوعود إطلاقا؛ لأنهم مقتنعون تماما بأن الأتراك إنما يريدون إنهاء سلطتهم ~~في مصر بل وإبادة جنسهم وإفناءهم تماما، وهذا بينما يصبح التأكد من استقرار ~~حكومة هذه البلاد بعد مغادرة الفرنسيين لها الغرض الذي تعمل له الحكومة ~~الإنجليزية لما له من أهمية وخطورة»، وقد سبق لهتشنسون - كما قال - أنه ذكر في ~~رسالته لحكومته بتاريخ 3 أبريل سنة 1801: «أن الأتراك لن يستطيعوا الاحتفاظ ~~بمصر، وأنه ليزداد الآن يقينا من ذلك؛ لأن المماليك والعرب والقبط واليونان، ~~بل وكل إنسان في هذه البلاد؛ يكرهون الأتراك كرها عظيما، فإذا خرج ~~الفرنسيون والإنجليز قتل الأتراك نصف هؤلاء واستبدوا في طغيان عظيم بالنصف ~~الآخر، أما الآن - وقد استمال المماليك بالتعهدات التي أعطاها لهم - فإن ~~المماليك والعرب واليونان سوف يصيرون قوة يصعب على الأتراك التغلب ~~عليها.» # بل وذهب هتشنسون في تبرير مسلكه إلى أبعد من ذلك، فقال في رسالته إلى اللورد ~~هوبارت من الإسكندرية في 21 سبتمبر 1801: إنه لم يتجاوز فيما فعله الأوامر ~~والتعليمات التي ادعى ادعاء أنها صدرت إليه والسلطات المخولة له، فقال: ~~«ولقد أمرت بأن أفعل ذلك فصدعت بما أمرت به، إن الظروف ~~الملحة هي التي أوجبت ذلك وألزمته إلزاما، فالحكمة والسياسة ~~الرشيدة تسوغان هذا الإجراء في كل الأوقات.» # على أن من الثابت أنه لم تصدر إليه أية تعليمات في ذلك من حكومته، بل كل ما ~~استند إليه هتشنسون في خطوته هذه هو خطاب «هسكيسون» السالف الذكر للسير أبر كرومبي، كما كان من الواضح أنه قطع على نفسه هذه العهود لقاء ما كان ينتظره من ~~مساعدة المماليك له في الحرب الدائرة ms0086 ضد الفرنسيين، ومع ذلك فقد كتب هتشنسون ~~إلى إلجين قبل ذلك في 25 يوليو 1801: «إنه بالرغم من هذه التأكيدات بالعمل من ~~أجل منح المماليك العفو وإعطائهم أملاكهم وسلطاتهم السابقة؛ فقد ظلت الأمور ~~معلقة وتبودلت الخطابات بين هتشنسون وبينهم، وكان من الظاهر أن المماليك قد ~~اعتزموا التريث والانتظار حتى يروا أي الكفتين ستكون هي الراجحة في القتال ~~حتى ينضموا إليها»، وفي الواقع لم يهرع المماليك لمساعدة هتشنسون في ساحة ~~المعركة الفاصلة، فاستولى القائد الإنجليزي على العطف في 7 مايو من غير ~~اشتراكهم في القتال معه، ثم استولى بدونهم كذلك على الرحمانية وقبض عند قرية ~~كوم شريف على «كفالييه» # Cavalier # قائد قوات ~~الهجانة الفرنسي في 17 مايو، وكان الأخير قد خرج إلى إقليم البحيرة يجمع من ~~القرى المؤن والأغذية، فلما وجد المماليك أن كفة الإنجليز هي الراجحة، وأنهم ~~صاروا يزحفون على القاهرة اضطروا عندئذ لاتخاذ قرار أخير فكتبوا «هتشنسون» ~~بنفس الأسلوب الذي كتبوا به خطابهم الأول، وقال هتشنسون: «إنه أعطاهم نفس ~~الوعود التي أعطاهم إياها سابقا»، ولم تنضم طلائع المماليك إلى الإنجليز إلا ~~في 29 مايو عند طرانة؛ حيث استمر الزحف منها إلى القاهرة دون حادث، ومن ~~المعروف أن القاهرة سلبت من غير قتال في 27 يونيو سنة 1801 أي من غير أن ~~يكون للمماليك أي نصيب كذلك في هذا الحادث الهام. # ومع ذلك فقد بلغ اهتمام هتشنسون بتنفيذ وعوده مع المماليك حدا جعله يضع ~~مشروعا أو خطة لتنظيم حكومة مصر المستقبلة لتهيئة وسائل الدفاع عن مصر ومنع ~~سقوطها في يد الفرنسيين مرة ثانية، والغرض الذي استهدفه هتشنسون دائما في ~~نشاطه «وذلك بعد أن انضم البكوات إلى الجيش البريطاني على بعد خمس مراحل من ~~القاهرة» يرتكز على عودة امتيازات؛ أي سلطات المماليك وأملاكهم إليهم بعد طرد ~~الفرنسيين من البلاد، وعودة الأمور إلى ما كانت عليه سابقا؛ أي استرجاع ~~المماليك لسلطتهم الفعلية في الحكومة وهي السلطة التي فقدوها عند الغزو ~~الفرنسي، وقد ذكر هذا المشروع مفصلا الكلونيل «آرثر ~~أنستروثر # Arther ~~Anstruther ~~» من ضباط ms0087 الجيش البريطاني وقتئذ، في كتاب له بعث ~~به إلى اللورد هوبارت بعد هذه الحوادث بسنة تقريبا (8 مايو 1802) عندما ~~استشارته حكومته في نتائج مسعاها مع تركيا لتسوية مسألة المماليك، ومع أنه لم ~~يذكر تاريخا معينا لهذا المشروع، فالظاهر أنه وضع وقت انضمام البكوات إلى ~~القوات البريطانية عند طرانة؛ أي حوالي 29 مايو سنة 1801، كما يستدل مما جاء ~~في هذه الرسالة ذاتها. # وأما تفصيلات هذا المشروع فهي، أولا: أن يكون للأتراك وحدهم امتلاك ~~الإسكندرية ورشيد ودمياط، وأن يحتفظوا بحامية في قلعة القاهرة، وثانيا: أن ~~يعين الباب العالي كما كان يحدث في الماضي باشا؛ أي واليا يفصل في المنازعات ~~التي تقوم بين البكوات، ويعين رئيسهم - أو زعيمهم - عند خلو هذا المنصب، وأن ~~يكون له؛ أي لهذا الباشا حكومة البلاد العامة، وثالثا: أن تزاد قيمة الميري - ~~أو الخراج - الذي يدفعه البكوات، وأن يدفع هذا الميري دون أي استنزال منه، ~~فيتسلمه محصل عام يعينه الباب العالي، ورابعا: أن يسترد البكوات جميع ~~أملاكهم، وأن يعود لهم الحق كاملا في تصريف شئون هذه الأملاك كما كان الحال ~~سابقا، مع الخضوع لقيود معينة فيما يتعلق بالضرائب أو المال الذي يجبى من ~~السكان، وعلى شريطة أن يحتفظوا بعدد معين من الرجال يتناسب مع اتساع أملاك ~~كل «بك» منهم. # وظاهر من هذا المشروع - كما أسلفنا - أن القاعدة الأساسية التي ارتكز عليها ~~كانت استرجاع المماليك لجميع امتيازاتهم وحقوقهم التي تمتعوا بها قبل مجيء ~~الحملة الفرنسية، ثم وضع حكومة البلاد الفعلية في أيديهم مع بقائهم تحت سيادة ~~تركيا الاسمية التي يمثلها رسميا وجود الباشا العثماني في مصر، ودفع الخراج ~~للباب العالي، وظاهر كذلك أن هذا المشروع كان في صالح المماليك، وهم الذين ~~اعتقد «هتشنسون» واعتقدت الحكومة الإنجليزية كذلك أن في وسعهم الدفاع عن ~~مصر. # على أنه مما يجدر ذكره أن «هتشنسون» لم يستشر حلفاءه الأتراك في هذا ~~الترتيب وقت وضعه، مع العلم بأن القبطان حسين باشا كان معه عندما أكد القائد ~~الإنجليزي وعوده للمماليك وقت مقابلتهم له بعد حادث «كفالييه»، بل ms0088 وجعل ~~القبطان باشا يعدهم في حضوره بإرجاع ممتلكاتهم وامتيازاتهم السابقة إليهم ~~بضمان «هتشنسون». # غير أن المماليك «اشتكوا من هذه الشروط في أول الأمر واعتبروها غير مفيدة ~~لهم، بل وتضعهم في مركز يقل كثيرا عن ذلك المركز الأول الذي تمتعوا به ~~سابقا»، وكان بعد تردد أن وافقوا عليها، ولما كان «هتشنسون» لم يستشر ~~القبطان باشا أو الصدر الأعظم يوسف ضيا في أمرها فقد امتنع كلاهما عن قبولها ~~ولكنهما وافقا عليها بعد تردد، وكان ذلك - ولا شك - نتيجة لضغط «هتشنسون» ~~عليهما؛ لأنه كما قال: «قد أوضح للقبطان باشا مبلغ اهتمام الحكومة البريطانية ~~بهذا الموضوع ورغبتها في حماية المماليك، وجعله يعطي كتابة كل التأكيدات ~~اللازمة للمماليك»، وعلى ذلك فإنه بمجرد تسليم القاهرة في 27 يونيو صار ~~الصدر الأعظم والقبطان باشا ينتحلان مختلف الأعذار للتحلل من هذه الشروط وعدم ~~تنفيذها. # وكانت مهمة «هتشنسون» في الشهور التالية حتى وقت رحيله من مصر أن يطالب ~~الصدر الأعظم والقبطان باشا، ثم «الريس أفندي» بتنفيذ الارتباطات التي ارتبط ~~بها مع البكوات المماليك أمام إلحاح هؤلاء في مطالبة «هتشنسون» بتنفيذ وعوده ~~لهم. # فقابل القائد الإنجليزي ومعه سكرتير «إلجين» الخاص المستر «هاملتون» # William ~~Richard Hamilton # الصدر والقبطان، وكان «إلجين» قد بعث سكرتيره من ~~القسطنطينية عندما طلب «الريس أفندي» بقاء جزء من الجيش البريطاني في مصر بعد ~~طرد الفرنسيين منها، فتمت المقابلة في 9 يوليو ووعد الصدر والقبطان بالنظر ~~في مطالب المماليك وإعادة قراهم وأملاكهم إليهم سريعا، ولكن «هتشنسون» اعتقد ~~أن القبطان باشا على وجه الخصوص كان مخاتلا وغير مخلص في وعوده، وقال ~~«هتشنسون» إنه اكتشف بعد ذلك أن القبطان باشا لم يكن معاديا للمماليك فحسب، ~~بل وشديد العداوة لأي تدخل في موضوع الحكومة المنتظر إقامتها في البلاد، أو ~~التسوية النهائية التي يجب إقرارها. # وكان «هتشنسون» محقا فيما ذهب إليه؛ لأن تعليمات وأوامر الباب العالي ~~كانت وقتئذ - وعلى نحو ما ذكرنا عند الكلام عن تركيا والمماليك - إرجاع البلاد ~~إلى حظيرة الدولة العثمانية كمقاطعة من مقاطعات هذه الدولة فحسب، مع إلقاء ~~القبض ms0089 على أكبر عدد مستطاع من هؤلاء المماليك وإرسالهم إلى القسطنطينية، وعلى ~~ذلك فقد بعث المماليك في 14 يوليو يشكون إلى «هتشنسون» من عدم تنفيذ ~~الصدر الأعظم لوعوده وانتفاء أي ضمان يطمئنهم على أرواحهم أو أملاكهم، ~~ويبلغونه عزمهم على الذهاب إلى الصعيد؛ حيث يستطيعون الدفاع عن أنفسهم بقدر ~~المستطاع في هذه الجهات البعيدة. # وأزعج قرار المماليك هذا هتشنسون إزعاجا كبيرا؛ لأنه يحرمه من القوة التي ~~اعتقد أن في وسعها وحدها الدفاع عن البلاد في وقت كان لا يزال فيه الجنرال ~~«منو» متحصنا بالإسكندرية، وليس هناك في نظر هتشنسون ما يمنع الفرنسيين من ~~إنزال قوات جديدة في مصر، وخشي القائد الإنجليزي إذا حدث ذلك أن يقبل المماليك ~~على مساعدتهم مساعدة جدية، «ولذلك - كما قال هتشنسون - رأى لزاما عليه إذا ~~تعذر إنشاء صلات ود وصداقة بينهم وبين الأتراك، أن يبذل قصارى جهده على الأقل ~~حتى يجعل المماليك معادين للفرنسيين»، فكتب إلى الريس أفندي في 17 يوليو ~~إنه علم - بكل أسف - أن الصدر الأعظم بالرغم من وعده له بإرجاع قرى وأملاك ~~المماليك إليهم لم يكتف بعدم السماح للمماليك بتسلم بيوتهم في القاهرة، ~~بل في طردهم منها بما في ذلك أرملة مراد بك، ومهمتي إبلاغك أن المماليك تحت ~~حماية «إنجلترا»، وحسب الأوامر التي وصلته قد وعدهم بالعفو والحماية وكسبهم ~~إلى جانبه وجانب حلفائه الأتراك بفضل الوعود التي يعتبرها مقدسة أعظم تقديس، ~~ولا يريد خيانتهم في اللحظة التي يعتبر انضمامهم فيها إلى البريطانيين ~~والأتراك على جانب عظيم من الأهمية؛ ولذلك فهو يطلب من الريس أفندي رسميا أن ~~يعطي الصدر الأعظم وعدا كتابيا إلى المماليك بإعادة أملاكهم وقراهم إليهم ~~فورا، وقال هتشنسون: «وأما إذا كان «الريس أفندي» يعتقد أنه بالقضاء على ~~المماليك يستطيع الاستقرار في مصر، فإنه يخطئ خطأ كبيرا؛ لأن هذه إنما هي ~~الطريقة الأكيدة لإثارة الحرب الأهلية، والتي بها يفقد «العثمانيون» مصر كذلك؛ ~~لأن «الإنجليز» لا يمكنهم أن يعودوا مرة ثانية لفتح البلاد وإعادتها إليهم ~~...» # وبعد يومين من إرسال هذا الكتاب طلب الصدر الأعظم مقابلة ms0090 «هتشنسون»، وطلب ~~إليه؛ حيث إنه يرغب في إجابة رغباته بشأن المماليك، أن يبين له الأساس الذي ~~يجب أن يقوم عليه الترتيب الذي ذكر «هتشنسون» للصدر قبل ذلك أنه موجود بينهم ~~وبين الباب العالي، فذكر هتشنسون موجز مشروعه الذي سبقت الإشارة إليه والذي ~~يهدف - كما قال - «لإقامة حكومة في مصر على دعائم ثابتة مستديمة، الأمر الذي ~~لا يتسنى بتاتا تحقيقه بدون معاونة أو مساعدة المماليك، ولو أن «هتشنسون» ~~يعتبر من واجبه أن يعلن للصدر الأعظم أنه ينظر دائما للمماليك كرعايا للسلطان ~~العثماني، وأن مصر ملك للسلطان العثماني لا المماليك، وأن هؤلاء قد اعترفوا ~~بهذه السيادة، وأنه كان على هذا الأساس أن أعطيت لهم حماية بريطانيا»، على ~~أن يقوم المماليك من جهتهم بدفع الخراج مع زيادة قيمته لتعويض السلطان عن ~~نفقات الحرب، وعلى أن لا يكون الباشا المرسل من القسطنطينية سجينا في القلعة، ~~فوعد الصدر بإرجاع بيوت المماليك وأملاكهم إليهم، ودعا هؤلاء لمقابلته وأكد ~~لهم ذلك (22 يوليو)، وبدأ ينفذه فعلا، وأبدى المماليك ارتياحهم، «وبدا أن كل ~~شيء في هذه اللحظة قد سوي». # ولما كان «هتشنسون» يعتزم مغادرة القاهرة إلى الإسكندرية، فقد بعث بكتاب إلى ~~الريس أفندي في 23 يوليو يخبره بما حدث ويوضح مزايا ترضية المماليك «الذين ~~في وسعهم أن يصبحوا إما حلفاء نافعين كل النفع، وإما أعداء خطرين كل الخطر»، ~~وقال إن هؤلاء قد تركوه في هذه اللحظة وهم شاكرون، «ويريدون إظهار مبلغ خضوعهم ~~كرعايا مخلصين دائما للحكومة العثمانية.» # وقد علق «هتشنسون» نفسه على خطابه «للريس أفندي» عندما كتب إلى اللورد ~~«إلجين» من القاهرة في 25 يوليو يعرض الأسباب التي دعت إلى الارتباط مع ~~المماليك، والخطوات التي قام بها من أجل الوصول إلى اتفاق بين هؤلاء وبين ~~الصدر الأعظم والقبطان باشا على أساس المشروع الذي ارتبط به «هتشنسون» فيما ~~يتعلق بإرجاع سلطة المماليك الفعلية في الحكومة المنتظر إنشاؤها إلى ما كانت ~~عليه عند الغزو الفرنسي، فقال «هتشنسون» في تعليقه: إن رسالته إلى «الريس ~~أفندي» لا تعدو كونها مظاهرة فحسب؛ لأنه ms0091 لا يريد أن يلزم نفسه بارتباطات ~~أبعد مما فعل، وحاول جهد طاقته أن ينقذ أكثر ما يمكن إنقاذه من شرف الحكومة ~~العثمانية؛ لأنه حرص قبل كل شيء على مداراة كبريائهم وغرورهم دون التسليم ~~بشيء جوهري؛ ولذلك فقد صاغ كتابه في عبارات عامة بقدر المستطاع. # ومعنى ذلك - كما هو واضح - أن «التسوية» التي وصل إليها «هتشنسون» والتي ~~اعتقد أنها نهائية، كانت في صالح «المماليك»، وأن «هتشنسون» أرغم الصدر ~~الأعظم والقبطان باشا على قبولها دون أن يسلم بشيء قد ينال من شروطها ~~الجوهرية، وأنه عندما ذكر خضوع المماليك واعترافهم بسيادة الباب العالي كان ~~يعتقد أن هذا الوعد من جانب المماليك لا بد أن يكفي في نظر الصدر الأعظم ~~والقبطان باشا لرضوخهم لإلحاحات «هتشنسون» بإرضاء كبريائهما، وقد أظهرت ~~الحوادث بعد ذلك أن «هتشنسون» كان مخطئا في كل ما ذهب إليه، ولعل مبعث هذا ~~الخطأ اعتراف «هتشنسون» نفسه بأنه يتعذر عليه أن يرى طريقه واضحا في هذه ~~المسألة الخطيرة. # فقد قال في كتابه هذا إلى «إلجين» في 25 يوليو سنة 1801 إن السبب في إزعاجه ~~بكل تفصيلات مساعيه التي قام بها من أجل الوصول إلى تسوية مسألة المماليك، هو ~~خطورة هذه المسألة ذاتها؛ لأن التعليمات التي لديه «شبه رسمية على أقل تقدير»، ~~ونحن كما رأينا لم تصدر إليه تعليمات من حكومته سوى تلك التي بعث بها إليه ~~اللورد هوبارت في 19 مايو وقد وصلته في 21 منه، وهي مبنية على عدم التدخل ~~في شئون مصر إلا فيما يتعلق بوضع قسم من الجيش بالإسكندرية وأبي قير «للاحتراس ~~من مشروعات الحكومة الفرنسية العدوانية على مصر» - ولكنه كما استمر يقول: «وجد ~~لزاما عليه، ومن واجبه تحت مسئوليته الخاصة حتى ولو لم تكن لديه تعليمات ~~بالمرة - وهو ما وقع - تحت ضغط الظروف، أن يعد المماليك بالعفو والحماية، ~~وبالاختصار أن يمنعهم من إلقاء أنفسهم في أحضان الفرنسيين»، ثم راح يكرر نفس ~~الحجج والدعاوى التي تذرع بها سابقا من حيث «أن المماليك في وسعهم أن ~~يصبحوا حلفاء نافعين أو أعداء ms0092 خطرين، وأنه مهما تكن وجهات نظرهم فهم جنود ~~تتغلغل فيهم روح الجندية الصحيحة، وأصحاب نفوذ عظيم في البلاد ولهم أتباع ~~عديدون، والسبب في ذلك أنهم مسلحون. # وسبب آخر، هو أن البلاد تكره الأتراك، فالقبط والمسيحيون واليهود واليونانيون ~~والمصريون يكرهونهم ويكرهون حكومتهم، وأن الأتراك عاجزون عن الاحتفاظ بهذه ~~البلاد، ولن يستطيعوا ذلك بتاتا بقواتهم هم وحدهم؛ ولذلك فالواجب يقتضيهم أن ~~يربطوا أنفسهم بحلفاء نافعين هم المماليك الذين يفهمون - بحكم العادة - ~~أساليب حكم المصريين والعرب أعظم بكثير جدا مما يدعيه الأتراك، ولا ~~جدال في أنه من الصواب في الوقت الحاضر أن يطرد الفرنسيون من مصر، ولكن يتوقف ~~منع عودتهم في المستقبل على الأقل على «المماليك»، كما يتوقف على ~~«البريطانيين»، ولا يقيم «هتشنسون» للأتراك وزنا في هذه المسألة كلية، ومن ~~المحزن حقا أن يشهد الإنسان تلك الشراذم من الدهماء التي يسمونها جيشا، ~~وحتى يستطيع المرء أن يرى الغباء والخمول المسيطر على رؤسائهم يجب عليه أن ~~يقيم بنفسه بينهم، فهم - بعبارة عامة - أشرار عجزة ولا كفاءة لهم، ولا ~~يستطيع الإنسان أن يتعامل معهم كما يتعامل مع أناس عاديين، فلا عقل ولا ~~تدبير ولا عواطف إنسانية لهم.» # وقد غادر «هتشنسون» القاهرة في 26 يوليو قاصدا إلى رشيد، ومنها إلى ~~الإسكندرية، وبعث من الإسكندرية في 21 سبتمبر بكتاب إلى اللورد «هوبارت» لا ~~يخرج في معناه عما جاء في كتابه إلى اللورد «إلجين»، يذكر ما حدث، ويحاول أن ~~يبرر مسلكه في ارتباطاته مع المماليك، ولكنه ما كاد يمضي شهر واحد على ~~كتابة رسالته الأخيرة هذه، حتى وقعت مكيدة الصدر الأعظم والقبطان باشا في ~~أكتوبر، وهي المكيدة المعروفة التي ذهب ضحيتها عدد من المماليك وسجن آخرون، ~~لإرسالهم إلى القسطنطينية، وأثبتت فشل التسوية التي وضعها «هتشنسون»، وكان لها ~~أثر كبير من ناحية أخرى على احتضان الحكومة الإنجليزية لجوهر مشروع ~~«هتشنسون»، على أساس ترضية المماليك، والوصول إلى اتفاق اعتقدت الحكومة ~~الإنجليزية أنه أكثر استدامة وبقاء من الاتفاق الذي توصل إليه ~~«هتشنسون». # وساطة الإنجليز لصالح المماليك # فقد كان من أثر التقارير ms0093 والرسائل التي بعث بها «هتشنسون وإلجين» إلى ~~حكومتهما، استرعاء لنظر الحكومة الإنجليزية، وإقناعها بضرورة أخذها بعين ~~الاعتبار لمسألة البكوات عند بحث موضوع الحكومة المنتظرة في مصر والتي يجب ~~ضمان استقرارها حتى تستطيع دفع الغزو الفرنسي إذا تجدد، أن اهتمت لندن ببحث ~~هذا الموضوع، وزاد اهتمامها - على وجه الخصوص - عندما علمت بأن هناك ارتباطات ~~من جانب قائد قواتها في مصر مع البكوات المماليك لم تكن تعرف مداها، حتى إن ~~اللورد «هوبارت» عندما وصلته في 22 يوليو رسالة «هتشنسون» التي بعث بها ~~إليه من علقام في 2 يونيو يتحدث فيها عن كتاب «هسكيسون» المعروف إلى السير ~~«رالف أبركرومبي»، ويذكر رأيه في الأتراك والمماليك، والوعود التي بذلها ~~للأخيرين، لم يلبث أن أجاب في 22 يوليو بأنه من الصعب على الوزير بسبب بعد ~~مسرح العمليات العسكرية وطبيعة الخدمة أو العمل الذي يقوم به «هتشنسون»، أن ~~يصدر إليه تعليمات ما، ولكنه يكتفي بإبداء بعض الملاحظات، فيقول فيما يتعلق ~~بمسلك «عثمان بك الطنبورجي» وشجاعة فرسان المماليك الذين يسدون خدمات هامة، ~~إنه لما كان لا يعرف مدى ما فعله «هتشنسون» بخصوص الارتباطات والتعهدات التي ~~دخل فيها وقطعها على نفسه «إنه يجب المحافظة بدقة على سمعة بريطانيا وشرف ~~كلمتها، ليس في هذه المسألة فحسب، بل وفي كل المسائل وجميع الحالات التي يكون ~~من الحكمة والمفيد صدورها من جانبها؛ ولذلك يجب الاحتياط عند إعطاء مثل هذه ~~الكلمة فلا يكون ذلك إلا عند الضرورة القصوى.» # وعلى ذلك فإنه بينما كان «هتشنسون» يحاول وضع اتفاق ينظم شئون مصر الداخلية ~~كانت هذه المسألة محل عناية الحكومة الإنجليزية، لا سيما وأن «إلجين» قد بادر ~~بإبلاغ حكومته منذ يونيو برغبة الباب العالي في معرفة رأي الحكومة الإنجليزية ~~بصدد «الحكومة المنتظر إنشاؤها في مصر عند طرد الفرنسيين منها»، فقدم ~~«مورييه # J. J. Morier ~~» بعد عودته من مصر ~~مذكرة لحكومته في 7 يوليو سنة 1801 «فيما يتعلق بآرائه خاصة»، وكان «مورييه» ~~سكرتيرا للورد إلجين، أوفد في العام السابق في مهمة لدى جيش الصدر الأعظم ~~الزاحف على ms0094 مصر، ودخل «مورييه» القاهرة مع الأتراك بعد اتفاق العريش، ثم ~~استطاع الذهاب إلى دمياط بعد هزيمة الصدر الأعظم في معركة هليوبوليس، وحاول ~~السفر منها بحرا للحاق بالسير سدني سميث، ولكن العواصف أرغمته على الالتجاء ~~إلى بحيرة البرلس، ثم أخذه الفرنسيون منها إلى رشيد، ثم سمحوا له بالذهاب إلى ~~السير سدني على ظهر بارجته «تيجر». # وكان موضوع المذكرة التي قدمها مورييه حينذاك هو بحث الحلول التي يتسنى ~~بفضلها لبريطانيا أن تمنع الفرنسيين من العودة إلى مصر، فاقترح مورييه حلولا ~~ثلاثة: أولها: إعطاء مصر للأتراك مع بقاء حامية بريطانية فيها لقاء أن ينال ~~الإنجليز مزايا تجارية، وفي هذه الحالة يجب القضاء على المماليك. وثانيها: ~~احتلال البريطانيين لمصر كما فعل الفرنسيون، ولو أن هذا الاحتلال سوف يتخذ ~~حينئذ مظهر الفتح ويثير أهل البلاد ضده، ويرى «مورييه» من الحكمة والسياسة عند ~~قبول هذا الحل، أن يعاد بعض بكوات المماليك إلى الحكم، مع تعيين قومسيير - أو ~~مندوب - إنجليزي إلى جنب كل واحد منهم. وثالثها: امتلاك البريطانيين لمصر، ~~وقد علل «مورييه» هذا الحل بأنه خير من تخريب البلاد بالفيضان، الأمر الذي لا ~~ندحة عنه في رأيه على ما يظهر إذا تعذر الحلان الأولان، فضلا عن أنه ~~يقرب البريطانيين من أملاكهم في الهند. # والنقطة البارزة في هذه الحلول التي اقترحها «مورييه» القضاء على المماليك ~~إذا أعيدت مصر إلى تركيا، واستبقاؤهم إذا خضعت البلاد لاحتلال البريطانيين أو ~~امتلاك البريطانيين لها، ثم بقاء قوات بريطانية في مصر إذا استرجعها الأتراك ~~على اعتبار أنه من المتعذر الدفاع عن البلاد بدون معاونة الجيش البريطاني، كما ~~أخذت هذه المقترحات في الحل الثاني وفي الحل الثالث ضمنا مسألة الاستعانة ~~بالمماليك في الحكم والدفاع بعين الاعتبار، وترتكز جميع هذه الحلول على مبدأ ~~جوهري هو عدم استطاعة الأتراك وحدهم الاحتفاظ بمصر أو الدفاع عنها ضد الغزو ~~الفرنسي إذا تجدد. # وكانت مقترحات «مورييه» فيما انطوت عليه من معنى الاعتماد على الجيش ~~البريطاني في الدفاع، ثم على المماليك سواء في المساهمة في الحكم أو في الدفاع ~~كذلك ms0095 عن البلاد متمشية مع مجرى السياسة البريطانية ذاتها، ومتفقة في مرماها ~~مع الغايات التي استرشدت بها الوزارة الإنجليزية وقتئذ. # فقد بحثت الوزارة الإنجليزية موضوع أفضل الحكومات التي يجب إنشاؤها في مصر؛ ~~لإسداء الرأي للباب العالي - على نحو ما طلب - بعد الوصول إلى قرار بشأنها، ~~واسترشدت من أول الأمر بقاعدة الوساطة على نحو ما أوضحها اللورد هوكسبري إلى ~~إلجين في 28 يوليو بين الجماعات أو الأحزاب المختلفة، وقد أسفر بحث الوزارة ~~عن «مشروع لحكومة مصر بعد خروج الحملة الفرنسية» يتألف من تسع مواد استهلته ~~بقولها: إنه يؤخذ من كتابات الرحالة الذين زاروا مصر أن الحكومة التي قامت ~~فيها قبل امتلاك الفرنسيين لها كانت تتميز بثلاث ميزات ظاهرة: أولها: أن سيادة ~~الباب العالي كانت اسمية. وثانيها: أن سلطة المماليك كانت مطلقة. وثالثها: أن ~~سواد الشعب كان يعيش في بؤس وتعاسة، على أن هذا النظام السيئ كان لا محالة من ~~تغيره تغيرا ملحوظا لو أن الفرنسيين استمروا في امتلاك البلاد بضع سنوات ~~أخرى؛ لأنه كان من المنتظر عندئذ أن تملي عليهم سياستهم ومصلحتهم خطة تشجيع ~~وحماية القبط واليونان والعرب على العمل والاستفادة من الزراعة والتجارة، ثم ~~تخضع قوة المماليك لأغراض الأمن والسلامة والدفاع الهامة. # وعرض المشروع لمسألة احتلال البريطانيين للبلاد، فقال إنه إذا أتيح ~~«للإنجليز» أن يخلفوا الفرنسيين في ممارسة حقوق السيادة في مصر، فمن المحتمل ~~الوصول إلى هذه النتائج؛ لأن حكومتهم التي ينشئونها في مصر عندئذ سوف تكون ~~مشبعة بروح لا يمكن أن تسمح بتقوية رعاياها إلى الدرجة التي يستطيعون بها ~~مقاومة سلطان الدولة - كما فعل المماليك في بعض الشئون المالية - ولا يمكن ~~أن ترضى بتعرض الطبقات الدنيا والفقيرة والعاملة للنهب والسلب والظلم كما ~~كان الحال في ذلك الوقت، وما دام الجيش البريطاني يظل باقيا في مصر فليس من ~~المتوقع أن يحدث ذلك، وقد أثبتت التجارب أنه يخشى إذا استعاد العثمانيون ~~سلطانهم وتركوا وشأنهم أن يخيم الخمول على البلاد، وأن تنتشر بها المفاسد ~~والمساوئ، وأن يستأنف المماليك استغلالهم للبلاد جريا على عادتهم ms0096 القديمة ~~نتيجة لذلك، فيتعرض السكان لأنواع المظالم والمغارم التي يفرضها عليهم ~~الفريقان: «العثمانيون والمماليك» على السواء، ويعودون إلى حالة البؤس والشقاء ~~التي كانوا عليها، ولا يحول دون وقوع هذا كله سوى نفوذ «الحكومة الإنجليزية» ~~وحده، وإذا لم يستخدم هذا النفوذ الآن لمعاونة وزراء الباب العالي في إدخال ~~نظام جديد للحكم، وإذا لم يكن هذا النظام مؤسسا على مبادئ تؤمن للشعب ~~الامتيازات والحقوق التي يجب أن ينالها الآن، ويمهد - بوسائل إجبارية - إقامة ~~قوة عسكرية تحت نظام دقيق صارم؛ فإنه من المحتمل كثيرا أن يلقى الفرنسيون ~~ما يشجعهم على القيام بمحاولة أخرى لغزو مصر، وأن ينجحوا في آخر الأمر في ~~إخضاع هذه البلاد لسلطانهم. # ثم استطرد المشروع يقول: «إنه لا يبدو من المتعذر موافقة الوزراء العثمانيين ~~- بسبب ما ظهر من ميول هؤلاء لسؤالهم رأي الحكومة الإنجليزية - على المقترحات ~~التي تقدمها الحكومة الإنجليزية إليهم لتأييد سلطانهم في مصر؛ ولذلك رأت ~~الوزارة الإنجليزية عرض النقاط التسع الآتية كشرائط لقبولها الاشتراك في ~~وضع ترتيب الحكومة المنتظر تأسيسها في مصر.» # أما أول هذه الشروط فهو تحديد حقوق وامتيازات المماليك ومدى ولايتهم ~~القضائية على أراضيهم، وتحديد طبيعة ومدى عسكريتهم، وجعل امتلاكهم لأراضيهم ~~مشروطا بقيامهم بخدماتهم العسكرية. وثانيها: وضع قواعد ثابتة لإيرادات ~~الدولة، سواء من البيوع أو الضرائب على التجارة، أو من أي مورد آخر، ~~فتنظم هذه القواعد فئاتها، وتوقع عقوبة رادعة على موظفي الحكومة الذين ~~يحصلون غصبا مبالغ غير التي تحددها هذه الفئات الرسمية. وثالثها: أن يخصص ~~جزء معين من إيرادات مصر العامة لسد نفقات القوات العسكرية النظامية ~~التي تتشكل تحت إشراف وهيمنة ضباط بريطانيين. ورابعها: أن يستمر استخدام ~~القوات العثمانية النظامية الموجودة الآن في مصر، وتؤلف جزءا من القوات ~~العسكرية المنصوص عليها في الشرط السابق. وخامسها: أن يجرى جمع قوات أخرى من ~~ألبانيا وغيرها من أملاك السلطان العثماني الأوروبية، ومن مصر كذلك لهذه ~~الخدمة، وأن يستمر جمع هذه القوات حتى يكتمل تأليف القوات العسكرية النظامية ~~المنصوص عليها. وسادسها: أن يتسلم القيادة العليا لهذا الجيش - إذا كان ms0097 ~~ممكنا - ضابط بريطاني، وأن لا يدفع شيء من الأموال المخصصة لهذا الجيش ~~إلا بأمر منه. وسابعها: أن تخول التعليمات هذا الضابط «البريطاني» الاحتجاج ~~لدى ممثلي الباب العالي في مصر في كل الحالات التي تتخذ فيها إجراءات خارقة ~~للمبادئ التي يجب وضعها الآن فيما يتعلق بالامتيازات التي للمماليك، وحقوق ~~الشعب المعترف بها، أو تحصيل الأموال المخصصة للشئون العسكرية ووجوه إنفاقها ~~عليها. وثامنها: أن تجرى الترقيات في الجيش النظامي بناء على توصية الضابط ~~البريطاني، وأن يرجع إليه في كل تفصيلات الشئون العسكرية. وتاسعها: وضع حامية ~~من الجنود الذين في خدمة بريطانيا العظمى في حصن - أو قلعة - الإسكندرية طوال ~~الحرب الحاضرة، يقوم الباب العالي بسداد نفقاتها، على أن يؤخذ ذلك من الأموال ~~المخصصة للقوات العسكرية النظامية التي سبق ذكرها. # وقال المشروع إن فتح مصر قد صار الموضوع المحبب إلى الحكومة الفرنسية، ~~ويلحق تحقيقه أبلغ الأذى بمصالح الإمبراطورية البريطانية الجوهرية؛ ولذلك فمن ~~الحكمة أن تفيد الحكومة الإنجليزية من هذه الفرصة المواتية لها لتضع في يد ~~الباب العالي الوسائل التي تمكنه من إحباط أغراض فرنسا دون حاجة للالتجاء ~~إلى جيش بريطاني؛ لأنه مهما كان ضغط الظروف التي سوغت المجهود العظيم الذي ~~قامت به بريطانيا في الحالة الراهنة؛ لطرد الفرنسيين من مصر؛ فليس من المتوقع ~~في المستقبل أن تبذل بريطانيا هذا المجهود مرة أخرى. # واختتم الوزراء الإنجليز مشروعهم بإظهار تفاؤلهم، حسبما بلغهم من اللورد ~~إلجين، بأن الباب العالي سوف يقبل هذا البرنامج الذي يحقق الأغراض المباشرة ~~المنشودة، والذي يمكن من تفوق واستعلاء النفوذ الإنجليزي في القسطنطينية، ~~الأمر الذي يعود بالنفع كذلك على التجارة البريطانية في الليفانت، فاعتد ~~الوزراء الإنجليز بمشروعهم لما كانوا ينتظرونه من مزايا عند تحقيقه، وضرورته ~~في تحسين أحوال أناس يعيشون في بؤس وتعاسة لا نظير لهما على وجه الأرض، ~~وتعطيل أعظم مشروع قامت به فرنسا حتى هذا الوقت، وفتح أسواق مصر لتجارة ~~بريطانيا. # ولكن الوزراء الإنجليز كانوا واهمين في كل ما ذهبوا إليه؛ لأن مشروعهم لو ~~نفذ لوضع مصر بأسرها تحت نفوذهم، وأخضعها ms0098 لسيطرتهم العسكرية ~~والاقتصادية، وذلك كله دون أن يتحمل الإنجليز شيئا من النفقات التي ~~يستلزمها تنفيذ هذا الترتيب الذي ابتكروه، ولا تجني تركيا نفعا منه، بل يعود ~~عليها تنفيذه - من وجهة نظرها - بكل الضرر؛ لأن المشروع - في أبسط صورة - ~~يحرمها حتى من ذلك النفوذ الضئيل الذي ضمنه لها وضع البلاد قبل الغزو ~~الفرنسي، وهو وضع لم ترض به تركيا وأرادت على نحو ما سبق القول أن تستبدل به ~~وضعا آخر يخضع مصر لسيطرتها التامة كمقاطعة عادية من مقاطعات الإمبراطورية ~~العثمانية. # زد على ذلك أن الباب العالي عندما سأل الحكومة الإنجليزية رأيها - عن طريق ~~سفيرها بالقسطنطينية - إنما كان يريد في واقع الأمر جس نبض اللورد إلجين ~~وحكومته؛ لمعرفة مدى ما يريد الإنجليز أن يذهبوا إليه في إرضاء المماليك ~~وما يريدون إعطاءه لهم. # وقد أيدت الأخبار الواصلة من مصر مخاوف الأتراك من ~~ناحية الإنجليز ونشاطهم مع المماليك، ومساعي الجنرال «هتشنسون» معهم على وجه ~~الخصوص، وقد أبلغ «كيث # Keith ~~» قائد القوات ~~البحرية اللورد إلجين في أول أغسطس أن القبطان باشا «شديد الغيرة مما يبديه ~~«هتشنسون» من اهتمام بالمماليك وعناية زائدة بهم»، لا سيما وقد صارت تردد ~~الإشاعات في مصر - كما ذكر كيث - «أن المماليك يقولون إنه بمجرد مغادرة ~~البريطانيين سوف يطردون؛ أي المماليك الأتراك من مصر»، وأدرك الصدر الأعظم ~~خطورة ما فعله عندما رضي - تحت ضغط «هتشنسون» - بأن يعد المماليك بإرجاع ~~أملاكهم وامتيازاتهم إليهم، وصار يسعى آنذاك لإقناع الديوان العثماني بضآلة ~~التأكيدات التي أعطاها لهم، ويحاول التخفيف من وطأة ما فعله، ويعزو مسلكه ~~لتدخل «هتشنسون» وإلحاحه في الرجاء عليه، وأما القبطان باشا فقد نفي بتاتا ~~اشتراكه في هذه الفعلة، وشعر «إلجين» بهذا التطور عندما اجتمع بالريس أفندي في ~~14 سبتمبر سنة 1801، وهي المقابلة التي سبق الحديث عنها عند الكلام عن موقف ~~الباب العالي من المماليك، # 1 # وقد أسفرت هذه المقابلة عن فشل وساطة الحكومة الإنجليزية وقتئذ، ~~وعن سوء تفاهم كبير مبعثه أن «إلجين» كان لا يعرف - معرفة صحيحة - مدى ~~الارتباطات أو التعهدات التي أعطاها ms0099 «هتشنسون» للمماليك، كما اعتقد الوزراء ~~العثمانيون - أو تظاهروا بأنهم يعتقدون - أن قبول «إلجين» الكتابة من جديد إلى ~~«هتشنسون» معناه أنه قد تعهد بتعديل التعهدات التي أعطيت في ~~القاهرة؛ وذلك لأنه كان قد تم الاتفاق في الاجتماع الذي عقد في 14 سبتمبر على ~~أن يكتب «إلجين» إلى «هتشنسون» ليبلغه آراء الباب العالي في مسألة المماليك، ~~وتصميم الريس أفندي على أن يعمل «هتشنسون» بالاتفاق مع الصدر الأعظم لإنهاء ~~هذه المسألة وما يتفق مع وجهات نظر الباب العالي، ولم ير «إلجين» فيما دار في ~~هذه المقابلة إلا حديثا لا نتيجة له، وفكر في الذهاب بنفسه إلى مصر ~~على أمل إيجاد حل سريع للمسألة. # على أنه بينما كانت الحكومة الإنجليزية تسعى للتوسط لدى الباب العالي ~~لإنهاء مسألة المماليك، كان الصدر الأعظم والقبطان باشا يدبران مكيدتهما ~~المعروفة في مصر، فقد وجد الباب العالي في تعهد «إلجين» بالكتابة إلى ~~«هتشنسون» مبررا للمضي في خطته المرسومة نحو المماليك، فأصدر تعليماته إلى ~~الصدر الأعظم والقبطان باشا بإلقاء القبض على البكوات وإرسالهم إلى ~~القسطنطينية، ومن أوائل أكتوبر عرف «هتشنسون» أن الأتراك قد صح عزمهم على ~~القبض على البكوات وتجريد بقية المماليك من السلاح، فعرض عليهم حمايته ~~«وأوصاهم - قبل كل شيء - بعدم الذهاب إلى أية سفينة أو قارب عثماني.» # وفي 15 أكتوبر زار عثمان بك الطنبورجي خليفة مراد بك وأربعة من البكوات ~~الآخرين القبطان باشا وعسكروا بجندهم وسط الجند الأتراك، فنصحهم «هتشنسون» ~~بنقل معسكرهم إلى خلف مخيمه، ولكنهم لم يرضوا إغضاب القبطان باشا الذي وعدهم ~~بالعفو والحماية، حتى إذا كان يوم 22 أكتوبر أوقع بهم، وقد سبقه الصدر ~~الأعظم في الوقيعة بالبكوات بيومين قبل ذلك، وقد تحدثنا عن آثار هذه المكيدة ~~وتدخل هتشنسون من أجل تسليم جثث الموتى في مكيدة أبي قير وإطلاق سراح الأسرى ~~منهم، على أن هتشنسون اضطر بسبب مرضه إلى مغادرة البلاد في 7 نوفمبر، وتسلم ~~اللورد «كافان # Cavan ~~» القيادة، وكان بعد وصول ~~الجنرال ستيوارت إلى القاهرة موفدا من قبل «كافان» أن أطلق الصدر الأعظم سراح ~~البكوات ms0100 المأسورين في مكيدة القاهرة، وعسكر هؤلاء بالجيزة تحت حماية الإنجليز ~~في 13 نوفمبر. # وقد أثارت هذه المكيدة ثائرة الإنجليز، وزاد انزعاجهم بسبب كتاب السلطان سليم ~~إلى ملك إنجلترا، وهو الكتاب الذي سبقت الإشارة إليه، # 2 # وقد أظهر هذا الكتاب تصميم الباب العالي على إخراج المماليك من ~~البلاد كلية، الأمر الذي يتنافى مع أغراض السياسة الإنجليزية، لا سيما وأن ~~مقدمات الصلح في لندن كانت قد أبرمت بين إنجلترا وفرنسا منذ أول أكتوبر، ~~ونصت مادتها الخامسة على إرجاع مصر إلى تركيا وضمان كيان الإمبراطورية ~~العثمانية، فضلا عن وصول «سباستياني» إلى القسطنطينية بعد عقد مقدمات الصلح ~~بين تركيا وفرنسا في باريس في 11 أكتوبر، فعرض وساطة القنصل الأول بين الباب ~~العالي والمماليك، واعتقد «إلجين» أن القنصل الأول يريد منع تأسيس أي نظام ~~حكومي أو اتخاذ داخلي في مصر، أو تنظيم أي دفاع قد يحاوله الإنجليز، على أمل ~~أن يستطيع إذا نجح في ذلك تجديد مشروعات فتوحه بمجرد نقل القوات الإنجليزية من ~~البحر الأبيض، ولما كان من المنتظر حسب مقدمات الصلح بين إنجلترا وفرنسا أن ~~يعقد مؤتمر في أميان لتقرير السلام النهائي، فقد اقتنع «إلجين» بضرورة ذهابه ~~هو نفسه إلى مصر حتى ينهي مسألة المماليك بالاتفاق مع اللورد «كافان» والصدر ~~الأعظم والقبطان باشا، ولكنه اضطر إلى العدول عن السفر بسبب إلحاح الباب ~~العالي عليه بعد السفر، فاختار لهذه المهمة سكرتير السفارة البريطانية في ~~القسطنطينية «ألكسندر ~~ستراتون # Alexander Straton ~~» وبذهاب ستراتون إلى الإسكندرية والقاهرة دخل ~~التوسط البريطاني بين الباب العالي والمماليك في مرحلته الثانية لحسم الخلافات ~~بينهما من أجل التوصل لإنشاء الحكومة المستقرة والقوية في مصر، والتي تستطيع ~~رد الغزو الفرنسي عنها إذا تجدد، وكانت هذه المحاولة فاشلة كسابقتها. # مهمة ستراتون # وكان ذهاب «ستراتون» في مهمته بناء على اتفاق الوزراء العثمانيين مع «إلجين» ~~وموافقتهم على إرساله، فقد صدرت إليه تعليمات من الباب العالي كما أصدر ~~«إلجين» إليه تعليماته، وكانت تعليمات الأخير إليه قسمين: أحدهما عادي والآخر ~~سري، ويتضح من تعليمات الباب العالي التي صاغها في ms0101 «مذكرة مرسلة إلى «ستراتون» ~~بتاريخ 10 ديسمبر سنة 1801، أن الفكرة أو «الاعتقاد» الذي خرج به الوزراء ~~العثمانيون من مؤتمرهم مع «إلجين» في 14 سبتمبر والتي دعت لتدبير مكيدة ~~أكتوبر ولكتابة السلطان سليم إلى ملك إنجلترا في نوفمبر؛ كانت المسيطرة على ~~سياستهم، بينما تدل تعليمات إلجين العادية والسرية، والاثنان بتاريخ 12 ~~ديسمبر كذلك؛ أولا: على أن هدفه الرئيسي كان الوصول إلى تسوية تنهي الخلاف ~~بين الباب العالي والمماليك حتى يتسنى الغرض المباشر من مساعي الدبلوماسية ~~الإنجليزية وهو إنشاء حكومة موطدة في مصر تستطيع الدفاع عنها ضد الغزو الأجنبي ~~«الفرنسي». وثانيا: أن إلجين في سبيل تحقيق هذه الغاية قد تخلى عن المبدأ الذي ~~عمل له منذ بداية الوساطة البريطانية في القسطنطينية وهو إرجاع أملاك ~~وامتيازات البكوات إليهم؛ أي بقاؤهم في مصر، يؤلفون عنصرا هاما من عناصر ~~الحكومة المزمعة، في نظير اشتراكهم في واجب الدفاع عن البلاد. وثالثا: أن ~~إلجين كان يجهل مدى الارتباطات التي ارتبط بها هتشنسون مع البكوات، وصار يعتقد ~~أنه لا يجب أن تحول أية ارتباطات مهما كان نوعها دون تحقيق رغبة حكومته ~~وسياستها التي اعتبر أنها كانت دائما إرجاع مصر إلى تركيا. # أما في مذكرة الباب العالي لإسكندر ستراتون، فقد طلب الوزراء العثمانيون أن ~~يجري تسليم البكوات المقيمين لدى القائد والضباط الإنجليز إلى الصدر الأعظم ~~دون استثناء أحد منهم حتى يصير إرسالهم إلى القسطنطينية، وهذا إذا لم يشأ ~~القائد الإنجليزي أن يقوم هو نفسه بإرسالهم، ثم وعدوا باحترام وعدم مساس أملاك ~~الرؤساء المماليك، وأن تباع بيوت هؤلاء في مصر ويعطوا أثمانها، كما وعدوا ~~بإعطاء معاشات لهم وإغداق ألقاب الشرف عليهم. # وأما «إلجين» فقد طلب من «ستراتون» في تعليماته العادية أن يقوم بفحص الحوادث ~~التي وقعت فحصا دقيقا، وأن يناقش فيها الضباط الإنجليز لمعرفة حقيقتها ~~ومغزاها، ثم قال: «ويبدو لي مما أراه أمامي كله، أنه من الواضح، بعد إمعان ~~النظر، أن غرض «الحكومة الإنجليزية» كان دائما إعادة مصر إلى تركيا؛ ولذلك ~~فإنه لا يتفق بتاتا مع اللياقة أن نجيز التفكير ms0102 في مناسبة تسليمها تسليما ~~فعليا إلى البكوات بدلا من الأتراك»، فإن الباب العالي سوف يظل يعمل ~~ويناضل لطرد البكوات من مصر؛ ولذلك فالمطلوب من ستراتون أن يبذل قصارى جهده ~~للوصول إلى اتفاق أو تسوية تحقق في وقت واحد غرض الباب العالي، وغرض الحكومة ~~الإنجليزية، وعليه أن يعمل لإقناع البكوات بالأخطار التي يتعرضون لها إذا بقوا ~~في مصر، ولما كان من الواجب اتخاذ الحيطة لمجابهة الموقف في حالة الإخفاق فقد ~~زود «إلجين» رسوله بتعليمات سرية، كانت أكثر تفصيلا وأوضح معنى في إظهار ~~الغرض من مهمة «ستراتون»، فقال إنه من الواضح أن ملك إنجلترا قد وعد دائما ~~وجديا بإرجاع مصر إلى صاحب السيادة الشرعية عليها، وأنه رفض دائما كذلك ~~التدخل في شئون مصر الداخلية، ينهض دليلا على ذلك توقيع مقدمات الصلح في ~~لندن في أول أكتوبر 1801 التي هي تأكيد لوعود جلالته، يقابل ذلك طبيعة تلك ~~الارتباطات التي دخل فيها «السير جون هتشنسون» مع البكوات المماليك، لاعتبارات ~~عسكرية هامة، وهي ارتباطات وعهود قطعها «هتشنسون» على نفسه في قدسية عظيمة، ~~ويستمد منها البكوات حقا مضاعفا بسبب قدسيتها أولا، ولأنهم قاموا من ~~ناحيتهم بتنفيذ ارتباطاتهم ثانيا، ومع ذلك فإذا كانت هذه الارتباطات - كما ~~بلغ «إلجين» - قد ذهبت في مداها إلى الوعد بإعادة أملاك ونفوذ البكوات إليهم ~~بالصورة التي تجعل ذلك اغتصابا للسلطة، الأمر الذي وجد أنه يهدم دائما سيادة ~~الباب العالي، فإن للباب العالي الحق يقينا أن يعارض من جهته هذه الارتباطات ~~أو أية ارتباطات تسلبه سلطانه كمناقضة وهادمة لتأكيدات الحكومة الإنجليزية ~~له، ومن حقه كذلك أن يعتبر نفسه مهددا حتى يتم القضاء على البكوات وإبادتهم، ~~وعلى ذلك، وفي ضوء الظروف القائمة؛ لا مفر من أن يصبح واجب بريطانيا وسياستها ~~أن تسوي هذه الخلافات بين الباب العالي والمماليك، قبل إخلاء الجيش البريطاني ~~للبلاد، أولا: محافظة على سمعة بريطانيا، وثانيا: لعدم ترك البلاد في حال ~~من الفوضى قد يجد الفرنسيون بسببها فرصة التدخل في شئون مصر، وأخيرا ~~الاستئثار بالنفوذ - دون الإنجليز - في الليفانت؛ ولذلك فقد ms0103 وجب على ستراتون ~~أن يسعى جهده لإقناع البكوات بالخطر الذي يتعرضون له إذا أصروا على بقائهم ~~وإقامتهم في مصر، فالقوات الإنجليزية سوف تنسحب حتما منها، وعندئذ يفقدون ~~حمايتها لهم، وفضلا عن ذلك فإن الأتراك سوف يستخدمون كل ما بيدهم من وسائل ~~لإرهاقهم والعدوان عليهم، ولا فائدة من قول البكوات: إن الأتراك لا قوة لهم، ~~«ويترتب على ذلك طبعا أن الواجب يقتضي البكوات إذا أخذوا بمحجة الصواب ~~والحكمة أن يبادروا بالاستفادة من الحماية التي لا زال «الإنجليز» قادرين على ~~أن يشملوهم بها؛ حتى يضمنوا لأنفسهم الوصول إلى تسوية مع الباب العالي، هي ~~بعد تقليب جميع وجوه الرأي أفضل وسيلة لإنهاء النزاع، وأما إذا وجد ذلك ~~متعذرا فإن «إلجين» يرى أن نقل البكوات من مصر أمر ضروري ضرورة قصوى؛ ~~ولذلك فهو يطلب إلى ستراتون أن يتعهد باسمه للبكوات بأنهم سوف يقابلون بكل ~~ترحاب: إما في إنجلترا وإما في ممتلكاتها في الهند؛ حيث ينالون معاشا سنويا ~~مساويا لذلك الذي عرضه عليهم الباب العالي، مقابل ما يؤدونه من خدمات عسكرية، ~~علاوة على تمتعهم بحماية بريطانيا وبجميع المزايا والمنافع التي ينالها كل ~~رعاياها.» # وقد أوضح «إلجين» الغرض الجوهري من مهمة «ستراتون»، والذي يفسر سبب تعليماته ~~السرية إليه في كتاب بعث به في اليوم نفسه (12 ديسمبر) إلى اللورد هوكسبري قال ~~فيه: «إنه كان من بين الأفكار التي عنت له بشأن البكوات أنه إذا تعذر ~~حل مسألتهم فإنه يصير عندئذ دعوتهم للانسحاب والخروج من البلاد إلى إنجلترا ~~أو إلى الهند على الأخص؛ حيث يمكن الاستفادة هناك من مواهبهم العسكرية، وتعوض ~~خدماتهم التي يؤدونها النفقات التي تتكلفها الحكومة الإنجليزية بسببهم، كما ~~رأى في الوقت نفسه أن اللجوء إلى هذه الوسيلة يؤكد رغبة الحكومة الإنجليزية في ~~تنفيذ عزمها على إرجاع مصر إلى الباب العالي.» # وهكذا تحددت مهمة «ستراتون»: إما تسوية النزاع بين الباب العالي والمماليك ~~بالطريقة التي يرضى عنها الطرفان - وهو أمر متعذر؛ لتعارض وجهات نظر ~~الفريقين، وإما إخراج البكوات من مصر - وهو كذلك أمر متعذر لتعارضه مع ms0104 رغبات ~~المماليك الذين استندوا في دعاواهم على ارتباطات «هتشنسون» معهم، وكانوا يرجون ~~من وساطة الإنجليز تمكينهم من السيطرة الفعلية على الحكومة، وليس إقصاءهم من ~~البلاد كلية، واتخذوا من «وثيقة العهد الأعظم » - خطاب «هتشنسون» إلى عثمان ~~الطنبورجي - مبررا لادعاءاتهم عليهم، ومطالبهم منهم. # ووصل «ستراتون» إلى الإسكندرية في 10 يناير سنة 1802 بعد رحلة دامت ثلاثة ~~أسابيع، ورفض «كافان» طلب الوزراء العثمانيين تسليم البكوات المماليك بدعوى أن ~~ارتباطات سلفه «هتشنسون» تمنعه من ذلك، وعندما أظهر له «ستراتون» تعليمات ~~«إلجين» السرية وسأله رأيه في الطريقة العملية لإقناع البكوات بإخلاء مصر ~~بالشروط المبينة، ثم طلب إليه مساعدته للتأثير عليهم بقبولها لضمان سلامتهم، ~~وحتى يتسنى للحكومة الإنجليزية تنفيذ وعودها للباب العالي بشأن إرجاع مصر إلى ~~السلطان العثماني بعد طرد الفرنسيين منها، أظهر «كافان» أنه لا يريد استخدام ~~أي عنف مع البكوات بطردهم من مصر، أو حتى لإرغامهم على البقاء في الجيزة أكثر ~~مما يريدون، ولكنه أخذ على عاتقه بذل النصح لهم راجيا أن يصغوا لنصحه إذا ~~عرضت عليهم مقترحات معتدلة، وفي 15 يناير قرر «كافان» الذهاب إلى القاهرة ~~لإنهاء هذه المسألة واصطحب معه «ستراتون» فبلغاها في 20 يناير، وتعددت ~~الاجتماعات من يوم وصولهما حتى يوم 24 يناير مع الصدر الأعظم والقبطان باشا ~~والريس أفندي، وحضر بعض هذه الاجتماعات كذلك خسرو باشا والكخيا بك والدفتردار، ~~وقابل «شابير» # Chabert # ترجمان «كافان» ~~و«ستراتون» البكوات، ورفض البكوات رفضا قاطعا الذهاب إلى القسطنطينية أو ~~غيرها، وعبثا صار «كافان» يحاول إقناعهم بخطأ معارضتهم للباب العالي، وأخيرا ~~أعلنوا أنه إذا لم يمنحهم الباب العالي حق الإقامة في الصعيد، فلا يسعهم سوى ~~شكر الضباط البريطانيين الذين أولوهم حمايتهم، ثم مغادرة الجيزة والانسحاب ~~إلى مكان آخر، وطلب البكوات أن يعطوا الصعيد ابتداء من اثني عشر أو أربعة عشر ~~فرسخا من القاهرة، ورفض الصدر الأعظم، وعندئذ قرر البكوات الرحيل فورا، وكان ~~بعد لأي وعناء أن توسط «كافان» و«ستراتون» لحملهم على البقاء خمسة أيام أخرى، ~~فقبلوا على شريطة ضمان سلامتهم، ووعد الصدر بذلك، ونصح «كافان» البكوات ms0105 ~~باجتناب أي عمل سريع من شأنه إثارة الحرب الأهلية، فوعد البكوات بالتشاور ~~فيما بينهم وإبلاغه قرارهم في اليوم التالي، ولكن البكوات رحلوا في مساء اليوم ~~نفسه 24 يناير متجهين صوب الصعيد، وبعث إبراهيم بك وعثمان البرديسي «الذي ~~تزعم بيت مراد بعد مقتل عثمان الطنبورجي في مكيدة أكتوبر المعروفة» بخطاب إلى ~~الجنرال «ستيوارت» في 25 يناير يعللان فيه سبب رحيلهما بقولهما: «إنه لا ~~فائدة ترجى من بقاء البكوات بينما بلغهم من الصدر الأعظم بناء على أوامر ~~حكومته أن لا يعطوا أرضا في مصر، وأنهم إنما قرروا الرحيل حتى يطمئنوا على ~~أنفسهم»، ثم استطرد إبراهيم والبرديسي يذكران الإنجليز بوعودهم فقالا: ~~«ولقد وعدنا ملك بريطانيا العظمى بالحماية والأمن على أرواحنا وأموالنا ~~وأسرنا، ومع ذلك فإن شيئا من هذه الوعود لم ينفذ، ولا تزال أسرنا وأملاكنا ~~في أيدي الأتراك»، ثم صارا يرجوان أن يطلع اللورد «كافان» على حالتهم «وهم ~~الذين يطلبون دائما حماية الجيش البريطاني، ويوصونه خيرا بأسرهم التي تركوها ~~في القاهرة في حمايته»، ثم قال إبراهيم والبرديسي «إن البكوات حتى يبرهنوا على ~~استعدادهم لقبول أي شيء، فهم يرضون بمديرية جرجا التي دافعوا عنها ضد ~~الفرنسيين»، وحاول «ستيوارت» - دون جدوى - إقناعهم بالنزول من الصعيد والعودة، ~~ولكن هؤلاء أجابوا في 27 يناير بأنهم قرروا البقاء به حتى يتسنى «لأولئك ~~الذين وضع البكوات أنفسهم تحت حمايتهم؛ أي الإنجليز تقرير مكان ثابت ومحدد ~~لإقامتهم في مصر.» # وأما الصدر الأعظم فقد اعتزم مطاردتهم، وطلب من «كافان» إمداده بقوات ~~إنجليزية لهذه الغاية، ورفض «كافان» بدعوى عدم وجود تعليمات لديه تمكنه من ~~ذلك، وكتب الريس أفندي في 26 يناير إلى «كافان» يشكو من أن المماليك عند ~~إقامتهم مع الجنرال ستيوارت في الجيزة صاروا يشيعون في كتب مدونة أن إنجلترا ~~قد تعهدت بإرجاعهم إلى حالهم الأولى، ويحذرون رؤساء القرى والعزب المجاورة ~~من إطاعة ضباط الباب العالي؛ لأن مصر «دائما تحت سلطانهم، وإذا عارضوهم ~~فسوف يقتصون وينتقمون منهم»، وطلب الريس أفندي من «كافان» أن يصدر تصريحا ~~كتابيا ورسميا بأن إنجلترا صديقة حميمة ms0106 وحليفة مخلصة للباب العالي ولا ~~تسمح بأي ضرر يلحق بمصالح الحكومة العثمانية، وأنه بدلا من حماية البكوات، بل ~~وبعيدا كل البعد من ذلك؛ فإن حكومة إنجلترا لا يسعها إلا إظهار استنكارها كل ~~الاستنكار لمسلك البكوات الذين ظهروا عصاة ثائرين ، ولكن «كافان» امتنع عن ~~إصدار هذا التصريح؛ لأن معناه - كما قال في جوابه على رسالة الريس أفندي في ~~28 يناير: «التدخل في شئون مصر الداخلية، الأمر الذي يتنافى مع التعليمات ~~المعطاة له»، ولكن «كافان» أعلن في الوقت نفسه، أنه لا يتردد عن التصريح بأن ~~غرضه لم يكن أبدا ولن يكون تشجيع أو تأييد البكوات والمماليك بصورة ما أو أي ~~طبقة أخرى من الأفراد عند اتخاذهم مسلكا معاديا لسلطة سلطانهم الشرعي ~~إمبراطور الأتراك والحليف المخلص القديم للملك البريطاني. # ولم تفد شيئا هذه التصريحات بطبيعة الحال، واستمر البكوات في سيرهم إلى ~~الصعيد؛ حيث كان الألفي رابضا به وعبثا حاول طاهر باشا رئيس الأرنئود إقناع ~~البكوات بالعودة، وإطاعة الصدر الأعظم الذي يعدهم بالصفح ويؤمنهم على أشخاصهم ~~وأملاكهم وأسراتهم باسم حكومته وباسم عظماء الجيش العثماني بأسرهم، ولكن هؤلاء ~~أجابوه بأن الإنجليز - ولو أنهم أصدقاء للباب العالي - قد تحملوا مشقات ~~عظيمة من أجل فكاكهم من الأسر، وبالرغم من الجهود التي بذلوها حتى يحصلوا على ~~حق الإقامة في مصر فقد ذهبت هذه الجهود جميعها سدى، فكيف يطلب العثمانيون ~~بعد هذا كله أن يثق البكوات فيهم وفي وعودهم؟ وكتب إبراهيم بك إلى ستيوارت في ~~29 يناير أن الغرض من محاولة طاهر باشا نصب الفخاخ لهم لحرمانهم من حماية ~~الجيش البريطاني، وقد أقسم له البكوات: «لو أن الصدر الأعظم عرض عليهم مصر ~~بأسرها من غير حماية الإنجليز كضمان لهم ما نزلوا الصعيد.» # فكان انسحاب البكوات بهذه الصورة مؤذنا ببداية الحرب الأهلية؛ لأنهم عندما ~~غادروا الجيزة كانوا حوالي الألفين، بينما كان لدى الألفي في الصعيد حوالي ~~الخمسمائة، ولم ينشق على إخوانه سوى واحد منهم فقط هو «قاسم بك» الذي طلب ~~الصفح من الصدر، واستعد طاهر باشا للزحف عليهم بجيش يتراوح ms0107 بين الأربعة آلاف ~~والخمسة آلاف، ويعتمد على أسطول مدفعية نهرية. # وهكذا فشلت مهمة «ستراتون» ووقع ما كان يخشاه الإنجليز من نشوب «الحرب ~~الأهلية» وعدم استقرار الحكومة وتعرض مصر للغزو الأجنبي نتيجة لذلك، إذا ~~أخلاها الإنجليز، ولم يبق على موعد عقد الصلح العام سوى شهور قليلة. # وغادر «ستراتون» الإسكندرية في 15 فبراير سنة 1802 قاصدا القسطنطينية، ~~فوصلها في 18 مارس، وفي آخر مارس كتب إلجين إلى «هوكسبري»، يعلل في ~~الحقيقة الأسباب التي نجم عنها فشل «ستراتون» في مهمته - كما رآها - ويذكر ~~النتائج المترتبة على هذا الفشل، فقال: إن مبعث الارتباك الذي شعر به عند ~~إصدار تعليماته إلى ستراتون «أنه كان يجهل جهلا تاما أسباب النزاع أو ~~تطوراته؛ لأنه لم ير مطلقا خطاب السير جون هتشنسون لعثمان بك الطنبورجي والذي ~~يرتكز عليه الموضوع كله ...» ثم علق على مسألة الارتباطات التي ارتطمت بصخرتها - ~~في نظره - كل المحاولات التي بذلت من أجل الوصول إلى تسوية بين المماليك ~~والباب العالي، فقال: «إن الأتراك يدركون تمام الإدراك أن مطالب البكوات إنما هي الظفر ~~بالسيادة على مصر، وأن جميع المنازعات التي وقعت في الماضي بين ~~الأتراك والمماليك انتهت جميعها بفوز المماليك وخسارة الأتراك خسارة ~~جسيمة، وفضلا عن ذلك فإن البكوات في أثناء المؤتمرات التي عقدها ~~«ستراتون» رفضوا - في الوقت الذي طالبوا فيه بالصعيد - أن يتركوا ~~بيوتهم في القاهرة يريدون أن يوحوا بذلك أنه سوف تجيء سريعا الفرصة ~~لاستخدامها.» ~~وهكذا بدأت الحرب الأهلية فعلا؛ لأن الجنود العثمانيين في ~~القاهرة قد غادروها جميعهم مع أسطول من سفن المدفعية، لمطاردة المماليك، وذلك ~~بعد عشرة أيام من مغادرة ستراتون القاهرة. # ولا جدال في أن «إلجين» منذ أن أصدر تعليماته إلى ستراتون، وعلى نحو ما يتضح ~~من رسالته هذه الأخيرة، كان قد صار يؤيد وجهة النظر التركية، أضف إلى هذا ~~أنه لم يطلع الباب العالي على آراء حكومته بصدد مسألة البكوات؛ لأنه كان يبني ~~آمالا كبيرة على نجاح ستراتون في مهمته ويرجو أن لا يجد نفسه في حاجة إلى ~~إطلاع الباب العالي ms0108 عليها إذا نجح ستراتون، أما وقد فشل هذا في مهمته، فقد ترك ~~«إلجين» لهذا السياسي الهادئ إخراجه من هذا المأزق، فترك له شئون السفارة ~~وأبحر في 29 مارس سنة 1802 إلى أثينا ينشد الراحة. # وأما سياسة حكومته فلم يطرأ عليها أي تبدل، بل استمرت تبغي الوصول ~~إلى تسوية بين البكوات والباب العالي، لا على أساس إخراج البكوات من مصر، بل ~~على أساس الارتباطات التي أعطاها لهم هتشنسون، وذلك لإنشاء الحكومة المستقرة ~~التي تستطيع دفع الغزو الفرنسي عن البلاد إذا تجدد - هدف الحكومة الإنجليزية ~~دائما - وكانت الحكومة الإنجليزية لا ترى أي تناقض بين تحقيق هذه الرغبة، ~~وبين إرجاع مصر إلى تركيا، بل ارتبط الأمران في نظرها أحدهما بالآخر، وصح ~~عزمها على الوصول إلى هذه التسوية بين المماليك وتركيا عندما وصلت أنباء ~~بمكيدة القبطان باشا والصدر الأعظم إلى لندن، فقد بادر هوكسبري بالكتابة إلى ~~إلجين في 27 يناير سنة 1802 يبحث عن الأثر الذي أحدثته هذه المكيدة في ~~الدوائر المسئولة بلندن، ورأى لزاما عليه أن يفسر بصورة أوضح التعليمات ~~التي أصدرها إلى «إلجين» في 19 مايو، وفي 28 يوليو سنة 1801 لإظهار تمسك ~~حكومته بالمبدأ الذي اشتملت عليه تعليمات «19 مايو» وهو إرجاع مقاطعة مصر إلى ~~الباب العالي، وعدم التدخل في شئونها، اللهم إلا فيما يتعلق بوضع قوة بريطانية ~~على شاطئها حتى يحين موعد عقد السلام العام؛ وذلك للدفاع عنها ضد أي غزو فرنسي ~~جديد، كما أن غرض حكومته للسبب نفسه هو إبطال مساعي الفرنسيين الذين يحاولون ~~إضعاف البلاد بإشاعة التفرقة والانقسام بين أحزابها وجماعاتها حتى تعجز عن ~~الدفاع عن نفسها، وقد استطرد هوكسبري بعد ذلك يقول: ~~«إنه عند إصدار هذه التعليمات لم يكن غرض الحكومة الإنجليزية أن ~~تملى هذه الخطة إملاء على الحكومة العثمانية، وليس هناك ما يدعو ~~للاعتقاد بأن «هتشنسون» قد تدخل من غير ضرورة في شئون مصر الداخلية، ~~ولو أن الظاهر قطعا من الآراء التي أبداها أن الفضل لدرجة كبيرة في ~~نجاح الأتراك والبريطانيين في طرد الفرنسيين منسوب لتعاون ms0109 البكوات ~~معهم، وكان في هذه الظروف إذن أن صار تشجيع المماليك للانضواء تحت ~~الراية البريطانية وأعطيت الحماية لهم، وهم لوثوقهم في كلمتنا قد ~~أقبلوا على مساعدتنا، وكل ما فعله «هتشنسون» كان حماية أرواحهم ~~وأملاكهم من اعتداءات الأتراك، وفي وسع كل إنسان أن يدرك مبلغ وقع ~~هذه المكيدة في نفس «هتشنسون»، ولا شك في أن الحكومة الفرنسية سوف ~~تفيد من هذا الظرف لاسترجاع نفوذها لدى الباب العالي، وسوف يقدمون ~~هذا دليلا لتأييد ما يقولونه من أن البكوات قد استندوا في ثورتهم ~~على النفوذ الإنجليزي، الذي حركهم عليها، وأن الفرنسيين لم ~~يحتلوا مصر إلا لضمان المصالح العثمانية ضد المماليك.» ~~وقال «هوكسبري»: إن على اللورد إلجين أن يبذل قصارى جهده لمحو ~~آثار مثل هذه الأقوال من ذهن الباب العالي. # ثم كان في 16 فبراير سنة 1802 أن بعث جورج الثالث برده على كتاب السلطان ~~سليم الذي بعث به إليه في 23 نوفمبر سنة 1801 بعد حادث المكيدة، يرجوه ~~إصدار أوامره إلى قواده وسائر العسكريين البريطانيين في مصر؛ حتى يكفوا عن ~~مناصرة المماليك، ولا يصروا على بقائهم في مصر فأكد «جورج الثالث» في ~~كتابه حينذاك «أنه لم يجل في خاطره بتاتا التدخل في شئون مصر الداخلية، ~~إلا فيما يتعلق بتنفيذ التعهدات التي يكون قد حصل الارتباط فيها باسمه، ولكن ~~عزمه هو أن تترك هذه البلاد؛ أي مصر تحت تصرف «السلطان سليم» إطلاقا في كل ~~أمر من أمورها عدا ما ذكره.» # وكان معنى هذا أن الحكومة الإنجليزية - مع ارتباطها بإرجاع مصر إلى تركيا - ~~لا تزال متمسكة بضرورة تسوية مسألة المماليك على أساس إبقائهم في مصر وعدم ~~إخراجهم منها، على خلاف ما يريد الباب العالي، واستتبع ذلك تجديد الوساطة مرة ~~أخرى لإنهاء الخلافات بين الباب العالي والمماليك. # بعثة ستيوارت # وتعين بعثة «ستيوارت» في الحقيقة آخر أدوار أو مراحل الوساطة التي بذلت ~~الحكومة الإنجليزية في سبيلها جهودا متصلة من أيام حملة أبركرومبي سنة ~~1800، حتى إذا فشلت وساطة ستيوارت، وتتابعت الحوادث في مصر بعد ذلك بصورة ~~أقنعت الحكومة ms0110 الإنجليزية بأن البلاد قد وقعت فريسة للفوضى - أو الحرب ~~الأهلية - وتعرضت أكثر من ذي قبل لخطر الغزو الفرنسي عليها بسبب جلاء الجنود ~~البريطانية عنها، اتجه تفكير السياسيين والعسكريين الإنجليز إلى ابتكار ~~شتى المشروعات التي تحقق أغراضهم سواء جاء تنفيذها بموافقة الباب العالي ~~أو بالرغم منه، وثمة ملاحظة أخرى هي أن ارتباطات هتشنسون على أساس إرجاع ~~السيطرة الفعلية في البلاد إلى المماليك، صارت من الآن فصاعدا نقطة الارتكاز ~~في كل الحلول أو المشروعات التي ارتأتها الحكومة الإنجليزية لتأمين الدفاع عن ~~مصر. # وكان عقد الصلح العام في إميان في 25 مارس سنة 1802 حافزا للحكومة ~~الإنجليزية على تجديد مسعى الوساطة؛ لأنه تحتم عليهم بموجب هذا الصلح إخلاء ~~مصر وتسليمها للعثمانيين، فدعت الضرورة الملحة - الآن أكثر من أي وقت مضى - ~~إلى تنظيم شئون مصر، قبل الإخلاء نهائيا، بصورة تمكن الإنجليز من تنفيذ ~~ارتباطاتهم مع الباب العالي؛ أي إرجاع هذه البلاد إليهم، ثم تمكنهم في الوقت ~~نفسه من الاحتفاظ «بالشرف البريطاني» وتنفيذ ارتباطاتهم أيضا مع البكوات ~~المماليك. # واختير لهذه المهمة الجنرال السير جون ستيوارت، وهو الذي حضر المكيدة ~~المعروفة، وقام بدور هام في إطلاق سراح بكوات القاهرة، وتراسل معه البكوات في ~~أثناء وجود ستراتون بها، وقد غادر ستيوارت مصر بعد ذلك، وكان بإنجلترا عندما ~~وقع اختيار حكومته عليه لهذه المهمة، وقد اتصل به المسئولون منذ أبريل سنة ~~1802، فاستشاره اللورد هوبارت في موضوع حكومة مصر المستقبلة، وكان رأي ~~ستيوارت الذي أدلى به إلى حكومته في 29 أبريل هو إرجاع حكومة البكوات بروحها ~~الحقيقية والصحيحة، فيدفعون للباب العالي خراجا يزيد زيادة كبيرة على ما ~~كانوا يدفعونه في الماضي، وعلى أن تكون هذه الحكومة المملوكية تحت حماية ~~بريطانيا، كما أشار بإقامة ضابط إنجليزي في مصر يشرف على تنفيذ تعهدات ~~البكوات مهمته التدخل لضمان قيامهم بالتزاماتهم وتسلم الخراج المستحق ~~للسلطان العثماني، وكان ستيوارت يرى في هذا الترتيب جملة فوائد؛ أولها: تجنب ~~قيام الحرب الأهلية؛ لأنه بمجرد رحيل الجيش البريطاني من البلاد سوف يشتبك ~~المماليك في معارك طاحنة مع ms0111 الأتراك لطردهم من الوجه البحري، وثانيها: ~~الاطمئنان إلى أن مصر في وسعها رد الغزو الفرنسي عنها، وثالثها: أن إقامة ~~حكومة مملوكية في مصر بواسطة الإنجليز سوف يوجد بها جماعة طيعة تمتثل لإرادة ~~الإنجليز وتخلص في رعاية مصالحهم. # فكان عندئذ أن سعت الحكومة لمعرفة مدى الارتباطات التي ارتبط بها «هتشنسون» ~~مع البكوات المماليك، فاستشارت في هذا الشأن الكلونيل «روبرت أنستروثر » الذي ~~تقدمت الإشارة إليه، وقد قدم هذا مذكرة إلى حكومته في 8 مايو سنة 1802 تضمنت ~~«مشروع هتشنسون» على نحو ما ذكرناه سابقا. # وأخذت الحكومة بنصيحة «ستيوارت» فأصدرت تعليماتها إليه في 10 مايو تحدد ~~الغرض من إرساله إلى مصر «لمحاولة عقد اتفاق ودي بين ممثلي الحكومة العثمانية ~~في مصر وبين المماليك»، وبالرغم من احتمال فشل هذا المسعى بسبب الاستعدادات ~~التي يقوم بها العثمانيون لمطاردة البكوات في الصعيد، فإنه من المحتمل كذلك من ~~ناحية أخرى استمالة الباب العالي والبكوات للاتفاق الأول لأن مغادرة الجنود ~~البريطانيين لمصر قد تحدد لها وقت معين، والآخرين يجعلهم يدركون أنه إذا ~~لم يمكن الوصول إلى اتفاق بتوسط الإنجليز الآن، فقد يتحول النزاع بينهم وبين ~~العثمانيين إلى حرب إبادة وفناء تقضي على الفريقين، وأما الاتفاق الذي يبدو ~~أكثر قبولا من غيره بالنسبة لمصلحة الباب العالي وتأمين البكوات وصيانة ~~المصالح البريطانية بطرد النفوذ الفرنسي من مصر، فهو «إعادة الأوضاع إلى ما ~~كانت عليه قبل الغزو الفرنسي» مع زيادة قيمة الخراج الذي يجب أن يدفعه البكوات ~~في المستقبل، اعترافا منهم بحقوق السيادة التي للحكومة العثمانية عليهم»، ~~وأما إذا رفض الباب العالي هذا الحل، فيجري حينئذ الاتفاق على إعطاء البكوات ~~إقليم الصعيد ابتداء من جرجا جنوبا. # وطلب هوكسبري في تعليماته هذه أن يذهب ستيوارت إلى القسطنطينية في طريقه ~~إلى مصر حتى يبلغ «إلجين» رغبات حكومته، وحتى يتضافر الاثنان في جهودهما ~~لإقناع الباب العالي بقبول أحد هذين الحلين أو غيرهما من المقترحات التي تكفل ~~إرجاع الهدوء والسلام إلى مصر، وذلك قبل أن يحين موعد جلاء الجيش البريطاني ~~عنها، والذي لا تستطيع الحكومة ms0112 الإنجليزية إبقاءه فيها بعد شهر يوليو؛ ولذلك ~~فقد طلب إلى ستيوارت الذهاب بسرعة إلى الإسكندرية حتى يجد من الوقت ما يكفي ~~لتنفيذ التعليمات ولإبحار الجنود منها. # وأرسل هوكسبري في الوقت نفسه تعليماته إلى «إلجين» حتى يسترعي انتباه ~~الباب العالي لضرورة فحص مسألة الاتفاق بينه وبين البكوات، وحتى يوضح للأتراك ~~مدى الأخطار التي لا مفر من تعرض مصلحة الحكومة العثمانية ذاتها لها إذا هي ~~لم تستطع الإفادة من فرصة وجود القوات البريطانية في هذا الوقت في مصر ~~لإنهاء الخلافات بينها وبين البكوات. # فوصل ستيوارت القسطنطينية في 19 يوليو، وكان رأي الباب العالي عند وصوله ~~وعلى نحو ما أوضحه في مذكرة بعث بها إلى «ستراتون» منذ 8 مايو عدم السماح ~~باسترداد البكوات لأملاكهم وأراضيهم وعودتهم إلى وضعهم السابق؛ لأن من شأن ذلك ~~«إثارة متاعب لا نهاية لها في الحاضر والمستقبل لتركيا، ويدعو لحدوث انقلاب ~~كلي في نظام البلاد الداخلي»، وفضلا عن ذلك فقد حددت تركيا موقفها من تدخل ~~إنجلترا في هذه المسألة بقولها: «إن ملك بريطانيا قد أعطى تأكيدات قاطعة ~~بأنه لا رغبة له في التدخل بأية صورة من الصور في شئون مصر الداخلية، وأن ~~نواياه الصادقة هي ضمان عودة هذه المقاطعة إلى الباب العالي وخضوعها لتصرفه ~~المطلق»، وعلى ذلك فقد لقي «ستيوارت وستراتون» - الذي صحبه - عند مقابلة الريس ~~أفندي في 22 و29 يوليو رفضا باتا للمقترحات التي عرضاها عليه بشطريها: ~~إعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل الغزو الفرنسي أو إعطاء البكوات إقليم ~~الصعيد ابتداء من جرجا جنوبا، فكان جواب الريس أفندي «إنه يستحيل على الباب ~~العالي أن يقبل أي اتفاق يسمح للبكوات بالإقامة والبقاء في مصر، فذلك شر استمر ~~من زمن طويل مصدر متاعب ومبعث قلق للباب العالي ومن الحكمة والسياسة ~~استئصاله، ولا خطر على الباب العالي من قتالهم ومحاربتهم لنقص أعدادهم، ~~ولأن استمرار المعارك سوف يبيدهم في النهاية، وكل ما يفعله الباب العالي هو ~~أن يعفو عن جرائمهم وأن يقلدهم مناصب شرف ويجري عليهم معاشات يضاعفها لهم ~~على شريطة ms0113 أن يغادروا مصر بسلام ويذهبوا للعيش في أي بلد يريدونه»، وقد أوضح ~~«ستراتون» سياسة الأتراك هذه، فكتب إلى هوكسبري في 3 أغسطس «أنه يبدو له أن ~~لدى الحكومة العثمانية مبدأ أساسيا يقوم على أن بقاء وإقامة البكوات في مصر ~~متناقض تماما مع سلطة السلطان العثماني الفعلية في هذه المقاطعة، وهم يرون ~~أن النزاع بين الحكومة العثمانية وبين البكوات لا يدور حول ازدياد ثراء وقوة ~~البكوات كرعايا للسلطان ، ولكن حول الفصل فيما إذا كان السلطان العثماني أو ~~البكوات هم الذين تصبح لهم السيادة في مصر؛ ولذلك فمن رأيه؛ أي رأي ستراتون أن ~~إبادة وفناء أحد هذين الفريقين المتنازعين هو وحده السبيل إلى إعادة الهدوء ~~والسلام إلى مصر، وفي مثل هذه الظروف لا يمكن تحقيق مهمة «ستيوارت».» # وقبل مغادرته القسطنطينية، سلم قائمقام الصدارة الجنرال ستيوارت كتاب توصية ~~منه إلى خسرو باشا في القاهرة بتاريخ 30 يوليو، يذكر فيه عفو الباب العالي ~~عن البكوات وصفحه عن جرائمهم، وأن للبكوات أن يذهبوا إلى أي مكان يختارونه ~~خارج مصر، إلى رودس أو كريت أو سالونيك أو أزمير أو جنوبها في «آيدين # Aïdin ~~» أو في القسطنطينية، «يعيشون في سلام ~~ويدعون للسلطان»، ويصرف الباب العالي لهم معاشات ضعف ما عرضه قبلا، وفوض ~~الباب العالي خسرو باشا في إعطاء البكوات الأمان وجوازات المرور اللازمة، كما ~~أجاز له إذا رغب المماليك - بعد خروج البكوات - أن يلتحقوا بخدمة الجيش ~~العثماني، أن يقبلهم خسرو في هذه الخدمة لقاء مرتبات يدفعها لهم. # ومع أن ستيوارت وستراتون ظلا يحاولان إقناع الباب العالي بالعدول عن رأيه، ~~فقد رفض الريس أفندي كل مقترحاتهما، حتى إن ستراتون صار يعتقد أن الإرغام وحده ~~هو الوسيلة لحملهم على الاتفاق، وأما ستيوارت فقد كتب إلى هوبارت في 17 ~~أغسطس يعلل سبب إخفاقه في مهمته في القسطنطينية، بأن التعليمات المعطاة له لم ~~تجعل إخلاء الجنود البريطانيين لمصر مرتهنا بقبول الأتراك للاتفاق، وفي اليوم ~~نفسه غادر ستيوارت القسطنطينية وهو لا يزال يعتقد أن الفرصة لما تفلت من ~~يده بعد، ويحدوه الأمل ms0114 في النجاح عند وصوله إلى الإسكندرية. # وكان ستيوارت في أثناء رحلته إلى القسطنطينية قد كتب إلى «كافان» من مالطة ~~ينبئنه بمهمته، فبادر «كافان» بإبلاغ خسرو في 18 يوليو بمهمة ستيوارت في ~~القسطنطينية وفي مصر «للوصول إلى السلام والاتفاق الودي بين الباب العالي ~~والبكوات المماليك»، وطلب «كافان» مساعدة خسرو ومعاونته في ذلك؛ لأن مصلحة ~~الباب العالي تقتضي إنهاء الخلافات بينه وبين البكوات، كما طلب منه جواز مرور ~~لترجمانه «فنشينتزو تابرنا» وياوره «ديساد # Desade ~~» حتى يذهبا إلى البكوات لإبلاغهم الموقف ولرجائهم أن ~~يرسلوا مندوبين عنهم إلى الإسكندرية مخولين سلطات كاملة للمفاوضة والاتفاق عند ~~وصول الجنرال «ستيوارت» وسماع شروط الاتفاق التي يعرضها عليهم الباب العالي، ~~كما زود «كافان» في الوقت نفسه ياوره «ديساد» برسالة إلى إبراهيم بك يبلغه ~~إيفاد الجنرال «ستيوارت» إلى القسطنطينية من قبل حكومته والمهمة المكلف بها، ~~ويطلب إليه إرسال المندوبين اللازمين للمفاوضة والاتفاق. # ولكن خسرو رفض أن يسمح لياور اللورد «كافان» بالذهاب إلى البكوات والاتصال ~~بهم، وتعهد بإيصال رسائل «كافان» إليهم، دون أن يفضها، ولكن «كافان» رفض بدوره ~~لعدم ثقته به، واستند خسرو فيما فعل إلى أن تعليمات حكومته له تمنعه من كل ~~اتصال بالمماليك، وتأمره بالاستمرار في الحرب ضدهم، وأنه لا مبرر في الحقيقة ~~لخرق هذه التعليمات الآن ما دام من المنتظر حضور «ستيوارت» قريبا، ومن ~~المتوقع أن يأتي معه بأوامر الباب العالي في هذه المسألة، وعلى ذلك فقد رجع ~~«ديساد» إلى الإسكندرية، وكان كل ما وعد به خسرو باشا - برهانا على حسن ~~نواياه - هو وقف زحف طاهر باشا ضد البكوات حتى يحضر الجنرال «ستيوارت»، ووقف ~~كل العمليات العسكرية ضدهم إذا وعد اللورد «كافان» من جانبه وعد صدق وشرف، أن ~~المماليك يقبلون الانسحاب إلى ما بعد «إسنا» دون أن يؤذوا القرى والسكان في ~~أثناء انسحابهم، وعلى أن يحترموا جنود الباب العالي في أي مكان قد يقابلونهم ~~فيه. # وعلى ذلك فإنه عندما وصل «ستيوارت» إلى الإسكندرية في 27 أغسطس لم يجد ~~أحدا من مندوبي البكوات في انتظاره، ولكنه لم يفقد ms0115 الأمل؛ ذلك أن المماليك ~~الذين أغضبهم إصرار الباب العالي على الانتقام منهم، وإصرار خسرو باشا على ~~تعقبهم وعزمه على مطاردتهم؛ ما لبثوا أن ولوا وجوهم شطر القاهرة، وزحفوا صوب ~~الشمال حتى وصلوا إلى منتصف المسافة بين جرجا والقاهرة بعد أن هزموا الأتراك ~~في معارك شديدة وحملوهم خسائر كبيرة، فوجد «ستيوارت» في هذه الحوادث ما ~~يشجعه على بدء مساعيه، فأرسل في 30 أغسطس اللورد «بلانتاير» # Blantyre # ياوره لمقابلة خسرو في القاهرة، ~~وفضلا عن ذلك فقد شعر «ستيوارت» بعد انتصارات المماليك الأخيرة بأنه صار يشق ~~عليه كثيرا أن يبلغ البكوات نتائج مفاوضاته في القسطنطينية؛ أي فشلها وإصرار ~~الباب العالي على خروجهم من مصر؛ لأنه تذكر - كما قال في رسالة بعث بها من ~~الإسكندرية إلى اللورد هوبارت في 3 سبتمبر - الوعود التي أغرتهم أصلا على ~~ترك أماكنهم الأمينة بالصعيد، وشعر بصعوبة إعلان قرار إليهم لا يمكن أن يؤثر ~~عليهم أو يكون بمثابة النصيحة لهم الآن، ولكنه يحمل في الوقت نفسه فكرة أنهم ~~قد صاروا متروكين لرحمة الظروف والمقادير، وقد حداه هذا الشعور نفسه إلى ~~الكتابة للرئيس أفندي في 3 سبتمبر أيضا بأن شروط الاتفاق التي تضمنتها ~~مذكرة الباب العالي له في 10 ديسمبر غير مجدية، بينما كانت هناك ارتباطات ~~مع البكوات وتعهدات أعطيت لهم باسم ملك إنجلترا، يتساءل «ستيوارت» الآن ~~عما إذا كان الريس أفندي يعتقد أن لها من القدسية ما يجعلها مقبولة كأساس ~~للاتفاق بين الباب العالي والمماليك، وعما إذا كانت المقترحات التي بعث بها ~~«ستيوارت» نفسه إلى الريس أفندي قبل مبارحته القسطنطينية بتاريخ 6 أغسطس ~~تصلح أساسا لهذا الاتفاق، وقد كانت هذه المقترحات مطابقة لما جاء في ~~تعليمات هوكسبري له (10 مايو)، فاشتملت على إعطاء الصعيد للبكوات ليس كإقليم ~~يستقلون به، ولكن كحكومة تابعة للسلطان العثماني، وتخضع لرقابة وإشراف الباشا ~~العثماني في القاهرة، وعلى أن يمارس البك الحاكم وظيفته باسم الباب العالي ~~فيبقيه أو يعزله حسب مشيئته، وأن يدفع البكوات الخراج المعقول للباب العالي، ~~ويسمح لهم بنقل أموالهم والتصرف في أملاكهم ms0116 التي بالقاهرة، وذلك كله مع إدخال ~~تعديلات في نظام المماليك بصورة تكفل ارتياح الباب العالي لها ونفع سكان ~~البلاد. # ولا شك في أن مبعث هذا الشعور بإخفاق مهمته سلفا، ما توقعه من رفض خسرو باشا ~~لأي اتفاق مع البكوات على أساس غير إخراجهم من مصر، على أن «ستيوارت» لم يعدم ~~الأمل في حمل خسرو على الموافقة إذا تسنى له إقناعه بأن تصميمه على رفض ~~المفاوضة مع المماليك من شأنه تأجيل خروج الإنجليز من البلاد، ولم يتوان ~~«ستيوارت» عن التلميح بهذا الرأي لحكومته، والإيحاء إليها بأنه الوسيلة ~~المجدية لحمل الأتراك على الاتفاق، فقال في رسالته إلى «هوبارت» في 3 سبتمبر ~~- وهي الرسالة التي سبقت الإشارة إليها - «وأما إذا كانت هذه؛ أي تأخير الجلاء ~~حتى يتم الاتفاق، هي رغبة حكومة جلالة الملك الحقيقية، فالجيش البريطاني في ~~مصر يجد صعوبات لا ندحة عن إخبار حكومته بها؛ لأن الجيش في حاجة قصوى إلى ~~مختلف أنواع المؤن والاستعدادات اللازمة لإقامته، حيث إن تسليم القلاع ~~الرئيسية مع مخازنها للأتراك واشتراك الحاميات مع الجنود الأتراك يعرض الجيش ~~بعد هذا لارتباكات خطيرة لا حصر ولا عد لها.» # وفي الواقع صح ما توقعه ستيوارت، ورفض خسرو كل ما عرضه عليه، ورفض أن يسمح له ~~بالاتصال بالبكوات على نحو ما فعل «كافان»، وضاق ستيوارت ذرعا عندما وصلته ~~ووصلت اللورد «كافان» رسائل من البكوات يوم 28 سبتمبر تحمل إليهما أخبار ~~وصولهم إلى مديرية الفيوم حتى صاروا على مسافة يومين من القاهرة، بعد أن ~~انتصروا على الأتراك في خمس معارك، ومع أن البكوات قالوا إنهم ليسوا في حاجة ~~إلى مؤن فقد أشاروا إلى تعاسة الحرب المستمرة، وأكدوا رغبتهم في السلام على ~~أساس تعيين مكان ثابت لإقامتهم في مصر، واعتقد ستيوارت في هذه الظروف أن ~~البكوات لن يرضوا بأي اتفاق يقوم على أساس نفيهم إلى خارج البلاد، كما ~~صار يعتقد أن ممثلي الباب العالي ورجاله أصحاب السلطة في مصر، يخفون حقيقة ~~الأمور عن الوزراء العثمانيين في القسطنطينية، كما كان راسخا في ذهنه أن ms0117 ~~الباب العالي نفسه مصمم على تنفيذ أغراضه بالقوة المسلحة، ينهض دليلا على ذلك ~~نزول حوالي الخمسة آلاف أو الستة آلاف جندي ألباني ومقدوني وغير ذلك في أبي ~~قير ورشيد في غضون شهري أغسطس وسبتمبر، علاوة على ثمانية آلاف وصلوا إلى ~~دمياط من جهات الشام، أضف إلى هذا كله أن اللورد «كافان» صار مصمما على ~~الاستقالة، وبات من المنتظر مبارحته للبلاد عند أول فرصة سانحة، فكان لهذه ~~الأسباب جميعها أن أعلن ستيوارت رغبته في التزام الحياد من الآن فصاعدا، ~~تاركا للورد «إلجين» في القسطنطينية مهمة إقناع الباب العالي، وكتب إليه ~~بتفصيلات كل ما وقع في 29 سبتمبر 1802. # وشغل «ستيوارت» منذ أن تسلم القيادة بعد مغادرة اللورد «كافان» للبلاد في 10 أكتوبر، باسترجاع قلعة الفنار Pharos ~~«طابية ~~قايتباي»، وكان أحمد خورشيد حاكم الإسكندرية قد بادر باحتلالها بعد تنازل ~~«كافان» عنها على اعتبار أن الجيش البريطاني سوف يخلي الإسكندرية تباعا، ~~فطالب ستيوارت الآن باستردادها مستندا إلى أن كافان إنما أخلاها على شريطة ~~استعادتها في أي وقت يشاء، فدارت المكاتبات بينه وبين خورشيد مدة، شعر ~~ستيوارت في أثنائها بازدياد علاقاته سوءا مع ممثلي الباب العالي، ولكنه ~~استطاع أن يدخل بهذه القلعة قوة كبيرة (19 أكتوبر)، واستاء خورشيد واحتج ~~خسرو، ولكن دون جدوى؛ لأنه؛ أي ستيوارت، كان يخشى من الطاعون الذي أخذ يتفشى ~~وقتئذ بسبب مجيء السفن اليونانية والتركية دون انقطاع إلى الميناء الغربية من ~~كافة موانئ الليفانت الموبوءة. ولأنه كان يعتقد - في قرارة نفسه - أن ما تنطوي ~~عليه هذه الخطوة من إظهار عزمه على البقاء وتأخير الجلاء قد يحمل خسرو والباب ~~العالي على الاتفاق مع المماليك، وفي 19 أكتوبر طلب «ستيوارت» من حكومته ~~«تعليمات نهائية توضح ما يجب أن يكون عليه مسلكه شخصيا» في الظروف ~~القائمة. # ذلك كان الموقف إذن عندما وصل «هوراس سباستياني» إلى الإسكندرية في 16 أكتوبر سنة 1802 يظهر دهشته - كما قدمنا - من استمرار الجيش البريطاني في مصر ~~وعدم جلائه عنها، وقد ذكرنا عند الكلام عن بعثة سباستياني في مصر مبلغ ms0118 الأثر ~~الذي تركه نشاطه في نفس «ستيوارت»، وكيف أن هذا الأخير قد اتخذ من مجيء ~~«سباستياني» إلى مصر وقرب وصول «القنصل الفرنسي» دروفتي دليلا على نوايا ~~فرنسا العدوانية نحو مصر، واهتم ستيوارت باستجلاء أغراض هذه البعثة، وقال ~~«ستيوارت» في رسالته التي فصل فيها إلى اللورد هوبارت في 18 أكتوبر أخبار ~~هذه البعثة «إنه يجرؤ للمرة الثانية فيعبر عن اعتقاده الراسخ بأن الفرنسيين ~~ينوون سواء بطريق المفاوضة أو بطريق أكثر صراحة ووضوحا استرجاع سلطانهم ~~وتفوق نفوذهم في هذه البلاد، وليس مجيء سباستياني إلا تمهيدا لذلك، ولكن ~~الفرنسيين لا يزالون في حاجة إلى إنشاء صلات تربط السكان والمماليك بهم في ~~مصلحة مشتركة، بخلاف الحال مع الإنجليز الذين أوجدوا هذه المصلحة فعلا لدرجة ~~أن أقل كلمة تشجيع تبدر في هذه اللحظة من جانب الحكومة الإنجليزية تمكن ~~الإنجليز من السيطرة على البلاد، وإذا أرادت «الحكومة الإنجليزية» الاستفادة ~~من هذا النفوذ الذي تستمتع به؛ فإن إهمال كل لحظة تمر إنما يكون كسبا ومغنما ~~لمنافسيهم «الفرنسيين».» وكان واضحا من هذا الكلام أن ستيوارت لا يزال يرجو ~~إذا وافقت حكومته على تأخير الجلاء ودخل في روع العثمانيين أن تسليم ~~الإسكندرية مرتهن بقبولهم الاتفاق مع البكوات حسب الشروط التي تريدها ~~بريطانيا، أن يستطيع تحقيق الغرض من مهمته. # ولكنه كان من الواضح بسبب إصرار الباب العالي على موقفه كما عاد فأكده ~~للحكومة الإنجليزية في لندن وللجنرال «ستيوارت» نفسه في الإسكندرية، وبسبب ما ~~أبداه «سباستياني» من نشاط في القسطنطينية والقاهرة، أن فضلت لندن إغفال ~~نصيحة «ستيوارت»، وأصدرت أوامرها بالإخلاء في 26 نوفمبر سنة 1802، مستندة ~~في ذلك إلى سبب جوهري في نظرها، هو أن مهمة «ستيوارت» كانت حسم الخلافات بين ~~الباب العالي وبين البكوات قبل انسحاب الجيش البريطاني من مصر في موعد أقصاه ~~شهر يوليو، ولكن «ستيوارت» قد فشل في مهمته؛ ولذلك انتفى أي مسوغ لبقاء الجيش ~~البريطاني في مصر أكثر من المدة التي قضاها بها، عندما دعت الحاجة إلى ~~استخدامه في ميادين ومهام أخرى. # غير أنه في الوقت الذي صدرت ms0119 فيه تعليمات لندن بالإخلاء، كان ستيوارت قد ~~استطاع الاتصال بالبكوات بل وتوثيق علاقاته بهم؛ ذلك أن المماليك بعد وصولهم ~~إلى الفيوم ما لبثوا أن استأنفوا زحفهم إلى الدلتا وتوغلوا في الوجه البحري، ~~وفي 13 نوفمبر علم «ستيوارت» أنهم نزلوا في الحوش على مسافة مرحلتين من ~~دمنهور في قوات تبلغ الألفين عدا حوالي أربعة آلاف أو خمسة آلاف من البدو، وفي ~~15 نوفمبر ظهر فجأة محمد الألفي في مراكز الإنجليز الأمامية عند بركة غطاس ~~وطلب مقابلة «ستيوارت» بالإسكندرية فسمح له بذلك، وقد علم منه «ستيوارت» أن ~~حال المماليك قد بلغ من السوء نهايته، وأن مواردهم قد استنفدت، ولا يمكن ~~تعويض خسائرهم بسبب الحرب المستمرة، وأنهم قد جاءوا ليرجوه مرة أخرى أن يشفع ~~وأن يتوسط لهم لدى الباب العالي، أو أن يفصل «ستيوارت» في مصيرهم حسبما يراه ~~وأربك هذا الرجاء «ستيوارت» الذي لم تكن لديه تعليمات، فلم يسعه إلا أن ~~يعد الألفي ببذل الجهد في التوسط لصالحهم ثانية، وأن يعرض على البكوات إذا ~~عاكستهم المقادير الاحتماء في مراكزه العسكرية حتى يحصل على أوامر أخرى من ~~حكومته، وعاد الألفي إلى معسكره في مساء اليوم نفسه، ثم ما لبث البكوات أن ~~كتبوا «لستيوارت» من الحوش في 17 نوفمبر يبلغونه اقترابهم من الرحمانية، ~~ويرجونه التوسط لدى خسرو باشا الذي كانوا قد كتبوا له من مدة سابقة برغبتهم في ~~النزول إلى الوجه البحري لتسهيل المفاوضات، ولكنه بدلا من الجواب على رسالتهم ~~أغلق في وجوههم كل الطرق وسير جنده ضدهم. # وكان موقف «ستيوارت» حرجا؛ لأن خسرو منذ 13-15 نوفمبر كان قد رفض بتاتا ~~الاستجابة لمساعي «ديساد» ياور الجنرال «ستيوارت» الذي أوفد إلى القاهرة ~~للحصول على معلومات من الباشا عن مهمة «سباستياني» ثم التوسط في مسألة ~~البكوات، فقال خسرو: «إنه واثق الثقة كلها من أن حماية الجنرال «ستيوارت» ~~للبكوات لا تعدو تمني الخير لهم والتوسط من أجل الحصول على مكان إقليم ~~لإقامتهم، ولكنه يمتنع عليه؛ أي خسرو بسبب ما لديه من أوامر الإصغاء إلى أي ~~حديث في هذه ms0120 المسألة، بل يمتنع عليه بسبب صرامة هذه التعليمات؛ أن يدخل في ~~مفاوضات أو مباحثات مع البكوات حتى ولو كانوا تحت أسوار القاهرة ذاتها»، ~~وفضلا عن ذلك فقد كان خسرو ينتظر وصول نجدات من الدلاة من الشام، حوالي ~~ثلاثة آلاف فارس، كما بلغ «ستيوارت» أنه أنفذ جيشا من حوالي الخمسة آلاف ~~بقيادة الكخيا «يوسف بك» من القاهرة لقطع خط الرجعة على المماليك ~~ومطاردتهم. # ومع ذلك لم يفقد «ستيوارت» الأمل، فبعث في 21 نوفمبر يقترح على خسرو باشا ~~«كخطوة تمهيدية في سبيل السلام» وقف القتال بين الجانبين، على أن يضمن ~~«ستيوارت» التزام البكوات للهدوء والسكينة، وبشريطة أن يتخلى الأتراك من ~~جانبهم عن أية عمليات قد تستفز المماليك وتستثيرهم، ولكن اقتراح هذه الهدنة ~~جاء متأخرا؛ لأن جيش يوسف بك - كما عرفنا - لم يلبث أن وصل دمنهور في 19 ~~نوفمبر، وفي اليوم التالي وقعت معركة دمنهور أو الحوش التي انتصر فيها ~~المماليك، وفي 22 نوفمبر ظهر الألفي من جديد في خطوط الإنجليز الأمامية عند ~~بركة غطاس، يعلن نبأ الانتصار ويطلب مقابلة «ستيوارت»، كما أن البكوات بعثوا ~~بكتاب في 21 نوفمبر إلى القائد الإنجليزي يخبرونه بأنه بعد أن تركهم صديقهم ~~الميجور «مسيت # Missett ~~» ياور الجنرال ~~«ستيوارت»، صبيحة يوم 20 نوفمبر وقعت المعركة التي انتصروا فيها، بعد أن ~~فشلوا في إقناع الأتراك بوقف القتال مدة يومين أو ثلاثة حتى تصل البكوات ~~«أخبار من أصدقائهم الإنجليز؛ لأنهم لا زالوا يرجون ويلتمسون الصفح والرضى ~~عنهم من الباب العالي وخسرو باشا»، وقال البكوات إنهم برغم هزيمتهم للأتراك ~~هزيمة بالغة «لا يطلبون سوى كسب رضاء الباب العالي وجنده، وأنهم لم يضعوا ~~أنفسهم تحت حماية «ستيوارت» إلا لما يعرفونه عن محبته وخالص وده لهم؛ ولذلك ~~فهم يرجونه من جديد أن يحصل على السلام لهم وعلى اتفاق أو تسوية» لحسم ~~خلافاتهم مع الباب العالي، ويبلغونه أنهم أرسلوا إليه أخاهم - الألفي - لينقل ~~إليه نبأ المعركة «وهو مفوض للموافقة على أية تسوية أو ترتيب في استطاعة ~~«ستيوارت» أن يصل إليه في صالحهم»، وكان هذا ms0121 الكتاب بتوقيع إبراهيم بك شيخ ~~البلد وعثمان بك مراد البرديسي. # فأوفد «سيتوارت» إليهم الميجور «مسيت» وهو «ضابط - قال عنه «ستيوارت» - إنه ~~ينتمي لأسرته»، فقابل الألفي في بركة غطاس ليقف على سبب المعركة وتفصيلها، ~~ولعل أهم ما تجدر ملاحظته هنا على نحو ما بينا سابقا تأكيد الألفي له انشقاقه ~~على إخوانه الذين صح عزمهم على الاشتباك مع الأتراك، فلم يشترك في القتال ~~«خوفا من عدم رضاء «ستيوارت»» عليه إذا فعل، وقد ألح الألفي في ضرورة ~~مقابلة ليس «ستيوارت» وحده فحسب، بل والقبطان بك قائد البحرية العثمانية ~~بالإسكندرية وخورشيد باشا حاكمها، ولم يفد احتجاج «مسيت» بأن «ستيوارت» قد ~~قرر التزام الحيدة وعدم التدخل ، ولكن الألفي صمم على عدم مغادرة المكان ~~حتى يصله جواب «ستيوارت» وقال إنه مزود برسائل من البكوات، ورغب القبطان ~~وخورشيد في مقابلة الألفي شخصيا وتسلم الخطابات التي قال إنه جاء بها من ~~إخوانه فدخل الألفي الإسكندرية في 24 نوفمبر، وتمت المقابلة مساء اليوم نفسه، ~~فتكلم الألفي طويلا عن مقاومته للفرنسيين، والخدمات التي أسدتها جماعته ~~للجيوش المتحالفة والوعود التي أعطيت للبكوات، والاضطهادات التي تحملوها، ~~والنجاح المستمر الذي أحرزوه في عملياتهم العسكرية ضد الأتراك، ومع ذلك، ~~وبالرغم مما حدث جميعه، فإنه لا يزال يؤكد ولاءه وولاء سائر البكوات للسلطان ~~العثماني، ولم يترك الصعيد إلى الوجه البحري إلا لرغبته في أن يكون قريبا من ~~الإنجليز وليرجوهم التوسط في مسألة البكوات حرصا على راحة البلاد وإعادة ~~الهدوء إليها. # وكان مقال الألفي مقنعا في حججه الظاهرة، ولكن القبطان وخورشيد لم يسعهما ~~سوى الوعد بإبلاغ ذلك كله إلى خسرو باشا؛ لأنه لم تكن لديهما أية تعليمات - ~~كما قالا - لإبرام أي اتفاق معه ومع إخوانه، ولخسرو وحده أن يتصرف حسب تعليمات ~~حكومته، وكان معنى ذلك أنه لا أمل ولا رجاء في الحقيقة في الوصول إلى أية ~~تسوية، وأما ستيوارت فقد تمسك بحيدته؛ حيث إنه أخفق في الحصول على الاتفاق ~~الذي سعى كثيرا من أجله أو لوقف القتال، كما صرح بأنه لا يستطيع ولا يريد أن ~~يضغط ms0122 على البكوات ليمنعهم من اتخاذ الوسائل التي تمكنهم من الدفاع عن أنفسهم، ~~أو ليحول دون متابعتهم لانتصارهم، ولكنه إذا حدث أن ساءت حال أحد الفريقين ~~لدرجة تحملهم على الالتجاء لحمياته داخل مراكزه فإنه سوف يرحب بهم دون تفرقة ~~أو تمييز، وقد علل ستيوارت السبب في تشجيعه على عقد هذا الاجتماع بقوله في ~~رسالته إلى اللورد هوبارت في 24 نوفمبر «بأنه لم يكن بحال من الأحوال لتوقعه ~~الوصول إلى أية نتيجة حاسمة، ولكن لإزالة الغيرة من صدور «الأتراك» وسوء الظن ~~أو التفسير الذي قد تسببه مراسلات «ستيوارت» المنفصلة مع البكوات.» # ولكن ستيوارت في الوقت الذي وقف فيه ذلك الموقف السلبي من خلافات الأتراك ~~والمماليك ، وهو الحياد الذي كان يراه متفقا مع كرامته؛ لم يلبث أن أرسل ~~ياوره اللورد «بلانتاير» إلى القسطنطينية مزودا بتعليماته في 21 نوفمبر حتى ~~يطلع «إلجين» على حقيقة الموقف في مصر، وكي يلح عليه في ضرورة الوصول إلى أي ~~اتفاق أو تسوية مع الباب العالي بشأن البكوات، وقال ستيوارت في هذه التعليمات: ~~«إن البكوات سوف يقبلون راضخين أية شروط تعرض عليهم ما دامت لا تطلب نفيهم من ~~مصر»، ثم كتب للصدر الأعظم في 26 نوفمبر يخبره بمهمة «بلانتاير»، «حتى يطلعه ~~على تفاصيل الحوادث التي وقعت أخيرا في مصر، والتي تهم الصدر الأعظم بلا شك، ~~كما تهم الدول الحليفة لتركيا، وحتى يتحدث إليه عن ذلك النضال المميت، والذي ~~استعر أواره بين الباب العالي حليف إنجلترا، وبين البكوات الذين أعطى لهم ~~الملك وعده، بينما يرى «ستيوارت» أناسا هم رعايا سلطان واحد وإخوة في دين ~~واحد، وأبناء آباء واحدة، يتطاحنون ويتقاتلون ولا يصغون لأصدقائهم الذين ~~يريدون أن يسود السلام والوئام بينهم»، ورجا ستيوارت الصدر الأعظم أن يتوسط في ~~السلام بين الباب العالي والمماليك. # وفي 22 نوفمبر غادر «بلانتاير» الإسكندرية إلى أزمير ومنها إلى القسطنطينية ~~فوصلها في 24 ديسمبر، وهناك وجد أن «إلجين» كان قد استأنف مباحثاته مع الباب ~~العالي بشأن المماليك نتيجة لما أظهره سباستياني من نشاط - وقد انتهت مهمته في ms0123 ~~مصر وغادرها في 14 نوفمبر كما هو معروف - ولو أن الباب العالي لم يتأثر - ~~على ما يبدو - ببعثته، بل ظل مصمما على المضي في طريقه، وقرر إرسال أحد ~~موظفيه «صدقي أفندي» إلى لندن؛ ليوضح للورد «هوكسبري» شعور الباب العالي نحو ~~مسلك «ستيوارت» في مصر، ويجدد عروضه السابقة بشأن المماليك - وهي العروض ~~القائمة على نقلهم وإبعادهم من مصر - وفي 30 نوفمبر كتب «إلجين» إلى ~~«هوكسبري» يقدم إليه صدقي أفندي «المفاوض العثماني» الذي اختاره الباب العالي ~~للمباحثة مع الوزراء الإنجليز في مسألة المماليك، ويخبر «هوكسبري» أن الباب ~~العالي قد أوفد إلى مصر أيضا مفاوضا آخر للاشتراك مع «الدفتردار حاتم أفندي» ~~بها لتسوية هذه المسألة مع الجنرال «ستيوارت»، وحاول «إلجين» إحباط قرار الباب ~~العالي وعرض في الوقت نفسه أن يذهب إلى الإسكندرية لعقد اتفاق مناسب للطرفين، ~~ولكن جهوده ذهبت سدى، حتى إذا أرسل خسرو باشا إلى القسطنطينية تفصيلات مقابلته ~~مع سباستياني، تبدل اطمئنان الباب العالي إلى قلق وانزعاج شديدين؛ لأنه لم يكن ~~من المتعذر إدراك الغاية من إلحاح سباستياني باسم القنصل الأول في التوسط ~~وإنشاء العلاقات الودية مع البكوات، وزاد انزعاج الباب العالي عندما عرف من ~~مبعوثه «في عقد السلام بين تركيا وفرنسا» بعد عودته من باريس أن «بونابرت ~~أبلغه مرتين برغبته في التدخل واستخدام نفوذه لإعادة سلطان البكوات في مصر»، ~~فصار واضحا أنه من المحتمل كثيرا أن تتدخل فرنسا الآن في شئون مصر الداخلية، ~~واعتقد الباب العالي انه صار من مصلحته المبادرة بكل سرعة لتنظيم شئون مصر ~~الداخلية، كما اعتقد أن في وسعه الوصول إلى تسوية أو تنظيم يطلق يده تماما ~~ويمكنه من حرية العمل في مصر إذا هو نجح في إقناع الإنجليز الذين أعلنوا أن ~~لا مصلحة لهم في هذه البلاد، بقبول التنظيم الذي تبغيه ثم تبع ذلك انسحاب ~~جيشهم، وعلى ذلك فقد اجتمع الريس أفندي بإلجين في 19 ديسمبر، وبدأت من ثم ~~المحادثات التي أفضت إلى الاتفاق أخيرا، وإن كان هذا الاتفاق قد جاء متأخرا ~~وفي وقت كانت قد تغيرت ms0124 فيه الظروف، واختلف الموقف تماما عما كان عليه عندما ~~بدأ الإنجليز وساطتهم من عامين مضيا وبصورة جعلت البكوات يرفضون هذا الاتفاق ~~فخسروا بذلك قضيتهم نهائيا. # اتفاق «3-6 يناير سنة 1803» # وبدأت المباحثات بأن صار الريس أفندي يعرض الحجج والدعاوى التي حاول بها ~~التأثير على الإنجليز حتى يتركوا اهتمامهم بمسألة المماليك، وبنى الأتراك ~~أملهم في النجاح على ما قدموه من براهين تدل على أن القنصل الأول يسعى ~~جاهدا حتى يعيد إلى البكوات سلطتهم السابقة، ومن هذه البراهين محضر لما حدث ~~في المباحثات التي دارت بين خسرو باشا وسباستياني في القاهرة بشأن رغبة ~~القنصل الأول في التوسط بين الباب العالي وبين المماليك، ومحاولة سباستياني ~~مقابلة البكوات، ومنها مفاتحة بونابرت - التي أشرنا إليها - للمندوب أو ~~المفاوض التركي في باريس، ثم وجود تفاهم سري بين بونابرت وإبراهيم بك، قال ~~الأتراك إنهم علموا به من مراسلات سرية أكدوا للورد إلجين وثوقهم من حدوثها، ~~وهي عبارة عن خطابات تبودلت بين بونابرت وإبراهيم بك، وكان الواسطة في ذلك ~~«يعقوب القبطي» - المشهور بالجنرال يعقوب والذي غادر مصر مع «منو # Menou ~~» - وقد أثبتت هذه المراسلات على نحوها ~~أبلغ إلجين اللورد هوكسبري في 15 يناير سنة 1803 - طلب يعقوب مساعدة القنصل ~~الأول للبكوات، ووعد الأخير بمساعدتهم وتأييدهم. # والمعروف عن الجنرال يعقوب أو المعلم يعقوب حنا أنه من كبار الذين أيدوا ~~الفرنسيين وناصروهم في أثناء احتلالهم لمصر، وجعله الفرنسيون ساري عسكر القبط ~~من الشبان الذين جمعوا من الصعيد وأحضروا إلى القاهرة وكانوا حوالي الألفين، ~~وعندما سلم «بليار» القاهرة خرج يعقوب مع من خرج من الفرنسيين وقتئذ من مصر، ~~وكان مزودا بتفويض من المعلمين جرجس جوهري وأنطون أبو طاقية وفلتاءوس وملطي ~~لمطالبة الحكومة الفرنسية برد المبالغ التي أقرضوها مشتركين مع المعلم يعقوب ~~نفسه للجنرال «منو»، وقد صحبه في خروجه أهله، وكان «ثيودور لاسكاريس # Lascaris ~~» ممن خرجوا كذلك ونقلتهم ~~الفرقاطة «بالاس Pallas ~~» الإنجليزية، نفس ~~الفرقاطة التي حملت يعقوب وجماعته، والمعروف عن «لاسكاريس» أنه مغامر كان ~~بمالطة «مع فرسان القديس يوحنا» عندما استولى بونابرت عليها ms0125 (1798) وحضر معه ~~إلى مصر، عرف بالخيال الواسع، والشذوذ، واستمر طيلة حياته صاحب مشروعات، كما ~~وصف هو نفسه، تولى الترجمة بين يعقوب وبين «جوزيف إدموندس # Joseph Edmonds ~~» ربان هذه الفرقاطة الإنجليزية، فكان بفضل ~~هذه الترجمة - على ما يبدو - أن ذاعت فكرة أن الجنرال يعقوب إنما أراد الذهاب ~~إلى فرنسا كي يطالب باستقلال مصر، الأمر الذي لا يوجد أي دليل على صحته سوى ~~بعض العبارات التي نقلها «لاسكاريس» لربان السفينة بوصفه مترجما بين الاثنين، ~~وبعض المذكرات التي وضعها «لاسكاريس» نفسه بوصفه - كما قال - أحد أعضاء الوفد ~~المصري الذاهب إلى فرنسا للمطالبة باستقلال مصر، ثم لإقناع الإنجليز باحتضان ~~مشروع الاستقلال وموافقتهم عليه، ولو أنه من الثابت أن الفرقاطة بالاس غادرت ~~الإسكندرية يوم أول أغسطس سنة 1801، وفي 3 أغسطس مرض يعقوب، ثم اشتدت ~~وطأة المرض عليه فتوفي في 16 أغسطس، ووصلت الفرقاطة إلى طولون في 17 سبتمبر، وبدأ من ثم الاتصال بين الوفد المصري الذي أوجده خيال «لاسكاريس» ~~الخصيب وبين الحكومة الفرنسية، والذي كانت نتيجة على نحو ما سبق ذكره، أن ~~الباب العالي صار متأكدا من وجود تفاهم سري بين بونابرت وإبراهيم بك. # ومهما يكن من أمر هذا التفاهم السري، الذي أكد الباب العالي بصورة قاطعة في ~~أثناء مباحثاته مع إلجين منذ 19 ديسمبر «أن هناك مراسلات سرية «بشأن ~~التفاهم والاتفاق» بين إبراهيم بك وبونابرت عن طريق قبطي يدعى يعقوب موجود ~~بباريس»، تدل على وجود تلك المراسلات، فقد أجاب إلجين الريس أفندي «بأن ~~بونابرت يريد إعادة النفوذ الفرنسي في مصر على حساب تركيا، وأن الوسيلة لمنع ~~ذلك هي الوصول إلى اتفاق ودي مع البكوات على أساس المقترحات التي قدمتها ~~إنجلترا، أو ترك النزاع على حاله حتى إذا خرج الإنجليز من مصر استطاع ~~الفرنسيون إنهاءه.» # وفي 3 يناير سنة 1803 عقد اجتماع آخر بين الريس أفندي واللورد «إلجين»، ~~وكان في هذا الاجتماع أن قال الريس أفندي: إن رأي الباب العالي الخاص بعدم ~~السماح للمماليك بالبقاء في مصر لا يزال كما هو، ولكنه لما كان الضباط ms0126 ~~الإنجليز قد ارتبطوا مع البكوات بارتباطات معينة، وتريد الحكومة الإنجليزية ~~المحافظة على هذه التعهدات، فقد قرر الباب العالي إعطاء مديرية أسوان للبكوات ~~لإقامتهم بها وزيادة المعاشات المعروضة عليهم إلى الضعف على شريطة التزامهم ~~الهدوء وعدم التدخل في شئون الحكومة أو جمع الضرائب التي يقوم بتحصيلها ضباط ~~الباب العالي، وقال الريس أفندي إن هذه التسوية مطابقة لرغبة البكوات أنفسهم، ~~وقد أفصحت عنها عريضة تقدموا بها عن طريق الجنرال ستيوارت إلى الصدر الأعظم، ~~وأمام هذا التأكيد لم يسع إلجين سوى الموافقة، ولو أنه قال: إنه يجهل تماما ~~أن البكوات قد قدموا مثل هذه المقترحات، وحصل من الباب العالي في 5 يناير ~~على أن يترك للبكوات التمتع بإيرادات «مديرية أسوان» نظير دفع خراج خفضت قيمته ~~بعض الشيء، وذلك بدلا من المعاشات التي أراد الباب العالي إعطاءها لهم، وعلى ~~ذلك فإنه عندما وصل «برون # Brune ~~» السفير ~~الفرنسي إلى القسطنطينية في 6 يناير كان قد تم الاتفاق، ووجد «برون» نفسه ~~أمام الأمر الواقع. # وفي 15 يناير بعث إلجين إلى هوكسبري برسالة طويلة يذكر فيها المفاوضات التي ~~بدأت في 19 ديسمبر من العام السابق وانتهت بالوصول إلى هذا الاتفاق، وتحدث ~~عن مسألة التفاهم السري بين إبراهيم بك وبونابرت بإسهاب، وقال: إن ~~«بلانتاير # Blantyre ~~» «الذي وصل ~~القسطنطينية في 24 ديسمبر» اعترف بأن الفرنسيين حقيقة يحاولون التدخل في شئون ~~مصر، الأمر الذي جعل «إلجين» بدوره يصمم على إنهاء المسألة قبل وصول سباستياني ~~أو السفير الفرنسي إلى القسطنطينية، وبخاصة عندما أكد الوزراء العثمانيون أنهم ~~تسلموا عن طريق الجنرال ستيوارت عريضة من البكوات يرجون فيها الباب العالي ~~قبول هذا الحل ذاته؛ أي إعطاءهم مديرية أسوان لإقامتهم بها وتخصيص معاشات لهم، ~~ولو أن إلجين وبلانتاير قد أكدا للوزراء العثمانيين جهلهما بأمر هذه العريضة، ~~وكان بناء على المعلومات التي أدلى بها «بلانتاير» عن فقر مديرية أسوان أن ~~أمكن التوسط لدى الباب العالي لتخفيض قيمة الخراج الذي يدفعه البكوات، وقد ~~علل إلجين في رسالته هذه السبب الذي دعا الباب العالي إلى رضائه بإقامة ms0127 ~~المماليك في إقليم من أقاليم مصر بالشروط الآنفة، بأن الوزراء العثمانيين ~~أدركوا أهمية وقف النزاع القائم بين الباب العالي والبكوات، ولو أنهم كانوا ~~لا يريدون الاعتراف بأن خضوع البكوات لسلطان الباب العالي أمر ضروري؛ لأنه ~~عندما اجتمع إلجين بهم في 19 ديسمبر، وعندما وعده الريس أفندي بتخصيص مديرية ~~أسوان لإقامة المماليك بالشروط التي سبق ذكرها لم يكن قد بلغ الباب العالي ~~شيء عن الالتحامات التي وقعت في مصر بين البكوات والأتراك وانهزم فيها ~~الأخيرون، زد على ذلك أن الوزراء العثمانيين - على نحو ما أبلغ المبعوث الروسي ~~«تامارا # Tamara ~~» اللورد إلجين - كانوا ~~يريدون مبارحة الجيش البريطاني للبلاد بكل سرعة حتى يشرعوا فورا في مناجزة ~~المماليك، ولا يتردد الأتراك في تحمل أية تضحيات في سبيل إنقاص عدد المماليك ~~تدريجيا، ثم القضاء عليهم وإفنائهم نهائيا، أضف إلى هذا كله - على نحو ما ~~اعتقد إلجين وأكده له الباب العالي - أن الأتراك إنما أرادوا من هذه التسوية ~~إرضاء إنجلترا، وأن لا دخل لفرنسا في ذلك. # على أنه من الثابت من جهة أخرى، في تعليل هذا الاتفاق الذي لم يعترض عليه ~~إلجين وقبله، أن إلجين نفسه كان يريد حدوثه قبل وصول السفير الفرنسي حتى ~~يتجنب المخاطرة والفشل، ففضل عدم التريث أو سؤال «ستيوارت» في موضوع تلك ~~العريضة التي أكد الوزراء العثمانيون أنها وصلتهم عن طريق هذا الأخير، تتضمن ~~مطالبة البكوات أنفسهم بهذا الحل أو الترتيب. # ولم يتمسك «إلجين» بضرورة إعطاء البكوات كل إقليم الصعيد، لا سيما وأن ~~ستيوارت نفسه قال في تعليماته لمبعوثه إلى القسطنطينية «بلانتاير»: إن البكوات ~~سوف يقبلون أي حل يعرض عليهم ما دام لا يطلب نفيهم وإبعادهم من البلاد، وقد ~~عارض الباب العالي في إعطاء الصعيد للبكوات بدعوى الحاجة الملحة إلى ~~الاحتفاظ بالمواصلات مع ميناء القصير على البحر الأحمر، والذي يتسنى بواسطته ~~الاحتفاظ بالمواصلات مع أقاليم الصعيد التي تنتج القمح، واعتقد إلجين أن ~~الاتفاق كان لا يخلو من مزايا هامة، منها أن البكوات لم يجبروا على تصفية ~~أملاكهم في القاهرة وفي الوجه البحري، ms0128 زد على ذلك أن الباب العالي لم يصر على ~~إدخال تعديل في نظام المماليك ووضعهم يتم نفاذه بضمان الإنجليز أو جيشهم في ~~مصر، وعظم رجاء إلجين في أن المماليك سوف يقبلون هذا الاتفاق الذي لم يشترط ~~نفيهم من مصر. # غير أنه كان من الواضح أن تنازل الباب العالي عن موقفه كان تنازلا ~~ظاهريا أو وهميا، لم يرغمه عليه سوى تفوق المماليك وانتصارهم على جيشه ~~في مصر، في وقت ينقصه فيه وجود القوات العثمانية الكافية التي إذا قوى ~~ساعدها سوف تمكنه في الظروف المواتية من مطاردة البكوات والعمل من أجل القضاء ~~عليهم، وعلاوة على ذلك فإن مديرية أسوان كانت لفقرها أملاكا لا يمكن أن تكفي ~~لبقاء المماليك وعيشهم، فلم يكن هذا الاتفاق السريع في نظر الباب العالي سوى ~~هدنة تعطيه فسحة من الوقت في نضاله المميت مع المماليك، وإرضاء شعور العزة ~~والكرامة لدى البريطانيين الذين أعطوا كلمتهم للبكوات، وارتبطوا معهم، أضف ~~إلى هذا أن الباب العالي كان يريد التخلص من جيش الاحتلال البريطاني بكل ~~سرعة وتجنب المسألة المربكة التي سوف يثيرها قطعا السفير الفرنسي عند حضوره ~~إذا وجد أن الباب لم يغلق بعد في وجه التدخل الفرنسي في صالح ~~البكوات. # أما الباب العالي فقد أبلغ الحكومة الإنجليزية هذا الاتفاق في يناير وأرسل ~~الأوامر اللازمة، إلى صدقي أفندي مبعوثه في لندن لإطلاعه على قرار حكومته، كما ~~كتب «الصدر الأعظم» في التاريخ نفسه إلى الجنرال ستيوارت بما حدث، وأرسل ~~تعليماته إلى خسرو باشا، وطلب إلى «ستيوارت» إخبار المماليك بالاتفاق ثم ~~بانتهاء تدخل الإنجليز لحمايتهم، وقال إن «بلانتاير» سوف يعطيه؛ أي ستيوارت ~~كل التفصيلات المتعلقة بهذا الاتفاق. # ووصل «بلانتاير» الإسكندرية في 3 مارس سنة 1803، وفي اليوم نفسه قدم ~~تقريره إلى «ستيوارت» وأوضح فيه اعتراضه على اختيار مديرية أسوان لإقامة ~~المماليك، كما قال إن الأتراك إنما أرادوا من الانتهاء من مسألة البكوات بهذه ~~السرعة منع تدخل السفير الفرنسي الذي كان منتظرا وصوله قريبا؛ لأنهم ~~توقعوا هذا التدخل بسبب ما ظهر لهم من مسلك «سباستياني» في ms0129 مصر، وبدليل أن ~~الجنرال «برون» كان أول سؤال له عند وصوله إلى القسطنطينية «هل انتهت مسألة ~~المماليك أم لم تنته بعد؟» ~~••• # أما في مصر فقد حدث بعد ذهاب «بلانتاير» إلى القسطنطينية، أن جعلت هزيمة ~~الأتراك في معركة دمنهور أو الحوش خسرو باشا يبعث مندوبا من قبله مع ترجمانه ~~إلى «ستيوارت» بالإسكندرية يقترح عليه حلا لمسألة المماليك أن يبقى هؤلاء في ~~مصر ولكن على شريطة تسليمه رؤساءهم الأربعة فيخرج هؤلاء من مصر للعيش في أي ~~مكان آخر من أملاك الدولة مع إعطاء معاشات لهم، أو يتوسط «ستيوارت» لوقف ~~القتال حتى تحال المسألة على القسطنطينية للبت فيها، ووصل مندوبا خسرو إلى ~~الإسكندرية في 10 ديسمبر 1802، ولما كان «ستيوارت» يعتقد أن غرض خسرو من ذلك ~~التسويف والمماطلة، فقد رفض الاتفاق على غير القواعد التي وضعتها حكومة لندن، ~~وظل «ستيوارت» يطلب من حكومته تخويله التدخل بنشاط لوقف القتال بين ~~العثمانيين والبكوات، ووضع حد للحرب الأهلية، وقال في رسالته إلى هوبارت في 7 ~~ديسمبر إن غرضه من ذلك «أن يكون لإنجلترا النفوذ الذي كان يجب أن يكون من ~~نصيبها من مدة طويلة بسبب جهودها التي بذلتها وأعمالها التي قامت بها في ~~مصر»، ولكن الحكومة الإنجليزية - كما سبق القول - اعتبرت أن ستيوارت قد فشل في ~~مهمته، واتخذت قرار الإخلاء المعروف في 27 نوفمبر، ووصل هذا القرار ستيوارت ~~في 20 يناير سنة 1803، وحاول ستيوارت محاولة أخيرة قبل جلاء قواته من مصر، ~~فبعث «بالميجور مسيت» إلى خسرو باشا يبلغه هذا القرار ويحاول - كما كتب ~~سيتوارت لهوبارت في 20 يناير - أن يقنعه بإبرام اتفاق في صالح البكوات، ~~ولكن دون جدوى، وحدد خسرو شروط النفي كأساس لأي اتفاق معهم، وفي 28 فبراير ~~كتب ستيوارت إلى هوبارت يذكر له أنه ذهب إلى معسكر البكوات فجمع زعماءهم شيوخ ~~العرب وبين لهم «أنه وإن كان يكن لهم صداقة كبيرة إلا أن واجبه قد ~~صار يحتم عليه إنهاء المساوئ التي وقعت في الأزمة الحالية - بسبب وجودهم - على ~~السكان في الوجه البحري، ثم ذكر لهم ms0130 أنه إذا استمر الباب العالي مترددا في ~~مسألة شروط صلحه معهم، فإن أرض الصعيد مفتوحة أمامهم، وأنه ينتظر منهم عودتهم ~~ثانية إلى الصعيد في سلام وأن ينتظروا هناك نتائج ما يبدونه من اعتدال إلى ~~جانب توسط الإنجليز الذي سوف يستمر في صالحهم. # ومما يجدر ذكره أن البكوات طلبوا في هذه المقابلة أن يذهب واحد منهم ~~إلى لندن كممثل لهم ليعرض شكاياتهم على الحكومة الإنجليزية ويرجوها عدم التخلي ~~عنهم ومواصلة الاهتمام بأمرهم، وقال ستيوارت ومع أنه اعترض على ذهاب واحد منهم ~~بهذا الوضع؛ أي كممثل لهم في لندن، فقد اعتبر أن وجود أحد البكوات في لندن ~~«يكون بمثابة الحلقة الأولى من سلسلة ذلك النفوذ «الإنجليزي» الذي قد يمكن ~~تعهده بالرعاية وتعزيزه، ولما كان الألفي بك قد أبدى رغبة في الانسحاب إلى ~~إنجلترا، استجاب ستيوارت لإلحاحه في قوة وشدة أنه يسمح له بالسفر مع الجيش ~~«البريطاني»، والألفي يتمتع باحترام كبير بين المماليك والعرب «البدو»، وقد ~~يصبح لذلك أداة قوية في يد الحكومة الإنجليزية في حالة وقوع تلك الحوادث التي ~~أبدت الحكومة الإنجليزية رغبتها في الاستعداد لمواجهتها، وفي الوقت نفسه ~~لمعارضة أو مقاومة الفرنسيين ومنعهم من تأسيس نفوذهم مع «المماليك» الذين سوف ~~يشعرون بخيبة الأمل بعد رحيل الإنجليز، فيتسنى للفرنسيين عندئذ أن يصبحوا ~~منافسين أقوياء لهم.» # وكان البكوات قد كتبوا له كذلك في 20 فبراير بعد زيارته لهم في معسكرهم، ~~أنهم قد وافقوا على الذهاب إلى الصعيد ليقيموا بأسيوط، ولكنهم رجوه «أن يسمح ~~لأحد إخوانهم بأن يصحب الجيش الإنجليزي إلى إنجلترا؛ حتى يعرض على جلالة ملك ~~بريطانية كل ما قاسوه منذ أن نزلوا من الصعيد حتى يضموا قواتهم إلى قوات ~~جلالته لطرد الفرنسيين الذين كانوا أعداء جلالته وكذلك أعداء سلطانهم المعظم، ~~وحتى يرجوا جلالته أن يهتم بأمرهم ويتوسط لدى السلطان المعظم حتى يصفح عن ~~الأخطاء التي يكونون قد ارتكبوها في الماضي، وأن يعطيهم السلام الذي يريدونه ~~ويطلبونه من كل قلوبهم»، ومنذ أوائل مارس سنة 1803 بدأ البكوات انسحابهم صوب ~~الصعيد. # ولما وقف ستيوارت ms0131 على نتائج بعثة بلانتاير إلى القسطنطينية، وعرف الاتفاق ~~الذي تم هناك في 3-5 يناير، واعتبر أن اختيار مديرية أسوان التي تتألف من ~~جزيرتين أو ثلاث جزر في مجرى النهر وشريط ضيق من الأرض بين شاطئ النهر الغربي ~~والصحراء، إن هو إلا برهان جديد على خداع الباب العالي، فقد رفض أن يكون له ~~شرف تقديم هذا الاتفاق إلى البكوات، وفي 11 مارس سنة 1803 غادر ستيوارت ~~الإسكندرية إلى مالطة وأبحر معه الألفي في طريقه إلى إنجلترا، وتم إبحار الجيش ~~في 12 مارس. # وقد ترك ستيوارت في مصر بعثة تتألف من الميجر «مسيت» وكيلا بريطانيا في ~~القاهرة والكابتن «هايز # Hayes ~~» من سلاح ~~المهندسين، وكان خسرو قد طلب ضابطا لمدة بضعة أسابيع للإشراف على أعمال ~~التحصينات في القاهرة ورشيد، ثم السيد «بريجز # Briggs ~~» وهو رئيس بيت تجاري بالإسكندرية، عينه ستيوارت ~~مؤقتا ليقوم بأعمال القنصل بالإسكندرية حتى تأتي موافقة الحكومة، وفي ~~تعليماته إلى «مسيت» في 8 مارس، طلب منه أن «يستخدم كل ما لديه من نفوذ ~~لإبطال المكائد الفرنسية، وأن يثير دائما العقبات في طريق الفرنسيين حتى ~~يحول دون اتساع علاقاتهم مع الأتراك، وأما فيما يتعلق بالمماليك فقد أوصاه ~~بعدم التدخل في مسألة علاقاتهم مع الأتراك كما أوصاه بعدم التدخل في الشئون ~~الداخلية إلا إذا وصلته من حكومته في لندن أوامر تجيز له ذلك»، وأوصى ستيوارت ~~الكابتن «هايز» في تعليماته إليه في التاريخ نفسه بعدم التدخل إلا إذا جاءته ~~تعليمات بذلك، كما طلب منه الامتناع عن الاشتراك مباشرة أو غير مباشرة في أية ~~مشروعات قد يقترحها عليه «الباشا» ضد المماليك. # وكانت الحكومة الإنجليزية نفسها هي المسئولة في واقع الأمر عن فشل «ستيوارت» ~~في مهمته؛ ذلك أنه عندما استمر قواد الجيش البريطاني في مصر في أثناء عام ~~1801، وأرادت أن تنتهز فرصة ما أدركته من سمعة طيبة أكسبتها إياها ~~انتصاراتها حتى تعمل لتنظيم شئون مصر الداخلية، بالصورة التي تتفق مع مصلحة ~~إنجلترا؛ رفضت الحكومة الإنجليزية التدخل، واقتصرت على إبداء النصح للباب ~~العالي فحسب، ولم يأخذ الباب ms0132 العالي بطبيعة الحال بالنصائح التي قدمتها له، ~~فلم تتخذ الحكومة الإنجليزية موقفا معينا في مسألة البكوات على أساس إشراكهم ~~في حكومة مصر إلا في غضون عام 1802، ولكن هذا التدخل كان قد فات أوانه، وجاء ~~في وقت كانت ذكريات النصر والخدمات التي أسدتها إنجلترا للباب العالي قد ~~تنوسيت وعفت آثارها، وعندما بدأت المفاوضات الجدية لبحث هذه المسألة، ظهر ~~تضارب المصالح بين الدول - خصوصا إنجلترا وفرنسا - واستطاع الباب العالي أن ~~ينتفع من هذا التضارب للتحرر في الحقيقة من سلطان صديق وحليف ظاهر «إنجلترا» ~~لتنفيذ الخطة التي رسمها الوزراء العثمانيون، فلم يكن الاتفاق أو التسوية التي ~~ابتكروها في 3-6 يناير سنة 1803 للتخلص قبل كل شيء من تدخل القنصل الأول، ~~سوى خطوة لا جدوى منها ولا طائل تحتها، وكان هذا الفشل من الأسباب التي حملت ~~الإنجليز فيما بعد على اللجوء إلى توثيق عرى صلاتهم بالمماليك مباشرة، عن ~~طريق الألفي خصوصا، ثم إذا تبين عدم نفع هذه الوسيلة كذلك، محاولة التدخل ~~المسلح بإرسال حملة فريزر المعروفة، وقد فشلوا في ذلك أيضا لأسباب سوف يأتي ~~ذكرها في حينه. # سفارة الألفي في لندن # وصل الأسطول الإنجليزي الذي نقل الجيش والألفي إلى مالطة في 27، 28 مارس ~~سنة 1803، ووجد الألفي نفسه على غير ما كان ينتظر، يكاد يكون في شبه اعتقال ~~صارم، ومرغما على البقاء بمالطة زمنا طالت مدته بدلا من الذهاب فورا إلى ~~لندن، ولم تجده نفعا صفة السفير التي اتخذها لنفسه في إثارة اهتمام ~~السلطات الإنجليزية في مالطة، بل فرضت هذه السلطات رقابة شديدة عليه؛ لمنعه من ~~الاتصال بالحزب الفرنسي في الجزيرة في وقت كان من المتوقع فيه قيام الحرب ~~قريبا بين إنجلترا وفرنسا، وتتوقف سيطرة الإنجليز في البحر الأبيض وبالتالي ~~منع تجدد الغزو الفرنسي عن مصر خصوصا على مصير هذه الجزيرة، واحتج الألفي على ~~احتجازه في مالطة، وعلى الرقابة الصارمة التي فرضت عليه ولكن دون طائل، فبقي ~~بها حوالي الشهرين حتى قامت الحرب فعلا بين إنجلترا وفرنسا في مايو سنة ~~1803، ثم جاءت في بداية يونيو ms0133 الأخبار من «مسيت» و«هايز» تنبئ بما وقع في مصر ~~من طرد خسرو باشا من القاهرة وعصيان الجند الأرنئود، وأنه قد بات من المحتمل ~~جدا في هذه الظروف أن البكوات سوف لا يقفون مكتوفي الأيدي ويدعون هذه ~~الحوادث تمر دون الاستفادة منها لصالحهم، وعندئذ صار من رأي «السير ألكسندر ~~بول # Alexander ~~Ball ~~» حاكم مالطة أن في وسع حكومته الانتفاع بالألفي كأداة ~~للديبلوماسية الإنجليزية، واقترح لذلك تركه يذهب إلى لندن يونيو سنة 1803، ~~ووافق اللورد نلسن وأصدر أمره بذلك في 10 يوليو، ووصل الألفي أخيرا إلى ~~ميناء بورتثموت بعد رحلة بطيئة في 3 أكتوبر سنة 1803، تنقله سفينة حربية ~~إنجليزية. # وأطلقت المدافع عند وصوله تكريما له ورحبت به السلطات في بورتثموت ترحيبا ~~كبيرا، وفي اليوم التالي استأنف الرحلة إلى لندن، فبلغها في 7 أكتوبر ومعه ~~اللورد «بلانتاير» والكولونيل «بيرسفورد # Beresford ~~» وأعلنت الصحف وصوله في مهمة ديبلوماسية، ونشرت ~~المقالات الطوال عن أوصافه وعاداته، ونضاله مع الفرنسيين وعدم مسالمتهم أبدا، ~~ولكنه بدلا من أن يحظى الألفي بمقابلة الملك جورج الثالث، كما كان يرجو ، ظلت ~~هذه المقابلة تتأجل من يوم إلى آخر، والسبب في ذلك ما أظهره الباب العالي من ~~قلق وانزعاج كبيرين عندما علم بسفر الألفي، حتى إن «دراموند # Drummond ~~» القائم بأعمال السفارة الإنجليزية ~~في القسطنطينية لم يلبث أن نقل صدى هذا القلق البالغ إلى لندن، وكتب إلى ~~حكومته في 11 يوليو سنة 1803 أن الجماعة الفرنسية في القسطنطينية عملت على ~~الاستفادة من حادث هذه الرحلة، فصور «برون» السفير الفرنسي الألفي سفيرا قوبل ~~لدى البلاط الإنجليزي بهذه الصفة، وذاعت الفكرة في القسطنطينية أن غرض هذه ~~السفارة إنما هو اقتسام مصر بين الإنجليز وبين المماليك. # ولما كانت الحكومة الإنجليزية لا تزال متحذرة من إثارة مخاوف الباب العالي ~~وشكوكه في نواياها ولا تريد تعكير صفو علاقاتها مع تركيا، وبخاصة وقد قامت ~~الحرب بينها وبين فرنسا، فقد بادرت بتهدئة الأتراك حلفائها وتسكين خواطرهم، ~~وطلبت إلى «دراموند» في 18 أكتوبر أن يبلغ الباب العالي «أن الرئيس ~~المملوكي قد وصل إلى ms0134 إنجلترا دون علم الحكومة الإنجليزية ومن غير موافقتها على ~~ذلك، وأن رغبة الملك الأكيدة والتي لا تتغير هي عدم سماع أي اقتراح من جانب ~~هذا الرئيس من شانه التأثير على مصالح وحقوق الباب العالي في مصر»، ثم وزعت ~~الحكومة مذكرة على الصحف (18 أكتوبر) لإخبار الجمهور بأنه لا يمكن تقديم ~~الألفي لدى البلاط؛ «لأن العرف والتقاليد يمنعان استقبال الملك رسميا وزيرا ~~لدولة غير معترف بها وفي ثورة علنية ضد السلطة التي تعتبرها بريطانيا العظمى ~~السلطة الشرعية الوحيدة في مصر.» # وعلى ذلك، فقد امتنعت الحكومة الإنجليزية عن الدخول في أية أحاديث أو مفاوضات ~~مع الألفي، وعبثا حاول هذا أن يلفت نظرها إلى النتائج التي يجب توقعها من ~~تعيين علي باشا الجزائرلي لباشوية القاهرة، ومن مكائد هذا الأخير التي قال ~~الألفي إنها سوف تربك المماليك وتساعد على تعزيز النفوذ الفرنسي، وأمام هذا ~~البرود من جانب الحكومة الإنجليزية لم يسع الألفي سوى تمضية وقته في الزيارات ~~خصوصا لبلانتاير «ياور الجنرال ستيوارت» والجنرال هتشنسون، وحضور الحفلات، ~~واستمر الحال على ذلك حتى بداية شهر نوفمبر، عندما وصلت لندن الأخبار منبئة ~~بالانقلابات والاضطرابات التي وقعت حديثا في مصر، فقد قتل الإنكشارية طاهر ~~باشا في مايو، واستدعى الأرنئود المماليك مع الصعيد لمعاونتهم في نضالهم مع ~~الإنكشارية ودخل هؤلاء القاهرة بالطبول، ثم استطاعوا الاستيلاء على دمياط التي ~~كان خسرو متحصنا بها في أول يوليو، ووقع الكابتن «هايز» - وكان مع خسرو - في ~~قبضتهم، وقد توفي «هايز» بعد أن أطلق سراحه وذهب إلى رشيد حتى يلحق بمسيت في ~~الإسكندرية فأصيب بالحمى وكانت وفاته في 26 يوليو، وحوالي هذا التاريخ ~~استولى المماليك على رشيد منذ 3 يوليو فصارت مصر بأسرها في قبضتهم، ولم يبق ~~في يد الأتراك سوى مركز واحد هو الإسكندرية، وكان أهم هذه الأخبار - ولا شك - ~~استعادة المماليك للقاهرة الحكومة الثلاثية: محمد علي، البرديسي، إبراهيم، ~~وصار من الواضح أن الباب العالي بعد توالي هذه النكبات، سوف يشعر بضرورة ~~الاتفاق مع البكوات على أساس الشروط التي ظل يرفضها طيلة السنوات ms0135 الثلاث ~~الماضية، بل إن «دراموند» ما لبث أن كتب إلى حكومته في 7 نوفمبر سنة 1803 ~~يبلغها قرار الباب العالي الذي بعث به إلى علي باشا الجزائرلي الوالي الجديد ~~في مصر لتنفيذه، ولكن الحكومة الإنجليزية كانت قد قررت العمل قبل أن يبلغها ~~ذلك. # ذلك أن الألفي سرعان ما رأى في الحوادث التي وقعت أخيرا في مصر فرصة مواتية ~~للقيام بمحاولة أخيرة مع الحكومة الإنجليزية، فطلب من الكولونيل مور # Moore ~~- وكان من ضباط الجيش الإنجليزي في مصر ~~وألحق بمعية الألفي الآن كترجمان له؛ أن يعد مذكرة لتقديمها إلى الحكومة في ~~نوفمبر، وفي هذه المذكرة بسط الألفي مسألته وقضية البكوات المماليك الذين ~~قال إنه يتكلم باسمهم وكممثل لهم، فأجمل الخدمات التي قام بها المماليك ~~ومعاونتهم للإنجليز في طرد الفرنسيين من مصر، كما بين ما أصابهم من أضرار ولحق ~~بهم من أذى - غدر أو خيانة - على يد الأتراك الذين يرفضون الاتفاق معهم ~~ويعتزمون قتالهم إلى النهاية وحتى يتمكنوا من إفنائهم. # على أن أهم ما ذكره الألفي في هذه المذكرة - وكان يدل في نظر بعض المؤرخين ~~على تمتعه بقسط وافر من نضج التفكير السياسي - قوله: إنه لم يحضر إلى لندن حتى ~~يعرض على حكومتها مشروعا أو يقترح عليها مبادئ من شأنها إدخال عامل الاضطراب ~~فيما بين الحكومة الإنجليزية والدول الأجنبية الأخرى من علاقات أو أن تسبب لها ~~صعوبات جديدة، وإنما هو قد حضر حتى يدفع عن نفسه وعن زملائه التهمة التي ~~ألصقت بهم، تهمة الثورة على السلطان «العثماني» صاحب السيادة الشرعية عليهم، ~~كما أنه حضر حتى يبسط للحكومة الإنجليزية الأسباب العادلة التي دفعته هو ~~وزملاؤه إلى المطالبة بحماية الحكومة الإنجليزية ومساعدتها لهم، واختتم الألفي ~~مذكرته ببيان مدى الاحترام الذي قابل به المماليك نصائح الجنرال ستيوارت حتى ~~يلزموا جانب الاعتدال وقت انتصارهم على الأتراك في المعارك التي اشتبكوا فيها ~~معهم، ثم طالب الحكومة الإنجليزية بتأييد الوعود التي أعطاها لهم الجنرال ~~هتشنسون بإعادة حقوقهم السابقة إليهم، ولم تكن هذه وعودا شفوية، بل وعودا ~~مكتوبة - كما قال ms0136 الألفي - ومصاغة في قالب رسمي، كما طلب من الحكومة ~~الإنجليزية أن تبين - بوضوح وجلاء - مدى المساعدة التي ترى أن في وسعها ~~إعطاءها للبكوات. # وفي 15 ديسمبر سنة 1803 قررت الحكومة الإنجليزية أن ترد على مذكرة الألفي، ~~وكان معنى ذلك أنها انتوت أن تفيد نهائيا من وجود الألفي في لندن لتتخذ منه ~~أداة لديبلوماسيتها، «كالحلقة الأولى من سلسلة ذلك النفوذ «الإنجليزي» الذي ~~يمكن تعهده بالرعاية وتعزيزه» على نحو ما أشار به ستيوارت نفسه على حكومته منذ ~~20 يناير سنة 1803، وأما السياسة التي انتوت الحكومة الإنجليزية اتباعها ~~وقتئذ فقد رسمت معالمها في ردها على مذكرة الألفي، ثم في تعليماتها إلى ~~«دراموند» بالقسطنطينية، فقالت في كتابها إلى الألفي في 15 ديسمبر «إنه ~~لمما يسرها كثيرا أن تؤكد له اقتناعها التام بالمسلك السليم الذي سلكه ~~البكوات والخدمات التي أسدوها بإخلاص عند اتحادهم في العمل مع القوات ~~البريطانية في مصر، وإن جلالة الملك سوف يقوم فورا بالسعي لدى الباب العالي ~~واستخدام نفوذه عن طريق سفيره بالقسطنطينية حتى يصل إلى صلح بين البكوات وبين ~~صاحب السيادة الشرعي عليهم سلطانهم «العثماني» حليف «إنجلترا» الصادق الأمين، ~~وأن يبذل «جلالة الملك» قصارى جهده لإعادة تأسيس مصالح البكوات في مصر، على ~~أساس يكفل لهم وضعا لا يقل في مزاياه عن الوضع الذي كان لهم وقت غزو ~~الفرنسيين للبلاد.» # وقالت الحكومة الإنجليزية في رسالتها «لدراموند» في 20 ديسمبر، إن سلطة ~~تركيا في مصر تكاد تكون معدومة تماما وإن الموقف في هذه البلاد قد أثار ~~اهتمام الحكومة الإنجليزية التي تريد استتباب الأمن في مصر، ومن حق إنجلترا - ~~بفضل ما أسدته من خدمات للباب العالي - أن تتحدث إليه في وضوح وصراحة فتذكر ~~الخدمات الجوهرية التي أداها البكوات المماليك للجيش البريطاني وقت أن كلف ~~بفتح مصر من جديد، وترى الحكومة الإنجليزية لذلك أن من حق هؤلاء البكوات أن ~~يسترجعوا المركز الذي كان لهم وقت الغزو الفرنسي، وعلى ذلك فإن كل اتفاق آخر ~~من طراز ذلك الذي اقترحه الباب العالي على اللورد «إلجين» في يناير ms0137 سنة 1803 ~~إنما هو اتفاق ناقص ولا يحقق الغرض المنشود، فإنه إذا نظرت الحكومة العثمانية ~~إلى مركز المماليك بهدوء ودون التأثر بعواطف جامحة، واعترفت بأن جندها الأتراك ~~انهزموا دائما على أيدي المماليك الذين يستولون الآن على مصر بأسرها ما عدا ~~الإسكندرية، وأنه لم يعد في قدرة الباب العالي توطيد سيطرته في مصر؛ لاتضح ~~لها؛ أي الحكومة العثمانية أن من صالح الباب العالي نفسه أن يصل إلى اتفاق ~~وتسوية مع المماليك وأن يقتسم السلطة معهم في مصر. # وفي نظر الحكومة الإنجليزية، لا يوجد سوى أساس واحد للاتفاق هو: أن يعترف ~~البكوات بسيادة الباب العالي وأن يدفعوا له خراجا سنويا يزيد على الخراج ~~القديم إذا رغب السلطان العثماني في ذلك، وأن يعتبر البكوات أنفسهم ملزمين ~~أمام جلالة ملك بريطانيا بتنفيذ هذا الاتفاق، وبهذه الشروط يترك للبكوات ~~ممارسة السلطة والانتفاع بالمزايا التي كانت لهم قبل مجيء الفرنسيين إلى ~~مصر.» # وهكذا يكون الألفي، بفضل تضافر العوامل التي ذكرناها، قد نجح في مهمته في ~~لندن، وفي 20 ديسمبر غادر لندن إلى بورتثموت، ومنها نقلته السفينة الحربية ~~«أرجو # Argo ~~» بقيادة «بنيامين هالويل # Benhamin Hallowell ~~» في آخر ديسمبر ~~إلى مصر، فمرت بمالطة، ثم أنزل الألفي في 14 فبراير سنة 1804 في إدكو بين ~~الإسكندرية ورشيد. # وقد تأثر الألفي بمشاهداته وتجاربه في هذه السفارة فقال الجبرتي: إنه كان من ~~أثر رحلته إلى بلاد الإنكليز وغيابه بها سنة وشهورا أن تهذبت أخلاقه بما ~~اطلع عليه من عمارة بلادهم وحسن سياسة أحكامهم وكثرة أموالهم ورفاهيتهم ~~وصنائعهم وعدلهم في رعيتهم مع كفرهم بحيث لا يوجد فيهم ولا مستجد ولا ذو فاقة ~~ولا محتاج، وقد أهدوا له هدايا وجواهر وآلات فلكية وأشكالا هندسية وأسطرلابات ~~وكرات ونظارات، وفيها ما إذا نظر الإنسان فيها في الظلمة يرى أعيان الأشكال ~~كما يراها في النور، وفيها بخصوص النظر في الكواكب، فيرى بها الإنسان الكوكب ~~الصغير عظيم الجرم وحوله عدة كواكب لا تدرك بالبصر الحديد. # ومن أنواع الأسلحة الحربية أشياء كثيرة ... وأخبرني بعض من خرج لملاقاته عند ms0138 ~~منوف العلا أنه لما طلع إليها وقابله سليمان بك البواب ... وكان قد بلغ ~~«الألفي» كل أفعاله بالمنوفية من العسف والتكاليف وكذا باقي إخوانه وأفعالهم ~~بالأقاليم، فكانت مسامرتهم معه في تلك الليلة في ذكر العدالة الموجبة لعمار ~~البلاد، ويقول لسليمان بك في التمثيل: «الإنسان الذي يكون له ماشية يقتات هو ~~وعياله من لبنها وسمنها وجبنها يلزمه أن يرفق بها في العلف حتى تدر وتسمن ~~وتنتج له النتائج، بخلاف ما إذا أجاعها وأجحفها وأتعبها وأشقاها وأضعفها حتى ~~إذا ذبحها لا يجد بها لحما ولا دهنا، فقال هذا ما اعتدناه وربينا عليه، ~~إن أعطاني الله سيادة مصر والإمارة في هذا القطر لأمنعن هذه الوقائع وأجري ~~فيها العدل ليكثر خيره وتعمر بلاده، ويرتاح أهله، ويكون أحسن بلاد ~~الله.» # ولكن الألفي لم تتح له فرصة الإمارة على مصر، ولم تفده أو سائر البكوات ~~شيئا تلك الوعود التي قطعها الإنجليز على أنفسهم بمؤازرتهم لاسترجاع سيطرتهم ~~القديمة على حكومة البلاد. # مشروعا دراموند وألكسندر بول # وترتد أصول ما حدث من تطور ظاهر في السياسة الإنجليزية نحو مصر بعد ~~جلاء الجيش البريطاني عنها، إلى ما سبق بيانه عند ذكر الأسباب التي ساعدت ~~الألفي على النجاح في مهمته؛ ذلك أن جلاء الجنرال ستيوارت مع القوات ~~الإنجليزية من مصر لم يكن معناه أن إنجلترا صارت مطمئنة إلى حالة الدفاع عن ~~هذه البلاد أو أنها صارت لا تخشى من تجدد نزول الفرنسيين بها وإغارتهم ~~عليها، أو أنها اعتقدت أن صلح أميان قد نجح في تسوية الأمور في أوروبا وفي مصر ~~معا، بل على العكس من ذلك لم تلبث أن ازدادت مخاوف الإنجليز بسبب فشل مساعيهم ~~من أجل التوفيق بين الباب العالي والمماليك، وإلحاح الحكومة الفرنسية - كما ~~رأينا - في ضرورة تنفيذ معاهدة الصلح فيما يتعلق بإخلاء مصر، ثم نشر تقرير ~~سباستياني منذ يناير 1803، وذيوع الاعتقاد بين السياسيين والعسكريين ~~الإنجليز على السواء بسبب ذلك كله بأن فرنسا لا زالت طامعة في احتلال مصر ~~وامتلاكها فتمسكوا بمالطة كمركز هام يمكنهم من مراقبة نشاط الفرنسيين في ms0139 ~~الليفانت وفي المياه المصرية خصوصا. # ومنذ أن تجددت الحرب بين فرنسا وإنجلترا (مايو 1803) استأثرت مصر بشطر كبير ~~من تفكير الحكومة الإنجليزية، لا سيما وقد ظلت العلاقات مستمرة بين الحكومة ~~الفرنسية والمصريين بعد صلح أميان - على نحو ما سبق توضيحه. # فمع أن الأثر الذي أحدثه تدخل وكلاء القنصل الأول في مصر، وعلى رأسهم «ماثيو ~~لسبس»، كان سلبيا؛ فقد أثار نشاطهم مخاوف الوكيل الإنجليزي «مسيت» الذي ~~اعتقد أن فريقا كبيرا من المماليك بزعامة عثمان البرديسي قد انحاز نهائيا ~~إلى جانب الفرنسيين، وأن فريقا آخر من أولئك الذين يظهرون - بزعامة إبراهيم ~~بك - ميولا ودية نحو إنجلترا؛ قد صاروا هم كذلك على استعداد للترحيب مع ~~إخوانهم بالفرنسيين إذا جاء هؤلاء إلى البلاد واستولوا على الإسكندرية ثانية ~~وذلك حتى يضعوا أنفسهم تحت حمايتهم «على اعتبار أنه من المتعذر عليهم - كما ~~قال مسيت - الاحتفاظ بمصر لأنفسهم من جهة، والوصول إلى اتفاق مع الباب العالي ~~من جهة أخرى، من غير الاستناد إلى قوة دولة أوروبية ووساطتها.» # وقد حدث ذلك في الوقت الذي اشتد فيه ساعد البكوات بعد دخولهم القاهرة ~~وإنشاء حكومة محمد علي - البرديسي - إبراهيم الثلاثية بها، ورفضهم عروض علي ~~باشا الجزائرلي - وصاروا يلومون الإنجليز على أنهم لم يحافظوا على وعودهم ولم ~~يؤيدوهم. # وكان لما أكده بتروتشي ومسيت من استعداد البكوات للانضمام إلى فرنسا إذا ~~غزت مصر، أبلغ الأثر على «دراموند» وعلى «السير ألكسندر بول» خصوصا، وفي ~~أكتوبر 1803 كان لكل منهما رأي يخالف رأي الآخر، بصدد معالجة مسألة ~~المماليك على ضوء الغزو الفرنسي المتوقع، فكتب «دراموند» من بلغراد في 25 ~~أكتوبر 1803 - وقد خلفه «ستراتون» وقتئذ في القيام بأعمال السفارة - «يبدي ~~تعجبه من وجود أناس لا يزالون يثقون في المماليك ويمتدحون أخلاقهم وشجاعتهم ... ~~وهم زعماء غادرون لعصابات من قطاع الطرق لا تعرف القانون ولا تخضع له ...» ~~ويدعو لعدم تركهم مستقلين بحكومة مصر أو امتلاك البلاد «ليس لأنه يريد الدفاع ~~عن الأتراك، ولكن بسبب حكومة المماليك السيئة نحو الأهالي في مصر.» # وكان من رأيه أن ترك المماليك ms0140 في حكومة مصر لا يتفق مع صالح السياسة ~~الإنجليزية؛ لأن المماليك الذين يعلمون بمحالفة الإنجليز للباب العالي سوف ~~يجدون في آخر الأمر أن من صالحهم الاعتماد على فرنسا وطلب المساعدة منها، ~~حقيقة تفيد إنجلترا من عودة المماليك إلى الحكم؛ لأن ذلك يكسبها في رأيه ~~القدرة - بفضل مالها من تفوق بحري - على التدخل والمحافظة على التوازن بين ~~قوى البكوات والعثمانيين في مصر، ويأسف لأن الحكومة الإنجليزية لم تهتم قبل ~~الآن بمسألة توطيد سيادة الأتراك في مصر قبل انسحاب الجيش البريطاني. # ولكنه لما كان قد وقع هذا الخطأ، وصار البكوات منتصرين الآن، ونشأ عن ذلك ~~خطر توطيد النفوذ الفرنسي على أيديهم؛ لم يعد هناك سوى طريقة واحدة لدرء هذا ~~الخطر، هي أن يقترح الإنجليز على الباب العالي أن يتفق مع البكوات بإعطائهم ما ~~يرضيهم في عروض أكثر اعتدالا وفي وسعهم أن يقبلوها. # وفي 6 نوفمبر عاد «دراموند» يكتب إلى اللورد هوكسبري من بلغراد يتحدث في ~~نفس الموضوع مرة أخرى، ولكن رسالته في هذه المرة نقلت أخبارا هامة لحكومته، ~~ذلك أن «دراموند» الذي أكد أن الفرنسيين قد صاروا أصحاب النفوذ المتوثق في ~~دوائر المماليك في مصر - وجد من واجبه أن يعرض على القسطنطينية وساطة إنجليزية ~~لتسوية العلاقات بين الباب العالي والمماليك وحسم الخلافات القائمة بينهما، ~~ولو أنه - كما اعترف هو نفسه - «لم يكن مفوضا من حكومته بعرض هذه الوساطة» ~~على الحكومة العثمانية، وفضلا عن ذلك قال «دراموند» إن الباب العالي قبل ~~التسوية التي اقترحها؛ أي دراموند دون تغيير تقريبا، وبات الباب العالي لذلك ~~يخشى من أن تقف فرنسا على حقيقة الأمر، وهي تسوية تقوم على «تعيين باشا ~~عثماني في مصر، وترك البكوات يمتلكون القاهرة، وسحب الأرنئود العصاة من ~~البلاد»، واعترف «دراموند» بأنه عندما اقترح هذا الحل لم يكن لديه في أول ~~الأمر أمل كبير في النجاح، ولكنه وقد وافق الأتراك عليه فقد صار يخشى أن يرفضه ~~البكوات، ويحطموا برفضهم كل سلطة لهم في مصر في آخر الأمر. # واستند «دراموند» في تأييد ما فعله ms0141 إلى أسباب عدة: منها اعتقاده الجازم بأن ~~مصلحة بريطانيا في الظروف الحاضرة تتطلب أن تصبح للباب العالي السيادة في مصر، ~~ومن المستحيل طالما ظلت الإمبراطورية العثمانية باقية أن يؤسس البكوات دولة ~~مستقلة؛ لمنافاة ذلك لطبيعة الأشياء، ولا ندحة عن أن تحميهم دولة أو قوة أكبر ~~من دولتهم أو القوة التي لهم، وعلى ذلك فهم - حتما - سوف يطلبون مساعدة ~~إنجلترا أو فرنسا إذا صاروا مستقلين ولم يعودوا رعايا للسلطان العثماني بينما ~~تدل الحوادث الأخيرة على أنهم يفضلون مساعدة الفرنسيين على اعتبار أن فرنسا - ~~وليست إنجلترا - هي الدولة التي من المحتمل أن تساعدهم على الثورة ضد الباب ~~العالي؛ ولذلك فقد وجب بذل كل جهد لإعادة سلطة الباب العالي في مصر، ورأى ~~«دراموند» من الخطوات اللازمة لذلك استدعاء الأرنئود من مصر؛ لأنه - كما قال - ~~«لا بد من حل حزمة القضبان حتى يتسنى كسر العصا»، وعلاوة على ذلك فإن ~~«دراموند» «لم يكن في وقت من الأوقات راضيا عن المعاهدة الأخيرة» اتفاق «3-6 ~~يناير 1803»؛ وهو الاتفاق الذي تم تحت تأثير السفارة الإنجليزية في القسطنطينية ~~فهو يعجب ويدهش لإبرام هذا الاتفاق الذي جعل البكوات يتهمون الإنجليز بأنهم ~~تخلوا عنهم، وجعل الباب العالي يحمل بريطانيا العظمى وزر هذا الاتفاق كله، ~~ولو أن اللورد هوكسبري علم بحقيقته لما كان وافق عليه بتاتا، وحتى إن ~~الجنرال ستيوارت لم يشأ أن يكون الواسطة في تبليغه للبكوات رسميا، ولكنه من ~~المعروف أن البكوات وافقوا على محتويات هذا الاتفاق وعرفوا الدور الذي قامت ~~به الحكومة الإنجليزية في هذه المسألة. # وفي 7 نوفمبر بعث «دراموند» بشروط الاتفاق التي أغفل ذكرها في رسالته ~~السابقة، وهي أن تعاد للبكوات حقوقهم وامتيازاتهم، وأن يعين إبراهيم بك شيخا ~~للبلد ومقره هو وسائر البكوات القاهرة، وأن يجرى دفع الخراج - كالسابق - للباب ~~العالي ويحصل ضابط عثماني الميري، وأن يعاد تحصيل الضرائب المخصصة لخدمة ~~الحرمين الشريفين «مكة المكرمة والمدينة المنورة»، وأن يقيم الباشا العثماني ~~بالإسكندرية، وقال «دراموند»: وكما سبق أن أوضح للورد هوكسبري رأيه في ضرورة ~~تقييد سلطة البكوات، فهو ms0142 يرى لزاما عليه كذلك أن يؤكد له أنه ليبعد كل البعد ~~عن الرغبة في اقتراح أي إجراء قد يفضي إلى إبادة هذا الجيش؛ أي المماليك، وكان ~~لهذا السبب نفسه أنه استنكر في عبارات لا لبس فيها ولا إبهام معاهدة ~~القسطنطينية؛ أي اتفاق «3-6 يناير 1803». # وبعد أيام قلائل كان «دراموند» قد عاد إلى القسطنطينية، فقابل الريس أفندي في ~~15 نوفمبر، وأكد له الريس أفندي أن مسائل مصر قد سويت نهائيا، ومع ذلك فقد ~~ظل «دراموند» ضعيف الأمل في نجاح هذه التسوية؛ لأن الريس أفندي - كما أبلغه ~~«دراموند» - قد ارتكب خطأ جسيما في عدم الإصرار على تعيين حكام أتراك في كل ~~الموانئ المصرية. # وقد أبلغ الباب العالي موجزا لصيغة الاتفاق النهائي بينه وبين البكوات ~~بتاريخ 26 نوفمبر 1803، إلى السفير الفرنسي، جاء فيه: ~~«إنه لما كان بكوات القاهرة قد بعثوا بمندوب خاص عنهم إلى الباب ~~العالي، وقدموا عرائض يلتمسون فيها الصفح عن خطاياهم السابقة ~~جميعها بشريطة أن يقدموا الأموال - أو الضرائب - في مواعيدها ~~دائما، المخصصة منها لخدمة الحرمين الشريفين والميري، وكل ما يطلبه ~~«الباب العالي» وإطاعة أوامره في كل الظروف، وإرادته هي العليا؛ ~~لذلك صدرت إرادة سنية بتاريخ منتصف شهر جمادى الآخرة سنة 1218 ~~هجرية (2 أكتوبر 1803)، تمنحهم العفو والصفح عن كل ما ارتكبه بكوات ~~القاهرة المذكورون من أخطاء سابقا، وتجديد لقب شيخ البلد لإبراهيم ~~بك على شريطة أن ينفذ البكوات ما وعدوا به، وأن يدفعوا الضرائب ~~والميري وما يلزم لخدمة الحرمين الشريفين ... إلخ. بعدم الخلط، بعذر ~~من الأعذار بينها وبين جمارك القاهرة وغيرها من الضرائب التي يجب أن ~~يأخذها الباب العالي كإيرادات، طبقا للإدارة الجديدة، وأن يقوموا ~~أخيرا بتنفيذ الشروط سالفة الذكر بكل دقة.» # ومع أن الباب العالي نفى أن للإنجليز دخلا في إبرام هذا الاتفاق، فقد اعتقد ~~السفير الفرنسي «برون» - وكان محقا في اعتقاده - أن الإنجليز توسطوا لعقده، ~~وكتب برون لتاليران في 26 نوفمبر أنه من المشهور والمعروف لكل إنسان أن ~~تركيا لا تقوم بواجبها كدولة محايدة باستخدامها الإنجليز من أجل ms0143 المفاوضة مع ~~البكوات، لقد نفى الريس أفندي ذلك، ولكن «علي باشا الجزائرلي» اعترف للوكلاء ~~الفرنسيين في مصر بأنه يعرف من القنصل الإنجليزي «الميجور مسيت» أن الباب ~~العالي استخدم الإنجليز في المفاوضة مع البكوات. # وفي الوقت الذي كان يسعى فيه «دراموند» في القسطنطينية ومن بلغراد، من أجل ~~الوصول إلى اتفاق بين البكوات وبين الباب العالي، على أساس إرجاع سلطان ~~المماليك السابق في الحكومة إليهم، كخطوة لا مفر منها لبقاء مصر تحت سيادة ~~الباب العالي وفي نطاق الإمبراطورية العثمانية، وكحل يبطل مساعي الفرنسيين، ~~ويمكن البلاد من الدفاع عن نفسها بقواتها - من المماليك والعثمانيين - ضد ~~الغزو الفرنسي المتوقع، كان السير ألكسندر بول في مالطة يقترح مشروعا آخر ~~يجعل لبريطانيا الإشراف الفعلي على شئون الدفاع عن مصر ضد هذا الغزو الفرنسي ~~المتوقع، وكان مبعث مشروع ألكسندر بول، نفس الحوادث والظروف التي حركت ~~«دراموند» للعمل وأفضت إلى اتفاق «أكتوبر-نوفمبر 1803». # فقد قدم السير ألكسندر بول مذكرة مسهبة من مالطة في 27 أكتوبر 1803 استهلها ~~بأن الحكومة الفرنسية قد أقامت الدليل على أنها احتضنت فيما يتعلق بمصر مشروع ~~ليبنتز # Leibnitz ~~، ويدرك الوزراء ~~الإنجليز تماما ما هنالك من ضرورة لليقظة والانتباه الكاملين للحيلولة دون ~~وقوع هذه البلاد مرة أخرى تحت سلطان فرنسا، ولما كان من المتعذر أن تصبح مصر ~~مستعمرة فرنسية من غير استيلاء الفرنسيين على ميناء الإسكندرية، الميناء الهام ~~الوحيد على ساحلها الشمالي، فقد صار ضروريا تحصين الإسكندرية ومينائها بدرجة ~~تكفي لرد أي هجوم قد يقع عليها، أو مقاومة أي حصار قد يضرب عليها لبضعة شهور، ~~ومن المحتمل جدا عند وصول هذه الرسالة إلى إنجلترا أن تكون الإسكندرية ومصر ~~بأسرها قد صارت من ممتلكات المماليك، ولكن سواء امتلكها الترك أو المماليك؛ ~~فإن السير ألكسندر بول يوصي باتباع نفس المبدأ. # والموقف في مصر حرج ودقيق بسبب الحرب الأخيرة بين المماليك والأتراك، ومن ~~المنتظر وقوعها قريبا فريسة في قبضة أول غاز يغزوها، وذلك إذا امتنع ~~الإنجليز عن تأسيس نفوذ لهم في مصر وعن إعطاء حكومتها الاستقرار اللازم، الأمر ~~الذي ms0144 يجب أن يتم مع اتخاذ الحيطة والحذر لعدم إثارة الأتراك أو أية دولة ~~أوروبية أخرى، والمماليك يشعرون تماما بأنهم في حاجة إلى حليف يحميهم، حتى إن ~~وجود حامية قوية بالإسكندرية من قبل دولة أوروبية سوف يكون مبعث سرور وارتياح ~~لهم. # وهناك ما يدل على أنهم يفضلون محالفة الإنجليز؛ لأنهم يعرفون جيدا أن غرض ~~بريطانيا العظمى من الاهتمام بأمر مصر ليس سوى منع الفرنسيين من تنفيذ ~~مشروعاتهم لامتلاك واستعمار مصر، وهي مشروعات يعترف هؤلاء بها، ويعلنونها دون ~~مواربة، ولا يرضون أن تكون مصر من نصيب أية دولة أخرى؛ ولذلك فهم لا يحترمون ~~المماليك إلا إذا كان هؤلاء خاضعين لأطماعهم. # ومن المحتمل أن الحكومة البريطانية سوف ترفض وضع حامية «إنجليزية» في ~~الإسكندرية، وإذا وافقت على ذلك فالنفقات لا تقل عن مائة ألف من الجنيهات ~~سنويا؛ ولذلك «فالسير ألكسندر بول» يرى أنه من الممكن بنفقات أقل كثيرا من ~~هذه الدفاع عن الإسكندرية، وذلك باستخدام جنود أجانب؛ أي من غير الإنجليز، ~~ومن غير إثارة شعور أي دولة من الدول. # وعلى ذلك فهو يقترح تعيين رجل كفء، صاحب خلق وديع مسالم، ومن طراز يمكن ~~الاعتماد عليه، قوي الخلق متينه؛ ليتخذ مقره بالإسكندرية، مكلفا في الظاهر ~~بأية مهمة أو عمل آخر، ويكون مفوضا في إمداد حاكم الإسكندرية بما يكفي من مال ~~لدفع مرتبات أربعة آلاف جندي، وعليه؛ أي هذا الرجل الكفء ... إلخ، أن يقوم ~~بالتفتيش عليهم سرا، وأن يكون لديه أي عدد من الضباط الذين يستطيع الاعتماد ~~عليهم، ويأخذ أكثر هؤلاء من بين فرق الجيش البريطاني الأجنبية من غير إثارة ~~شكوك أحد ... ويمكن استخدام تاجر إنجليزي لتزويد حاكم الإسكندرية بالمال اللازم ~~لنفقات الحامية في صورة قرض نظير إعطائه التزام الجمارك، كما يمكن في الوقت ~~نفسه إعطاء قسم من الرسوم التي تحصلها هذه الجمارك لحاكم الإسكندرية بمقتضى ~~اتفاق يبرم لهذه الغاية. # ويجب على المقيم الإنجليزي أن يقدم النصح للحاكم في كل الشئون المدنية ويضع ~~قوانين وقواعد تؤمن حريات الأفراد وأملاكهم، فسوف يجد الأهلون أو السكان عندئذ ~~أن ms0145 من صالحهم تأليف قوات عسكرية أهلية أو مرابطة - ميليشيا - ومساعدة الحامية ~~إذا هوجمت، ويجب أن يحصل الإنجليز على امتيازات تجارية لتعويض الحكومة عن ~~نفقات الحامية وهي نفقات تدفع كذلك شركة الهند التجارية الشرقية جانبا منها؛ ~~إذ إن الغرض الرئيس من إنشاء هذه الحامية هو أن تصبح حاجزا ضد أية دولة قد ~~تريد إلحاق الأذى بأملاك «الإنجليز» في الهند من هذا المكان. # ويدرك السير ألكسندر بول أن الحكومة العثمانية سوف تحتج على «الإنجليز» إذا ~~اكتشفت أنهم يحمون المماليك، ولكن لما كان من المنتظر قريبا أن يرسخ في ذهن ~~رجال الدولة العثمانية استحالة تقييد تجارة «الإنجليز» الضخمة بالصورة التي ~~عليها هذه التجارة الآن، فمن المحتمل أنها سوف تميل إلى قبول وساطة إنجلترا، ~~وفي هذه الحالة سوف تنقذ الدولة العثمانية من أي اعتداء آخر يقع عليها من جانب ~~المماليك الذين يصبحون على استعداد لأن يصغوا لأية اقتراحات تقترح عليهم ~~طالما أمن الإنجليز لهم فتوحاتهم الحالية. # وفي استطاعة السفير الإنجليزي لدى الباب العالي أن يبين له أنه من صالح تركيا ~~قطعا أن تقبل إنشاء هذه الحامية؛ لأن مصر من غيرها سوف تدخل سريعا تحت سلطان ~~فرنسا التي سوف تقدم من الأدلة وقتئذ ما يثبت أن جيرتها «للدولة العثمانية» ~~أشد خطرا عليها من جيرة المماليك لها؛ لأن فرنسا بمجرد أن تمتلك مصر سوف ~~تتطلع إلى الشام وتمد سلطانها صوب البحر الأسود. # ولذلك فمن الواجب إقناع تركيا بأن الغرض من هذا الترتيب المعروض ليس خدمة ~~المماليك على حساب الإمبراطورية العثمانية وضد مصالحها، وإنما إبعاد الفرنسيين ~~عن التدخل في شئون مصر والدولة بصورة نافذة. # وقد يقال إنه كان ينبغي اقتراح هذا الإجراء على تركيا وقت امتلاكها ~~للإسكندرية لو أنه كان لا يبدو أن مفاتحتها في هذا الموضوع قد يجرح كرامة ~~وشعور الحكومة العثمانية؛ لانطوائه على معنى عدم الاعتقاد بقدرة هذه الحكومة ~~على الدفاع عن أملاكها، فلو أن حالة الدفاع عن الإسكندرية في سنة 1798 كانت ~~طيبة؛ لما هاجمها الفرنسيون، ولوفرت بريطانيا العظمى جملة ملايين من ~~الجنيهات، ولأمكن ms0146 استخدام ذلك الجيش من الجنود الشجعان الذين أنقذوا مصر، في ~~وقف تقدم الفرنسيين في إيطاليا وفي بلاد غيرها. # وأما إذا سألت الدول الأخرى «الحكومة الإنجليزية» تفسيرا لهذا المسلك، ~~فالجواب يكون عندئذ أن هذا الترتيب بوضعه مصر بمنأى عن الغزو والفتح إنما ~~يسدي إلى أوروبا خدمة جليلة بتوفير أسباب الهدوء والسلام لها. # وواضح أن الهدف الرئيسي من مشروع السير ألكسندر بول منع تعرض مصر للغزو ~~الفرنسي وتهيئة وسائل الدفاع عنها، وواضح أن المماليك كانوا هم القوة التي ~~اعتمد عليها هذا المشروع في الدفاع عن مصر، كما أنه من الواضح كذلك أن الإشراف ~~على شئون الدفاع سوف يكون من نصيب بريطانيا وهي أيضا التي سوف تتحمل نفقاته، ~~وزيادة على ذلك فقد استند المشروع بأكمله على اتخاذ الإسكندرية قاعدة للدفاع ~~ضد الغزو المنتظر. # آثار مشروع «بول» في القاهرة # وكان لهذا المشروع آثار معينة في كل من القاهرة والقسطنطينية، وذلك أن السير ~~ألكسندر بول، قرر أن يوفد إلى مصر الكابتن «فيشنتزو تابرنا» كي يجس نبض ~~المماليك لمعرفة ما إذا كانوا يميلون لعقد اتفاق على الأسس التي تضمنها ~~مشروعه في حالة موافقة الحكومة الإنجليزية على هذا المشروع، وقد زود السير ~~ألكسندر الكابتن تابرنا بتعليمات تحدث عنها هذا الأخير في رسالة له إلى ~~الجنرال ستيوارت في 6 نوفمبر 1803، فقال: «إنها كانت لجعل البكوات يسألون ~~الحكومة الإنجليزية أن ترسل شخصا ذا كفاءة لمساعدتهم، ليس فقط في تحصين ~~الساحل المصري، بل ولتدريب وتنظيم قوة من أربعة آلاف رجل يجندون من البلاد ~~وفق شروط معينة تعرض على الحكومة البريطانية التي تتحمل نفقات هذه القوة»، ~~وكان تابرنا مكلفا بإبلاغ هذه الفكرة إلى «مسيت» عند وصوله إلى مصر، «أي ~~تأمين الإسكندرية بوضع حاميتها الوطنية تحت إشراف وإدارة ضباط بريطانيين ~~يدخلون في خدمة الحكومة المصرية وتتحمل بريطانيا العظمى كل أو بعض ~~نفقاتهم». # ومما يجدر ذكره أن «تابرنا» لم يكن مكلفا بعرض هذا المشروع على البكوات على ~~أنه مسألة قد انتهت الحكومة الإنجليزية من تقريرها، وغادر تابرنا مالطة في 6 ~~أكتوبر 1803. # وأثار وصول ms0147 تابرنا إلى مصر حماس البكوات، واتصل من فوره بهم، ولكنه بدلا من ~~أن يقتصر على جس نبضهم رأى كي يضمن استمالة البكوات إلى المشروع وربطهم بعجلة ~~المصالح البريطانية، أن يتجاوز تعليماته في اتصالاته بهم، وأن يبلغ إبراهيم بك ~~وعثمان بك البرديسي أنه كان مفوضا من قبل حكومته في المباحثة والاتفاق معهم ~~على هذا الترتيب، فبادر البكوات بإرسال «سليم أفندي» أحد الكشاف التابعين ~~لعثمان بك البرديسي، إلى مالطة للمفاوضة مع السير ألكسندر بول، ولعقد الاتفاق ~~أو المعاهدة المنتظرة ولطلب الإمدادات من المال والأسلحة التي تمكنهم من تأليف ~~القوة اللازمة لحامية الإسكندرية؛ أي الاستيلاء عليها، مقصد البكوات منذ ~~دخولهم القاهرة واستيلائهم على رشيد. # وعلى ذلك فقد كتب «تابرنا» في رسالته السالفة الذكر للجنرال ستيوارت، أن ~~البكوات لدى وصوله وافقوا على كل ما نصحهم به، ثم استطرد يقول: «ولكن مركزهم ~~أو موقفهم جعلهم يزيدون في طلباتهم.» # وقد تحدث تابرنا في رسالة بعث بها إلى السير ألكسندر بول في هذا التاريخ عن ~~الموقف في مصر، وعن الأثر الذي أحدثه اتصاله بالبكوات، فقال: إن المماليك ~~الآن سادة مصر ما عدا الإسكندرية التي لعلي باشا الجزائرلي بها سلطان مزعزع، ~~وأما عثمان البرديسي فقد هاجم دمياط ونهبها، وخرب الحرب والمرض نصف قرى ~~الصعيد، بينما سببت الإتاوات التي جمعها العثمانلي انتشار البؤس والشقاء في ~~الوجه البحري، والأرنئود في ثورة ضد الأتراك بسبب مرتباتهم المتأخرة عن ستة ~~شهور، وقد تعهد المماليك بدفعها، واضطر أخيرا كل بك وكل كاشف منهم إلى بيع ~~مجوهرات وحلي زوجاته لدفع هذه المرتبات، وهم الآن يشعرون بارتباك عظيم بسبب ~~مطالب الشهر المقبل، بينما يستحيل على القاهرة أن تقدم إتاوات أخرى تؤخذ منها ~~لدفع مرتبات الأرنئود ولذلك فالأرنئود يهددون بالثورة. # ولما كانت كل التحصينات في أيدي المماليك، فالمنتظر - من غير شك - أن ينهزم ~~الأرنئود في كل محاولة يقومون بها ضد المماليك، ولكن القاهرة سوف تصبح عندئذ ~~تحت رحمة المنتصرين، وسوف يكون مصيرها التخريب التام، ويجد الميجور «مسيت» ~~نفسه في مركز دقيق ومحرج وهو في حيرته لا ms0148 يعرف ماذا يفعل، ومن جهة أخرى يخشى ~~المماليك من أن يتخلى عنهم أنصارهم «الإنجليز». ~~«وأما الفرنسيون الذين لا يفوتهم شيء فقد أرسلوا إلى هذه البلاد «ماثيو لسبس» ~~وهو رجل ماهر عرض باسم بونابرت على البكوات إرسال خمسة آلاف رجل لمساعدتهم، ~~وكاد البكوات في يأسهم أن ينخدعوا بذلك، ولكن عثمان البرديسي وهو أقدرهم بلا ~~جدال، لم يلبث أن تساءل: كيف يستطيع بونابرت إرسال خمسة آلاف رجل ومراكب ~~الإنجليز تملأ البحر، وقد أجاب «لسبس» من غير أن يوضح له كيف يمكن ذلك، إنه لا ~~يستحيل شيء على بونابرت، وإن الآلهة والملائكة والقديسين راضون عنه دائما، ~~وإن البكوات إذا أرادوا مجيء هؤلاء الخمسة آلاف فإنهم سوف يحضرون في أقل من ~~شهر واحد، وكل ما يخشاه «تابرنا» أن يلقي البكوات بأنفسهم في أحضان العدو ~~بسبب يأسهم، ويرجو أن لا يحيدوا عن اتباع النصائح التي زودهم بها هو والميجور ~~مسيت.» # ثم تحدث «تابرنا» عن الأثر الذي تركه في نفوس البكوات من ناحيته شخصيا، ~~فقال: إنهم جميعا يحترمونه والتفاهم تام بينه وبينهم، «ويعتقد يقينا أن ~~نفوذه معهم سوف يمكنه من تحقيق بعض الفائدة، ولما كان «تابرنا» قد أقنعهم ~~بأن «الإنجليز» لن يتخلوا عنهم فقد صاروا يعاملونه والميجور مسيت معاملة صداقة ~~وود عظيمين»، وقد أكد «لسبس» نفسه وجود هذا الود بين البكوات والوكلاء ~~الإنجليز في رسالته إلى دروفتي (3 نوفمبر سنة 1803). # ولكن «تابرنا» ارتكب خطأ كبيرا عندما تحدث في مشروع ألكسندر بول مع البكوات ~~المماليك على أنه ترتيب أو اتفاق وافقت عليه الحكومة الإنجليزية نهائيا، ~~فقد أوفد البكوات إلى مالطة - كما ذكرنا - سليم أفندي نائبا عنهم للمفاوضة مع ~~السير ألكسندر، وكي يطلب منه الإمدادات التي تمكن البكوات من الاستيلاء على ~~الإسكندرية، ووصل سليم أفندي إلى مالطة في يناير سنة 1804 حتى يعقد مع ~~حاكمها الاتفاق أو المعاهدة المزعومة، واضطر السير ألكسندر إلى تبصير سليم ~~أفندي بالحقيقة، وأنه لا يستطيع عقد أي اتفاق مع البكوات، وعندما وصل الكابتن ~~هالويل يحمل على ظهر سفينته «أرجو # Argo ~~» ~~الألفي بك في ms0149 طريقه إلى مصر في آخر يناير وجد سليم أفندي بها، ووقف منه ~~«هالويل» على معلومات متعلقة بسفارة الألفي في لندن، كان من أثرها أن تغير نظر ~~«هالويل» إلى الألفي، فقد كتب؛ أي هالويل، من مالطة في 3 فبراير يقول: إن ~~عثمان البرديسي وإبراهيم بك أرسلا سليم أفندي بخطاب إلى «ملك إنجلترا» يطلب ~~مساعدة الحكومة الإنجليزية وإمداده بالمال والرجال، ويرجو تدخل الإنجليز ~~لمنع الألفي من العودة إلى مصر، مما آثار دهشة «هالويل» العظيمة؛ لأنه فهم ~~دائما أن الألفي هو الشخص الذي يحتل المكانة الأولى في مصر، وأن البكوات ~~الآخرين أنابوه عنهم وأوفدوه إلى إنجلترا للمفاوضة باسمهم مع الحكومة ولكن ~~تبين له من حديثه مع سليم أفندي أن المماليك جميعهم يكرهون الألفي، وأنهم ~~ذكروا للجنرال ستيوارت صفاته الخلقية المزعجة، وألحفوا عليه في الرجاء أن ~~يأخذه معه إلى أي مكان خارج البلاد وإلا لتعذر أن تعود السكينة والهدوء إلى ~~مصر بتاتا. # وكان خوف الألفي من وصول القبطان باشا مع خمسين أو ستين ألف جندي جعله يفكر ~~في ترك مصر، ولكن البكوات الآخرين أوضحوا له عدم لياقة ذلك، بينما تدعو ~~الضرورة الملحة لاتحادهم جميعا ووقوفهم ضد أية قوة قد ترسلها القسطنطينية، ~~ولكن عندما أعلن لهم الألفي أنه إذا منع من النزول إلى البحر فسوف ينسحب إلى ~~القسطنطينية مع مماليكه، ولما خشي البكوات أن يترتب على فعله ذلك أذى كبير ~~فقد وافقوا على ذهابه إلى إنجلترا على أمل أن لا يرجع ثانية، ولكنهم لم يخولوه ~~مطلقا أية سلطات كسفير لهم ويتحدونه أن يظهر أي كتابة ممهورة بإمضاء أي «بك» ~~من البكوات لإثبات ذلك، ثم ما لبثوا أن اعترفوا بأنهم أعطوه ورقا على بياض ~~يحمل إمضاءاتهم، ويجهلون كيف تصرف بهذه الأوراق كما يجهلون الكتابة التي ملأها ~~بها، ويشتبهون في أنه منحاز إلى جانب فرنسا ... # وأما سليم أفندي فقد آثر الابتعاد عن الألفي أثناء وجوده بمالطة، ولم يذهب ~~لزيارته على ظهر السفينة «أرجو» إلا بعد إلحاح السير ألكسندر عليه، ووقف ~~الألفي منه على التغييرات الكبيرة التي حدثت ms0150 في مصر في غير صالحه، ولما كان ~~مماليكه قد أبلغوا سليم أفندي أن الحكومة الإنجليزية أكدت للألفي أنه إذا لقي ~~معارضة من عثمان البرديسي فسوف تمده فورا بخمسة عشر ألف رجل لإرغام البرديسي ~~على الطاعة؛ فقد نفى الكابتن هالويل لسليم أفندي ذلك نفيا قاطعا وأكد له أن ~~الحكومة الإنجليزية صديقة لجميع المماليك، ولا يمكن - بحال - أن تتدخل في ~~منازعاتهم الداخلية، ولكن إذا هاجم الفرنسيون حزبا من حزبي الألفي والبرديسي ~~فإن الإنجليز يمدون الحزب المتعرض لهجومهم بالنجدة. # وقد حاول الألفي بعد مقابلته مع سليم أفندي الحصول على ستة مدافع إما بالشراء ~~وإما كهدية له، واعتقد هالويل أنه ربما كان يبغي عند عودته إلى مصر الانسحاب ~~بها إلى الصعيد أو الحبشة والانتظار حتى تأتيه النجدات من فرنسا، وقد غادر ~~الألفي مالطة على ظهر الأرجو في 4 فبراير، وأما سليم أفندي، فقد بقي بها على ~~أمل أن يعود إلى مصر مع شارلس لوك # Lock # المعين حديثا في 30 يناير سنة 1804 قنصلا عاما بريطانيا في مصر مع ~~بقاء «مسيت» إلى جانبه، ولكن «لوك» الذي كان على وشك الذهاب إلى القسطنطينية ~~قبل تسلم منصبه في مصر لم يشأ - إذا هو اصطحب معه سليم أفندي - أن يظهر بمظهر ~~من يريد تشجيع المماليك الثائرين على الباب العالي، وفي يونيو غادر مالطة إلى ~~القسطنطينية، واضطر سليم أفندي للعودة بعد ذلك إلى مصر دون أن يظفر بشيء من ~~السير ألكسندر بول. # وكان من أثر مساعي «تابرنا» ومناوراته أن صار الوكيل الفرنسي «ماثيو لسبس» ~~يبذل قصارى جهده مع البكوات حتى يرفض هؤلاء كل ما قد يقدمه لهم «مسيت» أو ~~«تابرنا» من عروض، ولكنه لما رأى البكوات منصرفين عنه؛ للأسباب التي ذكرناها ~~في حينها، فقد صار يسعى لاستمالة زعماء الألبانيين، فكتب «مسيت» إلى حكومته ~~منذ 18 نوفمبر سنة 1803، أن «لسبس» يعمل لتأليف حزب منهم، كما كتب عن هذا ~~المسعى بإسهاب في رسالة أخرى بعث بها إلى حكومته من الإسكندرية في 12 مارس ~~سنة 1804، ثم قال: «إن لديه من الأسباب القوية ms0151 ما يحمله على الاعتقاد بأنه قد ~~تم «لماثيو لسبس» استمالة اثنين من زعماء الألبانيين «محمد علي وأحمد بك» إلى ~~تأييد المصلحة الفرنسية نهائيا، وإن زعماء الألبانيين لن يحجموا عن مساعدة ~~جيش من الفرنسيين ينزل في هذه البلاد لفتحها.» # ثم استطرد يقول بسبب الحوادث التي أفضت إلى مقتل علي باشا الجزائرلي: «إنه ~~لما كان محمد علي وأحمد بك قد ثارا ضد الباب العالي، فمن المحتمل أنهما يظنان ~~أن هذا الذنب سوف لا يغتفر لهما تماما، وإنه - وإن صرح لهما بالعودة إلى ~~بلادهما - لا يبعد أن تتخذ ضدهما بعض الوسائل السرية للقضاء عليهما، ولا جدال ~~- لذلك وبسبب هذه الظروف - في أن تحدث العروض المغرية التي يتقدم بها الوكيل ~~الفرنسي إليهما الأثر المطلوب منها حتما.» # وعلى ذلك، فقد كان بسبب هذه الحوادث والمناورات التي أظهرت استعداد الإنجليز ~~- بفضل مساعي «تابرنا ومسيت» - لمؤازرة المماليك، واعتماد البكوات على هذه ~~المؤازرة، أن بدأ الاتصال بين الوكلاء الفرنسيين في مصر وبين محمد علي، والذي ~~كان من آثاره الأولى - على نحو ما رأينا - نصح محمد علي والزعماء الأرنئود ~~لماثيو لسبس بمغادرة القاهرة عندما صح عزم هؤلاء على تدمير الانقلاب الذي أخرج ~~البرديسي وإبراهيم من القاهرة. # وقد كان لمشروع ألكسندر بول - ومساعي تابرنا - أثر آخر لا يقل أهمية عما ~~ذكرنا، هو زيادة الخلاف واتساع شقة الانقسام بين البكوات أنفسهم، بسبب ~~المفاوضات التي صحبت هذا المشروع في مالطة وفي مصر، وقد كشف «لسليم أفندي» عن ~~وجود هذا الانقسام في مقابلته مع الكابتن «هالويل» في مالطة، ومبعثه المنافسة ~~الشديدة بين الألفي والبرديسي على الاستئثار بالسلطة العليا بين المماليك في ~~حكومة البلاد الفعلية، وكان هذا الانقسام منشأ الأخطاء التي ارتكبها البكوات ~~من ناحية، فأضاعت عليهم فرصة الحكم في مصر نهائيا، كما أنه أفاد «محمد علي» ~~فائدة كبرى، عندما استطاع أن يغري البرديسي بالألفي وكان يخشى خطره، ثم تخلص ~~من «حليفه» البرديسي بعد ذلك ومضى في طريقه خطوة أخرى نحو الاستئثار بالسلطة ~~بفضل ذلك كله. # آثار مشروع «بول» في القسطنطينية # تلك إذن كانت ms0152 آثار مشروع ألكسندر بول المباشرة في مصر، أما في القسطنطينية ~~فقد لقيت مقترحاته كل قبول من رجال السفارة الإنجليزية بها، الذين أرادوا ~~تكميل هذه المقترحات حينئذ بأن صاروا يحاولون إقناع الباب العالي حتى يتقدم ~~من جانبه إلى الحكومة الإنجليزية بطلب إرسال قوة إنجليزية لاحتلال الإسكندرية، ~~فقد انخدع «ستراتون» بدوره بالتعليمات التي أعطاها «السير ألكسندر بول» ~~للكابتن «تابرنا» واعتقد أنها تفصح عن رغبة الحكومة الإنجليزية في الاستيلاء ~~على الإسكندرية تحت ستار أي عذر يكون معقولا في ظاهره، لا سيما وأنه كان قد ~~ذكر للورد هوكسبري منذ 25 أكتوبر 1803 أن رأيه كان دائما «أنه لا يرجى ~~استقرار السلام في مصر طالما بقي المماليك والأتراك يتنازعونها، إلا إذا أقيمت ~~بهذه المقاطعة «العثمانية» قوة أجنبية تتبع دولة ثالثة تكفي لإرغام كل من ~~هاتين الجماعتين على احترام ما قد يعقدانه فيما بينهما من اتفاقات.» # وعلى ذلك، فقد ظن «ستراتون» أنه قد يكون من الخير أو أنه استطاع أن يسبق ما ~~توقع أن تبديه حكومته من آراء تعرضها رسميا على الباب العالي، فكتب إلى ~~هوكسبري في 21 يناير 1804 أنه لما كانت قد وصلته من «مسيت» في القاهرة ~~رسالة بتاريخ 30 نوفمبر من العام السابق ومعها نسخة من رسالته إلى «هوبارت» ~~مشتملة على مجمل تعليمات ألكسندر بول إلى تابرنا، فقد قابل الريس أفندي واقترح ~~عليه أن يتقدم الباب العالي بطلب إلى ملك إنجلترا يرجوه أن يرسل - دون إبطاء - ~~قوة بريطانية إلى الإسكندرية للمحافظة على الهدوء والسلام في مصر والدفاع عنها ~~ضد هجوم الفرنسيين المتوقع عليها، وعلل ستراتون السبب في خطوته هذه بأن مضمون ~~تعليمات السير ألكسندر يؤيد أن غرض الحكومة الإنجليزية إنما هو امتلاك ~~الإسكندرية بأي عذر من الأعذار، وأنه وجد أن خير عذر أو وسيلة لذلك هو أن ~~يتقدم الباب العالي نفسه بهذا الطلب. # ولكن الريس أفندي رفض هذا الاقتراح، وقد علل ستراتون نفسه هذا الرفض بقوله: ~~إن الديوان العثماني «لديه فكرة غريبة هي اعتقاده أن إنجلترا إنما تريد الزج ~~بتركيا في حرب مع ms0153 فرنسا؛ ولذلك «فالأتراك» يرون في أية خطوة يمليها الاحتراس ~~والحيطة، وأي اقتراح يقترح عليهم من هذا القبيل، فخا أو شركا ينصب لهم ~~لإخراجهم من خطة الحيدة التي يزعمون أنهم بالتزامهم الدقيق لها قد يتجنبون ~~أخطار الحرب التي تتهددهم»، وعلى ذلك فإنه عندما وصلت إليه تعليمات حكومته ~~بشأن التدخل رسميا مع الباب العالي، من أجل إقناعه بالاتفاق مع المماليك، ~~على أساس إرجاع نفوذهم السابق في حكومة مصر إليهم - نتيجة لسفارة الألفي في ~~لندن - وجد «ستراتون» أن مركزه قد ضعف كثيرا لدى الباب العالي بسبب الشكوك ~~التي أثارها اقتراحه وسوء الظن الذي أوجده. # والواقع أنه صار من المتعذر بعد ذلك على الحكومة الإنجليزية - نتيجة لنشاط ~~ستراتون الذي أثار شكوك الباب العالي - أن تعمل بنجاح من أجل التوسط لإبرام ~~اتفاق ودي بين الباب العالي والمماليك، وبالفعل كان الباب العالي مصمما على ~~رفض أية وساطة من هذا النوع لأسباب عدة: منها خوفه من إمعان المماليك في ~~معارضتهم له اعتمادا على التشجيع الذي يلقونه من جانب إنجلترا، فتعجز تركيا - ~~إذا هي استجابت لمساعي الإنجليز - عن فرض سيادتها عليهم، زد على ذلك أن ~~الأتراك كانوا لا يريدون إغضاب بونابرت وهم الذين كانوا قد رفضوا وساطته من ~~قبل بينهم وبين المماليك، ومع أن الأتراك كانوا يخشون مشروعات بونابرت فقد ~~كانوا يرجون الخلاص من ناحية أخرى في النهاية إذا هم تمسكوا بموقف الحياد ~~الدقيق في الحرب القائمة. # وأخفقت جهود «ستراتون» في إقناع الباب العالي بإجابة رغبة الحكومة الإنجليزية ~~في فبراير سنة 1804، وفي 2 مارس كتب لحكومته موضحا الأسباب التي تدعو ~~الباب العالي إلى التمسك برفضه فيما لا يخرج عما سبق بيانه، بل إن الباب ~~العالي بدلا من الاتفاق مع المماليك؛ كان مصمما على تعيين أحمد الجزار - ~~باشا عكا - لباشوية مصر عندما بلغه خبر مقتل علي الجزائرلي، كما أرسل - على ~~نحو ما كتب ستراتون في 10 مارس - سفينة حربية من نوع القرويت إلى مصر للحصول ~~على معلومات دقيقة عن الموقف هناك، وأظهر استعداده لإرسال أسطول من أربع سفن ~~حربية ms0154 إلى الإسكندرية تحمل ألف جندي لتعزيز حاميتها، وأبلغ الريس أفندي ~~ستراتون عند اجتماعه به في 19 مارس نبأ تعيين الجزار باشا، وعبثا حاول ~~ستراتون إقناعه بأن هذا التعيين سوف يلقي مصر في أحضان الحرب الأهلية، وأن من ~~المصلحة تسوية علاقاته مع البكوات على الأساس الذي تقترحه بريطانيا. # ولكن الريس أفندي الذي كان قد رفض وساطة فرنسا عند اجتماعه بسفيرها «برون» في ~~8 مارس؛ أصر على رفض وساطة إنجلترا كذلك، ثم استند الريس أفندي في تمسكه ~~برفضه على ما بلغ الباب العالي من أنباء عن طرد البكوات «البرديسي وإبراهيم ~~بك» من القاهرة في حوادث مارس وعن اتفاق الأرنئود على استدعاء أحمد خورشيد ~~لتولي منصب الباشوية، وقد كتب ستراتون بعد ذلك في 25 مايو أن الباب العالي ~~قد سمح بتثبيت خورشيد باشا في باشوية مصر فعلا. # وهكذا عندما وصل «شارلس لوك» - القنصل العام المعين لمصر - إلى القسطنطينية ~~وعرض على الريس أفندي مقترحات السير ألكسندر بول في 16 يوليو، قوبلت هذه ~~المقترحات بالرفض، واستندت تركيا في رفضها لها على رغبتها في ملاحظة موقف ~~الحياد الدقيق في الحرب القائمة بين إنجلترا وفرنسا. # وهكذا أخفقت محاولة الإنجليز في الوساطة بين الباب العالي والمماليك لتسوية ~~الخلافات القائمة بينهما على أساس يعيد للأخيرين سلطانهم الفعلي في الحكومة ~~كوسيلة مثلى تهيئ سبيل الدفاع عن مصر، كما أخفقت محاولة الإنجليز في إقناع ~~الباب العالي بالموافقة على مشروع السير ألكسندر بول ووضع حامية بالإسكندرية ~~تحت إشراف البريطانيين ، أو طلب قوة إنجليزية أو أجنبية؛ لتعزيز حاميتها على ~~نحو ما اقترحه ستراتون لغرض الدفاع عن مصر ضد الغزو الفرنسي. # وعلى ذلك فقد كان الأثر الثاني الذي ترتب على إثارة مشروع ألكسندر بول ~~بالقسطنطينية سواء في صورته الأصلية أو على النحو الذي فهمه ستراتون، ثم ما ~~عرف عن موقف الأتراك تجاهه، أن نظرية احتلال الإسكندرية سرعان ما وجدت أنصارا ~~كثيرين يؤيدونها من بين السياسيين والعسكريين الإنجليز، ثم لم تلبث أن اتخذت ~~شكلا واضحا في آخر الأمر من حيث ضرورة العمل بها سواء رضي ms0155 الباب فكان ~~الاحتلال بموافقته، أم رفض فكان الاحتلال عندئذ من شئون السياسة الإنجليزية ~~ومن صميم الوسائل التي يجب عليها اتخاذها لمنع الفرنسيين من غزو البلاد ~~وللدفاع عن مصر. # ولا جدال في أن مرد ذلك كان إلى تطور الحوادث في مصر ذاتها، بسبب الأخطاء ~~التي ارتكبها البكوات الذين رفضوا الحل أو الترتيب الذي اقترحه «دراموند» ~~وتحدثنا عنه سابقا، وقتلوا علي باشا الجزائرلي، وانقسموا على أنفسهم، فطارد ~~البرديسي الألفي، وساءت إدارتهم حتى تمكن محمد علي من طردهم من القاهرة، ~~وأحبط انحلال حكومتهم توسط إنجلترا ومساعيها في القسطنطينية للتدخل في صالحهم، ~~وكان من المتعذر في هذه الظروف أن يكتفي الإنجليز بالاعتماد على الألفي؛ ~~لتأسيس نفوذهم في مصر أو أن يتوقعوا لهذه الأسباب جميعها استطاعة المماليك ~~الدفاع عن البلاد إذا تعرضت للغزو الفرنسي، لا سيما وقد ساورتهم الشكوك في ~~ولاء الألفي نفسه لهم، عدا أنه صار مطاردا وهاربا، وحاول «هالويل» عند وصوله ~~مع الألفي إلى الشاطئ المصري إقناع أحمد خورشيد في 19فبراير بأن الطريقة ~~المثلى لإحباط مشروعات الفرنسيين إغراق عدد من السفن في مداخل الميناء ~~القديمة؛ لمنع سفن العدو من الدخول إليها، ولكن دون طائل. # وقال «هالويل» في كتابه إلى «نلسن» في 16 مارس بعد عودته إلى مالطة: «إن ~~الوقاحة بلغت بخورشيد باشا حدا جعله يقول له إنه إنما يحاول أن يجذب ~~انتباهه إلى الفرنسيين حتى يشغله الحذر والاحتياط لدفع هجوم المماليك ~~والألبانيين الذين يهددون من مدة بمحاصرة الإسكندرية»، وتدخل القنصل الفرنسي ~~«دروفتي » لإحباط مشروع هالويل. # وهكذا كان واضحا أن الإنجليز لا يمكنهم الاعتماد على الألفي، ولا يمكنهم ~~الاعتماد على البرديسي وإبراهيم، اللذين كانا قد أبديا ميولا طيبة نحو ~~إنجلترا - بسبب وعود «تابرنا» لهما - فقد كتب مسيت في 29 مارس و13 مايو أنه ~~لا يمكن الوثوق بهما، وأن البرديسي منحاز إلى فرنسا بسبب نشاط «لسبس»، فضلا ~~عن توقع تواطؤ البكوات مع الفرنسيين ومؤازرتهم المنتظرة لجيشهم إذا جاء إلى ~~مصر لما هو معروف عن خلقهم الغادر وخيانتهم، بل إن البرديسي لا يتورع عن ~~التضحية بأي ms0156 شيء بسبب أطماعه الشعبية في سبيل مصالحه الخاصة، وكذلك لا يمكن ~~الاعتماد على خورشيد باشا، وهو الذي رفض مقترحات «هالويل». # ويشك مسيت علاوة على ذلك في أن لديه من الكفاءة والمواهب ما يجعله قادرا على ~~شغل منصب الباشوية بنجاح، ولا نفوذ ولا جند له، ويستأثر محمد علي بالسلطة ~~الفعلية منذ وصول خورشيد إلى القاهرة - رسالتا مسيت إلى هوبارت في 19 أبريل ~~و28 مايو - ومن المتوقع حدوث اصطدام بين خورشيد ومحمد علي، ولا يمكن كذلك ~~الاعتماد على محمد علي، وهو الذي اعتقد مسيت أنه قد انحاز نهائيا إلى جانب ~~فرنسا - وقال مسيت في كتابه إلى ستراتون في 4 أبريل: «إنه عندما كلف ترجمانه ~~في القاهرة بأن يبلغ الأرنئود نوايا الجمهورية الفرنسية ويشرح لهم آراءها ~~وأغراضها العدوانية ضد مصر، وضد المورة ويرجوهم وضع عدد كاف من الجند على ~~الساحل لمقاومة نزول أي جيش غاز، أبلغ محمد علي الوكيل الفرنسي هذه الرسالة ~~المرسلة من «مسيت» إليه»، بل إن مسيت ما لبث أن أكد للورد هوبارت في 13 مايو ~~بعد ثورة 11-13 مارس في القاهرة ضد البرديسي وإبراهيم بك «أنه من المعروف ~~للخاص والعام أن الوكيل الفرنسي قد وعد «محمد علي» وأحمد بك بمبلغ ثلاثين ~~ألفا من الجنيهات لإغرائهما بطرد المماليك من القاهرة»، وفي 5 مايو كان قد ~~قال عنه: «إن هذا الزعيم «الألباني» كبير الولاء لفرنسا التي يبغي عن طريق ~~وساطة وكلائها الوصول إلى باشوية مصر، ولن يتردد محمد علي لضمان هذه الوساطة ~~عن اتباع أية خطة أو السير في أي طريق»، ولما كان من المنتظر أن تبذل فرنسا ~~قصارى جهدها لمنع المماليك من استرجاع سلطانهم في الوجه البحري، وأن تؤيد - في ~~الوقت نفسه - أغراض محمد علي الذي يعمل عندئذ - اعترافا بجميل فرنسا عليه، ~~وخدمة لمآربه الخاصة - على تعزيز المصالح الفرنسية؛ فقد اقترح «مسيت» على ~~حكومته في رسالته هذه «أن تتخذ ما يلزم من خطوات لإبعاده من «مصر»؛ لأنه - كما ~~قال - رجل لا مبادئ له بدليل ما صرح به «لمسيت» نفسه من أن ms0157 الحكومة التي تدفع ~~له أكثر من غيرها هي التي تظفر بخدمته لها، الأمر الذي يجعل «مسيت» يعتقد ~~يقينا أن «محمد علي» قادر على مناصرة جيش فرنسي يغزو البلاد إذا وجد في ذلك ~~مزايا كافية لإغرائه وتحقيق مطامعه، وفضلا عن ذلك فإن «مسيت» يعتقد أن إبعاده ~~من مصر يمكنه من الاستمتاع غاية الاستمتاع بذلك النفوذ الذي له على خورشيد ~~باشا»، وقد استطاع «مسيت» فعلا أن يجعل خورشيد باشا يسعى لدى الباب العالي من ~~أجل إبعاد محمد علي، وكتب إلى اللورد هوبارت في 16 أغسطس: «إن خورشيد - بفضل ~~مساعيه - قد أوصى الديوان العثماني بتعيين محمد علي لباشوية سالونيك.» # وعلى ذلك فقد كان واضحا أن السلطة صارت موزعة في مصر بين أربعة أحزاب ~~على رأسها البرديسي، والألفي، ومحمد علي، وخورشيد باشا، وأن الحكومة ~~الإنجليزية لا تستطيع الاعتماد في شيء على أي حزب من هذه الأحزاب الأربعة، ~~وكان حينئذ أن كتب مسيت إلى حكومته في 28 مايو: «إنه لا يمكن أن يكون هناك ~~أي استقرار في الحقيقة أو أن يستتب الهدوء والسلام في مصر إلا في حالة واحدة ~~هي أن تقدم الحكومة الإنجليزية على اتخاذ الوسائل النشيطة والفعالة للدفاع ~~عن إقليم يعجز صاحب السلطان عليه عن صونه وحمايته والذود عن سلامته»، ومعنى ~~ذلك بعبارة أخرى: أنه لا يمكن أن يكون هناك استقرار في مصر إلا إذا صح عزم ~~الحكومة الإنجليزية نهائيا على إرسال جيش «بريطاني» لاحتلال ~~الإسكندرية. # وكان هذا الرأي الذي نادى به «مسيت» هو رأي «شارلس لوك» كذلك، لا سيما وقد ~~فشل - كما سبق ذكره - منذ أن وصل القسطنطينية في يوليو في إقناع الباب العالي ~~بالأخذ بمشروع ألكسندر بول وإدخال قوة نظامية أوروبية إلى الإسكندرية، وقد صار ~~من رأي «لوك» بعد إخفاق محاولته، أنه سوف يكون من العبث من الآن فصاعدا - كما ~~كتب «اللورد هاروبي» # Harrowby # وزير الخارجية منذ مايو 1804 في وزارة المستر بيت Pitt # من ~~القسطنطينية إلى حكومته في 19 يوليو - أن تتوقع حكومته نوال موافقة وزراء ~~الباب العالي سلفا على ms0158 أي إجراء قد تجد من الحكمة اتخاذه فيما يتعلق بمصر، ~~ولو أنه لا يشك بتاتا في أن الباب العالي سوف يرضى أمام الأمر الواقع ~~بالموافقة على ما يكون قد تم اتخاذه من خطوات فعلا. # وقد حمل هذا الأمل الأخير «لوك» على الإسراع بالذهاب إلى مالطة؛ حيث كان ~~ينتظر وصول حاجياته من إنجلترا ليبحر من مالطة إلى مصر، ولكنه توفي بالمحجر ~~الصحي بمالطة في 12 سبتمبر. # نظرية احتلال الإسكندرية # أما هذه النتيجة التي وصلت إليها الدبلوماسية الإنجليزية في مصر وفي ~~القسطنطينية - في مصر تبين عبث محاولة الاستناد على الأحزاب المتنازعة على ~~السلطة بها، وفي القسطنطينية عبث محاولة إقناع الباب العالي بضرورة الاتفاق مع ~~المماليك على أساس إرجاع السلطة لهم في مصر، أو الموافقة على وضع حامية أجنبية ~~أو جيش بريطاني بالإسكندرية، وكل هذه المحاولات من أجل استقرار الهدوء والسلام ~~في مصر، وتمكين البلاد من الدفاع عن نفسها ضد الغزو الفرنسي الذي توقعت ~~الحكومة الإنجليزية حدوثه - فقد كان من أثرها أن قررت الحكومة الإنجليزية أنه ~~لا غنى لها عن احتلال الإسكندرية لمنع الفرنسيين من غزو مصر سواء وافق الباب ~~العالي على ذلك أم لم يوافق. # ولما كان ستراتون قد عرض على الباب العالي دون أن يأذن له وزير خارجية حكومته ~~بذلك، أن يطلب من إنجلترا إرسال قوة من جيشها لاحتلال الإسكندرية، وعرف رفض ~~الباب العالي لهذا الاقتراح في لندن، فقد بادر اللورد هاروبي في 19 أكتوبر ~~1804 بلوم ستراتون على اتخاذ هذه الخطوة التي لا أثر لها سوى إثارة مخاوف ~~وحسد الباب العالي، وطلب إليه من الآن فصاعدا عدم اقتراح أي إجراء من شأنه ~~إدخال جنود إنجليز إلى الإسكندرية على الأقل إذا لم يفاتحه الباب العالي نفسه ~~في هذا الموضوع، «وأن يقصر نشاطه على إعطاء التأكيدات العامة عن رغبة ~~«إنجلترا» في أن ترى الهدوء يعود إلى مصر وأن تصبح هذه البلاد في وضع يمكنها ~~من الدفاع عن نفسها ومقاومة مشروعات «فرنسا» العدوانية.» # على أنه كان في هذه التعليمات أن أوضحت الحكومة الإنجليزية ms0159 موقفها من مسألة ~~احتلال الإسكندرية، فقال «هاروبي»: «وأما إذا حدث أن وصل «ستراتون» - مفاجأة ~~وعلى غير انتظار - نبأ من قواد جلالة ملك «بريطانيا» في البحر الأبيض، مترتب ~~على الخوف من توقع هجوم من ناحية الفرنسيين في وقت قصير، بحيث يكون من ~~المستحيل الانتظار حتى يعطي الباب العالي موافقته الصريحة - بأن جنودا ~~«بريطانيين» قد نزلوا فعلا بالإسكندرية، أو على وشك النزول بها لحمايتها أو ~~حماية أي مكان مهدد آخر، فالواجب على «ستراتون» أن يصور هذا العمل أحسن ~~صورة، وأن يعزو مبعثه إلى الضرورة الملحة التي لا تجيز الانتظار أو تسمح ~~بالتأخير، وأن يؤكد للباب العالي أن الغرض من ذلك ليس سوى المحافظة على موقع ~~هام وحمايته ضد دولة هي في الواقع عدوة لتركيا كما هي عدوة لإنجلترا، وأن هذا ~~الموقع سوف يعاد إلى صاحب السيادة الشرعية عليه في أول فرصة تسنح ودون إمهال ~~لإعادته في حالة زوال كل خطر يتهدده.» # وهكذا تكون قد أثمرت نصائح مسيت، وستراتون، والسير ألكسندر بول، واللورد ~~نلسن، وغير هؤلاء من السياسيين والعسكريين الإنجليز، واحتضنت الحكومة ~~الإنجليزية نهائيا مشروع احتلال الإسكندرية وأخذت به رسميا كخطوة حاسمة ~~لمنع خطر الغزو الفرنسي عن مصر وسواء جاء هذا الاحتلال بموافقة الباب العالي ~~أم حدث بالرغم من عدم موافقته أو معارضته له، وعندما أرسلت النجدات إلى البحر ~~الأبيض بقيادة الجنرال السير جيمس ~~كريج # James Craig # لفتت الحكومة الإنجليزية نظره في التعليمات التي ~~أصدرتها إليه في 29 مارس 1805 إلى المحاولات التي قد يقوم بها الفرنسيون ضد ~~أملاك السلطان العثماني وخصوصا ضد مصر، وقالت: إن احتلال قوة إنجليزية ~~للإسكندرية يصبح في هذه الحالة أمرا ضروريا. # وأما تنفيذ مشروع احتلال الإسكندرية فقد ارتهن من أول الأمر بتطور الظروف ~~والحوادث، فلم يرجئ العمل به مباشرة سوى انتصار الإنجليز في معركة الطرف الأغر ~~البحرية في 21 أكتوبر 1805؛ لأن هذا النصر أكسبهم السيادة على البحار فانتفى ~~مؤقتا أي خطر قد يهدد الشرق من جانب فرنسا، على أن الظروف ما لبثت أن ~~تغيرت في العام نفسه وفي ms0160 العام التالي حتى بات إرسال حملة إنجليزية لاحتلال ~~الإسكندرية مسألة وقت فحسب، وكان بعض هذه الظروف ناشئا عن الحوادث التي وقعت ~~في أوروبا، بينما نشأ بعضها الآخر عن الحوادث التي وقعت في مصر وأسفرت عن ~~المناداة بولاية محمد علي. # الفصل الرابع # | ظهور محمد علي: الخطوات الأولى # تمهيد # قام الصراع بين السياستين الإنجليزية الإيجابية والفرنسية السلبية بين عامي ~~1801-1805، من أجل الاستئثار بالنفوذ الأعلى في مصر، وتوجيه الأحزاب التي ~~اعتقدت حكومتا لندن وباريس أن بوسعها رعاية مصالحها في البلاد: لندن لإنشاء ~~حكومة قوية مستقرة تستطيع الدفاع عن مصر ضد الغزو الفرنسي الذي توقع الإنجليز ~~حدوثه، وباريس لتأسيس النفوذ الفرنسي بعد أن كاد يتلاشى كلية عقب هزيمة جيش ~~الشرق وخروج الفرنسيين من مصر، وكان مقصد القنصل الأول استئناف العلاقات ~~التجارية بين البلدين، وفتح الأسواق المصرية للمنتجات الفرنسية، ثم إبطال ~~مساعي ونشاط الوكلاء الإنجليز ومنع خصومهم من أن يكون لهم أي نفوذ سياسي في ~~مصر. # ومع أن الإنجليز والفرنسيين - على السواء - راعوا في نشاطهم دائما عدم ~~تنفير الأتراك أصحاب السيادة الشرعية على مصر، واستبقاء علاقات المودة معهم، ~~الأولون حتى لا تنضم تركيا إلى فرنسا، والأخيرون حتى ينحاز إليهم الباب العالي ~~في النضال القائم بينهم وبين إنجلترا؛ فقد ظهر أن الفريقين كانا يعتقدان أن ~~المماليك وحدهم هم القوة الفعالة في مصر والتي في وسعها أن تحقق مآرب من يتيسر ~~له منهما كسبها إلى جانبه. # وعلى ذلك فقد انحصر نشاط السياستين: الإنجليزية والفرنسية في توثيق الصلات مع ~~البكوات، وأسفر هذا النشاط فيما يتعلق بالسياسة الفرنسية عن إخفاق «ماثيو ~~لسبس» في مهمته للأسباب التي ذكرناها في حينها، والتي كان أهمها سلبية السياسة ~~الفرنسية ذاتها، واقتصارها على بذل الوعود وإظهار النوايا الطيبة وترديد ~~عبارات الود والصداقة ومحبة القنصل الأول للبكوات، ولم يقطع البكوات كل صلة ~~لهم بالوكلاء الفرنسيين لسبب واحد هو أملهم في أن تستطيع الحكومة الفرنسية ~~التوسط لهم بنجاح لدى الباب العالي لإعادة امتيازاتهم وسلطتهم السابقة في ~~حكومة مصر إليهم بالصورة التي كانت عليها قبل الغزو ms0161 الفرنسي، وقد أوضحنا كيف ~~أن الفرنسيين عجزوا عن تحقيق ذلك. # وأما فيما يتعلق بالسياسة الإنجليزية فقد رأينا كيف تعددت أساليب ديبلوماسية ~~الإنجليز في القسطنطينية والقاهرة، وقد تعددت مشاريعهم من أجل إنشاء الحكومة ~~«المملوكية» التي رأوا قيامها ضروريا للدفاع عن مصر، ثم كيف تقدموا ~~بمشروعاتهم لتنظيم هذا الدفاع نفسه، الأمر الذي انتهى بهم إلى الاقتناع بضرورة ~~احتلال الإسكندرية كخطوة لا غنى عنها لصد أي هجوم قد يقع على مصر من ناحية ~~الفرنسيين. # وقد أسفر الصراع بين السياستين: الإنجليزية والفرنسية عن جملة أمور: أولها ~~أن صلات الوكلاء الإنجليز والفرنسيين بالبكوات في مصر ومسعى رجال سفارتيهم في ~~القسطنطينية في صالح هؤلاء؛ قد جعل البكوات يصرون على استمساكهم بما اعتبروه ~~حقا لهم في أن يستأثروا بالحكومة الفعلية في مصر، كما نجم عن توسط الإنجليز ~~والفرنسيين في القسطنطينية في مسألتهم أن ازداد الباب العالي تشبثا ~~بموقفه فلم ينزل عن إصراره على طرد البكوات وإخراجهم من مصر كلية إلا عندما ~~وجد زمام الأمور يفلت من يده في مصر، وصار البكوات أصحاب السلطة الفعلية في ~~القاهرة وفي البلاد بأسرها، فلم يبق خارجا عن سيطرتهم سوى الإسكندرية، بل ~~وصاروا يهددون الإسكندرية ذاتها، وعندئذ لم يكن لتسليم الباب العالي بالأمر ~~الواقع الأثر الذي توقعته تركيا؛ لأن البكوات لم يثقوا في نواياها وقتلوا ~~«الباشا» الذي عينته القسطنطينية «علي الجزائرلي»، كما لم يحدث الأثر الذي ظلت ~~ترجوه الحكومة الإنجليزية من مدة طويلة؛ أي قيام الحكومة المستقرة في مصر؛ لأن ~~البكوات كانوا منقسمين على أنفسهم وتعذر اتحادهم بسبب المنافسة الشديدة بين ~~الألفي صنيعة الإنجليز، والبرديسي الممالئ للإنجليز وللفرنسيين على السواء ~~سعيا وراء نفعه الخاص ومصلحته الشخصية، ففقد البكوات بعد ذلك حكومة القاهرة ~~في انقلاب «مارس 1804»، واستؤنف النضال بينهم وبين «الباشا» الجديد أحمد ~~خورشيد، الذي اضطر الباب العالي لتثبيته نزولا على الأمر الواقع بعد أن زيف ~~أصحاب الانقلاب تقليده الولاية تزييفا، واستمرت الحرب الأهلية على شدتها، ~~وعجزت حكومة أحمد خورشيد عن القضاء على الفوضى السياسية المنتشرة في ~~البلاد. # وفي أثناء الصراع السياسي بين ms0162 إنجلترا وفرنسا في مصر، اعتبرت كلا الدولتين أن ~~وجود الأجناد الألبانيين «أو الأرنئود» ورؤسائهم من أشد عوامل الفوضى السياسية ~~خطورة، ولم يفطن الوكلاء الإنجليز والفرنسيون في غمرة نشاطهم مع البكوات ~~المماليك إلى ما قد يمكن أن يؤديه أحد رؤساء هؤلاء الأرنئود «محمد علي» من ~~خدمات قد تساعد على استقرار الأوضاع في مصر وإقامة حكومة موطدة بها، فاعتبره ~~«ماثيو لسبس» رجلا لا عبقرية ولا كفاءة له، وبذل «مسيت» قصارى جهده لإبعاده ~~عن مصر. # وعندما نودي بولاية محمد علي في 1805، ظل «مسيت» يعتبره خصما لدودا ~~للمصالح الإنجليزية في مصر ومناصرا للمصالح الفرنسية، واستمر يسعى لعزله ~~وإبعاده، بينما كان بفضل تنبه الوكيل الفرنسي «دروفتي» أخيرا إلى ضرورة تأييد ~~محمد علي لتعطيل نشاط الإنجليز كسياسة إيجابية اتبعها القنصل الفرنسي على ~~مسئوليته الشخصية، أن نشأ ذلك التعاون الوثيق بين «دروفتي» وحكومة محمد علي ~~لدفع العدوان الإنجليزي عندما جاءت حملة فريزر إلى الإسكندرية بعد ذلك بعامين ~~تقريبا. # وقد ترتب على ما حدث من تضارب بين السياستين: الإنجليزية والفرنسية، ثم عجز ~~الباب العالي عن فرض سيطرته على مصر، وعجز البكوات المماليك بسبب انقسامهم - ~~أكثر من أي سبب آخر - عن الظفر بحكومة البلاد الفعلية، أن ظلت الفوضى السياسية ~~ضاربة أطنابها في البلاد، فلم يفلح تعيين علي الجزائرلي أو صفح الباب العالي ~~عن البكوات واعترافه بحكومتهم في القاهرة في إنهاء هذه الفوضى، بل زاد من ~~حدتها، كما لم يفلح تثبيته لأحمد خورشيد في باشوية القاهرة، في إقامة صرح ~~الحكومة الموطدة المستقرة. # ولم يكن لما وقع من حوادث في فترة هذه الفوضى السياسية منذ أن خرج الفرنسيون ~~من البلاد واسترجع السلطان العثماني سيادته الشرعية عليها، سوى أثر واقعي واحد ~~هو تهيئة الأسباب التي ساعدت على ظهور محمد علي، عندما عرف هذا كيف يفيد من ~~ظروف الفوضى السياسية؛ لشق طريقه إلى الولاية. # وقد يعتقد بعض الناس - اعتقادا مبعثه الميل لإطلاق العنان للخيال حتى يسبح ~~في عالم الأقاصيص والأساطير الوهمية - عند الكلام عن حدث من الأحداث الفريدة، ~~أن «محمد علي» وقف متفرجا ms0163 يشهد ما يمر به من حوادث دون أن يكون له شأن بها ~~ودون أن يكون له يد فيها، حتى هب الشعب بتوجيه زعمائه ورؤسائه يطلب من هذا ~~الزعيم الألباني الذي واساه في محنته أيام حكومة البكوات في القاهرة، ثم أيام ~~باشوية أحمد خورشيد بعد ذلك أن يتولى هو منصب الولاية، هكذا من تلقاء نفسه ~~ودون أن يسعى محمد علي نفسه لهذه الباشوية. # ومع ذلك فقد آن الأوان لتصحيح هذه الصورة الخيالية، التي إلى جانب أنها لا ~~تظهر «محمد علي» على حقيقته كرجل له من صفات المغامر الحربي ما يمنعه من ~~الوقوف مكتوف اليدين أمام ما يقع يوميا من حوادث لا يمكن أن يغيب عن فطنته ~~مغزاها، فهي صورة لا تتفق مع الحقيقة والواقع، وقد ذكرنا كيف أن معركة دمنهور ~~(20 نوفمبر 1802) قد حددت قطعا بداية ذلك التطور الذي طرأ على موقف محمد علي ~~من مجريات الأمور في مصر. # والحقيقة أنه صار لمحمد علي من ذلك الحين برنامج للعمل واضح المعالم، يهدف ~~بصورة رتيبة متسقة إلى غرض واحد هو الوصول إلى الولاية، فقد أدرك من أول ~~الأمر أن هناك عقبات معينة قد تحول دون وصوله إلى الحكم إذا ظلت محتفظة ~~بقواها كعوامل لا سبيل لنكران أثرها في تكييف وضع البلاد، وهو وضع يبقي الفوضى ~~السياسية على حالها، بل ويزيد من حدتها، ثم إنها قد تساعده على الوصول إلى ~~الحكم إذا عرف كيف يتدبر أمرها ويخضد من شوكتها، ويترتب على نجاحه عندئذ إنهاء ~~هذه الفوضى السياسية ذاتها وإقامة صرح الحكومة المستقرة الموطدة، وأما هذه ~~العوامل أو القوى فكانت أولا الباشا العثماني: ويستند هذا في ممارسة سلطته ~~سواء أكانت حقيقية أم وهمية على فرمان الباب العالي صاحب السيادة الشرعية على ~~البلاد. وقد يكون هذا الباشا صاحب قدرة ودهاء أو صاحب أطماع ويعتمد في دعم ~~أركان باشويته على ما قد ينتظره من نجدات من تركيا، أو ما قد يستقدمه هو فعلا ~~من عسكر لمعاضدته، أو يستند في قيام حكومته على طائفة معينة من ~~الأجناد. ms0164 # ثم هناك ثانيا: الأرنئود، وهؤلاء كانت لهم الكثرة العددية على سائر الأجناد ~~من إنكشارية وغيرهم، وكانوا عنصر فوضى واضطراب، يعيثون فسادا في البلاد، ~~وينهبون ويسلبون ويقيلون، عجز الباشوات عن ردعهم عندما عجزوا بسبب خلو الخزانة ~~دائما من المال عن دفع مرتباتهم المتأخرة لهم. # ثم هناك ثالثا: البكوات المماليك، وهؤلاء - مهما عظمت انقساماتهم واشتدت ~~خلافاتهم فيما بينهم - كان يجمعهم أمر واحد هو رغبتهم في استرداد سلطانهم ~~المفقود، والسيطرة على حكومة البلاد الفعلية، والعودة بالأوضاع إلى ما كانت ~~عليه قبل الغزو الفرنسي. # أضف إلى هذا كله وجود ذلك الصراع السياسي المستعر بين إنجلترا وفرنسا ~~لإحراز النفوذ الأعلى في مصر، وكان هذا الصراع من عوامل الفوضى السياسية، وقد ~~يمكن من المهارة استغلاله والاستفادة منه لتأسيس حكومة موطدة قوية، ثم هناك ~~أخيرا الباب العالي نفسه، وقد دلت التجارب على أنه يرضخ دائما للأمر ~~الواقع بسبب عجزه وضعفه، ولو أنه لا يمكن الوثوق به أو بوعوده، وقد يمكن ~~توقي شره بمداورته ومداراته. # وقد عرف محمد علي - خصوصا في السنوات الثلاث التي سبقت المناداة بولايته في ~~مصر - كيف يتغلب شيئا فشيئا على هذه الصعوبات، ويزيل تلك العقبات من طريقه ~~واحدة بعد الأخرى؛ فهو قد اتبع مع الباشوات - أو الولاة - طريقا واحدا من ~~ثلاث: إما التخلص ممن ظهر بأسهم وتمرسهم في المكائد، كخسرو باشا وعلي باشا ~~الجزائرلي فاشترك في تأليب الأرنئود على الأول، وكان خسرو يعتمد على ~~الإنكشارية وتأليب البكوات على الثاني، وكان هؤلاء يريدون استمرار سلطانهم في ~~القاهرة، وإما إضعافهم بالابتعاد عن شئون الحكم والتخلي عن مؤازرتهم كما فعل ~~مع طاهر باشا في أثناء قائمقاميته، وإما جعلهم يعتمدون عليه شخصيا، حتى إذا ~~استكمل العدة سعى لتدبير طردهم من الولاية كما فعل مع أحمد خورشيد ~~باشا. # وفطن محمد علي لقوة الأرنئود كعامل هام من عوامل هذه الانقلابات، فحرص أولا ~~على أن لا يزيد من كانوا منهم تحت قيادته المباشرة على العدد الذي يستطيع أن ~~يدفع له مرتباته، وقد استمر الحال على ذلك إلى أن قتل زعيمهم الآخر ms0165 طاهر باشا، ~~وعندئذ صارت شكاوى الأرنئود من عدم دفع مرتباتهم مسألة تتحمل الحكومة أو ~~«الباشا» وحدها مسئوليتها، ويطالب محمد علي نفسه هذه الحكومة بدفع مرتبات ~~الجند، بل وصار يتخذ من مسألة المرتبات المتأخرة ذريعة لتحريك الأرنئود ضد ~~الحكومة، ليس فقط حكومة الباشوات، بل وحكومة البكوات المماليك، ثم إنه إلى ~~جانب ذلك عرف كيف يوثق صلاته مع سائر رؤساء الأرنئود من إخوة وأقرباء طاهر ~~باشا خصوصا بعد موته، فظل أكثر هؤلاء الرؤساء إلى جانبه في أشد الأوقات ~~حروجة؛ أي في أثناء أزمة المناداة بولايته على مصر. # وأما البكوات المماليك فقد استعان بهم في التخلص من خسرو نهائيا، ثم من ~~علي الجزائرلي. كما عرف كيف يستغل ما بينهم من خلافات لكسر شوكتهم وزيادة شقة ~~هوة الخلافات اتساعا بينهم، فشجع البرديسي على مطاردة الألفي، حتى إذا اطمأن ~~إلى ضعف البكوات في القاهرة طردهم جنده منها، وقد عرف محمد علي كيف يستغل غضب ~~المشايخ والعلماء على حكومة البكوات بسبب المظالم التي أوقعها البرديسي ~~وإبراهيم بالقاهريين ومشايخهم وأعيانهم؛ لتأليب العامة عليهم، وكان تحريكه ~~لهذه القوة الشعبية من العوامل ذات الأثر المباشر في وصوله إلى الولاية أخيرا ~~وعزل أحمد خورشيد، وتزويد الباب العالي بالمبرر الذي يمكنه من المحافظة على ~~هيبته عند تثبيته «محمد علي» في الولاية نزولا على حكم الأمر الواقع. # وشهد محمد علي أثر الصراع السياسي بين إنجلترا وفرنسا، في اعتماد طوائف ~~المماليك على هاتين الدولتين للتوسط لدى الباب العالي من أجل حسم الخلافات ~~القائمة بين البكوات وبين السلطان العثماني، وإعطاء البكوات الحكم في مصر. ~~وكان نجاح الألفي في سفارته في لندن مبعث خوف شديد له وخشي أن يستطيع الألفي ~~بفضل ما اتضح من مؤازرة الإنجليز له أن يستولي على الحكومة، وعده محمد علي ~~أخطر منافس له، ولا سبيل لدفع هذا الخطر سوى اتحاد البرديسي معه في مطاردته، ~~ثم شهد كيف أثمرت مساعي الديبلوماسية الإنجليزية في القسطنطينية، فكانت تلك ~~الحلول التي عرضها الباب العالي على البكوات ورفضها هؤلاء. زد على ذلك محاولة ~~خسرو باشا الاستعانة ms0166 بالإنجليز لاسترداد باشويته في مصر، فكان لذلك إذن أن ~~وجد محمد علي لزاما عليه إذا أراد النجاح أن يكسب مناصرة إحدى هاتين ~~الدولتين: إنجلترا أو فرنسا لتأييده. ولما كان ظاهرا بسبب السياسة الإيجابية ~~التي اتبعتها إنجلترا دائما في صالح البكوات المماليك؛ أنه من المتعذر عليه ~~استمالة هؤلاء إلى جانبه أو التفاهم معه. # وقد تقدم كيف أن قنصلهم «مسيت» في مصر كان يطلب إبعاده، فقد بذل قصارى جهده ~~للتودد إلى القنصل الفرنسي «ماثيو لسبس» ثم إلى «دروفتي» من بعده، وقد تكللت ~~مساعيه بالنجاح مع دروفتي بعد المناداة بولايته في مايو 1805 عندما وجد ~~دروفتي نفسه أنه قد بات من واجبه تعضيد محمد علي وقد صار «باشا» مصر - لتأييد ~~المصالح الفرنسية، ولتعطيل مشاريع الإنجليز، ثم بعد ذلك لإحباط حملتهم ~~المعروفة في عام 1807. # وأما من جهة الباب العالي، فقد استعان محمد علي في تحقيق مآربه بالهدايا التي ~~صار يبعث بها إلى رجال الديوان العثماني منذ أن بدأ مسعاه جديا لدى الباب ~~العالي في أثناء حكومة خورشيد لنوال باشوية مصر، قبل انقلاب «مايو 1805» بمدة ~~طويلة، حتى إذا حدث الانقلاب صار يعزز مسعاه في القسطنطينية من أجل تثبيته في ~~الولاية بالاستناد على ثقة المشايخ والعلماء والشعب به، ورغبتهم في أن يكون ~~واليا عليهم، وقد انتفع محمد علي بهذه المؤازرة الشعبية في الأزمات التي ~~واجهها في علاقاته مع الباب العالي كذلك في أثناء عام 1806. ~~(1) قائمقامية طاهر باشا # كان طرد خسرو من باشوية القاهرة أول انقلاب من نوعه حدث منذ أن استرجع ~~الباب العالي مصر، وثورة صريحة ضد الممثل الشرعي لسلطانه في البلاد، ووقف طاهر ~~باشا متزعم هذا الانقلاب موقف الثائر على الباب العالي؛ ولذلك صار لزاما ~~عليه أن يفسر لأولي الأمر في القسطنطينية الأسباب التي دعت إلى هذا الانقلاب، ~~وأن يستصدر من الباب العالي فرمانا بتقليده الولاية، وأن يضفي على حكمه ~~المظهر الشرعي أو القانوني حتى يأتيه فرمان الولاية، فطلب من المشايخ والقاضي ~~وعلماء الشريعة والقانون تلبيسه قائمقام، وفي 6 مايو «اجتمع المشايخ عند ~~القاضي وركبوا ms0167 صحبته وذهبوا عند طاهر باشا وعملوا ديوانا وأحضر القاضي فروة ~~سمور ألبسها لطاهر باشا ليكون قائمقام حتى تحضر له الولاية أو يأتي ~~وال.» # وذكر «روشتي» في رسالته إلى البارون «شتورمر # Stürmer ~~» في 6 مايو 1803 ما دار في هذا الاجتماع، فقال: ~~«إن طاهر باشا قد طلب من القاضي كتابة إعلام كوثيقة شرعية تسرد ما وقع من ~~حوادث أفضت إلى طرد خسرو باشا، وكانت صورة هذا الإعلام معدة في عبارات تنعي ~~على خسرو باشا إسرافه في بناء سرايه وتحصينه، بينما ترك الجنود الألبانيين ~~دون أن يدفع لهم مرتباتهم المتأخرة، وصار يماطلهم وأحالهم على الدفتردار: ثم ~~أراد أن يفتك بالأرنئود في مذبحة كبيرة لم ينقذهم منها لحسن الحظ سوى تذمر ~~الشعب الذي أثقلته المظالم والإتاوات، والذي بمجرد أن أدراك ما يتعرض له من ~~الأخطار فزع إلى حمل السلاح ولم تهدأ ثورته إلا بفضل نصح طاهر باشا بالتزام ~~الهدوء والسكينة، وقد اضطر طاهر باشا والأرنئود إلى المحافظة على الهدوء ~~والسكينة للاستيلاء على القلعة.» # وواضح أن هذا التفسير الذي أراد طاهر باشا أن يعلل به الثورة على خسرو لم ~~يكن صحيحا فيما يتعلق بقيام الشعب؛ لأنه من الثابت في أثناء الاصطدام الذي ~~وقع بين طاهر باشا وجنده الأرنئود وبين خسرو باشا وجنده من العبيد السود ~~والتكرور - الذين ألف منهم حرسا خاصا له في بداية ولايته - أن الشعب لم ~~يشترك في شيء من ذلك، بل صار بعض أولاد البلد يذهب إلى الفرجة ويدخل بينهم ~~ويمر من وسطهم فلا يتعرضون لهم ويقولون نحن مع بعضنا وأنتم رعية فلا علاقة لكم ~~بنا، ومع ذلك فقد وقع المشايخ والقاضي والوجاقلية على هذا الإعلام وبصورته ~~المحضرة في 9 مايو وأرسلوه إلى إسلامبول. # وكان في اجتماع «5 مايو» الذي ألبس في أثنائه طاهر باشا «فروة» ~~القائمقامية، أن تحدث السيد عمر مكرم عن المظالم والإتاوات التي يشكو منها ~~الشعب، «وكلموه على رفعها وظنوا فيه الخير»، فوعدهم طاهر باشا والدفتردار خليل ~~أفندي الرجائي برفعها، واصدر طاهر باشا منشورا طمأن فيه الناس على ms0168 أموالهم ~~وأرواحهم، ويبدو أن طاهر باشا كان في عزمه أن يحكم حكما طيبا، فنودي في ~~الناس بالأمان، ومنع الجند من التعرض للأهلين، وأمر الباشا بأن تعرض عليه ~~شكاوى الأهلين إذا وقع عليهم اعتداء من الجند حتى ينتصف لهم وينتقم بنفسه من ~~الجنود المعتدين، وبدا في الأيام الأولى من قائمقاميته أن السلطة قد دانت له ~~تماما حتى لم يعد هناك - على حد قول مسيت - ما يدل على أنه من الممكن طرده ~~منها. # وحرص طاهر باشا على إظهار ولائه للباب العالي، كما حرص على تطمين الأوروبيين ~~بالقاهرة فصار يهدئ من روعهم ويؤكد لهم اهتمامه بالمحافظة على سلامة أرواحهم ~~واحترامه لأشخاصهم وعدم إلحاق أي أذى بأموالهم وأملاكهم، وصار يبذل قصارى ~~جهده حتى لا يغادر هؤلاء القاهرة إلى الإسكندرية، ولما كان «مسيت» الوكيل ~~الإنجليزي قد وصل إلى بولاق من الإسكندرية وقت قيام الثورة، فقد احتجزه ~~الأرنئود هو ورفيقيه: الكابتن «هايز» والمستر «أدريان» الطبيب مدة يومين، حتى ~~إذا هدأت الأمور أطلقوا سراحهم، ووجد «مسيت» نفسه في حيرة من أمره، لا يدري ~~كيف يكون مسلكه من طاهر باشا، وهل يعتبره عاصيا وثائرا على الدولة أم أحد ~~رعايا الباب العالي المخلصين، وكتب إلى حكومته منذ 4 مايو أنه «سيبقى في ~~قلقه وحيرته هذه حتى يعرف من هو ممثل السلطان سليم الثالث في مصر»؛ لأن خسرو ~~باشا كان لا يزال «الباشا» الشرعي، ولم يصل أمر من الباب العالي ~~بعزله. # ورأى طاهر باشا لدعم سلطانه في القاهرة أن يتفق مع البكوات المماليك ويتحالف ~~معهم، وكان خسرو - على نحو ما قدمنا - قد بدأ مفاوضاته معهم منذ أن وصله أمر ~~الباب العالي بالقبض على رؤسائهم الأربعة: إبراهيم والألفي والبرديسي وأبي ~~دياب وإرسالهم إلى القسطنطينية، ثم الاتفاق مع سائر البكوات والمماليك على ~~أساس خروجهم من البلاد، والانسحاب للعيش في أي مكان يختارونه - غير مصر - مع ~~إعطائهم المرتبات والمعاشات. # ومع أن خسرو أفلح في استمالة عثمان بك حسن وصالح بك الصغير، فحضرا مع ~~أتباعهما إلى القاهرة للاستفادة من صفح الباب العالي وعفوه وللتفاهم ms0169 مع خسرو؛ ~~فقد ظل سائر البكوات لا يرضون بالتفاهم مع الباشا على غير ما طالبوا به، وهو ~~بقاؤهم وأتباعهم في مصر، واسترجاعهم لنفوذهم السابق في الحكومة، وتجددت ~~مفاوضات خسرو معهم منذ سبتمبر سنة 1802 وعرض على البكوات «إقطاع إسنا» إذا ~~رفض رؤساؤهم الذهاب إلى إسلامبول ورفض سائر البكوات والمماليك مغادرة البلاد، ~~ولكن دون نتيجة، حتى حدث في 19 نوفمبر من العام نفسه أن وصل إلى القاهرة ~~فرمان من الباب العالي يطلب من خسرو «قتال الخائنين، وإخراج الأربعة أنفار؛ أي ~~البكوات الأربعة المعروفين، من الإقليم المصري بشرط الأمان عليهم من القتل ~~وتقليدهم ما يختارونه من المناصب في غير إقليم مصر.» # وقد وصل هذا الفرمان قبل وقوع معركة دمنهور بيوم واحد، وهي المعركة التي ~~انتصر فيها البكوات، وقد تتابعت الحوادث مسرعة بعدها، فلم يعرف البكوات كيف ~~يفيدون من النصر الذي أحرزوه، ثم دب الانقسام بينهم - كما هي عادتهم - ~~وخرج الألفي مع جيش الإنجليز في مارس، وحاول البكوات توسيط المشايخ، فبعثوا ~~برسالة من الصعيد إليهم على يد الشيخ «سليمان الفيومي»، وكان البكوات قد ~~انسحبوا إلى الصعيد؛ بناء على نصح الجنرال ستيوارت لهم في الظروف التي ذكرناها ~~سابقا، وسلم الفيومي رسالة البكوات إلى خسرو، وفي أبريل سنة 1803 استولى ~~البكوات على المنيا عنوة، وفي مايو طرد خسرو من القاهرة، وأوفد البكوات رسولا ~~هو جعفر كاشف تابع إبراهيم بك يحمل منهم كتابا إلى المشايخ، ووصل جعفر كاشف ~~القاهرة في أثناء مرحلة الحوادث الأخيرة التي انتهت بفرار خسرو، وصار يجتمع ~~بطاهر باشا، ويبدو أن «طاهر باشا» قد بدأ من ذلك الحين سياسة التفاهم مع ~~البكوات للتحالف معهم. # وكان عند اجتماع المشايخ والقاضي بطاهر باشا لإعلان قائمقاميته في 5 مايو، ~~أن قرأ هؤلاء المكتوب الذي حضر من عند الأمراء القبالى يعلنون فيه طاعتهم ~~وامتثالهم، وينفون عن أنفسهم تهمة «التعدي والمحاربة»، ويشكون من تصدي الجند ~~والحكام لقتالهم في كل مكان يقصدون إليه أو يبغون المرور منه وهم في طريق ~~انسحابهم إلى الجنوب حتى وقع حادث المنيا، وانهزم العسكر ms0170 في كل التحاماتهم ~~معهم، ويلقون تبعة ما حدث على الوزير «خسرو باشا» الذي رفض - على حد قولهم ~~- وساطة «سادتهم المشايخ الذين رجوهم أن يتشفعوا لهم عنده ... وأبى إلا إخراجهم ~~من القطر المصري كله.» # ثم قالوا: «وبعثتم؛ أي الوزير خسرو، تحذروننا مخالفة الدولة العلية مستدلين ~~علينا بقوله تعالى: # أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول وأولي الأمر منكم ~~، ولم تذكروا لنا آية تدل ~~على أننا نخرج من تحت السماء ولا آية تدل على أننا نلقي بأيدينا إلى التهلكة ~~...» وسأل المشايخ عن الجواب الذي يردون به على كتاب البكوات، فقال طاهر باشا: ~~حتى نتروى ثم لم يلبث أن كتب هو بعد ذلك كتابا إلى البكوات «يخبرهم فيه بما ~~وقع من طرد خسرو وإعلان قائمقاميته، ويأمرهم أن يحضروا بالقرب من مصر؛ فربما ~~اقتضى الحال المعاونة»، وكان البكوات يريدون بقاء إقليم البهنسا - على وجه ~~الخصوص - في أيديهم؛ ليعيشوا من إيراداته بدل حياة السلب والتخريب التي قالوا ~~إنهم أرغموا عليها إرغاما بسبب إصرار الباب العالي والباشا العثماني على ~~إخراجهم وطردهم من مصر، وذلك حتى تتضح نتائج سفارة الألفي في لندن، وانتظار ~~الأمر من الباب العالي، وحضر البكوات؛ تلبية لدعوة طاهر باشا، وعسكروا أمام ~~الجيزة (22 مايو) ولكن الحوادث لم تمهل «طاهر باشا» لتنفيذ سياسته. # ذلك أن الصعوبات سرعان ما أحاطت بقائمقاميته من كل جانب، فقد كان خسرو باشا ~~الذي لم يصدر فرمان بعزله هو ممثل السلطان العثماني الشرعي في البلاد، وقد ~~استطاع أن يقيم معسكره بالمنصورة، وأن يضع حامية قوية في الرحمانية للسيطرة ~~على الملاحة في فرع رشيد، بينما أقامت حامية أخرى بمنوف، ولو أنه أهمل ~~الاستيلاء على مدينة رشيد وقلعتها التي بقيت في أيدي جماعة من الأرنئود ~~أرسلوا من القاهرة لاحتلالها بعد حادث فراره من القاهرة. # ثم إن حاكم الإسكندرية أحمد خورشيد لم يلبث أن عقد مع القناصل اجتماعا حوالي ~~4 مايو، قرروا فيه قطع المواصلات مع القاهرة، وذلك بتحطيم الجسور عند بحيرة ~~المعدية والسد، وحراسة الممرات والمسالك المؤدية إلى المدينة؛ خوفا من أن ~~ينتهز المماليك فرصة ms0171 الاضطرابات الناجمة عن الانقلاب الأخير، فيغيرون ~~عليها. # ومما يجدر ذكره أن خورشيد باشا عند بداية الحوادث التي انتهت بفرار خسرو من ~~القاهرة كان قد غادر الإسكندرية متجها صوب القاهرة، حتى يرقب - عن كثب - ~~تطورها، فكان قريبا من بولاق عند خروج خسرو في 2 مايو، وأسرع بالعودة إلى ~~الإسكندرية مع أتباعه، عندما تبين له أن زمام الأمور قد أصبح في يد طاهر ~~باشا، وكان أول عمل له بالاشتراك مع قناصل الدول ومع أمير البحر العثماني في ~~مياه الإسكندرية، تعزيز الدفاع عن المدينة بإقامة البطاريات في كل مكان، وقطع ~~كل اتصال مع رشيد. # ثم أخيرا عقد ذلك الاجتماع الذي تحدثنا عنه والذي تقرر فيه قفل المواصلات مع ~~القاهرة، فصارت القاهرة معزولة عن الإسكندرية، إلى جانب عزلتها عن سائر أقاليم ~~الوجه البحري والصعيد، الوجه البحري بسبب نشاط خسرو باشا خصوصا وقتئذ (مايو)، ~~والصعيد بسبب ما كان للبكوات من سيطرة في تلك الأقاليم، وهكذا كتب «مسيت» من ~~القاهرة إلى حكومته في 14 مايو؛ أي بعد أقل من أسبوعين من إعلان ~~القائمقامية الجديدة، «إن حكومة طاهر باشا لا تتعدى القاهرة ومساحة بسيطة من ~~الأرض حولها.» # على أن «مسيت» قال كذلك في رسالته هذه: «إن طاهر باشا لا يمكنه بحال أن يدعي ~~- إلى جانب ما تقدم - أنه يتمتع بسيطرة وسلطة كاملتين داخل أسوار القاهرة ~~ذاتها»؛ وذلك لأن طاهرا لم يلبث أن واجهته نفس الصعوبات التي واجهت خسرو من ~~قبل والتي كان مبعثها - في واقع الأمر - خلو الخزانة من المال، وكان طاهر في ~~حاجة ملحة إلى المال لسد نفقات الإدارة وهي نفقات متزايدة بسبب الظروف ~~الاستثنائية التي اقترنت بالانقلاب الأخير، ثم لدفع مرتبات الجند، وللإنفاق ~~على التجريدة التي أعدها بقيادة أخيه حسن بك لمطاردة خسرو باشا . # وقد بدأت هذه سيرها في النيل من بولاق وفي البر كذلك منذ 18 مايو، فاشتط ~~طاهر في طلب المال، وفرض المغارم على أنصار خسرو باشا وعلى رأسهم السيد أحمد ~~المحروقي كبير التجار، وكان هذا قد حاول مع ابنه الهرب مع خسرو، ms0172 فلحق به ~~الأرنئود وأرجعوه قسرا بعد أن «عروه وشلحوه هو وأتباعه وابنه، وأخذوا ~~منهم نحو عشرين ألف دينار». # ثم فرض طاهر باشا علي المحروقي بعد ذلك ستمائة كيس بعد أن تشفع له المشايخ، ~~وأخرج طاهر عنه، وكان قد حبسه في القلعة مع نفر من أنصار خسرو وهم: أغاة ~~الإنكشارية ومصطفى كتخدا الرزاز كتخدا العزب ومصطفى أغا الوكيل وأيوب كتخدا ~~الفلاح وأحمد كتخدا علي باش اختيار الإنكشارية كما أن «طاهرا» سرعان ما تشاجر ~~مع الشيخ السادات، وكان الشيخ قد تشفع في أحد المقبوض عليهم وهو «مصطفى أغا ~~الوكيل» فنكث طاهر بعهده بدعوى مصادرة مكاتبة من خسرو إليه وأنزله من بيت ~~الشيخ، ولكنه أمام غضب السادات وافق على أن لا يقتله ولا يطلقه. # وفرض طاهر باشا على مصطفى أغا مائتين وعشرين كيسا، واستمر طاهر في مظالمه، ~~فسجن في 13 مايو «يوسف بك» كتخدا خسرو باشا وألزمه بدفع غرامة كبيرة، وفي ~~15 مايو «قبضوا على أنفار من الوجاقلية أيضا المستورين وطلبوا منهم دراهم، ~~وعملوا على طائفة القبط الكتبة خمسمائة كيس بالتوزيع»، وفي 17 مايو «قبضوا ~~على جماعة منهم وحبسوهم، وكذلك عملوا على طائفة اليهود مائة كيس»، وفي 19 ~~مايو «قبضوا على المعلم ملطي القبطي من أعيان كتبة القبط وفرموا رقبته عند ~~باب زويلة، وكذلك قطعوا رأس المعلم حنا الصبحاني أخي يوسف الصبحاني - من تجار ~~الشوام - عند باب الخرق». # وفي 22 مايو أفرج عن يوسف بك بعد أن دفع ثمانين كيسا، ونزل من القلعة إلى ~~داره، وفي ليلة 25-26 مايو خنقوا - بالقلعة - أحمد كتخدا علي ومصطفى كتخدا ~~الرزاز. # وهكذا كانت قائمقامية طاهر باشا سلسلة من حوادث الفتك والمظالم، وبلغ من ~~اضطراب الأحوال، وضعف سلطان الباشا بالرغم من أعمال المصادرة والحبس والقتل، ~~أن القاهرة ذاتها خضعت لسلطة رئيس الجند الأرنئود المباشر الذي قال عنه ~~«مسيت» إنه صار يفرض الإتاوات على الأهلين باسمه «ويدعي لنفسه درجة مساوية ~~للباشا ومنفصلة عن درجة الباشا نفسه.» # وكان اعتماد طاهر باشا الظاهر في دعم أركان قائمقاميته على الأجناد الأرنئود ~~الذين ms0173 تم الانقلاب بزعامته على أيديهم، فآثرهم على الإنكشارية، وكان جماعة من ~~هؤلاء قد جاءوا إلى القاهرة منذ 23 أبريل، قبل الانقلاب الذي طوح بحكومة ~~خسرو باشا، وكانوا في طريقهم إلى جدة بسبب فتنة «الوهابيين» في الحجاز، ومع أن ~~هؤلاء ظلوا ساكنين هادئين في المكان الذي أنزلوا فيه بجامع الظاهر خارج ~~الحسينية، «وحصلت كائنة محمد باشا خسرو وهم مقيمون على ما هم عليه»، ولم ~~يشتركوا في حوادثها، فقد اعتبرهم طاهر باشا من جماعة خسرو وأنصاره؛ لأن الأخير ~~من العثمانلي الذين يعتمدون على الإنكشارية «فخذ السلطنة». # وعلى ذلك فقد صار يدفع لطائفة الأرنئود - عندما فرض الفرض «وصادر الناس في ~~جماكيهم المنكسرة - أو يحولهم بأوراق على المصادرين، وكلما طلب الإنكشارية ~~شيئا من جماكيهم قال لهم ليس لكم عندي شيء ولا أعطيكم إلا من وقت ولايتي، فإن ~~كان لكم شيء فاذهبوا وخذوه من محمد باشا»، ثم ازداد حنق الإنكشارية عندما ~~استعلى عليهم الأرنئود وازدروا بهم، وكان الإنكشارية يعدونهم خدمهم وعسكرهم ~~وأتباعهم. # وعلى ذلك فقد بيت الإنكشارية النية على الظفر بمرتباتهم وإنهاء شموخ الأرنئود ~~عليهم، أو الخلاص من طاهر باشا نفسه، وعاونهم في هذا التدبير أو المؤامرة أحمد ~~باشا والي المدينة المنورة، والذي كان بالقاهرة منذ أواخر مارس ثم بقي بها حتى ~~وقع انقلاب مايو، ووجد في تذمر الإنكشارية فرصة مواتية للتدخل في شئون القاهرة ~~والظفر بباشويتها، فانحاز إليهم - ولو أنه كان هو وأتباعه من الأرنئود. # وفي 26 مايو خرج الإنكشارية لمقابلة طاهر باشا وهو على أهبة الذهاب لمقابلة ~~البكوات المماليك الذين كانوا قد حضروا بناء على دعوته لهم، وربضوا أمام ~~الجيزة، فطالب الإنكشارية بمرتباتهم، ولكن طاهرا أصر على أنه «ليس لهم عنده ~~شيء إلا من وقت ولايته، وإن كان لهم شيء مكسور فهو مطلوب لهم من باشتهم محمد ~~باشا خسرو»، فلما ألحوا عليه نثر فيهم فعاجلوه بالحسام وقطعوا رأسه، وانتهى ~~عهد طاهر باشا. # ويصف «روشتي» ما وقع من حوادث بعد ذلك - في كتابه إلى البارون شتورمر في 27 ~~مايو - ويؤيده في روايته الشيخ الجبرتي، ms0174 وكلاهما يصف ما حل بالأرنئود من ~~الفزع والرعب عقب قتل طاهر باشا وفتك الإنكشارية بكل من وقع منهم في أيديهم، ~~ثم التفاف الأرنئود حول زعيمهم محمد علي. # وبادر أحمد باشا في أول الأمر بالكتابة إلى محمد خسرو «يعلمه بصورة الواقعة ~~ويستعجله في الحضور»، وظن الموالون لخسرو باشا أن في استطاعته استرجاع منصبه ~~في القاهرة، فكتب إليه السيد أحمد المحروقي يستعجله كذلك في الحضور، كما كتب ~~له بذلك غيره، حتى إذا أعلن الإنكشارية تأييدهم لأحمد باشا وقلدوه المنصب الذي ~~كان يشغله طاهر باشا، أسرع من فوره يعمل لتعزيز مركزه الجديد، «فأحضر المشايخ ~~وأعلمهم بما وقع وأمرهم بالذهاب إلى محمد علي»، حتى يطلبوا منه الإذعان ~~والطاعة. # وكان محمد علي طوال قائمقامية طاهر باشا، قد استمر بمعزل عن الأمور، لما ~~كان واضحا من زعزعة مركز طاهر باشا نفسه، وخروجه الظاهر على سيادة السلطان ~~العثماني، بسبب الانقلاب الذي أفضى إلى طرد ممثل الباب العالي الشرعي من ~~القاهرة، ولكن مقتل طاهر باشا واستعلاء الإنكشارية الذين نصبوا - الآن - أحمد ~~باشا قائمقام؛ كان معناه إذا استتبت الأمور لهم إنهاء سيطرة الأرنئود، ومن ~~المحتمل كذلك إخراجه من مصر كلية، فلم يكن في صالح محمد علي الاعتراف بحكومة ~~أحمد باشا، وعلى ذلك فقد رفض الإذعان والطاعة، فكان جوابه للمشايخ الذين وسطهم ~~أحمد باشا عنده أن الأخير لم يكن واليا على مصر بل هو والي المدينة المنورة، ~~وليست له علاقة بمصر، وقال محمد علي: «إنه وإن كان هو الذي ولى «طاهر باشا» ~~فذلك لكونه محافظ الديار المصرية من طرف الدولة وله شبهة في الجملة، وأما أحمد ~~باشا فليست له جرة ولا شبهة»، وطلب خروجه إلى مقر ولايته «الحجاز» على أن يأخذ ~~معه الإنكشارية ويقوم محمد علي بتجهيز ما يلزم لسفره. # ثم إن «محمد علي» لم يلبث أن اتصل بالبكوات ، وكان منذ أن بلغه تنصيب أحمد ~~باشا قد انتقل إلى الجيزة، فأقنع إبراهيم بك بأنه أحق بالقائمقامية؛ حيث قد ~~انعدمت كل سلطة عليا بالبلاد، بدلا من أن يتولى هذا المنصب أجنبي ms0175 لا نفوذ ولا ~~أنصار له، واقترح عليه أن يكتب إلى أحمد باشا يدعوه لمغادرة البلاد فورا ~~وتسليمه قتلة طاهر باشا، وكان غرض محمد علي من التعاون مع البكوات في هذه ~~الأزمة التغلب على الإنكشارية المسيطرين في القاهرة، وفي صبيحة اليوم التالي ~~(27 مايو) دخل كثير من المماليك والكشاف القاهرة، وتترس الإنكشارية وتحصنوا ~~في الجهات والنواحي التي كانت بأيديهم، واستمروا على ما هم عليه من النهب ~~وتتبع الأرنئود، وكتب إبراهيم بك إلى أحمد باشا يقول: إنه كان من المنتظر ~~عند قتل طاهر باشا أن يكون أحمد باشا مع أتباعه الأرنئود حالا واحدا ولا ~~يتداخلون مع الإنكشارية، وحاول أحمد باشا استخدام المشايخ في إثارة القاهريين ~~ضد الأرنئود وقتلهم. # ولما كان الإنكشارية قد تركوا القلعة في أيدي الأرنئود وأغفلوا الاستيلاء ~~عليها؛ فإن هؤلاء بمجرد أن هدأ روعهم، واستفاقوا من أثر الكارثة التي حلت بهم ~~بمقتل طاهر باشا، ثم شهدوا المماليك يتجولون في أنحاء القاهرة، بينما احتشد ~~عدد عظيم منهم ومن العربان خارج بابي النصر والفتوح، سرعان ما استردوا ~~شجاعتهم، وأطلقوا المدافع من القلعة على الإنكشارية الذين أرادوا - بعد فوات ~~الوقت - مهاجمتها من ميدان الرميلة، كما صاروا يطلقون المدافع على بيت أحمد ~~باشا نفسه، وعندئذ أخذ أمره في الانحلال وتفرق عنه غالب الإنكشارية ~~البلدية. # وتفرق المشايخ الذين كانوا قد اجتمعوا بالأزهر للنظر في مسألة إثارة الرعية ~~ضد الأرنئود، فذهبوا إلى بيوتهم، وبعث إبراهيم بك ينذر أحمد باشا من جديد ~~بتسليمه قتلة طاهر باشا ويمهله للخروج من القاهرة خلال ساعات قليلة، وإلا فلا ~~يلومن إلا نفسه، فلم يجد بدا من التسليم والإذعان عندئذ، وطلب من إبراهيم بك ~~تهيئة وسائل سفره إلى بلاد العرب، فلما أصر إبراهيم على خروجه غادر؛ أي أحمد ~~باشا، القاهرة في حالة شنيعة، فكانت مدة ولايته يوما وليلة، وفي مساء اليوم ~~نفسه (27 مايو) نودي في القاهرة «بالأمان حسب ما رسم إبراهيم بك حاكم الولاية ~~وأفندينا محمد علي»، وبدأت من ثم حكومة المماليك في القاهرة، وفي 28 مايو ~~قتل الأرنئود الدفتردار خليل ms0176 أفندي الرجائي، ويوسف بك كتخدا خسرو باشا، وكانا ~~قد ناصرا أحمد باشا عقب مقتل طاهر، وفي 31 مايو إسماعيل أغا وموسى أغا قاتلي ~~طاهر باشا. # وأما أحمد باشا فكان بعد خروجه من باب الفتوح قد تحصن بقلعة الظاهر - وهي ~~جامع بيبرس الذي أحاله الفرنسيون وقت احتلالهم إلى قلعة سلكوسكي - ولكنه اضطر ~~إلى التسليم بعد أن ضيق الأرنئود الحصار عليه وضربوا قلعة الظاهر بالمدافع، ~~وانتهى الأمر بإرسال الإنكشارية الذين كانوا بها إلى الصالحية في طريق إبعادهم ~~من مصر، وخرج أحمد باشا بمن بقي من العساكر الإنكشارية بالقاهرة في طريقه إلى ~~بلاد العرب في 25 يونيو. ~~(2) الحكومة الثلاثية في القاهرة «إبراهيم، البرديسي، محمد علي» # ودلت حوادث «26-27 مايو»، ولا سيما التجاء أحمد باشا لتوسيط المشايخ لدى محمد ~~علي، على ما صار يتمتع به محمد علي وقتئذ من نفوذ ظاهر، وكان من عوامل قوته - ~~ولا شك - أن الأرنئود الذين تركهم مقتل طاهر باشا من غير رئيس لهم سرعان ما ~~انضموا إلى محمد علي فانحصرت قيادتهم العليا في يده وكان ازدياد قوته العسكرية ~~من الأسباب التي شجعته على تجربة حظه في هذه الأزمة، وقد اجتازها منتصرا، ~~على أنه كان من أسباب هذا الانتصار كذلك، تلك المحالفة التي عقدها مع البكوات ~~المماليك، والتي ارتكزت عليها في الحقيقة الحكومة المملوكية الجديدة، أو ~~الثلاثية الحاكمة في القاهرة. # وقد علل «مسيت» السبب في عقد هذه المحالفة بقوله - في رسالته إلى هوبارت من ~~القاهرة في 2 يونيو 1803 - «إن الأرنئود بعد مقتل طاهر باشا لم يعتبروا ~~أنفسهم أقوياء لدرجة تمكنهم من مقاومة قوات خسرو باشا من الخارج، ودفع الهجمات ~~الجزئية التي يقوم بها الإنكشارية في داخل المدينة ذاتها؛ ولذلك دعوا المماليك ~~للانضمام إليهم والعمل متحدين معهم في قضية واحدة، وقبل هؤلاء ما اقترحه ~~الألبانيون عليهم، وعلى ذلك، فقد عادوا إلى القاهرة مرة ثانية بعد غيبتهم عنها ~~مدة سنتين تقريبا.» # ومع ذلك فقد توقع «مسيت» أن عقد المحالفة بين محمد علي والبكوات سوف ينفرط ~~قريبا بالرغم من هذا الاتحاد الظاهر؛ ms0177 لأن كلا من الفريقين يشك في الآخر، ~~ولأن المماليك يحتلون مراكز كثيرة خارج القاهرة، بينما لا يزال الأرنئود ~~يرفضون تسليم القلعة لهم، على أنه لما كان البكوات يريدون ضمانا لاستقرار ~~الأمور في أيديهم، وبرهانا على حسن نوايا محمد علي، وكان لا يزال موقف ~~الباب العالي من الحوادث الأخيرة مجهولا، وليس هناك ما يدل على أن الباب ~~العالي سوف يبقي الأرنئود بمصر بعد هذين الانقلابين - طرد خسرو ومقتل طاهر ~~باشا - وقد يطلب إبعادهم من البلاد كلية، ولا يزال محمد علي عاجزا عن ~~الانفراد بالسلطة؛ فقد وجد محمد علي من الحكمة وأصالة الرأي توثيق عرا التحالف ~~بينه وبين البكوات لمواجهة الأخطار المتوقعة من ناحية، ولمناجزة خسرو باشا - ~~الذي لا يزال مبعث الخطر المباشر على حكومة التحالف الجديدة - من ناحية ~~أخرى. # وعلى ذلك فقد وافق محمد علي على وضع القلعة في أيدي البكوات فسلمت لهم في 6 ~~يونيو، كما وافق على أن يعينوا من يشاءون في وظائف الضبط والربط الرئيسية في ~~القاهرة، واستطاعت الحكومة الجديدة أن تحزم أمرها لمواجهة الأخطار التي ~~تعرضت لها والتي كان مبعثها، أولا: سعي خسرو لاسترجاع منصبه في القاهرة، ~~وثانيا: تعيين علي باشا الجزائرلي لولاية مصر، وثالثا: بقاء الإسكندرية خارج ~~نطاق حكومتهم، ورابعا: عودة الألفي الكبير من سفارته في لندن، وخامسا: ~~وأخيرا، معالجة شئون الإدارة الداخلية وأهمها تدبير المال اللازم لدفع مرتبات ~~الجند. # أولا: مطاردة خسرو # أما خسرو فكان بعد خروجه من القاهرة قد استقر بالمنصورة، وجمع حوله ما ~~يقرب من الثلاثة آلاف فارس، وكان يرجو - إذا استطاع الاحتفاظ بالمنصورة - ~~أن يخضع لسلطانه الوجه البحري تدريجيا، وكان كل ما يخشاه أن يجد ~~البكوات المماليك فيما حدث فرصة لتجديد مسعاهم لدى الباب العالي، ~~ويظفروا منه بموافقته على إرجاع حقوقهم وسلطانهم السابق في حكومة ~~القاهرة إليهم. # وقد نصحه «هايز» وقتئذ بأن يبذل قصارى جهده للاتصال بالبكوات والتفاهم ~~معهم بأقصى سرعة حتى يعاونوه على استرجاع باشويته، ولكن ما إن وصل ~~الأرنئود الذين كانوا قد خرجوا لمطاردته بقيادة حسن بك أخي طاهر باشا ms0178 إلى ~~المنصورة حتى انتقل منها خسرو إلى دمياط، وانفض من حوله جماعة من ~~العسكر وانضموا إلى جند حسن بك، وفي دمياط جاءت خسرو رسائل أحمد باشا ~~والسيد أحمد المحروقي وغيرها تنبئه بمقتل طاهر باشا وتستعجله للحضور ~~إلى القاهرة، فخيل إليه أن الفرصة قد سنحت لاسترداد ولايته، فخرج من ~~دمياط قاصدا إلى القاهرة، ولم تصادفه أية عقبات حتى بلغ فارسكور، وهناك ~~وجد حسن بك بجنده مرابطا بها فهزمه خسرو ودخل فارسكور ونهبها جنده، غير ~~أنه سرعان ما عرف وهو بها أن أحمد باشا قد صار طرده كذلك من القاهرة وأن ~~البكوات المماليك قد تسلموا قلعتها، فقرر العودة إلى دمياط، وعندئذ صار ~~حسن بك يلاحقه في مناوشات بسيطة مع مؤخرة جيشه، ثم التحم الجيشان في ~~معركة كبيرة تحت أسوار دمياط، انهزم فيها خسرو ولكنه استطاع الدخول إلى ~~المدينة فتحصن بها ووقف حسن بك على حصارها، وفي يوم 2 يوليو وصلت ~~النجدات إلى حسن بك بقيادة البرديسي نفسه ومحمد علي، فسقطت دمياط وتحصن ~~خسرو بقلعة العزبة «عزبة البرج»، ولكنه انهزم في اليوم التالي، وأمر ~~البرديسي بإرساله إلى القاهرة؛ حيث يقوم بشئون الحكم بها أثناء غيابهما ~~إبراهيم بك، فاقتيد خسرو أسيرا إليها في 8 يوليو. # وقرر البرديسي ومحمد علي أن تكون خطوتهما التالية إخضاع رشيد ~~والإسكندرية، وهما الموقعان الباقيان الآن في يد الأتراك في مصر ~~بأسرها، واتفقا على تلاقي جيشيهما عند الرحمانية، وسبق إليها البرديسي ~~على رأس فرسانه، بينما تبعه محمد علي مع المشاة والمدفعية. # على أنه في نفس اليوم الذي اقتيد فيه خسرو أسيرا من دمياط إلى ~~القاهرة، كان قد نزل في الإسكندرية علي الجزائرلي، معينا من قبل الباب ~~العالي لباشوية مصر، فواجهت الحكومة الثلاثية خطرا جديدا على كيانها، ~~اقتضى منها توفير كل جهودها لتلافيه، كما كان من أهم الأسباب التي زادت ~~في توثيق أواصر المحالفة بين البكوات وبين محمد علي. # ثانيا: باشوية علي الجزائرلي # وذلك أن الباب العالي عندما بلغه طرد خسرو من القاهرة، وتنصيب طاهر باشا ~~قائمقام أصدر - نزولا على الأمر ms0179 الواقع - فرمانا اعترف فيه «بجور خسرو ~~باشا وظلمه»، واعترف ضمنا بحق الجنود في الثورة على الباشوات عندما قال: ~~«إنه قطع علوفات العسكر وإنهم قاموا عليه فأخرجوه، وهذه عادة العساكر إذا ~~انقطعت علوفاتهم!» # وعلى ذلك فقد أسند الباب العالي ولاية سالونيك إلى خسرو باشا، وأبقى ~~«طاهر باشا» مستمرا على المحافظة ثم نصب أحمد باشا قائمقام إلى أن يأتي ~~المتولي، وظاهر أن الباب العالي قد رفض تثبيت طاهر باشا في قائمقاميته أو ~~تعيينه في باشوية مصر؛ ومرد ذلك إلى أن «طاهر باشا» كان من الأرنئود، ~~«وليس له إلا طوخان ومن قواعد «العثمانيين» القديمة أنهم لا يقلدون ~~الأرنئود ثلاثة أطواخ أبدا»، ولعل هذه الحقيقة كانت أحد الأسباب التي ~~جعلت «محمد علي» وهو أرنئودي يتريث في أمره، وسط هذا الخضم المتلاطم من ~~الحوادث الهوجاء، ووسط هذه الفوضى السياسية الشاملة التي ما كان يعرف ~~إنسان ما ستتمخض عنه. # وقد وصل هذا الفرمان القاهرة في 19 يونيو، فكان فرمانا «غير ذي ~~موضوع»؛ لأن «طاهر باشا» كان قد قتل، وأحمد باشا كان مطرودا من ~~القاهرة، والبكوات المماليك كانوا مسيطرين على حكومتها، بينما يطارد جيش ~~حسن بك خسرو باشا. # وقد خرجت البلاد بأسرها، ما عدا رشيد والإسكندرية، من أيدي العثمانيين ~~ولا حول ولا طول للباب العالي في مصر، وفضلا عن ذلك فقد دل خروج ~~البرديسي ومحمد علي لمناجزة خسرو على أن الثلاثية الحاكمة في القاهرة لا ~~تقيم وزنا لأوامر الباب العالي، زد على ذلك أن إبراهيم بك ظل أثناء ~~ذلك كله يعلن تمسكه بالولاء للباب العالي، بل وكتب «ماثيو لسبس» من ~~الإسكندرية في 20 يونيو، أن إبطاء الباب العالي في إرسال النجدات إلى ~~مصر لإعادة الأمور إلى نصابها، ثم ما صار يشاهده من مجيء الرسل إلى ~~القسطنطينية وتعدد مقابلاتهم مع إبراهيم، «ومراعاة الخواطر» الظاهرة ~~والمستمرة من إبراهيم حيال الباب العالي؛ لتنهض دليلا على وجود مفاوضة ~~بين الطرفين قد تنتهي في صالح البكوات أنفسهم، لا سيما وهم يمتلكون ~~الحصون والقلاع الرئيسية في داخل البلاد، وسواء رضي الباب العالي فنجحت ms0180 ~~هذه المفاوضة وتم الاتفاق وديا مع البكوات، أم لم يرض فلجأ هؤلاء إلى ~~القوة؛ فإنهم سوف يظلون أسياد القاهرة، وربما دانت لهم مصر بأسرها؛ أي ما ~~بقي منها خارجا عن سيطرتهم، فينالون الوضع الذي كان لهم سابقا في حكومة ~~البلاد. # وكانت القسطنطينية لا تزال تبحث مسألة تعيين الوالي الجديد الذي يخلف ~~خسرو باشا، عندما بلغها نبأ مقتل طاهر باشا «ففرح رجال الديوان العثماني ~~فرحا عظيما»، وظنوا أنهم إذا أصدروا أوامرهم إلى القاهرة بدفع مرتبات ~~الجند الأرنئود أن المسألة تكون قد سويت نهائيا، وأنهم إذا عينوا باشا ~~جديدا للقاهرة استطاع تنفيذ إرادة الباب العالي وإخراج البكوات من ~~البلاد؛ أي إقناعهم سلما أو حربا بقبول ذلك الحل الذي سبق أن عرضه ~~الباب العالي عليهم أيام خسرو باشا ورفضه البكوات وقت أن لم تكن في ~~أيديهم حكومة القاهرة. # وكان تظاهر الباب العالي بأن معالجة الموقف في مصر لا تتطلب سوى تعيين ~~وال جديد، وأن الخطر قد زال دليلا آخر على الضعف الذي ينطوي على إعطاء ~~مثال سيئ - كما كتب دراموند من القسطنطينية إلى حكومته في 7 يونيو - ~~لجيش ثائر، لا تستطيع الحكومة ردعه، فتترك الجنود يعزلون ويولون ويقتلون ~~من يشاءون، فتقر أعمالهم ولا تجرؤ على تحريك ساكن لقمع تمردهم ~~وعصيانهم. # ومع أن القبطان باشا حامي خسرو قد حاول استبقاء صنيعته في الولاية؛ فقد ~~تغلب عليه الصدر الأعظم في التأثير على الديوان العثماني وطلب تعيين علي ~~الجزائرلي المعروف كذلك باسم علي برغل، وانحاز إلى الصدر الأعظم السلطان ~~نفسه، وكتب «برون» السفير الفرنسي من القسطنطينية في 10 أغسطس أن هذا ~~الحادث قد سبب استياء القبطان باشا من الصدر الأعظم، ولكنه جلب على نفسه ~~بسبب معارضته غضب السلطان والإنجليز والحزب الذي يؤويهم في السلطنة، وقد ~~انتهى الأمر بتقرير عزل خسرو باشا وتعيين علي الجزائرلي، وتثبت الأخير في ~~منصبه في 17 يونيو ثم غادر القسطنطينية إلى مصر ولايته في 17 ~~يونيو. # وكان اختيار الجزائرلي الذي حدثت بسببه هذه الأزمة، اختيارا جانبه ~~التوفيق كلية؛ ذلك أن الباشا الجديد ms0181 كان معروفا بالمخاتلة والخداع، ~~وصاحب سوابق كثيرة في الدس والوقيعة، لا يؤهله ماضي خيانته لملء هذا ~~المنصب، في وقت كان الموقف في مصر يتطلب رجلا قوي الشكيمة في وسعه أن ~~يفرض احترامه الشخصي على البكوات والأرنئود حتى يستطيع استرجاع سيطرة ~~العثمانيين في مصر، وأن يطرد البكوات من حكومة القاهرة، بل ويبعدهم من ~~البلاد بأسرها على نحو ما كان يريد الباب العالي وقتئذ، ولم يكن علي ~~باشا شيئا من ذلك. # فالمعروف من سيرته - وقد فصلها تفصيلا المؤرخ الفرنسي «فيرو» # Féraud # في كتابه عن طرابلس الغرب، # 1 # وذكر شيئا عنها الشيخ الجبرتي - أنه كان من أصل جزائري ~~مملوكا لأحد حكامها، أوفد في مهمة إلى القسطنطينية، فاستطاع هناك ~~بدهائه ودسائسه أن يظفر بتوليته على طرابلس الغرب (يوليو 1793)، فأساء إلى ~~أهل طرابلس إساءات بالغة حتى انتهى الأمر بطرده منها في يناير 1795، ~~فلم يجرؤ على العودة إلى القسطنطينية لسوء سيرته ونزل بالإسكندرية لاجئا ~~في حماية مراد بك، وظل في حمايته حتى جاء الفرنسيون فقاتل مع مراد بك ثم ~~فضل الذهاب إلى الشام للإقامة بها مع إبراهيم بك، ومن هناك بعث به الصدر ~~الأعظم يوسف ضيا باشا بمكاتبات إلى القسطنطينية، فبقي بها وحظي بعطف ~~الصدر وحمايته له حتى إذا وقعت الحوادث الأخيرة توسط الصدر في تعيينه ~~لباشوية القاهرة. # وهكذا لم يكن علي الجزائرلي غريبا عن القاهرة، ويعرف البكوات حق ~~المعرفة، ويعرفون مكره وخداعه، وكان من المنتظر أن يثير وجوده الخلافات ~~الكثيرة بين البكوات أنفسهم، كما كان معروفا عن خلقه أنه لا يتورع عن ~~الانحياز إلى الفرنسيين إذا وجد في ذلك ما يحقق مطامعه بالرغم من انتمائه ~~للحزب المناصر للنفوذ الإنجليزي بالقسطنطينية. # على أن تعيين علي الجزائرلي - بسبب علاقاته السابقة نفسها مع البكوات ~~المماليك - كان مبعث تعليقات مختلفة عن مهمته، وعن مغزى تعيينه، فكتب ~~«مسيت» إلى حكومته في 30 يوليو أنه يبدو له بسبب اختيار علي الجزائرلي ~~لملء منصب الولاية أن الباب العالي قد اكتشف في آخر الأمر أن وسائل القمع ~~العنيفة التي أوصى بها القبطان باشا، ms0182 وظل الباب العالي يتبعها مدة طويلة، ~~ليست أجدى الوسائل لإعادة الهدوء والسكينة إلى مصر؛ لأن علي باشا الذي ~~مكث بالبلاد قبل ذلك سنوات طويلة تحت حماية البكوات، قد ظل طوال هذا ~~النضال الذي عاد بالكوارث على الفريقين المتناضلين: الأتراك والمماليك، ~~ينصح بفض النزاع «بطرق سلمية»، ولكن «مسيت» ما لبث أن قال في نفس رسالته ~~هذه «إن تعيين علي باشا لهذا المنصب قد جاء متأخرا وبعد فوات الأوان؛ ~~لأن البكوات يكادون يمتلكون البلاد بأسرها، وآمالهم عظيمة في إمكانهم ~~إخضاع الإسكندرية كذلك، وقد رفضوا فعلا الاستجابة لرغبة علي باشا الذي ~~فاتحهم في موضوع الوصول إلى اتفاق وتسوية بينهم وبين الباب ~~العالي.» # وواقع الأمر أن علي الجزائرلي بمجرد وصوله إلى الإسكندرية في 8 ~~يوليو، بادر بالكتابة إلى البكوات في القاهرة يلومهم على دخول القاهرة ~~«بمعاونة الأرنئودية وقتل رجال الدولة والإنكشارية وقتل من معهم وإخراج ~~من بقي منهم على غير صورة»، وأنه ما كان يصح لهم «دخول المدينة إلا بإذن ~~من الدولة»، ثم استند على ما كان له «من عشرة سابقة معهم ومحبة أكيدة ~~لهم» وحرصه على راحتهم؛ ليطلب منهم تنفيذ أوامر الباب العالي، ثم حذرهم ~~من عصيان أمر السلطان الذي «ربما استعان عليهم ببعض المخالفين الذين لا ~~طاقة لهم بهم» وهددهم إذا هم عصوا أمر السلطنة «بسيفها الطويل»؛ أي أنه ~~طلب منهم الإذعان والخروج من مصر كلية حسب مشيئة الباب العالي، ووصلت ~~رسالة علي باشا القاهرة في 10 يوليو، ولم يكن من المنتظر أن يذعن ~~البكوات لإرادة الباب العالي. # بل إن هؤلاء سرعان ما استدعوا - على عجل - كل قواتهم من الدلتا إلى ~~القاهرة، فبدأت هذه سيرها نحو العاصمة في ليل 11-12 يوليو بحجة أن ~~«الوهابي» شرع يزحف بسرعة من الحجاز إلى مصر، وكانت قد وصلت أوراق «تتضمن ~~دعوته وعقيدته» إلى القاهرة مع الحجاج العائدين من الحجاز منذ 18 يونيو ~~وذلك لجمع قواتهم وتركيزها بالقاهرة استعدادا للطوارئ. # وفي اليوم الذي وصل فيه كتاب علي باشا (10 يوليو)، أجاب البكوات برسالة ~~مسهبة عزوا فيها سبب ms0183 دخولهم إلى القاهرة إلى «استغاثة المشايخ ~~والعلماء واختيارية الوجاقلية» بهم، وبقاء المدينة بعد مقتل طاهر باشا ~~ظلما على يد الإنكشارية «رعية من غير راع وخوف الرعية من جور العساكر ~~وتعديهم»، ولكنهم أعلنوا تصميمهم على عدم الخروج من البلاد «حيث لا ~~تطاوعهم جماعتهم وعساكرهم على الخروج من أوطانهم بعد استقرارهم ~~فيها.» # ولم يأبهوا لتهديدات علي باشا واستعانة السلطان عليهم ببعض المخالفين، ~~وقالوا في الوقت نفسه: إنهم قد بعثوا بعريضة - أو عرضحال - إلى الباب ~~العالي يطلبون الصفح والرضا، وينتظرون جوابه عليها، وقال «مسيت» عندما ~~أبلغ حكومته هذه الأشياء: إن البكوات قد أوضحوا لعلي باشا أنهم قرروا ~~عدم الإذعان أو قبول أية حكومة غير تلك التي كانت قائمة فعلا عند غزو ~~الفرنسيين للبلاد. # وهكذا رفض البكوات الرضوخ لأمر الباب العالي، وقرروا المضي في عملياتهم ~~العسكرية لإخضاع الموقعين الباقيين في حوزة العثمانيين: رشيد ~~والإسكندرية، وكان أهم ما عني به البكوات أن يحولوا أولا دون سقوط رشيد ~~في يد علي باشا حتى لا يعطيه استيلاؤه عليها فرصة السيطرة على الملاحة ~~في النيل وجلب المؤن بطريقها إلى الإسكندرية، فبعث إبراهيم بك بقوة إلى ~~رشيد، وخرج البرديسي من المنصورة، وكان قد غادر دمياط بعد إرسال خسرو ~~أسيرا إلى القاهرة - على نحو ما قدمنا - فقصد إلى الرحمانية المكان ~~المتفق عليه مع محمد علي لتلاقي قواتهما به قبل الزحف على رشيد، وأدرك ~~علي باشا الجزائرلي بدوره أهمية الاستيلاء على رشيد، فبعث هو الآخر ~~بأخيه «ريس القباطين» السيد علي باشا إليها، واستطاع سليمان أغا رئيس ~~قوات البرديسي احتلال رشيد قبل وصول السيد علي، وتحصن حاكمها «العثمانلي» ~~إبراهيم أفندي بقلعة جوليان، أو برج مغيزل أو رشيد، ولكن السيد علي لم ~~يلبث أن أقنع سليمان أغا بالارتداد عن رشيد؛ بدعوى أن هناك مفاوضات بين ~~الجزائرلي والبرديسي، وأن هذين بسبيل الاتفاق والتراضي، وكان من أسباب ~~انسحاب سليمان أغا خوفه من أن يجد نفسه محاطا بالعدو من ناحيتي قلعة ~~جوليان والإسكندرية، فأخلى رشيد منسحبا إلى الرحمانية، واحتلها السيد ~~علي. # غير أن البرديسي «ومحمد علي» ms0184 في الرحمانية، سرعان ما قررا الزحف على ~~رشيد، واضطر السيد علي أمام قواتهما الكبيرة إلى إخلاء البلدة والتحصن في ~~برج مغيزل «قلعة جوليان»، فدخل القائدان رشيد وبادرا بمحاصرة البرج، ~~وأرسل الجزائرلي الإمدادات إلى أخيه، كما أرسل مركبا حربيا من نوع ~~القرويت وآخر من سفن المدفعية للوقوف عند مدخل البوغاز لحماية مرور ~~النجدات من الإسكندرية إلى قلعة جوليان من جهة، ولإحباط أية محاولة قد ~~يقوم بها العدو لإرسال حملة نهرية ضد القلعة من جهة أخرى، وحاول السيد ~~علي المفاوضة والاتفاق مع البرديسي، كما سعى الجزائرلي من ناحيته لهذا ~~الغرض، فإنه لما كان قد صح عزمه منذ قدومه إلى الإسكندرية على الاستعانة ~~بالوكلاء الإنجليز في علاقاته مع البكوات، فقد وسط نائب القنصل البريطاني ~~بالإسكندرية «بريجز» # Briggs # للتفاهم ~~كذلك مع البرديسي، ولكن دون جدوى، ذلك أن البرديسي أعلن أنه لن يقبل إلا ~~أن يأتي علي باشا الجزائرلي إلى القاهرة «على الشرط والقانون القديم» إذا ~~أراد أن يعترف البكوات بباشويته، وشدد الحصار على القلعة، فلم يجد السيد ~~علي مناصا في آخر الأمر من التسليم، فتم ذلك في 12 أغسطس سنة 1803 ~~واقتيد أسيرا إلى القاهرة. # وأخاف سقوط رشيد علي الجزائرلي بالإسكندرية، فنشط في تحصينها، وكسر ~~السد الذي يفصل بين بحيرتي المعدية ومريوط لإغراق الأرض حول الإسكندرية، ~~ثم لجأ من جديد لتوسيط الوكلاء الإنجليز لدى البرديسي وإبراهيم بك، فكتب ~~الوكلاء الفرنسيون في نشرة أخبارهم بتاريخ 22 أغسطس أن الجزائرلي اقترح ~~على البكوات الوصول إلى تسوية واتفاق، «ولكن البرديسي وإبراهيم شيخ البلد ~~يرفضان كل سلام لا يكون على قاعدة إرجاع الحكومة إلى ما كانت عليه قبل ~~مجيء الفرنسيين، فهما يوافقان على وجود باشا في القاهرة، ولكن بشريطة ~~تقييد سلطته بكل القيود التي فرضت عليها في الماضي، ثم يوافقان على دفع ~~الميري للسلطان.» # وأبدى الوكلاء الفرنسيون شكوكهم في موافقة الجزائرلي على هذه الشروط، ~~ولو أنه صار يعرض الآن على البكوات انسحابهم إلى الصعيد الذي وافق على ~~أن يترك لهم امتلاكه نظير مغادرتهم للقاهرة وخروجهم منها ، وكتب السفير ms0185 ~~الفرنسي «برون» من القسطنطينية إلى حكومته في 25 سبتمبر عن هذه المساعي ~~فقال: إن الجزائرلي بعد سقوط رشيد أوفد «بريجز» للمفاوضة مع البرديسي، ~~فقام برحلتين لمقابلته، وأصر البرديسي في المرة الأولى على ضرورة عودة ~~الوضع السياسي في البلاد إلى ما كان عليه قبل الغزو الفرنسي، كما طلب ~~إعادة تنصيب محمد خسرو باشا في ولاية القاهرة، ثم أظهر في المرة الثانية ~~«نوايا أقل عداء لعلي باشا الجزائرلي؛ حيث قال إنه لا يجد بأسا من ~~استقباله في القاهرة واليا عليها، ولكن بنفس القيود التي فرضت على سلطة ~~الباشوات العثمانيين في مصر من قديم الزمن»، ثم أردف «برون» يقول: وفيما ~~عدا ذلك فإنه لا يعرف شيء عن نتيجة هذه المفاوضة؛ لأن «بريجز» قد لزم ~~الصمت بعد ذلك. # ومع ذلك فقد كان معروفا أن البكوات لن ينزلوا عن مطالبهم، كما كان ~~واضحا أنهم قد صح عزمهم على مهاجمة الإسكندرية بعد استيلائهم على رشيد؛ ~~ولذلك فقد صار يهم الوكلاء الإنجليز معرفة نوايا البكوات الصحيحة، ومدى ~~تأثرهم بالنفوذ الفرنسي، لما كانوا يخشونه من تعرض الإسكندرية لخطر ~~الاحتلال الفرنسي إذا انتهزت فرنسا فرصة امتلاك البكوات لها وأرسلت ~~جيشها لغزو البلاد من جديد، الأمر الذي ظل يقض مضاجع الإنجليز منذ ~~جلائهم عن الإسكندرية في شهر مارس سنة 1803، وعلى نحو ما أوضحنا في ~~الفصول السابقة، وعلى ذلك فقد كلف «مسيت» نائب القنصل البريطاني ~~«بتروتشي» أو البطروشي أثناء وجود البرديسي برشيد، بالاتصال بالأخير ~~لمعرفة مدى انحياز البكوات للإنجليز أو لخصومهم الفرنسيين، فقابل ~~«البطروشي» البرديسي وسليمان أغا، ووصل من أحاديثه معهما إلى أن مماليك ~~إبراهيم بك موالون للإنجليز، بينما يعتمد البرديسي وجماعته المرادية على ~~فرنسا اعتمادا كليا، حتى إن البطروشي بعث من رشيد في 13 أغسطس يقول: ~~«إنه لن يدهشه بتاتا - إذا استولى البكوات على الإسكندرية - أن يطلبوا ~~حماية فرنسا لاعتقادهم الراسخ أنه يستحيل عليهم الاحتفاظ بمصر من غير ~~مناصرة فرنسا لهم، كما أنهم يعتمدون عليها في الوصول إلى اتفاق مع الباب ~~العالي.» # واعتقد البرديسي أن الاستيلاء على الإسكندرية سوف ينهي ms0186 تماما كل سيطرة ~~للعثمانيين في مصر، بل ويترتب عليه طردهم من البلاد في النهاية؛ ولذلك ~~فقد بادر بالذهاب إلى دمنهور واستعد للزحف على الإسكندرية، معتمدا على ~~قوات حليفه محمد علي في الهجوم عليها، ولم يكن من المنتظر أن يستطيع علي ~~الجزائرلي الدفاع عنها طويلا إذا اتحد جيشاهما ضده، فمع أن الإسكندرية ~~كانت مهددة بخطر دخول الأرنئود والعربان إليها منذ وصول سليمان أغا ~~إلى رشيد، وقبل سقوطها مع قلعتها نهائيا في أيدي البرديسي ومحمد علي؛ ~~فقد كان أول عمل قام به علي الجزائرلي عند وصوله إلى الإسكندرية في يوليو ~~أن سرح الجنود الذين كانوا بها ممن كانوا تحت قيادة خسرو باشا وأحمد باشا ~~خورشيد ونقلهم إلى السفن، مع أنه لم يحضر معه سوى قوة بسيطة من ألف ~~وخمسمائة رجل فحسب «جمعوا على عجل في القسطنطينية». # وقد عزا «ماثيو لسبس» هذا العمل الذي قال عنه - في رسالته وقتذاك إلى ~~الجنرال برون بالقسطنطينية في 15 يوليو - إنه حرم علي باشا نفسه من ~~القوات اللازمة لحمايته هو شخصيا إلى «قلة اهتمام «الجزائرلي» بمراعاة ~~خاطر القبطان باشا «حامي خسرو باشا»، كما يدل على سعة الهوة التي تفصل ~~بين القبطان باشا والصدر الأعظم»، فباتت الإسكندرية ولا قدرة لها على دفع ~~أي هجوم يقع عليها، زد على ذلك أن كسر السد قد أشاع الاضطراب في داخل ~~المدينة التي امتنع عنها بسبب ذلك وصول ماء النيل والأقوات والأرزاق، ~~واضطر كثيرون من أهلها للجلاء عنها والخروج إما إلى أزمير وإما إلى قبرص ~~أو رودس، ولم ينقذ الإسكندرية من الوقوع في قبضة المماليك سوى انسحاب ~~محمد علي بقواته من دمنهور، واضطرار البرديسي بعد ذلك إلى الانسحاب من ~~دمنهور إلى القاهرة. # ولانسحاب محمد علي من دمنهور - بالرغم من محالفته مع البكوات المماليك - ~~أهمية كبيرة في شرح خطة الزعيم الألباني وسط هذا الخضم المتلاطم من ~~الفوضى السياسية؛ إذ لا تقل أهمية هذا الانسحاب من هذه الناحية؛ أي إلقاء ~~الضوء على سياسته في هذه السنوات الأولى عن امتناعه عن الاشتراك في معركة ~~دمنهور ms0187 المعروفة في 20 نوفمبر سنة 1802، ذلك أن نفس السبب الذي أغرى ~~البرديسي بفتح الإسكندرية؛ أي سيطرة المماليك المنتظرة وطرد العثمانيين ~~من البلاد نهائيا نتيجة لهذا الفتح، كان الدافع لانسحاب محمد علي من ~~دمنهور؛ لأن ظفر المماليك بالسيطرة وإخراج البلاد من حوزة العثمانيين، ~~الأمر المترتب على سقوط الإسكندرية كان نتيجة سريعة وحاسمة لم تدخل وقتئذ ~~في حساب محمد علي ولا في تفكيره؛ فقد دلت الحوادث القريبة على أنه كان ~~بوسعه، دون صعوبة تذكر التغلب على الباشوات العثمانيين الذين يبعث بهم ~~الباب العالي إلى مصر، وكان من الواضح أنه سوف يظل قادرا على ذلك بسبب ~~ضعف سلطان الباب العالي في مصر وضعف «الباشا» المرسل، وهو لا جند ولا مال ~~عنده لتعزيز باشويته، وفي استطاعة محمد علي ليس فقط شراء بطانته بالمال، ~~بل والقضاء على «الباشا» نفسه، لا سيما وقد صارت له وحده زعامة الأرنئود ~~أكبر قوة عسكرية عاملة في البلاد، وأما البكوات والمماليك، فقد كان الحال ~~معهم يختلف تماما عن الحال مع الباشا العثماني، فهم أصحاب الحكومة في ~~القاهرة، ويمتلكون القلعة وينبسط نفوذهم على الصعيد، معقلهم القوي، كما ~~صار منبسطا الآن على الوجه البحري بأكمله، فلم يكن خارجا عن سلطانهم به ~~سوى الإسكندرية، ولديهم بفضل اتحادهم وقتئذ من القوتين المادية والمعنوية ~~ما يجعل التغلب عليهم مستحيلا وبخاصة إذا دانت لهم الإسكندرية، زد ~~على ذلك أن البكوات كانوا يعتمدون على مناصرة إنجلترا وفرنسا لهم، ويتوسط ~~هؤلاء لحل مسألتهم مع الباب العالي، ولا يعرف محمد علي ما قد تسفر عنه ~~هذه الوساطة من نتائج ربما جاءت في صالح البكوات، بينما كان محمد علي ~~نفسه لا يزال مفتقرا إلى مناصرة هاتين الدولتين القويتين أو إحداهما له، ~~ففضل في هذه الظروف اتباع خطة «كسب الوقت» دائما، حتى تتاح له فرصة ~~إشاعة التفرقة بين صفوف البكوات ببذر بذور الخلاف والشقاق بينهم، وتقويض ~~دعائم حكومتهم في القاهرة، وصار مما يلائمه كل الملاءمة بقاء الإسكندرية ~~في يد علي الجزائرلي من جهة، وإلزام الجزائرلي نفسه من جهة أخرى بالبقاء ~~بها ms0188 وعدم الخروج منها والذهاب إلى القاهرة قبل أن يتم له نهائيا إضعاف ~~حكومة البكوات، كي يضمن سيطرته هو الشخصية عندئذ على البكوات وعلى ~~الجزائرلي نفسه عند حضوره إلى القاهرة، وقد اعتمد محمد علي في تنفيذ خطته ~~على محالفته مع البكوات التي تمكنه من بذل النصيحة لهم تحت ستارها، ولم ~~يتوقع محمد علي أن يهمل البكوات نصحه وإرشاده لهم؛ لوثوق عثمان البرديسي ~~به ثقة كاملة طغت على حذر زميله إبراهيم بك الذي لم يرتح في قرارة ~~نفسه للمحالفة مع زعيم الأرنئود، وظلت تساوره الشكوك من جهته، ويخامره ~~سوء الظن من ناحية نواياه، وينظر بعين الريبة لما يسديه للبكوات من نصح ~~وإرشاد. # وإلى جانب هذا كله اعتمد محمد علي في نجاح خططه على ما كان لديه من قوات ~~عسكرية من المشاة والمدفعية بوصفه القائد الأعلى للأرنئود، القوة التي ~~تعتمد على مؤازرتها حكومة البكوات أو الثلاثية الحاكمة في ~~القاهرة. # ولم تعوز «محمد علي» الوسيلة التي يستطيع بها تنفيذ هذه الخطة، فقد كانت ~~مسألة دفع مرتبات الجند المتأخرة مشكلة عويصة مزمنة، وكان من الميسور ~~إثارتها في كل وقت وعند الحاجة، وكما كانت أزمة مرتبات الجند من العوامل ~~المباشرة والرئيسية في طرد خسرو من القاهرة وفي مقتل طاهر باشا؛ فقد كان ~~من الميسور كذلك إثارة هذه الأزمة واستخدامها في شتى الظروف والمناسبات ~~لإضعاف البكوات وإشاعة التفرقة في صفوفهم وتقويض عروش حكومتهم في ~~القاهرة، وقبل كل شيء في الوضع الراهن تفويت فرصة امتلاك الإسكندرية على ~~هؤلاء البكوات المماليك. # وعلى ذلك فإنه بينما كان البرديسي يستعد للزحف على الإسكندرية، إذا ~~بالجنود الأرنئود في معسكره بدمنهور وهم الذين يؤلفون القسم الأكبر من ~~جيشه، يعلنون العصيان والتمرد، ويطالبون بمرتباتهم المتأخرة والتي تجمعت ~~لهم عن أربعة شهور ونصف وبلغت قيمتها عشرة آلاف كيس، وكان من السهل أن ~~يثور الأرنئود عندما يعرفون أن الإتاوات والمغارم الثقيلة التي فرضت على ~~أهل رشيد ودمياط وكل قرى الوجه البحري تتسرب إلى جيب البرديسي وبعض خاصته ~~من البكوات ولا ينالون هم منها شيئا، وكانت ثورة ms0189 جامحة قتل عدد من ~~المماليك كما قتل خازندار البرديسي نفسه عند محاولة البرديسي إخمادها، ~~وتدخل محمد علي وسيطا بين الجند الثائرين وبين عثمان البرديسي متظاهرا ~~دائما بالولاء الصادق له حتى يستطيع الانسحاب من دمنهور وهو على وئام ~~معه. # ولكن الأرنئود صمموا على عدم الاستمرار في الخدمة ما لم تدفع لهم ~~مرتباتهم، ولم يستطع محمد علي فعل شيء أمام إصرارهم، ورأى البرديسي؛ ~~إنهاء لهذه الفتنة أن يجيز للأرنئود الذهاب إلى القاهرة، فغادر هؤلاء ~~دمنهور وعلى رأسهم محمد علي الذي استمر متمتعا بثقة البرديسي، وأتقن ~~تمثيلية بشكل جعل «مسيت» يكتب عند إبلاغه هذه الحوادث إلى حكومته في 30 ~~سبتمبر «أنه لولا تدخل محمد علي رئيس الأرنئود في الوقت المناسب؛ لكان ~~من المحتمل وقوع معركة بين الأرنئود والمماليك» في معسكر دمنهور، وكان ~~دخول محمد علي إلى القاهرة في 16 سبتمبر. # وأنهى انسحاب الأرنئود ومحمد علي العمليات العسكرية ضد الإسكندرية، كما ~~أبطل الحصار المضروب عليها، فقد اضطر البرديسي في 25 سبتمبر إلى مغادرة ~~دمنهور وهو «يعلن الظروف القاهرة التي أضاعت من يده هذه الفرصة الثمينة» ~~- فرصة الاستيلاء على الإسكندرية - فدخل بدوره القاهرة في 24 سبتمبر، ~~ولكن مأساة المرتبات المتأخرة لم تكن قد تمت فصولها بعد، فكتب «ماثيو ~~لسبس» في 20 سبتمبر «إن هناك انقسامات كبيرة بين البكوات، ثم بينهم ~~وبين الأرنئود، وقد انسحب عدد من الكشاف المتذمرين من المماليك إلى ~~الصعيد»، ثم استمر يقول: «وفرض البكوات «البرديسي وإبراهيم» في القاهرة ~~إتاوات مرهقة على المسيحيين»، وطلبوا منهم مائتي كيس قرضا، وهددوهم إذا ~~هم امتنعوا بتعريض أنفسهم للمخاطر، كما صار الأرنئود يهددون علنا بنهب ~~المدينة - وحي الإفرنج بها على وجه الخصوص - إذا لم تدفع لهم ~~مرتباتهم، وهكذا بدأ الانحلال يدب في كيان الحكومة المملوكية في ~~القاهرة، وكان من عوامل هذا الانحلال - ولا شك - سوء حكم البكوات ~~أنفسهم. # فقد كان من أسباب عودة البرديسي إلى القاهرة أن زمام الأمور أفلت من ~~يد إبراهيم بك لعجزه، فكثرت اعتداءات المماليك على الأهلين، واستبد ~~الألفي الصغير - وكان قد انضم إلى ms0190 إبراهيم والبرديسي عقب سفر الألفي ~~الكبير إلى لندن ريثما يعود رئيسه من سفارته، فبقي بالقاهرة يشارك ~~إبراهيم السلطة، وانتهز فرصة غياب البرديسي فأطلق العنان لنزواته، فقطع ~~رأس قاضي القاهرة وحذا حذوه حسين أغا رئيس الشرطة، فقتل أحد المشايخ على ~~الرغم من وساطة إبراهيم، وأقام حسين بك الزنطاوي مجزرة حقيقية عند مقياس ~~الروضة عندما تحصن بالجزيرة، وصارت قوارب مدفعيته تصادر السفن الآتية ~~من الصعيد فتنهب ما تحمله وتفتك بأصحابها. # ثم زاد البلاء بسبب انخفاض النيل الذي هدد القاهرة بالمجاعة، وحاول ~~البرديسي إصلاح الحال عند تسلمه السلطة العليا في القاهرة، واستطاع ~~مؤقتا تهدئة روع الأهلين، وساعده محمد علي في ذلك «ففتحوا الحواصل التي ~~ببولاق ومصر العتيقة وأخرجوا منها الغلال إلى السواحل، واجتمع العالم ~~الكثير من الرجال والنساء فأذنوا لكل شخص من الفقراء بويبة غلة لا غير»، ~~واشترى الأفراد والخبازون، وسعر القمح والفول والشعير، ومع أن القاهريين ~~ما كانوا يحصلون على أذون الشراء من خازندار البرديسي إلا بعد مشقة ~~ومزاحمة كبيرة، فقد تمكن كثيرون من الحصول على حاجتهم من «السوق السوداء» ~~التي أوجدها عدم التزام أصحاب الغلال للأثمان المحددة، «فسكن روع ~~الناس واطمأنت نفوسهم وشبعت عيونهم، ودعوا لعثماني بك ~~البرديسي». # ولكن مصاعب «الحكومة المملوكية» لم تنته بهذا الانفراج الوقتي لأزمة ~~تموين القاهرة، كما لم يستمر دعاء القاهريين لعثمان البرديسي طويلا؛ لأن ~~البكوات والكشاف صاروا يستولون على القمح ويخزنونه في بيوتهم حتى يبيعوه ~~للأهلين بأثمان باهظة، فبدأت شكايات الأهلين من جديد، زد على ذلك أن ~~مشكلة دفع مرتبات الجند ظلت قائمة، وظل الجند بدورهم يكثرون من ~~اعتداءاتهم على القاهريين، وبذل البرديسي قصارى جهده لعلاج هذه الأدواء، ~~فكان ينجح حينا ويفشل في أكثر الأحايين، وكان البكوات البرديسي وإبراهيم ~~والألفي الصغير، قد قرروا غداة وصول الأول إلى القاهرة أن يجعلوا على كل ~~فرد من البكوات والكشاف والأجناد قدرا من المال كل منهم «على قدر حالته ~~في الإيراد والمراعاة» لدفع مرتبات الجند منها، ولكنهم قرروا فئات صغيرة ~~تتراوح بين عشرين كيسا ونصف كيس، وفضلوا مصادرة متاجر التجار ms0191 وفرض ~~الإتاوات عليهم، وعلى أرباب الحرف والأهلين عموما دفع شيء من جيوبهم، ~~فضج الناس بالشكوى وأغلقت الحوانيت. # ثم اشتد الضيق بالقاهريين عندما ظهرت آثار استيلاء البكوات على الحبوب ~~وتخزينهم لها وارتفاع الأسعار تبعا لذلك، فانقلب الدعاء للبرديسي إلى ~~استمطار اللعنات عليه وعلى البكوات قاطبة، وابتعد محمد علي عن هذه ~~المسائل جميعها، فتظاهر بأنه لا غاية ولا مأرب له تاركا مظاهر السلطة في ~~أيدي البرديسي وإبراهيم، ولو أنه ظل يوجه البرديسي من وراء ستار ويبذل ~~النصح والإرشاد له، ويتوسط بينه وبين الجند، دون أن يفطن البرديسي لحقيقة ~~نواياه لثقته العمياء به، بينما ظل الأرنئود يجأرون بالشكوى من عدم دفع ~~مرتباتهم لهم. # ولا يرى البكوات بأسا - لاعتمادهم على صداقة زعيمهم لهم - في الاستمرار ~~على عدم المبالاة بضجيجهم حتى تحرجت الأمور بينهم وبين الجند، الأمر ~~الذي استرعى انتباه «مسيت» فكتب إلى حكومته في 28 أكتوبر «إن البكوات ~~لا يبالون بصياح الأرنئود المطالبين بمرتباتهم، فأخذوا هم لأنفسهم ~~القسم الأعظم مما جمعوه من الإتاوات التي فرضوها على الأهلين، مع أنهم ~~يدركون تماما أن من شأن ذلك تعريض أنفسهم وأهل القاهرة معهم للمخاطر؛ ~~لأن الألبانيين يعرفون أن هذه الأموال إنما جمعت بدعوى دفع ~~مرتباتهم.» # ثم استطرد يقول: ولا شك في أن «طمع البكوات وعنادهم هما مبعث خلافاتهم ~~مع الأرنئود، وسوف يفضي ذلك إلى قطع العلاقات بينهم، ولما كان من ~~المتعذر أن يخرج بعض هذا المال الذي جمعوه من أيديهم، فلا مناص حينئذ ~~من أن ينتقم الأرنئود لأنفسهم»، ولكن موعد هذا الانتقام كان لا يزال ~~وقتئذ بعيدا؛ لأنه لم يكن من مصلحة محمد علي زعيمهم تحريك الفتنة الآن ~~على البكوات بصورة حاسمة تفضي إلى انهيار حكومتهم. # وكان من عوامل ازدياد الفوضى حدة على حدتها تدخل الوكلاء الإنجليز ~~والفرنسيين الذين صاروا يشيرون على البكوات بضرورة تقوية مراكزهم ~~ويقترحون عليهم التخلص من الجنود الأرنئود ورؤسائهم، ويؤكدون لهم ~~استعداد حكومتهم لنجدتهم، فعرض «مسيت» على عثمان البرديسي إحضار جيش من ~~الهند لنجدته، بينما راح «ماثيو لسبس» يوضح لصديقه حسين بك الزنطاوي ms0192 ~~مزايا تعزيز قواتهم وتمكين حكومتهم، وصار يسدي إليه النصح حتى يتخذ ~~البكوات جانب الحيطة والحذر دائما في علاقاتهم مع الأرنئود. # ولم تلق هذه النصائح قبولا؛ لاستمرار حاجة البكوات إلى مؤازرة ~~الألبانيين وزعيمهم لهم عندما كان الباشا العثماني «علي الجزائرلي» لا ~~يزال رابضا بالإسكندرية، وعندما كان البكوات - من جهتهم - لا يزالون ~~يرجون تسليم الباب العالي بالأمر الواقع والاعتراف بحكومتهم، وعندما كانت ~~القاهرة لا تزال خاضعة بسكانها من وطنيين وأوروبيين لسلطانهم يفرضون ~~عليها ما يشاءون من إتاوات، ويجمعون منها ما يريدون من مال. # وشكا «ماثيو لسبس» مر الشكوى من حسين الزنطاوي الذي كان جوابه على ~~النصيحة التي أسداها إليه: «يا لتعاسة الضعيف الذي يجد نفسه في حاجة ~~لحماية الرجل القوي! إن الفرنسيين إذا عادوا إلى مصر مرة أخرى فلن يكون ~~ذلك إلا لاستعبادنا من جديد.» # وأما المسألة التي شغلت البكوات أكثر من غيرها منذ عودة البرديسي إلى ~~القاهرة فكانت تدبير أمر علي باشا الجزائرلي وتقليب وجوه الرأي في ~~الوسائل التي تمكنهم من الاستيلاء على الإسكندرية، وكان الفصل في أمر ~~علي الجزائرلي من المسائل التي بات يهتم بها محمد علي نفسه بعد أن بدأت ~~تضعف حكومة البكوات في القاهرة، كما كان أخشى ما يخشاه وقتئذ أن يستمع ~~البكوات لنصح الوكلاء الإنجليز والفرنسيين، فبذل قصارى جهده حتى يبطل ~~مساعي هؤلاء، ولم يجد صعوبة في إقناع البرديسي بأن أي تدخل أجنبي قد يثير ~~مخاطر أشد من المخاطر الراهنة، ثم أوضح له أن المصلحة إنما تقضي الآن ~~بالتفرغ لإنهاء مسألة علي الجزائرلي قبل أي شيء آخر. # ولما كان الجزائرلي قد حاول استمالة محمد علي وصار يبذل له الوعود ~~السخية، فقد أوقف محمد علي البرديسي على هذه الوعود، واقترح عليه إخراج ~~الجزائرلي من الإسكندرية وجذبه إلى القاهرة؛ للحد من نشاطه ووضعه تحت ~~رقابة حكومة البكوات من جهة، ولتسهيل مهمة الاستيلاء على الإسكندرية من ~~جهة أخرى، وكان الجزائرلي قد حصن موقع السد الذي كسره وأنشأ خط دفاع ~~من خندق كبير محصن بقضبان قوية، كما أقام مركزين للدفاع بين ms0193 قلعة ~~الترك # Leturcq # وبحيرة مريوط، ومع ~~أن هذه كانت - في واقع الأمر - تحصينات بسيطة، ولم يكن من المنتظر أن ~~يستطيع الجزائرلي الدفاع طويلا عن الإسكندرية بسبب ما كان بينه وبين ~~الضباط الأتراك وقتئذ من خلافات، وبسبب ما كان فيه من مسيس الحاجة إلى ~~المال والرجال؛ فقد ظل البكوات ومحمد علي يجهلون حقيقة الوضع ~~بالإسكندرية وضعف الجزائرلي من الناحية العسكرية؛ ولذلك فقد لقي اقتراحه ~~قبولا لدى البرديسي، وعلاوة على ذلك عمل محمد علي على كسب ثقة المشايخ ~~والعلماء وتأييدهم لفكرته، بدعوى أن وجود علي باشا بالقاهرة - وهو ممثل ~~السلطان الشرعي - ضروري لنشر السكينة والهدوء في البلاد، وفتح المواصلات ~~بين القاهرة والإسكندرية، ومن شأنه إنهاء العمليات العسكرية والتخلص من ~~اعتداءات الجند التي لا أمل في وقفها ما دامت الحاجة ملحة لاستخدامهم، ~~وما دامت مرتباتهم لا تدفع لهم. # وأفلح محمد علي في أن يجعل المشايخ يقررون التوسط مع علي الجزائرلي ~~وتوجيه الدعوة له - تحت مسئوليتهم - للحضور إلى القاهرة، وفي 24 أكتوبر ~~كتب المشايخ للجزائرلي يطلبونه «لمنصبه والحضور إلى مصر ليحصل الاطمئنان ~~والسكون وتأمين الطرقات، ويبطل أمر الاهتمام بالعساكر والتجاريد، ولأجل ~~الأخذ في تسهيل أمور الحج» الذي قالوا إنه: «ربما تعطل في هذه السنة إذا ~~هو لم يحضر، فيكون السبب في ذلك.» # وواتت الفرصة لجذب الجزائرلي إلى القاهرة عندما وصلها في 16 نوفمبر ~~كاتب ديوان علي باشا «وعلي يده مكاتبة هي صورة خط شريف وصل من الدولة، ~~مضمونه الرضا عن الأمراء المصرلية بشفاعة صاحب الدولة الصدر الأعظم ~~يوسف باشا ضياء وشفاعة علي باشا والي مصر»، وأن يقيم البكوات بأرض مصر، ~~على أن يكون «لكل أمير؛ أي لكل بك من البكوات فائظ خمسة عشر كيسا لا ~~غير، وحلوان المحلول ثمان سنوات، وأن الأوسية والمضاف والبراني يضم إلى ~~الميري، وأن الكلام في الميري والأحكام والثغور إلى الباشا والروزنامجي ~~الذي يأتي صحبته والجمارك والمقاطعات على النظام الجديد للدفتردار الذي ~~يحضر أيضا.» # فاتفق الرأي بعد قراءة هذه الرسالة بحضور المشايخ على أن يبعث البكوات ~~إلى علي باشا يظهرون ms0194 اغتباطهم بصدور عفو الباب العالي وصفحه، ويلحون عليه ~~في الحضور إلى القاهرة «لتنظيم الأحوال وأعظمها تشهيل الحج الشريف»، ~~وأرسلوا بكتابهم إلى الإسكندرية رضوان كتخدا إبراهيم بك وأحد ضباط ~~الإنكشارية «وصحبهما من الفقهاء السيد محمد بن الدواخلي من طرف الشيخ ~~الشرقاوي». # ثم لم تمض أيام قلائل حتى وصل القاهرة رسول من القسطنطينية، يحمل ~~فرمانين من الباب العالي: أحدهما - بتاريخ 2 سبتمبر 1803 - معنون ~~باسم محمد علي وأحمد بك وعمر بك وسائر الرؤساء الألبانيين «الأرنئود» ~~بالقاهرة، والآخر - بتاريخ 5 سبتمبر - معنون باسم علي باشا الجزائرلي ~~والي مصر، مع توجيه الكلام إليه وإلى إبراهيم بك حاكم القاهرة ومساعده ~~عثمان بك البرديسي وإلى القضاة ورؤساء الإنكشارية ومضمونه صدور العفو عن ~~البكوات والصفح عما سبق من فعالهم، وعدول الباب العالي عن إرسال الحملات ~~التي كان يعتزم إرسالها ضدهم، وتعيين إبراهيم بك شيخا للبلد كما كان في ~~السابق وجعله مسئولا عن حكومة القاهرة وعن تنفيذ الترتيب الذي اشتمل ~~عليه الفرمان للأوضاع الجديدة وهي لا تخرج عما سبق ذكره، على أن يرسل ~~الباب العالي مديري الجمارك من القسطنطينية إلى الإسكندرية ورشيد ودمياط ~~وبولاق ومصر العتيقة والسويس والقصير. # وعلى هذه الصورة اعترف الباب العالي بحكومة البكوات، على أساس أن يحتفظ ~~الباب العالي بالقسم الأعظم من إيرادات البلاد لنفسه ويترك للبكوات تدبير ~~الوسائل التي تمكنهم من سد حاجة حكومتهم بأية وسيلة كانت؛ أي المضي في ~~مصادرة أموال الأهلين واستنزاف مواردهم، وكان ذلك هو الحل الذي ارتآه ~~الباب العالي لإنهاء مسألة البكوات، وبادر «دراموند» ثم «برون» بإبلاغ ~~حكومتيهما عنه بمجرد وقوفهما عليه في الظروف التي سبق ذكرها عند ~~الحديث عن مساعي الإنجليز والفرنسيين لصالح البكوات في ~~القسطنطينية. # غير أن صدور عفو السلطان العثماني عن البكوات المماليك بهذه الشروط غير ~~المعقولة؛ أي حرمانهم في الحقيقة من إيرادات البلاد التي يسيطرون عليها ~~فعلا، سواء كانت هذه الإيرادات جمركية أو من ريع الأرض التي يمتلكونها، ~~زد على ذلك تعزيز سلطان باشا القاهرة في هذه الأوضاع الجديدة - لم يكن ~~له في نظر البكوات سوى ms0195 تفسير واحد هو أن الباب العالي لا يزال يتعمد ~~غشهم وخديعتهم، وأنه لم يصدر عفوه عنهم إلا لفشله في إخضاعهم بالقوة، ~~وأنه إنما يريد - بفضل حرمانهم من الموارد التي تكفل لهم العيش ~~والبقاء - أن يخضعهم لسلطانه تحت ستار الرغبة في حسم خلافاته معهم وإدخال ~~الطمأنينة الكاذبة إلى نفوسهم في ظل هذا الصلح الغادر الذي يعرضه ~~عليهم. # وقد علق «مسيت» على ما سماه «بالمعاهدة» التي غرضها إخطار البكوات بعفو ~~السلطان عنهم، وإعلانهم باستمرار حكومتهم بشروط معينة، فقال في كتابه إلى ~~حكومته في 18 نوفمبر: «من الواضح أن الباب العالي قد شعر بعجزه عن ~~امتلاك هذه البلاد وإن كان لا يزال برغم ذلك مصمما على عدم التسليم بها ~~كلية وتركها دفعة واحدة في أيدي البكوات، فإنه عندما كان البكوات يمتلكون ~~البلاد بأسرها ويشددون الحصار على العثمانيين في الأماكن المحصنة التي ~~بقيت في أيديهم، عرض الباب العالي عليهم مديرية أسوان فحسب، وعندما أصبح ~~البكوات أسياد القاهرة ودمياط ورشيد اقترحت الحكومة العثمانية إعطاءهم ~~الصعيد، فلما رفض البكوات هذا العرض وافق الأتراك أخيرا على طلبهم، ~~ولكنهم وضعوا قيودا لتعطيل سلطانهم والحد من سلطتهم»، مما ينهض دليلا ~~على مبلغ ممانعة الديوان العثماني في هذه التنازلات التي تنتزع منه ~~انتزاعا، وكان رأي «مسيت» أن البكوات لن يقبلوا هذه «المعاهدة». # ولم يقبل البكوات هذه «المعاهدة» فعلا، وزادهم تشككا في نوايا الباب ~~العالي، ما جاء في ذلك الفرمان الموجه لمحمد علي ورؤساء الأرنئود، يطلب ~~منهم مغادرة البلاد والعودة إلى أوطانهم، فقد أفرغ هذا الفرمان في ~~العبارات التالية: ~~«لقد تحملنا - أي الباب العالي - في فتح مصر للمرة الثانية ~~وانتزاعها من قبضة الفرنسيين تضحيات كثيرة، ومع ذلك فإنه ما ~~إن نجحنا في استرجاعها حتى عمد بعض الأفراد من ذوي النوايا ~~السيئة إلى إخضاعها مرة أخرى لسلطان المماليك وسيطرتهم. وليس ~~مقصدنا من هذا القول نسبة ما وقع من خطأ إليكم - أي رؤساء ~~الأرنئود وجندهم - وعلى كل حال فقد أسدل الستار على الماضي ~~وتناسيناه، وصفحنا عن كل ما ارتكب من ذنوب؛ رحمة منا ms0196 وشفقة ~~بالمذنبين الخاطئين، ونحن ندعوكم لذلك لمغادرة مصر والعودة مع ~~جنودكم الأرنئود إلى أوطانكم، فهل يا ترى ترفضون العودة إلى ~~أسركم التي تمد أيديها لكم متوسلة تطلب رجوعكم إليها؟ إن ~~الماضي قد صار نسيا منسيا، ولكم أن تثقوا بذلك، فما عاد ~~يذكر إنسان شيئا مما وقع أيام خسرو باشا، ولا شك لدينا في ~~أنكم سوف تفيدون من رحمتنا وتطيعون أوامرنا التي يتحتم عليكم ~~أن تخضعوا لها.» # وعلى ذلك، فقد كان معنى خروج محمد علي من مصر إذا هو استجاب لنداء الباب ~~العالي، حرمان البكوات من القوة التي لم يخامر البرديسي على وجه الخصوص - ~~وهو صاحب الكلمة العليا بينهم؛ أي شك في أنها تؤيدهم كل التأييد، ولا ~~غنى عن مؤازرتها لهم في الخلاص من الباشا العثماني والاستيلاء على ~~الإسكندرية؛ ذلك أن البرديسي وإبراهيم كانا قد قررا البطش بعلي باشا ~~الجزائرلي، ورفض «المعاهدة» التي بعثت بها القسطنطينية على نحو ما تنبأ ~~به الوكيل الإنجليزي، فلم يصدع محمد علي أو غيره من رؤساء الأرنئود بما ~~أمروا به، وانتظر البكوات بفارغ الصبر ما قد تسفر عنه خطوتهم الأخيرة ~~مع علي باشا، ولم يفت «مسيت» إدراك نواياهم الصحيحة أو غرضهم من جذب ~~الجزائرلي إلى القاهرة، فقد علم؛ أي مسيت من أحاديثه مع البرديسي ~~وإبراهيم أنهما يشكان في قبول الجزائرلي لدعوتهما إلا إذا سلما إليه ~~رهائن؛ ضمانا لسلامته، ولكنهما لن يرسلا له أية رهائن إذا طلب ذلك ~~فعلا، كما أظهرا له أنهما يعتزمان الكتابة إلى القسطنطينية لإرسال باشا ~~آخر للقاهرة غير علي الجزائرلي، الأمر الذي جعل «مسيت» يجزم باستحالة رضا ~~البكوات به، وهو الذي أثيرت حرب شعواء ضده، وبأن البكوات لا يبغون سوى ~~كسب الوقت حتى يتدبروا أمرهم بسرعة، بسبب حروجة مركزهم لحاجتهم الملحة ~~إلى المال لدفع مرتبات الجند وبخاصة؛ لأن هؤلاء ما زالوا متمردين عليهم، ~~وقد يتصدع اتحادهم مع الأرنئود في أي وقت، وعلى ذلك فلم يكن هناك مناص في ~~هذه الظروف من أن يقوم البكوات بعمل حاسم وسريع ضد الجزائرلي حتى ~~يستطيعوا التفرغ لمناجزة ms0197 الأرنئود إذا تحطمت محالفتهم معهم وانشق ~~هؤلاء عليهم، واعتمد البكوات على ما عرضه عليهم «مسيت » من إرسال حكومته ~~النجدات إليهم في إرغام الأرنئود حينئذ على مبارحة البلاد بعد إلحاق ~~الهزيمة بهم. # وكان على ضوء ما وقف عليه «مسيت» من معلومات واستخلصه من نتائج؛ أن وجد ~~من الواجب عليه أن يوضح لحكومته «أغراض البكوات ونواياهم الخفية حتى لا ~~يبدو أن هناك تضارب في مسلكهم» من دعوتهم الجزائرلي للحضور إلى ~~القاهرة، فقال في رسالته السالفة الذكر في 18 نوفمبر «إن امتلاك ~~الإسكندرية هو غرض البكوات الرئيسي في الوقت الحاضر، ثم اتخاذ الحيطة في ~~الوقت نفسه ضد المؤامرات والمكائد التي يعلمون أن علي باشا سوف يدبرها ~~ويحيك خيوطها إذا سمح له بالدخول إلى القاهرة، ولتحقيق هذا الغرض ~~المزدوج دعوه للحضور في صحبة عدد قليل من الجند بدعوى عجز القاهرة ~~عن إعالة عدد كبير منهم وتموينهم، فإذا استجاب علي باشا لهذه الرغبة وحضر ~~بقليل من الجند قبض البكوات عليه وعلى جماعته وأرسلوهم إلى القسطنطينية ~~عن طريق يافا. وينتهز المماليك والأرنئود فرصة شعور حامية الإسكندرية ~~بالطمأنينة بعد خروج علي باشا إلى القاهرة وإغفالها الحيطة والحذر، ~~فيهاجمونها ويستولون على الإسكندرية، وأما إذا فكر علي باشا في المجيء ~~إلى القاهر مع كل قواته - وتبلغ هذه حوالي الألفين - فسوف يعامله البكوات ~~كعدو؛ على أساس أنه ما كان يجب عليه أن يحضر بهذه الأعداد الكبيرة بعد أن ~~أوضحوا له أن القاهرة في حالة من الفقر تجعلها عاجزة عن تموينهم، وأنه ما ~~كان ليحضر على رأس جيش في هذه الظروف إلا إذا كانت له نوايا سيئة ومريبة، ~~والبكوات يرجون كسب الوقت على أمل أن تصلهم النجدات التي طلبوها من ~~الحكومة الإنجليزية في الوقت المناسب، فتساعدهم على طرد ~~الأرنئود.» # وفي أوائل ديسمبر وصل الخبر من رضوان كتخدا إبراهيم بك أنه وصل ~~الإسكندرية وقابل علي الجزائرلي الذي «وعد بالحضور إلى مصر؛ أي القاهرة، ~~وأنه يأمر بتشهيل أدوات الحج ولوازمه»، وكما كان البكوات يريدون من توجيه ~~دعوتهم لعلي باشا الكيد له، والتخلص منه ms0198 بطرده من البلاد وإبعاده إلى ~~القسطنطينية، فقد كان علي باشا - وهو رجل مكائد ودسائس بطبعه - يريد هو ~~الآخر الكيد لهم بتقويض عروش حكومتهم في القاهرة، ويرجو أن يتسنى له - ~~بفضل ذلك - دعم أركان باشويته؛ ولذلك فقد بادر بإرسال فرمان العفو ~~السلطاني إلى البكوات على نحو ما سبق ذكره، ثم لم يتردد في إجابة الدعوة ~~التي وجهها له البكوات على يد رضوان كتخدا إبراهيم بك، وقد شرح «دروفتي» ~~سياسة علي باشا أو بالأحرى الأسباب التي دعته إلى قبول هذه الدعوة، فقال ~~في رسالته إلى الجنرال «برون» في القسطنطينية في 18 ديسمبر ما معناه: ~~إن علي باشا كان يعلم بالنزاع القائم في القاهرة بين الأرنئود والمماليك، ~~وإن الأولين يشعرون بازدياد قوتهم منذ قيامهم بثورتهم ضد ممثل الباب ~~العالي الشرعي في البلاد، تلك الثورة التي كانت في صالح البكوات، والتي ~~مكنتهم من الحكم في القاهرة، وإن البكوات يدركون أنهم في ثورة ~~صريحة على الباب العالي، وإنهم لذلك سوف يقبلون كل تسوية تساعد على ~~تصحيح وضعهم، لا سيما وقد صدر الآن عفو الباب العالي عنهم، واعتقد علي ~~باشا أن الأرنئود لم يعتادوا الحياة في القطر المصري بالدرجة التي ~~تجعلهم يتخلون عن كل أمل في العودة إلى أوطانهم وبخاصة بعد أن عفا ~~السلطان عنهم، وأصدر أمره الأخير بخروجهم من مصر والرجوع إلى ~~أسرهم. # وكان من رأي علي باشا أنهم لن يدعوا فرصة هذا العفو العام تمر دون ~~الاستفادة منها، وفي وسعه لذلك أن يفيد من هذه الظروف جميعها، أضف إلى ~~هذا أن البكوات لم يدفعوا لهم مرتباتهم المتأخرة عن ستة شهور بتمامها، ~~ولا سبيل إلى دفع هذه المرتبات إلا إذا أمعن البكوات في إرهاق ~~البلاد في وقت لا تكفي فيه مواردها لسد نفقات إدارتهم وحاجاتها اليومية، ~~بينما صارت الفوضى تعم كل فروع هذه الإدارة المدنية والعسكرية على ~~السواء، وانعدمت تلك الروح المعنوية التي أمدتهم بالقوة دائما، وتضعضع ~~كيان حكومتهم بسبب كبر سن إبراهيم بك الذي صار لا يحمل من الزعامة سوى ~~اسمها، وفضلا عن ذلك، ms0199 فقد اعتمد علي باشا في نجاح أغراضه على مهارته في ~~الدس والوقيعة؛ لبذر بذور التفرقة بين الألبانيين وبين المماليك من جهة، ~~وبين البكوات بعضهم وبعض من جهة أخرى، فخيل إليه أن في استطاعته جذب محمد ~~علي وسائر رؤساء الأرنئود سواء في القاهرة أو في رشيد، وقد تقدم كيف ~~كشف محمد علي دسائسه معه لعثمان البرديسي، كما كان من المنتظر أن تفشل ~~مساعيه مع رؤساء الأرنئود في رشيد، وكما خيل إليه أن في وسعه أيضا جذب ~~عثمان بك حسن وحمله على تأييده، فكان لذلك كله أن قرر علي الجزائرلي ~~الخروج إلى القاهرة، فغادر الإسكندرية في طريقه إليها في 26 ديسمبر ~~1803. # ومع أن البكوات كانوا قد رسموا له خط السير الذي يجب عليه اتباعه، ~~وحددوا له عدد الجند الذين سمحوا له باصطحابهم معه في سيره، فكان عليه أن ~~يأخذ طريق دمنهور والطرانة إلى القاهرة، وأن لا يزيد عدد مرافقيه على ~~الألف، فقد خالف علي باشا اتفاقه مع البكوات، وخرج في قوة من 2500 من ~~المشاة و500 من الفرسان، ثم إنه بدلا من أن يقصد دمنهور لم يلبث - بعد ~~خروجه من الإسكندرية وتظاهره بالسير إلى دمنهور - أن تحول فجأة بمجرد ~~وصوله إلى إدكو يريد الزحف على رشيد، وبادر يحيى بك حاكمها، وعمر بك ~~الأرنئودي رئيس حاميتها بالخروج منها لمقابلته، فأدركاه وهو لا يزال ~~بإدكو، فأكد لهما علي باشا أنه لن يقترب من رشيد، فعادا أدراجهما، ولكن ~~حدث في المساء نفسه (27 ديسمبر) أن قبض على جنديين من الأتراك يحملان ~~رسالة من علي باشا إلى عمر بك يدعوه فيها لمناصرته والانشقاق على ~~المماليك، وخرجت الحامية لمقابلته، ولكنه لم يجرؤ على الالتحام في معركة ~~معهم، وفضل استئناف السير إلى القاهرة، وسار بمحاذاة شاطئ النهر ~~الأيسر وانتشر جنوده في القرى والدساكر ينهبون ويرتكبون مع الأهلين ~~فظائع شديدة، ثم انتقل بجنده إلى الجانب الآخر من النهر بدعوى عدم وجود ~~مؤن أو أقوات في الضفة اليسرى، فصار بجيشه في قلب الدلتا، واستمر الأهلون ~~يقاسون شدائد عظيمة على أيدي ms0200 جنده حتى وصل إلى منوف. # وهكذا لم يتبع علي باشا خط السير الذي رسمه له البكوات، ومنذ 3 يناير ~~سنة 1804 كانت قد بلغت هؤلاء في القاهرة أخبار محاولاته في رشيد، كما ~~تأكد لديهم سوء نواياه بسبب القوة الكبيرة التي كانت معه والتي خرج ~~بها من الإسكندرية على الرغم من اتفاقهم السابق معه على أن لا يزيد ~~عددها على ألف بحال من الأحوال، فأرسل البكوات جيشا بقيادة الألفي ~~الصغير إلى شبرا؛ لمنع الجزائرلي من دخول القاهرة وإرغامه على الوقوف عند ~~«شلقان»، وكان؛ أي علي باشا، قد بلغها في 14 يناير، وخرج كذلك محمد علي ~~وحسن بك مع الأرنئود وعسكروا بين شلقان وشبرا، وبلغ الخبر القاهرة في 16 ~~يناير أنه قد تحرك فجأة من منوف وصار على مسافة قريبة من معسكر المماليك ~~والأرنئود، فخرج عثمان البرديسي من القاهرة بمن بقي بها من المماليك ~~والأرنئود، تاركا بالقاهرة إبراهيم بك ومعه حسين بك الزنطاوي على رأس ~~رجاله السود واليونان حوالي الخمسمائة لحمايتها. # واجتمع الألفي الصغير بعلي باشا، وطلب منه أن يسير جنده إما إلى الشام ~~وإما إلى الحجاز وأن لا يدخل القاهرة إلا بمائة فقط من أتباعه، وأرسل ~~البرديسي إلى القاهرة في 20 يناير يقول إنه سيجتمع بعلي باشا في اليوم ~~التالي، ويصر على وجوب تنفيذ «علي باشا» لما أمره به الألفي الصغير، وكتب ~~«لسبس» من القاهرة في 21 يناير «إنه من الثابت قطعا أن هناك تفاهما ~~سريا بين علي باشا وبين الأرنئود، وأن أكثر هؤلاء - إن لم يكونوا كلهم ~~- موالون له، وعدد هؤلاء الأرنئود كبير، وبينهم عدد من العثمانلي مستخفين ~~في ملابس الأرنئود، وقد بلغ ما مع علي باشا حوالي الأربعة آلاف ... وهو ~~يرفض ما طلبه الألفي الصغير منه ويؤكد في الوقت نفسه حسن نواياه ... وكان ~~يرجو عند خروجه من الإسكندرية أن يستطيع الدخول إلى القاهرة بسهولة ~~واستلام حكومتها، وأما المماليك وعددهم الألف فهم يؤملون القضاء ~~عليه قضاء مبرما، ولديهم كذلك حوالي الألف من الفرسان المغاربة، عدا ~~جملة قبائل من العرب البدو ms0201 في الجهات المجاورة للقاهرة موالين ~~لهم.» # وطلب علي باشا العودة إلى الإسكندرية ولكن دون طائل، ورفض جنده ~~الاشتباك في معركة مع المماليك والأرنئود بدعوى عدم وصول أمر من الأستانة ~~بالقتال، ولأن عددهم يقل كثيرا عن عدد أعدائهم، وخشي الجزائرلي على نفسه ~~من جنده أنفسهم، كما رأى عبث المقاومة بعد أن سقطت مراكبه في يد أعدائه ~~من جهة، وكشف الأرنئود سر محاولاته معهم للبكوات المماليك، ووجد نفسه ~~محاطا بجيش المماليك والأرنئود، فقرر الرضوخ لإرادة البرديسي وانتقل إلى ~~معسكره في 21 يناير وفي نفس الليلة الأولى التي قضاها علي باشا في ~~معسكر البرديسي أرسل خفية رسولا برسالة إلى عثمان بك حسن بقنا «يطلبه ~~للحضور إلى مصر ليكون معينا له ويعده بإمارة مصر». # ولكنه حدث أن قبض البكوات على هذا الرسول بجهة «البساتين» ووقعوا على ~~الرسالة، كما ضبطوا رسائل له إلى الشيخ السادات بالقاهرة يطلب منه تحريك ~~القاهريين على المماليك، وإثارة الشغب للثورة ضدهم، فواجهوا الجزائرلي ~~بهذه الرسائل (25 يناير) ولم يستطع نفيها، فاستقر الرأي عندئذ على ~~إرساله إلى الشام في طريقه إلى القسطنطينية، وأمر من فوره بالخروج مع ~~العسكر من أتباعه إلى غزة، لأنه لا أمان لهم معه. # وفي نفس اليوم كتب البرديسي إلى «ماثيو لسبس» يذكر له ما حدث، فقال: ~~«إنه بالرغم من صنوف التكريم والتعظيم التي أحيط بها علي باشا، فإنه لم ~~يقابل ذلك إلا بالكتابة إلى أشخاص مختلفين في القاهرة وإلى البكوات في ~~الصعيد، وقد استولى «البرديسي» على هذه الرسائل التي تأكد له منها غدر ~~الباشا وسوء نواياه، وقد كان الاتفاق معه أنه إذا أخطأ مع البكوات فليس ~~له أن يؤاخذهم على عواقب خطئه ويكون مستحقا عندئذ للموت، ولكن ~~«البرديسي» اكتفى بإعادته إلى المكان الذي جاء منه قبل الاتفاق معهم، ~~وأرسلوه عن طريق غزة إلى القسطنطينية في صحبة السناجق سليمان بك صهر ~~إبراهيم بك ومحمد بك الملواني «المنفوخ» ظهر اليوم نفسه.» # وفي 26 يناير عاد البرديسي ومحمد علي إلى القاهرة، وفي 27 يناير كتب ~~«لسبس» يؤكد أن الجزائرلي قد ms0202 قطعت رأسه في أثناء السير كما قتل قريبه ~~حسن بك ووقع كبار ضباطه أسرى في أيدي البكوات، وكان مقتله عند «القرين» ~~بين بلبيس والصالحية. # ومع أن البكوات أذاعوا أن علي باشا أراد في أثناء الطريق الغدر ~~بالصناجق والمماليك الذين صحبوه لإبعاده خارج الحدود المصرية، وأنه أراد ~~«أن يكسبهم بمن معه ليلا»، فكشف أمره سائس يعرف التركية «فتحذروا منه، ~~فلما كسبوهم وقعت بينهم محاربة وقتل منهم عدة من المماليك وخازندار محمد ~~بك المنفوخ، وانجرح المنفوخ أيضا جرحا بليغا، وأصيب الباشا وصاحبه من ~~غير قصد والليل ليس له صاحب فقضي عليه، وكان ذلك مقدورا وفي الكتاب ~~مسطورا»، فقد ذكر الشيخ الجبرتي أن العسكر المغاربة «عملوا مع خدم ~~الباشا مشاجرة وجسموها إلى أن تضاربوا بالسلاح فقامت الأجناد المصرية من ~~خلفهم فصار الباشا ومن معه في الوسط والتحموا عليهم بالقتال، وضرب الباشا ~~بعض المماليك منهم بقرابينه فأصابته، وقتل معه ابن أخيه حسن بك ~~وكتخدا.» # وسواء قتل علي الجزائرلي قضاء وقدرا أم كان مقتله عن عمد وإصرار سابق، ~~فقد كان هو نفسه المسئول الأول عن هذه الخاتمة المروعة التي اختتم بها ~~حياته بسبب دسائسه ومكائده، فقد كتب «دروفتي» إلى الجنرال «برون» منذ 12 ~~يناير: «أن الوكيل الإنجليزي بالإسكندرية قد أكد له أن لديه ما يحمله على ~~الاعتقاد بأن علي باشا لن يدخل القاهرة بسهولة ويخشى أنه سوف يرغم على ~~النكوص على أعقابه»، ولكن البكوات الذين كان أحد أغراضهم الرئيسية من ~~إخراج علي الجزائرلي من الإسكندرية، تهيئة الفرصة لاستيلائهم عليها ذاتها ~~ما كانوا ليوافقوا بتاتا على عودته إليها؛ ولذلك فقد أصروا على إخراجه ~~من البلاد، ثم فتكوا به للخلاص من شره دفعة واحدة، وتنفذ بذلك الشطر ~~الأول من برنامجهم الذي كشف عنه «مسيت» منذ 18 نوفمبر سنة 1803، وكانت ~~خطوة البكوات التالية هي محاولة الاستيلاء على الإسكندرية. # ثالثا: البكوات ومسألة الإسكندرية # وكان علي الجزائرلي بسبب سوء حكمه في الإسكندرية قد سبب تذمر الأهلين ~~منه وسخط القناصل عليه، أما فيما يتعلق بالأولين فقد ذكر الشيخ الجبرتي ~~أن مدة ms0203 إقامة علي باشا بالإسكندرية كانت عهدا من «الجور والظلم ~~ومصادرات الناس في أموالهم وبضائعهم وتسلط عساكره عليهم بالجور والخطف ~~والفسق. هذا إلى جانب ترذيله لأهل العلم وإهانته لهم، حتى إنه كان يسجن ~~الشيخ محمد المسيري الذي هو أجل مذكور بالثغر المزور، وإذا دخل ~~عليه مع أمثاله وكان جالسا اتكأ ومد رجليه قصدا لإهانتهم». # وأما فيما يتعلق بالأخيرين، فإنه لم يحترم حقوقهم التي خولتهم ~~إياها «الامتيازات»، فأهان أعلامهم وشاراتهم الموضوعة على متاجر ومنازل ~~رعايا دولهم، وانتهز جنده الخروج للتدريب يوميا في ساحة المنشية، ~~فصاروا يمرون بحي الإفرنج، ويطلقون الرصاص على المساكن ووكالات القناصل ~~حتى ضج هؤلاء بالشكوى، وعندما فشلوا في منع هذه الاعتداءات ومصادرة ~~أموال رعاياهم أو محمي دولهم؛ قرروا أن ينسحب هؤلاء جميعا إلى السفن ~~الأجنبية الراسية بالإسكندرية، بينما انسحب القناصل أنفسهم إلى سفينة ~~القبطان بك رئيس العمارة العثمانية بالميناء ورفعوا شكاواهم إلى سفراء ~~دولهم بالقسطنطينية وعندئذ اضطر علي باشا إلى توسيط أحمد خورشيد وجاثم ~~أفندي رئيس الجمرك والقبطان بك وغيرهم من كبار العثمانيين بالثغر لفض هذه ~~الأزمة، وكان بعد أن وعد علي باشا باحترام الامتيازات، وإزالة أسباب ~~الشكوى أن قبل هؤلاء النزول إلى البر واستئناف حياتهم العادية ~~بالإسكندرية، فتم الصلح قبل مغادرة الجزائرلي للإسكندرية في طريقه ~~إلى القاهرة بأيام قليلة، ومنذ مبارحة علي الجزائرلي الإسكندرية؛ انفرد ~~بشئونها أحمد خورشيد، وكانت مهمة هذا أن يمنع سقوط الإسكندرية في أيدي ~~البكوات. # واختلفت أساليب البكوات عندما استأنفوا مسعاهم من أجل الاستيلاء على ~~الإسكندرية عن أساليبهم السابقة؛ فقد أرادوا الآن أن يجيء تسليم ~~الإسكندرية طوعا لا كرها، ووجدوا أن خير وسيلة لذلك هي أن يتسلم حاكمها ~~أحمد خورشيد نفسه باشوية القاهرة؛ وذلك لأسباب عدة، منها: اضطرارهم ~~لعقد صلح جديد مع الباب العالي بعد أن نقضوا الصلح السابق بأيديهم ~~لقتلهم علي الجزائرلي، وفي وجود ممثل للسلطان في القاهرة في شخص أحمد ~~خورشيد، ما يمهد لإبرام هذا الصلح الجديد مع الباب العالي. # زد على ذلك أنه كان من المتعذر عليهم إقناع «الأرنئود» بالخروج في ~~حملة ms0204 ضد الإسكندرية، وهم عاجزون عن دفع مرتباتهم لهم، ولا يزال ~~الأرنئود متمردين عليهم ويعيثون في العاصمة فسادا منذ عودتهم إليها، بل ~~وعظمت الفوضى في القاهرة بعد حادث مقتل علي الجزائرلي، واعتقد البكوات ~~إذا هم استقدموا خورشيد باشا إلى القاهرة واعترفوا بولايته على مصر، أن ~~في وسعهم عندئذ أن يفرضوه على الأرنئود ليكبح جماحهم، وربما تمكنوا ~~بمساعدته من إبعاد الأرنئود من القاهرة وإخراجهم من البلاد كلية، لا سيما ~~بعد صدور العفو السلطاني عنهم، أضف إلى هذا أن وجود خورشيد بالقاهرة ~~يستتبع - بالضرورة - خضوع الإسكندرية لسلطانهم؛ حيث يستطيعون عندئذ ~~تعيين حاكم لها رجلا يكون طوع إرادتهم، وعلى ذلك فقد شرع البكوات ~~يفاوضون خورشيد عقب مقتل علي الجزائرلي في الحضور إلى القاهرة واليا على ~~مصر، وكتب «لسبس» من القاهرة إلى حكومته منذ 25 يناير: «إن المخابرات ~~دائرة بين البكوات وبين الباب العالي ... وإنه علم من عدد من رؤساء البكوات ~~أنهم طلبوا من الباب العالي تنصيب خورشيد باشا حاكم الإسكندرية باشا ~~للقاهرة أي واليا على مصر، واعتمد البكوات في الوصول إلى غايتهم على ~~استطاعتهم توسيط الوكلاء الإنجليز لدى خورشيد، وكان غرضهم المباشر - ~~على نحو ما بينا - الاستيلاء على الإسكندرية.» # وكان من الأسباب التي ساعدتهم على بدء المفاوضة مع حاكم الإسكندرية، ~~أنه هو نفسه صار يطمع في باشوية القاهرة منذ مقتل علي الجزائرلي، ويسعى ~~هو الآخر لتوسيط الوكلاء الإنجليز لدى إبراهيم والبرديسي للظفر بهذه ~~الباشوية، وقد كتب «مسيت» إلى هوبارت بعد ذلك (20 فبراير): «أن إبراهيم بك ~~وعثمان بك البرديسي قد أخبراه بعد أيام قليلة من وفاة علي باشا الجزائرلي ~~أنهما يريدان عرض مركز الباشوية علي أحمد باشا خورشيد حاكم ~~الإسكندرية، ثم رجواه أن يبذل نفوذه معه كي يحمله على تسليم ~~الإسكندرية لهما عند قبوله عرضهما.» # ثم استطرد «مسيت» يقول: «وفي نفس اليوم وصله خطاب من «بريجز» يبلغه فيه ~~أن خورشيد باشا قد رجاه أن يطلب من «مسيت» أن يوصي البكوات باختياره ~~لمنصب الولاية الذي يصبو إليه.» # ولما كان مما يهم السياسة الإنجليزية وقتئذ أن ms0205 تكون الإسكندرية في أيدي ~~البكوات المماليك القوة الوطنية التي اعتقد السيد ألكسندر بول ومؤيدو ~~مشروعه المعروف، أن بوسعها الدفاع عن الإسكندرية وعن البلاد ضد الغزو ~~الفرنسي الذي توقعوا حدوثه؛ فقد أيد الوكلاء الإنجليز مساعي البكوات ~~وقبلوا هذه الوساطة، وصار «مسيت» يكثر من الاجتماع بالبرديسي سرا ~~على نحو ما لاحظ «لسبس» ثم قر الرأي على إرسال «ريجيو» # Reggio # ترجمان القنصلية الإنجليزية ~~لمقابلة خورشيد باشا، بينما صار «بريجز» # Briggs # نائب القنصل البريطاني بالإسكندرية يجتمع هو ~~الآخر بخورشيد باشا. # ولم يفطن «دروفتي» إلى المقصود من هذا النشاط في بادئ الأمر، فقال في 6 ~~فبراير: «إنه يبدو أن البكوات قد أحبوا في خورشيد باشا خلقه الموسوم ~~بالاعتدال وحب السلام، حتى إنه؛ أي دروفتي ليجرؤ على القول بأنه إذا ~~تقرر وضع الأمور في نصابها السابق والقديم؛ أي عودة الحكومة ~~المملوكية، وإعطاء مصر فترة قصيرة من الهدوء الداخلي؛ كان من المحتمل ~~أن يصبح خورشيد الرجل الذي يصلح لباشوية مصر في عهد هذه الحكومة ~~المملوكية»، ولكنه ما إن وقف من «لسبس» على حقيقة مساعي الوكلاء الإنجليز ~~وتأييدهم لهذه الخطوة، وطلب إليه «لسبس» أن يحاول جس نبض خورشيد باشا؛ ~~ليقف منه على مدى الدور الذي يقوم به هؤلاء للتقريب بين خورشيد ~~والبكوات؛ حتى تنبه لخطورة هذه المساعي، فانتهز زيارة خورشيد باشا له يوم ~~8 نوفمبر، وتحدث إليه عن وصول «ريجيو» إلى الإسكندرية، وقال «دروفتي» ~~إنه ربما كان هناك احتمال في بلوغ خورشيد منصب باشوية القاهرة، ولكن ~~خورشيد أجاب بأنه لا يريد الحديث في هذه المسألة ولا يريد أن يعرف شيئا ~~عنها، والواجب انتظار قرار القسطنطينية، فحذره دروفتي من مساعي الإنجليز ~~الذين يعملون دائما ضد مصالح الباب العالي ويريدون احتلال مصر، وأكد ~~خورشيد أنه «لا موضوع في هذه اللحظة عن أي كلام في إعطاء الإسكندرية ~~للبكوات أو السماح لجند أجانب باحتلال حاميتها.» # ويبدو أن خورشيد - وقد اتضحت له نوايا البكوات وعرف أن غرضهم ~~المباشر من عرض باشوية القاهرة عليه إنما هو الاستيلاء على الإسكندرية ~~وإخضاعه لسلطان حكومتهم في القاهرة ms0206 - قد أدرك خطورة قبوله هذا المنصب ~~في الظروف الراهنة، ورفض أن يكون تسليم الإسكندرية ثمنا لهذه الباشوية، ~~أضف إلى هذا أن حادث الفتك بعلي الجزائرلي كان لا يزال ماثلا في ~~الأذهان، كما أن موقف الباب العالي من البكوات بعد هذا الحادث لم يكن قد ~~عرف بعد، فصمم خورشيد على عدم تسليم الإسكندرية للبكوات، وعلى ذلك، فقد ~~كتب دروفتي من الإسكندرية إلى «ماثيو لسبس» في 9 فبراير 1804 «إن ~~خورشيد باشا لا يستطيع فعل شيء دون أن يصله فرمان الباب العالي ~~بالباشوية على مصر، كما أظهر جاثم أفندي خوفه من أن يحاول ~~المماليك الاستيلاء على الإسكندرية عنوة وبقوة السلاح إذا رفض ~~خورشيد اقتراحهم، وسأل «دروفتي» عما إذا كان في وسعه أن يجعل القناصل ~~بالإسكندرية والقاهرة يتدخلون لمنع البكوات من القيام بأي عمل، ووقف كل ~~الخطوات التي يريدون اتخاذها سواء بطريق المفاوضة أم بطريق العمليات ~~العسكرية للاستيلاء على الإسكندرية حتى تأتي تعليمات الباب ~~العالي.» # وعاد «دروفتي» فكتب بعد يومين إلى «لسبس»: «إن جاثم أفندي قد أكد له أنه ~~من المفهوم طبعا استحالة الاستماع لمقترحات البكوات حتى يحال الأمر ~~على الباب العالي وتأتي التعليمات من الأستانة. وفضلا عن ذلك فإن خورشيد ~~سوف يضمن للبكوات أن الفرنسيين لن يحضروا للاستيلاء على الإسكندرية، كما ~~عاد جاثم أفندي إلى الحديث في مسألة تدخل القناصل مع البكوات ~~لإرجاعهم عن محاولة الاستيلاء عنوة على الإسكندرية»، واستطاع ~~«دروفتي» أن يقف على الغرض من إرسال «ريجيو» إلى الإسكندرية، فقال: «إن ~~مهمته الأساسية تنحصر في أن يطلب من خورشيد قبول باشوية القاهرة، ~~وقبول احتلال الإسكندرية بجند تابعين للبكوات، ولكنه تقرر - كما ~~استطرد دروفتي يقول، وبناء على ما أبلغه إياه كل من خورشيد باشا نفسه ~~وجاثم أفندي والقبطان بك - «أن يجيب هؤلاء على مقترحات البكوات بأنه لم ~~تكن لديهم أية تعليمات من الباب العالي بإعطاء الإسكندرية للمماليك، ~~وأنهم سوف يضطرون للدفاع عنها إذا حاول إنسان دخولها عنوة وبقوة ~~السلاح.» # وبالفعل بدأت منذ 12 فبراير حركة الأسطول العثماني في الميناء ~~القديمة، «دليلا على ms0207 أنه يريد الخروج إلى عرض البحر، استعدادا ~~للحركات العسكرية وقت الحاجة» على نحو ما كتب دروفتي إلى «ماثيو لسبس» ~~بعد ذلك. # وكان في أثناء هذه الحوادث أن وصلت السفينة الإنجليزية «أرجو» بقيادة ~~الكابتن «هالويل» تحمل «محمد الألفي» إلى الشواطئ المصرية، وقد قابل ~~«هالويل» - بعد إنزال الألفي عند أدكو - ومعه «بريجز» خورشيد باشا، وأكدا ~~له قرب وصول جيش فرنسي إلى مصر، فكتب «دروفتي» للجنرال «برون» في 18 ~~فبراير عن أثر هذه المقابلة في نفس خورشيد باشا، قال: «إنه صار مصمما ~~الآن أكثر من أي وقت مضى؛ على الدفاع عن الإسكندرية ضد المماليك وضد ~~الإنجليز وضد الفرنسيين؛ حيث إنه ليس لديه أوامر ما بتسليم الإسكندرية»، ~~وهكذا أخفق «ريجيو» في مهمته وغادر الإسكندرية دون أن يظفر بإجابة مرضية ~~واتخذ خورشيد خطوات معينة لدفع القوة بمثلها.» # ولما كان «مسيت» قد غادر القاهرة إلى الإسكندرية في 23 فبراير فقد ~~اجتمع عند وصوله إليها بخورشيد باشا، ولكنه أخفق كذلك في محاولة ~~إقناعه؛ أي خورشيد بتسليم الإسكندرية فأبلغ حكومته في 2 مارس معللا ~~سبب إخفاقه بأنه قد تأكد لديه من محادثاته مع خورشيد «أن الباب العالي ~~لم يكن مخلصا في صلحه مع البكوات، وأنه في فرماناته الأخيرة إنما رضي ~~بالتنازل لهم عن الأماكن التي لم تصبح في قبضته هو فحسب، ويعلن خورشيد ~~باشا أن لديه أوامر قاطعة بعدم السماح للمماليك أو الأرنئود بالدخول إلى ~~الإسكندرية، ويقول إنه تثبت في مركزه كحاكم للإسكندرية في نفس الوقت الذي ~~كان فيه كل جزء من أجزاء مصر الأخرى في قبضة البكوات وتحت سيطرتهم، فلو ~~أن الإسكندرية كانت معدودة فعلا من هذه الأماكن لنحى الباب العالي ~~خورشيد عنها، ولكان من حق البكوات أن يعينوا كاشفا يحكمها - كما كان ~~الحال قبل الغزو الفرنسي.» # وقد أقر الباب العالي خورشيد واعتبر من حسن الحظ أن يكون هذا مواليا ~~لتركيا، وقد ظهر ارتياح الباب العالي عندما وقف الجنرال «برون» من الريس ~~أفندي عند اجتماعه به على تفصيلات ما حدث، ثم كتب إلى حكومته في 12 ~~مارس ms0208 «أن الباب العالي قد أصدر أمره إلى خورشيد باشا بأن لا يقبل جنود ~~البكوات في المدينة وأن يحافظ على الإسكندرية، ويحول دون دخول أية ~~نجدات إليها عدا تلك التي ترسلها إليه حكومته برا وبحرا، ثم استطرد ~~يقول: وهناك ست سفن في مياه القسطنطينية مستعدة للسفر إلى الإسكندرية؛ إذ ~~قال الريس أفندي إن الإنجليز منذ حادث خسرو باشا قد دأبوا على الرغبة في ~~التدخل في شئون مصر.» # وأما البكوات فقد شغلهم عن مسألة الإسكندرية، وعرض باشوية القاهرة ~~على خورشيد باشا وصول الألفي من سفارته في لندن. # رابعا: مطاردة الألفي # أنزل المركب الحربي «أراجو» محمد الألفي عند أبي قير، ووصل الألفي إلى ~~إدكو سيرا على قدميه، وفي 14 فبراير وصل إلى رشيد، فخرج لمقابلته في ~~منتصف الطريق يحيى بك البرديسي حاكمها وعمر بك رئيس الأرنئود، وحيت ~~المدينة دخول الألفي إليها بعد منتصف الليل بإطلاق المدافع من السفن في ~~النيل، وقابله أهلها في صبيحة اليوم التالي واحتفوا به، كما قابله ~~القناصل، ونزل الألفي في مركب «البطروشي» نائب القنصل البريطاني قاصدا ~~السير في النيل إلى القاهرة، وبادر يحيى بك بإبلاغ البكوات في القاهرة ~~نبأ وصول الألفي، فعلمت به القاهرة في 17 فبراير، وأسرع الألفي الصغير ~~بإطلاق المدافع من موقعه بالجيزة تحية لرئيسه، كما أرسل أوامره للبكوات ~~والكشاف من بيت الألفي بالذهاب لاستقباله، ولبى هؤلاء هذه الدعوة بحماس ~~شديد حتى إن أحد البكوات مع ثلاثة من الكشاف سرعان ما خرجوا في مساء ~~اليوم نفسه يعسكرون بين إمبابة والجيزة في انتظار وصوله. # غير أن نبأ وصول الألفي كان مفاجأة سيئة للبرديسي ولإبراهيم، اللذين ~~كانا قد بذلا قصارى جهدهما مع الإنجليز لمحاولة إقناعهم باحتجاز الألفي ~~ومنعه من العودة إلى مصر، ثم نفى رسولهما «سليم أفندي» للكابتن «هالويل» ~~في مالطة أن الألفي كان مفوضا من البكوات في سفارته المزعومة في لندن ~~على نحو ما سبق ذكره، وكان البرديسي وإبراهيم قد سمحا للألفي الصغير ساعد ~~الألفي الكبير الأيمن ونائبه في غيبته، بمشاركتهما في الحكم؛ تعمية له ~~من جهة، حتى ms0209 لا يفطن لمقاصدهما، ومحافظة على مظهر الاتحاد بين مختلف ~~الطوائف المملوكية لدعم أركان حكومتهما في القاهرة من جهة أخرى. # ولكنه حدث منذ أن تسلم البرديسي زمام السلطة العليا في القاهرة بعد ~~انسحابه من دمنهور في سبتمبر 1803 أن صار الألفي الصغير يجد نفسه ~~مبعدا رويدا رويدا عن شئون الحكم والإدارة، ولا جدال في أن البرديسي ~~كان على حق في سلب كل سلطة منه بسبب ما ظهر من شطط في معاملته للأهلين ~~وما أنزله من مظالم بهم، ولكن الألفي الصغير سرعان ما فسر ذلك بأن ~~البرديسي إنما يريد إبعاد السلطة عن بيت الألفي، وأظهر استياءه من ~~حكومة البرديسي وإبراهيم، وصار يعلن رجاءه في أن تسفر سفارة سيده في لندن ~~عن جمع السلطة في بيت الألفي، وساد سوء التفاهم بينه وبين البرديسي، وجمع ~~الألفي الصغير مماليكه ومشاته من السود واليونان ومدفعيته بالجيزة، وقبع ~~هناك في انتظار عودة محمد بك الألفي، حتى إذا بلغه خبر وصوله أطلق مدافعه ~~لإعلان هذا النبأ وتحية لسيده، وخرج من الجيزة لمقابلته. # وقد أزعج مسلك الألفي الصغير عثمان بك البرديسي، الذي استبد به القلق، ~~بسب ذيوع الاعتقاد بأن الألفي الكبير إنما حضر يسنده الإنجليز بقوتهم، ~~ولا يلبث - لذلك - أن يستولي على أسباب السلطة ويظفر باحترام سائر ~~البكوات له، ولن يستطيع البرديسي عندئذ استرجاع نفوذه إلا إذا اشتبك في ~~معارك شديدة وحالفه النصر في نضاله من غريمه ومنافسه. # وعلى ذلك فإنه بدلا من إطلاق المدافع ابتهاجا بنبأ وصول الألفي، هرع ~~البرديسي إلى محمد علي ينشد النصح والإرشاد عند الرجل الذي أولاه ~~البرديسي ثقته دائما، والذي تظاهر في كل المناسبات السابقة بأنه لا ~~غايات ولا مآرب شخصية له، وظل مبتعدا عن المنافسات والمشاحنات ~~المملوكية، ولديه - إلى جانب هذا كله - القوة العسكرية التي تمكن ~~البرديسي من مطاردة خصمه، ووجد محمد علي في لجوء البرديسي إليه يطلب منه ~~النصيحة فرصة مواتية للمضي في تنفيذ خطته، وهي العمل في هذه المرحلة ~~وبعد أن تم الخلاص من علي باشا الجزائرلي، على إضعاف المماليك وكسر ms0210 ~~شوكتهم بتأليبهم ضد بعضهم بعضا. # وعلى ذلك فقد كثر انعقاد المؤتمرات بين البرديسي ومحمد علي طوال ~~اليومين التاليين، وأسفرت هذه المؤتمرات عن تدبير تلك الخطة التي خالف ~~فيها البرديسي تقاليد وعادات المماليك القديمة، وهي تقاليد قال عنها ~~«ماثيو لسبس» إنها تجعل المماليك ما داموا أتباعا لسيد واحد يعتبرون ~~أنفسهم من بيت واحد، فلا يرتكبون أعمالا عدوانية تتسم بطابع الفظاعة ~~والغدر المشين ضد بعضهم بعضا، ومع أن البرديسي والألفي كانا من بيت ~~مراد، فقد رأى البرديسي بعد مشاوراته مع محمد علي واتفاقه معه على الغدر ~~والفتك بالألفي الكبير وبرجاله، فأرسلت الأوامر في 19 فبراير إلى رشيد ~~وحاكمها يحيى بك البرديسي بقتل الألفي، ثم إلى سائر الأعيان في تلك الجهة ~~بوقفه والقبض عليه. # وفي ليل 19-20 فبراير قامت ثلاث حملات في وقت واحد، إحداها بقيادة ~~البرديسي ضد حسين بك الوشاش الألفي في إمبابة، والأخريان بقيادة محمد علي ~~ضد الألفي الصغير ومماليكه بالجيزة، ففوجئ حسين الوشاش، وقتله مماليك ~~وكشاف عثمان البرديسي غدرا، وأما جيشا الأرنئود فقد استولى أحدهما على ~~خيول الألفي الصغير في سهل الجيزة، بينما انقض الآخر على الجيزة نفسها، ~~وهرب الألفي الصغير، ولكن الأرنئود بدلا من مطاردته دخلوا الجيزة ~~ونهبوها، واستمر النهب حتى يوم 22 فبراير. # وعلم البرديسي في 21 فبراير أن الأوامر التي بعث بها إلى يحيى بك قد ~~وصلت رشيد بعد فوات الفرصة، وأن الألفي قد غادرها قاصدا إلى القاهرة، ~~فخرج البرديسي ومحمد علي لملاقاته، وحشدا في النهر «النيل» قوارب كثيرة ~~ملأى بالجند الأرنئود، وكان الألفي يجهل كل ما حدث وينطلق على ظهر «قنجة» ~~أو ذهبية الوكيل الإنجليزي البطروشي رافعا عليها العلم البريطاني، ~~ففاجأه الأرنئود، وكان لم يبتعد عن منوف كثيرا، واستطاع «الألفي» ~~الإفلات، بينما انقض الأرنئود على مراكبه المحملة بعتاده وبالهدايا التي ~~جلبها معه من لندن، وقد بيعت هذه في أسواق القاهرة بعد ذلك. # واستمر الألفي في سيره حتى وصل قريبا من «شبرا شهاب» أو الشهابية، ~~وهناك علم بما وقع في القاهرة من رسول كان في طريقه إلى ms0211 كاشف أو حاكم ~~منوف سليمان بك البواب لإبلاغه بما وقع، فنزل الألفي من فوره إلى الشاطئ ~~الشرقي ومشى مع مماليكه حتى وصلوا إلى ناحية «قرنفيل» ودخلوا إلى نجع عرب ~~الحويطات وآوته امرأة من الحويطات ثم أركبته فرسا، وأصحبته دليلين ~~هجانين، فساروا إلى قرب الخانكة، وهناك هاجمه أعراب من قبيلة «بلي» ~~وتبودل بين الفريقين إطلاق النار، وأسرع البرديسي - الذي كان مع بعض ~~البكوات في القليوبية يبحثون عن الألفي إلى مكان المعركة عند سماعه ~~الطلقات الأولى، ولكن بعد فوات الفرصة؛ لأن الألفي كان قد استطاع النجاة ~~مع دليليه وتوغلوا في الصحراء. # وأما محمد علي فقد سار بجنده إلى منوف للقبض على سليمان كاشف البواب، ~~ولكن هذا الأخير كان قد غادر المكان فاستولى محمد علي على معسكره، وأما ~~البرديسي فقد بادر بإبلاغ «مسيت» منذ 22 فبراير خبر مطاردته للألفي ~~راجيا أن لا يكون قد أغضب «جلالة ملك الإنجليز» بعمله هذا؛ «لأن «مسيت» ~~نفسه يعرف جيدا - كما قال البرديسي - أن عودة الألفي إلى السلطة سوف ~~يترتب عليها استمرار الحرب ذات النتائج السيئة بين المماليك، علاوة على ~~أن الألفي عدو للإنجليز؛ كما يدل على ذلك مسلكه في مالطة من جهة ثم ~~صداقة أتباعه للوكيل الفرنسي من جهة أخرى»، وأما الألفي فقد اختفى ~~«بشرقية بلبيس برأس الوادي عند شخص من العربان يسمى عشيبة.» # وكتب لسبس إلى تاليران في 23 فبراير معلقا على هذه الحوادث «أن ~~الأرنئود في شدة الفرح لما حدث؛ إذ شاهدوا المماليك يبيدون أنفسهم ~~بأنفسهم وساهموا هم؛ أي الأرنئود في هلاكهم، وصاروا لا يخشون الآن بأس ~~من بقي منهم؛ ولذلك فإن زعماء الأرنئود يؤكدون له؛ أي لماثيو لسبس أنه ~~بمجرد الانتهاء تماما من مسألة الألفي، فإنهم سوف يبلغون البرديسي بأنهم ~~سيفعلون معه نفس ما فعلوه مع الألفي إذا لم يدفع لهم مرتبات ثمانية شهور، ~~وينهبون القاهرة ...» وكانت مشكلة مرتبات الجند هي المسألة التي واجهت ~~حكومة البكوات مباشرة بعد القضاء على نفوذ الألفي وتشتيت أتباعه، وذلك ~~في وقت كانت هذه الحكومة فيه قد ضعفت ضعفا ms0212 كبيرا وتألب القاهريون ~~ضدها بسبب سوء إدارتها. # خامسا: سوء الحكم والإدارة # فقد عجز البكوات منذ أن دانت لهم السلطة في القاهرة عقب مقتل طاهر باشا ~~عن إقامة الحكومة القوية التي تستطيع إعادة الهدوء والسكينة إلى العاصمة، ~~وتعمل على استقرار الأوضاع بها، وقد عرضنا في أثناء هذه الدراسة بعض ~~أسباب هذا العجز، ومنها تقدم السن بإبراهيم بك لدرجة أفقدته القدرة على ~~كبح جماح سائر البكوات، أمثال حسين الزنطاوي والألفي الصغي، الذين اشتطوا ~~في إساءة معاملة الأهلين وابتزاز الأموال منهم، بينما شغل البرديسي ~~بمطاردة خسرو باشا أولا ثم مناجزة علي الجزائرلي وأخيرا مطاردة ~~الألفي، ومنها خلو الخزينة من المال بسبب الفتن الأخيرة المنتشرة في ~~طول البلاد وعرضها والتي نجم عنها كساد التجارة وتعطيل الزراعة، فنضب ~~معين الإيرادات العامة، كما زاد الحال سوءا نقص النيل نقصا فاحشا ~~(سبتمبر 1803) وتهديد القاهرة بالمجاعة. # ثم ما جرى عليه البكوات والكشاف والمماليك من الاستيلاء على الغلال ~~والحبوب وتخزينها؛ لبيعها بأثمان مرتفعة للأهلين، فعم الاضطراب ~~القاهرة، ثم زاد من حدته انتشار الجند الأرنئود حلفاء البكوات يعتدون على ~~القاهريين ويؤذونهم في أرواحهم وأموالهم، وعجز البكوات عن كبح جماح ~~الأرنئود لأنهم لم يستطيعوا دفع مرتباتهم لهم، ولأنهم كانوا في حاجة ~~مستمرة لتحالفهم معهم. # ولم يشأ البكوات - على نحو ما أوضحنا سابقا - أن يتحملوا هم نفقات ~~هؤلاء الأجناد من جيوشهم، أو على الأقل شطرا منها، بل استأثروا لأنفسهم ~~- على النقيض من ذلك - بكل ما وصلت إليه أيديهم من المغارم التي ~~حصلوها أو الأموال التي صادروها في دمياط ورشيد وسائر البلدان والقرى ~~في الوجه البحري، خصوصا في أثناء عملياتهم العسكرية ضد خسرو وعلي ~~الجزائرلي، واعتمدوا لذلك على ما قد يستطيعون الحصول عليه من المغارم ~~والإتاوات التي صاروا يفرضونها على الأهلين وسكان القاهرة من وطنيين ~~وأجانب. # ويذكر الشيخ الجبرتي كما يذكر الوكلاء الإنجليز في القاهرة الشيء الكثير ~~من هذه المظالم التي زادت من حروجة الحال في القاهرة والأقاليم على ~~السواء، وانتهى بها الأمر بتحريك الأهلين على الثورة ضد البكوات، وأعطت ~~«محمد علي» الفرصة ms0213 لتدبير طردهم من العاصمة وإنهاء سلطانهم بها، فذكر ~~الشيخ الجبرتي في حوادث «شهر ربيع الأول 1218ه/13 يوليو 1803م» أن جوخدار ~~البرديسي سافر «إلى ولاية الغربية، وكان شاهين كاشف المرادي هناك يجمع ~~الفردة، وتوجه إلى طنتدا «طنطا» وعمل على أولاد الخادم ثمانين ألف ريال، ~~فحضروا إلى مصر ومعهم مفاتيح مقام سيدي أحمد البدوي هاربين، وتشكوا ~~وتظلموا وقالوا لإبراهيم بك لم يبق عندنا شيء؛ فإن الفرنساوية نهبوا ~~وأخذوا أموالنا.» # وذكر في حوادث «شهر جمادى الأولى 1218ه/27 أغسطس 1803م»، أن البكوات ~~«أرادوا عمل فردة وأشيع بين الناس ذلك فانزعجوا منه، واستمر الرجاء ~~والخوف أياما، ثم انحط الرأي على قبض مال الجهات ورفع المظالم ~~والتحرير من البلاد والميري عن سنة تاريخه من الملتزمين ويؤخذ من القبط ~~ألف وأربعمائة كيس، هذا مع توالي وتتابع الفرد والكلف على البلاد حتى ~~خرب الكثير من القرى والبلاد وجلا أهلها عنها خصوصا إقليم البحيرة فإنه ~~خرب عن آخره.» # واستمر الحال على ذلك حتى إذا ظهر نقص النيل «في منتصف هذا الشهر» (3 سبتمبر) «وصار الأمراء يأخذون الغلال القادمة إلى بولاق بمراكبها قهرا ~~عن أصحابها ويخزنونها لأنفسهم قلت الغلة وعز وجودها في العرصات ~~والسواحل، وقل الخبز من الأسواق والطوابين وداخل الناس وهم عظيم ... ~~واجتمع بعض المشايخ وتشاوروا في الخروج إلى الاستسقاء فلم يمكنهم ذلك ~~لفقد شروطها، وذهبوا إلى إبراهيم بك وتكلموا معه في ذلك، فقال لهم وأنا ~~أحب ذلك، فقالوا له وأين الشروط التي من جملتها رفع المظالم وردها ~~والتوبة والإقلاع عن الذنوب؟ فقال لهم هذا أمر لا يمكن ولا يتصور، ولا ~~أقدر عليه، ولا أحكم إلا على نفسي. فقالوا إذن نهاجر من مصر، فقال: وأنا ~~معكم، ثم قاموا وذهبوا.» # ولم تسفر مساعي المشايخ عن شيء، بل لم يلبث البكوات - في أول أكتوبر - ~~أن أنزلوا فردة أيضا على أهل البلد ووزعوها على التجار وأرباب الحرف، ~~كل طائفة قدر من الأكياس خمسون فما دونها إلى عشرة وخمسة، وبث الأغوات ~~للمطالبة فضج الناس وأغلقوا حوانيتهم وطلبوا التخفيف بالشفاعات للوسايط ~~والنصارى ... واشتدت أزمة ms0214 الغلال وارتفعت أسعارها في «السوق السوداء»، فضج ~~الناس وشح الخبر من الأسواق «وخاطب بعض الناس الأمراء الكبار في شأن ذلك ~~واستمر الحال على ذلك إلى آخر الشهر (6 أكتوبر)، وتسلط العسكر والمماليك ~~على خطف ما يصادفونه من الغلة أو التبن أو السمن ... وإن حضرت مركب بها ~~غلال وسمن وغنم من قبلي أو بحري؛ أخذوها ونهبوا ما فيها جملة، فكان ~~ذلك من أعظم أسباب القحط والبلاء». # وفي 20 أكتوبر «اجتمع المشايخ وذهبوا إلى إبراهيم بك وكلموه بسبب ما ~~أخذوه من حصة الالتزام بالحلوان أيام العثمانيين ثم استولى على ذلك ~~جماعتهم»؛ أي جماعة البكوات، وقد استمرت هذه المظالم ولم يغن توسط ~~المشايخ أو احتجاجهم فتيلا في رفعها، وفي نوفمبر كتب الشيخ الجبرتي: ~~«كثر عبث العسكر وعربدتهم في الناس فخطفوا عمائم وثيابا وقبضوا على بعض ~~أفراد وأخذوا ثيابهم وما في جيوبهم من الدراهم»، ولم يستطع البكوات منع ~~اعتداءات العسكر، ولم تفد مناداتهم «بالأمن والأمان للرعية» أو ~~تنبيههم على الناس «إن وقع من العسكر أو المماليك خطف شيء يضربوه وإن لم ~~يقدروا عليه فليأخذوه إلى حاكمه، ومثل هذا الكلام الفارغ»؛ لأن العسكر ~~«بعد مرور الحكام بالمناداة خطفوا عمائم ونساء!» # وفي 16 ديسمبر «قرروا فردة على البلاد برسم نفقة العسكر ... وعبث العسكر ~~وخصوصا بالأرياف»، وفي 27 يناير 1804 حاول البرديسي أن يحصل عنوة ~~من الشيخ السادات على «عشرين ألف ريال سلفة» ولم يرده عن الشيخ سوى ~~تدخل عديلة هانم ابنة إبراهيم بك، وانتهز المشايخ فرصة وصول صالح ~~أغاقابجي باشا من القسطنطينية يحمل فرمانا بتاريخ 20 يناير 1804 باسم ~~علي الجزائرلي والقاضي في مصر وإبراهيم بك شيخ البلد وعثمان بك البرديسي ~~وسائر البكوات ومفتي المذاهب الأربعة وعلماء الأزهر الشريف وضباط ~~الوجاقات السبع ورؤساء القضاة في القاهرة، ويتضمن «ولاية علي باشا ~~والأوامر المعتادة» وانعقاد الديوان لقراءة هذا الفرمان في 2 فبراير ~~1804 «فتكلم الشيخ الأمير في ذلك المجلس وذكر بعض كلمات ونصائح في اتباع ~~العدل وترك الظلم وما يترتب عليه من الدمار والخراب، وشكا الأمراء ~~المتآمرون من ms0215 أفعال بعضهم البعض وتعدي الكشاف النازلين في الأقاليم ~~وجورهم على البلاد وأنه لا يتحصل لهم من التزامهم وحصصهم ما يقوم ~~بنفقاتهم «فاتفق الحال على إرسال مكاتبات للكشاف بالحضور والكف عن ~~البلاد»، ولكن شيئا من ذلك لم يحدث واستمرت المظالم واستمرت ~~الفوضى. # وأما الوكلاء الأجانب، فقد ظلوا يشكون كذلك من عسف الحكومة المملوكية، ~~ومن المظالم والإتاوات التي فرضوها على رعايا دولهم والداخلين تحت ~~حمايتها، فشكا «ماثيو لسبس» في 22 أغسطس 1803 من الإتاوات الشديدة التي ~~فرضها البكوات على المسيحيين بما في ذلك المحميين الفرنسيين، وصار ~~يطالب البكوات بدفع تعويض للمسيو «مانجان» # Mengin # الذي ظل يزاول التجارة في مصر بعد خروج ~~الفرنسيين منها، كما استمر يبذل قصارى جهده لحماية مصالح البيوت التجارية ~~الفرنسية في القاهرة لأصحابها «كاستينل ولونيل» # Castinel er Lionel ~~، «وكاف» # Caffe ~~، و«روييه» # Royer # إلى جانب «مانجان»، ثم بيت المحميين ~~الفرنسيين جورج عبده وإلياس عبده، ثم استمر يشكو في 24 أكتوبر 1803 من ~~مظالم البكوات وسوء الحالة العظيم في القاهرة، وقال إن مبعث ذلك حاجة ~~البكوات إلى المال لدفع مرتبات الأرنئود. # وقد فرض البكوات قرضا على الأجانب من مائتي كيس بضمانة الجمرك والميري، ~~واضطر القنصل النمساوي «روشتي» والقنصلان الإنجليزي «مسيت» والفرنسي ~~«لسبس» إلى الموافقة على النصح لمواطنيهم ومحمييهم بدفعها إزاء تهديد ~~الأرنئود خصوصا بنهب المدينة، وبسبب عجز البكوات الظاهر عن ردعهم ~~لضعفهم، ولانتشار الخلافات والانقسامات بينهم، وفي يناير 1804 ظلت ~~شكاوى لسبس تترى على حكومته من فظائع الأرنئود الذين ينهبون ويقتلون ~~السكان في وسط الأسواق ذاتها، وفي 7 فبراير كتب إلى حكومته أن هؤلاء ~~الأرنئود الذين لم تدفع لهم مرتباتهم صاروا يهددون بالقيام بحركة عنيفة ~~في القاهرة، ثم عاد في 23 فبراير يردد ما قاله ويذكر كيف أن الأرنئود ~~قد تطرفوا في فظائعهم التي يرتكبونها ضد الأهلين وسكان القاهرة عموما ~~وبخاصة بعد عودتهم إليها عقب مقتل علي باشا الجزائرلي، فضلا عن مطالبتهم ~~المستمرة بمرتباتهم المتأخرة، بمائتي كيس بدعوى إرسال قافلة الحج بالمحمل ~~إلى الحجاز. # وأما «مسيت» الوكيل الإنجليزي فإنه لم ينقطع ms0216 هو الآخر عن إظهار أسباب ~~ضعف حكومة البكوات في رسائله التي بعث بها إلى حكومته من وقت دخول هؤلاء ~~إلى القاهرة، والتي أشرنا إليها في مواضع كثيرة سابقة، ومنذ 28 أكتوبر ~~1803 كتب إلى «هوبارت» يقيم الدليل الساطع على فساد حكومة البكوات في ~~نظره بذكر مثال واحد هو ما بلغه «روشتي» قنصل النمسا والروسيا العام في ~~مصر من شأو في عهدهم، فقال: «إن روشتي كان في عهد حكومة خسرو باشا من ~~جملة الأغنياء المعروفين بعدائهم للبكوات، ولكنه صار الآن - بفضل أمواله ~~- صاحب نفوذ عظيم معهم، فقد سمع «مسيت» البكوات أنفسهم عندما كانوا ~~بالجيزة مع الجنرال ستيوارت، وكذلك في أثناء حملتهم في الدلتا، يعلنون أن ~~«روشتي» هذا سوف يكافأ على خيانته وعدم عرفانه بجميلهم عليه إذا استرجعوا ~~السلطة في البلاد، ومع ذلك فقد استطاع «روشتي» بسبب توزيعه المال ~~والهدايا عليهم وعلى كبار ضباطهم منذ عودتهم إلى القاهرة أن يستل سخيمتهم ~~وأن يزيل نفورهم منه، بل وأنشأ معهم صلات لخيره ومصالحه على أساس ثابت ~~مكين، وعلى غرار ما كان الحال بينه وبينهم عليه قبل الغزو ~~الفرنسي.» # وفي فبراير 1804 بعث مسيت برسالة مطولة إلى حكومته يشكو من محاولة ~~البرديسي إلزام بعض الرعايا البريطانيين الذين يزاولون التجارة في ~~القاهرة بدفع رسوم على بن مستورد من مخا لحسابهم، زيادة على الرسم ~~المقرر عليه وهو 3٪، وذلك كما قال «مسيت» بتحريض من حسين بك الزنطاوي، ~~وخشي التجار على أنفسهم وأموالهم فدفعوا ما طلبه البرديسي منهم، ثم لم ~~تمض أيام قليلة حتى طلب البكوات من وكلاء الدول الأجنبية قرضا بمائة ~~وخمسين كيسا، يجمع من كل الأوروبيين ومحميي دولهم في القاهرة، وهدد ~~البرديسي بإنقاذ حسين الزنطاوي إلى حي الإفرنج ليجمع منهم 200 كيس عنوة ~~سواء وافق القناصل أم لم يوافقوا، واضطر مسيت إلى التهديد بالدفاع عن ~~بيته بقوة السلاح إذا حصل اعتداء عليه، واعتذر البكوات، ولكنه وجد أن ~~الحياة لم تعد آمنة بالقاهرة، فغادرها في 23 فبراير إلى الإسكندرية، ~~وكتب «ماثيو لسبس» في اليوم نفسه «إن مسيت بعد ms0217 أن احتج بشدة لدى البرديسي ~~وإبراهيم بك على ما فعلاه ضد الألفي الذي هو تحت الحماية الإنجليزية ~~لم يلبث أن أعلن إليهما أن «هالويل» قائد الفرقاطة الإنجليزية التي حملت ~~الألفي إلى أبي قير قد دعاه لمقابلته ...» # وأما «لسبس» فقد استطاع هو الآخر مغادرة القاهرة في 27 فبراير، فبلغ ~~الإسكندرية في 4 مارس وكتب في اليوم التالي لوصوله يشرح الأسباب التي ~~دعته لاتخاذ هذه الخطوة، ومنها «إمعان البكوات في إهاناتهم للمواطنين ~~والمحميين الفرنسيين، وفي وقاحاتهم، وأن عثمان البرديسي الذي أراد قبل ~~ذلك إرغام المواطن كاف على دفع خمسة آلاف ريال أبو طاقية؛ بدعوى حاجته ~~إليها لدفعها للجند الأرنئود وتسريحهم؛ قد أعطى حوالة عليه بهذا المبلغ ~~لحسين بك الزنطاوي حتى يتولى هذا الأخير إرغامه على دفعها، ثم إن ~~البرديسي لا يزال يطلب من تاجر نمساوي ظل مقيما بالقاهرة - ثلاثين ~~كيسا، ويطلب من «روشتي» خمسين كيسا بدعوى دفع مرتبات الجند منها، كما ~~طلب الخراج من المحميين الفرنسيين»، وفي هذه الرسالة ذكر «لسبس» أن ~~«روشتي» يستعد للرحيل من القاهرة بحجة تبديل الهواء في الإسكندرية، بينما ~~غادر القاهرة أو صار على وشك مغادرتها كل الأوروبيين الذين لم ترغمهم ~~ظروفهم على البقاء بها. # تلك إذن كانت حال القاهرة، بعد أن استمر حكام البكوات بها أقل من عام ~~واحد فحسب: مظالم ومصادرات، واعتداءات من الجند على الأهلين، وتذمر وسخط ~~شديد من جانب الأهلين والمشايخ على حكومة البرديسي وإبراهيم المستبدة ~~والضعيفة. وليس من شك في أن مبعث أكبر الصعوبات التي صادفتها هذه الحكومة ~~كان تمرد الجند وعصيانهم ومطالبتهم بمرتباتهم المتأخرة، وعجز البكوات عن ~~دفعها، وكانت أزمة المرتبات هذه الصخرة التي تحطمت عليها حكومتهم العاجزة ~~أخيرا. ~~(3) انقلاب «12-13 مارس» وطرد البكوات من القاهرة # اعترف الباب العالي بحكومة البكوات الفعلية منذ وصول فرمانه إليهم في نوفمبر ~~1803 يحمل ترتيبات الوضع الجديد وعفو السلطان العثماني وصفحه عنهم، ومع أن ~~البكوات لم يرضوا عن هذه الترتيبات للأسباب التي ذكرناها في موضعها؛ فقد ~~عقدوا العزم على مواصلة مساعيهم في القسطنطينية للحصول على شروط ms0218 أفضل، ولم ~~ينعدم الرجاء في إمكان إقناع الباب العالي بالتسليم والرضوخ للأمر الواقع، إذا ~~ثابر البكوات على هذا المسعى، واستمر يتوسط الإنجليز والفرنسيون لصالحهم في ~~القسطنطينية. # وفضلا عن ذلك فإنه لم يبد من جانب الباب العالي - منذ أن بعث بعلي باشا ~~الجزائرلي واليا على مصر وقرر ترتيباته الأخيرة لحكومة البلاد - ما يدل على ~~أنه قد اعتزم تغيير هذه السياسة، بل إن الفرمان الذي أصدره الباب العالي في ~~20 يناير 1804، وحمله صالح أغاقابجي باشا إلى مصر جاء خلوا من ذكر الجمارك ~~والالتزام وغيره - على حد تعبير الشيخ الجبرتي - مما كان ذكره «علي باشا ~~الجزائرلي»، أو ما جاء - بتعبير أدق - في الفرمان الصادر في 5 سبتمبر ~~1803 والذي سبق الحديث عنه. # وفي فبراير 1804 قرأ البكوات فرمانا «وصل من الدولة لعلي باشا الجزائرلي ~~والأمراء بتشهيل أربعة آلاف عسكري وسفرهم إلى الحجاز لمحاربة الوهابيين، ~~وإرسال ثلاثين ألف إردب غلال إلى الحرمين»؛ أي أن اعتراف الباب العالي بحكومة ~~البكوات أو مشيختهم استمر إلى الوقت الذي كانت قد أخذت تبدأ فيه الحوادث التي ~~انتهت بطرد حكومتهم من القاهرة. # وسواء كان اعتراف الباب العالي بحكومتهم وقتيا - ولا يثق البكوات في إخلاص ~~الوزراء العثمانيين وصدق نواياهم نحوهم بالرغم من وعود الصفح والغفران، وقد ~~أشار مسيت إلى ذلك عندما ذكر لحكومته في 4 فبراير أن ذلك كان موقف البكوات من ~~الباب العالي بالرغم «من الفرمانات الكثيرة التي صارت تصل إليهم من الباب ~~العالي في هذه الأيام تخولهم امتلاك مصر» - أم كان الباب العالي مخلصا في ~~نواياه؛ فقد كان لدى البكوات الفرصة السانحة لتعزيز حكومتهم الفعلية في مصر لو ~~أنهم لم يرتكبوا تلك الجريمة السياسية التي أودت بحياة علي الجزائرلي، ممثل ~~الباب العالي الشرعي في البلاد، فقد كانوا أصحاب السيطرة الفعلية في البلاد ~~بأسرها ما عدا الإسكندرية، وكان من المحتمل - وعلى نحو ما استهدف البكوات ~~أنفسهم في أول الأمر - أن تخضع الإسكندرية ذاتها لسلطانهم بعد انتقال ~~الجزائرلي إلى القاهرة، ولكنهم بقتل علي الجزائرلي، خلقوا لأنفسهم متاعب ~~ومشاكل كثيرة لم ms0219 يستطيعوا التغلب عليها، وأفضت إلى سقوطهم. # ولعل أهم النتائج التي ترتبت على الفتك بعلي الجزائرلي من حيث مصير الحكومة ~~المملوكية أن صفح الباب العالي عنهم واعترافه بحكومتهم في النظام الذي صدر ~~به فرمانه إليهم وإلى علي باشا في 5 سبتمبر 1803 قد سقط الآن في الهواء، ~~ووقف البكوات بفعلتهم موقف الثوار والعصاة من صاحب السيادة الشرعية على ~~البلاد، وحرمت حكومتهم من ذلك السند الشرعي الذي كان لا غنى لها عنه في نظر ~~الأهلين خصوصا لاستقامة أوضاع الحكم في مصر، فقد تقدم كيف أن أصحاب كل ~~انقلاب من الانقلابات الماضية كانوا يستكتبون المشايخ والعلماء رجال الشرع ~~العرائض للسلطان ؛ لتبرير ما حدث، ولحمل الباب العالي على إقرار الأوضاع ~~الجديدة. # أما البكوات فلم يستطيعوا بعد قتلهم علي باشا استكتاب المشايخ مثل هذه ~~العرائض، واستمر الأهلون ينظرون إليهم كمجرمين، ثم ازداد حنقهم على البكوات ~~بسبب سوء إدارتهم وما وقع على الأهلين من مظالم فادحة في عهدهم. # وقد نجم عن افتقار حكومتهم إلى هذا السند الشرعي، وإقدامهم على ارتكاب هذه ~~الجريمة السياسية - مقتل علي الجزائرلي - أن زاد اعتمادهم من الآن فصاعدا ~~على الأرنئود وزعيمهم محمد علي بالرغم من اقتناعهم بأن الواجب يقتضيهم التخلص ~~من هؤلاء الأرنئود بكل وسيلة وبأقصى سرعة ممكنة، وكان في اعتمادهم على ~~الأرنئود وزعيمهم محمد علي هلاكهم. # فقد ازدادت شرور الأرنئود في القاهرة خصوصا عقب مقتل الجزائرلي، وعجز ~~البكوات عن ردعهم؛ لأنهم بعد فتكهم بعلي باشا لم يكونوا في وضع يمكنهم ~~من تحطيم محالفتهم معهم، بسبب بقاء الإسكندرية معقلا عثمانيا بعيدا عن ~~سلطانهم، وبسبب تفرق كلمتهم وعزمهم على مطاردة الألفي، بل إن البكوات إزاء ~~مطالبة الأرنئود الصاخبة والمتكررة بمرتباتهم المتأخرة؛ لم يجدوا مناصا من ~~فرض الإتاوات والمغارم على الأهلين. # وعبثا صار المشايخ يتوسطون لديهم لرفعها، ويذكر «ماثيو لسبس» في رسالة له ~~إلى «دروفتي» في 21 يناير 1804 ثم في رسالة أخرى إلى «تاليران» في اليوم ~~نفسه أن المشايخ عندما شكوا إلى البكوات من أعمال النهب والقتل التي تقع ~~يوميا من الأرنئود، أجاب ms0220 البكوات بأنهم ليسوا على درجة من القوة تمكنهم من ~~محاصرة الأرنئود داخل أسوار القاهرة والقضاء عليهم، ولكنهم وعدوا المشايخ «بأن ~~يوم الانتقام قريب.» # واعتقد «لسبس» أن البكوات سوف ينتهزون فرصة إرسال جند على الجزائرلي إلى ~~الشام أو إلى مكة بحراسة عدد كبير من الأرنئود، وابتعاد هؤلاء الأخيرين عن ~~القاهرة تبعا لذلك، فيوقعون بالباقين منهم بالقاهرة والجهات الأخرى ~~ويهلكونهم رويدا رويدا. # وكان وقوف البكوات على محاولات علي الجزائرلي مع الأرنئود لاستمالتهم إلى ~~تأييده؛ من الأسباب التي جعلتهم يبيتون النية على الفتك بهم في أول فرصة ~~سانحة، ولكن ذيوع مثل هذه الشائعات جعل الأرنئود وقتئذ يصممون على العودة إلى ~~القاهرة مع جند علي باشا، وقال «لسبس» «ويا لويل القاهرة التعيسة عندئذ من ~~رجوع الأرنئود إليها!» # وزادت غطرسة الأرنئود بعد عودتهم إلى القاهرة واشتطوا في اعتداءاتهم على ~~الأهلين، ثم لم يلبث أن زاد الحال سوءا بعد حادث مطاردة الألفي الكبير، وفي ~~فبراير 1804 كتب «مسيت» إلى حكومته أن البرديسي يشكو مر الشكوى من عجزه ~~عن اتخاذ أية وسائل لحفظ البلاد من الغزو الأجنبي - الموضوع الذي يهتم به ~~مسيت قبل أي شيء آخر للأسباب المعروفة - وذلك بسبب وجود الأرنئود الذين لا ~~نظام لهم والذين كانوا متمردين على البكوات، والذين لا يمكن الاعتماد عليهم ~~بحال من الأحوال؛ لما يثيره وجود البرديسي نفسه على رأس الحكم من عوامل ~~الحسد والغيرة في نفوسهم، وصار البرديسي - لذلك - ينتظر وصول نجدة بريطانية ~~«ومن الهند على نحو ما مناه به مسيت نفسه» لطرد الأرنئود وإعادة الهدوء ~~والسكينة إلى البلاد. # وأما الأرنئود فقد استمروا في غيهم، كما زاد من عجرفتهم أنهم صاروا كذلك ~~ينظرون للبكوات بعين الاحتقار الشديد بعد أن شاهدوا انقسامهم على أنفسهم، ~~وخروج البرديسي لمطاردة الألفي ضاربا عرض الحائط بكل الاعتبارات التي كان من ~~الواجب أن تمنعه من مقاتلة أخ وشقيق له. # وتوقف مصير حكومة البكوات في القاهرة على مسلك محمد علي زعيم هؤلاء الأرنئود، ~~وكان محمد علي قد صح عزمه هو الآخر على القضاء على حكومتهم وطردهم من ms0221 القاهرة، ~~واستهدف محمد علي من القيام بهذا الانقلاب الذي بيت النية عليه تحقيق مزايا ~~عدة، فقد كان واجبا عليه وعلى سائر الرؤساء الألبانيين مغادرة البلاد؛ نزولا ~~على رغبة الباب العالي التي أفصح عنها في فرمانه أو أمره الصادر للأرنئود في ~~2 سبتمبر سنة 1803، وكان معنى خروجه ضياع كل ما بذله من جهود لتمكينه من ~~السيطرة والنفوذ في البلاد منذ مقتل طاهر باشا، لا سيما وقد صار في ظل الحكومة ~~المملوكية وتحت ستارها القوة المحركة في مصر، وفي استطاعته - كما أوضحنا ~~سابقا - إذا هو عرف كيف يفيد من المركز الذي صار له - أن يستأثر في آخر الأمر ~~بالباشوية ذاتها. # زد على ذلك - وعلى نحو ما كتب «مسيت» في 12 مارس 1804 - أنه وقد سبق له أن ~~شق عصا الطاعة على السلطان، لم يكن واثقا من صدق نوايا الباب العالي نحوه وأن ~~الباب العالي سوف يغفر له ولسائر الرؤساء الأرنئود - الذين كانوا في وضع مشابه ~~لوضعه - كل ذنوبهم وخطاياهم السابقة. # بل إن مسيت لم يلبث أن عزا في رسالته هذه السبب الذي جعل «محمد علي» يتودد ~~إلى «ماثيو لسبس» ويسعى لكسب صداقته، إلى رغبة محمد علي في الاستناد على ~~مناصرة فرنسا له ضد مكائد الباب العالي الذي توقع محمد علي أنه لن يعدم ~~الوسيلة - إذا هو عاد إلى وطنه - للقضاء عليه واغتياله سرا فلم يكن في نيته ~~لذلك مغادرة مصر وتركها. # واشترك محمد علي في مؤامرة دعوة علي الجزائرلي إلى القاهرة، وكان في صالحه - ~~ولا شك - التخلص من الجزائرلي، ولو أنه لم يشترك في تدبير تلك الجريمة ~~السياسية التي ارتكبها البرديسي، وكان هو وحده المسئول عنها، والتي أوقفت ~~المماليك والبكوات وجها لوجه وفي عداء سافر أمام القسطنطينية، ومع ذلك فقد ~~كان واضحا بسبب محالفته مع البكوات أنه لا مفر من أن يتحمل هو الآخر شطرا من ~~هذه المسئولية سوف تزداد خطورته بمرور الأيام، وطالما بقي إلى جانب البكوات، ~~يعمل معهم ويشد من أزرهم، وطالما ظل ممتنعا عن إطاعة أوامر السلطان، ومبارحة ~~القطر ms0222 للعودة إلى وطنه مع سائر الرؤساء والجند الأرنئود، فكان لا مناص حينئذ ~~من أن يقوم بعمل أو انقلاب يتوخى منه زوال صفة العصيان والتمرد عنه، ويقيم ~~الدليل على أنه إنما يريد إرجاع هذه البلاد إلى حظيرة الدولة ويقضي على ~~خصومها، فيسترد بذلك رضا الباب العالي عنه، وحتى يضرب الباب العالي صفحا عن ~~أوامره السابقة لإبعاده من مصر، ويصير ينظر إليه كالرجل الذي لا غنى عن بقائه ~~في مصر لتعزيز سلطان صاحب السيادة الشرعية عليها. # وكان لا سبيل لتحقيق هذه الأغراض كلها إلا بطرد البكوات من القاهرة، وبعد ~~حادث انقسام البكوات الأخير ومطاردة البرديسي للألفي لم تعد هذه بالمهمة ~~الشاقة العسيرة. # ووجد محمد علي المسوغ لانتقاضه على البكوات وفصم عرا محالفته معهم عندما قال ~~«لماثيو لسبس» - وأبلغ «لسبس» ذلك إلى حكومته في 5 مارس 1804 - «كيف يمكنني ~~الاعتماد على هؤلاء البكوات؟ لقد ارتكبوا جرما لا يغتفر هو أشد ما يمكن أن ~~يحدث فظاعة وبشاعة، عندما غدروا بأخيهم ورفيقهم وصديقهم «محمد الألفي»، ونحن ~~أعداؤهم الطبيعيون، فماذا ننتظر منهم؟» # واعتمد محمد علي في تدبير انقلابه على الأرنئود الذين تحت زعامته، كما وجد في ~~تذمر المشايخ والقاهريين من البكوات وسخطهم عليهم لمظالمهم فرصة مواتية ~~لزيادة متاعب البكوات وإرباكهم بتحريض المشايخ والرؤساء الشعبيين على الثورة ~~عليهم، وكان ذلك كله سهلا ميسورا بسبب عجز البكوات عن دفع مرتبات الجند، ~~وبسبب لجوء البكوات لفرض الإتاوات والمغارم على الأهلين لدفع هذه المرتبات ~~ذاتها. # ولا جدال في أن «محمد علي» كان هو بنفسه محرك الثورة التي بلغت ذروتها في ~~القاهرة بين 8 و13 مارس وأنهت حكومة البكوات في مصر وقضت قضاء مبرما على ~~كل أمل في استرجاع سلطانهم السابق، بالرغم من كل المحاولات التي قاموا بها ~~لاسترداد هذا السلطان المفقود بعد ذلك. # وكان مما ساعده في خطته، أن عثمان البرديسي ظل يثق في صداقته وولائه له ~~ويستمع لنصحه حتى اللحظة الأخيرة، كما حرص محمد علي منذ أن صح عزمه على تدبير ~~هذا الانقلاب، على أن يظهر دائما بمظهر من ms0223 يريد مواساة القاهريين في محنتهم ~~التي سببتها مظالم البكوات، وأن ينشئ صلاته بالمشايخ ويعمل على ~~توثيقها. # وكان أول اضطراب كبير أحدثه الأرنئود بسبب مرتباتهم المتأخرة في 27 يناير ~~1804، ذكر «لسبس» حوادثه مفصلة في رسالته التي أشرنا إليها سابقا (5 مارس)، ~~فقال: إن الأرنئود احتشدوا أمام بيوت رؤسائهم: محمد علي وأحمد بك وحسن بك، ~~وحبسوهم بها «وأعلنوا عزمهم على ذبحهم إذا لم تدفع لهم مرتباتهم»، وكذلك حاصر ~~الأرنئود الحي الذي به منزل عثمان بك البرديسي، فاضطر هذا لدفع جزء من هذه ~~المرتبات للجند ووعد بأن يدفع بعد عشرين يوما مرتبات شهرين، ثم بعد أربعين ~~يوما دفعة أخرى بشريطة تنازل العسكر عن باقي المتأخر من رواتبهم، ووافق ~~ضباط الأرنئود على هذا الحل، ولكنها - كما قال «لسبس» - «كانت موافقة في ~~الظاهر فقط، واستمر مرجل الاضطراب يغلي من الباطن، وأغلقت الأحياء وأغلق ~~الأهلون بيوتهم على أنفسهم، وظل التعدي على الناس في تطرفه، وتوقع الجميع نهب ~~المدينة.» # واستمرت الاضطرابات في القاهرة، وتجدد تمرد الأرنئود على البكوات عندما طلب ~~البرديسي منهم في أواخر فبراير السير إلى الفيوم لمطاردة أتباع الألفي ~~الذين اجتمعوا بها، وأصدر زعماء الأرنئود أمرهم إلى جندهم بذلك، ولكن هؤلاء - ~~كما ذكر «مسيت» في رسالة له إلى «هوبارت» من الإسكندرية في 6 مارس - سرعان ~~ما حاصروا منازل قوادهم «وكان موجودا بأحدها - بوجه الصدفة - عثمان بك ~~البرديسي، وأظهر الأرنئود تصميمهم على أن يلزموه بالبقاء في هذا المنزل ~~محاصرا حتى ينالوا مرتباتهم، ثم هددوا بنهب القاهرة» إذا ظل البرديسي لا ~~يدفع لهم هذه المرتبات. # وسلك محمد علي في أثناء الأزمات التي أثارها الجنود الأرنئود مسلك من يريد ~~التهدئة والتسكين، وقام دائما بدور الوسيط بين الجند والبكوات، بل إنه في ~~سبيل حسم الخلاف بين الفريقين لم يتردد عن الذهاب مع الأرنئود الذين قصدوا ~~البرديسي في بيته في 24 فبراير يطالبونه بدفع مرتباتهم، وأتيحت لمحمد علي ~~الفرصة حتى يظهر بمظهر من لا حيلة له ولا قوة إزاء إصرار الجند على نوال حقهم، ~~وأنه مرغم على الانصياع لهم ولا ms0224 سلطان له عليهم في هذه المسألة، مشيرا على ~~البرديسي في الوقت نفسه لتهدئة الجند بضرورة طرق كل سبيل لجمع اللازم لدفع ~~مرتباتهم. # فكان لدفع هذه المرتبات أن فرض البرديسي - أو حكومة البكوات - تلك الإتاوات ~~على التجار والرعايا والمحميين الأجانب - التي سبقت الإشارة إليها - وقد أرغم ~~«روشتي» على إقراض البكوات 25000 قرش بهذه المناسبة، ولكن ما جمعه البكوات ~~من طريق القروض أو المصادرة والمغارم لم يكف لدفع مرتبات الجند عندما بلغ ~~المطلوب 3700 كيس، على نحو ما ذكر «روشتي» نفسه بوصفه قنصل روسيا العام في ~~مصر للمبعوث الروسي في القسطنطينية «ديتالنسكي» # D’Italinsky # في 12 مارس 1804. # ولذلك اضطر البرديسي في 7 مارس إلى «عمل فردة على أهل البلد، وتصدى لذلك ~~المحروقي، وشرعوا في كتابة قوائم لذلك ووزعوها على العقار والأملاك أجرة سنة ~~يقوم بدفع نصفها المستأجر والنصف الثاني يدفعه صاحب الملك»، فثارت ~~القاهرة. # فقد تحمل القاهريون مظالم البكوات السابقة، وتوسط مشايخهم لدى البكوات مرارا ~~لرفعها دون جدوى، ولما كان الضنك والبؤس قد بلغا منتهاهما، فقد «نزل بالناس ما ~~لا يوصف من الكدر مع ما فيهم من الغلاء ووقف الحال» عندما شاهدوا كتاب الفردة ~~والمهندسين «ومع كل جماعة شخص من الأجناد يطوفون بالأخطاط يكتبون قوائم ~~الأملاك ويصقعون الأجر»، فكثرت الاحتجاجات ورفض الفقراء والجسورون الدفع، ~~واشتبك الأهلون مع عمال الفردة في مناقشات حادة، واجتمعت الجماهير في الجوامع ~~وخرج الفقراء والعامة والنساء «طوائف يصرخون وبأيديهم دفوف يضربون عليها، ~~والنساء يندبن وينعين ويقلن كلاما على البكوات مثل قولهن «أيش تأخذ من تفليسي ~~يا برديسي؟» وصبغن أيديهن بالنيلة»، وذهبت الجماهير إلى الأزهر يطلبون وساطة ~~المشايخ لدى البكوات، واضطر البكوات إلى إبطالها (8 مارس). # وكان لهذه الثورة نتائج خطيرة مباشرة، فقد أخافت البكوات الذين أربكتهم هذه ~~المقاومة الغير المنتظرة من جانب الشعب، كما بصرت «محمد علي» بعواقب إرجاء ~~تنفيذ خطوته الأخيرة؛ لأنه كان من الواضح - إذا استمر هياج القاهريين أن ينقلب ~~هذا الهياج كذلك ضد الأرنئود بسبب اعتداءاتهم على هؤلاء وفظائعهم التي ~~ارتكبوها معهم، فيصبح الأرنئود محصورين بين ms0225 قوتين: قوة البكوات والمماليك ~~الذين كانوا يريدون - على نحو ما أوضحنا سابقا - التخلص منهم بقدر رغبة محمد ~~علي نفسه في التخلص من البكوات وحكومتهم، وقوة الشعب الذي يسهل عليه في ثورته ~~أن يفتك بالجند الأرنئود لانتشارهم بين أفراده، وقد أخافت هذه الثورة فعلا ~~الأرنئود «فصاروا يقولون للقاهريين نحن معكم «سوا سوا»، أنتم رعية ونحن عسكر ~~ولم نرض بهذه الفردة وعلوفتنا على الميري وليست عليكم، أنتم أناس فقراء»، ولم ~~يتعرض أحد من الأهلين لهم. # وبادر محمد علي بالنزول وسط الجماهير، يجتمع بالمشايخ، ويسير معهم في الشوارع ~~ويختلط بالجماهير الصاخبة والهائجة، ويتعهد لهم بإبطال الفردة كما بعث بوكيله ~~«كتخداه» إلى الجامع الأزهر، يردد نفس ما قاله جنوده الأرنئود «ونادى به في ~~الأسواق، ففرح الناس وانحرفت طبائعهم عن البكوات ومالوا إلى العسكر»، وكسب ~~محمد علي المشايخ والشعب إلى جانبه. # وكان بسبب ما ظهر من موقف محمد علي وجنده الأرنئود في هذه الأزمة أن أدرك ~~عدد كبير من البكوات والمماليك أن من صالحهم الآن إنهاء محالفتهم مع الأرنئود ~~وأن المستقبل إنما هو للجماعة التي يكون لها سبق القضاء على الأخرى، وكان على ~~رأس هؤلاء إبراهيم بك الذي أدرك من غيره حقيقة موقف جماعته، وظل - كما سبقت ~~الإشارة إليه - يحذر البرديسي في كل المناسبات من محمد علي واستمرار المحالفة ~~مع الأرنئود، وأشار إبراهيم في اجتماع سري عقده مع سائر البكوات عقب حوادث «7 ~~و8 مارس» إلى ضرورة فصم علاقاتهم مع محمد علي والأرنئود وتوجيه ضربة قاصمة ~~للأرنئود وزعمائهم «دفعة واحدة وفي يوم واحد»، حتى يتخلصوا منهم نهائيا وبكل ~~سرعة، وكان محمد علي بسبب الدور الذي قام به في حوادث «7 و8 مارس»؛ قد أثار ~~شكوك كثيرين منهم في ولائه، ولكن البرديسي عارض اقتراح إبراهيم بشدة، وأشاد ~~بذكر الخدمات التي أداها الأرنئود وزعيمهم محمد علي للمماليك، وسقط اقتراح ~~إبراهيم. # وترامى لمحمد علي أن البكوات وأكثرية أتباعهم صاروا يشكون في أمره، كما صارت ~~تتزايد في الأيام التالية اتهامات هؤلاء ضده ولو أن البرديسي استمر يدفع عنه ~~هذه ms0226 التهم ويناصره، ثم بلغ من ثقة البرديسي العمياء به أنه استمع لآخر «نصيحة ~~زوده بها محمد علي، فتخلص البرديسي من أكبر خدامه شجاعة وأصدقهم ولاء له ~~«المملوك» الفرنسي «سليم كومب» # Combe ~~، كما ~~جدد رجال مدفعيته، فاستبدل برجال اكتسبوا خبرة ومرانا طويلا جماعة من ~~«الترك» لم يتوخ الدقة في اختيارهم، فلم يلبث محمد علي أن اشترى ولاءهم ~~بالمال، ووجد حينئذ أن الفرصة قد صارت سانحة لتنفيذ خطوته الأخيرة والخامسة ~~والتي فكر فيها طويلا ضد حكومة البكوات المماليك. # وفي 12 مارس 1804 علم البرديسي من جواسيسه أن الأرنئود يعتزمون مهاجمته في ~~بيته، فجمع حوله كل مماليكه وخلع «محمد علي» القناع وبدأ الانقلاب في منتصف ~~الليل، عندما ذهب محمد علي بنفسه على رأس فريق من الأرنئود لمحاصرة البرديسي، ~~بينما ذهب حسن بك مع فريق آخر لمحاصرة إبراهيم بك، وسمع القاهريون صوت الرصاص، ~~واستمر الضرب في اليوم التالي (13 مارس) ولم ينتفع البرديسي من مدفعيته، فلم ~~يجد مناصا من الخروج وسط كوكبة شقوا طريقهم بالسيف وسط جموع الأرنئود حتى ~~وصلوا إلى «قلعة المجمع العلمي» ثم انسحبوا منها إلى «البساتين»، وخرج إبراهيم ~~بك من بيته مع جماعته يشق طريقه هو الآخر بحد السيف، فاستطاع الوصول إلى ~~ميدان الرميلة، وانسحب إلى الصحراء، ومع أن القلعة ظلت تطلق قنابلها في أثناء ~~هذه الحوادث على بيوت الأرنئود بالأزبكية إلا أن المغاربة الذين كانوا ~~بحاميتها سرعان ما ثاروا على حاكمها «شاهين بك» بمجرد أن علموا بفرار البكوات، ~~فأرغموه هو الآخر على الفرار مع رجاله من باب الجبل، ولم يبق في أيدي البكوات ~~سوى مقياس الروضة يحتله حسين بك الزنطاوي مع مائتين من المشاة فحسب، ولكن ~~الزنطاوي ما إن علم بمغادرة البرديسي لقلعة المجمع العلمي حتى أحرق سفن ~~مدفعيته، وغادر الروضة بسرعة. وهكذا باتت القاهرة بأسرها في قبضة محمد ~~علي. # ويفسر الشيخ الجبرتي هذا الانقلاب الذي بدأ تدبيره جديا منذ ثورة القاهريين ~~في 8 مارس، وهي الثورة التي مكنت «محمد علي» من كسب الشعب والمشايخ إلى ~~جانبه بقوله: إن هذه ms0227 الفعلة؛ أي مواساة محمد علي للشعب، وتعهده بإبطال ~~«الفردة» وإرسال كتخداه إلى الأزهر، مما تسبب عنه فرح الناس وانحراف طباعهم عن ~~البكوات وميلهم إلى العسكر - كانت من جملة الدسائس الشيطانية، فإن «محمد علي» ~~لما حرش العساكر على محمد باشا خسرو وأزال دولته وأوقع به ما تقدم ذكره بمعونة ~~طاهر باشا والأرنئود، ثم بالأتراك عليه حتى أوقع به أيضا وظهر أمر أحمد باشا ~~وعرف أنه إن تم له الأمر ونما أمر الأتراك؛ أي الإنكشارية لا يبقون عليه، ~~فعاجله وأزاله بمعونة الأمراء المصرلية، واستقر معهم حتى أوقع - باشتراكهم - ~~قتل الدفتردار والكتخدا، ثم محاربة محمد باشا بدمياط حتى أخذوه أسيرا، ثم ~~التحيل على علي باشا الطرابلسي «الجزائرلي» حتى أوقعوه في فخهم وقتلوه ~~ونهبوه. # كل ذلك وهو يظهر المصافاة والمصادقة للمصريين وخصوصا للبرديسي، فإنه تآخى ~~معه وجرح كل منهما نفسه ولحس من دم الآخر، واغتر به البرديسي وراج سوقه عليه ~~وصدقه، وتعضد به واصطفاه دون خشداشينه، وتحصن بعساكره وأقامهم حوله في الأبراج ~~وفعل بمعونتهم ما فعله بالألفي وأتباعه وشردهم وقص جناحه بيده وشتت البواقي ~~وفرقهم بالنواحي في طلبهم، فعند ذلك استقلوهم في أعينهم وزالت هيبتهم من ~~قلوبهم وعلموا خيانتهم وسفهوا رأيهم واستعفوا جانبهم وشمخوا عليهم وفتحوا باب ~~الشر بطلب العلوفة مع الإحجام خوفا من قيام أهل البلد معهم ولعلهم بميلهم ~~الباطني إليهم فاضطروهم إلى عمل هذه الفردة ونسب فعلها للبرديسي فثارت العامة ~~وحصل ما حصل، وعند ذلك تبرأ محمد علي والعسكر من ذلك وساعدوهم في رفعها عنهم ~~فمالت قلوبهم إليهم ونسوا قبائحهم وابتهلوا إلى الله في إزالة الأمراء ~~وكرهوهم وجهروا بالدعاء عليهم وتحقق العسكر منهم ذلك ...» فكانت الواقعة التي ~~قوضت عروش الحكومة المملوكية. ~~(4) ولاية خورشيد # وأغضب «مسيت» سقوط حكومة البكوات، وقسا في لومهم؛ لأنهم - كما قال عندما بعث ~~بتفاصيل ما وقع إلى حكومته من الإسكندرية في 18 مارس 1804 - قد تسببوا هم ~~أنفسهم في إضعاف حكومتهم «عندما صاروا - بالرغم من نصائحه المتكررة لهم أن لا ~~يفعلوا ذلك - يعملون على القضاء على الإنكشارية - وهم الذين ms0228 قتلوا زعيم ~~الأرنئود السابق طاهر باشا، ونادوا بولاية أحمد باشا وكانوا خصوم الأرنئود ~~وخصوم محمد علي - وصاروا يطردونهم من القاهرة بدلا من أن يبذلوا قصارى جهدهم ~~لكسب صداقتهم كضمان لهم ضد ذبذبة الأرنئود وعدم ثباتهم على مبدأ واحد. # ولكن البكوات كما استطرد «مسيت» يقول - اعتقدوا أن الله سبحانه وتعالى جعلهم ~~بحكمته وقدرته يمتلكون مصر، فأصمهم حسن الحظ الذي واتاهم عن الإصغاء إلى كل ~~نصح مبعثه السياسة الرشيدة ...» # ومهما يكن من أمر فقد قضي الآن على حكومتهم، واستطاع محمد علي أن يقوم بتلك ~~الحركة التي ذكر «لماثيو لسبس» منذ أوائل مارس أن الأرنئود إنما يعتزمون ~~القيام بها للقضاء على المماليك ولجلب رضاء الباب العالي عليهم، وكانت الخطوة ~~التالية هي إرجاع مظاهر سيادة الباب العالي في القاهرة بعد طرد البكوات ~~منها، ثم العمل لملء منصب الباشوية الذي ظل شاغرا منذ مقتل علي باشا ~~الجزائرلي. # وكان مما يهم «محمد علي» أن يتم ملء هذا المنصب بكل سرعة أولا كدليل على أنه ~~لا يبغي من تدبيره الانقلاب الأخير أن يستأثر لنفسه بالسلطة، بل إن مقصده ~~تحقيق أماني الباب العالي بطرد البكوات والقضاء على حكومتهم، وتوطيد سيادة ~~الباب العالي الشرعية، بوضع ممثل للسلطان العثماني على رأس الحكومة في ~~القاهرة، وثانيا كإجراء لا غنى عنه في الحقيقة إذا شاء محمد علي أن يفوت على ~~القسطنطينية فرصة اختيار أحد الولاة الأقوياء وتزويده بالنجدات الكافية لتعزيز ~~سلطته؛ لوثوقه من أن الباب العالي سوف يرضى - على سابق عادته - بتقرير الأمر ~~الواقع إذا نجح محمد علي في ملء منصب الباشوية، وأخيرا كخطوة تكفل لمحمد علي ~~اختيار الرجل الذي يريده هو لهذا المنصب، فيظل محمد علي صاحب السلطة الفعلية ~~في البلاد، وفي وسعه أن يبقيه أو أن يخلعه حسبما تمليه مصالحه في ضوء ما قد ~~يجد من حوادث بعدئذ. # وكان محمد علي قد طلع إلى القلعة يوم 13 مارس «ونزل وبجانبه محمد باشا خسرو ~~ورفقاؤه وأمامهم المنادي ينادي بالأمان حكم ما رسم محمد باشا ومحمد علي ~~إعلانا لعودة خسرو باشا إلى ms0229 الولاية، وأشيع في الناس فعلا رجوع محمد باشا ~~إلى ولاية مصر، ثم بادر المحروقي إلى المشايخ فركبوا إلى بيت محمد علي يهنئون ~~الباشا بالسلامة والولاية» بعد أن استمر في حبسه ثمانية شهور كاملة. # ولكن «إخوة طاهر باشا سرعان ما داخلهم غيظ شديد، ورأى محمد علي نفرتهم ~~وانقباضهم من ذلك وعلم أن «خسرو» لن يستقيم حاله معهم وربما تولد من ذلك شر»، ~~واستند الرؤساء الأرنئود في معارضتهم إلى أن حكومة مصر كانت قد انتقلت إلى علي ~~الجزائرلي منذ أن كان خسرو سجينا بالقلعة، وأنه قد تعين لباشوية أخرى، ويشير ~~الأرنئود بذلك إلى الفرمان الذي وصل القاهرة في 19 يونيو 1803 بإسناد ولاية ~~سالونيك إلى خسرو باشا، وقد سبق الكلام عن هذا الفرمان عند الحديث عن باشوية ~~علي الجزائرلي، وقال الأرنئود إنه لا يستطيع لذلك الحكم في مصر وأن الأفضل ~~إرساله إلى الإسكندرية ؛ ليبحر منها إلى القسطنطينية. # وعلى ذلك فقد أنزله محمد علي إلى بولاق، وفي 15 مارس «عزل خسرو باشا للمرة ~~الثانية واقتيد إلى رشيد فأبحر منها إلى القسطنطينية وهكذا - على حد تعبير ~~الشيخ الجبرتي - انتهت هذه الولاية الكذابة الشبيهة بولاية أحمد باشا الذي ~~تولى بعد قتل طاهر باشا يوما ونصف.» # ووقع الاختيار على أحمد خورشيد باشا حاكم الإسكندرية. # ويبد أنه كان هناك اتفاق بين محمد علي وبين أحمد خورشيد على أن يملأ الأخير ~~منصب الولاية، فمن المعروف أن خورشيد كان يتطلع لباشوية القاهرة من مدة طويلة، ~~تبدأ في الواقع من وقت الحوادث التي أفضت إلى طرد خسرو من الولاية في أوائل ~~مايو 1803، فقد توهم خورشيد وقتذاك أن في وسعه الاستفادة من الاضطرابات ~~التي سادت القاهرة في أواخر أيام خسرو، فغادر الإسكندرية صوب القاهرة في جماعة ~~من أتباعه، ولكنه ما إن وصل قريبا من بولاق حتى كان خسرو قد فر من القاهرة ~~وتولى طاهر باشا «القائمقامية»، فنكص خورشيد على عقبيه، وعاد مسرعا مع ~~جماعته إلى الإسكندرية، وأبلغ «كاف» # Caffe # الوكيل الفرنسي تفصيلات هذا الحادث إلى حكومته في رسالة بعث بها إليها ms0230 من رشيد ~~في 8 مايو 1803. # وقد تقدم كيف سعى خورشيد يوسط الوكلاء الإنجليز لدى البكوات بعد مقتل علي ~~الجزائرلي، حتى يرضى به هؤلاء واليا على مصر في المكان الذي شعر بوفاة علي ~~باشا، وقامت المفاوضات بينه وبين البكوات حول هذا الموضوع فترة من الزمن، ~~وتولى الوكلاء الإنجليز الوساطة بين الفريقين، ولكن هذه المفاوضات لم تلبث أن ~~أخفقت - كما أوضحنا - عندما جعل البكوات تولي الباشوية مشروطا بتسليم ~~الإسكندرية لهم. # ولكن خورشيد سرعان ما استأنف - على ما يبدو - مفاوضاته من أجل تولي منصب ~~الباشوية عندما زادت الاضطرابات في القاهرة، وظهر ضعف حكومة البكوات، وصار من ~~المتوقع أن يحدث الاصطدام قريبا بين البكوات والأرنئود، غير أن المفاوضات ~~في هذه المرة كانت مع محمد علي. # وهناك ما يحمل على الاعتقاد قطعا بأن ثمة تفاهما أو اتفاقا قد تم فعلا ~~بين محمد علي وخورشيد على أن يتولى الأخير باشوية القاهرة، يؤيد ذلك أن «محمد ~~علي» في منتصف ليل 12 مارس؛ أي في الوقت الذي كان فيه جنده يحاصرون بيتي ~~البرديسي وإبراهيم بك «أرسل جماعة من العسكر ومعهم فرمان وصل من أحمد باشا ~~خورشيد حاكم الإسكندرية بولايته على مصر، فذهبوا به إلى القاضي، وأطلعوه عليه ~~وأمروه بأن يجمع المشايخ في الصباح ويقرأه عليهم ليحيط الناس علما بذلك، ~~فلما أصبح؛ أي يوم 12 مارس - وهو اليوم الذي استطاع فيه كل من البرديسي ~~وإبراهيم بك الخروج من القاهرة بشق الأنفس - أرسل إليهم؛ أي أرسل القاضي إلى ~~المشايخ يدعوهم للاجتماع، فقالوا لا تفتح الجمعية في مثل هذا اليوم مع قيام ~~الفتنة، فأرسله؛ أي الفرمان إليهم، وأطلعوا عليه وأشيع ذلك بين الناس.» # وفضلا عن ذلك فإنه لم يمض يومان على إذاعة خبر هذا الفرمان، حتى كان جماعة ~~من العسكر الأرنئود قد جاءوا إلى الإسكندرية يبلغونه إلى خورشيد، فقال «ماثيو ~~لسبس» في رسالته إلى حكومته في 16 مارس، «إن جندا من الأرنئود حضروا إلى ~~الإسكندرية مساء يوم 15 مارس يعلنون إلى خورشيد خبر قراءة فرمانات من الباب ~~العالي في القاهرة بتنصيبه ms0231 واليا على مصر، كما قالوا إن القاهرة في هدوء ~~شامل.» # واستطرد «ماثيو لسبس» يقول: «ويبدو أن خورشيد قد تعاون مع محمد علي في تدبير ~~هذه الحركة»، كما قال «لسبس» إن خورشيد قد أكد له صحة هذا الخبر وأنه سوف ~~يغادر الإسكندرية فورا إلى القاهرة في صحبة حرس من الأرنئود يبلغون الخمسمائة ~~في انتظاره، وقد ذكر «لسبس» أيضا أن طابيات الإسكندرية قد أطلقت مدافعها ~~لإعلان ولاية خورشيد على مصر، «وإيذانا بأن هذه البلاد قد خضعت لقوانين ~~وسيطرة السلطان العثماني»، وعندما وصلت القسطنطينية أخبار طرد حكومة البكوات ~~وتولية خورشيد في القاهرة، كتب «ستراتون» من السفارة الإنجليزية بالقسطنطينية ~~إلى اللورد «هوكسيري» في 10 أبريل يبلغه ما وقع، ويعزو حدوث هذه الحركة ~~برمتها إلى اتفاق سابق بين الأرنئود وخورشيد باشا، فقال: «إن حركة الأرنئود لا ~~يبدو أنها كانت بإيعاز من الباب العالي، وإنما مبعثها أن الأرنئود لا يثقون في ~~المماليك، ولأنهم غير راضين عن مركزهم في مصر لشعورهم بأنهم خانوا مصالح ~~السلطان، ولما كان قد عظم قلقهم ورغبوا في العودة إلى ساحة الرضا ~~السلطاني؛ فقد دبروا بأنفسهم الخطة التي أقصت البكوات عن حكومة القاهرة ~~وعرضوها على خورشيد باشا، وأظهروا استعدادهم لتنفيذها إذا لم يعارضها خورشيد ~~نفسه؛ برهانا على ندمهم الصحيح، وكعمل يستطيعون به التكفير عن خطاياهم ~~الماضية ووسيلة لإزالة الأثر الذي خلفه مسلكهم السيئ في الماضي، وهكذا، فإنهم ~~بعد الفراغ من تنفيذ هذه الخطة بادروا بدعوة خورشيد باشا الذي لم يبد عدم رضاه ~~عن هذا المشروع، كما لم يبد في الوقت نفسه موافقته عليه، وقابلوه بكل مظاهر ~~الاحترام.» # ولا يقلل من الاعتقاد بوجود هذا التفاهم أو الاتفاق بين خورشيد ومحمد علي أن ~~الأخير بالرغم من إذاعته خبر الفرمان الذي وصله من خورشيد باشا قد عمد بعد ~~ساعات قليلة إلى المناداة بولاية خسرو باشا؛ إذ يبدو أن «محمد علي» كان ~~مطمئنا سلفا إلى أن زعماء الأرنئود لن يرضوا بولاية رجل ينتمي لأولئك ~~الإنكشارية الذين فتكوا بطاهر باشا، وقد حدث فعلا - كما رأينا - أن عارض ~~أقرباء ms0232 طاهر باشا في ولاية خسرو معارضة شديدة، فلم يكن غرضه من هذه الخطوة إذن ~~وفي ضوء ما وقع من حوادث في أثناء الانقلاب أو بعده؛ سوى المبادرة بإعلان ~~نزاهة الدوافع التي جعلته ينقلب على حكومة البكوات حلفائه، والتي مبعثها ~~رغبته في إخضاع القاهرة مرة أخرى لسيادة السلطان العثماني الشرعية، وأنه لا ~~يرجو نفعا خاصا لشخصه من هذه الفعلة. # ولا جدال في أن المناداة بولاية خسرو قد سببت زيادة انعطاف أهل القاهرة ~~ومشايخهم إلى محمد علي وازدياد وثوقهم بخلوص نواياه؛ فقد قابلوا هذه ~~الولاية بالفرح وذهب المشايخ والرؤساء الشعبيون - كما قدمنا - لتهنئة خسرو ~~باشا، ورأى القاهريون في إعادته إلى الولاية عدلا وتعويضا له عن تنحيته ~~السابقة وسجنه. # فلما عارض الأرنئود وصمموا على إبعاده «تركهم محمد علي - على حد قول «مانجان» ~~- يفعلون ما يريدون بعد أن نال بغيته»، وفضلا عن ذلك فقد كانت المناداة ~~بولاية خسرو تنطوي على معنى أعمق لم يكن من المنتظر أن يفوت مغزاه على ~~خورشيد نفسه، هو أن «محمد علي» قد بلغ من القوة ما يجعله قادرا على تنصيب ~~الولاة وعزلهم، وأن خورشيد باشا لا مندوحة له عند استلام مهام منصبه عن أن ~~يدخل في حسابه هذه القوة التي تتوافر الأدلة على أنها لن تتخلى عن السلطة ~~التي لها في تصريف شئون الحكم والإدارة. # وهكذا أوجز المعاصرون ما اعتبروه مقاصد محمد علي من مبادرته بتولية خسرو ~~باشا، فقالوا: «إن اتخاذ هذه الخطوة قد أسدل حجابا كثيفا على مشروعاته، ~~وأبرز - في جلاء - احترامه للباب العالي، وقدم المسوغ الضروري لتبرير تلك ~~الخيانة التي ارتكبت في حق البرديسي وزادت من مكانة محمد علي أكثر من أي وقت ~~مضى مع الشعب والعلماء، وجعلته لذلك ينظر في اطمئنان وثقة إلى ~~المستقبل.» # على أن هناك إلى جانب هذا كله ما يدل - دون شك أو ريب - على أن تولية خورشيد ~~باشا كانت بناء على اتفاق وتدبير سابقين بين خورشيد ومحمد علي ودون انتظار ~~لمعرفة إرادة الباب العالي بسبب بسيط واحد، هو أن الفرمان الذي بعث ms0233 به ~~خورشيد إلى محمد علي، وطلب محمد علي من القاضي في منتصف ليل 12 مارس أن يدعو ~~المشايخ لقراءته، ثم أشيع أمره بين الناس في اليوم التالي، كان من صنع ~~خورشيد باشا نفسه، وليس هناك ما يفيد أن الباب العالي قد أرسل وقتذاك فرمانا ~~يسمي خورشيد باشا للولاية. # فمن الثابت قطعا أن الباب العالي عندما وصله خبر مقتل علي باشا الجزائرلي، ~~بادر باختيار أحمد باشا الجزار والي عكا لباشوية مصر؛ لرغبته في أن يعين لهذه ~~الباشوية واليا يستطيع إقامة الحكومة القوية بها والتي يكون في قدرتها إخماد ~~الفتن والثورات والقضاء على القوات العسكرية المملوكية، ثم الزود عن البلاد ضد ~~الغزو الأجنبي، سواء جاء هذا الغزو من ناحية إنجلترا، التي يبدو أن الباب ~~العالي كان يتوقع حدوثه من ناحيتها أكثر من ناحية أي دولة أخرى، أم جاء من ~~ناحية فرنسا. # فقد كتب «ستراتون» القائم بأعمال السفارة الإنجليزية في القسطنطينية إلى ~~اللورد «هوكسبري» في 10 مارس 1804 «أن أخبارا مشوشة عن علي باشا الجزائرلي ~~وصلت القسطنطينية، وأن الباب العالي قد أرسل مركبا من نوع القرويت إلى ~~الإسكندرية لإحضار أخبار دقيقة عما يجري من حوادث هناك، وتقوم الاستعدادات ~~لإرسال أسطول من أربع سفن إلى الإسكندرية تحمل ألف جندي تركي لتعزيز حاميتها، ~~وقد قرر الديوان العثماني تعيين الجزار صاحب الشهرة المعروفة وباشا عكا ~~واليا لمصر في المكان الذي شغر بوفاة علي باشا الجزائرلي.» # وفي 24 مارس عاد «ستراتون» يقول: «إن الريس أفندي قد أبلغه تعيين الجزار ~~باشا ليخلف علي باشا الجزائرلي، وقد ساق الريس أفندي الحجج التي استند عليها ~~في تبرير هذا الاختيار غير العادي، ولكن «ستراتون» ما لبث أن أبدى هو الآخر ~~رأيه في هذا الموضوع، وهو أن اختيار رجل من طراز الجزار باشا لولاية مصر في ~~الظروف الراهنة معناه إلقاء البلاد في أحضان الحروب الأهلية؛ لأنه إذا طرحت ~~جانبا مسألة الغزو الفرنسي فإنه من الممكن أن يتوقع المرء أنه إما أن يتفق ~~الجزار مع البكوات على امتلاك البلاد واقتسامها فيما بينهم دون ms0234 الباب العالي، ~~وإما أن يتنازع الفريقان امتلاك هذه المقاطعة، زد على ذلك أنه من غير المحتمل ~~إذا رجحت كفة الجزار أن يبقى على ولائه للسلطان؛ ينهض دليلا على ذلك سيرته ~~في عكا، وفي غيرها. وأما إذا نجح البكوات فمن المتوقع أنهم سوف يمعنون - ~~عندئذ - في امتهان أوامر السلطان وعدم طاعتها.» # ثم استطرد «ستراتون» يقول: «ولكن تكليف أحد العصاة بإخضاع عاص آخر إنما هو ~~إجراء قد ثبتت دعائمه من آماد طويلة في هذه الدولة العثمانية ومبعث ذلك ضعف ~~الدولة، ثم زاد في رسوخه كبرياء حكومة تحرص على التمسك بمظاهر جوفاء لسلطة ~~تشعر بأنها قد فقدتها ولم تعد لها - في الحقيقة.» # وفي 31 مايو كتب من مالطة «شارلس لوك» وهو القنصل الذي عين لمصر ثم توفي ~~قبل ذهابه إليها - كما سبقت الإشارة إليه في موضعه - «إنه يبدو أن تعيين الباب ~~العالي الجزار باشا لولاية مصر كان معروفا في مصر وقت وصول آخر ما جاء من ~~أنباء منها.» # ومن مصر، أسرع «مسيت» عند المناداة بولاية خورشيد باشا التي حدثت في 15 مارس؛ يبلغ حكومته في اليوم التالي هذا النبأ من الإسكندرية، فقال: «إنه ~~نودي به واليا على مصر بناء على فرمان من الباب العالي يبدو أنه كان لدى ~~خورشيد باشا الذي ظل محتفظا به من عدة أيام سابقة ولم يمنعه من إظهاره سوى ~~انتظار الفرصة المناسبة لإعلانه»، ولكن «مسيت» لم يلبث أن تحقق من أنه لم يكن ~~لدى خورشيد باشا أي فرمان بالولاية من الباب العالي، فكتب إلى حكومته في 29 ~~مارس «أن خورشيد باشا عندما غادر الإسكندرية إلى القاهرة لتسلم مهام منصبه قد ~~نصح له بالبقاء بالإسكندرية وعدم الذهاب إلى القاهرة حتى يبلغ «مسيت» من ~~«خورشيد» نفسه أن الاضطرابات قد انتهت هناك.» # ثم استطرد «مسيت» يقول: «ولكن هذه العواطف الجميلة التي أبداها خورشيد قد ~~جعلته يشك في أنه ليس لديه - كما يؤكد هو - أي فرمان من الباب العالي لتعيينه ~~في باشوية مصر؛ ولذلك فإن خورشيد لم يكن واثقا من مركزه ومن موقف ms0235 الأحزاب ~~المختلفة في القاهرة تجاهه، وقد تأيدت شكوك «مسيت» بسبب ما وقع من حوادث، وما ~~توفر من قرائن أهمها أن «محمد علي» أطلق سراح محمد خسرو يوم 12 مارس ~~من حبسه الطويل ونادى به واليا على مصر، ولكن إخوة طاهر باشا وأتباعهم ~~العديدين لم يرتاحوا لهذا الاختيار، وصمموا على مغادرة خسرو باشا للقاهرة ~~وأمهلوه ساعة واحدة بعد إنذاره بضرورة خروجه منها، فترك خسرو القاهرة ~~ولكنه لم يذهب إلى أبعد من رشيد؛ حيث لا يزال باقيا بها إلى الآن بدعوى ~~انتظاره لأوامر الباب العالي بشأنه.» # ويؤكد «مسيت» في نفس رسالته هذه «أن لديه معلومات وثيقة بأن هناك مراسلات ~~تدور بنشاط بين خسرو ومحمد علي بواسطة ترجمانه الذي ترك القاهرة لهذا الغرض، ~~ومحمد علي والإنكشارية ينحازون إلى محمد خسرو باشا، بينما يؤيد الأرنئود ~~عموما ادعاءات خورشيد باشا الذي أذاع أن الديوان العثماني قد عينه للباشوية، ~~وذلك حتى يسكت جميع الأحزاب ويلزمهم بالصمت.» # ولما كان اتحاد محمد علي مع الإنكشارية أمرا شاذا ولا يتفق مع طبيعة ~~الأشياء؛ فقد راح «مسيت» يعلل ذلك بقوله: «إن هذه الصلة الغير الطبيعية التي ~~ربطت بين الإنكشارية وبين محمد علي، لم يكن منشؤها مجرد الرغبة في تعيين أحد ~~الولاة لباشوية مصر فحسب؛ لأن من المتعذر أن يكون هذا وحده هو الغرض الذي اتحد ~~محمد علي من أجله مع هؤلاء الجند الإنكشارية.» # وقد كان «مسيت» - ولا شك - محقا في ملاحظته؛ لأنه لم يكن بوسع محمد علي أن ~~يفقد مؤازرة الأرنئود ورؤسائهم - وهم عماد قوته فضلا عن أنهم من جنسه - ~~ليتحد مع جماعة كانوا قلة ولا سلطان ولا نفوذ لهم في شيء، وبرهنت الحوادث ~~منذ طرد «باشتهم» محمد خسرو من القاهرة في المرة الأولى (مايو 1803) إلى حادث ~~طرده في هذه المرة الأخيرة على أنهم لا حول ولا قوة لهم أمام الأرنئود، فلم ~~يكن اتحاد «محمد علي» - غير الطبيعي - معهم سوى مظاهرة قصد بها محمد علي ~~إلى بلوغ الأغراض بعينها التي توخاها من توليته محمد خسرو. # وفي 24 أبريل عاد مسيت ms0236 للكتابة مرة أخرى في هذا الموضوع نفسه، فقال: «إنه ~~قد أذيع بالإسكندرية خبر تعيين الجزار باشا لولاية مصر.» # تلك إذن كانت أقوال الوكلاء الإنجليز ورجال السفارة الإنجليزية في ~~القسطنطينية عن ولاية خورشيد باشا، وهي تنفي صدور فرمان من الباب العالي ~~يسمي خورشيد لباشوية القاهرة. # على أن أقوال الوكلاء الفرنسيين ورجال السفارة الفرنسية في القسطنطينية، تنفي ~~هي كذلك صدور هذا الفرمان لخورشيد وتؤكد تعيين أحمد باشا الجزار لولاية مصر ~~في نفس الوقت الذي راح فيه خورشيد يذيع في القاهرة والإسكندرية نبأ تعيينه ~~ويساعده محمد علي على الوصول إلى غايته؛ فقد كتب «دروفتي» من الإسكندرية إلى ~~الجنرال «برون» في 17 فبراير 1804 أنه «علم أن خورشيد قد وصلته بتواريخ ~~حديثة العهد جدا فرمانات من الباب العالي لتعيينه لباشوية رودس، ومن ضمن ~~هذه الفرمانات، فرمان صدر بتثبيت علي باشا الجزائرلي في ولاية مصر.» # وعندما بلغ القسطنطينية نبأ قتل علي باشا الجزائرلي، كتب «برون» إلى حكومته ~~في 10 مارس «أن الريس أفندي موافق على أن هذا الحادث كان نتيجة مكائد ~~«مسيت» - ثم أردف يقول: وقد تعين الجزار باشا واليا على مصر، ويصرحون في ~~الدوائر السياسية العليا بأن الإنجليز يريدون احتلال الإسكندرية احتلالا ~~عسكريا، ولكن الريس أفندي قد أكد له أن بالإسكندرية سفنا حربية ~~وجندا كافين لرد أي اعتداء يقع عليها، ولإبقائها في حوزة الباب العالي ~~ومن ذلك تنشأ فكرة تعيين الجزار باشا لحكومة مصر. # وقد سجل «برون» ما دار من أحاديث بينه وبين الريس أفندي في مؤتمر عقد بعد ~~ذلك بيومين (12 مارس) تناول الاثنان فيه البحث في مسألة محاولة المماليك ~~الاستيلاء على الإسكندرية، وتوسط الوكلاء الإنجليز وذهاب «ريجيو» ترجمان ~~القنصلية الإنجليزية لمفاوضة خورشيد باشا في ذلك، وإرسال الباب العالي أوامره ~~إلى خورشيد باشا؛ لرفض دخول جند البكوات إلى الإسكندرية، كما تحدث الريس ~~أفندي عن محاولة الإنجليز التدخل في شئون مصر منذ حادث طرد خسرو باشا في ~~مايو من العام السابق، وتصميم الباب العالي على دفع كل غزو قد يقع على مصر، ~~فذكر «برون» ms0237 عند تسجيله هذه الأحاديث ما يؤخذ منه أن فكرة تعيين الجزار باشا ~~كان مبعثها تلافي هذه الأخطار جميعها. # وفضلا عن ذلك فقد كتب «برون» إلى «تاليران» في 24 مارس «أن الباب العالي ~~يعقد آمالا عظيمة على نجاح سياسته في إسناد حكومة مصر إلى الجزار باشا، وهو - ~~كما يؤكد الوزراء العثمانيون - برهان على أنهم لا يرضون عن تدخل «الإنجليز» ~~في شئون مصر. # وما إن بلغت القسطنطينية أنباء الانقلاب الأخير وطرد البكوات من القاهرة، ~~ثم تنصيب خورشيد باشا واليا على مصر حتى كتب «برون» في 10 أبريل «أن ~~الأخبار قد جاءت القسطنطينية تنبئ بأن الأرنئود قد انفصلوا عن البكوات ~~وأوقعوا بهم الهزيمة، ثم اضطروهم للانسحاب إلى الصعيد، وأنهم؛ أي الأرنئود قد ~~قدموا خضوعهم للباب العالي الذي صفح عنهم، وأن «علي باشا الجزائرلي» قد قتل، ~~وخلفه خورشيد باشا.» # وقد ذكر «برون» تاريخ وصول هذه الأنباء إلى القسطنطينية على وجه التحديد، ~~فقال في رسالة تالية له في 17 أبريل إن «ططريا قد وصل من القاهرة في 7 ~~أبريل؛ أي بعد إعلان ولاية خورشيد باشا في الإسكندرية والقاهرة واستلامه شئون ~~الحكم فعلا - بأنباء تفيد أن الأرنئود قد قتلوا البكوات جميعهم! وأن خورشيد ~~باشا قد ذهب إلى القاهرة بوصفه واليا على مصر. ثم استطرد «برون» يقول: إن ~~الريس أفندي قد أبلغه في 8 أبريل أن البكوات قد قتلوا، ما عدا الألفي ~~الكبير والألفي الصغير وعثمان البرديسي، وأن مصر قد عادت أخيرا إلى حظيرة ~~الإمبراطورية العثمانية.» # وأما الوكلاء الفرنسيون في مصر فقد حرصوا من جانبهم على إبلاغ حكومتهم أن ~~خورشيد باشا أغا تولى باشوية مصر، من غير أن يصدر له أي فرمان من الباب العالي ~~يخوله ذلك، فقد كتب «ماثيو لسبس» من الإسكندرية في 16 مارس؛ أي غداة إعلان ~~ولاية خورشيد رسميا؛ أنه ذكر لخورشيد أن «هذا الحادث السعيد يحتم عليه ~~العودة إلى القاهرة ليشغل منصبه بها، ولكن خورشيد طلب منه البقاء بالإسكندرية ~~إلى أن يبعث إليه بخطابات من القاهرة» يدعوه فيها للمجيء إليها؛ أي أن خورشيد ms0238 ~~قد فعل مع «لسبس» نفس ما فعله مع «مسيت» وللأسباب نفسها التي أوضحها «مسيت» ~~لحكومته. # ثم لم يلبث «ماثيو لسبس» أن أكد «لتاليران» في 9 أبريل «أن خورشيد ليس لديه ~~أي فرمان من الباب العالي، وأنه دخل القاهرة دون أن يصله أمر قاطع من ~~حكومته بأن يفعل ذلك، ثم استطرد «لسبس» يقول: إنه وصلته في هذه اللحظة ~~رسالة من دمياط تعلن أن مركبا قد وصل إلى دمياط من عكا في 4 أبريل تذيع أن ~~السلطان العثماني قد أعطى الجزار باشا حكومة مصر والشام بأسرها بما في ذلك ~~حلب، وأن الجزار قد أرسل ستة من الرسل على ظهر الهجن لإعلان هذا النبأ في ~~القاهرة.» # وفي 22 أبريل عاد «لسبس» يؤكد في كتابه إلى «برون» أن خورشيد ليس لديه ~~فرمان من الباب العالي، وأن خورشيد قد كتب له كما كتب للوكيل الإنجليزي ~~يدعوهما للحضور إلى القاهرة لغرض واحد فحسب هو أن يضعهما تحت سلطانه، وكي ~~يستخدمهما كأدوات لإنقاذ أعماله ضد الأوروبيين ويلقي بهما فريسة للأرنئود ~~الذين ازداد جشعهم بعد خطوتهم التي قاموا بها لنوال صفح الباب العالي ~~عنهم. # على أنه مما يسترعي الانتباه حقا، قول «لسبس» في رسالته هذه، إنه لما لم ~~يكن لدى خورشيد فرمان من الباب العالي، ولما لم يكن لديه من الجند سوى ~~الأرنئود؛ فقد أصبح في أيدي هؤلاء مجرد أداة يحركونها كما يشاءون، ثم قوله: ~~«وأما محمد علي فقد أعلن أمام «خورشيد باشا» وأمام تراجمة الوكلاء الأوروبيين ~~الذين كانوا مجتمعين في بيت الباشا أن خورشيد ليس لديه أي فرمان من الباب ~~العالي، وأنه؛ أي محمد علي، هو الذي يأمر وينهى، وأنه يريد أن يمده الأوروبيون ~~بالمال فورا.» # وقد كتب «لسبس» إلى «تاليران» في 25 أبريل يؤكد من جديد «أن الجزار باشا قد ~~عين قطعا لولاية مصر وأنه قد أرسل جنده إليها وأن بعض هؤلاء موجودون فعلا ~~بالعريش، وأن هناك من يتساءل الآن: إلى أي جانب سوف ينحاز الأرنئود؟ وهل يحكم ~~الجزار باشا في مصر؟ أو أن الباب العالي ms0239 سوف يبعث بتثبيت أحمد خورشيد باشا ~~الذي يحكم اليوم فعلا؟» # غير أن هذا التساؤل لم يدم طويلا؛ ذلك أن «ماثيو لسبس» لم يلبث أن كتب بعد ~~ذلك وفي اليوم نفسه إلى الجنرال برون «أن طاهر بك حاكم الإسكندرية المؤقت قد ~~أرسل إليه في هذه اللحظة ذاتها يبلغه أن خورشيد باشا قد تعين واليا على مصر ~~بمقتضى فرمانات وصلت اليوم من الباب العالي وأرسلت إلى القاهرة»، ثم أكد ~~الوكلاء الفرنسيون هذا الخبر؛ أي وصول فرمان تثبيت خورشيد في ولايته، في ~~نشرتين من نشراتهم الإخبارية: الأولى عن حوادث مصر بين «10، 30 أبريل 1804»، ~~والثانية عن هذه الحوادث بين «21، 30 مايو 1804». # ذلك أن الباب العالي قد قرر أخيرا تثبيت أحمد خورشيد باشا في ولاية مصر، ~~فذكر «ستراتون» في رسالته إلى اللورد «هوكسبري» في 25 مايو «أن السلطان قد ~~سلم - أو رضي - بتثبيت خورشيد باشا في ولاية مصر، وهي الولاية التي - كما يعرف ~~هوكسبري - قد رفعه إليها الزعماء الأرنئود.» # وفضلا عن ذلك، فقد تناول غير هؤلاء من المعاصرين قصة هذا الفرمان، فقال ~~«مانجان» إن الفرمان الذي أرسله محمد علي في منتصف ليل 12 مارس 1804 إلى ~~القاضي لقراءته في حضور المشايخ كان طريقة ماهرة لإظهار شرعية مسلكه أمام ~~المشايخ الذين كان في استطاعتهم تقرير اتجاه الحركة الشعبية، وهذا في وقت كان ~~لا يزال فيه أكثر البكوات متحصنين في بيوتهم ولا تزال مقاومتهم مستمرة، كما ~~كان في وسع البرديسي إذا وجد مناصرين له يدعونه للدخول إلى القاهرة أن يقتحمها ~~بقواته المسلحة. # ومع ذلك فهناك طائفة من الأسئلة يحار المرء في الجواب عليها، من ذلك ~~معرفة كيف حضر هذا الفرمان؟ وأي قابجي أو رسول من القسطنطينية أحضره؟ وكيف ~~تسنى ورود هذا الفرمان مع العلم بأنه قد مضى على وفاة - أو قتل - علي ~~باشا الجزائرلي اثنان وأربعون يوما فحسب حتى يوم 12 مارس، ومن المتعذر في ~~هذه الأثناء الوقوف على ميول ورغبات الباب العالي؛ لأن الوقت كان شتاء، ~~والمواصلات في هذا الفصل عسيرة وصعبة وتكاد تكون مقطوعة. # وأما ms0240 «روشتي» فقد ذكر قصة هذا الفرمان في رسالة مسهبة سجل فيها الحوادث التي ~~أفضت إلى إنهاء حكم البكوات من القاهرة، وبعث بها إلى البارون شتورمر ~~السفير النمساوي بالقسطنطينية في 12 مارس 1804، فقال: إن «محمد علي» الذي ~~كان اتحاده وثيقا مع السيد عمر مكرم نقيب الأشراف وسائر العلماء لم يلبث أن ~~اجتمع بالمشايخ وحمل حملة شديدة على البرديسي لخيانة عهد أخيه الألفي، وقال إن ~~جنده الألبانيين ورؤسائهم قد روعتهم هذه الخيانة حتى صاروا ينقمون عليه ~~نقمة شديدة ويريدون إنهاء سلطان المماليك في القاهرة، فوافق الحاضرون على ذلك ~~بالإجماع، «وعندئذ أبرز لهم محمد علي صورة فرمان بعث بها إليه خورشيد باشا من ~~الإسكندرية، وبهذه الحجة أو العذر صار تدبير مهاجمة البكوات فجأة في بيوتهم ~~وفي لحظة واحدة والقضاء عليهم مع مماليكهم.» # وأما الشيخ الجبرتي فقد أوجز هذه القصة عندما سجل، في بساطة ووضوح كذلك، ~~في حوادث «يوم الاثنين تاسع عشرة» (أي من شهر محرم عام 1219، والموافق لأول ~~مايو 1804) أنه قد «ورد ططري وعلى يده بشارة للباشا «خورشيد» بتقليده ولاية ~~مصر، ووصول القابجي الذي معه التقليد والطوخ الثالث إلى رشيد وطوخان لمحمد علي ~~وحسن بك أخي طاهر باشا وأحمد بك من رؤساء الأرنئود فضربوا عدة مدافع وذهب ~~المشايخ والأعيان للتهنئة.» # وعلى ذلك، فإنه لا ندحة - في ضوء كل ما تقدم - عن التسلم بعدد من الأمور ~~المعينة، أولها: أن الباب العالي عين أحمد باشا الجزار والي عكا لباشوية مصر ~~في الوقت الذي حدث فيه انقلاب «12-13 مارس»، فلم يكن هناك فرمان في يد خورشيد ~~باشا يخوله الحق في ملء منصب الولاية، ولم يصدر فرمان الباب العالي له إلا بعد ~~أن جاءت الأخبار من القسطنطينية منبئة بدخوله إلى القاهرة وممارسته شئون ~~الحكم فعلا، فأبطل الباب العالي تعيين الجزار باشا وبادر بالاعتراف بالأمر ~~الواقع، وأقر خورشيد باشا في ولايته، وكان لذلك أسباب، منها أن الباب العالي ~~بالرغم من رغبته في تعيين حاكم قوي لمصر يقضي على الفوضى السائدة بها والتي ~~عزاها لسيطرة المماليك العسكرية كان متخوفا ms0241 من الآثار المترتبة على اجتماع ~~حكومتي مصر والشام في يد الجزار باشا الرجل الذي أعلن العصيان والتمرد على ~~سلطان الباب العالي مرات كثيرة سابقة؛ ولأن الباب العالي كان مشدودا إلى ~~عجلة سياسته العتيقة في مصر التي جعلته لضعفه وعجزه عن مواجهة الأمور؛ يرضى ~~بمظاهر السيادة التي له من الناحية القانونية والشرعية على مصر، وإن فقد كل ~~سلطة وسيطرة بها، بدلا من اتخاذ إجراءات حاسمة حازمة تثقل كاهله بأعباء لا ~~يريد أن يتحملها في وقت اجتاح فيه الوهابيون الحجاز، وصار الباشوات في سائر ~~أنحاء الإمبراطورية في شبه ثورة على سلطانه، ولا يأمن شر الدول الأوروبية ~~الطامعة في تقسيم أملاكه. # وقد أوضح هذه الحقيقة أصحاب «تاريخ الحملة الفرنسية العلمي والعسكري في مصر، ~~الجزء التاسع»، فقالوا: ~~«إنه بعد ثلاثة أسابيع من دخول خورشيد باشا القاهرة عاد أحد ~~ضباطه من القسطنطينية يحمل فرمانا سمح بمقتضاه الباب العالي بإعطاء ~~باشوية مصر إلى سيده، ومما يستدعي الانتباه لغرابته الفريدة أن هذا ~~الإخطار برغبات وإرادة السلطان العليا كان رابع إخطار من نوعه وصل ~~إلى هذا الجزء من الإمبراطورية في أقل من عام واحد، والفرمان ~~الأول الذي ثبت خسرو محمد في ممارسة سلطانه لم يصل إلى القاهرة إلا ~~بعد سقوط دمياط بعدة أسابيع، وفي أثناء وجود خسرو في الأسر وعندما ~~وصل الفرمان الثاني الذي يحوي تسمية طاهر باشا للولاية كان هذا ~~الزعيم الألباني قد لقي حتفه، وأخيرا الفرمان الثالث الذي صدر لعلي ~~الجزائرلي لم يصل إلا بعد مضي أكثر من شهر على مصرع هذا الباشا ~~وانطراح جثته وسط رمال الصحراء. # ولكن من الواجب أن نذكر أنه في كل مرة جاء فيها رسول السلطان يحمل ~~واحدا من هذه الأوامر كان يستقبل بإطلاق المدافع من القلعة ومن ~~الحصون الأخرى؛ تحية له، وتذهب الوفود إلى بولاق لتأتي به، فيدخل ~~القاهرة في احتفال رائع، ثم يؤخذ إلى الجامع الرئيسي؛ حيث يقرأ ~~القاضي هذه الأوامر العليا في حضور المشايخ ورؤساء الجند وأعيان ~~السكان الذين يدعون رسميا لهذا الاجتماع، ولكنه كثيرا جدا ~~ما كان ms0242 يحدث، وكما يتبين بعد ذلك أنه لا سبيل لتنفيذ الفرمان الذي ~~قرئ إذ إنه قد بقي من غير تنفيذ، ولا يثير ذلك أقل اهتمام من جانب ~~أولئك الذين لهم الغلبة والسلطة في القاهرة، ولقد كان إمضاء السلطان ~~موضع كل احترام وتقديس طأطأت له الرءوس وخر الناس له سجودا، ولم ~~يغفل أي دقيق من دقائق الاحتفال الواجب في مثل هذه المناسبات، أفلا ~~يكفي ذلك؟ وماذا يطلب المرء بعد هذا كله؟» # وأما ما يؤخذ ثانيا من الحقائق التي ذكرناها فهو وجود تفاهم سابق بين ~~خورشيد ومحمد علي بشأن إسناد الولاية إلى خورشيد باشا، حقيقة ظاهر محمد علي ~~خسرو باشا ووقف إلى جانب الإنكشارية أيام الانقلاب وكان الرؤساء الأرنئود هم ~~الذين صمموا على إنهاء ولاية «خسرو» الكذابة، وهم الذين اجتمعوا وتشاوروا فيما ~~بينهم ثم قر رأيهم على تنصيب خورشيد، وبعثوا إليه بالرسل يبلغونه ~~قرارهم، كما وضع جماعة من الجند الأرنئود أنفسهم تحت تصرفه وذهبوا إلى ~~الإسكندرية ليصحبوه منها إلى القاهرة، ولكن كل هذا النشاط ما كان يمكن أن يحدث ~~دون رضائه وموافقته. # ومن الثابت أنه تركهم يفعلون ما يريدون، وقد تقدم كيف اعتبر المراقبون من ~~الوكلاء الأجانب أن اتحاد محمد علي مع الإنكشارية كان عملا شاذا ومناقضا ~~لطبيعة الأشياء ذاتها، فلم يكن مبعث اتحاده معهم - وهم مع قلتهم وضعفهم النسبي ~~بالقياس إلى كثرة أعداد الأرنئود أصحاب السيطرة على القلعة والذين كانوا قوة ~~ذات وزن في كل ما يحدث من أمور، قد اعتبروا أنفسهم دائما «فخد السلطنة» ~~وعمادها - سوى الرغبة في جذب هذه الطائفة واستمالتها إلى تأييده، أو على الأقل ~~إلى وقوفها على الحياد أثناء الاصطدام مع البكوات المماليك. # وقد كان «مسيت» الوكيل الإنجليزي دائب النصح للبكوات المماليك بأن يقربوا ~~منهم الإنكشارية وأن لا يستعدوهم عليهم حتى يتقووا بهم على الأرنئود، وكان لا ~~مناص من أن يعمل محمد علي لاستلال سخيمتهم بعد أن اشترك في تدبير إقصاء ~~«باشتهم» خسرو من الحكم، وأرغم على مغادرة البلاد أحمد باشا الرجل الذي ~~التفوا حوله للمحافظة على كيانهم ms0243 بعد مقتل طاهر باشا، وذلك إذا شاء أن ~~يقنعهم بأنه ما كان يبغي في كل ما فعله سوى تمكين السلطان العثماني من فرض ~~سيطرته الشرعية على البلاد - وقد كان محمد علي يبذل ما وسعه من جهد وحيلة عند ~~إنهائه حكومة البكوات لإقامة الدليل على تشبثه بالولاء الصحيح للباب العالي، ~~وإذا شاء أيضا أن يؤلف معهم جبهة متحدة يواجه بها خورشيد باشا نفسه إذا تبين ~~أن هذا الأخير يبغي الاستئثار بالحكم والتخلص من الرجل الذي برهنت الحوادث ~~الأخيرة على أنه صار يصنع بيديه الولاة، وفي وسعه أن يحطمهم - وقد كان محمد ~~علي مطمئنا إلى قدرته على الاحتفاظ بطاعة جنده الأرنئود وولائهم له، عندما لم ~~يكن هناك أي أمل بسبب خلو الخزينة من المال دائما في أن يدفع باشا ~~القاهرة مرتبات الأرنئود، فلن يتسنى حينئذ أن يظفر بودهم أو أن يصرفهم عن ~~زعمائهم، ثم كان في قدرة محمد علي أن يتخذ من مسألة المرتبات المتأخرة في أي ~~وقت يشاء وسيلة لتأليب الأرنئود وتحريكهم للثورة على باشا القاهرة. # وثمة حقيقة ثالثة، هي رضاء محمد علي بأن يعتمد تلك الصورة التي بعث بها ~~خورشيد إليه من الإسكندرية على أنها صورة الفرمان المزعوم الذي وصله من الباب ~~العالي، مما ينهض دليلا آخر على تدبير أمر الولاية بين خورشيد ومحمد علي؛ فقد ~~أبرز محمد علي هذه الصورة في منتصف أو بعد منتصف ليل 12 مارس؛ أي في نفس ~~الوقت الذي كان جنده يحاصرون فيه البرديسي وإبراهيم، مما يدل قطعا على أن ~~صورة هذا الفرمان وصلت «محمد علي» قبل أن يخلع القناع بمدة، ربما كانت طويلة ~~أو قصيرة، ولكنها على كل الأحوال كانت كافية لإعطائه الفرصة للتثبت من صحة ~~هذه الوثيقة التي لا شأن للباب العالي بها ولم تصدر عنه. # ولم يكن محمد علي بالرجل الذي تجوز عليه الغفلة، وبخاصة في أثناء هذه الأزمة ~~العصيبة التي صنعها بنفسه، بل إن مسلك محمد علي بعد أن أبرز صورة الفرمان ~~المزعوم ليدل دلالة واضحة على أنه ما كان يعتقد ms0244 بصحته؛ فلو كانت تلك في نظر ~~محمد علي وتقديره إرادة الباب العالي الحقة لما وجد ما يدعو لرفع خسرو باشا ~~إلى منصب الولاية؛ لأن جلب رضى الباب العالي وإعلان الولاء له - مقصد محمد ~~علي الأعظم أهمية من خطوته هذه إنما يكون عندئذ بإطاعة أوامره مباشرة ودون ~~التواء، ولم يكن في وسع الإنكشارية على أي حال مخالفة إرادة السلطان أو ~~الظهور بمظهر العصاة الخارجين على أوامر الباب العالي. # أضف إلى هذا أن الرؤساء الأرنئود الذين اجتمعوا وتشاوروا واختاروا خورشيد ~~للولاية إنما فعلوا ذلك بعد أن ذاع أمر الفرمان بين الناس، كما كان ذهاب ~~الجند الأرنئود إلى الإسكندرية ليضعوا أنفسهم تحت تصرف خورشيد، وليكونوا ~~حرسا له في أثناء سفره إلى القاهرة، بعد ذيوع أمره، فقد غادر هؤلاء القاهرة ~~إلى الإسكندرية بقيادة أحمد بك في 21 مارس، وعلى ذلك فقد كانت مسألة الفرمان ~~من تدبير خورشيد، واشترك محمد علي معه في تدبيرها. # وأما الحقيقة الرابعة فهي: أنه كان من طبيعة هذا التدبير ذاته - ولأن «محمد ~~علي» قد أسهم فيه بنصيب وافر فضلا عن أنه قد ظل يمارس سلطة فعلية في عهد ~~حكومة البكوات المماليك، ولو أنه ترك مقاليد الأمور في الظاهر في يد ~~البرديسي وإبراهيم - أن ينتفي أي انسجام بين خورشيد ومحمد علي وأن تتكدر ~~العلاقات بينهما؛ لأنه لم يكن هناك مفر من أن يشعر خورشيد بأنه مدين ~~بمنصبه للأرنئود وزعيمهم، ولا ندحة عن إدخاله قوة هذا الزعيم في حسابه، وهو لا ~~يزال في حاجة إلى جنده الأرنئود لمطاردة البكوات، هدف ولايته الأولى، كما لم ~~يكن في وسع محمد علي أن يتخلى عن سلطاته وهو - كذلك - يشعر بأنه القوة التي في ~~وسعها وحدها مطاردة المماليك، بل لقد كان إلى جانب ذلك من طبيعة النجاح الذي ~~أدركه في رفع خورشيد إلى الولاية، وبعد أن تمرس في صناعة إقامة الحكومات ~~وهدمها ما يجعله هو أيضا يصبو إلى منصب الولاية، أما وقد أرجع البلاد إلى ~~حظيرة الدولة بعد أن أنهى حكم البكوات في القاهرة، ونال بفضل ms0245 ذلك رضاء ~~السلطان العثماني؛ فسوف لا يكلفه الظفر بموافقة الباب العالي وتقريره في ~~النهاية للأمر الواقع سوى اصطناع التريث والأناة عندما يشرع في تدبير ~~انقلابه الذي سوف يمكنه من الولاية. # وأخيرا لقد كان الاعتراف بسلطة خورشيد باشا بإصدار فرمان الولاية له يحمل ~~معنى هاما هو أن الباب العالي بالرغم من الفوضى السياسية المنتشرة في ~~البلاد وقتئذ كان لا يزال صاحب السلطان في مصر، وأن الأمور - في ظاهرها على ~~الأقل - لم تخرج من يده بعد. # زد على ذلك أن وجود وال - أو باشا - في مصر يتقلد منصبه رسميا بموجب فرمان ~~الولاية يمكن الباب العالي من تنفيذ خطته التي رسمها من أجل القضاء على ~~المماليك واسترجاع سيطرته الفعلية على البلاد؛ لأن الواجب يقتضي هذا الوالي أو ~~الباشا أن يصدع بأوامر الباب العالي ويعمل لتحقيق هذه الغاية، على أن توطيد ~~سلطان الباب العالي في مصر والقضاء على المماليك يستلزم حتما أن يحالف هذا ~~الوالي أو الباشا الرجل الذي ساد الاعتقاد وقتئذ - سواء في القسطنطينية أم في ~~القاهرة - أنه في استطاعته وحده دون سائر القواد والرؤساء العسكريين أن ~~يقاتل المماليك، وأن يقضي عليهم. # حقيقة لم يكن الباب العالي غافلا عن نشاط الأرنئود ورؤسائهم في مصر، أو أنه ~~كان يجهل ما يضعه محمد علي نفسه وبالذات من عقبات في طريق الولاة ممثلي ~~السلطان العثماني الرسميين في مصر، ولكن مسعى محمد علي الأخير في تحطيم حكومة ~~البكوات في القاهرة قد أظهره بمظهر الخاضع للباب العالي والمتمسك بأهداب ~~السيادة الشرعية التي لتركيا على مصر، وكان سهلا على الباب العالي حينئذ وفي ~~الظروف القائمة أن يعترف بقيمة الخدمات التي أداها للدولة بنضاله ضد البكوات ~~المماليك. # كما صار من صالح الدولة أن تتغاضى عما يكون قد شاب موقفه من شوائب في ~~الماضي، وأن تعمل لاستبقائه إلى جانبها، كما صار من صالح الوالي أو الباشا ~~العثماني في مصر أن يحرص على محالفته، وقد أدرك خورشيد هذه الحقيقة الأخيرة من ~~اللحظة الأولى، ولكنه اعتبر - من ناحية أخرى، ومن اللحظة الأولى كذلك ms0246 - أن ~~المحالفة مع محمد علي عبء ثقيل يبهظ كاهله، ولا مندوحة له عن التخلص منه ~~عند سنوح أول بادرة. # وقد عبر عن ذلك كله «بول ~~مورييه» Paul Mouriez # وهو يعتمد في تاريخه على «مانجان» اعتمادا كبيرا ~~- عندما قال: «لقد كانت القسطنطينية على دراية تامة بفعال الأرنئود التي طفح ~~بها الكيل، وبمقاومة محمد علي المستمرة لمندوبي الباب العالي في مصر حتى ~~أعجزهم وعطل نشاطهم، ولكنه كان يؤخذ بعين الاعتبار - من ناحية أخرى - أن هذا ~~الزعيم الألباني قد أسدى للدولة خدمة جليلة بمهاجمته للبكوات، وكان في نظر ~~الدولة الرجل الوحيد الذي يقدر على مناضلتهم أو إهلاكهم والقضاء ~~عليهم. # وقد انطوى - بطبيعة الحال - الاعتراف بسلطة خورشيد؛ أي بولايته على تقرير ~~المنبع المستمدة منه هذه السلطة، كما جعل واجبا على هذا الباشا بحكم منصبه ~~وشرطا لبقائه به أن يواصل العمل من أجل القضاء على سلطة المماليك ~~وإنهائها، وقد استتبع ذلك حتما أن فرضت عليه فرضا محالفة محمد علي وجماعته ~~أثقل الأعباء التي كان عليه أن يتحملها يقينا، والتي ارتبطت بترقيته لهذا ~~المنصب الذي لم يكن لديه أي أمل في بلوغه، ولم يكن خورشيد في حاجة لأن يمضي ~~وقت طويل قبل أن يدرك هو نفسه هذه الحقيقة.» # وحقيقة الأمر أن المدة التي قضاها أحمد خورشيد في الولاية وهي قرابة سنة ~~وشهرين؛ كانت فترة صراع خفي ومستتر تارة، وعلني وسافر تارة أخرى، بين ~~خورشيد ومحمد علي، انتهى بخسارة خورشيد وغلبة محمد علي، الذي ظفر بالحكم ~~والولاية. # الفصل الخامس # | ظهور محمد علي: المناداة بولايته # تمهيد # غادر خورشيد الإسكندرية في طريقه إلى القاهرة في 17 مارس 1804، فوصل إلى ~~بولاق في 26 مارس ودخل القاهرة في اليوم نفسه، ولكن اعتلاءه منصب الولاية في ~~القاهرة لم يكن معناه أن الأمور قد استقرت نهائيا له؛ لأنه لم يكن قد وصله ~~بعد فرمان الولاية من جهة، ولأن الأخطار كانت لا تزال تتهدد ولايته من جهة ~~أخرى، من ناحية أحمد باشا الجزار ثم خسرو باشا، وقد زالت الصعوبة الأولى عندما ~~جاءه فرمان تثبيت ms0247 الولاية، وأعلنت مدافع القلعة هذا النبأ رسميا في 28 ~~أبريل، كما زال الخطر من ناحية أحمد الجزار نهائيا عندما توفي هذا الأخير ~~في 9 مايو ووصلت هذه الأخبار إلى القاهرة في 17 مايو، وكانت الإشاعات ~~قبل وفاته لا تزال تروج في القاهرة بأن الجزار متمسك بولايته على مصر، كما ~~أذيع أن قسما من جنده قد وصل فعلا إلى العريش أو الجهات القريبة منها. ~~وأما خسرو باشا فقد أقام في رشيد بعد مغادرته القاهرة بعضا من الوقت ينتظر ~~أوامر الباب العالي بشأنه؛ لأنه كان لا يزال يطمع في باشوية القاهرة، ~~ويمني النفس بتأييد محمد علي والإنكشارية له في مسعاه؛ للأسباب التي سبق ~~ذكرها. # وبذل خسرو - في الحقيقة - قصارى جهده لنيل مآربه، واعتمد في ذلك - خصوصا - ~~على وساطة السفارة الإنجليزية في القسطنطينية، فقد اضطر خسرو لمغادرة رشيد ~~عندما أثار المماليك الاضطرابات بالاتحاد مع البدو والعربان حول القاهرة وفي ~~الوجه البحري بعد انحلال حكومة البكوات، واقترب البدو من رشيد يهددون بالإغارة ~~عليها، فلجأ إلى الإسكندرية منذ 21 مايو، ثم صار يجتمع بالوكيل الإنجليزي ~~«مسيت» ويطلب إليه أن يرجو السفير الإنجليزي بالقسطنطينية أن يستخدم نفوذه لدى ~~الديوان العثماني لإعادة تعيينه واليا على مصر، واستند خسرو في تبرير مطلبه ~~على نفس الأسباب التي كانت مثار اهتمام الحكومة الإنجليزية دائما؛ أي إنشاء ~~الحكومة القوية التي تستطيع رد العدوان الأجنبي عن مصر، فقال: إن خورشيد ~~عاجز عن وضع أية مشاريع واسعة تكفل إخضاع الثوار أو الدفاع عن البلاد، ~~وصرح «لمسيت» بأنه سوف يطلب بمجرد تعيينه لباشوية مصر عند نجاح الإنجليز في ~~وساطتهم جنودا من الإنجليز لوضعهم في حامية الإسكندرية، كما أخذ على عاتقه ~~تموين مالطة المركز الإنجليزي الهام في البحر الأبيض دون إثارة حسد الدول ~~الأوروبية، وتعهد إلى جانب ذلك برعاية المصالح البريطانية في مصر رعاية تامة ~~والخضوع دائما لإرشادات الوكيل الإنجليزي، ولكن كل هذه المساعي ذهبت سدى؛ ~~لأن «مسيت» كان لا يثق به، ولا يقيم وزنا لوعوده، فضلا عن شكوكه الكبيرة في ~~ترجمان خسرو باشا «ستفاناكي» ms0248 # Stephanaky ~~، وهو ~~يوناني صاحب ميول فرنسية ظاهرة، ولأن «مسيت» اعتقد أن خسرو إنما يريد عند ظفره ~~بباشوية مصر الاستقلال عن تركيا. # كما اعتقد أن «ماثيو لسبس» - الذي قال عنه منذ 29 مارس: «إنه سمع بنشاط ~~الثورة الأخيرة ضد حكومة البكوات في القاهرة» - ربما يكون قد وعد خسرو باشا ~~أيضا بمساعدة فرنسا له. # وأخيرا كتب «مسيت» في 16 يونيو «أن خسرو بناء على رجاء أصدقائه له بأن ~~يذهب إلى مكان قريب من القسطنطينية؛ قد غادر الإسكندرية صباح اليوم السابق ~~(15 يونيو) ولو أنه كان لا يزال لديه أمل في حدوث ثورة يقوم بها أنصاره ~~للظفر بالنفوذ الأعلى في البلاد؛ ولذلك فقد اكتفى بالذهاب - كما ينوي - إلى ~~رودس حتى يتسنى له الاستفادة في مكانه القريب هذا من أي تغيير يحدث لصالحه في ~~مصر.» # وكان خسرو لا يزال يعتمد على مساعي «مسيت» نفسه في القاهرة، ثم السفير ~~الإنجليزي في القسطنطينية، لتأييد دعاواه في باشوية مصر، وذلك فضلا عن ~~اعتماده على مناصريه في القاهرة ذاتها محمد علي والإنكشارية، الذين توهم خسرو ~~- على ما يبدو - أنهم يعملون لصالحه، ومع أن خسرو كان يتوقع كل معارضة من ~~خورشيد وإخوة طاهر باشا وأقربائه؛ فقد كان من رأيه أن سوء الأحوال في ~~مصر سوف يحمل الباب العالي في النهاية على إجابة مطلبه. # وقد لخص «ماثيو لسبس» رأي خسرو باشا عن الأوضاع السائدة في مصر عندما كتب إلى ~~حكومته منذ 21 مايو: «أن خسرو الذي وصل إلى الإسكندرية يرى أن الأحوال في مصر ~~قد بلغت درجة من السوء والخطورة تجعلها ميئسة تماما إذا لم يبادر ~~الباب العالي بإرسال نجدات إليها بكل سرعة؛ فالقاهرة يحاصرها «المماليك»، ~~وسلطة خورشيد باشا ضعيفة ومزعزعة، ومعظم البلاد في قبضة المماليك الذين ~~يؤازرهم العربان، ولا يجرؤ الأرنئود على الخروج من القاهرة، ولا يزال الألفي ~~ممتنعا عن إعلان موقفه بالرغم من محاولات خورشيد لجذبه إلى جانبه ضد إخوانه ~~وتواجه دمياط متاعب كثيرة، وأنه؛ أي خسرو يرى أخيرا أن المماليك والبدو هم ~~أصحاب السيطرة وأن الاضطرابات تسود ms0249 البلاد.» # على أن صدور فرمان الولاية لخورشيد، ووفاة أحمد الجزار، ومغادرة خسرو البلاد ~~لم ينه الصعوبات التي اكتنفت باشوية أحمد خورشيد وهددت كيان هذه ~~الباشوية من البداية، ومنشأ هذه الصعوبات استمرار مقاومة المماليك وإصرارهم ~~على الظفر بحكومة القاهرة ودعم سلطانهم في سائر أنحاء البلاد ووجود ~~الأرنئود، وبقاء الحاجة إليهم لقتال المماليك، ثم موقف محمد علي من حكومة ~~خورشيد، وكان قتال المماليك والقضاء عليهم، المسألة التي اهتم بها الباب ~~العالي اهتماما بالغا، ولم يكن هناك مناص من قتالهم وإخضاعهم لسلطان الباب ~~العالي إذا شاء أحمد خورشيد كسب رضاه، وتثبيت ولايته هو من جهة، ثم دعم ~~أركان هذه الولاية من جهة أخرى بالتغلب على القوة العسكرية التي ظلت مصممة على ~~مقاومته ومنازعته السلطة في البلاد، ولكنه - حتى يتمكن من هزيمتهم وإخضاعهم - ~~لم يكن هناك مناص كذلك من اعتماده على قوات الأرنئود، وكان الاعتماد على هؤلاء ~~مبعث متاعب عديدة؛ لأنه من المتعذر إخراجهم لقتال المماليك من غير أن تدفع ~~لهم مرتباتهم، بينما حضر خورشيد إلى القاهرة وهو خالي الوفاض، وخلت الخزانة ~~العامة من المال، كما أنه لم تكن هناك قوات أخرى يمكنه الاستعاضة بها عن ~~الأرنئود ووجب - علاوة على ذلك - أن يستوثق خورشيد من موقف زعماء هؤلاء ~~الأرنئود من حكومته وخصوصا محمد علي. # فقد كان بتشاور الزعماء الأرنئود وكبار ضباط الجند فيما بينهم أن ~~تقرر اختيار خورشيد للولاية بدلا من خسرو، ومع أن «محمد علي» كان على ~~تفاهم سابق مع خورشيد - على نحو ما أوضحنا - فقد استمر يظهر انحيازه إلى ~~الإنكشارية ويتظاهر بالميل لتأييد خسرو، ولو أنه تخلى عنه في اللحظة الأخيرة، ~~وكان من أغراض هذه المظاهرة أن يزيد اقتناع خورشيد بأنه من المتعذر أن تستقيم ~~الأمور في صالحه إذا تنحى الأرنئود أو بالأحرى كبير زعمائهم محمد علي عن ~~تعضيده؛ ولذلك فقد عجز التفاهم الذي أفضى إلى تنصيب خورشيد عن إشاعة ~~الطمأنينة والثقة في نفسه من ناحية الأرنئود أو محمد علي، وأدرك خورشيد من ~~أول الأمر أنه لا مفر من التخلص من هؤلاء ms0250 الأرنئود ومحمد علي إذا أراد ~~استقرار باشويته في مصر. # ولذلك فقد صارت خطته منذ أن تسلم مهام منصبه في القاهرة إلى جانب المضي في ~~قتال المماليك، واستخدام الأرنئود في قتالهم، وهم القوة الموجودة فعلا؛ ~~توطيد ولايته، بنقل اعتماده الذي بناه عليهم إلى الاستناد على جنود آخرين ~~يستقدمهم خصيصا لهذه الغاية، فقال «مسيت» في 18 مارس؛ أي في اليوم التالي ~~لمغادرة خورشيد الإسكندرية إلى القاهرة: «إن غرضه؛ أي غرض خورشيد، طرد أعظم ~~عدد ممكن من الأرنئود إلى خارج البلاد»، وكان تحقيق هذا الغرض في نظر «مسيت» ~~أمرا عسيرا؛ لأنه كما قال: «يشك كثيرا فيما إذا كان الأرنئود يرضون بطردهم ~~هكذا ببساطة ودون مقاومة من القاهرة، بعد أن قضى طرد البكوات منها على كل ~~رقابة عليهم، فضلا عن أنهم يفضلون البقاء في مصر التي اعتادوا على ~~مناخها، وغنموا منها أسلابا كثيرة»، فكان في رأي «مسيت» أن تصميم خورشيد على ~~التخلص من الأرنئود سوف يؤدي إلى فصم العلاقات بينه وبينهم، ويلقي بالبلاد ~~في أتون الحرب الأهلية، ويتيح الفرصة للفرنسيين بسبب ذلك لتنفيذ خططهم التي ~~أعدوها لغزو البلاد. # على أن الصعوبة الكبرى التي واجهت خورشيد، كان مبعثها في الحقيقة موقف ~~محمد علي؛ فقد حرص على أن يصدع بأوامر خورشيد لقتال المماليك، ومع أنه تدخل ~~لفرض نفوذه على حكومة خورشيد، فقد سلك مسلكا يدل في ظاهره على أنه لا ينوي ~~قلب هذه الحكومة، فلم يكشف القناع عن نواياه إلا حين استقدم خورشيد جنود ~~«الدلاة» بأعداد كبيرة لإقصاء الأرنئود وإرغامهم إرغاما على مغادرة البلاد ~~إذا رفضوا الانسحاب منها طوعا، على أن موقف محمد علي كان لا لبس فيه ولا ~~إبهام؛ ذلك أنه كان في صالحه هو كذلك أن يستمر النضال ضد البكوات المماليك ~~للقضاء عليهم؛ تنفيذا لرغبة الباب العالي، وجلبا لرضا الديوان العثماني ~~عليه، ثم لإزالة تلك القوة المملوكية العسكرية التي هددت مسند الولاية دائما ~~سواء كان الوالي خورشيد باشا أم آخر غيره، بل كان القضاء على القوة المملوكية ~~العسكرية مما يهتم به محمد علي اهتماما ms0251 عظيما؛ لسبب جوهري، هو أنه كان قد ~~بدأ يعمل جديا منذ أن صار الحكم لخورشيد باشا ليظفر هو بالولاية لنفسه، فقد ~~كتب «مسيت» منذ 16 يونيو 1804 أن «محمد علي» أصدر أمرا للمصرف الذي يتعامل ~~معه في القسطنطينية «بأن يعطي المال بسخاء من أجل الوصول إلى الولاية، كما أنه ~~حصل من «ماثيو لسبس» على وعد بأن يبذل قصارى جهده مع الجنرال «برون» السفير ~~الفرنسي في القسطنطينية ليقدم للديوان العثماني توصية طيبة في حقه». # وفي 10 أغسطس من العام نفسه كتب «مسيت» من الإسكندرية أنه قد جاءته رسالة ~~من رشيد بعث بها إليه «البطروشي» يقول فيها: «إن كولونيلا ألبانيا وصل إلى ~~رشيد من القاهرة يوم 5 أغسطس، وتحدث مع عدد من الأشخاص بما جعلهم يفهمون أن ~~«محمد علي» يتخذ كل ما يلزم من خطوات؛ ليصبح سيدا على مصر»، كما جاء في هذه ~~الرسالة أن ابن أخي محمد علي سوف يبحر قريبا إلى القسطنطينية ومعه مبلغ ~~طائل من المال؛ لتجنيد قوة من العسكر، وحتى يعمل في الوقت نفسه للتأثير على ~~وزراء الباب العالي في صالح عمه وإقناعهم بتأييد رغباته. وفضلا عن ذلك فإنه ~~مما يقال سرا الآن: أن الأرنئود الموجودين بالشام قد قرروا الحضور إلى مصر ~~لتجربة حظهم عندما سمعوا بالثروة الكبيرة التي جمعها مواطنوهم بها.» # وعلى ذلك، فمثلما كان خورشيد يبغي التخلص من الأرنئود ومحمد علي، كان محمد ~~علي يبغي التخلص من خورشيد، ولم يجمع بينهما سوى العمل لتحقيق هدف واحد هو ~~القضاء على المماليك وإنهاء كل نفوذ وسلطة لهم في مصر. واصطنع خورشيد الصبر ~~والأناة؛ حتى يستقدم الجند «الدلاة» عماد قوته الجديدة المنتظرة، واصطنع محمد ~~علي كذلك الصبر والأناة حتى يجد المسوغ الذي يجعله يعلن المقاومة في وجه ~~خورشيد بصورة تضمن له النجاح من ناحية، ولا تضعه موضع الثائر على سيادة ~~الباب العالي وسلطانه الشرعي في البلاد من ناحية أخرى، ولم يكن عسيرا على ~~محمد علي أن يجد الفرصة المواتية وفي أي وقت يختاره، عندما كان في وسعه دائما ~~أن ms0252 يتخذ من مطالبة الأرنئود بمرتباتهم المتأخرة ذريعة للضغط على حكومة خورشيد، ~~وإرغامها على اللجوء إلى نفس الإجراءات التعسفية لجمع المال الذي تدفع منه ~~هذه المرتبات على غرار ما حدث أيام حكومة البكوات البائدة، كما كان خورشيد ~~نفسه قمينا بأن يعطيه المسوغ الذي يطلبه بسبب ما عرف عن عجزه وسوء ~~تدبيره. # ولذلك فقد كانت المدة التي قضاها خورشيد باشا في الحكم، فترة نضال ~~مستمر بينه وبين محمد علي، وقد انتهى هذا النضال في صالح الأخير عندما أسفر ~~عن المناداة بولايته. # حكومة خورشيد # بدأ النضال بين محمد علي وخورشيد منذ قدوم الأخير إلى القاهرة، واتخذ في ~~هذه المرحلة الأولى صورة الرغبة من جانب محمد علي في فرض نفوذه على حكومة ~~خورشيد؛ فقد سعى الوكلاء الإنجليز لوضع ترجمان قنصلهم «ريجيو» # Reggio # في حاشية خورشيد، وسعى الوكلاء ~~الفرنسيون من جانبهم لإحباط هذا المسعى، وانحاز محمد علي إلى هؤلاء الأخيرين، ~~فصار يضغط مع أحمد بك الزعيم الألباني الآخر - الذي ذهب إلى الإسكندرية لدعوة ~~خورشيد إلى القاهرة في الظروف التي سبق ذكرها - حتى يعين الباشا في حاشيته ~~أفرادا من «الموالين لفرنسا»، فجعلاه يعين «ستفاناكي» اليوناني ترجمانا له، ~~وهو رجل قال عنه «مسيت» في رسالته إلى حكومته في 4 أبريل: إنه وكيل خسرو باشا ~~الرئيسي، ويخلص إخلاصا كبيرا لفرنسا ؛ لاعتقاده أن في وسع الفرنسيين تحرير ~~بلاد المورة من السلطان العثماني وإنشاء الجمهورية اليونانية القديمة بها مرة ~~أخرى. # ثم قال «ماثيو لسبس» عندما أبلغ حكومته نبأ هذا التعيين في 4 أبريل أيضا: ~~إن له أيادي كثيرة على «ستفاناكي»، ومع أن «مسيت» نجح بعد لأي وعناء في ~~إقصاء «ستفاناكي» بعد ذلك، فقد كتب في 19 أبريل: «إن خورشيد باشا لم يلبث أن ~~وجد نفسه في قبضة محمد علي وليس له من الباشوية سوى زخرفها وطلائها الخارجي، ~~وذلك منذ أن دخل القاهرة دون أن يكون لديه مال أو جند، بل وبلغ من ~~خضوعه لمحمد علي أنه لم يستطع تأليف حاشيته كما يريد ويهوى.» # ثم لم تمض أيام قلائل حتى عاد ms0253 «مسيت» يكتب في 24 أبريل: «إن خورشيد يجد ~~نفسه في صعوبات كثيرة بسبب حاجته إلى المال؛ ليدفع منه مرتبات الجند، ~~ولاضطراره إلى اللجوء لإجراءات صارمة لجمعه، الأمر الذي جعله غير محبوب من ~~الشعب، وأما محمد علي فقد أخذ لنفسه كل سلطة، ولو أنه ينكر دائما تحمل ~~أية مسئولية.» # وزاد من حروجة مركز خورشيد أن البكوات منذ طردهم من القاهرة، قد عاثوا فسادا ~~في البلاد، ينهبون ويخربون، ويفر الفلاحون من وجوههم بسبب عسفهم وظلمهم، حتى ~~باتت قرى بأكملها خاوية ومقفرة من أهلها، وحتى صارت القاهرة مهددة بالمجاعة ~~بسبب انتهاز العربان فرصة عجز الحكومة، فاتحدوا مع المماليك في نهب القرى، ثم ~~صاروا يستولون على السفن المحملة بالمؤن المجلوبة إلى القاهرة من الصعيد أو من ~~الوجه البحري. وسادت الاضطرابات في القاهرة بسبب اعتداءات الأرنئود على ~~سكانها من وطنيين وأجانب على السواء، وعلى نحو ما كانوا يفعلونه قبل طرد ~~حكومة البكوات من القاهرة. # ومع أن خورشيد كان يسعى جهده لتأمين الأجانب على سلامتهم ومنع الإهانات عنهم، ~~ويدرك أن من صالحه قيام العلاقات الطيبة بين حكومته وبين الدول الأوروبية، ~~إلا أنه كما قال «ماثيو لسبس» في 25 أبريل «لم يكن سيد نفسه، أو في وسعه أن ~~يفعل ما يريد، بل تحتم عليه أن يخضع دائما لنزوات الأرنئود»، كما أن «خورشيد» ~~بسبب حاجته إلى المال لدفع مرتبات هؤلاء؛ صار يفرض شتى المغارم على الأوروبيين ~~ومحميي الدول بالقاهرة، وأخذ الجنود على عاتقهم ابتزاز المال من هؤلاء بشتى ~~الوسائل، فحدث في أبريل أن ذهب حوالي خمسين منهم إلى بيت «روشتي» يطالبونه ~~بدفع مبالغ كبيرة، وحبس جماعة آخرون من الأرنئود اثنين من أتباع «ماثيو لسبس» ~~نفسه، واحتج الوكيل الفرنسي احتجاجا شديدا في 22 أبريل واضطر خورشيد إلى ~~عمل كل ترضية لازمة له وتعهد له في 4 مايو باحترام أملاك الفرنسيين وبتأمين ~~سلامتهم حسب الامتيازات الإمبراطورية. # وكان الأهلون هم الذين وقع على كاهلهم عبء أكثر هذه المغارم التي لجأ إليها ~~خورشيد لدفع مرتبات الجند، وبخاصة عندما رفض هؤلاء السير ضد ms0254 المماليك، وصار ~~يتحتم عليه اللجوء إلى فرضها كلما تجددت مطالبتهم بعد ذلك وفي أثناء القتال ضد ~~البكوات، فقد «طلب في 2 أبريل مال الميري عن السنة المقبلة لضرورة النفقة» ~~وتحصيل ذلك من جميع المديريات، فشكا الملتزمون والفلاحون، وتدخل بعض الوجاقلية ~~والمشايخ «فانحط الأمر بعد ذلك على طلب نصف مال الميري عن سنة تسع عشرة؛ أي ~~السنة المقبلة، وبواقي سنة سبع عشرة وثمان عشرة، وكذلك باقي الحلوان الذي تأخر ~~على المفلسين، وكتبوا التنابيه بذلك وقالوا: من لم يقدر على الدفع فليعرض ~~تقسيطه على المزاد»، وفي أوائل مايو «طلبوا جملة أكياس لنفقة العسكر فوزعوا ~~جملة أكياس على الأقباط والسيد أحمد المحروقي وتجار البهار ومياسير التجار ~~الملتزمين، وطلبوا أيضا مال الجهات والتحرير وباقي مسميات المظالم عن سنة ~~تاريخه معجلة.» # وفي 21 مايو طلب كتخدا الباشا؛ أي وكيل أحمد خورشيد سلفة من جماعة من ~~الوجاقلية وطلبوا مبالغ من جماعة أخرى من الأعيان «وعملوا على الأقباط ألف ~~كيس وحلف «أحمد خورشيد» أنها لا تنقص عن ذلك، وفردوا على البنادر مثل دمياط ~~ورشيد وفوة ودمنهور والمنصورة وخلافها مبالغ: أكياس، ما بين ثمانين كيسا ~~ومائة كيس وخمسين كيسا وغير ذلك لنفقة العسكر»، فبلغ من سخط الأهلين أنهم ~~صاروا يذيعون خبر تعيين أحمد الجزار لباشوية مصر؛ نكاية في خورشيد ثم اشتد ~~السخط عليه عندما أراد أن يحمل المماليك جزءا من النفقات مساهمة منهم - ~~كما قال - في نفقات الحرب التي شنوها هم بأنفسهم عليه، فصار يفتش عن أنصارهم ~~السريين في القاهرة ويفرض عليهم الإتاوات الفادحة، وصار يأخذ نساء المماليك ~~اللواتي بقين بالقاهرة «رهائن» لديه حتى يدفع أزواجهن هذه الإتاوات، ثم انتهى ~~به الأمر في 22 مايو بأن استقدم إلى القلعة الست نفيسة أرملة مراد بك بتهمة ~~أنها تسعى لاستمالة رؤساء الأرنئود لتأييد المماليك نظير أن «تلتزم بالمكسور ~~من جامكية العسكر»؛ أي أن تدفع لهم مرتباتهم المتأخرة، وبعث بها للإقامة ببيت ~~أحد المشايخ «الشيخ السحيمي» بجوار القلعة كرهينة، «فتكدرت خواطر الناس لذلك»، ~~واحتج القاضي ونقيب الأشراف السيد عمر مكرم والمشايخ: ms0255 السادات والأمير والمهدي ~~والفيومي، ونفت السيدة التهمة التي ألصقت بها، وعندما أصر خورشيد على ~~استبقائها بدعوى «أنها تعمل لإفساد جنده لخدمة مصالح أعدائه وتجرؤ على وعدهم ~~بزيادة مرتباتهم، وأنها يجب لذلك أن تفي بوعدها»؛ هدد الشيخ الأمير بأن هذا ~~أمر غير مناسب وتترتب عليه مفاسد، وبعد ذلك يتوجه اللوم إلى المشايخ فإن ~~كان كذلك فلا علاقة للمشايخ بشيء مما قد يحدث من جانب الأهالي المتذمرين بسبب ~~هذا الحادث، وعندئذ وافق خورشيد على أن تقيم بمنزل الشيخ السادات. # وكانت عديلة هانم ابنة إبراهيم بك قد ذهبت للإقامة عند الشيخ السادات منذ أن ~~علمت بما حصل للست نفيسة، وفي 25 مايو عاد خورشيد يطلب دفع مال الميري ~~«سنة تاريخه المعجلة بالكامل، وكانوا قبل ذلك طلبوا نصفها، وعملوا قوائم ~~بتوزيع خمسة آلاف كيس استقر منها على طائفة القبطة خمسمائة كيس بعد الألف، ~~وجملة على الملتزمين خلاف ما أخذ منهم قبل ذلك، وعلى الست نفيسة وبقية نساء ~~الأمراء ثمانمائة كيس»، وفي 27 مايو فرض خورشيد على «أرباب الحرف والصنائع» ~~خمسمائة كيس، فضج الناس، وأغلقت الحوانيت وقصدت الجماهير إلى الأزهر، وفي ~~29 مايو «اجتمع الكثير من غوغاء العامة والأطفال بالجامع الأزهر ومعهم طبول ~~وصعدوا إلى المنارات يصرخون ويطلبون وتحلقوا بمقصورة الجامع يدعون ويتضرعون ~~ويقولون يا لطيف وأغلقوا الأسواق والدكاكين»، فطلب خورشيد السيد عمر مكرم؛ ~~يوسطه في إعادة الهدوء لقاء رفع هذه الغرامة عن الفقراء، واحتج عمر مكرم بأن ~~«كل أرباب الحرف والصنائع فقراء» ويشكون من الكساد ووقف الحال، وأنه لا علاقة ~~لهم «بمغارم الجوامق للعسكر»، ولما أصر أصحاب الحوانيت على غلق حوانيتهم ~~واستمر هياج الخواطر في القاهرة لم ير خورشيد بدا من رفع هذه ~~الغرامة. # ثم تنوعت أساليب خورشيد لابتزاز المال بكل وسيلة، فكان من هذه الحيل ~~والأساليب أنه دعا في 29 يونيو المشايخ والوجاقلية إلى «الديوان الكبير ~~المعروف بديوان الغوري» لقراءة فرمان تقليده الولاية، وفرمانين آخرين كان ~~أحدهما أكثر كلاما من الآخر تضمن مدحا لحكومته وقدحا في البكوات «لعودهم ~~إلى البغي والفجور» وغدرهم بعلي ms0256 باشا الجزائرلي بعد أن صفح الباب العالي عنهم، ~~وعرض لذكر طرد الأرنئود لهم من القاهرة، وعفو السلطان لذلك عن هؤلاء الأخيرين ~~وصفحه عن أخطائهم السابقة، كما صار الباب العالي يأمر الأرنئود «بأن يلازموا ~~الطاعة ويكونوا مع أحمد باشا خورشيد بالحفظ والصيانة والرعاية لكافة الرعية ~~والعلماء ... ونحو ذلك من الكلام المحفوظ المعتاد المنمق» ثم خلع خورشيد باشا ~~على الحاضرين الكساوي، على أن خورشيد أحضر في ذلك الوقت أيضا «المعلم جرجس ~~وكبار الكتبة وعدتهم اثنان وعشرون قبطيا، ولم تجر عادة بإحضارهم فخلع ~~عليهم أيضا»، ولكن ما إن انقضى هذا الحفل حتى «طلبهم الباشا إلى القلعة ~~فحبسهم تلك الليلة واستمروا في الترسيم وطلب منهم ألف كيس» يدفعونها كسلفة وفي ~~نظير ما نالهم من شرف الاستماع إلى الفرمانات التي قرئت عليهم. # وكان الغرض المباشر من جمع هذه الإتاوات والغرامات والسلف التي أثارت سخط ~~الأهالي والمشايخ وأعيان القاهريين على خورشيد دفع مرتبات الأرنئود لحملهم ~~على الخروج لقتال المماليك ومواصلته معهم؛ لأن محاربة المماليك كانت أولى ~~المسائل الرئيسية التي عني بها خورشيد للأسباب التي سبق ذكرها، وقد استمر فرض ~~الإتاوات والغرامات على الوطنيين والأجانب طوال المدة التي ظل المماليك ~~يحاصرون في أثنائها القاهرة؛ أي منذ طردهم من القاهرة في مارس 1804 إلى وقت ~~فيضان النيل في شهر أغسطس من العام نفسه، واضطرارهم بسبب الفيضان للانسحاب إلى ~~الصعيد. # وواجهت خورشيد في أثناء نضاله مع المماليك صعوبات عديدة أهمها امتناع ~~الأرنئود في أول الأمر عن الخروج لقتالهم قبل أن تدفع لهم مرتباتهم، ~~واستمرارهم على المطالبة بهذه المرتبات أثناء القتال، ثم انقسام الأرنئود على ~~أنفسهم، حتى بات يخشى منذ أوائل أبريل - ولما تبدأ العمليات العسكرية الجدية ~~بعد ضد المماليك - أن ينضم فريق منهم إلى البكوات، بل حدث في أول يوليو أن ~~انضم إليهم فعلا جماعة منهم حوالي 150 شخصا برئاسة إدريس أغا أحد كبار ~~الأرنئود، كما انضم إليهم بعد أيام قلائل جماعة أخرى «من كبار العسكر ~~بأتباعهم ومنهم من ذهب إلى قبلي ومنهم من ذهب إلى بحري». # أضف إلى ms0257 ذلك أن القاهرة ذاتها عندما بدأت العمليات العسكرية كانت مسرحا ~~للانقسامات والفتن والاضطرابات، يرابط المماليك دائما حولها، وقد أقام هؤلاء ~~معسكرهم في سفح أهرام الجيزة، وعلى مرمى طلقة مدفع من المدينة، وعلاوة على ~~ذلك فقد كان البرديسي أيضا بجهة البساتين منذ خروجه مطرودا من القاهرة في ~~مارس، بينما غادر الألفي مخبأه في الشرقية بمجرد أن علم بما وقع للبكوات، وربض ~~هو الآخر في مكان على الضفة اليمنى للنهر على مسافة يومين من القاهرة، وانتشر ~~المماليك في سهول سقارة وفي جهة إمبابة، وقد تقدم كيف سبب تضييقهم ~~الحصار على القاهرة نشر المجاعة بها. # ومع ذلك فقد استطاع خورشيد بعد لأي وعناء، وبعد أن دفع للجند قسما من ~~مرتباتهم أن يقنعهم بالخروج لقتال المماليك؛ لفك الحصار عن القاهرة، وفتح ~~المواصلات من الوجهين البحري والقبلي لدخول المؤن إليها وتخفيف وطأة المجاعة ~~عنها، ووقعت مناوشات بسيطة بين الأرنئود والمماليك، حتى كمل الاستعداد ~~للالتحام معهم في معركة كبيرة في سهول الجيزة في أول أبريل كان محمد علي يقود ~~جنده الأرنئود أثناءها، ولكنها لم تكن في صالح الأرنئود، فاستؤنف القتال ~~وانتصر محمد علي في هذه المرة، وأطلقت المدافع في القاهرة في 6 أبريل ~~إعلانا لهذا الانتصار على المماليك الذين أرغموا على الانسحاب صوب الفيوم ~~وعاد محمد علي وجيشه إلى القاهرة، وعقدت الاجتماعات لبحث الخطط والعمليات ~~التالية، وحاول المماليك - من جهتهم - توحيد صفوفهم استعدادا للمعارك ~~المقبلة. # فقد كان الانقسام بين البكوات لا يزال على أشده منذ حادث مطاردة الألفي، ~~وحاول البرديسي إنهاء الخلاف مع الألفي بالرغم من الكراهية الشديدة التي فصلت ~~دائما بينهما، ولكن الألفي كان لا يثق في نواياه، فبيت النية على استغلال ~~النضال القائم بين خورشيد وبين البكوات بزعامة إبراهيم والبرديسي، حتى يقوم ~~بدور مزدوج للتقرب من الفريقين والتفاهم مع كل منهما؛ لتهدئتهما من ناحية، ~~وكسبا للوقت حتى إذا أنهكت قواهما الحروب استطاع هو أن يحتل القاهرة ويستأثر ~~بالحكم لنفسه، متوقعا أن يأتيه التأييد الكامل من جانب الإنجليز من جهة، ~~ومعتمدا على جهوده في كسب ms0258 معاونة بعض الدول الأجنبية الأخرى من جهة ~~ثانية. # وكان تنفيذا لهذه الخطة إذن أن أبدى الألفي رغبته في التفاهم مع البرديسي، ~~بينما أرسل يعرض على حكومة القاهرة - كما كتب «ماثيو لسبس» في 9 أبريل - أن ~~يقوم هو بمطاردة البكوات أعدائه؛ أي البرديسي وإبراهيم إذا وافق خورشيد على ~~إعطائه مديرية جرجا، وقال «ماثيو لسبس» إنه من المنتظر أن يلقى هذا العرض ~~قبولا من جانب خورشيد. # وكان خورشيد منذ تسلمه مهام منصبه في القاهرة، قد بذل قصارى جهده لفتح باب ~~المفاوضة مع الألفي، وكان غرضه من ذلك - كما كتب «مسيت» في 13 مايو - ~~«التأثير على الألفي حتى يبدأ عمليات عسكرية بسيطة ضد إبراهيم بك وعثمان بك ~~البرديسي في نظير أن ينال الألفي ثمنا لذلك معظم الصعيد»، وعلى ذلك فإنه ما ~~إن وصل علي كاشف الشغب رسول الألفي إلى البساتين في 29 أبريل، وبعث إلى ~~المشايخ ينبئهم بوصوله، وأطلع هؤلاء خورشيد على الخبر، حتى أذن الأخير بدخوله ~~القاهرة، فذهب معه المشايخ والسيد عمر مكرم لمقابلة الباشا الذي «اختلى به حصة ~~وقابله بالبشر ثم خلع عليه فروة سمور» واحتفى به حفاوة بالغة، وأهداه محمد علي ~~حصانا، وغادر علي كاشف الشغب القاهرة في 3 مايو «بعد أن وافق خورشيد على ~~إعطاء الألفي جرجا وعثمان بك حسن قنا وما فوق ذلك من البلاد.» # ولكنه لما كان غرض الألفي التمويه وكسب الوقت وتبييت النية - كما قدمنا - ~~على الاستئثار بالحكم لنفسه، فإنه بدلا من تنفيذ اتفاقه - أو معاهدته - مع ~~خورشيد، كتب إلى «مسيت» يطلب رأيه لعدم وثوقه في وعود الأتراك - كما قال - ~~وبعث إليه بقوله: إن خورشيد قد كتب إليه خطابات كثيرة، وإن كثيرين من ~~المماليك قد حضروا إلى معسكره من أسيوط لمناصرته، وإن عسكر القاهرة وأهلها ~~يريدونه حاكما عليها مما يسهل عليه الاستيلاء على القاهرة؛ ولذلك فهو يريد ~~من «مسيت» النصيحة؛ أي معرفة رأيه: هل يقبل عروض خورشيد أم يزحف على القاهرة، ~~ويبدو أن الألفي كان يريد أن يعرف من «مسيت» مباشرة أو غير مباشرة ما إذا ms0259 كان ~~الإنجليز على وشك إرسال حملة إلى الإسكندرية ومصر أو أنهم على استعداد لإرسال ~~هذه الحملة لنجدته؟ # وقد فطن «مسيت» إلى غرض الألفي؛ لأنه بادر بالإجابة على رسالته في 11 مايو ~~بصورة تنصل بها من الإدلاء برأي قاطع في الموضوع «خشية أن ينقل كلامه إلى ~~الغير» - كما قال «مسيت» - فاكتفى بأن ذكر للألفي أنه يجهل ما لدى خورشيد من ~~تعليمات «وأوصاه بألا يسترشد بالظروف فحسب، وألا يترك نفسه ينساق وراءها ~~وينقاد لها». # وحتى 21 مايو لم يكن الألفي قد أعلن موقفه، فلا هو قام «بعمليات عسكرية ~~بسيطة ضد إبراهيم بك وعثمان بك البرديسي»، ولا هو اشترك مع البكوات في المعارك ~~التي خاضوا غمارها مع جيش محمد علي. # فقد اشتبك محمد علي في مناوشات مع المماليك الذين اتخذوا مراكزهم في جهتي ~~سقارة وإمبابة بعد هزيمتهم الأولى، وكان النصر حليفه فيها، ولكن المماليك ما ~~لبثوا أن هزموه في معركة كبيرة في إمبابة في 26 أبريل، ولم يشأ محمد علي ~~الاعتراف بهزيمته فيها، بل بعث يؤكد لخورشيد أن المماليك هم الذين حاقت بهم ~~الهزيمة وأنهم اضطروا إلى الانسحاب تاركين في ميدان المعركة حوالي الأربعين ~~من قتلاهم وأرسل إلى القاهرة سبعة رءوس علقت بباب زويلة، ثم انتهز محمد علي ~~فرصة انشغال المماليك بنهب العتاد الذي خلفه جيشه وراءه وخرج عليهم فجأة من ~~خنادقه المحصنة واضطرهم للتقهقر فانسحبوا إلى ناحية أهرام الجيزة، ولو أنهم ~~ظلوا محتفظين بمراكزهم، وفقدوا في هذه المعارك حسين بك الوالي وإسماعيل بك صهر ~~إبراهيم بك. # ولم تكن هذه المعارك حاسمة، فقد أعاد المماليك تنظيم صفوفهم، واستمروا يقطعون ~~المواصلات مع الصعيد، ومنعوا عن القاهرة المؤن، حتى عظم البلاء والكرب بسبب ~~اشتداد المجاعة بها، وبادر خورشيد باستدعاء الأرنئود من رشيد ودمياط، وقد زال ~~عنهما الخطر الآن بسبب تركيز المماليك لكل جهودهم حول القاهرة لتضييق الحصار ~~عليها، فاحتشد في القاهرة حوالي ثمانية آلاف من الجند الأرنئود. # وفي 5 مايو ترك البرديسي وإبراهيم ومماليكهم مركزهم في دهشور على الشاطئ ~~الأيسر للنيل وعبروا النهر؛ قاصدين إلى ms0260 القاهرة، بينما أبقوا حسين بك ~~الزنطاوي مع جماعته بناحية دهشور لحماية سفنهم، وفي 9 مايو «وصل فريق منهم ~~إلى جهة قبة باب النصر والعادلية من خلف الجبل ورمحوا خلف باب النصر من خارج ~~وباب الفتوح ونواحي الشيخ قتمر والدمرداش، ونهبوا الوايلي وما جاوره وعبروا ~~الدور وعروا النساء وأخذوا دسوتهم وغلالهم وزروعهم، وخرج أهل تلك القرى على ~~وجوههم ومعهم بعض شوالي وقصاع ودخل الكثير منهم إلى مصر». # ثم تفرقوا بعد ذلك في الشرقية والقليوبية، وهاجموا بلبيس ونهبوها، كما هاجموا ~~ونهبوا قليوب واضطر كاشف القليوبية إلى الهرب إلى بولاق، ثم اتخذوا مركزهم ~~العام في بركة الحاج، يبعثون منه بالعربان إلى نواحي القاهرة؛ حيث وقعت بينهم ~~وبين الأرنئود عدة مناوشات، بينما انتشر حوالي نصف المماليك يعيثون فسادا في ~~قرى الوجه البحري، وفي 17 مايو التحم الأرنئود معهم في معركة في سهل مكشوف ~~انهزم فيها الأرنئود، واحتفظ كل من الفريقين بمواقعه، المماليك في بركة الحاج ~~والأرنئود عند أبواب القاهرة، وكان وقتئذ حسين الزنظاوي قد اتخذ مراكزه مع ~~مشاته عند «زاوية المصلوب» يقطع المواصلات مع الصعيد، بينما وقف سليمان بك ~~الخازندار «خازندار مراد بك وحاكم جرجا» عند بني سويف «والألفي الصغير في أثره ~~بحري منية بن خصيب والألفي الكبير مستقر بأسيوط»، والانقسامات لا تزال مستحكمة ~~بين الألفي وأتباعه «الألفي الصغير وسليمان بك» وبين البرديسي وإبراهيم ~~وجماعتهما. # ويعزى سبب ازدياد حدة الخلاف بين الفريقين إلى أن الألفي الصغير عندما لم ~~تصله أية معلومات عن الألفي الكبير بعد نزوله من الفرقاطة الإنجليزية التي ~~أحضرته إلى مصر في فبراير، وأعتقد أنه مات؛ كان قد ارتحل إلى الصعيد أيام ~~حكومة البكوات بالقاهرة واستئثار البرديسي بالسلطة العليا فيها على نحو ما سبق ~~بيانه، فرحب به سليمان الخازندار، وطلب منه الألفي الصغير وساطته لدى البرديسي ~~للصلح معه، فتقدم سليمان بك نحو القاهرة لهذا الغرض ومعه كميات كبيرة من القمح ~~وألف كيس لدفع مرتبات الأرنئود، ولكنه وصل في الوقت الذي كان فيه البرديسي ~~وإبراهيم قد طردا من القاهرة، فكانت دهشته عظيمة، وأنحى ms0261 باللائحة على ~~البرديسي الذي حمله وحده مسئولية ضياع القاهرة من قبضة المماليك، وعرف أن ~~الألفي الكبير لم يمت، ومع أن البرديسي كان يريد الصلح مع الألفي الصغير ~~لاستثارته ضد سيده الألفي الكبير، فقد أصر سليمان على إبلاغ الألفي الصغير ~~أولا أن الألفي لم يمت وغادر البرديسي دون أن يترك له نقودا، وكانت خيانة ~~البرديسي ومحاولته الغدر بالألفي الكبير سببا في انضمام سليمان الخازندار إلى ~~الألفي، وقوي حزب الألفي؛ لاستعداد عثمان بك حسن في جرجا للانضمام إليه كذلك ~~بسبب عدائه الشديد للبرديسي. # ولما كان الألفي قد ظل ممتنعا عن الاشتراك مع البرديسي وإبراهيم في القتال ~~الدائر بينهما وبين خورشيد - حكومة القاهرة - بالرغم من تظاهره بالرغبة في ~~التفاهم والاتفاق مع البرديسي، فقد صار الأخير يطلب من سليمان الخازندار قتال ~~الألفي، ولكن دون جدوى؛ لأن سليمان صار من جهته يندد بمسلك البرديسي نحو ~~الألفي تنديدا عنيفا، وظهر عقب معركة «17 مايو» أن لا أمل في حدوث أي اتفاق ~~أو تفاهم بين فريقي الألفي والبرديسي. # وكان في هذه الظروف إذن أن حاول الألفي استئناف مفاوضته مع خورشيد، فبعث ~~برسالة إليه وصلت القاهرة في 20 مايو يطلب «أتباعه الذين بمصر»، ولكن خورشيد ~~رفض إجابة هذا الطلب محتجا «بعدم تحقق صداقة الألفي للعثمانية»، كما أشيع ~~«صلح الألفي مع عشيرته سرا» وأنه إنما يتظاهر بخلاف ذلك «مع العثمانية» وكتب ~~«ماثيو لسبس» في 28 مايو، أن المفاوضات مستمرة بين الألفي وخورشيد ولكن من ~~غير نتيجة، «لأن الألفي كثير الهذر .» # ولما كان البكوات في بركة الحاج قد قوي مركزهم بعد واقعة «17 مايو» الأخيرة ~~لانضمام جموع كبيرة من العربان إليهم، فقد تزايد خطرهم، وكثرت إغاراتهم على ~~أطراف القاهرة وضواحيها، وطالب الأرنئود بمرتباتهم مرة أخرى قبل الخروج لصدهم ~~وقتالهم، وتطرفوا في المطالبة إلى حد الوقاحة وذلك في وقت - كما قالت نشرة ~~الوكلاء الفرنسيين الإخبارية عن حوادث «10-20 مايو 1804» - كانت الخزانة فيه ~~خاوية، واختفت النقود والعملة من التداول في الأسواق، ووجد خورشيد من الحكمة ~~للمحافظة على أمنه وسلامته أن ينتقل إلى ms0262 القلعة، فنزل الأرنئود منها وطلع هو ~~إليها في 18 مايو، «لأنه لم يكن مطمئنا من ناحية الحوادث الداخلية، بينما ~~يغادر السكان ميسورو الحال القاهرة يوميا - على حد ما جاء في النشرة ~~الإخبارية السالفة الذكر - فرارا من المجاعة والاضطرابات السائدة بها، ~~ولخوفهم من أعمال السلب والنهب»، وأدرك خورشيد أن بقاءه بالمدينة يعرضه ~~للمخاطر فآثر الانسحاب إلى القلعة مع حاشيته. # ولما كانت قد وصلت عمارة تركية في اليوم نفسه إلى أبي قير، فقد بعث يطلب ~~210 جنود غادروا فعلا الإسكندرية إلى القاهرة في 28 مايو وفي 21 ~~مايو كتب «ماثيو لسبس» إلى «تاليران» أن المماليك والعربان يحاصرون القاهرة، ~~وقد جمع المماليك عشرين ألفا من العربان وعدوهم بنهب القاهرة، وهم أسياد ~~الصعيد بأسره، ويمتد سلطانهم من بلبيس إلى دمياط، وفي القاهرة المحاصرة ليس ~~لخورشيد سوى سلطة ضعيفة ومزعزعة ولا يجرؤ الأرنئود على الخروج من القاهرة، وفي ~~2 يونيو «أشيع وقوع معركة بين المصرلية والعثمانية» في بلقس - شمال بهتيم - ~~ووصلت طائفة من المماليك إلى ناحية شلقان يقطعون الطريق على السفار في ~~البحر. # وحاول خورشيد دفع الخطر الداهم عن القاهرة بالخروج بنفسه وصحبته «المشايخ ~~والرعية» دفعة واحدة؛ لقتال البكوات، وطلب المشايخ يوم 6 يونيو يعرض عليهم ~~هذا الرأي، ولكن لما كان أكثر هؤلاء الرؤساء - في رأي «مانجان» - منحازين ~~إلى البكوات؛ لسخطهم - ولا ريب - على خورشيد بسبب الإتاوات والمغارم التي ~~فرضها على القاهريين، فقد رفضوا خروج خورشيد وخروجهم معه بدعوى أن أكثرية ~~الأهالي لا يدرون شيئا من فنون القتال، «وقالوا له إذا انهزم العسكر تأمر ~~غيرهم بالخروج وإذا كانت الهزيمة علينا وأنت معنا من يخرج بعد ذلك؟» فانفض ~~المجلس على غير طائل. # وكان مما زاد في حروجة مركز خورشيد أنه كان من المتعذر بسبب المجاعة - نتيجة ~~لتضييق الحصار على القاهرة - تموين الجند المرابطين في أماكنهم الحصينة على ~~أبواب القاهرة، ويرفض هؤلاء أن يتركوا لشأنهم يموتون جوعا - كما قالوا - ~~بينما استمرت مطالبتهم بمرتباتهم المتأخرة، والتزم البكوات من جانبهم ~~مناوشة الأرنئود والاقتصار على الالتحام معهم في معارك في ms0263 سهل مكشوف دائما؛ ~~لضمان الاستفادة من قوم فرسانهم، وفضلوا تجويع القاهرة بتضييق الحصار عليها ~~بدلا من الهجوم عليها وأخذها عنوة، وذلك حتى يرغموا المحاصرين بها على ~~الخروج للالتحام معهم في سهل مكشوف، ولم يجرؤ سوى محمد علي على الخروج ~~لمناجزتهم، فاشتبك معهم في معركة في 10 يونيو بجهة قليوب واحتل قريتين ~~قريبتين منها، ولكن المماليك ما لبثوا أن قطعوا خط مواصلاته مع القاهرة ووصلوا ~~إلى أبوابها، فاشتبك معهم في معركة أخرى بعد يومين استطاع بعدها الحضور إلى ~~القاهرة؛ حيث قضى بها ليلة واحدة ثم خرج لقتالهم مرة أخرى في 13 يونيو. # وانسحب المماليك من القليوبية إلى المنوفية ينهبون ويخربون، واستولى إبراهيم ~~كاشف عثمان بك البرديسي على منوف، وطالب الأرنئود من جديد بمرتباتهم فاضطر ~~محمد علي إلى العودة إلى القاهرة يطلب مالا لدفع هذه المرتبات فقبض «بسلطته ~~الخاصة» على اثنين من الأعيان هما مصطفى أغا الوكيل وعلي كاشف الصابونجي ~~وحبسهما بالقلعة ولم يفرج عنهما بعد أيام إلا بعد أن دفعا له ثلاثمائة كيس (29 ~~يونيو). # فكان في أثناء اشتداد هذه الأزمة التي أخذت بخناق خورشيد من كل جانب؛ أن ~~بدأ الألفي يتحرك من أسيوط؛ للزحف على القاهرة التي خيل إليه أن في وسعه الآن ~~الاستيلاء عليها دون صعوبة، ولما كان يريد التمويه على حكومة القاهرة، حتى ~~لا يفطن خورشيد إلى غرضه الحقيقي والمباشر من زحفه - وهو حصار القلعة ~~والاستيلاء عليها - فقد وصل القاهرة في 15 يونيو رسول يحمل مكاتبة منه إلى ~~خورشيد؛ يخبره «بعزمه على الحضور إلى مصر هو وعثمان بك حسن ويلتمس أن يخلوا ~~له الجيزة وقصر العيني لينظر في هذا الأمر والفساد الواقع بمصر.» # غير أن خورشيد أصر على أن ينكص الألفي على عقبيه مرتدا إلى جرجا حسب ~~الاتفاق بينهما إذا كان لا يزال طائعا وممتثلا، وله كما كان الولاية والحكم ~~بالإقليم القبلي، ومع ذلك فإنه لم تمض أيام قلائل حتى جاءت الأخبار في 24 ~~يونيو بوصوله إلى ناحية بني سويف وعثمان بك حسن في مقابلته بالبر الشرقي، ~~ولما ms0264 كان يعتقد أن القاهريين موالون له، فقد أراد تحريك المشايخ والعلماء ~~رؤسائهم لمناصرته، بادعائه أنه لم يقصد من الحضور سوى رفع المظالم وتأمين ~~القاهريين وباستغلاله لحادث الإهانة التي لحقت بالست نفيسة المرادية وسائر ~~حريم البكوات، والتي كانت من عوامل زيادة السخط على خورشيد. # وعلى ذلك، فقد بعث برسول وصل القاهرة في 27 يونيو يحمل كتابا للمشايخ ~~والعلماء كان بمثابة نداء سجل مضمونه الشيخ الجبرتي، وجاء فيه - موجها الخطاب ~~إلى المشايخ: ~~«لا يخفاكم أننا كنا سافرنا سابقا؛ - أي إلى لندن - لقصد راحتنا ~~وراحة البلاد ورجعنا بأوامر، وحصل لنا ما حصل - مشيرا إلى مطاردة ~~البرديسي ومحمد علي له - ثم توجهنا إلى قبلي واستقرينا بأسيوط بعد ~~حصول الحادث بين إخواننا الأمراء والعسكر وخروجهم من مصر - أي ~~القاهرة - وأرسلنا إلى أفندينا الباشا بذلك فأنعم علينا بولاية جرجا ~~ونكون تحت الطاعة فامتثلنا ذلك وعزمنا على التوجه حسب الأمر، ~~فبلغتنا مصادرة الحريم والتعرض لهم بما لا يليق من الغرائم وتسليط ~~العساكر عليهم ولزومهم لهم فثنينا العزم واستخرنا الله تعالى في ~~الحضور إلى مصر لننظر في هذه الأحوال، فإن التعرض للحريم والعرض ~~لا تهضمه النفوس.» ~~وهذا عدا كلام كثير في هذا المعنى. # وأطلع المشايخ خورشيد على رسالة الألفي، ولكن خورشيد ظل متمسكا بموقفه منه، ~~ودفع حجته بقوله إن البكوات كانوا قد تركوا في الماضي نساءهم للفرنسيين، وأخذ ~~هؤلاء منهم أموالا، وأنه كان قد أعطى للألفي جرجا ولعثمان حسن قنا وما فوق ~~ذلك من البلاد، وكان في عزمه أن يكتب للدولة ويطلب لهم أوامر ومراسيم لاعتماد ~~ما فعله لهم ولضمان راحتهم «فحيث إنهم لم يرضوا بفعله وغرتهم أمانيهم ~~فليأخذوا على نواصيهم.» # وكتب «مسيت» في 28 يونيو يبرر في الحقيقة موقف خورشيد من الألفي فقال: إن ~~الألفي على العكس مما كان يقتضيه واجب «المعاهدة المبرمة أخيرا بينه وبين ~~خورشيد» قد دخل في نوع من التحالف مع عثمان حسن لامتلاك القاهرة سويا، ~~وإنهما يمنيان النفس بسهولة الاستيلاء عليها بسبب الخسائر التي تكبدها ~~الأرنئود والبكوات إبراهيم والبرديسي وبسبب تذمر أهل القاهرة ms0265 من حكومة ~~خورشيد، ونزل الألفي ومماليكه إلى ما تحت الأراضي المعينة له بمقتضى اتفاقه مع ~~خورشيد؛ ولذلك فقد اعتبر الأخير أن الاتفاق السابق بينهما قد صار ~~ملغى. # ومن أوائل يوليو انفصمت كل علاقة بين خورشيد والألفي، فقتل خورشيد رسولا ~~أوفده الألفي إليه 3 يوليو، وأنقذ أحد كبراء الأرنئود اثنين من أتباع الألفي ~~في القاهرة من قبضته، ورأى الألفي من الحكمة الآن أن يتحد مع سائر البكوات، ~~وكان الوكلاء الفرنسيون قد ذكروا في نشرتهم الإخبارية عن حوادث «20-29 يونيو»، ~~أنه يبدو أن البكوات «جماعة إبراهيم والبرديسي» قد وصلتهم تأكيدات قاطعة ~~بمعاونة الألفي الكبير والألفي الصغير وعثمان بك حسن لهم، والمتوقع أن هؤلاء ~~في طريق زحفهم على القاهرة، فالألفيان على الشاطئ الأيسر للنيل على مسيرة يوم ~~من الجيزة، وعثمان حسن على الشاطئ الأيمن عند طره، «ولو أنه لا يعرف بعد ما ~~إذا كان الألفيان قد حضرا لتأييد قضية المماليك عموما أو لخدمة مآربهما ~~الخاصة دون نظر لصالح سائر البكوات»، وبالفعل لم يلبث أن عرف في القاهرة في ~~5 يوليو أن الألفي الصغير قد وصل إلى إمبابة وعثمان بك حسن إلى حلوان، ~~والألفي الكبير إلى الشوبك، وأن إبراهيم والبرديسي وباقي البكوات قد رجعوا إلى ~~ناحية بنها بعدما طافوا المنوفية والغربية وقبضوا الكلف والفرد. # واتخذ محمد علي وخورشيد تدابيرهما لمواجهة هذه القوات التي تبغي الإطباق على ~~القاهرة من كل جانب، فخرج كثير من الجند لتعزيز معسكر شلقان، كما خرج آخرون ~~إلى ناحية طرة والجيزة، وجاءت الأخبار بوصول «الدلاة» الذين كان قد بعث خورشيد ~~يستقدمهم من الشام لنجدته، وهم من الفرسان؛ أي القوة، أو السلاح الذي يفتقر ~~إليه جيش خورشيد، وكانوا من الأكراد سموا بالدلاة أو الدلاتية؛ أي المجانين ~~بسبب ما اشتهروا به من تهور وبطش، وبنى خورشيد لذلك آمالا كبيرة على الانتفاع ~~بهم في الوقت الذي دأب فيه الأرنئود على تعطيل العمليات العسكرية بسبب ~~مرتباتهم. # واشتبك الأرنئود - بقيادة محمد علي وحسن بك خصوصا - مع المماليك في عدة ~~معارك ومناوشات في طرة والبساتين والمطرية وخارج ms0266 أبواب القاهرة ذاتها، وأحرز ~~البكوات نصرا هاما عندما شتتوا شمل «الدلاة» عند قطية، ولكن «محمد علي» لم ~~يلبث أن هزم جماعة الألفي الصغير في طرة (18 يوليو) وجماعة البرديسي في شبرا ~~بعد أن تكبد الأرنئود خسارة كبيرة وكاد ينتصر المماليك عليهم، ثم وقعت معركة ~~شلقان، وكانت مراكز المماليك بقيادة حسين الزنطاوي مع جنده السود ومشاته ~~ومدفعيته تستند على النيل بالقرب من شلقان، بينما وقف إبراهيم بك في الوسط، ~~وكانت الميسرة بقيادة البرديسي، فهاجم محمد علي قرية شلقان في ليل 22-23 ~~يوليو واستولى عليها، وانهزم المماليك فانسحبوا «إلى جهة الشرق بالخانكة وأبي ~~زعبل»، وفي 26 يوليو ترك البكوات الخانكة فجروا خلف القلعة والجبل في طريق ~~انسحابهم إلى الصعيد، ووضعت معركة شلقان حدا لنشاطهم العسكري، وبدأ ينفك ~~الحصار عن القاهرة. # وكان البكوات القبالي في أثناء العمليات العسكرية السابقة قد حاولوا توسيط ~~المشايخ في الصلح مع خورشيد «وإخماد الحرب»، ووعدوا بالانضمام إليه وبأن ~~يكونوا معه إذا هو فعل ذلك «على ما يحب ويأمر به، فيرتاح من علوفة العسكر التي ~~أوجبت له المصادرات وسلب الأموال وخراب الإقليم»، فيستطيع عندئذ الاكتفاء ~~بعدد قليل من الجند ويبعد الآخرين إلى بلادهم، ولكن خورشيد «أبى وقال ليس لهم ~~عندي إلا الحرب» (13 يوليو) ثم حاول إبراهيم والبرديسي الصلح مع خورشيد وتوسيط ~~أحد أعيان القاهريين «السيد بدر المقدسي» في ذلك، بدعوى أن خورشيد «لا يستقيم ~~حاله مع العسكر ولا يرتاح معهم» ومن واجبه أن يعتبر بما فعلوه مع محمد باشا ~~«خسرو»، وأما هم فيكونون معه على ما ينبغي من الطاعة والخدمة»، فقبض خورشيد ~~على السيد بدر ولم يطلق سراحه إلا بعد أن شفع فيه المشايخ (أول أغسطس) ولما ~~كان النهر قد بدأ في الارتفاع بسبب الفيضان، فقد استمر البكوات ينسحبون إلى ~~الصعيد، وتم انفكاك الحصار عن القاهرة، وأخفقت محاولات البكوات في الاستيلاء ~~عليها نهائيا. # وخيل إلى القاهريين بعد انسحاب المماليك ورفع الحصار عن القاهرة أن بوسعهم ~~الآن أن يتنفسوا الصعداء، ولكن الأرنئود العائدين إلى القاهرة بعد انتهاء ~~العمليات العسكرية، ms0267 وبعض عسكر «الدلاة» الذين استطاعوا الوصول إلى القاهرة ~~كذلك بعد هزيمتهم على يد المماليك في قطية، ما لبثوا أن نشروا «إرهابا» ~~حقيقيا في العاصمة؛ بسبب اعتداءاتهم على سكانها من وطنيين وأجانب على حد ~~سواء، حتى كتب «تابرنا» سكرتير البعثة الإنجليزية في القاهرة إلى «مسيت» ~~بالإسكندرية في 23 أغسطس سنة 1804، أن حوادث القتل صارت تقع يوميا، ~~ويكثر نهب البيوت، وصار من الخطر أن يخرج إنسان إلى الشارع، بل ولا يأمن ~~الأهلون على أنفسهم حتى وهم قابعون في بيوتهم، وضج الأهلون بالشكوى وعظم ~~التذمر، وقد ترتب على هذه الفوضى وهذا الذعر أن كبار المشايخ والأعيان ما ~~لبثوا أن ذهبوا إلى «تابرنا» في 25 أغسطس يطلبون توسط الحكومة الإنجليزية ~~لنجدتهم، «لأنها وحدها التي في وسعهم أن ينتظروا منها إقبالا على مساعدتهم ~~وتخفيف ويلاتهم.» # وطلب المشايخ من الحكومة الإنجليزية «أن ترسل جندا إلى مصر لإنقاذ أهلها من ~~الفناء»، وقالوا إنهم لا يمتنعون عن طلب هذه النجدة من فرنسا إذا تعذر عليهم ~~الحصول عليها من إنجلترا، وكان من رأي «تابرنا» على نحو ما كتب في رسالة أخرى ~~إلى «مسيت» في 26 أغسطس أن خورشيد باشا عاجز كل العجز عن فعل شيء مع هؤلاء ~~الأرنئود «العصاة» مصدر كل هذه المتاعب. # ولقد كان خورشيد عاجزا حقا عن فرض سيطرته على الأرنئود، وكان من أسباب ~~عجزه أن الأرنئود انقسموا إلى فريقين: أحدهما بزعامة محمد علي وهو يظهر الولاء ~~لخورشيد، والآخر بزعامة حسن بك وعابدي بك قريب طاهر باشا وهو يظهر المداراة ~~لخورشيد وللبكوات المماليك على السواء، ويخشى خورشيد جانب هذا الفريق؛ لأنه لو ~~اتحد مع المماليك لا يلبث أن يهدد حتما كيان حكومته، وكان هذا الخوف من أهم ~~الأسباب التي حملت خورشيد على الصعود إلى القلعة منذ 18 مايو والتحصن ~~بها، وظهر عجز خورشيد مع الأرنئود عندما وصله الأمر من الباب العالي بإرسال ~~الجند والذخائر إلى «ينبع» للمحافظة عليها ضد الوهابيين. # وجمع خورشيد رؤساء الأرنئود وكبار العسكر في 25 يوليو وقرأ عليهم أوامر ~~الباب العالي، ولكنهم امتنعوا عن ms0268 الخروج إلى الحجاز «وقالوا نحن لا نخرج من ~~مصر ولا نتقلد منصبا خارجا عنها»، وفشلت كل محاولات خورشيد معهم عندما ~~وصلته الأخبار بعد ذلك بسقوط «ينبع» في أيدي الوهابيين، وواتت الفرصة خورشيد ~~للتخلص من طائفة من رؤساء الأرنئود عندما أراد هؤلاء انتهاز فرصة العفو ~~السلطاني عنهم ودعوتهم للرجوع إلى أوطانهم، وعزموا الآن على مغادرة البلاد، ~~فصار خورشيد يشجعهم على ذلك، واستعد هؤلاء فعلا للسفر من بولاق في 11 ~~أغسطس، وكان من بينهم أحمد بك «رفيق محمد علي»، ولكن لم يلبث أن تدخل الجند ~~«وأحاطوا بهم ومنعوهم من السفر قائلين لهم أعطونا علوفتنا المنكسرة وإلا ~~عطلناكم ولا ندعكم تسافرون بأموال مصر ومنهوباتها» واضطر هؤلاء إلى الإذعان ~~والعدول عن السفر، وضاعت وقتئذ الفرصة على خورشيد. # على أن انتقال خورشيد إلى القلعة ترك الميدان فسيحا طليقا لمحمد علي في ~~القاهرة حتى يستأثر لنفسه بكامل السلطة والنفوذ بها. # وكان من أسباب زيادة نفوذ محمد علي، حاجة خورشيد الملحة لخدماته ولمؤازرته ~~له ضد حزب الأرنئود الآخر الذي يخشى من انقلابه عليه من جهة، ثم ضد المماليك ~~وقتالهم من جهة أخرى، كما كان من أسباب ذلك تعلق الشعب بمحمد علي؛ لأنه ~~استطاع أن يفك الحصار المضروب على القاهرة، مما جعل من المتيسر دخول المؤن ~~إليها وكسر حدة المجاعة بها، وفضلا عن ذلك فقد حرص محمد علي، على مواساة ~~القاهريين ومشايخهم ورؤسائهم وإظهار تألمه من الإجراءات التعسفية التي ~~اتخذها خورشيد باشا لجمع المال حتى يدفع مرتبات الجند، لا سيما وقد استمر ~~خورشيد يفرض الإتاوات والمغارم على القاهريين بعد وقف العمليات العسكرية عقب ~~انسحاب البكوات صوب الصعيد. # فقد أمر خورشيد في 20 أغسطس «بتوزيع فردة على أهل مصر لإغلاق جامكية ~~العسكر» حصلت من الوجاقلية وتجار البن وخان الخليلي وأهل الغورية وغيرهم ~~«على سبيل القرض» وارتكب عمال الباشا فظائع كثيرة في تحصيله، كما تسلط الجند ~~على المتخلفين عن الدفع، فاعتدوا على بيوتهم وارتكبوا القبائح والمنكرات، وحبس ~~خورشيد «الأمير على المدني صهر الشيخ الجوهري»، وتوسط المشايخ لإطلاق سراحه ~~فأفرج عنه ms0269 في أوائل سبتمبر بعد أن تقرر عليه «أربعة آلاف ريال خلاف ~~البراني»، وحجز خورشيد قوافل البن الآتية من السويس «وأخذها وأعطى أصحاب البن ~~وثائق بثمنه لأجل، ووكل في بيعه وحول به العسكر يأخذونه من أصل علوفاتهم ~~فبلغ ثمن المحجوز تسعمائة كيس». # وينهض دليلا على مبلغ ما تمتع به محمد علي من نفوذ وقتئذ أنه استطاع إنهاء ~~اضطراب كبير نجم عن اصطدام وقع بين الأرنئود والسكان الأوروبيين في حي ~~الإفرنج بالقاهرة، ذكره الشيخ الجبرتي عند تسجيله حوادث «28 ربيع الثاني ~~1219ه/6 أغسطس 1804م»، فقال: «تشاجر شخص من العسكر مع شخص حكيم فرنساوي عند ~~حارة الإفرنج بالموسكي فأراد العسكري قتل الفرنساوي فعاجله الفرنساوي فضربه ~~فقتله وفر هاربا، فاجتمع العسكر وأرادوا نهب الحارة، فوصل الخبر إلى محمد ~~علي فركب في الوقت ومنع العسكر من النهب وأغلق باب الحارة وقبض على وكيل قنصل ~~الفرنساوية وأخذه معه وحبسه حتى سكن العسكر»، وتفاصيل الحادث كما يؤخذ من ~~تقارير «ماثيو لسبس ومسيت» أن طبيبا يونانيا في خدمة خورشيد يتمتع بالحماية ~~الإنجليزية كانت بينه وبين الطبيب الفرنسي «روير» # Royer # منافسة، فحرض اثنين من الأرنئود على قتله، ولما كان ~~«روير» قد كان معتادا على خدمة الأرنئود الذين تعودوا على الذهاب لتناول ~~الخمر في منزل «ماثيو لسبس» الذي قال عنه «مسيت» إنه استغل إعفاءات الامتيازات ~~التي مكنته من بيع الأنبذة والخمور بأثمان منخفضة فافتتح حانة في بيته كوسيلة ~~من وسائل استمالته الأرنئود إلى تأييد المصالح الفرنسية، فقد ذهب الجنديان إلى ~~«روير» في بيته بعد أن أسكرهما الطبيب اليوناني يطلبان خمرا، فرفض «روير»، ~~وفي المشاجرة التي حدثت جرح أحد الجنديين ونزع من الآخر سلاحه، وتصادف في ~~هذه الأثناء مرور داورية ألبانية برئاسة ممباشي، فقبضوا على أحد خدمة «روير» ~~وأحضروه إلى محمد علي، فقام الأخير من فوره ومعه «ديسيسار» # Desissards # القائم بأعمال القنصلية في ~~غياب «ماثيو لسبس» بالإسكندرية، وحاول تهدئة الحالة بالقبض على قاتل الضابط ~~الذي كان من جند حسن بك أخي طاهر باشا، ولكن دون جدوى وعاد أدراجه، ولكن ~~كخيا حسن ms0270 بك مع حوالي مائة من العسكر لم يلبث أن جاء إلى حي الإفرنج وقبض ~~على «ديسيسار» وسكرتير أول القنصلية الفرنسية «هلدبراند» # Hildebrand # فتوسط محمد علي بصورة أفضت إلى الإفراج عن ~~الأول ونقل الثاني إلى منزله «كرهينة»؛ لأن الأرنئود أصروا على تسليم ~~القاتل إليهم وهددوا في الوقت نفسه بنهب القاهرة إذا لم يجب مطلبهم، وأشرك ~~الطرفان المتنازعان خورشيد باشا في الأمر، ولكن صاحب الفضل في إنهاء هذه ~~الفتنة كان «محمد علي» الذي أقنع الأرنئود بقبول الدية بدلا من القصاص من ~~القاتل، فوافق زعماؤهم على إطلاق سراح خادم «روير» وكذلك «هلدبراند» نظير مبلغ ~~من المال، كما وعدوا بعدم إيذاء «روير» أو غيره واعتبر الحادث منتهيا (10 ~~أغسطس). # وقد علل «مسيت» ما سماه «صرامة» من جانب محمد علي في هذا الحادث بسبب إصراره ~~على تسليم القاتل أو دفع الدية لأهل المقتول، بأن «محمد علي» كان يعلم - كما ~~قال «مسيت» في رسالته إلى «هوبارت» في 12 أغسطس - أن الممباشي المقتول من ~~جند حسن بك أخي طاهر باشا «وهو صاحب نفوذ كبير على الأرنئود بسبب ذلك، فإنه ~~لما كان من الجائز أن يكون حسن بك صديقا مفيدا لمحمد علي أو عدوا يخشى ~~الأخير خطره؛ فقد أدرك - ولا شك - أنه إذا أيد مصلحة الفرنسيين في هذا الحادث ~~إنما يثير بذلك غضب حسن بك عليه ويحرم نفسه من تأييد هذا القائد ومناصرته له، ~~مما قد يضطره علاوة على ذلك إلى الانسحاب من مصر كلية وضياع كل آماله»، فآثر ~~إرضاء حسن بك على رعاية المصلحة الفرنسية، ومع ذلك ومهما يكن من أمر فقد دل ~~نجاح محمد علي في تسكين الفتنة على مدى ما كان له من نفوذ على الأرنئود جعله ~~يطمئن إلى قدرته على الاعتماد عليهم عند الحاجة، على أنه كان من ذيول هذا ~~الحادث أن بعث «ماثيو لسبس» من الإسكندرية يستقدم الجالية الفرنسية وأعضاء ~~البعثة الفرنسية كذلك من القاهرة، ورحل جميعهم إلى الإسكندرية في غضون شهري ~~أغسطس وسبتمبر، ولم يبق بالقاهرة سوى «مانجان» فحسب؛ «لبضعة أيام ينهي ms0271 فيها ~~أعماله». # وأما محمد علي فقد جعله اطمئنانه إلى ما يتمتع به من نفوذ على الجند ~~يقدم بعد ذلك - كما قال معاصروه - على تجربة حظه مع القوة العاملة الأخرى في ~~داخل القاهرة، وهم القاهريون أنفسهم الذين بلغ سخطهم أشده على حكومة ~~خورشيد باشا؛ وذلك لمعرفة مدى سلطانه ونفوذه عليهم، وقد أسفرت هذه التجربة عن ~~اقتناع محمد علي بأن الشعب متعلق به يؤيده ويريد بقاءه. # وتفصيل ما حدث، أن «مسيت» منذ حوادث «مارس 1804» التي أفضت إلى تحطيم حكومة ~~البكوات وطردهم من القاهرة، ظل يتهم «محمد علي» بالعمل لتعزيز المصالح ~~الفرنسية وقبول الرشوة من الوكلاء الفرنسيين؛ لإنهاء حكم البكوات من القاهرة ~~والحيلولة دون إقامة الحكومة القوية التي تستطيع رد عدوان الفرنسيين عن البلاد ~~إذا جاءوا لغزوها، وزاد اعتقاده رسوخا عندما أبلغ محمد علي الوكيل الفرنسي ~~فحوى نصيحة كان «مسيت» قد كلف بها ترجمانه بالقاهرة لينصح الأرنئود بوضع عدد ~~كاف من الجند في المراكز الساحلية لمنع نزول الجيش الفرنسي عند حضوره، وليوضح ~~لهم نوايا الفرنسيين العدوانية نحو مصر والمورة، وساء «مسيت» أن يستأثر محمد ~~علي بكل سلطة في شئون الحكم دون خورشيد الذي عده «مسيت» - كما تقدم - ألعوبة ~~في يد محمد علي. # وتزايدت مخاوف «مسيت» من زيادة نفوذ محمد علي بعد معركة شلقان، واضطرار ~~البكوات إلى الانسحاب صوب الصعيد بسبب الفيضان، وفك الحصار نهائيا عن ~~القاهرة تبعا لذلك رسائل «مسيت» لحكومته في 12 مارس، 4 و19 أبريل، 13 مايو، ~~5 أغسطس 1804، وعلى ذلك فقد دأب «مسيت» على النصح لخورشيد بالتخلص من ~~الأرنئود وإبعاد محمد علي، كما بادر بمجرد أن علم بمساعي محمد علي في ~~القسطنطينية من أجل الحصول على باشوية مصر بالكتابة إلى حكومته في 10 أغسطس ~~يبلغها نبأ هذا المسعى، ويفصح عن رجائه «في أن يرفض الديوان العثماني عروض ~~محمد علي الخادعة»، ويبدي مخاوفه من نجاح مساعيه في آخر الأمر بسبب ما هو ~~معروف من إمكان رشوة رجال الباب العالي. # ولما كان قد بلغ «مسيت» أن الأرنئود الموجودين بالشام ينوون الحضور إلى ms0272 مصر ~~للإثراء فيها بسرعة على نحو ما فعل مواطنوهم؛ فقد صار يبذل قصارى جهده ليحمل ~~خورشيد باشا على منع حضور هؤلاء العساكر الأرنئود إلى مصر بدعوى أن خورشيد سوف ~~يجد نفسه وقد بات لا حول له ولا قوة إذا تزايد عدد الأرنئود، وفي وضع مشابه ~~لوضع الباشوات العثمانيين في مصر قبل الغزو الفرنسي، وفضلا عن ذلك فقد صار ~~«مسيت» يكرر النصح لخورشيد بضرورة السعي لدى الباب العالي لإبعاد محمد علي من ~~مصر، واستمع خورشيد لنصيحته. # وعلى ذلك فقد كتب «مسيت» إلى «هوبارت» في 16 أغسطس 1804 «أنه يشعر بسرور ~~وارتياح عظيمين؛ لأن في وسعه الآن أن يبلغه أن الديوان العثماني قد عين ~~«محمد علي» لباشوية سالونيك استجابة لتوصية خورشيد باشا بناء على ما أبداه ~~«مسيت» من حجج ودعاوى» لإقناع خورشيد بعمل هذا المسعى في القسطنطينية، على أنه ~~يبدو من إغفال «مانجان» والشيخ الجبرتي وغيرهما من المعاصرين ذكر مسألة تعيين ~~محمد علي لولاية سالونيك، التي علم بها «مسيت» من خورشيد، أن خورشيد ربما فضل ~~إخفاء هذا الخبر في وقت كان فيه محمد علي نفسه يبدي رغبته في العودة إلى ~~بلاده، ويبدي غيره كذلك من رؤساء الأرنئود نفس هذه الرغبة. # زد على ذلك أنه لم يصدر فرمان من الباب العالي بتعيينه لهذا المنصب، ومن ~~الثابت أن خورشيد ظل يبذل مسعاه بعد ذلك لتعيين محمد علي لإحدى باشويات ~~الإمبراطورية، ولم تتكلل مساعيه بالنجاح إلا في مايو 1805 على نحو ما سيأتي ~~ذكره، وعلى كل الأحوال فسواء أكان يعلم محمد علي بأمر هذا التعيين، أم كان ~~يجهله وليس هناك قطعا ما يدل على علمه به؛ فالثابت أن جماعة من كبار ~~الأرنئود ومن الذين منعهم الجند من السفر في 11 أغسطس كانوا قد عقدوا العزم ~~على العودة إلى بلادهم سريعا، وعلى ذلك فقد انتهز محمد علي هذه الفرصة للقيام ~~بتلك التجربة التي أراد بها اختبار مدى تعلق الشعب به، فقابل خورشيد وأبلغه ~~أن فوضى الجند وعدم خضوعهم للنظام جعلا من المستحيل على أية حكومة أن ms0273 تقوم ~~بوظائفها، بينما يجعل انتشار البؤس والضنك من المتعذر جمع المال اللازم لدفع ~~مرتبات الجند؛ ولذلك فإنه لما كان مقتنعا بأنه لم تعد هناك أية فائدة من ~~بقائه واستمرار خدماته فقد أراد العودة إلى بلاده، فبادر خورشيد بإجابته إلى ~~طلبه، وخرج محمد علي من هذه المقابلة يعلن عزمه على السفر كما شرع يبيع بعض ~~أثاث منزله. # وعلى ذلك فقد أشيع - على نحو ما ذكره الشيخ الجبرتي في حوادث «5 جمادى ~~الثانية 1219ه/11 سبتمبر 1804م» - سفر محمد علي إلى بلاده وكذلك أحمد بك ~~وغيرهما من أكابرهم، وشرعوا في بيع جمالهم ومتاعهم، وبادر خورشيد باستبدال ~~آخرين بهم في مناصبهم، فما إن ذاع الخبر في القاهرة حتى كثر لغط الناس وعم ~~الاضطراب، وأغلقت المدينة أبوابها وخرجت الجماهير الصاخبة إلى الشوارع ~~والأسواق وأغلقت الدكاكين والوكائل، واعتبر القاهريون الذين تعودوا الاعتماد ~~على محمد علي في حمايتهم من الفوضى وإرهاب الجند لهم عودته إلى بلاده كارثة ~~عظيمة، وازدادوا تمسكا به عندما شرع الجند وسط هذا الهياج والاضطراب ينهبون ~~ويسلبون مرة أخرى، ولجأ النساء والأطفال إلى بيت الشيخ المهدي، وسبب ما ~~حدث دهشة عظيمة لخورشيد الذي عجز عن اتخاذ أي إجراء لإعادة الأمن والهدوء، ~~وخرج محمد علي بنفسه لتهدئة العاصفة في اليوم التالي (12 سبتمبر) فتجول في ~~أنحاء المدينة «وهو ماش على أقدامه»، وخلفه حسن بك أخو طاهر باشا وعابدي بك ~~وأغاة الإنكشارية والوالي - رئيس الشرطة - وعدد كبير من الجند، يعمل لإشاعة ~~الطمأنينة في نفوس الأهلين الذين استمعوا لنصحه فلزموا بيوتهم ومحالهم. # ووقعت عقوبة الإعدام على عدد من الجنود الذين اشتركوا في أعمال النهب ~~والسلب، وعاود السكون القاهرة، وظهر محمد علي بمظهر الرجل الذي لا يتردد في ~~التضحية بمصلحته الشخصية في سبيل الصالح العام، فلم يعد يذكر شيئا عن رغبته ~~في العودة إلى بلاده، وتيقن محمد علي من تعلق الشعب به، وطويت كذلك مسألة ~~تعيينه لولاية سالونيك، وبقي محمد علي، أما سائر الرؤساء كأحمد بك وصادق أغا ~~وعلي بك أخي طاهر باشا فقد غادروا القاهرة في 13، 23 ms0274 سبتمبر. # وكانت مهمة خورشيد التالية استئناف القتال ضد المماليك. # وقد اهتم خورشيد باستئناف القتال ضد المماليك؛ تنفيذا لرغبة الباب العالي ~~الذي أراد إفناء المماليك والقضاء على سلطانهم، ولأن استئناف القتال ضدهم ~~يقتضي خروج الأرنئود من القاهرة إلى الصعيد، فيتسنى لخورشيد عندئذ استقدام ~~قوات أخرى يستعيض بها عنهم، ويتمكن بفضلها من دعم أركان حكومته، الأمر الذي ~~استأثر بتفكيره دائما وسط كل مشاغله، وصح عزمه على تدبير هذا الانقلاب الذي ~~سوف يخلصه منهم في أثناء غيابهم وانشغالهم بقتال المماليك في الصعيد بعيدين ~~عن القاهرة، ولما كان قد ترك القاهرة ورحل عن مصر كثيرون من الرؤساء والجند ~~الأرنئود حوالي الألفين فقد وجد الباقون أنهم فقدوا قدرا كبيرا من السيطرة ~~التي كانت لهم، حتى إن «العثمانلي» الذين كانوا قد تزيوا بزي الأرنئود اتقاء ~~لشرهم، ما لبثوا أن استعادوا زيهم العثمانلي القديم، ولم يكن من المنتظر لذلك ~~أن يستمر الأرنئود يرفضون الخروج لقتال المماليك بالصعيد، أو يقاومون أوامر ~~خورشيد، وبخاصة إذا دفع لهم شيئا من مرتباتهم. # فكتب الوكلاء الفرنسيون في نشرتهم الإخبارية عن حوادث «12-23 سبتمبر 1804»: ~~«أن خورشيد قد عقد اتفاقا مع زعماء الجند «الأرنئود» بأن تخرج جماعة من ~~الجنود لقتال المماليك في الصعيد، وتذهب جماعة أخرى إلى الجيزة لتقيم بالثكنات ~~الموجودة بها، وذلك بمجرد أن يدفع خورشيد مرتبات شهرين، وأما الذين لا يرضيهم ~~هذا الاتفاق من الجند فيعودون إلى أوطانهم»، وشرع خورشيد يجمع المال اللازم، ~~فلجأ إلى المشايخ يسألهم رأيهم، فتخلص هؤلاء بأن فوضوا السيد أحمد المحروقي في ~~المسألة، فحصل خورشيد بواسطته على 150 كيسا، ووافق الوجاقلية ورؤساء ~~النقابات على إعطائه مبلغا كبيرا من المال (2600 كيس) يشرع في تحصيله ~~فورا على أن يجري توزيع كل ما يرد منه على الجند أولا بأول وفي مدة غايتها ~~ثلاثون يوما، واستطاع الوجاقلية أن يدفعوا لخورشيد 1500 كيس، وبهذه الطريقة ~~تمكن من دفع المرتبات المتفق عليها مع الأرنئود، وعندئذ لم يعد هناك مناص ~~للجند الذين فضلوا البقاء في مصر وعدم العودة إلى بلادهم من الخروج في الحملة ms0275 ~~المزمعة ضد المماليك.» # وفي أواخر سبتمبر كان قد اجتمع الجند ورؤساؤهم في طرة، وفي 23 سبتمبر قلد ~~خورشيد سلحداره ولاية جرجا، وفي 29 منه كان الجيش على قدم الاستعداد، ~~فاستعرض خورشيد الجند في 2 أكتوبر، وكانوا حوالي الأربعة آلاف، تولى قيادتهم ~~سلحداره، وفي 6 أكتوبر بدأ هذا الجيش زحفه صوب جرجا، واستعد في الوقت نفسه ~~للخروج جيش ثان من حوالي ثلاثة آلاف من المشاة والفرسان وأعطيت قيادته لمحمد ~~علي في 24 أكتوبر، ولكنه تعطل سيره عندما اتهم أحد ضباطه «قادري أغا» بأنه ~~يكاتب البكوات في الصعيد، «فمنعوه من السفر إلى قبلي وأمروه بأن يسافر إلى ~~بلاده فركب في عسكره وذهب إلى بولاق وفتح وكالة علي بك الجديدة ودخل فيها ~~بعسكره وامتنع بها، وانضم إليه كثير من العسكر»، وعبثا حاول محمد علي وخورشيد ~~اللذين ذهبا إليه، إقناعه بالسفر، ثم لم يلبث أن انضم إليه عدد من الأرنئود ~~المتذمرين يتراوح عدده - حسب الروايات المختلفة - بين الستمائة والتسعمائة، ~~وقال «مسيت» عند ذكره لهذا الحادث في رسالته إلى حكومته في 12 نوفمبر: «إن ~~هذه القوة البسيطة من الأرنئود العصاة استطاعت أن تملي شروطها على خورشيد، ~~وبمقتضى هذه الشروط أعدت السفن لنقل قادري أغا وجماعته إلى الإسكندرية حتى ~~يبحروا منها إلى أوطانهم، فترك بولاق في 6 نوفمبر، ولكنهم عندما وصلوا إلى ~~شابور لاحظوا تأخر سفينتي المدفعية اللتين كانتا في حراستهما فنزلوا إلى البر، ~~وساروا بطريق الصحراء لغرض الانضمام إلى المماليك بمعسكر الألفي»، وقد أرسل ~~محمد علي - على نحو ما ذكر الوكلاء الفرنسيون في نشرتهم الإخبارية بتاريخ 24 ~~نوفمبر - لتعقبهم والبحث عنهم ولكن دون جدوى. # وتلقى محمد علي أوامر بالتحرك في 17 نوفمبر، على أن يتبع نفس الطريق الذي ~~سار فيه جيش السلحدار؛ أي على الضفة اليسرى للنهر، ومهمته أن يحمي جناح جيش ~~السلحدار من تهديد قوات الألفي له عند مدخل الفيوم؛ حيث كان الألفي رابضا ~~بهذا المكان، وكانت وجهة جيش محمد علي المنيا، وأخيرا خرج جيش ثالث في 21 ~~نوفمبر من 1200 مقاتل، أعطيت قيادته ms0276 إلى حسن بك الذي رفعه خورشيد إلى ~~مرتبة الباشوية منذ 8 نوفمبر، وكانت مهمة حسن باشا الزحف على الشاطئ الأيمن ~~للنهر للاستطلاع، وحتى يحمي من هذا الجانب زحف الجيشين السابقين، وقد أنزل حسن ~~باشا نصف قواته في النيل، بينما سار برا بالنصف الآخر. # وأما المماليك فقد ظهر الانقسام بينهم بوضوح بعد أن أنهى الفيضان عملياتهم ~~العسكرية حول القاهرة؛ ولذلك فقد انسحبت جماعة الألفي وعثمان حسن صوب الفيوم، ~~بينما انسحب إبراهيم والبرديسي صوب الصعيد، وحاول عقلاؤهم تدارك الموقف، ~~فبذلت المساعي لترتيب اجتماع بين الألفي والبرديسي بجزيرة في النهر بالقرب من ~~طرة؛ لأن كلا الفريقين رفض العبور إلى الشاطئ الذي كانت به قوات زميله، ~~ولكن هذه المساعي أخفقت عندما أعلن الألفي أنه سوف يختار وقتا أنسب للمقابلة ~~مع البرديسي، حتى إذا كان شهر أغسطس 1804 أعلن البكوات الذين اجتمعوا في بني ~~سويف خبر الصلح بينهم جميعا بإطلاق المدافع، ولكن البرديسي لم يلبث أن استولى ~~على بعض المراكب المحملة بالغلال والتي كانت قد خرجت من الميناء لحساب الألفي، ~~فقضى هذا الحادث على الصلح بينهما. # وكان في هذه الأثناء أن جدد الألفي مساعيه مع الوكيل الإنجليزي «مسيت»؛ يبغي ~~تحقيق مآربه منفصلا عن سائر زملائه، فبعث إليه بمذكرتين وصلتاه وهو برشيد في ~~28 أغسطس، إحداهما معنونة باسم الصدر الأعظم، والأخرى باسم وزير ~~الخارجية بإنجلترا، ويرجو من «مسيت» وساطته لإرسالهما إليهما من أجل الوصول ~~إلى اتفاق مع الباب العالي، ومع أن «مسيت» كان لا يثق في ولاء الألفي للإنجليز ~~ويعتقد أنه إنما يسلك طريقا يبغي به خدعة الإنجليز والفرنسيين على السواء، ~~فقد بعث بمذكرته المرسلة إلى وزارة الخارجية إلى لندن، وبعث بالأخرى إلى ~~«ستراتون» في القسطنطينية، وقال يعلل ذلك في كتابه إلى «هوبارت» في 3 ~~سبتمبر: «ومهما تكن نوايا حكومته؛ أي الحكومة الإنجليزية، نحو هذه البلاد؛ ~~فإن ما يظهره المماليك أو على الأقل حزب من أحزابهم من إرادة حسنة ونوايا طيبة ~~نحو إنجلترا سوف يعود عليها بالفائدة، وأنه قد وجد لذلك من واجبه وبعد أن أخذ ms0277 ~~بعين الاعتبار هذه الحقيقة؛ ألا يهمل أية وسيلة يتسنى بها كسب النفوذ على ~~مختلف طوائف البكوات.» # على أنه كان من أثر هذا الانقسام بين البكوات أن اتخذ هؤلاء في شهري سبتمبر ~~وأكتوبر مراكزهم منعزلين عن بعضهم بعضا، فوقف البرديسي بجماعته بالقرب من ~~أسيوط، وتخلى إبراهيم عن إدارة أعماله لولده مرزوق بك، وربض سليمان بك ~~الخازندار في المنيا، وظل الألفي في الفيوم، بينما آثر عثمان بك حسن الانسحاب ~~إلى أسوان «ملجئه القديم»، ومع ذلك فقد اعتقد كثيرون أن البكوات إنما كانوا ~~يبغون التظاهر بالانقسام فحسب، وذلك حتى يغروا خورشيد بإرسال جيوشه لقتالهم ~~في الصعيد أي في عرينهم، كما اعتقد آخرون أن الاتحاد وثيق بين إبراهيم ~~وسليمان وبين البرديسي. # ومهما يكن من أمر فإنهم ما لبثوا أن وجدوا جيوش الأرنئود والعثمانلي تخرج ~~لقتالهم، وعندئذ تجددت المساعي، يؤيدها في هذه المرة تأييدا كبيرا كل من ~~إبراهيم وعثمان حسن؛ لجمع الكلمة وضم الصفوف، ونجحت وساطتهما بين الألفي ~~والبرديسي، وعسكر الألفي الصغير بمماليكه وعربانه في الفشن لوقف زحف جيش ~~سلحدار خورشيد باشا (ديسمبر 1804). # وعند الفشن التحم الجيشان في معركة عنيفة، وهوجمت البلدة وسقطت في يد ~~السلحدار وانهزم الألفي الصغير، وتعقب السلحدار جيشه في تقهقره حتى بلغ ~~أسوار المنيا، ولكن لم تلبث الهزيمة أن حلت بجيش السلحدار في 14 ديسمبر ~~عندما التحم مع مماليك البرديسي في المقدمة، بينما أطبق عليه الألفي الصغير من ~~المؤخرة، فاضطر السلحدار إلى التقهقر إلى بني سويف، وسقط من المماليك في هذه ~~المعركة اثنان من البكوات هما: مراد بك الصغير خازندار البرديسي القديم وصالح ~~بك من بيت الألفي الكبير، وذلك عدا كاشفين وسبعة من المماليك، ومع ذلك فقد ~~استبد الخوف من المماليك بجيش السلحدار بعد هذه الهزيمة، وصمموا على ~~التقهقر من بني سويف؛ لولا أن وصل محمد علي بقواته، فأعاد إليهم الثقة في ~~نفوسهم، وسنحت الفرصة بفضل ذلك لاتخاذ خطة الهجوم والزحف صوب المنيا لحصارها ~~في أواخر ديسمبر. # على أن الصلح الذي حدث بين الألفي والبرديسي قبل معركة الفشن؛ لم يلبث أن ms0278 ~~تحطم مرة أخرى؛ لأنه لم يكن في الحقيقة سوى هدنة وقتية وشخصية، تركت لكل ~~منهما الفرصة لمحاولة بسط سيطرته المطلقة على جموع المماليك، فاختلط ~~مماليكهما بعضهم ببعض، واشتركوا معا في القتال، ولكن لم يكن هناك أي اتحاد ~~صحيح بينهم، وعلى ذلك فإنه ما إن ظهرت قوات العدو أمام المنيا حتى تحصن ~~البرديسي بها، بينما اقتصر الألفي على اتخاذ موقف المراقب والمشاهد من معسكره ~~فحسب على الجانب الآخر من النهر في مقابلة قرية تلا. # وأقام الأتراك تحصيناتهم وحفروا خنادقهم أمام المنيا، وحرصوا على وضع فرسانهم ~~في مكان بعيد عن مرمى مدافع المماليك، وبدأ حصار المنيا، وكان حصارا طويلا ~~استمر ستة وخمسين يوما، وتضافرت أسباب عدة على إطالة الحصار كل هذه المدة، ~~كان أهمها - ولا شك - أن الأتراك نصبوا مدافعهم في الجهة المقابلة للوجه ~~البحري، بينما تركوا الجهة المقابلة للصعيد مفتوحة يستطيع المماليك الخروج ~~منها والانتشار في الريف يجلبون منه المؤن والأقوات، كما صار في استطاعتهم قطع ~~المواصلات بين الجيش الذي وقف على حصار المنيا وبين حكومة القاهرة، كما أفاد ~~البرديسي في أول الأمر من وجود الألفي في قرية تلا؛ لأن الأخير تمكن بدوره من ~~قطع المواصلات من الضفة اليسرى مع القاهرة. # وكان مما ساعد المماليك على استمرارهم على المقاومة استيلاؤهم على قرية «أبو ~~جرج» على مسافة 26 ميلا شمالي المنيا، مما زاد في حروجة مركز الأتراك الذين ~~صاروا بدورهم الآن شبه محصورين، فالعدو أمامهم وفي مؤخرتهم، وعلى يمينهم ~~الصحراء التي ينتشر فيها العربان وعلى يسارهم النيل الذي لا تحتمل الملاحة فيه ~~سفنا ذات حمولة ثقيلة، علاوة على قطع كل اتصال لهم مع القاهرة، وحاجتهم ~~الملحة بسبب ذلك كله إلى المؤن والأغذية، وفضلا عن ذلك فقد أتيحت الفرصة ~~للبكوات لجلب الأسلحة والذخائر وما إليها من الإسكندرية ورشيد والقاهرة ذاتها، ~~فقال «مسيت» في رسالته من رشيد إلى اللورد كامدن # Camden # في 6 فبراير 1805: «إن البكوات بسبب ضعف حكومة ~~خورشيد باشا؛ تأتيهم المؤن والأسلحة والأردية من الإسكندرية ومن القاهرة ~~نفسها ، وقد عرض حاكم رشيد ms0279 للبيع بنادق وبسكويتا وبارودا مما جمعه أخيرا من ~~قلعة جوليان ذات السيطرة على مصب النيل الغربي والتي تقوم بمهمة الدفاع عنه، ~~بينما باع القبطان بك الذي يقود الأسطول العثماني في هذا الموقع جزءا من ~~المهمات التي في مخازنه البحرية»، ثم استطرد «مسيت» يقول: «وهكذا فإنه ما دامت ~~هذه درجة إهمال عمال الباب العالي في هذه البلاد وفسادهم؛ فإن من المستحيل أن ~~يتوقع إنسان انتهاء هذا النزاع الدائر مع المماليك سريعا.» # وشجع انتقال عثمان بك حسن من «جبل الطير» - تجاه ناحية أطسا - لنجدة إخوانه ~~المماليك على الخروج لمحاولة النزول على بني سويف، فأعطى غياب جزء من الحامية ~~الفرصة لمحمد علي حتى يقوم بهجوم على المنيا، في 6 فبراير 1805 ولكن ~~المماليك ردوا المهاجمين بعد أن كبدوهم خسارة كبيرة، وكان الفريقان قبل ذلك ~~قد أمضيا شهر يناير بين هجوم ودفاع، حتى وقعت هذه المعركة الكبيرة، التي سرعان ~~ما تلتها محاولة أخرى في 19 فبراير، كانت في هذه المرة ناجحة، فقد اعتلى ~~حسن باشا النهر في أثناء الليل ليركز هجومه على المدينة المحاصرة من الجهة ~~القبلية - التي تركها الأتراك مفتوحة منذ بداية الحصار على نحو ما قدمنا، وكان ~~يقف لحراسة باب المدينة المواجه للصعيد في هذه الناحية حسين بك الزنطاوي مع ~~جنده اليونان والسود، ولكنه لم يلبث أن غادر مركزه بمجرد إطلاق النيران تاركا ~~جنده يلتحمون مع الأرنئود، فما إن تبين هؤلاء أن قائدهم قد تركهم حتى شاعت ~~بينهم روح الهزيمة، وبلغ الأرنئود الباب وحطموه، وهرع البرديسي لتدارك ~~الموقف، ولكن الأرنئود كانوا قد دخلوا المدينة في اللحظة التي وصل هو فيها، ~~وكاد يتم استيلاء الأرنئود عليها لولا أن أقبل عثمان بك حسن وسليمان بك ~~وعديدون من الكشاف لنجدة البرديسي، فارتد الأرنئود بعد التحامات عنيفة في ~~شوارع المنيا كبدت المماليك خسائر فادحة، واستؤنفت المناوشات البسيطة بين ~~الفريقين. # على أنه حدث في ليل 2 مارس 1805 ما غير من سير العمليات العسكرية على ~~تلك الوتيرة الواحدة التي لزمتها، عندما أشعل «أبو ليلة» النار في أسطول ms0280 ~~الأتراك الواقف في المنيا، ولولا ما بذله محمد علي من همة لإنقاذ القوارب التي ~~لم تمتد إليها النيران لكانت الخسارة كبيرة، وكان «أبو ليلة» متزعما لعصابة ~~من اللصوص في الصعيد، عرض على البرديسي إحراق مراكب العدو، وتوقع البرديسي أن ~~ينفع ذلك في رفع الروح المعنوية بين جنده المحاصرين، فرحب بهذا العرض، ولكن ~~عبثا حاول البرديسي بعد هذا الحادث أن يحيي شجاعة جنده؛ لأن المماليك وهم ~~الذين تعودوا القتال في السهول المكشوفة، ما لبثوا أن أضجرهم طول الحصار ~~وبرموا به. # ولما كان الألفي من مركزه في «تلا» قد أفلت أتباعه ينهبون ويسلبون في ~~الجهات المجاورة وفي الفيوم خصوصا، وذلك بدلا من محاولته نجدة البرديسي في ~~المنيا؛ فقد آثر كثيرون من مماليك هذا الأخير الانضمام إلى معسكر الألفي الذي ~~رحب بهم. # ثم زاد ضعف البرديسي عندما انشق عليه إخوانه بسبب ما أبداه من غطرسة وعجرفة ~~بمجرد أن بلغه وجود أسطول فرنسي في البحر الأبيض، واعتقد أن الفرنسيين سوف ~~ينزلون على الشاطئ المصري قريبا، مما يرغم الجيوش المحاصرة له على الارتداد ~~عن المنيا، كما توقع أن يظفر بالسلطة والحكم بسبب مؤازرة الفرنسيين المنتظرة ~~له، فانسحب عثمان بك حسن إلى قنا، كما انسحب الألفي إلى الفيوم، وانفض من ~~حوله جماعة أخرى من البكوات والكشاف، وفي مارس شعر البرديسي بعبث الاستمرار ~~على المقاومة، فتمكن من إخراج مدفعيته وذخائره مع أتباعه متسللين من المنيا، ~~فتركها وعسكر على مسافة مرحلتين منها، وحذت الحامية حذوه، فحملوا ما بقي ~~من مدفعية وذخائر على السفن، وقصدوا إلى أسيوط، وفي 14 مارس 1805 كان ~~المماليك قد أخلوا المنيا، ودخلها محمد علي في اليوم التالي. # ولكنه في اليوم الذي استولى فيه الأرنئود على المنيا (15 مارس) وصلتهم ~~الأخبار من القاهرة بأن حوالي ثلاثة آلاف من الدلاة قد وصلوا إلى القاهرة، ~~وأنه سوف يتبع هؤلاء الفرسان «المجانين» جماعة أخرى، ومن المنتظر كذلك أن تأتي ~~إلى مصر قوات من المشاة والمدفعية، وظهر كأنما الباب العالي يريد من إرسال ~~هذه النجدات إلى خورشيد الاستئثار بالسلطة ms0281 في مصر وتحطيم قوة الأرنئود، فكان ~~لهذه الأخبار أسوأ الأثر في نفوس الأرنئود عامة ومحمد علي وحسن باشا خاصة، ~~وقرر الأخيران ألا يتركا لخورشيد الوقت الذي يكفيه لتنظيم هؤلاء الجنود ~~والتقوي بهم، فغادرا المنيا بسرعة في 10 أبريل على رأس 3500 مقاتل، وفي ~~14 أبريل 1805 بلغا طرة، ومن ذلك الحين بدأ النضال السافر بين محمد علي ~~وخورشيد باشا على الولاية في مصر. # النضال بين خورشيد ومحمد علي # فقد أتاح غياب محمد علي الطويل مع الزعماء والجند الأرنئود في الصعيد الفرصة ~~لخورشيد لتدبير ذلك الانقلاب الذي ظل يمني به النفس من وقت حصار القاهرة، ومنذ ~~أن سعى في استصدار فرمان بنقل محمد علي من مصر، ولم يسفر مسعاه عن أية نتيجة، ~~فصار يلح على الباب العالي في طلب نجدة من الدلاة لتعزيز باشويته بوصفه ممثل ~~السلطان الشرعي في البلاد الذي يبغي دعم سيطرة الباب العالي وبسط نفوذه الفعلي ~~في مصر. # ولما كان الباب العالي قد صار قلقا من مدة طويلة من ناحية الأرنئود، وأخفقت ~~محاولاته في إقناعهم بمغادرة البلاد ولم يفد العفو الذي أصدره عنهم في ~~استمالتهم للعودة إلى أوطانهم، فقد تشكك في ولائهم، وأراد لذلك أن ينشئ في مصر ~~قوة تكون بمثابة ثقل يوازن به كفتهم أولا، وحتى يتمكن من تخليص البلاد منهم ~~في النهاية؛ ولذلك فقد استجاب لرغبة خورشيد، وأصدر أوامره إلى هؤلاء «الدلاة» ~~للتجمع من كل أنحاء الإمبراطورية ومن الأناضول في طرف الشام الغربي، حتى إذا ~~احتشدت منهم قوات كافية سيرهم إلى مصر، فدخلوا القاهرة في 29 فبراير ~~1805، ونزلوا في مصر القديمة، وفي القرى المجاورة، وأثار مجيئهم مخاوف محمد ~~علي الذي أوقف عملياته العسكرية في الصعيد، وأسرع في الحضور إلى ~~القاهرة. # وقد كتب «مسيت» إلى حكومته في 28 أبريل يعلق على ذلك كله بقوله: «إنه يبدو ~~أن الباب العالي الذي اعتبر ولاء الأرنئود له أمرا مشكوكا فيه، وغير ثابت؛ ~~قد قرر القضاء عليهم بمجرد أن يتمكنوا مشتركين مع الجند العثمانلي من إخضاع ~~المماليك، ولكن «محمد علي» علم ms0282 بهذه النوايا مبكرا، واستطاع بفضل نشاطه وعمله ~~أن يعطل وقتا ما على الأقل هذه المشروعات التي تدبرها ضده وضد أنصاره ~~الوزارة العثمانية، فقد غادر المنيا لتحقيق غرض ظاهر هو طرد أعدائه من مصر ~~بقوة السلاح أو كسبهم لمؤازرته وتأييد مصالحه.» # وانزعج خورشيد انزعاجا كبيرا عندما بلغه أن «محمد علي» و«حسن باشا» قد ~~غادرا مع جندهما المنيا في طريقهما إلى القاهرة، وذلك قبل أن تتاح له الفرصة ~~الكافية لتهيئة «الدلاة» وتنظيمهم ووثوقه من ولائهم له. # ولما كان امتلاك القاهرة يؤثر تأثيرا حاسما على مصير النضال المنتظر بينه ~~وبين محمد علي؛ فقد أراد خورشيد أن يضمن انحياز القاهريين ومشايخهم ورؤسائهم ~~إلى جانبه، بأن يجعلهم حكما بينه وبين محمد علي وسائر زعماء الأرنئود؛ إذ ~~توقع أن يجذبهم إلى تأييد قضيته ما سوف يسببه لهم من شعور بازدياد مكانتهم ~~وارتفاع شأنهم اشتراكهم في هذا النضال، فطلب في 10 أبريل المشايخ والسيد عمر ~~مكرم والوجاقلية «وأرباب الديوان»، وأبلغهم نبأ تقهقر الأرنئود الفجائي ~~وانسحابهم من ميدان القتال، وهو انسحاب حدث - كما قال - ضد أوامره، ومن شأنه ~~أن يضع مصر تحت رحمة المماليك والعربان، ويجعل من العاصمة ميدانا للفوضى ~~واختلال النظام لعدم رضوخ الأرنئود للطاعة، وشراستهم وخبث طويتهم، كما أنه ~~لم يكن هناك أي مسوغ لعدم إذعانهم؛ لا سيما وقد رفضوا الذهاب لقتال الوهابيين ~~بعد أن أذن الباب العالي بإعطاء زعمائهم كل ما يريدونه من مراتب الشرف لقاء ~~ذلك، «فهم لا يريدون قتال البكوات، ولا يريدون ترك مصر، فماذا تكون يا ترى ~~أغراضهم؟! لا شك في أن خراب البلاد هو كل مقصدهم.» # وذكر الشيخ الجبرتي عند تسجيل ما حدث أن خورشيد قال في هذا الاجتماع: ~~«إن «محمد علي وحسن باشا» راجعان من قبلي من غير إذن وطالبان شرا، ~~فإما أن يرجعا من حيث أتيا ويقاتلا المماليك، وإما أن يذهبا إلى ~~بلادهما أو أعطيهما ولايات ومناصب في غير أراضي مصر، ومعي أمر من ~~السلطان وكيل مفوض ودستور مكرم، أعزل من أشاء وأولي من أشاء وأعطي ~~من أشاء وأمنع ms0283 من أشاء.» # وطلب خورشيد منهم مساعدته بنفوذهم ومشورتهم، ووافق المجتمعون على أن تتألف ~~لجنة من شيخين واثنين من الوجاقلية، تتجدد كل يوم وتلازم الباشا، ولكن هذه ~~الموافقة لم تكن بمحض اختيارهم، كما كان مقترح هذا الترتيب خورشيد باشا نفسه؛ ~~لتشككه في نوايا المشايخ، ولعدم وثوقه بهم، فقد ذكر دروفتي في رسالته إلى ~~تاليران من الإسكندرية في 16 أبريل 1805 «أنه لما كان الباشا يجهل موقف ~~الأهالي في الظروف القائمة، وغير متأكد من تأييدهم له، فقد أخذ من بينهم ~~رهائن لضمان استقرار الهدوء، الشيخين: عبد الله الشرقاوي وسليمان الفيومي»، ~~ثم أرسل خورشيد «الدلاة» إلى الجيزة وإلى طرة وأخذوا مدافع وجبخانة؛ استعدادا ~~لملاقاة محمد علي وحسن باشا، وعهد خورشيد بالدفاع عن القلعة إلى صالح ~~قوش. # ولكن هذه الاحتياطات لم تلبث أن انهارت في إثر بعضها بعضا. # فقد استطاع محمد علي عند وصوله إلى طرة استمالة رؤساء الدلاة بإهدائهم ~~الهدايا الثمينة وكسوة الفرو، وأقنعهم بأنه هو وزميله لم يكونا ثائرين على ~~الباشا، بل حضرا لمطالبته بالمرتبات المستحقة لهما وللجند والتي رفض أن يدفعها ~~لهم، وأنه لا ضرر يقينا من المطالبة بهذه المرتبات، وبفضل هذا المنطق الذي ~~أقر استقامته الدلاة الذين خشوا أن يحرمهم خورشيد في المستقبل من مرتباتهم ~~كذلك أسوة بما يفعله مع الأرنئود؛ تمكن محمد علي من الدخول إلى طرة، ثم السير ~~بعد ذلك إلى القاهرة ومعه الدلاة أنفسهم فدخلها في أمان في 19 أبريل. # ومنذ دخول محمد علي القاهرة بدأ النضال الجدي بينه وبين خورشيد، وهو نضال ~~تضافرت عوامل عدة لجعل كفة محمد علي هي الراجحة في أثنائه، أهمها ما صار ~~يرتكبه الدلاة من اعتداءات فظيعة على القاهريين كاقتحام بيوتهم واغتصاب نسائهم ~~وقتلهن بعد هتك أعراضهن، واختطاف الأطفال، عدا حوادث السلب والنهب. حتى ضج ~~القاهريون بالشكوى إلى مشايخهم منهم، ونقموا على خورشيد بسبب ذلك نقمة عظيمة، ~~أضف إلى ذلك ما أبداه محمد علي من مهارة كبيرة في كسب صداقة المشايخ ~~والعلماء والسيد عمر مكرم وتوثيق علاقته بهم. # واسترشد الشعب بغرائزه الصحيحة ms0284 دائما والتي جعلته يرى في محمد علي سيد الغد ~~وإن كان خورشيد صاحب الحكم اليوم، فانفض الناس من حول خورشيد بينما قصدوا - ~~من مختلف الطبقات - إلى بيت محمد علي يشكون إلى الرجل الذي واساهم في محنهم ~~الماضية أيام حكومة البكوات المماليك خصوصا ما يلاقونه من عنت وإرهاق، وما حل ~~بهم من نكبات وكوارث على أيدي هؤلاء الدلاة الذين جلبهم خورشيد، ويتشاور ~~المشايخ والرؤساء الشعبيون معه في أجدى الوسائل لعلاج هذه الحالة النكدة ~~علاجا حاسما سريعا، وإنهاء البؤس الذي حل بساحتهم، وهكذا كان «الدلاة» ~~معول هدم قوض به خورشيد باشويته من حيث كان يرجو دعم أركانها، كما انقلبت ~~القوة الشعبية سيفا مسلطا على عنقه من حيث كان يرجو الاعتماد عليها في ~~إقصاء محمد علي والقضاء عليه. # وكان المشايخ والعلماء هم قادة الشعب الطبيعيين في نظام اجتماعي وسياسي فرق ~~بين الطبقتين الحاكمة والمحكومة، فتألفت الطبقة الحاكمة من العثمانلي وعلى رأس ~~هؤلاء الباشا العثماني، وهم يمثلون صاحب السيادة الشرعية على البلاد، ويعتمدون ~~في هذا التمثيل على أجناد من الإنكشارية والأرنئود والكرد ونظرائهم ممن كانوا ~~جميعا غرباء عن البلاد ويسيئون معاملة أهلها. # كما تألفت هذه الطبقة الحاكمة كذلك من المماليك الذين استبدوا بالسلطة ~~الفعلية وأقاموا في البلاد طغيانا عنصريا فصل بينهم وبين الشعب وأخضعه ~~لمظالمهم، وأما الطبقة المحكومة فقد تألفت من سواد المصريين؛ أي من أولئك ~~الذين نشدوا العزاء والسلوى في راحتهم الروحية، يبعثون شكواهم إلى رؤسائهم ~~الدينيين، ويطلبون منهم النصح والإرشاد، ويتخذون منهم وكلاء يوسطونهم لدى ~~السلطات القائمة من العثمانلي والمماليك على حد سواء لرفع المظالم عنهم، ~~فصار للمشايخ والعلماء نفوذ ومكانة بين أفراد الشعب، وصار في وسعهم توجيههم ~~وتحريكهم. # ولا جدال في أن استناد محمد علي على مؤازرة الشعب بمشايخه وعلمائه ورؤسائه ~~كان العامل الحاسم في الشهور القليلة التالية؛ ليس في نجاحه على غريمه خورشيد ~~فحسب، بل في وصوله كذلك إلى منصب الولاية؛ وذلك لأن الاعتماد على الشعب أو ~~القاهريين جعله يطمئن إلى وجود قوة إلى جانبه من الممكن تسليحها وقت الحاجة ms0285 ~~بل وكانت مسلحة فعلا، وكان لا مناص من وجود هذه القوة الشعبية المسلحة إلى ~~جانبه في وقت انحاز فيه بعض الرؤساء الأرنئود إلى خورشيد باشا، وهو أرنئودي ~~سهل عليه أن يجد مناصرين له من بين أبناء جلدته كعمر بك وطاهر بك ثم صالح قوش ~~الذي أعطاه قيادة القلعة - كما تقدم - حتى يؤثر بنفوذه على حاميتها من الجند ~~الأرنئود. # زد على ذلك أن حسن باشا زميل محمد علي، الذي حضر معه من المنيا، وآزره في ~~كل خطواته السابقة؛ كان لا يزال يعتبر في هذه المرحلة منافسا خطيرا له، ومن ~~المعروف أن الأرنئود هم القوة العاملة مع محمد علي. # زد على ذلك أيضا قيام الدليل في أثناء الحوادث الماضية على أن القاهريين ~~كانوا من عناصر المقاومة الشديدة في وجه حكومة البكوات، وقد أعانت ثورتهم على ~~طغيان البكوات «محمد علي» على طرد هؤلاء من القاهرة، وفي وسعه لذلك أن يفيد من ~~سخطهم على حكومة خورشيد باشا التي أرهقتهم بالمظالم والمغارم وسلطت عليهم ~~سوط عذابها باستقدامها الدلاة المجانين لتقويض عروش حكومة خورشيد نفسه، كما أن ~~في وسعه بفضل استناده على القوة الشعبية؛ أن يضع الباب العالي أمام الأمر ~~الواقع إذا تسنى له النجاح في نضاله مع خورشيد والظفر بالولاية. # ولم يكن هناك أي شك في أن «محمد علي» إنما يبغي من نضاله مع خورشيد منذ أن ~~دخل القاهرة بعد عودته من المنيا؛ خلعه من الولاية والظفر بها لنفسه، بل إن ~~هذه النوايا لم تعد أمرا مكتوما على القاهريين أنفسهم، فقال الجبرتي في ~~حوادث «19 أبريل»؛ أي يوم وصول محمد علي وذهابه إلى بيته بالأزبكية «وأخذ محمد ~~علي في التدبير على أحمد باشا وخلعه»، وعلاوة على ذلك فإن مؤازرة الشعب له في ~~تحقيق أغراضه سوف تفوت الفرصة على الإنجليز والفرنسيين الذين بذل ~~وكلاؤهم في القاهرة وسفراؤهم في القسطنطينية قصارى جهدهم لمؤازرة طوائف ~~المماليك الموالية لهم. # وأما حقيقة ذلك كله، فتتضح من تتبع الحوادث التي وقعت متلاحقة في إثر بعضها ~~بعضا وبسرعة كبيرة منذ دخول محمد ms0286 علي القاهرة في 19 أبريل حتى مناداة ~~القاهريين بولايته في 12 مايو 1805. # واستهل محمد علي نضاله باللجوء إلى المطالبة بمرتبات جنده؛ أي بإثارة تلك ~~المسألة الشائكة والتي كانت مبعث الصعوبات والمشاكل التي صادفها الولاة ~~جميعهم وخورشيد باشا على وجه الخصوص منذ تسلمه مهام منصبه، فطالب بألفي كيس ~~وأمهل خورشيد مهلة قصيرة جدا لدفعها، ولم ير خورشيد مناصا من القبول، ~~«ولكن من أين يأتي بها؟» ذلك كان تساؤل «دروفتي» وغيره من الذين لمسوا مدى ~~الصعوبات التي واجهت خورشيد وبخاصة وقد كان الدلاة - وهم جنده الذين عول ~~عليهم لمناصرته - يطالبون هم كذلك بمرتباتهم، فانتهز خورشيد وصول ست سفن محملة ~~بالبن من جدة إلى السويس، وفرض على كل فرد من التجار ستا وعشرين ريالا يدفع ~~منها للأرنئود وللدلاتية، ولكن هذا المال الذي جمعه لم يكف لسداد مرتبات ~~الأرنئود، فقال «دروفتي» - في رسالته إلى «تاليران» في 28 أبريل - إن هؤلاء ~~غير راضين عن الجزء الذي دفع لهم أخيرا من مرتباتهم «ويطالبون بصوت عال ~~بمبالغ طائلة لا يمكن أبدا دفعها؛ إذ يطلبون في الحقيقة اثني عشر ألف كيس، ~~فلما قيل لهم إن الخزانة لا تستطيع إطلاقا دفع هذا المبلغ؛ طالبوا بإرغام ~~رجال الإدارة المالية على تقديم حسابات دقيقة غاية الدقة؛ لتوضيح النواحي التي ~~أنفقت فيها الإيرادات المتحصلة من الميري والتي ادعوا أنها أنفقت على وجه ~~الخصوص في دفع مرتبات الجيش»، وزاد «دروفتي» على ذلك «أن الدلاة - على ما يبدو ~~- لا يريدون الاشتراك في هذه المناقشات ومناصرة أحد الفريقين على الآخر، وأن ~~ما يجري الآن يجعل من السهل التنبؤ بما سوف يحدث، على غرار ما وقع في أيام ~~خسرو محمد باشا.» # وكان محمد علي نفسه هو الذي أثار مسألة الحسابات هذه، فكتب الوكلاء ~~الفرنسيون إلى حكومتهم منذ 23 أبريل: «أن سوء التفاهم قائم بين خورشيد باشا ~~ومحمد علي منذ دخول الأخير إلى القاهرة، فلم يتزاورا بعد، ويطلب محمد علي ~~تقديم حساب عن كل ما دخل الخزانة من مال منذ أن تسلم خورشيد باشا الحكومة»، ~~فبدأت من ms0287 ثم مناقشات عنيفة بين خورشيد ومحمد علي، حرص الأخير في أثنائها على ~~كسب القاهريين ورؤسائهم إلى جانبه، عندما أصر على عدم تكليفهم بأعباء مالية ~~جديدة، ومحاولة منع خورشيد من فرض الإتاوات والغرامات عليهم لدفع مرتبات ~~الجند وإنهاء هذه الأزمة بينه وبينهم، كما أنه استطاع بفضل ما قدمه من حجج ~~وبسبب ما أدلى به خورشيد من ناحيته من دعاوى حاول بها دحضها؛ أن ينفر ~~«الدلاتية» منه، وأن «يلعب بولائهم». # وقد أوضح «مسيت» ما حدث في رسالة بعث بها إلى حكومته في 28 أبريل جاء فيها: ~~أن «محمد علي» عندما تقوى مركزه بعد عودته من المنيا ما لبث أن أوفد أحد ~~ضباطه إلى خورشيد باشا يطالبه بأربعة ملايين قرش عثماني قيمة مرتبات ستة أشهر ~~لجنده، وأعلن في الوقت نفسه أنه لا يريد أن تفرض إتاوات على الشعب لإجابة ~~مطالب رجاله، حيث إن إيرادات مصر إذا حسن التصرف فيها وفق إدارة طيبة تكفي ~~وحدها - كما قال - لسداد المطالب الشرعية التي للحكومة، وقد أجاب خورشيد على ~~ذلك بقوله: إن لديه فرمانا يستطيع بمقتضاه أن يطلب من محمد علي تقديم بيان أو ~~حساب عن كل المبالغ التي نهبها طوال مدة إقامته في مصر أو فرضها على الأهلين ~~وحصلها منهم أو تسلمها كمرتبات له ولرجاله، وأن المتأخرات التي يطالب بها محمد ~~علي إذا استنزلت من مجموع هذه المبالغ المختلفة لاتضح بدلا من أن تكون له ~~مطالب قانونية على الحكومة المصرية أنه هو نفسه في الحقيقة مدين بمبلغ كبير من ~~المال للباب العالي الذي أوامره القطعية هي أنه يجب على «محمد علي» إرجاعه ~~ودفعه ثانية. # ولكن خورشيد باشا عندما أعلن نوايا الديوان «العثماني» الخفية، ووجه تهم ~~النهب والسلب والخطف وغصب أموال الناس، وأثار بذلك غضب محمد علي؛ لم يكن يعرف ~~أن هذا الزعيم الماكر قد استطاع أن يلعب بولاء الجند الذين يعهد إليهم خورشيد ~~بكبح جماح الأرنئود العصاة. ~~«وعلى ذلك، فإنه ما إن أدرك هذه الحقيقة حتى تنازل لاستخدام المشايخ ~~والعلماء وغيرهم من ذوي المكانة كوسطاء بينه ms0288 وبين محمد علي الذي رفض حتى الآن ~~أن يستجيب لرجواتهم، ولو أن وعدا قد بذل له بتحقيق كل مطالبه المالية بعد ~~أسابيع ثلاثة فحسب، وسمح له ولجنوده دون تبصر بالدخول إلى المدينة.» ~~«ومع ذلك فإنه حتى ولو تم الصلح بين خورشيد ومحمد علي فلا يمكن أن يدوم؛ لما ~~هنالك من تضارب بين العمل على الاحتفاظ بالبقاء من جهة، وبين تحقيق الأطماع ~~والذود عن أمن الإنسان وحياته وسلامته الشخصية من جهة أخرى، وكثيرون هم الذين ~~يعتقدون أن ثورة قريبة سوف تحدث في الحكومة.» # ولم ينفرد «مسيت» في القول بأن أي اتفاق أو صلح بين خورشيد ومحمد علي لا ~~يمكن أن يدوم؛ لتضارب الأغراض التي يسعى كل منهما لتحقيقها، بل كان من هذا ~~الرأي أيضا الوكيل الفرنسي دروفتي الذي علق على ذلك الاتفاق الذي تعهد ~~بموجبه خورشيد بدفع ألفي كيس، مرتبات الجند المطلوبة، فقال منذ 23 أبريل ~~في رسالته إلى «تاليران»: «إن الموقف في مصر لا يبعث على الاطمئنان بالرغم ~~من حصول هذا الاتفاق بين خورشيد ومحمد علي؛ لأنه حتى يستطيع المرء أن يطمئن ~~فعلا يجب عليه نسيان أن «محمد علي» إنما يستهدف باشوية مصر ذاتها، وأن جميع ~~الأعمال التي بدا قيامه بها لصالح الباب العالي إنما تحمل طابع ما لديه من ~~أطماع نحو السلطة العليا.» # والحقيقة أن «محمد علي» كان مصمما على البقاء في القاهرة ومواصلة النضال مع ~~خورشيد، فكان من مطالبه منذ أن بدأ الاصطدام الجدي بينهما (23 أبريل) «أن يذهب ~~الكخيا بك - وكيل خورشيد وكتخداه، والكخيا والكتخدا معناهما واحد - وقائد جند ~~القلعة صالح أغا قوش على رأس الجيش الذاهب إلى الصعيد بينما يظل هو مقيما ~~بالقاهرة»، وقد كان بالقاهرة وقتئذ، حوالي الثمانية آلاف أو العشرة آلاف جندي ~~يطلبون مرتباتهم، وعبثا حاول خورشيد أن يمنع المشايخ والوجاقلية وأعيان ~~القاهريين من زيارته فقد ظل هؤلاء يزورونه وكثر ترددهم عليه، واستمتع محمد ~~علي وقتئذ بنفوذ كبير على الجند والأهالي معا. # وازداد تعلق القاهريين به عندما اشتد ضيق الناس بالدلاة الذين استمروا في ms0289 ~~إفسادهم ينهبون ويسلبون ويهتكون الأعراض و«يخطفون النساء والأولاد» بل ولا ~~ينجو «الرجال الاختيارية» من فعالهم القبيحة، وعاثوا فسادا - على وجه الخصوص ~~- في مصر القديمة والقصر العيني ودير الطين وهي الجهات التي خصصت عموما ~~لإقامتهم بينما حرص محمد علي في أثناء ذلك كله على منع جنده الأرنئود من ~~ارتكاب هذه الشرور والمعاصي واستعداء الأهلين عليهم. # واتخذ من جهة أخرى في علاقاته مع المشايخ والعلماء وسائر الرؤساء الوطنيين ~~موقف من يريد التهدئة والتسكين والإصلاح وتخفيف آلام الشعب والحرص على ~~المصلحة العامة، وأظهر غضبه وسخطه على هؤلاء الجند «الدلاتية المجانين» الذين ~~أنزلوا النكبات والكوارث على الأهلين، وكتب «مسيت» وهو يستعرض حوادث هذه ~~الأيام بعد ذلك وموقف محمد علي الذي مكنه من الوصول إلى الولاية # 1 ~~«أنه من اللحظة التي سمح له فيها وللأرنئود بالدخول إلى القاهرة ~~عقب عودته من الصعيد، شرع يبذل قصارى جهده بكد واجتهاد حتى يظفر بعطف الشعب ~~وحسن رأيه فيه ورضائه عنه، بينما صار يستثير الناس في الوقت نفسه ضد الجند ~~«الدلاة» الذين وصلوا أخيرا من الشام، والذين ظل يرمقهم بعين الحسد والغيرة ~~بالرغم من إقرار هؤلاء بولائهم له مرات كثيرة، وإظهار إخلاصهم لقضيته.» # على أنه لم يكن هناك ما يدعو في الحقيقة؛ لأن يكد محمد علي ويكدح لاستثارة ~~الشعب ضد الدلاة أو ضد خورشيد نفسه؛ لأن الشرور والإيذاءات التي ألحقها الدلاة ~~بالقاهريين كانت قمينة وحدها بإثارة السخط عليهم، كما زاد من غضب المشايخ ~~والعلماء والرؤساء الشعبيين حتى إنهم عولوا على تزعم الجماهير والشعب الساخط ~~الصاخب بصورة فعالة حاسمة في كفاحه ضد حكومة خورشيد باشا، أن هذا الأخير ما ~~لبث أن أجاز للدلاة إلزام بعض القرى في القليوبية بدفع إتاوات لهم يحصلون ~~منها مرتباتهم، فكان معنى هذا - على حد قول «مانجان» وغيره من المعاصرين - أن ~~الحكومة قد أعطت موافقتها الرسمية على المساوئ والشرور التي قاسى الشعب من ~~ويلاتها الشيء الكثير على أيدي هؤلاء الجند العتاة الباغين، وأنها تؤيد ~~رسميا ذلك الفساد الذي استحكم في البلاد. # فتحركت الثورة. # ذلك أن الدلاة ms0290 التاثوا لوثة مفاجئة (يوم أول مايو) جعلتهم ينطلقون في وحشية ~~شنيعة في أحياء مصر القديمة يقتحمون المنازل، ويطردون السكان ويغتصبون النساء ~~ويقتلونهن، ويخطفون الأطفال ويأخذون ثياب الأهالي ومتاعهم، ولم يستطع النجاة ~~منهم «إلا من تسلق ونط على الحيطان»، وصاروا يهددون بإتيان هذه الفظائع في ~~القاهرة ذاتها، فما إن بلغ الخبر المشايخ حتى أذاعوه وطلبوا من التجار إغلاق ~~مخازنهم وحوانيتهم، فأغلقت الجوامع والأسواق والوكائل، واحتشدت الجماهير ~~الصاخبة في الشوارع «تطلب من المشايخ بصوت عال التصريح لها بالسير إلى مصر ~~القديمة لطرد الدلاة منها»، ثم لم يلبث أن «حضر سكان مصر القديمة نساء ورجالا ~~إلى جهة الجامع الأزهر يشكون ويستغيثون من أفعال الدلاتية». # وطلب المشايخ من خورشيد وقف هذه الفظائع، فأصدر أمرا للدلاة «بالخروج من ~~الدور وتركها لأصحابها» فلم يمتثلوا، وخاطب المشايخ خورشيد مرة ثانية، ولكنه ~~اكتفى بأن قال: إن الجند مقيمون ثلاثة أيام ثم يسافرون، فزاد الضجيج وانقضى ~~اليوم في مظاهرات صاخبة، واجتمع المشايخ بالجامع الأزهر في صبيحة اليوم التالي ~~(2 مايو) لتدبر الموقف، واحتشدت الجماهير في مظاهرات عنيفة مرة أخرى، وخشي ~~خورشيد عندئذ سوء العاقبة، فأوفد كخياه وأغا الإنكشارية المحافظ لمقابلة ~~المشايخ بالجامع الأزهر ومحاولة تهدئة الخواطر، ولكنهما لم يجدا به أحدا، ~~وكان هؤلاء قد انتقلوا إلى بيوتهم لأغراض نفسانية وفشل مستمر فيهم - كما قال ~~الشيخ الجبرتي - فذهب الكخيا - أو الكتخدا - بك إلى بيت الشيخ عبد الله ~~الشرقاوي «وحضر هناك السيد عمر أفندي «مكرم» وخلافه فكلموه وأوهموه». # واستقر الرأي على عقد هدنة يقف في أثنائها الهياج الشعبي ويتخذ خورشيد ~~من ناحيته الإجراءات الكفيلة بإعادة الأمن والهدوء إلى نصابهما، وكانت مدة هذه ~~الهدنة ثمانية أيام تنتهي في 10 مايو حسبما طلب خورشيد نفسه، وقد وافق ~~المشايخ على شريطة أن يطهر خورشيد في خلال ثلاثة أيام المدينة وما يجاورها من ~~الدلاة كلية، وقابلت الجماهير الكخيا بك عند انصرافه برجمه بالطوب والحجارة ~~«وشتمه وسبه». # ولم يكن من المنتظر أن يفي خورشيد بوعده لعجزه عن دفع مرتبات الدلاة بسبب خلو ~~الخزانة، وكان هؤلاء يطالبون ms0291 بمرتبات متأخرة عن ثلاثة شهور، ولم يجهل المشايخ ~~هذه الحقيقة، وانتظروا ما يفعله خورشيد، وتركوا الحضور إلى الأزهر، «وبطل طلوع ~~المشايخ والوجاقلية ومبيتهم بالقلعة» حسب الترتيب الذي كان قد وضعه خورشيد في ~~أبريل، واضطر هؤلاء إلى الموافقة عليه مرغمين وقتئذ، ومع أن خورشيد استطاع ~~بعد مشقة إبعاد قسم كبير من الدلاة فقد استمر من بقي منهم يعيثون فسادا في ~~العاصمة، وظل التوتر على شدته ولزم الأهلون بيوتهم. # ودأب محمد علي في أثناء ذلك كله على القيام بنفس الدور الذي قام به منذ بداية ~~هذه الأزمة؛ فظل يقابل المشايخ والرؤساء الشعبيين والسيد عمر مكرم، يضم ~~شكاواهم إلى شكاواه ويعرض عليهم خدماته ووساطته، وفضلا عن ذلك فقد أفلح ~~تماما في منع جنده الأرنئود من إهانة الأهالي أو الاعتداء عليهم، واعتبر ~~القاهريون أن النزاع القائم ينحصر بينهم وبين خورشيد باشا وحده، وأن لا علاقة ~~للأرنئود به، وانفصل الأرنئود عن العثمانلي وعاشوا في ألفة تامة مع ~~الأهالي. # وأدرك خورشيد مدى الأخطار التي يتعرض لها إذا ظل في نزاعه مع محمد علي الذي ~~اعتبره مسئولا عن هذه المشاكل التي أحاطت به من كل جانب، فبذل قصارى جهده ~~لحسم مسألة المرتبات التي يطالبه بها محمد علي، فكتب «دروفتي» من الإسكندرية ~~إلى حكومته في 5 مايو أن جانم أفندي الدفتردار ورؤساء المشايخ قد توسطوا بين ~~الباشا وبين محمد علي، وأن هذين الأخيرين تقابلا في منزل جانم أفندي أخيرا ~~واتفقا على شروط تعهد خورشيد بمقتضاها أن يدفع نصف المرتبات المطلوبة للأرنئود ~~عن السبعة شهور المتأخرة، وتعهد محمد علي من جهته بإرسال جنده إلى الصعيد ~~لقتال المماليك، على أن يبقى هو مع قسم من رجاله بالقاهرة حتى يتسنى له الخروج ~~لقتال العربان الذين يخربون في الوجه البحري. # ومع ذلك، فقد كان ظاهرا أن هذا الصلح لن يستمر طويلا، حتى إن «دروفتي» لم ~~يلبث أن كتب في اليوم التالي (6 مايو) يطلب تعليمات جديدة من حكومته، «لأنه ~~بالرغم من الأخبار التي بلغته عن إتمام الصلح نهائيا بين محمد علي وخورشيد، ms0292 ~~يعتقد - كما قال - أن الحال التي عليها الموقف تقتضيه أن يرجو من الوزير ~~إصدار تعليماته إليه فيما يجب أن يكون عليه مسلكه إذا قبض محمد علي على ~~زمام الحكومة، أو إذا نجم عن حدوث أية ثورة داخلية أن سلب من ضباط الباب ~~العالي سلطة السيادة العليا»، كما أن دروفتي طلب كذلك هذه التعليمات من القائم ~~بأعمال السفارة الفرنسية بالقسطنطينية للاسترشاد بها مؤقتا حتى تأتيه أوامر ~~حكومته. # ودلت الحوادث على أن «دروفتي» كان محقا فيما ذهب إليه؛ لأن خورشيد الذي ظل ~~يواصل مسعاه لدى الباب العالي لاستصدار فرمان بتعيين محمد علي لإحدى ولايات ~~الإمبراطورية وإبعاده بفضل ذلك عن مصر؛ قد نجح أخيرا في مقصده، وأصدر الباب ~~العالي فرمانا بتسمية محمد علي لولاية جدة، ويبدو مما قاله محمد علي لوكيل ~~«القومسييرية» الفرنسية العام في القاهرة «فيليكس مانجان»، أن «خورشيد قد ~~احتفظ بنبأ هذا التعيين مدة شهرين سرا لنفسه، ثم أطلع عليه بعد ذلك بعض ~~الأفراد الذين علم محمد علي منهم ذلك»، ومهما يكن من أمر فقد اختار خورشيد ~~اليوم التالي لبداية الهدنة لإبلاغ محمد علي أن فرمانا قد وصل من الباب ~~العالي بتعيينه لولاية جدة، ثم دعاه للطلوع إلى القلعة ليبلغ ذلك رسميا ~~وحتى تتم مراسم التقليد، ولكن «محمد علي» الذي خشي من غدر خورشيد رفض الطلوع ~~إلى القلعة، وأظهر استعداده لمقابلة خورشيد في أي مكان - خلاف القلعة - يقع ~~عليه اختيار الباشا، فرفض خورشيد بدوره. # ولما كان المشايخ يرون في نوال محمد علي هذا التقليد رفعا لشأنه وتعزيزا ~~لنفوذه، وأرادوا الانتصار على خورشيد ونواياه السيئة؛ لأنهم اعتقدوا - على ما ~~يبدو - مثلما اعتقد محمد علي، أنه يريد الغدر بهذا الأخير فقد توسطوا بين ~~الاثنين وتم الاتفاق - حسب رغبتهم - على اختيار منزل سعيد أغا وكيل دار ~~السعادة - وهو رجل محب للسلام وموضع احترام الجميع، ومن أصدقاء محمد علي - ~~مكانا للمقابلة وحفلة التقليد، فنزل خورشيد من القلعة في 10 مايو وكان قد ~~سبقه إلى نفس المكان محمد علي وبصحبته المشايخ ورؤساء الأهالي وحسن باشا وأخوه ms0293 ~~عابدي بك، وقرئ الفرمان، ولبس محمد علي الفروة والقاووق علامة التقليد وانفض ~~الجمع. # واجتمع الجند الأرنئود عند خروجه يطلبون مرتباتهم المتأخرة؛ حيث كان من ~~المنتظر أن يترك محمد علي البلاد، ولكن هذا قال لهم: «ها هو الباشا عندكم» ~~فاطلبوها منه، ثم ركب «وذهب إلى داره بالأزبكية، وصار يفرق وينثر الذهب بطول ~~الطريق»، وأما خورشيد فإنه ما كاد يتهيأ للذهاب حتى وجد الأرنئود قد اقتحموا ~~دار سعيد أغا وهم في هياج وغضب شديدين يطالبونه بمرتباتهم، ويتهمونه ~~بالاستحواذ على الإيرادات العامة واستغلالها في منافعه الخاصة، وقال الوكلاء ~~الفرنسيون في نشرتهم الإخبارية بعد ذلك بتاريخ 15 مايو: «إن أحدا لا يخالجه ~~أدنى شك في أن هذا العصيان كان بتحريك من محمد علي وحسن باشا وغيرهما من رؤساء ~~الأرنئود»، ومنع الجند خورشيد من مغادرة المكان «إلى بعد الغروب»، وتدخل حسن ~~باشا «فلاطفهم ووعدهم»، وكان هؤلاء قد صاروا يطالبون برأس خورشيد باشا، فنجح ~~حسن باشا في أخذه إلى بيته محافظة على حياته، «وأشيع في المدينة حبسه وفرح ~~الناس وباتوا مسرورين». # ومما يجدر ذكره أن كل هذه الأمور جرت دون حدوث أي «رجة عنيفة» - على حد ~~تعبير الوكلاء الفرنسيين في نشرتهم التي سبقت الإشارة إليها - بل إن القاهريين ~~- كما ذكرت هذه النشرة ذاتها - ما لبثوا أن نادوا بمحمد علي واليا على مصر، ~~ولكن صالح أغا قوش وعمر بك وطاهر بك وهم رؤساء الأرنئود الذين كان خورشيد قد ~~نجح من مدة طويلة في استمالتهم إلى تأييده؛ سرعان ما أظهروا استياءهم مما حدث ~~وأعلنوا تذمرهم، وأنذروا بضرورة إطلاق سراح خورشيد باشا فورا وإلا ساءت ~~العاقبة، ونصح العارفون بنواياهم «أولئك الذين اشتركوا في القبض عليه بإصعاده ~~إلى القلعة لتجنب إراقة الدماء» فأصعدوه إليها في آخر الليل بعد أن أعطى على ~~نفسه العهود والمواثيق بدفع مرتبات الجند في بحر أيام قلائل، فكانت هذه الوعود ~~التي طالما بذلها في الماضي ولم يوف بها السبب في إنقاذ حياته، «واغتم الناس ~~ثانيا» - على حد قول الشيخ الجبرتي - عندما ذاع خبر إطلاق سراحه في ms0294 اليوم ~~التالي. # وتزايد غضب القاهريين عندما طلب خورشيد في هذا اليوم (11 مايو) ألفي كيس من ~~جرجس الجوهري والسيد محمد المحروقي الذي كان والده «أحمد المحروقي» قد توفى ~~فجأة في 26 نوفمبر من العام السابق، وأحله خورشيد محل أبيه منذ ديسمبر ~~1804، ثم «أشيع أنه؛ أي خورشيد، عازم على عمل فردة على أهل البلد وطلب أجرة ~~الأملاك بموجب قوائم الفرنساوية»، وكان خورشيد قد أعلن أنه لما كان من المتعذر ~~بتاتا جمع شيء من المال عن طريق الميري؛ أي الضرائب العادية، لدفع مرتبات ~~الجند، فقد وجب أن تبادر العاصمة بمساعدته، فثارت ثائرة القاهريين، وصارت ~~القاهرة في هياج واضطراب شديدين، وأعلن الأهلون أنهم لن يدفعوا أية ضرائب ~~جديدة تفرض عليهم، بل ومنعوا تحصيل شيء من قافلة بن كميرة ووصلت في اليوم ~~نفسه، فامتنع عن خورشيد مورد كان من الممكن أن يفيد منه للخروج من مأزقه، ~~وكان أكثر ما سبب سخط القاهريين أنه عجز عن الإيفاء بشيء من وعوده ~~السابقة أساس الهدنة التي طلبها، والتي كان أهمها تخليص القاهرة من الدلاة ~~وشرورهم. # فقد عرف أن ألفا وخمسمائة من الدلاة، قد عدلوا عن مبارحة البلاد وأعلنوا ~~الثورة على خورشيد الذي لم يوف بتعهداته لهم، واختاروا زعيما لهم كبيرهم «ابن ~~كور عبد الله» أو كور أوغلي، ومعناها «ابن الأعمى» ... «وذهبوا إلى قليوب ~~ودخلوها واستولوا عليها وعلى دورها وربطوا خيولهم على أجرانها وطلبوا من ~~أهلها النفقات والكلف ... وحبسوا حريمهم عن الخروج واستمروا على ذلك حتى أخذوا ~~النساء والبنات والأولاد وصاروا يبيعونهم فيما بينهم»، فكان لذلك أسوأ الأثر ~~في القاهرة، فاستمرت غالب الأسواق مغلقة، ورفض الأهلون فتح دكاكينهم ولم ~~يستجيبوا للمناداة بالأمان، «وقال الناس وأي شيء حصل من الأمان وهو؛ أي ~~خورشيد، يريد سلب الفقراء ويأخذ أجر مساكنهم ويعمل عليهم غرامات، وباتوا في ~~هرج ومرج، فلما أصبح يوم الأحد ثاني عشر» (12 صفر 1220ه/12 مايو 1805م) وقع ~~الانقلاب الذي أوصل «محمد علي» إلى منصب الولاية. # انقلاب «13 مايو 1805» والمناداة بمحمد علي # فقد وجد المشايخ أن الفرصة التي انتظروها ms0295 طويلا قد سنحت أخيرا لمحاسبة ~~خورشيد على فعاله ومطالبته - وبصورة جدية وحاسمة - برفع المظالم التي أن ~~منها الشعب وشكوا منها هم أنفسهم كذلك، وتدبير ذلك الانقلاب الذي بيتوا النية ~~عليه «من أمد طويل » - على حد قول المعاصرين - واشترك فيه محمد علي، بل وكان ~~«بتحريكه» - على حد قول «مسيت» - ذلك أن المشايخ ما لبثوا أن ركبوا في صبيحة ~~ذلك اليوم (12 مايو) إلى بيت القاضي، دار المحكمة أو مجلس الشرع، وكانت مظاهرة ~~كبيرة، احتشد فيها «الكثير من المتعممين والعامة والأطفال» في فناء المحكمة ~~وحولها، يصرخون «شرع الله بيننا وبين هذا الباشا الظالم، ومن الأولاد من يقول ~~يا لطيف، ومنهم من يقول: يا رب يا متجلي أهلك العثمانلي، ومنهم من يقول: حسبنا ~~الله ونعم الوكيل.» # وطلب المشايخ والرؤساء الشعبيون من القاضي «أن يرسل بإحضار المتكلمين في ~~الدولة لمجلس الشرع»؛ أي كبار رجال حكومة خورشيد، حتى يستمعوا لمطالب الشعب ~~ويعملوا على تحقيق العدالة، فحضر سعيد أغا والدفتردار جانم أفندي وآخرون، ~~وأعلن إليهم المشايخ أن أحدا لن يدفع الضريبة التي قررها خورشيد في اليوم ~~السابق (11 مايو) بل إنهم لن يعترفوا بسلطته إلا إذا خضع للشروط التي رأوها ~~كفيلة بإعادة الأمن والهدوء إلى القاهرة وإنهاء مفاسد الجند وشرورهم ووضع حد ~~لمظالم الباشا، واتفق الرأي على كتابة «عرضحال بالمطلوبات»، قال الشيخ ~~الجبرتي: إنهم «ذكروا فيه تعدي طوائف العسكر والإيذاء منهم للناس وإخراجهم من ~~مساكنهم والمظالم والفرد وقبض مال الميري المعجل وحق طرق المباشرين ومصادرة ~~الناس بالدعاوى الكاذبة وغير ذلك». # وأما هذا «العرضحال» الذي أوجز الشيخ الجبرتي ما جاء به من مطالب فيما تقدم، ~~فقد ذكره الوكلاء الفرنسيون في نشرتهم المؤرخة في 20 مايو كما سجلوا أهم ~~بنوده، وذكرها كذلك «فنشنتزو تابرنا» - نيابة عن «مسيت» لمرضه - في رسالته إلى ~~السير جون ستيوارت من الإسكندرية في 19 يوليو، وكانت هذه البنود الهامة ~~ستا، أولا: عدم إقامة أية قوات في المستقبل سواء من الأرنئود أم من غيرهم، ~~وانتقال الحامية الحالية إلى الجيزة، ثانيا: عدم السماح للجند «من الأرنئود ms0296 ~~وغيرهم» عدا الحراس والحفظة بدخول القاهرة بسلاحهم، ثالثا: أن يكون مكان ~~الحانات والمحال المعدة للترفيه عن الجند بجزيرة الروضة، رابعا: أن يمتنع فرض ~~أية إتاوات على المدينة «وفي رواية تابرنا، على البلاد»، خامسا: إعادة ~~المواصلات مع الصعيد ، سادسا: إمداد قوافل مكة بالحراسة اللازمة. # ويستطرد الوكلاء الفرنسيون فيقولون: «وأما بقية الشروط فثانوية، تتعلق ~~بالوسائل التي يجب اتخاذها للتهدئة ولتأمين الأفراد في القاهرة وفي الريف على ~~سلامتهم»، ويقول «تابرنا» في رسالته السالفة الذكر بصدد هذه الشروط: إن «محمد ~~علي» بعد أن جذب إليه المشايخ وحرك القاهريين على حمل السلاح، قد جعلهم يطلبون ~~من خورشيد باشا هذه الشروط التي كان يدرك تماما أنها غير مقبولة، ويبدو أن ~~«تابرنا» بالرغم من وجوده مع «دروفتي» في أثناء هذه الحوادث بالإسكندرية، كان ~~واقفا على حقيقة ما يجري في القاهرة بسبب وجود الوكلاء الفرنسيين بها وخصوصا ~~«مانجان»، وقد كان معروفا لهؤلاء منذ بداية الحوادث الأخيرة أن «محمد علي» هو ~~المحرك لها، وأن غرضه كان الوصول إلى الولاية وعزل خورشيد باشا منها، يدل على ~~ذلك أن «دروفتي» بعد حادث يوم 10 مايو وإطلاق سراح خورشيد، كتب من الإسكندرية ~~إلى «باراندييه» Parandier # القائم بأعمال ~~السفارة الفرنسية بالقسطنطينية في 16 مايو يقول: «ولو أن خورشيد قد نجا ~~بطلوعه إلى القلعة، فليس هناك ما يدل على أنه سوف يستطيع البقاء في حكومة مصر، ~~وأنه؛ أي دروفتي قد رأى من واجبه أن يصدر تعليماته إلى الوكيل الفرنسي في ~~القاهرة «مانجان» يشير عليه فيها بالخطوة التي يجب أن يتخذها مع محمد علي، وهي ~~أن يوصيه كل التوصية بالابتعاد عن كل مسلك أو إجراء يستلفت الأنظار، ومن شأنه ~~أن يصدم عمال الباب العالي؛ أي الموظفين العثمانيين في مصر، حيث تتحد علاوة ~~على ذلك مصالح فرنسا مع مصالح الباب العالي نفسه فيما يتعلق بمنع الإنجليز من ~~أن يكون لهم أي نفوذ في حكومة مصر.» # وكان السبب في ذكر هذه العبارة الأخيرة أن «أنصار المماليك» صاروا يشيعون منذ ~~انسحاب محمد علي من الصعيد أنه يعمل بالاتفاق ms0297 مع البكوات، كما كان الألفي حليف ~~الإنجليز قريبا من القاهرة يرقب سير الحوادث؛ حيث «حضر ومن معه من أمرائه ~~وعربانه وانتشروا جهة الجيزة واستقر هو بالمنصورة قرب الأهرام، وانتشر أتباعه ~~إلى الجسر الأسود، وأرسل مكاتبة إلى السيد عمر أفندي والشيخ الشرقاوي ومحمد ~~علي باشا يطلب له جهة يستقر فيها هو وأتباعه، فكتبوا له بأن يختار له جهة ~~يرتاح فيها ويتأنى حتى تسكن الفتنة القائمة» بالقاهرة، فخشي «دروفتي» أن يكون ~~هناك اتفاق بينه وبين محمد علي، ولو أنه رفض أن يصدق رضاء الأخير باقتسامه ~~السلطة معه، وفضلا عن ذلك فقد أوصى «دروفتي» الوكيل الفرنسي «مانجان» ~~بالقاهرة في رسالة بعث بها إليه في اليوم نفسه (16 مايو) بأن يسعى جهده لكسب ~~صداقة محمد علي، مع عدم نسيانه في الوقت نفسه اتخاذ قدر كبير من الحيطة والحذر ~~في سعيه «حيث إنه قد أتيحت الفرصة «لفرنسا» منذ حدوث الثورة الأخيرة في ~~الديوان العثماني؛ أي سقوط الوزارة؛ لأن يتجدد رجاؤها في استعادة علاقاتها ~~الودية القديمة وتفاهمها مع الباب العالي، وذلك أنه يبدو «لدروفتي» أن «محمد ~~علي» بسبب ما اتخذه من خطوات أخيرا إنما يريد الظفر بباشوية مصر، كما يبدو له ~~أنه يريد الاستحواذ على السلطة برضاء المشايخ والشعب، بل ومن المحقق بسبب ~~هذا المسلك أنه إنما يبغي أن يجعل الباب العالي يقبل بالضرورة - إعطاءه دون أي ~~مقابل - منصبا اقتحمه اقتحاما.» # وأما عرضحال المشايخ فقد رفع إلى خورشيد في اليوم نفسه (12 مايو) ورأى خورشيد ~~لأسباب ظاهرة أنه يستحيل عليه تنفيذ ما تضمنه من شروط، ولما كان عمر مكرم ~~في طليعة من أيدوها، واعتقد خورشيد أن في وسعه تحريك العامة ضده إذا هو رفضها؛ ~~فقد قرر التخلص منه ومن سائر رؤساء هذه الحركة الشعبية وبعث يدعوه من الغد مع ~~القاضي والمشايخ ليعمل معهم مشورة، ولكن أحدا منهم لم يجد من الحكمة قبول هذه ~~الدعوة؛ خوفا من غدره بهم، ثم ما لبثت أن تأكدت ظنونهم عندما «حضر بعد ذلك ~~من أخبرهم أنه كان أعد أشخاصا لاغتيالهم في ms0298 الطريق وينسب ذلك الفعل لأوباش ~~العسكر فيما لو عوتب بعد ذلك». # وفضلا عن ذلك فإنه لم يكن في نية أحد من أصحاب هذه العريضة - وبالرغم من ~~تحريرها وتقديمها - الاتفاق أو التفاهم مع خورشيد، بل كثر اللغط والكلام عقب ~~الفراغ من إعدادها مباشرة بين القاضي والمشايخ والوجاقلية في موضوع واحد هو ~~عزل خورشيد باشا والمناداة بولاية محمد علي، كما دار الكلام في ذلك بين أفراد ~~الشعب نفسه. # وعلى ذلك، فإنه لما لم يجب أحد دعوة خورشيد، فقد أعلن هذا الأخير في ~~صبيحة اليوم التالي (13 مايو) رفضه لشروط المشايخ وعريضتهم، فبادر المشايخ من ~~فورهم بالاجتماع في بيت القاضي، واحتشدت الجماهير كعادتها، ولكنها منعت من ~~الدخول «وحضر إليهم سعيد أغا والجماعة»، وأصر عمر مكرم على خلع خورشيد وعزله، ~~ولما كان القاهريون يرجون من أي تغيير يحدث زوال بعض ما كانوا يعانونه من ~~مظالم وتخفيف بعض الأعباء التي أبهظت كواهلهم، فقد تعالت صيحات الجماهير ~~المحتشدة بعزله؛ لجوره وظلمه، فقر الرأي على طرد خورشيد من الولاية وتولية ~~محمد على مكانه، وقصد المجتمعون إلى محمد علي في داره. # ويصف الشيخ الجبرتي ما وقع بين محمد علي وبين المشايخ الذين «قالوا له: إنا ~~لا نريد هذا الباشا حاكما علينا ولا بد من عزله من الولاية فلما سألهم: ومن ~~تريدونه يكون واليا؟ قالوا له: لا نرضى إلا بك، وتكون واليا علينا بشروطنا؛ ~~لما نتوسمه فيك من العدالة والخير، فامتنع أولا ثم رضي، وأحضروا له كركا ~~وعليه قفطان، وقام إليه السيد عمر والشيخ الشرقاوي فألبساه له وذلك وقت العصر، ~~ونادوا بذلك في تلك الليلة في المدينة.» # وكانت الشروط التي قبلها محمد علي هي نفسها التي رفضها خورشيد، والتي جعلهم ~~محمد علي يطلبونها منه، وهو يعرف أن خورشيد لن يقبلها لاستحالة تنفيذها لعدم ~~وجود المال لديه لدفع مرتبات الجند، وحملهم بذلك على الامتثال لأوامره، وإعادة ~~الأمن والسلام إلى القاهرة بإبعادهم منها، علاوة على عجزه عن إخراجهم لهذا ~~السبب نفسه - عدم دفع المرتبات - لقتال المماليك وفتح المواصلات مع ~~الصعيد. # وفي ms0299 رسالة «مسيت» إلى حكومته في 18 يونيو من الإسكندرية يذكر مسألة هذه ~~الشروط التي قبلها محمد علي فيقول: إن المشايخ وأعيان القاهرة صمموا قبل رفع ~~محمد علي إلى منصب الولاية أن يوقع على تصريح أو إعلام # Declaration # يتضمن نفس الشروط التي سبق ذكرها، والتي ذكر منها ~~«مسيت» على وجه التحديد في هذا التصريح أو الإعلام عدم السماح للجنود ما عدا ~~الشرطة بدخول القاهرة بسلاحهم «وعدم فرض أية إتاوات غير قانونية في أي جزء من ~~أجزاء مصر»، بينما تضمن المنشور - أو الإعلام - مواد أخرى أقل أهمية ولكن ~~غرضها جميعها ضمان أمن الأهلين وسلامتهم. # وأبلغ المشايخ الخبر إلى خورشيد، ولكنه أعلن تصميمه على التمسك بمنصبه؛ لأنه ~~«مولى من طرف السلطان» - كما قال - فلا يعزل «بأمر الفلاحين»، وصح عزمه ~~على المقاومة، معتمدا على ما لديه من قوات في القلعة التي بادر بحمل المؤن ~~إليها، ومؤملا خيرا فيما هو واقع من انقسام في صفوف الأرنئود أنفسهم ~~ومناصرة فريق منهم له، عاقدا آمالا كبارا في الوقت نفسه على ما قد تسفر ~~عنه جهوده التي صار يبذلها بنشاط لاستنهاض همة البكوات المماليك لنجدته من ~~ناحية، ولإقناع الباب العالي بتأييده من ناحية أخرى. # ولقد كان خورشيد مخدوعا في كل ذلك، ولم يلبث أن وجد نفسه محاصرا في القلعة، ~~حقيقة كان لديه ألف وخمسمائة جندي بها بقيادة بعض رؤساء الأرنئود من الذين ~~انحازوا إليه؛ كصالح أغا قوش وعمر بك الأرنئودي الذي غادر مسكنه في بولاق في ~~14 مايو «وطلع عند الباشا بالقلعة»، وذلك بينما كان حسن باشا الزعيم ~~الأرنئودي الآخر وزميل محمد علي ومؤيده في خطواته إجمالا منذ حضورهما معا من ~~المنيا؛ قد أظهر ميلا الآن للتمسك بموقف الحياد في النزاع القائم، ثم لم تلبث ~~أن قويت الشائعات عن وجود تفاهم سري بينه وبين خورشيد، واستدعى خورشيد ~~سلحداره «علي باشا» بجنده من المنيا، ثم شرع يتفاوض مع بكوات الألفي ومماليكه ~~القريبين من أهرام الجيزة، واعتمد على إقناع البرديسي وإبراهيم وعثمان حسن ~~بنجدته، وكان هؤلاء قد تركوا مراكزهم في ms0300 الصعيد للزحف على القاهرة منذ أن ~~علموا باضطراب الأحوال بها، وبدأ مساعيه بالقسطنطينية لتثبيته في الولاية، ~~واتصل «بمسيت» يرجو أن يوصي بمسألته السفير الإنجليزي بالقسطنطينية، وكتب ~~«مسيت» للورد كامدن في 28 مايو «أن الفوائد المنتظرة من تأييد «خورشيد» في ~~الولاية بفضل النفوذ الإنجليزي وتدخلهم ظاهرة»، وكتب خورشيد للدلاة في ~~القليوبية يدعوهم للحضور، وأن واجب الولاء يقتضيهم «معاونته؛ صيانة لعرض ~~السلطنة وإقامة لناموسها وناموس الدين، وأن الفلاحين يحاصرونه ومانعون عنه ~~الأكل والشرب»، وأرسل هؤلاء كتابة إلى محمد علي، ولكن كل هذه الجهود التي ~~بذلها خورشيد لاستبقاء ولايته كانت جهودا فاشلة. # وكان محمد علي في الأيام الأولى يشعر بأن مركزه غير موطد طالما تمسك خورشيد ~~ممثل السلطان الشرعي في البلاد بمنصبه، وأزعجه كثيرا تحرك البكوات المماليك، ~~أولئك المنتشرون منهم بالوجه البحري في الجيزة، ثم في دمنهور وطرانة حيث اتخذ ~~الألفي بها مقره بعد ذلك، ثم أولئك الزاحفون من الصعيد، الذين سرعان ما وصلوا ~~- بعد قليل - إلى منفلوط ومن المنتظر استمرار زحفهم إلى القاهرة، أضف إلى هذا ~~تحرك العسكر الذين أخذوا يطالبونه بمرتباتهم، في الوقت الذي انحازت فيه طائفة ~~منهم مع رؤسائهم إلى خورشيد، وخشي محمد علي انضمام حسن باشا إليه كذلك، زد على ~~ذلك أنه لم يكن هناك معدى عن تسليح الأهلين للدفاع عن أنفسهم ضد الأرنئود ~~الذين بدأت طائفة منهم بتحريض من زملائهم مع خورشيد اعتداءاتها على الأهلين، ~~ولأن الباشا المخلوع كان مصمما على التحصن بالقلعة ويعقد العزم على استرجاع ~~ولايته المفقودة، وأدرك محمد علي أنه إذا استمر تسليح الشعب طويلا، سرعان ما ~~يصبح عامل فوضى وانحلال يهدم سلطته هو نفسه بدلا من تدعيمها؛ ولذلك فقد وجب ~~عليه للخلاص من كل هذه المخاطر أن يصل بكل سرعة لحسم الموقف الذي أوجده عناد ~~خورشيد بحمل هذا الأخير بطريق التفاهم والتراضي على الاعتراف بالوضع الجديد ~~اعترافا كاملا صريحا أو على الأقل التسليم بالأمر الواقع، والتزام الحياد ~~حتى يأتي إقرار الباب العالي - كعادته - بهذا الأمر الواقع. # ولذلك فقد رأى أن يوسط المشايخ في محاولة ms0301 إقناع خورشيد بترك العناد، وبدأت ~~أولى هذه المحاولات من اللحظة التي عرف فيها إصراره على التمسك بولايته، فكتب ~~المشايخ ومحمد علي إلى رئيسي الأرنئود المعضدين لخورشيد: صالح قوش وعمر بك ~~«يذكرون لهما ما اجتمع عليه رأي الجمهور» من عزل خورشيد، وأن الواجب يقتضيهما ~~عدم المخالفة والعناد «لما يترتب على ذلك من الفساد العظيم وخراب الإقليم»، ~~ولما كان صالح قوش وعمر بك قد طلبا أن يريا «سندا شرعيا في ذلك» فقد اجتمع ~~المشايخ ببيت القاضي في 16 مايو «ونظموا سؤالا وكتب عليه المفتون»: يثبتون ~~الأسباب التي دفعتهم إلى توجيه الثورة ضد خورشيد، ووقعوه وصدق عليه القاضي، ~~ولكن عمر بك وصالح قوش ومن معهما من سائر الرؤساء الأرنئود بالقلعة «لم ~~يتعقلوا ذلك» وطعنوا في قانونية هذا الإعلام أو السند الشرعي. # وأصر خورشيد على عدم النزول من القلعة «حتى يأتيه أمر من السلطان الذي ولاه»، ~~وطلب من المشايخ تدبير المرتبات المتأخرة للجند الذين هم معه والتكفل بنفقاتهم ~~«إلى حين حضور جواب من الدولة» يحسم الخلاف القائم، وأبلغه المشايخ من جانبهم ~~أن «نحو الأربعين ألف نفس قد حضروا يوم تاريخه بالمحكمة وطالبون نزوله أو ~~محاربته وأنهم لا يمكنهم دفع قيام هذا الجمهور»، وأنذروه بأن هذا آخر ~~المراسلات بينهم وبينه، وبعث المشايخ بالإعلام الذي كانوا قد أعدوه إلى ~~القسطنطينية لتأييد قضيتهم ضد خورشيد باشا وتبرير عزله وتولية محمد علي، ومنذ ~~19 مايو 1805 بدأ الأخير في حصار القلعة جديا «واجتهد السيد عمر أفندي ~~النقيب وحرض الناس على الاجتماع والاستعداد». # وحاول محمد علي إقناع خورشيد بتسليم القلعة دون حاجة لاستخدام القوة، ولكن ~~هذا الأخير - على نحو ما أبلغ «مانجان» وكيل القومسييرية الفرنسية بالقاهرة ~~«دروفتي» بالإسكندرية في 20 مايو - «أعلن أنه لن ينزل من القلعة إلا بالشروط ~~الآتية وهي: أولا: عدم مطالبته بتقديم أية حسابات، ثانيا: الإقامة في سلام ~~وأمن، بعد نزوله من القلعة، في بيت حسن باشا، ثالثا: وضع ما يلزم من سفن ومؤن ~~ضرورية تحت أمره للذهاب إلى الإسكندرية»، ولكن المشايخ والرؤساء الشعبيين ما ~~لبثوا ms0302 أن رفضوا بالإجماع الشرط الأول بالرغم من استعداد محمد علي لقبوله؛ ~~لأنهم أرادوا معرفة الوجوه التي أنفقت فيها الأموال التي جمعت من القاهرة ~~وحواليها، واستعد كل فريق للكفاح، وجرت الاستعدادات لمهاجمة القلعة التي أغلقت ~~أبوابها، واقترح علي باشا سلحدار خورشيد - الذي كان قد حضر من المنيا - أن ~~يعود إليها لإحضار جنده الباقين بها، كما دعا المشايخ القاهريين للتسلح ليلا ~~ونهارا وصاروا يطلبون من محمد علي إنهاء هذه المسألة بسرعة - واستطرد ~~«مانجان» يقول - «إن ططريا كما يقال - قد ذهب إلى القسطنطينية برسائل من ~~المشايخ وعلماء القاهرة تطلب عزل خورشيد باشا وتثبيت محمد علي في باشوية ~~مصر.» # وحاصر عدد عظيم من القاهريين المسلحين والأرنئود القلعة، وأقاموا التحصينات، ~~وأطلقت النيران من على الأسطح ومنارات الجوامع لإزعاج حامية القلعة، وثارت ~~حمية السكان، فاستبد الحماس بالشيوخ كبار السن والأطفال واشترك الأغنياء إلى ~~جنب الفقراء، «والكل بالأسلحة والعصي والنبابيت ولازموا السهر بالليل في ~~الشوارع والحارات»، ولما كان القاهريون لم ينسوا بعد فعال الأرنئود السيئة فقد ~~صار يخشى من أن ينقلب حماس الشعب ضدهم وتحطيم جهود محمد علي والمشايخ، ونزل ~~الأخيرون إلى الشوارع لتهدئة الجماهير الصاخبة المتحمسة، وبذل محمد علي ~~مجهودا آخر مع خورشيد، ولاحت الفرصة لإنهاء الأزمة وديا عندما توصل إلى ~~اتفاق معه لتسليم القلعة سلما، وتبودلت الرهائن بين الفريقين ضمانا لتنفيذ ~~هذا الاتفاق في 22 مايو. # ولكن خورشيد سرعان ما غير رأيه فجأة في اللحظة الأخيرة وعدل عن النزول دون ~~سبب ظاهر، وأعلن تصميمه على البقاء بها حتى يرجع الرسل الذين ذهبوا إلى ~~القسطنطينية برأي الباب العالي القاطع الأمر الذي كان لا يريده محمد علي عندما ~~كان ظاهرا أن من صالحه التعجيل في سير الحوادث ووضع الباب العالي أمام الأمر ~~الواقع إذا سلم خورشيد وعدل عن عناده، فاستمر الحصار ورفعت المدافع إلى جبل ~~المقطم لضرب القلعة، واعتمد محمد علي في نشاطه على مؤازرة المشايخ وقادته له ~~وخصوصا السيد عمر مكرم الذي تولى تدبير المقاومة الشعبية والإشراف عليها ~~وتوجيهها. # وكان السيد عمر مكرم بفضل ما أوتيه ms0303 من جرأة وشجاعة وقتئذ أعظم نفوذا على ~~القاهريين من سائر الرؤساء والمشايخ، واستطاع الشعب - أو العامة، أو الرعية، ~~أو الجمهور على حد تعبير الجبرتي - أن يقوم بالمهمة التي عهد بها إليه على خير ~~وجه، من حيث المحافظة على الأمن ودفع اعتداءات الجند على القاهريين بل ~~والانتقام لأنفسهم من الأرنئود، ومنع الجند المحاصرين بالقلعة من الخروج، وقال ~~الوكلاء الفرنسيون إن السكان أنفسهم صاروا يقومون كل ليلة بالحراسة على نحو ما ~~كان يحدث في باريس وغيرها من المدن والقرى أيام الثورة الفرنسية الكبرى، كما ~~قالوا: إن الناس يهرعون كذلك لشراء السلاح ويحذو في هذا الصغار حذو الكبار، ~~ويقيمون المتاريس في الشوارع، وقد قدر هؤلاء عدد السكان المسلحين الذين ~~اشتركوا في هذه الحوادث بأربعين ألفا قالوا عنهم إنهم يطيعون السيد عمر مكرم ~~طاعة عمياء وينفذون أوامره بحذافيرها، حتى إن عمر مكرم صار يعتبره الجميع زعيم ~~القاهرة بأسرها، ولو أن «مسيت» - كما كتب بعد ذلك في 2 يوليو 1805 - كان ~~يعزو ترؤس عمر مكرم لهذه الحركة بفضل ما لديه من نفوذ عظيم على القاهريين، إلى ~~وعد أعطي له بنهب القلعة وأخذ أسلابها عند سقوطها مكافأة له على ~~جهوده. # ثم لاحت فرصة أخرى لتسليم القلعة وديا عندما تدخل حسن باشا لحسم الخلاف بين ~~خورشيد ومحمد علي، وكان حسن باشا «ومن معه من الأرنئود يراعون من بالقلعة من ~~أجناسهم؛ لأن غالبهم منهم»، وأراد الآن التدخل للوصول إلى حل يراعي فيه صالح ~~خورشيد، وكان محمد علي - من جهته - يتوق لإنهاء النزاع وديا ودون حاجة ~~إلى قتاله حتى لا يبدو في صورة الثائر على ممثل صاحب السيادة الشرعية، والباشا ~~الذي كان تقليده قائما من الناحية القانونية، بينما لم يكن في وسع محمد علي ~~أن يقطع برأي فيما إذا كان الباب العالي سيستجيب لإرادة المشايخ والعلماء ~~والرعية فيعزل خورشيد من الولاية، أو أنه سوف لا يقر هذه الرغبة ويعترف بها ~~ويعتبر لذلك «محمد علي» عاصيا وخارجا على القانون، فصار مما يهمه إذن وقد ~~خطا خطوته الكبرى نحو الولاية أن ms0304 لا يتجدد الآن ذلك الموقف الذي أظهره بمظهر ~~التمرد والعصيان لأوامر الباب العالي عند مقتل علي باشا الجزائرلي، أضف إلى ~~هذا أنه لم يكن مطمئنا كل الاطمئنان إلى متانة مركزه من الناحية العسكرية ~~للانقسام بين الأرنئود - على نحو ما سبق ذكره - وتحريض الفريق المنضم لخورشيد ~~بالقلعة للفريق الآخر، وصعوبة كبح جماح الأرنئود الذين بالمدينة والذين صاروا ~~يعتدون على أهلها ويلتحم معهم القاهريون من وقت إلى آخر، وكان الدلاة علاوة ~~على ذلك لا يزالون منتشرين في الجهات القريبة من القاهرة، بل ولا يزال بعضهم ~~موجودين بالعاصمة، كما كان البكوات المماليك لا يزالون قادرين على القتال وفي ~~وسعهم - إذا اتحدوا وجمعوا صفوفهم - الانتصار على جنده. # وعلى ذلك فقد بعث حسن باشا بأخيه عابدي بك لمقابلة خورشيد (24 مايو)، الذي ~~احتجزه رهينة بالقلعة، بينما أرسل من جانبه عمر بك الأرنئودي للمباحثة ~~والمفاوضة، «وأمروا برفع المتاريس وتفرق من بها وأشيع نزول «خورشيد» من الغد، ~~وبات الناس على ذلك تلك الليلة وهم ما هم عليه من التجمع والسروح والحيرة»، ~~وفي 25 مايو قابل عمر بك السيد عمر مكرم، فوقعت بينهما «مناقشة في الكلام ~~طويلة»، تقررت في أثنائها مبادئ على جانب كبير من الأهمية في تاريخ الفكر ~~السياسي في مصر من حيث إنها أفرغت النتائج الواقعية لحادث خلع خورشيد ~~والمناداة بمحمد علي في «نظرية سياسية» محدودة المعالم هي حق الشعب في عزل ~~حكامه إذا أساءوا الحكم أو بعبارة أخرى، الأخذ بمبدأ استقرار السيادة العليا ~~في الشعب نفسه. # وتفصيل ذلك أن عمر بك حاول إقناع عمر مكرم بأن المباحثة في عزل والي أو حاكم ~~عينه السلطان مسألة لا تدخل في نطاق سلطة الشعب - أو الرعية أو العامة ~~أو الجمهور - وحقوقه، ومن شأنه إلغاء القانون الأساسي والسياسي الذي قامت عليه ~~الدولة التي مصر إحدى مقاطعاتها وولاياتها، كما أنه يتعارض مع مبادئ الشرع ~~الحنيف؛ حيث قال الله في كتابه الحكيم: # أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ~~، فكان جواب ~~عمر مكرم أن أولي الأمر في هذه الآية الكريمة إنما ms0305 المقصود بهم «العلماء، ~~وحملة الشريعة، والسلطان العادل» الذي يسهر على تنفيذ أحكام الشريعة بتطبيق ~~القوانين العادلة، وقد جرى العرف حسب التقاليد القديمة على أن يخضع لكلمة ~~الشعب الأمراء من أصغر صغير إلى أكبر كبير فيهم بما في ذلك الخلفاء والسلاطين ~~أنفسهم إذا اتضح أنهم لا يستحقون شرف الحكومة على رعاياهم وفي استطاعة الشعب ~~عزلهم واستبدال غيرهم بهم، وخلص من ذلك إلى أنه لما كان خورشيد طاغية مستبدا ~~وحاكما ظالما فقد وجب عزله ومن حق الشعب أن يعزله. # فلما حاول عمر بك إقامة الحجة على أنه لا يجوز شرعا محاصرة قلعة حاميتها من ~~المسلمين، وأنه لا يجوز تجويعهم وقتالهم لأنهم ليسوا «كفرة»، أجاب عمر مكرم ~~بأن حصارهم وتجويعهم وقتالهم جائز شرعا ما دام قد أعلن عن رجال الشرع أنهم ~~عصاة «وقد أفتى العلماء والقاضي» بجواز قتال «جماعة خورشيد» ومحاربتهم لأنهم ~~عصاة، فقال عمر بك: «إن القاضي هذا كافر، فقال «عمر مكرم»: إذا كان قاضيكم ~~كافرا فكيف بكم وحاشاه الله من ذلك، إنه رجل شرعي لا يميل عن الحق»، وانفض ~~المجلس. # وكان ذلك قولا جديدا. # وعبثا حاول الشيخ السادات كذلك إقناع مندوب خورشيد بعد أن «خاطبه في مثل ذلك ~~فلم يتحول عن الخلاف والعناد»، واستمر «اجتماع الناس وسهرهم وطوافهم بالليل ~~واتخاذهم الأسلحة والنبابيت حتى إن الفقير من العامة كان يبيع ملبوسه أو ~~يستدين ويشتري به سلاحا»، فرجع عمر بك إلى القلعة في 28 مايو وعاد عابدي بك ~~إلى أخيه حسن باشا، واستؤنف الحصار بشدة، وفقد خورشيد الأمل في تأييد الدلاة ~~له عندما حضر كبارهم إلى القاهرة يقدمون ولاءهم لمحمد علي الذي رحب بهم ~~«وخلع عليهم خلعا وكساوى» في 9 يونيو وبعث بهم لمحاربة الألفي، ولو أنهم ~~تركوا القليوبية حتى يسطوا على البلاد والقرى المجاورة «يأخذون الكلف وينهبون ~~ويقتلون ... ولم يذهبوا إلى ما وجهوا إليه». # وتجدد أمل خورشيد عندما حضر سلحداره علي باشا من المنيا بجنده بعد أن ترك ~~بها حامية صغيرة، فاستولى على الجيزة وأدخل بعض المؤن إلى القلعة، فزاد نشاط ~~خورشيد، ms0306 وتبادل الفريقان - فريقا خورشيد ومحمد علي - إطلاق المدافع، ولقي محمد ~~علي بعض الصعوبات في أثناء نضاله، وكان مبعثها اشتراط رجال مدفعيته في ميدان ~~الرميلة لاستمرارهم في الضرب أن يدفع لهم مرتباتهم المتأخرة، «وتركوا المتاريس ~~التي حوالي القلعة فتفرقوا وذهبوا»، وأنقذ الموقف «جماعة من الرعية الذين ~~تترسوا في مواضعهم» (4 يونيو) - واستدان محمد علي مبلغا من المال من أحد ~~التجار الفرنسيين دفع لهم منه مرتباتهم، أضف إلى هذا استمرار وقوع اعتداءات ~~الجند على الأهالي، والتحام القاهريين معهم؛ دفاعا عن أنفسهم، وحصول مصادمات ~~ومعارك بين جماعات الجند أنفسهم، حتى «اختلطت القضية واشتبه أمرها على أهل ~~البلد فلا يعرف كلا الفريقين الصاحب من العدو، فتارة يتشابك العسكر مع أهل ~~البلد وكذلك أهل البلد معهم، وتارة تتشابك فرقة منهم مع الكائنين بالقلعة، ~~وتارة الفريقان يساعد بعضهم بعضا». # وحاول خورشيد تدبير مكيدة بالاشتراك مع سلحداره لإخماد المقاومة الأهلية ~~وانتزاع المتاريس من أيدي القاهريين، وطلب بعض رجال السلحدار من عمر مكرم أن ~~يفسح لهم طريقا إلى القلعة بدعوى الرغبة في التوسط لإنهاء الأزمة، ولكن عمر ~~مكرم علم بالمكيدة في الوقت المناسب، وخرج «حجاج الخضري ومن معه من أهالي ~~الرميلة» لمقابلة القوة التي رأسها السلحدار مع قافلة كبيرة من الجمال التي ~~تحمل الذخيرة إلى القلعة، «فضربوهم وحاربوهم» وقتلوا وأسروا عددا منهم ~~واستولوا على جمالهم. # واستمر الضرب بين الفريقين، ولكن تكرر اشتباك القاهريين مع الجند واهتمامهم ~~بدفع أذى هؤلاء عنهم، جعل الحصار المضروب على القلعة ضعيفا، وأمكن إمدادها ~~بالماء والمؤن والذخائر، وحاول محمد علي والسيد عمر مكرم وقف اعتداءات الجند ~~حتى يمكن التفرغ لحصار القلعة ومهاجمتها، فأعلن محمد علي أن كل جندي يقبض عليه ~~معتديا على أحد من الأهلين يضرب عنقه فورا، وزيد عدد المدافع المصوبة إلى ~~القلعة. # نزول خورشيد # وكان في أثناء ذلك أن وصل إلى الإسكندرية في 24 يونيو مندوب من السلطان ~~سليم قال «مسيت» إنه أوفده «لإنهاء الانقسامات الداخلية في مصر»، كما قال إن ~~جماعة من أتباع هذا المندوب - القابجي باشي صالح أغا - قد اجتمعوا ms0307 به للتشاور ~~معه بشأن «الثورات» التي حدثت في الماضي من جهة، وبشأن الموقف الراهن من جهة ~~أخرى، وبلغ الخبر القاهرة في 28 يونيو وأذيع أن «على يده جوابات بالراحة» ~~ويحمل أوامر في صالح القاهريين الثائرين على خورشيد، «فحصلت ضجة في الناس ~~وفرحوا ورمحوا بطول ذلك اليوم وعملوا شنكا تلك الليلة ... ورموا صواريخ في سائر ~~النواحي وضربوا بنادق وقرابين بالأزبكية وخارج باب الفتوح وباب النصر والمدافع ~~التي على أبراج الأبواب». # وخيل إلى خورشيد بالقلعة وسلحداره علي باشا بمصر القديمة «أن العساكر الذين ~~في قلوبهم مرض تحاربوا مع أهل البلد»، وحاول الاثنان مهاجمة القاهرة فأنزل ~~خورشيد جندا من القلعة وبعث علي باشا جندا آخرين من مصر القديمة لهذه ~~الغاية، ولكن القاهريين وعلى رأسهم «حجاج الخضري وأهل الرميلة» هبوا لمحاربتهم ~~مع «من معهم من عسكر محمد علي»، واشتد ضرب مدافع القلعة تجاوبها مدفعية محمد ~~علي، وساهم عمر مكرم بقسط وافر من الإشراف على نشاط الأهلين، وانجلت المعركة ~~عن هزيمة جند خورشيد وسلحداره. # وأما القابجي باشي وسلحدار الصدر الأعظم الذي جاء معه من القسطنطينية، فقد ~~اضطرا إلى التوقف بعض الوقت في رشيد خوفا من الوقوع في أيدي المماليك ~~والعربان والدلاة كذلك المنتشرين في الوجه البحري، وفي أول يوليو أرسل محمد ~~علي والمشايخ والأعيان وفدا لاستقباله وملازمته مع طائفة من العسكر ~~«لخفارته»، ودخل صالح أغا القاهرة في 9 يوليو، وفي اليوم نفسه وفي بيت محمد ~~علي باشا قرئ «المرسوم الذي معه ومضمون الخطاب لمحمد علي باشا والي جدة سابقا ~~ووالي مصر حاليا من ابتداء عشرين ربيع أول 1220ه/18 مايو 1805م؛ حيث رضي ~~بذلك العلماء والرعية، وأن أحمد باشا «خورشيد» معزول عن مصر، وأن يتوجه إلى ~~الإسكندرية بالإعزاز والإكرام حتى يأتيه الأمر بالتوجه إلى بعض ~~الولايات.» # ويفسر «مسيت» ما حدث بقوله في رسالته إلى «كامدن» من الإسكندرية في 23 ~~يوليو، «إن صالح أغا كان يحمل فرمانين مختلفين: أحدهما في صالح خورشيد باشا ~~والآخر في صالح محمد علي، وكان عليه أن يبرز الفرمان الذي يتلاءم مع الظروف ms0308 ~~التي يجدها، ولكن «صالح أغا» أسرع بالذهاب إلى القاهرة ولذلك وضع نفسه هناك ~~تحت سلطان محمد علي والأهالي الذين كان خمسة عشر ألفا منهم مسلحين بالبنادق، ~~وضعف هذا العدد مسلحا بالنبابيت، فلم يستطع «صالح أغا» عدم التحيز في مسلكه ~~حتى إذا كان هو نفسه يميل إلى ذلك، وبناء عليه فقد سلم إلى ديوان القاهرة ~~فرمانا يثبت بمقتضاه عزل الباب العالي لخورشيد باشا وتعيين محمد علي لولاية ~~مصر.» # وشرح «روفان» # Ruffin # من رجال السفارة ~~الفرنسية بالقسطنطينية مسألة هذين الفرمانين المختلفين في رسالة له إلى ~~«تاليران» في 22 يونيو، فقال: «إن «القابجي» الذي أوفد إلى مصر قد أرسل في ~~مهمة خاصة ولديه مراسيم تقليد لحكومة مصر، وهو مكلف بالنظر فيما إذا كان ~~خورشيد باشا أو محمد علي صاحب القدح المعلى والسلطة والنفوذ في مصر، وعليه ~~أن يعطي التقليد - أو الباشوية - للأقوى منهما.» # وفي 11 يوليو أرسلت صورة من «المكاتبة الواردة مع صالح أغا» إلى خورشيد، ~~ولكنه رفض الإذعان بدعوى أنه مقلد بمقتضى «خطوط شريفة» من السلطان وليس مجرد ~~مرسوم وأنه لا ينعزل «بورقة مثل هذه»، ثم طلب مقابلة القابجي باشي وسلحدار ~~الصدر الأعظم للمباحثة معهما، ولكن المشايخ «ومحمد علي» رفضوا طلوعهما إليه، ~~ومع ذلك فقد أوقف خورشيد الضرب من القلعة مؤقتا، وخفف محمد علي والمشايخ من ~~جانبهم شيئا من صرامة الحصار المضروب على القلعة، حتى قام بين الفريقين نوع ~~من الهدنة، كان سببها من ناحية خورشيد أنه عول على انتظار ما تسفر عنه مساعي ~~سلحداره علي باشا مع البكوات الذين كان قد بدأ خورشيد صلاته بهم منذ مدة على ~~نحو ما سبق ذكره، وكان سببها من ناحية المشايخ أن هؤلاء ما لبثوا أن ضجوا من ~~انتشار الفوضى والفتن بالقاهرة عندما تعود عدد كبير من الأهلين بسبب الحوادث ~~الأخيرة ملازمة الشوارع والميادين العامة والانصراف عن أعمالهم ومزاولة ~~حرفهم، وكثرت المشاحنات بينهم وبين العسكر، واعتقد المشايخ أن بوسعهم ~~الاطمئنان إلى أن السلام سوف ينشر لواءه نتيجة للأوامر الواردة من الباب ~~العالي، فأرادوا إنهاء هذه ms0309 الفتن، فأبلغوا «محمد علي» في أنه قد صار «حاكم ~~البلدة والرعية ليس لهم مقارشة في عزل الباشا ونزوله من القلعة، وقد أتاه؛ أي ~~محمد علي الأمر»، فعليه أن ينفذه كيف شاء، وفوضوه في جمع السلاح من الأهالي، ~~واستطاع محمد علي جمعه دون صعوبة، وبالرغم من تذمر الشعب الذي اتهم ~~مشايخه بالجبن وقصر النظر «ونزل المشايخ إلى الجامع الأزهر وقرءوا بعض الدرس، ~~ففترت همة الناس ورموا الأسلحة وأخذوا يسبون المشايخ ويشتمونهم لتخذيلهم ~~إياهم.» # غير أن العسكر - من الدلاة خصوصا - انتهزوا هذه الفرصة فعادوا إلى أذية ~~القاهريين «وتعرضوا لقتلهم وإضرارهم»، ثم ساد الذعر عندما اقترب المماليك من ~~العاصمة، وعندئذ «ضج الناس وأغلقوا الدكاكين، وكثرت شكاواهم وأبلغوا السيد ~~عمر النقيب» الذي حمل الشيخ الشرقاوي والشيخ الأمير مسئولية «أمر الناس ~~برمي السلاح»، وانتهى الأمر عند اشتداد الهياج بالعودة إلى حمل السلاح ~~«والتحذر» (15 يوليو)، وكان بكوات الصعيد في هذا اليوم قد وصلوا إلى قرب ~~الجيزة، وعبر جماعة منهم النيل إلى البر الشرقي في جهة دير الطين والبساتين، ~~واستولى البرديسي وإبراهيم وعثمان حسن على طرة وهدموا قلاعها (16 ~~يوليو). # فقد شاهدنا كيف أن البكوات بمماليكهم قد انسحبوا إلى الجنوب بعد سقوط المنيا ~~(14، 15 مارس 1805)، ثم عادت طوائف منهم إلى الظهور في مصر الوسطى والوجه ~~البحري بعد مغادرة محمد علي وحسن باشا المنيا إلى القاهرة، واقترب الألفي بك ~~من القاهرة بعد أن استقدم خورشيد سلحداره بالقسم الأكبر من جنده من الصعيد، ~~فاتخذ الألفي مواقعه في الجيزة أولا ثم أقاليم الوجه البحري في دمنهور ثم في ~~طرانة ثم في الجيزة عند المنصورية بالقرب من الأهرام يرقب الحوادث، كما شاهدنا ~~كيف بدأ خورشيد صلاته بالألفي وببكوات الصعيد يطلب مساعدتهم له، وقد ذكرنا أن ~~الألفي - حوالي منتصف مايو - سأل «محمد علي» والمشايخ الدخول إلى القاهرة، ~~ولكن هؤلاء طلبوا منه «التأني» حتى تسكن الفتنة، وذلك في الوقت الذي كانت فيه ~~المفاوضات دائرة بين الألفي وخورشيد، وكان السبب الذي جعل «محمد علي» يرفض ~~مطلب الألفي الذي عرض محالفته عليه، عدم اطمئنانه ms0310 إلى أية محالفة مع البكوات ~~بعد أن حطم حكومتهم بالقاهرة أولا، وطارد فريقا منهم «جماعة الألفي» في ~~الوجه البحري، وأوقع الهزيمة بفريق آخر «جماعة البرديسي وإبراهيم» في الوجه ~~القبلي. # ولكن خورشيد الذي أراد الاستعانة بهم في محنته لم يتردد عن قبول محالفة ~~الألفي وبكوات الصعيد، وقام سلحداره علي باشا بدور الوسيط بينه وبينهم، ورحب ~~أكثرهم بعروض السلحدار، وتقدموا من الصعيد «منفلوط» على مراحل متتابعة حتى ~~صاروا قريبين من أسوار الجيزة التي تحصن بها السلحدار علي باشا، وأنشأ منها ~~خطا للاتصال بالقلعة لإمداد خورشيد بالمؤن والذخائر في كل مرة تخف فيها وطأة ~~الحصار المضروب عليها. # ومع ذلك فقد استطاع محمد علي والقاهريون - على نحو ما رأينا - وقف هذا ~~الاتصال في أكثر الأوقات، كما منعوه بتاتا عندما اتخذت التدابير لإنهاء مسألة ~~خورشيد بكل حزم وسرعة بعد أن فشلت المحاولات لإقناعه بالتسليم، على أن وصول ~~المماليك إلى الجيزة الآن لم يلبث أن أفقد التوازن بين قوات محمد علي ~~والقاهريين من جانب، وبين قوات خورشيد بالقلعة وسلحداره بالجيزة من جانب آخر، ~~زد على ذلك أن البكوات والسلحدار قطعوا كل المواصلات مع القاهرة وفرضوا عليها ~~نوعا من الحصار المتحرك، فامتنع وصول المؤن إليها، وبدأت المجاعة تطل برأسها، ~~وبدأ هياج القاهريين وصخبهم، وعاد الأرنئود إلى التمرد والعصيان وإيذاء ~~الأهلين والاعتداء عليهم، ووجد محمد علي لزاما عليه القيام بعمل حاسم ضد ~~البكوات. # وفي 16 يوليو خرج محمد علي لمناجزة البكوات: محمد المنفوخ وعباس بك ورشوان ~~كاشف الذين كانوا قد عبروا النهر إلى جهات مصر القديمة ودير الطين والبساتين، ~~وخرج معه حسن باشا وعابدي بك، وتبادل الفريقان الضرب بالمدافع طيلة هذا اليوم ~~واليوم التالي، ولكن حدث في هذا اليوم الأخير (17 يوليو) أن انتهز «الدلاة» ~~الموجودون بالبر الغربي فرصة خروج الجند الأرنئود لقتال المماليك، فعبروا ~~النهر وانضم إليهم إخوانهم المقيمون بجزيرة بدران، وانقضوا على بولاق يعتدون ~~على أهلها، وشكا هؤلاء إلى السيد عمر مكرم، ولكن جهود الكتخدا بك، وكيل محمد ~~علي لم تفد في منعهم. # وهكذا كانت القاهرة ms0311 على وشك الخضوع للحصار يضرب عليها من جديد، وانتشار ~~المجاعة بها نتيجة لذلك، ثم الانغماس في فوضى داخلية شديدة، عندما جاءتها ~~الأخبار في 19 يوليو بوصول القبطان باشا إلى الإسكندرية وأبي قير «وصحبته ~~مراكب كثيرة». # وبينما كان القاهريون يجهلون أخبار هذه العمارة العثمانية؛ أي الغرض من ~~إرسالها، كتب «مسيت» من الإسكندرية في 23 يوليو، ينبئ حكومته بوصول ثلاث ~~بوارج وفرقاطة وإبريق بقيادة القبطان باشا، ألقت مراسيها في أبي قير في 14 ~~يوليو، ثم قال: «وأما إذا كان الغرض من إرساله إرجاع الهدوء والسكينة إلى مصر ~~فإن الوسائل التي لديه لا تكفي لتحقيق هذا الغرض، كما يعتقد مسيت أن أية قوات ~~برية يكون القبطان باشا قد أحضرها معه إنما تزيد من حدة الفوضى والاضطراب ~~الموجودة الآن، فإذا أخذ بعين الاعتبار نضال الأحزاب المختلفة في مصر فيما ~~بينها، والعجز الظاهر عن إجابة مطالب الأرنئود المالية؛ أي دفع مرتباتهم، فإنه ~~يصعب معرفة كيف يستطيع الباب العالي إنهاء الكوارث التي حلت بمصر من غير ~~مساعدة قوة أجنبية له»، ويستمر «مسيت» فيؤكد أن هذا هو رأي سكان الإسكندرية ~~كما أنه رأي أكثر كبار الضباط الأتراك بها، وأن جميعهم متحدون في طلب ~~إرسال جيش بريطاني لإنقاذهم من هذه التعاسة التي هم بها. # والواقع أن الباب العالي الذي شهد الحجاز يكاد يسقط بأسره في أيدي الوهابيين ~~المنتصرين في كل مكان، والذي تيقن من عجز مصر عن إرسال النجدات اللازمة إلى ~~بلاد العرب لإنقاذهم من أيديهم ما دامت فريسة للفوضى، لم يلبث أن قرر إنهاء ~~هذه الفوضى السائدة في مصر. # زد على ذلك أن الباب العالي منذ أن بلغته أنباء انقلاب «12، 13 مايو»، والنزاع ~~الدائر بين خورشيد ومحمد علي، وانتهاز المماليك الفرصة للزحف على القاهرة، صار ~~يخشى أن تؤدي هذه الاضطرابات إلى فقد مصر، واعتقد أنها بتدبير الإنجليز الذين ~~يريدون الاستيلاء على البلاد، فقرر منذ أواخر يونيو إرسال القبطان باشا إلى ~~مصر، وخوله سلطات واسعة لإنهائها بأي ثمن. # وكان المشايخ عندما بلغهم الخبر بوصول القبطان باشا قد قرروا ms0312 كتابة عرضحال ~~يذكرون فيه الأسباب التي دعت إلى عزل خورشيد والمناداة بمحمد علي «يرسلونه ~~إليه مع بعض المتعممين»، واختلفت آراؤهم، وظلوا على هذه الحالة، حتى وصل ~~السلحدار القبطان باشا إلى بولاق في 24 يوليو، وكان يحمل أمرا إلى خورشيد ~~بالنزول من القلعة دون إبطاء والذهاب إلى الإسكندرية، وأمرا آخر إلى محمد علي ~~«بإبقائه في القائمقامية؛ حيث ارتضاه الكافة والعلماء والوصية بالسلوك ~~والرفق بالرعية»، وأن يرسل عسكرا إلى الحجاز. # ولكن خورشيد طلب أن «يطلع إليه السلحدار الواصل ويخاطبه مشافهة »، فطلع إليه ~~ومعه القابجي باشي صالح أغا، وأظهر خورشيد امتثاله لأوامر السلطان، ولكنه طالب ~~بخمسمائة كيس باقية عليه لصالح أغا قوش وعمر بك الأرنئودي استدانها منهما لدفع ~~مرتبات الجند؛ حيث إنه «لم يبق عنده شيء سوى ما على جسده من الثياب»، وبحث ~~السلحدار والقابجي المسألة مع محمد علي، ولكن دون نتيجة، وتوقفت ~~المفاوضة. # وكان السبب في ذلك أنه حدث ثاني يوم وصول السلحدار، أن صادر محمد علي خطابا ~~مرسلا من علي باشا سلحدار خورشيد وياسين بك الأرنئودي من ضباط علي باشا ~~بالجيزة إلى خورشيد باشا يتضمن تفاصيل مؤامرة لمباغتة القاهرة حدد لها يوم 27 يوليو، وذلك أنه عند ظهور الإشارة المتفق عليها وهي إطلاق سبعة صواريخ من ~~الجيرة، يضرب خورشيد من القلعة بيت محمد علي بالمدافع «والقنابر»، وينتهز علي ~~باشا وياسين بك فرصة انشغال محمد علي، فيعبران النيل إلى مصر القديمة، بينما ~~يطرق البرديسي القاهرة من خلف المقطم، ويأتي سائر البكوات من ناحية طرة، ويقوم ~~القاهريون على من بها من الأرنئود «فيشغلون الجهات ويتم المرام». # وفي 26 يوليو وصل بكوات الصعيد إلى حلوان، ودخل فريق منهم إلى الجيزة، وفي ~~اليوم التالي عدى ياسين بك من الجيزة إلى متاريس الروضة واستولى على ما بها من ~~مدافع وأبطل ما لم يستطع الاستيلاء عليه منها، «فثارت رجة بمصر القديمة ~~والروضة وضربوا بالمدافع والرصاص» ورجعوا قافلين إلى الجيزة، وفي اليوم نفسه ~~حضر الألفي إلى طرانة، وزاد تعقيد الأمور، ولكن سلحدار الصدر وصالح أغا ثابرا ~~على محاولاتهما ms0313 مع خورشيد، وفي 27 يوليو أبلغ صالح أغا السيد عمر مكرم «أنهم ~~تواعدوا مع «خورشيد» إما أن ينزل في اليوم التالي أو يستمر على عصيانه»، ولكن ~~خورشيد لم يلبث أن أعلن في اليوم التالي عزمه على المقاومة وأخلى القلعة من ~~النساء والأطفال، ولما كان محمد علي قد صار يخشى الآن يقينا من وقوع الهجوم ~~على القاهرة وتوقع أن يحدث ذلك من ناحية «إمبابة» على الخصوص فقد بادر ~~باحتلالها (30 يوليو). # ومع ذلك فقد استمرت محاولات السلحدار وصالح أغا القابجي باشي، وبشير أغا ~~القابجي الذي كان قد حضر من القسطنطينية قبل حوادث «12-13 مايو» فاستأنفوا ~~مساعيهم مع خورشيد (3 أغسطس)، وطلب «القلعاويون شروطا وعلائفهم الماضية»، ~~وكثرت مباحثتهم مع خورشيد ومحمد علي، وتعدد طلوعهم ونزولهم من القلعة، وأخيرا ~~وافق خورشيد على النزول يوم 5 أغسطس، وكان محمد علي قد أحضر له الخمسمائة ~~كيس التي طلبها، وسلم القلعة إلى سرجشمة حسن أغا الذي تسلمها باسم محمد علي، ~~وفي اليوم التالي نزل خورشيد نفسه وذهب إلى بولاق ومعه صالح قوش وعمر بك ~~الأرنئودي وصحبهم كتخدا محمد علي (6 أغسطس) «وأرسل «السيد عمر مكرم» فنادى تلك ~~الليلة باستمرار الناس على التحذر والسهر وضبط الجهات» خوفا من غدرهم، ولكن ~~خورشيد ما لبث أن غادر بولاق في 11 أغسطس، «وتخلف عنه كتخداه وعمر بك وصالح ~~قوش والدفتردار وكثير من أتباعه، ولم يسهل بهم مفارقة أرض مصر وغنائمها - على ~~حد قول الشيخ الجبرتي - مع أنهم مجتهدون في خرابها.» # وتعجب «مسيت» - في رسالته إلى ستراتون من الإسكندرية في 12 أغسطس - من ~~تسليم خورشيد، وإقدامه على هذا العمل البعيد عن الحكمة، والرضاء «بوضع نفسه في ~~أيدي أعدائه بعد أن صار مستحقا للعقاب بسبب علاقاته مع المماليك»، ثم تساءل ~~«مسيت»: «لماذا سلم رهنا في يده كالقلعة لأعدائه قبل أن يعرف نتيجة ما قدمه ~~من رجاوات، وقام به من مساع لدى القبطان باشا؟» وفسر «مسيت» ما فعله خورشيد ~~بأنه ربما كان نتيجة نزوة من النزوات أو تقلب الخاطر. # ولكن كانت هناك أسباب ms0314 كثيرة أرغمت خورشيد على النزول في النهاية؛ منها: نشاط ~~المقاومة الشعبية وإصرار القاهريين ومشايخهم على عزله، ثم صدور أمر الباب ~~العالي الذي اعترف - كعادته - بالأمر الواقع بتثبيت محمد علي في الولاية ~~ومطالبة خورشيد بالانسحاب. # ولعل أهم عوامل هذا الفشل، كان انقسام البكوات المماليك الذين أراد خورشيد ~~الاستنجاد بهم، وتردد الألفي، وتوهمه أن بوسعه أن يلعب دورا مزدوجا - كسابق ~~عادته - مع خورشيد ومحمد علي ومع الوكلاء الإنجليز والقبطان باشا بينما قصر ~~رجاله نشاطهم على النهب والسلب في الوجه البحري، ورفض أن يتحد في أية عمليات ~~مع إخوانه الذين حضروا من الصعيد بمجرد أن نمى إليهم ما تعانيه حكومة خورشيد ~~بالقاهرة من مصاعب وأعلن تصميمه على الوقوف موقف الحياد، حتى إذا شاهد بكوات ~~الصعيد يقتربون من القاهرة، خشي إذا نجح هؤلاء في الاستيلاء عليها أن يظل هو ~~خارج أسوارها، فكان بعد تباطؤ طويل - على حد قول مسيت - أن عول على الاشتراك ~~في هذا الحادث، حادث دخول القاهرة المنتظر، فتحرك في 7 أغسطس من البحيرة كي ~~ينضم إلى سائر البكوات بالجيزة، واستعان هؤلاء بهذه القوة الجديدة في تنفيذ ~~مأربهم، ولكن هذه الخطوة جاءت متأخرة؛ لأن خورشيد - كما تقدم - كان قد سلم ~~القلعة وغادرها منذ 6 أغسطس، وفضلا عن ذلك فقد استطاع محمد علي أن يكيد ~~للبكوات مكيدة كبيرة. # فإن هؤلاء الذين توهموا أن القاهريين يؤازرونهم سرا؛ شرعوا الآن يستميلون ~~رؤساء الأرنئود إليهم في محاولة أخيرة لاقتحام القاهرة قبل اضطرارهم إلى ~~الانسحاب بسبب فيضان النيل الذي أخذ يعلو، فقال «مسيت» في رسالته إلى «كامدن» ~~في 29 أغسطس يصف ما حدث، إنهم «وزعوا أموالا كثيرة بين الرؤساء الأرنئود ~~الذين وعدوا البكوات بطرد محمد علي وأعوانه من القاهرة، فوثق هؤلاء بهذه ~~الوعود» وانخدعوا بها، ونشأت من ثم مراسلات بين الفريقين، قال المعاصرون: إن ~~الرسائل التي كتبها الضباط الأرنئود باسمهم وباسم المشايخ والأهلين كانت تصنع ~~في سراي محمد علي نفسه وتحت بصره، وأوهم كاتبوها البكوات أن القاهريين يريدون ~~الثورة على محمد علي «ذلك الأجنبي الذي جعلهم طغيانه ms0315 الذي لا يطاق يأسفون على ~~حكومة البكوات، وأنهم ينتظرون بفروغ صبر اللحظة التي يتمكنون فيها من طرده ~~واستدعاء البكوات.» # فاتفق الرأي على تحديد يوم خروج محمد علي في الاحتفال السنوي المعتاد بوفاء ~~النيل وفتح الخليج (16 أغسطس) حيث يقام الاحتفال دائما خارج أسوار القاهرة، ~~موعدا لدخول البكوات، ولكن «محمد علي» الذي كان يعلم بهذا التدبير «أمر بكسر ~~السد ليلا»، وفي اليوم المعهود «لم يذهب الباشا ولا القاضي ولا أحد من الناس ~~ولم يشعر «البكوات» بذلك»، وجاء هؤلاء «البكوات» يحاولون الدخول من باب ~~الفتوح، فتركهم الأهلون الذين كانوا في الحراسة يدخلون فتقدم البكوات عثمان ~~حسن وعباس، وأحمد كاشف سليم بك وشاهين بك المرادي وغيرهم «كشاف وأجناد ومماليك ~~وعبيد كثيرة نحو الألف» وقصدوا بطبولهم وزمورهم إلى الجامع الأزهر، وذهب فريق ~~منهم مع البكوات إلى بيت السيد عمر مكرم فامتنع عن مقابلتهم، فتوجهوا إلى بيت ~~الشيخ عبد الله الشرقاوي ونزل البكوات عنده، وحضر إليهم عمر مكرم وطلبوا منهم ~~النجدة وقيام الرعية، ولكن دون جدوى، فخرجوا وغادروا القاهرة من أحد أبوابها ~~«باب البرقية»، وكان جند الباشا قد حضروا لمناجزتهم ولكنهم لم يدركوهم، ~~فنجوا، وأما الفريق الآخر فقد انهال عليهم الرصاص من جانبهم ولم ينفع جماعة ~~منهم التجاؤهم إلى جامع البرقوقية، وكانت مقتلة عظيمة، ولم ينج منهم سوى حسن ~~بك شبكة واثنين من الكشاف افتدوا أنفسهم بالمال. # وقال «مسيت» في رسالته التي سبقت الإشارة إليها، والتي ضمنها بعض تفصيلات هذا ~~الحادث، إن غرضه من ذكرها إنما هو إظهار أن «نتيجتها قد قضت على كل رجاء في أن ~~حكم الأرنئود - والمقصود محمد علي - سوف ينتهي من مصر». # وكان من أسباب فشل خورشيد، إخفاق تلك المساعي التي أشار إليها «مسيت» وذهاب ~~رجواته للقبطان باشا سدى، فقد بعث خورشيد سلحداره علي باشا، كما بعث الألفي ~~بكخياه «محمد» برسائل لمقابلة القبطان باشا بالإسكندرية، «وكان الغرض من ~~إيفادهما - على نحو ما ذكر مسيت في رسالته إلى ستراتون في 6 أغسطس - التوسل ~~والتضرع للقبطان باشا حتى يعترف بخورشيد باشا واليا على ms0316 مصر، فيعطي بذلك ~~موافقته الرسمية على الحرب التي كان جند خورشيد - بالاتحاد مع المماليك - على ~~وشك أن يبدءوها ضد محمد علي وأنصاره». # فوصل الاثنان إلى الإسكندرية في 3 أغسطس - أي قبل تسليم القلعة بثلاثة أيام ~~فحسب - وتوسط «مسيت» لدخول كخيا الألفي ورسول خورشيد تحت حمايته، واستضافهما ~~في منزله أربعة أيام وهي المدة التي قضياها بالإسكندرية، وفي أثنائها قابلا ~~مرتين القبطان باشا الذي دخل الإسكندرية «متخفيا» لمقابلتهما، وكانت الرسائل ~~التي بأيديهما تعلن إليه اتحاد جميع البكوات وانضمامهم إلى حزب خورشيد باشا، ~~«كما دعي القبطان باشا - كما ذكر «دروفتي» في إحدى رسائله إلى حكومته في 3 ~~أغسطس - للذهاب إلى القاهرة مع كل الجند، حتى يعمل - بالاشتراك مع الحزبين ~~المتحدين - لطرد الأرنئود واتخاذ الوسائل الكفيلة باستتباب النظام وإعادة ~~الهدوء». # وأيد «مسيت» مسعى السلحدار علي باشا ومحمد كخيا الألفي، ويقول «دروفتي» في ~~رسالته في اليوم التالي (4 أغسطس): «إن القنصل الإنجليزي ومندوبي الألفي ~~وخورشيد باشا قابلوا أمس القبطان باشا وعرضوا عليه مقترحات الألفي، وبذلوا كل ~~ما وسعهم من جهد وحيلة لإقناعه بضم قواته إلى قوات الألفي لطرد محمد علي ~~والأرنئود من مصر، الطريقة الوحيدة لإعادة السلام إليها، والتي بدونها تستحيل ~~القاهرة أطلالا، كما أنهم حاولوا إقناعه بأن الباب العالي يجب عليه أن يخشى ~~دائما من حدوث غزوة فرنسية على مصر، وحيث إن تركيا ليس لديها قوات كافية ~~لدفع الفرنسيين فمن المحتمل أن تتخذ إنجلترا ما يلزم من وسائل لمنع سقوط هذه ~~البلاد التي يهمها أمرها في أيدي أعدائها.» # ولكن كل هذه المحاولات أخفقت «ولم يفلحا في مفاوضتهما»، كما كتب «مسيت» إلى ~~حكومته في 6 أغسطس، «لأن القبطان باشا أعلن أن لديه أوامر قاطعة بوضع محمد ~~علي على رأس الحكومة»، وعلاوة على ذلك فقد سعى «دروفتي» لإحباط هذه المفاوضة، ~~فقابل ترجمان القبطان باشا وأوضح له - كما قال في رسالته المؤرخة في 3 أغسطس ~~- ضرورة أن يذكر للقبطان باشا أن الألفي عدو للحكومة الفرنسية، كما بين ~~للترجمان أن اتحاد بكوات الصعيد مع الألفي خطوة غير عملية، ms0317 الأمر الذي تدل ~~عليه تلك العداوة التي ظهرت أخيرا من جانب الألفي نحو سليمان بك صنيعة ~~البرديسي والإشارة هنا إلى ما فعله الألفي الذي بعد أن ارتحل من دمنهور التي ~~أخفق في حصارها والإغارة عليها لم يلبث «أن كبس على سليمان كاشف البواب ونهب ~~ما معه». # كما أن اتحاد الألفي وخورشيد باشا ما هو إلا إجراء مؤقت مبعثه الرغبة في ~~انتهاز الظروف فحسب، وأن الإنجليز لا يأبهون لحقوق السيادة التي للباب العالي ~~على مصر، بل إنهم يمدون عدو الباب العالي وهو الألفي بالذخائر، وإن إقامة أحد ~~وكلائهم طويلا مع هذا الأخير والإشاعات التي يذيعونها من مدة طويلة عن قرب ~~وصول جيش إنجليزي لوضع الألفي على عرش مصر؛ لمما ينهض دليلا على ذلك، ~~وقال «دروفتي» إن هذه الحجج والدعاوى قد تركت أثرا ظاهرا - كما بدا له - على ~~ذهن ترجمان القبطان باشا، وفي 4 أغسطس أكد «دروفتي» فشل المفاوضة وجواب ~~القبطان باشا «أن لديه أوامر لا يحيد عنها، وأن الباب العالي قد سمى «محمد ~~علي» واليا على مصر وخورشيد باشا واليا لجدة، وأن الأخير يجب عليه أن يذهب ~~إلى مركزه مع سلحداره علي باشا، وأنه بمجرد عودة الهدوء إلى مصر بفضل هذا ~~الترتيب سوف ينظر في مصير البكوات.» # وفي 5 أغسطس غادر كخيا الألفي وعلي باشا سلحدار خورشيد الإسكندرية وهما ~~يؤكدان - كما قال «مسيت» - «أنهما بمجرد وصولهما إلى معسكراتهما المختلفة سوف ~~يبدأ هجوم عام على القاهرة.» # ولكن في اليوم التالي لمغادرتهما الإسكندرية سلم خورشيد القلعة (6 أغسطس)، ~~كما أن كل الهجوم الذي حدث بعد ذلك كان تلك المحاولة الخاسرة التي أوقع فيها ~~محمد علي بالبكوات يوم 16 أغسطس، وكان هؤلاء بكوات الصعيد، ولم يشترك الألفي ~~في هذا الهجوم. # زد على ذلك أن هذا الحادث أشاع اليأس في نفوس جند السلحدار علي باشا وعرض ~~هؤلاء تسليم الجيزة لمحمد علي مقابل إصدار عفو عام عنهم (22 سبتمبر)، ودخل ~~ياسين بك الأرنئودي في خدمة محمد علي، وانسحب علي باشا السلحدار للإقامة مع ~~البكوات، ثم ذهب ms0318 إلى الإسكندرية لينضم إلى خورشيد. # فكان من أثر ذلك أن زاد تمسك القبطان باشا بموقفه، فكتب إلى القسطنطينية ~~يطلب تثبيت محمد علي في الولاية، وبذل عملاء، أو وكلاء محمد علي قصارى جهدهم ~~في القسطنطينية لإقناع الباب العالي بتثبيت محمد علي في ولايته مستندين في ذلك ~~إلى ما أبداه المشايخ والعلماء من رغبة ملحة في توليته، وما يعتزمه محمد علي ~~من إصلاحات إدارية لانتظام شئون الحكم في مصر، وإلى أن السلطان في وسعه من ~~الآن فصاعدا أن يعتمد على حكومة محمد علي في إمداده بالنجدات من المال ~~والرجال للقتال ضد الوهابيين وإنقاذ الحرمين الشريفين. # ينهض دليلا على ذلك ما فعله محمد علي من تعيين قريبه طاهر أغا على رأس جيش ~~معسكر خارج القاهرة، وينتظر صدور الأمر للسير فورا إلى الحجاز، وقد أفلحت هذه ~~الأقوال مع طلب القبطان باشا تثبيت محمد علي في ترجيح كفة هذا الأخير لدى ~~الديوان العثماني وتسليمه بالأمر الواقع، فوافق الباب العالي على ذلك، وأصدر ~~فرمانا بتعيين خورشيد لولاية سالونيك، فغادر القبطان باشا الإسكندرية إلى أبي ~~قير في 12 أكتوبر ليبحر منها إلى القسطنطينية في اليوم التالي، كما أبحر ~~معه خورشيد باشا وسلحداره علي باشا، وبذلك خلص الحكم في مصر لمحمد علي. # وهكذا انتهت ولاية خورشيد باشا بعد حكم استمر ستة أشهر وأربعة عشر يوما، ~~فكان ارتقاؤه الولاية وخلعه منها من صنع رجل واحد فقط - محمد علي - عرف كيف ~~يتخذ من تنصيبه وسيلة لخدمة مآربه بعد أن تمهد له الطريق إلى السلطة عقب طرد ~~البكوات من حكومة القاهرة. # ولا جدال في أن عزل خورشيد في الظروف التي شهدناها كان مبعثه ضعف الباب ~~العالي الذي عجز عن فرض سيطرته على البلاد بسبب تلك الروح الثورية التي ظلت ~~سائدة بها من أيام الفتح العثماني الأولى، ولقد جعل هذا الحادث خروج هذا ~~الجزء الهام من الإمبراطورية العثمانية بصورة عملية في مستقبل الأيام أمرا ~~مفروغا منه؛ ذلك أن خورشيد كان آخر الولاة الذين تلقوا أوامرهم من ~~القسطنطينية مباشرة، كما أن تنحيته عن ms0319 الحكم كانت الثمن الذي وجب عليه دفعه عن ~~أخطاء حكومة ظاهرة العجز والضعف، ونعني حكومة الباب العالي. # وكان القبطان باشا صادق النظر حينما قال عند عودته إلى القسطنطينية: «لقد ~~تركت في هذه البلاد؛ أي مصر رجلا سوف تجد فيه الإمبراطورية - ولا شك - يوما ~~من الأيام ثائرا من أخطر الثوار على سلطانها، فلم يحدث بتاتا أن كان ~~لسلاطيننا وال أكثر حنكة سياسية، وأعظم نشاطا وأعمق دهاء من هذا الباشا»؛ أي ~~محمد علي. # وكانت مهمة هذا الباشا في السنوات التالية تذليل الصعوبات التي صادفته لدعم ~~أركان الولاية التي ظفر بها بعد مثابرة طويلة وجهود شاقة مضنية، وأفاد لبلوغ ~~غايته من ضعف الباب العالي، والصراع القوي بين السياستين: الإنجليزية ~~الإيجابية، والفرنسية السلبية وانقسام البكوات وتفرق كلمتهم، وعدم نضجهم ~~السياسي، ومؤازرة القاهريين ومشايخهم له. # الباب الثاني‏ # تمهيد‏ # 1 - الكفاح من أجل البقاء‏ # 2 - تنازع النفوذ بين «مسيت» و«دروفتي»‏ # 3 - تخطي العاصفة: حملة «فريزر» وفشلها‏ # 4 - تخطي العاصفة: جلاء الإنجليز عن ~~الإسكندرية‏ # الباب الثاني‏ # تمهيد‏ # 1 - الكفاح من أجل البقاء‏ # 2 - تنازع النفوذ بين «مسيت» و«دروفتي»‏ # 3 - تخطي العاصفة: حملة «فريزر» وفشلها‏ # 4 - تخطي العاصفة: جلاء الإنجليز عن ~~الإسكندرية‏ # | مصر في مطلع القرن التاسع عشر 1801-1811م (الجزء الثاني) # | مصر في مطلع القرن التاسع عشر 1801-1811م (الجزء الثاني) # تأليف # محمد فؤاد شكري # | الباب الثاني # ولاية محمد علي: دور التجربة والاختبار ~~(1805-1807) # | تمهيد # | الصعوبات الأولى والموقف الدولي # لم يعن رحيل القبطان باشا، تحمل عمارته أحمد خورشيد وعلي ~~باشا سلحداره، وسائر أتباعه في أكتوبر 1805، أن الأمر قد ~~استتب لمحمد علي، وأن الانقلاب الذي أوصله إلى الحكم في 13 ~~مايو قد أسفر عن تقرير ولايته بصورة تجعلها بمأمن من انقلابات أخرى ~~قد تحدث في أي وقت، ومن المنتظر عند حدوثها أن تطيح بولايته ما لم ~~يتخذ باشا القاهرة الجديد من الوسائل ما يكفل درء هذا الخطر ~~عنها. # ذلك أن أولئك الذين تعاهد معهم من رؤساء القاهريين الذين نادوا ~~بولايته على إرساء قواعد الحكم العادل الرشيد ما كانوا يرضون بأن ms0320 ~~يتناسى الباشا شروط ذلك السند الذي وقعه، وهي شروط تهدف إلى ~~تخليص القاهرة من شرور الجند ومنع اعتداءاتهم على الأهلين، ورفع ~~المظالم والمغارم عن أفراد الشعب، وإبعاد شبح المجاعة عن القاهرة ~~بفتح المواصلات وتأمين السبل بين القاهرة والصعيد مورد الغلال ~~والحبوب. # ولم يكن في وسع الباشا نفسه أن يتناسى هذه الشروط أو يغفل ~~تنفيذها؛ لأن ذلك حقيق بأن يبقي على حكومته صبغة الانقلاب، ولا ~~معدى حينئذ عن بقائها مزعزعة البنيان، معرضة للانهيار إذا عصف ~~عليها ريح انقلاب آخر، وقد كانت مصر كما شاهدنا مسرحا لعدة ~~انقلابات منذ جلاء الفرنسيين عنها، لا تلبث أن تتداعى؛ فالجند إذا ~~عجز الباشا عن كبح جماحهم وظلوا ينشرون إرهابهم في القاهرة، ~~ويعيثون فسادا في كل مدينة وقرية يقصدون إليها أو يمرون بها، وظهر ~~لدى بعض رؤسائهم أو مغامريهم طموح للسلطة العليا وانتزاع الولاية، ~~والأهلون وزعماؤهم (وفي القاهرة خصوصا مهد كل الثورات والانقلابات ~~السابقة العاتية) إذا ضاقوا ذرعا بحكومة أوجدوها هم أنفسهم - في ~~اعتقادهم على الأقل - للأخذ بأسباب الإصلاح السريع الذي كان لا ~~يعدو في نظرهم العمل الفوري لإزالة عبء التكاليف المالية التي ~~أرهقتهم أو تخفيفه عن كواهلهم، ثم خيل إلى بعض المتصدرين منهم ~~أن في استطاعتهم مشاركة السلطة العليا مسئولياتها، وأنهم يقدرون ~~على تدبير انقلاب يستبدل بالحكومة القائمة غيرها، والمماليك - وهم ~~المسيطرون على الصعيد، ثم على أقاليم واسعة في مصر الوسطى والوجه ~~البحري - إذا بقيت شوكتهم ومنعوا عن القاهرة المؤن والأغذية، ~~وحرموا خزانة الباشا من الميري وسائر الالتزامات المفروضة «للدولة» ~~على ما بأيديهم من إقطاعيات ثم تحقق حلمهم في استرجاع القاهرة - ~~غاية آمالهم ونهاية مقصدهم - فإن كل أولئك سوف يكونون متضافرين ~~معاول هدم تقوض عروش هذه الحكومة الانقلابية الجديدة لو أن ~~الباشا أغفل علاج قضاياهم وما يتفق مع صالح الحكم ويمكن من ~~استقراره. # ولقد كان مبعث الصعوبات التي اعترضت طريق الحكومات السابقة، ~~وزلزلت كيانها، والتي صادفت حكومة محمد علي عند تأسيسها ووجب عليه ~~تذليلها واحدا في كلا الحالين؛ افتقار الخزانة والحاجة الملحة ~~للمال، والتنازع على ms0321 السلطة بين الولاة أو الباشوات وبين البكوات ~~المماليك من ناحية، ثم بينهم وبين رؤساء الجند من ناحية أخرى، وضعف ~~الباب العالي وعجزه عن فرض نفوذه وسلطانه على هذه الطوائف والأحزاب ~~المتنازعة وبسط سيادته الفعلية على البلاد، ثم تنازع النفوذ بين ~~إنجلترة وفرنسا للظفر بالتفوق السياسي في مصر. # وقد هددت المشاكل التي نشأت من هذه الصعوبات حكومة محمد علي ~~تهديدا بليغا ومباشرا في السنتين الأوليين ونصف السنة الثالثة؛ ~~أي من حين المناداة بولايته في مايو 1805 إلى حين جلاء الإنجليز عن ~~الإسكندرية في سبتمبر 1807 بعد فشل حملتهم التي كانت قد جاءت ~~بقيادة الجنرال «فريزر» لاحتلالها في شهر مارس من العام ~~نفسه. # وشحذ محمد علي همته لمعالجة هذه المشاكل والذود عن كيان ~~حكومته، وساعده ما كان قد وضعه من أسس في أثناء نضاله الماضي من ~~أجل الوصول إلى الولاية والحكم على تناول هذه المشاكل بقسط وافر من ~~النجاح، فاستمر المشايخ والزعماء القاهريون في معاونته، وابتدع ~~محمد علي من الوسائل ما جعل هؤلاء في أحايين كثيرة ملزمين بهذه ~~المعاونة إلزاما، فتيسر له المضي في فرض الإتاوات والمغارم ~~والمظالم على الشعب دون أن يلقى مقاومة، ولم يكن في مقدوره التنحي ~~عن سنن الطريق القديم؛ لنضوب معين الخزانة العامة بسبب كساد ~~التجارة، وتعطل الزراعة، وخروج أقاليم الصعيد من حوزة الحكومة، ~~وعدم دفع الميري عنها لوقوعها في قبضة البكوات المماليك؛ ولأن ~~«جمارك» الثغور وأهمها الإسكندرية، يتولى إدارتها مندوبون عن الباب ~~العالي وتضبط إيراداتها «إلى الترسخانة السلطانية بإسلامبول»، ~~وكانت الإسكندرية ميناء القطر الأول منفصلة في شئونها عن باشوية ~~القاهرة. وقد دفع محمد علي من هذه الإتاوات والفرض وما إليها ~~مرتبات الجند، وسائر تكاليف الحكم والإدارة العامة، كما وجد منها ~~بعض حاجته لإرسال الهدايا ورشوة رجال الديوان العثماني في ~~القسطنطينية، أو مندوبي الباب العالي الذين جاءوا يحملون الأوامر ~~والفرمانات لمناصرة أخصامه البكوات ونقله من مصر إلى ولاية أخرى، ~~ثم استعان محمد علي بالمشايخ ووجهاء القاهرة و«المتصدرين» بها ~~لتأييد قضيته لدى الباب العالي، والمماليك، فاستكتبهم العرائض (أو ~~العرضحالات) ms0322 لإظهار رضا الشعب عن حكمه وتشبثه ببقائه، وتقديم ~~المسوغ الذي يستند عليه الباب العالي في ستر عجزه وفشله أمام إصرار ~~محمد علي على نبذ أوامر السلطان ظهريا، والمقاومة السافرة إذا ~~ألح هذا في عزله أو نقله، وتبرير تسليمه بالأمر الواقع جريا على ~~عادته في كل ما وقع من أحداث في هذه البلاد منذ خروج الفرنسيين، ~~ولقد كان غضب الباب العالي من وصول الباشا إلى الحكم قسرا عنه ~~مصدر خطر مستمر عليه في هذه السنوات الأولى، ثم استعان محمد علي ~~بالمشايخ والرؤساء القاهريين في إحباط تدابير المماليك؛ فكان منهم ~~الوسطاء والمفاوضون معهم، عندما مهدت مفاتحاته مع الألفي الكبير ~~في أثناء النضال ضد خورشيد لاستئناف المفاوضات والمباحثات معه، وإن ~~اختلفت أغراض كلا الفريقين منهما، وعندما ساعد تفرق كلمة البكوات ~~وانقسامهم على محاولة استمالة بكوات الصعيد إلى الوقوف موقف الحيدة ~~وإبطال حركتهم لا سيما في أزمتين عصيبتين؛ إحداهما: عند نجاح مساعي ~~الألفي لدى الباب العالي وعفو هذا الأخير عن المماليك وإرساله ~~القبطان باشا في عام 1806 لإرجاع البكوات إلى سابق سلطانهم، ونقل ~~محمد علي إلى ولاية سالونيك، والأخرى: عند مجيء حملة «فريزر»، ولم ~~يكن مسعى محمد علي لبذر بذور التفرقة والشقاق بين المماليك وشل ~~نشاطهم وسيلته الوحيدة لهدم قوتهم؛ فقد سير ضدهم الحملات ~~والتجريدات والتحم جنده معهم في معارك متعددة في الوجهين البحري ~~والقبلي على السواء، فكان النصر حليفهم تارة، وهزمهم البكوات تارة ~~أخرى. # ولقد زاد من حدة المصاعب التي صادفها محمد علي في هذه السنوات ~~الأولى، مثابرة إنجلترة وفرنسا على تنازعهما حول النفوذ في مصر، ~~وزاد خطر هذا التنازع بسبب استئناف الحرب بين الدولتين منذ مايو ~~1803، وارتهنت مقدرات هذه البلاد بمبلغ نجاح كل من هاتين الدولتين ~~في مسعاهما مع تركيا، وكان ما حدث من نشاط في القسطنطينية، ثم في ~~القاهرة تبعا لذلك حقيقا بأن يزيد صعوبات محمد علي حدة على ~~حدتها؛ ذلك أن هذا النشاط لم يلبث أن انتهى إلى فصم العلاقات بين ~~تركيا وروسيا، وبينها وبين إنجلترة حليفة الثانية، وأسفر عن ms0323 إرسال ~~أسطول «دكويرث» # Duckworth # الإنجليزي إلى مياه القسطنطينية، وحملة «فريزر» إلى الإسكندرية في ~~1807، وكانت هذه الحملة الأخيرة أعظم الأخطار التي تعرضت لها حكومة ~~محمد علي. # وقد بدأ هذا المسعى - كما سبقت الإشارة إليه في موضعه - منذ أن ~~عقد صلح «أميان»، ومنذ تبين أنه إنما كان هدنة مسلحة، ثم لم تمض ~~شهور على عقده حتى اتضح أنه صار متحطما؛ فقد جلا الإنجليز عن مصر ~~بعد عقد الصلح، ولكنهم بقوا في مالطة ولم يسلموها إلى فرسان ~~القديس يوحنا، وتمسك الفرنسيون بفتوحهم في إيطاليا. وبذل ~~الإنجليز والروس قصارى جهدهم لإحراز التفوق السياسي في تركيا، وسعت ~~فرنسا من جانبها على يد سفيرها «برون» لإحباط محاولات خصومها ~~وتعزيز نفوذها في القسطنطينية، وعندما أعلنت الحرب في مايو 1803، ~~اعتمد الإنجليز على نشر تقرير «سباستياني » المعروف في إقناع الباب ~~العالي بأن بونابرت يريد غزو مصر في كسب الباب العالي إلى جانبهم، ~~وعبثا حاول الفرنسيون إقناع الوزراء العثمانيين بأن خصومهم إنما ~~احتفظوا بمالطة حتى يتخذوا منها مركزا لإرسال قواتهم إلى ~~«الليفانت» وإثارة الاضطرابات في مصر تمهيدا لاحتلالها؛ لأن تركيا ~~التي خشيت من مشروعات بونابرت التي عزاها إليه أعداؤه وجدت في ~~حماية إنجلترة وروسيا لها منقذا من هذا الخطر الذي يتهددها، لا ~~سيما وقد كانت روسيا إثر معاهدة تحالفها مع تركيا (في 25 ديسمبر ~~1798) قد فتحت بالاشتراك معها جزر الأيونيان التي كان الفرنسيون قد ~~غزوها قبل ذلك، وأقرت لهم معاهدة كامبو فرميو منذ أكتوبر من العام ~~السابق امتلاكها لها، فصار للروسيا الآن حماية «جمهورية الجزر ~~السبع» هذه، وقوي نفوذها في القسطنطينية حتى صارت سفنها الحربية ~~ونقالاتها تمر بحرية في البوغازات، وطلب الباب العالي تجديد ~~محالفته معها ثم مع إنجلترة (أي محالفة 5 يناير سنة 1799) قبل ~~انتهاء أجلهما، وكانت هاتان المحالفتان دفاعيتين هجوميتين، وعبثا ~~حاول «برون» إثارة مخاوف الأتراك من مرور سفن الروس من البسفور؛ ~~فقد حرص المبعوث الروسي «ديتالنسكي» والقائم بالأعمال الإنجليزي ~~«ستراتون» على تهدئة روع الباب العالي دائما، وعبثا حاول «برون» ~~إقناع الباب العالي بأن توقيع معاهدة الصلح بين ms0324 فرنسا وتركيا في ~~باريس في 25 يونيو 1802 - بعد أسابيع قليلة من انضمام السلطان سليم ~~الثالث في 13 مايو إلى معاهدة «أميان» - قد ألغى آثار معاهدتي ~~التحالف مع روسيا وإنجلترة، حيث أعيد السلام الآن بين تركيا ~~وفرنسا، بمقتضى صلح باريس، وأقر الباب العالي قبوله (المادة ~~الرابعة) كل ما جاء في صلح أميان خاصا بتركيا، وحفظت مادة سرية ~~في هذا الصلح الحق للباب العالي في تجنب ما قد يقوم من حروب في ~~المستقبل بين فرنسا وأعدائها؛ فقد تصدى «ديتالنسكي» «وستراتون» ~~لدحض هذه الأقوال، واستمرا يشيعان الخوف في قلوب الوزراء ~~العثمانيين وهددا بتخلي دولتيهما عن حمايتهم إذا استجابت تركيا ~~لمطالب فرنسا. ولم يفلح «برون» في حمل الأتراك على الاعتراف بلقب ~~نابليون إمبراطورا على الفرنسيين، واضطر «برون» إلى مغادرة ~~القسطنطينية في 12 ديسمبر 1804 تاركا تصريف الأمور في يد ~~«باراندييه» Parandier # الذي ~~زودته حكومة باريس بتعليمات طلبت منه الوقوف موقفا سلبيا من ~~نشاط أخصامه؛ حيث إن الواجب يقتضي الباب العالي أن يبت في أمر ~~الانحياز إلى جانب فرنسا بناء على ما يهديه إليه تفكيره هو ~~فحسب. # وفي بداية عام 1805 أخذت تتجمع الأسباب في سرعة؛ «لهداية» الباب ~~العالي إلى ما فيه رعاية صالحه ولم يجد مناصا لرعايتها من انحياز ~~إلى وجهة النظر الفرنسية؛ ذلك أن الروس ما لبثوا أن طلبوا أن يأتي ~~تجديد محالفتهم مع تركيا متلائما مع الظروف القائمة، بإضافة مواد ~~سرية إلى المعاهدة، بعد أن فرغوا في مشقة وعناء من الاتفاق مع ~~الأتراك على موادها العلنية (15 أبريل 1805)، وعندما شرع ~~«ديتالنسكي» يتفاوض في المواد السرية، وصل إلى القسطنطينية المواطن ~~«جوبير» # Jaubert # يحمل رسالة ~~من نابليون إلى سليم الثالث (بتاريخ 30 يناير 1805) يحذره من ~~روسيا، ويستنهض همته للاعتراف بلقبه الإمبراطوري، فيقول: «هل زال ~~حكمك وانقطع وأنت سليل العثمانيين الأمجاد، وإمبراطور إحدى كبريات ~~إمبراطوريات العالم؟ وكيف أجزت لنفسك الرضا بتلقي الأوامر من ~~روسيا؟ وتأبى لي ما رضيته أنا لك، فهل عميت بصيرتك في هذه المسألة ~~(أي الاعتراف بنابليون) عن إدراك ما فيه صالحك ms0325 ونفعك؟» ثم يستطرد ~~مشيرا إلى خطر الروسيا على الدولة، ومحذرا سليما الثالث من ~~خيانة وزرائه فيقول: «وإذا كان لدى روسيا خمسة عشر ألف رجل في ~~«كورفو» (من جزر الأيونيان) فهل تعتقد أن وجودهم هناك موجه ضدي؟ ~~وقد صار وقوف سفنها المسلحة أمام القسطنطينية وحضورها إليك عادة ~~سارية، فهل عميت حتى صرت لا تدرك أن روسيا سوف تقدم بأي عذر من ~~الأعذار على غزو العاصمة؟ وايم الحق إن بيتك لا يلبث أن يفنى ~~ويجر عليه الزمان أذيال النسيان؛ فالريس أفندي يخونك، ورئيس ~~الديوان قد باع نفسه لروسيا، وأفقدك موت القبطان باشا أخلص ~~أصدقائك، لقد حذرتك مرتين، وها أنا ذا أحذرك للمرة الثالثة، ~~فاطرد أعضاء ديوانك، واطرد الريس أفندي، وأما أنا فقد أردت أن أكون ~~صديقا لك، فإذا كنت لا تزال مصرا أو صح عزمك على رفض ما أطلبه ~~مما كان لفرنسا في كل الأزمان، وهو القدح المعلى في ~~القسطنطينية، فسوف أناصبك العداء، ولم يعرف عني بتاتا أني كنت ~~عدوا مستضعفا. إن ديوانك لم يتخذ أية وسيلة لتقرير النظام في ~~مصر والشام، ويترك مكة والمدينة تضيعان من يدك، ويهين أصدقاءك ~~ويحدب على أعدائك ... فقم يا سليم من سباتك واستيقظ، وادع لوزارتك ~~أصدقاءك واطرد الخونة، وثق في محبيك؛ فإنك إذا ما ترددت في ~~الاختيار بين فرنسا وروسيا فسوف تفقد بلادك، ويضيع الإسلام ويزول ~~بيتك! ...» # تلك كانت الرسالة التي أصر «جوبير» على تسليمها إلى السلطان ~~يدا بيد، ولم يظفر ببغيته إلا بعد أن هدد بترك القسطنطينية، ~~فقابله في 2 مايو 1805، ونمق سليم كتابا لنابليون حمله «جوبير» ~~إلى باريس، وقامت قائمة الممثلين: الروسي والإنجليزي في ~~القسطنطينية، وهدد «ديتالنسكي» الباب العالي، وحذره من عواقب ~~تغيير سياسته، فأحجم عن الاعتراف بلقب الإمبراطور، واستؤنفت ~~المفاوضات حول المواد السرية، ومدارها انضمام تركيا إلى محالفة ~~أوروبية ضد فرنسا، وقاومت تركيا كثيرا في قبول هذه المحالفة التي ~~تفقدها حيدتها وتزج بها في الحرب، وزاد من حنق الريس أفندي أن ~~السفير الإنجليزي الجديد «شارلس أربثنوت» جاء إلى القسطنطينية دون ~~أن تكون لديه ms0326 تعليمات من حكومته بشأن تجديد المحالفة مع الأتراك، ~~أو تسوية مسألة التعريفة الجمركية وإنهاء الخلاف الدائر حولها بين ~~تركيا وإنجلترة. وفي يوليو لم ير الباب العالي مناصا من قبول هذا ~~القسم من المواد السرية التي أصرت عليها روسيا، والتي تستهدف ~~اشتراك تركيا معها ضد فرنسا ووضع موارد الأولى تحت تصرف حليفتها، ~~وخضوع عمليات قتال الأتراك لإرشاد القيصر نفسه، ثم لم يلبث أن اتضح ~~للأتراك ما كانت تنطوي عليه مطالب الروس من أخطار عندما أرادوا أن ~~تتضمن سائر المواد السرية حق إرسال روسيا قوة عسكرية كبيرة إلى ~~الولايات الدانوبية العثمانية: مالدافيا وولاشيا (البغدان ~~والأفلاق) ووضع حامية في «بارجا» Parga # في إقليم «أبيروس» في مواجهة «كورفو» ~~وسائر جزر الأيونيان ثم انضمام الباب العالي إلى روسيا في توجيه ~~الدعوة إلى إنجلترة حتى ترسل جنودا إلى الإسكندرية، وإجازة ~~استيلائها على ميناء في شبه جزيرة المورة ، وهذا كله عدا مطالبة ~~روسيا بحق التدخل في صالح رعايا الدولة من أصحاب الديانة ~~الأرثوذكسية في أي وقت تشاء، والمقصود بذلك وضع اليونانيين رعايا ~~الدولة العثمانية تحت حماية روسيا، وكانت دعوى هذه في تبرير ~~إصرارها على هذه المطالب المجحفة، والتي عارضها الباب العالي ~~معارضة شديدة، رغبتها في تحرير موارد الدولة من النفوذ الفرنسي، ~~وعبثا حاول السفير الإنجليزي إقناع الأتراك بقبولها أو إقناع ~~زميله الروسي في أول الأمر بتخفيفها، وكان رأي الباب العالي أن ~~إدخال جنود أجنبية إلى الولايات الدانوبية سوف يحفز الولاة في سائر ~~ولايات الدولة إلى الثورة، وقبل «ديتالنسكي» إخراج هذه المسألة من ~~مواد المعاهدة السرية، ونصح لحكومته بالإغضاء عنها وسحبها، ولكنه ~~تمسك من ناحية أخرى بالمادة المتعلقة بتدخل روسيا في شئون ~~اليونانيين أتباع الكنيسة الأرثوذكسية للمحافظة على مصالحهم، أو ~~على الأصح لبسط حمايتها عليهم، فلما رفض الباب العالي ذلك صمم ~~الروس على قطع المفاوضة، ولم يمنع «ديتالنسكي» من إرسال مذكرة ~~تهديدية للباب العالي سوى توسط السفير الإنجليزي (سبتمبر 1805)، ثم ~~سرعان ما جاءت تعليمات الحكومة الروسية إلى مبعوثها لا بالموافقة ~~فحسب على سحب شرط إدخال جنود أجانب في ms0327 أملاك الدولة العثمانية ~~وغيره من شروط المواد السرية التي يعارضها الباب العالي، بل وتطلب ~~إليه إزالة كل ما قد يعترض إبرام معاهدة التحالف من عقبات فورا ~~ودون أي إمهال لتوقع قيام الحرب قريبا بين روسيا وفرنسا؛ وعلى ~~ذلك، فقد أبرمت معاهدة التحالف بين تركيا وروسيا في 24 سبتمبر ~~1805 كما وقعت المواد السرية في اليوم نفسه، ولكن دون أن يكون ~~من ضمنها المادتان اللتان عارضتهما تركيا، واللتان بعث السلطان ~~سليم بشأنهما كتابا إلى القيصر، أوضح فيه تناقض مطلبي إدخال الجند ~~الأجانب في ولايات الدولة وبسط حماية روسيا على رعاياها مع قوانين ~~الدولة العثمانية وطبيعة حكومتها. # وكان لهذا النجاح الذي أدركته تركيا أثره على المفاوضة التي جرت ~~بينها من ناحية أخرى وبين إنجلترة لتجديد المحالفة بين الدولتين. ~~وكانت الحكومة الإنجليزية ترى في حالة قبول تركيا لمطلب روسيا ~~الخاص باحتلال الولايتين الدانوبيتين أن تسمح لها هي الأخرى بإرسال ~~حامية لاحتلال الإسكندرية. حقيقة لم تكن هذه الحكومة مستعدة في هذه ~~اللحظة لإرسال جند إلى مصر، ولكن موافقة الباب العالي سلفا على ~~هذا الإجراء سوف يكون لها شأن عظيم إذا حدث في أثناء الحرب أنه صار ~~لا معدى عن اتخاذه، وأما إذا تمسك الباب العالي بمعارضته لمطالب ~~روسيا ولمثل هذا الطلب فخليق بالسفير أن يسلك مسلك الحكمة حينئذ، ~~خاصة وأن حكومته كانت ترى من المستحسن تأجيل احتلال أية أراض ~~تركية سواء جاء هذا الاحتلال من جانب الروس أم الإنجليز، وذلك حتى ~~يحين الوقت الذي يبدو فيه هذا الاحتلال أمرا ضروريا؛ وعلى ذلك، ~~فإن مما يكفيها في الوقت الحاضر أن تحصل من الباب العالي على ~~موافقته على المبدأ فحسب، وكانت الحكومة الإنجليزية قد احتاطت ~~للأمر فأصدرت تعليماتها منذ 29 مارس 1805 إلى قائد قواتها بالبحر ~~الأبيض «السير جيمس كريج» # Craig # تلفت نظره إلى أنه قد يحدث ما يدعو إلى الاعتقاد بأن فرنسا تنتوي ~~غزو مصر، وأن احتلال الإسكندرية يصبح عندئذ أمرا لا ندحة عنه. ~~وفي 25 أكتوبر وصلت «أربثنوت» سلطات تفوضه التوقيع على المعاهدة مع ms0328 ~~تركيا، ولكن سرعان ما قامت العقبات الكثيرة تحول دون ~~إبرامها. # فقد استعادت السياسة الفرنسية نشاطها في القسطنطينية بعد فترة ~~طويلة من الركود سارت في أثنائها المفاوضات لعقد المعاهدة التركية ~~الروسية دون أية عراقيل من جانب ممثلي فرنسا بالقسطنطينية، حتى إذا ~~بادر «تاليران» الآن بالكتابة في 25 أغسطس إلى «روفان» الذي حل محل ~~«باراندييه» في القيام بأعمال السفارة الفرنسية بعد استدعاء الأخير ~~منذ أواخر يوليو، يطلب إلى «روفان» تحذير الباب العالي من عقد هذه ~~المعاهدة المنتظر أن يسيء إبرامها إلى العلاقات بين فرنسا وتركيا، ~~كانت المعاهدة عند وصول هذه التعليمات إلى «روفان» قد أبرمت، ووعد ~~الباب العالي بالتسويف والمماطلة لتجنب التصديق عليها. # وتضافرت أسباب عدة لتبدل موقف الباب العالي؛ فقد خشي أن يكون ~~الغرض من وصول القوات البريطانية بقيادة «جيمس كريج» إلى البحر ~~الأبيض إعداد حملة في مالطة لغزو مصر، ثم ما لبثت أن وردت الأخبار ~~معلنة انتصار نابليون على النمسا في «أولم» # Ulm # في 20 أكتوبر ثم في «أوسترليتز» # Austrlitz # في 2 ديسمبر، وقد ~~وصف «روفان» الأثر الذي أحدثه هذا الانتصار الأخير في الديوان ~~العثماني، فقال: «إن شمس «أوسترليتز» قد بددت سحب الطرف الآخر ~~وشتتتها.» وكان «نلسن» قد أحرز نصرا باهرا في هذه المعركة ~~البحرية على أسطولي فرنسا وإسبانيا مجتمعين في 21 أكتوبر من العام ~~نفسه، ودفع حياته ثمنا لهذا المجد الذي ناله، ثم ارتفع شأن فرنسا ~~عندما أرغمت النمسا على عقد صلح «برسبورج» Pressburg # في 26 ديسمبر فاعترفت بمملكة إيطاليا ~~التي كان نابليون قد أنشأها، بل وتنازلت عن البندقية ودلماشيا ~~وأوستريا كي تضم جميعها إلى هذه المملكة. وكان من أثر كل هذه ~~الحوادث، وبخاصة هزيمة النمسا في «أوسترليتز» أن صار لزاما على ~~روسيا دعوة جندها للتأهب والاستعداد عندما توقعت أن يبادر نابليون ~~بتسديد ضربة قاتلة إلى بولندة وأن يشرع في الزحف عليها لفتحها، ~~ففقدت الكثير من احترامها السابق في أعين الوزراء العثمانيين، زد ~~على ذلك أن «تاليران» لم يلبث أن كتب إلى الريس أفندي غداة صلح ~~«برسبورج» أن تنازل ms0329 النمسا عن الأراضي التي ضمت إلى مملكة ~~إيطاليا من شأنه أن يجعل (لحسن الحظ) إمبراطور الفرنسيين قريبا من ~~أملاك الباب العالي، ويؤدي - كما قال - إلى تحقيق رغبة الإمبراطور ~~في توطيد صلات المحبة مع السلطان العثماني، ودعم العلاقات بين ~~أملاكه وأملاك الدولة العثمانية، وسهل على «روفان» في هذه الظروف ~~أن يحصل من الباب العالي على الاعتراف المطلوب بلقب نابليون ~~إمبراطورا على الفرنسيين في أول فبراير 1806، ونصح «أربثنوت» ~~لحكومته بأنه لا سبيل لإرغام الأتراك على احترام عهودهم مع روسيا ~~وتجديد محالفتهم مع إنجلترة إلا بإثارة الخوف في نفوسهم من أن تعمد ~~الجيوش الروسية إلى مهاجمة الدولة والدخول في أراضيها، يؤازرها في ~~عملياتها العسكرية أسطول إنجليزي، وطلب مجيء أسطول إلى مياه ~~القسطنطينية، وإنذار الأتراك بأن تجاهلهم لروسيا ومضيهم في الغض من ~~كرامتها سوف تعده إنجلترة عملا عدوانيا موجها ضدها، وتدخل ~~المبعوث الروسي لدى الديوان العثماني حتى يعقد الباب العالي ~~المعاهدة مع إنجلترة، ويظهر رغبته - عملا بروح المعاهدة الروسية ~~العثمانية - في دفع ذلك الهجوم الذي توقع الروس أن يأتيهم من ~~جانب فرنسا. # ولكن الباب العالي وقد نفض عنه ثوب المذلة والمسكنة، وتحرر بفضل ~~انتصارات نابليون على خصومه من الخضوع لروسيا وحلفائها الإنجليز، ~~لم يعر احتجاجات «ديتالنسكي» وزميله «أربثنوت» أي التفات، ونشطت ~~استعداداته العسكرية، وتذرع بشتى الوسائل للتخلص من إبرام المعاهدة ~~مع الإنجليز، وقرر عدم تجديد محالفته معهم حتى يستقر السلام العام، ~~ويتم الصلح بين فرنسا وإنجلترة الدولة التي صارت بمفردها الآن في ~~عداء مع الإمبراطور، فيتسنى عندئذ للباب العالي الدخول في ~~ارتباطات جديدة مع إنجلترة دون خطر عليه منها، ونفى أن استعداداته ~~العسكرية موجهة ضد روسيا، كما أكد رغبته في الإبقاء على علاقات ~~المودة والصفاء مع إنجلترة، وكتب السلطان إلى القيصر بسبب إلحاح ~~السفير الإنجليزي، حتى يبدد الشكوك التي ساورت روسيا من ناحية ~~استعدادات العثمانيين العسكرية. # وكان من الواضح أن ما فعله الباب العالي لم يقصد به سوى التمويه ~~وكسب الوقت، وأن نفوذ روسيا في القسطنطينية قد وصل إلى الحضيض، وأن ~~الباب العالي في ms0330 الظروف القائمة لن يجدد المحالفة مع إنجلترة، ~~ووجدت روسيا على وجه الخصوص أن اعترافه باللقب الإمبراطوري ~~لنابليون ثم امتناعه عن إبرام المحالفة مع إنجلترة علاوة على ~~استعداداته العسكرية على الحدود الروسية التركية، كل أولئك براهين ~~ساطعة على سوء نواياه، وتقتضي عملا حاسما من جانبها، وهددت في ~~أبريل 1806 باجتياز جيوشها للحدود العثمانية، ولكن دون طائل، بل إن ~~تركيا ما لبثت أن عارضت في مرور جند من الروس أرادت روسيا إرسالهم ~~بحرا بطريق البوغازات إلى جزر الأيونيان، ثم ألغت بجرة قلم ~~واحدة كل ما كان يتمتع به الرعايا الروس من امتيازات في ~~الإمبراطورية العثمانية من عهد بعيد، وتوسط «أربثنوت» في منع ~~الأتراك من اتخاذ أي إجراء يثير غضب روسيا، واستمع الأتراك لوساطته ~~عندما هدد السفير بأن الحرب بين روسيا وتركيا سوف يتبعها حتما ~~إغارة الأسطول الإنجليزي الرابض في البحر الأبيض على أملاك تركيا ~~المطلة عليه، ومع ذلك فقد ظل الباب العالي حتى شهر يوليو يرفض مرور ~~الجند الروس من البوغازات إلى «كورفو». # وزاد تمسك الباب العالي بموقفه عندما وصل السفير الفرنسي ~~الجديد «سباستياني» - صاحب البعثة المعروفة إلى تركيا ومصر قبل ذلك ~~بأربع سنوات - إلى القسطنطينية في 10 أغسطس 1806، فاستقبله الباب ~~العالي بحفاوة بالغة، وأذاع «سباستياني» أن غرض حكومته حماية الباب ~~العالي من مؤامرات أعدائه، وإقناعه باتخاذ قرار حاسم من أجل الوقوف ~~إلى جانب فرنسا ضد أعدائها وأعدائه، الروس والإنجليز، ثم أذاع أن ~~دولته قد أنزلت الهزيمة بالروس أمام «راجوزا» # Ragusa # عند طرف دلماشيا الجنوبي، ثم عظمت ~~مهانة روسيا عندما عرف في القسطنطينية في 16 أغسطس خبر إبرام ~~روسيا على يد مبعوثها «أوبريل» # Oubril # صلحا منفردا مع فرنسا في باريس (في ~~20 يوليو)، من بين شروطه ضمان روسيا وفرنسا استقلال وكيان ~~الإمبراطورية العثمانية، وذلك إلى جانب ترتيبات أخرى تستهدف عزلة ~~إنجلترة وتوطيد أقدام فرنسا في إيطاليا، فكان رضوخ روسيا لهذه ~~الشروط اعترافا منها بتفوق الإمبراطور الفرنسي، وأمعن «سباستياني» ~~في إظهار زرايته بها واتخاذ توقيعها على هذه المعاهدة دليلا على ~~مبلغ مهانتها، وصار ms0331 يحض الباب العالي على التحرر من نفوذ روسيا ~~وسلطانها عليه، وانتهز الأتراك الفرصة، فأصدروا قرارا في 24 أغسطس ~~بعزل حاكمي البغدان والأفلاق دون مشاورة روسيا خرقا لما هو متفق ~~عليه بين روسيا وتركيا بشأن تنصيب حاكمي هاتين الولايتين ~~الدانوبيتين حسب تنظيم 1802، وكان هذان الحاكمان «موروسي» # Mourousi # في البغدان ~~و«أبسلانتي» # Ipsilanti # في ~~الأفلاق معروفين بميولهما الظاهرة نحو روسيا، وحذر «أربثنوت» ~~حكومته إذا هي لم تعمل على المحافظة على هيبتها الآن وقبل فوات ~~الوقت، فسوف تجد نفسها ملزمة باستخدام وسائل العنف والشدة لإعادة ~~الأمور إلى نصابها، وأما روسيا فقد أبلغت مبعوثها أن «أوبريل» قد ~~جاوز تعليماته، ولم يكن مخولا عقد الصلح مع فرنسا، وطلب ~~«ديتالنسكي» من الباب العالي إرجاء ذهاب الحاكمين الجديدين إلى ~~منصبهما حتى يتضح موقف حكومته من هذه المسألة، واشترك «أربثنوت» ~~معه في ذلك، ولكن دون طائل. # فقد كان واضحا أن الباب العالي ماض في سبيله ولا يأبه ~~لأقوالهما واحتجاجاتهما، وقدم «سباستياني» بدوره مذكرة في 16 ~~سبتمبر تحدث فيها عن إصرار الإمبراطور نابليون على ضرورة غلق ~~البوغازات في وجه السفن الحربية الروسية واعتباره فتحها لمرور ~~الروس عملا عدوانيا ضد فرنسا، كما يعتبر الإمبراطور استمرار ~~محالفة الأتراك للروس أو تجديد معاهدتهم مع الإنجليز خرقا صريحا ~~للحياد ومساعدة من جانب الباب العالي لهؤلاء في الحرب القائمة ضد ~~فرنسا، وهدد الإمبراطور باضطراره إذا أهملت تركيا مطالبه أن يتخذ ~~ما يراه متفقا مع ما تقتضيه رعاية مصالحه والمحافظة على هيبته، ~~فكان بفضل هذا التهديد أن وجد الباب العالي مستندا جديدا يؤيده ~~في رفضه مرور الروس من البوغازات، وطلب «أربثنوت» من حكومته إرسال ~~أسطول صغير إلى مياه القسطنطينية، لتعزيز موقفه وموقف زميله، وهدد ~~«ديتالنسكي» بطلب جواز سفره ومغادرة القسطنطينية إذا لم يعد ~~الحاكمان إلى منصبهما دون إمهال، وهدد «أربثنوت» بدخول إنجلترة ~~الحرب ضد تركيا إذا وجدت روسيا نفسها مرغمة بسبب موقف الأتراك على ~~محاربتهم. ثم جاءت الأخبار من فينا تنبئ بتوقع عقد محالفة جديدة ~~ضد فرنسا من بروسيا والسويد والدانمرك، ومن المحتمل كذلك النمسا ~~إلى ms0332 جانب إنجلترة وروسيا. وأمام هذه التهديدات وبسبب هذه الأخبار ~~التي بعث بها السفير الإنجليزي لدى النمسا، السير «روبرت آدير» # Robert Adair # أعلن الباب ~~العالي في 13، 15 أكتوبر موافقته على إعادة حاكمي البغدان والأفلاق ~~المعزولين إلى منصبيهما، وكتب «ديتالنسكي» إلى حكومته في 18 أكتوبر ~~يبلغها نبأ ذلك. # فحقق هذا التراجع من جانب الباب العالي هزيمة «سباستياني»، وصرح ~~السلطان أنه يفضل رؤية الحرب يستعر أوارها في البوسنة (على حدود ~~دلماشيا التي يمتلكها الفرنسيون) على نشوبها تحت أسوار قصره؛ أي في ~~مياه القسطنطينية، وأرشى «ديتالنسكي» «وأربثنوت» وزير الخارجية ~~غالب أفندي في صورة هدايا ثمينة، ولكن هذا الفوز لم يستمر طويلا؛ ~~ذلك أن استنجاد السفير الإنجليزي بحكومته وطلبه منها إرسال أسطول ~~صغير إلى مياه القسطنطينية، لم يلبث أن لقي آذانا مصغية، فبعث ~~أمير البحر الإنجليزي «كولنجوود» # Collingwood # قسما من الأسطول بقيادة ~~«السير توماس ~~لويس» # Thomas Louis # إلى المياه العثمانية، فوصل لويس بقطع ~~أسطوله إلى مالطة أولا في 8 نوفمبر 1806، ومع أنه علم بنجاح مساعي ~~السفير الإنجليزي والمبعوث الروسي فقد قرر المضي في مهمته، ووصل ~~إلى «تينيدوس » في 21 نوفمبر، وفي اليوم نفسه ألقت إحدى قطع أسطوله ~~مراسيها أمام القسطنطينية، فكانت هذه الخطوة الوسيلة التي تذرع بها ~~السفير الفرنسي ليحرك السماء والأرض من أجل تحويل الباب العالي عن ~~عزمه، وجذبه ثانية لتأييد المصالح الفرنسية، فقابل الريس أفندي في ~~اليوم التالي، وأعلن إليه خبر الانتصارات التي أحرزها نابليون ~~أخيرا، وأهمها دخوله برلين في 25 أكتوبر، وزحفه صوب بولندة ~~للاشتباك مع الجيش الروسي، وكرر مطالب الإمبراطور من تركيا، وهي ~~تمزيق معاهدة التحالف مع روسيا، وإغلاق البوغازات، وتجنيد جيش ~~عثماني كبير، وتسليح كل السفن الصالحة للعمل، وأبلغ «سباستياني» ~~الريس أفندي - الذي خشي أن يفضي حرمان الروس من حق مرور سفنهم ~~الحربية من البوغازات إلى إعلانهم الحرب ضد تركيا - أن في وسعه أن ~~يعزو ذلك الإجراء إلى ضغط فرنسا الشديد عليه. ولما كانت الجيوش ~~الفرنسية منتصرة في كل مكان ذهبت إليه، فقد خشي الباب العالي مغبة ~~المقاومة، وقرر المفاوضة ms0333 من أجل عقد محالفة مع فرنسا، وإصلاح قلاع ~~البسفور والدردنيل، وتأليف جيشين كبيرين أحدهما في «صوفيا» لإخضاع ~~الصرب، والآخر في «إسماعيل» على أحد فروع مصابات الطونة في ~~بسارابيا لمقاومة الروس إذا حاولوا عبور نهر «دنيستر». # ثم أتيحت الفرصة لجذب الباب العالي نهائيا إلى جانب فرنسا ~~عندما تسرعت روسيا فأصدرت أمرها لجيشها الرابض على حدود ~~البغدان # Moldavia # باجتياز ~~الحدود في 28 أكتوبر، وذلك بعد أن استبطأت رد مبعوثها عن نتيجة ~~تهديداته للباب العالي، وهي التهديدات التي كانت قد أسفرت - كما ~~رأينا - عن موافقة تركيا على إعادة حاكمي البغدان والأفلاق إلى ~~منصبيهما، فلم يصل كتاب «ديتالنسكي» إلى بطرسبرج إلا يوم 4 نوفمبر، ~~ومع ذلك فقد اعتبرت حكومته ما جاء في كتابه موجزا إلى حد ~~الاقتضاب، ولا يسوغ تراجعها، كما اعتبرت تفصيلات أخرى بعث بها ~~«ديتالنسكي» إليها في 28 أكتوبر قاصرة عن الغرض، وعادت تصر على ~~ضرورة استصدار إعلان رسمي من الباب العالي يؤكد فيه عدم تعطيل حق ~~الروس في المرور من البوغازات، كما أصرت على ضرورة مبادرة الباب ~~العالي بتجديد معاهدة تحالفه مع إنجلترة حتى يتحرر من سلطان فرنسا ~~عليه واستبدادها به؛ وعلى ذلك فقد استمر «ميشلسون» # Michelson # قائد الجيش الروسي في ~~توغله في البغدان واحتل «ياسي» # Jassy # وغيرها من المدن الهامة. وفي 14 ديسمبر ~~قابل «سباستياني» السلطان سليم وسلمه كتابا من نابليون يعده بشد ~~أزره، ويقطع على نفسه عهدا بعدم عقد السلام إلا إذا أعيدت إلى ~~السلطان العثماني الولايتان الدانوبيتان، ونصب عليهما الحاكمان ~~اللذان اختارهما الباب العالي، فعقد الوزراء العثمانيون مؤتمرا ~~شهده «سباستياني» لبحث الموقف، وفي هذا المؤتمر تقرر إعلان الحرب ~~على روسيا، وقد أعلنت هذه رسميا في 27 ديسمبر 1806، وكان ~~«ديتالنسكي» قد انتقل قبل ذلك إلى إحدى السفن الإنجليزية من أسطول ~~الأميرال لويس، وفي 28 ديسمبر غادر الأميرال الإنجليزي مياه ~~القسطنطينية ليجمع سائر قطع أسطوله الموزعة بين الدردنيل ~~والبسفور استعدادا للطوارئ، بينما أبحر «ديتالنسكي» إلى ~~مالطة. # وبذل «سباستياني» كل ما وسعه من جهد وحيلة لإقصاء غريمه الآخر ~~«أربثنوت» من القسطنطينية، ms0334 وتزايدت حروجة مركز «أربثنوت» تبعا ~~لازدياد نشاط «سباستياني»، وفي 13 يناير 1807 طلب الريس أفندي من ~~السفير الإنجليزي إبعاد الأسطول عن مدخل الدردنيل، وجعل مرساه عند ~~«تينيدوس» ثم أبلغ بعد ثلاثة أيام الحكومات المختلفة عزمه على ~~إغلاق البوغازات، وما إن وصلت «أربثنوت» تعليمات حكومته المؤرخة في ~~14 نوفمبر من العام السابق حتى طلب الاجتماع بالوزراء العثمانيين ~~في 25 يناير يبلغهم فحواها، وهي تخيير الباب العالي بين تجديد ~~محالفته مع إنجلترة وروسيا وعودة الأمور إلى سابق عهدها، وطرد ~~السفير الفرنسي «سباستياني»، وبين قطع العلاقات بين إنجلترة ~~وتركيا، وهدد «أربثنوت» الوزراء العثمانيين حتى يبرهن لهم على صدق ~~عزيمة حكومته بأن أسطولا إنجليزيا سوف يحضر قريبا للعمل مع ~~الأسطول الرابض عند «تينيدوس»، ولاقتحام البوغازات بالاتحاد مع ~~الأسطول الروسي، ولكن دون طائل. ولما كانت تعليمات السفير ~~الإنجليزي قد ذكرت: حيث إنه من المحتمل في الظروف القائمة قطع ~~العلاقات بين إنجلترة وتركيا فقد صار عليه أن يتخذ ما يراه من ~~إجراءات أو وسائل تكفل سلامته وسلامة سفارته، فقد قرر «أربثنوت» ~~مغادرة القسطنطينية وبخاصة بعد أن بلغه أن الحكومة العثمانية صارت ~~تفكر في الاستيلاء على السفينة التي تركها «توماس لويس» لخدمته، بل ~~والقبض عليه هو نفسه وسائر أفراد الجالية الإنجليزية كرهائن، فغادر ~~العاصمة في 29 يناير وترك القائد العثماني عند الدردنيل سفينته تمر ~~بسلام، وفي 31 يناير ألقت السفينة وكانت الفرقاطة «إنديميون» # Endymion # مراسيها إلى جانب ~~سائر قطع الأسطول الواقف أمام الدردنيل، واعتقد «أربثنوت» أنه قد ~~صار في وسعه الآن المفاوضة بحرية مع الباب العالي، والعودة ~~قريبا إلى القسطنطينية من غير حاجة إلى استخدام وسائل العنف ~~والشدة، ولكن «أربثنوت» كان واهما فيما ذهب إليه؛ ذلك أن الحكومة ~~الإنجليزية كانت قد أبلغت تعليماتها منذ 21 نوفمبر سنة 1806 إلى ~~قائد قواتها البرية في صقلية الجنرال «فوكس» # Fox # تطلب منه التهيؤ لنقل جيش من خمسة آلاف ~~جندي إلى مصر يكونون على قدم الاستعداد للقيام إليها فور صدور ~~الأوامر لهم بذلك، ثم إلى الأميرال «كولنجوود» الواقف بأسطوله أمام ~~«قادش» ms0335 # Cadix # لإرسال قسم منه ~~بقيادة السير «جون داكويرث» إلى مياه القسطنطينية لتأييد «أربثنوت» ~~في مفاوضاته، ثم القيام بعمل عدواني ضد القسطنطينية إذا أخفقت هذه ~~المفاوضات، وقد غادر أسطول «داكويرث» قادش منذ 15 يناير 1807 وقبل ~~وصوله إلى «تينيدوس» في 10 فبراير كان قد علم بهرب السفير ~~الإنجليزي من القسطنطينية، فبعث إلى الجنرال «فوكس» بهذا الخبر، ~~فأصدر الأخير أمره بإبحار الحملة المعدة بقيادة «فريزر» إلى ~~الإسكندرية، بينما اقتحم «داكويرث» الدردنيل في 19 فبراير في ~~مظاهرة فاشلة؛ لأنه لم ير من الحكمة القيام بعمل عدواني ضد ~~التحصينات التي كان قد أنجزها الأتراك، بينما استبدت بالسفير ~~الإنجليزي نفسه الشكوك في رجاحة عقل الحلفاء الروس الذين سببوا ~~بعدم حكمتهم هذا المأزق، وخشي «داكويرث» «وأربثنوت» أن يكون ~~المقصود من قبول الأتراك لاستئناف المفاوضة مع السفير الإنجليزي ~~مراوغة الإنجليز ونصب الفخاخ لأسطولهم حتى إذا كملت كل استعداداتهم ~~أنزلوا به كارثة كبيرة، فقرر الاثنان عدم الانتظار، والانسحاب ~~بمجرد أن تبدلت لهجة الأتراك معهما عند فراغهم من استعداداتهم، ~~فطلبوا بعزم خروج الأسطول من مياههم، فعاد الأسطول أدراجه في أول ~~مارس ميمما شطر الدردنيل، وقابلته قلاع الدردنيل بإطلاق مدافعها ~~عليه، ففقد مركبين من نوع القرويت وستمائة قتيل، وكان بعد هذه ~~الحوادث بخمسة أيام فحسب أن أقلعت حملة الجنرال «فريزر» من ~~«مسينا»، وهي الحملة التي لو قدر لها النجاح لقضت على حكومة ~~محمد علي. # ذلك إذا كان تطور الموقف الدولي الذي أسفر في مراحله الأخيرة عن ~~إرسال حملة «فريزر» إلى مصر لاحتلال الإسكندرية، وكان لهذه الحوادث ~~أكبر الأثر على ما وقع من حوادث كذلك في مصر؛ فانشغال الباب العالي ~~بهذا الصراع الدائر في القسطنطينية لتنازع النفوذ بين فرنسا من ~~جانب وبين إنجلترة وروسيا من جانب آخر قد أعجزه عن معالجة الموقف ~~في مصر وبسط سيطرته وسلطانه الفعلي عليها، فكان هذا الانشغال من ~~العوامل التي جعلته رضخ للأمر الواقع فيقبل النزول عند إجماع ~~القاهريين وتقليد محمد علي منصب الولاية على كره منه، كما أنه كان ~~كذلك من الأسباب التي جعلته يعفو ms0336 عن البكوات بعد قتلهم علي ~~الجزائرلي واستيلائهم على حكومة القاهرة، عندما تم الاتفاق بينه ~~وبين مندوبي الألفي بالقسطنطينية على إرجاع سيطرة البكوات القديمة ~~إليهم، وإصدار أمره بنقل محمد علي إلى ولاية سالونيك، ثم جعله ~~اشتداد الأزمة يرضخ مرة ثانية لمشيئة محمد علي الذي رفض تلبية ~~أوامر السلطان (1806). # ومثلما استعان محمد علي بالمشايخ ورؤساء القاهريين في تذليل ~~القدر الكبير من الصعوبات التي صادفته في الشهور التي تلت المناداة ~~بولايته، فقد اعتمد على مؤازرتهم في اجتياز أزمة النقل هذه بسلام، ~~سواء في استكتابهم العرائض للباب العالي وللقبطان باشا أم في إبطال ~~نشاط البكوات أم في معاونته على جمع المال اللازم لدفع مرتبات ~~الجند. # وقد زاد من خطورة هذه الأزمة الأخيرة أنه كان على الباشا مصارعة ~~خصمين عنيدين؛ أحدهما الألفي أعظم البكوات نشاطا وأكثرهم تمرسا ~~في فنون السياسة، كما كان يتسع أفق تفكير البكوات لإدراك أسرارها ~~وفهم مكنونها، والآخر الوكيل الإنجليزي «مسيت» عدو محمد علي اللدود ~~والمراوغ المداهن والرجل الذي رأى في وجود محمد علي في الحكم مبعث ~~كل النكبات التي حلت بمصر، ومصدر الفوضى المنتشرة في أرجائها، ~~والذي اعتقد أنه طالما عجزت حكومته الإنجليزية عن إرجاع البكوات ~~إلى الحكم وإقصاء محمد علي عنه فسوف تظل البلاد ضعيفة وعاجزة عن ~~دفع أي عدوان خارجي عليها، ولا مندوحة لذلك من أن يحتل جند ~~بريطانيون الإسكندرية، بل والبلاد بأسرها عند الضرورة، لتأمين ~~سلامة مصر - كما قال - وحتى يتسنى منع الفرنسيين من غزوها. # ولقد كان من المتوقع ألا يلقى محمد علي أية معونة من فرنسا ومن ~~ممثليها في مصر بسبب سياستها السلبية التي سبق توضيحها، وبسبب ~~اعتقاد حكومتها أن في وسعها الاعتماد على طائفة البكوات المناصرين ~~لها بزعامة البرديسي لتعزيز مصالحها، ولكن تبديلا حاسما ما لبث ~~أن طرأ على هذه السياسة، فاستحالت إلى سياسة إيجابية عملت على ~~مؤازرة محمد علي وتأييد حكومته، ولم تكن الحكومة الفرنسية ذاتها هي ~~صاحبة الفضل في هذا التحول الذي حدث، وإنما كان صاحبه ممثلها في ~~مصر «برناردينو دروفتي» الذي خشي من ms0337 استفحال أمر الألفي صنيعة ~~الإنجليز، وخشي من انهيار النفوذ الفرنسي انهيارا تاما وضياع ~~مصالح فرنسا إذا تسنى للألفي تأسيس حكومته في مصر بمعاونة ~~الإنجليز، فطفق يسعى بكل ما وسعه من جهد وحيلة لإحباط مشروعات ~~الألفي والإنجليز ومناصرة حكومة محمد علي وتأييدها، ثم كان ل ~~«دروفتي» نصيب كبير في كل ما بدا من نشاط لهزيمة حملة «فريزر» عند ~~مجيئها. # ولا جدال في أن حكومة محمد علي ظلت في أثناء ذلك كله معرضة ~~لأخطار جسيمة، بل لقد صادفت هذه الحكومة أزمات كادت تزلزل كيانها ~~وتقضي عليها، وكان آخر هذه الأزمات حملة «فريزر» على مصر، فكانت ~~الفترة من وقت المناداة بولايته في مايو 1805 إلى وقت جلاء ~~الإنجليز عن الإسكندرية في 19 سبتمبر 1807 فترة اختبار وتجربة، ~~عجمت الحوادث في أثنائها عود محمد علي، وتأرجحت ولايته، وارتهن ~~بقاؤها بقدرته على تذليل الصعوبات التي اعترضته أو عجزه عن تداركها ~~وجرفها لحكومته، ولقد كان امتحانا قاسيا اجتازه محمد علي بنجاح، ~~فأقام الحجة على أنه رجل دولة وسياسة، في وسعه إرساء قواعد الحكم ~~على أسس قوية ثابتة ودعم أركان الولاية، الأمر الذي اختصه بعنايته ~~في نشاط ومثابرة في السنوات الثلاث التالية (1807-1811). # الفصل الأول # | الكفاح من أجل البقاء # تمهيد: الموقف بعد المناداة بالولاية # أزاح إقلاع القبطان باشا من الإسكندرية في أكتوبر 1805 حملا ~~ثقيلا عن صدر محمد علي، عندما كان وجوده يهدد بتألب أعداء ~~الباشا عليه في اتحاد عام، يسبغ عليه تزعم القبطان باشا - وهو ~~ممثل السلطان العثماني صاحب السيادة على هذه البلاد - الصبغة ~~الشرعية التي تزيده قوة وتوثقا، فآذن استبعاد هذا العامل من ~~الميدان، وتثبيت محمد علي في ولايته بانحصار التنازع على ~~السلطة في الفترة التالية مباشرة بين باشا القاهرة وبين ~~البكوات المماليك، وكان نزاعا مريرا؛ لأن محمد علي كان قد صح ~~عزمه منذ أن دان له الحكم في مايو على الاستقرار في ولايته ~~وعدم مبارحة البلاد، فبعث في طلب ولديه إبراهيم وطوسون، ووصل ~~هذان إلى بولاق في 27 أغسطس 1805، وأصعد الباشا ابنه الأكبر ~~إبراهيم ms0338 إلى القلعة في اليوم التالي، وأجلسه بها، ثم لم يلبث ~~أن توافد عليه مواطنوه يطلبون خدمته والعمل معه وتحت لوائه، ~~وعهد إليهم الباشا بشتى الأعمال. وكان المماليك من ناحيتهم لا ~~يقلون إصرارا عنه على المضي في جهودهم من أجل انتزاع حكومة ~~القاهرة منه، واسترجاع سلطانهم المفقود في بلاد عدوها ملكا ~~خالصا لهم يقتسمون أرزاقها فيما بينهم، ولا يسمحون لطوائف ~~الأجناد من أرنئود ودلاتية وغيرهم ممن اعتبروهم غرباء عنها بأن ~~يشاركوهم في استغلالها. ولقد استمر المماليك مصدر أشد الأخطار ~~التي تعرضت لها حكومة محمد علي لا في هذه الفترة فحسب، بل ~~وطوال المدة التي احتفظوا فيما بمظاهر شوكتهم قبل أن يقضي ~~عليهم القضاء المبرم في مذبحة القلعة المعروفة. # لقد تضافرت عوامل عدة على إضعاف البكوات المماليك، كان أهمها ~~نقص قوة فرسانهم عدتهم الكبرى في الحروب، ووهن العلاقة التي ~~ربطت بين «الأساتذة» و«الأتباع»، والأولون هم البكوات، منهم ~~الحكام الصناجق (أو السناجق، جمع سنجق وهو البيرق شارة الإمارة ~~والبكوية)، والآخرون هم المماليك الذين اختص كل واحد من ~~الأساتذة، أو السادة الأمراء بعدد معين منهم، وقد عمد هؤلاء ~~البكوات، أو الأمراء إلى الاستكثار من مماليكهم؛ بشرائهم ~~الرقيق من أسوان في جورجيا والقفقاز خصوصا، ولا يلبثون أن ~~يرفعوا من شاءوا منهم عند اكتمال رجولتهم إلى رتبة البكوية ~~والإمارة ، ثم وهن العلاقة بين هؤلاء المماليك الذين أمرهم ~~أساتذتهم وأسيادهم فصاروا «خشداشين» متساوين في الحقوق ~~والتبعات، يربط بينهم الولاء لأستاذهم الأكبر سيد البيت الذي ~~ينتمون إليه، ويسود وجوبا الوئام والاتحاد بينهم بحكم هذه ~~الصلة، حتى إذا خرج أحدهم على ما جرى به العرف عد ذلك إثما ~~عظيما. وكان بيت السيد أو الأستاذ بمثابة المدرسة التي يتعلم ~~فيها مماليكه الفروسية وفنون القتال، ويتدربون على الشجاعة ~~والبسالة، ويلقنون المبادئ الأخلاقية التي أقرها النظام ~~المملوكي، وأهمها طاعة التابع لأستاذه، والولاء له حتى ~~يسترشدوا بها في حياتهم الخاصة والعامة على سنن يحفظ لطبقتهم ~~المنعزلة في نظامها عن سائر طوائف وطبقات المجتمع تكتلها ~~وكيانها. # وكان عدد البكوات أو الصناجق في العهد العثماني ms0339 الأول أربعا ~~وعشرين، ثم أخذ ينخفض تارة ويرتفع أخرى ليصل إلى هذا الرقم، ~~حتى إذا كان عهد الحملة الفرنسية نقص عدد البكوات، فلم يزيدوا ~~عند خروج الفرنسيين من مصر على الاثني عشر «بك»، ثم نقص عدد ~~مماليكهم، من الثمانية آلاف أو الاثني عشر ألفا على أقصى ~~تقدير إلى حوالي الألف أو الألف والخمسمائة فارس أو مملوك ~~وبخاصة عندما أفقدهم النضال والتطاحن المستمر من أجل الاستحواذ ~~على السلطة في القاهرة بعد الحملة الفرنسية الكثير من أعدادهم، ~~وتعذر على البكوات أن يسدوا هذه الثغرة التي حدثت في صفوف ~~مماليكهم؛ لأن الباب العالي لم يلبث أن بادر - عقب دخول البلاد ~~مرة أخرى في حوزته - بإصدار الأوامر المشددة بوضع العراقيل في ~~أسواق الرقيق التي يجلب منها البكوات مماليكهم وإيصادها دونهم، ~~حتى صار هؤلاء يشكون من هذا الإجراء شكوى مرة، ويحاولون ~~الاستعاضة عن المماليك الرقيق بمن صار ينضم إلى صفوفهم من ~~العرب البدو واليونانيين والأتراك، ولم يكن الدافع لالتحاق ~~هؤلاء بخدمة البكوات سوى استمرائهم لحياة السلب والنهب التي ~~صار يعيشها البكوات أنفسهم في تنقلهم من إقليم إلى آخر منذ أن ~~حرموا نعمة الاستقرار في الحكم التي تمتعوا بها قبل مجيء ~~الفرنسيين من ناحية والتي فقدوها نهائيا منذ أن طردت ~~حكومتهم من القاهرة على يد محمد علي، فلم يفدهم انضمام العرب ~~واليونانيين والأتراك إليهم سوى رفع قوتهم العددية، بل أضعف ~~من ناحية أخرى قوتهم المعنوية، أو بالأحرى زاد من إضعافها ~~ووهنها، وذلك أن الانحلال الذي أخذ يدب في صفوف المماليك كان ~~انحلالا عاما شاملا. # فالمماليك عند بدء النضال بينهم وبين محمد علي - وقد كان ~~نضال بقاء أو فناء بالنسبة لهم - كانوا قد فقدوا تلك الميزات ~~الأولى التي حفظت لهم كيانهم في الماضي، فلم يعودوا أولئك ~~المحاربين الشجعان المتمسكين بولائهم لأسيادهم حتى الموت، بل ~~انصرفوا إلى التمتع بلذائذ الحياة وانغمسوا فيها انغماسا ~~فانهمكوا في الشراب إلى حد السكر والعربدة، ولم يعفوا عن ~~ارتكاب كل إثم وموبقة، وأنهكت هذه المفاسد قواهم الجثمانية ~~والذهنية، وانعدم النظام وسادت الفوضى في ms0340 صفوفهم، ونبذ الصغير ~~طاعة الكبير، وفرقتهم عوامل الغيرة والحسد والكراهية ~~والمنافسة الشديدة، وصارت الإمارة، أو البكوية مطمح كل فرد ~~منهم في وسعه أن يجمع حوله نفرا من زملائه المماليك، فيتآمر ~~عليهم، وينشط لخدمة مآربه الشخصية دون نظر إلى صالح طائفته، ~~واندثرت مدرسة البيت القديمة، وبدلا من أن يتآمر اثنا عشر من ~~البكوات، بلغ عدد المتآمرين منهم في بداية عام 1806 حوالي ~~الخمسين يعمل كل منهم في دائرته مستقلا عن الآخر، وذلك عدا ~~فصائل كثيرة مبعثرة هنا وهناك تكاد تعيش منعزلة إحداها عن ~~الأخرى وعن سائر جماعات المماليك، فانقسموا شيعا وأحزابا ~~يعادي بعضها بعضا، وعجزوا عن تدبير شئونهم في الأقاليم التي ~~بقيت في حوزتهم، فلم ينشئوا نظاما للحكم والإدارة يكفل لهم ~~حياة مستقرة تستند في تغذيتها على موارد ثابتة تعينهم على ~~النضال في عزم ومثابرة، بل آثروا حياة التجول والإغارة على ~~القرى لسلب الأهلين ونهبهم، ولقد وصف «دروفتي» في إحدى رسائله ~~إلى حكومته في 16 أكتوبر سنة 1805 مبلغ الانحطاط الذي وصلوا ~~إليه فقال: «إن المماليك لم يعودوا أولئك المحاربين الشجعان ~~المعروفين بإخلاصهم وولائهم لأسيادهم حتى الموت، وغاب من بينهم ~~النظام كما انعدمت الطاعة، وأما بيت البك الذي كان في الماضي ~~مدرسة يتعلم فيها المماليك النظام العسكري والعادات والأخلاق ~~القويمة فقد استحال اليوم إلى مباءة للفساد والانحطاط الخلقي ~~ومكانا لنشر الفوضى وتعليم عدم النظام. لقد جعلتهم حياة ~~التنقل وعدم الاستقرار والسلب والنهب التي يعيشونها كقطاع ~~للطرق، متوحشين وأغبياء، بينما استل منهم حيويتهم ونشاطهم ~~انكبابهم على الشراب وانغماسهم في سائر الرذائل والمعاصي، ثم ~~إقبالهم على الحياة الرخوة الناعمة.» # وقد دل على هذا الانحلال الذي ألم بهم سوء تدبيرهم وانقسامهم ~~الذي ضيع عليهم الاستفادة من عفو الباب العالي وصفحه عنهم في ~~عام 1803، ثم جعلهم يفقدون حكومة القاهرة في العام التالي، ثم ~~منعهم من الاستفادة من النضال الذي نشب بين خورشيد ومحمد علي ~~بعد ذلك، وقد تقدم كيف عرف محمد علي أن يستغل خرق البرديسي ~~وحسده للألفي فاستعداه عليه وهو «خشداشه»، وكان يجب أن ms0341 تردع ~~هذه الصلة البرديسي، ولكنه لم يأبه لها في سبيل إرضاء شهوة ~~الرياسة، ففقد البرديسي بسبب ذلك قدرا كبيرا من احترام ~~زملائه له، ثم جاء انخداعه بصداقة محمد علي الزائفة ضغثا ~~على إبالة، وحمله حقده على الألفي بعد ذلك على تفويت فرصة ~~أخرى ثمينة لاسترجاع حكومة القاهرة عندما صدر الأمر بتعيين ~~محمد علي لولاية سالونيك ونقله من مصر في عام 1806 لو أنه رضي ~~بالاتحاد مع الألفي، حتى إن إبراهيم الكبير (أو العجوز) صار ~~ينعى على البرديسي سوء تدبيره، ويعده مسئولا عن كل الكوارث ~~التي حلت بساحة المماليك. ولم يمنع إبراهيم بك عن التحرر من ~~البرديسي وروحه الشريرة سوى ضعفه وإيثاره الهدوء والاستكانة ~~على النشاط والمعارضة لتأصل المداراة والمسالمة في طبعه منذ أن ~~تقلد مشيخة البلد بعد وفاة أستاذه محمد بك أبي الذهب في سنة ~~1775، ثم شاركه «خشداشه» مراد بك السلطة أميرا للحج، فاستحالت ~~هذه المداراة والمسالمة استخذاء عندما تقدمت به السن، ولم يجد ~~لديه من متانة الخلق ما يجعله قادرا على حزم أمره مع البرديسي ~~أو تكدير صلته به أو قطعها، وبعد طرد حكومة البكوات من القاهرة ~~اتخذ البرديسي وإبراهيم وعدد من الصناجق حولهما وممن كانوا أقل ~~نفوذا منهما الصعيد مرتعا لهم، بينما اتخذ الألفي وأتباعه ~~مركزهم بالوجه البحري، ولقد كان لدى الألفي وحده أكبر قوة ~~عددية في وسع واحد من البكوات أن يجمعها حوله، فبلغ عدد ~~مماليكه مع من انضم إليهم من بين اليونانيين والأتراك ~~والمغاربة حوالي الألفين عدا بضعة آلاف من العرب البدو ~~ويستخدمهم في تنفيذ مآربه وخططه الخاصة منفردا عن سائر زملائه ~~ومستقلا بنفسه. # على أن هذا الانحلال الذي طرأ على الطائفة المملوكية، لم ~~يذهب بريح المماليك كله، ولم يمنعهم من أن يستمروا خطرا يهدد ~~حكومة محمد علي؛ وذلك لأن البكوات الصغار على الرغم من ~~أنانيتهم وتنازعهم على الرياسة فيما بينهم كانوا يعترفون بتفوق ~~وسيادة بعض كبار البكوات عليهم من بين الذين تقلدوا الإمارة من ~~زمن قديم وارتفع ذكرهم، حتى إذا استعصى أي أمر عليهم أو ms0342 مرت ~~بهم أزمة طارئة أو ألم خطب يوجب العمل الجماعي، هرعوا ~~يسألونهم الرأي والنصيحة أو التفوا حولهم، وكان هؤلاء البكوات ~~المعترف لهم بالتفوق والسيادة خمسة: إبراهيم بك الكبير (أو ~~العجوز) وعثمان بك البرديسي، ومحمد بك الألفي الكبير - تمييزا ~~له عن الأمير بشتك بك الملقب بالألفي الصغير، مملوك الألفي ~~الكبير، والذي أشركه إشراكا محدودا في حكومة القاهرة إبراهيم ~~والبرديسي على نحو ما سبق ذكره في موضعه - ثم سليمان بك البواب ~~المرادي وهو من الناقمين على البرديسي لسوء تدبيره، ثم عثمان ~~بك حسن، ويبدو أنه كان أحصفهم رأيا، وصفه «مسيت» بأن لديه ~~فهما وإدراكا للأمور، أكثر حكمة من زملائه، ولا يتدخل في ~~خلافاتهم وانقساماتهم، بل يعمل في مثابرة على رعاية صالح ~~المماليك عموما. # ولذلك فقد صار لزاما على محمد علي أن يحول بكل وسيلة دون ~~اتفاق كلمتهم واتحاد صفوفهم، وكان في وسعه أن يفعل ذلك بسبب ~~اختلافهم على وجه الخصوص بشأن النفوذ الأجنبي الذي صح عزمهم ~~على الاعتماد عليه في وصولهم إلى الحكم والسلطان؛ فقد كفى أن ~~يستند الألفي على مؤازرة الإنجليز حتى يمعن البرديسي في النفرة ~~منه، ويقف اعتماده كله على الاستعانة بالفرنسيين وإمبراطورهم ~~بونابرت العظيم، ولجأ محمد علي إلى توسيط المشايخ لإغراء ~~طوائفهم على قبول الصلح والاتفاق معه اتفاقا ما كان يريده أن ~~يتم إلا على أساس اعترافهم الواقعي بحكومته، وما كان يقصد منه ~~إذا أبوا ذلك إلا شل حركتهم وإخماد نشاطهم حتى يستكمل عدته ~~لمناجزتهم، ولقد كان من الواضح أنه لا ندحة عن قتالهم والقضاء ~~عليهم إذا شاء أن يستقيم له الأمر وتتدعم أركان ولايته، لا لما ~~كان في حوزتهم من أقاليم خارجة عن سلطان باشويته فحسب، بل ولأن ~~الولاية أو الباشوية ذاتها كانت معرضة للضياع والإفلات من يده ~~إذا تسنى للبكوات أن يظفروا بعفو آخر من الباب العالي على غرار ~~ما حدث قبل ذلك بعامين. # فقد خبر محمد علي أساليب الديوان العثماني في أثناء الأزمات ~~السابقة وآخرها أزمة المناداة بولايته هو نفسه، وعرف أن الباب ~~العالي الذي أرغم ms0343 إرغاما على التسليم بالأمر الواقع وقلده ~~الولاية بعد أن انتزعها انتزاعا لن يرضى ببقائه طويلا في ~~ولايته، ولن يمتنع عن تحين الفرص لإقصائه، ولو أفضى ذلك إلى ~~مهادنته للبكوات، وإرجاعهم إلى سابق عهدهم من السلطة والنفوذ ~~في ظل نظام يقوم على الأسس القديمة، وكما كان الحال قبل مجيء ~~الفرنسيين في حملتهم المعروفة على البلاد. ولا يبعد على الباب ~~العالي - حتى يتخلص من التدخل الإنجليزي الفرنسي في شئون ~~إمبراطوريته في وقت كان البكوات لا يزالون يستنجدون بحلفائهم ~~وحماتهم، ويلحون في توسيطهم لديه أن يسرع إلى المبادرة ~~بالعمل والسعي بنفسه للوصول إلى اتفاق معهم. على أن الخلاص من ~~خطر المماليك والتهيؤ لدرء ما قد يجد من أخطار من ناحية ~~الباب العالي كانا يقتضيان وجود قوة عسكرية كبيرة تشد أزر محمد ~~علي، ويكون في وسعه الاعتماد على ولائها له، ومع ما بذله ~~الباشا من جهود مضنية لاستبقاء ولاء الجند له من جهة، وإلزامهم ~~اتباع جادة النظام والطاعة من جهة أخرى، فقد ظل يشكو طوال هذه ~~الفترة العصيبة من ولايته من افتقاره إلى العنصر العسكري الذي ~~يبعث في النفس الثقة والاطمئنان إلى إدراك الانتصار في ~~المعارك، فكان نجاحا يدعو إلى الإعجاب حقا ذلك الذي أحرزه ~~الباشا عندما عرف كيف يتغلب على هذه المشكلة الشائكة، ولا يدع ~~زمام الجند يفلت من يده ، أو يتيح لهم ولرؤسائهم الفرصة لتدبير ~~انقلاب من طراز تلك الانقلابات التي أطاحت بحكومات ~~أسلافه. # فقد كان هناك «الدلاة» الذين استقدمهم خورشيد لنجدته فلم ~~ينجدوه، ولم يشتركوا في كل ما دار من معارك بين البكوات ~~وخورشيد ومحمد علي، بل قصروا نشاطهم على نهب القرى والاعتداء ~~على الأهلين حتى أرهقوا الفلاحين وأهل القاهرة، ومنذ ثورة ~~القاهرة (مايو سنة 1805) صاروا يعرضون خدماتهم على المشايخ ~~والأرنئود وزعيمهم محمد علي، وقد قبل هذا خدمتهم على أمل ~~إبعادهم بإرسالهم ضد المماليك في الوجه البحري، ولكنهم بدلا ~~من الالتحام مع جند الألفي صاروا ينهبون القرى ويخربونها، ~~واستمرت أعمال لصوصيتهم هذه جملة شهور حتى عزم محمد علي بمجرد ~~أن تسلم ms0344 شئون الحكم على تطهير البلاد منهم، فأمرهم بالعودة إلى ~~الشام، وبادر بإرسال حسن باشا لتعقبهم عندما استخفوا بأمره، ~~فاضطروا إلى الهروب، وانتهى الأمر بخروجهم من مصر محملين ~~بأسلابهم ومنهوباتهم قاصدين إلى غزة. # ثم كان هناك الأرنئود، وهم عدة محمد علي وبنو جلدته، ولا ~~يسعه الاستغناء عنهم، فقد كانوا مصدر خطر على حكومته بسبب ~~جنوحهم إلى التمرد والعصيان، فاتخذوا من تأخر مرتباتهم ذريعة ~~للامتناع عن الخروج لقتال المماليك تارة، ولمغادرة الصفوف ~~والذهاب إلى المماليك والانضواء تحت لوائهم تارة أخرى، ولإعاثة ~~الفساد في القاهرة وفي سائر المدن والقرى التي يمرون بها أو ~~يقصدون إليها والاعتداء على أهلها دائما، زد على ذلك تآمر بعض ~~رؤسائهم على الباشا نفسه، لم يمتنع عن الاشتراك في ذلك حسن ~~باشا الأرنئودي من أقرب المقربين إلى محمد علي، وزاد خطر هذه ~~المؤامرات حتى إن «مسيت» لم يلبث أن وجد لزاما عليه تحذير ~~الباشا منها، فكلف «عزيزا» ترجمان القنصلية الإنجليزية ~~بالقاهرة في نوفمبر 1805 أن يبادر فور وصول رسالته إليه ودون ~~أن يضيع لحظة واحدة بإبلاغ الباشا أن هناك مؤامرة تحاك خيوطها ~~في القاهرة ضد سلطته، وقد قام متزعم هذه المؤامرة بخطوات معينة ~~مع الجند، ومع المماليك، ومع الباب العالي. وفي أول يناير 1806 ~~كتب «مسيت» وهو يعرض الموقف في مصر لحكومته أن حسن باشا الزعيم ~~الألباني مصدر خطر يهدد محمد علي، وأنه يبذل قصارى جهده لدعم ~~مركزه واستمالة الأهالي إليه، وأنه أدرك نجاحا أكبر من منافسه ~~(أي محمد علي)؛ لأن وجود هذا الأخير على رأس الإدارة، وعدم ~~استطاعته إجابة كل مطالب جماعته يعرضانه لغضب القوم عليه. ولكن ~~هذا النجاح الذي ذكره «مسيت» كان من غير طائل؛ لأن حسن باشا ~~وإن ظل منافسا قويا لمحمد علي في هذا الوقت، فقد عرف الباشا ~~كيف يحد من أطماعه ويستبقيه إلى جانبه، فلم يعرف عنه التمرد ~~عليه أو عصيان أوامره، ومع ذلك فقد اضطر الباشا عندما تأزمت ~~الأمور وقت أن جاءه أمر النقل إلى سالونيك أن يعمل للتأكد من ~~إخلاص وولاء هؤلاء ms0345 الرؤساء العسكريين له، فجعلهم يحلفون ~~الأيمان الصادقة على مؤازرته وتأييده، وذلك قبل أن يقدم على ~~إعلان عزمه على مقاومة أوامر الباب العالي. # ولقد كانت حاجة محمد علي الملحة إلى المال مبعث الصعوبات ~~التي صادفها في علاقاته مع جنده ورؤسائهم، حيث كان من الواضح ~~أنه لو تيسر له دفع مرتباتهم لهم بانتظام لاستطاع ردعهم ~~وإرغامهم على الطاعة والامتثال لأوامره ووقف اعتداءاتهم على ~~الأهلين، والخروج للقتال ضد المماليك، كما كان من الواضح أن ~~توفر المال لديه سوف يتيح له الفرصة لإبطال نشاط خصومه في ~~القسطنطينية وإقناع رجال الديوان العثماني، وعملاء الباب ~~العالي وضباطه في مصر بالرضا والتسليم بالأمر الواقع وإلغاء ما ~~قد يتخذونه من قرارات تؤذي مصالحه. # ولذلك فقد توقف لدرجة كبيرة نجاحه في التغلب على الصعاب ~~التي صادفته عقب توليه الحكم مباشرة، ثم طوال فترة الاختبار ~~القاسية على قدرته على استنباط الوسائل التي تأتيه بما يسد ~~حاجته من المال، حتى إنه لمن المتيسر عند تتبع الحوادث في هذه ~~الفترة ملاحظة مدى ما هنالك من ارتباط وثيق بين مسعى محمد علي ~~لتذليل هذه الصعوبات وبين نشاطه لتوفير المال الذي يعينه على ~~التغلب عليها. ~~(1) حكومة محمد علي # وعلى ضوء ما تقدم إذن كانت المشاكل التي صادفت محمد علي ~~عند استلامه أزمة الحكم وبعد رحيل القبطان باشا ثلاثا: درء ~~الخطر المملوكي عن العاصمة ، واستئناف النضال مع البكوات لتأمين ~~ولايته، ثم معالجة مسألة الجند لإرسالهم لمطاردة المماليك ~~وقتالهم، وأخيرا تدبير المال اللازم لدفع مرتبات الجند قبل أي ~~شيء آخر. وقد سارت هذه المشاكل الثلاث جنبا إلى جنب كما ارتبط ~~علاج كل منها بالآخر، واتجه نشاط محمد علي نحو غاية واحدة هي ~~تقرير الولاية وتثبيت أقدامها. # وقد تقدم كيف أن البكوات كانوا قد اقتربوا من العاصمة وقت ~~انقلاب مايو 1805 ثم مجيء القبطان باشا إلى الإسكندرية لتسوية ~~الأمور، فظهر الألفي في الوجه البحري يتخذ منه ميدانا للصوصية ~~كبيرة، وظهر إبراهيم بك في لحظة من اللحظات بالقرب من القاهرة ~~للمراقبة فحسب - لأن البكوات بسبب تنافسهم وتباغضهم لم ms0346 ~~يستطيعوا توحيد عملياتهم للقيام بمجهود مشترك من أجل الاستحواذ ~~على القاهرة وقت اشتداد حروجة مركز محمد علي، ففوتوا على ~~أنفسهم هذه الفرصة المواتية - وبقي عثمان البرديسي في الصعيد ~~مريضا، ويمني نفسه بوصول النجدات التي كان ينتظر أن يبعث بها ~~الفرنسيون إليه، وآثر لذلك عدم الحركة، وقد تقدم كيف أن محمد ~~علي استطاع أن يبدأ المفاوضة مع الألفي، متخذا من أنانيته ~~وكبريائه وانفصاله عن سائر زملائه وسيلة للتغرير به وشل حركته، ~~يعاونه في ذلك السيد عمر مكرم الذي ظل هو الآخر يمني الألفي ~~بالوعود الطيبة، حتى اعتقد الأخير أن الانقلاب الذي أطاح ~~بخورشيد وأجلس محمد علي في الولاية لا يلبث أن يمهد السبيل ~~لاستيلائه على حكومة مصر، وقد أفلح محمد علي وعمر مكرم في شل ~~حركة الألفي، ثم استمر الحال على ذلك حتى حدثت مكيدة يوم 16 ~~أغسطس 1805، وعلا فيضان النهر، واضطر البكوات القبالي إلى ~~الانسحاب إلى الصعيد، وعندئذ غير محمد علي لهجته مع الألفي ~~بصورة أقنعت هذا بأن من الخير له، وقد صار الآن عاجزا عن ~~الاشتباك منفردا مع محمد علي في قتال قد تدور فيه الدائرة ~~عليه، أن ينسحب هو الآخر إلى الفيوم. # ومع أن انسحاب الألفي قد ترك محمد علي سيدا في القاهرة وفي ~~الوجه البحري، إلا أنه كان من المتوقع أن يعود البكوات إلى ~~الظهور من جديد حول القاهرة وفي الدلتا عند انخفاض النهر، وصار ~~لزاما على الباشا أن يبادر بإعداد جيشه وتهيئته لا للدفاع عن ~~العاصمة فحسب، بل ولتطهير البلاد من البكوات وطردهم منها كلية ~~وهم الذين شعر بأنهم أعداء أقوياء ومن المتعذر عقد أي صلح دائم ~~معهم عندما كان غرضهم الظفر بحكومة القاهرة ذاتها واسترجاع ~~سلطانهم على البلاد بأكملها، وكان إعداد هذا الجيش من أعقد ~~المشاكل التي صادفت محمد علي. # مشكلة الجند # ذلك أنه كانت قد تجلت في الجيش وقتئذ ظاهرتان، كان مبعث ~~كليهما في واقع الأمر أدواء مزمنة، إحداهما استمرار مغادرة ~~الجند للصفوف وهروبهم للانضمام إلى قوات المماليك، والأخرى ~~استمرار المطالبة بدفع مرتباتهم المتأخرة، ms0347 أضف إلى هذا أن ~~الجند ظلوا سادرين في غوايتهم ينهبون ويسلبون ويعتدون على ~~الأهلين في القاهرة والأقاليم، حتى سادت الفوضى في الجيش، ~~أو بالأحرى شراذم هؤلاء الجند المرتزقة الذين انعدم بينهم ~~النظام، وشاركهم بعض رؤسائهم في أعمال التخريب، ونبذ ~~الطاعة والخروج على كبار زعمائهم؛ فقد اكتظت القاهرة ~~بالعسكر الأرنئود الذين رفضوا الذهاب لقتال المماليك ما لم ~~تدفع لهم مرتباتهم، واتخذوا من عدم دفعها لهم ذريعة ~~لاستمرار اعتداءاتهم على القاهريين، وتعالت صيحاتهم ~~وازدادت مطالبهم، وحذا حذوهم إخوانهم في بعض المراكز التي ~~ظلت في أيديهم بالصعيد كحامية جرجا خصوصا، ثم في الوجه ~~البحري، وكان الأرنئود قد انتهزوا فرصة وصول الألفيين ~~الكبير والصغير إلى جهة الجيزة في 11 أغسطس، فذهب جماعة ~~منهم للانضمام إلى مماليكهما في اليوم التالي، وتعقبهم جند ~~الباشا، وقتلوا عددا منهم، ثم لم تمض أيام على ذلك حتى ~~أغارت طائفة أخرى منهم على سوق إمبابة فنهبوا ما وجدوه ~~بأيدي الفلاحين، وتكررت حوادث هذه الاعتداءات وفرار الجند ~~في الوقت نفسه للانضمام إلى قوات المماليك لا سيما إلى ~~قوات الألفي الذي كان يكثر من التنقل بجيشه بين الفيوم ~~والجيزة والبحيرة خصوصا، وذلك طمعا في مشاركة هذا الجيش ~~في أعمال النهب والتخريب، من ذلك اعتداء أحد الممباشية ~~الأرنئود مع ستين من رجاله على جهة بولاق ونهبها وفضح ~~نسائها، ثم فرار ممباشي آخر مع حوالي الأربعمائة من عسكره ~~إلى معسكر الألفي. # وقد وصف الشيخ الجبرتي ضمن حوادث رمضان 1220 (نوفمبر ~~وديسمبر 1805) فعال الجند في القاهرة، فقال: «وقد زاد ~~فحشهم وقبيحهم وتسلطهم على إيذاء الناس، وكثروا بالبلد، ~~وانحشروا في كل جهة، وتسلطوا على تزوج النساء قهرا اللاتي ~~مات أزواجهن من الأمراء المصرلية، ومن أبت عليهم أخذوا ما ~~بيدها من الالتزام والإيراد، وأخرجوها من دارها، ونهبوا ~~متاعها، فما يسعها إلا الإجابة والرضا بالقضاء ... ووصل كل ~~صعلوك منهم لما لا يخطر على باله أو يتوهمه أو يتخيله ولا ~~في عالم الرؤيا ...» ولم تعرف القاهرة بسبب إيذاء الجند ~~لأهلها راحة أو هدوءا أثناء شهر رمضان هذا، وكف الناس ms0348 ~~عن المرور في شوارعها ليلا خوفا من أذية العسكر ~~واعتدائهم عليهم بالخطف والقتل والسلب وما إلى ذلك، ولم ~~يأبه الجند لنداءات الباشا وأوامره المتكررة لهم بالخروج ~~إما لقتال الألفي وإما لقتال بكوات الصعيد، ومع أنه استطاع ~~في بعض الأحايين وبعد أن دفع لهم شيئا من مرتباتهم ~~المتأخرة إقناعهم بالخروج من القاهرة، فإنهم ما كانوا ~~يغادرونها حتى يعودوا إليها، كما ظل رؤساؤهم يحضرون إلى ~~العاصمة يطلبون مرتبات جنودهم الذين يهددون بالعصيان ~~والتمرد، سواء في المنيا أم في أسيوط أم في جرجا أم في ~~الفيوم أم في الجيزة، مثال ذلك حضور «محو بك» من المنيا ~~يطلب العلوفة لجنده، وتخاذل حامية أسيوط الذي تسبب عنه ~~امتلاك البكوات لها (أكتوبر)، ثم فرار ياسين بك وانضمامه ~~إلى سليمان بك المرادي بالصعيد، وكان ياسين بك بعد خذلان ~~خورشيد باشا وانتهاء مقاومته قد دخل في خدمة محمد علي على ~~نحو ما سبق ذكره، وعهد إليه الباشا بكشوفية بني سويف ~~والفيوم في 15 سبتمبر وخرج في تجريدة لقتال البكوات ~~(الألفي في الفيوم وإبراهيم والبرديسي في بني سويف)، ولكنه ~~ما لبث أن انهزم في الفيوم على يد جماعة الألفي، ثم بدلا ~~من انتظار النجدة التي بحث في طلبها من القاهرة، ذهب ~~بجماعة من جنده إلى سليمان بك المرادي عند بياضة، وفضلا ~~عن ذلك فقد تباطأ حسن باشا (منافس محمد علي) في سيره مع ~~جنده الذاهبين إلى الصعيد ضد البرديسي وإبراهيم اللذين ~~استوليا على أسيوط وسليمان بك البواب (المرادي) في جهات ~~بني سويف، وعثمان بك حسن الرابض مع أكثر من ثلاثين مملوكا ~~على الشاطئ الأيمن للنهر بين أسيوط والمنيا، ورفض الجند ~~المخصصون للسير إلى الحجاز لتخليص جدة من أيدي الوهابيين ~~الذين كانوا يحاصرونها وقتئذ الذهاب إليه. # أضف إلى هذا أن جند طاهر باشا - وكان من أقرباء محمد علي ~~- المكلفين بوقف اعتداءات جماعة الألفي على الجيزة وصقارة ~~والبلدان المجاورة لهما لم يلبثوا أن احتلوا دور أهل ~~الجيزة واستولوا على أمتعتهم وطردوهم من مساكنهم ولم ~~يخرجوا لقتال جند الألفي وعربانه (ديسمبر)، وعندما ms0349 تكرر ~~اعتداء الألفية على بلاد الجيزة وجهة صقارة وأمر محمد علي ~~عسكره بالخروج لقتالهم فتلكئوا واحتجوا بطلب العلوفة قرر ~~الخروج بنفسه، ولكن سرعان ما انهزم جنده (18 ديسمبر) في بر ~~الجيزة وذهب من الأرنئود طائفة إلى الأخصام وانضموا إليهم ~~وعبر النيل بعد أيام قليلة (22 ديسمبر 1805) جماعة آخرون ~~وانضموا إليهم كذلك، وحصل في العسكر ارتجاج واختلافات، ~~وعندما عدى بعض الألفية إلى ناحية الشرق وأخذوا كلفا من ~~البلاد ووصل بعضهم إلى وردان بالبر الغربي، كثرت المناداة ~~بخروج العسكر إلى طرة والجيزة، ولكنهم ما كانوا يخرجون حتى ~~يعودوا أدراجهم دون الاشتباك مع العدو. واستمر الحال على ~~هذا المنوال في الشهور التالية من هروب العسكر إلى ~~المماليك وامتناعهم عن الخروج لقتالهم، حتى إن الباشا أمر ~~بالمناداة في الأسواق (16 مارس 1806) على العساكر الذين لم ~~يكونوا في قوائم العسكر الذين يقال لهم السير بالسفر ~~والخروج إلى بلادهم، ومن وجد بعد ثلاثة أيام قتل، وفي 7 ~~مارس من العام نفسه جمع الباشا الأجناد ورؤساءهم وأمرهم ~~بالتعدية إلى البر الغربي، وكأنه تخوف من إقامتهم ~~بالمدينة، وقال لهم: «من أراد منكم الذهاب إلى الأخصام ~~فليذهب وإلا فليستمر معنا.» وفي 18 أبريل حضر عمر بك ~~الأرنئودي من بني سويف يشكو من أن رجب أغا وطائفة من ~~العسكر خامروا عليه، وانضموا إلى الأمراء القبليين، وكانوا ~~حوالي الستمائة، ثم حضر «محو بك» من المنيا يطلب مرتبات ~~وعلائف العسكر المحاصرين بها، وحدث في اليوم نفسه أن أراد ~~كتخدا بك التوجه من إمبابة إلى الوجه البحري لمطاردة ~~الألفية فقام عليه العسكر، وطالبوه بعلائفهم، وتطاولوا ~~عليه، ومنعوه من الذهاب، فأراد التعدية إلى بر بولاق ~~فمنعوه من ذلك أيضا وجذبوا لحيته، ولم يستطع الإفلات من ~~قبضتهم والعودة بأمان إلى القاهرة إلا بعد أن وعدهم بالسعي ~~لدى الباشا في هذه المسألة. # وفي اليوم التالي (19 أبريل) أرسل كبار العسكر بناحية ~~منوف يبلغون الباشا أن الجند يطلبون مرتبات اللحم والأرز ~~والسمن؛ لأنهم لا يحاربون ولا يقاتلون بالجوع، ورجع وقتئذ ~~كثيرون من الجند الذين بالصعيد إلى القاهرة، ms0350 واضطر الباشا ~~إلى تدبير المال بسرعة لإرجاع «محو بك» إلى المنيا ومعه ~~مرتبات الجند، وإرسال صالح أغا السلحدار إلى الوجه البحري ~~بطريق منوف وبصحبته قوة من الجند بعد أن قرروا له مقادير ~~من الأكياس على كل بلد من البلاد التي يمر بها ولا يزال ~~بها شيء من الرواج والعمار، ثم لم يستطع «دبوس أوغلي» ~~الانتقال إلى إمبابة في 27 أبريل إلا بعد أن دفع الباشا ~~شيئا من مرتبات الجند والعلائف المطلوبة. وفي مايو حضر ~~إلى بولاق ومصر القديمة جماعة من جند حسن باشا في بني سويف ~~يطلبون مرتباتهم، وكان حسن باشا قد امتنع عن دفعها لهم لما ~~ظهر له من مخامرتهم عليه وميلهم إلى الأخصام، وحذر ~~الباشا منهم، فجمع عددا كبيرا من عربان الحويطات والعائد ~~وأقامهم بناحيتي شبرا ومنية السيرج وهددهم بهم حتى ~~استطاع إخراج من كان منهم قد دخل القاهرة، واستمال إليه ~~بالحيلة صغار الضباط فاستثارهم ضد كبارهم، وتمكن بفضل ذلك ~~من إخراج الأخيرين إلى دمياط في طريقهم إلى بلادهم، وكانوا ~~اثنين وخمسين من كبار طائفة الأرنئود. وفي يوليو اعتدى ~~جماعة من الأرنئود على قرية المنصورية بالقرب من الأهرام، ~~فضربوا القرية ونهبوا أغنامها ومواشيها لتزويد معسكرهم ~~بها، فتدخل عمر مكرم لإرجاع ما سلب من النساء والفقراء ~~إليهم، وأما ما بقي فقد ذهبوا به للمطابخ. وفي 23 أكتوبر ~~من العام نفسه (1806) جاءت الأخبار عن وقوع اختلافات بين ~~عسكر الصعيد ورجوع من كان منهم بناحية منفلوط وعصيان ~~الموجودين بالمنيا بسبب تأخر مرتباتهم، حتى إن حسن باشا ~~عندما قصد إلى المنيا قابله العصاة بالضرب عليه، فانحدر ~~إلى بني سويف، واضطر الباشا إلى إرسال إسماعيل أغا الطوبجي ~~كاشف المنوفية بمال إلى الجهة القبلية لاسترضاء العسكر ~~وإنهاء تمردهم. وانتهز الجند في أوائل يناير 1807 فرصة ~~الخروج إلى بولاق استعدادا لمطاردة الألفية فنهبوا كفر ~~حكيم والقرى المجاورة، حتى إنهم أخذوا إلى جانب المواشي ~~التي نهبوها النساء والبنات والصبيات، ودخلوا بهن إلى ~~بولاق والقاهرة، وصاروا يبيعونهن «كأنهم - على حد تعبير ~~الشيخ الجبرتي - سبايا الكفار.» # تلك إذن ms0351 كانت حال الفوضى والتمرد بين الجند، وقد ظلت هذه ~~الحال سائدة في جيش محمد علي وقت مجيء حملة «فريزر»، أي ~~طوال فترة التجربة والاختبار القاسية التي بدأت - كما ~~ذكرنا - من حين تسلمه أزمة الحكم، وقد استمرت مشكلة ~~الجند هذه قائمة حتى بعد ذهاب خطر الحملة الإنجليزية، وكان ~~من الواضح أنه من المتعذر القضاء على هذه الفوضى وتطويع ~~الجند وتعويدهم النظام وتلبية ما يصدره الباشا إليهم من ~~أوامر إلا إذا عمل على إزالة أسباب الفوضى، وأهم هذه ~~الأسباب عجزه عن دفع مرتبات الجند وعلائفهم لخلو خزانته من ~~المال، ولم يكن في وسع محمد علي الاستغناء عن جنده ~~الأرنئود أو إنقاص عددهم في وقت كان البكوات المماليك ~~ينازعونه السلطة، ويخضعون ثلثي مساحة القطر تقريبا ~~لسلطانهم، ولا يزالون يعملون على طرده من حكومة القاهرة، ~~زد على ذلك أن ولايته ذاتها كانت مهددة بالزوال؛ حيث كان ~~من المتوقع أن يعمد الباب العالي عند سنوح أول بادرة إلى ~~خلعه أو نقله منها؛ لأنه كان من الواضح أن الديوان ~~العثماني لن يرضى بالرضوخ والإذعان طويلا لهذا «الأمر ~~الواقع» الذي وجد نفسه مرغما إرغاما على الاعتراف به في ~~مايو 1805 لضعفه وقلة حيلته، وأنه لن يتوانى إذا تهيأت له ~~الفرصة عن استرجاع نفوذه عن طريق تولية أحد الباشوات ممن ~~يتلقون أوامرهم من الديوان العثماني مباشرة ويحرصون على ~~تنفيذها بحذافيرها؛ ولذلك فقد صار لزاما على محمد علي أن ~~يبذل كل ما وسعه من جهد وحيلة لتوفير المال حتى يستطيع قبل ~~كل شيء دفع مرتبات الجند لإنهاء الفوضى المنتشرة في ~~صفوفهم، وإزالة أسباب التمرد والعصيان بينهم. # تدبير المال # وأما تدبير المال فكان أمرا شاقا عسيرا؛ ذلك أن ~~الحوادث الماضية كانت قد استنفدت كل ما لدى الباشا من ~~أموال احتياطية، ونهب المماليك والعثمانلي، والأرنئود ~~والدلاة كل المدن والقرى والدساكر التي وقعت تحت أيديهم، ~~وجردوا أهلها من كل ما يملكون حتى غادر السكان القرى التي ~~سلط عليها سوط عذابهم، وترك الفلاحون الحقول فتعطلت ~~الزراعة، وصاروا هم أنفسهم شبه عرايا وفي فقر ms0352 مدقع، ~~ويستحيل مطالبتهم بدفع شيء، وإن كان في وسع السلطة - إذا ~~شاءت - أن تنتزع بالقوة والجبروت آخر دانق قد بقي لديهم، ~~وأما المدن فلم يعد سكانها أغنياء بسبب نهب الجند وفرض ~~الإتاوات والمغارم وما إليها عليهم، وإن كان في استطاعة ~~السلطة كذلك - إذا أرادت - أن تحصل منهم بوسائل القهر ~~والعنف ضرائب جديدة، ولكنه لم يكن ليغيب عن ذهن محمد علي ~~أن اللجوء إلى هذه الأساليب يعرض حكومته لأخطار جسيمة؛ لأن ~~حكومة سلفه أحمد خورشيد لم تتحطم إلا على صخرة الإتاوات ~~والمغارم والفرض هذه، كما تحطمت على صخرتها كذلك حكومة ~~البكوات المماليك. # غير أن الباشا ما لبث أن وجد مخلصا من هذا المأزق؛ ذلك ~~أن عديدين من الصيارفة ومحصلي الضرائب والتجار، سواء من ~~القبط أم اليونانيين أم الشوام، ثم كثيرين من سراة القاهرة ~~وأعيانها وكشاف الأقاليم، كانوا جميعهم كتجار أم حكام أو ~~أصحاب حصص والتزام قد استفادوا من الفوضى في السنوات ~~السابقة، لجمع ثروات لم يجد الباشا بأسا في اقتسامها معهم ~~لتحصيل المال اللازم لدفع مرتبات جنده، ثم إنه لم يكتف ~~بتحصيل المال من سكان القاهرة بل صار يحصله كذلك من أهل ~~المدن الأخرى، وفضلا عن ذلك فإنه ما لبث أن حصل الإتاوات ~~والمغارم من سواد الشعب في القاهرة وغيرها من المدن التي ~~وجد عماله أنه لا يزال لدى أهلها فضلة من بقية في وسع ~~حكومته ابتزازها منهم. ولما كان إجبار الأهلين من المساتير ~~وأصحاب الدخول المحدودة الذين أرهقتهم الفرض والمغارم ~~السابقة من شأنه إثارة سخطهم على الحكومة بدرجة من ~~المحتمل معها تحريكهم إلى الثورة عليها فقد حرص محمد علي ~~عندما وجد أن لا معدى عن تحصيل المال منهم على توسيط ~~المشايخ والعلماء وأصحاب النفوذ الظاهر عليهم. # وعلى ذلك، فقد كان المعلم جرجس الجوهري (كبير المباشرين) ~~هو وجماعة من المباشرين والكتبة الأقباط القائمين بتحصيل ~~المال وضبط حسابه أول من وقعوا تحت طائلة هذه الإجراءات ~~المبتكرة، وكان جرجس الجوهري قد تسلم الرياسة على ~~المباشرين قبل مجيء الفرنسيين، ثم ارتفع شأنه في أيامهم، ms0353 ~~وظل يحتل مكانا مرموقا منذ أن عادت البلاد إلى حظيرة ~~الدولة، وكان عظيم النفس يهب الهبات ويعطي العطايا، ويعيش ~~في أبهة ظاهرة، حتى زاحمه على هذه المكانة الرفيعة كبير ~~آخر من المباشرين هو المعلم غالي، وكان كاتب الألفي ~~بالصعيد قبل التحاقه بخدمة محمد علي، وصار الباشا يعتمد ~~عليه في تفريج ضائقته المالية كلما امتنع الأول عن مسايرته ~~في تحصيل المبالغ اللازمة له، فقبض عليه وعلى طائفة من ~~الكتبة والمباشرين الخاضعين لنفوذه في أغسطس 1805 وطالبه ~~بتقديم حسابه ابتداء من عام 1215؛ أي من منتصف عام 1800، ~~وعين المعلم غالي في مكانه، ولم يفرج عنه إلا بعد أن ~~تعهد بدفع 4800 كيس قيمة النقص الذي أمكن تقديره أو الوقوف ~~عليه في حسابات خمس سنوات، فشرع في توزيعها على نفسه وعلى ~~كبراء الأقباط وصيارفهم ما عدا فلتيوس وغالي، وحولت عليه ~~التحاويل، وحصل لهم كرب شديد، وضج فقراؤهم واستغاثوا، ولكن ~~المعلم جرجس الجوهري ما لبث أن التجأ إلى دير مصر العتيقة ~~مختفيا، وطلب الباشا المعلمين فلتيوس وغالي وجرجس الطويل ~~للبحث في أمره وتدبير المال اللازم دفعه، واضطر جرجس ~~الجوهري عندما عرف مكان اختبائه إلى مغادرة الدير إلى ~~«تبين» ملتجئا عند الألفي الكبير، فأنزلت قوائم على ~~البلاد والحصص التي كانت تحت التزامه إلى المزاد وبيعت (14 ~~سبتمبر)، واتهم الباشا بطريق اليونان بالتستر على جرجس ~~جوهري ومساعدته على الهروب، وألزمه بدفع تعويض مائة ~~وأربعين كيسا جمع البطريق بعضها من مواطنيه، كما أنه طالب ~~بترك الدير فاحتجوا عليه بهروب جرجس الجوهري، وانحط الأمر ~~على المصالحة بمائة وأربعين كيسا وزعها الأقباط على ~~أنفسهم ودفعوها. # وكذلك قبض الباشا على حسن أغا نجاتي المحتسب والأمير ~~إبراهيم ديودار الرزاز عندما أراد تعيينهما كتخداءين للحج ~~بشرط أن يكفلا نفسيهما من مالهما، فاعتذرا بعدم قدرتهما ~~على ذلك، فحبسهما وعزل الأول عن الحسبة، ولم يفرج عنهما ~~إلا بعد أن تعهد حسن أغا بدفع 65 كيسا، والرزاز 15 ~~كيسا (9-14 سبتمبر)، وكان في غضون ذلك أن قبض كتخدا بك ~~(محمد أغا) على كاشف المنوفية، وأخذ ما ms0354 معه من أموال كان ~~قد نهبها من البلاد ومواش وغلال كثيرة، وفرض على البلاد ~~التي وجد بها بعض العمار وعدتها نحو الستين بلدا إتاوات ~~ليستعين بها - كما قال - على دفع علائف العسكر وجماكيهم ~~(13-23 أغسطس)، وانتهز الباشا وصول قافلة السويس في 9 ~~سبتمبر فأراد الاستحواذ على متاجرها، فصالح أصحابها على ~~أحمالهم بألف كيس بعد أن توسط لهم في ذلك الكتخدا بك، وقال ~~«دروفتي» إن هذه القافلة قد أتته بألفي كيس. # ولما كانت هذه الأموال التي حصلها الباشا لا تكفي لدفع ~~مرتبات الجند، وظلت هذه تتراكم ويطالب بها هؤلاء في صخب ~~شديد، وكان لا مناص من تدبير وسائل أخرى لجمع المال، فقد ~~رأى محمد علي أن يشرك المشايخ في الأمر، فجمعهم في أواخر ~~سبتمبر 1805، وسألهم الرأي في تدبير ثلاثة آلاف كيس جملة ~~الباقي لعلوفة العسكر، ولا يعرف لتحصيلها طريقة، وقال محمد ~~علي: «إن الجند الذين لا ضرورة لوجودهم سوف يرحلون إلى ~~بلادهم بعد حصولهم على مرتباتهم.» فلا يبقى من العسكر إلا ~~من كان الباشا في مسيس الحاجة إليهم والرؤساء الذين يشغلون ~~المناصب الهامة، ووعد بأن تكون هذه آخر نوبة أو مرة يطلب ~~فيها علائف ومرتبات لجنده منهم، وكان من رأي المشايخ في ~~مبدأ الأمر أنه ما عاد في الإمكان تحمل الشعب لفرض إتاوات ~~وضرائب جديدة عليه، ولكنهم بعد تصريحات الباشا ووعوده ~~شرعوا يتشاورون فيما بينهم، وكثر الدوي في ذلك، ولغط الناس ~~بالفردة وتقرير أموال على أهل البلد، ثم انحط الأمر بعد ~~ذلك على قبض ثلث الفائظ من الحصص والالتزام، وأثار هذا ~~القرار غضب القاهريين، وضج الناس وقالوا: «هذه تصير عادة، ~~ولم يبق للناس معايش.» # واضطر محمد علي لتهدئة العاصفة إلى التعهد بكتابة فرمان ~~أو سند يلتزم فيه بعدم عود ذلك ثانيا، وأن يرقم فيه لعن ~~الله من يفعلها مرة أخرى، وتوسط المشايخ لتهدئة النفوس ~~الثائرة، ورضي الناس واستقر أمر هذه الفرضة الجديدة وشرعوا ~~في تحريرها وطلبها، ولكن تحصيل هذه الضريبة الجديدة لم ~~يجر إلا ببطء شديد، وراوغ كثيرون للتخلص من دفعها، ms0355 ولجأ ~~الباشا إلى أساليبه الأولى، لسد العجز في خزانته، فطلب من ~~تجار رشيد أربعين ألف ريال فرانسة - والريال الفرانسة - ~~يطلق عموما على جميع أنواع الريالات المتداولة - وكان ~~هذا مبلغا ضخما، فلم يسع أهل رشيد سوى المجيء إلى ~~القاهرة وتوسيط المشايخ والسيد عمر مكرم لإنقاص المبلغ، ~~فاستقرت غرامتهم على عشرين ألف فرانسة، وسافروا على ذلك في ~~24 أكتوبر 1805 وأخذوا في تحصيلها، وقال «دروفتي» في ~~رسالته إلى «تاليران» من الإسكندرية في 21 سبتمبر 1805: ~~«إن محمد علي يتخذ وسائل لجعل القرض الجبري الذي طلبه من ~~القاهرة ودمياط وحصله منهما يشمل كذلك أسكلتي رشيد ~~والإسكندرية.» فبعث أحمد أفندي الدفتردار (الذي حل محل ~~جاثم أفندي) بمنشور إلى كل القناصل بالإسكندرية في هذا ~~الشأن وفحواه أن الباشا يريد إنهاء الكوارث التي نزلت ~~بالبلاد، وما حدث من قلقلة في شئون التجارة التي يهم ~~الأوروبيين أمرها، وأنه يريد من أجل ذلك إنقاص عدد جنده، ~~مما يجعله مضطرا إلى عقد القروض؛ ولذلك فقد خاطب القناصل ~~حتى يقوموا بتوزيع المبالغ التي يمكن اقتراضها على الأفراد ~~التابعين لهم بمعرفتهم، وقال «دروفتي»: «إن أحمد أفندي ~~الدفتردار يطلب 900 كيس من رشيد والإسكندرية بضمان إيرادات ~~جمركيهما، ويطلب من القناصل أن يعينوا مسئولا لاستلام هذه ~~الإيرادات لحساب القروض المطلوبة.» وفي 25 أكتوبر أمر ~~الباشا برفع حصص الالتزام التي بأيدي النساء، فجزعن، ~~وسويت المسألة على مصالحات بقدر حالتهن. وفي ديسمبر ~~أنزلت في المزاد حصص بعض المغضوب عليهم، كما فتح طلب ~~الميري من الملتزمين عن سنة 1221 مع أن سنة 1220 الراهنة ~~لم يكن - في هذا التاريخ - قد استحق منها الثلث، وكانت قد ~~فتحت بعجلة وقبض نصفها على أن يجري تحصيل النصف الآخر ~~بعد أربعة أشهر، ففتحت الآن سنة 1221 على أن يتم تأدية ~~مطلوبها بالكامل وقبل أوانها بسنة، ثم عملت قوائم «فرد ~~ومظالم» على الأقاليم، وزودوا بها الكشاف لتحصيلها (26 ~~ديسمبر). وعندما وصلت قوافل التجار من السويس في أوائل ~~يناير سنة 1806 محملة بالبن أراد الباشا الاستيلاء عليها ~~فانزعج أصحابها من هذه المصادرة بعد ms0356 أن دفعوا عشورها ~~ونولونها وأجرها وما فرض عليها من المغارم السابقة، ثم ~~انحط الأمر كالمعتاد على المصالحة بتحصيل خمسين ريالا على ~~كل فرق من فروق البن، «ولم ينتطح في ذلك شاتان» على حد ~~تعبير الشيخ الجبرتي، والفرق مكيال اختلف في تقدير سعته ~~من الأرطال بينما يساوي الريال تسعين فضة أو قرشين وربع ~~قرش، وقد ذكر الوكلاء الفرنسيون في 15 يناير أن قافلة ~~السويس هذه قد أحضرت ألف فرد من البن، ثم ذكروا في 18 ~~فبراير أن الباشا فرض إتاوات جديدة على المستأمنين ~~اليونانيين. # ومع أن كتخدا بك كان قد فرغ من مهمته في يناير 1806 وحصل ~~أموالا كثيرة من المنوفية وسائر أقاليم الوجه البحري ~~بعدما فعل ما فعله من الفرد والمظالم الخارجة عن الحد، حتى ~~قدر ما حصله من الإتاوات التي فرضت على هذه البلاد ~~المرهقة بثلاثة آلاف كيس، وجمع الباشا من قافلة السويس ~~السالفة الذكر، وكانت تتألف من ألف وخمسمائة جمل مبالغ ~~طائلة؛ إذ حصل على كل قنطار من البن أربعين قرشا، فقد ~~استنفد دفع مرتبات الجند وتجهيز الحملات التي بعث بها ~~لمطاردة المماليك هذه الأموال التي جمعها، واقتضى استمرار ~~العمليات العسكرية ضد هؤلاء في الفترة التالية حتى وقت ~~مجيء القبطان باشا إلى الإسكندرية يحمل فرمان النقل إلى ~~سالونيك جمع المال بشتى الوسائل وبخاصة للاتفاق على طوائف ~~جديدة من الدلاة وغيرهم أحضرهم الباشا من الشام في بداية ~~عام 1806 لتعزيز جيشه، فطلب دراهم سلفة من أعيان القاهريين ~~في أبريل 1806 لأجل نفقة العسكر، وفرضوا على البلاد ثلاثة ~~آلاف كيس، ثم إنه لم يكتف بذلك بل صادر متاجر القافلة ~~التي وصلت من السويس في هذه المرة كذلك، فأرسل إلى الخانات ~~والوكائل أعوانا ختموا على حواصل التجار بما في داخلها من ~~البن والبهار، ولم يفرج عنها إلا بعد أن صالح هؤلاء ~~عليها (24 أبريل). وكتب الوكلاء الفرنسيون في 19 أبريل أن ~~الباشا يطرق كل سبيل لجمع المال اللازم لدفع مرتبات الجند ~~الدلاة المعسكرين في إمبابة والذين يرفضون السير ضد الألفي ~~قبل ms0357 حصولهم عليها، فالجميع لذلك يدفعون حتى ضباطه، وكذلك ~~القبط ومسيحيو الشام، فدفع الأولون 100 كيس، والآخرون ~~ثلاثين كيسا، واستولى على البن الموجود في القاهرة، ولكن ~~ذلك كله لا يكفي؛ لأن المطلوب هو ثلاثة آلاف كيس؛ وعلى ذلك ~~فقد ابتدع الباشا فرضة جديدة بأن طلب من كل بلد من البلاد ~~إتاوة من الغلال قمح وفول وشعير، وقال الشيخ الجبرتي: ~~«إنها كانت ثالث فرضة ابتدعت من الغلال على البلاد في هذه ~~الدولة.» وعزل الباشا محمد أغا كتخدا بك في 29 أبريل وطلب ~~منه ألف كيس، وقد في الكتخدائية خازنداره «طبوز أوغلي» ~~المعروف بدبوس أغلي، وأخرج الأول منفيا إلى دمياط في 7 ~~مايو. # وعاون السيد عمر مكرم الباشا في تحصيل الإتاوات المفروضة ~~على الأهلين معاونة جدية، فاستمر الطلب والتوزيع بالأكياس ~~... لا ينقطع عن أعيان الناس والتجار والأفندية الكتبة ~~وجماعة الضربخانة والملتزمين بالجمارك وكل من كان له أدنى ~~علاقة أو خدمة أو تجارة أو صنعة ظاهرة أو فائظ أو له شهرة ~~قديمة أو من مساتير الناس، وكان عمر مكرم في غالب الأحيان ~~هو المحصل لذلك بالرغم مما كان معروفا عنه في المناسبات ~~الماضية من التوسط لدى السلطات القائمة لتخفيف هذه الأعباء ~~المالية عن كاهل أفراد الشعب، حتى إن الشيخ الجبرتي لم ~~يلبث أن علق على نشاط السيد عمر أفندي النقيب، فقال: ~~«وقد حكمت الصورة التي ظهر فيها، وانعكس الحال والوضع حتى ~~ساءت الظنون، والأمر لله وحده.» # وتوالى تقرير الفرض على البلاد مالا وعينا، وطلب ~~السلفيات من الملتزمين والتجار وغيرهم، فتقررت فرضة من ~~النوع الأول في 24 مايو، وفي 30 مايو طلب الباشا دراهم ~~سلفة، واعتمد في توزيعها على دفتر كان أعد أيام خورشيد ~~باشا (1804) لتوزيع سلفة حصلها خورشيد وقتذاك، واشتط عملاء ~~الباشا في تحصيل هذه السلفة المزعومة، فلم يمهلوا أحدا، ~~ومن لم يجدوه طالبوا أهله أو جاره أو شريكه، وخاب أمل ~~القاهريين في السيد عمر مكرم في هذه المرة كذلك؛ لأنه صار ~~يقابل أفواجهم الذاهبة للشكاية إليه بالتضجر والتململ ~~وإظهار الأسف وتهوين الأمر عليهم، ms0358 وبذل الوعود بالسعي في ~~تخفيفها، دون أن يبدو منه أنه سوف يبر بوعده حقا، بل ظهر ~~عليه أنه قد تورط في الدعوة، ولم يتحرك عمر مكرم أو ~~المشايخ إلا وقت أن عظم ضجيج الناس واشتد تذمرهم عندما فتح ~~الباشا الطلب في أواخر يونيو بفائظ البلاد والحصص من ~~الملتزمين والفلاحين، وأمر الروزنامجي طائفته بتحرير ذلك ~~عن السنة المقبلة، فتردد الملتزمون على السيد عمر مكرم ~~وسائر المشايخ يوسطونهم لدى الباشا، وأسفرت وساطتهم عن ~~تقرير قبض ثلاثة أرباعه، النصف على الملتزمين والربع على ~~الفلاحين. وفي يوليو شرع الباشا في فرض إتاوة عينية على ~~مديريات الوجه البحري من غلال وغنم وجبن وأرز وسمن، ثم شرع ~~في سبتمبر يقرر فرضة عظيمة على البلاد والقرى والتجار ~~ومسيحيي الأروام والأقباط والشوام ومساتير الناس ونساء ~~الأعيان والملتزمين وغيرهم، ستة آلاف كيس، وذلك برسم مصلحة ~~القبودان عندما اقتضى تعطيل قرار النقل إلى سالونيك الذي ~~حضر به القبطان باشا إلى الإسكندرية وقتئذ رشوة القبطان؛ ~~لإقناعه بتأييد مصلحة محمد علي ضد خصومه على نحو ما سيأتي ~~ذكره في موضعه، وقد أكد الباشا أن الأموال التي شرع في ~~تحصيلها ليست سوى سلفة يدفعها لأصحابها بعد ستة أيام فحسب، ~~وكان واضحا أنه لن يستطيع فعل ذلك ولم يفعله. ثم اضطر ~~الباشا لطلب المال مرة أخرى عندما صار يستعد لمناجزة ~~البكوات وإرسال التجريدات لقتالهم في الوجهين البحري ~~والقبلي، بعد أن اطمأن خاطره من قضية القبودان والعزل، ~~فضلا عن حاجته إلى المال لدفع مرتبات الجند في نواحي ~~منفلوط والمنيا وبني سويف، وكان هؤلاء قد بدءوا يتمردون ~~لتأخرها (أكتوبر). # وفي نوفمبر وديسمبر 1806 توالى الطلب والفرض والسلف التي ~~لا ترد. وفي أوائل ديسمبر طلب الباشا من السيد عمر مكرم ~~توزيع جملة أكياس على أناس من مساتير الناس على سبيل ~~السلفة، ثم عاد في 21 ديسمبر فالتمس منه توزيع أربعمائة ~~كيس برأيه ومعرفته، وقد ضاق صدر عمر مكرم من تكرر هذا ~~الالتماس ولكنه لم تسعه المخالفة فشرع في توزيعها على ~~التجار ومساتير الناس، حيث لم يمكنه التخلف ms0359 ولا التباعد عن ~~ذلك لأسباب سوف يأتي ذكرها في موضعها. وكان في أواخر هذا ~~العام وبداية التالي (1807) أن قرر الباشا فتح طلب الميري ~~عن السنة المقبلة، وجد في التحصيل، ووجهوا بالطلب ~~العساكر والقواسة والأتراك بالعصي المفضضة وضيقوا على ~~الملتزمين، وانتهز الباشا فرصة وصول قافلة من قوافل الصعيد ~~وبها أحمال كثيرة وبضائع مع عرب المعازة وغيرهم، فركب ~~الباشا ليلا في 11 يناير 1807 وكبسهم على حين غفلة، وأخذ ~~جمالهم وأحمالهم، ونهب الجند متاعهم ثم أولاد العربان ~~والنساء والبنات ودخلوا بهم إلى المدينة يقودونهم أسرى في ~~أيديهم ويبيعونهم فيما بينهم كما فعلوا بأهل كفر حكيم وما ~~حوله، وعندما علم الباشا بوفاة الألفي، ورفض الألفيون ~~الصلح وعزم على مطاردتهم، استمر طلب السلف وفرض المغارم ~~وتحصيل الإتاوات (فبراير 1807). # وواضح مما تقدم جميعه أن اللجوء إلى هذه الإجراءات ~~الشاذة في طلب المال كان يحدث كلما اشتدت حروجة مركز محمد ~~علي، وظهرت حاجته الشديدة إلى المال لاجتياز الأزمات التي ~~صادفته، وكان هذه إجمالا على نوعين: أزمات سياسية طارئة، ~~كما حدث عند مجيء أمر النقل إلى سالونيك، وأزمات مزمنة، ~~مبعثها الضرورة الملحة لدفع مرتبات الجند، لحملهم على ~~الخروج لمطاردة المماليك، أو استمرار مقاومة مختلف ~~الحاميات وخصوصا حاميات الصعيد ضدهم. # وثمة حقيقة أخرى، مترتبة على خلو خزانته من المال، ~~وصعوبة تطويع الجند تبعا لذلك، هي أن محمد علي لم يكن في ~~استطاعته آنئذ مقاومة البكوات المماليك - وهم مصدر أكبر ~~الأخطار التي هددت حكومته مباشرة - مقاومة حاسمة فعالة بأن ~~يثير عليهم حربا شعواء لا هوادة فيها ولا رحمة، وقد بلغ ~~من تمرد الجند وعدم طاعة رؤسائهم له في الشهور الأولى من ~~ولايته خصوصا أن علق «مسيت» على ذلك بقوله في رسالته ~~إلى السفير الإنجليزي بالقسطنطينية في 18 نوفمبر 1805 أن ~~الزعماء الأرنئود رفضوا تلبية أوامر محمد علي عندما أراد ~~إرسال نجدات قوية إلى الصعيد وإخراج البكوات من مراكزهم في ~~الفيوم وأسيوط؛ لأنهم كانوا قليلي الثقة في الرجل الذي ~~رفعوه إلى منصب الولاية ... حتى إنه ليبدو أن محمد علي صار ms0360 ~~متأرجحا على عرشه وعلى وشك السقوط منه، ولو أنه قد يستطيع ~~بفضل ما يتصف به من خلق ثابت متين إحباط مشاريع خصومه، وقد ~~عرف محمد علي كيف يتغلب على خصومه هؤلاء في الجيش: رؤساء ~~الجند الذين وجد من بينهم من أراد منافسته أو الانحياز ~~إلى جانب المماليك، ثم الجند أنفسهم الذين انضمت جماعات ~~منهم فعلا إلى العدو، وظلوا يلحون في طلب مرتباتهم ~~المتأخرة، وبخاصة كلما استدعى الأمر خروجهم للقتال ضد ~~المماليك والقيام بأية عمليات عسكرية، وذلك بتدبير المال ~~اللازم لدفع المرتبات والعلائف، وإبعاد العناصر المشاغبة ~~منهم، وجمع كلمة رؤساء الجند حوله أثناء أزمة النقل إلى ~~سالونيك، ومثلما أحبط محمد علي مشاريع خصومه من الجند ~~ورؤساء هؤلاء، فقد تمكن من إحباط تدابير خصومه الآخرين، ~~البكوات المماليك. # النضال مع البكوات # وجرى النضال مع البكوات المماليك في طريقين؛ أحدهما ~~عسكري، وكان هذا - في الواقع - أقلهما شأنا طوال الفترة ~~التي تعذر فيها عليه تجريد حملات قوية ضدهم للالتحام معهم ~~في معارك كبيرة فاقتصر الأمر على مناوشات متفرقة ينقصها ~~التنسيق، وقد استمرت هذه الفترة حتى أوائل عام 1806، ولم ~~يكن الغرض مما وقع فيها من عمليات عسكرية سوى إظهار تصميم ~~الباشا على مناجزته لهم، ثم تخويفهم وحملهم على مهادنته ~~حتى يستجمع قواه ويتمكن من التفرغ لمناجزتهم جديا، وأما ~~الطريق الآخر - وكان أجداهما ثمرة فيما قصد إليه الباشا ~~مباشرة وقت ملاحقة الأزمات له - فكان سياسيا، وذلك بفتح ~~باب المفاوضة مع الألفي في الدلتا والفيوم، ومع إبراهيم ~~البرديسي وعثمان حسن في الصعيد، فنشأت من ثم مساومات ~~ومباحثات مع الفريقين لم يكن غرض الباشا منها سوى زيادة ~~شقة الخلف والانقسام اتساعا بين هذين الفريقين المتباغضين ~~المتنافسين، حتى يحول دون اتفاق كلمتهما بجهد عسكري متحد ~~ضد حكومته لا مراء في أنه لو حدث وقتئذ لقضى عليها. ولقد ~~نجح الباشا في سياسته هذه نجاحا كاملا، وتضافرت عوامل ~~أخرى على تمكينه من تنفيذ مأربه منها، أهمها منافسة ~~البرديسي الشديدة للألفي، وخرق رأيه وتسلطه على زميله ~~إبراهيم بك، وإصرار عثمان حسن على الابتعاد ms0361 عن هذه ~~النزاعات المملوكية، وميله للانطواء على نفسه من جهة، ~~وللتفاهم والاتفاق مع الباشا من جهة أخرى، ثم ضعف قوة ~~البكوات المادية عموما، وتسلط روح الأنانية وعدم التضحية ~~عليهم، ورفضهم أن يدفعوا من جيوبهم الثمن الذي كان في ~~وسعهم أن يشتروا به حكومة القاهرة ويسترجعوا في نظير حفنة ~~من المال سيطرتهم القديمة على باشوية مصر وسلطانهم ~~المفقود. # وقد أتيحت لمحمد علي الفرصة لبدء سياسة المفاوضة مع ~~المماليك، عندما رفض الألفي بعد حادث مكيدة القاهرة ~~المعروف في 16 أغسطس 1805 الاتحاد مع بكوات الصعيد، وكان ~~هؤلاء عندما انطلت عليهم الحيلة وأرادوا دخول القاهرة قد ~~أبلغوا الألفي بعزمهم ولكنه امتنع عن مسايرتهم، ثم كان من ~~أسباب نقمة إخوانه عليه أنه لم يشرك أحدا منهم في الأسلاب ~~الكثيرة التي غنمها من الدلتا، فانسحب البكوات إلى الصعيد، ~~وانسحب الألفي إلى الفيوم، ولكنه ما لبث أن سعى للمفاوضة ~~مع محمد علي، ورحب الباشا بهذا المسعى، واختلف مقصد كل ~~منهما من هذه المفاوضة عن مقصد الآخر، أما الألفي فكان قد ~~ضاق خناقه من الإجراءات التي اتخذها محمد علي لمنع كل ~~اتصال بين أفراد الشعب والبكوات، ففرض رقابة صارمة على ~~الباعة والمتسببين حتى لا يمدوا البكوات بحاجتهم من المتاع ~~والأسلحة والملابس وما إلى ذلك، وأنزل العقوبات الشديدة ~~بكل من ضبط من هؤلاء الباعة يحمل بضائع إليهم وصادر ~~بضاعته، فامتنع ذهابهم، ووجد الألفي أنه إذا فتح باب ~~المفاوضة من أجل الصلح مع الباشا استطاع وكلاؤه الدخول إلى ~~القاهرة وابتياع حاجتهم من أسواقها بأمان، وأما محمد علي ~~فكان يبغي من هذه المفاوضة بذر بذور الشقاق والتفرقة بين ~~الألفي وسائر زملائه من جهة، يساعده على ذلك ما كان قد ظهر ~~بينهم من خلاف، ثم كسب الوقت حتى يستطيع تدبير المال ودفع ~~مرتبات الجند وإعداد التجريدات اللازمة لقتال المماليك من ~~جهة أخرى؛ وعلى ذلك فقد انتقل الألفي إلى وردان وبعث ~~بكتخداه أو كخياه محمد يعرض على الباشا الصلح في 9 سبتمبر ~~1805، فرحب به محمد علي، وأذن له بقضاء أشغاله واستمرت ~~المفاوضة ms0362 شهرا تردد في أثنائه محمد كتخدا الألفي على ~~القاهرة أكثر من مرة، وكان مندوبا الباشا في هذه المفاوضة ~~سلحداره وموسى البارودي، وطلب الألفي كشوفية الفيوم وبني ~~سويف والجيزة والبحيرة ومائتي بلد من الغربية والمنوفية ~~والدقهلية التزاما يستغل فائظها، وأن يأتي إلى الجيزة ~~ويقيم بها، ويكون تحت طاعة محمد علي، وأصر الباشا من جهته ~~على أن يكون الصلح شاملا، فلا يقتصر على الألفي وحده بل ~~يدخل فيه كذلك بكوات الصعيد، وكان هؤلاء - كما قدمنا - قد ~~اتخذوا «بياضة» مقرا لهم. # وطلب محمد علي أن يذهب الألفي كذلك إلى الصعيد وينضم إلى ~~إخوانه، على أن يقطعهم الباشا جميعا مديريتي جرجا وإسنا ~~ما عدا عاصمة الأولى مدينة جرجا التي ينزل بها الحاكم ~~المولى عليها من قبل الحكومة، وأن يدفع البكوات المال ~~والغلال الميرية عن هذه الأراضي، ورفض الباشا أن يعقد ~~اتفاقا منفصلا مع الألفي ضد مصلحة زملائه كما قال، ثم ~~أرسل من فوره يبلغ بكوات الصعيد شروطه ويهددهم بإرسال جنده ~~ضدهم، ولكن هؤلاء لم يستجيبوا لدعوته، كما تمسك الألفي ~~بمطالبه، فكتب «دروفتي» إلى حكومته في 4 أكتوبر: «إن ~~المندوبين الذين أرسلهم محمد علي إلى معسكر البكوات قد ~~رجعوا مع كتخدا الألفي ينقلون جواب البكوات، وفحواه أنهم ~~لا يروقهم شرط الإقامة بالجيزة، ووضعهم تحت إشراف محمد علي ~~ومراقبته لهم؛ إذ يعزلهم ذلك عن العرب وهم العنصر القوي ~~الذي يعتمدون عليه في ملء صفوفهم وتعزيز قوتهم.» أضف إلى ~~هذا أن إقامتهم بالجيزة سوف تفقدهم نفوذهم في الصعيد وتشجع ~~صغارهم ومرءوسيهم على ترك معسكرهم وتجعلهم جميعا تحت رحمة ~~محمد علي؛ وعلى ذلك فقد ظل الألفي يساوم على قبوله الصلح ~~منفردا مع الباشا، فطلب ثلاث مديريات بدلا من أربع، ثم ~~رضي بمديريتين اثنتين، ولكن محمد علي الذي كان قد شرع يسعى ~~لمناجزة بكوات الصعيد وأراد إطلاق يده حتى يتسنى له التوفر ~~على معالجة مسألتهم، رضي بإعطاء الألفي مديرية واحدة خالية ~~من المطالب الميرية على شريطة أن يكف عن النضال. وفي 5 ~~أكتوبر غادر محمد كتخدا الألفي القاهرة يحمل ms0363 إلى سيده هذا ~~العرض الأخير الذي رفضه الألفي عندما أدرك غرض محمد علي، ~~وبعد أن فاز ببغيته من هذه المفاوضة الطويلة؛ لأن كتخداه ~~لم يغادر القاهرة إلا بعد أن قضى أشغاله واحتياجاته من ~~أمتعة وخيام وسروج وغير ذلك. وفي 16 أكتوبر كتب «دروفتي» ~~أن المفاوضات قد توقفت بين الألفي ومحمد علي. # ولكن «دروفتي» ذكر في رسالته هذه كذلك، أن جيشا مؤلفا ~~من ألف وخمسمائة من العثمانلي والأرنئود بقيادة ياسين بك ~~قد نزل إلى النيل غداة مبارحة كتخدا الألفي القاهرة، ~~قاصدا إلى بني سويف والمنيا، وكان ياسين بك قد عين ~~كاشفا على بني سويف والفيوم منذ 15 سبتمبر - على نحو ما ~~تقدم ذكره - ولكن ياسين بك لم يلبث أن انهزم في الفيوم على ~~يد الألفي الذي كان قد انسحب إليها بعد أن قضى وطره من ~~المفاوضة التي بدأها مع محمد علي، وهرب ياسين بك مع بكوات ~~الصعيد، وكان البرديسي وإبراهيم بك منذ أن شعرا بعزم ~~الباشا على إرسال جيشه ضدهما قد انسحبا من مراكزهما أمام ~~بني سويف إلى أعلى واستوليا على أسيوط، بينما ذهب حسين بك ~~الزنطاوي مع جماعته إلى حدود الصعيد، في انتظار قافلة وسط ~~إفريقية للإغارة عليها وسلبها، بينما طلب عثمان بك الاتفاق ~~مع الباشا منفصلا عن سائر زملائه، وأرسل مندوبا من ~~قبله إلى القاهرة لهذه الغاية، ولو أن هذه المفاوضة ~~أخفقت في أكتوبر لأن عثمان حسن قد طالب بإقطاعيات كثيرة له ~~ولزملائه أكثر مما وافق عليه محمد علي، وهو إقطاعهم جميعا ~~مديريتي جرجا وإسنا بالشروط السابقة فحسب. ولما كان ~~البرديسي يعتزم محاربة محمد علي وينتظر انخفاض النيل ~~للاشتباك مع الأرنئود الموجودين بحاميات الصعيد ولديه ~~حوالي الخمسمائة من العثمانلي، والألف وخمسمائة من الدلاة، ~~ويتراسل معه سليمان بك المرادي (البواب) الرابض شمالي ~~أسيوط ويريد التفاهم معه، ولا يزال عثمان حسن يميل إلى ~~الاتفاق مع الباشا؛ فقد كان من الواضح أن الانقسام لا يزال ~~سائدا بين بكوات الصعيد. # وعلى ذلك فقد قرر محمد علي تجهيز حملة عظيمة ضد الألفي ~~في الفيوم ms0364 من جهة، واستئناف مفاوضاته مع بكوات الصعيد لشل ~~حركتهم من جهة أخرى. وفي أوائل نوفمبر بدأ الأرنئود ~~يجتمعون في القاهرة، وحضر منهم جماعة كبيرة من دمياط، ~~ووضعوا تحت قيادة حسن باشا، وبذل محمد علي جهده لتدبير ~~المال اللازم لدفع مرتباتهم وإكمال استعداداته لإنفاذهم ~~إلى الصعيد، وأبطل الحملة المعدة للذهاب إلى جدة، وأعلن ~~أنه سوف يتولى بنفسه قيادة هذه التجريدة الكبيرة، وحدد ~~موعدا قريبا لخروجها، ثم إنه ريثما تتم استعداداته بادر ~~بإرسال مندوبيه إلى بكوات الصعيد، وسارت هذه المفاوضة ~~جنبا إلى جنب مع بعض العمليات العسكرية التي اضطر الباشا ~~إلى القيام بها ضد جماعة الألفي لوقف اعتداءاتهم على إقليم ~~الجيزة خصوصا، وشدد - على وجه الخصوص - في وقف الإمدادات ~~إلى الألفي، وكان هذا منذ أن انقطعت المفاوضات بينه وبين ~~محمد علي قد تزايد اعتماده على جلب ما يحتاج إليه معسكره ~~من بيوت التجارة الأوروبية ومن بعض الوكلاء الإنجليز الذين ~~يزاولون التجارة لا سيما «البطروشي» في رشيد، فطلب الباشا ~~من الأخير أن يكف عن نشاطه، وطلب من «مسيت» أن يمنعه من ~~إرسال ما تحتاج إليه جماعة هم عصاة ثائرون على الباب ~~العالي، ويرجوه أن يصدر إليه تعليماته وأوامره القاطعة ~~بالكف عن مراسلة المماليك، ولم يشأ «مسيت» أن يتورط ~~الوكلاء الإنجليز في النضال بين ممثل صاحب السيادة الشرعية ~~على البلاد وبين الخارجين على سلطانه، فكتب يستدعي ~~«البطروشي» إلى الإسكندرية في 15 أكتوبر، وأبلغه رسميا ~~بوجوب الكف عن الاتصال بالمماليك. # وفي 11 ديسمبر أرسل محمد علي مندوبيه مصطفى أغا الوكيل ~~وعلي كاشف الصابونجي بمكاتبات إلى بكوات الصعيد ليصطلحوا ~~على أمر، كما أوفد علي جاويش الفلاح، وبلغ التفاؤل في نجاح ~~هذه المفاوضة حدا جعل الوكلاء الفرنسيين يكتبون في ~~15 يناير 1806 أن الأمل كبير في إمكان الوصول إلى تسوية مع ~~البكوات، ما عدا الألفي، حيث قد بلغهم أن إبراهيم بك ~~وعثمان حسن وجماعتهما قد أخبروا الباشا بقبول مقترحاته ~~ولكنهم يطمعون في كرمه ويرجونه زيادة الإقطاعيات التي رضي ~~بإعطائها لهم، وكان هؤلاء الوكلاء يرون أن الباشا بسبب ms0365 ~~ظروفه الراهنة سوف يجد نفسه ملزما بالاتفاق معهم، ذلك ~~الاتفاق الذي لا يمكن بدونه - كما قالوا - أن تصلح القاهرة ~~للسكنى لأن محمد علي لا يستطيع إخراج الجند الموجودين بها ~~وإرسالهم للاشتباك مع المماليك في أية معارك، وعاد إلى ~~القاهرة مصطفى أغا الوكيل وعلي كاشف الصابونجي وعلي جاويش ~~الفلاح في 29 يناير، وأحضروا معهم من الصعيد ثلاثة وثلاثين ~~مركبا محملة بالمؤن لتموين القاهرة، ولكن البكوات طلبوا ~~أبناء الباشا كرهائن لديهم لضمان السلام الذي أعلنوا ~~استعدادهم لعقده، فأوفد الباشا مصطفى أغا والصابونجي ~~لمقابلتهم في أسيوط في 2 فبراير، وقال الوكلاء الفرنسيون ~~إنهما كانا مزودين بسلطات جديدة ويحملان إنذارا نهائيا ~~من محمد علي لهم، وعاد المندوبان من مهمتهما في 20 فبراير، ~~ولم تسفر هذه المساعي عن شيء، وكتب «مسيت» إلى «أربثنوت» ~~منذ 13 فبراير أن المماليك قد قابلوا بكل احتقار عروض محمد ~~علي للصلح معه، ولو أن المفاوضات لا تزال جارية بينه وبين ~~إبراهيم بك والبرديسي، ومن الواضح أن غرض محمد من كل ذلك ~~إنما هو شل حركة هذين البكين وتقييد قواتهما ووقفهما عن ~~العمل، بينما تنشط قواته هو ضد الألفي، وهذا إذا تسنى له ~~إقناع جنده بالخروج من القاهرة. # وقد ذكر الجبرتي السبب في إخفاق المفاوضات مع بكوات ~~الصعيد، فقال: «وقد حكى الناس عنهما أن المذكورين لما ~~ذهبا إلى أسيوط وجدا أن إبراهيم بك قد انتقل إلى ناحية ~~طحطا، واجتمعا بعثمان بك حسن والبرديسي، فلم يرضيا بالتوجه ~~الذي وجها به إليهم، وهو من حدود جرجا، وقالا: لا يكفينا ~~إلا من حدود المنية، فإن الفرنساوية كانوا أعطوا حكم ~~البلاد القبلية من حدود المنية لمراد بك بمفرده فكيف أنه ~~يكفينا نحن الجميع من جرجا؟ وشرطوا أيضا أنه إذا استقر ~~الصلح على مطلوبهم لا بد من إخلاء الإقليم من هذه العساكر ~~الذين لا يتحصل منهم إلا الضرر والخراب والدمار والفساد، ~~ولا يبقي الباشا منهم إلا مقدار ألفي عسكري، وقالوا: إنه ~~أيضا إذا لم يعطنا مطلوبنا فهو لا يستغني عن أناس من ~~العسكر يقيمون بالبلاد التي ms0366 يتجمل علينا بها فنحن أولى له ~~وأحسن منهم، ونقوم بما على البلاد من المال والغلال، وعند ~~ذلك يحصل الأمن ويسير المسافرون في المراكب وترد المتاجر ~~والغلال ويحصل لنا وله الراحة. وأما إذا استمر الحال على ~~هذا المنوال فإنه لم يزل متعبا من كثرة العسكر ونفقاتهم ~~وكذلك سائر البلاد، على أنه إن لم يرض بذلك فها هي البلاد ~~بأيدينا والأمر مستمر معنا ومعهم على التعب والنصب.» ~~وقال «مسيت» إن البكوات رفضوا مقترحات محمد علي وهم ~~مدهوشون من أن يأخذ على عاتقه عرض ما يمتلكونه هم فعلا، ~~وما ليس في مقدوره هو أن يحرمهم منه. # ورضي الباشا بأن يبدأ إقطاع البكوات عند ملوي؛ أي في ~~منتصف المسافة تقريبا بين المنيا وأسيوط على أن يصرف ~~هؤلاء ما لديهم من عربان وعثمانلي ويونان وأرنئود فلا يبقى ~~معهم سوى مماليكهم فحسب، وطلب البكوات من جهتهم أن ينقص ~~محمد علي جيشه إلى أربعة آلاف وأن يخرج الباقون من مصر، ~~وقد رفض الباشا ذلك. وقال «دروفتي» في رسالته إلى حكومته ~~في 23 مارس 1806، يعلل سبب قطع المفاوضات بعدم اطمئنان ~~فريقي المتفاوضين إلى بعضهما بعضا، وانعدام وجود ما يضمن ~~لكل منهما قيام الآخر بتنفيذ ما يتعهد به، وكان طلب ~~البكوات من محمد علي إنقاص جيشه الصخرة التي ارتطمت بها ~~المفاوضات؛ لأنه حتى ولو كان الباشا - كما قال «دروفتي» - ~~صادق النية ويريد الإيفاء بعهوده حقا، فكيف يتسنى له أن ~~يطرد من مصر جندا اعتادوا على النظر إلى هذه البلاد كأنها ~~ملك لهم، جندا فرضوا إرادتهم في كل الأوقات على رؤسائهم ~~كقانون لا سبيل إلى تحطيمه. # فلم يبق أمام محمد علي سوى إرسال الجند الذين كان بسبيل ~~إعدادهم لقتال البكوات، ثم محاولة تجديد المفاوضة مع ~~الألفي لشل حركته أثناء انشغاله بمناجزة بكوات الصعيد، وقد ~~كانت المناوشات دائرة بين جنده وبين عربان الألفي وجنده ~~منذ انقطاع المفاوضة السابقة بينهما لتكرر الكلام عما ظهر ~~من تلكؤ الجند في الخروج للقتال وفرارهم من جيش محمد علي ~~للانضمام إلى المماليك، فكان من أخطر هذه ms0367 المصادمات ما وقع ~~في 18 ديسمبر 1805، ثم ~~في منتصف فبراير من العام التالي (1806)، فبذل الباشا ~~قصارى جهده الآن لإخراج العسكر للتجريدة، وكان قد أقام منذ ~~أواخر أكتوبر 1805 معسكرين؛ أحدهما ببر الجيزة، والآخر ~~بناحية طرا، وجدد الباشا إنذاراته وتحذيراته للجند ~~بالخروج والتجمع في هذين المعسكرين منذ آخر يناير 1806، ثم ~~حدث في أواخر فبراير أن حضر سليمان أغا الأرنئودي من جهة ~~المنيا يحمل أخبار هزيمة جنده على يد بكوات الصعيد، وذلك ~~أن الباشا كان قد لبسه كاشفا على منفلوط حين عين ياسين ~~به كاشفا على بني سويف والفيوم، وغادر هذان القاهرة مع ~~سائر الكشاف الذين عينوا في جهات أخرى منذ 5 أكتوبر ~~1805، ولكن سليمان أغا وكبار العسكر بالمنيا ما لبثوا أن ~~وقعوا تحت رحمة البكوات الذين ضيقوا الحصار عليهم ومنعوا ~~عنهم الموارد ولم يستطيعوا جمع أية إتاوات، فساءت حالهم ~~واستبد بهم القحط، وقرروا العبور إلى البر الشرقي ~~والاستيلاء على بلدة المطاهرة، ولكن المماليك سرعان ما ~~أحاطوا بهم وقاتلوهم عدة أيام حتى ظهروا عليهم، وفرقوهم ~~وأسروا كثيرين منهم، وكان سليمان أغا من بين الأسرى، وتوسط ~~له بعض الأجناد لدى البكوات فنجا من القتل، ثم أنعم عليه ~~البكوات بكسوة ودراهم وسلاح، وأقام معهم أياما ثم ~~استأذنهم للعود، وحضر إلى مصر وجلس بداره، وعندما أغار ~~شاهين بك الألفي مع عربانه على إقليم الجيزة في الأيام ~~الأولى من شهر مارس 1806، لم يجد الباشا مناصا من الخروج ~~بنفسه إلى ناحية بولاق، وإنفاذ التجريدات ضد جماعة الألفي ~~وضد بكوات الصعيد. # فعبر النيل في 5 مارس 1806 طائفة من العسكر الخيالة إلى ~~بر الجيزة، وعدى طاهر باشا بجنده إلى بر إمبابة، وشرع عسكر ~~حسن باشا في التعدية إلى البر الآخر من ناحية معادي ~~الخبيري ولحق بهم حسن باشا في 15 مارس وكان مكلفا بالزحف ~~على الصعيد وبلوغ جرجا التي عين حاكما عليها، وكان من ~~المنتظر أن يحدث التحام بينه وبين الألفي عند مروره ~~بالفيوم، وكان الجيش الذي خرج به حسن باشا من حوالي ~~الأربعة آلاف مقاتل، اعتبره «مسيت» ms0368 غير كاف لمناجزة ~~الألفي وبكوات الصعيد لدرجة أنه صار يعتقد - على حد قوله ~~في رسالة له إلى السفير الإنجليزي بالقسطنطينية في أول ~~مارس 1806 - أن محمد علي عند إعطائه قيادة هذا الجيش إلى ~~حسن باشا إنما كان يبغي من ذلك تعريض منافس خطير له إلى ~~خطر عظيم أو على الأقل إلحاق الأذى بسمعته، وليس الغرض من ~~إرسال هذا الجيش إخضاع الألفي، ثم استطرد «مسيت» يقول: ~~«وكذلك فلا يزال سبب قبول حسن باشا لهذه القيادة مجهولا ~~وهو الذي رفضها مرات كثيرة، اللهم إلا إذا كان غرضه ~~الانضمام إلى العصاة.» ومهما كان من أمر فقد صح ما توقعه ~~«مسيت» من حيث هزيمة حسن باشا عند اشتباكه مع جند ~~الألفي. # فقد حصل أول اصطدام بين حسن باشا وجند الألفي بناحية ~~«جرزا الهوى» «والرقق» - وتتألف الرقق من الرقة الكبير على ~~مسافة 52 كيلومترا من القاهرة و36 كيلومترا من بني سويف ~~على الشاطئ الأيسر من النهر، والرقة الصغير على مسافة ~~كيلومترين من الرقة الكبير - وانتصر حسن باشا في مبدأ ~~الأمر بسبب مفاجأته لمعسكر المماليك، ولكن هؤلاء ما لبثوا ~~أن فاجئوهم في مساء اليوم نفسه وأوقعوا بهم هزيمة كبيرة، ~~ولكنه ما كاد يجتاز الرقق حتى ظهرت فجأة كل قوات الألفي ~~الذي كان قد ترك الفيوم في طريقه إلى الدلتا، وكان جيشه ~~يتألف من حوالي مائتين أو ثلاثمائة مملوك عدا حوالي الستة ~~آلاف من العربان المنتشرين في السهل وراءه، فانقض الألفي ~~على الأرنئود وأبلى مماليكه بلاء حسنا، وأرهق العربان ~~الأرنئود، فانهزم حسن باشا واضطر إلى اللجوء إلى الرقق ~~والتحصن بها، وأرسل يطلب النجدة من القاهرة، وذاع في ~~العاصمة خبر هذه الهزيمة في 26 مارس، فأمر محمد علي بإرسال ~~النجدات إليه، وخرج في مساء اليوم نفسه كتخدا بك ونصب ~~«وطاقه» ببر إمبابة، وخرج سليمان أغا مع فريق آخر من الجند ~~إلى ناحية طرا، وذهب عابدين بك لنجدة أخيه حسن باشا إلى ~~الفيوم، وكان قد احتلها مع عسكر الدلاة الذين معه بسبب ~~خروج الألفي منها. # وكان سبب إخلاء الألفي ms0369 للفيوم إقفار هذا الإقليم من ~~الأرزاق والأقوات، بعد أن استمر جنده والعربان الذين معه - ~~ويعدون بالألوف - زمنا طويلا يسلبون أهله، وينهبون ~~غلات الأرض، ثم زاد ضيقهم بسبب المراقبة الصارمة التي ~~فرضها محمد علي من جديد على البائعين والمتسببين حتى لا ~~يمدوا معسكر الألفي بشيء بعد فشل المفاوضات الأولى معه، ~~ولم يجد الألفي من الحكمة مهاجمة حسن باشا بعد تحصنه في ~~الرقق، فتقدم بجيشه حتى وصل إلى كرداسة، وانتشر جنده ~~وعربانه في إقليم الجيزة يسلبون أهله وينهبونهم ويصادرون ~~أرزاقهم وأقواتهم، وانضم إليهم في ذلك بضعة ألوف من عربان ~~ليبيا، ثم إنه بادر باستئناف المفاوضة مع محمد علي لعله ~~يصل إلى اتفاق معه بالشروط التي عرضها سابقا والتي قد لا ~~يجد محمد علي في أزمته الراهنة مناصا من قبولها. # وكان الألفي يعلم ما للمشايخ من مكانة عند القاهريين - ~~ومثله في ذلك مثل محمد علي نفسه - فأراد استمالتهم إلى ~~تأييد قضيته؛ ولذلك فقد أوفد أحد رجاله مصطفى كاشف المورلي ~~بكتاب إلى السيد عمر مكرم والمشايخ (29 مارس) يذكر فيه أنه ~~لم يحضر إلى إقليم الجيزة إلا لطلب القوت والمعاش؛ حيث لم ~~يبق بالفيوم شيء يكفيه ومن معه من الأجناد، ويرجون ~~شفاعتهم في حقه وتوسطهم لدى محمد علي، لعله ينال من مراحم ~~أفندينا ما يمكنه أن يتعيش به كما سبق له أن رجا ذلك منه، ~~فأبلغ عمر مكرم الباشا الرسالة، وطلب هذا منه أن يكتب إلى ~~مصطفى كاشف بالحضور «حتى نتروى معه - كما قال محمد علي - ~~مشافهة»، وقابله عمر مكرم بمحمد علي في 31 مارس وحمل ~~كتابا إلى الألفي عاد به من ليلته، وكان غرض محمد علي من ~~هذه المفاوضة كسب الوقت كعادته، ومنع الألفي من الاتحاد مع ~~زملائه في عمل مشترك ضد جيش حسن باشا. # وحضر مصطفى كاشف المورلي بجواب آخر من الألفي في 2 ~~أبريل يوسط السيد عمر مكرم والمشايخ مرة أخرى لدى الباشا، ~~ويلقي مسئولية ما يقع من اعتداءات جنده على الأهلين سواء ~~بإقليم الجيزة أم بغيره من الأقاليم على كاهل ms0370 محمد علي ~~وعناده وإصراره على عدم إجابة مطالبه وإنهاء الخلافات ~~بينهما، تلك الخلافات التي هي مبعث كل ما يقع على الأهلين ~~من مظالم، ويحاول إقامة الحجة على أن مسلكه لا يختلف عن ~~مسلك الباشا نفسه في هذا الشأن، بل ويعزو إليه المبادأة ~~بالعدوان بسبب ما يجمعه من أصناف الجند الغرباء عن البلاد ~~لقتال أصحابها، فقال في كتابه لهم: «إننا أرسلنا لكم نرجو ~~منكم أن تسعوا بيننا بما فيه الراحة لنا ولكم وللفقراء ~~والمساكين وأهالي القرى، فأجبتمونا بأننا نتعدى على القرى، ~~ونطلب منهم المغارم، ونرعى زرعهم، وننهب مواشيهم، والحال ~~أنه والله العظيم ونبيه الكريم أن هذا الأمر لم يكن على ~~قصدنا ومرادنا مطلقا، وإنما الموجب لحضورنا إلى هذا الطرف ~~ضيق الحال والمقتضي للجمعية التي نصحبها من العربان وغيرهم ~~إرسال التجاريد والعساكر علينا، فلازم لنا أن نجمع إلينا ~~من يساعدنا في المدافعة عن أنفسنا، فهم يجمعون أصناف ~~العساكر من الأقطار الرومية والمصرية لمحاربتنا وقتالنا، ~~وهم كذلك ينهبون البلاد والعباد للإنفاق عليهم، ونحن كذلك ~~نجمع إلينا من يساعدنا في المنع ونفعل كفعلهم لننفق على من ~~حولنا من المساعدين لنا، وكل ذلك يؤدي إلى الخراب والدمار ~~وظلم الفقراء، والقصد منكم - مخاطبا المشايخ - بل الواجب ~~عليكم السعي في راحة الفريقين.» # وعرض الألفي مطالبه لإبرام الاتفاق بينه وبين محمد علي، ~~وهي أن يكف الباشا عن قتاله، وأن يخصص له جهة يرتاح فيها، ~~فإن أرض الله - كما قال - واسعة تسعنا وتسعهم، كما أنه ~~اشترط لإبرام هذا الاتفاق إعطاءه عهدا بكفالة من يعتمد ~~عليه من ناحيته وناحية محمد علي، ويكتب بذلك محضر لصاحب ~~الدولة؛ أي للصدر الأعظم، وينتظر الطرفان رجوع الجواب من ~~الباب العالي، وعند وصوله يكون العمل بمقتضاه، وطلب الألفي ~~كشوفية والتزام مديريات البحيرة والجيزة والفيوم، ولكن ~~الباشا وافق على أن يقطعه إقليم الجيزة فحسب وكتبوا له ~~جوابا بذلك من غير عقد ولا عهد ولا كفالة كما أشار ~~الألفي، وسلموا الجواب لمصطفى كاشف المورلي ورجع به، فعاد ~~الألفي يطلب مديرية البحيرة وجزيرة السبكية - وهي جزيرة ~~يصنعها فرعا ms0371 النيل وقناة منوف وبها سبعون قرية - وأوفد ~~رسولا آخر، أحمد أبو الذهب العطار يحمل رسائل بنفس المعنى ~~الذي أوضحه في كتابه السابق إلى السيد عمر مكرم وسائر ~~المشايخ ورجال الدولة أو مندوبي الباب العالي في مصر، سعيد ~~أغا دار السعادة وصالح بك القابجي، ولكن دون جدوى، وكتبوا ~~له بالمعنى الأول، وقد صحب رسول الألفي في هذه المرة عند ~~عودته إلى سيده أحد المتعممين، السيد أحمد الشيتوي، لعله ~~يستطيع إقناع الألفي (11 أبريل). # وكان واضحا بسبب تمسك كل من الفريقين بمطالبه، أن ~~هذه المفاوضات على حد قول الجبرتي - أمور صورية وملاعبات ~~من الطرفين لا حقيقة لها، والواقع أن أحدا منهما: لا ~~الألفي ولا محمد علي كان يريد اتفاقا لا يحقق له مقاصده، ~~بل إن أجناد الألفي أثناء هذه المفاوضات لم يكفوا عن ~~الإغارة على مختلف البلدان التي مروا بها في طريقهم إلى ~~الدلتا؛ لأن الألفي عندما غادر الفيوم كان يقصد الزحف على ~~البحيرة، والاقتراب ما أمكن من الإسكندرية؛ لأنه كان قد ~~أرسل وكلاءه إلى القسطنطينية للسعي لدى الباب العالي من ~~أجل استصدار عفو عن المماليك وإعادة سلطاتهم السابقة إليهم ~~بزعامة الألفي نفسه، على نحو ما سيأتي ذكره في موضعه، فصار ~~يهمه أن يكون قريبا من الإسكندرية لتلقي ما قد يرد من ~~أخبار من القسطنطينية من جهة، وحتى يستطيع الاتصال بسهولة ~~بالوكيل الإنجليزي «مسيت» المقيم بها من جهة أخرى، وكان ~~الألفي يعتمد على وساطة الإنجليز في نجاح مساعيه لدى الباب ~~العالي؛ وعلى ذلك فقد طلب أجناد الألفي كلفا من برطيس وأم ~~دينار ومنية عقبة، وكان العساكر الأتراك بهذه النواحي قد ~~أغروا أهلها بمقاومة جنود الألفي، والامتناع عن إعطائهم ~~الكلف والدراهم ووعدوهم بنجدتهم إذا اشتبكوا معهم؛ وعلى ~~ذلك فقد امتنعوا عليهم اعتمادا على هذه الوعود، فضربهم ~~الألفية وحاربوهم ونهبوهم، وأما جند الباشا فإنهم لم ~~يسعفوهم ولم يخرجوا من أوكارهم، وفي اليوم نفسه الذي جاء ~~فيه أحمد أبو الذهب العطار بعروض الألفي الأخيرة في 11 ~~أبريل، وهي المطالبة بمديرية البحيرة وجزيرة السبكية، أصدر ~~محمد ms0372 علي أوامره إلى كشافيه في تلك الجهات بجمع كل ما ~~لديهم من قوات والذهاب إلى ساحل السبكية للمحافظة على ~~الجزيرة من وصول جنود الألفي إليها؛ لأنهم إذا حصلوا عليها ~~تعدى شرهم إلى المنوفية بأسرها، بل وأشيع عزم الباشا على ~~الذهاب إليها بنفسه بطريق القليوبية على أن يلحق به كتخدا ~~بك وطاهر باشا، وأرسل يطلب حسن باشا وجنده، وكان هذا بعد ~~واقعة الرقق قد استمر في سيره حتى وصل إلى بني سويف ويستعد ~~لمواصلة السير إلى المنيا. # وأما الألفي فإنه كان هو الآخر قد غادر كرداسة قبل ~~انقطاع المفاوضة، وكان من أسباب ارتحاله عنها توقعه فشل ~~المفاوضة من جهة، ثم ما أحدثه وجوده على أبواب الجيزة من ~~ذعر بالقاهرة وخوف القاهريين أن يعمد إلى مهاجمتها بعد ~~انتصاره الأخير في الرقق، فتسلح قسم من أهلها، وصاروا ~~يخرجون مع أغا الانكشارية، والفرسان الموجودين بها إلى ~~خارج أسوارها استعدادا للمعركة التي لم تحدث لشيء سوى ~~رغبة الألفي في الذهاب إلى البحيرة بكل سرعة للأسباب التي ~~ذكرناها، فجعلته هذه المظاهرة يستأنف سيره، وذلك بعد أن ~~انضم إلى صفوفه أيضا أحد البمباشية الأرنئود مع حوالي ~~الأربعمائة من جند الباشا، فوصل إلى جزيرة الأسود مجتازا ~~إمبابة في 8 أبريل، وكان هدفه التالي جزيرة السبكية، وبعث ~~محمد علي يستدعي الدلاة الذين كانوا مع حسن باشا في بني ~~سويف، كما أصدر أمره للجند المعسكرين في إمبابة بالخروج ~~لمطاردة الألفي، ولكن حسن باشا الذي كان يستعد لمواصلة ~~السير إلى المنيا - كما قدمنا - لم يلبث أن أعلن أنه لا ~~يذهب إلى أبعد من المكان الذي وصل إليه (بني سويف) ما لم ~~تدفع له مرتبات الجند المستحقة عن أربعة شهور، وبدا كأنما ~~هو يرفض تلبية أوامر محمد علي بشأن إرسال الدلاة، ومع ذلك ~~فقد وصل جماعة من هؤلاء بعد ذلك في 19 أبريل وانضموا إلى ~~الجند المعسكرين في إمبابة، ولكنهم رفضوا جميعا الخروج ~~كذلك، فتحرج موقف محمد علي، وساد الذعر والفزع في القاهرة ~~حتى إن الأوروبيين الذين كانوا بها لم يلبث أن ms0373 غادرها ~~كثيرون ممن استطاعوا منهم فعل ذلك، قاصدين إلى رشيد ~~ودمياط، وزادت حروجة محمد علي عندما وصلت الأخبار إلى ~~القاهرة في 14 أبريل تعلن استيلاء جند الألفي وعربانه على ~~جزيرة السبكية وتخاذل المحافظين عليها وهروبهم من وجوههم، ~~فأرسل محمد علي إلى منوف قوة من الفرسان بقيادة طاهر باشا ~~(18 أبريل)، ثم أراد أن يلحق بالأخير كتخدا بك بسائر قوات ~~الحملة، ولكن الجند ما لبثوا أن أوقفوه عندما أراد ~~الانتقال إلى بولاق، فأرغم على العودة إلى القاهرة في ~~الظروف التي سبق ذكرها. وفي 24 أبريل جاءت الأخبار بأن ~~الألفي قد ارتحل من ناحية الجسر الأسود والطرانة قاصدا ~~إلى البحيرة، فبذل محمد علي قصارى جهده لتدبير المال ~~اللازم لدفع مرتبات الجند، واستطاع كتخدا بك (دبوس أوغلي) ~~الانتقال إلى إمبابة «بوطاقه» في 27 أبريل. # وانتهز الألفي فرصة ازدياد متاعب محمد علي، فجدد عروض ~~الاتفاق معه - كما كتب الوكلاء الفرنسيون - على أساس حصوله ~~على مديريتي البحيرة والشرقية إلى أن تحضر الفرمانات التي ~~قال إنه طلبها من الباب العالي، ولكن الباشا رفض ذلك؛ لأنه ~~لم يشأ قبول تقسيم للبلاد يعرض سلطته للخطر، فترتب على ~~رفضه هذا أن انقض ثلاثة من صغار بكوات الألفي على مديرية ~~المنوفية يعيثون فيها فسادا، بينما استمر الألفي في ~~طريقه، متخذا من رفض محمد علي للصلح معه ذريعة لمهاجمة ~~دمنهور، فوصلها في 23 أبريل وطلب من أهلها التسليم طوعا، ~~ولكن هؤلاء لم يجيبوه إلى طلبه؛ ذلك أن محمد علي كان قد ~~وسط السيد عمر مكرم منذ أن بدأ الألفي حركته صوب الدلتا، ~~لتحذيرهم من التسليم له وتحريضهم على المقاومة، كما صار ~~يمدهم بآلات الحرب والبارود فنهضوا لتحصين البلدة وترميم ~~أسوارها، وحفر الخنادق حولها، كما جلبوا إليها من المؤن ما ~~يكفيهم لمقاومة أي حصار يضرب عليها، ولو استطالت مدته سنة ~~بتمامها. فلم يجد الألفي سبيلا لإخضاعها إلا بمحاصرتها، ~~وبلغ الخبر القاهرة بتوجه الألفي إلى دمنهور ومحاصرته لها ~~في 29 أبريل، ولكن الألفي لم يلبث أن رفع الحصار عنها ~~لحاجته إلى المؤن ولوقوع ms0374 سوء تفاهم بينه وبين العربان ~~الذين معه، ولما بلغه أخيرا من تحرك الدلاة وخروجهم من ~~إمبابة لقتاله، ويقول الوكلاء الفرنسيون: إن تحرك هؤلاء، ~~ولو أنهم تباطئوا في سيرهم، كان كافيا لأن يجعل الألفي ~~يرفع الحصار عن دمنهور، فارتد عنها إلى ناحية وردان، وعدى ~~من جيشه وعربانه طائفة إلى جزيرة السبكية، فلم يلقوا بها ~~أية مقاومة لتخاذل جند الباشا الذين كانوا قد عادوا إليها ~~بعد رحيل الألفي إلى دمنهور، فولوا الأدبار في هذه المرة ~~كذلك، فطلب الألفي من أهل السبكية دراهم وغلالا ولكن ~~أكثرهم استطاعوا الفرار فجلوا عنها، وتفرقوا في بلاد ~~المنوفية (28 مايو). # وبينما كانت هذه الحوادث تجري في الوجه البحري، كان حسن ~~باشا غير قادر على مغادرة بني سويف، لتمرد جنده من جهة، ~~ولكثرة من ترك جيشه منهم، وانضم إلى صفوف المماليك من جهة ~~أخرى، والبرديسي وإبراهيم واقفان على حصار المنيا ويتأهبان ~~لمهاجمتها، ويبعث حسن باشا في طلب النجدة من القاهرة، وقد ~~استمر الحال على ذلك فترة من الزمن، حتى استطاع الباشا أن ~~يبعث ب «محو بك» بالذخيرة، فما إن وصل هذا إلى بني سويف ~~حتى خرج مع عابدين بك لإنقاذ حامية المنيا، وعندئذ قامت ~~الحامية بخروج مسلح لاستقبال النجدة الآتية إليها، ودارت ~~بينهم ومعهم قوات عابدين بك وبين قوات المماليك بقيادة رجب ~~أغا الأرنئودي وزميله الثائر الآخر ياسين بك معركة شديدة ~~انهزم فيها الأخيران، ودخل عابدين بك المنيا، وأطلقت ~~المدافع من قلعة القاهرة ابتهاجا بهذا النصر عندما بلغ ~~الباشا الخبر في 24 مايو 1806. # ولما كان الألفي قد اتخذ مقره بجهة حوش عيسى، ويلتزم خطة ~~الانتظار بدلا من محاولة استئناف حصار دمنهور، أو شن هجوم ~~جديد على أعدائه، واستطاع الباشا تدبير المال اللازم لدفع ~~مرتبات الجند أو - على الأقل - قسم منها، وتهدئة فتنة ~~الجند في مختلف الحاميات سواء بالوجه البحري أم بالصعيد، ~~فقد بدا أن الموقف بسبيل التحسن، وأن العمليات العسكرية ~~سائرة في طريقها، وأنه لا يكاد يكون هناك خطر جسيم يهدد ~~سلطانه، ولكن كل أمل في انفراج الأزمة ms0375 لم يلبث أن زال ~~سريعا عندما جاء السعاة من الإسكندرية يعلنون نبأ وصول ~~بشارة إلى الألفي بالرضا والعفو للأمراء المصرية من الدولة ~~بشفاعة الإنجليز، فدل ذلك على حدوث تغيير مفاجئ في سياسة ~~الديوان العثماني، لا سيما وأن محمد علي كان منذ سفر ~~القبطان باشا (عبد الله رامز) في أكتوبر 1805، قد حصل من ~~القسطنطينية على الرتبة ذات الثلاثة أطواخ، وحضر من عهد ~~قريب (4 فبراير 1806) نحو السبعين ططريا ومعهم البشارة ~~له بوصول الأطواخ إلى رودس، ثم وصل إلى بولاق في 24 مارس ~~قابجي وبيده تقرير له بالولاية على مصر، وجاءته الهدايا من ~~القسطنطينية وبعث إليه السلطان بفرو التقليد، فكان معنى ~~هذا التبدل الذي طرأ على سياسة الدولة أن الباب العالي ~~المتقلب والذي لا يمكن لأي باشا من باشوات الإمبراطورية أن ~~يركن إليه قد صح عزمه على إنهاء حكمه وطرده من ~~الولاية. ~~(2) الباب العالي ومحمد علي # ويرجع سبب التبدل الذي طرأ على موقف الباب العالي من محمد ~~علي إلى مسعى الديوان العثماني دائما منذ أن عادت مصر إلى ~~حظيرة الدولة لبسط نفوذه الفعلي عليها، كما كان مرده إلى قصر ~~نظر رجال الديوان المسئولين الذين توهموا أثناء اشتداد تنازع ~~النفوذ في القسطنطينية بين إنجلترة وروسيا من جانب وبين فرنسا ~~من جانب آخر، وبدء توتر العلاقات بين روسيا وتركيا بدرجة تهدد ~~بقيام الحرب بينهما - ثم بين تركيا وإنجلترة تبعا لذلك - بسبب ~~النزاع الدائر حول منصبي حاكمي الأفلاق والبغدان من جهة، ~~ومسألة مرور الجند الروس عبر البوغازات إلى «كورفو» من جهة ~~أخرى، أن في وسعهم تأمين السلام في ركن من أركان الإمبراطورية ~~كان - في نظرهم - معرضا لعدوان الإنجليز والفرنسيين على ~~السواء عليه إذا هم أعادوا به ذلك الوضع القديم الذي حفظ لهم ~~سلطة اسمية ظاهرية يمثلها باشا من الباشوات الذين في استطاعتهم ~~أن يولوهم أو يعزلوهم متى شاءوا، والذي وضع السلطة الفعلية في ~~أيدي طغمة من المماليك، لم يمتنعوا على كل حال عن دفع الأموال ~~الميرية، ولم يتمردوا أو يحاولوا نبذ سيادة الدولة الشرعية ~~عنهم ms0376 إلا في مرات قليلة نادرة. # ولقد وافق الباب العالي على تسمية محمد علي لولاية مصر بعد ~~انقلاب مايو 1805 نزولا على حكم الضرورة واعترافا بالأمر ~~الواقع عندما تبين للقبطان رامز باشا أن خورشيد وأحلافه ~~المماليك عاجزون جميعا أمام عناد زعماء القاهريين وحيلة ودهاء ~~محمد علي عن استرجاع حكومة القاهرة. واستعصى على الباب العالي ~~أن يتحرر من نظام أوجده ضعف السلطنة، ثم جعله ينظر إلى التطاحن ~~الدائر بين هذه القوى المتنازعة كخير ما يمهد له السبيل ~~لبناء نفوذه الجديد في مصر على أشلاء هذه القوى المتحطمة، ~~فعندما وصل القبطان باشا إلى مصر لم يكن لأولئك الذين بعثوا به ~~إليها عينا لهم ليرى أي كفتي الخصمين (خورشيد ومحمد علي) هي ~~الراجحة، من هدف سوى تقرير سلطان الباب العالي بالوسيلة التي ~~لازمت خطته في مصر منذ أن خرج الفرنسيون منها، وهي الاعتراف ~~بالأمر الواقع دائما. ولقد كان تقرير النفوذ والسلطان بهذه ~~الوسيلة العاجزة يتطلب من أجل إرضاء القائمين على سياسة الدولة ~~المحافظة على مظاهر السيادة، وأهمها دفع الخراج ورفع قيمته ~~كلما تيسر ذلك، وإرسال النجدات من مؤن وجند ومال مما قد ~~يساعد الدولة على اجتياز أزمة من الأزمات الكثيرة التي هزت ~~كيانها وقتئذ، ثم إغداق العطايا والهدايا على رجال الديوان ~~العثماني ثم على السلطان نفسه، وإذعان الولاة أو الباشوات ~~لأوامر الباب العالي، ثم استطاعة الباب العالي أن يعزل أو ~~يولي من يشاء من هؤلاء الباشوات أنفسهم. # ولم يكن وجود محمد علي في الولاية من صنع الباب العالي، بل ~~كان من أثر عوامل كثيرة أخرى، أبرزها تمسك القاهريين به ونبذهم ~~لحكومة خورشيد باشا، ولم تدخل هذه العوامل في مبدأ الأمر في ~~حسبان القبطان باشا أو سائر رجال الباب العالي من بطانته وسائر ~~المحيطين به من القائمين بشئون الحكومة في الإسكندرية التي ظلت ~~معقلا للنفوذ العثماني أثناء تنازع الباشوات والمماليك على ~~السلطة في القاهرة واستئثار الأخيرين بالسلطة الفعلية الكاملة ~~على أكثر أقاليم القطر، بل إن القبطان باشا ومن ذهب مذهبه ~~كانوا لا يزالون يعلقون آمالا ms0377 كبيرة، حتى بعد اندحار خورشيد ~~ونزوله من القلعة، على أن البكوات المماليك في وسعهم أن يطردوا ~~محمد علي من القاهرة؛ فقد كتب «دروفتي» إلى «تاليران» في 23 ~~أغسطس 1805، بعد مكيدة القاهرة المعروفة التي ذهب ضحيتها عدد ~~من البكوات وأتباعهم يوم 16 أغسطس، أن أحدا من رجال الدولة ~~وممثليها بالإسكندرية لم يسر لأنبائها، بل ولا يريدون ~~تصديقها، ثم استطرد يقول: «وهكذا فإن هذا النجاح الذي كان ~~يعد في الماضي نصرا؛ وذلك بسبب ما هو معروف من قديم عن رغبة ~~الباب العالي الشديدة في التخلص من البكوات، قد تأجل ~~الاحتفال به حتى صباح هذا اليوم، وذلك بإطلاق إحدى عشرة طلقة ~~مدفع فحسب، ويشاطر الإنجليز الأتراك فيما يبدونه من عدم ~~الارتياح والرضا.» وقد وصل «دروفتي» من ذلك إلى تقرير أن خطة ~~خورشيد باشا قد تكون هي المتغلبة (أي اتحاده مع القبطان باشا ~~والبكوات المماليك في عمل مشترك من أجل طرد محمد علي)، وأن ~~إعادة تأسيس حكومة البكوات في القاهرة وطرد الأرنئود كان الرأي ~~الذي دان به القبطان باشا كأفضل الطرق الممكنة لإنهاء هذا ~~النزاع، وذلك أنهم يخشون قيام حكم أرنئودي أكثر مما يخافون من ~~قيام حكم مملوكي. # ولقد حاول «دروفتي» بعد انتهاء الأزمة في صالح محمد علي ~~وتهيؤ القبطان باشا للعودة إلى القسطنطينية، أن يقف على حقيقة ~~رأي هذا الأخير في الحوادث التي أفضت إلى إلزامه إبقاء الولاية ~~في يد محمد علي، فلجأ إلى ترجمان القبطان باشا الأول يستوضحه ~~الأمر بعد أن صعب عليه إدراك قصده من أحاديثه مع القبودان ~~نفسه، ثم كتب إلى حكومته في 16 أكتوبر 1805 أنه استخلص من ~~الإجابات التي حصل عليها، أن القبطان باشا قد غادر مصر وهو ~~مقتنع بأنه من الواجب اعتبار محمد علي في زمرة العصاة الثائرين ~~على الباب العالي، بل ويخشى منه كثيرا بسبب ما له من دهاء ~~وحنكة سياسية ولباقة، وقد علل «دروفتي» نفسه منشأ هذا الرأي ~~بقوله: «إن هذا الوالي (محمد علي) ولو أنه في الحقيقة يحتفظ ~~بمظهر تبعيته للباب العالي إلا أنه ms0378 يسلك مسلك الحاكم بأمره، ~~وعلاوة على ذلك فإني أعرف أنه متحرز كل التحرز من الحكومة ~~التركية ويسيء بها الظن تماما، ويتخذ كل إجراء من شأنه أن ~~يبعده عن مرمى كل سهم قد يسدد إليه؛ إما بطريق الغدر ~~والخيانة، وإما بطريق استخدام القوة السافرة ضده.» وأما ~~القبطان باشا نفسه فقد قال وهو يبرح هذه الديار: «لقد خلفت ~~ورائي في هذه البلاد رجلا سوف تلقى فيه الإمبراطورية ذات يوم ~~دون شك ولا ريب ثائرا من أشد الثوار خطرا عليها، فإنه لم ~~يسبق أبدا أن كان لسلاطيننا من يفوق هذا الباشا في حنكته ~~السياسية ونشاطه الجم وقدرته على المداهنة والمراوغة.» # وبذل وكلاء محمد علي في القسطنطينية كل ما وسعهم من جهد ~~وحيلة لإظهار حكومته في خير صورة، وظلوا طوال الأزمة التي نشأت ~~عن المناداة بولايته يستندون في إلحاح - لضرورة بقائه في الحكم ~~- على أن المشايخ والعلماء المفصحين عن رغبات الشعب هم الذين ~~يريدونه ولا يرضون سواه حاكما عليهم، وأنه قد تعهد بتنفيذ ~~برنامج واسع للإصلاح الإداري، كما صاروا يحيون أمل السلطان في ~~انتظار الفائدة التي اعتقد أن من حقه أن يجنيها من امتلاك هذه ~~الباشوية الهامة، فراحوا يؤكدون أنه سوف يأتيه بمجرد استقامة ~~الأمر لمحمد علي كل ما يريده من مال وجند لقتال الوهابيين، ~~ينهض دليلا على ذلك تهيؤ ظاهر باشا من أقرباء محمد علي نفسه ~~للسير إلى الحجاز على رأس جنده المعسكرين لهذا الغرض خارج ~~القاهرة عند أول إشارة يتلقاها، كما أكدوا أن أوامر السلطان ~~سوف تصبح قطعا نافذة. وكان لهذه الدعاوى والوعود وزنها في ~~تسويغ الخضوع للأمر الواقع وإصدار التعليمات إلى القبطان باشا ~~تبعا لذلك بإقرار محمد علي في الحكم، حتى أخفقت كل محاولات ~~خورشيد في استرجاع الولاية. # ولكنه وإن كانت هذه الوعود قد ساعدت على تسليم الباب العالي ~~بالأمر الواقع فيما يتعلق بباشوية القاهرة، فقد ظل الديوان ~~حريصا على استبقاء الإسكندرية معقلا للنفوذ العثماني في مصر، ~~والحلقة التي تصل بين السلطنة والولاية، والمكان الذي في وسع ~~عماله المرتبطين به مباشرة ms0379 أن يراقبوا منه مجريات الحوادث ~~ونشاط محمد علي خصوصا. وعلى ذلك، فإنه لم تمض أيام قلائل على ~~رحيل القبطان باشا إلى القسطنطينية، حتى وصل من الباب العالي ~~فرمان يثبت أمين أغا (الذي حل محل كخيا خورشيد باشا القديم ~~منذ يوليو 1805)، في حكومة الإسكندرية، واسترعى هذا الإجراء في ~~الظروف القائمة نظر الوكيلين؛ الفرنسي والإنجليزي، فنقل ~~«دروفتي» هذا الخبر إلى حكومته في 16 أكتوبر 1805، وعلق عليه ~~بقوله: «إن صدور هذا الأمر الخاص من القسطنطينية بتعيين أمين ~~أغا لحكومة الإسكندرية برا وبحرا يشير على ما يبدو إلى أن ~~الباب العالي إنما يريد التمسك بهذا المكان (الإسكندرية) ~~مستقلا عن باشوية مصر.» وأما «مسيت» فقد كتب من الإسكندرية ~~في 20 أكتوبر إلى حكومته يقول: «إن فرمانا قد وصل من الباب ~~العالي إلى حاكم هذه المدينة بتثبيته في حكم الإسكندرية - ~~المستقل عن باشوية مصر - وحصونها، ويأمره بمنع أي جند من ~~دخولها عدا أولئك الملتحقين بخدمته هو نفسه.» ثم استطرد «مسيت» ~~يقول: «وإذا قبل محمد علي هذا الوضع فلا خوف حينئذ من علاقاته ~~مع فرنسا، ولكنه لا يجب علينا أن نتوقع أنه سوف يسلم بحرمانه ~~من ميناء كهذا له أهميته الكبرى لحكومته، وبدونه يتعذر عليه ~~تنفيذ ذلك المشروع الواضح أنه لديه والذي يبغي منه جعل نفسه ~~مستقلا عن الباب العالي بمساعدة فرنسا.» وقد تقدم كيف أن ~~«مسيت» منذ طرد حكومة البكوات من القاهرة وانقلاب مايو 1805 ~~بعد ذلك قد صار يلفت نظر حكومته إلى مشروعات الباشا هذه نحو ~~الاستقلال، واعتماده في بلوغ مأربه على فرنسا. # ثم إنه سرعان ما تبين بعد تقليد محمد علي منصب الولاية أن ~~الآمال التي عقدها الباب العالي على حكومته في ضوء الوعود ~~الجميلة التي بذلها وكلاء الباشا في القسطنطينية أثناء الأزمة ~~كانت سرابا خادعا، فلم يظفر الباب العالي بالإمدادات التي ~~كان يريدها، ولم يخرج جيش طاهر باشا إلى الحجاز لحرب ~~الوهابيين، ولم يستطع محمد علي الإغداق على السلطان ورجال ~~الديوان بالهبات والعطايا، ولم تكف إيرادات مصر - كما ~~شاهدنا - في أحايين كثيرة لدفع ms0380 مرتبات الجند المتمردين على ~~الباشا، وصار ما ناله السلطان العثماني كدليل على بقاء سيادته ~~العليا على البلاد، أو ما ~~ناله وزراؤه لا يعدو بعض الهدايا والسيوف والخيول، على أن الذي ~~اغتم له الباب العالي أكثر من أي شيء آخر أن أوامره لم تنفذ، ~~وأن محمد علي بدلا من إرسال النجدات التي وعد بها إلى الحجاز، ~~قد استبقى الجند وقائدهم طاهر باشا في مصر لاستخدامهم في ~~عملياته العسكرية، وأنه إلى جانب نبذه لأوامر السلطان ظهريا ~~يبذل قصارى جهده لدعم ولايته لصالح نفسه، وحتى ينفرد بحكومتها ~~مستقلا عن الباب العالي، وحرمان هذا الأخير من تلك الأداة ~~التي ساعده استخدامها على الاحتفاظ بمظهر سيادته في ولايات ~~الإمبراطورية المختلفة، وهي تعيين الباشوات وعزلهم حسب مشيئته، ~~ولقد كان لهذين الاعتبارين الأخيرين؛ ضآلة ما يحصله الباب ~~العالي من مال من باشوية القاهرة، وتعطيل مظهر سيادته ونفوذه، ~~أكبر الأثر في إقناعه بضرورة تدبير عزل محمد علي، حتى إنه ~~عندما جاء قرار نقل الباشا إلى سالونيك، لم يجد «دروفتي» بدا ~~من توضيح أثر هذين العاملين لحكومته (16 يونيو 1806). وكان مما ~~ذكره عن فقد الباب العالي لنفوذه في مصر أنه منذ ثورة مايو ~~1803 التي أسفرت عن طرد خسرو باشا صار الأرنئود هم أصحاب ~~السلطة في مصر، وليس للحكومة العثمانية شيء منها سوى إرسال ~~الفرمانات التي روعي تنفيذ ما تضمنته من أوامر وتوجيهات طالما ~~كانت هذه غير متعارضة مع الأهداف الاستقلالية للبيت الحاكم ~~الجديد. # وقد حرص الباب العالي على تعزيز نفوذه في مصر، ثم تحصيل ما ~~يمكن تحصيله من مال منها عندما عين مندوبين من قبله لإدارة ~~جمارك الإسكندرية ودمياط ورشيد في أبريل 1806، وأرسل في الوقت ~~نفسه قابجي وعلى يده مرسومات بالجمارك وغيرها، ومنها ضبط ترك ~~الموتى المقتولين والمقبورين وكذلك تركة السيد أحمد المحروقي ~~وآخر يسمى الشريف محمد البرلي، وقال الشيخ الجبرتي: «إن ~~القصد من ذلك تحصيل الدراهم بأي حجة كانت.» ولكن الباشا سرعان ~~ما انتهز وجود هذا القابجي لاستمالته إلى تأييد قضيته فأغدق ~~عليه النعم والعطايا، ثم زوده ms0381 بعطايا وهدايا أخرى للدولة ~~وأربابها، فلم تطل إقامته بالقاهرة وغادرها بعد ستة أيام فحسب ~~من وصوله إليها، وخرج الباشا مع سعيد أغا والسيد عمر مكرم ~~لتوديعه عند سفره من بولاق في 26 أبريل، وعرفه بقضايا وأغراض ~~يتممها له في القسطنطينية. # غير أن مسعى أصدقاء الباشا ووكلائه في القسطنطينية لم يجد ~~نفعا في صرف الباب العالي عن عزمه، بل كانت تجري المباحثات ~~هناك من مدة في أمر محمد علي وتدبير عزله من باشوية مصر ونقله ~~إلى ولاية أخرى. ~~(3) أزمة النقل إلى سالونيك # مفاوضات وكلاء الألفي في القسطنطينية # وصحبت المباحثات التي دارت بالقسطنطينية وتعيين موسى ~~باشا بدلا عنه في باشوية القاهرة، وصدور عفو السلطان عن ~~المماليك، وتأسيس نفوذهم من جديد بزعامة الألفي، ملابسات ~~كثيرة كان من أثرها ذيوع الاعتقاد وقتذاك بأن ذلك كله قد ~~حدث بناء على شفاعة ووساطة الإنجليز، ولقد بلغ من رسوخ ~~الفكرة في أذهان المعاصرين أن اعتقد بصحة ذلك الشيخ ~~الجبرتي - وهو يسجل ما يعرفه وما يشيع كذلك في أوساط ~~المشايخ وبين سائر العليمين بالأمور - ثم الوكلاء ~~الفرنسيون في مصر ورجال السفارة الفرنسية بالقسطنطينية، ~~والألفي نفسه وجماعته وسائر البكوات والمماليك، ولا ~~يستغرب أن يصدقه الباشا نفسه، والسبب في ذيوع هذا ~~الاعتقاد ما كان معروفا عن مسعى الإنجليز دائما في ~~السنوات السابقة وحتى قبل أن تتزعزع - في المدة الأخيرة - ~~علاقاتهم مع الباب العالي من أجل معاونة البكوات، ولا سيما ~~أولئك الذين اعتبروهم من أنصارهم، على استرجاع سيطرتهم ~~المفقودة، والعود إلى ذلك النظام السابق الذي كفل للمماليك ~~القوة والنفوذ قبل مجيء الحملة الفرنسية، أضف إلى هذا أن ~~الألفي نفسه عندما بدأت هذه المباحثات أسرع في طلب وساطة ~~الإنجليز لدى الباب العالي اعتقادا منه أن في هذا تعزيزا ~~لقضيته، كما أن الوكلاء الإنجليز بمجرد أن تم الاتفاق بين ~~الديوان العثماني ومندوب الألفي في القسطنطينية بادروا بزف ~~البشرى إليه، وصار من مصلحة هؤلاء الوكلاء أن يروج خبر ~~شفاعتهم أو وساطتهم المزعومة، ولما كان الترتيب الذي تم ~~الاتفاق عليه قد أتى محققا لرغبات الألفي ms0382 وفي صالحه، وكان ~~المعروف من قديم أنه صنيعة الإنجليز، فقد سهل تصديق هذه ~~المزاعم. # والحقيقة أن زمام المبادأة في هذه المباحثات كان بيد ~~الباب العالي نفسه، وأن الألفي لم يوفد مندوبه إلى ~~القسطنطينية إلا بعد أن طلب إليه المسئولون هناك أن يفعل ~~ذلك، وأن السفارة الإنجليزية لم تتدخل إطلاقا في ~~المباحثات، وأن الاتفاق قد حصل دون استشارتها فيه، ناهيك ~~عن إشراكها في موضوعه، وأن رجالها والوكلاء الإنجليز في ~~مصر لم يرتاحوا للترتيب الذي وضع ولو أنه في صالح الألفي، ~~بل نقدوه وتنبئوا بفشله، زد على ذلك كله أن الإنجليز ~~أنفسهم في الوقت الذي حدث فيه الاتفاق لم يكن لديهم من ~~النفوذ في القسطنطينية ما يجعلهم يتشجعون على التوسط ~~والتدخل، أو ما يجعل الباب العالي نفسه يصغي لوساطتهم إذا ~~هم فعلوا ذلك. # فقد اعتقد الباب العالي للأسباب التي سبق الحديث عنها، ~~وعندما نفد صبره من رؤية محمد علي لا يحقق شيئا من الوعود ~~التي كان وكلاؤه قد منوا بها الديوان العثماني، أن خير ~~وسيلة لإنهاء حكومة الأرنئود وبسط نفوذ الدولة الفعلي في ~~مصر هي تمليك البكوات ورجوعهم على شروط تشترطها عليهم ~~الدولة أولى من تمادي العداوة بينهم وبين محمد علي الذي ~~وصفه الصدر الأعظم محمد باشا بأنه رجل جاهل متحيل لم يتقلب ~~في مناصب الدولة، وإنما ظهر من العسكر في حين أنه لا يسهل ~~إجلاء المماليك عن أوطانهم وأولادهم وسيادتهم التي ورثوها ~~عن أسلافهم، ومن المنتظر لذلك أن تستمر الحروب بين محمد ~~علي والمماليك مع ما يتبع ذلك من احتياج الفريقين إلى جمع ~~العسكر وكثرة النفقات والعلائف والمصاريف، يجمعونها من أي ~~وجه كان ويؤدي ذلك إلى خراب الإقليم، فالأولى والمناسب صرف ~~ذلك المتقلب (أي محمد علي) وإخراجه وتولية خلافه، والعود ~~بنظام الحكم في مصر إلى الوضع الذي كان عليه قبل مجيء ~~الفرنسيين إليها، وفاتح الصدر الأعظم في هذه المسألة ~~سليمان أغا، وهو من مماليك صالح بك الوكيل. # كان الصدر الأعظم يوسف ضيا باشا قد قلده سلحدارا وبعث ~~به إلى إسلامبول، وأقام ms0383 بها من ذلك الحين يشرف على مصالح ~~البكوات عموما، وقرب بينه وبين محمد باشا السلحدار أن ~~الأخير كان في الأصل مملوكا للسلطان مصطفى الثالث، ويعطف ~~بسبب رابطة الجنس على قضية البكوات المماليك، وأكد الصدر ~~لسليمان أغا صدق نواياه في الوصول حقيقة إلى اتفاق مع ~~البكوات، على شريطة أن تفيد الخزينة العامرة منه؛ أي في ~~نظير أن يرفع البكوات قيمة الخراج السنوي وتأتي الأموال ~~والعطايا إلى القسطنطينية، فاقترح عليه سليمان أغا أن يطلب ~~الباب العالي من الألفي بإرسال كتخداه محمد أغا؛ لأنه رجل ~~يصلح للمخاطبة لمثل ذلك، ففعل. فكان ذلك منشأ المباحثات ~~التي انتهت بالاتفاق الذي كان من بين قواعده عزل محمد علي ~~من ولاية مصر ونقله إلى ولاية سالونيك. # وقد ذكر الشيخ الجبرتي هذه الرواية عند ترجمته لسيرة ~~الألفي، ثم عززها ما ذكره الوكيل الإنجليزي «مسيت» عندما ~~أرسل يبلغ «شارلس أربثنوت» بالقسطنطينية وصول مندوبي ~~الألفي إليها للمفاوضة مع الباب العالي، ويبلغه كذلك طلب ~~الألفي وساطة السفير الإنجليزي في القسطنطينية. # فإنه ما إن وصل رسول سليمان أغا إلى مصر وقابل الألفي ~~حتى شرع هذا الأخير يهيئ لإرسال كتخداه مزودا بكتاب إلى ~~«شارلس أربثنوت» مؤرخا في 22 فبراير 1806، ويصحبه ترجمانه ~~«ستافراكي» # Stavraky ~~، ~~كما بادر بالاتصال بالميجور «مسيت». أما في كتابه إلى ~~«أربثنوت» فقد ذكر (الألفي) أنه قد أرسل كتخداه محمد أغا ~~إلى القسطنطينية مزودا بمذكرة إلى الباب العالي وبتعليمات ~~مختلفة بشأن ما يعرضه على الصدر الأعظم ووزراء الدولة، ~~لإظهار رغبته في الخضوع والإذعان وطلب العفو والصفح من ~~السلطان العثماني والحصول على فرمان يقضي برفع الحظر عن ~~البكوات ويسمح لهم بالدخول إلى القاهرة والعودة إلى بيوتهم ~~بها، ويأمر بترحيل الجند عن البلاد وهم مثيرو الفتن والشغب ~~بها دائما، على أن يتعهد الألفي في نظير ذلك بخروج قوافل ~~الحج إلى مكة، والسهر على سلامتها وإرسال الأموال المخصصة ~~للحرمين الشريفين، والتمسك بالولاء التام للباب العالي، ~~والعمل على استتباب النظام في القاهرة والأقاليم، وضمان ~~هدوء الأهالي المساكين وتوفير عوامل السكينة والاطمئنان ~~لهم في عيشهم، ثم طاعة ms0384 أوامر الباب العالي. وقد أوضح ~~الألفي السبب الذي حداه إلى كتابة هذه الرسالة إلى ~~«أربثنوت»، فقال: «ونحن إنما نبعث إليك بهذا الكتاب كي ~~نرجوك بوصول كتخدانا حامل هذه الخطابات (للسفير ولرجال ~~الدولة) أن تتحد معه في المسعى من أجل إنهاء مسائله، وأن ~~تتوسط له لدى الصدر الأعظم والكخيا بك وسائر وزراء الباب ~~العالي الآخرين.» ثم حدد الألفي نوع الخدمة التي يريدها من ~~«أربثنوت» بأنها قيام هذا الأخير بضمان الألفي لدى الباب ~~العالي، وتعهد هذا بتنفيذ كل ما يتم الاتفاق عليه دون ~~إثارة أية عراقيل أو مشاكل، وللسفير أن يطلب من كتخدا ~~الألفي كل ما يريد أن يطلبه من الألفي نفسه، وسوف يطلعه ~~كتخداه على كل شيء؛ لأن سيده قد عهد إليه بكل ~~مسائله. # وفي 13 مارس 1806 كتب الألفي للميجور «مسيت» يعلمه ~~بأنه قد بعث بأحد مماليكه إلى القسطنطينية، ويطلب منه أن ~~يكتب إلى السفير الإنجليزي بها حتى يجعل نفسه مسئولا أمام ~~الباب العالي عن قيام الألفي بتنفيذ كل اتفاق عادل يتم بين ~~الفريقين، ويرجو أن يأخذ السفير الإنجليزي على عاتقه مهمة ~~الدفاع عن قضيته، متعهدا في الوقت نفسه بقبول كل ما يجده ~~السفير في صالحه، وللسفير أن يؤكد للباب العالي باسم ~~الألفي والبكوات أنهم سوف ينفذون كل مطلب عادل يطلب ~~منهم. وأما القواعد العادلة التي أراد الألفي أن يقوم ~~عليها الاتفاق، فقد ذكرها في قوله: «إنه يرجو أن يرضى ~~الباب العالي، بعد أن عرف أحوال مصر السيئة في الوقت ~~الحاضر، بعودة الأمور فيها إلى ما كانت عليه سابقا، وكل ~~الرؤساء الدينيين (أي المشايخ والعلماء) والأهالي يريدون ~~حكومة البكوات؛ لإعادة الهدوء والاستقرار، والجميع عموما ~~يرغبون في أن يجرى الاتفاق عن طريق تدخل الإنجليز؛ حتى ~~يحدث الاطمئنان إلى أن الاتفاق الذي يبرم سوف يكون تسوية ~~مستديمة.» ثم يختم الألفي رسالته بإثارة المسألة التي ~~أقضت مضجع «مسيت» دائما، فقال: «وكل أولئك الذين ~~يهيمنون اليوم على حكومة القاهرة يتصلون بالعدو (أي فرنسا) ~~ويتراسلون مع وكلائها.» الأمر الذي لا بد أن يكون «مسيت» ~~قد ms0385 عرفه يقينا وبلغه خبره. # وعلى ذلك، فقد كتب «مسيت» من الإسكندرية في 22 مارس 1806 ~~إلى «شارلس أربثنوت» يبلغه ما حدث. ولهذه الرسالة أهمية ~~كبيرة؛ لأنها تقضي على الأسطورة القائلة بأن المباحثات ~~التي جرت في القسطنطينية كانت بناء على توسط الإنجليز، كما ~~أنها تلقي ضوءا كبيرا على آراء «مسيت» نفسه في معالجة ~~الموقف، وهي آراء ظل يرددها من مدة طويلة ماضية، وخصوصا ~~منذ أن طرد البكوات من القاهرة وتسلم محمد علي حكومتها بعد ~~انقلاب مايو 1805، وذلك علاوة على إظهار مخاوفه من فشل أي ~~اتفاق يسعى إليه الألفي بالصورة التي يريدها، وهي أن يكون ~~هو نفسه صاحب الزعامة على سائر البكوات في الوضع المنتظر، ~~مما يدل - إلى جانب غيره من الأدلة والبراهين - على أن ~~الإنجليز لم يكونوا هم الساعين في فتح باب هذه المفاوضة، ~~فقال «مسيت» يفسر الأسباب التي دعت الباب العالي إلى ~~محاولة الاتفاق مع البكوات ويذكر الخطوات التي اتخذت ~~لبدء المفاوضة معهم: «إن الحال التي سارت عليها مصر قد ~~استرعت - فيما يبدو له - انتباه الحكومة العثمانية أخيرا؛ ~~ذلك أن سليمان أغا، وهو مملوك أقام جملة سنوات ~~بالقسطنطينية في مركز المشرف أو المراقب على مصالح طائفته ~~قد أوفد بناء على رجاء بعض رجال الدولة: «كوسي كخيا» # Cussey Kiaia # و«والدة ~~كخيا» # Validé Kiaia # رجلا موثوقا به إلى مصر مع ~~تعليمات حتى يدعو محمد بك الألفي لإرسال وكيل يعتمد عليه ~~للمباحثة مع وزراء الدولة في الوسائل التي يمكن بها إرجاع ~~السلام والهدوء إلى مصر، والرجل الذي عهد إليه الألفي بهذه ~~المفاوضة الهامة في طريقه الآن إلى القسطنطينية، ولكن ~~الألفي بالرغم من تصريحه بالخضوع للباب العالي فإنه لا ثقة ~~له في وعود الوزراء العثمانيين ويرفض الدخول في أية ~~ارتباطات لا يكون السفير الإنجليزي ضامنا لها، ويرجو من ~~السفير أن يتدخل في هذه المسألة تدخلا له أثره ووزنه، وأن ~~يستخدم نفوذه لدى الباب العالي، وذلك هو الغرض من بعثة ~~السيد «ستافراكي».» وقد عبر الألفي عن هذه العواطف (أو ~~هذه الرغبات) في رسالته التي كتبها ms0386 إلى «مسيت» - في 13 ~~مارس - والتي يبعث هذا بصورة منها إلى السفير. # ثم يستطرد «مسيت» فيقول: «ويصرح الألفي - وكل رجل غير ~~متحيز يقره على ما ذهب إليه - بأن مصر لن تنعم بأي هدوء ~~مستقر إلا إذا أعيد تأسيس الحكومة المملوكية، ولكنه لا ~~يوضح الوسائل التي يمكن بها إعادة تأسيسها، ومن المحتمل أن ~~يخضع أكثر المماليك لسلطته إذا وضع (أي الألفي) على رأس ~~الحكومة، ولكنني (أي «مسيت») لا أميل إلى الاعتقاد بأن ~~أعداءه الشخصيين وخاصة عثمان البرديسي وسليمان بك المرادي ~~سوف يرضيان بالخضوع له أبدا، على أن مقاومتهما لمثل هذا ~~الترتيب ليست هي وحدها أكبر المشاكل التي سوف تصادفه؛ لأن ~~الأرنئود لن يرضوا بالنزول عن سيطرتهم التي اغتصبوها، ولا ~~سبيل لإخراجهم من مصر وإقصائهم عنها إلا باستخدام القوة ~~وحدها، ولقد أثبتت التجارب أثناء الأعوام الثلاثة الماضية ~~أنه كان من أثر مساعي الباب العالي للوصول إلى هذه الغاية ~~زيادة الحال سوءا على سوئها؛ لأنه كان من السهل إغراء ~~الجند الذين كلفوا بالعمل ضد الأرنئود أو التغلب عليهم ~~بقوات متفوقة عليهم وأكثر عددا منهم.» # وعلى ضوء هذه الملاحظات إذن تقدم بالرأي الذي طالما نادى ~~به هو وغيره من بعض الساسة والعسكريين الإنجليز، ونعني ~~بذلك احتلال الإسكندرية، وأما إذا تعذر احتلالها فلا أقل ~~من طرد محمد علي والأرنئود من مصر، فقال: «وأما إذا كان ~~الديوان العثماني، مسترشدا بما تقضي به الحكمة السياسية ~~وسعة الأفق، يتقدم بطلب إلى الحكومة الإنجليزية من أجل وضع ~~فرق عسكرية بالإسكندرية (أي احتلالها) وأجيب هذا الطلب، ~~فإن مصر سوف تتخلص من أولئك الذين أرهقوها وظلوا عبئا ~~ثقيلا جاثما على صدرها، ولكنه حيث لا أمل هناك في حدوث ~~شيء من ذلك، فلا يوجد سوى علاج ناجح واحد هو أنه إذا أمكن ~~أن يقتنع الباب العالي بالاعتراف علنا بالمماليك حكاما ~~شرعيين لمصر، فعليه أن يصدر أمره في الوقت نفسه برحيل ~~الأرنئود فورا، وأن يعلن هؤلاء عصاة وثوارا إذا رفضوا ~~الطاعة وتلبية أوامره، ويوجه الدعوة إلى العلماء (المشايخ) ~~والأهالي لمساعدة المماليك بأقصى ما ms0387 لديهم من جهد والتعاون ~~معهم على طرد الجند العصاة الثائرين.» # وحضر محمد أغا كتخدا الألفي و«ستافراكي» ترجمانه إلى ~~القسطنطينية، وزار الأخير يوم وصوله وبصحبته محمد أغا ~~السفير الإنجليزي، وسلم «ستافراكي» رسالة «مسيت» السالفة ~~الذكر إلى السفير، كما تسلم السفير رسالة الألفي إليه، ~~وبدأ مندوبا الألفي نشاطهما في القسطنطينية. # ويدل ما تبودل من رسائل بين «شارلس أربثنوت» ~~و«شارلس جيمس ~~فوكس» # Charles James Fox # وزير الخارجية الإنجليزية وقتئذ، ~~والميجور «مسيت» في مصر، على أن السفير الإنجليزي لم يتدخل ~~مطلقا في المفاوضة التي دارت بين مندوبي الألفي (وقد ~~اشترك فيها سليمان أغا كذلك) وبين الباب العالي، وأن ~~الإنجليز لم يكونوا قطعا هم الذين أوصوا بفتح باب ~~المفاوضة أو توسطوا في ذلك. # فقد كتب السفير إلى وزير الخارجية البريطانية في 5 مايو ~~1806 يخبره بمقابلة مندوبي الألفي له، ويذكر ما تضمنته ~~الرسائل التي تسلمها منهما، فقال: «إن إعادة تأسيس سلطة ~~(أو حكومة) المماليك في مصر عن طريق تدخل حكومة إنجلترة هو ~~كما ترى - مخاطبا «فوكس» - الغرض من إرسال هذه الخطابات، ~~وقد سمعت من الكخيا محمد أغا كتخدا الألفي أن بعثته إلى ~~القسطنطينية كانت بناء على مفاتحة من الباب العالي مبعثها ~~الرغبة في السلام؛ ولذلك فقد أحضر معه عريضة استرحام يرجو ~~فيها البكوات أن يظفروا ثانية بعطف سيدهم السلطان عليهم، ~~ولكنهم يريدون أن تكون شروط الاتفاق والتسوية بضمانة ~~إنجلترة ...» ثم أضاف كتخدا الألفي أنه يعلم بأن هناك هدايا ~~يجب تقديمها في مثل هذه الحالات إلى الوزراء العثمانيين، ~~وأبلغني أنه مخول بدفع المبالغ التي يجد «أربثنوت» أنها ~~ضرورية لهذا الغرض، ولكنه (كتخدا الألفي) أخبر السفير أن ~~البكوات يعرفون خداع الباب العالي؛ ولذلك فهم لا يدفعون ~~شيئا ولا يوافقون على شيء إلا إذا حصلوا على وساطة حكومة ~~أو ممثلي جلالة الملك فيما يعود عليهم بالنفع ~~والفائدة. # وعندئذ وعد السفير كتخدا الألفي بالكتابة إلى حكومته، ~~وأبلغه أنه ليس لديه أية تعليمات في هذا الموضوع، ثم كتب ~~كذلك إلى «مسيت» بهذا المعنى، ثم زاد عليه: ولو أنه يعتقد ~~من ms0388 سوء السياسة خسارة صداقة البكوات بفضل ما يبدو من جانبه ~~من عدم إجابة ملتمسهم، فهو يشعر كذلك أن من عدم الحكمة ~~تشجيع فكرة وساطة الإنجليز؛ لأنه متأكد تماما من أن الباب ~~العالي في مثل هذه الموضوعات لن يوافق بحال من الأحوال على ~~تدخل أية دولة أجنبية، وهم في القسطنطينية لا يميلون اليوم ~~بتاتا للمناقشة في أية مسألة مهما كان مساسها بعيدا ~~بشئون الإمبراطورية العثمانية الداخلية، حتى ولو كان ذلك ~~مع بريطانيا العظمى بالرغم مما لهذه من نفوذ كبير لدى ~~الباب العالي، وقد اختتم السفير رسالته بطلب التعليمات من ~~حكومته. # وقد يظهر من الفقرة الأخيرة التي وردت في هذه الرسالة ~~أنه كان لبريطانيا العظمى نفوذ عظيم حقا في القسطنطينية ~~وقتئذ، ولكن المتتبع لتطور الموقف السياسي في عاصمة ~~السلطنة، وبالصورة التي سبق توضيحها عند بحث الموقف ~~الدولي، لا يلبث أن يلحظ أن السفير إنما قصد المغالطة عند ~~ذكره لهذا النفوذ العظيم، أو أن ما ذكره تعبير عما كان ~~يتمناه هو نفسه؛ إذ من المعروف أن الأمور كانت قد تأزمت ~~وقتئذ بين الأتراك والروس، وأن الإنجليز كانوا يشعرون ~~بزيادة حروجة مركزهم وهم يحاولون تسوية النزاع بين الطرفين ~~لصالح حلفائهم الروس فضلا عما كانوا يبذلونه من جهود ~~كبيرة لمنع انحياز الباب العالي إلى فرنسا في وقت كان نفوذ ~~هذه الأخيرة قد بدأ يقوى من جديد بسبب انتصاراتهم الأخيرة ~~في أوروبا ودل على قوته اعتراف الأتراك بلقب الإمبراطور ~~الفرنسي منذ أول فبراير من العام نفسه. # ولما كان «أربثنوت» قد بعث إلى «مسيت» منذ 26 أبريل 1806 ~~بتعليماته الموضحة لرأيه في مسألة الوساطة التي يطلبها ~~الألفي، مع إبداء أسفه على أن يكون امتناعه عن التدخل ~~سببا في فقد صداقة البكوات، فقد أوفد «مسيت» رسولا إلى ~~الألفي يؤكد له - كما قال في كتابه إلى «أربثنوت» من ~~الإسكندرية في 22 مايو - رغبة السفير الصادقة في خدمته، ~~ولكنه حذره في الوقت نفسه من أن مساعي أعداء الإنجليز في ~~القسطنطينية وحد الباب العالي من تدخل دولة أجنبية في ~~مسألة يعتبرها ms0389 من شئون الإمبراطورية الداخلية سوف يلقي ~~صعوبات جسيمة في طريق المساعي الإنجليزية، ولكنه عندما بعث ~~برسالته هذه إلى «أربثنوت» كانت قد وصلت الأخبار إلى ~~الألفي منبئة بنجاح مساعي مندوبيه في القسطنطينية، فقال ~~«مسيت»: «إن أشخاصا مختلفين قد وصلوا من القسطنطينية في ~~هذه الأيام الأخيرة وأذاعوا أخبارا أحدثت تأثيرا مباشرا ~~على الألفي، فحواها أن الوزراء العثمانيين قد قابلوا ~~كتخداه بكل احترام ومحبة، وأن الأخير نجح تماما في بعثته، ~~وأنه سوف يعاد تأسيس الحكومة المملوكية في مصر بفضل وساطة ~~بريطانيا العظمى، ثم قال: ولا شك في أن الألفي سوف يذيع ~~هذه الأخبار بين العرب، ولا شك كذلك في أنها سوف تبلغ محمد ~~علي.» ولكنه (أي «مسيت») بادر باتخاذ خطوات معينة لتلافي ~~الأثر الذي قد تحدثه هذه الأخبار عليه، وحتى لا يصغي ~~لاتهامات ذوي الأغراض السيئة، (وهم الوكلاء الفرنسيون ~~دائما في نظر «مسيت») ضد بريطانيا. # وأما المفاوضات التي جرت فعلا بين مندوبي الألفي والباب ~~العالي، والاتفاق الذي استطاع الفريقان الوصول إليه، فقد ~~تحدث عنها محمد أغا في كتاب بعث به إلى «أربثنوت» في 2 ~~يونيو 1806، يتضح منه - إلى جانب ذكر الأسس التي قام عليها ~~الاتفاق - أن السفير الإنجليزي لم يشترك في هذه المفاوضة، ~~فقال كتخدا الألفي: «إنه لما كان الباب العالي قد تناول ~~المسألة بالبحث فقد قررت هذه الحكومة (العثمانية) منح ~~العفو من جديد للمماليك، وإعادة حقوقهم الأولى (السابقة) ~~إليهم، وإعطاءهم كل المزايا التي يريدها سيدنا الألفي بك، ~~ولسعادتكم (مخاطبا السفير) أن تلاحظوا أني لم أغفل بناء ~~على ما أجزتموه لي، عن ذكر اسمكم، وأن أجعل مفهوما لدى ~~الباب العالي أن هذه المسألة يجب أن تتم بطريقكم ~~وبوساطتكم، وأنه لذلك لا معدى عن إبلاغكم الموضوع قبل ~~البت فيه، وأن تعطوا سعادتكم الجواب المطابق. وقد أبدى ~~رجال الباب العالي ارتياحهم لذلك، وقالوا: إنه سوف يجري ~~إخبار سعادتكم عندما تبت الحكومة العثمانية نهائيا في ~~المسألة وتأتي موافقة السلطان، وقد كادوا يفرغون منها ~~تماما، وتسمية باشا القاهرة وهو موسى باشا الموجود الآن ~~في سالونيك، وقد كلف ms0390 القبطان باشا بالذهاب إلى الإسكندرية ~~ومعه إحدى عشرة سفينة حربية وخمسة آلاف رجل، والانضمام إلى ~~موسى باشا، وأن يعمل بمقتضى أوامر وفرمان الباب العالي على ~~ممارسة المماليك لحقوقهم الأولى واستعادتهم لممتلكاتهم، ~~وعلاوة على ذلك فإن الباشا الموجود حالا في القاهرة، ~~(محمد علي) قد عين بناء على أمر الباب العالي باشا أو ~~حاكما في بر الشام، وكذلك حسن باشا زعيم الأرنئود؛ وعلى ~~ذلك فالألفي بك يتعين شيخا للبلد أو رئيسا أعلى، وكذلك ~~إبراهيم بك يبقى في منصبه القديم، وعثمان بك حسن يتعين ~~أميرا للحج، وإذا عارض الجند الذين بالقاهرة ومحمد علي ~~أوامر الباب العالي المحددة، يعاملون كعصاة ثائرين، ويتحد ~~البكوات مع القبطان باشا والأهالي في قوة متفوقة عليهم ~~تخمد عصيانهم، وتطردهم خارج البلاد.» # وذكر كتخدا الألفي محمد أغا أن الوصول إلى هذا الترتيب ~~قد تكلف 750000 قرش أو خمسين ألفا من الجنيهات، يجب ~~دفعها لإنهاء الاتفاق، ولما كان القبطان باشا يتأهب للسفر ~~بعد أيام قلائل، فقد طلب محمد أغا من السفير «أربثنوت» أن ~~يدفع له هذا المبلغ مقابل إيصال باستلامه، وأكد أن الألفي ~~له لدى السيد «بريجز» # Briggs # بالإسكندرية مبلغ كبير من المال ~~يكفي لسداد ما يدفعه السفير الآن. # وأهمية رسالة وكيل الألفي هذه تنحصر أولا في اشتمالها ~~على الأسس التي قام عليها الاتفاق مع الباب العالي، ولو ~~أنه لم يذكر أن من جملتها إطلاق بيع المماليك وشراءهم وجلب ~~الجلابين لهم إلى مصر كعادتهم، بعد أن كان البكوات قد ~~منعوا من ذلك من ثلاث سنوات. وثانيا فيما تضمنته من ~~عبارات قد توحي بأن السفير الإنجليزي توسط فعلا في ~~المفاوضة أو أن الباب العالي قد قبل هذه الوساطة ... وثالثا ~~في إظهار أن تمام الاتفاق كان متوقفا على دفع المبلغ الذي ~~ذكره محمد أغا. على أنه مما يجب ذكره أن «أربثنوت» لم ~~يتوسط ولم يتدخل في المفاوضة، وأن غاية محمد أغا من إصراره ~~على ضرورة أن يبلغ الباب العالي نتيجة المفاوضة للسفير ~~الإنجليزي، لم يكن مبعثه الرغبة في الحصول على ضمان لتنفيذ ~~الاتفاق ms0391 من جانب الباب العالي كما أراد الألفي أصلا، بقدر ~~ما كان مرده إلى محاولة كتخداه محمد أغا أن يدفع السفير ~~الثمن الذي تكلفه هذا الاتفاق، وعلاوة على ذلك، فإن الباب ~~العالي لم يكن يبغي من رضاه بإبلاغ السفير نتيجة المفاوضة ~~سوى الاطمئنان إلى وصول المبلغ الذي وعد به كتخدا الألفي ~~إلى خزانته، بفضل ضمان الإنجليز لدفعه. وثمة ملاحظة أخرى ~~على جانب كبير من الأهمية لتوضيح موقف «أربثنوت» نفسه من ~~الترتيب الذي تضمنه الاتفاق، هي أن السفير الإنجليزي كان ~~يشك كثيرا في سلامته، ولا يعتقد أن في وسع الذين أبرموه ~~أن يضعوه موضع التنفيذ، وتتضح هذه الحقائق جميعها مما ذكره ~~«أربثنوت» عن هذه المفاوضة وملابساتها ونتائجها، في رسالة ~~بعث بها إلى «مسيت» في 5 يونيو، وأخرى إلى «شارلس جيمس ~~فوكس» في 6 يونيو 1806. # أما في رسالته إلى «مسيت» فقد كتب يقول: «لقد أوضحت لك ~~في رسائلي السابقة رأيي في مسألة الوساطة التي يطلبها محمد ~~الألفي؛ لأنني كنت واثقا تماما من أن الباب العالي لن ~~يوافق على قبول هذه الوساطة. ولقد دلت الحوادث على صحة ~~ذلك، ويبدو أن هناك ترتيبا عمل بين كتخدا الألفي وبين ~~الباب العالي، وأول الأمر عندما زارني كتخدا الألفي بك ~~وعندما زارني السيد «ستافراكي» أخبرتهما ولو أنه ليس لدي ~~تعليمات تخولني التدخل فإني واثق بالرغم من هذا من أن رغبة ~~جلالة الملك الشديدة هي أن يكون أداة لإرجاع الهدوء إلى ~~مصر لدرجة أنه إذا طلب مني الباب العالي وطلب مني المماليك ~~كذلك خدماتي من أجل الوساطة فإني لن أبخل بها، ولقد حاولت ~~أن أبين لهما (أي محمد أغا و«ستافراكي») في وضوح وجلاء أني ~~لن أسهم في هذه المسألة إلا إذا طلب من الباب العالي ذلك ~~رسميا. وعندما جاءني كتخدا الألفي بعد أول مقابلة له مع ~~وزراء الباب العالي يسأل نصيحتي في الطريق الذي يجب عليه ~~أن يسلكه، أبلغته ثانية أنه إذا كان يرى في ضوء ما أصدره ~~إليه سيده من تعليمات أن تدخلي في المسألة ضروري إطلاقا ~~ولا ms0392 غنى عنه، فعليه حينئذ أن يذكر للباب العالي أنه ~~زارني كي يطلب وساطتي حسب ما لديه من أوامر من سيده توجب ~~عليه فعل ذلك ، ولكنني أعلنت إليه بوضوح تصميمي الجازم على ~~عدم عرض وساطتي من جانبي، وحيث إن مليكي قد دلل دائما على ~~رغبته القوية في مشاهدة الفوضى تزول من مصر، ولما كنت ~~واثقا من أن الملك لا تزال تحدوه هذه الرغبة ويوجد لديه ~~نفس الشعور، فإني لا أجد ما يدعو لجعلي مترددا في أن آخذ ~~على عاتقي مساعدته من أجل إزالة الصعوبات القائمة إذا ~~قدم لي الباب العالي طلبا بالوسائل المتبعة والمعمول ~~بها لهذا الغرض. وصفوة القول أني عنيت بأن أجعل كتخدا ~~الألفي يدرك، وأن أجعل مفهوما تماما لدى الباب العالي عن ~~طريقه، أنه ليست لدي أية رغبة للتوسط، وأنه لن يغريني شيء ~~بالقيام بالوساطة سوى طلب يشترك في تقديمه إلي الطرفان ~~معا يبديان فيه هذه الرغبة في عبارات قوية، وكان اعتقادي ~~أن التظاهر بعدم الاهتمام هو الذي يزيل ما لدى الباب ~~العالي من تعصب في موضوع التدخل الأجنبي، وأعتقد أن كتخدا ~~الألفي قد تكلم مع رجال الباب العالي في حدود ما تقدم، أو ~~على الأقل، هذا ما أخبرني به «ستافراكي» الذي أكد لي قطعا ~~أن الوزراء العثمانيين لم يظهروا أدنى معارضة لتوسطي، ~~وأن هذه الوساطة سوف تطلب مني بمجرد الانتهاء بفضل ~~مباحثات سابقة من معرفة مدى الشروط التي يوافق عليها كتخدا ~~الألفي. # وهكذا كان الوضع عندما سألني الباب العالي من أيام قليلة ~~ماضية إذا كان صحيحا - على نحو ما قيل له وصار التأكيد له ~~به - أني أدفع أو أضمن المبلغ الذي على المماليك أن يدفعوه ~~ثمنا للعفو الذي ينالونه، فأجبت: إن هذا السؤال قد أدهشني ~~جدا. ثم سطرت كتابة كل ما جرى بيني وبين كتخدا الألفي كي ~~أبرهن على أنه بدلا من أن أطلب أنا الوساطة، لن يفلح شيء ~~في إقناعي بالتوسط إلا تأكيد من جانب الباب العالي بأنها ~~مطلوبة من الطرفين ومرغوب فيها منهما على السواء كذلك. ms0393 ~~وبالرغم مما جرى بيني وبين الباب العالي فإن كتخدا الألفي ~~والسيد «ستافراكي» لا يزالان مصرين على أنه سوف يحدث طلب ~~وساطتي، بل وأن شخصا سوف يكلف حالا بالحضور إلي من ~~قبل الوزراء العثمانيين يطلب مني ذلك. غير أنه سرعان ما ~~اتضح أنهما إما أن يكونا قد أخطآ التقدير، وإما أن يكونا ~~قد أرادا خديعتي وغشي؛ ذلك أن السيد «ستافراكي» لم يلبث أن ~~جاء إلي أخيرا ليبلغني أن الباب العالي يعارض بصورة لا ~~يمكن التغلب عليها في أية وساطة، وأنه قد تم الاتفاق على ~~المبلغ الذي يدفعه المماليك، وأنه هو وكتخدا الألفي قد ~~قطعا شوطا بعيدا لإتمام هذا الاتفاق يجعل من المتعذر ~~عليهما النكوص على أعقابهما، وأن الرجاء معقود على مساعدتي ~~في إيجاد المال اللازم؛ لأن مواردهما «وحسابهما» غير ~~كافية. وعندما بلغني «ستافراكي» هذه الرسالة، سلمني في ~~الوقت نفسه كتاب كتخدا الألفي (وهو كتابه السالف الذكر ~~للسفير بتاريخ 2 يونيو 1806)، فكان جوابي على كلام ~~«ستافراكي» أني سعيد؛ لأنه صار هناك أمل الآن في إعادة ~~الهدوء والسكينة والنظام إلى مصر، ولكنه ليس في مقدوري أن ~~أدفع مالا؛ لأنه لا يوجد شيء من المال بتاتا تحت ~~تصرفي. # وأما تعليقي على ذلك، فهو أنه عند حضور المماليك إلى ~~القسطنطينية كان السيد «ستافراكي» قد أخبرني أنهم مستعدون ~~لأن يضحوا بخمسة ملايين قرش من أجل الوصول إلى تحقيق ~~هذا الغرض؛ ولذلك فإنه يبدو مدهشا حقا أن يكفي مبلغ ~~ضئيل كهذا (750000 قرش) لإجابة رغبات الباب العالي، الأمر ~~الذي جعلني أشك في أن الترتيب الذي وضع إنما قد حدث ~~منفصلا بين الباب العالي وبين الألفي، وأن الألفي عليه ~~لذلك أن يدفع وحده ودون أن يسهم البكوات الآخرون فيه كل ~~المبلغ الذي فرضه عليه الباب العالي ثمنا لتعيينه في ~~المستقبل رئيسا أعلى للمماليك الذين يعاد تأسيس سلطانهم ~~في مصر، وكذلك فإنه مما تجب ملاحظته، مما جاء في رسالتي ~~الألفي إليك وإلي ومن معلومات أخرى حصلت عليها، أننا ~~صرنا نتخيل أن البكوات لن يستميلهم للموافقة على الدخول في ~~مفاوضة ms0394 مع الباب العالي سوى توسطنا في ذلك فقط، ولكننا نجد ~~الآن، بالرغم من أنني لم أسهم بتاتا بأي نصيب كان في هذه ~~المفاوضة، أنها ليس فقط قد بدأت فعلا، بل وقد تكللت - كما ~~يبدو لي - بالنجاح بعد ~~أن انتهت بكل سرعة، وليس من شك في أن هذا الظرف يدعو ~~بالضرورة للاعتقاد بأحد الأمرين؛ إما أن يكون الباب العالي ~~قد خدع وكلاء الألفي، أو رشاهم، أو أن هؤلاء الوكلاء - ولا ~~يبدو احتمال ذلك بعيدا - كان لديهم تعليمات سرية تختلف ~~اختلافا عظيما عن تلك التي أبلغت إلينا كلينا. وقد يكون ~~وكلاء الألفي برآء من ذلك، ولا أريد أذيتهم بسبب هذه ~~الشكوك التي تساورني في أمرهم.» # وفي كتابه إلى «شارلس جيمس فوكس» قال «أربثنوت»: «وقد ~~بقي علي أن أوضح لك الأسباب التي جعلتني مستعدا لتقديم ~~وساطتي لو أن الباب العالي قد طلبها مني كما فعل البكوات ... ~~فإنه لمما يبدو مرغوبا فيه أولا: إقصاء الأتراك الذين ~~لهم السلطة الآن في مصر ولا سيما الباشا محمد علي؛ لأن ~~هؤلاء يصفهم الميجور «مسيت» بأنهم قطعا يؤيدون المصلحة ~~الفرنسية، ولأن تهدئة الأمور أو الصلح بين البكوات والباب ~~العالي يستلزم حقا حدوث ذلك، وثانيا: لأنه ولو كان من ~~الحكمة لعدم إثارة حسد الباب العالي الامتناع عن عرض ~~وساطتنا، فمن الواضح كذلك أنه لو كنا دعينا للتدخل وتقديم ~~خدماتنا لكانت النتيجة الحتمية لذلك هي زيادة نفوذنا هنا ~~في القسطنطينية وفي مصر معا، ومع ذلك فمن المشكوك فيه، ~~والترتيب الذي ووفق عليه قد حدث بالصورة المعروفة، أن ~~تكون ثمة فائدة يمكن أن نجنيها منه لو كنا من أطرافه؛ لأنه ~~لا يزال علينا أن نرى إذا كان البكوات الآخرون يوافقون على ~~هذا الذي تم على يد كتخدا الألفي، وإذا كانت العمارة التي ~~هي على وشك الإبحار إلى مصر تقدر على القيام بمهمة إعادة ~~النظام إليها، فإذا نجحت فمن المنتظر أن تجني المصلحة ~~البريطانية للأسباب السالفة الذكر فوائد جمة بالرغم من عدم ~~تدخلنا.» وقد اختتم «أربثنوت» رسالته هذه بإظهار رجائه في ~~أن ms0395 التفسيرات التي سوف يدلي بها «مسيت» إلى البكوات لتوضيح ~~موقف السفير الإنجليزي أثناء المفاوضات الأخيرة يجدها ~~هؤلاء كافية لإقناعهم بأن الإنجليز يهتمون بأمرهم ويرعون ~~مصالحهم. # ويستبين من الرسائل التي بعث بها «مسيت» من الإسكندرية ~~إلى «أربثنوت» وإلى وزير الخارجية الإنجليزية «فوكس» ثم ~~وزير الحرب والمستعمرات «وليم ~~وندهام» # Windham # ما يمكن اعتباره ختام القول في ~~مسألة هذه الوساطة، والزعم بأن الاتفاق الذي وصل إليه ~~مندوبو الألفي مع الباب العالي في القسطنطينية كان بناء ~~على إرساليات الألفي للإنجليز - كما قال الشيخ الجبرتي - ~~ومخاطبة الإنجليز الدولة ووزيرها. # فقد كتب «مسيت» إلى «أربثنوت» في 11-15 يونيو 1806، أنه ~~لم يدهش لعدم رغبة الباب العالي في وساطة السفير في مسألة ~~المماليك ورفض تدخله في صالحهم، كما استطرد يقول: وأنه إذا ~~كان شخصيا قد شجع الألفي على طلب هذه الوساطة من ~~السفير، فقد كان غرضه من ذلك المحافظة على المصلحة ~~الإنجليزية، ومع أنه حقق رجاء «أربثنوت» فقام بتفسير موقف ~~هذا الأخير أثناء مفاوضات القسطنطينية، وكتب إلى الألفي في ~~15 يونيو يخبره بما فعله الديوان العثماني في المسألة التي ~~كان قد كلف بها محمد أغا وينبئه بقرب وصول القبطان باشا ~~بعد أيام قلائل، فإنه من ناحية أخرى لم يلبث أن أبدى شكوكه ~~ومخاوفه من نتيجة هذا الاتفاق، وبسط العوامل التي رأى أنها ~~سوف تقضي عليه بالفشل، كما أنه وقد توقع حدوث الفشل، قد ~~راح يلفت نظر المسئولين إلى ضعف تحصينات الإسكندرية وعجزها ~~عن رد أي عدوان قد يأتيها من جانب فرنسا إذا قامت الحرب ~~بين هذه الأخيرة وبين الإنجليز، ويطلب لذلك ولإقناع ~~الأهلين بأن إنجلترة تهتم حقا بأمرهم وجود مركب حرب ~~إنجليزي في مياه الإسكندرية. # ففي رسالته إلى «وندهام» في 18 يونيو 1806، أبلغ «مسيت» ~~الوزير إرسال الألفي لأحد رجاله إلى القسطنطينية والغرض من ~~هذه البعثة، ثم استطرد يقول: «إنه يبدو أن عددا من وزراء ~~الباب العالي، إما لرغبتهم في إنهاء الكوارث التي حلت بهذه ~~المقاطعة (مصر)، وإما بسبب تغلب وعود الألفي على ما كان ~~لديهم من نفور وكراهية ms0396 ضد استرجاع البكوات لوضعهم السابق، ~~قد أخذوا على عاتقهم تأييد آراء الألفي ووجهات نظره، ~~وحصلوا على تقرير إرسال القبطان باشا في أسطول كبير وجيش ~~عديد إلى الإسكندرية، مزودا بالأوامر والتعليمات من أجل ~~إرغام الأرنئود على تسليم البلاد للمماليك، ومن المنتظر ~~وصول القبطان باشا هذا في أيام قليلة، ولكنني أخشى أن يقضي ~~غرور الألفي وزهوه وخيلاؤه على هذا المشروع، وترتمي مصر في ~~أحضان فوضى الحرب الأهلية، فإن الألفي في الترتيب الذي ~~عمله مع الديوان العثماني قد عني قبل كل شيء بما يتعلق ~~برفعة شأنه هو نفسه؛ حيث اشترط أن يرقى إلى مشيخة البلد ~~(أو حاكم البلاد) بالاشتراك مع إبراهيم بك الذي استمر ~~محتفظا بهذا المنصب الرفيع سنوات عديدة والذي يبدو أنه قد ~~لا يسلم في استكانة وخضوع بوجود ند له يشاركه على قدم ~~المساواة في هذا المنصب، ولكن هذا ليس في رأيي بالعقبة ~~الكأداء التي يتعثر الاتفاق عليها؛ ففي الفرمانات التي ~~يقال إن الباب العالي قد أصدرها لإعادة امتيازات وحقوق ~~البكوات القديمة إليهم لم يأت أي ذكر مطلقا لعثمان بك ~~البرديسي، وهو الذي اعتبر أثناء غياب الألفي في إنجلترة ~~حاكم المماليك من غير منافس، وهو رجل ذو طموح، ويضع فيه ~~المماليك عموما ثقتهم، وكثيرا ما حصل من الوكلاء ~~الفرنسيين على وعود بمساعدته على نوال المرتبة التي كانت ~~له مدة غياب الألفي، وليس هناك أي شك في أنه سوف لا يخضع ~~لسطوة منافسه، وطالما كان هذا الغريم موجودا فعلى الألفي ~~أن يشن حربا يشك في نجاحها من أجل انتزاع كل شبر من الأرض ~~التي ربما يمني نفسه الآن بأنه سوف يسمح له بحكمها في ~~هدوء وسلام.» # ثم انتقل «مسيت» من ذلك إلى لفت نظر الوزير إلى حالة ~~الإسكندرية والشواطئ المصرية الخالية من وسائل الدفاع ~~عنها، وإلى المنافسات والانقسامات السائدة بين المماليك، ~~في الوقت الذي يملك فيه العدو (أي فرنسا) أكثر الشواطئ ~~والموانئ الإيطالية، مما يخشى معه من وقوع غزو على هذه ~~البلاد، زد على ذلك المؤامرات التي يحيكها العملاء ~~والوكلاء الفرنسيون لاستمالة ms0397 أفراد معينين من بين مسيحيي ~~الإسكندرية لخدمة المصالح الفرنسية، ثم ما يحدثه من أثر ~~عدم اهتمام إنجلترة الظاهر بمصر على الأهلين الذين صاروا ~~يعتقدون أنها لا تهتم بمصير هذه البلاد بدليل أنها لم ترسل ~~مركبا حربيا إلى الإسكندرية مع وجود أسطول كبير لها في ~~البحر الأبيض. # وفي 19 يونيو بعث «مسيت» إلى «فوكس» بتفاصيل مفاوضة ~~مندوبي الألفي في القسطنطينية، وأن القبطان باشا قد أبحر ~~منها لتنفيذ الخطة التي تم الاتفاق عليها، ثم قال: «ولو ~~كان الألفي يسعى وراء المصلحة حقا وإعادة السلام والهدوء ~~إلى مصر، ولو كان غرضه الرئيسي من اتفاقه مع الحكومة ~~العثمانية ليس خدمة مآربه الشخصية والاستئثار بالمنفعة ~~لصالحه الخاص هو وحده فحسب، لصار نجاح هذه الحملة (حملة ~~القبطان باشا) محققا، ولكن الألفي لم يكن له من مسعاه سوى ~~غرضين؛ إشباع مطامعه، وإرواء كراهيته لعثمان بك البرديسي؛ ~~ولذلك فقد اشترط لنفسه أن يرفع هو إلى مشيخة البلد ~~بالاشتراك مع إبراهيم بك، ولا ينتظر أن يقبل هذا الأخير ~~وقد تمتع بهذا المركز سنوات عديدة أن يقبل معه في المشيخة ~~شخصا أقل منه منزلة، كما أن عثمان بك حسن وهو أقوى ~~البكوات وأكثرهم احتراما بين قومه، قد تعين أميرا للحج، ~~وهذه مهمة سوف تعرضه كل عام لمتاعب وأخطار الرحلة الشاقة ~~عبر الصحراء ولا تتناسب مع سنه المتقدمة، ومع ذلك، فإن ~~إبراهيم بك وعثمان بك حسن حكيمان ومن المرجح أنهما ~~يقبلان في الوقت الحاضر هذا الترتيب، ولكن المعارضة ~~والمقاومة الشديدتين سوف تأتيان من ناحية عثمان البرديسي ~~الذي لم يعط له أي نصيب في الحكومة، وينظر إليه المماليك ~~كممثل لمراد بك مما يجعله صاحب سيطرة وسلطة، أضف إلى هذا ~~حب المماليك له بسبب شجاعته وكرمه؛ وعلى ذلك، فإذا حدث أن ~~انضم إليه الأرنئود، ولا شك في أنه سوف يحاول عقد مثل هذه ~~المحالفة، صار من المتعذر إعادة النظام لمدة ~~طويلة.» # وذكر «مسيت» في هذه الرسالة أن «دروفتي» حين وصول أخبار ~~هذا الترتيب بادر بإرسال من يخبر به البرديسي ويعرض عليه ~~مساعدة فرنسا ms0398 له إذا هو تصدى لمقاومة الألفي، كما عرض ذلك ~~أيضا على محمد علي، وكان تعليق «مسيت» على ذلك أن تلقي ~~هذه المقترحات من جانب فرنسا يكفي وحده ودون عوامل أخرى ~~لإغرائهما على المقاومة، وقد وجد «مسيت» لزاما عليه ~~حينئذ أن يحذر الألفي من مساعي أعدائه، فكتب إليه في ~~20 يونيو، يبلغه خبر المؤامرة التي تحيكها فرنسا مع محمد ~~علي والبرديسي من أجل مقاومته، وأن الحكومة الفرنسية قد ~~بعثت برسولين أحدهما إلى عثمان البرديسي والآخر إلى محمد ~~علي تعد كليهما على لسان هذين الرسولين بتأييدها لهما ~~إذا هما قاوما بالقوة مشيخة الألفي وتأسيس حكومته. # وقد تحققت ظنون «أربثنوت» و«مسيت» ومخاوفهما من فشل ~~الاتفاق الذي تم دون إشراك السفارة الإنجليزية في ~~القسطنطينية فيه أو استشارتها في الأسس التي قام عليها، ~~ولم يكن غرض كتخدا الألفي أو ترجمانه «ستافراكي» من نقل ~~خبره إلى السفير بعد الفراغ منه سوى جعل «أربثنوت» يدفع ~~المبلغ المطلوب أو على الأقل حصولهما على ضمانته له؛ أي ~~تعهده بدفع المبلغ إذا تعذر على الألفي لسبب من الأسباب ~~دفعه، ولما كان «أربثنوت» قد رفض الدفع أو إعطاء ضمانته، ~~فقد بقي تنفيذ الاتفاق من جانب الباب العالي (أي إعادة ~~تأسيس سلطان البكوات في مصر وطرد محمد علي والأرنئود منها) ~~مرتهنا في ظاهره على الأقل بدفع السبعمائة والخمسين ألف ~~قرش (أو ال 1500 كيس) المتفق عليها؛ لأن محمد أغا لم يدفع ~~منها شيئا، وصارت مهمة القبطان باشا الأولى عند حضوره ~~بأسطوله إلى الإسكندرية تحصيل هذا المبلغ. # مهمة القبطان باشا # وأما الباب العالي فكان قد اختار - على نحو ما ذكره ~~«روفان» في رسالته إلى «تاليران» في 10 يونيو عزت محمد علي ~~باشا الصدر الأعظم السابق، والقبطان صالح باشا الذي عين ~~حديثا في منصبه، وموسى باشا والي سالونيك للذهاب إلى مصر ~~وتنفيذ الاتفاق الذي تم مع مندوبي الألفي، ولكن الأول رفض، ~~وقبل الأخيران، وفي 12 يونيو سنة 1806 قابل القبطان صالح ~~باشا السلطان مستأذنا في السفر بحضور الصدر الأعظم حاميه ~~محمد علي باشا السلحدار ms0399 وكبار وزراء الدولة، وفي 13 يونيو ~~خلع الباب العالي كسوة الفرو على مندوبي الألفي تأييدا ~~لقراره بإعادة تأسيس مشيخة البكوات وحكومتهم في مصر، وفي ~~19 يونيو عقد الوزراء العثمانيون اجتماعا غير عادي حضره ~~خمسة وثلاثون من رؤساء المصالح لبحث مسألة الوهابيين الذين ~~ذاع أنهم احتلوا مكة والمدينة، وقر الرأي من بين ما اتخذ ~~من إجراءات أخرى على تكليف موسى باشا الذي عين مؤخرا ~~في مكان محمد علي باشا المنقول إلى سالونيك، بأن يمد الجند ~~المستخدمين ضد الوهابيين بكل ما تقتضيه مؤازرتهم من مؤن ~~وإمدادات ونقل ذلك إليهم، وفي 24 يونيو أبحر القبطان صالح ~~باشا، وقد تألفت عمارته من اثنتي عشرة قطعة فحسب بدلا من ~~الست عشرة التي خصصت أصلا للسفر؛ حيث بقيت منها أربع قطع ~~كانت تؤلف القوة الرئيسية بقيادة بكير بك نائب أمير البحر ~~مرابطة أمام السراي السلطانية في «بيشكاطش»، وكانت ~~الفرقاطة «جوستيس» # Justice # الفرنسية التي أعطاها الإنجليز ~~للأتراك عند جلاء الفرنسيين عن مصر، سفينة القيادة وعليها ~~القبطان باشا نفسه، وأما سائر الأسطول فكان يتألف من أربع ~~بوارج من ذوات الخمسين مدفعا وثلاث فرقاطات وقراويت ~~ثلاثا، وجاء في النشرة الإخبارية الصادرة بالقسطنطينية في ~~26 يونيو أن الغرض من ذهاب القبطان باشا هو الوصول إلى ~~الإسكندرية والبقاء بها حتى يتنفذ الاتفاق في صالح ~~المماليك. # وكانت قد وصلت إلى الإسكندرية فرقاطتان وقرويت كمقدمة ~~لأسطول القبطان باشا منذ 14 يونيو، كما وصل في الوقت نفسه ~~ططري من قبل السفير الإنجليزي بالقسطنطينية يحمل رسائل إلى ~~«مسيت» الذي أوفد من فوره الرسل إلى معسكر الألفي بحوش ~~عيسى يبلغه نجاح كتخداه في إبرام الاتفاق مع الباب العالي، ~~والبشارة بالرضا والعفو للأمراء المصرية في الدولة بشفاعة ~~الإنجليز فأذاع الألفي هذه الأخبار، وقال «دروفتي» تعليقا ~~على ذلك في كتابه إلى «تاليران» من الإسكندرية في 16 ~~يونيو: «إن المعتقد أنه قد وصلت الألفي تأكيدات قاطعة بأن ~~السلطان العثماني قد اختاره لحكومة مصر بالاشتراك مع باشا ~~يقيم في القاهرة له نفس الوظائف التي كانت للباشا في العهد ~~السابق.» واقتنع ms0400 ~~«دروفتي» - وكان مخطئا ~~فيما ذهب إليه - بأن مكائد ونفوذ أعداء فرنسا كانت السبب ~~الذي جعل الباب العالي يرضى بأن يسترجع البكوات سلطتهم، ~~ولم يدهشه ذلك عندما توهم الباب العالي أنه سوف يسترجع هو ~~الآخر بهذه الوسيلة سلطته المفقودة في مصر ويحصل منها على ~~خراج سنوي كبير؛ ولذلك فمن المعتقد - كما استمر «دروفتي» ~~يقول - إنه إذا ضمن الإنجليز - كما يقال هنا - قيام ~~البكوات بدفع خراج قدره أربعة ملايين قرش سنويا (أي ~~ثمانية آلاف كيس) فإن الباب العالي سوف يوافق على هذا ~~الترتيب، ولكنه من المدهش حقا أن يرضى الباب العالي ~~بإعطاء الألفي كل هذه السلطة العظيمة في النظام الجديد؛ ~~لأن ذلك من شأنه وضع كل موارد البلاد في أيدي الإنجليز ~~حماة الألفي، ولا ريب في أن هذه الخطوة إنما تتعارض مع ~~مصالح تركيا نفسها وضدها. # وأما القبطان باشا نفسه فقد وصل إلى الإسكندرية في 27 ~~يونيو 1806 ويتألف أسطوله الذي حضر به فعلا من بارجة ذات ~~أربعة وستين مدفعا وثلاث فرقاطات ومركبين من نوع القرويت ~~ويحمل خمسمائة جندي فحسب من النظام الجديد، وقد حضر مع ~~القبطان باشا كذلك محمد أغا كتخدا الألفي وسليمان أغا وبعض ~~رجال الدولة، وفي 19 يوليو وصل موسى باشا إلى الإسكندرية، ~~وكانت كل القوة التي أتى بها لا تزيد على أربعمائة رجل ~~مسلحين تسليحا رديئا وفي حالة سيئة عموما، وكان القبطان ~~بمجرد وصوله قد بدأ ينفذ ما لديه من تعليمات، وانحصرت ~~مهمته في أمرين: إبلاغ محمد علي أمر نقله إلى سالونيك ~~وحمله إذا استطاع إلى ذلك سبيلا على تلبية أوامر الباب ~~العالي والذهاب إلى منصبه الجديد، ثم تحصيل مبلغ السبعمائة ~~والخمسين ألف قرش التي جرى الاتفاق عليها مع مندوبي الألفي ~~وكفلها محمد كتخداه يدفعها لقبطان باشا عند وصوله بيد ~~سليمان أغا وكفالته أيضا لمحمد أغا، والعمل على إقامة ~~الوضع الجديد؛ وعلى ذلك فقد سلك في نشاطه طريقين: أحدهما ~~مع محمد علي، والآخر مع الألفي وسائر البكوات، وتوقف نجاحه ~~وإخفاقه في مهمته على استجابة الأول لمطلب الباب العالي، ms0401 ~~ومبادرة الآخرين بجمع صفوفهم ونبذ خلافاتهم ظهريا وإنهاء ~~انقساماتهم حتى لا تضيع هذه الفرصة السانحة، كما ضاعت ~~الفرص السابقة منهم، لاسترداد سيطرتهم البائدة، ثم ~~المبادرة قبل كل شيء بدفع المبلغ. # ولكن مهمة القبطان باشا كان مقضيا عليها بالفشل، فبقي ~~محمد علي في باشوية مصر بدلا من الذهاب إلى سالونيك، وبقي ~~البكوات مشتتين ومبعثرين في أنحاء القطر بدلا من أن ~~يستردوا نفوذهم في حكومة القاهرة، واستطاع محمد علي اجتياز ~~أزمة النقل هذه بسلام مثلما اجتاز ما سبقها من أزمات ~~تلاحقت عليه منذ المناداة بولايته، ثم استمرت تطارده بعد ~~ذلك. # فقد ظهر في تصميم محمد علي البقاء في ولايته وعدم تلبية ~~أوامر الباب العالي، منذ أن بلغه خبر الاتفاق بين مندوبي ~~الألفي ورجال الديوان العثماني، وكان الألفي نفسه منذ أن ~~علم بنجاح مندوبيه قد أوفد رسله مع أحد صناجقة أمين بك ~~ومحمد كاشف تابع إبراهيم بك إلى بكوات الصعيد، كما أرسل ~~كتبا إلى مشايخ عربان الحويطات والعائد وغيرهم وإلى ~~المشايخ والعلماء وأعيان الناس في القاهرة. # أما كتبه إلى القاهرة فصورتها الأخبار بحضور الدونانمة ~~صحبة قبطان باشا والنظام الجديد، وولاية موسى باشا على ~~مصر، وانفصال محمد علي باشا عن الولاية، وأن مولانا ~~السلطان عفا عن الأمراء المصريين وأن يكونوا كعادتهم في ~~إمارة مصر وأحكامها، والباشا المتولي يستقر بالقلعة ~~كعادته، وأن محمد علي باشا يخرج من مصر ويتوجه إلى ولايته ~~التي تقلدها وهي ولاية سالونيك، وأن حضرة قبطان باشا أرسل ~~يستدعي إخواننا الأمراء من ناحية قبلي، فالله يسهل بحضورهم ~~فتكونوا مطمئني الخاطر، وأعلموا إخوانكم من الأولداشات ~~والرعية بأن يضبطوا أنفسهم ويكونوا مع العلماء في الطاعة، ~~وما بعد ذلك إلا الرحمة والخير والسلام. # واعتقد الألفي - على ما يظهر - أن محمد علي سوف يذعن ~~لأمر الباب العالي ويغادر مصر سلما وطوعا وعن طريق ~~السويس بدلا من الإسكندرية هروبا على ما يبدو - في رأي ~~الألفي - من مواجهة القبطان وموسى باشا الوالي الجديد، ~~فجاء في كتبه إلى مشايخ العربان: «ونعلمكم أن محمد علي ~~باشا ربما ارتحل إلى ناحية ms0402 السويس فلا تحملوا أثقاله، وإن ~~فعلتم ذلك فلا نقبل لكم عذرا.» ولكنه ما إن أحضر هذه ~~الكتب بعض مشايخ العربان كابن شديد وابن شعير إلى الباشا ~~ووقف الباشا على ما بها حتى قال عن الألفي: إنه مجنون ~~وكذاب، وتمادى الألفي في غلوائه وتوهمه أن مجرد مجيء ~~الأسطول العثماني وصدور أوامر الباب العالي كاف لتمكينه ~~من السلطة، فبعث إلى أهل دمنهور التي كان واقفا على ~~حصارها نداء بمجرد أن علم بمغادرة أسطول صالح باشا مياه ~~القسطنطينية قال فيه: «لقد علمت أن فرمانا صدر من الباب ~~العالي بإعطائي حكومة مصر، وسوف أذهب إلى القاهرة فور ~~تسلمي له لتنفيذ الأوامر التي يتضمنها، وأضطلع حينئذ ~~بتصريف الأمور؛ ولذلك فإني أطلب منكم أن تفتحوا لي أبواب ~~مدينتكم، حتى ينهض هذا ريثما أتسلم مقاليد الحكم دليلا ~~على ولائكم لسلطانكم، وإذعانكم لقراراته مما سوف تكافئون ~~عليه فيما بعد.» ولكن بدلا من التسليم أسرع أهل دمنهور ~~بإرسال هذا النداء إلى السيد عمر مكرم الذي أعطاه بدوره ~~إلى محمد علي، واتصل الألفي ببعض رؤساء جند الدلاة، وبادر ~~هؤلاء كذلك بإبلاغ الباشا. # وكان «دروفتي» المصدر الآخر الذي استقى منه الباشا ~~معلومات أوفى، فقد أكد له «روفان» القائم بأعمال السفارة ~~الفرنسية بالقسطنطينية عند تقدم المفاوضة بين محمد أغا ~~ورجال الديوان العثماني أن الباب العالي على وشك إنجاز ~~الاتفاق بمساعي الإنجليز، وأن السبب في نجاح هؤلاء - كما ~~اعتقد «روفان» خطأ ولا ريب للأسباب التي مرت بنا - هو تردد ~~تركيا في موقفها من مشاكلها مع روسيا؛ وعلى ذلك، فقد قرر ~~«دروفتي» إطلاع محمد علي على ذلك كله، وأصدر تعليماته إلى ~~«مانجان» وكيل القوميسيرية الفرنسية العام في القاهرة ~~بذلك، فقابل هذا الأخير محمد علي واستطلع رأيه، ودل جواب ~~محمد علي على أن القوة وحدها هي التي تستطيع إخراجه من ~~مصر. # فقد كتب «مانجان» إلى «دروفتي» في 23 يونيو، وردد ذلك ~~خلصاء الباشا وأهل بطانته أن محمد علي يقول إنه وقد استحوذ ~~على مصر بحد السيف فهو لا يسلمها إلا بحد السيف كذلك، ولن ~~يفلح ms0403 الباب العالي مهما أصدر من فرمانات في جعلي أترك هذا ~~المكان، وليرسل ما شاء من الجند الأتراك فإني لا أعبأ ~~بذلك، إني أعرف الأتراك، فالأمر لا يتطلب معهم سوى رشوتهم ~~وسوف أرشوهم، ولا أخشى إلا أمرا واحدا، رؤية الجند ~~الإنجليز يحضرون لتأييد قرارات الباب العالي، ولكني حينئذ ~~سوف أدعو الفرنسيين للمجيء إلى البلاد وسوف أتركها لهم، ~~وسوف أناضل ريثما يحدث ذلك عن حوالي القاهرة شبرا شبرا، ~~حتى إذا أرغمت على الارتداد اعتصمت بالقلعة ودافعت عن نفسي ~~حتى النهاية، ومع ذلك، لقد استطعت إحداث ثورة وضعتني على ~~رأس الحكومة ولم يكن أتباعي وقتئذ سوى نفر قليل، وأما ~~الآن فلدي عدة ألوف من الجند، إني قوي وسأعمل جاهدا ~~لهزيمة الألفي، فأنتزع الأمل من صدور حماته في رؤيته ~~سيدا في القاهرة. ثم صار الباشا يقول لخلصائه: «إن الألفي ~~مجنون وكذاب، ويجب القضاء عليه بكل الوسائل، وتلك سوف تكون ~~مهمتي، وإني لمعتمد على طاعتكم وولائكم جميعا.» # أما القبطان باشا فقد أوفد رسولا إلى القاهرة يحمل - ~~كما قال «دروفتي» في رسالته إلى «تاليران» في 30 يونيو - ~~فرمانات تقترح على محمد علي أن يختار بين باشوية سالونيك ~~وباشوية كريت وتأمره بترك القاهرة، ثم طلب إلى الشيخ محمد ~~المسيري - وهو صاحب النفوذ الشعبي المعروف في الإسكندرية - ~~أن يكتب لزملائه المشايخ في القاهرة يدعوهم إلى التعاون مع ~~القبطان باشا، وقال «دروفتي»: «إن الذائع أن هذا الشيخ قد ~~طلب إعفاءه من ذلك.» وأرجع «دروفتي» امتناع الشيخ إلى ~~ولائه لبونابرت، ولو أنه غير متأكد من امتناعه مع أن هناك ~~من يقطعون جزما بأنه لم يفعل، وكان الشيخ المسيري قد وصله ~~كتاب من الألفي يؤكد له فيه ويرجو الشيخ أن يؤكد هو على ~~لسانه لسائر زملائه أنه لا يوجد شيء أحب إلى قلبه من توفير ~~السعادة لكل أهل مصر، وأنه سوف يبذل قصارى جهده حتى يظفر ~~الوضع الجديد المنتظر إقامته بثنائهم، وقال «دروفتي» في ~~رسالة تالية في أول يوليو: «إن الشيخ المسيري لم يزر ~~القبطان باشا منذ مقابلته الأولى على ظهر ms0404 مركبه وإنه يبدو ~~كئيبا حزينا من ذلك الحين.» ثم كلف القبطان باشا الشيخ ~~إبراهيم باشا عبد الله زوج ابنة الشيخ المسيري بإرسال خطاب ~~من قبل القبطان إلى السيد عمر مكرم، وقد حمل هذا الخطاب ~~شيخ آخر إلى القاهرة يمر به من معسكر الألفي، وفيه فرمانات ~~الباب العالي التي تطلب من المشايخ وأهل القاهرة حمل ~~السلاح في وجه محمد علي والأرنئود إذا رفضوا إخلاء القاهرة ~~بسلام، ويقول «دروفتي»: إنه عرف أن القبطان باشا يعتمد على ~~قدرة الألفي إذا رفض بكوات الصعيد الاعتراف برئاسته أو ~~بمشيخته على جمع مماليك البيوت الأخرى حوله، وصار ضباط ~~القبطان ورجاله يرددون أقوال «مسيت»، ويعلنون أن الألفي قد ~~صار حاكم مصر، وأن موسى باشا سوف يصل قريبا من سالونيك ~~على رأس جيش قوي وأنه سوف يحل محل محمد علي ويقيم بالقاهرة ~~تحت رحمة البكوات كما كان حال الباشوات في الماضي، كما ~~راحوا يعلنون أن جيشا من الشام الآن صوب مصر، ويؤكدون أن ~~القبطان باشا لن يغادر مصر إلا بعد أن يصبح الألفي سيد ~~القاهرة. # وفي القاهرة كان محمد علي منذ أن بلغه حصول الاتفاق بين ~~الألفي والباب العالي وتقرير عزله من الولاية ونقله إلى ~~سالونيك، قد أخذ أهبته لملاقاة هذه الأزمة الجديدة فزود ~~القلعة بالمؤن والذخائر، وشرع في إقامة بعض التحصينات حول ~~القاهرة، وأرسل من فوره قوة من خمسمائة جندي لتعزيز حامية ~~الرحمانية المواجهة لمعسكر الألفي الواقف على حصار دمنهور، ~~كما صار يبذر بذور الشقاق والانقسام في معسكر الألفي نفسه، ~~ويعمل لرشوة الأتراك الذين هم في جيشه ورشوة فرسان البدو ~~الذين معه - على وجه الخصوص - حتى يتركوه، ثم خشي محمد علي ~~من انضمام بكوات الصعيد إلى الألفي، واتحاد كلمة المماليك ~~ضده في هذه الأزمة، فأرسل إلى الأمراء القبليين يستدعي ~~منهم بعض عقلائهم مثل أحمد أغا شويكار وسليم أغا مستحفظان ~~ليتشاور معهم الأمر، وغرضه توسيع شقة الخلاف بينهم وبين ~~الألفي، وشل حركتهم، ولما كان هؤلاء قد زاد نفورهم من ~~الأخير بمجرد أن علموا من كتبه لهم بحقيقة ما ms0405 ينطوي عليه ~~اتفاقه مع الباب العالي من تحكيم رئاسته عليهم، فقد بعثوا ~~بأحمد كاشف سليم؛ لكونه ليس معدودا من أفرادهم، وبينه ~~وبين الباشا نسب؛ لأن ربيبته تحت حسن الشماشيرجي، وكان ~~مكلفا بإبرام الصلح مع الباشا على أساس إقطاع البكوات ~~الأقاليم الممتدة من ~~المنيا إلى إسنا، وكان البكوات وقتئذ يملكون فعلا هذه ~~الأراضي، ويحاصرون المنيا بكل همة ويسوءهم من الألفي عزلته ~~وانفصاله عنهم، وخطورة مشروعاته التي تستند على محالفة ~~الإنجليز له، وهم الذين ظل يؤكد دائما أنهم مستعدون ~~لتوطيد سلطته وكي يبوئوه عرش مصر، فوصل مندوبهم إلى ~~القاهرة في 23 يونيو، ورحب به الباشا ترحيبا كبيرا ~~واختلى به مرارا ووضع بنفسه بعض القواعد لإبرام اتفاق ~~نهائي مع البكوات، وأعطى أحمد كاشف سليم جوابا حسنا، ~~وحتى يدلل على صدق نواياه أعد هدايا ثمينة إلى إبراهيم بك ~~وعثمان بك حسن وعثمان بك البرديسي وغيرهم من البكوات، ~~وأرسل يأمر حسن باشا بالاقتراب مع جيشه من القاهرة، ودل ~~صدور هذا الأمر على اطمئنان محمد علي إلى سكون بكوات ~~الصعيد. # وفي أول يوليو غادر أحمد كاشف سليم القاهرة يحمل معه ~~الهدايا وهي عدد خيول وقلاعيات وثياب وأمتعة وغير ذلك، ~~واطمأن بال الباشا من هذه الناحية، واستطاع توجيه كل ~~عنايته ونشاطه لمعالجة الأزمة التي بدأت تستحكم حلقاتها ~~عندما وصل رسول من الإسكندرية في اليوم الذي غادر فيه ~~مندوب بكوات الصعيد (أي في أول يوليو) يحمل كتابا من أمين ~~أغا حاكمها إلى الدفتردار أحمد أفندي جديد يبلغه فيه وصول ~~القبطان باشا إلى الثغر وفي أثره واصل باشا متولي على مصر ~~واسمه موسى باشا، وصحبتهم مراكب بها عساكر من الصف الذي ~~يسمى النظام الجديد، فأطلع الدفتردار السيد عمر مكرم على ~~هذه الرسالة، وذهبا لمقابلة محمد علي، وتشاور ثلاثتهم في ~~المسألة، وكان الباشا قد صادر قبل ذلك الرسائل التي أرسلها ~~الألفي إلى المشايخ وغيرهم من أعيان القاهرة وأخفاها حتى ~~لا يذيع الخبر قبل أن يتخذ للأمر عدته، ولكن كثيرين علموا ~~به؛ لأن كتبا غير التي صودرت كانت قد وصلت إلى ms0406 أربابها ~~على غير يد السعاة، ثم جاء كتاب أمين أغا إلى محمد علي، ~~وعرف القاهريون أن القبطان باشا قد وصل إلى الإسكندرية ~~يحمل أمرا بنقل محمد علي إلى ولاية سالونيك، فكان لهذه ~~الأنباء وقع في نفوس الأهلين غير ما كان ينتظره القبطان ~~باشا أو الألفي أو الوكلاء الإنجليز وعلى رأسهم الميجور ~~«مسيت»، وهو لا يقل وقتئذ عن الألفي نفسه في خصومته ~~الشديدة لمحمد علي. # فقد أزعجت هذه الأخبار القاهريين، وأحدثت بلبلة كبيرة في ~~الأفكار، ووجد أهل القاهرة أن ثورتهم التي أقصت خورشيد ~~والبكوات المماليك من الحكم، وسلمت مقاليد الأمور إلى ~~الرجل الذي نادوا هم أنفسهم بولايته، قد صارت نتائجها ~~مهددة بالضياع، حقيقة أرهقهم محمد علي بفرض المغارم ~~والإتاوات عليهم، ولكن مشايخهم وزعماءهم قد أقروه عليها، ~~حتى يدفع إيذاء الجند عنهم، وحتى يواصل نضاله بنجاح ضد ~~البكوات، أضف إلى هذا أن الباشا صار يتشاور مع عمر مكرم؛ ~~ولهذا في نفوسهم منزلته الكبيرة المعروفة؛ ولذلك فإنه ~~بدلا من أن يذعن القاهريون لأوامر الباب العالي أظهروا ~~تذمرهم منها، فقال المعاصرون: إن الصيحة صارت واحدة ضد ~~الباب العالي، والأتراك والبكوات، والتف المشايخ والعلماء ~~والأهالي والجند جميعا حول محمد علي، واستفاد محمد علي من ~~وجود هذا الشعور في جانبه، فعمل على تغذيته، فكان بفضل بعض ~~الإيحاءات التي ألقيت بحكمة في أذهان طائفة من أنصاره ~~المتحمسين أن عمد مباشرة عدد عظيم من السكان والجند إلى ~~تأليف حرس يرابط دائما أمام سرايه، ويرافقه في غدوه ~~صباحا إلى المكان الذي يقصده، ويصحبه في رواحه مساء إلى ~~سرايه ولا يتركه إلا عند باب الحريم (أي عند دخوله إلى ~~أهله)، وقد شجع محمد علي ملازمة هذا الحرس الكبير له ~~أولا: حتى يزيد التصاق الشعب به ومؤازرته له في هذه ~~الأزمة، وثانيا: حتى يتخذ هو من التفاف الجند حوله وهو ~~قسم لا يستهان به من هذا الحشد العظيم سببا يعتمد عليه في ~~إظهار أنهم إنما يحيطون به حتى يمنعوه من مغادرة البلاد ~~كما حدث في ظرف سابق، أيام خورشيد باشا. # ثم ms0407 تأكد لدى القاهريين عزم الباب العالي على نقله عندما ~~ورد قاصد من طرف قبودان (أو قبطان) باشا إلى بولاق في 4 ~~يوليو هو سعيد أغا كتخدا البوابين لمقابلة محمد علي، فمكث ~~بالقاهرة أياما ثلاثة تشوق القاهريون أثناءها لمعرفة ما ~~أسفرت عنه هذه المقابلة، ولكن أولي الشأن تكتموا أمرها، ~~فقال الشيخ الجبرتي: «إنه لم يظهر ما دار بين محمد علي ~~ورسول القبطان باشا، ولم يكن في صالح محمد علي في دور ~~الأزمة هذا أن يذاع شيء عن موقفه منها، وهو الذي لم تكمل ~~استعداداته لمواجهتها من ناحية، وكان لا يزال يجهل مقدار ~~القوة التي لدى القبطان باشا من ناحية أخرى، ولا يعرف ما ~~إذا كان القبطان باشا مصمما على استخدام ما لديه من قوات ~~على كل حال في إرغامه على إطاعة أوامر الباب العالي إذا هو ~~أظهر عصيانه لها من ناحية ثالثة، وأما قابجي أو رسول ~~القبطان باشا فقد حمل إلى محمد علي الأمر بالذهاب إلى ~~الإسكندرية حيث قد أعد له بها مركب لنقله إلى سالونيك ~~مقر ولايته الجديدة، ولم يسع الباشا في ظروفه الراهنة إلا ~~إظهار القبول، فأجاب أنه مستعد لطاعة أوامر السلطان صاحب ~~الحق عليه شرعا وقانونا والإذعان لإرادته، وليس أحب إليه ~~من مغادرة بلاد كمصر تسود بها الفوضى، وأنه كان قد تهيأ ~~فعلا قبل ذلك لمغادرتها وأنجز كل استعداداته للذهاب، ~~ولكنه لما كان محط أنظار الجميع، ويرى الأهلون والجند كل ~~حركة يأتي بها، فهو لا يستطيع الإفلات أو الانسلال من ~~العاصمة، ولا ندحة له عن البقاء بها ما دام لا يدفع ~~العشرين ألف كيس قيمة المرتبات المتأخرة التي يطالب بها ~~الجند، ثم أشهد رسول القبطان باشا نفسه على ذلك الحجر ~~المضروب على حريته بسبب ملازمة الحرس له والذي لم يكن في ~~وسع القابجي أن ينفي وجوده، وغادر القابجي القاهرة ومعه ~~رسول من قبل الباشا، سليم أغا قابجي كتخدا المعروف بقبي ~~لركخسي في 7 يوليو، واستأنف محمد علي نشاطه في التو ~~والساعة لإكمال ما يجب من استعدادات قبل أن ms0408 يعلن رفضه ~~صراحة لأمر النقل من مصر، كما صح عليه عزمه.» وقال ~~«دروفتي» - رسالة 15 ~~يوليو - إن الباشا أكد في جوابه خضوعه التام لرغبات الباب ~~العالي، ولكنه يجب عليه قبل الإذعان لأوامره أن يدفع ~~العشرين ألف كيس المستحقة للجند وإلا قتله هؤلاء، وعرضوا ~~القاهرة لكوارث ونكبات مروعة، ثم استمر يقول: «والباشا لا ~~يزال يمون القلعة، وقد طلب من حسن باشا والرؤساء الأرنئود ~~الذين بالصعيد الحضور إلى القاهرة للعمل معه، كما أصدر ~~أوامره للجند المبعثرين في الوجه البحري للاحتشاد وتغطية ~~رشيد ودمنهور، ووصلت حديثا نجدة من الشام ألف فارس من ~~الدلاة، وقد قرر الباشا الدخول بنفسه في المعركة إذا لزم ~~الأمر على أن يعهد بالإشراف على القلعة والقاهرة إلى أحد ~~أقربائه، ويتخذ العدة لمنازلة الألفي.» # وذاع في القاهرة أن الألفي أرسل هدايا كثيرة إلى القبطان ~~باشا وفيها ثلاثون حصانا منها عشرة برخوتها ومن الغنم ~~أربعة آلاف رأس وجملة أبقار وجواميس ومائة جمل محملة ~~بالذخيرة وغير ذلك من النقود والثياب برسمه ورسم كبار ~~أتباعه، ومنذ أول يوليو كتب «دروفتي» أن أمين بك الألفي ~~وصل إلى الإسكندرية ومعه هدايا للقبطان من عشرين حصانا ~~ومائة جمل وحبوب وأغذية ومبلغ كبير من المال، ثم عاد يقول ~~في 10 يوليو: «إن المال الذي أهدى به الألفي القبطان باشا ~~على يد أمين بك قدره مليون قرش، ثم دفع أمين بك إلى نائب ~~القنصل الإنجليزي بالإسكندرية وتاجرها السيد «بريجز» # Briggs # مبلغ 700000 قرش ~~يقال: إن الألفي مدين بها للحكومة الإنجليزية، كما وعد ~~الألفي أن يعطي بمجرد دخوله القاهرة حق التزام السنا ~~والنطرون إلى بيت «لي» # Lee # التجاري في لندن، وكان من الأنباء ~~المزعجة التي ذكرها «دروفتي» أن إبراهيم بك قد أوفد كتخداه ~~(وكيله) من الصعيد بهدايا إلى القبطان باشا.» وفضلا عن ~~ذلك فقد أكد «دروفتي» أن كل شيء يدل على أن القبطان باشا ~~موال تماما للإنجليز. # وعلى ذلك فقد وجب على الباشا أن ينشط بسرعة لدرء هذه ~~الأخطار، وانحصرت خطته في إنجاز وسائل الدفاع عن القلعة ~~والقاهرة، والوثوق ms0409 من تأييد كبار الجند ورؤسائهم له في ~~موقف المعارضة الذي وطد العزم على اتخاذه ورفض قرار النقل ~~إلى سالونيك، وإشراك المشايخ والعلماء معه في هذا الموقف، ~~حتى يتخذ من مناصرتهم له حجة يستند عليها في تسويغ مقاومته ~~لأوامر الباب العالي، ولإعطاء الفرصة للباب العالي نفسه ~~استنادا كذلك على هذا المسوغ للإذعان للأمر الواقع إذا لم ~~يعد هناك بد من التسليم به، وتهدئة القاهريين وجمعهم حوله ~~والاطمئنان إلى التزامهم السكون والانصراف إلى شئونهم ~~أثناء هذه الأزمة، ثم بذل مساعيه ليس مع القبطان باشا ~~وبطانته فحسب، بل ومع رجال الديوان العثماني بالقسطنطينية ~~كذلك، بالطرق التي قال إنه يعرفها (أي رشوتهم) ثم تعزيز ~~قواته العسكرية، وأخيرا ملاحقة الألفي ومطاردته والعمل في ~~الوقت نفسه على تهدئة وتسكين بكوات الصعيد بأي ثمن. # وكان بسبب ما أظهره محمد علي من نشاط في تحصين القلعة ~~والقاهرة، حيث شرع في عمل آلات حرب وجلل، وجمع الحدادين ~~بالقلعة، وأصعد بنبات كثيرة واحتياجات ومهمات إلى القلعة ~~أن صار واضحا للقاهريين أنه يعتزم المقاومة الجدية، ورأى ~~الشيخ الجبرتي فيما فعله علامات العصيان وعدم الامتثال، ثم ~~استقدم ألفا من فرسان الدلاة من الشام لنجدته، على أن أهم ~~ما فعله من ناحية التهيؤ للمقاومة العسكرية إذا لزم الأمر، ~~كان الحصول على تأكيد رؤساء الجند الأرنئود ولاءهم له، ~~فجمع كل الرؤساء الموجودين منهم بالقاهرة وحواليها وكانوا ~~سبعين زعيما أو رئيسا، وعرض عليهم الأمر، فقال: «لقد طلب ~~الباب العالي نفيي، وعزمي هو الامتثال لأمره، ومع ذلك ~~فالظاهر أن الشعب يعارض في رحيلي وذهابي، فبماذا تشيرون ~~علي أنتم الذين وافقت حتى الآن من أجلكم جميعا على تحمل ~~أعباء الحكم الثقيلة؟» فكان جوابهم أنهم يريدون بقاءه، ~~وتظاهر محمد علي في هدوء وسكون بأنه مصر على عزمه، ~~وعندئذ شرع الرؤساء الأرنئود يلحون عليه في البقاء ~~ويحاولون إقناعه بأنه إذا لبى أوامر الباب العالي فقدت ~~البلاد هدوءها وسكينتها، وضحيت مصالح الجيش بأسرها، وهو ~~الذي أظهر في كل المناسبات إخلاصا لا حد له لشخصه، ووضح ~~أن الخوف من البقاء تحت ms0410 رحمة الأتراك والمماليك قد بدأ ~~يحدث أثره في نفوس الرؤساء الأرنئود، وعندئذ نبذ محمد علي ~~هدوءه وسكونه، وتحدث إليهم بلهجة حازمة، فسألهم عما إذا ~~كانوا يريدون حقا أن يدوسوا بأقدامهم أوامر السلطان، وهل ~~هم أقوياء بالدرجة التي تمكنهم من مقاومة الباب العالي إذا ~~هاجمتهم جنوده؟ وهم قد يستطيعون ذلك بكل مشقة إذا تسنى لهم ~~ترويض أجنادهم على الطاعة بينما لا يعرف هؤلاء النظام ~~ويعيشون من نهب الأهالي وسلبهم، ويرهقونه (أي محمد علي) ~~ويزعجونه دائما بمطالبتهم بمرتباتهم، ثم قال: «وهل في ~~مقدوركم الادعاء بأن في وسعكم القتال ضد قوات الألفي بك ~~والقبطان باشا والانتصار عليها أو إلزام جندكم بتأدية ~~واجبهم؟ وهل تفضلون حقا تعب الحرب ونصبها على ملذات حياة ~~الدعة والراحة ومسراتها؟ لقد تركتموني وحدي ومن زمن طويل ~~أتحمل عبء الحكم وتصريف الشئون وما يتبع ذلك من صعوبات ~~ومشتقات بينما تتمتعون أنتم في سلام بثرواتكم التي ~~جمعتموها، وما نوع الثقة التي تريدونها أن تكون لي في ~~وعودكم، وأية رابطة قوية تلك التي يمكن أن تربط مصالحكم ~~بمصالحي إذا حدث من باب الافتراض أني وافقت على استنزال ~~غضب السلطان علي وعرضت نفسي لانتقامه مني والتضحية من جديد ~~براحتي ومستقبلي من أجلكم، فإن كنتم تريدون بقائي معكم ولا ~~زلتم كما كان العهد بكم في الماضي، الرفقاء الصادقين ~~فلتقسموا إذن على القرآن الكريم أنكم لن تتخلوا عني حتى ~~نموت سويا إذا لزم الأمر في سبيل قضية يجب أن نكون ~~جميعا مشتركين فيها.» # هذا الخطاب الذي تضمن تأنيبا ظاهرا لهؤلاء الرؤساء ~~الأرنئود، وأظهر الباشا بمظهر من لا يهتم بنفعه الذاتي ~~ويحرص بدلا من ذلك على مصالحهم هم أنفسهم، لم يلبث أن ~~أحدث الأثر المطلوب، فطغت على المجتمعين موجة من الحماس، ~~جعلتهم يحلفون اليمين التي طلبها الباشا منهم، ثم إنهم ~~عمدوا لإظهار ولائهم له باللجوء إلى إحياء عادة قديمة في ~~بلادهم هي أن يمسك اثنان هما أكبر الموجودين سنا، بطرفي ~~حسام يخطو من فوقه كل واحد من الحاضرين عند المناداة باسمه ~~وسط سكون عميق، ومعنى ذلك ms0411 أن رباطا لا تنفصم عراه أبدا ~~قد صار يربط كل المشتركين في هذه العملية، وأن من يخرج على ~~هذا العهد لحق به العار والشنار وصارت فضيحته عظيمة بين ~~قومه. # وكان في غمرة هذا الحماس أن بسط محمد علي لهؤلاء الرؤساء ~~ما يلاقيه من متاعب بسبب خلو الخزانة من المال، فاتفق ~~هؤلاء على استنزال مرتبات خمسة شهور مما كان مطلوبا للجند ~~عن ستة أشهر، وقد سبق ذكر شيء عن نظام جعل كل زعيم أو رئيس ~~مسئولا مباشرا عن دفعها للجند، وينالها هؤلاء بواسطته ~~وعلى يده، وعلاوة على ذلك فقد تبرع الحاضرون كل على قدر ~~طاقته بمبلغ من المال من جيبه الخاص، فاجتمع لدى الباشا ~~بفضل ذلك ألفا كيس، خصصها لرشوة الديوان العثماني، وذاع ~~خبر تأييد رؤساء الأرنئود لمحمد علي، وزاد ذلك من انطباع ~~تصميم الباشا على المقاومة وعصيان أوامر السلطان، فقال ~~الشيخ الجبرتي: «إنه جمع إليه كبار العسكر وشاورهم وتناجى ~~معهم، فوافقوه على ذلك؛ لأنه ما من أحد منهم إلا وصار له ~~عدة بيوت وزوجات والتزام بلاد وسيادة لم يتخيلها، ولم تخطر ~~بذهنه ولا بفكره، ولا يسهل به الانسلاخ عنها والخروج منها ~~ولو خرجت روحه.» وقال «دروفتي» في رسالته إلى «تاليران» في ~~15 يوليو: «إن محمد علي صرح في الاجتماع الذي عقده مع ~~رؤساء الجند على أن القرار الذي اتخذه الباب العالي لطردهم ~~من مصر ولتأسيس سيطرة المماليك بها إنما كان بسبب مؤامرات ~~الإنجليز والرشاوى التي قدموها للديوان العثماني؛ حيث ~~دفعوا لهذه الغاية 2400 كيس، فجعلهم الخوف من أن يتركهم في ~~المركز الحرج الذي شعروا بأنهم صاروا موجودين فيه الآن ~~يقدمون على التضحيات والتبرعات التي ذكرناها.» # وكانت الخطوة التالية هي جذب المشايخ إليه وإشراكهم معه ~~في موقف المعارضة - ثم الخصومة إذا لزم الأمر - الذي عقد ~~العزم على وقوفه من أوامر الباب العالي، ولقد كان جذب ~~هؤلاء إليه وإشراكهم معه في المعارضة والخصومة سهلا ~~ميسرا، لأسباب لم يفت على المعاصرين إدراكها، أهمها أن ~~الباشا منذ أن تسلم مقاليد الحكم كان قد درج ms0412 على خطة توزيع ~~القرى والدساكر التي كانت بأيدي المماليك ودخلت في حوزة ~~الحكومة على المشايخ وكبار العلماء، فصار لهؤلاء حصص ~~التزام كبيرة ينتفعون بفائظها (أي بإيراداتها) بعد دفع مال ~~الميري عنها، ثم ساعدهم كرم الباشا وسخاؤه على الاستكثار ~~من هذه الحصص. # فنشأت بسبب ذلك طبقة من أصحاب الأملاك الذين صار يقتضيهم ~~نفعهم الخاص مناصبة المماليك العداء، ولم يعد من صالحهم أن ~~يسترجع هؤلاء سلطانهم في الحكم، وأن تعود الأوضاع القديمة ~~حسب أوامر الباب العالي، زد على ذلك أن هؤلاء المشايخ قد ~~ارتبطت مصلحتهم بمصلحة الباشا نفسه ارتباطا وثيقا منذ أن ~~اشتركوا في حادث طرد البكوات من القاهرة، ثم فيما تبع ذلك ~~من حوادث أظهرها وأبعدها أثرا انقلاب مايو 1805 الذي ترتب ~~عليه إغداق حصص الالتزام عليهم من جهة، وزيادة رفعة شأنهم ~~بين سواد الشعب من جهة أخرى بسبب ما وجده الباشا نفسه من ~~فائدة الاستمرار في مشاورتهم، وقد خيل لفريق من هؤلاء ~~المشايخ - كما سيأتي ذكره في موضعه - أن في وسعهم آخر ~~الأمر مشاركة الباشا في تصريف شئون الحكم، فكان معنى نقله ~~إلى سالونيك، وتمكين البكوات في الوضع المزمع إقامته من ~~السيطرة على الحكومة زوال المزايا التي صارت لهم، فلم يكن ~~هناك معدى حينئذ عن أن يرتبط مصيرهم بمصير محمد علي، ~~ولم يكن هناك معدى عن إقبالهم على معاضدته، ولهذه ~~الحقيقة أهمية فذة لا لبيان ما ظهر من جانبهم من مؤازرة ~~لمحمد علي في هذه الأزمة؛ لأن ذلك كان حقيقا أن يحدث منذ ~~أن درج المشايخ والسيد عمر مكرم على مساعدته وخصوصا في ~~تحصيل الأموال - بالموافقة على فرض المغارم والإتاوات على ~~الشعب - لدفع مرتبات الجند، ولأنهم كانوا عنصرا هاما من ~~العناصر التي صنعت انقلاب مايو 1805، بل كان وجه الأهمية ~~أن المشايخ والسيد عمر مكرم خضعوا في كل كبيرة وصغيرة ~~أثناء هذه الأزمة لتوجيه محمد علي لهم، حتى إن العرائض ~~التي كتبت باسمهم وقتئذ إنما أمليت عليهم موضوعاتها إملاء ~~وإن كان الباشا قد ترك لهم صياغتها لأسباب واضحة، ثم هي ~~أهمية ms0413 فذة كذلك إذا عرفنا أن رأي المشايخ الصحيح في هذا ~~الأمر كله عندما اتصل بهم رسل القبطان باشا كان على نحو ما ~~ذكر «دروفتي» في رسالته إلى «تاليران» في 15 يوليو أنهم لا ~~يحبون المماليك أكثر من حبهم للأرنئود (أي يكرهونهم ~~جميعا) ولا يفضلون فريقا منهما على الآخر؛ لأن كلا ~~الجماعتين لصوص، وأنهم لا يتعاونون مع الباب العالي على ~~إنشاء حكومة جديدة إلا إذا شاهدوا منه اهتماما جديا ~~بتوفير أسباب السعادة لأهل مصر، فتكون الحكومة التي يريدها ~~لهم حكومة رشيدة ومنظمة تقوم على أسس ثابتة متينة أو على ~~الأقل من طراز تلك الحكومات التي تتمتع بها سائر مقاطعات ~~الإمبراطورية العثمانية. # ولما كانت الحكومة المقترح إنشاؤها الآن هي حكومة ~~مملوكية في حقيقتها، فالواضح أنهم إنما كانوا يجدون في ~~تأييدهم لمحمد علي والإذعان لتوجيهاته السبيل الوحيد ~~لاحتفاظهم بما ظفروا به من منافع ومزايا لا يريدون التخلي ~~عنها، وعلاوة على ذلك فقد ذكر «دروفتي» أن السيد عمر مكرم ~~صاحب النفوذ الكبير على سكان القاهرة قد اشتراه محمد علي، ~~وقال «مسيت» عند الكلام - في رسالته إلى «أربثنوت» في 10 ~~سبتمبر 1806 - عن الوسائل التي لجأ إليها محمد علي لاجتياز ~~أزمة العزل والنقل إلى سالونيك: أنه ورط في مكر وبمهارة في ~~نزاعه مع الباب العالي جماعة من المتصدرين في القاهرة، بأن ~~جعلهم يظفرون بنصيب كبير من أملاك المماليك المسلوبة، فصار ~~من صالح هؤلاء إذن عدم عود البكوات لممارسة السلطة مرة ~~أخرى، وكان بناء على ما طلبه منهم محمد علي أن كتبوا جملة ~~عرضحالات في صالح محمد علي بعثوا بها إلى الديوان ~~بالقسطنطينية وإلى القبطان باشا. # أما الباشا فقد دعا صبيحة اليوم التالي لاجتماعه برؤساء ~~الأرنئود السيد عمر مكرم والخاصة وعرفهم بصورة الأمر ~~الوارد بعزله وولاية موسى باشا، وأن الأمراء المصريين ~~أعرضوا للسلطنة في طلب العفو وعودهم إلى أمرياتهم وخروج ~~العساكر التي أفسدت الإقليم من أرض مصر، وشرطوا على أنفسهم ~~القيام بخدمة الدولة والحرمين الشريفين وإرسال غلالها ودفع ~~الخزينة وتأمين البلاد، فحصل عنهم الرضا وأجيبوا إلى ms0414 ~~سؤالهم على هذه الشروط، وأن المشايخ والعلماء يتكفلون بهم، ~~ويضمنون عهدهم بذلك، وطلب منهم أن يتشاوروا في الأمر فيما ~~بينهم، وانفض المجلس. # وحرص الباشا أثناء إعمال المشايخ فكرهم ورأيهم على دعم ~~صلته بهم من جهة، ومعرفة اتجاهات الرأي العام من جهة أخرى، ~~فحضر في 8 يوليو مولد المشهد الحسيني، ودعاه الشيخ السادات ~~وهو الناظر على المشهد والمتقيد لعمل ذلك، فدخل إليه وتغدى ~~عنده، وصار يتجول في القاهرة متزييا بزيه العسكري تارة ~~لإعلاء الروح المعنوية لدى الأهلين، ومتخفيا تارة أخرى ~~حتى يقف بنفسه على ما يدور في أذهانهم ومدى نشاطهم، فقال ~~الشيخ الجبرتي: «إنه أكثر من الركوب والطواف بشوارع ~~المدينة والطلوع إلى القلعة والنزول منها والذهاب إلى ~~بولاق وهو لابس برنسا.» # ثم كان طبيعيا أن يستأثر باهتمام الباشا مسألة توجيه ~~المشايخ فيما هو مطلوب منهم إعمال فكرهم ورأيهم فيه، وتم ~~الاتفاق في قصره على الموضوعات التي يجب أن يتضمنها جواب ~~المشايخ، وكتبت صورة هذا الجواب - كما يقول أصحاب التاريخ ~~العلمي والعسكري للحملة الفرنسية في مصر في قصره كذلك وتحت ~~بصره. وفي 10 يوليو حضر ديوان أفندي وعبد الله أغا بكتاش ~~الترجمان عند السيد عمر مكرم ومعهما صورة هذا الجواب، ~~فيذكر الشيخ الجبرتي أنهما حملا معهما صورة عرض يكتب عن ~~لسان المشايخ إلى الدولة في شأن هذه الحادثة، وتشاور ~~ثلاثتهم - ديوان أفندي وعبد الله بكتاش والسيد عمر مكرم - ~~حصة من النهار، وفي اليوم التالي حضر الأولان عند الشيخ ~~عبد الله الشرقاوي، وقد سجل الشيخ الجبرتي ما حدث، بصورة ~~لا تدع مجالا لأي شك في أن العرضحال الذي وقع عليه ~~المشايخ بعد ذلك لم يكن لهؤلاء يد فيه سوى صياغة المعاني ~~التي أرادها الباشا وترقيمها، وأنهم ما كانوا يجرءون على ~~مناقشة ما طلب منهم أن يكتبوه أو يجسرون على معارضة أوامر ~~الباشا، فقال الجبرتي: «وأمروا المشايخ بتنظيم العرضحال ~~وترصيعه ووضع أسمائهم وختومهم عليه، ليرسله الباشا إلى ~~الدولة، فلم تسعهم المخالفة، ونظموا صورته ثم بيضوه في ~~كاغد كبير.» # وعلى ذلك، فقد تضمن هذا العرضحال ms0415 الحجج والدعاوى التي ~~رآها الباشا نفسه مؤيدة من الناحية الشعبية لموقف المعارضة ~~الذي اتخذه من قرارات الباب العالي، وأهمها إظهار استياء ~~الأهلين من أن يسترد البكوات المماليك سيطرتهم البائدة، ~~بسبب جرائمهم الماضية التي ارتكبوها في حقهم مما كان يكفي ~~وحده لأن يرفض الباب العالي منحهم العفو وتمكينهم من الحكم ~~مرة أخرى؛ لأن البكوات لم يقلعوا عن عاداتهم السيئة ~~القديمة عندما أسسوا حكومتهم الأخيرة في القاهرة، فأوقعوا ~~بالقاهريين المظالم وآذوهم وفتكوا بعلي باشا الجزائرلي ~~وسدروا في غيهم، فلم تقف أذيتهم حتى بعد طردهم من القاهرة، ~~بل حاولوا أن يكيدوا لهم وأن يبطشوا بهم في حادث 16 أغسطس ~~1805 المعروف ولا أمل في أن يكفوا عن عدوانهم، وهم طائفة ~~لا تعرف نظاما ولا تحترم قانونا، ولا يستطيع كبارها أن ~~يفرضوا طاعتهم على صغارها، الأمر الذي يجعل متعذرا على ~~المشايخ أن يكفلوهم، وهو بيت القصيد من هذا العرضحال إذ ~~استند الترتيب الجديد على كفالة المشايخ للبكوات في تعهدهم ~~بتنفيذ الشروط التي قام عليها، ثم تصدى المشايخ للدفاع عن ~~محمد علي في أبرز اتهام قد يوجه إليه لتبرير عزله وهو ~~إرهاقه الشعب بالمغارم والإتاوات التي يفرضها عليه، فتضمن ~~العرضحال ما يشعر بأن تحصيلها كان بموافقة الأهلين أنفسهم، ~~وأن الباشا لم يلجأ إلى فرضها إلا مرغما لدفع مرتبات ~~الجند حتى يخرج هؤلاء لقتال المماليك وهم المتمردون على ~~الدولة وامتثالا لأوامر الباب العالي. # وقد أثبت الشيخ الجبرتي صورة هذا العرضحال وهو معنون ~~باسم الصدر الأعظم محمد علي باشا السلحدار، قال المشايخ ~~فيه: «... أما بعد ... فإننا ننهي لمسامعكم العلية بأنه قد قدم ~~قبودان باشا إلى ثغر إسكندرية فأرسل كتخدا البوابين سعيد ~~أغا وصحبته الأمر الشريف الواجب القبول والتشريف المعنون ~~بالرسم الهمايوني العالي فأوضح مكنونه بأنه قد تطاولت ~~العداوة بين محمد علي وبين الأمراء المصريين فتعطلت مهمات ~~الحرمين الشريفين من غلال ومرتبات وتنظيم أمير الحج على ~~حكم سوابق العادات والحال أنه ينبغي تقديم ذلك على سائر ~~المطلوبات وأن هذا التأخير سببه كثرة العساكر والعلوفات ~~وترتب على ذلك لكامل ms0416 الرعية بالأقاليم المصرية الدمار ~~والاضمحلال، وأنهت الأمراء المصرية هذه الكيفية لحضرة ~~السدة السنية وأنهم يتعهدون بالتزام جميع مرتبات الحرمين ~~الشريفين من غلال وعوائد ومهمات وإخراج أمير الحج على حكم ~~أسلوب المتقدمين مع الامتثال لكامل ما يرد من الأوامر ~~الشريفة إلى ولاة الأمور بالديار المصرية، وأنهم يقومون في ~~كل سنة بدفع الأموال الميرية إلى خزينة الدولة العلية إن ~~حصل لهم العفو عن جرائمهم الماضية والرضا بدخولهم مصر ~~المحمية، والتمسوا من حضرة الدولة العلية قبول ذلك منهم ~~وبلوغهم مأمولهم، فأصدرت لهم الأمر الهمايوني الشريف بعزل ~~الوزير المشار إليه لتقرير العداوة معه ووجهتهم له ولاية ~~سالونيك ووجهتهم ولاية مصر إلى الوزير موسى باشا وقبلتهم ~~توبتهم، وأن العلماء والوجاقلية والرؤساء والوجهاء بالديار ~~المصرية إن تعهدوا بهم وكفلوهم يحصل لهم المساعدة الكلية ~~حكم التماسهم من حضرة الدولة العلية.» # فأمركم مطاع وواجب القبول والاتباع، غير أننا ~~نلتمس من شيم الأخلاق المرضية والمراحم العلية ~~بالعفو عن تعهدنا وكفالتنا لهم، فإن شرط الكفيل ~~قدرته على المكفول، ونحن لا قدرة لنا على ذلك لما ~~تقدم من الأمثال الشهيرة والأحوال والتطورات ~~الكثيرة التي منها خيانة المرحوم السيد علي باشا ~~والي مصر سابقا بعد واقعة ميرميران طاهر باشا ~~وقتل الحجاج القادمين من البلاد الرومية وسلب ~~الأموال بغير أوجه شرعية، والصغير لا يسمع كلام ~~الكبير، والكبير لا يستطيع تنفيذ الأمر على ~~الصغير، وغير ذلك مما هو معلومنا وبمشاهدتنا، ~~خصوصا ما وقع في العام الماضي من إقدامهم على مصر ~~المحمية وهجومهم عليها في وقت الفجرية، فجلاهم ~~عنها محمد علي وقتل منهم جملة كثيرة فكانت واقعة ~~شهيرة، فهذا شيء لا ينكر. # فحينئذ لا يمكننا التكفل والتعهد؛ لأننا لا ~~نطلع على ما في السرائر وما هو مستكن في الضمائر، ~~فنرجو عدم المؤاخذة في الأمور التي لا قدرة لنا ~~عليها؛ لأننا لا نقدر على دفع المفسدين والطغاة ~~والمتمردين الذين أهلكوا الرعايا ودمروهم. # فأنتم خلفاء الله على خليقته وأمناؤه على بريته، ~~ونحن ممتثلون لولاة أموركم في جميع ما هو موافق ~~للشريعة المحمدية على حكم الأمر من رب ms0417 البرية في ~~قوله سبحانه وتعالي: # يا ~~أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول وأولي الأمر ~~منكم ~~، فلا تسعنا المخالفة فيما ~~يرضي الله ورسوله، فإن حصل منهم خلاف ذلك نكل ~~الأمر فيهم إلى مالك الممالك؛ لأن أهل مصر قوم ~~ضعاف، وقال عليه الصلاة والسلام: «أهل مصر الجند ~~الضعيف، فما كادهم أحد إلا كفاهم الله مؤنته.» ~~وقال أيضا: «وكل راع مسئول عن رعيته يوم ~~القيامة.» # وتفيد أيضا حضرة المسامع العلية من خصوص القرض ~~والسلف التي حصل منها الثقلة للأهالي من محمد علي ~~باشا، فإنه اضطر إليها لأجل إغراء العساكر ~~وتقويتهم على دفع الأشقياء والمفسدين والطغاة ~~المتمردين امتثالا لأوامر الدولة العلية في دفعهم ~~والخروج من حقهم، واجتهد في ذلك غاية الاجتهاد ~~رغبة في حلول أنظار الدولة العلية، فالأمر مفوض ~~إليكم والملك أمانة الله تحت أيديكم ... # وكتب المشايخ من هذا العرضحال نسختين، إحداهما بعث بها ~~هؤلاء ومعهم محمد علي إلى الباب العالي، وحمل الرسول ~~الذاهب بها مبلغ الألفي كيس التي جمعها الباشا من الرؤساء ~~الأرنئود، وذلك لتوزيعها على أعضاء الديوان العثماني ممن ~~لهم تأثير مباشر في القرارات التي يتخذها الباب العالي، ~~وأما النسخة الأخرى فقد أرسلت إلى القبطان باشا، ثم إن ~~محمد علي أنفذ رسولا يحمل كتبا منه إلى القبطان باشا قال ~~«مسيت» في رسالته إلى «أربثنوت» في 14 يوليو: «إنه وصل إلى ~~الإسكندرية في اليوم السابق، ثم نقل إلى السفير الإنجليزي ~~ما جاء في هذه الرسائل فقال: إنها تذكر أن الجند الذين تحت ~~قيادة محمد علي، لما كانوا قد أقاموا سنوات عديدة في مصر ~~فهم يرفضون مغادرة بيوتهم وأسراتهم، وأظهروا عزمهم على ~~حجزه وإبقائه معهم رهينة لضمان حصولهم على مرتباتهم ~~المتأخرة.» # ثم استطرد «مسيت» يقول: «ولكن هذا المكر ومحاولة تفادي ~~الموقف والتهرب من تلبية أوامر الباب العالي لم يغب على ~~فطنة القبطان باشا ولكنه لما لم يكن لديه من الوسائل ما ~~يمكنه بها من القيام بأية عمليات عدوانية ضد محمد علي، فقد ~~اعتزم سؤال حكومته حتى تصدر إليه تعليمات جديدة.» وكان ~~تعليق «مسيت» ms0418 على ذلك: «ولكن محمد علي قد يستطيع قبل أن ~~تصل هذه التعليمات إلى القبطان باشا الحصول من الديوان ~~العثماني بطريق المال أو الرشوة على أمر تثبيته في ~~ولايته.» واستند «مسيت» فيما ذهب إليه إلى أن القنصل ~~الفرنسي بالإسكندرية «دروفتي» قد بعث يوصي القائم بأعمال ~~السفارة الفرنسية في القسطنطينية برعاية وتأييد مصلحة محمد ~~علي، وأظهر «مسيت» تشاؤمه من هذا كله فقال: إن كل أمل في ~~إخلاء مصر من الأرنئود واسترجاع المماليك لسلطتهم قد زال ~~وانقضى. # ولكن القبطان باشا على العكس من «مسيت» كان لا يزال ~~متفائلا في أن مهمته سوف تكلل بالنجاح، لنفس السبب الذي ~~جعله يحضر إلى مصر بقوات قليلة، وهو ~~اعتقاده - واعتقاد ~~الديوان العثماني كذلك - أن الباشا لن يجسر على مخالفة ~~أوامر الباب العالي، وأن المماليك سوف يكملون بفرسانهم ~~ومقاتليهم النقص الموجود في قواته التي أحضرها هو معه، ~~ولكنه إلى أن تأتيه تعليمات جديدة من القسطنطينية وإلى أن ~~يحزم المماليك أمرهم فيأتي بكوات الصعيد لنجدة الألفي ~~ونجدته - الأمر الذي لن يحدث كما سيأتي ذكره وبيان أسبابه ~~بعد - ولا سبيل إلى إرسال جيش ينتزع القاهرة من محمد علي ~~قوة واقتدارا، لم يكن هناك من وسيلة لتنفيذ ما لديه من ~~تعليمات سوى إبلاغ أوامر الباب العالي من جديد إلى المشايخ ~~ومحمد علي وانتظار جواب هؤلاء مرة أخرى عليها، ومحاولة ~~استنهاض همة البكوات المماليك واستحثاثهم على الإيفاء ~~بعهودهم ودفع مبلغ السبعمائة والخمسين ألف قرش، ثم مراقبة ~~الصراع الذي انحصر الآن بين محمد علي والألفي وانتظار ~~نتائجه، وإلى جانب هذا كله تسلم الهدايا والرشاوى التي صار ~~يبعث بها إليه كلا الفريقين محمد علي والألفي على ~~السواء. # وأما محمد علي، فقد دل عرضحال المشايخ على أنه قد صح ~~عزمه نهائيا على المقاومة، وأن الأعذار التي انتحلها في ~~مبدأ الأمر لعدم تلبية رغبات الباب العالي؛ أي إرغام جنده ~~له على عدم مبارحة البلاد قبل أن يدفع لهم مرتباتهم، وهي ~~أعذار وإن كان يستبين منها التلكؤ والمماطلة حقا ولكنها ~~لا تنفي امتثاله للأوامر الصادرة إليه، قد ms0419 حلت محلها الآن ~~حجج ودعاوى تدل في وضوح وجلاء على أنه قد صح عزمه على رفض ~~أوامر الباب العالي ومقاومتها بالقوة إذا لزم الحال، ~~وتستند على عامل ثابت لا تبدل فيه ولا تغير هو رفض الأهلين ~~وزعمائهم الأوضاع الجديدة المقترحة وعودة الحكومة ~~المملوكية وتمسكهم ببقائه واستمرار حكومته عليهم، ولقد كان ~~مبعث هذا التحول في لهجة الباشا إنجاز استعداداته للدفاع ~~عن القاهرة ووثوقه من ولاء رؤساء الأرنئود له، واطمئنانه ~~إلى سكون الأهلين وهدوئهم وإشراكه لمشايخهم وزعمائهم معه ~~في موقف المعارضة لأوامر الباب العالي، ونجاحه في شل حركة ~~بكوات الصعيد، وأخيرا وقوفه على حقيقة ما لدى القبطان ~~باشا من قوات لا تمكنه من الدخول ضده في أية عمليات عسكرية ~~إذا شاء إرغامه على تسليم باشوية مصر إرغاما. # وقال «مسيت» بعد ذلك في رسالة إلى «وندهام» في 14 أغسطس ~~1806: «إن محمد علي الذي لم يعرف حقيقة القوات التي لدى ~~القبطان باشا وأراد كسب الوقت، أجاب على ما طلبه هذا منه ~~في لهجة تنم عن الخضوع الكامل بأنه مستعد لطاعة أوامر ~~السلطان، وحيث إنه كان مصمما على مقاومة أي جهد أو محاولة ~~لحرمانه من حكومة مصر، فقد أمر بإصلاح تحصينات القاهرة ~~وإقامة التحصينات حولها وعلى جبل المقطم المشرف على ~~القلعة، حتى إذا قطعت الاستعدادات شوطا كبيرا، وبلغته ~~الأخبار أن جيش القبطان باشا أقل من ثمانمائة رجل أعلن ~~قراره بصراحة وهو الاحتفاظ بالقلعة التي فتحها بحد سيفه، ~~ويبدو أن الباب العالي ما كان يتوقع أن يرفض محمد علي ~~وأنصاره طاعة أوامره وقراراته؛ لأن القبطان باشا لم يكن ~~مزودا بتعليمات تخوله القيام بأعمال عدوانية ضد محمد علي؛ ~~ولذلك فقد وجد القبطان باشا ضروريا عندما رفض محمد علي ~~إخلاء البلاد أن يطلب من حكومته تعليمات جديدة.» # ولقد استطال الأخذ والرد بينه وبين القبطان باشا فترة من ~~الزمن، استطاع الباشا خلالها أن يستخدم تلك الأساليب التي ~~قال إنه يعرفها مع الديوان العثماني ومع القبطان باشا ~~نفسه، بإرسال الهدايا والمال إلى القسطنطينية وإلى ~~الإسكندرية، وأن يجدد مسعاه مع بكوات ms0420 الصعيد حتى يزيد شقة ~~الخلاف اتساعا بينهم وبين الألفي، وأن يستحث أهل دمنهور - ~~بواسطة السيد عمر مكرم خصوصا - على الاستمرار في مقاومة ~~الحصار الذي ضربه الألفي على مدينتهم، وحشد العسكر لمحاولة ~~الالتحام مع الألفي نفسه، ثم السهر على استقرار الهدوء ~~والسكينة في القاهرة وأخيرا إقناع القبطان باشا والباب ~~العالي بأن من الخير الرضا ببقائه في ولايته والتسليم ~~بالأمر الواقع، ولقد عانى الباشا صعوبات ومتاعب كثيرة ~~أثناء ذلك كله مبعثها خصومة «مسيت» الشديدة له، ولو أن ~~الأخير لقى في الوكيل الفرنسي «دروفتي» رجلا لا يقل عنه ~~صلابة وعنادا، ويعمل على إحباط كل تدابيره ~~ومشروعاته. # فكانت الشهور الثلاثة التالية فترة تجربة وامتحان قاسيين ~~لمحمد علي، ولكن الباشا لم يلبث أن اجتازها بنجاح، وفشل ~~القبطان باشا في مهمته، وأسفر هذا النضال الشديد عن تثبيت ~~محمد علي في ولايته. # بوادر انفراجها # فما إن وصل جواب محمد علي وعرضحال المشايخ إلى القبطان ~~باشا حتى أوفد هذا سلحداره شاكر أغا يحمل رسائل إلى ~~المشايخ، ويطلب من محمد علي الإذعان لأوامر السلطان، فوصل ~~إلى بولاق في ليل 13 يوليو، وفي اليوم التالي أرسل إلى ~~المشايخ رسالة من القبطان باشا باسمهم عموما، ثم أخرى إلى ~~الشيخ السادات، وثالثة إلى السيد عمر مكرم، وكلها على نسق ~~واحد من قبودان باشا وعليها الختم الكبير وهي بالعربي ~~وفرمان باللغة التركية، ومضمون الكل الإخبار بعزل محمد علي ~~باشا عن ولاية مصر، وولاية سالونيك، وولاية السيد موسى ~~باشا المنفصل عنها مصر، وأن يكون الجميع تحت الطاعة ~~والامتثال للأوامر والاجتهاد في المعاونة وتشهيل محمد علي ~~باشا فيما يحتاج إليه من السفن ولوازم السفر لتوجهه هو ~~وحسن باشا والي جرجا من طريق دمياط بالإعزاز والإكرام ~~وصحبتهما جميع العساكر من غير تأخير حسب الأوامر ~~السلطانية، وكانت مهمة شاكر أغا أن يقنع المشايخ باستخدام ~~كل ما توهم أنه لديهم من نفوذ علي الباشا في حمله على ~~تسليم منصب الولاية للباشا الجديد الذي تعين بإرادة ~~السلطان، ولكنه لم يحصل منهم إلا على إجابات مبهمة. # فقد اجتمع المشايخ عند ms0421 عمر مكرم في نفس اليوم (14 يوليو) ~~وتشاوروا في الأمر، ويقص الشيخ الجبرتي ما حدث بصورة ~~يستبين منها أن هؤلاء لم يكن لهم صوت في هذه الأزمة أو ~~كانوا يجرءون على توجيهها، وأنهم جعلوا من أنفسهم آلة في ~~يد محمد علي يديرها كيفما شاء، فيقول: «وقد ركبوا (أي ~~هؤلاء المشايخ وعمر مكرم) إلى الباشا، فلما استقروا ~~بالمجلس قال لهم: وصلت إليكم المراسلات الواصلة صحبة ~~السلحدار؟ فقالوا: نعم، وما رأيكم في ذلك؟ قال الشيخ ~~الشرقاوي: ليس لنا رأي والرأي ما تراه ونحن الجميع على ~~رأيك، فقال لهم في غد أبعث إليكم صورة تكتبونها في رد ~~الجواب، وأرسل لهم من الغد (15 يوليو) صورة مضمونها، أن ~~الأوامر الشريفة وصلت إلينا وتلقيناها بالطاعة والامتثال، ~~إلا أن أهل مصر ورعيتها قوم ضعاف، وربما عصت العساكر عن ~~الخروج فيحصل لأهل البلدة الضرر وخراب الدور وهتك الحرمات ~~وأنتم أهل الشفقة والرحمة والتلطف، مما كان يعتبره الشيخ ~~الجبرتي من التزويقات والتمويهات التي كانت لا تخفي ما صح ~~عزم الباشا عليه من العصيان ومقاومة أوامر الباب ~~العالي.» # ولم يكن هناك شك في تصميم الباشا على المقاومة، فذكر ~~«مانجان» أن محمد علي قال له في هذا اليوم نفسه؛ أي في 15 ~~يوليو: «لقد استوليت على القاهرة بحد السيف، ولن أتخلى ~~عنها إلا بحد السيف! هل تظنون أن هذه المدينة حمام يدخله ~~كل من يشاء بسهولة، لقد وعد البكوات بإعطاء أعضاء الديوان ~~1500 كيس (أي السبعمائة والخمسين ألف قرش التي تعهدوا ~~بدفعها) وتعهد الإنجليز بضمانة إيفائهم بوعودهم ودفع هذا ~~المبلغ، وخيل إليهم أنهم يستطيعون بواسطة هذا المبلغ أن ~~يصبحوا أسيادا لمصر، إني أعرف الأتراك وأعرف الوسيلة التي ~~تتبع معهم، فالرشوة أداة فعالة مع أناس من طرازهم، ثم عاد ~~يذكر انقلاب مايو 1805، فقال: لقد أحدثت ثورة في العام ~~الماضي واعتليت الحكم يعاونني في ذلك 500 جندي وحسب، وأما ~~الآن فلدي ألف وخمسمائة من مواطني المخلصين لي، وما ~~القاهرة إلا سلعة في سوق الدلالة! وهي من نصيب ذلك الذي ~~يسبق منافسه وغريمه ms0422 بضربة سيف واحدة، وأما شاكر أغا فقد ~~غادر القاهرة بالأجوبة في ليل 15 يوليو، ولم يغفل الباشا ~~عن إرسال الهدايا معه إلى القبطان باشا بعد أن أكرم وفادة ~~شاكر أغا نفسه.» # وأوفد القبطان باشا مرة أخرى سليم أغا قابجي كتخدا الذي ~~كان محمد علي قد بعث به إلى الإسكندرية صحبة سعيد أغا ~~كتخدا البوابين، يحمل جواب القبطان ومضمونه أن القبودان لم ~~يقبل هذه الأعذار ولا ما نمقوه من التمويهات التي لا أصل ~~لها ولا بد من تنفيذ الأوامر وسفر الباشا ونزوله هو وحسن ~~باشا وعساكرهما الأرنئود وخروجهم من مصر وذهابهم إلى ناحية ~~دمياط وسفرهم إلى الجهة المأمورين بالذهاب إليها ولا شيء ~~غير ذلك أبدا، فوصل سليم أغا إلى القاهرة في 21 يوليو، ثم ~~لم يلبث بعد ذلك بأسبوع أن ورد الخبر بوصول موسى باشا إلى ~~الإسكندرية، وكان هذا قد حضر إليها في 19 يوليو، على نحو ~~ما سبقت الإشارة إليه، ثم لم يلبث أن بعث برسول إلى ~~القاهرة وعلى يده مرسوم خطاب لأحمد أفندي الدفتردار بأن ~~يكون قائما مقامه، ويأمره بضبط الإيراد والمنصرف، فلم ~~يقبل الدفتردار ذلك، وقال: «لم يكن بيدي قبض ولا صرف ولا ~~علاقة لي بذلك، ومما يذكر أن المشايخ وصالح أغا قابجي باشا ~~وسعيد أغا والسيد عمر مكرم وسائر الموجودين في الحفل الذي ~~أقيم بديوان محمد علي بمناسبة تقليد أحمد أفندي جديد ~~الدفتردارية في 6 فبراير 1806 كانوا قد شرطوا عليه ألا ~~يحدث حوادث كثيرة فإن حصل منه شيء عزلوه وعرضوا في شأنه، ~~وقبل أحمد أفندي ذلك على نفسه، وكان معنى هذا أن يصدع بكل ~~ما يأمره به محمد علي، ولم يكن من المنتظر وقد شهد إجماع ~~الرأي على مخالفة أوامر الباب العالي واللجوء إلى القوة ~~إذا لزم الأمر من أجل استمرار الباشا في الولاية أن يقبل ~~ما عرضه عليه موسى باشا.» # وبينما قضى القبطان باشا الوقت في رجوات أو تهديدات لا ~~جدوى منها ولا طائل تحتها، ويرحب محمد علي برسله إليه ~~ويبالغ في إكرامهم، ويبعث بالهدايا ms0423 الثمينة إلى القبطان ~~باشا نفسه، كانت الحوادث تسير مسرعة نحو إنهاء هذه الأزمة ~~في صالح محمد علي. # فقد انتهز محمد علي فرصة هذا الأخذ والرد بينه وبين ~~القبطان باشا، لإنجاز استعداداته لمنازلة الألفي خصمه ~~العنيد الذي أدرك محمد علي أنه مبعث أكبر ما يتهدد باشويته ~~في هذه الأزمة، طالما بقي محتفظا بقواته، يشدد الحصار على ~~دمنهور ويبعث، بفضل الجيش الذي لديه، الأمل في نفس القبطان ~~باشا في إمكان عزل محمد علي من الولاية وإخراجه هو ~~والأرنئود من مصر ؛ وعلى ذلك، فقد استأنف الباشا مساعيه ~~لإحياء المفاوضات مع بكوات الصعيد التي شابها شيء من ~~الفتور والركود وقتئذ، فقال «دروفتي» منذ أول يوليو: «إنه ~~بدأ مفاوضات جديدة معهم وأرسل عثمان البرديسي لهذا الغرض ~~أحد كشافه إلى محمد علي، وغادر هذا الرسول القاهرة محملا ~~بالهدايا للبرديسي وسائر كبار البكوات، وحرص الباشا على ~~استتباب الهدوء في القاهرة، وجمع القاهريين حول قضيته، ~~واستند في ذلك على سلاح الدعاية، فأشاع في طول البلاد ~~وعرضها أن الباب العالي قد ثبته في حكومة مصر، وأمر بإقامة ~~الأفراح احتفالا بهذا التثبيت في القاهرة ورشيد.» وعجب ~~«مسيت» غاية العجب من أن خطوات لم تتخذ من جانب القبطان ~~باشا لإزالة الأثر الذي قال إنه لا مفر من حدوثه حتما في ~~أذهان الأهالي نتيجة لإقامة هذه الاحتفالات وذيوع الخبر، ~~وعلل عدم مبادرة القبطان باشا بنفيه وتكذيبه بأن محمد علي ~~قد رشاه بخمسين ألفا من الجنيهات، وقال: فإذا كان الأمر ~~كذلك فمسلك القبطان لا يحتاج إلى تفسير، ثم استطرد «مسيت» ~~يقول في نفس رسالته هذه التي بعث بها إلى السفير الإنجليزي ~~بالقسطنطينية في 31 يوليو: «وفي اعتقاده أن أكثرية كبيرة ~~من أهل القاهرة سوف لا يصدقون لذلك أن القبطان باشا إنما ~~حضر إلى مصر كي يعيد المماليك إلى الحكم، ويبذل محمد علي ~~من جانبه نشاطا بلغ أقصاه لمنع حدوث أي تغيير أو تبدل في ~~آرائهم في هذه المسألة.» # وصار الباشا يحشد قواته في إمبابة للخروج ومحاربة ~~الألفي، واستطاع أن يجمع قدرا من المال ms0424 دفع منه مرتبات ~~الجند أو قسما منها، ولما كان في حاجة ملحة لخروج جميع ~~العسكر في الحملة المزمعة ضد الألفي، فقد طلب من مشايخ ~~الحارات بالتعريف عن كل ما كان متصفا بالجندية ويكتبوا ~~أسماءهم ومحل سكنهم، ثم أمر الوجاقلية جليلهم وحقيرهم ~~بالخروج للمحاربة، وبعث يطلب العربان للتجمع، وعين لذلك ~~حسن أغا محرم وعلي كاشف الشرقية، ووصل الكثير من طوائف عرب ~~الحويطات ونصف حرام من ناحية شبرا إلى بولاق، ثم ركب طوائف ~~الدلاتية وتقدموا إلى جهة بحري، وأشرف محمد علي نفسه على ~~تجهيز العرضي في إمبابة، وقال «مسيت»: إن الباشا لما كان ~~مقتنعا بسبب الأجناد التي زوده بها عيونه وجواسيسه وبعث ~~بها إليه الوكيل الفرنسي «دروفتي»، ثم بسبب ما بدا من جانب ~~القبطان باشا من خمود الحركة تماما، بأنه لا موجب للخوف ~~من هذا الأخير، فقد وضع أحد قواده على رأس أربعة آلاف رجل ~~أكثرهم من الفرسان وأمره بغزو مديرية البحيرة والاشتباك مع ~~الألفي، وأما هذا القائد الذي ذكره «مسيت» فكان طاهر باشا ~~ابن أخت محمد علي، ويعاونه قائد آخر هو «طبوز أوغلي» ~~(كتخدا بك) وتتخذ قواتهما مواقفهما بالرحمانية ومرقص، وكان ~~على أيدي هذين القائدين أن حدث أول التحام جدي في معركة ~~كبيرة بين جيش محمد علي والألفي، وكان النصر فيها حليف ~~الألفي. # وذلك أن الجند الذين شدد الباشا في جمعهم من القاهرة، ~~وأصر على خروجهم من معسكر إمبابة، لم يلبث أن وصل قسم منهم ~~إلى الرحمانية ومرقص، فمكنت هذه النجدة طاهر باشا وطبوز ~~وأوغلي من مغادرة مراكزهما واعتلاء الشاطئ الأيسر للنيل ~~(فرع رشيد) للانضمام إلى القسم الآخر من الجيش الذي عرفا ~~أنه لا بد حاضر لنجدتهما، من أجل الاشتباك مع الألفي ~~وإرغامه على رفع الحصار عن دمنهور، ووجب على الألفي لذلك ~~أن يحول دون انضمام الفريقين، فترك حصار دمنهور، وتعقب ~~الأرنئود حتى لحق بهم في اللحظة التي دخلوا فيها إلى ~~النجيلة، وهي بلدة تقع على الشاطئ الغربي لفرع رشيد وعلى ~~مسافة 36 كيلومترا جنوب الرحمانية، وكان لا مفر حينئذ من ms0425 ~~وقوع التحام بين الجيشين، فكانت معركة النجيلة في 31 يوليو ~~1806. # وكان الجيش من الدلاة والأرنئود قد انقسم إلى قسمين: ~~أحدهما بقيادة طاهر باشا ويحتل إلى يمين البلدة مركزا ~~يستند أو يتكئ على النهر، والثاني بقيادة طبوز أوغلي يقف ~~مرتبا للقتال إلى قدام النجيلة ذاتها، وكان جند طاهر باشا ~~هم الذين اشتبكوا أولا في المعركة، وأدركوا نجاحا في ~~مبدأ الأمر، ولكن عربان الألفي ما لبثوا أن شددوا الهجوم ~~عليهم، وخاض الألفي نفسه المعركة وسط مماليكه، فلم يستطع ~~طاهر باشا الصمود، وهرب بنفسه واحتذى الجند مثاله فرموا ~~سلاحهم، ولاذوا بالفرار، وألقوا بأنفسهم في النيل وامتلأ ~~البحر من طراطير الدلاتية، وامتلأ النيل بالقوارب المحملة ~~بالجند الفارين، وغرق اثنان منها، واستطاع بقية الجند من ~~أرنئود ودلاة الوصول إلى الشاطئ الآخر، وأما جيش كتخدا بك ~~فقد أبلى بلاء حسنا وأبدى مقاومة أفضل فدفع هجمات العدو ~~مرات عديدة واستطاع بدوره أن يقوم بهجوم شديد أكثر من مرة ~~على قوات الألفي، حتى إن فريقا من الدلاتية تمكنوا من قتل ~~الضابط اليوناني «جورجي» # Giorgi # قائد مدفعية الألفي، ولكن كل ~~هذه المحاولات ذهبت عبثا بسبب نيران مدفعية الألفي التي ~~أحدثت ثغرات شاسعة في صفوف الجند وأشاعت بسبب ذلك الفوضى ~~بينهم، فاضطر «طبوز أوغلي» إلى إصدار أمره بالتقهقر، ونجح ~~في الدخول إلى النجيلة والتحصن بها، وفي اليوم التالي (أول ~~أغسطس) عبر النيل، وانسحب بجنده صوب منوف، وهكذا أسفرت هذه ~~المعركة عن انتصار الألفي وخسر جيش طاهر باشا وكتخدا بك ~~ستمائة جندي بين قتيل وأسير، وثلاثة مدافع عدا خيامهم ~~وعتادهم وخيولهم وحملاتهم وجبخانتهم، وكانت هزيمة شنيعة، ~~ولم يخسر الألفي في هذه المعركة سوى قائد مدفعيته، وأحد ~~بكواته الصغار، أحمد بك الهنداوي، وثلاثة أو أربعة من ~~المماليك وجماعة من العربان، وقال «مسيت» وهو يذكر خبر هذه ~~الموقعة للسفير الإنجليزي بالقسطنطينية في 3 أغسطس 1806 أن ~~الألفي كان من حسن السياسة بحيث إنه أرسل بضعة رءوس، ~~وثمانية عشر أسيرا إلى القبطان باشا الذي ما عتم أن أعلن ~~عند استلامه ذلك أن محمد علي ms0426 وأتباعه عصاة ثائرون على ~~الباب العالي، وبعث «دروفتي» بخبر هذه الواقعة إلى ~~«تاليران» في 3 أغسطس فقال إن الأخبار قد وصلته منذ يومين ~~بأن الألفي قد ترك حوش عيسى في طريقه إلى القاهرة، ~~والإشاعات رائجة بأنه قد انتصر على جند محمد علي في مكان ~~قريب من قرية النجيلة، وقد أرسل الألفي الرءوس المقطوعة ~~والخيول إلى القبطان باشا واشترك في هذه المعركة الدلاة ~~والأرنئود، ثم عاد فبعث في رسالة تالية في 8 أغسطس ~~بتفصيلات هذه المعركة، ويدل ما ذكره كل من «مسيت» ~~و«دروفتي» عن واقعة النجيلة أنها حدثت قطعا في آخر شهر ~~يوليو من عام 1806. # وعاود الألفي بعد هذا الانتصار ضرب الحصار على دمنهور، ~~وشجعه القبطان باشا على ذلك، وكانت رغبة القبطان - كما ذكر ~~«دروفتي» - أن يجعل الألفي يحتل دمنهور بكل وسيلة، واحتل ~~شاهين بك الألفي الرحمانية، ثم أشار «مسيت» على القبطان ~~باشا بأن ينتهز هو الآخر فرصة هزيمة جند محمد علي، فيحتل ~~رشيد ودمياط ودمنهور. # وأحدث انتشار خبر هزيمة النجيلة في القاهرة ذعرا في ~~النفوس وبلبلة في الأفكار كبيرة، ولم يعرف الباشا نفسه أو ~~القاهريون بالكارثة إلا من الجند الهاربين الذين ظلوا ~~يحضرون إلى القاهرة جملة أيام بعد ذلك، فكانت مفاجأة سيئة ~~للباشا، ولم ينقذ «طبوز أوغلي» من غضبه وانتقامه سوى ~~شجاعته أثناء المعركة، وأما طاهر باشا فقد لجأ إلى ~~المنوفية هاربا من غضب الباشا الذي عظم حنقه عليه، وتوسط ~~كثيرون في الشفاعة له، فأمره بالذهاب إلى رشيد، فتقدم حتى ~~فوة، ولكن الباشا عندما علم بضياع الرحمانية كذلك لم يلبث ~~أن طلب منه التوجه إليها واستخلاصها من يد شاهين بك الألفي ~~فهاجمها بنشاط كبير واستولى عليها، وعاد إلى القاهرة، وحضر ~~إليها من بعده الكثير من العسكر، فأمرهم الباشا بالعودة، ~~وكان إسماعيل أغا الطوبجي كاشف المنوفية من بين الذين ~~جاءوا إلى القاهرة وقد داخل الجميع الخوف من ~~الألفي. # وخشي محمد علي من عواقب هذه الهزيمة السيئة، وبخاصة ~~عندما وجد المماليك والعرب بعدها الميدان حرا طليقا ~~للانتشار في مديرية الجيزة، وقربوا من ms0427 القاهرة حتى كادوا ~~يكونون على أبوابها، واستطاع جواسيس القبطان باشا والألفي ~~بك أن يندسوا بين القاهريين ويبذرون بذور الفتنة بين الجند ~~وبينهم، وتزايد هياج الخواطر، ومنع الباشا الجند المهزومين ~~وكبراءهم الذين حضروا في المراكب إلى بولاق وهم في أسوأ ~~حال وفيهم مجاريح كثيرة من النزول إلى البر وردهم إلى ~~إمبابة، فبقوا بها حتى إذا رخى الليل سدوله أذن لهم بدخول ~~القاهرة، وكان قد انضم إليهم كثيرون ممن كان من الجند ببر ~~المنوفية ولم يحضر المعركة لما داخلهم من الخوف، وشدد ~~الباشا الحراسة في القاهرة، وأنشأ لذلك دوريات كثيرة، وصار ~~يتجول بنفسه متخفيا في أحايين كثيرة في أكثر أحياء ~~القاهرة ازدحاما بالسكان لمراقبة نشاط وكلاء العدو ~~السريين، ومعرفة اتجاهات الرأي العام عموما، فأكثر من ~~الركوب والذهاب والمجيء والطواف حول المدينة والشوارع، ~~ويذهب إلى بولاق ومصر القديمة، ويرجع ليلا ونهارا وهو ~~راكب رهوانا تارة أو فرسا أو بغلة ومرتد ببرنس أبيض مثل ~~المغاربة، والعسكر أمامه وخلفه، وقد برهن له ما لاحظه من ~~هياج الخواطر على أن القبطان باشا والألفي قد نجحا في ~~غرضهما لدرجة هددت باحتمال إشعال الثورة في القاهرة، ولما ~~كان القاهريون قد اعتادوا التجمهر كلما أرادوا إعلان سخطهم ~~وتذمرهم في شارع الخليج المنخفض، في غير أوقات الفيضان، ~~وكان هذا الشارع أو المجرى يشق قلب القاهرة، وقد اقترب ~~علاوة على ذلك موعد فتحه بسبب فيضان النهر، وتوقع أن ينتهز ~~المهيجون فرصة الاحتفال بوفاء النيل وتجمهر الناس عند فتح ~~الخليج، فقد رأى الباشا أن يحتاط للأمر بكسر الجسر قبل ~~موعده، فقال الشيخ الجبرتي: «وركب في 14 أغسطس إلى قنطرة ~~السد، وحضر القاضي والسيد عمر النقيب وكسر الجسر بحضرتهم، ~~وجرى الماء في الخليج جريانا ضعيفا بسبب علو أرضه وعدم ~~تنظيفه من الأتربة المتراكمة فيه.» # ثم استطرد الشيخ يقول: «ويقال إنهم فتحوه قبل الوفاء ~~لاشتغال بال الباشا وتطيره وخوفه من حادثة تحدث في مثل يوم ~~هذا الجمع وخصوصا وقد وصل إلى بر الجيزة الكثير من أجناد ~~الألفي، فاطمأن الباشا حينئذ إلى استحالة حدوث اجتماعات ms0428 ~~شعبية أو تجمهر يخشى خطره، وكان من أسباب زيادة هياج ~~الخواطر ما وقع من مخاصمات بين عرب الحويطات والعيايدة، ~~وتجمع الفريقين حول القاهرة ونشوب القتال بينهما مرات ~~كثيرة، مما أدى إلى انقطاع السبل فتدخل الباشا وانتصر ~~للحويطات، وتوسط عمر مكرم في الصلح، وانتهت ~~الفتنة.» # ولا جدال في أن الألفي والقبطان باشا كان بوسعهما ~~الاستفادة من النصر الذي أحرزه الأول في معركة النجيلة، لو ~~أن الألفي بادر عقبه مباشرة بالزحف على القاهرة ولو أن ~~القبطان باشا أخذ بنصيحة «مسيت» وحاول الاستيلاء على رشيد ~~ودمياط ودمنهور، أو أنه أقبل على معاونة الألفي في حصار ~~دمنهور محاصرة جدية فعالة، فقد كان الخوف من الألفي ~~مستوليا على جند محمد علي، وغادر أكثرهم مراكزهم - كما ~~شاهدنا - فرارا من الالتحام مع الألفي في معركة أخرى ~~كبيرة، وساد هياج الخواطر في القاهرة حتى إن الباشا صار ~~يخشى من وقوع اضطرابات خطيرة أو اشتعال الثورة بها، ولكن ~~الألفي والقبطان باشا فوتا على نفسيهما الفرصة. # ذلك أن الألفي بدلا من الزحف على القاهرة - كما أذيع ~~عقب انتصاره في النجيلة - وذكره «دروفتي» وقتئذ في رسالته ~~إلى حكومته - على نحو ما سبق ذكره - آثر استئناف ضرب ~~الحصار على دمنهور، فقصد إليهما، ثم استقدم إليه من الجيزة ~~عددا من بكوات المماليك الذين أمرهم هو حديثا (وكانوا ~~ستة) لتعزيز قواته، وكان عظيم الأمل في استطاعته إخضاع ~~دمنهور بسهولة، لا سيما بعد انتصاره الأخير في النجيلة، ~~وبسبب ما كان لديه من مدفعية قوية يستخدمها يونانيون ~~وإيطاليون أتى بهم إليهم الوكلاء الإنجليز، ولكن أهل ~~دمنهور أثناء انشغال الألفي بمعركة النجيلة وابتعاده عن ~~مدينتهم، كانوا قد جلبوا إليها المؤن، واستعدوا لمقاومة ~~الحصار إذا ضرب عليهم من جديد، وعقدوا العزم على الاعتماد ~~على أنفسهم إلى النهاية عندما وجدوا أنه من المتعذر على ~~الباشا في ظروفه الراهنة إرسال أية نجدات إليهم بالرغم من ~~تكرر طلبهم لها، وكان نفر من أعيانها قد ذهبوا لمقابلة ~~القبطان باشا قبل أن يستأنف الألفي حصار مدينتهم يرجونه ~~التدخل لصرف الألفي عن عزمه، فأمنهم ms0429 صالح باشا، ولكن ~~فريقا منهم لم يطمئن لوعده، فبعثوا إلى عمر مكرم ومحمد ~~علي يطلبون النجدة، فوعدوا بها ولكنهم أمروا في الوقت نفسه ~~بالاستمرار على الممانعة وعدم تسليم مدينتهم ومحاربة من ~~يأتي لحربهم، فاستعدوا لذلك، وقال الشيخ الجبرتي: «إن ~~القبطان باشا عندما رفض أعيان دمنهور الذين ذهبوا لمقابلته ~~الإذعان لأوامره وتسليم المدينة إلى الألفي، لم يلبث أن ~~استفتى العلماء في جواز حربهم حتى يذعنوا للطاعة فأفتوه ~~بذلك، فعند ذلك أرسل إلى الألفي يأمره بحربهم فحاصرهم ~~وحاربهم، ولقي الألفي عند استئناف الحصار مقاومة شديدة على ~~يد حاميتها المؤلفة من أربعمائة من الأرنئود والعثمانلي، ~~والتي تعاون معها جميع السكان، واشترك النساء كذلك في ~~المقاومة، وتمكن الدمنهوريون مرات عديدة من رد هجوم ~~الألفي، وصاروا يقومون بخروج مسلح جريء كلما لاح شبح ~~المجاعة في مدينتهم حتى يجلبوا لها المؤن والأغذية، بل ~~واشترك النساء في الالتحامات التي وقعت، وكثيرا ما كن ~~يعتلين أسوار المدينة وتحصيناتها ينشدن الأناشيد في هجاء ~~الألفي ووصفه بالجبن والتهكم من عاداته الشخصية التي تدل ~~على التخنث وعدم الرجولة، وسمع جنده هذه الأناشيد، وضجر ~~الألفي من امتناع المدينة عليه، وأدرك أنه سوف يتعذر عليه ~~إخضاعها قبل حدوث الفيضان (أي حوالي آخر شهر أغسطس) ~~وعندئذ تتوقف العمليات العسكرية بسبب الفيضان ويضطر إلى ~~رفع الحصار عنها.» # وعلى ذلك، فقد أرسل الألفي بعض قواته إلى الرحمانية لسد ~~ترعة الأشرفية وهو المكان الذي تأخذه هذه الترعة عنده ~~مياهها من فرع رشيد، فتمر بسنهور ودمنهور والكريون حيث ~~تبدأ عند النشو البحري تسميتها بترعة الإسكندرية وتمد ~~بالمياه صهاريج الإسكندرية، كما يستقي أهل دمنهور والقرى ~~المنتشرة حولها من ترعة الأشرقية، فأرسل الباشا من فوره ~~بربر باشا الخازندار ومعه عثمان أغا ومعهما عدة كثيرة من ~~العساكر في المراكب فوصلوا إلى خليج الأشرفية من ناحية ~~الرحمانية، واشتبكوا مع قوات الألفي وأجلوهم عنها وفتحوا ~~فم الخليج فجرى فيه الماء، ودخلوا فيه بمراكبهم، ولكن ~~الألفية سدوا الخليج من أعلى عليهم، وحضر شاهين بك الألفي ~~فتمكن من سد فم الخليج بأعدال القطن والمشاق، ثم ms0430 فتحه ~~الألفية من أسفل فسال الماء في السبخ، ونضب الماء من ~~الخليج، ووقفت السفن على الأرض، وأوقع الألفية بجيش بربر ~~باشا هزيمة كبيرة عند قرية منية القران فانسحبوا مدحورين ~~إلى سنهور، وتحصنوا بها، واستمر القتال بين الفريقين مدة ~~دون الوصول إلى نتيجة حاسمة، وتمكن الألفي من تحويل المياه ~~إلى بحيرة إدكو، وقال «دروفتي» وهو يذكر هذه الحوادث في ~~رسالته إلى «تاليران» من الإسكندرية في 20 أغسطس 1806: «إن ~~تحويل المياه إلى بحيرة إدكو - ومن شأنه أن يجعل من إقليم ~~البحيرة صحراء مجدبة على الأقل خلال العام التالي - قد ~~أثار خوف أهل الإسكندرية الذين ما لبثوا أن احتجوا لدى ~~القبطان باشا على هذا العمل الذي منع وصول الماء إلى ~~مدينتهم.» ويقول «دروفتي»: «إن صالح باشا عزا ما يشكون منه ~~ويحتجون عليه إلى عناد أهل دمنهور وعدم طاعتهم، وطلب من ~~الشيخ المسيري الذهاب إليهم لإقناعهم بالتسليم، ولكن هذا ~~رفض القيام بهذه المهمة، فتعين لها ثلاثة من المشايخ كان ~~نصيبهم الفشل.» # ذلك أن الدمنهوريين رفضوا التسليم وأساءوا معاملة هؤلاء ~~المشايخ واحتجزوهم، ثم أفرجوا عن أحدهم على شريطة أن يبذل ~~قصارى جهده لإقناع القبطان باشا بأن يعمل لرد الألفي وحمله ~~على رفع الحصار عن دمنهور في نظير أن يعيد الدمنهوريون ~~إصلاح ترعة الأشرفية وإطلاق المياه لملء صهاريج الإسكندرية ~~على نفقتهم الخاصة، وأبقى الدمنهوريون الشيخين الآخرين ~~كرهائن لديهم، وقال الشيخ: إن كاشف دمنهور قد توفي، وتروج ~~الإشاعة بأن الألفي قد سمه، وقد تعين بدلا منه حسن أغا، ~~والأهالي مصممون على الدفاع عن مدينتهم إلى النهاية، ونصح ~~صالح باشا بإحضار الماء إلى الإسكندرية بوسائل أخرى، ولكنه ~~كان من الواضح - على حد قول «دروفتي» في رسالته إلى ~~«تاليران» في 12 سبتمبر 1806 - أنه لا يمكن ملء صهاريج ~~الإسكندرية بالماء إلا إذا أبعد الألفي عن دمنهور ورفع ~~حصاره عنها، وأعتقد أن القبطان باشا سوف يضطر إلى إبعاد ~~الألفي حتى لا يقال عنه إنه جاء إلى مصر ليزيد من فداحة ~~الكوارث المنصبة على رءوس أهلها. # ولم يثن دفاع دمنهور المجيد ms0431 الألفي عن عزمه، فاستمر على ~~حصارها، ولكن تحرك الأرنئود والعثمانلي بالرحمانية للزحف ~~على دمنهور وتخليصها لم يلبث أن جعل الألفي ينقل مقره من ~~باب الاحتياط إلى حوش عيسى، ولو أن ما قام به جند ~~الرحمانية من هجمات على قواته كان نصيبه الفشل لإخفاقهم في ~~قطع السد الذي أقامه الألفي على الترعة لتحويل المياه إلى ~~بحيرة إدكو، فبقيت قواته مرابطة حول دمنهور تضيق الحصار ~~عليها، ولكن «دروفتي» الذي نقل هذه الأخبار - في رسالته ~~إلى حكومته من الإسكندرية في 20 سبتمبر قال كذلك: إن ~~القبطان باشا سواء بسبب أوامر معينة قد وصلته من الباب ~~العالي أو لأنه رأى استحالة تنفيذ الخطة التي كلف بها، قد ~~دخل في مفاوضات مع محمد علي، ومن المنتظر أن يصل غدا إلى ~~الإسكندرية ابن محمد علي إبراهيم محملا بالهدايا للقبطان ~~باشا، وكل شيء هادئ بالصعيد، والقاهرة على حالها ولو أن ~~مرضا وبائيا منتشر بها. # وكان هذا الشطر الثاني من الأخبار التي بعث بها «دروفتي» ~~على جانب عظيم من الأهمية؛ ذلك أنها تدل على أن القبطان ~~باشا قد أخفق في مهمته التي أوفد من أجلها إلى مصر وهي ~~تنحية محمد علي من الولاية، وإرجاع سلطة البكوات القديمة ~~إليهم، وتأسيس مشيخة الألفي، ولقد أخفق صالح باشا في مهمته ~~لأسباب كثيرة، منها أنه لم يكن الرجل الذي يصلح لتنفيذ ~~المهمة التي عهد بها إليه، وأن موسى باشا المعين ~~للولاية لم يكن هو الآخر ذلك الرجل الذي يستطيع انتزاع ~~الباشوية من يد محمد، كما أنه عجز بالرغم من وقاره واتزانه ~~عن التأثير على القبطان باشا وعلى الألفي، وأن الألفي وهو ~~أكبر المنتفعين من الاتفاق الذي أبرمه كتخداه من رجال ~~الباب العالي لم يشأ أن يتحمل وحده دفع السبعمائة والخمسين ~~ألف قرش التي تعهد بها محمد كتخداه بكفالة سليمان أغا صالح ~~أو الوكيل نسبة إلى سيده صالح بك الوكيل، وأن الانقسام ~~الذي فرق صفوف البكوات وكان مبعثه الحسد والغيرة والمنافسة ~~القوية بينهم جميعا قد حال دون تلبية بكوات الصعيد ~~لنداءات القبطان باشا ms0432 أو الاستماع لرجوات سليمان أغا ~~الملحة، فرفضوا المساهمة في دفع المبلغ المطلوب، ورفضوا - ~~كعادتهم - أن يضحوا بشيء من أموالهم التي سلبوها واغتصبوها ~~من أهل البلاد، حتى ولو كان في ذلك استرجاعهم لسيطرتهم ~~المفقودة، وأن الألفي لم ينتفع من انتصاره في النجيلة، ~~وانهمك في حصار دمنهور، ولم ينصرف عن حصارها مع ما ظهر من ~~استماتة أهلها في الدفاع عنها، كأنما قد توقف تقرير مصيره ~~على إخضاع هذه المدينة، فلم يبذل أي جهد لإقناع بكوات ~~الصعيد بصدق نواياه وأنه يسعى لصالح المماليك جميعا، أو ~~يسعى لاستلال سخيمة البرديسي منافسه العنيد، وأضاع ثلاثة ~~شهور أثناء حصار دمنهور ينتظر النجدة التي وعد بكوات ~~الصعيد بإرسالها إليه، بينما كان من الواضح أن نصرا ~~حاسما يظفر به على جيش محمد علي إذا تعذر إخضاع دمنهور ~~بكل سرعة من شأنه تقرير مصيره، وأن محمد علي انتفع من ~~استطالة الحصار الذي شل يد الألفي وأخمد نشاطه في ميادين ~~أخرى، فعرف كيف يستميل رجال الديوان العثماني في ~~القسطنطينية وكذلك القبطان باشا إلى تأييد قضيته، وأن ~~«مسيت» وقد عجز كل العجز عن استنهاض همة صالح باشا للقيام ~~بأية عمليات عسكرية، بينما بذل «دروفتي» قصارى جهده لإحباط ~~مساعيه من ناحيته، وتأييد قضية محمد علي للقضاء على الألفي ~~الأداة الطيعة للإنجليز في نظره والرجل الذي سوف يعمل على ~~تمكين نفوذ هؤلاء إذا دانت له السلطة من ناحية ~~أخرى. # البقاء في الولاية # أما القبطان صالح باشا فقد كان رجلا عرف بالبخل وحب ~~المال واكتنازه وجمعه بأية وسيلة سواء بطريق الرشوة أو ~~بطريق الهدايا والعطايا، عرف فيه هذه الخصلة محمد علي كما ~~عرفها الألفي، فأغدق عليه كلاهما الهدايا، ورشاه محمد علي ~~بقدر كبير من المال، وبذ الألفي في استخدام هذا السلاح ~~عندما تعذر على الأخير مجاراة خصمه أو المباراة معه في هذا ~~السبيل بسبب موارده المحدودة حينما كان عليه أن يدفع ~~مرتبات أتباعه وجنده وعربانه إلى جانب الاستعداد لدفع ما ~~صار يسميه نصيبه من المبلغ الذي تعهد كتخداه بدفعه ثم كان ~~من أثر انغراس ms0433 هذه الخصلة في طبع القبطان باشا أنه جعل ~~ديدنه المطالبة بالسبعمائة والخمسين ألف قرش عدا ونقدا ~~بتمامها دون أن تنقص بارة واحدة، فتنوسيت في طيات ذلك سائر ~~تعليمات الباب العالي، وأهمها طرد محمد علي من الولاية، ~~الغرض الرئيسي الذي أوفد من أجله، فاستحالت سياسة الدولة ~~في يديه إلى مجرد مساومة على الولاية، وأضحت هذه كما قال ~~محمد علي نفسه سلعة في سوق الدلالة، ومما يدل على نهمه ~~وجشعه أنه في الوقت الذي تم فيه اتفاقه مع محمد علي وبقاء ~~هذا الأخير في الولاية استمر يلح على الألفي في طلب المال ~~والهدايا، كما أراد أن يدفع له أهل دمنهور مبلغا من ~~المال، وانتهى الأمر به بأن صار يطلب كذلك إتاوة من أهل ~~الإسكندرية، قدرها مائة وخمسون كيسا، وهم الذين - كما ذكر ~~«مسيت» في رسالته إلى «أربثنوت» في أول أكتوبر 1806 - لم ~~تفرض عليهم أية إتاوات منذ أن أخلى الفرنسيون مصر وجلوا ~~عنها، أضف إلى ذلك أنه كان رجلا من شيمته التطير ~~والتشاؤم، يعتقد في السحر والشعوذة، حدث وهو بعرض البحر ~~قبل وصوله إلى الإسكندرية أن هاج البحر هياجا شديدا، ~~فاستبد به الخوف، وخشي أن يكون ذلك فألا نحسا لمهمته ~~فأمضى اليوم في العبادة، وأمر بإقامة الصلاة في سائر ~~السفن، وأعتق عددا من العبيد وذلك حتى تهدأ العاصفة ويزول ~~غضب السماء عنه، وما إن علم عند وصوله إلى الإسكندرية أن ~~فلكيا يدعى علي بك العباسي - سوف يأتي ذكره ثانية - ~~موجود بها حتى استدعاه وأعطاه طلسما كان يحمله معه لفحصه ~~والاستعانة به على التنبؤ بما سوف يحدث له في مصر، وهل ~~ينجح في مهمته أو يفشل، واضطر علي بك العباسي إلى قراءة ~~طالع القبطان بالصورة التي ترضيه، وكان لهذا التطير أثره ~~كذلك على مسلكه فجعله يتشاءم من طول امتناع دمنهور على ~~الألفي، ويعدل عن بذل أي نشاط إيجابي أو القيام بأية ~~عمليات عسكرية، وأغضبه أن البرديسي لم يوفد إليه رسولا من ~~قبله، ولو أن إبراهيم بك كان قد بادر بإرسال كخياه الذي ~~وصل ms0434 إلى الإسكندرية في 9 يوليو محملا بالهدايا له، كما ~~جعله استقرار محمد علي الظاهر في القاهرة متشائما من ~~الدخول في نضال سافر معه، فلما تبين له تمسك محمد علي ~~بالولاية عمد إلى الدسيسة، فقال «دروفتي» في رسالته إلى ~~«تاليران» في 29 يوليو: إنه أرسل أحد كبار ضباطه إلى معسكر ~~الألفي، وآخر إلى البرديسي، وظهر ل «دروفتي» ما حمله على ~~الاعتقاد بأن القبطان يبغي من نشاطه هذا اغتيال محمد علي ~~فقال: ويبدو أنه وقد فشلت القوة (والأصح التهديد والوعيد؛ ~~لأن إجراءات عنيفة لم تتخذ ضد محمد علي) صار الالتجاء الآن ~~إلى الكيد والدسيسة، وسوف لا يكون موضع اندهاش إذا عرفنا ~~يوما أن محمد علي قد مات مقتولا أو مسموما، وكان من ~~أساليب القبطان باشا تحريض القاهريين على الثورة بعد هزيمة ~~النجيلة - على نحو ما سبق ذكره - ولكن فشل الألفي أمام ~~دمنهور وطول امتناعها عليه وما صادفه من صعوبات مع محمد ~~علي ومع البكوات أثناء مفاوضاته معهم من أجل دفع المبلغ ~~المطلوب، كل ذلك ما لبث أن جدد تشاؤمه، وزاد من تطيره، حتى ~~فقد الثقة في نجاح مهمته، وصار يضيق ذرعا باستطالة إقامته ~~بالإسكندرية، وبدأ يشعر بأنه بات شبه سجين بها فبدأ يتحول ~~عن مناصرة الألفي، ثم انتهى به الأمر بالتسليم ببقاء محمد ~~علي في ولايته. # وأما موسى باشا، فقد حضر إلى الإسكندرية وهو عاقد العزم ~~على الاعتماد كلية على القبطان باشا في تسلمه منصبه، فجاء ~~خاوي الوفاض ولا جند معه، زاره «دروفتي» ولقى منه ترحيبا ~~كبيرا، فخرج من مقابلته وهو يقول في رسالته من الإسكندرية ~~في 24 يوليو: إن مسلكه وكلامه يدلان على أنه رجل سياسة ~~أكثر مما يمكن أن يوصف بهذا مواطنوه عموما، عقد عدة ~~اجتماعات مع القبطان باشا، يقولون: إنه قد اشتكى في الأخير ~~منها من بعض الوسائل التي اتخذت لتنفيذ الخطة المكلف بها ~~القبطان باشا، ولكن هذا ما لبث أن ألقى تبعة ذلك على محمد ~~كتخدا الألفي، الذي قال عنه: إنه تغالى كثيرا في وصف قوات ~~سيده ودرجة ms0435 الاعتماد على مؤازرة الحزب الذي يمكن إيجاده من ~~بين السكان لتعزيز قضيته. # وعندما جاء جواب محمد علي الأول منذرا بأن زحزحته من ~~الولاية دونها مصاعب جسيمة، لم ير موسى باشا بالاشتراك مع ~~القبطان مناصا من إرسال الططر في طلب النجدة من ~~القسطنطينية، ولقد خيل إليه عندما لم يستمع القبطان لآرائه ~~أن في وسعه الاعتماد على الألفي في تكوين جيش يمكنه من ~~الولاية وإغراء الجند على ترك جيش محمد علي، فقال «مسيت» ~~في رسالته من الإسكندرية في 31 يوليو وهو يتحدث عن موسى ~~باشا: إن هذا الأخير قد وصل إلى الإسكندرية من أيام قليلة ~~مضت ولا مال ولا جند معه ومعتمدا الاعتماد كله على ~~القبطان باشا، ويجد موسى باشا أن مركزه في شدة الحروجة ولا ~~رجاء فيه، ولما كان يعتقد تماما أنه لن يلقى مساعدة من ~~القبطان باشا، فقد صار يبغي أن يوفر له الألفي الوسائل ~~التي تمكنه من جمع جيش يرجو بواسطته وبالاتحاد مع المماليك ~~أن يطرد من مصر منافسه محمد علي باستخدام القوة ضده، ومع ~~ذلك فلا ينتظر أن يوافق الألفي الذي أنفق إلى الآن مالا ~~كثيرا على تحمل نفقات أخرى في مسألة صارت اليوم غير ~~أكيدة، ويرجو موسى باشا كذلك أن يستطيع التأثير على قسم ~~عظيم من جند محمد علي ليفروا من صفوف جيشه بسبب أن هؤلاء ~~كانوا في الماضي في خدمته وتحت أوامره. # على أنه لما كان موسى باشا لا دانق واحد عنده، فلا وسيلة ~~لديه لإغراء هؤلاء على ترك جيش محمد علي، وهكذا قضى موسى ~~باشا الوقت يعلل النفس بالأماني الباطلة تارة، ويقبل ~~الرشوة من محمد علي تارة أخرى شأنه في ذلك شأن سائر عملاء ~~الباب العالي والقبطان باشا نفسه، ومع أن هذا الأخير كان ~~ذا شخصية تافهة فقد تركه موسى باشا برغم صفات السياسة التي ~~لاحظها فيه «دروفتي» يسيطر على توجيه الأمور، واكتفى هو ~~بالإصغاء إلى نصائح «دروفتي» الذي حاول إقناعه بعدم وجود ~~ارتباط بين مصلحته ومصلحة الألفي، ثم صار يبدي ميولا ~~واضحة نحو فرنسا، ms0436 لما كان ظاهرا من القبطان باشا أنه صاحب ~~ميول إنجليزية، ولعل استكانة موسى باشا هذه وقبوله لنصح ~~«دروفتي» له - ولم يكن في وسعه للأسباب التي ذكرناها إلا ~~أن يفعل ذلك - هي التي جعلت الوكيل الفرنسي يحكم عليه أنه ~~رجل سياسة يفوق في هذه الناحية أكثر مواطنيه عموما؛ وعلى ~~ذلك فقد سارت الأمور منذ وصول القبطان باشا إلى الإسكندرية ~~دون أن يظهر ذكر لاسم موسى باشا ودون أن تكون له يد ~~فيها. # ومنذ أن بدأ القبطان صالح باشا يعمل لتنفيذ مهمته انحصر ~~جهده وتفكيره في الحصول على المبلغ المطلوب من المماليك، ~~فأوفد عقب وصوله إلى الإسكندرية سليمان أغا صالح أو الوكيل ~~ومحمد كتخدا الألفي وشاكر أغا سلحدار القبطان باشا لمقابلة ~~الألفي كي يخبروه بما تم الاتفاق عليه في القسطنطينية ~~وحضور القبطان لتنصيبه في المشيخة وتمكين المماليك من ~~السلطة، ومطالبته بدفع مبلغ السبعمائة والخمسين ألف قرش أو ~~الألف والخمسمائة كيس فامتلأ الألفي فرحا وسرورا، ولكنه ~~رفض أن يتحمل هو وحده ودون سائر البكوات دفع المبلغ بدعوى ~~أنه لم يكن المنتفع وحده بالترتيب الذي وضع، وأن هناك ~~ثلاثة بيوت أو فرق للماليك؛ جماعة إبراهيم بك، والمرادية ~~برئاسة عثمان البرديسي، والألفية برئاسة الألفي نفسه، ~~وأشار بأن يدفع بكوات الصعيد الذين يؤلفون فرقتين من هذه ~~الفرق الثلاث ألف كيس بواقع خمسمائة كيس لكل منهما، حتى ~~إذا حصل شاكر أغا هذا المبلغ منهم وهو ثلثا المطلوب، دفع ~~الألفي خمسمائة كيس وهي الثلث الباقي، فبدا أن هناك صعوبات ~~يجب تذليلها وأن مهمة القبطان - كما تصورها - لم تكن بتلك ~~السهولة التي رسمها في ذهنه - ولو أنه كان يبدو من ناحية ~~أخرى أن إبراهيم والبرديسي سوف لا يمتنعان عن دفع حصتهما ~~من المبلغ - لأنه كان يترتب على نجاح الاتفاق ترك الباب ~~العالي حكومة مصر الفعلية في أيدي المماليك وتمكنهم من ~~استرجاع القاهرة وكل المواقع الهامة التي يحتلها الأرنئود، ~~فقرر القبطان باشا إرسال سليمان أغا إلى بكوات الصعيد، ولم ~~يفقد أمله في نجاح مسعى رسوله لديهم، وتنفيذ المهمة التي ~~جاء ms0437 من أجلها؛ لأنه سوف يتعذر على محمد علي حينئذ أن ~~يتصدى لمقاومة أوامر الباب العالي، والقبطان باشا وقوات ~~الألفي المتحدة مع بكوات الصعيد. # ولكن سليمان أغا لم يلبث أن فوجئ بمفاجأة سيئة عند ~~مقابلته للبكوات بالصعيد، فقد استمع إبراهيم بك في هدوء ~~لكل ما عرض عليه، ولكنه لكراهيته للإنجليز والأتراك أو ~~لانعدام ثقته فيهم جميعا اشترط قبل أن يدفع شيئا معرفة ~~آمال الألفي ومدى طموحه وأطماعه من فم الألفي نفسه، وأما ~~البرديسي فكان أكثر صراحة في معارضته لاتفاق يقضي بسيادة ~~الألفي على البكوات وسائر المماليك، فتساءل عما يريده منه ~~الألفي وهو الذي صار سيدا لجميع المماليك وصار «أبوا» ~~المماليك إبراهيم بك الكبير وعثمان حسن وهما موضع احترام ~~عظيم من رعايا الألفي الخاضعين الخاشعين، مثلهم في ذلك مثل ~~البرديسي نفسه، ثم أظهر دهشته من أمر واحد فقط هو أن يعمد ~~الباب العالي إلى إبلاغ البكوات مطالبه منهم على يد آخر ~~عبد من عبيده بدلا من أن يبعث بها إليهم على ضابط من ~~ضباطه، ويقصد البرديسي بذلك أنه كان يجدر بالباب أن يبلغ ~~رغبته في تقرير الوضع الجديد الذي يبتغيه إلى البكوات ~~مباشرة بدلا من الاتفاق على حدة مع الألفي، ويدون الشيخ ~~الجبرتي ما دار من أحاديث بين سليمان أغا وبين البرديسي ~~وإبراهيم بك فيذكر أن البرديسي أجاب سليمان أغا بقوله: حيث ~~إن الألفي بلغ من قدره أنه يخاطب الدول والقرانات (أي ~~والعظيمة منها)، ويراسلهم ويتمم أغراضه منهم، ويولي ~~الوزراء ويعزلهم بمراده (إشارة إلى عزل محمد علي وتولية ~~موسى باشا)، ويتعين قبودان باشا في حاجته، فهو يقوم بدفع ~~المبلغ بتمامه؛ لأنه صار الآن هو الكبير ونحن الجميع أتباع ~~له وطوائف خلفه بما فيه والدنا وكبيرنا إبراهيم بك وعثمان ~~بك حسن وخلافه، فقال سليمان أغا: إن الألفي على كل حال ~~واحد منهم وأخوهم، ثم اختلى مع إبراهيم بك، وتكلم معه فكان ~~جوابه: أنا أرضى بدخولي أي بيت كان، وأعيش ما بقي من عمري ~~مع عيالي وأولادي تحت إمارة أي من كان من عشيرتنا ms0438 أولى من ~~هذا الشتات الذي نحن فيه، ولكن كيف أفعل في الرفيق المخالف ~~(ويقصد بذلك البرديسي)، وهذا الذي يحصل لنا كله لسوء ~~تدبيره ونحسه، وعشت أنا ومراد بك المدة الطويلة بعد موت ~~أستاذنا محمد بك أبي الذهب وأنا أتغاضى عن أفعاله وأفعال ~~أتباعه وأسامحهم في زلاتهم، كل ذلك حذرا وخوفا من وقوع ~~الشر والقتل والعداوة إلى أن مات مراد بك وخلفه هؤلاء ~~الجماعة المجانين، وترأس البرديسي عليهم مع غياب أخيه ~~الألفي، وداخله الغرور، وركن إلى غير أبناء جنسه (يقصد ~~محمد علي والأرنئود) وصادقهم، واغتر بهم، وقطع رحمه، وفعل ~~بالألفي الذي هو خشداشه وأخوه ما فعل ، ولا يستمع لنصح ناصح ~~أولا وآخرا. # ولما كان ذلك هو رأي إبراهيم في البرديسي، فقد استطاع ~~سليمان أغا بعد مفاوضة مع البكوات استطالت أياما أن يتفق ~~مع إبراهيم بك على دفع نصف المصلحة ويقوم الألفي بالنصف ~~الآخر، ولكن البكوات رفضوا أن يدفعوا شيئا قبل أن يرجع ~~سليمان أغا إلى الألفي ويطيب خاطره على ذلك؛ لئلا يقبضه ثم ~~يطالبهم بغيره، فعاد أدراجه، وقابل الألفي مرة أخرى، ولكن ~~هذا أصر هو أيضا على عدم دفع شيء حتى يدفع بكوات الصعيد ~~ثلثي المبلغ أو نصفه الذي سمح به - كما قال - والدنا ~~إبراهيم بك، ثم انبرى يدحض حجج البكوات ودعاواهم أنه يريد ~~السيطرة عليهم، ويدلل على تغاضيه هو عن فعالهم معه ومحاولة ~~البرديسي الفتك به عقب عودته من سفارته في لندن، ويبين أن ~~الأولى ببكوات الصعيد الاتحاد معه لاستخلاص البلاد من قبضة ~~محمد علي والأرنئود، فجاء في كلامه: «أما قولهم: إني أكون ~~أميرا عليهم فهذا لا يتصور، ولا يصح أن أتعاظم على مثل ~~والدي إبراهيم بك وعثمان بك حسن ولا على من هو في طبقتي من ~~خشداشين، على أن هذا لا يعيبهم ولا ينقص مقدارهم بأن يكون ~~المتأمر عليهم واحدا منهم ومن جنسهم، وذلك أمر لا يخطر لي ~~ببال، وأرضى بأدنى من ذلك: ويأخذوا علي عهدا بما أشترطه ~~على نفسي أننا إذا عدنا إلى أوطاننا أن لا أداخلهم في ms0439 شيء ~~ولا أقارشهم في أمر، وأن يكون كبيرنا والدنا إبراهيم بك ~~على عادته، ويسمحوا ليس بإقامتي بالجيزة، ولا أعارضهم في ~~شيء، وأقنع بإيرادي الذي كان بيدي سابقا (ومن المعروف أن ~~الألفي قبل مجيء الحملة الفرنسية كان ملتزما بإقطاع فرشوط ~~وغيرها من البلاد القبلية ومن البلاد البحرية محلة دمنة ~~ومليج وزوبر وغيرها ومتقلد الكشوفية شرقية بلبيس) فإنه ~~يكفيني. # وإن اعتقدوا غدري لهم في المستقبل بسبب ما فعلوه معي من ~~قتلهم حسين بك الوشاش تابعي وتعصبهم وحرصهم على قتلي ~~وإعدامي أنا وأتباعي، فبعض ما نحن فيه الآن أنساني ذلك ~~كله، فإن حسين بك المذكور مملوكي وليس هو أبي ولا ابني من ~~صلبي، وإنما هو مملوكي اشتريته بالدراهم وأشتري غيره، ~~ومملوكي مملوكهم، وقد قتل لي عدة أمراء ومماليك في الحروب ~~فأفرضه من جملتهم، ولا يصيبني ويصيبهم إلا ما قدره الله ~~علينا وعلي. # إن الذي فعلوه بي لم يكن لسابق ذنب ولا جرم حصل مني في ~~حقهم، بل كنا جميعا إخوانا، وتذكروا إشارتي عليهم ~~السابقة في الالتجاء إلى الإنجليز، وندموا على مخالفتي بعد ~~الذي وقع عليهم (ويشير الألفي هنا إلى مكيدة الصدر الأعظم ~~والقبطان باشا في أكتوبر 1801) ورجعوا إلي ثم أجمع رأيهم ~~على سفري إلى بلاد الإنجليز فامتثلت ذلك، وتجشمت المشاق، ~~وخاطرت بنفسي، وسافرت إلى بلاد الإنجلترة، وقاسيت أهوال ~~البحار سنة وأشهرا، كل ذلك لأجل راحتي وراحتهم، وحصل ما ~~حصل في غيابي، ودخلوا مصر (أي القاهرة) من غير قياس، وبنوا ~~قصورهم على غير أساس، واطمأنوا إلى عدوهم (أي محمد علي)، ~~وتعاونوا معه على هلاك صديقهم، وبعد أن قضى غرضه منهم ~~غدرهم وأحاط بهم وأخرجهم وأهانهم وشردهم، واحتال عليهم ~~ثانيا يوم قطع الخليج (ويقصد الألفي هنا مكيدة 16 أغسطس ~~1805) فراجت حيلته عليهم أيضا، وأرسلت إليهم ونصحتهم ~~فاستغشوني وخالفوني، ودخل الكثير منهم البلد، وانحصروا في ~~أزقتها، وجرى عليهم ما جرى من القتل الشنيع والأمر الفظيع، ~~ولم ينج منهم إلا من تخلف منهم أو ذهب من غير الطريق، ثم ~~إنه الآن أيضا يراسلهم ويداهنهم ويهاديهم ويصافحهم ~~ويثبطهم ms0440 عما فيه النجاح لهم، وما أظن أن الغفلة استحكمت ~~فيهم إلى هذا الحد. # وطلب الألفي من سليمان أغا أن يعيد الكرة عليهم، وأن ~~يذكرهم بما سبق لهم من الوقائع، فلعلهم - كما قال - ~~ينتبهوا من سكرتهم، ويرسلوا مع سليمان أغا الثلثين أو ~~النصف الذي سمح به والدنا إبراهيم بك.» وكان في رأي الألفي ~~أن هذا القدر ليس فيه كبير مشقة؛ فإنهم إذا وزعوا على كل ~~أمير عشرة أكياس وعلى كل كاشف خمسة أكياس، وكل جندي أو ~~مملوك كيسا واحدا اجتمع المبلغ وزيادة، وقال: إنه سوف ~~يفعل ذلك مع قومه، وإنه والحمد لله ليسوا هم ولا نحن ~~مفاليس ، وثمرة المال قضاء مصالح الدنيا، وما نحن فيه الآن ~~من أهم المصالح، وقل لهم مخاطبا سليمان أغا البدار قبل ~~فوات الفرصة، والخصم ليس بغافل ولا مهمل، والعثمانيون عبيد ~~الدرهم والدينار. # وذلك مقال طيب، ~~يلاحظ فيه قوة السبك وصفاء التفكير، ويدل على ما كان يتمتع ~~به الألفي من دهاء وحنكة في أساليب المراوغة والسياسة، ~~ولكنه كان من المتعذر على بكوات الصعيد لا سيما عثمان ~~البرديسي تصديق دعواه أن الاستئثار بالسلطة أمر لم يخطر له ~~على بال أو تعهده بأن لا يداخلهم في شيء ولا يقارشهم ~~وتنازله عن كل تلك الميزات التي ضمنها له الاتفاق بين ~~كتخداه والديوان العثماني، وكانوا لا يثقون في أية وعود ~~يقطعها على نفسه، وقد ظهر مصداق ذلك كله عندما رجع سليمان ~~أغا إلى البكوات بجواب الألفي. # فقد كان البرديسي في هذه المرة أكثر هدوءا وصبرا مما ~~مضى، ولكنه في الوقت نفسه كان لا يزال على رأيه السابق، ~~يزيده تمسكا به ما كان قد وصله من رسائل من الوكيل ~~الفرنسي «دروفتي» يؤكد له فيها عدم تخلي فرنسا عن مؤازرته، ~~وكان «دروفتي» قد بدأ يبعث برسائله إلى البرديسي منذ ذيوع ~~خبر عفو الباب العالي عن البكوات وموافقته على إرجاع ~~سيطرتهم القديمة إليهم، ثم مجيء القبطان باشا لتأسيس الوضع ~~الجديد، وكانت قد وصلت البرديسي رسائل جديدة من «دروفتي» ~~قبل رجوع سليمان أغا، فزادته وعود ms0441 الوكيل الفرنسي تمسكا ~~بموقفه في عناد وصلابة، أضف إلى هذا أن محمد علي الذي ظل ~~يرقب هذه المفاوضات بيقظة وانتباه كبيرين، حرص على بقاء ~~علاقاته مع بكوات الصعيد، يمنيهم بالوعود الكاذبة، ويرسل ~~إليهم الهدايا وخيولا وسروجا وأقمشة، فغرهم الخصم - على ~~حد قول الشيخ الجبرتي - بتمويهاته، واستطاع البرديسي جذب ~~إبراهيم بك إلى رأيه. # وعلى ذلك، فقد كان جواب البرديسي على كلام الألفي أنه لا ~~يثق في وعوده؛ لأنه لا يبغي سوى رعاية صالح نفسه وخدمة ~~مصالح الإنجليز، ويطمع في فرض سلطانه على البكوات، ولن ~~يخضع له هؤلاء بحال من الأحوال، ورفض البرديسي وسائر ~~زملائه دفع شيء من المبلغ، وفي ذلك يقول الشيخ الجبرتي: ~~«إن سليمان أغا عند رجوعه إلى الصعيد وجد الجماعة أصروا ~~على عدو دفع شيء، ورجع إبراهيم أيضا إلى قولهم ورأيهم، ~~وما إن ردد سليمان أغا على أسماعهم كلام الألفي أنه يكون ~~تحت أمرهم ونهيهم، ويرضى بأدنى المعاش معهم، ويسكن الجيزة ~~إلى آخر ما قال، قالوا: هذا والله كله كلام لا أصل له، ولا ~~ينسى الألفي ثأره وما فعلناه في حقه وحق أتباعه، وقد كنا ~~في غيبته لا نطيق عفريتا من عفاريته، فكيف يكون هو ~~وعفاريته الجميع ومن ينشئه خلافهم، وداخلهم الحقد، وزاد في ~~وساوسهم الشيطان، وأمام هذا العناء والإصرار على دفع شيء ~~من المبلغ لا ثلثاه ولا نصفه، وفشل سليمان أغا في مهمته ~~تبعا لذلك، وهو الذي كان قد كفل محمد أغا كتخدا الألفي في ~~القسطنطينية، وأخذ على عاقته مسئولية تحصيل المبلغ، لم يجد ~~مناصا من أن يرمي بآخر سهم في جعبته تفتق عنه ذهنه، فأشار ~~على البكوات أن يقضوا شغلهم في هذا الحين حتى تنجلي عنهم ~~الأعداء الأغراب ثم يقتلوا الألفي بعد ذلك ويستريحوا منه، ~~ولكن حتى هذه النصيحة لم تلق قبولا لدى البكوات الذين ~~قالوا: هيهات! بعد أن يظهر علينا فإنه يقتلنا واحدا بعد ~~واحد، ويخرجنا إلى البلاد، ثم يرسل يقتلنا، وهو بعيد المكر ~~فلا نأمن إليه مطلقا. ولم يفقد سليمان أغا كل أمل في ~~الخروج ms0442 من هذا المأزق، فجدد مسعاه لدى إبراهيم بك وعثمان ~~بك حسن، وكان بعد لأي وعناء أن ظفر منهما بوعد بدفع ~~نصيبهما من المبلغ، ولكنهما حددا لذلك أجلا بعيدا، ~~واكتفيا بالموافقة على إرسال ستة من بكواتهم من مائتي ~~مملوك لنجدة الألفي، وتيقن سليمان أغا من فشل مهمته ورجوعه ~~بخفي حنين، فغادر البكوات محزونا مهموما متحيرا فيما ~~وقع فيه من الورطة لكسوف البال مع القبودان ووزير الدولة ~~(أي محمد باشا السلحدار الصدر الأعظم) وكيف يكون جوابه ~~للمذكور. # وفي 9 سبتمبر مر سليمان أغا في طريق عودته إلى ~~الإسكندرية من ناحية الجيزة ... وصحبته هدايا من طرف البكوات ~~إلى القبودان وفيها خيول وعبيد وطواشية وسكر، وذاع الخبر ~~في القاهرة أن البكوات لم يجيبوا إلى الحضور لممانعة عثمان ~~بك البرديسي وحقده الكامن للألفي، ولكون هذه الحركة وهي ~~مجيء القبودان وموسى باشا باجتهاده وسفارته وتدبيره، وحنق ~~القبطان باشا على البكوات وعلى سليمان أغا عندما أبلغه هذا ~~الأخير نتيجة مسعاه معهم، وأنهم لا راحة عندهم، وامتنعوا ~~من الدفع ومن الحضور وأن الألفي يقوم بدفع القدر الذي يقدر ~~عليه والذي يبقى ويتجمع عليه يقوم سليمان أغا بدفعه، فكان ~~جواب القبطان على هذا الحل الذي رأى فيه سليمان أغا إبراء ~~لذمته، ووسيلة يتفادى بها نقمة صالح باشا عليه، أنت تضحك ~~على ذقني وذقن وزير الدولة، وقد تحركنا هذه الحركة على ظن ~~أن الجماعة على قلب واحد، وإذا حصل من المالك للبلدة (أي ~~محمد علي) عصيان ومخالفة، ولم يكن فيهم مكافأة لمقاومته ~~ساعدناهم بجيش من النظام الجديد وغيره، وحيث إنهم متنافرون ~~ومتحاسدون ومتباغضون فلا خير فيهم، وصاحبك هذا (أي الألفي) ~~لا يكفي في المقاومة وحده ويحتاج إلى كثير المعاونة وهي لا ~~تكون إلا بكثرة المصاريف، ومن العبث والجنون تأييد قضية قد ~~تخلى عنها أصحابها، ولما كان سليمان أغا قد صار يخشى من أن ~~يفتك به القبطان باشا فقد غادر الإسكندرية، ولجأ إلى ~~الألفي. # بيد أنه في الوقت الذي كان فيه سليمان أغا يجري مفاوضاته ~~الفاشلة مع الألفي والبكوات، كان القبطان ms0443 بسبيل الاتفاق مع ~~محمد علي وإنهاء النزاع القائم في مصلحة هذا الأخير، ~~والتخلي عن قضية الألفي والبكوات تماما، ومرد ذلك إلى ~~الجهود الموفقة التي بذلها محمد علي في القسطنطينية، ومع ~~القبطان باشا نفسه، ثم تضجر هذا وتململه من مماطلة الألفي ~~وزملائه ونفاد صبره، وحرصه على الانحياز إلى الكفة التي ~~اقتنع بأنها الراجحة، وبخاصة عندما ألقى «دروفتي» في روعه ~~أنه من المتعذر الاعتماد على الألفي في اجتياز هذه الأزمة ~~بسبب ضعف خلقه وعجزه، وعظم تشاؤم القبطان من ~~قضيته.» # فقد تقدم كيف أرسل محمد علي إلى القسطنطينية مبلغ الألفي ~~كيس الذي جمعه من رؤساء الأرنئود مع العريضة التي كتبها ~~المشايخ (11 يوليو 1806) وأرسلت منها صورة إلى الديوان ~~العثماني وأخرى إلى القبطان باشا، وحرص على تكريم مندوبي ~~هذا الأخير كلما حضروا إلى القاهرة، وحملهم بالهدايا ~~الثمينة إليه كلما غادروها، وقد دأب على فعل ذلك دون ~~انقطاع خلال الأزمة حتى كسب الأنصار في القسطنطينية ~~والإسكندرية، واستند إلى جانب ذلك على رغبة الشعب في بقائه ~~في الولاية، وهي الرغبة التي أفصحوا عنها في عرائض مشايخهم ~~ورؤسائهم، ولم تفتر مساعي وكلائه لدى الديوان العثماني ~~لحظة واحدة، فذكر «مسيت» للوزير «وندهام» في 8 سبتمبر أن ~~الباشا أرسل أخيرا مبلغا كبيرا من المال إلى ~~القسطنطينية لكسب أنصار له في الديوان العثماني، ثم عاد ~~يقول في 10 سبتمبر: إنه إذا أحدثت الأموال التي بعث بها ~~محمد علي إلى القسطنطينية تغييرا هناك في صالحه، فإن ~~العرائض التي كتبها المشايخ سوف تتخذ سندا لتبريره، وقد ~~استطرد «مسيت» يقول: وفي الحقيقة ينتظر محمد علي أن يصله ~~قريبا فرمان بتثبيت ولايته، حتى إني طلبت من وكيلي ~~بالقاهرة من أيام قليلة مضت إبلاغي بذلك عند حدوثه. # وكان «مسيت» وقت كتابته رسالته هذه على حق في توقيع مجيء ~~فرمان بتثبيت محمد علي في ولايته؛ ذلك أنه لما كان القبطان ~~باشا قد جعل في الإبرة خيطين - على حد تعبير الشيخ الجبرتي ~~- ليتبع الأروج وعرض الباشا استعداده لشراء موافقة السلطان ~~بدفع إعانات مالية جسيمة والمداومة على إرسال ms0444 الهدايا إلى ~~القبطان باشا، ورجع سليمان أغا من الصعيد بخفي حنين - كما ~~سبق ذكره - وظهر عجز الألفي في حصار دمنهور، وشاهد النجدات ~~من الجند الذين أغراهم - كما قال «مسيت» - توقع الظفر ~~بأسلاب وغنائم كثيرة تتدفق على مصر في خدمة محمد علي، فإن ~~القبطان باشا لم يلبث أن بعث يطلب تعليمات جديدة من ~~القسطنطينية، وكان معنى ذلك أنه قد تحول نهائيا في صالح ~~محمد علي، ولقد تضافرت عوامل عدة لضمان نجاح مسعى وكلاء ~~الباشا في القسطنطينية إلى جانب سلاح الرشوة، الوسيلة التي ~~عرف محمد علي دائما أنها كفيلة بجذب وزراء الباب العالي ~~وشراء تأييدهم لقضيته، فكان من أهم هذه العوامل تأزم ~~الموقف في القسطنطينية ذاتها خلال شهري أغسطس وسبتمبر 1806 ~~- على نحو ما سبق توضيحه - وذلك عندما تكدرت العلاقات بين ~~تركيا وروسيا، ولم تفلح جهود «أربثنوت» السفير الإنجليزي ~~في إزالة أسباب الجفاء بينهما، وبدأت تتفاقم الأزمة ~~تدريجا حتى إن الصدر الأعظم - كما ذكر «مسيت» في 18 ~~سبتمبر - بعث يدعو القبطان باشا بالعودة إلى العاصمة ~~لضرورة وجوده بها، أضف إلى هذا أن نفوذ فرنسا قد أخذ يعلو ~~وقتئذ في القسطنطينية، منذ أن وصل إليها السفير الفرنسي ~~الجديد «سباستياني» في 10 أغسطس. # وكان واضحا أن ترتيبا أو اتفاقا يضع السلطة الفعلية ~~في يد الألفي صديق الإنجليز وحليفهم إنما يخدم مصالح هؤلاء ~~وحدهم، ويتنافى مع صالح الدولة العثمانية ذاتها في الظروف ~~القائمة، زد على ذلك أن امتناع البكوات عن تنفيذ ما ~~التزموا به في هذا الاتفاق قد أعطى الباب العالي مسوغا ~~لتخليه هو أيضا عن الالتزامات التي ارتبط بها، وحيث إنه ~~قد تبين عجز القبطان باشا عن تنحية محمد علي عن الولاية ~~بالطرق السلمية، وانتفى أي أمل في قيام عمليات عسكرية ~~بالاتحاد بين القبطان والمماليك ضده لتفرق كلمة البكوات ~~وتنافرهم وتحاسدهم وتباغضهم، وصار لذلك لا معدى عن ~~اللجوء إلى القوة وإرسال النجدات الكبيرة إلى القبطان باشا ~~إذا شاء الباب العالي أن يخرج محمد علي والأرنئود من مصر، ~~وهو ما لا يستطيع في ظروفه الراهنة ms0445 فعله، فقد قر رأي ~~الديوان العثماني لذلك كله على اتباع مألوف عادته والتسليم ~~بالأمر الواقع، وقد وجد الباب العالي في العرائض التي بعث ~~بها المشايخ يبدون فيها تمسكهم بحكومة محمد علي وتفضيلها ~~على حكومة المماليك المزمعة وسيلة يستطيع بها تغطية موقفه ~~وذريعة لرجوعه في قراره السابق وسندا يستند إليه في فسخ ~~اتفاقه مع البكوات المماليك. # وعلى ذلك، فقد أصدر الباب العالي تعليماته إلى القبطان ~~باشا أنه وقد صار الباب الآن أكثر تنورا عن ذي قبل بشأن ~~حقيقة الموقف في مصر، فقد ترك للقبطان مطلق الحرية في ~~تعديل تعليماته الأولى بالصورة التي تكفل في رأيه إنهاء ~~الخلافات التي أنهكت البلاد، واستنفدت قواها، ومعنى هذا أن ~~الباب العالي قد خوله الاتفاق مع محمد علي على أساس تقريره ~~في الولاية، فبدأت من ثم المفاوضات جديا بين محمد علي ~~والقبطان باشا، واشترط الأخير لبقاء محمد علي في الولاية ~~مؤقتا وحتى يأتيه قرار التثبيت من القسطنطينية شروطا ~~ثلاثة: أولها أن يكتب المشايخ عريضة جديدة يؤيدون فيها ~~مطلبهم الذي ذكروه في عريضتيهم السابقتين في 11، 14 يوليو ~~1806 وهو بقاء محمد علي في الحكم، حتى يبعث بها إلى ~~الديوان العثماني، وكان الغرض من هذا الاشتراط أن يكون ~~قرار تثبيت محمد علي في ولايته منبعثا في ظاهر الأمر عن ~~استجابة السلطان العثماني لرغبات رعاياه فيبدو التسليم ~~حينئذ عملا إراديا هدفه توفير السعادة والرفاهية للشعب ~~بتحقيق مطلبه الذي أفصح عنه أعيانه ومشايخه، وأما ثاني ~~الشروط فهو أن يدفع محمد علي أربعة آلاف كيس نظير تثبيت ~~السلطان له في الولاية، وثالثها أن يبقى ولده إبراهيم ~~رهينة في القسطنطينية حتى يتم دفع المبلغ. # وفي 3 سبتمبر وصل الأفندي المكتوبجي من طرف القبودان إلى ~~بولاق، وفي اليوم التالي اجتمع بالباشا، وحضر الاجتماع ~~أحمد أفندي الدفتردار وسعيد أغا كتخدا البوابين ممثلا ~~الباب العالي في القاهرة، ووافق الباشا على شروط القبطان، ~~وكتب الشيخ الجبرتي تعليقا على الاتفاق الذي تم عندما ذاع ~~خبره في 9 سبتمبر يقول: «وفيه ظهرت فحوى النتيجة القياسية ~~وانعكاس القضية على ms0446 الألفي والبكوات، وهو أن القبودان ما ~~لم يجد في المصرلية الإسعاف وتحقق ما هم عليه من التنافر ~~والخلاف، وتكررت بينه وبين الفريقين المراسلات والمكاتبات، ~~فعند ذلك استأنف مع محمد علي باشا المصادقة، وعلم أن ~~الأروج له معه الموافقة، فأرسل إليه المكتوبجي، واستوثق ~~منه، والتزم له محمد علي بأضعاف ما وعد به القبطان من ~~الكذابين (أي الألفي والبكوات) معجلا ومؤجلا على ممر ~~السنين، والالتزام بجميع المأموريات والعدول عن المخالفات، ~~فوقع الاتفاق على قدر معلوم، وأرسل القبودان إلى محمد علي ~~باشا يأمره بكتابة عرضحال خلاف الأولين، ويرسله صحبة ولده ~~إلى القسطنطينية على يد القبودان.» ثم استطرد الشيخ يقول: ~~«فعند ذلك لخصوا عرضحال، وختم عليه الأشياخ والاختيارية ~~والوجاقلية، وأرسله صحبة ابنه إبراهيم بك، وأصحب معه هدية ~~حافلة وخيولا وأقمشة هندية وغير ذلك.» # ولقد كان كافيا أن يبدي الباشا رغبته في كتابة هذا ~~العرضحال حتى يستجيب لها المشايخ والاختيارية والوجاقلية، ~~ونقل الشيخ الجبرتي مضمون العرضحال وملخصه على النحو ~~الآتي: ~~«إن محمد علي باشا كافل الإقليم وحافظ ثغوره ومؤمن ~~سبله وقامع المعتدين، وإن الكافة من الخاصة والعامة ~~والرعية راضية بولايته وأحكامه وعدله، والشريعة مقامة في ~~أيامه، ولا يرتضون خلافه لما رأوا فيه من عدم الظلم والرفق ~~بالضعفاء، وأهل القرى والأرياف وعمارها بأهلها ورجوع ~~الشاردين منها في أيام المماليك المصرية المعتدين الذين ~~كانوا يعتدون عليهم ويسلبون أموالهم ومزارعهم ويكلفونهم ~~بأخذ الفرض والكلف الخارجة عن الحد، وأما الآن فجميع أهل ~~القطر المصري آمنون مطمئنون بولاية هذا الوزير، ويرجون من ~~مراحم الدولة العلية أن يبقيه واليا عليهم، ولا يعزله ~~عنهم، لما تحققوه فيه من العدل وإنصاف المظلومين وإيصال ~~الحقوق لأربابها وقمع المفسدين من العربان الذين كانوا ~~يقطعون الطرقات على المسافرين، ويتعدون على أهل القرى، ~~ويأخذون مواشيهم وزرعهم، ويقتلون من يعصي عليهم منهم، وأما ~~الآن فلم يكن شيء من ذلك، وجميع أهل البلاد في غاية من ~~الراحة والأمن برا وبحرا بحسن سياسته وعدله، وامتثاله ~~للأحكام الشرعية، ومحبته للعلماء وأهل الفضائل والإذعان ~~لقولهم ونصحهم.» # ويسترعي النظر في هذا المضمون والملخص ms0447 ورود عبارات معينة ~~كالقول بأن جميع أهل البلاد في غاية من الراحة والأمن، أو ~~ذكر محبته للعلماء وأهل الفضائل والإذعان لقولهم ونصحهم، ~~مما قد يوحي بأن القاهريين قد تدخلوا في أزمة النقل إلى ~~سالونيك، على غرار ما فعلوا في أزمة انقلاب مايو 1805 ~~السابقة، أو أن مشايخهم ورؤساءهم كان لهم رأي وقول فيها ~~كما كان الحال عند المناداة بولاية محمد علي، ومما قد يوحي ~~بأن الباشا ملتزم بذلك العهد الذي قطعه على نفسه في العام ~~الماضي من حيث استشارة المشايخ والرؤساء القاهريين، أو أنه ~~صار يذعن حقا لقولهم ونصحهم، فقد دلت الحوادث في الفترة ~~القصيرة التي انقضت من وقت اعتلائه الحكم إلى حين بدء هذه ~~الأزمة وخلالها، على أن المشايخ وعمر مكرم وغيره من سائر ~~المتصدرين كانوا أدوات طيعة في يد محمد علي؛ للأسباب التي ~~سبق ذكرها في موضعها، فكانوا هم الذين أذعنوا دائما لقوله ~~هو ونصحه، ولقد كان كذلك من المغالاة وصف أهل القطر المصري ~~ومن بينهم القاهريون بأنهم آمنوا جميعا بولاية محمد علي، ~~أو القول بأن جميع أهل البلاد في غاية من الراحة والأمن، ~~فقد اشترك القاهريون في انقلاب مايو 1805 على أمل أن ~~يتحرروا من المظالم والمغارم والفرض والإتاوات، ورجاء أن ~~ينقطع إيذاء الأجناد لهم، وتقف اعتداءاتهم عليهم، ولكن ~~شيئا من هذين الأمرين لم يحدث، زد على ذلك أن هياج ~~الخواطر في القاهرة كان عظيما أثناء هذه الأزمة بسب ~~اندساس عملاء الألفي والقبطان وجواسيسهما خصوصا بين ~~القاهريين، حتى إن الباشا خشي من وقوع الثورة، فكان هناك ~~معارضون لحكمه، وظل لفيف من القاهريين لا سيما التجار وأهل ~~الحرف الذين شكوا من كساد التجارة وتعذر عليهم التعامل مع ~~البكوات ومماليكهم بسبب الرقابة الصارمة التي فرضها الباشا ~~على هذا النوع من النشاط، ثم أنوا من السلف والإتاوات ~~المحصلة منهم، ظلوا يعطفون على البكوات بالرغم من سوء ~~حكومة هؤلاء لهم، أو يتوقون لعود حكم الفرنسيين، أو يطلبون ~~حكم إحدى الدول الأجنبية الكبيرة الأخرى (إنجلترة) ثم إن ~~ذلك لم يقتصر على القاهريين ms0448 وحدهم بل شمل غيرهم في رشيد ~~ودسوق وفوة وغيرها. # ولقد نقم كذلك على حكومة محمد علي كثيرون من المشايخ ~~وأهل الفضائل الذين لم يكونوا من بين المتصدرين، وخير من ~~يمثل هؤلاء الشيخ عبد الرحمن الجبرتي الذي لم يؤمن ~~مطمئنا بولاية هذا الوزير، وأحزنه أن البكوات الذين ~~اعتبرهم مصريين ومن أهل البلاد وأصحاب حق لذلك في تولي ~~الحكم بدلا من الأرنئود وزعيمهم لم ينتفعوا من التجارب ~~القاسية التي مرت بهم، بل ظلوا سادرين في غيهم وعاجزين عن ~~توحيد صفوفهم وجمع كلمتهم حتى خسروا الملك، ونقم على ~~زملائه المشايخ المتصدرين (مشايخ الوقت) - كما قال عنهم - ~~الذين سلموا قيادهم لمحمد علي، ولم يصدق شيئا مما وعد به ~~هذا، وقطعه مرات كثيرة على نفسه، من حيث طلب الرأي ~~والمشورة من المشايخ، وحاسب هؤلاء بينه وبين نفسه، كما ~~حاسب محمد علي حسابا عسيرا على فعالهم وتمويهاتهم ولم ~~يسعه وهو يسجل مضمون العرضحال الأخير إلا أن يكتب ونحو ذلك ~~من الكلمات التي عنها يسألون، ولا يؤذن لهم ~~فيعتذرون. # على أن الشيخ الجبرتي وغيره من المتذمرين المتضجرين لم ~~يجرءوا على إعلان سخطهم على حكومة محمد علي عندما جذب ~~الباشا إليه المتصدرين من المشايخ ورؤساء الشعب، فبقيت ~~معارضتهم - إذا اعتبر مجرد الشعور بالسخط وعدم إظهاره ~~وإعلانه معارضة - صامتة ومكبوتة، وقد كان عرفان الباشا ~~بوجودها من أسباب إحكام الرقابة على القاهرة وخروجه للطواف ~~في أنحائها متنكرا تارة وتحيط به مظاهر القوة وسط عساكره ~~تارة أخرى طوال أزمة النقل إلى سالونيك. # ومما يؤيد أن الباشا كان يخشى من هذه المعارضة الصامتة ~~والمكبوتة أنه أجاز لبعض الأفراد المتصدرين فحسب الاطلاع ~~على العرضحال الأخير وقراءته عند مطالبتهم بالتوقيع عليه، ~~وسمح لهؤلاء القلائل بأن يوقعوا هم أنفسهم بأسمائهم، وأما ~~سائر المشايخ والأعيان فكان يطلب من كل منهم خاتمه للختم ~~به تحت اسمه الذي سبق تدوينه ودون أن يسمح له بقراءة ~~العرضحال، ولم يجرؤ واحد من هؤلاء على الامتناع، اللهم إلا ~~حفنة قليلة من المتمسكين بالورع والتقوى، وعندئذ يعمد ~~المشرفون على جمع التوقيعات - وهم ms0449 من المشايخ المتصدرين ~~كذلك - إلى استخدام خاتم من عندهم يختمون به، ويبدو أن ~~الشيخ الجبرتي نفسه كان أحد هؤلاء، وقد سجل الشيخ ما حدث ~~فقال: «ولما كتبوا ذلك (أي العرضحال) لم يطلع عليه إلا بعض ~~الأفراد المتصدرين، ويكتب كاتبه جميع الأسماء تحته بخطه، ~~ولا يملكون البواقي الذين يضعون إمضاءهم وأسماءهم من ~~قراءته، بل يطلب منهم الخاتم فيختمون به تحت اسمه، إذ لا ~~يمكنه الشذوذ والمخالفة لحرصه على دوام ناموسه وقبوله عند ~~سلطانه ودائرة أهل دولته، وإن كان متورعا وليس كبير صورة ~~فيهم ولا صدارة مثلهم وأبى أن يسلم خاتمه ليفعل به كغيره ~~ختموه بخاتم موافق لاسمه تحت إمضائه، وهذا هو السبب في عدم ~~نقلي هذه الصورة، بل فهمت المضمون فقط، وبالله ~~التوفيق.» # وعلى كل حال فقد أدى هذا العرضحال الغاية المقصودة منه، ~~سافر به يوم 19 سبتمبر إبراهيم بن محمد علي إلى الإسكندرية ~~ومعه الهدايا الثمينة من حرائر الهند والخيول المسرجة وما ~~إلى ذلك، وسافر صحبته محمد أغا لاظ، وأوفد القبطان باشا ~~كتخداه إلى القاهرة يحمل قراره وهو كما سجل المعاصرون ~~والشيخ الجبرتي مضمونه بقاء محمد علي باشا واستمراره على ~~ولاية مصر؛ حيث إن الخاصة والعامة راضية بأحكامه وعدله ~~بشهادة العلماء وأشراف الناس، وقبلنا رجاءهم وشهادتهم، ~~وأنه يقوم بالشروط التي منها طلوع الحج ولوازم الحرمين ~~وإيصال العلائف والغلال لأربابها على النمط القديم، وليس ~~له تعلق بثغر رشيد ولا دمياط ولا الإسكندرية، فإنه يكون ~~إيرادها من الجمارك يضبط إلى الترسخانة السلطانية ~~بإسلامبول، ومن الشروط أيضا أن يرضي خواطر الأمراء ~~المصريين، ويمتنع من محاربتهم، ويعطيهم جهات يعيشون بها. ~~وكان تعليق الشيخ الجبرتي على هذه الشروط أنها من قبيل ~~تحليل البضاعة. # وفي 30 سبتمبر كتب «أربثنوت» إلى حكومته من القسطنطينية ~~أنه قد بلغه في اليوم السابق أن الباب العالي أعاد تعيين ~~محمد علي واليا على مصر ثم علق على ذلك بقوله: إن البكوات ~~يعتبرون لذلك من الآن فصاعدا عصاة وثوارا على الباب ~~العالي، ولا يعتقد أن البكوات سوف يستردون الأموال التي ~~دفعوها من ms0450 شهور مضت إلى الباب العالي وأنه كان من حسن الحظ ~~أن السفير لم يقم بالوساطة بينه وبين البكوات. # وفي 5 أكتوبر وصل الططر إلى الإسكندرية يحملون قرار ~~الباب العالي بتثبيت محمد علي في الولاية، وبادر «مسيت» ~~بالكتابة في اليوم التالي إلى وكيله في القاهرة عزيز بأن ~~ينتقي هدية من عند الجوهري «كاستللي» # Castelli # بالقاهرة، قيمتها حوالي 2000 ~~قرشا لتقديمها لمحمد علي، ويبلغه تهاني «مسيت» وتمنياته ~~الطيبة له بأن يتمتع بحكم مديد سعيد، وفي 8 أكتوبر أقلع ~~القبطان صالح باشا ومعه على ظهر سفينته إبراهيم بك بن محمد ~~علي من أبي قير إلى القسطنطينية، واستمر كتخداه بمصر ~~متخلفا حتى يستغلق مال المصلحة؛ أي الأربعة آلاف كيس التي ~~تعهد محمد علي بدفعها نظير تثبيته في الولاية، وفي 29 ~~أكتوبر وصل قابجي من القسطنطينية إلى القاهرة، وفي اليوم ~~نفسه قرئت المرسومات التي أحضرها معه، وكانت فرمانين: ~~أحدهما يتضمن تقرير الباشا على ولاية مصر بقبول شفاعة أهل ~~البلدة والمشايخ والأشراف، والثاني يتضمن الأوامر السابقة ~~وبإجراء لوازم الحرمين وطلوع الحج وإرسال غلال الحرمين، ~~والوصية بالرعية، وتشهيل غلال وقدرها ستة آلاف إردب ~~وتسفيرها على طريق الشام معونة للعساكر المتوجهين إلى ~~الحجاز، وفيه الأمر أيضا بعدم التعرض للأمراء المصريين ~~وراحتهم وعدم محاربتهم؛ لأنه تقدم العفو عنهم. وفي اليوم ~~نفسه غادر كتخدا القبطان باشا القاهرة بعد ما استغلق ~~المطلوب، وكان الباشا قد فرض منذ 19 سبتمبر سلفة 6000 كيس ~~برسم مصلحة القبودان، كان نصيب القبطان باشا ألفي كيس منها ~~لتغطية نفقاته الشخصية! وفي 11 نوفمبر بارح الإسكندرية إلى ~~القسطنطينية ومعه مبلغ ضخم من المال على حد قول الوكلاء ~~الفرنسيين. # وهكذا اجتاز محمد علي بنجاح هذه الأزمة التي هددت بزوال ~~باشويته، وتلفت طبخة الألفي والتدابير ولم تسعفه ~~المقادير. ~~(4) خصومة الألفي # بيد أن الترتيب الأخير الذي أقر محمد علي على الولاية، كان ~~يتضمن أمرين يستلفتان النظر: استمرار الإسكندرية منفصلة في ~~شئونها عن باشوية محمد علي، وخضوعها في إدارتها لإشراف الباب ~~العالي رأسا، ثم ضبط إيرادات جمركها وجمركي رشيد ودمياط لحساب ms0451 ~~القسطنطينية؛ أي بقاء الإشراف على أهم شئون الإدارة بهذين ~~الميناءين الأخيرين كذلك في يد الباب العالي، ومعنى ذلك أن ~~الديوان العثماني يريد الاحتفاظ بالمواقع ولا سيما أن ~~الإسكندرية التي ذكرنا أنها كانت بمثابة الحلقات التي تشد ~~الباشوية المصرية بمقر السلطنة، كما كان معناه أن الباب العالي ~~كان مكرها على التسليم بالأمر الواقع ولا يثق في محمد علي، ~~ومن المتوقع إذا سنحت الفرصة مرة أخرى أن يحاول نقله من ~~ولايته، وأما الأمر الثاني فهو مطالبة محمد علي بعدم التعرض ~~للبكوات المماليك، وعدم محاربتهم والعمل على توفير أسباب ~~الراحة لهم، ومرد ذلك إلى شيئين: أولهما رغبة الباب العالي ~~في وقف المنازعات الداخلية في مصر حتى تتفرغ البلاد لمواجهة ~~خطر الغزو الأجنبي إذا حدث، وذلك في وقت كان يشتد فيه تأزم ~~العلاقات بين تركيا وروسيا، ومن المتوقع إذا أعلنت الحرب ~~بينهما أن تنضم إنجلترة إلى جانب الأخيرة، وهي حليفتها ضد ~~تركيا، وثانيهما أن الباب العالي الذي أكره على التسليم بالأمر ~~الواقع، وكان لا يزال يمني النفس بإخراج محمد علي من الولاية ~~ما كان يريد في ظرفه الراهن أن يقضي على كل أمل لدى البكوات في ~~إمكان استرجاع سيطرتهم المفقودة. # وقد أوضح «مسيت» ما فهمه من التوصية بهم التي وردت في فرمان ~~تثبيت الولاية لمحمد علي بما يؤيد هذا المعنى، فكتب إلى ~~«وندهام» في 7 أكتوبر سنة 1806 أن الططر قد وصلوا يوم 5 أكتوبر ~~يحملون إخطارا رسميا بتثبيت محمد علي باشا في حكومة مصر، ~~ومع ذلك فإن المماليك ليسوا معتبرين عصاة في نظر الديوان ~~العثماني (وفي هذا الرأي يخالف «مسيت» ما ذهب إليه «أربثنوت» ~~السفير الإنجليزي في القسطنطينية)، فقد أعطيت وخصصت لإقامتهم ~~أقاليم معينة في الوجه القبلي، وقد ذكر «مسيت» في رسالة أخرى ~~إلى «أربثنوت» في 13 أكتوبر أن هذه الأقاليم تشمل جزء الصعيد ~~الواقع بين جرجا والشلالات (أي أسوان)، ثم إنه كان في رأي ~~«مسيت» كما ذكره في رسالتيه السالفتي الذكر أن هذه الأقاليم ~~كانت دائما في حوزة البكوات ولم يغزها بتاتا ms0452 جند محمد علي؛ ~~ولذلك فهو يشك كثيرا في أن يقبل المماليك هذا الترتيب وهم ~~الذين يملكون ملكا لا ينازعهم فيه أحد ليس هذه الأراضي التي ~~يمنحها الباب العالي لهم فحسب، بل وكذلك جهات واسعة من الوجه ~~البحري، ثم إنهم لما كانوا في عداء مستمر مع حكومة محمد علي ~~فقد استطاعوا أن يعيشوا من النهب والسلب، ويحتفظوا بعدد كبير ~~من العربان معهم، ومن المحتمل في هذه الظروف أن أقواما يعيشون ~~لأنفسهم فقط ودون تفكير في المستقبل، لن يستطيعوا قصر آمالهم ~~على إدارة هذه الأملاك المحدودة في هدوء، ويعتقد أن البكوات لن ~~يرضخوا لهذا إلا إذا رأوا أن الخضوع يعطيهم الوقت الذي يمكنهم ~~من تقوية أنفسهم بالدرجة التي تمكنهم من استعادة سيطرتهم ~~السابقة. # وكان «مسيت» محقا فيما ذهب إليه على الأقل فيما يتعلق ~~بالألفي، فمع أنه كان في وسع محمد علي أن يبطل نشاط بكوات ~~الصعيد أثناء أزمته بفضل ما صار يلوح به أمام أعينهم من آمال ~~في صلح قريب يسوي خلافاتهم معه ويأذن لهم بامتلاك ذلك الجزء من ~~الصعيد الذي احتلت جنوده مراكزه الهامة في نواحي منفلوط وملوي ~~والمنيا وغيرها، فقد كان الألفي أقوى شكيمة وأشد مراسا منهم، ~~ولا يزال واقفا على حصار دمنهور ويغير أتباعه وعربانه على ~~سائر جهات البحيرة والمنوفية والجيزة يسلبون وينهبون ويأخذون ~~الكلف من الأهالي قسرا وعنوة. # ولقد كانت خصومة الألفي دون خصومة سائر البكوات أخشى ما ~~يخشاه محمد علي، ولم يكن إبحار القبطان صالح باشا إلى ~~القسطنطينية معناه أن متاعب محمد علي قد انتهت أو أن الخطر ~~الذي يهدد حكومته قد أزل كلية طالما بقيت خصومة الألفي له، ~~وما دام الأخير قادرا على قياس قوته بقوة الباشا وامتشاق ~~الحسام ضده. # وكان مبعث الخطر من استمرار خصومة الألفي أن هذا كان أعظم ~~البكوات إطلاقا نشاطا ومضاء عزيمة وقوة تدبير، وأكثرهم معرفة ~~بمرامي السياسة وإدراك معنى ذلك الصراع الذي قام بين إنجلترة ~~وفرنسا خصوصا للاستئثار بالنفوذ الأعلى في مصر، فكان خير من ~~عرف من البكوات كيف يفيد منه ms0453 لمحاولة الاستعانة بآثاره على ~~تمكين المماليك من إعادة تأسيس سلطانهم في مصر، وقد تضافرت ~~عوامل عدة على أن يكون للألفي هذه القدرة، أهمها ما مر به من ~~تجارب منذ أن جلبه بعض تجار الرقيق إلى مصر في عام 1775، فقد ~~طلب من أول سيد اشتراه أحمد جاويش - كان معروفا بالمجنون أن ~~يبيعه لاستيائه من عيشة المجون والسفه التي كان يعيشها هذا، ~~فباعه لآخر سليم أغا الغزاوي الذي ما لبث أن أهداه إلى مراد بك ~~نظير ألف إردب من الغلال كانت سببا في تسميته بالألفي ثم ~~أعتقه مراد بك وولاه كاشفا بالشرقية، ثم رفع إلى الصنجقية عام ~~1778 والتزم بإقطاع بلاد كثيرة في الوجهين: البحري والقبلي، ~~وشهد في هذا العهد الفتن التي أثارها التنازع على السلطة بين ~~إسماعيل بك رئيس البكوات وقتئذ وبين إبراهيم ومراد وتآمر هذين ~~على الفتك بالأول، وانسحابهما إلى الصعيد بعد فشلهما، ثم ~~انتصارهما أخيرا عليه واضطرار إسماعيل إلى الخروج إلى الشام، ~~وإقرار مشيخة البلد لإبراهيم بك (ديسمبر 1788) كما شهد غدر ~~مراد بك أستاذه بأحد البكوات من منافسيه (عبد الرحمن بك) ~~وقتله، واشتداد الخصومة بين بكوات الصعيد: حسن بك ورضوان بك من ~~ناحية، وبين إبراهيم ومراد (1780-1783) من ناحية أخرى، وقيام ~~الأزهر بثورة أغلقت بسببها الجوامع وصار المجاورون يخطفون ما ~~يجدونه في الأسواق بسبب قطع رواتبهم يوليو 1784، ثم شهد حضور ~~حسن باشا الجزائرلي في دوننما عثمانية وجيش عثماني لردع ~~البكوات وإلزامهم حدهم بعد أن سلبوا الباشوات الذين ولوا الحكم ~~على مصر كل سلطة، وقد ذهب الألفي وقتئذ مع عشيرته إلى الصعيد ~~مع مراد وإبراهيم (1786) ثم عاد إلى مصر بعد أربع سنوات ~~(1790)، وقد استمر عزل الباشوات وتعيينهم من قبل الباب العالي ~~في السنوات التي تلت حملة القبطان حسن باشا، وبعد محمد باشا ~~يكن الذي انفصل عن الولاية في أبريل 1787 تولى كل من عابدين ~~باشا الشريف، وإسماعيل باشا التونسي، ومحمد عزت باشا وصالح ~~باشا القيصرلي وأبو بكر باشا الطرابلسي (يوليو 1796) واستمر ~~البكوات أصحاب السيطرة في حكومة مصر. # وعندما حضر الفرنسيون ms0454 إلى مصر اشترك الألفي في واقعة الأهرام ~~أو إمبابة وأبلى وجنده، في تلك الواقعة بلاء حسنا (21 يوليو ~~1798)، ثم استمر يتنقل بعدها في جهات الوجه البحري والصعيد ~~يعمل مع الفرنسيين مكايد ويصطاد منهم بالمصايد، ولما وصل عرضي ~~الوزير يوسف ضيا إلى ناحية الشام، ذهب إليه وقابله، وأنعم عليه ~~الوزير وأقام بعرضيه أياما، وعاد إلى مصر، وذهب إلى الصعيد، ~~ثم رجع إلى الشام مرة أخرى (1799)، وكان الألفي بمصر وقت نقض ~~اتفاق العريش بين الجنرال كليبر والعثمانيين (1800) فأبدى ~~نشاطا كبيرا في مقاومة الفرنسيين مع حسن بك الجداوي، فلما ~~عقد كليبر معاهدته المعروفة مع مراد بك في 5 أبريل 1800 لم ~~يوافق الألفي على ما فعله أستاذه واعتزله، ولكنه ما لبث بعد ~~فشل ثورة القاهرة الثانية أن صار يسعى للصلح بين الفرنسيين ~~والعثمانيين، حتى إذا تم إبرامه في 21 أبريل 1800 وانسحب ~~الأخيرون إلى نواحي الشام خرج معهم الألفي، ثم رجع إلى ~~الشرقية، واستمر يناوش الفرنسيين وفي كر وفر معهم حتى حضرت ~~الحملة الإنجليزية العثمانية لطرد الفرنسيين، وسلم هؤلاء ~~القاهرة في يونيو والإسكندرية في أغسطس 1801، ودخل العثمانيون ~~القاهرة، ودخلت البلاد من جديد في حظيرة الدولة العثمانية، ~~وأخذ العثمانيون منذ تسلموا زمام الأمور في القاهرة يتوددون ~~إلى البكوات، ويتظاهرون بإعادة السلطة إليهم، ونصبوا إبراهيم ~~بك شيخا للبلد، ولكن الألفي لم تخدعه أساليب الصدر الأعظم ~~يوسف ضيا والقبطان حسين باشا فنصح زملاءه خصوصا إبراهيم ~~والبرديسي وعثمان وحسن بعدم الاغترار بها، وحذرهم من أن ~~العثمانيين لن يتركوا السلطة في أيدي المماليك بعد أن ملكوا ~~البلاد ثانية، ثم عرض عليهم الاحتماء بالإنجليز الذين كانوا لا ~~يزالون معسكرين بالجيزة وتوسيطهم لدى الصدر الأعظم والقبطان ~~باشا للوصول إلى شروط في صالح البكوات بضمانتهم تعيد الأوضاع ~~السابقة، فلا يبقى من العثمانيين سوى متقلدي المناصب القديمة ~~أي الباشا والدفتردار ومن إليهما، ولكنهم لم يستمعوا لنصحه ~~ورأيه، فصمم الألفي على النجاة بنفسه، واستطاع بحيلته ودهائه ~~أن يظفر من الصدر الأعظم بتقلد إمارة الصعيد نظير تحصيله ~~الأموال والغلال الميرية منها ودفعها لخزانة الدولة، ms0455 وقصد من ~~فوره إلى الصعيد، وعبثا حاول الصدر الأعظم تدارك خطئه، وأرسل ~~وراءه يطلب عودته، ولكن الألفي كان قد جد في السير، وقطع مسافة ~~بعيدة، فلم يلحق به الرسل، ثم إنه اتخذ أسيوط مقرا له، وأرسل ~~للصدر دفعة من المال وأغناما وعبيدا لمواشيه وغلالا، ثم لم ~~يمض على ذلك ثلاثة شهور حتى أوقع القبطان باشا والصدر الأعظم ~~بالبكوات في مكيدتيهما المعروفتين في أكتوبر 1801، وعاد الألفي ~~بعدئذ من الصعيد، وصار مقره في الجيزة تارة وفي البحيرة تارة ~~أخرى، ثم كانت سفارته إلى لندن وما تلا ذلك من حوادث سبق ~~الكلام عنها، أهمها محاولة البرديسي الفتك به، وطرد حكومة ~~البكوات من القاهرة، ومكيدة 16 أغسطس 1805، ثم مفاوضات ~~القسطنطينية وحضور القبطان باشا في مهمته المعروفة. # واستخلص الألفي من التجارب التي مرت به جملة أمور: منها أنه ~~يصعب اجتماع كلمة البكوات على أمر، وأن كلا منهم يؤثر نفعه ~~الخاص على صالح الطائفة عموما، وأن أحدا منهم في سبيل الفوز ~~بالسلطة لا يحجم عن التآمر على أخيه وخشداشه الذي هو من طبقته ~~أو على أستاذه الذي يدين له بكل ما هو فيه من جاه وسؤدد ويفتك ~~به، وأن العثمانيين أعداء المماليك ولا يمكن الاطمئنان إليهم ~~أو الوثوق بعهودهم، وأن المماليك وحدهم ودون مساعدة دولة ~~أجنبية كبيرة لهم لن يتمكنوا من استرجاع سيطرتهم القديمة، وأن ~~عليه أن يعتمد على نشاطه هو وحده ومعاونة الإنجليز له إذا شاء ~~استخلاص الحكم لنفسه، وأنه لا مندوحة عن بذل قصارى جهده لطرد ~~الأرنئود ومحمد علي من مصر لتحقيق هذه الغاية، وأن القاهريين ~~والمشايخ لم يكونوا جميعا راضين عن حكم محمد علي، وأن هناك ~~طائفة منهم لا يرون بأسا في عودة حكم البكوات إذا ظهر من ~~هؤلاء أنهم يبغون حقا توفير أسباب الحياة الهادئة المطمئنة ~~لهم ورفع المظالم عنهم، وأن حكومة محمد علي كانت تصادف من ~~الصعوبات والمتاعب منذ تأسيسها ما جعلها متأرجحة وغير مستقرة ~~على دعائم ثابتة، وأفاد الألفي فائدة كبيرة من سفارته إلى ~~لندن، وقد تحدث الشيخ الجبرتي عن ms0456 الآثار التي تركتها هذه ~~الرحلة إلى بلاد الإنجليز في نفسه من حيث توسيع أفق تفكيره ~~فيما يجب أن تكون عليه أساليب الحكم والأغراض المتوخاة منه، ~~وقد دلت محاولات الألفي لاستمالة المشايخ وما جاء في كتبه ~~إليهم أثناء مفاوضاته مع محمد علي، ثم أحاديثه مع سليمان أغا ~~أثناء مسعى هذا الأخير لحمل البكوات على دفع المبلغ المتفق ~~عليه، على إدراكه الصحيح للموقف الداخلي. # وثمة ميزة أخرى جعلته متفوقا على سائر إخوانه هي أن الألفي ~~لم يكن رجل قتال وحرب أو دسائس ومؤامرات فحسب، بل كان إلى جانب ~~ذلك محبا للعلم والعلماء، وله من بين المشايخ أصدقاء كالشيخ ~~الجبرتي والشيخ حسن العطار، وقد سجل الأول أن الألفي خلال ~~السنوات الأربع التي قضاها في الصعيد (1786-1790) بسبب واقعة ~~حسن باشا الجزائرلي ومجيئه لتأديب البكوات «قد ترزن عقله، ~~وانهضمت نفسه، وتعلق قلبه بمطالعة الكتب والنظر في جزئيات ~~العلوم والفلكيات والهندسيات وأشكال الرمل والزايرجات والأحكام ~~النجومية والتقاويم ومنازل القمر وأنوائها، ويسأل عمن له إلمام ~~بذلك فيطلبه ليستفيد منه واقتنى كتبا في أنواع العلوم ~~والتواريخ واعتكف بداره، ثم إنه رغب في الانفراد وترك الحالة ~~التي كان عليها قبل ذلك، واستمر على ذلك مدة تجاسر عليه ~~خشداشيته فاضطر حينئذ إلى ترك اعتكافه.» وقال عنه في موضع ~~آخر: «إنه كان له ولوع ورغبة في مطالعة الكتب خصوصا العلوم ~~الغريبة مثل الجغرافيات والجغرافيا والإسطرنوميا والأحكام ~~النجومية والمناظرات الفلكية وما تدل عليه من الحوادث الكونية، ~~ويعرف أيضا مواضع المنازل وأسماءها وطبائعها والخمسة المتحيرة ~~وحركات الثوابت ومواقعها، كل ذلك بالنظر والمشاهدة والتلقي على ~~طريقة العرب من غير مطالعة في كتاب ولا حضور درس، وإذا طالع ~~أحد بحضرته في كتاب أو أسمعه ناضله مناضلة متضلع، وناقشه ~~مناقشة متطلع.» وله أيضا معرفة بالأشكال الرملية واستخراجات ~~الضمائر بالقواعد الحرفية، وكان له في ذلك إصابات، ومن صفاته ~~أنه إذا سمع بإنسان فيه معرفة بمثل هذه الأشياء أحضره ومارسه ~~فيها فإن رأى فيه فائدة ومزية أكرمه وواساه وصاحبه وقربه إليه ~~وأدناه، وكان له مع جلسائه مباسطة ms0457 مع الحشمة والترفع عن ~~الهذيان والمجون، وكان فيه تواضع، إذا خرج من داره بخطة الشيخ ~~ضلام أو بناحية قيصون حيث سكن بها بعض الوقت، وقصد إلى أحد ~~القصور التي عمرها خارج القاهرة وهي القصر الكبير بمصر القديمة ~~تجاه المقياس بشاطئ النيل، والقصر الكائن بالقرب من زاوية ~~الدمرداش والقصر الذي بجانب قنطرة المغربي على الخليج الناصري ~~لا يمر من وسط المدينة وإذا رجع كذلك، فلما سئل عن سبب ذلك قال ~~إنه يستحي أن يمر من وسط الأسواق وأهل الحوانيت والمارة ينظرون ~~إليه ويفرجهم على نفسه. # ولقد قال الشيخ الجبرتي: «إنه كان أميرا جليلا مهيبا ~~محتشما مدبرا بعيد الفكر في عواقب الأمور صحيح الفراسة، إذا ~~نظر في سحنة إنسان عرف حاله وأخلاقه بمجرد النظر إليه، قوي ~~الشكيمة، صعب المراس، عظيم البأس، ذا غيرة حتى على من ينتمي ~~إليه أو ينسب إلى طرفه، يحب علو الهمة في كل شيء، حتى إن ~~التجار الذين يعاملهم في المشتريات لا يساومهم ولا يفاصلهم في ~~أثمانها؛ ولذلك راج حال العاملين له رواجا عظيما، وكان ينتصر ~~لأتباعه ولمن انتمى إليه، ويحب لهم رفعة القدر عن غيرهم، مع ~~أنه إذا حصل من أحد منهم هفوة تخل بالمروءة عنفه وزجره، فترى ~~كشافه ومماليكه مع شدة مراسهم وقوة نفوسهم وصعوبتهم يخافونه ~~خوفا شديدا ويهابون خطابه.» وبالجملة - كما قال الشيخ: «كان ~~الألفي آخر من أدركه من الأمراء المصريين شهامة وصرامة ونظرا ~~في عواقب الأمور، وكان وحيدا في نفسه، فريدا في أبناء ~~جنسه.» # ثم إنه كان للألفي ميزة هامة أخرى هي قدرته على السيطرة على ~~العربان وامتثال جميع قبائل هؤلاء الكائنين بالقطر المصري ~~لأمره، وذلك لمعرفته التامة بطبائعهم وأحوالهم، وتوثيق صلاته ~~بهم عن طريق الزواج من بناتهم، ومع أنه كان يبطش بهم، ويصادر ~~أموالهم، ويسومهم سوء العذاب فقد عرف كيف يمنعهم من التسلط على ~~فلاحي البلاد ... ويتعاون على البعض منهم بالبعض الآخر، واجتمع ~~منهم الألوف في معسكره، ولم يجد مأوى يلجأ إليه حين هروبه من ~~جند البرديسي الذين أرادوا الفتك به عند عودته ms0458 من سفارته في ~~لندن إلا عند هؤلاء العربان، حتى إن كثيرا من الناس صاروا ~~يقولون: إنه يسحرهم أو معه سر يسخرهم به. # ولكن الألفي لم يستطع الانتفاع بهذه المزايا التي جعلت من ~~خصومته لمحمد علي مصدر خطر كبير على ولايته، ظل ماثلا حتى ~~انطوت صفحة الألفي نفسه ووافاه أجله، وكان مرد ذلك، وبالرغم من ~~الصفات العظيمة التي اتصف بها وذكرها الشيخ الجبرتي إلى ما ~~انطبع في نفسه من خصال الأنانية والأثرة وحب جمع المال، وتفضيل ~~صالحه الشخصي على كل ما عداه، وقد تقدم في مواضع عدة كيف أن ~~جنده ومماليكه وعربانه كانوا يغيرون على القرى والدساكر في ~~الجيزة والبحيرة والمنوفية يسلبون الأهالي ويفتكون بهم ويفضحون ~~نساءهم، ولقد حاول الألفي أن يعتذر عن مسلكهم وعن مسلكه هو في ~~إطلاقهم هكذا يعيثون في البلاد فسادا بحاجته إلى المال والمؤن ~~لسد مطالب جنده وعربانه، ولكن هذه الفعال غيرت عليه أهل ~~القاهرة والريف عموما، وكانت مبعث عناد أهل دمنهور على وجه ~~الخصوص ورفضهم تسليم مدينتهم إليه والإصرار على ~~مقاومته. # وكان إخفاق الألفي أمام دمنهور من أهم العوامل الفاصلة في ~~تحطيم كل آماله وضياع فرصة استرجاع السلطة وتأسيس حكمه ~~نهائيا من يده. # وكان الألفي يعتمد في نجاح عمليات الحصار الذي ضربه على ~~دمنهور على معاونة القبطان باشا له وقيامه ببعض العمليات ~~العسكرية التي تساعده على إخضاع البلدة قبل مجيء الفيضان، ولما ~~كان صالح باشا عند وصوله إلى الإسكندرية متحمسا لتنفيذ ~~الاتفاق الذي يقضي بطرد محمد علي والأرنئود وتولية موسى باشا ~~وتنصيب الألفي شيخا للبلد، فقد شجع هذا الأخير على استمراره ~~على حصار دمنهور، فأرسل في يوليو مدافع وذخائر إلى معسكر ~~الألفي، وسلح السفن الصغيرة في أسطوله ثم نقلها من ميناء ~~الإسكندرية القديمة إلى مينائها الجديدة استعدادا لمهاجمة ~~رشيد، وكان الخطة بعد انتصار الألفي في معركة النجيلة (31 ~~يوليو 1806) أن يستولي هذا سريعا على دمنهور توطئة للزحف على ~~رشيد، وأيد القبطان هذه الخطة عندما فقد كل أمل في إمكانه ~~إخضاع محمد علي بطريق المفاوضة وإقناعه بترك ms0459 البلاد سلما ~~إذعانا لأوامر الباب العالي، ولكنه بدلا من إنفاذ النجدات ~~القوية إلى الألفي، كان كل ما أحدثه انتصار النجيلة هو إغراء ~~القبطان باشا بإرسال بعض الذخائر إلى معسكر الألفي سرا وبطرق ~~هي أشبه بالتهريب منها بأي شيء آخر، ثم تباطأ من ناحية أخرى في ~~إرسال الحملة المزمعة ضد رشيد، وعبثا صار الألفي الذي توقع أن ~~يطول أمد الحصار المضروب على دمنهور أن يقنعه بضرورة الإسراع ~~في الاستيلاء على رشيد لضمان بقاء المواصلات مفتوحة بينها وبين ~~معسكر الألفي من جهة، ثم بينها وبين الإسكندرية خصوصا من جهة ~~أخرى، لا سيما وأن هذه الأخيرة كانت تعتمد في تموينها على رشيد ~~ذاتها، ولكن القبطان باشا - كما ذكر «مسيت» في رسالته إلى ~~«وندهام» في 14 أغسطس - أصم أذنيه تماما عن سماع كل هذا الذي ~~طلبه منه الألفي، وراح رجاله يقولون: إنه إنما يريد تنفيذ ~~المهمة التي أتى من أجلها، من غير أن تراق قطرة دم واحدة، وكان ~~«مسيت» قد علل قبل ذلك بأسبوعين عندما كتب للسفير الإنجليزي ~~بالقسطنطينية في 31 يوليو ما لاحظه من تباطؤ في حركة القبطان ~~بأنه من المحتمل أن يكون قد وصلته فعلا من القسطنطينية ~~تعليمات معينة حتى لا يعجل بعمل اتفاق أو ترتيب مع المماليك، ~~وقد استند فيما ذهب إليه على ما ذكره «أربثنوت» نفسه في رسالته ~~إليه بتاريخ 14 يونيو من أن تعليمات مثل هذه قد صدرت للقبطان ~~باشا، واستمر «مسيت» يلح على صالح باشا في ضرورة المبادرة ~~بالاستيلاء لا على رشيد فحسب، بل وكذلك على دمياط، ثم على ~~دمنهور بالتعاون مع الألفي، ولكن دون طائل. # ومنذ 9 أغسطس كتب «أربثنوت» إلى حكومته معلقا على فشل ~~محاولات «مسيت» هذه: أنه لما كان متعذرا على القبطان باشا ~~حصوله على نجدات من تركيا وتحول صعوبات عديدة دون حصوله على ~~مؤن من مصر ذاتها فالمتوقع أن يرتد عائدا إلى القسطنطينية دون ~~أن يفعل شيئا من أجل تحقيق الغرض من حملته إلى مصر. # على أن صالح باشا كان قد بدأ يفقد تفاؤله ms0460 منذ أن اتضح له أن ~~لا سبيل بغير القوة لإخراج محمد علي والأرنئود من مصر، وأن ~~الألفي قد استعصى عليه إخضاع دمنهور، وأن مساعي سليمان أغا لدى ~~بكوات الصعيد ولدى الألفي نفسه لدفع المبلغ المطلوب قد اصطدمت ~~بصعوبات عديدة، وأن من الخير له لذلك كله أن يجعل في الإبرة ~~خيطين ليتبع الأروج على حد تعبير الشيخ الجبرتي، فذكر «دروفتي» ~~- في رسالته إلى حكومته في 2 سبتمبر أنه قد أوقف استعداداته ضد ~~رشيد، وصارت جهوده منحصرة في مفاوضات لا قيمة لها، ثم إعطاء ~~الألفي بعض ذخائر الحرب وتشجيعه على أخذ دمنهور بإخضاعها حتى ~~يتسنى وصول الماء إلى صهاريج الإسكندرية، ويمتنع بذلك تذمر ~~أهلها، ولكن هذه الذخائر التي أرسلها القبطان باشا لم تكن ~~كافية، وظل الألفي في حاجة إلى نجدات أكثر نفعا إذا شاء ~~التغلب على مقاومة أهل دمنهور له، فكان من رأي «مسيت» منذ 14 ~~أغسطس أنه قد يضطر إلى الانسحاب ورفع الحصار عن هذه المدينة ~~بالرغم من أنها مسورة بسور من الطوب؛ وذلك بسبب استطاعتها رد ~~الهجوم المتكرر عليها ودفعه عنها، ومع ذلك، فإن القبطان ما لبث ~~أن أوقف أيضا إرسال الذخائر إلى الألفي لما وجد أن مساعي ~~سليما أغا لم تسفر عن نتيجة، ثم إنه صار إلى جانب ذلك يلح على ~~الألفي أن يدفع هو المبلغ المطلوب، حتى إن الألفي كتب في 15 ~~سبتمبر يشكو إلى «مسيت» من مسلك القبطان باشا الذي امتنع ~~وقتئذ عن إمداده بذخائر الحرب والمدافع على غرار ما كان يفعل ~~في الماضي، وذلك بالرغم من إلحاف الألفي في رجائه، وصار يطلب ~~منه زيادة على ذلك إرسال مبلغ من المال يعجز الألفي عن دفعه ~~بسبب ظروفه الحرجة الراهنة، ويرجو لذلك من «مسيت» أن يبلغ ~~السفير الإنجليزي بالقسطنطينية هذا الأمر حتى يرى رأيه ~~فيه. # وقد بعث «مسيت» بهذه الرسالة إلى السفير في 18 سبتمبر وقال: ~~إن رفع الحصار عن دمنهور لا يجب أن يكون مبعث دهشة؛ لأن ~~القبطان باشا رفض إمداد الألفي بالذخائر، ومرد مسلك القبطان ~~هذا ms0461 إلى الهدايا الثمينة التي نالها من محمد علي، فقد حضر إلى ~~الإسكندرية أحد ضباطه يحمل هذه الهدايا له، وكان من أثر جشع ~~القبطان الذي جعله مجردا من كل خجل أو حياء أنه صار يطلب ~~مالا من الألفي وأهل دمنهور على السواء وعلى يد الرسول نفسه ~~وفي اللحظة التي يبيع فيها علنا حياده لمحمد علي، ثم استطرد ~~«مسيت» يذكر وقوع معركتين إحداهما في الصعيد والأخرى في الوجه ~~البحري انهزم فيهما الأرنئود على يد المماليك، ولكنه كان من ~~رأيه أنه ما دامت النجدات تأتي محمد علي، وما دام البكوات ~~يجهلون فنون الحصار وليس لديهم الوسيلة التي تمكنهم من ~~الاستمرار فيه، فإن شجاعة المماليك لا نفع منها ولا طائل ~~تحتها. # وما إن ذاع خبر القبطان باشا مع محمد علي ووصول إبراهيم بك ~~إلى الإسكندرية يحمل الهدايا للقبطان، وتأكد لدى الألفي انحياز ~~هذا الأخير إلى جانب خصمه نهائيا، حتى صار هذا يبغي الدخول ~~في مفاوضة جديدة مع الصدر الأعظم والاتصال لهذا الغرض بأحد ~~رجال الصدر الموجودين بالإسكندرية. # ويقول «مسيت» - في رسالته إلى «أربثنوت» في 25 سبتمبر - إن ~~الألفي يريد أن يعرض على الديوان العثماني ألفي كيس يدفع نصفها ~~عند خروج محمد علي من مصر وما يتبع ذلك من تأسيس حكومة ~~البكوات، والنصف الثاني عندما يتم فعلا هذا الأمر الأخير، ~~ويريد من السفير الإنجليزي أن يضمنه في هذا المبلغ لدى الباب ~~العالي، ولكن «مسيت» الذي رأى أن الفرصة قد أفلتت من يد الألفي ~~سرعان ما أوضح له أنه من المتعذر على السفير أن يشترك في أية ~~مفاوضات قد تقوم بين الباب العالي والمماليك، كما كتب لأربثنوت ~~يقول إنه يميل للاعتقاد بأن محمد علي قد نجح بفضل هداياه التي ~~لا ينقطع عن إرسالها للقبطان باشا وللوزراء العثمانيين في ~~استمالة هؤلاء إليه بحيث قد صار مقضيا بالفشل على جهود ~~الألفي في هذا السبيل. # وحاول الألفي في الوقت نفسه أن يدخل في مفاوضات أخرى مع محمد ~~علي، من أجل الصلح والاتفاق معه، وأوقف القبطان باشا بطريق غير ~~مباشرة ms0462 على رغبته هذه، كما أبلغ «مسيت» أنه يميل لعمل اتفاق مع ~~محمد علي يقوم على أسس مشرفة، وبضمانة «مسيت» نفسه قبل أن يرضى ~~بها، وكان من الواضح أن تأكد الألفي من استحالة الاعتماد على ~~القبطان باشا في تأسيس مشيخته بعد اتفاقه مع محمد علي وتعذر ~~امتلاك القاهرة تبعا لذلك ثم بسبب استطالة الحرب التي أنهكت ~~قواه والتي هددت بحرمانه شيئا فشيئا من مماليكه، وبسبب حاجته ~~الملحة إلى الأسلحة والذخائر وعتاد الحرب وأدواتها عموما، قد ~~جعله يبغي الظفر باتفاق مع محمد علي يعطيه فسحة من الوقت ~~لتجديد قواه من جهة، ويتيح له الفرصة لرفع الحصار عن دمنهور ~~والانسحاب عنها بكرامة. # وأدرك «مسيت» أن الألفي لهذه الأسباب جميعها سوف يقبل بسهولة ~~أية شروط يعرضها محمد علي ويرضى بأي إقليم قد يقطعه إياه للعيش ~~فيه في سلام، على الأقل حتى يسترد قوته إذا رفض «مسيت» التوسط ~~في هذه المفاوضة وإعطائه الضمانة المطلوبة، ولقد كان أخشى ما ~~يخشاه «مسيت» أن يفلح الألفي في مفاوضته مع محمد علي ويحصل منه ~~على اتفاق ينجم عنه خمود حركة الألفي وابتعاده عن ميدان ~~العمليات العسكرية المقبلة عندما كان «مسيت» يتوقع انفصام ~~العلاقات بين تركيا وإنجلترة واضطرار الإنجليز في آخر الأمر ~~إلى إرسال حملة لاحتلال الإسكندرية على نحو ما ظل «مسيت» نفسه ~~يكرر المطالبة به من مدة طويلة، فلا يجد الإنجليز عند حضورهم ~~جيش الألفي وفرسانه لتعزيز نشاطهم العسكري، وعلى ذلك فإن ~~«مسيت» لم يكتف بإظهار استعداده لضمان أي اتفاق يحصل بين ~~الألفي ومحمد علي، بل عرض على الألفي أن يأخذ هو على عاتقه ~~مسألة هذه المفاوضات المزمعة برمتها على أساس أنه إذا تقدم ~~الألفي بمقترحات معينة من أجل الوصول إلى تسوية مع محمد علي، ~~فمن المحتمل أن يرى الأخير في ذلك دليلا على أن الألفي أصبح ~~ضعيفا، وبدلا من الصلح معه يقوى عزمه عندئذ على متابعة ~~النضال معه بنشاط أكبر وأعظم، وقبل الألفي وساطة ~~«مسيت». # وقد أوضح «مسيت» الأسباب التي حدت به إلى الهيمنة على هذه ~~المفاوضة وتوجيهها ms0463 إلى الغاية التي يريدها هو منها أي إحباطها، ~~في رسالة له إلى «أربثنوت» من الإسكندرية في 29 سبتمبر 1806 ~~قال فيها: وأما الأغراض التي توخيتها من هذه الوساطة فهي منوعة ~~أرجو أن تحظى منك بالقبول، أولها - أنه إذا أخذنا بعين ~~الاعتبار الأخبار التي بعثت بها إلي عن الخلافات القائمة بين ~~بريطانيا وروسيا من جانب، والباب العالي من جانب آخر، وأنه لا ~~معدى عن وصول هذه الخلافات إلى مرحلة فاصلة تحسمها، فقد صار ~~من الحكمة كما هو في رأيي أن أحول دون عقد أية معاهدة بين محمد ~~علي والألفي، وأن أبذل كل ما وسعني من جهد وحيلة لاحتجاز جيش ~~الألفي في الوجه البحري حتى تهدأ كل المخاوف من وقوع انفصام ~~العلاقات بين الدول المذكورة؛ وذلك لأنه في حالة إذا ما رغبت ~~الحكومة الإنجليزية في احتلال هذه البلاد، صار في وسعها أن تجد ~~فرسان الألفي على قدم الاستعداد أو لاستقبال جيشها وأمكنها أن ~~تنتفع نفعا كبيرا بهم ، وثانيا - أن هذه المفاوضة من شأنها ~~تزويدنا بالوسيلة الفعالة التي بها يتعطل ذلك النفوذ العظيم ~~الذي حازه أخيرا الوكيل الفرنسي «دروفتي» لدى محمد علي بفضل ~~ما أظهره من ضروب التأييد له عندما حضر القبطان باشا إلى ~~الإسكندرية يحمل أمر الباب العالي بعزل محمد علي، فإذا تسنى لي ~~أن أكون أداة سلام بين الألفي ومحمد علي فاعتقادي أني سوف أحظى ~~بشكر هذا الأخير وممنونيته؛ لأني أعرف أنه يريد حقا السلام، ~~وفضلا عن ذلك فإن هذه الوساطة سوف تكون بمثابة ضابط لسلوك ~~محمد علي يمنعه من إظهار ميله للفرنسيين أو انحيازه العظيم ~~لهم؛ لأن خوفه الطبيعي - وهو خوف قائم اليوم - من أن أحرض ~~البكوات على الثورة عليه وأثير بسبب ذلك في وجهه متاعب ومصاعب ~~مشابهة لتلك التي سوف تكون مهمتي الآن إقناعه بأنه لا يستطيع ~~الخلاص منها إلا بمساعدتي سوف يجعل ممكنا الضغط عليه وصرفه عن ~~انحيازه الظاهر للفرنسيين، وثالثا - فهناك إلى جانب المزايا ~~السابقة، ذلك النفع الذي سوف يعود على سمعة بريطانيا وزيادة ~~تعلق الناس بها ms0464 بسبب الدور الذي أقوم به من أجل إعادة الهدوء ~~والسكينة إلى هذه المقاطعة المنكوبة، وسوف تجني الحكومة ~~الإنجليزية في المستقبل فوائد عديدة من حيث تأييد آرائها ~~ووجهات نظرها الخاصة بمصر، ورابعا - أما فيما يتعلق بالضمان ~~الذي يريد الألفي أن آخذه على عاتقي، فإن ما هو معروف عن خلقه ~~وخلق إخوانه يجعل من الحكمة عدم قبوله وبالرغم مما يظهره في ~~رغبة ملحة في أن أفعل ذلك، فإني متأكد من أنه لن يصر على هذا ~~الضمان عند إتمام معاهدته نهائيا مع محمد علي، وقد اختتم ~~«مسيت» رسالته هذه بقوله: وعلى كل حال فحيث إني أقوم بدور ~~الوسيط بين الطرفين ففي وسعي تعطيل أو وقف المفاوضة حتى تصلني ~~تعليماتك. # وبدأ «مسيت» سعيه من فوره، وكلف يوسف عزيز ترجمانه بالقاهرة ~~مقابلة محمد علي ومفاتحته في شأن الصلح مع الألفي، وبعث عزيز ~~إلى «مسيت» في أول وثاني أكتوبر يقول: إن الباشا ممتن من مسعى ~~«مسيت» في الصلح، وإنه حتى يبرهن على ما يكنه له من ود ومحبة ~~قد اعتزم عند عقد السلام تسريح قسم من الجند، الأمر الذي سوف ~~يساعد على استتباب الهدوء والسلام في القاهرة. ولكنه بالرغم من ~~هذا الامتنان لم تلبث هذه المفاوضات أن اصطدمت بعقبة كأداء ~~كانت خير ما يبغيه «مسيت» نفسه لإطالة أمد المفاوضة؛ ذلك أن ~~الباشا رفض أن يعقد صلحا منفردا مع الألفي، واشترط أن تكون ~~المفاوضة مع الألفي وسائر البكوات مجتمعين؛ أي مع الألفي ~~وبكوات الصعيد البرديسي وإبراهيم وعثمان وحسن خصوصا؛ وعلى ~~ذلك، فقد بعث «مسيت» بتعليماته إلى عزيز في 6 أكتوبر، أنه لما ~~كان متعذرا بسبب الانقسام السائد بين البكوات إقناعهم بعمل ~~صلح عام مع محمد علي، ففي وسع الباشا أن يعقد صلحا مع جماعة ~~منهم في مبدأ الأمر، وسوف تجد الجماعة الأخرى نفسها مرغمة على ~~النضال منفردة مع جنده، ولا تجد مناصا حينئذ من الصلح معه، ~~وعلاوة على ذلك فإن بكوات الصعيد قد بعثوا منذ ستة شهور ~~بأحمد كاشف مندوبا عنهم إلى فرنسا لطلب النجدة من بونابرت، ms0465 ~~ويؤكد «مسيت» أن نابليون سوف يبذل وعودا كثيرة للبكوات، ولو ~~أنه يعرف تماما أنه يتعذر عليه تنفيذها بسبب وجود الأسطول ~~الإنجليزي في البحر الأبيض وسيطرته فيه، وطلب «مسيت» من ~~ترجمانه أن يبلغ محمد علي أن اثنين من التراجمة الفرنسيين ~~الموفدين إلى القنصلية الفرنسية العامة في مصر قد صدرت لهما ~~أوامر بالذهاب إلى معسكر الألفي أينما يكون، وأما هذان ~~الترجمانان اللذان أشار إليهما «مسيت» في تعليماته هذه فكانا ~~المترجم الأول «فاس» # Vasse # والمترجم الثاني «أسكلان» # Assclin ~~، وقد أبلغ «دروفتي» في رسالته إلى ~~حكومته في 15 نوفمبر عن وصولهما إلى الإسكندرية، وأمر «مسيت» ~~عزيز أن يقول للباشا: إنه سوف يبذل قصارى جهده لحمل الألفي على ~~الانضمام إلى البكوات الآخرين لعمل الصلح معه، ولكنه إذا أخفق ~~في مسعاه فإن مبعث ذلك سوف يكون استحالة تنفيذ هذه الرغبة، ~~وعندئذ لن يستطيع الباشا أن يتهم «مسيت» بالإهمال والتقصير، ~~وهو أي «مسيت» عن نفسه وبوصفه ممثلا لحكومة إنجلترة في مصر ~~إنما يريد أن يسود الهدوء بها. # ولكنه ما إن أتم «مسيت» كتابة تعليماته هذه حتى بلغه نبأ ~~وصول الططر من القسطنطينية يحملون البشارة والتهاني لمحمد علي ~~لتثبيته في الولاية، كما بلغه أن الباب العالي قد أعطى للبكوات ~~بعض الأقاليم لإقامتهم من جرجا إلى الشلالات؛ وعلى ذلك، فقد ~~أضاف «مسيت» في ذيل تعليماته السابقة ملاحظة فحواها أنه لم تعد ~~هناك بسبب هذا الترتيب الأخير ضرورة - كما قال - لأن يبذل الآن ~~أي مسعى من أجل عقد السلام بين البكوات ومحمد علي، ولو أن ~~الأخير في وسعه الاعتماد عليه بأنه لا يدع فرصة تمر دون النصح ~~للألفي بالرضا بما يعطيه له السلطان العثماني، وفي 7 أكتوبر ~~كتب «مسيت» إلى «وندهام» يبلغه أن الباب العالي حسب ما وصل ~~إليه قد أعطى البكوات أقاليم معينة في الصعيد، وأن هذا الترتيب ~~من شأنه أن ينهي مفاوضته لعقد السلام بين الألفي ومحمد علي، ~~ولكنه يشعر بسعادة كبيرة؛ إذ يبلغه أن محمد علي لم يرحب ~~بواسطته فحسب، بل وطلب إليه كذلك أن يبذل جهده ms0466 لإقناع البكوات ~~الآخرين بأن يحذوا هم أيضا حذو زميلهم وأن يعقدوا بالاشتراك ~~معه تسوية وسلاما عاما مع الباشا، وكانت الأقاليم التي ~~أعطاها الباب العالي للبكوات تمتد من جرجا إلى أسوان الشلالات ~~- كما سبق ذكره، وكما عاد فذكره «مسيت» في رسالة أخرى إلى ~~«وندهام» في 13 أكتوبر، وقد ذكر «مسيت» في رسالته هذه أنه يشك ~~كثيرا في أن يقبل البكوات هذه التسوية التي تضع حدا ~~لمفاوضاته بينهم وبين الألفي، ولكن «مسيت» وقد قبل محمد علي ~~وساطته لم ير بدا من استئناف مفاوضته، وكان من رأيته الذي ~~نصح به الألفي في 21 أكتوبر أن يقبل هو وسائر البكوات هذه ~~الشروط أو ما أعطاهم إياه الباب العالي ولكن دون طائل، فأبلغ ~~«مسيت» السفير الإنجليزي بالقسطنطينية في 26 أكتوبر أن بكوات ~~الصعيد قد رفضوا الأقاليم التي عرضها عليهم الباب العالي في ~~الصعيد وأنهم يعتزمون الإغارة على البلاد وتخريبها - على حد ~~قولهم - بمجرد أن تنحسر مياه الفيضان ويتسنى لهم استئناف ~~عملياتهم العسكرية ضد جند الباشا، ولما كان محمد علي يدرك ~~تماما خطورة النتائج المترتبة على رفض البكوات لمقترحات ~~الحكومة العثمانية، فهو يريد بإلحاح عقد معاهدة معهم، ولكنه ~~يبغي أن ينضم إلى هذه المعاهدة كل فرد من البكوات؛ لأنه يخشى ~~إذا هو عقد صلحا منفصلا مع الألفي وحده أن ينحاز جنده إلى ~~بكوات الصعيد لتوقعهم استغناء الباشا عندئذ عن خدماتهم، ~~فيحاربون ضده، غير أن انقسامات البكوات تجعل متعذرا تنفيذ خطط ~~محمد علي ورغباته من أجل عمل صلح وتسوية عامة، فمع أنه يريد ~~إعطاء البكوات أرضا أوسع من تلك التي أعطاها لهم الباب العالي ~~فإنه لا يجد من الحكمة السماح لهم بامتلاك الوجه البحري، زد ~~على ذلك أن الألفي والبرديسي لن يوافقا على احتلال إقليم أو ~~جهة واحدة بالاشتراك فيما بينهما؛ لأن كبرياءهما وتحاسدهما ~~وخوفهما من بعضهما بعضا كل ذلك يقتضي كلا منهما أن يقيم في ~~مديرية بعيدة عن مديرية الآخر ينفرد فيها بالسلطة الكاملة ~~مستقلا عن زميله، ثم استطرد «مسيت» يقول إنه يعرف أن الألفي ~~يعتبر ms0467 الفيوم ملكا له ويريد امتلاك بني سويف والجيزة علاوة ~~على ذلك مما لا ينتظر أني يرضى به محمد علي وهو الذي لا يمكن ~~أن يوافق على وجود أي مملوك من المماليك على أبواب ~~عاصمته. # وواصل «مسيت» وساطته بين محمد علي والألفي، فكتب إلى الأخير ~~في 30 أكتوبر أن الباشا قد فوضه إبلاغه رغبته في عقد معاهدة ~~سلام معه أي الألفي ويريد معرفة الشروط التي يتم عليها الصلح، ~~كما أنه ينبغي عقد معاهدة مع البكوات بأجمعهم، وقال «مسيت» إنه ~~ذكر لمحمد علي أن في استطاعته (أي محمد علي) أن يعقد أولا ~~الصلح مع الألفي، على أن يستخدم هذا نفوذه من أجل إبرام ~~المعاهدة المنشودة بين محمد علي وسائر البكوات، ثم إنه ما لبث ~~أن كتب في 2 نوفمبر إلى يوسف عزيز أنه استطاع بعد لأي وعناء أن ~~يحمل الألفي على بيان الشروط أو الثمن الذي يرضاه لعقد السلام ~~بينه وبين محمد علي، ولكنه يرى مطالبه غير معقولة لدرجة أن صار ~~يخشى من عدم جدوى الاستمرار في مساعيه؛ لأن الألفي يقول: إن ~~هناك طريقين للوصول إلى الصلح، فإما أن يقبل الباشا دخول ~~الألفي إلى القاهرة وعندئذ لا يطلب هذا الأخير لعيشه هو وأهله ~~سوى قراه التي يمتلكها، وإما أن يرفض الباشا دخوله القاهرة وفي ~~هذه الحالة يطلب الألفي مديرية البحيرة، وجزيرة السبكية ورشيد، ~~وأن يسمح له بهذه السنة فقط بتحصيل إتاوات معتدلة من الشرقية ~~والمنوفية، وهو إنما يتقدم بهذا المطلب الأخير مرغما لحاجته ~~إلى المال الذي يدفع منه مرتبات رجاله وجنده المستحقة عليه عن ~~جملة شهور، وفضلا عن ذلك، فإن الألفي يتعهد بملاحظة ارتباطاته ~~مع محمد علي بإخلاص، ويقترح إرسال مندوب من قبل محمد علي وآخر ~~من قبله هو إلى القسطنطينية بمجرد عقد الصلح لإبلاغ الباب ~~العالي بهذا الترتيب الجديد، كما أنه يتعهد إلى جانب هذا ببذل ~~قصارى جهده لإقناع سائر البكوات في الصعيد بعقد الصلح مع محمد ~~علي باشا، وأن يستخدم كل ما لديه من نفوذ وسمعة عند الباب ~~العالي حتى ms0468 يمكن محمد علي من الاحتفاظ دائما بولايته في ~~مصر، وقال «مسيت»: إن هذه كانت المقترحات التي خوله الألفي ~~تقديمها باسمه إلى الباشا، ثم استطرد يقول: وقد أبديت ملاحظتي ~~لترجمان الألفي على هذه الشروط بأنها صعبة، ويخشى أن لا يقبلها ~~محمد علي، ومع ذلك فمن المحتمل إقناع الألفي بتخفيف هذه ~~المطالب شيئا إذا وجد عزيز أن الباشا مصمم على قراره، ثم ~~اختتم رسالته بقوله إنه يجب عليه إبلاغ محمد علي باشا بأن ~~الألفي يبغي الذهاب إلى الشرقية بعد عيد الفطر أوائل يناير ~~1807 إذا لم يعقد الصلح مع محمد علي قبل هذا التاريخ. # بيد أنه وقت كتابة هذه التعليمات 2 نوفمبر 1806 كانت أزمة ~~النقل إلى سالونيك قد انتهت بسلام، وكان الباشا منذ أن اطمأن ~~خاطره من قضية القبودان والعزل قد شرع منذ أواخر سبتمبر في ~~تجهيز الجند واتخاذ العدة لإرسالهم إلى الدلتا ضد الألفي، وإلى ~~الصعيد ضد البكوات الآخرين، وكان هؤلاء منذ أن رفضوا عروض ~~سليمان أغا عليهم، وامتنعوا عن دفع شيء من المبلغ المطلوب، ثم ~~رفضوا عروض الباب العالي الأخيرة وهي إقطاعهم الأقاليم الممتدة ~~من جرجا إلى الشلالات قد انسحبوا من مراكزهم الأولى فأخلوا في ~~سبتمبر منفلوط وملوي، وتحصنوا في أسيوط وجزيرة منقباط، وكان في ~~عزمهم أن ينتظروا ريثما ينتهي فصل الفيضان ثم يستأنفوا ~~عملياتهم العسكرية ضد جند الباشا، فانتهز هؤلاء الفرصة واحتلوا ~~الأماكن التي أخليت، وعندئذ رفض محمد علي باحتقار عروض ~~الألفي، فكتب «مسيت» إلى «أربثنوت» في 17 نوفمبر أنه وصله في ~~صبيحة هذا اليوم فقط جواب الباشا على مطالب الألفي الغير ~~معقولة، وقد جاء فيه أن الباشا يرى منها ما يدل على أن الألفي ~~إنما يبغي مواصلة الحرب، وكان من رأي «مسيت» أن الألفي عندما ~~يبلغه هذا الرفض سوف يجد نفسه ملزما على إنقاص مطالبه التي ~~اشتط فيها كثيرا، وكان الذي جعل «مسيت» يتوقع حدوث ذلك أن ~~الألفي كان قد صار عاجزا تماما عن إخضاع دمنهور ومن المنتظر ~~لذلك أن يرفع عنها الحصار قبل مضي وقت طويل. ms0469 # على أن سفر القبطان باشا في 18 أكتوبر، ثم فشل المفاوضة التي ~~دارت أخيرا على يد «مسيت» أو بواسطته مع محمد علي، لم ييئسا ~~الألفي الذي نقل كل قواته حول دمنهور ثم شرع يضيق عليها الحصار ~~بقسوة بالغة، حتى إن الوكلاء الفرنسيين صاروا ~~يتوقعون - كما ذكروا في 12 ~~نوفمبر - أن المدينة سوف تسقط لا محالة هذه المرة إذا لم يرسل ~~الباشا النجدات إليها بكل سرعة، وانفتح باب أمل جديد أمام ~~الألفي عندما بدأ معه «روشتي» بوصفه ممثلا لروسيا ووكيلا لها ~~في مصر مفاوضات من أجل توسيط روسيا في إنهاء النزاع بين ~~البكوات والباب العالي، واستئناف المساعي من أجل عقد اتفاق ~~جديد بين الألفي والديوان العثماني. # وكان «بتروتشي» أو «بطروشي» الوكيل الإنجليزي برشيد أول من ~~كشف حقيقة هذه المساعي وبواعثها بفضل المعلومات التي أرسلها له ~~من معسكر الألفي كاتبه «أندريا» # Andrea # وكان مقيما بالمعسكر في خدمة ~~الألفي، فنقل «البطروشي» خبر هذه المساعي إلى «مسيت» بمجرد أن ~~علم بها، ثم عاد فذكر له ما وقف عليه من تفاصيلها في كتاب بعث ~~به إليه من رشيد في 23 نوفمبر 1806، وتفصيل المسألة أن «روشتي» ~~قنصل النمسا والروسيا العام في مصر أوفد كاتبه أو كاتم أسراره ~~سكرتيره الخاص السيد «رفائيل» # Raffaelli # بطريق طرانة لمقابلة الألفي في ~~معسكره مزودا بتعليمات لدعوة البكوات إلى تقديم طلب إلى الروس ~~يرجون فيه وساطتهم بينهم وبين الباب العالي؛ كي يظفروا منه بما ~~لم يتمكنوا من الحصول عليه عن طريق وساطة الإنجليز، وحتى يؤكد ~~لهم أنهم لو كانوا قد خاطبوا روسيا في ذلك من مبدأ الأمر بدلا ~~من اللجوء إلى بريطانيا العظمى لكانوا اليوم بلا شك ولا ريب ~~يملكون مصر ولا ينازعهم فيها منازع، وقد لقيت هذه المقترحات ~~ترحيبا كبيرا لدى بكوات الألفي وأحيت آمالهم وأغرتهم على طلب ~~المساعدة من روسيا، وقد استقى «أندريا» هذه المعلومات التي بعث ~~بها إلى «البطروشي» من شاهين بك نفسه، وكان من رأيه أن ما حدث ~~وهو حقيقة واقعة يحمل الإنسان على الظن بأن نفوذ روسيا ms0470 في ~~القسطنطينية متفوق على نفوذ إنجلترة، ولو أن «البطروشي» كان ~~يعزو ما حدث إلى نشاط «روشتي» الخاص، عندما كان مقصد الأخير ~~الفوز بسمعة طيبة لدى البكوات في معسكر الألفي وخدمة مصالحه، ~~وجعله ذلك يؤيد هذه الفكرة الخاطئة القائلة بتفوق النفوذ ~~الروسي على النفوذ الإنجليزي في القسطنطينية، وكان بناء على ~~هذه المقترحات إذن من جانب «روشتي» أن وقع اختيار شاهين بك ~~الألفي على جوقة داره أو تابعه محمد أغا للذهاب مع «رفائيل» ~~إلى القسطنطينية لطلب وساطة روسيا، ثم في الوقت نفسه لشراء ~~مماليك جدد من العاصمة العثمانية، ووصل هذان إلى رشيد في 22 ~~نوفمبر في طريقهما إلى الإسكندرية، وبادر «مسيت» بإرسال كتاب ~~«البطروشي» إلى السفير الإنجليزي بالقسطنطينية في 25 نوفمبر، ~~واهتم بإظهار البواعث التي حملت «روشتي» على القيام بهذه ~~الخطوة، فقال: إن «روشتي» الذي هو القنصل العام لروسيا والنمسا ~~قد التزم من حكومة الباشا باحتكار جملة فروع من مصادر ~~الإيرادات العامة، كما أن له نشاطا كبيرا في تجارة مصر ~~الداخلية، ويجعله هذا الوضع في حاجة ملحة إلى سؤال الباشا ~~وكبار رجال الحكومة خدمات كثيرة، الأمر الذي يعجزه عن معارضة ~~إرادة هؤلاء ورغباتهم، حتى إنه كلما طلبت الحكومة قروضا من ~~الرعايا أو المستأمنين (المحميين) النمساويين والروس، أو فرضت ~~إتاوات عليهم، صار «روشتي» أول من يذعن لإجابة مطالبها، ويحذو ~~حذوه في ذلك لأسباب سياسية الوكيل الفرنسي، كما يفعل ذلك ~~اضطرارا وكلاء الدول الصغيرة لعدم جدوى معارضتهم، وما من مرة ~~نال فيها «روشتي» تصحيحا لما وقع من افتئات على الامتيازات ~~التي من حقه التمتع بها، إلا وكان ذلك بمثابة مكرمة يبتاعها ~~ابتياعا من رجال الباشا، وبينما يخضع خضوعا تاما لإرادة ~~محمد علي فهو لا ينقطع من ناحية أخرى عن التآمر مع المماليك ~~الذين يعطيهم الأسلحة والملابس، ثم قال «مسيت»: إن ما جاء في ~~خطاب «البطروشي» من شأنه توضيح حقيقة ذلك كله ومبعث نشاط ~~«روشتي» الأخير؛ لأنه أي «مسيت» لا يعتقد أن لديه أية تعليمات ~~من روسيا للعمل على إنقاص نفوذ الإنجليز في القسطنطينية أو ms0471 ~~القيام بنشاط مضاد لمصالحهم. # وكان بعد يوم واحد من كتابة ما سبق إلى السفير الإنجليزي ~~بالقسطنطينية أن بعث «مسيت» إليه - في 26 نوفمبر - يقول: إن ~~ترجمان الألفي «ستافراكي» قد وصل إلى الإسكندرية في صباح اليوم ~~نفسه من معسكر الألفي، وإنه (أي الترجمان) يؤيد ما ذهب إليه ~~«البطروشي» فيما يتعلق بمهمة جوقه دار شاهين بك، ولكنه يؤكد أن ~~الألفي نفسه لا علم له بنشاط شاهين بك هذا، وقد علق «مسيت» على ~~ذلك بقوله: ولكنه لما كان هذا الترجمان مالطيا، ويخدم ~~مصالحنا بإخلاص، فمن غير المحتمل أن يطلعه سيده أي الألفي على ~~حقيقة شعوره ونواياه في هذه المسألة؛ أي مسألة الاستعانة ~~بوساطة روسيا لدى الباب العالي، كما أن «مسيت» استطرد يقول: ~~وعلاوة على ذلك فإن الألفي الذي كان من بضعة أسابيع مضت قد ~~أعلن عزمه على الصلح مع محمد علي، قد صار الآن مصمما على ~~متابعة الحرب ويرفض أي صلح أو تسوية معه، ثم تساءل وألا يكون ~~مبعث ما طرأ من تبدل على قراراته ما يعقده من آمال على ~~المساعدة الروسية المنتظرة؟ وأما محمد أغا و«رفائيل» فقد بلغا ~~الإسكندرية في 25 نوفمبر، واستطاع الوكيل الفرنسي «دروفتي» أن ~~يقف على حقيقة المهمة الذاهبان من أجلها إلى القسطنطينية، فقال ~~في رسالته إلى «سباستياني» السفير الفرنسي بالقسطنطينية في 26 ~~نوفمبر إنه كان قد نما إليه من بضعة أيام مضت أن مندوبا من ~~قبل «روشتي» كان في معسكر الألفي وعقد معه عدة اجتماعات سرية، ~~وأنه أي «دروفتي» علم بفضل ما وقف عليه نتيجة لاستقصائه هذه ~~المسألة أن «روشتي» قد تقدم إلى الألفي بمقترحات معينة تهدف ~~لوضعه تحت حماية بطرسبرج وتمكن روسيا من التدخل في شئون مصر، ~~وأن محمد أغا ورفائيل إنما يريدان الذهاب إلى القسطنطينية حتى ~~يحصلا من السفير الروسي هناك على تعليمات نهائية، ثم استطرد ~~«دروفتي» يقول: ويعيد هذا الحادث على الذاكرة مهمة البارون ~~«دي توناس» # de Thonus # القديمة لدى البكوات، ومن واجبي إبلاغك أن «رفائيل» هذا من ~~جزيرة «شيور» أي إنه من رعايا الدولة ms0472 العثمانية، ولا حق له في ~~حماية روسيا، ويشير «دروفتي» هنا إلى حادث محاولة القيصرة ~~كاترين تحريض مراد وإبراهيم وغيرها من البكوات على نبذ السيادة ~~العثمانية والخروج على طاعة السلطان والتحالف مع روسيا، وأوفدت ~~لهذه الغاية «دي توناس» قنصلا لها بالإسكندرية 1788، وقد فشل ~~هذا الأخير في مهمته، وقبض عليه الانكشارية في بولاق ثم بعثوا ~~به أسيرا إلى القسطنطينية حيث لقي حتفه بها في السنة ~~نفسها. # ولكن جهود الألفي في هذه الناحية لم تسفر عن شيء؛ لأنه لم ~~يلبث أن اضطر إلى رفع الحصار عن دمنهور، ثم وافاه أجله بعد ذلك ~~في يناير 1807 وهو في طريقه إلى الفيوم والصعيد بعد الانسحاب ~~من دمنهور يبغي الانضمام إلى البكوات القبالي والترؤس ~~عليهم. # ولقد تضافرت أسباب عدة على إرغامه على رفع الحصار عن دمنهور، ~~أهمها استماتة أهلها في الدفاع عنها، ثم وقف الذخائر التي كان ~~يمد بها القبطان باشا معسكر الألفي، وامتناع القبطان عن محاولة ~~الاستيلاء على رشيد بالرغم من إلحاح الألفي عليه في ذلك، أو ~~الاستيلاء على غيرها من المواقع كدمياط ذاتها كما كان ينصح به ~~«مسيت»، ثم انتهاز محمد علي فرصة استطالة الحصار لبذر بذور ~~التفرقة والشقاق في معسكره وتحريض العصاة من الأرنئود ~~والعثمانلي الذين كانوا قد انضموا إلى الألفي، ثم تحريض ~~العربان على ترك خدمته، وقد ساعد على نجاح محمد علي في مساعيه ~~هذه مسلك الألفي نفسه المنطوي على الغطرسة والكبرياء في ~~علاقاته مع رؤساء الجند والعربان وسوء معاملته لهم، فقال ~~«مسيت» في رسالته السالفة الذكر في 27 ديسمبر: إنه قد تفشى ~~أخيرا بين جند الألفي روح العصيان والرغبة في مغادرة جيشه، ~~وإن عددا من رؤساء العرب صاروا غير راضين عنه لما يلحقه بهم ~~من إهانات بالغة ومخاطبتهم بالشتم دائما، بل إن «مسيت» يعرف ~~كذلك أنه قد أرغم عددا من هؤلاء الرؤساء العرب على تسليم ~~زوجاتهم له، كما أنه منعهم من جمع أية إتاوات من القرى ~~المجاورة، ثم إنه علاوة على ذلك لا ينفك يطلب منهم علائف ~~لفرسانه ومؤنا لأهل بيته، ms0473 فالغضب منه في ازدياد، حتى إنه لو ~~وقع عليه هجوم شديد الآن لصار تحطيمه أمرا مفروغا منه بسبب ~~الروح المنتشرة بين جنده. # ثم كان من أسباب غضب الجند والعربان منه أنه عجز عن دفع ~~مرتباتهم، زد على ذلك أن البكوات الستة والمماليك الذين كانوا ~~قد حضروا من الصعيد لنجدته لم يلبثوا أن تركوه لعجرفته ~~واستعلائه عليهم، وذلك منذ أوائل شهر أكتوبر، كما تركه على أثر ~~مبارحة القبطان باشا للإسكندرية عدد من الأرنئوديين الذين ~~كانوا في خدمته والذين تبين لهم فشل قضيته، ولم يلبث ترجمانه ~~«ستافراكي» أن تركه هو الآخر في ديسمبر بعد أن اشتط الألفي في ~~إساءة معاملته، وكتب الوكلاء الفرنسيون في 14-27 ديسمبر أن ~~خازندار شاهين بك الألفي مع خمسة عشر مملوكا قد ذهبوا إلى ~~القاهرة تاركين معسكر الألفي، ولم يشأ بكوات الصعيد إرسال أية ~~نجدات إليه، وصار لذلك كله من المتوقع أن يرفع الألفي الحصار ~~عن دمنهور؛ أي الإقرار بالعجز والفشل وانهيار كل آماله التي ~~عقدها على امتلاك دمنهور التي أراد أن يتخذها مقرا لنشاطه ~~يستطيع منه بفضل السيطرة على الأقاليم المجاورة لدمنهور ~~والقريبة منها تزويد جنده وعربانه بالمؤن والأغذية وإمداد ~~فرسانه بالعلائف اللازمة لخيولهم، وجمع الإتاوات لدفع المرتبات ~~لقوات كانت تتألف من ستمائة من المماليك الفرسان، ومائتي جندي ~~ثم ثمانمائة من المشاة الأرنئود والعثمانلي إلى جانب عدد من ~~المدفعيين الأوروبيين لخدمة ستة مدافع، وذلك كله عدا ست قبائل ~~من البدو يبلغ عدد رجالها حوالي الستة آلاف فارس، زد على ذلك ~~أن وجوده حوالي دمنهور يجعله قريبا من المكان المنتظر أن تنزل ~~فيه الحملة الإنجليزية على الشاطئ المصري، وهي الحملة التي ~~استمر «مسيت» يؤكد له أنها سوف تأتي قريبا. # غير أنه حدث في أواخر نوفمبر ما أنعش آمال الألفي، وحمله على ~~الاعتقاد بأنه إذا ما عجز نهائيا عن إخضاع دمنهور وأرغم ~~مكرها على مغادرة البحيرة فسوف يكون في وسعه العودة بعد قليل ~~لحصارها، واستقبال الإنجليز عند مجيء حملتهم، ثم الاستعانة بهم ~~على تأسيس حكمه وطرد الأرنئود ومحمد علي ms0474 من مصر نهائيا، هذا ~~الحادث كان وفاة منافسه الأول عثمان البرديسي. # فقد كان عثمان البرديسي يشكو من أمد طويل من مرض المرة (أو ~~الصفراء) وهو داء يتطلب العلاج والراحة وهما ما لم يتوافرا له ~~منذ خروج البكوات إلى الصعيد، فأنهك التعب قواه، وزادت جراحه ~~القديمة من آلامه، فاشتدت عليه العلة، ولم يجد طبيبا قادرا ~~بالصعيد، فأشار عليه أحد أدعياء الطب بتناول شراب ممزوج بحامض ~~كبريتي عجل بموته في منفلوط في 19 نوفمبر 1806 (8 رمضان 1221) ~~في سن الثانية والأربعين، وفي الوقت الذي كان يتهيأ فيه لإرسال ~~أحد رجاله إلى باريس بعد أن تكررت تأكيدات «دروفتي» له في ~~الأيام الأخيرة باهتمام «بونابرت العظيم» بقضية البكوات، وأراد ~~استعجال نجدته. # وقد حمل خبر وفاة البرديسي إلى محمد علي أحد المغاربة، وصل ~~إلى القاهرة في 4 ديسمبر وكان معفرا منهوك القوى بعد أن جد في ~~السير طوال خمسة عشر يوما منذ أن غادر منفلوط التي قال إنه لم ~~يتركها إلا بعد أن حضر تشييع جنازة سليم بك أبو دياب الذي توفي ~~في بني عدي وعثمان بك البرديسي في منفلوط، ثم ما لبثت أن جاءت ~~الأخبار من وكلاء الباشا في المنيا وبني سويف تؤكد وفاتهما، ~~وقال «دروفتي» وهو ينقل هذا الخبر إلى حكومته من الإسكندرية في ~~10 ديسمبر: إن الاعتقاد السائد هو أن وفاة البرديسي كانت نتيجة ~~لفعل سم بطيء سرى في جسمه، ويشتبه أن الألفي نفسه كانت له يد ~~في ذلك. # ونجم عن وفاة البرديسي آثار معينة في صالح محمد علي، ثم في ~~صالح الألفي؛ ففيما يتعلق بصالح الأول، أن وفاة البرديسي قد ~~أزالت خصما من الميدان يخشى بأسه بفضل ما كان له من سيطرة على ~~إبراهيم بك وسائر زملائه من البكوات القبالي، ولأن وفاته حدثت ~~في وقت كانت قد اشتدت فيه حروجة مركز محمد علي بسبب استئناف ~~البكوات لحصار المنيا، بينما لا يزال الألفي يحاصر دمنهور، ~~ولأن حامية المنيا كانت متمردة ويطلب جندها مرتباتهم المتأخرة، ~~وصاروا في عصيانهم هذا شبه مستقلين بها عن ms0475 سلطته، فأوقفوا ~~السفن في النيل، وصادروا ما وجدوه بها من غلال وحبوب، وصاروا ~~يجبون الضرائب من البلاد القريبة منهم، واستولوا على الميري، ~~وهددوا كلما أنذرهم محمد علي بوجوب الطاعة بتسليم المنيا ~~للبكوات، وأوفد الباشا منذ أواخر أكتوبر أحد كبار ضباطه إليهم ~~لتهدئتهم ولكن دون طائل، وغادر حسن باشا مع جنده ملوي إلى بني ~~سويف ينوون الذهاب إلى القاهرة لتمضية شهر رمضان بها - كما ~~قالوا - أضف إلى هذا امتناع خورشيد عن الذهاب إلى الرحمانية في ~~نوفمبر وتعالي صيحات الجند في كل مكان يطالبون بمرتباتهم، وبلغ ~~من تأزم الموقف أن صار محمد علي يطلب من «دروفتي» نجدة من ~~حوالي الخمسمائة أو الستمائة من الجند الفرنسيين من حاميات ~~فرنسا الجنوبية أو من جيشها الموجود بمملكة نابولي، وكان ~~الباشا منذ أن انتهت مسألة النقل إلى سالونيك بسلام قد بذل ~~قصارى جهده لوضع حد لعصيان حامية المنيا خصوصا، فانتهز الآن ~~فرصة ما وقع من ارتباك في صفوف البكوات بسبب وفاة البرديسي، ~~وأرسل مبلغا من المال 300 كيس إلى رؤساء الحامية، ووجد هؤلاء ~~أن من صالحهم الإذعان للطاعة، حينما كان كثيرون من الأجناد ~~الذين انضموا إلى صفوف البكوات قد بدءوا ينفضون عنهم بعد وفاة ~~البرديسي ، أضف إلى هذا أن ياسين بك الذي كان قد شق عصا الطاعة ~~على محمد علي وانحاز إلى بكوات الصعيد (سليمان بك المرادي) بعد ~~هزيمته على يد جماعة الألفي، ثم امتلك مدينة الفيوم عنوة بعد ~~ذلك منذ سبتمبر، وخرج كاشف الفيوم نفسه على الباشا، قد بعث مع ~~هذا الكاشف بعد وفاة البرديسي يطلبان الصفح من محمد علي، وعفا ~~عنهما الباشا، وعادا إلى العمل تحت رايته من جديد ومعهما حوالي ~~الستة آلاف رجل. # وأما فيما يتعلق بالألفي، فقد أذنت وفاة البرديسي بظفره بما ~~كان يمني نفسه به من زمن بعيد وهو الرئاسة على البكوات ~~جميعهم، وكان بكوات الصعيد قبل وفاة البرديسي في خلافات ~~مستمرة: سليمان بك البواب منسحب مع مماليكه في ناحية قنا، ولا ~~يرضى عن مسلكه زملاؤه الذين أنفذوا جندا لإخضاعه، وعثمان ms0476 بك ~~حسن معسكر على الضفة اليمنى للنيل أمام المنيا، والبرديسي نفسه ~~قبل وفاته مع إبراهيم بك بمنفلوط، وبكوات آخرون بالقرب من بني ~~سويف وبعضهم الآخر بأسيوط، ويسعى سليم كاشف المحرمجي في إنشاء ~~حزب مناوئ لإخوانه، أضف إلى هذا أنه كان يعوزهم المال، ومنعتهم ~~الأثرة من التضحية بمبلغ زهيد لا يزيد على المائة كيس لو أنهم ~~ضحوا به لاستطاعوا - في رأي الوكلاء الفرنسيين - أن يأخذوا ~~المنيا، ولساعد ذلك على جمع شملهم، وقد زادت وفاة البرديسي من ~~حدة هذه الانقسامات والخلافات السائدة بينهم والتي مهدت للألفي ~~طريق الانتفاع منها. # ذلك أن مماليك البرديسي اختاروا رئيسا لهم من بعده شاهين بك ~~المرادي، وكان رجلا شجاعا، ولكنه لا ذكاء ولا رأي له، ثم إنه ~~كان عدوا للألفي، وتسبب في قتل حسين بك الوشاش أحد أتباعه، ~~ورفض إبراهيم وعثمان حسن الاعتراف به، ووجدا الفرصة سانحة لجمع ~~كلمة المماليك، وقد أزالت وفاة البرديسي العقبة الكأداء التي ~~حالت دائما دون الاتفاق مع الألفي، فبعثا إليه يبلغانه ~~استعدادهما لقبول أي ترتيب أو تنظيم يطلبه، وسألاه الحضور إلى ~~الصعيد ليبحث معهما الوسائل التي بها يستعيد المماليك سلطانهم ~~السابق، وبادر هذا الأخير بإبلاغ النبأ إلى «مسيت» ووجد في ~~وفاة خصمه وتقوية مركزه بين البكوات تبعا لذلك فرصة مواتية ~~لتجديد مسعاه في القسطنطينية، واستنهاض همة السفير الإنجليزي ~~بها للتوسط بينه وبين الباب العالي، فكتب إلى «مسيت» في 30 ~~نوفمبر أنه جاءه خطاب من والده العزيز إبراهيم بك شيخ البلد ~~يبلغه نبأ وفاة أخيه عثمان بك البرديسي الذي وإن أسف على فقده ~~كأحد إخوانه، فإنه يعتقد كذلك أن الله سبحانه وتعالى قد انتقم ~~منه لعداواته ضده، ثم استطرد يقول إنه يرجو أن يكون في هذا ~~الحادث ما يجعل سهلا دخوله إلى القاهرة سريعا؛ حيث إن ~~إبراهيم بك يرجوه أن يبذل قصارى جهده لتحقيق ذلك، ولما كان ~~سائر البكوات قد انحازوا إليه الآن فقد قوي أمله في امتلاك ~~القاهرة وإعادة الهدوء والسكينة إلى البلاد؛ وعلى ذلك فهو يبعث ~~إلى «مسيت» - كما قال - خطابا ms0477 باسم الوزراء العثمانيين يرجوه ~~أن يرسله إلى صديقه (أي صديق الألفي) السفير الإنجليزي في ~~القسطنطينية حتى يسلمه هو شخصيا إلى هؤلاء الوزراء، ثم أخذ ~~الألفي يؤكد أن محمد علي لا يلقى نجاحا في إدارته وحكمه، وأن ~~ظفره بالولاية من الباب العالي أو القبطان باشا إنما كان بفضل ~~المال الذي نهبه من سكان القاهرة وأهل الريف على السواء، بل أن ~~هذه المظالم التي ارتكبها قد جعلت الناس جميعا يستمطرون عليه ~~اللعنات، وطلب الألفي من «مسيت» إبلاغ ذلك كله إلى السفير حتى ~~ينقله إلى وزراء الدولة، ثم اختتم رسالته بقوله: ولما كنت أعرف ~~أنك ترغب كذلك في رؤية الهدوء والسكينة يعودان سريعا إلى هذه ~~البلاد، فرجائي ألا يحول فصل الشتاء أو أي سبب تافه قد تتذرع ~~به الحكومة العثمانية دون العمل السريع. # ووصل هذا الخطاب إلى «مسيت» يوم أول ديسمبر 1806، ثم بادر ~~هذا بإرساله إلى «أربثنوت» في 2 ديسمبر، ولكنه قال تعليقا ~~عليه إنه لا يؤمن بما ذهب إليه الألفي من أن وفاة البرديسي من ~~شأنها انضمام جماعته إلى الألفي، زد على ذلك أنه لا ينتظر أن ~~يرضى خليفة البرديسي بوضع يضعه في مرتبة ثانوية بالنسبة ~~للألفي، ووزراء الباب العالي سوف يعتبرون وفاة البرديسي حادثا ~~سعيدا؛ لأنه كان عدوا ذا مقدرة، ومن المتوقع أن ينظر الباب ~~العالي لهذا الحادث بغير العين التي ينظر بها الألفي له، وفي ~~27 ديسمبر، كتب «مسيت» إلى «وندهام» يوضح الأسباب التي جعلت ~~الألفي يريد السعي من جديد لدى الباب العالي فقال: إنه يبني ~~آمالا عريضة على وفاة منافسه البرديسي من حيث إن هذا الحادث ~~سوف ينهي العداوة التي استحكمت من مدة طويلة بين جماعته وجماعة ~~البرديسي؛ ولذلك فهو قد قدم عريضة إلى وزراء الباب العالي يذكر ~~فيها حيث إن سبب الخلافات السائدة بين البكوات قد زال الآن فمن ~~السهل على الحكومة العثمانية أن تعيد للمماليك تلك السلطة التي ~~تمتعوا بها سابقا. # على أن هذه المحاولة وقد كانت آخر سهم تبقى للألفي في جعبته ~~لم تأت بأية نتيجة؛ ms0478 فقد أجاب «أربثنوت» من القسطنطينية في 15 ~~يناير 1807 على رسائل «مسيت» تلك التي بعث بها هذا الأخير إليه ~~بأن وكيل الألفي قد زاره وأخبره بانتصار الألفي على محمد علي، ~~وراح يطلب منه وساطته لدى الباب العالي، ثم استطرد يقول إنه ~~يرفض القيام بهذه الوساطة بسبب الظروف الراهنة (إعلان الحرب ~~بين تركيا وروسيا حليفة إنجلترة وتهيؤ هذه لإرسال الأميرال ~~«داكويرث» إلى مياه القسطنطينية والجنرال «فريزر» إلى ~~الإسكندرية)، ولا سيما بعد كل ما حدث في المفاوضات السابقة بين ~~كتخدا الألفي وبين الباب العالي، وينصح «مسيت» لذلك بعدم ~~التدخل إلا إذا رأت الحكومة الإنجليزية غير ذلك، وفضلا عن ذلك ~~فإنه يجب أن يكون أمرا مقررا ومفروغا منه أنه من المتعذر ~~كلية وضع أية ثقة في الألفي أو غيره من البكوات؛ لأن هؤلاء ~~جميعا سوف يطلبون دائما ودون أي تمييز مساعدة كل دولة قد ~~يتراءى لهم أن بوسعها خدمتهم وتحقيق مآربهم، وكذلك فمن الواجب ~~أن يعتبر أمرا مقررا ومفروغا منه أن الباب العالي لن يوافق ~~بحال من الأحوال على وساطتنا، وقد يطلب هذا مساعدتنا إذا فقد ~~مصر مرة ثانية، وقد يبحث عنها بنفسه وقتئذ، وحتى نجاحنا ذاته ~~سوف يكون مبعث حسدنا؛ لأنه بالرغم من المزايا التي قد تجنيها ~~الإمبراطورية العثمانية من انتصاراتنا فإن الذعر الذي سوف ينشأ ~~من بروز قوتنا بهذه الصورة لن تمكن إزالته من النفوس، فقد لا ~~يريد الباب العالي أن يرى الفرنسيين يبقون في مصر، ولكن طردهم ~~منها على يد الإنجليز سوف يكون بالنسبة للباب العالي بمثابة ~~اختبار بين أحد شرين. # ولكنه قبل وصول هذه التعليمات إلى «مسيت» كان الألفي قد رفع ~~الحصار عن دمنهور وبدأ انسحابه صوب الصعيد. # حقيقة كانت عروض إبراهيم وعثمان حسن له مغرية، وتؤذن بتوليه ~~رئاسة البكوات، لا سيما وأنه كان قد اشترط قبل الدخول في أي ~~اتفاق مع بكوات الصعيد إبعاد شاهين بك المرادي وبعض البكوات ~~الآخرين من بيت البرديسي ونفيهم إلى إبريم كضمان - في رأيه - ~~لقبول سائر البكوات لرئاسته بعد أن عارض إبراهيم وعثمان ms0479 وحسن ~~في تعيين شاهين المرادي خليفة للبرديسي، ثم كان من المتعذر ~~عليه البقاء في البحيرة بعد أن استنفد كل ما بها من زرع وضرع ~~حتى كادت تكون بلقعا يبابا، ولا سبيل إلى جلب المؤن منها ~~لجيشه، وذلك علاوة على ما تقدم من أسباب جعلت متابعة الحصار ~~مهمة شاقة عسيرة، إلا أنه كان من ناحية أخرى يشعر في قرارة ~~نفسه أنه لا يستطيع الاعتماد على البكوات القبالي في مؤازرته ~~ومعاضدته، أضف إلى هذا أن ذهابه إلى الصعيد سوف يجعله بعيدا ~~من المكان المترقب نزول الحملة الإنجليزية به، ولكن الوكلاء ~~الإنجليز - على نحو ما ذكر «دروفتي» في رسالته إلى «تاليران» ~~في 10 ديسمبر - لم يلبثوا أن أشاروا عليه بتلبية دعوة وكلاء ~~الصعيد حتى يفيد من الاضطرابات الواقعة في صفوفهم بعد وفاة ~~البرديسي، فقرر الألفي أن يبذل مجهودا أخيرا لإخضاع دمنهور، ~~حتى إذا دانت له بقي بها أو فك الحصار عنها مكرها، وانسحب من ~~البحيرة. # وكان الضيق قد أخذ كل مأخذ بأهل دمنهور لعدم وصول أية نجدات ~~إليهم، حتى إنهم بدءوا من أوائل ديسمبر يفكرون جديا في ~~التسليم، وبعثوا بمندوبيهم إلى الألفي للمفاوضة معه في ذلك، ~~وكادت تنفرج أزمته، ولكنه سرعان ما أضاع الفرصة بسبب جوره ~~وعسفه عندما قتل ثمانية وعشرين من الفلاحين كان العربان قد ~~فاجئوهم في أوقات مختلفة يتسللون من دمنهور ينقلون بعض المؤن ~~إليها، أو قبضوا عليهم وهم يحاولون الخروج منها خفية، فقتلهم ~~الألفي أيام العيد الصغير (12-15 ديسمبر)، ونفر منه بهذه ~~الفعلة الشنيعة أهل دمنهور، فأبطلوا مفاوضاتهم معه، ووطدوا ~~النفس على الدفاع إلى النهاية وحتى آخر رمق فيهم؛ وعلى ذلك، ~~فقد صدوا هجوما عنيفا قام به الألفي في 16 ديسمبر، وخسر في ~~هذا الهجوم الفاشل اثنين من كشافه وسبعة أو ثمانية من مماليكه ~~عدا العشرين من مشاته تقريبا، وهكذا أخفق آخر جهد له في إخضاع ~~دمنهور عنوة، ثم بدأ يحدق به الخطر من كل جانب عندما استولى ~~اليأس على جنده، وشحت الأقوات في معسكره، وخشي الجند والعربان ~~أن تفتك ms0480 بهم المجاعة، وصاروا يهددون بتركه إذا هو أصر على ~~البقاء أمام دمنهور، ثم خرجت أخيرا حامية رشيد لتعزيز حامية ~~الرحمانية وهي التي في وسعها منع مماليك الألفي وجنده من ~~الخروج إلى الدلتا، وبدأت قوات الباشا تتجمع في إمبابة للزحف ~~على دمنهور وتخليصها من الحصار المضروب عليها، وعندئذ لم يجد ~~الألفي مناصا من رفع الحصار عنها والانسحاب صوب الفيوم ~~والصعيد في 28 ديسمبر 1806. # وكان انسحاب الألفي على هذه الصورة هزيمة شنيعة له، فقال ~~«مسيت» في رسالته إلى «أربثنوت» في 31 ديسمبر يعلل هذا ~~الانسحاب بقوله: إن محمد علي يستعد استعدادا عظيما لشن هجوم ~~على الألفي، فعبر جزء من جيشه النيل معسكرا عند إمبابة على ~~الشاطئ الأيسر للنهر، ولا يلبث أن يلحق به بقية الجيش، وأعلن ~~الباشا أنه سيتولى بنفسه قيادة الحملة، وهذا بينما لا يعتبر ~~الألفي نفسه قويا بالدرجة التي تمكنه من مقاومة محمد علي ~~وجيشه، فقرر مغادرة البحيرة والانسحاب إلى الفيوم حيث تتاح له ~~الفرصة أن يتلقى وهو بها عند الضرورة الإمدادات من إخوانه ~~بالصعيد، وقد اضطر الألفي اضطرارا لاتخاذ هذه الخطوة، ويشعر ~~بالخجل لتركه حصار دمنهور، ومع أنه كان بوسعه فيما مضى ~~اقتحامها عنوة واقتدارا فقد آثر أن يحاصرها وأن يضطرها إلى ~~التسليم بتجويعها، ولكن الاستياء منه يسود اليوم جنده، وبخاصة ~~العربان الذين معه، حتى إنه صار يخشى إذا هو واجه العدو أن ~~يتركه رجاله، ذلك هو السبب الحقيقي لانسحابه إلى الفيوم ولو ~~أنه يرفض الاعتراف به ويعزو انسحابه إليها إلى قلة المؤن في ~~البحيرة. # وأما الشيخ الجبرتي فقد عزا اندحار الألفي وانصرافه عن ~~دمنهور إلى أسباب أربعة، فقال: ولما تنحت عشيرته ولم يلبوا ~~دعوته وأتلفوا الطبخة وسافر القبودان وموسى باشا من ثغر ~~إسكندرية، استأنف أمرا آخر وراسل الإنجليز يلتمس منهم ~~المساعدة وأن يرسلوا له طائفة من جنوده؛ ليقوى بهم على محاربة ~~الخصم كما التمس منهم في العام الماضي، فاعتذروا له بأنهم في ~~صلح مع العثماني، وليس في قانون الممالك إذا كانوا صلحا أن ~~يتعدوا على المتصادقين معهم، ولا ms0481 يوجهون نحوها عساكر إلا بإذن ~~منهم أو بالتماس المساعدة في أمر مهم، فغاية ما يكون المكالمة ~~والترجي، ففعلوا وحصل ما تقدم ذكره ولم يتم الأمر، فلما خاطبهم ~~بعد الذي جرى صادف ذلك وقوع النفرة بينهم وبين العثماني ~~فأرسلوا إليه يوعدونه بإنفاذ ستة آلاف لمساعدته، فأقام ~~بالبحيرة ينتظر حضورهم نحو ثلاثة شهور، وكان ذلك أوان القيظ ~~وليس ثم زرع ولا نبات، فضاقت على جيوشهم الناحية، وقد طال ~~انتظاره للإنجليز، فتشكى العربان المجتمعون عليه وغيرهم لشدة ~~ما هم فيه من الجهد، وفي كل حين يوعدهم بالفرج ويقول لهم: ~~اصبروا لم يبق إلا القليل، فلما اشتد بهم الجهد اجتمعوا إليه ~~وقالوا له: إما أن تنتقل معنا إلى ناحية قبلي فإن أرض الله ~~واسعة، وإما أن تأذن لنا في الرحيل نطلب القوت، فما وسعه إلا ~~الرحيل مكظوما مقهورا من معاندة الدهر في بلوغ المآرب، الأول ~~مجيء القبودان وموسى باشا على هذه الهيئة والصورة ورجوعهما على ~~غير طائل، الثاني عدم ملكه دمنهور، وكان قصده أن يجعلها معقلا ~~ويقيم فيها حتى تأتيه النجدة، الثالث تأخر مجيء النجدة حتى ~~قحطوا واضطروا إلى الرحيل، الرابع وهو أعظمها مجانبة إخوانه ~~وعشيرته وخذلانهم له وامتناعهم عن الانضمام إليه. # وسار الألفي في انسحابه بخطوات بطيئة، يتقدم جيشه شاهين بك ~~الألفي ، ويعيث هذا الحشد من أجناد ومماليك وعربان حوالي السبعة ~~أو الثمانية آلاف بعتادهم وحيوانهم فسادا في كل مكان مروا به، ~~وأحرق شاهين الألفي قريتين بالقرب من طرانة، واقترب هذا الحشد ~~العظيم من وردان (7 يناير 1807)، وبدأت تصله الأنباء عن فشل ~~محاولاته لإبعاد شاهين بك المرادي وزملائه من أنصار البرديسي؛ ~~ذلك أن هذا الشرط الذي اشترطه الألفي للذهاب إلى الصعيد لم ~~يلبث أن أثار تذمر البكوات، فانحاز سليمان بك الجرجاوي إلى ~~شاهين المرادي وضما كل المشاة في بيت البرديسي، وصار لهما حزب ~~قوي، وأبدى محمد علي نشاطا عظيما لمواجهة جيش الألفي، فحشد ~~هو الآخر حوالي الأربعة آلاف من جنده منذ 12 يناير ذهب بهم إلى ~~شبرا الخيمة ثم احتل إمبابة وجعلها مركزه ms0482 العام، وكان شاهين ~~الألفي قد احتل قبل ذلك بيوم واحد الكوم الأسود وهي قرية تقع ~~إلى الجنوب الغربي من إمبابة وفي سفح الأهرام تقريبا، فدارت ~~بين الفريقين معركة في 13 يناير، وارتد شاهين الألفي بعد أن ~~جرح إلى الكوم الأسود، وبدلا من أن تتعقبه الأرنئود وبالرغم ~~من إلحاح محمد علي عليهم في ذلك آثروا العودة إلى القاهرة ~~ورفعوا عقيرتهم من جديد يطالبون بمرتباتهم المتأخرة، فاستطاع ~~الألفي أن يواصل سيره بسلام، فبلغ كفر حكيم في 27 يناير، ~~وانتشر جيشه بالبر الغربي ناحية إمبابة والجيزة، وغادر الألفي ~~كفر حكيم في اليوم نفسه، ورتب محمد علي وأصناف العساكر ووقفوا ~~على ظهر خيولهم، واصطفت الرجالة ببنادقهم وأسلحتهم، ومر الألفي ~~في هيئة عظيمة هائلة وجيوش تسد الفضاء وهم مرتبون طوابير على ~~هيئة عسكر الفرنسيين ومعهم طبول بكيفية قرعت عقولهم، وصحبته ~~قبائل العرب من أولاد علي والهنادي وعربان الشرق في كبكبة ~~زائدة، والباشا والعساكر وقوف ينظرون إليهم من بعيد، والباشا ~~ينظر إليه تارة بعينه وتارة بالنظارة وهو يتعجب ويقول: هذا ~~طهماز الزمان وإلا إيش يكون؟ ثم قال للدلاة والخيالة: تقدموا ~~وحاربوا وأنا أعطيكم كذا وكذا من المال ... فلم يتجاسروا على ~~الإقدام، وصاروا باهتين ويتناجون فيما بينهم ويتشاورون في ~~تقدمهم وتأخرهم، وقد أصابوه بأعينهم. # وكان الألفي قد تأكد لديه قبل ذلك في 26 يناير خبر إخفاق ~~مشروعه الذي أراد منه السيطرة على البكوات في الصعيد، فقد ~~استطاع شاهين المرادي تقوية حزبه، واتخذ من اشتراط الألفي نفي ~~أنصار البرديسي إلى إبريم وسيلة لجمع المؤيدين حوله لمعارضة ~~إبراهيم بك وعثمان حسن بالقوة إذا اقتضى الأمر، وتسلم الشاهين ~~المرادي رئاسة جماعة البرديسي من جديد، بينما انسحب عثمان حسن ~~إلى أبنوب وإبراهيم بك إلى أسيوط، وأدرك الألفي أنه صار من ~~المتعذر عليه جمع بكوات الصعيد حوله، أو انتظار اتحاده معهم في ~~أي مجهود حربي مشترك ضد محمد علي، فأحزنه هذا الفشل، واستبد به ~~الغيظ والغضب، وفي 28 يناير وصل جيشه إلى قرب قناطر ~~شبرامنت. # وخرج يتريض على حصانه وخلفه بعض المشاة ms0483 خارج المعسكر، وكان ~~ذلك بناحية المحرقة بالقرب من دهشور، فشاهد بعض جمال للبدو في ~~حقل مزروع قمحا، فأحنقه ذلك وقتل بيده في سورة غضبه أربعة من ~~البدو الذين صادفهم في الحقل، وكان من بينهم شيخ قبيلة، فلما ~~عاد إلى خيمته انتابته تشنجات عصبية صحبها قيء من الدم والصفار ~~الكثير، وشعر بدنو أجله فجمع فورا كل بكوات بيته، ورأس عليهم ~~شاهين بك الألفي، وأوصاهم بالاتحاد فيما بينهم، والاستمرار قبل ~~كل شيء على مقاومة محمد علي، والذهاب إلى الصعيد للانضمام إلى ~~سائر البكوات هناك، كما أوصاهم أن يحملوه إذا مات إلى وادي ~~البهنسا، وأن يدفنوه بجوار قبور الشهداء، ثم مات في تلك الليلة ~~وهي ليلة الأربعاء 19 ذي القعدة 1221 (27-28 يناير 1807)، وكان ~~عمره عند وفاته خمسا وخمسين سنة، وقال بعض من حضروا وفاته: ~~إنه سرعان ما صار لون جثته داكنا، واستنتجوا من ذلك أنه مات ~~مسموما، واتهموا بسمه إحدى نسائه ابنة شيخ القبيلة العربي ~~الذي قتله الألفي، فانتقمت لأبيها بإعطائه السم، واختلفت ~~الروايات في سبب وفاته، فقال الجبرتي: «إن خلطا دمويا تحرك ~~به وفي الحال تقيأ دما»، وقال آخرون: إنه قضى نحبه من جراء ~~إصابته بالكوليرا، وفي رأي «مسيت» أنه أصيب بالتهاب في الرئة ~~قضى عليه، وقد نجحت هذه الإصابة - على حد قول «مسيت» في رسالته ~~إلى «أربثنوت» في 7 فبراير 1807 عن المجهود العظيم الذي بذله ~~الألفي في قتاله الأخير مع جند الباشا، وقال «دروفتي» وهو ينقل ~~هذا الخبر إلى حكومته في 2 فبراير: إن الألفي قد مات في 27 ~~يناير، وهناك رأيان في سبب وفاته الفجائية: أولهما استبداد ~~سورة الغضب به بعد أن قتل بيده أربعة من البدو، أحدهم شيخ ~~قبيلة، وثانيهما أن ابنة هذا الشيخ المقتول وكانت من نساء ~~الألفي قد دست له السم. # وقال الشيخ الجبرتي: «إن الألفي عند وصوله إلى قرب قناطر ~~شبرامنت نزل على علوة هناك، وجلس عليها، وزاد به الهاجس ~~والقهر، ونظر إلى جهة مصر القاهرة، وقال: يا مصر انظري إلى ~~أولادك وهم حولك ms0484 مشتتين متباعدين مشردين، واستوطنك أجلاف ~~الأتراك واليهود وأرذال الأرنئود، وصاروا يقبضون خراجك، ~~ويحاربون أولادك، ويقاتلون أبطالك، ويقاومون فرسانك، ويهدمون ~~دورك، ويسكنون قصورك، ويفسقون بولدانك وحورك، ويطمسون بهجتك ~~ونورك، ولم يزل يردد هذا الكلام وأمثاله حتى إذا حدث له ما ~~حدث، وشعر بقرب منيته قال: قضي الأمر، وخلصت مصر لمحمد علي، ~~وما ثم من ينازعه ويغالبه، وجرى حكمه على المماليك المصرية، ~~فما أظن أن تقوم لهم راية بعد اليوم.» # وأما محمد علي فكان نائما في خيمته على الضفة اليسرى للنهر ~~بالقرب من الجيزة عندما دخل عليه أحد عربان الهنادي في 29 ~~يناير يطير إليه خبر وفاة الألفي، فلم يصدقه الباشا؛ لأن ~~أتباع الألفي كانوا قد تكتموا الخبر ولم يشيعوه في العرضى، ~~والذي أشاع الخبر وأتى بالبشارة رقيق البدوي الذي حمل جثمان ~~الألفي على بعيره إلى البهنسا حيث دفن بها بجوار الشهداء، فلما ~~تأكد الباشا بعد ذلك من وفاة الألفي أغدق على المبشر بذلك ~~العطايا وألبسه فروة سمور ثم أمره أن يركب بتلك الخلعة، ويشق ~~بها من وسط المدينة ليراه أهل البلدة (القاهرة)، وشاع ذلك ~~الخبر في الناس الذين لم يصدقوه، وراحوا يقولون: إن هذا من ~~جملة تحيلات الألفي، فإنه لما سافر إلى بلاد الإنجليز لم يعلم ~~بسفره أحد، ولم يظهر سفره إلا بعد أشهر؛ فلذلك أمر الباشا ذلك ~~المبشر أن يركب بالخلعة ويمر بها من وسط المدينة، ومع ذلك ~~استمروا في شكهم نحو شهرين حتى قويت عندهم القرائن بما حصل بعد ~~ذلك، فإنه لما تفرقت قبائل العربان التي كانت متجمعة حوله، ~~وبعضهم أرسل يطلب أمانا من الباشا وغير ذلك ثبت لديهم موت ~~الألفي. # وكان من أثر تحقق وفاة الألفي أن عددا كبيرا من سكان ~~وأعيان القاهرة الذين كانوا قد انضموا إليه، ما لبثوا أن تركوا ~~شاهين بك خليفته، وحذا حذوهم أحد كشافه وجماعة من فرسان ~~المماليك، وآخرون من مشاة الأتراك والأرنئود والنوبيين الذين ~~كانوا في خدمته وانضموا إلى محمد علي، كما انفصل أولاد علي عن ~~شاهين بك ورجعوا إلى بلادهم، وأما ms0485 شاهين بك ومماليك الألفي ~~وأجناده الباقون وسائر البكوات فقد ارتحلوا إلى الصعيد. # وبوفاة الألفي تخلص محمد علي من أشد خصومه عداوة له، وأعظمهم ~~خطرا على ولايته، ولقد كان محمد علي نفسه يقول: ما دام هذا ~~الألفي موجودا لا يهنأ لي عيش، ومثالي أنا وهو مثال بهلوانين ~~يلعبان على الحبل لكن هو في رجليه قبقاب، فلما أتاه المبشر ~~بموته قال بعد أن تحقق ذلك: الآن طابت لي مصر - أو الآن ملكت ~~مصر - وما عدت أحسب لغيره حسابا. وقد عد موت الألفي - على حد ~~ما ذكره الجبرتي - «من تمام سعد محمد علي باشا ~~الدنيوي.» # الفصل الثاني # | تنازع النفوذ بين «مسيت» و«دروفتي» # تمهيد # عانى محمد علي الشيء الكثير من خصومة الألفي له، حتى إن ~~التنازع على السلطة والحكم صارا منحصرا - في واقع الأمر خلال ~~عام 1806 وحتى وفاة الألفي في يناير من العام التالي - بين ~~محمد علي وغريمه الأكبر؛ لأن الألفي تميز عن سائر البكوات بأنه ~~الرجل الذي حدد مقصده من نضاله مع محمد علي، وهو انتزاع الحكم ~~منه، ولم تثنه عن عزمه إغراءات غريمه، بل وعمد إلى تمويهات ~~المفاوضة على غرار ما فعل الباشا نفسه معه، سواء محمد علي حتى ~~يبطل نشاطه ويتسنى له تقوية نفسه لاستئناف النضال، أو مع ~~العلماء والمشايخ الذي آزروا خصمه حتى ينفرهم منه ويجذبهم ~~إليه، وبينما تخاذل سائر البكوات وركنوا إلى الاستقرار بالصعيد ~~منذ أن قضى على حكومتهم في القاهرة (1804) ثم فرقتهم ~~الانقسامات، تفاوض مندوبو الألفي في القسطنطينية، وكان نجاحهم ~~مبعث تلك الأزمة الخطيرة - أزمة النقل إلى سالونيك - التي كادت ~~تطيح بولاية محمد علي في مصر، ووثق الألفي صلاته بالوكلاء ~~الإنجليز، وكانت هذه الصلات بينه وبين «مسيت» على وجه الخصوص ~~مصدر خطر مستمر لحكومة محمد علي، فقد كمنت خصومة «مسيت» لمحمد ~~علي وراء خصومة الألفي، وشجعت هذا الأخير على المضي قدما في ~~مشروعاته لتأسيس حكومة مملوكية في مصر بزعامته. # ومنذ أن بدأ محمد علي كفاحه عقب المناداة بولايته من أجل ~~البقاء في الحكم، كان لا ندحة له ms0486 عن أن يدخل في حسابه خصومة ~~«مسيت»، مع أنه ظل طوال هذا النضال المرير لا يدع فرصة تمر دون ~~أن يظهر رغبته في كسب تأييده ولكن دون طائل، بل دأب هذا؛ أي ~~«مسيت» على المراوغة والنفاق حتى يصرف الباشا ما قد يساوره من ~~شكوك من ناحية، وحتى يبطل مساعي خصومه الوكلاء الفرنسيين لدى ~~الباشا ضده، وكان مبعث خصومة «مسيت» لمحمد علي تصميمه على ~~إعادة ما كان للبكوات من سلطات سابقة إليهم لاعتقاده أن في ~~قدرتهم وحدهم الدفاع عن مصر ضد الغزو الفرنسي إذا تجدد بسبب ~~تطور الحرب بين إنجلترة وفرنسا، ولما كان البكوات منقسمين إلى ~~فريقين: أحدهما بزعامة البرديسي ويعتمد على مؤازرة فرنسا له، ~~فقد صار طبيعيا أن يبذل «مسيت» قصارى جهده لمناصرة الحزب ~~الآخر الذي أظهر ولاءه لإنجلترة بزعامة الألفي، لا سيما وقد ظل ~~الألفي يؤكد هذا الولاء، ويعقد آماله في النصر وتسلم زمام ~~الحكم على مؤازرة الإنجليز له، واعتمد «مسيت» من جهته على ~~الألفي ومماليكه وأتباعه كالقوة التي في استطاعتها بما لديها ~~من فرسان معاونة الإنجليز عند مجيء حملتهم إلى مصر، لا لدفع ~~الغزو الفرنسي عنها فحسب، بل وكذلك - كما أراد «مسيت» - ~~لاحتلال البلاد وامتلاكها. # ولم يكن نشاط «مسيت» مع الألفي أو مساعي رجال السفارة ~~الإنجليزية في القسطنطينية لصالح المماليك سرا مكتوما، ومع ~~أن أحدا من الوكلاء الإنجليز ورجال سفارتهم لم يتدخل في ~~المفاوضات التي انتهت بتقرير إعطاء الألفي مشيخة البلد ونقل ~~محمد علي إلى سالونيك، فقد اعتقد «دروفتي» أن أعداء فرنسا وهم ~~الإنجليز قد نجحوا بفضل مكائدهم ونفوذهم في حمل الباب العالي ~~على إرجاع السلطة إلى البكوات، وأدهش «دروفتي» أن يرضى الباب ~~العالي بمقتضى النظام الجديد بإعطاء الألفي كل هذه السلطة ~~العظيمة؛ حيث يضع ذلك موارد البلاد بأسرها في أيدي الإنجليز ~~حماة الألفي، ويؤذي هذا العمل مصلحة الباب العالي نفسه، ولقد ~~كان هذا الاعتقاد كافيا لأن يبذل «دروفتي» جهده لتحطيم ~~مشروعات الألفي، وكان «دروفتي» قد وضع نصب عينيه - نزولا على ~~تعليمات حكومته العامة وتوجيهاتها - مكافحة النفوذ الإنجليزي ms0487 ~~في مصر وإبطال مساعي الوكلاء الإنجليز لدى البكوات المماليك ~~لجذبهم إلى جانبهم، فلما أن عاد الألفي من سفارته في لندن، ~~وصار الوكلاء الإنجليز يعقدون آمالا كبارا في المدة التالية ~~على استطاعته تأسيس الحكم المملوكي في مصر تحت رعايتهم ثم ~~انبروا يؤيدونه أثناء أزمة النقل إلى سالونيك، تبين ل «دروفتي» ~~قطعا أن إحباط هذه المحاولات مرتبط من ناحية أخرى بتأييد ~~الحكومة التي يسعى الألفي والإنجليز لهدمها؛ أي حكومة محمد ~~علي. # وعلى ذلك فقد شهدت الفترة التي تلت المناداة بولاية محمد علي ~~صراعا عنيفا بين «مسيت» و«دروفتي»، بدأ كحلقة من حلقات ~~التنازع بين إنجلترة وفرنسا على النفوذ في مصر وفي صورته ~~الأولى غير المتكافئة؛ بسبب إيجابية السياسة الإنجليزية وسلبية ~~تلك الفرنسية، ثم اتخذ طريقا جديدا بعد ذلك بفضل ما طرأ من ~~تبدل على السياسة الفرنسية المحلية نقلها من سلبيتها السابقة ~~إلى محاولة التدخل تدخلا إيجابيا في شئون البلاد والتأثير ~~على مجريات الحوادث بها، فصار النزاع بين الفريقين متكافئا، ~~واتخذ في مرحلته الحاسمة صورة النضال من أجل تأييد الألفي كما ~~فعل «مسيت» أو تأييد محمد علي كما فعل «دروفتي». # وأفاد محمد علي من هذا الصراع فائدة كبرى، بفضل ما كان ~~لنصيره «دروفتي» من صفات المهارة الفائقة والنشاط الجم، ~~والجرأة البالغة التي ميزته عن خصمه، وضمنت له التفوق عليه، ~~وجعلته يبتدع سياسة إيجابية محلية يمضي قدما في تنفيذها، ~~ويتحمل وحده مسئوليتها، بينما كان «مسيت» بطيء الحركة، لا قدرة ~~له على ابتكار الأساليب التي تمهد له طريق الفوز، أو تنفيذ ~~الخطط التي يعهد بها إليه تنفيذا يكفل له النجاح، لا يتسع أفق ~~تفكيره لإدراك ما يترتب على انقلاب مايو 1805 الذي أوصل محمد ~~علي إلى الولاية من آثار لا غنى له عن إدخالها في حسابه إذا ~~شاء رعاية المصالح الإنجليزية والحيلولة دون وقوع غزو أجنبي ~~على مصر من ناحية فرنسا، هدف سياسة حكومته المباشر من كل ~~نشاطها منذ جلاء جيشها عن مصر في 1803، بل فوت على نفسه وعلى ~~حكومته الفرصة بسبب إصراره في عناد على ms0488 مؤازرة المماليك ~~والألفي، ومطالبته حكومته باحتلال الإسكندرية تمهيدا - كما ~~أراد - لاحتلال مصر بأسرها، وذلك بدلا من تهيئة السبل لدعم ~~أركان الحكومة القائمة وتقويتها بالدرجة التي تمكنها من الدفاع ~~عن البلاد ورد الغزو الأجنبي عنها. # وقد خسر «مسيت» معركة تنازع النفوذ مع غريمه «دروفتي»؛ لأنه ~~ألقى بثقله لترجيح الكفة الخاسرة كفة الألفي والمماليك عموما، ~~وهم الذين فرقت بينهم الخلافات والأحقاد الشخصية، وسيطرت ~~الأنانية على نشاطهم، ثم فات «مسيت» أن يدرك حقيقة على درجة ~~عظيمة من الأهمية، هي أن الفصل في مصير هذه البلاد ارتهن في ~~نظر الحكومة الإنجليزية بتطور النضال بينها وبين حكومة ~~الإمبراطور الفرنسي، وعلاقة كل من هاتين الحكومتين بتركيا ~~صاحبة السيادة الشرعية على مصر. وما كانت إنجلترة تريد احتلال ~~مصر كجزء من خطتها العسكرية والسياسية الموضوعة وقتئذ، وما ~~كانت لتؤثر بقاء قواتها في هذا البلد على استخدامها في ميادين ~~أخرى إذا تبين لها أن مبعث الخطر الذي يتهددها ليس غزوا ~~فرنسيا يقع على مصر ولكن سيطرة نابليون في أوروبا ~~ذاتها. # ولقد أسدى «دروفتي» خدمات جليلة لمحمد علي أعانته بدرجة ~~كبيرة على اجتياز الأزمات التي صادفتها حكومته في دور التجربة ~~والاختبار الذي كان عليها أن تمر به، وكانت خصومة «مسيت» مبعث ~~صعوبات عديدة له، وبينما حدث تنازع على النفوذ بين «مسيت» ~~و«دروفتي» عرفنا أسبابه وأصوله انفسح ميدان للنشاط الأجنبي في ~~مصر عرف محمد علي كيف يفيد منه قبل كل شيء لزيادة التفرقة ~~والانقسام بين المماليك وشك حركة بكوات الصعيد في الوقت الذي ~~وجب عليه فيه أن يكرس كل جهوده لتخطي أزمة النقل إلى سالونيك ~~بسلام أولا، ثم التفرغ لملاقاة الإنجليز الذين جاءوا لاحتلال ~~الإسكندرية في عام 1807 ثانيا. ~~(1) خصومة «مسيت» لمحمد علي # وينتمي «أرنست مسيت» إلى أسرة السير جون «ستيوارت» الذي حضر ~~المكيدة المعروفة ضد البكوات في أكتوبر 1801، ثم أوفد في بعثته ~~التي سبق الكلام عنها إلى تركيا وإلى مصر في عام 1802 وتولى ~~مهمة إخلاء الجيش الإنجليزي للبلاد في مارس من العام التالي، ~~وقد عمل «مسيت» ياورا للجنرال «ستيوارت»، ms0489 وأوفده الأخير ~~لمقابلة الألفي عند بركة غطاس قبيل معركة دمنهور (20 نوفمبر ~~1802) وبعدها، ثم إنه عندما وصله أمر حكومته بإبقاء ضابط مقيم ~~بالقاهرة بعد رحيل الجيش البريطاني من مصر للاتصال مع ممثل ~~الباب العالي بها ومع سفير بريطانيا في القسطنطينية، بشأن كل ~~الأمور التي قد تتعلق بما نجم عن إقامة الجيش بالبلاد؛ أي فيما ~~يتعلق بحكومة الباشا العثماني من جهة وبنشاط المماليك من جهة ~~أخرى، وتعطيل المكائد الفرنسية من جهة ثالثة، فقد وقع اختيار ~~«ستيوارت» على الميجور «مسيت» لملء هذا المنصب، وأبلغ الباشا ~~العثماني وقتئذ، خسرو محمد نبأ هذا التعيين في 21 يناير 1803، ~~وبعث إليه بمسيت حتى يبلغه ما لدى ستيوارت من تعليمات بشأن ~~الجلاء، ورغبة حكومته في وجود مقيم لها بالقاهرة للأغراض ~~السالفة الذكر، وحتى يشرف «مسيت» في الوقت نفسه وبصورة مؤقتة ~~على مصالح بريطانيا التجارية في مصر وعلى شئون رعاياها أو ~~الأجانب الذين هم تحت حمايتها، وقد رحب خسرو باشا 9 فبراير ~~بوجود مقيم بريطاني في مصر له الاختصاصات التي ذكرها الجنرال ~~«ستيوارت»، وسره أن يقع اختيار الأخير على الميجور «مسيت» ~~للقيام بهذه المهمة؛ وعلى ذلك فقد بقي «مسيت» ضمن أعضاء البعثة ~~التي تركها «ستيوارت» في مصر قبل مغادرته البلاد، وكانت تتألف ~~- على نحو ما سبقت الإشارة إليه عند بسط السياسة الإنجليزية ~~الإيجابية في مصر - من الكابتن هايز والسيد بريجز إلى جانب ~~«مسيت» نفسه، وكانت مهمة الأخير إلى جانب ما ذكرناه حسبما جاء ~~في تعليمات «ستيوارت» إليه في 8 مارس الوقوف على آراء خسرو ~~محمد الباشا العثماني، في المسائل التي هي موضع اهتمام حكومة ~~لندن، وفي 9 مارس أبلغ «ستيوارت» اللورد «هوبارت» نبأ تعيينه ~~الميجور «مسيت» الذي قام بوظائف سكرتيره وكيلا بريطانيا في ~~مصر. # وقد اعتبر وجود هذه البعثة المؤلفة من «هايز» و«مسيت» ~~و«بريجز» ذا منفعة كبيرة في وقت كان من المنتظر أن يزول فيه ~~بعد رحيل الجيش البريطاني من مصر مبعث الخوف الذي ظل يردع ~~العثمانيين والمماليك أثناء وجود الإنجليز عن الانغماس في ~~خصومتهم ضد بعضهم بعضا ms0490 أو يخشى فيه أيضا من أن يتناسى هؤلاء ~~تلك النصائح الثمينة التي حرص على إسدائها إليهم دائما قواد ~~الحملة وكبار رجالها لإنهاء نزاعاتهم والتوفر على تمكين البلاد ~~من الدفاع عن نفسها ضد الغزو الأجنبي. # وأما «مسيت» فقد اتخذ مقره بالقاهرة إلى أن انتقل في فبراير ~~1804 إلى الإسكندرية، ثم ظل يشغل منصب الوكيل البريطاني في مصر ~~حتى أبلغه «أربثنوت» السفير الإنجليزي في القسطنطينية في 5 ~~يونيو 1806، أنه قد جاءته من إنجلترة أوراق اعتماده (أي اعتماد ~~«مسيت») قنصلا عاما لحكومة جلالة الملك في مصر، وأنه (أي ~~«أربثنوت») قد نال تثبيت هذا الاعتماد من الباب العالي. # ورسخ في ذهن «مسيت» لتأثره بآراء العسكريين والسياسيين ~~الإنجليز الذين عنوا بموضوع الدفاع عن مصر بعد جلاء جيشهم ~~عنها، ثم بما بذل من جهود سواء في القاهرة أو في القسطنطينية ~~لإنهاء النزاع بين الباب العالي وبين البكوات المماليك لإمكان ~~ترتيب هذا الدفاع، أن الأخيرين وحدهم هم الذين في استطاعتهم ~~إذا استرجعوا سلطانهم القديم في حكم هذه البلاد رد الغزو ~~الأجنبي الفرنسي عنها، ولم يفد تطور الحوادث شيئا في زحزحة ~~«مسيت» عن اعتقاده، بل على النقيض من ذك كان يتزايد عناده ~~بدرجة توفر الأدلة على أن المماليك لن ينجحوا في إنشاء حكومة ~~ثانية في مصر، ويبدو أن هذا العناد قد استبد به حتى إنه أفقده ~~القدرة على وزن الأمور وزنا صحيحا وجعله ينخدع بظواهرها في ~~أحايين كثيرة، وكان - علاوة على ذلك - من أهم بواعث حقده على ~~محمد علي. # وظهر عجز «مسيت» عند أول أزمة صادفته بعد تسلمه مهام منصبه ~~في القاهرة، عندما طرد خسرو باشا من الولاية وأعلنت قائمقامية ~~طاهر باشا، وقد كان ما حدث عصيانا ظاهرا على الباب العالي ~~الذي أقصى ممثله الشرعي عن الحكم، ومع ذلك فقد كتب «مسيت» إلى ~~«هوبارت» في 8 مايو 1803 يصف مركزه بأنه صار دقيقا؛ لأنه لا ~~يدري هل يعتبر طاهر باشا عاصيا على الدولة أم من رعاياها ~~المخلصين؟ # بيد أن مقتل طاهر باشا بعد قليل أغنى «مسيت» عن الفصل ms0491 في هذه ~~المسألة، ولو أن الحوادث ما لبثت أن تلاحقت بسرعة بعد ذلك إثر ~~بعضها بعضا حتى شهد «مسيت» تأسيس الحكومة الثلاثية في القاهرة ~~من البرديسي وإبراهيم ومحمد علي، ومع أنه توقع أن تنفصم عرا ~~الاتحاد بين البكوات وبين الأرنئود وزعيمهم محمد علي قبل مضي ~~وقت طويل، فإنه لم يتخذ للأمر عدته؛ فلم يفلح في استمالة ~~البكوات أصحاب السلطة في القاهرة، وهم الذين اعتقد «مسيت» أنهم ~~على صلات وثيقة بالوكيل الفرنسي «ماثيو لسبس» ويؤيد عثمان ~~البرديسي على وجه الخصوص المصلحة الفرنسية، ولم يفلح في كسب ~~ثقة محمد علي والأرنئود وهم القوة العسكرية التي استندت عليها ~~الحكومة المملوكية والتي دلت حوادث إخراج أحمد باشا والي ~~المدينة وينبع من البلاد ودعوة البكوات أنفسهم لتسليم مقاليد ~~الحكم في القاهرة على أنهم قوة ذات أثر في الموقف لا يجوز ~~إغفالها، زد على ذلك أن البكوات بنزاعهم مع علي باشا الجزائرلي ~~الذي تعين لباشوية القاهرة كانوا عصاة وثوارا على الباب ~~العالي، ولكن «مسيت» بقي بالقاهرة، واستأثر بانتباهه الموضوع ~~الذي شغله دائما وهو ترتيب الدفاع عن مصر، فقد علم بأن ~~إنجلترة أعلنت الحرب في 16 مايو 1803 على فرنسا وهولندة ~~والجمهورية الإيطالية ومملكة أتروريا، فبعث بهذا الخبر إلى ~~حكومة الهند، وصار - كما قال في رسالته إلى «هوبارت» من ~~القاهرة في 8 يوليو يشير بشدة على البكوات بأن يضعوا قوات ~~قادرة على الدفاع في كل من دمياط ورشيد، وبأن يشرعوا فورا في ~~إصلاح قلعة أبي قير المهدمة، مبينا لهم ضرورة هذه الخطوات ~~التي يتسنى عند اتخاذها دفع الغزو الفرنسي عن البلاد، وهو غزو ~~من المحتمل وقوعه إذا أفلت الفرنسيون من مراقبة أسطول الإنجليز ~~اليقظة. # ولما كان عثمان البرديسي يبذل جهده في هذه الآونة لإغراء ~~«ماثيو لسبس» على ترك الإسكندرية والمجيء إلى القاهرة ويؤكد له ~~صداقته للأمة الفرنسية، وكانت الحكومة الثلاثية علاوة على ذلك ~~مشغولة بمطاردة خسرو وتدبر أمر علي الجزائرلي؛ فقد تلقى ~~البكوات مشورة «مسيت» بالاحترام، ووعدوه باتباع نصائحه، ولكن ~~«مسيت» كان يعلم أنهم لن يفعلوا شيئا ms0492 مما أشار به عليهم، ~~واعترف بشعوره أنه لا يصح الاعتماد على أقوالهم كثيرا، وتوقع ~~لذلك أن العدو أو الفرنسيين سوف لا يجدون صعوبة تذكر إذا ~~حاولوا وقتئذ فتح هذه البلاد، وتحير «مسيت» في أمره، كيف يكسب ~~البكوات في القاهرة إلى جانبه؟ فهداه تفكيره - على نحو ما ذكر ~~في رسالة أخرى للورد «هوبارت» في اليوم نفسه - أن المال ومظاهر ~~الثراء هما اللذان يكفلان نجاح الدولة الأجنبية في بلدان الشرق ~~فيقول: إن عملاء أو وكلاء الدول الأجنبية في مصر يمارسون ~~التجارة مما يعود عليهم بأرباح مالية طائلة، ويجعل لهم أصدقاء ~~من بين المتصلين برجال الحكم، فيتمتعون لذلك بنفوذ لا يمكن أن ~~يكون لهم إذا هم اقتصروا على استخدام الوسائل الشريفة في ~~نشاطهم فحسب، زد على ذلك أن هذا الثراء يكسبهم فخامة المظهر ~~الذي يتزايد أيضا بنسبة نفوذهم، وللثروة في البلاد الشرقية ~~القدرة على إرغام الناس على احترام أصحابها، وليست لي هذه ~~المزايا، وبدونها لا يمكن أن يصبح لي نفوذ على البكوات في ~~تشكيل آرائهم أو لمحاولة معرفة أغراضهم، وللوصول إلى ذلك أهمية ~~كبرى في هذه الظروف وبخاصة إذا أرسل الباب العالي ضدهم جيشا ~~إلى مصر. # وقد يكون هذا التفسير الذي علل به «مسيت» انعدام أي نفوذ له ~~على بكوات القاهرة أو عدم احترام هؤلاء له صحيحا، ولكن الثابت ~~أن مبعث ازدراء هؤلاء له وخصوصا عثمان البرديسي إنما كان سوء ~~تصرف «مسيت» أثناء مهمة «فشنتزو تابرنا» الذي أوفده السير ~~«ألكسندر بول» سكرتيرا لبعثة الميجور «مسيت» لجس نبض البكوات ~~فيما يتعلق بتنفيذ مشروع «بول» الخاص بالدفاع عن مصر، فقد أفهم ~~«مسيت» البكوات أن «تابرنا» مزود بسلطات من الحكومة الإنجليزية ~~لعقد اتفاق مع هؤلاء لمساعدتهم في تحصين الشاطئ المصري والدفاع ~~عن البلاد وأن في وسع البكوات أن ينتظروا كل معاونة من مالطة، ~~حتى إن هؤلاء ما لبثوا أن أوفدوا سليم أفندي مندوبا عنهم ~~للمفاوضة وإبرام الاتفاق مع السير «ألكسندر بول» في مطالة، ~~ولكن فشل سليم أفندي في مهمته للأسباب التي ذكرناها في موضعها ~~جعل البرديسي ms0493 يعتقد - كما قال «لسبس» في رسالته إلى «تاليران» ~~في أول ديسمبر 1803 - أن «مسيت» قد خدعه فأساء البكوات معاملة ~~«مسيت» ومنعه كبرياؤه من ذكر ذلك في رسائله إلى حكومته، ولو ~~أنه اعترف في رسالته إلى اللورد «هوبارت» في 11 فبراير 1804 - ~~وقد أشرنا إليها عند الكلام عن سوء الحكم والإدارة في عهد ~~الحكومة الثلاثية - بأنه اضطر إلى مقاومة لغة التهديد التي ~~خوطب بها بإظهار عزمه على إطلاق النار على كل من تحدثه نفسه ~~باقتحام منزله عليه مهما كانت مرتبته، كما اختتم رسالته هذه ~~بقوله إنه وجد بقاءه بالقاهرة غير مأمون العواقب، وإنه لذلك ~~سوف يغادرها حالا إلى الإسكندرية، وقد غادر القاهرة فعلا في ~~23 فبراير 1804. # وكان مما نفر البكوات منه وزاد البرديسي اعتقادا بأنه إنما ~~يبغي التدليس عليه وخديعته، أن «مسيت» باعترافه هو نفسه بينما ~~كان يؤكد للأهلين عدم احتمال مجيء الفرنسيين إلى هذه البلاد ~~راح يؤكد للبكوات أن الغزو الفرنسي أمر مفروغ منه وواقع لا ~~محالة، وقد حاول «مسيت» تبرير مسلكه الخاطئ هذا بقوله - في ~~رسالته إلى «هوبارت» من الإسكندرية في 27 فبراير - إنه كان ~~يهدف إلى منع الأهلين من تشجيع الوكيل الفرنسي «ماثيو لسبس» ~~على المضي في دسائسه ومكائده، وهو الذي يعتبر بطبيعة الحال أن ~~صداقة شعب لحق به الأذى قد يصبح عاملا قويا في إمكان تحقيق ~~مشروعات الجمهورية الفرنسية، ومع أن الألفي منافس البرديسي ~~وغريمه كان قد عاد من سفارته إلى لندن مؤيدا من الإنجليز، فقد ~~خيل إلى «مسيت» أن بوسعه استخدام لغة الوعد والوعيد مع ~~البرديسي حتى يجذبه إلى تعزيز المصالح البريطانية، فذكر في ~~كتابه إلى «هوبارت» في 22 فبراير؛ أي قبل مغادرته القاهرة بيوم ~~واحد أنه أبلغ «تابرنا» بسبب ما فعله البرديسي مع الألفي ~~ومطاردته له أن يذكر للبرديسي إذا تحدث هذا عن صداقته لإنجلترة ~~أن الواجب يقتضيه إقناع العالم بأن ما فعله مع الألفي لم يكن ~~الغرض منه مهاجمة النفوذ الإنجليزي بطريق غير مباشرة، وأن عليه ~~أن يرفض كل علاقة مع فرنسا، وأنه لا ms0494 يكفي أن يتخذ - وكما فعل ~~حتى الآن - موقف حياد يجعله صاحبه موضع شكوك كثيرة، بل من ~~المنتظر منه أن يؤيد بحرارة قضية الإنجليز ويبذل قصارى جهده ~~حتى يجعل أية محاولة تأتي من جانب فرنسا لغزو مصر أمرا ~~متعذرا وغير عملي. # وقال «مسيت» يفسر سياسته هذه: إن غرضه من جعل عثمان البرديسي ~~نهبا بين بواعث الخوف والرجاء أن يترك لحكومة صاحب الجلالة ~~البريطانية الميدان فسيحا إذا وجدت من المناسب اتخاذ إجراءات ~~نشيطة ضد هذا البك دون أن يكون له وجه حق في الشكوى من ذلك، ثم ~~منعه في الوقت نفسه من الارتماء في أحضان فرنسا. وغني عن ~~البيان أن هذا الأسلوب لم يردع عثمان البرديسي، بل حاول الأخير ~~أن يتخذ من تصريحات وبلاغات «تابرنا» و«مسيت» ذريعة لإقناعهما ~~بضرورة تخلي الحكومة الإنجليزية عن مؤازرة الألفي، وكان من ~~السهل عليه للوصول إلى هذه الغاية أن يؤكد لهما صداقته ~~لبريطانيا، بينما ظل يناصب العداء صديق بريطانيا وحليفها ~~الألفي، ولا يمتنع عن فرض الإتاوات على الرعايا والمحميين ~~البريطانيين. # ثم ظهر عجز «مسيت» وقصور نظره في علاقته مع الأرنئود ومحمد ~~علي، فقد توهم أن هؤلاء ليسوا سوى مرتزقة في خدمة البكوات، وما ~~إن أبدى له محمد علي في نوفمبر 1803 رغبته في العودة إلى بلاده ~~وعلى ظهر سفينة إنجليزية - لأنه كما قال لا يطمئن على سلامته ~~إذا نقلته سفينة عثمانية - حتى اعتقد «مسيت» أن محمد علي ~~والأرنئود قد صاروا في متناول يده، ثم اطمأن خاطره عندما تقلد ~~خورشيد باشا الولاية بعد طرد حكومة البكوات من القاهرة؛ لأن ~~خورشيد كان قد قبل مساعدات مالية من «بريجز» نائب القنصل ~~البريطاني في الإسكندرية، ولأن «مسيت» - كما اعتقد - قد ساهم ~~بقسط كبير في التدابير التي انتهت بتنصيب خورشيد، وعقد آمالا ~~كبارا على تعزيز الدفاع عن البلاد على يد خورشيد وبمعونة ~~الإنجليز ضد الغزو الفرنسي، ولكن هذه الآمال سرعان ما انهارت، ~~عندما تبين له أن خورشيد ليس سوى صورة مزخرفة في يد محمد علي ~~يحركها كيفما يشاء، وتبين له علاوة على ms0495 ذلك أن محمد علي ~~والأرنئود ليسوا أدوات في يده، فصدمته هذه الحقائق، وراح يكتب ~~إلى «هوبارت» في 18 مارس 1804 أن الأرنئود قد تجاوزوا كل ~~الحدود، وصاروا لا ضابط لهم منذ أن طرد المماليك من القاهرة، ~~وأنهم سوف ينشرون الخراب والدمار في طول البلاد وعرضها، وأنهم ~~وقد جمعوا ثروات طائلة قد يؤثرون مناخ مصر الطيب على العيش بين ~~جبال ألبانيا الوعرة. # ومنذ أن بدأ يعلو نجم ~~محمد علي رويدا رويدا، وصار القوة الفعالة أيام خورشيد، ~~واتضح أن هناك صعوبات جسيمة تحول دون إنشاء حكومة مملوكية ~~بزعامة الألفي، وأن أمن البلاد وسلامتها قد صارا مهددين في نظر ~~«مسيت» وأن الفرنسيين لذلك كله سوف لا يلقون أية مقاومة عند ~~غزوهم لمصر، حقد «مسيت» على محمد علي، وتزايد حقده عليه بتوالي ~~الأيام، وبالرغم مما بذله محمد علي من محاولات لاسترضائه على ~~أمل أن يكسب بفضل ذلك مؤازرة الحكومة الإنجليزية له، وسهل على ~~«مسيت» تحت تأثير هذا الحقد أن يؤكد للورد «هوبارت» في 12 مارس ~~1804 أن محمد علي قد باع نفسه لفرنسا، وأنه حتى يخدم مصالحها ~~قد يحرض الأرنئود على طرد المماليك من القاهرة ورشيد ودمياط، ~~وظل يؤكد له - في 28 مايو - أنه وقد رشاه الوكيل الفرنسي صار ~~من المنتظر أن يعمل على مقاومة كل إجراء يهدف إلى إنشاء حكومة ~~مستقرة قوية في مصر، ثم أكد أن محمد علي رجل لا مبدأ له، ذكر ~~له - كما كتب «مسيت» إلى «هوبارت» في 10 أغسطس - أنه إنما يخدم ~~الدولة التي تدفع ثمنا أعلى لخدماته، ولما كان محمد علي يبذل ~~قصارى جهده ليصبح سيدا على مصر وحاكما لها، فقد رجا «مسيت» ~~اللورد «هوبارت» في رسالته هذه أن تتدخل الحكومة الإنجليزية ~~لدى الديوان العثماني حتى يرفض هذا عروض محمد علي ~~الخادعة. # على أن موقف «مسيت» العدائي من محمد علي لا يلبث أن يتضح إذا ~~عرفنا أن الفكرة المسيطرة على ذهنه ظلت دائما - وكما أوضحنا ~~سابقا - أن يحتل الإنجليز هذه البلاد، الأمر الذي لا يمكن أن ~~يتم في ms0496 نظره إلا إذا تأسست حكومة مملوكية في مصر، وعلاوة على ~~ذلك فقد أعوزت «مسيت» الصفات التي تمكنه من إدراك مغزى ~~الانقلابات التي حدثت، وصفه «ماثيو لسبس» في خطاب له إلى ~~«جوبير» في 14 نوفمبر 1804 بأن له من المزايا ما يجعله رجل ~~مجتمع من أعلى طراز، ولكنه سياسي من الصنف المتوسط قليل ~~الذكاء، لا يعرف كيف يدبر خطة ذات هدف معين، أو ينفذ ما يعهد ~~إليه من خطط، فلم يتعد نشاطه إرسال عرائض الألفي إلى ~~القسطنطينية أو النصح لخورشيد بأن يطلب من الديوان العثماني ~~نقل محمد علي من مصر، واعتقد أنه نال ظفرا عظيما عندما كتب ~~إلى «هوبارت» في 13 أغسطس 1804 يبلغه نجاح مساعيه في هذه ~~المسألة مع خورشيد وتعيين محمد علي لباشوية سالونيك بناء على ~~توصية خورشيد، وكان «مسيت» سباقا للحوادث وقت إعلان ارتياحه ~~لنيل مأربه وتهنئة نفسه على ما أحرزه من نجاح موهوم؛ لأن محمد ~~علي بقي في مصر ولم يبرحها. # ومع أن «مسيت» عاد فأكد لهوبارت في 28 أبريل 1805 أن محمد ~~علي صار الآن لا يخفي مطامعه في الولاية، وذلك بمناسبة عودته ~~من الصعيد عقب استقدام خورشيد للدلاة لتعزيز حكومته وللتخلص من ~~الأرنئود، ثم كتب أنه كان لدعوى محمد علي أنه إنما يبغي ~~المطالبة بمرتبات الجند المتأخرة من القوة الجارفة ما جعل ~~هؤلاء الدلاة الذين كان الغرض استخدامهم كمعول لهدم محمد علي ~~ينقلبون الآن لتأييد قضيته، وعلم بتدخل أو وساطة المشايخ في ~~هذه الأزمة، فقد فاته إدراك جسامة الخطر المحيق بولاية خورشيد، ~~وظل يتحدث تارة عن الغزو الفرنسي وسهولة استيلاء الفرنسيين على ~~البلاد بسبب ضعفها، وعن وجود أو عدم وجود معاهدة بين محمد علي ~~والألفي تارة أخرى، وعن مسعى خسرو باشا وهو بكريت من أجل ~~العودة إلى مصر تارة ثالثة، وعن عزم الألفي على إرسال مندوب من ~~قبله إلى السفير الروسي في القسطنطينية يطلب وساطته لدى الباب ~~العالي، ومر انقلاب مايو 1805 دون أن يبعث إلى حكومته بشيء عن ~~أسباب هذا الانقلاب أو تفاصيله حتى ms0497 يوم 28 مايو، ورأى عندئذ ~~أن ينهي القول في هذا الحادث الهام بأن يعزو ببساطة كل ما وقع ~~إلى تأثير الوكلاء الفرنسيين على محمد علي وتشجيعهم له على ~~المضي في أطماعه التي راح «مسيت» يتغنى بما كان له من فضل ~~كشفها من مدة طويلة سابقة، فقال في رسالته إلى «هوبارت» في 28 ~~مايو: إنه يظن أن واجبه يقتضيه أن يذكر للورد «هوبارت» أن محمد ~~علي كان قد طرد في العام الماضي بتحريض من الوكيل الفرنسي ~~المماليك من القاهرة؛ لأن المفروض أنهم كانوا منحازين إلى جانب ~~المصلحة البريطانية - وتلك ~~مغالطة ظاهرة - وأن محمد علي قد استمر من ذلك الحين يتراسل مع ~~وكلاء فرنسا في هذه البلاد وفي القسطنطينية، وأنه لو حدث أن ~~ثبت محمد علي في الولاية التي اغتصبها لنفسه اغتصابا فسوف ~~يعزو ذلك بدرجة ما إلى وساطة فرنسا إلى أن قال: ولما كنت من ~~زمن طويل مضى قد اكتشفت نوايا محمد علي وأطماعه في ولاية مصر، ~~فقد وجدت لزاما علي بالرغم من علاقاته مع فرنسا أن أظل على ~~صلات طيبة في ظاهرها معه، ولقد تلقيت منه منذ تقلده منصب ~~الولاية عدة رسائل مليئة بالملق والمداهنة؛ ولذلك فإذا تسنى له ~~(أي لمحمد علي) النجاح في نضاله مع خورشيد، فقد لا يكون ~~مستحيلا إقناعه بأنه ولو كانت قد ساعدته حتى هذه اللحظة دسائس ~~الفرنسيين والفوضى التي أوجدها هؤلاء على تحقيق مآربه، فقد صار ~~من صالحه وقد ملك الآن السلطة العليا في البلاد أن يقاوم ~~مشاريع الفرنسيين المعروفة ضد مصر؛ أي غزوها. # ذلك كان تفسير «مسيت» لانقلاب 13 مايو 1805 وموقفه منه، وإن ~~دلت رسالته هذه إلى «هوبارت» على شيء فإنها تدل على عجز «مسيت» ~~عن تدبير خطة ذات هدف معين أو تنفيذ ما يعهد إليه به من خطط ~~على نحو ما ذكره «ماثيو لسبس»، ثم على أنه سياسي من الصنف ~~المتوسط قليل الذكاء، آية ذلك أنه ظل راسخ الاعتقاد بأن وجود ~~محمد علي ونشاطه هما مصدر الفوضى المنتشرة في البلاد وأسباب ~~عجزها ms0498 عن الدفاع عن نفسها، وأن هذا الانقلاب الخطير إنما حدث ~~بتحريض من الوكلاء الفرنسيين، وقد جعله عناده في خصومته لمحمد ~~علي يرى في محاولات هذا الأخير لاستمالته ملقا ومداهنة فحسب، ~~ولعل هذا الاعتقاد الذي رسخ في ذهنه إلى جانب ما استقر في ذهنه ~~من اعتقادات أخرى تدور حول ضرورة إبعاد محمد علي والأرنئود ~~وتأسيس حكومة مملوكية تمهد للاحتلال البريطاني في مصر هو ما ~~حدا بمسيت إلى أن يسلك في علاقاته مع محمد علي طريق المراوغة ~~والنفاق بعد ذلك. # وهكذا فإنه بينما كان يقع بالقاهرة انقلاب 13 مايو وما صحبه ~~من اعتصام خورشيد بالقلعة وانتشار الاضطرابات والقلاقل نتيجة ~~لذلك، كان «مسيت» في الإسكندرية يسعى لإشعال الفتنة بها ~~ولزيادة الفوضى حدة على حدتها بترويج الإشاعات عن قرب مجيء ~~حملة إنجليزية إلى مصر، وتوزيع الأموال لتدبير المظاهرات ~~الصاخبة، غرضه من ذلك تهيئة الرأي الإسكندري لقبول فكرة احتلال ~~الثغر بجند بريطانيين، ثم إنه صار يبذل قصارى جهده كي ينفر ~~السلطات العثمانية والبكوات المماليك من الفرنسيين، ويصرف ~~الأهلين ورؤساءهم عن تأييد المصلحة الفرنسية، وكان في هذه ~~الفترة أن بدأ «مسيت» محاولاته لكسب الشيخ محمد المسيري إلى ~~جانبه؛ ولهذا الشيخ نفوذ كبير على الأهلين، وهو معروف بميوله ~~الفرنسية، وقد فصل «دروفتي» كل هذا النشاط في رسالة بعث بها ~~إلى «باراندييه» في 6 يونيو 1805، جاء بها أنه قد تعالت ~~الهتافات في الإسكندرية يوم 4 يونيو بحياة السلطان جورج، يهتف ~~بها - كما قال - العربان الذين يوزع الوكلاء الإنجليز عليهم ~~المال من أجل تحريك الشعب وحضه على الهتاف بحياة ملك بريطانيا، ~~وأكد «دروفتي» علاوة على ذلك، أن ابن الشيخ المسيري قد حضر ~~مأدبة غذاء عند «مسيت» وقال: إن الوكلاء الإنجليز يريدون كسب ~~هذا الشيخ الذي أظهر حتى هذا الوقت ميلا نحو الفرنسيين ~~وحكومتهم إلى جانب الإنجليز، ولقد نال هذا الشيخ صاحب السيطرة ~~التامة على الرأي العام بالإسكندرية هدايا كثيرة من الإنجليز، ~~ثم استطرد «دروفتي» يقول: وقد لا يرسل الإنجليز حملة إلى مصر، ~~ولكن وكلاءهم هنا مكلفون - على ما يبدو ms0499 - بإعداد الرأي العام ~~لقبول مثل هذا الحادث إذا دعت ظروف الحرب إلى جعل احتلال ~~البريطانيين لهذه البلاد أمرا لا مفر منه. ومن حيث الدعاية ~~التي روجها «مسيت» ضد الفرنسيين، عمد الوكلاء الإنجليز إلى جلب ~~طائفة من الصحف الأوروبية التي ظهرت حديثا واشتملت على مقالات ~~مأخوذة من كتيب نشر في باريس لا تتحدث حديثا طيبا عن الضباط ~~الأتراك، ثم صاروا يرسلونها إلى معسكر البكوات ويضعونها تحت ~~أنظار العثمانيين بالإسكندرية، الأمر الذي لم يشك «دروفتي» ~~لحظة في أنه يبعث على تذمر هؤلاء جميعا ويسيء إلى المصالح ~~الفرنسية في هذه البلاد. # ثم إنه ما لبث أن جد بعد حادث انقلاب 13 مايو ما جعل غضب ~~«مسيت» ونقمته تتزايد على محمد علي، وذلك عندما صار هذا يفرض ~~الإتاوات على المحميين البريطانيين في القاهرة ورشيد، وانتهز ~~فرصة وجود القبطان عبد الله رامز باشا الذي حضر لإنهاء النزاع ~~بين خورشيد ومحمد علي، فقدم إليه شكاواه من محمد علي، وكتب إلى ~~«ستراتون» من الإسكندرية في 7 سبتمبر 1805 أن القبطان باشا قد ~~أعطاه خطابا إلى محمد علي يطلب منه إطلاق سراح المحميين ~~البريطانيين الذين قبض عليهم محمد علي في القاهرة لامتناعهم عن ~~دفع الإتاوة المطلوبة منهم، ثم استطرد «مسيت» يقول: وليست هذه ~~بالمرة الأولى التي يفرض فيها محمد علي مثل هذه الإتاوات على ~~المحميين البريطانيين، فقد طلب في شهر يوليو الماضي من ~~المحميين في رشيد خمسة وعشرين كيسا، ولكن «مسيت» استصدر أمرا ~~من القبطان باشا إلى حاكم رشيد حتى لا يتعرض لهم بشيء، ولما ~~كان محمد علي وقتئذ لم يستقر بعد في كرسي الولاية فقد امتنع ~~عن مطالبتهم، وأما الآن فالموقف يختلف تماما؛ لأن خورشيد قد ~~سلم القلعة، ولأن المماليك لا يحاصرون اليوم القاهرة، ولأنه لم ~~يبق هناك منافس لمحمد علي، وليس لدى القبطان باشا من السلطة ~~ما يدعو لوجوب إطاعته، ثم شكا «مسيت» إلى «ستراتون» كذلك بعد ~~ثلاثة أيام فحسب من رسالته السابقة إليه، من أن محمد علي يسيء ~~معاملة الأوروبيين في القاهرة ورشيد ودمياط، ولا ms0500 يستثني من هذه ~~المعاملة السيئة سوى الفرنسيين الذين يظهر نحوهم عطفا خاصا، ~~آية ذلك أنه عين سيئ السمعة الفرنسي «روير» # Royer # طبيبا خاصا له وهو ~~الطبيب الذي قال عنه «مسيت»: إنه أعطى السم لمرضى الجنود ~~الفرنسيين في مستشفى يافا أثناء حملة بونابرت المعروفة في ~~سوريا. # وأفصح «مسيت» عن آرائه في محمد علي في كتاب مطول بعث به إلى ~~اللورد «كامدن» من الإسكندرية في 18 سبتمبر، ذكر فيه - الحوادث ~~التي ذكرناها - إظهار محمد علي لميوله الودية نحو الفرنسيين ~~واستثناءهم من المعاملة السيئة التي يلقاها على يده سائر ~~الأوروبيين، وتعيينه للفرنسي «روير» طبيبا له، وهي أمور قال ~~«مسيت»: إن محمد علي قد استرشد فيها جميعها بآراء وتوجيهات ~~الوكيل الفرنسي، ثم تحدث «مسيت» عن الإجراءات التي اتخذها ~~لمقاومة حكومة محمد علي، ومقاومة النفوذ الفرنسي تبعا لذلك، ~~فقال: ولما كان (أي «مسيت») يخشى من أن يرى الإسكندرية تقع في ~~يد محمد علي وهو رجل يؤيد - كما هو ظاهر - المصالح الفرنسية، ~~فقد تحدث في هذه المسألة مع القبطان باشا الذي لا يزال موجودا ~~بالإسكندرية ومع حاكم المدينة أمين أغا أو أمين قبطان ~~الكريتلي، وقد جعلهما يعترفان بأن هذه المدينة سوف تتحول إلى ~~صحراء قاحلة إذا وقعت في قبضة الأرنئود، ثم أخذ يشرح لهما بعد ~~ذلك بإيجاز الخطوات الإجرامية التي رفع محمد علي بفضلها نفسه ~~إلى منصب الولاية في مصر، وطفق يقيم لهما الأدلة والبراهين على ~~أنه منذ أن استولى على هذا المنصب، قد أظهر نواياه في ~~الاستقلال عن الباب العالي، ثم اختتم حديثه معهما بأن أوضح ~~لهما أن واجب الولاء لحكومتهما يقتضيهما أن يمنعا الإسكندرية ~~من محمد علي؛ حيث إنه طالما بقيت هذه خارجة عن سلطانه فإنه لا ~~يكون متهورا بالدرجة التي تجعله يرفع راية العصيان ضد الباب ~~العالي، وأما إذا سقطت الإسكندرية في يده فهو على العكس من ذلك ~~سوف يتمكن من تحدي كل قوات الإمبراطورية العثمانية، ثم راح ~~«مسيت» يقول: وقد اعترف قومندان الإسكندرية الذي هو في الوقت ~~ذاته قومندان السفن التركية في ms0501 هذا الموقع بصحة ما أبداه من ~~ملاحظات، وأظهر استعداده لقبول أية خطة تعرض عليه تكون ذات نفع ~~لتحقيق هذه الغاية، ولم يكتف «مسيت» بمسعاه لدى القبطان باشا ~~وحاكم الإسكندرية، بل استمال إليه الشيخ محمد المسيري كبير ~~العلماء في الثغر والذي يثق فيه الأهلون - كما قال «مسيت» - ~~ثقة كبيرة لا حد لها، فأعلن الشيخ للقبطان باشا أنه إذا خوله ~~هذا الأخير مقاومة الأرنئود استنفر الأهلين، وتزعمهم بنفسه ~~لمنع الأرنئود من دخول الإسكندرية، ولكن القبطان باشا رفض ~~إعطاء الشيخ المسيري التفويض المطلوب، وعزا «مسيت» ذلك إلى ما ~~يناله القبطان من هدايا ثمينة من محمد علي وتوقعه الظفر بهدايا ~~أخرى قبل رحيله من الإسكندرية، حتى صار لا يريد تكدير محمد علي ~~بمنع جنده من الدخول إلى المدينة، مع اعترافه بأنهم لو دخلوها ~~لترتب على ذلك نتائج سيئة تلحق الأذى بمصالح الباب العالي؛ ~~وعلى ذلك، فقد اكتفى القبطان باشا بأن أكد للشيخ المسيري أنه ~~قد كتب إلى القسطنطينية ليحصل منها على فرمان يعلن بقاء ~~الإسكندرية تحت إشراف البحرية السلطانية المباشر؛ حيث إنها ~~قاعدة بحرية، وأن تتألف حاميتها من الجنود والبحارة دون جنود ~~الجيش، واعتقد «مسيت» أن هذا الحل الذي ذكره القبطان لا يعدو ~~أن يكون وسيلة للمراوغة والتهرب؛ لأن القبطان يعرف جيدا أنه ~~بمجرد مغادرته الإسكندرية سوف يستولي الأرنئود عليها، زد على ~~ذلك أن «مسيت» يعرف أن القبطان باشا ينوي مبارحة الإسكندرية في ~~بداية الشهر المقبل أي في وقت يستحيل فيه أن يكون قد وصله جواب ~~الديوان العثماني على رسالته التي قال إنه بعث بها إلى ~~القسطنطينية في 14 سبتمبر، وقد خلص «مسيت» من ذلك كله إلى ~~النتيجة التي يخشاها ، وهي أنه سوف يكون بالإسكندرية في أقل من ~~أسبوعين حامية من الأرنئود، لا شك في أن التعليمات التي سوف ~~يكون رئيسها مزودا بها هي أن يتبع إرشادات الوكيل الفرنسي في ~~كل مناسبة، ثم بنى «مسيت» على هذه النتيجة المطلب الذي استحوذ ~~على لبه دائما وهو إرسال فرقاطة إنجليزية إلى الإسكندرية ~~لحمايتها، وهي قوة وإن ms0502 كانت لا تسد الحاجة إلا أنها تكفي ~~لتخويف الحامية وتعزيز النفوذ البريطاني في مصر. # وفي 22 سبتمبر شكا «مسيت» مرة أخرى للسفير الإنجليزي ~~بالقسطنطينية «أربثنوت» من محاولة محمد علي حمل القناصل على ~~دعوة رعاياهم للاكتتاب بسلفة من تسعمائة كيس بضمانة الجمارك، ~~وهو قرض امتنع عن المساهمة فيه بيت بريجز التجاري، كما قال ~~«مسيت» إنه جعل محمد علي يشعر بعجزه عن إرغامه - بوصفه أحد ~~القناصل - على دعوة الرعايا أو المحميين البريطانيين إلى ~~الاكتتاب في هذا القرض، وتوقع أن يحذو سائر القناصل حذوه ما ~~دام القبطان باشا لا يزال موجودا بالإسكندرية، ثم استطرد ~~يقول: ولكنه من المنتظر إذا دخلت الإسكندرية في حوزة محمد علي ~~أن يعمد هذا إلى معاملة الأوروبيين كما يشاء ويهوى، وعندئذ ~~سوف يجد الفرنجة أن لا معدى لهم عن ترك مصر والرحيل ~~عنها. # ثم إن «مسيت» لم يكتف بمقاومة حكومة محمد علي وتعطيل ~~نشاطها، بل صار يشوه سمعته بكل ما لديه من وسائل، فكتب إلى ~~السير «ألكسندر بول» في مالطة في 22 سبتمبر: أن الوجه البحري ~~قد دان الآن لسلطان رجل يخلص الإخلاص كله لفرنسا ويدعوه أن ~~يقتنع بضرورة إرسال فرقاطة إلى الإسكندرية، وأن يستخدم كل نفوذ ~~له لدى إمارة البحر الإنجليزية للموافقة على ذلك، وشرع «مسيت» ~~يبرر مطلبه هذا بما يفعله محمد علي مع الأوروبيين فقال: وسوف ~~لا أحاول وصف الفظائع جميعها التي وقعت في هذه البلاد منذ أن ~~تسلم محمد علي زمام الحكم، فقد صار السجن مثوى عديدين من كل ~~الطبقات، ومن غير استثناء أولئك الذين تشملهم الحماية ~~الأوروبية، وقد ضرب هؤلاء بالهراوات الغليظة (النبابيت) وعذبوا ~~عذابا أليما لحملهم على كشف المخابئ التي أخفوا فيها ~~أموالهم، حتى إن آباء كثيرين اضطروا تحت هذا الضغط إلى بيع ~~أولادهم. # وقد يكون بسبب حاجته الملحة إلى المال، وعناد هؤلاء المحميين ~~من بريطانيين وغيرهم وإصرارهم على الامتناع عن الدفع أن ألقى ~~محمد علي بهؤلاء في السجون، ولكن أحدا من المعاصرين لم يذكر ~~أن المحميين قد ضربوا بالنبابيت أو أنهم اضطروا إلى ms0503 بيع ~~أولادهم لتأدية مطالب الحكومة أو لدفع الإتاوات التي فرضها ~~عليهم، ولو أن هذا لا ينفي وقوع اعتداءات معينة على هؤلاء في ~~وقت كان لا يزال الباشا فيه عاجزا عن ردع الجند وكبح جماحهم، ~~وتعرض أهل القاهرة حينذاك لأذاهم، ولا جدال في أن ما يكون قد ~~لحق بالمحميين من أذى إنما حدث دون علم الباشا، بل إن «مسيت» ~~عندما كتب إليه من الإسكندرية في 27 سبتمبر يحتج في غضب شديد ~~على سوء المعاملة التي يلقاها المحميون، لم يذكر من صنوف ~~التعذيب الذي تعرضوا له سوى الحبس والإهانة، والإجراءات أو ~~الوسائل الشديدة التي اتخذت ضدهم، وقد استند في احتجاجه هذا ~~على ما هنالك من قوانين وامتيازات مبرمة بين الباب العالي ~~وإنجلترة، وما يسود من صداقة بين الدولتين، وأن الرعايا ~~الإنجليز والمحميين البريطانيين في مصر ليسوا من أغنياء القوم، ~~ثم إنه لم يفت «مسيت» وهو بمعرض هذا الاحتجاج بعد أن حمل ~~الباشا مسئولية كل هذا أن يؤكد له أن أولئك الذين ينصحونه ~~باتخاذ هذه الإجراءات الشديدة (ويعني بذلك الوكلاء الفرنسيين) ~~ضد الأوروبيين لا يبغون سوى استمرار القلاقل والاضطرابات في ~~مصر حتى يسهل عليهم تنفيذ مشروعاتهم العدوانية ضد هذه ~~المقاطعة. # وظل «مسيت» يردد نغمة التعذيب هذه فذكر لأربثنوت في 29 ~~سبتمبر أن إنجليزيين يدعوان «فرر» # Farrar # قد قبض عليهما الجنود المسلحون في أحد ~~شوارع القاهرة يوم 17 سبتمبر وأساءوا معاملتهما، ثم هددهما أحد ~~ضباط الباشا بالتعذيب إذا لم يدفعا فورا مبلغ 2500 قرش، ولم ~~يطلق سراحهما إلا بعد أن دفعا هذا المبلغ، واحتج «مسيت» على ~~هذا الحادث ولكن دون جدوى، بل إنه كان يشك كثيرا في استماع ~~محمد علي لصوت العدالة أو استرشاده بمبادئ السياسة الحكيمة ؛ ~~لأن الجند حوله لا يزالون يطلبون في صخب شديد مرتباتهم ~~المتأخرة، ثم انتهى من ذلك إلى النتيجة التي سجلها في كل ~~رسائله تقريبا، فقال: وهكذا لك أن تستخلص مما تقدم أنه طالما ~~بقي محمد علي محتفظا بهذه المقاطعة من مقاطعات الإمبراطورية ~~العثمانية فسوف يتعرض الأوروبيون عموما ورعايا ms0504 صاحب الجلالة ~~البريطانية خصوصا إلى شتى الإهانات بصورة دائمة؛ ولذلك أرجو ~~أن ترى لماذا هو ضروري أن تستخدم نفوذك لدى الديوان العثماني ~~لتحصل على نقله (أي محمد علي) وإبعاده من هذا المنصب أو ~~الولاية. # وعندما أصدر الباب العالي أمرا بتثبيت أمين أغا حاكما على ~~الإسكندرية المستقلة في شئونها عن باشوية مصر، وبمنع دخول أي ~~جند إليها عدا أولئك الملتحقين بخدمته، أبدى «مسيت» مخاوفه من ~~أن محمد علي سوف لا يرضى بحرمانه من هذا الميناء الهام، حيث ~~يتعذر عليه بدونه تحقيق استقلاله عن الباب العالي، ثم أخذ يقيم ~~الدليل على صحة ما ذهب إليه بقوله في كتابه إلى «كامدن» في 20 ~~أكتوبر 1805 أن محمد علي قد استقدم من المورة عددا كبيرا من ~~الأرنئود مع أن موارد هذه البلاد لا تكفي للإنفاق على حشد عظيم ~~من الجند، وقد وصل كثيرون من هؤلاء الأرنئود إلى القاهرة ~~متخفين في صور مختلفة، ثم إنه أنشا حرسا خاصا لنفسه يتألف ~~برمته من الفرنسيين، ومع أنه لا وجود لما قد يجعله يخشى شيئا ~~من المماليك على الأقل لمدة خمسة شهور مقبلة فقد شرع يبني ~~مخازن السلاح والذخيرة في قلب القاهرة، وذلك احتياط لم يسبق أن ~~لجأ إليه أحد من أسلافه الباشوات، ويكاد يكون غير معروف ~~للأتراك عموما. # ولكن «مسيت» لم يفز ببغيته من حيث إقصاء محمد علي من ~~الولاية، أو إنشاء الحكومة المملوكية في مصر، فقد أبحر القبطان ~~باشا إلى القسطنطينية (12 أكتوبر)، وبقي الباشا في حكومة ~~القاهرة، وصار لزاما على «مسيت» أن يستأنف مسعاه من جديد ~~لتنحيته عن الولاية إذا استطاع إلى ذلك سبيلا، ولاستمالة ~~حكومته إلى إرسال قطع من أسطولها إلى مياه الإسكندرية وإقناعها ~~إذا أمكنه بالموافقة على احتلال الإسكندرية تمهيدا لاحتلال ~~مصر بأسرها؟ ثم إنه كان على «مسيت» أن يسدي كل عون لحزب ~~المماليك الذي يترأسه الألفي حليف الإنجليز، واعتمد «مسيت» في ~~مسعاه هذا على نفس الوسائل التي اعتمد عليها سابقا وهي تشويه ~~سمعة محمد علي والطعن على حكومته، ومحاولة إقامة الأدلة ~~والبراهين ms0505 على أن هذه الحكومة العلوية هي مصدر الفوضى المنتشرة ~~في البلاد والتي تعرض هذه لخطر الغزو الفرنسي، وتجعل احتلال ~~الفرنسيين لها أمرا ميسرا، فضلا عن أن هذه الحكومة إذا بقيت ~~سواء حدث الغزو الفرنسي - وهو ما قطع به «مسيت» - أو لم يحدث - ~~وهو ما لم يأخذ به - فسوف ينهي بقاؤها كل نفوذ للإنجليز، ويقضي ~~على مصالحهم في مصر؛ لأن الباشا مبيع للفرنسيين ويعمل دائبا ~~على رعاية مصالحهم وتمكين نفوذهم. # وفي بداية عام 1806 استهل «مسيت» نشاطه ببسط احتمالات الموقف ~~في مصر إلى حكومته في أول يناير، وقد جاء في رسالته هذه: أن ~~محمد علي الذي تميزت الخطوات التي اتخذها من أجل الوصول إلى ~~ذلك المنصب الرفيع الذي يشغله الآن بجرائم عديدة، والذي كشف في ~~حالات كثيرة عن نواياه من حيث جعله نفسه مستقلا عن الباب ~~العالي، إنما يخضع خضوعا تاما وكليا لنفوذ فرنسا، ولقد ~~كان بناء على نصح وكلاء هذه الدولة له أن حرم محمد علي كل ~~الفرنجة من جميع ما لهم من امتيازات تقريبا، ومن غير احترام ~~لمعاهدات الامتيازات القائمة بين مختلف الدول الأوروبية وبين ~~السلطان العثماني صاحب السيادة الشرعية عليه، ولا بد أن يعزى ~~كذلك إلى نصح الوكلاء الفرنسيين إنشاء تلك الحكومة العاتية ~~التي لا يستطيع المصريون احتمالها طويلا إلا إذا شاءوا إقامة ~~الدليل على أنهم أذل وأتعس شعوب الأرض طرا، ومن جانبي لم ~~أتوان لحظة عن بيان الحقيقة التالية لمحمد علي وهي أن أولئك ~~الذين يسمح لهم بتقديم النصح له إنما غرضهم إحياء روح الانقسام ~~التي سببت كل المساوئ التي نشكو منها، وأن يحملوه على اتخاذ ~~الإجراءات التي تجعله مكروها من الأهلين، ولكن جهودي هذه ~~وأحاديثي معه ذهبت جميعها سدى، فلما أن تبين لي عجزي عن حمله ~~على إنهاء صلاته بفرنسا، وجدت لزاما علي أن أحول بينه وبين ~~الاستيلاء على الإسكندرية، ويسرني أن أخبركم - ويخاطب «مسيت» ~~في رسالته هذه اللورد «ملجريف» # Mulgrave # الذي خلف اللورد «هاروبي» في وزارة ~~الخارجية منذ يناير 1805 في وزارة «بت» Pitt ~~- أني ms0506 قد نجحت تماما في ذلك، فقد صدر ~~فرمان بناء على طلب تقدم به الأهلون استجابة لالتماسي منهم ذلك ~~يضع الإسكندرية وحصونها تحت حكم ضابط بحري مستقل تماما عن ~~باشا القاهرة، ولقد عرض عليه أخيرا محمد علي عروضا جد مغرية ~~حتى يستميله إلى قبول حامية ألبانية بها، وكاد نهم الحاكم ~~وجشعه يلقيانه في الشرك الذي نصب له، ولكني ما إن أشعرته ~~بأني أعده مسئولا عن كل ما ينجم من مساوئ عن نبذه لأوامر ~~الباب العالي حتى رفض مقترحات محمد علي، ومع ذلك فالإسكندرية ~~لا يحميها شيء يدفع عنها غائلة الغزو الأجنبي، فالقوة التي بها ~~لا تزيد على ثلاثمائة رجل لا يكفون للدفاع عن حصون المنارة، ~~وكفاريللي، وكريتان، والمثلث، والحمامات، ورأس التين، بالإضافة ~~إلى جملة مواقع أخرى أقل أهمية، ويعوز الحاكم المال لدفع ~~مرتبات الجند حتى انتشر التذمر بين رجال الحامية، كما أهملت ~~التحصينات بسبب الحاجة إلى المال، ولا مخازن للذخيرة والمؤن ~~بالإسكندرية، ومع أن هذه مفتاح مصر فإنها لا تحتمل حصارا ~~يضربه عليها جيش أوروبي أكثر من أيام ثلاثة فحسب، وكذلك الحال ~~في سائر مواقع الشاطئ: أبو قير ورشيد ودمياط فقد تسقط جميعها ~~بعد ضربة واحدة، وتعجز الإمبراطورية العثمانية عن الدفاع عن ~~مصر وهي غير قادرة عليه، وإذا وجدت حكومة جلالة ملك بريطانيا ~~من المناسب تدخلها بالقوة في شئون مصر، فإن قوات مسلحة طفيفة ~~سوف تكفي عندئذ لذلك، ومن السهل نيل خدمات المماليك، ثم إن ما ~~يكنه الأهلون من ود نحو بريطانيا يعود بفوائد عديدة عليها، ~~ومع ذلك فلا تكاد تكون هناك حاجة إلى مساعدة أجنبية؛ لأن رعب ~~العسكر العثماني من الجنود الأوروبيين قد بلغ الدرجة التي قد ~~تجعل أكثرية الأرنئود يبادرون بإخلاء البلاد (مصر) بمجرد أن ~~تصلهم الأخبار منبئة بأن جيشا بريطانيا قد نزل ~~بالإسكندرية. # ذلك إذا كان غرض «مسيت» الجوهري من كل نشاطه: إقصاء محمد علي ~~من الولاية، وإخراج الأرنئود من مصر، وحمل حكومته على تقرير ~~احتلال الإسكندرية تمهيدا لاحتلال البلاد بأسرها، وكانت ~~مناصرته للألفي من الخطوات التي اعتقد ms0507 «مسيت» ضرورتها لتنفيذ ~~هذه الغاية، فزكاه في تقريره المسهب هذا بأنه قد أعلن وضع نفسه ~~تحت حماية ملك إنجلترة المباشرة، وأنه يلجأ إلى «مسيت» يطلب ~~النصح منه في كل حادث هام أو شان من الشئون يعرض له، ويبدي ~~احتراما للباب العالي، ويسلك في علاقاته معه طريقا يتميز ~~بالحكمة والاعتدال، ويظهر خضوعا تاما لإرادة السلطان سليم ~~وأوامره، ويعزو - كما يفعل «مسيت» نفسه - الحروب الأهلية ~~السائدة في مصر إلى خيانة الأرنئود وطيشهم ورعونتهم. # ولكنه حدث من ناحية أخرى في الشهور الأولى من عام 1806 ما ~~أدخل تعديلا ملحوظا على مظهر العلاقات السائدة بين محمد علي ~~و«مسيت»، ولم يكن مبعث هذا التعديل تحول طرأ على سياسة محمد ~~علي وهو الذي اهتم دائما - وكما أوضحنا سابقا عند الكلام عن ~~إدارته - باستمالة قناصل الدول الأوروبية ووكلائها في مصر إلى ~~جانبه، واهتم على الخصوص بالقنصل الإنجليزي نفسه، حتى يصرفه ~~على الأقل عن مؤازرة المماليك وخصمه العنيد الألفي، بل جاء هذا ~~التعديل من جانب «مسيت» الذي رأى ضرورته بسبب ما جد من حوادث ~~في أوائل هذا العام وما وقع منها بعد ذلك، ولم ينشأ هذا ~~التعديل من تغيير طرأ على البواعث التي شكلت سياسة القنصل ~~الإنجليزي؛ فقد بقيت هذه كما كانت، وكما أوضحناها، وإنما كان ~~مبعثها ما شعر به «مسيت» من ضرورة التظاهر بالود والصداقة ~~لمحمد علي استبقاء لتلك الميول الودية التي أبداها الباشا نحو، ~~وذلك للتمويه عليه وتضليله وتغطية مساعيه في صالح الألفي وضد ~~حكومة محمد علي، فاتسم مسلك «مسيت» أثناء عام 1806 وهو عام ~~الأزمات المريرة التي كادت تطوح بولاية محمد علي، بطابع النفاق ~~والمخاتلة، وكان «مسيت» قد بدأ هذه السياسة ذات الوجهين عقب ~~رحيل القبطان باشا في أكتوبر 1805، فأوضحنا في الفصل السابق ~~كيف أن «مسيت » أمر عزيزا ترجمانه بالقاهرة بألا يضيع دقيقة ~~واحدة في إخطار الباشا بأن هناك مؤامرة تدبر في القاهرة ضد ~~حكومته، وكيف أنه كتب بذلك في 15 نوفمبر يأمر «البطروشي» بأن ~~يكف عن مراسلة البكوات المماليك ويرجو - كما قال - من الآن ms0508 ~~فصاعدا ألا يحدث ما يورطنا بهذه الصورة. # وأما محمد علي فقد بادر منذ أن وصلته شكاوى «مسيت» بشأن ~~السلف أو الإتاوات التي فرضها على الرعايا والمحميين ~~البريطانيين بتسوية هذه المسألة بشكل يرضي «مسيت»، حتى إن هذا ~~الأخير لم يلبث أن كتب إلى «أربثنوت» في 13 فبراير 1806 أنه ~~يشعر بارتياح عظيم؛ إذ يعلمه أنه قد حصل من الباشا على أمر ~~محول على جمرك الإسكندرية بسداد المبالغ التي أخذها أخيرا من ~~هؤلاء الرعايا والمحميين المقيمين بالقاهرة، وذلك من حصة ~~الباشا في إيرادات هذا الجمرك، بل إنه ما لبث أن كتب إلى ~~«أربثنوت» أيضا في أول مارس أن الباشا قد أجاب جميع مطالبه، ~~وأعطاه أمرا محولا على الجمارك في نظير الأموال التي أخذها، ~~حتى إن هذه الشكوى قد أزيلت نهائيا تقريبا. # ثم دلل محمد علي على وميوله الودية نحو الإنجليز ورغبته في ~~استمالة «مسيت» عندما حضر اللورد «فالنتيا» # Valentia # إلى مصر في طريقه إلى بلاده، ~~وكانت قد قامت في عام 1805 بعثة بريطانية برئاسته مع ~~«هنري سولت» # Salt # إلى ~~جهات الحبشة حتى يعقد مع الأحباش محالفة وتحصل على ميناء في ~~ساحل الدناكيل، تنزل به إنجلترة جيوشها لنقلها منه إلى الحبشة ~~والزحف على مصر من الجنوب إذا غزا الفرنسيون مصر واحتلوها، ~~فوصل «فالنتيا» بعد انتهاء بعثته إلى السويس في فبراير 1806، ~~واستقبله محمد علي استقبالا فخما، فكتب الشيخ الجبرتي في ~~حوادث 16 فبراير: «وفيه وصلت القافلة إلى القاهرة من باب ~~السويس، ووصل أيضا صحبتهم جنرال من الإنجليز راكب في تخت، ~~وحملته ومتاعه على نحو سبعين جملا، فذهب عند قنصلهم، فلما كان ~~يوم الأربعاء غايته 19 فبراير ركب في التخت، وذهب عند محمد علي ~~بالأزبكية، فتلقاه وعمل له شنكا ومدافع، وقدم له هدية وتقادم ~~ثم رجع إلى مكانه، وقد سر «مسيت» سرورا عظيما بهذه الحفاوة ~~التي لقيها «فالنتيا» فكتب إلى «ملجريف» في 22 مارس من ~~الإسكندرية: إنه لما كان اللورد «فالنتيا» قد أحضر معه خطابات ~~توصية من حاكم الهند العام فقد وجد من واجبه أن ms0509 يجعل الحكومة ~~في مصر تستقبله استقبالا حسنا، ويسره أن يذكر للورد «ملجريف» ~~أن أحدا من الأوروبيين - الذين لا يشغلون مناصب في قيادة ~~الجيوش - لم يسبق أن ظفر بمثل ما لقيه «فالنتيا» من ضروب ~~التكريم والالتفات العظيم على يد حكومة محمد علي، ثم استطرد ~~«مسيت» يقول: وأما غرضي الوحيد من ذكر هذا الحادث فهو تزويدكم ~~بما يثبت أن ما قمت به من جهود لفصل باشا مصر عن مصلحة فرنسا ~~قد أثمرت أخيرا.» وانتهز «مسيت» فرصة هذا الترحيب الذي لقيه ~~«فالنتيا» من الباشا، واحترام السلطات له، فاتخذ من وجود ~~اللورد بالإسكندرية ذريعة لترويج الشائعات باعتزام إنجلترة ~~احتلال هذه البلاد، ولتمكين النفوذ الإنجليزي، والقيام بدعاية ~~واسعة لصالح المماليك، ولصالح محمد الألفي خصوصا بعد نجاح ~~مندوبيه في إبرام الاتفاق المعروف مع الديوان العثماني ~~بالقسطنطينية، وهو الاتفاق الذي نسب الوكلاء الإنجليز الفضل في ~~إبرامه إلى رجال سفارتهم بها زورا وبهتانا. # فكتب «دروفتي» إلى «تاليران» في 11 يونيو أن «مسيت» يعلن قرب ~~وصول القبطان صالح باشا إلى دمياط مكلفا بإعطاء حكومة مصر ~~للبكوات المماليك، وأن الإنجليز يبذلون قصارى جهدهم للتأثير ~~على الرأي العام هنا، فاحتفلوا بميلاد مليكهم جورج، ثم إنه عند ~~وصول اللورد «فالنتيا» رحبوا به ترحيبا عظيما، ولقد أفلحوا ~~في إقناع الناس بأن مصر سوف تكون لهم يوما من الأيام، حتى إن ~~أحد التجار المغاربة وهو إبراهيم بسه عبد الله زوج كريمة الشيخ ~~محمد المسيري، وممن لهم نفوذ وسلطان بالإسكندرية قد بعث مع ~~اللورد «فالنتيا» الذاهب إلى مالطة بهدايا كثيرة برسم ~~القومندور «سدني سميث» الذي يقال عنه: إنه موجود في «مسينا»، ~~ويعتمد الإنجليز في تأييد دعاواهم على واقعة احتلال إمبراطور ~~فرنسا للصقليتين نابولي واحتمال قطع العلاقات مع تركيا. # هذا وقد أبحر «فالنتيا» إلى مالطة في 12 يونيو، ويبدو وأن ~~بعض الجنود الأرنئود قد أهانوا اللورد في رشيد قبل مبارحته ~~البلاد، وعاقبهم محمد علي، على أن «مسيت» بعد انتهاء هذا ~~الحادث ببضعة شهور رأى إثارته مرة أخرى في وقت كان قد خلع فيه ~~النقاب عندما انتهت ms0510 بسلام أزمة النقل إلى سالونيك، وفشلت ~~الجهود التي بذلت لتنصيب الألفي شيخا للبلد ووضع الحكومة ~~الفعلية في يده، فطلب «مسيت» من ترجمانه عزيز بالقاهرة أن يحتج ~~لدى محمد علي على مسلك حاكم رشيد علي بك السنانكلي مع نائب ~~القنصل البريطاني في رشيد «البطروشي» وتراجمته، وعلى موقفه من ~~الجنود الذين أهانوا اللورد «فالنتيا» عند وجوده بها، وكتب إلى ~~الباشا في 11 أكتوبر 1806 يطلب العدالة باسم الحكومة التي ~~يمثلها، والاقتصاص من علي بك، ويقول: وإن شكواه هذه هي الأولى ~~التي أزمع تقديمها ضد هذا الحاكم الذي تغاضى عن الأرنئود الذين ~~أهانوا اللورد «فالنتيا» والذين أراد الباشا نفسه ~~عقابهم. # على أنه في الوقت الذي جرت فيه هذه الحوادث منذ وصول ~~«فالنتيا» إلى مصر ومغادرته لها، كان الألفي قد بعث بمندوبيه ~~محمد كتخدا و«ستافراكي» إلى القسطنطينية للمفاوضة، وانحصرت ~~جهود «مسيت» في إنجاح هذه المفاوضات، ويدخل في ذلك محاولة ~~خديعة محمد علي إزالة ما قد يساوره من شكوك من ناحية «مسيت» ~~نفسه ومسئوليته في هذه المفاوضة التي لم يكن الغرض منها سوى ~~التمهيد لهدم حكومته وطرده من الولاية وإعادة تأسيس الحكم ~~المملوكي في البلاد، كما حرص «مسيت» على مراقبة نشاط الوكلاء ~~الفرنسيين ومكافحة النفوذ الفرنسي لدى الباشا، ثم في ~~الإسكندرية خصوصا وتهيئة الأفكار في الثغر لقبول الأوضاع ~~الجديدة إذا نجحت مفاوضات مندوبي الألفي، أو اعتزم الإنجليز ~~إرسال جيش لاحتلالها. # أما عن محاولة خديعة محمد علي فتتضح هذه الحقيقة من مراجعة ~~كتب «مسيت» إلى «أربثنوت» في القسطنطينية لتوصيته بمندوبي ~~الألفي، ثم ما صار يكتبه في الوقت نفسه لمحمد علي، فقد حمل ~~«مسيت» ترجمان الألفي «ستافراكي» - على نحو ما عرفنا عند ~~الكلام عن أزمة النقل إلى سالونيك - رسالة إلى «أربثنوت» في 22 ~~مارس جاء بها أن الألفي وكل رجل محايد يعلن أن مصر لن تحظى ~~بالهدوء والاستقرار إلا إذا أعيد تأسيس الحكومة المملوكية بها، ~~وأن الباب العالي إذا سلك مسلك الحكمة والرشاد في سياسته وجد ~~من صالحه أن يطلب من الإنجليز وضع شطر من قواتهم بالإسكندرية، ms0511 ~~وأن الحكومة الإنجليزية إذا لبت هذا الطلب تخلصت من أولئك ~~الذين استبدوا بها، ويعني «مسيت» بذلك الأرنئود ومحمد علي، ثم ~~يقترح عند عدم إمكان احتلال الإسكندرية بقوات بريطانية - الأمر ~~الذي انعدم كل أمل لديه في تحقيقه كما قال - أن يعترف الباب ~~العالي بالمماليك حكاما شرعيين في مصر، وأن يأمر في الوقت ~~نفسه برحيل الأرنئود منها فورا وإلا صاروا عصاة خارجين على ~~طاعته، ثم إن «مسيت» عندما أبلغه «أربثنوت» بأن الباب العالي ~~لا يريد وساطته في المفاوضات الجارية بين الديوان العثماني ~~ومندوبي الألفي، لم يلبث أن اعترف في رسالته إلى السفير من ~~الإسكندرية في 11-15 يونيو 1806 بأنه هو شخصيا الذي شجع ~~الألفي على أن يطلب من السفير وساطته محافظة على المصلحة ~~الإنجليزية، وهذه كانت في نظر «مسيت» طرد محمد علي من الولاية ~~كخطوة لا غنى عنها لإمكان تأسيس الحكم المملوكي في مصر، وإفساح ~~الطريق - نتيجة لذلك - للاحتلال البريطاني لها. # ومع هذا فقد بادر «مسيت» ينفي لمحمد علي أن له يدا في مسألة ~~ذهاب مندوبي الألفي إلى القسطنطينية، ويحاول أن يوحي إلى محمد ~~علي أن من سياسة حكومته أن تستقر حكومة الباشا في مصر، بل ~~ويبذل له النصح والإرشاد بصدد الوسائل التي قد تمكنه من دفع ~~الغزو الأجنبي عن البلاد، ولم يكن غرض «مسيت» من هذا النصح ~~والإرشاد سوى إظهار أن فرنسا والوكلاء الفرنسيين هم مصدر الخطر ~~المنتظر على ولاية محمد علي؛ وعلى ذلك فقد كتب إليه في 14 ~~أبريل رسالة مسهبة استهلها بقوله: لقد علمت بكل أسف أنكم ~~تستمعون لوشايات الأعداء في حقي، فاعتقدتم أني قابلت بمنزلي ~~كخيا الألفي بك وأرسلته إلى القسطنطينية، إن من أبلغكم هذا رجل ~~كاذب. ومن الواضح أن هذا الإنكار لواقعتي المقابلة في بيت ~~«مسيت» وإرسال محمد أغا كخيا الألفي صحيح، ولكن «مسيت» بنفي ~~هاتين الواقعتين أراد التنصل من المسئولية من هذه المسألة ~~والتمويه على محمد علي بأنه لا يعمل ضد حكومته: بيت القصيد من ~~هذا الإنكار، وهذا لم يكن صحيحا. # ثم راح «مسيت» يسوغ ما ms0512 عرف أن الباشا واقف عليه حتما وهو ~~علاقاته مع المماليك والألفي، فقال: وإن واجبي كمعتمد أو مقيم ~~يمثل صاحب الجلالة الملك في هذه البلاد هو معرفة مجريات الأمور ~~في مصر، وعدم إغفال الوقوف على أغراض ومشاعر المماليك، ثم كذب ~~كذبته الكبرى عندما قال: ولكن هذا لا يعني أني أشجع المماليك، ~~بل إني لأتحدى كل إنسان مهما كان شأنه ليثبت أني قمت بأقل ~~تشجيع للبكوات أو أني أعطيتهم أية بارقة أمل في انتظار ~~المساعدة مني؛ ولذلك فإذا أخبرتني سموك عن ذلك الذي ذكر لكم ~~أني ساعدت كخيا الألفي على الذهاب إلى القسطنطينية فإني سوف ~~أدعوه لإقامة الدليل على صحة ادعائه أمام أية محكمة تختارونها، ~~إن رغبة الحكومة البريطانية هي أن تتمتع حكومة مصر بسلطة كاملة ~~مطلقة حتى يتسنى لها الدفاع عن البلاد؛ لأنه إذا استولى ~~الفرنسيون عليها استطاع هؤلاء في سنوات قليلة إعداد الحملات ~~وإرسالها ضد ممتلكات الإنجليز في الهند، مثال ذلك إذا كان جند ~~سموكم مشغولين بالنضال ضد المماليك في الصعيد والوجه البحري ~~وظهر العدو فعلا أمام الإسكندرية فإنه ليتعذر على سموكم أن ~~تتخذوا فورا الإجراءات التي تمنع نزول العدو، ولكنه على العكس ~~من ذلك إذا لم يكن هناك جند عصاة ومتمردون على سلطانكم أمكنكم ~~دون خوف أو وجل ودون حاجة إلى إمهال أو تأجيل أن توجهوا كل ~~قواتكم ضد العدو الذي لا يستطيع حينئذ الاستيلاء على مصر ~~وتنفيذ مشاريعه العدوانية على الهند؛ لهذا كله ترون أنه ليس من ~~مصلحة الإنجليز في شيء حماية العصاة الثائرين، وأن ما بلغ محمد ~~علي لا يعدو كونه أكاذيب لفقها وأذاعها أعداء بريطانيا، ويقصد ~~«مسيت» بهؤلاء الأعداء الوكلاء الفرنسيين. # على أن «مسيت» لم يقصر نشاطه على تشجيع المماليك، أو بالأحرى ~~الألفي بك في هذا الحين - بالرغم من إنكاره ذلك - بل تعدى ~~نشاطه إلى محاولة جذب المشايخ ورؤساء الأهلين بالإسكندرية ~~لتأييد المصلحة البريطانية وإبطال مساعي الوكلاء الفرنسية، ~~وعلى رأسهم «دروفتي» الذي كان مقره وقتئذ بالإسكندرية، ولما ~~كان الشيخ محمد المسيري - كما أوضحنا - صاحب مكانة ملحوظة ms0513 في ~~الثغر وله تأثير شعبي كبير، فقد ظل «مسيت» يهتم بأمر هذا الشيخ ~~ذي الميول الفرنسية المعروفة؛ لأن مساعيه الأولى معه منذ 1805 ~~لم تفلح في استمالته نهائيا إلى تأييد المصلحة الإنجليزية، ~~بل يبدو أن الشيخ أراد أن يختط لنفسه طريقا يحفظ له علاقاته ~~مع فرنسا ويرضي في الوقت نفسه الوكلاء الإنجليز في الإسكندرية، ~~آية ذلك مصادقة ولده وصهره للإنجليز وعجز «مسيت» في هذه ~~المرحلة عن جذبه إلى جانبه، فلم يلبث أن كتب إلى «أربثنوت» في ~~22 أبريل 1806 أن لديه من الأسباب القوية ما يحمله على ~~الاعتقاد بأن الشيخ المسيري يتراسل مع الحكومة الفرنسية؛ لأن ~~بونابرت أثناء وجوده في مصر كان يستشير هذا الشيخ بينما قد ~~أغفل أمره وأهمل الآن، وصار الشيخ اليوم لا يخفي ميوله نحو ~~فرنسا، ولما كان صاحب نفوذ كبير على الأهلين فإن خطرا يكمن ~~وراء صلاته بفرنسا؛ ولذلك فقد حاولت أن أشعره بأن نزول جيش ~~فرنسي في البلاد من شأنه زيادة المصائب والمتاعب التي تشكو ~~منها مصر بدلا من إنهائها؛ وذلك لأن الأسطول الإنجليزي عند ~~محاصرته مصر سوف يصادر كل ما قد يأتيها من إمدادات أجنبية، فلا ~~يجد الغزاة مناصا من الاعتماد على موارد البلاد فحسب من حيث ~~المأكل والملبس وكل المال اللازم للإنفاق منه على جندهم ولسداد ~~مطالب الإدارة، وقد اعترف «مسيت» بأن محاولته هذه لم تنجح في ~~استمالة الشيخ؛ لأنه يشعر بمظالم الأتراك، ويرى في فتح ~~الفرنسيين لهذه البلاد مرة ثانية ما يرضي كبرياءه وخيلاءه بسبب ~~ما يتوقعه من ارتفاع مكانته عند حدوث هذا الفتح، وقد انتهز ~~«مسيت» هذه الفرصة ليذكر الموضوع الذي سيطر على تفكيره دائما، ~~فقال - مخاطبا «أربثنوت»: واسمح لي يا سيدي أن أختم رسالتي ~~هذه إليك بتكرار القول أني سوف أعتبر دواما سلامة مصر وفي ~~النهاية سلامة أملاكنا في الهند مهددة بالخطر الجسيم ما دامت ~~الإسكندرية لا تحتلها قوات بريطانية . # على أنه كان من بواعث إخفاق «مسيت» مع الشيخ المسيري ولا شك، ~~ذيوع خبر انتصارات الفرنسيين في أوروبا، ولم يقلل ms0514 من تأثير هذه ~~في أذهان أهل الإسكندرية انتصار «نلسن» في موقعة الطرف الأغر ~~البحرية في 21 أكتوبر 1805؛ لأن الجيوش الفرنسية ظلت تحرز في ~~القارة نصرا بعد نصر، فكتب «مسيت» إلى «أربثنوت» منذ 13 ~~فبراير 1806 يصف وقع هذه الحوادث: إن انتصارات الفرنسيين ~~المدهشة في ألمانيا وإيطاليا قد أحدثت تغييرا في مسلك ~~العثمانيين الموجودين بالإسكندرية حتى إن بعض الموظفين منهم ~~راحوا يصرحون بانحيازهم إلى الفرنسيين وانضمامهم لهم، ويعلنون ~~كراهيتهم للروس واحتقارهم لهؤلاء. # ولكن «مسيت» لم يفقد كل أمل في استمالة الشيخ المسيري إلى ~~تأييد المصلحة الإنجليزية، وبذل قصارى جهده لإدراك هذه الغاية ~~عندما علم بأنه قد وصله كتاب من بونابرت، فقال في رسالته إلى ~~«أربثنوت» في 10 مايو: إن الغرض من إرساله إلى الشيخ لا محالة ~~هو تسهيل غزو فرنسا لمصر. وقد سجل «مسيت» في كتابه هذا نتيجة ~~مساعيه مع المسيري الذي أقسم مصرحا، بعد أن أكد أنه لن يحذو ~~حذو العثمانيين الذين تحت قناع الصداقة للإنجليز وللفرنسيين قد ~~خدعوا كلا الفريقين، بأنه سوف يضع نفسه على رأس أهل ~~الإسكندرية، ويتولى الدفاع عنها إلى النهاية إذا جاءها جيش ~~فرنسي، ولكن «مسيت» ما عتم أن قال تعليقا على تصريح الشيخ: ~~ولا يكاد يكون ضروريا أن أذكر لكم تعذر الاعتماد على تصريحات ~~مثل هذه؛ لأن الشيخ المسيري ينقم على الأتراك مظالمهم، وقد سمع ~~عنه وهو بين خاصته يردد مرارا وتكرارا ميله إلى الحكومة ~~الفرنسية، زد على ذلك أنه تعوزه الوسائل والسلاح اللذان يقدر ~~بهما على الدفاع عن الإسكندرية حتى إذا كان صادق الرغبة في ~~ذلك، وعلاوة على هذا فالأهلون جهلة ولا يدرون من وسائل هذا ~~الدفاع شيئا، ثم إن «مسيت» ما لبث أن عاد يكرر القول بضرورة ~~احتلال البريطانيين للإسكندرية. # فراح يبسط لأربثنوت في كتابه هذا البواعث التي تدعو - في ~~نظره - إلى ضرورة احتلالها، فقال: إن ممتلكات العدو أي ~~الفرنسيين التي حازها أخيرا في البحر الأبيض المتوسط وفي خليج ~~الأدرياتيك تجعل من السهل عليهم بدرجة عظيمة تنفيذ مشروعاتهم ~~العدوانية ضد مصر، فالساحل المصري ms0515 طويل وتصعب لذلك حراسته على ~~السفن الإنجليزية المتجولة في البحر الأبيض، ومع أنه قد يتعذر ~~على عمارة كبيرة الوصول إلى الشاطئ المصري، ففي وسع قوة صغيرة ~~الإفلات من يقظة الأسطول الإنجليزي والاستيلاء على الإسكندرية ~~في وقت قصير، وسوف يكون طبيعيا أن يعمد الفرنسيون إلى خطب ود ~~المماليك ثم محالفتهم وعندئذ يسيطرون على مصر بأسرها، ولا ~~سبيل لمنع ذلك قطعا غير أن يحتل جند بريطانيون الإسكندرية، ~~وأما إذا كانت الحكومة الإنجليزية لا تريد اتخاذ هذه الخطوة، ~~فإني أوصي بكل تواضع بأن يكون لمجموعة صغيرة من السفن الحربية ~~المتنقلة مواقع في هذه البحار مع صدور الأوامر إليها بالإكثار ~~من زيارة الميناء (الإسكندرية) وسواحل مصر والشام؛ وذلك لأن ~~الأهلين بسبب عدم ظهور مركب حربي إنجليزي أمام الإسكندرية ~~صاروا يعتقدون - على الرغم من تأكيدي لهم عكس ذلك - أن ~~بريطانيا لا تعبأ بأمر مصر، وقد ترتب على الاعتقاد بأنه لا أمل ~~في تدخلنا في شئون هذه المقاطعة أن كثيرين منهم صاروا ينظرون ~~إلى فرنسا كالدولة التي يرجون خلاصهم على يدها من مظالم ~~الأتراك، ويقبلون - دون تبصر في عواقب الأمور - على مساعدة ~~وكلائها في مؤامراتهم التي لا يبغون منها سوى استمرار الفوضى ~~في مصر. # ومع أن «مسيت» أخفق في محاولته هذه مع الشيخ المسيري، فقد ~~أصاب نجاحا في مساعيه مع الشوربجي رئيس قضاة الإسكندرية (سيدي ~~قاسم غرياني) الذي ما إن جاءت الأخبار من أزمير في أوائل شهر ~~يونيو 1806 بتوقع قطع العلاقات بين تركيا وروسيا واحتمال دخول ~~إنجلترة الحرب ضد الدولة العثمانية حتى انتقل إلى سفينة ~~إنجليزية بالميناء مزمعة الإبحار إلى مالطة تجنبا للمخاطر ~~التي أعتقد أنه لا محالة سوف يتعرض لها إذا نشبت الحرب فعلا ~~بين تركيا وإنجلترة، وفي 11 يونيو كتب «مسيت» إلى السير ~~«ألكسندر بول» حاكم مالطة يوصيه خيرا بالشوربجي الذي قال عنه: ~~إنه رجل يخلص كل الإخلاص لحكومة صاحب الجلالة البريطانية. وقد ~~ظل الشوربجي من أنصار المصلحة الإنجليزية وحضر بعد ذلك نزول ~~جيش الجنرال «فريزر» بها واستيلاءه عليها، ثم هاجر مع من ms0516 ~~هاجروا من الإسكندرية عند تسليمها إلى محمد علي - كما سيأتي ~~ذكره - وعلاوة على ذلك فقد نصب «مسيت» شباكه لاستمالة السلطات ~~الحاكمة في الثغر وعلى رأسها أمين أغا حاكم الإسكندرية، وسوف ~~نرى فيما بعد أنه نجح نجاحا أخيرا في استمالة الشيخ محمد ~~المسيري إلى جانبه. # واسترعى انتباه «مسيت» وهو في غمرة هذا الانشغال بكسب صداقة ~~الشيخ المسيري - الأمر الذي ثابر عليه فظفر بمبتغاه في النهاية ~~على نحو ما سيأتي ذكره - أو باستمالة الشوربجي أو أمين أغا أو ~~غير هؤلاء خصوصا من بين الأسرات اللبنانية في الصغر، ثم توضيح ~~الأسباب التي بنى عليها دعوته لاحتلال الإسكندرية، وذلك إلى ~~جانب سعيه لإبطال نشاط الوكلاء الفرنسيين من جهة وتأسيس الحكم ~~المملوكي في مصر على أنقاض حكومة محمد علي التي يبغي هدمها ~~وتفويضها من جهة أخرى، نقول: إنه قد استرعى انتباهه وصول علي ~~بك العباسي إلى الإسكندرية في أوائل يونيو 1806، وقد سبق أن ~~أوضحنا كيف أراد القبطان صالح باشا الاستعانة بدرايته في علم ~~الفلك لمعرفة مصير مهمته عندما حضر بفرمان نقل محمد علي إلى ~~ولاية سالونيك ولتنفيذ الاتفاق الذي أبرمه مندوبو الألفي مع ~~الباب العالي في القسطنطينية، فقد ساورت «مسيت» الشكوك الكبيرة ~~في هوية علي بك العباسي وكتب في 11-15 يوليو إلى «أربثنوت» ~~ينبئه بوصول «رجل من المستحيل على المرء أن يعده إلا وكيلا ~~سريا فرنسيا، يتخذ لنفسه اسم علي بك ويقول إن موطنه حلب، ~~وقد أمضى هناك على كل الأحوال سنوات قليلة؛ لأنه انتقل وهو في ~~سن مبكرة إلى جامعة قرطبة بإسبانيا لإتمام دراسته بها، وهذا ~~الرجل الذي يدعي أنه من سلالة الرسول محمد # صلى الله عليه وسلم # قد تلقى ~~علومه في مدرسة أكليريكية مسيحية، وجال في كل أنحاء أوروبا ~~تقريبا، ويتكلم الإنجليزية والفرنسية والإيطالية والإسبانية ~~ولكنه يجهل التركية، ويعرف قليلا العربية، والغرض الظاهر من ~~رحلته الذهاب إلى مكة وزيارة قبر الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~، ولكن ما ~~أغراضه؟ لقد دلت أحاديثه حتى في رأي العثمانيين والمصريين على ~~أنه وكيل سري للحكومة الفرنسية.» ولكنه ms0517 ما إن مضت أيام قلائل ~~حتى استحالت شكوك «مسيت» هذه إلى عقيدة ثابتة، فكتب إلى «شارلس ~~جيمس فوكس» في 19 يونيو أن «علي بك العباسي من وكلاء العدو ~~السريين (أو جواسيسهم) في مصر، وهو يحاول جاهدا في أحاديثه مع ~~الأهالي أن يلقي في روعهم ويطبع في أذهانهم أن فرنسا قوة ضخمة ~~عظيمة، ويصرح كثيرا بأنه يستحيل على إنسان مقاومة جيش ~~بونابرت.» ثم استطرد «مسيت» يقول: «ولذا فقد أوضحت لحاكم ~~الإسكندرية ما ينطوي عليه السماح ببقاء مثل هذا الرجل ~~بالإسكندرية من أخطار.» فوعد بإبعاده لأنه مقتنع شخصيا بأنه ~~وكيل سري فرنسي، غير أن تردد الأتراك وما يقال عن قرب عقد ~~محالفة بين الباب العالي وفرنسا منعا أمين أغا من الوفاء ~~بوعده. # والحقيقة أن علي بك العباسي كان مغامرا إسبانيا يدعى ~~«باديا» # Domingo Badia Y Leblich # اعتنق الإسلام سواء عن عقيدة وإيمان ~~أو لمجرد نيل مآربه، زار وجاقات الغرب ومصر وبلاد العرب، وتسنى ~~له بفضل معرفته للغات الشرق وعادات أهله أن يعيش بينهم كأي ~~مسلم آخر، وادعى أنه ينحدر من العباسيين، ومن هنا كان لقب ~~العباسي الذي اتخذه لنفسه، ولقد أحاط علي بك نفسه بمظاهر ~~الثراء العريض، واستطاع أن يطرق أبواب علية القوم، وظل أمره ~~سرا مكتوما زمنا طويلا، تحدث عنه الكاتب الفرنسي ~~«شاتوبريان» # Chateaubriand # في مؤلفه عن رحلته إلى بيت ~~المقدس، وقد قابله «شاتوبريان» بالإسكندرية في نوفمبر 1806 ~~أثناء عودته من بيت المقدس وهو في طريقه إلى تونس ثم إسبانيا ~~قبل أوبته إلى فرنسا، ومن الثابت أن علي العباسي أو «باديا» ~~كان جاسوسا أو وكيلا سريا «لتاليران» كما عمل بعد ذلك ~~جاسوسا للملك الفرنسي لويس الثامن عشر، وقد نشرت أسفاره في ~~إفريقية وآسيا أثناء سنوات 1803-1807 في باريس عام ~~1814. # على أن ما أبداه «مسيت» من نشاط أثناء أزمة النقل إلى ~~سالونيك لإخراج محمد علي من الولاية كان يفوق كثيرا ما بذله ~~من جهود سابقة سواء فيما انطوى عليه من ختل ومخادعة من حيث ~~علاقات «مسيت» نفسه مع محمد علي، أو ما ms0518 اقترن به من جهود مضنية ~~من حيث محاولته تأييد قضية الألفي لدى القبطان باشا واستنهاض ~~همة المماليك على الاتحاد عموما، ثم تقوية الألفي وحثه على ~~الصمود في نضاله ضد محمد علي، ولو أن الفشل كان نصيب هذه ~~الجهود جميعها. # ويؤخذ من موقف «مسيت» في هذه الأزمة أن تغييرا ما لم يطرأ ~~على الدوافع التي جعلته يناصب محمد علي العداء قبل مجيء ~~القبطان صالح باشا، فهو لا يزال يريد إنشاء حكومة مملوكية تمهد ~~لاحتلال الإنجليز لهذه البلاد، وهو لا يزال يلفت نظر حكومته ~~إلى ضعف التحصينات بالإسكندرية وبالمواقع الأخرى على الشاطئ ~~الشمالي، ويستحثها على إرسال جيشها إلى الثغر كخير وسيلة لدفع ~~الغزوة الفرنسية المنتظرة عنها، وهو لا يزال يريد أن يجمع ~~البكوات كلمتهم حتى يفيدوا من الاتفاق الذي حدث مع مندوبي ~~الألفي بالقسطنطينية والذي يسترجعون بفضله سلطانهم السابق في ~~حكومة هذه الولاية، وهو لا يزال يريد طرد محمد علي ~~والأرنئود. # ولذلك فإنه ما إن ذاع خبر قرب وصول القبطان باشا بعمارته إلى ~~المياه المصرية حتى راح يلفت نظر «وندهام» وزير الحربية وقتئذ ~~- في 18 يونيو 1806 - إلى خلو الإسكندرية والشواطئ المصرية من ~~وسائل الدفاع، وإلى الانقسامات السائدة بين طوائف المماليك، ~~وإلى ما يبعثه امتلاك العدو أو الفرنسيين لمعظم الشواطئ ~~الإيطالية وموانئها من خوف وقوع الغزو على مصر لا سيما وأن ~~الوكلاء الفرنسيين في مصر يحيكون المؤامرات لجذب جماعات من ~~المسيحيين المقيمين بالإسكندرية لخدمة مآربهم، بينما لا يبدو ~~من جانب إنجلترة أي اهتمام بمصر، الأمر الذي جعل الأهالي ~~يعتقدون أن هذه الدولة لا تعبأ بمصير البلاد بدليل أنها ممتنعة ~~عن إرسال سفينة حربية إنجليزية إلى الإسكندرية مع وجود أسطول ~~كبير لها في البحر الأبيض. # وبعد أيام قلائل من وصول القبطان باشا إلى الإسكندرية، بعث ~~«مسيت» في 9 يوليو بتهانيه إلى إبراهيم بك على التغيير الذي ~~سوف يحدث في مركزه ويقول: إن استعادة المماليك لوضعهم السابق ~~سوف يحقق النفع للجميع ولا يريد حدوث ذلك إنسان أكثر مما يريده ~~«مسيت» نفسه، ويوصيه بالاتحاد مع ms0519 سائر زملائه لإمكان طرد محمد ~~علي من الولاية، ويعتذر عن عدم قدرة السفير الإنجليزي ~~بالقسطنطينية على التوسط بين مندوبي الألفي والديوان العثماني ~~لرفض هذا الأخير لوساطته، وأرسل كذلك تهانيه للبرديسي وعثمان ~~حسن، ولكنه لما كانت قد قامت مفاوضات طويلة بين بكوات الصعيد ~~الذين لم يرضهم الاتفاق الذي أعطى كل السلطة الفعلية إلى ~~الألفي وبين هذا الأخير، وظهرت مراوغة محمد علي ثم تصميمه على ~~التمسك بولايته، فقد بعث «مسيت» إلى «أربثنوت» في 14 يوليو ~~يحذره من مساعي الباشا في القسطنطينية ويقول: «إن أغراض العدو ~~(الفرنسيين) العدوانية ضد مصر، وهي أغراض معروفة جيدا، لا تدع ~~مجالا للشك في أن كل الجهود التي سوف يبذلها وكلاء العدو من ~~أجل الإبقاء على أوضاع يترتب عليها إحياء روح النزاع الذي حرك ~~مكامن الاضطراب في هذه البلاد من مدة طويلة بعنف وقسوة، من ~~شأنها أن تجعل غزو مصر سهلا ميسرا.» # ثم أزعج «مسيت» ما لاحظه من بوادر إخفاق القبطان باشا في ~~مهمته بسبب ما ترامى إليه على وجه الخصوص من حصول هذا الأخير ~~على خمسين ألفا من الجنيهات من محمد علي، فكتب إلى «أربثنوت» ~~في 31 يوليو، يعزو نجاح محمد علي إلى ما يلقاه من نصح وإرشاد ~~من جانب الوكيل الفرنسي «دروفتي» الذي قال عنه: «إنه أبدى ~~أخيرا نشاطا عظيما في مساعدة محمد علي ونصحه.» يبغي من ذلك ~~تعزيز قضية فرنسا، وهي الدولة التي كما استطرد يقول: «سوف تظفر ~~بنفوذ كبير في مصر لو أن محمد علي تثبت في حكومته هذه البلاد.» ~~وأراد «مسيت» في الوقت نفسه أن يجس نبض محمد علي ليقف على مدى ~~تمسكه بالولاية، كما أراد التمويه عليه بالتظاهر بصداقته له، ~~فأبلغه سرا أن الباب العالي ولو أنه يريد إعطاءه باشوية ~~سالونيك بدلا من باشوية القاهرة ولكنه لن يستخدم القوة في ~~تنفيذ هذا النقل، فلم يلبث محمد علي أن أجاب بصوت عال - على ~~حد ما ذكر «دروفتي» لتاليران في 30 يوليو - إنه لا يخشى أحدا ~~ولا القبطان باشا نفسه، بل إنه على استعداد ms0520 كامل لمقاومة ~~الأوروبيين أنفسهم إذا أرادوا المجيء لنجدة البكوات، وقد كان ~~عندئذ أن سأل الباشا «دروفتي» إذا كان في مقدور فرنسا تزويده ~~بحوالي الخمسمائة جندي من جيشها في بلادها أو في إيطاليا، ووعد ~~«دروفتي» بإحالة هذه المسألة على الوزير «تاليران». # وعندما ترك الألفي الفرصة تفلت من يده باستئناف ضرب الحصار ~~على دمنهور بعد انتصاره في معركة النجيلة، وظهر امتناع دمنهور ~~عليه بالرغم من مدفعيته الكبيرة التي جلب الوكلاء الإنجليز ~~لخدمتها كثيرين من الطليان واليونانيين، أبلغ «مسيت» الوزير ~~«وندهام» في 14 أغسطس أن محمد علي قد تتكلل مساعيه بالنجاح في ~~القسطنطينية، وقد يتمكن من الحصول على فرمان يثبته في الولاية ~~بفضل المساعدة التي يلقاها من الوزير الفرنسي الذي أوصى القائم ~~بأعمال السفارة الفرنسية في القسطنطينية بتأييد مصالح الباشا، ~~ثم قال: «إن الفوضى التي ستنجم عن تثبيت محمد علي سوف تعرض ~~البلاد لخطر الغزو الفرنسي، وفضلا عن ذلك، فسوف يترتب على هذا ~~التثبيت أن يظفر الفرنسيون بنفوذ عظيم في مصر مما يعود بأسوأ ~~النتائج على بريطانيا العظمى في المستقبل.» ثم اختتم رسالته ~~بقوله: «والخوف من ذلك كله هو الذي يجبرني جبرا على أن أعرض ~~عليكم ملامة توجيه سفير حكومة جلالة الملك بالقسطنطينية بأن ~~يسعى جهد طاقته لنيل إبعاد محمد علي.» ثم تزايد غضب «مسيت» عند ~~إخفاق المحاولات التي بذلت للتوفيق بين بكوات الصعيد وبين ~~الألفي، حتى يسهم الأولون في المبلغ الذي نص على دفعه ثمنا ~~للاتفاق بين مندوبي الألفي وبين الديوان العثماني، ثم بسبب ما ~~شاهده من تدفق الجنود الذين جلبهم محمد علي من الخارج لتعزيز ~~قواته، وامتناع القبطان باشا ورجاله عن مقاومة نزول هؤلاء في ~~الموانئ المصرية، سواء كان مبعث هذا الامتناع الإهمال أو ~~الارتشاء، فقال «مسيت»: «إن مسلك القبطان باشا يهزم أغراض ~~سلطانه النافعة.» وبعث يطلب من «وندهام» في 8 سبتمبر مركبا ~~حربيا للتجول في المياه المصرية وزيارة الإسكندرية والشواطئ ~~المصرية والشامية. # واستهول «مسيت» نتائج ما حاق من فشل بكل مساعيه لإقصاء محمد ~~علي عن الولاية فراح يعزو - في رسالته ms0521 إلى «أربثنوت» في 25 ~~سبتمبر - هذا الفشل إلى نشاط «دروفتي» فقال: «إنه لما كان غرض ~~الحكومة الفرنسية تقوية روح الخلاف والشقاق والحيلولة دون ~~تنفيذ أية خطة تعيد السلام والهدوء إلى مصر، فقد أظهر الوكيل ~~الفرنسي نفسه منذ وصول القبطان باشا صديقا لمحمد علي ومناصرا ~~لقضيته، وحصل منه الأخير على معلومات صحيحة عن قوة القبطان ~~باشا، ولم يمتنع ضباط القبطان باشا عن الإفضاء إليه بمعلومات ~~خاصة عن نوايا سيدهم السليمة، وتسنى للوكيل الفرنسي أن ينصح ~~محمد علي بأن في وسعه أن يضرب صفحا عن تهديدات القبطان ~~العالية والتي في الحقيقة لا قيمة لها في حالة ما إذا كان قد ~~صح عزمه على إخلاء مصر وتركها.» ثم استطرد يقول: «ولما كان ~~المفهوم عموما أن محمد علي سوف يتثبت في الولاية، فقد صار ~~الحزب الفرنسي يدعي الفضل لنفسه في ذلك، ومن المحتمل أن يستطيع ~~هذا الحزب التأثير عليه بأنه من غير تأييدهم له لن يجديه نفعا ~~ما بذله من مال بسخاء لرجال الديوان العثماني.» ولانبثاث هذه ~~الفكرة في ذهن محمد علي آثار سوف تصعب إزالتها في المستقبل، لا ~~سيما إذا أخذنا بعين الاعتبار أن البريطانيين لأسباب وظروف ~~منوعة يعدون حماة المماليك عموما والألفي بك خصوصا، ووجه ~~الغرابة في هذه الأقوال أن «مسيت» نسي أنه هو نفسه كان كذلك من ~~بين الذين أبلغوا سرا محمد علي أن الباب العالي لا ينوي ~~تنفيذ النقل إلى سالونيك بالقوة الجبرية. # وأما آثار هذه الحملة الشديدة التي حملها «مسيت» على الباشا ~~بسبب استعلاء نفوذ الوكلاء الفرنسيين لديه وتوهم القنصل ~~الإنجليزي أنه صار مبيعا لهم، فقد ظهرت بوضوح عندما صار رجال ~~السفارة الإنجليزية بالقسطنطينية يعتقدون هم كذلك أن بقاء محمد ~~علي في باشويته لا نتيجة له سوى تعزيز النفوذ الفرنسي في مصر ~~وتمهيد الطريق للفرنسيين لغزوها، فكتب «أربثنوت» إلى «فوكس» في ~~8 سبتمبر يرسل إليه خطابي «مسيت» له بتاريخ 31 يوليو و3 أغسطس ~~عن حوادث إذاعة محمد علي نبأ تثبيته في ولاية مصر، وانتصار ~~الألفي عليه في معركة النجيلة ms0522 وموقف موسى باشا، وتعليق «مسيت» ~~بشأن الأخطار التي تنجم عن تثبيت محمد علي في الولاية ثم يقول: ~~«وأما فيما يتعلق بالإجراءات التي يريد الباب العالي اتخاذها ~~بالنسبة لمصر فليس لدي أية فكرة عنها، ولكن في ظني أن أي ~~إجراء سوف يتخذ لا يكون من أثره إعادة تأسيس سلطان الباب ~~العالي في هذه البلاد»، وعندما أبلغ «أربثنوت» في 29 سبتمبر أن ~~الباب العالي قد قرر تثبيت محمد علي في منصبه، كتب في اليوم ~~التالي إلى وزير خارجيته: «إن هذا الترتيب الجديد سوف يعود ~~بنفع عظيم للغاية على الحزب الفرنسي، بينما ذهاب محمد علي لو ~~أنه حدث لكان قد أفضى على نحو ما أعرف من الميجور «مسيت» إلى ~~تحطيم نفوذهم (أي الفرنسيين) في مصر.» # ولقد ظهر عجز «مسيت» والتواء أساليبه؛ عندما ترك هو الآخر ~~الفرصة تفلت من يده للوصول إلى اتفاق بين الألفي ومحمد علي، ~~يكفل لحليفه الاستقرار والهدوء في وقت كان الألفي أشد ما يكون ~~فيه حاجة إلى هذين بعد أن استنفد قوته حصار دمنهور، واتضح بسبب ~~امتناع بكوات الصعيد عن الاتحاد معه أن عليه وحده تقع تبعة ~~مواصلة النضال ضد محمد علي، فقد أوضحنا فيما سبق كيف أن الألفي ~~عندما أدرك أن القبطان باشا قد تخلى نهائيا عن قضيته صار ~~يريد الاتفاق مع محمد علي حتى يكسب فسحة من الوقت تمكنه من ~~تقوية نفسه، وطلب وساطة «مسيت» في هذه المسألة، فإن «مسيت» ~~بدلا من السعي جديا لعقد هذا الاتفاق بين الطرفين، عمل على ~~تعطيله متعللا بأن هذا الاتفاق يبعد الألفي عن ميدان العمليات ~~العسكرية المقبلة ويحرم الإنجليز عند مجيء جيشهم إلى ~~الإسكندرية من معاونة فرسان الألفي لهم، ونظر إلى وساطته في ~~هذه المفاوضة التي طلبها كل من الألفي ومحمد علي كوسيلة معطلة ~~لنفوذ الوكلاء الفرنسيين لدى البكوات ولدى محمد علي معا، ~~ونافعة من ناحية أخرى في زيادة سمعة بريطانيا، ثم إنه حتى يبرر ~~هذه السياسة التي لا شك في أنها كانت خاطئة، راح يقول - في ~~رسالته إلى «أربثنوت» في 29 ms0523 سبتمبر - ما معناه أنه لا يثق في ~~وعود الألفي ، ويرفض لذلك أن يكون على عاتقه ضمان أي اتفاق يحصل ~~بينه وبين محمد علي، ولقد كان هذا كشفا غريبا من جانب رجل ~~سياسة يبني كل مشاريعه على مؤازرة حليف لم ينجرف لحظة عن ~~الطريق الذي رسمه لنفسه وهو الصداقة لبريطانيا. # ويزيد من هذه الغرابة أن «مسيت» كان يعلم تماما أن لا أمل ~~ولا رجاء في انحياز أحد البكوات غير الألفي إلى تأييد مصلحة ~~بريطانيا؛ فمسيت نفسه هو الذي كتب إلى «وندهام» منذ 8 سبتمبر ~~أن خطابات من الحكومة الفرنسية قد وصلت عن طريق «تريستا» إلى ~~عثمان بك البرديسي ردا على كتاب هذا الأخير إلى بونابرت من ~~جملة شهور مضت، وأن الغرض من هذه المراسلات إنما هو طلب ~~المساعدة من الحكومة الفرنسية ووعد هذه بإعطائها للبكوات؛ لأن ~~هؤلاء يدركون تماما أن عودة سلطتهم السابقة إليهم أمر لا يمكن ~~أن يحدث من غير تدخل دول أوروبية، وزد على ذلك أن «مسيت» لم ~~يبذل أي جهد لكسب بكوات الصعيد إلى جانبه، واكتفى باعتبارهم ~~مبيعين لفرنسا مثلهم في ذلك مثل محمد علي، فهو يذكر لوندهام أن ~~عثمان البرديسي - وهو منافس خطر للألفي ويهمه أن يجرده من ~~تأييد «مسيت» له - قد بعث إليه برسائل تفيض مودة، بل ويستفسر ~~عما إذا كان الجنرال «ستيوارت» سوف يأتي إلى مصر ثانية، ثم ~~يطرح «مسيت» هذا الموضوع جانبا واصفا مساعي البرديسي هذه ~~بأنها من أساليب الخداع التي يلجأ إليها جريا على عادته معه! ~~وهكذا اضطر «مسيت» بعد أسابيع من هذا الحادث إلى الشكوى ~~لوندهام (في 29 سبتمبر) من أن إبراهيم بك وعثمان البرديسي قد ~~أوفدا من مدة مملوكا اسمه أحمد كاشف إلى مرسيليا، وقال ~~«مسيت»: «إن هذا المملوك قد غادر مصر من حوالي ستة شهور مضت ~~بدعوى الذهاب إلى القسطنطينية لإنجاز بعض الأعمال الخاصة ~~به.» # بل ويبدو أن الغرور وقصر النظر السياسي قد أعميا بصيرة ~~«مسيت» في مسألة الوساطة بين الألفي ومحمد علي حتى إنه راح ~~يزعم لأربثنوت أن من ms0524 مزايا وساطته هذه المضللة لحليفه الألفي ~~ولخصمه محمد علي معا، إذا اتضح أنه كان أداة سلام، ونجحت ~~المفاوضة بطبيعة الحال بفعل خارج عن إرادته، نال شكر محمد علي ~~وعرفانه لجميله، وبطل انحياز هذا الأخير إلى فرنسا؛ لما لديه ~~الآن من خوف طبيعي من أن يحرض «مسيت» البكوات على الثورة ضده ~~فيتسبب في خلق المتاعب والمصاعب له، تلك التي قال «مسيت»: إن ~~مهمته هي إقناعه بأنه لا يستطيع الخلاص منها من غير ~~مساعدته. # أما وقد جاء الططر بعد ذلك يحملون نبأ تثبيت محمد علي في ~~ولايته نهائيا، وانهارت كل آمال «مسيت» فقد صار لا يجد وسيلة ~~عندئذ لتفادي هذه الكارثة في نظره سوى تكرار تحذيراته لوزير ~~الحربية من تعرض البلاد بسبب ذلك لخطر الغزو الفرنسي، ثم وجد ~~في رفض البكوات لعروض الباب العالي عليهم إقطاعهم بعض أقاليم ~~الصعيد التي يملكونها فعلا، معززا لما ذهب إليه وأفصح عنه ~~لوندهام في 7 أكتوبر من بقاء مصر في تلك الحال الدقيقة وغير ~~المستقرة التي تجعلها معرضة لهذا الغزو، وقد ظهر نفاق «مسيت» ~~في هذه الأزمة عندما تأكد لديه أن الباب العالي قد ثبت محمد ~~علي في ولايته، فكتب إلى يوسف عزيز في أكتوبر 1806 يكلفه ~~بانتقاء مجوهرات هدية لمحمد علي وإبلاغه تهنئته، على نحو ما ~~سبق ذكره في موضعه. # ولعل أقسى هزيمة مني بها «مسيت» نتيجة تضليله لحليفه الألفي ~~في مسألة الاتفاق الذي وسطه فيه بينه وبين محمد علي، أن الألفي ~~اضطر إلى رفع الحصار عن دمنهور والانسحاب من البحيرة في طريقه ~~إلى الصعيد؛ أي الابتعاد عن ميدان العمليات العسكرية المنتظرة ~~عند نزول الحملة الإنجليزية، ثم دخول بكواته في المفاوضة مع ~~«روشتي» لطلب وساطة روسيا في صالحهم لدى الباب العالي - وهي ~~مفاوضات تقدم ذكرها - أطلعه «البطروشي» عليها في رسالته إليه ~~منذ 23 نوفمبر 1806، وراح «مسيت» يخفي انهزامه تحت وابل من ~~المطاعن على «روشتي»، ويبدي تشككه بل اعتقاده بأن هذا الأخير ~~إنما أقدم على مفاتحة بكوات الألفي في هذه المسألة من تلقاء ~~نفسه ودون أن ms0525 تكون لديه تعليمات بذلك من حكومته، ثم صار يؤكد - ~~كما رأينا في رسالته إلى «أربثنوت» في 26 نوفمبر - أن الألفي ~~نفسه يجهل نشاط شاهين بك في موضوع هذه الوساطة، مع العلم بأن ~~شاهين عضد الألفي وساعده الأيمن، وقد تولى زعامة الألفية بعد ~~وفاة كبيرهم، ومع أن وفاة الألفي كانت قمينة بأن تصدم «مسيت» ~~الذي أدخل في حسابه دائما الاعتماد على الألفي وفرسانه في ~~إنجاح حملة الإنجليز المنتظرة، فقد كان كل تعليقه على هذا ~~الحادث أنه لا يدري سبب الوفاة الحقيقي، وأنه يبغي معرفة آراء ~~شاهين بك خليفة الألفي من حيث تمسكه بالمسلك الذي سلكه سلفه مع ~~الإنجليز والعمل منفردا عن سائر البكوات أو الاتحاد معهم، ~~وكانت نتيجة حتمية ولا شك تلك التي أسفرت عنها مساعي «مسيت» مع ~~شاهين بك، عندما كتب إليه هذا الأخير كتابا وصله في 13 فبراير ~~1807 جعل «مسيت» يعلق عليه بقوله في رسالته إلى «أربثنوت» في ~~8-14 فبراير 1807: «ومع أنه لا يوجد أدنى شك في أن شاهين بناء ~~على تحريض «روشتي» له قد طلب مساعدة روسيا، فإنه لمما لا يزال ~~يدعو إلى الارتياح (!) أن نراه يريد الإبقاء على علاقات المودة ~~والصداقة التي كانت بيننا وبين الألفي، ويعقد آمالا كبيرة على ~~ثقته في حماية بريطانيا له.» ثم يذكر في رسالة أخرى، في هذه ~~المرة إلى حاكم مالطة السير «ألكسندر بول» أما في 14-15 أو 16 ~~فبراير أنه قد وصله كتاب من شاهين بك يقول فيه إنه يريد الآن ~~الانضمام إلى سائر البكوات في الصعيد، وأن يعود بعد ذلك لحصار ~~القاهرة! وأما شاهين فقد كتب إلى «مسيت» في 2 فبراير 1807 ~~يبلغه خبر وفاة محمد بك الألفي الذي قال عنه إنه لما وصل إلى ~~دهشور كان في صحة جيدة وروح عالية؛ حيث إنه كان قد انتصر على ~~محمد علي وجيشه انتصارا باهرا في المنصورية لم يلبث هذا بعده ~~أن انسحب إلى قرية كفر حكيم، وانتظر الألفي عبثا خمسة أيام ~~بتمامها أن يخرج العدو منها حتى يلتحم معه ثانية، ms0526 ثم استأنف ~~سيره إلى دهشور حيث توفي بها فجأة، واختير شاهين رئيسا ~~للألفية، وتحدث شاهين عن أغراض جماعته فقال: «إن غرضنا الآن هو ~~الذهاب إلى والدنا إبراهيم بك وسائر البكوات بالصعيد، وسوف ~~نعمل جادين بالاتحاد معهم من أجل استرجاع أملاكنا وانتزاعها من ~~أيدي الأرنئود، تبعا لتعليمات سلطاننا المعظم أبقاه الله ~~ورعاه - وبمشيئته تعالى سوف نتمكن في خلال هذا الشهر من تحقيق ~~غرضنا ونيل مأربنا.» ثم رجاه أن يبلغ السفير الإنجليزي ~~بالقسطنطينية ألا يصدق ما يترامى إليه من أنباء كاذبة قد ~~يروجها أعداء شاهين ويعد أنه بمجرد وصوله إلى الصعيد وانضمامه ~~إلى البكوات القبالي، سوف يجري إعداد عريضة من جانب البكوات ~~إلى الباب العالي، ويرسلها هؤلاء إلى «مسيت» حتى يبعث هذا بها ~~إلى السفير، واختتم شاهين كتابه برجاء «مسيت» الاستمرار على ~~إسداء العون لهم كما كان يفعل مع الألفي وأن يكتب إليهم، ويؤكد ~~له أنه سوف يسعدهم دائما أن يؤدوا له كل ما يمكنهم من ~~خدمة. # وهكذا كانت الحقيقة الواضحة - بالرغم مما احتواه خطاب شاهين ~~من عبارات الود والصداقة للوكيل البريطاني، والوعد بإسداء ~~الخدمة التي قد يريدها «مسيت» من البكوات أن جماعة الألفي آثرت ~~الانسحاب إلى الصعيد، بدلا من انتظار مجيء الحملة الإنجليزية؛ ~~وعلى ذلك لم تجد هذه الحملة عند حضورها بعد شهر واحد من تاريخ ~~وصول هذه الرسالة إلى «مسيت» أحدا من مماليك الألفي أو أجناد ~~شاهين لاستقبالها. # حقيقة أثمرت جهود «مسيت» في الإسكندرية لأسباب سوف نذكرها في ~~موضعها أفضت إلى تسليم هذه دون مقاومة، ولكن محمد علي باشا مصر ~~وصاحب الحكم فيها كان قد صح عزمه على رد هذا العدوان بالقاهرة، ~~ولم يجد «مسيت» بالرغم من نشاطه ونشاط وكلائه سوى أفراد قلائل ~~معدودين رغبوا فعلا في مناصرة الإنجليز أو رضوا عن ~~غزوهم. # تلك إذن كانت آثار السياسة الخاطئة والملتوية التي مضى فيها ~~«مسيت» بإصرار وعناد لتحطيم حكومة محمد علي، حتى يتحطم بذلك ~~نفوذ فرنسا في مصر، ولتأسيس الحكم المملوكي حتى يتمهد بذلك ~~احتلال البريطانيين لهذه البلاد؛ وعلى ذلك فإنه ms0527 بدلا من أن ~~تتهدم المصالح الفرنسية أو يقضى على النفوذ الفرنسي في مصر ~~في هذه الفترة أحرز هذا النفوذ تفوقا كبيرا أخذ يقوى تدريجا ~~حتى بلغ ذروته أيام الغزو البريطاني في عام 1807، وكان سبب هذا ~~إنما هو السياسة الحكيمة التي سار عليها «دروفتي» ثم نائبه ~~«مانجان» في القاهرة. ~~(2) سياسة «دروفتي» ~~«برناردينو» (أو برناردان) ميشيل ماري «دروفتي»، # 1 # أصله من بيدمنت، تأثر بالآراء والمبادئ التي جاءت ~~بها الثورة الفرنسية، وانخرط في السلك العسكري الفرنسي في ~~1796، واشترك في الحملة الإيطالية، وعين بعد صلح كمبو فرميو ~~(1797) قومسييرا للحكومة المؤقتة التي أقيمت في بيدمنت تحت ~~النظام الفرنسي الجديد، ثم التحق بالجيش مرة أخرى عند استئناف ~~الحرب، فحضر معركة مارنجو المشهورة (14 يونيو 1800)، وعهد إليه ~~بتنظيم الجيش البيدمنتي، وفي 20 أكتوبر 1802 عين وكيلا ~~للشئون التجارية بالإسكندرية، وشهد وهو بها في صيف 1803 ما ~~أوقعه علي باشا الجزائرلي من مظالم على الأوروبيين، وبذل قصارى ~~جهده لحماية مصالح هؤلاء، حتى نال ثناء بونابرت القنصل الأول، ~~وعندما غادر «ماثيو لسبس» مصر في خريف 1804 تعين «دروفتي» في ~~مكانه (أي نائب قومسيير للعلاقات التجارية الفرنسية)، وكان ~~«دروفتي» يبلغ عندئذ الثامنة والعشرين، وأما نائبه في القاهرة ~~«فيلكس ~~مانجان» # Félix Mangin # فكان من الفرنسيين الذين بقوا ~~بالبلاد منذ مغادرة الفرنسيين لها في 1801، اشتغل بالتجارة في ~~القاهرة، وتزوج من ابنة مواطنه «كاف» # Caffe # وهذا تاجر فرنسي كذلك كان من بين ~~أعضاء الديوان الكبير أيام بونابرت، وقد كلفه «ماثيو لسبس» ~~رسميا في 16 أكتوبر 1804 بالعمل في القاهرة وكيلا ~~للقوميسيرية العامة، وبأن يتراسل مع خليفته (أي خليفة ~~«ماثيو لسبس») في الإسكندرية، وقد شكا «مانجان» إلى وزير ~~الخارجية «تاليران» في أكتوبر 1806 أنه ظل يخدم الحكومة ~~الفرنسية في القاهرة بنشاط وهمة ولكنه لم يحصل على أية مخصصات ~~أو مرتبات، ويرجوه أن يتوسط لدى الإمبراطور في هذا الأمر، وقد ~~عزز «دروفتي» طلب «مانجان» وقال: إنه ظل يقوم بعمله في القاهرة ~~طوال العامين الماضيين باجتهاد عظيم، وكان «مانجان» يتلقى ~~تعليماته من «دروفتي» ويعمل بنصائح هذا ms0528 الأخير وإرشاداته له، ~~بينما كانت تأتي التعليمات إلى «دروفتي» من حكومته ~~رأسا. # والرأي السائد عند جمهرة المؤرخين الفرنسيين أن «دروفتي» صار ~~يسترشد في نشاطه السياسي في السنوات التالية ومنذ أن عين في ~~مكان «ماثيو لسبس» بالمبادئ والقواعد التي تركها هذا عند ~~مغادرته مصر للوكلاء الفرنسيين حتى يسترشدوا بها ويسيروا عليها ~~من بعده، وأهم هذه المبادئ الإقبال على تأييد محمد علي ~~ومناصرته، والعمل على تعطيل مشاريع الإنجليز للقضاء على كل ~~نفوذ لهم في البلاد، على أن الحقيقة فيما يتعلق بتأييد محمد ~~علي خصوصا كانت على خلاف ذلك؛ لسببين هامين؛ أولهما: أن ~~«ماثيو لسبس» كان لا يرى في محمد علي - وكما سبق ذكره - ذلك ~~الرجل القادر على انتشال البلاد من الفوضى وتأسيس الحكومة ~~الموطدة بها حتى يوصي خلفاءه بتأييده، وثانيها: أن «دروفتي» ~~نفسه كان يشك كثيرا وقت المناداة بولاية محمد علي مايو 1805 ~~في قدرة هذا الباشا الجديد على تذليل الصعوبات التي اعترضت ~~حكومته حتى يقبل هكذا وعلى أثر المناداة به مباشرة على ~~تأييده، بل إن «دروفتي» لم يعمد إلى مناصرة محمد علي إلا بعد ~~أن تدخلت عوامل عدة جعلت «دروفتي» يقبل شيئا فشيئا على ~~مؤازرة الباشا لاعتقاده بأن بقاء محمد علي في الحكم هو الوسيلة ~~الفعالة لإبطال مساعي الإنجليز الذين يريدون إعادة الحكم ~~المملوكي إلى مصر برئاسة حليفهم الألفي، وأما من حيث تلك ~~التعليمات المزعومة التي تركها «ماثيو لسبس» لخلفائه فقد وصفها ~~«دروفتي» نفسه في رسالة له إلى حكومته في 31 أغسطس 1805 بأنها ~~إنما تدور حول شيء واحد، وواحد فقط هو إفساد خطط الإنجليز ~~ومشاريعهم في مصر، ولم يكن «دروفتي» في حاجة إلى هذا النصح ~~والإرشاد؛ لأنه يعتقد اعتقادا راسخا ومن مبدأ الأمر - وكما ~~اعتقد نائبه «مانجان» أيضا - أن مهمته الكبرى والمباشرة إنما ~~هي إفساد خطط الإنجليز ومشاريعهم بكل وسيلة. # والواقع أن «دروفتي» اختط لنفسه سياسة كانت مستقلة في ~~تفاصيلها عن تلك التي سار عليها سلفه من قبل، أو أرادت حكومة ~~القنصل الأول والإمبراطور في باريس إلزام مندوبيها في مصر ms0529 ~~باتباعها، وإن اتفقت هذه السياسة في هدفها الأعلى وما كانت ~~تريده فرنسا من حيث القضاء على كل نفوذ للإنجليز في مصر ~~والحيلولة دون احتلال هؤلاء للبلاد مرة ثانية، وكان بفضل ~~استقلال «دروفتي» بالعمل وعلى مسئوليته هو وحده أن انتقلت ~~تدريجا السياسة الفرنسية المحلية من سلبيتها السابقة إلى ~~سياسة إيجابية ترمي إلى التأثير على الوقائع ذاتها بدلا من ~~الاكتفاء بالأمر الواقع والتسليم به أو محاولة تعديل ما ترتب ~~على حدوثه من نتائج بعد حدوثه. # ولقد تضافرت عوامل عدة لإدخال هذا التعديل الجوهري على ~~السياسة الفرنسية المحلية في مصر، منها ما ظهر وقتئذ من أن ~~حكومة باريس لم تشأ - على ما يبدو - أن تخط لنفسها سياسة مصرية ~~مرسومة، طالما أنها قنعت بذلك الهدف العام الذي ظل مسيطرا على ~~تفكيرها حتى عام 1804؛ أي منع الإنجليز من احتلال مصر ثانية ~~بعد أن تم إجلاؤهم عنها في مارس 1803، وطالما أنها بقيت راضية ~~بما يظهره عثمان البرديسي (خصم الألفي حليف الإنجليز) من آيات ~~الولاء والصداقة وضروب الاحترام لشخص بونابرت العظيم في ~~مراسلاته معها، ولو أن الولاء لفرنسا والاحترام لعاهلها لم ~~يمنعاه عندما تأسست الحكومة المملوكية أو الحكومة الثلاثية في ~~القاهرة من إساءة معاملة «ماثيو لسبس»، حتى إن هذا الأخير طلب ~~من حكومته أن تبعث في استدعائه من مصر، وكان السبب في عدم وجود ~~أي سياسة مصرية مرسومة لدى حكومة باريس أن مشاغل الإمبراطور ~~نابليون وحروبه في القارة الأوروبية ثم نضاله العنيف مع ~~إنجلترة قد استغرقا كل وقته، واستأثرا بكل نشاطه وتفكيره، حتى ~~إنه صار ينظر إلى مصر والفصل في مصيرها كمسألة ذات أهمية ~~ثانوية تأتي في ترتيبها بعد إحرازه النصر في أوروبا وانهزام ~~إنجلترة، فكانت التعليمات التي وصلت إلى «دروفتي» قليلة ومفرغة ~~في قالب عام تركت له في حقيقة الأمر بين عامي 1805، 1807 حرية ~~العمل وعلى مسئوليته هو وحده وما دام لا يفوت على فرنسا تعزيز ~~مصالحها. # ولعل أهم ما يلاحظ في هذا التغيير الذي طرأ على السياسة ~~الفرنسية المحلية - وهي التي وجب بحق تسميتها بسياسة ms0530 «دروفتي» ~~- أنه حدث لصالح محمد علي، ولم ينتفع منه البكوات الذين عرفوا ~~بصداقتهم لفرنسا، وينسب الفضل في ذلك إلى «دروفتي» الذي لم ~~تلبث الحوادث أن أقنعته رويدا رويدا بأن المناداة بمحمد علي ~~في مايو 1805 إنما هي بمثابة حد يفصل بين عهدين، ولا ندحة عن ~~إدخاله في حساب الديبلوماسية الفرنسية إذا شاءت فرنسا الوصول ~~إلى غايتها التي هدفت إليها منذ استئناف نشاطها في مصر: تعزيز ~~نفوذها في البلاد ورعاية مصالحها التجارية خصوصا، ثم منع عودة ~~الاحتلال البريطاني إليها، ويتضح عجز حكومة باريس عن إدراك هذه ~~الحقيقة من تلك التعليمات التي بعثت بها إلى «دروفتي» في 22 ~~يوليو 1805 - كما سيأتي ذكره - وهي تعليمات لو أن «دروفتي» لم ~~يكن صاحب همة ونشاط وذا حصافة وبعد نظر سياسي لعطلت المصالح ~~الفرنسية في مصر وألحقت الأذى بها. # وقد رفض «دروفتي» أن يظل مكتوف اليدين بينما يتدخل غريمه ~~«مسيت» تدخلا إيجابيا وينشئ حزبا مملوكيا مواليا ~~للإنجليز، يتزعمه الألفي أعلى البكوات همة وأشدهم مراسا، وكان ~~على «دروفتي» وقد اعتزم نبذ السلبية التي هددت بزوال كل نفوذ ~~لفرنسا أن يختار بين أمرين: إما مؤازرة الحزب الفرنسي ورئيسه ~~العامل عثمان البرديسي، ثم سائر البكوات كعثمان بك حسن وغيره ~~من الذين يغضبهم استعلاء الألفي ولا يرضون برئاسته عليهم، وإما ~~مؤازرة محمد علي. ولقد أوحت الحوادث إلى «دروفتي» وبعد تجربة، ~~بأن من الخير له الإقبال على مناصرة محمد علي لا ضد الألفي ~~فحسب، بل وضد البرديسي وجماعته كذلك، على أن هذا التحول الذي ~~شكل سياسة «دروفتي» لم يحدث فجأة، بل مر في أدوار وعلى مراحل، ~~وحدث بعد إمعان وترو، وتقليب لوجوه النظر فيما صار يجد من ~~وقائع، لا سيما بعد حادث انقلاب 13 مايو 1805، واتخذ أول ما ~~اتخذ مظهر المحاولة لمنع أي اتفاق بين الألفي ومحمد علي، خوفا ~~من أن يؤدي ذلك إلى انتصار السياسة الإيجابية الإنجليزية في ~~مصر، حتى إذا استبان «دروفتي» أن محمد علي يعتزم التحرر من كل ~~نفوذ أجنبي ويرفض أن يشاركه الحكم أحد من البكوات ms0531 لا الألفي ~~ولا غيره، وأن القوة وحدها هي التي تستطيع زحزحته من الولاية ~~وإخراجه من مصر، ثم شهد تخاذل المماليك بسبب خلافاتهم ~~وانقساماتهم وتعذر تكوين جبهة متحدة منهم سواء بزعامة الألفي ~~أو بزعامة البرديسي، وانتفاء كل رجاء لذلك في قيام حكومة ~~مملوكية في مصر، ثم انهيار مثل هذه الحكومة إذا تسنى إنشاؤها ~~لظروف طارئة كتلك التي حدثت في 1803-1804 فضلا عن إيثار بكوات ~~الصعيد العيش في تلك الأقاليم النائية ينهبون ويسلبون، على ~~البقاء بالقرب من مراكز النشاط السياسي ثم العسكري المنتظر في ~~الوجه البحري، وتركهم الميدان فسيحا للألفي حليف الإنجليز، ~~نقول: إن «دروفتي» حينما اتضح له ذلك كله لم يجد مناصا من ~~مؤازرة حكومة محمد علي، ثم إنه ما إن وصل إلى تقرير هذه الخطة ~~حتى أقبل على تنفيذها دون تردد في جرأة وشجاعة حققتا لها ~~الانتصار لا من حيث المساعدة على إنقاذ ولاية محمد علي من ~~الأخطار التي تهددتها وكادت تطيح بها بين عامي 1805، 1807 ~~فحسب، بل ومن حيث إرساء قواعد ذلك التفاهم الذي قرب بين محمد ~~علي وفرنسا، وأوجد تلك الصداقة التي جعلت باشا مصر يعتمد على ~~ما صار يتوقعه من مناصرة هذه الدولة حتى آخر أيام ~~حياته. # ويبدأ هذا التحول في السياسة الفرنسية المحلية في مصر عند ~~المناداة بولاية محمد علي، ويتم أثناء أزمة النقل إلى سالونيك، ~~ثم لا تلبث أن تظهر ثماره المباشرة عند مجيء حملة «فريزر» إلى ~~مصر، ويرتبط باعتبارات معينة منها ضرورة الاطمئنان إلى موقف ~~الباب العالي من فرنسا في النضال الأوروبي القائم حتى لا ينحاز ~~إلى عدوتيها: إنجلترة وروسيا، ثم اتخاذ الحيطة من ناحية نشاط ~~الوكلاء الإنجليز مع حلفائهم من المماليك الذين تزعمهم الألفي، ~~وذلك حتى يتسنى تدبير الوسائل التي تكفل دفع الغزو الإنجليزي ~~عند وقوعه، وقد كان الفرنسيون يتوقعون نزول حملة إنجليزية في ~~هذه البلاد، كما كان غرماؤهم يتوقعون غزوة فرنسية عليها، ~~وأخيرا التأكد من أن محمد علي هو القوة الداخلية في مصر ~~ذاتها، وزوال أي اشتباه في قدرته على تذليل ما ms0532 يصادفه من ~~صعوبات، ورسوخ الاعتقاد بأن أسباب الدفاع عن البلاد ضد الغزو ~~الإنجليزي المنتظر إنما تتركز في حكومته وتتوقف على بقاء ~~ولايته. # المرحلة الأولى: بوادر التحول إلى الإيجابية # وقد بدأ «دروفتي» عمله في منصبه الجديد - مكان «ماثيو ~~لسبس» - بتسجيل ما صار يلاحظه بيقظة وانتباه من حوادث لا ~~معدى عن تأثيرها على المصالح الفرنسية من جهة، وعلى ~~الوضع القائم في مصر من جهة أخرى، أبرزها نشاط القنصل ~~الإنجليزي «مسيت» في الثغر، والنضال القائم بين حكومة ~~خورشيد وبين البكوات سواء في الفيوم أو في الصعيد، ثم ~~استقدام خورشيد لجنوده الدلاة، فقد زار الإسكندرية أسطول ~~إنجليزي بقيادة «نلسن» في فبراير 1805، كما زارت الميناء ~~فرقاطة إنجليزية بعد ذهاب الأسطول، وأكد الإنجليز، ولا ~~سيما «مسيت» أن أسطولا فرنسيا قد غادر طولون من المتوقع ~~أن يغزو مصر، فنشطت السلطات الحاكمة في الثغر لتحصين ~~الإسكندرية تحت إشراف القنصل البريطاني الذي يعمل كل يوم ~~على تمرين الجنود وبعض العربان، ويجري مناورات تشترك فيها ~~المدفعية، وبعث خورشيد باشا لذلك بأحد ضباطه يحمل نداء إلى ~~الإسكندريين يدعوهم فيه للتسلح من أجل الدفاع عن البلاد، ~~ثم لاحظ «دروفتي» بعد أن سجل وقائع القتال الدائر بين جند ~~خورشيد بقيادة محمد علي وبين البكوات، ثم سقوط المنيا في ~~يد الأول في أبريل 1805 أن لا وجود لأي تفاهم أو سلام بين ~~البكوات المماليك، وأن الباب العالي إذا أولى الأمر قليلا ~~من عنايته استطاع في وقت قريب ~~أن يصبح سيد البلاد ~~تماما، ومنذ 4 أبريل كشف «دروفتي» لحكومته عن الآثار ~~المتوقعة من استقدام الدلاة إلى مصر، وهم الذين قال عنهم: ~~إنهم وصلوا إلى القاهرة في 29 مارس، فأوضح كيف أنه من ~~الطبيعي أن يزعج وجودهم الأرنئود الذين صاروا يرون اليوم ~~أنفسهم مهددين بفقد ذلك التفوق الذي أحرزوه بسبب أعدادهم ~~الكثيرة عندما وجدت في الميدان قوات جديدة تعادلهم، وقال ~~«دروفتي»: إن خورشيد يبغي من استقدامهم تأليف حزب من ~~الدلاة يعاونه على التحرر من سيطرة الأرنئود، ثم نقل إلى ~~حكومته ما يذيعه المتشائمون من أن وجود ms0533 هاتين القوتين: ~~الدلاة والأرنئود، سوف يفضي إلى وقوع الاصطدام بين رئيس ~~الدلاة وبين محمد علي لتنازعهما المنتظر على القيادة ~~العليا، ولما كان الدلاة قد صاروا يشيعون أنهم حضروا إلى ~~مصر لقمع البكوات وطرد الأرنئود، ومن المنتظر بسبب هذه ~~الأقوال غير الحكيمة أن يتغير الأرنئود على حكومة خورشيد ، ~~فقد أنذر «دروفتي» منذ 11 أبريل بتوقع حدوث الاصطدام بين ~~خورشيد ومحمد علي، فقال: ولن يكون مثار دهشة إذا أعلن محمد ~~علي في هذه الظروف تذمره وغضبه وهو الذي ليس هناك ما يدعوه ~~لانتظار رضا الباب العالي وثنائه عليه، وأما خورشيد فإن ~~مركزه سوف يتحرج حتما إذا لم ينشط في حكمة واعتدال لتهدئة ~~الدلاة والأرنئود وفرض النظام والطاعة على الجماعتين. وفي ~~16 أبريل كتب «دروفتي» إلى «تاليران» أن سحب الثورة تتجمع ~~في سماء القاهرة، وأن أحدا لا يعرف مشروعات محمد علي ~~الطموح والجريء، وأن موقف الأهلين من هذه الأزمة لا يزال ~~مجهولا، ثم انتقد «دروفتي» تصرف خورشيد؛ لأنه أعطى قيادة ~~القلعة إلى صالح أغا قوش أحد الأرنئود وجمع حوله بالقلعة ~~طائفة منهم، فكان من رأي «دروفتي» إذا اتضح أن لمحمد علي ~~أطماعا تجعله يريد الاستيلاء على القاهرة، فإن خورشيد سوف ~~يلقى نفسه في مركز على غاية من الحروجة للأسباب المتقدمة، ~~وبالرغم مما يبدو من اعتقاد خورشيد وهو نفسه من الأرنئود ~~بأن في وسعه التأثير على صالح قوش وسائر الأرنئود الذين ~~معه بالقلعة، والصعوبة الكبرى التي يصادفها خورشيد وسط هذه ~~الأحداث هي حاجته الملحة إلى المال، وعجزه الظاهر عن دفع ~~مرتبات الجند. # ومع أن الاصطدام الذي خشي «دروفتي» وقوعه بين الدلاة ~~وبين محمد علي لم يحدث؛ لنجاح الأخير في كسبهم إلى جانبه، ~~ودخل محمد علي القاهرة ووافق خورشيد على أن يدفع بعد مهلة ~~قصيرة جدا مبلغا من المال لدفع مرتبات الجند، فقد توقع ~~«دروفتي» في 23 أبريل أن يظل الموقف في مصر متحرجا، وكان ~~من رأيه أن الاتفاق الأخير بين خورشيد وبين محمد علي لا ~~يبعث على الاطمئنان؛ لأن محمد علي إنما يريد الاستحواذ ms0534 على ~~باشوية القاهرة، وقد زود «مانجان» في الأيام التالية ~~بمعلومات كثيرة عن حقيقة الحالة في القاهرة، وعن ازدياد ~~نفوذ محمد علي على الجند والأهلين، وأوضح «دروفتي» ~~لتاليران في 28 أبريل أن الأمور سوف تتأزم لا محالة بسبب ~~خلو الخزانة من المال، وتوقع أن يحدث في مصر نفس ما حدث ~~أيام خسرو باشا، ثم إنه لم تفته ملاحظة نشاط «مسيت» الذي ~~لم يعنه شيء من أمر الأزمة التي كانت على وشك الانفجار في ~~القاهرة، فراح يشيع الخوف بين أهل الإسكندرية وحكامها من ~~الغزو الفرنسي المنتظر، فقد دخل إبريق إنجليزي إلى الميناء ~~في 27 أبريل، حضر من مالطة، فذهب أحد الضباط الإنجليز ~~بصحبة «مسيت» لمقابلة أمين أغا حاكم الإسكندرية والقبطان ~~بك متولي قيادة السفن العثمانية في الميناء ليعلنا إليهما ~~خروج أسطول فرنسي من طولون حتى يحتاطا للأمر، وخرجت فرقاطة ~~عثمانية على الأثر من الميناء القديم للقيام بجولة أمام ~~الإسكندرية، وفي 3 مايو كتب «دروفتي» إلى «باراندييه»: أن ~~الإنجليز الذين تذرعوا دائما بحجة الدفاع عن هذه البلاد ~~ضد الفرنسيين يحاولون وضع حامية بالإسكندرية تتألف من ~~الفرقة العاشرة وجنود آخرين من المشاة الذين هم على ظهر ~~سفينتين إنجليزيتين موجودتين بهذا الميناء، وأرادوا أن ~~يتعاون معهم في إنجاز هذه العملية غير الحكيمة ضباط الباب ~~العالي من غير أن ينال هؤلاء الأخيرون موافقة حكومتهم على ~~ذلك، واعتقد «دروفتي» لذلك أن الإنجليز إنما يريدون ~~الاستيلاء على الإسكندرية منتهزين فرصة عدم الاستقرار ~~السائد في مصر لتنفيذ مآربهم، بينما قد بلغ اليأس بأهل ~~البلاد كلهم تقريبا بسبب استمرار الثورات التي تكاد تقع ~~يوميا والتي أتعبتهم وأنهكت قواهم حدا جعلهم يطلبون ~~الفرج على يد نجدة تأتي لإنقاذهم من المظالم التي ~~يقاسونها، سواء جاءت هذه النجدة من فرنسا أو من ~~إنجلترة. # ثم ظل «دروفتي» يرقب بيقظة وانتباه ما يجري من حوادث في ~~القاهرة، فسجل تدخل الدفتردار جانم أفندي والمشايخ بين ~~خورشيد ومحمد علي لإنهاء الأزمة، وتوصل هؤلاء لاتفاق بين ~~هذين، حصل في منزل جانم أفندي، قد يفضي إلى تمتع القاهرة ~~بالهدوء ms0535 إذا أمكن تنفيذه، وهذا ما لم يكن «دروفتي» يتوقعه، ~~فقد كتب إلى «تاليران» في 6 مايو يطلب تعليمات جديدة، ~~فقال: إنه بالرغم من الأخبار التي بلغته عن إجراء الصلح ~~نهائيا بين خورشيد ومحمد علي على أساس أن يدفع الأول ~~مرتبات ستة شهور للأرنئود، وأن يبعث الأخير بالقسم الأكبر ~~من جنده إلى الصعيد لمواصلة القتال ضد البكوات هناك، فهو ~~يعتقد أن الموقف يتطلب منه أن يسأل «تاليران» إرسال ~~تعليمات جديدة إليه بشأن ما يجب أن يكون عليه مسلكه إذا ~~استولى محمد علي على زمام الحكم، أو إذا ترتب على حدوث ~~ثورة أخرى أن سلبت السلطة من ممثلي الباب العالي الشرعيين ~~في هذه البلاد. # ولقد كان لدى «دروفتي» ما يحمله على الاعتقاد - ومنذ 6 ~~مايو - أن الأمور في القاهرة سوف تجري في غير صالح خورشيد ~~باشا، حتى إنه وجد من الضروري عدم انتظار وصول تعليمات ~~«تاليران» إليه، ورأى أن الواجب يقتضيه سؤال «باراندييه» ~~القائم بأعمال السفارة الفرنسية بالقسطنطينية أن يبعث إليه ~~بتعليمات مؤقتة يعمل بها حتى تأتيه توجيهات حكومة باريس، ~~وقد صح تقدير «دروفتي»؛ لأن الحوادث سرعان ما وقعت متلاحقة ~~في أثر بعضها بعضا بالصورة التي عرفناها والتي انتهت ~~بالمناداة بولاية محمد علي في 13 مايو 1805، وقد سجل ~~«دروفتي» و«مانجان» وقائع هذه الحوادث بين يومي 4، 13 ~~مايو، وأصدر الوكيل الفرنسي إلى نائبه في القاهرة تعليماته ~~بضرورة زيارة محمد علي واستطلاع آرائه من حيث رعاية ~~المصالح الفرنسية عند استيلائه على حكومة القاهرة، فكتب ~~«مانجان»: إن هذا القائد الأرنئودي (أي محمد علي) قد أبدى ~~له ما يكنه من مشاعر المحبة العظيمة للأمة الفرنسية ~~وحكومتها. # وقد عني «دروفتي» بدراسة الموقف في القاهرة عقب ~~انقلاب 13 مايو واعتصام خورشيد بالقلعة، واستخلص من دراسته ~~هذه حقائق معينة جعلته يصدر تعليمات إلى «مانجان» فيما يجب ~~أن يكون عليه مسلكه مع محمد علي، وقد بسط «دروفتي» ذلك كله ~~في رسالة هامة بعث بها إلى «باراندييه» من الإسكندرية في ~~16 مايو 1805، فقال: «ولو أن خورشيد قد نجح في طلب النجاة ms0536 ~~بالاعتصام بالقلعة، فليس هناك ما يدل على أنه سيبقى في ~~حكومة مصر، فعليه أن يناضل ضد تدابير رجل صاحب أطماع ونشاط ~~كبيرين - يعني محمد علي - ويحذق فن التآمر، ويناصره الرأي ~~العام كما أن لديه القوة والسلاح، وهذا الرجل اللبق قد عرف ~~كيف يسترضي المشايخ وأهل القاهرة، وأن يجعلهم يصدقون أن ~~السبب الفرد في سوء الحالة المالية مرده إلى سوء الإدارة ~~والحكم الذي هو مبعث كل الاضطرابات التي أزعجت القاهرة ~~وحركتها على الثورة؛ وعلى ذلك؛ فقد أشاع بينهم روح السخط ~~والتذمر، واستطاع أن يشق لنفسه طريقا إلى الولاية دون أن ~~يبدو منه ما يشعر أنه يريد الحكم، فهو مسيطر في هذه اللحظة ~~تماما على رؤساء الأهلين الظاهرين، وما عليه إلا أن يبدي ~~إرادته حتى يظفر بنيل مأربه، ولكن هذا الرجل صاحب الأساليب ~~المكيافيلية دائما إنما يبغي ما يظهر أن يكون وصوله إلى ~~السلطة عن طريق الشعب، وبهذه الوسيلة لا يفوز بتأييد ~~المشايخ والأهلين لكل مشاريعه فحسب، بل ويجعل نفسه كذلك ~~وبصورة من الصور رجلا أو حاكما لا معدى عن حاجة ~~الحكومة العثمانية إليه، ومع أن أنصار المماليك قد أعلنوا ~~منذ انسحابه من الصعيد ومجيئه إلى القاهرة أن محمد علي ~~إنما يعمل بالاتفاق مع البكوات، إلا أن مسلك هؤلاء ~~الأخيرين لا يدل في الحقيقة على وجود خطة مثل هذه، فمحمد ~~علي يستخدم كل الوسائل الممكنة التي تجذب إليه قلوب أهل ~~القاهرة، بينما يعمل المماليك على تخريب الوجه البحري ~~والجهات المجاورة للقاهرة ذاتها، ويقطعون المواصلات ولا ~~يدعون الإمدادات والمؤن تأتي العاصمة من الصعيد، بل ~~ويجوعون القاهرة وينشرون بها المجاعة مما أثار الأهلين ~~عليهم، وقد يكون تصرفهم مخالفا لما يفعلونه لو أنهم سلكوا ~~نفس الطريق الذي اتبعه محمد علي، والحقائق المتصلة بالموقف ~~هي ما يأتي: الانقسام التام يفرق بين حزبي البرديسي ~~والألفي، والأخير قد يرى فيما لحق بعثمان البرديسي من ~~هزيمة انتقاما له منه وقع على أيدي الأرنئود، بينما قد ~~طرد الأرنئود البرديسي من القاهرة، وقد توصل الإنجليز ~~سابقا في عقد صلح بين خورشيد ms0537 والألفي، وقد سعوا لدى الباب ~~العالي في صالح الألفي، ويهمهم أن يروا حزب البرديسي وقد ~~تحطم بينما يلازم النجاح والانتصار الألفي وحزبه، وأخيرا، ~~فإن الألفي رابض بالقرب من القاهرة في انتظار ما تسفر عنه ~~الحوادث، وعلى كل حال، فمن المتعذر أن يرضى محمد علي ~~بمشاركة الألفي له في ممارسة شئون السلطة العليا، وقد وجدت ~~من واجبي مهما يكن الأمر أن أبعث بتعليمات إلى «مانجان» ~~بالقاهرة حتى يبذل قصارى جهده لإحباط كل مشروع يضع في ~~الحكم صنيعة الإنجليز (أي الألفي)، وعندما أوضحت لمانجان ~~المهمة التي عليه القيام بها لدى محمد علي، أوصيته باجتناب ~~كل إجراء يستثير عمال أو ضباط الباب العالي ويغضبهم، وهم ~~الذين يجب علينا علاوة على ذلك في علاقاتنا معهم المحافظة ~~على مصالحنا بأن نحول دون أن يكون للإنجليز أي نوع من ~~النفوذ في حكومة مصر.» # وعلى ذلك، فقد أصدر «دروفتي» تعليماته إلى «مانجان» في ~~اليوم نفسه (16 مايو)، يوصيه بأن يثابر على جهوده لكسب ~~صداقة محمد علي مع مراعاة الحكمة؛ نظرا لما كان متوقعا ~~من استئناف العلاقات الودية القديمة بين فرنسا والباب ~~العالي نتيجة للتغيير الوزاري الذي حدث وقتئذ في تركيا، ~~ثم ذكر لمانجان رأيه في أغراض محمد علي وذلك بما لا يخرج ~~عما ذكره في رسالته السابقة إلى «باراندييه»، ولما كان ~~«دروفتي» قد جزم بأن الاستئثار بالحكم عن طريق الشعب، وجعل ~~الباب العالي في حاجة ملحة إلى بقائه في هذا الحكم، هما ~~غرضا محمد علي، فقد عدد «دروفتي» الصعوبات التي تعترض ~~سبيله، ومنها جعل الجند يطيعون أوامره؛ لأن هؤلاء - كما ~~قال - يصرون على عدم الخروج لقتال المماليك الذين يتجولون ~~في مديريات الوجهين البحري والقبلي كغزاة فاتحين، ينهبون ~~القرى ويجوعون القاهرة، مما من شأنه إذا استمر الحال على ~~ذلك إثارة تذمر الشعب من الحاكم الجديد وكذلك سوف يثور ~~التجار - وهم طبقة من الناس ينبغي رعاية جانبهم - إذا ~~وجدوا المماليك والعربان المسيطرين على شواطئ النيل يقطعون ~~المواصلات، ثم تساءل «دروفتي» وماذا يحدث للدلاة؟ لا شك في ~~أن هذه كذلك ms0538 مسألة شائكة عويصة؛ وعلى ذلك، فقد أوصى ~~«مانجان» بأن يجتمع بمحمد علي وأن يتحدث معه في هذه الشئون ~~جميعها، ولكن دون أن يبدو منه ما يدل على أنه يريد التحدث ~~إليه في مشاريعه، ثم استطرد «دروفتي» يقول: وأما إذا لاحت ~~الفرصة، فعلى «مانجان» أن يذكر لمحمد علي أن «دروفتي» قد ~~خلف مؤقتا «ماثيو لسبس»، وأن هذا قد عهد إليه بأسرار ~~بعثته أو مهمته في مصر، وأن «دروفتي» قد وقف على سر محمد ~~علي من زمن طويل - قل له: إننا نحبه؛ لأننا نعلم أنه يحب ~~أمتنا وحكومتنا، ولكن قبل كل شيء تأكد من ولاء تراجمتنا ~~قبل أن تصل إلى المرحلة التي تدلي فيها بهذه التصريحات، ~~وإنه لمما يهمنا أن نعرف بالتمام آراء محمد علي وغاياته، ~~ولكن الواجب يقتضينا عدم المجازفة بالتورط بأية صورة من ~~الصور، فاعمل إذن بمنتهى ما يمكن من الحكمة، وأنت تعرف أن ~~الإطراء والمداهنة ضروريان قبل أي شيء آخر إذا أريد عرفان ~~أسرار الترك، والزم عند حديثك مع محمد علي أسلوب الأسئلة ~~غير المحددة والمفرغة في صيغ شرطية، واجتهد حتى تعرف ما ~~إذا كانت له علاقات مع البكوات. # وفي 20 مايو بعث «دروفتي» بتعليمات جديدة على ضوء ما ~~بلغه عن حوادث القاهرة: استمرار النضال بين خورشيد ومحمد ~~علي، وقوف الألفي قريبا من القاهرة يستعد لدخولها، وتجري ~~المفاوضات بينه وبين محمد علي بشأن ذلك، ويحاول الأخير ~~بمساعدة عمر مكرم خديعة الألفي وشل حركته، بقاء البرديسي ~~وإبراهيم وسائر البكوات القبالي بالصعيد إلى غير ذلك من ~~المسائل التي عرف «دروفتي» بعضا منها، لا سيما محاولة ~~الألفي الاتفاق مع محمد علي: الأمر الذي استأثر بكل اهتمام ~~«دروفتي» في هذه الأزمة، فقال «دروفتي»: إن الموقف يتطلب ~~من «مانجان» إظهار مهارة فائقة، وحكمة بالغة حتى لا يستثير ~~ضده أية جماعة من الجماعات المتناضلة، ثم تحدث طويلا عن ~~مسألة الألفي، فقال: إن الإشاعات رائجة في الإسكندرية بأن ~~الألفي متفق مع محمد علي وأنه على وشك دخول القاهرة إن لم ~~يكن قد دخلها فعلا؛ ولذلك فواجب ms0539 «مانجان» أن يسعى لمقابلة ~~محمد علي وأن يطلب منه تصريحا في هذه المسألة، فإذا وجد ~~«مانجان» أن محمد علي قد قرر مراعاة خاطر الألفي ومحاباته؛ ~~فعليه حينئذ أن يبذل قصارى جهده لمنعه من ذلك، بأن يبين ~~له أن هذا العطف على الألفي يجلب عليه غضب الباب العالي، ~~بينما هو في استطاعته أن ينشئ علاقات طيبة مع الباب ~~العالي، حيث قد تسلم الحكم بفضل تأييد الشعب له. ثم عمد ~~«دروفتي» إلى لهجة الوعيد الخفي والتهديد المستتر فطلب من ~~«مانجان» أن يجعل محمد علي يشعر بأنه من الممكن أن يأتي ~~جيش فرنسي إلى مصر، وأن البكوات الموالين للإنجليز والذين ~~هم تحت حماية هؤلاء سوف ينالون جزاءهم، ثم استطرد يقول: ~~«وأخبره (يعني محمد علي) أن الإمبراطور نابليون يعلم ~~إخلاصه وولاءه للأمة الفرنسية، وأنه لمن الأوفق له (أي ~~لمحمد علي) تحت كل الأحوال والظروف أن يسلك طريقا لا ~~يتعارض مع تلك التصريحات التي أدلى بها على عهد القومسيير ~~العام «لسبس». # وقد لفت «دروفتي» نظر «مانجان» إلى النتيجة المنتظرة من ~~اقتسام الألفي السلطة العليا مع محمد علي، وهي انتصار ~~الإنجليز؛ ولذلك فقد صار واجب الوكلاء الفرنسيين أن يبطلوا ~~مثل هذا المشروع إذا كان له وجود، وأما إذا وجد «مانجان» ~~أن محمد علي قد أبرم فعلا اتفاقا مع البكوات، وهذا أمر ~~استبعده «دروفتي» - كما قال - كشيء مستحيل، فالواجب على ~~«مانجان» عندئذ أن يغير أسلوبه وأن يتناول هذه المسألة ~~بالعناية الكبيرة، وعليه قبل أن يطرق هذا الموضوع مع محمد ~~علي أن يبلغ ما وقف عليه إلى «دروفتي» حتى يبعث إليه هذا ~~بنصائحه فيما يجب أن يكون عليه مسلكه من محادثاته مع ~~الباشا، وكان مما أقض مضجع «دروفتي» ما وصله من أنباء من ~~رشيد تفيد بأن الألفي قد تناول الطعام عند محمد علي يوم ~~العيد الكبير، وأن محادثات دارت بين هذين حول تسمية الألفي ~~شيخا للبلد وبقاء محمد علي في منصب الولاية، وأن الوكلاء ~~الإنجليز يعتبرون هذا الحادث دليلا على نجاح مساعيهم، ~~وطلب «دروفتي» من «مانجان» أن يبذل ms0540 قصارى جهده حتى يعرف ما ~~إذا كان لهؤلاء الوكلاء الإنجليز مراسلات مع محمد علي ثم ~~نوعها. # وفي 15 مايو بعث «مانجان» إلى «دروفتي» يخبره بزيارته ~~لمحمد علي بعد وصوله إلى الولاية ويشكو من مسلك «كارلو ~~روشتي»، وكيل النمسا في مصر، وقد اهتم «دروفتي» بهذه ~~المسألة، واعتبر أن نشاط «روشتي» يعدل في أذاه للمصالح ~~الفرنسية في هذه البلاد ما يلحقه الوكلاء الإنجليز أنفسهم ~~بنشاطهم من أذى بها؛ لأن «روشتي» - كما قال «دروفتي» - ~~معروف بعدائه لفرنسا؛ ولذلك فالواجب الحذر منه ومن جماعته ~~أكثر من الحذر من الإنجليز، ويرجو أن يسفر ما يحمله «ماثيو ~~لسبس» من شكايات ضده إلى الإمبراطور، وتدخل هذا الأخير لدى ~~حكومة فينا في وضع حد لجهود «روشتي» هذه وقصر نشاطه على ~~تأدية واجباته السياسية؛ أي عدم التآمر ضد مصلحة فرنسا، ~~ولما كان «دروفتي» حريصا على عدم إغضاب الباب العالي، فقد ~~أبلغ «مانجان» في 22 مايو موافقته على زيارته لمحمد علي ~~(الباشا الجديد) ولكنه يكرر عليه ضرورة اتخاذ الحيطة في ~~اتصالاته معه حتى يتضح موقف الباب العالي من هذه الثورة أي ~~انقلاب 13 مايو، وحتى تأتي «دروفتي» تعليمات من الجهات ~~العليا. ومع ذلك، فقد وجد «دروفتي» من واجبه أن يذكر ~~لمانجان أن مقابلة الأخير لمحمد علي وتردده عليه ضروريان ~~لكسبه إلى جانب المصلحة الفرنسية ولإبطال مشاريع أعداء ~~فرنسا، ثم أوصاه بأن تظل علاقاته به محاطة بالكتمان وغير ~~علنية بقدر الإمكان؛ حتى لا تثير غضب ضباط أو رجال الباب ~~العالي، وهم ممثلوه الشرعيون في هذه البلاد ضد الوكلاء ~~الفرنسيين. # وفي اليوم نفسه الذي بعث فيه «دروفتي» بهذه التعليمات ~~إلى «مانجان» في القاهرة، كتب الوكيل الفرنسي في 22 مايو ~~إلى «باراندييه» بالقسطنطينية: أن أحدا لا يعرف عواقب ~~الثورة التي حدثت، وأنه من المشكوك فيه أن يستطيع محمد علي ~~تحقيق الشروط التي عرضها العلماء على خورشيد ورفضها هذا ~~وتسلم محمد علي زمام الحكم على أساسها، إذ كيف يتسنى لمحمد ~~علي إعادة فتح المواصلات مع الصعيد وطرد المماليك ما دام ~~خورشيد موجودا بالقلعة وحوله ms0541 جماعة من الأرنئود الموالين ~~له، والاحتمال ضعيف في أن حامية المنيا التي منها قسم عظيم ~~من العثمانلي وتحت قيادة سلحدار خورشيد باشا تضمر ولاء ~~لمحمد علي، وفضلا عن ذلك، فمما يثير الاهتمام حقا معرفة ~~نوايا الجند الدلاة ومدى تأثير نفوذ خورشيد عليهم، وكل هذه ~~ظروف صعبة تتطلب إبداء همة ومهارة كبيرتين من جانب محمد ~~علي لمواجهتها، أضف إلى هذا ضرورة استمالة جانم أفندي ~~الدفتردار وهو صادق الولاء للباب العالي ولا يريد انتشار ~~الحروب الأهلية في مصر ويبغض ما يقترن بها من فظائع، ولا ~~يريد فقد البلاد، ويبغي المحافظة على سيادة الباب العالي ~~عليها، تلك كانت الصعوبات التي رأى «دروفتي» أنها تعترض ~~سبيل محمد علي، وأما فيما يتعلق بالمصالح الفرنسية فقد كان ~~من رأي «دروفتي» بناء على ما سمعه من «ماثيو لسبس» ثم من ~~«مانجان»: «إن هذه المصالح سوف تنال من الرعاية على يد ~~محمد علي مثلما تناله على يد خورشيد باشا، ولم يجد الوكلاء ~~الفرنسيون أبدا ما يقولونه عن هذا الأخير سوى الثناء على ~~مسلكه، وإذا كان هناك ما أبطل ميوله الطيبة نحونا في بعض ~~الظروف المعينة، فإن مبعث ذلك تحريض أعدائنا له ضدنا ~~وخديعته، ولقد كان في استطاعتي شخصيا أن أحصل منه (أي من ~~خورشيد) دائما على ممارسة حقوقنا وامتيازاتنا، ومع ذلك، ~~فإني أعتقد - إذا أجيز لي إبداء رأيي - أن مصالح حكومتنا ~~في هذه البلاد تغدو أكثر استقلالا وتحررا من تأثير ~~النفوذ الإنجليز عليها إذا ثبت أن التصريحات التي أدلى بها ~~محمد علي وأبان فيها محبته وولاءه لنا قد صدرت عن إخلاص ~~حقيقي ويمكن الوثوق بها، فإن هذا الرجل الأرنئودي لعلى خلق ~~كبير، وسوف يكون أقل تأثرا بوسائل الإغراء التي يلجأ ~~إليها أعداؤنا، بل ومما يبدو لي أكثر استرعاء من غيره ~~للانتباه، ما هنالك من قرائن عظيمة تشير إلى أن محمد علي ~~بفضل القوات التي لديه سوف يتولى تنظيم مقدرات هذا البلد ~~بالصورة التي تتفق ورغبات الحكومة التي تريد أن يكون لها ~~شيء من النفوذ به عن طريق محمد ms0542 علي.» # وأزعج «دروفتي» استمرار نشاط «روشتي» قنصل روسيا العام، ~~وهو أيضا وكيل النمسا - الذي قال عنه: إنه يتراسل علانية ~~مع البكوات في الوجه البحري في الوقت الذي يذيع فيه هؤلاء ~~أنهم يعدون هجوما في القريب على رشيد والإسكندرية، ~~ويحصلون الميري من بلدان الوجه البحري، كأنهم أصحاب الحكم ~~الشرعيون في البلاد، كما أن «دروفتي» صار يشكو من ~~«البطروشي» الوكيل الإنجليزي في رشيد، والذي أمد البكوات ~~بالمؤن والذخائر والأسلحة، ومعنى هذا كله أن الوكلاء ~~الإنجليز انتهزوا فرصة النضال القائم بين خورشيد ومحمد ~~علي؛ ليساعدوا الألفي وجماعته على تمكين سلطان المماليك في ~~الوجه البحري تمهيدا لتأسيس الحكومة المملوكية تحت ~~رعايتهم، وتزايد قلق «دروفتي» عندما علم من «مانجان» أن ~~الألفي قد بعث بأحد كشافه لمقابلة محمد علي يعرض عليه ~~الاتفاق معه، ولو أن محمد علي قد رفض ذلك، ثم إن «دروفتي» ~~لم يلبث أن وقف مما بعث به إليه «مانجان» من معلومات في ~~19، 20 مايو على التطورات التي حدثت بالقاهرة من حيث ذهاب ~~الططر بعرائض المشايخ وعلماء القاهرة إلى القسطنطينية وهي ~~العرائض التي يطلبون فيها عزل خورشيد وتثبيت محمد علي في ~~باشوية مصر، ومن حيث وقوف الألفي بالقرب من الطرانة ينتظر ~~دعوته لدخول القاهرة. # وعلى ذلك، فقد بعث «دروفتي» إلى «مانجان» في أول يونيو ~~بتعليمات تدل على أنه لا يزال يقلب وجوه الرأي في إحدى ~~الخطط الواجب اتباعها لمنع دخول الألفي حليف الإنجليز ~~القاهرة، ولإضعاف حزبه، ولمنع أي اتفاق بينه وبين محمد ~~علي، ولرعاية المصالح الفرنسية قبل أي شيء آخر، سواء تحقق ~~هذا على يد محمد علي أو البكوات الموالين لفرنسا، فقال إنه ~~يبدو له بناء على ما كتبه «مانجان» له: «إن حزبي خورشيد ~~باشا ومحمد علي سوف لا يؤثران على مقدرات هذا البلد الذي ~~يتوقف مصيره على إرادة المشايخ؛ ولذلك فالواجب الاتجاه نحو ~~المشايخ إذا شئنا منع حزب الألفي من السيطرة، أما إذا لم ~~يكن هناك مناص من وجود البكوات في القاهرة (أي دخولهم ~~إليها)، فالأفضل أن يوجد بها عثمان البرديسي وليس الألفي ms0543 ~~عدو فرنسا، ومن الخير الحيلولة دون وجود الاثنين بالقاهرة ~~إذا كان ذلك ممكنا.» ثم إن «ماثيو لسبس» كان قد ذكر له ~~(أي ل «دروفتي») أنه كان اتفق مع محمد علي على طرد ~~البرديسي من القاهرة؛ ولذلك فقد وعد البرديسي بالانتقام من ~~شخص «لسبس» نفسه ومواطنيه إذا دخل القاهرة مرة ثانية، ومن ~~هذا كان في وسع «مانجان» أن يدرك أن مصالح فرنسا السياسية ~~والتجارية سوف تلقى عنتا كبيرا إذا دانت السلطة في ~~القاهرة لأحد هذين: الألفي والبرديسي، وقد يكون سليمان بك ~~أحد البكوات الآخرين أكثر ميلا من زميليه لخدمة المصالح ~~الفرنسية، ولكن «دروفتي» لا يعرف الكفاية عن هذا البك، ~~ويسأل «مانجان» أن يزوده بما يعرفه عنه، ثم خلص «دروفتي» ~~من هذا كله إلى بيت القصيد من تعليماته هذه، وهو الاستعانة ~~بالمشايخ الذين يتوقف في رأيه مصير هذا البلد على إرادتهم، ~~فكتب: «وصفوة القول إذا استطاع المشايخ حقيقة أن يعطوا ~~السلطة العليا لمن يروق لهم واستقر رأيهم على دعوة البكوات ~~فمن صالحنا أن يقع اختيارهم على الرجل الذي يسعنا الاعتماد ~~على صداقته فيما يعود بالنفع على المصالح الفرنسية.» ولذلك ~~فهو يرجوه أن يبذل كل ما وسعه من جهد وحيلة لخدمة دولته، ~~بالعمل من أجل استمالة المشايخ المعروف أنهم موالون ~~لفرنسا، وبعد أن كرر له تعليماته السابقة بشأن منع أي ~~اتفاق بين الألفي ومحمد علي، وذكر أن استئثار الألفي أو ~~البرديسي بالحكم في القاهرة معناه انضمام محمد علي إلى ~~الجانب الذي يحرم من هذه الحكومة، ثم وقوع الحرب ~~الأهلية. # عاد «دروفتي» إلى مسألة المشايخ فقال: «ولا تنس - ~~مخاطبا «مانجان» - أن تجعل أولئك المشايخ الذين يحفظون ~~الود والاحترام للإمبراطور (نابليون) يشعرون أنهم بحمايتهم ~~لذلك البك الذي يؤثره أعداؤنا على غيره إنما يحرمون أنفسهم ~~من عطف وحماية الإمبراطور لهم، وعليك أن تجعلهم يرجون ~~دائما أن الإمبراطور لن يحول أنظاره عن هذه البلاد.» وعلى ~~«مانجان» أن يكون حكيما في مسلكه مع المشايخ وأن لا يتقيد ~~بشيء معهم قبل استشارة «دروفتي» إلا عند الضرورة القصوى، ~~وذلك إذا ms0544 وجد المشايخ ينحازون إلى الألفي، فعليه عندئذ أن ~~يعمل بحزم وبسرعة ودون أن يفقد لحظة واحدة، وأوضح «دروفتي» ~~الموقف لمانجان في البحر الأبيض والأسباب التي تبعث القلق ~~في نفسه من ناحية الإنجليز والألفي، فقال: «إن الرأي ~~السائد بالإسكندرية أن الإنجليز إذا جاءوا إلى مصر، فسيكون ~~ذلك بدعوى أنهم يريدون تجنيبها أخطار الغزو الفرنسي، وأنهم ~~حصلوا من السلطان العثماني على فرمانات تخولهم إرسال ~~حاميات إلى الأساكل وبخاصة إلى الإسكندرية، ومع ذلك، فإنه ~~لا مسوغ - كما استمر «دروفتي» يقول - للخوف من الأسطول ~~الفرنسي الذي غادر طولون؛ لأن هذا قد ذهب إلى المحيط ~~الأطلسي، ولا وجه للخوف كذلك على جزيرة مالطة، بل من ~~المستطاع إنقاص حاميتها، فإذا انضم حوالي الثلاثة أو ~~الأربعة آلاف أوروبي إلى أعداد مساوية لهم من القوات التي ~~يأتي بها الإنجليز من الهند، ثم انحاز إليهم الألفي وسائر ~~البكوات الصغار الذين سوف ينضمون إليه ولا شك عندما يرونه ~~وقد تزايدت قوته، فإن هذه الجموع تكفل للإنجليز الاستيلاء ~~على مصر في هدوء وتولي إدارتها وحكومتها باسم الباب ~~العالي.» وتوقع «دروفتي» انفصام العلاقات قريبا بين الباب ~~العالي وفرنسا بسبب ما بلغه عن امتناع السلطان سليم من ~~مقابلة «جوبير» رسول الإمبراطور الشخصي إليه؛ وعلى ذلك، ~~«فسواء حضر الإنجليز إلى مصر وسواء قامت الحرب بين فرنسا ~~والباب العالي، فمن الصالح لنا أن نعمل بكل وسيلة لإنشاء ~~حزب في مصر يجعل احتلال أعدائنا لها أمرا متعذرا، ويضع ~~العراقيل في طريق الإنجليز حتى لا يستطيعوا أثناء الحرب أن ~~يظفروا بأي نفوذ سياسي وتجاري من شأنه أن يخلق مصاعب لا ~~حصر لها وذات آثار ضارة مؤذية عندما يحين عقد السلام ~~وللمستقبل»، وهكذا راح «دروفتي» يؤكد مرة أخرى ضرورة تأليف ~~حزب وصف مهمته بأنها حمل حكومة القاهرة على تعيين قسم من ~~قواتها البرية والبحرية للعمل من أجل دعم سلطانها في مصر ~~في حالة انفصام العلاقات بين تركيا وفرنسا؛ أي تأليف حزب ~~- كما قال - مهمته الإبقاء على الفوضى وركود التجارة وضمان ~~استمرار ميدان الاقتصاد في مصر مجدبا حتى إذا ms0545 عقد الصلح ~~تسنى لفرنسا أن تعمر هذا الحقل المجدب بمنتجات ~~مصانعها. # وواضح من هذه التعليمات ومما سبقها أن «دروفتي» حتى أول ~~يونيو 1805 كان يرى أن هناك صعوبات كثيرة سوف يتعذر على ~~محمد علي اجتيازها وأن ولايته لذلك غير مستقرة، ومن عوامل ~~عدم هذا الاستقرار أيضا تحصن خورشيد بالقلعة، وتصميم ~~الألفي على دخول القاهرة وإعادة تأسيس الحكومة المملوكية ~~بها، منفردا أو بالاشتراك مع محمد علي، واعتقد «دروفتي» ~~أن نجاح الألفي في أي الحالين سوف يلحق الأذى بالمصالح ~~الفرنسية، ويترتب عليه تفوق النفوذ الإنجليزي في مصر، ~~واحتلال الإنجليز للبلاد في آخر الأمر، وكان في هذه ~~المرحلة إذن التي كانت بالنسبة ل «دروفتي» فترة دراسة وبحث ~~للموقف من كل جوانبه، أن استقر رأيه على استخدام المشايخ ~~على اعتبار أنهم القوة ذات الوزن في تقرير مصير هذه البلاد ~~فأراد أن يؤلف منهم حزبا مستقلا في نشاطه عن جماعات ~~خورشيد ومحمد علي والألفي، ولما كان محمد علي هو المسئول ~~فعلا عن حكومة القاهرة، وكان الألفي صاحب قوات كبيرة في ~~الوجه البحري ويربض بالقرب من القاهرة، وينال مؤازرة ~~الوكلاء الإنجليز الذين يمدونه بالعتاد والأسلحة، فقد صار ~~أخشى ما يخشاه أن يتفق الألفي ومحمد علي، على أساس مشاركة ~~الأول كشيخ للبلد للثاني كباشا للقاهرة في الحكم، فيكفل ~~هذا الاتفاق النصر للإنجليز ووكلائهم في مصر. # على أنه مما تجدر ملاحظته إلى جانب هذا كله أن الاعتماد ~~على حزب المماليك الذي يرأسه البرديسي، والذي تظاهر ~~بالولاء دائما لفرنسا، لم يدخل في هذه الأزمة في حساب ~~«دروفتي» كوسيلة جدية ونافعة لتعطيل مساعي الوكلاء ~~الإنجليز وإحباط مشروعاتهم، للأسباب التي أوضحها «دروفتي» ~~نفسه؛ ولذلك فقد دار تفكير «دروفتي» في هذه المرحلة حول ~~مواضيع ثلاثة: الألفي ومؤازرة الإنجليز له وفي نجاحه الفشل ~~كل الفشل للسياسة الفرنسية في مصر مع ما يترتب على ذلك من ~~آثار على تطور النضال القائم بين الإمبراطور وأعدائه في ~~القارة الأوروبية ولا سيما الإنجليز، لن تكون في صالح ~~فرنسا، ثم المشايخ، وقد صار واجبا أن تمر فترة من ms0546 الزمن ~~حتى يتأكد لدى «دروفتي» أنهم يناصرون محمد علي قطعا وأنهم ~~قد تخلوا عن خورشيد نهائيا، حتى إذا استقر محمد علي في ~~الحكم انتهى دورهم في الفصل في مصير البلاد حسبما تمليه ~~إرادتهم، واستطاع «دروفتي» أن يقطع برأي حاسم في مصير ~~الحكم في هذه البلاد، ثم محمد علي وقد رأى «دروفتي» أن ~~يخاطبه بلغة الوعد والوعيد، حتى يستوثق من موقفه من فرنسا، ~~فهو يذكره على لسان «مانجان» بتصريحاته الودية نحو فرنسا ~~من جهة، ويذكره كذلك بأنه يعرف سره الذي أفضى به إلى ~~«ماثيو لسبس»، ولا شك في أن «دروفتي» يعني بذلك رغبة محمد ~~علي من مدة سابقة في الوصول إلى الحكم والولاية سواء رغب ~~الباب العالي في ذلك أو لم يرغب. # وقد تبين ل «دروفتي» بعد أيام قلائل، أنه لم يكن في حاجة ~~- في واقع الأمر - إلى اللجوء لهذا التهديد المستتر معه، ~~فقد أكد «مانجان» أن الباشا متمسك بصداقته للفرنسيين، كما ~~أكد له أنه يرفض الاتفاق مع الألفي، ومع ذلك فلم يكن هناك ~~معدى عن تضافر عوامل عدة في الأسابيع القليلة التالية ~~لإقناع «دروفتي» رويدا رويدا بأنه إذا شاء حقا إحباط ~~مساعي الوكلاء الإنجليز، ومنع الألفي صنيعتهم وحليفهم من ~~الاستئثار بالحكم، وجب عليه أن يبذل قصارى جهده لتأييد ~~محمد علي حتى يضمن بقاءه في ولايته، وقد بدأ يظهر هذا ~~التحول في صالح محمد علي بصورة محددة بعد التعليمات ~~الأخيرة التي بعث بها «دروفتي» إلى «مانجان» في أول ~~يونيو. # فقد كتب «دروفتي» إلى «باراندييه» في 6 يونيو أن معلومات ~~قد جاءته من «مانجان» تفيد بأن الباشا لا يميل قطعا ~~للاستماع إلى مقترحات الألفي، وذلك بناء على ما استقاه ~~«مانجان» من أحد المقربين من محمد علي وخلصائه، بل وإنه ~~ليس للإنجليز أية مراسلات معه، ويغضبهم أن يستمر محمد علي ~~في منصبه واليا لمصر، وفضلا عن ذلك، فقد أكد «مانجان» أن ~~خورشيد لن يستطيع البقاء طويلا في القلعة والدفاع عن نفسه ~~في معقله هذا، ومع أن «دروفتي» اطمأن لتأكيدات «مانجان» ~~الأولى، فإنه كان ms0547 لا يزال يساوره الشك في عجز خورشيد عن ~~الدفاع، فكان من رأيه أن هذا سوف يظل ممتنعا بالقلعة حتى ~~يعود الططر الذين أرسلوا إلى القسطنطينية بقرار الباب ~~العالي في النزاع القائم بينه وبين محمد علي، وبنى ~~«دروفتي» رأيه هذا على جملة اعتبارات: منها مناصرة بعض ~~الزعماء الأرنئود لخورشيد، ومن هؤلاء حسن باشا الذي قال ~~عنه: إنه يمكن اعتباره منافسا لمحمد علي، ولأن محمد علي ~~الذي يتمسك في ظاهر أعماله بالخضوع لمشيئة الباب العالي؛ ~~بدليل أنه بعث مع المشايخ يطلب تعليمات جديدة من ~~القسطنطينية، لا يمكن أن يلجأ إلى استخدام القوة مع خورشيد ~~وهو ممثل السلطان الشرعي في مصر، ولأن «مانجان» نفسه يذكر ~~وجود حزبين من العامة أو الشعب بزعامة المشايخ أحدهما مع ~~خورشيد والآخر مع محمد علي، ومن صالح هؤلاء جميعا أن يسود ~~الهدوء وأن تنتعش التجارة ويستقر الأمن والنظام؛ ولذلك فهم ~~سوف ينتظرون أوامر الباب العالي، ولن يحمل المشايخ الشعب ~~على اتخاذ أية إجراءات متطرفة، ثم إن «مانجان» لا يذكر ~~شيئا عن الدلاة وهم عامل لا يجب في رأي «دروفتي» إغفال ~~أثره. # ولكن «دروفتي» الذي فضل التريث فيما يتعلق بالجالية في ~~القاهرة لم يفته أن يذكر لباراندييه ما لاحظه من نشاط ~~«مسيت» والوكلاء الإنجليز الذين يذيعون أن حملة إنجليزية ~~في طريقها إلى مصر، ويدبرون المظاهرات للهتاف بحياة ~~السلطان جورج، ويدعون ابن الشيخ المسيري لمأدبة أقامها ~~«مسيت» نفسه له، ويبذلون المال بسخاء لإثارة الاضطرابات ~~بالثغر من جهة، ولإعداد الرأي العام به لقبول فكرة ~~الاحتلال البريطاني، ويعملون على تشويه سمعة فرنسا وتنفير ~~السلطات الحاكمة بالإسكندرية ثم البكوات منها، وكان على ~~«دروفتي» في هذه الظروف أن يجزم برأي قاطع فيما يجب عليه ~~أن يسلكه لعلاج الموقف، لا سيما وأن الباب العالي بدأ يهتم ~~جديا بالأحوال السائدة في مصر فأوفد الصدر الأعظم الجديد ~~سلحداره إلى هذه البلاد على ظهر إحدى الفرقاطات العثمانية، ~~من المنتظر عند عودتها إلى القسطنطينية أن تحمل ططريا من ~~قبل سلحدار الوزير لإبلاغ سيده حقيقة الموقف، أضف إلى هذا ~~أن ms0548 الوكيل الفرنسي في رشيد «تورنو» # Tourneau # الذي خلف «سانت مرسيل» # Saint-Marcel # هناك ~~راح يؤكد ل «دروفتي» أن الألفي لديه حوالي 2000 رجل من ~~مماليك ومغاربة وعثمانلي، عدا بضعة ألوف من العربان، وأن ~~الوكلاء الإنجليز يمدونه بكل ما يمكنهم من سلاح وذخائر، ~~ويمنونه بقرب وصول نجدات من الجند الأوروبيين من مالطة، ~~وأن الألفي يستفسر من هؤلاء الوكلاء في كل لحظة عن موعد ~~وصول هذه النجدة، ولو أن الشك بدأ يساوره في جدية هذه ~~الوعود التي يبذلونها له حتى إنه قال: «ليحضر من يشاء من ~~الأمم، طالما أن الحاضرين يفردون علما على رءوسهم ~~لنعرفهم، وطالما أنهم يعيدون السلام إلى هذه البلاد، أو ~~يمكنوننا من العيش في سلام.» وقد قلق العربان كذلك من ~~تسويف الإنجليز الذين ينتظرون مجيئهم بفارغ الصبر. # وكان عندما قرر الباب العالي إرسال القبطان عبد الله ~~رامز باشا بأسطوله إلى الإسكندرية، ثم القابجي باشا مفوضا ~~بتقليد الولاية لمن يراه صاحب النفوذ الأعلى أو السلطة في ~~مصر بين محمد علي وخورشيد باشا، أن وجد «باراندييه» لزاما ~~عليه أن يبسط حقيقة الموقف لوزير الخارجية الفرنسية ~~«تاليران» وأن يطلب على ضوء ما أفضى إليه من معلومات ~~تعليمات قد طلبها «دروفتي» منه، في وسع «باراندييه» إذا ما ~~جاءته أن يبعث بها إليه حتى يسترشد بها، ويبغي بارنداييه ~~من ذلك ولا شك إخراج السياسة الفرنسية من سلبيتها السابقة، ~~وإدخالها في دور جديد من الإيجابية، فكتب إليه في 24 يونيو ~~أن هناك ثلاثة أحزاب في مصر: الحزب الإنجليزي وهو حزب قوي ~~جدا، والحزب العثماني وهو ضعيف جدا، ثم الحزب الفرنسي ~~وهذا لا يكون له ثبات وصلابة إلا بقدر شعور أنصار فرنسا ~~بعزمها على تأييدها لهم، والإنجليز ينثرون الذهب ويعضدهم ~~الألفي، وتناضل الحكومة العثمانية ضدهم بوسائلها القاصرة ~~وغير المجدية، ولم يستطع الفرنسيون حتى هذه اللحظة عرقلة ~~شيء من نشاط الإنجليز، وقد استفاد هؤلاء من ذلك فأخذوا ~~يثيرون مخاوف محمد علي من ناحية فرنسا بأن صاروا يدعون ~~أن حملة فرنسية سوف تأتي إلى مصر لغزوها، ثم استطرد ~~«باراندييه» ms0549 يقول: «ولكني لا أظن أن محمد علي ينقصه التنور ~~لدرجة تصديق مزاعمهم، وذلك خصوصا - على الأقل - إذا لم ~~يجد نفسه مرغما بسبب مركزه على استخدام الإنجليز، بل إني ~~أعلم أنه موال لنا نبدو له أقل خطرا الآن (من الإنجليز ~~على حكومته)؛ ولذلك فمن الواضح أنه سوف يكون في وسعنا إذا ~~قضى نهائيا على خورشيد باشا، أن نجعله بسهولة يعمل في ~~صورة ملائمة تنال موافقة الإمبراطور عليها، ومهما تكن ~~نوايا بونابرت نحو مصر فمن الواجب أن يكون له وكيل صاحب ~~حكمة ومهارة يعرف كيف يحسن التصرف فيما يوضع تحت يده من ~~أموال لهذه الغاية، وتمنع الظروف من اتخاذ خطوات حاسمة ~~الآن، وقد يكون مفيدا ترك الإنجليز يتورطون في علاقاتهم ~~ضد الباب العالي، وذلك حتى يرى الأخير كيف يتآمرون مع ~~الروس لضياع الإمبراطورية العثمانية وكيف أنهم أعداؤه ~~الطبيعيون.» واختتم «باراندييه» رسالته بقوله إن «دروفتي» ~~قد طلب منه تعليمات فيما يجب أن يكون عليه مسلكه، وإن ~~«باراندييه» يطلب بدوره هذه التعليمات حتى يبعث بها ~~إليه. # ولكنه قبل وصول أية تعليمات من تاليران، كان قد وصل ~~القبطان باشا والقابجي باشا صالح أغا إلى مصر، ليجد قوات ~~الألفي محتشدة في البحيرة، والألفي نفسه يحاصر دمنهور ~~ويدعو أهلها للتسليم، ويحاول الاتصال بالألفي الصغير بشتك ~~بك، والدلاة رابضين عند فوة، ومن المتوقع التحامهم مع قوات ~~الألفي، وخورشيد لا يزال ممتنعا في القلعة، والأهلين ~~والمشايخ يناصرون محمد علي، وقد خفوا لاستقباله، والبكوات ~~القبالي: البرديسي وإبراهيم لا يزالان في منفلوط، ~~والاضطراب يسود القاهرة، ويتدخل محمد علي والمشايخ لإنهاء ~~العداء بين القاهريين والجند بسبب اعتداءات هؤلاء الأخيرين ~~على سكان القاهرة حتى استمر تبادل إطلاق الرصاص بين ~~الفريقين يومين، ويستمع الأهلون لنصح محمد علي والمشايخ ~~لهم بفتح الدكاكين والوكائل والانصراف إلى أعمالهم، ~~وسلحدار خورشيد علي باشا يتراسل مع الألفي، وخورشيد يسعى ~~للاتفاق مع البكوات مما يهدد بدخول هؤلاء العاصمة، وذيوع ~~الاعتقاد بأن مؤامرة القلعة ذات جذور ممتدة في طول البلاد ~~وعرضها بدرجة سببت خوف المشايخ من أن تؤدي هذه العاصفة إلى ms0550 ~~استرجاع البكوات لسلطانهم في القاهرة، واقتنع صالح أغا بأن ~~محمد علي الأحق بالولاية. ومنذ 25 يوليو قرئ الأمر بإبقاء ~~محمد علي في القائمقامية، وطلب إلى خورشيد النزول من ~~القلعة، ثم اضطر هذا الأخير في الظروف التي سبق أن ذكرناها ~~إلى تسليم القلعة في 6 أغسطس، وفاتت الفرصة على الألفي، ~~وكان هذا قد رفع الحصار عن دمنهور، وسار صوب القاهرة ومعه ~~«البطروشي» ملازما معسكره، ويأمل الألفي أن يسفر اتفاقه ~~مع خورشيد عن دخوله القاهرة . # وكان أثناء هذه الأزمة أن راح «مسيت» - على نحو ما عرفنا ~~- يؤيد كخيا الألفي وسلحدار خورشيد في مفاوضتهما مع ~~القبطان باشا بالإسكندرية، فقد وصل هذان إلى الثغر في 31 ~~يوليو ونزلا عند «مسيت»، وبدأت مفاوضتهما مع القبطان باشا ~~في أول أغسطس، وانبرى «دروفتي» يبذل قصارى جهده لإحباط هذه ~~المفاوضات، فعلم أن مندوبي الألفي وسلحدار خورشيد قد سلموا ~~إليه رسائل تعلن اتحاد جميع البكوات وتأييدهم لخورشيد ~~باشا، وتدعوه للذهاب إلى القاهرة بمن معه من جند للعمل ~~بالاتحاد مع البكوات وحزب خورشيد من أجل طرد الأرنئود ~~واتخاذ الوسائل الكفيلة باستتباب الهدوء واستقرار النظام ~~في مصر، وعقد الوكلاء الإنجليز آمالا عظيمة على نجاح ~~مساعيهم، الأمر الذي جعل «دروفتي» يرى من واجبه - كما ذكر ~~لتاليران في 3 أغسطس - أن يعمل حالا لإحباط مكائد ~~الإنجليز وإلحاق الفشل بمشروعاتهم إذا كان ذلك ممكنا، ~~فقابل في 2 أغسطس ترجمان القبطان باشا الأول، وأوضح له ~~ضرورة أن يبلغ القبطان أن الألفي عدو الحكومة الفرنسية، ثم ~~راح يفسر له رأيه في مكائد الإنجليز ودسائسهم، وأكد له أن ~~اتحاد بكوات الصعيد مع الألفي أمر لا يمكن عمليا تحقيقه ~~لأسباب عدة: منها عداء الألفي لسليمان بك البواب مخلوق ~~البرديسي وصنيعته، ولأن اتحاد الألفي وخورشيد خطوة مؤقتة ~~وانتهازية أملتها الظروف الراهنة فحسب، ولأن الإنجليز لا ~~يأبهون لحقوق السيادة التي للباب العالي على مصر، وآية ذلك ~~أنهم يمدون الألفي عدو السلطان العثماني بالذخائر ~~والأسلحة، ويقيم أحد وكلائهم «البطروشي» في معسكره، ثم ~~إنهم يذيعون من مدة طويلة أن جيشا إنجليزيا سوف ms0551 يحضر ~~إلى مصر؛ ليضع الألفي على عرشها، ولاحظ «دروفتي» أن هذه ~~الحجج التي ساقها لكشف مكائد الإنجليز وحليفهم قد تركت ~~أثرا سيئا من جهة هؤلاء في ذهن ترجمان القبطان ~~باشا. # ومع أن مندوبي الألفي وسلحدار خورشيد (علي باشا) ~~والوكيلين الإنجليزيين «مسيت» و«بريجز» قد زاروا القبطان ~~مرة ثانية يوم 3 أغسطس وتولى «مسيت» نفسه عرض مقترحات ~~الألفي عليه، وبذل جميعهم قصارى لجهدهم لحمل القبطان باشا ~~على ضم قواته إلى قوات الألفي لطرد محمد علي والأرنئود من ~~مصر بدعوى أن هذه هي الوسيلة الوحيدة لإعادة السلام ~~والهدوء إليها وبدونها يتحقق تدمير القاهرة حتى تصبح ~~أطلالا، ثم حاولوا إقناعه بأن من واجب الباب العالي أن ~~يخشى دائما من وقوع غزو فرنسي على مصر، وأن إنجلترة قد ~~تجد نفسها ملزمة باتخاذ ما تراه من وسائل لمنع سقوط هذه ~~البلاد التي يهمها أمرها في قبضة أعدائها الفرنسيين حيث إن ~~تركيا ليس لديها من القوات ما يكفي لدفع الغزو الفرنسي ~~عنها، فقد استطاع «دروفتي» أن يكتب إلى «تاليران» في ~~4 أغسطس: أن القبطان باشا قد أجاب على ذلك كله بأن لديه ~~أوامر قاطعة لا يحيد عنها وأن الباب العالي قد سمى محمد ~~علي واليا على القاهرة، وخورشيد باشا حاكما لجدة، وأن من ~~واجب هذا الأخير أن يذهب إلى مقر عمله مصطحبا معه سلحداره ~~علي باشا، وأنه بمجرد استتباب الهدوء في مصر بفضل هذه ~~الخطوات، سوف يكون مصير البكوات أنفسهم موضع النظر، ثم ~~استطرد «دروفتي» يقول: والقبطان باشا مرتاح للمعلومات التي ~~زوده بها «دروفتي» عن الموقف في مصر، وقد بعث «دروفتي» إلى ~~«تاليران» في 23 أغسطس يبرر نشاطه لإحباط مكائد الإنجليز ~~بعد انقضاء الأزمة، وحادث يوم 19 أغسطس - وهي المكيدة التي ~~فتك بها محمد علي بعدد من البكوات يوم فتح الخليج - فقال: ~~إن الإنجليز يشاركون الأتراك في الإسكندرية استياءهم من ~~وقوع هذه المكيدة، مما ينهض دليلا على أن خورشيد باشا كان ~~قد نجح في خططه، وأن القبطان باشا كان قد وافق على إعادة ~~تأسيس حكم البكوات في ms0552 القاهرة وطرد الأرنئود منها؛ لأن ~~الخوف من تأسيس أسرة أرنئودية في الحكم يفوق كثيرا الخوف ~~من تأسيس أسرة مملوكية، فالأولى ذات قوة أكبر ويسود ~~الاعتقاد بأنه صديقة لفرنسا، ويدهش العثمانيون في ~~الإسكندرية من عدم اشتراك علي باشا سلحدار خورشيد والمقيم ~~بالجيزة، ثم عمر بك الأرنئودي الذي كان موجودا ~~بالقاهرة. # ثم عاد «دروفتي» فكتب إلى «تاليران» في 29 أغسطس يفسر له ~~حادث 19 أغسطس، ومما يسترعي النظر أنه لم يلبث عند التعليق ~~عليه أن جزم بناء على ما وصله من أخبار من القاهرة بأن ~~البكوات جميعهم ولا سيما عثمان بك البرديسي منحازون قطعا ~~ونهائيا إلى جانب الإنجليز، وأن خورشيد باشا - على نحو ~~ما اتضح ل «دروفتي» عند زيارته لهذا الباشا بعد وصوله إلى ~~الإسكندرية - إنما يعتمد الاعتماد كله على الإنجليز الذين ~~يرجون بدورهم عند إرسال حملتهم على مصر أن لا يدعوه يذهب، ~~ثم كتب في 30 أغسطس يبين مدى ما هو واقع من انقسام في صفوف ~~البكوات بعد كارثتهم الأخيرة في القاهرة، فقال: إن الفتنة ~~قد بذرت بذورها من جديد بين رؤسائهم البرديسي وإبراهيم بك ~~والألفي وسليمان بك البواب، وأما القاهرة فيسود فيها اليوم ~~الهدوء التام، ثم إنه لم يلبث أن بعث بمندوب عنه إلى معسكر ~~المماليك؛ ليقف - كما قال - على مدى اتحاد المماليك، ذلك ~~الاتحاد الذي أكده مندوبو الألفي وعلي باشا سلحدار خورشيد ~~للقبطان باشا، ووثق الإنجليز من وجوده، ثم لمعرفة مشاريع ~~المماليك، فحصل على معلومات بشأن ذلك كله بعث بها إلى ~~«تاليران» في 31 أغسطس، فحواها أن الألفي يعول دائما ~~على نجدة الإنجليز له، ويتراسل مع بكوات الصعيد حتى ~~يستميلهم للاتفاق في العمل مع حزب خورشيد، ويقيم في معسكره ~~«البطروشي» الذي هو دائما مصدر كل هذه التدابير، ويقول ~~أحد البكوات إنهم قد جمعوا فيما بينهم ألف كيس لتوزيعها ~~على جند علي باشا نظير أن يأتي هؤلاء لهم بشخص محمد علي ~~حيا أو ميتا، وفضلا عن ذلك، فبكوات الصعيد أنفسهم ~~يتراسلون مع الألفي وللبطروشي وكيل مقيم مع عثمان البرديسي ~~لرعاية ms0553 المصالح الإنجليزية، ويؤكد له قرب وصول جيش ~~إنجليزي، ويبدي البرديسي ازدراءه بالوعود التي وعده بها ~~«ماثيو لسبس» عن نجدة فرنسا له، ويحاول الإنجليز إعطاء ~~محميهم الألفي مكانا في حكومة مصر، وقد بذلوا قصارى جهدهم ~~لضم البكوات إلى خورشيد لهزيمة محمد علي الذي يكرهونه؛ ~~لأنهم يرونه محاطا بالفرنسيين، وقد استمالوا خورشيد ~~للتوسط لدى القبطان باشا في صالح الألفي، ولإقناعه ~~بالتأثير على حكومته حتى ترجع البكوات إلى القاهرة كالسبيل ~~الوحيد لتهدئة البلاد، ثم انتهى «دروفتي» بعد بيان ذلك كله ~~إلى ذكر أن الواجب يقتضيه إحباط كل هذه المحاولات، وراح ~~يشكو من أنه ليس لديه تعليمات باستثناء الاسترشاد في كل ما ~~يفعله بتعليمات «ماثيو لسبس» وهي التي توصي دائما بإبطال ~~مشاريع الإنجليز. # وهكذا يكون «دروفتي» قد بدأ يخطو تلك الخطوات التي نقلت ~~السياسة الفرنسية من سلبيتها المعروفة إلى الإيجابية التي ~~تبغي التدخل والتأثير على مجريات الحوادث بدلا من انتظار ~~ما قد تسفر هذه عنه من نتائج مؤذية للمصالح الفرنسية ~~والتسليم بالأمر الواقع، على أنه مما يجدر ذكره أن هذه ~~الإيجابية في مرحلتها الأولى قد استهدفت مباشرة - وكما ~~رأينا - إحباط مساعي الإنجليز وإقصاء الألفي عن السلطة، ثم ~~إنها انطوت على تعزيز مركز محمد علي واستمراره في الحكم، ~~ولم يؤيد «دروفتي» في مسعاه هذا من قريب أو بعيد صالح ~~طائفة المماليك والبكوات التي يتزعمها صديق فرنسا عثمان ~~البرديسي، وذلك لسبب واضح ذكره لتاليران هو اعتقاده أن ~~البرديسي قد انحاز هو الآخر إلى جانب الإنجليز، وقد تحمل ~~«دروفتي» على مسئوليته وحده - وكما ذكرنا سابقا - الآثار ~~المترتبة على هذا التدخل، فمع أنه ظل يطلب تعليمات من ~~حكومته، فإنه حتى نهاية شهر أغسطس قطعا لم تكن قد وصلت ~~إليه أية تعليمات منها، أضف إلى هذا أن حكومته عندما أصدرت ~~إليه تعليماتها كانت لا تزال متمسكة بسياستها السلبية ~~القديمة، ولو أن «دروفتي» لم يلبث أن وجد في هذه التعليمات ~~بالرغم من قصورها ما جعله يمضي قدما في سياسته الإيجابية ~~وبدرجة من المرونة جعلته يقبل في آخر الأمر على مناصرة ms0554 ~~محمد علي كغرض أساسي يجب أن يهدف إليه مباشرة إذا شاء ~~رعاية المصالح الفرنسية، ولو أن «دروفتي» حتى هذا الوقت لم ~~يكن قد وصل إلى رأي قاطع في مسألة الإقبال على معاونة محمد ~~علي، بل ظل يخيل إليه أن في وسعه إبعاد نفوذ الوكلاء ~~الإنجليز عن البرديسي وتأليف حزب قوي من المماليك برئاسته ~~يشل من نشاط هؤلاء، ويقدر على الدفاع عن البلاد إذا جاء ~~الإنجليز بحملتهم التي وعدوا بها الألفي طويلا، على أنه ~~كان لا بد من اقتناع «دروفتي» أولا بضرورة أن ينفض يده من ~~البرديسي نهائيا حتى يقبل على مؤازرة محمد علي، وارتهن ~~هذا التحول بما وقع من حوادث بعد ذلك، وفي هذه المرة كذلك ~~تحمل «دروفتي» مسئولية سياسته على عاتقه وحده. # فقد فرغت حكومة الإمبراطور في باريس من إعداد تعليماتها ~~التي طلبها «دروفتي» منذ 6 مايو وفي 22 يوليو؛ أي بعد أن ~~تم انقلاب 13 مايو ونودي بولاية محمد علي في القاهرة، ~~فاستهل «تاليران» كتابه إلى «دروفتي» بقوله: إنه تسلم ~~رسالة هذا الأخير المؤرخة في 6 مايو والتي يطلب فيها ~~تعليمات بشأن ما يجب أن يكون عليه مسلكه إذا أفضت الحوادث ~~إلى وصول محمد علي إلى الحكم، على أنه بعد هذا التأخير ~~الطويل، وبدلا من أن تأتي هذه التعليمات واضحة محددة، ~~اتسمت بطابع المكيافيلية التي يبغي صاحبها عدم التقيد بخطة ~~معينة بل يؤثر الاستفادة من الظروف، وفي صورة تدل على ~~الحقيقة الواقعة وهي أنه لم يكن لدى الحكومة الفرنسية ~~ذاتها وقتئذ أية سياسة إيجابية في المسألة المصرية، فقد ~~خلت التعليمات من ذكر أية تفصيلات، واكتفت بدلا من ذلك ~~بإجمال بعض القواعد العامة، كما أنها تضمنت توجيه اللوم ~~والتقريع ل «دروفتي» وألزمته بعدم مغادرة مقر عمله ~~بالإسكندرية مهما جرى من حوادث في القاهرة، فقال ~~«تاليران»: «إن رغبة جلالة الإمبراطور هي أن تبقى في مقر ~~عملك مهما وقع من حوادث في مصر، وأن تظل دائب الاتصال في ~~الوقت نفسه بالسلطات ذات الكلمة العليا مهما كانت هذه؛ حيث ~~إنه من المعروف ms0555 بشأن المبادئ المقررة دائما فيما يتعلق ~~بالوكلاء التجاريين في الليفانت (حوض البحر الأبيض الشرقي) ~~أن واجب هؤلاء يقتضيهم عدم التدخل بأي حال من الأحوال في ~~شئون الحكومة (المحلية)، ولما كان الواجب أن يبتعد هؤلاء ~~عن كل أمر سياسي في جوهره، فإنه لما يستتبع ذلك ألا يكون ~~للوكلاء التجاريين صلة ما بعمل الوكلاء السياسيين، فموضع ~~الاهتمام إذن هو النظر فيما يعود بالنفع أو الضرر على ~~التجارة الفرنسية من ناحية السلطة العامة القائمة فعلا.» ~~أي إن مهمة «دروفتي» حسبما جاء في هذا القسم من التعليمات ~~يجب أن تظل مقصورة على رعاية المصالح التجارية فحسب، وذلك ~~عن طريق مراجعة السلطات القائمة فعلا فيما تدعو إليه ~~الضرورة كإجراء عادي من أجل رعاية هذه المصالح ودون أن ~~يكون لهذا الإجراء أية صفة سياسية، زد على ذلك أنه يؤخذ من ~~هذا القسم من التعليمات كذلك أن الحكومة الفرنسية لا تزال ~~متمسكة بسياستها السلبية في مصر، وهي السياسة التي تدور ~~على الاعتراف بالأمر الواقع، بالرغم من كل ما حدث من وقائع ~~بعد انقضاء بعثة «ماثيو لسبس» أهمها زيادة نشاط الوكلاء ~~الإنجليز بعد عودة الألفي من سفارته المعروفة في لندن، ~~والمناداة بولاية محمد علي في القاهرة، وبالرغم من أن ~~«روفان» # Ruffin # منذ ~~22 يونيو و«باراندييه» منذ 24 يونيو قد أبلغا «تاليران» ~~بعزم الباب العالي على إيفاد صالح أغا للفصل في النزاع ~~القائم بين خورشيد ومحمد علي، مزودا بسلطات تخوله إعطاء ~~الولاية لصاحب النفوذ الأقوى منهما وذلك عدا المعلومات ~~التي بعث بها إليه «باراندييه» في 24 يونيو كذلك عن حالة ~~الأحزاب في مصر، أو تلك التي ظل يبعث بها إليه كذلك ~~«دروفتي» من الإسكندرية طوال شهور مايو ويونيو ويوليو، بما ~~في ذلك النشرة الإخبارية التي أرسلها الوكلاء الفرنسيون من ~~القاهرة في 12 يوليو عن قراءة الفرمانات التي يحملها صالح ~~أغا بتعيين محمد علي في قائمقامية القاهرة استجابة لرغبات ~~المشايخ. # بل إن «تاليران» لم يلبث أن أكد القاعدة التي طالب ~~«دروفتي» باتباعها بوصفه وكيلا تجاريا، كما أكد سلبية ~~سياسة حكومته ms0556 عندما استمر يقول في القسم الثاني من ~~تعليماته: ومهما يكن موئل هذه السلطة الفعلية في البلاد ~~فواجب الوكلاء التجاريين أن يعتبروها سلطة شرعية ما دام لا ~~يصدر عنها شيء من شأنه تعطيل نشاط وكالتهم أو إلحاق الأذى ~~بالمصالح التجارية التي تعمل هذه الوكالة لحمايتها ~~ورعايتها؛ وعلى ذلك، فإذا اتضح أن هناك تهيؤا لتغيير ~~الإدارة أو الأداة الحكومية أو أن هذا التغيير قد وقع ~~فعلا، فواجب الوكلاء التجاريين أن يلزموا الحكمة في ~~مسلكهم، ثم إنهم قبل كل شيء في حاجة ظاهرة إلى مهارة كبيرة ~~تتيح لهم إدراك ما سوف تنتهي إليه الحوادث سلفا، على أن ~~«تاليران» لم يلبث أن اختتم تعليماته هذه بذكر قاعدتين ~~أساسيتين للاسترشاد بهما عموما، فقال: وفي كل الحالات ~~فهناك قاعدتان على الوكلاء التجاريين ألا ينحرفوا عنهما ~~أبدا؛ أولا: عدم الاعتراف بأية سلطة أو حكومة إلا إذا ~~قرر الانتصار مصير البلاد، وثانيا: عدم مغادرة مقر العمل ~~مهما حدث من انقلابات وثورات داخلية. # ومعنى ذلك أن «دروفتي» عليه الابتعاد عن أي نشاط سياسي؛ ~~وعليه تبعا لذلك الرضوخ للأمر الواقع والتسليم به، وفضلا ~~عن ذلك فقد خلت هذه التعليمات من أية إرشادات عملية قد ~~يستعين بها الوكلاء الفرنسيون في تكييف موقفهم مما يقع من ~~حوادث يومية في البلاد، ومع ذلك، فقد استفاد «دروفتي» من ~~الطابع المكيافيلي الذي اتسمت به هذه التعليمات من حيث ~~إنها تركت لذكاء ومهارة الوكلاء الفرنسيين تقدير الحالات ~~التي يجوز لهم فيها الاعتراف بالسلطات أو الحكومة القائمة، ~~والتنبؤ سلفا بما سوف تفضي إليه الحوادث حتى يتسنى لهم ~~رعاية المصالح التجارية الفرنسية، ولقد اعتمد «دروفتي» على ~~ذكائه ومهارته ثم على قدرته على هذا التنبؤ في رسم الطريق ~~الذي سار عليه قبل وصول هذه التعليمات إليه ثم بعد علمه ~~بها، مستهدفا رعاية المصالح التجارية والتي كان من ~~المتعذر على الوكلاء الأجانب لإنجلترة أو روسيا أو النمسا ~~أو فرنسا ذاتها أن يفصلوا بينها وبين المصالح السياسية، ثم ~~كان بعد شهر أغسطس 1805 أن بدأت تجتمع الأسباب التي جعلت ~~«دروفتي» يمعن ms0557 في تدخله في شئون السلطات المحلية من جهة، ~~ثم يقبل علانية على تأييد محمد علي وحكومته من جهة ~~أخرى. # المرحلة الثانية: مؤازرة محمد علي # ففي شهر سبتمبر 1805، أجاب محمد علي إجابة مرضية على ~~مذكرة الاحتجاج التي بعث بها إليه «دروفتي» ضد الإتاوات ~~والمغارم التي فرضتها حكومة الباشا على المحميين ~~الفرنسيين، وكلف محمد علي «مانجان» أن يؤكد ل «دروفتي» أنه ~~يميز الفرنسيين عن سائر رعايا الدول الأخرى، وعين فرنسيا ~~طبيبا له هو «روير» الذي كان قد قصد إلى معسكر البكوات ~~ولكنه لم يلبث أن ترك خدمتهم بسبب سوء معاملتهم له، فقبله ~~محمد علي ، ومع أنه كانت تدور المفاوضات بين محمد علي ~~والألفي وبينه وبين بكوات الصعيد، طوال الشهور التالية، ~~وهي المفاوضات التي سبق أن تحدثنا عنها في فصول سابقة، فقد ~~أخفقت هذه المفاوضات، وصرف الباشا جهده لتهيئة الوسائل ~~التي يستطيع بها دفع العدوان الإنجليزي إذا جاءت الحملة ~~التي ظل الوكلاء الإنجليز يذيعون أنها سوف تحضر قريبا ~~بالاتفاق مع الباب العالي، فأوقف الباشا الحملة التي كان ~~قد أعدها للسير إلى جدة (أكتوبر)، ثم شرع في تجهيز تجريدة ~~عظيمة ضد الألفي في أوائل ديسمبر، وأبطل لذلك نهائيا ~~حملة جدة، واقتنع «دروفتي» بأن الباشا لن يقبل الاتفاق مع ~~الألفي، واطمأن باله من هذه الناحية، فكتب إلى «روفان» ~~بالقسطنطينية في 9-19 فبراير 1806 أنه يعمل جادا لإحباط ~~مساعي الوكلاء الإنجليز حماة الألفي، وأن الباشا يرحب بكل ~~ما يحاول «دروفتي» إدخاله في روعه عنهم وعن خطورة تأثيرهم ~~السيئ على الألفي، ولقد صرح محمد علي بأنه لن يتفاوض مع ~~الألفي إلا إذا أقلع هذا عن الزهو والافتخار بحماية ~~الإنجليز له. # وأزعج «دروفتي» ما صار يحيط بحكومة محمد علي من صعوبات ~~مبعثها مطالبة الجند بمرتباتهم المتأخرة وتمرد الجنود في ~~إمبابة والمنيا ومغادرة الأرنئود للجيش، وذهابهم للعمل مع ~~البكوات، وحاجة الباشا الملحة إلى المال، مما زاد في خطورة ~~مركزه وجعل الولاية ذاتها متأرجحة، وذلك كله في وقت كان ~~مندوبو الألفي في القسطنطينية يتفاوضون مع الباب العالي ~~لإخراج محمد علي ms0558 من الولاية وإرجاع السيطرة المملوكية إلى ~~البلاد برئاسة الألفي؛ أي تمكين النفوذ الإنجليزي منها كما ~~كان يرى «دروفتي»، ثم تزايد انزعاجه بسبب انتصار الألفي في ~~معركة النجيلة، حتى إنه كتب إلى «تاليران» في 2 يونيو 1806 ~~أن أخبار المعارك الأخيرة لا تدع مجالا للشك في أن الألفي ~~صنيعة الإنجليز سوف يصبح ذا نفوذ أكبر مما كان له حتى ~~الآن، ومع أن نتائج مساعي مندوبيه في القسطنطينية والتي ~~يؤيدها الإنجليز لا تزال غير معروفة، فإن وكلاءهم في ~~الإسكندرية يزعمون أن الباب العالي سوف يستجيب لهذه ~~المساعي. # ولقد حرص «دروفتي» على إرسال أخبار الموقف في مصر تباعا ~~إلى حكومته، وكان ينتظر ولا شك أن يظفر من حكومته بتعليمات ~~واضحة محدودة تبين له الطريق الواجب عليه أن يسلكه، لا ~~سيما وأنه كان هنالك من القرائن ما يدل على أن مندوبي ~~الألفي قد ينجحون في مهمتهم بفضل مؤازرة الإنجليز لهم على ~~نحو ما اعتقد «دروفتي» ورجال السفارة الفرنسية في ~~القسطنطينية ولكن حكومة الإمبراطور في باريس لم تشأ التخلي ~~عن سياستها القديمة أو أنها على الأصح لم تشأ أن تختط لها ~~سياسة واضحة المعالم في المسألة المصرية وينهض دليلا على ~~تمسكها بسياستها السلبية السابقة تكليفها «ماثيو لسبس» ~~بالعودة إلى مصر لاستئناف وظائفه بها، فقد كتب «ماثيو ~~لسبس» إلى «تاليران» من فرساي في 22 مارس 1806 يخبره بأنه ~~قد جاءه كتاب من رجل كان قد استخدمه رسولا سريا مع ~~البكوات حين وجوده في هذه البلاد، يذكر له فيه أن البكوات ~~بأسرهم ما عدا الألفي الذي يخلص الولاء لإنجلترة دائما ~~يريدون أن يذكرهم الإمبراطور وأن يعتبرهم مستحقين للنجدة ~~والمساعدة وأنهم لا يشتطون في مطالبهم الآن كما كانوا ~~يفعلون في الماضي، فأجاب «تاليران» على هذه الرسالة في 12 ~~أبريل بأن الإمبراطور قد أصدر أوامره إليه بإبلاغ «ماثيو ~~لسبس» أنه يريد منه العودة دون إبطاء لاستئناف وظائفه في ~~مصر، وأن التعليمات سوف تصدر إليه خلال الأسبوع المقبل، ~~ويطلب منه الحضور إلى باريس لمقابلة الإمبراطور. # وفي مايو 1806 أصدر «تاليران» ms0559 تعليماته إلى «سباستياني» ~~الذي عين سفيرا فرنسيا جديدا لدى الباب العالي، وقد ~~تضمنت هذه التعليمات فيما يتعلق بمصر التوجيهات الآتية: أن ~~يلاحظ السفير الحالة في مصر التي صارت مسرحا للفتن ~~والحروب الأهلية منذ أن جلا الفرنسيون عنها، فاستأثر ~~بالسلطة فيها الترك والأرنئود والمماليك والعربان، كل ~~جماعة منها بدورها، بينما انقسم المماليك على أنفسهم، ~~وأدخل الإنجليز أنفسهم في الاضطرابات السائدة، وصار الباب ~~العالي ولا سلطان له، ويخشى الجند والباشوات الذين يرسلهم ~~من العمل بالاتحاد فيما بينهم لإعطائه في هذه البلاد ~~السلطة التي يؤثرون اغتصابها لأنفسهم، ثم استطردت ~~التعليمات توصي «سباستياني» بأن يدع الآن الحوادث تجري في ~~هذه البلاد (مصر) دون أن يكون له دخل بها؛ حيث إنه فيما ~~يحدث في المقاطعات الأوروبية التي للعثمانيين فحسب سوف ~~يلقى في بعض الأحايين ما يوجب تدخله لتوجيهها؛ لأن في هذه ~~ما يستغرق طاقة الباب العالي كما يستغرق طاقتك، وفي ~~تعليمات إضافية قال «تاليران»: «إن الإمبراطور لا يريد ~~مناصرة أي ثائر على الباب العالي، سواء أكان هذا يونانيا ~~أم من أصدقائه القدامى في مصر والشام، وكل سياسته لحمتها ~~وسداها الارتباط الوثيق بالباب العالي.» # ولا جدال في أن هذه التعليمات إنما تقر في جوهرها ~~وتفاصيلها تلك السياسة السلبية التي درجت عليها الحكومة ~~الفرنسية منذ استئناف علاقاتها مع مصر، زد على ذلك أن ~~الإمبراطور نفسه كان لا يزال يمني نفسه بالتدخل في شئون ~~مصر وفي صالح العصاة الثائرين على الباب العالي بالرغم من ~~توكيده التخلي عن أصدقائه القدامى في مصر وهم البكوات من ~~جماعة البرديسي خصوصا، فناقض نفسه في أمرين: أولهما ~~اعتزامه إرسال «ماثيو لسبس» لاستئناف النشاط مع البكوات ~~الموالين لفرنسا، وثانيهما الحرص على الاستماع لما يقوله ~~مندوب البكوات أحمد كاشف عند ذهابه إلى فرنسا لبسط قضية ~~إخوانه على الإمبراطور وطلب النجدة والمساعدة منه، وبالرغم ~~من أن هذا الكاشف كان من بيت الألفي، وتفصيل هذه المسألة ~~الأخيرة أن «دروفتي» كان قد أبلغ «تاليران» منذ ~~24 مارس 1806 أن أحمد كاشف جاءه ينهي إليه أنه مكلف من قبل ms0560 ~~الألفي بمهمة لدى الإمبراطور ويرجوه التوصية به وإعطاءه ~~جوازا للسفر، ولكنه لما كان «دروفتي» قد عجز عن الوقوف ~~على الغرض الصحيح من مهمته، ورفض أحمد كاشف أن يطلعه على ~~أي ترخيص من جانب الألفي له بشأن هذه المهمة فقد رفض ~~إعطاءه الجواز المطلوب، ومع ذلك، فقد استطاع أحمد كاشف ~~السفر إلى فرنسا ووصل إلى مرسيليا، وعلمت حكومة باريس ~~بوجوده بها. # ومع أن «دروفتي» استمر يبعث تباعا إلى حكومته بتفاصيل ~~ما كان يجري من حوادث حتى وقت وصول القبطان صالح باشا ~~وذيوع خبر الاتفاق الذي أبرم بين مندوبي الألفي ~~بالقسطنطينية وبين الباب العالي، ثم بعث إلى «تاليران» منذ ~~12 يونيو بمناسبة ما وصله من رسائل من البرديسي الذي كلف ~~المندوب الذي كان قد أوفده إليه «ماثيو لسبس» من سنتين ~~مضيتا بالكتابة إلى «دروفتي» حتى يوضح له مدى ما يكنه من ~~ولاء للحكومة الفرنسية، ثم انتظاره لتنفيذ الوعود التي ~~أعطيت له، وطمعه في كرم الإمبراطور، ثم كتب تعليقا على ~~ذلك: أن من رأيه (أي رأي «دروفتي») إذا اتضح أن الباب ~~العالي قد قرر فعلا إعطاء حكومة مصر للبكوات، وذلك ما قد ~~يضطر لفعله إذا شاء أن يجني أية فائدة من هذه المقاطعة، ~~فقد يكون ملائما إنشاء صلات مع البكوات تفضي إلى تعديل ~~ذلك النفوذ الذي للقناصل الإنجليز وهم الذين يذيعون بين ~~الأهالي ما يوحي إليهم بأن الفضل في إقامة الوضع الجديد ~~إنما ينسب إليهم نتيجة لتدخلهم، ومع أن «دروفتي» بعث يطلب ~~في رسالته هذه تعليمات من حكومته، نقول: إنه بالرغم من ذلك ~~كله، آثرت حكومة باريس التزام خطة الصمت، فلم تصل «دروفتي» ~~أية تعليمات من باريس منذ تلك التي أصدرها إليها «تاليران» ~~في 22 يوليو 1805، ومضت الشهور الطويلة دون أن تصل ~~«دروفتي» أية توجيهات من باريس أو من القسطنطينية يسترشد ~~بها في رسم خطته إزاء ما كان يقع من حوادث يومية لا ندحة ~~عن تأثير نتائجها على المصالح الفرنسية سواء أكانت هذه ~~تجارية أم سياسية، وقد ظل الحال على ذلك حتى رأى ms0561 «تاليران» ~~أخيرا أن يرسل إليه إخطارا في 28 يوليو 1806 يشعره فيه ~~بأنه قد تسلم رسائله ويشكره على الأخبار المفصلة التي ~~احتوتها هذه الرسائل، ويبلغه بأنه قد عرض بحوث «دروفتي» ~~التي تناول فيها بالتحليل الدقيق الموقف في مصر على ~~الإمبراطور، وقد اختار «تاليران» في هذا الإخطار أن يجيب ~~على مسألة أحمد كاشف بأن هذا الأخير قد حضر إلى فرنسا في ~~مهمة معينة، ثم إنه مما يسترعي النظر حقا، ويدل على ~~انعدام وجود أية سياسة مصرية لحكومة فرنسا وقتئذ، قول ~~«تاليران» تعليقا على هذه الأخبار المفصلة التي بعث بها ~~إليه «دروفتي»: إن هذه مع ذلك لا تتطلب إصدار أية تعليمات ~~خاصة من جانبي إلى أن قال: «ولكني سوف أستخدم مع ذلك ~~المعلومات التي بعثت بها إلي عن المماليك!» وأما تخبط ~~سياسة الحكومة الفرنسية فيبدو من انصرافها عن إرسال «ماثيو ~~لسبس» إلى مصر وتعيينه للقومسيرية العامة في ليفورنة، كما ~~أن بعثة أحمد كاشف إلى فرنسا لم يترتب عليها أي تعديل في ~~سياستها. # ذلك كان الموقف إذن عندما نجح مندوبو الألفي في الاتفاق ~~مع الباب العالي ونشأت أزمة النقل إلى سالونيك التي كادت ~~تطوح بولاية محمد علي. # فكان على «دروفتي» - كما أسلفنا القول - أن يعتمد على ~~ذكائه ومهارته، ويتدخل إيجابيا وفي صالح محمد علي مباشرة ~~في هذه المرة حتى يحول دون استئثار الإنجليز بكل نفوذ أعلى ~~في مصر. # ولقد سبق أن تكلمنا بإسهاب عن تطور هذه الأزمة والدور ~~الذي قام به كل من «مسيت» و«دروفتي» أثناءها، وقد أزعج ~~الأخير وأدهشه - كما أوضحنا - أن يرضي الباب العالي بإعطاء ~~كل هذه السلطة العظيمة التي ينطوي عليها إنشاء النظام ~~الجديد للألفي لما يترتب على ذلك من وضع موارد هذه البلاد ~~تحت تصرف الإنجليز حماة الألفي، الأمر الذي يتعارض مع ~~مصلحة الباب العالي ذاتها، ويؤذي المصالح الفرنسية في مصر، ~~فكان هذا الانزعاج وهذه الدهشة هما مبعثا مبادرة «دروفتي» ~~على الفور بإبلاغ محمد علي تفاصيل الاتفاق التي عرفها، وما ~~إن اطمأن إلى موقف هذا الأخير وتصميمه على الدفاع ms0562 عن ~~ولايته بحد السيف وتقريره طلب النجدة من فرنسا إذا جاءت ~~الألفي نجدات من إنجلترة حتى انبرى «دروفتي» يبذل كل ما ~~وسعه من جهد وحيلة لتأييد ولايته، على اعتبار أنه وحده ~~الرجل القادر على الوقوف في وجه أي اعتداء يأتي البلاد من ~~ناحية الإنجليز أعداء فرنسا، واعتقد أن بقاء محمد علي في ~~الحكم خير كفيل برد هذا الغزو المنتظر إذا قطع الباب ~~العالي العلاقات بينه وبين إنجلترة؛ لأن محمد علي عدو ~~البكوات أصدقاء الإنجليز. # فكان إذن بفضل نشاط «دروفتي» في هذه الأزمة أن امتنع ~~الشيخ المسيري الموالي دائما لفرنسا عن دعوة مشايخ ~~القاهرة للتعاون مع القبطان باشا على تنفيذ أوامر الباب ~~العالي، ولو أن «دروفتي » نفسه كانت تساوره الشكوك من ناحية ~~هذا الشيخ، ومع أن هذا ظل ممتنعا عن زيارة القبطان باشا ~~منذ مقابلته الأولى له، ورفض بعد ذلك طلب القبطان باشا منه ~~الذهاب لإقناع الدمنهوريين بالتسليم للألفي الذي وقف على ~~حصار مدينتهم، ثم كان «دروفتي» هو الذي حاول ردع الألفي ~~وتخويفه بنقل أخبار انتصار نابليون العظيم في معركة ~~أوسترليتز، وذلك كي يشيع روح الهزيمة في معسكر الألفي، ~~ويشن عليه نوعا من حرب الأعصاب لعله يخفف من غلوائه أو ~~تهن عزيمته، فبعث إليه بأحد رجاله يحمل ترجمة عربية لتقرير ~~واف عن معركة «أوسترليتز» التي أوقع فيها نابليون هزيمة ~~بالغة بجيوش النمسا وروسيا في 2 ديسمبر 1805، فقابل مندوب ~~«دروفتي» الألفي ولكن دون طائل؛ لأن الألفي - كما كتب ~~«دروفتي» في 10 يوليو 1806 - اعتبر سلطة بونابرت العظيمة ~~شيئا عابرا أو لا دوام له؛ لأنه إذا كان قد نجح في هزيمة ~~النمساويين والروس فهو لا يستطيع الادعاء بأنه قد هزم ~~الإنجليز الذين يولونه أي الألفي حمايتهم، وأن الألفي وقد ~~تم الصلح بينه وبين الباب العالي صار لا يعبأ بما يحدث في ~~أوروبا، وأنه لا توجد دولة على وجه الأرض تقدر على زحزحته ~~من مصر، أو أن تأخذ منه بلادا هي ملك يمينه، وفضلا عن ~~ذلك، فهو يرى في استمرار الحرب بين الإنجليز والفرنسيين ms0563 ~~أمنه وسلامته؛ ذلك أنه بينما يتطاحن هؤلاء الكلاب ويفني ~~بعضهم بعضا يجد هو فرصته السانحة للجلوس على عرش مصر في ~~فسحة من الوقت ودون عجلة، فيتحصن بها تحصنا قويا يجعله ~~لا يخشى أحدا، وأما فيما يتعلق بالفرنسيين أنفسهم فهو ~~يقينا يبغضهم؛ لأنهم حطموا قوة المماليك، ولأنهم أعداء ~~للإنجليز، وأعداء الإنجليز هم أعداؤه كذلك. # و«دروفتي» هو الذي حاول كذلك أن يشل نشاط بكوات الصعيد، ~~فقابل كخيا البرديسي، وأثمرت مساعيه معه، حتى إنه كتب إلى ~~«تاليران» في 10 يوليو: إن كخيا البرديسي قد رجاه أن يظل ~~الإمبراطور العظيم على عهده من عدم نسيان البكوات الذين لم ~~ينحازوا أبدا إلى أية جماعة تعمل ضد صالح فرنسا أو إلى ~~أعدائها، واتصل «دروفتي » بأرملة مراد بك، وأكدت هذه ولاءها ~~لنابليون العظيم، وأعلنت سخطها ونقمتها على الألفي الذي ~~باع نفسه للإنجليز عن جبن ونذالة، وحاول «دروفتي» كذلك ~~الاتصال بكخيا إبراهيم بك الذي كان بالإسكندرية، ولكن هذا ~~خشي من مقابلة «دروفتي» لئلا يسيء ذلك إلى الإنجليز فيؤذون ~~مصالح سيده، الأمر الذي جعل «دروفتي» يقول في رسالته إلى ~~«تاليران» في 15 يوليو: ومن هذا يتضح لكم كيف يبغي ~~الإنجليز الفوز بالسيطرة في هذه البلاد، وزار «دروفتي» ~~موسى باشا، وأنشأ معه صلات ود وصداقة، وعندما صار القبطان ~~باشا يعمل لتمكين الألفي من الاستيلاء على دمنهور، حصل ~~«دروفتي» على وعد من البرديسي بعدم اشتراكه في هذه ~~العمليات، وقد كان حصار دمنهور الموضوع الذي استأثر بقسط ~~وافر من انتباه «دروفتي» في هذه الأزمة؛ لأن حصارها على يد ~~الألفي وإخضاعها كان جزءا من مشروع كبير - كما رأينا - ~~قسمه الآخر الزحف على رشيد والاستيلاء عليها، فتصبح بفضل ~~ذلك منطقة البحيرة والإسكندرية (وبهذه القبطان باشا) ورشيد ~~في قبضة الألفي، الأمر الذي يجعل من السهل على الإنجليز ~~عند مجيء حملتهم التي يشيع وكلاؤها قرب مجيئها أن تنزل ~~بسلام وتخضع هذه المنطقة بأسرها وتهدد بعد ذلك الحكومة ~~القائمة بالقاهرة، (أي حكومة محمد) علي تهديدا خطيرا ~~وتقضي تبعا لذلك على المصالح الفرنسية بالبلاد. # وفي 25 أغسطس 1806 ms0564 تحدث في كتاب بعث به إلى «تاليران» عن ~~مساعيه لدى موسى باشا لإقناعه بتعارض مصلحته مع مصلحة ~~الألفي وعن محاولاته التي بذلها للتأثير على القبطان باشا ~~حتى يعطل استعداداته العظيمة التي شرع فيها لمعاونة ~~الألفي، وقد عمد «دروفتي» إلى تشويه سمعة الألفي في كل مرة ~~اجتمع فيها مع القبطان باشا، فراح يندد بعجز الألفي وعدم ~~قدرته على ابتكار أية خطة نافعة أو اتباع ما يعهد إليه من ~~خط بنجاح، وصوره بالرجل الذي لا يمكن أن تسلم إليه القيادة ~~في الظروف العصيبة، وأنه إنما خدع الباب العالي عندما بالغ ~~في وصف قوته، آية ذلك امتناع دمنهور عليه وفشل هجماته ~~عليها لإخضاعها، ووصف «دروفتي» هذه الهجمات بأنها عمليات ~~عسكرية قليلة النفع عديمة الأهمية . # ثم إنه كان في هذا الكتاب الذي بعث به «دروفتي» إلى ~~«تاليران» في 25 أغسطس أن ذكر الوكيل الفرنسي وصول رسالة ~~إليه من عثمان البرديسي يؤيد ما سبق أن أبلغه إياه الرسول ~~الذي ذكره «دروفتي» في رسالته إلى «تاليران» بتاريخ 12 ~~يونيو، ووعد «دروفتي»: بأنه سوف يجبب على البرديسي بأنه من ~~المنتظر عودة «ماثيو لسبس» دون أي إمهال إلى مصر وأنه ولا ~~شك سوف يأتي معه بتعليمات بشأن ما يطلبه، وحيث إن ~~الإمبراطور يمتدح شجاعة البكوات ويشيد بإبائهم أن يبيعوا ~~أنفسهم للإنجليز فإنه سوف يرحب بطلباتهم، وكان عثمان ~~البرديسي قد تحدث في رسالته هذه طويلا عن الوعود التي ~~قطعها له «ماثيو لسبس» ثم «دروفتي» نفسه، والتي كان مبعث ~~عدم الوفاء بها سفر «لسبس» الذي هو من أعظم أصدقاء ~~البرديسي وجماعته، ثم استطرد يقول في لغة تمزج بين طلب ~~المعاونة من الإمبراطور والتهديد بالتخلي عن مؤازرة ~~المصلحة الفرنسية ونحن نعرف خلق الأوروبيين لا سيما ~~الفرنسيين الذين يتحمسون لخدمة أناس يجدون أنفسهم في مركز ~~متحرج كما نفعل نحن، كما نعرف بخير تلك الأشياء العظيمة ~~التي فعلها الإمبراطور بونابرت وأنه قد استولى على أوروبا ~~بأسرها بحد سيفه وأنه قد صفح بعد ذلك عن أعدائه فأرجع إلى ~~كل واحد من هؤلاء أملاكه، ونحن ms0565 نعتقد أنه لا يزال يذكرنا ~~ونرجو منه أن يصفح عنا ويبذل لنا المساعدة في كل أعمالنا، ~~ولقد انتظرنا حتى هذه اللحظة لنرى أثر وعودك لنا وأنت تدري ~~ولا شك أن هذا أمر تتحقق بفضله مصلحتكم، كما تعلم من غير ~~شك أن هناك أناسا في وسعك الاعتماد على صداقتهم بدليل ما ~~قدموه من براهين ساطعة على ذلك في الماضي، وأما إذا كنت لا ~~تريد تنفيذ وعودك لنا فرجاؤنا منك أن تذكر لنا ذلك حتى ~~نترك نحن أيضا هذا الانتظار، ولكننا نعتقد أن فرنسا لن ~~تتخلى أبدا عن كلمتها أو تنبذ وعودا قطعتها على نفسها؛ ~~ولذلك نرجوك أن تبعث من قبلك رجلا يحمل خطابات منك إلى ~~الإمبراطور بونابرت وفي وسعك معرفة نوايانا وكل ما نبغي ~~نحن فعله هنا من ترجماننا يوسف (وهو الذي حمل هذه الرسالة ~~إلى «دروفتي»)، ونحن مستعدون لخدمتك، ومع أنه لم يسبق لنا ~~شرف التعرف بك فقد سمعنا عنك أنك إنما تتحلى بكل صفات ~~الأخلاق الحميدة والذكاء والحصافة، ونأمل أن تبلغنا ما صح ~~عليه عزمك. # ولما كان «دروفتي» قد صح عزمه على إحباط مهمة القبطان ~~باشا بكل وسيلة، ومن عوامل ذلك حتما الحيلولة دون اتحاد ~~بكوات الصعيد مع الألفي في نضال هذا الأخير ضد محمد علي من ~~جهة، وفي مساعيه بمؤازرة الوكلاء الإنجليز لدى القبطان ~~باشا من جهة أخرى، ثم إتاحة الفرصة لمحمد علي حتى يتفرغ ~~لمواجهة الصعوبات التي تواجهه في القاهرة والوجه البحري ~~والإسكندرية، وذلك بتخدير أعصاب بكوات الصعيد وحملهم على ~~البقاء في أمكنتهم فلا يخلقون بنزولهم من مظاعنهم متاعب ~~ومشاكل جديدة، فقد آثر أن يكذب على البرديسي تلك الكذبة ~~التي أحيا بها آماله وجعله بسببها يزيد صلابة وعنادا في ~~رفض أي اتفاق مع الألفي ودفع حصة البكوات القبالي من مبلغ ~~ال 750000 قرش الذي اتفق مندوبو الألفي على دفعه ثمنا ~~للترتيب الجديد مما كان من العوامل ذات الأثر البعيد في ~~مسلكه، فقد أجاب على البرديسي بالصورة التي ذكر لتاليران ~~أنه سوف يجيب بها عليه، فكتب إلى البرديسي ms0566 يقول: «إن ~~الألفي يعتبر نفسه من الآن سيدا لمصر وأن مهمة القابجي ~~باشا ليست سوى شرك نصب لإيقاعك فيه دون حذر منك أو ~~احتياط، وليس للإنجليز الذين يتولون تدبير هذه المؤامرة من ~~غرض سوى جعلك تعترف بالألفي سيدا عليك، ثم يستولون على ~~مصر باسمك وباسم الألفي، فاحترس إذن وكن حذرا، وفي وسعي ~~فضلا عن ذلك أن أؤكد لك أن فرنسا لم تنس بتاتا الوعود ~~التي بذلتها لك، بل إن الأمر بعكس ذلك تماما لأنك على وشك ~~أن ترى تحقيق هذه الوعود، ومن المنتظر قطعا حضور «ماثيو ~~لسبس» الذي تعرفه بين لحظة وأخرى، وسوف يأتيك بلا شك بكل ~~أنواع النجدات، ثم ما الذي تخاطرون به إذن لو أنكم ~~انتظرتم؟ وأنتم الذين إذا تريثتم أياما قليلة فحسب تصبحون ~~سادة مصر وأصحاب السلطة فيها، أو أنكم تؤثرون باستعجالكم ~~للحوادث أن تكونوا رعايا لإنجلترة وللألفي بك؟» # وقد أخذ المؤرخون على «دروفتي» كذبه على البرديسي في هذا ~~القسم الأخير من رسالته الذي يؤكد له فيه قرب وصول النجدات ~~الفرنسية إليه قطعا بين لحظة وأخرى، ولكن «فولابل» # Vaulabelle # مع استنكاره ~~الشديد لهذا الأسلوب الذي لجأ إليه «دروفتي» في معالجة ~~مسألة بكوات الصعيد أثناء هذه الأزمة، لم يلبث أن وجد ما ~~يمكن اعتباره مبررا لهذه الكذبة التي يبدو أن «دروفتي» لم ~~يجد مفرا في رأي فولابل من ارتكابها، أما وجه التضليل ~~الذي عمد إليه «دروفتي» عندما أكد قرب وصول النجدات ~~الفرنسية فمبعثه أن الإمبراطور نابليون كان منصرفا ~~الانصراف كله إلى مواصلة فتوحه في القارة الأوروبية، فقال ~~فولابل: إنه لم يكن لدى وزارة التويلري في باريس أي تفكير ~~في إرسال جند إلى مصر، وعلاوة على ذلك، فقلما كان الظرف ~~وقتئذ مناسبا؛ فالإنجليز لهم السيطرة في البحر، وبقايا ~~بحريتنا لا تزال سفنها منزوعة الصواري في الموانئ، ~~ونابليون وهو يدفع بجيوشه حتى نهر «النيمن» قد فرق أوصال ~~بروسيا، وأنشأ إقطاعات كبيرة، وأوجد مملكتين أو ثلاث ممالك ~~جديدة، وبكل صعوبة وسط هذه الأعمال العظيمة يكاد يخطر في ~~ذهنه خاطر ولو مبهم ms0567 عن إفريقية، ووجد وكلاؤنا أنفسهم ~~متروكين للاعتماد على ما توحي به إليهم قرائحهم، ولقد كان ~~من شأن هذا الإغفال ~~إلحاق الأذى البليغ بنفوذنا لولا أن الرجل الذي كلف وقتئذ ~~بتمثيل فرنسا في مصر تلافى نقص التعليمات الصادرة إليه من ~~أرض الوطن بما أبداه من نشاط ذهني عظيم وقدرة نادرة على ~~تعيين الأغراض التي استهدف تحقيقها. # ومع أننا أبعد ما نكون رغبة في قبول الوسائل التي عمد ~~إليها «دروفتي» لتأمين مصالحنا السياسية والتجارية في هذا ~~الجزء من أجزاء الإمبراطورية العثمانية، ولكنه مع ~~استنكارنا لنواح معينة من الدور الذي قام به في شئون هذا ~~البلد فمن الواجب أن نعترف بكل تلك المصاعب التي وجد نفسه ~~محاطا بها وأن نحيي ذكاءه الممتاز، وعلاوة على ذلك، فإن ~~ميول الألفي بك نحو فرنسا اتسمت بطابع لم يكن من شأنه أن ~~يجعل «دروفتي» كثير التدقيق عند اختيار الوسائل التي يمنع ~~بها انتصار هذا البك ويكفل بقاء محمد علي وامتلاكه مصر إلى ~~أن قال: ومع ذلك، فقد طلب البرديسي في خطابه إلى «دروفتي»، ~~تفسيرا دقيقا وسريعا - عن موقف فرنسا منه وعزمها على ~~تحقيق وعودها له - ثم إنه بات من المحتمل قبل مضي أيام ~~قلائل أن تسفر المقترحات التي كلف بحملها صالح أغا عن وصول ~~بكوات الصعيد إلى قرار يحددون به مسلكهم، ومن المحتمل أنهم ~~قد يتناسون مبعث كل تلك الأحقاد والمنافسات المبنية على ~~الحسد والغيرة التي جعلتهم يثورون على الألفي ويقفون حجر ~~عثرة لتعطيل أطماعه وآماله وإبطال مشروعات الحكومة ~~الإنجليزية، ثم كان من حسن حظ «دروفتي» أنه وجد فيما اتصف ~~به صنيعة الإنجليز الألفي من زهو وصلف مفرطين، ثم في قرب ~~وصول القنصل العام «ماثيو لسبس» تلك الحجج التي ما كان ~~يعثر عليها لو أنه أراد أن يستند في إجابته على البرديسي ~~على وزن صحيح لكل حزب من الأحزاب المتناضلة أثناء هذه ~~الأزمة فقال: «لقد اتخذ الألفي لنفسه علنا لقب سلطان ~~القاهرة، ولتشوقه لممارسة السلطة دون إبطاء صار يتصرف ~~مقدما في إيرادات مصر، ومن الآن عمد إلى ms0568 إعطاء التزام ~~حصيلة الضرائب المفروضة على السنا والنطرون إلى بيوت ~~تجارية من لندن، ولم ينس «دروفتي» في جوابه على البرديسي ~~كل هذه التفاصيل، بل تحولت هذه بين يديه إلى سلاح قاطع ~~...» # ومهما يكن من أمر، فقد حققت هذه الكذبة الغرض المقصود ~~منها، وشلت حركة بكوات الصعيد، ومنعتهم من الاتفاق مع ~~الألفي، وجعلت القبطان باشا الذي لم يظفر من البكوات بمبلغ ~~السبعمائة والخمسين ألف قرش يقرر المضي في الاتفاق مع محمد ~~علي، فأوقف استعداداته ضد رشيد وبدأت تفتر همته في تزويد ~~الألفي بالأسلحة والذخائر لإخضاع دمنهور، وانفرجت الأزمة ~~عند وصول إبراهيم بن محمد علي إلى الإسكندرية، وغادر ~~القبطان باشا الإسكندرية في 18 أكتوبر في طريقه إلى ~~القسطنطينية، وحق ل «دروفتي» عندما علم في منتصف نوفمبر ~~1806 أن «ماثيو لسبس» قد تعين لقنصلية ليفورنة أن يطلب ~~إعطاءه منصب القنصل العام في مصر مستندا في هذا الطلب على ~~ما أداه من خدمات في هذه البلاد لرعاية المصالح ~~الفرنسية. # تلك إذن كانت معالم السياسة الإيجابية التي سار عليها ~~«دروفتي» في مصر من تلقاء نفسه، ومتحملا مسئولتيها هو ~~وحده، ولعل أهم ما تجب ملاحظته أن «دروفتي» لم يندفع ~~اندفاعا في هذه السياسة، كما كان بعيدا كل البعد عن ذهنه ~~مخالفة أوامر حكومته له، ولكنه بنى خطته الإيجابية على ~~عوامل معينة نشأت من تطورات الموقف في مصر، لم يجد في ~~تعليمات حكومته له ما يدل على أن هذه الحكومة قد أخذت بعين ~~الاعتبار ما كان «دروفتي» نفسه يبعث به إليها من تفاصيل ~~الحوادث التي شهدها، ويعرضه عليها من آراء لم تكن مبتسرة ~~بل جاءت بعد دراسة وبحث مستفيضين للموقف، فصار عندئذ ~~واجبا عليه أن يسد هذا النقص - على حد قول فولابل - ~~بالاعتماد على ذكائه ومهارته، وثمة ملاحظة أخرى أنه كان ~~بعد هذا البحث وهذه الدراسة أن انتهت سياسة «دروفتي» ~~الإيجابية إلى الإقبال على تأييد حكومة محمد علي بوصف أنها ~~القوة التي إذا تدعمت أركانها استطاعت إحباط مشاريع ~~الإنجليز والألفي حليفهم ورد الغزو الإنجليزي إذا وقع على ms0569 ~~البلاد، وما إن رسخ في ذهن «دروفتي» هذا الاعتقاد حتى تخلى ~~نهائيا عن صديق فرنسا عثمان البرديسي، بل ولم يجد أية ~~غضاضة في الكذب والتمويه عليه حتى يصل إلى غرضه. # وأما هذه السياسة الإيجابية والتي وضعت كل ثقلها لترجيح ~~كفة محمد علي خصوصا أثناء أزمة النقل إلى سالونيك فقد ~~بدأت تجني باكورة ثمارها عندما كتب «دروفتي» نفسه إلى ~~«تاليران» في 21 نوفمبر 1806 أنه لينتظر بفارغ الصبر جواب ~~الوزير على الرسائل المنوعة التي بعث بها إليه بشأن ~~النجدات من الأسلحة والرجال التي يطلبها محمد علي من ~~فرنسا، فإن هذا الباشا لا ينقطع يردد مطلبه هذا ويستعجل ~~الجواب عليه بكل سرعة. # وأما مبعث طلب النجدة من فرنسا فكان ما يصادفه محمد علي ~~من صعوبات ناجمة عن تمرد الجند لا سيما في حامية المنيا ~~وحروجة الموقف تبعا لذلك في الصعيد، واستعداد الألفي ~~لتشديد الحصار على دمنهور بعد ذهاب القبطان باشا، والخوف ~~من أن يرسل الإنجليز حملتهم إلى الإسكندرية، تلك الحملة ~~التي استمر الوكلاء الإنجليز يؤكدون قرب مجيئها. ~~(3) الموقف قبل مجيء حملة «فريزر» # ولقد ظل «دروفتي» يرقب بيقظة واهتمام الموقف في مصر بعد ~~انقضاء أزمة النقل إلى سالونيك، وكان مما استرعى نظره ونظر ~~نائبه «مانجان» في القاهرة، جسامة الصعوبات التي أحاطت بحكومة ~~محمد علي من كل جانب، وأخطر هذه حاجة الباشا المستمرة إلى ~~المال، وتمرد الجنود الذين يطالبون في عناد بدفع مرتباتهم ~~المتأخرة لهم، ثم ما كان يخشى من نشاط البكوات: الألفي وجماعته ~~في الوجه البحري، والبرديسي وإبراهيم وعثمان حسن وغيرهم من ~~البكوات القبالي في الصعيد، واتحاد الفريقين في عمل مشترك ضد ~~حكومة محمد علي، وذلك كله في وقت تأزمت فيه العلاقات بين تركيا ~~وبين روسيا وإنجلترة بصورة أفضت إلى إعلان الحرب من تركيا على ~~روسيا، وتوقع انضمام إنجلترة إلى حليفتها ضد الباب العالي ~~وحضور الحملة الإنجليزية إلى هذه البلاد على نحو ما أكد ~~الوكلاء الإنجليز. # أما الحاجة إلى المال فقد سبق الكلام عنها وعن الآثار التي ~~ترتبت عليها، وقد كان من بين ms0570 هذه على وجه الخصوص تذمر ~~القاهريين من الإتاوات والمغارم التي فرضت عليهم، ولكن الباشا ~~استطاع بسط الهدوء والسكينة في القاهرة بفضل اعتماده على ~~مؤازرة المشايخ له لا سيما السيد عمر مكرم، بل ويذكر الوكلاء ~~الفرنسيون في نشرتهم الإخبارية عن المدة بين أول وعشرين أكتوبر ~~1806 أن عمر مكرم قد كشف للباشا عن مكايد شيخين كانا يحرضان ~~القاهريين على الثورة، وقد تأثر هذان الشيخان بمساعي الوكلاء ~~الإنجليز والقبطان باشا فألقى القبض عليهما في 5 أكتوبر، وأظهر ~~عمر مكرم ولاء عظيما للباشا، وعاونه معاونة صادقة على استتباب ~~الأمن والنظام في القاهرة، وكان بعد حوالي عشرة أيام أن أطلق ~~الباشا سراح الشيخين بناء على توسط الشيخ سليمان الفيومي في ~~أمرهما على شريطة مغادرتهما القاهرة إلى الريف. # وأما مشكلة الحاميات المتمردة فقد تزايدت خطورتها عندما أوفد ~~الباشا في 20 أكتوبر أحد كبار ضباطه إلى حامية المنيا، ولم ~~يلبث هذا أن عاد من مهمته فاشلا في 12 نوفمبر، ثم انضم إلى ~~البكوات كاشفه الذي حكم الفيوم باسمه، وأظهر جند حسن باشا ~~رغبتهم في تمضية أيام العيد الصغير بالقاهرة، ورفض جند رشيد ~~الذهاب إلى الرحمانية للاشتباك مع الألفي (نوفمبر 1806) ~~وإرغامه على رفع الحصار عن دمنهور، وتعالت صيحات جنود الباشا ~~في كل مكان مطالبة بالنقود، النقود، وتعرض الرحالة الفرنسي ~~«شاتوبريان» لإطلاق الرصاص عليه بكثرة عند عودته إلى القاهرة، ~~وكان بسبب مشكلة الجند هذه ~~أن كتب الوكلاء الفرنسيون في تقريرهم عن الموقف في مصر بين 14، ~~27 ديسمبر 1806: «إنه لمن المؤسي حقا أن يجد هذا الرجل محمد ~~علي صاحب الآراء والمشاريع الضخمة نفسه على رأس طبقة عسكرية ~~شيمتها الشره وحب المال والجبن ونبذ كل نظام»، ولكن محمد علي ~~الذي استمر يطلب الفرض والسلف من القاهريين، وفتح الميري عن ~~السنة القابلة، وصادر قافلة سنار، استطاع أن يدفع قسما كبيرا ~~من مرتبات الجند، ثم إنه منع حسن باشا وجنده من الحضور إلى ~~القاهرة، وبدا كأنما في وسعه أخيرا التغلب على كل الصعوبات ~~التي تصادفه عندما جاءت الأنباء معلنة عن وفاة البرديسي، ms0571 ثم عن ~~وفاة الألفي بعد ذلك، ثم شغل الجند بالاستعداد للخروج في ~~تجريدة كبيرة يترأسها الباشا نفسه ضد البكوات المماليك. # وكانت مسألة البكوات من المسائل التي وجب على الباشا إيجاد ~~حل سريع لها حتى يأمن جانب هؤلاء إذا تعرضت البلاد للغزو نتيجة ~~لتأزم العلاقات بين تركيا وروسيا وإنجلترة، وليس من شك في أن ~~محمد علي كان يتوقع هذا الغزو عندما كانت الاستعدادات قائمة ~~بالإسكندرية لتحصينها وراجت الأخبار عن حدوث مثل ذلك في رودس ~~وكريت، فقد كتب «مسيت» إلى «أربثنوت» في آخر ديسمبر 1806 أن ~~هناك استعدادات عسكرية وتحصينات تجري بالإسكندرية يعزو أمين ~~أغا سببها إلى وجود حشود الأرنئود في رشيد والرحمانية وخوفه من ~~المفاجأة إذا قرر هؤلاء الهجوم على الإسكندرية، ولكن «مسيت» - ~~كما كتب - يعتقد أن سبب هذه الاستعدادات والتحصينات إنما هو ~~وصول ططر من القسطنطينية بدأت الاستعدادات بعد مجيئهم مباشرة، ~~مما يدل دون شك على أن أوامر قد بلغت هذا الحاكم من الباب ~~العالي بشأنها، لا سيما وأن «مسيت» قد ترامي إليه أن نفس الشيء ~~يحدث كذلك في كل من رودس وكريت؛ وعلى ذلك، فإن صح هذا فإن ما ~~يجري هنا من استعدادات للدفاع إنما الغرض منها التهيؤ لدفع غزو ~~أجنبي وليس لصد الأرنئود، ثم تساءل «مسيت»: ولكن من يكون هذا ~~العدو الأجنبي الذي يستطيع غزو مصر في هذه اللحظة؟ لا شك في أن ~~«أربثنوت» يعرف هذا العدو من معرفته لسياسة تركيا. # وقد كتب «دروفتي» بعد ذلك إلى «تاليران» في 2 مارس 1807: «إن ~~مغادرة السفير الإنجليزي للقسطنطينية أحيت آمال أعدائنا هنا في ~~وقوع غزوة بريطانية (على مصر) ويذيع وكلاؤهم هذا الرأي، ويبغي ~~محمد علي الاستفادة من الاضطراب الذي وقع في صفوف المماليك ~~بسبب وفاة البرديسي والألفي، فخرج على رأس جيشه إلى الصعيد ~~لإرغام بكواته على التسليم، وغرضه أن يحطم أعداءه الداخليين ~~حتى يمكنه التفرغ لمراقبة الشاطئ.» # واعتقد محمد علي أن الفرصة قد صارت مواتية لمعالجة مسألة ~~البكوات من بيت الألفي بعد وفاة كبيرهم، فقد تبدل الحال الآن ~~في معسكر ms0572 شاهين بك خليفة الألفي، فساءت العلاقات بينه وبين ~~العربان، وكاد هؤلاء ينهبون معسكر شاهين لو أن هذا لم يبادر ~~بالقبض على رؤساء القبائل وحبسهم، وقد ترتب على ذلك أن غادر ~~معسكره بعد ذلك مباشرة أكثر من نصف هؤلاء الفرسان البدو، وقد ~~شجع محمد علي هذه الحركة بفضل ما صار يمنيهم به من وعود طيبة، ~~كما أنه رحب بمن حضر منهم إليه، ثم إنه حتى يزيد من ضعف شاهين، ~~لم يلبث أن سمح لكل من أراد من أهل القاهرة وأعيانها العودة ~~إلى أسراتهم بدخول القاهرة وكان هؤلاء قد انضموا إلى معسكر ~~الألفي، وانفض الآن عدد كبير منهم من حول شاهين، فرأى محمد علي ~~وقد نقصت قوات شاهين وضعف جيشه أنه سوف يؤثر الصلح على ~~الاستمرار في النضال والمقاومة، فأرسل إليه وإلى سائر البكوات ~~في معسكره مكاتبة يستميلهم ويطلبهم للصلح ويدعوهم للانضمام ~~إليه ويعدهم أن يعطيهم فوق مأمولهم ونحو ذلك، وأرسل تلك ~~المكاتبة صحبة قادري أغا الذي كان قد طرده الألفي ونفاه، كما ~~جعل بعض وسطائه السابقين مع البكوات، مصطفى أغا كاشف الوكيل ~~وعلي كاشف الصابونجي وغيرهما يكتبون إليهم بنفس المعنى، وكان ~~شاهين بك يقيم بالبهنسا منذ وفاة الألفي، ثم قرن الباشا عروضه ~~السخية على شاهين بك وسائر البكوات بمظاهر التهديد والتخويف ~~فأخذ - كما يقول الشيخ الجبرتي - في الاهتمام والركوب واللحوق ~~بهم، وفي كل يوم ينادي على العسكر بالمدينة بالخروج، وقوي ~~نشاطهم ورفعوا رءوسهم وسعوا في قضاء أشغالهم، وخطفوا الجمال ~~والحمير، وحضر الباشا إلى بيته في الأزبكية، وبات به ليلة ~~الأحد أول فبراير 1807 وخرج لسفره يوم الخميس 5 فبراير وخرج ~~إلى العرضى ثانية، ثم إنه أعد عددا عظيما من المراكب ~~المحملة بالمؤن والذخائر والعتاد. # ولكن قادري أغا ما لبث أن عاد في 7 فبراير من مهمته فاشلا، ~~فقد أحضر معه جوابا على رسالة الباشا عليه ختم شاهين بك وباقي ~~خشداشينه الكبار، وآخر لمن كاتبهم يذكرون في جوابهم إن كان ~~سيدهم قد مات وهو شخص واحد فقد خلف رجالا وأمراء وهم على ms0573 ~~طريقة أستاذهم في الشجاعة والرأي والتدبير، وكان ذلك من ضروب ~~المبالغة في إطراء أنفسهم عن غير جدارة، حتى إن الشيخ الجبرتي ~~لم يلبث أن علق على ذلك بقوله: «وليس كل مدع تسلم له دعواه، ~~ومن أمثال المغاربة: ما كل حمراء لحمة ولا كل بيضاء شحمة.» ثم ~~إنهم ذكروا في جوابهم أيضا أنه «إن اصطلح محمد علي مع كبرائهم ~~الكائنين بقبلي (في أسيوط) وهم إبراهيم بك الكبير وعثمان بك ~~حسن وباقي أمرائهما كنا مثلهم، وإن كان يريد صلحنا دونهم ~~فيعطينا ما كان يطلبه أستاذنا من الأقاليم.» وعندئذ لم يجد ~~الباشا مناصا من الخروج لمحاربة البكوات، وقد غادر شاهين ~~الألفي البهنسا، قاصدا إلى المنيا التي يحتلها سليمان بك ~~المرادي يبغي الانضمام بقواته إليه. # ولم يمنع محمد علي من الخروج فورا في تجريدته ضد البكوات ~~سوى إصابته في ليل 6-7 فبراير بمرض خطير مفاجئ حيث نزل به حادر ~~وتحرك عنده خلط وحصل له إسهال وقيء، وأشاع الناس موته يوم 7 ~~فبراير، وكاد العسكر ينهبون العرضى، ثم حصلت له إفاقة، وخرج ~~السيد عمر مكرم والمشايخ للسلام عليه في اليوم التالي (8 ~~فبراير) وليهنوه بالعافية، وقد أشرف على علاجه طبيبه ~~«بوزاري» # Bozari # وفي 9 ~~فبراير ارتحل الباشا بالعرضى إلى ساقية مكي بالجيزة متوجها ~~لقبلي، بعد أن كلف كخياه كتخدا بك «طبوز أوغلي» بالقيام بشئون ~~الحكم في غيابه، وفي 12 فبراير بدأ زحفه صوب الصعيد. # وكان أثناء غياب محمد علي وبعد حوالي أسبوعين من خروجه من ~~القاهرة أن جاء الخبر بقيام الحرب بين تركيا وروسيا وتوقع حدوث ~~غزو على مصر من جانب الإنجليز حلفاء الموسكوب. # الفصل الثالث # | تخطي العاصفة: حملة «فريزر» وفشلها # تمهيد # لم يكن الغرض من إرسال حملة الميجور جنرال «ماكنزي فريزر» # Machenzie Fraser # إلى ~~مصر احتلال هذه البلاد، بل كانت هذه الحملة - عند التفكير في ~~إرسالها - جزءا من مشروع أساسي يرمي إلى تخويف الباب العالي ~~والضغط عليه للانفصال عن فرنسا، والانضمام إلى عدوتيها إنجلترة ~~وروسيا، فكان القصد من إرسالها احتلال الإسكندرية، وتأييد ~~الأحزاب الصديقة ms0574 لبريطانيا في مصر (أي جماعة الألفي) وذلك ~~لإنشاء دفاع عن البلاد بمعاونة البكوات يحول دون الفرنسيين إذا ~~جاءوا بحملتهم إليها، فقد سيطر على تفكير الإنجليز من سياسيين ~~وعسكريين أن نابليون لن يتخلى عن محاولة امتلاك مصر مرة ~~ثانية، واستبد بهم الخوف من نزول الفرنسيين في هذه البلاد، حتى ~~إنهم صاروا يرون في صداقة فرنسا لتركيا أو مناصبتها العداء ~~مفضيا في كلا الحالين إلى احتلال الفرنسيين لمصر، سواء بوصفهم ~~أصدقاء الباب العالي أو أعداء له. # وأدخل «مسيت» - كما رأينا - في حسابه هذا الاحتمال على ~~وجهيه، عندما صار يلح على حكومته في ضرورة احتلال جيشها ~~للإسكندرية، تمهيدا ولا شك - كما أراد «مسيت» لاحتلال مصر ~~بأسرها، ولقد تسلطت فكرة احتلال الإسكندرية أو مصر على أذهان ~~غيره من رجال الحرب والسياسة الإنجليز، وفي مقدمة هؤلاء ~~الأميرال «نلسن»، على أنه بالرغم من هذا كله، ومما أخذ به ~~«مسيت» خصوصا، لم يكن غرض حكومة لندن - بحال من الأحوال - ~~احتلال مصر أو حتى امتلاك الإسكندرية ذاتها، بل إن كل ما اهتمت ~~به هذه الحكومة كان أمر مراقبة الحرب في القارة ~~الأوروبية، وتدارك الأخطار ~~التي قد تهدد مواقع الإنجليز في البحر الأبيض لا سيما في مالطة ~~وصقلية، نتيجة لتمكن سيطرة نابليون في إيطاليا ولانتصاراته ~~في أوروبا، زد على ذلك أن إنجلترة كانت تريد التمسك ~~بالإسكندرية ذاتها، بل إذا حدث أن اقتضت الظروف بقاء احتلال ~~جيوشها لها حتى نهاية الحرب، فإنها كانت تنوي عند عقد السلام ~~العام إعادتها إلى تركيا؛ ولذلك فقد ارتهن مصير حملة «فريزر» - ~~من مبدأ الأمر - بتطور الحوادث في الميدانين: السياسي والعسكري ~~في أوروبا. # بيد أن هذه الحملة كانت حلقة من حلقات تلك الصعوبات ~~التي صادفت محمد علي بين عامي 1805، 1807، وكادت تودي بولايته، ~~ولا جدال في أن حملة «فريزر» كانت ذات آثار عظيمة في حياة محمد ~~علي، فقد استطاع قواده إنزال هزيمة ساحقة بجيش «فريزر» في ~~معركة الحماد، وأقام محمد علي الدليل عند مجابهته هذا الخطر - ~~سواء بالإشراف على تحصين القاهرة أو العمل على استتباب الهدوء ms0575 ~~والسكينة بها، أو معالجة مسألة بكوات الصعيد - على أن في ~~استطاعته الاضطلاع بأعباء الحكم على خير صورة، أضف إلى هذا أن ~~اجتياز هذه الأزمة الأخيرة بسلام بعد انتصاره على البريطانيين ~~رفع ذكره في العالم الإسلامي، كرجل استطاع وحده مقاومة أقوى ~~دول أوروبا وقتئذ، ثم أكسبه نجاحه عطف الباب العالي، وكان لا ~~مناص من جلب رضاء هذا عليه، إذا شاء الاستقرار في حكومته، ثم ~~إن انصراف الديوان العثماني عن الكيد له - مؤقتا - لم يلبث أن ~~أتاح له الفرصة خلال السنوات الثلاث التالية ليعمل على دعم ~~أركان ولايته، ثم إن نجاحه هذا لم يلبث أن زاده ثقة في نفسه ~~وفي قدرته على الاحتفاظ بولايته، فتزايدت من ثم أطماعه، ~~وارتسمت في ذهنه من هذا الوقت المبكر معالم الخطة التي قر ~~رأيه على اتباعها لتحقيق أهدافه، فقد صار لديه الآن من القوة ~~ما يجعله يرفض استبدال أي باشوية أخرى من باشويات الدولة ~~بولاية مصر، بل صارت تنم أحاديثه وفعاله عن رغبته في الظفر ~~من الباب العالي بوضع يميزه عن سائر باشوات الدولة وحكام ~~ولاياتها، ولقد كان لحملة «فريزر» من هذه الناحية أهمية كبرى؛ ~~ذلك لأن الباشا كشف للمرة الأولى أثناء مفاوضاته مع مندوبي هذا ~~القائد الإنجليزي بصدد إخلاء الإسكندرية وإنهاء احتلالها عن ~~حقيقة هذا الوضع الجديد الذي يبغيه، وهو أن ينشئ حكما ~~وراثيا في أسرته في مصر مع التبعية للباب العالي على غرار ~~الوضع القائم في وجاقات الغرب، حيث كانت تحكم وقتئذ أسرة ~~القره مانلية في طرابلس الغرب، والحسينية في تونس، ~~ويستأثر الدايات: (جمع داي) ~~في الجزائر بكل سلطة، والواقع أن حملة «فريزر» قد اختتمت دور ~~التجربة والاختبار الذي مر به محمد علي، وكان دورا عاتيا ~~قاسيا، وبدأ محمد علي يمارس شئون الحكم من الآن فصاعدا كمن ~~صار له السلطان نهائيا، ويظهر في كل أعماله كمن صارت له كل ~~حقوق السيادة. # ولقد كان لحملة «فريزر» أهمية أخرى من حيث تشكيل علاقات باشا ~~مصر مع الدولتين اللتين تنازعتا على النفوذ في مصر نزاعا ~~عنيفا منذ ms0576 أن جلا الفرنسيون في 1801 ثم البريطانيون في 1803 ~~عن هذه البلاد، وهو نزاع أثر على مجرى الحوادث بها بصورة ~~ساعدت محمد علي نفسه على الاستفادة منها وتأسيس حكمه في مصر، ~~فقد أقبل «دروفتي» أثناء الأزمة التي أوجدتها هذه الحملة على ~~تعضيد حكومة محمد علي بكل ما وسعه من جهد وحيلة، وتبين ~~للباشا أن في وسعه - من الآن فصاعدا - الاعتماد على صداقة ~~فرنسا، فكانت هذه التجربة التي مرت بمحمد علي و«دروفتي» معا ~~منشأ ذلك الوفاق الذي ظل يسود العلاقات بين مصر وفرنسا في عهد ~~محمد علي سنوات طويلة، ومن ناحية أخرى دل فشل حملة «فريزر» ~~والظروف التي لابست هذا الفشل، على أن إنجلترة في معركة ~~التنازع على النفوذ في مصر مع فرنسا قد أخطأت التقدير، فقامرت ~~على حصان خاسر منذ أن بنت كل آمالها على إمكان طوائف المماليك ~~الذين فرقهم التباغض والتحاسد، وسيطرت الأطماع والأنانية ~~على أعمالهم، أن يؤسسوا حكما في مصر ينهي منها الفوضى، ويكفل ~~لها الاستقرار الذي يدفع الغزو الأجنبي عنها. # وقد نبتت هذه الفكرة ~~الخاطئة في ظروف كان يبدو فيها بعد جلاء الفرنسيين أن البكوات ~~هم وحدهم القادرون على منع نزول حملة فرنسية أخرى في البلاد، ~~وقد كان لهذه الفكرة مبرراتها وقتئذ للأسباب التي ذكرناها في ~~موضعها، ولكن العسكريين والسياسيين الإنجليز أعوزتهم ~~المرونة، فأصروا على التمسك بفكرتهم بعناد، على الرغم من ~~تطور الحوادث، وقد أوضحنا كيف أنهم لم يدخلوا في حسابهم ~~المناداة بولاية محمد علي كعامل قد يدعوهم إلى تعديل ~~خطتهم، لا سيما عندما ظهر تخاذل البكوات، واتساع شقة ~~الخلاف بسبب المنافسة والغيرة الشديدتين بين صنيعتهم الألفي ~~وعثمان البرديسي، وتقع المسئولية على «مسيت» خصوصا في ترويج ~~أن محمد علي قد اشتراه الوكلاء الفرنسيون، وأنه طالما بقي في ~~الحكم تظل البلاد معرضة لغزو الفرنسيين واحتلالهم لها، وراح ~~«مسيت» يطلب مرارا وتكرارا تدخل حكومته للحصول من الباب ~~العالي على أمر بعزله أو نقله وطرد الأرنئود، فزاد «مسيت» - ~~بفعله هذا - من تمكين الفزع في نفوس المسئولين في حكومته من ~~ناحية ms0577 الغزو الفرنسي المنتظر، ولقيت بسببه مخاوف «نلسن» الذي ~~ظل هو الآخر ينادي بوجوب القيام بعمل عسكري بريطاني في مصر؛ ~~لمنع هذا الغزو ما يعززها ويقويها. # ومع ذلك، فقد أظهرت حملة «فريزر» محمد علي بمظهر السياسي ~~المحنك بعيد النظر، فقد انتهز فرصة وجود قوات الإنجليز في ~~البلاد، ليعمل على جذب إنجلترة إلى جانبه، وهو الذي قد تخطى ~~العاصفة بسلام، وصار يهمه الآن أن يحاول الظفر بتأييد هذه ~~الدولة التي ناصبه وكلاؤها العداء لقضيته؛ أي الفوز بالولاية ~~الوراثية في الوضع الذي سبق ذكره، ولم تمنعه صداقة «دروفتي» ~~ومساعدته له عن إقصاء نائبه «مانجان» وقت مفاوضاته مع مندوبي ~~الجنرال «فريزر»؛ وذلك لأنه لم يفته أن هذه الدولة (إنجلترة) ~~لها أسطول كبير، ولا تزال مسيطرة في البحر الأبيض، وعجز ~~نابليون العظيم عن غزوها في عقر دارها أو هزيمتها، وفي وسعه ~~فضلا عن ذلك كله، أن يجعل منها عميلا طيبا يجني من معاملاته ~~معها ربحا محققا، بسبب حاجتها إلى منتجات وحاصلات باشويته ~~لتموين قواتها الرابضة في شتى المواقع في البحر الأبيض، ~~وإذا كانت إنجلترة قد ناصبته العداء بعد ذلك بسبب اصطدامه ~~المعروف في الحرب الشامية مع الباب العالي وتمسك الإنجليز بخطة ~~المحافظة على كيان الإمبراطورية العثمانية، فقد أتاحت حملة ~~«فريزر» الفرصة لإرساء قواعد تلك السياسة التي حرص محمد علي من ~~جانبه على اتباعها في مستقبل أيامه، ونعني بذلك كسب صداقة ~~إنجلترة دائما. # وأما النتيجة ~~المباشرة لحملة «فريزر» فيما يتعلق بباشوية محمد علي، فكانت ~~تمكينه من الاستيلاء على الإسكندرية التي كانت خارجة عن حكمه، ~~واطمأن بفضل ذلك إلى تحطيم هذه الحلقة التي ربطت بين باشويته ~~والباب العالي، والتي أفاد هذا الأخير من وجودها، فاتخذ من ~~الإسكندرية مكانا لتدبير مؤامراته ضد حكومته، كما وجد أعداء ~~الباشا مرتعا خصيبا يحيكون فيه كذلك دسائسهم ضده، على نحو ما ~~كان يفعل الوكلاء الإنجليز، فأغلق هذا الباب الآن بعد دخول ~~الإسكندرية في حوزة محمد علي، أضف إلى هذا أن امتلاك ~~الإسكندرية كان الخطوة الأولى التي خطاها محمد علي من أجل بسط ms0578 ~~سلطان باشويته على أرجاء القطر الذي تألفت هذه منه، حتى إذا ~~قضى على المماليك نهائيا بعد ذلك بثلاثة أعوام تقريبا، ودخل ~~الصعيد جميعه في حوزته، تم بسط سلطانه على هذه الباشوية: ~~الأمر الذي كان لا مناص من حدوثه، إذا شاء محمد علي دعم أركان ~~الولاية واستقرار حكمه بها. ~~(1) الفزع من الغزو الفرنسي # وترتد أسباب حملة «فريزر» في أصولها البعيدة إلى الأغراض ~~التي استهدفتها سياسة الإنجليز الإيجابية في مصر منذ جلائهم ~~عنها، وقد تحدثنا عنها طويلا، ثم إنها ترتد في أصولها ~~القريبة إلى تأزم العلاقات بين تركيا وبين روسيا وحلفائها ~~الإنجليز، بالصورة التي أوضحناها، وفي كلا الحالين، كان منع ~~تكرر الغزو الفرنسي لهذه البلاد هو مرمى رجال السياسة ~~والحرب من الإنجليز، ولقد كان جلاء البريطانيين في مارس 1803 ~~هو التضحية التي لم يجدوا مناصا من بذلها، إذا شاءوا ~~المحافظة على السلم الذي قررته معاهدة «أميان»، على أمل ~~أنه إذا تنفذت شروط هذا الصلح واستقر السلام، انتفى خطر الغزو ~~الفرنسي على مصر، ولم تتجدد التجربة القاسية التي نشأت من نزول ~~حملة بونابرت في هذه البلاد عام 1798، ولكنه سرعان ما تبين ~~للإنجليز أن هذه التضحية ذهبت سدى، ودون مقابل، عندما ~~استؤنفت الحرب مع فرنسا بعد شهرين فحسب من جلاء القوات ~~البريطانية عن مصر، ولقد وجد من السياسيين الإنجليز - قبل ~~أن يتحطم صلح «أميان» نهائيا - من كان يرى لتأمين سلامة ~~إنجلترة وخاصة ممتلكاتها في الهند أن يستمر الاحتلال البريطاني ~~لمالطة والإسكندرية ورأس الرجاء الصالح بصورة دائمة، أو على ~~الأقل لمدة طويلة أخرى، بالرغم مما في ذلك من خرق لمعاهدة ~~«أميان»، واستند هؤلاء فيما ذهبوا إليه على ما ظهر من إصرار من ~~جانب بونابرت القنصل الأول وقت إبرام الصلح على اشتراط إخلاء ~~البريطانيين لمالطة والإسكندرية، فراحوا يؤكدون أنه ما فعل ذلك ~~إلا ليفسح الطريق بين طولون والإسكندرية؛ لإرسال حملة فرنسية ~~إلى مصر فيما بعد وعند أول فرصة سانحة، وكان من أثر تزايد ~~شكوك الحكومة الإنجليزية في نوايا بونابرت بعد جلاء الجيش ~~البريطاني عن الإسكندرية، ثم ms0579 بسبب بقاء الجيوش الفرنسية في ~~إيطاليا كذلك، أن رفض الإنجليز إخلاء مالطة، واحتدم النقاش حول ~~مسألة مالطة بين بونابرت وبين «اللورد هويتوورث» # Whitworth # السفير الإنجليزي في ~~باريس، واضطر الأخير إلى مغادرة باريس في 13 مايو 1803، ~~وقطعت العلاقات بين فرنسا وإنجلترة، واستبد الخوف برجال ~~السياسة والحرب الإنجليز من محاولة فرنسية جديدة لغزو ~~مصر. # وكان مبعث مخاوف الحكومة الإنجليزية - سواء أكانت هذه ~~المخاوف حقيقية أم وهمية، وما صار يساورها من شكوك في نوايا ~~بونابرت من حيث عزمه على إجراء انقلاب في الشرق يقلب به ~~الأوضاع رأسا على عقب، ثم فتح مصر مرة ثانية - أولا: استئناف ~~العلاقات الدبلوماسية بين فرنسا وتركيا بعد صلح «أميان»، ~~ونشاط السياسة الفرنسية في القسطنطينية، وثانيا: قيام ~~«سباستياني» بمهمته المعروفة خصوصا في مصر، ثم نشر تقريره ~~المشهور في يناير 1803، وأخيرا: تحذيرات القواد الإنجليز: ~~«هتشنسون» و«كافان» و«ستيوارت» الذين اعتقدوا أن الفرنسيين وقد ~~كانوا يمتلكون البلاد في عهد حملتهم على مصر، فإنهم لن يتخلوا ~~عن الرغبة في العودة إليها، وبسط سلطانهم عليها مرة أخرى، وكان ~~عندما وصل تقرير «سباستياني» عن استطالة الاحتلال البريطاني ~~للإسكندرية أن بعث «هويتوورث» - الذي اتفق وصوله إلى مقر ~~سفارته في باريس حوالي هذا التاريخ - إلى «هوكسبري» وزير ~~الخارجية في نوفمبر 1802، يؤكد كأمر مفروغ منه أن القنصل الأول ~~بموافقة القيصر وتواطؤ الأتراك قد قرر إرسال حملة فرنسية جديدة ~~إلى مصر، ويوصي لذلك بإرسال أسطول إنجليزي قوي لمراقبة طولون، ~~وحراسة الأدرياتيك، ويقول: إنه لإحباط مشروعات بونابرت ~~العدوانية لا معدى عن تمسك الإنجليز بمالطة والإسكندرية، ~~فعززا اتهام «هويتوورث» للقنصل الأول بالتآمر مع الروس، بل ومع ~~الأتراك أنفسهم على غزو مصر شكوك الحكومة الإنجليزية، وكان من ~~أقوى العوامل التي دعتها إلى خرق معاهدة «أميان» من جانبها، ثم ~~إن هذه الحكومة لم يعوزها الدليل على اعتزام بونابرت امتلاك ~~هذه البلاد ثانية، عندما نشر القنصل الأول تقرير «سباستياني» ~~في آخر يناير 1803، واتخذت من نشر هذا التقرير ذريعة لإصرارها ~~على عدم إخلاء مالطة، قبل أن يدلي القنصل الأول بتفسيرات ~~مرضية تزيل ما يساورها من ms0580 قلق من ناحية سياسته. # ومع أن «سباستياني» نفسه - وقد عاد من بعثته إلى باريس - ~~راح يؤكد للسفير الإنجليزي «هويتوورث» أنه ما كان ينوي بتاتا ~~- عند حديثه عن الجيش البريطاني في مصر - إهانة هذا الجيش في ~~تقريره، وقد كانت هذه إحدى المآخذ التي أخذها الإنجليز على هذا ~~التقرير، ومع أن «تاليران» وزير الخارجية الفرنسية راح بدوره ~~ينفي للسفير وجود أية مشروعات عدوانية ضد مصر لدى القنصل ~~الأول، ويؤكد أن الحالة المالية في فرنسا تجعل السلم ~~ضروريا ولا غنى لها عنه، ويعزو ما قد يكون قد تضمنه التقرير ~~من مسائل جرحت شعور البريطانيين إلى حماس ضابط شاب، فسر ~~وجود القوات البريطانية بالإسكندرية بمثابة إعلان للحرب من ~~جانب إنجلترة على فرنسا، ثم صار يسأل «هويتوورث» عن نوع ~~الترضية التي يطلبها لتسوية هذه المسألة، ومع أن بونابرت نفسه ~~قد دعا السفير لمقابلته في قصر «التويلري» للمباحثة معه في ~~موضوع معاهدة «أميان»، وأعلن إليه أن مصر لا تستحق دخول فرنسا ~~في حرب بسببها، وأنه لا يفكر في أية مشروعات عدوانية ضدها؛ ~~لأنه يعتقد أن هذه البلاد سوف تكون من نصيب فرنسا إذا حدث ~~انهيار الإمبراطورية العثمانية، ووزعت أملاكها بين الدول، وأنه ~~يصر على إخلاء مالطة والإسكندرية لصون السلام، فقد ذهبت ~~سدى جميع هذه المساعي في انتزاع مخاوف الإنجليز من ناحية ~~مشروعات بونابرت في الشرق، وجعلتهم هذه المخاوف والشكوك يقررون ~~البقاء في مالطة، وإن وافقوا على إخلاء الإسكندرية لردها ~~إلى حليفهم الباب العالي، تنفيذا لوعودهم له، واستبقاء ~~لمودته، حتى لا ينضم إلى أعدائهم عند استئناف الحرب بينهم وبين ~~فرنسا، ولقد كانت تلك الموافقة على إخلاء الإسكندرية مبعث ~~ندم في الدوائر الحكومية وغيرها في إنجلترة، ولما كان ~~بونابرت قد تحدث في مقابلته مع «هويتوورث» عن انتقال مصر إلى ~~حوزة فرنسا عند انهيار الإمبراطورية العثمانية، فقد تزايد ~~إصرار الإنجليز على التمسك بمالطة كخطوة لا غنى عنها لدرء أي ~~خطر فرنسي يتهدد مصر، ثم تبعا لذلك أملاكهم في الهند، وكان ~~«بيت» Pitt # الذي اعتزل ~~الوزارة منذ مارس 1801، من أكبر ms0581 مؤيدي هذا الرأي، كما كان ~~أعضاء الوزارة التي شكلها بعده «أدنجتون» # Addington # من هذا الرأي، ~~الأمر الذي أفضى إلى إنهاء صلح «أميان»، واستئناف الحرب بين ~~إنجلترة وفرنسا، وكان التمسك باحتلال مالطة إذن هو الضمان الذي ~~لجأت إليه الحكومة الإنجليزية لمنع ذلك العدوان الذي توقعت ~~حدوثه على مصر كجزء من مشروعات بونابرت في الشرق. # والخوف من مشروعات بونابرت في الشرق، ومن محاولته إنزال جيش ~~فرنسي لاحتلال مصر، جعل «دراموند» والسير «ألكسندر بول» يضعان ~~تلك المشروعات التي هدفت لتأسيس الحكم المملوكي في مصر تحت ~~قيادة بريطانيا، ثم إنه كان منشأ كل ذلك النشاط الذي بذله ~~الوكلاء الإنجليز، وعلى رأسهم «مسيت» لاستمالة البكوات إلى ~~جانب إنجلترة وإحباط مساعي الوكلاء الفرنسيين لديهم، ثم ~~مناصبة حكومة محمد علي العداء، وسيطر على ذهن «ألكسندر بول» ~~- على وجه الخصوص - أن الفرنسيين سوف يحاولون الاستيلاء على ~~الإسكندرية بمساعدة البكوات ومحالفتهم لهم، وتدعمت هذه ~~الفكرة لديه بفضل ما صار يرسله إليه «تابرنا» من أخبار عن نشاط ~~الوكلاء الفرنسيين مع البكوات، واعتقاد هؤلاء الأخيرين أن ~~الإنجليز قد تخلوا عنهم، بينما توقع «تابرنا» أن يعمد محمد ~~علي والأرنئود إلى الاستفادة من هذه الفوضى، فيحدثون انقلابا ~~يستولون بفضله على البلاد، وتلك ثورة تنتفع منها فرنسا؛ لأن ~~الأرنئود أصدقاؤها، وقال «تابرنا» وهو يتحدث إلى «ألكسندر بول» ~~- في تقريره له في 28 فبراير 1804 - عن الأعداء الخارجيين أي ~~الفرنسيين: «إنه إذا شاء سوء الحظ أن يفلت هؤلاء من رقابة ~~الأسطول الإنجليزي، فإنهم لن يلقوا أية مقاومة في مصر.» ثم ~~عزز هذه الأقوال عند «ألكسندر بول» وكيل آخر في مصر لم يذكر ~~اسمه في تقريره الذي بعث به إليه من القاهرة في 13 ديسمبر ~~1804، قال: إن مصر في حاجة شديدة إلى سيد جديد، وأن أول ~~القادمين سوف يلقى ترحيبا كهذا السيد المنشود، وأن الأحزاب ~~المناضلة فيما بينها سوف تلتف حول العلم الأجنبي، ويتوق ~~الفلاحون للحماية الأجنبية تبسط عليهم لتمنع عسف الحكام ~~بهم، وإن قوة أجنبية صغيرة سوف تكفي للاستيلاء على مصر وعلى ~~حكومتها، ثم إن ms0582 هذا الوكيل لم يلبث أن اختتم رسالته بتأكيد ~~أن أهل البلاد يفضلون كثيرا الإنجليز على الفرنسيين. # ولا جدال في أن مثل هذه المعلومات التي تلقاها «بول» قد ~~أظهرت خطر الغزو الفرنسي المتوقع كحقيقة ماثلة، وزادت من ~~مخاوفه من هذا الخطر. # وكان «نلسن» الذي أوفد مرة ثانية إلى البحر الأبيض رئيسا ~~للقوات البحرية الإنجليزية به عند استئناف القتال بين إنجلترة ~~وفرنسا، من الذين أفزعهم كذلك خطر الغزو الفرنسي المنتظر لمصر، ~~وحرصت الأميرالية وهي تصدر تعليماتها إليه على لفت نظره إلى ~~ضرورة مراقبة حركات الفرنسيين في إيطاليا بانتباه عظيم، حتى لا ~~يفلت من مراقبته - كما حدث في 1798 - خروج قواتهم لمهاجمة مصر، ~~أو لأي جزء آخر من الأملاك العثمانية، ولكن «نلسن» لم يكن في ~~حاجة إلى هذا التنبيه؛ لأن حوادث 1798 كانت لا تزال آثارها ~~عالقة بذهنه، ولأنه اعتقد اعتقادا راسخا بأن الفرنسيين ~~يدبرون إرسال حملة إلى الشرق، إما ضد المورة، وإما ضد مصر، ~~ومنذ شهر يونيو 1803 سأل «دراموند» بالقسطنطينية رأيه في أي ~~المشروعين سوف يبدأ الفرنسيون بتنفيذه متفقا مع إنشاء ~~المورة جمهورية يونانية؛ لأن الهجوم على المورة ليس في رأي ~~«نلسن» نفسه سوى مجرد وسيلة لتمكين فرنسا من الاقتراب من مصر، ~~ثم كتب إلى «أدنجتون» في 28 يونيو: «إنه إذا فتح الفرنسيون ~~أو أصدقاؤهم المورة، فسوف تكون مصر الثمن الذي في مقابله ~~يعيدون المورة، إن لم يتمكنوا من الاحتفاظ بكليهما، بفضل ~~محالفة ينشئونها مع المماليك.» وظل «نلسن» يردد هذه المخاوف ~~في الشهور التالية، ويعزو إلى بونابرت مشروعات عدوانية على ~~المورة سواء بتحريض أهلها على الثورة ضد الباب العالي، أو ~~بالاتحاد في العمل مع روسيا لتحقيق مآربه، وتوقع «نلسن» أن ~~تشترك فرنسا وروسيا في تقويض عروش الإمبراطورية العثمانية في ~~أوروبا، حتى إذا تم لهما ما يريدان صارت كريت ومصر - بكل تأكيد ~~- من نصيب فرنسا، وعندئذ تعرضت الهند لخطر الضياع وفقدتها ~~بريطانيا، وفي وسع بونابرت على كل حال إذا امتنعت روسيا عن ~~المضالعة معه في مشروعاته خلق المشكلات والمتاعب لتركيا بتحريض ~~اليونانيين ms0583 ضدها، أو تأييد علي باشا والي «يانينا» في عصيانه ~~عليها، وعندئذ يتدخل بونابرت، إما لإخماد هذه الثورات أو ~~لتأييدها، طالما أن مصر هي التعويض الذي يناله في الحالين ~~مقابل هذا التدخل، واعتقد «نلسن» أن فرنسا إنما تحشد جيوشها في ~~إيطاليا لإرسالها إلى المورة، ثم من هناك إلى مصر، أو لتحصل ~~على الأخيرة في نظير تخليها عن الأولى؛ حيث إن الاستيلاء على ~~مصر هو غرض بونابرت دائما، «ومن يعش يره»، كما قال ~~«نلسن». # وقد شارك نسلن - بطبيعة الحال - السير «ألكسندر بول» في ~~اعتقاده بأن بونابرت يعتزم إرسال حملة إلى الإسكندرية، وكتب ~~إليه في 6 أكتوبر 1803: «إن الحالة في مصر لتدعو إلى الحزن ~~والأسى، ولا أشك بتاتا في أن الفرنسيين قد أبرموا معاهدة ~~مع المماليك، أو أنهم قد عقدوا معاهدة حتى مع الأتراك، ولم ~~أكتف بالكتابة إلى «أدنجتون»، بل بذلت جهدي حتى أغرس في ذهنه ~~ضرورة الحيلولة دون ارتماء المماليك والأتراك في أحضان ~~فرنسا.» # وهكذا ظل «نلسن» يفكر في أمر مصر أثناء قيامه بمراقبة ~~عمليات الفرنسيين في إيطاليا، وسد الطريق على أسطول الأميرال ~~الفرنسي «لاتوش ~~تريفيل» # La Tounche-Treville # في ميناء طولون، وفي نوفمبر 1803 كتب ~~إلى «دراموند» بالقسطنطينية يطلب منه تحذير السلطات العثمانية؛ ~~لأنه من المحتمل أن يحدث بالرغم من يقظته هو وعنايته أن يفلت ~~من مراقبته الأسطول الفرنسي، ويستطيع الوصول إلى مصر أو ~~المورة، قبل أن يتمكن «نلسن» من مقابلته والالتحام معه، وفي 11 ~~فبراير 1804 كتب إلى القبطان باشا يحذره من أنه سوف يجد ~~نفسه؛ أي القبطان باشا قريبا مرغما على قتال الفرنسيين؛ لأن ~~بونابرت الخائن الغادر سوف يعتدي لا محالة - إذا استطاع - على ~~ممتلكات الإمبراطورية العثمانية، وكتب في الوقت نفسه إلى الصدر ~~الأعظم: «إذا جمع الفرنسيون قواتهم البحرية بالمحيط بتلك ~~الموجودة في طولون، فإن السلم القائم بين الباب العالي ~~وبونابرت لن يجدي نفعا في منع الأخير من غزو المورة ومصر، ولا ~~شك أن الصدر الأعظم وقد عرف الفرنسيين جيد المعرفة لا ينخدع ~~بأقوالهم، فلسان بونابرت كلسان الأفعى الملساء الناعمة، ms0584 ولن ~~أدع شيئا لا أفعله لإحباط مشروعات هذا البلاء الذي نزل ~~بالبشرية.» وحز في نفس «نلسن» أن حكومته على ما ظهر له لا ~~تميل إلى الأخذ بنصائح «ألكسندر بول» لوضع حامية بريطانية أو ~~أخرى تحت إشراف ضباط بريطانيين بالإسكندرية، وصار يرجو أن ~~إذاعة مشروع «لبنتز» # Leibnitz # الذي اقترح فيه هذا العالم والفيلسوف الألماني على لويس الرابع ~~عشر توجيه جيوشه صوب مصر، والذي عثر عليه عند احتلال ~~الفرنسيين لهانوفر في مكتبتها في عام 1803 سوف يفتح أعين ~~أوروبا، ولو أن هناك أناسا لا تزال أعينهم معصبة ولا يجسرون ~~على فك الأربطة عنها، وفي 30 يونيو 1804 كتب إلى «هوبارت» ~~أن باشا طرابلس قد وافق عند الضرورة وفي حالة ذهاب الفرنسيين ~~إلى مصر (أي غزوهم لها) أن يحتل الإنجليز درنة، وهذه موقع ~~هام جدا لمنع الفرنسيين من أن تكون لهم خطوط مواصلات مع مصر، ~~وعندما استولى الفرنسيون على السفن اليونانية في ميناء ليفورنة ~~بإيطاليا، قال «نلسن» إن غرضهم من ذلك استخدام هذه السفن؛ ~~لنقل جنودهم إلى المورة وإلى مصر، ثم إنه اعتقد أن قسما من ~~أسطول «غانتوم» # Ganteaume # في ~~برست سوف يقصد إلى البحر الأبيض، حيث كان للفرنسيين بهذا البحر ~~أطماع محققة، كما قطع بذلك «ألكسندر بول» نفسه في مراسلاته ~~مع «نسلن»، وقد كتب هذا الأخير إلى «بول» ~~في 3 أغسطس 1804، أن نابليون ~~يبغي الاستيلاء على الجزائر، وأن الفرنسيين سوف يملكونها بعد ~~انقضاء عام واحد بعد عقد الصلح، وأما فيما يتعلق بمصر، فهو ~~(أي «نلسن») يوافق «بول» على آرائه بصددها، ولم يكن «بول» هو ~~وحده الذي يساوره القلق من ناحية مصير هذه البلاد، بل اعتقد ~~«هالويل» كذلك أن الفرنسيين يريدون الاستحواذ على مصر، وكان ~~«هالويل» من الذين اشتركوا في معركة أبي قير البحرية، ويدين ~~بولاء عظيم لنلسن. # وعندما غادر أسطول الأميرال «لاتوش تريفيل» طولون أخيرا في ~~17 يناير 1805، حار «نلسن» في أمره: هل يقصد هذا الأسطول إلى ~~«كاجلياري» على شاطئ «سردينيا» الجنوبي؟ أو يقصد المورة؟ أو ~~مصر؟ ثم لم يلبث أن رجح ms0585 أن تكون مصر هي مقصده، فقصد «نلسن» ~~بدوره إلى المورة، وبلغته إشاعات كاذبة عن قطع العلاقات ~~بين فرنسا والباب العالي، اعتقد بسببها أن بونابرت بسبيل ~~الاعتداء على ممتلكات الباب العالي، وحيث إن الأسطول الفرنسي ~~لم يظهر في مياه المورة، فقد رجح «نلسن» ذهابه إلى مصر، ~~فواصل هو رحلته مارا بكريت إلى الشاطئ المصري، واقترب من ~~الإسكندرية 4 فبراير 1805، وكتب في اليوم نفسه إلى «صمويل ~~بريجز» القنصل البريطاني بالإسكندرية: «إذا حضر الفرنسيون إلى ~~هذا المكان قبلي، فلن يصلك بطبيعة الحال كتابي هذا إليك، ~~وأما إذا لم يحضروا فمعنى هذا أن أسطولهم قد بعثرته الأنواء، ~~ورداءة الجو التي تعرضوا لها منذ مغادرتهم طولون، وقد كتب إلى ~~حاكم الإسكندرية حتى يحترس من زيارة هؤلاء السادة لمدينته؛ ~~لأنه حيث مضى أسبوع الآن دون أن يصل هؤلاء إلى سردينيا أو ~~نابولي أو صقلية، فاعتقادي أنهم في طريقهم إما إلى مصر ~~وإما إلى المورة ... وحيث إن حاكم الإسكندرية قد أبلغ ~~وحذر، فأملي أن يتخذ كل ما يمكنه من وسائل للدفاع عنها، خصوصا ~~إعداد سفن لإغراقها كي يمنع دخول الأسطول الفرنسي في الميناء ~~القديم، وحتى يمكن تنظيف الممر إلى الميناء، أكون قد أعطيت ~~الوقت الكافي بفضل ذلك لإيقاع العدو في الفخ مرة ثانية.» وطلب ~~«نلسن» من بريجز أن يبعث برسالته هذه إلى «مسيت»، وأن يرسل هو؛ ~~أي بريجز إلى أمير البحر الإنجليزي كل ما لديه من معلومات ~~نافعة. # وهكذا كانت الفكرة المسيطرة على ذهن «نلسن» أن الفرنسيين ~~ينوون لا محالة غزو مصر، ومع أنه وصل أمام الإسكندرية في 7 ~~فبراير 1805، ولم يجد أثرا لأسطول فرنسي في مياهها، وزوده ~~«بريجز» بالمعلومات التي يريدها عن الحالة في هذه البلاد، ~~واضطر إلى استئناف مطاردته لأسطول «لاتوش تريفيل» في أماكن ~~أخرى، فقد ظل متشبثا بفكرته وأكد للسير «ألكسندر بول» أن ~~المعلومات التي تلقاها من «بريجز» عن الحالة في مصر - أيام ~~حكومة خورشيد - قد زادته اقتناعا بأن مصر هي المكان الذي ~~تقصده تلك العمارة المسلحة التي خرجت من ثغر طولون في ~~يناير. ms0586 # يؤيد ذلك ما حصل عليه «نلسن» من معلومات من «بريجز» - ~~بسطها بدوره إلى «بول» في كتابه إليه في 11 فبراير 1805 - ~~وهذه تبين ضعف البلاد بسبب الفوضى السياسية المنتشرة بها، ~~مما يجعلها فريسة سهلة للفرنسيين، بينما لم يكن بالإسكندرية ~~ذاتها سوى ثلاث فرقاطات عثمانية، وحوالي ثلاثمائة جندي في ~~حال سيئة؛ أي انعدام وسائل الدفاع عنها، حتى إنه ليكفي في رأي ~~«نلسن» أن يستولي عليها ستمائة جندي دون أية صعوبة، وقد أبلغ ~~القنصل البريطاني الكابتن «هالويل» أن حاكم الإسكندرية عندما ~~ظهر الأسطول الإنجليزي ظنه عمارة فرنسية، فاستولى عليه اليأس ~~تماما، والسبب في ذلك أن شيئا لم يصنع لتقوية تحصينات ~~المدينة، بل بقيت هذه على ما كانت عليه عندما غادر الإنجليز ~~الإسكندرية في 1803، ومن المنتظر إذا استولى الفرنسيون ~~عليها أن يعمد هؤلاء إلى تحصينها بصورة تجعلها ممتنعة على كل ~~غاز لها، أضف إلى هذا أن الأتراك والمماليك في حرب مستمرة في ~~الصعيد، وقد انحاز الأرنئود في هذا النضال ضد المماليك إلى ~~جانب الأتراك، ومن المتوقع - كما اعتقد نلسن - إذا نزل ~~الفرنسيون في البلاد أن ينضم الأرنئود أو على الأقل قسم كبير ~~منهم إليهم، لا سيما وقد وعدهم «ماثيو لسبس» إذا رغبوا في حضور ~~خمسة آلاف جندي فرنسي لمساعدتهم أن تبادر فرنسا بإرسالهم ~~إليهم، ولن يكون هناك جيش تركي لصد العدو، وسوف تقع القاهرة ~~بسهولة في قبضة الفرنسيين كما يحدث للإسكندرية، وفي استطاعة ~~هؤلاء عند انضمام قسم من الأرنئود إليهم أن ينشئوا جيشا في ~~مصر من ثلاثة عشر ألف مقاتل، بل وفي وسعهم إرسال سفن صغيرة ~~محملة بالجنود من إيطاليا، تستطيع الإفلات من مراقبة ~~الأسطول الإنجليزي، وبهذه الطريقة ينقلون إلى مصر عشرين ألف ~~رجل يرحب بهم أهلها، ويتعذر بعد ذلك طردهم منها، ثم اختتم ~~«نلسن» رسالته هذه بقوله: «وعندما نأخذ بعين الاعتبار ما لمصر ~~من أهمية في نظر فرنسا، والضرر الذي سوف تلحقه هذه بنا ~~باستيلائها على مصر، لا يبقى هناك لدي أدنى شك في أن مقصد ~~الأسطول الذي غادر طولون في 17 ms0587 يناير والشاطئ الفرنسي في 18 ~~يناير، إنما هو الذهاب إلى الإسكندرية ... وبناء على ما لدي من ~~معلومات، لا أشك بتاتا في أن مصر هي الهدف الأساسي الذي ~~يقصده أسطول طولون.» # واستمرت هذه الفكرة ذاتها مسيطرة على ذهن «نلسن» طوال الشهور ~~التالية، فيقول «فورتسيكو» # Fortescue ~~- صاحب تاريخ الجيش البريطاني: ~~«إن «نلسن» في عام 1806 ظل يعتقد بأن نابليون يريد احتلال ~~مصر، ويرغب هو بسبب الغيرة فحسب أن يسبقه إلى ذلك.» وكان من ~~أثر أقوال «نلسن»، و«ألكسندر بول» ذيوع هذه الفكرة عن توقع ~~حدوث غزو فرنسي على مصر في الدوائر الإنجليزية المسئولة، ثم ~~إنه كان من أسباب رسوخها ما صار يبعث به وكيلها في مصر الميجور ~~«مسيت» من تقارير يؤيد ما ذهب إليه «نلسن»، وقد شاهدنا كيف أن ~~«مسيت» استمر يصف في رسائله إلى حكومته منذ 1803 إلى أوائل ~~1807؛ أي قبل مجيء حملة «فريزر» الفوضى السائدة في مصر، ~~والانقسامات التي أضعفت البكوات، وجعلتهم يعجزون عن دفع الغزو ~~الأجنبي، ونشاط الوكلاء الفرنسيين ومساعيهم لدى هؤلاء البكوات ~~ولدى الأرنئود ومحمد علي، كما أوضحنا كيف أنه صار يدعو لتدخل ~~البريطانيين المسلح لمنع الفرنسيين من النزول في هذه ~~البلاد، وصار يعتمد على هؤلاء البكوات أنفسهم في مؤازرة عمليات ~~الإنجليز العسكرية، بالرغم من انقساماتهم وتفرقهم شيعا ~~وأحزابا، ينحاز بعضها إلى الإنجليز والبعض الآخر إلى ~~الفرنسيين، ويطاردهم محمد علي، فالميجور «مسيت» هو الذي ظل لا ~~يرى أثناء هذه السنوات الأربع (1803-1807) في أي تغيير يحدث في ~~ميدان هذه الفوضى الضاربة أطنابها في مصر سوى مبرر لأن يطلب من ~~حكومته إما إرسال جند بريطانيين، أو فرقاطة للتجول في ~~مياه الإسكندرية وعلى طول الساحل المصري إنقاذا للموقف، ~~ولاحتلال الإسكندرية تمهيدا لاحتلال البلاد بأسرها، ولقد ~~ترتب على أقوال «مسيت» وتأكيداته أن ساد اعتقاد المسئولين ~~في لندن أن مصر - وقد عجز أصحاب السيادة عليها وهم العثمانيون ~~عن دعم سلطانهم بها، وأنهكت النزاعات الداخلية قوى الطوائف ~~المتنافسة على السلطة والحكم - فقد صارت فريسة سهلة ~~للطامعين فيها، وهم الفرنسيون الذين أصبح من المنتظر انقضاضهم ms0588 ~~على البلاد في أي وقت، حتى إنه صار لزاما على إنجلترة أن ~~تتأهب بين لحظة وأخرى لدفع هذا العدوان. # ثم تزايد فزع الإنجليز من الغزو الفرنسي، كما رسخ اعتقادهم ~~بقرب وقوعه عندما حدث التفاهم بين نابليون والسلطان العثماني ~~سليم الثالث في غضون عام 1806، وهو التفاهم الذي أوضحنا أسبابه ~~وظروفه في فصول سابقة، وتوهم الإنجليز أن مصر هي ثمن هذا ~~التفاهم الفرنسي العثماني، فيتمكن الفرنسيون الآن من تحقيق ما ~~امتنع عليهم فعله في عام 1798؛ أي احتلال هذه البلاد بموافقة ~~الباب العالي، وهكذا اتفقت أساليب الإنجليز في الحالين: ~~التصميم على التدخل بالقوة المسلحة؛ لمنع نزول الفرنسيين في ~~مصر، ثم طردهم منها عندما كان هؤلاء في عداء مع تركيا، وتقرير ~~التدخل بالقوة المسلحة لدفع الغزو الفرنسي المتوقع، عندما كان ~~الفرنسيون - الآن - أصدقاء للباب العالي. # وصح عزم الحكومة الإنجليزية على استخدام الضغط، ووسائل ~~التخويف مع الباب العالي لحمله على فصم عرى التحالف مع ~~تركيا، ثم التدخل تدخلا مسلحا لمنع نزول الفرنسيين في مصر، ~~فصدرت التعليمات - إلى الأميرال «كولنجوود» وهي التعليمات التي ~~أسفرت عن إرسال «داكويرث» إلى مياه القسطنطينية، ثم إقلاع حملة ~~«فريزر» إلى الإسكندرية . ~~(2) الغرض من إرسال حملة «فريزر» # ولم يكن قطعا الغرض من إرسال حملة «فريزر» فتح مصر ~~وامتلاكها، ولكن احتلال الإسكندرية فحسب؛ لمنع نزول الفرنسيين ~~في البلاد، ثم لتأييد الأحزاب الموالية للإنجليز في مصر، ~~ولما لم يكن إذن الغرض من إرسال هذه الحملة فتح مصر ~~واحتلالها، فقد اعتمد الإنجليز على احتلالهم للإسكندرية كخير ~~وسيلة تمكنهم من دعم سلطان البكوات من أصدقائهم برئاسة ~~الألفي، وتمهد لهم تعزيز نفوذهم في هذه البلاد، عن طريق هؤلاء ~~وعلى أنقاض النفوذ الفرنسي، وتتضح هذه الحقائق من نص وروح ~~التعليمات التي صدرت إلى الجنرال «فوكس»، وهي تعليمات ~~اعتبرت سرية جدا، فقد جاء في هذه ما معناه: إن بعض ~~التصرفات التي صدرت عن الباب العالي أخيرا، جعلت ضروريا ولا ~~ندحة عنه اتخاذ إجراءات سريعة وفاصلة مع الحكومة العثمانية؛ ~~ولذلك فقد كلفت بإبلاغكم أن تعليمات قد صدرت إلى اللورد ~~«كولنجوود» ms0589 نائب أمير البحر لإرسال قسم من الأسطول للإبحار، ~~دون إضاعة لحظة واحدة إلى مضايق القسطنطينية، حتى يتخذ موضعا ~~يتيح لأسطوله القيام بعمل عدواني ضد القسطنطينية في حالة عدم ~~نجاح مساعي السفير «أربثنوت» لدى الباب العالي، ولقد كلفت ~~كذلك بإبلاغكم أن تعليمات قد أرسلت إلى اللورد «كولنجوود» ~~بتوجه الضابط المتولي قيادة هذا القسم من الأسطول في حالة ~~بدء العمليات الحربية أن يرسل فورا إحدى سفنه لإبلاغكم ذلك، ~~ومن واجبي تعريفكم أن رغبة حكومة جلالة الملك أن تبادروا حتى ~~قبل أن تأتيكم هذه الإفادة من جانب «كولنجوود» باتخاذ كل ~~الترتيبات، وإتمام كل الاستعدادات اللازمة لنقل جيش من خمسة ~~آلاف جندي إلى مصر، وأنه بمجرد وصول إفادة «كولنجوود» إليكم ~~تصدرون الأوامر اللازمة لوضع هذا الإجراء؛ أي إرسال الجيش إلى ~~مصر موضع التنفيذ. # وليس غرض حكومة جلالة الملك من تقرير هذا الإجراء فتح مصر، ~~وإنما الاستيلاء على الإسكندرية فحسب؛ لمنع الفرنسيين من وضع ~~أقدامهم مرة أخرى في هذه البلاد؛ ولتمكين قوات جلالته الموجودة ~~بالإسكندرية من إعطاء تأييدهم وحمايتهم لما قد يوجد من أحزاب ~~في هذه البلاد قد تكون ذات رغبة صادقة في أن تكون لها علاقات ~~ودية في كل الأوقات مع بريطانيا العظمى؛ ولذلك فإنه لا مناص ~~عند اختيار قائد لهذه الحملة من بذل كل عناية ليس للتحقق ~~من أنه صاحب مواهب عسكرية فحسب، بل وللتحقق كذلك من تمتعه بكل ~~تلك المزايا التي تؤهله للقيام على خير وجه بما يعهد إليه ~~من مهام مدنية وسياسية على جانب عظيم من الأهمية، الأمر الذي ~~تستلزمه حتما طبيعة الخدمة أو المهمة المكلف بها. # فقد لا يكون هناك معدى عن تدخله في الخلافات الداخلية ~~التي تشغل مصر، وتثير فيها الفتن والاضطرابات، أو تدخله في ~~النزاع الدائر حول الاستئثار بالسلطة بين البكوات، جريا على ~~عادة هؤلاء، ومن الصعب في هذا الوقت، وبسبب بعد المسافة، ~~تحديد المسلك الملائم على وجه الدقة، والذي عليه أن يتبعه في ~~تدخله، إلا أنه عند معالجة مثل هذه المسائل؛ أي المدنية ~~والسياسية من الحكمة والصواب ms0590 أن يتصل هذا القائد بالميجور ~~«مسيت» وأن يصغي بانتباه لما يبديه هذا الضابط من آراء، يبدو ~~بفضل ما لديه من معلومات محلية وخبرة أو معرفة بالحوادث ~~المحلية أن لها قيمتها. # وأما هذه التعليمات التي كان طابعها في رأي بعض المؤرخين ~~الإنجليز الطيش أو قلة التفكير، والتي هدفت - كما أوضحنا - إلى ~~احتلال أهم المواقع البحرية في مصر؛ أي الإسكندرية - إلى ~~جانب بسط النفوذ الإنجليزي في سائر البلاد، عن طريق البكوات من ~~جماعة الألفي أصدقاء الإنجليز، فقد أوجز معناها «فورتسكيو» في ~~قوله: «لقد أرسلناك (أي الجنرال «فريزر») مع خمسة آلاف مقاتل ~~إلى مصر، حيث يكون عليك هناك الاستيلاء على الإسكندرية فقط، ~~وليس لك أن تحتل البلاد (مصر) بل تعمل لإحراز التفوق للنفوذ ~~الإنجليزي بها، وأما كيف يتسنى لك فعل ذلك؟ فليس لدينا (أي ~~الحكومة الإنجليزية) أية فكرة، ولكن تقريرنا عند إرسال الخمسة ~~آلاف مقاتل، إنما هو عدم المجازفة بشيء في سبيل الظفر ~~بمأربنا.» # ومع أن الظرف لم يكن ملائما لإرسال هذه الحملة، بسبب ما كان ~~يجري من حوادث في أوروبا ذات تأثير على تطور الموقف في ~~البحر الأبيض، وتعريض مواقع الإنجليز في هذا البحر للخطر، من ~~جانب جيوش نابليون المنتصرة في القارة الأوروبية، والرابضة في ~~شبه الجزيرة الإيطالية، ومع أن الاستعدادات لهذه الحملة كانت ~~غير كافية، وقواتها ضئيلة لتحقيق الغرض منها، وهو الاستيلاء ~~على الإسكندرية ثم البقاء بها بعد احتلالها، فقد كان العامل ~~الحاسم في إرسالها تصحيح الخطأ الذي وقع فيه الإنجليز عندما ~~أخلوا الإسكندرية في مارس 1803، وذهبت هذه التضحية من جانبهم ~~سدى، ثم استئناف ذلك النشاط السياسي الذي نال منه كثيرا أو ~~عطله إخلاؤهم لها، وذلك بالعمل من أجل تأسيس حكومة مملوكية في ~~مصر تستطيع - في اعتقاد الإنجليز - الدفاع عن البلاد، ورد أي ~~غزو فرنسي يقع عليها، ثم الخضوع لإرشادات الإنجليز أنفسهم ~~وتعزيز نفوذهم بها؛ أي تحقيق ذلك الغرض الذي ظل القواد ~~الإنجليز خصوصا يسعون للظفر به دون طائل منذ خروج الفرنسيين ~~من مصر في عام 1801 إلى وقت جلائهم عنها ms0591 في عام 1803. # وكانت هذه - ولا شك - مهمة جسيمة، كما كان ازدواج الهدف: ~~احتلال الإسكندرية، ومحاولة بسط النفوذ الإنجليزي في البلاد عن ~~طريق البكوات المماليك، من العوامل الحاسمة في فشل هذه الحملة ~~عسكريا وسياسيا، وثمة عامل حاسم آخر في فشلها، ذلك أنها ~~إنما جاءت كجزء من مشروع مرتبط بتدابير روسيا وحليفتها إنجلترة ~~من الناحيتين السياسية والعسكرية في نضالهما ضد نابليون، فكانت ~~لحمة هذا المشروع وسداه محاولة إزعاج تركيا وإقناعها بقطع ~~علاقاتها مع فرنسا، الأمر الذي جعل مصير حملة «فريزر» مرهونا ~~من مبدأ الأمر بتطور الموقف في أوروبا. # وقد عين لقيادة هذه الحملة الميجور جنرال «ماكنزي ~~فريزر»، يليه في القيادة الميجور جنرال «ووكوب» # Wauchope # ثم القائدان: ~~«ميد» # Meade # و«ستيوارت» # Stewart # بينما عهد ~~بالقيادة البحرية إلى الكابتن «بنيامين هالويل» ومجموع قواتها ~~حوالي 5100 رجل، ولما كان السفير الروسي «ديتالنسكي» قد غادر ~~القسطنطينية في الظروف التي سبق ذكرها، ووصل إلى مالطة، وتأيد ~~إعلان الحرب بين تركيا وروسيا منذ 22 ديسمبر 1806، وعلم ~~الجنرال «فوكس» بخروج «أربثنوت» السفير الإنجليزي من ~~القسطنطينية في طريقه إلى جزيرة «تينيدوس»، فقد أصدر «فوكس» ~~أوامره بإبحار الحملة في 18 فبراير، وأقلعت من «مسينا» في 6 ~~مارس 1807. ~~(3) تسليم الإسكندرية # ومنذ شهر يناير 1807 صار من المقطوع به في مصر أن ~~البريطانيين يعتزمون إرسال حملة إلى مصر، فكتب «مسيت» إلى ~~«أربثنوت» من الإسكندرية في 22 يناير، أنه علم بوصول فرمانين ~~إلى محمد علي، أحدهما يطلب فيه الباب العالي أن يكون موقفه من ~~الأمة الفرنسية ووكلائها ومسلكه مع هؤلاء خصوصا بشكل لا ~~يجعلهم يرسلون أية شكاوى بتاتا إلى سفيرهم بالقسطنطينية، ~~والآخر يأمره بأن يحصن كل موقع معرض للغزو حتى يتسنى ~~الدفاع عن البلاد، وقد جزم «مسيت» بأن الباب العالي قد طلب من ~~محمد علي في هذا الفرمان الثاني أن يقاوم الإنجليز بكل ما ~~لديه من قوة وجهد، إذا حاول هؤلاء النزول في مصر دون أن يكون ~~لديهم خط شريف من السلطان العثماني يأذن لهم بذلك، ثم يستطرد ~~«مسيت» فيقول: وينهض دليلا ساطعا على أن ms0592 الباب العالي كان ~~يخشى في وقت غير بعيد من وقوع الغزو على مصر، كل تلك الخطوات ~~التي يتخذها الباشا في القاهرة، والأوامر التي أصدرها لحاكم ~~رشيد لإصلاح القلعة التي مهمتها الدفاع عن مدخل فرع النيل ~~الغربي (قلعة جوليان) وإمدادها بحاجتها من المؤن والذخائر، ~~زد على ذلك ما يجري من استعدادات في الإسكندرية، وفي 4 ~~فبراير وصل من أزمير مركب عثماني تحمل خبر إعلان الحرب بين ~~روسيا وتركيا، وفي اليوم التالي وضعت ثمان قطع من المدافع ~~الصغيرة عند رأس التين، وصدرت الأوامر بعدم خروج الأدلاء أو ~~المرشدين من الميناء لمقابلة السفن في عرض البحر، كما تلقى ~~أصحاب السفن أمرا بعدم نقل القناصل أو مأموري القنصليات ~~والتراجمة، ثم جمع بعد ظهر اليوم نفسه رؤساء الأهالي في ~~الجوامع وأبلغوا أن روسيا قد أعلنت الحرب على تركيا، ودعوا ~~إلى تسليح أنفسهم للدفاع عن البلاد، ووعد أمين أغا بإعطائهم ~~الأسلحة والذخائر، كما سأل أحد شيوخ العربان إمداده بأربعمائة ~~من الرجال؛ للدفاع عن الإسكندرية. # وفي 20 فبراير علم «مسيت» من «أربثنوت» نفسه أن السفير ~~الإنجليزي قد غادر القسطنطينية، وفي اليوم التالي كتب إلى ~~«وندهام» أن باشا مصر محمد علي قد وصلته أوامر قاطعة من الباب ~~العالي بالامتناع عن محاربة المماليك، وتطلب منه إرجاع أملاكهم ~~الخاصة إليهم، والاتحاد معهم؛ لمقاومة نزول أي جند أجانب في ~~هذه المقاطعة، ثم إن الباب العالي قد دعا البكوات في الوقت ~~نفسه إلى قبول الشروط التي كلف الباشا بعرضها عليهم، وأن يضموا ~~قواتهم إليه ليعينوه على صد هجوم أعداء السلطان الكثيرين ~~على هذه البلاد، وكان من رأي «مسيت» أن البكوات لن يجيبوا هذه ~~الرغبة؛ حيث إنهم يبغون امتلاك مصر دون منازع، وكما كان ~~الحال سابقا، ومع ذلك، فإنه حتى يحول دون تخاذل البكوات ~~وقبول فريق منهم لعروض الباشا عليهم، فقد أوفد إليهم رسولا ~~ينقل إليهم خبر قطع العلاقات بين إنجلترة وتركيا، ويطمئنهم ~~إلى انتظار أيام أسعد في المستقبل؛ حيث إن هذا الحادث لن ~~يترتب عليه إلا كل ما فيه النفع والفائدة لهم، ms0593 واعتقد «مسيت» ~~أن من الميسور دائما تحطيم أية معاهدة قد يعقدها البكوات مع ~~محمد علي إذا غزا الإنجليز هذه البلاد، وأغرى البكوات بنبذها ~~نظير تمكينهم من أخذ القاهرة، ثم اختتم «مسيت» رسالته بما ~~يدل على مبلغ نجاحه في استمالة أمين أغا ومشايخ الإسكندرية إلى ~~قبول فكرة الغزو البريطاني لمدينتهم، فقال: «ولما كانت هذه ~~الحكومة لم يبلغ إليها رسميا قيام الحرب مع بريطانيا، ففي ~~وسعي الإبحار إلى مالطة دون أن ألقى عراقيل تمنعني من ذلك، ~~ولكن حاكم الإسكندرية أمين أغا، وكبار العلماء بها، قد أكدوا ~~لي تأكيدا قويا أنه لن يتعرض لي أحد بشيء مهما كانت الظروف ~~والأحوال؛ ولذلك فقد قررت البقاء في مصر حيث لا يزال بقائي بها ~~نافعا؛ لتقوية الميول الودية التي لدى جملة قبائل من العرب ~~نحونا الآن؛ لأن خدمات هؤلاء قد يفيد منها جيش بريطاني يحضر ~~إلى مصر فائدة جوهرية في عملياته العسكرية.» وفي اليوم نفسه ~~(21 فبراير) كتب «مسيت» إلى «فوكس» يوضح له موقف البكوات ~~المنتظر، بما لا يخرج عما ذكره لأربثنوت ويستحثه على تنفيذ ما ~~لديه من تعليمات - إذا كان قد طلب إليه إرسال حملة إلى مصر - ~~دون أي إمهال؛ حيث إن السرعة والعمل النشيط من شأنهما إنجاز ~~فتح البلاد دون إراقة أي دماء؛ لأن حامية الإسكندرية لا تبلغ ~~ثلاثمائة رجل، ولأن الأهلين يرغبون من زمن طويل في أن يحتل ~~الجنود البريطانيون بلادهم، وهم لن يقاوموهم إذا حضروا. # وقد وصلت إلى الإسكندرية في 20 فبراير سفينة إنجليزية قيل ~~إنها غادرت القسطنطينية في 6 فبراير وعلى ظهرها جماعة غادرت ~~العاصمة العثمانية وقت مغادرة السفير الإنجليزي لها، وقال ~~«دروفتي» الذي نقل هذا الخبر إلى «سباستياني» في 2 مارس: إن ~~الإنجليز يذكرون أن حملة سوف تحضر إلى مصر، ويشيعون أن لدى ~~حكومتهم أغراضا معينة بالنسبة لمصر، وأنها تتوقع أن تلقى ~~معاونة من جانب البكوات، ثم من جانب الأهلين، في نظير تخليصهم ~~من مظالم وطغيان الأرنئود، ولأن الحملة البريطانية عند حضورها ~~سوف تضعهم تحت حكم إمارة أوروبية، الأمر الذي ms0594 يرجوه الأهالي من ~~مدة طويلة، وأما هذه السفينة فقد أنزلت في الإسكندرية قنصل ~~سالونيك، ورجال السفارة البريطانية في القسطنطينية، وصار ~~«مسيت» و«صمويل بريجز» يتوقعان - حتما - وصول حملة إنجليزية ~~إلى الشواطئ المصرية. # وفي 13 مارس وصلت السفينة الحربية «ويزارد» # Wizard # إلى الإسكندرية، تحمل أخبار قرب ~~وصول الحملة الإنجليزية، وفي اليوم التالي كتب «مسيت» إلى ~~الجنرال «فريزر» أنه قد تلقى رسالته المؤرخة في 5 مارس، ~~والتي يطلب القائد فيها منه مقابلته هو والكابتن «هالويل» قبل ~~عملية إنزال الجنود إلى البر، ثم اعتذر من عدم قدرته على تلبية ~~هذه الرغبة؛ لضعف صحته، ثم لاعتبارات هامة تلزمه بالبقاء في ~~الإسكندرية، أوضحها «مسيت» في قوله: «إن الوكلاء الفرنسيين ~~قد صاروا يبذلون قصارى جهدهم، منذ أن عرف في هذه البلاد خبر ~~مغادرة السفير البريطاني للقسطنطينية؛ ليقنعوا حاكم الإسكندرية ~~وأهلها بقبول دخول قوة من الأرنئود إلى المدينة؛ لتقوية ~~الحامية، ولكنه لما كان لم تبلغ هذه الحكومة (بالإسكندرية) ~~أية أنباء رسمية عن قطع العلاقات بين بريطانيا العظمى والباب ~~العالي، فقد تمكنت من إحباط هذا المشروع، بأن أوضحت للحاكم ~~(أمين أغا) أنه إنما يلغي كل سلطاته تماما إذا هو سمح ~~للأرنئود بالدخول إلى المدينة، ولقد كان كافيا لجعل الأهلين ~~يأخذون برأيي في عدم السماح بدخول الأرنئود أن أذكر ما أنزله ~~هؤلاء من كوارث على أهل كل مكان ذهبوا إليه، فإذا غادرت ~~الإسكندرية لم يعد هناك شك في وقوع الحرب لا محالة، وعندئذ ~~سوف يستعيد الوكلاء الفرنسيون ذلك النفوذ الذي فقدوه مع أمين ~~أغا بفضل ما أثاروه في نفسه من اشمئزاز وكره لهم، بسبب صلفهم ~~وعجرفتهم، ويتدفق الجند من كل مكان على الإسكندرية، وحامية هذه ~~المدينة في الوقت الحاضر على درجة كبيرة من الضعف، ثم إن ~~السكان يميلون إلى الإنجليز بدرجة طيبة، مما يجعلني عظيم ~~الرجاء في أن يستولى الجنود الذين تحت قيادتكم على المدينة ~~والحصون دون إطلاق رصاصة واحدة.» # ثم استطرد «مسيت» يوضح الخطوات التي سوف يقوم بها عند ظهور ~~الأسطول، ويدلي بآرائه فيما يجب على الجنرال «فريزر» اتخاذه ms0595 من ~~ترتيبات لإنزال جند الحملة ومباشرة العمليات العسكرية، ~~فقال: «وسوف أذهب لمقابلة الحاكم بمجرد ظهور الأسطول، وأبذل كل ~~جهدي لإقناعه بأن يبعث إليكم بمن يتفاوض معكم، فإذا فشلت في ~~مسعاي هذا فسوف أرجوه أن يأذن بانسحابي مع البعثة (القنصلية)، ~~وأرجو ألا يمانع في ذلك، ولما كنت مع ذلك غير متأكد من أنه ~~سوف يأذن لي بمبارحة الإسكندرية، فإني أجد من الواجب علي أن ~~أدلي إليكم ببعض آراء قد تساعدكم على رسم خطة لإنزال الجنود، ~~ففي أبي قير يجد الأسطول مكانا أمينا، ويستطيع الجنود النزول ~~إلى البر دون أن يتعرض لهم أحد؛ لأن القلعة في حالة تهدم، ~~وليس بها سوى عشرين من الجند فحسب، ويمكن الحصول على الماء في ~~كل مكان من هذا الساحل، وفي أكثر أجزاء الصحراء الرملية ~~والممتدة بين أبي قير والإسكندرية بحفر الآبار على عمق أقدام ~~قليلة لا سيما في الجهات التي توجد بها تجمعات النخيل، ولا ~~يليق بي التقدم بأي نصح فيما يجب اتباعه بصدد الطريقة التي ~~يجري بها الزحف من أبي قير إلى أسوار الإسكندرية، ويكفي أن ~~أذكر أنه إذا قرر العدو اتخاذ مواقعه على هذه الأرض المسماة ~~بالخطوط الفرنسية، فهم سوف يعجزون تماما عن الصمود أمام قوة ~~من الجند البريطانيين تشن عليهم هجوما بالسونكي، ويبدو لي ~~أن من الممكن القيام بعملية ثانوية قوية لشغل العدو، وذلك ~~بإنزال عدد من ألف ومائتي جندي إلى ألف وخمسمائة عند مرابط ~~العجمي، وهي بقعة يعرفها الكابتن «هالويل» معرفة جيدة، ويوجد ~~بين جزيرة مرابط والإسكندرية خط دفاع ممتد من الميناء حتى ~~بحيرة مريوط يتألف من خندق وسياج من الأوتاد (متاريس) للدفاع، ~~وتعززه قلعة الحمامات من جهة اليسار، وبطارية من مدفعين في ~~الوسط، وبطارية من مدفع واحد من جهة اليمين، ويبدو من نافلة ~~القول ملاحظة أن الأتراك ليسوا أصحاب دراية في فن ~~المدفعية.» # ثم تحدث «مسيت» عن ثمرة نشاطه مع مشايخ الإسكندرية، ونجاح ~~مساعيه أخيرا على وجه الخصوص لجذب الشيخ المسيري لتأييد ~~المصلحة الإنجليزية: فقال: وإني لأذكر بمنتهى الارتياح وأعظمه ~~أن ms0596 الشيخ محمد المسيري وهو رجل متمتع بنفوذ لا حد له على ~~سكان هذه المدينة، قد أرسل إلي هذا الصباح (15 مارس) يجدد ~~تأكيداته التي أعطاها لي مرارا وتكرارا، بأنه إذا حدث وغزا ~~البريطانيون مصر، فإن أهل الإسكندرية سوف يتلقونهم بصدور ~~مفتوحة، وأنهم أبعد ما يكونون عن مقاومتهم. # وحرص «مسيت» على إبلاغ شاهين بك الألفي بقرب وصول الحملة ~~الإنجليزية، وحثه على القدوم من الصعيد لاستقبالها، وإذاعة ~~هذا النبأ بين زملائه البكوات، فكتب إليه في 15 مارس أن سفينة ~~حربية إنجليزية قد دخلت إلى ميناء الإسكندرية يوم 13 مارس، ~~وأعلنت أن أسطولا إنجليزيا في طريقه إليها؛ ولذلك فقد صار ~~وجود شاهين بك ضروريا، وطلب «مسيت» من شاهين أن يبعث بوفد من ~~أنصاره إلى الإسكندرية، وأن يذيع هذا النبأ بين زملائه ~~القواد وأن يقول لهم: إن بريطانيا العظمى تحارب تركيا، ~~وذلك حتى تجعل الأمراء يدخلون القاهرة. # وأما الأسطول ~~الإنجليزي فقد ظهر أمام الإسكندرية بعد ظهر يوم 16 مارس، ولم ~~يكن كاملا؛ لأن إحدى فرقاطته «أبولو» # Apollo # كانت قد انفصلت بسبب الأنواء مع عدد ~~من النقالات عن سائر قطع الأسطول غداة الإبحار من «مسينا»، ~~فكانت فرقاطة واحدة هي «التيجر» # Tigre # من أربع عشرة نقالة هي التي ألقت ~~مراسيها في مساء 16 مارس قريبا من الميناء القديم، وكان بسبب ~~نقص قواته أن امتنع «فريزر» عن إنزال جنوده إلى البر، بالرغم ~~من المعلومات المشجعة التي بعث بها إليه «مسيت» - كما شاهدنا - ~~وآثر إرسال مندوب للمفاوضة هو الكابتن «أكورت» # A’Court # يطلب من أمين أغا ~~التسليم دون قتال، ولكن أمين أغا رفض التسليم في ظروف سوف ~~نذكرها، كما أن «مسيت» ظل يلح على «فريزر» في وجوب إنزال الجند ~~إلى البر فورا، فأنزل «فريزر» - عندئذ - القسم الأول من ~~جنده في مساء 17 مارس في مكان يبعد أميالا قليلة إلى الشرق من ~~مرابط، ودون أن يلقى أي مقاومة، ثم أنزل القسم الثاني في صبيحة ~~اليوم التالي، ولما كان تلاطم الأمواج العنيف على طول الشاطئ ~~لا يجعل الاتصال مع النقالات مأمونا، ms0597 فقد قرر «فريزر» اتخاذ ~~موضعه إلى الشرق من الإسكندرية، والاعتماد في تموينه على أبي ~~قير، ثم محاولة الدخول إلى الإسكندرية في الوقت نفسه أثناء ~~عملية هذا الانتقال. # وعلى ذلك بدأ زحف الجند على الإسكندرية في مساء 18 مارس، ~~فاقتحموا خطا من المتاريس ممتدا من قلعة الحمامات على البحر ~~بين مرابط والميناء القديم إلى بحيرة مريوط، تعززه ثلاث ~~بطاريات من المدفعية الخفيفة، وهذا عدا بطاريات قلعة الحمامات، ~~وهي من ثلاثة عشر مدفعا، وقد قابل المدافعون عن هذا الخط ~~الإنجليز بوابل من الرصاص، ولكن هؤلاء استطاعوا الوصول إلى باب ~~عامود بومبي حيث وجدوا الحامية به مستعدة لملاقاتهم، والباب ~~محصنا، والأسوار خلفها الجند والأهلون مسلحين، وعندئذ آثر ~~الإنجليز بقيادة «فريزر» متابعة الزحف شرقي المدينة لاتخاذ ~~مواقعهم في المراكز التي احتلها جيشهم قبل ذلك يوم معركة ~~«كانوب» (21 مارس 1801) في حربهم مع الجنرال «منو» # Menou ~~؛ وذلك لأنه كانت تعوزهم ~~الوسائل التي تمكنهم من تسلق الأسوار من جهة، ولعدم معرفتهم ~~بالحالة في هذا المكان، وتوقعهم لذلك أن يلقوا مقاومة عنيفة لا ~~سيما وأن هذا الموقع كان محصنا بمتاريس قوية من جهة أخرى، ~~فخشي «فريزر» من المجازفة، وفي صبيحة 19 مارس وصل الجيش الزاحف ~~إلى المواضع التي أرادها، ثم بادر «فريزر» بإرسال قوات لاحتلال ~~قلعة أبي قير، والقطع الذي يصل بين بحيرتي المعدية ومريوط، ~~وغرضه من ذلك عزل الإسكندرية عن رشيد، وفي اليوم نفسه حضر ~~الفرقاطة «أبولو» مع النقالات الأخرى، وعندئذ وافق أمين أغا ~~على التسليم عندما طلب منه الإنجليز ذلك مرة ثانية، وفي 10 ~~محرم 1222 (20 مارس 1807) وقعت شروط تسليم ~~الإسكندرية. # وتألفت شروط تسليم الإسكندرية من سبع مواد، فنصت المادة ~~الأولى على احترام حقوق الملكية، وتأمين أهل الإسكندرية على ~~أموالهم وأملاكهم سواء منها ما كان يجري على سطح الماء؛ أي ~~السفن، أو ما كان عقارا أو أرضا، ثم احترام عقائد السكان ~~ودياناتهم، وجوامعهم وقوانينهم وحمايتها، وعدم مساسهم هم ~~وأسراتهم بأي أذى، وفي المادة الثانية ووفق على انتقال أمين ~~بك حاكم المدينة وصالح أغا قومندان ms0598 البحرية؛ أي قائد العمارة ~~العثمانية في مياه الإسكندرية، وكانت هذه تتألف من فرقاطتين ~~وقرويت واحدة تركها القبطان صالح باشا عند مغادرته البلاد في ~~العام السابق، ومحمد نعيم أفندي مع سائر موظفي الحكومة وجميع ~~العسكر والأطقم في السفن التي للحكومة إلى ميناء تركي بسلاحهم ~~وعتادهم كأسرى حرب، بشريطة عدم القتال ضد البريطانيين أثناء ~~الحرب مع تركيا، وضد حلفائهم وأصدقائهم، على أن يترك لأمين أغا ~~وصالح أغا ومحمد نعيم أفندي اختيار المكان الذي يريدون الذهاب ~~إليه، وأما الباقون من حامية الإسكندرية وعددهم 277 فقد ~~نقلوا إلى مالطة، ثم نصت المادة الثالثة على استيلاء قوات صاحب ~~الجلالة البريطانية على سفن ومتعلقات الحكومة التي للباب ~~العالي بالإسكندرية، وأن يتعين لوضع قائمة بهذه السفن ~~والمتعلقات مندوب عن كل من الطرفين، وقد استولى الإنجليز على ~~الفرقاطتين والقرويت العثمانية، وفي المادة الرابعة تقرر إبقاء ~~السفن التجارية الخاصة بالأفراد أو الرعايا العثمانيين في حوزة ~~أصحابها، وكذلك احترام أملاك الأفراد ومتاجرهم في المدينة أو ~~في الميناء، كما صار لمن يرغب من هؤلاء في البقاء بالإسكندرية ~~ومزاولة عمله بها الحق في ذلك، وسمح لمن يشاء منهم مبارحة ~~المكان آخذا معه أمواله أن يفعل على أن يحصل على جواز السفر ~~اللازم للذهاب إلى ميناء عثماني غير محاصر، وتقرر في المادة ~~الخامسة إصدار عفو شامل عن السكان جميعهم، بغض النظر عن مسلك ~~أي فرد منهم، بمناسبة الدفاع عن المدينة، ونصت المادة السادسة ~~على عدم إجراء أي تفتيش في منازل الأفراد حتى ولو كانوا أعداء ~~لبريطانيا، وأخيرا تقرر في المادة السابعة أن تتسلم القوات ~~البريطانية باب رشيد، وقلعتي أو كومي «كريتان» # Crétin # و«كفاريللي» # Caffarelli ~~. # وقد وقع على هذا الاتفاق الميجور جنرال «ماكنزي فريزر» ~~والكابتن «هالويل» من الجانب البريطاني، والحاج محمد خطاب ~~والشيخ إبراهيم باشا عبد الله، وهما يمثلان أعيان الإسكندرية، ~~والأخير كما سبقت الإشارة إليه زوج ابنة الشيخ محمد المسيري، ~~ثم محمد نعيم أفندي مندوبا عن أمين أغا، وفي ليل 20-21 مارس ~~1807 تسلم الإنجليز قلعتي «كريتان» و«كفاريللي»، ولم يكلفهم ~~أخذ الإسكندرية سوى ms0599 ستة قتلى وثمانية جرحى فحسب. # على أنه مما يجدر ~~ذكره أن الجنرال «فريزر» كان قبل بدء العمليات التي انتهت ~~بالاستيلاء على الإسكندرية قد أصدر عن الفرقاطة «التيجر» ~~منشورا موجها إلى حاكم الإسكندرية وسكانها، وقع عليه كذلك ~~«هالويل»، ويدعوهم إلى التسليم طوعا، وتحدث فيه عن الغرض من ~~مجيء الحملة البريطانية، فقال: إنه للاستيلاء على ميناء ومدينة ~~الإسكندرية وقلاعها وملحقات هذه جميعها، وإن البريطانيين لم ~~يحضروا لفتح البلاد، وإنما لمنع الفرنسيين من وضع أقدامهم بها ~~مرة أخرى، ولتمكيننا من إعطاء تأييدنا وحمايتنا لما قد يوجد من ~~أحزاب في هذه البلاد قد تكون ذات رغبة صادقة في أن تكون لها ~~علاقات ودية في كل الأوقات مع بريطانيا العظمى؛ أي إن «فريزر» ~~عاد فأكد في منشوره هذا الأغراض التي نصت عليها التعليمات ~~التي أصدرتها الحكومة الإنجليزية إلى الجنرال «فوكس» في 21 ~~نوفمبر 1806، وقد استطاع «فريزر» إدخال هذا المنشور إلى ~~المدينة عندما تسلل أحد العربان الموالين للإنجليز من ~~الإسكندرية إلى خطوطهم، فسلمه «فريزر» هذا المنشور في 20 ~~مارس، وعاد به هذا الأعرابي وأذاعه على سكان ~~الإسكندرية. ~~(4) أسباب تسليم الإسكندرية # وكان لهذا النصر الرخيص الذي أحرزه البريطانيون أسباب ~~عدة، فقد كانت الإسكندرية ~~- كما سبق القول - لا تخضع لحكومة محمد علي، ويتصل حاكمها ~~مباشرة بالقسطنطينية، وحرص الباب العالي على بقائها منفصلة عن ~~باشوية القاهرة، وظهر حرصه هذا - على وجه الخصوص - في أزمتي ~~1805، 1806، وقد شاهدنا كيف نص فرمان تثبيت محمد علي في ~~الولاية بعد انقضاء أزمة النقل إلى سالونيك على ألا يكون له ~~تعلق بثغر رشيد ولا دمياط ولا الإسكندرية، وكان حاكم ~~الإسكندرية أمين أغا أو أمين قبطان الكريتلي، وهو الذي وصله ~~فرمان من الباب العالي مباشرة بعد إبحار القبطان صالح باشا من ~~الإسكندرية، يعهد إليه بحكومة هذه المدينة وقومندانية البر ~~والبحر بها، وهو تعيين رأي فيه «دروفتي» وقتئذ - وعلى نحو ما ~~أشرنا إليه سابقا - دليلا على أن الباب العالي يريد التمسك ~~بهذا المكان مستقلا عن باشوية مصر، نقول إن هذا الحاكم كان ~~لا يظهر ميلا للاعتراف بسلطان ms0600 صاحب الولاية؛ أي محمد علي، ~~وبخاصة عندما تسلم هذا أزمة الأمور، ووصل إلى الولاية ضد ~~رغبة الباب العالي، ولقد خشي أمين أغا وأهل الإسكندرية أن تخضع ~~مدينتهم لسطوة الأرنئود فينهبها هؤلاء، ويعيثون فيها فسادا، ~~وقد رأينا كيف فخر «مسيت» بأنه جعل الإسكندريين يكتبون إلى ~~القسطنطينية يطلبون منها إبقاء مدينتهم خارجة عن نطاق باشوية ~~القاهرة، وأجيب مطلبهم. # وكانت الطبقة ذات النفوذ في الإسكندرية من التجار الذين لا ~~يعنيهم سوى ضمان مصالحهم التجارية وأمنهم على أموالهم وأشخاصهم ~~فحسب، فضلا عن أنهم ما كانوا يعرفون عن حكومة محمد علي إلا ما ~~صار يبلغهم عنها ويذاع بالمدينة من قصص عن فعال الجند ~~واعتداءاتهم على القاهريين، وفتكهم بهم أثناء حوادث التمرد ~~والعصيان والمذابح المتكررة التي وقعت بالقاهرة خلال العامين ~~السابقين؛ ولذلك فقد آثر الإسكندريون أن يظلوا في شبه عزلة عن ~~سائر أهل البلاد، وصار لا يربطهم بهم أي شعور مبعثه التضامن ~~واتحاد المصلحة، بل إنهم اعتقدوا أنه إذا حدث الغزو الأجنبي ~~ونزل الغزاة بمدينتهم، فإن ذلك من شأنه أن يعود عليهم بالنفع ~~المحقق، من حيث زيادة نشاط الحركة التجارية في الثغر، أضف ~~إلى هذا أن الإسكندريين ما كانوا يثقون بتاتا بأن في مقدور ~~محمد علي رد هؤلاء الغزاة، ومنعهم من احتلال ~~الإسكندرية. # وواضح أن مدينة لا تخضع لسلطان باشا القاهرة، ولا يشعر أهلها ~~بوجود روابط قوية تربطهم بسائر مواطنيهم، كان لا مفر من أن ~~تصبح ميدانا فسيحا لدسائس الوكلاء الإنجليز الذين عملوا على ~~إشاعة روح التخاذل بين الأهلين ورؤسائهم ومشايخهم، وبذلوا ~~قصارى جهدهم لاستمالة حاكم المدينة أمين أغا، وقائد العمارة ~~العثمانية بالثغر صالح أغا، وخصوصا الشيخ محمد المسيري ومن ~~لف لفه، وقد أوضحنا كيف أن «مسيت» استطاع أن يطمئن إلى ~~انحياز هذا الشيخ إلى جانبه كما اعتمد على ولاء أمين أغا الذي ~~أكد له مرات عديدة أنه سوف يعامله كصديق إذا حدث أن انقطعت ~~العلاقات بين إنجلترة وتركيا، حتى إن «دروفتي» صار يعتقد أن ~~صالح أغا هو الرجل الوحيد الذي ظل من أصدقاء فرنسا، ومع ms0601 ذلك ~~فإن صالح أغا هذا لم يكن له أي تأثير على أمين أغا. # ومع أن أمين أغا رفض التسليم، واتخذ تلك الإجراءات التي سبق ~~ذكرها للدفاع عن المدينة، فإن ما حدث من تخاذل بعد ذلك سواء من ~~جانب أمين أغا أو من جانب الإسكندريين أنفسهم، لينهض دليلا ~~على أن هؤلاء جميعا لم يكونوا جادين فيما أظهروه من رغبة في ~~الدفاع عن مدينتهم، بل إن أمين أغا لم يقصد من التظاهر بهذا ~~الاهتمام سوى التغطية والتعمية حتى يتفادى غضب الباب العالي ~~ونقمته عليه وانتقامه منه لتخاذله وخيانته، ثم إنه كان من ~~الواضح أن الإسكندرية سوف تعجز عن صد أي هجوم يقع عليها، ويقوم ~~به جيش منظم على الطريقة الأوروبية، ومزود بأسلحة الحرب ~~الحديثة؛ وذلك بسبب ضعف تحصيناتها وحاميتها وقلة عدد الجنود ~~بهذه الحامية، ثم ضعف القوة البحرية التي عهد إليها بالدفاع ~~عن الساحل بأسره، بينما كانت هذه لا تتجاوز فرقاطتين وقرويت ~~واحدة لا قدرة لها على مواجهة مركب حربي إنجليزي بمفرده في عرض ~~البحر، أضف إلى هذا أن عدد هذه القوة كان لا يزيد على 208 ~~رجال، ولم يتجاوز عدد القوات البرية والبحرية جميعها ~~بالإسكندرية في منتصف مارس 1807، 467 فحسب، وقد أدرك هذه ~~الحقائق على وجه الخصوص «دروفتي» الذي بادر من فوره منذ أن شهد ~~وصول المركب الإنجليزي الذي دخل الميناء في 20 فبراير، بتحذير ~~محمد علي ونصحه بضرورة تقوية الحاميات والمواقع المختلفة على ~~طول الساحل في الإسكندرية ورشيد ودمياط، ثم المواقع المحصنة ~~بالدلتا ولا سيما دمنهور التي يؤدي سقوطها في يد العدو إلى قطع ~~المواصلات بين الإسكندرية والقاهرة، ثم إن «دروفتي» حاول جهد ~~طاقته أن يستنهض همة أمين أغا للتهيؤ والاستعداد بصورة جدية ~~لمقابلة الغزو المنتظر، كما صار يبذل كل مسعى لدى الشيخ ~~المسيري لحثه وحث الأهلين على الدفاع، ولكن الهمة التي ظهرت ~~في أول الأمر من جانب أمين أغا والشيخ المسيري ما لبثت أن فترت ~~بفضل تدخل «مسيت» و«صمويل بريجز» ومساعيهما، وقد تحول أمين أغا ~~والشيخ المسيري خصوصا عندما ms0602 وصلت السفينة «ويزارد» في 13 مارس ~~تحمل نبأ قرب حضور الحملة، ثم سرعان ما بدت آثار هذا التحول ~~عندما رفض أمين أغا والشيخ المسيري دخول قوة من الأرنئود حضرت ~~وقتئذ بقيادة سليمان أغا لتعزيز حامية الإسكندرية. # وتفصيل ذلك أنه لما وردت الأوامر بتحصين الثغور، وجاء ~~فرمان الباب العالي إلى محمد علي يأمره بمقاومة الإنجليز إذا ~~حاولوا النزول في البلاد، وهو الفرمان الذي تحدث عنه «مسيت» في ~~رسالته إلى أربنثوت في 22 يناير - على نحو ما أوضحنا - عمد ~~محمد علي من فوره إلى إجراء الاستعدادات اللازمة لتحصين ~~القاهرة، وأصدر أوامره إلى علي بك السنانكلي حاكم رشيد لإصلاح ~~قلعة جوليان وتزويدها بالذخائر والمؤن، وأرسل طائفة من الجند ~~الأرنئود بقيادة سليمان أغا بطريق النيل إلى الإسكندرية من أجل ~~الاشتراك في الدفاع عنها، وأرسل إلى أهالي الثغور ~~والمحافظين عليها مكاتبات بأنهم إن كانوا يحتاجون إلى عساكر ~~فيرسل لهم الباشا عساكر زيادة على الذين أرسلهم، ووصل سليمان ~~أغا بجنده إلى رشيد، ثم انتقل بهم إلى أبي قير في 14 مارس ~~استعدادا لدخول الإسكندرية. # ولكنه لما كان مجيء النجدات إلى الإسكندرية يتعارض مع خطط ~~الوكلاء الإنجليز وتدابيرهم، فقد روج هؤلاء شتى الإشاعات ~~المجنونة عن الغرض من إرسال الأرنئود، وعن التعليمات المعطاة ~~لهم، وراحوا يؤكدون أن المدينة إذا دخلها الأرنئود فسوف تسود ~~فيها الفوضى، وتنهب متاجرها وأموالها، ولا يأمن أحد من ~~سكانها على حياته، وهاج الأهلون هيجانا عظيما، وهرعوا إلى ~~تسليح أنفسهم لمنع دخول الأرنئود إلى مدينتهم بالقوة، وتزعم ~~حركة المقاومة هذه الشيخ محمد المسيري، والتف حوله أعيان ~~الثغر، ثم ذهب بهم الشيخ إلى أمين أغا يطالبونه بتأمين ~~مصالحهم، وأظهر أمين أغا عزمه على مقاومة أوامر محمد علي ~~بالقوة، وقال «دروفتي»: إن سكان الإسكندرية جميعهم قد تسلحوا ~~في ليل 14 مارس لدفع الأرنئود إذا حضروا، وإن أمين أغا يؤكد ~~انتفاء الحاجة إلى هؤلاء الجنود؛ حيث إن أهل الإسكندرية في ~~وسعهم وحدهم الدفاع عنها، وكان «دروفتي» قد حاول تدارك الأمر، ~~فأرسل إلى أهالي رشيد يبلغهم عزم أهل الإسكندرية ms0603 على رد جند ~~سليمان أغا بالقوة، ووجد على بك السنانكلي من الحكمة قبل ذهاب ~~هؤلاء إلى الإسكندرية أن يبعث بسفارة إلى أمين أغا والمشايخ ~~بالثغر لإقناعهم بضرورة الاتحاد في العمل تنفيذا للأوامر ~~العليا الصادرة من الباب العالي بشأن تحصين الثغور والدفاع ~~عنها، ثم تهدئة الإسكندريين وتسكين خواطرهم، ووصل فعلا مندوبه ~~المكلف بهذه المهمة يوم 13 مارس، ولكن هذه المساعي ذهبت ~~سدى؛ وعلى ذلك فإنه ما إن وصلت المراكب تحمل الأرنئود إلى ~~الميناء القديم في صبيحة يوم 15 مارس حتى وجد هؤلاء أبواب ~~المدينة مغلقة، والأسوار محصنة، والأهالي على قدم واحدة ~~لردهم بالقوة، فاضطر سليمان أغا إلى الانسحاب إلى رشيد، وقد ~~شهد هذه الحوادث قومندان السفينة الإنجليزية «ويزارد»، وكان ~~بعد انسحاب الأرنئود وسليمان أغا أن غادرت هذه السفينة ~~الميناء، وأبلغ أمين والمشايخ حكومة الباشا في القاهرة ردا ~~على المكاتبة التي سبق إرسالها إلى أهل الثغور والمحافظين ~~عليها بأن فيهم الكفاية ولا يحتاجون إلى عساكر زيادة تأتيهم من ~~مصر، فإنهم إذا كثروا في البلد تأتى منهم الفساد والإفساد، ~~فرأى مشايخ القاهرة وأعيانها والسلطات الحاكمة بها برئاسة ~~«طبوز أوغلي» كتخدا بك الذي عهد إليه الباشا - كما أسلفنا ~~القول - بإدارة شئون الحكم أثناء غيابه، عقد جمعية ببيت القاضي ~~... لإثبات هذا القول، ولخلاص عهدة الباشا لئلا يتوجه عليه اللوم ~~من السلطنة وينسب إليه التفريط وذلك يوم 17 مارس. # على أنه ما كاد ينسحب سليمان أغا إلى رشيد بجنده، حتى رجعت ~~السفينة «ويزارد » في اليوم التالي (16 مارس) تتبعها في هذه ~~المرة سفينة أخرى نزل منها «أكورت» وضابط آخر، يطلبان مقابلة ~~أمين أغا، وأعلنا إليه نبأ قطع العلاقات بين تركيا وإنجلترة، ~~وأن أسطولا إنجليزيا قد حضر يحمل عددا عظيما من الجنود، ~~ويقف في مكان قريب جدا من الشاطئ، وطلبوا الطلوع إلى الثغر، ~~وتسليم الإسكندرية طوعا، وحضر «مسيت» هذه المقابلة، ولكن أمين ~~أغا لم يسعه في هذه المفاوضة الرسمية إلا التمسك بما لديه من ~~أوامر الباب العالي، فأجاب بأنه لا يمكنهم من الطلوع إلا ~~بمرسوم سلطاني، فقالوا ms0604 لم يكن معنا مراسيم، وإنما مجيئنا ~~لمحافظة الثغر من الفرنسيس، فإنهم ربما طرقوا البلاد على حين ~~غفلة، وقد أحضرنا صحبتنا خمسة آلاف من العسكر نقيمهم بالأبراج ~~لحفظ البلدة والقلعة والثغر، فقال أمين لم يكن معنا إذن، وقد ~~أتتنا مراسيم بمنع كل من وصل عن الطلوع من أي جيش كان، فقالوا ~~لا بد من ذلك، فإما أن تسمحوا لنا في الطلوع بالرضا ~~والتسليم، وإما بالقهر والحرب، والمهلة في رد الجواب بأحد ~~الأمرين أربعة وعشرون ساعة، فقال أمين: إنه لا يستطيع تقرير ~~شيء إلا إذا استشار المشايخ، وذكر «دروفتي» أن أمين أغا أشرك ~~في هذا المجلس الذي دارت فيه المباحثات مع أكورت وزميله نفرا ~~من المشايخ، ولم يعرف أحد شيئا عما دار وقتئذ في هذا ~~المجلس السري، ولكنه سرعان ما ساورته الشكوك في عزم الحاكم ~~والمشايخ على المقاومة، عندما شهد الاجتماعات تعقد في كل مكان ~~طوال هذا اليوم دون الوصول إلى قرار حاسم، وتأكد لديه تخاذل ~~الإسكندريين ورؤسائهم الذين عظمت دهشتهم عندما فوجئوا في ~~صبيحة اليوم التالي (17 مارس) بمشاهدة سبعة عشر مركبا ~~إنجليزيا تسد مدخل الميناء القديم. # ولقد كان بسبب هذا التخاذل أن استطاع «فريزر» - كما أسلفنا - ~~إنزال قسم من جنوده إلى البر في مساء 17 مارس دون مقاومة، ~~وذلك بالرغم من خطورة هذه العملية بسبب شدة الأنواء، ولعجز ~~الإنجليز عن إدخال سفينة قيادتهم تيجر في الميناء القديم، ~~نتيجة لتسرب المياه إليها، ثم لرسو بقية قطع القافلة ~~البحرية على مسافة ميلين من الشاطئ، حتى إنه كان في استطاعة ~~العمارة العثمانية مع قلة عدد قطعها، والرابضة على مسافة تقل ~~عن أربعة أميال فحسب، تحطيم السفن الإنجليزية لو أنها اشتبكت ~~معها في معركة وقتئذ، ولكن مغامرة إنزال الجنود البريطانيين ~~إلى البر مرت في سلام، وانقضى ليل 17 مارس دون أن يلقى ~~الإنجليز أية مقاومة، ثم بدأ في اليوم التالي ذلك الزحف الذي ~~انتهى بسقوط الإسكندرية وتسليمها دون إطلاق رصاصة واحدة في ~~الظروف التي ذكرناها، وكان بعد تسليم الإسكندرية أن كتب «مسيت» ~~إلى «وندهام» ms0605 في 23 مارس، ينقل إليه نبأ هذا التسليم، ثم يقول: ~~«وأجد من حقي أنه قد اتضحت صحة التقرير الذي ذكرت فيه ضعف ~~الحامية، وميول السكان الطيبة نحونا، فإنه إذا كان حاكم ~~الإسكندرية قد امتنع عن التسليم ثماني وأربعين ساعة بعد إنزال ~~الجنود إلى البر، فإنه إنما فعل ذلك حتى يحمي نفسه من غضب ~~حكومته، وإذا كان الأهلون لم يبادروا فورا بفتح أبواب المدينة ~~أو يرغموا حاميتها على التسليم، فالواجب أن يعزى ذلك إلى قلة ~~نشاطهم، حيث إن الظلم الذي عانوه طويلا قد قضى على روحهم ~~المعنوية، ولكنه ما إن وقع الهجوم على خط التحصينات الممتد من ~~الميناء القديم إلى بحيرة مريوط واتخذ البريطانيون مواقعهم إلى ~~الشرق من الإسكندرية، حتى ترك الجنود قلاعهم وغادر معظمهم ~~الصفوف، وبمجرد أن وجد الأهلون أنهم ما عادوا يخشون شيئا من ~~جانب الحامية، بادروا بإرسال علم الهدنة يعرضون تسليم ~~المدينة.» # وأما هذا التخاذل المتعمد الذي بدا من جانب أمين أغا ~~والشيخ المسيري وأضرابهما فقد أقنع «دروفتي» بوجوب مغادرة ~~الإسكندرية قبل سقوطها في أيدي البريطانيين الذي بات متوقعا، ~~فاستطاع مبارحتها يوم 17 مارس والذهاب إلى القاهرة، فقد حرص ~~«دروفتي» منذ أن شاهد السفينة الإنجليزية التي دخلت الإسكندرية ~~في 20 فبراير تحمل بعض رجال السفارة الإنجليزية في ~~القسطنطينية، على إبلاغ محمد علي وحكومته في القاهرة بما أذاعه ~~هؤلاء الأخيرون والوكلاء الإنجليز في الثغر عن قرب مجيء الحملة ~~البريطانية حتى يعمل على تحصين الشاطئ الشمالي، ثم إنه انتهز ~~هذه الفرصة ليشير عليه بضرورة مضاعفة جهده ضد البكوات؛ لأن ~~الإنجليز يعتمدون عليهم قبل أي شيء آخر في نجاح مشروع غزوهم، ~~واستطاع «دروفتي» بفضل ما بذله من رشاوى أن يقف على الغرض من ~~مجيء الإبريق الإنجليزي «ويزارد» إلى الإسكندرية، وذهاب القنصل ~~الإنجليزي بالثغر «صمويل بريجز» لمقابلة قائده، ثم إرسال الرسل ~~عقب هذه المقابلة إلى القاهرة ورشيد ودمياط، وذلك لإبلاغ ~~البكوات بأن أسطولا إنجليزيا سيأتي إلى الإسكندرية، ويطلب ~~إليهم لذلك النزول من الصعيد للانضمام إلى البريطانيين ضد ~~العدو المشترك، فأرسل «دروفتي» عندئذ ms0606 الرسل على عجل، لنصح ~~الباشا بقطع كل المواصلات بين الصعيد والإسكندرية، وبأن يبذل ~~قصارى جهده وهو بالصعيد لإرغام البكوات على التسليم، وبأن يرسل ~~قوات كبيرة إلى الرحمانية ودمنهور والإسكندرية، كما أن ~~«دروفتي» صار يلح على أمين أغا في ضرورة الاستعداد لمقاومة كل ~~هجوم يقع على الإسكندرية، وعمل وقتئذ أمين أغا برأي «دروفتي» ~~وقام بتسليح كل سكان الإسكندرية، ثم حضر الأرنئود بقيادة ~~سليمان أغا إلى رشيد، ولكن مساعي الوكلاء الإنجليز لدى أمين ~~والشيخ المسيري ولدى الأهلين عموما لم تلبث أن تكللت بالنجاح، ~~وعارض هؤلاء - كما رأينا - في دخول الأرنئود إلى مدينتهم، ~~وعندئذ وجد «دروفتي» أنه لم تعد هناك أية فائدة من وجوده ~~بالإسكندرية، وأن هذه سوف يأتيها الإنجليز وتسقط في أيديهم من ~~غير مقاومة. # وتبين نفاق الشيخ المسيري عندما صار يبدي ل «دروفتي» أسفه ~~وغضبه لأن الأرنئود لم يدخلوا الإسكندرية، ويعد بأنه سوف يبذل ~~قصارى جهده لإحضار هؤلاء وإدخالهم إلى المدينة، ومع أن ~~«دروفتي» علق على ذلك بقوله: إن هذا الأسف والغضب، وهذه الوعود ~~التي جاءت متأخرة جدا، فقد ظل - على ما يبدو - منخدعا ~~بالشيخ واعتقد أن هذا يعني حقا ما يقوله، ولقد ظهر نفاق ~~الشيخ المسيري كذلك عندما أراد «دروفتي» في 16 مارس أن يحصل ~~على جواز مرور لخوفه من الوقوع في قبضة الإنجليز، وتكليف حرس ~~بحمايته في طريقه إلى رشيد، فوعد الشيخ بمساعدته، ولكنه حتى ~~صباح اليوم الثاني لم يكن «دروفتي» قد ظفر ببغيته؛ لأن الوكلاء ~~الإنجليز الذين خشوا من نشاطه، طلبوا من أمين أغا منعه من ~~مغادرة الإسكندرية، فلم يجد «دروفتي» عندئذ مناصا من جمع ~~حوالي خمسة عشر أو عشرين نوتيا فرنسيا كانوا يمرون وقتئذ ~~بالإسكندرية، وذهب بهم (17 مارس) إلى أحد أبواب الإسكندرية، ~~وتمكن من الخروج بعد تهديد الحراس ومسدسه بيده، ووصل في ليل ~~17 مارس إلى رشيد، وأبلغ حاكمها علي السنانكلي أن الشيخ ~~المسيري يميل لقبول الأرنئود، وفي صبيحة يوم 19 مارس تحرك ~~هؤلاء من جديد صوب الإسكندرية، ثم عسكروا تحت أسوارها، ولكن ~~دون طائل؛ لأن ms0607 أمين أغا لم يلبث أن وافق على تسليم الإسكندرية، ~~وأبرمت شروط التسليم - كما عرفنا - في 20 مارس، فعادوا ~~أدراجهم إلى رشيد، وأما «دروفتي» فقد غادر رشيد ظهر يوم 19 ~~مارس بطريق النيل إلى القاهرة، فبلغها في 24 مارس، ولم يجد ~~«دروفتي» محمد علي بالقاهرة لأنه كان لا يزال بالصعيد. ~~(5) القاهرة في غياب محمد علي # وأما القاهرة وقت أن بلغها «دروفتي» فكانت في اضطراب عظيم، ~~فقد وردت إليها مكاتبات بعد خروج محمد علي إلى الصعيد بحوالي ~~أسبوعين من وزير الدولة العثمانية، وفيها الخبر بوقوع الغزو ~~بين العثماني والموسكوب، والأمر بالتيقظ والتحفظ وتحصين ~~الثغور، فربما أغاروا على بعضها على حين غفلة، وكذلك وردت ~~أخبار بمعنى ذلك من حاكم أزمير وحاكم رودس، وأن الإنجليز ~~معاونون لطائفة الموسكوب لاستمرار عداوتهم مع الفرنساوية؛ لكون ~~الفرنساوية متصادقين مع العثماني، وعرف القاهريون أن أهل ~~الإسكندرية قد شرعوا في تحصين قلاعها وأبراجها، وأن العمل يجري ~~لتحصين أبي قير كذلك، وبادر كتخدا بك «طبوز أوغلي» الذي تركه ~~محمد علي في حكومة القاهرة يعاونه حسن باشا والدفتردار وغيرهما ~~من كبار الموظفين والرؤساء العسكريين، ثم السيد عمر مكرم - ~~بإرسال من يتقيد ببناء قلعة البرلس، فكان من أثر ذلك كله أن ~~اهتاجت الخواطر، وحصل لمصر - كما يقول الشيخ الجبرتي - قلق ~~ولغط وغلت الأسعار في البضائع المجلوبة، وعقدت الاجتماعات ~~في بيتي الكتخدا بك والسيد عمر مكرم، واستقر الرأي على إرسال ~~ديوان أفندي بالمكاتبات التي وصلت من القسطنطينية والأخبار ~~التي جاءت من أزمير ورودس إلى محمد علي باشا بالجهة القبلية، ~~وأمر محمد علي بضرورة أن تذهب فورا قوة من أربعمائة أرنئودي ~~بقيادة سليمان أغا لتعزيز حامية الإسكندرية، وهي القوة التي ~~وصلت فعلا إلى رشيد، ولم تفلح في الدخول إلى الإسكندرية ~~للأسباب التي ذكرناها، وفي 28 فبراير اجتمع الفقهاء بالأزهر ~~لقراءة صحيح البخاري في أجزاء صغار، وفي 6 مارس بلغ القاهرة ~~نبأ تهديد حملة «داكويرث» للقسطنطينية، وانزعاج أهل هذه ~~انزعاجا شديدا حتى إنهم أيقنوا بأخذ الإنجليز البلدة، ولو ~~أرادوا حرقها لأحرقوها عن آخرها، ثم خروج ms0608 أسطول «داكويرث» من ~~البغاز (البوغاز) سالمين مغبوطين بعفوهم مع المعذرة، ثم لم ~~تلبث أن جاءت الأخبار القاهرة في 18 مارس عن وصول حملة «فريزر» ~~إلى الإسكندرية، ومطالبة القائد الإنجليزي لحاكمها أمين أغا ~~بالتسليم وإمهاله أربعا وعشرين ساعة، بعث الإسكندريون بهذه ~~الأخبار في مكاتبات إلى القاهرة، وعندئذ اجتمع كتخدا بك وحسن ~~باشا وبونابرتة الخازندار وطاهر باشا والدفتردار والروزنامجي ~~وباقي أعيانهم، وذلك بعد الغروب، وتشاوروا في ذلك، ثم أجمع ~~رأيهم على إرسال الخبر بذلك إلى محمد علي باشا ويطلبونه للحضور ~~هو ومن بصحبته من العساكر؛ ليستعدوا لما هو أولى وأحق ~~بالاهتمام، ففعلوا ذلك، ويستمر الشيخ الجبرتي في تسجيل هذه ~~الوقائع فيقول: وانصرفوا إلى منازلهم بعد حصة من الليل، ~~وأرسلوا تلك المكاتبة في صبح يوم الجمعة 19 مارس صحبة ~~هجانين، وشاع الخبر، وكثر لغط الناس في ذلك، وفي ليلة الاثنين ~~22 مارس، وردت مكاتبة من رشيد بأن الإنجليز قد طلعوا إلى الثغر ~~ودخلوا البلدة (الإسكندرية) وعدم علمهم بالكيفية. # وأما «دروفتي» فقد وصل إلى القاهرة - كما ذكرنا - في 24 ~~مارس، وقال الشيخ الجبرتي إنه ذكر عند وصوله أنه يريد السفر ~~إلى الشام هو وباقي الفرنساوية القاطنين بمصر، وقابل «دروفتي» ~~كتخدا بك، وكان قد أرسل إليه الرسل من الإسكندرية في 16، 17 ~~مارس، ثم من رشيد في 18 مارس لإبلاغه بما حدث، وتشاور معه ~~طويلا في الأمر، وكتب «دروفتي» إلى «سباستياني» في 25 مارس أن ~~الباشا الموجود بالصعيد سوف يحضر إلى القاهرة حتى يكون - كما ~~يقول كتخدا بك - في مركز الحوادث، واقترح «دروفتي» من جانبه أن ~~يكتب إلى بكوات بيت البرديسي وسليمان بك الجرجاوي حتى لا ~~ينضموا إلى الإنجليز، وينظروا في هدوء ما قد تسفر عنه الحملة ~~الإنجليزية من نتائج، حيث من المتوقع أن تفضي هذه الغزوة إلى ~~إرسال حملة فرنسية، سوف يتوقف عليها الفصل نهائيا في تنظيم ~~البلاد السياسي، وطلب «دروفتي» من «طبوز أوغلي» إرسال ططري إلى ~~القسطنطينية مزودا بأخبار الحوادث الأخيرة، ويطلب النجدة، ~~ولكن الكتخدا بك رفض ذلك، حتى يعرف حقيقة قوات العدو، ومسلك ms0609 ~~حامية الإسكندرية. # ثم وجد «دروفتي» القاهرة في خوف واضطراب عظيمين، بسبب ما ورد ~~من أخبار عن سقوط الإسكندرية، وقد تزايد الخوف والاضطراب عندما ~~جاءتها الأخبار في 27 مارس تؤيد نبأ أخذ الإسكندرية واستيلاء ~~الإنجليز عليها، ودخولهم إليها وامتلاكهم لأبراجها ونزول صاري ~~عسكرهم «فريزر» بوكالة القنصل، بل وعرفت الشروط التي ~~سلمت بمقتضاها الإسكندرية، فأثبتها الشيخ الجبرتي - كما ~~عرفها - في قوله: وشرطوا مع أهالي البلد شروطا منها: أنهم لا ~~يسكنون البيوت قهرا عن أصحابها، بل بالمؤاجرة والتراضي، ولا ~~يمتهنون المساجد، ولا يبطلون منها الشعائر الإسلامية، وأعطوا ~~أمين أغا الحاكم أمانا على نفسه، وعلى من معه من العسكر، ~~وأذنوا لهم بالذهاب إلى أي محل أرادوه، ومن كان له دين على ~~الديوان يأخذ نصفه حالا والنصف الثاني مؤجلا، ومن أراد السفر ~~في البحر من التجار وغيرهم فليسافر في خفارتهم إلى أي جهة ~~أراد، ما عدا إسلامبول، وأما الغرب والشام وتونس وطرابلس ~~ونحوها فمطلق السراح لا حرج ذهابا وإيابا، ومن شروطهم التي ~~شرطوها على أهل البلد أنهم إن احتاجوا إلى قومانية أو مال لا ~~يكلفون أهل الإسكندرية بشيء من ذلك، وأن محكمة الإسلام تكون ~~مفتوحة تحكم بشرائعها، ولا يكلفون أهل الإسلام بقيام دعوى عند ~~الإنجليز بغير رضاهم، والحمايات من أي بنديرة تكون مقبولة عند ~~الإنجليز الموجودين في الإسكندرية، ويقيمون مأمونين رعاية ~~لخاطر أهل الإسكندرية، ولم يحصل لهم شيء من المكروه حتى ~~الفرنساوية، والجمارك من كل الجهات على كل مائة اثنان ونصف؛ ~~وعلى ذلك انتهت الشروط. # فكان من أثر ذلك، أن تزايد هياج الخواطر في القاهرة، ~~واستبد الرعب على وجه الخصوص بطوائف العسكر الذين أفزعهم ~~تسليم الإسكندرية ، وهي التي يعدونها أقوى مواقع الدفاع في ~~البلاد، ويصف الشيخ الجبرتي ما وقع لهم، فيقول: «ولما شاع ~~أخذ الإنجليز للإسكندرية داخل العسكر والناس وهم عظيم، وعزم ~~أكثر العسكر على الفرار إلى جهة الشام، وشرعوا في قضاء ~~أشغالهم، واستخلاص أموالهم التي أعطوها للمتضايقين والمستقرضين ~~بالربا وإبدال ما بأيديهم من الدراهم والقروش والفرانسة التي ~~يثقل حملها بالذهب البندقي والمحبوب الزر لخفة ms0610 حملها، ثم ~~سعوا في مشترى أدوات الارتحال والأمور اللازمة لسفر البر، ~~وفارق الكثير منهم النساء، وباعوا ما عندهم من الفرش ~~والأمتعة.» # ولاحظ «دروفتي» وسائر رجال بعثته بالقاهرة، أن هذا الوهم لم ~~يشغل سواد القاهريين بالتفكير في مصيرهم، بل كان هؤلاء منهمكين ~~في سلب الجند الذين ازدحمت بهم شوارع القاهرة، حتى صار المرء ~~لا يرى فيها إلا عثمانيين وأرنئود يروحون ويغدون سائلين عن ~~الذهب الذي يستبدلونه بما في أيديهم من الدراهم والقروش ~~والفرانسة، ويبيعون فرشهم وأمتعتهم ويبحثون عن الدواب ووسائل ~~النقل المختلفة حتى يتمكنوا من مبارحة القاهرة، ثم إن ~~القاهريين الذين أثقلتهم الضرائب، ما كانوا يهتمون بتغير ~~حكامهم؛ وعلى ذلك، فقد عمد الوكلاء الفرنسيون لإثارة اهتمام ~~الشعب، وإنهاض روحه المعنوية إلى إذاعة الإشاعات عن قرب قدوم ~~جيش فرنسي لطرد الإنجليز، وإعطاء البلاد نظاما سياسيا ~~ثابتا في صالح محمد علي، ففعلت هذه الإشاعات فعلها، وصدقها ~~القاهريون، وعاد الهدوء رويدا رويدا، وسكنت الجماهير، ثم ~~استرد الأتراك والأرنئود شجاعتهم، ولم يعد قسم كبير من ~~الجنود يظهر الرغبة الملحة في الذهاب إلى الشام، وأفاد «طبوز ~~أوغلي» من هذا الهدوء، فشرع في إرسال جملة طوائف من الجند إلى ~~رشيد ودمنهور والمواقع الرئيسية في البحيرة، ولو أن هذه ~~الإجراءات كانت تسير ببطء، ودون تصميم قاطع، لما أصاب عزائم ~~الجميع من وهن وضعف بسبب غياب محمد علي. # واعتقد «دروفتي» أن المشايخ والعلماء وأصحاب الأملاك من ~~أعيان القاهرة الذين تورطوا في تلك الثورة التي أفضت إلى ~~المناداة بولاية محمد علي ثم آزروه أثناء أزمة النقل إلى ~~سالونيك، هم الذين وجب أن يستبد بهم الخوف أكثر من غيرهم من ~~انتصار الإنجليز الذي يتبعه حتما انتصار المماليك، واسترجاعهم ~~لسلطانهم السابق في حكومة مصر، وعودتهم إلى القاهرة، وتوقع ~~«دروفتي» لذلك أن يلقى كل معاونة منهم، ولا سيما السيد عمر ~~مكرم في استنهاض همة القاهريين وحثهم على الاستعداد ~~للمقاومة، إذا زحف الإنجليز على القاهرة، ولكن «دروفتي» سرعان ~~ما صدم في آماله عند مقابلته للسيد عمر وحديثه معه، فقد كتب ~~إلى «سباستياني» في 26 ms0611 مارس: «والسيد عمر مكرم المتورط بدرجة ~~خطيرة مع البكوات (ومن المتوقع لذلك أن يسيء هؤلاء معاملته إذا ~~دخلوا القاهرة) لا ينشط - كما يبدو لي - ذلك النشاط الذي ~~تتطلبه الظروف الراهنة، ولعل السبب في ذلك فلاح الوكلاء ~~الإنجليز في كسبه إلى جانبهم، فقد أعطاه هؤلاء كل الضمانات ~~التي يطلبها منهم لحماية شخصه وأمواله، فإذا كان هذا هو ~~الواقع، فإن محمد علي لا يستطيع الاعتماد على مؤازرة أهل ~~القاهرة له؛ لأن هؤلاء بسبب إرهاق الأرنئود لهم لن يقبلوا ~~على مساعدتهم والدفاع عنهم؛ حتى يتخلصوا من ظلمهم واستبدادهم ~~بالأهلين»، وقد شكا «دروفتي» بعد ذلك بيومين من مسلك عمر مكرم ~~الذي بلغه عنه أنه أخفى عنده الترجمان الإنجليزي يوسف عزيز ~~الذي يقوم بأعمال القنصلية العامة في القاهرة، بعد أن كان قد ~~طلب جواز مرور للذهاب إلى رشيد وحصل عليه، ثم علق على هذا ~~الحادث بقوله: فإذا كان هذا صحيحا، فلا مجال للشك عندئذ في ~~أن هذا المهيج الشعبي المقتدر قد انحاز إلى الإنجليز وكسبه ~~هؤلاء إلى جانبهم، وأنه أراد العثور على وسيلة يأمن بها على ~~سلامة نفسه، الأمر الذي يفسر مسلكه في هذه اللحظة وهو مسلك ~~يكاد يكون طابعه عدم الاهتمام التام. # ويتضح مبلغ تخاذل القاهريين ومشايخهم وخصوصا عمر مكرم، ثم ~~تخاذل الجند ورؤسائهم الذين كانوا بالقاهرة وقت هذه الأزمة، بل ~~ومبلغ اليأس الذي استولى على كتخدا بك وديوان أفندي بسبب هذا ~~التخاذل من الأقوال التي أدلى بها يوسف عزيز الترجمان الأول ~~للبعثة الإنجليزية في مصر، ووكيل الميجور «مسيت» في القاهرة، ~~عندما دار البحث أو التحقيق في صقلية بعد فشل حملة «فريزر» ~~نهائيا في أسباب هزيمتها ، وكان يوسف عزيز من بين الأسرى ~~الإنجليز الذين غادروا القاهرة في 14 سبتمبر، فقد سئل هذا عن ~~موقف سكان القاهرة عند نزول الإنجليز في الإسكندرية، وعن موقف ~~الجنود العثمانيين، كما سئل عن كتاب بعث به قنصل روسيا والنمسا ~~العام في مصر «ماكاردل» # Macardle # بناء على طلب عمر مكرم - إلى ~~«مسيت» وقادة الحملة الإنجليزية بالإسكندرية، فأجاب بما يلي: ~~أظهر ms0612 جميع أهل القاهرة فرحهم بصورة علنية لوصول الإنجليز، وفي ~~اليوم التالي لإذاعة خبر نزول هؤلاء إلى الإسكندرية من سفنهم، ~~بدأ القاهريون يردون إهانات الأرنئود الذين اعتاد هؤلاء ~~توجيهها لهم بقولهم للأرنئود: إن الإسكندرية قد احتلها جند ~~أوروبيون، ثم إن رؤساء الشريعة أنفسهم أي العلماء والمشايخ ~~كانوا متفقين فيما بينهم على عدم السماح للجنود العثمانيين ~~بدخول القاهرة إذا عاد هؤلاء منهزمين على يد الإنجليز، بل ~~إنهم رفضوا تلبية طلب الحكومة منهم أن يأمروا السفن ~~بالتسلح. # ثم إن عددا من رؤساء الجند الأرنئود اتفقوا فيما بينهم ~~كذلك على الذهاب إلى إمبابة، وانتظار الجيش الإنجليزي بها؛ ~~وذلك حتى يطلبوا من القائد الإنجليزي وقد ألقوا بسلاحهم أن ~~يأذن بنقلهم هم وأتباعهم وأموالهم وعتادهم إلى «تريستا»، أو ~~إلى أي مكان آخر يكون فيه في مأمن من انتقام الحكومة العثمانية ~~منهم، وقد بلغ عدد الجنود العثمانلي والأرنئود الذين تركوا ~~سلاحهم عندما بلغهم وصول الإنجليز إلى الإسكندرية ألفا ~~وخمسمائة، وقد أخفى هؤلاء أنفسهم في بيوت المدينة في الأحياء ~~الأكثر عزلة عن غيرها، ولم يجرءوا على الظهور إلا بعد وصول ~~الأسرى الإنجليز إلى القاهرة، وأما حسن باشا وكثيرون من ~~الرؤساء الأرنئود غيره فقد أخفوا أموالهم حتى أثاث منازلهم، ~~وعندما شهد كتخدا بك «طبوز أوغلي» وديوان أفندي ما أبداه ~~الأهلون من فرح ظاهر بقدوم الإنجليز إلى الإسكندرية، بادر ~~كلاهما بحزم أمتعتهما، وأعدا الهجن اللازمة لنقل عتادهما إلى ~~الشام، وهو المكان الذي انتويا الالتجاء إليه والنجاة ~~بأنفسهما، وقد صادرت حكومة القاهرة - بعد قليل من وصول ~~الإنجليز إلى الإسكندرية - خطابا بالشفرة، كان قنصل النمسا ~~وروسيا العام «ماكاردل» يحاول إرساله إليهم، أكد يوسف عزيز ~~الذي كان يقيم مع «ماكاردل» في منزل واحد أن هذا الأخير قد ~~كتبه بناء على رجاء السيد عمر مكرم له وجماعة آخرين من رؤساء ~~المشايخ والعلماء، وذلك ليؤكدوا لمسيت و«فريزر» صدق نواياهم ~~الطيبة نحو الإنجليز. # ومع ذلك فقد كانت لا ~~تزال لدى «دروفتي» بارقة أمل في إمكان استنهاض همة عمر ~~مكرم وسائر المشايخ أصحاب النفوذ الكبير على القاهريين، ms0613 ثم ~~رجال الحكومة لأن هؤلاء جميعا - كما قال - كانوا يعتقدون أن ~~الإنجليز لن يستمروا طويلا في احتلال البلاد، وأن الفرنسيين ~~سوف يرسلون - لا محالة - جيشا لطردهم منها، وقد سعى «دروفتي» ~~جهد طاقته حتى يؤكد هذا الاعتقاد الذي من شأنه - على الأقل - ~~إحباط نشاط أعدائنا، وتمكين الباشا من العمل من غير خوف من ~~حدوث ثورة داخلية، ثم بعث «دروفتي» برسول إلى الصعيد يحمل ~~تعليمات إلى رجال موثوق بهم من جماعتي سليمان بك الجرجاوي ~~وشاهين بك البرديسي لحمل هذين على الوقوف موقف الحياد في هذه ~~الأزمة. # وزادت المتاعب في القاهرة عندما لجأ إليها الكثير من أهالي ~~الفيوم وهم في أسوأ حال من الشتات والعري مما فعل بهم ياسين ~~بك، وكان ياسين بعد انهزامه على يد الألفي في الفيوم في أكتوبر ~~1805، وهربه مع جماعته للانضمام إلى سليمان بك المرادي، قد بعث ~~يطلب من البكوات - هو وكاشف الفيوم الذي أعلن هو الآخر عصيانه ~~على محمد علي - مرتبات للجند ~~في آخر عام 1806، فلما لم ينالا شيئا أرسلا إلى الباشا ~~مندوبين عنهما يسألونه الصفح عنهما، وقد تقدم كيف أن الباشا ~~قد قبل رجاءهما وصفح عنهما في ديسمبر من ذلك العام، ولكن ~~ياسين استمر يعيث فسادا في الفيوم، وانتهز فرصة انشغال محمد ~~علي بمسألة بكوات الصعيد، ثم مجيء حملة وصل بأسطوله إلى ~~أبي«فريزر»، فعول على تجربة حظه وامتلاك القاهرة؛ لأنه حقد ~~على محمد علي دائما - وهو الأرنئود مثله والذي اعتبره ياسين ~~مغامرا من طرازه هو نفسه - وصوله إلى الولاية؛ وعلى ذلك، فإنه ~~لم يمض يوم على وصول لاجئي الفيوم إلى القاهرة حتى كان هو قد ~~وصل إلى ناحية دهشور في 27 مارس، وأرسل مكاتبة إلى السيد عمر ~~مكرم والقاضي عارف أفندي وسعيد أغا وكيل دار السعادة يذكر ~~فيها: أنه لما بلغه وصول الإنجليز أخذته الحمية الإسلامية، ~~وحضر وصحبته ستة آلاف من العسكر؛ ليرابط بهم بالجيزة أو ~~بقليوب، ويجاهد في سبيل الله، فكتبوا له أجوبة مضمونها إن كان ~~حضوره بقصد الجهاد فينبغي أن يتقدم بمن معه إلى الإسكندرية، ms0614 ~~وإذا حصل له النصر، تكون له اليد البيضاء والمنقبة والذكر ~~والشهرة الباقية، فإنه لا فائدة بإقامته بالجيزة أو قليوب ~~وخصوصا قليوب بالبر الشرقي. # وفي 28 مارس كتب «دروفتي» أن كتخدا بك قد أرسل جندا إلى ~~رشيد ودمنهور بقيادة طاهر باشا وبونابرتة الخازندار، بينما ~~يستعد حسن باشا للخروج إلى الوجه البحري، ثم علق على ذلك ~~بقوله: ولكن غياب محمد علي يؤثر على كل هذه الحركات، فهي ~~بطيئة، وحتى إن «دروفتي» طلب الذهاب بنفسه إلى محمد علي، ولكن ~~«طبوز أوغلي» وسائر رجال الحكومة منعوه من الذهاب، وطلبوا إليه ~~البقاء في القاهرة؛ لأن وجوده بها مرغوب فيه في الظروف ~~الراهنة، وعندئذ أعاد «دروفتي» الكرة على كتخدا بك بشأن إرسال ~~ططري إلى القسطنطينية، ولكن هذا رفض إرساله قبل حضور محمد علي ~~الذي قال إنه سوف يكون قريبا، وأما الأخبار التي جاءت ~~القاهرة عن محمد علي وقتئذ فكانت مطمئنة، إذ أكد له «طبوز ~~أوغلي» أن الباشا قد انتصر على المماليك، وفاجأ جنده معسكر ~~شاهين بك الألفي، وهزموه، وأن الباشا قد انتصر كذلك في معركة ~~قريب أسيوط، استولى بفضلها على هذه البلدة، وأن إبراهيم بك ~~وعثمان بك حسن لم يشتركا في هذه المعركة، وآثرا الانسحاب إلى ~~الجبال، وأكد كتخدا بك أن عثمان حسن قد عقد صلحا منفردا مع ~~الباشا الذي كساه بالفرو، وأعطاه لقب أمير الحج، وأن شاهين ~~الألفي وحده هو الذي استجاب لنداءات الإنجليز، ونزل من الصعيد ~~قاصدا إلى إقليم البحيرة. # وكان مجيء ياسين بك إلى جهة دهشور، واعتزامه الإقامة بجنده ~~بالجيزة أو قليوب سببا في عدم خروج حسن باشا إلى إقليم ~~البحيرة، فقد استقر الرأي على أن يقيم حسن باشا بالجيزة لئلا ~~يأتي ياسين بك ويملكها، فعدى حسن باشا يوم 30 مارس وأقام بها ~~وأعرض عن السفر إلى جهة البحيرة. # ولما كانت قد جاءت الأخبار من محمد علي بعزمه على الرجوع ~~إلى القاهرة قريبا، حيث إن العساكر يطالبون بالعلائف، ويأمر ~~رجال حكومته بتحصيل ذلك، وتنظيمه ليتسلموها عند حصولهم بمصر، ~~ويتجهزوا لمحاربة الإنجليز، فقد صار ms0615 في وسع الكتخدا بك ~~الموافقة على إرسال الططري إلى القسطنطينية على نحو ما طلب ~~«دروفتي»، لا سيما وأن «طبوز أوغلي» لم يلبث أن وقف على ~~المعلومات التي أرادها عن مسلك حامية الإسكندرية عندما جاءت ~~رسالة من أهل دمنهور في 2 أبريل خطابا إلى السيد عمر النقيب ~~مضمونه أنه لما دخلت المراكب الإنجليزية إلى الإسكندرية هرب ~~من كان بها من العساكر وحضروا إلى دمنهور، وقد حملت هذه ~~الرسالة - علاوة على ذلك - أنباء على درجة بالغة من الخطورة عن ~~موقف حاكم دمنهور نفسه، وتعرض هذه للغزو وعجزها عن الدفاع إذا ~~زحف الإنجليز عليها، فإن كاشفها ومن معه من العسكر عندما ~~شاهدوا هؤلاء العسكر يحضرون إلى دمنهور انزعجوا انزعاجا ~~شديدا وعزموا على الخروج من دمنهور، فخاطبهم أكابر الناحية ~~قائلين لهم كيف تتركوننا وتذهبون ولم تروا منا خلافا؟! وقد ~~كنا فيما تقدم من حروب الألفي من أعظم المساعدين لكم، فكيف لا ~~يساعد الآن بعضنا بعضا في حروب الإنجليز؟! فلم يستمعوا لقولهم ~~لشدة ما داخلهم من الخوف، وعبوا متاعهم، وأخرج الكاشف أثقاله ~~وجبخانته ومدافعه وتركها وعدى، وذهب إلى فوة من ليلته، ثم أرسل ~~في ثاني من أخذ الأثقال، ثم إن القواد الذين أرسلهم «طبوز ~~أوغلي» لمحاربة الإنجليز لم يلبثوا أن صرفوا نشاطهم لفرض ~~الإتاوات والمغارم على البلاد التي مروا بها، فنزل بونابرتة ~~الخازندار على القليوبية، وفعل ما أمكنه وقدر عليه بالبلاد من ~~السلب والنهب والجور والكلف والتساويف حتى وصل إلى ~~المنوفية، وكذلك طاهر باشا الذي سافر في أثره، وإسماعيل كاشف ~~المعروف بالطوبجي فرض على البلاد جمالا وخيولا وأبقارا ~~وغير ذلك، وإسماعيل الطوبجي هو كاشف المنوفية. # على أن ذيوع الخبر بقرب حضور محمد علي إلى القاهرة سرعان ~~ما ظهرت آثاره في إقبال السيد عمر مكرم والمشايخ على تأييد ~~مصلحة الباشا، فقال «دروفتي» إن هؤلاء نواياهم حسنة نحو محمد ~~علي، وينحازون إليه، وقد وصلوا إلى استنتاجات طيبة من بطء ~~عمليات الإنجليز العسكرية، ولما كان «دروفتي» عند كتابة رسالته ~~هذه في 2 أبريل لا يعرف شيئا عن عمليات ms0616 هؤلاء، فقد قال: ~~«والظاهر أن الإنجليز لا يريدون التحرك من الإسكندرية قبل أن ~~يتأكدوا من تأييد البكوات لهم.» ثم اختتم رسالته بقوله: «وإني ~~منشغل دائما بإيجاد الوسائل التي يمكن بها إلقاء العقبات التي ~~تحول دون وقوع هذا الاتحاد، وانضمام البكوات إلى الإنجليز، ~~الأمر الذي يهدد مصالح الباشا - إذا حدث - تهديدا خطيرا، تلك ~~المصالح التي هي في هذه اللحظة - كما يبدو لي - متحدة تماما ~~مع مصالح حكومتنا.» ولقد كان مسلك محمد علي دائما - كما استمر ~~«دروفتي» يقول - متفقا مع صالح فرنسا. # ذلك إذن كان الموقف أثناء غياب محمد علي بالصعيد: القاهريون ~~خواطرهم مهتاجة بسبب ما كان يبلغهم من أنباء حملة الإنجليز، ~~وتسليم الإسكندرية وتخاذل أهلها، وفرار الجند إلى دمنهور بدلا ~~من الدفاع عنها، ثم فرار كاشف دمنهور نفسه، يشاهدون هرج ومرج ~~الرؤساء والأجناد الأرنئود والعثمانلي، يبيعون أمتعتهم، ~~ويطلبون الدواب لنقلهم من القاهرة، ويبحثون عن النقد الذهب ~~خفيف الحمل؛ يرقبون خروج جند طاهر باشا وحسن باشا وبونابرتة ~~الخازندار بدعوى القتال ضد الإنجليز، ثم لا يلبث هؤلاء حتى ~~يعودوا إلى القاهرة ينهبونهم ويسلبونهم، بعد أن يكونوا قد ~~نهبوا وسلبوا أهل الجهات التي خرجوا إليها، يزيد اضطرابهم ~~عندما يأتي مدينتهم لاجئو الفيوم، ثم يستبد بهم الهلع ~~عندما يجيء ياسين بك إلى دهشور بأجناده، يهدد أبواب القاهرة، ~~ثم يسود اليأس بينهم وسط ذلك كله وبسببه، فلا يأبهون لما قد ~~يحدث لمدينتهم، بقيت في حوزة محمد علي أو دخلها الإنجليز ~~والبكوات، لا يشعرون بأي عطف على الأرنئود، بل يكرهونهم ويودون ~~الخلاص منهم، ولا يجدون في مشايخهم والسيد عمر مكرم تلك ~~الزعامة الرشيدة التي تمسك بها هؤلاء وادعوها لأنفسهم، ~~لتوجيههم الوجهة النافعة، وأما المشايخ والسيد عمر مكرم فقد ~~ظهر تخاذلهم، وتقاعسهم، واطمأن عمر مكرم على - وجه الخصوص - ~~لوعود الوكلاء الإنجليز له بتأمينه على أمواله وعلى سلامته ~~الشخصية، فآوى أحد هؤلاء في بيته، وهم أعداء الدولة، وأعداء ~~حكومة الباشا، وأراد مكاتبة قوادهم والاتصال بهم. # على أن الحالة في القاهرة سرعان ما تبدلت تبدلا تاما، ~~عندما تأكد لدى القاهريين ms0617 ومشايخهم وزعمائهم، أن الباشا قد ~~اعتزم العودة من الصعيد، وعندما جاءتهم الأخبار تعلن هزيمة ~~الإنجليز في رشيد. ~~(6) الباشا وبكوات الصعيد # وأما سبب غيبة محمد علي الطويلة عن القاهرة (ثلاثة شهور ~~بتمامها)، فهو أنه كان في اشتباك مستمر مع بكوات المماليك منذ ~~أن بدأ زحفه على الصعيد في 12 فبراير، فقد كان غرض الباشا منذ ~~وفاة الألفي شل نشاط ما كان لديه من قوات كبيرة تولى ~~رئاستها الآن خليفته شاهين، وقدرها «مانجان» وقتئذ بستمائة من ~~المماليك، وثمانمائة من المشاة الأرنئود والأتراك، عدا آلاف ~~العربان، وأوفد قادري أغا يعرض على شاهين الصلح، ولكن هذا رفض ~~الاتفاق إلا على الشروط التي كان طالب بها الألفي، وأجاب ~~الباشا برسالة سبق أن ذكرنا مضمونها، ظهر في دبج عباراتها أثر ~~«مسيت» على شاهين، وقضت على كل أمل في إمكان حصول أي اتفاق مع ~~الألفية، وصار لزاما على الباشا أن يلحق الهزيمة بجيوش ~~البكوات في الصعيد، أو إذا تعذر الانتصار عليهم انتصارا ~~حاسما أن يبذر بذور الشقاق والتفرقة بينهم، بفضل ما قد ~~يستطيع عرضه عليهم من شروط للصلح من المحتمل أن يقبلها فريق ~~منهم، لما كان يعرفه عن منافساتهم وأحقادهم الشخصية وصعوبة ~~اتحاد كلمتهم لفترة طويلة من الزمن، وغرضه من ذلك كله أن يشل ~~نشاطهم، ويبطل حركتهم، ويلزمهم - على الأقل - الوقوف موقف ~~الحياد في النضال المنتظر عند حدوث الغزو الأجنبي على ~~البلاد. # وتألفت قوات محمد علي من ثلاثة آلاف من المشاة، ومثلهم من ~~الفرسان، وست سفن مسلحة لحراسة مئات المراكب بالمؤن ~~والذخائر وعتاد العسكر، وعندما علم شاهين بك الألفي بتحرك محمد ~~علي غادر البهنسا قاصدا إلى جهة المنيا، حتى ينضم إلى قوات ~~سليمان بك البواب المرابط بالقرب منها، وفي 18 فبراير وصل محمد ~~علي إلى بني سويف، حيث وقف عندها وبعث يطلب من القاهرة كل ~~الجنود الذين بها، على أمل أن التظاهر بالقوة العظيمة سوف يلقي ~~الرعب في قلوب البكوات، ويحملهم على المفاوضة والاتفاق معه، ~~ولكنه لم يلبث أن عرف من ديوان أفندي الذي جاءه بالمراسلات من ms0618 ~~القاهرة نبأ قطع العلاقات بين روسيا وتركيا، فأعاده إلى ~~القاهرة مزودا بمكاتبات وفيها طلب جماعة من الفقهاء؛ ليسعوا ~~في إجراء الصلح بين الأمراء المصريين وبين الباشا، فبلغها ~~ديوان أفندي في 28 فبراير، وفي القاهرة وقع الاتفاق على تعيين ~~ثلاثة أشخاص؛ هم ابن الشيخ الأمير وابن الشيخ العروسي وابن ~~السيد محمد الدواخلي، فسافروا في 6 مارس إلى الصعيد، وفي هذه ~~الأثناء كان محمد علي قد استطاع مفاجأة جند شاهين بك الألفي ~~وسليمان بك البواب بالقرب من المنيا، واستولى على مدفعيتهم ~~وعتادهم، وخسر هؤلاء في المعركة ثلاثمائة رجل بين قتيل وجريح ~~وأسير، وفي 11 مارس وصلت هذه الأنباء القاهرة وصادفت هذه ~~البشارة ورود القابجي الذي كان هو الآخر قد وصل إلى القاهرة في ~~اليوم نفسه وعلى يده التقرير لمحمد علي باشا على ولاية مصر، ~~فعمل لذلك «شنك» وضربت لذلك مدافع كثيرة من القلعة. # ولكن انتصار الباشا الأخير لم يفد شيئا في إنهاء مسألة ~~البكوات، ولم ينعقد الصلح بينهم وبين محمد علي، ولم يعد هذا ~~إلى القاهرة؛ ولذلك فقد وجد «طبوز أوغلي» وسائر المسئولين بها ~~عندما جاءتهم الأخبار في مساء يوم 19 مارس عن ظهور الأسطول ~~الإنجليزي أمام الإسكندرية، وطلب الإنجليز من أمين أغا ~~تسليمها، أن يبعثوا في دعوة الباشا إلى الرجوع إلى القاهرة بكل ~~أجناده بأقصى سرعة، وقد أوضحنا كيف أن «دروفتي» عند بلوغه ~~القاهرة قد كتب هو الآخر إلى محمد علي يوصيه بعدم ترك المماليك ~~إلا بعد أن يكون على الأقل قد نال عليهم انتصارا حاسما، ثم ~~كيف أنه أرسل إلى أفراد موثوق بهم من جماعتي سليمان بك ~~الجرجاوي وشاهين بك البرديسي، حتى يحملوا هذين على الوقوف موقف ~~الحياد التام في النضال المنتظر بين حكومة الباشا والحملة ~~البريطانية، على أنه قبل أن يتأكد في القاهرة خبر تسليم ~~الإسكندرية نهائيا كان محمد علي قد انتصر على المماليك في ~~معركة أخرى بالقرب من أسيوط، اختلف المعاصرون في تحديد مكانها ~~وتاريخها، فقال «مانجان» إن الواقعة كانت بمنقباد في 2 ~~أبريل، ويقول الشيخ الجبرتي إنها ms0619 كانت بمنفلوط، وقد سجل الشيخ ~~في حوادث ليلة الخميس سادس عشرينه؛ أي 26 مارس 1807 أن مكاتبة ~~وردت من الباشا يذكر فيها أنه تحارب مع المصريين، وظهر عليهم، ~~وأخذ منهم أسيوط، وقبض على أنفار منهم، وقتل في المعركة كثير ~~من كشافهم ومماليكهم، فعملوا؛ أي في القاهرة في ذلك اليوم ~~شنكا وضربوا مدافع كثيرة من القلعة، ويؤخذ من هذا أن المعركة ~~حدثت قطعا قبل يوم 26 مارس، وقد أشار «دروفتي» إلى هذه ~~المعركة في إحدى رسائله إلى «سباستياني» في 28 مارس، ثم إن ~~شاهين بك الألفي ذكر في جوابه على خطابين كان «مسيت» قد بعث ~~بهما إليه بتاريخي 13، 15 مارس، أنه بعد أن تسلم رسالة من ~~إسماعيل أبو صخر - وسيط «مسيت» لدى البكوات - بتاريخ 19 مارس، ~~ينبئهم فيها بدخول البريطانيين الإسكندرية انتقل إلى أسيوط حتى ~~ينضم إلى إبراهيم بك، ثم استمر يقول: «وبالقرب من هذا المكان ~~وافانا محمد علي بكل ما لديه من فرسان ومشاة؛ للاشتباك معنا في ~~معركة، ولكننا انتصرنا عليه، وقتلنا تسعمائة من رجاله، من ~~بينهم عدد من الضباط الممتازين، فهرب الباقون إلى قواربهم ~~وتقهقروا نازلين في النيل»، والذي يظهر من رسالته هذه أن ~~المعركة وقعت عقب يوم 19 مارس مباشرة؛ ولذلك فالمرجح أن ~~الواقعة التي حدثت بالقرب من أسيوط جرت بين يومي 20، 25 مارس ~~قطعا، وقد ذهب ضحيتها ثلاثة من البكوات ذكرهم شاهين نفسه وهم ~~سليمان بك إبراهيم ورشوان بك سليمان وسليمان بك المرادي ~~الجرجاوي وهو الذي كان يعرف باسم ريحه، قال الشيخ الجبرتي: ~~«إنه كان ظالما غشوما وسبب تسميته بذلك؛ (أي بريحه بتشديد ~~الياء) أنه كان إذا أراد قتل إنسان ظلما، يقول لأحد أعوانه ~~خذه وريحه فيأخذه ويقتله»، ومع أن شاهين ذكر أن أربعة من ~~المماليك فحسب قتلوا في المعركة، فالثابت أن عدد من قتلوا كان ~~خمسة عشر مملوكا، وأربعة كشاف، بينما فقد محمد علي ~~المائتين، ومما يجدر ذكره أن عثمان بك حسن وإبراهيم بك الكبير ~~لم يشتركا في المعركة. # ومع أن شاهين بك قد تفانى في ms0620 وصف نتيجة هذه المعركة لمسيت ~~وادعى البكوات لأنفسهم النصر، ثم ادعى الباشا لنفسه النصر ~~كذلك، فإن محمد علي على كل حال، لم يعتبر نصره عليهم حاسما؛ ~~ولذلك أوفد المشايخ الثلاثة إلى البكوات ليتفاوضوا في الصلح ~~معهم، وكان هؤلاء لما وصلوا إلى الباشا بناحية ملوي استأذنوه ~~في الذهاب فيما أتوا بسببه من السعي في الصلح، فاستمهلهم ~~وتركهم بناحية ملوي، واستعد وذهب إلى أسيوط وأودع الجماعة ~~بمنفلوط، وتلاقى مع الأمراء وحاربهم، وظهر عليهم في المعركة ~~التي ذكرناها، ثم طلب المشايخ وزودهم بمكاتبات إلى البكوات، ~~وكان هؤلاء بعد المعركة قد قصدوا إلى ملوي. # وكان في ملوي أن تسلم البكوات في 31 مارس رسائل «مسيت» التي ~~سبقت الإشارة إليها، وخصوصا رسالته بتاريخ 15 مارس، وبادر ~~إبراهيم بك بالكتابة إليه في أول أبريل، يعرب عن سروره العظيم ~~والذي لا يمكن وصفه بسبب ما بلغهم من أنباء عن وصول الجيش ~~البريطاني سالما إلى مصر؛ حيث إن حضور هذا الجيش إنما ينهض ~~دليلا ساطعا على ما تكنه الحكومة البريطانية من عواطف ~~الود والصداقة نحو البكوات، ويبلغ «مسيت» أنهم في طريقهم إلى ~~الوجه البحري، وأنهم بمشيئة الله تعالى سوف يكونون بالجيزة قبل ~~نهاية هذا الأسبوع، حتى يتسنى لهم عندئذ إجراء الترتيبات التي ~~تنيلهم أغراضهم بمعاونة الإنجليز، وقال إبراهيم بك: إن محمد ~~علي عندما علم بوصولنا إلى ملوي خانته شجاعته لدرجة عظيمة، حتى ~~إنه تقهقر نازلا في النيل، ولكنه من غير المعروف لدى البكوات ~~ما إذا كان نزوله لتحصين نفسه في القاهرة أو لمغادرة البلاد؟ ~~فهذا ما لم يتأكد البكوات منه، ولكنهم عند وصولهم إلى الجيزة ~~سوف يعرفون ما صح عزمه عليه، وفي كلا الحالين سواء تحصن في ~~القاهرة أو غادر البلاد، فإن البكوات سوف يسترشدون في مسلكهم ~~بما يسديه إليه «مسيت» نفسه من نصائح، وأما شاهين بك الألفي ~~فقد كتب إلى صديقه المحترم جدا الميجور «مسيت» يبلغه وصول ~~قريب إسماعيل أبو صخر إلى معسكر البكوات يحمل رسائل «مسيت» ~~المؤرخة في 13، 15 مارس، وقد عرف من رسالة «مسيت» الأولى ms0621 ~~بإعلان الحرب من جانب بريطانيا والروسيا على الباب العالي، ~~ولكن الشخص الذي أوفده «مسيت» لإبلاغ هذا الخبر شفويا ~~للبكوات لم يحضر، ويقول مخاطبا «مسيت»: «ولقد أنبأتني في ~~الرسالة الثانية بأن أولى سفن الأسطول المرسل إلى مصر قد ~~وصلت إلى الإسكندرية وترجوني بكل سرعة ممكنة أن أسير صوب ~~الإسكندرية أو أن أرسل شخصا من جانبي إليها، وهو رجاء لم ~~أتوان لحظة في تحقيقه، فقد عرضت فورا رسالتك على والدنا ~~إبراهيم بك شيخ البلد وعلى سائر البكوات الذين عظم فرحهم لذلك، ~~وبخاصة عندما عرفوا أن بريطانيا العظمى قد أعلنت الحرب على ~~الباب العالي من أجل إعادة السلام والهدوء وإرجاع الحكومة ~~المملوكية في مصر.» ثم ذكر شاهين أنه تسلم خطاب إسماعيل أبو ~~صخر، وذكر اشتباك البكوات مع محمد علي في المعركة التي سبق ~~الحديث عنها، واستطرد يقول: «وقد قررنا جميعنا بعد هذه المعركة ~~العودة إلى الوجه البحري، وكان أثناء سيرنا إلى هناك أن تسلمنا ~~عند ملوي خطابيك سالفي الذكر، اللذين جعلانا نقرر السير بكل ~~سرعة إلى الجيزة حيث من المنتظر وصولنا إليها في هذا الأسبوع، ~~ورجاؤنا بفضل حمايتك ومساعدتك أن يتسنى لنا تحقيق كل مآربنا.» ~~ووعد شاهين في رسالته هذه أن يبعث البكوات ببعض زملائهم حسب ~~رغبة «مسيت» لمقابلة الجيش البريطاني؛ لإمداد الجند بكل ~~حاجتهم من المؤن وغيرها، وأن تكون هذه الفرقة تحت أوامر ~~القائد البريطاني لحين وصول شاهين وسائر البكوات الذي يرجو أن ~~يكون قريبا جدا، وبعد أن ذكر له تقهقر محمد علي صوب القاهرة ~~وسببه، وفيما لا يخرج عما جاء في كتاب إبراهيم لمسيت، أبلغه ~~شاهين أنه قد أرسل ابنه موسى سلحدار حتى يحصل من القائد الأعلى ~~للجيش البريطاني جوابا وتفسيرا عن كل شيء يتعلق ~~بمسألتنا. # ولكنه بالرغم مما جاء في رسالتي شاهين بك الألفي ~~وإبراهيم بك الكبير من تأكيدات عن نزول البكوات إلى الجيزة ~~ومعاونتهم للجيش البريطاني، فقد كان الخلاف يسود صفوفهم، وقال ~~الشيخ الجبرتي: إنه لما وصلتهم مراسلة الإنجليز تفرق رأيهم، ~~وكان عثمان بك حسن منعزلا عنهم، وهو يدعي ms0622 الورع وعنده جيش ~~كبير، فأرسلوا إليه يستدعونه للحضور، فامتنع وتورع، وقال: أنا ~~لا أنتصر بالكفار، وقال: أنا مسلم هاجرت، وجاهدت وقاتلت في ~~الفرنساوية، والآن أختم عملي وألتجئ إلى الإفرنج، وأنتصر بهم ~~على المسلمين، أنا لا أفعل ذلك، وعثمان بك يوسف كان بناحية ~~الهو، والكوم الأحمر ووافق عثمان بك حسن على رأيه، واختلفت ~~آراء باقي الجماعة، وهم إبراهيم بك الكبير وشاهين بك المرادي ~~وشاهين بك الألفي وباقي أمرائهم. # وقد أفاد من هذه الانقسامات المشايخ الثلاثة الذين ذهبوا ~~للمفاوضة معهم بالجانب الغربي من ناحية ملوي، وقد سجل الجبرتي ~~ما دار في هذه المفاوضات نقلا عن هؤلاء المشايخ أنفسهم بعد ~~عودتهم من مهمتهم إلى القاهرة فقال: «فتفاوض هؤلاء مع ~~البكوات فيما أتوا بسببه من أمر الصلح مع الباشا وكف الحروب، ~~فقالوا كم من مرة يراسلنا في الصلح ثم يغدر بنا ويحاربنا؟! ~~فاحتجوا عليهم بما لقنه الباشا لهم من مخالفة البكوات ~~لأكثر الشروط التي كان اشترطها عليهم من إرسال الأموال الميرية ~~والغلال وتعديهم على الحدود التي يحددها معهم في الشروط، ثم ~~إن البكوات اختلوا مع بعضهم بعضا وتشاوروا فيما بينهم، وكان ~~عثمان بك حسن منعزلا عنهم بالبر الشرقي، ولم يكن معهم في ~~الحرب ولا في غيره، وبعد انقضاء الحرب استعلى إلى جهة قبلي، ~~وعثمان بك يوسف كان بناحية الهو والكوم الأحمر. # وفي أثناء ذلك ورد على الباشا خبر الإنجليز، وأخذهم ~~الإسكندرية وأن هؤلاء قد أرسلوا رسلهم إلى الأمراء القبالي، ~~فارتبك في أمره وأرسل إلى المشايخ يستعجلهم في إجراء الصلح ~~وقبولهم كل ما اشترطوه على الباشا، ولا يخالفهم في شيء يطلبونه ~~أبدا.» ولما كان البكوات قد اختلفوا فيما بينهم، وظهر ~~الانقسام في صفوفهم بالصورة التي أوضحناها فقد اجتمعوا ثانيا ~~بالمشايخ، وقالوا لهم ما المراد بهذا الصلح؟ فقالوا المراد منه ~~راحة الطرفين، ورفع الحروب، واجتماع الكلمة، ولا يخفاكم أن ~~الإنجليز تخاصمت مع سلطان الإسلام، وأغارت على ممالكه، وطرقت ~~ثغر إسكندرية، ودخلتها، وقصدهم أخذ الإقليم المصري كما فعل ~~الفرنساوية، فقال البكوات: إن الإنجليز أتوا باستدعاء الألفي ~~لنصرتنا ms0623 ومساعدتنا، فقالوا لهم لا تصدقوا أقوالهم في ذلك، وإذا ~~تملكوا البلاد لا يبقون على أحد من المسلمين، وحالهم ليس كحال ~~الفرنساوية، فإن الفرنساوية لا يتدينون بدين، ويقولون بالحرية ~~والتسوية، وأما هؤلاء الإنجليز فإنهم نصارى على دينهم، ولا ~~تخفى عداوة الأديان، ولا يصح ولا ينبغي منكم الانتصار بالكفار ~~على المسلمين، ولا الالتجاء إليهم، ثم استطرد الشيخ الجبرتي ~~يقول: «وقد وعظوهم وذكروا لهم الآيات القرآنية والأحاديث ~~النبوية، وأن الله هداهم في طفوليتهم، وأخرجهم من الظلمات إلى ~~النور، وقد نشئوا في كفالة أسيادهم، وتربوا في حجور الفقهاء، ~~وبين أظهر العلماء، وقرءوا القرآن، وتعلموا الشرائع، وقطعوا ~~ما مضى من أعمارهم في دين الإسلام، وإقامة الصلوات، والحج ~~والجهاد، ثم يفسدون أعمالهم آخر الأمر، ويوادون من حاد الله ~~ورسوله، ويستعينون بهم على إخوانهم المسلمين ويملكونهم بلاد ~~الإسلام يتحكمون في أهلها، فالعياذ بالله من ذلك.» # وكان بصحبة المشايخ مصطفى أفندي كتخدا قاضي العسكر، يكلم ~~البكوات باللغة التركية ويترجم لهم أقوال المشايخ، وهو فصيح ~~الكلام، فقال البكوات: «كل ما قلتموه وأبديتموه نعلمه، ولو ~~تحققنا الأمن والصدق من مرسلكم (أي الباشا) ما حصل منا خلاف، ~~ولحاربنا وقاتلنا بين يديه، ولكنه غدار لا يفي بعهد ولا وعد، ~~ولا يبر في يمين ولا يصدق في قول، وقد تقدم أنه يصطلح ~~معنا، وفي أثر ذلك يأتي لحربنا ويقتلنا ويمنع عنا من يأتي ~~إلينا باحتياجاتنا من مصر، ويعاقب على ذلك حتى من يأتي من ~~الباعة والمتسببين إلى الناحية التي نحن فيها، ولا يخفاكم أنه ~~لما أتى القبودان صالح باشا ومعه الأوامر بالرضا والعفو الكامل ~~عنا والأمر له بالخروج إلى ولاية سالونيك فلم يمتثل، وأرسل ~~إلينا وخدعنا وتحيل علينا بإرسال الهدايا وصدقناه، واصطلحنا ~~معه، فلما تم له الأمر غدر بنا، وما مراده بصلحنا إلا تأخرنا ~~عن ذهابنا إلى الإنجليز ، فلا نذهب إليهم ولا نستعين بهم، وإن ~~كان مراده يعطينا بلادا يصالحنا عليها، فها هي البلاد ~~بأيدينا، وقد عمها الخراب، باستمرار الحروب من الفريقين، وقد ~~تفرق شملنا وانهدمت دورنا، ولم يبق لنا ما نأسف عليه، ms0624 أو ~~نتحمل المذلة من أجله، وقد مات إخواننا ومماليكنا، فنحن نستمر ~~على ما نحن معه عليه، حتى نموت عن آخرنا، ويرتاح قلبه من ~~جهتنا.» فقال لهم: «الجماعة هي الأخرى وليس بعدها شر ولا حرب، ~~بل بعدها الصداقة والمصافاة، ويعطيكم كل ما طلبتموه من بلاد ~~وغيرها، فلو طلبتم من الإسكندرية إلى أسوان لا يمنع ذلك بشرط ~~أن تكونوا معنا بالمساعدة في حرب الإنجليز، ودفعهم عن البلاد، ~~وأيضا تسيرون بأجمعكم من البر الغربي، والباشا وعساكره من ~~البر الشرقي، وعند انقضاء أمر الإنجليز ورجوعكم إلى بر ~~الجيزة ينعقد مجلس الصلح بحضرة المشايخ الكبار والنقيب السيد ~~عمر مكرم، والوجاقلية وأكابر العسكر، وإن شئتم عقدنا مجلس ~~الصلح بالجيزة قبل التوجه لمحاربة الإنجليز، ولا شر بعد ذلك ~~أبدا.» # فانخدع البكوات لذلك وأقنعتهم هذه التأكيدات الرسمية بصدق ~~نوايا محمد علي. # وأمام الحجج التي استند عليها المشايخ بمهارة في بيان أن ~~مسلك البكوات إذا آزروا الإنجليز ضد محمد علي يكون مخالفا ~~لتقاليدهم ومناقضا لمعتقداتهم الدينية، لم يسع هؤلاء إلا ~~قبول السلام وكتبوا أجوبة، ورجع بها مصطفى أفندي كتخدا القاضي ~~وصحبته يحيى كاشف، ثم رجع إليهم ثانيا، وسار الفريقان إلى جهة ~~مصر، وحضر المشايخ وأخبروا بما حصل، وقد بلغ المشايخ الثلاثة ~~القاهرة يوم 8 أبريل. # ومع أنه كان من الواضح أن كلا الفريقين: البكوات ومحمد علي ~~قد بيتا النية على تعليق تنفيذ هذا الاتفاق وإبرام الصلح ~~نهائيا على ما قد تسفر عنه حملة الجنرال «فريزر» من نجاح أو ~~فشل، بحيث إذا انتصر «فريزر» انضم إليه المماليك فورا، وإذا ~~أخفق استأنف محمد علي الحرب في الصعيد، فقد أحرز الباشا في هذه ~~المفاوضة مع البكوات نجاحا دبلوماسيا باهرا، إذ أعطاه هذا ~~الاتفاق المبدئي فسحة الوقت التي أرادها للتفرغ فورا ~~لمواجهة الإنجليز الذين وصلته - وهو بأسيوط في 4 أبريل - أخبار ~~نزولهم بالإسكندرية واستيلائهم عليها؛ وعلى ذلك، فقد أخلى ~~الباشا الصعيد، ثم نزل بجيشه بكل سرعة قاصدا القاهرة، واستولى ~~البكوات وهم سائرون على الشاطئ الأيسر للنيل على البلدان التي ~~أخلاها الجند الأتراك والأرنئود ms0625 واحدة بعد الأخرى، وكان ~~تقدمهم صوب الجيزة بطيئا للغاية. # ودخل محمد علي القاهرة ليلة الأحد 3 صفر 1222؛ أي في ساعة ~~متأخرة من مساء السبت الموافق 11 أبريل 1807؛ أي بعد أن وصله ~~نبأ تسليم الإسكندرية بأسبوع واحد فقط، أتم في خلاله الاتفاق ~~مع البكوات القبالي، ولا صحة لما يزعمه الشيخ الجبرتي الذي وقع ~~تحت تأثير ما شاهده من رعب وفزع في القاهرة عند ذيوع الخبر ~~بدخول الإنجليز إلى الإسكندرية، ثم اعتزام الكثير من رؤساء ~~الأرنئود وغيرهم الفرار إلى الشام، فتوهم أن الباشا قد ~~أصابه هو الآخر الهلع، حتى صار يتعمد الإبطاء والتلكؤ في سيره ~~يظن - كما قال الشيخ - ورودهم (أي الإنجليز) إلى المدينة ~~(القاهرة)، فيسير مشرقا على طريق الشام ويكون له عذر بغيبته، ~~والواقع أن الذي قيد حركته بعض الشيء كان بطء سير الجيش بعتاده ~~ومهماته، حتى إذا اقترب الجيش من القاهرة، تركه محمد علي ~~وراءه، وركب النيل حتى يصل بسرعة إلى القاهرة. # وعندما دخل محمد علي القاهرة، كانت الحال قد بدأت تتبدل ~~تبدلا محسوسا، بسبب ما بلغ القاهريين منذ 3 أبريل عن هزيمة ~~الإنجليز في رشيد، فقد صار الناس في أول الأمر ما بين مصدق ~~ومكذب، فلما كان يوم 5 أبريل أشيع وصول رءوس القتلى ومن ~~معهم من الأسرى إلى بولاق، فهرع الناس بالذهاب للفرجة، وشاهدوا ~~ورءوس القتلى على نبابيت، وتأكد الخبر، وزال عن القاهريين ~~الوهم الذي كان مستوليا عليهم، وبدءوا يستردون الثقة في ~~نفوسهم، وبدأ المشايخ ومعهم السيد عمر مكرم ينشطون ~~ويتحمسون. ~~(7) هزيمة الإنجليز في رشيد (31 مارس 1807) # وكان «فريزر» بعد الاستيلاء على الإسكندرية لا يريد مبارحتها ~~والقيام بعمليات عسكرية جديدة؛ لاعتقاده بأن القوات التي لديه ~~لا تكفي لاحتلال الإسكندرية، ثم الاشتباك في الوقت نفسه في ~~معارك جديدة مع العدو، لا سيما وأن أحدا من المماليك لم ~~يستقبل جيش الحملة أو يتقدم لمعاونتها بعد نزولها واستيلائها ~~على الإسكندرية، على خلاف ما كان يؤكد «مسيت» حدوثه قبل حضور ~~الإنجليز، وقد طلب «فريزر» من هذا الأخير أن يكتب إلى البكوات ~~غداة ms0626 سقوط الإسكندرية يستعجلهم في الحضور، فبعث «مسيت» إليهم ~~برسالة بتاريخ 22 مارس معنونة باسم إبراهيم بك وعثمان بك حسن ~~وسائر البكوات والكشاف والمماليك، أبلغهم فيها نبأ استيلاء ~~البريطانيين على الإسكندرية، ثم رغبة الجنرال «فريزر» في ~~تعريفهم أنه لم يحضر إلى مصر لغرض فتحها، وإنما ليمنع الحكومة ~~الفرنسية من تنفيذ مشروعها العدواني ضد هذه المقاطعة، وحتى ~~يعيد إليها النظام والهدوء، وليعاون تلك الجماعات أو الأحزاب ~~التي تريد عقد أواصر الصداقة مع بريطانيا العظمى، وقد خاطب ~~«مسيت» البكوات في هذه الرسالة بقوله: ولذلك فمن الواجب عليكم ~~إدراك كيف أنه من صالحكم كثيرا أن تربطوا أنفسكم بنا؛ حيث إن ~~هذا الأمل الوحيد لكم لبلوغ غاياتكم إطلاقا، ولما كنت متيقنا ~~من أنكم تقدرون تماما المزايا التي تنتفعون بها من وضع ~~ثقتكم التامة في سخاء وكرم جلالة الملك البريطاني، وانتفاء أية ~~مصلحة ذاتية له، فإني أدعوكم إلى إنقاذ شخص تثقون به ليبسط ~~مطالبكم ورغائبكم أمام قائد القوات البريطانية الأعلى، وقد ~~تعمد «مسيت» - كما هو ظاهر من رسالته هذه، وكما أكد هو بنفسه ~~في كتابه إلى «وندهام» يوم 23 مارس ألا يتقيد فيما كتبه إلى ~~البكوات بأية تعهدات محددة، ولو أنه كان يعتقد - كما ذكر ~~«وندهام» - أنه لا أمل في محالفة البكوات وصداقتهم للإنجليز، ~~إلا إذا ساعدهم هؤلاء مساعدة قوية فعالة في فتح القاهرة ~~والاستحواذ عليها، وسواء كان من المنتظر أن يلبي البكوات ~~نداءاته لهم أم أنهم في هذه الظروف قد لا يلبونها - وقد كان من ~~المتوقع أنهم لن يفعلوا بسبب انقسامهم ومساعي محمد علي لديهم ~~واتفاقهم الأخير معه - فإن «مسيت» لم يشأ انتظار جواب البكوات، ~~وراح يلح على «فريزر» بضرورة احتلال رشيد، وعدم الوقوف جامدا ~~بالإسكندرية. # وكان غرض «مسيت» من حمل «فريزر» على توسيع نطاق عملياته ~~العسكرية، أن يثبت للمماليك دعواه التي كررها لهم دائما من أن ~~احتلال مصر بأسرها، إنما هو غرض الحملة البريطانية التي صار ~~يؤكد لهم قرب حضورها من مدة طويلة، ورسخ في ذهنه الآن أن ~~القيام باحتلال رشيد ودخول الجيش البريطاني ms0627 في عمليات عسكرية ~~نشيطة من شأنه أن يدفع البكوات إلى العمل، ويكون حافزا لهم ~~على التعجيل بالحضور من الصعيد يغني في حد ذاته عن التقيد ~~بتلك التعهدات المحددة التي امتنع عن إعطائها لهم في رسالته ~~الأخيرة إليهم؛ وعلى ذلك، فقد راح «مسيت» بدعوى الحاجة إلى ~~المؤن اللازمة لجيش الاحتلال بالإسكندرية، وبوصفه الرجل ذا ~~الخبرة والدراية بالشئون المحلية والذي أوصت التعليمات المعطاة ~~إلى «فريزر» بوجوب الإصغاء إليه، يطلب من هذا الأخير احتلال ~~رشيد، ثم سجل مطلبه هذا في كتاب إلى «فريزر» في 23 مارس جاء ~~فيه: «إنه عندما سلمت الإسكندرية إلى الجيش الذي تحت قيادتكم، ~~كانت كميات الحنطة الموجودة بالإسكندرية لا تكاد تكفي سكانها ~~مدة أسبوعين، ولما كانت الرياح المعاكسة قد ألزمت النقالات على ~~البقاء في خليج أبي قير، فقد تعذر على القومسيير العام ~~(المشرف على تموين الجيش) أن يحصل على إمدادات من الأسطول، ~~واضطر لذلك إلى أخذ قسم من القمح المخصص أصلا لاستهلاك ~~المدينة (الإسكندرية) وكان بشيء من الصعوبة أن حصل من اللحم ~~على ما يكفي الجند يوما واحدا فحسب، وبناء عليه، فإنه لن ~~تنقضي أيام قليلة حتى يجد الإسكندريون أنفسهم وقد حرموا من ~~غذائهم، وسوف لا يجد الجيش مناصا من الاعتماد في غذائه على ~~المؤن المحفوظة أو القديد وهو غذاء غير صحي أبدا في الجو ~~الحار؛ وعلى ذلك، وبسبب هذه الظروف أجد لزاما علي بصورة ~~قاطعة أن ألح عليك في ضرورة احتلال مدينة رشيد فورا، وكذلك ~~موقع الرحمانية، فمن الأولى تصدر الحنطة والأرز إلى هذا ~~الميناء (الإسكندرية)، ثم إنه باستيلائك على الرحمانية تصير لك ~~السيطرة على إقليم البحيرة الذي يمون الإسكندرية بالشعير ~~والأغنام والثيران الصغيرة والجاموس، ولا يسعني إلا أن أذكر لك ~~أن فرقا من الأرنئود تتدفق على مصر باستمرار، الأمر الذي يزيد ~~من أعداء أولئك الذين يسومون الخسف أهل هذه المقاطعة ~~التعسة، وينزل هؤلاء عند مجيئهم في دمياط، وإذا كنت لا ترى ~~من الحكمة احتلال هذه المدينة، فإنه ليبدو ضروريا ولا غنى ~~عنه أن يسأل القائد الأعلى لقوات ms0628 جلالة الملك البريطاني ~~البحرية في هذه السواحل لوضع مركب حربي عند هذا الميناء دمياط ~~حتى يحول دون نزول الجند الذين تحملهم السفن إليه.» # وتردد «فريزر» في مبدأ الأمر؛ لعلمه أن في إنفاذه حملة إلى ~~رشيد، خرق للتعليمات التي لديه والتي طلبت منه احتلال ~~الإسكندرية فحسب، ولكنه لم يلبث أن غير رأيه بسبب إلحاح «مسيت» ~~المستمر، ثم موافقة السير «داكويرث» على أخذ رشيد، وكان ~~«داكويرث» بعد أن فشلت مظاهرته البحرية أمام القسطنطينية، قد ~~وصل بأسطوله إلى أبي قير في 22 مارس، ولم يغادرها إلا يوم 29 ~~مارس بعد أن ترك السير ~~«توماس لويس» # Sir Thomas Louis # من قطع أسطوله لتعزيز عمليات ~~«فريزر» ضد رشيد، ورأى «فريزر» أن من واجبه تبرير هذا القرار ~~الذي وصل إليه، فكتب إلى «وندهام» في 27 مارس يوضح الأسباب ~~التي دعته إلى إرسال قسم من الجيش للاستيلاء على رشيد ~~والرحمانية، والإجراءات التي اتخذها لتحقيق هذه الغاية، كما ~~خصص جزءا من رسالته لبيان المعلومات التي حصل عليها، والتي ~~كان غرض «فريزر» من ذكرها إقامة الدليل على أنه محق في ~~الخطوة التي اتخذها، فقال: إنه ~~بالرغم من التعليمات التي ~~أصدرها «وندهام» إلى الجنرال «فوكس» في 21 نوفمبر 1806، وتلك ~~التي أصدرها هذا إليه في 21 فبراير 1807 وهي تخوله ~~الاستيلاء على الإسكندرية فقط، فإن ما بسطه «مسيت» من أسباب في ~~عبارات قوية تضمنها كتابه إليه جعلته بموافقة «داكويرث» يرضى ~~بالرغم من معارضة ذلك لميوله معارضة شديدة بإرسال قسم من ~~القوات التي تحت قيادته للاستيلاء على رشيد والرحمانية، وأن ~~يعهد بهذه المهمة الميجور جنرال القائد «ووكوب» # Wauchope # مع «ميد» # Brigadier-General Meade ~~، مع ~~فرقته التي تتألف من الآلاي الواحد والثلاثين والقناصة ~~البريطانيين، بما يبلغ الألف وأربعمائة رجل إلى جانب تزويدهم ~~بمدفعية ملائمة وغير ذلك من عتاد الحرب، وعلى أن يعودا ~~أدراجهما بعد تنفيذ هذه المهمة وترك حاميات كافية في رشيد ~~والرحمانية، وطلب «فريزر» نجدات جديدة كبيرة؛ حيث إن إرسال ~~هذا القسم من جيشه إلى جانب الأقسام الأخرى التي كانت تحتل ~~قلعة أبي ms0629 قير والقطع (قطع المعدية) بالإضافة إلى ضرورة احتلال ~~بعض المواقع الأخرى أثناء العمليات المقبلة، من شأنه إنقاص ما ~~لديه من قوات، وذلك كله عدا حاجته إلى عدد كاف من الجند معه ~~لرد أي هجوم قد يقع عليه هو بالإسكندرية، على أن تحضر هذه ~~النجدات الكبيرة إليه فورا. # ثم إن «فريزر» طلب كذلك في رسالته هذه أن ترسل إليه حكومته ~~تعليماتها ورغباتها بصدد ما تراه في مسألة إسداء العون أو عدمه ~~إلى المماليك؛ لتمكينهم من الاستيلاء على القاهرة وطرد ~~الأرنئود كلية من مصر بأسرها، وتلك أشياء قال «فريزر»: إنه ~~يعرف أن مقصد المماليك منصب على تحقيقها، وأن الميجور «مسيت» ~~قد شجعهم على انتظار مساعدة البريطانيين لهم في ذلك، ثم استطرد ~~«فريزر» يقول إنه قد بعث برسائل ودية إلى رؤساء العربان الذين ~~فهم عن أكثرهم أنهم يكنون الود للبريطانيين، كما أنه قد أرسل ~~كتبا مصاغة في عبارات عامة إلى المماليك، تتضمن بيانا عن ~~حسن نوايا الحكومة البريطانية نحوهم وتعبر عن رجائه في أن يظل ~~هؤلاء في علاقات طيبة دائما مع البريطانيين. # وأما المعلومات التي أرسلها «فريزر» إلى «وندهام»، فقد ~~أفرد لها قسما خاصا من كتابه - كما ذكرنا - فقال: «تفيد ~~الأنباء التي بلغتنا بأن باشا القاهرة محمد علي قد غادرها من ~~شهر مضى تقريبا في طريقه إلى الصعيد، وأنه موجود مع أكثر ~~قواته ببني سويف، حسب ما بلغنا من آخر الأنباء عنه، وأن القنصل ~~الفرنسي كان يلح عليه بقوة للنزول والسير إلى الإسكندرية ~~لمقاومة الإنجليز في حالة مجيء الأخبار عن اقتراب حملتهم من ~~مصر، وأن المتوقع أن الباشا سوف لا يحاول ذلك بعد أن لقى من ~~جانب المماليك ما أوقفه في التحامه معهم، ولأن لديه ما يكفي ~~أشغاله في الوقت الحاضر، وأن جميع الأرنئود من كل الأوصاف وبما ~~يبلغ الاثني عشر ألف رجل، هم في خدمة محمد علي وأصدقائه، وأن ~~معظم الزعماء العرب إن لم يكونوا جميعهم ميولهم طيبة جدا نحو ~~الإنجليز، وأن سكان الإسكندرية ميولهم عموما طيبة جدا نحونا ~~كذلك، وأنهم إنما ms0630 أرغموا إرغاما يوم 18 مارس على قتالنا، ~~الأمر الذي أميل إلى الاعتقاد بأنه الواقع، وأن القنصل الفرنسي ~~«دروفتي» استطاع الهرب قبل تسليم الإسكندرية، وذهب إلى القاهرة ~~من رشيد، وأن الشيخ محمد المسيري - الذي يعتبر بمثابة القديس ~~في الإسكندرية - صاحب ميول ودية نحو الإنجليز، ويرحب، أو ~~يتظاهر بأنه يرحب بمجيئهم، وأن الميجور «مسيت» قبل وصولي بمجرد ~~أن علم بأن الحملة في طريقها في عرض البحر إلى مصر أبلغ هذا ~~النبأ إلى البكوات، وأكد لهم بأن حكومتهم سوف يعاد تأسيسها في ~~البلاد، ويقول: إن الذي حدا به إلى اتخاذ هذه الخطوة، علمه ~~بأن باشا مصر محمد علي كان يحاول جادا لعقد السلام مع ~~البكوات.» # تلك إذن الأسباب التي برر بها «فريزر» مخالفته للتعليمات ~~التي لديه، والتي قصرت الغرض من حملته على الاستيلاء على ~~الإسكندرية واحتلالها، وأظهر هذه الأسباب - كما رأينا - ~~الاعتقاد بأن سكان الإسكندرية معرضون لخطر الموت جوعا إذا لم ~~يأخذ الجنود البريطانيون رشيد والرحمانية وتتضافر عوامل أخرى، ~~أهمها عدم توقع أي دفاع عنها يأتي من جانب محمد علي، ثم انتظار ~~أن يقنع نجاح هذه العملية العسكرية المعتقد أنها سوف تكون ~~بمثابة نزهة حربية البكوات بالنزول من الصعيد لمؤازرة جيش ~~الاحتلال البريطاني، ولكن «فريزر»، وقد وافق أخيرا على الأخذ ~~برأي «مسيت» أضاع بضعة أيام في الاستعداد الذي اتضح - كما سنرى ~~- أنه كان استعدادا ناقصا، فكان فقط ~~في 29 مارس 1807 وبموافقة ~~نائب أمير البحر السير «جون داكويرث» - الذي أبحر في اليوم ~~نفسه - كما قدمنا - إلى صقلية تاركا في القيادة البحرية ~~السير «توماس لويس» - أن سير قوة من حوالي الألف وأربعمائة ~~جندي من الآلاي الواحد والثلاثين بقيادة «ووكوب» و«ميد»، سارت ~~برا إلى قصر أبي قير حيث كان الكابتن «هالويل» قد أعد به ~~سفنا مسلحة لنقل الجنود إلى منفذ بحيرة إدكو الذي يصل بينها ~~وبين خليج أبي قير، فأقام الجند قاعدة ارتكاز أو محطة # Caravansera # أو قيروان ~~سراي بالقرب من هذا المنفذ، وساروا منها في تعب ومشقة حتى ~~وصلوا إلى مرتفعات أبو منضور جنوب ms0631 رشيد والمطلة عليها، فاتخذوا ~~بها مواقعهم في مساء يوم 30 مارس، وكان مع هذه الحملة كرئيس ~~للأدلاء أو المرشدين لها في سيرها «فيشنتزو تابرنا». # وكان برشيد وقتئذ قوة سليمان أغا الذي اضطر إلى الارتداد ~~إليها منذ حوادث 15، 20 مارس التي صحبت تسليم الإسكندرية، وهذا ~~عدا حوالي المائتين من الجنود العثمانلي المجلوبين من دمنهور ~~وحامية رشيد الأصلية، وقد تراوح عدد الجنود جميعهم بها بين ~~450، 550 حسب تقديرات «مسيت» و«تابرنا» و«مانجان»، كانوا ~~مسلحين تسليحا رديئا، ولا ذخائر كافية معهم، ولا أثر لأية ~~روح معنوية لديهم؛ لأنهم على وجه الخصوص ما كانوا يستطيعون ~~الاعتماد على مناصرة أهل رشيد لهم، وقد كتب منها منذ 27 مارس ~~«روشتي» إلى «البطروشي»، وكان الأخير يقيم وقتئذ في قرية ~~قريبة من رشيد، أن الشيخ حسن (وهو السيد حسن كريت نقيب الأشراف ~~برشيد) قد استمر في هذه الأيام الأخيرة يبذل قصارى جهده دون ~~انفكاك لإقناع أهل رشيد والجند الذين بها معا بأن المكان لا ~~يمكن الدفاع عنه، ولا يزال الشيخ حسن كريت يعمل بطريقة تفضي ~~إلى إغراء الجنود على إخلاء المدينة، ويبدو أن هؤلاء قد بدءوا ~~فعلا يتبعون نصائحه ويخلون المدينة مما سوف يكون عند تمامه ~~مبعث راحة عظيمة لنا، ولجميع السكان على السواء، والواقع أن ~~الشيخ حسن كريت كان قد نجح في التأثير على الأهالي، وإقناعهم ~~باستحالة الدفاع عن مدينتهم ضد الإنجليز، حتى إنهم صاروا لا ~~يخفون ولاءهم لهؤلاء الأخيرين، وميولهم الودية نحوهم، ثم إن ~~مساعي الشيخ لدى الجنود لإغرائهم على الانسحاب من رشيد ~~وإخلائها، جعل مقاومة هؤلاء للإنجليز عند قدومهم ميئوسا ~~منها. # وبالفعل ظهر كأنما الإنجليز لن يلقوا أية مقاومة في هجومهم ~~على رشيد، عندما لم يعترض سيرهم شيء، حتى وصلوا إلى مرتفعات ~~أبو منضور وبدا كل شيء هادئا، وساد الاعتقاد بأن المدينة سوف ~~تسقط من غير قتال، وقرر «ووكوب» لذلك دخول رشيد في اليوم ~~التالي، وفي 21 مارس خرج قسم من حامية رشيد لملاقاة العدو خارج ~~أسوار المدينة وتبادل مع كشافة الإنجليز الذين أرسلوا ~~للاستطلاع إطلاق ms0632 الرصاص، ولكن هؤلاء أرغموهم على الارتداد ~~والدخول إلى مدينتهم ثانية، وعندئذ نظم «ووكوب» قواته في ~~ثلاثة طوابير، الأول لاقتحام المدينة من ناحية البساتين ~~الممتدة على طول شاطئ النيل، والثاني لاقتحامها من الوسط؛ أي ~~من باب المدينة الرئيسي، والثالث في الميسرة لاقتحامها من ~~باب الإسكندرية، وفي هذا الترتيب لم يحتفظ «ووكوب» بقوة ~~احتياطية تحمي مؤخرته إذا حدث تقهقر وارتداد، أو تمنع العدو ~~من الخروج من المدينة لمحاولة إشغال الجنود وإزعاجهم وهم ~~يقاتلون بداخلها، فكان إغفال تنظيم هذه القوة الاحتياطية خطأ ~~من جانب قائد الحملة الذي أغفل كذلك توضيح نوع المقاومة التي ~~قد يلقاها جنوده وضباطه داخل مدينة مزدحمة بالمباني، وإرشادهم ~~إلى الوسائل التي يستطيعون بها التغلب عليها، والظاهر أن ~~«ووكوب» كان يعتقد - بفضل المعلومات التي لديه عن الحالة في ~~رشيد - أن الجند المدافعين عنها سوف يضطرون إلى إخلائها عند ~~دخول الإنجليز واقتحامهم لها أو التسليم كأسرى حرب، ومن ~~المحتمل كذلك أنه كان يجهل طرق العثمانيين في الدفاع داخل ~~مدينة يجدون في مبانيها ودورها وسائل للوقاية من نيران العدو ~~من جهة، ومواقع قد يستخدمونها في إصلاء العدو نارا حامية من ~~النوافذ والطيقان وما إليها، وهم ممتنعون خلف جدرانها من جهة ~~أخرى، ثم إن شوارع المدينة الضيقة تمكن المدافعين عنها ~~إذا شاءوا الثبات والصمود والمقاومة من الالتحام مع عدو يجهل ~~على وجه الخصوص مسالكها، فرادى أو جماعات صغيرة؛ حيث إنه من ~~المتعذر - لضيق الدروب والشوارع - تجمع وحدات كبيرة بها، ~~وفضلا عن ذلك فقد أهمل «ووكوب» - لاعتقاده دائما بأن ~~الأرنئود والعثمانلي سوف يسلمون أو يخلون المدينة - القيام ~~بعمليات استكشافية دقيقة أو كاملة، ولم تتجاوز التعليمات التي ~~أصدرها إلى جنده مطالبتهم بالدخول إلى المدينة فحسب، حقيقة كان ~~بعض الأرنئود قد بدءوا يتقهقرون عند بدء الهجوم، وأعطيت ~~الأوامر لحرق رشيد، وبعث بعض التجار والمسيحيين بها يطلبون ~~ضمانات من الإنجليز لحمايتهم وتأمينهم، ولكنه فات على «ووكوب» ~~إدراك أنه من النادر جدا أن يلقي العثماني أو الشرقي سلاحه، ~~وأنه لا يتوقع أن ينال رحمة من أحد؛ حيث إنه ms0633 هو نفسه لا يرحم ~~أحدا، وأنه؛ أي العثماني أو الشرقي قد يفر هاربا دون تردد ~~إذا سنحت الفرصة، ولكنه إذا لم تكن هناك وسيلة أخرى غير الصمود ~~والدفاع عن نفسه، فإنه سوف يدافع عن نفسه حتى اللحظة الأخيرة، ~~ولن يبيع حياته عندئذ بثمن بخس، وتلك كانت أخطاء عزا إليها ~~«مسيت» فيما بعد بعض الأسباب الهامة التي أدت في نظره إلى فشل ~~الحملة؛ لأن الإنجليز انهزموا شر هزيمة في هذه الواقعة. # فقد بدأت الطوابير الثلاثة حركتها حسب الأوامر المعطاة لها، ~~ودفع طابورا الجناحين أمامهما في أول الأمر العدو حتى أرغماه ~~على الانسحاب والارتداد السريع، ولكن الطريق الذي كان على ~~الطابور الأول أن يسير فيه لاقتحام البلدة كان صعبا؛ لأنه كان ~~ممتدا على طول حافة النهر (النيل) ويقع على يساره مرتفع ~~مغطى بالأحراش، وأهمل «ووكوب» احتلال هذا المرتفع، ولو أنه ~~فعل لما استطاع المدافعون القيام بحركة خروج مسلح للاشتباك مع ~~المهاجمين، زد على ذلك أن «ووكوب» أخطأ خطأ كبيرا في اجتياز ~~هذا الطريق؛ لأن أسوأ المعلومات عنه ومهما كانت ناقصة، ما كان ~~ينبغي حتى مع قصورها هذا أن تجعله يقرر اتخاذه مدخلا لاقتحام ~~المدينة منه؛ وعلى ذلك، فقد تعرض المهاجمون من هذا الطريق لضرب ~~شديد متصل من المرتفع الذي سبقت الإشارة إليه، وكذلك من مرتفع ~~آخر على ضفة النهر المقابلة دون أن يستطيعوا المجاوبة، فكانت ~~مفاجأة أشاعت الاضطراب في صفوف المهاجمين الذين اضطروا إلى ترك ~~المدفع الذي كانوا يجرونه بأذرعهم، وفقدوا ثلثيهم بين قتيل ~~وجريح، وعندئذ خرجت حفنة من فرسان المدافعين كادت تجهز ~~تماما على البقية الباقية منهم. # وأما الطابور الثاني المكلف باقتحام المدينة من بابها ~~الرئيسي في الوسط، فإنه لم يلبث أن قام بحركة انتشار غير ~~حكيمة، عندما صار على بعد ثمانين ياردة فقط أو ثمانمائة متر ~~تقريبا من منازل المدينة، فتعرض لضرب شديد من مبانيها وطيقان ~~أسوارها، ولكن المهاجمين استطاعوا إسكات هذا الضرب، ثم تمكنوا ~~بعد مشقة من فتح ثغرة في السور تدفق منها المهاجمون وعلى ~~رأسهم الجنرال «ووكوب» إلى ms0634 داخل المدينة، فأخلى الأتراك ~~والأرنئود المنازل الأمامية، وتقدم الإنجليز بسرعة ودون تكبد ~~خسائر كبيرة إلى وسط المدينة، ولكن دون أن يكون لهم هدف محدد ~~كذلك. # وكان عندئذ أن عرف «ووكوب» أن الطابور الثالث قد أبدى ~~ترددا في اقتحام المدينة من جهة باب الإسكندرية، بسبب مقاومة ~~المدافعين عنه الذين أرغموهم على الارتداد، فأسرع «ووكوب» ~~بالذهاب إلى هذا الموقع، ليجد أن الجنرال «ميد» قد أصيب بجرح ~~بليغ، وأن شيئا من الفوضى منتشر بين الجند، فأعاد النظام إلى ~~نصابه، وعاود الجند الهجوم، وفي هذه المرة تمكنوا بعد مشقة ~~من الدخول إلى رشيد، ولكن على مسافة كبيرة من يسار الهجوم ~~الرئيسي، وعاد «ووكوب» أدراجه لينضم ثانية إلى طابوره الثاني ~~الذي كان عندئذ قد استولى تماما على المواقع الرئيسية بداخل ~~رشيد، وأصيب «ووكوب» عند دخوله إلى المدينة بجرح بسيط في كتفه، ~~ولكنه لم يشأ إطلاع أحد على إصابته، وتقدم حتى وصل إلى مكان ~~الجند الذين وجدهم يحتلون معسكرا أو محلة صغيرة للعدو، وسكت ~~إطلاق الرصاص من البيوت المطلة على هذا الموقع والمجاورة ~~له، عدا بيت واحد، وكان أثناء إصداره الأمر باقتحام هذا البيت ~~أن أصيب «ووكوب» بإصابة قضت عليه من فوره، واقتحم الجند هذا ~~البيت وقتلوا من به من الأتراك، ولكن موت قائد الحملة كان ~~خسارة لا تعوض. # ومع أنه لا يعرف على وجه الدقة ما حدث بعد ذلك، فالثابت أن ~~الإنجليز استمروا مدة ساعة واحدة لا ينازعهم منازع في امتلاك ~~المدينة، ورسخ الاعتقاد في أذهان سكانها بأن رشيد قد سقطت ~~نهائيا في أيدي الإنجليز، حتى إن عددا من كبار أهلها ~~وتجارها المسيحيين، ومن بين هؤلاء «روشتي» كتبوا يطلبون من ~~المحتلين ضمانات تؤمنهم على أرواحهم وأموالهم، وبادر ~~«روشتي» نفسه بالكتابة إلى «بطروشي» يؤكد له أن الجيش ~~البريطاني يحتل معظم المدينة، وأن السكان لم يشتركوا في ~~المعركة؛ أي إنهم لم يدافعوا عن مدينتهم، بل على العكس من ذلك ~~فإنهم راحوا يختلطون بالجنود الإنجليز، وقد بعث بهذا الخبر ~~إلي الشيخ حسن كريت حتى أبلغك إياه، ثم إن ms0635 الشيخ حسن يطلب ~~حرس شرف لنفسه، ومن رأيي أنه ينبغي عليه أن يكتب بنفسه إلى ~~القائد في ذلك كما اقترحت عليه في وقته، ولكن ما رأيك أنت في ~~هذا كله؟ أرجوك إذا كان لديك وسيلة أخرى أن تحيطني علما بها؛ ~~حيث إني في انتظار ردك علي بأقرب وقت ممكن، وقد أكد فيما ~~بعد قومندان رشيد أو حاكمها علي بك السنانكلي أنه عندما هاجم ~~الإنجليز رشيد للمرة الأولى لم يكن لديه سوى كمية ضئيلة من ~~الذخائر، وأن المدينة التي كان الأرنئود قد أخلوا قسما كبيرا ~~منها كان لا مناص من أخذ الإنجليز لها، لو أن هؤلاء لم يقعدوا ~~ليأكلوا ويشربوا بدلا من الاستمرار في عملياتهم للاستفادة من ~~المزايا التي كانت لهم، ثم إنه عندما سئل «تابرنا» بعد فشل ~~حملة «فريزر» نهائيا وإخلائها الإسكندرية في الظروف التي سوف ~~يأتي ذكرها ثم انسحابها إلى صقلية، وأريد الوقوف على أسباب ~~هزيمة الإنجليز في رشيد، أجاب «تابرنا» على ما قدم إليه من ~~أسئلة، بأن عدد الجند برشيد كان حوالي 450 رجلا، وأن الإنجليز ~~لو أنهم طلبوا من حاكمها التسليم لكان الشيخ حسن كريت والسكان ~~جميعهم قد أرغموا هذا الحاكم على التسليم بالقوة، وأن جنود ~~حاميتها وعلى رأسهم قائد القوات الألبانية قد ألقوا بأنفسهم في ~~النيل طلبا للنجاة بالوصول إلى الشاطئ الآخر سباحة، كما ~~استخدم آخرون لهذا الغرض القوارب أو الألواح وقطع الخشب ~~الطافية في النهر، حتى إنه لو لم يصدر أمر بتقهقر الجيش ~~البريطاني لكان قد تسنى استيلاؤه على المدينة تماما، وأن أهل ~~رشيد أبدوا أصدق العواطف نحو الإنجليز، وخرج عدد عظيم من رجال ~~رشيد ونسائها من المدينة يحملون الخبز والماء وهم يصيحون: ينصر ~~الله الإنجليز، وأنه بعد تقهقر هؤلاء الأخيرين، وانسحابهم ~~ألبس عديدون من هؤلاء التعساء ملابس الجند الإنجليز القتلى، ~~ثم ذبحوا انتقاما منهم. # والحقيقة أن فقد «ووكوب» حرم الجند من القيادة التي في وسعها ~~إرشادهم وتوجيههم، كما أنه لم تكن هناك خطة موضوعة سلفا لبيان ~~ما يجب على الجيش أن يفعله بعد اقتحام ms0636 المدينة، فلم يعرفوا كيف ~~يسلكون، وغرهم اختلاط الأهالي بهم وما لاحظوه من هدوء، ~~فاعتقدوا أن العدو لن يعاود الكرة عليهم، وزاد في خديعتهم ~~واطمئنانهم بظواهر الأمور أن «البطروشي» نائب القنصل البريطاني ~~في رشيد، بادر بإقامة وليمة غذاء فخمة لضباط الحملة وكبارها في ~~منزله - وقد كانت هذه من نصيب علي بك السنانكلي ورجاله بعد ذلك ~~- فراح الجنود في جماعات صغيرة أو فرادى يجوبون أحياء المدينة ~~وشوارعها الضيقة، وجلسوا في القهاوي والمطاعم يشربون أو ~~يأكلون، بينما استلقى فريق منهم على الأرض ينشد الراحة، أو ~~يطلب الظل في جوار الجدران، وذلك كله بدلا من أن يحتلوا ~~المباني والمواقع الرئيسية في البلدة، أو يعملوا على تأمين ~~خطوط مواصلاتهم. # لاحظ هذا الخمول وعدم النشاط علي بك السنانكلي الذي سرعان ما ~~استرد شجاعته وثقته في نفسه عندما رأى أن أحدا لا يحاول ~~مطاردته أو تعقبه، فعمد إلى نقل كل القوارب والسفن إلى شاطئ ~~النيل الآخر، حتى يوقف ذهاب جنده إلى هذا الشاطئ، ويرغمهم على ~~إطاعة أوامره، واسترد هؤلاء بدورهم شجاعتهم، ودخل بهم علي بك ~~إلى المدينة مرة أخرى، ثم احتلوا المنازل من جديد وبدءوا في ~~التو والساعة إطلاق الرصاص من النوافذ والطيقان على الجند ~~الإنجليز المبعثرين في الشوارع والدروب، وفوجئ هؤلاء مفاجأة ~~بنوع من القتال لا عهد لهم به، وصار من المتعذر عليهم أن يلموا ~~شملهم، أو يدافعوا عن أنفسهم في أي جهد مشترك أو خطة منسقة، ~~فسقط كثيرون منهم قتلى وجرحى، ومع ذلك فإن الموقف لم يكن ~~ميئوسا منه؛ لأن حوالي المائة من الإنجليز بقيادة أحد ضباطهم ~~استطاعوا الصمود في المكان الرئيسي وسط البلدة، ولكن أحد ضباط ~~أركان الحرب تسرع في إبلاغ الجنرال «ميد» الذي تسلم القيادة ~~العامة بعد موت «ووكوب» أن الهزيمة محققة، وأنه يخشى من إفناء ~~الجند وإبادتهم، ولما كان «ميد» جريحا خارج البلدة ولا يعرف ~~ما حدث بها، فقد أصدر أمره بالانسحاب منها، ووجب على الجند ~~إطاعة الأوامر الصادرة إليهم، بالرغم من توقعهم تكبد خسارة ~~فادحة من جراء التقهقر في الشوارع الضيقة، ms0637 وعلمهم بأن العدو ~~يهدد بقطع خط الرجعة عليهم. # ولشد ما كانت دهشة الجند الآخرين الذين كانوا مع ضابطهم لا ~~يزالون صامدين في المكان الرئيسي بالبلدة، عندما شاهدوا ~~زملاءهم على أهبة التقهقر والانسحاب، بينما يجد الأتراك ~~والأرنئود في تعزيز مراكزهم خارج المدينة ومن جانبها، فلم ~~يجدوا مناصا من الانسحاب هم أيضا، وكان عليهم أن يمروا في ~~شارع ضيق ينتهي إلى الثغرة التي فتحت في السور وقت اقتحام ~~المدينة، ولما لم تتسع هذه لمرور المدفع الذي كان معهم ~~اضطروا إلى تركه. # ويقول التقرير الذي سجل حوادث حملة «فريزر»: «إن كثيرين من ~~الجرحى بالمدينة وقعوا في يد العدو أثناء هذا الانسحاب، كما أن ~~قسما من الجرحى الذين كانوا قد حملوا قبل ذلك خارج المدينة ~~ووضعوا تحت حماية حرس صغير، لم يلبث الفرسان الأتراك أن أجهزوا ~~عليهم، فكان عندئذ أن قتل البارودن «دي لوفين» # Leuwene # وهو ضابط متقدم في ~~السن وموضع احترام عظيم، أصيب بجرح في ساقه، وحمل خارج ~~البلدة، وهناك جاءه الفرسان الأتراك ومزقوه إربا، ووجدت ~~الحملة الثانية إلى رشيد جذعه مفصول الرأس، وقد أظهر العدو ~~أقصى ضروب الوحشية أثناء هذه العمليات فلم يرحم أحدا وقع في ~~يده.» هذا ومما يجدر ذكره أنه قد قتل في معركة رشيد عدد من ~~المهاجرين الفرنسيين الذين التحقوا بالجيش البريطاني في صقلية، ~~هم «سانت جورج» # Saint-Georges # و«دي تو» # Thou # و«دي سومر ~~كور» # Sommercourt # و«دي ~~لافايت» # Lafitte # و«دي ~~بلاتيل» Platel ~~. # وبمجرد أن أعيد النظام إلى صفوف الجنود تحت إشراف الضابط ~~«بروس» # Bruce # غادر ~~الإنجليز رشيد وساروا حول قلعة جوليان قاصدين إلى شاطئ النيل ~~حيث كان «هالويل» قد دخل ببعض قوارب الأسطول إلى النيل، ولكنه ~~لم يستطع التقدم في النهر بسبب وجود هذه القلعة من جهة، ولوجود ~~ثلاث من سفن المدفعية سدت الطريق عليه، وكانت خسارة هذه الحملة ~~جسيمة؛ فقد قتل قائدها «ووكوب» وجرح «ميد» التالي له في ~~القيادة جرحا بليغا، وبلغ عدد القتلى والجرحى والمفقودين ~~أربعمائة، من بينهم كثير من الضباط، وأما الجرحى الذين وصلوا ~~مع الجند المتقهقرين ms0638 فقد حملوا إلى القوارب، ودار البحث الآن ~~فيما يجب فعله. # ولما كان من المتعذر عمليا على «ميد» الاستمرار في القيادة ~~فقد تولاها «بروس»، وكان الموقع الذي انسحب إليه الجند موقعا ~~طيبا، يمكنهم من الدفاع فيه عن أنفسهم بسهولة، ويتيح تمسكهم ~~به الفرصة لهم لإعادة تنظيم صفوفهم والبقاء قريبا من رشيد حتى ~~إذا جاءتهم النجدات استطاعوا استئناف الهجوم عليها، ولم يكن من ~~المنتظر أن يحاول علي بك السنانكلي ومن معه من رؤساء الأجناد ~~الأرنئود والعثمانلي تجربة حظهم بشن هجوم عليهم، ولكن «بروس» ~~بعد البحث مع زملائه في شتى الخطط الواجب اتباعها قرر الانسحاب ~~إلى نقطة الارتكاز الأولى وهي المحطة أو قيروان سراي التي ~~أنشئوها بالقرب من منفذ بحيرة إدكو، على أن يقيموا عند وصولهم ~~إليها مركزا مسلحا لحماية الممر الرئيسي إلى ~~الإسكندرية. # وقد احتج الكابتن «هالويل» على هذه الخطة وطلب بقاء القوة ~~على الأقل حتى تغادر النيل القوارب المحملة بالجرحى؛ لأن ~~وجود الأحراش يعرض هذه للخطر والهجوم عليها من جانب قوارب ~~المدفعية التي للعدو، وكانت هذه مسلحة بمدافع أقوى من مدفعية ~~سفنه، ولكن احتجاجات «هالويل» ذهبت سدى، وتقهقر الجيش في طريقه ~~إلى قيروان سراي تاركا قوارب الجرحى في خطر عظيم، لو أن الريح ~~هبت من البحر وانتهز الأتراك هذه الفرصة فنشروا جنودهم على ~~الشاطئ، وشنوا هجوما على السفن بمساعدة مدفعية قواربهم، ولكن ~~سفن الجرحى استطاعت بفضل هبوب ريح ملائمة مغادرة النيل في ~~صبيحة اليوم التالي بسلام وانضمت إلى الأسطول الإنجليزي ~~بالإسكندرية. # وأما الجنود فقد جدوا في السير حتى وصلوا إلى المحطة، أو ~~قيروان سراي بعد تعب ومشقة، ولكنهم لم ينشئوا بها ذلك المركز ~~المسلح الذي كان مقررا إقامته بها، بل نزلوا إلى السفن التي ~~حملتهم إلى أبي قير. # وتضافرت أسباب عدة متنوعة على إحباط هذه الحملة الموجهة ضد ~~رشيد وفشلها، فتجهيز الحملة كان ناقصا من حيث المؤن المزودة ~~بها ومن حيث المدفعية التي معها، وقد أوضحت المعلومات التي ~~اعتمد عليها المشرفون على إعداد الحملة وإرسالها أن رشيد مكان ~~يتسنى إخضاعه بالالتجاء ms0639 إلى المفاجأة أكثر من محاولة اقتحامه ~~بالقوة، ومن الواجب الاعتراف أيضا بأن انطباع هذه الفكرة ~~الخاطئة في أذهان قواد الحملة كان مبعث تدبير خطة العمليات ~~العسكرية بالصورة التي تمت بها، وأن هذه الخطة بدليل ما أسفرت ~~عنه من إصابات بين قتلى وجرحى قد أسيء تنفيذها، فلا يمكن ~~الدفاع بتاتا عن مسألة إرسال الفريق الذي طلب منه السير في ~~الطريق إلى اليمين، وهو طريق يصعب اختراقه عمليا، وذلك دون ~~الاحتياط سلفا بتنظيف المرتفع من العدو، ولم يزود الجنود ~~والضباط بمعلومات كافية عن طبيعة المهمة التي كلفوا بها، ~~وكان يجب إعطاء الجنود العتل الحديدية والمطارق الكبيرة، ثم ~~إنه كان يجب قبل كل شيء إشعارهم والتأكيد عليهم بضرورة ~~اقتحام المباني القوية بالمدينة والاحتفاظ بها، كما أنه كان لا ~~يجب الإذن بإطلاق النار حتى يتم أولا تأسيس المواقع والمراكز، ~~ثم إنه كان لا معدى عن الاعتماد على استخدام السونكي؛ ~~وذلك ليس لأنها السلاح الأجدى نفعا، بل لأنها أكثر من ذلك، ~~السلاح الذي يخشاه الأتراك ويخافونه أعظم خوف من غيره. # وبلغ عدد القتلى الإنجليز يوم 31 مارس، 185 والجرحى 382، ~~وكانت خسارة الأرنئود والجند المدافعين عن رشيد أربعين من ~~القتلى وحوالي المائة من الجرحى، وذلك بناء على ما بلغ قنصل ~~إسبانيا بالإسكندرية الماركيز «دالمينارا» # d’Almenara # الذي بادر بنقل تفاصيل هذه ~~المعركة إلى السفير الإسباني في القسطنطينية في 3 أبريل، ويذكر ~~«دالمينارا» أن الهجوم وقع على رشيد في الساعة السادسة ~~والدقيقة الخامسة والأربعين من صبيحة يوم 31 مارس وأن القتال ~~استمر مدة ساعتين، وأن علي بك السنانكلي بعد هزيمة الإنجليز ~~وتقهقرهم قد عامل الأسرى معاملة طيبة، وعني بتضميد جروح ~~الجرحى منهم، وأما القتلى فقد أرسلت رءوسهم إلى القاهرة، ~~ويذكر «دروفتي» في رسالة له إلى «سباستياني» من القاهرة في 3 ~~أبريل أن عدد الأسرى الذين وصلوا إلى القاهرة كان أربعين عدا ~~أسير فرنسي يدعى «جيرار» # Gérard # أخذ معهم، وعدد الرءوس المقطوعة ~~مائة وعشرون رأسا، وأن الأرنئود استدرجوا الإنجليز إلى داخل ~~البلدة، وأن هؤلاء الأخيرين لم يكن معهم فرسان ms0640 لاعتماد الحملة ~~عند خروجها من صقلية على فرسان المماليك الذين توقعوا أن ~~يجدوهم على قدم الاستعداد للانضمام إليهم والاشتراك معهم في ~~عملياتهم العسكرية عن وصولهم إلى الإسكندرية، وكان من رأي ~~«دروفتي» أن هذه الهزيمة سوف تعطل مشروع الإنجليز الذي يرمي ~~إلى الاتصال بالمماليك، ثم إنها سوف تتيح الفرصة لمحمد علي ~~للمفاوضة بنجاح مع البكوات من جهة، وتقوية حامية رشيد من جهة ~~أخرى، ناهيك عن الأثر العظيم الذي سوف تحدثه في الرأي العام، ~~وفي الجند العثمانيين خصوصا من حيث تعزيز ثقتهم ~~بأنفسهم. # وأما الجنرال «فريزر» فقد نقل خبر هذه الكارثة إلى وزير ~~الحربية «وندهام» في 6 أبريل، في كتاب حاول فيه إلقاء تبعة ~~إرسال الحملة على رشيد على كاهل «مسيت» الذي قال «فريزر»: ~~إنه أكد له أن عدم الاستيلاء على رشيد والرحمانية ينطوي على ~~مجازفة خطيرة هي تعريض الإسكندرية للمجاعة، كما أن «فريزر» ~~أشرك معه السير «جون داكويرث» في تحمل مسئولية إرسال هذه ~~الحملة عندما قال: إن ذلك كان بموافقته، وقد تحدث «فريزر» عن ~~أسباب الهزيمة فقال: «إن جنودنا احتلوا مرتفعات أبو منضور ~~- التي تسيطر على المدينة - دون خسارة، ولكنه بسبب ظروف لم ~~يمكن تفسيرها حتى الآن، وجد القائد «ووكوب» لسوء الحظ ما أغراه ~~بالدخول إلى المدينة بجميع قواته، بدلا من الاحتفاظ بمركزه في ~~أبو منضور، ومن غير أن يستكشف المكان سلفا، مما أدى إلى تعريض ~~الجنود للضرب بقسوة من المنافذ، وسطوح البيوت، ودون أن ~~يستطيعوا حتى رؤية العدو، مما ترتب عليه أنه رئي من الحكمة ~~إصدار الأمر لهم بالانسحاب ~~لا سيما وأن الجنرال «ووكوب» كان قد قتل، والقائد التالي له ~~في القيادة الجنرال «ميد» كان قد أصيب بجرح بليغ.» ثم استطرد ~~«فريزر» يذكر آثار هذه الهزيمة السيئة فقال: إن فشل هذه الحملة ~~وانسحابها إلى الإسكندرية كان كارثة غير متوقعة، وبخاصة لأن كل ~~المعلومات التي لديه كانت قد جعلته يعتقد أنه إذا حدثت أية ~~مقاومة فإنها سوف تكون تافهة ولا قيمة لها، فضلا عن جميع ~~الاحتياطات التي قد تشير إليها الحكمة ms0641 كان قد أوصى باتخاذها؛ ~~ولذلك فليس هناك ما أعزو إليه هذه الخسائر الجسيمة التي ~~تكبدناها إلا ما زهر من شغف وولوع عظيمين لسوء الحظ، بالسماح ~~للجنود بدخول المدينة قبل استكشافها كما ينبغي مقدما، ووضع ~~الجنود لذلك تحت تسلط العدو وسيطرته، وهو عدو لا يخشى بأسه ~~عند الالتحام معه في ميدان مكشوف، ولكنه يصبح مبعث أخطار جسيمة ~~للغاية إذا هوجم في موضع يفيد منه يقينا ويتلاءم تماما مع ~~أساليب قتاله كذلك الوضع الذي وجد فيه. # أما هذه الهزيمة التي لحقت بالإنجليز في رشيد فقد طار ~~نبؤها إلى الإسكندرية في 31 ~~مارس؛ أي يوم المعركة ذاتها، كما وصلت أخبارها القاهرة أول ما ~~وصلت يوم 3 أبريل، وكان لنبأ ~~هذه الهزيمة وقع عظيم في الإسكندرية والقاهرة معا، ضد صالح ~~الإنجليز، الذين أصيبت سمعتهم بسببها بضربة ماحقة. ~~(8) محمد علي في القاهرة # سجل الشيخ الجبرتي الأخبار التي وردت إلى القاهرة يوم 3 ~~أبريل عن هزيمة الإنجليز في رشيد، ثم تحدث عن أثرها في دمنهور ~~فقال: «وكان كاشفها عندما بلغه ما حصل برشيد من انهزام ~~الإنجليز، اطمأن خاطره ورجع بعد أن كان قد غادرها في الظروف ~~التي مر ذكرها إلى ناحية ديبي ومحلة الأمير وطلع بمن معه إلى ~~البر وصادف شرذمة من الفارين الإنجليز من رشيد إلى ناحية ~~دمنهور فقتل بعضهم، وأخذ ما بقي منهم أسرى، وأرسلوا السعاة ~~إلى مصر (القاهرة) بالبشارة، فضربوا مدافع وعملوا شنكا وخلع ~~كتخدا بك على السعاة الواصلين.» وقد ذكرنا كيف خرج الناس ~~للفرجة على الأسرى ورءوس القتلى عند وصول هؤلاء الأسرى وهذه ~~الرءوس المقطوعة إلى القاهرة يوم 5 أبريل. # ومع أن يوسف عزيز قد أكد بعد ذلك عند سؤاله في «مسينا» في ~~20 أكتوبر 1807 عن الأثر الذي أحدثته هزيمة الإنجليز في رشيد ~~في 31 مارس بأن أهل القاهرة قد صاروا يقولون علنا إن الجيش ~~الذي هاجمها لم يكن مؤلفا من الإنجليز، وأنهم عرفوا جيدا عند ~~وصول الأسرى إلى القاهرة كيف يميزون أن معظم هؤلاء كانوا من ~~الأجانب، وأن كل أولئك ms0642 الذين رأوا يوسف عزيز وقتذاك من ~~القاهريين قد أكدوا له أن شعب مصر قد حزن أكثر مما حزن ~~الإنجليز أنفسهم لهذه الهزيمة التي أصابتهم، ولكنه؛ أي شعب مصر ~~يجد تعزيته في رجائه أن الجيش الإنجليزي سوف يعمد إلى إصلاح ~~الخطأ الذي ارتكبه، وأنه سوف يحتل قريبا القاهرة، وتذاع ~~الإشاعات يوميا بأن الإنجليز قد وصلتهم نجدات عظيمة حتى ~~يرهبوا الأرنئود، ويحملوهم على مغادرة البلاد، فالثابت أن ~~أخبار هذه الهزيمة قد أحيت معنوية القاهريين، وأزالت الوهم ~~الذي كان مستوليا عليهم، وأثارت حميتهم وجعلتهم يهتمون ~~بالدفاع عن مدينتهم؛ وذلك لأن أحدا من الناس ما كان يعتقد أنه ~~يسهل الانتصار على جيش أوروبي مزود بأكمل الأسلحة وأحدثها، ~~ولكن مشاهدة الأسرى وفيهم فسيال كبير وآخر كبير في السن، وهما ~~راكبان على حمارين، والبقية مشاة في وسط العسكر الذين جاءوا ~~بهم، ثم أولئك الذين خرجوا لاستقبالهم عند وصولهم إلى ساحل ~~بولاق ورءوس القتلى معهم على نبابيت، وقد تغيرت وأنتنت رائحتها ~~- قد نهض دليلا على أن هزيمة الإنجليز أمر يسهل إحرازه، ولا ~~ينبغي لذلك أن يخشى الناس بأسهم. # وقد ظهر أثر هذه الهزيمة أكثر ما ظهر في مسلك السيد عمر مكرم ~~والمشايخ عموما، فقد نبه الأول - في اليوم نفسه 5 أبريل - على ~~الناس وأمرهم بحمل السلاح والتأهب للجهاد في الإنجليز حتى ~~مجاوري الأزهر، وأمرهم بترك حضور الدروس، وكذلك أمر المشايخ ~~المدرسين بترك إلقاء الدروس، وفي هذا اليوم أيضا تزايد ~~اطمئنان الناس، وتزايدت همة عمر مكرم والمشايخ عندما وصل ~~عابدين بك وعمر بك وأحمد أغا لاظ أوغلي من الصعيد وأشيع وصول ~~الباشا بعد يومين، ثم لم تلبث أن وصلت إلى بولاق يوم 6 أبريل ~~جملة من الرءوس والأسرى، فطلعوا بهم على الرسم المذكور وعدتهم ~~مائة رأس وإحدى وعشرون رأسا وثلاثة عشر أسيرا وفيهم جرحى، ~~وقد مات أحدهم على بولاق، فقطعوا رأسه ورشقوها مع الرءوس على ~~النبابيت وشقوا بهم من وسط المدينة آخر النهار. # ثم إن رجال الحكومة والمشايخ لم يلبثوا أن عقدوا اجتماعا ~~ببيت القاضي يوم 7 أبريل ms0643 حضره حسن باشا وعمر بك والدفتردار ~~وكتخدا بك «طبوز أوغلي» وعمر مكرم والشيخ الشرقاوي والشيخ ~~الأمير وسائر المشايخ، وقال الشيخ الجبرتي: «إنهم تكلموا في ~~شأن حادثة الإنجليز والاستعداد لحربهم وقتالهم وطردهم، فإنهم ~~أعداء الدين والملة، وقد صاروا أيضا أخصاما للسلطان، ~~فيجب على المسلمين دفعهم، ويجب أيضا أن يكون الناس والعسكر ~~على حال الألفة والشفقة والاتحاد، وأن تمتنع العساكر عن التعرض ~~للناس بالإيذاء كما هو شأنهم، وأن يساعدوا بعضهم بعضا على دفع ~~العدو، ثم تشاوروا في تحصين المدينة وحفر خنادق، فقال بعضهم إن ~~الإنجليز لا يأتون إلا من البر الغربي، والنيل حاجز بين ~~الفريقين، وإن الفرنساوية كانوا أعلم بأمر الحروب، وإنهم لم ~~يحفروا إلا الخندق المتصل من الباب الجديد إلى البر، فينبغي ~~الاعتناء بإصلاحه ولو لم يكن كوضعهم وإتقانهم؛ إذ لا يمكن فعل ~~ذلك، واتفقوا على ذلك.» # ولما كان حاكم رشيد علي بك السنانكلي يتوقع أن يستأنف ~~الإنجليز هجومهم على رشيد، فقد بعث يطلب هو وأحمد بك المعروف ~~ببونابرتة الخازندار النجدة من القاهرة، ووصل كتابهما يوم 7 ~~أبريل، وفيه يقولان: «إن الإنجليز لما حضروا إلى رشيد وحصل لهم ~~ما حصل من القتل والأسر ورجعوا خائبين حصل لباقيهم غيظ عظيم، ~~وهم شارعون في الاستعداد للعود والمحاربة، والقصد أن تسعفونا ~~وتمدونا بإرسال الرجال والمحاربين والجبخانة بسرعة وعجلة، ~~وإلا فلا لوم علينا بعد ذلك، وقد أخبرناكم وعرفناكم بذلك.» ~~ويحمل هذا الكتاب تاريخ 3 أبريل. # فبادر المسئولون والمشايخ على الفور بإرسال عدة من المقاتلين ~~في هذا اليوم نفسه، ثم إنهم كتبوا مكاتبات إلى البلاد والعربان ~~الكائنين ببلاد البحيرة يدعونهم للمحاربة والمجاهدة، وفي اليوم ~~التالي (8 أبريل) اطمأن خاطر «دروفتي» عندما صحب السيد عمر ~~مكرم والقاضي والمشايخ والأعيان ونزلوا جميعا إلى ضاحية بولاق ~~لترتيب أمر الخندق الذي تقرر إصلاحه في اجتماع اليوم السابق، ~~وذكر الشيخ الجبرتي أن «دروفتي» هو الذي أشار عليهم بذلك، وقد ~~صحبهم في خروجهم هذا الجمع الكثير من الناس والأتباع والكل ~~بالأسلحة، وشرعوا في نفس اليوم في حفر الخندق المذكور ووزعوا ~~حفره على ms0644 مياسير الناس، وأهل الوكائل والخانات والتجار وأرباب ~~الحرف والروزنامجي، وجعلوا على البعض أجرة مائة رجل من الفعلة، ~~وعلى البعض أجرة خمسين وعشرين، وكذلك أهل بولاق ونصارى ديوان ~~المكس والنصارى الأروام والشوام والأقباط، واشتروا المقاطف ~~والغلقان والفئوس والقزم وآلات الحفر وشرعوا في بناء حائط ~~مستدير أسفل تل قلعة السبتية. # ولكن في اليوم الذي بعث فيه علي بك السنانكلي وبونابرتة ~~الخازندار رسالتهما الآنفة بتاريخ 3 أبريل، كان «فريزر» قد ~~سير حملة ثانية ضد رشيد في ظروف سوف يأتي ذكرها، وشرع ~~الإنجليز في حصارها، فأرسل السيد حسن كريت نقيب الأشراف برشيد ~~والمشار إليه بها كتابا إلى السيد عمر مكرم تسلمه هذا في ~~القاهرة يوم 9 أبريل، جاء فيه «أن الإنجليز لما وقع لهم ما ~~وقع برشيد ورجعوا في هزيمتهم إلى الإسكندرية، استعدوا وحضروا ~~إلى ناحية الحماد قبلي رشيد ومعهم المدافع الهائلة والعدد، ~~ونصبوا متاريسهم من ساحل البحر إلى الجبل عرضا وذلك ليلة ~~الثلاثاء ثامن عشرينه (28 محرم 1222 الموافق 7 أبريل 1807)، ~~فهذا ما حصل أخبرناكم به، ونرجو الإسعاف والإمداد بالرجال ~~والجبخانة والعدة والعدد وعدم التأني والإهمال.» ويبدو أن ~~السبب في تحول السيد حسن كريت عن مؤازرة الإنجليز في هذه المدة ~~أنه صار بعد هزيمتهم الأولى لا يثق في قدرتهم على الاستيلاء ~~على رشيد، لا سيما وأن حاكمها علي بك السنانكلي كان يبذل همة ~~عظيمة في الدفاع عنها، وأبدى الأرنئود وسائر الجند بها ~~استخفافهم بعمليات الإنجليز بعد أن ذاقوا طعم الانتصار عليهم، ~~وفضلا عن ذلك فإن الشيخ بعد أن أظهر صداقته للإنجليز في المرة ~~الأولى واطمأن إلى وثوق هؤلاء به واعتبارهم إياه من أصدقائهم، ~~رأى من حسن السياسة الآن، وكما تصور هو وغيره من مشايخ الوقت ~~حينذاك هذه السياسة الحسنة، أن يتمسك أو يتظاهر كذلك بولائه ~~لحكومة الباشا، حتى إذا جاءت النجدات فعلا من القاهرة، وانهزم ~~الإنجليز في هذه المرة أيضا، ظل مرضيا عنه، واحتفظ بثروته ~~وجاهه، وأما إذا لم تأت النجدات واستولى الإنجليز على ~~البلدة، استأنف سيرته معهم، ووجد في الوقت نفسه حجة ms0645 في طلبه ~~للنجدة وعدم وصولها، يستند عليها في تسويغ مسلكه مع العدو ~~المحتل لبلده. # وأما كتاب حسن كريت فقد قرأه السيد عمر النقيب على الناس، ~~وحث السيد الناس على التأهب والخروج للجهاد، فامتثلوا لأمره، ~~ولبسوا الأسلحة، وجمع عمر مكرم إليه طائفة المغاربة وأتراك خان ~~الخليلي، وكثيرا من العدوية والأسيوطية (ومن المعروف أن أسيوط ~~مسقط رأسه) وأولاد البلد، وبلغ الحماس من السيد عمر للخروج في ~~قتال الإنجليز ونجدة أهل رشيد مبلغا عظيما فركب في صبحها (10 ~~أبريل) إلى كتخدا بك واستأذنه في الذهاب، ويبدو أن مسألة ~~الخطاب الذي كان قد كتبه قنصل روسيا والنمسا العام في مصر ~~«ماكاردل» إلى «مسيت» والقواد الإنجليز بالإسكندرية بناء على ~~رغبة عمر مكرم، وقال يوسف عزيز إن الحكومة قد صادرته كانت لا ~~تزال ماثلة في ذهن كتخدا بك، ولو أنه كان يجهل دور عمر مكرم في ~~هذه المسألة، فقد رفض أن يسمح له بالذهاب إلى الجهاد المنشود، ~~وقال حتى يأتي أفندينا الباشا ويرى رأيه في ذلك، فبقي عمر مكرم ~~بالقاهرة ثم سافر من سافر وبقي من بقي، وفي اليوم التالي (11 ~~أبريل) وردت مكاتبة من علي بك السنانكلي وأحمد أغا بونابرتة ~~الخازندار وطاهر باشا بمعنى مكتوب السيد حسن كريت السابق، ~~ويذكرون فيه أن الإنجليز ملكوا أيضا كوم الأفراح وأبو منضور ~~ويستعجلون النجدة. # ولكن في تلك الليلة - 11 أبريل 1807 - وفي ساعة متأخرة وصل ~~محمد علي باشا ودخل إلى داره بالأزبكية فلما طلع نهار ذلك ~~اليوم ذهب عمر مكرم والمشايخ ورجال الحكومة للسلام عليه في ~~داره ودار بينهم الكلام في أمر الإنجليز، وأظهر الباشا سخطه ~~على أهل الإسكندرية والشيخ المسيري وأمين أغا حيث مكنوا ~~الإنجليز من الثغر وملكوهم البلدة، ولم يقبل لهم عذرا في ذلك، ~~ومما يجب ذكره أن الباب العالي نفسه ساورته الشكوك في مسلك ~~أمين أغا ومضالعته مع الإنجليز هو وغيره من المسئولين في ~~الإسكندرية، فقد كلف الريس أفندي - غداة وصول أخبار تسليم ~~الإسكندرية إلى القسطنطينية - ترجمان الباب العالي بإبلاغ ~~«سباستياني» السفير الفرنسي بها في ms0646 19 مايو 1807، أن محمد علي ~~عندما علم أن أسطولا إنجليزيا يحمل جنودا بريين قد تقدم ~~نحو شواطئ مصر ليحاول إنزال هؤلاء الجنود إلى البر، أرسل قوة ~~من الجند لتعزيز حامية الإسكندرية، ولكن أمين أغا قبطان ~~الكريتلي حاكم المدينة رفض هذه النجدة، وأرجع باحترام جند محمد ~~علي قائلا: إنه ليست له حاجة بهم، وفي أثناء ذلك أنزل أسطول ~~إنجليزي جندا في أبي قير ثم آخرين بعد ذلك عند قرية العجمي ثم ~~أحاط بالإسكندرية، وعندئذ عقد أمين أغا مجلسا مع رؤساء البلد ~~ثم أرسل مفاوضا إلى الجيش الإنجليزي الصغير، وسلم المدينة مع ~~الحصن تسليما إلى الإنجليز؛ أي من غير مقاومة، وقد حدث هذا ~~حوالي منتصف مارس، ومن المحتمل أن الحكام والقواد بالإسكندرية ~~كانوا متفاهمين مع الإنجليز، الأمر الذي يفسر رفضهم للنجدات ~~التي عرضها عليهم محمد علي باشا. # ومهما يكن من أمر، فقد وجب الآن تدبير الوسائل التي يمكن بها ~~إنقاذ رشيد وإرسال النجدات إليها، وقد أبدى المجتمعون بالباشا ~~رغبتهم في الخروج جميعا للجهاد مع الرعية والعسكر لا سيما وأن ~~الرعية كانوا على قدم الاستعداد للخروج، بعد أن أمرهم السيد ~~عمر مكرم بحمل السلاح، وجمع حوله طوائف كثيرة لهذا الغرض، على ~~نحو ما سبقت الإشارة إليه، ولكن الباشا رفض ذلك وقال: «ليس على ~~رعية البلد خروج وإنما عليهم المساعدة بالمال لعلائف العسكر»، ~~ثم أمر كتخدا بك «طبوز أوغلي» وحسن باشا بالخروج في اليوم نفسه ~~لنجدة رشيد والاشتباك مع الإنجليز، فأخرجوا مطلوباتهم وعازتهم ~~إلى بولاق، وفي المساء طلب الباشا السيد عمر في وقت العشاء ~~الأخيرة، وألزمه بتحصيل ألف كيس لنفقة العسكر وأن يوزعها ~~بمعرفته. # وفي 14 أبريل كتب «دروفتي» إلى «سباستياني» أنه قابل الباشا ~~عقب عودته إلى القاهرة وتباحث معه في الموقف في مصر مدة ~~ساعتين، فدار الكلام بينهما حول مفاوضات الباشا الأخيرة مع ~~بكوات الصعيد، وحول الاستعدادات اللازمة لدفع عدوان الإنجليز، ~~فقال «دروفتي» إنه علم أن المفاوضات بين محمد علي وإبراهيم ~~بك وسائر زملائه لم تسفر عن شروط نهائية، وأن الاتفاق كان على ms0647 ~~الشروط المبدئية فحسب، ومؤداها أن البكوات لا يتحالفون مع ~~الإنجليز، وعند الضرورة ~~يحملون السلاح ضدهم؛ أي يقاتلونهم، وأن يحتل البكوات الصعيد في ~~نظير دفع الميري لخزينة الدولة، ثم قال «دروفتي»: «والباشا ~~مخلص فيما تعهد به، وقد سحب جنده من الأماكن المحصنة في ~~الصعيد، واحتل المماليك هذه الأماكن التي أخلاها العثمانيون، ~~ومن المنتظر حضور إبراهيم بك إلى الجيزة حتى يمكن بواسطة ~~العلماء والمشايخ عقد المعاهدة النهائية، ويعتقد محمد علي أن ~~البكوات لا ينضمون إلى الإنجليز، وأنهم حتى إذا فعلوا هذا فإن ~~جميع الأرنئود العثمانلي الذين في خدمتهم سوف يتركونهم حينئذ»، ~~ثم استطرد «دروفتي» يقول: «وقد بادر الباشا فور وصوله باتخاذ ~~الوسائل اللازمة لإرسال الجند مع كتخدا بك إلى رشيد التي ~~يحاصرها الإنجليز، ومحمد علي يعمل في إنشاء خط من التحصينات ~~الخارجية لحماية بولاق والطريق الممتد منها إلى القاهرة»، ثم ~~أكد أن المشايخ وتبعا لذلك - كما قال - الأهالي يبدون روحا ~~عالية طيبة، وقد اتخذ الباشا كل ما يمكن من تدابير لتكذيب دعوى ~~القائد الإنجليزي الذي يقول: إن فتح مصر لا يكلف مشقات أكثر ~~مما يكلفه فتح «بينوس ~~أيرس» # Buenos Aires # بالأرجنتين - وكان الإنجليز قد بعثوا ~~بحملة إلى أمريكا الجنوبية استولت على «بينوس أيرس» في يونيو ~~1806 ولكنهم لم يلبثوا أن فقدوها في فبراير من العام التالي - ~~وختم «دروفتي» رسالته بقوله: «إن الباشا يبدي عواطف طيبة نحو ~~الإمبراطور نابليون وفرنسا»، وأشار «دروفتي» على محمد علي ~~بضرورة حشد جميع قواته الموجودة منها في القاهرة ومصر الوسطى ~~والصعيد وتسييرها بأقصى سرعة ضد الإنجليز قبل أن يتمكن هؤلاء ~~من تثبيت أقدامهم في الوجه البحري، وراح يضرب الأمثال لتأييد ~~وجهة نظره بما فعله بونابرت عند نزول العثمانيين في أبي قير في ~~يوليو 1799، فقد جمع هذا في مكان واحد كل قواته المنعزلة عن ~~بعضها بعضا، فانتصر بفضل ذلك على جيش الصدر الأعظم في معركة ~~أبي قير البرية (25 يوليو 1799)، كما فقد «منو» # Menou # مصر؛ لأنه خالف هذه ~~الخطة، فوزع قواته في أماكن متعددة، واقتنع الباشا برأي ~~«دروفتي» وشرع ms0648 يجمع الجند تهيؤا لإرسالهم ضد الإنجليز. # وحدث أثناء ذلك أن وردت مكاتبة من رشيد وعليها إمضاء السيد ~~حسن كريت بعث بها في 11 أبريل ووصلت إلى القاهرة في 14 منه، ~~ويخبر فيها حسن كريت بأن الإنجليز محتاطون بالثغر ومتحلقون ~~حوله، ويضربون على البلد بالمدافع والقنابر، وقد تهدم الكثير ~~من الدور والأبنية ومات كثير من الناس، ثم يقول: وقد أرسلنا ~~لكم قبل تاريخه نطلب الإغاثة والنجدة فلم تسعفونا بإرسال شيء، ~~وما عرفنا لأي شيء هذا الحال، وما هذا الإهمال، فالله الله في ~~الإسعاف، فقد ضاق الخناق، وبلغت القلوب الحناجر، من توقع ~~المكروه وملازمة المرابطة والسهر على المتاريس، وكانت هذه ~~الرسالة معنونة باسم السيد عمر مكرم النقيب والمشايخ. # فاهتم الباشا اهتماما بالغا حتى إنه اعتزم السفر بنفسه ~~وركب إلى بولاق وصحبته حسن باشا وعابدين بك وعمر بك، ولكن ~~الباشا لم يسافر وخرج أجناد كثيرون، ولو أن معظم هؤلاء ما ~~كانوا يتعدون منية السيرج وشبرا أو الزاوية الحمراء والمطرية ~~والأميرية، يعتدون على الأهالي ويأكلون مزروعاتهم ويخطفون ~~مواشيهم ويعتدون على الأهلين، ومنهم من كان لا يسير إلى أبعد ~~من بولاق ذاتها وجزيرة بدران، ثم يعود أكثر هؤلاء إلى القاهرة، ~~فقال الشيخ الجبرتي: «إن الأجناد في الجهات التي ذهبوا إليها ~~أكلوا زروعات الجميع، وخطفوا مواشيهم، وفجروا بالنساء، وافتضوا ~~الأبكار، ولاطوا بالغلمان وأخذوهم وباعوهم فيما بينهم، حتى ~~باعوا البعض بسوق مسكة وغيره»، وعلق الشيخ على ذلك بقوله في ~~مرارة: «وهكذا يفعل المجاهدون! ولشدة قهر الخلائق منهم وقبح ~~أفعالهم تمنوا مجيء الإفرنج من أي جنس كان، وزوال هؤلاء ~~الطوائف الخاسرة الذين ليس لهم ملة ولا شريعة ولا طريقة يمشون ~~عليها، فكانوا يصرخون بذلك بمسمع منهم، فيزداد حقدهم، وعدوانهم ~~ويقولون: أهل هذه البلاد ليسوا مسلمين؛ لأنهم يكرهوننا ويحبون ~~النصارى، ويتوعدونهم إذا خلصت لهم البلاد ولا ينظرون لقبح ~~أفعالهم.» وكان مرتكبو هذه الفعال الجنود الحاضرون من الصعيد ~~بعد إخلائه لا سيما جنود حامية المنيا الذين كانوا مع أحمد أغا ~~لاظ أوغلي، وقد أوجبت هذه الحال بقاء الباشا في القاهرة ms0649 ~~لمعالجة مسألة هؤلاء الجند الذين كانوا يطالبون بمرتباتهم ~~المتأخرة، وقد ذكرنا كيف أنه ألزم عمر مكرم بتحصيل ألف كيس ~~لنفقة العسكر، أما الجند الذين ساروا مع كتخدا بك «طبوز ~~أوغلي» وحسن باشا وتحت قيادة الأول فكانوا أربعمائة من المشاة ~~وألفا وخمسمائة من الفرسان، وساروا جيشا واحدا حتى وصلوا ~~إلى منوف، ثم انقسموا بعد ذلك إلى فريقين، فعبر حسن باشا بفريق ~~منهما النيل ليسير على الشاطئ الأيسر للنهر، بينما استمر كتخدا ~~بك يسير على الشاطئ الأيمن ووجهة الجيشين رشيد. # وكان الباشا قد طلب إلى السيد عمر مكرم والمشايخ أن يكتبوا ~~إلى البكوات القبالي يستحثونهم على التعجيل بالحضور إلى الجيزة ~~لإبرام الصلح النهائي، فأرسل هؤلاء جوابا وصل القاهرة في 20 ~~أبريل يعتذرون فيه بأن السبب في تأخرهم أنهم لم يتكاملوا، وأن ~~أكثرهم متفرقون بالنواحي مثل عثمان بك حسن وغيره، وأنهم إلى ~~الآن لم تثبت عندهم حقيقة الأمر؛ لأن من الثابت عندهم صداقة ~~الإنجليز مع العثماني من قديم الزمان، وأن المراسيم التي وردت ~~بالتحذير والتحفظ من الموسكوب ولم يذكر الإنجليز، ولا جدال في ~~أن البكوات قد تعمدوا المغالطة في أجوبتهم هذه؛ لأن رسائل ~~«مسيت» إليهم كانت قد أوقفتهم على الحقيقة، وقد تقدم كيف أن ~~إبراهيم بك وشاهين بك الألفي قد أجابا عليها في أول أبريل بما ~~يفيد أنهما كانا يعرفان بقطع العلاقات، وقيام الحرب بين تركيا ~~وإنجلترة، وبأغراض الحملة التي أرسلها الإنجليز إلى مصر كما ~~فسرها «مسيت» لهم، على أن المقصود من هذه المغالطة من جانبهم ~~كان ولا شك كسب الوقت حتى تستبين لهم نتائج هذه الحملة ~~الإنجليزية، ثم إن الانقسام الذي فرق كلمتهم، والذي أشرنا ~~إليه سابقا، جعلهم عاجزين عن اتخاذ قرار حاسم في مسألة الصلح ~~النهائي مع محمد علي، ولما كانوا يؤثرون الإبطاء في تقدمهم ~~لاعتقادهم خطأ أن في ذلك صالحهم للأسباب التي ذكرناها، وأهمها ~~عدم التورط مع محمد علي في اتفاق نهائي قد يفوت عليهم الانتفاع ~~من آثار انتصار الإنجليز لو قدر لهؤلاء النصر، فإنهم حتى ~~يوم 20 أبريل لم ms0650 يكونوا قد تعدوا المنيا، وقد كان هناك أن ~~ذهب إليهم مصطفى أفندي كتخدا القاضي، وهو الذي حضر المفاوضات ~~السابقة بينهم وبين المشايخ الثلاثة، يحمل إليهم المراسيم التي ~~وردت في شأن - التحذير والتحفظ - وفيها ذكر الإنجليز ومنابذتهم ~~للدولة، وكان مصطفي أفندي قد سافر إليهم بهذه المراسيم في صبح ~~هذا اليوم (20 أبريل). # ثم إن الباشا طلع في هذا اليوم إلى القلعة وصحبته قنصل ~~الفرنساوية «دروفتي» يهندس معه الأماكن ومواطن الحصار، وعاون ~~«دروفتي» الباشا معاونة صادقة في تدبير تحصين القاهرة، فوصف ~~الشيخ الجبرتي ما أبداه من نشاط وقتئذ بقوله: «والقنصل ~~المذكور يظهر الاهتمام والاجتهاد ويسهل الأمر ويبذل النصح، ~~ويكثر من الركوب والذهاب والإياب وأمامه الخدم وبأيديهم الحراب ~~المفضضة وخلفه ترجمانه وأتباعه»، وقد بذل الباشا جهدا صادقا ~~في تحصين القاهرة بمعاونة «دروفتي»، فأصلحت الأسوار وأعيد ~~ترميم خط التحصينات أو الخندق الذي كان الفرنسيون قد أقاموه ~~أيام حملتهم، وأقيمت المتاريس على طول الخط من قلعة ~~«كامان» # Camin # باب الحديد ~~حتى بولاق، ثم أقيم متراسان كبيران نصبت بجوارهما مدافع الحصار ~~لحماية الأماكن المكشوفة، كما وضعت بطريات مدفعية على ~~الجزيرة في النهر أمام إمبابة، وأغرقت المراكب في عرض النيل ~~بين شاطئيه لمنع الملاحة. # وفي 23 أبريل عملوا ديوانا ببيت القاضي، اجتمع فيه ~~الدفتردار والمشايخ والوجاقلية وقرءوا مرسوما تقدم حضوره قبل ~~وصول الإنجليز إلى الإسكندرية، مضمونه ضبط تعلقات الإنجليز ~~وما لهم من المال والودائع والشركات مع التجار بمصر (القاهرة) ~~والثغور، وقد وقع تحت طائلة هذا المرسوم كل من «البطروشي»، ~~و«روشتي» في ظروف سوف يأتي ذكرها، وبعد هزيمة الإنجليز في ~~حملتهم الثانية ضد رشيد ثم انزوائهم بالإسكندرية والتحصن ~~بها، فقد وصلت الأنباء إلى القاهرة في هذا اليوم نفسه ~~(23 أبريل) عن هزيمة هؤلاء عند الحماد هزيمة منكرة. ~~(9) محاولة الإنجليز الثانية ضد رشيد # فقد أصابت هزيمة رشيد سمعة الجيش البريطاني بضربة ماحقة كما ~~قدمنا، ولم يكن من المنتظر أن يرضى «فريزر» وسائر القواد بما ~~أصاب سمعة الجيش وخدشها، وألا يحاولوا غسل الإهانة التي لحقت ~~به، وكان «مسيت» بطبيعة الحال ms0651 أعظم تشوقا من هؤلاء القواد ~~للانتقام من هزيمة رشيد، وهو الذي بنى كل خططه على نجاح عمليات ~~الحملة العسكرية، واتساع نطاقها في الدلتا خارج الإسكندرية حتى ~~يستطيع جذب البكوات للحضور من الصعيد، وتأييد حلفائهم في مجهود ~~قوي متحد لطرد الأرنئود ومحمد علي وإعادة تأسيس الحكومة ~~المملوكية في القاهرة تحت حماية بريطانيا، فكان في بقاء الجيش ~~بالإسكندرية بعد هزيمته في رشيد القضاء على كل آماله؛ ولذلك ~~فقد راح «مسيت» يلح على «فريزر» بمجرد عودة الجيش المنهزم إلى ~~الإسكندرية في ضرورة إعادة الكرة، وتجديد محاول إخضاع رشيد، ~~واستند فيما أراده على نفس الدعوى التي استند عليها عند ~~المحاولة الأولى، وهي أن الاستيلاء على رشيد والرحمانية ضروري ~~لمنع حدوث المجاعة في الإسكندرية، ثم إنه أيد دعواه هذه بأن ~~جعل الشوربجي سيدي قاسم غرياني رئيس القضاة بالثغر يطالب باسم ~~أهل الإسكندرية عموما باحتلال رشيد؛ حيث إنه لا مفر من ~~انتشار المجاعة بالإسكندرية بسبب احتلال الجيش لها إذا لم ~~يبادر الإنجليز بالاستيلاء على رشيد التي تمون منها ~~الإسكندرية، ولما كان «فريزر» يخشى مما سوف يتركه تخلي الجيش ~~عن أخذ رشيد من أثر سيئ في أذهان العربان وغيرهم من الجماعات ~~المناصرة للإنجليز، فقد قرر اتخاذ هذه الخطوة، ولكن «فريزر» ~~أدرك في الوقت نفسه أنه مقدم على عمل خطير؛ لمخالفة ذلك ~~للتعليمات التي لديه والتي خرقها في حملته الأولى دون جدوى، ~~ولأن قواته قد حدثت بها ثغرة بعد الهجوم الفاشل ضد رشيد، ولأنه ~~كان يتوقع بسبب هذه المحاولة الثانية التي أزمع عليها أن يتسع ~~نطاق عملياته العسكرية في الدلتا والاشتباك مع ما قد يأتي من ~~قوات لنجدة رشيد، وذلك كله إلى جانب ضرورة احتفاظه بالإسكندرية ~~ذاتها الغرض الأساسي من مهمته؛ وعلى ذلك، فقد طلب «فريزر» من ~~«مسيت» الإجابة رسميا على طائفة من الأسئلة المحددة كان ~~الغرض من وضعها والحصول على جواب «مسيت» عليها - والأخير هو ~~الذي أوصت تعليمات 21 نوفمبر 1806 بالإصغاء إلى آرائه - تبرير ~~إنفاذ هذه الحملة الثانية إلى رشيد، ثم إن «فريزر» راح يطلب من ms0652 ~~«وندهام» وزير الحربية البريطانية إرسال النجدات إليه. # أما عن الأسئلة التي قدمت إلى «مسيت» والإجابات التي ~~أدلى بها هذا الأخير، فقد سجلت هذه الأسباب التي دعت إلى إرسال ~~هذه الحملة، في قول «مسيت» وتأكيده بأن امتلاك رشيد وقلعة ~~جوليان ضروري لنقل المؤن التي تؤخذ من الأماكن المجاورة إلى ~~الإسكندرية؛ حيث إن الاستيلاء على رشيد وقلعة جوليان يمكن ~~من السيطرة على مصب النيل الغربي، وأنه من المتعذر الاحتفاظ ~~بهذين الموقعين بصورة تضمن الاستفادة منهما في تموين ~~الإسكندرية من غير امتلاك الرحمانية، وأن ناحية الرحمانية تمد ~~الإسكندرية بالعجول والأغنام والشعير، ثم إن امتلاك ~~الرحمانية من شأنه إحكام السيطرة على القرى الواقعة بينها وبين ~~رشيد، وتكفي قوة من سبعمائة وخمسين رجلا فحسب للاحتفاظ بهذه ~~المواقع الثلاثة: رشيد وقلعة جوليان والرحمانية بعد أخذها، ~~وليس هناك من وسائل الدفاع عن الرحمانية سوى قلعة صغيرة على ~~النيل، وأجاب «مسيت» بالنفي قطعا عند سؤاله: إذا كان في ~~استطاعة الجند البريطانيين وسكان الإسكندرية العيش بها من غير ~~احتلال هذه المواقع الثلاثة، ثم أجاب على سؤال آخر بقوله: إن ~~الماء منقطع عن الإسكندرية الآن بسبب القطع الذي أحدثه الألفي ~~بك في القناة التي تمدها بالمياه، وأن الإسكندرية سوف تكون في ~~حاجة إلى الماء إذا لم يصلح هذا القطع، ثم أكد «مسيت» ~~أخيرا أنه يرى من الواجب احتلال دمياط وذلك لمنع نزول الجنود ~~الأرنئود الذين تأتي السفن باستمرار محملة بهم إليها، فيتدفقون ~~على مصر من هذا الميناء، وفضلا عن ذلك فقد يكون من نافلة ~~القول إلى جانب ذلك أن المماليك أنفسهم يتوقعون أن يحتلها ~~الجنود البريطانيون. # وقد بعث «فريزر» بهذه الأجوبة على أسئلته إلى «وندهام» في 7 ~~أبريل، ثم قال إنه إنما فعل ذلك حتى يبرهن لوندهام، وذلك ~~بالإضافة إلى ما ذكره في رسالته إلى هذا الأخير بتاريخ 27 مارس ~~- وقد ذكرناها في موضعها - أن العمليات السابقة والحالية ضد ~~رشيد والأخيرة كان قد بدئ بها - كما سنرى - منذ 3 أبريل لم ~~يبدأ في اتخاذها دون إمعان النظر العميق وبحث كل ms0653 الاعتبارات ~~المتصلة بها من جانبه؛ أي جانب «فريزر»، بل على العكس من ذلك ~~فإنه لم يقدم عليها إلا بعد اقتناعه التام بضرورتها، وكما أظهر ~~هذه الضرورة (الميجور «مسيت») المقيم البريطاني بالإسكندرية ~~وهو الذي طلبت مني التعليمات المعطاة إلي الإصغاء لما ~~يقوله، ثم اختتم «فريزر» رسالته بقوله : إن هذه الحقائق التي ~~ذكرها من شأنها أن تزيد من قوة مطالبته السابقة بإرسال نجدات ~~لتعزيز جيشه؛ لأن ما جاء في رسالته ينهض دليلا على ما هنالك ~~من ضرورة لتقسيم قواته وتوزيعها من أجل إبقاء فرق من جيشه ~~بصورة مستمرة في رشيد وقلعة جوليان والرحمانية، وذلك إلى جانب ~~استخدام قسم من الرجال في إصلاح وامتلاك القطع الذي أحدثه ~~الألفي بك في قناة الإسكندرية بالقرب من دمنهور، علاوة على ~~احتلال دمياط، الأمر الذي يعتقد «مسيت» أنه ضروري كذلك. # وأما عن طلب النجدات الذي أشار إليه «فريزر» في رسالته ~~هذه، فقد سبق أن ذكره في كتاب إلى «وندهام» نفسه بتاريخ 6 ~~أبريل، تضمن الأسباب التي علل بها «فريزر» إخفاق حملة الجنرال ~~«ووكوب»، على النحو الذي تقدمت الإشارة إليه في موضعه، وفي هذا ~~الكتاب يبسط «فريزر» الأسباب التي دعته إلى إرسال الحملة ~~الثانية ضد رشيد، ثم إلى طلب النجدة التي شعر أنه بحاجة إليها، ~~فقال: إنه لما وجد بسبب ما عرضه عليه الميجور «مسيت» من ~~بيانات عززها الطلب الذي تقدم به الشوربجي رئيس القضاة باسم ~~الشعب عموما، فحواها أن المدينة مهددة بالمجاعة كنتيجة حتمية ~~ومباشرة لبقائنا أي الجيش البريطاني بالإسكندرية دون احتلال ~~رشيد، وهذا بالإضافة إلى ما يحدثه من أثر سيئ في أذهان العرب ~~وغيرهم من الناس الموالين للمصلحة الإنجليزية في هذه البلاد ~~تخلينا أو انصرافنا عن احتلال رشيد، ثم الشعور بواجب المحافظة ~~على شرف بريطانيا وسمعتها، فقد قرر بموافقة السير «توماس لويس» ~~الذي تولى قيادة الأسطول الإنجليزي هنا منذ ذهاب السير «جون ~~داكويرث»، وبناء على نصح السير «توماس لويس» وبفضل تعاونه، فصل ~~قسم من الجيش وتخصيصه لإنجاز هذه المهمة، تحت قيادة الجنرال ~~«ستيوارت» # Stewart # والكولونيل «أسوالد» ms0654 # Oswald # حيث إنه يبدو مستحيلا من غير تحقيق هذه المهمة تنفيذ ~~الإجراء الذي نصت عليه التعليمات بشأن امتلاك الإسكندرية ~~والاحتفاظ بها، وأرجو أن تأذن لي بأن أعرض عليك الوضع الذي نحن ~~فيه الآن، والذي يختلف تمام الاختلاف عما كان يبدو أنه الغرض ~~الأصيل من إرسال حملتنا إلى هذه البلاد ، وهو وضع أرجو أن تولوه ~~كل تفكير جدي. # فإنه لما كان امتلاك الإسكندرية هو الغرض الفرد والمقصود ~~وحده ودون غيره من إرسال حملة «فريزر» وذلك بناء على التعليمات ~~الصادرة من الحكومة البريطانية إلى الجنرال «فوكس»، فقد كان من ~~المحتمل أن تستطيع القوات المعينة لهذه المهمة القيام بها دون ~~حاجة إلى غيرها، ولو أن هذه لم تكن تماما من النوع أو الصنف ~~الذي كنت أرجوه، فتكفي للاحتفاظ بالإسكندرية على الأقل إلى حين ~~وصول النجدات إليها، ولكننا إذا أدخلنا في حسابنا بسبب الحرب ~~مع تركيا، وهذا أمر لم ينل انتباه الحكومة ولا الميجور «مسيت» ~~على ما يبدو - أن علينا أن نواجه كل القوات الموجودة في البلاد ~~من أتراك وأرنئود وأن نناضل معها - وهؤلاء يعرفون جيد المعرفة ~~الحالة الدقيقة التي عليها الجنود والأهالي في الإسكندرية، ~~وسوف يبذلون قصارى جهدهم لاحتلال المواقع التي تمكنهم بأعظم ~~الطرق نفاذا من منع كل الإمدادات عن الإسكندرية، وذلك إلى ~~جانب أننا لا زلنا نجهل ما استقر عليه رأي المماليك ولا ندري ~~ماذا يكون مسلكهم، فإنه ليكاد يكون ضروريا أن أوضح لكم أنه ~~يبدو مشكوكا فيه للغاية إمكان تنفيذ رغبات حكومة جلالة الملك ~~من حيث الاحتفاظ بالإسكندرية وبتلك المواقع التي تعتمد هذه ~~عليها، وهذا حتى بغض النظر عن توقع ما قد يحدث من هجوم ~~علينا من جانب الفرنسيين أو من جانب القسطنطينية. # لقد ذكرت لكم في رسالتي السابقة المعلومات التي لدي عن ~~وجود اثني عشر ألفا من الأرنئود في خدمة الباب العالي في مصر، ~~عدا الجنود الأتراك العثمانلي، ثم إني أرى من واجبي تذكيركم ~~بأن الميجور «مسيت» يذكر رسميا أن أعدادا كبيرة من الأرنئود ~~تتدفق باستمرار على مصر بطريق دمياط، ms0655 حتى إذا أعوزتنا القوة ~~الكافية لاحتلال هذا الميناء، فإنه لا ندحة عن وضع مركب حربي ~~هناك لمنع دخولهم، ومع أن أمير البحر «توماس لويس» يريد من كل ~~بد مساعدتنا فليس في مقدوره أن يفعل ذلك، إذ لا توجد لديه ~~سفن مخصصة أصلا لهذه الخدمة، وإني إذ كنت قد عاودت الكلام في ~~هذه المسألة، فليس غرضي من ذلك سوى بيان كيف أن الفكرة التي ~~تكونت عن الحالة في هذه البلاد كانت خاطئة لدرجة بعيدة، وكيف ~~أن مصاعبنا قد تزايدت كثيرا وتضاعفت منذ أن نزلت من السفن إلى ~~البر قواتنا الصغيرة نسبيا والعاجزة. # وبناء على هذه الاعتبارات جميعها، أعود فأكرر رجائي بكل قوة ~~ممكنة في ضرورة إرسال تعليمات محددة صريحة إلي فيما يجب أن ~~يكون عليه مسلكي في المستقبل، وكذلك إصدار الأوامر فورا ~~بإرسال النجدات التي تجدون أنها تكفي للقيام بهذه المهمة ~~الشاقة المنتظرة إذا كان قرار وزراء جلالة الملك هو التصميم ~~على الاحتفاظ بالإسكندرية، ثم اختتم «فريزر» رسالته بقوله: إنه ~~وإن كان يتوقع نجاح العمليات الحالية ضد رشيد، فإنه ينبغي ~~أن يكون مفهوما بوضوح أنه في حالة مصادفة صعوبات طارئة قد ~~تؤدي إلى فشل ثان، فإنه لا يجد مناصا عندئذ من إخلاء ~~الإسكندرية في المدة التي يجعل ما لدينا من أغذية مجففة أو ~~مملحة إلى جانب الظروف الأخرى في استطاعتنا فعل ذلك. # وقد بعث «فريزر» بصورة من كتابه هذا طي رسالة له إلى الجنرال ~~«فوكس» تحمل نفس التاريخ، يرجوه فيها تأييد مطلبه، وإنفاذ نجدة ~~إليه مما لديه من قوات في صقلية، فكتب ما معناه أن «فوكس» بفضل ~~اتصالاته مع حكومة لندن أكثر دراية منه بالأهمية التي تعلقها ~~هذه على التمسك بالإسكندرية والاحتفاظ بها، ولكن «فريزر» يرى ~~من واجبه نحو نفسه ونحو الوطن أن يبين أنه بسبب ما يجده من ~~صعوبات متعددة يصادفها الآن هذا العدد الصغير من الجند ~~الذين معه، وبسبب ما يتوقعه من حدوث نقص كبير في قواته نتيجة ~~لانتشار الأمراض المخيفة التي تسود في هذه البلاد أكثر من ~~غيرها، ms0656 لم يعد في وسعه إلا أن يخشى إذا لم تأته فورا نجدات ~~قوية من اضطراره إلى إخلاء البلاد كلية كإجراء لا سبيل إلى ~~اختيار غيره. # وكان بعد أن ذهبت الحملة الثانية ضد رشيد، وشرعت في حصارها ~~أن كتب «مسيت» هو الآخر إلى «وندهام» في 12 أبريل، يسرد قصة ~~الحملة الأولى وفشلها، ويوضح الأسباب التي دعت إلى إرسال ~~الحملة الثانية، ويتحمل مسئولية الاقتراح على «فريزر» بإرسال ~~هاتين الحملتين، ويعزو إخفاق حملة «ووكوب» إلى أسباب لم يكن هو ~~مسئولا عنها، ويبغي من ذكرها، ومن إلقاء مسئولية هذا الفشل ~~على عاتقي «ووكوب» الذي اندفع في عملياته العسكرية دون حكمة ~~وتبصر، ثم «فريزر» نفسه الذي أضاع وقتا ثمينا قبل إصدار ~~أمره بتحرك جيش «ووكوب»، بيان أنه ليس هناك ما يدعو إلى الخوف ~~من فشل هذا الهجوم الجديد على رشيد، وأن الاستيلاء عليها لا ~~غنى عنه للاحتفاظ بالإسكندرية، فقال: إنه بعد أن ألح علي ~~«فريزر» في وجوب امتلاك رشيد والرحمانية لتموين الإسكندرية، ~~وفشلت هذه المحاولة صار يرى لزاما عليه أن يوضح لوندهام أسباب ~~هذا الفشل، فقد اقترح على «فريزر» يوم 20 مارس عقب تسليم ~~الإسكندرية مباشرة أن يرسل فورا جزءا من الجيش للاستيلاء على ~~رشيد، وأكد له أن حاميتها لا تزيد على مائتين وخمسين رجلا، ~~ولكن «فريزر» أجاب بأن التعليمات التي لديه تمنعه من فصل أي ~~جزء من قواته، ولكنه وعد إذا كتب له «مسيت» خطابا قويا في ~~هذه المسألة، فسوف يوليها عنايته بعد دخوله إلى الإسكندرية، ~~فكتب «مسيت» الخطاب المطلوب في 23 مارس، ووافق «فريزر» على ~~ضرورة احتلال رشيد، ثم إن «مسيت» لم يلبث أن جاءه خبر يوم 26 ~~مارس بأن كاشف دمنهور عندما بلغه وصول الإنجليز إلى الإسكندرية ~~أخلى دمنهور، وذهب مع ثلاثمائة من الجنود إلى رشيد، فصار عدد ~~حامية هذه الأخيرة 550، وفضلا عن ذلك فقد أبلغه من نقل إليه ~~هذا الخبر بأنه من المتوقع أن يصلها في أية لحظة جنود آخرون ~~عددهم 1500، وقد أبلغ «مسيت» ذلك بدوره إلى «فريزر» كما راح ~~يرجو ms0657 «ووكوب» أن يوضح للأخير جسامة الخطر المترتب على إرجاء ~~إنفاذ الحملة، ولكن هذه لم تتحرك إلا يوم 29 مارس، ومع أنه كان ~~من المنتظر بعد كل هذا التأجيل أن يكون قد اتخذ كل إجراء لضمان ~~نجاحها، فقد أعطى الجنود من المؤن ما يكفي ليومين فحسب، ولم ~~يعمل أية ترتيبات لتزويد الحملة بالمؤن في حالة ظهور المقاومة ~~من جانب رشيد وعدم سقوطها فورا، زد على ذلك أن أربعة مدافع ~~فقط قد أرسلت مع الحملة، لكل منها ثلاثون طلقة. # ولكن هذه التجهيزات على ضآلتها لو أنها وضعت تحت تصرف رجل ~~أكثر مهارة من الجنرال «ووكوب» لكفت في رأي «مسيت» لإخضاع ~~رشيد؛ ذلك أن «ووكوب» بدلا من تأسيس موقع له فوق المرتفعات ~~المطلة على رشيد، والتي أخلاها العدو بعد تبادل النار فترة ~~قصيرة من الزمن، قام بهجوم في طوابير لاقتحام المدينة ودخلها، ~~فأتاح الفرصة للأرنئود حتى يصبوا نيرانهم على رجاله دون أن ~~يتعرضوا هم أنفسهم لأي خطر، فذهب «ووكوب» ضحية تهوره ~~وحماقته، وجرح «ميد» وذبح أكثر من أربعمائة جندي دون أن ~~يشاهدوا العدو، ومع ذلك، فقد كان من المستطاع أخذ رشيد؛ لأنه ~~تبين الآن أن قسما من حاميتها كان قبل ذلك قد غادر المدينة في ~~السفن عبر النيل، ولكن الارتباك الذي حدث والرعب الذي استولى ~~على الجميع من جند وضباط كانا عظيمين لدرجة أن أحدا لم يعد ~~يفكر إلا في الانسحاب القهقرى بأقصى سرعة، وقد حاول «تابرنا» - ~~وقد عرفنا أن هذا صحب الحملة كرئيس لأدلائها - أن يبين ~~للضابط الذي تولى القيادة بعد مقتل «ووكوب» أن العدو بالرغم من ~~المزايا التي صارت له لا يجرؤ بتاتا على مواجهة جيش أوروبي في ~~ميدان قتال، ولكنه لم ينجح في إقناعه بالصمود، وانسحب الجيش ~~بسرعة إلى القوارب، وسقط جملة من الجنود بسبب عجزهم - لضعفهم ~~أو جراحهم - عن اللحاق بزملائهم في يد فرسان العدو الذين ~~أجهزوا عليهم. # ثم اختتم «مسيت» رسالته بقوله: وهكذا كان مصير حملته سوف ~~يبدو أثرها في كل عمليات الجيش البريطاني المستقبلة في مصر، ~~فقد ms0658 أكسبت الأرنئود ثقة في أنفسهم لم تكن لهم على وجه التحقيق ~~قبلها، وجاءت إلى رشيد نجدات قوية، وصرنا لا نستطيع الحصول على ~~مؤن من القرى التي على النيل، وقل نفوذنا في البلاد بدرجة ~~كبيرة. # تلك إذن كانت الدوافع والأسباب التي شاء المسئولون عن عمليات ~~الجيش البريطاني الذي كانت مهمته احتلال الإسكندرية والاحتفاظ ~~بها فحسب ، أن يبرروا بها معاودة الهجوم على رشيد، وتفسير ~~العوامل التي أدت إلى فشل محاولتهم الأولى، ويؤخذ مما ذكره ~~«فريزر» و«مسيت» عدا تشبث هذين بفكرة الاستيلاء على رشيد وقلعة ~~جوليان والرحمانية لتموين الإسكندرية أولا: أن «مسيت» لم ~~يكتف بالإلحاح في ضرورة احتلال هذه المواقع، وسوف نرى فيما ~~بعد أنه نفسه قد تخلى عن هذه الفكرة بعد فشل هذه المحاولة ~~الثانية وهزيمة الإنجليز في الحماد، نقول: إنه لم يكتف ~~بالإلحاح في ذلك، بل اتخذ من نزول النجدات العثمانية في دمياط ~~وتدفقها - كما قال - على مصر ذريعة لتوسيع نطاق العمليات ~~العسكرية حتى تشمل دمياط كذلك، الأمر الذي لا يتسنى فعله إلا ~~إذا خضع جزء الدلتا الشمالي على الأقل لسيطرة الجيش البريطاني، ~~وقد كان السبب في وصول هذه القوات العثمانية إلى دمياط أن ~~الباب العالي بمجرد أن علم بنزول الإنجليز في الإسكندرية أرسل ~~الططر إلى باشوات الشام يطلب منهم إنفاذ النجدات إلى مصر، ~~وحضرت القوات التي تحدث عنها «مسيت» و«فريزر»، ثم حضر بعد ذلك ~~من لدنه موسى باشا السلحدار عن طريق دمياط كذلك - لإبلاغ هذا ~~الخبر إلى محمد - ولكن حضور هذه القوات كان يجب أن يكون في حد ~~ذاته كافيا لإقناع «مسيت» ولإقناع «فريزر» الذي انساق وراء ~~الأول وتأثر بآرائه في كل ما اتخذ من تدابير أثناء هذه الحملة ~~المشئومة، بأنه من الحكمة افتراض أن انضمام هذه النجدات ~~المنتظر إلى قوات الباشا، سوف يرجح كفة هذا الأخير على كفة ~~الجنرال «فريزر» الذي كان يشكو من نقص قواته وحاجته إلى المؤن ~~والذخائر، فيحدو هذا الافتراض بالميجور «مسيت» إلى نبذ فكرة ~~الاستيلاء على دمياط، بل والإقلاع كذلك عن محاولة الاستيلاء ~~على رشيد ms0659 وقلعة جوليان والرحمانية، ولكن «مسيت» وقد وجد الجيش ~~البريطاني يحضر أخيرا إلى الإسكندرية بعد أن ظل يلح في طلبه ~~أكثر من عامين، وخصوصا بعد المناداة بولاية محمد علي، ووجد أن ~~هذا الجيش قد احتل الإسكندرية، صار مسيطرا على تفكيره وجوب ~~اتساع نطاق العمليات العسكرية رويدا رويدا؛ لتحقيق غرضين ~~أحدهما متمم للآخر: أولهما : حمل البكوات المماليك على الحضور ~~من الصعيد لنجدة البريطانيين، وثانيهما: تأسيس الحكومة ~~المملوكية، مما سوف ينشأ عنه وبطريق هذه الحكومة ذاتها، إما ~~استمالة حكومته إلى احتلال هذه البلاد، أو على الأقل بسط ~~نفوذها عليها دون منازع. # وأما ما يؤخذ ثانيا مما ذكره «مسيت» و«فريزر» في ~~رسائلهما، فهو أن الأخير كان يشعر بجسامة المسئولية إذا ~~قدر لهذه الحملة الثانية الفشل، وأن الشك كان يساوره في ~~قرارة نفسه في أن نجاحها محقق ومقطوع به، بينما خيل إلى ~~«مسيت» أن النجاح مضمون ولا شيء يقف في طريقه، واشترك الاثنان ~~في الاعتقاد بضرورة أن يأتي البكوات المماليك لمعاونة الجيش ~~البريطاني: «فريزر» وسائر الضباط لحاجتهم القصوى إلى فرسان ~~المماليك، وما يتوقعون حدوثه من مناوشات أو معارك بين البكوات ~~وقوات محمد علي أثناء زحف البكوات من الصعيد إلى الدلتا، سوف ~~تمنع الباشا من إرسال النجدات إلى رشيد أو غيرها من المواقع، ~~و«مسيت» لأن حضور البكوات يمكنه من تنفيذ برنامجه بإتاحة ~~الفرصة للدخول في عمليات عسكرية على نطاق أوسع تهدف إلى ~~الاستيلاء على القاهرة ذاتها، وطرد محمد علي والأرنئود منها ~~ومن البلاد بأسرها. # وأما ما يؤخذ ثالثا مما جاء في هذه الرسائل، فهو رسوخ ~~الاعتقاد لدى «فريزر» و«مسيت» وخاصة هذا الأخير، بأن أهل ~~البلاد - سواء في رشيد أو في القاهرة أو في غيرهما - يريدون ~~نجاح الإنجليز، ويرحبون بالاحتلال البريطاني، وقد بني هذا ~~الاعتقاد الفاسد على حوادث قليلة متفرقة ما كان يصح الاعتماد ~~عليها في تكوينه، كما كان مبعثه ذلك النظام العاجز الذي أنشأه ~~«مسيت» للمخابرات فزوده وكلاؤه بمعلومات، إما أنها كانت ~~ناقصة أو خاطئة، إما أنها جاءته متأخرة بحيث تعذر عليه هو ~~و«فريزر» الانتفاع منها، ms0660 ولا شك في أن وجود أفراد من طراز ~~الشيخ المسيري وأمين أغا في الإسكندرية، والشيخ حسن كريت في ~~رشيد جعل «مسيت» و«فريزر» يعتقدان صحة زعمهما. # وأما الحوادث التي بنيا عليها حكمهما، فقد أوجز أكثرها ~~«فينشنتزو تابرنا» في البحث الذي أجري فيما بعد عن الظروف ~~والملابسات التي أحاطت بحملة «فريزر» وسببت فشلها، وذلك عندما ~~سئل عما إذا كان قد سمع من أولئك الذين زاروه وقت أسره ~~بالقلعة أن الجنود الذين كانوا بالقاهرة استعدوا لمبارحة ~~البلاد بمجرد أن علموا بوصول الإنجليز إلى الإسكندرية؟ فقال: ~~عندما زحفت الحملة الأولى على رشيد، اشترى الجند الأرنئود ~~الخيول والبغال والحمير بضعف أثمانها لنقل عتادهم إلى الشام، ~~وارتفع سعر الدبلون البندقي من عشرة قروش وربع القرش إلى أربعة ~~عشر قرشا، وليس هناك أدنى شك في أنه لو سقطت رشيد وقتئذ ما ~~كان الجيش البريطاني قد لقي أية مقاومة من جانب الأرنئود، وكان ~~قد قام قبل ذلك أهل الصعيد؛ أي سكانه، بحركات عدائية ضد ~~الأتراك، وفي قرى الوجه البحري رفض الأهلون إمداد الأرنئود ~~بالمؤن التي طلبوها، وقد عرض شيخ دسوق المدعو إسماعيل عبد ~~اللطيف خدماته على الجنرال «ستيوارت» وقت حصار رشيد أثناء ~~الحملة الثانية ثم إنه رفض بعد ذلك إمداد الباشا بالمؤن عند ~~نزول هذا مع قسم من جيشه صوب الإسكندرية وسوف يأتي ذكر ذلك ~~في موضعه مما ترتب عليه ~~جميعه أن هوجمت قريته، واستطاع الدفاع عن نفسه ثلاثة أيام ~~متتالية، ولكنه عندما وجد أن من المستحيل عليه الاستمرار في ~~المقاومة طويلا، لم يلبث أن انسحب تاركا المكان في سواد ~~الليل، فدخل الأرنئود القرية دسوق في صبيحة اليوم التالي ~~وقتلوا الرجال والنساء وباعوا البنات والصبيان. # ولما كان الأرنئود قد رفضوا السير ضد الجيش المحاصر ~~لرشيد إلا إذا حصلوا على الأقل على مرتباتهم المتأخرة، فقد ~~أرسل الباشا أربعمائة من جنده لجمع الإتاوات من إقليم الشرقية، ~~ولكن الأهالي هرعوا إلى سلاحهم وأجهزوا على الأرنئود وفتكوا ~~بهم، وقد بعث الباشا بقوة كبيرة عندما رفع الإنجليز الحصار عن ~~رشيد للانتقام من أهل ms0661 الشرقية، واضطر هؤلاء التعساء - لعجزهم ~~عن المقاومة - إلى الهجرة إلى الشام. # وقد ذكر يوسف عزيز في إجاباته، كذلك مسألة عصيان بعض القرى ~~وامتناع أهلها عن دفع الضرائب، فقال: إنه بلغه امتناع قرية ~~بالقرب من رشيد بعد وصول حملة «فريزر» إلى الإسكندرية عن تلبية ~~أوامر حكومة الباشا ودفع الضرائب إلا إذا جاءها أمر بذلك من ~~القائد الإنجليزي بالإسكندرية، وحمل أهلها السلاح لمقاومة ~~الحاكم عندما أراد هذا إرغامهم على الدفع، وقد غادرها أهلها ~~بعد هزيمة الإنجليز الأولى في رشيد، وذهبوا للعيش مع العربان ~~في الصحراء، وقد فعلت مثل هذا قرية أخرى في الشرقية، فقاوم ~~أهلها ثم حصل لهم ما حصل لأهل القرية الأولى. # وأما الشيخ إسماعيل عبد اللطيف شيخ قرية دسوق فقد كتب في ~~16 أبريل إلى الجنرال ستيوارت قائد القوات المحاصرة لرشيد، ~~يقول إنه إنما بعث إليه بكتابه هذا؛ حتى يبلغه ما يكنه من ~~عواطف المحبة الصادقة للإنجليز، وما يشعر به من كراهية عميقة، ~~وحنق عظيم على الأتراك والأرنئود الذين ساموا الأهلين الخسف، ~~وأرهقوهم بمظالمهم إرهاقا شديدا، ثم استمر يقول: «ومن اللحظة ~~التي صار فيها الأمر والنهي لهؤلاء الأتراك، وصارت في يدهم ~~أزمة الحكم (ويقصد الشيخ عبد اللطيف استلام هؤلاء للحكم بعد ~~خروج الفرنسيين) جعلني طغيانهم عدوا لهم؛ ولذلك فقد كان فرحي ~~عظيما عندما بلغني أن الجيش الإنجليزي قد نزل إلى البلاد، ~~لعلمي بأنهم يحكمون حكما طيبا، ويشفقون على الأهلين التعساء، ~~ولقد أعلنت نفسي الآن عدوا للأتراك والأرنئود، ورفضت أن ~~أزودهم بالمؤن والإمدادات التي طلبوها مني، وفي عزمي إذا مر ~~الجند الأتراك بالقرب من قريتي أن أدفعهم عنها وأطردهم بالقوة، ~~ويحزنني جدا أن تظل رشيد ~~ممتنعة عليكم كل هذه المدة الطويلة؛ لأن سكان الدلتا يعانون كل ~~سوء، ويلحق بهم كل أذى على أيدي الأتراك، وأبتهل إلى المولى ~~تعالى أن يسقط رشيد في قبضتكم سريعا جدا، حتى أتحرر من ~~الظلم والاستبداد الواقعين علي، وتلك هي رغبات الأهلين جميعهم، ~~ولدي ألف من الرجال المسلحين، فإذا شئت جئتك، وانضممت إليك، ~~وأنت تعرف الآن أن ms0662 لك صديقا في شخصي، وأني مستعد لتنفيذ أية ~~أوامر قد ترى إصدارها إلي.» # ولكنه لما لم يكن لدى «ستيوارت» تعليمات تخوله قبول ~~مساعدة من النوع الذي اقترحه الشيخ عليه، فقد رفض القائد ~~الإنجليزي الانتفاع من هذا العرض، لا سيما وأن الشيخ عبد ~~اللطيف كان مصمما على مقاومة حكومة الباشا فعلا كما أثبتت ~~الحوادث بعد ذلك. # على أن الذي استرعى نظر «فريزر» و«مسيت» و«ستيوارت» ما ~~ذكرته هذه الرسالة عن رغبات الأهلين جميعهم في زوال حكم ~~الأتراك والأرنئود، وترحيب الأهلين بقدوم الإنجليز، فعززت ~~رسالة الشيخ عبد اللطيف الاعتقاد الراسخ في أذهان المسئولين ~~الإنجليز بأن توسيع نطاق العمليات العسكرية سوف يلقى ترحيبا ~~من المصريين، ويصادف هوى من أنفسهم، فيكون هذا الترحيب من ~~عوامل نجاحها. # تلك إذن كانت الاعتبارات التي أدخلها الإنجليز - لا سيما ~~«مسيت» و«فريزر» - في حسابهم عندما قرروا معاودة الكرة ضد ~~رشيد، وقد دلت الحوادث على أن هذه كانت اعتبارات، إما ~~مستندة على الوهم، وإما مبنية على معلومات غير صحيحة، ~~ومستقاة من مصادر لا يوثق بها؛ بسبب عجز نظام المخابرات الذي ~~أنشأه «مسيت» على نحو ما سبقت الإشارة إليه، وتقوم - في كل ~~الأحوال - على حوادث وأمثلة قليلة ومبعثرة، لا يمكن اتخاذها ~~أساسا لإصدار حكم صحيح، والمسئول الأول عن هذه الأخطاء ~~المحددة - وفي هذا الظرف بالذات - كان «مسيت» نفسه، وقد ظهر ~~خطأ التقدير من حيث توقع الاستيلاء على رشيد والمواقع الأخرى ~~دون مقاومة تذكر، وترحيب الأهلين بالإنجليز ورضاؤهم عن ~~اتساع نطاق عملياتهم العسكرية، أو مساعدة العربان لهم، أو مجيء ~~البكوات وفرسانهم لنجدة الجيش البريطاني عند إنفاذ الحملة إلى ~~رشيد، كما ظهر فشل نظام المخابرات الذي أوجده «مسيت» أثناء ~~عمليات هذه الحملة، ولقد كانت هذه الأخطاء من أهم أسباب ~~إخفاقها، كما كان من أسباب ذلك أيضا ضعف قيادتها، وتلك أمور ~~سوف تتضح جميعها عند ذكر تفاصيل هذا الهجوم الثاني على ~~رشيد. ~~(10) هزيمة الإنجليز في الحماد (21 أبريل 1807) # حصار رشيد # تألفت الحملة المرسلة ضد رشيد من ألفين وخمسمائة ~~مقاتل، مأخوذين من مختلف الفرق والآلايات، يقود ms0663 وحداتها ~~المختلفة الكابتن «ديلانسي» # Delancey # والميجور «أوكيف» # O’Keefe # والكابتن ~~«رديل» # Riddle # والكولونيل «ماكليود» # Mac Leod # والليوتانت ~~كولونيل بارون «دي ~~سونينجبرج» # Sonnengberg ~~، وكان من بين قوات الحملة عدد ~~من الجنود البحارة تحت قيادة الكابتن «هالويل»، وسلمت ~~قيادة الحملة إلى البريجادير جنرال «وليام ستيوارت» # William Stewart # ويليه في القيادة الكولونيل «أسوالد» # Oswald ~~، ثم زود الجيش بعدد من ~~المدافع، وتألف هذا الجيش من فرقة أو سرية من المدفعية ~~الملكية، وسرية من الآلاي العشرين من جنود الفرسان الخفيفة # Light Dragoons ~~، ~~ثم سرية من البحارة، وطابور من المشاة الخفيفة، والطابور ~~الأول من الآلاي الخامس والثلاثين، ثم الآلاي الثامن ~~والسبعين، والآلاي الألماني المسمى آلاي رول # Roll ~~، وعدد الجميع حوالي 2500 ~~رجل، وأبدى «ستيوارت» رغبته في مصاحبة الحملة، والإشراف ~~بنفسه على عملياتها، وكان «تابرنا» كبير أدلائها كما ~~حدث في المرة الأولى، فقد رجاه «فريزر» القيام بهذه ~~المهمة، منذ بدء عمليات الحملة السابقة ضد رشيد، وعاون ~~الشيخ مسعود وهو أعرابي «تابرنا» في إرشاد الحملة في ~~سيرها، ثم صحب الحملة الميجور «مسيت» نفسه، وأما الجنرال ~~«فريزر» فقد انتقل للإشراف على العمليات إلى السفينة ~~الحربية «كانوب» # Canopus # في خليج أبي قير، وهي سفينة الأميرال السير «توماس لويس» ~~الذي تسلم القيادة الحربية في هذه المياه بعد رحيل ~~«داكويرث»، وكانت الخطة الموضوعة تضييق الحصار على رشيد ~~وضربها بالمدافع والقنابل ضربا شديدا، يرغمها على ~~التسليم، وذلك بدلا من محاولة اقتحامها عنوة، على نحو ما ~~حدث سابقا، وقد قامت هذه الخطة على أساس أن الحذر خير من ~~الحماقة، لا سيما وقد تكبد جيش «ووكوب» خسائر كبيرة، لا ~~يريد قائد الحملة الأعلى الجنرال «فريزر» تكرارها الآن، ~~وعلاوة على ذلك، فقد خيل إلى «فريزر» أنه إذا قصر نشاط ~~الحملة على فرض الحصار العنيف على رشيد، يكون قد تفادى ~~إقحام جنده في عمليات عسكرية تتجاوز نطاق التعليمات التي ~~لديه، والتي نصت على عدم التوسع في النشاط الحربي، ~~والمحافظة على الإسكندرية فحسب، ثم إنه كان يعول على ~~قرب وصول المماليك ونجداتهم الكبيرة - وخصوصا فرسانهم - ~~وانضمامهم إلى جيش «ستيوارت» ms0664 المحاصر لرشيد، فلا تجد هذه ~~مناصا عندئذ من التسليم بسبب التفوق العددي الذي سوف ~~يكون للجيش المحاصر لها، فيستولي «ستيوارت» عليها دون تكبد ~~خسائر جديدة، كما اعتقد أن مجرد البدء في عمليات الحصار، ~~وضرب رشيد بالمدفعية، كفيل هذه المرة بجعلها تسلم لجنده ~~تسليما، وكان «مسيت» هو المسئول عن رسوخ هذا الاعتقاد في ~~ذهنه. # وقد بدأ سير الحملة من مرتفعات الإسكندرية الشرقية في 3 ~~أبريل، قاصدة إلى أبي ~~قير، وكان قد سبق إرسال المهمات وسائر لوازم الحملة بحرا ~~من الإسكندرية إلى المحطة أو القيروان سراي المنشأة عند ~~منفذ بحيرة إدكو إلى خليج أبي قير منذ عمليات الحملة ~~الأولى، والتي تمكن فريق من الجنود البحارة بقيادة ~~الكابتن «نيكولز» # Nicolls # من الاحتفاظ بها بعد تقهقر الجيش السابق بقيادة الكولونيل ~~بروس، ولما كان الطريق من الإسكندرية إلى أبي قير ~~صحراويا وطبقة الرمال به كثيفة، فقد لقي الجند مشقة في ~~سيرهم، ثم زاد من بطء السير جمعهم العتاد خلف كل قسم من ~~الجيش بدلا من توزيع هذا العتاد خلف الطوابير المختلفة، ~~حتى يشرف كل منها على نقل العتاد الخاص به، وصح العزم ~~على جعل قسم من الجيش يمر من قطع المعدية الذي يصل بين هذه ~~البحيرة وخليج أبي قير في مساء اليوم نفسه، ولكنه حدث أن ~~ضل فريق من القوات الطريق، وتأخر العبور حتى صبيحة ~~اليوم التالي (4 أبريل)، وفي هذا اليوم بدأت عملية إرسال ~~الجند، ونقل المهمات إلى قيروان سراي، وكانت عملية شاقة ~~متعبة لقلة عدد السفن، وتعذر نقل الجند لذلك دفعة واحدة ~~إلى المحطة؛ ولأن سحب الخيول والجمال وجعلها تعوم عبر ~~القطعين (قطع المعدية وقطع إدكو) لم يكن سهلا لينا، ~~فالأول يبلغ اتساعه حوالي الميل، والثاني كان أكثر عمقا ~~وضيقا، ولو أن به أمواج شاطئية فاستغرق النقل من الصباح ~~إلى المساء واستحال تحرك الجيش، حتى إذا كان مساء اليوم ~~نفسه، تقرر أن يبدأ في الصباح التالي استئناف الزحف، على ~~أن يسبق «ماكليود» بقسم من القوات إلى المرتفعات المشرفة ~~على قرية إدكو إذا أمكن ms0665 هذا وإلا اتخذ موقفا له وسط ~~الطريق بين هذه القرية وبين المحطة. # وفي 4 أبريل وصل إلى قيروان سراي أكثر المدفعية والمهمات ~~المنقولة إليها بحرا من الإسكندرية، وصارت المهمة التالية ~~نقل هذه إلى مكان العمليات المقبلة، ولكنه لم يكن هناك من ~~وسائل النقل ما يكفي لحمل هذه المهمات ذات الأهمية العظيمة ~~بالسرعة المطلوبة، فقد قل وقتذاك وجود الجمال ~~بالإسكندرية، ولو أنه كان في القدرة العثور على العدد ~~اللازم منها للحملة لو أنه قد بذلت جهود جدية لتحصيل ~~هذه الغاية، فصار الاعتماد الآن على نقل المدفعية والعتاد ~~بواسطة البحيرة من قيروان سراي إلى المعسكر المزمع إنشاؤه ~~عند رشيد، وقد ترك أكثر هذا العتاد تحت رحمة المواصلات ~~الرديئة بهذا الطريق؛ حيث إن ماء بحيرة إدكو كان في ~~نقصان مستمر في هذا الفصل، ولا تستطيع السفن الملاحة في ~~البحيرة إلا إذا كانت أحمالها خفيفة، ثم إنه لم يسبق ~~اختبار الملاحة في بحيرة إدكو، وقد ظل الاعتماد على هذا ~~الطريق من المساوئ التي لازمت عمليات هذه الحملة الثانية ~~ضد رشيد، فقد أنشئ مخزن عند طرف البحيرة الشرقي، تأتي إليه ~~المؤن والذخائر وسائر المهمات من قيروان سراي عبر بحيرة ~~إدكو، ثم تنقل هذه من المخزن إلى المعسكر على مسافة سبعة ~~أميال من طرف البحيرة عبر الصحراء، واستلزم لتأمين ~~المواصلات بين قيروان سراي والمخزن ثم من الأخير إلى ~~المعسكر إنشاء حراسة من قوات صار عدد رجالها يتزايد ~~يوميا مما أضعف العمليات العسكرية ضد رشيد، وكان من ~~عوامل الهزيمة، أضف إلى هذا أنه كان على الجند في سيرهم من ~~قيروان سراي إلى قرية إدكو أن يقطعوا حوالي ستة أميال في ~~طريق صحراوي كثيف الرمال يعوق السير كثيرا، خصوصا إذا ~~أخذ هؤلاء معهم بعض قطع المدفعية. # والواقع أنه كان هناك من يؤثر نقل الجند بحرا من ~~نقطة العجمي إلى مصب فرع رشيد، لتفادي كل هذه المصاعب وما ~~ينجم عنها من عطل وتأخير، ويستند أصحاب هذا الرأي في ~~إيثاره على طريق أبي قير - إدكو على أن استخدامه يستلزم ~~حتما ms0666 ومن أول الأمر الاستيلاء على قلعة جوليان عند مصب ~~النهر، ولهذه الخطوة مزايا عديدة، إذ يستطيع بفضل ذلك ~~أسطول من المراكب الصغيرة الدخول إلى النهر بأمان، ويتسنى ~~عندئذ تهديد الشاطئ الأيمن، وكان للعدو به بعض البطاريات ~~الصغيرة، فيمكن إسكات هذه بسهولة، ولا يجد الجيش ضرورة ~~لإرسال بعض فصائله إلى الشاطئ المقابل لإسكاتها بعد ذلك، ~~فيستطيع حينئذ تركيز كل قواته بصورة تمكنه من مجابهة ~~العدو بقوة متكافئة، ولكن الجنرال «ستيوارت» رأى خلاف ذلك، ~~واختار طريق أبي قير - إدكو لاعتقاده أن الحملة في وسعها ~~التزود بالمياه إذا سارت في هذا الطريق، وأن المواصلات سوف ~~تكون أقل تعرضا للخطر في هذا الطريق عنها في الطريق ~~الساحلي بحرا من العجمي إلى رشيد، علاوة على كثرة الأمواج ~~الشاطئية عند مصب النيل في فرع رشيد، وقد أيد هذا الرأي ~~كذلك رجال البحرية. # وأما «ماكليود» فقد اتخذ مكانه خلف قرية إدكو التي وصل ~~إليها صباح يوم 5 أبريل الباكر، ولما كانت التعليمات التي ~~لدى «ستيوارت» هي عدم محاولة اقتحام رشيد عنوة، بل تضييق ~~الحصار عليها وضربها بالمدافع لإخضاعها، فقد وجب إحضار ~~المدفعية فورا إلى الخطوط الأمامية لمباشرة الضرب دون ~~إبطاء، فشغل الجند بنقل المدفعية، يشد هؤلاء المدافع ~~الخفيفة بأيديهم، ويعاونهم الجند البحارة، وكان عملا ~~شاقا مرهقا لسيرهم في أرض صحراوية رملية - كما ذكرنا - ~~بينما جرت الخيول المدافع الثقيلة، ونقلت الجمال الذخائر ~~وما إليها، ثم نقل مدفع كبير من نوع «المورتار» مع كمية ~~من القنابل بطريق البحيرة، واضطرت الحملة إلى ترك كثير من ~~المهمات والأدوات الضرورية للحصار خلفها، وقد استغرقت هذه ~~العملية كل صباح يوم 5 أبريل، بينما تحرك الجيش في الوقت ~~نفسه إلى قرية إدكو للانضمام إلى «ماكليود»، وبقي «نيكولز» ~~عند قيروان سراي لحماية هذه المحطة. # ولما كان قد بلغ الإنجليز أن العدو قريب من هذه الجهات ~~ويؤلف الفرسان القسم الرئيسي من قوته، ثم كانت الأرض التي ~~ساروا عليها من قيروان سراي إلى إدكو غير ملائمة للاشتباك ~~مع العدو الأرنئود وفرسانه في معارك جدية، فقد لزم تنظيم ms0667 ~~السير في تشكيلات تمكن الزاحفين من مقاومة أي هجوم قد يقع ~~عليهم، ثم حماية مدفعيتهم وعتادهم، وكان اليوم شديد ~~الحرارة، ولقي الجند عنتا كبيرا فساروا في بطء شديد، حتى ~~إنهم لم يقطعوا أكثر من ميل واحد في الساعة الواحدة، وزاد ~~من متاعبهم خصوصا الجنود البحارة أن المياه التي توقعوا ~~وجودها بكميات وفيرة في قيروان سراي كانت قليلة ومن نوع ~~غير طيب، ولكنهم لم يلبثوا عند وصولهم إلى إدكو أن وجدوا ~~بها ماء كثيرا طيبا ونخيلا، ثم إنهم لاحظوا كذلك أن ~~القوارب قد وصلت إلى نقطة أبعد من قرية أبعد من قرية إدكو ~~في طريقها إلى طرف البحيرة من ناحية رشيد، ثم إن هذه ~~القوارب لم تلبث أن وصلت بسلام إلى الشاطئ، ولو أن أكثر ~~قطع المدفعية قد نقلت من القوارب قبل وصول هذه إلى الشاطئ ~~لقلة عمق المياه في البحيرة، وحملت إلى البر. # وكان «ماكليود» عند وصول الجيش إلى قرية إدكو قد أبلغ أن ~~جماعة من فرسان العدو قد شوهدوا بالقرب من هذا المكان، ~~ولكنهم سرعان ما ارتدوا عندما تهيأ «ماكليود» وجنده للدخول ~~معهم في معركة، ثم إنه لما كان قد نما إلى «ستيوارت» وسائر ~~رجال الحملة أن العدو الأرنئود موجود بقواته في قرية ~~الحماد فقد رئي من الحكمة احتلالها لتأمين مؤخرة الجيش ~~ولمراقبة الملاحة في النهر ولحماية خطوط المواصلات مع ~~المحطة أو المخزن الذي أقيم عند طرف البحيرة من ناحية ~~رشيد، فقد فصل بين طرف بحيرة إدكو في هذا المكان وبين رشيد ~~برزخ يبلغ اتساعه حوالي الميلين ونصف الميل، تضيق مسافته ~~أو تتسع حسب اقتراب ثنية النيل من شاطئ البحيرة، ثم ~~انحناءات بقايا قناة عميقة تقع قرية الحماد وراءها، وتمتد ~~من طرف البحيرة إلى النيل في مكان يقع خلف ثنية النيل ~~جنوبي أبو منضور، ويرتفع شاطئا هذه القناة على حافتيها، ~~ويمتدان من النهر نحو ثلثي المسافة عبر البرزخ، ويسيطر ~~شاطئاها على السهلين أمام وخلف القناة، فكان لذلك أن وجب ~~احتلال الحماد، فعهد بهذه المهمة إلى «ماكليود» الذي ~~زحف على ms0668 الحماد في 6 أبريل واحتلها دون مقاومة بعد مناوشات ~~خفيفة مع فرسان العدو على مسافة قريبة من القرية، وقد ظهر ~~أن هناك طريقين معروفين من قرية إدكو إلى رشيد أحدهما عبر ~~الصحراء رأسا إليها، والآخر على طول شاطئ البحيرة إلى ~~النقطة التي يبدأ منها ذلك البرزخ الذي سبق وصفه والذي ~~صنعته هذه البحيرة مع النيل، ثم ينثني الطريق إلى اليسار ~~مستديرا خلف مرتفعات عليها أبراج للوصول إلى شاطئ النهر، ~~وكان هذا الأخير هو الطريق المفضل؛ لأن الأرض أكثر صلابة، ~~ولأن الجيش في وسعه إجلاء العدو عن المرتفعات بسهولة، وقد ~~سار فيه الجيش، وفي المساء احتل «ستيوارت» المرتفعات ~~التي أشرنا إليها، وتقع هذه بين الحماد وأبي منضور، وفي ~~صبيحة 7 أبريل بعث بقوات تحت قيادة الميجور «فوجلسانج» # Vogelsang # إلى الحماد ~~ليحل محل «ماكليود» بها، وعندئذ زحف هذا الأخير على ~~مرتفعات أبي منضور واحتلها دون مقاومة وانسحب العدو إلى ~~داخل أسوار رشيد، ووصل جيش «ستيوارت» عقب ذلك إلى التلال ~~الرملية حول رشيد وبدأ حصار المكان في التو ~~والساعة. # ولكن «ستيوارت» سرعان ما اتضح له بسبب اتساع مدينة رشيد ~~أنه لن يستطيع بالقوات التي لديه ضرب الحصار على أكثر من ~~نصف المدينة، وقام العدو بخروج قوي بعد ظهر اليوم نفسه، ~~أثبت للقائد الإنجليزي أن توزيع قواته في خط متسع يعرضها ~~لخطر محقق، وعلى ذلك فقد جمع الإنجليز قواتهم في خط يمتد ~~من النيل إلى باب الإسكندرية الموصل إلى وسط رشيد ثم ينحرف ~~من هذه المنطقة في اتجاه السهل إلى اليسار، حيث اتخذ جنود ~~الفرسان مواقفهم، وبدأ ضرب المدفعية على المدينة بعد ظهر ~~هذا اليوم (7 أبريل)، وجاوب الأرنئود بإطلاق وابل من ~~الرصاص من الطيقان والثغرات الكثيرة في الأسوار، ثم استؤنف ~~الضرب على رشيد صباح اليوم التالي، وخرجت كوكبة من فرسان ~~العدو ومشاته تريد مناوشة الإنجليز، وكلف ~~«ماكدونالد» و«ديلانسي» بالاشتباك معها، بينما حاول ~~«أسوالد» وضع بعض السريات خلف العدو لقطع خط الرجعة عليه، ~~ولكن الأرنئود الذين راقبوا عمليات الإنجليز من منائر ~~الجوامع والمباني العالية ms0669 في المدينة، فطنوا إلى مقصد ~~هؤلاء، فشددوا الضرب عليهم، واستطاع فرسانهم الارتداد إلى ~~داخل المدينة دون أن يتمكن الإنجليز من مطاردتهم، وأمام ~~الضرب المتصل من الأسوار وعلى مسافة قريبة، لم يعد هناك ~~مناص من تقهقر الإنجليز، وتكبد هؤلاء خسائر، وكان أثناء ~~ما جرى من عمليات أخرى بعد ظهر اليوم نفسه أن أصيب ~~«ستيوارت» بجرح في ذراعه. # ثم إنه كان قد تقرر بمجرد استئناف الضرب في هذا اليوم ~~(8 أبريل) أن يدعى حاكم رشيد علي بك السنانكلي إلى تسليم ~~المدينة، وأن تبذل الجهود في الوقت نفسه لإغراء الأرنئود ~~بالتسليم السريع لقاء شروط طيبة يحصلون عليها إذا هم فعلوا ~~ذلك وجلبوا عليهم رضاء الإنجليز ثم إقناعهم بأن هذا ~~التسليم في صالحهم كثيرا، حيث من المتوقع أن يصل المماليك ~~قريبا جدا، ويتعذر بعد وصول هؤلاء أن تؤخذ المصالح ~~الفردية بعين الاعتبار، وجرى البحث عن رسول يتطوع لحمل ~~الرسالة المزمع إرسالها؛ لأنه كان يخشى من أن يتعرض هذا ~~الرسول للأذى على أيدي الأرنئود الذين لم يثق الإنجليز في ~~احترامهم لراية الهدنة أو أنهم لا يقتلون حاملها، فتقدم ~~شيخ أبو منضور وهو شيخ مسن للقيام بهذه المهمة؛ وعلى ~~ذلك، فقد بعث به «ستيوارت» بالاتفاق مع «هالويل» وتطبيقا ~~لتعليمات الجنرال «فريزر» - كما كتب «ستيوارت» بعد ذلك - ~~إلى حاكم رشيد يدعوه إلى التسليم، كما حمل الشيخ نداء إلى ~~سكان المدينة، وأوقف ضرب النار من الجانبين، ولكن الشيخ ~~عاد بجواب علي بك السنانكلي الذي قال: إنه كالجنرال ~~«ستيوارت» يتلقى أوامره من رؤسائه؛ ولذلك فهو يقترح هدنة ~~ووقف القتال حتى يحصل من رئيسه على جواب، ويطلب ردا من ~~الإنجليز على مقترحه هذا، ولكن «ستيوارت» رفض الهدنة؛ لأنه ~~لم يكن من الحكمة - كما قال - إجابة علي بك إلى ~~طلبه. # وكانت مسألة احتلال الحماد والاحتفاظ بها موضع اهتمام ~~كبير من جانب القواد الإنجليز الذين اعتبروا الحماد ~~موقعا عظيم الأهمية للاعتبارات التي سبق ذكرها، وإن كانت ~~الحوادث قد دلت على أن هذا الموقع لا يفي بالغرض ~~المقصود من احتلاله، فضلا عن أن ms0670 هذه الحوادث قد دلت كذلك ~~على أن عمليات حصار رشيد القائمة على ضربها بالمدافع، ~~ومحاولة التضييق عليها فحسب، لا يمكن أن تسفر عن نتيجة، ~~وكان السبب الذي دعا «ستيوارت» أن يصمم على أخذ الحماد ~~والتمسك بها أن أدلاء الحملة - «تابرنا» والشيخ مسعود ~~خصوصا - ثم «ماكليود» نفسه اعتقدوا أنه يسهل الاحتفاظ بها ~~والدفاع عنها ضد قوات العدو التي قيل في هذا الوقت إنها ~~سوف تكون من الفرسان غير النظاميين فقط، زد على ذلك أنه ~~لما صار ضروريا أن تأتي الإمدادات إلى الجيش بطريق بحيرة ~~إدكو بسبب الترتيبات التي سبق ذكرها، فقد رأى «ستيوارت» ~~أنه لا ندحة له عن احتلال الحماد حتى ولو كان موقعها أقل ~~ملاءمة مما هو عليه فعلا؛ لأنه إذا لم يفعل هذا صار ~~لزاما عليه فصل بعض القوات دائما من الجيش الرئيسي أمام ~~رشيد لحراسة الإمدادات من الذخائر وما إليها عند إحضارها ~~من البحيرة، وهذا غير ما يتعرض له الجند من إرهاق مستمر ~~بسبب مناوشات العدو لهم في مؤخرتهم وعلى جناحهم إذا لم يكن ~~لهم موقع لحمايتهم من هذه النواحي. # ولكن اختيار الحماد بالذات لتكون هذا الموقع الذي يحمي ~~الجيش، ويؤمن خطوط مواصلاته مع بحيرة إدكو لم يكن اختيارا ~~موفقا؛ لأن الحماد كانت تقوم في بقعة من قاع جاف لبقايا ~~تلك القناة التي تؤلف بينها وبين طرف بحيرة إدكو إلى ~~اليسار وثنية النيل إلى اليمين ذلك البرزخ الذي سبق الكلام ~~عنه، ثم إن القناة تجري تقريبا في زاوية قائمة من النيل ~~صوب بحيرة إدكو، وضفتاها متساويتا الارتفاع، ثم إنهما لما ~~كانا يمتدان من النهر نحو ثلثي المسافة عبر البرزخ فقد وقف ~~امتداد الضفتين على مسافة نصف ميل تقريبا من البحيرة، ~~وصارت هناك ثغرة لذلك على طرف القناة الأيسر، يزيد في ~~اتساعها انحسار المياه في هذا الفصل تدريجيا عند طرف ~~البحيرة بصورة تركت معها شاطئا أرضه صلدة، وتصلح لعمليات ~~الفرنسان الذين يستطيعون لذلك الاستدارة حول موقع الحماد، ~~كيفما شاءوا، زد على ذلك أن الحماد تقع في الوسط تقريبا ~~بين ms0671 شاطئ النيل والبحيرة وأمامها شاطئ القناة، ويفصل بينها ~~وبين هذين الشاطئين ممر متسع، وتوجد ممرات أخرى عديدة ~~يستطيع الفرسان استخدامها، ثم إنه بمجرد أن يصل العدو إلى ~~شاطئ النيل الأيسر، يصبح على قدم المساواة عند هجومه على ~~الحماد مع المدافعين عنها، فكل قسم من القرية معرض ~~لضرب المدافع، ومن الممكن الالتفاف حولها بسهولة، ويفصل ~~بين الحماد ورشيد وبعض المرتفعات عند أبي منضور ثم بين هذه ~~وبين رشيد وهي مرتفعات لا تعطي أية سيطرة على مدينة رشيد ~~ذاتها خلافا للفكرة التي سادت في أذهان قواد الحملة، بناء ~~على المعلومات التي كانت قد وصلتهم؛ لأنه حتى يمكن إحراز ~~هذه السيطرة كان من الضروري احتلال التلال أو المرتفعات ~~القريبة جدا من المدينة، وحتى هذه تفوقها في العلو جوامع ~~رشيد ومبانيها العالية، ويتعرض الجيش المرابط على ~~المرتفعات لنيران المدافعين عن المدينة، أضف إلى هذا أن ~~هذه المرتفعات تنحدر إلى سهل منبسط إلى يمين رشيد، ويمتد ~~بمحاذاة النيل، وهو سهل مزروع برتقالا، وقد احتله ~~الإنجليز، ولكنه كان موقعا مكشوفا فتعرضوا لنيران العدو، ~~حتى إنهم اضطروا إلى الانكماش، وعندما فتش الجنرال ~~«ستيوارت» هذه المواقع لم يرتح للترتيبات التي أجريت، فحدث ~~تغيير في توزيع الوحدات المختلفة للتضييق على رشيد، ولكن ~~الخط استمر مكشوفا، ولم يمكن - لاتساع المدينة - ضرب ~~الحصار حولها بأسرها، وبقيت ثغرات يخرج العدو منها للهجوم ~~على الإنجليز ومناوشتهم، ثم الارتداد بسرعة إلى داخل ~~الأسوار، وكان من الواضح أن سبب عجز الإنجليز في تشديد ~~الحصار القوي على رشيد وتطويقها هو عدم كفاية القوات التي ~~لديهم لهذه العملية، ثم إنه لم يكن في مقدورهم محاولة ~~الهجوم على المدينة واقتحامها اقتحاما بسبب ما لدى ~~«ستيوارت» من تعليمات تمنعه من ذلك، وتحتم عليه الاقتصار ~~على ضربها بالمدافع وإرغامها بهذه الوسيلة فقط على ~~التسليم. # وكان لتحقيق هذا الغرض أن قضى «ستيوارت» يوم 9 أبريل ~~خصوصا في إقامة البطريات بصورة تمكن من تركيز أكثر ~~الضرب على قسم المدينة رشيد الواقع إلى اليسار لملاءمة ~~الأرض لهذه العملية، وكانت قد أرسلت قوة لجلب ms0672 مدفع ~~«المورتار» إلى الخطوط يوم 8 أبريل للمعاونة في هذا الضرب، ~~وهو المدفع الذي نقل عبر بحيرة إدكو، ثم أنشئت تحصينات من ~~قطع شجر النخل وسعفه تغطيها الرمال؛ للوقاية من هجوم مفاجئ ~~قد يقوم به فرسان العدو، فأقيم متراسان، ولكن الرياح صارت ~~تزيل الرمال؛ مما اقتضى مراقبة متصلة وعناية مستمرة ~~للمحافظة عليهما. # وفي 10 أبريل استمر الضرب، ولكن دون أن يحدث هذا الضرب ~~أي أثر جدي على رشيد، فتقرر إنشاء بطارية من ستة مدافع ~~على مسافة قريبة من وسط المدينة، وكان في هذا اليوم كذلك ~~أن غادر «مسيت» المعسكر، متعللا بسوء صحته، فكان ذهابه ~~موضع تعليقات من بعض رجال الحملة الذين ساءهم ألا يقيم في ~~المعسكر ضباط من طراز «مسيت»، لديهم أفضل الوسائل للحصول ~~على معلومات، ينتفع بها الجيش، وقد لاحظ هؤلاء أن سوء ~~الصحة قد منع «فريزر» من الاشتراك فعليا في هذه الحملة، ~~فبقي على ظهر السفينة «كانوب» - سفينة الأميرال لويس - على ~~مسافة بعيدة جدا في خليج أبي قير من ميدان العمليات، ~~ويتراسل مع الجنرال «ستيوارت»، وقد ترتب على ذهاب «مسيت» ~~أن صارت كل المخابرات تجري بين الجيش والقيادة العليا في ~~يد الجنرال «فريزر» عن طريق الإسكندرية، فكان الشوربجي ~~سيدي قاسم غرياني و«مسيت» يبعثان بما يصلهما من أخبار إلى ~~الأسطول، وسفينة القيادة في أبي قير، ثم يقوم الأسطول ~~بدوره بإرسالها إلى المعسكر أو جيش «ستيوارت»، وقد كان ~~نصيب بعض هذه الأخبار الإهمال التام، فلم تصل إلى المعسكر، ~~ومن بين هذه خبر هام أبلغه الشوربجي إلى الأسطول، فحواه أن ~~محمد علي يجمع قواته ويستعد لنجدة رشيد، وأنه قد جهز فعلا ~~عددا من المدافع الثقيلة وزوارق مدفعية وسفنا لنقل جنده ~~في النيل إلى رشيد، ومع خطورة هذا النبأ الذي دلت الحوادث ~~على أنه كان صحيحا، فقد أهمل المسئولون إبلاغه إلى ~~«ستيوارت» وأغفلوه؛ بسبب إشاعات كاذبة أذيعت عمدا، ~~مفادها أن البكوات المماليك قد ألحقوا بالباشا هزيمة ~~كبيرة، وقد صدق المسئولون هذه الشائعات؛ بسبب ما كان ~~إبراهيم بك وشاهين بك الألفي قد بعثا ms0673 به من كتب الأول إلى ~~«فريزر» والثاني إلى «مسيت» بتاريخ أول أبريل يعلنان نبأ ~~انتصار البكوات على محمد علي، ومع أن مقارنة بسيطة بين ~~تاريخ تحرير كتابي إبراهيم وشاهين، وتاريخ حادث الانتصار ~~الذي ذكراه كانت كافية لبيان أنه قد مضى من الوقت على هذا ~~الانتصار ما يجعل من المحتمل على الأقل أن يكون الباشا قد ~~قام فعلا بهذه التجهيزات التي بعث بأخبارها الشوربجي، فإن ~~أحدا لم يول هذه المسألة أية عناية، بل ساد الاعتقاد من ~~ناحية أخرى بأن البكوات سوف يحضرون قريبا للانضمام إلى ~~الإنجليز، وهذا بالرغم من أن إبراهيم وشاهين لم يذكرا ~~شيئا عن الذهاب إلى الإسكندرية، أو التقدم في الدلتا، بل ~~كان كل ما اشتمل عليه كتاباهما مجرد إبداء النية في المجيء ~~إلى الجيزة. # وفي 10 أبريل حاول الأرنئود استدراج الإنجليز إلى ~~الأسوار حتى يصلوهم نارا حامية، فخرجت منهم قوة لهذا ~~الغرض، ولكنهم ما لبثوا أن أرغموا على الارتداد دون أن ~~يظفروا بمأربهم، ثم استمر الضرب على المدينة في اليوم ~~التالي، وجاءت الأخبار من الحماد في الوقت نفسه بأن العدو ~~قد اشتبك مع قوات «فوجلسانج» وأن هذا تبادل معه إطلاق ~~النار بأثر طيب، وأما فيما يتعلق بسير عمليات هذا اليوم ~~(11 أبريل) في رشيد، فقد تسلل فرسان العدو من المدينة ~~وفاجئوا الإنجليز، ووقعت معركة جرح أثناءها علي بك ~~السنانكلي، ولم يتمكن الإنجليز من تعقب الأرنئود في ~~تقهقرهم إلى أسوار المدينة، كما فاجأ جماعة من الأرنئود ~~مسيرة الإنجليز، فاضطر «ديلانسي» إلى الارتداد، ثم إن ~~اشتباكا حدث كذلك مع ميمنة الإنجليز، وانسحب الأرنئود بعد ~~هذه الالتحامات بأمان إلى داخل المدينة التي خشي الإنجليز ~~دائما من المغامرات والاقتراب من أسوارها، وكان ظاهرا ~~أنه طالما امتنع الأرنئود عن الخروج من المدينة إلى مسافة ~~كافية للاشتباك معهم بعيدا عن أسوار المدينة، فلا أمل لدى ~~الإنجليز المحاصرين لهم في الانتصار عليهم، وإخضاع رشيد، ~~وفي 12 أبريل أعيد ترتيب خطوط الإنجليز وتولى قيادة ~~العمليات بأسرها في هذه الخطوط الكولونيل «أسوالد»، ~~وأرسلت بعض النجدة إلى «فوجلسانج» ms0674 في الحماد، وقد شكا ~~هذا الأخير من وجود ثغرات ضعف كثيرة في موقعه، وأما ~~الأرنئود فقد أقاموا بطرية من أربعة مدافع على الشاطئ ~~الأيمن للنيل، أزعجت إزعاجا كبيرا قوات الإنجليز الذين ~~اتخذوا مراكزهم في حقل البرتقال، ومع أن المدفعية بأسرها ~~قد اشتركت في ضرب المدينة والعدو، فإن أثرها كان ضئيلا ~~للأسباب التي سبق ذكرها، وأهمها تعذر تطويق المدينة ~~لاتساعها، ولأن أكثر جهات رشيد ازدحاما بالسكان كان في ~~قسم المدينة المنحدر إلى ناحية النهر، ولا يؤثر فيه سوى ~~الضرب بالقنابل، زد على ذلك أن الحامية من الأرنئود كانت ~~لا تأبه لهذا الضرب، بل وتستخف به، فضلا عن أن النجدات من ~~المتطوعين الذين خرجوا من دمنهور والجهات المجاورة لمناوشة ~~الإنجليز صارت تصل إلى المدينة، كما بدأت طلائع القوات ~~التي أرسلها محمد علي من القاهرة، تصل إليها كذلك، وجاءت ~~رشيد المؤن كل يوم بالرغم من الحصار المفروض عليها، وقد ~~وجدت كل هذه النجدات طريقها إلى المدينة من ناحية الشاطئ ~~الأيمن للنيل. # وكان بسبب هذه الصعوبات المتزايدة إذن أن قرر الإنجليز ~~فتح باب المفاوضة، بعد أن كانوا قد أغلقوه قبل ذلك بأيام ~~قليلة، ولم يشئوا الاستفادة من تلك الهدنة التي عرضها ~~عليهم السنانكلي، ريثما يتصل برؤسائه في القاهرة، فتقرر ~~إعداد رسالة إلى حاكم رشيد، تذكر الأنباء التي بلغت ~~الإنجليز عن انتصار المماليك على جند الباشا، ثم قرب مجيء ~~البكوات سريعا إلى المعسكر البريطاني، وتشير إلى أن من ~~صالح علي بك السنانكلي التسليم فورا قبل وصول المماليك، ~~وقبل فوات الفرصة؛ حيث إنه من المتعذر عند حضور البكوات ~~منحه شروطا سخية، ثم أضاف «تابرنا» الذي يعرف علي بك ~~معرفة شخصية بعض العبارات التي نصحه فيها بالتسليم، ~~وتطوع أحد التراجمة بحمل هذه الرسالة، ولكنه قوبل ~~بإطلاق النار عليه، فاضطر الإنجليز إلى استخدام أحد ~~العربان في هذه المهمة بعد إغرائه بمبلغ كبير من المال، ~~واستطاع هذا اقتحام خط النار، ولكنه لم يعد، وساد الاعتقاد ~~في المعسكر بأنه قد لقي حتفه، وتظاهر الرؤساء بالامتعاض ~~مما حدث، وأنكروا أن ما ms0675 وقع كان بعلمهم وموافقتهم. # ولما كان قد لوحظ أن العدو الأرنئود قد شرع يتهيأ ~~لتدبير هجوم على الحماد، فقد أرسل «ستيوارت» مدفعا آخر ~~إلى هذا الموقع مع ثلاثمائة جندي، وكان أهم ما وقع من ~~حوادث بين 12، 16 أبريل، أن العرب الذين تبين لهم مبلغ ما ~~يعانيه الإنجليز من مشاق في هذا الحصار المضروب على رشيد ~~صاروا يأتونهم بأخبار من النوع الذي يرتاح الإنجليز له، ~~فذاعت الأنباء الكاذبة عن زحف المماليك بجد وسرعة صوب ~~الشمال، وأكد أحد العربان أنهم قد بلغوا فعلا علقام، ~~ونشطت مدفعية الأرنئود على يمين خطوط الإنجليز، لدرجة أنها ~~ألحقت أضرارا كبيرة بالمعسكر أمام رشيد وأحدثت إصابات ~~عديدة بين الجنود، بينما ظل أثر مدفعية الإنجليز على رشيد ~~ضئيلا، وفي 14 أبريل لوحظت جماعات كثيرة تنضم إلى معسكر ~~الأرنئود في ناحية الحماد على شاطئ النيل الأيمن من بينهم ~~فرسان في أعداد كبيرة. # وفي 15 أبريل زار الجنرال «فريزر» وهيئة أركان حربه ~~معسكر الإنجليز للمرة الأولى، وكان معه الأميرال «توماس ~~لويس»، ولم تسفر هذه الزيارة عن نتيجة؛ لأنه مع اتضاح ~~الحاجة إلى اشتراك قوات كافية من الجيش والبحرية في ~~العمليات الجارية لإحراز السيطرة على شاطئ النهر قبل كل ~~شيء حتى تؤدي الجهود المبذولة في الحصار إلى النتيجة ~~المنشودة، فقد أصر «فريزر» على أنه من المستحيل إعطاء رجل ~~واحد؛ لأن قوات الجيش العاملة تكاد تكون جميعها الآن أمام ~~رشيد، وأن القوة الموجودة بالإسكندرية إلى جانب قلتها ~~فهي مؤلفة من عناصر لا يمكن الاعتماد عليها، ثم إنه أشار ~~على «ستيوارت» بتركيز الضرب بالمدافع على رشيد، متناسيا ~~أن هذا التركيز واقع فعلا، وأوضح له «ستيوارت» أن هذا ~~التركيز قد استنفد في بعض الأحايين قدرا من الذخيرة، لم ~~تكف وسائل النقل الموجودة لجلب غيرها في الوقت المناسب، ~~مما نجم عنه توقف الضرب بعض الوقت، وأعرب له عن رأيه في أن ~~هذا الهجوم سوف يفشل في آخر الأمر، وغادر «فريزر» و«توماس ~~لويس» الخطوط وهما غير راضيين عن الجهود التي بذلت، وحيث ~~إن الأمل كان منعقدا ms0676 على قرب حضور المماليك للاشتراك في ~~العمليات القائمة، فقد بذلت همة عظيمة في جلب الذخائر ~~والمؤن وسائر الإمدادات من القاعدة أو المخزن المقام على ~~بحيرة إدكو، وكانت المسافة بينه وبين المعسكر سبعة أميال، ~~قطعها الجنود في مشقة عظيمة؛ بسبب الرمال الكثيفة التي ~~تغطي هذا الطريق. # وفي 15 أبريل وضع الأرنئود مدفعين على الشاطئ الأيمن ~~للنيل، أزعجا إزعاجا كبيرا ميمنة الإنجليز، فتولى ~~الميجور «ماكدونالد» في اليوم التالي إسكاتهما بعد أن عبر ~~النهر ومعه 50 جنديا من ناحية جامع أبي منضور ، واستخدم ~~المدفعين في ضرب رشيد، ولكنه اضطر إلى التقهقر أمام ~~النجدات التي جاء بها الأرنئود إلى هذا الموقع، وعبر النهر ~~ثانية في ارتداده إلى المعسكر تحت وابل من نيران ~~العدو. # وفي 16 أبريل حصلت مناوشات مستمرة بين الأرنئود ~~والإنجليز، وحرص الأولون دائما على عدم الابتعاد من أسوار ~~المدينة، وتفادي الالتحام مع الإنجليز في معركة في السهل، ~~وبلغ «ستيوارت» من «فريزر» أن المماليك لا يزالون يقتربون ~~من خطوط الإنجليز، وقد وجد «ستيوارت» ما يؤيد هذا النبأ، ~~مما ذكره له جواسيسه الذين أرسلهم لتقصي حركات المماليك، ~~فقال بعضهم إن هؤلاء في طرانة وقال البعض الآخر: إنهم ~~في علقام، وكان بناء على هذه المعلومات الخاطئة والمضللة ~~أن اعتقد «ستيوارت» بضرورة المثابرة على نظام هجومه ~~الراهن، ومع أنه كان قد بلغه أن قوات العدو بداخل رشيد لا ~~تزيد على ثلاثمائة فارس، وثمانمائة من الأرنئود وحوالي ~~الألف من سكان رشيد المسلحين، فقد اعتبر أن محاولة القيام ~~بالهجوم العنيف لاقتحام المدينة إجراء غير حكيم؛ بسبب ~~امتداد خطوطه وطبيعة تشكليها الشاذة، وكتب إلى «فريزر» في ~~18 أبريل: إن نجاح قواته يتوقف على مجيء المماليك الذين ~~يتسنى بالاشتراك معهم قذف قوات على الشاطئ المقابل للنيل ~~فورا، الأمر الذي يستحيل فعله الآن؛ لأن العدو قوي بسبب ~~ما لديه من فرسان، بينما لا يوجد فرسان ما لدى «ستيوارت»، ~~والفرسان هم السلاح الملائم للعمليات العسكرية في أرض ~~الدلتا، ثم راح «ستيوارت» في رسالته هذه يؤكد أهمية موقع ~~الحماد حيث إنه من المنتظر ms0677 اقتراب أصدقائنا المماليك من ~~خطوط الإنجليز، وأما عدد إصابات الإنجليز حتى هذا التاريخ ~~كما ذكرها «ستيوارت» فقد كانت ستة قتلى، وسبعين جرحى، من ~~بينهم «ستيوارت» نفسه. # وفي 16 أبريل فر اثنان من آلاي رول من موقع الحماد، ~~فتعهد أحد مشايخ العرب - ~~الشيخ محمود وكان قد اتصل بأمير البحر «نلسن» في الماضي - ~~بإحضارهما، وأحضرهما فعلا بعض رجال قبيلته إلى «ديبي»، ~~وجرت محاكمتهما بعد ذلك، وفي 17 أبريل وقع في قبضة ~~الإنجليز بالقرب من الحماد خمسة وعشرون من الفلاحين أو ~~العرب والترك، انفصلوا من الجيش الذي أرسله محمد علي من ~~القاهرة بقيادة حسن باشا و«طبوز أوغلي»، وقد أسرهم ~~الإنجليز في الطريق بين إدكو وبين خطوطهم، واعتقد فريق أن ~~غرضهم مجرد النهب والسلب؛ لأنهم كانوا قد قتلوا رئيسهم، ~~واعتقد فريق آخر أنهم كانوا يحاولون قطع المواصلات لمنع ~~وصول الإمدادات من القاعدة أو المخزن على طرف بحيرة إدكو ~~إلى مراكز الإنجليز عند رشيد أو الحماد. # ثم بعث «ستيوارت» في 17 أبريل بالكولونيل «أسوالد» لفحص ~~موقع الحماد ووضع تقرير عن الحالة به، فوجد هذا الأخير أن ~~«فوجلسانج» قد تترس على اليسار في مركز مأمون، وبذل قصارى ~~جهده للاستفادة بقدر طاقته من موقع سيئ، بينما اتخذ أحد ~~ضباطه الميجور «موهر» # Mohr # مكانه وسط الخط، ووجد «أسوالد» ~~أن شاطئي القناة التي سبق وصفها يتساويان في الارتفاع، ~~بحيث إذا احتل العدو أحدهما تعذر تسليط النار عليه من ~~مرتفع أعلى، كما وجد مكشوفا المدفع الذي يعتمد عليه «موهر» ~~في الدفاع عن وسط القرية، فضلا عن أن يمين الخط كان ~~مكشوفا كذلك، ثم إنه كان هناك ثغرات كثيرة من ناحية ~~شاطئ بحيرة إدكو، يستطيع العدو المرور منها، والاستدارة ~~خلف القرية، وكان الرجاء الوحيد في إمكان الدفاع عن موقع ~~الحماد من هذه الناحية معقودا على تعذر مرور فرسان العدو ~~أثناء الليل بسبب وجود الشقوق الكثيرة في أرض هذه الجهة، ~~بينما تمكن رؤية العدو أثناء النهار عند زحفه من مسافة ~~بعيدة بحيث يتسنى للجنود التأهب لملاقاته بوقت كاف يمكنها ~~من مغادرة هذا ms0678 الخط الطويل والغادر وتركيز المدفعية وجمعها ~~في بقعة معينة يصلون بها العدو من هذه البقعة نارا ~~حامية، وتوقع الإنجليز عندئذ الانتصار على العدو بسهولة؛ ~~لاعتقادهم أنهم سوف يواجهون جنودا غير نظاميين فحسب، ~~وأبلغ «أسوالد» في تقريره أنه من المستطاع الاحتفاظ بخط ~~الحماد ضد هجمات مبعثرة، وغير منسقة تقوم، بها حفنة من ~~البدو والعرب، ولكنه لا يمكن الاحتفاظ به إذا وقع عليه ~~هجوم من جانب قوات من الفرسان المشاة تعمل متحدة ضده، وقد ~~أثبتت الحوادث صحة ما ذهب إليه «أسوالد» ولكن شيئا لم ~~يحدث لا لتعزيز خط الحماد ولا لسحب القوات التي به، وضمها ~~إلى قسم الجيش الرئيسي المحاصر لرشيد، وكان مبعث ذلك قلة ~~ما لدى «ستيوارت» من جند يمكن فصل قسم منهم لنجدة ~~«فوجلسانج»، ولاعتقاد الإنجليز أن قوات غير نظامية فحسب هي ~~التي سوف يجلبها العدو لمهاجمة الحماد، ولرسوخ الاعتقاد من ~~ناحية أخرى بأن المماليك مع فرسانهم سوف ينضمون قريبا ~~إليهم فيعززون بحضورهم موقعي الحماد ورشيد على السواء؛ ~~وعلى ذلك فقد انقضى يوم 18 أبريل دون إجراء أي تغيير، ولو ~~أن حامية رشيد ظلت النجدات من الأرنئود تأتيها يوميا، ~~وتحتفل الحامية عند وصولهم بإطلاق الرصاص. # موقف المماليك # وكان في يوم 18 أبريل أن بدأ الإنجليز يشكون في صحة ~~الأخبار التي بلغتهم عن تقدم المماليك في زحفهم، وقرب ~~انضمامهم إليهم، وقلت أحاديث العربان وغيرهم ممن كانوا ~~يأتون بسلعهم من مؤن وغيرها لبيعها في معسكر رشيد على ~~المماليك، وصاروا لا يؤكدون الآن قرب وصولهم، على خلاف ما ~~جروا عليه في أحاديثهم قبل ذلك، بل إن عدد هؤلاء العربان ~~لم يلبث أن قل بدرجة ملموسة، وصار لا يزدحم السوق بهم ~~كما كان الحال في الماضي، وكان عندئذ أن بعث «ستيوارت» ~~إلى «فريزر» بتلك الرسالة التي يعترف فيها بأن النجاح ~~متوقف على حضور المماليك، فإنه لما كان قد نبذ فكرة القيام ~~بهجوم لاقتحام رشيد عنوة كإجراء غير حكيم، ولا يزال يصدق ~~أن المماليك في طريقهم إليه، وأنهم سوف ينضمون إلى قواته ~~قريبا، بينما صارت ms0679 تأتي النجدات تباعا لحامية رشيد، فقد ~~جعل كل اعتماده في إمكان تطويق رشيد وإخضاعها على وصول ~~البكوات المماليك. # على أن البكوات منذ أن بعثوا بكتبهم المؤرخة في أول ~~أبريل يذكرون للميجور «مسيت» وللجنرال «فريزر» أنهم نازلون ~~إلى الجيزة، قد لزموا الصمت، حتى إن «فريزر» اضطر إلى ~~الكتابة إلى إبراهيم بك في 11 أبريل كي يزيل ما خلفته ~~هزيمة حملته الأولى ضد رشيد من أثر في نفوسهم، وحتى تقوى ~~ميولهم الودية نحو الإنجليز، فبعث إليه من سفينة القيادة ~~«كانوب» في خليج أبي قير برسالة جاء فيها أنه قد سره ~~تسلم كتاب إبراهيم بك الذي أكد فيه الأخير محبته للإنجليز، ~~واستعداده للتفاهم معهم، ثم استطرد «فريزر» يقول: «إن غرض ~~بريطانيا العظمى من إرسال أسطول إلى هذه الجهات، ليس ~~الاستيلاء على مصر، وإنما لبسط الهدوء والاستقرار بها، ~~ولمساعدة أصدقائها، ولما كان جلالة ملك بريطانيا يخشى من ~~أن يعطي الباب العالي هذه البلاد للفرنسيين فقد أمر ~~«فريزر» بالمجيء إليها حالا مع جند وجيش»، وينتظر «فريزر» ~~وصول قوات أخرى من صقلية ومالطة، وبمجرد أن يضع الإنجليز ~~أيديهم على النيل يشرعون في إسداء المعاونة المطلوبة إلى ~~إبراهيم، ثم إن «فريزر» طلب إلى إبراهيم أن يبعث بخمسة ~~أو ستة من الصناجق البكوات إلى جهات البحيرة والمنوفية ~~وفوة حتى يمنعوا المرور على الأرنئود الذين هم برشيد الآن، ~~والذين يخشى «فريزر» أن يسيروا في الليل إلى القاهرة، وقد ~~استند «فريزر» في رجائه هذا على عدم وجود الوقت لديه لشراء ~~الخيول اللازمة لجنوده الفرسان، فيستطيع فرسان المماليك ~~إذن القيام بهذه المهمة، وقد اختتم «فريزر» رسالته هذه ~~بأمرين: أولهما: التأكيد مرة أخرى بأنه لم يحضر للاستيلاء ~~على مصر، ولكن لمساعدة أصدقاء إنجلترة، وثانيهما: إظهار ~~أمله الوطيد في أن كل هذه الجهود التي يبذلها الإنجليز سوف ~~تكلل بالنجاح. # ولم يجب البكوات على رسالة «فريزر» هذه إلا بعد عشرة ~~أيام، وعندما فعلوا ذلك كان الانقسام لا يزال سائدا في ~~صفوفهم - آفتهم القديمة والمزمنة - وكان من الواضح أنهم ~~متأثرون علاوة على ذلك بهزيمة الإنجليز ms0680 السابقة في رشيد، ~~وأنهم لن يحركوا ساكنا، إلا إذا تأكد لديهم أن «فريزر» قد ~~استولى فعلا على رشيد، وهزم جيش محمد علي، وكان العذر ~~الذي انتحلوه لعدم حركتهم هو خوفهم من انتقام الباشا من ~~أسراتهم الموجودة بالقاهرة، إذا ظهر من جانبهم أنهم يريدون ~~الاشتراك مع الإنجليز في الحرب ضده، وقبل أن يكون هؤلاء ~~الأخيرون قد نجحوا في الزحف على القاهرة حتى صاروا على ~~أبوابها، الأمر القمين وحده بمنع محمد علي من إلحاق الأذى ~~بأسرات البكوات بها، وحقيقة الأمر أنه كان هناك اختلاف ~~جوهري بين وجهتي نظر البكوات والإنجليز في مسألة التعاون ~~العسكري المنشود؛ وذلك لأن الأولين بنوا كل خططهم على نيل ~~مؤازرة الإنجليز العسكرية لهم أولا، بعد أن يكون هؤلاء قد ~~تحملوا عبء الحرب في أشد أدوارها صرامة، وتكللت ~~عملياتهم العسكرية بالنجاح فعلا، فلا يكون على البكوات ~~عندئذ سوى جني ثمار هذا الانتصار، ودون بذل أية تضحيات من ~~جانبهم، وكان من أهم بواعث تمسكهم بوجهة النظر هذه عجزهم ~~عن توحيد صفوفهم للقيام بأي عمل حاسم بالاتحاد فيما بينهم ~~للأسباب التي سبقت الإشارة إليها كثيرا، وأما الإنجليز ~~فقد كانوا يعتمدون منذ قدوم حملتهم إلى هذه البلاد - كما ~~رأينا - على نجدة البكوات لهم، وإمدادهم بفرسانهم على وجه ~~الخصوص لسد هذا النقص في قواتهم، ويبنون خططهم على اشتراك ~~المماليك في عملياتهم العسكرية اشتراكا جديا، وتوقف ~~نجاح عملياتهم هذه على حضور المماليك من الصعيد، وانضمامهم ~~إلى صفوفهم، ولا جدال في أن عدم مجيء المماليك لنجدتهم كان ~~من أهم العوامل الحاسمة في هزيمة حملتهم، ويتضح مدى ~~الاختلاف الواقع بين وجهتي نظر الإنجليز والبكوات في هذه ~~المسألة من الجواب الذي بعث به إبراهيم بك على طلب «فريزر» ~~الخاص بأولئك الخمسة أو الستة من الصناجق الذين أراد ~~حضورهم مع أتباعهم، كما يتضح الأثر الذي أحدثه انقسام ~~البكوات في تعطيل حركتهم فيما كتبه شاهين الألفي إلى ~~«مسيت» من بني سويف. # أما إبراهيم بك فقد كتب إلى «فريزر» في 21 أبريل، بأنه ~~قد تسلم رسالة هذا الأخير الذي يقول ms0681 فيها إنه جاء إلى ~~هذه البلاد لإنقاذها من الفرنسيين، وإعادة السلام والهدوء ~~إليها، ويريد منه (أي من إبراهيم) إرسال خمسة أو ستة بكوات ~~مع أتباعهم إلى البحيرة والمنوفية لمنع الجند الذين في ~~رشيد من التقهقر إلى القاهرة. # ثم شرع إبراهيم يوضح الأسباب التي تمنعه من إجابة هذا ~~الطلب، فقال: «إن صنيع الإنجليز معنا ليفرض علينا حتما أن ~~نفعل كل ما في طاقتنا وقوتنا لإرضائهم، ولن ينسى ~~معروفهم ما دام هناك مماليك أحياء، ونحن مهما فعلنا لن ~~نوفي حق الإنجليز علينا، ولكننا نرجو منك العفو والصفح، ~~إذا كنا لا نستجيب في الوقت الحاضر لملتمسك منا، ~~فأنتم تعرفون كل ما وقع بنا خلال السنوات العشر الماضية ~~منذ مجيء الفرنسيين إلى هذه البلاد، وتعرفون أننا نعيش في ~~الصحراء، وبعيدين لمسافات طويلة عن بيوتنا وأسراتنا ~~بالقاهرة، ولقد كان بفضل وساطة الإنجليز أن نلنا مرتين صفح ~~السلطان العثماني عنا، وقد ألغي هذا العفو في كل مرة بسبب ~~المال والهدايا التي أعطاها أعداؤنا لوزراء الباب العالي، ~~ولم تتح لنا الفرصة بتاتا لشراء هذا العفو ثانية، فلم ~~يعد هناك مناص من العيش في الصحراء والبقاء بها بعيدين عن ~~زوجاتنا وأسراتنا، ولقد كان من أجل تأمين هؤلاء على ~~سلامتهم أن رضينا نحن بهذه التضحية؛ ولذلك فلو أننا بعثنا ~~ببعض بكواتنا للانضمام إليك، وأنت الآن على هذه المسافة ~~البعيدة بعدا عظيما منا، لبلغ خبر ذلك القاهرة سريعا، ~~وأنت ولا شك أدرى بخلق جند العدو المجلوبين من كل أمة، ~~وهم من اللصوص والنهابين الذين لا يرعون إلا ولا ~~ذمة، ولا يعرفون القانون، والذين سوف ينتهزون هذه الفرصة ~~للقبض على زوجاتنا واغتصابهن، ثم إن مديرية الشرقية ~~إقليم واسع الأرجاء، والسبل واسعة لتقهقر العدو منها (من ~~رشيد)، ونحن خائفون على سلامة أسراتنا التي قبلنا بسببها ~~ما نحن فيه من حرمان كثير منذ غزو الفرنسيين للبلاد، والتي ~~سوف تتعرض لإهانات أعدائنا، وعندما تستولي أنت على رشيد، ~~سوف نأتي - إذا وافقت على ذلك - إلى الشرق من القاهرة، ~~بينما تزحف أنت على شاطئ النيل الغربي ms0682 للانضمام إلينا، ~~وترسل إلينا عند وصولك إلى الجيزة ما يفيد ذلك، فنحضر نحن ~~لمقابلتك في يوم يصير تحديده عند إمبابة، وهناك تتحد ~~قواتنا معكم ضد العدو، وبهذه الطريقة لا يستطيع العدو ~~إلحاق الأذى بعائلاتنا. # ونسأل المولى تعالى بفضل مساعدتكم أن ننال النصر على ~~أعدائنا، ورجائي لك أن تقبل الأسباب التي أبديتها والتي ~~جعلتنا لا نجيب ما طلبته منا، فابعث لنا بما يعرفنا عن ~~المكان الذي سوف نقابلكم فيه، وحسبنا أن يتقرر الموعد أو ~~اليوم الذي يجب علينا أن نكون فيه في النواحي القريبة من ~~القاهرة، حتى لا يجد العدو متسعا من الوقت لإلحاق الأذى ~~بأسراتنا، ولا يجب أن تظن أننا إنما نريد - لا سمح الله - ~~انتحال الأعذار انتحالا، فسوف نحضر طاعة منا لأوامرك، ولن ~~نفعل شيئا قد يسبب غضبك علينا، ولو اقتضى الأمر تضحيتنا ~~بحياتنا، وإذا كنا حتى هذا الوقت لم نرسل إليكم بعضا من ~~أقوامنا فمرد ذلك إلى الأسباب التي ذكرناها لكم، لقد ~~سبق لكم أن شهدتم القاهرة من بضع سنوات مضت، ولكن اليوم ~~ليس بها ثلث سكانها الذين كانوا قبلا بها.» ثم عاد ~~إبراهيم يكرر القول في وصف الجنود العثمانيين الذين راح ~~يؤكد أنهم لا يخشون الله والناس، ولا يقيمون مثقال ذرة ~~لحياة البشر، ولكن الله تعالى سوف يعاقبهم، وطلب إبراهيم ~~في ختام رسالته أن يرد عليه «فريزر» دون إبطاء. # وأما شاهين بك الألفي فقد بعث إلى «مسيت» برسالتين من ~~بني سويف إحداهما في 22 أبريل، والأخرى في 23 أبريل، يأسف ~~في الأولى على ذهابه إلى أسيوط، ومغادرته الدلتا بعد وفاة ~~الألفي الكبير - في الظروف التي سبق ذكرها - لأن الحملة ~~الإنجليزية ما لبثت أن حضرت بعد ذهابه، فكان ذلك على نحو ~~ما قال يقينا من سوء حظه العظيم، ومع ذلك فإنه ما إن علم ~~بمجيء الإنجليز حتى قرر النزول من الصعيد والانضمام إليهم، ~~ثم استطرد يقول: «ولكنه لأساه العظيم وحزنه وقهره قد ~~أرغم إرغاما على تأجيل تنفيذ رغبته حتى يقنع سائر ~~البكوات بالنزول معه، وقد لجأ إلى مختلف ms0683 الحجج والدعاوى ~~لإقناعهم بذلك، ولكن من غير طائل، وهو لا يدري السبب الذي ~~منعهم من اتباعه أو ماذا يدور في أذهانهم، فقد رفضوا ~~رأيه، وتعب من عنادهم، وصارت رغبته الملحة اللحاق بأصدقائه ~~الذين سبقوه من بضعة أيام مضت في السير صوب الدلتا، فترك ~~البكوات ووصل الآن إلى جوار بني سويف، ومن المنتظر أن يكون ~~في حدود الجيزة بعد أربعة أو خمسة أيام.» وقال شاهين: ~~«إن إبراهيم بك، وسائر البكوات قد كتبوا إلى «مسيت» وهو ~~لا يعلم أغراضهم أو نواياهم، ولكنه يعلم بناء على ما وقف ~~عليه من أخبارهم أنهم قد قرروا عدم النزول من الصعيد حتى ~~يبلغهم وصول جيش الإنجليز إلى الجيزة، وأن الجيش صار يضيق ~~الحصار فعلا على القاهرة، ثم راح شاهين يؤكد صداقته للأمة ~~الإنجليزية ويطلب حمايتها، ويرجو من «مسيت» السهر على ~~مصالحه، وقد صاغ هذا في عبارات تنم عن الاستخذاء الذي ~~كان مبعثه - ولا شك - إدراك شاهين أنه في حالة عجزه ~~الراهنة يتعذر عليه إسداء أية معونة إلى أصدقائه الإنجليز، ~~ولأنه كان هو الآخر كسائر البكوات لا يرى من الحكمة التقدم ~~في زحفه إلى أبعد من الجيزة والقاهرة لا سيما بعد هزيمة ~~الإنجليز الأولى، ولما كان قد قر رأيه على ترك عبء ~~العمليات العسكرية يقع بأكمله على عاتق الإنجليز وحدهم، ~~ودون أن يبذل أية تضحية من جانبه، وقد يكون النجاح حليفهم، ~~وهو احتمال لا ينبغي عليه أن يغفله من حسابه، فقد خيل ~~إليه أن الاكتفاء بترديد عبارات الصداقة قمين وحده بتأمين ~~مصالحه، فقال: وأما فيما يتعلق بشخصي، فواجبك - مخاطبا ~~«مسيت» - أن تعتقد، ولك أن تؤكد هذا لكل من يهمهم الأمر، ~~بأني أعتبر الأمة الإنجليزية الصديق الوحيد لي، وهي حاميتي ~~الوحيدة كذلك، ولن أعترف بسواها صديقا وحاميا لي، وهنا ~~يحاول شاهين أن يزيل كذلك من ذهن «مسيت» الأثر الذي أحدثته ~~علاقات شاهين ومفاوضاته مع «روشتي» ومندوبه «روفائيل» لطلب ~~وساطة روسيا لدى الباب العالي في صالحه وحمايتها ~~له.» # ثم استمر شاهين يقول: «ولا شك في أن الصداقة الوثيقة ~~التي ms0684 نشأت بينك (أي بين «مسيت») وبين سلفي محمد الألفي قد ~~أعطتك الفرصة لا محالة للتعرف على آرائه وفكره، وشعوري هو ~~نفس شعور محمد الألفي، ولن يتغير هذا الشعور أبدا؛ ولذلك ~~فإني أعهد إليك بالإشراف على كل مصالحي بحكمتك، مقتنعا ~~بأن صداقتك الوثيقة وغير المتغيرة سوف تجعلك لا تضن ~~بأي جهد يتطلبه منك، وبقدر كل ما هو في استطاعتك وقوتك ~~العمل لصالحي، وسوف أكون سعيدا لإبلاغك عواطفي هذه بنفسي ~~عندما أحظى بلقائك.» # ثم إن شاهين لم يلبث أن كتب مرة أخرى إلى «مسيت» في 23 ~~أبريل ومن بني سويف أيضا ردا على رسالتي «مسيت» - في 11 ~~أبريل - إليه، وقد وصلته هاتان الرسالتان في ذات اليوم (23 ~~أبريل)، إحداهما عن طريق إسماعيل أبي صخر، والأخرى أحضرها ~~موسى أغا، وذكر شاهين أنه تسلم كذلك خطاب «مسيت» إلى شاهين ~~بك المرادي البرديسي وخطاب «فريزر» إلى إبراهيم بك وقد بعث ~~بهاتين الرسالتين إلى شاهين المرادي وإبراهيم مع علي كاشف ~~ومحمد كخيا. ثم أخذ يسرد ما وقع من حوادث فقال: «وقبل وصول ~~خطاباتكم هذه كنا قد قررنا النزول من الصعيد إلى الوجه ~~البحري وحضرنا لهذا الغرض من أسيوط إلى المنيا التي وجدنا ~~الأرنئود قد أخلوها، فأمضينا بها أربعة أيام، قررنا بعدها ~~استئناف النزول صوب الدلتا، وأبلغت البكوات الآخرين أني ~~سوف أسبقهم في السير، وفعلت ذلك، وكان في طريقي أن قابلت ~~حاملي رسائلك السالفة الذكر، والتي بادرت بإرسالها مع علي ~~كاشف ومحمد كخيا مصحوبة بخطاب مني ألح فيه على البكوات ~~في ضرورة المجيء فورا، أو على الأقل أن يوفدوا بعض ~~بكواتهم كما طلبتم، ثم إني طلبت من علي كاشف ومحمد كخيا أن ~~يبذلا قصارى جهدهما؛ لإقناع البكوات بالنزول صوب الدلتا ~~فورا، وقد استأنفت سيري بعد ذلك حتى وصلت إلى بني ~~سويف. # وقد عاد علي كاشف ومحمد كخيا من المنيا برسالة من والدنا ~~إبراهيم بك إلى الجنرال «فريزر» وأخرى إليك، أبعث بهما ~~إليك عن طريق إسماعيل أبي صخر، ثم إن علي كاشف ومحمد كخيا ~~قد أحضرا صورة من ms0685 كتاب والدنا إبراهيم بك إلى الجنرال ~~«فريزر»، كما ذكرا لي مخاوف البكوات من ناحية ما قد يقع من ~~اعتداءات على أسراتهم في القاهرة، وأنه لما كانت رشيد لم ~~تؤخذ، بعد فالجنود الإنجليز لا يزالون على مسافة بعيدة ~~جدا من القاهرة، ويخشى لذلك إذا نزل البكوات صوب ~~الإسكندرية أن يؤذي محمد علي عائلاتهم، والبكوات متأكدون ~~من أنه إذا أخذ الإنجليز رشيد فهم سوف يزحفون على القاهرة، ~~وسوف يذهب البكوات عندما يبلغهم خبر ذلك لمقابلتهم عند ~~إمبابة في يوم يسبق الاتفاق عليه، وهم يرجون «فريزر» أن ~~يخبرهم بهذا اليوم، ثم إنهم لا يجدون صعوبة في تنفيذ ~~رغبة القائد الإنجليزي إذا أراد حضورهم على كل حال، ويرجون ~~إرسال جواب على رسالتهم هذه حالا، ذلك إذن فحوى خطاباتهم ~~واعتذاراتهم التي لها يقينا ما يعززها؛ لأن محمد علي قد ~~هدد بالانتقام من عائلاتهم.» # ومع أن شاهين كان ينوي الاستمرار في السير شمالا، فقد ~~كان الواضح من كتابه أنه هو الآخر لا يبغي التقدم إلى أبعد ~~من الجيزة أو القاهرة، كما دل التماسه المعاذير لامتناع ~~البكوات عن إجابة رغبات «فريزر» و«مسيت» أنه هو نفسه كان ~~يذهب إلى نفس ما ذهبوا إليه، ثم إنه كان من الواضح كذلك أن ~~حركة البكوات إطلاقا كانت متوقفة - قبل أي شيء آخر - على ~~انتصار الإنجليز وأخذهم رشيد. # فقال شاهين: «وأما فيما يتعلق بشخصي، فإني أريد أن تكون ~~أنت بدلا مني وأن تنوب عني في العمل لصالحي، وأرجوك أن ~~تبلغ الجنرال «فريزر» أني الآن في بني سويف، وأنه حين يصلك ~~هذا الكتاب أكون قد وصلت مع كل أتباعي إلى دهشور، فابعث ~~إلي بأوامر الجنرال، حتى إذا كان علي أن استمر في ~~السير بعد دهشور، فإني مستعد لفعل ذلك، وسوف يكون طبيعيا ~~إذا بلغني سقوط رشيد أن أستلخص من ذلك أن الجنود الإنجليز ~~صاروا قريبين، وسوف أسرع حينئذ للانضمام إليهم، وأما إذا ~~كانت رشيد لم تؤخذ بعد فاكتب إلي بما يجب علي فعله ~~لأني من دون البكوات جميعهم سوف أكون أقربهم إليك لوجودي ms0686 ~~وقتئذ بدهشور، ولأن هذه لا تبعد سوى ست ساعات عن إمبابة، ~~وإبراهيم بك وسائر البكوات كذلك حاضرون؛ لأن علي كاشف ~~ومحمد كخيا قد أكدا لي أنهم تركوا المنيا، وفي طريقهم صوب ~~الدلتا لتلقي أوامر الجنرال «فريزر».» وقد اختتم شاهين ~~كتابه بإسداء نصيحة ثمينة إلى «مسيت» وقواد الحملة، ~~فقال: «وأرجو أن تبلغني سريعا خبر تسليم رشيد؛ لأنه كلما ~~تأجل سقوطها أتيحت للعدو فرصة أكبر لتحصين وتقوية ~~نفسه.» # ذلك إذا كان موقف البكوات الذين قال «ستيوارت» في 18 ~~أبريل إن نجاح عملياته العسكرية ضد رشيد وفي الحماد متوقف ~~على حضورهم لنجدته، والذين ظل هو و «فريزر» و«مسيت» وسائر ~~ضباط الحملة يتوقعون قرب حضورهم لمعاونتهم بسبب المعلومات ~~الخاطئة والمضللة التي صار يزودهم بها جواسيسهم، وقد وصلت ~~رسائل البكوات إلى الإنجليز يوم 28 أبريل، ولكن الإنجليز ~~عندما تسلموا هذه الرسائل كانت قد حلت بهم الهزيمة ~~في واقعة الحماد، قبل ذلك بأيام قليلة، وهي الهزيمة التي ~~قضت على كل أمل في إمكان حدوث أي تعاون عسكري بعد ذلك من ~~جانب المماليك معهم، ولقد فشل نظام المخابرات الذي أوجده ~~«مسيت» في إبلاغ قيادة الإنجليز أية تفصيلات دقيقة أو ~~وافية عن الإجراءات التي اتخذها محمد علي في القاهرة ~~لإرسال جيش حسن باشا والكتخدا بك «طبوز أوغلي» لملاقاة ~~الإنجليز منذ عودته من الصعيد إلى القاهرة، أو عن مراحل ~~تقدم الأرنئود في زحفهم صوب رشيد. # بل بلغ من اغترار الإنجليز بالأقوال الكاذبة، والشائعات ~~الخاطئة التي نقلت إليهم، وأذيعت في معسكراتهم أنهم لما ~~يأبهوا للخبر الوحيد الصحيح الذي جاءهم عن طريق الشوربجي، ~~وفي الوقت المناسب بشأن استعدادات الباشا، وجمع كل قواته ~~لإرسالها إلى رشيد لنجدتها، ثم إنهم ظلوا يعتقدون أن ~~مواقعهم سواء في الحماد أو في رشيد لن يهاجمها سوى جنود ~~غير نظاميين من السهل دحرهم وردهم على أعقابهم، والسبب في ~~رسوخ هذا الاعتقاد في أذهانهم، إنما مرده إلى نفس الخلل ~~السائد في نظام مخابراتهم، وكان من رأي بعض الإنجليز الذين ~~اشتركوا في هذه العمليات العسكرية أنه لو كانت قيادتهم ms0687 قد ~~أدخلت في حسابها من مبدأ الأمر تعرض حملتهم لهجوم قوات ~~نظامية عليها، أو أن للباشا في القاهرة جيشا يستطيع ~~الالتحام مع جندهم في معارك جدية، لما جرؤت على إرسالها ~~حملتيها الأولى والثانية ضد رشيد، ولنبذ العسكريون أية ~~فكرة تدعو إلى امتلاك رشيد والاحتفاظ بها بكل احتقار ~~كإجراء لا تقره فنون الحرب والقتال للظروف العديدة ~~التي لابست إرسال هاتين الحملتين، والتي سبق الحديث عنها ~~في موضعها. # ولقد سبق أن أوضحنا أن الجنرال «ستيوارت» لو علم في ~~الوقت المناسب بحقيقة التجهيزات التي قام بها الباشا، ووقف ~~على حركة العدو لسحب قواته ليس فقط من موقع الحماد، بل ومن ~~رشيد كذلك، وآثر التقهقر إلى الإسكندرية إلى الالتحام في ~~معركة لم يكن هو نفسه مؤمنا بكسبها، وأنبأت حوادث حصار ~~رشيد ذاتها بسبب ضعف خطوط الإنجليز وصمود حاميتها بأنها ~~سوف تكون لا محالة خاسرة، ولم يتبين الإنجليز خطورة مركزهم ~~على وجهها الصحيح إلا عندما شاهدوا بأعينهم النجدات تأتي ~~يوميا إلى رشيد، وقوات الأرنئود تتجمع على شاطئ النيل ~~بالقرب من الحماد، ثم لم يحضر المماليك لنجدتهم. # وقد نقد فيما بعد كل من «ستيوارت» و«هالويل» نظام ~~المخابرات السيئ هذا نقدا لاذعا، عندما قال الأول ضمن ~~رسالة له إلى «فريزر» في 25 أبريل يفصل فيها عمليات ~~المعركة وأسباب الهزيمة إن ما فعلوه خطأ من انتظار حضور ~~المماليك لنجدتهم، ثم خديعة وتضليل مخبريهم لهم عموما قد ~~أخذت تبدو آثارهما، حيث توقف النصر والنجاح على مدى صداقة ~~العربي أو المصري لنا، وتلك ملاحظة يؤكد صدقها ما وقع من ~~حوادث، فإنه بدلا من أن نجد أنفسنا وسط أصدقاء وحلفاء - ~~كما أعطينا من الأسباب ما يجعلنا نتوقع ذلك - صارت كل قرية ~~ترسل إلينا معلومات لا غرض منها سوى خديعتنا، بينما بقي ~~حلفاؤنا المماليك بالصعيد ينتظرون - على ما يبدو - تحقق ~~نجاح جيشنا، وأما «هالويل» فقد كتب إلى السير «توماس لويس» ~~في 29 أبريل: «لقد كان من حقنا أن ننتظر بعض المساعدة من ~~الميجور «مسيت» والسيد «بريجز»، اللذين كان ينبغي بفضل ~~إقامتهما الطويلة ms0688 في البلاد والمركز الذي لهما بها أن يكون ~~لديهما الوسائل التي تمكنهما من الحصول على أوثق المعلومات ~~وأصحها، ولكني أقول - بكل أسف - إنه نادرا ما كان ~~يأتينا منهما أية أخبار بتاتا، وأن تلك الأخبار القليلة ~~التي أبلغانا إياها لم تفد إلا في تضليلنا.» # وأما الخبر الصحيح والوحيد الذي ظفر به «مسيت» نفسه من ~~نظام مخابراته الفاسد، بين يومي 10، 20 أبريل فقد أعلن ~~إليه أن جيشا كبيرا من الأرنئود قد مر أمام بلدة فوة يوم ~~18 أبريل، قسم منه تحمله القوارب والقسم الآخر يسير ~~برا في طريقه إلى رشيد، ولكن هذا الخبر جاء متأخرا، ومع ~~هذا فقد كان من الميسور إنقاذ الجيش من هزيمة محققة، لو ~~أنه أرسل في التو والساعة إلى الجنرال «ستيوارت»، ولكن ~~«مسيت» الذي غادر المعسكر منذ 10 أبريل كان مقيما ~~بالإسكندرية، ووجب نقل هذه المعلومات إلى الجنرال «فريزر» ~~أولا، وهذا الأخير - كما ذكرنا - يتخذ من السفينة «كانوب» ~~في خليج أبي قير مقرا لقيادته العليا، ثم وجب بعدئذ نقل ~~الخبر إلى الجنرال «فريزر» أمام رشيد؛ وعلى ذلك فإن هذه ~~المعلومات الهامة التي بلغت «مسيت» يوم 20 أبريل لم تصل ~~«فريزر» إلا مساء اليوم نفسه، ثم لم تصل «ستيوارت» إلا يوم ~~21 أبريل؛ أي يوم المعركة، عندما صار لا نفع لهذه ~~المعلومات ولا جدوى منها. # معركة الحماد # فقد بدأت منذ 19 أبريل خصوصا تتجمع النذر مؤذنة بقرب ~~وقوع المعركة التي سوف تفصل لا محالة في مصير حملتهم، ~~وترغمهم على الارتداد مقهورين إلى الإسكندرية. # ذلك أن جيش حسن باشا وجيش «طبوز أوغلي» اللذين افترقا ~~عند منوف ليسير الأول على شاطئ النهر الأيسر، والثاني على ~~شاطئه الأيمن صوب رشيد، قد وصلا الآن إلى جهة رشيد، ~~وعبر جيش حسن باشا النهر عند «أدفينا» واتخذ موقعه بها، ~~بينما وقف جيش «طبوز أوغلي» في برنبال على الشاطئ الأيمن ~~للنيل، على مسافة قريبة من مرتفع الحماد، ولكنه يبعد نحو ~~الفرسخين عن المدينة التي يفصلها عنه ثنية النهر (فرع ~~رشيد) في هذه الجهة، وفي 19 أبريل ms0689 زحف جيش حسن باشا من ~~ديبي شمالي «أدفينا» صوب الحماد وهاجم يسار موقع الميجور ~~«فوجلسانج»، واستطاع الإنجليز صد هذا الهجوم، وبينما كانت ~~تجري هذه العمليات عند الحماد، لاحظ الإنجليز عند رشيد أن ~~سوق معسكرهم قد أقفر تماما من البدو، كما بلغهم احتلال ~~الأرنئود لقرية أدفينا، وتوقعوا أن يكون غرض العدو من ~~احتلالها، إما لبداية العمليات الجدية على يمين خطوط ~~الإنجليز في رشيد، وإما لاحتلال موقع يستطيع منه قطع ~~المواصلات بين الإنجليز والمنطقة الداخلية التي كانت ~~تأتيهم منها المؤن والإمدادات، وكان إقفار سوقهم في هذا ~~اليوم النتيجة المباشرة لهذه العمليات؛ وعلى ذلك، فقد بادر ~~«ستيوارت» بإبلاغ هذه المعلومات إلى «فريزر» الذي كان من ~~رأيه أنه لا أمل في النجاح إذا نزل العدو إلى الميدان في ~~قوات كافية، ويتحتم في هذه الحالة الاستعداد للانسحاب ~~بأقل خسارة ممكنة، ورفض «فريزر» جلب مدافع أخرى إلى خط ~~النار، إلا إذا توافرت الوسائل اللازمة لنقلها، ووجد ~~العداد الكافي من الرجال لخدمتها في حالة الاضطرار إلى ~~الانسحاب أمام العدو، وأعلن «ستيوارت» في الوقت نفسه عزمه ~~على تعزيز مركز الحماد، واستطلاع مراكز العدو في «أدفينا» ~~لمعرفة ما إذا كان ممكنا طرده منها دون مجازفة؟ على أن ~~الأرنئود قاموا في صباح هذا اليوم نفسه (19 أبريل) بخروج ~~في قوات فاقت كثيرا تلك التي خرجت مع علي بك السنانكلي ~~يوم 11 أبريل وجرح هذا الأخير أثناء هذه العملية، فوقع ~~التحام شديد اشترك فيه «ديلانسي» و«أسولد» و«ريديل» # Riddel ~~، ثم حضر «ستيوارت» ~~وتولى القيادة بنفسه، وأمر بمطاردة العدو الذي بدأ يتقهقر، ~~ولكن الإنجليز لم يستطيعوا ملاحقة الأرنئود أو هزيمتهم؛ ~~لأن مراكزهم كانت مكشوفة ومعرضة للنيران، وقد اعترف أحد ~~رجال الآلاي الثامن والسبعين فيما بعد بأن بنادق الأرنئود ~~كانت يفوق مرماها مرمى البنادق الإنجليزية، فلم يكن هناك ~~مناص إذن من ارتداد الإنجليز أنفسهم، وأشار بهذا أيضا ~~الكابتن «هالويل» فصدرت الأوامر بذلك، وما إن بدأ التقهقر ~~حتى عاود الأرنئود الكرة، وخرج من رشيد أولئك الذين ~~كانوا قد انسحبوا إليها، واشتد إطلاق الرصاص من الأسوار ms0690 ~~على الإنجليز، ولكن الأرنئود الذين حرصوا دائما على عدم ~~الابتعاد عن أسوارهم، ما لبثوا أن أوقفوا مطاردتهم ~~للإنجليز، وعادوا أدراجهم يهنئون أنفسهم على هذا النصر ~~الذي أحرزوه. # وقد كفى ما وقع في هذا اليوم سواء في رشيد أو في الحماد ~~لإقناع كل إنسان بأن الأرنئود قد قرروا قطعا اتخاذ خطة ~~الهجوم، وكان في رأي بعض رجال الحملة أنه كان يجب عندئذ ~~وبمجرد أن اتضحت نية العدو تقرير الانسحاب فورا إلى ~~القاعدة أو المخزن الذي أقاموه على طرف بحيرة إدكو، فقد ~~جاء في تقرير وضعه أحد هؤلاء أنه سوف يكون مبعثا للأسى ~~والأسف دائما عند اتضاح أن الهجوم هو الخطة التي قررها ~~العدو يوم 19 أبريل عدم وقف كل العمليات الجارية ضد رشيد ~~وعدم إنزال مدفعيتنا الثقيلة إلى السفن في بحيرة إدكو، ~~وعدم جمع فرق الجنود من المواقع والمراكز الأمامية ~~والانسحاب فورا إلى القاعدة التي لنا على طرف بحيرة إدكو، ~~لقد كان القمر ساطعا في هذه الليالي، والأتراك يغطون ~~في النوم كعادتهم، ومن المتيسر لذلك إجراء كل الترتيبات ~~اللازمة لنقل المدفعية والمخازن والعتاد أثناء الليل، وأن ~~يجمع الجيش يوم 20 أبريل للتقهقر عسكريا بصورة مشرفة ~~أمام القوة التي في وسع محمد علي إنزالها ضدنا في الميدان، ~~وتلك كانت فكرة الجنرال «ستيوارت»، ولكن هذا القائد من ~~غير أن تكون لديه أوامر محددة ومن غير أن يزوده قلم ~~المخابرات بالمعلومات اللازمة لتنفيذ هذه الحركة، حتما ~~صار لا يستطيع تحمل مسئولية عمل قد يستدل منه بصورة ما ~~على أنه فاقد الثقة في نفسه أو في جنوده، فهو لدرجة معينة ~~إنما يعمل مرءوسا لغيره، بينما قد ترك له في الوقت نفسه ~~أن يقرر وحده إما المجازفة بسلامة جنده والالتحام مع ~~العدو، وإما التخلي عن مشروع الحملة ضد رشيد وهو مشروع قيل ~~وقتئذ إن سلامة مركزنا وأمنه في مصر، إنما يتوقف على ~~تنفيذه، وقد ساء «ستيوارت» أن يجد نفسه في هذا الوضع ~~المحرج، وآثر تأجيل الانسحاب إلى اللحظة التي يصير فيها ~~الانسحاب إجراء تلزمه الضرورة، ويمكن ms0691 فقط تنفيذه بتحمل ~~خسائر فادحة. # وفي مساء 19 أبريل إذن بعث «ستيوارت» بالكابتن ~~«تارلتون» # Tarleton # مع بعض القوات إلى الحماد، على أن يدفع العدو عن هذا ~~الموقع إلى ما وراء النهر، إما أثناء الليل أو في ~~الساعات المبكرة من صبيحة اليوم التالي، وصدر أمر في الوقت ~~إلى «فوجلسانج» بإضافة سرية من قواته إلى جنود «تارلتون» ~~وافترض «ستيوارت» أن الأرنئود لا يحتلون «أدفينا» بكل ~~قواتهم، وأن لديهم فرسانا على هذا الجانب من النهر؛ ولذلك ~~فقد ترك جند «تارلتون» عتادهم وراءهم عندما ساروا في صباح ~~20 أبريل زاحفين في السهل، ولكن «تارلتون» ما لبث أن قرر ~~الانسحاب عندما لاحظ وجود قوات كبيرة من فرسان العدو، فلم ~~يشأ المجازفة بالاشتباك معهم، وكان عندئذ أن ارتكب خطأ ~~كبيرا بتقسيم قواته إلى قسمين، واحد منهما يسير معه صوب ~~مراكز الإنجليز إلى يسارها، والثاني للدخول في قرية الحماد ~~ذاتها، ففاجأ فرسان العدو هذا القسم وأحاطوا به وقتلوا ~~ثلثي الجنود - وكان هؤلاء الفرسان من جيش حسن باشا - وبلغ ~~نبأ هذه الهزيمة «ستيوارت» قبل ظهر هذا اليوم بساعة واحدة، ~~فقرر فورا إرسال نجدة إلى الحماد على رأسها «ماكليود» ~~و«ديلانسي»، ثم أرسل بعد الظهر سريتين أخريين، وصلت جميعها ~~سالمة إلى الحماد، وقد ترتب على فصل هذه السريات من الجيش ~~الرئيسي أمام رشيد أن لحق الضعف بخط الإنجليز عند رشيد، ثم ~~إن العدو شهد حركاتهم، وعرف عدد قواتهم رجلا رجلا، وكان ~~في استطاعته تحريك قواته هو حسبما أراد، وصارت حال الخط ~~لذلك دقيقة بدرجة خطيرة، وكان معنى تضييق الخط ترك بعض ~~تحصينات الميدان أو المتاريس والمواقع التي مأنتها وإغراء ~~العدو على الإحاطة بالإنجليز وتطويقهم، وتدخل حسن الحظ ~~وقتئذ لإنقاذ الإنجليز عندما أغفل الأرنئود فعل ~~ذلك. # وأما «ماكليود» فقد أبلغ من الحماد أن الموقع لا بأس به، ~~ويمكن صد أي هجوم يقع عليه، وأن الهزيمة التي حدثت في ~~الصباح كان سببها عدم الحيطة وعدم النظام في السير، ولم ~~يرتح «ستيوارت» لتقرير «ماكليود» وقرر أن يقوم هو شخصيا ~~بتفتيش الموقع، ثم إنه ms0692 ما بدأ يسير نحو الحماد حتى كاد ~~يحيط به فرسان العدو ويأسرونه، ولكنه استطاع الوصول بسلام، ~~وقام بتفتيش الموقع في المساء ووجد به مواطن ضعف كثيرة، ~~واتفق مع «ماكليود» على أن يثابر هذا الأخير في الدفاع عن ~~الحماد أطول مدة ممكنة، ولكن عليه إذا وجد نفسه مهددا ~~بهجوم قوي من جانب فرسان العدو، أو أن هؤلاء سوف يستديرون ~~خلفه، أن يجمع كل قواته ويتقهقر بها إلى البحيرة (بحيرة ~~إدكو) التي تؤمن في واقع الأمر أحد جناحيه، وأما إذا تعذر ~~عليه الدفاع أو التقهقر إلى البحيرة فعليه حينئذ أن ينسحب ~~بقواته إلى مرتفعات رشيد، حيث ينضم هناك إلى الجيش ~~الرئيسي، وقرر «ستيوارت» في الوقت نفسه إذا لم يحضر ~~المماليك يوم 21 أبريل وعلم محققا أنهم لن يحضروا، أن ~~يأمر بتقهقر الجيش بأسره في الليلة التالية؛ أي ليل 21 ~~أبريل، وعاد «ستيوارت» إلى معسكره أمام رشيد في الساعة ~~الثانية من صباح يوم 21 أبريل، وتقرر بالاتفاق مع «هالويل» ~~أن تجرى في هذا النهار كل الترتيبات اللازمة لتقهقر الجيش ~~في المساء، مع اتخاذ جانب الحيطة حتى لا يشعر الجيش بهذا ~~العزم على التقهقر، وأبلغت التعليمات في هذا الشأن سرا ~~إلى «هالويل» و«أسوالد» وغيرهما، ولكن هذه الترتيبات ~~جميعها جاءت متأخرة. # فقد قويت روح الأرنئود المعنوية بسبب النصر الذي أدركه ~~فرسان جيش حسن باشا صباح يوم 20 أبريل، وبعث حسن باشا ~~بالأسرى الإنجليز ورءوس قتلاهم المقطوعة إلى معسكر «طبوز ~~أوغلي» على الشاطئ الآخر في برنبال، وكان «طبوز أوغلي» قبل ~~ذلك متحيرا فيما يجب عليه فعله: هل ينضم إلى قوات حسن ~~باشا عند الحماد؟ أم يدخل رشيد ذاتها؟ فلم يلبث وصول ~~الأسرى والرءوس المقطوعة أن جعله يقرر الانضمام إلى حسن ~~باشا، فعبر جنوده النهر أثناء الليل (ليل 20-21 أبريل) ~~ونزلوا على مسافة فرسخ واحد فوق خطوط الإنجليز استعدادا ~~للهجوم على الحماد عند طلوع النهار، ومع أن الإنجليز كان ~~لهم مركز للاستكشاف في برج أبي منضور فقد عجزوا - بسبب ~~انتشار شبورة كثيفة صباح يوم 21 أبريل - عن ms0693 مشاهدة حركات ~~العدو، حتى إذا تقدم النهار، وانقشعت هذه، شاهدوا في أعلى ~~النهر عددا كبيرا من القوارب مع سفينتين مسلحتين بمدافع ~~ثقيلة، ونقل الخبر في التو والساعة إلى «ستيوارت»، ~~ولكنه أرجأ اتخاذ أي قرار فيما يجب عمله حتى يصله تقرير ~~«ماكليود» الذي ما لبث أن جاءه بعد قليل وفيه يقول: «إن ~~فرسان العدو لم تشاهد في هذا اليوم، ولكن لدهشتي ~~العظيمة أرى حوالي الستين أو السبعين من القنجات أو ~~القوارب يؤيدها إبريق عظيم الحجم تسير في النيل في ~~اتجاهنا، ولا أدري ماذا أقول في ذلك، بلا شك يبدو أن ~~هذه نجدات آتية للعدو، ونجدات كبيرة جدا، وأعتقد أن هناك ~~قوارب مدفعية بين هذه القنجات، وواجبي أن أتهيأ للتقهقر ~~على مركزك، فابعث إلي بأقصى سرعة ممكنة بما تراه»، هذه ~~الرسالة وصلت «ستيوارت» حوالي السابعة من صباح 21 أبريل، ~~فأجاب «ستيوارت» فورا على رسالة «ماكليود»، ولكن الجندي ~~حامل هذا الجواب لم ينجح في الوصول إلى الحماد، ومع أن ~~«ستيوارت» بعث كذلك بنجدات إليها برئاسة الكابتن ~~«أكورت» # A’Court # فقد ~~حال فرسان العدو بينه وبين الوصول إلى الحماد واضطر إلى ~~النكوص على عقبيه، فلم يبق هناك من وسيلة سوى ذهاب ~~«ستيوارت» نفسه بقواته جميعا لنجدة «ماكليود» فأمر برفع ~~الحصار عن رشيد فورا، وبدأ الزحف صوب الحماد، وشاهد ~~الأرنئود هذا التقهقر فخرجوا من المدينة بقوات عديدة، ~~وشنوا هجوما عاما على كل المواقع، وحصل التحام ~~بالسونكي، ولكن الإنجليز استطاعوا الوصول إلى السهل، ~~واستمر فرسان العدو يطاردونهم في تقهقرهم، وكان غرض الجيش ~~المتقهقر الانسحاب إلى بحيرة إدكو، حيث كان يرجو أن يلقى ~~هناك عند القاعدة أو المخزن في طرف البحيرة جيش «ماكليود» ~~المنسحب من الحماد. # وقد وصف أحد رجال جيش «ستيوارت» هذا التقهقر من رشيد إلى ~~إدكو ثم ما جرى من حوادث، فقال: «وعندما اقتربنا من ~~البحيرة، جاء إلى العدو الذي استمر يلاحق الإنجليز فرسان ~~ومشاة من ناحية الحماد، بينهم قادة من طراز ممتاز، وقد ~~طوقنا العدو عندئذ وأحاط بنا تماما وفي قوات عظيمة، ~~ولكن الميسرة التي ms0694 بلغت شاطئ البحيرة نصبت مدافعها وأنشأت ~~دفاعا كافيا، والجيش الذي كان قد بدأ يتقهقر في صورة ~~مستطيل اتخذ الآن شكلا ذا ثلاثة جوانب ... وقد وضعنا مدفعا ~~كبيرا على شاطئ البحيرة الذي سببه تبخر المياه في هذه ~~الناحية، فترك أرضا واسعة وصلدة، وأوقف هذا المدفع فرسان ~~العدو على مسافة بعيدة منا، ولكن مشاة العدو أزعجونا ~~إزعاجا كبيرا بإطلاقهم الرصاص من كثبان الرمال على ~~المربع مباشرة، وفي هذا المكان افترق الطريق، فإلى اليمين ~~منا يقود الطريق إلى الحماد، وإلى يسارنا يسير الطريق إلى ~~إدكو، وفي هذا المكان كذلك كنا نتوقع أن نجد «ماكليود» ~~ولكننا لم نلق أحدا، وقد أمر «ستيوارت» الجيش بالوقوف، ~~ثم أشار إلى هذه الطرق المختلفة: أحدهما يفضي إلى إدكو ومن ~~المحتمل إلى النجاة، والآخر إلى الحماد وهو الطريق الذي ~~يقضي الواجب والشرف اتباعه، وقال إنه يعرف أن رجاله ~~إنما يؤثرون هذا الطريق الأخير، والسير فيه؛ حتى يقفوا على ~~ما حدث لزملائهم، ويعرفوا مصيرهم، وهم الذين من المحتمل أن ~~يكون العدو قد أحاط بهم وطوقهم، ولا تتعادل قوتهم مع ~~قوات هذا العدو ونيرانه، ويعتمدون على نجدة زملائهم لهم، ~~ثم إنه أظهر تصميمه على مهاجمة العدو فورا، والسير في ~~اتجاه الحماد إلى أن يتمكن من الوصول إلى مكان تتاح له ~~الفرصة منه لمشاهدة هذا الموقع والجهات المجاورة له، وفي ~~هذه اللحظة استمر العدو يمطرنا بوابل من الرصاص، وقد قمنا ~~بهجوم عنيف على العدو أرغمه على الارتداد والهرب، ولا شك ~~في أن مطاردة العدو المتقهقر وقتئذ كانت تلحق به خسائر ~~كبيرة، ولكن «ستيوارت» كان مشغولا بمسألة الحماد، ولا ~~يمكن أن يعوض انتصار وقتي ما يتبع ذلك من إضعاف جيش لا ~~يزال أمامه واجب شاق لإنجازه، ثم تقهقر صعب لإتمامه، ~~فتقدم الجيش صوب الحماد، ولم يبق أحد من العدو حتى ~~لمراقبة حركته، بل شوهد العدو بدلا من ذلك يكاد يطير على ~~كثبان الرمال من فرط السرعة التي هرب بها ربما خوفا من ~~استدراجه بعيدا عن مراكزه المحصنة للالتحام في معركة ~~لا يملك فيها ms0695 المزايا التي تضمن له الانتصار، وكان حوالي ~~الساعة الواحدة من بعد ظهر يوم 21 أبريل أن غير الجيش ~~وجهته، وبعد مسيرة ساعة ونصف ساعة في اتجاه النيل، وصلنا ~~إلى أرض تمكننا من مشاهدة شاطئ القناة عند الحماد والسهل ~~الذي وراءها، ولكن شيئا ما لم يشاهد هناك سوى بعض ~~فرسان العدو ينسحبون في راحة وبطء على الجانب الآخر من ~~الموقع، ثم بعض خيام العدو مقامة على الشاطئ نفسه، وبعد ~~الفحص الدقيق بالنظارات لم تلحظ أية آثار لميدان معركة، ~~ومهما يكن مصير زملائنا، فالمقطوع به أنهم لم يكونوا هناك ~~في خطوط الحماد، وقد سبب ذلك مخاوف عظيمة، ولم يعد هناك ~~مناص من أن يعود «ستيوارت» أدراجه وأن يذهب الجيش إلى قرية ~~إدكو، حيث يتوفر بها الماء والراحة، وفي السابعة مساء ~~اليوم نفسه (21 أبريل) وصل الجيش إلى النقطة أو القاعدة أو ~~المخزن التي كانت حتى الآن المكان الذي تجري مواصلاتنا منه ~~مع الأسطول بواسطة القوارب، وقد وجدنا هنا الضابط البحري ~~صاحب القيادة بها، يجهل كل ما حصل لنا، ثم إننا لم نجد ~~«ماكليود»، ووقف الجند للراحة، ووزع عليهم الخبز ~~والنبيذ، وأنزل الجرحى والعتاد إلى القوارب في ~~البحيرة، واحتفظ الجيش بثلاثة مدافع فقط، واستمرت هذه ~~العملية حتى العاشرة مساء وعندئذ بدأ السير. # وفي الواحدة من صبيحة 22 أبريل، وصلنا إلى قرية إدكو، ~~وهنا كان الهدوء شاملا، وفي وسعنا الوقوف للراحة بها، ~~ولكن الخوف من الطريق ويمتد أميالا ثلاثة، أوله يسير ~~بحذاء البحيرة، حيث يكثر النخل والعشب الكثيف الملائم ~~لهجوم الفرسان والمشاة، ثم يسير بعدها في صحراء رملية، حيث ~~لا يخشى كثيرا من هذا الهجوم، فوجب استئناف السير فورا، ~~ولم يمكن أخذ شيء من قرية إدكو سوى الماء، إذ تركها أهلها؛ ~~لأن هؤلاء كانوا يعرفون جيد المعرفة أنهم سوف يتعرضون ~~لانتقام مطاردينا الشديد إذا بقوا بها، وبعد أن اجتاز ~~الجيش منطقة النخيل، وخرج إلى الطريق الصحراوي الرملي أظهر ~~العدو نفسه في قوات كبيرة، وتبادل الجيش إطلاق النار معه، ~~وأخيرا وصل المتقهقرون إلى قيروان سراي ms0696 في الثالثة من بعد ~~ظهر يوم 22 أبريل، وقد وصل باقي العتاد من إدكو بعد ذلك ~~بقليل بفضل القوارب التي أرسلها «هالويل» لإحضاره.» # وقد استطرد صاحب التقرير إذا ذكر مسألة الأخبار التي ~~جاءت «ستيوارت» متأخرة، وبعد فوات الفرصة عن مرور قوات ~~الأرنئود من فوة يوم 18 أبريل لنجدة رشيد - وقد ذكرنا هذه ~~المسألة في موضعها - فقال: «ولا يجب أن نغفل ذكر أنه كان ~~في هذا اليوم أن شوهد قارب في البحيرة، يحمل رسالة من ~~سفينة الأميرال «توماس لويس» إلى الجنرال «ستيوارت» في ~~طيها رسالة من الميجور «مسيت» يقول فيها هذا الأخير إن ~~معلومات أكيدة قد بلغته من فوة بأن جندا كثيرين قد مروا ~~من هذا المكان يوم 18 أبريل، بعضهم في السفن، والبعض الآخر ~~بطريق البر، قاصدين إلى رشيد ، وحيث إن فوة تبعد أربعين ~~ميلا تقريبا من رشيد، فيكون العدو قد أتاح لنا الفرصة ~~للحذر منه ومن حركاته في الوقت المناسب، غير أن حكم القضاء ~~والقدر المحزن اقتضى أن تمر هذه المعلومات في طريق ~~دائري أفقدها قيمتها، ولم يمكن الانتفاع بها، فقد كان ~~الواجب أولا أن تأتي هذه المعلومات إلى الميجور «مسيت» في ~~الإسكندرية، ثم إن هذا عليه بعد هضمها أن يبعث بها إلى ~~الجنرال «فريزر» في خليج أي قير، ومن هناك عندما يسمح ~~الجو والريح تنقل إلى الجيش الذي توقف مصيره على نوع ~~المعلومات التي تأتيه؛ ولذلك فلو أن «مسيت» بقي في مركزه ~~وقد تقدم كيف أنه غادر المعسكر يوم 11 أبريل أو ترك ~~تعليمات بضرورة أن تأتي الأخبار والمعلومات أولا إلى ~~«تابرنا» أو الشيخ محمود - وقد بقي هذان في المعسكر - كي ~~يعلم بها «ستيوارت» فورا، فلو أن هذا حدث لكان من الممكن ~~أن ينسحب في الوقت المناسب الجنود الذين بموقع الحماد، ~~ولاستطاع الجيش عند اتحاده ثانية الرجوع أو الانسحاب إلى ~~قيروان سراي رغم أنف كل الجيوش التي يتأمر عليها محمد ~~علي. # وقد ترك الجنرال «ستيوارت» الذي يجهل لغة البلاد، وليس ~~بجواره في المعسكر سوى «تابرنا» والشيخ محمود، وهما ms0697 مع ~~مهارتهما وذكائهما كانا مرءوسين لغيرهما فحسب، وهذا بينما ~~بقي الكبار جميعهم في مراكز بعيدة، لا نفع ولا جدوى من ~~بقائهم بها، ولا قدرة لهم على اتخاذ ما يجب من ضروب الحيطة ~~والحذر لمنع الشر الذي كان من الطبيعي توقع حدوثه، ولقد ~~دلت زيادة معرفتنا بمصر بعد ذلك، مع مبلغ السهولة التي ~~يمكن بها الحصول على المعلومات والأخبار في هذه البلاد على ~~أنه يكاد يكون أمرا لا يصدق أن يتم تجهيز مثل هذه ~~القوات العظيمة في القاهرة، وأن تصل أمام مراكزنا دون أن ~~يعرف شيء عنها، لقد قضى الأتراك ثلاثة أيام في سيرهم إلى ~~فوة، ويجوز لنا افتراض أن حركاتهم كذلك كانت جميعها بطيئة، ~~ومع ذلك، فإنه في بلاد يتجول في أنحائها العربي الذي لم ~~تخضعه حكومتها، ومقابل قدر من المال في وسعك أن تجعله يذهب ~~إلى أي مكان، ويفعل أي شيء تريده، خفيت حركات هؤلاء ~~الأرنئود ومراحل تقدمهم على أولئك الذين يفصل اقترابهم ~~منهم في مصيرهم، وبدأ انتقال جيش «ستيوارت» من قيروان سراي ~~إلى أبي قير يوم 23 أبريل، وتمت هذه العملية في اليوم ~~التالي، وعندئذ سار الجيش إلى الإسكندرية، فبلغ مرتفعاتها ~~الشرقية - المكان الذي بدأ منه الزحف على رشيد - في اليوم ~~نفسه أي في 24 أبريل 1807، وكان «ستيوارت» قبل ذلك قد أرسل ~~اثنين من البدو ليأتياه بالخبر المحقق عن مصير ~~«ماكليود» وجنده في الحماد. # أما «ماكليود» فقد كان الواجب عليه وفق الخطة الموضوعة ~~مع «ستيوارت» في مساء 20 أبريل، أن يبادر بالانسحاب من ~~موقعه، إما إلى مرتفعات رشيد وإما إلى طرف البحيرة، ~~إذا تبين له أن الموقف لا يزال على خطورته صباح يوم 21 ~~أبريل، ولكن «ماكليود» الذي بلغه في نفس مساء 20 أبريل أن ~~قوارب العدو محتشدة في النيل، لم يأبه لهذه الأخبار ~~وتصرف تصرفا غير حكيم، بعدم الانسحاب فورا، وتجنب ~~الاشتباك مع عدو متفوق عليه، ولا يسفر الالتحام معه في ~~معركة إلا عن هزيمة محققة، حتى إذا شهد «ماكليود» بنفسه في ~~صباح يوم 21 أبريل، أن ms0698 حوالي المائة من قنجات الأرنئود مع ~~مركبين كبيرين مسلحين بالمدافع محتشدة في النهر على مسافة ~~نصف ميل من موقعه، وتبين له فوات الفرصة في الانسحاب ~~والتقهقر بقدر من الاطمئنان إلى نجاح هذه العملية، بادر ~~باتخاذ الترتيبات الأخيرة للدفاع عن موقعه بصورة تمكنه من ~~التقهقر دون خسائر فادحة، ولكن «ماكليود» ارتكب عدة أخطاء ~~عند إجراء هذه الترتيبات الأخيرة، لم تلبث أن مكنت العدو ~~من هزيمته هزيمة منكرة. # حقيقة كثرت الثغرات في خطوطه في كل مكان، وكان موقعه ~~ضعيفا ولا يسمح بالصمود في الدفاع عنه طويلا، ولكنه - ~~على الأقل - كان يعطي فسحة من الوقت لتدبير عملية التقهقر ~~في نظام إذا عرف القائد كيف يضع خطة محكمة للدفاع عنه، فقد ~~وقعت الحماد خلف القناة، ثم كان من شأن ضيق شوارعها ودنو ~~مساكنها الشديد من بعضها بعضا، أن يجعل منها إذا احتلت ~~احتلالا قويا نقطة دفاع طبيعية، ومركزا للمقاومة، ~~يستعصي على العدو إخضاعه بسهولة، فتتاح الفرصة عندئذ ~~لجمع الفصائل - وكان عددها ثلاثا - المكلفة بحراسة الموقع ~~من ناحية البرزخ الذي سبق الحديث عنه، ثم جعلها تنسحب ~~إما إلى جهة أبي منضور، وإما إلى البحيرة (بحيرة ~~إدكو)، فيكفي قيام حوالي المائة بالدفاع عن الحماد إلى ~~النهاية؛ لإنقاذ سائر زملائهم، ولكن «ماكليود» سلك طريقا ~~آخر في ترتيباته، فكلف الميجور «فوجلسانج» بمغادرة ~~المركز الذي كان به على اليسار، والذهاب بجنده لاحتلال ~~مرتفع يقع على مسافة ثلاثة أرباع الميل تقريبا خلف وسط ~~الخط، ثم أمر الكابتن «تارلتون» الارتداد من موقعه في ~~اليمين إلى الموقع الذي كان به الميجور «موهر» # Mohr # في الوسط، وذلك ~~بالمرور خلف ضفتي أو شاطئي القناة، ثم ذهب «ماكليود» بنفسه ~~إلى موقع «موهر»، وأمره بسحب الجنود الستين الذين كانوا ~~يحتلون قرية الحماد ذاتها، وهكذا دلت هذه الخطوات السريعة ~~والمرتجلة على أن «ماكليود» إنما أراد من ذلك وضع جيشه ~~بأكمله خلف البرزخ، حول الموقع الذي كلف «فوجلسانج» ~~بالوقوف فيه، وذلك لجعل الجيش المجتمع في هذه النقطة ~~ينسحب بعد ذلك للانضمام إلى جيش «ستيوارت» عند رشيد، ولكن ~~العدو ms0699 الذي لم يلق أية مقاومة لم يترك لماكليود الوقت ~~الكافي لتنفيذ خطته. # فإنه بمجرد أن لاحظ فرسان الأتراك أن الإنجليز قد أخلوا ~~أماكنهم الواقعة إلى يسار مركزهم، قاموا في التو والساعة ~~بهجوم عنيف عليه، وتمكنوا بفضل استدارتهم خلف ضفتي القناة ~~من عزل قوات «فوجلسانج» عن قوات «موهر»، ولما كان ~~«تارلتون» قد غادر مركزه كذلك للارتداد إلى موقع «موهر»، ~~فقد استدار حوالي خمسمائة من فرسان العدو خلف ميمنة خطوط ~~الإنجليز، وشنوا هجوما قويا على السريات أو ~~الفصائل الثلاث بتلك الجهة، وذلك بينما استولى المشاة ~~الأتراك والأرنئود على قرية الحماد ذاتها دون قتال، ثم ~~زحفوا صوب ضفتي القناة دون أن يلقوا أية مقاومة، وكان ~~«ماكليود» بعد مغادرته «موهر» قد ذهب إلى «تارلتون» فقابله ~~مع جنده والأخير في طريقه إلى موقع «موهر»، حسب التعليمات ~~التي أعطيت له منسحبا إلى الوسط ، ولما كان فرسان العدو ~~على وشك أن يطوقوا «ماكليود» و«تارلتون»، فقد أوقف الأول ~~سير الجند، وشكل منهم مثلثا تستند قاعدته على القناة، ~~وبعث في الوقت نفسه بالكابتن «ديلانسي» إلى «موهر» يأمره ~~بإخلاء الممر أو معبر القناة الذي كان يحتله هذا الأخير ~~أمام قرية الحماد، والذي كان الأرنئود قد بدءوا يطوقونه، ~~وقد نفذ هذا الأمر فورا، ولكن في سرعة أشاعت الاضطراب ~~والفوضى في الصفوف، واحتل الأرنئود ضفتي القناة وتمكنوا من ~~هذا المرتفع من إصلاء الإنجليز نارا حامية، كما أطلقت ~~النار عليهم من القرية بشدة، وأمر «ماكليود» باحتلال ~~المرتفعات ضفتي القناة ولكن دون طائل؛ لأن فرسان العدو ~~ضيقت تضييقا شديدا على جنده، وتزايدت الفوضى في صفوف ~~الإنجليز تبعا لتزايد هذا التضييق عليهم، وحصدتهم نار ~~الأرنئود حصدا، وأصابت «ماكليود» رصاصة أردته قتيلا، ~~واستمر القتال مدة ساعة تعالت في أثنائها صيحات الرعب ~~والفزع، مختلطة بأنين الجرحى وحشرجة القتلى، وسقط في ~~الميدان «تارلتون» وغيره من كبار الضباط، وتسلم الكابتن ~~«ماكاي» # Mackay # القيادة، وكان هذا قد أصيب بجرحين قبل ذلك، ووجد «ماكاي» ~~من العبث محاولة الاحتفاظ بالمرتفعات، فأمر بالانسحاب منها ~~إلى سهل على مسافة قريبة إلى الوراء، فلم يبلغ ms0700 هذا السهل ~~سوى خمسين فحسب، أكثرهم مثخنون بالجراح. # ثم قرر «ماكاي» الاتصال بقوات «فوجلسانج» الذي كان مركزه ~~كذلك ميئوسا منه، فلم يستطع سوى خمسة فقط الوصول إليه، ~~وقتل الباقون وأسروا وأصيب «ماكاي» بجرحه الثالث، ~~وأنقذ بصعوبة، ثم وقف القتال فترة حتى ينتهي الأرنئود من ~~قطع رءوس القتلى، وأخذ ما وجدوه من أسلاب وغنائم، وعندما ~~استؤنف القتال تحول الأرنئود إلى مهاجمة «فوجلسانج» الذي ~~وقف بقواته في شكل مربع، وقد صح عزم جنده على المقاومة ~~إلى آخر قطرة من دمائهم، ولكن هؤلاء كانوا يحتلون تلا من ~~كثبان الرمال يحيط به زغل، استطاع منه العدو زحزحة الجنود ~~الإنجليز من هذا التل واحتله مشاة الأرنئود بدلا منهم، ~~وتعرض الإنجليز لهجوم فرسان العدو إذا حاولوا ترك مراكزهم، ~~فاضطروا إلى الصمود بمربعهم؛ لتلقي نيران العدو، حتى إذا ~~انقضت ساعة ونصف الساعة والقتال دائر على أشده، كان ~~العدو وقد فرغ من نصب أحد المدافع التي استولى عليها، ~~فبدأ الضرب بهذا المدفع على الإنجليز، وقد كفت طلقتان ~~منه لإزعاج مربع الإنجليز إزعاجا كبيرا، وكان معنى ~~التقهقر في هذه الظروف التعرض لكارثة محققة، كما كان معنى ~~الصمود والبقاء استمرار تحمل الجيش لخسائر فادحة من ~~جراء تعرضه لضرب العدو المتصل عليه، وقد ظهر في هذا الموقف ~~الدقيق ما كان لبنادق الأرنئود من مزية التفوق في المرمى ~~على بنادق الإنجليز، ثم حدث في اللحظة التي أحاط فيها ~~فرسان العدو بالجيش من كل جانب أن صدر الأمر بوقف ~~النار، وشهد الجنود بعد ذلك «فوجلسانج» يخرج من الصفوف ~~يلوح بمنديل - علامة التسليم ويضم إلى صدره المبعوث الذي ~~أرسله العدو للمفاوضة، فكانت دهشة الجنود كبيرة، وصمم فريق ~~منهم على القتال إلى النهاية، واستمروا يطلقون رصاصهم على ~~العدو ولكن دون طائل، بل إن الأرنئود بمشاتهم وفرسانهم ما ~~لبثوا أن اخترقوا المربع من كل جهة، فطغت جموعهم على ~~هؤلاء، وقبضوا على فريق منهم، وحاولوا إرغام الباقين على ~~إلقاء سلاحهم، ولكن هؤلاء الأخيرين رفضوا؛ لأنهم ما كانوا ~~يتوقعون أن يرحمهم الأرنئود، ومع ذلك، وعلى حد قول أحد ms0701 ~~أسراهم في هذه المعركة الشاويش «ووترز» # Waters # من الآلاي الثامن والسبعين: ~~سرعان ما وجد هؤلاء أنفسهم مخدوعين في هذه المسألة؛ لأنهم ~~بعد أن عوملوا بقسوة في أول الأمر، وسلبهم العدو حتى ~~عراهم من ملابسهم، فإنه ما إن فرغ الأرنئود من أخذ ~~أسلابهم، وتم نقل جميع الأسرى إلى مسافة كافية في المؤخرة، ~~إلى مكان عرف الأرنئود أنهم سوف يكونون فيه آمنين على ~~أنفسهم، حتى تغير مسلكهم، وعاملوا في رفق ولين وكرم غير ~~عادي كل أولئك الأسرى الذين لم يظهروا العناد، ولما كان ~~«ووترز» قد سجل هذه الحقيقة في رسالة بعث بها من القاهرة ~~في 9 مايو إلى أحد زملائه - على ما يبدو - بالإسكندرية، ~~فقد استمر يقول: «ولنا أن نسدي الشكر للمولى تعالى ونحمده ~~على نعمائه، لقدرته جل جلاله على إدخال الرحمة والشفقة في ~~قلوب أعتى القساة؛ حيث إننا لا نزال نلقى نفس المعاملة من ~~العدو من ذلك الوقت إلى هذه اللحظة، بما يتفق وما جرت به ~~العادة من معاملة أسرى الحرب، بل وفي بعض الحالات أفضل ~~بكثير من ذلك.» # وهكذا انتهت معركة الحماد الفاصلة بعد قتال بدأ في ~~السابعة من صبيحة يوم 21 أبريل، واستمر ثلاث ساعات ~~بتمامها، وكانت خسارة الإنجليز فادحة، فلم ينج من الموت ~~من رجال «تارلتون» وعددهم 247 رجلا سوى خمسين فحسب، لم ~~يكن منهم من غير جراح سوى سبعة عشر جنديا، وأما خسائر ~~الإنجليز الإجمالية في هذه المحاولة الثانية ضد رشيد فكانت ~~38 ضابطا، منهم 22 أسرى في قلعة القاهرة، بينهم «تابرنا» ~~و«ديلانسي» و«فوجلسانج» وبلغ عدد الجرحى منهم أربعة، ومن ~~بين هؤلاء «ماكاي» «وموهر» ثم 7 في معسكر الأرنئود منهم ~~خمسة جرحى أحدهم «سوننبرج»، ثم تسعة قتلى من بينهم ~~«ماكليود» وتارلتون، وأما أسرى الجنود في قلعة القاهرة ~~فقد بلغوا 466 من بينهم 26 جاويشا، ويؤلف قسما من هؤلاء ~~الأسرى ستون وقعوا في قبضة الأرنئود أثناء المحاولة الأولى ~~ضد رشيد، واثنان من ضباط البحرية، وثمانية من البحارة ~~الجنود، وفيما عدا ذلك فقد بقي 49 في أسر الأفراد العاديين ms0702 ~~الذين اعتبروهم رقيقا، وتصرفوا فيهم من بيع وشراء ~~كعبيد. # وأما الأسرى الإنجليز فقد أرسل فريق منهم في السفن ~~إلى القاهرة، وكان أكثرهم جرحى، ولما لم يوجد أطباء أو ~~جراحون للعناية بأمرهم، فقد وصل هؤلاء إلى بولاق بعد رحلة ~~استغرقت ستة أيام في حالة محزنة، وقد أشرف بعضهم على ~~الموت، ومات فعلا فريق منهم، وأما سائر الأسرى فقد ~~ساروا برا إلى القاهرة، وعانوا مشقات عظيمة أثناء هذا ~~السير، وقد انتابتهم الحمى، وأنهك قواهم التعب والمرض، ~~وقد وصف الشيخ الجبرتي دخولهم إلى القاهرة، فذكر في حوادث ~~يوم 24 أبريل حضور الأسرى وعدتهم تسعة عشر شخصا، وعدة ~~رءوس، فجروا بهم من وسط الشارع الأعظم، وأما الرءوس ~~فمروا بها من طريق باب الشعرية، وعدتها نيف وثلاثون رأسا ~~وموضوعة على نبابيت، رشقوها بوسط بركة الأزبكية مع الرءوس ~~الأولى التي وصلت بعد الهجوم الأول على رشيد، صفين على ~~يمين السالك من باب الهواء إلى وسط البركة وشماله، وفي يوم ~~26 أبريل وصل أيضا تسعة أشخاص أسرى من الإنجليز وفيهم ~~فسيال (أي ضابط)، وفي 27 أبريل وصل أيضا نيف وستون، وفيهم ~~رأس واحد مقطوع، فمروا بها على طريق باب النصر من وسط ~~المدينة، وهرع الناس للتفرج عليهم، وبعد الظهر أيضا مروا ~~بثلاثة وعشرين أسيرا وثمانية رءوس، وبعد العصر بثلاثة ~~وعشرين رأسا وأربعة وأربعين أسيرا من ناحية باب الشعرية، ~~وطلعوا بالجميع إلى القلعة، وفي يوم 30 أبريل وصل إلى ساحل ~~بولاق مراكب وفيها أسرى وقتلى وجرحى، فطلعوا بهم إلى البر ~~وساروا بهم على طريق باب النصر، وشقوا بهم من وسط المدينة ~~إلى الأزبكية، فرشقوا الرءوس بالأزبكية مع الرءوس الأول ~~وهم نحو المائة واثنين وأربعين، والأحياء والمجاريح نحو ~~المائتين وعشرين، فطلعوا بهم إلى القلعة عند إخوانهم، فكان ~~مجموع الأسرى أربعمائة أسير وستة وستين أسيرا، والرءوس ~~ثلاثمائة ونيف وأربعين، وفي الأسرى نحو العشرين من ~~فسيالاتهم. ~~(11) مسئولية «فريزر» و«مسيت» # وكان طبيعيا بعد هذه الكارثة التي نزلت بالإنجليز أن يسعى ~~المسئولون منهم عن وقوعها للتخلص من تبعتها، وقد كان «فريزر» ~~أول من ms0703 فعل ذلك، وراح يلقي هذه التبعة على «مسيت» الذي ألح من ~~مبدأ الأمر في ضرورة الاستيلاء على رشيد، وصار يؤكد لقائد ~~الحملة أن المماليك حاضرون لنجدته، وأن الأهلين سوف يرحبون ~~بجنده في كل مكان، كمحررين ومنقذين لهم مما هم فيه من عسف ~~وظلم، ولم يتوان «مسيت» من جهته عن دفع هذه التهم عنه وتبرير ~~مسلكه، مظهرا في الوقت نفسه الأسباب التي أدت - في نظره ~~- إلى هزيمة الجيش، وهي ~~أسباب مبعثها عجز القيادة العامة الذي ظهر عند تجهيز الحملة ~~الموجهة ضد رشيد، وأثناء العمليات العسكرية ذاتها، ويلقي ما ~~دار من نقاش بين الرجلين فيما تبادلاه من رسائل وقتئذ، أو ما ~~بعثا به من تقارير إلى حكومتهما في لندن ضوءا كبيرا على ~~حقيقة الأسباب التي أفضت إلى وقوع كارثة الحماد في 21 أبريل ~~1807. # فقد كتب «فريزر» إلى «مسيت» مساء يوم المعركة نفسه، ومن مقر ~~قيادته على ظهر السفينة الحربية «كانوب» في خليج أبي قير يقول: ~~«لقد وصلني أمس مساء خطابك الأول المؤرخ في 20 أبريل إلى ~~اللفتنانت كولونيل «أيري» # Airey # يحمل أخبارا عن زحف جند الأرنئود من ~~القاهرة - والإشارة هنا إلى المعلومات التي بلغت «مسيت» عن ~~مرور جند الباشا ببلدة فوة يوم 18 أبريل في طريقهم إلى رشيد - ~~وقد بعثت به فورا إلى الجنرال «ستيوارت»، وكذلك رسالتك ~~الثانية بتاريخ أمس، وكتابك إليه قد وصلاه هذا المساء، ولقد ~~قرأتهما بإمعان، وفيما يتعلق بالعربان البدو فليس لدي ما ~~أفعله سوى إبداء أسفي على أني لم أوضع في وضع يمكنني من اتخاذ ~~قدر أكبر من الحيطة والحذر في علائقي معهم؛ لأني لو فعلت ~~لامتنع وقوع ما حدث لأولئك الضباط والجند المنكودين الذين ~~وقعوا في أيديهم، ولم يدر بخلدي بتاتا حتى سمعت بهذا الحادث، ~~أنه قد تقع مثل هذه الفعلة، أو أنه من الممكن وقوع هذا الحادث ~~بتاتا في المكان الذي وقع فيه، وأنتهز هذه الفرصة لأذكر لك ~~أني أشعر عموما، والجيش الذي تحت قيادتي بأننا في هذه اللحظة ~~نجد أنفسنا في ورطة كريهة، فقد انسقت ms0704 إلى الاعتقاد بأن أهل ~~البلاد جميعهم - باستثناء الأتراك والأرنئود - أصدقاء ~~للإنجليز، وسوف يعاونوننا في تحريرهم من نير الاستبداد الذي ~~فرضه عليهم ظالموهم، ولكنه بدلا من ذلك لم يتقدم رجل واحد ~~منهم لمعاونتنا. # وما كان يغريني على الانحراف عن الطريق الذي رسمته أصلا ~~التعليمات الصادرة بدرجة السير إلى رشيد سوى ما قدمته أنت من ~~اعتبارات بقوة، ثم إنه يقينا ما كانت هذه الاعتبارات التي ~~ذكرتها أنت لتحدث الأثر المنشود لو أنها لم تكن مصحوبة كما ~~حدث بتأكيدات قاطعة بأن رشيد سوف تسلم تسليما عند ظهور ~~الجيش البريطاني أمامها، لقد كنت أنت مخدوعا كما كنت أنا ~~بدوري مخدوعا في ذلك؛ لأنه وإن كان من المحتمل أن يكون تهور ~~الجنود بدرجة أكثر مما ينبغي قد أفضى إلى الفشل فعلا، فإنه من ~~جهة أخرى، لم يقم أقل دليل على أن الحامية في رشيد كانت ~~تنوي تسليم المكان دون أن تستنفد قبلا كل قواها في الدفاع ~~عنها ، وتضطر إلى التسليم اضطرارا - والإشارة هنا إلى الحوادث ~~المتصلة بفشل الهجوم الأول على رشيد - وكان بعد هذا إذن، ~~ونظرا لقلة القوات التي لدي إن صح عزمي لدرجة كبيرة على عدم ~~المجازفة بأرواح جنودي في مجازفة ثانية، ولم يصرفني عن عزمي ~~سوى ما قدمته لي شفويا، وبصورة رسمية من اعتبارات، بالإضافة ~~إلى ما قدمه باسم أهل الإسكندرية الشوربجي، أو رئيس القضاة ~~بها، الأمر الذي أغراني بالقيام مرة أخرى بالهجوم على رشيد؛ ~~حيث إنك قد ذكرت ثانية أن المجاعة أمر محقق، إذا بقي الجيش في ~~البلاد الإسكندرية من غير امتلاك رشيد ... إلخ ... وحيث إنك ذكرت - ~~علاوة على ذلك - أنك واثق كل الثقة أن ظهورنا ثانية أمام رشيد ~~بقوات تبعث على الاحترام، وإطلاق القنابل والرصاص على المدينة ~~كفيلان بتسليمها إلينا فورا، فكان بناء على هذا الاستحثاث، ~~وهذه اللجاجة أن قمت بهذه المحاولة الثانية، ولكنه على ما ~~يبدو، وكما يتضح حتى الآن، وبالرغم من كل الجهود التي بذلناها ~~دون نجاح أفضل، والحقيقة أن الواجب كان يحتم علي بسبب ما ~~نتكبده يوميا من ms0705 خسائر في رجالنا دون طائل، أن أرغب قبل الآن ~~بمدة أن أسحب جندي من رشيد لولا أن جعلتني رسائل المماليك - ~~وقد جاءتني هذه عن طريقك - أتوقع تعاونا سريعا وفعالا من ~~جانبهم معنا، ولكن حتى في هذا لم ألق للآن سوى خيبة الأمل، ~~ولما كان احتمال نزولهم من الصعيد ضئيلا، والتقارير تترى عن ~~مجيء النجدات من القاهرة للانضمام إلى العدو، فإني أخشى ألا ~~يكون هناك معدى - بحكم الضرورة غير المرضية - عن إصدار ~~الأمر للجنود بالارتداد إلى الإسكندرية، معرضهم بذلك هم وأهل ~~الإسكندرية لتحمل كل ذلك البلاء الذي ذكرته أنت، وأوضحته ~~رسميا، وأما فيما يتعلق بالحصول على الغلال من مشايخ ~~العربان، فإني أخشى تعذر الاعتماد على هؤلاء في ذلك بتاتا، ~~وإذا حدث اتخاذ هذا الإجراء سالف الذكر، ويبدو أن هناك كل ~~احتمال لاتخاذه، فإني لا أرى هناك أي أمل: لا في قدرتهم على ~~إمدادنا، ولا حتى في رغبتهم في ذلك. # وصفوة القول أني لا أجد أمامي سوى طريق واحد لاتباعه، إذا ~~أرغمت على الانسحاب من أمام رشيد، هو ترك هذه البلاد ~~ومبارحتها فورا، وذلك ليس لإنقاذ أنفسنا فحسب، بل ولإنقاذ أهل ~~الإسكندرية التعساء كذلك من الموت جوعا، وإني إذ أذكر هذا لك ~~في ثقة تامة إنما أبغي أن أعدك لتوقع ما قد يكون عليه ~~الحال فعلا.» # وواضح من هذا الكتاب أن «فريزر» في مساء يوم المعركة لم ~~يكن يدري شيئا عنها، ويقينا لا يدري شيئا عن نتيجتها، وإن ~~كان قد توقع بسبب الأخبار التي بلغته عن مرور النجدات الآتية ~~من القاهرة ببلدة فوة في طريقها إلى رشيد، أن اشتباكا قد يقع ~~بينها وبين قوات الجنرال «ستيوارت» وأن هذا الأخير قد يضطر إلى ~~رفع الحصار عن رشيد والانسحاب إلى الإسكندرية، وتلك هزيمة لا ~~سبيل إلى منعها، ومعناها استحالة امتلاك رشيد وقلعة جوليان ~~والرحمانية؛ أي الأماكن التي أصر «مسيت» على ضرورة احتلالها ~~لتأمين الجيش البريطاني بالإسكندرية والإسكندريين أنفسهم من ~~خطر المجاعة، ويترتب على هذه الهزيمة - في نظر «فريزر» - ضرورة ~~الجلاء فورا عن الإسكندرية. # ولا ms0706 جدال في أن شعور «فريزر» بخطورة الموقف - وهو شعور جاء ~~متأخرا - قد جعله يستعرض مع نفسه الأسباب التي أقنعته بخرق ~~التعليمات التي لديه بالدرجة التي وافق فيها على القيام ~~بمحاولتين ضد رشيد فشلت أولاهما، وصار من المتوقع يقينا فشل ~~ثانيتهما، ولم يفت عليه أنه لا مناص من تحديد البواعث التي ~~جعلت خرق تعليمات حكومته ممكنا، وتعيين الأسباب التي أفضت ~~إلى هذه الهزيمة، وقد شرحت رسالته إلى «مسيت» هذه البواعث ~~والأسباب، وقد بسطها «فريزر» بصورة حملت «مسيت» نفسه مسئولية ~~الفشل لأمور أربعة معينة، أولها: لجاجة «مسيت» في وجوب احتلال ~~رشيد لتجنيب الإسكندرية خطر المجاعة، وثانيها: زعمه بأن رشيد ~~سوف تفتح أبوابها مرحبة بالغزاة البريطانيين بمجرد ظهور هؤلاء ~~أمام أسوارها، وثالثها: قوله بأن ~~المصريين - عموما - ~~يكنون صداقة عظيمة للبريطانيين ويعتبرونهم محررين ومنقذين ~~لهم من طغيان الأرنئود واستبدادهم بهم، وأنهم لذلك سوف يرحبون ~~بهم، ويسدون لهم كل معاونة، ورابعها: تأكيده بأن المماليك ~~سوف يأتون لا محالة لنجدة الإنجليز، وتلك ولا شك كانت عوامل ~~حاسمة في فشل عمليات الإنجليز ضد رشيد، لا سيما عدم نزول ~~المماليك من الصعيد، ولا تقل في خطورتها عن العوامل الأخرى ~~التي سببت الهزيمة، وأهمها عجز نظام المخابرات الذي أنشأه ~~«مسيت» نفسه، والطريقة التي اتبعت في إرسال الأنباء ~~والمعلومات إلى معسكر الجنرال «ستيوارت»، ثم ما ظهر من أخطاء ~~عسكرية فنية، سواء عند اختيار مواقع الجيش في الحماد وأمام ~~رشيد وقواعد تموينه ومخازن إمداداته على بحيرة إدكو، أو أثناء ~~عمليات حصار رشيد ومعركة الحماد. # وقد فطن «مسيت» إلى الغرض الذي استهدفه «فريزر» من رسالته ~~هذه إليه، وأدرك هو الآخر خطورة المسئولية، ثم خطورة موقفه إذا ~~وقعت عليه هو تبعة الهزيمة، ثم راعه - إلى جانب هذا - ألا يرى ~~«فريزر» مخرجا من مأزقه سوى ترك البلاد والجلاء عن الإسكندرية ~~كلية؛ أي تحطيم ذلك المشروع الذي سيطر على ذهن «مسيت»، وملك ~~عليه قلبه ولبه، والذي أراد به - على نحو ما ذكرنا مرارا - ~~احتلال البريطانيين لمصر، وتأسيس حكومة مملوكية خاضعة ~~لحمايتهم، بعد طرد محمد علي ms0707 والأرنئود منها؛ وعلى ذلك فقد راح ~~«مسيت» في الأيام التالية ينفي عن نفسه مسئولية الهزيمة، ويبسط ~~الأسباب التي أفضت - في نظره - إلى فشل العمليات العسكرية ضد ~~رشيد، ويحاول بكل ما وسعه من جهد وحيلة إقناع «فريزر»، وإقناع ~~الحكومة الإنجليزية خصوصا بضرورة البقاء في البلاد، أو على ~~الأقل الاحتفاظ بالإسكندرية، وتلقي دعاوى «مسيت» وحججه ضوءا ~~كثيرا على أسباب الفشل الذي مني به الإنجليز في محاولتهم ~~الثانية ضد رشيد. # فإنه ما إن وصل «مسيت» يوم 22 أبريل بالإسكندرية خطاب ~~«فريزر» حتى بادر بالرد عليه في التو والساعة في دفاع طويل ~~استهله بدهشته الكبيرة من أنه قد جعل مسئولا عن فشل الجيش ~~البريطاني في هذه البلاد، ثم استطرد يقول: «لقد أوصيت فعلا ~~بمهاجمة رشيد، واحتلال الرحمانية؛ لأنه بدون رشيد والرحمانية ~~تظل الإسكندرية محرومة من بعض ضرورات الحياة، ولكنه لم يخطر لي ~~بتاتا الاجتراء على اقتراح الطريقة التي ينبغي أن يحصل بها ~~هذا الهجوم، وسوف يدهش العالم أجمع عند سماعه أن جيشا ~~أوروبيا قد عجز عن أخذ بلدة مثل رشيد، لقد أوصيت بالهجوم ~~عليها أولا يوم 20 من الشهر السابق (مارس)، عندما كانت تتألف ~~حاميتها من 250 رجلا فحسب، ثم إني عدت فأوصيت بذلك مرة أخرى ~~كتابة يوم 23 مارس عندما كان لا يزيد عدد حاميتها على 550 ~~رجلا، ولكن هذه التوصية لم يعمل بها إلا يوم 29 مارس، ثم إنه ~~عند العمل بها، لم يزود الجند إلا بمؤن تكفيهم لمدة يومين ~~فقط، ولا يحدوني إلى ذكر ذلك شيء، غير ما نما إلي من أن ~~أولئك الذين أصدروا الأمر بالقهقرى من رشيد يوم 31 مارس يحتجون ~~لتسويغ مسلكهم بأن الجند لم يكونوا بالمؤن الكافية لعيشهم، ~~ولقد أوصيت فعلا مرة أخرى بمهاجمة رشيد على أمل استرداد سمعة ~~الجيش البريطاني، ونفوذنا في البلاد، وهو نفوذ كان قد تأثر ~~بدرجة كبيرة من جراء ما لحق بنا من محاولتنا الفاشلة ضد مكان ~~مثل رشيد، ولكنه مع أن غرض هذه الحملة الثانية كان ضرب هذه ~~المدينة بالمدافع وهدمها، فإن ms0708 وسائل ما لم تهيأ لنقل الذخائر ~~من إدكو إلى رشيد، حتى إنه لكان قد امتنع على البريجادير جنرال ~~«ستيوارت» ولم يكن في مقدوره تنفيذ أوامركم من مبدأ الأمر لو ~~أنه لم ير من الحكمة أن يأخذ على عاتقه ترك عتاد المعسكر ~~خلفه، وأن يستخدم ما لدى إدارة مهمات الجيش من جمال لنقل ~~الذخائر. # لقد قلت، ولا أتردد في تكرار القول بأن سكان مصر أصدقاء ~~للإنجليز، وأنهم يتوقعون التحرر من نير الأتراك والأرنئود، ~~ولكنني لم أعط سببا واحدا لأي إنسان يخوله أن يستخلص من ذلك ~~أن هؤلاء سوف يسلحون أنفسهم وينضمون إلى الجيش البريطاني، وأما ~~أنهم يكنون عواطف طيبة لنا فينهض دليلا عليه مبادرة ~~الإسكندريين بعرض تسليم مدينتهم بمجرد أن صار في وسعهم العمل ~~وفق رغباتهم، وثمة دليل آخر هو ما يأتي به أهل الجهات المجاورة ~~يوميا من مؤن وإمدادات إلى الإسكندرية وإلى الجند أمام ~~رشيد. # وميل العربان البدو للنهب والسلب أمر معروف جيدا من قديم ~~الزمن، حتى إني لأعجب من أن تكون هناك ضرورة لإعطاء أية ~~معلومات خاصة عن هذا الموضوع سلفا أو أن يطلب من أحد ~~إعطاؤها، ومع ذلك، فلو أن إدارات هذا الجيش المختلفة كانت قد ~~ضمت إليها بعض الضباط الذين خدموا في الحملة الأولى ضد مصر - ~~ويقصد «مسيت» الحملة التي أرسلت لطرد الفرنسيين من مصر عام ~~1801 - لأفاد الجيش - كما هو في وسعي أن أقوله بحرية تامة - من ~~مثل هذه التعيينات منافع عظيمة، ولتسنى اجتناب حادثات من ~~طراز ما وقع في الجهة المقابلة لقيروان سراي، ومن الواجب أن ~~يظل موضع الأسف دائما أن تخلو هيئة قيادة هذا الجيش حتى من ~~فرد واحد له أي إلمام بالحالة العسكرية أو السياسية في ~~مصر. # ولقد ذكرت في خطابي بتاريخ 20 الجاري إلى الكولونيل ~~«أيري» # Airey # أنه ليس ~~لدي ما أعلل به تأخر المماليك سوى افتراض سماعهم بتقهقرنا من ~~رشيد، أو أنهم آثروا الانتظار حتى يتعرفوا إلى نوايا القائد ~~البريطاني الأعلى، قبل أن يتركوا أملاكهم في الصعيد، وحيث إن ~~من صالحهم ms0709 - كما هو واضح - الاتحاد معنا، فإني لا أزال أميل ~~للاعتقاد بأنهم سوف ينفذون في آخر الأمر تلك العروض التي ~~تضمنتها خطاباتهم الأخيرة لكم ولي، ولو أنه جاءني قبلا ما ~~يفيد بأن العزم منعقد على إرسال حملة إلى هذه البلاد، لكنت قد ~~بذلت قصارى جهدي لإقناع البكوات، ولدي من الأسباب ما يجعلني ~~لا أتوقع خيبة الرجاء عندئذ بالنزول من الصعيد إلى الوجه ~~البحري، حيث كان من الممكن أن يتم تهيؤهم به للتعاون مع الجنود ~~الذين تحت قيادتكم، ولكنه حتى مجيء المركب «ويزارد» إلى ~~الإسكندرية في 13 مارس لم أكن أعلم بصورة محققة - ولو أني كنت ~~أرجو - أن الحكومة الإنجليزية تريد احتلال الإسكندرية، ومن غير ~~التأكد من هذا لم يكن في وسعي أن آخذ على عاتقي دعوة المماليك ~~لمغادرة الصعيد.» # تلك إذن كانت الدعاوى التي استند عليها «مسيت» في الدفاع عن ~~نفسه، على أن الأمر الذي روعه حقا، كان ما اتضح له من ~~رسالة «فريزر»، من تفكير هذا الأخير في الجلاء عن الإسكندرية، ~~مما يتعارض - كما قدمنا - مع مشروعات «مسيت»، الأمر الذي جعل ~~هذا الأخير في القسم الباقي من رسالته إلى «فريزر»، يحاول جهده ~~لاقتلاع هذه الفكرة من ذهنه بتقديم الأدلة والدعاوى التي هدف ~~من سوقها إثناء «فريزر» عن عزمه، فقال: «وحيث إن الجنرال ~~«ستيوارت» قد أرغم على رفع الحصار عن رشيد، فإني أستخلص من ~~قراءة الفقرة الأخيرة التي جاءت في خطابكم، أنكم تنوون إخلاء ~~مصر كلية، ولا شك في أنكم قد أخذتم بعين الاعتبار عند الوصول ~~إلى هذا القرار النتائج المترتبة على اتخاذ مثل هذه الخطوة، ~~وعبء المسئولية الثقيل المتصل بها، وقدرتم ذلك كله حق قدره، ~~ولا يمكن بحال أن يغيب عنكم مبلغ الاهتمام النشيط الذي ~~لبريطانيا العظمى بهذه البلاد، والقلق الذي يستبد بحكومة جلالة ~~الملك، وخشيتها من سقوط هذا الموقع الذي هو بمثابة المفتاح ~~لممتلكاتنا في الهند الشرقية في أيدي الفرنسيين، وأنتم أقدر ~~مني على معرفة ما قد يكلفه من رجال استرجاع المركز الذي لنا ~~الآن، ولا شك أيضا في ms0710 أن حامية قوية من الأرنئود سوف تحتل ~~الإسكندرية بمجرد أن يغادرها الجنود البريطانيون، وأن تحصينات ~~هذه المدينة سوف يجري فورا ترميمها، وربما قام بذلك مهندسون ~~فرنسيون. # وأما فيما يتعلق بالبأساء التي سوف يتعرض لها سكان هذه ~~المدينة بسبب الحاجة إلى المؤن، فإن هؤلاء سوف يعتبرونها من ~~ضروب الحرمان الطفيف، إذا قيست هذه بما سوف يلقونه من عدوان ~~فظيع عليهم من جانب عصابات مسلحة استفزها الغضب الشديد من منع ~~الإسكندريين لهم من دخول مدينتهم في نفس اليوم الذي شوهد فيه ~~من هذا الميناء الأسطول البريطاني، علاوة على أن تركهم يقعون ~~فريسة للظلم العاتي وصمة عار تلطخ الخلق البريطاني إلى ~~الأبد. # واسمح لي يا سيدي - أن أذكر لك أن الفرنسيين تحملوا وهم بهذه ~~المدينة حصارا استطال خمسة شهور - (ويشير «مسيت» هنا إلى ~~الحصار الذي ضرب على «منو» بها عام 1801) وذلك في ظروف أسوأ ~~بكثير من تلك التي يجد فيها الآن الجيش البريطاني نفسه؛ لأن ~~الفرنسيين لم تكن لهم السيطرة في البحر، ولو لم يكن الرفض نصيب ~~المذكرات التي قدمها السيد «بريجز» وقدمتها أن كذلك بتاريخ 27 ~~مارس إليكم وإلى السير «جون داكويرث» لكانت عدة سفن في طريقها ~~الآن إلى هذا الميناء تحمل أصنافا منوعة من المؤن، حقيقة لا ~~توجد غلال بالإسكندرية ولكن هناك كميات وافرة من الأرز، ومن ~~الممكن عند تشجيع العرب بالوسائل المناسبة إغراء هؤلاء بإحضار ~~قدر معين من القمح والشعير إلى سوق الإسكندرية، ومن الممكن ~~كذلك أن تأتي سفن اليونان بالوقود والنبيذ والزيوت من جزر بحر ~~الأرخبيل وساحل القرمان بالأناضول بالكميات الكافية لسد حاجة ~~الجيش والبحرية وسكان الإسكندرية، وذلك حتى تصلك النجدات التي ~~تمكنك من استئناف القتال مرة أخرى.» # ولقد خشي «مسيت» بسبب هزيمتي رشيد والحماد وما أبداه ~~«فريزر» من رغبة في الجلاء عن هذه البلاد أن تتأثر الحكومة ~~الإنجليزية بحجج ودعاوى العسكريين، فتأمر بإخلاء الإسكندرية ~~وبانسحاب الجيش إلى قواعده في صقلية؛ لاستخدامه في مسائل أخرى، ~~ثم إنه خشي كذلك أن تلقى محاولات «فريزر» تحميله مسئولية فشل ~~الهجوم المتكرر على ms0711 رشيد صدى في دوائر حكومته، فعمد منذ 26 ~~أبريل إلى إرسال صورة لها من رسالة «فريزر» له في 21 أبريل، ثم ~~جوابه عليها في اليوم التالي، وكتب إلى الوزير «وندهام» يدفع ~~عن نفسه تهمة التقصير أو التضليل، لا سيما فيما يتعلق ~~بموضوعي المماليك ورغبتهم في التعاون مع الحملة، وصداقة أهل ~~البلاد وموقفهم من الإنجليز، كما راح - في واقع الأمر - يحذر ~~حكومته من مغبة الجلاء عن البلاد الآن؛ حيث إنه افترض ~~حتما أن هذه الحكومة لن تجد مناصا من العودة إلى احتلال ~~الإسكندرية بعد ذلك لدفع خطر الغزو الفرنسي عن مصر؛ ولتأسيس ~~النفوذ البريطاني بها. # وقد استهل «مسيت» خطابه إلى «وندهام» في 26 أبريل بقوله: إنه ~~قد سبق له أن أبلغ الوزير في تقريره إليه بتاريخ 12 أبريل وقد ~~سبقت الإشارة إلى هذا التقرير ما وقع للحملة الأولى على رشيد، ~~ثم استطرد يقول: «وقد وقع لسوء الحظ كل ما تنبأت به من نتائج ~~قدرت ترتبها وقتئذ على فشل عملياتنا ضد رشيد، فقد التحقت ~~جملة قبائل من العرب بخدمة الباشا ، بينما اعترفت بصراحة قبائل ~~أخرى أنها لا تستطيع الاشتراك معنا بصورة إيجابية، إلا إذا ~~أحرزنا تفوقا ملحوظا على العدو، ولم يعد الأرنئود الذين ~~انتشوا بحمى النصر يتخذون موقف الدفاع، وهم الذين كثيرا ما ~~انهزموا في خزي على يد حفنة من المماليك، وأما البكوات الذين ~~كانوا قد عرضوا كما ترون من الترجمة المرفقة طيه لرسائلهم ~~بتاريخ أول أبريل إلى الميجور جنرال «فريزر» وإلي، أن يضعوا ~~فورا قسما من جنودهم تحت قيادة «فريزر» قد وقفوا فجأة عند ~~المنيا، ولم تصلنا أية أخبار منهم حتى الآن.» # وإذا كان التهور سبب فشل الحملة الأولى ضد رشيد، فإن مرد عدم ~~النجاح في الهجوم الثاني، إنما هو إلى الحيطة والحذر بدرجة ~~أكبر مما ينبغي، ولا يريد «فريزر»، بل ولا الجيش بأسره أن يصدق ~~أن أهل مصر ذوو ميول ودية نحو الإنجليز، والسبب الوحيد في عدم ~~تصديقهم لهذه الحقيقة هو أن أحدا من المصريين لم يقم بتأييد ~~قضيتنا بقوة ms0712 السلاح، غير أنه قد فات عليهم أنه لو كان في ~~استطاعة المصريين أن يقوموا بهذا الجهد، لما كانوا رضوا كل هذه ~~المدة الطويلة باحتمال ما ينزله بهم من صنوف الاستبداد بضعة ~~آلاف من الأرنئود. # ولما كان الجنرال «فريزر» متأثرا بفكرة أن المصريين ليسوا ~~أصدقاءنا، فقد صار شديد الرغبة في إبقاء حامية قوية ~~بالإسكندرية، الأمر الذي جعل متعذرا عليه إرسال العدد الكافي ~~من الجنود لحصار رشيد محاصرة تامة، أو اتخاذ موقع في الدلتا ~~يستطيع منه وقف النجدات والإمدادات التي تدفقت يوما بعد يوم ~~على رشيد، ولقد تبين بعد استمرار الضرب الشديد عليها بالرصاص ~~والقنابل أنه طالما بقيت لحاميتها حرية الاتصال بالدلتا ذهب ~~ضربنا لها إليه أولا من ضرورة الاستيلاء على رشيد والرحمانية ~~لتأمين حاجة الجيش والإسكندريين إلى المؤن والأغذية، وبين ما ~~يذهب إليه الآن من إمكان بقاء الجيش في احتلال الإسكندرية دون ~~تعرضه أو تعرض الإسكندريين أنفسهم لخطر المجاعة، واتخذ من هذه ~~المسألة ذاتها وسيلة للتخلص من مسئولية الرأي الذي أشار به على ~~«فريزر»، من حيث ضرورة امتلاك قلعة جوليان ورشيد والرحمانية، ~~وهو الرأي الذي كان - كما شهدنا - مبعث الكوارث التي نزلت ~~بالحملة، والذي أراد «فريزر» أن يعزو إليه السبب في خروجه على ~~نص وروح التعليمات المعطاة له، فكتب «مسيت» إلى «وندهام» في ~~29 أبريل، يعلق على رسالتي إبراهيم وشاهين سالفتي الذكر بقوله: ~~ومنها تلاحظون أن إبراهيم بك وجماعته لا يميلون إلى الاتحاد ~~معنا، إلا إذا أحرزنا تفوقا عسكريا في الميدان وبدأنا ~~مهاجمة القاهرة، ومن الواضح، ولو أن البكوات لا يذكرون ذلك في ~~عبارات صريحة، أن هزيمتنا الأولى في رشيد والتي بلغتهم أخبارها ~~وهم بالمنيا، هي التي جعلتهم يقفون بها حيث إنهم لا يريدون ترك ~~الصعيد حتى يتأكدوا من أنه في استطاعتنا جعلهم يملكون البلاد ~~بأسرها. # وقد شجع الجنرال «فريزر» كما شجعت شاهين بك الألفي على المضي ~~في سيره من الصعيد، وهو على ما جاء في رسالته الخاصة إلي، يظهر ~~بمظهر من ورث عن الألفي سيده المتوفى كل أطماعه، ويكفل لنا ms0713 ~~وجوده بالبحيرة السيطرة على هذا الإقليم، ويمكننا من الحصول ~~على إمدادات وفيرة من المؤن، وقد يمكننا كذلك من إنشاء ~~مستودعات للقمح والشعير، ولكن من واجبي أن أعترف لك أني صرت ~~أخشى أن يمنعه تقهقرنا الثاني من حصار رشيد من تنفيذ وعوده ~~لنا، ومن المحتمل أن يستخلص من حجز أنفسنا داخل أسوار ~~الإسكندرية أننا سوف نكون عاجزين عن إسداء أية معونة له، إذا ~~هوجم بقوات متفوقة عليه، وتحت تأثير هذه الفكرة سوف يكون ~~طبيعيا إذا ارتد منسحبا إلى حيث يوجد زملاؤه. # ولما كنت قد ذكرت في رسالتي بتاريخ 23 مارس إلى الجنرال ~~«فريزر» أن أهل الإسكندرية سوف يحرمون من الأغذية والمؤن إذا ~~لم نمتلك رشيد والرحمانية، ثم عدت فذكرت في رسالتي إليه بتاريخ ~~22 أبريل أن هناك سدى وتعذر علينا إخضاعها، ولما كانت قد جاءت ~~الأخبار عن أن جيشا للعدو في طريقة إلى نجدتها، فقد رئي من ~~الأنسب سحب الجنود المحاصرين لرشيد، غير أن الأوامر الصادرة ~~بذلك لم تفهم - على ما يبدو - على وجهها الصحيح؛ لأن قسما ~~قويا من الجيش تحت قيادة «ماكليود» قد انعزل عن بقيته، ولا ~~يزال من غير المقطوع به ما إذا كان هؤلاء قد سلموا كأسرى ~~حرب أو أنهم لقوا حتفهم على يد العدو؟ ويؤسفني جدا أن أذكر ~~أن الكابتن «تابرنا» سكرتير البعثة، وهو الذي خدم مع الجيش منذ ~~نزوله في هذه البلاد وبناء على رجاء «ستيوارت» له، من ضمن ~~المفقودين، وهكذا فإنه لما كنا قد أخفقنا في كل عمل قمنا به، ~~وصرنا مطوقين أو محصورين بالإسكندرية، فسوف نلقى صعوبات ~~عظيمة في الحصول على المؤن والإمدادات، ولكنه إذا كان على ~~الجيش أن يخضع لكل صنوف الحرمان، ففي رأيي أن هذا أفضل بكثير ~~من ترك مركز هام كالإسكندرية. # ولقد أعطيت هدايا لكثيرين من رؤساء العرب لإغرائهم بجلب ~~المؤن إلى الإسكندرية، ورجائي أن ينال هذا العمل موافقتكم؛ حيث ~~إن هذه هي الوسيلة الوحيدة التي تمكن الجيش من الاحتفاظ ~~بالمكان الذي دخل في حوزته في مصر. # ولا ينبغي أن أخفي ms0714 عنكم أنه حتى يتسنى لنا استرجاع نفوذنا في ~~هذه البلاد فسوف يتحتم علينا إرغام الأرنئود على إخلائها، وبعد ~~المزايا التي صارت لهؤلاء على جنودنا، وحيث إن قائد القوات ~~البحرية لا يجد في مقدوره فرض الحصار على دمياط، فسوف يكون ~~ضروريا الاستعانة بقوات مسلحة عظيمة لبلوغ هذه الغاية ~~... # ثم إن «مسيت» بمجرد أن جاءته وجاءت «فريزر» في 28 أبريل ~~رسالتا شاهين الألفي وإبراهيم بك، بعث بترجمة هاتين الرسالتين ~~إلى «وندهام»، كما كتب إليه من جديد يفسر مسلك البكوات الذين ~~عزا توقفهم في المنيا، وعدم مجيئهم لنجدة «فريزر» إلى ~~انهزام الحملة الأولى في رشيد، ولما كان في رده على «فريزر» في ~~22 أبريل قد حاول إقناعه بأنه لا سبب يدعو للخوف من حدوث مجاعة ~~بالإسكندرية، وذلك لاقتلاع فكرة إخلائها من ذهنه، فقد شعر بأن ~~الواجب يقتضيه تفسير بواعث هذا التناقض الظاهر بين ما ذهب ~~كميات كبيرة من الأرز بالإسكندرية، وأن العرب البدو إذا ~~شجعوا بوسائل مناسبة فقد يمكن إغراؤهم لإحضار كميات من ~~القمح والشعير تسد حاجة البحرية والجيش والسكان، فهناك تناقض ~~ظاهر بين هذين القولين ، أرى لزاما علي أن أوضحه، فمعظم ~~الأرز الموجود الآن بهذه المدينة كان قد أودع في بطون سفن ~~مختلفة من المنتظر إبحارها مباشرة، وذلك بعد دخول الجيش إلى ~~الإسكندرية، ولكن لم تلبث أن صدرت الأوامر بإنزال الأرز من ~~السفن بعد فشل الهجوم الأول على رشيد، وذلك هو سبب توفر هذه ~~المادة أو الأرز الموجود الآن، وحيث إن القمح صار نادر ~~الوجود جدا، ولا يمكن العثور عليه إلا بعد دفع الثمن مقدما، ~~فقد صار لا معدى عن أن يعيش معظم السكان على الأرز والشعير، ~~وقد أعلن هؤلاء إلى الجنرال «فريزر» بطريق الشيخ محمد المسيري ~~أنهم سوف يقنعون بالاعتماد في غذائهم على الأرز والزيت مدة شهر ~~أو شهرين من الزمان، الأمر الذي يفضلونه كثيرا على تسليمهم ~~إلى أيدي الأرنئود، ومع ذلك، فمن المحقق قطعا أنه لا ~~يمكن بحال أن تكون حكومة جلالة الملك قد أرادت عندما أرسلت ~~جيشا إلى مصر ms0715 أن يكون الحرمان من الخبز واللحم نصيب ~~الإسكندريين طوال مدة احتلالنا لهذه المدينة؛ ولهذا فقد وجدت ~~لزاما علي أن أوصي بامتلاك رشيد والرحمانية؛ من أجل الحصول ~~على المؤن وجلبها إلى الإسكندرية. # على أن هذه الحجج والدعاوى التي ساقها «مسيت» للدفاع عن نفسه ~~وزحزحة عبء المسئولية في الفشل الذي لازم عمليات الجيش ضد رشيد ~~عن كاهله، ثم محاولته لإغراء قائد الحملة أو حكومته بالبقاء في ~~احتلال الإسكندرية، لم تفد شيئا لا في إقناع «فريزر» بأن ~~«مسيت» لم يكن مسئولا عن المركز الدقيق الذي وجد الجيش فيه ~~نفسه الآن بعد نقص قواته وشبه محاصر في الإسكندرية، أو ~~بنزوله عن فكرة إخلاء الإسكندرية إلا إذا أرسلت إليه حكومته ~~بالنجدات الوفيرة من الرجال والمال والمؤن، ولا في إقناع ~~الحكومة الإنجليزية بالتخلي عن أهدافها الأساسية الأولى عند ~~إرسالها حملة «فريزر» إلى الإسكندرية، وذلك فيما يتعلق بموقف ~~الحكومة الإنجليزية؛ لأن بواعث هذه الحملة كانت - كما قدمنا ~~وكما سيأتي ذكره - مرتبطة بتطورات الموقف العسكري والسياسي في ~~أوروبا، ولأنه فيما يتعلق بأسباب فشل العمليات العسكرية ضد ~~رشيد، استمر «فريزر» ينحي باللائحة على «مسيت» الذي زوده ~~بمعلومات مضللة عن حركة المماليك، كان مبعثها عجز نظام ~~المخابرات الذي أوجده «مسيت»، ثم إن «فريزر» لم يلبث أن وجد ~~مأخذا آخر على مسلك «مسيت» في جعله البكوات يعتقدون أن غرض ~~الحملة الأول إنما هو إرجاعهم إلى الحكم، وأن واجب الإنجليز أن ~~يفعلوا ذلك بتدابيرهم الخاصة، ودون حاجة إلى معونة المماليك، ~~أو انتظار لها، ويتضح ذلك كله من تبرم «فريزر» بالحالة التي ~~صار عليها جيشه بعد هزيمة 21 أبريل خصوصا، وتبرمه بمسيت الذي ~~يبدو بسبب لحاجته في تبرئة نفسه من المسئولية من جهة، وإظهاره ~~لمزايا البقاء في احتلال الإسكندرية من جهة أخرى؛ لاستئناف ~~العمليات العسكرية في أول فرصة ملائمة لاحتلال البلاد؛ حتى ~~يتسنى طرد الأرنئود منها والقضاء على نفوذ الوكلاء الفرنسيين، ~~ومنع فرنسا من غزو مصر، وتهديد ممتلكات الإنجليز في الهند من ~~جديد، أنه لم يفلح إلا في جعل «فريزر» يزداد يقينا بضرورة ms0716 ~~إخلاء الإسكندرية، إذا لم تعمد حكومته إلى اتخاذ إجراءات سريعة ~~لمعالجة الموقف، ويزداد تشبثا بتحميل «مسيت» مسئولية الهزائم ~~التي حلت بجيشه، ينهض دليلا على ذلك قول «فريزر» في رسالة ~~له إلى «وندهام» من الإسكندرية في أول مايو لقد أظهر المماليك ~~قطعا مصادقتهم لنا، وجعلونا نعتقد في وقت من الأوقات أنهم سوف ~~يبعثون بقسم من قواتهم إلى هذا الجزء من البلاد للتعاون معنا، ~~ولكنه يبدو أن الأكثر في رأيهم أن نساعدهم نحن على امتلاك ~~القاهرة، بدلا من أن يعاونوا هم على الاحتفاظ بالإسكندرية، ~~ولهم من الأسباب يقينا ما يجعلهم يتوقعون ذلك بسبب كتاب بعث ~~به إليهم الميجور «مسيت» قبل وصولنا إلى هذا المكان ~~الإسكندرية، يبدو أنه كان مفرغا في عبارات تعوزها الحيطة ~~والحذر، حيث أكد لهم على هذا الكتاب أنه لا مناص من إرجاعهم ~~إلى الحكم في هذه البلاد. # ولقد تحقق الآن بصورة قاطعة أنهم لم ينزلوا من الصعيد إلى ~~مكان يقرب من الدلتا، ولا حتى إلى القاهرة، وذلك في الوقت الذي ~~كثيرا ما كانت تجعلنا التقارير الكاذبة نعتقد أنهم على مسافة ~~قصيرة جدا من جندنا في رشيد، ومنذ عودة الجيش إلى هذا المكان ~~وجدت به أي الإسكندرية كميات كبيرة من الأرز؛ ولذلك فقد ~~يتسنى - لنا ما دام العدو لا يفرض علينا حصارا صارما - ~~الحصول على بعض المؤن وما يلزمنا من الماء من الجهات المجاورة ~~بالقدر الذي يكفي الحامية والسكان، ومع ذلك، وبالرغم من رغبتي ~~في العمل بما يوجبه نص التعليمات الصادرة إلي بشأن التمسك ~~بهذا الموقع، أعتقد من واجبي أن أذكر لكم دون مواربة، وبعد أن ~~فكرت في الأمر تفكيرا عميقا، وقدرت كل دقائقه حق قدرها، ~~أني مقتنع تماما بأنه من المتعذر الاحتفاظ بهذا المكان ~~الإسكندرية كموقع بريطاني في بلد يملكه العدو، بل يجب أن يكون ~~امتلاكه والاحتفاظ به بناء على معاهدة مبرمة لهذا الغرض مع ~~الباب العالي، أو إرسال قوات بدرجة من الضخامة، تمكننا من أن ~~نصبح - بمعاونة جماعة أو أخرى هنا - سادة هذه البلاد، كما أني ~~مقتنع تماما ms0717 ولو أنه من المحتمل الاحتفاظ بهذا الموقع بعض ~~الوقت إذا أتتنا فورا النجدات من الرجال، وزودنا بالمال ~~والمؤن، فإن الإسكندرية يجب إخلاؤها في النهاية.» # وقد حدث أن استطاع أحد العربان، وكان يعمل ترجمانا مع ~~القوات الإنجليزية في الحماد، الهرب والوصول إلى الإسكندرية ~~مساء 30 أبريل، فروى تفاصيل حادث يوم 21 أبريل، وكيف فوجئ ~~«ماكليود» في صبيحة ذلك اليوم بمشاهدة أربعة آلاف من مشاة ~~وفرسان العدو تحملهم السفن في النيل، وكيف تغلب هؤلاء على ~~ميسرة خطوط الإنجليز عند الحماد أولا، ثم أحاطوا بالمراكز ~~التي في الوسط وفي الميمنة، وتغلبوا عليها كذلك، كما ذكر هذا ~~الأعرابي أن «فوجلسانج» مع سائر أسرى الإنجليز في طريقهم إلى ~~القاهرة، وأن «ماكليود» نفسه من بين الجرحى من هؤلاء الأسرى، ~~ولم يدر الأعرابي أن «ماكليود» قد قتل أثناء المعركة، وقد ~~نقل «فريزر» إلى الجنرال «فوكس» في أول مايو هذه التفاصيل التي ~~جاءته والتي يؤخذ منها - وذلك ما حدث فعلا - أن «ماكليود» لم ~~يكن يتوقع أن يهاجمه الأرنئود، وبكل هذه القوات الكبيرة في ~~صبيحة اليوم الذي وقعت فيه المعركة، ولما كان «مسيت» مسئولا ~~عن تقصي أخبار العدو؛ لإبلاغ ما يقف عليه منها إلى قيادة ~~الحملة، فقد وجد لزاما عليه، ولدفع تهمة التقصير والإهمال عن ~~نفسه أن يفسر لحكومته سبب هذه المفاجأة التي فوجئ بها ~~«ماكليود»، فكتب إلى الوزير «وندهام» يوم أول مايو أنه يبدو من ~~الأخبار التي جاء بها الأعرابي أن العدو قد فاجأ وسط الموقع ~~الذي يحتله جيش «ماكليود»، وأن «ماكليود» الذي بدأ يتقهقر من ~~اليمين، لم يلبث أن وجد نفسه - بغتة وعلى غير انتظار - محاطا ~~بفرسان الأتراك، فقاتل الإنجليز ساعة من الزمان ثم سلموا ~~للعدو، ثم أنشأ يقول: وأما أن يفاجأ جنودنا هذه المفاجأة، فهو ~~أمر يتعذر نوعا تعليله؛ لأن كان قد نما إلينا منذ يوم 10 ~~أبريل وأبلغنا بأن الباشا يسير بنفسه على رأس قوة من ألفين من ~~الفرسان وألف من المشاة لنجدة رشيد، ولقد كتب إلي الكابتن ~~«تابرنا» الذي عمل رئيسا لأدلاء الجيش، يوم ms0718 19 أبريل أي قبل ~~الواقعة بيومين يقول ما نصه: لقد اتضح كذب كل ما بلغنا عن ~~محمد علي أثناء هذه الأيام القليلة الماضية، ولكنه الآن يبلغنا ~~أن كتخداه يسير صوب رشيد بقوات عظيمة، وليس هناك أي شك في أن ~~المدخل إلى رشيد مفتوح تماما للعدو، وطالما أن جيشنا لا يتخذ ~~من الإجراءات ما يكفل تأمين الجانب الآخر من النيل، فلن يكون ~~في وسعنا أن نفعل شيئا، ويكفي تأمين الجانب الآخر من النيل، ~~فلن يكون في وسعنا أن نفعل شيئا، ويكفي خمسمائة جندي زيادة ~~على القوات التي لدينا لتأمين هذا الجزء من الدلتا، ولكن أين ~~هم؟ هذا وبمجرد أن بلغ الباشا أن شاهين بك الألفي قد وصل إلى ~~بني سويف يبغي الاستمرار في سيره صوب الدلتا، استدعى محمد علي ~~فجأة الجنود الذين كانوا يعملون في رفع الحصار عن رشيد، وينهض ~~اتخاذه مثل هذا الإجراء دليلا لا يمكن دحضه على أنه لو كان ~~المماليك لم يوقفوا سيرهم عند المنيا على أثر سماعهم بفشلنا ~~الأول أمام رشيد، لكان محمد علي قد اضطر لجمع كل قواته تركيزها ~~بجوار القاهرة، ولما كان في وسعه أن يعطل عملياتنا في الوجه ~~البحري.» # تلك إذن كانت الحجج والدعاوى التي حاول بها «مسيت» أن يبرر ~~مسلكه، وأن يفسر أسباب الهزيمة في رشيد والحماد، وأن يتحرر من ~~مسئولية هذا الفشل الذي منيت به القوات الإنجليزية، وهو الفشل ~~الذي حاول «فريزر» أن يحمله تبعته، ولا جدال في أن الرجلين ~~مشتركان في المسئولية: مسيت؛ لأنه كان - كما يقول «بنبري» # Bunbury # مدير مهمات الجيش ~~البريطاني في صقلية وقتئذ، ومؤرخ الحرب الكبيرة مع فرنسا - قد ~~صار كلفا بمشروع فخم عظيم، ويحاول إغراء مواطنيه بغزو مصر ~~وفتحها، مما ترتب عليه أن تأثرت نصائحه لقائد الحملة بهذه ~~الرغبة، فكان أكبر خطأ ارتكبه الإصرار على أنه لا سبيل إلى ~~احتفاظ الجيش البريطاني بالإسكندرية من غير الاستيلاء على رشيد ~~والرحمانية، بل والاستيلاء على دمياط كذلك، ثم تأكيده القاطع ~~لقائد الحملة والمسئولين بأن البكوات المماليك - لا محالة - ~~حاضرون لمعاونة ms0719 الجيش البريطاني، وفضلا عن ذلك، فقد ظهر فساد ~~نظام المخابرات الذي أوجده، وهو نظام نجح في تضليل «مسيت» ~~نفسه؛ أي في تضليل مبتدعه من حيث جعله يتوهم أن أهل البلاد ~~بأسرهم أصدقاء للإنجليز، ومن حيث إشاعة الأنباء الكاذبة سواء ~~عن حركات البكوات المماليك أو عن حركات محمد علي، وأما «فريزر» ~~فلأنه رضي بتجاوز نص وروح التعليمات المعطاة له قبل التحقق ~~بصورة قاطعة من ضرورة الإقدام على هذا التجاوز، وهو المسئول ~~الأول عن نجاح أو إخفاق حملته، برغم ما جاء في تعليماته من ~~التوصية بالاستماع إلى نصائح «مسيت»، ثم إنه عجز عن اختيار ~~الخطة العسكرية الناجعة لبلوغ مقصده، سواء عند تدبير أمر ~~الحملة الأولى أو الحملة الثانية ضد رشيد، وظل بمنأى عن ~~العمليات العسكرية، بعيدا عن الميدان في ظروف حرمته من مراقبة ~~العمليات عن كثب، وإصدار ما قد يتطلبه الموقف من تعليمات ~~وأوامر عاجلة في الوقت المناسب. # ولقد كان ممكنا حتى في اللحظة الأخيرة أن ينسحب الجيش من ~~مواقعه أمام رشيد وفي الحماد دون تكبد خسائر كبيرة، لو أن ~~«مسيت» بقي مع «ستيوارت» فأبلغه في الوقت المناسب المعلومات ~~التي جاءت يوم 20 أبريل عن مرور قوات حسن باشا و«طبوز أوغلي» ~~ببلدة فوة قبل ذلك بيومين، ولو أن «فريزر» لم يتخذ مقر قيادته ~~على ظهر السفينة الحربية «كانوب» في خليج أبي قير فخضعت خطوط ~~مواصلاته لنقل التعليمات والأخبار وما إليها إلى «ستيوارت» ~~لرحمة الريح وهياج البحر، ثم إنه لا يمكن كذلك تبرئة القواد ~~البحريين: السير «جون داكويرث» والسير «توماس لويس» والكابتن ~~«هالويل» من تبعة هذه الهزيمة؛ لموافقتهم على العمليات ~~العسكرية ضد رشيد ورضاهم بالاعتماد على بحيرة إدكو كطريق ~~للمواصلات لنقل الإمدادات والذخائر والمدفعية، ورفضهم اتخاذ ~~طريق العجمي رشيد البحري لهذه الغاية، بدعوى وجود الأمواج ~~الشاطئية عند مصب النيل، الأمر الذي ترتب عليه عدا ما صادفه ~~الجيشان المهاجمان لرشيد من مشقات وصعوبات أثرت على سير ~~العمليات العسكرية ذاتها للأسباب التي سبق توضيحها في موضعها ~~بتنظيم خطة الحرب بصورة حصرت نشاط البريطانيين في ميدان ms0720 تعذر ~~فيه عليهم بسبب طبيعة أرضه وجغرافيته اتخاذ مواقع منيعة تكفل ~~لهم حرية التصرف والمناورة النشيطة والمجدية، سواء لاستمرار ~~عملياتهم أو لتقهقرهم، لا سيما وأنه لم يكن في وسع قيادتهم ~~إمداد الجيش المقاتل بأية نجدات من الإسكندرية، عندما كان ~~الغرض الأساسي عند تأليف الحملة امتلاك الإسكندرية فحسب ~~والاحتفاظ بها، زد على ذلك أن نبذ طريق العجمي رشيد البحري قد ~~منع الإنجليز من الاستيلاء على قلعة جوليان والمراكز التي كانت ~~للأرنئود على شاطئ النهر المقابل كخطوة مبدئية لا غنى عنها ~~لإحكام الحصار على رشيد، ولمنع وصول نجدات العدو إليها، وبخاصة ~~عندما كان هدف المحاولة الثانية ضدها إخضاعها بتسديد الضرب ~~الشديد إليها، وعدم اقتحامها اقتحاما كما حدث في محاولة ~~«ووكوب» الأولى. # وعلى كل حال، وسواء كان «مسيت» أو «فريزر» أو القواد ~~البحريون أو كل أولئك جميعا مسئولين عن إخفاق الحملة ضد رشيد، ~~فقد صار موضع اهتمام «فريزر» بعد عودة جيشه المنهزم إلى ~~الإسكندرية، هو التفكير الآن في خير الوسائل التي يمكن بفضلها ~~على الأقل تنفيذ التعليمات الصادرة إليه بشأن البقاء في احتلال ~~الإسكندرية. # الفصل الرابع # | تخطي العاصفة: جلاء الإنجليز عن ~~الإسكندرية # تمهيد # لم يكن أحد من الذين راقبوا مجيء حملة «فريزر» واستيلاءها ~~بسهولة على الإسكندرية، يتوقع هزيمة هذه الحملة، أو على الأقل ~~بمثل السرعة التي حدثت بها، لما كان معروفا عن قوة وحسن ~~استعداد البريطانيين الذين انتصروا على جيش الشرق وأجلوه عن ~~مصر، والذين كان لهم من السيطرة البحرية في البحر الأبيض ما ~~يجعل أمرا محققا في نظر كثيرين أنهم سوف يأتون بقوة كبيرة ~~إلى هذه البلاد، لتعزيز مراكزهم في المواقع التي يحتلونها بها، ~~أو لتوسيع نطاق عملياتهم العسكرية بالصورة التي تمكنهم من ~~تحقيق أغراضهم، إذا كانت هذه الاستيلاء على البلاد بأسرها، ~~وليس الاكتفاء باحتلال الإسكندرية فحسب. # ولم يساور محمد علي أي شك في أن الإنجليز إنما كانوا يقصدون ~~من غزوهم امتلاك البلاد على نحو ما فعل الفرنسيون الذين غزوها ~~قبل ذلك، ينهض في نظره دليلا على ذلك اتساع نطاق عملياتهم ~~العسكرية ms0721 ومحاولاتهم المتكررة ضد رشيد، ويزيد من رسوخ هذه ~~الفكرة في ذهنه مسعى القواد والوكلاء الإنجليز لدى البكوات ~~المماليك لإغرائهم بالنزول من الصعيد والاتحاد معهم في الحرب ~~ضده، ولا نتيجة لهذا الاتحاد إذا تحقق إلا طرده من الولاية، ~~والقضاء على باشويته، أضف إلى هذا تأكيدات الوكلاء الفرنسيين ~~له بأن الإنجليز إنما أرسلوا حملتهم إلى مصر لهذه الغاية ~~ذاتها. # ولم يكن محمد علي يتوقع كذلك أن ينهزم الإنجليز هذه الهزيمة ~~الساحقة في المعارك التي خاضوا غمارها ضد شراذم جنده ~~الأرنئود أو ضد جماعات الأهلين المسلحة الذين هبوا من دمنهور ~~أو من غيرها من البلدان والقرى المجاورة لنجدة رشيد. # ولذلك، فقد أحدث الانتصار على الإنجليز في معركتي رشيد (31 ~~مارس)، والحماد (21 أبريل) تبدلا كبيرا في الموقف فيما يخص ~~محمد علي من حيث إن هذا الانتصار قد أنهى مرحلة دقيقة من مراحل ~~النضال مع العدو، خرج الباشا منها مظفرا منصورا لا في ~~الميدان العسكري فحسب، بل وفي الميدان السياسي الداخلي كذلك، ~~عندما نجحت مساعيه، مع الاستعانة بنشاط الوكلاء الفرنسيين في ~~وقف حركة البكوات وإلزامهم بالحيدة، وأقبل القاهريون بكل همة ~~ونشاط تحت توجيه وإرشاد زعمائهم على تحصين مدينتهم، وحصل ~~الباشا بفضل تآزر هؤلاء الزعماء الشعبيين معه على حاجته من ~~المال اللازم لتدبير شئون الدفاع ودفع مرتبات الجند، وإنجاز ~~الاستعدادات لخروج جيش كبير لقتال الإنجليز وتشديد الحصار ~~عليهم في الإسكندرية لطردهم منها. # ثم إنه كان لهذين الانتصارين في رشيد والحماد أثر حاسم آخر ~~في موقف البكوات المماليك، خصوم محمد علي الداخليين، فصاروا ~~الآن أكثر استجابة لرغبات وسطاء الباشا معهم، ولم يكن منتظرا ~~أن ينبذ هؤلاء حيادهم، طالما حصر الإنجليز نشاطهم لسبب أو لآخر ~~داخل أسوار الإسكندرية، وتعذر عليهم إحراز أي نصر على جند محمد ~~علي، ونجح الباشا في إعداد جيش كبير لقتالهم، وإرغامهم على ~~البقاء - على الأقل - بالإسكندرية، إن لم يستطع إجلاءهم ~~عنها. # على أن محمد علي وإن كان قد استطاع تخطي العاصفة، وهي في ~~عنفوان هياجها، فإن هذه العاصفة لم تكن قد سكنت بعد، ms0722 بل ولا ~~يزال خطر اشتدادها من جديد ماثلا ما دام الإنجليز باقين ~~بالإسكندرية، ثم لم تلبث أن توفرت لديه الأدلة في الشهور ~~القليلة التالية على أنهم يبغون البقاء بالإسكندرية، وأنه لا ~~مناص من الالتحام معهم في معارك أخرى، والانتصار عليهم لطردهم ~~منها، على أن الباشا وإن كان قد صح عزمه على قتالهم، فقد آثر ~~من ناحية أخرى - إذا كان هذا ممكنا - محاولة تحرير الإسكندرية ~~من احتلالهم بطريق المفاوضة، بدلا من الاشتباك معهم في معارك ~~جديدة، قد لا يكون النصر فيها من نصيبه هو، فتتجدد كل تلك ~~المتاعب التي ما استطاع تذليلها إلا بكل نصب ومشقة؛ ولذلك ~~فقد صارت المفاوضة من الطرائق التي اعتمد عليها الباشا إلى ~~جانب تهيؤه العسكري لبلوغ غايته، وكانت المفاوضة هي الطريق ~~الذي تسنى به إنهاء النضال الدائر بينه وبين الإنجليز. # ولقد حققت عوامل عدة نجاح هذه الوسيلة السلمية لإجلاء ~~الإنجليز عن الإسكندرية أهمها - كما أشرنا مرارا - أن ~~الإنجليز لم يستهدفوا من مجيء حملتهم إلى الإسكندرية امتلاك ~~البلاد بأسرها، بل قصدوا من استيلائهم عليها الوصول إلى غرضين ~~رئيسيين هما الحيلولة دون نزول حملة فرنسية في هذه البلاد، ~~وتخويف الباب العالي وحمله على قبول الصلح معهم ومع حلفائهم ~~الروس، وانتزاعه من أحضان النفوذ الفرنسي، وارتبط لذلك مصير ~~حملتهم بتقلبات الموقف في أوروبا، وكان من أثر هذه التقلبات ~~- كما سيأتي ذكره - أن قر رأيهم على استدعاء حملة «فريزر» من ~~مصر، وتسليم الإسكندرية سلما إلى محمد علي، فكان من المتيسر ~~عندئذ أن ينجح طريق المفاوضة في إنهاء عملياتهم العسكرية في ~~مصر، وبجلاء الإنجليز عن الإسكندرية يكون محمد علي قد تخطى هذه ~~العاصفة الهوجاء بسلام ليتفرغ في السنوات القليلة التالية لدعم ~~أركان باشويته. # على أنه عقب هزيمتي رشيد والحماد، لم يكن قد صح عزم الإنجليز ~~نهائيا على إخلاء الإسكندرية، بل حرص «فريزر» على اتخاذ كل ~~إجراء يكفل له القدرة على الاستمرار في احتلالها، وساعده على ~~ذلك أن الاطمئنان أخذ يحل تدريجيا محل الفزع الذي استبد ~~بالإنجليز بعد هزائمهم في مارس وأبريل، ms0723 ووصلت النجدات من صقلية ~~لتعزيز حامية الإسكندرية، وراح القائد الإنجليزي يبذل قصارى ~~جهده لتنفيذ التعليمات الأساسية التي لديه وهي التي هدفت إلى ~~التمسك بالإسكندرية. ~~(1) الموقف بعد الحماد # الإنجليز في الإسكندرية # فقد كتب الجنرال السير «جون مور» فيما بعد في 13 يوليو ~~1807 إلى وزير الحربية البريطانية والمستعمرات اللورد ~~«كاسلريه» # Castlereagh ~~- وقد خلف «وندهام» في هذا ~~المنصب منذ 25 مارس من السنة نفسها - يصف الحالة التي سادت ~~الإسكندرية عقب هاتين الهزيمتين في رشيد (31 مارس) والحماد ~~(21 أبريل) بأنها تدل على اليأس والقنوط والفزع، فقد وجد ~~«فريزر» نفسه مرغما على البقاء محصورا بالإسكندرية يمنع ~~عليه الأرنئود المنتصرون كل اتصال بداخل البلاد، فلا ~~يستطيع جلب أية مؤن إلى الإسكندرية، وصار مهددا بحدوث ~~المجاعة، ولم يكن موقفه مأمونا بعد هزيمة الحماد خصوصا ~~حيث أفقدته هذه الواقعة خمس قواته دفعة واحدة، ولأن بدو ~~الصحراء - ومن رأيهم الانحياز إلى جانب المنتصر دائما - ~~لم يلبثوا أن انفضوا من حوله، أضف إلى هذا أنه لم يبد ~~- كما رأينا - من جانب البكوات المماليك بتاتا ما يدل على ~~أنهم ينوون الاتحاد مع الإنجليز طالما أن هؤلاء لم يحرزوا ~~تفوقا عسكريا على العدو ولم يبدءوا الهجوم على القاهرة، ~~ولما كانت تحصينات الإسكندرية في حالة سيئة، ويبلغ محيط ~~أسوارها ثلاثة أميال، مما يتطلب جهودا مضنية للدفاع عنها، ~~وليس لديه الآن سوى ثلاثة آلاف رجل فحسب، فقد انعدم كل ~~رجاء في إمكان الاحتفاظ بها إذا حاول العدو مهاجمتها ولو ~~هجوما ضعيفا، وراح «فريزر» في قنوطه وفزعه هذين يرسم ~~للمسئولين صورة محزنة قاتمة عن الحال السيئة التي صار ~~إليها جيشه، فكتب إلى الجنرال «فوكس» في 24 أبريل يبلغه ~~وقد استبد به الألم والحزن نبأ فشل المحاولة الثانية ضد ~~رشيد، ويقول إن من واجبه الآن أن يعرض عليه حقيقة الموقف ~~الذي يرجو أن يكون موضع تفكيره الجدي، وهو أنه بسبب هذا ~~الفشل إلى جانب الفشل الذي سبقه قد صارت تتزايد حروجة ~~وخطورة موقفنا يوما بعد يوم، ومرد ذلك إلى النقص العظيم ~~الذي حدث في ms0724 قواتنا، ثم إلى ما يكاد يكون مقطوعا به ~~تماما من وقف كل الإمدادات والمؤن اللازمة لجنودنا ولأهل ~~الإسكندرية على يد العدو الذي نزل بأعداد كبيرة من القاهرة ~~إلى هذه الجهات، بينما لا يوجد لدى الجند سوى قديد يكفيهم ~~مدة شهرين فقط، وليس لديه من النقود - وهي الوسيلة الوحيدة ~~للحصول على الإمدادات الضئيلة الآن ما يكفي لسد نفقات ~~الجيش خلال الشهر الآتي، ولا يستطيع الحصول على مال: لا ~~بإعطاء تحاويل على المصارف ولا بالاستدانة ولا بأية وسيلة ~~أخرى؛ ولذلك فهو يرى من الضروري المبادرة بإمداده فورا ~~بالرجال والمؤن والمال، ولو أنه يشك حتى عند وصول هذه ~~النجدات إليه أن في استطاعته بسبب ما عليه أن يواجهه من ~~صعوبات أخرى منوعة الاحتفاظ بالإسكندرية، ومع ذلك فإنه يرى ~~من واجبه من ناحية أخرى أن يؤكد للجنرال «فوكس» أنه بدون ~~هذه الإمدادات التي يطلبها فورا سوف يكون الاحتفاظ ~~بالإسكندرية أمرا يستحيل فعله استحالة تامة، بل إن ما ~~لديه من أغذية القديد سوف يكفي فقط لتموين الجند أثناء ~~رحلتهم إلى «مسينا» في صقلية إذا وجب إخلاء ~~الإسكندرية. # وقد أيد السير «توماس لويس» الجنرال «فريزر» فيما ذهب ~~إليه، فكتب هو الآخر في اليوم نفسه إلى السير «جون ~~داكويرث»، يقدر ما تكبده الإنجليز من خسائر في محاولتهم ~~الثانية ضد رشيد بعدد من الرجال يتراوح بين 1200، 1400، ~~ويصف الوضع بأنه يبعث على الحزن والرثاء حيث لا يتجاوز عدد ~~القوات من جميع الأصناف الثلاثة آلاف بينهم على الأقل نحو ~~الثمانمائة أو التسعمائة من الجنود الأجانب، وهذا مع كثرة ~~عدد العدو وعدم وجود أصدقاء أو حلفاء للإنجليز بهذه ~~البلاد، ثم استطرد يقول إنه قد تقرر بعد تبادل الرأي مع ~~الجنرال «فريزر» تركيز كل القوات البريطانية في مدينة ~~الإسكندرية ومينائها وذلك حتى يبلغنا منكم ومن الجنرال ~~«فوكس» ما صح عليه عزمكما، ونحن نتطلع باهتمام زائد إلى ~~النجدات من الرجال والمؤن والنقود التي نطلبها، ثم إن ~~المؤن التي لدى الجيش لا تكفيه إلا لمدة لا تزيد على ~~ثمانية أسابيع، وأما حال البحرية ففي ms0725 وسعك أنت الحكم عليها ~~بنفسك، ولا تأتي أية إمدادات إلى الإسكندرية التي صارت ~~منفصلة تماما عن البلاد الداخلية، والموجود من المؤن ~~لسكانها قليل، وحيث إن قوات العدو ضدنا كبيرة، وقوة ~~مقاومتنا ضئيلة فقد يحدث أن نجد أنفسنا مرغمين على مغادرة ~~الإسكندرية قبل أن يصلنا ردكم على هذا الكتاب. # على أن هذا الشعور باليأس والفزع لم تلبث أن خفت ~~حدته رويدا رويدا بمجرد أن بدأ يزول أثر الصدمة ~~الأولى، وشرع «فريزر» عندما شرع يفيق من هول الهزيمة، يقلب ~~وجوه الرأي من جديد في الموقف، وساعده على استرداد هدوئه ~~أن الأرنئود لم يحاولوا مهاجمة الإسكندرية مباشرة عقب ~~انتصارهم في واقعة الحماد، وتبين لفريزر أنه صار لديه ~~فسحة من الوقت لتدبير الدفاع عن الإسكندرية على الأقل حتى ~~تأتيه تعليمات حكومته، ولو أنه ظل يشك كثيرا في استطاعته ~~الاحتفاظ بالإسكندرية مدة طويلة، إذا لم تصله سريعا ~~الإمدادات التي طلبها، فقد اكتشف أن بالإسكندرية كميات ~~وفيرة من الأرز - وقد أشرنا إلى سبب توفرها وقتئذ - يمكن ~~الاستعاضة بها عن القمح في تموين الجيش والإسكندريين، زد ~~على هذا أن الإنجليز كانوا أصحاب السيطرة في البحر، وفي ~~مقدورهم جلب مواد الوقود والأنبذة والزيوت من جزر بحر ~~الأرخبيل وساحل القرمان، وفي وسعهم كذلك إغراء البدو على ~~جلب القمح والشعير إلى سوق الإسكندرية على نحو ما ذكره ~~جميعه «مسيت» نفسه لفريزر منذ 22 أبريل، ومع أن التحصينات ~~ضعيفة، فإن طبيعة موقع الإسكندرية يجعل الدفاع عنها ~~ميسرا، حيث يكفي كسر السد أو القطع بين بحيرتي المعدية ~~ومريوط لإغراق هذه الأخيرة من جديد بصورة يتعذر معها على ~~فرسان العدو ومشاته الخوض فيها، وقد كتب «فريزر» إلى ~~«وندهام» في أول مايو أنه وجد ضروريا منذ عودة الجيش إلى ~~الإسكندرية قطع السد بين بحيرتي المعدية ومريوط من أجل ~~تعزيز مركز الإنجليز بالإسكندرية حيث اتضح أنه في إمكان ~~المشاة والفرسان الأعداء الخوض في كل أجزاء مريوط، ولو ~~يؤثر قطع هذا السد على إمدادنا بالمياه؛ لأن الألفي بك كان ~~قد قطع قناة الإسكندرية بالقرب من دمنهور ms0726 قبل ذلك بوقت غير ~~بعيد. # ثم إن السفينتين الحربيتين «كانوب» و«تيجر» دخلتا إلى ~~ميناء الإسكندرية وألقتا بمراسيهما بها متهيئتين لتعزيز ~~بطاريات الإسكندرية بمدافعهما، وصارت سفينة أخرى هي ~~«ستاندارد» # Standard # تتجول في ناحية العجمي أو مرابط بينما وقفت السفينة ~~«أبولو» # Apollo # في ~~خليج أبي قير لمراقبة حركات أسطول العدو في هذه الناحية ~~وشل نشاطه، وأعد الكابتن «هالويل» أسطولا من زوارق ~~المدفعية للخدمة بالقرب من الشاطئ وعند مدخل بحيرتي ~~المعدية ومريوط وفي هاتين البحيرتين ذاتهما كما حصن ~~القطع بينهما، وأمكن تهيئة القلاع للدفاع وجعل الخط الغربي ~~من تحصينات المدينة في حال طيبة، وقد دلت كفاية هذه ~~الإجراءات الدفاعية لتأدية الغرض منها في مناسبتين: ~~إحداهما عندما نقل الأرنئود قوات كبيرة في القنجات وسائر ~~أنواع القوارب إلى قاعدة قيروان سراي يوم 10 مايو. # وكانت دوريات فرسان الأتراك قد وصلت في تجوالها إلى ~~مسافة لا تزيد على ربع ميل فحسب من قطع القناة قناة ~~الإسكندرية بين بحيرتي المعدية ومريوط، وكان غرض الأرنئود ~~من نقل هذه القوات الكبيرة إلى قيروان سري الوصول إلى شبه ~~جزيرة أبي قير، ولكن السفن الثلاث «ستاندار» و«أبولو» ~~و«بيتارن» # Bittern # ثم ~~زوارق المدفعية سرعان ما أصلتهم نارا حامية اضطرتهم إلى ~~النكوص على أعقابهم، ثم تكررت المحاولة يوم 16 مايو، ودون ~~جدوى أيضا، بل إن الكابتن ~~هارفي # Harvey # في السفينة «ستاندارد» استطاع ~~الدخول في بحيرة إدكو بعد ذلك بيومين، ووصل إلى قرية إدكو ~~وحطم للعدو أكثر من ثلاثين قنجة وقارب، ورجا «فريزر» أن ~~يكفي هذا الدرس لردع العدو ومنعه في المستقبل عن القيام ~~بمثل هذه المحاولات التي قام بها في يومي 10، 16 مايو، ~~وفضلا عن ذلك، فقد بدأت تأتي المؤن إلى الإسكندرية، ونسب ~~«مسيت» الفضل في ذلك إلى نفسه فقال في رسالة له إلى ~~«كاسلريه» في 18 مايو: إنه أهدى العربان البدو من ~~الهدايا ما أغراهم لا بإمداد الإسكندرية بالمؤن فحسب، بل ~~وبالتجمع كذلك في إقليم البحيرة بصورة جعلت الأتراك ~~حتى هذه اللحظة لا يظنون من المناسب القيام بمجهود نشط ~~لوقف الإمدادات الآتية ms0727 لنا، بل لقد بذلت كل همة لتموين ~~الإسكندرية حتى صار لا يضيرنا بتاتا كل ما يبذله العدو من ~~جهد لقطع مواصلاتنا مع داخل البلاد؛ حيث إنه صار لدينا من ~~المؤن الآن ما يكفي لستة شهور، كما استجاب الجنرال «فوكس» ~~لنداء «فريزر»، فبعث إليه بالنجدات من صقلية، فوصلت ~~الفرقاطة «هايند» # Hind # يوم 24 مايو تحمل مبلغ اثنين وثلاثين ألفا من الجنيهات، ~~ورسائل من الجنرال «فوكس» تعد بإرسال الإمدادات من ~~الرجال والمؤن فورا، وفي اليوم التالي وصلت بعض المؤن، ثم ~~لم يلبث أن وصل الميجور جنرال «شربروك» # Sherbrooks # مع الآلايين ~~الواحد والعشرين والثاني والستين من 1425 رجلا من مختلف ~~الرتب يوم 29 مايو، وذلك إلى جانب 50500 جنيها إنجليزيا ~~حملتها إحدى السفن الحربية إلى الجنرال «فريزر» ~~بالإسكندرية، وفي 30 مايو كتب «فريزر» إلى «وندهام» أنه لا ~~يزال يبذل قصارى جهده لتعزيز الدفاع عن الإسكندرية ويسعده ~~أن يقول: إن الجنود الآن في صحة جيدة جدا، ولو أن ~~الخوف كبير من انتشار الرمد والدوسنطاريا بين الجنود ~~لاضطرارهم إلى البقاء في المعسكرات معرضين لحرارة الصيف ~~القاسية، وقال إنه يسعى لتدبير وسائل لوقايتهم ومتفقة مع ~~ضرورات الدفاع في الوقت نفسه، وقد عالج «فريزر» في هذه ~~الرسالة مسألة توفير المياه الصالحة للشرب، حيث وقف إمداد ~~الإسكندرية بالماء من النيل مدة فصلين أو ثلاثة فصول منذ ~~أن قطع الألفي بك القناة عند دمنهور، وانخفض الماء كثيرا ~~الآن في الآبار التي تزودها القناة بالماء، وكان من ~~الإجراءات التي اتخذها «فريزر» لضمان استتباب الهدوء في ~~الإسكندرية ومنع الوكلاء الفرنسيين على وجه الخصوص من ~~محاولة تحريض الأهالي ضد الإنجليز وإثارة الاضطرابات داخل ~~المدينة أن طلب من الأسر الفرنسية بها الذهاب إلى مالطة في ~~بحر ثلاثة أيام، وكان من بين الذين أرسلوا إلى مالطة ~~«جاسباري» # Gaspary # الترجمان الثاني للقنصلية الفرنسية بالإسكندرية؛ لأنه لم ~~يستطع اللحاق بدروفتي كما فعل زميله الآخر «فونتون» # Fonton # عند خروج ~~«دروفتي» منها في الظروف التي عرفناها. # وعني «فريزر» بأمر الأسرى الإنجليز في قلعة القاهرة، ~~فذكر الشيخ الجبرتي أنه ms0728 وصل مكتوب من كبير الإنجليز الذي ~~بالإسكندرية مضمونه طلب أسماء الأسرى من الإنجليز والوصية ~~بهم وإكرامهم كما هم يفعلون بالأسرى من العسكر، فإنهم لما ~~دخلوا إلى الإسكندرية أكرموا من كان بها منهم، وأذنوا لهم ~~بالسفر بمتاعهم وأحوالهم إلى حيث شاءوا، وكذلك من أخذوه ~~أسيرا في حرابة رشيد، وأنه قد كتب لكبير الإنجليز جوابا ~~على رسالته، فقد كتب الميجور «فوجلسانج» إلى «فريزر» من ~~قلعة القاهرة في أول مايو، يذكر بإيجاز حادث أسره وزملائه ~~في معركة الحماد، ويقول إنه لا يستطيع أن يوفي الأتراك ما ~~يستحقونه من الثناء على الطريقة التي عاملوه بها هو ~~وزملاءه كأسرى حرب، والفضل في ذلك إنما يرجع إلى الأوامر ~~التي أصدرها الباشا للعناية أعظم العناية بالجرحى، كما ~~أثنى على القنصل الفرنسي «دروفتي» لجهوده التي يبذلها ~~لتوفير سبل الراحة للأسرى وتزويدهم بكل ما يحتاجون إليه، ~~وسجل «فوجلسانج» في رسالته هذه أسماء الأسرى من الضباط ~~سواء من كان منهم بالقلعة أو أسيرا في أيدي الأفراد ~~العاديين، كما سجل أسماء الضباط القتلى، وعدد الأسرى ~~عموما من مختلف الرتب، وقد حمل رسالة «فوجلسانج» إلى ~~الإسكندرية الضابط «ماثيسون» # Matheson # فبلغها يوم 6 مايو، وكان ~~الباشا قد أطلق سراحه، وأرسله بدلا عن ابن أخي عمر بك، ~~وقيل إنه ابن أخي صالح قوش، ولكنه لما كان «فريزر» قد رأى ~~من الضروري - كما قال - إبعاد هذا الأرنئودي من الإسكندرية ~~وسافر مع من سافر إلى الروم بمتاعهم وأموالهم قبل الواقعة، ~~وقد استطرد الشيخ الجبرتي يقول: «وحيث لم يكن المطلوب ~~موجودا لم ير الإنجليز وجها لإبقاء الإنجليزي المذكور ~~فردوه.» # وكان ذلك الحادث أحد العوامل التي ساعدت على خلق جو من ~~التفاهم مهد للمفاوضة بين الباشا والإنجليز في ظروف سيأتي ~~ذكرها. # على أن الذي يعنينا الآن من مسألة «ماثيسون» أن الخبر ~~الوحيد الذي أتى به هذا الضابط إلى الإسكندرية - على نحو ~~ما قال «فريزر» في رسالته إلى «وندهام» في 6 مايو أن ~~المماليك قد عقدوا محققا صلحا مع باشا مصر، الأمر الذي ~~من شأنه - كما استطرد «فريزر» يقول ms0729 - أن يزيد حتما من ~~حروجة موقفنا بالإسكندرية، وسواء كان هذا الخبر الذي أتى ~~به «ماثيسون» صحيحا أم خاطئا، وقد عرفنا أن محمد علي قد ~~عقد صلحا معهم قبل عودته من الصعيد إلى القاهرة في الشهر ~~السابق، وإن ظل البكوات ينتحلون شتى الأعذار عن نزولهم إلى ~~الجيزة لإبرام الصلح النهائي مع الباشا، نقول وسواء صحت ~~الأخبار التي نقلها «ماثيسون» إلى «فريزر» أو كانت خاطئة، ~~فالواقع الذي لمسه «فريزر» ولا سبيل إلى نقضه أن أحدا من ~~البكوات لم يحضر لنجدته، حتى إن «مسيت» لم يلبث أن راح ~~يستأنف مساعيه لدى شاهين بك الألفي وسائر البكوات يستحثهم ~~على النزول من الصعيد، فكتب إلى شاهين الألفي منذ 19 ~~أبريل، كما بعث بالكتب إلى إبراهيم بك وشاهين بك المرادي، ~~وتسلم هذه الرسائل شاهين الألفي وهو بناحية ميمون - وهي في ~~الشمال الغربي لأشمنت من أعمال بني سويف، ومرت أيام قبل أن ~~يجيب شاهين بشيء، حتى إذا كان يوم 23 مايو بعث إلى «مسيت» ~~برسالة جاء فيها أنه تسلم رسائله إليه وإلى والدنا أمير ~~اللواء إبراهيم بك شيخ البلد، وشاهين بك المرادي وهما ~~اللذان لا يزالان بجهة المنيا، ثم أخذ يقول: «ولقد بعثت ~~أرجو مرارا من سائر البكوات إما أن ينزلوا من الصعيد حسب ~~اتفاقنا، وإما أن يبعث والدنا إبراهيم بك ببعض بكواته ~~لمصاحبتي، ولكنهم لم يجيبوا على رجواتي هذه إلا بوعود ~~مبهمة وغامضة المعنى، ولقد أرسلت إليهم اثنين من بكواتي ~~وكاشفا يحملون رسائلك ورسالة مني كذلك، وقد كلفت هؤلاء ~~المبعوثين بأن يكرروا عليهم ما أطلبه منهم فعمدوا عند ~~وصولهم إلى الاستعانة بكل حجة ممكنة لإقناع البكوات ~~الآخرين الذين بدلا من الإصغاء إلى ما قالوه، احتجزوهم ~~لديهم مدة تسعة عشر يوما يؤكدون لهم كل مرة أنهم سوف ~~يتحركون بمعسكرهم إلى الوجه البحري بعد يومين أو ثلاثة، ~~ولكن بكواتي عندما تبين لهم أن البكوات من بيت مراد ~~يعارضون دائما ما يريد إبراهيم بك شيخ البلد اتخاذه من ~~استعدادات للسير، لم يلبثوا أن غادروا معسكرهم ورجعوا ~~إلي يحملون رسالة ms0730 من والدنا إبراهيم بك، يؤيد ما أبلغني ~~إياه رسلي أنفسهم ويضيف إلى ذلك أن البكوات بأسرهم سوف ~~يتبعونني في بحر يومين أو ثلاثة، وإني الآن لمقتنع تماما ~~بأن وعودهم لي وعود جوفاء وأنهم لا يعنون ما يقولون، ويجب ~~أن يعزى مبعث الصعوبات التي يثيرونها إلى مكائد محمد علي ~~الذي استخدم أناسا لخديعة البكوات وإظهار الأوضاع لهم على ~~غير حقيقتها، ومعسكري اليوم كائن عند ميمون وفي عزمي ~~الاستمرار في السير صوبكم، ولكن الطريق يسده عربان البدو ~~الذين في خدمة محمد علي، وإن رغبتي لشديدة في الوصول ~~والانضمام إليكم؛ لأن القرى حيث يقوم معسكري مخربة تماما ~~والأغذية نادرة، ولكني أخشى من وقوع حادث؛ لأن الجيش مرهق ~~بما لديه من عتاد ثقيل وجمال كثيرة، لقد بعث إلي محمد ~~علي عندما سمع بنزولي من الصعيد بأشخاص عدة يحملون ~~مقترحاته للصلح معي، ولكني تجنبت الجواب عليها في ~~صراحة. # وهكذا فإنه لما كان البكوات الآخرون لا يزالون بالصعيد، ~~بينما أجد أمامي الباشا وعربانه، فمن المستحيل علي المضي ~~في السير والوصول إليك إلا بابتداع تدبير ماكر، فلو أن ~~جنودكم كانوا قريبين مني لكان في وسعي أن أجد وسيلة ~~للانضمام إليكم؛ حيث إنه لا يتعذر وقتئذ استمالة العرب ~~لترك الجانب الآخر والانحياز إلى جانبنا، فهم حينما يروننا ~~أقوياء بدرجة كافية سوف لا يترددون في الإتيان إلينا .» ثم ~~اختتم شاهين الألفي رسالته برجاء «مسيت» أن يبعث إليه برد ~~يقف منه على عواطفه ونواياه، وأن يذكر له إذا خرج جيش ~~الإنجليز وسار إلى القاهرة متى وأين في وسعه أن يقابله؟ ~~والعدو حذر متنبه، ولكنني - كما استمر شاهين يقول - ~~سوف أحاول جادا صرفه عن العمل النشيط أو الدخول في ~~عمليات عسكرية حتى يصلني جواب منك، ولقد بعثت بعلي كاشف ~~إلى محمد علي بدعوى المفاوضة معه حتى يتقصى الأخبار ~~ويستطلع حقيقة الموقف. # وكان واضحا من هذا الكتاب وكما فهم «فريزر» نفسه أن ~~البكوات ليسوا غير متحمسين فحسب للتعاون مع الإنجليز، بل ~~ولا يبدون أي ميل ذلك، وأما «مسيت» فقد راح يرتب على ms0731 هذه ~~الحقيقة - التي هي أحد العوامل الهامة التي جعلت «فريزر» ~~مصرا على رأيه في وجوب إخلاء الإسكندرية في النهاية ~~وبالرغم من النجدات التي وصلته حديثا - عدة قضايا لإقناع ~~حكومته من ناحية بأن وجودهم لا يؤثر في الواقع شيئا على ~~موقف الحملة الراهن، بل وأنه من الخير طالما يستطيع ~~الإنجليز لسبب من الأسباب مؤازرتهم عسكريا على بلوغ ~~أغراضهم وإعادتهم إلى الحكم، ألا يحضر هؤلاء إلى ~~الإسكندرية، ثم للإيحاء من ناحية أخرى إلى حكومته بصورة ~~مستترة ومن خلال السطور بأنه من المصلحة أن تعاونهم حكومته ~~على بلوغ مقصدهم، فإنه ما إن وصلته رسالة شاهين الألفي في ~~28 مايو حتى بادر بإرسال ترجمة هذه الرسالة إلى «كاسلريه» ~~وزير الخارجية في اليوم التالي، وقال: «إن لها بعض ~~الأهمية حيث تبسط ما يحدث من مكائد في المعسكر المملوكي، ~~وتبين أن أحدا منهم لا يريد الانضمام إلينا في الوقت ~~الحاضر، سواء كان مبعث ذلك عدم القدرة والعجز أو مجرد عدم ~~الرغبة»، ثم شرع يقول: «وإنه لمن حسن الحظ أن يكون ~~المماليك بعيدين هكذا عن الإسكندرية؛ حيث إن الجنرال ~~«فريزر» ليس مخولا إسداء معاونة فعالة لأية جماعة أو حزب ~~من الأحزاب، فلو أنهم كانوا بجوارنا لاستهلكوا أكبر قسم من ~~الإمدادات والمؤن التي يأتي بها العرب إلى هذه المدينة، ~~ولأمكنهم أن يكتشفوا سريعا أننا لا نميل للأخذ بآرائهم ~~والعمل على تحقيق أغراضهم، ولقد أعطينا القدرة بسبب ما ~~عليه الموقف الآن لا على الشكوى فحسب مما يبدو من عدم ~~الهمة من جانبهم في خدمة قضيتهم، بل وكذلك على الامتناع عن ~~مساعدتهم حتى تصلنا في هذا الشأن أوامر محددة من حكومة ~~جلالة الملك.» # ولم يطرأ أي تغيير على موقف المماليك في الأيام التالية، ~~حقيقة كتب إبراهيم بك إلى الجنرال «فريزر» بعد ذلك، كما ~~بعث شاهين الألفي باثنين من بكواته إليه هما أحمد الألفي ~~وأمين بك الألفي عدا رسوله مصطفى كاشف، ولكن لا كتاب ~~إبراهيم ولا أقوال مبعوثي شاهين قد أتت بشيء جديد، فقد راح ~~إبراهيم في رسالته إلى «فريزر» من ms0732 بني سويف بتاريخ 12 ~~يونيو يبسط الأعذار التي تمنعه من الذهاب إلى الإسكندرية ~~للتعاون مع الإنجليز قبل أن يبدو من هؤلاء ما يدل بصورة ~~قاطعة أنهم على وشك مهاجمة القاهرة ذاتها، فقال: إنه ~~إنما يخط برسالته هذه إلى «فريزر» حتى يخبره أنه قد وصل ~~إلى بني سويف مع جميع بكواته على مسافة ست عشرة ساعة من ~~القاهرة، وأنهم ينوون البقاء بها (أي في بني سويف) حتى ~~يكون جيش «فريزر» في طريقه فعلا إلى القاهرة لمهاجمتها، ~~حتى إذا صار هذا على مسافة يومين أو ثلاثة منها، استأنف ~~البكوات سيرهم لمقابلته أو انتظروا وصوله عند الجيزة، ثم ~~طفق إبراهيم يؤكد له أن السبب الوحيد في تأخرهم السابق لم ~~يكن سوى خوفهم على سلامة زوجاتهم وأسرهم التي هي تحت رحمة ~~عصابات من قطاع الطرق لا يرحمون، وزوجاتهم وأسرهم هي ~~كل ما يعنون به؛ لأنهم لا يملكون في القاهرة شيئا ذا ~~قيمة، وقد أنهى إبراهيم رسالته بإظهار شكره وممنونيته ~~لأصدقائه الإنجليز على ما أسداه هؤلاء للبكوات من خدمات ~~نافعة، ويسأل المولى تعالى أن يمكنه من الاتحاد بقواته ~~مع قواتهم، ويطلب من «فريزر» أن يحدد موعد زحف جيشه على ~~القاهرة في الأيام العشرة الأخيرة من فصل الخماسين وعند ~~فيضان النيل أو بعد هذا الوقت، وأن يبين له ما إذا كان ~~الأوفق أن يقابله البكوات عند الجيزة أو بعد هذا المكان في ~~ناحية الدلتا؛ لأنه - كما استمر يقول - عندما تتحد جيوشنا ~~معا سوف يشغل الجند الذين بالقاهرة بشئونهم كثيرا حتى ~~إنهم لن يجدوا وقتا للتفكير في إزعاج عائلاتنا وإلحاق ~~الأذى بها. # وأما مبعوثا شاهين الألفي فقد بلغا الإسكندرية يوم 2 ~~يونيو يحملان رسائل من رئيسهما، وينقلان إلى «فريزر» رغبة ~~شاهين في الانضمام مع جماعته إلى البريطانيين، ثم استعداده ~~لعرض خدماته على هؤلاء إذا كان الإنجليز ينوون الزحف من ~~الإسكندرية والتقدم في داخل البلاد لامتلاكها، وقد أجاب ~~«فريزر» على هذه العروض - كما ذكر للوزير «وندهام» في 16 ~~يونيو - بإجابات عامة يشكر شاهين على هذه العروض ويذكر - ~~تبعا ms0733 للتعليمات التي لديه - رغبته في منح حمايته لكل تلك ~~الأحزاب التي يبدو أنها تبغي صداقة الإنجليز، ولكنه رفض ~~القيام بأي حركة أو زحف حتى تصله من حكومته أوامر بذلك، ثم ~~إن «فريزر» لم يلبث أن علق على هذا الحادث بقوله: ~~«ويظهر في وضوح وجلاء بفضل ما جمعته من معلومات من هؤلاء ~~الناس (ويقصد «فريزر» مبعوثي شاهين الألفي) أن هناك نوعا ~~من الانقسام بين البكوات الآن، وشاهين بك هو وحده في الوقت ~~الحاضر الذي صح عزمه - كما يبدو - على توثيق صلاته مع ~~الإنجليز، والأمور الآن في القاهرة والصعيد على حالة كبيرة ~~من القلقلة حتى إني أشتبه في أن المماليك الآخرين إنما ~~يريدون الوقوف وعدم التورط في شيء متأهبين للاستفادة مما ~~قد يجد من ظروف؛ لأن هؤلاء الناس يبدو أنهم يريدون أن ~~يقولوا: إن صلحا ما لم يعقد بينهم وبين الباشا محمد ~~علي، وأنهم إنما يبغون كسب الوقت بخديعته.» # ذلك إذن كان رأي «فريزر» في عروض شاهين الألفي وفي موقف ~~البكوات عموما، وهو رأي كان بفضل اقتناع «فريزر» به من ~~البواعث التي جعلت هذا الأخير، ولأسباب أخرى سوف يأتي ~~ذكرها في موضعها، يدخل في مفاوضات من أجل الصلح مع محمد ~~علي، على أن «مسيت» الذي كان في قرارة نفسه يود تعطيل هذه ~~المفاوضات، ويبذل قصارى جهده وبشتى الوسائل لإقناع حكومته ~~والجنرال «فريزر» بالعدول عنها ، لم يلبث أن وجد في حادث ~~مجيء مبعوثي شاهين إلى الإسكندرية بعروض هذا الأخير ~~المبنية على أساس افتراضه أن الإنجليز يريدون احتلال أو ~~امتلاك مصر بأسرها فرصة مواتية للإشارة مرة أخرى إلى ~~المسألة التي أثارها بطريق غير مباشر في خطابه السابق إلى ~~«كاسلريه»، فضلا عن اتخاذه هذا الحادث وسيلة للدفاع عن ~~مسلكه في مسألة المماليك عموما، وهو الذي أكد فيما مضى ~~أنهم لا محالة حاضرون للتعاون مع الحملة عسكريا، فكتب ~~إلى «كاسلريه» في 17 يونيو: إن شاهين بك الألفي قد أوفد ~~اثنين من صغار بكواته إلى «فريزر» ليقول إنه مخلص تمام ~~الإخلاص للإنجليز، وأنه سوف ينضم بكل أتباعه ms0734 إلى الجيش ~~البريطاني بمجرد ظهور هذا الجيش في جهة رشيد أو دمنهور، ~~ولما كنت أعرف مقدار النفوذ العظيم الذي لا يزال ~~المماليك يتمتعون به في البلاد، وأدرك تماما مبلغ ما ~~يستبد بالأهلين من رغبة في رؤية وقوع الاتصال بين جيشنا ~~وقوات أولئك البكوات، فقد أوصيت القائد العام «فريزر» بأن ~~يرحب بمبعوثي شاهين بك ترحيبا ممتازا، وقد سر «فريزر» أن ~~يوافقني على هذا ... # ولما كان نشاط «فريزر» بمقتضى ما لديه من تعليمات ~~مقصورا على احتلال الإسكندرية، فلم يكن في وسعه أن يفصل ~~جزءا من الجيش الذي تحت قيادته للتعاون مع شاهين بك، ووجب ~~إخطار هذا الأخير بذلك، وإنما بطريقة لا تجرده تماما من ~~كل رجاء في الحصول على معاونة الحكومة البريطانية له في ~~النهاية؛ لأنه لا يوجد أدنى شك في أن هذا الأمل وحده يمنع ~~المماليك من الصلح مع محمد علي؛ ولذلك فقد عرضت على ~~«فريزر» أن من المناسب أن يذكر له أنه عند إنزاله جنده في ~~أرض مصر، كان لديه ما يحمله على الاعتقاد بأن المماليك سوف ~~يضمون صفوفهم إليه، وأنه كان قد صح عزمه لذلك على أن ~~يساعدهم بكل ما لديه من قوة، ولكن آماله لم تلبث أن خابت ~~من هذه الناحية، وأنه قد رفع كل ما حصل من وقائع إلى مقام ~~جلالة الملك الذي يتوقع أن يصله منه سريعا تعليمات ~~أخرى ، وأنه لما كان ملما بميول الحكومة البريطانية نحو ~~المماليك، فهو واثق من أن هذه التعليمات سوف تكون في صالح ~~البكوات ومحققة لرغائبهم، ولكنه في الوقت الراهن غير مفوض ~~بالعمل، ولو أنه يوصي شاهين بقوة أن يظل متحدا معنا ~~حيث إنه من الواضح أن من صالحه هو نفسه عدم فصل قضيته عن ~~قضيتنا، وسوف ترون (مخاطبا «كاسلريه») أنه كان من ~~المستحيل على «فريزر» أن يقول أكثر من ذلك إذا شاء عدم ~~توريط نفسه بالتزامات معينة، كما لم يكن في وسعه أن يذكر ~~أقل من هذا إذا شاء الإبقاء على عواطف شاهين بك الودية ~~نحونا. # ولكنه يبدو مما ذكره ms0735 «فريزر» نفسه في كتابه إلى ~~«كاسلريه» الذي سلفت الإشارة إليه أن القائد العام لم يأخذ ~~بنصيحة «مسيت» بحذافيرها، وأنه اكتفى كما قال بالإجابة على ~~عروض شاهين في عبارات عامة هي التي ذكرها في كتابه هذا، ~~وتعليل ذلك أنه إلى جانب ما حملته هذه النصيحة التي أسداها ~~إليه «مسيت» من التغرير بالمماليك وشاهين بك وخديعتهم، ~~كانت تنطوي كذلك على توريط القائد العام، وتوريط الحكومة ~~الإنجليزية ذاتها بفتح الباب من جديد لنشاط يشبه ما حدث ~~أيام أن ارتبط الجنرال «هتشنسون» بالتزاماته المعروفة ~~حيالهم منذ سبع سنوات مضت؛ ولذلك فإنه بينما كان «مسيت» لا ~~يزال يفكر بذهنية الرجل الذي خضع لمؤثرات ظروف معينة ~~اختلفت كل الاختلاف على الظروف القائمة الآن، كان «فريزر» ~~من جهته دائب التفكير والمسعى للوصول إلى اتفاق مع محمد ~~علي يحول دون استمرار العمليات العسكرية، ويتيح له فرصة ~~البقاء بالإسكندرية حتى يحين الوقت الذي يتمكن فيه من ~~الانسحاب والجلاء عنها، وقد ذكر «هالويل»، عروض شاهين ~~ومقترحاته والأسباب التي تحول دون قبولها، فقال في إحدى ~~رسائله في 18 يونيو إلى نائب أمير البحر «ثورنبروه» # Thornbrough ~~: «لقد صار ~~لاثنين من البكوات جملة أيام هنا بالإسكندرية وقد أتيا ~~برسالة إلى «فريزر» من شاهين بك تتضمن عبارات الصداقة ~~والولاء للإنجليز، وهم (أي شاهين بك وأتباعه) شديدو الرغبة ~~في مساعدتنا لهم من أجل جعلهم يمتلكون القاهرة ودمنهور، ~~ولكنه لما كانت التعليمات التي لدى «فريزر» لا تبيح له ~~تجاوز احتلال الإسكندرية، فليس في قدرته مساعدتهم، وحتى لو ~~كان يميل إلى فعل ذلك، فإن قواتنا هنا لا تكفي لمحاولة ~~فتوح أخرى في هذه البلاد، ولو أنها تكفي من ناحية أخرى ~~للدفاع عن الإسكندرية.» # على أنه وإن كان في استطاعة الإنجليز الدفاع عن ~~الإسكندرية - كما ذكر «هالويل» - فقد كان من الواضح أنه من ~~المتعذر عليهم أن يستمروا في الدفاع عنها مدة طويلة، بل ~~لقد تضافرت أسباب عدة على إقناع «فريزر» بأنه لن يكون في ~~استطاعته البقاء طويلا في احتلال الإسكندرية، منها: تخاذل ~~المماليك وعدم نجدتهم له، ومنها عدم ms0736 كفاية النجدات التي ~~أرسلها إليه الجنرال «فوكس» من صقلية للاحتفاظ بالإسكندرية ~~طويلا، ومنها التدابير التي اتخذها محمد علي لحشد قواته، ~~وما ظهر من عزمه عند تهيؤ الفرصة على الزحف بجيشه صوب ~~الإسكندرية، فقد كتب إلى «فوكس» في 18 مايو: «إن العدو لا ~~يزال في قوات عظيمة في جهة رشيد، وهناك من يقول إن عدد ~~هذه ثمانية آلاف من الأرنئود والأتراك عدا شراذم حثالة ~~القوم من كل الأصناف، ولديه مئات القوارب واثنا عشر زورق ~~مدفعية متجمعة هناك، ويذيع أن عزمه قد صح على مهاجمتنا ~~فورا من ناحية رشيد، ومن جهة صحراء مرابط العجمي، وأنه ~~كان يأتي كذلك من طريق القناة، لو أننا لم نفتح القطع بين ~~المعدية ومريوط، ومع أنني لا أرغب في أن أجد نفسي ~~مطوقا في هذا المكان (الإسكندرية) ومحصورا به لضعف ~~حاميتنا الحالية، ولاتساع نطاق التحصينات، والتي لا يمكن ~~ترميمها وإصلاحها، فإني لا أكاد أظن أنهم (أي الأرنئود ~~والأتراك) سوف يحاولون مهاجمتنا - وبخاصة وقد تأخروا في ~~مهاجمتنا كل هذا الوقت الطويل، إذا أخذوا بعين الاعتبار كل ~~تلك الصعوبات التي عليهم أن يصادفوها، إذا شاءوا اجتياز ~~سفننا الحربية وزوارق مدفعيتنا عند أبي قير، وفي حضورهم ~~عبر الصحراء من الجهة الغربية بطريق مرابط، وأما إذا فعلوا ~~فسوف نبذل كل جهد لإصلائهم نارا حامية بإصلاح تحصيناتنا ~~الأمامية - بقدر ما يسمح به الوقت وما لدينا من وسائل لفعل ~~ذلك - وبتجهيز زوارق المدفعية التي لنا، وقد وجدت نفسي ~~ملزما بشراء عشرة من هذه للدفاع عن مدخل بحيرة أبي قير، ~~وعن بحيرة أبي قير نفسها والقطع الذي بين المعدية ومريوط ~~وبحيرة مريوط وغير ذلك ...» # ثم عاد «فريزر» فكتب إلى الجنرال «فوكس» في اليوم نفسه: ~~«لقد ذكرت بصورة خاصة عند تقديم طلبي بشأن النجدات التي ~~أريدها حاجتي العظيمة إلى رجال المدفعية للدفاع عن ~~التحصينات هنا وهي على نطاق واسع جدا، وأشعر لزاما ~~علي لذلك أن أستحثكم الآن على إرسال عدد آخر من رجال ~~المدفعية دون إبطاء لضرورة ذلك ضرورة قصوى؛ حيث إن ما ~~لدينا منهم ms0737 الآن لا يكفي للقيام بالخدمة الضرورية ~~والمطلوبة منهم، إذا أخذنا بعين الاعتبار واجب وضع فرق ~~من الجند عند قلعة أبي قير، وقطع القناة عدا ما تتطلبه ~~الخدمات الأخرى المتزايدة والمطلوب من الجيش القيام بها، ~~وفي 19 مايو كتب إلى «وندهام» يذكر له الجهود العظيمة التي ~~بذلها منذ عودة الجيش من رشيد في تحصين الإسكندرية، حيث ~~يجعل من الممكن بقدر الطاقة الاحتفاظ والتمسك بها، والتي ~~يرجو إذا ظل العدو بعيدا عنها بعض الوقت كذلك، أن يجعلها ~~مأمونة ضد هجوم يقع عليها لاقتحامها عنوة»، وقد نقل ~~«فريزر» في هذه الرسالة خبر المحاولتين اللتين قام بهما ~~جيش محمد علي ضد الإسكندرية يومي 10، 16 مايو وفشلهما، ثم ~~استطرد يقول: «ومع ذلك أجد لزاما علي أن أرجوكم أن تأذنوا ~~لي بتكرار القول بأنه علينا أن نناضل ضد عدو قوي، وكبير ~~العدد، وقد يستمر تزايد قواته يوميا، بينما تصادفنا ~~صعوبات كثيرة وعظيمة؛ ولذلك فلا زلت ألح في ضرورة إرسال ~~نجدات من الجنود إلينا لا من المشاة فحسب، بل وكذلك من ~~الفرسان ورجال المدفعية، حيث يتطلب اتساع التحصينات التي ~~قد نجد من واجبنا الدفاع عنها، وطبيعة البلاد التي قد يصبح ~~ضروريا القيام بعملياتنا العسكرية بها الاستزادة من صنفي ~~الجنود الأخيرين؛ لأن الحاجة إلى هؤلاء ضرورية مثل ضرورة ~~الحاجة إلى المشاة»، وكان «فريزر» على حق في تخوفه من ~~تزايد قوات العدو يوميا؛ ذلك أن «مسيت» كان قد أبلغه منذ ~~8 مايو أن سفنا أربع قد أتت من الشام وقبرص خلال شهر ~~أبريل وأنزلت اثنتان منها في ميناء دمياط جندا عثمانيين، ~~وأن الجند محتشدون في قبرص على أهبة المجيء إلى مصر، ومن ~~الممكن نزولهم في دمياط، كذلك إذا لم يفرض الإنجليز حصارا ~~قويا على هذا الميناء، بينما لا يني محمد علي يجلب ~~النجدات بكل وسيلة من مختلف الجهات، ولا مندوحة عن وضع ~~مركب حربي عند دمياط لوقف تدفق الجنود عليها، ولا يقلل ~~من أهمية هذه الخطوة، ولا يجب أن يمنع من اتخاذها القول ~~بأنه في استطاعة الباشا جلب هذه ms0738 النجدات بطريق الشام ~~والصالحية إذا حوصرت كل الموانئ الشامية والمصرية؛ لأن هذا ~~الطريق شاق وعسير لقلة الماء به؛ ولتعرض العسكر فيه ~~لاعتداءات العرب عليهم. # وفي 21 مايو بعث «فريزر» إلى وزير الحربية «وندهام» ~~بصورة من تقرير عن حالة التحصينات بالإسكندرية وضعه أحد ~~الضباط «برجوين» # Burgoyne # من سلاح المهندسين في 8 مايو، وبعث «فريزر» بصورة منه كذلك ~~إلى الجنرال «فوكس»، وهو تقرير على جانب عظيم من الخطورة، ~~وكان من رأي صاحبه تعذر الدفاع عن الإسكندرية في الظروف ~~الراهنة إذا خطر للعدو استخدام القوة التي فهم برجوين أنها ~~لديه ضدها، وذلك لعدة أسباب ذكرها في الترتيب الآتي: ~~أولا: امتداد التحصينات: حيث يزيد على ثلاثة أميال ونصف ~~ميل، أقصر موقع يمكن احتلاله في وقت واحد، باستثناء السور ~~الفرنسي حول المدينة الحديثة، وثانيا: حالة التداعي التي ~~عليها التحصينات الآن؛ حيث إنها كانت أصلا تحصينات ~~وقتية تركت من غير ترميم مدة ست سنوات، وليس لها الآن على ~~وجه الخصوص متاريس لحماية الجند ووقايتهم، أو أرصفة لوضع ~~المدافع عليها، الأمر الذي يتطلب إنجازه وقتا طويلا؛ ~~بسبب قلة الرجال والأدوات وصعوبة العثور على الصناع العرب، ~~وقلة الانتفاع بهم حتى إذا عثر عليهم، وثالثا: استحالة ~~الوثوق في السكان العرب الذين هم وقد قاتلوا ذات مرة ضدنا ~~صار من المحتمل كثيرا أن يفعلوا ذلك ثانية، مما يقتضي ~~حتما ترك عدد كبير نسبيا من جنود الحامية بالمدينة إذا ~~وجد من الحكمة الخروج منها لمقابلة العدو في الميدان، ~~الأمر الذي يبدو لي أنه الوسيلة الوحيدة التي قد يحتمل ~~إنقاذ المكان (الإسكندرية) بفضلها، ورابعا: أسلوب الحرب ~~الخاص الذي يتبعه العدو، وهو أسلوب أكثر ملاءمة لجعله ~~قادرا على المهاجمة أو الدفاع عن مكان متسع ودون تحصينات ~~للدفاع المنظم وعلى نحو ما جرى به العرف، كالإسكندرية، ولا ~~يستطيع جند أوروبيون مجاراتهم في ذلك، وخامسا: وهو سبب ~~جوهري، قلة عدد رجال الحامية الذين لا يزيدون على ثلاثة ~~آلاف جندي عامل، وهو عدد لا أرى أنه يكفي لمنع العدو من ~~شق طريق له إلى المدينة في ms0739 وقت مبكر جدا، ومن الواجب ~~أن يؤخذ بعين الاعتبار أن الفرنسيين عندما هوجموا في ~~الحرب الماضية (1801) وكان لديهم بالإسكندرية أكثر من ~~ثمانية آلاف جندي، وتحصيناتها في حال طيبة جدا، صاروا مع ~~ذلك يشكون من عدم كفاية هذا العدد لحراسة ما قد يتطلبه ~~واجب الدفاع عن مثل هذه المواقع ذات الامتداد الواسع إذا ~~هوجموا من كل جانب. # وحدث في 17 مايو أن توفي السير «توماس لويس» فتولى ~~القيادة البحرية في مكانه الكابتن «هالويل» وبادر هذا ~~بتوضيح خطورة الموقف لرؤسائه (21 مايو)، فأكد وجود الحاجة ~~الملحة إلى نجدات قوية من جهة، وضرورة وضع عدد من السفن ~~الحربية الصغيرة عند دمياط لمنع نزول الجند العثمانيين ~~بها، وكذلك في خليج أبي قير لمنع خروج العدو منها لمهاجمة ~~الإسكندرية، والحيلولة دون تكرر حادثي 10، 16 مايو من جهة ~~أخرى، كما أنه أوضح لهم مقدار ما لدى العدو من قوات عظيمة، ~~وما صار يتوقعه من حضور قوات أخرى كبيرة لنجدتهم، الأمر ~~الذي يزيد من خطورته انصراف أصدقاء الإنجليز السابقين من ~~الأهلين عن مساعدتهم، فقال عند الكلام عن حادث 16 مايو، ~~ومحاولة الأرنئود بطريق بحيرة إدكو اقتحام القطع بين ~~المعدية وخليج أبي قير لمهاجمة أبي قير ذاتها: «ولما كان ~~حتى هذا الوقت لم يتخذ شيخ إدكو أية إجراءات عدوانية ضدنا، ~~لم يبد من جانبنا ما يعطل حركة قوارب هذه القرية ونشاطها ~~في البحيرة، ولكنه لما كان قد رضي في هذا الحادث (حادث ~~16) مايو بأن تعتبر البحيرة قوات كبيرة للعدو وأن تستخدم ~~قنجاته في عبورها، ودون أن ينذرنا بتاتا باقترابهم، على ~~خلاف ما كان يعدنا به دائما، ولما كان قد بلغنا كذلك أنه ~~قد أرجع إلى رشيد ضابطا إنجليزيا من الآلاي الخامس ~~والثلاثين كان قد فر منها، ووصل إلى قرية إدكو، فقد ~~اعتبر مسلكه لذلك كله إن لم يكن معاديا لنا بطريق ~~مباشرة فهو قطعا يدل على ميوله الودية نحو العدو، وبناء ~~عليه - ولما كان أمير البحر مريضا (ويقصد «توماس لويس» ~~الذي ما لبث كما تقدم أن توفى بعد ms0740 ذلك)، فقد أمرت كل ~~قواربنا المسلحة بالدخول إلى بحيرة إدكو وتحطيم كل القنجات ~~الموجودة بها؛ لمنع العدو من نيل أية مساعدة مرة أخرى ~~من هذه الناحية.» ثم إن «هالويل» بعد أن ذكر فتح القطع ~~بين بحيرتي المعدية ومريوط وامتلاء هذه الأخيرة بالماء ~~سريعا، حتى صار للإنجليز اثنا عشر زورقا للمدفعية في ~~هاتين البحيرتين يمكن الاعتماد عليها لدرجة كبيرة في منع ~~العدو من محاولة الهجوم على الإسكندرية من هذه الناحية ~~الغربية، شرع يقول: «وللعدو قوات على درجة عظيمة من القوة، ~~وتقول التقارير أن لديه حوالي التسعة آلاف عند رشيد ~~والحماد، بينما تتألف قواتنا هنا من 3400 من مختلف الرتب ~~بما في ذلك 200 عند أبي قير و100 عند القطع، ولما كانت ~~خطوط الدفاع عن الإسكندرية ممتدة امتدادا واسعا فإنه لا ~~مندوحة عن إمداد الجيش بنجدات لتأميننا في موقفنا الراهن، ~~ولإدخال الثقة في نفوس سكان الإسكندرية الذين يستبد بهم ~~القلق والخوف؛ بسبب ضآلة القوات التي لدينا». # ويذكر «هالويل» أن باشا مصر قد أوفد الميجور «فوجلسانج» ~~من آلاي «رول» وكبير الضباط في موقع الحماد وقت وقوع ~~الواقعة إلى القسطنطينية بناء على التماس القنصل الفرنسي ~~«دروفتي»، ومن المحتمل أن يكون الأخير قد زود «فوجلسانج» ~~برسالة إلى «سباستياني» - السفير الفرنسي في القسطنطينية - ~~يوضح له فيها مبلغ «ضعف جيشنا في مصر، ويلح في ضرورة إرسال ~~النجدات فورا إليها، وإذا فضل هؤلاء (أي الأتراك) عدم ~~المجازفة بإرسال جندهم بحرا وتجنيبهم خطر التعرض للأسطول ~~الإنجليزي، فمن المحتمل أن يسيروا الجند عبر سوريا إلى ~~مصر، وأما إذا تزايدت قوات العدو هنا بدرجة كبيرة وقبل أن ~~تصلنا نحن أية نجدات، فسوف يصبح موقفنا شديد الخطورة، ~~والقائد الجنرال «فريزر» مشغول جدا بأمر إصلاح التحصينات ~~لحاجة هذه الكبيرة إلى الترميم، كما أني مشغول أنا الآخر ~~بالعمل على زيادة قوتنا البحرية من ناحية توفير العدد ~~اللازم من قوارب المدفعية للعمل ضد قنجات العدو إذا خرج من ~~النيل، وحاول إنزال جنده إلى البر ليلا، فلدينا الآن ~~ثلاثة عشر زورق مدفعية مجهزة، وأقوم كذلك بتجهيز ms0741 قاربين ~~للمدفعية التي من نوع المورتار ...» ثم اختتم «هالويل» ~~رسالته هذه إلى نائب أمير البحر «ثورنبروه» بقوله: «واسمح ~~لي أن أذكر لك ضرورة وجود سفن حربية صغيرة هنا للتجول أمام ~~دمياط؛ كي نمنع نزول جند العدو بها، ثم للتجول في خليج أبي ~~قير للحيلولة دون خروج العدو وتسلله من رشيد ولمنعه من ~~اتخاذ موقع له على هذا الجانب من بحيرة إدكو وحشد قواته ~~به، وتقف الآن السفينتان «ستاندارد» و«أبولو» في خليج أبي ~~قير، ولعدم وجود سفن حربية صغيرة أبقيت النقالة ~~«كوميت» # Comet # إلى ~~جانبهما، وتقلع هذه في بعض الأحيان لتسير قريبا من ~~الشاطئ.» # وبذل «هالويل» و«فريزر» قصارى جهدهما وبقدر ما تسنى لهما ~~لمراقبة قبرص ثم السواحل الشامية خصوصا؛ لمنع وصول نجدات ~~العثمانيين منها إلى مصر، ولما كان يعتقدان أن سليمان باشا ~~والي صيدا وعكا من باشوات الدولة العثمانية الذين لا يكنون ~~ولاء قويا لهذه الدولة، ولا يريدان لهذا السبب الاشتباك ~~معه في أعمال عدوانية، فقد آثرا تحذيره حتى لا يتعرض للسفن ~~الآتية إلى الإسكندرية أو الذاهبة منها - وهي السفن التي ~~توقف على وصولها بسلام إلى هذه الميناء وصول النجدات ~~والمؤن التي تمكن الإنجليز من البقاء بها - فكتبا إليه في ~~10 يونيو يذكران الغرض من زيارة الإنجليز للإسكندرية، وهو ~~إحباط مكائد الوكلاء الفرنسيين الذين من صالحهم أن يورطوا ~~كل الأمم في دخول الحرب؛ حتى يفوزوا هم بمأربهم في هذه ~~البلاد الذي لا يقل عن احتلال مصر وإنزال الظلم بأهلها، ~~ثم استطردا يقولان: «ومن دواعي الأسى حقا أن يكون الباب ~~العالي قد عمي عن رؤية مصالحه الذاتية لدرجة مكنت ~~الوزير الفرنسي بالقسطنطينية بفضل مكائده من جعله يسرع دون ~~تدبر بالدخول في حرب مع بريطانيا العظمى، الأمر الذي ما ~~كان يجدر بالباب العالي أن يفعله، لو أنه تذكر المنافع ~~التي صارت له من تحالفه السابق مع الإنجليز، ذلك التحالف ~~الذي استطاع بفضله إخراج الفرنسيين من مصر واسترجاعها ~~منهم، ولكنه لما كان غرض الفرنسيين بتحالفهم مع الباب ~~العالي أن يسهلوا لأنفسهم مهمة امتلاك مصر، ms0742 فقد بادرنا ~~بالمجيء إلى هذه البلاد بجيش يمنع سقوطها مرة أخرى في أيدي ~~الفرنسيين، وهو أمر لو حدث لتعذر بتاتا تخليصها من قبضتهم ~~ثانية، فلم يكن مجيئنا إذن لفتح البلاد أو إنزال الكوارث ~~بأهلها، وإنما نبغي أن نعيش في صداقة تامة مع كل أولئك ~~الذين يميلون لعقد أواصر الصداقة معنا، لقد كان سلفك ~~الجزار باشا صديقا وحليفا لنا، ولا بد أنكم عارفون ~~دائما بإخلاص وسلامة نية الأمة الإنجليزية وكرمها ~~وسخائها، ولما كنا قد ذكرنا الغرض من استيلائنا على ~~الإسكندرية، فأملنا وطيد في أنكم سوف تمتنعون عن أي عمل ~~عدواني ضد سفننا الداخلة إلى هذا الميناء، أو إزعاج وإرهاق ~~تجارة عكا والمدن المختلفة الواقعة على ساحل الشام إذا ~~اضطررتمونا إلى مناصبتكم العداء، ففي يدكم أنتم إذن تقرير ~~المسلك الواجب علينا اتباعه.» ورجا «فريزر» و«هالويل» من ~~الحاج سليمان باشا أن يجيب على رسالتهما هذه إليه بكل ~~سرعة، ولكن هذه الجهود ذهبت سدى عندما أجاب باشا عكا وصيدا ~~في 20 يونيو أنه يدين بالولاء للباب العالي، ويستحيل عليه ~~أن ينقض أوامره، لا سيما وقد أمر الله سبحانه وتعالى ~~بطاعته ورسوله وأولي الأمر من المسلمين؛ ولذلك يستحيل عليه ~~أن يسمح لأي فرد من رعاياه في وقت الحرب هذا بالذهاب إلى ~~الإسكندرية، ولقد كان ذلك هو الحال دائما تحت مثل هذه ~~الظروف القائمة، واضطر «هالويل» كما ذكر «لثورنبروه» في 23 ~~يوليو وهو يبعث إليه بصورة من رسالته و«فريزر» إلى سليمان ~~باشا، ورد هذا عليهما إلى إنفاذ السفينة الحربية ~~«ستاندارد» للجولة في مياه قبرص وأمام سواحل فلسطين ~~وسوريا. # على أنه بالرغم من كل هذه الصعوبات التي صادفها الإنجليز ~~أثناء احتلالهم للإسكندرية، فقد أخذ موقفهم بها يتحسن ~~رويدا رويدا، بسبب الإمدادات التي جاءتهم من الرجال ~~والمال، وإقبال البدو الذين انحازوا جميعا إلى الإنجليز، ~~كما قال «هالويل» على تزويد هؤلاء بكميات جد وفيرة من ~~القمح ولحوم البقر والخضراوات، ولم يبذل محمد علي أي جهد ~~لمنع وصول هذه الأغذية إليهم، سواء كان مبعث ذلك الرغبة في ~~عدم تجويع الإسكندرية ms0743 وحاميتها من الإنجليز في وقت كان ~~يريد فيه حملهم على الجلاء عنها بطريق المفاوضة بدلا من ~~الالتحام معهم، أم كان مبعثه عدم قدرته على فعل ذلك، ثم ~~صارت تدخل السفن يوميا إلى ميناء الإسكندرية من جزر ~~الأرخبيل محملة بمختلف أنواع المؤن والإمدادات من زيوت ~~وأخشاب وغير ذلك مما يحتاج إليه أهل الإسكندرية، واكتظ ~~السوق بالأنبذة وسائر المشروبات الروحية، لدرجة أن عددا ~~من السفن اضطر إلى مغادرة الميناء دون تفريغ ~~حمولتها. # ولقد كان من جراء المفاوضة التي لم يلبث أن مهد لها ~~الباشا منذ حادث إرسال الضابط «ماثيسون» في أول مايو، وبعد ~~محاولتي 10، 16 مايو الفاشلتين ضد الإسكندرية أن امتنع ~~إزعاج الإنجليز بها، واستطاع هؤلاء إحكام نظام دفاعهم، حتى ~~أن «هالويل» لم يلبث أن أكد لثورنبروه في رسالته الآنفة ~~إليه في 23 يوليو «أن لا شيء أقل من دخول جيش أجنبي كبير ~~في الميدان ضدنا يمكن أن يثير ولو بدرجة ضئيلة مخاوفنا، ~~وحتى في هذه الحالة فليس هناك ما يدعونا إلى اليأس، ~~اللهم إلا إذا أصيبت جنودنا بمرض خطير، وهكذا بدأ ~~يتقوى مركز الإنجليز بالإسكندرية وعادت الثقة إلى نفوسهم، ~~ولو أنهم شرطوا قدرتهم على الصمود - على نحو ما ذكر ~~«هالويل» - كذلك بعدم تحميلهم عبء عمليات عسكرية جديدة في ~~داخل البلاد لعجز قواتهم عن القيام بها، وعلى شريطة ألا ~~يطول مقامهم بالإسكندرية وهم على وضعهم الراهن بها. # وكان في هذه الأثناء أن عاد مندوبا شاهين الألفي يحملان ~~إليه جواب «فريزر» على رسالته - وهو الجواب الذي سبقت ~~الإشارة إليه - وقد أثنى أحمد بك الألفي أحد مندوبي شاهين ~~ثناء طيبا على الحفاوة التي قابله بها «فريزر»، مما أثلج ~~صدور زملائه الذين يطلبون لفريزر الصحة والسعادة، وكان ~~إبراهيم بك وزملاؤه عندما علموا بذهاب مندوبي شاهين ~~لمقابلة «فريزر»، قد بعثوا بأحد الأمراء ليقف من شاهين على ~~حقيقة المهمة التي أوفد فيها مبعوثيه إلى الإسكندرية، ~~وانتهز شاهين - وقتئذ - الفرصة لتأنيبهم على جمودهم وعدم ~~حركتهم؛ لأن مفاوضات كانت تدور عندئذ بين إبراهيم وجماعته ~~وبين محمد علي - سوف يأتي ms0744 ذكرها - لحمل هؤلاء على التزام ~~خطة الحياد في النضال القائم بين محمد علي والإنجليز، ونعى ~~شاهين عليهم عدم اكتراثهم بالقضية العامة وصالح المماليك، ~~واستمرارهم على التراسل مع محمد علي، فلما وصل أحمد بك ~~الألفي بعث إبراهيم يطلبه إليه ليستوضحه الأمر، فذهب إليه ~~وأبلغه نصيحة الجنرال «فريزر» وهي ضرورة أن يبقى البكوات ~~والمماليك متحدين مع بعضهم بعضا، فلا يكونون إلا جسدا ~~واحدا وروحا واحدة، وأن «فريزر» إنما يبغي أن يراهم وقد ~~عاد إليهم الحكم ثانية في القاهرة. # وعقد بكوات إبراهيم عدة اجتماعات وكان إبراهيم قد وصل ~~بمعسكره - كما تقدم ~~- إلى بني سويف لبحث ~~الموقف، وكان من رأي إبراهيم الذي ما كان يثق في وعود محمد ~~علي أبدا، ولا يركن إليه، أن صالح بكواته يقتضيهم التحرك ~~والنزول من الصعيد، ولكن بكواته أثاروا اعتراضات معينة على ~~هذا الرأي، وصفها شاهين بك فيما بعد بأنها كانت تافهة ~~وعابثة، وكان بعد عودة أحمد بك الألفي إلى معسكر شاهين في ~~ميمون أن تبودلت الرسائل بين شاهين وإبراهيم، واتفق ~~الفريقان على عقد مؤتمر لتقرير الخطة التي يجب اتباعها، ~~وعقد هذا المؤتمر فعلا عقب ذلك، وحضره شاهين، وقرر ~~المجتمعون أن ينزل البكوات وأتباعهم من الفريقين، بكل ~~قواتهما متحدة لمحاربة محمد علي الذي لتأثره بنصائح أعداء ~~البكوات ولأنه يغبط نفسه على أن الإنجليز لا يساهمون ~~مساهمة فعالة في تأييد قضية المماليك، قد صار يحاول بواسطة ~~رسله ووكلائه بذر بذور الانقسام والتفرقة بينهم، وكان ~~بناء على هذا القرار أن نقل إبراهيم بك معسكره إلى الرقة ~~بينما انتقل شاهين إلى قرية على مسيرة ثلاث ساعات من ~~الجيزة، وكتب إبراهيم بك إلى «فريزر» في 11 يوليو، كما كتب ~~إليه أحمد بك الألفي وشاهين بك في 14 يوليو، يبلغونه ~~قرارهم، وأنهم واقفون بمراكزهم الجديدة حتى يتلقوا أوامره، ~~وقال إبراهيم: إن رسوله إلى «فريزر» أمين بك سوف يشرح له ~~طبيعة الأماكن التي هم معسكرون بها الآن، وأن موعد فيضان ~~النيل يقترب بسرعة عظيمة جدا، حتى إنه لا يمضي وقت طويل ~~حتى يصبح من المتعذر ms0745 على فرسان المماليك العمل، كما في وسع ~~صديق إبراهيم بك الميجور «مسيت» أن يشرح ذلك له، كما أكد ~~أحمد الألفي ضرورة أن تصل أوامر «فريزر» إلى البكوات في ~~موعد قريب؛ لأنه بعد شهر من هذا التاريخ يصير فتح خليج ~~القاهرة؛ أي حصول الفيضان، وأما شاهين بك فإنه بعد أن نقل ~~إلى «فريزر» أنباء ما حدث بعد عودة أحمد الألفي من ~~الإسكندرية، راح يتحدث عن صداقته هو وجماعته للإنجليز، تلك ~~الصداقة والمحبة التي زرع جذورهما في قلبه وقلوب زملائه ~~والدهم العزيز محمد الألفي الذي علمهم كذلك أن يضعوا ثقتهم ~~في الإنجليز، وجعلهم يتوقعون تلقي المساعدة منهم، وأكد ~~دليلا على هذه الصداقة أنه هو وإخوانه جميعهم يعتبرون ~~أنفسهم تحت حماية الإنجليز مباشرة، ويدعون الله أن يمتع ~~«فريزر» بالسعادة، وأن يتيح لهم فرصة العودة سريعا إلى ~~الحكم في القاهرة بمؤازرة الإنجليز.» # على أنه كان من الواضح بالرغم من تقرير البكوات الاتحاد ~~ومحاربة محمد علي، وتأكيد شاهين الألفي صداقته للإنجليز ~~حماته أن هؤلاء جميعا لم يتخلوا عن فكرتهم الأولى، وهي ~~عدم الالتحام مع محمد علي في أية معارك طالما بقي الإنجليز ~~بالإسكندرية، ولم يزحفوا صوب القاهرة، ولم يشتبكوا في قتال ~~مع محمد علي والأرنئود يشغلهم عن مطاردة أسرات البكوات في ~~القاهرة وإيذاء حريمهم، ولم يكن في وسع «فريزر» بحال من ~~الأحوال للأسباب العديدة التي ذكرناها، الدخول في أية ~~عمليات عسكرية خارج الإسكندرية، ولم تزده رسائل البكوات ~~الأخيرة إلا اقتناعا بعبث الاعتماد على تلقي أية مساعدة ~~منهم، ولم يبد وقتئذ أن «فريزر» كان لا يزال يدخل في ~~حسابه توقع أن يهب هؤلاء لمعاونته، فقد كانت المفاوضات ~~بينه وبين محمد علي قد بدأت تسير في طريقها متعثرة أولا، ~~لا تتجاوز محاولة جس النبض من جانب الفريقين، ثم لم تلبث ~~أن سارت مسرعة في الشهر التالي عندما قررت الحكومة ~~الإنجليزية ذاتها سحب حملة «فريزر» من مصر لأسباب متصلة ~~بتطورات الموقف السياسي - العسكري في الميدان الأوروبي، ~~مما جرد مسألة تعاون المماليك عسكريا مع الإنجليز من كل ~~أهمية، وفضلا ms0746 عن ذلك فقد بادر «بتروتشي» من القاهرة يحذر ~~«مسيت» والإنجليز بالإسكندرية منذ 6 يوليو من هؤلاء ~~البكوات الذين قال عنهم: «إن من واجب الحكومة الإنجليزية ~~أن تراقب مسلكهم؛ لأن هؤلاء وإن كانوا يصرحون علنا بأنهم ~~ليسوا على علاقات طيبة مع الباشا، بل على العكس من ذلك ~~يدينون بالولاء للإنجليز، فإن أقوالهم هذه موضع اشتباه، ~~فمن المحتمل أن يكون هناك بعض التفاهم سرا بينهم وبين ~~محمد علي، ولو أن كلا الفريقين لا يثق أحدهما في الآخر، ~~ويتجهز الأخير (أي محمد علي) لمهاجمة البكوات حيث قد نقل ~~جنده عبر النيل إلى إمبابة، بينما حذا البكوات حذوه وهم ~~يحتفظون بقرية «زنيه» # Zenia # مما يدل على استحالة أن يكون ~~الفريقان مخلصين في نواياهما، ولا يزال الوكيل الفرنسي ~~«مانجان» مقيما في معسكر البكوات، ويبعث إليه «دروفتي» ~~بالرسل يوميا، والمفاوضات جارية دون انقطاع، ويؤكدون أن ~~الفريقين ليسا على علاقات ودية، وأنهما سوف يصطدمان في آخر ~~الأمر، ولكنه لا يوجد ما يدل على أنهما في حالة حرب ضد ~~بعضهما البعض، أو أن هناك سوء تفاهم بينهما، ومن شأن هذا ~~التحذير الذي أبعث به إليك أن يجعلك محتاطا ومتحذرا في ~~علاقتك مع البكوات ولقد أبدى لي أحد الأفراد في خدمة هؤلاء ~~الأخيرين، أنه في حالة نشوب معركة بين الجند الإنجليز وجند ~~الباشا فسوف يتمكن البكوات من الانقضاض على الجانب الذي ~~يبدو حينئذ أنه أضعف من الآخر، وأنه لا غرض للبكوات إلا ~~خديعة الإنجليز والباشا على السواء وبنفس الطريقة التي ~~يخدعهم بها هذا الأخير .» # ولقد كان جمود البكوات، واستنادهم على هذه الأساليب ~~الملتوية التي برهنت على عبثها الحوادث السابقة، ومن أيام ~~مسعى الألفي في القسطنطينية لاسترجاع الحكم في مصر، من أهم ~~العوامل الحاسمة لا في فشل عمليات حملة «فريزر» العسكرية ~~فحسب، بل وفي تفويت فرصة استرجاع الحكم على أنفسهم في هذه ~~المرة كسابقتها، وغني عن البيان أن الإنجليز وقد كان ~~قد تحدد غرضهم من المجيء إلى الإسكندرية على الصورة التي ~~أوضحناها مرارا، والتي تمنعهم من توسيع نطاق عملياتهم ~~العسكرية، ms0747 لم يكن في وسعهم الارتباط مع المماليك ارتباطا ~~يعيد إلى الأذهان ما حدث أيام «هتشنسون» في حملتهم ~~السابقة، واستئناف سياسة دلت الحوادث على خطئها، ولا تدخل ~~المثابرة عليها في نطاق برنامجهم العسكري والسياسي في ~~الظروف الراهنة، وقد بسط هذه الحقيقة «هالويل» في رسالته ~~إلى «ثورنبروه» في 23 يوليو - وقد سبقت الإشارة إليها - ~~فقال تعليقا على تحذير «بتروتشي»: «لقد بعثت إليكم في ~~رسالتي الأخيرة صورة من بعض ما جاء بكتاب «بتروتشي» قنصل ~~النمسا العام في رشيد، يحذرنا من مكايد المماليك ~~ومؤامراتهم، وهم الذين يرى ما يدعوه إلى التشكك في إخلاصهم ~~وولائهم للإنجليز، ولقد بعثت إليكم أيضا طي تلك الرسالة ~~بصورة من الخطابات الثلاثة الأخيرة التي أرسلها المماليك ~~إلى الجنرال «فريزر» - من إبراهيم بك في 11 يوليو وأحمد بك ~~الألفي وشاهين بك الألفي ~~في 14 يوليو - وهم لا ~~يزالون ينتظرون منا أن نملكهم الحكم في هذه البلاد، ~~الأمر الذي وعدهم به الميجور «مسيت» دون أي تفويض من حكومة ~~جلالة الملك، ولقد كان الحذر العظيم رائدنا منذ قدومنا؛ ~~حتى نتجنب الارتباط بأية ارتباطات أو بذل أية وعود للماليك ~~أو غيرهم، قد يترتب على عدم تنفيذها توريط حكومتنا وخلق ~~الصعوبات لها في المستقبل ...» # وكان «بتروتشي» محقا في تحذيره للإنجليز من ناحية ~~المماليك؛ لأن مفاوضات كانت تجرى فعلا وقتئذ بينهم وبين ~~محمد علي، فقد استفاد الباشا من نجاح مساعيه الأولى معهم ~~أثناء وجوده بالصعيد، وهو نجاح وإن كان محدودا فقد ترتب ~~عليه اتخاذ البكوات موقف الحياد وعدم نزولهم من الصعيد ~~للانضمام إلى الإنجليز قبل كارثتهم في الحماد، ولما كانت ~~قد تضافرت عوامل أخرى، أعمق أثرا في جعل البكوات لا ~~يستجيبون لنداءات الإنجليز، فقد انحصر اهتمام الباشا في أن ~~يستمر جمودهم، فكان شغله الشاغل في الأيام التالية لواقعة ~~الحماد خصوصا شل حركة هؤلاء بكل وسيلة؛ ولذلك فقد ظلت ~~مسألة البكوات من أخطر الصعوبات التي صادفها محمد علي، ~~والتي كانت من بين الأسباب الهامة التي أقنعته في آخر ~~الأمر بضرورة التعجيل في الاتفاق مع الإنجليز لإخراجهم ~~سلما ms0748 إذا استطاع إلى ذلك سبيلا، أفضل من قتالهم في حرب ~~قد تستطيل بسبب ما يصلهم من نجدات، وقد يستفحل شرها ~~بسبب انضمام المماليك إليهم. # الباشا في القاهرة # وقد وصل إلى القاهرة خبر هزيمة الإنجليز في الحماد بعد ~~الواقعة بيومين، فحضر في 23 أبريل شخصان من السعاة ~~وأخبرا بالنصر على الإنجليز وهزيمتهم، وفسر هذان الحادث ~~بأنه اجتمع الجم الكثير من أهالي بلاد البحيرة وغيرها ~~وأهالي رشيد، ومن معهم من المتطوعة والعساكر وأهل دمنهور، ~~وصادف وصول كتخدا بك وإسماعيل كاشف الطوبجي إلى تلك ~~الناحية، فكان بين الفريقين مقتلة كبيرة، أسفرت عن قتل ~~كثير من الإنجليز وقطع عدة رءوس فخلع الباشا على الساعيين ~~جوختين، ثم لم يلبث أن تحقق الخبر عندما وصل أيضا في أثر ~~ذلك شخصان من الأتراك وصفا ما حدث بأن الإنجليز انجلوا عن ~~متاريس رشيد وأبي منضور والحماد، ولم يزل المقاتلون من أهل ~~القرى خلفهم إلى أن توسطوا البرية وغنموا جبخانتهم ~~وأسلحتهم ومدافعهم ومهراسين عظيمين، وذكرا أنه وصل خلفهم ~~أسرى ورءوس قتلى كثيرة في عدة مراكب، واعتقد الشيخ الجبرتي ~~أنهما بالغا في الأخبار لاستبعاد أن تنزل بجنود الإنجليز ~~مثل هذه الكارثة، ولكن القاهريين لم يلبثوا أن شاهدوا في ~~الأيام الأربعة التالية الأسرى يمرون في شوارع المدينة إلى ~~معتقلهم بالقلعة، كما شاهدوا رءوس القتلى، ومنذ أن وصل خبر ~~هذه الهزيمة في 23 أبريل أمر الباشا بإطلاق المدافع ~~الكثيرة من القلعة والأزبكية وبولاق والجيزة احتفالا ~~بالنصر، ولم يسع الشيخ الجبرتي عندما تحقق لديه أنه لم ~~تكن هناك مبالغة في وصف ما حدث للإنجليز إلا أن يعلق على ~~هزيمة الحماد بقوله: «وهذه الواقعة حصلت على غير قياس، ~~وصادف بناؤها على غير أساس؛ لأنه لم يخطر في الظن حصول هذا ~~الواقع، ولأن الرعايا والعسكر لهم قدرة على حروب الإنجليز ~~(أي إنه لم يخطر في الظن أن لهؤلاء قدرة على ذلك)، وخصوصا ~~شهرتهم بإتقان الحروب، وهم الذين حاربوا الفرنساوية ~~وأخرجوهم من مصر»، وعزا الشيخ هزيمتهم إلى فساد رأيهم ورأي ~~الأمراء المصرية، «فأما فساد رأي الإنجليز ms0749 فلتعديهم ~~الإسكندرية مع قلتهم وسماعهم بموت الألفي وتغريرهم ~~بأنفسهم، وأما الأمراء المصريون فلا يخفى فساد رأيهم ~~بحال، وثمة سبب آخر ذكره الشيخ، هو أن هزيمة الإنجليز ~~الأولى في رشيد أعادت الثقة إلى نفوس الجند والأهلين، ~~وجعلتهم يستخفون بهم ويستهينون بأمرهم، فقد تراجعت نفوس ~~العساكر بعد انتصارهم في رشيد وطمعوا عند ذلك في الإنجليز، ~~وتجاسروا عليهم، وكذلك أهل البلاد قويت هممهم وتأهبوا ~~للبروز والمحاربة، واشتروا الأسلحة، ونادوا على بعضهم ~~بعضا بالجهاد، وكثر المتطوعون، ونصبوا لهم بيارق ~~وأعلاما وزنورا، فلما وصلوا إلى متاريس الإنجليز دهموهم ~~من كل ناحية على غير قوانين حروبهم وترتيبهم، وصدقوا في ~~الحملة عليهم، وألقوا أنفسهم في النيران، ولم يبالوا ~~برميهم، وهجموا عليهم، واختلطوا بهم، وأدهشوهم بالتكبير ~~والصياح حتى أبطلوا رميهم ونيرانهم، فألقوا سلاحهم، وطلبوا ~~الأمان فلم يلتفتوا لذلك، وقبضوا عليهم، وذبحوا الكثير ~~منهم، وحضروا بالأسرى والرءوس على الصور المذكورة، وفر ~~الباقون إلى من بقي بالإسكندرية.» # وكان من أثر ذيوع هذه الأنباء في القاهرة، أن عادت الثقة ~~إلى نفوس القاهريين كذلك، والأهم من ذلك إلى نفوس ~~المشايخ الذين عظم التفافهم الآن حول محمد علي وتأييدهم ~~له، واتخذوا من واقعة الحماد وهزيمة الإنجليز بها سببا ~~لاستنهاض الهمم وإشعال حماس القاهريين، وبث الدعوة ~~للجهاد، فشمر هؤلاء عن ساعد الجد لإنجاز التحصينات بكل ~~سرعة، وأقبلوا على حفر الخنادق، وإقامة الأسوار بهمة ~~عظيمة، وصار الباشا يخرج بنفسه وبصحبته «دروفتي» جملة مرات ~~في النهار الواحد؛ لتفقد هذه الأعمال والإشراف على سيرها، ~~وعلاوة على ذلك، فقد كان من أثر هزيمة الإنجليز أن صار ~~الأرنئود والعثمانلي العصاة الذين كانوا قد انضموا قبلا ~~إلى البكوات، ينفضون من حولهم، ويحضرون الآن يوميا - ~~كما كتب «دروفتي» إلى «سباستياني» في آخر أبريل - ويعرضون ~~خدماتهم على الباشا. # وقد خيل إلى الباشا في أول الأمر أن الإنجليز بعد ~~هزيمتهم سوف يجلون عن الإسكندرية، ولكنه سرعان ما تبين له ~~عزمهم على البقاء والتحصن بها، عندما وقف على التدابير ~~التي اتخذها هؤلاء لتعزيز الدفاع عن الإسكندرية، ولا سيما ~~قطع سد المعدية، وقد حدث بعد ms0750 واقعة الحماد بأيام قليلة أن ~~أرسل حسن باشا و«طبوز أوغلي» من رشيد أحد الضباط يحمل ~~رسالة إلى الجنرال «فريزر» بالإسكندرية ضمناها احتجاجا ~~على هجوم ما كان يجب أن يحدث؛ بسبب الصداقة القائمة بين ~~الأمتين من قديم الزمن، وملاحظات على ما تبذله إنجلترة من ~~جهود لا طائل تحتها للاستيلاء على مصر، وطالبا بإخلاء ~~الإسكندرية التي سوف يحاصرها - كما ذكرا - جنود الباشا ~~عاجلا، فكان جواب «فريزر» على ذلك إنما هو ينفذ تعليمات ~~حكومته إليه، ويؤلمه أن تسوء العلاقات بين الأمتين ~~الإنجليزية والعثمانية، ولاحظ رسولهما أن القطع الذي قطعه ~~الإنجليز بين المعدية ومريوط متسع جدا، لدرجة أن جعل ~~تدفق المياه إلى البحيرة الأخيرة من الصعوبة بمكان ~~الانتفاع من الجسر المتحرك الذي أقامه الإنجليز عبر القطع، ~~ثم تأكد لدى الباشا عزم الإنجليز على عدم إخلاء ~~الإسكندرية، وجدية التدابير التي اتخذوها للدفاع عنها، ~~عندما عاد إلى القاهرة في 23 مايو عابدين بك أخو حسن باشا، ~~وحضر في أثره أحمد أغا لاظ وغيره يبلغون الباشا فشل ~~محاولتهم المعروفة يوم 16 مايو خصوصا التي أرادوا بها ~~مهاجمة أبي قير، واستطاعوا الوصول إلى قرب معدية البحيرة؛ ~~أي قطع المعدية، ولكن لم يلبث أن خرجت عليهم طائفة من ~~الإنجليز من البر والبحر، وضربوا عليهم مدافع ونيرانا ~~كثيرة، فولوا راجعين وحضروا إلى القاهرة. # وعندئذ لم يعد هناك مناص من خروج الباشا نفسه والزحف ~~على الإسكندرية لاستخلاصها من أيدي الإنجليز، ولكن صعوبات ~~عدة حالت دون خروج محمد علي فورا لمناجزة هؤلاء، كان ~~أهمها حاجته الملحة إلى المال لدفع مرتبات الجند، وتجهيز ~~الحملة المنتظرة، وسداد نفقات الأهلين الذين تولوا أعمال ~~الحفر والبناء وما إلى ذلك من الأعمال اللازمة لإنجاز ~~تحصينات القاهرة ذاتها قبل خروجه، وهي أعمال ما كان يكفي ~~جنده بالقاهرة وحدهم لإنجازها، ثم إنه ما كان يستطيع ~~مغادرة القاهرة قبل الوصول إلى اتفاق مع ياسين بك ~~الأرنئودي الذي استمر في ثورته وتمرده، وتجمع حوله حشد من ~~الجند الأرنئود والعثمانلي المتمردين، ومن العربان ~~والمماليك، على حدود إقليمي بني سويف والجيزة، وقد بدأ ms0751 ~~الباشا يتراسل معه من أجل إقناعه بالصلح والمسالمة، زد على ~~ذلك أنه لم يكن مطمئنا إلى موقف البكوات المماليك؛ وذلك ~~لأنه حسب الاتفاق المبدئي الذي تم بينهم وبين محمد علي ~~في أسيوط كان من المنتظر أن ينزل هؤلاء من الصعيد إلى ~~الجيزة لإبرام الصلح النهائي، ولكن تباطؤ البكوات في ~~النزول اضطره إلى إرجاء زحفه على الإسكندرية حتى يطمئن إلى ~~وقوفهم موقف الحياد عند استئناف القتال بين جيشه وبين ~~الإنجليز، ولم يغب عن ذهن محمد علي أن البكوات إذا ~~انضموا إلى هؤلاء الأخيرين جعلوا قطعا كفتهم هي الراجحة ~~على كفته، أضف إلى هذا كله أن تأمين أهل رشيد والحماد على ~~أنفسهم وأموالهم، ووقف اعتداءات جنده عليهم، كانت المسألة ~~التي واجهته مباشرة بعد حوادث المعارك الأخيرة بتلك ~~الجهات؛ وعلى ذلك، فقد حرص محمد علي على معالجة كل هذه ~~المسائل قبل زحفه على الإسكندرية، ثم إنه توقف على مدى ~~نجاحه أو إخفاقه في معالجتها تقريره الاشتباك مع الإنجليز، ~~أو تفضيل الاتفاق معهم على جلائهم عن الإسكندرية سلما ~~ودون قتال. # فقد حدث بعد هزيمة الإنجليز في الحماد وتقهقرهم إلى ~~الإسكندرية أن اعتبر جند الباشا قرية الحماد والجهات ~~المجاورة لها دار حرب بنزول الإنجليز عليها وتملكها، ~~فنزلوا عليها واستباحوا أهلها ونساءها وأموالها ومواشيها، ~~فتدخل بعض وجهاء الناحية أو الظاهرين لمنعهم ولكن دون ~~جدوى، فبعث هؤلاء الظاهرون إلى القاهرة يستفتون علماءها ~~فيما إذا كانت بلادهم قد صارت دار حرب، يصح للأرنئود ~~استباحة أهلها ونهب أموالها؟ وكتبوا في ذلك سؤالا، وكتب ~~عليه المفتون بالمنع وعدم الجواز، ثم أحاط الجند ورؤساؤهم ~~برشيد ذاتها، وضربوا على أهلها الضرائب، وطلبوا منها ~~الأموال والكلف الشاقة، وأخذوا ما وجدوا بها من الأرز ~~للعليق، فضج الأهلون بالشكوى وتوسط حسن كريت لدى حسن ~~باشا وكتخدا بك «طبوز أوغلي» لوقف هذه الاعتداءات، وتكلم ~~معهما، وشنع عليهما، مهددا بخروج جميع أهل رشيد إلى ~~جهة أخرى، وترك المدينة يفعلون بها ما يشاءون، وتدخل حسن ~~باشا و«طبوز أوغلي» لمنع هذه الاعتداءات، وأخذا يتلطفان مع ~~السيد حسن كريت، ولكن ms0752 هذا الأخير بادر بالكتابة إلى الباشا ~~والسيد عمر مكرم بالقاهرة، واهتم محمد علي بالأمر، وبعث ~~بفرمان إلى الجند بالكف والمنع لتأمين الأهلين على حياتهم ~~وأموالهم. # وعالج الباشا أزمته المالية - ولقد كانت هذه على نحو ما ~~عرفنا أزمة مزمنة - بنفس الطرق التي درج على اتباعها منذ ~~ولي الحكم في عام 1805، يحصل الغرامات من الذين اضطروا ~~إلى المصالحة على أنفسهم، ويطلب القروض والسلف الإجبارية، ~~ويقاسم الملتزمين إيراداتهم إلى غير ذلك من الوسائل التي ~~مكنته وقتيا من سد حاجته إلى المال، من أمثلة ذلك أنه ~~ألزم أيوب فودة أحد كبار القليوبية دفع غرامة ثلاثمائة ~~كيس، بعد أن قوي الاتهام ضده بأنه كان يحمي أحد قطاع ~~الطرق ويدعى زغلول، وقد كان هذا الأخير ينهب المسافرين في ~~النيل، وعظمت شكوى الأهلين منه، ولم تفلح محاولتهم في ~~توسيط أيوب فودة كبير الناحية لوقف اعتداءاته، واضطر ~~الباشا في أوائل مايو إلى إنفاذ قوة للقبض عليه وقتله، ~~ولكنه هرب، فصادر جند الباشا موجودات أيوب فودة وبهائمه ~~وماله من المواشي والودائع بالبلاد، وحضر الأخير إلى ~~القاهرة يوسط السيد عمر مكرم لدى الباشا حتى يصفح عنه، ~~وصالح على نفسه بالمبلغ الذي سلف ذكره. # على أن أكبر الموارد التي استعان بها الباشا على التخفيف ~~من حدة أزمته المالية كانت تلك التي جاءته عن طريق ~~الفرض التي فرضت على البلاد والقرى في العام السابق، فقد ~~كملت الآن في منتصف يونيو 1807 دفاتر الفرضة والمظالم ~~التي ابتدعت في العام الماضي على القراريط وإقطاعات ~~الأراضي، وكذلك أخذ نصف فائظ الملتزمين، وذلك خلاف ما فرض ~~على البنادر من الأكياس الكثيرة المقادير، ثم حدث في أواخر ~~يوليو ما وصفه الشيخ الجبرتي بأنه حادثة لم يسبق مثلها، ~~وهي المطالبة بمال الأطيان المسموح الذي لمشايخ البلاد، ~~وكان هؤلاء معفين من دفع الضريبة عن جزء من الأرض الداخلة ~~في حصة التزامهم؛ أي التي اعتبروا مسئولين عن تأدية المال ~~عنها إلى الحكومة نظير هذا الالتزام، وضيافة عمال الحكومة ~~ومن إليهم، وقد عرف ذلك باسم مسموح المشايخ، وكان المفروض ~~أن يعفى ms0753 الفلاحون في هذا الجزء المعفى من الضريبة من دفع ~~الضرائب كذلك، ولكن المشايخ الملتزمين درجوا بالرغم من هذا ~~على جمع الضرائب وسائر الفرض والإتاوات الحكومية من ~~الفلاحين في الأرض المعفاة منها حسب هذا النظام، فطلب ~~الباشا الآن هذا المال المسموح، وحرروا به دفترا وشرعوا ~~في تحصيله. # وفي يوليو طلب الباشا من التجار نحو الألفي كيس على سبيل ~~السلفة، فوزعت على الأعيان وتجار البن وأهل وكالة ~~الصابون ووكالة التفاح ووكالة القرب وخلافها، ووصف الشيخ ~~الجبرتي هذه الطريقة التي حصلت بها هذه السلفة فقال: ~~«وأجلسوا العساكر على الحواصل والوكائل يمنعون من يخرج من ~~حاصله أو مخزنه شيئا إلا بقصد الدفع من أصل المطلوب منهم، ~~ثم أردفوا ذلك بمطلوبات من أفراد الناس المساتير، فيكون ~~الإنسان جالسا في بيته، فما يشعر إلا والمعينون واصلون ~~إليه، وبيدهم بصلة الطلب إما خمسة أكياس أو عشرة أو أقل أو ~~أكثر، فإما أن يدفعها وإلا قبضوا عليه وسحبوه إلى السجن، ~~فيحبس ويعاقب حتى يتمم المطلوب منه»، واستطرد الشيخ يقول: ~~«وهذا الشيء خلاف الفرض المتوالية على البلاد والقرى في ~~خصوص هذه الحادثة، وكذلك على البنادر، مقادير لها صورة وما ~~يتبعها من حق طرف المعينين المباشرين، وتوالى مرور العساكر ~~آناء الليل وأطراف النهار بطلب الكلف واللوازم، وقد طلب ~~مثل ذلك من غالب بلاد السواحل.» # وثقلت وطأة هذه الفرض والمغارم على الأهلين، فقال الشيخ ~~الجبرتي: «إن قرى قد خربت، وافتقر أهلها وجلوا عنها، ~~فكان يجتمع أهل عدة من القرى في قرية واحدة بعيدة عنهم ثم ~~يلحقها وبال المعينين والمباشرين والعساكر فتخرب كذلك ، ~~وأما غالب بلاد السواحل، فإنها خربت وهرب أهلها»، وكان من ~~بين فرض المغارم التي قررت وقتئذ على البلاد ما عرف باسم ~~بشارة الفرضة، كتبوا بها أوراقا يتولاها بعض من يكون ~~متطلعا لمنصب أو منفعة، ثم يرتب له خدما وأعوانا ثم ~~يسافر إلى الإقليم المعين له، وذلك قبل منصب الأصل وفي ~~مقدمته يبعث أعوانه إلى البلاد يبشرونهم بذلك، ثم يقبضون ~~ما رسم لهم في الورقة من حق الطريق بحسب ما ms0754 أدى إليه ~~اجتهاده قليلا أو كثيرا، وقد قدر الشيخ حسب ما سمع من ~~بعض من له خبرة بذلك قيمة المغارم التي قررت على القرى ~~بسبعين ألف كيس وذلك خلاف المصادرات الخارجية. # وسواء أكان هذا التقدير مبالغا فيه أم لم يكن، وسواء ~~بالغ الشيخ في وصف ما حل بالقرى وغالب بلاد السواحل من ~~تخريب أم اقتصد في وصفه - ومن المعروف أن الشيخ لم يكن ~~راضيا عن حكومة محمد علي - فالثابت أنه لم يكن هناك ~~معدى عن اللجوء إلى هذه الطرق غير العادية لجلب المال ~~الذي أقفرت منه خزانة الباشا لكل تلك الأسباب التي سبق ~~بسطها عند ذكر الصعوبات التي صادفتها حكومته من بدء ~~تأسيسها في عام 1805، ثم أوجدت الأزمة المالية التي تزايد ~~استحكامها على مرور الأيام بدلا من انفراجها؛ وذلك بسبب ~~ما جد من حوادث وأزمات سياسية كثيرة وعصيبة، كان آخرها ~~مبعثه مجيء حملة «فريزر»، فكان حرمان الباشا من مال الصعيد ~~وغلاله لخضوع هذا الإقليم لسيطرة البكوات المماليك، ~~وكساد التجارة بسبب استيلاء الإنجليز على الإسكندرية أهم ~~موانئ القطر، وعدم تأمين السبل في الوجه البحري عموما ~~بسبب الفوضى الناجمة عن وجود حالة الحرب، وهي حرب لم يكن ~~أحد يعرف ما سوف تنتهي إليه، ثم تعطل الزراعة نتيجة لما ~~لحق بالفلاحين وأهل القرى من إيذاء على أيدي الجنود الذين ~~كثر مرورهم ببلادهم أثناء العمليات الحربية الأخيرة ~~خصوصا، ومطلوبات هؤلاء منهم - نقول كان ذلك كله إلى جانب ~~حاجة محمد علي الملحة إلى المال لدفع مرتبات الجند وإنجاز ~~تحصينات القاهرة وتجهيز جيشه للزحف على الإسكندرية مبعث ~~هذه الأساليب الشديدة التي اتخذت لجمع المال. # وقد ذكر «دروفتي» شيئا من هذه الصعوبات التي صادفت ~~الباشا وقتئذ والأسباب التي جعلته يعمد إلى فرض الفرض ~~والمغارم، فقال في رسالة له إلى «سباستياني» من القاهرة في ~~29 يوليو: إن الجند يطالبون بمرتباتهم التي صارت مستحقة ~~لهم عن تسعة شهور، وغدت رشيد مسرحا لبعض حركات التمرد ~~والعصيان، وموارد محمد علي مثقلة ولا تكفي لسداد نفقاته؛ ~~لأنه ترك مديريات الصعيد للماليك وذلك ms0755 منذ انسحابه من ~~أسيوط وإخلاء جنده للمراكز التي كانت لهم بالصعيد في ~~الظروف التي عرفناها أثناء شهر أبريل 1807، ولأنه لا إيراد ~~أو دخل للحكومة من التجارة حتى اضطره ذلك كله إلى فرض ~~إتاوات غير عادية، منها طلب سلفة من الأوروبيين، ولم يحتج ~~القنصل الفرنسي على هذه السلفة التي كانت إجبارية في واقع ~~الأمر ومن طراز السلفة التي طلبها الباشا من التجار ~~القاهريين وغيرهم، بل على العكس من ذلك صار يبذل قصارى ~~جهده لإقناع مواطنيه والمحميين الفرنسيين بتقديم كل ما ~~يمكن تقديمه من مال لمحمد علي، فبلغ ما أقرضه هؤلاء له ~~عشرة آلاف قرش تركي عدا أربعين قنطارا من الحديد ومثلها ~~من الرصاص بضمان الميري. # وأتيحت الفرصة لحصول الباشا على قدر كبير من المال عندما ~~أقرضه نائب القنصل البريطاني في رشيد «بتروتشي» - وهو قنصل ~~السويد العام في الوقت نفسه - أربعين ألف قرش، وتفصيل ذلك، ~~أن الباشا بعد إخفاق عمليات الإنجليز ضد رشيد، لم يلبث أن ~~بعث في طلب كل من «روشتي» قنصل روسيا العام والنمسا، ~~و«بطروشي» أو «بتروتشي» من رشيد إلى القاهرة حتى يتمكن من ~~مراقبة نشاطهما بنفسه، وكان هذان قد بقيا برشيد وخشي من ~~دسائسهما وتحريض الجند والأهلين على الفتنة، لا سيما وقد ~~كان لروشتي علاقات لم تغب معرفتها على محمد علي كما بلغه ~~الشيء الكثير عن نشاط «بتروتشي»، قال «مسيت» إن القنصل ~~الفرنسي هو المسئول عن هذه المعلومات التي بلغت محمد علي ~~عنه، كما عزا إليه التحريض على إساءة معاملته حتى إن ~~الأتراك في رشيد صاروا يعاملونه أخيرا معاملة غير كريمة، ~~وهو الذي قام منذ أربع سنوات بوظائف الوكيل البريطاني ~~برشيد، فعرضوا عليه إتاوات كثيرة ووضعت الأختام على ~~ممتلكاته، ثم قبض عليه وأرسل إلى القاهرة حيث سجن ~~بها، على أنه مما يجدر ذكره أن مصادرة أملاك «بتروتشي» ~~كانت بناء على ذلك الأمر الذي أصدره الباب العالي بضبط ~~تعلقات الإنجليز، وقد قرئ مرسوم الباب العالي هذا ببيت ~~القاضي يوم 23 أبريل على نحو ما تقدم ذكره، وأما الباشا ~~فقد ألقى ms0756 بالبطروشي في السجن فعلا بمجرد وصوله إلى ~~القاهرة، والتمس هذا مرارا عديدة مقابلة محمد علي حتى ~~يدفع عن نفسه التهم التي ألصقها به أعداؤه، فكان بعد لأي ~~وعناء أن أذن له الباشا بمقابلته، وكتب «مسيت» إلى ~~«كاسلريه» في 17 يونيو، يصف ما حدث فقال: إن «بتروتشي» نجح ~~في إقناع الباشا بزيف الأنباء التي حملتها التقارير التي ~~قدمت عنه إلى الباشا والأقوال التي أذيعت عنه زورا ~~وبهتانا. # ولما كان «بتروتشي» قد اكتشف حاجة محمد علي الشديدة إلى ~~المال، وأنها تسبب له القلق والانزعاج فقد عرض فورا أن ~~يقرض الباشا أربعين ألف قرش نظير أن تعاد إليه أملاكه، ~~وأن يطلق سراحه من الحبس، الأمر الذي من حقه أن يصر على ~~تنفيذه حيث إنه القنصل العام لجلالة ملك السويد في مصر، ~~فقبل الباشا عرضه وأطلق سراحه، ولم يرتح «دروفتي» لما حدث؛ ~~لأنه اعتبر إخراج «بتروتشي» من الحبس من ناحية، ثم ترك ~~«روشتي» يمرح في القاهرة من ناحية أخرى يهدد حكومة الباشا ~~في ظروفها الحرجة وقتئذ؛ لأن «روشتي» بوصفه المزدوج: ~~قنصلا للنمسا ولروسيا، و«بتروتشي» بوصفه المزدوج كذلك: ~~قنصلا للسويد ونائب قنصل لإنجلترة، وروسيا وإنجلترة في ~~حرب مع الباب العالي، وهما لذلك يعملان ضد صالح تركيا ~~وحكومة محمد علي في مصر قد جعل الباشا بالرغم من ذلك يسلك ~~كل طريق لمداراتهما وتدليلهما بالصورة المنتظرة في مثل هذا ~~الوضع السياسي الذي لهما ولكنهما يستغلان كرم الباشا، ~~ويستخدمان الموارد المالية التي لا يمكن أن يحرم منها ~~قناصل إنجلترة وروسيا ودون أن يلحقا بتصرفهما أية إهانة ~~بالنمسا والسويد، ويستعينان بعطف الرأي العام عليهما، ووده ~~نحوهما لتأييد مشروعات أعداء الباب العالي، وذلك ~~باستمرارها سرا في القيام بوظائفهما كولاء للإنجليز ~~والروس، كتب ذلك «دروفتي» في 14 يونيو، ثم لم يلبث أن بعث ~~إلى «سباستياني» في 29 يوليو بما يؤكد مخاوفه هذه فقال: ~~«إن هناك مؤامرة تدبر ضد محمد علي يشرف على توجيهها ~~ثلاثة من القناصل هم: «روشتي»، و«بتروتشي» وقنصل إسبانيا ~~العام «كامبو آي ~~سولر» # Campo-y-Soler ~~، والأولان أشد هؤلاء الثلاثة ~~عداوة، ms0757 و«بتروتشي» مالطي ووكيل بريطاني يستخدم كل ما لديه ~~من موارد لتأييد مشروعات أعدائنا.» # ومع أن «بتروتشي» قد أقرض الباشا مبلغا آخر من المال ~~(20000 قرش)، واستطاع أن يستفيد من إقراضه إياه هذه ~~المبالغ لكسب نفوذ كبير في علاقاته مع محمد علي، حتى إنه ~~انتحل ضرورة تنظيم شئونه التجارية عذرا لإرسال أحد رجاله ~~إلى الإسكندرية وهو يوناني يدعى «قسطنطين ~~كاريري» # Constantine Carriri # لتزويد «مسيت» بطائفة من ~~المعلومات الصحيحة عن عدة مسائل هامة، فقد بادر بالكتابة ~~إلى القائم بأعمال السويد بالقسطنطينية يشكو من سوء ~~المعاملة التي لقيها، والإجحاف الذي نزل به وهو برشيد، مع ~~أنه - كما راح يدعي - قد ترك وظائفه كنائب قنصل لإنجلترة ~~بها قبل نشوب العداء بين تركيا وإنجلترة، ومع ذلك فقد ~~صادرت الحكومة المصرية ممتلكاته وأحضرته إلى القاهرة، ~~وعينت رجلا لحراسة منزله في رشيد، وشكا «بتروتشي» من ~~إرغامه على إقراض الباشا مبلغي الأربعين ألف والعشرين ألف ~~قرش سالفي الذكر، وطالب برد هذه المبالغ إليه وتأمينه على ~~حياته وأمواله وهو المستأمن الذي من حقه كممثل لدولة صديقة ~~للباب العالي (السويد) أن يتمتع بالرعاية التي لهؤلاء ~~المستأمنين في ممتلكات الباب العالي، وقد رفع القائم ~~بالأعمال هذه الشكوى إلى الباب العالي، وصدر أمر هذا ~~الأخير إلى محمد علي في أكتوبر من العام نفسه إذا كانت هذه ~~الشكوى صحيحة بدفع هذه المبالغ وإعادة ممتلكات «بتروتشي» ~~إليه؛ حيث إن المحبة الصادقة تسود بين الحكومتين: ~~العثمانية والسويدية، على أن هذه الشكوى لم يترتب عليها ~~شيء وقتئذ لاستمرار حاجة محمد علي إلى المال. # بل إن هذه الحاجة إلى المال لم تلبث أن جعلت الباشا في ~~أوائل أغسطس يطلب دراهم من طائفة القبانية والحطابة وباعة ~~السمك القديد المعروف بالفسيخ، فكان المقدار المطلوب من ~~طائفة القبانية مائة وخمسين كيسا، ولم يقو هؤلاء على ~~دفعه، كما عجزت الطوائف الأخرى عن دفع المطلوب منها، ~~فأغلقوا حوانيتهم والتجئوا إلى الجامع الأزهر، ووسطوا ~~السيد عمر مكرم لدى الباشا، وأفلحت هذه الوساطة فرفعوا ~~عنهم غرامتهم وكتبوا إليهم أمانا بذلك. # ومهما يكن من قسوة ms0758 الوسائل التي لم يجد الباشا مناصا من ~~الالتجاء إليها للحصول على المال، فقد توفر لديه بسببها ~~قدر منه استعان به على دفع قسم من مرتبات الجند، حتى كتب ~~الشيخ الجبرتي في يونيو ويوليو أنه قد كثر في هذه ~~الأيام خروج العساكر والدلاتية وهم يعدون إلى البر الغربي، ~~وفضلا عن ذلك فقد شرع الباشا في أوائل يوليو في تعمير ~~القلاع التي كانت أنشأتها الفرنساوية خارج بولاق، وعمل ~~متاريس بناحية ميت عقبة وغيرها، ووزع على الجيارة جيرا ~~كثيرا، وأصلح سور القاهرة، ورمم في الأماكن المكشوفة ثم ~~أقيمت المتاريس وحفرت الخنادق من عند قلعة «كامان» # Camin # أو قنطرة الليمون ~~التي أنشأها الفرنسيون أيام احتلالهم إلى بولاق، وأنشئ ~~حصنان صغيران بالمتاريس التي حفرت حولهما الخنادق العميقة ~~ونصبت فيهما مدافع من نوع مدافع الحصار، وذلك في الأماكن ~~الأكثر ضعفا في هذا الخط، وحتى يسيطر الباشا على الملاحة ~~في النيل وضع بطاريات في الجزيرة الواقعة بين بولاق ~~وإمبابة والتي يسميها الفرنسيون بجزيرة «لزاريط» # Lazarit ~~؛ لوجود مباني ~~المعزل الصحي بها، وأمامها جزيرة بولاق أو القرطية يفصلها ~~عنها قناة صغيرة تجف وقت انخفاض النيل، ثم حتى يمنع ~~الملاحة في النيل ويحول دون وقوع هجوم سريع على القاهرة من ~~ناحية النهر أغرق الباشا عددا من المراكب المثقلة بالرمال ~~في قاع النهر تجاه إمبابة، وربطت بصواريها أوتاد أقامت في ~~عرض النهر حاجزا قويا، ومكنت كذلك من وضع بطارية من ~~المدافع على النهر نفسه، ثم أقيمت للغرض نفسه سلسلة من ~~التحصينات على الشاطئ الأيمن للنيل حتى بلدة فوة لإعاقة ~~الملاحة، وسيقت كل المراكب إلى القاهرة حتى لا يستولي ~~عليها العدو فيتخذ منها نقالات لجنده وعتاده أو يجعل منها ~~زوارق مدفعية صغيرة، ووسق الباشا عدة مراكب وأرسلها إلى ~~ناحية رشيد؛ ليعمروا هناك سورا على البلد وأبراجا، ~~وجمعوا البنائين والفعلة والنجارين وأنزلوهم في المراكب ~~قهرا، وكان على الباشا فضلا عن ذلك أن يسد نفقات جند ~~الدلاتية الذين أتوا من ناحية الشام ووصلوا القاهرة في 21 ~~يوليو، وكانوا حوالي الخمسمائة، ثم إنه كان عليه ms0759 كذلك أن ~~يدفع مبلغا من المال لمصالحة ياسين بك الأرنئودي. # وكان تمرد ياسين من المسائل التي شغلت محمد علي منذ أن ~~شق هذا عصا الطاعة قبل ذلك بعامين في الظروف التي مرت ~~بنا، ثم انحاز إلى سليمان بك المرادي بعد أن لحقت به ~~الهزيمة في الفيوم على يد الألفي، واتخذ من ذلك الحين ~~الفيوم وأقاليم مصر الوسطى مسرحا لنشاطه، وعاث في هذه ~~البلاد هو وشراذمه فسادا كثيرا، وكان ياسين - كما عرفنا ~~- صاحب أطماع كبيرة ويحقد على محمد علي وصوله إلى الحكم، ~~والولاية ويريد انتزاع ذلك منه، وتفاقم شره عندما انضم ~~إليه سليمان أغا صالح وكيل دار السعادة سابقا الذي أتى مع ~~القبطان باشا وقت أزمة النقل إلى سالونيك، وصار يسعى بين ~~الألفي وسائر البكوات لحملهم على إجابة مطالب الباب ~~العالي، ودفع الثمن الذي حدده لعودتهم إلى الحكم، فانضم ~~إلى ياسين بك بعد هربه من الإسكندرية ووفاة الألفي، ودارت ~~مفاوضات كثيرة للصلح بين محمد علي من جانب وبين كل من ~~ياسين وسليمان أغا من جانب آخر، ووافق ياسين على شريطة أن ~~يعطيه الباشا أربعمائة كيس، وطلب الباشا من جهته أن يذهب ~~ياسين لمحاربة الإنجليز، ووافق سليمان أغا على الحضور بشرط ~~أن يجري عليه الباشا مرتبه بالضربخانة وقدر ذلك ألف ~~درهم في كل يوم، فأجابه محمد علي إلى ذلك، وبناء عليه، عبر ~~ياسين النيل إلى ناحية شرق أطفيح، وفرض على أهل تلك الجهات ~~أموالا جسيمة، واجتمع هؤلاء بصول والبرنبل بمتاعهم ~~وأموالهم ومواشيهم، فنزل عليهم، وطلب منهم الأموال فقبضوا ~~عليه، فأوقد فيهم النيران وحرق جرونهم ونهبهم في أبريل ~~1807، ثم تابع سيره حتى وصل في 26 أبريل إلى ناحية طرة، ~~وحضر والده إلى القاهرة ودخل كثير من أتباعه إليها وهم ~~لابسون زي المماليك المصرية، وفي 5 مايو دخل ياسين بك ~~وسليمان أغا إلى القاهرة، وقابلا الباشا وخلع عليهما ~~خلعتين سمور، وأغدق على ياسين النعم والعطايا، ودفع إليه ~~ما كان وعده به من الأكياس وقدم له تقادم وإنعامات، ~~وقلد أباه كشوفية الشرقية. # ولما كان الواجب ms0760 على ياسين بمقتضى الاتفاق السابق بينه ~~وبين محمد علي الخروج إلى الإسكندرية لمحاربة الإنجليز، ~~فقد راح يطلب مطالب كثيرة له ولأتباعه، وأخذ لهم الكساوي ~~والسراويلات، وأخذ جميع ما كان عند جبجي باشا من الأقمشة ~~والخيام والجبخانة والاحتياجات من القرب وروايا الماء ~~ولوازم العسكر في سفر البر والإفازة والمحاصرة إلى غير ~~ذلك، وخرج ياسين بعرضيه إلى ناحية الخلاء ببولاق، ولكن ~~ياسين كان قد بيت النية على الغدر بمحمد علي، واتخذ من ~~دعوى التهيؤ للسفر إلى الإسكندرية ومحاربة الإنجليز ستارا ~~يخفي وراءه نشاطه، فصار يحرض الجند من الأرنئود والدلاتية ~~وغيرهم على الانضمام إلى معسكره، وانضم إليه فعلا كثير من ~~هؤلاء، وصار كل من ذهب إليه يكتبه في جملة عسكره، وعاونه ~~في هذا النشاط أنصار الإنجليز الأقوياء في القاهرة، وهم ~~الذين سماهم «دروفتي» في رسالته إلى «سباستياني» بتاريخ 14 ~~يونيو - وقد سبقت الإشارة إليها - فذكر من بينهم «روشتي» ~~و«البطروشي». # وهكذا - على نحو ما كتب الشيخ الجبرتي - لم يلبث أن ~~اجتمع على ياسين كل عاص وأذعر مخالف وعاق، وما إن تم له ~~ما أراد حتى صرح بالخلاف، وتطلبت نفسه للرياسة، وكلما ~~أرسل إليه الباشا يرده وينهاه عن فعله يعرض عن ذلك، وداخله ~~الغرور، وانتشرت أوباشه يعيثون في النواحي، وبث أكابر جنده ~~في القرى والبلدان، وعينهم لجمع الأموال والمغارم الخارجة ~~عن المعقول، ومن خالفهم نهبوا قريته وأحرقوها وأخذوا أهلها ~~أسرى، فكان تمردا جديدا يخشى خطره لا سيما وأن ياسين بك ~~صار يسعى لتأليف حزب قوي مناوئ للباشا، فبذل الباشا قصارى ~~جهده لجعل الجند ورؤسائهم ينفضون من حوله، وأخذ في ~~التدبير عليه، ونجح في استمالة العسكر المنضمين إليه، وحلل ~~عرى رباطاته، فلما تم له ما أراد أمر في 27 مايو الجند ~~الأرنئود بالاجتماع والخروج إلى ناحية بولاق، فخرجوا ~~بأجمعهم إلى نواحي السبتية والخندق وأحالوا بين ياسين وبين ~~بولاق مصر (أي القاهرة). # ثم خرج الباشا بنفسه في 30 مايو وحصن أبواب المدينة ~~بالعساكر، وأيقن الناس بوقوع الحرب بين الفريقين، وأرسل ~~الباشا إلى ياسين بك يقول له إن ms0761 تستمر وتطرد عنك هذه ~~اللموم وتكون من كبار العسكر، وإلا تذهب إلى بلادك، وإلا ~~فأنا واصل إليك ومحاربك، فخاف ياسين، وكفى هذا التهديد لأن ~~تنحل عزائم جيوشه، وتفرق الكثير منهم، وتحرك ياسين بمن بقي ~~معه في ثلاثة طوابير، ولما كان الوقت ليلا ولا يعرف جنده ~~الجهة التي يقصدها، فقد اشتبهت عليهم الطرق في ظلام الليل، ~~فسار هو بفريق منهم إلى ناحية الجبل عن طريق حلق الجرة، ~~وسارت جماعة أخرى إلى ناحية بركة الحاج بينما ذهب الطابور ~~الثالث على طريق القليوبية وفيهم أبوه، فأتاح تشتت قواته ~~على هذه الصورة الفرصة لمحمد علي لمطاردة الجماعة الذاهبة ~~إلى بركة الحاج، ولكن هؤلاء ما إن علموا بانفرادهم عن ~~أميرهم حتى رجعوا متفرقين في النواحي، ولم يزل ياسين ~~سائرا حتى نزل بمن معه في التبين واستقر بها، ولجأ أبوه ~~إلى الشواربي شيخ قليوب، فأخذ له هذا أمانا وأحضره إلى ~~الباشا يوم 31 مايو، فأكرمه وألبسه فروة، وأمره أن يلحق ~~بابنه، وفي أول يونيو جهز الباشا حملة ضم إليها «شديد» شيخ ~~الحويطات للحوق بياسين بك ومحاربته، وأما ياسين فإنه لم ~~يلبث أن ارتحل بوطاقه بمجرد أن علم باقتراب هذه الحملة ~~منه، فذهب إلى ناحية صول والبرنبل بعد أن عاث فسادا ~~كبيرا في جهة التبين ينهب قرى الناحية بأسرها، مثل التبين ~~وحلوان وطرا والمعصرة والبساتين، وفعل رجاله بأهلها ~~أفاعيلهم الشنيعة من السلب والنهب وأخذ النساء ونهب ~~الأجران والغلال والأتبان والمواشي وأخذ الكلف الشاقة، ومن ~~عجز عن شيء من مطلوباتهم أحرقوه بالنار، وفي 4 يونيو عادت ~~الحملة إلى القاهرة، وأنبأت بارتحال ياسين من تلك الناحية ~~- كما أسلفنا - إلى صول ~~والبرنبل، وكتب «سانت مارسيل » إلى «سباستياني» من القاهرة ~~في أول يوليو تعليقا على حادث ياسين: «إن هذا الأخير وهو ~~من الرؤساء الأرنئود قد هدد بالانضمام مع ألف وخمسمائة رجل ~~إلى المماليك، واصطلح معه الباشا، وقبل ياسين بك الصلح ~~للوصول إلى أغراضه، فحضر وعسكر في بولاق، ثم صار وهو بها ~~يتآمر ليجذب إليه قسما من جند الباشا، وانضم إليه بعض ms0762 ~~الرؤساء الأرنئود، ولكن محمد علي لم يلبث أن أنهى هذه ~~الحركة، بأن حشد جنده للسير ضد ياسين بك الذي هرب في طريق ~~الصعيد.» # ولم يكن في مقدور محمد علي وقتئذ بسبب تمرد ياسين بك أن ~~يغادر القاهرة أو أن يبدأ زحفه المنتظر على الإسكندرية، ~~وأما السبب الآخر الذي عطل هذا الزحف فكان عدم اطمئنان ~~محمد علي إلى موقف المماليك الذين ظلوا يماطلون في تنفيذ ~~الاتفاق الذي تم بينه وبينهم بأسيوط، والذي وجب على ~~البكوات بمقتضاه أن ينزلوا من الصعيد لإبرام الصلح النهائي ~~مع الباشا، وقد اهتم محمد علي بضرورة أن يقبل هؤلاء ~~الصلح معه قبل أن يدخل في أية عمليات عسكرية جديدة ضد ~~الإنجليز، وأن يطمئن - على الأقل - إلى أنهم سوف يقفون ~~موقف الحياد عند استئنافها، مثلما فعلوا أثناء المعارك ~~السابقة، وكان الصلح مع البكوات أو إلزامهم بالحياد وجعلهم ~~يقفون موقف النظارة والمتفرجين فحسب فلا يشتركون في النضال ~~القائم من المشاكل العويصة التي تطلبت كل حكمة ومهارة وصبر ~~وأناة من محمد علي لحلها، فقد كان ولا شك عدم انضمام ~~المماليك إلى الإنجليز من أهم الأسباب - كما رأينا - التي ~~جعلت هزيمتهم في الحماد محققة، ولا معدى لذلك عن ~~إقناعهم بالحياد على الأقل إذا شاء الباشا النجاح في ~~عملياته المقبلة، إذا اضطر إلى استئناف القتال ضد ~~الإنجليز، ثم كان من بواعث قلقه ومخاوفه من ناحيتهم ~~تباطؤهم في النزول من الصعيد من جهة، ثم سياستهم الملتوية ~~التي جعلتهم يمنونه ويمنون أعداءه الإنجليز في آن واحد ~~برغبتهم الصادقة في الاتفاق معه ثم بعزمهم الصحيح على ~~الاتحاد مع الآخرين من جهة أخرى، ومع أن حسين بك الزنطاوي ~~صديق الفرنسيين القديم قد كتب إلى «دروفتي» يؤكد له عزم ~~البكوات على التزام خطة الحياد، فقد كان تعليق القنصل ~~الفرنسي على ذلك - كما ذكر «سباستياني» في 7 مايو - أن ~~البكوات برغم ما يقولونه فإنهم حسبما يعتقد «دروفتي» ~~دائما إنما يبغون تدبير أمرهم بصورة تكفل لهم الحصول على ~~بعض الحقوق إذا كسب الإنجليز ظفرا على الأتراك، فالمماليك ~~لا يفكرون ms0763 في المستقبل، ويعيشون ليومهم دون تدبر حالهم في ~~غدهم، والرجل الوحيد الذي كان ذا آراء سياسية هو عثمان ~~البرديسي وقد توفي هذا. # وكان البكوات وقتئذ قد وصلوا في تقدمهم صوب القاهرة إلى ~~ما تحت بني سويف بأربعة فراسخ، عندما وصلهم خبر رفع الحصار ~~عن رشيد، فأوقفوا تقدمهم على نحو ما مر بنا، واتخذ بيت ~~البرديسي وبيت إبراهيم بك مراكزهما على طول الشاطئ الأيسر ~~للنيل عند قمن العروس، وبيت الألفي برئاسة شاهين بك عند ~~زاوية المصلوب على نفس الشاطئ، ولا يزالون منقسمين على ~~أنفسهم بسبب الخلافات والأحقاد الشخصية والكراهية الشديدة ~~والمنافسة التي فرقت جميعها بين بيتي الألفي والبرديسي، ~~ولم يفد ما مر بالبكوات من تجارب مريرة طوال السنوات الست ~~الماضية منذ عام 1801 في محوها، بل إن وجود المنافسة ذات ~~الغور البعيد بين بيتي الألفي والبرديسي كانت من أهم ~~الأسباب التي جعلت بكوات إبراهيم ومماليكه على وجه الخصوص ~~يمتنعون عن الاتحاد مع الألفي أولا، ثم مع الإنجليز ~~أصدقائه بعد ذلك حتى فوتوا على أنفسهم فرصة استرجاع الحكم ~~إطلاقا، وعندما صار «مسيت» يستحثهم على النزول أملت عليهم ~~سياستهم الملتوية التذرع بحجة الخوف مما قد يلحق بعائلاتهم ~~في القاهرة من أذى على أيدي الأرنئود، إذا هم فعلوا ذلك ~~للاستمرار على جمودهم، وخيل إليهم أنهم إذا تريثوا حتى ~~ينقضي النزاع بين محمد علي والإنجليز صار في وسعهم ~~بانحيازهم إلى المنتصر أن يظفروا منه بتحقيق مآربهم، ~~وفاتهم أن الباشا إذا انتصر لن يسمح لهم بحال مشاركتهم له ~~في الحكم واقتسام السلطة معهم، وأن عودتهم إلى الحكم ~~مرتهنة بشيء واحد فحسب، هو ظفر الإنجليز وانتصارهم، وإخراج ~~محمد علي من الحكم وطرد الأرنئود، ولقد استطاع محمد علي أن ~~يفيد من عمى بصيرتهم الذي منعهم من إنهاء خلافاتهم، ~~والإغضاء عن منافساتهم وتناسي أحقادهم ولو وقتيا من ~~ناحية، والذي جعلهم يتبعون هذه السياسة الملتوية القائمة ~~على مداهنة الفريقين المتناضلين، محمد علي والإنجليز من ~~ناحية أخرى، فعرف الباشا كيف يتدبر أمره معهم في أزمته، ~~والوصول إلى غرضه بإلزامهم الوقوف موقف ms0764 الحياد فترة أخرى ~~من الزمن. # واتبع الباشا في مفاوضاته الجديدة مع البكوات نفس ~~الأساليب التي اتبعها معهم في أسيوط من حيث استخدام ~~المفاوضين الذين عرف مبلغ تأثيرهم عليهم، وبذل الوعود ~~الطيبة لهم ومداراتهم، ثم الاستعاضة بالوكلاء الفرنسيين مع ~~بكوات بيت البرديسي خصوصا، ومنع تزويدهم بشيء مما قد ~~يحتاجون إليه، إلا إذا جاء ذلك عن طريقه هو وبواسطته، ~~وتأمينهم على سلامة أسرهم وهم الذين استبد لهم الخوف على ~~سلامتها، وذلك كي يبرهن لهم على صدق رغبته في مصالحتهم، ~~ويقنعهم بالنزول إلى الجيزة حسب اتفاقهم الأول معه. # وقد تقدم كيف بعث مشايخ الأزهر في أبريل بمراسلة ختم ~~عليها كثير منهم وغيرهم كذلك يستعجلونهم في الحضور واعتذر ~~هؤلاء وقتئذ عن تأخرهم بأنهم لم يتكاملوا وأكثرهم متفرقون ~~بالنواحي، وقد حدث بعد ذلك أن حضر من عندهم مصطفى أفندي ~~كتخدا قاضي العسكر، وهو الذي كان محمد علي استعان بفصاحته ~~أثناء مفاوضات المشايخ مع البكوات في ملوي على إقناعهم ~~بقبول الصلح، فحضر الآن في 7 مايو يقول: إن البكوات ~~محتاجون إلى مراكب لحمل الغلال الميرية والذخيرة، فهيأ ~~الباشا عدة مراكب وأرسلها إليهم، ولما كان الباشا لم ~~يستوثق بعد من رغبة البكوات في المصالحة بالرغم من تكرر ~~استحثاثهم على الحضور، وخشي إن هم تقووا أن ينكثوا بعهدهم ~~معه، فقد شدد في منع المتسببين والباعة الذين يذهبون ~~بالمتاجر والأمتعة التي يبيعونها عليهم، ثم صدر التنبيه ~~على القلقات الذين يسمونهم الضوابط المتقيدين بأبواب ~~المدينة مثل باب النصر وباب الفتوح والبرقية وباب الحديد ~~بمنع النساء من الخروج خوفا من خروج نساء البكوات ~~والمماليك القبالي وذهابهن إلى أزواجهن، كما منع أتباع ~~هؤلاء البكوات من الخروج إليهم بالأمتعة وتعرض المتلبسون ~~منهم لعقوبات صارمة، وكان من عادتهم إخفاء ما يريدون ~~الذهاب به إلى أسيادهم في القبور حتى يرسلوها إليهم في ~~الغفلات وكثر اتهام التربية وحفاري القبور بمعاونة الأتباع ~~في ذلك، حتى إن الوالي أي رئيس الشرطة ذهب إلى جهة القرافة ~~وقبض على أشخاص من التربية المتهمين بهذا وضربهم وهجم على ~~دورهم، فلما لم ms0765 يجد بها شيئا اجتمع عليه خدام الأضرحة ~~وأهل القرافة وشنعوا عليه، وكادوا يقتلونه فهرب منهم، ~~وشكاه هؤلاء إلى السيد عمر مكرم والمشايخ، وقد لحظ الشيخ ~~الجبرتي في هذه الإجراءات تناقضا عجب منه، وعجز عن ~~التوفيق بين إظهار المصالحة والمسالمة من جانب الباشا الذي ~~بعث بالمراكب إلى البكوات حسب طلبهم، وبين هذه الرقابة ~~الصارمة التي فرضها على أتباعهم ومنعه للمتسببين والباعة ~~من التعامل معهم، ومع ذلك، فإن مسلكه كان خلوا من أي ~~تناقض إذا عرفنا مقدار اهتمام البكوات بسلامة زوجاتهم ~~وأسرهم وأن بقاء أفراد عائلاتهم رهينة أو بالأحرى وديعة في ~~يد الباشا قمين بأن يسهل مفاوضات الصلح معهم، ثم إنه لم ~~يكن من صالح محمد علي أن يتصل بهم القاهريون من الباعة ~~والمتسببين ومن إليهم والبكوات لا يزالون متباطئين في ~~الصلح معه، ولا يستطيع علاوة على ذلك أن يمكنهم من تزويد ~~أنفسهم بكل ما يحتاجون إليه من عتاد أو مؤن أو أسلحة، ~~يقابل ذلك أن محمد علي اتباعا لخطة المداراة التي سلكها ~~معهم، لم يمتنع من إجابة مطالبهم إذا تقدم هؤلاء بها إليه ~~هو نفسه وحدث تزويدهم بما يحتاجونه على يده. # وأما البكوات فقد ظلوا على نفاقهم، فإنه بينما كان شاهين ~~الألفي وإبراهيم بك يتراسلان مع «مسيت» و«فريزر» ويستعجلان ~~الإنجليز للهجوم على القاهرة، فقد ظل هذان وأتباعهما ~~يؤكدان لمحمد علي بقائهما على عهدهما معه وقرب حضورهما إلى ~~الجيزة، فبعث شاهين الألفي بمندوب من قبله إلى القاهرة ~~في 23 مايو هو علي كاشف الكبير الألفي يحمل تحيات شاهين ~~إلى محمد علي، ويعتذر عن تأخر البكوات، ويؤكد له أنهم على ~~صلحهم واتفاقهم الأول وحضورهم إلى ناحية الجيزة، وعند ~~مبارحة علي كاشف القاهرة في اليوم التالي، أوفد الباشا معه ~~سليمان أغا وكيل دار السعادة سابقا، وفي 6 يونيو عاد هذا ~~الأخير وأخبر بقرب قدوم البكوات وأن شاهين بك قد وصل إلى ~~زاوية المصلوب، وإبراهيم بك بجهة قمن العروس وأنهم يستدعون ~~إليهم مصطفى أغا الوكيل وعلي كاشف الصابونجي كوسطاء بينهم ~~وبين الباشا، وكان معنى طلب ms0766 البكوات لهذين الأخيرين أنهم ~~لا يزالون على مراوغتهم، ومع ذلك، فقد أجابهم محمد علي إلى ~~رغبتهم، وأوفد إليهم في 8 يونيو مصطفى أغا وعلي كاشف ~~الصابونجي، كما أوفد معهما مصطفى أفندي كتخدا قاضي العسكر، ~~ولم تسفر هذه المحاولة عن شيء؛ لأنه سرعان ما جاء الخبر في ~~24 يونيو بأن إبراهيم بك وصل إلى بني سويف، وأن شاهين بك ~~ذهب إلى الفيوم لاختلاف وقع بينهما، وأن أمين بك وأحمد بك ~~الألفيين ذهبا إلى ناحية الإسكندرية للإنجليز، وكان لهذا ~~الخبر الأخير عن ذهاب أحمد بك وأمين بك إلى الإسكندرية - ~~وهو صحيح كما عرفنا حيث بلغها هذان يوم 12 يونيو أسوأ ~~الأثر على محمد علي. # وكان الباشا منذ أن ظهر تباطؤ البكوات، ولم تثمر جهوده ~~في استحثاثهم على الحضور إلى الجيزة لإبرام الصلح النهائي ~~معه، قد طلب من «دروفتي» أن يتوسط لدى هؤلاء رسميا ~~وبوصفه القنصل الفرنسي في هذه البلاد، حتى يحول دون ~~اتحادهم مع الإنجليز ويقنعهم - على الأقل - بالتزام خطة ~~الحياد إذا تعذر عليه استمالتهم إلى عقد الصلح معه؛ وذلك ~~لأن الباشا الذي كان يعرف حق المعرفة ما هنالك من عداء ~~متأصل بين بيت الألفي وبيت البرديسي يمنع من اتفاق كلمة ~~هاتين الجماعتين واتحادهما، ويعرف مبلغ تأثر بيت البرديسي ~~بالصداقة الفرنسية خصوصا، أراد تقوية الخلاف والانقسام ~~بين هذين البيتين؛ حتى يشل حركة البكوات عموما بتوسيط ~~«دروفتي» لديهم إلى جانب مضيه هو في سياسة المداراة ~~والملاحظة التي يسلكها معهم، ومنذ 21 مايو كتب «دروفتي» ~~إلى «سباستياني» أن الباشا يريده أن يتدخل رسميا للوساطة ~~بينه وبين البكوات، واستطرد يقول: والبكوات، لا سيما من ~~بيت البرديسي يعلقون أهمية كبيرة على هذه الوساطة، ولكن ~~«دروفتي» لم يستطع - على حد قوله - أن يأخذ على عاتقه ~~مسئولية هذه الخطوة والعمل، قبل أن تصله من حكومته تعليمات ~~محددة، تلك التعليمات التي ينتظرها بفارغ الصبر. # وحق ل «دروفتي» أن ينتظر بفارغ الصبر وصول هذه التعليمات ~~إليه، عندما اتفقت خطته مع خطة الباشا في وجوب إلزام ~~البكوات بالوقوف موقف الحياد ومنع ms0767 انضمامهم إلى الإنجليز ~~بكل وسيلة، واعتقد «دروفتي» كما اعتقد الباشا أن تدخله ~~بوصفه ممثلا لفرنسا الدولة التي يعقد البكوات من بيت ~~البرديسي آمالا كبيرة على صداقتها من شأنه أن يجعل هؤلاء ~~الأخيرين يرفضون الاتحاد مع بيت الألفي والتعاون مع ~~الإنجليز، ثم إنه كان يرى ضرورة التدخل ودون إبطاء ~~لانعدام أية ثقة لديه في عدم تآزر البكوات من بيت الألفي ~~مع الإنجليز بالرغم من تأكيداتهم، فقد سبق أن وضح بواعث ~~عدم تصديقه لوعودهم باتخاذ موقف الحياد، وذلك في رسالته ~~إلى السفير الفرنسي بالقسطنطينية في 7 مايو، وهي الرسالة ~~التي سبقت الإشارة إليها، ثم عاد يوضح هذه البواعث في ~~رسالته الأخيرة إليه في 29 مايو، فقد أبلغ «سباستياني» أن ~~حسين بك الزنطاوي بعث إليه بكتاب مع هجان سريع وصله يوم 27 ~~مايو، وضمنه بعض ما جاء في خطاب من القائد الإنجليزي إلى ~~أحد زملاء الزنطاوي، يقول فيه: «لقد كتبت إليك مرارا حتى ~~تأتي وتنضم إلينا، وقد أنفذت جندا إلى رشيد معتقدا أنك ~~سوف تقوم بالدفاع عن مصالحكم؛ أي مصالح البكوات المماليك، ~~ولكنك ارتكبت معي خطأ كبيرا بالتزامك السكون وعدم الحركة ~~حتى إني اضطررت إلى سحب جنودي إلى الإسكندرية، فإذا كنت لا ~~تقدم على الدفاع عن نفسك في بحر عشرة أيام فسوف أعرف ~~وقتئذ موقفي منك»، ولم تحمل رسالة القائد الإنجليزي هذه ~~تاريخا، ولكنه يبدو أنها سطرت بعد واقعة الحماد، ثم ~~استمر «دروفتي» يقول: وقد ذكر حسين بك الزنطاوي في ~~رسالته أن هذا الكتاب قرئ في الديوان، وقد قرر جميع ~~الصناجق الموجودين بالمنيا؛ أي أولئك الذين ينتمون إلى ~~بيتي البرديسي وإبراهيم بك عدم الإصغاء إلى مقترحات ~~الإنجليز، بل على العكس من ذلك قرروا النزول إلى الجيزة ~~لعقد الصلح مع الباشا، ولكن «دروفتي» لم يلبث أن علق على ~~هذه الرغبة الأخيرة بقوله: إن هذه الأقوال لا يوثق فيها ~~كثيرا، وفي رأيه أن عثمان بك حسن وبعض البكوات من بيت ~~البرديسي فحسب هم الذين لا يرتكبون حماقة الانضمام إلى ~~الإنجليز إذا وصلت هؤلاء نجدات قوية. ms0768 # وأزعج «دروفتي» ما أبداه الإنجليز من همة ونشاط في تحصين ~~الإسكندرية، وما بلغه عن جود فرقاطة إنجليزية أمام دمياط ~~لمحاصرتها، ووصول النجدات إليهم من حوالي ثلاثة آلاف رجل، ~~ودعوات الإنجليز المتكررة للبكوات حتى يحضروا من الصعيد ~~للانضمام إليهم، ثم صارت تزعجه كذلك الدعاية التي نشرها ~~هؤلاء في أوساط المماليك عن هزيمة جيوش بونابرت في أوروبا، ~~ومن ذلك أنهم بعثوا إليهم ببعض الصحف الأوروبية التي نشرت ~~أخبار معركة «إيلاو» في بروسيا الشرقية في 8 فبراير سنة ~~1807، وهي المعركة التي صمد فيها الروس أمام جيش نابليون ~~وقاوموه مقاومة عنيفة، ثم قرروا التقهقر في اليوم الثالث، ~~ولم يجد الإمبراطور من الحكمة مطاردتهم وقنع بإخضاع القلاع ~~البروسية، فكان من أثر دعاية الإنجليز أن نقل جماعة من ~~المماليك من بيت الألفي وعلى رأسهم شاهين بك معسكرهم من ~~حدود الفيوم والاقتراب من البحيرة، وأوفد شاهين وقتئذ ~~أحمد بك وأمين بك الألفيين إلى الإسكندرية مع عدد قليل من ~~أتباعهما، وبذل «دروفتي» قصارى جهده لإبطال أثر هذه ~~الدعاية الضارة، فعمد بمجرد أن وصله من عكا منشور أعده ~~«سباستياني» يذيع فيه انتصار الفرنسيين في معركة إيلاو إلى ~~إذاعته بكل وسيلة في القاهرة، كما بعث به إلى البكوات في ~~الصعيد مع ملاحظاته على ذلك، وكتب «دروفتي» إلى ~~«سباستياني» في 14 يونيو: «أنه لو اعتقد الصناجق أن مصير ~~هذه البلاد مرتبط بما يحدث في أوروبا - وذلك ما ينبغي ~~عليهم أن يعتقدوه - لوجب عليهم أن يمعنوا الفكر طويلا قبل ~~أن يلقوا بأنفسهم في أحضان الحماية الإنجليزية.» وكان في ~~هذه المرة أيضا أن كتب «دروفتي» إلى السفير: أن محمد علي ~~يريد إذا ألحت الظروف، أن أتدخل لدى البكوات، ولكنه لما لم ~~يكن لدى «دروفتي» أية تعليمات بشأن ذلك فقد ألح في طلبها؛ ~~لأنه ليست لديه إلا مجرد آراء أو فكر عامة يسترشد بها في ~~تبرير مسلكه وسط هذا البحر الخضم من الحوادث. # ولما كان محمد علي قد ظل يلح على «دروفتي» في ضرورة ~~توسطه لدى البكوات، ويريد منه الذهاب بنفسه لضمان نجاح ~~مهمته، ms0769 وخشي «دروفتي» إذا هو تباطأ في القيام بهذا المسعى؛ ~~انتظارا لتعليمات حكومته أن تفلت الفرصة لمنع البكوات من ~~الذهاب إلى الإنجليز، لا سيما بعد وصول مندوبي شاهين ~~الألفي إلى الإسكندرية، فقد قرر الاستجابة إلى رغبة محمد ~~علي وانتدب لهذه المهمة «مانجان» بالاتفاق مع الباشا، ~~وأنبأ «سباستياني» في 24 يونيو بهذه الخطوة التي راح يبرر ~~اتخاذه لها دون انتظار لتعليمات حكومته، بأنه سبق له أن ~~أبلغ السفير في رسالته إليه بتاريخ 14 يونيو بأن اثنين من ~~البكوات من بيت الألفي قد ذهبا إلى الإسكندرية، وقد خلف ~~هذا الحادث أثرا سيئا في القاهرة؛ ولذلك فإنه حتى يحول ~~دون أن يحذو غيرهما من البكوات حذوهما، الأمر الذي يبذل ~~قصارى جهده لمنع حدوثه، أوفد «مانجان» إلى الصعيد بالاتفاق ~~مع الباشا، وقد أطنب «دروفتي» في وصف ذكائه ونشاطه، ثم ذكر ~~أنه قد زوده بالتعليمات اللازمة لتحقيق الغرض من مهمته، ~~وذلك - كما استمر يقول - دون توريط ممثلي الحكومة الفرنسية ~~في هذه البلاد بشيء مع البكوات، وأسهب الوكيل الفرنسي ~~الآخر سانت مارسيل في ذكر الأسباب التي بررت اتخاذ هذه ~~الخطوة، فقال في رسالته إلى «سباستياني» من القاهرة في أول ~~يوليو: «إن الإنجليز بعد هزيمتهم في الحماد، كانت قد نقصت ~~قواتهم إلى ثلاثة آلاف رجل فحسب، وانسحبوا إلى الإسكندرية، ~~ثم كانوا على وشك مغادرتها والإبحار منها، لو أن العدو لم ~~يعطهم الوقت الذي مكن من رد أنفاسهم إليهم، ولم يلبث الحظ ~~أن خدمهم فوصلتهم نجدات من الرجال والمال، وهم يحتلون الآن ~~القطع الذي يفصل البحر عن مريوط، وغرضهم من كسر السد عزل ~~الإسكندرية للدفاع عنها، وسوف يفيدهم فيضان النيل عند ~~حدوثه؛ لأنهم سوف يعبرون الحاجز القطع عندئذ ويهاجمون ~~رشيد برا وعن طريق النهر فقط، ولقد وصل ثلاثة من بكوات ~~بيت الألفي أحمد بك وأمين بك ومصطفى كاشف إلى الإسكندرية ~~للاتفاق على اجتماع القوتين: المماليك والإنجليز معا، وكي ~~يسحبوا من بيت «برجز» # Briggs # وشركائه مبلغ السبعين ألف بندقي ~~الذي كان أودعه الألفي لديهم. # ومن ناحية أخرى فالجميع يترقبون باهتمام ms0770 نهاية المفاوضات ~~بين محمد علي والبكوات المماليك ونتائجها، وقد ذهب هؤلاء ~~أخيرا إلى بني سويف للإسراع في عقد الصلح مع الباشا، ~~وأوفد «دروفتي» إلى إبراهيم بك وسائر البكوات «مانجان» حتى ~~يحملهم على إبرام الصلح المرغوب فيه كثيرا؛ لأن قطع ~~العلاقات أو إذا استطالت العداوة بين الفريقين في هذه ~~الظروف يترتب عليهما آثار سيئة حيث يخشى عندئذ من انضمام ~~المماليك عموما إلى الإنجليز.» وبسط «دروفتي» مهمة ~~«مانجان» للسفير في نفس اليوم الذي كتب له في رسالته ~~السالفة 24 يونيو، فقال: إنه قد اضطر اضطرارا إلى إرساله ~~إلى البكوات بالصعيد بسبب الظروف التي عرفناها، ولأن محمد ~~علي صار يلح في لجاجة على «دروفتي» كي يذهب هو إليهم بشخصه ~~مما جعل ذلك كله ضروريا إرسال «مانجان» إليهم، ثم استطرد ~~يقول: «ولكني لم أخول «مانجان» أية سلطات أو أعطه أي ألقاب ~~أو أجعل له ما قد يشعر منه بأنه في بعثة أو مكلف بمهمة ~~رسمية، وقد طلب إليه أن يسدي النصح إلى المماليك حتى ~~يجعلهم بعيدين عن الإنجليز أو يجعلهم - على الأقل - ~~مترددين في موقفهم حتى يحين موعد الفيضان التالي، حتى تصبح ~~عندئذ معاونتهم للعدو (الإنجليز) لا فائدة حقيقية لها ولا ~~جدوى منها»، ثم أخذ «دروفتي» يبرر هذا التدخل في شئون ~~الأحزاب المتنازعة دون انتظار لتعليمات حكومته التي بعث ~~يطلبها منذ 14 يونيو فقال: وعلى كل الأحوال، فإن «مانجان» ~~قد صار إرساله إلى مماليك بيت البرديسي الذين - كما يبدو ~~لي - يهمنا ويهم الإمبراطور نابليون مصيرهم؛ لأنهم يسيرون ~~دائما في الطريق التي رسمها مراد بك، وقد رفضوا باستمرار ~~الاشتراك مع الألفي عدو الفرنسيين في تدابيره. # وأما «مانجان» فقد غادر القاهرة في طريقه إلى الصعيد ~~ولما تمض أيام قلائل على إرسال «دروفتي» كتابه سالف الذكر ~~إلى «سباستياني» في 14 يونيو ، فمر بالبرنبل حيث وجد بها ~~وقتئذ معسكر ياسين بك، وكان شاهين بك المرادي وإبراهيم بك ~~يعسكران على مسافة أبعد قليلا منها على الشاطئ المقابل، ~~بينما أقام شاهين بك الألفي معسكره عند قرية زاوية ~~المصلوب، وقد وجدهم ms0771 «مانجان» منقسمين على أنفسهم، تصطدم ~~مصالحهم وتختلف آراؤهم وغاياتهم ولا يجمع بينهم سوى الغضب ~~من محمد علي، والنقمة عليه والكراهية له، ولو أنهم جميعا ~~يخافونه ويخشون بأسه، ولا يعتقدون أنهم في مأمن من مكائده ~~ضدهم، ولقد أثار سخطهم ودهشتهم في الوقت نفسه أن ينتصر ~~جيشه على الإنجليز، فقال محمد بك المنفوخ - وهو من ~~المرادية وصاحب نفوذ كبير على إخوانه: «إنه من المتعذر ~~على أي امرئ أن يعقل كيف أجاز أوروبيون لأنفسهم أن ينهزموا ~~على يد الأتراك»، وأكثر البكوات من عقد الاجتماعات لتدبر ~~موقفهم، ولكن دون طائل، فكانوا ينقضون اليوم ما قرروه ~~بالأمس، ولاحظ «مانجان» أن الهوة التي فصلت بيت بيتي ~~البرديسي والألفي من قديم لا تزال سحيقة، بسبب المنافسة ~~والغيرة المتأصلتين بينهما، حتى تعذر اتفاق كلمة البكوات ~~على شيء، فكل واحد منهم قد قر رأيه على قرار مخالف لقرار ~~زميله، حتى صار كل معسكر من معسكراتهم منفصلا عن الآخر، ~~وقل اتصال الرؤساء بعضهم ببعض، ويضرب «مانجان» مثلا على ~~الانقسام السائد بين البكوات فيما حدث لشاهين بك الألفي ~~الذي جمع زملاءه ذات مرة في خيمته وتحدث إليهم في ضرورة ~~الزحف والنزول إلى دمنهور ونجح في إقناعهم بذلك، ولكنه ~~سرعان ما نقض البكوات قرارهم في اليوم التالي، وصمموا على ~~الوقوف وعدم الحركة انتظارا لما قد تجيء به الحوادث، وقد ~~خلص «مانجان» من أحاديثه معهم إلى أن البكوات ما عادوا ~~ينظرون إلى الجيش البريطاني بعين الجد والاعتبار السابقة، ~~حيث كشفت عن ضعفه هزيمته الأخيرة في رشيد والحماد. # وهكذا تضافرت عوامل ثلاثة لشل حركة البكوات: منافساتهم ~~وأحقادهم الشخصية، التي جعلتهم لا يثقون في بعضهم بعضا ~~ومنعت اتفاقهم على رأي واحد، وغضبهم على الباشا وكراهيتهم ~~له مما جعلهم لا يثقون في وعوده لهم ولا يريدون الصلح معه، ~~ثم نظرتهم غير الطيبة للجيش البريطاني، وتقريرهم لذلك عدم ~~الحركة ومغادرة أماكنهم حتى يقيم الجنرال «فريزر» الدليل ~~على أن في وسعه الانتصار على جيوش محمد علي ومهاجمة ~~القاهرة معقل هذا الأخير. وتلك جميعها عوامل من شأنها ~~القضاء على ms0772 كل خوف منهم، لا سيما وأن البكوات عدا هذه ~~الخلافات الناشبة بينهم والمؤذنة بأفول نجمهم، كانوا ~~أنفسهم يمرون وقتئذ في دور من الانحلال السريع، كان ~~مظهره هذه الانقسامات ذاتها، كما نهض دليلا عليه انصرافهم ~~وهم في محنتهم هذه عن العمل الجدي الذي يتطلبه تطلعهم إلى ~~الحكم والسلطة إلى الانغماس في الشهوات، فقد استرعى نظر ~~«مانجان» ما شاهده من انتشار الفوضى الضاربة أطنابها في ~~معسكرات المماليك حيث كانت هذه تعج بالعلمات والمغنيات ~~والغوازي اللواتي كن يلاحقن معسكراتهم ويتبعنها إلى كل ~~مكان تنتقل هذه المعسكرات إليه. # وفي الوقت الذي أدار فيه «مانجان» مفاوضاته مع البكوات ~~بالصعيد، كان محمد علي من جانبه لا يزال وهو بالقاهرة يسلك ~~طريق المداراة والملاينة معهم حتى يذلل ما قد يقوم من ~~صعوبات أثناء هذه المفاوضة، ويصطنع الكثير من الحكمة ~~والأناة وطول البال في علاقاته معهم؛ كي يستميلهم إلى قبول ~~الصلح معه، أو التزام الحياد على ~~الأقل - كما ذكرنا - فقد ~~وصلت في 14 يونيو مكاتبة من إبراهيم بك ومن الرسل مصطفى ~~أغا وعلي كاشف الصابونجي ومصطفى أفندي كتخدا قاضي العسكر ~~مضمونها الإخبار بقدوم البكوات، ثم أرسل إبراهيم بك يستدعي ~~إليه ابنه الصغير وولد ابنته المسمى نور الدين، ويطلب ~~لوازم وأمتعة، فرضي الباشا بتصديق الخبر عن قرب حضورهم ~~إلى الجيزة، وبادر بإجابة إبراهيم بك إلى طلبه، وفي 20 ~~يونيو سافر أولاد إبراهيم بك والمطلوبات التي أرسل يطلبها ~~وصحبتهم فراشون وباعة متسببون وغير ذلك، ثم لم يلبث أن بعث ~~إبراهيم بك بكتاب تسلمه الباشا بعد يومين يؤكد فيه من جديد ~~بقاء البكوات على عهدهم ويعد بوصولهم إلى الجيزة قريبا ~~لإبرام الصلح معه. # ولكنه حدث وقتئذ أن وصل إلى القاهرة كذلك تقرير ~~«مانجان» الأول عن مهمته لدى البكوات بتاريخ 21 يونيو، وقد ~~تحدث فيه صاحبه عن مقابلته لهم عند زاوية المصلوب فقال: إن ~~هؤلاء قد أظهروا له تقديرهم للخطوة التي خطاها «دروفتي» ~~نحوهم، وأكدوا أنهم لن يعملوا مع الإنجليز، بل إن شاهين ~~بك الألفي صار يدعي أنه لم يبعث بمندوبيه أحمد ms0773 بك وأمين بك ~~إلى الإسكندرية إلا لاسترجاع مبلغ ستين ألف تالير أو ريال ~~إسباني كان سيده المتوفى أي الألفي الكبير قد أودعها لدى ~~بيت برجز وشركائه، وهم من تجار الإنجليز بالإسكندرية، ومع ~~ذلك، فالبكوات دائما لا يثقون في محمد علي، ولا يريدون ~~النزول إلى الجيزة خوفا من الكيد لهم وأن يكون الغرض من ~~استقدامهم إليها إيقاعهم في شرك الفخاخ التي ينصبها لهم ~~الباشا؛ ولذلك فهم يعتذرون عن نزولهم بحجة أنهم ينتظرون ~~مجيء بعض البكوات الذين لا يزالون فوق المنيا، وكان في ضوء ~~هذا التقرير إذن أن نصح «دروفتي» محمد علي عندما استشاره ~~هذا في قيمة تصريحات البكوات عن رغبتهم في الصلح معه، ~~وعزمهم على الحضور قريبا إلى الجيزة، بأنه من الخير كل ~~الخير له ومن صالحه ألا يجعل البكوات يقتربون كثيرا من ~~القاهرة، فبعث إليهم الباشا بأحد مندوبيه شريف أغا، يحمل ~~إليهم إنذارا، يطلب فيه منهم بقاءهم حيث هم، وأن يوفدوا ~~إلى الجيزة مندوبين مفوضين عنهم فحسب للمفاوضة في شروط ~~الصلح بدلا من حضورهم بأنفسهم. # ولما كان البكوات قد آثروا بسبب انقساماتهم الجمود عن ~~الحركة وتلبية نداءات «مسيت» و«فريزر» لهم، وعجزوا للسبب ~~نفسه عن الاتفاق فيما بينهم على القيام بأي جهد مشترك ~~للزحف على القاهرة وقتال محمد علي، وكان «مانجان» لا يزال ~~بمعسكرهم يحاول منعهم من التعاون مع الإنجليز واستمالتهم ~~إلى الاتفاق مع محمد علي، ويستخدم لتعزيز مساعيه لديهم ~~حسين بك الزنطاوي خصوصا، فقد آثر البكوات عندما وصلهم ~~إنذار محمد علي الاستمرار على سياسة المماطلة والمراوغة مع ~~الباشا انتظارا - كما قر عليه رأيهم - لما قد تسفر عنه ~~الحوادث، فأبدوا رغبتهم في أن يوفد الباشا وسطاء بينه ~~وبينهم الشيخ عبد الله الشرقاوي والشيخ محمد الأمير والسيد ~~النقيب عمر مكرم؛ لإجراء الصلح على أيديهم كما قالوا، وقد ~~حمل رسالتهم هذه غالب أغا إلى القاهرة، وأجابهم الباشا إلى ~~رغبتهم، ولكنه بدلا من أن يذهب هؤلاء الثلاثة إليهم، ~~استبدل بهم ثلاثة من الفقهاء وهم: الشيخ سليمان الفيومي ~~والشيخ إبراهيم السجيني والسيد محمد الدواخلي، وقد ms0774 غادر ~~هؤلاء القاهرة يوم 2 يوليو إلى زاوية المصلوب، يحملون ~~مراسلة إلى الأمراء القبليين بالصلح، ومزودين بسلطات كاملة ~~لعقد الصلح معهم. # ولكن مساعي هؤلاء الفقهاء الثلاثة لدى البكوات لم تسفر ~~عن نتيجة، فقد تمسك البكوات بشروط كثيرة تعذر معها الوصول ~~إلى أي اتفاق بينهم وبين محمد علي، ولكنه وإن كان البكوات ~~قد نكثوا بالعهد الذي قطعوه على أنفسهم أثناء مفاوضتهم ~~السابقة في أبريل مع محمد علي بأسيوط، ولم يعقدوا الصلح ~~معه، فقد استطاع «مانجان» من ناحيته أن يظفر منهم بوعد ~~قاطع بالوقوف موقف الحياد وعدم التعاون كلية مع الإنجليز، ~~وكان هذا كل ما أراده محمد علي والغرض المباشر الذي هدف ~~إليه من توسيط «دروفتي» لديهم إذا تعذر الصلح نهائيا ~~معهم، وقد عاد «مانجان» من مهمته إلى القاهرة في 17 يوليو، ~~وفي اليوم التالي كتب «دروفتي» إلى «سباستياني» ينبئه بما ~~وصل إليه «مانجان» من نتائج بعد مفاوضته معهم، فقال: إن ~~مساعي جميع الوفود التي أرسلها الباشا إلى البكوات أثناء ~~وجود «مانجان» بمعسكرهم لم تأت بأية ثمرة؛ لأن البكوات ~~تغالوا كثيرا في مطالبهم، ولأن رجاءهم قد انعقد في واقع ~~الأمر على امتلاك القاهرة ذاتها، ولن يرضيهم سوى احتلالها، ~~ولقد أظهر شاهين بك المرادي ومحمد بك المنفوخ وعبد الرحمن ~~بك من بيت البرديسي، أنهم لا يأبهون كثيرا للاتفاق مع ~~محمد علي، وأنهم إذا كانوا لا ينضمون إلى الإنجليز فمبعث ~~هذا وحده أنهم لا يودون إغضاب الحكومة الفرنسية التي ~~يريدون حمايتها لهم، ثم استطرد «دروفتي» يقول: «وقد كلفوا ~~«مانجان» أن يؤكد لي تأكيداتهم التي أعطوني إياها كتابة، ~~وفحواها أنهم لن يتحركوا أقل حركة قد يفيد منها الإنجليز ~~في عملياتهم أو مشروعاتهم ضد مصر، ولو أنهم ينتظرون ~~في الوقت نفسه أن تتدخل ~~فرنسا لمؤازرتهم عند تقرير مصيرهم»، ولقد كان - حسبما جاء ~~في تقرير «مانجان» - لمساعي حسين بك الزنطاوي الذي عرفه ~~رؤساء جيش الشرق في مصر سفيرا لمراد بك، أكبر الأثر في ~~جمع كلمة المماليك الصناجق على رفض المحالفة التي يلح في ~~عقدها الإنجليز معهم، ثم ms0775 إن محمد بك المنفوخ وعبد الرحمن ~~بك قد بذلا قصارى جهدهما كذلك، ونجحا في حمل إبراهيم بك ~~ورجاله على الانحياز إلى جانبهما، في موقفهما الذي اتخذاه ~~من حيث تقرير الحياد التام، بل ويريد جميعهم الاجتماع في ~~بني سويف انتظارا لحدوث الفيضان حتى يذهبوا منها إلى ~~مظاعنهم المعتادة، ثم عاد «دروفتي» فكتب إلى «سباستياني» ~~في 29 يوليو أن ضابطا بريطانيا قد ذهب في مهمة إلى ~~معسكر شاهين بك الألفي بعد عودة «مانجان» من الصعيد ببضعة ~~أيام يستحثه على النزول إلى الوجه البحري ولكن دون جدوى، ~~بل إن هذا الضابط عندما يئس من شاهين الألفي ذهب إلى ~~سائر البكوات في بني سويف يحثهم على الانضمام إلى الحزب ~~الإنجليزي ولكن من غير طائل أيضا. # وهكذا تخلى البكوات عن النضال من أجل الفوز بالسيطرة ~~والحكم، وهم الذين كان في وسعهم أن ينزلوا إلى ميدان ~~القتال حوالي الألفين وخمسمائة من الفرسان المدربين ~~والمجهزين بأكمل العدد، عدا آلاف البدو الذين درجوا على ~~الانضمام إليهم، فكان قرارهم اتخاذ موقف الحياد التام، ~~وذهابهم إلى بني سويف ليتوغلوا منها في الصعيد عند حدوث ~~الفيضان، نصرا سياسيا لمحمد علي الذي وسط بنجاح الوكلاء ~~الفرنسيين لديهم، فأتاح له هذا النصر الفرصة لإنجاز ~~استعداداته لمناجزة الإنجليز. # فكان بعد أن تحقق لديه أن البكوات لن يغادروا أماكنهم ~~في الصعيد أن قوي عزم الباشا على السفر لناحية الإسكندرية، ~~وأمر بإحضار اللوازم والخيام، وما يحتاج إليه الحال من ~~روايا الماء والقرب وباقي الأدوات، وفي 7 أغسطس ركب الباشا ~~إلى بولاق وعدى إلى ناحية بر إمبابة، ونصبوا وطاقه هناك، ~~وخرجت طوائف العسكر إلى ناحية بولاق وساحل البحر، وطفقوا ~~يأخذون ما يجدونه من البغال والحمير والجمال، ثم طلبوا ~~أيضا في اليوم التالي خيول الطواحين لجر المدافع ~~والعربات، وانتقوا منها أصلحها، واستمرت تعدية الجند إلى ~~إمبابة أياما، وقد بلغ جيشه ثلاثة آلاف من المشاة وألفا ~~من الفرسان، ولكنه قبل أن يبدأ زحفه على دمنهور في طريقه ~~لقتال الإنجليز بالإسكندرية، لم يلبث أن وصل إلى إمبابة ~~مساء يوم 10 ms0776 أغسطس الميجر «ريفارولا» # Rivarola # موفدا من قبل الجنرال ~~«فريزر» للمفاوضة من أجل عقد الصلح مع محمد علي والجلاء عن ~~الإسكندرية. ~~(2) مفاوضات الصلح # المرحلة الاستطلاعية أو جس النبض # فقد تضافرت عوامل عدة على إنهاء الاحتلال البريطاني ~~للإسكندرية دون حاجة لاستئناف العمليات العسكرية بين حملة ~~«فريزر» وجيش محمد علي، وتتلخص هذه أولا في أن الإنجليز ~~بسبب تطور الموقف السياسي والعسكري الأوروبي صاروا يريدون ~~سحب قواتهم من الإسكندرية للانتفاع بها في ميادين أخرى، ~~وثانيا في أن الباشا نفسه كان يؤثر الوصول إلى اتفاق مع ~~الإنجليز لجلائهم عن الإسكندرية سلما على الاشتباك معهم ~~في معارك أخرى دامية، قد يكون النصر فيها حليفه، وقد تكون ~~حربا سجالا يطول أمدها، ويتجدد بسببها ظهور تلك الصعوبات ~~التي جعلته يرجئ زحفه على الإسكندرية حتى هذا الوقت، والتي ~~فوتت عليه الاستفادة من الهزيمة السابقة التي لحقت ~~بالإنجليز في واقعة الحماد، وذلك عدا ما قد يستجد من ~~صعوبات أخرى قد تطوح جميعها بباشويته. # وليس من شك في أن تقرير الإنجليز سحب حملتهم من ~~الإسكندرية كان من العوامل الحاسمة في إبرام الصلح بينهم ~~وبين محمد علي، غير أن تعليمات الحكومة الإنجليزية ~~نهائيا في ذلك لم تبلغ «فريزر» إلا بعد أن كانت ~~المفاوضات بين الفريقين قد قطعت مرحلتها الأولى ~~الاستطلاعية؛ وجس كل من الفريقين نبض الآخر من حيث ~~التعرف على الأغراض التي يتوخاها من الدخول في المفاوضة، ~~والشروط التي قد يرتضيها أساسا للاتفاق إذا تقرر المضي في ~~المفاوضة جديا لإنهاء النزاع القائم سلما، ولقد كان ~~محمد علي هو صاحب المبادأة في المرحلة الأولى ~~الاستطلاعية. # فقد تقدم كيف أنه كان يتوقع جلاء الإنجليز عن الإسكندرية ~~بعد هزيمتهم في الحماد، ولكنه ما إن تأكد لديه عزمهم على ~~البقاء بها ووقف على التدابير التي اتخذوها لتحصين مواقعهم ~~بها، حتى راح يبذل قصارى جهده لإنجاز تحصين القاهرة، وجلب ~~النجدات من الدلاتية وغيرهم، وإنهاء تمرد ياسين بك، وتسوية ~~مشاكله مع البكوات المماليك، واستغرقت هذه المحاولات - ~~ولقد كانت شاقة ومضنية - زمنا طويلا، وصادف الباشا ~~صعوبات عديدة شديدة، مبعثها ms0777 حاجته إلى المال لسد النفقات ~~التي تتطلبها أعمال التحصينات وترضية ياسين الأرنئودي، ~~وقبل كل شيء دفع مرتبات الجند حتى يتسنى له تطويعهم وتنظيم ~~صفوفهم، وتجهيزهم بما يحتاجون إليه من أسلحة ومؤن وعتاد ~~قبل إنفاذهم لمحاربة الإنجليز، واستئناف العمليات العسكرية ~~ضدهم، وهو قتال لو انهزم فيه جيشه لتقوضت عروش باشويته، ~~ثم إن ياسين لم يلبث أن شق عصا الطاعة، وأعلن من جديد ~~تمرده، وراح يسعى للانضمام إلى بكوات الصعيد، وعجز الباشا ~~عن استمالة هؤلاء الأخيرين إلى الوفاء بعهدهم وإبرام الصلح ~~معه، وكان بعد لأي وعناد وبعد أن وسط لديهم الوكلاء ~~الفرنسيين أن وعد هؤلاء بالتزام موقف الحياد في النزاع ~~الدائر بينه وبين الإنجليز، ثم إنه إذا كان البكوات قد ~~ذهبوا إلى بني سويف، وجعلهم الفيضان يربضون بالصعيد، فهم ~~سوف ينزلون منه إذا استطالت الحرب وانتصر الإنجليز، ولقد ~~أتته النجدات من الشام وغيرها فعلا للاستعانة بها على ~~محاربة الإنجليز، ولكن الباشا كان عليما بأساليب الدلاتية ~~المجانين وما فطروا عليه من حب الشغب وإلحاق الأذى بالناس، ~~ولا تزال البلاد تشكو من جورهم وعسفهم واعتداءاتهم، ثم إنه ~~لا يمكن بحال الركون إليهم والاعتماد عليهم؛ لنزوعهم إلى ~~التمرد والعصيان، وكذلك حال الأرنئود، فهم يسلبون الأهلين، ~~وينهبون كل مكان مروا به أو قصدوا إليه، ويحقد بعض رؤسائهم ~~- كما حقد ياسين بك - على محمد علي وصوله إلى الحكم ~~والولاية، وبينهم من يعتقد أنه لا يقل جدارة عنه بهذا ~~المنصب، وهو إذا كان قد استطاع اليوم تدبير المال لدفع قسم ~~من مرتباتهم، لا هذه كلها؛ لأن هؤلاء ظلت لهم دائما ~~مرتبات منكسرة، فقد يعجز غدا بسبب أزمته المالية الخانقة ~~عن دفع هذا البعض من مرتباتهم إليهم، ولا أمل في انفراج ~~هذه الأزمة إذا استمرت الحرب، وطالما بقيت الاضطرابات ~~والقلاقل التي عطلت الزراعة وكسدت بسببها التجارة، واستمر ~~ممتنعا عليه تحصيل المال والغلال من الصعيد لامتلاك ~~البكوات المماليك له. # على أن استطالة أمد الحرب مع الإنجليز - كان عدا ما ~~ذكرنا - ينطوي على خطر جسيم آخر، يهدد بالزوال باشوية محمد ~~علي، ms0778 ويأتيه من جانب الباب العالي نفسه، حقيقة جمعت محنة ~~الحرب بين الفريقين، وأوجبت عليهما التضافر حتى يتسنى ~~اجتيازها بسلام، ولكن أزمة النقل إلى سالونيك كانت لا تزال ~~آثارها عالقة بذهن الباشا، وقد يعمد الباب العالي بالرغم ~~من مشاغل حربه مع الروس والإنجليز إلى انتهاز فرصة المشاكل ~~والمصاعب التي سوف توجدها استطالة أمد الحرب في مصر ~~لمحاولة تدبير انقلاب آخر، قد لا ينجو من شره في هذه المرة ~~محمد علي، وإذا كان الباب العالي قد سبق له أن اختار أحمد ~~باشا الجزار والي عكا لباشوية القاهرة في الظروف التي ~~عرفناها 1804 للقضاء على الفوضى السائدة بالبلاد وقتئذ، ~~وإعادة سلطان الباب العالي عليها، فليس من المستبعد أن ~~يعمد الباب العالي بعد أن تكون الحرب قد أنهكت قوى محمد ~~علي إلى اختيار سليمان باشا والي عكا وصيدا لطرد محمد علي ~~من الولاية، وكان سليمان باشا رجل مكر ودهاء، لا يؤمن ~~جانبه، وصاحب أطماع عريضة، يدس للباشوات المجاورين له ~~ليضم ولاياتهم إلى ولايته، ويعتمد عليه الباب العالي في ~~مؤامرته ضد الباشوات لإضعافهم، وتقع باشويته هو على حدود ~~باشوية القاهرة من جهة الشمال الشرقي؛ أي في الطريق الذي ~~تسلكه الجيوش التي تجيء من ناحية الشام إلى هذه البلاد، ~~إما لنجدة صاحب الحكم فيها، وإما لكسر شوكته أو طرده ~~منها كلية؛ ولذلك فقد دأب محمد علي على التحرز من سليمان ~~باشا، ولم تصف العلاقات بينهما. # ولقد شعر محمد علي بحاجته إلى النجدات من الجند من ~~الدلاتية وغيرهم يعزز بهم جيشه، واستقدم فعلا عددا منهم ~~حضروا من الشام، وقبرص إلى مصر عن طريق دمياط، الأمر الذي ~~جعل «مسيت» - كما شهدنا - يلح في ضرورة أن تراقب إحدى سفن ~~الأسطول ميناء دمياط لمنع نزول الجند الذين استقدمهم ~~الباشا بها، وأكد أحد وكلاء الإنجليز «قسطنطين كاريري» ~~عندما استجوبه «مسيت» في الإسكندرية في 17 يونيو بعد ذهابه ~~إليها من القاهرة في الظروف التي مرت بنا، أن ستمائة من ~~الجند قد وصلوا إلى القاهرة بطريق دمياط من الشام وقبرص، ~~وأن عددا كبيرا ms0779 غير هؤلاء محتشدون في قبرص، وأن الباشا ~~ما فتئ يلح على حاكم هذه الجزيرة في إرسال جماعة أخرى ~~منهم، ولا تحول صعوبة ما دون وصولهم إلى مصر؛ لأن الإنجليز ~~لا يضعون إحدى سفنهم الحربية أمام دمياط للحيلولة دون ~~نزولهم بها، وقد تكفل محمد علي بنفقات هذه النجدات التي ~~استقدمها، والتي صار يطلبها هو بنفسه مباشرة ومن غير وساطة ~~الباب العالي، وكان غرضه من ذلك عند التحاق هؤلاء الجند ~~بخدمته أن يكونوا خاضعين له وحده، وألا يكونوا عامل ~~إفساد وفتنة، ولم يشأ الباشا أن يطلب من الباب العالي نفسه ~~أية نجدات عسكرية تأتيه من ولايات الدولة القريبة أو ~~المتاخمة لولايته، تكون حينئذ تابعة لغيره من الباشوات ~~وتحت نفوذهم، بل أن أخشى ما يخشاه كان أن يعهد الباب ~~العالي إلى هؤلاء الباشوات، وإلى سليمان باشا على وجه ~~الخصوص أن يبعثوا بجندهم لمعاونته على طرد الإنجليز من ~~مصر، أو أن يحضروا بأنفسهم لتحقيق هذه الغاية؛ ولذلك فقد ~~كان انتصار الحماد فرصة مواتية لإقناع الباب العالي بأن ~~خطر الإنجليز ليس بتلك الجسامة التي تهدد بضياع هذا ~~الإقليم من الدولة، وبأن هؤلاء ليسوا في تلك القوة التي ~~يصعب على الباشا وحده التغلب عليها بما لديه من موارد ودون ~~حاجة إلى الاستنجاد بالدولة، فأعد بيانا أو عرضا بهزيمة ~~الإنجليز من إنشاء أحد الكتاب المشهود لهم بالبلاغة ~~والفصاحة، السيد إسماعيل الخشاب البليغ النجيب والنبيه ~~الأديب، كاتب سلسلة التاريخ أو محاضر جلسات الديوان على ~~عهد الجنرال «منو»، وقال الشيخ الجبرتي: إنهم بالغوا في ~~هذا العرض أو البيان، وفي 5 مايو سافر المتسفر بآذان قتلى ~~الإنجليز، وقد وضعوها في صندوق، وسافر بها على طريق الشام ~~وصحبته شخصان من أسرى فسيالات الإنجليز لتنهض بشائر النصر ~~هذه دليلا على صدق كل ما جاء في العرض الذي دبجه يراع ~~الخشاب، وكان «فوجلسانج» أحد هذين الضابطين اللذين أرسلهما ~~الباشا إلى القسطنطينية. # ولكنه لم تمض أيام قلائل على سفر المتسفر، حتى وصل ~~القاهرة في 13 مايو ططري من القسطنطينية وعلى يده مرسوم، ~~فعمل الباشا ms0780 ديوانا لقراءته، ومضمونه أن العرضى الهمايوني ~~قد خرج من إسلامبول لقتال الروس، وذهب إلى ناحية أدرنه، ~~وأن بشائر النصر حاصلة، والأهم من ذلك أنه بلغ الدولة، ~~ورود نحو الأربع عشرة قطعة من المراكب إلى ثغر الإسكندرية، ~~وأن الكائنين بالثغر تراخوا في حربهم حتى طلعوا إلى الثغر، ~~فمن اللازم الاهتمام وخروج العساكر لحروبهم، ودفعهم وطردهم ~~عن الثغر، وقد أرسلنا البيورلديات إلى سليمان باشا والي ~~صيدا وإلى يوسف باشا والي الشام بتوجيههما العساكر إلى مصر ~~للمساعدة، وإن لزم الحال لحضور المذكورين لتمام المساعدة ~~على دفع العدو، ولا شك في أن قراءة هذا المرسوم بحضرة ~~الجمع على نحو ما فعل محمد علي من شأنه أن يشيع الثقة في ~~النفوس، ويدخل الطمأنينة إلى قلوب الأهلين، حينما يعلمون ~~أن الدولة تهتم بأمرهم، وتسعى بالرغم من مسئولياتها ~~وحروبها في إرسال النجدات إليهم لطرد العدو من بلادهم، ولو ~~أنه كان هناك من الأهلين - كالشيخ الجبرتي - من انعدمت ~~ثقتهم في قدرة الدولة على دفع خطر الغزو الأجنبي عنهم، أو ~~أن الباب العالي يعني حقا ما يقوله في هذه المرسومات، ~~وأنه سوف يرسل جندا لقتال الإنجليز، فلم يكن محل القصد في ~~نظرهم، وعلى حد ما جاء في قول الشيخ الجبرتي نفسه من ورود ~~هذه البيورلديات والفرامانات والأغوات والقبجيات سوى جر ~~المنفعة لهم بما يأخذونه من خدمهم وحق طريقهم من الدراهم ~~والتقادم والهدايا، يأخذها هؤلاء الرسل لأنفسهم ولرجال ~~الديوان العثماني، على أن الباشا كان يدرك مدى الخطر الذي ~~ينطوي عليه هذا الاهتمام الظاهر من جانب الباب العالي ~~لنجدته وعزمه على إرسال يوسف باشا جنج وسليمان باشا خصوصا ~~بجيوشهما إلى مصر إذا لزم الحال لحضور المذكورين؛ فلم يكن ~~المرسوم الذي قرئ في الديوان في نظره مجرد عبارات منمقة ~~ومسطرة لا تعدو إظهار النوايا الطيبة من جانب الباب ~~العالي، أو أنها كانت وعودا مطمئنة فحسب، كما توهم الشيخ ~~الجبرتي، بل كان أخوف ما يخافه أن يقرن الباب العالي القول ~~بالعمل فيفسد عليه أمره. # وتزايدت مخاوف الباشا عندما وصل القاهرة في 22 يونيو ms0781 ~~سلحدار موسى باشا قائمقام الصدر الأعظم، «وعلى يده مرسوم ~~بالعربي وآخر بالتركي مضمونهما جواب رسالة، أرسلت إلى ~~سليمان باشا بعكا بخبر حادثة الإنجليز، وملخصها أنه ورد ~~علينا جواب من سليمان باشا يخبر فيه بوصول طائفة الإنجليز ~~إلى ثغر الإسكندرية ودخولهم إليها بمخامرة أهلها ثم زحفهم ~~إلى رشيد، وقد حاربهم أهل البلاد والعساكر، وقتلوا الكثير ~~منهم، وأسروا منهم كذلك، وتؤكد على محمد باشا (محمد علي) ~~والعلماء وأكابر مصر بالاستعداد والمحافظة وتحصين الثغور ~~مثل السويس والقصير ومحاربة الكفار وإخراجهم وإبعادهم عن ~~الثغر، وقد وجهنا لكل من سليمان باشا وجنج يوسف باشا ~~بتوجيه ما تريدون من العساكر للمساعدة»، على أنه سرعان ما ~~وصلت الأخبار بعد ذلك بثمانية أيام فقط (30 يونيو) من ~~ناحية الشام بأنه وقع بإسلامبول فتنة بين الينكجرية أو ~~اليكجرية وهم الانكشارية والنظام الجديد، وكانت الغلبة ~~للينكجرية، وأن هؤلاء قد عزلوا السلطان سليم وولوا ~~السلطان مصطفى الرابع، وأن هذا قد خطب له ببلاد الشام، ~~وكان القائمقام موسى باشا وشيخ الإسلام عطاء الله أفندي قد ~~حرضا الانكشارية المتذمرين من النظام الجديد على الفتنة ~~التي أسفرت عن عزل سليم الثالث في 29 مايو وتولية ابن عمه ~~مصطفى الرابع، وقد تحقق هذا الخبر على يد ططري، وصل ~~القاهرة في 2 يوليو وخطب ~~الخطباء للسلطان مصطفى على منابر مصر وبلاد مصر وبولاق، ~~وذلك يوم 3 يوليو، وجب على الباشا أن يبذل قصارى جهده ~~لإجلاء الإنجليز عن الإسكندرية، وحملهم على مغادرة البلاد ~~قبل أن تستقر الأحوال بالسلطنة، ويتجدد عزم الباب العالي ~~في العهد الجديد على إنفاذ سليمان باشا ويوسف جنج بجيوشهما ~~لنجدة مصر وإجلاء الإنجليز عنها. # فكان لكل هذه الأسباب إذن أن آثر محمد علي المفاوضة مع ~~الإنجليز، لعله يستطيع الاتفاق معهم سلما على إخلاء ~~الإسكندرية ومبارحة القطر دون حاجة إلى استئناف القتال ~~معهم بصورة قد يستطيل معها أمد الحرب التي كان لديه من ~~الأسباب ما يجعله يخشى عواقبها. # ولقد تضافرت عدة عوامل من ناحية أخرى، جعلت محمد علي ~~يتوقع نجاح مساعيه من أجل الاتفاق مع ms0782 الإنجليز على ~~مبارحتهم للإسكندرية سلما، إذا هو بدأ المفاوضة معهم ~~لتحقيق هذه الغاية، فضلا عن أن حسن المعاملة التي لقيها ~~أسراهم في القلعة قد خلقت جوا طيبا ساعد على إشاعة حسن ~~التفاهم بين الفريقين، فقد عرفنا كيف أن «فوجلسانج» قد كتب ~~من قلعة القاهرة إلى الجنرال «فريزر» منذ أول مايو يطنب في ~~وصفه ما يلقاه الجرحى من عناية بفضل اهتمام الباشا بأمرهم، ~~وهو الذي أتاح للقنصل الفرنسي «دروفتي» الفرصة لزيارتهم ~~والإشراف على معالجتهم وإمداد الأسرى بكل ما يحتاجونه ~~لتخفيف وطأة الأسر عليهم، كما حرص الباشا من جانبه على ~~تزويدهم بالفرش والأمتعة اللازمة، حتى إن «فريزر» لم يجد ~~مناصا من شكر «دروفتي» على ما أظهره من مروءة وشهامة، ~~وحبا زوجه السيدة «دروفتي» بكل رعاية وكانت هذه قد بقيت ~~بالإسكندرية ولم تلحق بزوجها عند خروجه منها إلى القاهرة، ~~وكتب «فريزر» إلى «دروفتي» في 7 مايو يشكره باسم حكومته ~~على عنايته بالأسرى الإنجليز، ويعد بدفع أية نفقات يكون ~~هذا الأخير قد تحملها بسبب هذه العناية، ويبدي استعداده ~~لإرسال أي مواطن فرنسي يرغب «دروفتي» في حضوره إلى ~~القاهرة، ولما كانت السيدة «دروفتي» قد طلبت الآن الانضمام ~~إلى زوجها فقد أذن لها «فريزر» بالبقاء في الإسكندرية أو ~~الذهاب إلى أي مكان تشاء، وأبلغ «دروفتي» أنه ينتظر ما ~~يأمر به في هذا الشأن أو في أي شأن آخر يهتم به. # وفي هذا الجو الطيب إذن استطاع الأسرى الإنجليز أن ~~يؤكدوا للباشا أن جيشهم لم يأت إلى مصر لفتحها، وإنما حضر ~~لمنع الفرنسيين من غزوها، وتأكد لدى محمد علي حسن نوايا ~~الإنجليز، وأنهم لم يستهدفوا من إرسال حملتهم إلى ~~الإسكندرية إخراجه من الولاية، بما أبداه هؤلاء من استعداد ~~طيب لإجابة رغبة الباشا في مسألة استبدال ابن أخي عمر بك ~~أو ابن أخي صالح قوش بأحد الأسرى الإنجليز في القاهرة، وقد ~~تقدم كيف أن «فريزر» قد رد «ماثيسون» لتعذر إجراء المبادلة ~~بسبب رحيل الأرنئودي طرف المبادلة الآخر ضمن من أبعدهم ~~«فريزر» إلى بلاد الروم قبل واقعة الحماد، فكان ms0783 لعودة ~~«ماثيسون» إلى القاهرة في 23 مايو أفضل الأثر لدى محمد علي ~~الذي خلى سبيله ولم يحبسه مع الأسرى، بل أطلق له الإذن ~~أيضا في الرجوع إلى الإسكندرية، أو إلى بلاده متى أحب ~~واختار، ولقد روج وكلاء الإنجليز وأصدقاؤهم بالقاهرة ما ~~صار يذيعه ويكتب فيه على حد قول «دروفتي» القواد الإنجليز ~~أنفسهم، من حيث انتفاء أي غرض لهم في فتح مصر وامتلاكها، ~~وراح الأسرى بدورهم يؤكدون للباشا أن بوسعه الاتفاق مع ~~الجنرال «فريزر»، ثم دأب بعض الأفراد الملتفين حوله والذين ~~نعتهم «دروفتي» في رسالته إلى «سباستياني» في 27 مايو بقلة ~~الذكاء - لأنه كان يسوءه وأمته في حرب مع الإنجليز أن يتم ~~الصلح بين هؤلاء الأخيرين وبين محمد علي - على الإيحاء ~~إليه بأن من صالحه عقد السلام معهم، فكان لذلك كله أن ~~اعتقد الباشا أن في وسعه الوصول إلى اتفاق مع الإنجليز ~~يسلم له هؤلاء بمقتضاه ثغر الإسكندرية. # وعلى ذلك، فقد قرر إرسال أحد تراجمته الموثوق بهم إلى ~~الإسكندرية مصحوبا بأحد الأسرى من ضباط الإنجليز لجس ~~النبض، وحتى يعرض على «فريزر» مقترحات معينة أثبتها دروفتي ~~في رسالته - سالفة الذكر - على نحو ما بلغته من محمد علي ~~نفسه - هي تسليم الإسكندرية لقاء تعويض عنها في صورة إرجاع ~~كل الأسرى الإنجليز، ورعاية الباشا رعاية ممتازة للمصالح ~~التجارية البريطانية في مصر، والتعهد بمنع أي جيش أوروبي ~~من الدخول إلى مملكته (كذا)، يأتي لغزو مصر، أو يطلب ~~المرور منها إلى الهند، وكان من الواضح أن صياغة هذه ~~المقترحات بالصورة التي أطلع عليها الباشا «دروفتي» لم يكن ~~الغرض منها سوى تجريد هذا الأخير من أي حق للاعتراض على ~~المفاوضة، وهو الحليف الذي أسدى خدمة جليلة لمحمد علي في ~~علاقاته مع البكوات المماليك خصوصا، عدا الخدمات الأخرى، ~~من حيث مشاركته في تحصين القاهرة، وإسداء النصح للباشا في ~~غير ذلك من المسائل المتصلة بالدفاع عن باشويته؛ وذلك لأن ~~التعهد بمنع أي جيش أوروبي يأتي إلى مصر لغزوها، أو لطلب ~~المرور منها إلى الهند، أو التعهد برعاية المصالح التجارية ms0784 ~~الإنجليزية، نظير جلاء الإنجليز عن الإسكندرية، وتسليمها ~~لمحمد علي ينطوي في جوهره على ضمان للإنجليز وللفرنسيين ~~معا - والأولون يعلنون أنهم لا غاية لهم في امتلاكها، ~~والأخيرون يؤكدون أنهم لا يريدون غزوها - بأن هذه البلاد ~~سوف تقف موقف الحياد التام في النضال القائم بين الفريقين، ~~فلا يستطيع أحدهما أن يأتي بجيوشه إليها، ويحيلها إلى موقع ~~يناوئ منه مصالح الفريق الآخر وعملياته العسكرية، كما ~~ينطبق ذلك أيضا على عدم السماح للفريقين باتخاذ هذه ~~البلاد طريقا لإرسال جيوشهما منه إلى الهند، ثم إن التعهد ~~برعاية المصالح التجارية الإنجليزية لا يفيد تعطيل المصالح ~~التجارية الفرنسية في مصر، لا سيما وأن فرنسا هي الدولة ~~التي ثبتت صداقتها لمحمد علي بفضل مؤازرة «دروفتي» له في ~~محنته. # وزيادة على ذلك ~~فقد راح محمد علي يفسر لهذا الأخير غرضه من محاولة الاتفاق ~~مع الإنجليز بما عرف أنه سوف يجعل من المتعذر على «دروفتي» ~~معارضته في اتخاذ هذه الخطوة، فكتب الأخير في نفس رسالته ~~التي بعث بها إلى «سباستياني» في 27 مايو أن الباشا قد ~~أطلعه على هذا المشروع، وأكد له أنه ما هو إلا وسيلة لطرد ~~الإنجليز من مصر، حتى إذا تم ما أراد تسنى له أن يعاملهم ~~المعاملة التي يريدها، ولم ير «دروفتي» بدا من قبول ~~هذا التفسير الذي كان - كما سوف يتضح بعد قليل - أبعد ما ~~يكون عن ذهن محمد علي وتفكيره، وقد علل «دروفتي» قبوله ~~لهذا التفسير من جهة، وعدم الاعتراض على مساعي الباشا من ~~أجل الاتفاق مع الإنجليز من جهة أخرى بقوله: إنه وجد من ~~المصلحة عدم معارضة هذه المساعي، حتى لا يثير في ذهن ~~الباشا شكوكا من ناحية نوايا دولته فرنسا. # وعلى ذلك، فقد اختار محمد علي الكابتن «ديلانسي»، حتى ~~يذهب بصحبة ترجمانه إلى الإسكندرية، وغادر هذان القاهرة في ~~13 مايو، ووصلا إلى الإسكندرية بعد ثلاثة أيام (16 مايو)، ~~وقدم الترجمان مقترحات الباشا التي اختلفت في جوهرها ~~اختلافا كليا عن تلك التي ذكرها لدروفتي، وتستبين حقيقة ~~هذه المقترحات مما ذكره «فريزر» و«مسيت» عنها ms0785 إلى ~~رؤسائهما، فكتب الأول إلى الجنرال «فوكس» من الإسكندرية في ~~18 مايو، أنه وصل من القاهرة والي الإسكندرية منذ يومين ~~الكابتن «ديلانسي» من آلاي الفرنسان «الدراجون» # Light Dragoons # العشرين - وأحد أسرانا سيئ الحظ - يصحبه ترجمان موثوق به ~~من قبل محمد علي باشا، يرفع علم الهدنة، والغرض الظاهر من ~~إنفاذه معالجة بعض الشئون المتعلقة بالأسرى - الذين ما ~~زالوا يلقون كل معاملة طيبة - ولكن الغرض الحقيقي من مجيئه ~~على ما أعتقد، إنما هو لجس النبض، حتى يقف مني على ~~الشروط التي أراها لعقد الصلح. # وقد أبلغني الترجمان رسالة من محمد علي يقول فيها إنه ~~فهم أننا ما جئنا لهذه البلاد بنية فتحها، وإنما ~~للاستيلاء على الإسكندرية فحسب، حتى نمنع الفرنسيين من أن ~~يسبقونا في الاستيلاء عليها، وحتى نعمل لمناصرة وتأييد تلك ~~الأحزاب أو الجماعات التي قد تكون رغبتها أكثر من غيرها في ~~إنشاء صلات ودية مستديمة مع بريطانيا العظمى، وأننا قد ~~أبدينا رغبتنا في أن تسود علاقاتنا مع المماليك على هذا ~~الأساس، ثم إنه (أي محمد علي) يرغب أن يبلغني أنه يريد أن ~~يكون وضعه معنا على نفس هذا الأساس بدلا من المماليك وفي ~~مكانهم، فهو أقوى بكثير من هؤلاء، وفي وسعه أن يساعدنا ~~بصورة أكثر أثرا وفعلا في منع الفرنسيين والأتراك من ~~دخول هذه البلاد - والفرنسيون والأتراك هم أعداؤه كما هم ~~أعداؤنا - ثم إنه تقدم في نفس الوقت بمطلب غير معقول وغير ~~مفهوم للدرجة القصوى هو أن نسلم إليه الإسكندرية، وأنه ~~يمنع على كل أعدائنا لقاء ذلك الدخول إلى هذه البلاد، ~~ولكنه يريد أن يقف إذا لم نشأ أن نفعل ذلك (أي تسليم ~~الإسكندرية) على الجميل، أو حسن الصنيع الذي قد نرغب أو ~~يكون في وسعنا إسداؤه إليه، وهو الذي قد بلغ من القوة ~~حدا - كما يقول - يمكنه من أخذ الإسكندرية منا عنوة إذا ~~شاء ذلك، وقد استطرد «فريزر» يقول: «ولقد كان جوابي على ~~ذلك كله أنه مما يسعدنا أن نعيش معه في ود وصداقة؛ حيث إنه ~~في رأيي لما يعود ms0786 علينا كلينا من نفع بفضل ذلك أن تسود ~~بيننا العلاقات الودية، وأن نتحد فيما بيننا لطرد أعدائنا ~~المشتركين إذا حاولوا مهاجمتنا، وأن هنالك برهانا ساطعا ~~على صدق العواطف الطيبة التي يظهرها الباشا نحونا في وسعه ~~أن يقدمه هو إطلاق سراح أسرانا فورا، وأنه يسعدني أن ~~أعوضه تعويضا معقولا نظير ذلك؛ لأني أعلم أنه في حاجة ~~ملحة ومؤلمة إلى المال، ولكنه لا يقبل مالا يدفع له ~~كفدية لهؤلاء الأسرى، ولو أنه من المفروض قبوله له تحت اسم ~~آخر، وأم فيما يتعلق بالتخلي عن الإسكندرية، فإن هذه مسألة ~~ليست موضع بحث، وأنه إذا نحيت مسألة التخلي عنها جانبا، ~~في وسعه إذا تمعن في الأمر قليلا أن يرى أنه من الأفضل ~~كثيرا لصالحه هو نفسه، إذا استمر امتلاكنا لها بسبب ~~المؤازرة التي يمكننا بفضل ذلك إعطاؤها له برا وبحرا ~~إذا وقع غزو على البلاد، بدلا من امتلاكه هو نفسه لها، ~~على أنه سوف يسرني أن أسمع منه نوع الجميل أو حسن الصنيع ~~الذي ينتظره منا، ثم إني أعدت تأكيداتي السابقة من حيث ~~رغبتنا في أن تسود بيننا علاقات الود والصداقة، ولقد ذكر ~~لي الترجمان ردا على جوابي هذا أن هذه التأكيدات عن ~~رغبتنا في إنشاء العلاقات الودية معه هي كل ما ينتظره ~~الباشا في هذا الاجتماع الأول، وأننا سوف نسمع منه مرة ~~ثانية. # وكان تعليق «فريزر» على هذه المفاوضة أنها سوف تكسبه ~~وقتا آخر لإنجاز استعداداته للتحصن بالإسكندرية والدفاع ~~عنها، وأنه قد يكون الغرض من مقترحات الباشا خديعة ~~الإنجليز، حتى يقللوا من نشاطهم، ويخف حذرهم منه، كما أنها ~~قد أثارت بعض الشكوك لدى أتباع الباشا الذين رأوا في هذه ~~المفاوضة تدبيرا سريا تحاك خيوطه بين «فريزر» ومحمد ~~علي، وأما «ديلانسي» والترجمان فقد غادرا الإسكندرية يوم ~~18 مايو في طريقهما إلى القاهرة، واختتم «فريزر» رسالته ~~بقوله: إن الترجمان قد وعد بأنه سوف يعود ثانية إلى ~~الإسكندرية سريعا، ورأى «فريزر» من المناسب أن يهديه هدية ~~طيبة.» # وفي اليوم التالي (19 مايو) عاد «فريزر»، فكتب إلى ms0787 ~~الوزير «وندهام»، يذكر له ضمن مسائل أخرى خبر هذه ~~المفاوضة، فقال: إن «ديلانسي» وترجمان الباشا قد وصلا إلى ~~الإسكندرية من بضعة أيام قليلة مضت، وإن الأخير قد جاءه ~~بكتاب تحية من محمد علي، وقائمة بأسماء الأسرى في القاهرة، ~~ثم استمر يقول: ولقد كان إحضار هذه القائمة السبب الظاهر ~~لمجيئه، ولكن غرضه الحقيقي - على ما يبدو - هو محاولة ~~معرفة نوايانا بشأن هذه البلاد، ويبدو أنه أراد أن يجعل ~~معروفا لدينا ما يرغب فيه سيده من حيث إنشاء العلاقات ~~الودية معنا، ولقد أجبته باحترام، وإنما في عبارات عامة ~~أنه يسعدني أن تقوم علاقتي معه على أساس ودي، وأنه حينما ~~يوضح عواطفه نحونا بصورة أكثر تحديدا، أقوم من ناحيتي ~~وبطيب خاطر بتوضيح كل ما قد يرغب في معرفته بشأن ذلك، وكان ~~من رأي «فريزر» أنه سوف يسمع قريبا من الباشا مرة ~~أخرى. # وأما «مسيت» الذي خشي أن تنجح مساعي محمد علي في استمالة ~~الإنجليز إلى الصلح والمحالفة معه، ثم إخلاء هؤلاء ~~للإسكندرية وجلائهم عن البلاد نتيجة للصداقة الجديدة التي ~~يسعى الباشا لعقد أواصرها معهم، فقد راح يفسر للورد ~~«كاسلريه» في رسالته إليه بتاريخ 18 مايو البواعث التي ~~دعت في نظره إلى مسعى محمد علي لكسب صداقة الإنجليز، ~~وهي بواعث - إذا صح تفسير «مسيت» - لها بالصورة التي تعمد ~~في رسالته إبرازها من شأنها، كما اعتقد «مسيت» أن تصرف ~~حكومته عن التفكير في استبدال صداقة محمد علي بصداقة ~~حلفائها القدامى البكوات المماليك، ولما كان يخشى من تأثر ~~ما قد تتخذه حكومته من قرار فاصل في شأن حملة «فريزر» ~~نفسها، بما صادفته هذه الحملة من هزائم على أيدي الأرنئود، ~~فقد عزا الفشل الذي حدث إلى أخطاء عسكرية فنية في قدرة ~~المسئولين عن عمليات الحملة تلافيها، ولا يجب في واقع ~~الأمر أن تكون مبعث تشاؤم وتوقع تكرار الهزيمة، لا سيما ~~وأن هناك من الوسائل ما يكفل الاحتفاظ بالإسكندرية، ودفع ~~أي هجوم يقع عليها، وبخاصة بعد إرسال النجدات إليها، ~~وتزويد أهلها وحاميتها بالمؤن والأغذية، واستند «مسيت» في ~~رأيه ms0788 الذي ذهب إليه من حيث ضرورة الاستمرار على مصادقة ~~البكوات والمماليك، على أن هؤلاء لم يعقدوا صلحا مع محمد ~~علي، وأنهم لا يزالون بالرغم من انقطاع رسائلهم إليه مدة ~~من الزمن على عهدهم معه، وكان في رسالته هذه أن نقل «مسيت» ~~إلى «وندهام» خبر المفاوضة التي جرت بين ترجمان الباشا ~~وبين الجنرال «فريزر». # وعلى ذلك، فقد استهل «مسيت» خطابه هذا إلى «وندهام» ~~بقوله إنه يتشرف بإبلاغه أن باشا مصر قد أرسل ترجمانه ~~الخاص إلى هذا المكان مزودا بتعليمات تقتضيه أن يكتشف ~~نوايا الحكومة البريطانية الحقيقية بالنسبة لهذه البلاد؛ ~~إذ يبدو أن محمد علي باشا قد اطلع على رسالة من الجنرال ~~«فريزر» إلى البكوات، أكد فيها قائد الحملة الأعلى لهؤلاء ~~أنه بعيد كل البعد عن التفكير في فتح مصر، حيث تطلب منه ~~تعليمات حكومة جلالة الملك احتلال الإسكندرية فحسب؛ كي ~~يحول دون سقوطها في قبضة الفرنسيين، وأن يؤازر ويضفي ~~حمايته على تلك الأحزاب أو الجماعات التي قد ترغب في إنشاء ~~صلات ودية مستديمة مع بريطانيا العظمى، وكان بسبب هذا أن ~~عمد باشا مصر - وهو الذي يهدف من أمد بعيد إلى الاستقلال ~~على نحو ما ذكرت ذلك مرارا في تقاريري إلى وزراء جلالة ~~الملك - إلى إصدار تعليماته إلى ترجمانه بأن يبذل قصارى ~~جهده ليحمل الجنرال «فريزر» على عقد تلك المحالفة التي ~~عرضها هذا على المماليك معه هو نفسه، ولما كان الجنرال يرى ~~من الحكمة كسب الوقت، فقد أعلن للترجمان أنه إذا كان سيده ~~محمد علي يطلق سراح الأسرى الإنجليز، ويتعهد بعدم وقف أو ~~منع الإمدادات التي تأتيه من الأغذية وما إليها، ويسمح في ~~الوقت نفسه بفتح المواصلات وإبقائها حرة للتبادل التجاري ~~بين الإسكندرية ورشيد والقاهرة، فإنه؛ أي «فريزر» من ~~ناحيته سوف لا يتدخل في أمر حكومة البلاد الداخلية فحسب، ~~بل وسوف يسدي إلى الباشا أية خدمة في مقدوره إسداؤها إليه ~~نظير أن يقوم الباشا من جانبه بإطلاق سراح الأسرى، وأما ~~نوع هذه الخدمة، فلو أنه لم يذكر صراحة، فالمفهوم أنه مبلغ ~~من ms0789 المال الذي يفتقر إليه الباشا بدرجة بلغت ذروتها ~~القصوى. # وليس من شك في أن عقد معاهدة صداقة مع محمد علي قد تأتي ~~ببعض الفائدة الوقتية، مع ذلك إتاحة الفرصة لنا لتحصين هذا ~~المكان (الإسكندرية) بصورة تدفع عنه العدو مهما عظمت ~~جهوده، وعامل الوقت يتكفل من ناحية بإضعاف ثقة الأرنئود في ~~أنفسهم، وهي الثقة التي سببتها أخطاؤنا نحن، وبتقوية روح ~~جنودنا المعنوية من ناحية أخرى، وهم الذين أضعفت النكبات ~~الأخيرة عزائمهم، ولكن لا ترجى فائدة ينتفع بها بصورة ~~ثابتة من محالفة تعقد مع طراز من الرجال المرتزقة والذين ~~لا يوثق فيهم، كهؤلاء الأرنئود، وسوف ينتهز عندئذ ~~المماليك الذين يصبحون في هذه الحالة أعداء لنا كل فرصة ~~لتحريضهم على الثورة والعصيان، أو على الأقل على الهرب من ~~الصفوف، ثم إن الوكلاء الفرنسيين سوف يقبلون بكل غيرة وهمة ~~على مساعدة المماليك في ذلك، ومع أنه ليس هناك ما يجعلنا ~~نخشى على سلامة الإسكندرية، فقد تضطرب مواصلاتنا مع سائر ~~جهات البلاد اضطرابا عظيما، فصلا عن أن الأهلين سوف ~~يفزعهم ويرعبهم قيام محالفة من شأنها تقوية أولئك الذين ~~استبدوا بهم وأرهقوهم بمظالمهم. # لقد سمح للكابتن «ديلانسي» من آلاي الفرسان الدراجون ~~العشرين، وأحد الضباط الذين أسروا في واقعة الحماد بأن ~~يصحب ترجمان الباشا، وقد وقفت منه على بضع حقائق أرى من ~~واجبي أن أبلغكم إياها. # فالجند الذين هاجموا قسم الجيش الذي كان بالحماد تحت ~~قيادة الكولونيل «ماكليود» لم يزد عددهم على الألفين، ~~وعندما تعجبت من أن ثمانمائة جندي بريطاني يبيحون لمثل هذه ~~القوة أن تلحق الهزيمة بهم، أجاب الكابتن «ديلانسي» بأن ~~الضباط والجنود جميعا كان قد بلغ توقعهم الفشل درجة لا ~~مفر معها من حدوث مثل هذه الكارثة لو أن عدد العدو كان ~~ألفا فقط، ولكنه مما تجب ملاحظته أن جنودنا كانوا مقسمين ~~إلى ثلاث أو أربع فصائل صغيرة، الأمر الذي جنى منه العدو ~~فوائد عظيمة. وعدا ذلك فإنه يستبين من تقرير الكابتن ~~«ديلانسي» أن عملية التقهقر من الحماد لم تنفذ ~~بحكمة. # وإنها لحقيقة مؤسية ومحزنة ms0790 أن الفشل الذي أصاب جنودنا في ~~هجومهم الأول على رشيد ومشاهدة عصابات الأرنئود المتوحشة، ~~تقطع رءوس الجرحى، قد أحدثا أثرا عميقا في النفوس، حتى ~~إن اليأس والقنوط شملا الجيش بأسره، فبولغ في تقدير قوة ~~العدو وبسالته، وصرنا نسلم دون خجل أو حياء بأننا عاجزون ~~عن الدفاع عن الإسكندرية، وذهب كثير من الضباط الممتازين ~~لأيام قليلة خلت إلى أن الجلاء السريع هو الوسيلة الوحيدة ~~التي يمكن بها إنقاذ الجيش من التحطيم والفناء، ولقد شرفني ~~الجنرال «فريزر» باستشارتي في مناسبة وحكمة اتخاذ مثل هذا ~~الإجراء، فأبديت معارضتي له بأقصى شدة ممكنة، الأمر الذي ~~أرجو أن تنال موافقة جلالة الملك، وقوات باشا مصر لا تزيد ~~على سبعة آلاف رجل يحتفظ بألفين منها في القاهرة، وفي ~~وسعنا بمساعدة الأسطول أن نحول دائما دون اقتراب العدو ~~منا من ناحية جانب المدينة الشرقي، وسوف يكفي - في رأيي - ~~لردعه ومنعه من مهاجمتنا من ناحية الجانب الغربي، معرفته ~~(أي العدو) لكل تلك الصعوبات التي سوف يصادفها عند عبوره ~~الصحراء بمدافعه الثقيلة وذخائره ومؤنه، وحتى إذا سلمنا ~~بأن في قدرته تذليل كل هذه العقبات، فماذا يمكن أن يخشاه ~~جيش بريطاني من حوالي الأربعة آلاف مقاتل من جند من ~~الأتراك يبلغون الخمسة آلاف؟ # ومما يدعو للأسف كثيرا أن تكون نسبة الأجانب في الجيش ~~كبيرة، لا سيما وأن آلايا من الآلايات التي تضم إليها ~~أجانب يتألف برمته من مجنديهم، وإذا حدث أن تعرضت هذه ~~المدينة (الإسكندرية) لهجوم العدو عليها، فإن الجنرال ~~«فريزر» الذي لا يزال يرقب السكان بعين ساهرة ولا يطمئن ~~إليهم، ولا يثق في الجنود الأجانب الذين هم تحت قيادته، لا ~~يريد المخاطرة بالخروج من المدينة لقتال العدو، ولو أن ~~الاشتباك في معركة مع العدو خير فرصة لاسترجاع تفوق جيشنا ~~على جيش العدو؛ حيث أنه لا مجال لأي شك في أننا سوف ننتصر ~~عليه انتصارا تاما، نتمكن بفضله من استعادة النفوذ الذي ~~فقدناه. # ولقد أغريت بطريق الهدايا العربان البدو ليس على إمداد ~~المدينة بالمؤن فحسب، بل وإظهار أنفسهم كذلك في ms0791 حشود كبيرة ~~في إقليم البحيرة المجاور لنا بدرجة جعلت الأتراك حتى هذه ~~اللحظة لا يعتبرون من الحكمة القيام بجهد نشيط لوقف ~~ومصادرة الإمدادات التي تأتينا، ولقد ترتب على المثابرة في ~~تزويد هذه المدينة بكل ما تحتاج إليه من ضرورات الحياة أن ~~صارت كل مجهودات العدو لقطع مواصلاتنا مع داخل البلاد لا ~~جدوى منها، ولا يمكن أن ينجم عنها أي انزعاج لنا؛ حيث إنه ~~صار لدينا من المؤن الآن ما يكفينا لمدة ستة شهور. # ولم أسمع من البكوات منذ بعض الوقت، ولكنني أعرف أن ~~إبراهيم بك وجماعته لا يزالون بالقرب من المنيا، وأن شاهين ~~بك الألفي في مكان غير بعيد من بني سويف، ويدعي الباشا ~~وأنصاره أن معاهدة صلح وسلام قد أبرمت بين الباشا ~~والمماليك، ولكنه يبدو أن لا أساس إطلاقا لهذا الزعم، فلو ~~أن معاهدة قد عقدت فعلا بين الفريقين، لكان خبرها قد أذيع ~~وعرفه الناس قاطبة، ولأقيمت المهرجانات احتفالا بهذه ~~المناسبة، ولأجيز الاتصال والتعامل بحرية بين القاهرة ~~والصعيد، وذلك كله ما أعرف يقينا أنه لم يحدث. # وقد بعث «مسيت» طي رسالته هذه إلى «كاسلريه» بصورة من ~~كتابيه السابقين إلى «فريزر» بتاريخ 8 مايو، وإلى «أيري» ~~بتاريخ 11 مايو، وفي الأول يذكر حضور النجدات إلى محمد علي ~~من الشام وقبرص ونزولها بدمياط، ويطلب وضع سفينة مسلحة عند ~~هذا الميناء الأخير لمنع نزول هذه النجدات بها، وقد سبقت ~~الإشارة إلى هذا الكتاب، وفي الثاني ينقد «مسيت» تصرف ~~القيادة في نقل بعض المؤن كالتمر والشعير والعتاد من مختلف ~~الأنواع إلى السفن في ميناء الإسكندرية، ثم جواب أحد كبار ~~الضباط على مستفسر من الإسكندريين عن سبب هذا بضرورة اتخاذ ~~هذا الإجراء استعدادا للطوارئ، مما سبب ذعر الأهلين، وكان ~~بيت القصيد من إرسال صورة هذا الكتاب إلى «كاسلريه» ما ~~سطره «مسيت» في ختام كتابه هذا، وهو أن تقرير أن الجيش ~~على وشك الإبحار من الإسكندرية، سوف يشجع - دون شك - ~~أعداءنا، ويوهن من عزائم أصدقائنا، إذا تبقى لنا أصدقاء ~~فعلا؛ ولذلك يجب - في رأيي - فعل ms0792 شيء لإزالة أية فكرة عن ~~أن في عزمنا إخلاء الإسكندرية. # تلك إذن كانت محاولة «مسيت» لإحباط مفاوضات محمد علي، ~~ولإقناع حكومته بضرورة عدم إخلاء الإسكندرية، والمضي في ~~سياستها التقليدية من حيث مناصرة البكوات المماليك، وعدم ~~استبدال المحالفة مع محمد علي بالمحالفة معهم. # على أن الذي يسترعي النظر من كل هذه التفصيلات التي جاءت ~~في رسائل «فريزر» و«مسيت» إلى كل من الجنرال «فوكس» ~~والوزيرين «وندهام» و«كاسلريه» بشأن مفاوضات جس النبض ~~الأخيرة بين «فريزر» وترجمان الباشا - الذي صحبه ~~«ديلانسي»، ولو أن هذا الأخير اقتصرت مهمته - كما يبدو - ~~على الإفاضة في وصف حسن المعاملة التي يلقاها الأسرى ~~الإنجليز على يد محمد علي والإشادة بما يظهره الباشا من ~~عواطف طيبة نحو الإنجليز، ورغبة صادقة في الاتفاق معهم إلى ~~جانب التصديق على صحة القائمة التي أرسلها محمد علي بأسماء ~~الأسرى الإنجليز في القاهرة، نقول: إن الذي يسترعي النظر ~~من هذه التفصيلات رغبة محمد علي في عقد محالفة مع الإنجليز ~~ضد أعدائه وأعدائهم المشتركين إلى جانب جلاء الإنجليز عن ~~الإسكندرية ودخول هذه في حوزته، ويكشف هذان المطلبان على ~~مدى ما بلغه تطور تفكير محمد علي من الناحية السياسية في ~~هذه المرحلة، ووضع الأسس التي استند عليها برنامج نشاطه ~~السياسي وقتئذ، من حيث العمل لضمان استقراره في الحكم ~~والولاية وإزالة أخطر العقبات التي تعترض هذا الاستقرار، ~~والتي كان مبعثها عدم الاطمئنان إلى موقف الباب العالي منه ~~ومناصبة البكوات المماليك العداء له، ولقد كان عزم الباب ~~العالي على إرسال سليمان باشا خصوصا ويوسف جنج لنجدته آخر ~~دليل في نظر محمد علي على أن الباب العالي بالرغم من ~~الكوارث التي نزلت بالدولة في الداخل والخارج معا: فتنة ~~الانكشارية وعزل السلاطين وتوليتهم، وثورة الوهابيين في ~~بلاد العرب، واضطراب الأحوال في سائر ولايات الدولة، ~~واشتباك السلطنة في حربها مع الروس والإنجليز، ونزول ~~الأخيرين في الإسكندرية واستيلاؤهم عليها، لا ينفك يحيك ~~الدسائس له، ولا يتردد في أول فرصة مناسبة عن نقله أو عزله ~~أو الغدر به. # وأما البكوات المماليك فقد اتضح مبلغ ms0793 عنادهم، ورسوخ ~~كراهيتهم له في قلوبهم منذ أن فشلت كل مساعيه للصلح ~~والاتفاق معهم، حتى إنهم لم يرضوا بالوقوف موقف الحياد في ~~النضال بينه وبين الإنجليز إلا استجابة لنداءات «دروفتي» ~~في ظاهر الأمر على الأقل، حيث كان انقسامهم بسبب تحاسدهم ~~وتنافسهم على الرياسة وتشاحنهم، مبعث تخاذلهم والعلة ~~الحقيقية في عدم انضمامهم إلى الإنجليز، والتعاون معهم في ~~عملياتهم العسكرية، وكان من أسباب عنادهم وإصرارهم على طرد ~~محمد علي والأرنئود من القاهرة، ومن البلاد بأسرها حتى ~~تدين لهم السلطة في هذه الولاية على غرار ما كان لهم فعلا ~~قبل أن ينتزع الفرنسيون منهم هذه السلطة إبان احتلالهم ~~للبلاد، استناد فريق منهم على مؤازرة الفرنسيين أنفسهم، ~~واستناد فريق آخر على مؤازرة الإنجليز. # ولقد جمعت المصلحة المشتركة بين الممثل الفرنسي في مصر ~~وبين محمد علي، فاطمأن الأخير من ناحية فرنسا، وعرف كيف ~~يفيد من ظروف الصراع الدائر بين إنجلترة وفرنسا لاستخدام ~~«دروفتي» في تضليل البكوات وشل حركتهم، ولكن جماعة البكوات ~~من بيت الألفي أصدقاء الإنجليز وحلفائهم، كانوا مصدر متاعب ~~أشق وأقسى بسبب خصومة الألفي الكبير وخصومة «مسيت» له، ثم ~~استفحل الخطر منهم، حينما احتل الإنجليز الإسكندرية، وطفق ~~«مسيت» و«فريزر» يتراسلان مع جماعة المماليك التي عرفت حتى ~~هذا الوقت بميولها الفرنسية، ولم يكن هناك معدى إذن عن ~~تجريد البكوات من هذه القوة التي يعتمدون عليها - قوة ~~الصداقة والمحالفة مع الإنجليز - إذا شاء الباشا الاستقرار ~~في حكومته وولايته، ولقد كانت مسألة المماليك من المسائل ~~التي احتلت مكان الصدارة في تفكير محمد علي - كما أوضحنا ~~مرارا - زد على ذلك أن الانهزامات الأخيرة التي لحقت ~~بالإنجليز لم تخدع الباشا لدرجة الاستهانة بأمر هؤلاء، فهو ~~قد عرف عنهم أنهم هم الذين ساهموا بأكثر نصيب في إخراج ~~الفرنسيين من مصر، وفي وسعهم إذا جد الجد أن يبعثوا بنجدات ~~قوية إلى الإسكندرية، ولن يحول حائل دون وصول هذه النجدات؛ ~~لأن لهم السيطرة في البحر الأبيض، وفي استطاعتهم أن يضربوا ~~حصارا على مصر لا يقل صرامة عن حصارهم لها أيام حملة ~~بونابرت، ms0794 ثم إن نابليون العظيم صاحب الانتصارات الباهرة في ~~القارة الأوروبية قد عجز عن هزيمتهم، وتعذر عليه غزوهم في ~~عقر دارهم، وفشل في انتزاع السيطرة البحرية منهم، ~~والإنجليز فوق هذا أعداء الباب العالي اليوم، وإذا كان ~~نابليون قد عجز عن دحرهم، فكيف يتسنى للباب العالي أن ~~يهزمهم، وإن محالفة يعقدها الباشا معهم قمينة بدفع أي ~~اعتداء قد يقع عليه، إما مباشرة أو بطريق غير مباشرة من ~~جانب الباب العالي، غير أن استقرار الحكم يستلزم حتما بسط ~~سلطانه على باشويته بأسرها، ولا محيص لذلك عن دخول ~~الإسكندرية أهم ثغور القطر في حوزته، ولا بد لذلك من إجلاء ~~الإنجليز عنها، ولما كان هؤلاء قد أكدوا مرارا وتكرارا ~~أنهم لم يجيئوا إلى هذه البلاد لغزوها واحتلالها، وإنما ~~غرضهم من الاستيلاء على الإسكندرية هو منع نزول الفرنسيين ~~بها لعدم تهديد سيطرتهم في البحر الأبيض، أو تعطيل مصالحهم ~~التجارية في الليفانت أو إحياء خطر النزول على ممتلكاتهم ~~في الهند من جديد، ففي وسع الباشا أن يتعهد لهم بمنع نزول ~~الفرنسيين في هذه البلاد، أو مرورهم منها إلى الهند، وفي ~~وسعه كذلك أن يتعهد لهم بحماية مصالحهم التجارية في مصر بل ~~وتعزيزها، ثم إنه إذا كان «دروفتي» قد أقبل على مؤازرة ~~الباشا بكل ما وسعه من جهد وحيلة، فقد ندر أن بعثت إليه ~~حكومته بتعليماتها، واتخذ الوكلاء الإنجليز من ذلك سببا ~~لإذاعة أن «دروفتي» لا يلقى تأييدا من حكومته لسياسته، ~~وعلاوة على ذلك فقد أذاع هؤلاء الوكلاء دائما أن ~~الفرنسيين يريدون احتلال مصر، ثم أكد أسرى الإنجليز في ~~القلعة أن لا غرض لحملتهم سوى منع الغزو الفرنسي وهذا ~~الاحتلال، وراح «فريزر» بدوره يؤكد ذلك في كل مناسبة وفي ~~كل اتصالاته مع البكوات المماليك خصوصا؛ ولذلك فإن من ~~الخير أن تنص محالفته مع الإنجليز ضمن أهدافها على رد ~~الفرنسيين عن هذه البلاد، بل ويقتضيه الحذر أن يطلب هو ~~ذلك. # وثمة حقيقة أخرى، وهي أن هذه الأخطار ذاتها، سواء كان ~~مبعثها غزو الإنجليز للإسكندرية أو الخوف من غزو آخر ms0795 قد ~~يأتي البلاد من جانب فرنسا، أو عناد البكوات المماليك ~~وإصرارهم على طرده من الحكم والولاية، أو عدم الاطمئنان ~~إلى نوايا الباب العالي نحوه، والخوف من تدابيره ودسائسه ~~لانتزاع باشوية القاهرة منه، قد جعلت الباشا يمعن الفكر في ~~خير الوسائل التي تدفع عنه الأذى، وتكفل له الاستقرار في ~~حكومته، وكان خيرها في نظره أن يظفر لباشويته بوضع مشابه ~~لباشويات وجاقات الغرب الثلاث؛ طرابلس وتونس والجزائر في ~~علاقاتها مع الباب العالي (أي تأسيس الحكم الوراثي في ~~مصر)، وهو وضع لا يمكن الظفر به إلا إذا أوجد له حلفاء ~~أقوياء، يناصرونه في مسعاه لدى صاحب السلطان الشرعي عليه، ~~أو يبادرون بالاعتراف به، فلا يجد الباب العالي مناصا من ~~التسليم بالأمر الواقع، ومع أن محمد علي لم يكشف عن نواياه ~~هذه في مرحلة المفاوضات الأولى، وهي مرحلة لجس النبض فحسب، ~~فقد كان هذا المشروع - دون شك أو ريب - مختمرا في ذهنه، ~~ولم يلبث أن كشف عنه في مراحل المفاوضات التالية، ثم إنه ~~طفق يسعى جديا لدى الباب العالي لتحقيقه بعد ذلك. # فلا موضع للدهشة أو الغرابة إذن لكل هذه الاعتبارات التي ~~ذكرناها إذا عرض الباشا على الإنجليز الآن صلحا، يستبدل ~~بمحالفتهم مع المماليك المحالفة معه هو، ويقوم على اعتبار ~~الأتراك والفرنسيين أعداء مشتركين له ولهم، يحقق للإنجليز ~~المزايا التي ذكرها ترجمانه للجنرال «فريزر»، ويحقق للباشا ~~- كثمرة عاجلة لهذه المحالفة استيلاءه على الإسكندرية، وهي ~~التي ظلت حتى هذا الحين خاضعة لإشراف القسطنطينية رأسا، ~~ويأتيه بالثمرات الأخرى التي انتظرها منه، ولم يظهر محمد ~~علي في مفاوضته هذه بمظهر المتهافت على مصلحة الإنجليز، أو ~~الرجل الضعيف الذي يخشى أذاهم وشرهم، فهو ما فتئ يكمل ~~استعداداته دبلوماسيا بشل حركة حلفائهم المماليك ~~وعسكريا بجمع الجند واستقدام النجدات وحشد الجيوش، ويعلن ~~إليهم أن بوسعه إذا شاء ومتى شاء أن يأخذ الإسكندرية منهم ~~عنوة، وللإنجليز أن يختاروا بين استئناف القتال أو إبرام ~~الصلح معه، وأما إذا كانوا لا يؤثرون التحالف معه على ~~محالفتهم مع المماليك، ولا يريدون تسليم الإسكندرية، ولا ms0796 ~~يبغون أن ينشئوا معه علاقات محبة وصداقة، فما الذي يفيده ~~محمد علي من ترك الإسكندرية في أيدهم، وأي خدمة تلك أو ~~جميل وصنيع في وسعهم أن يقدموهما له، يمكن أن تعوض عليه ~~خسارة الإسكندرية، وبقاء هذه في قبضة جيوش أجنبية لدولة هي ~~في حرب مع الباب العالي ومعه، لا ينفك ممثلوها ووكلاؤها عن ~~تحريض البكوات المماليك وهم خصومه الألداء على قتاله ~~لإخراجه من باشويته. # غير أن هذا الأسلوب الذي اتبعه الباشا في إشعار «فريزر» ~~بنواياه كان من الدقة بحيث فات «فريزر» إدراك غايات محمد ~~علي وأهدافه، فعد مقترحاته - كما رأينا - غير معقولة وغير ~~مفهومة، وراح يوضح لترجمان الباشا المزايا التي تعود عليه ~~من بقاء الإسكندرية في حوزة الإنجليز أنفسهم واستمرار ~~هؤلاء في احتلالها، وخيل إليه أن مقصد الباشا من سؤاله عن ~~الجميل أو حسن الصنيع الذي في وسع الإنجليز أن يقدموه له، ~~أنه يبغي تعويضا ماليا عن الأسرى الإنجليز الذين يطلق ~~سراحهم، ولم يدرك غرض الباشا من مقترحاته هذه سوى «مسيت» ~~الذي جعلته خصومته لمحمد علي وتشككه لذلك في كل ما يصدر ~~عنه حاد الذهن في هذه الناحية خصوصا، ومتيقظا لسبر غور ~~الرجل الذي بذل - دون جدوى - كل ما وسعه من جهد وحيلة ~~لطرده من الولاية؛ ولذلك فقد انبرى «مسيت» يحطم مشروع ~~المحالفة المقترحة، وهو لا يزال في مهده، وساق كل ما اهتدى ~~إليه فكره من حجج ودعاوى لإقناع وزير خارجيته بعبث التحالف ~~مع محمد علي، وتضحية المماليك أصدقاء الإنجليز ~~القدماء. # ومهما يكن من أمر، فقد عاد ترجمان الباشا إلى القاهرة ~~وبصحبته الكابتن «ديلانسي»، فبلغاها في 21 مايو، ومع أن ~~«فريزر» رفض في جوابه إخلاء الإسكندرية، فقد تحدث - كما ~~عرفنا - عن رغبته في إنشاء علاقات الود والصداقة مع محمد ~~علي، وطلب من الأخير دليلا على حسن نواياه، وما يكنه من ~~عواطف طيبة نحو الإنجليز أن يبادر بإطلاق سراح أسراهم - لا ~~بد أن يتوقع محمد علي نظير ذلك الحصول على مبلغ معقول من ~~المال - ولم يغلق القائد الإنجليزي باب المفاوضة معه، ms0797 بل ~~سأله أن يوضح أغراضه ونواياه ويحدد مطالبه، فحققت هذه ~~المفاوضة الغرض المباشر منها، وهو جس نبض الإنجليز، وعرف ~~الباشا أن الإنجليز لن يتخلوا عن الإسكندرية إلا إذا ~~أرغموا على ذلك إرغاما، وأن الأمل في إمكان الاتفاق ~~والتفاهم معهم لا يزال باقيا، ومن الممكن كسب صداقة ~~الإنجليز - على الأقل - إذا تعذر عقد محالفة صريحة معهم ~~متى اتضح لهم أن لا مفر من ضياع الإسكندرية من قبضتهم، ~~وأن أصدقاءهم المماليك لن يحضروا لنجدتهم، وأن سلطان ~~الباشا في القاهرة يستند على حكومة قوية الدعائم. # وقد بادر «دروفتي» بالكتابة إلى «سباستياني» في 27 مايو، ~~يبلغه ما استطاع الوقوف عليه من نتائج هذه المفاوضة، فقال: ~~إن «فريزر» قد وجد من المناسب الدخول في المفاوضة مع محمد ~~علي، واقترح أن تأتيه تعليمات حكومته بصدد المقترحات التي ~~قدمها إليها ترجمان الباشا - وهي المقترحات التي أبلغ ~~محمد علي نفسه فحواها إلى «دروفتي» ولم يشر فيها الباشا من ~~قريب أو بعيد إلى المحالفة التي عرضها على «فريزر» - أن ~~تقف الأعمال العدوانية بين الفريقين، وأن تطلق حرية ~~المعاملات التجارية بين الإسكندرية وبين القاهرة وغيرها من ~~مدن القطر، ثم أكد القائد الإنجليزي عدم استطاعته التخلي ~~عن الإسكندرية، وذكر سانت مارسيل بعد أيام قلائل أول يوليو ~~أن الإنجليز يريدون تأسيس محطات تجارية بين الإسكندرية ~~والقاهرة، ولكن الباشا يعرف النتائج التي تترتب على إنشاء ~~هذا الخط من المواصلات الذي من شأنه أن يمهد لحدوث أنواع ~~من الإغراءات والمناورات ذات العواقب السيئة. # ولم يصل «فريزر» في الأيام التالية أي جواب من محمد علي ~~بالرغم من تأكيد ترجمان الباشا له عند مبارحته الإسكندرية ~~أنه سوف يسمع قريبا جدا من سيده، فقال «فريزر» في ~~كتابيه إلى «وندهام» وإلى «فوكس» أنه لم يبلغه أي خبر من ~~محمد علي في القاهرة منذ رسائله الأخيرة إليهما، وفي 16 ~~يونيو بعث إلى «وندهام» يقول إنه منذ رسالته بتاريخ 30 ~~مايو لم يبلغه شيء من محمد علي سواء فيما يتعلق بمسألة ~~الأسرى، أو بالمقترحات التي عرضها علينا بطريق ترجمانه عن ms0798 ~~رغبته في إنشاء الصلات الودية معنا، وقد تقدم كيف أن ~~«فريزر» عزا هذا السكوت من جانب محمد علي إلى انشغال هذا ~~الأخير بمسألة ياسين بك الأرنئودي الذي قال عنه «فريزر»: ~~إنه تارة ينحاز إلى المماليك، وتارة أخرى إلى محمد علي، ~~وقد ذكر «فريزر» في رسالته هذه أن قتالا قد نشب من مدة ~~قريبة بين جند الباشا وبين جند ياسين، انتصر فيه هؤلاء ~~الأخيرون، والحقيقة أن الباشا الذي أدرك عدم جدوى استئناف ~~المفاوضة قبل أن يقوى مركزه بالدرجة التي تقنع الإنجليز ~~بأنه من الخير لهم الاتفاق والصلح معه، وكان قد صرف كل ~~جهده في الشهور القليلة التالية لإنجاز استعداداته ~~العسكرية، وإخماد حركة العصيان التي قام بها ياسين بك، ~~ومحاولة حمل البكوات المماليك على التزام خطة الحياد على ~~الأقل عند استئناف العمليات العسكرية ضد الإنجليز، وهكذا ~~ركدت المفاوضات فترة من الزمن. # على أنه إذا كان محمد علي قد انشغل في المدة التالية ~~بمفاوضاته مع المماليك وتجهيز جيشه، وإذا كان «فريزر» قد ~~انشغل من ناحيته بإنجاز تحصين الإسكندرية، وتقوية خطوط ~~دفاعه عنها، وتزويدها بالمؤن والأغذية، واستقبال النجدات ~~التي أتته مع «شربروك» في 29 مايو، فقد كان «مسيت» من ~~ناحيته دائب النشاط لتحقيق ما أخذ على عاتقه أن يفعله، وهو ~~إبطال حصول أي اتفاق أو محالفة مع محمد علي، فراح يكتب إلى ~~«كاسلريه» في 29 مايو، وإلى «جورج كاننج» # Canning # في 13 يونيو - وزير ~~الخارجية في وزارة «بورتلاند» Portland ~~- ثم إلى «كاسلريه» مرة أخرى ~~في 17 يونيو، ومرة ثالثة في 23 يوليو، يدعو إما صراحة وإما ~~بطريق الإيحاء أو التلميح والإشارة إلى أمور ثلاثة؛ عدم ~~الاتفاق مع محمد علي، بل العمل بدلا من ذلك على طرده من ~~الحكم والولاية وإبعاده هو والأرنئود من هذه البلاد، ثم ~~استمرار المحالفة مع البكوات المماليك والركون إلى أنهم ~~سوف يؤازرون الإنجليز في عملياتهم العسكرية في النهاية، ~~وأخيرا عدم التخلي عن الإسكندرية والتمسك بها مهما كانت ~~الظروف والأحوال؛ أي إن «مسيت» حاول أن يفرض على حكومته ~~ذلك البرنامج الذي ms0799 سعى هو من قديم إلى تحقيقه، والذي كان ~~أحد عواقبه كل ما حل بحملة «فريزر» من هزائم، وتستبين ~~الحجج التي استند عليها «مسيت» في تعزيز وجهة نظره بمراجعة ~~رسائله إلى «كاسلريه» و«كاننج» في هذه الفترة. # أما رسالته الأولى إلى «كاسلريه» بتاريخ 29 مايو، فكانت ~~مناسبتها ورود رسالة إلى «مسيت» من شاهين بك الألفي، تصف ~~ما يحدث من مكائد ومؤامرات في المعسكر المملوكي، وتوضح ~~الأسباب التي تمنع البكوات من الانضمام إلى الإنجليز في ~~الوقت الحاضر إما عن عجز - كما قال - وإما عن عدم رغبتهم ~~في ذلك، وقد سبق ذكر ما تضمنته هذه الرسالة، وما جاء بخطاب ~~شاهين الألفي إلى «مسيت»، وأما رسالته إلى «جورج كاننج» ~~بتاريخ 13 يونيو، فكانت مناسبتها ما بلغه من السير ~~«ألكسندر بول» حاكم مالطة عن إرسال حكومة روسيا أحد ~~وزرائها للمفاوضة في الصلح مع الباب العالي، وأنه من ~~المتوقع لذلك أن توفد الحكومة الإنجليزية أحد سفرائها إلى ~~القسطنطينية للتعاون مع الوزير الروسي في هذه المفاوضة، ~~فرأى «مسيت» من واجبه أن يعرض على «كاننج» بعض ملاحظاته عن ~~الموقف السياسي في مصر. # وقد استهل «مسيت» هذا العرض بقوله: «إن محمد علي - ~~باشا مصر الحالي - مدين لدرجة كبيرة في المركز الذي يشغله ~~الآن لمكائد ومؤامرات وكلاء فرنسا وتشجيعهم ونصحهم له، ~~ورضي لبضعة شهور بعد استلامه أزمة الحكم في هذه البلاد ~~بأن يرضخ تماما لإرشاداتهم، ولقد نجحت بعد ذلك في أن أثير ~~في ذهنه الشك من ناحية إخلاص نوايا أصدقائه هؤلاء ~~المزعومين، ولم يعد لدي من الأسباب بعد هذا ما يجعلني ~~أشكو من أنه يبدي تحيزا للأمة الفرنسية، ولكنني أخشى أن ~~يجعله التحالف القائم الآن بين فرنسا والباب العالي، وعلى ~~وجه الخصوص ذلك النفوذ الذي صار لكبير الوكلاء الفرنسيين ~~«دروفتي» عليه منذ نزول الجنود البريطانيين الأخير في هذه ~~البلاد، أقوى ارتباطا من أي وقت مضى بمصلحة العدو ~~(فرنسا)، حقيقة لقد رغب من أمد طويل أن يصبح مستقلا عن ~~الباب العالي، وربما يتسنى إغراؤه بفصم كل علاقاته ~~وارتباطاته مع فرنسا، لو أننا ms0800 رضينا بمؤازرته مؤازرة قوية ~~على بلوغ غرضه وتحقيق أطماعه، ولكنه من غير المحتمل - على ~~ما يبدو - حين عودة السلام بين بريطانيا العظمى والباب ~~العالي أن يعمد وزراء جلالة الملك (الحكومة الإنجليزية) ~~إلى اتباع تدبير سياسي من هذا الطراز فيما يتعلق بمصر، ~~فلقد دلت تجارب سنوات عدة على أنه طالما بقي الجيش ~~العثماني في مصر يتألف أكبر قسم منه من الأرنئود، فمن ~~المتعذر بتاتا أن تحظى هذه البلاد بعهد من النظام والهدوء ~~والسكينة، بل على العكس من ذلك، فإن ما تتصف به العصابات ~~من الجند المرتزقة من غدر وخيانة، من شأنه أن يرمي بالبلاد ~~في أحضان ثورات متتابعة يمتنع بسببها عن الحكومة القائمة ~~التمتع بأي استقرار وقوة يلزمانها لمقاومة الأعداء الذين ~~قد يغزون هذه البلاد مقاومة نشيطة فعالة. # وبسبب هذه الظروف إذن، ولأنه لا يساورني أي شك في أن ~~حكومة جلالة الملك سوى ترى من الحكمة وأصالة الرأي ~~الاحتفاظ بالإسكندرية على الأقل، حتى يتم عقد السلام ~~العام، يبدو لي ضروريا أن تعمل الحكومة البريطانية على ~~إرغام محمد علي والأرنئود سويا على إخلاء هذه البلاد، ~~وأن تعمل على إعادة تأسيس الحكومة المملوكية بها، فبهذه ~~الوسيلة وحدها يمكن إنهاء الحروب الأهلية التي جرت ~~الخراب على هذا القطر الذي عرف في الماضي بخصوبة أرضه، ~~فتنتعش التجارة والزراعة مرة أخرى، وتضمن الفوائد التي سوف ~~يجنيها الأهلون من هذا الانتعاش استعلاء نفوذنا، ولا أشك ~~في أن البكوات لقاء إرجاع حقوقهم وامتيازاتهم القديمة ~~إليهم، سوف يقبلون مختارين الدخول في اتفاق معنا من أجل ~~الدفاع عن البلاد إذا وقع هجوم عليها. # ومنذ أن صارت للأرنئود السيطرة في القاهرة، لم يظفر ~~الباب العالي بشيء من إيرادات مصر، ولقد أعلن الباب العالي ~~من وقت مضى بعد هذا الحادث أن الأرنئود عصاة متمردون، ~~ومرد امتلاكهم دون منازع لهذه البلاد التي اغتصبوها، ~~إنما هو إلى وهن الباب العالي وعجزه؛ ولذلك فلا يسع الباب ~~العالي إلا أن يشكر لجلالة الملك فضله لاستخدامه جنده في ~~استرجاع مقاطعة كهذه، وردها إليه بعد أن كان قد ms0801 ~~فقدها. # ومن واجبي أن أعترف - عدا ما ذكرت من أسباب سياسية - بأن ~~الأمل في أن يسترد الجيش البريطاني تلك السمعة اللامعة ~~التي فقدها، هو السبب القوي الذي يدفعني إلى المناداة ~~بضرورة طرد الأرنئود، فهل من الحق أن يسمح لهؤلاء ~~المتبربرين أن يستمتعوا بنصر لم يحرزوه بفضل بسالة ~~أظهروها، وإنما جاءهم بسبب ظروف طارئة، وهل من العدل أن ~~نتركهم دون عقاب على قسوتهم مع جرحانا في الهجوم الأول على ~~رشيد، وهل من الحكمة أن ندع العالم بأسره يعتقد تفوق ~~الجنود الأتراك على الجنود البريطانيين؟! # ومع ذلك، فمن واجبي كذلك ألا أخفي عنك أن تحقيق هذا ~~الغرض يتطلب الآن قوات أعظم بكثير مما كان يكفي لبلوغه قبل ~~ذلك بستة شهور، فمن المنتظر قطعا أن يبدي الأرنئود الذين ~~أكسبهم انتصارهم الأخير علينا ثقة كبيرة في أنفسهم بعض ~~المقاومة، ومن المحتمل أن يرفض المماليك الانضمام إلينا، ~~حتى نحرز تفوقا في ميدان القتال، ولقد تم تحصين القاهرة، ~~والباشا يبذل همته لتزويد القلعة المسيطرة على هذه المدينة ~~بالمؤن والذخائر يوميا. # ولما كان من المقطوع به أن أحد أحزاب المماليك - وهو حزب ~~البرديسي - مناصر للمصالح الفرنسية، فإني أوصي في حالة ~~إرجاع الحكم إلى البكوات بحرمان هذا الحزب من المساهمة في ~~هذه الحكومة، فإذا لم يسمح لرؤساء هذا الحزب بالدخول إلى ~~القاهرة، واستمر إرغامهم على العيش في الصحراء، فهنالك ما ~~يدعو قطعا إلى توقع انفضاض أتباعهم من حولهم، ومن شأن ذلك ~~أن يجعلهم عاجزين عن تعكير صفو السلام العام.» # وفي رسالته الثانية إلى «كاسلريه» بتاريخ 17 يونيو، تحدث ~~«مسيت» عن مهمة مندوبي شاهين الألفي، أحمد بك وأمين بك في ~~الإسكندرية، كما بسط مسألة «بتروتشي» الذي استطاع بفضل ~~النفوذ الذي كسبه لدى الباشا في القاهرة، أن يبعث ~~باليوناني «قسطنطين كاريري» إلى الإسكندرية عن طريق رشيد، ~~حتى يدلي بمعلومات صحيحة عن عدد من النقاط التي يهم «مسيت» ~~معرفتها، وقد سبق أن تكلمنا عن هذه الرسالة، ولما كان ~~«مسيت» قد سجل أجوبة هذا اليوناني على أسئلته، فقد بعث طي ~~رسالته إلى ms0802 «كاسلريه» بمحضر استجواب «كاريري »، وجاء في ~~أقوال هذا الأخير: أولا: أن السيد «بتروتشي» قد طلب منه ~~أن يبلغ «مسيت» بأن الباشا يميل كثيرا للوصول إلى اتفاق ~~مع القائد العام البريطاني «فريزر» بشأن إطلاق سراح الأسرى ~~الإنجليز، ولكنه يخشى مما قد يقدمه الوكيل الفرنسي ضده من ~~أقوال واحتجاجات إلى الباب العالي، فقد مضى أكثر من ثلاثة ~~شهور دون أن يصل شيء إلى الباشا من القسطنطينية، وصار لذلك ~~في وسع الوكيل الفرنسي أن يخدعه بالطريقة التي تحلو له في ~~كل ما يتعلق بعمليات الجيوش الروسية والفرنسية العسكرية، ~~حتى إنه حدث قبل مغادرتي للقاهرة بوقت قصير أن أعلن الوكيل ~~الفرنسي رسميا أن بونابرت قد استولى على بطرسبرج، ولكنه ~~لما كان السيد «بتروتشي» قد أكد للباشا أنه بدلا من ~~الاستيلاء على بطرسبرج قد انهزم الفرنسيون على يد الروس في ~~أكثر من موقعة، فقد رجاه الباشا أن يزوده بكل ما يمكنه ~~العثور عليه من معلومات عن هذا الموضوع؛ ولذلك يرجو السيد ~~«بتروتشي» أن تبعث إليه بتفاصيل المعارك، وثانيا: أن ~~التذمر سائد في صفوف جند الباشا الذين طالبوا حديثا ~~بمرتباتهم في صياح وضجة غير عاديين، وأن الباشا الذي لا ~~يجد من المال ما يجيب به مطالبهم، قد عظمت همومه وصار ~~قلقا مشغول البال كثيرا، وحظى السيد «بتروتشي» بثقته ~~الكبيرة بإقراضه أربعين ألف قرش تركي، وأن عدد جنوده أقل ~~من الثمانية آلاف، وثالثا: وأن الأتراك قد أقاموا سورا ~~حول رشيد، وحصنوا مرتفعات أبي منضور، ووضعوا بطاريات ~~مدفعية على ضفتي النيل عند مصب النهر، وأن عدد الجنود ~~برشيد والجهات المجاورة لها حوالي أربعة آلاف، بعد أن نقص ~~عددهم الذي كان من وقت قريب حوالي الخمسة آلاف، بسبب ذهاب ~~كثيرين منهم إلى القاهرة للمطالبة بمرتباتهم، وأن الجنود ~~الذين برشيد لا ينتوون الزحف على الإسكندرية، بل إن ~~التحصينات التي أقاموها والتي ما برحوا يقيمونها لتنهض ~~دليلا على أنهم أنفسهم يخشون من وقوع هجوم عليهم. # ورابعا: أن في رأي «كاريري» الذي كان برشيد عند الهجوم ~~الأول عليها أن الإنجليز وقتئذ كانوا ms0803 قد أخذوا المدينة ~~فعلا ، وأولم «بتروتشي» وليمة غذاء للضباط الإنجليز، ~~واندفع الأرنئود بعجلة نحو الشاطئ، فعبروا النهر في قوارب ~~أو على ألواح أو قطع من الخشب، وجلس الجنود الإنجليز في ~~هدوء في جماعات، كل ثمانية أو عشرة منهم معا، ثم في ~~الحوانيت والقهاوي، عندما صدر الأمر بالتقهقر، وأن بطاريات ~~المدفعية الإنجليزية لم تلحق إلا أذى بسيطا بالمدينة ~~أثناء الهجوم الثاني عليها؛ لأن القنابل كانت صغيرة الحجم، ~~ولم يطلق منها سوى عدد قليل طوال كل يوم من أيام الحصار، ~~ووقع كثير منها في النيل، وأن الإنجليز لو أنهم اتخذوا ~~موقعا في الدلتا تجاه رشيد لسقطت هذه في أيديهم؛ لأنه ~~عندما ذهبت فرقة من الجند إلى الجانب الآخر من النهر ~~لتحطيم بطارية من مدفعين، كان الأتراك قد أقاموها هناك، ~~اعتقد الأتراك الذين خيل إليهم أن الإنجليز قد جاءوا ~~لأخذ هذا الموقع والاحتفاظ به، أن الهزيمة قد حلت بهم ~~بسبب ما توقعوه من قطع خط الرجعة عليهم، وخامسا: أن ~~ستمائة من الجند الأتراك قد حضروا من الشام وقبرص، ونزلوا ~~بدمياط في طريقهم إلى القاهرة، ومن المنتظر أن يصل غيرهم ~~وعن طريق دمياط كذلك، حيث يحتشد الجند الأتراك في قبرص، ~~ويستحث الباشا حاكمها على إرسال قسم منهم إليه بكل سرعة، ~~ولن يجد هؤلاء صعوبة في الوصول إلى القاهرة، طالما أنه لا ~~تقف سفينة حربية إنجليزية بالقرب من دمياط لمنع نزولهم ~~بها، وسادسا: أن الباشا لم ينشئ تحصينات جديدة بالقاهرة، ~~وإنما أصلح تحصيناتها القديمة، وأعاد حفر الخندق الذي كان ~~قد أنشأه الفرنسيون وقت احتلالهم، ثم إنه زود القلعة ~~بالذخائر والأسلحة وما إليها، وأخيرا: أن القاهريين ~~عموما لا يعتقدون بأن صلحا قد أبرم بين الباشا وبين ~~إبراهيم بك وجماعته، وأن الباشا وأتباعه وأنصار الفرنسيين ~~هم الذين يروجون هذه الشائعة التي لا أساس لها. # وواضح أن كل غرض «مسيت» من هذا الاستجواب ثم إرساله إلى ~~«كاسلريه» إقناع الأخير بمبلغ ما لدى الوكلاء الفرنسيين من ~~نفوذ على محمد علي، وهو نفوذ إذا كان يخشاه الباشا للأسباب ~~التي ذكرها ms0804 «مسيت» بدرجة تمنعه من معالجة مسألة الأسرى ~~الإنجليز مع الجنرال «فريزر»، فمن باب أولى أن يكون من ~~أثره انتفاء أي أمل في رعاية المصالح البريطانية الأخرى ~~الهامة، طالما بقي هذا النفوذ الضار في البلاد، وطالما بقي ~~في الحكم الرجل الذي وقع تحت تأثيرهم، وإذا وجد ~~البريطانيون أن من مصالحهم البقاء بالإسكندرية، أو توسيع ~~نطاق عملياتهم العسكرية بصورة تكفل لهم احتلال البلاد ~~بأسرها، وإخضاعها لنفوذهم - على نحو ما كان يريد «مسيت» ~~نفسه - فليس هناك ما يخشونه؛ لأن جنود الباشا لا يبلغ ~~عددهم الثمانية آلاف، يسود بينهم التذمر، ويتعذر على ~~الباشا إرضاؤهم لحاجته الملحة إلى المال، وتحصينات القاهرة ~~ضعيفة، ومن السهل وقف ما يأتيه من نجدات، إذا ضرب الحصار ~~على دمياط من ناحية البحر، ومن السهل كذلك الاستيلاء على ~~رشيد إذا أحكم العسكريون تدابيرهم، فلم تتكرر الأخطاء التي ~~وقعت في الهجومين الأول والثاني عليها، واحتل البريطانيون ~~الجانب الآخر من النهر، ومن المنتظر أن يلقى الإنجليز كل ~~معاونة من البكوات المماليك في هذه المرة؛ لأن هؤلاء لا ~~يزالون يرفضون الصلح والاتفاق مع محمد علي. # واستهل «مسيت» رسالته الثالثة إلى «كاسلريه» بتاريخ 23 ~~يوليو، بالحديث عن جهوده فقال إنه كان مشغولا بفصل بعض ~~قبائل العرب من خدمة الباشا، وببذر بذور الشقاق والخلاف ~~بين تلك التي استعصى عليه إغراؤها بفصم كل علاقة لها به، ~~ولقد ترتب على مجهوداتي هذه أن أحدا من الجنود الأتراك ~~صار لا يجرؤ الآن على إظهار نفسه على الضفة اليسرى لفرع ~~النيل الغربي في هذا الجانب من ناحية القاهرة، وأصبح البدو ~~مسيطرين كل السيطرة على هذا الجزء من البلاد، حتى إنهم بعد ~~أن كانوا يهربون البن وسائر أنواع السلع من العاصمة ~~(القاهرة)، صاروا يحضرونها الآن إلى سوق الإسكندرية دون أن ~~يخشوا من أية مصادرة، حقيقة تدر عليهم هذه التجارة ربحا ~~وفيرا لدرجة إغرائهم بعدم المبالاة بأية أخطار قد يتعرضون ~~لها بسبب هذه المجازفة، ولكنهم ليسوا مدفوعين في هذا العمل ~~خاصة بحافز الأرباح المالية فحسب، الأمر الذي أجد من واجبي ~~أن أسترعي ms0805 انتباهكم إليه، وأهل مصر والباشا والوكلاء ~~الفرنسيون أنفسهم مقتنعون جميعهم، بأننا سوف نستأنف القتال ~~بمجرد أن تصلنا النجدات الكافية، ولقد وجدت لزاما علي أن ~~أعمل على تعزيز هذا الرأي الذي يكفل وحده استمالة العرب ~~إلى إمدادنا، ويمنع الباشا من محاولة قطع مواصلاتنا مع ~~داخل البلاد، فلو أن الأولين اكتشفوا أن نوايانا نحو مصر ~~لا تتعدى احتلال الإسكندرية، ولو أنهم لم يفترضوا أن هذه ~~البلاد سوف تقع في أيدينا عاجلا أو آجلا ليتقرر مصيرها ~~حسبما يراه جلالة الملك البريطاني لجعلهم الخوف من عاقبة ~~غضب الباشا عليهم في المستقبل ينفون بأغلظ الأيمان وجود ~~أية علاقة لهم بنا، لا يجنون منها نفعا، ولا يخشون شيئا ~~من نبذها، وأما أن الباشا قد صار متيقنا من أننا نعتزم ~~القيام بهجوم ثالث على رشيد، فينهض دليلا على تلك ~~البطاريات التي أقيمت بناء على أمره حولها، وذلك الجيش ~~القوي الذي احتفظ به في الجهات المجاورة لرشيد، والذي ~~يتسنى له استخدامه في وقف الإمدادات ومنعها عنا ~~بالإسكندرية، إذا أمن على ترك رشيد دون وجود جيش لحمايتها، ~~فإذا منع عنا إمداداتنا حرم أهل الإسكندرية من وسائل ~~العيش، واضطرت الحامية إلى الاعتماد على الأغذية المملحة ~~فحسب، وهكذا ترون - يا صاحب السيادة - أن هذين الهجومين ~~اللذين وقعا على رشيد وباءا بالفشل وصاحبتهما الكوارث قد ~~عادا - في واقع الأمر - علينا بنفع عظيم، ولا يجب أن أخفي ~~عنكم أن المماليك، وهم الذين قد رفضوا حتى هذه اللحظة كل ~~عروض الباشا من أجل الصلح معهم، وقاوموا كل مكائد ومؤامرات ~~وكلاء وأنصار فرنسا، من المحتمل جدا أنهم سوف يسلكون ~~طريقا مغايرا، لو أنهم ما صاروا يتوقعون منا أن نعاونهم ~~على امتلاك القاهرة، ولا يمكن الاستمرار طويلا على الخداع ~~والغش الذي هو من صالحنا أن يظل كل مخلوق في مصر، ومن أي ~~نوع كان متأثرا به، وإذا لم يكن لدى حكومة جلالة الملك ~~البريطاني من الأسباب ما يدعوها إلى توقع عقد الصلح قريبا ~~بين بريطانيا العظمى والباب العالي، فرجائي أن تتخذ ~~الحكومة الإجراء الذي ترشدها الحكمة ms0806 إليه كعمل ضروري ليس ~~لتمكين الجيش من الاحتفاظ بموقفه الراهن من غير أن ينجم عن ~~ذلك إرهاق لأهل الإسكندرية فحسب، بل وتأييد ذلك النفوذ ~~الذي ظفر به في الماضي جيش جلالة الملك، والذي وضعت نصب ~~عيني دائما أثناء السنوات الأربع الأخيرة المحافظة عليه ~~تاما وغير منقوص، وكان في ختام هذه الرسالة أن أعلن ~~«مسيت» خبر وفاة الكابتن «ديلانسي» - أحد الأسرى الإنجليز ~~في قلعة القاهرة. # وفي هذه الرسالة عاود «مسيت» الحديث عن هزيمتي رشيد ~~والحماد، فهون من أمرهما ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وحاول ~~أن يقيم الحجة على أنه بدلا من أن تكون هذه الهزائم من ~~الأسباب التي قد تستند عليها الحكومة الإنجليزية في تقرير ~~الجلاء عن الإسكندرية، يجب أن تكون بفضل النفع العظيم الذي ~~زعم أنه قد ترتب عليها، من دواعي البقاء بالإسكندرية، ثم ~~توسيع نطاق العمليات العسكرية لتمكين المماليك من امتلاك ~~القاهرة، وضرب «مسيت» على نغمة السمعة البريطانية، ووجوب ~~التمسك بها وصولها لإغراء الوزير على الأخذ بمقترحاته، ~~وتعزيز الجيش البريطاني في الإسكندرية، وعدم التخلي عن هذه ~~الأخيرة ما دامت الحرب قائمة بين إنجلترة والباب ~~العالي. # ولكن هذه الجهود جميعها ذهبت سدى، ولم يكن ضياعها إلا ~~لسبب واحد، هو أن الحكومة الإنجليزية قد قررت اتخاذ ~~الإجراء الذي أرشدتها الحكمة إليه، فأصدرت تعليماتها إلى ~~الجنرال «فريزر» بإخلاء الإسكندرية والعودة بجيشه إلى ~~قواعده في صقلية. # الإنجليز يقررون الجلاء # فقد تولى «كاسلريه» وزارة الحرب منذ أواخر مارس سنة 1807 ~~في وزارة الدوق بورتلاند، وكان من رأيه أن وجود جيش ~~الجنرال «فريزر» منعزلا بالإسكندرية، وفي حالة الضعف التي ~~هو عليها لا يفيد سوى فائدة ضئيلة في المجهود الحربي في ~~البحر الأبيض، ومن الواجب أن يشترك هذا الجيش بدور إيجابي ~~في العمليات التي تقتضيها استراتيجية المحافظة على المواقع ~~العسكرية البريطانية في البحر الأبيض، وأهمها صقلية، ~~ومناوأة جيش نابليون الرابض في شبه الجزيرة الإيطالية، ~~والذي ما فتئ يعمل على بسط سلطان فرنسا بها، ثم إخراج ~~تركيا من المحالفة مع هذه الدولة الأخيرة وإقناعها بترضية ~~روسيا، والوقوف ms0807 موقف الحياد إذا تعذر حملها على الانضمام ~~إلى إنجلترة ورسيا، وقد تأيدت هذه الفكرة لدى «كاسلريه» ~~عندما وصل إلى لندن عن طريق فينا في أبريل سنة 1807، خبر ~~فشل أسطول «داكويرث» أمام القسطنطينية. # وتتضح رغبة «كاسلريه» في إسناد دور إيجابي ونشيط إلى جيش ~~«فريزر» في العمليات المتصلة بالنضال في البحر الأبيض ~~وإيطاليا، عندما صار لزاما عليه معالجة الموقف بعد فشل ~~«داكويرث»، فطلب إلى الجنرال «فوكس» في 25 أبريل أن يجهز ~~قوة للعمل في الدردنيل إذا كان من الممكن القيام بعملية ~~عسكرية هناك من أجل تخويف الباب العالي، وتعطيل إجراءاته ~~العسكرية، على أن تؤلف هذه القوة من الجند الذين يمكن ~~سحبهم من صقلية ومن الإسكندرية، وقد علل «كاسلريه» هذه ~~الخطوة بقوله: إنه يخشى وقد انسحب السير «جون داكويرث» ~~بأسطوله من أمام القسطنطينية دون أن يفعل شيئا حاسما ضد ~~العاصمة، أن ينجح الأتراك في جمع جيش لحمايتها، وتعزيز ~~تحصينات الدفاع عنها من جهة البحر، وذلك قبل أن يتمكن ~~الإنجليز من جمع قوة عسكرية كبيرة في تلك الجهة، وإنه من ~~المرغوب فيه أن يتسنى للإنجليز الوقوف على مدى استعدادات ~~الأتراك في هذه المسألة، وأن يبذل كل مجهود تمليه الحكمة ~~إما باستخدام القوة العسكرية، وإما باللجوء إلى وسائل أخرى ~~لإرغام الباب العالي على أن ينفض عنه نفوذ فرنسا، ويستأنف ~~علاقته مع بريطانيا العظمى وروسيا، ولتحقيق غرض هام كهذا، ~~ونظرا لضعف الجيش الفرنسي في حالته الراهنة في القارة ~~الإيطالية كذا، من واجبي أن أتوقع أنه في وسعك ودون تعريض ~~صقلية لخطر مبعثه الغفلة وقلة التروي لعدم توقع هجوم عليها ~~من ناحية الفرنسيين في إيطاليا تجهيز قوة تضيف إليها جندا ~~من الذين يمكن الاستغناء عنهم من الإسكندرية للعمل في ~~ميدان آخر، تتبين ملاءمة العمل فيه، ومن المحتمل أيضا بعد ~~إضافة هذه القوة إلى الجيش الذي يمكن الحصول عليه من ~~القوات الروسية التي تعمل في جزيرة «كورفو»، والغرض من ذكر ~~هذا كله أن تدخل هذه الاعتبارات في حسابك فحسب؛ حيث إن ~~الحكومة الإنجليزية لم تصلها حتى هذه اللحظة ms0808 معلومات ~~كافية، تمكنها من إرسال توجيهاتها بشأن القيام بأية ~~عملية عسكرية معينة ... # على أن «كاسلريه» لم يلبث أن نزل عن مشروع تخويف ~~القسطنطينية باستخدام القوة العسكرية ضدها مباشرة، عندما ~~علم بعد أيام قليلة بأمر استعدادات الدفاع التي تمت في ~~القسطنطينية وفي الدردنيل بإرشاد الضباط والمهندسين ~~الفرنسيين، مما يجعل متعذرا نجاح أي عملية عسكرية، يقصد ~~بها تخويف الإسكندرية، إلا إذا أفرد الإنجليز جيشا ~~وأسطولا كبيرين لتحقيق هذه الغاية، فاضطر «كاسلريه» إذن ~~إلى التخلي عن هذا المشروع، وبعث بتعليماته الجديدة هذه ~~إلى «فوكس» في 8 مايو، فقال: إنه قد وصلته منذ تعليماته ~~الأخيرة إليه (25 أبريل) تقارير من «أربثنوت» في «داكويرث» ~~تحوي تفاصيل الفشل الذي حدث أمام القسطنطينية، ومن الواضح ~~أن تحصينات الدردنيل والعاصمة العثمانية قد صارت تقويتها ... ~~بدرجة تجعل نتيجة ما قد يقوم من عمليات عسكرية ضد العاصمة ~~أمرا ميئوسا منه إلا إذا قام بها جيش كبير جدا، بل ~~وأكبر بكثير مما قد تسمح بجمعه - بالإضافة إلى مساعدة ~~الجيوش الروس في «كورفو» - وسائلك بالصورة التي تتلاءم مع ~~تأمين صقلية؛ ولذلك لم يعد في وسع الحكومة الإنجليزية ~~تعليل النفس بنجاح أية عمليات عسكرية، يستطاع بفضلها الآن ~~تخويف العاصمة التركية، وهي لذلك تقرر حصار الموانئ ~~العثمانية الرئيسية وتعطيل التجارة العثمانية تعطيلا ~~تاما، وقد آثرت الاعتماد على هذه الوسيلة بدلا من اتخاذ ~~إجراءات عدوانية، تشترك فيها القوات البرية والبحرية ~~الإنجليزية ضد الباب العالي، وذلك لجعل الحكومة العثمانية ~~أكثر ميلا للتعقل والحكمة؛ ولذلك - كما استمر «كاسلريه» ~~يقول - فقد صدرت الأوامر لقوات وحدات الأساطيل الإنجليزية ~~في البحر الأبيض لضرب نطاق الحصار بالاتحاد مع الأسطول ~~الروسي الموجود بالبحر الأبيض الآن على الدردنيل وميناء ~~أزمير ومصبات النيل وعلى أي ميناء رئيسي آخر، يمكن انتقال ~~الإمدادات منه إلى العاصمة العثمانية، كما دعا الأسطول ~~الروسي في البحر الأسود لمراقبة البسفور والموانئ ~~العثمانية في هذا البحر، وأوضح «كاسلريه» الغرض من هذه ~~التعليمات الجديدة، فقال: إنه ليس تجريد «فوكس» من حرية ~~التصرف المخول له في تعليماته السابقة إليه بأن يتخذ من ~~الإجراءات ms0809 العسكرية ما يراه ضروريا، حسبما يتطلب الموقف ~~دون انتظار لتعليمات حكومته، وإنما الغرض من إرسالها إليه ~~هو تعريفه فقط أن الحكومة الإنجليزية بفضل المعلومات التي ~~وقفت عليها أكثر ميلا للاعتماد على إجراءات لإزعاج العدو ~~من محاولة مهاجمته، ولا تريد أن يفهم من إيثارها للإجراء ~~الأول أنها تبغي منعه من تنسيق عملياته أو اتحاده مع ~~القواد البحريين لاستخدام القوات التي تحت قيادته بالطريقة ~~التي يراها محققة لأغراض حكومته على أحسن وجه ... وعلاوة على ~~ذلك فالحكومة الإنجليزية مستعدة لإمداده بالقوة العسكرية ~~اللازمة، إذا رأى بالاتفاق مع قائد القوات البحرية إنشاء ~~مركز بحري في إحدى جزر الأرخبيل لتزويد الأسطول بما يحتاج ~~إليه من نجدات وغيرها، وذلك لحماية هذا المركز. # على أنه إلى جانب حصار الموانئ العثمانية الهامة وتعطيل ~~التجارة العثمانية لإرهاق وإزعاج الباب العالي، لجأت ~~الحكومة الإنجليزية إلى وسيلة أخرى لإقناع هذا الأخير ~~بالصلح مع إنجلترة وروسيا وذلك بالمفاوضة معه، ومنذ بداية ~~مايو 1807 تقرر نهائيا إرسال السير «آرثر باجيت» # Arthur Paget # إلى ~~الليفانت، ولم تختلف مهمته عن مهمة «أربثنوت» من قبل، ~~وأصدر «جورج كاننج» وزير الخارجية تعليماته إلى «باجيت» في ~~16 مايو، وقد جاء في هذه أن مهمته دائما هي العمل من أجل ~~تسوية الخلافات التي نشأت بين روسيا والباب العالي، وجعل ~~الأخير يشعر بأهمية الظروف التي من شأنها إقناعه بأن من ~~صالحه تجديد ارتباطاته السابقة مع روسيا وإنجلترة، ونبذ ~~ذلك النفوذ المتفوق الذي لفرنسا عليه، وفي 18 مايو أصدر ~~«كاننج» تعليمات أخرى إلى «باجيت»، نص فيها على ضرورة ~~اشتراط إرجاع أملاك البريطانيين التي صادرتها الدولة ~~العثمانية أو تعويضهم عنها عند عقد الصلح، وأنه لا يمكن ~~بحال من غير ذلك موافقة الحكومة البريطانية على إخلاء ~~الإسكندرية، أو أي إقليم آخر من أقاليم الدولة فتحته ~~جيوشها، وعلاوة على ذلك، فقد طلب اشتراط عدم إطلاق سراح ~~الأسرى العثمانيين إلا إذا أخلت الحكومة العثمانية سلفا ~~سبيل المعتقلين من رعايا بريطانيا، أو الذين وقعوا في ~~الأسر نتيجة للحرب بينها وبين تركيا، ثم عاد «كاننج»، فحدد ~~بصورة ms0810 أكثر وضوحا الغرض من مهمة «باجيت»، فقال في 26 ~~مايو: إن السلام هو الغرض الأول ، وإن السلام مع إرضاء ~~روسيا تماما هو الغرض الثاني، ثم صدرت تعليمات من وزارة ~~البحرية إلى «كولنجوود» في 2 يونيو حتى يترك لأحد قواده ~~حصار قادش بينما يذهب هو بنفسه إلى الدردنيل لتأييد ~~«باجيت» في مفاوضته ولإرضاء أمير البحر الروسي. # وكان لتأييد «باجيت» في هذه المفاوضة أن اعتبر «كاسلريه» ~~الإجراءات التي أشار إليها في تعليماته إلى «فوكس» (أي ~~حصار الموانئ وتعطيل التجارة العثمانية) ضرورية من حيث ~~ضغطها على يد الباب العالي لجعل الطريق أكثر تمهيدا لنجاح ~~المهمة المكلف بها «باجيت»، ثم إنه كان في ضوء هذه ~~الترتيبات الجديدة أن وجد «كاسلريه» لزاما عليه أن يبعث ~~بتعليمات أكثر تفصيلا بصدد الدور الذي صار من الواجب على ~~«فريزر» وجيشه بالإسكندرية قصر نفسه عليه في الموقف ~~الراهن، يحدو «كاسلريه» والحكومة الإنجليزية إلى هذا ذلك ~~التغيير الذي طرأ على استراتيجية الحرب في البحر الأبيض، ~~كما تراها وزارة بورتلاند، والذي ترتب عليه إعادة النظر في ~~وضع حملة «فريزر» برمته على أساس أن بقاء هذه الحملة في ~~الإسكندرية يحول دون استخدام قسم من الجيش البريطاني في ~~عمليات وميادين أخرى أكثر أهمية متصلة بالحرب ضد نابليون، ~~والتي كان من عوامل النجاح فيها في نظر البريطانيين ~~احتفاظهم بصقلية لضمان سيطرتهم البحرية في البحر الأبيض ~~ولمناوأة الفرنسيين في إيطاليا، ولأنه حتى تستطيع حملة ~~«فريزر» الاحتفاظ بالإسكندرية، لا مفر من إرسال نجدات قوية ~~لها يضعف إرسالها جيش الجنرال «فوكس» في صقلية، وأخيرا ~~لأن الغرض من إرسال هذه الحملة لم يكن سوى احتلال ~~الإسكندرية فحسب، وليس احتلال البلاد بأسرها، ولما كان ~~«فوكس» قد بعث في 6-8 أبريل، ينقل إلى «وندهام» خبر ~~الاستيلاء على الإسكندرية مصحوبا بتقارير «فريزر» عن هذا ~~الحادث، وهي تقارير طلب فيها صاحبها إمداده بنجدات كثيرة، ~~حتى يتمكن من احتلال رشيد والرحمانية، ولما كان «فوكس» ~~نفسه وهو ينقل هذا الخبر إلى «وندهام» قد ذكر أنه سوف يبذل ~~قصارى جهده لإجابة «فريزر» إلى مطلبه، بإرسال ms0811 نجدات إليه ~~من صقلية، الأمر الذي لا يجب أن يفوت الوزير أنه سوف يضعف ~~الجيش الذي تحت قيادته مباشرة، إذا اضطر إلى إرسال نجدات ~~أخرى منه إلى «فريزر»، أو طلب من هذا الجيش القيام بأي عمل ~~آخر، عدا الدفاع عن صقلية فحسب، فقد اضطر «كاسلريه» إلى ~~الكتابة بإسهاب في 17 مايو؛ لبيان خطة الحكومة، وتحديد ~~المسلك الواجب على «فريزر» اتباعه، ولتعليمات «كاسلريه» ~~الجديدة هذه أهمية بالغة، من حيث إنها حددت موقف الحكومة ~~الإنجليزية نهائيا ليس من احتلال الإسكندرية فحسب، بل ~~وكذلك من تقرير مصير هذه البلاد برمتها في نظر السياسة ~~الإنجليزية، حينما صارت الحكومة الإنجليزية مستعدة من الآن ~~فصاعدا للتخلي عن فتوحها في مصر، نظير حمل الباب العالي ~~على العودة إلى موقف الحياد الذي وقفه سابقا في النضال ~~بين إنجلترة وفرنسا، وفضلا عن ذلك، فإنه لا تلبث أن تزداد ~~أهمية هذا التحديد الذي مرده في واقع الأمر لم يكن أصلا ~~إلا إلى ارتباط حملة «فريزر» ذاتها، وعندما نشأ التفكير في ~~إرسالها لاحتلال الإسكندرية بتقلبات الموقف السياسي ~~والعسكري في أوروبا، وعلى وجه الخصوص في إيطاليا والبحر ~~الأبيض، إذا عرفنا أن «كاسلريه» عندما أرسل تعليماته إلى ~~«فوكس» في 17 مايو 1807 كان هو وزملاؤه في الوزارة ~~لا يزالون يعتقدون أن جيش «فريزر» منتصر في مصر؛ لأن أخبار ~~هزائمه لم تبلغ العاصمة البريطانية إلا خلال الأسبوعين ~~الأولين من شهر يونيو، فقد ذكرت هذه التعليمات وللمرة ~~الأولى أن من الواجب التهيؤ للرحيل، والانسحاب من ~~الإسكندرية، والامتناع عن إقامة العراقيل التي قد تعطل هذا ~~الانسحاب عند تقريره. # وثمة ملاحظة أخرى مترتبة على هذا التحول الذي حدث في ~~الاستراتيجية الجديدة على عهد وزارة «بورتلاند» هي عدم ~~التورط بحال من الأحوال مع البكوات المماليك بصورة تعيد ~~إلى الأذهان ما حدث أيام الجنرال «هتشنسون» وارتباطات هذا ~~الأخير معهم (1800-1801) التي جعلت السياسة الإنجليزية ~~تسير حتى هذا الوقت في الطريق التي عرفناها، فأرادت ~~الحكومة الإنجليزية إطلاق يدها الآن، وإزالة أي عراقيل من ~~هذا القبيل، قد تمنعها من تنفيذ الإخلاء ms0812 والجلاء عن ~~الإسكندرية عندما يتقرر ذلك نهائيا، بالسرعة التي تريدها ~~من أجل تحقيق أغراض وغايات أعظم أهمية في نظرها من التردي ~~في مثل هذه البؤرة، فكان هذا تحولا جديدا في سياسة ~~إنجلترة في مصر في هذه الفترة، تخلى الإنجليز بسببه ~~عمليا عن البكوات، حتى إنه حينما جاء موعد الاتفاق ~~الأخير على إخلاء الإسكندرية وتسليمها إلى محمد علي، لم ~~يذكر المندوبون الإنجليز شيئا عن ضرورة رعاية مصالح هؤلاء ~~أو حتى تأمينهم على سلامتهم. # وأما «كاسلريه» فقد كتب إلى «فوكس» في رسالته هذه إليه ~~بتاريخ 17 مايو، أنه قد وصلته رسالة «فوكس» المؤرخة في 6-8 ~~أبريل، ومعها تقارير «فريزر» عن الاستيلاء على الإسكندرية ~~في 20 مارس، ولكنه يبدو له مما جاء في هذه الرسائل أن ~~«فريزر» قد شعر فور وصوله إلى مصر أنه مرغم حتى يؤمن غذاء ~~أهل الإسكندرية والجند الذين تحت قيادته بها، على إرسال ~~قوة لاحتلال رشيد والرحمانية، وأنه اعتبر ضروريا في هذه ~~الظروف أن يذكر في عبارات قوية أهمية حصوله على نجدات ~~تمكنه من الاحتفاظ بالمواقع التي يعتبرها جوهرية لاحتلال ~~البلاد النافذ، وللدفاع عن الإسكندرية في حالة هجوم عدو ~~قوي عليها، وكذلك يبدو من رسالة الميجور «مسيت» بتاريخ 22 ~~مارس إلى الزعماء المماليك أنه قد حدث إبلاغهم بالرغبة ~~التي يشعر بها قائد القوات البريطانية في مساعدة الأحزاب ~~في هذه البلاد التي قد تكون راغبة في إنشاء صلات ودية ~~دائمة مع بريطانيا، مع بيان المصلحة التي لهم في ربط ~~أنفسهم ببريطانيا العظمى كالوسيلة الوحيدة التي يمكن بها ~~إطلاقا تحقيق غاياتهم، ثم دعوتهم لإرسال شخص موثوق به إلى ~~الإسكندرية ليدلوا إلى «فريزر» برغباتهم وما يريدونه، وهنا ~~يشير «كاسلريه» إلى رسالة «مسيت» إلى البكوات إبراهيم ~~وعثمان حسن وسائر زملائهما والكشاف كذلك، وقد سبق ذكر هذه ~~الرسالة. # ثم استطرد «كاسلريه» يقول: على أنه يخشى مما ذكر أعلاه ~~أن احتلال الإسكندرية الذي كان الغرض أصلا من صدور القرار ~~به ليس للتمهيد إلى احتلال أوسع لمصر، وإنما لمجرد وضع ~~حامية بريطانية في أحد المراكز البحرية ms0813 الرئيسية للاحتراس ~~بصورة أكثر جدا ونفاذا، ضد تمكين الفرنسيين من وضع ~~أقدامهم في هذه البلاد، يخشى أن هذا الغرض لا سيما إذا ~~جعلنا أنفسنا نتدخل تدخلا أكثر مما ينبغي في شئون البلاد ~~السياسية المحلية، سوف ينجم عنه إذا تحول عن هدفه الأصلي ~~إرهاق مواردنا العسكرية بمطالب أكثر من تلك التي كنا ~~نتوقعها عندما تقرر في أول الأمر إرسال هذه الحملة (حملة ~~«فريزر»)، ولا أجد ما يدعوني إلى أن أذكر لكم مبلغ ما ~~تأثرت به فعلا من جراء فصل هذا القسم من الجيش وإرساله ~~إلى مصر، وتعطلت بسببه قدرتنا على القيام بأية عمليات جدية ~~ضد العدو في البحر الأبيض، بل أن من شأن تجاوز أغراضنا ~~المحددة باحتلال الإسكندرية وتأمينها إلى العمل من أجل ~~احتلال مصر، أن تتحطم تماما الآن كل قدرة لنا على ~~الانتفاع من أي فرصة قد تسنح للعمل في إيطاليا، وربما كان ~~ضروريا إذا أخذنا بعين الاعتبار هذا الغرض المحدود من ~~إرسال حملة «فريزر»، وبخاصة عند هبوطنا الأول إلى البر ~~وحتى تستقر الأمور، احتلال بعض المراكز ذات الأهمية ~~الجوهرية والمتصلة بالهدف الأساسي، ثم إنه قد يكون لازما ~~طوال مدة إقامتنا بالبلاد، إنشاء صلات مع أولئك الذين لهم ~~السلطة والنفوذ، واسترضاؤهم لتأييد مصالحنا بوسائل من ذلك ~~الطراز الذي لا يقيدنا بارتباطات تتعارض مع المبادئ التي ~~يجب أن تشكل في آخر الأمر مسألة بقائنا في هذه البلاد، ~~ولكنه من الأهمية بمكان عند اتخاذ مثل هذه الخطوات أن يدخل ~~الضابط المتولي القيادة في حسابه الاعتبارات العامة التي ~~قد يتشكل بفضلها مسلك حكومة جلالة الملك البريطاني بعدئذ، ~~وأن يتجنب بكل ما وسعه من جهد اتخاذ طائفة من الإجراءات ~~التي قد تورطه هو وحكومته في مصاعب وارتباكات في آخر ~~الأمر، ثم بين «كاسلريه» القواعد التي يجب على مثل هذا ~~الضابط (والمقصود هنا «فريزر») الاسترشاد بها، فقال: ~~أولا: حتما لا يجب أن يبني مسلكه على انتظار نجدات لا ~~يمكن - تبعا لما تتطلبه أغراض أخرى، ولا تقل أهمية عن هذه ~~- إعطاؤها إياه دون حدوث أقصى إزعاج ms0814 وإرباك ممكن، وسبب ~~أكثر من هذا لإمكان الاحتراس من ذلك، إذا اتسم التصرف ~~بطابع الحكمة، هو انتفاء ما يدعو إلى الخوف من وقوع هجوم ~~من جانب فرنسا بحرا، في حين أن أية قوات معادية في وسع ~~الأتراك أن يجمعوها في داخل البلاد، لا يمكن أن تكون ~~كبيرة، ويتعذر على جيش بريطاني من ستة آلاف رجل يعاونه ~~أسطول متفوق التغلب عليها، وثانيا: ومن الأهمية بمكان أن ~~يدخل هذا الضابط في حسابه أن حكومة جلالة الملك غير متهيئة ~~لامتلاك مصر امتلاكا دائما على أساس معاهدة عند عقد ~~الصلح؛ ولذلك فحيث إن العمل من أجل تحقيق أغراض عسكرية ذات ~~أهمية أعظم في جهات أخرى أو أن نتيجة المباحثات المعلقة ~~الآن مع الباب العالي قد يفضيان حتى والحرب لا تزال دائرة ~~إلى تقدير الحكومة الإنجليزية سحب جيشها من الإسكندرية، ~~صار لزاما على «فريزر»، وبكل ما وسعه من جهد، اجتناب أية ~~إجراءات قد تجعل هذه الخطوة عند اتخاذها متعارضة مع شرف ~~وأمانة أولئك الذين في خدمته (أي وزرائه). # ولذلك، فإني أبلغكم أوامر جلالته لمطالبة الميجور جنرال ~~«فريزر» بأن يقصر نشاطه بكل دقة ممكنة على احتلال ~~الإسكندرية العسكري، بما في ذلك احتلال أية مراكز متصلة ~~بها يجد احتلالها ضروريا ولا معدى عنه فورا لتأمين ~~سلامة الحامية وتوفير الغذاء لها، وأنه في حالة ما إذا ألح ~~عليه المماليك أو غيرهم من الأحزاب الصديقة من أجل استخدام ~~قواته لطرد الأتراك من القاهرة، أو مواقع أخرى بعيدة، عليه ~~أن يرفض في عبارات تنم عن أعظم صداقة ممكنة مقترحاتهم ~~مبينا لهم في الوقت نفسه أن واجبه المباشر إنما هو البقاء ~~في الساحل لحماية البلاد من الفرنسيين، وأن الأوامر التي ~~لديه تمنعه حتى تصله النجدات من إرسال أي قسم من قواته في ~~خدمات عسكرية بعيدة في داخل البلاد، ويجب عليه كذلك أن ~~يكون متحذرا من رهن كلمة حكومته فيما يتعلق بأي نظام ~~للحكم، يتقرر في آخر الأمر تأسيسه في هذه البلاد، بل يقصر ~~تأكيدات صداقته على إظهار ما تشعر به الحكومة ms0815 الإنجليزية ~~من واجب استخدام مساعيها الطيبة وبقدر ما تسمح به الظروف، ~~في صالح أولئك الذين أسدوا خدمات لجيوشها وقت ~~الحرب. # ثم عاد «كاسلريه»، فلخص هذه التعليمات في ختام رسالته؛ ~~لتوضيح الغرض منها بدقة ومن غير لبس أو إبهام فقال: «إن ~~المبادئ العامة التي تقوم عليها إنما هي تجنب أي مسلك قد ~~يفضي إلى زيادة المطالبة بإرسال الجند، وتجنب أي إجراء قد ~~يعطل تنفيذ رغبة الحكومة الإنجليزية في سحب جيشها من مصر ~~في أي وقت تشاء، سواء جاء هذا كتنازل منها للباب العالي، ~~أو من أجل تأدية خدمات عسكرية أخرى أكثر ضرورة.» # وواضح أن النقطة البارزة في هذه الرسالة هي إبلاغ ~~«فريزر» بأن هناك احتمالا لصدور الأمر إليه في أي وقت ~~بالانسحاب من الإسكندرية، وأن الحكومة الإنجليزية لا ~~تستهدف ولا تريد بحال الاحتفاظ بالإسكندرية حتى تقرير ~~الصلح النهائي ولا امتلاك مصر، وقد وصلت إلى قرارها هذا ~~بالرغم من الأخبار التي بلغتها عن انتصار حملة «فريزر» ~~واستيلائها بخسارة طفيفة جدا على الإسكندرية، على أنه لم ~~يمض شهر واحد من صدور تعليمات «كاسلريه» هذه التي ~~ذكرناها، حتى كان قد جد ما جعل الحكومة الإنجليزية تبادر ~~بإرسال أوامرها بصورة حاسمة بإخلاء الإسكندرية فورا ~~والانسحاب من هذه البلاد. # فقد بعث «فريزر» في 6، 24 أبريل إلى «فوكس»، يبلغه نبأ ~~هزيمتي رشيد والحماد، ويطلب النجدات من مال ورجال بكل ~~سرعة، وأرسل «فوكس» بدوره هذه الأخبار إلى حكومته مع ~~تقارير «فريزر»، ومع صورة من رسالة «فوكس» نفسه إلى هذا ~~الأخير في 13 مايو، ~~ردا على كتابي «فريزر» في 6، 24 أبريل، وقد علق على ~~أخبار هذه الهزائم بقوله: إن أوامر الحكومة الإنجليزية ~~كانت إذا وقعت الحرب مع تركيا أن يصير الاستيلاء على ~~الإسكندرية، واعتبر خمسة آلاف جندي عددا كافيا لتحقيق ~~هذا، ولا أعتقد أن الحكومة كانت تفكر في استخدام هذه القوة ~~في أكثر من ذلك، ومن المحتمل أن الحكومة كانت تعرف أن فتح ~~مصر إذا أزمعت عليه يتطلب قوة أكبر من تلك الموجودة في ~~البحر الأبيض الآن، وليس من ms0816 المقطوع به إذا أحيطت علما ~~بما وقع أن ترى الحكومة من المناسب الاستمرار في امتلاك ~~الإسكندرية بالرغم من كل الصعوبات التي صارت هذه معرضة لها ~~بسبب حرمانها من أسباب الاتصال بسائر القطر (مصر)، وسوف ~~يجري تبليغ الحكومة بكل ما ذكرته في تقاريرك، وما يمكن ~~الوقوف عليه من معلومات أخرى، وفي الوقت نفسه لا أجد من ~~حقي أن أقرر الإخلاء، بل يجب الاحتفاظ والتمسك بالإسكندرية ~~إلا إذا أرغمنا إرغاما على التخلي عنها، بسبب عدم وجود ~~المؤن، والحاجة إلى الماء، أو الالتحام مع قوة عسكرية ~~متفوقة على قواتنا، وسوف تمكنك وسائل النقل بطريق البحر ~~وحماية الأسطول، وهما شيئان لن تجد نفسك محروما منهما من ~~إخراج الجند والانسحاب في كل وقت، إذا تبين أن ذلك قد صار ~~ضروريا. ووعد «فوكس» بإرسال النجدات إلى «فريزر» بالقدر ~~الذي يعوض عليه خسارته، كما وعد بإرسال المؤن والمال، ~~وتوقع أن يلقى التجار ما يشجعهم نظير ما يجنونه من ربح ~~مالي - على إمداد الإسكندرية بحاجتها من الأغذية وغيرها، ~~وكان من رأيه عند تحصين المداخل إلى الإسكندرية، والسيطرة ~~على الملاحة في بحيرة إدكو، أنه سوف يتعذر على العدو ~~مهاجمة المدينة، ونصحه باستمالة العرب إليه؛ حيث إن بذل ~~المال لهم وحسن معاملتهم يفضيان إلى تزويده (أي «فريزر») ~~ببعض الإمدادات عن طريق الصحراء، ثم إنه نصحه بالمضي في ~~مراسلة المماليك، حتى إذا نشط هؤلاء في الجهات المجاورة ~~للقاهرة، شغلوا الأتراك، وصرفوهم عن محاولة الهجوم على ~~الإسكندرية، واختتم رسالته إليه بقوله: «إن ترك مصر ~~والتخلي عنها في الوقت الحاضر، يلحق أذى بليغا بصالح ~~بريطانيا ويهدمه تماما، ويؤكد تفوق واستعلاء فرنسا، ~~وتتطلب رعاية مصالح الوطن والمحافظة على شرفنا العسكري بعد ~~هذه النكبات الأخيرة التمسك بالإسكندرية الآن، وحتى تجد ~~الحكومة الإنجليزية الوقت لاتخاذ قرار في هذه المسألة بعد ~~بحثها.» # ولم يغير «فوكس» موقفه هذا، عندما تسلم تقارير «فريزر» ~~التالية بتاريخ أول و6 مايو، وكذلك صورة رسالة هذا الأخير ~~إلى «وندهام» في أول مايو، وقد تضمنت كل هذه آراء «فريزر» ~~عن ضرورة إخلاء الإسكندرية في ms0817 النهاية - على نحو ما عرفنا ~~- فأجاب «فوكس» من «سيراكوز» في 30 مايو أنه لما كان قد ~~صدر أمر الحكومة باحتلال الإسكندرية، فهو لا يستطيع أن ~~يأخذ على عاتقه أن يصدر إليه أية تعليمات أخرى سوى وجوب ~~الاحتفاظ بالإسكندرية، والدفاع عنها أطول مدة ممكنة دون ~~المجازفة بتحطيم جيشه، وأنه يعتقد بفضل النجدات التي بعث ~~بها إليه من مال ورجال أن في وسع «فريزر» فعل ذلك، ولكنه ~~إذا اتضح له أن القوة المعدة ضده كبيرة لدرجة يصبح معها ~~بقاؤه بالإسكندرية أمرا غير عملي، فلدى «فريزر» من ~~الوسائل ما يمكنه من الانسحاب بسلام منها. وفي رسالة أخرى ~~من «فوكس» في نفس التاريخ (30 مايو) إلى أحد العسكريين ~~البريطانيين، قال إنه بالرغم مما جاء في تقارير «فريزر» عن ~~هزائم الجيش، وعن حاجته الملحة إلى النجدات المختلفة، ~~وجسامة الصعوبات التي تواجهه في الإسكندرية، واعتقاده أي ~~«فريزر» بضرورة إخلاء الإسكندرية عاجلا أو آجلا، فهو لا ~~يستطيع أن يتحمل مسئولية الموافقة على إخلاء الإسكندرية ~~إذا كان هناك احتمال للاحتفاظ بها، حتى يقف على رأي وقرار ~~حكومته بشأن ذلك، ولو أنه يتفق في الرأي مع «فريزر»، على ~~أنه من المتعذر من غير إرسال قوات كبيرة، يؤلف الفرسان ~~قسما لا يستهان به منها إلى هذه البلاد لاحتلالها بصورة ~~دائمة، حيث قد اتضح أن الميجور «مسيت» كان مخطئا لدرجة ~~بعيدة في معلوماته عن الحالة السائدة في البلاد. # على أن «فوكس» عندما بعث بتقارير «فريزر» سالفة الذكر ~~وبصورة من جوابه عليها (رسالة «فوكس» إلى «فريزر» في 13 ~~مايو)، لم يلبث أن أوضح لحكومته أنه لا يتسنى لها الاحتفاظ ~~بالإسكندرية بعد الهزائم الأخيرة إلا إذا أنفذت إلى ~~«فريزر» جيشا كبيرا لا معدى عن أن يسبب أخذه من قواته ~~هو في صقلية ضعف جيشه بها، فقال: إنه يسوءه أن يبعث إلى ~~الوزير «وندهام» بأخبار الهزيمة التي حلت بجيش «فريزر»، ~~وأنه يرجو أن يستطيع هذا الأخير البقاء بالإسكندرية، ~~والدفاع عنها بفضل النجدات التي سوف يرسلها إليه، حتى يتضح ~~ما يصح عزم الحكومة عليه بصدد ms0818 البقاء بالإسكندرية أو ~~إخلائها، ثم شرع يقول: وإنه لمن شأن حكومة جلالة الملك أن ~~تقرر ما إذا كانت ترى من الحكمة سحب القوات الحالية من ~~مصر، فإن الاحتفاظ بالإسكندرية في وجه الصعوبات التي يبدو ~~أنها قائمة الآن، أو إرسال جيش إلى هذه البلاد يمكننا من ~~الاستمرار في امتلاكها بصورة تبعث على الاحترام، وعلى درجة ~~من القوة تكفي لاحتلال كل المواقع الضرورية لتأمين ~~سلامتنا، فضلا عن حماية وتعضيد المماليك وغيرهم ممن ~~يرغبون في تأييد المصالح البريطانية في مصر، يبدو لي أنه ~~لا يمكن تحقيقه إلا إذا كان لدينا جيش من خمسة عشر ألف رجل ~~من بينهم ألف من الفرسان، وأفهم أنه سوف يتضح لكم أن لا ~~شيء يضر بقوات جلالة الملك مثل احتمال هزيمة جيشه على يد ~~العدو وإرغامه على إخلاء البلاد أو وقوعها في قبضة العدو، ~~ولكنني لا أكاد أرى ضرورة، تلجئني إلى بيان مقدار الضعف ~~الكبير الذي سوف يلحقه بالجيش هنا (في صقلية) إلى جانب ما ~~حدث من إرسال الأورطة التي أرسلت إلى جزيرة مالطة ~~لإخماد تمرد آلاي «فروهبرج» # Forhberg # بها على نحو ما ذكرت في ~~رسالتي بتاريخ 4 مايو، إرسال هذه النجدات إلى الإسكندرية، ~~وفي 13 يونيو كتب «فوكس» إلى «كاسلريه» من «مسينا»، بعد أن ~~أرسل إليه نسخا من رسائل «فريزر» عن مفاوضات ترجمان محمد ~~علي معه، وتحسن الموقف خلال شهر مايو بالإسكندرية، أنه ~~يصعب عليه وهو على هذه المسافة البعيدة منه أن يصدر إليه ~~تعليمات بشأن مسلكه مع محمد علي والبكوات المماليك، ولكنه ~~سوف يوصيه على كل حال بأن يظل على علاقات طيبة مع الفريقين ~~دون التورط مع أحدهما بشكل يسبب امتعاض الفريق الآخر ~~منه، وأن يكون متحذرا جدا من ناحية محمد علي، وقد أرفق ~~«فوكس» مع رسالته هذه تقرير الكابتن برجوين الذي سبقت ~~الإشارة إليه عن تعذر الدفاع عن الإسكندرية في الظروف ~~الراهنة، كما أوفد الكابتن «ثاكري» # Thackary # وهو من الضباط الملمين تماما ~~بآراء كبير المهندسين الميجور ~~برايس # Bryce # عن حالة تحصينات الدفاع ~~بالإسكندرية، وقد سبق ms0819 لهذا الأخير أن خدم في مصر أثناء ~~الحرب الأخيرة (1801)، واكتسب خبرة كبيرة. # ومع أن «فوكس» بادر في 23 يونيو بإرسال ما وصله من ~~تقارير من «فريزر» عن تحسن الموقف في الإسكندرية، وقال ~~تعقيبا على ما جاء بهذه التقارير : إنه يستدل من اللهجة ~~التي كتبت بها أن الجيش الذي تحت قيادة «فريزر» في ~~الإسكندرية، قد صار الآن موقفه مأمونا تماما، كما صار ~~مزودا بالمؤن تزويدا طيبا، إلا أن تقارير «فريزر» ~~السابقة عن هزيمتي رشيد والحماد، وتوضيحات «فوكس» عن ضرورة ~~إرسال جيش من خمسة عشر ألف مقاتل إلى الإسكندرية إذا شاءت ~~الحكومة الاحتفاظ بها، مع بيان ما ينجم عن فصل هذه القوة ~~من جيشه بصقلية من إضعاف لهذا الجيش نفسه، قد حتم على ~~الحكومة الإنجليزية الاختيار نهائيا بين الاحتفاظ ~~بالإسكندرية، ويتطلب ذلك إرسال هذا الجيش الكبير إليها، ~~وهذا ما لم يكن في مقدورها، أو الاحتفاظ بصقلية لضرورات ~~الموقفين العسكري والسياسي في أوروبا، والإفراج عن القوة ~~المحجوزة بالإسكندرية لاستخدامها في ميادين أخرى أعظم ~~أهمية بالنسبة لاستراتيجية الحرب العامة، فلم تجد الحكومة ~~الإنجليزية مناصا من تقرير خطتها النهائية، وعندئذ آثرت ~~التخلي عن الإسكندرية على ضياع صقلية من يدها، ومن المحتمل ~~كذلك إذا ضعف جيش «فوكس» بهذه الأخيرة ضياع الإسكندرية ~~وصقلية معا وفي وقت واحد؛ ولذلك فإنه بمجرد أن وقفت هذه ~~الحكومة على أخبار هزيمتي رشيد والحماد وحاجة «فريزر» إلى ~~النجدات القوية، وعرفت آراء «فوكس» في هذا الموضوع منذ أن ~~وصلتها تقاريره الأولى خلال النصف الأول من شهر يونيو ~~أصدرت أوامرها فورا بسحب الجند البريطانيين من الإسكندرية ~~إن لم يكن قد بدأ انسحابهم منها فعلا بسبب الهزائم ~~الأخيرة والصعوبات التي صار يواجهها «فريزر»، فبعث ~~«كاسلريه» بهذه الأوامر القاطعة إلى «فوكس» في 14 يونيو ~~1807 في كتاب طويل، لا يدع مجالا للشك في أن مصير حملة ~~«فريزر» كان مرتبطا ومن مبدأ الأمر، على نحو ما ذكرنا ~~مرارا، كان مرتهنا بتطورات الموقف في أوروبا من ~~الناحيتين العسكرية والسياسية. # فجاء في كتاب «كاسلريه» ما نصه: «لقد وصلنا تقريركم ms0820 ~~(مخاطبا «فوكس») من «مسينا» بتاريخ 14 مايو مع الرسائل ~~المرفقة به، وقد عرضت هذه على الملك، وقد تلقى جلالته ~~باهتمام بالغ ما سرده «فريزر» عن الهجومين الفاشلين اللذين ~~قاما بهما الجند البريطانيون بخسارة كبيرة ضد رشيد، على ~~نحو ما جاء ذكره مفصلا في كتاب الميجور جنرال «فريزر» إلى ~~الوزير «وندهام» بتاريخ 6 أبريل، ولكم بتاريخ 24 من الشهر ~~نفسه، ويوافق جلالته على الإجراءات التي اتخذتموها من حيث ~~إرسال النجدات والإمدادات التي وجدتم أنها قد تكون كافية ~~لإعطاء «فريزر» الفرصة للاستمرار في امتلاك الإسكندرية، ~~حتى تتضح رغبات جلالته بشأن ذلك؛ ولذلك أبلغكم الآن أوامر ~~جلالته فيما يتعلق بتوجيه مسلككم، إذا لم يكن قد تم فعلا ~~إخلاء مصر قبل وصول هذه إليكم. # يبدو مما وضح من حوادث للآن، أنه لا يمكن فصل احتلال ~~الإسكندرية عن امتلاك رشيد والرحمانية وربما دمياط كذلك، ~~وأنه حتى بامتلاك هذه الأماكن الأخيرة، ليس هناك ما يدعو ~~لتوقع الاحتفاظ بالإسكندرية في أمان، ما دمنا في حرب مع ~~الباب العالي من غير اتساع نطاق العمليات العسكرية بصورة ~~تشمل احتلال مصر بأسرها، وإخضاع القوات الأرنئودية ~~والعثمانية الموجودة بالبلاد الآن، وتقولون إن النجدات ~~التي بعثتم بها إلى «فريزر» إنما هي بالقدر الذي قد يمكن ~~من الاحتفاظ بالإسكندرية حتى تستبين رغبات جلالة الملك، ~~ولكنه حتى يتسنى احتلال جميع المواقع الضرورية لتأمين ~~موقفنا في هذه البلاد، لا مناص في رأيكم من استخدام جيش لا ~~يقل عن 15000 مقاتل من بينهم 1000 فارس؛ لتحقيق هذه الغاية ~~في الظروف الراهنة، ولكنه بالرجوع إلى القوات التي لدينا ~~الآن في البحر الأبيض يتضح - إلا إذا كان جلالته متهيئا ~~لإرسال قوة، يتألف أكثرها من الجند الموجودين بأرض الوطن - ~~أنه لا معدى عن الاختيار بين إخلاء مصر أو التخلي عن ~~صقلية، ومن المستحيل الاحتفاظ بمصر وصقلية معا وفي وقت ~~واحد، بل ومن المحتمل فقد الاثنين كليهما إلى جانب فقد ~~الجيش نفسه كذلك إذا حاولنا برعونة النضال ضد الصعوبات ~~التي تكتنف تحقيق الغرض الأول (أي الاحتفاظ بمصر)، وحيث إن ~~هذا ms0821 هو الوضع الحقيقي للمسألة، فلا شك في أنكم قد استخلصتم ~~من تعليماتي الأخيرة إليكم أنه لا مجال للتردد في اختيار ~~الطريق الذي يجب تقريره، لقد كان الغرض الرئيسي من تلك ~~التعليمات هو جعل امتلاك الإسكندرية - من وجهة النظر ~~السياسية - تابعا لأمن صقلية وسلامتها، وللغرض الأكبر ~~أهميته من حيث القدرة على القيام بعمل عدواني ضد العدو في ~~إيطاليا. ومهما كان مبلغ إدراك الملك حينذاك لما سوف يترتب ~~عليه فصل قوة كبيرة كهذه، وإرسالها إلى مصر كوسيلة لحمل ~~الباب العالي على قبول تسوية معنا، من أثر سيئ على قدرة ~~جيشكم على القتال والقيام بعمليات عسكرية نشيطة، فإنه لم ~~يكن راغبا وقتذاك في جعل الإسكندرية تفلت من أيدينا، ~~وإنما بشريطة أن يستطيع الجنود الذين بها الاحتفاظ بهذا ~~الموقع، ولقد كانت رغبة جلالته في الوقت نفسه من جهة أخرى ~~ألا يستحيل تحقيق هذا الغرض إلى عامل يستنفد تدريجا ~~قوات جيش جلالته في صقلية. # ولا يبعد بحال من الأحوال أن يكون الميجور جنرال «فريزر» ~~قد وجد نفسه على نحو ما يؤخذ من تقريره، مرغما على سحب ~~جنده من مصر قبل أن تتمكن النجدات المرسلة من الوصول إليه، ~~ومن المحتمل - من ناحية أخرى - أنه لا يزال بالإسكندرية، ~~وأن تلقاه بها النجدات المرسلة إليه من صقلية، وإنكم بسبب ~~صعوبات موقفه المستمرة - ولا سيما بعد أن يكون قد وصلكم ~~كتابي المؤرخ في 21 مايو - تكونون قد قررتم استدعاء جيش ~~الميجور جنرال «فريزر» دون انتظار لتعليمات أخرى من لندن، ~~فإذا لم يكن هذا ما وقع فعلا، فإني أبلغكم إرادة جلالة ~~الملك، وهي أن تتخذوا فورا الإجراءات اللازمة لسحب الجنود ~~البريطانيين من مصر، والتنبيه عليهم بالعودة إلى قواعدهم ~~السابقة في صقلية.» # ثم إن «كاسلريه» طلب في ختام رسالته هذه إلى «فوكس» أن ~~يبلغ هذه الأوامر التي تلقاها إلى السير «آرثر باجيت» ~~بسفينة سريعة، إذا كان هذا قد غادر صقلية في طريقه لتأدية ~~المهمة المكلف بها (أي المفاوضة مع الباب العالي) وأن ~~يبلغه كذلك أن حكومته قد خصصت لحين صدور أوامر ms0822 أخرى ~~أسطولا صغيرا للتجول قريبا من الساحل المصري لمنع وصول ~~أية إمدادات من مصر إلى القسطنطينية، وفي 16 يونيو أصدرت ~~البحرية البريطانية تعليماتها إلى أمير البحر اللورد ~~«كولنجوود» بوضع قوة بحرية بالقرب من الساحل المصري لتحقيق ~~هذا الغرض الأخير، وخيرته في عدم فعل ذلك إذا اتضح له أن ~~حصار الدردنيل وميناء أزمير يكفي دون حاجة لوضع قوة عند ~~مصبات النيل تكفي لمنع خروج الإمدادات من مصر إلى ~~القسطنطينية، إلا إذا وجد من الحكمة توقيا لما قد يحدث ~~استمرار هذه القوة البحرية بالقرب من الساحل المصري، على ~~اعتبار أن ذلك من الإجراءات العامة التي يجب اتخاذها من ~~قبيل الحيطة والحذر من إرسال الفرنسيين جيشا إلى ~~مصر. # وأما هذه التعليمات القاطعة بضرورة سحب الجنود والجلاء ~~فورا عن الإسكندرية، فقد وصلت «فوكس» بمسينا في 10 يوليو، ~~ووجب عليه أن يبلغها بدوره إلى «فريزر» دون إبطاء، ولكنه ~~حدث أن السير «آرثر باجيت» الذي غادر إنجلترة في طريقه ~~لتنفيذ مهمته في 3 يوليو، كان قد وصل هو أيضا إلى «مسينا» ~~في 10 يوليو بعد أن قابل «كولنجوود» في قادش، وتحدث إليه ~~في أغراض مهمته، ووصل الاثنان إلى أن الهزائم التي لحقت ~~بجيش «فريزر» في مصر، من شأنها أن تصعب مفاوضاته مع الباب ~~العالي. # وعلى ذلك فإنه ما إن وقف على أوامر حكومته الأخيرة بصدد ~~الجلاء عن الإسكندرية، حتى راح يحاول إرجاء إرسال هذه ~~التعليمات إلى «فريزر» فترة من الوقت، حتى لا تتأثر ~~مفاوضته تأثرا سيئا بسبب هذا الإجراء، واستمال إلى ~~تأييده في هذا الرأي كلا من السير «جون مور» # Moore # الذي خلف «فوكس» ~~في القيادة بصقلية وقتئذ، والأميرال كولنجوود. ويؤخذ من ~~رسائل «باجيت» إلى «كولنجوود» في 10 يوليو، ثم إلى «كاننج» ~~وزير الخارجية في 12 يوليو، ثم من الجنرال «مور» إلى ~~«كاسلريه» وزير الحربية في 13 يوليو، ومن «كولنجوود» إلى ~~«مور» في 19 يوليو، إن الأسباب التي استند إليها «باجيت» ~~ووافق عليها الأخيران: تتلخص أولا: في أن الأوامر التي ~~صدرت إلى «فوكس» في 14 يونيو، ms0823 إنما صدرت - حسب اعتقاده - ~~تحت تأثير فكرة خاطئة هي تعذر الاحتفاظ بالإسكندرية، ثم ~~عدم إفراغ صقلية من الجنود المتوقع استخدامهم في عمليات ~~عسكرية ضد العدو في إيطاليا، فناقش هاتين المسألتين في ~~كتابه إلى «كاننج» بإسهاب، مفندا صحة الزعم الأول بدعوى ~~أن الأخبار التي وصلت أخيرا من «فريزر» إلى الجنرالين ~~«فوكس» ومور تؤكد أنه صار في وسع «فريزر» الاحتفاظ ~~بالإسكندرية، بالرغم من الصعوبات التي من المتوقع أن ~~يصادفها هذا من جانب العدو، وذلك بفضل ما صارت تذخر به ~~الإسكندرية من إمدادات من مختلف الأنواع، فضلا عن أن ~~تعليمات «كاسلريه» إلى «فوكس» في 8 مايو، وتعد الحكومة ~~بمقتضاها بإمداده بقوات أخرى إذا رأى من الملائم إنشاء ~~مركز بحري بالاتفاق مع «كولنجوود» في إحدى جزر الأرخبيل، ~~كإجراء يتطلبه حصار الدردنيل وميناء أزمير، من شأنها أن ~~تعزز ما ذهب إليه «باجيت» من حيث إمكان الاحتفاظ ~~بالإسكندرية؛ لأنه قد طلب إلى «فريزر» وقتئذ - كما قال ~~«باجيت» - أن يفصل قسما من جيشه لاحتلال إحدى الجزر ~~اليونانية إذا سأله «كولنجوود» أن يفعل ذلك، وأما فيما ~~يتعلق بالمسألة الثانية، فإن الموقف في صقلية لا يمكن ~~للأسف أن يبعث على الأمل في إمكان بدء أية عمليات عسكرية ~~ضد العدو في مملكة نابولي في المدة المنتظر أن يجري في ~~أثنائها سحب جنود «فريزر» من الإسكندرية ووصولهم إلى ~~صقلية، حتى ولو فرض أن تأجل انسحابهم زيادة على المدة التي ~~يتوقع «باجيت» إبقاءهم بها، وثانيا: فإن انسحاب «فريزر» ~~بجيشه من الإسكندرية سوف يفقده السلاح الوحيد الذي يستطيع ~~الانتفاع به في الضغط على الباب العالي أثناء مفاوضته معه، ~~وثالثا: فإنه حتى يتسنى له تنفيذ تعليمات «كاننج» إليه في ~~18 مايو الخاصة بممتلكات البريطانيين المصادرة وأسراهم ~~ومعتقليهم في تركيا، لا يجب حرمان «باجيت» من ميزة استمرار ~~الإنجليز في احتلال الإسكندرية أثناء مفاوضته؛ لأن إرجاع ~~الإسكندرية للدولة إذا فشل في مفاوضته من أجل السلام مع ~~تركيا، سوف يكون حينئذ الثمن الذي به يمكن تحقيق إعادة ~~أملاك البريطانيين إليهم، أو دفع تعويض لهم عنها، وإطلاق ~~سراح ms0824 أسراهم، لا سيما وأن الحصار المطلوب فرضه على الموانئ ~~العثمانية، اللهم إلا إذا استثنينا الإسكندرية وحدها، لم ~~يكن قد بدئ بعد، ورابعا: أنه لا خطر على جيش «فريزر» ~~بالإسكندرية إذا تأجل الإخلاء؛ لأن الجيش - كما قال ~~«كولنجوود» - منذ عودته من رشيد والحماد إلى الإسكندرية قد ~~تحسن موقفه باستمرار، حتى صرنا الآن القوة الوحيدة ذات ~~الاحترام في مصر، فالباشا يخشاه، والبكوات المماليك يطلبون ~~رضانا والعربان يظهرون نحونا قطعا كل إخلاص ومحبة، ~~والنكوص على أعقابنا الآن يطوح بالمفاوضات ويقضي ~~عليها. # وعلى ذلك، فقد وجد الجنرال «مور» لزاما عليه أن يبلغ ~~«فريزر» أوامر حكومته بشأن الإخلاء مشفوعة بما قر عليه ~~رأيه هو و«باجيت» نفسه فور وصوله إلى جزيرة «تينيدوس» وبدء ~~المفاوضة بالاشتراك مع المندوبين الروس مع مندوبي الباب ~~العالي، فكتب إليه من «مسينا» في 11 يوليو، يطلعه على فحوى ~~تعليمات «كاسلريه» في 14 يونيو، والأسباب التي حدت بالسير ~~«آرثر» إلى طلب تأجيل الإخلاء فترة من الزمن، ثم استطرد ~~يقول: «وسوف تلاحظون وجوب الاحتفاظ بسرية هذه الأوامر عن ~~الانسحاب من الإسكندرية، حتى تبلغكم تعليمات السير «آرثر ~~باجيت»؛ لأنه لو علم العزم على إخلاء الإسكندرية قبل ~~أوانه لبطل الغرض من تأجيل الإخلاء كلية؛ ولذلك فمن الواجب ~~قبل كل شيء أن تظل ترتيباتك سرية، ولا تعدو تلك التي لا ~~تثير أية شكوك من ناحية نوايانا الأخيرة، وتساعدك في الوقت ~~نفسه على تنفيذ الإخلاء عند تقريره دون أي إبطاء»، ثم وجه ~~إليه تعليماته بصدد الإجراءات اللازم اتباعها لنقل المهمات ~~والعتاد البريطانية، على أن ينتظر تعليمات «باجيت» فيما ~~يتعلق بتلك الخاصة بالحكومة العثمانية، أو التي حصل عليها ~~عند استيلائه على الإسكندرية، ثم قال: «وإذا نجح «باجيت» ~~في مفاوضته وعقد الصلح، فظني أن الإسكندرية سوف تسلم إلى ~~الأتراك في حالتها الراهنة، أو التي كانت عليها عند ~~استيلاء البريطانيين عليها، وأما إذا فشلت المفاوضات، فقد ~~يكون في وسعك أن تصل إلى اتفاق مع الباشا محمد علي أو مع ~~الأرنئود؛ لتسليم الأسرى الذين بأيديهم وكذلك المدافع وما ~~إليها وما يكونون قد ms0825 استولوا عليه، ولكنه يجب عليك مهما ~~كانت الظروف أن تأتي بما قد تكون نصبته من مدافع بريطانية ~~أو استخدمته من أدوات في أعمال التحصينات بالإسكندرية، ~~وإذا ترك الأمر لتصرفك، ولا يكون هذا إلا في حالة واحدة؛ ~~أي عند إخفاق المفاوضات التي يضطلع بها «باجيت»، فمن واجبك ~~أن تبذل قصارى جهدك للوصول إلى أفضل مساومة نظير إطلاق ~~سراح الأسرى وغير ذلك، وهذه الأوامر لا تحول بحال ما دون ~~تنفيذ التعليمات التي أرسلها الجنرال «فوكس» لك بشأن فصل ~~قوة ضعيفة من جيشك للاستيلاء على إحدى جزر الأرخبيل إذا ~~وجد أمير البحر «كولنجوود» ذلك مناسبا، ولك أن تفعل هذا ~~إما فورا وإما وقت الإخلاء حسبما تمليه ضرورات الموقف»، ~~واختتم «مور» رسالته هذه بقوله: إن أوامر مشابهة من أجل ~~إخلاء الإسكندرية سوف يبعث بها «كولنجوود» إلى الكابتن ~~«هالويل» وإن على «فريزر» أن يطلعه على كل الأحوال على هذه ~~المسألة سرا. # وأما السير «آرثر باجيت» فقد وصل إلى «تينيدوس» في 28 ~~يوليو، ولقي بها «بوزو ~~دي بورجو» Pozzo di Borgo # زميله الروسي في المفاوضة ~~المنتظرة، وكان هذا موجودا بها منذ 24 مايو، كما وجد ~~أسطولا روسيا بقيادة «سنيافين» # Seniavin # يرسو عند هذه الجزيرة، وآخر ~~بقيادة «جريج» # Greig # بالقرب من جزيرة «لابان» # Lapins ~~، ولحق به «كولنجوود» ببعض قطع ~~الأسطول، وبدأ مفاوضته، ولكن سرعان ما اعترضت مفاوضته هذه ~~صعوبات عدة حكمت عليها بالفشل، أهمها أن المندوب الروسي ~~لم يظفر من الديوان العثماني بطائل، ثم لم تلبث أن جاءت ~~الأنباء في 23 أغسطس بأن نابليون قد عقد مع القيصر إسكندر ~~الأول صلح «تلست» # Tilst # منذ 7 يوليو، ووصلت الأوامر إلى «سنيافين» بوقف القتال ضد ~~تركيا، فقصد أسطوله - وكان قد انضم إلى أسطول «كولنجوود» ~~بناء على رغبة الأخير بالقرب من جزيرة «إيمبرو» # Imbro # منذ 13 أغسطس - ~~إلى «تينيدوس» إشارة إلى انفصال مصالح روسيا من الآن ~~فصاعدا عن مصالح بريطانيا، فبقي «باجيت» في مفاوضاته مع ~~الأتراك منفردا، أضف إلى هذا أنه على الرغم من الثورة ~~التي حدثت في القسطنطينية، وأطاحت ms0826 بعرش سليم الثالث - وهي ~~الثورة التي سبقت الإشارة إليها - لم يطرأ تغيير على موقف ~~الأتراك الذين ظلوا خاضعين كذلك في العهد الجديد لنفوذ ~~فرنسا، وتمتع «سباستياني» السفير الفرنسي بنفوذ كبير في ~~القسطنطينية، وعمد الأتراك إلى المراوغة والمماطلة في ~~مفاوضتهم مع «باجيت»، مستندين دائما في ذلك إلى أنه لم ~~يقع رسميا إعلان للحرب بين تركيا وإنجلترة، فلا داعي إذن ~~للدخول في مفاوضة أو تعيين مندوبين لها من أجل البحث في ~~استرجاع علاقات المودة والصداقة بينهم وبين الإنجليز، وأنه ~~يكفي إخلاء الإسكندرية وانسحاب السفن الحربية الإنجليزية ~~من السواحل العثمانية لعودة المياه إلى مجاريها، وتنفيذ ~~المعاهدات القديمة بين الفريقين، وفضلا عن ذلك فقد نفد ~~صبر «كولنجوود» من مماطلة الأتراك وتسويفهم، وبخاصة عندما ~~جاءت الأخبار من صقلية تنذر بأن الثورة على وشك الوقوع ~~بها، وأن تغييرات هامة سوف تجري في البرتغال وإيطاليا ~~لصالح الإمبراطور نابليون، وأن جيشا فرنسيا كبيرا يزحف ~~صوب إيطاليا الجنوبية لطرد الإنجليز من صقلية، وأن جزيرتي ~~«كورفو» و«كتارو» # Cattaro # قد حصل التنازل عنهما لفرنسا، وهكذا صارت صقلية مهددة ~~بالسقوط في يد العدو، وهي التي حرص الإنجليز على التمسك ~~بها، فكان لذلك كله أن أنذر «كولنجوود» الأتراك، ومن غير ~~أن يستشير «باجيت» في ذلك في 4 سبتمبر بضرورة وصولهم إلى ~~قرار حاسم في بحر أسبوع واحد، فيما إذا كانوا يريدون حقا ~~المفاوضة الجدية من أجل عقد الصلح مع الإنجليز وتجديد ~~صداقتهم معهم. # ومع أن «باجيت» كان قد ساءه اتخاذ «كولنجوود» لهذه ~~الخطوة دون استشارته، فقد نفد صبره هو الآخر مع الأتراك، ~~وتبين له عبث الاستمرار على المفاوضة معهم، وكان «باجيت» ~~وقت أن كان لا يزال الأمل يداعبه في إمكان نجاح مفاوضته ~~معهم، قد بعث إلى «فريزر» من «إيمبرو» برسالتين في 30 ~~أغسطس، يطلب منه فيهما رسميا إنجاز استعداداته للتهيؤ ~~لمغادرة الإسكندرية، وإخلائها عند أول سانحة، ولكنه ما لبث ~~الآن أن صح عزمه على إرسال أوامره القاطعة في 16 سبتمبر ~~إلى «فريزر»، يطلب منه الجلاء والانسحاب من الإسكندرية ~~فورا، وكان مبعث هذا الأخير ms0827 أن «سنيافين» كان قد غادر ~~بأسطوله «تينيدوس» إلى «كورفو» منذ 6 سبتمبر، وذاعت ~~الأخبار بأنه قد صار التنازل عن بعض سفنه إلى فرنسا، كما ~~أن أخبارا قد جاءت «مور» في صقلية في 15 سبتمبر، تفيد بأن ~~الحالة بها قد تحرجت لدرجة تدعو لتجمع القوات الإنجليزية ~~بها بكل سرعة، ولم يتردد «كولنجوود» لحظة بسبب هذه الأخبار ~~عن الإبحار إليها في 16 سبتمبر؛ وعلى ذلك، فقد كلف «باجيت» ~~الضابط «مورييه» # Morier # بالذهاب إلى الإسكندرية، يحمل أمره القاطع بالإخلاء إلى ~~«فريزر»، ويحمل عدا ذلك رسالتين إلى باشا مصر محمد علي؛ ~~إحداهما منه في 16 سبتمبر، والأخرى من القبطان باشا السيد ~~علي بك الجزائري - ولم تكن المفاوضات قد توقفت بعد مع ~~الباب العالي - يطلب «باجيت» والقبطان فيهما منه إطلاق ~~سراح الأسرى الإنجليز، وكان هذا هو كل ما أسفرت عنه ~~مفاوضات «باجيت» الذي لم يلبث أن قطعها نهائيا في ~~أكتوبر، وانتهت بذلك مهمته بالفشل. # وأما «مورييه» فقد بلغ الإسكندرية في 22 سبتمبر، ليعلم ~~أن «فريزر» قد تفاوض مع محمد علي، واستطاع الحصول على شروط ~~مرضية جدا نظير الجلاء عن الإسكندرية، كما وجد أن إبحار ~~الجنود البريطانيين قد بدأ فعلا يوم وصوله إليها. # المرحلة الأخيرة # فقد تقدم كيف اعتبر «فريزر» غير معقولة وغير مفهومة، تلك ~~المقترحات التي قدمها ترجمان محمد علي إليه في مايو ~~1807، من أجل الصلح على أساس جلاء الإنجليز عن الإسكندرية، ~~وتسليمها إلى محمد علي لقاء أن يطلق الباشا سراح أسراهم، ~~وأن يعقد محالفة ضد أعدائهم وأعدائه على السواء من فرنسيين ~~وعثمانيين، وأسفر جس النبض في هذه المرحلة عن تيقن محمد ~~علي أن الإنجليز لن يتنازلوا مختارين عن الإسكندرية، ولو ~~أنهم يظهرون في الوقت نفسه ميلا لاستئناف علاقات المودة ~~والصداقة معه، ولم يغلقوا باب التفاهم والاتفاق على الأقل ~~فيما يتعلق بمسألة إطلاق سراح أسراهم، ثم كيف أن محمد علي ~~قد شغل بعد ذلك بإنجاز استعداداته من الناحيتين السياسية ~~والعسكرية تهيؤا للزحف على الإسكندرية، فتوقفت المفاوضات ~~بينه وبين «فريزر»، واستمرت معطلة مدة، حتى إذا فرغ ms0828 الباشا ~~من تجهيزاته، وانتقل إلى إمبابة يوم 8 أغسطس، حضر ~~«ريفارولا» من جانب الجنرال «فريزر» لاستئناف المفاوضة ~~معه. # وأما السبب الذي جعل «فريزر» يقرر المبادأة من جانبه في ~~فتح باب المفاوضة هذه المرة مع محمد علي، فهو أن «فوكس» ~~بعث إليه بالتعليمات التي أصدرها «كاسلريه» إلى هذا الأخير ~~في 17 مايو، فوصلت هذه إلى «فريزر» في يوليو، وقد أجاب ~~عليها هذا في 24 يوليو، وكان أهم ما استرعى نظره منها ~~احتوت عليه من تعليمات - كما قال - تبين احتمال حدوث ~~الجلاء عن البلاد وإخلاء الإسكندرية ، وتوصيه بضرورة عدم ~~الارتباط بأية وعود غير حكيمة تسيء إلى شرف حكومته، وتكون ~~سببا في توريطها في نشاط قد يعوق سحب جيشها من البلاد ~~عندما يصح عزمها على إصدار قرارها النهائي بالخروج من هذه ~~البلاد. # وقد كان هذا التحذير الأخير كافيا لأن يحمل «فريزر» على ~~إرسال صورة طي رسالته السالفة الذكر إلى «فوكس» في 24 ~~يوليو من منشوره الأصلي الذي أذاعه عند هبوطه إلى الشاطئ ~~المصري واستيلائه على الإسكندرية؛ لبيان الغرض من مجيء ~~حملته إلى هذه الديار، ثم إرسال آخر ما وصله من كتب ~~الرؤساء المماليك، كما أن الإشارة إلى احتمال إخلاء ~~الإسكندرية وإلى أنه ليس في عزم حكومته امتلاك مصر، قد ~~جعلته يبغي من ناحية أخرى جس نبض محمد علي، في خير الشروط ~~التي يستطيع الظفر بها منه لقاء الجلاء عن الإسكندرية ~~عندما يصدر إليه الأمر بإخلائها، وكما اتخذ محمد علي من ~~مسألة تبادل الأسرى ذريعة لجس نبض «فريزر» وبدء المفاوضة ~~معه، فقد اتخذ هذا الأخير مسألة إطلاق سراح الأسرى ~~الإنجليز ذريعة لاستئناف المفاوضة مع الباشا والوقوف على ~~حقيقة نواياه نحو الإنجليز عموما، فعمد إلى إرسال ~~«ريفارولا» إليه، والأخير من أصل كورسيكي، التحق بالخدمة ~~في آلاي صقلية. # وقد وصل «ريفارولا» إلى معسكر الباشا في إمبابة - كما ~~عرفنا - يوم 10 أغسطس، ولما كان محمد علي بالرغم من ~~استعداداته لا يزال يؤثر - للأسباب التي بسطناها - الاتفاق ~~مع الإنجليز على قتالهم، فقد رحب بهذه الفرصة المواتية ~~لاستئناف المفاوضة ms0829 معهم لعله يظفر باتفاق يمكنه من ~~الاستيلاء على الإسكندرية سلما، ويكسب بفضله صداقة ~~الإنجليز والتحالف معهم، فأطلق أحد عشر مدفعا تحية ~~لقدوم هذا المفاوض الجديد، وأكرمه بإنزاله هو وصحبه في ~~خيمة بمخيمه بإمبابة، واستعد للمفاوضة معه دون إبطاء، ~~ولكنه سرعان ما وقع لهؤلاء حادث عاقهم عن مقابلة الباشا ~~فورا، ذكره الشيخ الجبرتي في حوادث 5 جمادي الثانية 1222 ~~الموافق 10 أغسطس 1807، فقال: «وفي خامسه حضر قابجي من طرف ~~الإنجليز وصحبته أشخاص، فأنزلهم الباشا في خيمة بمخيمه ~~بإمبابة فرقدوا بها ليأخذوا لهم راحة، وناموا، فلما ~~استيقظوا فلم يجدوا ثيابهم، وسطا عليهم السراق ~~فشلحوهم، فأوصلوا إلى حارة الفرنساوية، فأتوا لهم بثياب ~~وقفوات لبسوها.» # وقد اهتم «دروفتي» بهذه المفاوضات التي جرت في إمبابة، ~~وحاول أن يقف على حقيقتها من الباشا الذي لم يشأ إطلاعه ~~على تفاصيلها، لنفس الأسباب التي ذكرناها عند الكلام عن ~~مهمة ترجمان محمد علي والكابتن «ديلانسي» في الإسكندرية، ~~ولكن «دروفتي» الذي خشي من عواقب هذه المفاوضة وما سوف ~~ينجم عنها من أذى يلحق بالمصالح الفرنسية إذا عقد الصلح ~~بين الباشا والإنجليز، واستطاع هؤلاء استمالة محمد علي إلى ~~تعزيز نفوذهم في مصر، لم يلبث أن أخذ يسعى بوسائله الخاصة ~~لمعرفة ما دار بين الفريقين في إمبابة، ثم بعث بالمعلومات ~~التي وقف عليها إلى السفير الفرنسي في القسطنطينية في ~~رسالتين بتاريخ 16، 19 أغسطس. # وعلل «دروفتي» في رسالته الأولى السبب الذي حدا - في ~~نظره - بالجنرال «فريزر» إلى إيفاد مندوبه إلى محمد علي، ~~بأنه عدم تشدد الباشا في منع المؤن والمتاجر من الدخول إلى ~~الإسكندرية؛ حيث أعطى «بتروتشي»، بوصفه قنصل السويد، ~~تسهيلات عدة مكنته من إرسال مركبين إليها، وسقتا بالبضائع ~~لحسابه، فشجع هذا القائد الإنجليزي على استئناف المفاوضة ~~مع محمد علي، ثم ذكر «دروفتي» ما حدث فقال: إن الجنرال ~~«فريزر» قد بعث مع مندوبه أي «ريفارولا» بكتاب يطلب فيه ~~إطلاق سراح الأسرى الإنجليز في نظير التعهد بأن هؤلاء لن ~~يحملوا سلاحا بعد ذلك ضد تركيا طوال مدة هذه الحرب بين ~~هذه الأخيرة وبين إنجلترة، ms0830 وعلاوة على ذلك فقد أفهم محمد ~~علي أن بوسعه المباحثة مع هذا الضابط في شروط الصلح التي ~~تناسبه، وعرف «دروفتي» جواب الباشا على هذه المقترحات، ~~وفحواه أن محمد علي قد اشترط كأساس للدخول في أية مفاوضة ~~مع الإنجليز إخلاء هؤلاء للإسكندرية وجلاءهم عنها. # ولما كان «ريفارولا» قد أحضر معه قدحا للقهوة مرصعا ~~بالماس هدية من «فريزر» إلى محمد علي، فقد أهدى هذا الأخير ~~القائد الإنجليزي أربعة خيول مطهمة، ولم يشأ الباشا غلق ~~باب المفاوضة، كما أنه أراد من جهة أخرى إشعار «ريفارولا» ~~بأنه مصر على انتزاع الإسكندرية عنوة من أيدي الإنجليز ~~إذا رفض هؤلاء تسليمها إليه طوعا، فقال: إن هؤلاء سوف ~~يتلقون منه جوابا أخيرا على مقترحاتهم لدى وصوله إلى ~~دمنهور، وفي 17 أغسطس غادر «ريفارولا» إمبابة عائدا إلى ~~الإسكندرية. # واستطاع «دروفتي» أن يحصل على معلومات أوفى عن هذه ~~المفاوضة لم يلبث أن بعث بها إلى «سباستياني» في 19 أغسطس، ~~وكان في رسالته هذه أن شكا «دروفتي» من تحذر الباشا وحيطته ~~في أحاديثه معه، وامتناعه من إخبار «دروفتي» بحقيقة الرد ~~الذي أجاب به على مقترحات الجنرال «فريزر» حتى إن «دروفتي» ~~صار يسعى بوسائله الخاصة - كما قدمنا - لمعرفته، وقد ~~تكللت جهود «دروفتي» بالنجاح لدرجة أنه ~~استطاع ليس الوقوف على ~~تفصيلات هامة لما جرى في إمبابة فحسب، بل وكشف ~~البواعث - كذلك - التي ~~جعلت الباشا راغبا في الاتفاق مع الإنجليز ومحالفتهم، ~~ولبيانات «دروفتي» هذه التي بعث بها إلى «سباستياني» أهمية ~~أخرى كبيرة؛ أولا: من حيث إنها تكشف كذلك عن تقصير حكومته ~~في تزويده بالتعليمات التي كان يلح في المطالبة بها، الأمر ~~الذي اتخذ منه خصومه السياسيون في هذه البلاد سبيلا ~~لتجريحه والطعن عليه لدى محمد علي، ثم إن هذه البيانات ~~ثانيا: توضح الطريقة التي عالج بها القنصل الفرنسي ما ~~قد يترتب على الاتفاق، إذا تم بين محمد علي و«فريزر» من ~~نتائج متصلة بوضع الباشا السياسي في علاقاته مع الباب ~~العالي من ناحية، ومع الدول الأجنبية من ناحية ~~أخرى. # فقد بدأ «دروفتي» بياناته هذه ms0831 بقوله: إن جوابه على ~~مقترحات القائد الإنجليزي كان مفرغا في عبارات فحواها أنه ~~لم يفقد الأمل بتاتا في إمكان الوصول إلى اتفاق مع ~~الإنجليز على الرغم من غزوهم لأرضه، وأنه يوافق على تسليم ~~أسراهم إليه بشريطة أن يجلوا عن الإسكندرية، وأنه بمجرد ~~التفاهم على هذا الاتفاق المبدئي، يشرع في المفاوضة معهم ~~للوصول إلى اتفاق تجني منه السياسة الإنجليزية ومصالح ~~الأمة الإنجليزية التجارية في مصر فوائد عظيمة، ثم استطرد ~~«دروفتي» يقول إنه علم أن الباشا في مقابلته الأخيرة مع ~~«ريفارولا» قد قدم له دليلا على رغبته في عودة السلام هو ~~أنه ترك دائما المؤن تأتي إلى الإسكندرية بواسطة طرق كان ~~في وسعه إغلاقها، ثم إنه صرح له بأنه ينبغي أن تسود ~~العلاقات الطيبة بينه وبين جميع الدول الأوروبية ما دامت ~~هذه لا تقترب من مملكته؛ أي لا تريد به شرا، ثم إنه جعل ~~«ريفارولا» يدرك أنه (أي الباشا) يدخل في مشروعاته استدعاء ~~جيش فرنسي لنجدته إذا وجد أنه يعجز عن الاستيلاء على ~~الإسكندرية بالقوات التي لديه فقط. # وأما «ريفارولا» فقد ذكر «دروفتي» أنه جعل الباشا يأمل ~~في إمكان الوصول إلى اتفاق مع «فريزر»، وأكد له أنه سوف ~~يعود لمقابلته بمجرد أن يقترب من الإسكندرية. # وعلق «دروفتي» نفسه على هذه المعلومات التي ظفر بها ~~بقوله: «وهكذا يتضح أن تسليم الأسرى لم يكن في واقع الأمر ~~إلا حجة تذرع بها «ريفارولا» للقيام بمهمته التي غرضها ~~الحقيقي جس نبض الباشا لمعرفة نواياه الصحيحة، وما إذا ~~كان لا يزال مصمما على التمسك بتلك الأغراض التي ذكرها ~~ترجمانه أثناء مباحثاته مع القائد الإنجليزي في شهر ~~مايو. # ولا شك أن الباشا قد لقي تأييدا في هذه المفاوضة من ~~جانب القنصلين: الإنجليزي والروسي، «روشتي» و«بتروتشي»، ~~ولما كان هذان قد نجحا في استمالة كل أفراد حاشية محمد ~~علي، وخصوصا الترجمان الذي اشترياه بالمال، فلا يبعث على ~~الدهشة أنهما نجحا كذلك في جعل الباشا يقبل المشورة التي ~~أظهرت الوصول إلى اتفاق وتسوية مع الإنجليز كخير وسيلة ~~لتحقيق ذلك الاستقلال الذي ms0832 يصبو إليه، وأما فيما يتعلق ~~بهذا الموضوع الأخير، أجد من واجبي أن أذكر لكم أن هذا ~~الباشا لم يتردد بتاتا في إفهامي، أنه إذا استطاع طرد ~~الإنجليز من مصر، فسوف يأمل حينئذ نظير دفع خراج سنوي إلى ~~الباب العالي في الحصول من هذا الأخير على قدر من التحرر ~~من سلطانه مشابه لذلك الذي تمتع به أوجاقات الغرب.» # وكان من رأي «دروفتي» أن نجاح المفاوضات بين محمد علي ~~والجنرال «فريزر» ليس بالأمر العسير؛ لأسباب عدة، منها: أن ~~القائد الإنجليزي يذكر دائما في اتصالاته مع محمد علي أن ~~حكومته قد أرسلته إلى مصر لغرض واحد فقط، هو منع الفرنسيين ~~من النزول بها، ثم إن الوزير الإنجليزي الجديد (والمقصود ~~هنا «كاسلريه») وهو الذي يقال عنه إنه قد رفع عقيرته بعدم ~~الموافقة على هذه الحملة - يشعر بأن إرسال جند إلى مصر من ~~شأنه تزويد أكثر من دولة بالأسباب التي سوف تتذرع بها لطرد ~~الإنجليز منها، ويفيد محمد علي من هذه الظروف كثيرا، حتى ~~إنه كثيرا ما هدد القائد الإنجليزي بأنه سوف يطلب من ~~الإمبراطور نابليون نجدة، يستعين بها لإخراج الإنجليز من ~~الإسكندرية، أضف إلى هذا كله الصعوبات التي تصادفها ~~الحكومة الإنجليزية في نقل قوات كبيرة إلى مصر، حتى ولو ~~كان ذلك لتعزيز حامية الإسكندرية فحسب، بصورة تبعث على ~~الاحترام، وهي قوات تنقص يوميا بسبب قسوة المناخ، ولا ~~سبيل لسد هذا النقص من جراء ما يقع من حوادث ذات شأن عظيم ~~في أوروبا، تتطلب قبل كل شيء آخر عناية الإنجليز التامة ~~بها، ومن المتوقع أن تجعل معركة «إيلاو» # Eylau ~~- في 8 فبراير 1807 - وما ترتب ~~عليها من نتائج إنجلترة الغادرة تشعر بأنه قد حان الوقت ~~الذي صار لزاما عليهم فيه ألا يقصروا فتوحاتهم على ما ~~يتناسب مع ما لديهم من قوات برية، وهذه الأسباب - في رأي ~~«دروفتي» - هي التي جعلت الوزارة الإنجليزية تجد مفيدا ~~لها إنشاء الصلات الطيبة مع محمد علي، وهي صلات توفي الغرض ~~منها، هذه اللحظة بذاتها، إن لم يكن بصورة أفضل وأكمل ms0833 من ~~تلك التي أرادتها الوزارة الإنجليزية القديمة مع البكوات ~~المماليك. # وتكلم «دروفتي» عن ~~أهمية الاتفاق المنتظر بين محمد علي و«فريزر» فقال: «وواقع ~~الأمر سوف ينطوي على إخلاء الإسكندرية بناء على اتفاق هو ~~من نوع معاهدة (مبرمة ~~بين محمد علي والإنجليز) على الاعتراف بذلك الاستقلال الذي ~~يبغيه الباشا، وسوف يضمن عند الحاجة تزويده بالنجدات ~~اللازمة لقتال العدو المشترك، وببعض المنح المالية لسد ~~مطالب جيشه، ومن ناحية أخرى فإن هذا الاتفاق سوف يزود ~~الإنجليز بالوسائل التي تمكنهم من تموين مالطة وأساطيلهم ~~في البحر الأبيض، فضلا عن تأمين حرية العلاقات التجارية ~~بين مصر وإنجلترة وحماية التجارة الإنجليزية في هذه ~~البلاد، وتسهيل المواصلات مع الهند وغير ذلك، وإنه ليبدو ~~لي أن مثل هذه المعاهدة عند إبرامها سوف تحقق الأغراض التي ~~توخاها الإنجليز من إرسال حملتهم على مصر أي حملة «فريزر»، ~~إن لم يفق أثرها من هذه الناحية على ما كان يتوقعه هؤلاء ~~من إرسال هذه الحملة.» # واعتقد «دروفتي» أن الباشا سوف يقبل يقينا الاتفاق مع ~~الإنجليز بسبب ميوله التي لاحظها نحو الاستقلال، فقال: ~~«ويبدو أن كل ما ذكرته من طموح محمد علي ومشاريعه ~~الاستقلالية من شأنه أن يؤيدني فيما ذهبت إليه من حيث عدم ~~استبعاد قبول الباشا للمقترحات التي عرضها عليه الإنجليز ~~طبقا للخطة التي رسمت لكم خطوطها إجمالا»، ومع ذلك، ~~ومهما كانت الأحوال والظروف فقد أخذ «دروفتي» على عاتقه - ~~كما ذكر في رسالته هذه - أن يبذل قصارى جهده لعرقلة مساعي ~~الإنجليز أعداء فرنسا، وإبطال مشروعاتهم، ثم كان عندئذ أن ~~راح «دروفتي» يشكو من الوضع الذي أوجدته به حكومته من جراء ~~عدم إرسالها تعليماتها إليه، فقال: «ومن الوسائل التي ~~يعتمد عليها «روشتي» و«بتروتشي» وأمثالهما في النيل من ~~سمعته والحط من شأنه لدى محمد علي، قولهما أن «دروفتي» ~~لم يصله أي خطاب من وزيره بينما تصل الرسائل باستمرار إلى ~~«روشتي» من حكومته، بل وكثيرا ما يأتي بها إليه ططري خاص، ~~الأمر الذي ينهض دليلا - كما يقولون - على أن «دروفتي» ~~وكيل لا يكاد يكون لآرائه أي ms0834 وزن لدى حكومته، ولا يستحق ~~لذلك أن يكون أهلا لوضع أي ثقة فيه.» # تلك إذن كانت المعلومات التي جمعها «دروفتي» عن مفاوضات ~~إمبابة، وتعليقاته عليها، ولعل أبرز ما ذكره «دروفتي» في ~~رسالته هذه بالنسبة للدوافع التي تجعل محمد علي في نظره ~~راغبا في الاتفاق مع الإنجليز، ميول الباشا الاستقلالية ~~التي فسرها القنصل الفرنسي بمسعى محمد علي من أجل الحصول ~~على وضع مشابه لذلك الذي تتمتع به وجاقات الغرب، في ~~علاقاتها مع الباب العالي، والمعروف عن هذه أنها كانت تخضع ~~خضوعا اسميا للسلطان العثماني، ولا يتدخل هذا في شئون ~~الحكم بها، على نحو ما سيأتي ذكره مفصلا في موضعه. # ومن الواضح أن الباشا، وهو الذي لم يركن كثيرا إلى ~~إمكان الظفر بهذا الوضع الذي يريده من الباب العالي ~~بسهولة، كان يجد في مؤازرة الإنجليز له خير ضمان لبلوغ هذه ~~الغاية، طالما قد رضي بالتعاون معهم ضد فرنسا لمنعها من ~~غزو مصر، فاعتبر الأتراك - حلفاءها وقتئذ وأعداء الإنجليز ~~- أعداءه كذلك، ويترتب على محالفته نفسه مع الإنجليز أن ~~يبادر هؤلاء بإبطال أية محاولة قد يقوم بها الباب العالي ~~لإخراجه من الحكم في مصر، وثمة مزية هامة أخرى لم يفت ~~إدراكها «دروفتي» أيضا هي أن حصول الاتفاق مباشرة بين ~~محمد علي وبين الإنجليز، وسواء قبل الأخيرون المحالفة معه ~~أو رفضوها، من شأنه ما دام قد حدث عن غير طريق الباب ~~العالي صاحب السيادة الشرعية عليه، وصاحب هذه البلاد ~~قانونا، أن يمهد للاعتراف بذلك الوضع الممتاز الذي أراده ~~محمد علي لباشويته في مصر على غرار باشويات أو نيابات ~~وجاقات الغرب، وكان عقد المعاهدات من السلطات التي مارستها ~~هذه الأخيرة في ممارسة شئونها وفي علاقاتها مع الدول ~~الأجنبية. # وقد سهل على «دروفتي» جمع هذه المعلومات التي ذكرها في ~~رسالتيه هاتين، زيارته للباشا في معسكره بإمبابة مع ~~المشايخ والعلماء وأعيان القاهرة، و«روشتي» يوم 11 أغسطس ~~لتحية محمد علي الذي أقام احتفالا وعمل شنكا مساء يوم 20 ~~أغسطس، ثم أصدر أمره بالرحيل صوب دمنهور في صبيحة اليوم ~~التالي، ms0835 وبدأ جيشه بالزحف إليها وفي طريقه إلى الإسكندرية ~~قريب الزوال يوم 21 أغسطس. # وحدث عند وصول الباشا إلى الرحمانية أن بعث يطلب الشيخ ~~إسماعيل عبد اللطيف شيخ دسوق وصاحب الرسالة المعروفة إلى ~~الجنرال «ستيوارت» في 16 أبريل أثناء حصار الإنجليز لرشيد ~~في هجومهم الثاني عليها، فأرسل إليه طائفة من العسكر، فلما ~~أتوا إليه امتنع، وقال: ما يريد الباشا مني؟ أخبروني وأنا ~~أدفعه إن كان غرامة أو كلفة، فقالوا: لا ندري، وإنما أمرنا ~~بإحضارك، فشاغلهم بالطعام والقهوة، ووزع بهائمه وحريمه ~~والذي يخاف عليه، وفي الوقت وصلت مراكب وبها عساكر وطلعوا ~~إلى البر، فركب شيخ البلد خيوله وخيالته واستعد لحربهم، ~~وحاربهم وأبلى معهم، وقتل منهم عدة كبيرة، ثم ولى هاربا، ~~فدخل العسكر إلى البلد ونهبوها، وأخذوا ما وجدوه في دور ~~أهلها، وكان انتقام الأرنئود شديدا من خيانة الشيخ ~~وعصيانه، فعبروا مقام السيد الدسوقي، وذبحوا من وجدوه من ~~المجاورين، وفيهم من طلبة العلم العواجز. # ومنذ 2 سبتمبر كتب «دروفتي» من القاهرة إلى «سباستياني» ~~أن الإنجليز بالإسكندرية يستعدون لإخلائها، وأن محمد علي ~~قد اتخذ مقره العام بدمنهور، وأنه استطاع قبل هذا التاريخ ~~القيام بعمليات استطلاعية حتى القطع أو الحد الذي بين ~~بحيرتي المعدية ومريوط، ولو أن الإنجليز قد قابلوه بإطلاق ~~المدافع عليه من زوارق مدفعيتهم الواقفة في هاتين ~~البحيرتين. # على أن الباشا عندما دخل إلى دمنهور وجد في انتظاره بها ~~رسولا موفدا من قبل الجنرال «فريزر» يسأله جواز مرور ~~لضابط من رتبة عالية يذهب إلى دمنهور للمفاوضة مع سموه في ~~أمور على غاية من الأهمية، وبعبارة أخرى للاتفاق على شروط ~~الجلاء عن الإسكندرية. ~~(3) اتفاق الجلاء عن الإسكندرية # فقد تسلم «فريزر» في 30 أغسطس التعليمات التي بعث بها إليه ~~السير «جون مور» من «مسينا» في 11 يوليو، وفيها يخبره - كما ~~علمنا - بضرورة الاستعداد منذ الآن لإخلاء الإسكندرية حتى ~~يتسنى تنفيذ ذلك فورا بمجرد سماعه من السير «آرثر باجيت»، ~~ويرجو إذا فشلت مفاوضات «باجيت» مع الأتراك أن يتمكن «فريزر» ~~من الوصول إلى اتفاق مرض مع محمد ms0836 علي والأرنئود على أساس ~~تسليم الإسكندرية إلى هؤلاء في نظير تسليم الأسرى الإنجليز، ~~وما يكونون قد استولوا عليه من مدافع ومهمات أثناء حربهم مع ~~جيش «فريزر». # فكان بناء على هذه التعليمات أن شرع «فريزر» ينقل العتاد ~~الثقيل وسائر المهمات التي لا تدعو الحاجة إليها إلى السفن ~~سرا ودون أن يثير أية شكوك - كما قال - في أذهان السكان من ~~ناحية أغراض الإنجليز ونواياهم، ولو أنه اضطر في الوقت نفسه ~~إلى إبقاء بعض المهمات الضرورية لاستخدامها في عمليات الميدان ~~والدفاع عن الإسكندرية؛ لأن الباشا كان قد أحضر إلى دمنهور ~~وقتئذ قسما كبيرا من قواته التي بالقاهرة لتحقيق الغرض الذي ~~أعلن عنه، وهو غرض لا يدل على حكمة كبيرة، من حيث تجريدنا من ~~الإسكندرية. # ثم إن «فريزر» لم يلبث أن تسلم يوم 3 سبتمبر رسالتي «باجيت» ~~المحررتين من جزيرة «إيمبرو» في 30 أغسطس، يطلب هذا فيهما منه ~~التهيؤ للانسحاب من الإسكندرية فور وصول الأمر إليه بذلك، وقد ~~ذكر له «باجيت» الأسباب التي دعته إلى إصدار تعليماته هذه إلى ~~«فريزر» وهي - كما ذكرنا - توقعه الوصول قريبا إلى إبرام ~~معاهدة مع الباب العالي سوف تكون نتيجتها المباشرة إخلاء مصر، ~~على أن «باجيت» لم يلبث أن ذكر في إحدى رسالتيه هاتين أنه ~~يعتقد عموما أن الواجب يقتضي «فريزر» عدم إضاعة وقت طويل على ~~الأقل في بدء عملية إنزال الجند إلى السفن استعدادا للرحيل، ~~ثم أضاف أنه لا مانع من أن يستعين «فريزر» بالمعلومات التي ~~ذكرها له بشأن مفاوضاته مع الباب العالي، وتأكيد القبطان باشا ~~له بأن الأسرى الإنجليز سوف يطلق سراحهم فورا، في تدبير ~~الوسيلة التي يراها هو أكثر ملاءمة وأجدى نفعا في تنفيذ الوعد ~~الذي أعطاه القبطان باشا لصالح الأسرى البريطانيين. # ولما كان «ريفارولا» قد عاد من مفاوضته مع محمد علي في ~~إمبابة يحمل للقائد الإنجليزي تصميم الباشا على ضرورة جلاء ~~الإنجليز عن الإسكندرية قبل أي اتفاق يعقد بينه وبينهم سواء ~~بشأن أسراهم أو بشأن غير ذلك من الأمور، فقد صح عزم «فريزر» ~~بوصفه قائد ms0837 القوات البرية و«هالويل» بوصفه القائد البحري ~~بالإسكندرية على الاستجابة لرغبة محمد علي، والموافقة على ~~إخلاء الإسكندرية لقاء تسليم الأسرى البريطانيين من جهة، ~~وإصدار عفو شامل من جانب محمد علي عن أهل الإسكندرية، وكل ~~أولئك الذين عاونوا الإنجليز من أهل البلاد أثناء ~~حملتهم. # وكان مبعث هذا الشرط الأخير أن الإسكندريين سرعان ما أفزعهم ~~تقرير الإنجليز الانسحاب من الإسكندرية، وصاروا يخشون انتقام ~~الباشا منهم، إذا سلمت إليه مدينتهم بعد مناصرتهم لأعدائه، ~~واستبد بهم الفزع على وجه الخصوص من توقع ما سوف يلقونه على ~~أيدي الأرنئود عند دخولهم إلى مدينتهم من اعتداء على أرواحهم ~~وأموالهم، وتعريض مدينتهم لكل ضروب السلب والنهب التي ~~اشتهر عن الأرنئود اقترافها في كل مكان يحلون به، لا سيما ~~وأنهم كانوا قد منعوهم من الدخول إلى الإسكندرية للدفاع عنها، ~~ومكنوا بدلا من ذلك للإنجليز احتلالها، وصاروا الآن لا يرون ~~خلاصهم إلا في بقاء هؤلاء بمدينتهم أو تسليمها إلى حامية ~~عثمانية، لا يتوقعون أن تعصف بهم. # وتصدى للدفاع عن الإسكندريين وعن قضيتهم كل من «هالويل»، ~~و«فريزر» و«مسيت»، وعقدوا آمالا كبيرة على أن «باجيت» في ~~مفاوضاته مع الباب العالي سوف يتسنى له اشتراط تأمين هؤلاء ~~على سلامة أرواحهم وأموالهم وإنقاذهم من انتقام الأرنئود منهم، ~~فكتب «هالويل» إلى «كولنجوود» في 20 أغسطس أنه قد أدهشه عند ~~عودته إلى الإسكندرية أمس بعد تغيبه عنها ثلاثة أيام في أبي ~~قير أن يجد حالة من الاضطراب والفزع تسود المدينة على أثر ~~رواج إشاعة بأن الجنود البريطانيين سوف يخلون مصر، ولا يمكن ~~وصف الرعب الذي استولى على أهل الإسكندرية، كما استبد بهم ~~لدرجة اليأس الخوف من التخلي عنهم؛ ليقعوا فريسة لغضب الأرنئود ~~الجنوني، ويبدو أن سبب ذيوع هذا النبأ عن رحيلنا هو ما اتبع في ~~إنزال المهمات والعتاد من كل الأصناف إلى السفن في سرعة غير ~~حكيمة ودون إخباري، كما كانت علائف الفرسان من بين الأشياء ~~التي نقلت إليها، فضباط الجيش يتحدثون في ثقة عن انتظار الرحيل ~~فورا، وكان من نتيجة الإجراءات السالفة الذكر على يد ms0838 ~~المسئولين في الحملة أن باع الضباط خيولهم وحميرهم، وابتاعوا ~~المواشي تهيؤا لنقلها على ظهر سفن النقل وأخذها معهم، ولما ~~كان السكان قد شاهدوا هذه الاستعدادات فقد هاجت خواطرهم ~~بالضرورة وسيطر عليهم الفزع؛ ولذلك فقد وجدت من جانبي أن أبعث ~~إليكم فورا بالسفينة الحربية «أبولو» لأبلغكم مخاوف أهل ~~الإسكندرية ورغائبهم. # فهؤلاء إنما ترغبهم في حالة إبرام الصلح بين إنجلترة وتركيا ~~فكرة التخلي عنهم دون اشتراط شيء في صالحهم، ويرتعدون ~~خوفا من مغادرتنا لهذه البلاد قبل أن تأتي حامية من ~~القسطنطينية لتسلم المدينة وقلاعها؛ حتى تحميهم من غضب ~~الأرنئود وتهورهم، وهم (أي الأرنئود) الذين لا يمكن بحال تهدئة ~~غضبهم هذا على أهل الإسكندرية بسبب ما أظهروه من ولاء ومحبة ~~لنا؛ ولذلك فرجائي ألا أكون قد تجاوزت حدود واجبي إذا أبديت ~~لكم ما أعقده من آمال كبار وباهتمام زائد على إمكان الوصول إلى ~~ترتيب في حالة عقد الصلح مع تركيا، يتسنى بمقتضاه للجنود ~~البريطانيين عدم مغادرة الإسكندرية حتى تصل إليها حامية ~~عثمانية من القسطنطينية لتحل محلهم، وهذا كل ما يرجوه أهل ~~الإسكندرية التعساء، ولا جدال في أنه يحق لهم بفضل ما أظهرناه ~~نحن من ضروب الصداقة، وأكدناه بتصريحاتنا لهم أن يتوقعوا منا ~~العناية بأمرهم. وأيد «كولنجوود» كل ما طلبه «هالويل». # وأما «فريزر» فقد كتب في اليوم نفسه إلى السير «آرثر باجيت» ~~أن «هالويل» قد أبلغه هذه اللحظة بعزمه على إرسال إحدى سفنه ~~فورا إلى «كولنجوود» لإحاطته علما بمقدار الفزع الذي ساد بين ~~الإسكندريين نتيجة لذيوع الخبر عن عزم البريطانيين على إخلاء ~~البلاد والجلاء عن الإسكندرية، ثم راح يؤيد رجاء «هالويل» في ~~ضرورة إرسال حامية عثمانية إلى الإسكندرية عند عقد الصلح مع ~~الباب العالي، حتى تتسلم المكان من البريطانيين، وتحول بذلك ~~دون تعرض الإسكندريين لغضب الأرنئود وانتقامهم منهم. # وأما «مسيت» فقد أبدى نشاطا كبيرا في هذه الأزمة، وراح ~~يجمع إمضاءات أكبر عدد ممكن من أعيان ووجوه الإسكندرية على ~~مذكرة من سكان الإسكندرية إلى السير «آرثر باجيت»، يطلبون فيها ~~نفس المطالب التي ذكرها «فريزر» و«هالويل» ms0839 في كتابيهما إلى ~~«باجيت» و«كولنجوود»، ثم شفع «مسيت» هذه المذكرة بكتاب منه إلى ~~«باجيت» بتاريخ 22 أغسطس، يشرح فيه له مقدار الرعب الذي استولى ~~على أهل هذه المدينة من جراء توقعهم إخلاء الجيش البريطاني ~~لها، ثم راح يذكر لباجيت بعض الحوادث التي قد يجهلها هذا ~~تنويرا له في هذه المسألة، منتهزا هذه الفرصة في الوقت نفسه ~~للحملة على محمد علي، فقال إنه كان بفضل ما لدى حاكمها أمين ~~أغا من آراء حرة أن حفظت الإسكندرية من الكوارث التي ترتبت على ~~سقوط مصر في قبضة الأرنئود الذين استولوا على حكومتها ضد رغبات ~~الباب العالي، ولقد حاول محمد علي في السنوات الماضية ~~الاستيلاء على الإسكندرية، ولقي في ذلك معاونة كبيرة من ~~الوكلاء الفرنسيين، حيث يستحيل عليه بدون الإسكندرية تحقيق ~~مشروعاته التي يبغي منها جعل نفسه مستقلا عن الباب العالي، ~~ولم يمنعه من بلوغ مأربه، ويحد من أطماعه سوى نوايا أمين أغا ~~الطيبة، وكتابات الأهلين إلى الباب العالي، حتى إذا أعلنت ~~روسيا الحرب على تركيا اعتقد محمد علي أن الفرصة قد سنحت ~~لإدخال حامية من الأرنئود إلى الإسكندرية، ولكن الإسكندريين ~~قاوموا ذلك، فإنهم ما إن علموا أنه قد صار إرسال جماعة من ~~الأرنئود إلى رشيد مأمورين بالذهاب إلى الإسكندرية، حتى هب ~~الإسكندريون يتسلحون دون إبطاء، وأظهروا عزمهم على الدفاع ~~عنها إلى النهاية، وكان في هذا اليوم نفسه أن ألقت القافلة ~~الإنجليزية بمراسيها بالقرب من الميناء الغربية، وهبط الجنود ~~إلى البر في الليل التالي دون مقاومة، ثم سلمت الإسكندرية إلى ~~ألف ومائة رجل من غير مدفعية، وقد ترتب على ذلك كله أن صار ~~الإسكندريون مكروهين من محمد علي ورجال بطانته، ولا شك في أنهم ~~سوف يتعرضون لكل صنوف القسوة والوحشية إذا استولى الباشا ~~ورجاله على مدينتهم، ثم إن «مسيت» لم يفته تحريك مخاوف «باجيت» ~~- وشأنه في هذا شأن سائر مواطنيه - من استعلاء النفوذ الفرنسي ~~في هذه البلاد، وغزو الفرنسيين لها، فقال في ختام رسالته إنه ~~يدهشه إخلاء الإسكندرية والحرب لا تزال دائرة مع فرنسا، ms0840 فضلا ~~عن أن وجود الأرنئود وحكومة محمد علي في مصر سوف يفضي إلى تفوق ~~النفوذ الفرنسي بدرجة عالية جدا، يصبح معه من الخطر حتى سكنى ~~البريطانيين في مصر. # وحمل مذكرة الإسكندريين ورسالة «مسيت» هذه إلى السير «آرثر ~~باجيت» أمين بك الألفي، أحد رسل شاهين الألفي إلى «فريزر» في ~~الإسكندرية أثناء شهري يونيو ويوليو، وكان البكوات قد أوفدوه ~~لمقابلة السفير الإنجليزي، يطلب وساطته لدى الباب العالي في ~~صالحهم، فوصل إلى «تينيدوس» في أول أكتوبر، وقابل «باجيت»، ~~وسلمه المذكرة وكتاب «مسيت» له. # وأما رسالة «فريزر» إلى «باجيت» ورسالة «هالويل» إلى ~~«كولنجوود»، فقد حملتهما السفينة أبولو إلى جزيرة «إيمبرو »؛ ~~حيث كان لا يزال بها «باجيت»، فتسلمها هذا مساء يوم أول ~~سبتمبر، ولقيت أقوال «فريزر» و«هالويل» قبولا لديه، وقرر بعد ~~تبادل الرأي مع «كولنجوود» إلغاء الأمر الذي كان قد أصدره يوم ~~30 أغسطس بشأن المبادرة بالإخلاء فورا، وهو الأمر الذي وصل ~~إلى «فريزر» بالإسكندرية يوم 3 سبتمبر - كما عرفنا - ولكن ~~«باجيت» لم يلبث أن أضاف إلى ذلك قوله إنه لما كان يدرك ~~تماما ما هنالك من ضرورة قصوى لتعزيز الجيش الموجود بصقلية ~~ونجدته بكل القوات الممكنة، فإنه يطلب إليه أن يبعث إلى صقلية ~~بأكبر قسم من جيشه، ويؤكد له في الوقت نفسه أن «كولنجوود» ~~سوف لا يسأله إرسال أية قوات مما لديه إلى جزر الأرخبيل، ~~وعلاوة على ذلك، فقد ترك لفريزر حرية التصرف في اختيار أجدى ~~الوسائل التي يمكن بها استمالة محمد علي إلى إطلاق سراح الأسرى ~~الإنجليز، ووعد في ختام رسالته بالاهتمام بأمر الإسكندريين، ~~واستخدام كل نفوذه في صالحهم، إذا جرت المفاوضات بينه وبين ~~الحكومة العثمانية بصورة أكثر انتظاما مما حدث حتى هذا ~~الحين. # على أن إلغاء أمر الإخلاء الذي كان مبعثه الاهتمام ~~بالإسكندريين وإنقاذهم من غضب الأرنئود، لم يبطل استعدادات ~~«فريزر» للجلاء عن الإسكندرية، أو يثنيه عن عزمه في المضي في ~~مفاوضته مع محمد علي؛ وذلك لأن إلغاء أمر الإخلاء وصل «فريزر» ~~يوم 6 سبتمبر، وكان هذا فور وصول تعليمات «باجيت» الأولى ms0841 إليه ~~قبل ذلك بثلاثة أيام، قد أوفد رسولا إلى محمد علي بدمنهور ~~يطلب - كما عرفنا - جواز مرور لضابط يذهب إلى معسكر الباشا ~~لإبرام الصلح معه، ثم إنه كان قد وضع بالاشتراك مع «هالويل» ~~منذ 5 سبتمبر مسودة الاتفاق المزمع عقده، وعين الميجور ~~«ريفارولا» لحمل هذه المسودة إلى دمنهور والمفاوضة مع الباشا ~~بصدد الشروط التي تضمنتها، بل أن «ريفارولا» كان قد بدأ رحلته ~~فعلا إلى دمنهور عندما تسلم «فريزر» تعليمات «باجيت» الأخيرة ~~بشأن إلغاء الأمر السابق بالإخلاء؛ ولذلك فقد جاءت هذه ~~التعليمات متأخرة وبعد فوات الوقت - على حد قول «فريزر» - ~~وصار لا يسعه الآن النكوص على عقبيه، بعد أن قطع شوطا كبيرا ~~في مفاوضته مع الباشا، ومهما قويت رغبته في تناول المسائل التي ~~ذكرتها تعليمات «باجيت» الأخيرة ومعالجتها بكل عناية. # ولكنه لما كان «فريزر» و«هالويل» نفساهما قد اهتما بمسألة ~~الإسكندريين، وحرصا على إنقاذهم من انتقام الأرنئود منهم، فقد ~~ضمنا الشروط التي عزما على عرضها على محمد علي في المسودة التي ~~حملها «ريفارولا» إليه شرطا يكفل حماية الإسكندريين وتأمينهم ~~على أرواحهم وأملاكهم عند جلاء الإنجليز عن مدينتهم واحتلال ~~الأرنئود لها. # وأما الشروط التي اقترحها «فريزر» و«هالويل» على الباشا، فقد ~~كانت أربعة، صيغت في العبارات الآتية: # يتعهد الميجور جنرال «فريزر»، والكابتن «هالويل»، ~~قائد قوات جلالة الملك البريطاني البرية والبحرية، ~~بإخلاء مدينة وموانئ الإسكندرية وفق الشروط التالية: # أولا: # يطلق فورا سراح جميع أسرى الحرب ~~البريطانيين في مصر، بما في ذلك كل أولئك ~~الذين قد يكونون رقيقا في أيدي الأفراد، ~~ويرسلون بطريق النيل حتى بوغاز رشيد؛ حيث ~~يجري إنزالهم هناك في سفينة تنقلهم من هذه ~~البلاد. # ثانيا: # يصدر عفو عام عن سكان الإسكندرية ~~وغيرهم من أهل البلاد، دون نظر إلى الماضي ~~فيما يتعلق بمسلكهم السابق في أي شيء منه، ~~ويؤمنون على أرواحهم وأموالهم؛ حيث إن ~~الضرورة وحدها هي التي اضطرتهم إلى اتخاذ ~~الطريق الذي سلكوه. # ثالثا: # وإذا قامت صعوبات أو وجدت شكوك ~~تستلزم تفسيرا لتذليلها وإزالتها، أو إذا ~~قبل سمو والي مصر هذه المعاهدة بحذافيرها، ms0842 ~~فسوف يبعث الميجور جنرال «فريزر» في كلا ~~الحالين بالميجور جنرال «شربروك» التالي ~~له في القيادة، أو أي ضابط آخر مساو له ~~(أي لفريزر) في الرتبة لمقابلة الباشا في ~~أي مكان يعينه سموه بين القطع (بين بحيرتي ~~المعدية ومريوط) ودمنهور، مزودا بالسلطات ~~التي تمكنه من إعطاء التفسيرات اللازمة ~~لإزالة ما قد ينشأ من صعوبات، وإبرام ~~المعاهدة أخيرا. # رابعا: # يعلن الطرفان وقف القتال فور ~~الموافقة على هذه الشروط، ويسمح لأحد ضباط ~~الباشا من ذوي الرتب العالية بالمجيء هو ~~وأتباعه إلى الإسكندرية لإتمام الترتيبات ~~الضرورية. # وقد حمل «ريفارولا» هذه المقترحات إلى دمنهور، ومع أن الباشا ~~قد قبلها فورا من حيث الأساس الذي قامت عليه، وهو جلاء ~~الإنجليز عن الإسكندرية، وتسليمهم إياها له لقاء إطلاق سراح ~~الأسرى، فقد أثيرت بعض المسائل المتعلقة بتفاصيل الاتفاق ~~النهائي، وطلب الباشا قدوم «شربروك» للبحث في تسويتها، فأوفده ~~«فريزر» إليه وبصحبته الكابتن «فيلوز» # Fellowes # وظل معهما «ريفارولا»، وبحث ثلاثتهم ~~مع محمد علي هذه المسائل لإيجاد حل لها. # فقد طلب إلى محمد علي أن يقدم ضمانا على قيامه بتنفيذ شروط ~~المعاهدة المزمعة فيما يتعلق بتسليم الأسرى الإنجليز نظير ~~الجلاء عن الإسكندرية، ثم إنه لما كان قد بيع عدد من هؤلاء ~~كرقيق، فقد لزم الاتفاق على ترتيب بشأن فك سراحهم عند العثور ~~عليهم، وترحيلهم إلى أقرب المراكز الإنجليزية في البحر الأبيض، ~~أضف إلى هذا أنه كانت هناك مسألة أمين بك الألفي تتطلب حلا ~~لها، فقد ذهب إلى «تينيدوس» - كما ذكرنا - لمقابلة «باجيت»، ~~وعني الإنجليز بتدبير أمر عودته إلى مصر وعدم تعرضه للأذى عند ~~رجوعه إليها، ولكن هذه جميعها لم تكن مسائل يصعب الاتفاق ~~عليها، وفي 14 سبتمبر 1807، وقع محمد علي باشا والميجور جنرال ~~«شربروك» والكابتن «فيلوز» على اتفاق الجلاء عن ~~الإسكندرية. # وتألف هذا الاتفاق من خمس مواد جاء فيها أنه لما كان الميجور ~~جنرال «فريزر» قائد القوات البرية لصاحب الجلالة ملك بريطانيا، ~~والكابتن «هالويل» قائد أسطول جلالته المرابط تجاه الساحل ~~المصري، قد فوضا تفويضا تاما الميجور جنرال «شربروك» ~~والكابتن «فيلوز» من ms0843 ضباط البحرية الملكية لعقد وتوقيع معاهدة ~~لإخلاء الإسكندرية، فقد اتفق صاحب السمو جليل الشأن محمد علي ~~باشا والي مصر، والميجور جنرال «شربروك» والكابتن «فيلوز» - ~~سالفا الذكر - على المواد الآتية: # أولا: # يوقف القتال فورا من الجانبين. # ويقوم القواد البريطانيون بإخلاء ~~الإسكندرية، على أن يتم إخلاؤها في مدى عشرة ~~أيام من التوقيع على هذه المعاهدة، مع ترك ~~جميع القلاع والمتاريس والمدافع والمهمات وما ~~إلى ذلك بالحالة التي هي عليها الآن، على أن ~~يسلم صاحب السمو محمد علي باشا إلى القواد ~~البريطانيين مصطفى بك صهر الباشا، وإسحاق بك ~~عم الباشا، وسليمان أفندي مهردار الباشا أو ~~حامل الأختام لينقلوا إلى سفينة حربية ~~بريطانية ، يبقون بها كرهائن إلى أن يتم تنفيذ ~~هذه المعاهدة. # ثانيا: # يطلق فورا سراح جميع أسرى الحرب ~~البريطانيين في مصر، بما في ذلك أولئك الذين ~~قد يكونون رقيقا في أيدي الأفراد، ويرسلون ~~بطريق النيل إلى بوغاز رشيد؛ حيث ينزلون إلى ~~سفينة بريطانية، (وهذه المادة مطابقة تماما ~~للمادة الأولى ومقترحات «فريزر» و«هالويل» ~~السابقة). # ثالثا: # يصدر عفو عام عن سكان الإسكندرية وغيرهم من ~~أهل البلاد، دون نظر إلى الماضي فيما يتعلق ~~بمسلكهم السابق في أي شيء منه، ويؤمنون على ~~أرواحهم وأموالهم؛ حيث إن الظروف وحدها هي ~~التي اضطرتهم إلى اتخاذ الطريق الذي سلكوه، ~~(وهذه المادة مطابقة للمادة الثانية من ~~المقترحات). # رابعا: # لما كان أمين بك الألفي قد أبحر من ~~الإسكندرية أثناء احتلال القوات البريطانية ~~لها، فإن صاحب السمو محمد علي باشا يعد إذا ~~عاد أمين بك الألفي إلى هذا الميناء بأنه لا ~~يناله سوء، بل ويؤذن له بالذهاب في أمان مع ~~أتباعه - على ألا يزيد عدد هؤلاء على الاثني ~~عشر شخصا - وأمواله إلى أي مكان يبغي الذهاب ~~إليه. # خامسا: # ومع أن صاحب السمو قد قطع على نفسه عهدا ~~مطالب بتنفيذه من حيث تسليم كل أسرى الحرب ~~البريطانيين، وكذلك أولئك الذين صاروا رقيقا ~~في هذه البلاد فورا، ولكن نظرا لأن كثيرين ~~من هؤلاء الأخيرين مبعثرون، ومن المحتمل أن ~~بعضهم موجود في أماكن بعيدة بعدا عظيما، ms0844 فقد ~~تقرر بقاء وكيل بريطاني بالإسكندرية بعد ~~إخلائها؛ ليتسلمهم كلما صار العثور عليهم ~~وإحضارهم؛ ولهذا الوكيل أن ينال من صاحب السمو ~~كل حماية ومساعدة في الحصول على الأسرى ~~الرقيق، ويسمح له بأن يرسل كل من يوجد منهم ~~إلى أية سفينة حربية بريطانية في هذا الميناء، ~~أو يرسلهم بأية وسيلة أخرى من وسائل النقل، قد ~~تتيسر له إما إلى صقلية وإما إلى ~~مالطة. # أبرمت هذه المعاهدة في معسكر صاحب السمو جليل الشأن محمد ~~علي باشا - والي مصر - بالقرب من دمنهور في اليوم الرابع عشر ~~من شهر سبتمبر عام 1807، الموافق 11 رجب سنة 1222 هجرية، ~~إمضاءات: محمد علي باشا، «شربروك»، «فيلوز». # وبذلك انتهت المفاوضات الطويلة، والتي استمرت متقطعة أربعة ~~أشهر بتمامها، بدأها محمد علي بجس نبض الإنجليز في مايو، ~~وختمها «فريزر» انتهت بإبرام اتفاق الجلاء عن الإسكندرية، أن ~~كتب يثني على الباشا ثناء مستطابا لما أظهره أثناء هذه ~~المفاوضات من روح تتسم بالعدل والسماحة، حتى إنه كي يطمئن ~~الإنجليز على أن أذى لن يلحق بالإسكندريين أو غيرهم من الأهلين ~~الذين صادقوهم أثناء الاحتلال، لم يدع فرصة تمر دون أن يعلن ~~تعهده القاطع، وكما أثبته في المعاهدة المبرمة، بالصفح والعفو ~~عن هؤلاء دون نظر إلى سلوكهم الماضي. ~~(4) موقف «دروفتي» # على أن النشاط الذي بدا في معسكر الباشا بدمنهور في الأيام ~~القليلة التي سبقت عقد المعاهدة، لم يلبث أن استرعى نظر ~~«دروفتي»، ومنذ أن نما إليه أن «ريفارولا» - كما قال - قد صدق ~~وعده وعاد إلى دمنهور، ومقيم بمعسكر الباشا، وساور «دروفتي» ~~القلق عندما جاء إلى القاهرة يوم 11 سبتمبر أحد ضباط محمد علي ~~ليأخذ إلى دمنهور ضابطين من الأسرى الإنجليز الموجودين ~~بالقلعة، ويحملان رتبة الكابتن، كما وصلت «بتروتشي» دعوة من ~~الباشا حتى يصحب هذين الضابطين إلى دمنهور، ثم إنه وصل أمر ~~الباشا إلى كتخدا بك «طبوز أوغلي» بالتهيؤ لإرسال كل الأسرى ~~حتى أولئك الذين كانوا أرقاء في أيدي الأفراد العاديين، فبعث ~~«دروفتي» بترجمانه إلى كتخدا بك يستفسر منه عما حدث، فكان جواب ~~هذا الأخير ms0845 أن محمد علي قد عقد الصلح مع الإنجليز، وأن هؤلاء ~~سوف يخلون في أيام قليلة الإسكندرية، والسفن المهيأة لنقل ~~الأسرى من القاهرة إلى رشيد، واقفة على قدم الاستعداد للنزول ~~بهم في النيل إليها. # ويبدو أن الباشا كان معتقدا بأن المفاوضات التي بدأها ~~«ريفارولا» بتسليمه مقترحات «فريزر» و«هالويل» في دمنهور سوف ~~تنتهي بالاتفاق بينه وبين الإنجليز، وأنه شرع - حتى قبل إبرام ~~المعاهدة - يتهيأ لإرسال الأسرى؛ كسبا للوقت ولتحقيق الجلاء ~~عن الإسكندرية بكل سرعة، فقد ذكر الشيخ الجبرتي في حوادث 4 رجب ~~1222، الموافق 7 سبتمبر 1807، أنه في هذا اليوم قد وردت ~~مكاتبات من الباشا بوقوع الصلح بينه وبين الإنجليز، واتفقوا ~~على خروجهم من الإسكندرية وخلوها ونزولهم منها، وأرسل يطلب ~~الأسرى من الإنجليز؛ وعلى ذلك فقد أصدر أمره قبل توقيع ~~المعاهدة إلى كتخدا بك للاستعداد لنقل الأسرى بطريق النيل إلى ~~رشيد. # فكان عندئذ أن اعتقد «دروفتي» أن الحكومة الإنجليزية قد ~~قبلت مقترحات محمد علي، التي عرضها ترجمانه على «فريزر» ~~بالإسكندرية في شهر مايو؛ أي الجلاء عن هذه الأخيرة في نظير ~~إطلاق سراح الأسرى الإنجليز، وكان من رأي «دروفتي» أن الحكومة ~~الإنجليزية سوف تجد نفسها مرغمة في آخر الأمر بسبب ما يجري في ~~أوروبا على قبول هذه المقترحات التي رفضها «فريزر» وقتذاك؛ ~~وعلى ذلك، فقد اعتقد «دروفتي» بعد أن وصله جواب الكتخدا بك على ~~استفساره، بأن الحكومة الإنجليزية قد أصدرت أوامرها بإخلاء ~~الإسكندرية فعلا، وصار يهمه الآن أن يقف على حقيقة هذه ~~المسألة وتفاصيل ما جرى بين الباشا والمندوبين الإنجليز، ثم ~~رعاية المصالح الفرنسية بالإسكندرية ذاتها والسهر على أمن ~~الفرنسيين والإيطاليين بها في الأيام الأولى من دخول الأتراك ~~إليها، فبادر بإرسال «مانجان» يوم 14 سبتمبر إلى معسكر الباشا ~~في دمنهور؛ للوقوف على حقيقة الموضوع، كما كلفه بالذهاب إلى ~~الإسكندرية في حالة دخول الأتراك إليها للقيام بالمهمة التي ~~سبق ذكرها. # ووصل «مانجان» إلى دمنهور يوم 15 سبتمبر؛ أي في اليوم التالي ~~لعقد المعاهدة، ولم يكن المندوبون الإنجليز قد غادروا المعسكر ~~بعد، فقصد «مانجان» إلى خيمة ms0846 ترجمان الباشا الذي قابله في حيرة ~~وارتباك ظاهرين، وعاد يبلغه أن الباشا يرجو تأجيل المقابلة معه ~~حتى الغد؛ لأنه يخشى أن تثير مقابلته له استياء الإنجليز الذين ~~في وسعهم وضع ما يشاءون من عراقيل لتأجيل جلائهم وخروجهم من ~~مصر، وفضلا عن ذلك، فإن «شربروك» و«فيلوز» عندما شاهدا ~~«مانجان» في المعسكر، بادرا بالذهاب إلى الباشا، يطلبان منه ~~عدم مقابلته، فراح «مانجان» يذكر لترجمان الباشا أنه إنما حضر ~~لإنهاء مسألة التجار الفرنسيين الذين لهم حقوق بوصفهم دائنين ~~للميري والجمرك، وأنه يبغي بعد ذلك الذهاب إلى الإسكندرية ~~للسهر على مصالح وأحوال مواطنيه بها عند دخول الأتراك ~~إليها. # وكتب «مانجان» في تقريره إلى «دروفتي» عن مهمته بتاريخ 17 ~~سبتمبر، أنه قابل محمد علي يوم 16 سبتمبر، بعد مغادرة ~~المندوبين الإنجليز للمعسكر، وقد بدا وعلامات الارتياح ظاهرة ~~على وجهه، وأخذ يتحدث إليه عن الدعاوى التي احتج بها لرفض ~~مقابلة «مانجان» في اليوم السابق، فقال محمد علي إنه لا يستطيع ~~في الظرف الراهن العمل ضد مصالحه، ولكنه في اللحظة التي يجلو ~~منها الإنجليز عن الإسكندرية سوف يعاملهم دائما كأعداء ~~لحكومته، ثم استطرد «مانجان» يقول: ويتحذر الباشا من الاصطدام ~~مع أعدائنا في شيء مهما ضؤل، فهو حريص على مداراتهم بدرجة أنه ~~رجاني أن أبقى حتى وقت رحيلهم في مكان لا يجعلني قريبا منه؛ ~~لأن الجنرال الإنجليزي - وهو أحد المندوبين - عندما شاهد وصولي ~~إلى المعسكر غضب غضبا شديدا - كما قال الباشا - وأراد رفض ~~المعاهدة؛ ولذلك فإن الباشا يخشى أن تجد صعوبات بسببي تحول ~~دون تنفيذ المعاهدة. # وعلى ذلك، فقد نقل «مانجان» خيمته، وكانت قريبة من خيمتي ~~ترجمان الباشا و«بتروتشي»، ونصبها في معسكر «محو بك» الذي رحب ~~به، ثم لم يلبث محمد علي أن أطلعه على المعاهدة التي بادر ~~«مانجان» بإرسال نصوصها إلى «دروفتي». # وتختلف نصوص المعاهدة التي أطلع الباشا عليها «مانجان» في ~~بعض التفصيلات عن النصوص التي تضمنتها المعاهدة التي أبرمت ~~فعلا، فقد جاءت مادتها الأولى مبتورة وخالية من مسألة الرهائن ~~لضمان تنفيذ المعاهدة، ثم نصت المادة الثانية ms0847 عند ذكر تسليم ~~الأسرى الإنجليز على استثناء أولئك الذين يريدون منهم البقاء ~~في هذه البلاد، كما اختلفت المادة الثالثة في منطوقها ومدلولها ~~عما جاء في نظيرتها في المعاهدة المبرمة فعلا، حيث نصت هذه ~~على عدم إزعاج سكان الإسكندرية جميعهم، والأوروبيين المقيمين ~~بها، مهما تنوعت الأعذار؛ لإلحاق الأذى بهم وإزعاجهم، ثم زادت ~~المادة الرابعة المتعلقة بأمين بك الألفي على ما جاء بشأنه، ~~تحديد المكان الذي ذهب إليه وهو «تينيدوس»، وبدلا من السماح ~~له بالذهاب إلى أي مكان يريده عند عودته، ذكرت هذه المادة ~~صراحة إجازة ذهابه إلى معسكره أي إلى إخوانه بالصعيد، وأخيرا ~~جاء نص المادة الخامسة مغايرا تماما للنص الذي تضمنته ~~المعاهدة المبرمة، فقد ذكرت هذه: «وإذا ظهرت بعض الصعوبات ~~الصغيرة في فترة من الزمن قدرها عشرة أيام (أي من تاريخ عقد ~~المعاهدة)، يجرى تسوية هذه بالطرق الودية، كما أن صاحب السمو ~~لا يرفض كذلك إجابة ما قد يقدم إليه من مطالب مبعثها الود ~~والصداقة.» # ومع أن بعض المواد التي جاءت بهذه المعاهدة التي أطلع محمد ~~علي عليها «مانجان»، كانت متعلقة بمسائل حصل التفاهم عليها ~~فعلا بين الفريقين؛ كاستثناء تسليم أسرى الحرب الذين يريدون ~~بمحض اختيارهم البقاء في البلاد، أو يعتنقون الدين الإسلامي ~~- وهذا ما لم تذكره هذه المعاهدة، أو تلك التي أبرمت فعلا - ~~فالواضح أن الباشا لم يطلع «مانجان» على المعاهدة الحقيقية، ~~ويفسر هذا ما ذكره «مانجان» نفسه عن رغبة الباشا في مداراة ~~الإنجليز، ولخوفه إذا ترامى إلى هؤلاء أن صداقة الباشا ~~لأعدائهم قد بلغت حدا جعله يطلعهم على تفاصيل اتفاقهم معه أن ~~يعمد هؤلاء حينئذ إلى إثارة صعوبات تفضي إلى تعطيل الجلاء عن ~~الإسكندرية، بينما يحرص هو من ناحية كل الحرص على جعلهم يعجلون ~~بجلائهم عنها، ولما لم يكن خافيا عليه الغرض من مجيء «مانجان» ~~إلى دمنهور، ورفض الباشا مقابلته إلا بعد ذهاب المندوبين ~~الإنجليز، فقد أراد إزالة ما يكون قد ساوره من شكوك حول نواياه ~~نحو فرنسا في الوقت الذي كان لا يريد الباشا فيه خسران صداقة ms0848 ~~هذه الدولة على حساب صداقة جديدة مع دولة لم يظهر وقتئذ أي ~~دليل على أنها راغبة في الاستجابة إلى عروضه الأكثر أهمية؛ أي ~~عقد محالفة معه ضد أعدائه وأعدائها من فرنسيين وأتراك، وهو ما ~~جاء ضمن المقترحات التي حملها ترجمان الباشا في شهر مايو إلى ~~«فريزر»، واعتبرها هذا وقتذاك غير معقولة وغير مفهومة. # على أنه لما كانت المعاهدة التي أطلع الباشا «مانجان» عليها ~~قد خلت من أية نصوص متعلقة برعاية المصالح التجارية البريطانية ~~والتعهد بمنع أي جيش أوروبي من الدخول إلى مملكته، يأتي لغزو ~~مصر، أو يطلب المرور منها إلى الهند على نحو ما عرفه «دروفتي» ~~عن بعض مقترحات الباشا عند بداية المفاوضات في شهر مايو، ووقف ~~عليه وقتذاك من محمد علي نفسه، فقد ساورت «مانجان» الشكوك في ~~أن المعاهدة التي أطلعه عليها الباشا الآن تشمل كل النتائج ~~التي أسفرت عنها المفاوضة، وكتب في تقريره أنه من المحتمل وجود ~~بعض مواد سرية ملحقة بهذه المعاهدة. # وكان عند عودة محمد ~~علي إلى القاهرة بعد جلاء الإنجليز عن الإسكندرية وزيارة ~~الباشا لها في ظروف سوف يأتي ذكرها أن تجدد الحديث بين ~~«دروفتي» وبين محمد علي عن هذه المعاهدة، في مقابلة طويلة نقل ~~خبرها «دروفتي» إلى «سباستياني» في 10 أكتوبر فقال: إن الباشا ~~بعد عودته إلى القاهرة بيومين قابله، وبدأ هو (أي محمد علي) ~~الحديث معه ببيان الضرورة القصوى التي حملته على إبعاد ~~«مانجان» من معسكره العام بالقرب من دمنهور، ثم كذلك الظروف ~~الملحة التي دعته إلى طلب سلفة من ثلاثين كيسا من التجار ~~الإيطاليين بالإسكندرية، وقد حرص الباشا عند ذكر هذه المسألة ~~الأخيرة على استرضاء «دروفتي» بإظهار ما وطد العزم عليه من ~~رعاية المصالح الفرنسية، فاستطرد يقول إنه قد أصدر أمره إلى ~~الدفتردار لدفع هذا المبلغ كله إليهم بكل سرعة بينما ينتظر ~~الآخرون من رعايا الدول الأخرى حتى تدفع لهم مبالغهم من حساب ~~جمارك الإسكندرية. # ويقول «دروفتي» إنه انتهز هذه الفرصة للاحتجاج بلهجة قوية ~~على ما قد صار يبدو من عدم مراعاة ms0849 وقلة مبالاة في المدة ~~الأخيرة نحو وكلاء الحكومة الفرنسية على عكس ما صار يحدث مع ~~وكلاء الدول المعادية أو المحايدة ويقصد القنصل الفرنسي هنا ~~«بتروتشي» و«روشتي» على وجه الخصوص، ولكن الباشا علل ما حدث ~~بأن الظروف وحدها هي التي اقتضت ذلك، وقال إنه يرغب مخلصا في ~~أن تستمر علاقاته بي تسودها المحبة والانسجام كما كانت من ~~قديم، وفضلا عن ذلك فقد حرص الباشا على إخبار «دروفتي» بأن ~~القواد الإنجليز أرادوا إقناعه بأن جيشا فرنسيا سوف يحضر ~~قريبا إلى مصر، ولم يدع الباشا فرصة ل «دروفتي» حتى يرد على ~~هذا الكلام، بل استمر في حديثه إلى أن قال إنه بمثل الأتباع ~~والجيش اللذين له لا يناسبه بتاتا أن يقبل استبدال أي حكومة ~~أخرى، أو أي مكان آخر في تركيا بباشوية القاهرة، وقد علق ~~«دروفتي» على هذه العبارة بأنه كان الأحرى به أن يقول إنه لن ~~يشعر أنه آمن على نفسه وحكمه في أي مكان آخر أكثر مما يشعر به ~~وهو في مصر. # ويكشف حديث الباشا هذا مع «دروفتي» في القاهرة، كما يكشف ~~حديثه السابق مع «مانجان» في دمنهور عن حقيقة الأغراض التي كان ~~يهدف إليها الباشا من اتفاقه مع الإنجليز، وهي أغراض سبق أن ~~أوضحناها عند الكلام عن مرحلة جس النبض الأولى في المفاوضات ~~التي جرت بينه وبينهم، وتتلخص في رغبة محمد علي أن يستطيع ~~بتسوية خلافاته مع الإنجليز على أساس جلاء هؤلاء عن الإسكندرية ~~ودخول هذه في حوزته، فيحرم الباب العالي من قاعدة هامة، يتسنى ~~له حبك مؤامراته فيها ضد حكومته، أو يرسل إليها أساطيله بقيادة ~~القبطان باشا، تحمل واليا جديدا يحل محله في حكم البلاد، ~~وأمرا بإبعاده من مصر، ونقله إلى باشوية أخرى، نقول: إن محمد ~~علي أراد بتسوية خلافاته مع الإنجليز التمهيد لعقد محالفة ~~معهم، تؤمنه على باشويته في مصر ضد الأتراك أنفسهم قبل أي شيء ~~آخر، ثم ضد أي غزو قد يأتيه من جانب الدول الأجنبية، ومنها ~~فرنسا ذاتها، أضف إلى هذا كله أنه طالما بقي الإنجليز ms0850 أصدقاء ~~للمماليك، فقد انتفى كل اطمئنان لدى الباشا من ناحية الإنجليز ~~والمماليك على السواء، وظل قائما في نظره خطر تجديد الأولين ~~محاولتهم لغزو البلاد، واستمرار مناصرتهم للبكوات في مسعاهم من ~~أجل استرجاع سلطانهم المفقود في حكمها. # ويزيد اتضاح هذه الحقائق عند الوقوف على ما يصح تسميته ~~بالجانب السري من المفاوضات التي جرت بين محمد علي ~~و«فريزر». ~~(5) الجانب السري من المفاوضات # فقد تقدم كيف بدأ محمد علي محاولاته لإقناع الإنجليز بعقد ~~محالفة معه، وقت أن بعث بترجمانه مع «ديلانسي» في شهر مايو إلى ~~الإسكندرية لمقابلة «فريزر»، وكيف أخفقت هذه المحاولة الأولى، ~~ولكن استئناف المفاوضات لم يلبث أن أحيا أمل الباشا في إمكان ~~بلوغ غايته ، فانتهز فرصة وجود «شربروك» و«فيلوز» بمعسكره ~~لإبرام المعاهدة، وراح يتحدث إليهما من جديد في أمر هذه ~~المحالفة، ولما كانت عروضه السابقة من حيث رعاية المصالح ~~التجارية البريطانية وتمكين النفوذ البريطاني في مصر، ومنع ~~الفرنسيين من النزول في هذه البلاد، والدفاع عنها ضد أي اعتداء ~~قد يقع عليها من جانبهم، لم تكف جميعها لإقناع الإنجليز ~~بالمزايا التي سوف تكون لهم من التحالف معه، فقد عرض عليهم ~~الآن نفس ما ظل أحد أحزاب المماليك برئاسة شاهين بك الألفي ~~يؤكده للميجور «مسيت» وللجنرال «فريزر»، وهو وضع نفسه تحت ~~حماية بريطانيا، ثم إنه لم يلبث أن لوح للإنجليز بمزية أخرى ~~ونفع عاجل، يرجو به استمالتهم إلى عقد هذه المحالفة معه، فوعد ~~بتموين سفنهم سرا طوال مدة الحرب، إذا اقتربت هذه من ~~الإسكندرية تطلب تزويدها بالمياه العذبة من النيل أثناء ~~تجوالها في البحر الأبيض، وطلب الباشا في نظير هذا كله أن ~~يستخدم الإنجليز ما لديهم من قوات بحرية للدفاع عن الإسكندرية ~~إذا حاول الأتراك أو الفرنسيون، أو حاولت جيوش أية دولة أخرى ~~مهاجمة الإسكندرية بحرا. # وقد دلت رغبته في أن يعاونه الإنجليز على دفع أي هجوم قد ~~يقع عليه من ناحية الأتراك، وهي نفس الرغبة التي أبداها بواسطة ~~ترجمانه في شهر مايو، على أن الباشا قد صح عزمه قطعا على ~~الظفر بذلك ms0851 الاستقلال الذي أشار إليه «مسيت» في تقاريره مرات ~~كثيرة، وبالوضع الذي ذكره «دروفتي» في تقاريره هو الآخر إلى ~~«سباستياني»، أي الاستقلال على نمط ما هو قائم فعلا في وجاقات ~~الغرب، وذلك بأن يستقل في شئون الحكم الداخلية، ويثبت في ~~ولايته، ولا تربطه بالباب العالي سوى تبعية السيادة الرسمية ~~التي لا يرمز لوجودها سوى دفع الخراج السنوي فحسب، والأهم من ~~هذا كله أن يصبح الحكم في مصر وراثة في أسرته. # فمن المعروف أن وجاقات الغرب تتألف من طرابلس الغرب وتونس ~~والجزائر، سميت بالوجاقات نسبة إلى الأوجاق أو الوجاق، وهو ~~الطائفة من الجند، والمقصود هنا هو وجاق اليكجرية أو ~~الانكشارية، وجاق السلطان، وهم الذين كانت قد صارت لهم الغلبة ~~بعد فتح العثمانيين في القرن السادس عشر لهذه البلاد التي ~~أهلها من البربر، فاستأثر الانكشارية بالسلطة الفعلية في ~~وجاقات الغرب، فصاروا يولون ويعزلون «الدايات» في الجزائر حسب ~~أهوائهم، ويستبد «الدايات» بالحكم، ولا يربط أحدهم بمقر ~~السلطنة العثمانية سوى ما يبعث به «الداي» من الهدايا إلى ~~القسطنطينية علامة على خضوعه للسدة السلطانية، ودفع الخراج، ~~وتدهور نفوذ الدولة حتى انعدم كلية في تونس وطرابلس الغرب، ~~فحكمت في تونس الأسرة أو الدولة الحسينية نسبة لمؤسسها المولى ~~حسين بن علي منذ 1701، وكان الحكم وراثيا في هذه الأسرة، ~~ويعاصر هذه الحوادث في مصر من حكامها الباي حمودة باشا ~~(1782-1814)، وحكمت في طرابلس الغرب الأسرة القره مانلية، نسبة ~~إلى مؤسسها أحمد بك القرمانلي منذ 1711، وكان الحكم وراثيا ~~في هذه الأسرة كذلك، وكان الحاكم وقتئذ يوسف باشا القره مانلي ~~(1795-1835)، وكان كل هؤلاء الدايات في الجزائر والبايات في ~~تونس والباشوات في طرابلس الغرب مستقلين في شئونهم الداخلية عن ~~سلطان الدولة العثمانية، بل ويستقلون عنها كذلك لدرجة بعيدة في ~~علاقاتهم الخارجية مع الدول الأجنبية، ولا يربطهم بالسلطان ~~العثماني سوى التبعية الاسمية. # وذلك إذن هو الوضع أو الاستقلال الذي طمح إليه محمد علي، ~~وأراد التهيؤ لبلوغه بكسب صداقة الإنجليز، واستمالتهم إلى ~~التحالف معه، وكانت رغبته في الظفر به من الباب العالي طوعا ms0852 ~~أو كرها مبعث تلك المفاوضة السرية التي أجراها مع الإنجليز ~~إلى جانب مفاوضته العلنية معهم، والتي انتهت بعقد اتفاق الجلاء ~~عن الإسكندرية. # وقد كشف عن هذا الجانب السري من المفاوضات الجنرال «فريزر» ~~في رسالة له بعث بها إلى الجنرال «مور» من «مسينا» في 16 ~~أكتوبر، جاء فيها ما نصه: «أرجو أن تسمحوا لي بأن أبسط لكم ~~ليكون موضع نظركم فحوى محادثة جرت بين باشا مصر والميجور جنرال ~~«شربروك» والكابتن «فيلوز» أثناء قيامهما بمهمتهما لدى سموه، ~~ولدي ما يجعلني أعتقد، من هذه المحادثة ومن اتصالات خاصة ~~كثيرة أخرى كانت لي معه، بأنه جاد وصادق فيما يقترحه. # لقد أبدى محمد علي باشا والي مصر، رغبته في أن يضع نفسه تحت ~~الحماية البريطانية، ووعدنا بإبلاغ مقترحاته إلى الرؤساء في ~~قيادة القوات البريطانية؛ كي يقوم هؤلاء بإبلاغها إلى الحكومة ~~الإنجليزية للنظر فيها. # ويتعهد محمد علي من جانبه بمنع الفرنسيين والأتراك، أو أي ~~جيش تابع لدولة أخرى من الدخول إلى الإسكندرية لغزوها من طريق ~~البحر، ويعد بالاحتفاظ بالإسكندرية وامتلاكها كصديق وحليف ~~لبريطانيا العظمى، ولكنه لا مناص له من انتظار أن تعاونه ~~إنجلترة بقواتها البحرية إذا وقع هجوم عليه من جهة البحر؛ لأنه ~~لا يملك سفنا حربية. # ويوافق محمد علي باشا في الوقت نفسه على تزويد كل السفن ~~البريطانية التي تقف على بعد من الإسكندرية بما قد تحتاج إليه ~~من ماء النيل عند إعطائها إشارة - يصير الاتفاق عليها - تدل ~~على ذلك، فينقل الماء عندئذ إلى السفن التي تطلبه في قنجات، ~~يحضرها الباشا لهذا الغرض، ولما كان من المرغوب فيه أن يجري ~~نقل الماء إلى السفن في ظلام الليل، فلا ينتظر حدوث ذلك في غير ~~الأوقات التي تكون فيها حالة الجو طيبة. # ويجب أن يكون مفهوما أنه بمجرد أن يتم إخلاء الجنود ~~البريطانيين للإسكندرية، يبدأ بأسرع وقت ممكن إنزال أسرى الحرب ~~إلى السفن وإبحارهم، وأنه عندما يتأكد لدى الرؤساء في قيادة ~~القوات البريطانية أن جميع أسرى الحرب، ثم من أمكن العثور عليه ~~من أسرى الحرب الذين بيعوا ms0853 كرقيق، قد أنزلوا إلى السفن، يقوم ~~هؤلاء الرؤساء بإرجاع الأشخاص الذين سلمهم الباشا إليهم كرهائن ~~في أمن وسلام، وإذا حدث أن أحدا من أسرى الحرب، أو الذين ~~بيعوا كرقيق قد اعتنق الإسلام، ثم أراد البقاء في البلاد، فله ~~أن يفعل ذلك، ولكنه يجب أن يستجوب مثل هؤلاء فيما يتعلق ~~بإسلامهم ورغبتهم في البقاء شخص يعينه الرؤساء في قيادة القوات ~~البريطانية - وبحضور أحد ضباط الباشا - فإذا أعلن عندئذ أنه ~~إنما أراد ذلك بمحض اختياره، فلن يطلب البريطانيون استرجاع مثل ~~هذا الرجل. # وتسلم الإسكندرية إلى كتخدا بك عندما تكون آخر طائفة من ~~الجند البريطانيين قد صارت على وشك الإبحار من الإسكندرية، ~~ويسمح لعدد كاف من جند الباشا بالمرور من القطع بين المعدية ~~ومريوط؛ لتمكينه من توطيد سلطته والمحافظة على الأمن والسلام ~~في الإسكندرية. # ويقوم الرؤساء في قيادة القوات البريطانية بإسداء كل مساعدة؛ ~~لتمكين هؤلاء الجنود من عبور القطع بجلب السفن إلى هذا المكان، ~~وإذا اتضح أن هناك صعوبة في الحصول على عدد كاف منها، يسمح ~~للسفن التي تأتي بأسرى الحرب إلى بوغاز رشيد بالذهاب إلى القطع ~~للقيام بهذه المهمة.» # وواضح من كل هذه المسائل التي ذكرها «فريزر» أن الباشا قد ~~عني بشيئين: عقد محالفة دفاعية مع الإنجليز، وتعجيل جلاء هؤلاء ~~عن الإسكندرية حتى يتسنى له دخولها بكل سرعة والاطمئنان إلى ~~امتلاكها نهائيا. # وإذا كان الإنجليز لم يشاءوا عقد محالفة دفاعية مع محمد علي ~~ضد الأتراك والفرنسيين أعدائهم وأعدائه على السواء، وأن يكونوا ~~بمعنى آخر الأداة التي يستطيع بها محمد علي في هذه المرحلة ~~المبكرة من حياته السياسية الطويلة، أن ينتزع من الباب العالي ~~الاستقلال الذي يصبو إليه، وأن يتمتع بالوضع الذي أراده ~~مشابها لذلك الذي كان لوجاقات الغرب، فقد حقق الغرض الآخر ~~والمباشر الذي هدف إليه، وهو امتلاك الإسكندرية، فوضع بذلك ~~الأساس الأول لتوطيد سلطانه في ولايته، ثم التفرغ بعد ذلك ~~لإدراك استقلاله سواء تم له هذا الاستقلال في نطاق الدولة ~~العثمانية أو بالانفصال عنها كلية. # وأما الخطوة التالية لإبرام اتفاق دمنهور، ms0854 فكانت التهيؤ ~~لدخول الإسكندرية. ~~(6) الإسكندرية في حوزة محمد علي # فقد جرى تسليم الأسرى بكل سرعة يوم 12 سبتمبر، وبدأ إخلاء ~~الجنود البريطانيين للإسكندرية، ونزولهم إلى السفن في اليوم ~~التالي، ثم بدأ خروج هذه من الميناء القديمة يوم 14 سبتمبر، ~~وما وافى يوم 19 سبتمبر حتى كان قد تم إخلاء ~~الإسكندرية. # وكان الباشا لرغبته في امتلاكها دون إبطاء قد عين كتخدا بك ~~«طبوز أوغلي» حاكما لها، وقضى هذا جملة أيام ببركة غطاس مع ~~طليعة جيش الباشا المعد لاحتلال المدينة، ثم احتل القطع يوم 17 ~~سبتمبر، وفي اليوم نفسه دخل إلى الإسكندرية مع خمسين من رجاله ~~ليجد بعض الإنجليز لا يزالون يحتلون القلاع والمراكز ~~الرئيسية. # وأرسل «طبوز أوغلي» خبر احتلاله الإسكندرية إلى الباشا، ~~فغادر هذا دمنهور فورا على رأس ألفين من جنده، وواصل السير ~~الليل كله حتى وصل إلى بحيرة المعدية، ووجد عند القطع الكابتن ~~«هالويل»، ينتظر في قارب وصول الباشا لزيارته تحية له، وعسكر ~~الباشا في هذا المكان، وفي صبيحة اليوم التالي (20 سبتمبر سنة ~~1807) دخل الباشا الإسكندرية على دوي المدافع التي أطلقت من ~~طبياتها تحية له، وكانت هذه هي المرة الأولى التي تطأ قدما ~~محمد علي فيها أرض الإسكندرية، وبادر القناصل والأعيان وكبار ~~التجار والمشايخ والعلماء ورؤساء الجند بتقديم التحية، ثم نزل ~~الباشا يزور المدينة وتحصيناتها وأبوابها وقلاعها ~~ومخازنها. # وكان أول ما استرعى انتباه الباشا أن الخزانة بالإسكندرية ~~خالية من المال، فأمر بفحص حسابات الجمارك وسجلات احتكارات ~~الصودا وأصناف السوائل، وتبين من هذا الفحص أن الأموال المحصلة ~~منها والتي كان يجب أن تمتلئ بها خزانة الحكومة بالإسكندرية، ~~قد بددت، فلم يكن هناك معدى حينئذ عن تدبير قدر من ~~المال لسد مطالب الإدارة الجديدة على وجه السرعة، ولدفع مرتبات ~~الأرنئود قبل أي شيء آخر؛ وعلى ذلك، فقد أخذ من التجار ~~الأوروبيين بالثغر سلفة قدرها عشرون ألف ريال إسباني أو سبعة ~~ومائة ألف فرنك، تقوم جمارك الإسكندرية بسدادها لأصحابها من ~~إيراداتها، وكانت هذه هي السلفة التي تحدث الباشا في موضوعها ~~مع «دروفتي» ms0855 عند عودته إلى القاهرة على نحو ما سبق ~~ذكره. # وكان أثناء تغيب الباشا عن القاهرة أن وصل إلى دمياط قابجي ~~يسمى نجيب أفندي، يحمل هدايا من السلطان العثماني إلى محمد علي ~~وكبار رجال حكومته مكافأة للباشا على بلائه الطيب وانتصاره على ~~الإنجليز، فبلغ بولاق يوم 14 سبتمبر، وعندما علم بوجوده بناحية ~~البحيرة ذهب إليه لمقابلته، ويقول الشيخ الجبرتي: إن هذا ~~الرسول قابل الباشا بدمنهور، ولكن غيره من المعاصرين يذكرون أن ~~الباشا كان بالإسكندرية عندما تسلم هو ورجاله هدايا السلطان ~~إليهم، وهي لخصوص الباشا قفطان وسيف، وشلنج وخلع لكبار العسكر ~~حسن باشا، وطاهر باشا، وعابدين بك، وعمر بك الأرنئودي، وصالح ~~قرش قوج، وأما الجنود الذين أبدوا بسالة أثناء النضال مع ~~الإنجليز، فقد كوفئوا بنياشين فضية علقوها على عمائمهم. # ثم حدث أثناء وجود الباشا بالإسكندرية كذلك أن وصل إلى دمياط ~~أحد ضباط الباب العالي، يصحبه إبراهيم بك بن محمد علي الذي كان ~~القبطان صالح باشا قد أخذه رهينة إلى القسطنطينية في أكتوبر ~~سنة 1806؛ حتى يدفع محمد علي مبلغ الأربعة آلاف كيس التي وعد ~~بدفعها إلى الباب العالي؛ نظير تثبيته في الولاية عند انتهاء ~~أزمة النقل إلى سالونيك، فدلت إعادة إبراهيم على رضاء السلطان ~~عن الباشا وتقديره لجهوده، وبلغ إبراهيم القاهرة بصحبة هذا ~~القابجي باشا يوم 26 سبتمبر. # ولم تخل إقامة الباشا في الإسكندرية من المتاعب، فقد تمرد ~~الأرنئود في الأيام الأولى من شهر أكتوبر؛ بسبب رداءة المياه ~~المجلوبة من الصهاريج، وقلة الأغذية والمؤن بالمدينة، ورفعوا ~~عقيرتهم مطالبين بالمرتبات المتأخرة لهم، ووقعت الاضطرابات، ~~ولكن الباشا لم يلبث أن أعاد النظام إلى نصابه بفضل ما دفعه ~~للجند من السلفة التي أخذها من التجار الأوروبيين، ثم سرعان ~~ما وصلته أنباء أخرى مزعجة عن فعال الجند الذين بالقاهرة؛ لأنه ~~ما إن ارتفع خطر الغزو الأجنبي وزال الخوف من نفوسهم، حتى ~~استأنفوا فعالهم الذميمة، وقد تزايدت الآن جرأتهم ووقاحتهم، ~~فعم البلاء في القاهرة وسادت الفوضى بها، فأفحش العساكر في ~~التعدي على الناس، وغصب البيوت من أصحابها، ولم ms0856 يستثنوا من ذلك ~~أعيان الناس والمقيمين بالبلدة من الأمراء والأجناد المصريين ~~وأتباعهم المماليك ونحوهم، وآذوا مشايخ العلم، ولم يفد هؤلاء ~~احتجاجهم بأنهم مسلمون، وأن النصارى واليهود يكرمون قسسهم ~~ورهبانهم، حيث أجابهم الجند أنتم لستم بمسلمين؛ لأنكم كنتم ~~تتمنون تملك النصارى لبلادكم وتقولون أنهم خير منا، ونحن ~~مسلمون ومجاهدون طردنا النصارى وأخرجناهم من البلاد، فنحن أحق ~~بالدور منكم، وصاروا يفرضون الغرامات على الوجهاء والأعيان ~~نظير ترك دورهم لهم، فما إن بلغت هذه الأخبار محمد علي حتى ~~قرر العودة إلى القاهرة. # فغادر الباشا الإسكندرية بطريق البر إلى رشيد، حيث أمضى بها ~~ساعات قليلة أصدر في أثنائها الأوامر والتعليمات اللازمة ~~لإنشاء سور يحيط بها، ثم نزل في النيل قاصدا إلى القاهرة، ~~وحدث عند زفتيه أن انقلبت السفينة الصغيرة التي كان بها ~~الباشا، وبصحبته حسن باشا طاهر، وسليمان أغا صالح وكيل دار ~~السعادة سابقا، وصاحب الدور المعروف أثناء أزمة النقل إلى ~~سالونيك، ثم تمرد ياسين بك الأرنئودي، فأشرف ثلاثتهم على ~~الغرق، وتعلق بعضهم بحرف السفينة، ومع أن الباشا كان يحسن ~~السباحة، فقد لازم رفيقيه محاولا إنقاذهما حتى لحقت بهم سفينة ~~أخرى، فطلب من نوتيتها الاهتمام بحسن باشا وسليمان أغا، وأما ~~هو فقد سبح إلى الشاطئ، واستأنف الجماعة سيرهم فوصلوا إلى ساحل ~~بولاق يوم 5 أكتوبر. # وأما الإنجليز، فقد تم إخلاؤهم للإسكندرية - كما قدمنا - ~~يوم 19 سبتمبر، وما إن تسلموا أسراهم حتى أبحرت بهم الناقلات ~~إلى «مسينا» في 22 سبتمبر، وتم إبحار سائر جيش الحملة من ~~خليج أبي قير في 25 منه، وقد ترك «فريزر» بالإسكندرية ~~«بتروتشي» مندوبا بريطانيا؛ للإشراف على جميع أسرى الحرب ~~الذين بيعوا للأفراد كرقيق، وترحيلهم من البلاد، ثم ملاحظة ~~المصالح البريطانية في الوقت نفسه، وقد جرد الآن «بتروتشي» ~~- وهو مالطي - من عمله كنائب قنصل لبريطانيا في رشيد، وبقي له ~~عمله كقنصل للسويد فحسب، وعين «فريزر» مساعدا له في مهمته أحد ~~التجار الإنجليز، ويدعى «هود» # Hood ~~، وكان قد اضطر إلى مغادرة ~~القسطنطينية مع السفير الإنجليزي السابق بها «أربثنوت»، واعتقد ~~«فريزر» أنه بفضل ms0857 ما له من معرفة بعادات وتقاليد البلاد ~~لإتقانه اللغة التركية، سوف يكون ذا نفع عظيم في مركزه الجديد ~~هذا، وقد سمى «فريزر» كذلك مالطيا يدعى «أني» # Anny # وكيلا بريطانيا ~~بالإسكندرية. # وقد ترتب على جلاء الإنجليز عن الإسكندرية، أن غادر هذه كثير ~~من أولئك الذين اعتقدوا - كما قال «فريزر» وهو يبعث برسالته ~~إلى «كاسلريه»، من على ظهر الباخرة تيجر في 26 سبتمبر في طريقه ~~إلى صقلية - أنهم صاروا موضع كراهية عظيمة؛ بسبب صداقتهم ~~ومعاونتهم للإنجليز، وقد لجأ بعض هؤلاء إلى البريطانيين حتى ~~يحملوهم على ظهر سفنهم معهم، بينما هاجر عديدون من سكان ~~الإسكندرية، مسلمين ومسيحيين على السواء، ومن بين هؤلاء ~~الأخيرين أسر لبنانية كثيرة ذهبت إلى الشام، كما قصد بعض ~~المهاجرين إلى وجاقات الغرب، ونزح قسم كبير من فقراء ~~الإسكندرية إلى الصحراء؛ ليعيشوا مع البدو في خيامهم، وقد حذا ~~حذو هؤلاء المهاجرين كثيرون من أهل رشيد كذلك. # ومن بين الذين هاجروا من الإسكندرية الشيخ محمد المسيري، وقد ~~نزل كتخدا بك طبوز أوغلي بداره عند دخوله الإسكندرية، ثم ~~الشوربجي أو رئيس قضاة الإسكندرية سيدي قاسم غرياني، وأما ~~الشيخ إبراهيم باشا - زوج كريمة الشيخ محمد المسيري، وأحد ~~الموقعين على اتفاق تسليم الإسكندرية إلى الإنجليز في 20 مارس ~~- فقد آثر أن يقبل قدمي محمد علي؛ يطلب الصفح منه على الهجرة ~~من الإسكندرية، فعفا عنه الباشا وأمنه على حياته، وخلع عليه ~~فروة ثمينة. # ثم كان من بين أولئك الذين اضطروا إلى مغادرة الإسكندرية ~~أعضاء البعثة البريطانية - بطبيعة الحال - الكابتن «تابرنا» ~~السكرتير العام، ويوسف عزيز الترجمان الأول، و«أرنست مسيت» ~~رئيس البعثة، وقد غادر هؤلاء الإسكندرية بعد إخلائها في 19 ~~سبتمبر، وأبحروا مع الجيش إلى صقلية فبلغوها يوم 16 أكتوبر، ~~وكان «فريزر» نفسه قد سبقهم إليها منذ 11 أكتوبر. # ووجد «مسيت» متسعا من الوقت وهو بصقلية؛ ليؤيد قضايا أولئك ~~الذين صادقوا الإنجليز، واعتبرهم حلفاء لهم، وكانوا في رأيه في ~~حاجة إلى المساعدة، ولا يجب على البريطانيين أن يتخلوا عنهم ~~وعن قضيتهم بعد انسحابهم من هذه البلاد، فانبرى ms0858 الآن لمساعدة ~~قاسم غرياني، وأمين بك الألفي، وتأييد قضية المماليك عموما ~~بقدر طاقته، وسلك في هذه المسألة الأخيرة نفس طريق الإيحاء ~~والتمويه التي سلكها في السابق كلما أراد أن يزيل من ذهن ~~رؤسائه عبث الاعتماد على البكوات؛ بسبب الخلافات السائدة بينهم ~~وقصورهم عن إدراك ما فيه صالحهم، فبعث وهو بمسينا برسالة مطولة ~~إلى «كاسلريه» في 21 أكتوبر، تحدث فيها عن استحقاق سيدي قاسم ~~غرياني لكل مساعدة، وهو الذي اضطر بسبب صداقته للإنجليز إلى ~~الهجرة من الإسكندرية، وترك أمواله وأملاكه التي صادرتها حكومة ~~الباشا. # وكان مما ذكره «مسيت» لتأييد مساعيه في صالح هذا الشيخ، أن ~~الحكومة البريطانية كانت قد منحت سيدي قاسم غرياني عشرة شلنات ~~معاشا يوميا؛ مكافأة له على الخدمات التي أداها أثناء ~~الحملة البريطانية الأولى على مصر (1801)، وأجد من العبث ~~محاولة إيفائه كل حقه من المديح والثناء؛ بسبب الجهود المتصلة ~~التي بذلها إبان وجود الجنود البريطانيين بقيادة الميجور جنرال ~~«فريزر» بالإسكندرية، ولكني أستطيع أن آخذ على عاتقي باطمئنان ~~القول بأن الفضل إنما ينسب إليه، وإلى ما أبداه من همة في حصول ~~الجيش على المؤن والأغذية التي حصل عليها أخيرا بكثرة وفيرة، ~~ولقد وعد الليفتنانت جنرال السير «جون مور» سيد قاسم غرياني ~~بمضاعفة المعاش المعطى له، وذلك ابتداء من يوم 25 سبتمبر، ولا ~~أشك في أنكم سوف تؤيدون وعد السير جون، والحقيقة أن عشرين ~~شلنا يوميا لا تكاد تكفي لإعالة رجل في مثل مكانته مع ~~أسرته، وأرجو أن ترى الحكومة البريطانية أنه مما يتفق مع ~~كرامتها أن تعوض هذا الشيخ تعويضا مناسبا عن الأضرار التي ~~لحقت به نتيجة لما أظهره من ولاء نحو المصالح ~~البريطانية. # وتحدث «مسيت» في رسالته هذه كذلك عن المماليك، فاستهل ~~حديثه عنهم بملاحظة من المستغرب صدورها عنه، حيث قال: «إنه ~~يمكن الآن اعتبار أن المماليك كحزب أو جماعة سياسية، قد ~~عفت آثارهم أو كادت، فقد وقع الخلاف بينهم قبل إخلاء ~~الإسكندرية بوقت قصير حول توزيع القرى، وتحاربوا وسقط أثناء ~~القتال تسعة منهم، أحدهم خليفة عثمان بك ms0859 البرديسي.» ولكن هذا ~~الاستغراب لا يلبث أن يزول عندما نجد «مسيت» يحاول إسناد هذا ~~الفشل الذي أصابهم إلى جلاء الإنجليز عن البلاد، فقد استمر ~~يقول: وليس هناك أي شك في أن إبراهيم بك سوف يبذل الآن قصارى ~~جهده لعقد السلام مع الباشا، حيث قد انعدم لديه كل أمل في ~~انتظار أية مساعدة من الحكومة البريطانية. # أما عن أمين بك الألفي، فإنه ما إن ذاع الخبر في النصف ~~الأخير من شهر أغسطس بأن الإنجليز يعتزمون إخلاء الإسكندرية، ~~حتى لقي كل تشجيع من «مسيت» للذهاب إلى «تينيدوس»؛ لمقابلة ~~السير «آرثر باجيت» يسأله التوسط لدى الباب العالي في صالح ~~البكوات أثناء مفاوضة «باجيت» مع العثمانيين، وحتى يبسط له وضع ~~المماليك ونواياهم ورغائبهم، وقد سبق كذلك أن ذكرنا أن ~~«مسيت» حمل أمين الألفي مذكرة والتماس الإسكندريين إلى «باجيت » ~~مشفوعة برسالته إليه بتاريخ 22 أغسطس، فوصل أمين إلى «تينيدوس» ~~في أول أكتوبر، وقابل «باجيت» وسلمه رسائل «مسيت»، واعتقد ~~«باجيت» أن محمد علي يؤيد المصالح الفرنسية، وصح عزمه إذا ~~أتيحت له الفرصة ودخل القسطنطينية، أن يبذل قصارى جهده لحمل ~~الديوان العثماني على نقل أو إخراج محمد علي من باشوية مصر، ~~وقد تحدث إليه أمين الألفي كذلك عن مهمته، ولكن «باجيت» لم ~~يستطع فعل شيء له؛ لفوات الوقت، وقد راح يذكر في كتاب له إلى ~~وزير الخارجية «جورج كاننج» في 4 أكتوبر وقائع بعثة أمين ~~هذه، ويؤخذ مما ذكره عنها أن أمين الألفي عندما وقف على فشل ~~«باجيت» في مفاوضته مع الباب العالي، تزايد شعوره بحرج موقفه، ~~وصار لا يجرؤ على الذهاب إلى القسطنطينية أو العودة إلى ~~الإسكندرية؛ لأنه من المحتمل أن تكون هذه قد انتقلت الآن إلى ~~يد محمد علي، والعلاقات بين الباشا والبكوات سيئة، ثم إن ~~أمين بك لم يشأ المكث في «تينيدوس»؛ خوفا من أن يلحق الأذى ~~بمصلحته إذا عرف الباب العالي أنه موجود بها؛ وعلى ذلك، فقد ~~طلب أمين أن يسمح له بالذهاب إلى مالطة، وأجابه «باجيت» إلى ~~رغبته، وفي 2 أكتوبر أبحر ms0860 أمين إلى مالطة فوصلها في ~~نوفمبر. # وراح أمين - وهو بمالطة - يؤكد لحاكمها السير «ألكسندر بول» ~~صداقة البكوات للإنجليز وولاءهم لهم، واعتماد المماليك على ~~مساعدة هؤلاء لهم، وتذكيرهم الإنجليز بالوعود التي بذلوها ~~للبكوات، ثم طلب من بول مساعدته على الذهاب إلى طرابلس ~~الغرب؛ لسؤال حاكمها يوسف باشا القره مانلي معاونته على العودة ~~بطريق الصحراء إلى مصر، وكان بعد انقضاء ثلاثين يوما تقريبا ~~من وجوده بمالطة، أن كتب أمين الألفي إلى «مسيت» بتاريخ 2 ~~ديسمبر سنة 1807، يقص عليه ما حدث له منذ مغادرته للإسكندرية ~~إلى مجيئه إلى مالطة، ويرجوه إبلاغ كل هذه التفاصيل إلى ~~حكومته، ثم عاد يؤكد صداقة البكوات لبريطانيا، فقال: «ولا شك ~~في أنكم قد عرفتم أثناء وجودكم بالإسكندرية، كم من مرة عرض ~~علينا فيها محمد علي مقترحات مختلفة لقبول الصلح معه، ولكننا ~~لاعتمادنا على مساعدة الإنجليز لنا قد رفضنا الشروط التي عرضها ~~علينا أكثر من عشرين مرة، ولا جدال في أن وقوفكم على هذه ~~الحقائق سوف يمكنكم من تأييد ما ذكرته، وسوف يجعلكم قادرين على ~~أن تؤكدوا للحكومة البريطانية صداقتنا لها.» ثم رجاه في ختام ~~رسالته أن يبعث برده إلى «برجز» في مالطة؛ لأن أمين الألفي - ~~كما قال - على وشك السفر إلى طرابلس، حيث يتوقع أن يسمع من ~~«مسيت» وهو بها. # ولكن «مسيت» الذي يلوح أنه أدرك الآن عجزه تماما عن فعل شيء ~~جدي في صالح البكوات، لم يلبث أن أجاب على رسالة أمين من ~~«مسينا» في 8 يناير سنة 1808 يبدي له أسفه؛ لأن السفير ~~الإنجليزي في القسطنطينية لا يقدر على تسوية الخلافات القائمة ~~بين بريطانيا العظمى والباب العالي، وأن يفعل شيئا في صالح ~~المماليك، ولا جدال في أن فشل السفير في هذا الأمر الأخير ~~إنما مرده إلى الظروف الراهنة، ووعد «مسيت» بإبلاغ ما جاء في ~~رسالة أمين؛ استجابة لرغبته إلى حكومته التي لا شك في أنها سوف ~~تنتهز أول فرصة مناسبة لتعمل على ما فيه فائدة البكوات، وتمنى ~~لأمين عودة آمنة إلى مصر، ورجاه في ختام رسالته ms0861 أن يذكره إلى ~~أصدقائه المماليك. # وبعد أسبوع بعث «مسيت» من «مسينا» في 16 يناير سنة 1808 ~~بترجمة رسالة أمين الألفي إلى «كاسلريه»، وصورة من رده عليه، ~~وكان أمين عندئذ في طريقه إلى طرابلس. # وبذلك أسدل الستار على نشاط «مسيت» من هذه الناحية، ولم يعد ~~«مسيت» إلى مصر إلا في أواسط سنة 1811، فبقي حتى عام 1815 ~~يمثل مصالح دولته، ولكنه كان وقتئذ مريضا مقعدا يحمل على ~~كرسي متحرك، على أنه حين عودة «مسيت» إلى مصر ثانية، كان غريمه ~~الأكبر محمد علي قد قضى على المماليك منذ مارس 1811 في مذبحة ~~القلعة المعروفة، واستطاع في السنوات التالية لجلاء الإنجليز ~~عن الإسكندرية أن يوطد دعائم باشويته، ومع هذا، فما كان يتسنى ~~للباشا فعل ذلك، أو حتى البقاء في باشويته لو أن الفشل لم ~~يلحق بحملة «فريزر»، وبقي الإنجليز في الإسكندرية. ~~(7) أسباب فشل حملة «فريزر» # ولقد كان «مسيت » مسئولا لحد كبير عن فشل هذه الحملة؛ ~~للأسباب العديدة التي ذكرناها في سياق الكلام عن هزيمتي ~~الإنجليز في رشيد والحماد، وعن علاقات هؤلاء بالبكوات ~~المماليك، ولأنه كان أكبر داعية لمشروع احتلال البريطانيين ~~للإسكندرية، بل ولاحتلال البلاد بأسرها، ولم يفد تسلم محمد ~~علي لأزمة الحكم في مصر شيئا في تغيير نظرته إلى الأمور، ~~فظل مصمما على رأيه وتزايد نشاطه في الترويج لاحتلال ~~الإسكندرية وسائر بلاد القطر، على اعتبار أن طرد محمد علي ~~والأرنئود من الحكم واسترجاع المماليك لسلطانهم ونفوذهم ~~القديمين، قد صار الآن لا غنى عنه لصون المصالح البريطانية في ~~مصر ودعمها، ولقد شاهدنا كيف كان «مسيت» إلى جانب هذا كله ~~مسئولا عن جعل «فريزر» يزج بقواته المعينة لاحتلال الإسكندرية ~~فحسب في مغامرات عسكرية عادت بالوبال على الحملة، وذلك عندما ~~راح «مسيت» يصر على أن احتلال رشيد والرحمانية ضروري لتموين ~~الإسكندرية، ولتمكين البريطانيين من الاحتفاظ بها. # على أن الأخطاء العديدة التي ارتكبها «مسيت»، والتي سببت ~~فشل الحملة وكانت من العوامل الهامة - وإن لم تكن بطريق ~~مباشرة - في جعل الحكومة الإنجليزية تقرر الجلاء عن ~~الإسكندرية في الظروف التي ms0862 شرحناها جميعها، لا يجب أن تطغى على ~~حقيقة أخرى هي أن «مسيت» لم يكن وحده الذي اعتقد بأنه من ~~المتعذر الاحتفاظ بالإسكندرية من غير الاستيلاء على رشيد ~~والرحمانية، فقد كانت هذه الفكرة ذاتها فكرة قديمة أخذ بها ~~العسكريون من أيام حملة البريطانيين الأولى على مصر، فرددها ~~«هتشنسون» الذي كتب وقتذاك إلى «الجين» في 25 يناير سنة 1801، ~~أنه لا يمكن الاحتفاظ بالإسكندرية إلا إذا عدت مأمونة كل ~~وسائل الاتصال بينها وبين الجهات الزراعية التي بجوارها، وذلك ~~عن طريق السيطرة على مصبات النيل، ثم رددها «دراموند» من بعده، ~~فظل هذا يؤكد منذ عام 1803 بأن امتلاك رشيد ضروري لتموين ~~الجيش الذي يعهد إليه باحتلال الإسكندرية، ثم إن «مسيت» نفسه ~~كان قد كتب إلى «وندهام» منذ 14 أغسطس 1806، أن الإسكندرية ~~تعتمد في غذائها وتموينها على رشيد، فهذا جميعه ينهض دليلا ~~على وجود نوع من إجماع الرأي في هذه الناحية، ولقد كان هذا ~~الرأي الذي أخذ به «مسيت» ضمن من أخذوا به مبعث الخطأ الأساسي ~~الذي قرر مصير هذه الحملة من الناحية العسكرية ~~خصوصا. # فلا جدال في أن التفكير الذي اقترن بإخراج حملة «فريزر» ~~إلى حيز الوجود، كان تفكيرا خاطئا من أساسه، سواء من ناحية ~~التناقض الذي ظهر بين تحديد الغرض الذي تعين لهذه الحملة ~~تحقيقه، وبين وضع هذا الغرض نفسه موضع التنفيذ، وعلى نحو ما ~~اعتقد «مسيت» على وجه الخصوص أنه الطريقة المثلى، بل والتي ~~يتسنى بها وحدها تحقيقه، ولقد كان «مسيت» الرجل الذي نصت ~~التعليمات المعطاة إلى «فريزر» على وجوب استشارته والعمل ~~بنصائحه، بوصفه خبيرا ذا دراية بالشئون المحلية؛ وعلى ذلك ~~فإنه بينما لم يدر في خلد حكومة جرنفيل عندما أصدرت تعليماتها ~~بشأن هذه الحملة في نوفمبر 1806، أن احتلال الإسكندرية ~~ومناصرة الأحزاب الموالية لإنجلترة في مصر (أي المماليك)، أن ~~تحقيق هذين الغرضين سوف يقتضي توسيع نطاق العمليات العسكرية ~~لاحتلال رشيد أو الرحمانية، أو غيرهما من المواقع في داخل ~~البلاد، كان «مسيت» الذي وجب على قائد الحملة الإنصات لما ~~يبديه من آراء لها ms0863 قيمتها - يفسر أغراض حكومته على غير الوجه ~~الذي قصدته هذه منها، ولا يدور في خلده هو الآخر أنه قد غاب عن ~~حكومته أن احتلال الإسكندرية يتطلب الاستيلاء على رشيد ~~والرحمانية، على نحو ما نادى به العسكريون، وكذلك السياسيون من ~~سنوات عدة سابقة. # وعلى ذلك، فإنه بينما تألفت الحملة من قوات محدودة، تكفي في ~~نظر الحكومة لتنفيذ التعليمات التي أصدرتها، ولم يكن في ~~مقدورها - علاوة على ذلك - إعداد قوات أكبر من تلك التي بعثت ~~بها لاحتلال الإسكندرية؛ وذلك لحاجتها الملحة إلى وجود جيش قوي ~~بصقلية، فقد وجدت حملة «فريزر» بعد الاستيلاء على الإسكندرية ~~أنها إنما تواجه في واقع الأمر واجب القيام بعمليات عسكرية ~~أوسع نطاقا مما كانت تفترضه الحكومة التي سيرتها على هذه ~~البلاد، فكان هذا التناقض بين وجهتي النظر من الأسباب ~~الرئيسية التي أدت إلى فشل الحملة. # أضف إلى هذا أن الفكرة التي قام عليها إرسال هذه الحملة ~~إلى مصر، من حيث منع الفرنسيين من النزول إلى مصر والحيلولة ~~دون غزوهم لها، لم تكن في حد ذاتها فكرة صائبة، ولم يكن مبعثها ~~سوى ذلك الفزع التقليدي الذي استبد بالعسكريين والسياسيين ~~البريطانيين على السواء من ناحية الفرنسيين ورغبتهم في امتلاك ~~هذه البلاد مرة ثانية، فمع أن نابليون كان مشغولا بحروبه ~~ومشاريع فتوحاته الواسعة في القارة الأوروبية، وكان لدى ~~الإنجليز من القوات البحرية والقواعد الاستراتيجية الهامة ~~في البحر الأبيض، لا سيما في صقلية ومالطة، ما يحول دون سبق ~~الفرنسيين في احتلال مصر إذا تهيئوا لفعل ذلك، فقد آثرت ~~الحكومة الإنجليزية احتجاز قسم من جيشها في الإسكندرية على ~~استخدام هذه القوات في ميادين أخرى أكثر اتصالا من الناحية ~~العسكرية بمطالب الحرب الدائرة. # ثم إن مهاجمة الأتراك في أملاكهم البعيدة عن مقر السلطنة، ~~كان وسيلة خاطئة لتخويفهم، وردعهم عن الانحياز إلى جانب أعداء ~~إنجلترة وحليفتها روسيا، أو حملهم على الوقوف موقف الحياد في ~~الحرب بين هاتين الدولتين وبين فرنسا، فلم يكن منتظرا أن ~~يستقدم الأتراك لنجدتهم قوات من مصر، وهذه يغزو الأعداء أرضها، ~~ولا ms0864 كان من المنتظر أن يبعث الأتراك بنجدات إليها ينتزعونها من ~~جيوشهم المشتبكة في قتال مرير مع الروس، فلا يتسنى للبريطانيين ~~في الحالة الأولى إحراز أي تفوق عددي على الأقل على جيش محمد ~~علي في مصر، ولا يجب أن يتوقع الروس حدوث نقص في قوات الأتراك ~~الواقفة لقتالهم، وقد زاد من خطل هذا الرأي أن العامل الحاسم ~~في تشكيل سياسة الأتراك إنما كان مرتبطا بمدى ما يلحق بأي ~~الفريقين: إنجلترة وروسيا من جانب، وفرنسا من جانب آخر من ~~هزائم، أو يحرزه من انتصار، وقد شاهدنا كيف أن «سباستياني» ~~ظل صاحب النفوذ الأول في القسطنطينية، ولم يفزع الأتراك ~~غزو الإنجليز واستيلاؤهم على الإسكندرية، وكانت الإجراءات التي ~~اتخذوها من حيث الاهتمام بالدفاع عن مصر، إجراءات عادية لا ~~تتجاوز إصدار الأوامر للباشوات القريبين من مصر لإرسال النجدات ~~إليها، واستحثاث محمد علي وأهل البلاد على الدفاع عنها. # ولقد كان مما يصح اتخاذه مبررا لإرسال حملة «فريزر»، أن ~~يكون الغرض منها التمهيد لاستيلاء البريطانيين على مصر، ~~والاحتفاظ بها لأنفسهم في النهاية، ولكن الخطة التي أملت على ~~الحكومة الإنجليزية فكرة إرسال هذه الحملة، كانت في صميمها ~~جزءا ثانويا من مشروع أوسع نطاقا، أرادت به في زعمها ~~التأثير على مجرى الحوادث في الميدان الأوروبي، فكان من ~~المفروغ منه ومنذ البداية، أن يرتهن تقرير مصير هذه الحملة بما ~~قد يجد من تطورات في الموقف الأوروبي من الناحيتين ~~العسكرية والسياسية؛ ولذلك كان خطأ كبير أن تفصل الحكومة ~~الإنجليزية قوة من خمسة آلاف جندي في أواخر عام 1806 من جيش ~~صقلية، للقيام بدور الحامية التي لا تعدو مهمتها في حساب ~~الحكومة الإنجليزية مجرد حراسة هذه البلاد من غزو ~~محتمل. # فكان من رأي السير «جون مور» وهو يكتب في يومياته بتاريخ 5 ~~فبراير سنة 1807 عن الاستراتيجية التي كانت مبعث إرسال هذه ~~الحملة، أنها صدرت عن فكرة خاطئة؛ لأن مهاجمة الأتراك في ~~مقاطعاتهم البعيدة ليس الوسيلة التي يمكن بها التأثير عليهم ~~كثيرا، وإذا كانت مصر هي ما نبغي أن تكون نصيبنا إذا ms0865 وقع ~~تقسيم أملاك الإمبراطورية العثمانية، ففي وسعنا عندئذ أخذ ~~الإسكندرية في أية لحظة نريدها، ولا يستطيع الفرنسيون سبقنا في ~~النزول بها، ولكنه لا يجب علينا الآن وفي هذه اللحظة بذاتها ~~والحرب دائرة أن نحتجز جنودنا في حاميات بعيدة؛ لأن هذا ~~الإجراء بحرماننا من جيش يمكن استخدامه في ميادين أخرى يجردنا ~~من المزايا التي لنا بفضل تفوقنا البحري عند الرغبة في الدخول ~~في عمليات عسكرية هجومية. # ثم كان من نفس هذا الرأي كذلك مدير المهمات في جيش صقلية ~~«بنبري»، فقد اعتبر قرار الحكومة الخاص بإرسال حملة «فريزر» ~~إلى مصر، قرارا خاطئا؛ لأن هذا الإجراء لن يترتب عليه سحب أي ~~جندي عثماني أو فرنسي من الجيوش المستخدمة في الحرب ضد ~~روسيا. # وإذا كانت الاستراتيجية التي انبنى عليها إرسال حملة «فريزر» ~~إلى مصر استراتيجية خاطئة، فقد كانت الاستعدادات التي أجريت ~~لإرسال هذه الحملة محل نقد كثيرين، فإن أحدا من الجنود أو ~~الضباط الذين جاءوا إلى مصر، لم يكن يعرف شيئا عن هذه البلاد، ~~بالرغم من وجود عديدين بالجيش البريطاني ممن زاروا مصر وعرفوها ~~أثناء الاحتلال البريطاني الأول في عام 1801، وقد ترتب على هذا ~~النقص، أن اعتمد القواد البريطانيون كل الاعتماد في معلوماتهم ~~عن طبيعة البلاد، وعادات أهلها وتقاليدهم وميولهم، وعن ~~المماليك وأحزابهم واختلافاتهم وأغراضهم، على «مسيت» الذي قام ~~عندئذ بدور المستشار السياسي للحملة، مع ما نجم عن ذلك من ~~نتائج سبق ذكرها. # ولقد تضافرت أخطاء فنية عسكرية عديدة على إلحاق الفشل ~~بعمليات الحملة سواء في هجومها الأول ضد رشيد، أو أثناء حصارها ~~بعد ذلك في واقعة الحماد المعروفة، وقد تحدثنا عن هذه الأخطاء ~~في سياق الكلام عن هذه المعارك، ولعل أهم هذه الأخطاء أن ~~«فريزر» لم يبعث في هذه الحملات بأكثر القوات التي لديه، ~~فاحتجز بالإسكندرية عددا من الجند يفيض على حاجة الدفاع عنها، ~~في حين كان الواجب يقتضيه إرسال أعظم قوة ممكنة لإدراك نصر ~~حاسم، يتوقف على الظفر به قبل كل شيء مجيء البكوات من الصعيد ~~للتعاون معه. # وقد كتب السير «جون ms0866 مور» تعليقا على فشل الهجوم الأول على ~~رشيد: «لقد كان بودي لو أن «فريزر» بدلا من إرسال 1400 رجل ~~بقيادة «ووكوب» إلى رشيد والرحمانية، قد ترك بضعة مئين فحسب ~~لحراسة الإسكندرية وأبي قير والقطع (بين المعدية ومريوط)، وسار ~~هو بنفسه على رأس القسم الأعظم من جيشه إلى رشيد والرحمانية، ~~فإنه لو فعل ذلك لوجد نفسه حينئذ في بلاد غزيرة الخصب، يستطيع ~~أن يأخذ منها كل ما تحتاج إليه الإسكندرية من مؤن وأغذية ~~وكيفما شاء، ووجود جيشه بهذه الجهات يكسبه من هذه الناحية ~~ذاتها مزايا كبيرة، فهو نفسه سوف يكون عندئذ بالمكان الذي هو ~~مصدر المؤن والأغذية، ويجنبه هذا أيضا كل المشاق المتصلة ~~بتدبير وسائل النقل ومشكلاته، وتلك مزية لا يستهان بها إذ من ~~الممكن حينئذ تدبير وسائل النقل هذه إلى الإسكندرية دون ~~مخاطرة، والقهقرى أو الانسحاب إلى الإسكندرية أمر مأمون ~~دائما.» # ويؤكد الناقدون صواب ما ذهب إليه «مور»؛ لأن العمليات ~~العسكرية التي حدثت بقيادة «ووكوب»، وهي عمليات كان - كما ~~شاهدنا - خطأ الإشراف عليها ظاهرا، لم تلبث أن انتهت بالكارثة ~~المعروفة، فقد انهزم الإنجليز شر هزيمة في رشيد (31 مارس)، ~~واسترجع الأرنئود رشيد بعد فقدها، ودل ما حدث على أن ~~الإجراءات والترتيبات التي اتخذتها القيادة العليا عند تقرير ~~الهجوم عليها، ثم تلك التي اتخذها «ووكوب» نفسه، لم تكن كافية ~~لتأمين الاحتفاظ بالمدينة بعد الاستيلاء عليها. # ولقد سبق أن أوضحنا كيف أن هذه الهزيمة الأولى كانت عاملا ~~حاسما في تقرير موقف البكوات، فبدلا من أن يهب هؤلاء لنجدة ~~أصدقائهم وحلفائهم، سرعان ما جعلتهم هذه الهزيمة يقررون من ~~الآن فصاعدا التمسك بأهداب الحيطة والحذر، والتزام الحياد ~~الذي مكن محمد علي من إرسال قوة كبيرة لنجدة رشيد، ومهد لهزيمة ~~الإنجليز الساحقة في الحماد. # ولا جدال في أن المماليك بامتناعهم عن النزول من الصعيد - ~~مهما كان مبعث هذا الامتناع - قد تسببوا كذلك في هزيمة ~~«ستيوارت» وضباطه في الحملة الثانية على رشيد، وهي الحملة التي ~~كان لرداءة نظام المخابرات الذي أوجده «مسيت» أثر كبير في ~~هزيمتها ms0867 أيضا، ففوت المماليك على أنفسهم وإلى الأبد فرصة ~~استرجاع الحكم والسلطان في مصر، كما قرروا مصير حملة «فريزر» ~~ذاتها، فلو أنهم أجمعوا رأيهم على النزول من الصعيد، وانضم ~~فرسانهم إلى جيش «فريزر»، وتكتلت قوى الفريقين، لاستحال على ~~محمد علي مقاومة هذه القوات المتحدة ضده، ولتيسر عندئذ تهديد ~~القاهرة ذاتها، إن لم يكن الاستيلاء عليها، ولصحت أحلام ~~«مسيت» الذي أراد بكل ما وسعه من جهد وحيلة أن يخرج الحملة عن ~~طوقها الأول؛ أي مجرد احتلال الإسكندرية إلى عملية يقصد بها ~~امتلاك البلاد بأسرها، ولا شك لذلك في أنه لو تم هذا الاتحاد ~~- الذي نشده «مسيت» وظل «فريزر» يطلبه - بين البريطانيين ~~والمماليك، لكانت الحملة قد اتخذت قطعا اتجاها آخر، ولتقرر ~~مصيرها على صورة أخرى. # على أن مصير حملة «فريزر» كان مرتهنا كذلك - وكما ذكرنا - ~~بتطور الموقف العسكري والسياسي في أوروبا، وهو ما دعا ~~«كاسلريه» في وزارة «بورتلاند» التي خلفت وزارة جرنفيل، أن ~~يعيد النظر في تلك الاستراتيجية القديمة التي أفضت إلى إرسال ~~داكويرث بأسطوله إلى مياه القسطنطينية، وإرسال «فريزر» بجيشه ~~إلى الإسكندرية، ومع أنه ليس هنالك ما يدعو لتكرار الكلام عن ~~الأسباب التي دعت إلى تغيير الاستراتيجية التي ابتدعتها ~~الحكومة الإنجليزية السابقة، أو إعادة القول في تفاصيل الخطة ~~الجديدة، فثمة حقيقة لا يجوز إغفالها عند ذكر العوامل التي ~~أفضت إلى إخفاق الحملة، تلك أن السياسة التي ارتبطت بها ~~الحكومة الإنجليزية - سواء على عهد وزارة جرنفيل أو وزارة ~~«بورتلاند» - كانت فيما يتعلق بشئون الليفانت - تركيا ومصر على ~~وجه الخصوص - سياسة خاطئة جملة وتفصيلا. # وذلك أنه فيما يتعلق بتركيا، ربطت إنجلترة سياستها ربطا ~~وثيقا بسياسة روسيا، حتى إن فشل أي هاتين السياستين كان معناه ~~بالضرورة فشل الأخرى، ولقد كان نصيب سياسة روسيا الفشل الذريع، ~~حيث حطمت انتصارات نابليون عليها كل سمعة لها في القسطنطينية، ~~فضلا عن أن سمعة الروس في العاصمة العثمانية لم تكن أصلا ~~كبيرة؛ بسبب ادعاءاتهم العريضة على الولايات الدانوبية خصوصا، ~~وأطماعهم الأشعبية في أملاك الدولة، ولما أراد الإنجليز ~~مؤازرتهم بالضغط على ms0868 الباب العالي ليقبل إنهاء خلافاته معهم، ~~بعثوا بأسطول «داكويرث» إلى المياه العثمانية، وقد تقدم كيف ~~كانت هذه مظاهرة فاشلة، وأضاع «داكويرث» فرصة القيام بعمل ~~جدي، بانسياقه في مفاوضات لا جدوى منها ولا طائل تحتها، ~~وعبثا ما حاولت إنجلترة بعد هذا الفشل الأول إصلاح الموقف، ~~بفرض الحصار على الدردنيل وعلى الموانئ العثمانية، وبدء ~~مفاوضات على يد سفير جديد، هو السير «آرثر باجيت»، فقد كان ~~الأتراك تقووا وقتئذ بدرجة جعلتهم يماطلون ويسوفون، حتى إذا ~~عقد نابليون مع القيصر معاهدة «تلست»، واستقل الروس في خططهم ~~عن الإنجليز، وازداد الخطر على مراكز الإنجليز في البحر الأبيض ~~وفي صقلية خصوصا من جانب الفرنسيين المنتصرين في الميادين ~~الأوروبية، لم يعد هناك مناص من تكتيل قواتهم في صقلية ~~واستدعاء حملة «فريزر» لهذا الغرض، وانتهت مفاوضات «باجيت» مع ~~الأتراك بالفشل. # وأما فيما يتعلق بمصر، فقد أخطأت إنجلترة خطأ جسيما منذ ~~أن بنت سياستها على إمكان التعاون مع المماليك؛ لتأسيس نفوذها ~~ودعمه في هذه البلاد، وذلك بالرغم مما كان هنالك من براهين ~~كثيرة على أن هؤلاء لا يقدرون على الحكم ولا يصلحون له، ولم ~~يفطن الإنجليز إلى أن القوة التي بوسعها مساعدتهم مساعدة ~~فعالة، والتي سوف يكون المستقبل لها هي محمد علي، لا المماليك، ~~ففاتهم مغزى الانقلاب الذي أوصل محمد علي إلى الحكم في مايو ~~1805، بل أنهم بدلا من مؤازرة هذه القوة الجديدة التي برزت من ~~ميدان الفوضى السياسية الضاربة أطنابها في البلاد، سرعان ما ~~راح وكلاؤهم يكيدون لها، فأساءوا به الظن وشكوا في نواياه، ~~واعتبروه مبيعا لفرنسا، وجعلهم الفزع المتسلط عليهم من الغزو ~~الفرنسي لهذه البلاد، يناوئونه سياسيا بكل ما أوتوا من جهد ~~وحيلة، حتى إذا تأزمت علاقاتهم مع الباب العالي، واتتهم الفرصة ~~لشن الحرب عليه وقتاله، ولم يكن خافيا أن التعليمات التي ~~أعطيت لفريزر بمؤازرة الأحزاب الصديقة لإنجلترة وهم المماليك، ~~كان معناها عند تنفيذها إخراج محمد علي من الحكم والولاية، ولم ~~يكن الغرض من إرسال حملة «فريزر» إبعاد الفرنسيين من مصر ~~والحيلولة دون غزوهم لها، ومع أنهم ms0869 كانوا لا يريدون قطعا ~~احتلال البلاد بأسرها، بل احتلال الإسكندرية فحسب، فقد اعتمدوا ~~من ناحية أخرى على عودة البكوات إلى الحكم؛ ليبسطوا نفوذهم على ~~البلاد عن طريقهم، ولا سبيل لتحقيق هذه الغاية إلا بطرد ~~الأرنئود وإقصاء محمد علي من الباشوية، ولم يحل دون ذلك سوى ~~غلط استراتيجية الإنجليز أنفسهم في المقام الأول، ثم عدم كفاءة ~~ومهارة قوادهم العسكريين، وأخيرا انعدام كل فهم أو إدراك ~~سياسي لدى المماليك، فبدلا من التعاون المنتظر بين الفريقين، ~~ترك الإنجليز والمماليك أنفسهم ينهزمون فرادى على يد جيش محمد ~~علي الذي خرج من هذا النضال وقد تزايدت قوته، وصار بفضل ~~امتلاكه للإسكندرية سيد البلاد الحقيقي، وسهل عليه بعدئذ ~~القضاء على كل العناصر المناوئة لسلطانه، وهكذا منيت سياسة ~~الإنجليز في مصر بالفشل الذريع، وهو فشل يسترعي النظر، من حيث ~~إنه أفضى بسبب الهزائم التي لحقت بهم من جراء امتناع المماليك ~~- على وجه الخصوص - عن مساعدتهم إلى زيادة إقناع «كاسلريه » ~~بضرورة سحب حملة «فريزر» من مصر، ولأن كل تلك الجهود التي ~~ثابروا عليها دون هوادة منذ احتلالهم الأول لهذه البلاد، قد ~~باءت جميعها بالفشل، وكان جلاؤهم عن الإسكندرية خاتمة المطاف ~~لهذه السياسة. # ولقد كان - بلا جدال - دخول الإسكندرية في حوزة محمد علي، ~~أهم النتائج التي أسفرت عنها حملة «فريزر»، فقد ظلت ~~الإسكندرية حتى هذا الوقت خاضعة رأسا في حكومتها للقسطنطينية، ~~فكانت لذلك بمثابة الحلقة التي تربط بين باشوية مصر وعاصمة ~~الإمبراطورية العثمانية، والمنفذ الذي يبسط منه الباب ~~العالي نفوذه على هذه البلاد كلما تسنى له ذلك، أو البؤرة التي ~~يدبر فيها ضباطه ورجاله مكائدهم ضد الباشوات العثمانيين أو ~~البكوات المماليك، إذا قوى شأن هؤلاء وأولئك لتقويض سلطانهم، ~~فكان معنى انضمام الإسكندرية إلى الولاية ودخولها في نطاق ~~باشوية القاهرة، أنه قد انفصمت الآن تلك الحلقة القديمة التي ~~ربطت بينها وبين القسطنطينية، وأن انعدم ذلك الاتصال المباشر ~~بين مقر السلطنة وبين باشوية محمد علي، وأنه قد تعذر على أعداء ~~الباشا وضباط الباب العالي، أن يجدوا في مصر وكرا يحبكون منه ms0870 ~~دسائسهم ضد نفوذه وسلطانه، ولقد كان من أثر التجارب السابقة ~~التي مرت بمحمد علي أثناء أزماته المتلاحقة مع الباب العالي ~~منذ أن وصل إلى الحكم والولاية، وهي التجارب ذاتها التي جعلته ~~يرفض أي اتفاق مع الإنجليز إلا على أساس جلائهم عن ~~الإسكندرية، وحملته على أن ينشد لنفسه في مصر وضعا مشابها ~~لوضع حكام وجاقات الغرب، وأن يسعى جهده أثناء مفاوضته مع ~~الإنجليز لعقد محالفة معهم ضد أعدائهم وأعدائه على السواء من ~~فرنسيين وأتراك، نقول: إنه كان من أثر هذه التجارب أن اعتبر ~~محمد علي امتلاك الإسكندرية فتحا حقيقيا، وكان الإنجليز ~~أنفسهم هم الأداة التي مكنته من ذلك، وقد أدرك المعاصرون قيمة ~~هذا الفتح الثمين، من حيث إيذانه بتوطيد حكم محمد علي ودعم ~~أركان باشويته، فقال الشيخ الجبرتي عند الحديث عن الظروف التي ~~خرجت فيها حملة «فريزر» من مصر - وكان حديثا مقتضبا موجزا ~~لبعد الشيخ عن مقر المفاوضات، ولعدم إذاعة شيء عنها: «إن ~~الباشا بجلاء الإنجليز ودخول الإسكندرية في حوزته، قد استقر ~~واطمأن خاطره، وخلص له الإقليم المصري.» # الباب الثالث: ولاية محمد علي: استقرار الحكم‏ # تمهيد‏ # 1 - سياسة محمد علي‏ # 2 - الحكومة الموطدة‏ # 3 - الحكومة الموطدة‏ # 4 - بسط سلطان الولاية‏ # الباب الثالث: ولاية محمد علي: استقرار الحكم‏ # تمهيد‏ # 1 - سياسة محمد علي‏ # 2 - الحكومة الموطدة‏ # 3 - الحكومة الموطدة‏ # 4 - بسط سلطان الولاية‏ # | مصر في مطلع القرن التاسع عشر 1801-1811م (الجزء الثالث) # | مصر في مطلع القرن التاسع عشر 1801-1811م (الجزء الثالث) # تأليف # محمد فؤاد شكري # | الباب الثالث: ولاية محمد علي: استقرار الحكم # (1807-1811) # | تمهيد # | دعم أركان الدولة # كان للأزمات العديدة التي وقعت بين عامي 1805 و1807 أثر عميق في تطور تفكير محمد علي ~~باشا السياسي، وتعتبر هذه الفترة التي اصطلحنا على تسميتها بدور التجربة والاختبار من ~~أحسم المراحل في حياة هذا العاهل الكبير، لا لأن محمد علي بتذليله الصعوبات التي ~~أحاطت بولايته الناشئة قد أثبت أنه الرجل الذي بوسعه أن يحتفظ بباشويته، ولا لأن ~~اجتيازه لهذه المرحلة بسلام قد نهض دليلا على ms0871 قدرته أن يبقى وأن يستقر في ولايته، ولكن ~~لسبب آخر كذلك لا يقل في أهميته عن هذين، هو أنه قد تولدت من هذه الأزمات، العناصر التي ~~رسمت برنامجه السياسي في صورته الكاملة والمحددة: وبالنمط الذي صار يسعى جادا لتحقيقه ~~بعد ذلك، والذي كان العمل من أجل استقرار الحكم ودعم أركان الولاية بين عامي 1807 ~~و1811 أول أهدافه، وبمثابة حجر الأساس في بناء الدولة الفتية التي شادها. # فقد كان لكل أزمة من الأزمات التي وقعت في سني التجربة والاختبار هذه، ملابساتها ~~وطابعها الخاص بها، وكان مبعث بعض هذه الأزمات أدواء مزمنة، بينما بدت غيرها عند وقوعها ~~وكأنها أحداث طارئة عابرة، ولكنها اقتضت جميعها تفكيرا في عللها واستقصاء لأسبابها، ~~وتدبرا في طرائق معالجتها وتحرزا من عواقبها ونتائجها، فبصرت هذه الأزمات الباشا ~~بمسائل كثيرة، تتصل في جوهرها بالمحافظة على كيان الولاية، ودرء الأخطاء التي تهددتها. ~~ولقد كان مبعث طائفة من هذه الأخطار داخليا، ثم كان مبعث بعضها الآخر خارجيا، فمن طراز الأخطار الداخلية تمرد ~~الجند وعصيانهم، ومناصبة البكوات المماليك العداء إياه، ومن طراز تلك الخارجية مسعى ~~الباب العالي لإخراجه من الولاية، واغتنامه كل فرصة سانحة لبلوغ هذه الغاية، ثم تعرض ~~البلاد لغزو أجنبي يأتيها من ناحية إنجلترة - كما حدث فعلا - أو يأتيها من ناحية فرنسا ~~وهي الدولة التي سبق لها احتلال مصر، والتي ما فتئ عاهلها الإمبراطور يمني نفسه ~~باحتلالها مرة أخرى. # وافتقر الباشا في سني التجربة والاختبار إلى المال، ولم تنقطع يوما حاجته إليه في ~~أثنائها، ليدرأ به عن نفسه وباشويته كل هذه الأخطار، ولقد كانت الحاجة إلى المال أزمة ~~مزمنة ومستحكمة، ودلت التجربة على أن توفر المال لديه عامل حاسم في التغلب على الصعوبات ~~التي اكتنفت الحكم، فبالمال يدفع مرتبات الجند الذين يسيرهم لنضال البكوات، أو لدفع ~~الغزو الأجنبي، وبالمال يسترضي الباب العالي ومندوبيه الموفدين إلى مصر، إما للنظر في ~~تقريره في الحكم - كما حدث في عام 1805 - أو لنقله من باشويته - كما وقع في العام ~~التالي - وإما لإبلاغه تثبيته في ms0872 الولاية، أو نقل أوامر السلطان العثماني إليه ومطالبه ~~منه. # وتبين للباشا في سني التجربة والاختبار أن هناك حقيقة واحدة لا مفر من التسليم بها ~~وتدبر الرأي بشأنها، هي الاختيار بين البقاء في الحكم أو ترك الأمور تفلت من يده، ~~والرضا بترك باشويته. وقد دلت الحوادث بين عامي 1805 و1807 على أنه لم يكن يفكر قط في ~~التخلي عن تلك الباشوية التي ظفر بها بمؤازرة المشايخ ورؤساء القاهريين له، وليس عن ~~طريق الباب العالي، حتى إنه عند حدوث أزمة النقل إلى سالونيك لم يلبث أن صرح بأنه لن ~~يترك حكما ملكه بالسيف إلا إذا أرغم على تركه بالسيف كذلك، ثم بذل قصارى جهده في ~~مكافحة الإنجليز لإجلائهم عن الإسكندرية. # وأسفر تدبر الباشا في موقفه عن اقتناعه بتوفر عاملين لا محيص عنهما إذا شاء البقاء في ~~ولايته، أولهما: النأي بباشويته عن نزوات الباب العالي وغدره، وتأمين حكومته من تدخل ~~الديوان العثماني في شئونها، وسلب ذلك السلاح المسلط على عنقه دائما، سلاح العزل أو ~~النقل الذي يستطيع الباب العالي أن يعمد إلى استخدامه في كل فرصة مواتية، وقد يجد من ~~التطورات، بسبب خصومة أعدائه البكوات المماليك في مصر، أو اجتراء منافسيه عليه في ~~الولايات المتاخمة لولايته، وعلى رأسهم سليمان باشا والي صيدا (والشام حديثا)، أو بسبب ~~قلقلة الموقف السياسي في أوروبا، ما يمكن الباب العالي في هذه الدفعة من إدراك غايته، ~~ورأى محمد علي مخلصا من هذا المأزق في التطلع إلى تقرير وراثة الحكم في أسرته، ~~والاستقلال بباشويته في وضع مشابه لما كان لوجاقات الغرب وقتئذ، وكان أن ظهرت نواياه ~~هذه أثناء سني التجربة والاختبار، ولم يفت الوكلاء الإنجليز والفرنسيين إدراك مراميه، ~~ثم إنه لم يلبث أن حدد هذه المرامي في الصورة التي ذكرناها، ولم يكن غرضه من محاولة عقد ~~محالفة مع بريطانيا - أثناء مفاوضات الجلاء عن الإسكندرية - إلا جذب هؤلاء لتأييد ~~مشروعه هذا. # وأما العامل الثاني فكان الانفراد بالسلطة، وحمل معنى الانفراد بالسلطة الاستئثار ~~بالحكم، فالباشا وحده هو الذي وقع على كاهله ms0873 عبء النضال ضد القوى الداخلية المناوئة له، ~~يجند الجيوش لمطاردة البكوات، ويوسط لديهم المشايخ أو الوكلاء الفرنسيين، أو منافسيهم ~~الإنجليز - كما فعل عندما أراد توسيط «مسيت» لدى الألفي - وهو الذي داور وراوغ القبطان ~~صالح باشا عند أزمة النقل إلى سالونيك، واستكتب المشايخ العرائض أو أوحى إليهم ~~بكتابتها للدولة، سواء في هذه الأزمة أو في التي سبقتها عند المناداة بولايته، ثم إنه ~~هو الذي كان عليه معالجة تمرد الجند وعصيانهم، وملاحقة الرؤساء العصاة، ومحاولة وقف ~~اعتداءات الجند عموما على الأهلين، فكان ينجح في هذا الأمر الأخير تارة ويفشل تارة ~~أخرى، ثم هو الذي أزعجه إزعاجا شديدا افتقار الخزينة إلى المال، وكان عليه أن يفسر ~~للمشايخ والمتصدرين الأسباب والدواعي التي حملته على فرض الإتاوات والمغارم، أو تحصيل ~~الضرائب في غير أوقاتها، أو عقد السلف والقروض التي انعدم كل أمل في سدادها، وذلك في كل ~~مرة ألزمته حاجته إلى المال أن يفعل ذلك، ولم يكن هؤلاء المشايخ والمتصدرون ممن يتسم ~~أفق تفكيرهم بالدراية أو الإلمام بالأغراض البعيدة التي هدف إليها الباشا من سياسته ، بل ~~إن منهم من رأى في مطالبه المالية المتكررة، أو في نشاطه السياسي عموما، مبعث شر أو ~~أذى لحقا بالبلاد وأرهقا أهلها. ثم إن هؤلاء المشايخ والمتصدرين، بسبب أحقادهم ~~ومنافساتهم وانكبابهم على الدنيا، لم يكونوا أهلا للاستشارة أو المساهمة في تدبير شئون ~~الملك، ثم إن الباشا وحده هو الذي اضطلع بمسئولية النضال مع الإنجليز، والمسعى لإخراجهم ~~من البلاد طوعا أو كرها، وكان عليه أن يتدبر الوسائل التي تمنع تكرر وقوع الغزو من ~~ناحيتي الإنجليز والفرنسيين على السواء، ولقد كانت هذه وأضرابها مسائل تتطلب جمع أسباب ~~السلطة في يد من يقدر على ممارستها بحزم وقوة؛ لوقاية البلاد من الأخطار التي تتهددها ~~والمحافظة على كيانها. # وانطوى الانفراد بالسلطة كذلك على معنى يضارع في أهميته الاستئثار بالحكم إن لم يتفوق ~~عليه، هو بسط سلطان الباشوية على جميع أنحاء القطر الذي نصب عليه واليا، ولقد دلت ~~مناوأة المماليك له - ولا سيما خصومة الألفي - على ms0874 أن الحكم لن يستقر في يده إلا إذا دان ~~له هؤلاء بالخضوع واعترفوا بسلطانه، فيبطل تآمرهم عليه مع الدول الأجنبية أو مع الباب ~~العالي أو أعدائه، ويطمئن الباشا إلى تسريح الجند المشاغبين أو المتمردين، فلا تغدو ~~البلاد مسرحا لفتنهم وشرورهم، ويتوفر مبلغ جسيم من المال، نتيجة لوقف التجريدات ~~المرسلة ضد المماليك، ولتسريح هؤلاء الجند، ويفرغ الباشا لمعالجة ضروب الإصلاح اللازم ~~لإنهاض البلاد من كبوتها، وإنعاش مواردها، ودعم بناء الدولة التي أراد إنشاءها. # ولم يكن هناك معدى عن الانفراد بالسلطة، ثم بسط سلطانه الكامل على باشويته، وما ~~يستتبع ذلك حتما من استقرار حكومته في القاهرة، إذا أراد الباشا تأمين باشويته بتقرير ~~الحكم الوراثي في أسرته؛ ولذلك فقد ربطت بين هذه الأهداف جميعها روابط وثيقة، ومضى محمد ~~علي في السنوات القليلة التالية (1807-1811) يعمل لتحقيق الولاية الوراثية والانفراد ~~بالسلطة جنبا إلى جنب، وهو وإن كان لم يوفق في الظفر بالولاية الوراثية في هذه الفترة، ~~فقد استطاع من ناحية أخرى تحقيق ذلك البرنامج الذي رسمه لدعم أركان الولاية، والذي أتاح ~~له نجاحه في تنفيذه الفرصة للدخول في كفاح طويل فيما بعد من أجل تقرير الحكم الوراثي في ~~مصر، لأسرته وبلوغ غايته. # الفصل الأول # | سياسة محمد علي # تمهيد # تضافرت عدة عوامل في السنوات القليلة التي تلت جلاء الإنجليز عن الإسكندرية على ~~زيادة اقتناع محمد علي بضرورة العمل من أجل دعم أركان ولايته، كان أولها - ولا شك - ~~تصميمه على الاحتفاظ بباشويته في وجه كل ما قد يتهددها من أخطار، سواء أكان مبعث ~~هذه تغير الباب العالي عليه ورغبته في إقصائه عن الولاية، أم منازعة البكوات ~~المماليك لسلطانه، أم تجدد الغزو الأجنبي على البلاد. ولم تكن هذه جميعا أخطارا ~~جديدة، بل هي في جوهرها نفس الأخطار التي هددت بزوال الملك من يده في الأعوام ~~الثلاثة السابقة، والتي استطاع التغلب عليها بعد تجارب قاسية مريرة وضعت باشويته في ~~يد القدر، ومرت من جرائها بهذه الأزمات التي كادت تقضي عليها. ~~(1) البرنامج الداخلي # وعلى ذلك، فقد رفض محمد علي ms0875 - وقد تخطى العاصفة، وجلا الإنجليز عن البلاد - أن ~~يمر بتجربة أخرى شبيهة بهذه التجربة، فرفض أن يظل هدفا يصوب إليه الباب العالي ~~سهامه كلما تراءى له ذلك، أو لقمة سائغة قد يطمع البكوات المماليك في ازدرادها ~~بسهولة إذا استطاعوا، وهم باقون على مناوأتهم له أن يفيدوا من فرصة غزو أجنبي آخر أو ~~مؤامرة جديدة لعزله أو نقله تحاك خيوطها في القسطنطينية، كما رفض أن يظل مكتوف ~~اليدين أمام جنده الذين تطلع بعض رؤسائهم إلى الولاية ذاتها، وعمدوا إلى تحريك ~~الفتن بين الأجناد أنفسهم لإضعاف حكومته، أو شقوا عصا الطاعة علنا وتزعموا العصيان ~~والفتنة، وأخيرا، فقد رفض محمد علي البقاء تحت رحمة نظام مالي منع عن خزانته ~~قسما لا يستهان به من إيرادات حكومته في وقت عظمت فيه حاجته إلى المال، ولم يكن من ~~المتيسر العثور على المال من غير اللجوء إلى كل طريق، وطرق كل باب، وابتكار كل ~~وسيلة جديدة لسد مطالب الحكم والإدارة العادية من جهة، ولمعالجة الأدواء التي ترتبت ~~على وضع البلاد كإحدى ولايات دولة متخاذلة ومستضعفة يسعى أعداؤها لتمزيق أوصالها، ~~وتعجز هي عن تأسيس الحكم القوي في ولايتها. # ولم يكن هناك معدى عن أن يسلك محمد علي في سبيل الحصول على المال طريقا عده ~~شاذا كثير من المعاصرين - مصريين وأجانب - عندما تعطلت مرافق البلاد بسبب الأزمات ~~السياسية المتلاحقة، وكفاحه المستمر مع المماليك منذ وصوله إلى الحكم، فكسدت ~~التجارة، وبطلت الصناعة - على ضآلتها - وأهملت الزراعة، وذلك في الأقاليم التي دخلت ~~في حوزته من أقاليم باشويته، بينما استأثر البكوات دونه بمديريات الفيوم والصعيد ~~الغنية بحاصلاتها الزراعية، ورفضوا دفع «الميري»، فكان وضعا شاذا تطلب لعلاجه ~~وسائل شاذة، كان من بينها في نظر الأهلين مقاسمة الملتزمين «فائظ الالتزام»، وحرمان ~~المشايخ من مسموحهم، وتحصيل الضريبة على فائض إيرادات الأملاك الموقوفة، وما إلى ~~ذلك مما سوف يأتي ذكره جميعه. # ولما كان المشايخ قد توهموا أن من حقهم في هذه الأحوال الشاذة مطالبة الباشا ~~بتنفيذ الوعد الذي قطعه على نفسه عند وصوله إلى الحكم ms0876 في عام 1805، وأن من حقهم - وهم ~~الذين عاونوه على اجتياز بعض الأزمات الشديدة التي صادفها خلال العامين التاليين - أن ~~يلزموه بطلب النصح والرأي منهم، واعتبر بعض الرؤساء القاهريين كالسيد عمر مكرم، أن ~~الواجب يقتضي الباشا إشراكهم معه في ممارسة شئون الحكم، واعتبر سوادهم - وإن كانوا من ~~غير المتصدرين وناشدي الزعامة كالشيخ عبد الرحمن الجبرتي - أن الظلم والطغيان هما ~~شيمتا الحكم الذي أقامه الباشا، فقد استلزم العمل من أجل دعم أركان الباشوية أن ~~يقضي محمد علي على عناصر هذه المقاومة التي لم يكن هناك بد من استفحال شرها إذا ~~تركت وشأنها، أو مكن الباشا لحاملي لوائها من المعارضين من مقاسمته السلطة والحكم، ~~سواء أكان هؤلاء من الذين يتحينون الفرص للجهر بنقدهم لأساليبه علانية، أم إنهم ~~يؤثرون التذمر في صمت وسكون وإن اشتدت كراهيتهم لحكمه، فلم يكن انفراده بالسلطة إلا ~~إقصاء لطائفة اقتصر دورهم في الأجيال السابقة على الوساطة والشفاعة بين الأهلين ~~وحكامهم، وكان محمد علي وحده، بسبب الأزمات التي صادفها في السنوات القريبة، ~~المسئول عن قيامهم بذلك الدور السياسي الذي استهدف «قلب نظام الحكم» في هذه الولاية، ~~والذي وجب عليه الآن - وقد أراد التفرغ لتحقيق غايته الكبرى - أن يجرد هذه الفئة ~~الدينية من كل سلاح قد يعمدون إلى استخدامه ضده، عامدين أو غير مقدرين لعواقبه، ~~لتقويض عروش ولايته. # على أن العثور على المال، أو تطويع الجند، أو القضاء على الفتن والقلاقل ~~الداخلية، أو إقصاء المشايخ، كانت جميعها مسائل لم يلق محمد علي عنتا أو إرهاقا ~~كبيرا في معالجتها، بل تضاءلت خطورتها في واقع الأمر إلى جانب نضاله مع البكوات ~~المماليك؛ وذلك لأن ما وقع من حوادث خلال سني 1805 و1807 قد نهض دليلا على أن مبعث ~~الخطر على باشويته من هؤلاء البكوات لم يكن قوتهم أو قدرتهم على مناوأته وقتاله، ~~بقدر ما كان اعتمادهم على معاونة إحدى الدول الأجنبية لهم لتمكينهم من استرجاع ~~نفوذهم وسلطانهم في حكم البلاد، أو احتمال مبادرة الباب العالي بتأييدهم من جديد. ~~وقد شهد محمد علي عمارة ms0877 القبطان صالح باشا تأتي إلى مياه الإسكندرية لتنصيب الألفي ~~شيخا للبلد ولنقله هو إلى سالونيك، كما أنه شهد الإنجليز يأتون بحملتهم لاحتلال ~~الإسكندرية، وينشط وكلاؤهم وقوادهم في استنهاض همة البكوات وحثهم على النزول من ~~الصعيد والانضمام إليهم بفرسانهم، وكان بعد مشقة وجهد عظيمين أن نجح محمد علي في ~~جعل البكوات يلزمون خطة الحياد في النضال الدائر بينه وبين الإنجليز. # بيد أن هؤلاء البكوات، ما كانوا ليرضوا بالحياد، لو أنه كانت لهم زعامة نابهة ولم ~~تفرقهم الخلافات، ولولا توسط الوكلاء الفرنسيين مع أقوى طوائفهم. وتلك أمور قد ~~تتبدل، لو أن غزوة جديدة وقعت، وحزم البكوات أمرهم، وشاءوا وقتئذ درك ما فاتهم ~~وتصحيح أخطائهم الماضية. # وكما كانت «حملة فريزر» أحد الإجراءات التي اقتضاها الموقف العسكري- السياسي في ~~أوروبا، فقد يجد على هذا الموقف نفسه ما يدعو الإنجليز لإعادة كرتهم على مصر، أو ما ~~يدعو الفرنسيين في هذه المرة إلى سبق غرمائهم في احتلال هذه البلاد، وكلا ~~الاحتمالين ماثل، ما دامت مصائر هذه الولاية مرتبطة بتطور العلاقات بين تركيا وبين ~~المعسكرين المتناضلين «إنجلترة وفرنسا»، ولا تتمتع الباشوية ب «وضع» يأذن لها ~~بالوقوف موقف الحياد إذا رأت تركيا الانحياز إلى أي هذين المعسكرين، وكلا ~~الاحتمالين ينطويان على أخطار محققة، لا من حيث تعريض هذه البلاد للغزو فحسب، ~~وانغماسها لذلك في حرب يجهل المتفائلون والمتشائمون على السواء نتائجها، ولكن كذلك ~~لتوقع قيام الحرب الأهلية في داخل البلاد ذاتها عند انضمام البكوات إلى الأعداء ~~الغزاة. ~~(2) البرنامج الخارجي # ولذلك فإنه بينا بذل محمد علي جهده لتأمين استقرار الحكم في الداخل، ظل يعنى عناية ~~فائقة ليتوقى الخطر الخارجي، ولم يعتور وسيلته لتحقيق هذه الغاية الأخيرة لبس أو ~~إبهام، فهو قد عرف أن مصدر الخطر عليه دولتان، هما إنجلترة وفرنسا، وهو قد عرف أن ~~الركون إلى جانب الباب العالي لا يكفل له السلامة، وقد رسمت له الحوادث الماضية ~~الطريق التي ينبغي عليه أن يسلكها، كما استولد منها عناصر برنامجه السياسي الذي ~~يدور حول أمر واحد؛ تقرير الحكم الوراثي في مصر. ms0878 فهو إذا فاز بمحالفة الإنجليز أو ~~نجح في كسب صداقتهم، ثم وثق علاقاته بفرنسا، وهما المعنيتان بأمر مصر أكثر من ~~غيرهما من الدول، فحصل بفضل ذلك على «الوضع» الذي يريده لباشويته، سهل عليه حينئذ، ~~وبالوسائل التي يدريها، إقناع الباب العالي بالتسليم مرة أخرى بالأمر الواقع، وأما ~~إذا فشلت جهوده معهما، فلا مفر عندئذ من استرضاء الباب العالي، ومحاولة الظفر منه ~~بالوضع الذي يريده. على أن النجاح في كلا الأمرين توقف قبل أي شيء آخر على مدى استقرار ~~حكم الباشا في ولايته بالدرجة التي تمكنه من إسداء الخدمات التي قد يكون أصدقاؤه في ~~حاجة إليها، ثم الذود عن حياض ولايته إذا بدا لأعدائه إقصاؤه عنها. # ومنذ حملة «فريزر» لم يكن وعرا الطريق الذي صار على الباشا أن يسلكه في علاقاته ~~مع الدولتين المتناضلتين؛ إنجلترة وفرنسا، فقد كان من أهم آثار هذه الحملة، أنه عدا ~~ما جاءه من تعليمات عامة من الباب العالي تدعوه إلى تشديد النكير على الإنجليز ~~وطردهم من البلاد، وتنبئه بأن أوامر قد صدرت لحاكمي الشام وصيدا لنجدته، فقد استقل ~~محمد علي بتدبير مسألة إجلاء العدو عن الولاية، وانفرد وحده بتحمل عبء القتال، ونشأ ~~في مصر ميدان للعمليات العسكرية بمعزل عن ميادين الحروب الأخرى التي اشتبكت فيها ~~الدولة، واختص الباشا بوصفه المسئول الأول عن تأمين سلامة ولايته بإدارة شئون الحرب ~~والسياسة حسبما يراه محققا لبلوغ هذه الغاية الأخيرة، واستهدف في نشاطه غرضا ~~مباشرا ما كان يتفق الظفر به وما تريده الدولة، ونعني بذلك الاستيلاء على ~~الإسكندرية وإدخالها في نطاق باشويته، بعد أن ظل الباب العالي يحرص دائما على ~~بقائها خاضعة في إدارتها له رأسا، ولم يتلق محمد علي أية تعليمات من الديوان ~~العثماني تجيز له عقد صلح منفرد مع أعداء الدولة، ولم يطلع محمد علي هذا الديوان ~~على الشروط التي تفاوض فيها مع مندوبي القائد الإنجليزي، وحرص بطبيعة الحال على أن ~~يظل أمر «المحالفة» التي عرضها على هؤلاء سرا مكتوما. # وقد ترتب على استقلال الباشا بإدارة شئون الحرب والسياسة ms0879 أثناء هذه الحملة، أن ~~صار هو وحده في اعتبار القواد الإنجليز والوكلاء الفرنسيين، المرجع الذي يرجعون ~~إليه، في المسائل المتعلقة بها، فلم تكن هناك مندوحة للإنجليز عن الاتصال به ~~والمفاوضة معه رأسا، لا بوصفه غريمهم الذي ينازلهم فحسب، بل وأهم من ذلك أيضا؛ ~~لأن مفاوضتهم مع الباب العالي قد فشلت ولم يتسن لهم آنئذ عقد صلح مباشر مع الدولة؛ ~~ولأنهم بسبب هزيمتهم في مصر ولتصميمهم على التمسك بقاعدتهم الهامة في صقلية قد ~~قرروا الجلاء عن الإسكندرية، وارتضوا بتسليم الإسكندرية إلى محمد علي لقاء إطلاق ~~سراح الأسرى الإنجليز. حقيقة كان «السير آرثر باجيت» قبل انقطاع المفاوضة مع القبطان ~~باشا السيد علي الجزائري، قد توصل إلى اتفاق مع هذا الأخير بصدد إطلاق سراح الأسرى ~~الإنجليز، وكتب إلى محمد علي في هذا المعنى في 16 سبتمبر 1807، ولكن رسوله «مورييه» ~~الذي حمل رسالته هذه كما حمل رسالة القبطان باشا إلى محمد علي، لم يصل إلى ~~الإسكندرية - كما عرفنا - إلا يوم 22 سبتمبر؛ أي بعد إبرام اتفاق الجلاء عنها، وبعد ~~أن كان قد تم إطلاق سراح الأسرى الإنجليز وتسليمهم . # ولا جدال في أن «محمد علي» في قيامه بالمفاوضة رأسا مع القواد الإنجليز، دون ~~تدخل الباب العالي أو إشرافه على هذه المفاوضة، قد كسب «وضعا» جديدا يضعه عمليا ~~على قدم المساواة مع حكام وجاقات الغرب، ويخوله حق التطلع إما إلى تقرير هذا ~~«الوضع» الجديد من الناحية القانونية أو الشرعية بحمل الباب العالي على استصدار ~~الفرمانات اللازمة لذلك، وإما إلى استدامة تقريره فعلا، بالحصول على موافقة الدول ~~- وأهم هذه في نظره، إنجلترة وفرنسا - على هذا «الوضع»، وزيادة على ذلك فإنه إذا ~~استمر تسليم الدول بهذا الأمر الواقع، وتبع ذلك انتفاء معارضتها له، غنم الباشا ~~مغنما كبيرا يعينه على التفرغ لمعالجة هذه المسألة ذاتها وبالطرق التي يعرفها في ~~القسطنطينية. # وكما صار الإنجليز يرجعون إليه فيما يتصل بإجلاء جيشهم عن هذه البلاد، وارتضوا ~~بإبرام اتفاقية الجلاء معه رأسا، فقد وجد الوكلاء الفرنسيون من جانبهم أيضا، ألا ~~سبيل لتعزيز مصالح ms0880 فرنسا في مصر إلا بتوثيق علاقاتهم مع الباشا، ولقد شاهدنا كيف أن ~~القاهرة، لا القسطنطينية، كانت ميدان نشاط العملاء الفرنسيين للتنكيل بجيش «فريزر» ~~وضمان إخفاقه، ثم لمنع الاتفاق بين محمد علي والقواد الإنجليز، وقد فشل هؤلاء ~~العملاء في مبتغاهم الأخير، ولكنهم لم يجدوا مناصا من قبول الأمر الواقع ورضوا ~~ب «التفسيرات» التي أدلى بها إليهم محمد علي، والتي كانت فحواها أنه لا يعتزم مصافاة ~~الإنجليز، بل إنه سوف يقلب لهم، عند أول بادرة وبمجرد جلائهم عن البلاد، ظهر المجن. ~~وكان من بواعث رضاهم بتصديق هذا الادعاء أن «محمد علي» كان بيده هو وحده إلحاق ~~الأذى بالمصالح الفرنسية في مصر، إذا شاء، أو صون هذه المصالح، وفضلا عن ذلك، فإنه ~~لم يبد منه منذ وصوله إلى الحكم ما يدل على أنه يريد التخلي عن صداقة فرنسا، بل ~~ثابر - على العكس من ذلك - على إنشاء صلات المودة مع الوكلاء الفرنسيين، ثم توقفت ~~هذه الصلات بينه وبينهم في الأعوام الأخيرة، زد على ذلك أن الإمبراطور «نابليون» قد ~~عقد معاهدة «تلست» مع القيصر الروسي، ولم يعد خافيا على الوكلاء الفرنسيين في مصر ~~أن الإمبراطور لا يزال يمني النفس باحتلال هذه البلاد، ثم إنهم أدخلوا في حسابهم أن ~~تطورات الموقف في أوروبا قد تفضي إلى إرسال حملة فرنسية إلى مصر، مثلما فعل ~~الإنجليز أنفسهم، وإن انبروا ينفون بشدة هذا الاحتمال للباشا، وصار من صالحهم طالما ~~بقي الغزو الفرنسي المتوقع في عداد المشروعات التي لم تتح الفرصة لتنفيذها، أن ~~يثابروا على كسب مودة محمد علي وصداقته؛ صونا لمصالح دولتهم. # وعلى ذلك، فقد استطاع الباشا أثناء نضاله مع جيش «فريزر» أن يحتفظ بصداقة الوكلاء ~~الفرنسيين من جهة، وأن يستبدل صداقة الإنجليز بعداوتهم له من جهة أخرى، وكان بفضل ~~هذا النجاح المزدوج أن عظم تفاؤله في إمكانه أن يقنع هاتين الدولتين؛ إنجلترة ~~وفرنسا، بمعاونته على بلوغ «الوضع» الذي ينشده لباشويته، ولو أن هاتين الدولتين ~~بالرغم من انتفاعهما من صداقة محمد علي، لم تكونا متهيئتين - لأسباب سوف يأتي ذكرها ms0881 ~~- لقبول أي تغيير يطرأ على العلاقة التي ربطت بين باشوية محمد علي والباب العالي ~~صاحب السيادة الشرعية عليه. ~~(3) إنجلترة: محالفة، أم صداقة وتجارة؟ # ولقد سبق أن أشرنا، أثناء الحديث عن مفاوضات الباشا مع الإنجليز بشأن تسليم ~~الإسكندرية، إلى الأسباب التي جعلته يفضل كسب صداقة هؤلاء على استمرار عداوتهم له، ~~فهم أصحاب أسطول كبير كفل لهم السيطرة في البحر الأبيض، ثم إن نابليون صاحب ~~الانتصارات الباهرة في القارة الأوروبية لم يستطع حتى هذا الحين أن يدعي أنه قد ~~أحرز نصرا عليهم، ثم هم الذين أخرجوا قبلا الفرنسيين من مصر، ويسهر أسطولهم في ~~البحر الأبيض الآن لمنع هؤلاء من تجديد غزوهم لها، ثم اعتقد محمد علي إلى جانب هذا ~~كله أن بوسعهم بفضل قوتهم البحرية، إذا شاءوا، الحيلولة دون وصول عمارة عثمانية أخرى ~~إلى الشواطئ المصرية، ووقف تدخل الباب العالي في شئون هذه الباشوية بصورة تهدد ~~حكومة محمد علي بها. # ولقد سبق أن أوضحنا كيف أن الرغبة في تأمين باشويته ضد نزوات الباب العالي خصوصا ~~كانت مبعث تفكير محمد علي في ضرورة ظفره لولايته بوضع مشابه لوضع الولايات أو ~~الوجاقات المغربية، على أساس إنشاء الحكم الوراثي في أسرته في مصر كخير ضمان ~~للاحتفاظ بالباشوية. كما أوضحنا أن هذه الرغبة كانت مما جعله يطلب محالفة الإنجليز ~~«ضد أعدائهم وأعدائه» من فرنسيين وعثمانيين على السواء، وذلك لقاء رعاية المصالح ~~الإنجليزية التجارية في مصر، وتموين السفن البريطانية التي تأتي إلى الإسكندرية ~~لتمتار منها، وتزويدها على وجه الخصوص بحاجتها من «ماء النيل». ولم يكن يبغي محمد ~~علي مما عرضه على «فريزر» من وضع نفسه تحت حماية الإنجليز، سوى استمالة هؤلاء إلى ~~قبول الدفاع عنه «عسكريا» ضد أي غزو قد يأتيه من جانب الفرنسيين أو العثمانيين، ~~وإقناعهم بعقد المحالفة معه. # ومع أن «فريزر» لم يكن لديه من التعليمات ما يخوله إبرام هذه المحالفة التي ~~يريدها محمد علي، واكتفى بأن وعده بإبلاغ رغبته في قبول «الحماية» البريطانية عليه ~~إلى حكومته في لندن، ثم لم يبد أن هذه كانت ms0882 تريد وقتئذ الارتباط بتعهدات جديدة من ~~طراز تلك التي ارتبطت بها سابقا مع المماليك، قد تفرض عليها واجبات لا قبل لها بها، ~~معطلة لنشاط قواتها المعدة لمواجهة ما قد يطرأ من تقلبات على الموقف في أوروبا، ~~وليس من صالحها الالتزام بها، فقد أدار محمد علي هذه المفاوضات «السرية» بقدر كبير ~~من المهارة، حتى إن «فريزر» خرج منها وهو مقتنع تماما بأن الباشا جاد في عروضه، ~~وصادق في رغبته كسب مودة الإنجليز والتعاون معهم. وكان ظاهرا أن الباشا في هذه ~~المرحلة الأولى قد قطع شوطا كبيرا في نيل صداقتهم، ولم يكن هناك لذلك ما يدعو إلى ~~يأسه من استمالتهم إلى تأييده في مطلبه من حيث حصوله على الحكم الوراثي في مصر في ~~وضع مشابه - كما قدمنا - لما هو قائم فعلا في وجاقات الغرب، أو توقع وقوفهم على ~~الأقل موقف الحياد وعدم التصدي لمعارضته إذا هو استطاع بوسائل أخرى، وعن غير طريقهم، ~~الوصول إلى غايته. # وحقيقة الأمر، أن هذه الصداقة مع الإنجليز - وهي التي عقد محمد علي على استمرارها ~~آمالا كبيرة - إنما كانت من مبدأ الأمر مرتهنة بتوفر عاملين: أحدهما مثابرة الباشا ~~على الخطة التي رسمها لنفسه في هذه المسألة، والآخر اقتناع الإنجليز أنفسهم بأن من ~~صالحهم، إذا لم يكن في وسعهم عقد محالفة مع الباشا - كانت «دفاعية» حسبما اقترح ~~الباشا في عروضه على «فريزر» - على الأقل أن تسود العلاقات الودية بينهم وبينه، وأن ~~من صالحهم تعزيز هذه العلاقات التي مهد لقيامها إبرام اتفاق الجلاء عن الإسكندرية ~~بشروطه العلنية المعروفة. # وتضافرت عوامل عدة على جعل الإنجليز يحرصون على صداقة محمد علي؛ فقد خرج الباشا من ~~نضاله الأخير معهم - أثناء حملة «فريزر» - عزيز الجانب، ثم إنه بسط سلطانه على ~~الإسكندرية، وهذه من المراكز التجارية الهامة في البحر الأبيض، ومستودع غلات البلاد ~~الزراعية المعدة للتصدير إلى الخارج، وأهم هذه الغلال، التي عظمت حاجة الإنجليز ~~إليها لتموين قواعدهم في البحر الأبيض، ثم إنه كان واضحا أثناء مفاوضتهم معه أنه ~~يريد إدخال الإسكندرية في نطاق ولايته، ms0883 وأهم من ذلك، أنه مصمم على الاحتفاظ ~~بباشويته، بدرجة جعلته يقترح عليهم محالفته ضد الباب العالي نفسه، وهو صاحب السيادة ~~الشرعية عليه، وضد الفرنسيين، وهم الذين اعتبرهم الإنجليز أصدقاء له، بل واعتقد ~~«مسيت» - كما رأينا - أنه كان «مبيعا» لهم، ويعمل على تأييد مصالحهم في هذه البلاد، ~~وقد أفزع الإنجليز دائما توقعهم أن يجدد هؤلاء غزوهم لها، فكان هذا الفزع مبعث ~~تفكيرهم في تأسيس سلطان المماليك مرة ثانية في مصر، على اعتبار أنهم القوة التي ~~تستطيع الدفاع عنها، ورد الغزو الفرنسي ومقاومته إذا وقع، كما كان هذا الفزع منشأ ~~تقريرهم إرسال حملتهم لاحتلال الإسكندرية. وقد برهنت الحوادث منذ مجيء «فريزر» ~~بجيشه إلى الإسكندرية، إلى وقت خروجه منها، على أن من العبث الاعتماد على البكوات ~~المماليك، كقوة محاربة نشيطة، في صون هذه الولاية العثمانية من أخطار الغزو ~~الأجنبي، وأن في وسع الحكومة التي أقامها الباشا في مصر أن تبذل جهودا صادقة وجدية ~~في سبيل الدفاع عنها، وتحطمت لذلك نهائيا الفكرة التي انبثقت منها كل تلك ~~المشاريع التي نادى بها «هتشنسون» و«ألكسندر بول» وأضرابهما، وصار في وسع الإنجليز ~~أن يعتمدوا على حكومة الباشا في مقاومة الغزو الفرنسي على الأقل؛ حتى يتمكنوا هم من ~~المساهمة بصورة فعالة في هذه المقاومة، وذلك طالما بقي محمد علي صديقا لهم، وطالما ~~بقي صحيح العزم على التمسك بباشويته، ولم يبد لرجالهم الذين تفاوضوا معه، أن الباشا ~~باتفاقه معهم، وفيما عرضه عليهم من عروض «سرية»، إنما كان يبغي مداورتهم فحسب، أو ~~يريد نبذ صداقتهم بمجرد جلائهم عن الإسكندرية. # والحق أن الباشا كان حريصا على أن تسود العلاقات الودية بينه وبين الإنجليز، ~~للأسباب التي عرفناها، ونهض أكثر من دليل واحد في السنوات الأربع التالية على وجود ~~هذا الحرص لديه، وذلك في المسألتين اللتين اهتمت بهما إنجلترة اهتماما مباشرا ~~فيما يتعلق بعلاقاتها مع باشا مصر، وهما تموين مالطة وغيرها من مراكز قواتهم في ~~البحر الأبيض، ثم استعداد حكومة هذه البلاد للوقوف في وجه العدو، ومثابرتها على ~~تحصين الإسكندرية وسائر المواقع بالشاطئ؛ ms0884 لدفع الغزو الفرنسي إذا حدث، فقد اتفقت ~~مصلحة الباشا في هاتين المسألتين مع المصلحة البريطانية؛ لأن بيع الغلال إلى ~~الإنجليز يعود عليه بأرباح وفيرة، ويملأ خزانته بالمال الذي هو في حاجة ملحة إليه ~~دائما، ولأن تحصين الشواطئ وتقوية المواقع الداخلية أيضا من شأنه تأمين باشويته، ~~ولو أنه كان يبغي من ذلك إلى جانب مقاومة الغزو الفرنسي إذا وقع، أن يكون على قدم ~~الاستعداد لدفع أي اعتداء قد يقع عليه من جانب الباب العالي إذا صح عزم هذا الأخير ~~على إخراجه من مصر، ورفض الباشا التخلي عن ولايته. ثم إنه لم يشأ أن يأخذه الإنجليز ~~أنفسهم على غرة، إذا بدا لهم فجأة أن يعيدوا الكرة لامتلاك الإسكندرية مرة أخرى. ~~وقد وجد محمد علي في الاستجابة لرغبات الإنجليز وبيع غلاله لهم، عدا الربح المالي ~~الذي يجنيه من هذه التجارة، وسيلة نافعة لاتقاء شرورهم، وصرفهم عن محاولة غزو هذه ~~البلاد، ولإقناعهم على الأقل بمزايا بقاء علاقات الود والصداقة، وتوثيق عراها بينه ~~وبينهم، إذا تبين أنهم لا يشاءون عقد محالفة معه. # وأما الإنجليز، فالبرغم من امتناعهم عن عقد أية محالفة مع الباشا، فقد حرصوا من ~~ناحيتهم على تعزيز علاقات الود والصداقة معه؛ للأسباب التي مر ذكرها؛ ولأنهم توقعوا ~~بفضل هذه العلاقات الودية، أن ينقلوا بسهولة وأمان بريدهم إلى الهند، عبر الطريق ~~البري. # وعلى ذلك، فقد شهدت السنوات القليلة التالية نمو علاقات الصداقة باطراد بين محمد ~~علي والإنجليز، وكان تبادل المنفعة التجارية الأساس الذي قامت عليه، ومع أنه تعذر ~~على الباشا أن يرقى بهذه العلاقات إلى مرتبة المحالفة التي نشدها، واستمالة ~~الإنجليز إلى تأييد مسعاه من أجل الوصول إلى الاستقلال الذي أراده على أساس الحكم ~~الوراثي في مصر، في وضع - كما ذكرنا - مشابه لوضع وجاقات الغرب، فقد جنى محمد علي ~~من هذه الصداقة فوائد مالية وسياسية كثيرة. # ومثلما بدأت صلاته بالإنجليز، في مرحلة المفاوضات الأولى، في شهر مايو سنة 1807، ~~بسبب مسألة الأسرى، فقد كانت هذه المسألة ذاتها مبعث استئناف صلاته بهم بعد اتفاق ~~تسليم الإسكندرية، ms0885 ذلك أنه كان لا يزال بالبلاد عدد من أسرى الإنجليز الذين صاروا ~~رقيقا في أيدي الأفراد، وقد تقدم كيف ترك «فريزر» مندوبا للإشراف على جمع هؤلاء، ~~هو «بتروتشي» يعاونه «هود»، كما ترك «آني» وكيلا بريطانيا بالإسكندرية، وعني ~~الباشا عناية فائقة بمسألة هؤلاء الأسرى الرقيق، فتعهد بشراء هؤلاء من ماله الخاص ~~من الأفراد الذين كانوا في حوزتهم، وتسليمهم إلى الإنجليز؛ فمهدت مسألة الأسرى ~~لاستئناف العلاقات بين الباشا والإنجليز، وتبودلت الرسائل بين الفريقين، ولم تقتصر ~~المباحثات على إجراءات تسليم الأسرى، بل تناولت غيرها من المسائل التي اهتم بها ~~الإنجليز، والتي توقع الباشا أن يجني من الاتفاق معهم بشأنها فوائد جمة، وتتضح طبيعة ~~هذه العلاقات من مراجعة ما صار يذكره الوكلاء الفرنسيون في تقاريرهم عن هذا النشاط ~~الذي شهدوه، والذي كان لا يتفق في نظرهم مع ما يقتضيه قيام حالة الحرب بين الباب ~~العالي صاحب السيادة الشرعية على الباشا، وبين إنجلترة، من واجب الحد من هذه ~~العلاقات، والامتناع عن مساعدة أعداء الدولة العثمانية بعدم الاستجابة إلى ~~مطالبهم. # وقد بدأ هذا النشاط الجديد بوصول فرقاطة إنجليزية أمام الإسكندرية في 15 نوفمبر ~~1807، فاستضاف «بتروتشي» ربانها، وزار الاثنان طبوز أوغلي، حاكم الإسكندرية، ~~واستقبلهما هذا بحفاوة بالغة، وقد أحضر ربان هذه الفرقاطة رسائل باسم الباشا، بادر ~~المسئولون بإرسالها إليه فورا، قال الوكلاء الفرنسيون في نشرتهم الإخبارية بتاريخ ~~نوفمبر 1807 «إنهم لا يعرفون محتوياتها، ولكنه يقال إنها تتناول مسألة تسليم ~~الأسرى الإنجليز «الذين كانوا قد بقوا في حوزة الأفراد كرقيق»، ثم مسألة تقديم ~~كميات عظيمة من جميع أصناف الحبوب لتموين مالطة». قال هؤلاء الوكلاء: إن هذه ~~المسألة الأخيرة من الموضوعات التي نصت عليها «الشروط السرية» التي حصل الاتفاق ~~عليها مع «فريزر» عند تسليم الإسكندرية. أما «بتروتشي» فقد وصل القاهرة يوم 24 ~~نوفمبر، وصار يعقد اجتماعات سرية مع الباشا لبحث «المهمة التي جاءت من أجلها هذه ~~الفرقاطة، و«التوسط» في المفاوضات الجارية بين محمد علي وشاهين بك الألفي»، عندما ~~كان هذا الأخير يريد الاتفاق مع الباشا في ظروف سوف يأتي ms0886 ذكرها. وأما الاجتماعات ~~العلنية بين محمد علي و«بتروتشي» فقد دار الحديث فيها دائما حول موضوع الأسرى، ~~وعلق الوكلاء الفرنسيون على ذلك بقولهم: «وهناك كثير من المغفلين الذين يصدقون ~~هذا.» ثم إن هؤلاء الوكلاء الفرنسيين لم يلبثوا أن احتجوا لدى محمد علي، على عدم ~~مناسبة هذه العلاقات التي سوف تترتب عليها متاعب كثيرة له، ولم يشأ محمد علي ~~إغضابهم، فأظهر تحفظا في صلاته مع «بتروتشي» وغيره من العملاء الإنجليز، حتى إن ~~هؤلاء - على حد ما جاء في النشرة الإخبارية السالفة الذكر - بادروا لإنجاح مساعيهم ~~لدى الباشا بإذاعة أن جيشا فرنسيا قد نزل في أبي قير، يبغون من ترويج هذه ~~الشائعة تحريض الجند على التمرد والعصيان، لعلمهم أن هؤلاء يتحينون الفرص دائما ~~لإثارة الفتنة، ويتذرعون بأوهى الأسباب للإخلال بالنظام، وأنهم سوف يعمدون إلى ~~الاعتداء على القنصلية الفرنسية والحي الفرنسي بالقاهرة، ولكن هؤلاء - كما قال ~~الوكلاء الفرنسيون - «ما لبثوا أن برهنوا لأولئك الذين باعوا أنفسهم للإنجليز، على ~~أنهم يفوقونهم أمانة واستقامة، وأنهم يعرفون جيد المعرفة أنه قد انقضى الوقت الذي ~~كان يتيسر فيه قتل وكلاء الحكومة الفرنسية ، والإفلات من العقوبة والقصاص». # ومنذ ديسمبر من العام نفسه، تبودلت الرسائل بين الباشا وبين «السير ألكسندر بول» ~~حاكم مالطة، في موضوع الأسرى، ومن أجل تسهيل إرسال البريد الإنجليزي إلى الهند عبر ~~مصر، فجاءت قرويت إنجليزية لهذا الغرض إلى الإسكندرية في ديسمبر، ثم غادرتها إلى ~~مالطة في 21 منه تحمل رسائل من محمد علي إلى حاكمها، ثم لم تلبث أن حضرت فرقاطة ~~ظلت تتجول أمام الإسكندرية بعض الوقت، قبل أن تلقي مراسيها عند قلعة فاروس، عند ~~مدخل الميناء الجديدة، وقد ادعت هذه أن الغرض من مجيئها - حسبما ذكره الوكلاء ~~الفرنسيون - إنما هو ل «شراء الأسرى الإنجليز». # وفي 18 يناير سنة 1808، وصل الإسكندرية إبريق إنجليزي يرفع علم الهدنة - لأن ~~الباب العالي كان لا يزال في حالة حرب مع الإنجليز - فنزل قائد السفينة إلى البر، ~~وقابل حاكم الإسكندرية طبوز أوغلي، مقابلة وصفها الوكلاء الفرنسيون بأنها كانت ~~«ودية جدا» لم ms0887 يلبث على أثرها فورا أن غادر «بتروتشي» الإسكندرية إلى القاهرة ~~لمقابلة الباشا، وقد أحضرت كلتا السفينتين (القرويت والإبريق) رسائل معهما، تسلمها ~~«البطروشي» وسار بها إلى القاهرة في كل مرة لتسليمها إلى محمد علي. وفي أواخر أبريل ~~ظهرت قرويت إنجليزية أخرى أمام الإسكندرية، لم تلبث أن ابتعدت عن الثغر بعد مباحثة ~~قصيرة مع طبوز أوغلي، ثم عادت مرة ثانية إلى الثغر في 15 مايو، لتحمل أربعة عشر ~~أسيرا، اشتراهم «البطروشي» في القاهرة من مسترقيهم. # على أن مجيء هذه السفن الإنجليزية إلى الإسكندرية، ومقابلات ربابنتها مع طبوز ~~أوغلي، وذهاب «بتروتشي» إلى القاهرة، كل ذلك لم يلبث أن استرعى انتباه الوكلاء ~~الفرنسيين الذين راحوا يفسرون هذا النشاط ويعلقون عليه شتى التعليقات، فكتب ~~«دروفتي» إلى «سباستياني» في 20 أكتوبر 1807، أنه يعتقد مما وقف عليه من تقارير ~~«مانجان» أن الاتفاق الذي عقده الباشا مع الإنجليز بشأن تسليم الإسكندرية لا يشتمل ~~على شيء من الوعود سوى تقديم المساعدة من جانب الإنجليز، إذا ما غزا جيش أوروبي ~~مصر، «ويبدو أن الأوامر الصادرة إلى القائد الإنجليزي «فريزر» بشأن إخلاء ~~الإسكندرية كانت تلح عليه في اتخاذ هذه الخطوة، بدرجة أنها خولته أن يعرض على ~~الباشا ما يطلبه من مال حتى ألف كيس، إذا رفض محمد علي تسليم الأسرى دون ~~فدية.» # ثم كتب «سانت مارسيل» من الإسكندرية في أول فبراير 1808، أنه «وإن كان لا يدري ~~إذا كان القنصل «دروفتي» يعلم الغرض من هذه العلاقات السياسية «القائمة بين محمد ~~علي والإنجليز»، والذي يقولون إن الأساس الذي ترتكز عليه إنما هو شراء الأسرى الذين ~~بقوا في حوزة بعض الأفراد، فإن كثرة هذه العلاقات ثم نشوء علاقات غير عادية كذلك ~~يبدو أنها آخذة في النمو باطراد، لمما ينهض دليلا على وجود تفاهم بين هذه الحكومة ~~في مصر والوزارة الإنجليزية.» ثم شرع «سانت مارسيل» يعلل هذه الظاهرة، فقال: إن ~~الإنجليز يبغون من توثيق العلاقات مع محمد علي الوساطة لديه في الوصول إلى اتفاق ~~بينه وبين المماليك، وآية ذلك أن شاهين بك الألفي - وهو أقرب ms0888 من يشمله الإنجليز ~~بحمايتهم من بين البكوات - قد اصطلح مع الباشا، وأغدق عليه هذا النعم والعطايا، ~~فأعطاه كشوفية مديرية الفيوم، وبعض القرى في مديرية البحيرة، وأظهر نحوه صداقة ~~كبيرة، وصار يعامله باحترام زائد، ثم إن الإنجليز يهدفون كذلك إلى الاستئثار ~~لأنفسهم وحدهم بحق التجارة مع هذه البلاد، فيصدرون إليها متاجرهم، ويستوردون منها ~~قبل أي شيء آخر الغلال وسائر أصناف الحبوب التي هم في حاجة قصوى إليها؛ لتموين ~~مالطة وغيرها من الأماكن. ولما كان مبعث ثراء الإسكندرية كونها مستودع تجارة الصادر ~~والوارد في مصر، فقد ساءت حالها وتكبدت خسائر فادحة، بسبب تعطيل الملاحة التجارية، ~~نتيجة لسيطرة الأسطول الإنجليزي في البحر الأبيض، بينما يعتبر النشاط التجاري بطريق ~~البحر المورد الأساسي الذي تستمد منه ثراءها، وخاصة لانعدام الوسائل التي يمكن بها ~~إنشاء الصناعة في هذا الثغر، ولأن جدب أرضها يحول دون قيام الزراعة بها. # وثمة سبب آخر، ذكره «سانت مارسيل» لتعليل هذه العلاقات النشيطة بين الإنجليز ~~ومحمد علي، هو رغبة الأولين في العودة إلى احتلال الإسكندرية، أو امتلاكها بموافقة ~~الباشا، فكتب في 10 فبراير 1808: «أنه علم من أخبار موثوق بصحتها، أن الإنجليز عرضوا ~~على محمد علي باشا اثني عشر ألف كيس لقاء موافقته على إعطائهم الإسكندرية، ولكن ~~الباشا الذي أغضبه هذا الاقتراح، لم يلبث أن أجاب بأنه مصمم على الدفاع عنها، ولن ~~يسلمها إلا مرغما بقوة السلاح، وليس لقاء أي مبلغ من المال يعرض عليه.» واعتقد ~~«سانت مارسيل» أن هذا الرفض من جانب محمد علي من شأنه أن يقضي بالفشل على مفاوضات ~~الإنجليز وقتئذ، وسوف يترتب عليه أن يخصص هؤلاء قسما من أسطولهم للجولة في المياه ~~المصرية، يعطل الملاحة، بل ويوقف حتى سير القوارب بين الإسكندرية ورشيد، وذلك في ~~الوقت الذي كان رحيل الأسطول الإنجليزي آنئذ من بحر الأرخبيل قد بدأ يمكن السفن ~~العثمانية من الملاحة بحرية بين سالونيك وخانيا (في كريت)، وأزمير ورودس، وبين ~~الإسكندرية، وساعد جلب مختلف السلع والغلات على إنعاش الحركة التجارية بالإسكندرية ~~بعض الشيء. # وكان مبعث اقتراح الإنجليز على ms0889 محمد علي إعطاءهم الإسكندرية، خوفهم من غزو ~~الفرنسيين لهذه البلاد، ورغبتهم في احتلال الإسكندرية حتى يستطيعوا منع نزول ~~الفرنسيين بها؛ أي نفس السبب الجوهري الذي دعاهم إلى إرسال حملة «فريزر» للاستيلاء ~~عليها من قبل، فقد كان الغرض من مجيء الإبريق الإنجليزي إلى الإسكندرية في 18 ~~يناير، على نحو ما تبين «سانت مارسيل» هو إبلاغ محمد علي أن الفرنسيين ينوون الحضور ~~قريبا إلى مصر بقوات عظيمة، ونصحه بضرورة وضع حاميات كبيرة في المواقع التي على ~~الشاطئ لمقاومة هؤلاء عند مجيئهم ومنع نزولهم، ومحاولة إقناعه بقبول عدد من الجند ~~البريطانيين في الإسكندرية لمساعدته في الدفاع عنها، ولكن الباشا - كما ذكر «سانت ~~مارسيل» في كتابه إلى حكومته في 21 فبراير - رفض هذا الاقتراح الأخير، مستندا في ~~ذلك إلى أن لديه من الجند ما يكفي لتعزيز الحاميات بالشاطئ الشمالي، وأنه لا حاجة ~~له إلى أية مساعدة أجنبية لتحقيق هذه الغاية. # وواقع الأمر أن الباشا كان قد بدأ يهتم بتحصين الإسكندرية أثناء إقامته بها بعد ~~جلاء الإنجليز عنها في شهر سبتمبر من العام السابق، ثم إنه لم يلبث أن شرع بعد ذلك ~~في بناء أسوار جديدة حول المدينة، في موضع أسوارها القديمة من أيام العصور الوسطى، ~~وعني الباشا بأن تكون هذه على نمط الأسوار التي أنشأها الجنرال «منو» وقت حصار ~~الإنجليز للإسكندرية (1801)، وكانت التحصينات التي أقامها الفرنسيون في جهة باب رشيد ~~قد صارت متهدمة، ولكن الخنادق التي حفروها كخطوط للدفاع من باب رشيد إلى قناة ~~الإسكندرية من ناحيتها الشرقية كانت لا تزال باقية، وأما القلعتان اللتان أقامهما ~~هؤلاء داخل أسوار الإسكندرية: قلعتا «كريتان» # Crétin # و«كفاريللي» # Cafarelli # فقد كان العطب الذي أصابهما قليلا، وكذلك الطابية ~~المثلثة # Triangulaire # إلى الجنوب الشرقي، والأخرى القريبة من نيكروبوليس # Necropolis # فكانتا تقريبا بالحال التي تركهما ~~عليها الفرنسيون، فاعتمد محمد علي على هذه المنشآت في تجديد تحصين الإسكندرية. وفي ~~أوائل 1811 كان قد تم بناء ثلث الأسوار تقريبا، وتوقع كثيرون أن يفرغ الباشا من ~~إقامة الباقي منها بعد حوالي عامين، واعتزم محمد ms0890 علي وقتئذ بناء طابية بالقرب من ~~سرايه التي يبنيها في المكان المعروف برأس التين. ثم إن الباشا اهتم بتحصين رشيد ~~عند زيارته لها وهو في طريقه إلى القاهرة، كما شرع يعزز حاميات دمياط ورشيد والبرلس ~~وأبي قير، حتى صارت هذه جميعها تذخر بالجنود الأرنئود، ثم إنه حشد الجند بدمنهور ~~لنقلهم فورا إلى الإسكندرية إذا طرأ طارئ مفاجئ يتطلب ذلك، وهذا علاوة على إرسال ~~حوالي المائتين أو الثلاثمائة جندي من الأرنئود إلى الإسكندرية في فبراير 1808، بينما ~~كان قد تم في هذا الشهر نفسه تقوية حصونها بصورة تمكنها من الدفاع عن المدينة. ~~واستمرت الاستعدادات والترميمات على قدم وساق كما لو كان العدو على وشك الظهور ~~أمامها، كما عني محمد علي بتموينها وتوفير المواد الغذائية لها. # ولم يكن غرض الباشا من هذه الاستعدادات، التهيؤ لصد الغزو الفرنسي فحسب، بل ~~والحيطة والحذر كذلك من جانب الإنجليز أنفسهم، ثم توزيع الجند الأرنئود الذين ظهر ~~تمردهم على سلطانه - في ظروف سوف يأتي ذكرها - في المواقع البعيدة عن القاهرة من ~~جهة، والتي كانت من جهة أخرى مراكز الدفاع الأمامية عن البلاد إذا تعرضت هذه للغزو، ~~ثم إنه كان هناك سبب آخر، أوضحه «سانت مارسيل» في رسالة 21 فبراير التي تقدم ذكرها، ~~هو أن اتخاذ الباشا لهذه الإجراءات الدفاعية ذاتها كان يفيد مأربا آخر له هو «كسب ~~ثقة الباب العالي، الذي وجب على الباشا استرضاؤه، بالرغم من السيطرة التي يتمتع ~~بها؛ حيث يؤكدون أن الديوان العثماني قد أبلغ الباشا في كتبه الأخيرة إليه نبأ ~~المحالفة التي تشكلت من أكثر الدول في أوروبا ضد هذه الأمة لتحقيق أطماعها منها ~~بالغدر بها»؛ ولذلك فإن التهيؤ للدفاع عن البلاد، من شأنه أن يطمئن الباب العالي ~~على خضوع باشا مصر له وحرصه على تلبية رغباته. # ومع أن الإنجليز لم يستطيعوا إغراء محمد علي بإعطائهم الإسكندرية، فإن هذا الفشل ~~لم يعكر صفو العلاقات بينهم وبينه، بل ظل من صالحهم أن تتوطد هذه العلاقات الودية، ~~لسبب آخر هام، هو أخذهم الغلال من الإسكندرية، وجلب ms0891 بضائعهم إليها لتصريفها في ~~السوق المصرية، فلم يحدث ما توقعه «سانت مارسيل» من نتائج مترتبة على رفض الباشا ~~التنازل عن الإسكندرية للإنجليز، بل ظلت الملاحة حرة، لا بين الإسكندرية ورشيد فحسب، ~~بل وكذلك بين الإسكندرية وطائفة من المواني العثمانية، وذلك بالرغم من وجود بعض قطع ~~الأسطول الإنجليزي لمراقبة الملاحة في حوض البحر الأبيض الشرقي، وتضييق الحصار على ~~السواحل العثمانية، فجلبت السفن إلى الإسكندرية متاجر ومنتجات أساكل الليفانت، ولم ~~تكن السفن الإنجليزية أو العثمانية هي وحدها التي استطاعت الدخول إلى ميناء ~~الإسكندرية أو الخروج بأمان منها، فقد دخلت هذا الميناء في أوائل أكتوبر 1808، أربع ~~سفن من مرسيليا، وواحدة من جنوة، محملة جميعها بالمتاجر والأقمشة، خصوصا من ~~فرنسا. # واعتمد الإنجليز في نقل متاجرهم من مالطة إلى مصر على السفن النمساوية؛ إذ تعذر ~~عليهم وهم لا يزالون في حرب مع الباب العالي أن يستخدموا سفنهم في نقل هذه المتاجر، ~~واستاء الوكلاء الفرنسيون من هذا النشاط، وراحوا يحتجون لدى محمد علي على إجازته ~~التعامل مع العدو، وبذلوا كل ما في وسعهم من جهد وحيلة لمنع دخول البضائع ~~الإنجليزية التي تحملها السفن النمساوية إلى الإسكندرية ولكن دون طائل، حتى إن ~~«دروفتي » راح يشكو من مسلك محمد علي إلى «سباستياني» السفير الفرنسي بالقسطنطينية ~~في 30 مايو، ثم في 24 يوليو، ويذكر له عبث المساعي التي قام بها لإبطال دخول السفن ~~النمساوية المحملة بالمتاجر الإنجليزية من مالطة إلى الإسكندرية، ويندد بموقف محمد ~~علي في هذه المسألة، «وهو الذي - كما قال «دروفتي» - يستمع إلى نصح أولئك الذين ~~يتأثرون بأقوال العدو وما لديه من وسائل (يستخدمها في إغرائهم) أكثر من تأثرهم ~~بمظاهر قوتنا». وأشار «دروفتي» على السفير الفرنسي، بضرورة المسعى لدى الباب ~~العالي، حتى يصدر هذا إلى الباشا «أوامر قاطعة، تحرره من الآراء الخاطئة والكاذبة ~~التي يوحي بها إليه أناس من طراز «بتروتشي» وأضرابه»؛ وهي آراء سوف يبقى متأثرا ~~بها، طالما بقي هؤلاء في مصر، وطالما لم تأته من حكومته هذه الأوامر ~~القاطعة. # على أن الموقف لم يلبث بعد ms0892 ذلك أن تبدل، عندما عقد الإنجليز الصلح أخيرا مع ~~الباب العالي، ودخلت سفنهم وتحت أعلامهم ميناء الإسكندرية بحرية، وتزايد نشاط ~~علاقاتهم التجارية مع الباشا، وصاروا يستوردون من هذه البلاد كل حاجتهم من الغلال، ~~وكل ما استطاع الباشا أن يبيعه منها إليهم، وكان توثق هذه العلاقات التجارية معهم ~~من العوامل التي حفزت الباشا على مفاتحتهم من جديد في مشروع ذلك «الاستقلال» الذي ~~حدثهم عنه أثناء مفاوضات الجلاء عن الإسكندرية. # فقد بدأت الشكوك تساور العثمانيين من ناحية فرنسا، منذ أن قطعوا مفاوضتهم مع ~~«باجيت» في الظروف التي عرفناها؛ وذلك لأنهم وإن رجحوا تعذر الاتفاق بين نابليون ~~والقيصر إسكندر الأول على خطة موحدة بشأن تقسيم إمبراطوريتهم العثمانية، فقد تبين ~~لهم تعذر الركون كذلك إلى صداقة الإمبراطور الفرنسي، في وقت عجز فيه سفيره في ~~القسطنطينية «سباستياني» عن التأكيد لهم قطعا بحسن نوايا نابليون نحو الدولة ~~العثمانية، وبدا لهم أنهم لن يستطيعوا عقد الصلح مع روسيا إلا لقاء تسليمهم بخروج ~~الأفلاق والبغدان من حوزتهم، ولن تفيد صداقة فرنسا شيئا في منع هذه الكارثة، بل إن ~~تهديد نابليون بالانتقام من علي باشا حاكم يانينا، إذا ظل مناوئا له - وكان هذا قد ~~بسط سلطانه في ألبانيا - لم يلبث أن أعاد إلى ذهن الباب العالي قصة اعتداء الفرنسيين ~~على مصر وغزوهم لها بقيادة نابليون بونابرت في عام 1798. وعلى ذلك فقد فضل ~~العثمانيون الآن المفاوضة رأسا مع الروس، ودون وساطة فرنسا، ثم استئناف المفاوضة ~~مع إنجلترة، ومع أن هذا التبدل في سياسة الأتراك لم ينه الحرب القائمة بينهم وبين ~~الروس، فاستمر العداء حتى عقد الصلح بين تركيا وروسيا في معاهدة بوخارست بعد ذلك ~~بأربعة أعوام تقريبا، في مايو سنة 1812، فقد ساعد هذا التبدل من ناحية أخرى على ~~الوصول إلى نتيجة سريعة مع الإنجليز أنفسهم، ذلك أنه ما كاد مبعوثهم الجديد ~~«السير روبرت أدير» # Adair # يصل إلى تينيدوس في ~~سبتمبر 1808، حتى بدأت المفاوضات بينه وبين الأتراك، وأسفرت هذه عن عقد معاهدة ~~الدردنيل في 5 يناير 1809، ونصت إحدى مواد هذه المعاهدة ms0893 على تمتع رعايا كل من ~~الدولتين بنفس الامتيازات التي لهؤلاء في ممتلكات كل منهما، ومعنى ذلك استعادة ~~الرعايا البريطانيين نشاطهم السابق في مصر التي هي من أملاك الدولة العثمانية. وفي ~~نفس التاريخ أبرمت تركيا معاهدة تحالف ودفاع مع إنجلترة. # وكان لحادث الصلح بين إنجلترة والباب العالي آثار هامة في مصر، من حيث توقع زيادة ~~نشاط العلاقات التجارية، خصوصا بين الباشا والإنجليز، ثم الخوف من أن تسوء العلاقات ~~بين الباب العالي وفرنسا بدرجة تفضي إلى فصمها، ومن حيث تعمد الباشا الانتفاع من ~~هذا الموقف الجديد بما يضمن له صون مصالحه، وتحقيق مآربه، إذا عرف كيف يسلك الطريق ~~السوي في صلاته مع الوكلاء الإنجليز والفرنسيين جميعا. # فقد كان أول حامل لنبأ هذا الصلح إلى مصر، إبريق إنجليزي من أسطول «كولنجوود»، في ~~البحر الأبيض، وصل الإسكندرية في منتصف مارس 1809، فأذيع الخبر، ونزل ربانه إلى ~~المدينة، وقابل حاكمها طبوز أوغلي، ولقي ترحيبا كبيرا، وأحضر معه رسائل من ~~حكومته، ولم يغادر هذا الإبريق الإسكندرية، حتى تسلم الربان جواب الباشا على رسائل ~~هذه الحكومة. # وانتهز هذه الفرصة «بتروتشي» وغيره، ممن أغضبتهم سياسة الإمبراطور نابليون في ~~أوروبا، وكانوا لذلك من أنصار الإنجليز، وراحوا يروجون لما كان يصلهم من أنباء ~~ونشرات من مالطة مليئة بالطعن على نابليون والقذف في حقه، وكان المروجون - على وجه ~~الخصوص - لهذه الدعاية السيئة ضد الإمبراطور، إلى جانب «بتروتشي»، كلا من قنصل ~~إسبانيا في مصر «كامبو إيي سولر»، ورئيس الهيئة المشرفة في الإسكندرية على إيواء ~~الذاهبين إلى الحج في الأرض المقدسة حيث عاش السيد المسيح، وهو «الأب أرمننجيلد» # Ermenengilde ~~، أما الأول فقد أعلن ~~معارضته الصريحة لحكومة يوسف بونابرت الذي نصبه أخوه الإمبراطور ملكا على إسبانيا ~~في يونيو من العام السابق (1808)، وطفق يذيع كل شتائم أو هجاء تتضمنه النشرات ~~الآتية من مالطة ضد الإمبراطور وضد الملك يوسف. # وأما «الأب أرمننجيلد» فأصله من لوقا بإيطاليا، وصفه «سانت مارسيل» بأنه رجل ~~معاند صلب الرأي، شديد التعصب مع كبرياء وعجرفة، ويكره فرنسا كراهة شديدة، ومع أنه ~~كان قد ms0894 وضع نفسه دائما تحت حماية فرنسا إلا أن خوفه من قطع العلاقات بينها وبين ~~تركيا بعد حادث الصلح الأخير بين تركيا وإنجلترة، جعله - على حد قول «سانت مارسيل» ~~- يستبدل بحماية فرنسا حماية «بتروتشي» له، بوصفه قنصل السويد العام، وذلك بتحريض ~~من هذا الأخير، وغرض «بتروتشي» من ذلك أن يستميل الفرنسيين الموجودين بهذه البلاد ~~إلى الانفضاض من حول القنصل الفرنسي والوكلاء الفرنسيين عموما، والانضواء تحت لواء ~~رئيس هذه الهيئة الدينية بدافع الدين؛ لما لهذا الدافع الديني من تأثير على ذهنية ~~المواطنين الفرنسيين الذين اعتقد «بتروتشي» خضوعهم للخرافات والأوهام الباطلة، ~~فأبطل «الأب أرمننجيلد» الدعاء المعتاد لنابليون في كنيسته، وحمل على الإمبراطور ~~حملة شعواء، كان مبعثها في الحقيقة عداءه له وللفرنسيين عموما أكثر من أي شيء آخر، ~~ثم لم تلبث أن تزايدت هذه العداوة عندما انتهت اعتداءات نابليون على الولايات ~~البابوية بإعلان ضمها إليه في مايو 1809، ووصلت الإسكندرية بعض «الأوراق» التي ~~طبعت في مالطة، وأذيعت في الثغور فور وصولها، واعتبرت هذه - كما قال «سانت ~~مارسيل» في رسالته إلى وزير الخارجية «شامباني» # Champagny # في 19 أبريل 1810 - «كأنها وثائق رسمية، بعث بها عملاء ~~البابا، وهو الذي يحشد كل قوات الكنيسة للنضال ضد الإمبراطور». وقد أذاع «الأب ~~أرمننجيلد» قرار الحرمان الذي أصدره البابا بيوس ~~السابع Pius VII # ضد نابليون في 11 يونيو 1809، ثم إنه كان من كبار أنصار ~~الإنجليز بالإسكندرية نائب قنصل النمسا «جودارد» # Godard # الذي حيا دخول إبريق حرب إنجليزي إلى الميناء (في 6 ~~أبريل) برفع علم دولته على مبنى قنصليته، محتذيا في ذلك ما فعله القنصل الإسباني ~~العام «كامبو آبي سولر»، وقال «دروفتي» إن مهمة هذا الإبريق - بلا شك - هي حمل ~~تقارير الحكومة إلى الهند، وقد زار ربانه حاكم المدينة الذي رحب به. # على أن الذي أقض مضجع «سانت مارسيل» أكثر من أي شيء آخر، كان مسلك «بتروتشي» مدبر ~~كل هذه الفتن، وحامل لواء الحملة المقذعة ضد نابليون وضد الفرنسيين عموما، وسرد ~~«سانت مارسيل» في إحدى رسائله إلى الوزير «شامباني» من الإسكندرية في ms0895 15 مارس 1809، ~~قصة هذا الرجل بصورة تظهره من كبار المغامرين الذين لا يتورعون عن التضحية بكل مبدأ ~~في سبيل نفعهم الشخصي، فقال: إن «فرنسيسكو بتروتشي» أصله من ليفورنة، تبع الفرنسيين ~~عند مجيء حملتهم إلى مصر، والتحق بالإدارة المالية كمشرف على أبواب الإيراد والصرف ~~في أسيوط، فجنى من هذا المنصب ربحا عظيما، وصار صاحب ثراء عريض، حتى إذا أخلى ~~الفرنسيون البلاد لم يسمحوا له بالذهاب معهم إلى فرنسا، فأقام برشيد، وعينه ~~الإنجليز وكيلا بريطانيا بها، وأظهر «بتروتشي» في هذا المنصب الجديد همة ونشاطا ~~عظيمين، كما تنكر لفرنسا، واشترى من رئيس البعثة الدبلوماسية السويدية بالقسطنطينية ~~وظيفة القنصل العام للسويد في مصر، ثم وفد إلى الإسكندرية بعد جلاء جيش «فريزر» ~~عنها وتولى الإشراف على مصالح بريطانيا في هذه البلاد «تحت ستار القنصلية ~~السويدية». # ونشط الوكلاء الفرنسيون لإزالة الأثر السيئ الذي أحدثته هذه الحملة المقذعة ضد ~~نابليون، وكان أخشى ما يخشونه أن يتأثر الباشا نفسه بها، لا سيما بعد أن عقد الصلح ~~بين تركيا وخصومهم الإنجليز من ناحية؛ ولأنهم توقعوا انفصام العلاقات بين تركيا ~~وفرنسا دولتهم من ناحية أخرى، وكان من المنتظر مصادرة السفن الفرنسية في المواني ~~المصرية إذا أعلنت الحرب بين تركيا وفرنسا؛ ولذلك فقد بادر «دروفتي» بمقابلة ~~الباشا، فاجتمع به اجتماعا طويلا ، وصار يستوضحه نواياه نحو الفرنسيين إذا انقطعت ~~العلاقات بين حكومتهم وبين الباب العالي. ولما كان محمد علي يحرص على استبقاء صداقة ~~الإمبراطور «ولا يريد إغضابه»، ويضن بحرمان الإسكندرية دخول السفن المحملة بالمتاجر ~~الفرنسية إليها، وخروج هذه السفن منها تحمل المنتجات المصرية، وذلك حتى لا يتعطل ~~النشاط التجاري في الثغر، ويخسر الباشا - إذا وقع هذا - موردا من موارد المال الذي ~~هو في مسيس الحاجة إليه دائما، فقد أبى أن يكون فصم العلاقات بين تركيا وفرنسا ~~مبعث أذى يلحق مباشرة بمصالحه، وطفق يهدئ من روع «دروفتي» ويتدبر معه الوسائل التي ~~تكفل استمرار العلاقات التجارية مع فرنسا بصورة لا تظهره بمظهر العاصي لأوامر الباب ~~العالي، فقال له: «لقد شهدت بنفسك نوع المعاملة التي ms0896 لقيها الوكلاء والرعايا ~~الإنجليز وقت أن استولى جيش حكومتهم بطريق الخيانة على الإسكندرية، وصار يعمل لطردي ~~من هذه البلاد، إني لا أعتقد أن الباب العالي يرتكب حماقة الدخول في حرب مع فرنسا، ~~وأما إذا حدث هذا، فلتنزل اللعنة حينئذ على الرجل الذي يأبى أن يعامل «الفرنسيين» ~~كما عاملهم في الماضي.» وأسفر الحديث الطويل بين «دروفتي» والباشا عن موافقة محمد ~~علي على اتخاذ الوسائل التي تكفل إقلاع السفن الفرنسية الموجودة بالإسكندرية قبل ~~إذاعة الفرمانات التي تعلن نشوب الحرب بين فرنسا وتركيا، بل إن الباشا «إظهارا لما ~~يكنه من احترام وتوقير للإمبراطور، أراد أن يفعل أكثر من ذلك»؛ وذلك - على نحو ما ~~كتب «دروفتي» إلى «شامباني» من القاهرة في 29 أبريل 1809 - بتعهده «بأنه سوف يغمض ~~عينيه عن حقيقة الجوازات التي سوف تحملها السفن الفرنسية الحاضرة إلى المواني ~~المصرية، متسترة تحت أعلام الولايات البربرية أو وجاقات الغرب»، ومتخفية بصورة لا ~~تعرف منها جنسيتها الحقيقية، ولا تسبب تورط الباشا مع الباب العالي وحلفائه ~~الإنجليز. وبالغ الباشا في الاحتياط من عدم إثارة سخط الباب العالي والإنجليز عليه، ~~فأشار بضرورة الكتمان «إذا وافق الإمبراطور على السماح لرعاياه الذين يمارسون ~~التجارة في مصر، بالاستمرار في نشاطهم، وفق الشروط المتقدمة»، وطلب أن تحضر السفن ~~الفرنسية «المتنكرة» إلى ثغر دمياط بدلا من الإسكندرية؛ أي بعيدة عن مراقبة ~~الوكلاء الإنجليز النشيطين. # ومع أن الفرنسيين لم يبدوا حماسا في استخدام ميناء دمياط، فقد أفادوا من الترتيب ~~الذي اقترحه الباشا بشأن سفنهم التي تبغي المجيء إلى الإسكندرية، فحضرت سفنهم إلى ~~هذا الميناء الأخير من مرسيليا «برسم تجار الإسكندرية من اليهود والطليان وغيرهم من ~~الأجانب»، تستبدل بالمتاجر التي جلبتها، النطرون والصمغ والزعفران، والعقاقير وغير ~~ذلك من حاصلات البلاد، كما صارت تأتي إليها السفن من تونس محملة بالطواقي ~~وبالبضائع الأخرى المجلوبة من فرنسا. وقد كتب «سانت مارسيل» في 11 أكتوبر 1810: «إن ~~أكثر المتاجر المصدرة من مرسيليا معنونة باسم تجار أجانب، أو من أهل البلاد هنا، أو ~~مرسلة إلى البيت التجاري الإيطالي، المسمى: «فواهوريا ms0897 وتيلش» # Fua Horia et Tilche # أغنى المؤسسات التجارية في مصر.» # وكان من المنتظر - كما أسلفنا - نتيجة لعقد الصلح بين تركيا وإنجلترة، أن تنشط ~~العلاقات التجارية بين الباشا والإنجليز، وكان أول آثار هذا النشاط أن وصلت إلى ~~السويس في مايو 1809 ثلاث سفن إنجليزية محملة بمتاجر الهند؛ اثنتان منها حضرتا من ~~البنغال، والثالثة من «سوارت»، فأذن وصول هذه السفن بافتتاح طريق الملاحة المباشرة ~~بين الهند وهذه البلاد، وذلك «بعد أن ظل هذا الخط معطلا عشرين عاما تقريبا» بسبب ~~عدم أمان الطريق البري، «ونهب القوافل الإنجليزية في الطريق من السويس إلى القاهرة»، ~~وذهاب السفن الإنجليزية لذلك إلى جدة بدلا من السويس، وكان استئناف استخدام هذا ~~الطريق البري حدثا على جانب كبير من الأهمية لفت نظر الوكلاء الفرنسيين الذين ~~راحوا يؤكدون لحكومتهم أنه ينهض دليلا على اشتمال اتفاقية الجلاء عن الإسكندرية، ~~التي عقدها الباشا قبل عامين مع الإنجليز، على مواد «سرية»، وأن الغرض من هذه ~~الاتفاقية إنما كان لنقل المتاجر التي تأتي بها السفن الإنجليزية من الهند إلى ~~السويس، عبر الطريق البري من هذه الأخيرة إلى الإسكندرية؛ حيث ينقل الإنجليز منها ~~هذه المتاجر في سفنهم إلى بلادهم. # وكثر مجيء السفن المحملة بالبضائع الإنجليزية إلى الإسكندرية، فرفعت السفن الآتية ~~من مالطة الأعلام الإنجليزية، واستعان الإنجليز بسفن غيرهم لنقل صادراتهم إلى مصر، ~~ثم ما يستوردونه منها، فاستخدموا في ذلك سفنا إسبانية وجنوية ونمساوية، كما ~~استخدموا أخرى تونسية، رفعت جميعا الأعلام البريطانية، حتى تستطيع مزاولة نشاطها ~~بسلام، وكان أكثر اعتماد الإنجليز على السفن النمساوية؛ ولذلك فإنه ما إن عقدت ~~النمسا معاهدة الصلح مع فرنسا في فيينا، في 14 أكتوبر 1809، حتى واجهت إنجلترة ~~صعوبة توفير السفن اللازمة لمواصلة علاقاتها التجارية النشيطة مع الإسكندرية، ~~ولكنها سرعان ما ذللت هذه الصعوبة بمصادرة ما وجد من هذه السفن في مياه مالطة، أو ~~بالاستيلاء عليها بمقتضى عقود بيع صورية، وظلت تفد إلى الإسكندرية سفن نمساوية ~~وجنوية مما انحاز أصحابها إليهم وتخفق عليها الأعلام البريطانية. # وقد نقلت هذه السفن من منتجات مصر، ms0898 النطرون، وخصوصا الكتان بكميات عظيمة إلى ~~مالطة، والأرز، وجلبت لها الصابون والساعات والمنسوجات القطنية، وكانت أكثر الأقمشة ~~التي جلبتها السفن الإنجليزية من مالطة، منتجات فرنسية، ثم الورق وما إلى ذلك من ~~سلع الاستهلاك المحلي، ثم الأخشاب، وكانت حاجة الباشا إلى الأخشاب شديدة لتجهيز ~~أسطوله المعد لنقل المتاجر المصرية في البحر الأحمر من جهة، ثم لنقل الحملة التي ~~استعد الباشا لإنفاذها إلى الحجاز ضد الوهابيين، تلبية لأوامر الباب العالي، أو ~~للاستعانة بهذا الأسطول في مناوأة الباب العالي نفسه، إذا طرأ بسبب ما يخشاه من ~~انقلاب هذا عليه ما يدعو إلى ذلك. # على أن أهم ما حملته من الإسكندرية هذه السفن الإنجليزية، أو التي تحمل أعلاما ~~بريطانية، كان الغلال، وقد سبقت الإشارة إلى شدة طلب الإنجليز للغلال، لا سيما ~~أثناء سنوات القحط الذي عانته البلدان المطلة على البحر الأبيض، ما عدا مصر التي ~~تعتمد زراعتها على فيضان النيل الذي كان طيبا في هذه الفترة، وتوفرت بسبب ذلك ~~الحاصلات الزراعية، والحبوب خصوصا، وطلب الإنجليز الغلال لتموين أسطولهم الذي ~~انتشرت وحداته بين مالطة وجبل طارق، وذلك عدا تموين الجيوش المشتبكة مع الفرنسيين ~~في حرب إيبريا، فكانت الغلال السلعة الرئيسية التي حملتها سفنهم إلى مالطة، ولم يكن ~~لهذه غير مصر تستورد منها حاجتها من الحبوب، ثم إلى إسبانيا والبرتغال. # وبذل «دروفتي» وسائر الوكلاء الفرنسيين كل ما وسعهم من جهد وحيلة لتعطيل نشاط ~~الإنجليز التجاري، وحمل الباشا - على وجه الخصوص - على الامتناع عن تصدير الغلال ~~إليهم. وكتب «سانت مارسيل» في 30 مارس 1810 «أن الباشا قد رفض دائما التسامح ~~بتصدير الغلال»، وقال «دروفتي» في رسالته إلى حكومته في 20 يونيو من العام نفسه ~~«إن محمد علي كان يعارض دائما تصدير الغلال» إلى مالطة وغيرها، وقد يكون ما ~~ذكراه صحيحا، ولكن الثابت أن حركة التصدير لم تتوقف، ثم إن نشاطها كان في ازدياد ~~مستمر، ثم إن «سانت مارسيل» نفسه لم يلبث أن صرح بشكوكه في إمكان إقناع الباشا ~~بالامتناع عن بيع الغلال للإنجليز، فقال في رسالته السالفة ms0899 الذكر: «ولكنه لما كان ~~قد حضر إلى الإسكندرية مركب حربي إنجليزي من طراز الإبريق، ودخلت معه سفينتان ~~أخريان إنجليزيتان، وأحضرت هذه السفن صندوقا مليئا بالمال، فماذا يكون يا ترى ~~موقف محمد علي؟ وهل يستمر رفضه «السماح بتصدير الغلال لهم»؟» ثم كتب «دروفتي» في ~~نفس رسالته التي سبقت الإشارة إليها، بأن الباشا الذي ظل يعارض دائما هذا التصدير ~~«قد صار يسمح به الآن، بسبب ما يحصله من رسوم جمركية على الغلال المصدرة، وهو بحاجة ~~كبيرة إلى المال»؛ لما يتكلفه نضاله مع البكوات المماليك من نفقات طائلة، حتى إن ~~الباب العالي مع حاجته هو الآخر إلى الغلال لم يظفر من محمد علي بما يسد هذه ~~الحاجة؛ لأنه يجني ربحا أوفر من اتجاره مع الإنجليز؛ ولأن «مطالب العاصمة (أي ~~القاهرة) مفضلة على كل ما عداها، ويعلو تحقيق ما فيه صالحها على كل اعتبار آخر» في ~~نظره. # والواقع أن افتقار محمد علي إلى المال كان من الأدواء المزمنة، ولم تخف حدة أزمة ~~المال هذه - كما سيأتي ذكره - في السنوات التي هي موضوع دراستنا، وكان من المتعذر ~~على الباشا لذلك الامتناع عن التعامل مع الإنجليز، لا سيما وقد انتفى بسبب ~~صلحهم مع الباب العالي في يناير 1809 ما يدعوه لوقف هذا التعامل معهم، ثم إنهم ~~علاوة على ذلك، كانوا على استعداد لدفع الثمن الذي يطلبه الباشا لغلاله نقدا ~~وعدا ومهما تغالى في تقديره، وهذا إلى جانب الرسوم الجمركية المرتفعة كذلك، والتي ~~صار يفرضها على الحبوب والأرز والكتان والنطرون وسائر السلع المصدرة إلى مالطة، أو ~~على السلع المجلوبة إلى مصر، وقد تزايد توثق العلاقات بينه وبين الإنجليز منذ أن ~~عاد من مالطة إلى الإسكندرية في ديسمبر 1809، نائب القنصل البريطاني القديم «صمويل ~~بريجز»، الذي كان قد غادرها منذ جلاء جيش «فريزر» عنها، وكان «بريجز» صاحب بيت ~~تجاري كبير بالإسكندرية، قام بإدارته في غيبته هولندي يدعى «سوتش» # Sutch ~~، فأعاد الآن تأسيسه وكان صاحب ثراء عريض، ~~وبدلا من أن يبطل الباشا بيع الحبوب للإنجليز، لم يلبث أن أعطى «بتروتشي» ms0900 تصريحا ~~بتصدير الغلال إلى مالطة، ولم تفد شيئا محاولات «دروفتي» في منعه من اتخاذ هذه ~~الخطوة. ثم أغدق «بريجز» الهدايا على الباشا ورجال حاشيته لتعزيز علاقته بهم، وفاز ~~الإنجليز بكسب آخر، عندما أجاز محمد علي دخول سفنهم الحربية إلى ميناء الإسكندرية ~~القديمة، وكان كل ما اشترطه «ألا يوجد بهذا الميناء في وقت واحد أكثر من مركبين ~~حربيين فحسب». # وساء الوكلاء الفرنسيين، أن يظفر الإنجليز بكل هذه المزايا، وراحوا يعزون هذا إلى ~~نشاط أعدائهم، الذي تزايد بعد عودة «بريجز» إلى الإسكندرية، فقال «دروفتي» في كتابه ~~إلى حكومته في 12 مارس 1810: «إنه بعودة بريجز إلى منصبه، قد عادت إلى مصر ~~المؤامرات والدسائس من كل نوع، والتي هي عادة تسير في ركاب الدبلوماسية ~~البريطانية.» وحنق «دروفتي» على وجه الخصوص على ترجمان الباشا، وهو الذي شكا منه ~~«دروفتي» و«مانجان» أيام المفاوضات التي انتهت باتفاق تسليم الإسكندرية إلى محمد ~~علي، كما حنق على طبيب الباشا المسمى «مندريشي» # Mandrici # وأصله من جنوة، وخدم في بلاط باي تونس قبل نزوحه إلى ~~مصر، ويقول عنه «دروفتي» إنه في حماية الإنجليز، ويذيع عن نفسه أنه يعمل وكيلا ~~للولايات المتحدة الأمريكية في مصر، وأما الرجل الذي أثار حنق وغيظ الوكلاء ~~الفرنسيين دائما، فكان «بتروتشي» الذي شكا منه هؤلاء شكوى مرة؛ لأنه بعد أن خدم ~~«جيش الشرق» لم يلبث أن تنكر لفرنسا بعد جلاء حملتها عن مصر، وأعلن عداءه لها، وعظم ~~نشاطه التجاري مع الإنجليز في مالطة، وصار يبعث بالسفن الكبيرة المحملة بالقمح ~~والشعير إلى مالطة، وكان بسبب نشاطه التجاري هذا، وتظاهره بالحرص دائما على إرضاء ~~الباشا، مقربا منه وصاحب حظوة لديه، ومع أن «سانت مارسيل» كان قد ذكر للوزير ~~«شامباني» في مارس 1809، أن الفرنسيين المنسحبين من مصر في عام 1801 هم الذين لم ~~يأذنوا ل «بتروتشي» باللحاق بهم، فقد راح يؤكد الآن لوزير الخارجية الجديد ~~«الدوق دي كادور» # Cadore # أن بتروتشي قد خشي، ~~بسبب اختلاساته - ولا شك - أثناء وظيفته كمحاسب في أسيوط، مناقشته الحساب إذا هو ~~ذهب إلى فرنسا، فآثر ms0901 البقاء في مصر، يخدم المصالح الإنجليزية، وينفس عن كراهيته ~~لفرنسا بتدبير المؤامرات والدسائس التي تلحق الأذى بمصالحها. # ولقد جعلت الباشا حاجته إلى المال، إلى جانب الأرباح التي يجنيها من اتجاره مع ~~الإنجليز، وتصدير غلاله لهم، ضنينا بإرسال الغلال والحبوب إلى تركيا، بالرغم من أن ~~هذه كغيرها من بلدان البحر الأبيض، كانت تشكو من القحط، وتخشى المجاعة، والسبب في ~~ذلك أنه ما كان يستطيع بيع غلاله للدولة بالثمن المرتفع الذي يبيع به للإنجليز، أو ~~يحصل على الغلال المصدرة إليها نفس الرسوم الجمركية العالية، التي يحصلها من ~~الإنجليز، وقد حدث عند اشتداد القحط، والخوف من انتشار المجاعة في مالطة في عام ~~1810، أن رفع الباشا الرسوم الجمركية إلى 26 قرشا عثمانيا على الإردب الواحد، ~~ودفع الإنجليز الثمن بطيب خاطر، وخيل إلى الباب العالي أن بوسعه وقف حركة التصدير ~~إلى مالطة، وحمل الباشا على إرسال الغلال إلى القسطنطينية؛ إذ أصدر أوامره لوالي ~~مصر بمنع تصدير القمح إلى أوروبا، وتشدد في مطالبته بذلك، ولكن محمد علي ما ~~كان يأبه لهذه الأوامر المتكررة. # صحيح أنه لبى طلب الباب العالي في أحايين قليلة ونادرة، وأرسل بعض الغلال إلى ~~الدولة، ولكن التصدير إلى مالطة لم يتوقف، بل إن «دروفتي» لم يلبث أن كتب في ~~17 يوليو 1810، أن تصدير الغلال إلى مالطة قد نشط بدرجة تسترعي الأنظار حقا، ثم ~~لم تلبث أن تأزمت الأمور بين الباشا وبين الباب العالي في شهر فبراير 1811 ~~والشهور التالية، عندما استأنف هذا الأخير إصدار الأوامر المشددة إلى محمد علي بوقف ~~تصدير القمح إلى أوروبا (وآخرها في مايو)، وظل الباشا لا يأبه لها، وإن حاول في ~~الوقت نفسه تهدئة كل من تركيا وفرنسا، بأن صار يعرض على فرنسا أن يبيعها الغلال ~~بأثمان مخفضة، ولو أنه لم يكن واضحا وسيادة الإنجليز مبسوطة على البحر الأبيض، ~~كيف تستطيع فرنسا أن تتسلم الغلال التي تبتاعها، ثم إنه عرض عليها استعداده ~~لتموين جزيرة كرفو التي كانت في حوزته، ولو أن هذه كانت تأخذ من أوروبا حاجتها من ~~الغلال ms0902 بأثمان تقل كثيرا عن تلك التي طلبها. وأما تركيا، فقد عمد الباشا إلى ~~مراوغتها ومماطلتها، بحجة افتقارها إلى السفن التي تنقل الغلال إلى بلادها، ومع ~~أن تركيا قد أرسلت إلى الإسكندرية في شهر أغسطس 1811 إحدى عشرة سفينة، فإن ثلاثا ~~منها فقط استطاعت أن تأخذ حمولتها من الغلال بعد ستة شهور، ولما طال الانتظار بسائر ~~السفن بقيت منها أربع في الميناء يداعبها الأمل والرجاء، وقفلت الأخرى راجعة بعد ~~أن تملكها اليأس والقنوط. # وأما الإنجليز فقد كان الحال على نقيض ذلك تماما، فقد استمرت سفنهم ترد إلى ~~ميناء الإسكندرية بنظام، وفي أعداد كبيرة، ولم يحدث تأخير في شحن السفن، كما أنه لم ~~يحدث من ناحية الإنجليز تسويف في دفع الثمن، وانحصر نشاط الباشا - على نحو ما ذكر ~~«سانت مارسيل» في كتابه إلى «الدوق دي كادور» في 7 يناير 1811 - في «تجارة الحبوب» ~~والغلال التي يبيعها للإنجليز، ولم يمنع ارتفاع السعر الذي باع به الباشا إقبال ~~هؤلاء على الشراء منه، ولم يكن هناك سبيل للتعامل مع غيره، لاحتكاره تجارة الحبوب ~~وغيرها من منتجات البلاد، بل إن هؤلاء ما لبثوا أن أوفدوا إليه من مالطة في مارس ~~1811 مندوبين للاتفاق معه على شراء الغلال اللازمة لتموين صقلية كذلك وبالثمن الذي ~~يريده، واستطاع الباشا التصرف في كميات وفيرة من الغلال؛ لأنه كان وقتئذ قد نجح في ~~القضاء على المماليك والاستيلاء على غلات الصعيد في ظروف سوف يأتي ذكرها . وقال ~~«دروفتي» في كتاب إلى حكومته من القاهرة في 8 مايو 1811: «إن الباشا لم يكتف بالمضي ~~في تجارته مع مالطة (وإرسال غلاله إليها)، بل إنه أنشأ مؤسسة بهذه الجزيرة - أو ~~«خانا» - لبيع الغلال، ولتوريد الغلال التي يبغي الباشا إرسالها إلى إسبانيا ~~والبرتغال.» ونشط المشرفون على هذا الخان نشاطا عظيما. وتحدث «سانت مارسيل» في ~~يوليو عن نشاط هؤلاء ومهمتهم، وكان واجبهم إرسال السلع الصالحة للاستهلاك في مصر، ~~لقاء ما يبيعونه من الحبوب. وهكذا - كما قال سانت مارسيل - تستمر دائما تجارة ~~الغلال هنا؛ أي بالإسكندرية مع الإنجليز، وتعج ms0903 الميناء بالسفن النمساوية والمجرية ~~والتابعة للبندقية تحمل الغلال إلى مالطة أو إسبانيا والبرتغال رافعة الراية ~~الإنجليزية، ويبيع الباشا اليوم الواحد والعشرين مدا بمائة قرش، فجمع محمد علي من ~~هذه التجارة أرباحا وفيرة. # ولم يشك من الأثمان أو الرسوم الجمركية المرتفعة التي فرضها الباشا سوى خصمه ~~القديم «مسيت»، وكان هذا قد عاد إلى منصبه قنصلا بريطانيا في هذه البلاد في ~~أواسط عام 1811، بعد أن رقته حكومته كولونيلا، وقد دخل الإسكندرية في موكب فخم، ~~سار فيه خمسمائة من الجند الأرنئود، وأحاط بمركبته فرسان من الإنجليز المقيمين ~~بالإسكندرية، ثم ربان وضباط قرويت إنجليزية راسية بالميناء، ويتقدم مركبته اثنان من ~~السياس، مما يرمز جميعه إلى ما صار يتمتع به الإنجليز الآن من سمعة ونفوذ، ولو أنه ~~اضطر أن يدفع ألفي قرش لرؤساء هؤلاء الأرنئود الذين طالبوه بثمن حفاوتهم. ومع أن ~~الموقف معه تبدل عما كان عليه منذ السنوات الأربع الماضية، وصار «مسيت» نفسه نهبا ~~للمرض، وأصاب الفالج ذراعيه وساقيه، حتى صار كسيحا مقعدا، فإنه لم يترك خصومته ~~القديمة لمحمد علي، أو ينسيه المرض «واجبه» الذي جعله الآن ينحى باللائحة على ~~الباشا وينقد مسلكه نقدا لاذعا مرا؛ لافتئاته على الحقوق أو الامتيازات التي ~~للبريطانيين في أنحاء الدولة العثمانية وأملاكها، والتي وجب على الباشا احترامها، ~~وعدم فرض الرسوم الجمركية العالية، فاستهل نشاطه الجديد، بالشكوى لحكومته من محمد ~~علي، فقال في كتابه إليها في 4 يوليو 1811: «إنه يؤسفه شديد الأسف أن يجد حاكم أو ~~باشا مصر الحالي (أي محمد علي)، لا يحترم الامتيازات المعطاة للإنجليز، بفضل معاهدات ~~الامتيازات المبرمة بينهم وبين الباب العالي، فقد صمم على الاستئثار لحسابه، أو أنه ~~نفذ ذلك فعلا، بكل أنواع الاحتكارات، ولقد زيدت الرسوم الجمركية القديمة، وفرضت ~~أخرى جديدة على كل سلع تجارة الوارد والصادر، وليس لدى الباشا جواب على احتجاجات ~~الوكلاء الأوروبيين، سوى قوله إن من حقه وضع كل التنظيمات والقواعد الداخلية في ~~نطاق باشويته أو حكومته، ولا جدوى من مخاطبة الباب العالي لعلاج هذه الحالة؛ لأن ~~الباشا، مع اعترافه الاسمي ms0904 بسلطة السلطان، يرفض الإذعان لكل أوامر يصدرها عظمته، ~~إذا تعارضت مع مصلحته هو الخاصة.» # ولكن تذمر «مسيت» وغضبه، لم يحولا دون استمرار تعامل الإنجليز مع الباشا، وشرائهم ~~للغلال منه، بل قبل هؤلاء في بداية هذا العام نفسه (1811) أن يدفعوا خمسين قرشا ~~عثمانيا ضريبة جمركية على كل إردب من القمح الذي يستوردونه، وهذا بطبيعة الحال ~~علاوة على الثمن الذي يدفعونه في شرائه، ثم إن احتجاج الوكلاء الفرنسيين، وسخط ~~الباب العالي لم يحولا كذلك دون مضي الباشا في بيع غلاله للإنجليز، والتذرع بشتى ~~الوسائل لعدم إرسال القمح إلى القسطنطينية، تارة بدعوى حاجته إلى الغلال ومختلف ~~أنواع الأغذية لتموين جيشه الذي يعده لحملة الحجاز واستخلاص الحرمين الشريفين من ~~الوهابيين، نزولا على إرادة الباب العالي، بل وصار يطلب علاوة على ذلك أن يمده ~~الباب العالي نفسه بالأغذية والمؤن وغير ذلك من الإمدادات التي قال إنه في حاجة ~~إليها؛ ليكمل استعداداته وحتى يتسنى له الخروج إلى الحجاز، وتارة أخرى بدعوى عدم ~~وجود السفن الكافية لديه لشحنها بالغلال وإرسالها إلى القسطنطينية، ناهيك عما ~~يحتاجه هو منها لحملته ضد الوهابيين، وعلاوة على ذلك، لم تعوزه الحجة أمام احتجاجات ~~الوكلاء الفرنسيين، في تبرير تعامله مع أعدائهم الإنجليز. # فقد كتب «دروفتي» من القاهرة في 28 أبريل 1810، أن طبيب الباشا «مندريشي» قد ~~استند في إقناعه الباشا بالمضي في بيع الغلال للإنجليز إلى أن هؤلاء لديهم من القوة ~~والوسائل ما يمكنهم من إرسال جيش إلى مصر لغزوها إذا انقطعت العلاقات بينهم وبين ~~الباب العالي، كما أن في وسعهم من ناحية أخرى مساعدة الباشا ونجدته إذا أرسلت فرنسا ~~حملة لغزو هذه البلاد، ثم استطرد «دروفتي» يقول: وعلاوة على ذلك، فإنه «يبدو لي من ~~التقريرات التي وصلتني، أن محمد علي قد صار يعتقد أنه إذا أجاب مطالب الإنجليز - ~~من حيث الاستمرار على تصدير الغلال إليهم - فإن هؤلاء سوف يفصمون علاقاتهم مع ~~البكوات المماليك، ولا يعود الباشا حينئذ يخشى شيئا منهم.» # وفي 17 يوليو 1810، كتب «دروفتي» يقول: «إن الباشا بدعوى حاجته إلى مورد جديد ms0905 من ~~المال، يمكنه من متابعة الحرب ضد المماليك، قد أعطى الإنجليز حديثا الحق في ~~استيراد الحبوب بمطلق الحرية (من هذه البلاد)، في نظير دفع عشرة قروش تركية، رسوما ~~جمركية على الإردب وزن رشيد، وهو يعادل 25 مريا جراما.» ومن المعروف أن «المريا ~~جرام» الواحد يساوي عشرة آلاف جرام. # ولما رفض محمد علي الاستماع لأوامر الباب العالي المشددة، بمنع تصدير القمح إلى ~~أوروبا، كتب «دروفتي» في 11 نوفمبر 1810، أنه احتج لدى الباشا على استمرار البيع ~~للإنجليز، فكان جوابه: «أنه يخشى إثارة عداء هؤلاء ضده، إذا رفض رفضا قاطعا بيع ~~غلاله لهم»، وأنه إذا امتنع عليهم أخذ الغلال بطريق الشراء، لجئوا إلى أخذها عنوة ~~بالقوة، ولكنه سوف يعمد إلى طريقة أخرى من شأنها إزعاج تجارهم إزعاجا شديدا، هي ~~زيادة الرسوم الجمركية على الصادر، وقد رفع هذه فعلا إلى 26 قرشا تركيا على ~~الإردب زنة خمسة وعشرين مريا جراما، ولكن «دروفتي» لم يقتنع بالسبب الذي أبداه ~~الباشا لزيادة الرسوم الجمركية، واعتقد أن مبعثه إنما كان رغبة محمد علي في جمع ~~المال، منتهزا فرصة وجود المجاعة في مالطة وفي جميع جزر البحر الأبيض تقريبا ~~وقتئذ، وأما الدعاوى الأخرى التي سوغ بها تعامله مع الإنجليز، فقد كانت على نحو ما ~~ذكره ل «دروفتي» خوفه من هؤلاء، وضرورة تحصين الإسكندرية، وبناء أسطول من السفن في ~~البحر الأحمر. # وفي 16 يناير 1811 عاد «دروفتي» يقول إن الباشا في حاجة إلى المال الذي يحصل ~~عليه من تصدير الغلال إلى الإنجليز لدفع مرتبات الجند، ولبناء أسطول من السفن في ~~البحر الأحمر، «ودعواه الوحيدة التي يبرر بها مسلكه هذا «مع الإنجليز»، لدى الباب ~~العالي، هي ضرورة إنجاز الاستعدادات اللازمة لخروج حملته ضد الوهابيين». وأما ~~الوكيل الفرنسي الآخر «سانت مارسيل»، فقد كتب من الإسكندرية في 27 مارس 1811، ينبئ ~~حكومته بوصول ضابطين من القومسيرية العامة للجيش البريطاني في صقلية؛ للمفاوضة ~~والاتفاق مع محمد علي على شراء الحبوب، ثم استطرد يقول: «ولما أن احتججت لديه على ~~ذلك، قال «الباشا» إن هذا التعامل «مع ms0906 الإنجليز» يزوده بالمال الذي يلزمه لتحصين ~~الإسكندرية وزيادة عدد جيشه، وإنجاز تسلحه في البحر الأحمر، والقيام بحملته ضد ~~الوهابيين، ثم إنه يخشى إذا هو رفض «التعامل مع الإنجليز» أن هؤلاء إذا اضطروا إلى ~~مغادرة صقلية وطردوا منها - وهذا أمر متوقع - فسوف ينقضون عندئذ على مصر و«يغزونها»؛ ~~كي يأخذوا منها ما يحتاجونه لتموين أسطولهم ومالطة، وعلاوة على ذلك، فإن الواجب ~~يقتضيه - كما قال - الاحتراس من ناحية الإنجليز، في الوقت الذي لهم فيه جيش ~~بالبرتغال، لا يعلم أحد المكان الذي سوف يقصده، بعد اضطراره إلى مغادرتها، وقد بلغه ~~(أي محمد علي) أن هذا الجيش يبغي الدخول إلى البحر الأبيض، ثم إنه يعتقد أن قطع ~~العلاقات بين إنجلترة وتركيا قد بات أمر متوقعا.» ومن المعروف أن «السير آرثر ولزلي» # Wellesley ~~- دوق ولنجتون - الذي تولى ~~القيادة العامة للقوات البريطانية في البرتغال في عام 1809، كان بعد اشتباكه في ~~معارك عدة مع الفرنسيين في شبه جزيرة إيبريا، قد اضطر إلى الانسحاب إلى الساحل في ~~البرتغال. # وفي 6 مايو 1811، كتب «سانت مارسيل» يقول: «إنه يقطع بأن الباشا يريد عقد محالفة ~~مع الإنجليز، فهناك من صار يبين له بالحجة والدليل أنه ببقائه صديقا لفرنسا، في ~~وسع هذه تثبيته في حكومته.» ولكنه لما كان هو بعيدا بعدا كبيرا من الدولة التي ~~تكتفي ببذل الوعود، والتي قالوا إنها ذات أهمية ثانوية وقتئذ، فمن الخير له أن ~~يصادق الإنجليز الذين في وسعهم بفضل قوتهم البحرية أن يحموا تجارته. ثم استمر «سانت ~~مارسيل» يقول: «ويدرك الباشا جيدا من ناحية أخرى، أن الإنجليز لن يولوه حمايتهم ~~إلا من أجل تحقيق غاياتهم الشيطانية، ولكنه يرى - بعد إمعان النظر - أن الأفضل له، ~~إذا لم يكن هناك معدى عن الوقوع تحت رحمة الباب العالي أو إنجلترة، أن يسلم نفسه ~~إلى هذه الأخيرة، التي سوف تبقي حينئذ على حياته وتترك له أمواله، بينما يجرده ~~الباب العالي من أمواله وينتزع منه حياته.» # ولا جدال في أنه إلى جانب ما كانت تدره عليه التجارة مع الإنجليز من ربح مالي ms0907 ~~وفير، كانت الدعاوى التي استند إليها الباشا في تبرير مسلكه، منبعثة عن وزن صحيح ~~للأمور، بسبب مماطلة البكوات المماليك في الاتفاق، وحسم خلافاتهم نهائيا معه، وما ~~كان يذيعه الوكلاء الفرنسيون والإنجليز سويا، عن احتمال وقوع الغزو على هذه ~~البلاد؛ إما من ناحية إنجلترة، حسب أقوال الأولين، وإما من ناحية فرنسا كما يؤكد ~~الأخيرون. ثم إنه كان عليه استرضاء الباب العالي بالخروج إلى الحجاز ضد الوهابيين، ~~وعلاوة على ذلك، فقد أفاد من صداقة الإنجليز والتعامل معهم، لا من حيث امتلاء ~~خزانته بالمال فحسب للإنفاق منه في الوجوه التي ذكرها الوكلاء الفرنسيون أنفسهم، بل ومن حيث ~~الاستعانة بنشاط الوكلاء الإنجليز في تنفيذ الخطة التي اتبعها مع البكوات المماليك؛ ~~لاستمالتهم إلى الصلح معه، وخصوصا عند سعيه لكسب ود وصداقة شاهين بك الألفي على ~~نحو ما سيأتي ذكره. # وثمة سبب آخر يدعوه لإمداد الإنجليز بحاجتهم من الغلال، هو اعتقاده أن بوسعه ~~الاعتماد على مؤازرتهم له في بناء ذلك الأسطول التجاري والحربي الذي أراد إنشاءه، ~~في البحر الأحمر، لتعزيز العلاقات التجارية بين موانيه وسائر المواني بهذا البحر، ~~ولنقل جنده المرسلين إلى بلاد العرب، وكان يبغي أن يبيعه الإنجليز بعض سفنهم، أو ~~يجهزوا بعض سفنه هو بالأسلحة التي تجعل منها سفنا حربية، فعهد إلى سليم ثابت أحد ~~رجاله في القسطنطينية بأن يتفاوض مع السفير الإنجليزي بها بصدد شراء السفن اللازمة ~~له من إنجلترة، وكتب إلى كتخداه بالعاصمة العثمانية في 22 يناير 1810، أن محمد آغا ~~اللاظ قد بنى سفينة بالإسكندرية طولها 36 ذراعا، وعهد بقيادتها إلى إسماعيل قبودان ~~البشكطاش (جبل الناره أو جبل طار)، على أن يذهب بها إلى مالطة؛ حيث يبتاع هناك سفينة ~~أخرى، فيقصد المركبان ميناء السويس، بالدوران حول رأس الرجاء الصالح، وأما هذه ~~السفينة التي أنشأها محمد آغا اللاظ فقد عرفت باسم «أفريقية»، وقد أبحرت فعلا من ~~الإسكندرية إلى مالطة في أبريل من العام نفسه. # ولكن الإنجليز لم يلبثوا أن «تعللوا» بتعلات مختلفة لعدم بيع سفنهم لمحمد علي، ~~وما إن وصلت «أفريقية» إلى لندن، ms0908 حتى تدخل في أمرها رجال شركة الهند الشرقية ~~التجارية الإنجليزية، وكان يعنيهم أن يظلوا محتكرين لتجارة الهند، فحاولوا دون قيام ~~«أفريقية» برحلتها المنتظرة حول رأس الرجاء الصالح إلى السويس، وإن كانت الحكومة ~~الإنجليزية قد تكفلت بتسليحها تسليحا جيدا على نفقتها، وحملت قبطانها إسماعيل جبل ~~طار هدايا عظيمة استرضاء للباشا، فعادت هذه الفرقاطة إلى الإسكندرية في يناير ~~1812. # على أنه كان هناك إلى جانب ما ذكرنا، سبب يفوق في نظر محمد علي هذه الأسباب ~~جميعها، ويدعوه للمثابرة على كسب ود وصداقة الإنجليز، هو تصميمه على الاستعانة بهم ~~في إخراج مشروع «استقلاله» الذي عرفناه إلى حيز الوجود، ولو أن هؤلاء رفضوا ~~الاستجابة لهذه الرغبة. ~~(4) الإنجليز يرفضون استقلال محمد علي # فقد مهدت العلاقات التجارية التي أنشأها محمد علي مع الإنجليز، لاستئناف مساعيه ~~لعقد محالفة معهم، واستند في مفاتحة وكلائهم برغبته هذه، أولا: إلى أنه لا يثق في ~~نوايا الباب العالي نحوه، ويريد تأمين بقائه في باشويته، ويعنيه لذلك التحالف مع ~~حليف قوي، يدفع عنه أذى الباب العالي. وثانيا: إلى أنه من صالح الإنجليز توثيق ~~صلاتهم به، حتى يرعى مصالحهم التجارية، لا في مصر وحدها فحسب، بل وكذلك في الأصقاع ~~الجديدة التي ينوي فتحها في بلاد العرب، عند خروجه في الحملة التي يكلفه الباب ~~العالي القيام بها ضد الوهابيين، فيفتح مواني البحر الأحمر لتجارتهم. وثالثا: إلى ~~أن تأمين الطريق البري من السويس إلى القاهرة فالإسكندرية يعود على تجارتهم مع ~~الهند بفوائد عظيمة. وأخيرا: إلى أن تحالفهم معه يكفل اطمئنانهم إلى الحصول على ~~كل ما يريدونه من غلال لتموين قواعدهم بالبحر الأبيض. # وقد بدأ مساعيه هذه مع الوكلاء الإنجليز، عقب مغادرة «فريزر» وجيشه البلاد، وأبلغ ~~«آني» رغبات الباشا إلى كل من القائدين «فريزر» و«مور» منذ 1807، ولكنه لم يظفر ~~منهما بجواب حاسم. ولما كان محمد علي قد «اصطفى» هذا المالطي؛ ليسر إليه ب «حقيقة» ~~أغراضه، وظل يكرر له القول إنه يعتزم فعلا الخروج إلى بلاد العرب، لا لمجرد القضاء ~~على الوهابيين، بل ولفتح ميناءي جدة وينبع، والاستيلاء ms0909 على اليمن ومخا، مينائها ~~كذلك - وقد امتدت اعتداءات الوهابيين إلى اليمن - فقد اهتم «آني» بالأمر، وحرص على ~~أن لا تفوت حكومته الاستعانة بمحمد علي، في تأمين الملاحة البريطانية في البحر ~~الأحمر من جهة، وفتح ميادين جديدة لتجارتهم من جهة أخرى، عدا ما يترتب على التعاون ~~مع قوات الباشا الصديقة في هذه المراكز، من غلق البحر الأحمر في وجه أية دولة ~~معادية وبخاصة فرنسا، إذا حدثتها النفس بمحاولة تهديد المصالح البريطانية في الهند ~~مرة أخرى، على غرار ما حاوله بونابرت أثناء حملته المعروفة على مصر. # فقد لفتت حملة بونابرت هذه أنظار الإنجليز إلى أهمية البحر الأحمر، وقد أصر «لورد ~~فالنتيا» عند انتهاء رحلته في الهند، على العودة منها بطريق البحر الأحمر، وقد ~~ذكرنا كيف دخل القاهرة في فبراير 1806، بعد أن اجتاز الطريق البري بسلام من السويس ~~إليها، وكان غرضه من الرحلة في البحر الأحمر، اكتشاف خير الوسائل التي يمكن بها غلق ~~هذا الطريق في وجه غزو يأتي من الغرب، ثم تنمية تجارة الهند مع مواني البحر الأحمر، ~~وقد تسنى له بذلك زيارة المواني الهامة، وخرج من رحلته هذه بأن احتلال عدن، وعقد ~~محالفة مع الوهابيين والأحباش، أفضل ما يمكن اتخاذه من خطوات لتحقيق هذين الغرضين، ~~فكان من أثر دعوته أن ذهب «هنري صولت» # Salt ~~، ~~رفيقه في رحلته هذه، في مهمة إلى الحبشة في عام 1809 لتنمية العلاقات التجارية ~~بينها وبين الهند (بومباي). ثم إن حكومة الهند ما لبثت أن أوفدت الكابتن ~~«ردلاند» # Rudland # إلى مخا، يعاونه «جون بلزوني» # Belzoni # لإنشاء نفس العلاقات معها، وكان من ~~أغراض هذه البعوث كذلك منع قراصنة الوهابيين من الاعتداء على سفن شركة الهند ~~التجارية الشرقية. # وعلى ذلك، فقد اعتقد الوكلاء الإنجليز في مصر، لا سيما «آني» و«صمويل بريجز»، أن ~~من صالح دولتهم التحالف مع محمد علي، وهو الذي ما فتئ يعلن عزمه على الخروج إلى ~~الحجاز، ويجد بكل ما لديه من وسائل لبناء أسطول تجاري وحربي في البحر الأحمر، وأما ~~إذا رفضت حكومتهم المحالفة معه، فلا ms0910 أقل من أن تعقد معه اتفاقا تجاريا، يمكن ~~بفضله نقل المتاجر البريطانية عبر الطريق البري بشروط سخية طيبة. # فكتب «آني» إلى اللورد «هو كسبري» في 28 سبتمبر 1808، «أن محمد علي لعدم ~~ثقته بالباب العالي، يبغي أن يربط نفسه بإنجلترة، ويقترح عقد معاهدة سلام وتحالف ~~معها، وب «شروط» في صالحها.» ثم طفق يقص على الوزير مشروعات الباشا في الحجاز، عند ~~قيامه بحملته إلى هذه البلاد، وفتح جدة وينبع واليمن، ولكن هذا الاقتراح لم يلق ~~آذانا مصغية من حكومة لندن، صحيح أن إنجلترة كانت لا تزال في حرب مع تركيا، وقد ~~يكون هذا العرض من جانب باشا مصر - الذي حرص على إمدادها بالغلال وتفريج أزمة تموين ~~أساطيلها وجيوشها - عرضا مغريا، ولكن الإنجليز كانوا يبذلون آنئذ قصارى جهدهم ~~للصلح مع الباب العالي، ثم إنه كان معروفا لديهم من أيام مفاوضات الجلاء عن ~~الإسكندرية، أن الباشا إنما يبغي المحالفة معهم كي يظفر ب «الوضع» الذي يمكنه من ~~«الاستقلال» عن سلطان الباب العالي، فهم إذا ارتبطوا معه انساقوا إلى نزاع جديد مع ~~تركيا، وفضلا عن ذلك، فإنهم ما قرروا سحب جيشهم من مصر، والتخلي عن المماليك ~~أصدقائهم القدامى، إلا لرغبتهم في التحرر من أي ارتباط يفرض عليهم نشاطا مستمرا ~~في ميدان يبغون الخلاص منه كي يتفرغوا لمنازلة العدو في الميادين الأخرى الأكثر ~~أهمية، فلم يكن من المنتظر حينئذ أن يقبلوا المحالفة مع محمد علي. # بيد أنه وإن كان اقتراح المحالفة قد ذهب أدراج الرياح، فقد كان لمقترحات الباشا ~~الأخرى، والتي تضمنتها رسالة «آني» السالفة الذكر ، وفحواها تنمية التجارة، صدى لدى ~~حكومة الهند، فبعثت هذه ب «جون بلزوني» إلى القاهرة، وعهدت إليه بمهمة «فتح طريق ~~للمواصلات بين الهند وإنجلترة، عبر مصر، ودعم هذا الطريق، بإنشاء تبادل تجاري» يعم ~~نفعه الجميع. # وتحت إشراف القنصل «بريجز» دارت المفاوضات بين الباشا و«بلزوني»، وعلى نقيض ما ~~فعله محمد علي قبل ذلك، أثناء مفاوضته «السرية» مع مندوبي «الجنرال فريزر»، عندما ~~عرض أن يضع نفسه تحت حماية الإنجليز، رفض الباشا الآن «كل ms0911 شرط يبدو أنه يضعه تحت ~~حماية الإنجليز»، فقد تغير الحال الآن عما كان عليه في عام 1807، بالنسبة لمركز ~~حكومته الداخلي، فقد قطع شوطا كبيرا في تحصين الإسكندرية منذ جلاء الإنجليز عنها، ~~وقضى على العناصر المشاغبة في جيشه، وأقصى المشايخ عن شئون الحكم، ومكنه الانفراد ~~بالسلطة من الاستقلال بتدبير الوسائل التي تكفل له الحصول على المال، وجنى ربحا ~~وفيرا من تجارة الغلال، ومن احتكاره التجارة عموما، عدا ما بدأت تدره عليه ~~احتكاراته الداخلية الأخرى، ونجح في إضعاف البكوات المماليك، وأنفذ الجيوش التي سوف ~~تنتصر عليهم في اللاهون والبهنسا بعد قليل، ومع أنه كان لا يثق بنوايا الباب العالي ~~نحوه، وشاب الكدر علاقاته به؛ لمماطلته في الخروج ضد الوهابيين في الحجاز، ولاتجاره ~~مع الإنجليز، وتصديره الغلال إليهم بالرغم من أوامر الباب العالي المشددة لمنع ~~تصدير الحبوب إطلاقا إلى أوروبا، وعدم إرساله الغلال إلى القسطنطينية إلا بالقدر ~~الضئيل والذي لا يسد حاجة هذه منها، فقد صار تكدير العلاقات بينه وبين صاحب السيادة ~~الشرعية عليه لا يقض مضجعه كثيرا، بعد الانقلابات التي وقعت في الدولة والتي أطاحت ~~بعرش سليم الثالث (29 مايو 1807)، ثم بخليفته مصطفى، وأفضت إلى اعتلاء محمود الثاني ~~عرش السلطنة (28 يوليو 1808) فأنهكت قواها، ثم تزايد ضعفها بسبب ثورات الوهابيين في ~~بلاد العرب، وباشوان أوغلو Pasvan Oglou # في ~~بلغاريا، وريجاز # Rhigas # في اليونان، وعلي باشا في ~~يانينا، وقره جورج (أو جورج الأسود) في بلاد السرب، ناهيك عن استمرار الحرب بين ~~الدولة وروسيا، واحتلال جيوش الأخيرة للولايات الدانوبية (الأفلاق والبغدان)، وكان ~~هذا الضعف الذي أصاب الدولة، إلى جانب عدم اطمئنانه إلى نواياها نحوه، حافزا لمحمد ~~علي على التمسك بمشروع «استقلاله»، ذلك المشروع الذي أراد الاستعانة بمؤازرة ~~الإنجليز له على تنفيذه، ولم يكن - وهذا «الاستقلال» هدفه - ليرضى بأن يفرض هؤلاء ~~حمايتهم عليه، بل كان كل ما يبغيه منهم أن يؤازروه فحسب على تحقيقه. # وأيا ما كان الأمر، فقد كان «بلزوني» وكيل الشركة، مكلفا بعقد اتفاق يكفل ~~تنمية التجارة بين الهند وإنجلترة، ويفتح الطريق البري ms0912 عبر مصر للمواصلات بينهما، ~~وقد أسفرت المفاوضة بينه وبين محمد علي عن عقد معاهدة تجارية في القاهرة في 28 مايو ~~1810، حصل الإنجليز بفضلها على مزايا كثيرة لتجارة الهند، كما مهد أحد شروطها ~~لإمكان إدراك تلك المحالفة التي أرادها محمد علي، لو أن الحكومة الإنجليزية صدقت ~~على المعاهدة؛ فقد أعلن الاتفاق اعتماد الامتيازات التي تضمنتها معاهدات الباب ~~العالي أساسا للمعاملات أو التبادل التجاري مع الهند، وتعهد الباشا في حالة وقوع ~~الحرب بين إنجلترة وتركيا، بعدم التعرض بشيء وبأي عذر كان للرعايا البريطانيين ~~ولأموالهم، بل يمدهم بكل معاونة، ويضفي عليهم حمايته، ثم وافق الباشا على إرجاع كل ~~من يغادر السفن الإنجليزية في موانيه، من نوتيتها وغيرهم هربا من الخدمة بها إلى ~~هذه السفن، حتى ولو كان هؤلاء الهاربون قد اعتنقوا الدين الإسلامي، فأجاز أمرا أصر ~~العثمانيون دائما على رفضه، ونصت شروط هذه المعاهدة على السماح للمسافرين باستخدام ~~الطريق البري، دون تحصيل أية ضرائب منهم أو على أمتعتهم، وأما البضائع التي تنقل ~~عبر هذا الطريق من السويس وإليها، فيدفع عن حمولة كل جمل مستخدم في حملها ثلاثة ~~ريالات إسبانية، بينما تدفع عنها رسوم جمركية بواقع 3٪ من قيمتها. # وكتب «صمويل بريجز» إلى «السير آرثر ولزلي» في 30 مايو 1810، ينبئه بعقد هذه ~~المعاهدة التي يرجو تصديق حكومته عليها، ويذكر الأسباب المسوغة في نظره لإبرامها، ~~فقال: «يشرفني أن أذكر لكم، لما كانت حكومة الهند قد بعثت بالكابتن «ردلاند» في ~~مهمة إلى مخا و«جون بلزوني» مساعده من أجل فتح طريق للمواصلات بين الهند وإنجلترة ~~عبر مصر، ودعمه بإنشاء تبادل تجاري ذي نفع عام، فقد بدأت مفاوضات في القاهرة تحت ~~إشرافي، بين السيد «بلزوني» والباشا، وانتهت بنجاح إلى عقد معاهدة مؤقتة، أرجو أن ~~تنال التصديق اللازم، فإن «محمد علي» باشا، ولو أنه لا يزال يدين بولاء اسمي للباب ~~العالي، فقد صار من زمن طويل يتمتع واقعيا باستقلال من درجة ذلك الذي كان للمماليك ~~قبل الغزو الفرنسي.» # ومع أن فريقا من الكتاب تعذر عليهم معرفة ما حدث بهذه المعاهدة، ms0913 فالثابت أن ~~الحكومة الإنجليزية رفضت التصديق عليها لعدم تسويء علاقاتها مع الباب العالي، ~~وللأسباب التي ذكرناها، ولأن الإنجليز كان يقلقهم نشاط محمد علي في بناء أسطوله ~~التجاري والحربي، بمناسبة الاستعداد لحملة الحجاز، والذي كان يبغي استخدامه في ~~البحر الأحمر. # ولكن الباشا، بالرغم من رفض الحكومة الإنجليزية التصديق على المعاهدة، لم ييئس من ~~الظفر بالمحالفة معها، تلك المحالفة التي رجا منها إقبال الإنجليز على تأييد مشروع ~~استقلاله، ومع أنه كان متحذرا دائما من ناحيتهم، حتى لا يفاجئ هؤلاء البلاد بغزو ~~جديد، كما كان متحذرا كذلك من ناحية الفرنسيين للسبب نفسه، فقد استمرت علاقاته ~~التجارية معهم، بل وتزايدت - كما رأينا - وينهض دليلا على إيثار الباشا لصداقتهم، ~~ما حدث فيما يتعلق ببيع البضائع والسلع التي كان يصادرها الفرنسيون أو الإنجليز عند ~~استيلاء أحد الفرنسيين على سفن الفريق الآخر في عرض البحر، ويأتون بها إلى المواني ~~«العثمانية» أو غيرها، لبيعها، وقد استطاع «دروفتي» أثناء حملة «فريزر» في عام ~~1807، أن ينال موافقة محمد علي على مصادرة المتاجر الإنجليزية التي تأتي بها السفن ~~إلى المواني المصرية، والإسكندرية خصوصا، متسترة تحت بعض الأعلام غير البريطانية، ~~ولكن الفرنسيين عجزوا في عام 1811 عن بيع البضائع التي غنمتها إحدى سفنهم في البحر ~~وأتت بها إلى الإسكندرية لتصريفها، كما عجزوا عن بيع سفينة إنجليزية غنموها كذلك، ~~وهذا بفضل تدخل الوكلاء الإنجليز لدى الباشا الذي وافق على إرجاء الفصل في المسألة ~~حتى يستطيع هؤلاء الحصول من الباب العالي على أوامر تمنع الفريقين المتقاتلين ~~(إنجلترة وفرنسا) من بيع البضائع أو السفن المصادرة في المواني العثمانية. # وواقع الأمر أن مسلك محمد علي، سواء من حيث توثيق صلاته التجارية بالإنجليز، أو ~~محاباتهم في موضوع الغنائم، قد جعل «سانت مارسيل» يكتب إلى حكومته منذ 13 يوليو ~~1811 - أي بعد إخفاق مشروع المعاهدة التجارية بعام تقريبا - «أن للباشا علاقات ~~وثيقة مع الإنجليز، سواء بسبب تجارة القمح معهم التي تدر عليه ربحا طائلا، أو ~~لرغبته في تأييدهم ل «مشروع» استقلاله الذي ينشده، أو لأنه يريد أن يصبح ms0914 أقل تقيدا ~~بأوامر الباب العالي الذي يخشى دائما أساليبه السياسية الماكرة، أو لأنه - أخيرا ~~- يخشى من «اعتداء» دولة «أجنبية» عليه، ويعتزم زيادة جيشه لأربعين ألف مقاتل، ~~يعتقد أنه العدد الذي لا يقهره به أحد.» # وفي 12 يونيو 1812، كتب «مسيت»: «أن محمد علي يبغي الاستقلال من زمن بعيد، فقد ~~زاد عدد جنده بالقدر الذي أجازته له موارده لتحقيق هذه الغاية، وعندما صرح أخيرا ~~بأن لديه من المعلومات - حسبما وقف عليه من التقارير التي وصلته - أن الفرنسيين ~~بفضل نفوذهم لدى الباب العالي، سوف يحملونه قريبا على غلق المواني العثمانية دون ~~تجارة بريطانيا العظمى، سألته كيف يكون مسلكه حينئذ، فأجاب دون أقل تردد، بأنه سوف ~~يتمسك بالعلاقات الودية السائدة الآن فعلا، بين مصر والمؤسسات أو المراكز ~~البريطانية بالبحر الأبيض، وأنه إذا تعذر عليه إقناع الباب العالي بغض طرفه عن ~~مسلكه في هذه المسألة، فإنه سوف يعلن استقلاله، وهو يأمل في هذه الحالة أن تزوده ~~الحكومة الإنجليزية بالوسائل التي تمكنه من المقاومة بصورة فعالة، ضد الأعداء ~~العديدين والأقوياء، الذين سوف يترتب على تصميمه هذا استثارتهم ضده. ولقد وقفت على ~~نوع وقدر المعاونة التي سوف يحتاجها عندئذ، دون تقييد الحكومة الإنجليزية بشيء، أو ~~ربط هذه بأي تعهد من ناحيتها قبله، ولو أني أعتبر قيام هذه الحالة أمرا بعيد ~~الاحتمال جدا، ولقد كان جوابه أن عدد جيشه يكفي لصون مصر، وأنه سوف يعوزه فقط قدر ~~من المال لمواجهة النفقات غير العادية التي سوف يرغم عليها؛ ولأنه لما كان سيقاتل ~~ضد جيوش أوروبية، فإن ذلك يتطلب مالا ورجالا. ثم إنه صرح برجاء أن يكون لديه ~~قريبا جيش من أربعين ألف مقاتل.» # ذلك كان هدف محمد علي «السياسي» من توثيق علاقاته بالإنجليز؛ معاونته على بلوغ ~~استقلاله، وتلك كانت «الشروط» التي أعلنها ل «مسيت» والتي تضمنت نوع المعاونة التي ~~يطلبها من الإنجليز، ومدى «الارتباط» الذي سوف يكون من نصيب هؤلاء، إذا قبلوا ~~التحالف معه، ولا تتعدى هذه تقديم المال، المال الذي يستطيع هو الإنفاق منه على ~~تحصيناته واستعداداته الدفاعية ms0915 إلى جانب استقدام الجنود «المرتزقة» من تركيا ذاتها ~~وسائر أنحاء الإمبراطورية للخدمة في جيشه، ولكن هذه العروض والمقترحات ذهبت جميعها ~~سدى. # ولم تمنع الرغبة في محالفة الإنجليز واستمالتهم إلى تأييد مشروع استقلاله، من ~~مفاتحة الفرنسيين غرمائهم أنفسهم في موضوع هذا الاستقلال ذاته، أو السعي لدى الباب ~~العالي للظفر بمأربه بالطرق والوسائل التي قال محمد علي إنه عليم بها وبأثرها لدى ~~الديوان العثماني. ولكنه كما كانت هناك صعوبات حالت دون إصغاء الحكومة الإنجليزية ~~لمقترحاته، فقد اعترضت مساعيه لدى الفرنسيين، ثم لدى الباب العالي، عقبات جمة، فلم ~~يظفر بما يريده. ~~(5) فرنسا: «سر نابليون» # وكان موقف فرنسا من مسألة «استقلال» محمد علي، في هذه السنوات التي تلت جلاء ~~الإنجليز عن الإسكندرية، يختلف عن موقف إنجلترة من هذه المسألة، من حيث الدوافع ~~التي جعلت الفرنسيين يرفضون مشروع استقلاله، وهم أصدقاء الباشا، والذين عاونه وكلاء ~~حكومتهم في سنوات التجربة والاختبار العصيبة على اجتياز الأزمات التي صادفته، وكان ~~آخر ما فعلوه في هذا السبيل اتحاد «دروفتي» وسائر العملاء الفرنسيين مع الباشا في ~~كفاحه من أجل طرد الإنجليز من الإسكندرية، وإنقاذ حكومته من الخطر الذي ~~يتهددها. # ولما كان الباشا في كل علاقاته معهم - وبالرغم من اتجاره مع الإنجليز - قد تمسك ~~دائما بصداقته للأمة الفرنسية وأظهر احترامه للإمبراطور نابليون، وحرص على استرضاء ~~الوكلاء الفرنسيين، فقد كان من المتوقع أن تكون فرنسا أكثر ميلا من غيرها لتأييد ~~مشروع استقلاله، ولكن هذا لم يحدث، لا لأن فرنسا كانت تريد إرضاء الباب العالي، أو ~~منع انهيار الإمبراطورية العثمانية، أو أن هناك ما يدعو للتشكك جديا في نوايا محمد ~~علي نفسه نحوها، أو صداقته لها، ولكن لأن الإمبراطور نابليون نفسه كان يبغي تقطيع ~~أوصال الدولة العثمانية على أن يفوز بأدنى نصيب من أملاكها، ومن هذه مصر ذاتها؛ ~~إحياء لذلك المشروع الذي هدف منه إلى تأسيس إمبراطورية شرقية كبيرة على أنقاض ~~الدولة العثمانية من جهة، ثم على أنقاض إمبراطورية الإنجليز في الهند من جهة أخرى، ~~وتنظيم شئون «الشرق» بالصورة التي تكفل دعم «إمبراطورية ms0916 الغرب» التي حلت - بزعامة ~~نابليون في أوروبا - محل الإمبراطورية الرومانية المقدسة «الجرمانية» القديمة، وعلى ~~ذلك فلم يكن مناسبا لمشاريعه التوسعية هذه، أن تظفر مصر إذا استقلت على يد محمد ~~علي، بحكومة وطيدة قوية، في قدرتها دفع الغزو الفرنسي، وتعطيل مشروع الإمبراطورية ~~الكبير، وهو الذي اصطلح المؤرخون على تسميته ب «سر نابليون». # ومع أن توالي الكوارث على فرنسا، منذ أن قام الإمبراطور بغزوه الفاشل في روسيا ~~(1812)، وأنهكت قواه الحرب في إسبانيا، وتألبت عليه الأمم في أوروبا، جعل متعذرا ~~التوسع في الشرق، فقد خلق وجود هذا «السر» متاعب عديدة للوكلاء الفرنسيين في مصر، ~~في علاقاتهم مع محمد علي في السنوات التي تلت اتفاق الجلاء عن الإسكندرية خصوصا، ~~فقد كان على هؤلاء أن يكافحوا ذلك النفوذ الإنجليزي الذي استمر ينمو نموا مطردا ~~في مصر، في الفترة التي نحن بصدد دراستها، للأسباب التي مرت بنا، ووجب عليهم أن ~~يمنعوا اتجار الباشا مع الإنجليز وتصدير غلاله إليهم في قواعدهم في مالطة وصقلية ~~وشبه جزيرة أيبريا لتموين أساطيلهم وجيوشهم، في وقت كان قد فرض فيه منذ نوفمبر 1806 ~~«النظام القاري» الذي أعلن حصار الجزر البريطانية، ومنع الدول الحليفة له أو ~~الخاضعة لسلطانه من فتح موانيها للاتجار مع بريطانيا، ثم تعين على الوكلاء ~~الفرنسيين كذلك أن يستعينوا بمؤازرة الباشا لهم، لوقف حملات القذف المشينة التي ~~يشنها على الإمبراطور أمثال «بتروتشي»، و«الأب أرمننجليد»، وإزالة الأثر الذي قد ~~تحدثه على الباشا «الشائعات» التي روجها الوكلاء الإنجليز عن اعتزام الإمبراطور غزو ~~مصر، ومجيء جيش فرنسي قريبا، لامتلاك البلاد وإنهاء حكم الباشا، وذلك كله فضلا عن ~~مسعاهم من أجل تمكين مواطنيهم من بيع غنائمهم هم أنفسهم، في هذه المواني من جهة ~~أخرى. # ووجد الوكلاء الفرنسيون أنفسهم، بسبب «سر نابليون» في حيرة عظيمة، عندما تعين ~~عليهم أن يلزموا الحيطة والحذر في علاقاتهم مع الباشا، حتى لا يكشفوا هذا «السر»، ~~وتعذر عليهم أن يدخلوا الطمأنينة إلى نفسه من ناحية الإمبراطور ومشاريعه الخطرة ~~بصورة حاسمة، فلم يسعهم سوى «تكذيب» الشائعات التي يروجها خصومهم، ثم ms0917 إذاعة إشاعات ~~«مضادة» من جانبهم، يتهمون فيها الإنجليز بالعمل على تجديد غزوهم لهذه البلاد، ~~وانحصرت التعليمات التي وصلتهم من حكومتهم في ضرورة مراقبة نشاط تجارة الإنجليز مع ~~الباشا، وبذل قصارى الجهد لمنع تصدير الغلال لهؤلاء، والعناية بتزويد حكومة ~~الإمبراطور بكل المعلومات الدقيقة عن الأحوال السائدة في البلاد، بينما امتنعت ~~حكومتهم عن الإدلاء إليهم بأي رأي حاسم فيما يتعلق بسير هذه الأحوال ذاتها، وخاصة ~~فيما يتعلق بمشاريع محمد علي، وعروضه عليهم، سوى أنها رفضت بتاتا الموافقة على ~~مشروع استقلاله، وكان مبعث هذا الرفض، هو «سر نابليون» نفسه. # فقد قضى انتصار نابليون في «أوسترليتز» في 2 ديسمبر 1805، على الإمبراطورية الرومانية المقدسة، وأقام عروش «إمبراطورية الغرب» بزعامة نابليون، وجعل هذا الحادث ~~الإمبراطور يتجه صوب «الشرق»، يبغي من فتوحاته في هذا الميدان استكمال إمبراطوريته ~~الغربية، وجعلته الحرب مع بروسيا منذ 1806 يشتبك في قتال مع روسيا، كما كان مشتبكا ~~مع إنجلترة، وأظهر هذا النزاع «معضلة الشرق» بحذافيرها في الوضع الذي أريد لها، وقد ~~تقدم كيف أرسل الإمبراطور «سباستياني» سفيرا في القسطنطينية؛ لدفع تركيا إلى الحرب ~~ضد روسيا، وفشلت مهاجمة أسطول «داكويرث» للقسطنطينية، كما أخفق غزو «فريزر» ~~للإسكندرية، في تخويف الباب العالي، وحمله على الصلح مع الروس والإنجليز ~~(1807). # ثم إن انتصار نابليون على جيوش بروسيا وروسيا في «إيلاو» # Eylau # و«فريدلند» # Friedland # في فبراير ويونيو 1807، لم يلبث أن أفضى إلى إبرام اتفاق «تلست» في 7 يوليو من ~~العام نفسه، بين الإمبراطور والقيصر إسكندر الأول، فحدد عقد هذه المعاهدة بداية ~~المرحلة التي صارت مشغولية الإمبراطور الرئيسية خلالها، تنظيم شئون «الشرق» بالصورة ~~التي تكفل استكمال «إمبراطورية الغرب»، وليس صحيحا أن الغرض من اتفاق «تلست» تقسيم ~~أوروبا بين إمبراطوريتين: شرقية يتزعمها القيصر الروسي، تدخل القسطنطينية في ~~نطاقها، وغربية يتزعمها نابليون. # ذلك بأن هذه المعاهدة، وموادها السرية التي وقعت في اليوم نفسه، لم تستهدف بحال ~~من الأحوال تقسيم أوروبا بين العاهلين الروسي والفرنسي، وإنما تنهض دليلا على وجود ~~ذلك الاتجاه التوسعي الذي أراده نابليون لإمبراطوريته الغربية صوب «الشرق». آية ذلك ms0918 ~~إرجاع بولندة إلى عالم الوجود باسم دوقية وارسو، تحت نفوذ نابليون، كحاجز يحول دون ~~توسع روسيا غربا، ثم طرد الروس من جميع المواقع التي كانت بأيديهم في البحر ~~الأبيض؛ حيث تنازلوا للفرنسيين عن جزر الأيونيان، وأهمها كورفو، ثم «كتارو» # Bocche di Cattaro # على ساحل الأدرياتيك الشرقي، ~~وقد عني نابليون بأن تغادر السفن الروسية البحر الأبيض بأقصى سرعة، إما إلى البحر ~~الأسود أو إلى بحر البلطيق، فلم يعد بهذا البحر سوى فرنسا وإنجلترة. # ثم إن القيصر قبل وساطة نابليون لدى تركيا من أجل عقد الصلح بينه وبين ~~العثمانيين، فإذا رفضت تركيا هذه الوساطة ولم يعقد الصلح خلال ثلاثة شهور، انضمت ~~فرنسا إلى روسيا ضد الباب العالي، وعملت الدولتان على تحرير المقاطعات العثمانية في ~~أوروبا، مع استثناء القسطنطينية، لا سيما وأن نابليون باحتلاله جزر الأيونيان ~~وكتارو، إلى جانب دلماشتا وراجوزا # Ragusa ~~- على ~~ساحل الأدرياتيك الشرقي كذلك - قد تمكن من امتلاك مواقع على الحدود الغربية ~~لإمبراطورية العثمانيين في أوروبا، تعادل أهميتها ما كان لروسيا من مواقع على ضفتي ~~نهر الدانيستر، على حدود هذه الإمبراطورية من ناحية الشمال الشرقي. # ومن ذلك الحين صار الشغل الشاغل لنابليون - كما ذكرنا - تنظيم الشرق لاستكمال ~~إمبراطوريته، وكان من الواضح أن فتح الطريق إلى الهند، الوسيلة التي يتحقق بها هذا ~~التنظيم، فتتدفق جيوش الإمبراطور إلى آسيا، إما عبر فارس وإما عبر مصر، وكان ~~الإمبراطور قد أوفد إلى طهران الجنرال «جاردان» # Gardane # ووصل هذا إلى طهران منذ أواخر ديسمبر 1807، ولكن صلح ~~الإمبراطور في «تلست» مع أعداء الفرس لم يلبث أن اضطر «جاردان» إلى مغادرة البلاد ~~في فبراير 1809، وعقد هؤلاء مع الإنجليز محالفة، اشترطت طرد جميع الفرنسيين من ~~بلادهم ، وبذل حاكم الهند الجديد «جورج ~~إليوت» # Elliot # أو اللورد «مينتو» # Minto # قصارى جهده لغلق طريق الهند في وجه الفرنسيين. # ولكن هذا الفشل لم يزعج نابليون كثيرا؛ لأنه كان يعتقد أن في وسعه استخدام ~~الطريق الآخر إلى الهند؛ أي عبر مصر، واحتل فتح مصر مكانا عاليا دائما في ~~تفكيره، ولم تكن حملته عليها ms0919 في عام 1798 حدثا عابرا، أو إحدى مغامرات الشباب، بل ~~ظلت معاودة الكرة عليها من أسس برنامجه السياسي، وإن صرفته مشاغل السياسة والحرب ~~قسرا إلى إرجاء غزوها، حتى إذا توالى نزول الكوارث عليه تبدد كل أمل في إمكان ~~ذلك. # ومما ينهض دليلا على تمسك نابليون ب «سره» وتصميمه على بسط نفوذ إمبراطوريته على ~~«الشرق» وقتئذ بغزو مصر مرة ثانية، أنه في خططه التي عرضها في يناير 1808 على ~~«مترنيخ» # Metternich # السفير النمسوي في باريس؛ ~~لاستمالة النمسا إلى الحرب ضد إنجلترة، اقترح اقتسام أملاك الإمبراطورية العثمانية ~~بين روسيا والنمسا وفرنسا، على أن تكون مصر و«بعض المستعمرات الأخرى» نصيب فرنسا من ~~التقسيم المنتظر، ثم إنه لم يلبث أن بعث إلى القيصر برسالته المشهورة في 2 فبراير ~~1808، يعده بوصول الجيوش الفرنسية والروسية قريبا إلى ضفاف البسفور، ومن هذه ينفتح ~~طريق الهند أمام هذه الجيوش لغزو آسيا، وقد حفزه الآن على قبول تقسيم الإمبراطورية ~~العثمانية، ما بدا من إصرار إنجلترة على مواصلة الحرب ضده، وكذلك لاسترضاء القيصر ~~الذي أراد هذا التقسيم حتى يطمئن على الأقل إلى امتلاك الولايات الدانوبية: ~~«الأفلاق والبغدان» اللتان تحتلهما جيوشه، وتفاوض «كولينكور» # Caulaincourt # سفير الإمبراطور في بطرسبرك أسابيع طويلة مع الوزير ~~الروسي «رومانزوف» # Romanzoff # في موضوع هذا ~~التقسيم، ولكن دون الانتهاء إلى أية نتيجة لتمسك الروس - ضمن أشياء أخرى - بأن تكون ~~القسطنطينية والدردنيل من نصيبهم، ورفض الإمبراطور التسليم بذلك، وبالرغم من فخامة ~~الاحتفالات التي أقيمت في «إرفورت» # Erfurt # بعد ذلك ~~بمناسبة اجتماع القيصر والإمبراطور بها في سبتمبر 1808، فقد كان اختلاف العاهلين ~~على مصير الشرق ظاهرا، وأما وجه الأهمية في مشاريع التقسيم هذه، فهو طلب نابليون ~~أن تكون مصر والشام دائما نصيب فرنسا من أملاك الإمبراطورية العثمانية . # وعلى ذلك، وبالرغم من أن كل هذه المباحثات لم تسفر عن اتفاق حاسم بين روسيا ~~وفرنسا فيما يتعلق بتقسيم تركيا، فقد ظل نابليون من جانبه محتفظا ب «سره»، ويتهيأ ~~لغزو هذه البلاد عند أول فرصة سانحة، ومتى استطاع إلى ذلك سبيلا، فظلت الاستعدادات ~~ل ms0920 «الحملة الشرقية» قائمة على قدم وساق في جميع مواني الإمبراطورية، لا سيما في ~~«طولون»؛ كي يخرج منها أسطول لاحتلال صقلية، وفي «تارنتو» لإرسال جيش لاحتلال مصر، ~~وفي «روشفور» # Rochefort # لقيام أسطول يدور حول ~~أفريقية، وفي «برست» لإنزال جيش في إنجلترة أو إرلندة، واتخذ نابليون آنئذ مقره في ~~«تارنتو» للإشراف على الاستعدادات اللازمة لغزو مصر، وقد حدث هذا كله في عام 1808، ~~واحتفظ نابليون لنفسه في كل ما دار من مباحثات حول التقسيم، بسوريا ومصر. # وتدل رسائل نابليون في هذه الفترة (من فبراير إلى مايو 1808) على أن مشروع ~~التقسيم بالصورة التي أرادها كان جديا، فقد بذل قصارى جهده حينئذ لدعم قوته في ~~المواقع التي يحتلها في البحر الأبيض، كرفو وصقلية (وكانت هذه قد غادرتها أكثر ~~قوات الإنجليز ونزل بها جيش «مورا» # Murat # لغزوها ~~في عام 1809)، وإسبانيا، وعلق نابليون أهمية كبيرة على موقعيه في كرفو و«صخرة شيللا» # Scylla ~~، وهذه في طرف شبه الجزيرة الإيطالية ~~الجنوبي الغربي، ويفصل مضيق مسينا بينها وبين صقلية؛ فهي مفتاح هذه الجزيرة، ~~والاستيلاء على صقلية. كما كتب في فبراير 1808 إلى «ديكريه» # Decrés # وزير البحرية «يغير وجه البحر الأبيض». # ومن ميلان في 2 أبريل 1808 أعد «هاملان» # Hamelin # مذكرة عن مصر لتقديمها إلى الإمبراطور، حملها «بودي» # Boudy # أحد الياوران، وقدم لها وزير الخارجية «شامباني» بمذكرة ~~جاء فيها: «إنه لما كان «هاملان» يتوقع إنفاذ حملة لفتح مصر مرة ثانية، فهو يقدم ~~لجلالة الإمبراطور مذكرات موجزة عن المعلومات التي قام بجمعها عن هذه البلاد، ويرجو ~~استخدامه في هذه الحملة أو في أي مكان آخر. والغرض من مذكرته الانتفاع من كل ~~المزايا التي لمصر كمستعمرة، إذا تسنت العناية بالزراعة والتجارة، وأحكم تدبير نظام ~~الضرائب بها، فالزراعة إذا حسن الإشراف عليها تعطي محصولا وفيرا من السكر والنيلة ~~والقطن والصمغ والسنا والكتان والأرز، وإذا شجعت التجارة نشأت صلات على غاية من ~~الأهمية مع البلدان الداخلية في أفريقية، وأما إذا وضع ترتيب طيب للضرائب كفل ~~جبايتها بانتظام، فإن حصيلتها سوف تكون عظيمة.» ثم استطرد «شامباني» ms0921 يقول: «ولكن ~~«هاملان» لا يعد من بين الفوائد التي تعود من امتلاك هذه المستعمرة (مصر)، إمكان ~~استخدامها طريقا لعبور تجارة الهند منها؛ لأنه يعتقد أن التجار يؤثرون دائما نقل ~~متاجرهم بطريق الملاحة الطويل، على نقلها بذلك الطريق المجزأ الذي «يعترضه» برزخ ~~السويس.» وقد جاء في ذيل هذه المذكرة أنها تستحق العرض مرة أخرى عند بدء العناية ~~بغزو مصر. # وفي 13 مايو 1808 بعث الإمبراطور من «بايون» # Bayonne # بتعليمات مسهبة إلى «ديكريه» يطلب «إعداد ثلاث بوارج في طولون، تتم تهيئتها في أول ~~سبتمبر 1808، تستطيع حمل تسعة عشر ألفا، إلى جانب تسعمائة من الخيول، وتعد لنقل ذلك ~~كله 86 سفينة مزودة بمياه تكفي لشهرين ونصف شهر، وأغذية لأربعة شهور»، وفضلا عن ذلك ~~فقد طلب الإمبراطور إعداد حملة للذهاب من ميناء «لورينت» # Lorient # إلى جزيرة «إيل ديل فرانس» في المحيط الهندي كي تقوم ~~بعمل عسكري في الهند، بقصد تضليل الإنجليز عن معرفة هدف الإمبراطور الحقيقي، فقد ~~كتب نابليون «أنه قد صح عزمه على إنفاذ هذه الحملة، ويبغي في الوقت نفسه أن يبعث ~~بأسطوله من طولون إلى خليج «تارنتو»؛ كي يحمل عشرين ألف رجل من هذا الموقع إلى ~~مصر.» # ثم عاد نابليون إلى هذا الموضوع نفسه، فتحدث في 26 مايو 1808 عن حملة يعتزم ~~إرسالها إلى الجزائر أو صقلية أو إلى مصر، ثم قال: «وعلى افتراض تقرير الحملة على ~~مصر، أعتقد أنكم - مخاطبا «ديكريه» - حسبما جرى به العمل في البحرية، تزودون ~~الأسطول بأغذية تكفي وجبات (أو تعيينات) كاملة لمدة ستة شهور، ومن «البسكويت» لشهر ~~سابع.» وقدر نابليون المدة اللازمة لوصول أسطوله إلى أبي قير بثلاثة شهور، فينزل ~~الجند إلى البر، وكذلك كميات «البسكويت» والأنبذة المخصصة للشهر السابع، ويتسنى ~~للأسطول حينئذ أن يجد من المؤن ما يكفيه للذهاب من أبي قير إلى «تارنتو» أو للعودة ~~إلى طولون؛ أي ما يكفي للثلاثة الشهور الأخرى اللازمة لهذه الرحلة. # ولم يكن الخروج بهذه الحملة إلى الشواطئ المصرية أمرا متعذرا؛ لأن أمير البحر ~~«أليمان» # Allemand # كان قد ذهب بحملة ms0922 إلى جزيرة ~~«ألبا»، بينما كان أمير البحر الآخر «غانتوم» # Ganteaume # قد ذهب بحملة إلى كرفو؛ لتموينها بالأغذية وعتاد الحرب ~~الكثير (فبراير-أبريل 1808)؛ ولذلك لم يكن مستحيلا إرسال حملة إلى مصر، إما من ~~«تارنتو» وإما من «كرفو»، بل إن أمر هذه الحملة سوف يكون أكثر سهولة من أمر تلك ~~التي خرجت من طولون إلى الشواطئ المصرية في مايو 1798، بل حدث فعلا أن وصلت إلى ~~الإسكندرية في 2 مارس 1808 إحدى سفن الحرب الفرنسية من نوع الشباك، تدعى ~~«سربان» # Serpent ~~، خرجت من جنوة، واستطاعت ~~الإفلات من رقابة الأسطول الإنجليزي، مما نهض دليلا على أن في وسع أسطول طولون ~~المرور بسلام، وبلوغ الشواطئ المصرية. # على أن انشغال الإمبراطور بالحرب الدائرة في إسبانيا، ثم إعلان النمسا الحرب على ~~فرنسا في 6 أبريل 1809، اضطر نابليون إلى إرجاء هذه الحملة، ومع أنه انتصر على ~~النمساويين في معركة «واجرام» # Wagram # المشهورة في 6 ~~يوليو من العام نفسه؛ فقد انشغل بطلاقه من «جوزفين يوهارنيه» والزواج من سليلة ~~الأباطرة «ماري لويز» ابنة إمبراطور النمسا فرنسيس الثاني (11 مارس 1810)، وظهر ~~كأنما سوف يصبح نابليون نفسه وريثا للأباطرة، ومنذ 17 فبراير من العام نفسه كان قد ~~صدر قرار بضم الولايات البابوية إلى الإمبراطورية الفرنسية، وإعلان «رومة» المدينة ~~الثانية للإمبراطورية، وبأن يحمل ولي العهد لقب ملك رومة، «وأن يتوج الأباطرة في ~~كنيسة القديس بطرس برومة بعد تتويجهم في كنيسة نوتردام بباريس»، على أن يحدث ذلك ~~قبل السنة العاشرة من الحكم؛ أي في عام 1813 أو 1814، وفي 20 مارس 1811 ولد «ملك ~~رومة» وريث عرش هذه الإمبراطورية. # ولم يكن هناك معدى عن أن تحتل مصر مكانا ظاهرا في كل مشاريع «الإمبراطورية»؛ ~~لأنه - كما قال المؤرخ «دريو» # Driault ~~: «لا يمكن ~~فهم فكرة الإمبراطورية بدون الشرق، ولا الشرق بدون مصر.» وقد تساءل «دريو» عن السبب ~~الذي حدا بنابليون لتحديد عام 1813، أو عام 1814 للتتويج في رومة، ففسر هذا بقوله: ~~«إن الإمبراطور كان يتوقع الانتصار على روسيا في حملة 1812، فيصبح من هذا الحين ~~سيدا على الشرق كما ms0923 حدث ل «قيصر» بعد واقعة «فرساليا» وعودته من مصر، وكما حدث ~~ل «أوغسطوس» بعد واقعة «أكتيوم» وعودته من مصر كذلك، وهكذا فإنه بكونه سيدا على ~~الشرق كما هو سيد على الغرب، يكون قد أكمل تشييد صرح الإمبراطورية، ويتسنى له عندئذ ~~أن يتوج في «الكابيتول» بتاج الأباطرة الرومانيين، ولقد صارت رومة تستعد ~~لاستقباله.» # وعلى ذلك، فقد ظل الإمبراطور متمسكا بضرورة إرسال حملة إلى مصر، فأصدر قرارا في ~~15 يوليو 1810، بإصدار أسطول من الناقلات في البحر الأبيض، وفي 17 سبتمبر من العام ~~نفسه كتب إلى «ديكريه» بشأن هذا الأسطول، فرجاه أن يخبره بما تم في أمره وما يستطيع ~~نقله؛ لأنه يريد أن ينقل إلى مصر خمس فرق من الجنود، تتألف كل منها من ثماني «أورط» ~~أو ستة آلاف رجل، ومجموع ذلك ثلاثون ألف جندي من المشاة، عدا أربعة آلاف من رجال ~~المدفعية وسلاح المهندسين، وستة آلاف من الفرسان، والمجموع الكلي أربعون ألفا، ~~وهذا إلى جانب خمسمائة عربة مدفع، وألفين من الخيول للمدفعية وللفرسان. ثم إنه تحدث ~~بعد ذلك عن أسطول بولوني، وشربورج، واختتم كتابه بقوله: «وتلك هي خطتي للعمليات ~~العسكرية لعام 1812، وإني في انتظار التقرير الذي سوف تقدمه إلى المجلس التالي، ~~وينبغي الأخذ بعين الاعتبار أن هذه النتيجة هي ما يجب الوصول إليها.» # وعاد نابليون للموضوع نفسه بعد ذلك، فكتب في 8 مارس 1811، أنه إذا اتضح في عام ~~1812 أن الظروف ملائمة، «ففي عزمي القيام بحملة صقلية، أو حملة مصر في البحر ~~الأبيض، و«أبغي» أن أفعل كل ما هو ضروري لجعل أساطيلي عند مصب «ألاسكو» وفي طولون، ~~تبدو في مظهر يقذف الرعب والهلع في النفوس.» ثم قال: «ومن الواجب أن يكون بطولون كل ~~ما لا غنى عنه لإنفاذ حملة إلى مصر.» وطلب إلى «ديكريه» أن يعد له تقريرا بالنوع ~~الأكثر ملاءمة من سفن الحرب «أولا: لاعتلاء النيل، وثانيا: للدخول في البحيرات ~~بجوار أبي قير». # ذلك كان «سر نابليون». # ولم يكن من المنتظر حينئذ أن يعنى الإمبراطور في شئون مصر بغير ما كان ms0924 متصلا ب «سره» مباشرة، وذلك في السنوات التي كان لا يزال الأمل يحدوه في أثنائها إلى إرسال ~~حملته على مصر؛ أي إلى الوقت الذي عاد فيه فاشلا من غزوته لروسيا في عام 1812، ثم ~~تألبت عليه الأمم في أوروبا، ولم يكن من المنتظر كذلك أن يوافق الإمبراطور على ~~«استقلال» محمد علي، أو يرضى بأن يوطد هذا دعائم حكومته في مصر، بالدرجة التي تمكنه ~~من مقاومة الغزو الفرنسي الجديد عند حدوثه، وكان كل ما اهتم به جمع المعلومات ~~الصحيحة عن حقيقة الموقف في هذه البلاد، من حيث قيمة الموارد التي لدى محمد علي ~~وتحت تصرفه، وعلاقاته مع البكوات المماليك، مبعث الضعف العام الذي يلازم حكومته، ما ~~دام هؤلاء في عداء مستمر له، ثم نشاط تجارته مع الإنجليز، وبيعه غلاله لهم، وهي ~~التي يمونون بها قواعدهم، فيحطمون رويدا رويدا ذلك «النظام القاري» الذي فرضه ~~نابليون لتضييق الخناق عليهم اقتصاديا تمهيدا لهزيمتهم. # ولذلك، فقد شهدت هذه الفترة (1808-1811) تبدلا في جوهر السياسة الفرنسية نحو ~~مصر. حقيقة ظل الوكلاء الفرنسيون حريصين على التمسك بمظهر صداقتهم لمحمد علي، ولكن ~~هذه كانت صداقة في غير العلاقات الشخصية بين الباشا و«دروفتي» مثلا، لا يمكن أن ~~توصف بأنها كانت خالصة أو منبعثة عن رغبة صحيحة في مؤازرة محمد علي، فلم يكن غرض ~~الوكلاء الفرنسيين من التظاهر بها سوى مقاومة النفوذ الإنجليزي، ومنع تصدير الغلال ~~خصوصا إلى أعدائهم، وحمل الباشا على تصدير غلاله إلى قواعدهم هم، في البحر الأبيض ~~لا سيما إلى كرفو، ثم الحرص على كتمان «سر نابليون»، وتضليل الباشا عن معرفة نوايا ~~الإمبراطور، عندما أوقفه الإنجليز على حقيقة هذه النوايا، وحذروه من مشاريع ~~الفرنسيين، وعزم إمبراطورهم على غزو هذه البلاد، وإخراجه من حكومتها. # ولقي الوكلاء الفرنسيون عنتا كبيرا في «تكييف» مسلكهم، في ضوء التعليمات التي ~~أتتهم من حكومتهم، وعندما مرت الشهور، دون أن يتحقق شيء من مشروع الحملة الفرنسية ~~المنتظرة على مصر، وتحتم عليهم المثابرة على نفي ما أذاعه الوكلاء الإنجليز عنها، ~~وإقناع محمد علي بأن أمتهم لا ms0925 تزال صديقا له، وأن الإمبراطور لا يريد به شرا، ~~وأن الإنجليز يبيتون النية على غزو بلاده والغدر به. # ولما كان الباشا متحذرا من نوايا الدولتين معا، فرنسا وإنجلترة، ويعول على حسن ~~استعداده وقوته هو وحده؛ للذود عن البلاد إذا حاولت إحداهما غزوها، ويؤثر التجارة ~~مع الإنجليز لما يناله منها من مال يتيح له فرصة إكمال استعداداته العسكرية وتحصين ~~عاصمته وثغوره، وتقوية جيشه، وشهد هو الآخر الشهور والسنوات تمر دون أن يتهدده خطر ~~مباشر من جانب فرنسا، وصار من المتعذر على نابليون، بسبب مشاغله العديدة والخطيرة ~~في أوروبا، أن يقدم على غزو مصر، حتى ولو ظل صحيح العزم على فعل ذلك؛ فقد صار من ~~صالحه أن يستمر على علاقات طيبة مع الفريقين، يبيع غلاله للإنجليز، ويرضى بتصدير ~~غلاله إلى كرفو تارة، ويبذل الوعود الطيبة للفرنسيين دائما، ويمني النفس، نتيجة ~~لتمسكه بصداقة الفرنسيين، أو بالأحرى لاتباعه معهم سياسة لحمتها استرضاؤهم، وسداها ~~تطييب خاطرهم، بأن يقبل هؤلاء على معاونته في تحقيق مشروع استقلاله. # وأما هذه الحقائق جميعها فتتضح من تتبع سير الحوادث في هذه الفترة. ~~(6) نشاط «دروفتي» و«سانت مارسيل» # وقام على تنفيذ سياسة الإمبراطور نحو مصر، ورعاية المصلحة الفرنسية بها، ~~والمواءمة بين «المصلحة» المحلية، وبين صوالح «الإمبراطورية» العليا، «دروفتي» في ~~القاهرة، و«سانت مارسيل» في الإسكندرية، وقد تراسل هذان، إما مع السفارة الفرنسية ~~في القسطنطينية، وإما مع حكومة الإمبراطور في باريس، وكثر رويدا رويدا اتصال ~~هذين بالحكومة في باريس ل «أهمية» المسائل التي عرضت لهما، ولما تلقياه من أوامر ~~تطلب منهما هذا الاتصال المباشر، بسبب ما أبداه الإمبراطور من اهتمام خاص بهذه ~~المسائل، التي كانت ذات صلة وثيقة ب «سره». # وقد أشار وزير الخارجية الفرنسية، بصورة أو بأخرى، إلى هذا «السر»، عندما كانت ~~التعليمات التي صار يبعث بها إليهما - ولا سيما إلى «دروفتي» - تتطلب منهما قبل كل شيء ~~آخر تزويد الحكومة بمعلومات دقيقة عن الموقف في مصر عموما، وعن نشاط العلاقات ~~القائمة بين محمد علي والإنجليز خصوصا. # ويبدو اهتمام حكومة باريس بتطور الحوادث في ms0926 مصر في أن وزير الخارجية لم يلبث أن ~~بعث من فونتنبلو إلى «دروفتي» في 16 أكتوبر 1807، يشكره على التقارير التي أرسلها ~~إليه، والتي كان آخرها بتاريخ 2 مارس من العام نفسه، تنبئه بما وقع من حوادث بين جند ~~الباشا والمماليك، وتبين له الأثر الذي أحدثته وفاة كبيري زعماء المماليك؛ البرديسي ~~والألفي، ولكنه لما كان لم يصل الوزير أية تقارير أخرى، بعد رسالة «دروفتي» بتاريخ ~~2 مارس، واعتقد أن السبب في ذلك هو مصادرة الإنجليز لها، وقد ظل هؤلاء أصحاب ~~السيطرة في البحر الأبيض، فقد أشار عليه لضمان وصول تقاريره إلى باريس، أن يتوخى ~~إرسالها بطريق مأمون، ومن صورتين، ثم أوصاه بأن يستمر على تزويده بالمعلومات ~~الوافية، والدقيقة «عن كل الوقائع والحوادث التي يرى «دروفتي» أنها من نوع يوجب ~~اهتمام الحكومة بها». # ثم عاد الوزير «شامباني»، فأبدى دهشته في رسالة بعث بها إلى «دروفتي» من باريس في ~~17 أبريل 1809، من أن هذا الأخير لم يثابر على الكتابة إليه، على زعم أن في كتابته ~~إلى السفارة الفرنسية في القسطنطينية غناء عن إرسال تقاريره إلى باريس، فطلب إليه ~~المواظبة على الكتابة إليه. ولما كان «دروفتي» قد أبلغه، ضمن الوقائع التي ذكرها في ~~تقاريره للوزير بتاريخ 18 يناير، 8 أبريل، 12 يوليو، 10 أغسطس 1808، أنه قد تهرب من ~~التدخل بين الباشا والبكوات المماليك، في المفاوضات الجارية بين الفريقين من أجل ~~الصلح، ورفض مصاحبة محمد علي في الرحلة التي انتوى القيام بها لزيارة مختلف المواني ~~المصرية، ثم أبلغ الوزير احتجاجاته لدى محمد علي على سماح هذا الأخير للسفن المحملة ~~بالبضائع الإنجليزية بالدخول إلى الإسكندرية، وأنه اضطر عند فشله إلى سؤال القائم ~~بأعمال السفارة الفرنسية بالقسطنطينية «لاتور-موبورج» # Latour-Maubourg # أن يطلب من الباب العالي إصدار فرمانات «مصاغة في ~~قالب يلزم «محمد علي» بالتخلي عن نظام جعله يتحيز لصالح تجارة إنجلترة»، فقد أجاب ~~«شامباني» على كل هذه المسائل بامتداح مسلك «دروفتي». # فقال في موضوع المفاوضات بين محمد علي والمماليك: إن آراء وغايات الفرنسيين تتسم ~~بطابع التقلب وعدم الاستقرار، ms0927 لدرجة لا تبيح لأي وسيط التدخل بينهما، حتى لا يجد ~~هذا الوسيط نفسه في النهاية «متورطا» مع كل الأطراف. وأما عن رحلة محمد علي لزيارة ~~الثغور، فقد كان من رأي «شامباني» أنه يتعذر عليه الاقتناع بأن ثمة فائدة من مرافقة ~~«دروفتي» للباشا، يجنيها صالح «المأمورية» أو «الخدمة» المكلف بها «دروفتي»، بل ~~يبدو له أن النتيجة الوحيدة المترتبة على مرافقة الباشا في مثل هذه الرحلات، إنما هي ~~زيادة نفقات قنصليته، وراح «شامباني» يشدد عليه، بوجوب الاقتصاد ما أمكن في نفقاته، ~~وفيما يتعلق بما طلبه «دروفتي» من «لاتور موبورج» في القسطنطينية، فقد أوصاه ~~«شامباني»، وأيا كانت النتائج التي سوف تسفر عنها الخطوات التي يتخذها «لاتور ~~موبورج» هناك، بأن يبذل هو كل ما وسعه من جهد في علاقاته مع الباشا؛ «لتأمين تنفيذ ~~الإجراءات المانعة التي أمر باتخاذها جلالة الإمبراطور»، لتطبيق «النظام القاري»، ~~وغلق جميع المواني في وجه التجارة البريطانية. # وقد بعث «شامباني» في نفس اليوم (17 أبريل 1809)، بتعليماته كذلك إلى «سانت ~~مارسيل» ردا على رسائل هذا إليه في 2 نوفمبر 1808، 2، 3 يناير 1809، وكان هذا ~~الأخير قد أبلغه في تقرير 2 نوفمبر وصول أربع سفن من مرسيليا، وأخرى من جنوة، ~~محملة ببعض الأقمشة والبضائع الفرنسية، وأن عددا من هذه السفن قد غادر الإسكندرية ~~يحمل متاجر من مصر، وأن السفن النمسوية تنقل تجارة مالطة إلى الإسكندرية، ثم ذكر ~~للوزير أنه قد امتنع ورود السفن التي ترفع علم بيت المقدس، وتنقل تحت هذا الستار ~~البضائع الإنجليزية في بطونها، وذلك منذ أن أثار الصعوبات والعراقيل في ~~وجهها. # وكانت مسألة هذه السفن التي ترفع راية «بيت المقدس» مثار متاعب عدة للوكلاء ~~الفرنسيين في مصر؛ وذلك لأنه بمقتضى «الامتيازات» التي لفرنسا في ممتلكات الدولة ~~العثمانية، كانت فرنسا «حامية» بيت المقدس ورايته، ويدخل في نطاق اختصاص قناصلهم في ~~المواني العثمانية، الإشراف على السفن التي ترفع هذه الراية، ولكنه حدث أثناء زيادة ~~النشاط التجاري بين الإنجليز ومحمد علي، أن صارت بعض السفن التي تحمل متاجر هؤلاء ~~من مالطة إلى الإسكندرية ترفع ms0928 علم بيت المقدس؛ حيث لم يكن في مقدورها رفع العلم ~~الإنجليزي بسبب قيام حالة الحرب بين إنجلترة وتركيا. ولما كان «نابليون» قد تشدد في ~~غلق مواني البلاد الواقعة تحت سلطانه أو الموالية له، أو التي اتخذت موقف الحياد في ~~نضاله مع إنجلترة، في وجه التجارة الإنجليزية؛ فقد وجب على الوكلاء الفرنسيين ~~معالجة هذه المسألة بالصورة التي تكفل تطبيق «النظام القاري». # وقد أثير موضوع السفن الرافعة لعلم بيت المقدس، عندما دخلت إلى الإسكندرية في 18 ~~يونيو 1808، السفينة «لاروز» # La Rose # آتية من ~~مالطة ومحملة ببضائع إنجليزية تبغي استبدال الغلال بحمولتها هذه، وكانت ترفع راية ~~بيت المقدس، وكان صاحب هذه البضاعة أحد التجار في مالطة، يدعى «بنسا» Pensa # وهو من ليفورنة، ويبعث بهذه المتاجر إلى أخ له ~~مقيم بالإسكندرية، وتحت حماية السويد. واعتقد «سانت مارسيل» أن من حقه - تنفيذا لما ~~لديه من تعليمات بشأن السفن الآتية من مالطة أو من أي جهة أخرى يحتلها الإنجليز - أن ~~يطلب من ربان السفينة مصادرة المتاجر التي على ظهر سفينته؛ حيث إن لفرنسا وحدها ~~«حماية» علم بيت المقدس؛ ولأن البضائع التي تحملها «لاروز» إنجليزية. ولكن ربانها ~~رفض الإذعان لهذا الأمر، بدعوى أن دولا أربعا تحمي راية بيت المقدس في مواني ~~الليفانت، هي: فرنسا وإسبانيا والنمسا وإنجلترة، وليست فرنسا وحدها، وهو لا يخضع ~~لذلك لولاية القنصلية الفرنسية القضائية. # ولجأ «سانت مارسيل» إلى حاكم الإسكندرية، طبوز أوغلي، يطلب منه مصادرة بضائع هذه ~~المركب بجمرك الإسكندرية، ومعاونته على إخضاع ربانها لأوامره قسرا منه، ولكن طبوز ~~أوغلي لم يلبث أن سلم هذه البضائع إلى المرسلة إليهم، وعلل «سانت مارسيل» إخفاقه ~~بأن ربان «لاروز» عندما لم يجد عند قنصلي إسبانيا والنمسا الحماية التي يريدها، ~~صار يعتمد على حماية قنصل السويد «فرنسسكو بتروتشي» الذي هو الوكيل الإنجليزي في ~~الوقت نفسه، وقد استطاع هذا أن يجذب إليه طبوز أوغلي، واضطر «سانت مارسيل» إلى ~~إرسال تفاصيل الموضوع إلى «دروفتي» بالقاهرة، واستصدر هذا جملة أوامر من الباشا ~~بمصادرة هذه البضاعة، ونزع سكان المركب، ولم يمكن ms0929 تنفيذ أوامر الباشا حتى حضر ~~«شاويش» من قبله إلى الإسكندرية، فاضطر طبوز أوغلي إلى مصادرة البضائع التي بأيدي ~~الذين تسلموها، ثم نزع سكان المركب، وأودعوا مبنى القنصلية الفرنسية. ولما كانت قد ~~أبقيت البضائع بمحلات التجار، حتى يمكن الفصل في هذه المسألة - مسألة السفن التي ~~ترفع علم بيت المقدس - فقد صار «سانت مارسيل» يسعى لنقل البضائع موضع المصادرة إلى ~~مخزن آخر من جهة، وحمل ربان السفينة «لاروز» على الاعتراف بولاية القنصلية الفرنسية ~~القضائية، بدلا من ولاية القنصلية السويدية، وبعث «سانت مارسيل» بكل هذه التفاصيل ~~إلى «لاتور موبورج» القائم بأعمال السفارة الفرنسية في القسطنطينية، كما بعث إليه ~~«دروفتي» من القاهرة في 24 يوليو 1808، بتقرير واف عن نفس المسألة؛ كي يسعى «لاتور ~~موبورج» في الحصول من الباب العالي على فرمانات بتقرير وجهة نظر الوكلاء الفرنسيين ~~بشأن علم بيت المقدس؛ حيث أقرت «الامتيازات» وضع جميع المؤسسات التابعة للهيئات ~~الكاثوليكية ببيت المقدس، وتبعا لذلك السفن التي تمخر البحار رافعة علم بيت ~~المقدس، تحت حماية الإمبراطور الفرنسي مباشرة، وبسط «سانت مارسيل» تاريخ هذا المركب، ~~فقال: «إن صاحب لاروز السابق كان قبطانا من «راجوزا» يدعى «ميشيل مارتينوفيتش» # Martinovtch ~~، أرغمه الإنجليز عند ~~إخلائهم الإسكندرية على الذهاب مع سفينته إلى مالطة، ثم إنهم ما علموا باتحاد ~~«راجوزا» مع مملكة إيطاليا تحت سلطان نابليون، حتى صادروا السفينة التي بيعت في ~~مالطة، واشتراها بيت «بنسا» وشركائه، وينتمي هؤلاء إلى «ليفورنة»، وقد أرسلوا ~~«لاروز» محملة ببضائع إنجليزية إلى الإسكندرية، وكان من رأي «سانت مارسيل» أن من ~~العدالة أن يسترجع «مارتينوفتش» المالك الأصلي سفينته.» # وعلق «دروفتي» و«سانت مارسيل» أهمية كبيرة على الجهود التي يبذلها «لاتور موبورج» ~~في القسطنطينية حتى يقر الباب العالي وجهة النظر الفرنسية في مسألة السفن التي ترفع ~~علم بيت المقدس لأسباب ذكرها كلاهما، فقال «سانت مارسيل»: إنه إذا أجيز للإنجليز ~~الاستمرار في نقل بضائعهم في سفن يخفق عليها علم بيت المقدس، والاتجار مع باشا مصر ~~دون مقاومة، فإنه لن يقف شيء في طريق نمو تجارتهم وانتعاشها لا في مصر وحدها ms0930 فحسب، ~~بل في كل بلاد الليفانت أو المشرق؛ لأن رئيس الهيئة الدينية «الكاثوليكية» في بيت ~~المقدس «يتجر» في الجوازات أو «الرخص» التي تبيح للسفن رفع علم بيت المقدس، حتى ~~انتشرت هذه الجوازات في جميع مواني الليفانت، وكان اليونانيون أسبق من أفاد من هذا ~~الترتيب للدخول إلى مالطة، والاتجار مع الإنجليز؛ ولذلك فإنه إذا تسنى للوكلاء ~~الفرنسيين تنفيذ ما لديهم من تعليمات في موضوع السفن الآتية إلى الإسكندرية، تحت ~~العلم الإنجليزي، أو من بلاد يحتلها الإنجليز خارج الجزر البريطانية، أمكن وقف هذا ~~الشر عند منبعه، وسوف يترتب على هذا النجاح نتائج عظيمة؛ لأن هذه السفن تأخذ اليوم ~~من مصر الكتان الذي يطلبه الإنجليز لبحريتهم، «حتى إن عددا من السفن النمسوية ~~الآتية من مالطة، محملة بالبضائع «الإنجليزية»، لم تنقل في عودتها سوى هذا الصنف، ~~الذي يجب علينا وعلى الأتراك حرمان أعدائنا منه.» # وأما «دروفتي» فقد كان من رأيه أنه إذا جاء قرار القسطنطينية في مسألة «لاروز»، ~~وموضوع السفن التي ترفع علم بيت المقدس عموما في غير صالح الفرنسيين، وقد بعث كذلك ~~محمد علي نفسه، يطلب رأي الباب العالي في هذه المسألة، ثم إذا لم يلق «سانت مارسيل» ~~تأييدا للإجراءات التي اتخذها مع السفينة «لاروز»، ولم يعاقب قبطانها العقوبة ~~الرادعة على تمرده وعصيانه، ثم إذا كان القبطان أو التاجر الذي تملص من سلطان ~~الحكومة الفرنسية بوضع نفسه تحت حماية دولة معادية لفرنسا؛ لتنمية التجارة ~~الإنجليزية؛ لا يعامل بموجب القانون الذي صدر في 3 مارس 1781 لتنظيم شئون القنصليات ~~الفرنسية، وما يتعلق بنشاط الرعايا الفرنسيين التجاري وملاحة السفن في أساكل ~~الليفانت، ووجاقات الغرب، وينص هذا القانون ضمن ما ينص عليه، على ترحيل كل فرنسي ~~إلى فرنسا ينبذ سلطة «الملك» ويعمل للتملص منها، بقبول حماية أجنبية، ثم أخيرا إذا ~~أعطى قنصل السويد أو بالأحرى الوكيل البريطاني - والمقصود هنا «بتروتشي» - حق حماية ~~قبطان هذه السفينة، والتاجر، والسفينة ذاتها، والمتاجر الإنجليزية؛ لانتهى - إذا ~~وقع ما تقدم - كل ما يتمتع به الوكلاء الفرنسيون في مصر من احترام هم ms0931 جديرون به ~~بفضل ما لهم من خلق عال، ولصارت إقامتهم بهذه البلاد عديمة النفع ولا جدوى منها، بل ~~وغير مشرفة لحكومة فرنسا «أعظم الحكومات قاطبة»، التي يمثلها هؤلاء الوكلاء في ~~مصر. # وقد تفاقمت الأزمة بين «سانت مارسيل» وطبوز أوغلي، عندما أصدر الباب العالي في ~~نوفمبر 1808 في موضوع «لاروز» قرارا يقضي بمصادرة السفينة والبضائع التي حملتها، ~~على اعتبار أن «لاروز» سفينة بريطانية، ويعتبر حاكم الإسكندرية مسئولا أمامه عن ~~تنفيذ هذه المصادرة، وعارض «سانت مارسيل» في تسليم سكان المركب، ووافق طبوز أوغلي ~~على إحالة المسألة على الباشا في القاهرة، ولكنه لم يمض يومان حتى بعث حاكم ~~الإسكندرية بقوة من الجند لأخذ سكان المركب من القنصلية الفرنسية، ولم يشأ «سانت ~~مارسيل» الاصطدام مع هذه القوة، فسلمها إلى الجند، وحز في نفسه أن تظل البضائع ~~«المصادرة» في مخازن أصحابها، لاعتقاده أن السلطات الحكومية بالإسكندرية لن تعمد ~~إلى مصادرتها وأخذها؛ لأن هذه السلطات - كما قال - «إنما تريد أن يسود التفاهم ~~الطيب بينها وبين مالطة؛ كي تستمر علاقاتها التجارية مع هذه نشيطة». بيد أن هذه ~~الأزمة لم تلبث أن انفرجت مؤقتا عندما عمد الباشا نفسه، «الذي أراد أن يتخذ قرارا ~~في هذه المسألة يحسم الخلاف فيها وما يتفق مع وجهات نظره»، إلى وقف المصادرة حتى ~~تأتي أوامر قاطعة وأخيرة من الباب العالي بصدد هذه المسألة. # ثم إن «سانت مارسيل» لم يلبث أن وجد من الحكمة وأصالة الرأي، الكف عن «مناقشة» ~~موضوع الخلاف مع حاكم الإسكندرية، وآثر الوكلاء الفرنسيون التريث حتى تأتيهم ~~التعليمات من حكومتهم في باريس أو من سفارتهم في القسطنطينية، وأما الوزير ~~«شامباني» فقد أقر «سانت مارسيل» على سؤاله القائم بالأعمال الفرنسي في القسطنطينية ~~التدخل لدى الباب العالي، ثم أوصاه ببذل قصارى جهده من أجل تنفيذ الإجراءات التي ~~أمر الإمبراطور باتخاذها ضد التجارة الإنجليزية. # وعندما أبلغ «دروفتي» الوزير، في رسائله إليه في 21 أغسطس، 9، 17 سبتمبر 1809، ~~فشل مفاوضات الصلح بين محمد علي والمماليك، وخروج جيش الباشا لقتالهم وانتصاره ~~عليهم في الصعيد، مع بيان الأسباب ms0932 التي ذكرها محمد علي ل «دروفتي» لاتخاذه هذه ~~الخطوة، وفحواها خوفه من أن يتحد البكوات مع الإنجليز إذا اقتضت هؤلاء الظروف ~~السياسية المتغيرة إرسال حملة لغزو هذه البلاد، لاعتقاد الباشا أن الحرب مع النمسا ~~قد اقتربت نهايتها؛ ولتوقعه أن يعلن الباب العالي الحرب على إنجلترة قريبا، أصدر ~~الوزير «شامباني» تعليماته في 31 مارس 1810 إلى «دروفتي» يقول فيها: «لقد قرأت ~~باهتمام ما ذكرته عن الموقف في مصر، وعن آراء أو أهداف الباشا السياسية، ولكنني لا ~~أزال عاجزا عن إعطائك أية تعليمات بشأن الحوادث التي تعرضها علي كأمور محتملة ~~الوقوع، ويبدو لي أن من الأوفق الانتظار، حتى تقع هذه فعلا، وحينئذ يتسنى لنا ~~تقرير الخطة التي يجب اتباعها حيالها.» # وتحدث «دروفتي» في رسالته للوزير في 4 ديسمبر 1809، عن عودة الباشا من حملته ~~الناجحة ضد البكوات في الصعيد، ومجيء محمد بك المنفوخ، أحد زعماء المرادية معه، ثم ~~إنه تحدث في 12 مارس 1810، عن عودة «صمويل بريجز» القنصل الإنجليزي إلى منصبه في ~~الإسكندرية، واستئناف المكائد والدسائس الإنجليزية النشيطة بعودته، والتي منها إغراء ~~الوكلاء الإنجليز - كما قال «دروفتي» - لمحمد علي، على إعلان استقلاله في وضع مشابه ~~لوضع حكام وجاقات الغرب، ثم ما يبدو للقنصل الفرنسي، من أن الإنجليز لم يتخلوا عن ~~مشاريعهم العدوانية على مصر، واستعدادات الباشا العسكرية لرد أي اعتداء يقع على ~~باشويته. # ولكن وزير الخارجية الفرنسية اكتفى عند إصدار تعليماته إلى «دروفتي» في 30 يونيو، ~~بذكر أنه قد أحيط علما بما جاء في تقاريره عن الموقف في مصر، وعن عودة «بريجز» إلى ~~الإسكندرية، واستئناف الإنجليز لمؤامرتهم في مصر، وأثنى على مهارته في كشف سرهم، ~~وأوصاه بالمضي في جمع المعلومات الوافية الدقيقة وإرسالها إليه بانتظام. # وهكذا كان من الواضح، أن حكومة الإمبراطور في باريس، ما كانت تهتم وقتئذ، فيما ~~يتعلق بمجريات الأمور في مصر، إلا بجمع المعلومات الدقيقة والمفصلة عن الحالة ~~القائمة في البلاد، ومعرفة مبلغ نشاط الوكلاء الإنجليز بها، ونمو العلاقات التجارية ~~بين الباشا والإنجليز، كما أن وقف هذه العلاقات، وتنفيذ «النظام ms0933 القاري» بعرقلة هذه ~~التجارة، وغلق المواني المصرية إذا أمكن، في وجه المتاجر الإنجليزية ، كان أهم ما ~~عنيت به هذه الحكومة. # أضف إلى هذا، أن ما عاد يهمها، أن يستطيع محمد علي دعم أركان باشويته، والذود ~~عنها، ومن وسائل ذلك، حسم خلافاته مع البكوات المماليك، وتحصين الثغور، واستكمال ~~استعداداته العسكرية، فأقرت حكومة الإمبراطور، امتناع «دروفتي» عن التوسط بين الباشا ~~وبين المماليك، أو مرافقة محمد علي في رحلته التفتيشية على المواني الشمالية، ~~وقابلت بفتور ما ذكره الباشا عن الأسباب التي جعلته يقاتل البكوات في الصعيد، ~~وفحواها - كما ذكرنا - خوفه من نزول حملة إنجليزية بالبلاد، نتيجة لما توقعه من ~~انتهاء الحرب بين فرنسا والنمسا، وقيامها بين الباب العالي وإنجلترة، ثم تخلي البكوات عن ~~موقف الحياد الذي وقفوه أيام حملة «فريزر» في عام 1807. وكان من الجلي أن الباشا ~~إنما قصد من ذكر هذه الأسباب ل «دروفتي» معرفة رأي الحكومة الفرنسية، وهل تبغي ~~معاونته على رد العدوان الإنجليزي إذا وقع، والأهم من هذا كله، هل تبغي مؤازرته في ~~بلوغ استقلاله، الذي تحدث في أمره إلى «دروفتي» على نحو ما سيأتي ذكره. # ولكن في عام 1810 - كما في العامين السابقين خصوصا - كان لا يزال موضوع ~~الإمبراطورية الشرقية، أو بالأحرى، موضوع استكمال «الإمبراطورية» يحتل مكانا ~~بارزا في تفكير نابليون، ولم يكن من سياسة الإمبراطور أن يستطيع محمد علي دعم ~~أركان باشويته بالدرجة التي تمكنه من مقاومة الغزو المنتظر. # بل إن الإمبراطور، في الوقت الذي بعث فيه وزير خارجيته بتعليماته الأخيرة إلى ~~«دروفتي» في 30 يونيو 1810، طلب من وزير حربيته «كلارك دوق دي فيلتر» # Clarke, Duc de Feltre # في اليوم نفسه ~~أن يبادر بإرسال أحد الضباط الكولونيل «بوتان» # Boutin # إلى الإسكندرية، وأن ينتحل الوزير بالاتفاق مع هذا ~~الأخير عذرا يبرر به هذه الرحلة، وذلك حتى يفحص «بوتان» حالة الدفاع في المواقع ~~الهامة في مصر والشام؛ في الإسكندرية ودمياط والصالحية، والعريش وغزا، ويافا وعكا، ~~وغيرها، ويعد التقارير الوافية عن مقدار القوات التي بها، والتي توجد بمصر والشام ~~جميعا، وطلب ms0934 الإمبراطور أن تشتمل هذه التقارير على كل ما يمكن جمعه من معلومات عن ~~الحالة المدنية والعسكرية في هذه البلاد. # وقد غضب نابليون لتأخر قيام «بوتان» بمهمته، فكتب إلى «كلارك» في 14 أكتوبر 1810 ~~يقول: «إنه كان يعتقد أن ضابط سلاح المهندسين «بوتان» قد غادر إلى مصر والشام، ولا ~~تعنيني التفصيلات، فليذهب إلى أوترنتو، أو إلى أنكونا، وليخف مهمته بالطريقة التي ~~يشاؤها، ولكن الواجب تأديتها، وعليه أن يمضي الشتاء كله، ثم قسما من فصل الصيف ~~المقبل في مصر والشام، بحيث يتمكن بعد ذلك من تقديم تقرير عن الأحوال العسكرية ~~والسياسية في البلاد، وعليك أن توصيه بمشاهدة قلعة القاهرة، وقلعة الإسكندرية، ~~ودمياط وعكا. وتشمل مهمته «زيارة» حلب ودمشق والإسكندرية، فأزل كل العقبات «التي قد ~~تعترض قيامه بهذه المهمة»، ولا تتحدث إلي عنها بعد الآن.» # وقبل ذلك بيوم واحد، كان نابليون قد وافق على مشروع التعليمات المعدة لرسول آخر، ~~هو السيد «نرسيا» # Nerciat ~~، أزمع إيفاده إلى مصر ~~والشام، لزيارة عكا ويافا ورشيد والإسكندرية وقلعة القاهرة؛ «كي يدرس دراسة جيدة ~~الموقف السياسي في مختلف الجهات في الشام ومصر». وتضمنت التعليمات المعطاة «نرسيا»، ~~أن يقف على عدد الجنود في سوريا، ونوع العلاقات السائدة بين الحكام في مختلف ~~جهاتها، ومعرفة المنافسات المنبعثة عن الحسد وخدمة المآرب الذاتية التي تنشر ~~الانقسام والتفرقة بينهم، والوقوف على ميول الباشوات والبكوات نحو الباب العالي، ~~وأثر هذه على حالة الدفاع عن الشام وتأمينها ضد الغزو. ثم وجب على «نرسيا» كذلك أن ~~يفعل مثل هذا في مصر، ويقدم لحكومته ملاحظاته عن هذه الموضوعات جميعها، لا سيما ~~فيما يتعلق برشيد والإسكندرية وقلعة القاهرة، فيتقصى في هذه الأماكن الأثر الذي بقي ~~في ذهن أهلها عن حملة الفرنسيين السابقة (1798-1801)، مع معرفة الميول التي يحتفظ ~~بها الزعماء والسكان نحو فرنسا، ونوع السلطة التي للباب العالي في مصر، وعدد الجند ~~الذين يحتفظ بهم هناك، ومدى اعتماده (أي الباب العالي) على خضوع هذه الولاية ~~العثمانية له. # وطلبت هذه التعليمات من «نرسيا» أن «يذكر دائما، للتغلب على الصعوبات ms0935 التي قد ~~تصادفه، وتحمل المشاق التي قد تنهكه أثناء تأدية مهمته، أنه إنما يقوم بهذه المهمة ~~بوصفه أحد وكلاء أو عمال جلالة الإمبراطور في بلد لا يزال مليئا بكل «ذكريات» ~~الأعمال العسكرية المجيدة، ويستأثر البت في مصيره باهتمام الإمبراطور بدرجة ~~عظيمة.» # وعلى ذلك، فقد توجه «بوتان» و«نرسيا» في مهمتهما، فسلم «شامباني» جوازي سفر إلى ~~«بوتان» في 16 نوفمبر 1810، أحدهما بوصفه مكلفا بمهمة لدى قناصل مصر والشام، ~~والآخر بوصفه تاجرا رحالة، فوصل إلى الإسكندرية في آخر مايو 1811، وزوده «دروفتي» ~~بالمعلومات التي يريدها. ولما كان «بوتان» قد أبلغه ولادة «ملك رومة» ووارث عرش ~~«الإمبراطورية» الفرنسية، فقد أقيم احتفال كبير بالإسكندرية، ورتلت تسبيحة الشكر # Te Deum # بكنيسة المبنى الخاص بهيئة «الأرض ~~المقدسة» الدينية، وصحبه «دروفتي» في زيارة الأماكن التي أراد مشاهدتها، فكان مما ~~لاحظه أن الباشا مثابر منذ ثلاث سنوات على تحصين الإسكندرية، ولكن تحصينات ~~الإسكندرية ليست مخيفة أو بالدرجة التي تمكن الباشا من صد هجوم الفرنسيين عند وقوعه ~~عليها، وأكد أن الخوف مستبد بالباشا من نزول الفرنسيين، ولكنه لا وسيلة لديه ~~لدفعهم. وقد كتب «دروفتي» في يونيو 1811، أن الباشا يريد النزول في الشواطئ ~~المصرية، ولو أنه مما تجدر ملاحظته أن هذا قابل للزيادة دائما بفضل المجندين الذين ~~يبعث بهم مندوبوه إلى مصر من مقاطعات الدولة العثمانية في أوروبا، ويريد الباشا رفع ~~عدد جيشه - إذا استطاع - إلى عشرين ألف مقاتل، وبالرغم مما يزعمونه أن في وسعهم ~~الذود عن مصر ضد الجيوش الأجنبية، يسود الاعتقاد بين صفوف الجند بأن من المتعذر ~~عليهم بتاتا دفع الفرنسيين عن البلاد إذا غزوها. ثم إن الباشا الذي لا يقل اعتقاده ~~عن اعتقاد جنده بعبث المقاومة ضد الفرنسيين، قد صار يعنى عناية خاصة بفرسانه الذين ~~يعتمد عليهم في إمكانه مغادرة البلاد إذا تأزمت الأمور، والانسحاب منها، إما بطريق ~~العريش إلى الشام، وإما بطريق السويس إلى بلاد العرب، ثم إن أسطوله بالسويس على قدم ~~الاستعداد للحركة في أي وقت يشاؤه الباشا. # واستطرد «دروفتي» يتحدث عن خطة الانسحاب هذه والتحصينات التي ms0936 بالقاهرة، فقال: ~~«ومن عناصر هذه الخطة، وأجزائها، ذلك الطريق الذي أنشئ للمواصلات بين قلعة القاهرة ~~وجبل المقطم.» وهو طريق لا أثر لفن تعبيد الطرق وإنشائها في شقه، يفضي بعد بلوغ ~~القمة إلى الصحراء. وأما القلعة ذاتها وسائر التحصينات بالقاهرة فهي ليست في مثل ~~الحال الطيبة التي تركها «جيش الشرق» عليها، ومع ذلك فإذا عمد الباشا إلى اللجوء ~~إلى القلعة، تستطيع هذه القيام ببعض الدفاع، فقد زودها بذخائر الحرب بما يفوق ~~كثيرا ما فعله كل أسلافه، وفي وسعه أن يمونها بالأغذية الوفيرة في أيام قليلة. ~~وأكثر القلاع الصغيرة في المواقع التي حول القاهرة في حال سيئة، ولا يكاد يكون من ~~هذه مزودا بالمدافع، غير تلك التي على الطريق الممتد من القاهرة إلى بولاق، وهذه - ~~كما هو معروف - تحمي خطا من المتاريس والخنادق، كان محمد علي قد أنشأه أيام غزوة ~~الإنجليز الأخيرة، ولا جدال في أنه سوف يعمد إلى نفس الاحتياط، إذا أرغمته الظروف ~~على ذلك، ولكن الجند الأتراك سوف يلقون صعوبة في الدفاع عن مثل هذا الامتداد الطويل ~~من الأرض، إلا إذا بادر لمساعدتهم على الأقل حدوث فيضان مرتفع للنيل، حتى تملأ مياه ~~النهر الخنادق المحفورة؛ إذ يعد الهجوم الأمامي حينئذ غير عملي، ولا غنى عن ~~الاستدارة حول هذه المراكز، مما ينجم عنه صعوبات أكثر، ولكني لا أعتقد أن الباشا ~~سوف يصر على الدفاع خارج القلعة إذا وصلت الأمور إلى هذا الحد من الحرج، ويبدو لي ~~أن خطة الحرب التي سوف يتخذها، هي بذل قصارى الجهد للاحتفاظ بالإسكندرية حتى تأتيه ~~النجدات التي وعد الإنجليز بإمداده بها في مثل هذه الحالة، وأما إذا فقد الإسكندرية ~~وخسر معركته الأولى، فإنه سوف يرتد إلى القاهرة، ينشر الخراب في البلاد التي سوف ~~يمر بها في طريقه إليها، فإذا بلغ القاهرة الخاضعة لسلطانه، دافع عنها بالحديد ~~والنار من مدفعية «القلعة»، ووضع فرسانه حوالي القاهرة وعلى شاطئ النهر، حتى إذا لم ~~يعد في وسعه الاستمرار في الدفاع، طلب التسليم، أو عمد إلى إنقاذ نفسه بالفرار صوب ~~السويس، ms0937 حاملا نفائسه وأمواله، وآخذا معه أهله وأصدقاءه الأوفياء، وقد احتفظ لهذا ~~الغرض بعدد كاف من الهجن. ~~«ولم يزد الأتراك خلال السنوات التي قضوها أخيرا بالإسكندرية شيئا على ~~التحصينات الموجودة بها، فكان كل ما فعلوه أنهم قاموا بترميم وإصلاح التحصينات ~~التي تركها «جيش الشرق»، ولا شك في أن السيد «سانت مارسيل» قد أبلغكم - أي الوزير - ~~أمر الأعمال الجديدة التي قام بها الباشا، وهذه - كما يؤكد لي كثيرون - لا قيمة ولا ~~أهمية لها، فهي لا تعدو ترميم الأسوار القديمة من أيام العصور الوسطى حول ~~المدينة، وهذه عند بلوغها حد الكمال لا تستطيع سوى إبداء مقاومة ضعيفة ضد هجوم ~~تؤيده المدفعية، وفضلا عن ذلك يتطلب الدفاع وجود حامية كبيرة بالإسكندرية، مما ~~يتعذر على الباشا فعله، وفي نظري أنه يستحيل عليه العثور بتاتا على العدد الكافي ~~من رجال المدفعية اللازمين للخدمة في المراكز الأكثر أهمية. وأما تحصينات دمياط فهي ~~تماما نفس التحصينات التي أنشأها الفرنسيون (إبان حملتهم) على فرع النيل، على ~~مسافة قريبة من مصبه.» # وقد صحب «دروفتي» «بوتان» في رحلة إلى الصعيد في نوفمبر 1811، استمرت حتى بداية ~~العام التالي، فعاد «دروفتي» إلى القاهرة في أواخر يناير 1812 تاركا «بوتان» في ~~قنا؛ حيث ذهب هذا منها إلى القصير. # وأما «نرسيا» فقد قصد إلى القسطنطينية، والمعروف أنه كان بها في مايو 1811، ثم ~~قصد إلى الأناضول؛ حيث شاهد بؤس أهله العظيم، وانتشار روح الاستياء والتذمر بين ~~سكانه، حتى إن الصانع أو الزارع المسلم - كما قال - صار يتوق لأن تبسط دولة ~~أوروبية سيطرتها على البلاد؛ حتى تعمل على تحريره من طغيان العثمانيين وظلمهم، وكان ~~من رأيه أنه إذا غزيت الشام ومصر، تسنى العثور في بلاد الأناضول على موارد عظيمة ~~تكفي لتغذية جيش مؤلف من مائتي ألف جندي سنوات عديدة، أضف إلى هذا، أن هؤلاء الجند ~~ال 200000 يمكن جمعهم من بلاد الأناضول، بل وأكثر من هذا العدد إذا أراد الباشوات ~~أصحاب الحكم في هذه الجهات. وفي يناير 1812، كان «نرسيا» موجودا بطرابلس الشام، ~~وقد راجت الإشاعات وقتئذ عن ms0938 وصول أسطول فرنسي أمام الشواطئ المصرية، ثم تحدث ~~«نرسيا» عن عكا، فقال: إن عدد سكانها لا يتجاوز الستة أو السبعة آلاف، وإن ~~تحصيناتها أولية وضعيفة، ولا تعد وحاميتها الخمسمائة، يضاف إليهم خمسمائة آخرون من ~~المماليك الذين هم متغيبون أكثر الوقت، أو مبعثرون في مختلف الجهات، وقال «نرسيا» ~~عن يافا: إن الاستيلاء عليها سهل ميسور. # ذلك كان مبلغ اهتمام نابليون بالشرق وقتئذ، وسواء حالت مشاغله في أوروبا دون ~~غزو الشام ومصر - وذلك ما حدث فعلا - أو أن في وسعه في هذه السنوات، تنفيذ مشروعه، ~~فقد شكل «سر نابليون» سياسته نحو مصر، ووجه نشاط الوكلاء الفرنسيين بها وجهات ~~معينة، تتفق والغاية التي يستهدفها الإمبراطور، والتي ظل رغم مشاغله يمني النفس ~~ببلوغها، ويعمل على تحقيقها. # وآية ذلك - عدا ما عرفنا - أنه حدث في اليوم نفسه الذي وافق فيه الإمبراطور على ~~مشروع التعليمات المعطاة «لنرسيا»، أن كتب إلى وزير خارجيته «الدوق دي كادور» في 13 ~~أكتوبر 1810، حتى يطلب من القناصل الفرنسيين في الشام ومصر مذكرات مفصلة عن مجريات ~~الأمور في هذين البلدين عند أول يناير 1811، فيتناول هؤلاء الموضوع من نواحيه ~~السياسية والعسكرية والمالية، وعلى أن يراجعوا هذه المعلومات حتى تتفق مع حقيقة ~~الأحوال السائدة، عند أول يوليو من العام نفسه، ثم معاودة الكرة مرة ثانية عند أول ~~يناير 1812؛ وذلك - كما قال نابليون - «حتى يجد كل الآراء أو الفكر التي سوف ~~يحتاجها في هذه المذكرات التي يجب أن تكون منظمة ومرتبة، ومتصلة بشئون العلاقات ~~الخارجية.» # وفي اليوم نفسه كذلك (13 أكتوبر 1810)، بادر «الدوق دي كادور» بالإجابة على ~~تقارير «سانت مارسيل» بتاريخ 20 مارس، 25 أبريل، 29 مايو 1810، وقد تحدث هذا في ~~تقريره الأول - وكان تقريرا مسهبا - عن تجارة القمح النشيطة بين مصر ومالطة وعن ~~مسلك «الأب أرمننجيلد» المشين، الذي بادر برفع علم بيت المقدس «بمجرد أن نزل إلى ~~البر قبطان إبريق إنجليزي، ثم وضع نفسه بعد ذلك تحت حماية القنصلية السويدية، والذي ~~أوقف في الكنيسة الدعاء المعتاد لجلالة الإمبراطور نابليون، نتيجة لوصول أوراق ~~غازيتة مالطة، ms0939 من هذه الجزيرة، تتضمن قذفا في حق الإمبراطور، أو بناء على أوامر ~~يدعي صدورها من البابا.» ثم استطرد «سانت مارسيل» يتحدث عن الشكاوى التي قدمها ~~إلى «دروفتي» في القاهرة حتى يعمل على استدعاء هذا الرجل الديني المنشق، وحتى ينال ~~من الباشا السلطة التي تمكن الوكلاء الفرنسيين من ممارسة اختصاصاتهم في ~~الإسكندرية التي تخضع لسلطان «بتروتشي» القنصل السويدي وأحد وكلاء الإنجليز بها. ~~كما راح يتحدث عن الشكاوى التي بعث بها إلى «لاتور موبورج» بالقسطنطينية، وقال: ~~«وأما الأول (دروفتي) فإنه عجز عن حمل الباشا على التدخل في هذه المسألة، وأما ~~الثاني (لاتور موبورج) فقد أجاب بكل بساطة في رسالته إلي بتاريخ 12 مايو 1809، بأنه ~~ينبغي فيما يتعلق بمسألة «الأب أرمننجيلد» أن يعاقبه رؤساؤه.» ثم عاد فقال في ~~رسالته بتاريخ 6 ديسمبر 1809، إن الواجب يقتضي مغادرة «الأب أرمننجيلد» ~~للإسكندرية. ~~«والواقع هو أني لم أظفر بشيء. وقد أبلغ نيافة الرئيس العام لهذه المؤسسة في بيت ~~المقدس، وهي التي ينتمي إليها الأب أرمننجيلد، وقد أخبرته بكل هذه الوقائع، فأبلغ ~~«دروفتي» في شهر ديسمبر من العام الماضي، أنه قد استدعى هذا الرجل، واستبدل غيره ~~به، بل وأمر بمجيء أحد رجال هذه المؤسسة من القاهرة، ليقوم بوظائف «الأب أرمننجيلد» ~~مؤقتا حتى يحضر من يتسلم عمله، ولكنه لما كان هذا الأخير يدعي لنفسه الحق في ~~استئناف قرار صاحب النيافة لدى رومة، فقد بقي بالإسكندرية، ولم يصل المعين بدلا ~~منه إلى الإسكندرية إطلاقا، مما ينهض دليلا على تضامن صاحب النيافة مع «الأب ~~أرمننجيلد» ومسلكه المزيف، وهو الذي يصدر لوكلائه هنا أوامر متناقضة في نفس الوقت ~~الذي يتهرب فيه من إحقاق مطالبنا المشروعة؛ ولذلك، فمن الضروري القضاء على مكائد ~~هؤلاء الرهبان المشينة، أولئك الذين طمس أبصارهم ذلك التعصب الإجرامي الذي كان مبعث ~~أضرار كثيرة في أماكن أخرى.» # وتحدث «سانت مارسيل» في رسالته بتاريخ 25 أبريل 1810، عن استمرار تصدير الغلال ~~والأرز إلى مالطة، ونشاط تجارة الباشا مع الإنجليز، بينما لم يصل إلى الإسكندرية ~~منذ بداية هذا العام سوى مركبين حربيين وأربع ms0940 سفن تجارية فرنسية، جاءت من مرسيليا، ~~وتحمل الأخيرة بضائع قليلة وقد عادت محملة بالنطرون خصوصا، وهذا عدا بعض السفن ~~اليونانية التي ترفع العلم العثماني، وقد حضرت هذه من مرسيليا محملة كذلك ببضائع ~~قليلة، وأخذت حمولتها من النطرون، وشكا «سانت مارسيل» من حاكم الإسكندرية الجديد، ~~خليل بك ابن أخت الباشا؛ لأنه فرض ضريبة جمركية أخرى على الصادرات من الكتان ~~والنطرون، والواردات من الأخشاب والصابون وغير ذلك، وكان خليل بك قد عين حاكما ~~للإسكندرية، في مكان طبوز أوغلي، منذ أوائل العام نفسه، وصفه «سانت مارسيل» بأنه ~~شاب لا خبرة له بتاتا، ولو أنه يريد النظام والعدالة، وكان - على ما يبدو في ~~رسالته بتاريخ 29 مايو - أن أبلغ «سانت مارسيل» الوزير نجاح مساعيه أخيرا في إرغام ~~«الأب أرمننجيلد» وغيره من الرهبان المتعصبين في ملجأ أو مؤسسة بيت المقدس ~~الدينية بالإسكندرية على مغادرة هذه المؤسسة. # وقد أجاب «الدوق دي كادور» على هذه التقارير، بتهنئة «سانت مارسيل» على نجاحه ~~هذا، وقال: «إن الهدوء المعتاد سوف يعود إلى الملجأ أو المؤسسة، بذهاب هؤلاء، كما ~~امتدح نشاطه في إرسال المعلومات الخاصة بالنشاط التجاري في الإسكندرية، واستزاده ~~منها في تقاريره المقبلة، وطلب إليه أن يبلغه كل ما يمكنه الوقوف عليه من معلومات ~~ذات صلة مباشرة أو غير مباشرة بصالح حكومة جلالة الإمبراطور، وعلى الخصوص فيما ~~يتعلق بتجارة إنجلترة ونظامها البحري.» # واستمر اهتمام الإمبراطور بمعرفة حال تحصينات الثغور والمراكز الرئيسية في مصر ~~والشام، استعدادا لغزو هذه البلاد، فطلب من وزير خارجيته في 6 ديسمبر 1810 أن ~~يكتب بالشفرة إلى قناصل الإمبراطور في مصر لإرسال المعلومات التي تصف مفصلا كل ما ~~يتعلق بتحصينات القاهرة والإسكندرية ودمياط والعريش، كما طلب إليه أن يكتب إلى ~~القناصل في الشام كي يبعثوا إلى الوزير بتفصيلات وافية عن التحصينات في غزا ويافا ~~وعكا، وأن يوصوا بإرسال هذه المذكرات بطريق مأمون، وأن يكتبوها بالشفرة. # وقد تقدم كيف أن نابليون ظل يفكر تفكيرا جديا في مشروع الحملة على الشام ومصر ~~طوال عام 1811، ويطلب من وزير بحريته «ديكريه» ms0941 تهيئة الأساطيل الفرنسية في ميناء ~~طولون وعند مصب «ألاسكو» خصوصا لهذا الغرض. # ومع أن هذا الغزو لم يقدر له الوقوع لا في هذه السنوات ولا في السنوات التالية، ~~لأسباب خارجة في الحقيقة عن إرادة الإمبراطور نفسه، فقد كان لوجود هذا السر - سر ~~نابليون - أثر مباشر على تكييف السياسة الفرنسية تجاه محمد علي، في الموضوع الذي ~~استأثر باهتمامه من أيام حملة «فريزر» وهو الاستقلال من نمط استقلال وجاقات ~~الغرب. ~~(7) الفرنسيون يرفضون استقلال محمد علي # ولم تسد بين محمد علي والوكلاء الفرنسيين، نفس العلاقات الوثيقة التي ربطت بين ~~الباشا و«دروفتي» على وجه الخصوص، أيام أزمة النقل إلى سالونيك، أو أثناء وجود جيش ~~«فريزر» بالإسكندرية، فإنه ما إن جلت الحملة الإنجليزية عن هذه حتى بدأت العلاقات ~~بينه وبين الوكلاء الفرنسيين تدخل في طور جديد، صادف فيه «دروفتي» وزملاؤه مصاعب ~~جمة، مبعثها مضي الباشا في بيع غلاله للإنجليز، بالرغم من احتجاجات الوكلاء ~~الفرنسيين المتكررة، ومبعثها كذلك، ما صار معروفا لدى الباشا، وحرص «بتروتشي» ~~وسائر الوكلاء الإنجليز على إذاعته وترويجه، من انتواء الإمبراطور غزو مصر في أول ~~فرصة سانحة. # وكان الغزو الفرنسي المتوقع لمصر من الشائعات التي ظلت رائجة في هذه البلاد خلال ~~السنوات التي نحن بصدد دراستها (1808-1811)، وكان لها أوضح الأثر في رسم السياسة ~~التي جرى عليها محمد علي، سواء في علاقاته مع الإنجليز والفرنسيين أنفسهم، أو مع ~~الباب العالي، وكانت هذه سياسة تتسم بطابع الحيطة والحذر في علاقاته مع هؤلاء ~~الأطراف الثلاثة، فهو يتقرب من الإنجليز كي يتقي شرهم، وحادث غزوهم الأخير ~~للإسكندرية لا يزال ماثلا في الأذهان، وكي يستعين بهم على دفع الغزو الفرنسي إذا ~~وقع ولا يريد إغضاب الفرنسيين؛ اتقاء لشرهم كذلك، وحتى لا يستعد لمجيء حملتهم ~~المرتقبة على هذه البلاد، ولا يزال حادث غزوهم لها بدعوى الاقتصاص من المماليك على ~~إيذائهم المصالح الفرنسية ماثلا في الأذهان كذلك، وهو لا يثق في نوايا الباب ~~العالي نحوه، ويريد الاستعانة بإنجلترة وفرنسا في الوصول إلى الاستقلال الذي ينشده، ~~حتى إذا رفضت هاتان ms0942 الدولتان مساعدته، سلك مع الباب العالي الطريق الذي اعتقد أنه ~~يعينه على نيل مأربه. # فإنه ما كاد الباشا يفرغ من مسألة عصيان ياسين بك الأرنئودي التي انتهت بنفيه ~~خارج البلاد في فبراير 1808، وفي الظروف التي سوف يأتي ذكرها، حتى راجت الشائعات ~~القوية عن قرب نزول جيش فرنسي بالشواطئ المصرية، وكان الإنجليز هم المسئولون عن ~~ترويج هذه الشائعة، عندما وصل الإسكندرية منذ 18 يناير ذلك الإبريق الإنجليزي الذي ~~سبقت الإشارة إليه، وهرع «بتروتشي» إلى القاهرة لمقابلة الباشا بها، وأسفرت ~~المقابلات السرية والكثيرة بينهما، منذ وصوله في 25 يناير، عن ذيوع نبأ صدقه ~~كثيرون هو أن هناك حملة فرنسية كبيرة، تجري الاستعدادات في مواني فرنسا لإرسالها ~~إلى مصر، فتوقفت الإجراءات التي كان قد بدأها الباشا لترحيل عدد كبير من الجند ~~الذين أظهروا تمردهم ضد سلطانه إلى الشام، وصدرت الأوامر إلى الإسكندرية ورشيد ~~ودمياط لتهيئة وسائل الدفاع عنها جميعها. # وكان الذي حمل الإنجليز على تحذير محمد علي من هذا الغزو المتوقع، ما عرفوه عن ~~حملتي «أليمان» إلى ألبا و«غانتوم» إلى كرفو، واحتمال أن تذهب لذلك حملة أخرى من ~~تارنتو أو كرفو إلى مصر، أضف إلى هذا اعتقاد الإنجليز الراسخ أن الفرنسيين لن ~~يتخلوا عن مشروع غزو مصر بتاتا، فقال «سانت مارسيل» في تقريره إلى حكومته في 21 ~~فبراير: إن الغرض من مجيء الإبريق الإنجليزي إبلاغ محمد علي قرب وصول قوات فرنسية ~~عظيمة إلى مصر، ونصحه بتقوية المراكز الرئيسية في الشاطئ المصري، وتعزيز حامية ~~الإسكندرية، وكان عندئذ أن عرض عليه الإنجليز إمداده بجيش لمساعدته ورفض الباشا ~~الاستعانة بقوات أجنبية - على نحو ما سبق ذكره. # ولقد لقي هذا النبأ ذيوعا كبيرا في الإسكندرية على وجه الخصوص؛ حيث راح ~~المسئولون بها يحذرون الشعب من قرب حضور جند أجانب لغزو مدينتهم، وفريق قال: إن ~~هؤلاء من الإنجليز، واعتقد فريق آخر، وهم الأكثرية، أن الغزاة من الفرنسيين، ثم ~~سرعان ما اشتد هياج الخواطر، عندما دخل ميناء الإسكندرية في 2 مارس 1808، ذلك ~~الشباك الفرنسي المسلح «سربان» الذي تقدمت الإشارة ms0943 إليه، فقد انزعج المسئولون من ~~الأتراك والأرنئود بالثغر أيما انزعاج، وساورتهم المخاوف من أن تكون هذه السفينة ~~طليعة أسطول فرنسي على وشك الظهور أمام الإسكندرية، وقلق طبوز أوغلي حاكم المدينة ~~قلقا عظيما، فنشطت حركة الجند بها، استعدادا للدفاع، وتسلح الأهلون، وبذل «سانت ~~مارسيل» قصارى جهده لتهدئة الخواطر، وزالت المخاوف رويدا رويدا عندما أنزلت ~~السفينة البضائع التي كانت تحملها إلى البر، ومضت الأيام ولم يظهر للأسطول المزعوم ~~أثر. # وفي القاهرة، كان حرج «دروفتي» وسائر مواطنيه عظيما بسبب هذا الحادث، واستمر هذا ~~الحرج أياما عديدة؛ وذلك لأن الباشا صار يتوعد ويتهدد «دروفتي» لمعرفة المهمة ~~الغير الاعتيادية التي كلف هذا الشباك الفرنسي بها، وكثر اعتداء الجند على ~~الإفرنج، وأوجز «دروفتي» وصف الحالة في القاهرة، فقال: «إهانات مفرطة يرتكبها ~~الجند في حق الأوروبيين، سرقات، وحوادث قتل تقع في الشوارع وفي وضح النهار. وأما ~~في الإسكندرية فالغرامات والفرض بجميع أنواعها، وإزعاج وسوء معاملة للأوروبيين على ~~يد حاكمها، وإفراط الجند في التعدي والإخلال بالنظام، مع عدم توقيع أية عقوبة ~~عليهم لردعهم.» # ثم تزايدت متاعب الوكلاء الفرنسيين بسبب حادثي «الأب أرمننجيلد» والسفينة ~~«لاروز»، وقد سبق الكلام عنهما، كما كثر في الشهور التالية ورود صحف مالطة ~~الإنجليز، تقذف في حق الإمبراطور، ويروج الوكلاء الإنجليز مطاعنها عليه، وبذل ~~الوكلاء الفرنسيون كل ما وسعهم من جهد وحيلة لكسب رضاء محمد علي، فانتهز «سانت ~~مارسيل» قيام الباشا برحلته في الوجه البحري، في سبتمبر 1808، لمحاولة ذلك، وكان ~~الباشا قد طلب إلى «دروفتي» مرافقته في هذه الجولة التي أراد بها زيارة دمياط ورشيد ~~والإسكندرية، وامتنع «دروفتي» عن تلبية طلبه، في الظروف التي عرفناها، فأهدى «سانت ~~مارسيل» محمد علي بندقية للصيد من صنع فرساي، وأهدى ترجمانه نظارة، وذلك ~~أثناء زيارة الباشا لرشيد، وتكبد «سانت مارسيل» نفقات عظيمة بسبب هذه الزيارة، ولو ~~أنه لم يكن هناك معدى في رأيه عن تحمل هذه النفقات لمقاومة نفوذ الوكلاء الإنجليز، ~~ولجلب رضاء محمد علي، فكتب إلى الوزير «شامباني» من الإسكندرية في 2 يناير 1809، ~~يلفت نظره إلى هذه النفقات ms0944 التي صار يشكو من فداحتها، ويطلب إلى الوزير إمداده ~~بالمال اللازم لمجاراة الوكلاء الإنجليز، فكان مما ذكره، يعلل سؤاله هذا: إن الوزير ~~قد لا يعتقد أن النفقات التي تحملتها القنصلية الفرنسية بالإسكندرية، بسبب الهدايا ~~التي قدمت للباشا وإنفاق المال الذي أوجبه وجوده برشيد ، أكثر مما ينبغي بذله، ولكن ~~الحقيقة أن هذه المبالغ ضئيلة بالقياس إلى ما ينفقه الوكلاء الإنجليز، وفضلا عن ~~ذلك، فإنها لم تكف لإرضاء الباشا، ثم استطرد «سانت مارسيل» يقول: «ومما زاد في ~~شجوني أني علمت من السيد «دروفتي» أن الباشا قد شكا إليه من قلة كرمي وسخائي ولا ~~يسعني إلا أن أعزو هذا الإلحاح، وهذا التذمر من جانبه، إلى تلك الصداقة المغرضة ~~التي يبديها نحو الإنجليز الذين يعطونه أكثر بكثير جدا مما في وسعنا أن نعطيه نحن ~~له، فأنظار أعدائنا موجهة دائما نحو مصر، ويبغون من سخائهم غرضا من الضروري ~~تلافيه قبل وقوعه، ومن واجبنا إحباط مكائدهم، ولا ندحة لنا للوصول إلى هذه الغاية، ~~عن كسب صداقة رجال وعمال هذه الحكومة - أي حكومة محمد علي - ولا طريق إلى ذلك غير ~~إعطاء الهدايا في الظروف المناسبة، فإذا كانت هذه ضئيلة القيمة، امتنع تحقيق الغرض ~~منها، وأما إذا انقطع إعطاء هذه الهدايا بتاتا، فسوف يتعرض القناصل لمزعجات تسوئ ~~في هذه البلاد سمعة الفرنسيين، وتقضي تماما على التجارة الفرنسية، بفضل ما سوف ~~يلقاه حينئذ أعداؤنا من مزايا كثيرة؛ ولذلك فإنه إذا تعذر علينا مجاراة هؤلاء ~~الأعداء في سخائهم، فلنعط إذن بالقدر الذي يكفي - على الأقل - لإبعاد تلك الكراهية ~~عنا، والتي مبعثها الطمع الأشعبي، وسوف يتكفل حينئذ ما لهذه الأمة الفرنسية ~~العظيمة من سمعة عالية، ومجد عسكري، بترجيح كفة الميزان في صالحنا.» # وكان في شهر مارس أن انحلت مسألة السفينة «لاروز»؛ حيث أصدر الباب العالي فرمانا ~~أمر فيه بإرجاع البضائع المصادرة إلى أصحابها، المرسلة هذه إليهم، بالإسكندرية، ~~وإرجاع السفينة إلى ربانها على أن يرفع هذا العلم العثماني عليها، ولم يكن هذا ~~الحل، بالحل الذي يريده «سانت مارسيل» الذي شهد المدافع تطلق ms0945 من الطوابي بالثغر ~~تحية لهذا العلم عند رفعه، وقال: «إن المال الذي وزع بسخاء على رجال الحكومة ~~بالإسكندرية، كان من أثره مظاهرات الاحترام هذه التي لم يكن من عادة المسئولين ~~إجراؤها.» # وانتهت مسألة هذه السفينة، في الوقت الذي ذاع فيه خبر عقد الصلح بين الباب العالي ~~وإنجلترة جاء به إلى الثغر إبريق إنجليزي، احتفل بمقدمه قنصلا إسبانيا والنمسا، ~~فرفعا أعلام دولتيهما احتفاء به، ورحب حاكم المدينة بقبطان هذا الإبريق الذي نزل ~~إلى البر لزيارته وتسليمه رسائل باسم محمد علي باشا، وقد سبق أن تحدثنا عن الأثر ~~الذي أحدثه ذيوع نبأ الصلح بين تركيا وإنجلترة، ومسعى «دروفتي» لدى الباشا الذي ظفر ~~منه بوعد قاطع بأن الحرب إذا قامت فعلا بين فرنسا والباب العالي فإنه لن يحيد عن ~~معاملته الودية السابقة للوكلاء والرعايا الفرنسيين في ولايته. # ولكن كثرة الصعوبات التي صادفها «دروفتي» في عمله كوكيل فرنسي في هذه البلاد، منذ ~~خروج الإنجليز من الإسكندرية، ورواج الشائعات عن قرب الغزو الفرنسي لهذه البلاد، ~~ونشاط تجارة القمح مع إنجلترة، وهي الصعوبات التي كان آخرها ما نشأ الآن عن عقد ~~الصلح بين الأتراك والإنجليز لم يلبث ذلك كله أن جعل «دروفتي» يسأل حكومته أن تنقله ~~من بلد صار يصفه بأنه متوحش، ولا قدرة له على الإقامة به إذا قامت الحرب فعلا ~~بين فرنسا وتركيا، فكتب في 9 أبريل 1809 يقول تعليقا على الوعد الطيب الذي أعطاه ~~له محمد علي: «ومع أنه ليس من الحكمة دائما الركون إلى مثل هذه الأقوال أو ~~الوعود، وينبغي لي أن أرغب في وقوع حادث يرغمني على ترك بلاد متوحشة أفنيت فيها ~~خمس سنوات من عمري، تحيط بي الأخطار من كل جانب، ويستبد بي القلق، ولا أتذوق غير ~~الحرمان، حتى انتهكت قواي وضعفت صحتي، فإنه إذا اقتضى صالح الدولة بقائي بهذه ~~البلاد، ففي اعتقادي أنه بوسعي على الرغم من انفصام العلاقات بين الحكومتين ~~(العثمانية والفرنسية) تدبير أمر إقامتي طالما كان هناك نفع يرجى من مكوثي بها.» ~~وقد اختتم «دروفتي» رسالته هذه ms0946 بطلب تعليمات من حكومته في هذا الشأن. # وتزايدت متاعب الوكلاء الفرنسيين، عندما عاد «بريجز» في ديسمبر 1809 إلى منصبه ~~بالإسكندرية كقنصل للإنجليز بها، ونشطت مكائد «بتروتشي»، وثار الأب أرمننجيلد ثورته ~~المعروفة على سلطان الإمبراطور الفرنسي وممثليه في مصر، وشكا «دروفتي» من دسائس ~~طبيب الباشا - مندريشي - وترجمانه ، وقويت الشائعات عن الغزو الفرنسي المنتظر، وأجاز ~~الباشا دخول سفن الحرب الإنجليزية إلى ميناء الإسكندرية، وظل «دروفتي» وزملاؤه ~~يعانون صعوبات عدة في إحباط هذه المؤامرات والدسائس حتى وقع حادث في شهر أبريل ~~1810، أثار مخاوف محمد علي من ناحية فرنسا، واستفزه الغضب الشديد بسببه على الوكلاء ~~الفرنسيين. # فقد وصل إلى مصر، في طريقه إلى جزيرة «إيل دي فرانس»، رسول في خدمة الإمبراطور، ~~يدعى «كادر» # Kader ~~، نزل من دمياط إلى القاهرة؛ حيث ~~كان يبغي مغادرة هذه الأخيرة إلى السويس حوالي اليوم السابع عشر من شهر أبريل، ~~ولكنه لم يحتط في كتمان أمره أو الغرض من رحلته، فبلغ خبره القاهرة قبل وصوله ~~إليها، وطغى عليه الزهو والافتخار، فعزا لمهمته أهمية كبيرة، لم تكن - كما قال ~~«دروفتي» - في الحقيقة لها، فكان هذا المسلك غير الحكيم من ناحيته إلى جانب اختياره ~~هذا الطريق الشاذ - طريق دمياط - للذهاب إلى الهند؛ «لأنه كان أول الرسل الفرنسيين ~~الذين شوهدوا إطلاقا يتخذون هذا الطريق في رحلتهم إلى الهند على الأقل في المدة ~~التي قضاها «دروفتي» في مصر»، كان لذلك كله أبلغ الأثر في جعل الوكلاء الإنجليز ~~يعمدون إلى اتخاذ أساليبهم المعروفة في مثل هذه الظروف للاستفادة من هذا الحادث، ~~ودبروا مكيدة للإيقاع بين الباشا و«دروفتي»، فأبلغوا الباشا أن «كادر» يحمل معه ~~رسائل إلى «دروفتي» حتى يسلمها هذا إلى البكوات المماليك، وراحوا يسعون للاستيلاء ~~على الرسائل التي حملها هذا الرسول من الباشا نفسه. # ويذكر «دروفتي» تفاصيل هذه المؤامرة، في تقريره إلى حكومته في 28 أبريل 1810، ~~فيقول: «ولكنه حدث لحسن الحظ أني في نفس المساء الذي دبرت فيه هذه المؤامرة ~~(للإيقاع بينه وبين الباشا) كان علي أن أبعث بترجماني إلى الوزير محمد علي، ~~فقابله الباشا ms0947 مقابلة سيئة للغاية، وفي سورة غضبه أرسله إلي دون أن يدعه يفتح فاه ~~بكلمة واحدة، ليبلغني أن الواجب يقتضيني الامتناع عن إنشاء صلات في مصر مضادة ~~لمصالحه إذا شئت العيش في هدوء وسلام، فما إن بلغتني هذه الرسالة، حتى امتطيت جوادي ~~قاصدا إلى القلعة دون أن أفقد دقيقة واحدة، وكان الوقت ليلا، ووجدت الباشا على ~~أهبة الانصراف إلى مخدعه، فرحب بي ترحيبا فاترا، ولو أنه أبدى ارتياحه لما ظهر من ~~اهتمامي بالحضور إليه لأساله تفسير ما وقع، ونهضت أقوالي دليلا على ما أكنه من ~~ولاء، وغادرني الباشا وهو يشكرني على حضوري الذي جنبه قضاء هذه الليلة في كدر، ~~وأعطاني موعدا لمقابلته في اليوم التالي. # وأما هذه المقابلة الثانية فقد استطالت كثيرا، أكد لي الباشا في أثنائها أن ~~الوكلاء الإنجليز قالوا: إنهم يدفعون خمسين ألف قرش عثماني، للحصول فقط على صورة من ~~الرسالة التي وصلتني من فرنسا لتسليمها إلى الزعماء المماليك، الأمر الذي يدل - على ~~ما يبدو لي - على أنهم مستعدون للتضحية بهذا المبلغ لسلب الرسول «كادر» ما يحمله، ~~وفي اعتقادي أنه لا جدوى من إبلاغكم - مخاطبا وزير الخارجية - كل ما دار في هذه ~~المقابلة، فأكتفي لذلك بذكر نتائجها. # فإنه مما يبدو لي أن الباشا مقتنع بأنه لا يقدر على الركون إلى الصداقة التي ~~يظهرها نحو الإنجليز، فإن هؤلاء إنما يبذلون قصارى جهدهم لتحريضه على اتخاذ خطوات ~~مضادة لمصالحه وواجبه، وأقسم لي على سيفه، أنه لما كان يشعر بواجبه نحو كرامته، ~~ونحو نظام حكومته، فقد رفض كل شروط يبدو أنها تستهدف وضعه تحت حماية الإنجليز، ثم ~~إنه أظهر لي أسفه على ترك فرقاطته التي يريد إدخالها في البحر الأحمر عن طريق ~~المحيط - والمقصود هنا الفرقاطة أفريقية، وقد سبق ذكر موضوعها - تبحر إلى مالطة، ~~وقد أبلغني أنه سوف يلغي السماح لسفن الحرب الإنجليزية بدخول ميناء الإسكندرية ~~القديمة، وأنه سوف يصدر أوامره لتحصين الإسكندرية تحصينا جيدا، وأنه لما كان لا ~~يسعه إلغاء الأوامر التي أجازت تصدير الحبوب إلى مالطة، فسوف يرفع أثمانها بدرجة ms0948 ~~تزعج المتجرين بها، ثم أنهى الباشا كلامه بأن طلب مني نسيان ما حدث، ثم استدعى ~~أمامي رئيس حراس قافلة السويس، وقال له: إنه سوف يعتبره مسئولا عن أي شيء يشكو منه ~~الرسول «كادر»، ثم أعطاني خطابا يحمل توصية طيبة بهذا الرسول لعمال الباشا من ~~مدنيين وعسكريين في كل المواني. # وأما هذه المقابلة فقد جرت في اليوم التاسع عشر من هذا الشهر. # وقد تمهلت في إبلاغكم عنها؛ حتى يتسنى لي أن أنقل إليكم في الوقت نفسه، أن ~~«كادر» قد وصل سالما إلى السويس، وأنه قد غادرها إلى جدة، ويحمل معه خطابات توصية ~~إلى المسئولين في جدة، وكذلك في مخا.» # وذكر «دروفتي» دليلا على أن الباشا يعني فعلا ما أبلغه إياه في هذه المقابلة من ~~حيث علاقاته مع الإنجليز: «أن محمد علي قد أنفذ أحد ضباطه إلى إسكندرية لإجراء ~~الترميمات التي تتطلبها التحصينات في هذه المدينة، وأنه بعد أن فرض ضريبة صادر على ~~الحبوب معادلة لثلثي قيمتها، بدعوى حاجته إلى بعض الغلال لإرسالها إلى القسطنطينية، ~~لم يلبث أن وضع بعض القيود على شحنات القنصل الإنجليزي إلى مالطة، وأخيرا فقد رفض ~~الموافقة على التعريفة الجديدة التي حصل السفير الإنجليزي عليها من الباب العالي ~~لتعيين قيمة الرسوم الجمركية على البضائع التي يصدرها التجار البريطانيون من مصر أو ~~يستوردونها إليها. # ومبعث هذا الرفض، هو روح الباشا الاستقلالية التي تزداد قوة دائما، وطالما بقيت ~~القسطنطينية وأزمير وحلب وجزر بحر الأرخبيل تعاني القحط والمجاعة، وتزخر مصر ~~بالغلال الوفيرة، ولقد فرضت على الصادرات إلى تركيا ضرائب كبيرة لم يسبق لها وجود ~~بتاتا.» # ولا جدال في أن تصريحات الباشا «لدروفتي» في اجتماع 19 أبريل هذا، كانت تصريحات ~~هامة، قد تنبئ - على نحو ما أراد «دروفتي» أن يقنع نفسه به - بأن تغييرا قد طرأ ~~على سياسة محمد علي، من شأنه أن يقربه من الوكلاء الفرنسيين، ويباعد بينه وبين ~~خصومهم الإنجليز، لا سيما وأن الباشا، بفضل الإجراءات الأخيرة التي اتخذها قد أقام ~~الدليل في نظر «دروفتي» على أنه يريد تعطيل تجارتهم، ms0949 والحد - على الأقل - من تصدير ~~غلاله إلى مالطة وغيرها من الأماكن التي كانت مسرحا لنضالهم مع الفرنسيين في ~~أوروبا، ولكن الحقيقة كانت على النقيض من ذلك، ولم يفطن «دروفتي» إلى غرض الباشا من ~~إظهار شكوكه له نحو الإنجليز، أو مبعث زيادة الرسوم الجمركية على الصادر، وقد كان ~~هذا إجراء ماليا، اتخذه الباشا مع الإنجليز، كما اتخذه مع الباب العالي، ولم يبغ ~~منه سوى غرض واحد فحسب، هو ملء خزائنه بالمال الذي استمر في حاجة شديدة إليه دائما ~~لدفع مرتبات الجند وسد نفقات الحكومة. ثم كان مما أحيا الأمل لدى «دروفتي» في إمكان ~~حدوث هذا التغيير في سياسة محمد علي، أن الباشا على الرغم من مكائد الوكلاء ~~الإنجليز، وسورة الغضب التي استبدت به، قد مكن «كادر» من المضي في رحلته بسلام، بل ~~وزوده بخطابات توصية إلى عماله في مختلف الأساكل. # ومع ذلك، فإن شيئا مما يكون «دروفتي» قد منى نفسه به لم يحدث، ذلك أن تصدير ~~الحبوب والكتان وغيرهما إلى مالطة لم يتوقف إطلاقا، بل تزايد نشاطه في الشهور ~~التالية، واستمرت السفن تأتي بالبضائع الإنجليزية إلى الإسكندرية، سواء كانت هذه ~~السفن بريطانية أم نمساوية أم غيرها، وترفع أعلاما إنجليزية أو غير إنجليزية. ثم ~~استمر دخول السفن الحربية الإنجليزية إلى الميناء من وقت لآخر، فحضر إبريق من مالطة ~~في شهر مايو، قال عنه «دروفتي»: إنه «الثاني الذي ظهر في هذه المياه منذ ثلاثة ~~شهور»، واحتفل الإنجليز في الإسكندرية بعيد ميلاد ملكهم جورج الثالث احتفالا ضخما ~~رائعا، ونثروا النقود بسخاء، ليلتقطها فقراء الأهلين، وذلك - كما قال «دروفتي» ~~أيضا في 13 يونيو - حتى يكسبوا صداقة الجماهير، على غرار ما فعلوا في الأيام التي ~~سبقت غزوهم في عام 1807، وعندما انتصر الباشا على بكوات المماليك في قنطرة أو جسر ~~اللاهون والبهنسا في يوليو وأغسطس من العام نفسه، واستولى على غلال وحاصلات الصعيد ~~خصوصا، صدرت أكثر الغلال إلى مالطة، وفي أكتوبر دخل الإسكندرية إبريق إنجليزي آخر ~~يحمي أربع سفن آتية من مالطة كي تستبدل غلالا بحمولتها. وفضلا ms0950 عن ذلك كله، فإنه ~~لم تمض أسابيع معدودات على هذه التصريحات التي أدلى بها الباشا «لدروفتي»، حتى ~~كان قد عقد مع «بلزوني» في 28 مايو 1810، تلك المعاهدة التي رفضت الحكومة ~~الإنجليزية التصديق عليها. # وواقع الأمر، لم يكن السبب الذي حدا محمد علي إلى التبسط في هذه التصريحات التي ~~فتحت أمام «دروفتي» آفاقا واسعة، أسف الباشا على مصادقته للإنجليز، أو ندمه على ~~إرسال فرقاطته أفريقية إلى مالطة في طريقها إلى إنجلترة كي يتم تسليحها هناك ~~استعدادا للقيام برحلتها إلى البحر الأحمر حول رأس الرجاء الصالح، أو تسلط الخوف ~~عليه من ناحية الإنجليز، أو حرصه على تنمية العلاقات التجارية بينه وبين فرنسا، في ~~وقت كان يعلم فيه أن الفرنسيين عاجزون عن الإفادة من أية تسهيلات قد يعطيها لهم - ~~وقد عرض عليهم فعلا كما ذكرنا أن يبيعهم الغلال بأثمان مخفضة - وذلك بفضل ما ~~للإنجليز من سيطرة مكينة في البحر الأبيض، بل إن الذي حفز محمد علي على الإدلاء ~~بهذه التصريحات كان تقريره الاستعانة بالفرنسيين على تحقيق مشروع استقلاله، ذلك ~~المشروع الذي عرف عنه «دروفتي» نفسه الشيء الكثير، أثناء مفاوضات عام 1807، التي ~~انتهت بجلاء الإنجليز عن الإسكندرية. # فقد اعترضت مفاوضات الباشا منذ استئنافها مع الوكلاء الإنجليز بعد جلاء حملة ~~«فريزر» صعوبات جمة، فلم تعر الحكومة الإنجليزية - كما عرفنا - آذانا مصغية ~~لمقترحاته السياسية، ثم لم تلبث أن ظهرت بعض العراقيل أثناء مفاوضته الأخيرة مع ~~«بلزوني»، وكان مبعثها محاولة «بلزوني» و«بريجز» اشتراط شروط رأى فيها الباشا ~~مساسا بكرامته ورغبة في وضعه تحت الحماية الإنجليزية، الأمر الذي جعله يقسم أمام ~~«دروفتي» أنه لن يتخلى عن واجبه نحو نفسه ونحو نظام حكومته. وعلى ذلك، فإنه ما إن ~~انتهت مفاوضاته مع «بلزوني» و«بريجز» بعقد المعاهدة، التي وإن كان مجرد إبرامها - ~~إذا جاء تصديق الحكومة الإنجليزية عليها - اعترافا عمليا بالوضع الذي يصبو ~~إليه في علاقاته مع الدول الأجنبية، وخطوة ممهدة لاستكمال الوضع المشابه لما كانت ~~تتمتع به وجاقات الغرب آنئذ؛ فقد جاءت خلوا من كل ارتباط سياسي يتصل بالمحالفة التي ms0951 ~~أرادها مع الإنجليز؛ لم يجد الباشا مناصا من محاولة الاستعانة بالفرنسيين، منافسي ~~الإنجليز وخصومهم، على الظفر ببغيته. # وكان الباشا قد حرص على استبقاء حبل المودة موصولا بينه وبين الوكلاء الفرنسيين، ~~بالرغم من رواج الشائعات الكثيرة عن عزم الفرنسيين على إرسال جيش كبير لغزو مصر، ~~فلزم الحيطة والحذر في استعداداته العسكرية، حتى «سانت مارسيل» وغيره من مواطنيه، لم ~~يخامرهم شك في أن الغرض من هذه الاستعدادات إنما هو الاحتراس من ناحية الإنجليز ~~وغزوهم لهذه البلاد مرة ثانية، أكثر من الحيطة ضد فرنسا. ثم إنه كان قد حرص كذلك ~~على استرضاء الوكلاء الفرنسيين في شئون التجارة، وأظهر استعداده دائما لتفسير ~~الأسباب التي ألزمته بتصدير الغلال إلى مالطة، وهي الأسباب التي بادر هؤلاء ~~بذكرها في تقاريرهم إلى حكومتهم يعللون بها هذا النشاط المنافي لصالح دولتهم، والتي ~~كان منها على نحو ما عنى محمد علي بإبرازه خوفه من الغزو الإنجليزي، وحاجته إلى ~~المال لإنجاز استعداداته العسكرية تهيؤا لدفع هذا الغزو إذا وقع، وزيادة على ذلك، ~~فقد تظاهر بالرغبة في معاونتهم على اجتياز الأزمة التي أحدثتها مصادرة السفينة ~~«لاروز» بسلام، أو تلك التي أثارها مسلك «الأب أرمننجيلد» المشين، ثم ها هو ذا يطلع ~~«دروفتي» على ما يجول في ذهنه، ويبسط له مخاوفه من الإنجليز، ويظهر ندمه على إرسال ~~أفريقية إلى مالطة، وتهدأ سورة غضبه فيبيح «لكادر» المضي في مهمته، ويزوده ~~بالتوصيات لضباطه. # وقد خيل إلى الباشا، الذي وإن كان لم يركن إلى نوايا فرنسا نحوه، كما لم يركن إلى ~~نوايا إنجلترة؛ فقد ظل يجهل سر نابليون، ولا يعرف شيئا عن استعداداته ومشاريعه، ~~اللهم إلا ما نقله إليه الإنجليز عنها، وكان مفهوما عن هؤلاء أنهم خصوم الإمبراطور ~~وأعداؤه الألداء، نقول إنه قد خيل إلى محمد علي أن بوسعه أن يجذب الفرنسيين إلى ~~مؤازرته على بلوغ استقلاله، إذا هو - إلى جانب كل ما تقدم - لوح أمام أنظارهم ~~بالمزايا التي يمكن أن تنتفع بها مصالحهم التجارية في مصر، وفاته أن الوكلاء ~~الفرنسيين، علاوة على ما كانت تنتويه حكومتهم ms0952 نحو مصر، كان لا مناص من أن ينظروا ~~بعين الشك إلى طبيعة ما يجري من اتصالات بينه وبين الوكلاء الإنجليز خصومهم، وأن ~~يعزوا إلى تحريض هؤلاء ومكائدهم كل مشروع يصدر من الباشا، ولا يتفق في أغراضه مع ~~أهداف إمبراطورهم السياسية. # وعلى ذلك، فقد طلب محمد علي الاجتماع «بدروفتي »، وتحدث إليه في مشروع استقلاله، ~~طالبا معاونة فرنسا في تحقيقه، فأبلغ «دروفتي» حكومته ما دار في هذا الاجتماع، في ~~تقرير بعث به إليها من القاهرة في 28 نوفمبر 1810، جاء فيه: # إن محمد علي، وهو يتأهب للسفر إلى الإسكندرية، كي يشرف بنفسه - كما ~~يقول - على شحنات الغلال التي يجب عليه إرسالها إلى القسطنطينية؛ قد رغب في ~~أن أجتمع به اجتماعا سريا قبل رحيله، فكانت مقابلة طويلة، تناول الحديث ~~في أثنائها الكلام عن مشاريعه التجارية في البحرين الأبيض والأحمر، ولا ~~سيما رغبته - قبل كل شيء - في أن تكون لديه بالبحر الأبيض سفن تجارية، ~~يسعها ممارسة حقوق الحياد في كل الأحوال، ولقد جعله النقاش حول هذا الموضوع ~~يتطرق إلى الاعتراف بأنه ليس على صلات طيبة جدا بحكومته؛ أي الباب ~~العالي، وأنه يريد من فرنسا موافقتها على أن يصير في مصاف وجاقات ~~الغرب. # ولقد انتقل من ذلك في استطراد طويل، إلى الكلام عن المزايا التي بوسعه ~~إعطاؤها للتجارة الفرنسية، ثم اختتم حديثه مطالبا إياي أن أوضح له ما إذا ~~كان من المحتمل أو من غير المحتمل، أن تلقى المزايا التي يعرضها، والتي ~~تنتفع بها التجارة الفرنسية قبولا لدى صاحب الجلالة الإمبراطور، ولما صار ~~الباشا يلح علي في أن أجيب على تساؤله جوابا قاطعا، ذكرت له أن هذا أحد ~~الشئون العليا التي يخرج تناولها عن نطاق عملي المكلف به لدى محمد علي، ~~وأن كل ما أستطيع فعله هو أن أعده بإحالة هذا الموضوع على وزير الخارجية ~~الفرنسية، ويبدو لي أن جوابي هذا كدره، فأظهر تحفظا في مقالته بعد ذلك، ~~لم ألحظه عند بداية الحديث. # ويبدو مما ذكره لي قبل هذا التحفظ، أن الوكلاء الإنجليز قد أكدوا له ms0953 نجاح ~~المفاوضات التي سوف يجريها مع حكومتهم بشأن هذه المسألة، بل وأجزم أن لهم ~~نصيبا كبيرا في جعله يقرر الذهاب إلى الإسكندرية؛ حيث ينتظرون بها وصول ~~قنصل بريطاني جديد، هو مأمور السفارة البريطانية السابق ~~بالقسطنطينية. # ولقد علمت أنهم؛ أي الوكلاء الإنجليز، معجبون بأنفسهم لنجاحهم في صرف ~~الباشا عن الإصغاء لنصائحي، ويرجون بمجرد ذهابه إلى الإسكندرية أن يستطيعوا ~~الظفر منه بتسهيلات كثيرة؛ لأخذ الحبوب، ولإنجاح كل عملياتهم الأخرى ~~التجارية والسياسية. ومما يدعو للأسف أن الإنجليز قد اشتروا كل الرجال ~~المحيطين بالباشا، ثم إنهم يدفعون الذهب كتضحية في سبيل تمكنهم من خديعته، ~~وتحريضه على اتخاذ خطوات أفضت إلى توريطه دائما مع الباب العالي، فضلا عن ~~تمكينهم من توثيق الصلة بين مصلحته وصوالحهم، وجبره على اعتبار الإنجليز ~~وحدهم أصدقاءه المخلصين الذين في وسعه أن ينتظر بعض المساعدة منهم عند ~~الحاجة. # ومع ذلك، فأملي كبير في أن يستطيع «سانت مارسيل» بفضل ما عرف عنه من غيرة ~~ونشاط أن يثبت لدى محمد علي ذلك التحرز النافع الذي مبعثه إساءة الظن ~~بالإنجليز، والذي منعه حتى الآن من الوقوع في الشرك الذي تنصبه له هذه ~~الزمرة من الأعداء. # ذلك كان الأسلوب الذي عرض به «دروفتي» مقترحات الباشا على حكومته، ولقد كان من ~~الواضح أن محمد علي في رغبته أن يكون لسفنه الحق في ممارسة حقوق الحياد، ~~إنما أراد أن يظفر لباشويته بذلك الوضع الذي كان لوجاقات الغرب، والذي من خصائصه ~~تمكين الوجاقات الثلاثة: طرابلس، وتونس، والجزائر، من التزام موقف الحياد إذا نشبت ~~الحرب بين الدولة العثمانية صاحبة السيادة الاسمية عليها، وبين أية دولة أجنبية، ~~فتسير سفن الوجاقات بأمان، تخفق عليها أعلامها، ودون أن تتعرض لخطر المصادرة. ولقد ~~كان من مزايا الظفر بهذا الوضع المباشر لباشويته، عدم تعطيل نشاط الباشا التجاري، ~~في وقت كثر فيه دخول السفن إلى ميناء الإسكندرية خصوصا، وخروجها منها محملة ~~بالبضائع المجلوبة إلى مصر أو المصدرة منها، وعندما كان محمد علي يهتم ببناء أسطول ~~تجاري يعمل في البحرين: الأبيض والأحمر؛ كي يستخدمه في نقل ms0954 منتجات باشويته، فيستأثر ~~هو بتجارة المرور، بدلا من أن يفيد من هذه أصحاب السفن الأجنبية، ثم إنه كان من ~~مزايا الوضع الذي أراده لباشويته، تقرير الحكم الوراثي في أسرته في مصر، على نحو ~~ما سبقت الإشارة إليه مرارا في هذه الدراسة. # ولكن «دروفتي» الذي لم يكن يجهل مشروع الباشا الاستقلالي، لم يجد في مقترحات محمد ~~علي أثناء هذه المقابلة السرية ما يدعوه للفت نظر حكومته إليه جديا، سوى نشاط ~~الوكلاء الإنجليز ومساعيهم للتأثير على بطانة الباشا بالرشاوى، وعلى الباشا نفسه ~~بالهدايا حتى يجذبوه لتأييد مصالحهم، واعتبر مشروع محمد علي الذي يمكنه من الوقوف ~~موقف الحياد في علاقاته مع الباب العالي والدول الأوروبية عند قيام حالة حرب بين ~~تركيا والدول، من وحي الإنجليز أنفسهم الذين يبغون توريط محمد علي مع الباب العالي، ~~لبواعث اعتقد «دروفتي» أنها لا بد متصلة بمصالحهم السياسية والتجارية فحسب، وكان ~~مما أيد هذا الرأي لديه ما قاله محمد علي نفسه، من أن الوكلاء الإنجليز يؤكدون له ~~موافقة حكومتهم على أن تكون لديه سفن تجارية بالبحر الأبيض يسعها ممارسة حقوق ~~الحياد في كل الأحوال. # وفضلا عن ذلك، فقد كان «دروفتي» صاحب آراء محددة عن حكومة محمد علي من ناحية، ~~وعن أساليب الباشا السياسية من ناحية أخرى، من حيث إن هذه الحكومة لم تكن متمتعة ~~بذلك الاستقرار الذي يخول الباشا التطلع إلى الاستقلال المنشود، ومن حيث إن هذه ~~الأساليب كانت تهدف إلى مداورة واسترضاء الدول الأوروبية جميعها، ولا يمكن ~~الاطمئنان لذلك إلى سياسته، بل ينحصر نشاط الباشا في باشويته، ولا يتعدى أفق سياسته ~~حدود هذه الباشوية ذاتها. وبنى «دروفتي» رأيه هذا، على تجاربه الطويلة في هذه ~~البلاد، وعلى وقوفه على مجريات الأمور بها، لا سيما في الفترة التي تلت جلاء ~~الإنجليز عن الإسكندرية. # وقد بسط «دروفتي» وجهة نظره هذه منذ أوائل عام 1808، في تقرير مسهب عن الموقف في ~~مصر، بعث به في 8 أبريل، إلى «تاليران» برنس ودوق دي ~~بنيفنتو # Benevent # وزير الخارجية الفرنسية، فقال: «... وأما فيما يتعلق ~~بالباشا ms0955 فإنه يعتبر نفسه لا أقل من أمير مطلق السلطة، بالرغم من قوله إنه عبد ~~لجلالة السلطان المعظم، وبينما يصدر أوامره لمرءوسيه بتنفيذ المعاهدات القائمة بين ~~الحكومات الأوروبية والباب العالي، فهو لا يدع الفرصة تمر دون إظهار أن هذه الأوامر ~~إنما تصدر عن تلك السيادة التي يمارسها، ويتوقف إصدارها على إرادته هو وحده، ~~والمبدأ الذي يطغى على سياسته، هو دائما مراعاة خواطر جميع الدول، دون تمييز ~~إحداها على الأخرى، وإذا شاء جلالة الإمبراطور مراجعة التقارير التي كان لي شرف ~~تقديمها إلى السفارة الفرنسية بالقسطنطينية خلال عام 1807، لاتضح له أنه ليس لمحمد ~~علي أي اتجاه أكيد في علاقاته مع الوكلاء الأوروبيين، فلا تتعدى سياسته حدود مصر ~~التي يقول إنه إنما صار سيدا عليها بحد حسامه، والتي يقول إنه إنما يبغي قضاء ~~حياته بها، وأن يكون مماته ودفنه بها. # ومع ذلك، فإن ادعاءات السيادة هذه لم تنجح حتى هذه اللحظة في تحريره من تلك ~~التبعية التي يفرضها عليها جيشه، ذلك الجيش الذي هو مستعد دائما للتمرد والعصيان ~~من أجل مرتباته المتأخرة، ولقد جعلته هذه الحقيقة أكثر من أي شيء آخر يبذل قصارى جهده ~~لإنهاء خلافاته مع البكوات المماليك بأية وسيلة كانت، فقد كان يريد الذهاب إليهم ~~على رأس جنده قبل الحوادث التي وقعت في الأيام الأخيرة من شهر أكتوبر 1807 - ويشير ~~هنا إلى تمرد الجند وقتذاك، وكان حادثا سوف يأتي ذكره - حتى يملي شروط الصلح عليهم ~~في البلاد التي يوافق اليوم على تركها لهم. # ويبدو لي أنه لا معدى عن عرض هذه الأمور، لما تنطوي عليه من دلالة على أن الموقف ~~في مصر سوف يظل دائما دون تغير وعلى حاله، فيما يتعلق بتلك الحكومة التي سوف تخضع ~~دائما لكل تلك المتاعب المنبعثة من عدم استقرارها، ووجود تلك المنازعات الحزبية ~~التي تحيط بها، ولا مفر من أن يشعر الإفرنج بالصدمات التي تنجم عن مثل هذه الحالة ~~التي يسودها اختلال النظام، ومن واجب القناصل كذلك أن يعتمدوا على ما يستطيعون الآن ~~وفي المستقبل أن ينالوه ms0956 من نفوذ بتدبيرهم الشخصي، أكثر من اعتمادهم على ~~الامتيازات والاحترام الذي تضفيه عليهم طبيعة مهمتهم. # والمصريون في حال يبعث على أبلغ الأسى، فالضرائب القاسية في الصعيد والوجه ~~البحري، والمظالم وبعثرة الأموال قد أرهقت المزارعين واضطرتهم إلى الشحاذة، كما ~~ألقت بهم في مهواة اليأس والقنوط.» # وأما اعتقاد «دروفتي»، بأن تشبث محمد علي بمشروع استقلاله من وحي الإنجليز، فكان ~~اعتقادا قديما رسخ في ذهنه، منذ أن شهد توثق الصلات بينه وبينهم، بسبب تجارة ~~القمح، وزيادة نشاط الوكلاء الإنجليز، وبخاصة دسائس السيد «بتروتشي»، فكتب قبل ~~مقابلته السرية مع محمد علي ببضعة شهور، ومنذ 12 مارس 1810، إلى «شامباني» وزير ~~الخارجية الفرنسية: أن الوكلاء الإنجليز «يعملون على زيادة تمسك محمد علي بمشروعه ~~المحبب إليه، ألا وهو التخلص من سيادة الباب العالي، والارتقاء بباشويته إلى مصاف ~~الدول البربرية (وجاقات الغرب)، وقد اجتهدوا في تملقه وإرضاء عاطفته المنبعثة عن ~~الشعور بالكرامة الذاتية، بأن صاروا يعدون بترك راية ملك مصر تخفق في البحر الأبيض، ~~فتتمتع جميع السفن التي تحمل هذه الراية بكل الامتيازات التي للمحايدين، ولو أنهم ~~علقوا ذلك بشرطين، رفض الباشا الإذعان لهما، أولهما: السماح لسفن الحرب الإنجليزية ~~بالدخول إلى ميناء الإسكندرية القديمة، وثانيهما: طرد الوكلاء الفرنسيين. # ولقد كان بفضل هذه المناورات، أن حصل الإنجليز - على الأقل - على الغلال ~~لتصديرها إلى مالطة، ريثما تنتهي هذه المفاوضات إلى نتيجة. # وحيث إني لم أعرف ظروف هذه المحاولات والدسائس السرية، إلا بطريق ما كان يصلني ~~من تقارير متفرقة ولا رابط بينها، فقد تعذر علي حتى الآن الوصول إلى فكرة صحيحة ~~ودقيقة بالدرجة التي تتيح لي المجازفة بإبداء رأي عن النتيجة التي قد تسفر هذه ~~المحاولات عنها، ولكنني أجد لزاما علي بالرغم من ذلك، أن أذكر أن الوكلاء الإنجليز ~~منذ أن صار من المتوقع قطع العلاقات بين تركيا وإنجلترة قريبا، قد كفت لجاجتهم في ~~ذلك الموضوع الذي اعتادوا دائما تقديمه على كل ما عداه من الموضوعات التي تناولها ~~حديثهم، وأعني بذلك خوفهم من الأسطول الذي يتأهب في طولون للانقضاض على مصر، ms0957 ثم ~~إنهم صاروا إذا تحدثوا عن الاستعدادات التي تجري في موانيهم هم أنفسهم يبذلون قصارى ~~جهدهم لتحويل انتباه الباشا إلى نواح أخرى، بإعلانهم أن الغرض من هذه الاستعدادات ~~إنما هو إرسال أساطيلهم إلى البرتغال وكرفو.» # وقد ذكر «دروفتي» الأسباب التي حفزت الإنجليز ووكلاءهم - في رأيه - على تشجيع ~~محمد علي على التمسك بمشروعه الاستقلالي ، والدخول معه في مفاوضات سرية تهدف إلى ~~تحقيق هذا الاستقلال، الذي يرقى بباشويته إلى مصاف وجاقات الغرب، والتمويه عليه - ~~في نظر «دروفتي» - فيما يتعلق بالغرض من الاستعدادات التي تجري في موانيهم، فقال في ~~نفس رسالته هذه، «وإنما لمما يبدو لي أن هذه الوقائع (السالفة الذكر، والتي بسطها ~~في تقريره) إنما تنهض دليلا على أن الحكومة البريطانية ما زالت متمسكة بمشاريعها ~~العدوانية على مصر، ومن الممكن لذلك أن تتجدد نفس الظروف التي مرت بي من هنا في عام ~~1807.» # وعلى ذلك، فإنه لم يكن من المنتظر، وتلك آراء «دروفتي» عن حكومة محمد علي وقتئذ، ~~وعن مشروع استقلاله، أن توافق حكومة الإمبراطور في باريس على تحرر محمد علي من ~~سيادة الباب العالي، بالدرجة التي تمكنه من إنشاء باشويته أوجاقا من طراز وجاقات ~~الغرب، ناهيك بمشاريع نابليون نفسه وذلك السر الذي لم يشأ التخلي عنه، فقد صمت ~~«الدوق دي كادور» عن مشروع هذا الاستقلال في التعليمات التي أصدرها إلى «دروفتي» في ~~30 يونيو 1810، ولم يسترع انتباهه، من تقرير 12 مارس، سوى مكائد الإنجليز ~~ومؤامراتهم، ولم يتبدل موقف حكومة الإمبراطور، من مشروع محمد علي طوال هذا العام ~~(1810)، أو خلال العامين التاليين؛ أي في السنوات التي تتناولها هذه ~~الدراسة. # ومع أن محمد علي قد حاول استرضاء الوكلاء الفرنسيين، بأن صار يعرض عليهم بيع ~~غلاله للحكومة الفرنسية، بثمن يقل بمقدار الربع عما يبيع به لحسابه الخاص في ~~المواني الألمانية التي تزود جزيرة كرفو بحاجتها من الغلال، وهي التي يعلم أنها ~~تشكو كغيرها من المجاعة، فقد ظل «دروفتي» ينقم على الباشا نبذه لأوامر الباب العالي ~~التي تمنع تصدير الغلال للإنجليز، وهم الذين سلكوا في هذه ms0958 المسألة مسلكا لم يتوخوا ~~منه - على الأقل - المحافظة على المظاهر، وذلك في الوقت الذي يبغون فيه - على حد ~~قول «دروفتي» - العيش في سلام مع الباب العالي بكل وسيلة، واعتقد الوكيل الفرنسي أن ~~محمد علي لا يزال على عهده مع الإنجليز الذين قال إنهم «يدفعونه دفعا إلى ~~المضي في طريق لا شك في أنه يفضي إلى توريطه مع الباب العالي، وإلى تسويء العلاقة ~~بينه وبين صاحب السيادة الشرعية عليه إلا إذا كان الديواني العثماني - كما افترض ~~«دروفتي» تعليلا لعدم تأزم الأمور بين الفريقين بسبب نبذ الباشا لأوامر ~~القسطنطينية - قد اتبع نفس السياسة المتقلبة والمتلونة التي طالما جعلته يزود ~~الرسول (الذي يبعث به إلى الولاة) بفرمانين في وقت واحد، يلغي أحدهما ~~الآخر.» # وشكا «دروفتي» من نفاق الإنجليز من جهة، ومضي الباشا في التعامل معهم من جهة ~~أخرى، فقال في رسالته إلى «شامباني» في 27 مارس 1811، «إنه لمما يبعث على السخرية ~~أكثر من أي شيء آخر، أن يعمد الإنجليز إلى لصق إعلان على باب القنصلية البريطانية ~~بالإسكندرية، يقولون فيه: إنه قد صار ممنوعا من الآن فصاعدا اعتماد هذه ~~القنصلية لأوراق السفن المشحونة بالحبوب لغرض تصديرها إلى مالطة ... إلخ؛ بناء على ~~أمر السفارة الإنجليزية بالقسطنطينية الصادر في 25 أكتوبر 1810، بينما يشاهد ~~المرء في الوقت نفسه قوافل تأتي من هذه الجزيرة تحرسها سفن الحرب البريطانية، وذلك ~~من أجل أخذ الغلال إلى مالطة، وبينما يشاهد المرء بعد ذلك السيد «ماثوس» # Mathos # وقد كان من موظفي هذه السفارة ذاتها، بمجرد ~~نزوله إلى البر يبدأ المفاوضة مع الباشا لشراء كميات عظيمة من الحبوب.» ثم استطرد ~~«دروفتي» يعلق على ذلك كله بقوله: «ومن المحتمل أن يكون الإنجليز الذين أصبحوا ~~مجردين من كل الوسائل التي زودهم بها المماليك حتى الآن لإثارة الحرب الأهلية ~~والفوضى في مصر، قد صاروا اليوم يبذلون الجهد لتوريط الباشا مع حكومته؛ أي الباب ~~العالي؛ كي يستطيعوا يوما ما سوقه لاتخاذ خطوات، تنتفع بها مشاريعهم العدوانية ~~التي ما فتئوا يدبرونها ضد هذه البلاد. ولقد كان ذلك ما ms0959 دفعني - كواجب مفروض علي - ~~لتحذير الباشا، الذي قال إنه محتاط لتجنب الوقوع في هذه الفخاخ المنصوبة، ومهما ~~لوحظ من عدم انطباق في مسلك الباشا بين أقواله وفعاله، فالصحيح دائما أنه وإن ~~استجاب بارتياح دائما لمطالب أعدائنا؛ أي تصدير الغلال للإنجليز والتجارة معهم، ~~فهو إلى جانب هذا قد كلفهم ثمنا غاليا، نال من ماليتهم كثيرا. ومنذ أن اتضح لي ~~استحالة إقناع الباشا بحرمان نفسه من تلك الموارد التي تأتيه من هذه التجارة، فقد ~~صار هدفي الذي أبذل قصارى جهدي دائما لتحقيقه، هو دعم أسعار الغلال وعدم تقلبها ~~بقدر الاستطاعة»؛ وذلك لفائدة التبادل التجاري الضئيل وقتئذ مع فرنسا، وتموين ~~الحامية الفرنسية بجزيرة كرفو. # وبالرغم من تحذير «دروفتي» للباشا من ناحية الإنجليز، ونصحه له، فقد مضى محمد ~~علي - كما سبقت الإشارة إليه - في توثيق صلاته بهم، سواء كان مبعث هذا - على نحو ما ~~كتب «سانت مارسيل» في 3 يوليو 1811 - ما تدره عليه تجارة الغلال معهم من أرباح ~~طائلة، أو استناده على مؤازرتهم في تحقيق أطماعه الاستقلالية، وقد تناول «سانت ~~مارسيل» الموضوع مرة أخرى في رسالته التي سبقت الإشارة إليها، إلى حكومته في 13 ~~يوليو. # ثم راح يؤكد في رسالة تالية في 14 يوليو: «أن السبب الرئيسي فيما هو قائم من صلات ~~بين الباشا والإنجليز، إنما هو اتجار باشا مصر بالغلال مع مالطة، ثم هناك ما يدعوني ~~إلى الاعتقاد كذلك، بأن استمرار هذه التجارة، مع ما في ذلك من خرق حتى لأوامر الباب ~~العالي، إنما هو نتيجة لما تفرضه على الباشا تلك النصوص التي تضمنتها المعاهدة ~~السرية التي أبرمت مع الإنجليز وقت انسحابهم من مصر في عام 1807.» # ثم إنه لم تلبث أن نشأت أزمة من طراز تلك التي أثارها حادث المركب «لاروز» في عام ~~1808، سببت امتعاض الوكلاء الفرنسيين من محمد علي، وأظهرت حرص الباشا على استرضاء ~~الإنجليز وعدم تكدير خواطرهم، غير آبه لما قد يلحق بالمصالح الفرنسية من أذى نتيجة ~~لهذا المسلك، ولم يسع الوكلاء الفرنسيين سوى مداراة الباشا لتجنب الاصطدام معه، في ms0960 ~~وقت تزايدت فيه مشاغل الإمبراطور وتفاقمت مشكلاته في أوروبا من ناحية، ووجب على ~~هؤلاء الوكلاء استرضاء محمد علي حتى يبعث بغلاله لتموين الفرنسيين في كرفو من ناحية ~~أخرى. # وأما تفصيل هذه الأزمة الجديدة، فهو أن إحدى سفن القرصان النابوليتانية، وتدعى ~~«روا دي روم» # Roy de Rome ~~، كانت قد «غنمت» ~~بالقرب من مالطة، سفينة ترفع علما إنجليزيا محملة شحنة من الأنبذة وغيرها من ~~سيفالونيا - إحدى جزر الأيونيان - إلى مالطة، وكان قبطان سفينة القرصان «أنطوان ميشيل» # Antoine Michel # من ضباط بحرية «جلالة ملك ~~الصقليتين» يواقيم مورا # Joachim Murat ~~، الذي خلف ~~يوسف بونابرت ملكا على هذه المملكة التي أقامها نابليون في شبه الجزيرة الإيطالية، ~~فذهب القرصان إلى ميناء طرابلس الغرب ليبيع غنائمه بها، ولكن يوسف القره مانلي، ~~باشا طرابلس، لم يسمح ببيع الغنائم، لصداقته مع الإنجليز، تلك الصداقة التي أفضت ~~بعد ذلك إلى عقد معاهدة سلام معهم (في 10 مايو 1812) تجددت بفضلها المعاهدات ~~القديمة التي عقدها هذا الوجاق مع بريطانيا؛ وعلى ذلك فقد غادرت «روا دي روم» ~~طرابلس إلى الإسكندرية لبيع البضائع والسفينة المصادرة، فبلغت ميناء الإسكندرية في ~~12 أغسطس 1811، ولكن «مسيت» بوصفه قنصلا بريطانيا، لم يلبث أن تدخل لمنع بيع هذه ~~«الغنائم الإنجليزية» فنشأت الأزمة. # واستند «مسيت» في معارضته هذه إلى أن معاهدة امتيازات جديدة قد عقدت حديثا بين ~~حكومته والباب العالي، تنص إحدى موادها خصوصا على منع بيع أية غنائم إطلاقا في ~~المواني العثمانية، وقد ترتب على هذه المعارضة أن قرر حاكم الإسكندرية، عدم إنزال ~~البضائع إلى البر، حتى تأتي أوامر الباشا، الذي أحال عليه هذه المسألة، فأبلغ «سانت ~~مارسيل» الأمر إلى «دروفتي». ولما كان محمد علي بالسويس وقتئذ، فقد أوفد «دروفتي» ~~إليه «مانجان»، وأصدر الباشا أمره بعدم المعارضة في بيع الغنائم، وتحدى «مسيت» هذا ~~الأمر، فلصق إعلانا على باب القنصلية الإسبانية - وعداء «كامبو أبي سولر» القنصل ~~الإسباني لفرنسا معروف - يحذر فيه الجمهور من شراء البضائع والسفينة المصادرة، ~~بالرغم من إجازة الحكومة المحلية - كما قال الإعلان - «بيع هذه الغنائم التي ~~استولت ms0961 عليها سفينة القرصنة «روا دي روم» من الإنجليز»، وينذر باتخاذ إجراءات ~~قضائية فورا ضد من يقدم على ذلك لرد البضائع المشتراة على غير وجه حق، أو دفع ~~قيمتها إذا حصل التصرف فيه وتعذر إحضارها. # ولكن أوامر جديدة لم تلبث أن وصلت حاكم الإسكندرية خليل بك، تلغي الأوامر ~~السابقة، وتمنع البيع؛ فقد بادر «مسيت» بإرسال احتجاجاته إلى محمد علي، وكان ~~موجودا بالسويس وقتئذ «الشيفالييه بالان» Palain # القائم بأعمال البعثة الدبلوماسية السويدية في القسطنطينية ، وكان هذا قد قدم لزيارة ~~الآثار في مصر، ثم ذهب لمقابلة الباشا في السويس، فرأى الباشا استشارته، فقال ~~«بالان»: «ولو أنه يجهل ما يحدث خارج القسطنطينية، إلا أنه يعلم أنه محرم على ~~الإنجليز والفرنسيين بيع الغنائم في القسطنطينية»، فكان هذا الرأي كافيا - على نحو ~~ما شكا الوكلاء الفرنسيون - لأن يلغي محمد علي أمره السابق ويحيل المسألة على ~~القسطنطينية حتى يفصل فيها الباب العالي. وتعجب «دروفتي» كيف يدعي «بالان» الجهل ~~بما يجري خارج القسطنطينية، وهو الذي يعلم أن القراصنة الفرنسيين يجلبون غنائمهم ~~التي يصادرونها من الإنجليز إلى مينائي شيوز وسالونيك لبيعها فيهما، ولكن «دروفتي» ~~نفسه راح في كتبه إلى حكومته في 5 سبتمبر 1811 يعلل السبب الذي حدا بالسيد «بالان» ~~لإبداء الرأي المتقدم، فقال: «إن «بالان» هو الذي عين قنصلا عاما للسويد في مصر ~~وسمح بأن يمثلها بها السيد «بتروتشي» المشهور الذي ورد اسمه كثيرا في التقارير ~~التي بعث بها إلى حكومته، وهو العدو الألد لفرنسا، والوكيل ذو الحماسة العظيمة ~~للحكومة الإنجليزية في مصر.» ثم إن «سانت مارسيل» بادر بإبلاغ «لاتور موبورج» ~~بالقسطنطينية ما حدث؛ حتى يتوسط لدى الباب العالي لاستصدار أمر لمحمد علي بعدم ~~الممانعة في بيع الغنائم. # وقد سببت مسألة السفينة «روا دي روم» امتعاض واستياء الوكلاء الفرنسيين من محمد ~~علي، الذي يريد تضحية مصالح دولتهم، لقاء استرضاء أصدقائه الإنجليز، والذي - حتى يجد ~~مخلصا من مواجهة الموقف بنفسه فلا يثير بتصرف قد يأتيه غضب الإنجليز أو أعدائهم ~~الفرنسيين منه - قد أحال هذا الموضوع إلى الباب العالي، مع ms0962 ما في ذلك من تعطيل لنشاط ~~القراصنة الفرنسيين الذين سوف يمتنع عليهم بيع الغنائم التي يصادرونها من الإنجليز ~~في المواني المصرية حتى يأتي قرار الباب العالي، وقد يطول الزمن قبل أن يأتي هذا ~~القرار كما هو معروف عن بطء الديوان العثماني وتردده، وقد يصدر هذا القرار في غير ~~صالح الفرنسيين بسبب تقلب الباب العالي. # ولقد كانت الدعاوى التي تذرع بها «مسيت» لوقف بيع غنائم السفينة «روا دي روم» على ~~جانب كبير من الخطورة؛ لأنه إذا صح قول «مسيت» إن معاهدة امتيازات قد عقدت من مدة ~~قريبة بين حكومته والباب العالي، تنص إحدى موادها بصورة خاصة على منع بيع أية ~~غنائم في مواني الدولة العثمانية، لأفاد الإنجليز وحدهم من هذا الخطر، ووقع الغرم ~~على الفرنسيين فحسب، ذلك أن الإنجليز كان في وسعهم - على نحو ما شرح «سانت مارسيل» ~~لوزير الخارجية الفرنسية في 26 أغسطس 1811 - أن يذهبوا بغنائمهم بكل سرعة إلى ~~القاعدة القريبة من «الليفانت» التي لهم، وهي مالطة، بينما تبعد المواني الفرنسية ~~عن «الليفانت»، ويتعذر على القراصنة الفرنسيين لذلك الوصول إليها بسرعة أو دون ~~التعرض لمطاردة الأسطول الإنجليزي لهم، ومعنى هذا أنه صار ممنوعا على هؤلاء، ~~التجول في مياه الليفانت مما يترتب عليه أن تحظى تجارة الإنجليز في هذه الجهات بكل ~~أمن وسلام، فتزيد انتعاشا أكثر مما هي عليه الآن. # واعتقد الوكلاء الفرنسيون أن الواجب كان يقتضي محمد علي أن يذكر حسن صنيع فرنسا ~~معه، من جهة، وما للباب العالي من أفضال سابقة عليه من جهة أخرى، وهو الذي يعتمد في ~~بقائه في باشويته على رضائه، ويدين له بالطاعة بوصفه تابعا له، فلا يبادر بإجابة ~~مطالب الوكلاء الإنجليز ويقبل على تنفيذها قبل أن تصله أوامر الباب العالي الصريحة ~~والقاطعة في هذه المسألة، وأنه ما كان ينبغي للباشا أن يتعلل بضرورة انتظار أوامر ~~الباب العالي، وهو الذي لا يجهل - كما قال «سانت مارسيل» - أن القراصنة الفرنسيين ~~كثيرا ما يأتون بغنائمهم إلى مواني الدولة العثمانية، ولا يلقون معارضة ما في ~~بيعها «فهل ms0963 تغدو مصر يا ترى كتونس وطرابلس الغرب التي يؤكدون لي أن البايات ~~والباشوات في هذه الوجاقات قد بدءوا يستمعون لما يقوله الإنجليز؟» # وساء الوكلاء الفرنسيين أن يغض الباشا نظره على اجتراء «مسيت» على الانتقاص من ~~سلطته، وتحدى أوامره لرجال حكومته، فيرضى بأن ينشر «مسيت» ذلك الإعلان الذي تهدد ~~وتوعد فيه كل مشتر لغنائم «روا دي روم» بالمقاضاة، وبالرغم من الأوامر التي أصدرها ~~الباشا إلى حاكم الإسكندرية بإجازة بيع هذه الغنائم، فقال «سانت مارسيل»: إن عمل ~~«مسيت » هذا كان فيه إضعاف لسلطان الباشا، ومع ذلك فإنه لم يعترض عليه. واستخلص ~~«سانت مارسيل» من هذا الحادث «أن الإنجليز قد صاروا مسيطرين على مصر، التي يأخذون ~~منها كل غلالها لتموين وإعاشة أعداء فرنسا، والذين لم يكفهم الحصول على هذه ~~المزايا، فأجبروا الباشا على الرضوخ لإرادتهم، حتى يمنع بيع غنائم تافهة صادرها ~~القراصنة النابوليتان وأتوا بها إلى هذه البلاد.» ثم استطرد يقول: «وهكذا يظل ~~الإعجاب والتحيز لكل ما هو إنجليزي في زيادة مطردة في مصر، ولا يمحو من أذهان ~~الفرنسيين المقيمين بهذه البلاد ما يتحملونه من إهانات سوى حقيقة أنهم ينتمون لتلك ~~الأمة المجيدة التي يتبوأ عرشها أعظم الأبطال جميعا.» # واستمرت مسألة هذه الغنائم معلقة مدة طويلة، حدث في أثنائها أن قبض إبريق إنجليزي ~~على «روا دي روم» بالقرب من قبرص في سبتمبر 1811، ثم إنه كان في شهر أكتوبر أن أبلغ ~~«لاتور موبورج» من القسطنطينية «سانت مارسيل» أن الباب العالي قد أصدر أمرا إلى ~~محمد علي؛ حتى لا يضع أية عراقيل في سبيل بيع الغنائم، ولكن الباشا نفى «لدروفتي» ~~وصول هذا الأمر إليه، حتى إذا كان شهر مارس 1812، حضر قبطان «روا دي روم» نفسه، ~~مزودا برسالة من كتخدا الباشا بالقسطنطينية لإجازة البيع، وكان القبطان «أنطوان ~~ميشيل» بعد أن أطلق سراحه الإنجليز قد ذهب إلى القسطنطينية، فأحدثت رسالة كتخدا ~~الباشا الأثر المطلوب، فأجاز محمد علي البيع، ولكن على شريطة أن يمتنع من الآن ~~فصاعدا إحضار أية غنائم وبيع أية غنائم سواء كانت فرنسية أو إنجليزية ms0964 في مواني ~~الإمبراطورية العثمانية، ولم يكن قرار محمد علي في صالح الفرنسيين للأسباب التي ~~سبقت الإشارة إليها. # بيد أنه لم يكن في وسع الوكلاء الفرنسيين مهما بلغ بهم الكدر والاستياء، إغضاب ~~محمد علي، ليس فقط لأن مشروع الغزو الفرنسي لمصر لم يتحقق، على الرغم من الإشاعات ~~التي استمرت تذيع وقتئذ عن الحشود المستعدة في هذه البلاد، وليس لأنه كان من العبث ~~تكدير الباشا في موضوع لم يقم أي دليل على أنه مستعد لتلبية رغبتهم فيه، ووقف ~~تعامله مع الإنجليز أو تصدير غلاله إلى مالطة، بل وكذلك لأن الفرنسيين أنفسهم كانوا ~~يريدون أن يمون الباشا بالغلال حاميتهم في كرفو. # فقد سأل «دروفتي» الباشا أن يبعث ببعض السفن المحملة بالغلال إلى كرفو، وأجاب ~~الباشا سؤله، فأشرف منذ أغسطس 1811، أحد التجار الفرنسيين بالقاهرة ويدعى ~~«منتل» # Mentel # على حركة التصدير إلى كرفو، وفي ~~الشهر نفسه غادرت سفينة مجرية الإسكندرية إلى دمياط، لتبحر منها إلى كرفو بعد ~~شحنها، وقد غادرت هذه دمياط في الشهر التالي محملة بالغلال، لبيعها لحساب الباشا ~~هناك، وعقد الوكلاء الفرنسيون آمالا كبيرة على أن يتبع هذه السفينة غيرها، طالما ~~لم يقع من يغير عواطف الباشا الطيبة، ولكنه حدث أن فضل قبطانها الذهاب بشحنته إلى ~~سيفالونيا؛ حيث رجا الظفر بربح أوفر، ولم يسلم للمندوب التجاري الفرنسي في كرفو، ~~وهو «ماثيو لسبس» سوى مبلغ صغير من الأثمان التي حصلها، كان على «ماثيو لسبس» أن ~~يبتاع بها زيوتا للباشا في نظير الغلال التي أرسلها. # ولما كان «ماثيو لسبس» عند توقعه العودة إلى مصر قنصلا عاما بها، قد أعد أسلحة ~~في ليفورنة ليحملها معه هدية إلى محمد علي، فقد قرر الآن إرسال هذه الهدية إلى ~~الباشا؛ ضمانا لذلك الشعور الطيب الذي أبداه من حيث تصدير غلاله إلى كرفو، وحتى ~~يزيد ورود الغلال إليها، وذلك كما قال «ماثيو لسبس» إلى جانب ما اشتراه من زيوت ~~للباشا، بذلك القدر الضئيل المتبقي من الأثمان التي يبعث بها غلاله، ووافق وزير ~~الخارجية الفرنسية «الدوق دي بسانو» # Bassano # على ~~هذا ms0965 الرأي، وطلب هذا بدوره من «دروفتي» في 21 مارس 1812، عند وصول هذه الهدية أن ~~يقوم بتقديمها للباشا إذا وجد الظروف مناسبة لفعل ذلك، كدليل على ما تكنه له ~~الحكومة الفرنسية من تقدير واحترام، وما ترجوه له من تمنيات طيبة. ثم إن الوزير لم ~~يلبث أن أضاف إلى ذلك قوله مخاطبا «دروفتي»: «ولدي ما يحملني على الاعتقاد بأن هذا ~~الاهتمام البادي من جانبنا سوف يكون له وقع طيب في نفس محمد علي، ولا أشك في أنك ~~سوف تفيد من هذه المناسبة؛ لحمله على إرسال شحنات أخرى من الغلال إلى كرفو حسب وعده ~~لك.» ثم حذر الوزير «دروفتي» بعد حادث قبطان السفينة الأخيرة، من تكليف قباطين غير ~~موثوق بأمانتهم كل الوثوق بالذهاب بهذه الشحنات إلى كرفو. # وقد حرص «ماثيو لسبس» على أن تصل هدية الأسلحة هذه في سلام وأمان إلى الباشا، ~~فطلب أن يبعث محمد علي بمن يتسلمها باسمه من يانينا أو بريفيسا، وأبلغ «دروفتي» ~~محمد علي خبر هذه الهدية، فكان لهذا النبأ وقع حسن لديه، ولكن «دروفتي» الذي ~~اعتقد أن من العبث أن يتوقع إنسان أن تقف هذه الهدية ما يظهره الباشا من صداقة ~~وتحيز للإنجليز؛ حيث إنه يؤثر نفعه المالي على كل ما عداه عمد إلى تعليل إهدائه ~~هذه الهدية، بأنه اعتراف من حكومته بحسن صنيعه في تموين كرفو، وتعويض له عن الخسائر ~~التي تكبدها في هذه الصفقة. وفي كتابه إلى «الدوق دي بسانو» في نوفمبر 1812 قال ~~«دروفتي» يبرر ما فعله: «إن هذه الطريقة - على ما يبدو له - تتلاءم وحدها مع ما يأخذ ~~به الباشا من آراء نفعية، وفضلا عن ذلك، فإنها تبقي قائمة شكاوانا السابقة، حتى ~~إذا حدث ما يدعو لإبرازها أمكن بعثها ضده.» # كتب «دروفتي» هذه الرسالة في 28 نوفمبر 1812؛ أي بعد أن كان محمد علي قد فرغ من ~~تذليل الصعوبات الداخلية التي اعترضت توطيد باشويته في مصر، ثم تسنى له دعم أركان ~~الولاية، منذ أن قضى على العناصر المناوئة لسلطانه وأجهز على البكوات المماليك في ~~مذبحة ms0966 القلعة في مارس من العام السابق - كما سيأتي ذكره - ونجح في إزالة سخط الباب ~~العالي عنه بإنفاذ ولده طوسون باشا على رأس الحملة الموجهة لقتال الوهابيين في ~~الحجاز. ولم يبد علاوة على هذا كله أن نابليون - وقد اندحر في غزوه لروسيا - سوف يقدر ~~على غزو مصر مرة أخرى، ومع ذلك، فإن ما ذكره «دروفتي» لتبرير الطريقة التي أبلغ ~~بها الباشا نبأ هدية الأسلحة، من حيث إنها تكفل بقاء الشكاوى السابقة قائمة ~~لبعثها ضد محمد علي عند الحاجة لإبرازها لينهض دليلا على أن الفرنسيين كانوا لا يزالون يتوقعون حتى هذا الوقت المتأخر أن يغزو إمبراطورهم هذه البلاد، بل إن ~~الإشاعات - على نحو ما أشرنا - قد ظلت قوية طوال هذه الفترة، وبخاصة في أواخر عام ~~1810 وأوائل العام التالي، عن توقع مجيء الفرنسيين القريب لغزو البلاد؛ ولذلك فإنه ~~وإن كان الوكلاء الفرنسيون قد حرصوا على استبقاء صلات المودة مع محمد علي، وعنيت ~~حكومة الإمبراطور في باريس بإظهار تقديرها واحترامها لمحمد علي، وتمنياتها الطيبة ~~له، فقد كان من الواضح أن فرنسا لن توافق بحال من الأحوال على مشروع استقلال محمد ~~علي. # ولقد كان لموقف فرنسا هذا من مشروع الاستقلال، إلى جانب موقف إنجلترة منه، أكبر ~~الأثر في تقرير محمد علي أن يطرق الباب المتبقي له؛ أي اللجوء إلى صاحب السيادة ~~الشرعية عليه، وهو السلطان العثماني، لعله يظفر منه مباشرة بذلك الوضع الذي أراده ~~لباشويته حتى تصبح هذه وجاقا من طراز وجاقات الغرب، على أساس الاعتراف بالحكم ~~الوراثي في أسرته. ولكنه مما يجب ملاحظته، أن هذا الاتجاه صوب تركيا قد بدأ قبل ~~اتضاح فشل جهود محمد علي مع الوكلاء الإنجليز والفرنسيين في المسألة التي تذرع بها ~~للظفر بمأربه، وهي أن يكون لسفنه الحق في الملاحة تحت رايته هو، أو بالأحرى تحت ~~راية الوجاق المصري، حتى يتسنى لها التمتع بصفة المحايد فلا تتعرض لها أساطيل ~~العدو، في حالة الحرب بين تركيا والدول الأجنبية، فقد سارت مساعيه لدى الباب العالي ~~من أجل الحصول لباشويته على وضع ms0967 مشابه لوضع وجاقات الغرب في نفس الوقت الذي جرت ~~فيه مساعيه لهذه الغاية مع الوكلاء الإنجليز والفرنسيين في مصر. # وثمة حقيقة أخرى، فقد اتضح للباشا أثناء مفاوضته مع الإنجليز والفرنسيين، كما ~~استطاع أن يدرك من مجريات الأمور في أوروبا، أن الدول بسبب انشغالها بالنضال العنيف ~~مع نابليون في القارة، ما كانت تريد أن تتكدر علاقاتها مع تركيا، وهي التي أتاح لها ~~عقد الصلح مع إنجلترة في يناير 1809، استئناف المحاولة من أجل تحقيق رغبتها؛ أي ~~الوقوف موقف الحياد من النضال الدائر، وكان بعد لأي وعناء أن أنهت في 28 مايو 1812 ~~معاهدة بوخارست الحرب بين تركيا وروسيا، وأدرك محمد علي أن الإقدام على انتزاع ~~استقلاله من الباب العالي عنوة، دون أن يجد ظهيرا له من بين الدول الأوروبية، ~~مغامرة خاسرة؛ ولذلك فقد كان لهذه الحقيقة وزن في تشكيل علاقاته مع الباب العالي، ~~منذ جلاء الإنجليز عن الإسكندرية، إلى عام 1811؛ أي إلى نهاية هذه الفترة التي نحن ~~بصدد دراستها. ~~(8) الاتجاه صوب تركيا # والحقيقة أنه تضافرت - عدا ما ذكرنا - عوامل عدة لتكييف العلاقات التي سادت بين ~~محمد علي والباب العالي في هذه الفترة (1807-1811)، مرد طائفة منها إلى ما صح عليه ~~عزم محمد علي من البقاء والاستقرار في مصر، والظفر بالباشوية الوراثية، ومرد بعضها ~~الآخر إلى حذر الباب العالي من ضياع هذه الولاية المصرية من الدولة، سواء حصل ذلك ~~نتيجة لغزو أجنبي أو لعصيان الباشا ونبذ السيادة العثمانية، أضف إلى هذا أن الباب ~~العالي قد اعتبر أن من حقه على الباشا أن ينهض هذا بوصفه تابعا له، ومتمسكا ~~بالولاء لصاحب السلطان الشرعي عليه لتلبية مطالب الديوان العثماني، فيما فيه ~~المحافظة - في الواقع - على كيان الإمبراطورية العثمانية وتجنيبها الأخطار التي ~~تهددتها. # وكان من أثر هذه العوامل، أن تميزت العلاقات بين الباشا والباب العالي في هذه ~~الفترة، بالتقلب والتغير، فهي تارة تكدرها الشوائب، وأخرى تتسم بطابع التفاهم، وفي ~~كل الأحوال لحمتها وسداها المداراة من الجانبين، لإدراك الديوان العثماني تعذر ~~إخراج محمد علي من باشويته، وهو ms0968 الذي تتدعم حكومته تدريجيا، وكلما طال بقاؤه في ~~الولاية. أضف إلى هذا أن الباب العالي كان في حاجة إلى معاونة الباشا الصادقة ~~لإخماد عصيان الوهابيين وثورتهم بالحجاز، ووقف إغاراتهم على أملاك الدولة في الشام ~~والعراق، لا سيما بعد أن انكسرت جيوش ولاته أمام الوهابيين، هذا من ناحية؛ ولأن ~~الباشا من ناحية أخرى كان يدرك أن من خرق الرأي نبذ سيادة السلطان ومناوأته طالما ~~لا يجد سندا من الدول الأوروبية يؤازره، وقد شهدت هذه الفترة تسوية الخلافات ~~رويدا رويدا بين الجانبين، حتى إذا وافت سنة 1810 على ختامها، كان الباب العالي ~~قد قطع على نفسه عهدا بإعطاء الحكم الوراثي لمحمد علي في باشويته، وإن كان قد جعل ~~ذلك مشروطا بخروج جيش محمد علي إلى الحجاز والانتصار على الوهابيين وكسر ~~شوكتهم. # ولقد كان من الواضح في أثناء ذلك كله، أن محمد علي قد صح عزمه على الاستقرار في ~~هذه البلاد وعدم التخلي عن ولايته، إلا إذا أرغم إرغاما بحد السيف - كما قال - على ~~تركها، وذلك قرار لم يكن هناك أي شك في جديته منذ أن نشأت أزمة النقل إلى سالونيك ~~- على نحو ما سبق توضيحه - ثم ظهر هذا العزم صادقا عند انتهاء حملة «فريزر»، وكان ~~مبعث المشروع الذي تقدم به محمد علي من ذلك الحين بصورة محددة لإنشاء باشويته ~~وجاقا من نمط وجاقات الغرب. # ولم يكن انتصار الباشا على حملة «فريزر»، واضطرار هذه الحملة إلى الانسحاب من ~~الأراضي المصرية في الظروف التي عرفناها، الباعث الفرد الذي حفز الباشا على السعي ~~من أجل تنفيذ مشروع استقلاله عن الباب العالي، بل إن ضعف الدولة الذي أعجزها عن ~~تطويع باشواتها المتمردين عليها في طائفة من ولاياتها الأخرى، وطمع الدول في ~~ممتلكاتها، ثم اختلال الأمور في مركز السلطنة ذاتها، كل هذه كانت أسبابا زادت من ~~تحفز الباشا، كما أنها جعلته مطمئنا إلى استطاعته الفوز بمأربه، إذا هو ظل مثابرا ~~على سعيه، وكان لحادث الانقلاب الذي قام به الإنكشارية في إسلامبول وأفضى إلى عزل ~~السلطان سليم الثالث ms0969 وقتله، ثم انتهى بعزل السلطان التالي مصطفى، وتولية محمود ~~الثاني، أبلغ الأثر في نفس محمد علي، من حيث دلالته على اضطراب الأحوال في مقر ~~السلطنة، بصورة لا شك في أنها سوف تزيد من ضعفها وعجزها عن ردع ولاة الدولة ~~المتمردين، ومن حيث إنه ساعد على رسوخ اعتقاد محمد علي بأن الواجب يقتضيه العمل بكل ~~سرعة لتثبيت باشويته في مصر بصفة دائمة، حتى ينأى بها عن الأخطار التي قد تتهددها ~~نتيجة لمثل هذه الانقلابات إذا وقعت مرة أخرى، وطرأ على ذهن أصحاب السلطة الجدد ~~محاولة عزله أو نقله من باشويته، وقد بلغت القاهرة أنباء هذه الانقلابات وتفاصيل ~~حوادثها، وما أفضت إليه، كل ذلك دفعة واحدة على ما يبدو، في أواخر جمادى الثانية ~~1213؛ أي في الثلث الأخير من شهر أغسطس 1808. ثم لم يمض قليل على ذيوع هذه الأخبار ~~حتى كان قد وصل إلى بولاق في 24 أغسطس رسول من القسطنطينية وعلى يده مرسوم بإجراء ~~الخطبة باسم السلطان محمود بن عبد الحميد، فتحقق الخبر. # وظهر تصميم الباشا على الاحتفاظ بباشويته واستكمال سلطانه بها، وأنه قد صح عزمه ~~على البقاء والاستقرار بها وعدم مبارحتها، أولا في تمسكه بالإسكندرية التي تسلمها ~~من الإنجليز، وضمها إلى باشويته، وثانيا في استقدامه سائر أفراد أسرته من قولة، ثم ~~أسرات رجاله ومعاونيه الصادقين. وقد عهد الباشا إلى أبنائه ومن وثق في ولائهم له ~~بالمناصب الهامة في الحكومة. # وكانت العلاقات بين الباشا والديوان العثماني قد استمرت في الفترة التالية لجلاء ~~حملة «فريزر» عن الإسكندرية، لا يعتورها الكدر، فقد تقدم كيف أن الباب العالي أرسل ~~الهدايا للباشا ولكبار العسكر، كما أعاد إبراهيم بك بن محمد علي من القسطنطينية، ~~إظهارا لرضاء السلطان وتقديره لجهود الباشا في الانتصار على الإنجليز (سبتمبر ~~1807)، فاستمر هذا الرضا في الشهور التالية، حتى إذا جاء موعد تجديد الولاية للباشا ~~وتثبيته بها عن العام التالي، حضر قابجي من القسطنطينية في ديسمبر 1807 يحمل ~~مرسومات أحدها بتقرير لمحمد علي باشا على ولاية مصر، وآخر بالدفتردارية باسم ~~ولده إبراهيم، وآخر بالعفو ms0970 عن جميع العسكر جزاء على إخراجهم الإنجليز من ثغر ~~الإسكندرية، وحمل هذا القابجي - ويدعى بيانجي بك - خلعا وشلنجات هدايا للباشا ~~ولرجاله. وقد غادر البلاد في فبراير من العام التالي، راجعا إلى ~~القسطنطينية. # ولكنه لم تمض شهور قلائل حتى قامت «حركة الينكجرية» وانتهت الانقلابات التي وقعت ~~بالقسطنطينية بالمناداة بمحمود الثاني في 29 يوليو 1808، وكان في هذا الشهر نفسه أن ~~وصل الإسكندرية قبطان من رجال البحرية العثمانية، قصد فورا إلى القاهرة لمقابلة ~~محمد علي، قال عنه «دروفتي» في رسالته إلى حكومته من القاهرة من 10 أغسطس «إنه ~~يحمل أوامر تطلب من محمد علي باشا إعطاءه قومندانية المواني والشواطئ المصرية»؛ أي ~~إرجاع الإسكندرية وسائر المواني إلى الإشراف العثماني تحت إدارة القبطان باشا ~~بالقسطنطينية مباشرة، وتعيين رؤساء لحكومتي الإسكندرية ودمياط خاضعين رأسا للباب ~~العالي، ومستقلين عن باشوية القاهرة. # ومع أن الباشا رحب بهذا القبطان ترحيبا كبيرا، فقد كان من الواضح - على حد ما ~~قال «دروفتي» في رسالته السالفة - «أنه لا يميل بتاتا إلى تسليمه حكومة الثغور ~~والشواطئ المصرية»، بل إن الباشا ما لبث أن قرر القيام بجولة في الشواطئ المصرية ~~لزيارة دمياط ورشيد والإسكندرية، وهي الجولة التي أراد أن يصحبه فيها «دروفتي»، ~~واعتذر هذا لعدم وجود تعليمات لديه من حكومته تجيز له ذلك - على نحو ما سبق بيانه - ~~وقد قام الباشا بهذه الرحلة، فتجول في جهات الوجه البحري، وذهب إلى دمياط ورشيد ~~والإسكندرية. وقد تحدث «سانت مارسيل» عن الغرض من هذه الرحلة في كتابه إلى الوزير ~~«شامباني» من الإسكندرية في 21 سبتمبر 1808، فقال: «ومع أن أحدا لا يعرف السبب ~~الحقيقي لرحلته هذه، ولكن الاعتقاد السائد هو أنه يبغي أن يستميل السكان إلى تأييد ~~رغبته في الاحتفاظ لنفسه بحكومتي الإسكندرية ودمياط، اللتين يريد الباب العالي تعيين ~~حكام لهما، مستقلين عن باشا القاهرة.» # ثم استمرت مساعي الباب العالي لإخراج الإسكندرية من نطاق باشوية محمد علي، حتى ~~أوائل العام التالي، ولكن دون نتيجة، فيذكر الشيخ الجبرتي في حوادث محرم 1224 (16 ~~فبراير-17 مارس 1809) أن قاصدا «حضر من ms0971 قبودان باشا يطلب عوائده بالإسكندرية، ~~فقال له حاكم الإسكندرية، ينبغي أن تذهب إلى الباشا بالترعة (ترعة الفرعونية، التي ~~كان الباشا وقتئذ يشرف بنفسه على سدها لمنع انسياب المياه من فرع دمياط)، وتقابله، ~~فذهب إليه وقابله»، ولكن الأجل لم يمهل هذا القاصد للوصول إلى نتيجة قاطعة فيما جاء ~~بسببه؛ فقد بات ليلته عند السد، وأصبح ميتا فأخرجوه إلى المقبرة. وقد شغل الباب ~~العالي بعد ذلك بالمسألة التي طغت على كل ما سواها، وهي استنهاض همة محمد علي ~~لإنفاذ جيشه لقتال الوهابيين بالحجاز، فركدت مسألة الإسكندرية، واستتب سلطان محمد ~~علي بها، وظلت من ذلك الحين هي وسائر الثغور والشواطئ المصرية جزءا لا يتجزأ من ~~باشوية مصر، فكان دخول الإسكندرية - خصوصا في نطاق هذه الولاية - الخطوة الأولى التي ~~خطاها الباشا في سبيل استكمال سلطان باشويته. # وكان من بين الإجراءات التي لجأ إليها محمد علي من أجل توطيد سلطانه في هذه ~~الباشوية، أنه عين أهله وأقاربه في مناصب الجيش والإدارة الهامة، من ذلك رفعه إلى ~~مرتبة الباشوية ابنه طوسون بك الذي عهد إليه بقيادة الحملة المعدة للحجاز، ثم ابنه ~~إبراهيم بك الذي جعله دفتردارا. وقال «دروفتي» في 9 أبريل 1809، وهو يذكر هذه ~~الإجراءات التي اتخذ منها دليلا على أن الباشا إنما يعتمد على القوة في قدرته على ~~البقاء في حكومة مصر، والتي يبغي منها تأكيد وضمان سيادته في مصر، «إنه إذا ~~استثنينا بعض الجند من الأرنئود وقلة من العثمنلي من تركية آسيا الذين هم اليوم أقل ~~كلفة له، وأقل ولاء للباشا كذلك، فإن سائر الجيش يتولى قيادته ضباط من أهله أو ~~أصدقاء الباشا المحالفين له.» # وقد رفع محمد علي ولديه طوسون وإبراهيم إلى الباشوية في شهر أبريل 1809، وخصص ~~لهما منازل لإقامتهما، وجعل لكل منهما حاشية كبيرة، وأحاطهما بالحراس والضباط، وقد ~~أضفى عليهما محمد علي هذه الرتبة الرفيعة، كإنعام من خصائص السلطة التي يتمتع بها، ~~يمنحه الباشا لمن يشاء، ودون الرجوع في ذلك إلى رأي الباب العالي، وقد فسر ~~المعاصرون مقصد محمد علي من ذلك ms0972 بأنه الرغبة في تعويد أهل مصر على مشاهدة أعضاء ~~أسرته يمارسون السلطة الفعلية في البلاد، وإقناعهم بأن الباشا قد صمم على البقاء في ~~حكم هذا القطر، فلا يتوقعون حدوث تبديل أو تغيير، ويرسخ في أذهانهم أن حكومة الباشا ~~باقية، وتصبح هذه الحقيقة أمرا مسلما لديهم. # وكان لهذه الغاية ذاتها؛ ولأن الباشا قد قرر فعلا البقاء في باشويته، مهما كانت ~~الظروف والأحوال، إلا إذا أرغمته قوة خارقة على التخلي عنها، أن بعث محمد علي يدعو ~~سائر أفراد أسرته، زوجه الأولى وبصحبتها بنتيها وولده الثالث إسماعيل، أخو طوسون ~~وإبراهيم، فما إن وصلوا من قولة إلى الإسكندرية ، حتى ذهب إبراهيم بك لاستقبالهم في ~~26 مايو 1809. وفي 28 مايو عاد إبراهيم إلى القاهرة، واتخذت الاستعدادات لملاقاة ~~الأسرة في بولاق يوم 31 مايو، «فنبهوا على جميع النساء والخوندات، وكل من كان لها ~~اسم في الالتزام، أن يركبن بأسرهن ويذهبن إلى ملاقاة امرأة الباشا ببولاق، وذلك صبح ~~اليوم المذكور، واعتذرت الست نفيسة المرادية بأنها مريضة، ولا تقدر على الحركة ~~والخروج فلم يقبلوا لها عذرا.» ويصف الشيخ الجبرتي هذا الاستقبال فيقول: «فلما كان ~~صبح يوم 31 مايو اجتمع السواد الأعظم من النساء بساحل بولاق على الحمارة ~~المكارية، وهم أزيد من خمسمائة مكار، حتى ركبت زوجة الباشا، وساروا معها إلى ~~الأزبكية، وضربوا لوصولها وحولها بمصر عدة مدافع كثيرة من القلعة والأزبكية، ثم ~~وصلت الهدايا والتقادم، وأقبلت من كل ناحية الهدايا المختصة بالأولاد والمختصة ~~بالنساء.» # وكان من بين الواصلين من قولة، ابن بونابرتة الخازندار، وكثير من أقارب وأهالي ~~الرؤساء الأرنئود، من بطانة الباشا، وقد نجح الباشا - ولا شك - فيما قصد إليه من ~~حضور كل هؤلاء، وهو المقصد الذي ذكره المعاصرون - على نحو ما أسلفنا - فكتب الشيخ ~~الجبرتي معلقا على ذلك بقوله: «فإنهم لما طابت لهم مصر واستوطنوها وسكنوها ونعموا ~~فيها أرسلوا إلى أهاليهم وأولادهم وأقاربهم بالحضور، فكانوا في كل وقت يأتون ~~أفواجا أفواجا نساء ورجالا وأطفالا.» وهكذا كان من الواضح أنه صار راسخا في ~~أذهان أهل البلاد أن حكومة ms0973 الباشا قد توطدت دعائمها، مع ما يستتبع ذلك من تعود ~~المصريين رويدا رويدا على تلقي التوجيه من هذه الحكومة صاحبة السلطان في البلاد، ~~وعدم الانسياق وراء نصح وتوجيهات هيئات أو أفراد آخرين تعودوا في الماضي القريب على ~~قبول النصح منهم كالمشايخ والعلماء، أو عدم التردد في نبذ أوامر الباب العالي نفسه، ~~التي تعودوا على احترامها، وذلك إذا جاءت هذه مناقضة لصالح الباشا. # وفي واقع الأمر، كان محمد علي في هذه الأثناء، قد قطع شوطا كبيرا في سبيل دعم ~~أركان ولايته، حتى إنه صار لا يخشى بأسا من علاقاته مع الباب العالي بالصورة التي ~~تتفق مع مصالح باشويته فحسب ، فمضى في تصدير الغلال إلى مالطة والتعامل مع الإنجليز، ~~بالرغم من أوامر الباب العالي الذي أراد منع إعطاء الغلال للدول الأجنبية، وكانت ~~المسألة الوحيدة التي أذعن فيها الباشا لإرادة الديوان العثماني، هي السهر على ~~تحصين الثغور والاستعداد لدفع الغزو الأجنبي عن البلاد إذا وقع، وقد اتفق النشاط في ~~هذه الناحية مع مصلحة الباشا نفسه، وقد سبق الحديث عن جهود محمد علي في تحصين ~~الإسكندرية ورشيد بصورة جدية، منذ أن وصله عن طريق الإنجليز، في الظروف التي ~~ذكرناها، في أوائل عام 1808، الخبر بخروج عمارة الفرنسيس إلى البحر بسيسيلية، ~~وربما استولوا عليها، وكذلك مالطة، فكان في أواخر يناير من هذا العام أن جمع رجال ~~الباشا عدة كثيرة من البنائين والنجارين وأرباب الأشغال لعمارة أسوار وقلاع ~~الإسكندرية وأبي قير والسواحل. ثم حدث في ديسمبر من العام التالي أن وصلت أخبار ~~بأن عمارة الفرنساوية نزلت إلى البحر وعدة مراكبهم مائتان وسبعة عشر مركبا محاربين، ~~ولا يعلم مقصدهم أي جهة من الجهات، وحضر ثلاثة أشخاص من الططر المعدين لتوصيل ~~الأخبار، وبيدهم مرسوم مضمونه الأمر (من الدولة العثمانية) بالتحفظ على الثغور، ~~فعند ذلك أمر الباشا بالاستعداد وخروج العساكر. وفي منتصف ديسمبر 1809 سافر جملة ~~من العساكر إلى ناحية بحري، فسافر كبير منهم ومعه جملة من العسكر إلى الإسكندرية، ~~وكذلك سافر خلافه إلى رشيد وإلى دمياط وأبي قير والبرلس. ms0974 # ثم تزايد إلحاح الباب العالي في طلب الغلال من مصر، وظهر تكدره من مراوغة الباشا ~~له الذي لم يشأ - كما أسلفنا - أن يبعث إلى القسطنطينية بما يسد حاجتها من الغلال، ~~ويكف عن تصدير غلاله إلى الإنجليز، فوصل القاهرة، قابجي في فبراير 1810 وعلى يده ~~مراسيم بطلب ذخيرة وغلال، ووردت الأخبار في الشهر نفسه من الديار الرومية بغلبة ~~الموسكوب واستيلائهم على ممالك كثيرة، وأنه واقع بإسلامبول شدة وحصر وغلاء في ~~الأسعار وتخوف، ولم ير الباشا مناصا من تجهيز بعض شحنات الغلال لإرسالها إلى ~~القسطنطينية، ولكنه لما كان يرى في إمداد الدولة بالغلال تعويقا لمشاريعه ~~التجارية، ويتوقع تكدر العلاقات بينه وبينها لعدم استجابته لكل مطالبها، فقد تحدث ~~إلى «دروفتي» عن مشروع استقلاله (في نوفمبر من العام نفسه)، وذكر أنه ليس على ~~علاقات طيبة جدا مع الباب العالي، غير أن مباحثاته مع «دروفتي» لم تسفر - كما ~~عرفنا - عن النتيجة التي ينشدها، فضلا عن أن مفاوضاته مع الوكلاء الإنجليز بصدد ~~استقلاله قد باءت هي الأخرى بالفشل. وعلى ذلك، فلم يكن هناك معدى عن أن يحاول ~~الباشا التقرب من الباب العالي، وتحسين صلاته به، لعله يظفر منه بمأربه. # ولقد اعترضت جهوده مع الديوان العثماني، من أجل الفوز برضاء الباب العالي، في هذه ~~المرحلة - عدا تصدير الغلال إلى الأجانب، وعدم الثقة الكامنة لدى الفريقين نحو ~~بعضهما بعضا - طائفة من الصعوبات التي كان مبعثها المباشر إصرار الباب العالي من ~~ناحية على إنفاذ جيش من مصر لقتال الوهابيين، ثم طرد يوسف كنج باشا دمشق من ولايته، ~~ولجوؤه إلى محمد علي من ناحية أخرى، ومحاولة هذا الأخير إبعاد سليمان باشا الكرجي ~~والي عكا وصيدا من حكومة دمشق التي دانت له بعد خروج يوسف كنج منها، ومع أن محمد ~~علي ظل ممتنعا عن الخروج إلى الحجاز مدة طويلة، وظل الباب العالي من جهته ممتنعا ~~عن إعادة يوسف كنج إلى ولايته، فقد انفرجت الأزمة رويدا رويدا بين الباشا والباب ~~العالي، عندما وعد السلطان آخر الأمر بإعطاء الحكم الوراثي لمحمد علي في ms0975 مصر، ولو ~~أنه جعل تنفيذ هذا الوعد مشروطا بنجاح محمد علي في إخماد حركة الوهابيين، وقرر ~~الباشا إنفاذ الحملة إلى الحجاز، بعد أن كان قد فرغ من دعم أركان باشويته وقضى على ~~البكوات المماليك، وهم أشد خصومه مناوأة لسلطان باشويته، في مذبحة القلعة، ثم تبين ~~له أن في وسعه أن يجني من حملته في بلاد العرب فوائد عدة تزيد من توطيد سلطانه في ~~باشويته. ~~(9) مسألة الحرب الوهابية # فقد لقيت دعوة محمد بن عبد الوهاب تأييدا كبيرا منذ أن تعهد محمد بن سعود أمير ~~الدرعية في عام 1744 بنشر الدعوة في البلاد العربية، وبايعه الشيخ على أن يكون ~~إماما يتبعه المسلمون، وصار عبد العزيز بن محمد بن سعود يغزو في الجزيرة (شمالها ~~وغربها وشرقها وجنوبها) ففتح الرياض، ثم القصيم (1773-1775)، وغزا الأحساء، وسار ~~ابنه سعود في طريقه، وتوفي محمد بن عبد الوهاب سنة 1792، وقت أن كانت جيوش الشريف ~~غالب بن مساعد، شريف مكة، زاحفة من الحجاز لمحاربة أهل نجد دون طائل. وفي سنة 1800 ~~دخل سعود كربلاء، وانهزمت جيوش الدولة التي بعث بها سليمان باشا والي العراق إلى ~~الأحساء لمحاربة أهل نجد فيها، ولكنه حدث بعد سقوط كربلاء - مقر الشيعة المعروف - أن ~~اغتال رجل شيعي الإمام عبد العزيز في الدرعية في السنة نفسها، وكان عبد العزيز قد ~~عين قبل وفاته بخمس عشرة سنة ابنه سعودا خلفا له. وفي عام 1803 دخل سعود مكة، بعد ~~أن جلا عنها الشريف غالب إلى جدة. وبعد عامين استولى الوهابيون على المدينة، ثم ~~اتجهت أنظارهم إلى الشمال، فوصلوا إلى حوران والكرك، ووقفوا منتصرين على أبواب ~~الشام وفلسطين، وأوقعوا الهزيمة بجند الدولة الذين خرج بهم والي الشام عبد الله ~~العظم للحج في عام 1805، ووجدت الدولة العثمانية - وقد انكسرت جيوش ولاتها في العراق ~~والشام - أن تطلب من محمد علي أن يتولى بنفسه إنقاذ الحرمين الشريفين ودحر ~~الوهابيين. # وكانت الدولة، منذ أن بلغها عزم عبد العزيز بن سعود على مهاجمة الحرمين الشريفين، ~~قد بعثت منذ منتصف ديسمبر 1802 تطلب ms0976 إلى خسرو باشا والي مصر وقتئذ «والي دفترداره» ~~خليل رجائي أفندي، إرسال نجدة من مائة وخمسة وعشرين ألف قرش إلى والي جدة، ومثلها ~~إلى أحمد باشا متصرف «إبج إيل» # Itch Il # الذي رقي ~~وزيرا وعين حاكما عسكريا للمدينة المنورة، على أن يذهب خسرو باشا من فوره إلى ~~جدة ومعه عدة وافرة من الجند والمدافع والذخيرة، وعلى أن يذهب أحمد باشا الموجود ~~وقتذاك بدمياط إلى المدينة وبصحبته عدد من الجند، ولكن هذا الأمر لم ينفذ بالنسبة ~~لخسرو باشا أصلا، بسبب الحوادث التي مرت بنا والتي انتهت بطرده من الولاية، ثم ~~تأخر ذهاب أحمد باشا نفسه إلى الحجاز حتى أرغم هو الآخر على مبارحة القاهرة في ~~يونيو 1803. # واستمرت الدولة تطلب إنفاذ النجدات من الرجال والمؤن والذخائر، من مصر إلى ~~الحجاز، فوصل الططر بفرمان من الباب العالي باسم علي باشا الجزائرلي والبكوات ~~المماليك، بتشهيل أربعة آلاف عسكري وسفرهم إلى الحجاز لمحاربة الوهابيين، وإرسال ~~ثلاثين ألف إردب غلال إلى الحرمين، فقال الشيخ الجبرتي في حوادث 7 فبراير 1804، ~~«إنهم عملوا ديوانا وقرءوا هذا الفرمان، وكان أيضا مما جاء فيه، أنهم؛ أي ~~الدولة، قد وجهوا أربع باشات من جهة بغداد بعساكر، وكذلك أحمد باشا الجزار أرسلوا ~~له فرمانا بالاستعداد والتوجه لذلك، فإن ذلك من أعظم ما تتوجه إليه الهمم ~~الإسلامية، وأمثال ذلك من الكلام والترقق، وفيه بعض القول بالحسب والمروءة بتنجيز ~~المطلوب من الغلال، وإن لم تكن متيسرة عندكم، تبذلوا الهمة في تحصيلها من النواحي ~~والجهات بأثمانها على طرف الميري بالسعر الواقع. ولكن علي باشا الجزائرلي كان قد ~~قبل ذلك بأيام معدودة، وانشغلت حكومة القاهرة الثلاثية (البرديسي، إبراهيم، محمد ~~علي) بمطاردة الألفي عقب وصوله من إنجلترة، ثم حدث انقلاب 12، 13 مارس 1804 الذي ~~أخرج البكوات من حكومة القاهرة، وتنصيب أحمد خورشيد باشا. وقد قرئ فرمان في 4 يوليو ~~من العام نفسه يطلب تشهيل لوازم الحج والحرمين من الصرة والغلال. وفي 27 يوليو ~~وصل مندوب من قبل الباب العالي يحمل أوامر تقضي بإخراج خمسمائة من العسكر إلى ms0977 ينبع ~~البحر يقيمون بها محافظين لها من الوهابيين، ويدفع لهم جامكية سنة كاملة وذخيرتها ~~وما يحتاجون إليه من مؤنة وغلال وجبخانة. وقد تبين من قراءة هذه الأوامر أنه قد ~~تعين أبو مرق باشا بعساكر الشام إلى الحجاز، فأحضر أحمد خورشيد كبار العسكر وعرض ~~عليهم ذلك الأمر، وقال لهم إنه ورد لي إذن عام في تقليد من أقلده، فمن أحب منكم ~~قلدته أمرية طوخ أو طوخين، فامتنعوا من ذلك، وقالوا نحن لا نخرج من مصر، ولا نتقلد ~~منصبا خارجا عنه.» وكانت كل القوة التي غادرت البلاد إلى ينبع البحر لا تزيد على ~~مائة عسكري لا غير ذهب بها في 20 أغسطس من العادلية خارج القاهرة علي باشا الوالي ~~المسافر إلى ينبع البحر، قاصدا إلى السويس في طريقه إلى الحجاز. وفي 17 نوفمبر وصل ~~قاصد من الديار الرومية؛ أي من الدولة وعلى يده فرمان عن مراسلة للباشا (أحمد ~~خورشيد) بإرسال باشة الينبع لمحافظتها من الوهابيين وأنه أعطاه ذخيرة شهرين، بأن ~~يرسل إليه ما يحتاجه من الذخيرة لأجل حفظ الحرمين. # ولكن خورشيد لم يستطع إرسال أية نجدات أخرى لجيش الدولة بالحجاز، مع ضآلة النجدات ~~الأخيرة التي بعث بها إليه، وذلك لانشغاله بالنضال مع محمد علي، ذلك النضال الذي ~~انتهى بالمناداة بولاية هذا الأخير، كما هو معروف في مايو 1805، وقد جاء في ~~المكاتبة التي حملها سلحدار القبطان باشا إلى محمد علي بإبقائه في القائممقامية ~~أن يقلد من قبله باشا على عسكر يعين إرساله إلى البلاد الحجازية ويسهل له جميع ~~احتياجاته من الجبخانة وسائر الاحتياجات واللوازم، واستعد طاهر باشا المتعين ~~للذهاب إلى بلاد الحجاز وبرز بعساكره إلى خارج باب النصر في نوفمبر، ولكن هؤلاء ~~الجند شغلوا بمطاردة جماعة الألفية وعربان أولاد علي، في ديسمبر، وبطل أمر السفرة ~~المذكورة، وشغل محمد علي بنضاله مع البكوات، وكان كل ما فعله أن أخرج المحمل ~~والكسوة وعين للسفر بهما من القلزم مصطفى جاويش العنتبلي ومعه صراف الصرة، وقد ~~ارتحلت القافلة فعلا من القاهرة في 7 فبراير 1806 قاصدة إلى ms0978 السويس. # وتعذر بسبب أزمة النقل المعروفة إلى سالونيك، والنضال مع محمد بك الألفي من ~~ناحية، وبكوات الصعيد من ناحية أخرى، إرسال النجدات إلى الحجاز، بالرغم من أن ~~المرسوم الذي كان قد أتى به كتخدا القبطان صالح باشا لتقرير الولاية لمحمد علي في ~~سبتمبر 1806، قد نص في نظير تثبيته في الولاية، على قيامه بالشروط التي منها طلوع ~~الحج ولوازم الحرمين، وإيصال العلائق والغلال لأربابها (في الحجاز) على النسق ~~القديم. ثم حضر في نوفمبر من العام نفسه قابجي يحمل فرمانين: أحدهما يتضمن تقرير ~~الباشا على ولاية مصر، والثاني يتضمن الأوامر بإجراء لوازم الحرمين وطلوع الحج ~~وإرسال غلال الحرمين ... وتشهيل غلال وقدرها ستة آلاف إردب وتسفيرها على طريق الشام؛ ~~معونة للعساكر المتوجهين إلى الحجاز. # ولكنه لم تمض شهور قليلة حتى كانت حملة «فريزر» قد جاءت إلى مصر واستولت على ~~الإسكندرية، ونشب من ثم ذلك النضال الذي تتبعنا أدواره من نزول الإنجليز في الأراضي ~~المصرية في مارس 1807 إلى وقت جلائهم عن الإسكندرية في سبتمبر من العام نفسه، وكان ~~في أثناء ذلك أن وصلت في 14 يونيو «القافلة والحجاج من ناحية القلزم على مرسى ~~السويس، وحضر فيها أغوات الحرم والقاضي الذي توجه لقضاء المدينة، وهو المعروف بسعيد ~~بك، وكذلك خدم الحرم المكي، وقد طردهم الوهابي جميعا، وأما القاضي المنفصل فنزل في ~~مركب ولم يظهر خبره، وقاضي مكة توجه بصحبة الشاميين، وأخيرا المواصلون، أنهم منعوا ~~من زيارة المدينة، وأن الوهابي أخذ كل ما كان في الحجرة النبوية من الذخائر ~~والجواهر، وحضر أيضا الذي كان أميرا على ركب الحجاج، وصحبته مكاتبة من مسعود ~~الوهابي (والمقصود هنا سعود بن عبد العزيز) ومكتوب من شريف مكة غالب، وأخبروا أنه ~~أمر بحرق المحمل.» وشكا حاكم قلعة المدينة، الحاج مصطفى، من انقطاع ورود الحبوب ~~التي كانت ترسلها مصر سنويا إلى الحرمين الشريفين، منذ عام تقريبا، مع شدة ~~الحاجة إليها بسبب البؤس والضنك المنتشرين بهذه الجهات، وبعث الباب العالي حوالي ~~منتصف سبتمبر 1807 يطلب من محمد علي إرسال كميات وافية من ms0979 الحبوب إلى المدينة ~~المنورة بكل سرعة، وعندما صدر في نوفمبر من العام نفسه فرمان تقرير محمد علي باشا ~~على ولاية مصر (للسنة القابلة؛ حيث جرت العادة بتقرير الولاية سنويا)، ذكر الباب ~~العالي أن محمد علي قد استحق هذا التقرير في وظائفه تقديرا لمواهبه، ولجهوده ~~في أخذ الإسكندرية من الإنجليز، وقال إن من بين واجبات وظائفه هذه ما يتعلق بمسألة ~~الحرمين الشريفين، وقد وصل القاهرة في 24 ديسمبر 1807، القابجي بيانجي بك يحمل ~~فرمان التقرير هذا وغيره من المراسيم، وكان من بين هذه مرسوم بالتأكيد في ~~التشهيل والسفر لمحاربة الوهابيين بالحجاز واستخلاص الحرمين. # وقد بقي بيانجي في مصر قرابة شهرين يستحث الباشا على إنفاذ جيشه إلى الحجاز، وقال ~~الشيخ الجبرتي: إن هذا القابجي «كان حضر بالأوامر بخروج العساكر للبلاد الحجازية، ~~وخلاص البلاد من أيدي الوهابية، وفي مراسيمه التي حضر بها التأكيد والحث على ذلك، ~~فلم يزل الباشا يخادعه ويعده بإنفاذ الأوامر، ويعرفه أن هذا الأمر لا يتم بالعجلة، ~~ويحتاج إلى استعداد كبير وإنشاء مراكب في القلزم، وغير ذلك من الاستعدادات.» ~~ويستطرد الشيخ، فيذكر الوسيلة التي لجأ إليها محمد علي لإظهار الصعوبات التي تعترض ~~تنفيذ الأوامر التي جاءته فورا ودون إمهال، وأهم هذه الصعوبات ما تتكلفه الحملة ~~المزمعة من نفقات طائلة مع خلو خزانته من المال، «فعمل الباشا ديوانا جمع فيه ~~الدفتردار والمعلم غالي والسيد عمر والمشايخ، وقال لهم: لا يخفاكم أن الحرمين ~~استولى عليهما الوهابيون، ومشوا أحكامهم بهما، وقد وردت علينا الأوامر السلطانية ~~المرة بعد المرة للخروج إليهم ومحاربتهم، وجلائهم وطردهم عن الحرمين الشريفين، ولا ~~تخفى عنكم الحوادث والوقائع التي كانت سببا في التأخير عن المبادرة في امتثال ~~الأوامر، والآن حصل الهدوء، وحضر قابجي باشا بالتأكيد والحث على خروج العساكر ~~وسفرهم، وقد حسبنا المصاريف اللازمة في هذا الوقت، فبلغت أربعة وعشرين ألف كيس، ~~فأعملوا رأيكم في تحصيلها. فحصل ارتباك واضطراب، وشاع ذلك في الناس، وزاد بهم ~~الوسواس، ثم اتفقوا على كتابة عرضحال ليصحبه ذلك القابجي معه بصورة نمقوها»، فغادر ~~بيانجي القاهرة في ms0980 28 فبراير 1808، للعودة إلى القسطنطينية، وخرج الباشا ~~لوداعه. # ووجه الأهمية في هذا الحادث، أنه يحدد بداية مرحلة جديدة في العلاقات بين الباشا ~~والباب العالي بشأن الحرب الوهابية، فقد درج الباب العالي منذ أن وصل محمد علي إلى ~~الولاية، على مطالبة الباشا بإرسال الغلال التي جرت العادة بإرسالها سنويا إلى ~~الحرمين الشريفين، وإنفاذ النجدات من الذخائر والجبخانة والعسكر إلى الحجاز، وقد ~~شاهدنا كيف أن الباشا لم يرسل جندا إلى الحجاز، وكيف شكا حاكم المدينة المنورة من ~~عدم ورود أية حبوب من مصر، منذ عام 1806، وقد كان المسوغ لعدم تلبية أوامر الباب ~~العالي، انشغال الباشا بنضاله ضد البكوات المماليك، وحربه مع الإنجليز، ثم عدم ~~تكليف الباشا رسميا، كأحد الباشوات الذين عينهم الباب العالي لقيادة الحملات ~~الموجهة ضد الوهابيين، بالخروج بجيش مستقل وبوصفه باشا مصر، للاشتراك مع زملائه ~~في هذه الحملات. # ولكنه سرعان ما صار للمسألة وجه جديد، عندما فوض الباب العالي محمد علي ~~رسميا بتصفية الحرمين الشريفين، وحضر القابجي باشا، يطلب إليه إنفاذ العسكر إلى ~~الحجاز، وصار لزاما على الباشا امتثال أمر السلطان والخروج فورا لقتال الوهابيين، ~~وانتحال المعاذير المبررة لتباطؤه في تنفيذ هذه الأوامر الصريحة والمحددة. ولما كان ~~الباشا لا يريد الدخول في حرب، ميدانها بعيدة، ونفقاتها جسيمة، وهو لما يفرغ بعد من ~~دعم أركان باشويته، والقضاء على خصومه الداخليين - البكوات المماليك - وتطويع الجيش ~~الذي كان لا يزال يتخذ من المطالبة بمرتباته المتأخرة ذريعة للتمرد والعصيان، ولا ~~تزال إلى جانب هذا كله حاجته إلى المال شديدة، ولما كان في حاجة كذلك إلى السفن ~~لنقل جيشه إلى بلاد العرب، وذلك في الوقت الذي عظم فيه نشاطه التجاري وأراد السفن ~~لنقل غلاله المصدرة إلى الخارج، فقد آثر الباشا عدم الدخول وقتئذ في هذه المغامرة، ~~التي باء فيها بالفشل غيره من الولاة في العراق والشام، زد على ذلك، أنه كان غير ~~مطمئن لنوايا الباب العالي من جهته، ولا يزال ماثلا في الأذهان حادث محاولة نقله ~~إلى سالونيك، بينما هو يريد تأمينا لباشويته، أن يرقى ms0981 بها إلى مصاف وجاقات الغرب، ~~على أساس الحكم الوراثي في أسرته، فلا يظل تجديد ولايته، وتقريره بها سنويا، ~~مرهونا برضاء الباب العالي عليه، وخاضعا لنزوات الديوان العثماني وتقلبات الأهواء ~~السياسية، أو مطالبها من وجهة النظر العثمانية. # وحيث إن الباب العالي قد فوض إليه الآن إنهاء مسألة الحرمين الشريفين، وصار ينتظر ~~صدوع الباشا بالأوامر الصادرة إليه من صاحب السيادة الشرعية عليه، فقد وجب على محمد ~~علي أن يوضح للباب العالي الأسباب التي تحول دون صدوعه بهذه الأوامر فورا ومن ~~غير إبطاء، ولكن الباب العالي - كما سيتضح - لم يقتنع بالحجج والدعاوى التي قدمها ~~محمد علي، ثم تزايدت خطورة الموقف في الحجاز، وتزايد تبعا لذلك، إلحاح الديوان ~~العثماني على محمد علي بضرورة الخروج لحرب الوهابيين، فكثر الأخذ والرد بين ~~الجانبين، وتبودلت الرسائل الكثيرة بينهما ، وانقضت سنوات أربع، منذ سبتمبر 1807، ~~قبل خروج جيش طوسون باشا بن محمد علي إلى الحجاز في سبتمبر 1811، وتكشف هذه ~~المراسلات عن حقيقة الأعذار التي انتحلها محمد علي لإرجاء إنفاذ الحملة ضد ~~الوهابيين، ثم إنه لم يلبث أن طرأ في أثناء ذلك على العلاقات بينه وبين الباب ~~العالي ما كدرها بسبب حادثة يوسف كنج (أو جنج) وسليمان باشا التي ألمعنا إليها، حتى ~~إنه بدا في وقت من الأوقات أن الأمور قد تأزمت بينهما بدرجة لا أمل في تسويتها، ~~لولا حاجة الباب العالي إلى جيش محمد علي من جهة، ثم ما أظهره محمد علي نفسه من ~~حنكة سياسية، من جهة أخرى، مكنته من اجتياز الأزمة، ثم الظفر علاوة على ذلك، بذلك ~~الوعد الذي أشرنا إليه، تقرر الحكم الوراثي في مصر إذا انتصر جيش الباشا في ~~الحجاز. # وقد بدأ الباشا مراسلاته مع الباب العالي، يوضح الأسباب التي تحول دون إنفاذ ~~عسكره فورا إلى الحجاز في فبراير 1808، فكتب إلى الآستانة يقول: إنه وإن كانت قد ~~أحيلت إلى عبدكم تصفية الحرمين الشريفين، وتطهيرهما من الخارجي بموجب الخط ~~الهمايوني، التي هي بالشوكة مقرونة فسمعا وطاعة، وليس لي جواب غير مؤدى سمعنا، ومن ~~الجلي أن عبدكم ms0982 عبد الدولة العلية ومملوكها، ولكن هناك أسباب تدعو إلى إعمال ~~الروية والتريث، منها: أن واقعة الحرمين هذه ليست من المسائل التي يمكن إنجازها ~~بالاعتماد على جهده هو وحده، بل هي مادة جسيمة تتطلب إمداد السلطان ملاذ العالم، ~~بإرسال عشرة آلاف كيس نقدا وعدا، غير المهمات وما إليها، وهذا مما يعجز محمد ~~علي عن فعله؛ لأنه - كما قال - مثقل بالديون الكثيرة، سواء كان مبعثها بقاء بعض ~~الأراضي في مصر دون ري - بسبب انخفاض الفيضان في هذا العام، وقلة الإيراد المتحصل ~~تبعا لذلك - أم النفقات التي تطلبها فتح الإسكندرية وإجلاء الإنجليز عنها، أم ~~المبالغ الكثيرة التي تعهد محمد علي بدفعها سدادا للديون التي بقيت على سلفه أحمد ~~خورشيد باشا وقت عزله من الولاية، أضف إلى هذا، أنه لم يصل الباشا بارة واحدة من ~~إيرادات الصعيد؛ لأن هذا الإقليم بيد البكوات المماليك. # ثم إن هناك سببا آخر هاما يدعوه إلى عدم إخلاء مصر من الجند، بإرسال الجيش ~~المطلوب إلى الحجاز، هو أنه قد ترتب على الحرب القائمة بين الدولة وأعدائها، أن ~~صارت مصر مطمح أنظار جميع الدول المسيحية؛ ولذلك فأقرب الاحتمالات وأجدرها ~~بالملاحظة، إنما هو احتمال أن يتسلط أعداء الدين على السواحل المصرية، فيما إذا صار ~~إرسال العسكر الموجودين بمعية عبدكم محمد علي إلى الحجاز، ثم وعد الباشا بإنجاز ~~استعداداته على وجه السرعة، وسداد ديونه، حتى يتسنى له القيام بالمهمة المكلف بها ~~في السنة القادمة، وقال: إنه يعمل الآن لتجهيز ثلاثة أو أربعة آلاف جندي من المشاة ~~لهذه الغاية، يعتزم إرسالهم إلى جدة بحرا بطريق السويس، مزودين بالذخائر والمهمات ~~وكامل العدة والأدوات، وإن كان هو شخصيا لا يستطيع السفر لمجرد تلك المحاذير ~~التي سردها في رسالته هذه. # ولم تلق هذه المعاذير قبولا لدى الباب العالي، فأوفد إلى مصر عبد الكريم آغا، من ~~أغوات القصر السلطاني ومعه خطوط شريفة، وعطايا ملوكية، يستحث محمد علي على ~~إنفاذ جيشه إلى الحجاز، ويبين للباشا مدى حاجة الباب العالي إلى سند مفيد يأخذ على ~~عاتقه تصفية مسألة الحرمين ms0983 الشريفين، التي فوض محمد علي باستخلاصها من يد الوهابي، ~~ولإبلاغه تعهد السلطان بإجابة كل ما يسأله محمد علي في هذا الشأن. فبادر الباشا ~~بالكتابة إلى القسطنطينية في 10 مارس 1808، يظهر خضوعه وولاءه للسلطان العثماني، ~~ويعتذر في الوقت نفسه عن عجزه عن تلبية رغبته. # وكان من المعاذير التي انتحلها الباشا في هذه المرة، أنه وإن كان قد نجح في جعل ~~نصف طائفة المماليك يدخلون في ذلك حذو الجماعة الأولى، فالواجب يقتضيه متابعة ~~السعي في دفع غوائلهم وشرورهم بالقوة القريبة من الحكمة والتعقل؛ حتى ينبسط ظل ~~الدولة على إقليم الصعيد، ثم إنه لم يستطع حتى الآن سداد ديونه. # ثم استند محمد علي في عبث محاولة القضاء على الوهابيين، بالاعتماد على جيشه هو ~~فحسب، إلى أن هؤلاء قد استولوا على الحجاز من عشرين سنة خلت ، وتزايد استقرارهم به ~~سنة بعد أخرى، وتسنى لهم ضبط شئونه ودعم سلطانهم به، حتى صار لا يكفي لدفع هذا الشر ~~والأذى، أن يزحف محمد علي بجيشه من مصر فحسب، إلى مكة والمدينة، بل تحتم أن تخرج ~~كذلك الجيوش من الشام وعكا وبغداد، فإذا أمكن تدبير زحف من مصر ومن هذه الجهات، في ~~وقت واحد على مكة والمدينة، وقام الجميع بحملة واحدة، يتخابر رؤساء هذه الجيوش ~~مع بعضهم بعضا، لأمكن تنظيم المصلحة بصورة تكفل إنجازها بسهولة وتحقيق الثمرة ~~المرجوة منها، وقد وصل محمد علي إلى هذا الرأي بعد إمعان النظر، وفي يقينه أن الأخذ ~~به لا يفضي إلى هلاك الخارجي المذكور وإزالة كل أثر له من مكة والمدينة فحسب، بل ~~واقتلاع جذوره كذلك من موطنه الأصلي. # على أن الباشا الذي كان لا يرى من صالحه إنفاذ جيشه إلى الحجاز وقتئذ، وخشي أن ~~يأخذ الباب العالي برأيه هذا الذي ذكره، لم يلبث أن استدرك، معتذرا عن عدم إمكانه ~~إرسال جنده، بأنه طالما بقيت الحرب دائرة الرحى بين الباب العالي والدول ولم ينعقد ~~الصلح، فإن مصر سوف تظل موضع أطماع هذه الدول الأجنبية، ولا يكفي ما لدى محمد علي ~~من الجند ms0984 للذود عن مصر وللزحف بجيش عظيم على الحجاز معا وفي آن واحد. # وعلى ذلك، فقد اقترح محمد علي على الباب العالي حلا لهذه المشكلة كان من ~~الواضح أن هذا الأخير يعجز عن اتخاذ أية خطوة بصددها، هو أن يتفضل الباب العالي ~~بإصدار أمر عال يؤمن به الباشا على أن الدول الأجنبية لن تتسلط في هذا الباب؛ أي ~~لا تغير على مصر، حتى إذا صدر هذا التعهد من جانب الديوان العثماني اطمأن بال ~~محمد علي. # ولم يشأ محمد علي، حتى إذا تمكن الباب العالي من إجابة هذه الرغبة، إلا أن يعجل ~~تلبيته لأوامر الديوان العثماني مشروطة بشروط، أهمها: أن يمده الباب العالي نفسه ~~بما يحتاج هو إليه لإنجاز استعداداته، وانعقاد الصلح بين تركيا والدول، ثم قال: ~~«إنه من الجلي الواضح أن سبب تأخره عن الخروج إلى الحجاز، ليس سوى تلك الديون التي ~~استدانها من أجل تحصين الإسكندرية، منعا لتسلط الدول المسيحية على قلعة هي بمثابة ~~المفتاح لإقليم الحرمين الشريفين، فإذا انعقد الصلح، وبعث الباب العالي إليه ~~بالأشياء التي هو في حاجة إليها لإعداد الحملة المطلوبة، فإنه سوف يزحف على ~~الحجاز في السنة القابلة بنفسه وعلى رأس جيشه، ويبذل قصارى جهده، بل ويجاهد جهاد ~~المستميت قولا وفعلا، وقلبا وقالبا، من أجل القضاء على العدو وإفنائه بعون الله ~~تعالى.» # وقد أرفق محمد علي برسالته هذه قائمة بالأشياء التي يريدها من الباب العالي، ~~ومن هذه أقمشة من الجوخ، لارتفاع ثمنها في مصر، بل وانعدام وجودها تقريبا، بسبب ~~الحرب القائمة، مع أنه في حاجة إلى أقمشة منها تكفي للباس عشرة آلاف جندي، نصفهم من ~~الفرسان، علاوة على النفقات الأخرى التي يقتضيها تجهيز هؤلاء إلى جانب ما يربو على ~~الثلاثين ألف شخص من الموظفين، والسياس والحمالين والطباخين والسعاة، أضف إلى هذا ~~نفقات ستة آلاف جمل لنقل المؤن والأغذية والعتاد، ثم إن الباشا طالب بأثمان 200000 ~~إردب من الغلال لغذاء الجند مدة ستة شهور، و400000 إردب لسنة كاملة، عدا نفقات ~~الهجن والإبل التي تحمل هذه إلى ميناءي ms0985 القصير والسويس، ونفقات الشحن كذلك إلى ينبع ~~وجدة، علاوة على المال اللازم لشراء الهدايا وإعطاء المنح والعطايا لأغوات الداخل ~~والخارج وسائر رجال الحكومة، ولصرف علوفات العسكر ومعيناتهم على حساب مائة وخمسين ~~ألف خرج، ثم ما يلزم من مال لعمارة خمس قلاع لوضع الذخائر بها، والمراد إرسالها من ~~مصر إلى الحجاز، ثم الصرر والعطايا التي جرت العادة على إعطائها لطوائف العربان، ~~وذلك إلى جانب ما يتطلبه البذل لهم لاستمالتهم وكسب صداقتهم. وقد قدر محمد علي ~~المبالغ اللازمة، والتي طلبها من الباب العالي في هذه القائمة مبلغ يتراوح بين خمسة ~~وثلاثين ألف كيس نقدا وأربعين ألفا، ولا شك في أنها - كما قال - سوف تنفق لصالح ~~الدين والدولة، ويؤدي إنفاقها إلى نجاح هذه المصلحة الخيرية، ولم يفت الباشا أن ~~يذكر في ذيل هذه القائمة أن الأقاليم المصرية قد بقيت شراقي بسبب قلة الماء في ~~هذه السنة المباركة. # وحتى يجيب الباب العالي هذه المطالب التي تنحصر في أمرين هامين، من وجهة نظر محمد ~~علي: تكليف ولاة العراق والشام وصيدا أو عكا بإنفاذ جيوشهم في وقت واحد مع الجيش ~~الخارج من مصر لقتال الوهابيين، ثم إرسال الإمدادات من المال والمهمات إلى محمد ~~علي، حسب القائمة السالفة الذكر؛ حرص محمد علي على التمسك بالغيرة والحماس لمشروع ~~الحرب الوهابية، ولو أنه راح يردد نفس المعاذير التي ذكرها سابقا، والتي أخرت ~~خروجه إلى الحجاز، ويشير على الديوان العثماني بضرورة العمل بالخطة التي ذكرها، من ~~حيث زحف الجيوش العثمانية من مختلف ولايات الدولة المتاخمة لبلاد العرب، للإطباق ~~على الوهابي من كل جانب. # وأراد الباشا أن يستوثق من موقف شريف مكة، غالب بن مساعد، فكتب إليه حتى يعلم ما ~~إذا كان غالب مع الدولة أم مع الخارجي، ثم أبلغه محمد علي أن مأمورية الحجاز قد ~~أسندت إليه، وأنه يستعد للخروج إلى الحجاز، وسأله إذا كان يرغب في إرسال أحد كبار ~~الأمراء من لدنه أو رئيسا من قواد الجند لمرافقة الحملة المزمعة، ولكن غالبا لم ~~يجب بشيء على كتاب محمد علي، ms0986 ثم إنه تبين للباشا أن الشريف غالبا، وسعود بن عبد العزيز، عندما علما بأنه يهيئ جيشا كبيرا يعتزم إرساله بطريق السويس إلى الحجاز، ~~بادرا بالاتفاق والاتحاد صورة ومعنى، حتى إنهما أنفذا ثلاثمائة مقاتل من المغاربة ~~والعربان ومدافع وذخيرة، ونحو ألف ومائتي فارس إلى قلعة المويلح (القريبة من ~~الأراضي المصرية) واستولوا عليها. ثم إنه نمى إلى الباشا مما صار يرويه الحاضرون ~~من يافا وغزة، أن سعود بن عبد العزيز بالاتفاق مع غالب بن مساعد قد أنفذا عثمان ~~المضايفي، بجيش من العربان كبير للزحف على الشام، وأن الشريف قد بعث يكتب إلى ~~العربان في جهتي غزة والخليل لجذب قلوبهم، وكان عثمان بن عبد الرحمن المضايفي من ~~وزراء الشريف غالب، اختلف معه في الرأي، فطرده الشريف من مكة، وانحاز المضايفي ~~إلى السعوديين، ودخل مكة مع سعود في عام 1803، ثم إنه لما تصالح سعود وغالب، ثم ~~اتحدا لدفع الخطر المتوقع أنفذا المضايفي إلى المويلح، ولو أن هذا الصلح لم يكن ~~مبعثه خلوص النية من جانب الشريف الذي ظل يسعى لإخراج الوهابيين من الحجاز، ومع ~~ذلك، فقد أثمر اتحادهما المؤقت ثمرته المرجوة. # وبادر محمد علي بإبلاغ الباب العالي ما وقف عليه من أخبار، ثم إنه اتخذ من ~~استيلاء المضايفي على قلعة المويلح سببا لبيان وجه الصعوبة في إرسال الجند بحرا ~~من جهة السويس لوجود قوات الوهابيين بموقع المويلح الذي يقطع الطريق على الجند عند ~~خروجهم من بحر السويس إلى بحر القلزم، وكتب إلى الباب العالي في 18 يونيو 1808، ~~أنه يستحيل لهذا السبب خروج الجيش الذي يعده إلى الحجاز، وأن نجاح هذه المهمة - ~~مهمة استخلاص الحرمين الشريفين من الوهابي - متوقف على الزحف بجيوش عظيمة في آن ~~واحد من جانب كل من مصر والشام وبغداد (أو العراق) برا وبحرا في حركة ~~متسقة. # ثم إنه كان في هذه الرسالة أن راح محمد علي يبسط الأسباب الأخرى التي تمنعه من ~~إنفاذ الحملة، فقال: إن الزراعة قليلة في هذا العام لانخفاض النيل، ولأنه علاوة ~~على ذلك قد شاء قضاء الله ms0987 وقدره أن تهب ريح سموم عاتية فتكت بالزرع، فشحت الغلال ~~وارتفع ثمنها حتى بلغ سعر الإردب المصري عشرة ريالات، أضف إلى هذا أنه من الواضح أن ~~توجه عبدكم محمد علي من مصر قبل انعقاد الصلح (بين تركيا والدول) أمر ينطوي على ~~الخطر كل الخطر؛ حيث إن الدول الأجنبية تتطلع للاستيلاء على هذه البلاد؛ ولذلك ~~فإنه يرجو بمجرد أن يبعث الباب العالي بالإمدادات التي تضمنتها القائمة التي أرسلها ~~الباشا طي رسالته السابقة في 10 مارس، أن يستطيع الذهاب إلى الحجاز في السنة ~~القابلة؛ حيث إن ذهابه في هذا العام، للأسباب التي ذكرها قد صار متعذرا، وقد اختتم ~~محمد علي هذه الرسالة بقوله: وها هو ذا الشريف غالب قد استولى على قلعة المويلح ~~برا وبحرا، وشرع يعتدي على أطراف الشام، وهو متحد مع الوهابي، فواجب الدولة - ~~على نحو ما أراد أن يقول - أن تتدبر الأمر بسرعة. # أما الدولة فقد أخذت - على ما يبدو - برأي محمد علي، فوجهت سر عسكرية الحجاز مع ~~إيالة الحبشة وجدة إلى يوسف ضيا باشا الصدر الأعظم السابق؛ حتى يتولى القيادة ~~العليا للعمليات العسكرية المزمعة في الحجاز، على أن يكون زحفه من جهة الشام، ~~وأصدرت أوامرها إلى سليمان باشا والي بغداد، حتى يزحف من العراق على نجد، وطلبت من ~~محمد علي الزحف من مصر على مكة والمدينة، ثم اهتم الباب العالي بإجابة مطالب الباشا ~~حسب القائمة التي أعدها، ولكنه حتى نهاية عام 1808، لم يكن محمد علي قد أرسل ~~الدفتر المبينة فيه تفاصيلها، مما سبب ارتباكا عظيما لوكيل الباشا في ~~القسطنطينية، محمد نجيب أفندي، الذي بعث يرجو سرعة إرساله. وفي 28 نوفمبر صدر قرار ~~الباب العالي بتثبيت محمد علي باشا في الولاية، كما بعث السلطان في الشهر نفسه، ~~يثني على حسن إدارته ويشكره على حكومته الطيبة، وينقل إليه خبر تثبيته في وظائفه، ~~ويذكره بواجبات هذا المنصب، ومنها أن يتبع التعليمات التي بعث بها إليه يوسف ضيا ~~باشا والي جدة وحلب والقائد الأعلى للحجاز، وأن يعمل لتأمين الشواطئ والمواقع ~~المصرية. # وكان ms0988 مقصد محمد علي، عندما لفت نظر الدولة إلى استفحال شر الوهابيين بالحجاز، ~~واتحادهم الأخير مع الشريف غالب، وهو الاتحاد الذي مكنهم من الاستيلاء على قلعة ~~المويلح، وغزو أطراف الشام، ثم صار - لذلك - يكرر القول في ضرورة خروج جيوش ثلاثة ~~من العراق والشام ومصر في وقت واحد ضد الوهابي؛ كان مقصد محمد علي، عدا انتحال ~~الأعذار لعدم الخروج إلى الحجاز في سنته، أن يظفر بولاية جدة (الحجاز) والقيادة ~~العليا للقوات المحاربة هناك؛ حيث إن الباب العالي قد عهد إليه بمأمورية الحجاز ~~وفوضه في إنهائها، حتى إذا صح عزمه نهائيا على الذهاب إلى الحجاز، وفي الوقت الذي ~~يلائمه، كانت إيالة الحبشة وجدة التعويض أو المكافأة التي ينالها عند انتصاره على ~~الوهابيين. # وكاشف الباشا كتخداه في القسطنطينية، محمد نجيب بما يريده، ولكن الأخير لم يجد ~~الظرف مناسبا لإثارة هذا الموضوع في دوائر الديوان العثماني؛ لأن محمد علي ~~حتى هذا الوقت، كان لا يزال يتلمس شتى الأعذار للمماطلة والتسويف، وإرجاء الخروج ~~إلى الحجاز من عام إلى آخر، فلم يكن الباب العالي راضيا عن مسلكه، فآثر محمد نجيب ~~كتمان هذه المسألة حتى تحين الفرصة المواتية، ثم إنه لم يلبث أن كتب إلى محمد علي ~~عندما تعين يوسف ضيا لسر عسكرية الحجاز، وآلت إليه ولاية الحبشة وجدة «أنه وإن ~~صار توجيه عسكرية الحجاز مع إيالة الحبشة وجدة إلى يوسف ضيا باشا الصدر الأسبق، ~~وكما سبق أن أبلغه محمد نجيب إلى الباشا من قبل فإنه من غير المقطوع به حتى الآن، ~~ما إذا كان الصدر سيذهب فعلا إلى الحجاز أو لا يذهب؛ ولذلك فقد استحث محمد نجيب ~~في رسالته هذه بتاريخ 17 ديسمبر، الباشا على الخروج إلى الحجاز، ووعد أنه عند تحرك ~~محمد علي بإذن الله، في السنة القابلة من مصر، يقوم بإجراء ما يلزم من أجل توجيه ~~إيالة جدة إلى عهدته.» # وفي 8 فبراير 1809 وصل القاهرة قابجي، «وعلى يده مرسومان، أحدهما تقرير للباشا ~~على ولاية مصر، والثاني يذكر فيه أن يوسف باشا ضيا المعدني (أو ms0989 المعدن) الصدر ~~السابق تعين بالسفر على بلاد الشام لتنظيم بلاد العرب والحجاز، وأن يقوم محمد علي ~~باشا بلوازمه وما يحتاج إليه من أدوات وذخيرة وغير ذلك. وفي الشهر نفسه وصل قاصد ~~يخبر بوصول قابجي وعلى يده مرسومان: أحدهما الأخبار عن صلح الدولة مع الإنجليز ~~والموسكوب وانفتاح البحر وأمن المسافرين، والثاني الأمر بالسفر والخروج إلى فتح ~~الحرمين وطرد الوهابية عنهما، وأن يوسف باشا الصدر السابق المعروف بالمعدن تعين ~~بالسفر للحرمين عن طريق الشام، وكذلك سليمان باشا والي بغداد متعين أيضا بالسفر من ~~ناحيته (العراق) على الدرعية، وأحضر للباشا تقريرا بالولاية مجددا وخلعة وسيفا.» ~~وفي 18 مارس 1809 وصل القابجي إلى القاهرة، وطلع إلى القلعة؛ حيث قرئت المراسيم ~~بحضرة الجمع. # ولكن الباشا وقتئذ كان مهتما قبل كل شيء بإخراج تجريدة إلى البكوات المماليك ~~بالصعيد لنكثهم عهودهم معه، في ظروف سوف يأتي بيانها في موضعها ، ولم يعر هذه ~~الأوامر التي تطلب منه الخروج إلى فتح الحرمين وطرد الوهابية عنهما أي التفات. ~~وقد علق الشيخ الجبرتي على عدم تلبية الباشا لرغبات الديوان العثماني من حيث إرسال ~~الإمدادات المطلوبة إلى يوسف ضيا، بأنه لم يظهر لذلك الكلام أثر بيد أن كتخدا بك ~~(محمد آغا لاظ) بالغ في الحفاوة بالقابجي عند وصوله، وقد كان الباشا وقتئذ متغيبا ~~بجهة السد - سد الترعة الفرعونية - وتوافد الأعيان والأشياخ، وأكابر الدولة ~~للسلام عليه، وضربوا بعد الفراغ من قراءة المراسيم مدافع وشنكا، ووعد الباشا ~~بالاهتمام بأمر هذه الحملة الهامة، ولكنه كان من الواضح - على نحو ما ذكر «دروفتي» ~~في رسالته إلى حكومته في 9 أبريل 1809 - أن الباشا قطعا لا ينتوي فعل ~~شيء. # وعلل «دروفتي» السبب في ذلك بقوله: «إن تخليص الحرمين الشريفين اللذين يعتبرهما ~~المسلمون حرز الإمبراطورية العثمانية، التي تتوقف سلامتها على بقائهما في كنفها ~~وتحت رعايتها، لم يكن محببا إلى قلب محمد علي، بقدر ما كان لباشويته من محبة في ~~قلبه، والثابت قطعا أنه إنما يحكم مصر بفضل ما لديه من قوة فحسب، وهو دائب على ~~اتخاذ كل الوسائل ms0990 التي تضمن له بسط سلطانه في مصر وتأكيده.» # وبعث محمد علي إلى الآستانة في 6 مايو يقول: إنه قد وصله أمر الباب العالي «بشأن ~~مباشرة فتح الحرمين الشريفين هذه السنة، ودفع الخارجي؛ أي الوهابي عنهما، وأن ~~الباب العالي قد عين يوسف ضيا باشا والي جدة وحلب حالا، والصدر الأعظم سابقا، ~~قائدا عاما للحجاز، باستقلال تام، وتفويض كامل، لا جدل فيه ولا مناقشة، على أن ~~يزحف سليمان باشا والي بغداد عن طريق الأحساء والدرعية، وأن يتحرك محمد علي من ~~مصر على جدة وينبع، بالمخابرة مع حضرتي المأمورين المشار إليهما»؛ ولذلك فهو يمتثل ~~لإرادة السلطان العثماني، ويؤكد أن غايته إنما هي خدمة هذه المصلحة الخيرية، ملبيا ~~لرغائب القائد العام، الذي يضع نفسه تحت أوامره بموجب الأوامر العلية الصادرة ~~إليه، ويختم رسالته بإظهار استعداده للحركة، بمجرد أن يبلغه تحرك المأمورين ~~المشار إليهما. # وحدث في هذه الأثناء أن جاء إلى مصر جماعة من حجاج المغاربة وغيرهم في طريق ~~عودتهم إلى بلادهم، يحملون معهم عريضة من أهل مكة والمدينة يشكون فيها من سوء ~~معاملة سعود بن عبد العزيز لهم ولسائر الحجاج، ومنعه ذكر اسم السلطان في الخطبة، ~~ورفعه لستار الكعبة (الكسوة الشريفة) واستبداله بها عباءة سوداء، مكتوب عليها لا ~~إله إلا الله، سعود خليفة الله، وأخبر هؤلاء أن غرض سعود من كل ذلك، إعلان خلافته ~~على المسلمين للعالم أجمع، توطئة لإعلان نبوته في آخر الأمر، وقد استنجد أهل مكة ~~والمدينة في عريضتهم بمحمد علي؛ لإنقاذ الحرمين الشريفين وإنقاذهم. # وقد انتهز محمد علي فرصة ورود هذه العريضة ليكتب إلى الباب العالي مرة أخرى في ~~16 مايو يتنصل من الذهاب إلى الحجاز، ويحاول في الوقت نفسه تطمين الباب العالي على ~~ولائه له، ومنع غضبه عليه، من جراء تسويفه ومماطلته، فقال: إن استنجاد أهل مكة ~~والمدينة به، ورغبته في إنهاء سيطرة الوهابيين وتخليص الحرمين الشريفين، إلى جانب ~~نزوله على إرادة الباب العالي، كل ذلك جعله مصمما على الخروج إلى الحجاز تصميما ~~مبعثه الغيرة والحمية الإسلامية، والإيمان العميق، حتى ms0991 إنه «تجهز للخروج وصار على ~~وشك إكمال استعداداته، ولكنه لما كان لم يصله خبر صحيح عن تحرك يوسف ضيا باشا، ~~القائد العام للحجاز، أو سليمان باشا والي بغداد، فقد جرؤ هو؛ أي محمد علي على ~~تسطير هذه الرسالة يستفسر عما آلت إليه المأمورية المذكورة وما تم بشأنها، متسائلا ~~عما إذا كانت الدولة قد شغلت من جديد بأمر خاص بعلاقاتها مع الدول الأجنبية، أم ~~حدث التأخير لحكمة ما، ولكنه يجد لزاما عليه أن يبلغ الباب العالي أنه صار ~~متهيئا للزحف، ولا يؤخره سوى انتظار المهمات والأشياء التي كان قد بعث سابقا يرجو ~~إرسالها إليه، ثم انتظار وصول الخبر عن قيام يوسف ضيا وسليمان باشا بزحفهما على ~~الحجاز.» وقد استحث الباشا في ختام رسالته الباب العالي، ليرسل إليه بكل سرعة ~~المهمات التي طلبها، وإصدار أمره إلى يوسف ضيا وسليمان باشا بالزحف دون إمهال ~~والسماح لمحمد علي بالزحف للمبادرة بتطهير الحرمين الشريفين، وتفريج كربة ~~أهلهما. # ولكن بدلا من أن يمده الباب العالي بالمال والمهمات التي طلبها، صار هذا الأخير ~~يكلف الباشا بدفع مبالغ من المال لأفراد معينين، كهبة سلطانية أو كمعاشات أو على ~~سبيل المعاونة لهم، كما صار يطلب إليه إرسال الصناع المهرة في قلفطة السفن إلى ~~ترسانة القسطنطينية، من الإسكندرية ورشيد ودمياط، ثم بعض المهمات من مخلفات الحرب ~~التي تركها الإنجليز بالإسكندرية عند جلائهم عنها من أزمنة بعيدة، وقد اعترض ~~الديوان العثماني على بيع ملح البارود للتجار الأجانب، وطلب في أبريل ومايو 1809، ~~أن يرسل الباشا إلى ترسانة القسطنطينية عشرة آلاف قنطار منها، على حساب الخزانة ~~المصرية، وعلاوة على ذلك، فقد طالب الديوان العثماني في الشهر نفسه بإرسال ~~«الزجرية»، وهذه ضريبة كانت قد فرضت على الأنبذة و«العرقى» وسائر المشروبات الروحية ~~التي تباع في القاهرة، وضواحيها، وكذلك على الزبيب والبلح وغير ذلك من الفواكه التي ~~تستخرج منها هذه المشروبات، على أن ترسل حصيلتها إلى القسطنطينية، وكانت قد فرضت ~~هذه الضريبة منذ نوفمبر 1805، ولم يصل الباب العالي شيء منها، وطلب الباب العالي ~~تحقيقا في ذلك، ms0992 وإرسال المتحصل منها على وجه السرعة. # أضف إلى هذا كله، أن الباب العالي صار يلح في ضرورة إرسال الغلال ومختلف الأغذية ~~إلى القسطنطينية، بسبب المجاعة المنتشرة بها، وقد تقدم كيف أن الباشا كان ضنينا ~~بإرسال غلاله إليها، للأسباب التي عرضناها، فلم يرسل إلا كميات قليلة، ومع أن الباب ~~العالي كان قد أراد إرسال كميات من السكر والأرز والبن والحبوب إلى المطابخ ~~السلطانية منذ ديسمبر 1808، على حساب الخزانة المصرية، فقد اضطر لإعادة الطلب في ~~أبريل ثم في ديسمبر من العام التالي، كما أمر الباشا بتخفيض أثمان الأرز وسائر ~~أصناف الحبوب المجلوبة من مصر؛ حتى لا يتغالى التجار الجشعون في رفع أثمانها عند ~~بيعها في القسطنطينية، كما طالب بالرسوم الجمركية المتحصلة في الإسكندرية ومن قريتي ~~عيد وشوارق التابعتين للإسكندرية، وذلك عن العامين الهجريين: 1223، 1224 (28 فبراير ~~1808-5 فبراير 1810)، «وعهد إلى الباشا من الآن فصاعدا بتأدية هذه المهمة؛ لأن ~~السلطان يريد أن يلفت نظر الباشا إلى أن وصول هذه المبالغ إلى خزانة ترسانة ~~القسطنطينية أمر ضروري ولا ندحة عنه، نظرا للنفقات الجسيمة التي تقتضيها تهيئة ~~السفن الحربية التي أرسلت هذا العام إلى البحر الأبيض، وبعدد أكبر كذلك إلى البحر ~~الأسود.» # على أنه كان مما أزعج الباشا إزعاجا كبيرا مطالبة يوسف ضيا باشا، والباب العالي ~~له، بمبلغ جسيم من المال في يوليو 1809، من أجل المصلحة الخيرية؛ أي الحرب ~~الوهابية، وتفصيل ذلك، أن يوسف ضيا كان أيام وجوده بهذه البلاد أثناء (حملة 1801) ~~المعروفة لإجلاء الفرنسيين عنها، قد وضع ترتيبا بالاتفاق مع أعيان البلاد ~~ومشايخها، بمناسبة إعادة النظر في حصص الالتزام وتقاسيطها، والأراضي الرزق ~~الأحباسية، صار له بمقتضاه إيراد لنفسه على تقاسيط الالتزام، وأوراق الإقطاعات ~~والفراغات التي آلت بفضلها بعض الحصص بالفراغ إلى الملتزمين، وهي التي نزل عنها ~~لهم أرباب الاستحقاق فيها، نظير أن ينال المفرغ قدرا من المال معجلا ومؤجلا، وقد ~~دخل هذا الإيراد الذي اختص به الصدر الأعظم نفسه تحت بابي ما صار يعرف بقصر اليد ~~وخرج القلم، ولكنه غادر هذه البلاد، دون أن ms0993 يحل شيئا مذكورا منها، ثم لم يرده ~~شيء من هذا الإيراد في السنوات التالية، وظل الحال على ذلك حتى تعين يوسف ضيا ~~لقيادة الحملة المزمع إنفاذها إلى الحجاز، وصار في حاجة ملحة إلى هذه الأموال ~~المتأخرة لإنجاز استعداداته، فطالب بها الآن، وأيده الباب العالي في طلبه. # وعلى ذلك، فقد حضر سلحداره إلى القاهرة في 28 يونيو 1809، «وعلى يده مرسوم مضمونه ~~طلب ما كان أحدثه يوسف ضيا حين كان بمصر»، وقد طالب يوسف ضيا بهذا الإيراد عن ~~المدة من عام 1216 (1801) إلى عام 1224 (1809)، فكان حساب ذلك 2800 كيسا «قلمية ~~الكشوفية» عن هذه السنوات المذكورة، ثم إن الباب العالي أضاف في الوقت نفسه إلى هذا ~~المبلغ، ألف كيس «إمدادية تجهيز السفر الحربي» لحملة الحجاز المزمعة، فبلغت القيمة ~~المطلوبة 3800 كيس، وكان هذا مبلغا جسيما. # ولم يكن من المنتظر أن يرضى محمد علي بدفع هذا القدر الجسيم، وهو الذي ما فتئ ~~يشكو من قلة المال في خزائنه، ويلقى صعوبات شديدة في جمع ما يكفي منه لسد نفقات ~~الإدارة، ودفع مرتبات الجند، وإنفاذ حملاته ضد البكوات المماليك، ويطلب من الباب ~~العالي - كما شهدنا - إمداده بالمال والمهمات كي يستطيع إعداد الحملة المزمع ~~إرسالها إلى الحجاز؛ ولذلك فقد صار الباشا يتدبر الأمر، لسؤال الباب العالي إعفاءه ~~من دفع هذا المبلغ، ولقد كان لهذه المسألة آثار أخرى خطيرة، من حيث إنها كانت السبب ~~المباشر فيما وقع بين محمد علي والسيد عمر مكرم من اصطدام انتهى بنفي هذا الأخير من ~~القاهرة، على نحو ما سيأتي ذكره. # وأما محمد علي، فقد بادر بتسطير رسالة طويلة إلى الباب العالي في 14 يوليو 1809 ~~يعتذر فيها من عجزه عن دفع هذا المال المطلوب، ويوضح أسباب هذا العجز، فقال: «إن ~~سلفه خورشيد أحمد باشا، كان وقت أن اقتضت المصلحة سفره إلى بلاد الروم (تركيا) ~~مفصولا من الولاية، مدينا بثلاثة آلاف كيس، متأخر مرتبات الجند، وقروضا استدانها ~~من مختلف التجار، وتعهد محمد علي بوفاء هذه الديون، بمقتضى صكوك أعطيت لأصحابها، ~~توجب عليه ms0994 سدادها، محافظة على شرف الوزارة، ودفعا لوقوع ثورة، وحرصا على عدم ~~تعريض هذا الوزير (أحمد خورشيد) للفضيحة على أيدي أرذال الناس، فكان بفضل ذلك أن ~~استطاع محمد علي إنقاذ الوزير المذكور، وإرساله إلى الديار الرومية، على أنه منذ ~~إرساله، لم يتسع للباشا الوقت، ولم يكن في ميسوره الشروع في سداد هذه ~~الديون. # ثم كان مما زاد في حيرة الباشا استيلاء الإنجليز على الإسكندرية، وما صار ~~يخشاه من تأثر البكوات المماليك بمساعي هؤلاء الغزاة ومسايرتهم لهم، وقد وقع الغزو ~~فجأة، في وقت كان الباشا قد بدأ يستعد لقتال البكوات للانتهاء من أمرهم، ودفع ~~شرورهم بالقوة الممزوجة بالحكمة والتعقل والروية، وقد اضطر بسبب ذلك إلى الإنفاق ~~والبذل ومنح العطايا الكثيرة سواء كان هذا الإنفاق لدفع مرتبات جند الباشا نفسه، ~~أم لدفع مرتبات الجند الذين أمر الباب العالي بإرسالهم من صيدا والشام إلى مصر، مما ~~ترتب عليه أن تضاعفت ديونه. # زد على ذلك ما اقتضاه الأمر بعد فتح الإسكندرية وجلاء الإنجليز عنها من إبعاد ~~رؤساء الجند الساعين في إثارة الفتنة والفساد في مصر، وذلك صونا للمصلحة، مما ~~استلزم إعطاء هؤلاء علوفاتهم؛ أي مرتباتهم وسائر مخصصاتهم المتأخرة، ~~نقدا. # وعلاوة على ذلك، فإن لدى محمد علي عددا كبيرا من الجند، من أصناف الدليلان ~~(الكشافة) والتفنكجيان (الرماة) والسكبان (جند الحرس)، والعربة جيان (المدفعية ~~والحوذية) والشالوبة (أنفار المراكب)، يتكلفون ما قيمته ثلاثة وعشرين ألف كيس من ~~الإيرادات المتحصلة من مصر، ولا ندحة عن وجود هذا العدد الكبير من الجند، ثم إنفاق ~~هذا القدر الجسيم من الإيراد عليهم؛ لأن مصر مطمح أنظار الدول الأجنبية، ناهيك ~~بما تتطلبه مأمورية الحرمين الشريفين التي عهد بها إلى محمد علي، من وجود هؤلاء ~~الجند الكثيرين. # ومع أن الإيرادات المتحصلة من هذا القطر الآن، لا تكفي لسد نصف هذه النفقات ~~الكثيرة، طالما بقي الصعيد غير خاضع لسلطان الباشا فقد اقتضت المصلحة إعطاء ~~الأراضي الواقعة قبلي إقليم البهنساوية للأمراء المصرية (البكوات المماليك)، وفضلا ~~عن عدم الانتفاع بها، يتحمل محمد علي نفقات أخرى بسبب ما ms0995 يبذله للبكوات من مال؛ ~~حيث إنهم صاروا الآن في خدمته؛ ولأن في ذلك ضمانا لجلب الغلال من الصعيد، وهذه لا ~~مناص من جلبها وادخارها مع غيرها من المؤن، لصالح مأمورية الحرمين الشريفين التي ~~عهد بها إليه الباب العالي، وبحسبان أن فيضان النيل في هذه السنة سوف يكفي لري ~~الأراضي بهذا القطر. # ويعتزم الباشا إنفاذ الجند إلى الحجاز والزحف على جدة وينبع، بمجرد أن يتحقق ~~لديه أن في وسعه أن يطمئن اطمئنانا كاملا من ناحية الفرنسيين؛ نظرا لأنه قد بلغه ~~أنه لم يعد لهؤلاء مجال لمد فتوحاتهم والتسلط على بلدان أخرى في أوروبا بعد ~~تغلبهم على النمسويين في الحرب. # وأن ما يقوم به محمد علي من إعداد ما تحتاجه حملته المزمعة على الحجاز، من ~~خيول وبغال وجمال، وقرب للماء، وأكياس وغلال، وما يتكلفه هذا كله من نفقات، يوازي ~~في أهميته وضرورته المحتمة، ما يبذل الباب العالي من جهد في قتاله مع الدول ~~الأجنبية وما يتحمله من نفقات بسبب ذلك. # وصفوة القول حيث إنه؛ أي الباشا قد غرق في الدين حتى أذنيه، فمن الواضح الجلي ~~أنه يتعذر عليه - بل ومن المستحيل - تحصيل المبلغ المطلوب وإرساله، وهو لذلك يسأل ولي ~~النعم (السلطان) عفوه وصفحه الجميل، وإعفاءه من هذا التكليف.» # وقد أدرك محمد علي أن تباطؤه في الخروج إلى الحجاز، ثم تقاعسه عن إمداد الباب ~~العالي بحاجته من الغلال، وسائر أنواع الحبوب للمعاونة على كسر حدة المجاعة في ~~القسطنطينية، أو بما يلزم ترسانة القسطنطينية من مهمات، لمؤازرة تركيا في مجهودها ~~الحربي، ثم أخيرا امتناعه من إرسال «قلمية الكشوفية، وإمدادية تجهيزات السفر ~~الحربي»، لمساعدة يوسف ضيا على الخروج بحملته إلى الحجاز، أدرك محمد علي أن ذلك ~~كله من شأنه أن يغير عليه الباب العالي، وأنه وإن كان قد حرص على ترديد عبارات ~~الخضوع والولاء، فالواقع أنه يقف موقف العصيان من الدولة والتمرد على السلطان ~~العثماني، وأنه لا مناص من تبلور علاقاته مع الباب العالي، إن عاجلا أو آجلا، ~~بصورة لا بد مفضية إلى الاصطدام، إذا ms0996 استمر التسويف واستطالت المماطلة. # وقد تنازع محمد علي في هذه المرحلة عاملان محددان: الإقبال على نجدة ~~الدولة، أو الانصراف إلى تحقيق مشروع استقلاله الذي سبق الحديث عنه، وكان معنى ~~الإقبال على نجدة الدولة، سد مطالبها التي لا تفرغ، وإرهاق موارده المحدودة، وهو ~~الذي كان في أزمة مالية مزمنة للأسباب التي كثيرا ما أشرنا إليها، وحرمانه من تلك ~~الأرباح الوفيرة التي يجنيها من تجارة القمح، وتكليفه ما لا طاقة له به وقتئذ من ~~أجل إنفاذ جيش كبير لإخماد حركة الوهابيين في الحجاز، في وقت لما يفرغ فيه من نضاله ~~المستميت مع البكوات المماليك الذين يهددون بخصومتهم العنيدة باشويته ذاتها، وذلك ~~كله دون أن يكون لديه ضمان ما، بأن الباب العالي سوف لا يقلب له ظهر المجن، ويقصيه ~~من باشويته، بينا أن تحقيق مشروع الاستقلال بنيل الحكم الوراثي في مصر، ينهي كل ~~مخاوفه من ناحية الباب العالي، ويزيد من دعم حكومته ويمكن سفائنه - وقد بدأ محمد ~~علي ينشئ أسطولا تجاريا، بمناسبة الاستعداد لحملة الحجاز المزمعة يعمل في ~~البحرين الأبيض والأحمر - من نقل تجارته وغلاله عبر البحار بأمان تحت راية وجاقه، ~~ولا تتعرض لمصادرة أعداء الباب العالي لها؛ لأن الباشا في وسعه - على الرغم من ~~الحرب الدائرة بين الدولة العثمانية والدول الأجنبية - أن يعلن حياده، وفضلا عن ~~ذلك، فقد كان من مزايا عدم الاستجابة لرغبات الباب العالي، أن يتوفر الباشا أولا ~~وقبل كل شيء على إنهاء عصيان البكوات المماليك، وإخضاعهم لسلطان حكومته، فيدخل ~~الصعيد بغلاله الوفيرة في حوزته، فتنشط تجارته وتكثر أرباحه تبعا لذلك، وينبسط ~~سلطان باشويته على الأقاليم الداخلة في نطاقها، فتقوى هذه الباشوية، وتتدعم ~~أركانها، بالدرجة التي تساعده على الاستقلال الذي ينشده. # ثم إن انصرافه عن مقاومة الحركة الوهابية، من شأنه أن يزيد هذه الحركة استفحالا، ~~لا سيما وقد انهزمت جيوش الدولة على أيدي الوهابيين، ورسخت أقدام هؤلاء، وكثرة ~~إغارتهم على أملاك الدولة المتاخمة لهم، وبدأ يتغلغل نفوذهم في اليمن، وقد يكون ~~الوهابيون إذا عظمت قوتهم مصدر خطر على باشويته، وهم ms0997 الذين ما فتئوا يبثون الدعوة ~~في مصر ذاتها، منذ أن استولوا على مكة فلغط الناس في خبر الوهابي واختلفوا فيه، ~~فمنهم من جعله خارجيا وكافرا، وهم المكيون ومن تابعهم وصدق أقوالهم، وطائفة من ~~التجار الذين استولى الوهابي على قوافلهم، وعطل تجارة البن من مخا خصوصا ~~باستيلائه على السفن المحملة به من اليمن، ومن الناس من قال بخلاف ذلك لخلو ~~غرضه، وما إن وصل الخبر مع ركب الحجاج العائدين إلى القاهرة في يونيو 1803 بسقوط ~~مكة المكرمة في أيدي الوهابيين، حتى صار الناس يتناقلون هذا الخبر ويتحدثون فيه ~~سرا فيما بينهم، على نحو ما لاحظ «مسيت» وقتئذ، وأثبت الشيخ الجبرتي صورة ما ~~جاء في أوراق تتضمن دعوة الوهابي وعقيدته، وقد ظلت الأنباء تترى بعد ذلك عن ~~انتصارات الوهابيين في الحجاز، وإغارتهم على أملاك الدولة في أطراف العراق والشام ~~وفلسطين واليمن، وكان آخر هذه ما أبلغه محمد علي نفسه إلى الباب العالي من ~~استيلائهم على قلعة المويلح. # ولكن استفحال حركة الوهابيين، كان من شأنه كذلك أن يشتت جهود الدولة ويضعفها ~~ويقعد بها عن مناوأة محمد علي إذا هي شاءت مناوأته، ويعجزها عن حربه وقتاله إذا هي ~~أرادت إقصاءه من باشويته، واضطر الباشا إلى الاصطدام معها وقتالها، وفضلا عن ذلك، ~~فقد كان من رأي محمد علي أن الوهابي في شق عصا الطاعة على الدولة لم يأت أمرا ~~إدا، بل قد خطا الخطوة التي يفكر الباشا نفسه في خطوها، وأنها إذا تحرجت العلاقات ~~بينه وبين الباب العالي لدرجة انقطاعها وإعلان الباشا لعصيانه السافر وتمرده، لأفاد ~~هذا الوضع المستحدث في إنشاء صلات تجارية وثيقة مع الوهابي، وكان من بين الحوافز ~~على إنشاء أسطوله التجاري في السويس توقع هذا الاحتمال نفسه. # ولم يكن محمد علي قطعا يريد في هذه المرحلة إنفاذ جيش إلى الحجاز، بل إن هذه ~~الاعتبارات جميعها، كانت مبعث ذلك المسعى الذي بدأه مع الوكلاء الإنجليز والفرنسيين ~~وقتئذ، من أجل الظفر بتأييد دولتي إنجلترة وفرنسا لمشروع استقلاله، فقد استأنف ~~مفاوضته مع الأولين منذ سبتمبر ms0998 1808، وهي المفاوضة التي أسفرت في آخر الأمر - في ~~مايو 1810 - عن عقد تلك المعاهدة التجارية التي رفضت الحكومة الإنجليزية التصديق ~~عليها، بينما هو قد تحدث إلى «دروفتي» منذ أبريل 1810 في موضوع استقلاله. # بيد أن فشل هذه المفاوضات من جهة، واندفاع محمد علي في حرب مع الباب العالي، من ~~المقطوع به من جهة أخرى أنه لن يخرج منها ظافرا، لمعارضة الدول له، ولأنه كان في ~~وسع المماليك أن يفيدوا منها للم شعثهم والتألب عليه من جديد بالرغم من انتصاره ~~عليهم في معارك اللاهون والبهنسا في يوليو وأغسطس 1810، قد جعل الباشا يتريث في ~~الأمر، ووجد أن لا ندحة له في النهاية عن تهيئة جيشه وإكمال استعداداته للخروج إلى ~~حرب الوهابيين، ولقد كان من مزايا استرضاء الباب العالي إمكان الحصول من صاحب ~~السيادة الشرعية عليه على ذلك الوضع الذي أخفق في نيله عن طريق التحالف أو ~~الاتفاق مع إنجلترة وفرنسا. # وعلى ذلك، فقد بادر بعد التماس إعفائه من دفع المبالغ المطلوبة منه، برسم قلمية ~~الكشوفية، وإمدادية تجهيزات السفر الحربي يؤكد للباب العالي صدق رغبته في إنفاذ ~~الجيش إلى الحجاز، ويعد وعدا قاطعا بإرسال كميات كبيرة من الغلال إلى ميناءي ~~السويس والقصير، مع بضعة آلاف من الجند المهيئين لهذه الحملة، وذلك سواء كان واليا ~~الشام وبغداد قد قاما بالمعاونة المطلوبة منهما أم لم يفعلا ذلك، ثم إنه ينبئ ~~الباب العالي بتجهيزاته البحرية من أجل بناء السفن اللازمة لنقل الجند والعمل في ~~البحر الأحمر، ومن بين هذه الفرقاطة التي عرفت باسم أفريقية والتي عهد إلى ~~قبطانها إسماعيل جبل طار بالذهاب بها إلى مالطة ثم إلى إنجلترة، لتسليحها ثم الدخول ~~بها بعد ذلك إلى البحر عن طريق رأس الرجاء الصالح والدوران حول أفريقية، ثم إن ~~الباشا لم يلبث أن وسط قبو كتخداه في الآستانة للاتفاق مع السفير الإنجليزي هناك ~~بصدد شراء سفينة إنجليزية من مالطة للعمل في البحر الأحمر، ولما كان هذا الأخير قد ~~اقترح عوضا عن الشراء إعارة إحدى سفن الإنجليز من الهند بطاقمها؛ ms0999 لأن حكومته ~~ترفض بيع سفائنها، فقد اعترض الباب العالي على ذلك، وقر الرأي على جلب هذه السفينة ~~من جزر بحر إيجة أو المواني العثمانية أو أخذها من الأسطول العثماني نفسه، على أن ~~يتأكد لدى الباشا فعلا بمشاورة المختصين أن في استطاعة هذه السفينة إتمام رحلتها ~~حول أفريقية دون صعوبة. # وعلاوة على هذا الاهتمام الذي أبداه الباشا لإكمال استعداداته البحرية، فقد خفف ~~شيئا من مطالبه الأولى من الباب العالي، وقصر هذه الآن على عدد من عربات المدافع ~~وقليل من المهمات الأخرى من ذخائر الحرب، ولما كان محمد علي يشك في إخلاص الشريف ~~غالب، فقد أشار على الدولة أن تستوثق من نواياه نحوها فتبعث إليه بكتاب بالعربية ~~تستفسر منه عما إذا كان في عزمه الممانعة في دخول جند محمد علي إلى الحجاز أو أنه ~~سوف يؤازرهم؟ # وكان لما ظهر من جدية استعدادات الباشا - لا سيما فيما يتعلق بإنشاء السفائن ~~اللازمة لنقل الجيش إلى جدة وينبع، ثم وعده بإنفاذ الحملة سواء خرج واليا الشام ~~والعراق أم لم يخرجا، ثم إشارته على الدولة بالكتابة إلى الشريف - أحسن الأثر في نفس ~~السلطان العثماني، فبدأت من ثم تزول هواجسه من ناحية محمد علي وتتحسن العلاقات بين ~~الفريقين تحسنا ملموسا، كان من أثره أن اختار السلطان رسولا ذا مكانة لحمل فرمان ~~التثبيت في الولاية عن عام 1810 إلى القاهرة، كما اهتم الباب العالي بإنجاز المهمات ~~التي طلبها الباشا لإرسالها إليه بكل سرعة. # فبادر سليم ثابت، أحد وكلاء الباشا في القسطنطينية، يبلغه منذ 20 مارس، بأن ~~المهمات التي يطلبها الباشا، لا سيما القنابل يجري شحنها من ميناء قولة لإرسالها ~~أولا بأول مع السفن الذاهبة إلى مصر، ومن هذه مركب القبطان ديمتراكي الأنزلي، ~~على وشك الإقلاع، بعد أن استأجرتها الدولة تنقل إلى مصر إحدى عشرة قنبلة وعشر عربات ~~للمدفعية الخفيفة، ويرجوه (في 25 مارس) أن يعيد هذه السفينة محملة بالغلال إلى ~~القسطنطينية. # ثم إن سليم ثابت كتب إليه في 20 مارس، لبيان الأثر الطيب الذي أحدثه اهتمام ~~الباشا بمسألة ms1000 الحرمين الشريفين، أن هذا الاهتمام قد أكسبه رضاء السلطان، وأنه عند ~~توفيق الباشا في هذه الخدمة الخيرية الجليلة، سوف تترى عليه الإنعامات الكثيرة ~~عند انتهاء حسن خدمته للدولة. بل إن الباب العالي لم يلبث أن عهد إليه بتفويض كامل ~~بمهمة إنقاذ الحرمين مستقلا عن واليي الشام والعراق، كما بعث إليه بصورة من ~~الكتاب الذي سطره للشريف غالب بن مساعد ومفتيي المذاهب الأربعة والسادة وكافة ~~القبائل وعشائر العربان، وجميع الأهلين المسلمين، وقد نعت هذا الأمر العالي، ~~الموشح بالخط الشريف محمد علي نعوتا عظيمة، فبعث الباشا في 16 أبريل 1810، ~~يقدم فروض الولاء والشكر للسلطان، وينبئ الباب العالي، بأنه عين لحملة الحجاز، صفوة ~~من رجاله، الحائزين لرتبة رياسة بوابي دار السعادة بالديوان العثماني: صالح آغا ~~(قوش)، وحسن آغا محافظ دمياط، وسليمان آغا محافظ رشيد، وغيرهم من الرجال المحنكين، ~~على رأس سبعة آلاف جندي من الترك والأرنئود المتمرسين في الحروب، وعين قائدا ~~عاما أو «سر عسكر» للحملة ولده طوسون أحمد باشا، على أن يكون مدير مهمات الجيش ~~السيد طاهر أفندي، وهو صاحب خبرة بشئون الحجاز لسابق خدمته الطويلة به، كما أبلغ ~~الباب العالي، بمناسبة إخفاق الوساطة لدى السفير الإنجليزي لشراء إحدى السفن من ~~مالطة، أنه لم تعد له حاجة بها وبغيرها من السفن التي يمكن إحضارها من جزر بحر إيجة ~~أو المواني العثمانية أو أسطول الدولة؛ حيث إن ميناءي دمياط والإسكندرية صارتا ~~تذخران بالأخشاب من كل نوع، وأنه قد تم في بولاق تجهيز الأخشاب اللازمة لصنع إحدى ~~وعشرين سفينة، تحمل الجمال هذه الأخشاب إلى السويس؛ لتركيب السفن بها، وأن إسماعيل ~~جبل طار أو البشكطاش (جبل النار) قد صار إنفاذه - مع الفرقاطة أفريقية - إلى مالطة، ~~في طريقه إلى البحر الأحمر بالدوران حول رأس الرجاء الصالح، وأنه قد اعتزم إرسال ~~مهمات الحملة في هذه السفن وغيرها من نوع «الداو» التي استولى عليها في البحر ~~الأحمر، وذلك مع قسم من الجيش، بينما يذهب القسم الآخر بطريق البر، يدفعه إلى فعل ~~ذلك، إشادة السلطان بمناقبه ونعته بالحيدري الشيم. ms1001 # وهكذا صفت الأمور بين الباشا والباب العالي، وبدا أن الأول معتزم حقا وصدقا ~~إنفاذ الحملة إلى الحجاز، ولو أنه كان من الواضح أن استرضاء الباب العالي كان ~~جزءا من الخطة التي رسمها الباشا لنفسه وقتئذ، والتي صار مدارها الحرص على علاقات ~~المودة والصداقة مع الباب العالي، في الوقت الذي لم تسفر مساعيه لدى الوكلاء ~~الإنجليز والفرنسيين عن النتيجة المرجوة، وكان مما شجع محمد علي على التعهد ~~بإنفاذ جيشه لقتال الوهابيين فور فراغه من استعداداته التي يسير فيها بكل همة، أنه ~~كان كبير الأمل في إنهاء خلافاته قريبا مع البكوات المماليك، ووعد إبراهيم بك ~~وزملاؤه بالحضور من الصعيد إلى القاهرة، ليضعوا أنفسهم تحت إشرافه ومراقبته، ~~اعترافا منهم بسلطان حكومته عليهم، كما سيأتي ذكره في موضعه. # ولكن الجو لم يلبث أن اكفهر مرة أخرى، وشاب بعض الكدر العلاقات بين الباشا والباب ~~العالي عندما عمد هذا الأخير إلى خلع يوسف كنج باشا من ولاية الشام، وولى مكانه ~~سليمان باشا الكرجي والي عكا وصيدا، فجمع سليمان حكم هاتين الولايتين في يده، ونشأت ~~من ذلك مشكلات عدة، وصار محمد علي يلح في رجاء الباب العالي إعادة يوسف كنج إلى ~~منصبه وعزل سليمان باشا، لا سيما بعد أن ثبت أن لهذا الأخير صلات مع البكوات ~~المماليك، وقد ظلت مسألة يوسف كنج وسليمان باشا الكرجي هذه موضع أخذ ورد طويلين، ~~حتى استطاع الباشا استئصال شأفة البكوات في مذبحة القلعة المعروفة، فانتفى الخطر من ~~جهتهم، وصار لا يخشى من ناحية اتصال فلولهم بسليمان باشا، وحتى ظفر الباشا كذلك ~~بوعد صريح من الباب العالي بتقرير الباشوية الوراثية في مصر، إذا هو أنفذ جيشه إلى ~~الحجاز، وانتصر هذا الجيش على الوهابيين. # بيد أن الوصول إلى هذه النتائج التي حصل عليها الباشا، كآثار مباشرة لقضية يوسف ~~كنج وسليمان باشا الكرجي، لم يكن سهلا هينا، بل كادت تتحرج بسبب هذه القضية ~~العلاقات بين الباشا والباب العالي، لولا تغلب الحكمة من الجانبين فيرضى الأخير من ~~جهة، بأن يقطع على نفسه عهدا بجعل الحكم ms1002 وراثيا في أسرة محمد علي، ولو أنه جعل ~~عهده هذا مشروطا بنجاح الحملة المصرية، ويصح عزم الباشا من جهة أخرى على إنفاذ ~~حملته إلى الحجاز بعد أن قر رأيه على الاتجاه صوب الشرق نهائيا؛ لما في ذلك من ~~مزايا، ينتفع بها في توطيد أركان باشويته. ~~(10) قضية يوسف كنج وسليمان باشا الكرجي # وتفصيل خبر هذه القضية وتتبع آثارها، يرتبط ارتباطا وثيقا بذلك التطور الذي ~~ساعد على تكييف سياسة محمد علي، ورسم خطوطها، وهو التطور الذي شهدنا أولى مراحله ~~تبدأ بمراقبة محمد علي للأمور، ودراسة الأوضاع السائدة في البلاد، ووزن القوى ~~المتناحرة فيها لا سيما منذ أن صار أحد قائدي الأرنئود الكبيرين، واشترك في الحوادث ~~التي أفضت إلى طرد محمد خسرو باشا من الولاية، ثم لا يزال هذا التطور ينتقل من ~~مرحلة إلى أخرى أثناء المناداة بولاية محمد، وأثناء أزمة النقل إلى سالونيك، ثم ~~أثناء حملة «فريزر» حتى إذا ظهرت مسألة الحرب الوهابية، كان قد صار الغرض الأوحد من ~~سياسته هو الظفر بالحكم الوراثي في مصر، سواء تحقق ذلك، برغم أنف الباب العالي - ~~وقد تبين لمحمد علي أنه يتعذر عليه فعل ذلك؛ لعدم تأييد الدولتين (إنجلترة وفرنسا) ~~لمشروع استقلاله - أم جاء بموافقة صاحب السيادة الشرعية عليه، وهو أمر اعتقد الباشا ~~أن من الميسور تحقيقه إذا نجح في استرضاء الباب العالي، على أنه مما تجدر ملاحظته ~~أن بروز قضية يوسف كنج وسليمان باشا في هذه المرحلة، كان بسبب ما انطوت عليه هذه ~~القضية من حقائق متصلة بوضع باشويته في علاقاتها مع مقر السلطنة، كولاية من ~~ولايات الدولة العثمانية، للسلطان العثماني شرعا وقانونا مطلق التصرف في مصير ~~ولاته عليها، يبقيهم في مناصبهم بها أو يعزلهم عنها، ثم بسبب الملابسات التي ~~لابستها، من حيث صلة باشويته بالولايات العثمانية الأخرى المتاخمة لها، وهي صلة لا ~~محيد عن خضوعها لأثر الحوادث الطارئة في هذه الولايات عليها، نقول إن بروز هذه ~~القضية كان من أحسم العوامل التي جعلت الباشا يتجه بنظره من هذا الوقت المبكر صوب ~~الشرق؛ أي ms1003 صوب الشام. # حقيقة تنازعت الباشا الرغبة في التوسع نحو الغرب، وظهرت آثار هذه الرغبة عندما ~~تزوج محمد علي في مايو 1812 من أرملة أحمد باشا القره مانلي الذي أخرجه أخوه يوسف ~~باشا حاكم طرابلس الغرب من حكومة أو باشوية بنغازي في عام 1805، فلجأ إلى مصر، ولم ~~تكن هذه المرة الأولى التي فعل فيها ذلك؛ حيث كان قد لجأ إلى الإسكندرية وأقام ~~بالصعيد بعض الوقت في العام السابق، وقد عاش الآن بالإسكندرية ثم توفي بها بعد ست ~~سنوات، فتزوج الباشا من أرملته، وأغدق على إخوتها العطايا، وكتب «سانت مارسيل» إلى ~~حكومته في 20 مايو 1812 يعلق على هذا الحادث بأن ما فعله الباشا إنما يحمل على ~~الاعتقاد بأنه ما تزوج هذه الزيجة إلا من أجل تحقيق مأربه، وهو غزو برقة، التي ~~امتلكها ملوك مصر القدماء في الزمن الغابر. # ولكن هذا الاتجاه نحو الغرب كان حدثا عابرا، فقد أقر «سانت مارسيل» نفسه في ~~رسالته السالفة بأنه من المعروف أن أطماع باشا مصر، هي إنشاء حكومته على غرار ~~حكومات وجاقات الغرب، إذا شاءت الدول العظمى تأييد أهدافه، وفضلا عن ذلك، فإنه ما ~~أن أثيرت قضية يوسف كنج وسليمان باشا الكرجي، وتوسط محمد علي لدى الباب العالي ~~لإرجاع يوسف كنج إلى ولاية دمشق، وإلحافه في عزل سليمان باشا، حتى راح «دروفتي» ~~يوضح لحكومته في 11 نوفمبر 1810 بواعث هذا المسعى، فقال: إن محمد علي يبغي من ~~إعادة باشوية دمشق إلى يوسف كنج، وضع قدمه في الشام، وتحقيقا لهذه الغاية يريد ~~كذلك تنصيب ولده طوسون باشا على ولاية صيدا وعكا، بدلا من واليها سليمان باشا، ثم ~~يستطرد «دروفتي» فيقول: ومع أن مساعيه في صالح يوسف كنج لم تلق قبولا لدى الباب ~~العالي فإن ذلك لا يمنع الاعتقاد بأنه من المحتمل أن ينفذ الباشا خططه التي يبغي ~~منها امتلاك سوريا. ثم عاد «دروفتي» في 19 أبريل 1811 يتحدث عن غايات محمد علي ~~فقال: «إنه؛ أي القنصل الفرنسي، علم أن الباشا كلف قبو كتخداه في القسطنطينية أن ms1004 ~~يجس نبض وزراء السلطان العثماني في احتمال ظفره بالاستقلال الذي يريده، وفضلا عن ~~ذلك، فهو؛ أي محمد علي، يبغي دائما الحصول على باشوية الشام، وذكر لي ذات يوم أن ~~هذا لن يكلفه سوى سبعة أو ثمانية ملايين قرش يدفعها لخزانة السلطان»، بل إن «دروفتي» ~~ساورته الشكوك من ناحية الغرض الذي يبغيه الباشا من استعداداته العسكرية، فقال في ~~كتابه إلى حكومته في 5 يونيو 1811: «إن الباشا منذ عودته من الإسكندرية في 30 مايو، ~~قد اختص بكل عنايته الجيش الذي يتهيأ بقيادة طوسون باشا لقتال الوهابيين، ولكن كل ~~الاستعدادات التي أجريت تدل على أن هذا الجيش سوف يقطع الصحراء للذهاب إلى سوريا، ~~والحقيقة أن غرض هذه الحملة الصحيح لا يزال سرا يكتمه الباشا، الذي لا يترك حتى ~~في هذا الأمر ذلك النظام الذي درج عليه في سياسته من حيث التأني والتمهل ~~والتسويف، ثم العمل حسبما تقتضيه الظروف.» # وكان بعد أن سير الباشا حملته فعلا ضد الوهابيين، أن كتب «دروفتي» في نشرته ~~الإخبارية عن حوادث شهر أكتوبر 1811، أن الباشا لا يزال يرفض التخلي عن مشروع إرجاع ~~يوسف كنج إلى حكومة دمشق؛ «ليضع بهذه الوسيلة قدمه في سوريا، ولقد جعله الباب ~~العالي يرجو إمكان هذا الترتيب بمجرد نجاحه في طرد الوهابيين من الحرمين الشريفين.» ~~وفي نشرته الإخبارية عن حوادث النصف الأول من شهر ديسمبر عام 1812، كتب «دروفتي» أن ~~بدو الصحراء التي تفصل سوريا عن مصر قد نهبوا قافلة غنية في طريقها من السويس إلى ~~القاهرة، فبعث محمد علي يهدد سليمان باشا بالحرب، إذا لم تعد المنهوبات وتسوى ~~المسألة تسوية مرضية، كما بعث برسول إلى القسطنطينية يشكو سليمان باشا، وقد بدر من ~~الباشا في هذه المناسبة أنه لما يتخل بعد عن مشروع مد سلطانه إلى سوريا. # وهكذا ارتبطت قضية يوسف كنج وسليمان باشا بمشروعات محمد علي السياسية والتي صارت ~~وقتئذ حملة الحجاز ذاتها من أهم أركانها؛ لأن الاتجاه صوب الشرق يحمل معنى دعم ~~باشويته على أساس الحكم الوراثي الذي يريده ويسعى من أجله، ولأن نجاحه ms1005 في إعادة ~~يوسف كنج إلى حكومة دمشق ثم تنصيب ولده طوسون باشا في ولاية صيدا وعكا، وطرد سليمان ~~باشا من هذه الأقاليم المتاخمة لباشويته، يمكنه من مد سلطانه إلى سوريا، وفي ذلك ~~كله تعزيز وتقوية لباشويته المصرية. # وتفصيل خبر يوسف كنج، أنه استطاع بعد حياة حافلة بالمغامرات - يخدم تارة أحمد باشا ~~الجزار، وتابعه سليمان باشا الكرجي الطرف الثاني في هذه القضية، وتارة أخرى عبد ~~الله باشا العظم - استطاع أن يظفر بولاية الشام خلفا لعبد الله العظم، فلم يلبث في ~~الحكم إلا قليلا، حتى علا ذكره فأقام العدل وأبطل المظالم، واستقامت أحواله، وشاع ~~أمر عدله النسبي في البلدان، فثقل أمره على غيره من الولاة وأهل الدولة لمخالفته ~~طرائقهم، فقصدوا عزله وقتله، وكان سليمان باشا ممن تربصوا به الدوائر، وطمعوا في ~~ولايته، وقد واتت سليمان الفرصة، عندما توانى يوسف كنج في الخروج بجيش لقتال ~~الوهابيين، وإنقاذ الحرمين الشريفين، تلبية لأوامر الباب العالي، وسهل على خصومه ~~تأليب الديوان العثماني عليه، وأصاخ الباب العالي السمع لسعايتهم، فاعتقد أن يوسف ~~كنج قد انحاز إلى جانب الوهابيين، وآثر نفعه الخاص على مصلحة الدولة، ثم حدث أن ~~هاجم الوهابيون الشام في بداية عام 1810، فعجز كنج يوسف عن دفعهم، فدخلوا حوران ~~وعجلون، واكتفى يوسف باشا بتحصين «مزيريب» - وتقع إلى الجنوب من دمشق - وقفل راجعا ~~إلى عاصمة ولايته، وصار يطلب النجدة من سليمان باشا بعكا، والأمير بشير الشهابي ~~بلبنان لمقاومة الوهابيين وطردهم، فكان لهذا الحادث أسوأ الوقع في دوائر الباب ~~العالي. # فقد رسخ الاعتقاد الآن، بانضمام يوسف كنج إلى الوهابيين قلبا وقالبا، وقرر ~~الباب العالي عزله من ولاية الشام، وإسناد المنصب إلى سليمان باشا، ولما كانت قد ~~استطالت مماطلة محمد علي وتسويفه وتأخره في الخروج بينما استفحل شر الوهابيين، ~~وزادت سطوتهم؛ فقد قرر الباب العالي كذلك، أن يأمر باشا القاهرة أمرا حاسما ~~قاطعا، بإنفاذ جيشه إلى الحجاز، لا سيما وأنه قد بعث إليه بجانب من المهمات التي ~~يريدها، ويستمر إرسال باقي هذه المهمات إليه دون انقطاع، واختار الباب العالي ms1006 لهذه ~~المهمة المزدوجة «قزلار آغا» ويسمى عيسى آغا، وصفه الشيخ الجبرتي بأنه: «أسمر اللون ~~حبشي مخصي لطيف الذات، متعاظم في نفسه، قليل الكلام.» # فقصد قزلار آغا إلى عكا يحمل فرمانا بعزل يوسف كنج وضم ولاية الشام إلى سليمان ~~باشا والي صيدا وعكا، بدعوى أن يوسف باشا قد نبذ الطاعة، وتباطأ في إرسال جنده إلى ~~بلاد العرب، ودبر سليمان باشا خدعة يستطيع بها إخراج يوسف كنج من الشام، وأخذ ~~حكومتها منه، فعمل على ترويج إشاعة كاذبة بأن الوهابيين قد اقتربوا ثانية من ~~مزيريب، ثم خرج على رأس جيشه لملاقاتهم، ودعا في الوقت نفسه زميله والي الشام، ~~يوسف كنج، إلى الخروج لصد العدو ودحره، فصدق يوسف باشا الخبر ولبى الدعوة، ولكنه ما ~~إن خرج من دمشق، حتى قصد سليمان إلى دمشق بكل سرعة ودخلها، وأبرز فرمان توليته ~~عليها، وأعلن أنه حاكمها، فأسقط في يد يوسف كنج، ولكنه أبى الإذعان وصمم على ~~المحاربة، ولكنه انهزم، ونهب جنده متاعه وانفضوا من حوله، وأهدر الباب العالي دمه، ~~ثم إنه صار يتنقل من مكان إلى آخر، ثم ما لبث أن كتب إلى محمد علي يستأذنه في ~~اللجوء إليه، فأذن له، فحضر إلى دمياط في أوائل سبتمبر 1810، وأرسل محمد علي ~~لملاقاته طاهر باشا، ووصل يوسف كنج القاهرة في 13 سبتمبر، ونزل بقصر شبرا وضربوا ~~لحضوره مدافع، ثم أنزله الباشا بمنزل يطل على بركة الأزبكية وعين له ما يكفيه، ~~وأرسل إليه هدايا وخيولا، وما يحتاج إليه. # وأما قزلار آغا، فقد وصلت القاهرة الأخبار منذ 2 أغسطس 1810 بحضوره من طرف ~~الدولة وعلى يده أوامر وخلعة وسيف وخنجر لمحمد علي باشا، وصحبته أيضا مهمات وآلات ~~مراكب، ولوازم حروب لسفر البلاد الحجازية، ومحاربة الوهابيين، وكان محمد علي ~~متغيبا عن القاهرة، ومشغولا في حربه مع البكوات المماليك في الصعيد؛ حيث انتصر ~~عليهم عند جسر اللاهون في 20 يوليو، وكان يستعد للالتحام معهم في المعركة التي شتتت ~~شملهم في الشهر التالي عند البهنسا، ولكن رجال حكومته في القاهرة احتفوا بعيسى آغا ~~عند ms1007 وصوله احتفاء طيبا، وقد وصل هذا شبرا يوم 11 أغسطس فعملوا له هناك شنكا ~~وحراقات وتعليقات قبالة القصر الذي أنشأه الباشا بساحل شبرا، وخرجوا لملاقاته ثم ~~عملوا له موكبا عظيما وطلع إلى القلعة، وضربوا عند طلوعه إلى القلعة مدافع، ~~وأحضر قزلار آغا خلعة من القسطنطينية لإسماعيل بن محمد علي، فعملوا ديوانا ~~بالقلعة، وألبسوها لابن الباشا، وجعلوه باشا مير ميران ... وضربوا شنكا ~~ومدافع. # ولكنه سرعان ما تبين أن قزلار آغا - على غير مألوف عادة رسل الباب العالي - يرفض ~~كل ما يريد رجال الباشا أن يقدموه له من هدايا، بل وأبى أن ينزل بالمنزل الذي أعده ~~الباشا لسكناه، وكان هذا التحفظ الشاذ دليلا على أن الأوامر التي أتى بها رسول ~~الباب العالي في هذه المرة كانت صارمة شديدة ولا يحتمل تنفيذها أي إمهال، وأن على ~~الباشا أن يخرج بجيشه سريعا إلى الحجاز، فبادر محمد علي بالعودة إلى القاهرة، ~~ووصلها في 17 سبتمبر، وراح يؤكد للآغا أنه مهتم جد الاهتمام، ومن زمن طويل بانتزاع ~~الحرمين الشريفين من أيدي الوهابيين، وأنه تعهد بالقيام بهذه المهمة منفردا من ~~بضعة شهور خلت، ولم يطل مقام قزلار آغا فغادر القاهرة إلى القسطنطينية في 29 ~~سبتمبر، ولكن قبل سفره كان الباشا قد بدأ يسعى لدى الباب العالي، لاستصدار عفو ~~السلطان عن يوسف باشا، وإرجاع ولاية الشام إليه، وعزل سليمان باشا عنها، ثم إبعاده ~~إن أمكن من عكا وصيدا كذلك. # ولم يكن هناك بعد انتصار محمد علي على البكوات المماليك في معركتي قنطرة اللاهون ~~والبهنسا الأخيرتين، ما يدعو لإرجاء إنفاذ جيشه إلى الحجاز؛ حيث انتفى الآن أكبر ~~مسوغ استند إليه الباشا حتى هذا الوقت في إرجاء حملته ضد الوهابيين؛ لأن الباب ~~العالي كان قد أجاب مطالبه، وبدأ يبعث إليه بالمهمات وأدوات الحرب التي يريدها، أضف ~~إلى هذا أن محمد علي نفسه كان قد صمم فعلا على تلبية أوامر السلطان، للأسباب ~~التي عرفناها، ولكن ظهور مسألة يوسف كنج وسليمان باشا، أدخل تغييرا جديدا على ~~الموقف، حمل الباشا على التريث حتى ms1008 ينتهي إلى أمر في هذه القضية. # ومما تجدر ملاحظته، أن محمد علي لم يكن يريد أن يتخذ من هذه المسألة مجرد ~~ذريعة تضم إلى ذرائعه الأخرى التي توسل بها سابقا لإرجاء تنفيذ أوامر الباب ~~العالي، بل إنه كان صحيح العزم على تسوية قضية يوسف كنج وسليمان باشا التسوية التي ~~تكفل له الاطمئنان على باشويته، قبل إخراج أكثر قوات جيشه من البلاد وإرسالهم إلى ~~أرض الحجاز البعيدة، ولقد كان من نتائج مسعى الباشا لتحقيق هذه الغاية، وعد الباب ~~العالي له - كما أسلفنا - بمنحه الحكم الوراثي في باشويته عند انتصاره على ~~الوهابي. # وتتضح جدية مسعى محمد علي في إرجاع ولاية الشام إلى يوسف كنج من الأسباب التي ~~استند عليها في المطالبة بعزل سليمان باشا الكرجي، وتأمين الدولة له؛ أي لمحمد علي، ~~من شروره، وأما هذا المسعى فقد بدأ وقزلار آغا لا يزال في القاهرة، فكتب محمد علي ~~إلى الباب العالي في 25 سبتمبر 1810 رسالة طويلة، يلتمس ليوسف باشا العفو من ~~السلطان إلغاء عقوبة الإعدام التي صدرت عليه، وإطلاقه والإفراج عنه، وتوجيه إيالة ~~الشام إليه. # وتضمنت هذه الرسالة شكوى محمد علي من سليمان باشا، وكانت شكوى مريرة، بدأها ~~بقوله: إن هذا الأخير ينتمي إلى نفس الجنس الذي ينتمي إليه المماليك في مصر؛ ولذلك ~~فهو بحكم هذه الصلة يهوى مساعدتهم قدر استطاعته، وقد كانت له بمحمد بك الألفي صلة ~~وثيقة، والأخير في حياته كان أقوى البكوات خصومة لمحمد علي، ويعزو الباشا لمكائده ~~السبب في إغراء البكوات: شاهين الألفي وزملائه الذين كان محمد علي قد نجح في ~~الاتفاق معهم في العام السابق وحضروا مستأمنين يعيشون في القاهرة - على نحو ما سوف ~~يأتي ذكره مفصلا - «فأسكنهم بها محمد علي بالاستئمان والصلح على أن يلتحقوا ~~بخدمته، فكان سليمان باشا هو الذي دعاهم إلى العصيان، بتلقينه دروس الفتنة ~~والفساد لهؤلاء (البكوات) في رسائله إليهم، التي صار يحضهم فيها على التمرد، ويحرك ~~فيهم الفتنة، مبعث ذلك فساد رأيه ثم رغبته في تعطيل محمد علي عن القيام بالمهمة ~~التي ms1009 أسندت إليه؛ أي إنقاذ الحرمين الشريفين، الأمر الذي ترتب عليه كذلك، اضطرار ~~محمد علي إلى تحمل نفقات كثيرة بسبب استئنافه للنضال والحرب مع المماليك. وفضلا ~~عن ذلك، فقد دأب سليمان باشا على تحرير الشكاوى في حق هذا الخادم المطيع؛ أي محمد ~~علي، إلى الدولة العلية، وإلى أولياء الأمور (بالباب العالي) دون أن يكون لهذه ~~الشكاوى أصل أو سبب.» # ثم استطرد الباشا يقول: «ولكنه قد تمكن من إزالة غائلة المماليك بحد السيف ~~ولله الحمد، بفضل ما يملكه من قوة وقدرة في ظلال جلالة السلطان، وأعطى المناصب التي ~~كانت أعطيت للمماليك إلى رجال حكومته، فكان ما فعل سليمان باشا من حيث تحريك ~~الفتنة والحض على العصيان، مبعث خير في النهاية، وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير ~~لكم. # ومع ذلك، فلا يعني هذا انتفاء الخطر من ناحية سليمان باشا؛ إذ يتوقع محمد علي ~~عند إرسال ولده طوسون أحمد باشا مع جنده المشاة المعينين للذهاب بطريق البحر إلى ~~جهة الحرمين الشريفين، وعند سفر محمد علي قريبا بطريق البر، بعد ذهاب ولده؛ ~~يتوقع محمد علي قطعا أن يعود سليمان باشا إلى مألوف عادته القديمة، فيعمل على ~~تحريك الفتنة، ويدأب على إلحاق الأذى به؛ حيث إنه عاجز كل العجز عن الذهاب إلى ~~الحجاز، وإن كان قد طلب الباب العالي منه ذلك؛ لأنه لا جند ولا قوة لديه، ومع أنه ~~يجب على محمد علي أن يمضي في مهمته غير عابئ بفتن سليمان باشا لاعتقاده أن من عمل ~~صالحا فلنفسه، ومن أساء فعليها، إلا أن المصلحة تقتضي أن لا يترك خلف المنتدب ~~لمهمات جسيمة لم يتيسر لأحد القيام بها منذ خمس سنوات، وعشر سنوات، وعشرين سنة، من ~~يقوم بتحريك الفتنة ضده، ويعمل على إفساد الأمور عليه، ولا أن يكون مثل هذا الرجل ~~في جواره، حتى يهدأ خاطره ولا ينصرف ذهنه إلا للمهمة المكلف بها. # وعلى ذلك، فإذا دفع المشار إليه؛ أي سليمان باشا، وأزيل من جواره، ووجهت إيالة ~~الشام إلى يوسف باشا كنج، مع التفضل بالصفح عن ذنبه ms1010 والعفو عنه، وإبقاء وزارته؛ دخل ~~الاطمئنان إلى قلب الباشا وتسنى إنجاز مأمورية الحجاز بكل سرعة. # وليس مبعث ما يسأله محمد علي سوى ما تستلزمه طبيعة المهمة المكلف بها، من حيث ~~ما يجب لتسهيلها من دفع عوامل الشر عنه، ولم يكتب ما كتب لغرض نفساني ضد سليمان ~~باشا أو لتحيز في جانب يوسف باشا، آية ذلك أنه ما كتب شيئا منذ أن ولي الوزارة في ~~شأن هذين، سواء كان خيرا أم شرا، إلا ما أملته الوقائع الصحيحة، وقد توسط الآن ~~في الشفاعة ليوسف باشا كنج حسبة لله؛ نظرا لأنه يدين بالعبودية لجلالة السلطان، ~~ولا ذنب له، وتعرض لغضب جلالته، بسب ما افتراه عليه خصومه زورا وبهتانا، وحيث ~~إن يوسف باشا قد التجأ إلى محمد علي ويعده مسموع الكلمة، وموضع اعتبار لدى الدولة ~~العلية، يرجو محمد علي أن يقبل السلطان شفاعته، وقد قال تعالى: # والكاظمين الغيظ والعافين عن ~~الناس ~~. # واختتم الباشا رسالته بتكرار الرجاء في دفع سليمان باشا الذي يجزم محمد علي ~~يقينا أنه يسعى في المفاسد المفضية إلى الشرور، والتي يتسبب عنها انشغال البال أثناء ~~قيامه بمهمة الحجاز، ويرجو إبعاده من جواره ، مع إصدار العفو عن يوسف باشا كنج وإطلاقه، ~~ومحو عقوبة الإعدام عنه وتوجيه إيالة الشام إليه، وأنه؛ أي محمد علي، لم يكن فيما ~~سطره لا متحيزا ضد سليمان باشا ولا متجنيا عليه، فضلا عن أنه لم يكن مدفوعا ~~بعوامل نفسانية ضد هذا الأخير لا سبب ولا موجب لها.» # وعاد محمد علي في 30 سبتمبر يكرر رجاءه في العفو عن يوسف باشا وإرجاع ولاية الشام ~~إليه، وإبعاد سليمان باشا من جواره، فذكر نفس الحجج التي ذكرها في رسالته ~~السابقة، مبينا أن بقاء سليمان باشا على حدود باشويته، يثير الفتن ويحبك خيوط ~~المؤامرات ضده، ويعطل خروجه إلى الحجاز، مع ما يترتب عليه التأخير في إنهاء مهمة ~~الحرمين الشريفين، واستشراء فتنة الوهابيين في بلاد العرب تبعا لذلك، من ضرر عظيم ~~لا يقتصر أذاه على محمد علي، بل يلحق بالدولة بأسرها، وأكد الباشا ms1011 أنه سوف يقوم ~~بإنجاز هذه المهمة وحده ودون انتظار أية معاونة من أحد، بمجرد أن يقبل الباب العالي ~~رجاءه. # ومع أن الباشا ظل مهتما في إكمال استعداداته لحملة الحجاز، وجلب سفن الداو أو ~~الضاو إلى ميناء السويس لنقل الجند، فقد استمرت قضية يوسف كنج وسليمان باشا تحتل ~~مكانا ظاهرا في تفكيره، وكان لا يسعه إنفاذ جيشه إلى الحجاز، وخطر البكوات ~~المماليك لا يزال ماثلا، طالما بقي سليمان باشا يراسلهم، ويحضهم على جمع فلولهم، ~~واستئناف القتال مع الباشا، والثابت أن الخطر المباشر، قد طغى في هذه الفترة على ~~التفكير في أي غرض آخر، بعيد أو قريب، استهدفه الباشا من حملته المزمعة على ~~الحجاز. # وقد شفع محمد علي وساطته في حق يوسف كنج لدى الباب العالي، ببذل المال الكثير في ~~القسطنطينية، ونشط كتخداه محمد نجيب وسائر وكلائه، يسعون بكل همة لاستصدار العفو عن ~~يوسف كنج وإرجاعه إلى ولايته، فكتب أحد هؤلاء، سليمان أفندي، منذ 19 سبتمبر يطمئن ~~محمد علي بأن المساعي مبذولة لهذه الغاية، ولكن جهود هؤلاء الوكلاء لم تأت بنتيجة ~~لتمسك الباب العالي بموقفه، وبدلا من أن يقبل هذا وساطة محمد علي بعث يأمر محمدا ~~عليا برمي رقبة يوسف باشا، وجاء في أمره هذا إليه (في أكتوبر سنة 1810)، أن الباب ~~العالي كان قد عهد إلى يوسف كنج بالولاية على مقاطعات غنية كثيرة، مثل دمشق وطرابلس ~~الشام، لقاء أن يقوم بمحاربة سعود بن عبد العزيز وطرده من الحرمين الشريفين، ولكن ~~يوسف كنج لم يفكر إلا في مصلحته الخاصة، ولم يهتم بهذه المسألة، بل إنه لم يلبث أن ~~اتحد مع الوهابي، مع ما في ذلك من خروج على الشريعة الإسلامية، ولما كان السلطان قد ~~علم أن يوسف باشا قد ذهب إلى محمد علي لاجئا، فقد أصدر أمره إلى هذا الأخير أن ~~يبعث إلى القسطنطينية بأقصى سرعة رأس يوسف كنج مقطوعا. # وفي 11 أكتوبر من العام نفسه، كتب أحمد شاكر من القسطنطينية إلى محمد علي، يوضح ~~الأسباب التي جعلت أبواب الشفاعة ليوسف باشا والتماس ms1012 العفو عنه مغلقة، وينبه ~~بإرسال الأمر الصادر إلى الباشا بقطع رأسه وإرساله إلى الدولة، وهو الأمر السالف ~~الذكر، فذكر أحمد شاكر أن سبب غضب الباب العالي على يوسف باشا، هو كسله وتراخيه في ~~مسألة استخلاص الحرمين الشريفين من الوهابيين، فصدر فرمان من السلطان بإعدامه؛ حيث ~~اعتبر مسلك يوسف كنج مخالفا للدين والشرع؛ ولذلك فقد صارت أبواب الشفاعة ~~مسدودة، بل وأصدر السلطان أمره إلى الباشا برمي رقبته، ولا معدى عن تنفيذ هذا ~~الأمر نظرا لما ظهر من استهجان لوساطة الباشا وشفاعته في حق يوسف كنج. # فكان هذا الفشل صدمة لمحمد علي ومخيبا لآماله، حتى إن «دروفتي» الذي استطاع أن ~~ينفذ إلى سريرة الباشا، بحكم صلاته الوثيقة به من وقت وصوله إلى الولاية، وأحاديث ~~الباشا الكثيرة معه عن مشروعاته وأهدافه، لم تفته ملاحظة أن وساطة محمد علي لم ~~تقابل بترحاب في القسطنطينية، مما أحدث أثرا سيئا في نفسه، لما سوف يترتب على رفض ~~إرجاع يوسف كنج إلى باشوية دمشق من تعطيل لأطماع محمد علي في سوريا، ولو أن هذا ~~الأخير - كما استطرد «دروفتي» في رسالته التي نقل فيها هذا الخبر إلى حكومته في 11 ~~نوفمبر - يتذرع (لتبرير وساطته) بدعوى أن قسما من الفرسان السوريين في جيشه، ~~والذين خدموا سابقا تحت قيادة يوسف كنج أيام ولايته في الشام، يرفضون السير ضد ~~الوهابيين ما لم يرجع يوسف كنج إلى باشويته. # ولكن هذه الصدمة ما كانت لتثني محمد علي عن عزمه، وهو الذي قر رأيه على إنفاذ ~~جيشه إلى الحجاز، بل كانت على العكس من ذلك مبعث نشاط جديد لاستئناف المسعى لدى ~~الباب العالي بكل همة، ولما كان الديوان العثماني من جهته لا يسعه الاستغناء عن ~~خدماته، ويبغي القضاء على الوهابي، ولا يوجد من الولاة في الدولة من يستطيع إنفاذ ~~جيش قوي، وكامل العدة لهذه الحرب، التي اعتبرتها الدولة العثمانية حربا دينية، فقد ~~تضافرت العوامل التي ساعدت على انفراج الأزمة. ~~(11) الباب العالي يعد بالباشوية الوراثية # فقد مضى محمد علي في استعداداته، ولكنه اشترط شرطا أساسيا ms1013 لخروجه شخصيا إلى ~~الحجاز، لضمان نجاح الحملة المزمعة، أن يعفو السلطان عن يوسف كنج، وأن يعزل سليمان ~~باشا من ولاية الشام، فكثرت المراسلات بين القاهرة والقسطنطينية في الشهور الستة ~~التالية، تبين في أثنائها لمحمد علي أن الأمور قد تحرجت بينه وبين الباب العالي ~~بسبب تأخر خروج جيشه إلى الحجاز، لدرجة أنه صار حتما عليه أن يرسل هذه الحملة ~~لقتال الوهابيين، سواء أجاب الباب العالي مطلبيه (العفو عن يوسف كنج وعزل سليمان ~~الكرجي) أم لم يجبهما، وهذا إذا شاء عدم الاصطدام معه وإعلان الثورة عليه، وهو ما ~~لم يكن في وسعه ولم يكن في صالحه - للظروف والأسباب التي عرفناها - أن يفعله، ولقد ~~كان من أثر تحرج الأمور بينه وبين الديوان العثماني في هذه الفترة، أن قر رأي محمد ~~علي على درء خطر مكائد سليمان باشا عنه، ومعالجة مسألته بالوسائل التي في وسعه هو ~~اللجوء إليها، طالما بقي الباب العالي مصرا على بقاء سليمان باشا في ولايتي الشام ~~وصيدا، ولا يريد عزله من حكومة دمشق، فكان هذا العزم مبعث الكارثة التي حلت ~~بالبكوات المماليك في مذبحة القلعة، ثم إنه كان مما جعل محمد علي ينزل بهم هذه ~~الكارثة المروعة، أن الباب العالي - كتسوية لقضية يوسف كنج وسليمان باشا - وعد ~~محمد علي بإجابته إلى المطلب الذي نشده دائما، وظل ركن الزاوية في سياسته ~~بأسرها في هذه الفترة، إنشاء الحكم الوراثي في باشويته. # ثم إنه تبين في أثناء هذه الشهور الستة للسلطان كذلك، أن محمد علي بالرغم ~~مما بدا منه من لجاجة في قضية يوسف كنج وسليمان باشا، قد صح عزمه فعلا على القيام ~~بحملة الحجاز، فقطع شوطا بعيدا في الاستعداد لهذه الحملة، وأرسل قطع أسطوله من ~~بولاق لتركيبها في السويس لنقل الجند، كما شرع في شحنها بالمؤن والذخيرة، فلم يكن ~~هناك معدى إذن، لضمان نجاح هذه الحملة من نزول الباب العالي شيئا من موقفه، لا سيما وقد اشترط محمد علي لذهابه بنفسه إلى الحجاز مع جيشه إجابة مطالبه، فكان وعد ~~الباب العالي بإعطائه ms1014 الحكم الوراثي أولا ثم كان عفوه عن يوسف كنج ثانيا، بل ووعد ~~الباب العالي بتنصيب يوسف كنج واليا على جدة، كتسوية نهائية لمسألته. # وكان من الواضح أنه إذا نجح محمد علي في حملته ضد الوهابيين، زاد قدمه رسوخا في ~~باشويته، بحيث يتعذر على سليمان باشا مناوأته، لا سيما بعد أن يجرده من الأداة ~~التي استخدمها في تحريك الفتنة في مصر (البكوات المماليك)، وبحيث يستطيع محمد علي ~~تجديد المسعى في مسألة يوسف كنج، ومن أجل الظفر بالباشوية الوراثية، مقصده الأول ~~دائما إذا أخلف الباب العالي وعده. # واستؤنفت المراسلات بين محمد علي والباب العالي، بكتاب بعث به إليه في 18 أكتوبر ~~1810، محمد عارف أحد وكلاء الباشا في القسطنطينية، يستنهض همته في موضوع الحرمين ~~الشريفين، ويذكر له أن ما ظهر من تصميم الباشا على محاربة الوهابيين، قد قوبل ~~بالدعوات الطيبات الصالحات من شيخ الإسلام، الذي سطر كتاب ثناء وتقدير للباشا، ~~ولكن الباشا بقي متمسكا بمطلبه (عزل سليمان باشا من إيالة الشام)، وعاد يؤكد في 3 نوفمبر، أن سليمان باشا لا يني يتراسل مع البكوات المماليك، بالرغم من عداء هؤلاء ~~المستمر لمحمد علي، حتى إنه اضطر إلى قتالهم، وإعمال السيف فيهم وقال إنه يسوءه ~~أشد الاستياء أن يكون الباب العالي قد كلفه بمأمورية إنقاذ الحرمين الشريفين من ~~أيدي الوهابيين مستقلا ومتعهدا بهذه المصلحة الجسيمة وحده بينما تجري المكاتبات ~~في الوقت نفسه بين سليمان باشا وبين البكوات المماليك، وتقوم بين الفريقين صداقة ~~اشتهر أمرها بين الناس، كما صار معروفا للجميع أن هناك مراسلات بين سليمان ~~والبكوات، ثم قال محمد علي: «إن سليمان باشا لا يبغي من مصادقته للبكوات وتراسله ~~معهم سوى الحيلولة دون تمكين محمد علي من القيام بهذه المأمورية الحجازية، وأن ~~سليمان لن يحجم عن بذل كل ما يملك في هذا السبيل؛ حتى ينتقم منه، لا سيما وأن ~~مئات من الأشقياء (المماليك) صاروا يقيمون الآن بولاية السودان فارين من مصر، ومع ~~أن هناك خلافا بينهم فيما يجب أن يفعلوه: أيذهبون إلى تونس ومنها يبحرون ms1015 إلى ~~فرنسا، أم يذهبون إلى الوهابيين عن طريق الحبشة، أم ينضمون إلى سليمان باشا، ~~فيذهبون عن طريق الجبل (على طول شاطئ البحر الأحمر) على ظهور الإبل إلى القدس، فقد ~~استحسنوا جميعا الرأي واستصوبوه، وقرروا الذهاب إلى سليمان باشا.» # وقد أنذر محمد علي في رسالته هذه «أنه إذا اتضح له أن البكوات قد صح عزمهم فعلا ~~على الذهاب إلى سليمان باشا فإنه لا محالة سوف يسلط عندئذ قواته على جهة العريش ~~وغزة، ويرسل إلى تلك الجهات قدرا من العساكر البدو ليقطعوا السبيل على المماليك، ~~ثم إنه لما كان واضحا أن الباشا المذكور سليمان لا يقتصر على كل حال على ~~الاشتغال بخاصة نفسه، بل سوف يتصدى بعد سفر محمد علي من مصر إلى الحجاز، ويعمل ~~لنشر المفاسد، وإرباكه حتى يوقعه في الغلط، فإن بقاء سليمان في ولايته سوف يعطل ~~خروج محمد علي في جيشه ضد الوهابيين؛ ولذلك فإنه يعود فيطلب مكررا ضرورة عزل ~~سليمان باشا من إيالة الشام.» # وفي 25 نوفمبر عاد محمد علي يكتب مرة أخرى إلى الباب العالي: «أن حاجته لإبعاد ~~سليمان باشا من ولاية الشام قد باتت أمرا ظاهرا ظهور الشمس في رائعة النهار؛ لأن ~~لديه من المعلومات الوثيقة ما يجعله يجزم قطعا بأن سليمان سوف يجترئ على باشويته ~~وقت سفره في الحجاز، وأما إذا لم يبعد سليمان باشا من إيالة الشام فسوف يضطر محمد ~~علي إلى البقاء في مصر، ويكتفي فقط بإرسال العساكر المرتبين بحرا بالضرورة، وهو لا ~~يدري حينئذ إذا كان من المنتظر أن ينجح هؤلاء في تحقيق المهمة المكلفين بها والوصول ~~إلى الغرض المنشود؛ أي هزيمة الوهابيين واستخلاص الحرمين الشريفين منهم، أم ~~يكون الفشل نصيبهم.» # وقد انطوى هذا التحذير على تهديد خفي بأن الباشا قد يعدل في آخر لحظة عن إنفاذ ~~الحملة كلية؛ حيث إنه قد صار مشكوكا في نتيجتها إذا هي ذهبت بدونه. # وعلاوة على ذلك، فقد اختار محمد علي هذا الوقت بالذات، ليعرض «مشروع استقلاله» ~~بصورة واضحة محددة على القسطنطينية، ويطلب إعطاءه وضعا مماثلا ms1016 لوضع وجاقات ~~الغرب، فبعث إلى كتخداه محمد نجيب في 24 نوفمبر 1810 برسالة مطولة، تحدث فيها عن ~~هزائم جيوش الدولة على يد الروس، والتي كان من أثرها أن اضطر السلطان إلى طلب ~~النجدة من نابليون، ثم استطرد من ذلك إلى عرض مشروع استقلاله، وذكر مزاياه، ~~والفائدة التي تعود من تحقيقه على الدولة ذاتها، فقال: «ولقد وجدت الوسيلة التي ~~يمكن بها خدمة الدولة وقد سبق لي أن ذكرتها لكم - مخاطبا نجيب أفندي - وهي أن ~~يعلن الباب العالي إيالة مصر حرة، في نفس الوضع الذي لوجاق الجزائر والوجاقات ~~الأخرى؛ فإنه إذا حدث قيام حالة حرب بين الإنجليز والإمبراطورية العثمانية، فسوف ~~يكون في وسعي البقاء بمنأى عن هذه الحرب، وأظل على صلات طيبة مع الإنجليز، وأستطيع ~~حينئذ الحصول على خمس أو عشر سفن كبيرة، أرفع عليها علم الوجاق المصري فأجعل هذه ~~السفن تطوف في البحر الأبيض، ولن ألقى صعوبات ما في تموين أهل القسطنطينية بالغلال ~~وسائر أصناف الحبوب، وبالذخائر المصرية، وسوف أعمد إلى شحنها بكميات وفيرة من هذه ~~المواد، وأبعث بهذه السفن المحملة إلى القسطنطينية دون انقطاع، ومن ناحية أخرى فلن ~~تصادف مهمة استخلاص الحرمين الشريفين المسندة إلي أية صعوبات تعطلها، فسوف يقوم ~~بها الباشا فورا، وهو مطمئن إلى نجاحه في هذه المهمة، حتى إذا انتهت مهمة الحرمين ~~الشريفين، يعمد جلالة السلطان إلى سحب هذا الوضع الذي أعطي لإيالة مصر، وتعود هذه ~~إلى الوضع الأدنى الذي كان لها، كمقاطعة عادية من مقاطعات الدولة فحسب، وما نحن ~~وأهل هذه البلاد إلا عبيدا لمولانا صاحب الجلالة.» # وهكذا، كان من الواضح مما جاء في هاتين الرسالتين، أن الباشا بما أبداه من تشكك ~~في نجاح الحملة إذا خرجت بدونه، وبما تقدم به الآن من طلب صريح، يبغي منه رفع ~~ولايته إلى مرتبة الوجاقات قد صار يلوح بأن إنفاذ جيشه إلى الحجاز مرتهن بإجابته، ~~ليس إلى مطلبه الخاص بعزل سليمان باشا من إيالة الشام فحسب، بل وإعطائه الحكم ~~الوراثي في مصر كذلك. # ولقد كان لهذا التهديد الخفي أسوأ ms1017 الوقع في دوائر الباب العالي، ونشط المعارضون ~~لمطالب محمد علي ينشرون دعاية مسممة ضده، وأذاع بعض بطانة السلطان العثماني عن ~~مطالب محمد علي، إن تلك إلا حجج ودعاوى، لا يبغي منها الباشا سوى المماطلة ~~والتسويف، وأنه لن يخرج لحرب الوهابيين، ولو بذل له السلطان ملك الدنيا بحالها، ~~ولقي وكلاء الباشا نصبا وتعبا في دفع هذه الاتهامات عن مولاهم، وراحوا يحذرونه ~~مغبة إرجاء إرسال ابنه طوسون باشا قائد الحملة العام إلى السويس وإلى ينبع، كما ~~صاروا يحذرونه من اتخاذ صلات سليمان باشا بالبكوات المماليك ذريعة للتخلي عن الحملة ~~أو للإبطاء أكثر مما وقع في إنفاذها، وفضلا عن ذلك، فقد راحوا من ناحية أخرى ~~يبذلون كل ما وسعهم من جهد وحيلة لالتماس العفو السلطاني ليوسف كنج، وإنهاء مسألته ~~بصورة تبعث على الرضى وتحفظ سمعة محمد علي الذي أخذ على عاتقه أمام الملأ التوسط ~~فيها، ثم إنهم كدوا وكدحوا حتى يظفروا من الباب العالي بجواب شاف للمسألة التي ~~أثارها جديا الآن محمد علي، وهي رفع إيالة مصر إلى مرتبة الوجاق على نمط وجاقات ~~الغرب، وعلى أساس تقرير الوراثة في باشويته، ولقد تبين لهؤلاء الوكلاء أثناء ~~مساعيهم هذه أن الأمل عظيم في نجاحها، على الأقل بالدرجة التي تكفل قدرا كبيرا من ~~الرضى، لو أن الباشا أنفذ جيشه إلى الحجاز بكل سرعة. # وعلى ذلك، فقد بادر محمد عارف ومحمد نجيب بالكتابة إليه من القسطنطينية في ~~8 ديسمبر يستحثانه على إرسال ولده طوسون باشا إلى السويس، ويؤكدان له «أن وصول هذا ~~الخبر إلى الآستانة يحدث أثرا كبيرا في دوائر الديوان العثماني، ويكون مدعاة ~~لبشر وفرح عظيمين، وبخاصة لأن هناك كثيرين ممن يعارضون إجابة مطالب الباشا، ~~ويزعمون أن من العبث توقع قيام محمد علي بهذه الحملة؛ لأنه لو أعطي الباشا الدنيا ~~بأسرها لما تحرك إلى الحجاز، ولما أرسل أحدا في هذه المهمة.» # وفي 20 ديسمبر 1810 بعث إليه محمد نجيب برسالة على غاية من الأهمية، يوضح له ~~جسامة الأخطار التي ينطوي عليها تردده في إنفاذ جيشه إلى ms1018 الحجاز، ويبلغه شدة تذمر ~~الباب العالي وشكواه المريرة مما يظهر له من مماطلة من جانب الباشا في هذه المسألة، ~~ولهذه الرسالة بفضل ما تضمنته آثار خطيرة، من حيث إنها جعلت الباشا يحزم أمره ~~نهائيا على إنفاذ الحملة الوهابية دون أي إبطاء من جهة، واتخاذ الإجراءات التي ~~اعتقد وجوبها، وكان في قدرته هو اتخاذها محليا لتجنيب باشويته شرور سليمان باشا ~~واجتراءه عليها أثناء غيبة جيشه في بلاد العرب البعيدة، وأما نص هذه الرسالة ~~بتاريخ 23 ذي القعدة 1225 و20 ديسمبر 1810 فكان الآتي: # من محمد نجيب إلى مولاي صاحب الدولة محمد علي # لم أقصر في تبليغ جميع إرادات وإفادات أفندينا محمد علي كما أمر ... وقد ~~حدث ذات ليلة أن دعاني أحد عظماء الدولة لمقابلته في عزلة، ودام الاجتماع ~~بيننا أربع ساعات متصلة، فقال هذا العظيم: يا نجيب أفندي، دعنا نطرح ~~الرسميات جانبا في هذه الجلسة، ونتكلم بصراحة ووضوح، فإنك لم تترك شيئا ~~إلا قلته لنا ولغيرنا، في صالح حضرة والي مصر، إما كتابة وإما مشافهة، ولكن ~~إني أسألك ماذا فعل المشار إليه لتنفيذ أية إرادة أصدرتها الدولة العلية ~~إليه؟ لقد أهمل أوامرها جميعها، وهو وزير منذ ست سنوات، لقد اكتفى بأن ~~صار يعد بإرسال ستين ألف كيلة من الحنطة وبضع مئات من أكياس النقود إلى ~~مولانا السلطان صاحب الشوكة، وذلك في العام الماضي فقط، ولا يمكن أن تكون ~~هذه الخدمة في خلال ست سنوات مبعثا للرضى والاطمئنان. # ثم إن محمد علي - كما استمر هذا العظيم يقول - كان قد وعد منذ ثلاث ~~سنوات بإرسال خمسمائة كيس نقدا لإعانة الجهاد (ضد الوهابيين) ثم طلب أن ~~يستبدل بها إرسال ذخائر، فصرح له بذلك، ولكن لم يظهر لهذه الذخائر أي أثر ~~إلى الآن، وبالرغم من مضي أكثر من ثلاث سنوات على إحالة مسألة الحرمين ~~الشريفين إلى عهدته، فقد ظل يتخلص دائما من القيام بهذه المهمة، فيقول ~~سأذهب هذه السنة، أو سوف أذهب في السنة القادمة، ولم نلمس أثرا يدل على ~~وجود أية نية لديه في ms1019 هذا الشأن، بل كان كل ما شهدناه هو المماطلة والتسويف ~~فحسب، وقول «لعل» و«ليت». # ومع أنه تعهد قطعا في العام الماضي وأكد الكلام بأنه سوف يخرج إلى ~~الحجاز بعد ثمانية شهور دون انتظار لما يفعله واليا الشام وبغداد، ودون أن ~~يطلب مليما واحدا، أو حتى ما يساوي المليم من الدولة العلية، وبالرغم ~~من الإغداق عليه بالمهمات والإدارات الكثيرة، وفي وقت الضيق هذا (الذي تمر ~~به الدولة)، ثم إعلاء قدره، وتلطيف خاطره بهذه الصورة التي لم يسبق لها ~~مثيل، من جانب الطرف الهمايوني الأشرف بتفضيله بإرسال وكيل الخزينة ~~الهمايونية له، فإنه لم ينفذ وعده بحجة الأمراء (البكوات) المماليك. # فهل تعتقدون أن مسألة هؤلاء البكوات، مسألة ذات خطورة حقيقة، أم أنتم ~~تحسبون أنكم تستغفلون الدولة العلية بذلك؟ نعم إن نقض البكوات لعهدهم أمر ~~واقع ومسلم به، ولكن لماذا لم يرسل محمد علي رأسين أو ثلاثة رءوس مقطوعة ~~إلى مقر سياسة السلطنة العثمانية، وعلى الأخص بعد خيانة شاهين بك الألفي ~~الذي أنعم عليه محمد علي بإنعامات كثيرة؟ ولماذا أحضره إليه الباشا مرة ~~بعد أخرى، ثم أكرم وفادته في المرة الأخيرة أكثر مما فعله معه في المرة ~~الأولى؟ وهل يمكن إذا فكرنا في الأمر قليلا أن يقبل العقل ما فعله ~~الباشا؟ أوليس هذا دليلا على أن ما فعله محمد علي نوع من التواطؤ مع ~~الأعداء؟ # لقد جرى ما جرى، ولنضرب الآن صفحا عنه، ولكن الباشا بالرغم من تعهده ~~في عريضته للباب العالي هذه المرة في أثناء توجهه لمحاربة البكوات، وهي ~~العريضة التي قال فيها: إنه سينهي مسألة البكوات في ظل الدولة، وإنه لن ~~ينقض عهده أيضا فيما يتعلق بالمسألة الحجازية حتى إنه ترك كاتب ديوانه في ~~مصر (القاهرة)، لإنجاز الاستعدادات اللازمة، حتى إذا عاد من محاربة ~~المماليك خرج فورا بجيشه إلى جهات الحجاز، ودون أن يجعل هذا الجيش يدخل ~~القاهرة، بالرغم من هذا كله، صرف الباشا نظره عن وعده، كأنه لم يكسب ~~شيئا من هذا القبيل، وكأنما لا علم له بشيء من ذلك جميعه، ms1020 ثم راح يعلق ~~حركته وتوجهه إلى الحجاز على عزل والي الشام سليمان باشا. # فيا عزيزي نجيب أفندي، بماذا يضره والي الشام؟ أيجوز أن نتحاشى وزيرا ~~شجاعا جبارا كسليمان باشا بسبب أمور طفيفة كهذه؟ لقد أرسل حضرة سليمان ~~باشا في العام الماضي، وفي وقت حاجتنا وضيقنا مؤنا تزيد على المائة ~~والخمسين ألف كيلة من الحبوب، عدا ما أرسله من نقود تزيد على الألفين ~~والخمسمائة كيس، وعلاوة على ذلك، فإنه منذ أن نصب واليا لصيدا، حرص أعظم ~~الحرص على عدم التذرع بشتى الأعذار والدعاوى للتخلص من الطلبات التي طلبت ~~منه، وعلى عدم تأخير مصالح اليوم إلى الغد، كما حرص على الظفر بالرضى ~~الشاهاني، وهو يستعد الآن لإنجاز ما يلزمه للتوجه إلى الأقطار الحجازية حسب ~~تعهده. # ولكن حضرة الباشا محمد علي اعتذر دائما عن إجابة شيء مما طلب منه، ~~وقبلت الدولة اعتذاره عن تأخره في هذه المسألة الخيرية (الحجازية)، ورضيت ~~بإرساله الستين ألف كيلة من الحنطة، والخمسمائة كيس من النقود، وهذا مع ~~العلم بأنه من المشكوك فيه أنه سوف يرسل حتى ذلك، وأما الوزراء العظام ~~وسائر الأمراء الكرام، فقد بادروا بتقديم إعانة الجهاد، مرة ومرتين وثلاث ~~مرات ... (وهم كذلك) رغم حاجتهم للمساعدة من الدولة، بسبب حروبهم المستمرة ضد ~~الأعداء ، منذ ثلاث سنوات، قد باعوا فراءهم وسروجهم، واستدانوا مبالغ طائلة ~~من المال، وبعثوا بذلك كله للدولة ... # لقد كنا طلبنا من حضرة الباشا محمد علي إرسال خمسمائة كيس نقدا، ليس في ~~لغة الآمر، ولكن في رجاء المتسول وضراعته، وعلى أن ينال في نظير ذلك حصة من ~~إيرادات أية جهات أو أقاليم يريدها؛ أي إننا لم نطلب شيئا من غير مقابل، ~~فحصلنا منه على أعذار منوعة، ثم طلبنا مقدارا من المال يتبرع به الأهالي، ~~كل فرد حسب قدرته، بدلا من هذه الأكياس، ولكنه لم يفعل، بل إنه لم يقرأ على ~~الأهالي الفرمان الذي وصله ... # ونحن ما أوضحنا حاجتنا، والتمسنا المساعدة من حضرة الباشا، إلا لاعتقادنا ~~بأنه وزير الدولة الصادق، ومع هذا فلو أننا أعطينا هذا الفرمان ms1021 إلى أي فرد ~~من أهل مصر، مهما بلغت ضآلة شأنه، وقلنا له خذ هذا الفرمان واذهب إلى مصر، ~~واجمع من أهل الإسلام ومن محسوبي الدولة العلية، ما تستطيع أن تجمعه من ~~الفضة أو النقود، من غير أن يعلم بذلك حضرة والي مصر، ثم ابعث إلينا بما ~~تجمعه، لكان ميسورا أن تصلنا مئات الأكياس من النقود. # فيا صديقي نجيب أفندي، لنفرض جدلا أن إقليم مصر ليس للدولة العلية، ~~وإنما تملكه دولة أخرى، فهل إذا اعتزمنا إرسال شخص بكتاب إلى مصر، وطلبنا ~~قدرا من المال لإعانتنا في وقت الضيق، أكان يفشل في مهمته؟ كلا؛ لأن مصر ~~وقتئذ سوف تهب لمساعدتنا ... وهكذا لدينا أشياء كثيرة أخرى للكلام فيها، ولكن ~~ما الفائدة من ذكرها؟ # وفضلا عن ذلك، فإن حضرة الباشا محمد علي إذا اهتم بمسألة الحرمين ~~الشريفين وسعى لإدخال السرور على نفس مولانا السلطان فإنه يكون كمن قدم ~~للدولة كل ما ذكرته، وعلى ذلك، فسوف نقبل جميع مطالبه، ويكون مقربا ~~ومرضيا عنه أكثر من سائر الوزراء، وموضع لفتات وإنعامات الذات الشاهانية ~~التي لا نهاية لها، والتي يعجز اللسان عن بيانها، وسوف ترون ذلك بأعينكم ~~حين وقوعها. # ذلك كان حديث رجل الدولة العظيم مع قبو كتخدا الباشا، وقد أكد محمد نجيب على ~~الباشا أن واجب المصلحة، ومقتضى الوقت والحال يدعوه إلى المبادرة بإنفاذ جيشه إلى ~~الحجاز، حتى يبلغ القسطنطينية بسرعة نبأ وصول طوسون باشا ودخوله إلى ينبع. # ووجه الأهمية في هذه الرسالة، عدا بيان وجهة نظر الباب العالي في مسألة البكوات ~~المماليك، مما سوف نتكلم عنه في موضعه، أنها كانت تتضمن تهديد الباشا بعبارات لا ~~يمكن أن تخفى دلالتها على أحد، بالتدخل - تحت ستار استنفار المسلمين للجهاد ضد ~~الوهابيين - في شئون باشويته فورا؛ أي تفويض أركان تلك الباشوية التي يبذل محمد ~~علي قصارى جهده لدعمها من عدة سنوات، مما يتعذر عليه دفعه أمام سلاح الدين الذي ~~يشهره الباب العالي في وجهه، وكان الباب العالي قد وجه فرمانا في أواخر يونيو ~~وأوائل الشهر التالي من نفس ms1022 هذا العام (1810) إلى محمد علي باشا، وقاضي مصر والقضاة ~~ورؤساء الجند، والأعيان ومن إليهم، يطلب فيه التبرعات للجهاد، وقد جاء في هذا ~~الفرمان أن السلطان كان قد عرفهم في فرمان سابق أغراض الروس الصحيحة الذين احتلوا ~~«شوملة» و«وارنة»، وشرعوا يزحفون على القسطنطينية، ولما كانوا قد هددوا بحرق أبواب ~~العاصمة إذا لم تجب مطالبهم، فقد انعقدت جمعية عامة في جامع السلطان محمد للتشاور ~~في الأمر، وبناء على قرارها أعلن السلطان الجهاد، وتجنيد كافة المسلمين، وحيث إن ~~الدولة في أزمة مالية، فقد وجب على كل مسلم التبرع، بقدر حميته الدينية، للخزينة ~~العامة، معاونة منه في هذا الجهاد، بمقتضى الفتوى التي صدرت في هذا الموضوع، والتي ~~بعث منها السلطان صورة طي فرمانه هذا، وقد أمر السلطان أن يحصل التبرع في مصر، لا ~~سيما من جانب أغنياء القوم بها، ولكن هذا الفرمان «لم يقرأ، ولم ينفذ» في مصر، كما ~~شكا الآن الباب العالي، وقد يعمد هذا إلى إرسال أحد مندوبيه لجمع التبرعات سرا ~~فيحرك الباب العالي الفتنة ضد محمد علي تحت ستار الدعوة للجهاد. # أضف إلى هذا، أن الثناء على سليمان باشا لبذله قصارى جهده في معاونة الدولة، ~~ووصفه بالبسالة والإقدام، والتفاني في خدمة الدولة، كان ينطوي على التهديد من طرف ~~خفي بإمكان إسناد باشوية مصر إلى سليمان باشا، وقد يستطيع هذا بالاتفاق مع الباب ~~العالي، انتهاز الفرصة السانحة لتدبير إخراج محمد علي من مصر، كما فعل مع يوسف كنج ~~باشا، الذي يسعى محمد علي الآن في إرجاعه إلى ولايته المغتصبة منه، ولا سبيل إلى ~~نكران هذا الخطر؛ لأن سليمان باشا كان في وسعه الاتحاد مع البكوات المماليك، الذين ~~برغم هزائمهم الأخيرة، كانوا لا يزالون يسعون للذهاب إلى سليمان باشا الكرجي ~~والانضمام إليه. # على أنه إلى جانب هذه التهديدات، تضمنت هذه الرسالة ما يبعث على الأمل، في ~~استجابة الباب العالي لمطالب الباشا، عندما لوحت بأنه إذا اهتم محمد علي بمسألة ~~الحرمين الشريفين، ووصلت القسطنطينية الأنباء بأن طوسون باشا قد بلغ ينبع، وافق ~~السلطان على ms1023 ما يريده محمد علي، من حيث العفو عن يوسف كنج، ورفع الباشوية المصرية ~~إلى مرتبة الوجاقات؛ أي إعطاء الحكم الوراثي لمحمد علي. # فلم يعد هناك معدى حينئذ - لكل هذه الاعتبارات التي ذكرناها - عن أن يحزم الباشا ~~أمره على إنفاذ جيشه إلى الحجاز دون إبطاء آخر، ولقد كان لهذا القرار الذي اتخذه ~~محمد علي، إثر ورود هذا الكتاب إليه، نتيجة أخرى هامة، هي أنه نبتت من هذا الحين ~~فكرة الإجهاز على البكوات المماليك بأية وسيلة، إذا تيقن لديه استحالة الاتفاق ~~معهم، والاطمئنان إليهم. # وفي الشهور الثلاثة التالية سارت الأمور سيرا حثيثا، لتصفية المسائل المعلقة ~~بين محمد علي والباب العالي، فقد استمر يستحثه وكلاؤه في القسطنطينية على إخراج ~~جيشه إلى بلاد العرب، وأجاب الباب العالي مطالبه رويدا رويدا، وإن كان ظل متمسكا ~~ببقاء سليمان باشا في إيالة الشام، ولكن خطر سليمان، كانت قد زالت حدته عندئذ، بسبب ~~إقدام الباشا على الفتك بأدواته البكوات المماليك في مذبحة القلعة. # فقد كتب إليه محمد نجيب في 9 يناير 1811 يسرد المساعي التي قام بها، وما قدمه من ~~حجج وبراهين في مناقشاته مع رجال الخاصة السلطانية، ومع سائر كبار الدولة، لتأييد ~~مطالب الباشا، بصدد مسألة الشام والمسائل الأخرى، ويؤكد أنه لم يقصر في تنفيذ ~~تعليمات الباشا في شأن هذه المسائل جميعها. «ولكن حيث إن خروج الجيش لإنقاذ ~~الحرمين الشريفين قد تأخر، فقد اغتنم خصوم محمد علي هذه الفرصة وراحوا يقولون ~~للسلطان: هل رأيتم يا مولانا كيف أن ربيب نعمتكم محمد علي باشا لا يقصد الذهاب ~~إلى الحرمين، بل مراده تنظيم شئونه بالصورة التي تعود بالنفع على مصلحته الذاتية ~~فحسب، لقد كان في وقت ما يتخذ من مسألة المماليك ذريعة لعدم الذهاب إلى الحجاز، ~~واستمر على ذلك ردحا من الزمن، ولكنه الآن قد بدأ يجد من مسألتي الشام (وإبعاد ~~سليمان باشا عن ولايتها)، ويوسف باشا كنج (واستصدار العفو عنه، وإرجاعه إلى حكومة ~~دمشق) ذريعة جديدة، ولن يفيد شيء في حمله على الخروج إلى الحجاز، حتى ولو أنهيت ms1024 ~~هاتان المسألتان في صالحه.» وقد اعتذر محمد نجيب عن تكرار القول في هذا الموضوع ~~الذي سبق أن ذكره للباشا، ولكن الذي اضطره لتسطير ذلك، هو شدة حزنه وألمه لما بلغت ~~به الحال في القسطنطينية، وراح يحلف الأيمان لمحمد علي «أن كل مسألة من مسائل ~~الباشا سوف يجري إنجازها بما يفوق كثيرا ما ينتظره محمد علي، ولكن ذلك كله متوقف ~~على الدافع القوي الذي ييسر إنجازها: قيام طوسون باشا في أقرب وقت ووصوله إلى ~~ينبع.» وقد اختتم محمد نجيب هذه الرسالة بقوله: «وعليه، فإني أستحلفكم يا سيدي ~~بالله وبجاه رسوله الكريم أن تأذنوا بإنجاز مطلوبنا هذا؛ أي إنفاذ الجيش إلى ~~الحجاز، وعندئذ لكم أن تطلبوا ما تشاءون، وإذا اتضح لكم أن مطالبكم هذه لا تجاب، ~~فلكم أن تفعلوا حينئذ ما تريدونه.» # وأما محمد علي فقد راح من ناحيته يدفع عن نفسه اتهامه بأنه ما يريد عزل سليمان ~~باشا عن ولاية الشام إلا لأغراض نفسانية، فلا سليمان الباشا بالرجل الذي نال من ~~رفعة الشأن أو تحلى بالصفات النبيلة، التي تبعث على الحسد منه، ولا محمد علي بالرجل ~~الذي لم يحظ تحت رعاية السلطان، بالنعم الجليلة واللفتات السامية، والتوجهات ~~السنية مما لم يسبق أن حظي أحد غيره بمثلها، حتى ينفس على سليمان باشا مركزه ~~ومنصبه. ثم بسط محمد علي السبب الذي يدعوه لطلب عزله، وهو لا يخرج عما سبق ذكره: ~~اتصال سليمان باشا بالبكوات المماليك، واقتناع محمد علي بأنه مصمم على الكيد له ~~وإثارة الفتنة عليه بمجرد خروجه إلى الحجاز. # وكان في رسالته التي ضمنها دفاعه هذا، وبعث بها إلى محمد نجيب في 16 يناير 1811، ~~أن ذكر محمد علي مرة أخرى، أنه لن يستطيع مغادرة مصر، ومرافقة الحملة الموجهة إلى ~~الحجاز، ما دام سليمان باشا في ولاية الشام، وبخاصة بعد أن بعث سليمان «يقول لبقايا ~~المماليك من الأشقياء القليلين الذين طردوا وأجلوا إلى بلاد السودان: لا تأسفوا ~~فإني سوف أريحكم قريبا إن شاء الله.» ثم أخذ الباشا يقول: «فإن كان المطلوب إنجاز ~~المصلحة ms1025 الحجازية على الوجه التام وكما ينبغي، فلتبذل الهمة لذهابي، بصرف العناية ~~إلى صرف المشار إليه سليمان باشا عن إيالة الشام، وأما إذا كان لا ضرورة لسفري - ~~ولا أدري إذا كان من الممكن أن يتم الأمر على يد العسكر المهيئين للذهاب والذين سوف ~~أرسلهم بطريق البحر، أم يتعذر إنقاذ الحرمين الشريفين من غير ذهابي - فلا يجب أن ~~يعزى إلينا أي تقصير إذا فشلت الحملة؛ فقد جاء في الأمثال: «ألف عامل ورئيس واحد»، ~~وعند العلم يتوقف ذهابي على دفع المشار إليه عن إيالة الشام، كما أفدت مرارا حسبة ~~لله.» # وفي كتاب آخر، في 26 يناير 1811، دافع محمد علي عن تهمة المماطلة والتسويف التي ~~أسندت إليه، وكون أن هناك جماعة لدى الباب العالي - كما أبلغه وكلاؤه - تزعم «أن ~~والي مصر لا يقوم بمهمة الحرمين الشريفين، آية ذلك ما أبداه قديما، ولا يزال يبديه ~~من حجج يعتل بها، متعلقة بمسألة البكوات المماليك، إلى غير ذلك من الدعاوى والأعذار ~~الأخرى، والتي لا يمكن أن يكون مقصده منها إلا ترك الوقت يمضي دون أن يفعل شيئا، ~~فقال إن العمل جار بهمة لإعداد السفن اللازمة لنقل الجند من السويس، وإنه قد أبحر ~~عدد من السفن إلى جهات مواني جدة وينبع واليمن لجلب سفن (الداو أو الضاو ) منها إلى ~~القصير، وإنه يعتزم الذهاب بنفسه إلى السويس للإشراف على الاستعدادات النهائية، ~~حتى إذا أكملت أنفذ ابنه طوسون باشا دون أي إمهال على رأس الجند المرسلين بحرا إلى ~~أرض الحجاز، وفضلا عن ذلك، فهناك ما ينهض دليلا على أنه لم يكن القصد مما ذكره ~~سابقا وأشار به على الباب العالي، التسويف والمماطلة، فقد ذكر الشريف غالب نفسه ~~أن مأمورية إنقاذ الحرمين مأمورية جسيمة، لا تتم بمجرد الحركة من مصر وحدها فحسب، ~~بل يقتضي لإنجازها، بل ويلزم لنجاحها، الحركة والزحف من الجهات الثلاث: مصر والشام ~~والعراق، باتفاق مع حاكمي دمشق وبغداد، فلو كان غرض محمد علي عدم القيام بالحملة، ~~وإضاعة الوقت وتفويت الفرصة، لتعلل بأعذار أخرى، غير مسألة المماليك، أجدر ~~بالاعتبار، ms1026 كأن يقول مثلا: إن واليي بغداد والشام، كليهما أقدم منه في منصب ~~الوزارة وأغنى، فمتى تحركا تحرك هو في أثرهما، ومع أن هذه الدعوى - إذا ذكرت - ~~تتفق مع ما يذكره ويشير به الشريف غالب، فقد امتنع محمد علي عن سلوك هذا الطريق، ~~بل تهيأ للخروج إلى الحجاز دون طلب أية مساعدة مالية، ولا انتظار لإعانة أو لنجدة ~~من ناحيتي الشام وبغداد، وتعهد بالقيام بهذه الخدمة الجليلة وحده، وتكفل بها عن ~~رغبة صادقة منه في خدمة دينه ودولته لوجه الله تعالي.» # ولكنه قبل وصول هذا الكتاب الأخير إلى الآستانة، كانت جهود وكلائه بها قد أثمرت ~~ثمرتها، وكان مما ساعد على ذلك، أن محمد علي قصر جهوده الآن على إلغاء حكم ~~الإعدام الذي صدر في حق يوسف كنج، والتماس تعيينه في منصب آخر مناسب إذا تعذر ~~إرجاعه إلى ولاية الشام. # وكان نزول محمد علي عن إصراره السابق على إعادة إيالة الشام إلى يوسف كنج خطوة ~~موفقة، من حيث تذليل بعض الصعوبات القائمة، لتمسك الباب العالي ببقاء سليمان باشا ~~في حكومة دمشق، ولكن هذه الخطوة كانت تدل من ناحية أخرى على أن محمد علي، منذ ~~شهر يناير 1811، قد بيت النية على التخلص نهائيا من المماليك؛ أي تجريد سليمان - ~~وقد اتضح تعذر نزع ولاية الشام منه - من ذلك السلاح الذي خشي محمد علي دائما أن ~~يطعنه به في ظهره إذا خرجت جيوشه أو القسم الأكبر منها في حملة الحجاز. # وقد ظهرت آثار هذه الخطوة فيما كتبه إليه أحد رجاله بالقسطنطينية - أحمد شاكر - في 27 ~~يناير 1811، يبلغه أن الباب العالي قد أصدر أمرا إلى حسن بك متصرف رودس بإرسال ~~الصواري وغير ذلك من الأدوات اللازمة للسفن، والتي كتب الباشا يطلبها من ~~القسطنطينية، كما تفضل الباب العالي بإجابة ملتمس محمد علي الخاص بترقية أحد خدامه - ~~حسن كاشف القبرصي - فأنعم عليه برتبة رئيس البوابين (قبوجي باشبلق)، ويعلمه بوصول ~~جواب الشريف غالب، ردا على مكاتبة محمد علي له، إلى الآستانة، ثم وصول التماس ~~العفو عن حكم الإعدام الذي ms1027 صدر على يوسف كنج باشا، وإعطاء هذا الأخير منصبا ~~مناسبا. ثم يستطرد أحمد شاكر فيقول: «ولقد كانت الهمة تبذلونها مبعث سرور شامل، ~~ثم إنه (عدا ما سبق ذكره) قد تفضل الباب العالي فأصدر العفو عن جرائم يوسف باشا ~~وإلغاء الأمر الذي كان قد صدر بإعدامه على شريطة أن يظل يوسف باشا مقيما بمصر بعد ~~رفع رتبة الوزارة عنه، بحسن توجهات الذات الشاهانية المبذولة نحو دولتكم، وبخاصة ~~لأن صون نفوذكم واقتداركم في مهمة الحجاز التي عهد بها إليكم، هو ما يريده الباب ~~العالي.» وفضلا عن ذلك، فقد وعد الباب العالي بإعطاء ولاية جدة إلى يوسف كنج مع ~~إبقاء وزارته بمجرد انتهاء محمد علي من تأدية المهمة التي كلف بها، ونجحت جيوشه في ~~إنقاذ الحرمين الشريفين؛ حيث إن الباب العالي يرى من غير المناسب إسناد منصب ليوسف ~~كنج الآن. # وفي اليوم التالي (28 يناير) يؤكد ما ذكره أحمد شاكر، من حيث انتهاء مسألة ~~استصدار العفو عن يوسف باشا كنج، «وأنه سيجري بعد هذا ما يلزم من ترتيبات ومساع خاصة ~~بالمنصب الذي يلتمس الباشا إعطاءه له من قبل الدولة، وبغير ذلك من المسائل التي ~~يلتمس الباشا إنهاءها»، ويؤخذ من رسالة نجيب أفندي هذه أن المسعى لنيل العفو عن يوسف كنج قد تكلف ~~خمسة وعشرين ألف قرش، بعث نجيب أفندي يطلبها، وقال إنه لم يشأ إزعاج خاطر محمد علي ~~بطلبها في أثناء المسعى الذي انتهى إلى هذه النتيجة، وكان في هذه الرسالة كذلك، أن ~~راح محمد نجيب يؤكد ويقسم بالله العلي العظيم أنه ما إن يرد القسطنطينية الخبر ~~بقيام طوسون باشا ودخوله إلى ميناء ينبع في أقرب وقت، حتى يتم إنجاز كل ما يطلبه ~~مولاه محمد علي فورا، وبصورة تفوق كثيرا على كل ما يرجوه محمد علي. ويلحف ~~عليه لذلك في سرعة إرسال طوسون باشا إلى ينبع. # على أن الأهم من ذلك كله، أن الباب العالي لم يلبث أن وعد برفع إيالة مصر إلى ~~مرتبة الوجاق، على غرار وجاقات الغرب، فكتب محمد نجيب في ms1028 28 يناير 1811، يستحثه مرة ~~أخرى على إرسال جيشه إلى الحجاز، «ويحلف يمينا لا يحنث فيها أبدا أنه إذا أنفذ ~~الباشا جيشه إلى الحجاز، ولازمه التوفيق في خدمة الحرمين الشريفين؛ أي إنقاذهما من ~~الوهابيين، فوالله إن طلباته من الباب العالي سوف تجاب جميعها دون حاجة إلى ~~التماس أو توسط، والله وحده هو العليم بما سوف يحدث من أجل رفع شأنه وإعلاء قدره ~~بالحظوظ الهمايونية والعنايات الملكية الأخرى التي تتضمن جعل إيالة مصر منحصرة في ~~أولاد محمد علي وسلالته الطاهرة، مع توجيه رتبة الخان الرفيعة له.» ثم استطرد ~~محمد نجيب فقال: «ولا يجب أن يساور محمد علي أي شك في حصول ذلك»، وأقسم بالله ~~العظيم أن هذه المسألة موعود بها، واختتم رسالته قائلا: «وخلاصة القول يا مولاي، ~~تفضلوا ببذل الهمة نحو إنهاء هذه المسألة، وأفرحونا بالبشائر، ثم اطلبوا ما تشاءون، ~~تجدوا كل ما تطلبونه قد تنفذ، ولكم أن تفعلوا بي ما تشاءونه إذا امتنع تنفيذ شيء ~~منها.» # وكان هذا الوعد فصل الخطاب، في قضية يوسف كنج وسليمان باشا، فقد وصل ططريان ~~القاهرة في 18 مارس 1811، يبشران بالعفو عن يوسف باشا المنفصل عن الشام، وذاع في ~~القاهرة أنه قد قبل فيه ترجي باشة مصر وشفاعته، وبعث محمد علي إلى الباب العالي ~~في 20 مارس بقائمة شكر على العفو الصادر عن حضرة يوسف باشا كنج، ورفع عقوبة ~~الإعدام عنه، وعلى الوعد الهمايوني بالتفضل عليه بمنصب ولاية جدة. # حقيقة ظل محمد علي، يلح في الشهور التالية في إرجاع يوسف كنج إلى ولاية الشام، ~~وعزل سليمان باشا عنها، بدعوى أن وجود الأول في دمشق يفيد في معاونة محمد علي ~~وإمداده بسهولة بحاجته من الخيام وغير ذلك من عتاد الحرب، فضلا عن استطاعة الباشا ~~أن يسند إليه قيادة عدة آلاف من الفرسان مع معيناتهم ليزحف بهم من الشام على ~~الحجاز، في الوقت الذي يجري فيه الزحف من مصر، مما يكفل إنجاز مصلحة الحجاز ~~سريعا. ولكن الباب العالي ظل مصرا على موقفه، وانصرف الباشا لإتمام استعداداته ~~بكل همة، ms1029 وشرع في إرسال الجند ومهمات الحملة من السويس بالسفن منذ 3 سبتمبر 1811، ~~قاصدة ينبع، وغادر طوسون باشا بركة الحاج مع فرسانه في 6 أكتوبر قاصدا إلى الحجاز ~~بطريق البر. # وبذلك يكون قد انتهى الوجه الأول من سياسة محمد علي، الذي بدأ من وقت جلاء ~~الإنجليز عن الإسكندرية في سبتمبر 1807، وانتهى عند خروج الحملة الوهابية إلى ~~الحجاز في سبتمبر 1811، ولقد كان نشاط الباشا السياسي طوال هذه السنوات الأربع، ~~محصورا في شيء واحد، دعم أركان الولاية. ومن أهم الوسائل لدعمها الظفر بالباشوية ~~الوراثية، فكان هذا الغرض الأوحد الذي سعى إليه وقتئذ، هو العامل الذي أثر على ~~تكييف علاقاته مع كل من إنجلترة وفرنسا والباب العالي، بالصورة التي شهدناها، ~~ولقد صادفت الباشا عقبات كثيرة حالت دون تحقيق مشروع استقلاله، مبعثها رفض كل من ~~إنجلترة وفرنسا لأي تغيير يطرأ على طبيعة صلات التبعية التي تربط بين باشوية مصر ~~والباب العالي التي هي من أملاكه، وهو صاحب السيادة الشرعية عليها. # وقد رفض الإنجليز تأييد مساعي الباشا حرصا منهم على استرضاء الباب العالي، ~~وضمانا لوقوفه موقف الحيدة - على الأقل - في الصراع الدائر بينهم وبين خصومهم ~~الفرنسيين، ثم تجنبا لخلق مشكلات جديدة في داخل الدولة، في وقت كان الاعتقاد ~~السائد أنها مترنحة وعلى وشك السقوط والانهيار، ويخشى إذا نال منها الإعياء بدرجة ~~عجلت بسقوطها فعلا، وأفسحت المجال للدول الطامعة في أملاكها للإغارة عليها، أن ~~يترتب على ذلك: إما ازدياد قوة روسيا، وإما ازدياد قوة فرنسا، مع ما يترتب على كلا ~~الأمرين من زعزعة التوازن السياسي في أوروبا عموما، ثم زيادة متاعب الإنجليز وسائر ~~الأمم المناوئة لسلطان نابليون وسيطرته المنبسطة وقتئذ في أوروبا. # وأما الفرنسيون فقد كان مبعث رفضهم، تمسك عاهلهم نابليون بسره الذي دار حول أمر ~~واحد في هذه السنوات، هو محاولة تكميل إمبراطورية الغرب التي أقامها، بإدخال ~~إمبراطورية الشرق تحت سلطانه، فلم يدخل في نطاق هذه السياسة إذا، تقوية الباشوية ~~المصرية، وهي المقاطعة التي ما فتئ نابليون يرنو ببصره إليها منذ جلاء جيش الشرق ~~عنها في ms1030 عام 1801 والتي لم يصرفه عن إنفاذ جيش جديد لغزوها وامتلاكها سوى انشغاله ~~بحروبه في أوروبا، حتى أذنت حملة روسيا في عام 1812، بانهيار كل مشروعاته الشرقية، ~~فعلا وحقيقة. # ولقد أفاد محمد علي من انشغال الإمبراطور في أوروبا، من حيث عدم تعرض باشويته ~~لغزو جديد، بعد خروج الإنجليز من الإسكندرية، فاستطاع تدبير شئونه الداخلية بصورة ~~أفضت عند انقضاء هذه السنوات الأربع إلى دعم أركان ولايته، ثم إنه أفاد كذلك من ~~انشغال الإنجليز في حروبهم ضد الإمبراطور، من حيث إنه استطاع إنشاء علاقات المودة ~~والصداقة معهم والإبقاء عليها، وهي العلاقات التي أراد هؤلاء أن تسود بينهم وبينه؛ ~~لحاجتهم إلى غلاله من جهة؛ وليطمئنوا من جهة أخرى على عدم خضوعه للنفوذ الفرنسي، ~~ورضي الباشا أن يستبدل الصداقة والمودة فحسب بالمحالفة التي كان يريدها مع ~~الإنجليز، فتظل علاقاته التجارية معهم؛ كي يكون له منها معين من المال لا ينضب، ~~يعاونه على توطيد سلطانه في باشويته. # وكان الباشا أكثر توفيقا في علاقاته مع تركيا، صحيح أنه لم يظفر بإعلان باشويته ~~وجاقا من نمط وجاقات الغرب، ولكنه ظفر بوعد جازم بإعطائه الحكم الوراثي في مصر، ~~إذا هو أنفذ جيشه إلى الحجاز، ونجح في إنقاذ الحرمين الشريفين من أيدي الوهابيين، ~~وكان هذا فوزا ارتضاه محمد علي؛ لأنه كان يساوره الشك بتاتا في قدرته على هزيمة ~~الوهابيين والنجاح في هذه المهمة التي عهد بها إليه الباب العالي؛ ولأنه كان قد عول ~~على الاتجاه صوب الشرق قطعا، وكان يعنيه أن ينجح في مهمته. # على أن هناك ملاحظة هامة، هي أنه ما كان يستطيع محمد علي عرض مطالبه على الباب ~~العالي، باللهجة التي ظهرت في شفاعته في حق يوسف كنج، أو في حملته العنيفة التي ~~أثارها على سليمان باشا، وطلب عزله من إيالة الشام، لو أنه شعر بضعف مركزه في ~~ولايته، بل إن مطالبه من الباب العالي - بما في ذلك سؤاله أن يمده بذخائر الحرب، ~~والصواري لسفنه، وغير ذلك من عتاد الحرب - كانت تزيد وتقوى بقدر ما كان يحدث من ms1031 دعم ~~أركان حكمه في باشويته، فهو قد أنهى الفتن الداخلية، ونجح في تطويع الجيش، وإقصاء ~~رؤسائه المتمردين، وقضى على نفوذ المشايخ وأبعدهم عن شئون الحكم، ونفى متزعم ~~المعارضة السافرة ضده، عمر مكرم، وبدا في وقت ما أنه نجح كذلك في معالجة مسألة ~~البكوات المماليك، وذلك قبل القضاء عليهم نهائيا في مذبحة القلعة، وكان كل نجاح ~~يحرزه في هذا الميدان الداخلي، يزيد من اعتداده بنفسه، ومن تقوية يده في علاقاته مع ~~الديوان العثماني؛ ولذلك فقد ارتبطت سياسة محمد الداخلية في هذه السنوات الأربع، ~~ارتباطا وثيقا بسياسته الخارجية، وكانت كل منها متممة للأخرى بصورة واضحة. # وأما كيف تسنى للباشا أن يوطد أركان حكومته الداخلية، ويبسط سلطان باشويته حتى ~~يشمل أرجاء هذه الباشوية، فذلك ما سوف نوضحه في الفصول التالية. # الفصل الثاني # | الحكومة الموطدة # الانفراد بالسلطة # تمهيد # استطاع محمد علي تذليل الصعوبات التي اعترضت الحكم منذ أن نودي بولايته في مايو ~~1805، إلى وقت جلاء الإنجليز عن الإسكندرية في سبتمبر 1807، فتخطى في سلام العاصفة ~~التي كادت تودي بباشويته، وتسنى له بعد هذا الانتصار أن يبدأ ذلك النشاط السياسي ~~الذي سبق وصفه، والذي استهدف الظفر بالحكم الوراثي لتأمين الباشوية ولضمان استقرار ~~الحكم، ودعم أركان الولاية، ولقد تميز هذا النشاط السياسي بأنه صار يشتد ويقوى في ~~اطراد، تتزايد سرعته تبعا لما كان محمد علي يحرزه من نجاح في الميدان الداخلي، ~~بالتغلب على العناصر المناوئة لسلطانه في باشويته ذاتها، والعلة في ذلك، أنه بالرغم ~~من اجتياز الأزمات السابقة بسلام، لم يكن في مقدور محمد علي عند انسحاب «حملة ~~فريزر» من الإسكندرية، الاطمئنان إلى أن الحكم قد صار له يقينا، وأن أسباب السلطة ~~قد اجتمعت في يده هو وحده، بحيث يستطيع المضي قدما في تحقيق مشروع استقلاله دون ~~أن يشغله شاغل. # فقد استمرت تتنازع السلطة الداخلية معه منذ المناداة بولايته، جماعات ثلاث: ~~الجند، والمشايخ، والمماليك، الجند الذين قال بشأنهم «دروفتي» في كتاب له إلى ~~حكومته في 8 أبريل 1808: «إنه وإن تظاهر محمد علي بالسلطان والسيادة، فهو عاجز عن ms1032 ~~التحرر من الاعتماد على جيشه، ذلك الجيش الذي جنده على أهبة القيام بالثورة وشق عصا ~~الطاعة دائما إذا تأخرت مرتباتهم وعلائفهم.» والمشايخ الذين استندوا على ما كان ~~لهم من زعامة بين الأهلين، جعلتهم يسهمون في إنهاء الأزمات الماضية، ليتطلعوا إلى ~~المشاركة فعلية، تجرد محمد علي لو أنهم حققوا مبتغاهم، من السلطة التي لا ~~غنى له عن ممارستها لضمان استقرار الحكم في الولاية. والمماليك الذين ظل يجمعهم، ~~بالرغم من اختلافاتهم ونزعاتهم غرض واحد، هو إقصاء محمد علي من الولاية واسترجاع ~~الحكم والسلطان في القاهرة. # وزيادة على ذلك، فقد استمرت حاجة محمد علي إلى المال شديدة، في السنوات التي تلت ~~خروج الإنجليز من الإسكندرية، فهو وإن كان قد استطاع تدبير المال الذي استعان به ~~على اجتياز الأزمات السابقة، وتعطل موارد البلاد لكساد التجارة، وانصراف العمال ~~الزراعيين عن فلاحة الأرض، وإقفار كثير من القرى من أهلها، وبقاء الصعيد بإيراداته ~~الوفيرة ملكا للبكوات المماليك، تعذر عليه إجراء أي تنظيم مالي، على أساس مساحة ~~الأرض المنزرعة، وتحديد فئات الضرائب المفروضة عليها، وتعيين أوقات تحصيل هذه ~~الضرائب بصورة رتيبة منظمة، ثم تحديد أبواب الإنفاق في نطاق الإيرادات المتحصلة، ~~ولقد ظلت أبواب الإنفاق في السنوات الأربع التالية كما كانت عليه في الفترة ~~السابقة، ولم يكن هناك ندحة عن أن يلجأ الباشا الآن إلى نفس الأساليب التي اعتمد ~~عليها في الحصول على المال قبل ذلك. # صحيح أن محمد علي جنى ربحا وفيرا من تجارة الغلال، ولكن نفقاته كانت جسيمة، ~~بسبب التجريدات التي بعث بها لمطاردة البكوات المماليك في الصعيد، والاستعدادات ~~العسكرية المستمرة، وتحصين الإسكندرية وغيرها من الثغور الشمالية، وكثير من المواقع ~~الداخلية، لا سيما تقوية وسائل الدفاع عن القاهرة، في وقت ساد فيه الخوف - كما ~~شهدنا - من أن يأتي على البلاد غزو أجنبي، ثم لم يلبث أن جد باب آخر للإنفاق عندما ~~عهد الباب العالي بمهمة الحرمين الشريفين إلى محمد علي، وشرع الباشا يتجهز جديا ~~لإنفاذ جيشه إلى الحجاز منذ أن صح عزمه على الاضطلاع بهذه المصلحة ~~الخيرية. ms1033 # ولقد كانت هذه الحاجة المزمنة إلى المال، ولجوء محمد علي إلى طرائق لم تكن معروفة ~~من قبل لتدبير المال الذي يريده، السبب المباشر لتأزم الأمور بينه وبين المشايخ ~~ووقوع الاصطدام معهم، ثم إقصاء هؤلاء من الحياة العامة، وإبعاد السيد عمر مكرم ~~ونفيه من القاهرة؛ لأن هذه الطرائق الجديدة آذت مصالح هؤلاء الأشياخ المادية، وهددت ~~بالانتقاص من أسباب الحياة المادية والمترفة التي نعموا بها ردحا طويلا من الزمن ~~على حساب الفلاحين وسائر المواطنين الكادحين والمكدودين. # وأما عنوان هذه الخطة التي سار عليها محمد علي، من حيث تطويع الجند، وإقصاء ~~المشايخ والقضاء على المماليك بعد أن استنفد كل الوسائل لمصالحتهم، فهو الانفراد ~~بالسلطة، ولا يعني الانفراد بالسلطة، أن الباشا كان مدفوعا إلى الاستئثار بكل ~~أسبابها عن نزعة استبدادية، جعلته بطبعه يؤثر الطغيان على الشورى، ويستحل بعض ~~الإقطاعات التي تمكنهم من العيش في هدوء وتحت كنفه ورعايته، ويعمد إلى إبعاد رؤساء ~~الجند البارزين ليتخلص من منافسين يبغون مشاركته الحكم والسلطان في البلاد. # بل إن الانفراد بالسلطة، كان الدعامة التي يقوم عليها استقرار الحكم، ولا معدى عن ~~استقرار الحكم إذا شاء محمد علي دعم أركان ولايته، وإنقاذ البلاد من شرور الفوضى ~~الماضية، وبدء عهد من الإصلاح والإنعاش الداخلي، يرقى بأهلها إلى مصاف الأمم الفتية ~~الحديثة، ولا يتسنى دعم أركان الولاية إلا إذا رضخ الجيش لسلطان صاحب الحكم في ~~الولاية، واستطاع الحاكم إدارة شئون الحكم بما يكفل له تحقيق الأغراض التي توخاها، ~~وقدر على بسط سلطانه حتى يشمل كل ركن في باشويته، ولقد أثبتت الحوادث أثناء فترة ~~التجربة والاختبار الماضية، كما سوف تثبت في السنوات التي تتناولها هذه الدراسة، أن ~~الجيش المتمرد، سواء بسبب تأخر مرتبات الجند، أم لتحريض بعض كبار الضباط والقواد ~~المغامرين لهؤلاء الجند على الثورة والعصيان، أم لأن الجند أنفسهم، وكلهم من ~~المرتزقة، كان حب السلب والنهب مغروزا في طبائعهم؛ أثبتت الحوادث أن هذا الجيش ~~المتمرد عامل اضطراب وقلقلة، ومصدر خطر على الباشوية ذاتها، ثم إن هذه الحوادث ~~أثبتت كذلك، أنه وإن ms1034 كانت الفرصة قد تهيأت ليلعب الأشياخ والمتصدرون للزعامة ~~الشعبية دورا هاما على مسرح الفوضى السياسية السابقة، فقد أظهر هؤلاء العجز كل ~~العجز عن تفهم كنه الزعامة التي ينشدونها، وأقاموا الدليل بتحاسدهم وانقسامهم من ~~جهة، وتكالبهم على الدنيا وإيثارهم لمصالحهم المادية والذاتية على كل ما عداها، ثم ~~عدم فهمهم لدقائق السياسة، وقصورهم عن استشفاف ما وراء أعمال الباشا من مقاصد قريبة ~~أو بعيدة من جهة أخرى، على أنهم لا يصلحون للزعامة التي ينشدونها، وأن اشتراكهم في ~~الحكومة عن طريق إبداء النصح والمشورة معرقل لدولابها، ومعطل لمشروعات الباشا. وأما ~~البكوات المماليك، فقد ظلوا خطرا يهدد بتقويض عروش الباشوية ذاتها، ولا سبيل إلى ~~دفع هذا الخطر إلا بتقرير سلطان الباشوية في أرجاء الولاية بأسرها، وأثبتت الوقائع ~~أن لا ندحة عن استئصال شأفة البكوات المماليك لبلوغ هذه الغاية. # ذلك إذا كان معنى الانفراد بالسلطة، وفي هذا المعنى أضحى الانفراد بالسلطة بمثابة ~~حجر الزاوية في البرنامج الذي توفرت كل جهود محمد علي لتحقيقه، والذي استهدف رفع ~~مصر إلى مرتبة وجاقات الغرب على أساس الحكم الوراثي في أسرته، وبينما سعى محمد علي ~~سواء في علاقاته مع الباب العالي أم مع إنجلترة وفرنسا لبلوغ مقصده بالوسائل ~~الدبلوماسية، فقد صار يعمل من أجل استقرار الحكم، وتشييده على دعائم ثابتة، حتى ~~يخلق من الولاية المستقرة قوة تؤازره بثبوت وجودها فيما يبذل من مساع سياسية، فارتبط ~~لذلك شقا برنامجه الخارجي والداخلي بعضهما ببعض ارتباطا وثيقا. وكما تكللت جهوده ~~الخارجية بالنجاح، من حيث ظفره بوعد قاطع من الباب العالي برفع إيالة مصر إلى مرتبة ~~الباشوية الوراثية عند إنفاذه جيشه إلى الحجاز والانتصار على الوهابيين، واستخلاص ~~الحرمين الشريفين من أيدي هؤلاء، فقد أسفرت جهوده الداخلية عن استقرار الحكم ودعم ~~أركان الولاية بفضل تطويعه الجند، وإخماد فتنتهم وعصيانهم، وإقصاء المشايخ عن شئون ~~الحكم وسياسة الدولة والقضاء على البكوات المماليك. ~~(1) تطويع الجند # ولقد كانت أولى المشكلات التي صادفت محمد علي عقب جلاء الإنجليز عن الإسكندرية، ~~وكانت مبعث خطر كبير - لا على باشويته فحسب، بل ms1035 وعلى حياته هو نفسه كذلك - عصيان ~~الجند وتمردهم على سلطانه، وقد شهدنا كيف بدأت حركة العصيان هذه والباشا لا يزال في ~~الإسكندرية، وخشي كثير من المعاصرين المتطيرين أن يكون هذا الحادث نذير شؤم على ~~حكومة الباشا، وقوى تشاؤمهم بسبب انقلاب السفينة التي نزل منها محمد علي وحسن باشا ~~طاهر وسليمان آغا (وكيل دار السعادة سابقا) حال رجوع الباشا من الإسكندرية، وذلك ~~عند زفتية، ثم ما حدث عند دخول محمد علي القاهرة؛ حيث كبا به حصانه وأصابته رضوض ~~شديدة، فضلا عن حادث آخر ذكره «دروفتي» في كتابه إلى «سباستياني» في 10 أكتوبر، هو ~~سطو اللصوص على غرف الباشا التي ينام فيها وسرقتهم أشياء ثمينة بجواره، ومما كان ~~عليه هو نفسه. # وحق لهؤلاء المتطيرين أن يتشاءموا من هذه الحوادث، وبخاصة من تمرد الجند؛ لأن ~~الجيش هو الذي أنزل الهزيمة بالبريطانيين، وهو القوة التي اعتمد عليها محمد علي ~~دائما في مطاردة البكوات المماليك، ثم كان بفضل وثوقه من ولاء كبار ضباطه وتعاون ~~هؤلاء معه أن أمكن طرد حكومة البكوات من القاهرة، وإقصاء أحمد خورشيد من الولاية، ~~وتأييد محمد علي نفسه في منصب الحكم والسلطان بعد المناداة بباشويته، علاوة على أن ~~مؤازرة الجيش له في أثناء أزمة النقل إلى سالونيك، جعله يقدر على نبذ أوامر الباب ~~العالي ظهريا وإبطال مسعى الألفي خصوصا من أجل استرداد الحكم في القاهرة، ويعلن ~~أنه لن يتخلى عن باشويته إلا بحد السيف، وإذا أرغم على ذلك إرغاما. فإذا انتقض ~~الجيش عليه الآن، وتناسى البكوات خلافاتهم وأحقادهم، وجمعوا كلمتهم على انتهاز هذه ~~الفرصة السانحة لمهاجمة غريهم، لاستطاعوا هدم باشويته، ناهيك بما قد يفعله الباب ~~العالي، وهو الذي لن يتوانى عن انتهاز الفرصة هو الآخر، لبسط سلطانه على الولاية، ~~الغاية التي يسعى إليها دائما. # وحقيقة الأمر، أن الباشا كان من واجبه تطويع الجند، لضمان بقاء الجيش مواليا له، ~~لأسباب عدة، غير التي ذكرناها، أهمها ما ظل يذيع عن الغزو الأجنبي المرتقب، بعد ~~جلاء الإنجليز عن الإسكندرية، وحاجة الباشا إلى جيش قوي ms1036 لدفع هذا الغزو إذا وقع، ~~فمع أنه كان قد أراد إنقاص الجيش إلى العدد الذي يكفي لضمان استتباب الأمن الداخلي، ~~والقضاء على العناصر المناوئة لحكمه، لا سيما البكوات المماليك، واستخدام العدد ~~الذي لا يعجز الباشا عن دفع مرتباته وعلائفه ولا يسبب بقاؤه إرهاقا لميزانيته، فقد ~~اضطر منذ أواخر عام 1807 وأوائل العام التالي، إلى إلغاء الإجراءات التي كان قد ~~اتخذها لترحيل أعداد كبيرة من جنده إلى الشام، وذلك منذ أن تطايرت الشائعات عن قرب ~~خروج حملة من المواني الفرنسية لغزو هذه البلاد، ومنذ أن راح «بتروتشي» وسائر ~~الوكلاء الإنجليز يؤكدون قرب وصولها، وكان هؤلاء الجند الذين أراد إبعادهم الباشا ~~الآن، من الذين اشتركوا في حركة العصيان الخطيرة التي وقعت في القاهرة في أكتوبر ~~1807 على نحو ما سنذكره، وقد ظلت هذه الشائعات تتجدد بصورة مستمرة في الشهور ~~التالية، وعمد الجند إلى إزعاج الإفرنج في القاهرة والإسكندرية، والاعتداء على ~~الأهلين في كل مكان، على مألوف عادتهم في كل مرة يطلب إليهم التهيؤ للخروج إلى ~~الثغور والشواطئ للدفاع عنها، أو التأهب لصد غارات المغيرين على القاهرة ذاتها، أو ~~الذهاب في تجريدة لمطاردة البكوات المماليك. # ثم إنه كان لا مناص من تطويع الجند، إذا شاء الباشا إنفاذ جيشه إلى الحجاز، وقد ~~لقي صعوبات جمة في حشد الجند برئاسة محمد طاهر باشا منذ أن طلب إليه الباب العالي ~~النجدة، فلم يستقم أمر الجيش إلا بعد أن قضى محمد علي على محركي الفتنة بين الجند، ~~وأخرجهم من البلاد، واستبدل بهم قوادا على جيشه من أهله وعشيرته والموثوق في ~~إخلاصهم وولائهم له. # وفضلا عن ذلك، فقد ساهم الجيش في كل الانقلابات التي أطاحت بحكومات الباشوات منذ ~~خروج الفرنسيين من البلاد، فالأرنئود ساهموا في طرد محمد خسرو، والإنكشارية قتلوا ~~طاهر باشا ونصبوا مكانه أحمد باشا، والأرنئود هم الذين طردوا هذا الأخير، ثم اعتمد ~~عليهم محمد علي في تقويض عروش حكومة البكوات في القاهرة، بعد أن ضلعوا مع المماليك ~~في قتل علي باشا الجزائرلي، ثم قضى الجيش على ms1037 ولاية خسرو باشا الثانية المعروفة ~~بالكناية، وكان بفضل اعتماد محمد علي عليه أن تولى أحمد خورشيد، ثم اشترك ~~الأرنئود والدلاة في عزل هذا الأخير بعد ذلك، وكان اشتراك الجيش في هذه الانقلابات ~~الكثيرة من أسباب زيادة الفوضى في صفوفه، وجنوحه إلى العصيان عن أول بادرة، أضف إلى ~~هذا، ما أحدثه الانقلاب الذي قام به الإنكشارية (أو الينكرجية) في قصر الخلافة ~~والسلطنة ذاتها، وهو الانقلاب الذي أسفر عن مقتل السلطان سليم، وانتهى بالمناداة ~~بمحمود الثاني سلطانا للدولة في الظروف التي عرفناها، فقد قوى هذا الانقلاب من ~~اعتداد الجند وكبار ضباطهم بأنفسهم، فتزايدت روح التمرد والعصيان في صفوف ~~الجيش. # وساعد على انتشار الفوضى بين الجند، أن هؤلاء كانوا خليطا من أجناس منوعة، فمنهم ~~التركي والأرنئودي، والكردي، والشامي، والمغربي، والنوبي، واليوناني، عدا جماعة من ~~الفرنسيين والليفانتيين الذين انضم منهم فريق كذلك إلى البكوات المماليك، ولقد ~~كانوا جميعا من المرتزقة، لا يربطهم بقوادهم وقائدهم الأعلى سوى المرتبات ~~والعلوفات التي ينالونها، ولا صلة تربطهم بالبلاد حتى يعنيهم أمرها، استقامت ~~الأمور بها في ظل حكومة مستقرة موطدة، أم سادت بها الفوضى، وكثرت الانقلابات، طالما ~~ضمنوا حصولهم على مرتباتهم ممن يئول إليه الحكم، وكانوا غرباء عن المصريين، ولم ~~يمتزجوا بهم إلا في حالات شاذة معينة، كان مبعثها إما الخوف من ثورة الأهلين عليهم، ~~وهذا ما ندر حدوثه، وإما الطمع في أموال الأهلين وأرزاقهم؛ ولنهب متاعهم ودورهم، ~~وسبي نسائهم وأولادهم، وتلك كانت القاعدة المعمول بها، ولطالما انبث هؤلاء المرتزقة ~~في كل مكان بالقاهرة ينهبون ويسلبون، ولطالما انتشروا في القرى يهلكون الحرث ~~والضرع، وينزلون الكوارث بالفلاحين، فاتخذوا من خروجهم في أية تجريدة من التجريدات، ~~أو عودتهم منها، أو مجرد تهيؤهم لمغادرة القاهرة، والذهاب إلى ميدان القتال، ذريعة ~~للاعتداء على الأهلين وإيذائهم وقتل من يعترض طريقهم منهم، كما أنهم ألحقوا ~~بالأوروبيين وسائر الأجانب خصوصا بالقاهرة والإسكندرية، مختلف الإهانات، ولم يسلم ~~هؤلاء من أذاهم وشرهم، ووجد الجند فيما حدث من انقلابات حكومية فرصا مواتية للمضي ~~في إفراط، في أعمال السلب والنهب، ms1038 والاعتداء على سكان البلاد من مصريين وأجانب على ~~السواء. # ولم يكن الضباط ورؤساء هذا الجيش يقلون جشعا وحبا للمال عن جنودهم، أو لا ~~يطمعون في نهب الأهلين وسلبهم دورهم ومتاعهم وأرزاقهم وأموالهم، فلم تربطهم هم ~~الآخرين أية صلة بالبلاد التي وفدوا إليها مرتزقة كسائر الجند، ولم يعنهم شيئا أمر ~~أهلها وهم الغرباء عنهم، ولم يشعروا بأي ولاء لشاغل منصب الولاية، فهم يشتركون مع ~~سائر صفوف الجيش في كل الانقلابات التي تحدث، وينبذون سلطان الباب العالي وأوامره ~~بسهولة، طالما استولوا هم على مرتباتهم ومخصصاتهم، وكانت هذه جسيمة، وينالونها وفق ~~نظام سبق ذكره، حصل كل كبير من هؤلاء بفضله على مرتبات لعدد من الجند يربو على ~~ثلاثة أمثال العدد الموجود فعلا تحت قيادته، بل إن هؤلاء كثيرا ما احتفظوا بهذه ~~المرتبات لأنفسهم ولم يدفعوا إلا النزر اليسير منها لجنودهم، مما كان من أسباب ثورة ~~هؤلاء وعصيانهم، ولم تهتم أكثرية هؤلاء الكبار إلا بالثراء السريع في أثناء خدمتهم، ~~شأن كل مرتزقة، ولقد شاهدنا كيف أن عديدين من هؤلاء صاروا يزمعون مغادرة البلاد ~~بالثروات التي جمعوها، وكيف استطاع بعضهم العودة إلى بلاده غنيا، بينما حال الجند ~~دون سفر الآخرين حتى يدفعوا لهم مرتباتهم المتأخرة، وفطن محمد علي من مبدأ الأمر، ~~ومنذ أن صح عزمه على الوصول إلى الولاية، إلى ضرورة ضمان ولاء الجند له، وجذب ~~رؤسائهم إليه، بالحرص على دفع مرتباتهم وعلائفهم في أوقاتها، كما صار ديدنه بعد ~~أن تسلم أزمة الحكم، السهر على دفع هذه المرتبات كذلك دون تأخير، وكان الشاغل ~~الأكبر له في سنوات التجربة والاختبار التي مرت به، تدبير المال بكل الوسائل لدفع ~~هذه المرتبات منه. # زد على ذلك، أن المصلحة الذاتية وحدها هي التي جعلتهم يقبلون على مؤازرة محمد ~~علي، عندما أغدق الباشا عليهم النعم والعطايا، وأقطعهم الأرض التي صادرها من ~~البكوات المماليك خصوصا، ووجد كبار الضباط أنهم ينعمون في مصر بعيش لم يكن ليتسنى ~~لهم التمتع به لو أنهم بقوا في أوطانهم أو غادروا هذه البلاد، ومع ذلك، فقد ms1039 ظل ~~جماعة منهم ينفسون على الباشا المركز الذي بلغه، ومنافسة حسن باشا طاهر الأرنئودي، ~~وعمر بك الأرنئودي وأضرابهما له معروفة مشهورة، وقد استطاع محمد علي كبح جماح هذه ~~المنافسة، بفضل ما أظهره من حنكة في مداراته لهم، حتى إذا تخطى بسلام العواصف التي ~~كادت تطيح بولايته، وتدعمت أركان باشويته رويدا رويدا، تخلى هؤلاء عن أطماعهم، ~~ورضخوا في آخر الأمر لسلطانه، بل وعاونه جماعة منهم على اجتياز الأزمات التي ~~واجهته، ولو أن فريقا من هؤلاء الحاقدين عليه، كياسين بك الأرنئودي ورجب آغا، ظلوا ~~يحركون الفتنة عليه، بل إن عمر بك الأرنئودي نفسه لم يلبث أن شق عصا الطاعة (في عام ~~1809)، وأعلن صالح آغا قوج (قوش) تمرده، ولما تمض شهور قليلة على بدء الحرب ضد ~~الوهابيين في الحجاز، وكان تطويع الجند ضروريا، لضمان الانتصار على هؤلاء الرؤساء ~~المتمردين. # وكان مما زاد في خطورة انتشار روح التمرد والعصيان في الجيش، تأهب العربان البدو ~~دائما للانضمام إلى كل كبير من الضباط يخرج على سلطان محمد علي، ويجمع حوله طائفة ~~الفارين من الجيش، والذين يعقدون آمالا عظيمة على قدرتهم على المضي في أعمال السلب ~~والنهب على نطاق واسع تحت راية العصيان التي يرفعونها، ووجد العربان هم الآخرون في ~~هذا العصيان فرصة مواتية لإشباع نهمهم، والمضي في أعمال السلب والنهب دون رادع، وقد ~~تذوق العربان طعم هذه الحياة التي خلقتها الفوضى السياسية في مصر، نتيجة للتطاحن ~~بين البكوات المماليك ومختلف الباشوات الذين تولوا الحكم في السنوات الماضية، ثم ~~تطاحن هؤلاء الباشوات أنفسهم مع كبار ضباط الجيش وجنده، وعلى رأس كبار الضباط هؤلاء ~~محمد علي نفسه، فامتزج العربان بالجند المتمردين، وعملت طوائف منهم تحت لواء القواد ~~المغامرين، حتى إن قصة هؤلاء وأولاء سرعان ما صارت قصة واحدة، وتوزع العربان أنفسهم ~~طوائف، بعضها يعمل مع الضباط العصاة، والآخر يعمل مع البكوات المماليك، والفريق ~~الثالث يؤيد حكومة محمد علي، كل طائفة حسبما تمليه عليها مصالحها، التي لا تعدو ~~توقع الظفر بالمغانم والأسلاب الكثيرة. # ومنذ حادث المناداة بولاية محمد علي، ms1040 وعزل أحمد خورشيد من الولاية، كتب الشيخ ~~الجبرتي في حوادث شهر أغسطس من عام 1805، عن الدلاة الذين استقدمهم خورشيد ~~للاستعانة بهم على غريمه، ثم خذلوه، أن «هؤلاء كانوا إذا وردوا قرية نهبوها، وأخذوا ~~ما وجدوه فيها، فأخذوا الأولاد والبنات وارتحلوا.» ثم يستطرد الشيخ من ذلك إلى ذكر ~~دور العربان، فيقول: إنه لا يلبث أن يأتي العرب الناهبون خلفهم، فيطلبون الكلف ~~والعليق، وينهبون أيضا ما أمكنهم، ثم يرتحلون أيضا خلفهم. ولكنه ما إن يرتحل ~~هؤلاء وأولئك، حتى يأتي جند الحكومة أو التجريدة فيفعلون أقبح من الفريقين من ~~النهب والسلب، حتى ثياب النساء. وتكرر عدوان العربان على الأهلين أثناء نضال ~~الألفي وسائر البكوات، فقد انتهز عربان أولاد علي فرصة حضور جماعة من الألفية إلى ~~الجيزة، وجمعهم الكلف من أهلها، فأغاروا بدورهم على هذا الإقليم من ناحية البحيرة ~~في ديسمبر 1805 وعاثوا بأراضي الجيزة، حتى إن محمد علي عين لتعقبهم محمد ~~طاهر باشا الذي كان يتهيأ وقتئذ للخروج إلى الحجاز ولم يخرج - على نحو ما عرفنا - ~~ثم إن العربان التحموا كذلك مع جند الباشا في المعركة التي دارت رحاها في 12 ديسمبر ~~من العام نفسه، في جهة مصر القديمة، وأسفرت عن ذهاب جماعة من الأرنئود إلى الأخصام ~~والانضمام إليهم، وقد سبق ذكر هذه المعركة. وفي مارس من العام التالي (1806)، انضم ~~طائفة من العربان إلى مماليك شاهين الألفي للإغارة على إقليم الجيزة، وأخذ الكلف من ~~أهله، واضطر محمد علي إلى الخروج إلى ناحية بولاق وعدى طاهر باشا إلى بر إنبابة ~~وبصحبته عساكر كثيرة لمطاردتهم. # وفي عام 1806 تعددت حوادث عصيان الجند من جهة، واشتراك العربان مع البكوات ~~المماليك في الإغارة على مختلف الأقاليم من جهة أخرى، فمن الحوادث البارزة، اتحاد ~~العربان مع أجناد المماليك في أبريل، في الإغارة على جزيرة السبكية، وحضور عمر بك ~~الأرنئودي إلى القاهرة (في 18 أبريل) من بني سويف يخبر بعصيان رجب آغا وفريق من ~~الجند خامروا عليه وانضموا إلى الأمراء القبليين، وبلغ عدد هؤلاء العصاة نحو ~~الستمائة، وتمرد الجند ms1041 الذين كانوا مع حسن باشا طاهر الأرنئودي وأخيه عابدين بك، ~~بسبب تأخر مرتباتهم، ومنع الباشا دخول طائفة منهم وصلوا إلى بولاق ومصر القديمة، من ~~الدخول إلى القاهرة، واستعان الباشا بالعربان لإخماد حركتهم، فجمع من عربان ~~الحويطات والعائد وغيرهم أعدادا كثيرة، وأقام هؤلاء بناحية شبرا ومنية السيرج، ~~واستمروا يحتشدون في هذين المكانين أربعة أيام بتمامها، وكانوا جملة كبيرة، وطلب ~~محمد علي من رؤساء الجند المتمردين مغادرة البلاد، ولكن هؤلاء أبوا حتى يقبضوا ~~المنكسر لهم من مرتباتهم، ولكن الباشا استطاع أن يبذر بذور التفرقة بينهم، فدس إلى ~~أصاغرهم من خدعهم واستمالهم، حتى تفرقوا في خدمة المستوطنين، ولم يبق مع كبارهم ~~المعاندين إلا القليل، فلم يسعهم بعد ذلك إلا الامتثال وارتحلوا في 18 مايو 1806 ~~من بولاق، وسافر معهم «حسن آغا الشماشرجي» ومن بصحبته من المصريين وحولهم العربان، ~~وساروا على طريق دمياط (وكانوا اثنين وخمسين شخصا من كبار طائفة الأرنئود)، وعلق ~~الشيخ الجبرتي على حادث الاستعانة بالعربان في إخراجهم بقوله: إنه قد «حصل من العرب ~~في مدة تجمعهم ما لا خير فيه، وكذلك في مدة إقامتهم من الخطف والتعرية، وقطع الطريق ~~على المسافرين.» # وأما رجب آغا وياسين بك، فقد انضما بمن معهما من الجند المتمردين إلى البكوات ~~المتحصنين بالمنيا، وأنشأا المتاريس في جهة المنيا البحرية ليحولا دون وصول مراكب ~~الذخيرة إليها، وأنقذ المنيا وصول محو بك بالذخيرة إلى بني سويف ؛ حيث اصطحب منها ~~حسن باشا طاهر وعابدين بك، وهزموا ثلاثتهم رجب آغا وياسين بك، واقتحم جيشهم ~~المتاريس، ودخلوا البلدة. # وفي أثناء أزمة النقل إلى سالونيك، أراد الألفي - وصلته الوثيقة بالعربان معروفة ~~- استثارة هؤلاء ضد حكومة محمد علي واستنهاضهم لمعاونته في إقصاء الباشا من ~~الولاية، فبعث بالكتب إلى مشايخ الحويطات والعائد، وإلى شيخ الجزيرة وسائر رؤسائهم، ~~ولكن هؤلاء - كما عرفنا - آثروا إطلاع الباشا على هذه الكتب، منذ أن توطدت علاقاته ~~معهم أثناء حادث إبعاد كبار الأرنئود المتمردين، فأحضر ابن شديد وابن شعير هذه ~~الكتب التي أتتهم من الألفي إلى محمد علي، ثم إن الباشا ms1042 عند تصميمه في يوليو 1806، ~~على الخروج لمناجزة الألفي، لم يلبث أن أرسل أوراقا لتجمع العربان، وعين لذلك حسن ~~آغا محرم، وعلي كاشف الشرقية، وفي 24 يوليو وصل كثيرون من عرب الحويطات ونصف حرام ~~من ناحية شبرا إلى بولاق، وأطلقت المدافع احتفاء بقدومهم، وقد تقدم كيف أن جيش ~~الألفي كان يضم عدة آلاف من عربان أولاد علي وغيرهم. # ولقد كان وجه الخطورة بعد ذلك، أن يجنح الجند إلى العصيان، إبان حملة «فريزر»، أو ~~يقبل العربان على معاونة البريطانيين، فيسدون حاجة هؤلاء إلى الفرسان، وقد انتظر ~~الإنجليز دون طائل أن يسد المماليك هذا النقص في جيشهم، ولكن الباشا الذي أرضى ~~الجند بدفع مرتباتهم إليهم، استطاع أن يجهز الجيش الذي أوقع بالإنجليز الهزيمة ~~الساحقة في معركة الحماد المعروفة، ثم إن العربان امتنعوا عن نجدة الإنجليز أثناء ~~العمليات العسكرية، ولم يستطع «فريزر» والوكلاء الإنجليز استمالة العربان إلى تموين ~~الإسكندرية، إلا بعد انسحابهم إليها وتحصنهم بها. على أن متاعب الباشا من ناحية ~~الجند والعربان سرعان ما تجددت به جلاء الإنجليز عن الإسكندرية. ~~(2) عصيان 26 أكتوبر سنة 1807 # فقد ظهرت بوادر عصيان الجند عقب رحيل جيش «فريزر» من الإسكندرية، وأثناء وجود ~~الباشا بها، وقد سبق الحديث عن أسباب هذا العصيان، ثم نجاح الباشا في إخماد هذه ~~الحركة، ولكن روح التمرد التي سرت في الجيش بأسره وقتئذ، لم تلبث أن ظهرت آثارها ~~كذلك في القاهرة، وكان مبعث جنوح الجند إلى التمرد في هذه المرة، الغرور الذي ملأ ~~نفوسهم نتيجة لانتصارهم على البريطانيين، ولاعتقادهم أنهم أصحاب الفضل في إجلاء ~~هؤلاء عن البلاد، وتوهمهم أنه قد صار من حقهم لذلك أن يقتضوا من أهل البلاد ثمنا ~~لتخليصهم من شرور الاحتلال الأجنبي، لا سيما وقد خيل لهم أن المصريين كانوا يتمنون ~~هزيمتهم والخلاص منهم على يد الغزاة الأجانب، ووجدوا على كل حال في هذا الاعتقاد، ~~سواء أكان صحيحا أم وهما وخيالا، ذريعة لإطلاق العنان لنزواتهم، والاعتداء على ~~الأهلين دون رقيب أو وازع. # ولقد سبقت الإشارة إلى الفعال المنكرة التي صار ms1043 يرتكبها الأرنئود في القاهرة ~~بمجرد عودتهم إليها بعد انقضاء معارك رشيد والحماد، وكان أهم ما عني به هؤلاء ~~الاستيلاء قسرا على بيوت الناس وطرد أصحابها منها بعد سلب فرشهم وأمتعتهم، بدعوى ~~أن متاعهم قد استهلك منهم في السفر والجهاد ودفع الكفار عنهم؛ أي القاهريين، ~~بينما هؤلاء مستريحون في بيوتهم وعند حريمهم؛ ولأن القاهريين ليسوا بمسلمين؛ ~~لأنهم كانوا يتمنون تملك النصارى لبلادهم، ويقولون إنهم خير من الأرنئود، ولم يكن ~~في مقدور الباشا أو كتخداه كبح جماح هؤلاء البغاة، وهم إلى جانب انغراس الميل إلى ~~السلب والنهب في طباعهم، لا يزالون منتشين بخمرة النصر، فحرص كلاهما على تهدئة ~~خواطر القاهريين وتسكينهم خوفا من وقوع الاصطدام بين هؤلاء وبين الجند، وعزز ~~الكتخذا بك دعاوى الجند، فراح يقول: «أناس جاهدوا وقاتلوا أشهرا وأياما، وقاسوا ~~ما قاسوه في الحر والبرد والطل، حتى طردوا عنكم الكفار وأجلوهم عن بلادكم، أفلا ~~تسعونهم في السكنى، ونحو ذلك من القول»، وهكذا أفحش الجند في التعدي على الناس ~~وغصب البيوت من أصحابها، ثم إنهم تعدوا إلى الحارات والنواحي التي لم يتقدم لهم ~~السكنى بها قبل ذلك، مثل نواحي المشهد الحسيني، وقلعة الجامع المؤيدي، والخرنفش ~~والجمالية، حتى ضاقت المساكن بالناس لقلتها، وصار بعض المحتشمين إذا سكن بجواره ~~عسكر يرتحل من داره ولو كانت ملكه، بعدا من جوارهم، وخوفا من شرهم، ولم يستثنوا ~~بيوت المشايخ، بل وأهانوا من احتج منهم على فعالهم إهانات بالغة. # على أن هذا العصيان سرعان ما استفحل شره حتى صار خطرا على الباشا نفسه وعلى ~~حكومته، وظهرت بوادر هذه الخطورة في محاولة قام بها بعض الجند السكارى والمجانين ~~للاعتداء على حياة محمد علي، فقد عمد الباشا منذ عودته من الإسكندرية إلى القاهرة، ~~إلى الطواف في شوارع القاهرة، يبذل قصارى جهده لوقف اعتداءات الجند على الأهلين، ~~وتوطيد الأمن وقطع دابر الفوضى التي اتضح أنها بلغت غايتها في العاصمة أثناء غيابه ~~عنها، فحدث (يوم 16 أكتوبر) أثناء مروره في ناحية سوق (أو سويقة) العزى، سائرا ~~إلى ناحية بلغيا أن صادف ms1044 في أحد الشوارع حفنة من الراقصات، منهمكات في تسلية بعض ~~الجند الأرنئود، لم يمنعهن عن الرقص مرور الباشا، بل ضاعفن نشاطهن، وصارت ~~(لصاجاتهن) فرقعة كبيرة، فأراد بعض حاشيته، إلزامهن بالسكوت، احتراما لموكب ~~الباشا، فعز على بعض الجند من المخمورين، أن يسلبهم الباشا متعتهم، فانتحى منهم ~~اثنان جانبا، وطلعا إلى مكتب فوق سبيل كان قائما بين الطريقين تجاه من يأتي من ~~تلك الناحية - سوق العزى - يرصدان الباشا في مروره، فحينما أتى الباشا مقبلا لذلك ~~المكتب أطلقا في وجهه بارودتين، فأخطأتاه، وأصابت إحدى الرصاصتين فرس فارس من ~~الملازمين حوله، فسقط، ونزل الباشا عن جواده على مصطبة حانوت مغلوقة، وأمر الخدم ~~بإحضار الكامنين بذلك المكتب، فطلعوا إليهما، وقبضوا عليهما، واستبد الغضب بالباشا ~~وأمر بإحراق المكتب، وتدخل سكان الحي جميعهم، يلتمسون العفو، ثم حضر كبير هؤلاء ~~الجند من دار قريبة من ذلك المكان، واعتذر إلى الباشا بأنهما مجنونان وسكرانان، ~~فعدل عن حرق المكتب، وأمر كبير الجند بإخراجهما وسفرهما من مصر، وركب الباشا ~~وذهب إلى داره. # وقد عزا «دروفتي» في كتابه إلى «سباستياني» من القاهرة في 20 أكتوبر 1807 هذا ~~الحادث إلى ازدياد عجرفة الجند، منذ عودتهم إلى القاهرة، بعد انتصاراتهم الأخيرة ~~على الإنجليز، بدعوى أنهم هم الذين طردوا هؤلاء، وأرغموهم على ترك الإسكندرية، ~~وقد راح «دروفتي» يشكو من الإهانات التي لحقت بالأوروبيين على أيديهم، وشيوع الفوضى ~~في القاهرة، وانعدام الأمن، حتى إن أحدا من الأهلين ما صار في وسعه الاطمئنان على ~~حياته، ولو لزم داره، وعاش بين أهله وعشيرته؛ وذلك لأن الجند دأبوا على الاعتداء ~~على البيوت وأصحابها، وسعيد الحظ هو الذي يتسنى له الفرار بعياله وحريمه، فكان من ~~أثر انتشار روح التمرد والعصيان هذه أن كاد محمد علي نفسه يقع فريسة لاختلال ~~النظام بين جنوده، ويقول «دروفتي»: إن الذين أطلقوا عليه الرصاص، كانوا من الجند ~~المأجورين لفعل ذلك، وإن البيت الذي أطلق منه الرصاص كان معروفا بأن قاطنيه من ~~القتلة المأجورين، وأن الرصاص جرح حصان الباشا وأحد ضباطه. # وكان سبب التمرد المباشر، أو ms1045 على الأصح، الذريعة التي تذرع بها الجند للمضي في ~~اعتداءاتهم، تأخر مرتباتهم؛ ولذلك فقد عمد الباشا إلى فرض الإتاوات وعقد القروض ~~لدفع هذه المرتبات منها، وكان محمد علي منذ 6، 13 أكتوبر قد أمر بفتح الطلب من ~~الملتزمين ببواقي الميري على أربع سنوات ماضية ثم أمر بفتح دفاتر الطلب بميري ~~السنة القابلة، كما كان منذ 6 أكتوبر قد أمر بكتابة أوراق البشارة بذهاب الإنكليز ~~وسفرهم من الإسكندرية وأرسلت هذه إلى البلاد والقرى، ولكن هذه كانت إجراءات، لا ~~بد من مضي بعض الوقت، قبل أن تأتي ثمرتها، ولقي الباشا صعوبات في استدانة كل ~~المال الذي يريده، وهكذا تعذر عليه إرضاء الجند، وصار هؤلاء - كما قال «دروفتي» - ~~يقابلون كل معترض على فعالهم بازدياد صياحهم مطالبين بمرتباتهم المتأخرة. # ولذلك فإنه لم تنقض عشرة أيام على حادث سوق العزى، حتى تجمهر حوالي الخمسمائة ~~من الأرنئود والعثمنلي أمام قصر الباشا بالأزبكية، صبيحة يوم 26 أكتوبر، يطلبون ~~علائفهم، وحاول الباشا استنزال شيء منها، فأبى الجند، فوعد بالدفع عندما يتجمع ~~لديه المال اللازم لسدادها فقالوا لا نصبر، ثم إنهم استولوا على مدفعين وآخر من ~~نوع الهاون وقاذفة للقنابر، كانت جميعها بفناء القصر، ثم بادروا بإطلاق الرصاص ~~على نوافذ الحجرات التي يقطنها الباشا، وضربوا بنادق كثيرة، وكان في وسع محمد علي ~~أن يأمر رجاله بإطلاق النار عليهم؛ لتوفر الرصاص في المكان الذي كان موجودا به ~~وقتئذ، ولكنه امتنع، تجنبا لوقوع حوادث وخيمة، وارتجت البلد وأرسل السيد عمر ~~مكرم إلى أهل الغورية والعقادين والأسواق يأمرهم برفع بضائعهم من الحوانيت ففعلوا ~~وأغلقوها، وتوسط سلحدار الباشا، والدفتردار أحمد أفندي (الملقب بجديد) لدى الجند، ~~وقدما نفسيهما رهينة في يد الثوار لتهدئتهم وتسكينهم، حتى يفي الباشا بوعده لهم؛ ~~حيث قطع على نفسه عهدا بدفع مرتباتهم في أيام قليلة، ولما كان الثوار قد فرغت ~~ذخيرتهم، فقد انصرفوا، آخذين معهم السلحدار والدفتردار ويعتدون في طريق انسحابهم ~~على الأهلين بوحشية قاسية. # ولكنه ما إن انسحب هؤلاء، حتى حضر الدلاة بدورهم، قبل الغروب يمنون النفس بنيل ~~مثل الوعود ms1046 التي نالها الثوار السابقون، فضربوا أيضا بنادق، ولكنهم قوبلوا بغير ~~ما قوبل به زملاؤهم؛ إذ ضربت عليهم عسكر الباشا، وتبودل إطلاق النار من الجانبين، ~~وانزعجت القاهرة أيما انزعاج، وساد الرعب والفزع بالمدينة، وقتل من الدلاة أربعة، ~~وجرح أفراد منهم، فانكفوا ورجعوا، وبات الناس متخوفين، وخصوصا نواحي الأزهر، ~~فأغلقوا البوابات من بعد الغروب، وسهروا خلفها بالأسلحة، ولم تفتح إلا بعد طلوع ~~الشمس. # وكان من المتوقع أن يعيد الدلاتية الكرة في هذا اليوم الثاني (27 أكتوبر)، يؤيدهم ~~بعض العسكر من العثمنلي والأرنئود الذين لم يشتركوا في حوادث اليوم السابق، ولم تسر ~~فيهم روح التمرد بعد، ولكن النهار مضى دون أن يقع جديد، ولو أن الحال ظل على ما ~~هو عليه من الاضطراب. # بيد أن الباشا لم ير من الحكمة البقاء في سرايه بميدان الأزبكية، فنقل أمتعته ~~الثمينة تلك الليلة إلى القلعة، وكذلك ثاني يوم، ثم إنه غادر سرايه مستخفيا هو ~~وكبار ضباطه في الساعة الأولى من صبيحة يوم 28 أكتوبر، قاصدا إلى القلعة، وحوله ~~حوالي الثلاثمائة من حرسه المسلحين من المماليك الفرنسيين بقيادة عبد الله ~~دراو # Derau # وقد صحبه كذلك حسن باشا طاهر ~~«الأرنئودي»، الذي قال إن الباشا إنما يقصد إلى منزله، فما إن تحقق بونابرتة ~~الخازندار من وصول محمد علي إلى القلعة سالما، حتى صرف الحاضرين في الحال، ونقل ~~ما بقي من أمتعة ثمينة، وكذلك الخزينة فورا وكذلك الخيول والسروج، وخرجت ~~عساكره يحملون ما بقي من المتاع والفرش والأواني إلى القلعة. # وبمجرد أن وقف العصاة على ما حدث، هاجموا قصر الباشا ونهبوه، ولم يحترموا سوى ~~الحريم، «وأشيع في البلدة أن العساكر نهبوا بيت الباشا، وزاد اللغط والاضطراب، ولم ~~يعلم أحد من الناس حقيقة الحال، حتى ولا كبار العسكر، وزاد تخوف الناس من العسكر ~~الذين حصلت منهم عربدات، وخطف عمائم وثياب، وقتل أشخاص، وأصبح يوم (29 أكتوبر) ~~وباب القلعة مفتوح، والعساكر مرابطون به، وواقفون بأسلحتهم، وطلع أفراد من كبار ~~العسكر بدون طوائفهم، ونزلوا، وكل طائفة متخوفة من الأخرى، والأرنئود فرقتان: فرقة ~~تميل ms1047 إلى الأتراك، وفرقة تميل إلى جنسها، والدلاة تميل إلى الأتراك وتكره الأرنئود، ~~وهم كذلك، والناس متخوفة من الجميع، ومنهم (الجند) يخشى من قيام الرعية (الشعب) ~~ويظهر التودد لهم، وقد صاروا مختلطين بهم في المساكن والحارات، وتأهلوا وتزوجوا ~~منهم.» # ولم يكن هناك معدى عن انتقال محمد علي إلى القلعة؛ لأنه طالما بقي في سرايه ~~بالأزبكية، انعدم كل رجاء في إمكان إخماد عصيان الجند؛ وذلك لأن هذه السراي، كانت ~~تقع في ميدان الأزبكية، وهو الميدان الرئيسي في القاهرة وقتئذ، ولم يكن من المتيسر ~~الدفاع عنها، بل على العكس من ذلك، كان التغلب على أية مقاومة تأتي من جانب أهلها ~~سهلا ميسورا، إذا وقع هجوم منظم عليها، وكان لا ندحة للباشا عن الالتجاء إلى مكان ~~أمين يحتمي به، بعد الهجومين اللذين حدثا يوم 26 أكتوبر، ناهيك بالمؤامرات والمكائد ~~التي عرف أن بعض رؤساء جنده يحيكونها ضده، حتى إن الشيخ الجبرتي ذكر يعلل انسحاب ~~الباشا إلى القلعة، أنه «يقال إن طائفة من العسكر الذين معه بالدار أرادوا غدره في ~~تلك الليلة (ليلة 27-28 أكتوبر)، وعلم ذلك منهم بإشارة بعضهم لبعض رمزا، فغالطهم ~~وخرج مستخفيا من البيت، ولم يعلم بخروجه إلا بعض خواصه الملازمين له، وأكثرهم ~~أقاربه وبلدياته.» وقال «دروفتي» في رسالته إلى «تاليران» في 31 أكتوبر: «إن المسألة ~~لم تكن لتقف عند هذا الحد لولا أن السيد عمر مكرم - وهو موال دائما للباشا - لم يعمد ~~لتسليح الأهالي، ولولا أن بعض زعماء الجيش، مثل حسن باشا طاهر وعمر بك الأرنئودي، ~~وصالح آغا قوج (قوش) لزموا الحياد. # وأما القلعة فكانت مزودة بكل وسائل الدفاع اللازمة، والاستيلاء عليها - عدا أن من ~~شأنه إعطاء الباشا الملجأ الأمين الذي يطلبه - يجعله قادرا بفضل التحصن بها، على ~~الإشراف والسيطرة على القاهرة بأسرها، والحيلولة دون استيلاء الثوار عليها؛ إذ لو ~~وقعت هذه في أيديهم لاستفحل شرهم كثيرا، أضف إلى هذا أنه سوف يتسنى له من معقله ~~بالقلعة، أن يتفاوض مع رؤساء المتمردين وإنهاء عصيان الجند الذين سوف يتضح لهم ~~عجزهم عندئذ ms1048 عن إلحاق الأذى بالباشا، وفي وسع محمد علي أن يبذر بينهم بوسائله ~~المجربة بذور التفرقة، حتى إذا تصدعت صفوفهم، عاقب محركي الفتنة عقابا صارما، ~~وذلك هو عين ما حدث. # ومما يجدر ذكره أن الباشا ظل بعد هذه الحوادث يتخذ من القلعة مكانا لسكناه ~~وإقامته، ولم يكن سبب ذلك أنه قد بيت العزم - كما يرى بعض الكتاب - على الاستبداد ~~برعيته، ذلك الاستبداد الذي يرى هؤلاء عنوانا له، انفراد محمد علي بالسلطة في تلك ~~الصورة الرتيبة التي تبدأ في زعمهم بإقصاء المشايخ عن شئون الحكم، وتنتهي بالفتك ~~بالمماليك في مذبحة القلعة، بل إن حوادث العصيان والتمرد ظلت تقع من حين لآخر في ~~الأعوام التالية، ولو أنها لم تكن بمثل هذه الخطورة؛ حيث كان قد استطاع عند نهاية ~~الفترة التي نعنى بدراستها، الهيمنة على الجيش، كما بدأ يعمل لإنشاء النظام ~~الجديد، كما استمرت مكائد كبار الضباط ضد حكومته وضد شخصه، وكان آخرها في هذه ~~الفترة حادث أو كائنة لطيف باشا في ديسمبر 1813، وقد حاول هذا تحريك الفتنة ضد ~~حكومة الباشا فانتهى الأمر بقتله، وفضلا عن ذلك، فإن محمد علي لم يعش في عزلة ~~بالقلعة، وقد وزع إقامته بينها وبين سرايه بميدان الأزبكية، وصار يصرف شئون الحكم ~~من المكانين، وإن كثر انعقاد ديوانه بالقلعة، وقد قطن بسراي الأزبكية بعض حريمه ~~وأهله منذ أن استقدم من قولة زوجه الأولى وسائر أفراد أسرته. # على أن انتقال الباشا إلى القلعة، ونهب سرايه بالأزبكية كان بمثابة الإشارة ~~لانتشار أعمال السلب والنهب في القاهرة على يد الجند الذين تراوح عددهم وقتئذ بين ~~الثمانية والعشرة آلاف، فانطلق هؤلاء في شوارع المدينة وأحيائها، يعتدون على ~~النساء، ويفتكون بالأزواج، ولا ينجو من سلب متجره وحانوته إلا من دفع فدية كبيرة، ~~واستمر الحال على ذلك أسبوعا كاملا، فأوذي القاهريون إيذاء بليغا، وتوقفت ~~الأعمال وانتشر الرعب والفزع في القاهرة. وفي ليلة أول نوفمبر - وكانت ليلة رؤية ~~هلال رمضان - لم يمكن عمل الموسم المعتاد، وهو الاجتماع ببيت القاضي، وما يعمل به ~~من الحراقة والنفوط والشنك ms1049 وركوب المحتسب ومشايخ الحرف والزمور والطبول واجتماع ~~الناس للفرجة بالأسواق والشوارع وبيت القاضي، فبطل ذلك كله ... ولم تثبت الرؤية تلك ~~الليلة.» # ولم يمكن احتمال هذا الحال طويلا، وسعى «دروفتي» لدى الرؤساء لتأمين حياة ~~وأموال الرعايا الفرنسيين، فتحدث في هذا الشأن على وجه الخصوص مع عمر بك الأرنئودي، ~~وصالح آغا قوج (قوش) والسيد عمر مكرم، وحصل من هؤلاء على تأكيدات قاطعة باهتمامهم ~~بصالح الرعايا الفرنسيين، وكتبوا له في ذلك قائلين: «إنهم سوف يتخذون كل ما ينبغي ~~من وسائل لمنع وقوع أية إهانات على مبنى القنصلية الفرنسية وحارة الفرنساوية، (حي ~~الإفرنج) بالمدينة»، وأكدوا أن في وسع «دروفتي» أن يعتمد كل الاعتماد على إمكان ~~البحث معهم في أي أمر قد يبدو له ضرورة بحثه معهم، ثم إن له أن يعتمد كذلك على ~~مساعدتهم له عند الحاجة. # وكان محمد علي منذ 28 أكتوبر قد عقد ديوانا بالقلعة، حضره رؤساء الجند وكبار ~~القواد، كما حضره صغار الضباط، وتحدث فيهم بلهجة حازمة، وحاول أن يفرق بين صغار ~~الضباط والرؤساء، فألقى مسئولية ما يشكو الجند منه من عدم حصولهم على مرتباتهم على ~~كاهل الرؤساء الذين يتقاضون ما يزيد مائة مرة على ما يستحقونه عدلا وقانونا، ~~بينما يتركون جندهم في عوز وحاجة، وأظهر الباشا استعداده لإجابة مطالب الجند، على ~~شريطة أن يقدم هؤلاء الرؤساء حسابا عن المبالغ الطائلة التي أخذوها. وأما إذا كان ~~الجيش يريد تنحيته عن الحكم، فلهم أن يختاروا باشا غيره، فيعود هو حينئذ إلى رتبته ~~العسكرية القديمة، أو يرحل عن البلاد كلية، ولكنه طالما بقي في الحكم، فإنه لن ~~يتحول عن عزمه في ضرورة إصلاح المالية العسكرية، ثم استطرد الباشا من ذلك يقول: ~~«ولقد حان الآن الوقت لإنهاء الإهانات والاعتداءات التي يتعرض لها الإفرنج واليهود ~~والمسيحيون، وإبطال السلب والنهب الذي يقع على أهل القرى، لا لشيء سوى إشباع نهم ~~بعض الرؤساء وإرواء جشعهم، وذلك كله محافظة على سمعة الجيش نفسه، ولتوفير السعادة ~~لسكان وأهل البلاد»، ثم اختتم الباشا مقالته بإظهار ضرورة طرد جميع المحرضين على ms1050 ~~الثورة، وأعلن أنه لن يصرف سوى مرتبات ثلاثة شهور فحسب لكل الجيش عن استحقاقات سنة ~~كاملة، إلا إذا خرج الجند إلى الصعيد لمناجزة البكوات المماليك وصار الباشا سيدا ~~للصعيد، فعندئذ ينالون مكافأة طيبة. # وأثر كلام الباشا في صغار الضباط تأثيرا كبيرا، ووجد هؤلاء مقترحاته عادلة ~~ومعقولة، فرفضوا الإصغاء لحجج ودعاوى رؤسائهم، وعجز هؤلاء عن استمالتهم إلى المضي ~~في التمرد والعصيان، وتشاور الرؤساء في الأمر، ولما كانوا لا يجرءون على تقديم ~~الحساب المطلوب منهم؛ لأنه لن يكون في صالحهم، فقد قر رأيهم على قبول التسوية التي ~~اقترحها الباشا، ثم إنهم أمروا في اليوم نفسه بإرجاع المنهوبات التي أخذت من سراي ~~الأزبكية، وانفرجت الأزمة، وانصرف الاهتمام إلى تدبير المال اللازم لدفع المرتبات ~~التي وعد بها محمد علي. # ولما كان الناس قد أوذوا بسبب هذه الفتنة، وأوذيت على وجه الخصوص مصالح المشايخ ~~وأعيان القاهريين، وكلهم صاحب ثروة، ويخشى على أمواله من الضياع، فقد عقد هؤلاء ~~العزم على وقف الفتنة بكل وسيلة، يدفعهم إلى ذلك حرصهم على مصالحهم الذاتية، قبل أي ~~اعتبار آخر، ثم إلحاح العامة فطلع طائفة من المشايخ (يوم 31 أكتوبر) إلى القلعة، ~~وتكلموا وتشاوروا في تسكين هذا الحال، بأي وجه كان، ثم نزلوا، واستطال الأخذ والرد ~~في طرائق تدبير المال، وتعددت اجتماعات المشايخ بكبار الضباط في منزل السيد عمر ~~مكرم، وكثرت المؤتمرات كذلك في بيت السيد محمد المحروقي، وعند غيره. # ولكنه كان من الواضح أن الواجب يقتضيهم أن يفصلوا في هذه المسألة بكل سرعة، فقد ~~استمر الاضطراب والشغب. وفي 2 نوفمبر بين العصر والمغرب، ضربوا مدافع كثيرة من ~~القلعة، وأردفوا ذلك بالبنادق الكثيرة المتتابعة، وكذلك العسكر الكائنون بالبلدة، ~~فعلوا كفعلهم من كل ناحية، ومن أسطحة الدور والمساكن، وكان شيئا هائلا، واستمر ~~ذلك إلى بعد الغروب وتهكم الشيخ الجبرتي، فقال: «وذلك شنك لقدوم رمضان، في دخوله ~~وانقضائه.» # وعلى ذلك فإنه لم تنقض أيام قلائل على هذا الحادث، حتى كانت قد أسفرت المباحثات ~~والمشاورات في يوم 5 نوفمبر عن ترتيب لتدبير المال اللازم، ms1051 كان فريدا في نوعه، يدل ~~على حرص المشايخ على مصالحهم الذاتية، وقصورهم عن إدراك معنى الزعامة الشعبية التي ~~طمعوا فيها، وعجزهم عن تحمل مسئولياتها، وقد شرح الشيخ الجبرتي هذا الترتيب في ~~قوله: وفي هذا اليوم «انكشفت القضية عن طلب مبلغ ألفي كيس بعد جمعيات في مشاورات ~~تارة ببيت السيد عمر النقيب، وتارة في أمكنة أخرى، كبيت السيد المحروقي وخلافه، حتى ~~رتبوا ذلك ونظموه، فوزع منه جانب على رجال دائرة الباشا، وجانب على المشايخ ~~الملتزمين، نظير مسموحهم في فرض حصصهم التي أكلوها، وهي مبلغ مائتي كيس، وزعت على ~~القراريط، على كل قيراط ثلاثة آلاف نصف فضة على سبيل القرض؛ لأجل أن ترد أو تحسب ~~لهم في الكشوفات، من رفع المظالم، ومال الجهات، يأخذونها من فلاحيهم، وفرض من ذلك ~~مبلغ على أصحاب الحرف وأهل الغورية، ووكالة الصابون ووكالة القرب، والتجار ~~الآفاقية، واستقر الطلب ببيت ابن الصاوي بما يتعلق بالفقهاء، وإسماعيل الطوبجي، ~~بالمطلوب من طائفة الأتراك وأهل خان الخليلي، والمرجع في الطلب والدفع والرفع إلى ~~السيد عمر النقيب.» # ومعنى ذلك، أن هذا الترتيب قد كفل للمشايخ - وقد صاروا في هذا العهد من كبار ~~الملتزمين - استرداد ما يدفعونه، باحتسابه من مسموحهم في فرض حصصهم، وتفسير ذلك أن ~~المشايخ الملتزمين؛ أي أولئك الذين التزموا بدفع الضريبة (الميري) عن حصة الأرض ~~التي اعتبروا مسئولين عن تأدية المال (أو الميري) عنها إلى الحكومة، كانت الحكومة ~~قد أعفتهم في نظير التزامهم من دفع الضريبة عن جزء من أراضيهم وأملاكهم الخاصة ~~الداخلة في حصة التزامهم، فعرف ذلك باسم مسموح المشايخ، وكان المفروض أن يعفى ~~الفلاحون في هذا الجزء المعفي من الضريبة، من دفع الضرائب كذلك، ولكن المشايخ درجوا ~~- بالرغم من ذلك - على جمع الضرائب وسائر الفرض والإتاوات الحكومية من الفلاحين ~~الموجودين بالأرض المعفاة منها حسب هذا النظام؛ وعلى ذلك، فإنه عندما أراد المشايخ ~~والزعماء القاهريون - ويكادون يكونون جميعا من المشايخ الملتزمين، وهم كذلك ~~أغنياء القاهرة وسراتها - إنهاء فتنة الجند التي آذت أشد ما آذت - كما ذكرنا - ~~مصالح هذه الطبقة، ms1052 رتبوا احتساب المبالغ التي يدفعونها من مسموحهم من الفرض على حصص ~~التزامهم، فترد هذه المبالغ إليهم أو تحتسب لهم في كشوف الضرائب، والإتاوات التي ~~يحصلونها - دون وجه حق أصلا - من الفلاحين في أرضهم أو حصص التزامهم، وبهذه ~~الطريقة ضمن المشايخ استرداد ما دفعوه. # ولم يأبه المشايخ والرؤساء الشعبيون لمصالح الفريق الآخر، من صغار التجار وأرباب ~~الحرف والصناعات الصغيرة، الذين قصمت ظهورهم الضرائب الفادحة والإتاوات المتكررة، ~~فوقع على كاهلهم عبء دفع قسط كبير من المبلغ المطلوب، دون أي ضمان لاستردادهم إياه ~~أو لاستنزاله من الضرائب أو الإتاوات التي تحصل منهم، وهكذا أثبتت المشايخ والرؤساء ~~الشعبيون أنهم لا يعنون إلا بصون مصالحهم الذاتية فحسب. # ومع أن كبار الضباط ورجال الباشا قد اشتركوا مع المشايخ في بحث الأمر، فقد كان من ~~الواضح أن الذي عنى به الباشا وقتئذ، هو وصول مبلغ الألفي كيس إليه ليدفع منه ~~مرتبات الجند حسبما وعد به، كما كان من الواضح أن كبار الضباط إنما يهمهم وصول ~~المال لأيديهم حتى يدفعوه بدورهم للجند؛ ولذلك فقد كان ترتيب توزيع المبلغ على ~~الطوائف والهيئات - وبعد أن دفع رجال دائرة الباشا قسما منه - من شأن المشايخ ~~والرؤساء الشعبيين أنفسهم. # وعلى ذلك فإنه ما إن جرى تحصيل هذا المبلغ، حتى «اجتمع الكثير من أهل الحرف ~~كالصرماتية وأمثالهم، والتجأوا إلى الجامع الأزهر، وأقاموا به ليالي وأياما فلم ~~ينفعهم ذلك، وانبث المعينون بالطلب، وبأيديهم الأوراق بمقدار المبلغ المطلوب من ~~الشخص، وعليها حق الطريق، وهم قواسة أتراك وعسكر ودلاة، وقواسة بلدي، ودهي الناس ~~بهذه الداهية في الشهر المبارك، فيكون الإنسان نائما في بيته ومفتكرا في قوت ~~عياله، فيدهمه الطلب، ويأتيه المعين قبل الشروق، فيزعجه ويصرخ عليه، بل ويطلع إلى ~~جهة حريمه، فينتبه كالمفلوج من غير اصطباح، ويلاطف المعين، ويوعده ويأخذ بخاطره، ~~ويدفع له كراء طريقه المدفوع له في الورقة المعين بها المبلغ المطلوب قبل كل شيء، ~~فما يفارقه إلا ومعين آخر واصل إليه على النسق المتقدم، وهكذا.» ~~(3) الضرب على أيدي المحرضين ~~(3-1) نفي رجب آغا # وما ms1053 إن سكنت فتنة الجند، حتى شرع الباشا يعمل بحزم وشدة للضرب على أيدي رؤساء ~~الجند الذين تزعموا هذه الفتنة، وعقوبة الثوار الظاهرين، والمغامرين الذين ~~يحركون القلاقل والاضطرابات؛ ليعيثوا فسادا في القاهرة خصوصا؛ وليسلبوا ~~القاهريين ويعتدوا عليهم، والذين كان وجودهم - كما كتب الوكلاء الفرنسيون في ~~نشرتهم الإخبارية عن هذه الحوادث في نوفمبر من العام نفسه - مصدر خطر لا على ~~سلطانه وحكومته فحسب، بل وعلى حياته هو نفسه كذلك، حتى إذا شاء الاعتماد على ~~ولاء الجيش له، وجب عليه - كما قال هؤلاء - أن يتخذ إجراءات سريعة وحاسمة ~~للتخلص منهم. # وكان واضحا أن ترك الجند يسدرون في غوايتهم، دون وقف اعتداءاتهم على ~~الأهلين، سوف يترتب عليه انعدام الأمن في القاهرة، وإفلات زمام الأمور من يد ~~الباشا في آخر الأمر، ومن المحتمل كثيرا قيام القاهريين بالثورة، صحيح أن ~~الفتنة الأخيرة مرت دون أن يحرك القاهريون ساكنا للانتقام من الأرنئود والدلاة ~~الذين آذوهم في أموالهم وأعراضهم ونفوسهم، وذلك بفضل الإجراءات التي اتخذها عمر ~~مكرم وغيره من المتصدرين، لإغلاق الحوانيت، ومنع تسلح الأهلين، وإلزامهم ~~بالمكوث في بيوتهم، وإغلاق البوابات وحراستها، ولكن الخطر كان كامنا، ولا ضمان ~~لدوام هذا السكون إذا وقعت فتنة أخرى من طراز هذا العصيان والتمرد. ولقد عبر ~~الشيخ الجبرتي عن كراهية الشعب لجند الباشا، فقال: «ولشدة قهر الخلائق منهم، ~~وقبح أفعالهم، تمنوا مجيء الإفرنج من أي جنس كان، وزوال هؤلاء الطوائف الخاسرة، ~~الذين ليس لهم ملة ولا شريعة، ولا طريقة يمشون عليها، فكانوا يصرخون بذلك بمسمع ~~منهم، فيزداد حقدهم وعداوتهم، ويقولون أهل هذه البلاد ليسوا مسلمين؛ لأنهم ~~يكرهوننا ويحبون النصارى، ويتوعدونهم إذا خلصت لهم البلاد، ولا ينظرون لقبح ~~أفعالهم.» # وكان أخطر المحرضين على التمرد والعصيان، رجب آغا، وكان من الذين انضموا إلى ~~الألفي سابقا وصار أحد قواد مشاته، وقد تقدم ذكر حادث مخامرة رجب آغا على ~~عمر بك الأرنئودي ومقاومته مع ياسين بك في المنيا، وتظاهر بالولاء لمحمد علي ~~بعد ذلك، ولكنه صار يدبر الثورة ضده، وكان من كبار المحرضين على الفتنة ~~الأخيرة، ms1054 فأصدر الباشا أمرا بعد سكون الفتنة بنفيه، فلم يمتثل رجب آغا لهذا ~~الأمر، وجهر بالعصيان، وكادت تقوم الفتنة من جديد، لولا أن تغلب جند الباشا ~~عليه، وأوذي الأهلون في هذا الحادث كذلك إيذاء بليغا. ويقص الشيخ الجبرتي ~~تفاصيل ما وقع في قوله في حوادث يوم 19 نوفمبر 1807: «قصد الباشا نفي رجب آغا ~~الأرنئودي وأرسل إليه يأمره بالخروج والسفر، بعد أن قطع خرجه، وأعطاه علوفته، ~~فامتنع من الخروج، وقال أنا لي عنده خمسين كيسا، ولا أسافر حتى أقبضها، وذلك ~~أنه في حياة الألفي الكبير، اتفق مع الباشا بأن يذهب عند الألفي وينضم إليه، ~~ويتحيل في اغتياله وقتله، فإن فعل ذلك وقتله وتمت حيلته عليه، أعطاه خمسين ~~كيسا، فذهب عند الألفي والتجأ إليه، وأظهر أنه راغب في خدمته، وكره الباشا ~~وظلمه، فرحب به وقبله وأكرمه مع التحذر منه، فلما طال به الأمد ولم يتمكن من ~~قصده، ورجع إلى الباشا، فلما أمره بالذهاب الآن أخذ يطالبه بالخمسين كيسا، ~~فامتنع الباشا، وقال: جعلت له ذلك في نظير شيء يفعله، ولم يخرج من يده فعله، ~~فلا وجه لمطالبته به، واستمر رجب آغا في عناده، وذلك أنهم لا يهون بهم مفارقة ~~مصر التي صاروا فيها أمراء وأكابر، بعد أن كانوا يحتطبون في بلادهم، ويتكسبون ~~بالصنائع الدنيئة ... ثم إنه جمع جيشه إليه من الأرنئود بناحية سكنه، وهو بيت حسن ~~كتخدا الجربان بباب اللوق، فأرسل إليه الباشا من يحاربه. # فحضر حسن آغا سر ششمه من ناحية قنطرة باب الخرق، وحضر أيضا الجم الكثير من ~~الأتراك وكبرائهم من ناحية المدابغ، وعمل كل منهم متاريس من الجهتين، وتقدموا ~~قليلا حتى قربوا من مساكن الأرنئود تجاه بيت البارودي، فلم يتجاسروا على ~~الإقدام عليهم من الطريق، بل دخلوا من البيوت التي في صفهم، ونقبوا من بيت إلى ~~آخر، حتى انتهوا إلى أول منزل من مساكنهم، فبغتوا البيت الذي يسكن به الشيخ ~~محمد سعد البكري، ونفذوا منه إلى المنزل الذي بجواره، ثم منه إلى منزل علي آغا ~~الشعراوي، ثم إلى بيت سيدي محمد ms1055 وأخيه سيدي محمود المعروف بأبي دفية، الملاصق ~~لمسكن طائفة من الأرنئود، وعبثوا في الدور وأزعجوا أهلها بقبيح أفعالهم. # فإنهم عندما يدخلون أول بيت يصعدون إلى الحريم بصورة منكرة، من غير دستور ~~ولا استئذان، وينقبون من مساكن الحريم العليا، فيهدمون الحائط ويدخلون منها إلى ~~محل حريم الدار الأخرى، وتصعد طائفة منهم إلى السطح، وهم يرمون بالبنادق في ~~الهواء في حال مشيهم وسيرهم وهكذا، ولا يخفى ما يحصل للنساء من الانزعاج، ويصرن ~~يصرخن ويصحن بأطفالهن، ويهربن إلى الحارات الأخرى، مثل حارة قواديس، وناحية ~~حارة عابدين، بظاهر الدور المذكورة، بغاية الخوف والرعب والمشقة، وطفقت العساكر ~~تنهب الأمتعة والثياب والفرش، ويكسرون الصناديق ويأخذون ما فيها، ويأكلون ما في ~~القدور من الأطعمة في نهار رمضان من غير احتشام. # ولقد شاهدت أثر قبيح فعلهم ببيت أبي دفية المذكور من الصناديق المكسرة، ~~وانتشار حشو الوسائد والمراتب التي فتقوها وأخذوا ظروفها، ولم يسلم لأصحاب ~~المساكن سوى ما كان لهم خارج دورهم، وبعيدا عنها، أو وزعوه قبل الحادثة، وأصيب ~~محمد أفندي أبو دفية برصاصة أطلقها بعضهم من النقب الذي نقب عليهم، نفذت من ~~كتفه، وكذلك فعل العساكر التي أتت من ناحية المدابغ بالبيوت الأخرى. # واستمروا على هذه الأفعال ثلاثة أيام بلياليها. # وتدخل عمر بك الأرنئودي، وصالح قوج (قوش) لإنهاء الفتنة، وتوليا رجب آغا ~~بحمايتهما، فحضر عمر بك كبير الأرنئود الساكن ببولاق ليلة 23 نوفمبر، وكذلك ~~صالح قوج إلى رجب آغا المذكور، وأركباه وأخذاه إلى بولاق، وبطل الحرب بينهم، ~~ورفعوا المتاريس في صبحها، وانكشفت الواقعة عن نهب البيوت ونقبها، وإزعاج ~~أهلها، ومات فيما بينهم أنفار قليلة، وكذلك مات أناس وانجرح أناس، من أهل ~~البلد.» وفي 26 نوفمبر سافر رجب آغا، وتخلف عنه كثير من عساكره وأتباعه، وذهب ~~من ناحية دمياط وطرد رجب آغا من البلاد نهائيا. # وعمد الباشا إلى التخلص رويدا رويدا من سائر متزعمي العصيان والمحرضين ~~عليه، أولئك الذين لم يدر في ذهنهم قط أن يسودوا عليهم سيدا يأتمرون بأمره، ~~ويطيعون نواهيه، بل اعتقدوا أن من حقهم أن يختاروا ms1056 الزعيم الذي يرضخ لأهوائهم، ~~ويخضع لنزواتهم، وصار إطلاق الرصاص والعصيان ديدنهم كلما واتتهم الفرصة للإفصاح ~~عن تذمرهم، وإعلان غضبهم وسخطهم على حكومة الباشا، ولما لم يكن مركز محمد علي ~~قد توطد بالدرجة التي تجعله قادرا على الاقتصاص من الثوار بالطرق العادية ~~المألوفة خشية أن يؤدي إنزال العقوبة بالمحرضين على العصيان إلى هياج الجنود ~~وسريان روح التمرد بين سائر صفوف الجيش، وثورة الجيش بأسره، فقد لجأ الباشا إلى ~~وسائل صامتة للخلاص منهم، فجرى إعدام كثيرين من قادة العصيان بالقلعة سرا، ~~واتخذ من واجب تحصين الإسكندرية، وسائر الثغور والمواقع في الشاطئ الشمالي، ~~ذريعة لإبعاد الآخرين من القاهرة، وتوزيعهم على مختلف الحاميات، بحيث لا تظل ~~قوات كبيرة من الجيش مجتمعة في مكان واحد، وبحيث ينالون علائفهم ومرتباتهم من ~~الأماكن التي يرسلون إليها، فيخف كذلك عبء نفقاتهم عن خزانته، فضلا عن أن ~~توزيعهم هذا لا ينال من قوته شيئا، لبقاء الجيش قائما، وفي ديسمبر من السنة ~~نفسها قطع الباشا رواتب طوائف الدلاة وأمروا بالسفر إلى بلادهم. # ولم يظهر أثر هذه الإجراءات التي اتخذها محمد علي لتطويع الجند إلا شيئا ~~فشيئا، فقد بقيت بطبيعة الحال طائفة من الجند بالقاهرة، للدفاع عنها، واستمرت ~~اعتداءات هؤلاء على الأهلين، فلا يمر يوم دون وقوع اعتداءات جديدة، حتى لاحظ ~~الوكلاء الفرنسيون أن أصحاب الأسمال البالية هم الذين في وسعهم وحدهم أن ~~يشعروا بأي أمن وطمأنينة عند سيرهم في شوارع العاصمة. ~~(3-2) حادث ساحرة دمنهور # وكان من العوامل التي ساعدت على زيادة الفوضى بين طوائف الجند، اعتقاد هؤلاء ~~في المشعوذين والسحرة، يحتفون بهم ويسيرون في ركابهم؛ تكريما لهم وتلمسا ~~للبركة منهم، في مواكب ذات جلبة وضوضاء، يطوفون بهم في شوارع القاهرة، ويعتدون ~~على القاهريين، ويسلبون الحوانيت والدكاكين. وكان أخطر من ظهر من هؤلاء ~~المشعوذين الذين اعتقد فيهم كثيرون من الأرنئود على وجه الخصوص، امرأة من نواحي ~~دمنهور ادعت أن لها صلة مباشرة بعالم الأرواح، يخاطبها روح يسمى الشيخ علي، ~~ويجيب على ما يسأله السائلون بواسطتها، وفي وسع هؤلاء كذلك أن ms1057 يلمسوا يده في ~~جلسات خاصة في ظلام الليل، واشتهر أمر هذه الساحرة، وصار لها آلاف من المؤمنين ~~بها، ومن بينهم عدد عظيم من الأرنئود، فصارت تتجول في شوارع القاهرة على حصان، ~~يحيط بها الأرنئود حراسا لها. وخشي الباشا أن تكون هذه المرأة أداة في يد ~~أعدائه، يستخدمونها لتأليب الجند، بل وتحريك الشعب نفسه على الثورة، فسعى جهده ~~لكشف خديعتها وإظهار كذب ادعائها، والتخلص منها بصورة لا تستفز جنده الأرنئود. ~~فاستدعى الباشا إليه أربعة من الحواة، ووعدهم بمبلغ من المال إذا استطاعوا إحضار ~~الساحرة، فوجدها هؤلاء عند باش آغاة التبديل، أو رئيس خفراء الحراسة الليلية، ~~يحيط بها المعجبون من الجند وغيرهم، فلما أرادوا القبض عليها انتصر لها الجند ~~وهددوا الحواة وطردوهم بدعوى أن البيت سوف يسقط على رءوسهم إذا مس أحد بشر شخص ~~هذه المرأة المقدسة. وتزايد خطرها يوما بعد آخر، وصار لا ندحة عن إنهاء مسألة ~~هذه الساحرة بكل سرعة، فأمر الباشا رئيس الشرطة بإحضارها؛ حتى يظهر كغيره ~~إعجابه بفعالها الخارقة، واستقبلها الباشا أمام سرايه في ميدان الأزبكية قبل ~~الغروب، وهو جالس تحت شجرة كبيرة من الجميز يدخن نارجيلته بالقرب من ساقية، ~~يحيط به المعجبون بها والمؤمنون بسحرها، ورجاها إحضار الروح، ووقف جمهور كبير ~~يشهد ما يجري بين الباشا وبينها. ولما كان الليل لم يرخ سدوله بعد، والمكان ~~خلاء، فقد اعتذرت الساحرة بأن اتصال الروح لا يحدث إلا في الظلام، وعلاوة على ~~ذلك، فقد ذهب الشيخ علي للصلاة في جامع الإمام الحسين، وأنه سيعود بعد قليل، ~~فدخل الباشا إلى قصره، وتبعه كبار الضباط ورؤساء الجند لمشاهدة المعجزة، فلما ~~جاء الليل جلس الباشا وحوله هؤلاء الرؤساء، ويجاوره طبيبه الخاص «بوزاري» ~~وترجمانه؛ لأنه لا يتكلم العربية، وادعت الساحرة أنها تجهل التركية، و«بوزاري» ~~يعرف اللغتين، فأطفئت الأنوار، وأجاب الشيخ علي على الأسئلة التي وجهت إليه في ~~صوت مكبوت، وبدا كأنما الباشا قد غلب على أمره، ولكنه لم يلبث أن طلب أن يقبل ~~يد الروح، وكان بعد لأي وعناء أن رضي الشيخ علي أن ms1058 يمد أطراف أصابعه حتى ~~يقبلها الباشا، فقبض عليها بشدة وأحضرت الأضواء، واتضح أن اليد هي يد الساحرة ~~ذاتها، التي ثبت أنها ذات قدرة على إخراج الأصوات من بطنها، وقرر الباشا ~~إغراقها في النيل فورا، فقام صخب وقامت ضجة حتى شعر الباشا بالخوف لحظة، ولكن ~~سرعة بديهته وشجاعته أنقذتا الموقف، فقال: «لا شك في أن هذه المرأة يمتلكها روح ~~ذو قدرة خارقة، وهذا الروح لن يدعها تهلك، أما إذا كان لا وجود لهذا الروح ~~أصلا، واتضح أنها كانت تخدع الناس وتغشهم، فإنها سوف تغرق.» وأمام هذا المنطق ~~القوي إذا، رضي المعارضون بأخذها إلى النيل؛ حيث ألقيت الساحرة به، وانتظروا - ~~بعض الوقت - خروجها من النهر، ولكن دون جدوى، فانصرفوا لشأنهم. # على أنه كان من أثر ما ظهر من تصميم محمد علي، على ردع حركات العصيان، وأخذه ~~جنده بالشدة، للقضاء على عوامل الفوضى واختلال النظام في جيشه، أن فر كثيرون من ~~الصفوف، وقصدوا إلى الأرنئودي الثائر الآخر ياسين بك، يعملون تحت لوائه، وكان ~~خطر هذا قد أخذ يستفحل منذ حوادث عصيانه الأخيرة والتي ذكرناها، ووجب على ~~الباشا القضاء على حركته بكل وسيلة. ~~(3-3) نفي ياسين بك الأرنئودي # فقد استفحل شر ياسين بك وأخذ يعيث فسادا في أقاليم مصر الوسطى، وانضم إليه ~~كثيرون من رؤساء العثمنلي والأرنئود الذين أصاب كبرياءهم تصميم الباشا على جمع ~~أسباب السلطة في يده، كما فر إليه كثيرون من الجند؛ لنقمتهم - كما ذكرنا - على ~~النظام الذي يريد الباشا إدخاله في الجيش، أضف إلى هذا أن العربان الذين من ~~دأبهم انتهاز الفرص السانحة للسلب والنهب، سرعان ما صاروا يتوافدون على معسكره ~~في أعداد عظيمة واجتمع لدى ياسين بك من القوة ما جعله قادرا على إبراز جيش ~~في الميدان يضارع في أعداده وسلاحه ما لدى محمد علي نفسه من مشاة، وداعب الأمل ~~ياسين بك في إمكان انتزاع الباشوية من محمد علي، ولا جدال في أنه كان في وسعه ~~أن يفعل ذلك، لو أنه أوتي إلى جانب أطماعه هذه وقدرته على النضال في ms1059 جلد ~~ومثابرة - وقد شهد المعاصرون له بالقدرة على الكفاح القوي - شيئا من الحكمة ~~وبعد النظر، فعرف كيف ينحاز بالقوات التي لديه لإحدى القوتين المتناضلتين ~~وقتئذ: محمد علي أو البكوات المماليك، فيسير في نفس الطريق الذي سار فيه الباشا ~~نفسه، في أوائل عهده، ومنذ أن صح عزمه على الوصول إلى الحكم والولاية، حتى إذا ~~استعان بإحدى هاتين القوتين في القضاء على جماعة من خصومه، استطاع منازلة ~~الجماعة الأخرى، وكان من الواضح أن من صالحه الاتحاد مع البكوات المماليك إذا ~~شاء القضاء على حكومة محمد علي؛ لأن انضمام فرسانهم إلى جيشه - لا شك - يجعل كفته ~~الراجحة في أية معارك يخوض غمارها مع الباشا. # ولكن ياسين بك كان مغامرا تنقصه الحنكة السياسية، عجز عن ابتداع سياسة أو ~~تدبير خطة محكمة للوصول إلى غايته، واعتمد في جذب الجند إليه على كرمه وسخائه ~~معهم، وهو الذي تسنى له أن يجمع ثروة طائلة بأعمال السلب والنهب التي انغمس ~~فيها، فأجزل لجنده العطاء، وكان مرحا بطبعه، وذا شخصية محببة للنفوس، كثير ~~التسامح مع جنده، حتى أحبه هؤلاء، ورضوا بالعمل تحت لوائه وتزايدت أعداد ~~الوافدين منهم إلى معسكره يوما بعد يوم، ولكنه أخطأ خطأ جسيما عندما اعتبر ~~أعداء له، كل من رفضوا الانضواء تحت لوائه، وبدلا من الاتحاد مع البكوات الذين ~~بالصعيد، جلب سخطهم عليه، واستثار عداءهم ضده بسبب مضي عصاباته في النهب والسلب ~~والتخريب، مما أثار عليه أسياد الصعيد الثلاثة: إبراهيم بك، وعثمان بك حسن، ~~وشاهين بك المرادي خليفة عثمان البرديسي، فاتحدوا ضده وقرروا مهاجمته. # فقد انتهز في سبتمبر وأكتوبر 1807 وقوع الخلاف بين البكوات، بسبب إغارة ~~سليمان بك البواب على بعض القرى التابعة لشاهين بك المرادي ونهبها، فاستولى ~~ياسين على بني سويف والمنيا؛ حيث تحصن بها، ولم يتورع أثناء مناوشاته مع ~~المماليك عن مهاجمة ملوي وأخذ مبلغ كبير من المال من أهلها، بالرغم من أنها ~~تتبع محمد بك المنفوخ المرادي حامي ياسين بك نفسه. وفي نوفمبر كان لا يزال ~~ياسين متحصنا بالمنيا، وفي مناوشات مستمرة مع ms1060 البكوات من الألفية والمرادية ~~على السواء، ويتخذ العدة لإخضاع إقليم الفيوم كذلك. # وكان البكوات وقتئذ يتفاوضون من أجل الصلح مع الباشا - على نحو ما سيجيء ذكره ~~في موضعه - وكان شاهين بك الألفي يعيش مستأمنا في الجيزة والقاهرة، ومنذ أن ~~صالحه الباشا في ديسمبر 1807، فاستعان محمد علي به في استثارة أسياد الصعيد ~~لقتال ياسين، وكان هؤلاء يسخطون عليه سخطا عظيما، فأوقعوا به هزيمة كبيرة ~~بالقرب من منفلوط في يناير 1808، ونهبوا حملته ومتاعه وانسحب في حوالي ~~المائتين فحسب إلى المنيا؛ حيث تحصن بها، وحضر أبوه إلى القاهرة مستسلما. وشرع ~~محمد علي يجهز تجريدة لمطاردته من حوالي السبعمائة أو الثمانمائة، بقيادة ~~بونابرتة الخازندار (أحمد آغا)، وتقدم التجريدة سليمان بك الألفي من رجال شاهين ~~الألفي في قوة أخرى، وانضم بكوات الصعيد إلى جيش حسن باشا طاهر الأرنئودي ~~للقضاء على ياسين، فهاجموا المنيا من الناحية القبلية، بينما صوب الأرنئود ~~مدافعهم عليها من الناحية البحرية. وكتب «سانت مارسيل» إلى حكومته في أول ~~فبراير 1808، أن هذه الحملة عند انضمامها إلى قوات المماليك بالصعيد سوف تغدو ~~قوة عظيمة في وسعها طرد ياسين بك من المنيا والسيطرة عليها، «ولا جدال في أن ~~إخضاع هذا الثائر - الذي أتيح له خلق سلطة ثالثة في مصر أشد خطرا مما قد تبلغه ~~سلطة الباشا، أو سلطة البكوات المماليك؛ لأن أكثرية العربان منحازون إليه - من ~~شأنه بسط الهدوء، وفتح المواصلات لاستئناف النشاط التجاري الذي تعطل من مدة ~~طويلة بين الوجهين البحري والقبلي.» # ويصف الشيخ الجبرتي ما وقع بعد خروج هذه التجريدة، فيقول في حوادث يوم 10 ~~فبراير 1808: «ورد الخبر بأن سليمان بك الألفي لما وصل إلى المنيا، ونزل ~~بفنائها، خرج إليه ياسين بك بجموعه، وعساكره وعربانه، فوقع بينهما وقعة عظيمة، ~~وانهزم ياسين بك وولى هاربا إلى المنيا، فتبعه سليمان بك في قلة، وعدى الخندق ~~خلفه، فأصيب من كمين بداخل الخندق ووقع ميتا، بعد أن نهب متاع ياسين بك وجماله ~~وأثقاله، وشتت جموعه، وانحصر هو وعربانه وما بقي منهم بداخل المنيا، وكانت ~~الواقعة (يوم 4 ms1061 فبراير 1808). فلما ورد الخبر بذلك على الباشا، أظهر أنه اغتم ~~على سليمان بك، وتأسف على موته، وأقام العزاء عليه خشداشينه بالجيزة، وفي ~~بيوتهم، وطفق الباشا يلوم على جراءة المصريين (البكوات المماليك) وإقدامهم، ~~وكيف أن سليمان بك يخاطر بنفسه، ويلقى بنفسه من داخل الخندق، ويقول أنا أرسلت ~~إليه أحذره، وأقول له أن ينتظر بونابرتة الخازندار، ويراسل ياسين بك، ويطلعه ~~على ما بيده من المراسيم، فإذا أبى وخالف ما في ضمنها، فعند ذلك يجتمعون على ~~حربه، وتتقدم عسكر الأتراك لمعرفتهم وصبرهم على محاصرة الأبنية، فلم يستمع لما ~~قلت، وأغرى بنفسه، وأيضا ينبغي لكبير العسكر التأخر عن عسكره، فإن الكبير ~~عبارة عن المدبر الرئيسي، وبمصابه تنكسر قلوب قوته، وهؤلاء القوم بخلاف ذلك، ~~يلقون بأنفسهم في المهالك. # ولما أرسل جماعة سليمان بك يخبرون بموت كبيرهم، وأنهم مجتمعون على حالتهم، ~~ومقيمون بعرضيهم ومحطتهم على المنيا، وأنهم منتظرون من يقيمه الباشا رئيسا ~~مكانه، فعند ذلك أرسل الباشا إلى شاهين بك الألفي يعزيه، ويلتمس منه أن يختار ~~من خشداشينه من يقلده الباشا إمارة سليمان بك، فيتشاور شاهين بك مع خشداشينه، ~~فلم يرض أحد من الكبار أن يتقلد ذلك، ثم وقع اختيارهم على شخص من المماليك يسمى ~~يحيى، وأرسلوه إلى الباشا، فخلع عليه، وأمره بالسفر إلى المنيا، فأخذ في قضاء ~~أشغاله وعدى إلى بر الجيزة.» # ولكن أمد مقاومة ياسين بك في المنيا لم يطل، فقد شجعه بعد مقتل سليمان بك على ~~الصمود، فرار قسم من جند بونابرتة الخازندار من جيشه، وانضمامهم إلى ياسين بك ~~عند وصولهم إلى المنيا، واستنادا على هذه النجدة التي جاءته، قرر ياسين القيام ~~بحركة خروج مسلح من المنيا، تكللت بالنجاح، وفقد المماليك أربعة من رؤسائهم، ~~وقتل كثيرون من رجال شاهين الألفي، بيد أن قصور تفكيره السياسي سرعان ما أوقعه ~~فريسة لأطماعه؛ فقد أرسل إليه بونابرتة الخازندار «يستدعيه إلى الطاعة، وأطلعه ~~على المكاتبات والمراسيم التي بيده من الباشا خطابا له وللأمراء الحاضرين ~~والغائبين المصرية؛ أي البكوات المماليك، وفي ضمنها إن أبى ياسين بك عن الدخول ms1062 ~~في الطاعة، واستمر على عناده وعصيانه، فإن بونابرتة والأمراء المصرية ~~يحاربونه.» غير أن هذا التهديد ما كان يكفي وحده لإقناع ياسين بك بالتسليم، ~~فقال «دروفتي»: إن هذا إنما أغراه على التسليم، والوقوع في الشرك الذي نصبه له ~~الباشا، وعد محمد علي له بإعطائه باشوية جدة، وتوليته قيادة الجيش الذاهب ~~لقتال الوهابيين في الحجاز، فانخدع ياسين بهذه الوعود، ونزل على حكم بونابرتة، ~~وحضر عنده بعد أن استوثق منه بالأمان. وفي 13 فبراير «وصلت الأخبار بذلك إلى ~~مصر (القاهرة)، وخرجت العربان المحصورة بالمدينة، بعد أن صالحوا على أنفسهم، ~~وفتحوا لهم طريقا، وذهبوا إلى أماكنهم، واستلم بونابرتة المنيا، فأقام بها ~~يومين، وارتحل عنها وحضر إلى مصر.» # ووصل ياسين إلى ثغر بولاق في 16 فبراير، وركب صبيحة اليوم التالي، وطلع ~~إلى القلعة، ولم يلق الترحيب الذي انتظره، بل على العكس من ذلك، عوقه الباشا ~~في القلعة وأراد قتله، ولكن مثلما تدخل عمر بك الأرنئودي وصالح قوج، في ~~مسألة رجب آغا وأنقذاه، فقد تدخلا وغيرهما من الأرنئود في مسألة ياسين بك، ~~وتعصبوا له، «وطلعوا إلى القلعة يوم 20 فبراير، وقد رتب الباشا عساكره ~~وجنده، وأوقفهم بالأبواب الداخلية والخارجية، وبين يديه، وتكلم عمر بك وصالح ~~آغا مع الباشا في أمره، وأن يقيم بمصر، فقال الباشا: لا يمكن أن يقيم بمصر، ~~والساعة أقتله، وأنظر أي شيء يكون، فلم يسع المتعصبين له إلا الامتثال، ثم أحضر ~~الباشا ياسين بك وخلع عليه فروة، وأنعم عليه بأربعين كيسا، ونزلوا بصحبته ~~بعد الظهر إلى بولاق، وسافر إلى دمياط، ليذهب إلى قبرص، ومعه محافظون.» # وهكذا، كما كتب «سانت مارسيل» من الإسكندرية في 27 فبراير: «تخلصت مصر من هذا ~~الزعيم الذي قسم وجوده مصر إلى مناطق ثلاث، يتناضل رؤساؤها على السلطة، وحقيقة ~~الأمر أن محمد علي ذو عبقرية تمكنه من إفساد مشروعات أعدائه وخططهم، ~~بالمفاوضة تارة، والكيد تارة أخرى للأحزاب والجماعات الطامعة في السلطة»، وتوقع ~~كثيرون - وقد قضى على ياسين بك الآن، ورضي شاهين الألفي بالاعتراف بسلطان محمد ~~علي وعاش تحت رقابته مع ms1063 سائر بكوات بيت الألفي، بينما ظل سائر البكوات مبعثرين ~~في الصعيد، وتدور المفاوضات بينهم وبين محمد علي - توقعوا أن تنجح مفاوضات ~~الباشا مع هؤلاء، وأن يستقيم له الأمر، فينفرد بالسلطان في أرجاء باشويته، بل ~~اعتقد كثيرون، «أن الباشا صار متحررا الآن، وللمرة الأولى، منذ وصوله إلى ~~الحكم والولاية، من خطر كل عداوة جدية، صحيح، هناك أعداء لا ندحة عن النضال ~~معهم، ولكن هؤلاء كانوا مهزومين، ولا حاجة لبذل جهود كبيرة للقضاء عليهم، إذا ~~أظهر الباشا المهارة التي عالج بها الأمور حتى هذا الوقت.» ~~(3-4) تطويع العربان # على أن الحوادث سرعان ما أثبتت أنه لا معدى عن بذل جهود شاقة مضنية، ليس فقط ~~لإخضاع البكوات المماليك - كما سيأتي ذكره في موضعه - بل وكذلك لاجتثاث تمرد ~~الجند وعصيانهم من أصوله من جهة، ولتطويع العربان من جهة أخرى، وقد سبقت ~~الإشارة إلى انحياز طوائف العربان إلى البكوات المماليك، ورؤساء الجند العصاة، ~~ومن أشهر هؤلاء: أولاد علي، والجهنة، والهنادي، وعائد، والهوارة، والماعزة، ~~والحويطات. # وكان العربان يشبهون الجند العصاة ورؤساءهم المتمردين، من حيث ميلهم إلى ~~السلب والنهب، ويشبهون المماليك، من حيث انتشار الخلافات والانقسامات بينهم، ~~واتبع الباشا في كسر حدة شرهم، نفس الأساليب التي اتبعها مع جنده المتمردين ومع ~~خصومه المماليك، فهو يسير جيشه ضدهم تارة، ويغير على قوافل تجارتهم، ويستميل ~~إليه طوائف منهم، ويتدخل في خصوماتهم، ويوسط لديهم المشايخ والسيد عمر مكرم، ~~وينتصر لفريق منهم على فريق تارة أخرى، ويبذر بذور الشقاق والتفرقة بينهم كل ~~الوقت، وكان لا مندوحة عن تطويع العربان كرها أو سلما، إذا شاء أن يمنع ~~أذاهم عن الأهلين، في القاهرة وضواحيها وسائر الأقاليم التي خضعت لسلطانه، وإذا ~~شاء أن يصرفهم عن مؤازرة خصومه الألداء، البكوات المماليك. # وقد أتيحت الفرصة للباشا للتدخل في شئونهم، وتجربة أساليبه معهم، عندما قوي ~~الخصام بين الحويطات والعيايدة في سبتمبر 1806، ودار القتال بين الفريقين خارج ~~أسوار القاهرة وحولها، وانقطعت السبل بسبب ذلك، فانتصر الباشا للحويطات، وخرج ~~إلى العادلية جهة القبة أو قبة النصر، خارج باب النصر ms1064 عند قبر الملك العادل ~~طومان باي في قوة لفض هذه الخصومة ووقف القتال، واجتمع مشايخ الحويطات ~~والعيايدة عند عمر مكرم الذي أصلح بينهم. وفي يناير 1807 انتقم الباشا من عرب ~~المعازة الذين استمروا ينقلون التجارة بين الصعيد والقاهرة، بالرغم من محاولة ~~محمد علي منع كل إمدادات عن البكوات بالصعيد، في وقت كان الخطر فيه على حكومته ~~عظيما، من احتمال اتحاد الألفي مع زملائه بالصعيد، والذي حال دون وقوعه وفاة ~~الألفي في الأيام الأخيرة من هذا الشهر نفسه، فحدث يوم 11 يناير أن وصلت قوافل ~~الصعيد من ناحية جبل المقطم وبها أحمال كبيرة وبضائع مع عرب المعازة وغيرهم، ~~فركب الباشا ليلا وكبسهم على حين غفلة، ونهبهم وأخذ جمالهم وأحمالهم ومتاعهم، ~~حتى أولاد العربان والنساء والبنات، ودخلوا بهم إلى المدينة، يقودونهم أسرى في ~~أيديهم، ويبيعونهم فيما بينهم. # وكان من نتائج صلح الباشا مع شاهين بك الألفي في ديسمبر 1807، ومجيء هذا إلى ~~القاهرة أن حضر معه عربان الهوارة الذين كانوا بمعسكره، ثم إن الباشا انتفع من ~~صلحه مع شاهين عندما توسط هذا بين طوائف العربان المتخاصمة في إقليم البحيرة: ~~الهنادي والجهنة وأولاد علي، وكان للألفية صلات وثيقة بهم من أيام الألفي ~~الكبير الذي أصهر من الهنادي والجهنة، وأراد شاهين مناصرتهم على أولاد علي. ~~وتفصيل ما وقع بين هؤلاء العربان، أن أولاد علي كانوا قد تغلبوا على هذا ~~الإقليم، وعاثوا فيه فسادا كبيرا، وأخرجوا الهنادي والجهنة من قطاعاتهم، فحضر ~~هؤلاء الآن إلى القاهرة يشكون مما نزل بهم، ويقدمون خضوعهم للباشا في أوائل ~~مارس 1808، فتوسط شاهين الألفي في الأمر، وتم الاتفاق على عودتهم إلى منازلهم ~~بالبحيرة، وأن يطردوا أولاد علي، وخرج معهم شاهين وخشداشينه، فقصدوا إلى ~~دمنهور، وارتحل أولاد علي إلى حوش ابن عيسى، ثم التحم الفريقان في معركة كبيرة، ~~سقط في أثنائها اثنان من كبار الأجناد والألفية، وانجلت عن هزيمة أولاد علي ~~الذين أسر منهم نحو الأربعين، كما غنمت منهم غنائم كثيرة من جمال وأغنام، ~~وتفرقوا وتشتتوا، واضطروا إلى الانسحاب صوب الفيوم والصعيد، ومكن ms1065 شاهين ~~الهنادي والجهنة ورجع إلى الجيزة في أوائل مايو بعد أن عمر الهنادي والجهنة ~~ورجع إلى الجيزة في أوائل مايو بعد أن عمر الهنادي والجهنة بأرض ~~البحيرة. # ولم يرض أولاد علي بهزيمتهم، فاتصلوا ببعض أهل الدولة يوسطونهم لدى الباشا؛ ~~حتى يأذن بعودتهم إلى البحيرة، وعرضوا مائة ألف ريال، لقاء رجوعهم للبحيرة ~~وإخراج الهنادي، فأجاب ملتمسهم، ولكن الهنادي والجهنة رفضوا الإذعان، وحاربوا ~~أولاد علي، ونهبوا ونالوا منهم، بعد أن كانوا ضيقوا عليهم، وحصلت اختلافات، ~~فامتنع أولاد علي عن دفع المال الذي قرروه على أنفسهم، واجتمعوا بحوش عيسى، ~~فأنفذ الباشا إليهم تجريدة يؤلف الدلاة قسما منها، سلم قيادتها إلى عمر بك ~~الألفي من رجال شاهين الألفي، فخرجت هذه التجريدة في 21 أكتوبر 1808 واشترك ~~معها الهنادي في قتال أولاد علي الذين ظهروا عليهم وهزموهم، وقتل من الدلاة ~~أكثر من مائة، وكذلك من العسكر، ونحو الخمسة عشر من المماليك. # وعندئذ أنفذ الباشا تجريدة أخرى يصحبها نعمان بك وغيره من البكوات والمماليك ~~الألفية لمنازلة أولاد علي في حوش ابن عيسى، ولما كان بعض هؤلاء قد انسحبوا إلى ~~الفيوم، فقد أرسل الباشا لمطاردتهم تجريدة أخرى، كما سافر أيضا شاهين بك ~~وباقي الألفية ما عدا عمر بك الذي ظل مقيما بالجيزة وكان ذلك في نوفمبر، ثم ~~لم يلبث أن لحق بهم حسن الشماشرجي، وتغلبت هذه التجريدات على أولاد علي، فارتحل ~~هؤلاء عن البحيرة، وتجمعوا في الفيوم. # وفي أوائل فبراير 1809، خرجت عساكر كثيرة ... بقصد الذهاب إلى الفيوم، صحبة ~~شاهين بك والألفية لمطاردتهم. # وقد ظل أولاد علي عدائهم للباشا، حتى مايو 1810، وكان - بعد أن نقض إبراهيم بك ~~الصلح، ونكث شاهين الألفي عهده ، وخرج في 17 مايو جميع من كانوا بمصر (القاهرة) ~~من الأمراء والأجناد المصرية قاصدين إلى الصعيد في ظروف سوف يأتي ذكرها - أن ~~طلب أولاد علي الصلح والاتفاق مع الباشا، فقد عول الهنادي على اللحاق بشاهين ~~الألفي ومغادرة إقليم البحيرة للانضمام إلى البكوات بالصعيد، وحاول الباشا أن ~~يعترض طريقهم فركب ليلا وسافر إلى ناحية كرداسة (في 23 ms1066 مايو) على جرائد ~~الخيل، ولكنه لم يجد أحدا، فكان من أثر خروج الهنادي إلى الصعيد، أن حضر ~~مشايخ عربان أولاد علي للباشا (في 27 مايو)، فكساهم وخلع عليهم، وألبسهم شالات ~~كشميري عدتها ثمانية شالات، وأنعم عليهم بمائة وخمسين كيسا. # غير أن العامل الحاسم في تطويع العربان، وانفضاضهم على وجه الخصوص من حول ~~البكوات المماليك، كان هزيمة هؤلاء في معركة اللاهون والبهنسا في يوليو وأغسطس ~~1810، ثم الإجهاز عليهم في مذبحة القلعة في أول مارس 1811، وتعقب بقاياهم ~~وفلولهم في أنحاء القطر بالتقتيل والتشريد، والرعب الذي قذفته هذه المذبحة في ~~قلوب العربان وغيرهم، وتيقن هؤلاء أن حكومة الباشا قد تدعمت أركانها نهائيا، ~~وصار محمد علي سيد القطر، وانبسط سلطانه على أرجائه، فدانوا بالطاعة والخضوع ~~التامين له، أضف إلى هذا أن الباشا عرف كيف يطمئن العربان على عاداتهم ~~وتقاليدهم، وشرع يدير شئونهم في نطاق نظام يرعى هذه العادات والتقاليد. # وقد شرح «دروفتي» لحكومته في 20 يونيو 1811، مسألة العربان هذه، والإجراءات ~~التي اتخذها أو يزمع الباشا اتخاذها معهم في قوله: «أرى من واجبي أن أذكر بعض ~~ما يعن لي من آراء بشأن العربان المعتقد أنهم منحازون إلى الباشا، فقد بذل محمد ~~علي جهده لربط هؤلاء به بروابط تخضعهم بشكل ما لسلطانه، وذلك بعد حملته الأخيرة ~~ضد البكوات التي ساهم بعض العربان في إنزال الهزيمة التي حلت بهم، فقد أراد قبل ~~كل شيء أن يستبدل حياة التوطن والاستقرار، بحياة الظعن والانتقال التي ~~يعيشونها، فأعطاهم عددا من القرى، ثم إنه عين بعد ذلك أحد ضباطه ليقوم بدور ~~الحكم الوحيد لفض كل الخلافات التي تنشأ بينهم، وهذا الضابط مكلف كذلك بمعالجة ~~شئونهم لدى الحكومة، ويرجو الباشا أن يقيم عليها رئيسا، وكان العربان قد بدءوا ~~يعتادون على هذه الأوضاع عندما بعثت فيهم مذبحة المماليك روح الحرية والمقاومة ~~القديمة، فانحازت قبيلتان منهم إلى جانب البكوات، واتخذ الباقون مواقفهم على ~~حافة الصحراء؛ حيث صاروا يسلكون - على مألوف عادتهم - مسلكا مبهما يبعث على ~~الشك في صدق نواياهم في علاقاتهم مع الباشا، ولكن ms1067 محمد علي لا يبدو أنه متأثر ~~بذلك، وفي كل مرة تحدث إلي في هذا الموضوع، أظهر لي أنه لا يحب أن يكون هذا ~~السلوك المبهم موضع شكوك من ناحيتهم، بل يعتبرهم الباشا قوات عسكرية مساعدة في ~~وسعه استخدامهم عند الحاجة، بدفع المرتبات لهم كما يجري مع طوائف الجند الأخرى، ~~ولو أنه لا يعتمد عليهم في حالة وقوع غزو أجنبي، وعندما طفق منذ ثمانية أيام ~~مضت يذكر لي الأعداد التي يتألف منها جيشه، لم يشر بشيء إلى العربان؛ لأنه يعرف ~~جيدا أن العربان لن يتخلوا بتاتا عن المبدأ الرئيسي الذي تقوم عليه مناورتهم: ~~الانحياز دائما إلى جانب المنتصر، ومحمد علي مشغول دون هوادة بالحملة المزمعة ~~ضد الوهابيين ... وأما البكوات المماليك، فسوف يرغمهم فيضان النيل القريب على ~~الانسحاب صوب الواحات، ويعتمد الباشا على هذا الظرف المناسب في جذب العربان ~~إليه، وإغراء الأرنئود والعثمنلي وغيرهم الذين لا يزالون مع البكوات على الفرار ~~من جيشهم وتركهم.» ~~(3-5) فتنة عمر بك الأرنئودي # وواقع الأمر، أن تطويع العربان لم يستأثر من اهتمام محمد علي بمثل القدر الذي ~~استأثر به تطويع الجند؛ لأنه كان من المتعذر القضاء على عناصر الشغب دفعة ~~واحدة، وإخماد روح التمرد والعصيان التي تأصلت جذورها في صفوف الجيش من مدة ~~بعيدة، لا سيما وأن حاجة الباشا الملحة إلى المال، وعجزه المستمر عن دفع مرتبات ~~الجند بانتظام، أو سدادها برمتها، قد أمد هؤلاء بالذريعة التي يتذرعون بها ~~لعصيان أوامره، أضف إلى هذا أن تصميم الباشا على أخذ الجند بالشدة بعد فتنة ~~أكتوبر 1807، للقضاء على عوامل الإخلال بالنظام في صفوف الجيش، أساء كثيرين من ~~الرؤساء وكبار الضباط والجند العاديين، حتى إن نفرا من هؤلاء وأولاء، لم ~~يلبثوا أن آزروا فتنة رجب آغا، أو غادروا الصفوف للالتحاق بمعسكر ياسين بك ~~الأرنئودي، أو بمعسكر بكوات الصعيد، أو أنهم اتخذوا من تأخر مرتباتهم ذريعة ~~للبقاء في القاهرة التي استمرأوا العيش بها، ينهبون ويسلبون، وصعب عليهم ~~مغادرتها، في تجريدات لم يكن لهم بها حاجة ولا مأرب. # وقد ظهر هذا ms1068 التمرد عقب حادث ياسين بك، وإخراجه من البلاد، عندما انتشر الخبر ~~وراجت الإشاعات عن نزول جيش فرنسي في الشاطئ الشمالي، وأنفذ الباشا قسما ~~كبيرا من الأرنئود وسائر أصناف الجند إلى دمياط ورشيد ودمنهور وسائر المواقع ~~الهامة في الشاطئ وفي الدلتا عموما، فقد امتنع كثيرون من رؤساء الجند أنفسهم ~~عن مغادرة القاهرة حتى يحصلوا على مرتباتهم المتأخرة، ولجأ الباشا إلى شتى ~~الطرق لجمع المال لدفعها، حتى يستطيع إبعادهم وتفريقهم في شتى الأماكن ~~النائية. # وكانت أولى الخطوات التي اتخذها الباشا لتطهير الجيش بعد ذلك، أن قطع مرتب ~~الدلاة وأمر بإخراج جماعة منهم وترحيلهم، على اعتبار أنهم أعراب؛ أي ليسوا من ~~الأرنئود، ولا حاجة له بهم ولعيثهم وإفسادهم وضجيج الأهلين بالشكوى منهم، وعزل ~~كبيرهم «كردي بوالي»، وقلد مصطفى بك - من أقرباء الباشا - رياسة الباقين منهم، ثم ~~ضم إليه طائفة من الأتراك، ألبسهم طراطير، وجعلهم دلاتية. وفي 8 أغسطس 1808، ~~سافر كردي بوالي، وخرج صحبته عدة كبيرة من الدلاة. # ثم واتت الفرصة بعد ذلك للتخلص من عمر بك الأرنئودي، الذي تعصب لرجب آغا، ~~وياسين بك، وكان عمر بك من كبار الأرنئود، ذوي الكلمة النافذة بينهم، اشترك في ~~حوادث فترة الفوضى السياسية التي سبقت المناداة بولاية محمد علي، كما أسهم في ~~الحوادث التالية، خلال الأزمات التي تعرضت لها حكومة محمد علي بعد ذلك، واعتقد ~~أنه لا يقل عن الباشا نفسه جاها ومرتبة، وعرف الباشا بما أوتي من حنكة سياسية ~~وعبقرية لإفساد خطط خصومه أو منافسيه في الحكم، كيف يتفادى شره بمداراته، حتى ~~إذا انتهت أزمة الجند بسلام في أكتوبر 1807، وشرع محمد علي يتخذ الإجراءات التي ~~نفرت جمهرة الرؤساء والجند منه، والتي وجب اتخاذها لكبح جماح الجند وتطويعهم، ~~أظهر عمر الأرنئودي ميوله الصحيحة، وما يعتقده في نفسه من قدرة على معارضة ~~الباشا ومناوأته. # وكان الحادث الذي أفضى إلى إخراجه من البلاد، أن الباشا في أوائل عام 1809 ~~كان قد أنفذ رجاله يجمعون السفن في النيل، في بولاق وفي فروع النهر في الدلتا، ~~استعدادا لإرسال تجريدة ضد بكوات ms1069 الصعيد، فعثر أحد رجاله (قبودان بولاق) عند ~~صهرجت، على مركب مشحونة بالغلال لأحد الأرنئود للتجارة فيها، وأصر القبودان على ~~أخذ المركب قبل أن يبيع صاحبها غلاله ويعود بها إلى بولاق، فتشاجر الرجلان، ~~وقتل القبودان، وأراد جماعته القبض على القاتل، ففر إلى قرية بها طائفة من ~~الدلاة حموه، وخشي ملتزم البلدة، مصطفى آغا، من مغبة استطالة النزاع بين ~~الفريقين، وما يلحق قريته من تخريب، فاقترح على الفريقين الذهاب إلى الباشا ~~ليرى رأيه، وحضر المتنازعون إلى بولاق، ولكن القاتل لم يلبث أن هرب منهم، ~~والتجأ إلى عمر بك الأرنئودي القاطن بها، فلما طالبه مصطفى آغا بتسليمه، امتنع ~~عمر بك، وقال له: «اذهب إلى الباشا وأخبره أنه عندي، وأنت لا بأس عليك.» # ولكن الباشا عندما بلغه ذلك، استشاط غضبا، وأنب مصطفى آغا؛ لأنه لم يحتفظ ~~بالقاتل وتركه يهرب، فاعتذر مصطفى آغا بعدم قدرته على ذلك من الدلاتية الملتجئ ~~القاتل إليهم، وكأنهم هم الذين أفلتوه، فأمر الباشا بحبسه، وأرسل مصطفى آغا ~~بالخبر إلى عمر بك، «فحضر إلى الباشا، وترجى في إطلاقه، فوعد أنه في غد يطلقه ~~إذا حضر القاتل، فقال عمر بك: إنه عند أزمير آغا، وهو لا يسلم فيه، وركب إلى ~~داره.» # فلما كان صباح اليوم التالي (28 مارس)، أمر الباشا بقتل مصطفى آغا، «فأنزلوه ~~إلى الرميلة، ورموا رقبته عند باب القلعة، ثم قتلوا شخصا من الدلاة بسبب هذه ~~الحادثة. وفي يوم 29 مارس قتل الأرنئود شخصين من الدلاة أيضا.» وفي 30 ~~مارس، شدد الباشا في مطالبة عمر بك بإرسال القاتل (الأرنئودي)، وقال: «إن لم ~~يرسله، وإلا أحرقت عليه داره، فامتنع من إرساله، وجمع إليه طائفة من الأرنئود، ~~وصالح آغا قوج جاره، وركب الباشا وذهب إلى ناحية الشيخ فرج، وحصل ببولاق قلقلة ~~وانزعاج، ثم ركب الباشا راجعا إلى داره بالأزبكية وقت الغروب، وكثرت الأرجاف ~~والقلقلة بين الأرنئود والدلاتية.» # وفي أول أبريل قتل الأرنئود اثنين من الدلاتية، جهة قنطرة السباع، والتجأ ~~القاتل إلى كبير من كبار الأرنئود، فأرسل الباشا إلى حسن باشا طاهر طلب ms1070 منه ذلك ~~الكبير، «وأكد في طلبه، وأنه يقطع رأس القاتل ويرسلها، فكأنه فعل، وأرسل إليه ~~حسن باشا برأس ملفوفة في ملاية تسكينا لحدته، وبردت القضية، وسكنت الحدة، ~~وراحت على من راحت عليه.» ~~«ولكن الباشا قد صمم على إخراج عمر بك من البلاد، فأمره بالسفر من مصر، وقطع ~~خرجه ورواتبه هو وعسكره، فلم تسعه المخالفة، وحاسب على المنكسر له ولعساكره من ~~العلائف، وكذلك حلوان البلد التي في تصرفه، فبلغ نحو ستمائة كيس، وزعت على دائرة ~~الباشا وخلافهم، وكان الباشا ضبط جملة من حصص الناس، واستولى عليها من بلاد ~~القليوبية بحري شبرا، واختصها لنفسه، فلما استولى على حصص عمر بك، ودفع لها ~~حلوانها، وهي بالمنوفية والغربية والبحيرة، عوض بعض من يراعي جانبه من ~~ذلك. # وأخذ عمر بك ومن يلوذ به في تشهيل أنفسهم وقضاء حوائجهم. وفي 16 يونيو نزل ~~عمر بك إلى المراكب من بيته من بولاق، وسافر على طريق دمياط، ليذهب إلى بلاده، ~~وسافر معه نحو المائة، وهم الذين جمعوا الأموال، واجتمع لعمر بك المذكور من ~~المال والنوال أشياء كثيرة، عباها في صناديق كثيرة، وأخذها معه، وذلك خلاف ما ~~أرسله إلى بلاده، في دفعات قبل تاريخه.» # ومما تجدر ملاحظته أن عمر بك لم يلق تأييدا من الجند في فتنته هذه مثل ما ~~لقي رجب آغا قبل ذلك بعام واحد فحسب، ودل ذلك على أن كبار الرؤساء قد بدءوا ~~يفقدون قدرتهم على تحريك الفتنة بين الجند ضد الباشا، وأن الباشا قد بدأ يسيطر ~~على الجند، وشعر هؤلاء أنه وحده صاحب الحكم والسلطان في البلاد، صحيح ظلت تقع ~~بعض حوادث التمرد والعصيان بعد ذلك، لكن هذه كانت فردية، لم تشترك فيها طوائف ~~الجند، كما فشلت بسهولة كل حركة عصيان قام بها الرؤساء أنفسهم. # وأما عن محاولات الاعتداء الفردية على الباشا، فقد حدث في شهر يونيو 1810، ~~أن «عمل الباشا ميدان رماحة بالجيزة، فتقنطر به الحصان، ووقع على الأرض، ~~فأقاموه» وأصيب في أثناء ذلك غلام من مماليكه برصاصة فمات. وسجل الشيخ ~~الجبرتي في تاريخه أنه ms1071 يقال إن الضارب لها كان قاصدا الباشا فأخطأه، وأصابت ~~ذلك المملوك، والأجل حصن. وكان كل ما تعرض له محمد علي من أخطار بعد ذلك، ~~مبعثه مكائد البكوات المماليك الذين حاولوا اغتياله في هذا العام نفسه والعام ~~الذي يليه، أثناء انشغاله بالحملة المعدة لحرب الوهابيين، وقد اكتشف الباشا أمر ~~هذه المكائد في حينها، وأخفق المتآمرون على نحو ما سيأتي ذكره. # وكان السبب في تطويع الجند - عدا الشدة التي أخذ بها الباشا هؤلاء للقضاء على ~~عوامل الفوضى في جيشه، وإبعاده المحرضين على العصيان والثورة - حرصه على إرضاء ~~الجند بدفع مرتباتهم لهم، ثم استقدام جند جدد من الدلاة (المجانين) من ~~الشام، ووضعهم تحت إمرته مباشرة، وتحت قيادة أقربائه، والرؤساء الذين يثق في ~~ولائهم له، وهذا إلى جانب أجناد من العثمنلي، وغرضه من ذلك موازنة قوى الأرنئود ~~في جيشه. فحضر في نوفمبر 1809 طائفة من الدلاتية من ناحية الشام، ودخلوا مصر؛ ~~أي القاهرة، كما حضر غيرهم. وفي يونيو ويوليو 1810 حضر كثير من عسكر الدلاة ~~من الجهة الشامية، وكذلك حضر أتراك على ظهر البحر كثيرون. # وشغل الجند ورؤساؤهم بالتجريدات التي أرسلت إلى الصعيد لقتال المماليك في ~~غضون عامي 1809، 1810، وزاد انتصار الباشا على هؤلاء، خصوصا في معركتي اللاهون ~~والبهنسا من دعم سيطرته على الجند، ثم إنه ما إن دانت بعض أقاليم الصعيد له بعد ~~هذه الانتصارات حتى عين كبار ضباطه حكاما على الأقاليم، ومنهم صالح قوج (قوش) ~~الذي عينه حاكما على أسيوط، وقد ظل هذا في الصعيد حتى استدعاه الباشا إلى ~~القاهرة عند تدبير مذبحة المماليك، فوصلها في فبراير 1811. # ولقد دل إحكام تدبير هذه المذبحة ونجاحها، على أن الجند وكبار ضباطهم قد ~~صاروا طواعية طائعين للباشا، وأما أولئك الذين أراد محمد علي إقصاءهم، فقد ~~استطاع عزلهم من مناصبهم بسهولة، من هذا القبيل عزله ثلاثة من الرؤساء ~~الأرنئود. قال «سانت مارسيل» في كتابه إلى حكومته في 18 أغسطس 1812، إن الباشا ~~اكتشف تآمرهم عليه، ومحاولتهم تحريض الجند على الثورة ضده، فقطع خرجهم ~~وعلائفهم، وأعطاهم المنكسر لهم، وهو ms1072 حوالي الثلاثة آلاف كيس، وأمرهم بمغادرة ~~البلاد، ومع أن «سانت مارسيل» توقع عصيان الجند ونشوب الثورة في القاهرة بسبب ~~هذا الحادث فإن شيئا من ذلك لم يقع. ~~(3-6) نفي صالح قوش وأحمد آغا لاظ # وأما تفصيل هذه الواقعة، فهو أنه كان قد ظهر من الخلاف والخذلان بين بعض ~~رؤساء الأرنئود في الحرب الوهابية ما سبب هزيمة جيش طوسون باشا في وادي ~~الصفراء، وولى أكثر الجنود وكبار ضباطهم هاربين، وقصد من هؤلاء الأخيرين تامر ~~كاشف وحسين بك دالي باشا وغيرهما إلى المويلح ينتظرون بها إذن الباشا في رجوعهم ~~إلى مصر أو عدم رجوعهم، ثم إنه كان من بين الذين غادروا الجيش، صالح قوج (قوش) ~~ولكن هذا عندما نزل في السفينة من ينبع كر راجعا إلى القصير، واستقل برأيه؛ ~~لأنه يرى في نفسه العظمة، وأنه الأحق بالرياسة. وصار يسفه رأي السيد محمد ~~المحروقي الذي ذهب مع الجيش ليشرف على لوازمه واحتياجاته وأمور العربان ~~ومشايخهم، كما صار يسفه رأي طوسون باشا، ويقول هؤلاء الصغار كيف يصلحون ~~لتدبير الحروب، ويصرح بمثل هذا الكلام، وأزيد منه، وكان هو أول منهزم، وعلم كل ~~ذلك الباشا بمكاتبات ولده طوسون، فحقد في نفسه، وتمم (صالح قوج) ذلك بسرعة ~~رجوعه إلى القصير، ولم ينتظر إذنا في الرجوع أو المكث. # وفي 25 يناير 1812 حضر إلى القاهرة حسين بك دالي باشا وغيره كثيرون من كبار ~~الضباط الذين كانوا في المويلح، «ودخلت عساكرهم المدينة شيئا فشيئا، وهم في ~~أسوأ حال من الجوع، وتغير الألوان، وكآبة المنظر ثم دخل أكابرهم إلى بيوتهم، ~~وقد سخط الباشا عليهم، ومنع ألا يأتيه منهم أحد ولا يراه. وفي 23 مارس، حضر ~~تامر كاشف ومحو بك وعبد الله آغا، وهم الذين كانوا حضروا إلى المويلح بعد ~~الهزيمة في وادي الصفراء فأقاموا مدة، ثم ذهبوا إلى ينبع عند طوسون باشا، ثم ~~حضروا في هذه الأيام باستدعاء الباشا. وفي 10 يوليو وصل صالح قوج، وسليمان آغا ~~وخليل آغا من ناحية القصير. وفي 13 يوليو طلع الجماعة الواصلون إلى القلعة، ms1073 ~~وسلموا على الباشا، وخاطره منهم منحرف، ومتكدر عليهم؛ لأنه طلبهم للحضور مجردين ~~بدون عساكرهم ليتشاور معهم، فحضروا بجملة عساكرهم، وقد ثبت عنده أنهم هم الذين ~~كانوا سببا للهزيمة لمخالفتهم على ابنه، واضطراب رأيهم، وتقصيرهم في نفقات ~~العساكر، ومبادرتهم للهرب، والهزيمة عند اللقاء، ونزولهم بخاصتهم إلى المراكب، ~~وما حصل بينهم وبين ابنه طوسون باشا من المكالمات، فلم يزالوا مقيمين في بيوتهم ~~ببولاق ومصر، والأمر بينهم وبين الباشا على السكوت نحو العشرين يوما، وأمرهم ~~في ارتجاج واضطراب، وعساكرهم مجتمعة حولهم، ثم إن الباشا أمر بقطع خرجهم ~~وعلائفهم، فعند ذلك تحققوا من المقاطعة.» # وقد دفع الباشا ما كان منكسرا لهم في 3 أغسطس، وقدره ألف وثمانمائة كيس، ~~وأمرهم بالسفر، ولم يتقدم جندي واحد من جنودهم لمؤازرتهم، فشرعوا في بيع ~~بلادهم؛ أي الأراضي والقرى التي كانت أعطيت لهم التزاما وكشوفية، ~~وتعلقاتهم. ويصف الشيخ الجبرتي ضيقهم بهذا الأمر الذي عجزوا عن معارضته، ~~فيقول: إنهم قد «ضاق ذرعهم، وتكدر طبعهم إلى الغاية، وعسر عليهم مفارقة أرض ~~مصر، وما صاروا فيه من التنعم والرفاهية والسيادة والإمارة، والتصرف في ~~الأحكام، والمساكن العظيمة، والزوجات والسراري، والخدم والعبيد والجواري، فإن ~~الأقل منهم له البيتان والثلاثة من بيوت الأمراء ونسائهم التي قتلت أزاوجهن على ~~أيديهم، وظنوا أن البلاد صفت لهم، حتى إن النساء المترفهات، ذوات البيوت ~~والإيرادات والالتزامات صرن يعرضن أنفسهن عليهم، ليحتمين فيهم، بعد أن كن ~~يعفنهم، ويأنفن من ذكرهم، فضلا عن قربهم.» # وفي 24 أغسطس فر سليمان آغا ومحو بك، وفي 28 منه «سافر صالح آغا قوج وصحبته ~~نحو المائتين ممن اختارهم من عساكره الأرنئودية، وتفرق عنه الباقون، وانضموا إلى ~~حسن باشا وأخيه عابدين بك وغيرهما.» # وكان لهذا الحادث ذيول، خلصت الباشا من سائر زملائه القدامى، الذين اشتركوا ~~- كما فعل عمر بك الأرنئودي وصالح قوج - في كل ما وقع من حوادث، من أيام فترة ~~الفوضى السياسية، ووصول محمد علي إلى الولاية. # فقد أساء أحمد بك الأرنئودي، من كبار عظماء الأرنئود القدامى، وزميل عمر بك ~~وصالح قوش، أن يتم إبعاد ms1074 الأخير وصحبه، فطلب من الباشا أن يقطع خرجه، ويعطيه ~~علوفة عساكره حتى يسافر مع إخوانه، وكان هؤلاء الإخوان علاوة على تخاذلهم ~~وفرارهم بعساكرهم من ميدان القتال في واقعة الصفراء، قد بيتوا النية فيما بينهم ~~على إشعال الثورة وإحداث انقلاب يطيح بمحمد علي، ويعهد بالحكم والباشوية إلى ~~أحمد بك الأرنئودي، ولكن خاب سعيهم؛ لأن أحدا من الجند وسائر الضباط والرؤساء ~~لم يعضدهم، ووقف الباشا على تدابيرهم وحقيقة نواياهم، فبادر بإقصاء صالح قوج ~~وزملائه؛ ولذلك فإنه عندما أسقط في يد أحمد بك، طلب السفر، ولكن الباشا تظاهر ~~بالعطف عليه، ومنعه، وأظهر الرأفة به، فتغير طبعه، وزاد قهره، وتمرض جسمه، ~~فأرسل إليه الباشا حكيمه، فسقاه شربة وافتصده، فمات من ليلته في 5 ~~أغسطس. # ويذكر «دروفتي» هذه الحوادث في نشرته الإخبارية عن شهر أغسطس 1812، إلى ~~حكومته، فيقول: إن هؤلاء الضباط الذين أبعدوا كانوا قد تآمروا لتسليم أزمة ~~الحكم إلى أحمد بك الأرنئودي، ولكن مؤامرتهم فشلت تماما، ووقف عليها الباشا، ~~وأما أحمد بك فقد مات مسموما، وأما الثلاثة الزعماء العصاة فقد أرغموا على ~~ترك القاهرة، فمنهم من ارتحل بطريق الصحراء إلى الشام، وذهب صالح قوج إلى أبي ~~قير للإبحار منها إلى القسطنطينية. # وأما الحادث الآخر من ذيول واقعة صالح قوج وزملائه، فكان إبعاد أحمد آغا لاظ، ~~وهو لا ينتمي إلى كتخدا بك محمد آغا لاظ، ولو أنه من بلده، وكان صاحب شجاعة ~~وجرأة وهمة، وله نفوذ كبير بين كبار الرؤساء الأرنئود، ويتمتع بسمعة عظيمة في ~~الجيش، لبسالته، وإليه يعود أكبر الفضل في تمهيد الصعيد وإخلائه من الأجناد ~~المماليك، وقد عينه محمد علي حاكما على قنا ونواحيها، ولكنه اشترك في المؤامرة ~~التي ذكرناها، وعرف الباشا ذلك، فكتب «دروفتي» منذ 5 سبتمبر، تعقيبا على إبعاد ~~صالح قوج وإخوانه: «ولا يزال هناك موضوع يدور البحث في شأنه ، هو نفي أحمد آغا ~~لاظ، قائد قسم من الجيش بالصعيد، وهذا الزعيم الذي يتمتع بسمعة عالية في الجيش، ~~ويخشى من نفوذه، وجسارته، وإقدامه، هو الوحيد الآن الذي ظل في استطاعته ~~الانتقاض ms1075 على سلطان محمد علي.» # ويفصل الشيخ الجبرتي كائنة أحمد آغا لاظ، بصورة تكشف عن أصول هذه المؤامرة ~~التي ذكرها «دروفتي» و«سانت مارسيل»، وأسباب فشلها، وكذلك الطرائق التي تحيل ~~بها الباشا لاستقدام أحمد آغا لاظ إلى القاهرة؛ حيث ضرب عنقه بها، فيقول الشيخ ~~في حوادث آخر سبتمبر وأول أكتوبر 1812، «وفي تلك الليلة حضر (إلى القاهرة) أحمد ~~آغا لاظ، حاكم قنا ونواحيها، وكان من خبره أنه لما وصلت إليه الجماعة الذين ~~سافروا ونفوا في الشهر الماضي، وهم: صالح آغا (قوج) وسليمان آغا ومحو بك، ومن ~~معهم واجتمعوا على المذكور، بثوا شكواهم، وأسروا نجواهم، وأضمروا في نفوسهم ~~أنهم إذا وصلوا إلى مصر، ووجدوا الباشا منحرفا منهم، أو أمرهم بالخروج والعود ~~إلى الحجاز، امتنعوا عليه وخالفوه، وإن قطع خرجهم وأعطاهم علائفهم بارزوه ~~ونابذوه وحاربوه، واتفق أحمد آغا المذكور معهم على ذلك، وأنه متى حصل هذا ~~المذكور، أرسلوا إليه فيأتيهم على الفور بعسكره وجنده، وينضم إليه الكثير من ~~المقيمين بمصر (القاهرة) من طوائف الأرنئود كعابدين بك وحسن باشا وغيرهم ~~بعساكرهم، لاتحاد الجنسية. # فلما حصل وصول المذكورين، وقطع الباشا راتبهم وخرجهم، وأعطاهم علائفهم ~~المنكسرة، وأمرهم بالسفر، أرسلوا لأحمد آغا لاظ المذكور بالحضور بحكم اتفاقهم ~~معه، فتقاعس وأحب أن يبدي لنفسه عذرا في شقاقه مع الباشا، فأرسل إليه مكتوبا ~~يقول فيه: إن كنت قطعت خرج إخواني، وعزمت على سفرهم من مصر وإخراجهم منها، ~~فاقطع أيضا خرجي، ودعني أسافر معهم. # فأخفى الباشا تلك المكاتبة، وأخر عود الرسول، ويقال له الخجا، لعلمه بما ~~أضمروه فيما بينهم، حتى أعطى للمذكورين علائفهم على الكامل، ودفع لصالح آغا ~~(قوج) كل ما طلبه وادعاه ولم يترك لهم مطالبة يحتجون بها في التأخير، وأعطى ~~الكثير من رواتبهم لحسن باشا وعابدين بك أخيه، فمالوا عنهم، وفارقهم الكثير من ~~عسكرهم، وانضموا إلى أجناسهم المقيمين عند حسن باشا وأخيه، فرتبوا لهم العلائف ~~معهم، وأكثرهم مستوطنون ومتزوجون، بل ومتناسلون، ويصعب عليهم مفارقة الوطن، وما ~~صاروا فيه من التنعم، ولا يهون بمطلق الحيوان استبدال النعيم بالجحيم، ويعلمون ~~عاقبة ما ms1076 هم صائرون إليه؛ لأنه فيما بلغنا، أن من سافر منهم إلى بلاده قبض عليه ~~حاكمها، وأخذ منه ما معه من المال الذي جمعه من مصر، وما معه من المتاع، وأودعه ~~السجن، ويفرض عليه قدرا فلا يطلقه حتى يقوم بدفعه، على ظن أن يكون أودع شيئا ~~عند غيره، فيشتري نفسه به، أو يشتريه أو يرسل إلى مصر مراسلة لعشيرته وأقاربه، ~~فتأخذهم عليه الغيرة، فيرسلون له ما فرض عليه ويفتدونه، وإلا فيموت بالسجن، أو ~~يطلق مجردا ويرجع إلى حالته التي كان عليها في السابق، من الخدم الممتهنة ~~والاحتطاب من الجبل، والتكسب بالصنائع الدنيئة، ببيع الأسقاط والكروش، ~~والمؤاجرة في حمل الأمتعة ونحو ذلك؛ فلذلك يختارون الإقامة، ويتركون مخاديمهم، ~~خصوصا والخسة من طباعهم. # هذا، والباشا يستحث صالح آغا (قوج) ورفقاءه في الرحيل؛ حيث لم يبق له عذر في ~~التأخير، فعندما نزلوا في المراكب وانحدروا في النيل، أحضر الباشا الخجا ~~المذكور، وهو عبارة عن الأفندي المخصوص بكتابة سره وإيراده ومصرفه، وأعطاه جواب ~~الرسالة، مضمونها: تطمينه وتأمينه، ويذكر له أنه صعب عليه وتأثر من طلبه ~~المقاطعة، وطلبه المفارقة، وعدد له أسباب انحرافه عن صالح آغا (قوج) ورفقائه، ~~وما استوجبوا به ما حصل لهم من الإخراج والإبعاد، وأما هو فلم يحصل منه ما يوجب ~~ذلك، وأنه باق على ما يعهده من المحبة، فإن كان ولا بد من قصده وسفره، فهو لا ~~يمنعه من ذلك، فيأتي بجميع أتباعه، ويتوجه بالسلامة أينما شاء، وإلا بأن صرف عن ~~نفسه هذا الهاجس، فليحضر في القنجة في قلة، ويترك وطاقه وأتباعه، ليواجهه ~~ويتحدث معه في مشورته، وانتظام أموره التي لا يتحملها هذا الكتاب، ويعود إلى ~~محل ولايته وحكمه. # فراج عليه؛ أي أحمد آغا لاظ ذلك التمويه، وركن إلى زخرف القول، وظن أن ~~الباشا لا يصله بمكروه، ولا يواجهه بقبيح من القول، فضلا عن الفعل؛ لأنه كان ~~عظيما فيهم، ومن الرؤساء المعدودين، وصاحب همة وشهامة وإقدام، جسورا في ~~الحروب والخطوب، وهو الذي مهد البلاد القبلية، وأخلاها من الأجناد المصرية ~~(المماليك)، فلما خلت الديار ms1077 منهم، واستقر هو بقنا وقوص، وهو مطلق التصرف، ~~وصالح آغا (قوج) بالأسيوطية، ثم إن الباشا وجه صالح آغا إلى الحجاز، وقلد ابنه ~~إبراهيم باشا ولاية الصعيد، فكان يناقض عليه أحمد آغا المذكور في أفعاله، ~~ويمانعه التعدي على أطيان الناس، وأرزاق الأوقاف والمساجد، ويحل عقد إبراماته، ~~فيرسل إلى أبيه بالأخبار، فيحقد ذلك في نفسه، ويظهر خلافه ويتغافل، وأحمد آغا ~~المذكور على جليته وخلوص نيته. # فلما وصلته الرسالة، اعتقد صدقه؛ أي محمد علي، وبادر بالحضور في قلة من ~~أتباعه، حسب إشارته، وطلع إلى القلعة ليلة السبت، وهي ليلة السابع والعشرين من ~~شهر رمضان 1227 (3-4 أكتوبر 1812)، فعبر عند الباشا وسلم عليه، فحادثه وعاتبه، ~~ونقم عليه أشياء، وهو يجاوبه ويرادده، حتى ظهر عليه الغيظ، فقام كتخدا بك ~~وإبراهيم آغا، فأخذاه وخرجا من عند الباشا، ودخلا إلى مجلس إبراهيم آغا، وجلسوا ~~يتحدثون، وصار الكتخدا وإبراهيم آغا يلطفان معه القول، وأشارا عليه بأن يستمر ~~معهما إلى وقت السحور وسكون حدة الباشا، فيدخلون إليه، ويتسحرون معه، فأجابهم ~~إلى رأيهم، وأمر من كان بصحبته من العسكر، وهم نحو الخمسين بالنزول إلى محلهم، ~~فامتنع كبيرهم، وقال: لا نذهب ونتركك وحيدا، فقال الكتخدا: وما الذي يصيبه، ~~وهو همشري، ومن بلدي، وإن أصيب بشيء كنت أنا قبله، فعند ذلك نزلوا وفارقوه، ~~وبقي عنده من لا يستغني عنه في الخدمة. # فعند ذلك أتاه من يستدعيه إلى الباشا، فلما كان خارج المجلس، قبضوا عليه، ~~وأخذوا سيفه وسلاحه، ونزلوا به إلى تحت سلم الركوب، وأشعل الضوى المشعل، ~~وأداروا أكتافه، ورموا رقبته، ورفعوه في الحال، وغسلوه وكفنوه ودفنوه، وذلك في ~~سادس ساعة من الليل، وأصبح الخبر شائعا في المدينة. # وأحضر الباشا الخجا، وطولب بالتعريف عن أمواله وودائعه، وعين في الحال ~~باشجاويش ليذهب إلى قنا، ويختم على داره، ويضبط ما له من الغلال والأموال، ~~وطلبت الودائع ممن هي عنده، التي استولوا عليها بالأوراق، فظهر له ودائع في عدة ~~أماكن، وصناديق مال وغير ذلك، ولم يتعرض لمنزله ولا لحريمه. # وعندما نقل «دروفتي» إلى حكومته في 4 ms1078 أكتوبر، خبر إعدام أحمد آغا لاظ، قال: ~~إن محمد علي قد تخلص من الرجل الوحيد الذي بقي من بين كبار ضباط جيشه، ~~يخشى من مطامحه وشجاعته ونفوذه في الجند، وتأثيره عليهم.» # وهكذا، تم لمحمد علي تطويع الجند، وإبعاد كبار الضباط والرؤساء الذين تعذر ~~عليهم التسليم بالحقيقة والواقع، وكان الباشا لا يعدو في نظرهم، زميلهم القديم ~~في السلاح، ساعدوه في مغامرته، فوصل إلى الحكم والسلطان، ولما كان الواجب ~~يقتضيه - في رأيهم - أن يرضخ لرغباتهم ونزواتهم، بدلا من أن يسلك مسلك السيد ~~معهم، ويفرض عليهم سلطانه، وتوهموا أنهم إذا غامروا مثل مغامرته سهل عليهم ~~غصب الحكم منه، ما دام يصر على إنهاء الفوضى في الجيش، ومحاسبة ضباطه ورؤسائه ~~حسابا عسيرا، على كل حركة تمرد أو عصيان تبدر منهم، مهما قل شأنها، ومهما ~~كانت أسبابها. # على أن هناك ملاحظة جديرة بالاهتمام، هي أن الباشا ما كان يستطيع تطويع الجند ~~من أرنئود ودالاتية وغيرهم، وإقصاء محرضيهم على الثورة والعصيان لو أنه عجز عن ~~دفع مرتبات العسكر، أو إعطاء كبار الضباط الذين أراد نفيهم المنكسر لهم من ~~المرتبات والعلائف لتجريدهم من الوسائل التي قد يتذرعون بها للتباطؤ في ~~الخروج، وإطالة مكثهم بالبلاد، وكان من المتعذر على الباشا نفيهم من مصر عنوة ~~لتعصب زملائهم لهم، كما وقع في حوادث رجب آغا وياسين بك الأرنئودي، وعمر بك، ~~وصالح قوج، ولم يتخلص الباشا بالقتل من أحمد آغا لاظ، إلا بعد أن كان قد تم له ~~كسر شوكة كبار الضباط الأرنئود، وعلاوة على ذلك، فقد كان مما يسر انفضاض سائر ~~الرؤساء والجند، من حول صالح قوج، أن الباشا أعطى الكثير من رواتبهم - كما مر ~~بنا - إلى حسن باشا وعابدين بك، وهما اللذان بقيا من كبار الأرنئود، واشتركا في ~~كل الانقلابات، وأسهما في التدابير التي مكنت محمد علي من الوصول إلى ~~الحكم، والتغلب على الصعوبات التي اعترضت باشويته، من حين المناداة بولايته إلى ~~وقت القضاء على المماليك في مذبحة القلعة، واستتباب الأمن نهائيا تبعا لذلك ~~لحكومة محمد علي. # ولذلك، فقد ms1079 كان المال في هذه الفترة (1807-1811)، كما كان في فترة التجربة ~~والاختبار التي سبقتها (1805-1807)، عصب الحكم والأداة الفعالة في دعم أركان ~~الولاية، ومثلما كانت حاجة محمد علي إلى المال شديدة وملحة قبل عام 1810، فقد ~~ظلت هذه الحاجة قائمة، بل وزادت شدتها في السنوات التالية. ~~(4) المسألة المالية ~~(4-1) الحاجة إلى المال # وتضافرت أسباب عدة - غير دفع مرتبات الجند، وما تطلبه نفي وإبعاد المحرضين ~~على الثورة والتمرد، والمتآمرين على سلامة الدولة - على استمرار الحاجة الملحة ~~إلى المال، وقد سبقت الإشارة إلى بعض هذه الأسباب عند الكلام عن المشكلات التي ~~واجهت محمد علي عقب توليه الولاية، ولكن زاد على هذه الآن غيرها، فمن عوامل ~~الأزمة المالية المزمنة، النظام المتبع في دفع رواتب الجند، والذي ألمعنا إليه ~~في مناسبات سابقة، وبمقتضاه ينال كل رئيس من الرؤساء العسكريين، أو كبار ~~الضباط، مرتبات أربعة أنفار عن كل جندي واحد من الذين تتألف منهم الفرقة ~~التابعة له والخاضعة لقيادته، حتى إن الباشا صار يدفع مرتبات ستين ألف جندي، ~~لجيش لم يتجاوز عدده وقتئذ ستة عشر ألف جندي فحسب. # أضف إلى هذا تعذر تنظيم الإدارة المالية، ووضع ميزانية تقديرية على الأقل، ~~لضبط أبواب الإيراد والمنصرف، فظلت مصادر الإيراد، من ضرائب مباشرة وغير ~~مباشرة، منوعة ومتعددة، ثم زيدت عليها السلف والقروض الإجبارية، من الوطنيين ~~والأجانب على السواء، وهذا عدا المصادرات، والاستيلاء على قوافل التجارة، ~~وإلزام أصحابها افتداءها بقدر من المال، وغير ذلك من الأساليب التي سوف يأتي ~~ذكرها لاستنضاح المال. وظلت أبواب الإنفاق غير محددة، فهناك إلى جانب الخراج ~~الذي يدفع سنويا للقسطنطينية، ومرتبات الجند، ونفقات الإدارة العادية، نفقات ~~لا سبيل إلى تجنبها، كلما حضر الرسل والقصاد من لدن الباب العالي، يحملون ~~فرمانات التثبيت في الولاية، وكانت هذه تصدر لتجديد الولاية سنويا؛ حيث إن ~~الباشوية لم تكن وراثية، كما كثر مجيء هؤلاء الرسل يحملون الفرو والقفاطين ~~والسيوف، علامة رضا السلطان على الباشا، أو ينقلون إليه بشرى التثبيت فحسب، وفي ~~كل مرة يحضر فيها هؤلاء الرسل والقصاد، ومن بينهم ms1080 من كان صاحب مكانة، زيادة في ~~تكريم الباشا - على حد قول الديوان العثماني - وجبت الحفاوة بهم، والإغداق ~~عليهم بالعطايا والهدايا والبقاشيش لا لأنفسهم فحسب، بل ولرجال الديوان في ~~دوائر الباب العالي، وفي سراي السلطان نفسه، وقد استرعت النفقات الجسيمة التي ~~يتكلفها هؤلاء الرسل نظر الشيخ الجبرتي، فقال معلقا على كثرة إرسال الباب ~~العالي لهم، يحملون الأوامر والمراسيم، إما لتجديد الولاية، أو لإظهار رضاء ~~السلطان، أو لغير ذلك من الشئون التي كان يفتعلها رجال الديوان العثماني ~~افتعالا، بغية الظفر بالمنح والعطايا والبقاشيش من محمد علي: «ومحل القصد من ~~ورود هذه البيورولديات والفرمانات والأغوات والقبجيات، إنما هو جر المنفعة لهم، ~~بما يأخذونه من خدمهم، وحق طريقهم، من الدراهم والتقادم والهدايا. # فإن القادم منهم إذا ورد، استعدوا لقدومه، فإن كان ذا قدر ومنزلة، أعدوا له ~~منزلا يليق به، ونظموه بالفرش والأدوات اللازمة، وخصوصا إذا كان حضر في أمر ~~مهم، أو لتقرير المتولي على السنة الجديدة، أو بصحبته خلع رضا وهدايا، فإنه ~~يقابل بالإعزاز الكبير، ويشاع خبره قبل وروده إلى الإسكندرية، ويأتي المبشرون ~~بوروده من الططر، قبل خروجه من دار السلطنة بنحو شهر أو شهرين، ويأخذون خدمتهم ~~وبشارتهم بالأكياس، وإذا وصل هو أدخلوه في موكب جليل، وعملوا له ديوانا ومدافع ~~وشنكا، وأنزل في المنزل المعد له، وأقبلت عليه التقادم والهدايا من المتولي، ~~وأعيان دولته ورتب له الرواتب والمصاريف لمأكله هو وأتباعه، لمطبخه وشراب ~~حانته، أيام مكثه شهرا أو شهورا، ثم يعطى من الأكياس قدرا عظيما، وذلك خلاف ~~هدايا الترحيلة، من قدور الشربات المتنوعة، والسكر المكرر، وأنواع الطيب كالعود ~~والعنبر، والأقمشة الهندية والمقصبات، لنفسه ورجال دولته. # وإن كان دون ذلك، أنزلوه بمنزلة بعض الأعيان، بأتباعه وخدمه ومتاعه، في أعز ~~مجلس، ويقوم رب المنزل بمصروفهم ولوازمهم وكلفهم، وما تستدعيه شهوات أنفسهم، ~~ويرون أن لهم المنة عليه بنزولهم عنده، ولا يرون له فضلا، بل ذلك واجب عليه، ~~وفرض يلزمه القيام به، مع التآمر عليه وعلى أتباعه، ويمكث على ذلك شهورا حتى ~~يأخذ خدمته، ويقبض أكياسه، وبعد ذلك ms1081 كله، يلزم صاحب المنزل أن يقدم له هدية، ~~ليخرج من عنده شاكرا ومثنيا عليه عند مخدومه وأهل دولته، أقضية يحار العقل ~~والنقل في تصورها.» # وإلى جانب هذا، كان على الباشا أن يمد وكلاءه بالقسطنطينية، بالمال الوفير، ~~للإنفاق منه بسخاء، لسد نهم الباب العالي، الذي طالما ذكر محمد علي كلما تحرجت ~~الأمور بينه وبين الديوان العثماني، أنه يعرف الطرائق المثلى التي يمكن بها ~~اجتياز الأزمات في القسطنطينية، فهو بحاجة إلى البذل والعطاء عند تجديد تقريره ~~على الولاية، أو لرد كيد خصومه، أو لإنهاء المسائل التي يهمه أن يتم حلها في ~~صالحه، كمسألة يوسف كنج التي مرت بنا، أو لكسر حدة غضب الباب العالي منه، بسبب ~~تباطؤه في تنفيذ أوامره، ومماطلته وتسويفه، في المسائل التي يرى من صالحه كذلك ~~المماطلة والتسويف فيها، كعدم إنفاذ جيشه إلى الحجاز حتى يطمئن على ولايته ~~ويفرغ من دعم أركانها. # وعلاوة على ذلك، فقد وجب عليه الاحتياط للمستقبل دائما في علاقاته مع الباب ~~العالي، وقد عرفنا أن هذه لم تقم أصلا على تبادل الثقة بين الفريقين وأوجد ~~محمد علي باشويته في نطاق إمبراطورية كان الذهب - على نحو ما شهد به ~~المعاصرون - السلاح البتار والفيصل القاطع في كثير من عظائم الأمور، والدرع ~~الواقية لصاحبها عند اشتداد الخطوب، ولطالما اشترى الباشوات العصاة في ~~الدولة الجيوش المرسلة للقضاء عليهم، وكثيرا ما كان هؤلاء يدفعون سرا من ~~مالهم معاشا للسلطان نفسه ولأعضاء ديوانه، وتلك كانت الطرائق التي تذلل بها ~~الصعوبات في القسطنطينية والتي قال محمد علي - كما أسلفنا - إنه خبير ~~بها. # ثم إنه كان لا ندحة عن الاحتفاظ بجيش قوي، يدين بالطاعة للباشا، ومتأهب ~~للقتال دائما، يسيره ضد البكوات المماليك، أعدائه الداخليين، أو ضد الغزاة ~~أعدائه الخارجيين، سواء كان هؤلاء من البريطانيين - كما وقع - أم من الفرنسيين، ~~كما كان من المتوقع وقتئذ أن يحدث، أم من العثمانيين، وهم الذين خشي الباشا ~~دائما كيدهم له وغدرهم به، ولا مناص كذلك من إنشاء هذا الجيش القوي، عظيم ~~العدة والعدد، إذا أراد من ناحية ms1082 أخرى كسب رضاء الباب العالي، وتجريده من ~~الذرائع التي قد يتذرع بها لإعلان سخطه ونقمته عليه، ولقد ظل الباب العالي يلح ~~على باشا مصر إلحاحا عظيما منذ 1807، أن يقاتل الوهابيين، ويسترجع الحرمين ~~الشريفين منهم، وتزايد هذا الإلحاح في السنوات التالية، حتى بلغت لجاجة الباب ~~العالي منتهاها في عام 1810، وآثر محمد علي للأسباب التي عرفناها - إنفاذ حملة ~~إلى الحجاز، على الاصطدام مع صاحب السيادة الشرعية عليه، وشمر عن ساعد الجد ~~والعمل لبناء ذلك الأسطول الذي أراد أن يجعله نواة لأسطول مصر التجاري من جهة، ~~والذي ينقل قسما من الجيش والمهمات إلى الحجاز، ويبسط سلطان الباشا في البحر ~~الأحمر من جهة أخرى، وقد تطلب ذلك كله نفقات طائلة. # واعتلى محمد علي أريكة الولاية، وخزانتها خالية من المال، وتعيش الحكومة من ~~يومها لغدها، ولا سبيل إلى سد نفقات الإدارة العادية، ناهيك بما كان يحتاجه ~~الولاة الذين سبقوه من أموال لتدبير شئونهم مع الجند تارة ومع الديوان العثماني ~~تارة أخرى؛ إلا باللجوء إلى الفرض والإتاوات والغرامات وأخذ السلف الإجبارية ~~من الأهلين، والقروض من التجار الأجانب، ولقد تقدم كيف أن خورشيد باشا ترك ~~الولاية وهو مدين بثلاثة آلاف كيس متأخر مرتبات الجند، وقروضا استدانها من ~~مختلف التجار، وتعهد محمد علي بسدادها، ولم يجد محمد علي مناصا هو الآخر، ~~بسبب خلو خزانته من المال من اللجوء إلى نفس الأساليب التي لجأ إليها أسلافه في ~~الولاية. # وكان من بين القروض العديدة التي عقدت، أو بالأحرى التي أرغم الأجانب ~~القاطنون بالبلاد على إقراض الحكومة إياها، قرضان كانت لهما قصة، وجرت ~~بشأنهما مفاوضات كثيرة: أحدهما قرض «بتروتشي» قنصل السويد، وقنصل إنجلترة ~~كذلك، إلى وقت جلاء حملة «فريزر» عن الإسكندرية، وقد سبقت الإشارة إلى قصة هذا ~~القرض الذي بلغت قيمته ستين ألف قرش عثماني، فقد شكا «بتروتشي» إلى القائم ~~بالأعمال السويدي بالقسطنطينية، وأمر الباب العالي في أكتوبر 1807 بسداد هذا ~~الدين، ورد أملاك «بتروتشي» إليه، تلك التي كان قد صادرها محمد علي، إذا صحت ~~دعوى قنصل السويد هذا، وأما القرض ms1083 الآخر، فلم يكن لمحمد علي يد فيه، وإن صدر له ~~الأمر بسداده. # فقد اضطر خسرو باشا أثناء ولايته إلى الاستدانة من «روشتي» قنصل النمسا مبالغ ~~على دفعات بلغت قيمتها 230858 قرشا عثمانيا، أعطى عنها ناظر قصره «كيلارجي باشي» وخازنداره إيصالات «لروشتي» عند حدوث الانقلاب الذي طرد خسرو من الولاية، ~~وسجلت هذه الإيصالات بالمحكمة، ومع أن دفتردار ذلك العهد شرع يدفع بناء على ~~أوامر الباب العالي المبالغ التي أبرز أصحابها إيصالات عنها، موقعا عليها من ~~خسرو باشا نفسه، فقد وجد أصحاب الإيصالات الموقع عليها من الخازندار والكيلارجي ~~باشي صعوبات عديدة في أخذ حقوقهم، وكان «روشتي» من بين هؤلاء، فعمد إلى توسيط ~~سفير النمسا في القسطنطينية لدى الباب العالي، بارون «شتورمر» # Stürmer # وكانت دعوى السفير في وجوب سداد هذا ~~الدين، أن خسرو باشا لم يستخدم الأموال التي استدانها من «روشتي» في الإنفاق ~~على شخصه، ولكن لدفع مرتبات الجند وتقديم الهدايا للقواد الإنجليز الذين بقي ~~جيشهم بالبلاد بعد خروج الحملة الفرنسية منها، فلم يغادرها البريطانيون إلا ~~في مارس 1803، ثم لمواجهة مطالب الإدارة التي عجزت الخزانة العامة عن سدها؛ ~~ولذلك فإن هذا الدين دين على الحكومة وهي ملزمه بوفائه، وسلم الباب العالي ~~بوجهة نظر السفير، فأصدر أمرا إلى حكومة الباشا بالقاهرة في أكتوبر 1807 بسداد ~~الدين ولكن دون جدوى، فاستأنف «روشتي» المسعى، وجدد «شتورمر» احتجاجاته لدى ~~الباب العالي، وشهد «ستفاناكي» # Stefanaki ~~- ~~وكان يعمل ترجمانا في مصر، ثم صار الآن أحد وكلاء الباشا بالقسطنطينية، ~~وترجمانا في الوقت نفسه في الجيش العثماني - بصحة الوقائع التي ذكرها السفير ~~النمسوي وأراد الاستناد عليها في اعتبار المبالغ التي أعطى عنها خازندار خسرو ~~باشا والكيلارجي باشي دينا على الحكومة، وقال «ستفاناكي» إنه كان الواسطة بين ~~«روشتي» وخسرو باشا، وإن الأموال التي استدانها الأخير أنفقت في الوجوه التي ~~ذكرها السفير، وأيد الباب العالي وجهة النظر هذه مرة أخرى، وأصدر أمرا في ~~فبراير 1808، إلى محمد علي وإلى دفترداره أحمد أفندي جديد، وإلى عارف أفندي ~~قاضي مصر، بسداد هذا الدين، وتسلم أمين خلوصي ms1084 المندوب الموفد لهذه الغاية، ~~المبلغ المرقوم. # ولكن «روشتي» لم يستطع استيفاء دينه كاملا، ومع أن خسرو نفسه قد اعترف بأنه ~~استدان من قنصل النمسا هذا، مبلغ 230048 قرشا عثمانيا، ليدفع منها مرتبات ~~الجند كما قال؛ فقد تبين للباشا ودفترداره بعد فحص السجلات، أن المبلغ الذي ~~استدين لدفع مرتبات الجند كان أربعا وثمانين ألف قرش فحسب، واستدان خسرو ~~المتبقي من المطلوب سداده للإنفاق منه على شخصه ولكسوة حرسه الخاص. وعلى ذلك ~~فقد دفع الدفتردار هذا المبلغ «لروشتي»، وحتى عام 1810 كان لا يزال لهذا في ذمة ~~الحكومة 146048 قرشا، بذل «شتورمر» قصارى جهده لدى الباب العالي لاستصدار ~~أمر إلى حكومة الباشا بدفعه، وشهد «ستفاناكي» مرة أخرى بأن السبب في عدم تقييد ~~بقية المبلغ في السجلات كان حدوث الثورة في القاهرة؛ وعلى ذلك فقد بعث الباب ~~العالي أمرا في مايو 1810، إذا كان ما يقوله «ستفاناكي» صحيحا، بوجوب دفع ~~المبلغ المتبقي، وهو 146048 قرشا دون تأخير. # أما محمد علي، فقد صار يشكو دائما في كل ما دار بينه وبين الباب العالي من ~~مراسلات بصدد الحملة المزمعة ضد الوهابيين من كثرة الديون التي صار ينوء بها ~~كاهله، والتي جعلت متعذرا عليه إنجاز استعداداته لتلبية أوامر الباب العالي ~~بالسرعة المرغوبة، ثم اتخذ من هذه الديون ومن حاجته إلى المال عموما تكأة ~~يستند عليها في إرجاء إنفاذ جيشه إلى الحجاز، حتى يتم له الاطمئنان على باشويته ~~ويفرغ من دعم أركانها. # ولقد سبق أن أشرنا في فصول سابقة وكلما تناول الكلام حاجة محمد علي إلى ~~المال، إلى أن العلة في استمرار هذه الأزمة المستحكمة والمزمنة، عدا الاستيلاء ~~البكوات المماليك على إيرادات الصعيد، إنما هي كساد التجارة، واضمحلال الصناعة، ~~والأهم من ذلك كله، تعطل الزراعة بسبب الحروب الداخلية بين الطوائف المتنازعة ~~على السلطة، وما تعرض له الفلاحون من اعتداءات الجند الأرنئود والدلاة على ~~أرواحهم وأموالهم ومواشيهم ونتاجهم الزراعي، ثم ما فرضته عليهم الحكومة من ~~أنواع الإتاوات والمغارم، إلى جانب فتح طلب مال الميري في غير أوقاته مقدما ~~وسلفا ms1085 تارة، وعن أعوام سابقة بدعوى تأخر إغلاق حسابها تارة أخرى، وأنفذت ~~حكومة الباشا التجريدات العسكرية إلى مختلف المديريات لجباية الضرائب. # ولما كان الفلاحون يعجزون عن وقف هذه الاعتداءات عليهم، وأرهقتهم الأعباء ~~المالية الثقيلة، وجردهم عمال الباشا والعربان والجند من ثمرة كدهم وكدحهم، فقد ~~غادر كثيرون الأرض فرارا من هذه المغارم، وأقفرت قرى عديدة من سكانها، وهرب ~~الفلاحون إلى الصحراء وإلى الواحات، كما هاجر نفر منهم إلى الشام، وترتب على ~~ذلك أن صار حوالي ثلث الأرض المزروعة على أيام الفرنسيين، مهملا متروكا، طغت ~~عليها رمال الصحراوين الغربية من الشرق، والليبية من الغرب. # وتزايدت حدة الضنك والبأساء في المدن خصوصا، بسبب استيلاء الباشا على محاصيل ~~القمح والحبوب، لتصديرها إلى الإنجليز وغيرهم. وفي سنتي 1808، 1809 بلغ سعر ~~إردب القمح ثلاثين قرشا عثمانيا، وذلك برغم وفرة محصوله، بينما كان ثمنه على ~~أيام الحملة الفرنسية لا يزيد على سبعة قروش فحسب، وهدد نقص النيل في كل مرة ~~عند حدوثه بانتشار المجاعة في القاهرة؛ حيث كانت تختفي الغلال من أسواقها بصنع ~~ساحر. # وكان من عوامل زيادة البؤس كساد التجارة، واختفاء الصناعات الأهلية، حتى عجز ~~التجار وأرباب الحرف والصناعات عن تأدية الضرائب والغرامات والقروض المطلوبة ~~منهم، وظهر نوع من المعاملة وقتئذ لمواجهة هذه الالتزامات، كان فريدا في ~~نوعه؛ حيث صار الأفراد يستدينون من الجند المال الذي يدفعون منه الضرائب ~~والإتاوات، والذي ينال منه الجند أنفسهم مرتباتهم، ونشطت سوق السلف والقروض ~~هذه، وأقرض الجند الأهلين بفوائد باهظة، فبلغ سعر الفائدة 8٪ في الشهر الواحد، ~~ووجد التجار والصناع في هذه العملية مخرجا مؤقتا من أزمتهم، ولكنه كثيرا ~~ما كان يحدث بطبيعة الحال، أن يجد هؤلاء المستدينون عند حلول موعد السداد أنهم ~~يعجزون عن الدفع، فتصادر عندئذ أملاكهم لبيعها، ويلقى القبض عليهم، وسعيدو الحظ ~~منهم من يستطيعون النجاة بأنفسهم بالفرار إلى الصحراء أو الواحات كما يفعل ~~الفلاحون. # وتدخل الباشا للحد من جشع الجند، وتحديد سعر الفائدة، وكان تدخله في هذه ~~المسألة مثار التعجب؛ حيث لم يكن لمنع الربا، ولكن لتقريره بتحديد ms1086 سعر الفائدة ~~لوقف هروب الأهلين من البنادر والقرى، والأمر الذي يرتب عليه - إذا استمر - ~~حرمان الحكومة من دافعي الضرائب والمغارم والسلف وما إليها، فيعلق الشيخ ~~الجبرتي على ذلك بقوله في حوادث أول يناير 1809: نزل والي الشرطة وأمامه ~~المناداة على ما يستقرضه الناس من العسكر بالربا والزيادة على أن يكون كل كيس ~~ستة عشر قرشا في كل شهر لا غير، والكيس عشرون ألف نصف فضة، وهو الكيس الرومي، بفائدة # 38٪ في السنة، ثم استطرد الشيخ: «وذلك بسبب ما انكسر على ~~المحتاجين والمضطرين من الناس، من كثرة الربا لضيق المعاش، وانقطاع المكاسب، ~~وغلو الأسعار، وزيادة المكوس، فيضطر الشخص إلى الاستدانة، فلا يجد من يدانيه من ~~أهل البلد، فيستدين من أحد العسكر، ويحسب عليه على كل كيس خمسين قرشا في كل ~~شهر»؛ أي بفائدة 120٪ في السنة على اعتبار أن الكيس خمسمائة قرش - «وإذا قصرت يد ~~المديون عن الفوائد، أضافوا الزيادة على الأصل، وبطول الزمن تفحش الزيادة، ~~ويئول الأمر لكشف حال المديون، وجرى ذلك على كثير من مساتير الناس، وباعوا ~~أملاكهم ومتاعهم، والبعض لما ضاق به الحال ولم يجد شيئا، خرج هاربا وترك أهله ~~وعياله، خوفا من العسكري، وما يلاقي منه، وربما قتله، فأعرض بعض المديونين إلى ~~الباشا، فأمر بكتابة هذا البيوردي، ونزل به والي الشرطية، ونادى به في الأسواق، ~~فعد ذلك من غرائب الحكام؛ حيث ينادى على الربا جهارا في الأسواق من غير احتشام ~~ولا مبالاة؛ لأنهم لا يرون ذلك عيبا في عقيدتهم.» # وواجهت حكومة الباشا بسبب إفلاس الأهلين، وهروب الفلاحين خصوصا إلى الصحراء ~~والواحات مشكلة مزدوجة: إقفار القرى من أهلها، مما نجم عنه تأخر الزراعة بصورة ~~مطردة، ثم تزايد عدد المعوزين والمتعطلين في المدن، لا سيما في القاهرة، نتيجة ~~لإفلاس عديدين من طوائف صغار التجار والصناع. وحاول محمد علي معالجة هذه ~~المشكلة، بأن ينقل إلى الريف لتعمير القرى المهجورة فقراء العاصمة، فأصدر ~~أوامره المشددة إلى شرطته حتى يجمعوا كل من لا صنعة أو حرفة له، والخدم ~~المتعطلين عن العمل، والأرامل الفقيرات، والنساء اللاتي ms1087 لا أولاد لهن؛ لنقلهم ~~جميعا قوة واقتدارا، وتحت حراسة الجند إلى مساكنهم الجديدة في القرى التي ~~هجرها أهلها، ولكن أحدا من هؤلاء لم يشأ مغادرة العاصمة إلى هذه المساكن ~~الجديدة، فاختفوا سريعا عن الأنظار، ولم يمكن تنفيذ هذه الأوامر. # بيد أن إقفار مساحات من الأرض من زارعيها، كان معناه حدوث نقص في المال أو ~~الإيرادات المتحصلة من هذه الأراضي، فيغدو شأن هذه الأراضي، شأن تلك التي في ~~حوزة بكوات المماليك في الصعيد، في وقت استحكمت فيه أزمة الباشا المالية، وكان ~~في مقدوره مطالبة الملاك والزراع الذين لم يغادروا الأرض بدفع الضريبة التي ~~تخلص من أدائها الفارون، ولكن هذا الإجراء كان قمينا بأن يثير عليه الاحتجاجات ~~الصاخبة من كل جانب؛ وعلى ذلك، فقد هدته عبقريته إلى ابتكار وسائل جديدة ~~لتحصيل المال، إلى جانب اتباع الإجراءات التي لجأ إليها في الماضي. # أما أهم الطرائق المبتكرة، فكان تقرير مساحة معينة للفدان، تجبى الضرائب ~~بمقتضاها، بحيث لا تزيد مساحة كل فدان على # 333 قصبة مربعة، وعلى أن ينقص ~~طول القصبة من ثلاثة أمتار وخمسة وسبعين سنتيمترا إلى ثلاثة أمتار وأربعة ~~وستين سنتيمترا، فألغي بهذا النظام الجديد، تنوع مساحات الفدان القديمة؛ حيث ~~كانت مساحة الفدان من الأراضي الخصبة أقل من مساحته في الأراضي البعيدة عن ~~النيل، فالقريب من النيل كانت مساحته 324، والبعيد عنه 576 قصبة مربعة، وفي ~~دمياط كانت مساحة الفدان 432 قصبة مربعة، وكانت تجبى الضرائب على أساس فئات ~~محددة عن كل فدان، فتدفع الأراضي الضريبة بنسبة مساحة الفدان بها، ويقل المتحصل ~~منها في جهة عن غيرها، فنجم عن الترتيب الجديد أنه بينما نقص تقدير مساحة ~~الأراضي الزراعية في مجموعها، بقي عدد الأفدنة على حاله، ولما لم يطرأ تغيير ~~على فئات الضريبة ذاتها، فقد تسنى بأسلوب أدق، تحصيل مقدار المال أو الميري ~~نفسه المربوط على الأرض. # وثمة وسيلة عامة أخرى لجأ إليها محمد علي لعلاج أزمته المالية، هي أنه حاول ~~تلافي العجز الحاصل في حصيلة الضرائب الجمركية، لكساد التجارة، بزيادة الرسوم ~~الجمركية زيادة عالية ms1088 على تجارة الوارد، بصورة أتت بنتيجة عكسية؛ حيث انكمش ~~الاستهلاك المحلي للبضائع المجلوبة من الخارج، بدرجة نقصت بها إيرادات الجمارك، ~~واضطر الباشا إلى البحث عن مصادر للمال أخرى، فعندما نمى إليه أن احتكار ~~الحكومة للتبغ من مصادر الإيراد المربحة في فرنسا، قرر من فوره احتكار تجارته ~~في مصر، فوضع عملاءه في مواني القطر يشترون لحسابه التبغ المستورد من تركيا، ~~وأقام مستودعا مركزيا في القاهرة، لتوزيع التبغ منه إلى بلدان الوجه البحري ~~والصعيد، كما أنشأ مصنعا في القاهرة كذلك يعمل فيه الصناع لإعداد الدخان ~~المهيأ لاستهلاك العاصمة، ووفد الباعة كل صباح على المصنع لأخذ مقطوعية اليوم ~~من الدخان، وقضى هذا الاحتكار الحكومي على صناعة اختص بها الأفراد العاديون، ~~وكسبوا منها رزقهم، فاشتد التذمر، وعلت الاحتجاجات الصاخبة، وانخفض الاستهلاك، ~~واضطر الباشا إلى التخلي عن هذه التجارة، واستعاض عن ذلك بفرض ضريبة جمركية ~~عالية على جميع أصناف التبغ المستورد إلى البلاد، على أنه مما تجدر ملاحظته، أن ~~هذه المحاولة الاحتكارية الأولى، والتي حدثت في غضون الشهور الستة الأولى من ~~عام 1808، كانت تجربة قائمة بذاتها، ولا صلة لها بنظام الاحتكار الواسع الذي ~~أنشأه محمد علي بعد ذلك. # وتسنى للباشا أن يتبع طريقا ثالثا لتفريج أزمته، بفضل ما كان يحرزه من ~~انتصارات على البكوات المماليك، وما صار يستتبع ذلك من مصادرة أملاكهم ~~وأراضيهم، وكان أصحاب الأرض عموما هم المماليك الذين تتألف منهم الطبقة ~~الحاكمة، ويمتلك هؤلاء نصف الأرض تقريبا، ثم الأفراد العاديون، ولهؤلاء قسم من ~~الجزء الباقي من الأرض، بينما ظل القسم الأخير منها من أراضي وأملاك الوقف ~~المرصدة للمساجد والسبل وأبواب الخيرات المنوعة، وبمقتضى النظام السائد بين ~~المماليك، كان لكل صنجق من صناجقهم حصة معينة من الأرض يوزعها بين بكواته ~~وكشافه، بما عليها من قرى ودساكر، وهو وحده صاحب الحق الأعلى في ملكيتها، بينما ~~كانت تؤجر الأرض والمباني المنشأة عليها للفلاحين الذين يدفعون عنها إيجارا ~~بعضه نقدا والآخر عينا، وكان للفلاحين كذلك أن يستأجروا أراضي وعقار الوقف ~~المرصد ريعها للجوامع وما إليها، كما كان ms1089 لهم أن يستأجروا الأرض من الأفراد ~~العاديين. # وبقدر نجاح محمد علي في القضاء على طائفة المماليك، كثر عدد القرى، وزادت ~~مساحة الأرض التي دخلت في حوزته بعد جلاء هؤلاء عنها، وصار يوزع هذه على كبار ~~ضباطه، وقد شهدنا كيف أن أحمد بك الأرنئودي، أو عمر بك، أو صالح آغا قوج، أو ~~حسن باشا، استطاعوا جميعا بسبب هذا الإجراء أن يجمعوا ثروات طائلة بفضل ~~امتلاكهم للقرى والأراضي التي أعطاهم محمد علي إياها، بل إن الباشا كثيرا ما ~~كان يعمد إلى توزيع القرى والأرض التي يمتلكها البكوات المماليك على ضباطه ~~وأعوانه، في جهات لم تكن بعد قد دخلت في حوزته واعترف سادتها بسلطانه. # على أن هذه الإجراءات العامة لم تكف لسداد نفقات الباشا، ولقطع دابر أزمته ~~المالية المزمنة، ووجد الباشا أن مصدرا هاما من مصادر الإيراد، قد ظل ~~معطلا، نتيجة لبقائه متحررا من سلطان الحكومة، ونعني بذلك أراضي الوقف والرزق ~~والإحباسية، فقرر الاستيلاء عليها، وكان هذا القرار السبب المباشر لوقوع ~~الاصطدام بينه وبين المشايخ، بيد أنه لا معدى عن تتبع الإجراءات السابقة لهذه ~~العملية الأخيرة، والتي لجأ إليها محمد علي لسد العجز الظاهر في ماليته منذ أن ~~تزايدت حاجته إلى المال، عقب خروج الإنجليز من الإسكندرية، لمواجهة مطالب ~~الحكومة من يوم لآخر، لفهم هذه الواقعة على حقيقتها. ~~(4-2) أساليب الباشا المالية # ذلك أن الأساليب التي اتبعها الباشا الآن لجمع المال، كانت نفس الأساليب ~~السابقة، والتي أرهقت أهل البلاد عموما والقاهريين خصوصا، وكانت مبعث سخطهم ~~وتذمرهم، ولو أن أحدا منهم لم يجرؤ على الاعتراض أو الاحتجاج عليها؛ وسبب ذلك ~~توطد سلطان الباشا المطرد، وإقبال المشايخ والزعماء الشعبيين، وعلى رأسهم عمر ~~مكرم، على معاضدته وتأييده، ولم يكن الأهلون يرون مبررا لتوالي المظالم ~~والمغارم عليهم، وهم الذين أسهم المشايخ وزعماؤهم في تطويعهم تزلفا للباشا، ~~لإغداقه عليهم بالحصص من ناحية، ولعدم تعرضه لمسموحهم أو لإيرادات الوقف ~~المتنظرين هم عليه من ناحية أخرى. # بيد أن مضي الباشا في أساليبه المالية، ثم لجوءه أخيرا إلى تجريد المشايخ من ms1090 ~~الإيرادات التي نعموا بها، بمهاجمة نظام الوقف المألوف، لم يلبث أن زاد من تذمر ~~الأهلين وسخطهم، ثم أفضى إلى انحراف المشايخ والتصدي لمعارضته، ولكن ثمة ملاحظة ~~جديرة بكل اعتبار، كان لها شأن في تكييف الحوادث التالية، ومساعدة الباشا على ~~التخلص من معارضة المشايخ، سواء أكانت هذه معارضة صامتة أم سافرة، هي أن ~~سخط الشعب تحول رويدا رويدا إلى المشايخ أنفسهم، حتى إذا ذهب هؤلاء يعارضون ~~الباشا، لم يحرك الشعب ساكنا لمؤازرتهم، وترك الباشا يقتص منهم، ويعمل على ~~إقصائهم من شئون الحكم كلية، على نحو ما سيأتي ذكره. # أما الباشا فقد بدأ منذ 6 أكتوبر 1807 - كما سبق بيانه - يفتح الطلب من ~~الملتزمين ببواقي الميري على أربع سنوات ماضية. وفي 23 أكتوبر، فتحوا أيضا ~~دفاتر الطلب بالميري عن السنة القابلة وبدأت من ثم المتاعب التي شكا منها ~~الأهلون والتي بسطها الشيخ الجبرتي في تاريخه، فقال: «وجهت الحكومة الطلب بها ~~إلى العسكر، فدهي الناس بدواه متوالية، منها خراب القرى، بتوالي المظالم ~~والمغارم والكلف، وحق الطريق، والاستعجالات، والتساويف، والبشارات، فكان أهل ~~القرية النازل بها ذلك، ينتقلون إلى القرية المحمية لشيخ من الأشياخ، وقد بطلت ~~الحماية أيضا حينئذ، ثم أنزلوا بالبنادر مغارم عظيمة لها قدر من الأكياس ~~الكثيرة، وذلك عقب فرضة البشارة، مثل دمياط ورشيد والمحلة والمنصورة، مائة كيس ~~وخمسون كيسا، ومائة وخمسون كيسا وأكثر وأقل. # وفي أثناء ذلك قرروا أيضا فرضة غلال وسمن وشعير وفول على البلاد والقرى، ~~وإن لم يجد المعينون للطلب شيئا من الدراهم عند الفلاحين، أخذوا مواشيهم ~~وأبقارهم، ليأتي أربابها، ويدفعوا ما تقرر عليهم، ويأخذوها ويتركوها بالجوع ~~والعطش، فعند ذلك يبيعونها على الجزارين، ويرمونها عليهم قهرا بأقصى القيمة، ~~ويلزمونهم بإحضار الثمن، فإن تراخوا وعجزوا، شددوا عليهم بالحبس ~~والضرب.» # وفي ديسمبر 1807، بدأ الباشا إعادة النظر في تقدير مساحة الأراضي المزروعة، ~~وتقرير فئات الضرائب عليها بنسبة خصبها وارتوائها من ماء النيل، فأنفذ ولده ~~إبراهيم بك في 24 ديسمبر إلى مديرية القليوبية، ومعه طائفة من المباشرين ~~الأقباط وعلى رأسهم جرجس الطويل، كبيرهم، وعدد ms1091 من أفندية الروزنامة والكتبة، ~~للكشف على الأطيان التي رويت والأخرى الشراقي، «فأنزلوا بالقرى النوازل، من ~~الكلف وحق الطرقات، وقرروا على كل فدان رواه النيل أربعمائة وخمسين ونصف فضة ~~تقبض للديوان، وذلك خلاف ما للملتزم، والمضاف، والبراني، وما يضاف إلى ذلك من ~~حق الطرق والكلف المتكررة.» # وبدأ الباشا القروض الإجبارية، فتقرر في 31 ديسمبر من العام نفسه، إرغام ~~مساتير الناس على تقديم سلف، تحتسب لهم من المغارم التي سوف يجري تقريرها على ~~حصصهم في المستقبل، وعين الجند لتحصيل هذه السلف الفريدة في نوعها، فتغيب غالب ~~الناس وتوارى لعدم ما بأيديهم، وخلو أكياسهم من المال، والتجأ الكثير منهم ~~إلى ذوي الجاه، ولازموا أعتابهم، حتى شفعوا فيهم، وكشفوا غمتهم. # وانتهز الباشا فرصة مجيء القابجي بيانجي بك، يطلب من محمد علي إنفاذ جيشه إلى ~~الحجاز، لمطالبة المتصدرين من المشايخ والزعماء بتدبير النفقات التي تستلزمها ~~تلبية أوامر الباب العالي، والتي قدرها الباشا بأربعة وعشرين ألف كيس. وفي ~~فبراير 1808 «عمل الباشا ديوانا جمع فيه الدفتردار والمعلم غالي والسيد عمر ~~مكرم والمشايخ، وقال لهم: لا يخفاكم أن الحرمين استولى عليهما الوهابيون، ~~ومشوا أحكامهم بها، وقد وردت علينا الأوامر السلطانية، المرة بعد المرة، للخروج ~~إليهم ومحاربتهم وجلائهم وطردهم عن الحرمين الشريفين، ولا تخفى عنكم الحوادث ~~والوقائع التي كانت سببا في التأخير عن المبادرة في امتثال الأوامر، والآن حصل ~~الهدوء، وحضر قابجي باشا بالتأكيدات والحث على خروج العساكر وسفرهم، وقد حسبنا ~~المصاريف اللازمة في هذا الوقت، فبلغت أربعة وعشرين ألف كيس، فأعملوا رأيكم في ~~تحصيلها.» # وكان هذا مبلغا جسيما، فحصل ارتباك واضطراب، وشاع ذلك في الناس، وزاد بهم ~~الوسواس، ولما كان الباشا غير متهيئ لإنفاذ جيشه إلى الحجاز وقتئذ، للأسباب ~~التي عرفناها، فقد راح يبذل قصارى جهده لإقناع القابجي بالتريث وعدم العجلة؛ إذ ~~يحتاج هذا الأمر إلى استعدادات كبيرة، وإنشاء مراكب في بحر القلزم، وسهل ~~عندئذ الاتفاق على كتابة عرضحال ليصحبه ذلك القابجي معه بصورة نمقوها. # وفي العام نفسه قام محمد علي برحلة في الوجه البحري، استغرقت شهرا ms1092 تقريبا ~~من 27 أغسطس إلى 22 سبتمبر 1808، كان الغرض منها جمع المال لإرسال هدية إلى ~~الباب العالي، وشرح الشيخ الجبرتي الأساليب التي اتبعت في جمع المال أثناء هذه ~~الرحلة، فقال: «سافر محمد علي باشا إلى بحري، ونزل في المراكب، وأرسل قبل نزوله ~~بأيام تشهيل الإقامات، والكلف على البلاد، من كل صنف خمسة عشر، وأخلوا له ولمن ~~معه بيوت البنادر، مثل المنصورة ودمياط ورشيد والمحلة والإسكندرية، وفرض الفرض ~~والمغارم على البلاد، على حكم القراريط التي كانوا ابتدعوها في العام الماضي، ~~على كل قيراط سبعة آلاف وسبعمائة نصف فضة، وسماها كلفة الذخيرة، وأمر بكتابة ~~دفتر لذلك. # فكتب إليه الروزنامجي أن الخراب استولى على كثير من البلاد، فلا يمكن تحصيل ~~هذا الترتيب، فأرسل الباشا من المنصورة يأمر بتحرير العمار بدفتر مستقل، ~~والخراب بدفتر آخر، فلما فعل الروزنامجي ذلك، أدخل فيها بلادا بها بعض الرمق ~~لتخلص من الفرضة، وفيها ما هو لنفسه، فلما وصلت إليه؛ أي محمد علي، أمر بتوزيع ~~ذلك الخراب على أولاده وأتباعه وأغراضه، وعدتها مائة وستون بلدة، وأمر ~~الروزنامجي بكتابة تقاسيطها بالأسماء التي عينها له، فلم يمكن الروزنامجي أن ~~يتلافى ذلك فتظهر خيانته، ووزعت وارتفعت عن أصحابها. # وكذلك حصل بإقليم البحيرة لما عمها الخراب، وتعطل خراجها، وطلبوا الميري من ~~الملتزمين، فتظلموا واعتذروا بعموم الخراب، فرفعوها عنهم، وفرقها الباشا على ~~أتباعه، واستولوا عليها، وطلبوا الفلاحين الشاردة والمنسحبة من البلاد الأخر، ~~وأمروهم بسكناها، وزادوا في الطنبور نغمات، وهو أنهم صاروا يتتبعون أولاد البلد ~~أرباب الصنائع الذين لهم نسبة قديمة بالقرى، وذلك بإغراء أتباعهم وأعوانهم، ~~فيكون الشخص منهم جالسا في حانوته وصناعته، فما يشعر إلا والأعوان محيطون به ~~يطلبونه إلى مخدومهم، فإن امتنع أو تلكأ سحبوه بالقهر، وأدخلوه إلى الحبس، وهو ~~لا يعرف له ذنبا، فيقول: وما ذنبي؟ فيقال له: عليك مال الطين، فيقول: وأي شيء ~~يكون الطين؟ فيقولون له: طين فلاحتك من مدة سنتين لم تدفعه؟ وقدره كذا وكذا، ~~فيقول: لا أعرف ذلك، ولا أعرف البلد، ولا رأيتها في عمري، لا أنا ولا ms1093 أبي ولا ~~جدي، فيقال له: ألست فلان الشبراوي أو المنياوي مثلا، فيقول لهم: هذه نسبة ~~قديمة، سرت إلي من عمي أو خالي أو جدي، فلا يقبل منه، ويحبس ويضرب حتى يدفع ما ~~ألزموه به، أو يجد شافعا يصالح عليه، وقد وقع ذلك لكثير من المتسببين والتجار ~~وصناع الحرير وغيرهم. # ولم يزل الباشا في سيره حتى وصل إلى دمياط، وفرض على أهلها أكياسا، وأخذ من ~~حكامها هدايا وتقادم، ثم رجع إلى سمنود، وركب في البر إلى المحلة، وقبض ما فرضه ~~عليها، وهو خمسون كيسا نقصت سبعة أكياس عجزوا عنها بعد الحبس والعقاب، وقدم له ~~حاكمها ستين جملا وأربعين حصانا، خلاف الأقمشة المحلاوية، مثل الزردخانات ~~والمقاطع الحرير، وما يصنع بالمحلة من أنواع الثياب والأمتعة، صناعة من بقي بها ~~من الصناع. # ثم ارتحل عنها ورجع إلى منوف، وذهب إلى رشيد والإسكندرية، ولما استقر بها ~~عبى هدية إلى الدولة، وأرسل إلى مصر (القاهرة) فطلب عدة قناطير من البن ~~والأقمشة الهندية وسبعمائة إردب أرز أبيض أخذت من بلاد الأرز، وأرسل الهدية صحبة ~~إبراهيم أفندي المهردار ... # وفي 22 سبتمبر حضر محمد علي باشا من غيبته، وطلع على ساحل بولاق ... وذهب إلى ~~داره بالأزبكية، ثم طلع ثاني يوم إلى القلعة ...» # وفي 8 ديسمبر 1808 عزل الباشا السيد محمد المحروقي من نظارة الضربخانة، ~~ونصب بها شخصا من أقاربه، وكان متولي أمانة الضربخانة السيد أحمد المحروقي، ~~فلما توفي في ديسمبر 1804، عين الباشا ابنه السيد محمد مكان أبيه في أغسطس ~~1805، واستمر في منصبه حتى عزله الآن محمد علي، وكانت قد جرت العادة بأن يدفع ~~المتولي لشئونها مال الميري الذي عليها، وعوائد الباشا وكتخداه والمرتبات إلى ~~أصحابها، على أن يكون المتبقي له بعد دفع أجر الخدمة والمصاريف، فضمن تعيين أحد ~~أقارب الباشا على دار الضرب أو سك النقود، حصول الباشا على هذا المتبقي، أضف ~~إلى هذا أن الإشراف على عملية سك النقود ذاتها كانت عملية في وسع الباشا ~~الانتفاع منها، من حيث تحديد نسبة المعادن الخالصة، كالفضة أو الذهب عند مزجها ms1094 ~~بغيرها لسك العملة المطلوبة، فيدخل خزانته الفروق بين قيمة المعدن المستخدم في ~~سك النقود، وسعر التداول المعين لها. # وثمة عملية أخرى، كانت مصدر ربح للباشا، هي تغيير صرف النقود الفضية ~~والذهبية كالريال الفرانسة، والمحبوب، والمجر، من أنواع العملة الطيبة التي ~~استمر اختفاؤها من السوق، واستخدامها في تجارة الوارد، وقد اختفت كذلك العملة ~~الصغيرة؛ أي الفضة العددية من أيدي الناس والصيارف؛ «لتحكيرهم عليها، ليأخذها ~~تجار الشوام بفرط في مصارفتها تضم للميري، فيدور الشخص على صرف القرش الواحد ~~فلا يجد صرفه إلا بعد جهد شديد، ويصرفه الصراف أو خلافه للمضطر بنقص نصفين ~~فضة أو ثلاثة»، وبلغ صرف الريال الفرانسة إلى مائتين وأربعين، والمحبوب إلى ~~مائتين وخمسين، فنودي في نوفمبر 1808 على المعاملة بأن يكون صرف الريال ~~الفرانسة بمائتين وعشرين، والمحبوب بمائتين وأربعين. وفي أبريل 1809 نودي مرة ~~ثانية على صرف الفرانسة والمحبوب والمجر، كما نودي في العام الماضي، ويعلل ~~الشيخ الجبرتي ذلك بقوله: «لأنه لما نودي بنقص صرفها، ومضى نحو الشهر أو ~~الشهرين، رجع الصرف إلى ما كان عليه وزيادة، فأعيد النداء كذلك، وسيعود الخلاف ~~ما دام الكرب والضيق بالناس، على أن هذه المناداة والأوامر بالنقص والزيادة ~~ليست من باب الشفقة على الناس، ولا الرحمة بهم، وإنما هي بحسب أغراضهم وزيادة ~~طمعهم، فإنه إذا توجهت المطالبات بالفرض والمغارم، نودي بالنقص، ليزيد الفرض، ~~وتتوفر لهم الزيادة، ويحصل التشديد والمعاقبة على من يقبض الزيادة من أهل ~~الأسواق، وإذا كان الدفع من خزانتهم في علائف العسكر أو لوازمهم الكبيرة، ~~قبضوها بأزيد من الزيادة التي نادوا عليها، من غير مبالاة ولا احتشام، تناقض ~~ما لنا إلا السكوت عنه.» # وتناول الشيخ الكلام عن المعاملة مرة أخرى، فأسهب في شرح هذه العملية التي ~~لم ير فيها إلا وسيلة لاختلاس أموال الناس، وذلك بمناسبة المناداة في أواخر ~~1810 وأوائل 1811 على صرف المحبوب بزيادة صرفه ثلاثين نصفا، بينما كان ~~المحبوب يصرف - كما رأينا - بمائتين وخمسين من زيادات الناس في معاملاتهم، ~~ونادوا بالنقص وقتذاك، فعادوا الآن ينادون بالزيادة، وذكر الشيخ ms1095 الغرض من ذلك ، ~~ثم ما كان يحدث من نقص في وزن وعيار العمل المتداولة التي تصدرها دار الضرب أو ~~الضربخانة واختفاء النقود الصغيرة من الفضة، أو نصف فضة - كما كانت تسمى - ~~وهي «الميدي» المحرفة عن «المؤيدي»: مسكوكات مصنوعة من خليط الفضة والنحاس ~~وقيمتها واحد على أربعين من القرش، واختفاء غيرها من الخمسة فضة، والعشرة فضة، ~~والعشرين فضة أو نصف القرش، فقال في حوادث 28 / 12 / 1810-25 / 1 / 1811: ~~«وفي هذه الأيام نودي بالزيادة، وذلك بحسب الأغراض والمقاصد والمقتضيات، ~~ومراعاة مصالح أنفسهم، لا المصلحة العامة، هذا مع نقص عياره (عيار المحبوب) ~~ووزنه عما كان عليه قبل المناداة، وكذلك نقصوا وزن القرش، وجعلوا القرش على ~~النصف من القرش الأول، ووزنه درهمين، وكان أربعة دراهم، وفي الدرهمين ربع درهم ~~فضة، هذا مع عدم الفضة العددية»؛ أي نصف الفضة أو الميدي وسائر المسكوكات ~~الصغيرة التي ذكرناها، وعدم وجودها بأيدي الناس والصيارف، وإذا أراد إنسان صرف ~~قرش واحد من غيره، صرفه بنقص ربع العشر، وأخذ بدله قطعا صغارا إفرنجية، يصرف ~~منها الواحدة باثني عشر، وأخرى بعشرة، وأخرى بخمسة، ولكنها جيدة العيار، وهم ~~الآن يجمعونها ويضربونها بما يزاد عليها من النحاس، وهو ثلاثة أرباعها، قروشا؛ ~~لأن القطعة الصغيرة التي تصرف بخمسة أنصاف فضة وزنها درهم واحد وزني، ~~فيصيرونها أربعة قروش، فتضاف الخمسة إلى ثمانين، وكل ذلك نقص واختلاس أموال ~~الناس من حيث لا يشعرون. # ثم طرق الشيخ الموضوع نفسه في ديسمبر 1811 ويناير من العام التالي، فلاحظ ما ~~طرأ على صرف المعاملة من زيادة فاحشة من جهة، ونقص في وزنها وعيارها من جهة ~~أخرى، وطفق يشرح هذه الظاهرة، فقال: «وذلك أن حضرة الباشا أبقى دار الضرب على ~~ذمته، وجعل خاله ناظرا عليها، وقرر لنفسه عليها في كل شهر خمسمائة كيس، بعد أن ~~كان شهريتها أيام نظارة المحروقي خمسين كيسا في كل شهر، ونقصوا وزن القروش نحو ~~النصف عن القرش المعتاد، ونادوا في خلطه حتى لا يكون فيه مقدار ربعه من الفضة ~~الخالصة، ويصرف بأربعين نصفا، وكذلك المحبوب ms1096 نقصوا من عياره ووزنه. # ولما كان الناس يتساهلون في صرف المحبوب والريال الفرانسة ويقبضونها في خلاص ~~الحقوق ومن المماطلة والمفلسين وفي المبيعات الكاسدة بالزيادة لضيق المعايش، ~~حتى وصل صرف الريال إلى مائتين وخمسين نصفا والمحبوب إلى مائتين وثمانين، ثم زاد ~~الحال في التساهل في الناس بالزيادة أيضا عن ذلك، فينادي الحاكم بمنع الزيادة، ~~ويمشي الحال أياما قليلة، ويعود لما كان عليه وأزيد، فتحصل المناداة أيضا ~~ويعقبونها بالتشديد والتنكيل بمن يفعل ذلك، ويقبض عليه أعوان الحاكم ويحبس ~~ويضرب ويغرمونه غرامة، وربما مثلوا به وخرموا أنفه وصلبوه على حانوته، وعلقوا ~~الريال في أنفه ردعا لغيره. # وفي أثناء ذلك إذا بالمناداة بأن يكون صرف الريال بمائتين وسبعين والمحبوب ~~بثلاثمائة وعشرة، فاستمع وتعجب من هذه الأحكام الغريبة التي لم يطرق سمع سامع ~~مثلها. # هذا مع عدم الفضة العددية في أيدي الناس، فيدور الشخص بالقرش وهو ينادي على ~~صرفه بنقص أربعة أنصاف، نصف يوم حتى يصرفه بقطع إفرنجية، منها ما هو باثني عشر ~~أو خمسة وعشرين أو خمسة فقط، أو يشتري من يريد الصرف شيئا من الزيات أو الخضري ~~أو الجزار، ويبقى عنده الكسور الباقية، يوعده بغلاقها، فيعود إليه مرارا حتى ~~يتحصل عنده غلاقها، وليس هو فقط بل أمثاله كثير. # وسبب شحة الفضة العددية، أنه يضرب منها كل يوم بالضربخانة ألوف مؤلفة يأخذها ~~التجار بزيادة مائة نصف في كل ألف، يرسلونها إلى بلاد الشام والروم، ويعوضون ~~بدلها في الضربخانة الفرانسة والذهب؛ لأنها تصرف في تلك البلاد بأقل مما تصرف ~~به في مصر. # وزاد الحال بعد هذا التاريخ حتى استقر على صرف الألف مائتين، وتقرر ذلك في ~~حساب الميري فيدفع الصارف ثلاثين قرشا عنها ألف ومائتان ويأخذ ألفا فقط، ~~والفرانسة والمحبوب بحسابه المتعارف بذلك الحساب، والأمر لله وحده.» # وكثر التفنن في أساليب طلب المال، فابتدعت حكومة الباشا إلى جانب ما سمته ~~كلفة الذخيرة - في أغسطس 1808 - نوعا آخر من المغارم، في أبريل 1809، سمته ~~الترويجة، وتفصيل ذلك أن الباشا أمر في أوائل أبريل بتحرير فرضة الأطيان، ~~بزيادة ms1097 الثلث على ما تقرر في العام السابق؛ لأن النيل في ذلك العام (أغسطس ~~1808) كان قد نقص نقصا كبيرا، فربطت الآن الضرائب على الأطيان، ورتبت في أربع ~~مراتب، تزيد كل ضريبة عن الأخرى مائة نصف فضة، وبحيث جعل أعلاها ثمانمائة نصف ~~فضة، ثم طلبت الحكومة جانبا معجلا من الضريبة، هو الذي أسموه بالترويجة، ~~وهذا بالرغم من أن الفرضة الماضية بقي الكثير منها بالذمم لخراب القرى، وعجز ~~الحكومة عن تحصيلها، وبالرغم من الضائقة التي حلت بالأهلين بسبب انعدام الغلال ~~من الأسواق، نتيجة لنشاط حركة تصديرها إلى الخارج، إلى مالطة خصوصا؛ فقد ~~تشحطت الغلال وغلا سعرها حتى بلغ الإردب القمح ألفا وستمائة نصف فضة، وعز ~~وجوده بالرقع والعرصات، وأما السواحل فلا يكاد يوجد بها شيء من الغلة بطول ~~السنة. وهكذا راح الشيخ الجبرتي يعلق على ذلك كله بقوله: ولولا لطف الله ~~بوجود الذرة لهلكت الخلائق، ومع ذلك استمرار المغارم والفرض، حتى فرض الغلة ~~عين، وكذلك تبن وجمال، وما ينضاف إلى ذلك، مما سمعته غير مرة، مما يطول ~~شرحه. # وعندما أنفذ الباشا كبار قواده في تجريدة ضد البكوات في الصعيد في أغسطس ~~1809، وجاءته أخبار غير مطمئنة عن هذه التجريدة، اعتزم الذهاب بنفسه، فأمر ~~للحصول على المال، في أوائل سبتمبر بتحرير دفتر فرضة ترويجة على إقليم ~~المنوفية والغربية والشرقية والقليوبية، وذكروا أنها من أصل حساب الشهرية ~~المبتدعة. # وفي أواخر أكتوبر من العام نفسه ابتكرت حكومة الباشا أسلوبا جديدا في تحصيل ~~مال الأطيان، نتيجة لزيادة الفيضان زيادة كبيرة في هذه السنة، فحرروا دفتر ~~الأطيان على ضريبة واحدة، عن كل فدان خمسة ريالات، غير البراني والخدم، ولم ~~يحصل في ذلك مراجعة ولا كلام ولا مراجعة في شيء، كما وقع في العام الماضي والذي ~~قبله في المراجعة بحسب الري والشراقي، وأما في هذه السنة فليس فيها شراقي، ~~فحسابها بالمساحة الكاملة لعموم الري، فإن النيل في هذه السنة زاد زيادة مفرطة، ~~وعلا على الأعالي، وتلف بزيادته المفرطة الدراوي والأقصاب بقبلي، وكذلك غرق ~~مزارع الأرز والسمسم والقطن وجنائن كثيرة بالبر ms1098 الشرقي بسبب انسداد الترعة ~~الفرعونية بتلك الناحية، وكان الباشا وقتئذ بالصعيد يبغي بكوات المماليك على ~~الاتفاق معه، والحضور إلى القاهرة للإقامة بها تحت إشرافه ومراقبته، فأرسل يطلب ~~هذه الدفاتر ليطلع عليها، فسافر إليه بها المعلم غالي، وأخذ صحبته أحمد أفندي ~~اليتيم من طرف الروزنامة، وعبد الله بكتاش الترجمان، فذهبوا إليه بأسيوط ~~وأطلعوه عليها، فختم عليها. # وفي سنة 1810 حررت دفاتر الضريبة على الأرض، على حساب المساحة الكاملة، ~~باعتبار أن الأرض قد رويت جميعها بسبب زيادة الفيضان، وقد سميت هذه البدعة ~~بالقياسة؛ لكون المباشرين والكتبة قاسوا مساحة الطين الري، الذي ارتوى بمياه ~~النيل، ولو أن بلادا كثيرة من إقليم البحيرة وغيره قد بقيت شراقي بسبب عدم حفر ~~الترع وحبس الحبوس وتجسير الجسور، لانشغال الفلاحين والملتزمين بالفرض ~~والإتاوات، وعجزهم عن القيام بذلك. # وفي 12 مارس 1810، طلب الباشا كتاب الأقاليم «وشرع في تقرير فرضة على البلاد ~~بما يقتضيه نظره ونظر كشاف الأقاليم والمعلمين القبط، فقرروا على أعلاها ثمانين ~~كيسا والأدنى خمسة عشر كيسا، ولم يتقيد بتحرير ذلك أحد من الكتبة الذين ~~يحررون ذلك بدفاتر ويوزعونها على مقتضى الحال، ولم يعطوا بالمقادير أوراقا ~~لملتزمي الحصص، كما كانوا يفعلون قبل ذلك، فإن الملتزم كان إذا بلغه تقرير ~~فرضة، تدارك أمره، وذهب إلى ديوان الكتبة، وأخذ علم القدر المقرر على حصته ~~وتكفل بها، وأخذ منهم مهلة بأجل معلوم، وكتب على نفسه وثيقة وأبقاها عندهم، ثم ~~يجتهد في تحصيل المبلغ من فلاحيه، وإن لم يسعفوه في الدفع، وحولوا عليه الطلب ~~دفعه من عنده إذا كان ذا مقدرة، أو استدانه ولو بالربا، ثم يستوفيه بعد ذلك من ~~الفلاحين شيئا فشيئا، كل ذلك حرصا على راحة فلاحي حصته وتأمينهم واستقرارهم ~~في وطنهم ليحصل منهم المطلوب من المال الميري وبعض ما يقتاتون به هم وعيالهم، ~~وإن لم يفعل ذلك تحول باستخلاص ذلك كاشف الناحية، وعين على الناحية الأعوان ~~بالطلب الحثيث وما ينضاف إلى ذلك من حق طرق المعينين وكلفهم، وإن تأخر الدفع ~~تكرر الإرسال والطلب على النسق المشروح، فيتضاعف الهم، ms1099 وربما ضاع في ذلك قدر ~~أصل المطلوب وزيادة عنه مرة أو مرتين، والذي يقبضونه يحسبونه، وهو في كل ريال ~~عشرة أنصاف فضة يسمونها ديواني، فيقبض المباشر على الريال تسعين نصفا فضة، ~~ويجعل التسعين ثمانين، وذلك خلاف ما يقرره في أوراق الرسم من خدم المباشرين من ~~كتبة القبط. # فينكشف حال الفلاح ويبيع ما عنده من الغلة والبهيمة، ثم يفر من بلدته إلى ~~غيرها، فيطلبه الملتزم ويبعث إليه المعينين من كاشف الناحية بحق طريق أيضا، ~~فربما أداه الحال إن كان خفيف العيال والحركة إلى الفرار والخروج من الإقليم ~~بالكلية، وقد وقع ذلك حتى امتلأت البلاد الشامية والروسية من فلاحي قرى مصر ~~الذين جلوا عنها، وخرجوا منها، وتغربوا عن أوطانهم، من عظيم هول الجور. # وإذا ضاق الحال بالملتزم وكتب له عرضحالا يشكو حاله وحال بلده أو حصته وضعف ~~حالها ويرجو التخفيف، وتجاسر وقدم عرضحاله إلى الباشا، يقال له هات التقسيط ~~(سند التمليك) وخذ ثمن حصتك أو بدلها، أو يعين له ترتيبا بقدر فائظها على بعض ~~الجهات الميرية من المكوس والجمارك التي أحدثوها، فإن سلم سنده، وكان ممن يراعى ~~جانبه، حول إلى بعض الجهات المذكورة صورة، وإلا أهمل أمره، وبعضهم باعها لهم ~~بما انكسر عليه من مال الفرض، وقد وقع ذلك لكثير من أصحاب الذمم المتعددة، ~~انكسر عليه مقادير عظيمة، فنزل عن بعضها، وخصموا له ثمنها من المنكسر عليه من ~~الفرضة، وبقي عليه الباقي يطالب به، فإن حدثت فرضة أخرى، قبل غلاق الباقي، وقعد ~~بها وضمت إلى الباقي، وقصرت يده لعجز فلاحيه، واستدان بالربا من العسكر، تضاعف ~~الحال، وتوجه عليه الطلب من الجهتين، فيضطر إلى خلاص نفسه، وينزل عما بقي تحت ~~يديه كالأول، وقد يبقى عليه الكسر ويصبح فارغ اليد من الالتزام ~~ومديونا. # وقد وقع ذلك لكثير كانوا أغنياء ذوي ثروة، وأصبحوا فقراء محتاجين، من حيث لا ~~يشعرون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.» # ومن الأساليب التي لجأ إليها الباشا لجمع المال، ما ذكره الشيخ الجبرتي في ~~حوادث عام 1809: منها احتكار النشوق، ms1100 وإلزام الأهلين بشرائه، ثم احتكار ~~النطرون، وإلزام القرى بأخذ كميات معينة منه، وأخيرا محاولة إلزام الأهلين ~~بشراء العرقي، ويسجل الشيخ تفاصيل هذه المسائل بصورة توضح الكيفية التي حاولت ~~بها حكومة الباشا إرغام الناس على شراء النشوق والنطرون والعرقي، ثم تذمر ~~الأهلين. # فيقول الشيخ: «إن بعض المتصدرين من نصارى الأروام أنهى إلى كتخدا بك أمر ~~النشوق وكثرة المستعملين له والدقاقين والباعة، وأنه إذا جمعت دقاقوه وصناعه في ~~مكان واحد، ويجعل عليهم مقادير، ويلتزم به ويضبط رجاله، وجمع ماله وإيصاله إلى ~~الخزينة، من يكون ناظرا وقيما عليه كغيره من أقلام المكوس التي يعبرون عنها ~~بالجمارك؛ فإنه يتحصل من ذلك مال له صورة، فلما سمع كتخدا بك ذلك أنهاه إلى ~~مخدومه، فأمر الباشا في الحال بكتابة فرمان بذلك، واختار الذي جعلوه ناظرا ~~على ذلك خانة بخطة بين الصورين، ونادوا على جميع صناع النشوق وجمعوهم بذلك ~~الخان، ومنعوهم من جلوسهم بالأسواق والخطط المتفرقة، والقيم على ذلك يشتري ~~الدخان لذلك من تجاره بثمن معلوم حدده، لا يزيد على ذلك، ولا يشتريه سواه، وهو ~~يبيعه على صناع النشوق بثمن حدده ولا ينقص عنه، ومن وجده باع شيئا من الدخان ~~أو اشتراه أو سحق نشوقا خارجا عن ذلك الخان ولو لخاصة نفسه، قبضوا عليه ~~وعاقبوه وغرموه مالا، وعينوا معينين لجميع القرى والبلدان القبلية والبحرية، ~~ومعهم من ذلك الدخان، فيأتون إلى القرية ويطلبون مشايخهم، ويعطونهم قدرا ~~موزونا، ويلزمونهم بالثمن المعين بالمرسوم الذي بيدهم، فيقول أهل القرية: نحن ~~لا نستعمل النشوق ولا نعرفه ولا يوجد عندنا من يصنعه، وليس لنا به حاجة ولا ~~نشتريه، ولا نأخذه، فيقال لهم: إن لم تأخذوه فهاتوا ثمنه، فإن أخذوه أو لم ~~يأخذوه فهم ملزمون بدفع القدر المعين المرسوم، ثم كراء طريق المعينين، وكلفتهم ~~وعليق دوابهم.» # تلك كانت بدعة المكس على النشوق. # وأما سائر البدع والمستحدثات، فقد بسطها الشيخ في قوله عن النطرون: إنهم ~~«فرقوه وفرضوه على القرى، محتجين أيضا باحتياج الحياكة والفزازين إليه؛ لغسل ~~غزل الكتان وبياض قماشه ونحو ذلك.» ثم استطرد الشيخ ms1101 يقول: «وأشنع من ذلك كله ~~أنهم أرادوا فعل مثل هذا في الشراب المسكر المعروف بالعرقي، وإلزام أهل القرى ~~بأخذه ودفع ثمنه إن أخذوه أو لم يأخذوه، فقيل لهم في ذلك، فقالوا: إن شربه يقوي ~~أبدانهم على أعمال الزرع والزراعة، والحرث والكد في القطوة (وهي تشبه الشادوف) ~~والنطالة (أخذ الماء بالنطل وهو الدلو) والشادوف، ثم بطل ذلك.» # ومن الأصناف التي فرضت حكومة الباشا مكوسا مرتفعة عليها، الأرز والكتان ~~والحرير والحطب والملح، فدفع فيها المستهلك أثمانا باهظة، ثم إن هذه المكوس لم ~~تلبث أن زيدت في غضون عام 1810 حتى غلت أسعارها إلى الغاية، فصار سعر الدرهم ~~الحرير خمسة عشر نصفا بعد أن كان نصفين فحسب، وصار القنطار من الحطب الرومي ~~بثلاثمائة نصف بعد ثلاثين أو أربعين نصفا، وأما الملح فقد شرح الشيخ الجبرتي ما ~~حدث من تفنن في زيادة سعره، فقال: «وكان الملح يأتي من أرضه بثمن القفاف التي ~~يوضع فيها لا غير، ويبيعه الذين ينقلونه إلى ساحل بولاق، الإردب بعشرين نصفا، ~~وإردبه ثلاثة أرادب، ويشتريه المتسبب بمصر (القاهرة) بذلك السعر؛ لأن إردبه ~~إردبان، ويبيعه أيضا بذلك السعر، ولكن إردبه واحد، فالتفاوت في الكيل لا في ~~السعر، فلما احتكر صار الكيل لا يتفاوت، وسعره الآن أربعمائة وخمسون نصفا، ~~والتزم به من التزم، وأوقف رجاله في موارده البحرية، لمنع من يأخذ منه شيئا من ~~المراكب المارة بالسعر الرخيص من أربابه، ويذهب به إلى قبلي، أو نحو ~~ذلك.» # ويصف الشيخ الجبرتي مصادر المال الأخرى، أو بالأحرى الحيل - على حد قول ~~الشيخ - التي صارت حكومة الباشا تتوسل بها لأخذ المال، فقال في حوادث مايو 1811: إن الكتخدا محمد آغا لاظ، صار «يتنوع في استجلاب الأموال، ويتحيل في ~~استخراجها بأنواع من الحيل، فمنها أنه يرسل إلى أهل حرفة من الحرف ويأمرهم ببيع ~~بضاعتهم بنصف ثمنها، ويظهر أنه يريد الشفقة والرأفة بالناس، ويرخص لهم في أسعار ~~المبيعات، وأن أرباب الحرف تعدوا الحدود في غلاء الأسعار، فيجتمع أهل الحرفة ~~ويضجون ويأتون بدفاترهم وبيان رأس مالهم، وما ينضاف إليه ms1102 من غلو جزئيات تلك ~~البضاعة، وما استحدث عليها من الجمارك والمكوس، وغلو الأجر في البحر والبر، فلا ~~يستمع لقولهم ولا يقبل لهم عذرا، ويأمر بهم إلى الحبس، فعند ذلك يطلبون الخلاص ~~ويصالحون على أنفسهم بقدر من المال يدفعونه، ويوزعون ذلك على أفرادهم فيما ~~بينهم، ثم يزيدون في سعر تلك البضاعة ليعوضوا غرامتهم من الناس، معتذرين بتلك ~~الغرامة، وما حل بهم من الخسارة، ثم تستمر الزيادة على الديوان - وأظن استمرار ~~الغرامة أيضا - فجمع بهذه الكيفية أموالا عظيمة، وهي في الحقيقة سلب أموال ~~الناس من الأغنياء والفقراء.» # محاسبة المباشرين # ومن الوسائل التي لجأ إليها الباشا لاستنضاح المال، إرغام المباشرين ~~المكلفين بجباية الضرائب على دفع الغرامات، ومطالبتهم بما اعتقد أنهم أخذوه ~~من المال أو «الميري» المتحصل، وقد ساعد المباشرون أنفسهم الباشا على ~~استنضاح المال منهم لعيش كبارهم في بذخ وترف، لفت إليهم الأنظار، ~~ولاحتفاظهم بطرائقهم في تدوين حساباتهم، حتى صارت جباية الضرائب، وتدوين ~~أقلامها والمتحصل منها في سجلات الحكومة حكرا لهم تقريبا، مما جعلهم ~~موضع شكوك الباشا ورجاله، أضف إلى هذا، تحاسدهم فيما بينهم، وتنافسهم على ~~منصب كبير المباشرين، الأمر الذي جعلهم يتزلفون للباشا بالوقيعة في حق ~~بعضهم بعضا، وتفانى كل منهم في إرشاده إلى مقدار الثروة التي بيد الآخر، ~~ناهيك بما كان يقف عليه الباشا، أو يترامى إليه عن الوسائل التي يتبعها ~~المباشرون، وهم أصحاب الحول والطول في تحصيل المال من الأهلين المرهقين ~~والفلاحين المكدودين في أخذ الرشاوى والعطايا من هؤلاء، وكانت الفكرة ~~السائدة لدى الباشا عنهم - ويشترك معهم في هذا أفندية الروزنامة ورؤساؤهم - ~~أنهم تنقصهم الأمانة، آية ذلك مظاهر الثراء الذي يتمتع به كبارهم ~~خصوصا. # ولقد تقدم كيف أن المعلم غالي، نفس على جرجس الجوهري منصبه في عام 1805، ~~فعمل على تغيير الباشا من ناحيته، وساعده في هذا المسعى المعلم فلتيوس، حتى ~~عزل الباشا جرجس الجوهري وولى المعلم غالي كبيرا للمباشرين، واضطر جرجس ~~الجوهري إلى الفرار، وصودرت أملاكه، ودفع القبط غرامات فادحة بسبب هذا ~~الحادث. # ولكنه ما إن عظمت حاجة الباشا إلى ms1103 المال، حتى شرع في حساب كبير ~~المباشرين، المعلم غالي نفسه، وأعيان المباشرين ، واستطاع أن ينتزع منهم ~~مبالغ طائلة مصالحة على أنفسهم وفي نظير رضائه عليهم. # وبدأ الباشا في يونيو 1809 بمطالبة المعلم غالي بألف كيس، وألزمه بها، ~~فلم يسع المعلم إلا جمعها، بتوزيعها على المباشرين والكتبة، وجمعها في ~~أقرب زمن. وكان في نوفمبر من العام نفسه أن حضر المعلم جرجس الجوهري إلى ~~القاهرة بأمان من محمد علي، وكان مختفيا في الصعيد، فأظهر غالي مودة عظيمة ~~له، وأثث له بيته الذي بحارة الونديك، وقام له بجميع لوازمه، وأكرمه ~~الباشا، وذهب الناس مسلمهم ونصرانيهم وعالمهم وجاهلهم للسلام عليه، ولكن ~~احتفاء المعلم غالي به لم يكن إلا رياء ومداهنة فلم يمكنه من استرداد ~~مكانته، وانحط قدره، ولازمته الأمراض، حتى وافاه الأجل المحتوم في أواخر ~~سبتمبر 1810، وخلا الجو للمعلم غالي، وتعين بالتقدم، ووافق الباشا في ~~أغراضه الكلية والجزئية. # على أن هذه الموافقة لم تنقذ المعلم غالي وزملاءه من غضب الباشا، ~~الذي اعتقد فيهم دائما - كما أشرنا - الخيانة، هم وكتبة الروزنامة، وقرر ~~الباشا حسابهم بموجب دفاترهم، فأمر في 19 فبراير 1810 بالاحتياط على بيوت ~~عظماء الأقباط، كالمعلم غالي نفسه والمعلم جرجس الطويل وأخيه، وفلتيوس ~~وفرانسيسكو، وعدتهم سبعة، فأحضروهم في صورة منكرة وسمروا دورهم، وأخذوا ~~دفاترهم، فلما حضروا بين يديه قال لهم: أريد حسابكم بموجب دفاتركم هذه، ~~وأمر بحبسهم، فطلبوا منه الأمان، وأن يأذن لهم في خطابه، فأذن لهم، فخاطبه ~~المعلم غالي، وخرجوا من بين يديه إلى الحبس، ثم توسط في أمرهم لدى الباشا ~~حسين أفندي الروزنامجي، فقرر عليهم غرامة سبعة آلاف كيس، بعد أن كان ~~الباشا طلب منهم ثلاثين ألف كيس. # وفي 8 مارس من العام نفسه، نمى إلى الباشا أن ثلاثة من كتبة الأقباط ~~المتقيدين بقياس الأراضي بالمنوفية قد أخذوا البراطيل والرشوات على قياس ~~طين أراضي بعض البلاد، وأنقصوا من القياس فيما ارتوى من الطين، وهي البدعة ~~التي حدثت على الطين الري، وسموها القياسة، فأمر بالقبض عليهم وضربهم ~~وحبسهم. # وسعى المعلم منصور ضريمون، معلم ms1104 ديوان الجمارك، لدى الباشا لتغييره على المعلم غالي وأعوانه، وقرر الباشا محاسبة المعلم غالي وكبار المباشرين ، ~~فألقى القبض في 16 أكتوبر 1810 على المعلم غالي والمعلم فرنسيس أخيه، ~~والمعلم فلتيوس، والمعلم جرجس الطويل، وباقي أعيان المباشرين، وأنزل ~~المعلمان غالي وفلتيوس إلى بولاق لنفيهما إلى دمياط، بينما حبس الباقون في ~~القلعة، وختموا على دورهم، ووجدوا عند المعلم غالي نيفا وستين جارية ~~بيضاء وسوداء وحبشية، وتقلد المباشرة المعلم منصور ضريمون والمعلم بشارة ~~ورزق الله الصباغ مشاركان معه. # وكانت هذه الإجراءات كافية لأن يبذل المغضوب عليهم قصارى جهدهم للمصالحة ~~على أنفسهم، وسعى الساعون في هذه المصالحة، وأنزل المحبوسون من القلعة إلى ~~بيت إبراهيم بك الدفتردار، ابن الباشا بالأزبكية، وفيهم جرجس الطويل وأخوه ~~حنا وجريس، وفرنسيس أخو غالي، ويعقوب كاتبه، وغيرهم، وأشاعوا عمل حسابهم، ~~ثم دار الشغل، وأفلحت جهود الوسطاء، وتم الأمر على أربعة وعشرين ألف كيس، ~~يدفعها المعلم غالي، ونزل له فرمان الرضا والخلع والبشائر، وذلك في آخر ~~رمضان 1225؛ أي 29 أكتوبر 1810. # وفي اليوم التالي، نزلت طبلخانة الباشا إلى بيت المعلم غالي، واستمروا ~~يضربون النوبة التركية ثلاثة أيام العيد ببيته، وكذلك الطبل الشامي، وباقي ~~الملاعيب، وترمى لهم الخلع والبقاشيش، وأما المعلم غالي فقد حضر في 5 ~~نوفمبر، وطلع إلى القلعة، وخلع عليه الباشا خلع الرضا، وألبسه فروة سمور، ~~وأنعم عليه، ونزل له عن أربعة آلاف كيس من أصل الأربعة وعشرين ألف كيس ~~المطلوبة في المصالحة ونزل المعلم غالي إلى داره وأمامه الجاويشية ~~والأتباع بالعصي المفضضة، وأقبل عليه الأعيان من المسلمين والنصارى للسلام ~~عليه والتهنئة له بالقدوم المبارك، وأما المعلم منصور ضريمون فقد جبروا ~~خاطره بأن قيدوه بخدمة بيت إبراهيم بك، ابن الباشا، الدفتردار، وقيدوا ~~رفيقيه في خدم أخرى. # كائنة حسين أفندي الروزنامجي # ومثلما حاسب الباشا المباشرين، جباة الضرائب، ومحصلي مال الميري، واعتقد ~~فيهم الخيانة، واضطرهم إلى المصالحة على أنفسهم، فقد حاسب كذلك أفندية ~~الروزنامة وكبيرهم، واعتقد فيهم عدم الأمانة، وأخذ منهم الغرامات الفادحة، ~~وتسنى له بهذه الوسيلة أن يستنضح منهم المال، كما استنضحه ms1105 من المباشرين ~~الأقباط. # والروزنامة، هي المصلحة المكلفة بقيد إيرادات البلاد ومصرفها، ولديها ~~دفتر ميري مال الكشوفية، وعنها تصدر السندات إلى الملتزمين الذين يدفعون ~~المال الميري، وتحفظ سجلات بأسماء هؤلاء وقدر الميري الذي عليهم، ودفتر صرة ~~الأشراف، شريف مكة والمدينة والينبع وأغوات الحرم وأهالي مكة والمدينة، ~~ودفتر جرايات أهالي الحرمين، ودفاتر الجمارك أو الرسوم الجمركية التي على ~~الدواوين (الجمارك) مثل إسكندرية ودمياط ورشيد وبولاق ومصر القديمة، ومال ~~البهار والبحرين (الرسوم الجمركية على الغلال الواردة إلى البحرين وهما ~~ساحلا بولاق ومصر القديمة)، والخردة؛ أي الرسوم المفروضة على الملاحي ~~والمغنيات والحواة ومن إليهم، وغيره. ومن مهام الروزنامة ربط دفاتر ~~الجمكية بمصر إلى العساكر وغيره، وربط قدر جملتها على الصحيح، ثم قيد ~~أطيان الرزق بأسماء أصحابها، إلى غير ذلك. وصفوة القول أن الروزنامة هي ~~المشرفة على الإدارة المالية بالبلاد، ومع أن الروزنامة كان قد بطل عملها ~~على أيام الحملة الفرنسية واستبدل الفرنسيون بها نظاما آخر، وأقاموا ~~لجنة عهدوا إليها ببعض اختصاصات الروزنامة، فقد استأنفت الروزنامة نشاطها ~~عقب خروج الفرنسيين من البلاد. # وكان المقيدون بخدمة الروزنامة، الأفندية، ورئيسهم هو الروزنامجي ومن ~~تحته شاجرتية تلاميذ ثلاثة وكيسدار أو كيسه دار، وهو حافظ أكياس الورق، ~~ويعاون الروزنامجي في الإشراف على أعمال الأفندية، قلفاوات أربعة، ويحاسب ~~كتبة الخزينة سائر الأفندية على ما بعهدتهم من المال الميري، ومن تحت يد ~~المذكورين صيارف يهود ثلاثة، وكان للروزنامجي مرتب ثابت، عدا نصيبه من ~~حساب ما يجمعه ويشتريه أمين أو آغا المشاق؛ أي نسل حبال القنب الذي كانت ~~تطلبه الدولة القسطنطينية وما له من الضرائب التي على الغلال، وعليه أن ~~يدفع في كل سنة في نظير منصبه هذا مال كشوفية كبير؛ أي الضريبة المعروفة ~~باسم ميري الوظائف. # وكان رئيس الروزنامة وقتئذ، حسين أفندي الروزنامجي، وهو صاحب الأجوبة ~~المشهورة على الأسئلة التي وجهها إليه «إستيف» # Estève # أحد رئيسي الإدارة المالية على أيام الحملة ~~الفرنسية - وكان سلفه «بوسيلج» Poussielgue ~~- وقد شرح حسين أفندي في هذه الأجوبة نظام ~~الإدارة والحكم في الروزنامة في عهد الفرنسيين ms1106 - كما سبقت الإشارة إليه - ~~ثم أسند إليه هذا المنصب فعلا بعد خروج الفرنسيين، وكان «مطلق التصرف في ~~الأموال الميرية، ويبلغها إذا سئل فيها للقائم بالدولة؛ أي الباشا الوالي، ~~إيرادا ومصرفا، ليكون إجمالا لا تفصيلا، لكونه أمينا وعدلا، وكان ~~الإيراد والمنصرف محررا ومضبوطا في الدفاتر التي بأيدي الأفندية الكتاب، ~~ومن انضم إليهم من كتاب اليهود في دفاترهم أيضا بالعبراني، لتكون كل فرقة ~~شاهدة وضابطة على الأخرى.» وفي 18 أغسطس 1807 عينه الباشا في منصب ~~الدفتردارية، ولكنه ما لبث أن عاد إلى منصبه الأول عندما وصل قابجي في 24 ~~ديسمبر من العام نفسه، ومعه مرسومات، منها واحد بتقرير الدفتردارية باسم ~~إبراهيم بن محمد علي. # ونجح الروزنامجي والأفندية في الاحتفاظ بسر مهنتهم، فاستخدموا خطا ~~في تدوين سجلاتهم يعرف بخط القرمة، استعصت على غيرهم قراءته، فكانت هذه ~~السرية من العوامل التي جعلتهم يستأثرون بإدارة مالية البلاد، ولكنها جعلت ~~الباشا من ناحية أخرى، يتشكك في أمانتهم، وبخاصة عندما أعوزه المال، وسعى ~~الساعون للوقيعة بحسين أفندي، فكانت محاسبة هذا الأخير، والمقربين إليه، ~~الوسيلة التي تذرع بها الباشا لاستنضاح المال منهم، كما فعل مع ~~المباشرين. # ولما كان الباشا قد «استحدث أقلام المكوس، وجعلها في دفاتر تحت أيدي ~~الأفندية وكتبة الروزنامة، فقد صارت هذه من جملة الأموال الميرية في ~~قبضها وتحاويلها، والباشا مرخي العنان للروزنامجي، ومرخص له في الإذن ~~والتصرف.» واستمر ذلك حتى بدأ تغيره عليه، فكانت أول دسيسة أدخلوها في ~~الروزنامجة، وابتداء فضيحتها وكشف سرها - كما قال الشيخ الجبرتي - أن اختار ~~الباشا في 8 مارس 1810، أحد الأفراد المعروفين بالإدمان على المسكرات ويدعى ~~خليل أفندي، وكان هذا كاتبا لخزينة محمد خسرو باشا، ولا يفيق من الشرب، ~~وقلده النظر على الروزنامجي وكتابه، وسموه «كاتب الذمة؛ أي ذمة الميري من ~~الإيراد والمنصرف، وكان ذلك عند فتح الطلب بالميري عن السنة الجديدة، فلا ~~يكتب تحويل ولا تنبيه ولا تذكرة حتى يطلعوا خليل أفندي عليها ويكتب عليها ~~علامته، فتكدر من ذلك الروزنامجي وباقي الكتبة.» # وكان الساعون بالوشاية في حق حسين أفندي الروزنامجي، ms1107 بعض الأفندية ~~الخاملين الذين أنهوا إلى المسئولين أن الروزنامجي ومن معه من الكتاب ~~يوفرون لأنفسهم الكثير من الأموال الميرية ويتوسعون فيها، وكان سبب هذه ~~الوشاية أن حسين أفندي ائتمن أحد خواص كتابه، أحمد اليتيم، «فأرخى له ~~العنان، لفطانته ودرايته، فكان هو المشار إليه من دون الجميع، ويتطاول ~~عليهم، ويمقت من فعل دون اطلاعه، وربما سبه ولو كان كبيرا أو أعلى منزلة ~~منه في فنه، فيمتلئ غيظا، وينقطع عن حضور الديوان، فيهمله، ولا يسأل عنه، ~~والأفندي الكبير لا يخرج عن رأيه لكونه سادا مسد الجميع، فدبروا على أحمد ~~أفندي المذكور وحفروا له وأغروا به حتى نكبه الباشا.» # فحدث في أبريل 1810، أن كاشف إقليم الدقهلية أبلغ الباشا أنه قاس قطعة ~~أرض داخلة ضمن إقطاع أحمد أفندي اليتيم، فوجد مساحتها خلاف المقيد بدفتر ~~المقياس الأول، ومسقوط منها نحو الخمسمائة فدان، وذلك من فعل أحمد اليتيم ~~ومخامرته مع النصارى الكتبة والمساحين؛ لأنهم يراعونه ويدلسون معه؛ لأن دفتر ~~الروزنامة بيده، فأمر الباشا بالقبض عليه وسجنه، وتشفع فيه السيد محمد ~~المحروقي وعلي كاشف الكبير الألفي، وكانا حاضرين بالمجلس، وبدعوى أنه مريض ~~بالسرطان في رجله، أخذه المحروقي إلى داره، ثم راجع الباشا في أمره، فقرر ~~عليه ثمانين كيسا بعد أن قال: إني كنت أريد أن أقول ثلاثمائة كيس، فسبق ~~لساني فقلت مائة كيس، وقد تجاوزت لأجلك عن عشرين كيسا، وهو يقدر على أكثر ~~من ذلك؛ لأنه يفعل كذا وكذا. # واستطرد الشيخ يقول: «وقد عدد الباشا أشياء تدل على أن أحمد أفندي اليتيم ~~ذو غنية كبيرة، منها أنه لما سافر إلى الباشا بدفتر الفرضة (وقد سبقت ~~الإشارة إلى سفره به مع المعلم غالي وعبد الله بكتاش) إلى ناحية أسيوط، طلع ~~إلى البلدة في هيئة وصحبته فرس وسحاحير وبشخانات وكرارات وفراشون وخدم ~~وكيلارجية ومصاحبجية، والحكيم والمزين، فلما شاهد الباشا هيئته سأل عنه وعن ~~منصبه، فقيل له إنه جاجرت من كتبة الروزنامة، فقال إذا كان جاجرت بمعنى ~~تلميذ، فكيف يكون باش جاجرت أو قلفاوات الإقليم، فضلا عن كبيرهم ~~الروزنامجي، وأسر ms1108 ذلك في نفسه. # وطفق الباشا يسأل ويتجسس عن أحوالهم. وفي مارس 1810 قلد خليل أفندي ~~كتابة الذمة في الروزنامة - كما تقدم - وانضم إليه الكارهون للمذكور الذين ~~كانوا خاملي الذكر بوجوده، وتوصلوا إلى باب الباشا وكتخدا بك، وأنهوا فيه ~~أنه يتصرف في الأموال الأميرية كما يختار، وأن حسين أفندي الروزنامجي لا ~~يخرج عن مراده وإشارته وبيته مفتوح للضيفان، ويجتمع عنده كل ليلة عدة من ~~الفقراء، يثرد لهم الثريد في القصاع، ويواسي الكثير من أهل العلم وغيرهم، ~~ويتعهد بكثير من الملتزمين بالفرض التي تقرر حصصهم، ويضمها في حسابه، ويصبر ~~عليهم حتى يوفوها له في طول الزمن، ونحو ذلك، وكل ما ذكر دليل على سعة ~~الحال والمقدرة. # وأما الذنب الذي أخذه الباشا به، فإن القدر المذكور (500 فدان) من ~~الطين، كان من الموات، فاتفق أحمد أفندي اليتيم مع شركائه ملتزمي الناحية ~~وجرفوه وأحيوه وأصلحوه بعد أن كان خرسا ومواتا لا ينتفع به، وجعلوه ~~صالحا للزراعة، وظن أن ذلك لا يدخل في المساحة فأسقطه منها، فوقع له ما ~~وقع، وأسقطوا اسمه من كتاب الروزنامة، ومنعوه منها. # وأمر الباشا في الوقت نفسه الكتاب بعمل حساب حسين أفندي الروزنامجي عن ~~السنتين السابقتين (1223، 1224)، واستمرت عملية الحساب هذه أياما، ولكنها ~~أسفرت عن زيادة مائة وثمانين كيسا لحسين أفندي، فلم يعجب الباشا ذلك، ~~واستخونهم في عمل الحساب، ثم ألزم حسين أفندي بدفع أربعمائة كيس، وقال أنا ~~كنت أريد منه ستمائة كيس، وقد سامحته في مائتين، في نظير الذي تأخر له. ~~وأظهر الباشا رضاءه عن حسين أفندي، فخلع عليه فروة في اليوم التالي ~~باستقراره في منصبه، ونزل حسين أفندي إلى داره، ولكنه سرعان ما حدث ~~بعد الغروب أن حضر إليه جماعة من العسكر في هيئة مزعجة، ومعهم مشاعل، ~~وطلبوا الدفاتر، وهم يقولون: معزول، معزول، وأخذوا الدفاتر وذهبوا، وحولوا ~~عليه الحوالات بطلب الأربعمائة كيس، فاجتهد في تحصيلها ودفعها، ثم ردوا له ~~الدفاتر ثانيا. # واستطاع خليل أفندي بحكم وظيفته، كاتب الذمة، الإحاطة بجميع أسرار كتبة ~~الروزنامة وموظفيها، ومعرفة أساليبهم في إدارة أعمال ms1109 هذه المصلحة؛ حيث إنه ~~لا يكتب تحويل ولا ورقة ميري ولا خلاف ذلك مما يسطر في ديوانهم حتى يطلع ~~عليه خليل أفندي المذكور ويرسم عليه علامته، وطفق الباشا يسأل ويتجسس عن ~~أحوال الأفندية، وكل قليل يستخبر الباشا من خليل أفندي، ثم انتقل ديوان ~~الروزنامة إلى بيت خليل أفندي نفسه، تجاه منزل إبراهيم بك ابن الباشا ~~بالأزبكية، وترأس بالديوان قاسم أفندي كاتب الشهر (المختص بشئون الالتزام ~~في الوجه القبلي، وجمارك الثغور، ومال البهار والبحرين والخردة)، وقريبه ~~قيطاس أفندي، ومصطفى أفندي باش جاجريت.» # واصطحب إبراهيم بك عند ذهابه إلى الصعيد في أواخر أبريل 1812 لتحرير ~~وقبض الأموال، بعد القضاء نهائيا على المماليك، قاسم أفندي، وظل قيطاس ~~ومصطفى باش جاجريت موضع رعاية حسين أفندي الروزنامجي وولده محمد أفندي، ~~ولا يتعرضان لهما فيما يتصدران له، ويضمنانه في عهدتهما، ووثق إبراهيم بك ~~في قاسم أفندي، الذي صار خصيصا به مثل الوزير الصاحب والنديم، ورتب له ~~الباشا في كل سنة ثمانين كيسا خلاف الخروج والكساوي، وشرط عليه المناصحة ~~في كشف المستورات، وما يكون فيه تحصيل الأموال، فكأنه قصر في كشف بعض ~~الأشياء، وأرسل إبراهيم إلى والده يعلمه بخيانته هو وكاتب الأرزاق، وضرب ~~قاسم أفندي علقة قوية ووصل خبر هذه النكبة إلى القاهرة في 4 يناير 1813، ~~فانتهز الروزنامجي وابنه هذه الفرصة، وصارا يقصران مع قيطاس أفندي ومصطفى ~~أفندي، وأظهر ابن الروزنامجي مكمون غيظه في حقهما، ومانعهما أيضا، وخشن ~~القول لهما، فاتفقا على إنهاء الحال إلى باب الباشا وشرعا يكيدان ~~للروزنامجي وولده. # فما إن رجع إبراهيم إلى القاهرة في 23 يناير 1813، حتى بادر قيطاس ومصطفى ~~برفع أمرهما إلى الباشا، ويقول الشيخ الجبرتي: «ولعل ذلك بإغراء باطني ~~على حسين أفندي الروزنامجي، فعرفا الباشا عن مصارف وأمور يفعلها حسين ~~أفندي ويخفيها عن الباشا، وأنه إذا حوسب على السنين الماضية يطلع عليه ألوف ~~من الأكياس، وكان محمد علي أذن لحسين أفندي في صرف الجامكية السائرة ~~للعامة والخاصة فيما يتعلق بمشايخ العلم والأفندية الكتبة والسيد محمد ~~المحروقي بالكامل، وما عداهم ربع استحقاقهم ms1110 وكتب له فرمانا بذلك، فقال له ~~الروزنامجي: في بعضهم من يستحق المراعاة كبعض أهل العلم الخاملين وأهل ~~الحرمين المهاجرين ومستوطنين بمصر بعيالهم وليس لهم إيراد يعيشون منه، إلا ~~ما هو مرتب لهم من العلائف في كل سنة، وكذلك بعض الملتزمين الذين اعتادوا ~~سداد ما عليهم من الميري وبعضه بما لهم من الإتلافات والعلائف والغلال، ~~فقال له: النظر في ذلك لرأيك، فإن هذا شيء يعسر ضبط جزئياته، فاعتمد على ~~ذلك وطفق يفعل في البعض بالنصف والبعض بالثلث أو الثلثين، وأما العامة ~~والأرامل فيصرف لهم الربع لا غير حسب الأمر، ويقاسون في تحصيل ربع ~~استحقاقهم الشدائد من السعي وتكرار الذهاب والتسويف والرجوع في الأكثر من ~~غير شيء مع بعد المسافة، وفيهم الكثير من العواجز، فلما ترافعوا في الحساب ~~مانع المتصدر فيما زاد على الربع، وطلع إلى الباشا فعرفه بذلك، فقال ~~الباشا: لا تخصموا له إلا ما كان بإذني وفرماني، وما كان بدون ذلك فلا، ~~وأنكر الحال السابق منه، وقال: هو متبرع فيما فعله، فتأخر عليه مبلغ كبير ~~في مدة أربع سنوات، وكذلك كان يحول عليه حوالات لكبار العسكر برسول من ~~أتباعه، فلا يسعه الممانعة ويدفع القدر المحول عليه بدون فرمان اتكالا على ~~الحالة التي هو معه عليها.» # فطلب الآن الباشا محاسبة حسين أفندي عن أربع سنوات متقدمة، فخرج قيطاس ~~أفندي ومصطفى أفندي باش جاجرت من عنده «وأخذا صحبتهما مباشرا تركيا، ~~ونزلوا على حين غفلة بعد العصر (23 يناير 1813) وتوجهوا إلى منزل أخيه، ~~عثمان أفندي السرجي، ففتحوا خزانة الدفاتر، وأخذوها بتمامها إلى بيت ابن ~~الباشا إبراهيم بك الدفتردار، واجتمعوا في صبحها (24 يناير) للمحاققة ~~والحساب مع أخيه عثمان أفندي المذكور، واستمروا في المناقشة والمحاققة عدة ~~أيام مع المرافعة والمدافعة، والميل الكلي على حسين أفندي، ويذهبون في كل ~~ليلة يخبرون الباشا بما يفعلون، وبالقدر الذي ظهر عليه، فيعجبه ذلك، ويثني ~~عليهما ويحرضهما على التدقيق، فتنتفخ أوداجهما، ويزيدان في الممانعة ~~والمدافعة والمرافعة في الحساب، وحسين أفندي على جليته ويظن أنه على ~~عادته، وأسفر الحساب عن ms1111 سنة واحدة، نحو الألف ومائتي كيس وكسور؛ أي خمسة ~~آلاف كيس عن أربع سنوات، فتقلق حسين أفندي وتحير في أمره وزاد وسواسه، ولم ~~يجد مغيثا ولا شافعا ولا دافعا.» # وفي 9 فبراير، أحضره وخلع عليه خلعة الإبقاء في منصبه في الروزنامة، ~~وكان غرض الباشا من ذلك تطمينه، حتى يدفع هذا المبلغ، ثم أرسل إليه يطلب ~~منه خمسمائة كيس من أصل الحساب، «فضاق خناقه، ولم يجد له شافعا ولا ذا ~~مرحمة، فأرسل ولده إلى محمود بك الديودار يستجيره فيه، وليكون له واسطة ~~بينه وبين الباشا، وهو رجل ظاهره خلاف باطنه، فذهب معه إلى الباشا، فبش في ~~وجهه ورحب به، وأجلسه محمود بك في ناحية من المجلس، وتناجى هو مع الباشا، ~~ورجع إليه يقول له: إنه يقول إن الحساب لم يتم إلى هذا الحين، وأنه ظهر على ~~أبيك تاريخ أمس خمسة آلاف كيس وزيادة، وأنا تكلمت معه، وتشفعت عنده في ترك ~~باقي الحساب والمسامحة في نصف المبلغ والكسور، فيكون الباقي ألفين وخمسمائة ~~كيس تقومون بدفعها، فقال: ومن أين لنا هذا القدر العظيم، وقد عزلنا من ~~المنصب أيضا، حتى كنا نتداين ولا يأمننا الناس إذا كان القدر دون هذا ~~أيضا؟ فرجع إلى الباشا، وعاد إليه يقول له: لم يمكني تضعيف القدر سوى ما ~~سامح فيه، وأما المنصب فهو عليكم، وفي غد يطلع والدك، ويتجدد عليه الإبقاء، ~~وينكمد الخصم، وعلى الله السداد، ونهض محمد أفندي ابن الروزنامجي وقبل ~~يده وتوجه، فنزل إلى دارهم، وأخبر والده بما حصل، فزاد كربه، ولم يسعه إلا ~~التسليم، وركب في صبحها (10 فبراير) وطلع إلى الباشا، فخلع عليه، ونزل إلى ~~داره بقهره، وشرع في بيع تعلقاته وما يتحصل لديه.» # ولكن الباشا لم يلبث أن عزله من منصبه، وفي 15 فبراير خلع على مصطفى ~~أفندي «باش جاجرت» ونزل هذا إلى داره، وأتاه الناس يهنئونه بمنصب ~~الروزنامجي. وفي 7 مارس طلب الباشا حسين أفندي الروزنامجي، «وطلب منه ما ~~قرره عليه، وكان قد باع حصصه وأملاكه ودار مسكنه، فلم يوف إلا خمسمائة ms1112 كيس، ~~فقال له: ما لك لم توف القدر المطلوب، وما هذا التأخير؟ وأنا محتاج إلى ~~المال، فقال: لم يبق عندي شيء، وقد بعت التزامي وأملاكي وبيتي وتداينت من ~~الربويين حتى وفيت خمسمائة كيس، وها أنا بين يديك ، فقال له: هذا كلام لا ~~يروج علي، ولا ينفعك بل أخرج المال المدفون، فقال: لم يكن عندي مال مدفون، ~~وأما الذي أخبرك عنه، فيذهب فيخرجه من محله، فحنق منه وسبه وقبض على لحيته ~~ولطمه على وجهه وجرد السيف ليضربه، فترجى فيه الكتخدا والحاضرون، فأمر به ~~فبطحوه، وأمر القواسة الأتراك بضربه، فضربوه بالعصي المفضضة التي بأيديهم، ~~بعد أن ضربه هو بيده عدة عصي وشج جبهته، حتى أتوا عليه، ثم أقاموه وألبسوه ~~فروته وحملها وهو مغشي عليه، وأركبوه حمارا وأحاط به خدمه وأتباعه، حتى ~~أوصلوه إلى منزله، وأرسل معه جماعة من العسكر يلازمونه، ولا يدعونه يدخل ~~إلى حريمه، ولا يصل إليه منهم أحد. # وركب في أثره محمود بك الديودار بأمر الباشا، وعبر داره ودار أخيه عثمان ~~أفندي المذكور، وأخذ صحبته إلى القلعة، وسجنوه، أما ولده وأخواه فإنهم ~~تغيبوا من وقت الطلب، واختفوا، ونزل إليه في اليوم الثاني (8 مارس 1813) ~~إبراهيم آغا آغات الباب يطالبه بغلاق ثمانمائة كيس وقتئذ، فقال له: وكيف أحصل ~~شيئا وأنا رجل ضعيف، وأخي عثمان عندكم في الترسيم (الحبس)، وهو الذي ~~يعنيني ويقضي أشغالي، وأخذتم دفاتري المختصة بأحوالي مع ما أخذتموه من ~~الدفاتر، وأقام عنده إبراهيم آغا برهة، ثم ركب إلى الباشا وكلمه في ذلك، ~~فأطلقوا له أخاه يسعى في التحصيل.» ~~••• # تلك إذا طائفة من الأمثلة التي توضح الأساليب التي اتبعها الباشا في ~~تحصيل المال، والتي جعلت الشيخ الجبرتي ينحى باللائمة الشديدة على حكومته، ~~ويوجه لشخص الباشا نفسه نقدا لاذعا مرا، فيقول: إن «من طبعه الحقد ~~والحسد والتطلع لما في أيدي الناس، وأن لا غرض له سوى سلب أموال الناس من ~~الأغنياء والفقراء.» # وسواء أكان الشيخ الجبرتي محقا في نقده لهذه الأساليب، أم كان الباشا ~~مرغما على اللجوء إليها؛ لحاجته الملحة إلى ms1113 المال، للأسباب التي ذكرناها ~~في موضعها، فإن أحدا من المشايخ والزعماء الشعبيين لم يعترض على الباشا ~~في شيء من تصرفاته هذه، بل إن المتصدرين منهم كانوا يقبلون على تأييد ~~الباشا ومعاضدته، واكتفى الشيخ الجبرتي ومن نحا نحوه بالنذير الصامت، ووجد ~~الشيخ متنفسا لكربه وألمه، في تسطير آرائه في الطيارات أو قصاصات ~~المذكرات التي استعان بها في تدوين تاريخه، فلم يحرك المشايخ ساكنا حتى ~~شرع الباشا في حاجته المستمرة إلى المال، يعمل على مقاسمتهم إيراداتهم ~~الخاصة من فائض الالتزام ومن ريع الأوقاف التي تنظروا عليها، فهب ~~المتصدرون لمعارضته، وكان اصطدامهم معه منشأ الكارثة التي حاقت بهم، ~~وبالسيد عمر مكرم خصوصا، والذريعة التي اتخذها الباشا لإقصائهم عن شئون ~~الحكم عموما، وتجريدها من تلك الزعامة الموهومة التي خيل إليهم أنها من ~~حقهم، وأنهم جديرون بها. # الفصل الثالث # | الحكومة الموطدة # إقصاء المشايخ # تمهيد # كان من مقتضيات الانفراد بالسلطة، حرمان المشايخ من ذلك النفوذ الذي كان لهم ~~بين الأهلين، في الزمن الماضي، والذي أرادوا أن يبنوا عليه - بالرغم من وهنه الآن، ~~بل زواله - زعامة في وسعها الاجتراء على معارضة الباشا ومقاومته، وكان خليقا ~~بهؤلاء المشايخ أن يفشلوا فيما ابتغوه، لأسباب مردها إلى طبيعة هذا النفوذ نفسه، ~~الذي تولد في بيئة هيأت له القالب الذي أفرغ فيه، وحددت له المدى الذي ما كان يقدر ~~على تجاوزه، فعجز هذا النفوذ عن سعة ما عمل المشايخ لإدخاله في دائرته الضيقة ~~المحدودة، وذلك في وقت كان قد أصبح فيه الزمان غير الزمان، فاستبدلت بفوضى تشتت ~~السلطة السالفة، حكومة توفر لها الاستقرار في وجه كل العقبات التي صادفتها في ~~الداخل، أو الأخطار التي أتتها من الخارج، وتربع في دستها عاهل وجد لزاما عليه أن ~~يجمع أسباب السلطة في يده هو وحده؛ كي يمهد لنقل باشوية مصر من مجرد مقاطعة عادية ~~من أملاك الدولة العثمانية إلى باشوية وراثية، ناهيك بما طرأ على المشايخ أنفسهم من ~~تبدل وتغير، جرد سوادهم من صفات الورع والتقوى والزهد في الدنيا، والاشتغال بأمور ~~الدين الحنيف، وهي ms1114 الصفات التي أوجدت نفوذهم في الزمن السابق، فصاروا الآن يؤثرون ~~الدنيا على الآخرة، ويتنافسون على أماكن الزعامة والصدارة، السبيل الظاهر للتمتع ~~بلذائذ الحياة، ولبلوغ الجاه والسلطان بين أقوامهم. وكان من جراء التكالب على هذه ~~العروض الزائلة، أن دبت الخلافات والانقسامات بينهم، وذهبت ريحهم، وفقدوا إيمان ~~الأهلين القديم بزعامتهم، واحترامهم لهم، ونزلت أقدارهم في أعين السلطات القائمة، ~~وضاع المسوغ الذي كان لنفوذهم السابق، وسهل القضاء عليهم. ~~(1) الأصل في نفوذ المشايخ # وكان مبعث زعامة المشايخ القديمة، الترتيب الذي وضعه العثمانيون لحكومة هذه ~~البلاد منذ أن افتتحوها في القرن العاشر الهجري والسادس عشر الميلادي، وهو ترتيب ~~مكن البكوات المماليك من الظفر بالسلطة الفعلية، بينما بقي للسلطان العثماني في آخر ~~الأمر السيادة الرسمية فحسب، ممثلة في عماله وضباطه وعلى رأسهم الباشا الذي كان لا ~~حول له ولا طول أمام طغيان العسكريين رؤساء الحاميات العثمانية من جهة، والبكوات ~~المماليك من جهة أخرى. وكان على المصريين وحدهم أن وقعت ويلات هذا الترتيب، وقد ~~ظلوا يتذوقون مرارته أجيالا طويلة. # ولما كان العثمانيون والبكوات المماليك - إلا من ندر من بينهم - يجهلون لغة ~~البلاد. ومنعت الأوضاع اتصال المحكومين بالهيئات الحاكمة، فلم يكن للأهلين من ملجأ ~~يلجئون إليه في نكباتهم سوى مشايخهم وفقهائهم، يناشدونهم المعاونة في تخفيف نكبتهم، ~~ويرجونهم التوسط والشفاعة لدى البكوات لرفع المظالم عنهم، واستطاع المشايخ والفقهاء ~~في حالات عديدة إسداء هذه المعونة، وكان لهؤلاء في ذلك العهد الغابر مكانة مرموقة ~~لدى الهيئات الحاكمة لاشتغالهم بالدين دون سواه، واشتهارهم بالصلاح، ولظفرهم بمحبة ~~الشعب واحترامه العظيم لهم، وهم الذين قاموا آنئذ بوظائفهم خير قيام، من حيث قراءة ~~صحيح البخاري في الجوامع عند حدوث الملمات، والتوفر على البحث والدراسة، وتلقين ~~الأهلين أصول العبادة والدين الحنيف في البنادر والقرى، والتدريس في الجامع الأزهر، ~~والجوامع الأخرى الهامة في دسوق وطنطا والإسكندرية وغيرها، فتمتعوا بنفوذ روحي كبير ~~على سواد الأهلين، وارتفعت مكانة هؤلاء المشايخ والفقهاء من ناحية أخرى؛ لأن ~~البكوات المماليك نزعت نفوسهم إلى تبجيل العلماء وأهل الصلاح والتقوى، عادة ~~الطوائف والجماعات التي ms1115 لجهلها بقواعد الدين الصحيح وإهمالها لها تحرص على الاحتفاظ ~~بمظاهر التمسك بالدين، ومن أولى هذه، إضفاء الاحترام والتبجيل على رجاله، ومن دلائل ~~هذا الاحترام - ولا شك - قبول وساطة المشايخ والعلماء وشفاعتهم، ثم إن البكوات ما لبثوا أن وجدوا في ارتفاع مكانة المشايخ وازدياد نفوذهم الروحي بين الشعب، وما يتيح ~~لهم استخدام هؤلاء كحلقة اتصال بين الهيئتين: الحاكمة والمحكومة. # ولا جدال في أن المشايخ قد أفادوا فائدة كبيرة من هذا التطور الذي حدث نتيجة ~~لالتفاف الأهلين حولهم وتوسيطهم لدى الهيئات الحاكمة من جهة، ولتبجيل الهيئات ~~الحاكمة، وعلى الأخص البكوات المماليك لهم، ثم توسيط هؤلاء كذلك لهم لدى الشعب؛ ~~لمؤازرتهم في اجتياز الأزمات التي تعرضوا لها من جهة أخرى، فصارت لهم الجرأة عند ~~اشتداد الخطوب بالأهلين على أيدي البكوات أن ينذروا ويتوعدوا البكوات، بل ~~ويتهددونهم بتأليب الرعية عليهم إذا بدا منهم إهمال لنصحهم أو أبوا الاستماع ~~لوساطتهم وشفاعتهم، وكسب المشايخ والعلماء من هذا الوضع مزايا عديدة، لعل أهمها ~~عدم مساس السلطات الحاكمة المملوكية والعثمانية بنظام الوقف، أو الأوقاف التي حبست ~~للإنفاق من ريعها على المساجد والسبل، ووجوه البر والصدقات، والمدارس وما إلى ذلك، ~~وكان المشايخ أنفسهم هم المنتظرون على كثير من هذه الأوقاف، كما كانت هذه مصدر عيش ~~لعديدين من الأهلين. قال الشيخ الجبرتي: «إن هذه الإرصادات والأطيان موضوعة من أيام ~~الملك الناصر يوسف صلاح الدين الأيوبي في القرن الخامس، وجعلها من مصاريف بيت ~~المال؛ ليصل إلى المستحقين بعض استحقاقهم من بيت المال بسهولة، ثم اقتدى به في ذلك ~~الملوك والسلاطين والأمراء إلى وقتنا هذا، فيبنون المساجد والربط والخوانق ~~والأسبلة، ويرصدون عليها أطيانا يخرجونها من زمام أوسيتهم، فيستغل خراجها أو ~~غلالها لتلك الجهة، وكذلك يربطون على بعض الأشخاص من طلبة العلم والفقراء على وجه ~~البر والصدقة ليتعيشوا بذلك، ويستعينوا به على طلب العلم، وإذا مات المرصد عليه ~~ذلك، قرر القاضي أو الناظر خلافه ممن يستحق ذلك، وقيد اسمه في سجل القاضي ودفتر ~~الديوان السلطاني عند الأفندي (من أفندية الروزنامة) المقيد بذلك، الذي ms1116 عرف بكاتب ~~الرزق، فيكتب له ذلك الأفندي سندا بموجب تقرير يقال له الإفراج، ثم يضع عليه ~~علامته ثم علامة الباشا والدفتردار، ولكل إقليم من الأقاليم القبلية والبحرية دفتر ~~مخصوص عليه طرة من خارج، مكتوب فيها اسم ذلك الإقليم ليسهل الكشف والتحرير ~~والمراجعة عند الاشتباه، وتحرير مقادير حصص أرباب الاستحقاقات، ولم يزل ديوان الرزق ~~الإحباسية محفوظا مضبوطا في جميع الدول المصرية جيلا بعد جيل، لا يتطرقه خلل إلا ~~ما ينزل عنه أربابه لشدة احتياجهم، بالفراغ لبعض الملتزمين بقدر من الدراهم معجل، ~~ويقرر للمفرغ على نفسه قدرا مؤجلا دون القيمة الأصلية، في نظير المعجل الذي دفعه ~~للمفرغ، ويسمونها حينئذ داخل الزمام، ولم تزل على ذلك بطول القرون الماضية.» # ولعل من أهم المزايا المادية التي كسبها المشايخ كذلك من الوضع الذي صار لهم، ~~بقاء النظام المعروف باسم مسموح المشايخ، وقد سبق الكلام عنه، وكاد الملتزمون ~~يكونون جميعا من المشايخ وأغنياء القاهرة، وظلوا يحصلون من الفلاحين في الأرض ~~الداخلة ضمن حصصهم، الضرائب التي كان المشايخ والملتزمون معفون منها، في ~~مسموحهم. # واشتهر في العهد العثماني المملوكي طائفة من المشايخ، منهم من أعلام القرن الحادي ~~عشر الهجري والسابع عشر الميلادي، الشيخ شمس الدين الشرنبابلي «شيخ مشايخ الأزهر في ~~عصره»، والشيخ شمس الدين محمد البقري، وكان غالب علماء مصر إما تلميذه أو تلميذ ~~تلميذه، واستحق طائفة منهم بما بلغوه من علم، وتحلوا به من صلاح وتقوى، ما صاروا ~~يتمتعون به من نفوذ لدى الهيئتين الحاكمة والمحكومة على السواء، وتميز من بينهم ~~عديدون في القرن الثاني عشر الهجري والثامن عشر الميلادي، كانوا ملجأ أصحاب ~~الحاجات، يشفعون للناس، ويتوسطون لقضاء حاجاتهم لدى السلطات الحاكمة، ولرفع الظلم ~~عنهم، اشتهروا بالزهد في الدنيا، والانقطاع للتدريس ونشر الهداية، فصاروا موضع ~~احترام وتبجيل الأهلين، ويخشاهم البكوات وسائر الحكام ويهابونهم، منهم الشيخ سليمان ~~المنصوري، المتوفى سنة 1169ه/1756م، وكان في عصره «أحد الصدور المشار إليهم، ~~أتقن الأصول ومهر في الفروع، ودارت عليه مشيخة الحنفية، ورغب الناس في فتاويه، ~~وكان جليل القدر، عالي الذكر، مسموع الكلمة، ms1117 مقبول الشفاعة.» والشيخ سليمان ~~المنصوري هو الذي تصدى لمعارضة محاولة كان قد أزمع عليها السلطان العثماني في عام 1735 للنيل من نظام الوقف، فوردت في أيامه من دار السلطنة مراسيم لإبطال بعض ~~المرتبات التي جرت العادة بصرفها من ريع الأوقاف المرصدة على الخيرات والصدقات وما ~~إليها، وقال القاضي: «أمر السلطان لا يخالف، ويجب إطاعته»، فكان جواب الشيخ: إن هذه ~~المرتبات «فعل نائب السلطان، وفعل النائب كفعل السلطان، وهذا شيء جرت به العادة في ~~مدة الملوك المتقدمين، وتداولته الناس، وصار يباع ويشترى، ورتبوه على خيرات ومساجد ~~وأسبلة، فلا يجوز لأحد يؤمن بالله ورسوله أن يعطل ذلك، وإن أمر ولي الأمر ~~بإبطاله لا يسلم له ويخالف أمره؛ لأن ذلك مخالف للشرع، ولا يسلم للإمام في فعل ما ~~يخالف الشرع ولا لنائبه أيضا.» وتم للشيخ ما أراد. # ومن المشايخ الذين ذاع صيتهم، واحتفى بهم البكوات المماليك والباشوات العثمانيون ~~على السواء، وخشوا جانبهم، الشيخ محمد بن سالم الحفناوي أو الحفني نسبة إلى بلده ~~حفنا، وهي قرية من أعمال بلبيس، ولد على رأس المائة (1100ه/1688م)، وتوفي سنة ~~1180ه/1767م، كان «على غاية من العفاف ... كريم الطبع جدا، وليس للدنيا عنده قدر ~~ولا قيمة، جميل السجايا، مهيب الشكل ... على مجالسه هيبة ووقار ... ومن مكارم أخلاقه ~~أنه لو سأله إنسان أعز حاجة عليه أعطاها له كائنة ما كانت، ويجد لذلك أنسا ~~وانشراحا، ولا يعلق أمله بشيء من الدنيا، وله صدقات وصلات خفية وظاهرة ... أقبل عليه ~~الوافدون بالطول والعرض، وهادنه الملوك، وقصده الأمير والصعلوك، فكل من طلب شيئا ~~من أمور الدنيا أو الآخرة وجده.» قال عنه محمد راغب باشا أحد الولاة العثمانيين في ~~ذلك الوقت (1745-1748): إنه سقف على مصر من نزول البلاء، ونظيره قول بعض الأمراء ~~(البكوات) حين قيل له: الأستاذ الحفناوي من عجائب مصر، قال: بل قل من عجائب ~~الدنيا. تدخل في النزاع الدائر بين البكوات أيام مسعى علي بك الكبير للظفر بشياخة ~~البلد، وكان هذا قد نفي إلى الصعيد، وأراد خصومه مطاردته، فعقدوا جمعية، وعزموا ~~على ms1118 تشهيل تجريدة، وتكلموا وتشاوروا في ذلك، فتكلم الشيخ الحفناوي في ذلك المجلس، ~~وأفحمهم بالكلام، ومانع في ذلك، وقال: أخربتم الأقاليم والبلاد، في أي شيء هذا ~~الحال، وكل ساعة خصام ونزاع، وتجاريد، علي بك هذا رجل أخوكم وخشداشكم؛ أي شيء يحصل ~~إذا أتى وقعد في بيته، واصطلحتم مع بعضكم وأرحتم أنفسكم والناس، وحلف أنه لا يسافر ~~أحد بتجريدة مطلقا، وإن فعلوا ذلك لا يحصل لهم خير أبدا، فقالوا: إنه هو الذي ~~يحرك الشر، ويريد الانفراد بنفسه ومماليكه، وإن لم نذهب إليه أتى هو إلينا، وفعل ~~مراده فينا، فقال لهم الشيخ: أنا أرسل إليه مكاتبة، فلا تتحركوا بشيء حتى يأتي رد ~~الجواب، فلم يسعهم إلا الامتثال، فكتب له الشيخ مكتوبا وبخه فيه وزجره ونصحه ~~ووعظه، وأرسلوه إليه، وقد مرض الشيخ بعد هذا الحادث بأيام ورمى بالدم وتوفي في ~~27 ربيع الأول 1181 / 23 أغسطس 1767. # وكان من طرازه الشيخ علي بن موسى المعروف بابن النقيب (1125-1186/1713-1772)، ~~وأخوه السيد بدر الدين، وقد درس الأول بالمشهد الحسيني واشتهر أمره وزاد صيته ... ~~وكان ذا جود وسخاء وكرم ومروءة ووفاء، لا يدخل في يده شيء من متاع الدنيا، إلا ~~وبذله لسائليه، وأغدق به على مبتغيه، وقد خلفه عند وفاته في إملاء درس الحديث ~~النبوي بمسجد المشهد الحسيني، أخوه الذي أقبلت عليه الناس والأعيان، ومشى على قدم ~~أخيه، وسار سيرا حسنا، وجرى على نسقه وطبيعته في مكارم الأخلاق وإطعام الطعام، ~~وإكرام الضيفان، والتردد على الأعيان والأمراء؛ أي البكوات المماليك، والسعي في ~~حوائج الناس، والتصدي لأهل حارته وخطته في دعاويهم، وفصل خصوماتهم وصلحهم، والذب ~~عنهم، ومدافعة المعتدي عليهم، ولو من الأمراء والحكام في شكاويهم وتشاجرهم ~~وقضاياهم، حتى صار مرجعا وملجأ لهم في أمورهم ومقاصدهم، وصار له وجاهة ومنزلة في ~~قلوبهم، ويخشون جانبه وصولته عليهم. # واشتهر بالورع والزهد الشيخ علي بن أحمد الصعيدي العدوي المالكي ~~(1112-1189 / 1700-1775)، عرف عنه أنه طالما كان يبيت بالجوع في مبدأ اشتغاله ~~بالعلم، وكان لا يقدر على ثمن الورق، ومع ذلك إن وجد شيئا تصدق ms1119 به، ولقد كان شديد ~~الشكيمة في الدين، يصدع بالحق ويأمر بالمعروف وإقامة الشريعة ويحب الاجتهاد في طلب ~~العلم، ويكره سفاسف الأمور، «وينهى عن شرب الدخان، ويمنع من شربه بحضرته وبحضرة أهل ~~العلم تعظيما لهم، وإذا دخل إلى منزل من منازل الأمراء (البكوات المماليك) ورأى ~~من يشرب الدخان شنع عليه وكسر آلته، ولو كانت في يد كبير الأمراء، وشاع عنه ذلك، ~~وعرف في جميع الخاص والعام، وتركوه بحضرته، فكانوا عندما يرونه مقبلا من بعيد، ~~نبه بعضهم بعضا ورفعوا شبكاتهم وأقصابهم وأخفوها عنه، وإن رأى شيئا منها أنكر ~~عليهم ووبخهم وعنفهم وزجرهم»، وخشي البكوات جانبه، حتى إن علي بك الكبير في ~~أيام إمارته كان إذا دخل عليه الشيخ في حاجة أو شفاعة، أخبروه قبل وصوله إلى مجلسه، ~~فيرفع الشبك من يده، ويخفوه من وجهه وذلك مع عتوه وتجبره وتكبره. # واتفق أن الشيخ الصعيدي دخل على علي بك في بعض الأوقات «فتلقاه على عادته وقبل ~~يده وجلس، فسكت الأمير مفكرا في أمر من الأمور، فظن الشيخ إعراضه عنه، فأخذته ~~الحدة، وقال مخاطبا له باللغة الصعيدية: يامين، يامين، يا من هو غضبك ورضاك على حد ~~سواء، بل غضبك خير من رضاك، وكرر ذلك، وقام قائما، وهو يأخذ بخاطره، ويقول: أنا لم ~~أغضب من شيء، ويستعطفه، فلم يجبه، ولم يجلس ثانيا، وخرج ذاهبا، ثم سأل علي بك عن ~~القصة التي أتى بسببها، فأخبروه، فأمر بقضائها.» واستمر الشيخ منقطعا عن الدخول ~~إليه مدة، حتى ركب في ليلة من ليالي رمضان مع الشيخ نور الدين حسن الجبرتي، والد ~~عبد الرحمن، «في حاجة عند بعض الأمراء، ومرا ببيت علي بك، فقال له نور الدين: ~~أدخل بنا نسلم عليه، فقال: يا شيخنا أنا لا أدخل، فقال: لا بد من دخولك معي، فلم ~~تسعه مخالفته، وانسر بذلك علي بك تلك الليلة سرورا كثيرا.» ولما مات علي بك، ~~وصار الأمر لمحمد أبي الذهب، لقي الشيخ علي الصعيدي منه كل إجلال، فقد كان أبو ~~الذهب «يجل من شأنه ويحبه ولا يرد شفاعته ms1120 في شيء أبدا، وكل من تعسر عليه قضاء حاجة ~~ذهب إلى الشيخ وأنهى إليه قصته، فيكتبها مع غيرها في قائمة، حتى تمتلئ الورقة، ثم ~~يذهب إلى الأمير بعد يومين أو ثلاثة، فعندما يستقر في الجلوس، يخرج القائمة من ~~جيبه، ويقص ما فيها من القصص والدعاوي، واحدة بعد واحدة، ويأمره بقضاء كل منها، ~~والأمير لا يخالف ولا ينقبض خاطره في شيء من ذلك. # وفي أثناء ذلك يقول له: لا تضجر ولا تأسف على شيء يفوتك بغير حق في الدنيا، فإن ~~الدنيا فانية، وكلنا نموت، ويوم القيامة يسألنا الرب عن تأخرنا عن نصحك، وها نحن قد ~~نصحناك، وخرجنا من العهدة، وإذا تلكأ عليه في شيء صرخ عليه، وقال له: اتق النار ~~وعذاب جهنم، ثم يمسك يده ويقول له: أنا خائف على هذه اليد الكويسة من النار، وأمثال ~~ذلك.» وكان رأي الشيخ الجبرتي فيه أنه لم يخلف بعده مثله. # وكان من هذا الطراز نفسه، الشيخ أحمد بن محمد بن أبي حامد العدوي المالكي الأزهري ~~الخلوتي الشهير بالدردير (1127-1201 / 1715-1787)، كان «يأمر بالمعروف وينهى عن ~~المنكر، ويصدع بالحق، ولا يأخذه في الله لومة لائم، وله في السعي على الخير يد ~~بيضاء»، كثر تدخله أيام حكم إبراهيم ومراد للانتصاف للشعب منهما، ولدفع ظلمهما ~~وظلم عمالهما عنه، من ذلك ما فعله لوقف اعتداءات حسين بك شعت أو الشغت، بمعنى ~~يهودي في مارس 1786، عندما نهب حسين بك دار أحد الأهلين بحي الحسينية، فثار هؤلاء ~~«وحضروا إلى الجامع الأزهر، ومعهم طبول، والتف عليهم جماعة كثيرة من أوباش العامة ~~والجعيدية وبأيديهم نبابيت ومساوق، وذهبوا إلى الشيخ الدردير، فونسهم وساعدهم ~~بالكلام، وقال لهم أنا معكم، فخرجوا من نواحي الجامع، وقفلوا أبوابه، وصعد منهم ~~طائفة على أعلى المنارات يصيحون ويضربون بالطبول، وانتشروا بالأسواق في حالة منكرة، ~~وأغلقوا الحوانيت، وقال لهم الشيخ الدردير: في غد نجمع أهالي الأطراف والحارات ~~وبولاق ومصر القديمة، وأركب معكم، وننهب بيوتهم كما ينهبون بيوتنا، ونموت شهداء أو ~~ينصرنا الله عليهم.» فخشي المسئولون العاقبة وخافوا من تضاعف الحال، ms1121 وتعهدوا ~~بإحضار المنهوبات، ولو أن حسين الشغت لم يلبث أن أجاب - على سؤال إبراهيم بك «كلنا ~~نهابون، أنت تنهب ومراد بك ينهب، وأنا أنهب ... وبردت القضية» - وللشيخ واقعة أخرى من ~~هذا القبيل في طنطا أثناء أحد موالد سيدي أحمد البدوي، وقد عسف كاشف الغربية ~~بالأهلين، فاشتكوه للشيخ الدردير، وكان هناك يقصد الزيارة، «فركب الشيخ بنفسه وتبعه ~~جماعة كثيرة من العامة، فلما وصل إلى خيمة كتخدا الكاشف، دعاه فحضر إليه والشيخ ~~راكب على بغلته، فكلمه ووبخه وقال له: «أنتم ما تخافون من الله»، وهجم على ~~الكتخدا أحد الأهلين وضربه، فضرب خدام الكتخدا تابع الشيخ، وهاجت الناس على بعضهم، ~~ووقع النهب في الخيم وفي البلد، ونهبت عدة دكاكين، وأسرع الشيخ في الرجوع إلى ~~محله، وراق الحال بعد ذلك، وركب كاشف المنوفية - وهو من جماعة إبراهيم الكبير - ~~وحضر إلى كاشف الغربية وأخذه وحضر به إلى الشيخ، وأخذوا بخاطره وصالحوه ونادوا ~~بالأمان، وانقضى المولد ورجع الناس إلى أوطانهم وكذلك الشيخ الدردير. فلما استقر ~~بمنزله حضر إليه إبراهيم بك الوالي، وأخذ بخاطره أيضا، وكذلك إبراهيم بك الكبير، ~~وكتخدا الجاويشية.» # وللشيخ الدردير معاصر من العلماء، احتل مكانة سامية بعلمه وفضله هو الشيخ أبو ~~الفيض السيد محمد بن محمد بن محمد بن عبد الرزاق الشهير بمرتضى الحسيني، الزبيدي ~~الحنفي (1145-1205 / 1732-1791)، صنف عدة رحلات في انتقالاته في البلاد القبلية ~~والبحرية، وأتم شرح القاموس في نحو أربعة عشر مجلدا سماه تاج العروس. اعتنى بشأنه ~~إسماعيل كتخدا غربان ووالاه بره حتى راج أمره وترونق حاله، واشتهر ذكره عند الخاص ~~والعام، ولبس الملابس الفاخرة وركب الخيول المسومة، وسافر إلى الصعيد ثلاث مرات، ~~واجتمع بأكابره وأعيانه وعلمائه، وأكرمه شيخ العرب همام وإسماعيل أبو عبد الله، ~~وأبو علي، وأولاد نصر وأولاد وافي، وهادوه وبروه، وكذلك ارتحل إلى الجهات البحرية، ~~مثل دمياط ورشيد والمنصورة، وباقي البنادر العظيمة مرارا، حين كانت مزينة بأهلها، ~~عامرة بأكابرها، وأكرمه الجميع، واجتمع بأكابر النواحي وأرباب العلم والسلوك، وتلقى ~~عنهم، وأجازوه وأجازهم. شهد بفضله وسعة اطلاعه ورسوخه في علم ms1122 اللغة، الشيخ علي ~~الصعيدي، والشيخ أحمد الدردير والشيخ محمد وغيرهم كثيرون. ولما أنشأ محمد بك أبو ~~الذهب جامعه المعروف بالقرب من الأزهر، وأوجد به خزانة للكتب، «أنهوا إليه شرح ~~القاموس ... وعرفوه أنه إذا وضع بالخزانة كمل نظامها، وانفردت بذلك دون غيرها، ~~ورغبوه في ذلك، فطلبه وعوض صاحبه عنه مائة ألف درهم فضة.» وعلا ذكر الشيخ ~~مرتضى، وأقبل عليه الأشياخ والأعيان، وتحببوا إليه واستأنسوا به، وهادوه، وهو ~~يظهر لهم الغنى والتعفف، ويعظهم، ويفيد بهم ... وحضر الشيخ عبد الرحمن الجبرتي ~~مجالسه ودروسه وانجذب إليه بعض الأمراء الكبار، مثل مصطفى بك الإسكندراني وأيوب بك ~~الدفتردار، فسعوا إلى منزله وترددوا لحضور مجالس دروسه، وواصلوه بالهدايا الجزيلة. ~~ولما تولى محمد باشا عزت (1776-1778) رفع شأنه وأصعده إليه، وخلع عليه فروة سمور ~~وأجزل له العطايا، ولما بلغ ما لا مزيد عليه من الشهرة وبعد الصيت وعظم القدر ~~والجاه عند الخاص والعام، وكثرت عليه الوفود من سائر الأقطار، وأقبلت عليه الدنيا ~~بحذافيرها من كل ناحية لزم داره، ورد الهدايا التي تأتيه من أكابر البكوات، ولما ~~حضر القبطان حسن باشا لردع البكوات في عام 1786، لم يذهب إليه، بل حضر هو لزيارته، ~~وخلع عليه فروة وهاداه وكانت شفاعة الشيخ عنده لا ترد، وإن أرسل هذا إليه ~~إرسالية في شيء تلقاها بالقبول والإجلال وقبل الورقة قبل أن يقرأها ووضعها على ~~رأسه، ونفذ ما فيها في الحال. # تلك إذا كانت صفات علماء ومشايخ ذلك العصر وسجاياهم: صلاح وتقوى، وزهد في ~~الدنيا، وانكباب على العلم والدرس، يلوذ الناس بهم كي يتوسطوا لهم لدى الهيئة ~~الحاكمة، ويشفعوا فيهم، ويردوا عنهم الظالم، أصحاب جرأة في الحق، يعظون الحكام ~~ويرشدونهم إلى الطريق السوي، أو يغلظون لهم في القول، ويؤلبون عليهم الرعية، ~~ويتوعدونهم بعذاب النار إذا سدروا في غوايتهم، نبه ذكرهم، وعلا شأنهم، وخافهم ~~الجميع، وخطبوا ودهم، وتقربوا إليهم، ابتغاء كسب رضاهم، ولم يكن هؤلاء الذين ذكرت ~~أسماؤهم هم المتحلين وحدهم بهذه الصفات، بل شاركهم في ذلك سائر زملائهم. # ولعل من الحوادث التي تظهر ما كان ms1123 يتمتع به مشايخ وعلماء ذلك العصر من نفوذ عظيم ~~على الأهلين وما كان لهم من مهابة عند البكوات المماليك، الذين كانوا يخشونهم، ~~ويوسطونهم بدورهم لدى الشعب لعدم تحركه عليهم، والصفح عن جورهم وظلمهم؛ ما وقع ~~عندما أوفدت الدولة القبطان حسن باشا لعقاب المماليك، واسترجاع سلطان الباب العالي ~~في هذه الباشوية التي صارت نهبا بين طوائفهم، ومسرحا لفتنهم وخصوماتهم، فقد وسط ~~البكوات المشايخ لدى القبطان حسن باشا الذي وصل أسطوله وجيشه إلى رشيد والإسكندرية ~~في يوليو 1786، فأوفد منهم مراد بك وإبراهيم وفدا يتألف من المشايخ أحمد العروسي ~~ومحمد الأمير ومحمد الحريري، وضموا إليهم جماعة من الأعيان، واتضح للعلماء عند ~~مقابلتهم لحسن باشا أنه مصمم على إنهاء حكم مراد وإبراهيم، فأخبروا عند عودتهم من ~~رشيد أنهم اجتمعوا على حسن باشا ثلاث مرات ... فقابلهم بالإجلال والتعظيم، وأن ~~الشيخ العروسي قال له: «يا مولانا رعية مصر قوم ضعاف، وبيوت الأمراء مختلطة ببيوت ~~الناس»، فقال: «لا تخشوا من شيء، فإن أول ما أوصاني مولانا السلطان أوصاني بالرعية ... ~~ثم قال كيف ترضون أن يملككم مملوكان كافران، وترضونهم حكاما عليكم يسومونكم ~~بالعذاب والظلم، ولماذا لم تجتمعوا عليهم وتخرجوهم من بيتكم؟» وطلب حسن باشا أن ~~يكتب مكاتبة للرعية يقرأها المشايخ على الملأ في الأزهر، فاعتذر الشيخ العروسي، ~~وعندما سلم حسن باشا مكاتبات إلى أحد أعضاء هذا الوفد من الأعيان أخفيت ولم يذع ~~أمرها، وصار البكوات يتملقون المشايخ، وخشوا من قيام الرعية وراحوا يوسطون ~~المشايخ لمنع قيامهم بالثورة عليهم، فانتهز إبراهيم بك حلول عيد الفطر المبارك، ~~فزار الشيخ محمد البكري الصديقي شيخ سجادة السادة البكرية ونقيب السادة الأشراف ~~آنئذ، «وعيد عليه»، ثم زار الشيخ العروسي والشيخ أحمد الدردير «وصار يحكي لهم ~~وتصاغر في نفسه جدا وأوصاهم على المحافظة، وكف الرعية عن أمر يحدثونه، أو قومة أو ~~حركة في مثل هذا الوقت»؛ وذلك لأنه كان يخاف ذلك جدا، وخصوصا لما أشيع أمر ~~الفرمانات التي أرسلها حسن باشا للمشايخ، وأكابر العربان وغيرهم، يعلن إليهم ~~الغرض من مجيئه، وهو دفع الظلم عن ms1124 الأهلين ولإيقاع الانتقام من إبراهيم ومراد، ~~وتسامع بها الناس. # ثم إن البكوات عندما عجز مراد عن وقف زحف القبطان حسن باشا على القاهرة، ما لبثوا ~~(في 17 أغسطس 1786) أن «أرسلوا مكاتبة إلى المشايخ والوجاقات يتوسلون بهم في الصلح، ~~وأنهم يتوبون ويعودون إلى الطاعة»؛ أي طاعة الباب العالي، فتوسط المشايخ لدى باشا ~~مصر، محمد يكن، ولكن دون طائل، ودخل القبطان حسن باشا القاهرة في اليوم التالي، وفر ~~مراد بك إلى الصعيد، واستقر البكوات في أسيوط، وتوسط المشايخ مرة أخرى لمنع حسن ~~باشا من بيع نساء البكوات وأولادهم الذين بقوا في القاهرة، وكان المتوسطون في هذا ~~المشايخ: السادات والدردير والعروسي والحريري، وقد استهدف الشيخ السادات لغضبه، ~~لصرامة خطابه له؛ حيث أنشأ يقول: «إنا سررنا بقدومك إلى مصر لما ظنناه فيك من ~~الإنصاف والعدل، وأن مولانا السلطان أرسلك إلى مصر لإقامة الشريعة ومنع الظلم، وهذا ~~الفعل لا يجوز، ولا يحل بيع الأحرار وأمهات الأولاد، ونحو ذلك من الكلام.» # وعندما غادر حسن باشا البلاد في أكتوبر 1787، سعى البكوات الذين بالصعيد: مراد ~~وإبراهيم وغيرهما للصلح والعودة إلى القاهرة، وطلبوا أن يقع هذا الصلح على أيدي ~~المشايخ والعلماء، وأناس من كبار الوجاقات - أي الأعيان - فأوفد إليهم عابدين باشا ~~الشريف، باشا مصر، الشيخ محمد الأمير وإسماعيل أفندي الخلوتي وآخرين في فبراير ~~1788، ولكن دون طائل؛ حيث كان إسماعيل بك الكبير يشغل منصب شيخ البلد، ويستأثر ~~أخصام إبراهيم ومراد بالسلطة في القاهرة، وقد ظل الحال على ذلك حتى طوى الطاعون ~~الذي حدث في بداية العام التالي، إسماعيل بك الكبير وعددا من كبار البكوات الآخرين ~~بالقاهرة، فبعث مراد وإبراهيم بالسيد عمر أفندي مكرم الأسيوطي يحمل خطابا إلى شيخ ~~البلد عثمان بك طبل (تابع إسماعيل بك)، وإلى المشايخ وللباشا، محمد باشا عزت ~~سرا، في يونيو 1791، يطلبون الصلح، ويتعهدون بسلوك الطريق السوي المستقيم ~~بضمانة المشايخ، وقالوا في رسائلهم: «نحن أولاد اليوم، وإن أسيادنا المشايخ يضمنون ~~غائلتنا.» وكان رأي المشايخ الذي أفصح عنه الشيخ أحمد العروسي، إن كان التفاقم ~~بينهم وبين البكوات الموجودين ms1125 بالقاهرة، فالمشايخ مستعدون للترجي لهم عند هؤلاء، ~~وإن كان ذلك بينهم وبين السلطان، فالأمر للباشا نائبه، ثم اتفق الرأي على كتابة ~~جواب حاصله «أن الذي يطلب الصلح يقدم الرسالة بذلك قبل قدومه وهو بمكانه، وذكرتم ~~أنكم تائبون، وقد تقدم منكم هذا القول مرارا، ولم نر له أثرا، فإن شرط التوبة رد ~~المظالم، وأنتم لم تفعلوا ذلك، ولم ترسلوا ما عليكم من الميري في هذه المدة، فإن ~~كان الأمر كذلك، فترجعوا إلى أماكنكم وترسلوا المال والغلال، ونرسل عرضحال إلى ~~الدولة بالإذن لكم، فإن الأمراء الذين بمصر لم يدخلوها بسيفهم ولا بقوتهم، وإنما ~~السلطان هو الذي أخرجكم وأدخلهم، وإذا حصل الرضا فلا مانع لكم من ذلك، فإننا الجميع ~~تحت الأمر.» وقد وقع على هذا الخطاب المشايخ والباشا العثماني، وسلموه إلى السيد ~~عمر مكرم، الذي ذهب به إلى البكوات في الصعيد في يونيو 1791. # وكان مراد وإبراهيم وأتباعهما قد غادروا أماكنهم بالصعيد، وتقدموا صوب القاهرة ~~حتى وصلوا إلى حلوان في أوائل يوليو، وأشاروا على المشايخ بالحضور إليهم وزيارتهم؛ ~~كي يشاع عند الأخصام أن الرعية والمشايخ معهم. وبدأ دخولهم القاهرة في 22 يوليو، ~~واستقروا بها، وأعاد إبراهيم ومراد، وبخاصة الأخير، سيرتهما السيئة في ظلم ~~الرعية، وبذل المشايخ قصارى الجهد لردعهما وأتباعهما، حتى حدث في يونيو 1795، أن ~~اعتدى محمد بك الألفي (الكبير) على أهل قرية بشرقية بلبيس، كان للشيخ عبد الله ~~الشرقاوي حصة فيها، فاستغاث هؤلاء به، ولما لم يفد توسط الشيخ لدى إبراهيم ومراد في ~~رفع الظلم عنهم، أثارها ضجة كبيرة في وجه الطاغيتين، وألب عليهما المشايخ والأهلين، ~~وخرجت المسألة من مجرد المطالبة بوقف اعتداءات محمد بك الألفي إلى التمسك بضرورة ~~رفع المظالم عن الأهلين عامة، والسير بالعدل في حكم الرعية وتأمينهم على أرواحهم ~~وأموالهم، فقفل المشايخ أبواب الجامع الأزهر وأمروا الناس بغلق الأسواق والحوانيت، ~~ثم «ركبوا ... واجتمع عليهم خلق كثير من العامة، وتبعوهم وذهبوا إلى بيت الشيخ ~~السادات، وازدحم الناس على بيت الشيخ من جهة الباب والبركة، بحيث يراهم إبراهيم ~~بك، وقد بلغه اجتماعهم، ms1126 فبعث من قبله أيوب بك الدفتردار، فحضر إليهم، وسلم عليهم، ~~ووقف بين يديهم، وسألهم عن مرادهم، فقالوا له: نريد العدل ورفع الظلم والجور وإقامة ~~الشرع وإبطال الحوادث والمكوسات التي ابتدعتموها وأحدثتموها، فقال: لا يمكن الإجابة ~~إلى هذا كله، فإننا إن فعلنا ذلك ضاقت علينا المعايش والنفقات، فقيل له: هذا ليس ~~بعذر عند الله ولا عند الناس ، وما الباعث على الإكثار من النفقات وشراء المماليك؟ ~~والأمير يكون أميرا بالإعطاء لا بالأخذ، فقال: حتى أبلغ»، وانصرف، وتفاقم الحال ~~عندما لم يصل المشايخ جواب، وقصد المشايخ إلى الأزهر؛ حيث باتوا فيه ليلتهم، وقد ~~اجتمع عليهم خلق كثير، وخشي إبراهيم بك من العاقبة، فأرسل إلى المشايخ «يعضدهم ~~ويقول لهم أنا معكم، وهذه الأمور على غير خاطري ومرادي»، وراح يخيف مراد بك من ~~نتائج هذه الحركة، فبعث مراد يقول: «أجيبكم على جميع ما ذكرتموه إلا شيئين: ديوان ~~بولاق، وطلبكم المنكسر من الجامكية، ونبطل ما عدا ذلك من الحوادث والظلم، وندفع لكم ~~جامكية سنة تاريخه أثلاثا.» ثم إن مرادا طلب أربعة من المشايخ عينهم بأسمائهم ~~فذهبوا إلى الجيزة فلاطفهم والتمس منهم السعي في الصلح على ما ذكر، وفي اليوم ~~الثالث من بداية هذه الحوادث، حضر صالح باشا القيصرلي - الباشا العثماني - إلى منزل ~~إبراهيم بك، واجتمع البكوات وحضر من المشايخ: محمد السادات، وعمر مكرم (وقد صار ~~نقيبا للأشراف) والشيخ عبد الله الشرقاوي، والشيخ خليل البكري (الذي تولى سجادة ~~الخلافة البكيرية بعد وفاة ابن خاله السيد محمد البكري الصغير في نوفمبر 1793)، ~~والشيخ محمد الأمير، وقد منع هؤلاء العامة من السعي خلفهم. ودار الكلام، وطال ~~الحديث «وانحط الأمر على أن البكوات تابوا ورجعوا والتزموا بما شرطه العلماء ~~عليهم، وانعقد الصلح على أن يدفعوا سبعمائة وخمسين كيسا موزعة، وعلى أن يرسلوا غلال ~~الحرمين، ويصرفوا غلال الشون وأموال الرزق، ويبطلوا رفع المظالم المحدثة ~~والكشوفيات، والتفاريد والمكوس، ما عدا ديوان بولاق، وأن يكفوا أتباعهم عن امتداد ~~أيديهم إلى أموال الناس، ويرسلوا صرة الحرمين، والعوائد المقررة من قديم الزمان، ~~ويسيروا في الناس سيرة ms1127 حسنة. # وكان القاضي حاضرا بالمجلس، فكتب حجة عليهم بذلك، وفرمن عليها الباشا، وختم ~~عليها إبراهيم بك، وأرسلها إلى مراد بك فختم عليها أيضا، وانجلت الفتنة، ورجع ~~المشايخ وحول كل واحد منهم وأمامه وخلفه جملة عظيمة من العامة، وهم ينادون: حسب ما ~~رسم سادتنا العلماء بأن جميع المظالم والحوادث والمكوس بطالة من مملكة الديار ~~المصرية. # وفرح الناس ، وظنوا صحته، وفتحت الأسواق، وسكن الحال على ذلك نحو شهر، ثم عاد كل ~~ما كان مما ذكر وزيادة، ونزل عقيب ذلك مراد بك إلى دمياط، وضرب عليها الضرائب ~~العظيمة، وغير ذلك.» # ووجه الأهمية في الحوادث التي ذكرناها، أن المشايخ قد قاموا بدور الوساطة بين ~~الهيئتين: الحاكمة والمحكومة على خير وجه، وبالقدر الذي استطاعوه، أهلهم لهذه ~~الوساطة، ما اشتهر عن سوادهم من ورع وصلاح وتقوى، وانصراف عن الدنيا، حبب الشعب ~~فيهم، ورفع مكانتهم لدى الباشا العثماني، والبكوات المماليك، ثم جور هؤلاء الأخيرين ~~بالرعية وعسفهم بهم. # على أنه مما يجدر ذكره من ناحية أخرى، أن هذه الوساطة كانت ذا أثر محدود، أفلحت ~~في قضاء بعض حوائج الأهلين، ورفعت شيئا من المظالم عنهم، ولكنها لم تنجح في ردع ~~البكوات وأتباعهم، أو إلزامهم بإقامة الحكومة العادلة الطيبة، فظل البكوات سادرين ~~في غوايتهم، ولم تفد شيئا من هذه الناحية وعودهم وارتباطاتهم، لرفع المظالم، ~~والرفق بالرعية، ولم يكن لتلك الحجة التي كتبت عليهم بذلك في يونيو 1795 أي أثر، ~~بل اشتد بغي البكوات وعظم طغيانهم في السنوات الثلاثة التالية، حتى إن الشيخ عبد ~~الرحمن الجبرتي، لم يجد فيما وقع من الحوادث في عام 1210 / 1795-1796 - والتي يعتني ~~بتقييدها - سوى مثل ما تقدم من جور الأمراء؛ أي البكوات المماليك، والمظالم، أو في ~~العام التالي (1211ه/1797-1798) كذلك سوى ما تقدمت إليه الإشارة من أسباب نزول ~~النوازل، وموجبات ترادف البلاء المتراسل، وظل طغيان البكوات على أشده حتى جاء ~~بونابرت بحملته المعروفة فقوض عروش سلطانهم. ~~(2) اضمحلال نفوذ المشايخ # وقد فطن بونابرت إلى أهمية دور الوساطة الذي قام به المشايخ في العهد السالف، ~~فعول على ms1128 الاعتماد عليهم في تنفيذ سياسته (الإسلامية-الوطنية)؛ لإقناع الشعب ~~بالرضى بالحكم الفرنسي، والإخلاد إلى السكينة وعدم المقاومة، والرضوخ لسلطان ~~بونابرت، والتعرف بواسطتهم على آراء ومطالب الشعب من جهة، ثم الاستعانة بهم من ~~جهة أخرى على إيجاز المشروعات التي يرى الفرنسيون ضرورة إنجازها، فكان المشايخ ~~والعلماء العنصر البارز في الدواوين التي تشكلت على أيام الحملة الفرنسية. # وكان هذا الحكم الأجنبي تجربة جديدة، امتحن المشايخ في أثنائها امتحانا عسيرا، ~~فكان هناك فريق آثر الهجرة إلى خارج البلاد، أو مغادرة القاهرة إلى الريف أو إلى ~~الصعيد، أو الانزواء بعيدا عن الحوادث، منصرفين إلى القراءة والتدريس بالمساجد، ~~كالشيخ شامل أحمد بن رمضان بن سعود الطرابلسي الذي هاجر إلى بيت المقدس، والشيخ ~~محمد الحريري الذي ذهب إلى أسيوط، ثم كان هناك فريق اشترك في حركات المقاومة ~~الفعلية، كالشيخ سليمان الجوسقي شيخ طائفة العميان، والشيخ أحمد الشرقاوي، والشيخ ~~عبد الله الشبراوي والشيخ يوسف المصيلحي والشيخ إسماعيل البراوي، وقد اتهم هؤلاء في ~~إثارة الفتنة في ثورة القاهرة الأولى في أكتوبر 1798، وقد أعدمهم الفرنسيون، ثم ~~الشيخ محمد بن الجوهري وطائفة من المشايخ الذين اشتركوا مع السيد عمر مكرم والسيد ~~أحمد المحروقي (شاه بندر التجار) في ثورة القاهرة الثانية في مارس وأبريل 1800، وقد ~~اختفى عقبها الشيخ الجوهري. ثم كان هناك فريق من كبار المشايخ والمتصدرين، وهم ~~الذين شكل الفرنسيون منهم دواوينهم، المشايخ: مصطفى الصاوي وسليمان الفيومي وعبد ~~الله الشرقاوي وخليل البكري ومحمد المهدي، وموسى السرسي وأحمد الويشي ومصطفى ~~الدمنهوري ويوسف الشبرخيتي، ومحمد الدواخلي والسيد علي الرشيدي (نسيب الجنرال منو) ~~وإسماعيل الزرقاني، وإسماعيل الوهبي الشهير بالخشاب، وعبد الرحمن الجبرتي صاحب ~~«عجائب الآثار». # وقد اعتقد هؤلاء أن من الخير مداراة الفرنسيين ومسايرتهم، لعلهم يستطيعون ~~الاستمرار في دور الوساطة بين الهيئتين: الحاكمة والمحكومة، والشفاعة للأهلين عقب ~~حوادث الثورات والفتن، ثم لم تلبث جماعة منهم أن وجدت في هذه الأوضاع الجديدة فرصة ~~مواتية لكسب النفوذ، واستغلال هذا النفوذ لصالحهم الشخصي، فدأبوا على مداهنة ~~الفرنسيين وتملقهم، والاعتماد على صداقتهم لهؤلاء في جمع الثروة وبسط نفوذهم ms1129 ~~وسلطانهم على أبناء أمتهم، ولم يفت سواد الشعب ما كان يبغيه هؤلاء المشايخ ~~المتصدرون ويسعون إليه، فشهدت هذه الفترة - فترة الاحتلال الفرنسي للبلاد - تحولا ~~ملموسا في موقف الشعب من المشايخ، وبخاصة المتصدرون منهم، كما شهدت بداية التغير ~~الذي طرأ على أساليب عيشهم، وجعلهم ينصرفون عن الدين والعبادة والوعظ والإرشاد، ~~ويتهافتون على الدنيا وعرضها الزائل، مما كان من أثره جميعا أن طفق المشايخ يفقدون ~~رويدا رويدا ما كان لهم من زعامة روحية سابقة. # حقيقة ظل هؤلاء المتصدرون، يتوسطون ويشفعون، ولكن شتان ما بين وساطتهم وشفاعتهم ~~في الزمن السابق، على أيام أحمد الدردير أو علي الصعيدي أو ابن النقيب أو الحفني، ~~وبين وساطة وشفاعة محمد المهدي أو سليمان الفيومي أو خليل البكري، وكانت هذه ~~متخاذلة، لا يأبه الفرنسيون لها، ولا يجيبون شيئا منها اللهم فيما كان يتفق منها ~~ومصالحهم هم أنفسهم فحسب، وقبل أي اعتبار آخر، بل إن الفرنسيين ما كانوا يترددون في ~~تعويق المشايخ الذين اشتهروا بمداراتهم وصداقتهم لهم، وإساءة معاملتهم عند كل ~~مناسبة يقتضي حرصهم على سلامتهم وأمنهم أن يفعلوا ذلك، كما حدث من فرض الغرامات ~~عليهم عقب ثورة القاهرة الثانية، أو تعويق أكثر أعضاء الديوان بالقلعة، وحبسهم مع ~~غيرهم من المشايخ وقت تضييق الإنجليز والعثمانيين الحصار على القائد الفرنسي ~~«بليار» # Belliard # في القاهرة قبيل ~~تسليمه. # ومن المشايخ الذين اشتهروا بتملق الفرنسيين، وانتقلت مداراة هؤلاء على أيديهم ~~إلى تعاون صادق، ومداهنة ونفاق على حساب سواد الشعب: محمد المهدي، أقبلت عليه ~~الدنيا قبل مجيء الفرنسيين وتداخل في الأكابر ونال منهم حظا وافرا، وعندما وقع ~~الطاعون في سنة 1791، وفني كثيرون من البكوات وأهل البلاد، «اختفى بما أحبه مما ~~انحل عن المولى من إقطاعات ورزق وغيرها، وزادت ثروته ورغبته وسعيه في أسباب تحصيل ~~الدنيا، وعان الشركات والمتاجر في كثير من الأشياء مثل الكتان والقطن والأرز وغير ~~ذلك من الأصناف، والتزم بعدة حصص بالبحيرة، مثل شابور وخلافها بالمنوفية والجيزة ~~والغربية، وابتنى دارا عظيمة بالأزبكية بناحية الرويعي ... ولما حضرت الفرنساوية إلى ~~الديار المصرية، وخافهم الناس، ms1130 وخرج الكثير من الأعيان وغيرهم هاربين من مصر، تأخر ~~الشيخ محمد المهدي عن الخروج ولم ينقبض كغيره عن المداخلة فيهم، بل اجتمع بهم ~~وواصلهم، وانضم إليهم وسايرهم ولاطفهم في أغراضهم، وأحبوه وأكرموه وقبلوا شفاعاته، ~~ووثقوا بقوله، فكان المشار إليه في دولتهم مدة إقامتهم بمصر، والواسطة العظمى بينهم ~~وبين الناس في قضاياهم وحوائجهم، وأوراقه وأوامره نافذة عند ولاة أعمالهم حتى لقب ~~عندهم وعند الناس بكاتم السر، ولما رتبوا الديوان الذي رتبوه لإجراء الأحكام بين ~~المسلمين في قضاياهم ودعاويهم، كان هو المشار إليه فيه، وخدمة الديوان الموظفون فيه ~~تحت أوامره، وإذا ركب أو مشى يمشون حوله وأمامه وبأيديهم العصي، يوسعون له الطريق، ~~وراج أمره في أيامهم جدا، وزاد إيراده وجمعه واحتوى بلادا وجهات وأرزاقا، ~~وأقاموه وكيلا عنهم في أشياء كثيرة وبلاد وقرى يجيء إليه خراجها، ويصرف عنها ما ~~يصرفه، ويأتيه الفلاحون منها ومن غيرها بالهدايا والأغنام والسمن والعسل، وما جرت ~~به العادة، ويتقدمون إليه بدعاويهم وشكاويهم، ويفعل بهم ما كان يفعله أرباب ~~الالتزامات من الحبس والضرب، وأخذ المصالح وصار له أعوان وأتباع، وخدم من وجهاء ~~الناس.» # وقد حرص الشيخ المهدي على التمسك بذلك الأساس الذي قام عليه سلطانه، وهو التوسط ~~والشفاعة لدى السلطات الحاكمة لرفع المظالم عن الساعين إليه بشكاياتهم من الفلاحين ~~وسائر الأهلين، وهو دور كان لا غنى له عن المضي فيه عندما كان الأصل في تقريب ~~الفرنسيين لهؤلاء المشايخ هو أن يكونوا الواسطة بينهم وبين الشعب، للوقوف على ~~مطالبه ورغباته، للسعي في إزالة ما قد يكون سببا في إثارة الخواطر ضدهم، ولتوطيد ~~سلطانهم الداخلي، فقال الشيخ الجبرتي: «وبالجملة فكان بوجوده وتصدره في تلك الأيام ~~النفع العام، سد بفعله ثقوبا واسعة وخروقا، وداوى برأيه جروحا وفتوقا، لا سيما ~~أيام الهيازع والخصومات والتنازع، وما يكدر طباع الفرنساوية من مخارق الرعية، ~~فيتلاقاه بمراهم كلماته، ويسكن حدتهم بملاطفاته.» ولم يفت الشيخ أن يذكر أنه كان ~~لهذه الوساطة والشفاعة ثمن يستحق بفضلها الجوائز الجزيلة من جانب أولئك الذين ~~يتوسط لهم ويشفع فيهم لدى الفرنسيين. # ومن ms1131 نفس الطراز، كان الشيخ أحمد العريشي، الذي نال حظوة كبيرة على أيام ~~الفرنسيين، «تداخل (قبل مجيئهم) في القضايا والدعاوى، واشتهر ذكره، واشترى دارا ~~واسعة بسوق الزلط بحارة المقسي خارج باب الشعرية، وتجمل بالملابس وركب البغال، وصار ~~له أتباع وخدم، وهرعت الناس والعامة والخاصة في دعاويهم وقضاياهم وشكاويهم»، قلده ~~الفرنسيون القضاء وانحرف هؤلاء عنه عند مقتل كليبر؛ لكون قاتله ظهر من رواق الشوام ~~وهو شيخه، ولكنهم عادوا فولوه القضاء عندما تبينت براءته، وكان عبد الله جاك ~~منو # Menou # رسم أن يكون اختيار القاضي بالقرعة ~~فوقعت على الشيخ، فاستمر في منصبه حتى خرج الفرنسيون من البلاد. # وكان كذلك سائر المتصدرين، أقبلوا على الدنيا، وجمعوا المال، وتقربوا من الهيئات ~~الحاكمة سواء كانت هذه من البكوات المماليك أم من الفرنسيين بعد مجيء حملتهم إلى ~~مصر، وتداخلوا في القضايا؛ أي توسطوا لفض المنازعات بين الأهلين بعضهم وبعض أو ~~بينهم وبين الحكام، وزاولوا التجارة، وإن عرف عن بعضهم الجود والكرم كالشيخ سليمان ~~الفيومي، وكان هذا قد نال حظوة لدى البكوات، ثم لدى الفرنسيين، أحبه هؤلاء «وقبلوا ~~شفاعاته، وصاروا يحضرون إلى داره، ويعمل لهم الولائم، وساس أموره معهم، وقرروه في ~~رؤساء الديوان الذي رتبوه لإجراء الأحكام بين المسلمين، ولما نظموا أمور القرى ~~والبلدان المصرية على النسق الذي جعلوه، ورتبوا على مشايخ كل بلد شيخا ترجع أمور ~~البلدة ومشايخها إليه وجعلوا الشيخ سليمان الفيومي شيخ المشايخ، مضافا ذلك ~~لمشيخة الديوان، ازدحمت داره بمشايخ البلدان، فيأتون إليه أفواجا ويذهبون ~~أفواجا، وله مرتب خاص، خلاف مرتب الديوان، واستمر معهم في وجاهته إلى أن انقضت ~~أيامهم.» ومع أن الشيخ الجبرتي قد أطنب في وصف كرمه وجوده وسعيه في قضاء حوائج ~~الناس والشفاعة لهم عند البكوات المماليك ثم عند الفرنسيين، فقد قال عنه إن بضاعته ~~في العلم دقيقة، وراج أمر الشيخ موسى السرسي، بانتسابه للشيخ أحمد العروسي، «واشترى ~~أملاكا واقتنى عقارا وببلده سرس الليانة ومنوف، مزارع وطواحين ومعاصر، واشترى ~~دارا نفيسة بدرب عبد الحق بالأزبكية، وعدد الأزواج واشترى الجواري والعبيد ~~والحبشيات الحسان.» ms1132 # وأما الشيخ عبد الله الشرقاوي فكان طموحا، بدأ حياته «في قلة من خشونة العيش، ~~وضيق المعيشة، فلا يطبخ في داره إلا نادرا، وبعض معارفه يواسونه ويرسلون إليه ~~الصفحة من الطعام، أو يدعونه ليأكل معهم، ولما عرفه الناس واشتهر ذكره، فواصله بعض ~~تجار الشوام وغيرهم بالزكوات والهدايا والصلات، فراج حاله، وتجمل بالملابس، وكبر ~~تاجه ... ثم اشترى له دارا وساعده في ثمنها بعض من يعاشره من المياسير.» ولما توفي ~~الشيخ أحمد العروسي (مارس 1794) تولى بعده مشيخة الجامع الأزهر «فزاد في تكبير ~~عمامته وتعظيمها حتى كان يضرب بعظمها المثل»، وتعصب عليه جماعة من المشايخ والعلماء ~~المناصرين للشيخ مصطفى الصاوي ضده وقتئذ، فضعف شأنه، حتى إذا حضر الفرنسيون نشط ~~الشيخ عبد الله الشرقاوي، ومال إليهم بكليته، فجعلوه رئيس الديوان، «وانتفع في ~~أيامهم بما صار يتحصل له من المعلوم المرتب له عن ذلك، وقضايات وشفاعات لبعض ~~الأجناد المصرية (المماليك)، وجعالات على ذلك، واستيلاء على تركات وودائع خرجت ~~أربابها في حادثة الفرنساوية وهلكوا، واتسعت عليه الدنيا، وزاد طمعه فيها، واشترى ~~دارا بظاهر الأزهر، وهي دار واسعة من مساكن الأمراء الأقدمين، وزوجته هي التي ~~تدبر أمره، وتحرز كل ما يأتيه ويجمعه، ولا يروح ولا يغدو إلا عن أمرها ومشورتها، ~~وكانت قبل زواجه بها في قلة من العيش، فلما كثرت عليه الدنيا اشترت الأملاك ~~والعقار والحمامات والحوانيت بما يغل إيراده مبلغا في كل شهر له صورة.» # وكان الشيخ خليل البكري يحقد على عمر مكرم توليه نقابة الأشراف، على أيام مراد ~~وإبراهيم، فما إن احتل الفرنسيون البلاد، حتى تداخل فيهم، وعرفهم «أن النقابة ~~كانت لبيتهم وأنهم غصبوها منه، فقلدوه إياها، واستولى على وقفها وإيرادها»، وراج ~~حاله معهم، وصار يولم لهم الولائم في الموالد، ويسعى لخدمة أغراضهم، فكان له «قبول ~~عند الفرنساوية، وجعلوه من أعاظم رؤساء الديوان، فأضحى وافر الحرمة، مسموع ~~الكلمة، مقبول الشفاعة عندهم، فازدحم بيته بالدعاوى والشكاوى، واجتمع عنده مماليك ~~من مماليك الأمراء المصرية الذين كانوا خائفين ومتغيبين، وعدة خدم وقواسة ومقدم كبير ~~وسراجين وأجناد»، واستمر الحال على ms1133 ذلك إلى أن حضر يوسف باشا ضيا عقب اتفاق العريش ~~المعروف مع كليبر، وقامت ثورة القاهرة الثانية عقب نقض هذا الاتفاق، «ووقعت الحرب ~~في البلدة (القاهرة) بين العثمانية والفرنساوية والأمراء المصرية وأهل البلدة، فهجم ~~على داره المتهورون من العامة ونهبوه وهتكوا حريمه، وعروه من ثيابه، وسحبوه بينهم ~~مكشوف الرأس»، ولم ينقذه من الهلاك سوى شفاعة بعض الأعيان، فلما انقضت الفتنة، شكا ~~الشيخ للفرنسيين ما حل به بسبب موالاته لهم، «فعوضوا عليه ما نهب له ورجع إلى ~~الحالة التي كان عليها معهم.» # وشذ عن هؤلاء المتصدرين حفنة قليلة من المشايخ، منهم الشيخ محمد السادات الذي ~~اضطهده الفرنسيون، والشيخ محمد الأمير، وكان منصرفا للعلم، وصاحب جرأة وشجاعة، ~~والشيخ مصطفى الصاوي، وقد لحقه اضطهاد الفرنسيين قبل ثورة القاهرة الثانية، وكان من ~~بين الذين عوقوهم بالقلعة قبل تسليم «بليار»، ثم الشيخ عبد الرحمن الجبرتي، وكان ~~ممن غادروا القاهرة إلى أبيار عند دخول الفرنسيين، ولكنه ما لبث أن عاد إليها، ثم ~~عينه «منو» في الديوان الذي أنشأه، وشغل بتدوين تاريخه، وعرف بالاتزان والاعتدال، ~~ولم يرض عن مسلك المتصدرين، ولم يعمد لاستغلال النفوذ الذي صار له كأحد أحد أعضاء ~~الديوان، عن طريق المداخلة، والمشاركة في القضايا والشفاعات. # وجماعة تلك كانت حال أكثرهم، لم يكن هناك معدى عن ذهاب هيبتهم لدى سواد الشعب، ~~ونزول أقدارهم عنده، لا يغير من صحة هذا القول لجوء الأهلين إليهم يسألونهم الوساطة ~~والشفاعة، كما جرت به عادتهم من قديم؛ لأن المشايخ في هذه المحنة - محنة الاحتلال ~~الأجنبي - كانوا يتقاضون ما صار بمثابة أجر معلوم لهذه الوساطة والشفاعة؛ ولأنهم ~~اعتمدوا في تعزيز مكانتهم ونفوذهم بين الشعب على دعم صلاتهم بالفرنسيين، ومداهنتهم ~~والحرص على خدمة مآربهم، ناهيك بانكبابهم على الدنيا، والحرص على جمع المال، وزوال ~~الصفات الأصيلة التي كانت مبعث زعامتهم السابقة، والأساس الذي قام عليه نفوذهم في ~~الماضي، وهي الورع والتقوى، والزهد في الدنيا، والاشتغال بالدين. # وقد ظهرت بوادر اضمحلال نفوذهم، وضياع هيبتهم، في حادث الشيخ خليل البكري الذي ~~سبقت الإشارة إليه، ثم ms1134 إنه لما طلب الفرنسيون إلى هؤلاء المشايخ المتصدرين أثناء ~~ثورة القاهرة الثانية أن يتوسطوا لإنهاء الفتنة، وعقد الصلح على أساس خروج ~~العثمانيين والبكوات المماليك الذين دخلوا القاهرة وقتئذ، قام الأهلون على ~~المتوسطين «وسبوهم وشتموهم، وضربوا الشيخ عبد الله الشرقاوي والشيخ موسى السرسي ~~ورموا عمائمهم وأسمعوهم قبيح الكلام، وصاروا يقولون: هؤلاء المشايخ ارتدوا، وعملوا ~~فرنسيس، ومرادهم خذلان المسلمين، وأنهم أخذوا دراهم من الفرنسيس.» # وكان هؤلاء المتصدرون، أمثال محمد المهدي، وعبد الله الشرقاوي، وموسى السرسي، ~~وسليمان الفيومي وغيرهم، هم أول من رحب بعودة الباشا العثماني بعد انقضاء حكم ~~الفرنسيين، وكانت لهم في العهد الجديد بعض الوساطات والشفاعات، ولكن في حالات متفرقة ~~ونادرة، غمرتهم الفوضى السياسية المنتشرة وقتئذ في غمرتها، وانصرفوا إلى شئونهم ~~الدنيوية، فلما يتصدوا لزعامة الشعب إلا مدفوعين من الشعب نفسه أو بالأحرى من ~~القاهريين الذين أبهظتهم مظالم الباشوات، وتكرر وقوع اعتداءات الجند من أرنئود ~~وإنكشارية ودلاة وغيرهم عليهم، وحتى في الحالات النادرة التي تدخل فيها المشايخ ~~يتوسطون ويشفعون، لم يكن لذلك أي أثر، وظلوا خلال سنوات الفوضى هذه أدوات طيعة في ~~أيدي أصحاب الانقلابات التي وقعت في أثنائها، والتي سبق الحديث عنها في موضعها، حتى ~~عرف محمد علي كيف يستخدمهم بدوره لتنفيذ مآربه، واطمأن هؤلاء إلى التعاون معه؛ لما ~~كان لديه من قوة كأحد كبار ضباط الأرنئود، والذي انفرد بزعامتهم بعد مقتل طاهر ~~باشا، واعتقدوا أن في وسعه حماية أشخاصهم وأموالهم، ورفع المظالم عنهم وعن سواد ~~الشعب. # فقد تقدم عند الكلام عن الفوضى السياسية التي انتشرت عقب خروج الفرنسيين من ~~البلاد، كيف أن المشايخ والسيد عمر مكرم خصوصا تحدثوا عن إلباس طاهر باشا الفرو ~~عن المظالم والإتاوات وسألوه رفعها دون طائل، وكيف أنهم أذعنوا لمطلب طاهر باشا ~~منهم، فوقعوا على إعلام مهيأ لإرساله إلى الآستانة، تبريرا للانقلاب الذي وقع ~~وأفضى إلى طرد خسرو باشا من الولاية، وكيف تشفع الشيخ محمد السادات في مصطفى آغا ~~الوكيل، دون جدوى. # وفقد المشايخ كل نفوذ لدى أصحاب السلطان، فلم يأبه محمد علي لوساطتهم التي ms1135 طلبها ~~منهم أحمد باشا والي مكة والمدينة، وانتهى الأمر بإخراجه من البلاد، وبلغ من ~~انهيارهم أنهم صاروا أدوات طيعة في أيدي إبراهيم والبرديسي وسائر البكوات أثناء ~~الحكومة الثلاثية المعروفة، وأفلح محمد علي في جعلهم يوجهون الدعوة لعلي باشا ~~الجزائرلي تحت مسئوليتهم للحضور إلى القاهرة، فأتاحوا الفرصة بذلك للبكوات حتى ~~يقتلوه في الظروف التي عرفناها، ولم يفز المشايخ لقاء مسايرتهم للبكوات بطائل ، ~~فعبثا حاولوا التوسط لدى إبراهيم بك في غضون عام 1803 لرفع المظالم التي علا ضجيج ~~شكوى الشعب منها، وعبثا حاول الشيخ محمد الأمير نصح البكوات في اتباع العدل وترك ~~الظلم في أوائل العام التالي. # ولقد استطاع محمد علي بتودده للمشايخ، وبتشجيعه للسيد عمر مكرم، وبالأشياخ على ~~معارضة حكومة البكوات، أن يجعلهم يحرضون الأهلين ويؤازرونهم في تلك الثورة التي قضت ~~على هذه الحكومة في مارس 1804، وأن يجعلهم يؤمنون بصدق ذلك الفرمان المزور الذي ~~أعطى باشوية القاهرة لأحمد باشا خورشيد في الشهر نفسه. # وعبثا حاول المشايخ التوسط لدى خورشيد لإنهاء المظالم، واقتضى الحال تكاتف أربعة ~~من المتصدرين، منهم: محمد السادات، ومحمد الأمير ومحمد المهدي وسليمان الفيومي، ثم ~~السيد عمر مكرم؛ للشفاعة في حق السيدة نفيسة أرملة مراد بك. # ثم استطاع محمد علي مرة أخرى، استخدامهم في طرد خورشيد باشا من الولاية، وكان هذا ~~الحادث فريدا في نوعه، من ناحية الآثار التي ترتبت عليه؛ لأنه لم يسبق للمشايخ ~~الاشتراك في الانقلابات التي وقعت قبل ذلك وأفضت إلى تنحية أحد الباشوات من الولاية ~~في السنوات الأربع الماضية؛ ولأن المشايخ ما لبثوا أن استندوا عليه وعلى ما وقع من ~~مشاركتهم في الحوادث الهامة اللاحقة كأزمة النقل إلى سالونيك المعروفة، أو أثناء ~~حملة «فريزر»، أو عندما صار محمد علي يوسطهم لإنهاء خصومة البكوات المماليك معه في ~~المطالبة باختصاصات اعتقدوا أنها من لزوميات الزعامة التي صارت لهم في العهد ~~الجديد، فكان ذلك منشأ اصطدامهم مع الباشا، والقضاء على البقية الباقية من ذلك ~~النفوذ الضئيل الذي شاءت إرادة الباشا أن تحفظه لهم، حتى يؤدوا نفس الدور الذي ms1136 أدوه ~~سابقا كواسطة بين الهيئتين: الحاكمة والمحكومة، ولكن بالطريقة التي يرضى عنها ~~الباشا ويرسمها هو لهم بنفسه. ~~(3) الاصطدام مع الباشا # ولقد درج الكتاب على إضفاء أهمية بالغة على ما حدث أثناء انقلاب مايو 1805، الذي ~~أسفر عن المناداة بولاية محمد علي، وبالغوا في تقدير قيمة الوثيقة التي تضمنتها ~~شروط المشايخ والزعماء الشعبيين، لإقامة الحكم الصالح في نظرهم، وهي الشروط التي ~~رفضها خورشيد، وقبلها محمد علي، فمع أن هذه الشروط كانت منصبة على إبداء الرغبة ~~التي طالما طلب المشايخ والأهلون بتحقيقها: وقف اعتداءات الجند عليهم، ورفع المظالم ~~والمغارم والفرد التي كانت تحصل منهم، على غرار ما كانوا يفعلونه ويطلبونه كلما ~~واتتهم الفرصة، فقد وصفت هذه بأنها وثيقة حقوق تشبه وثيقة إعلان الحقوق ~~المشهورة التي أقرها البرلمان الإنجليزي في عام 1689 عقب الثورة التي أنهت حكم ~~ستيوارت من إنجلترة، على أساس أن هذه الشروط قد تضمنت نصا يقضي بعدم فرض ضريبة ~~دون موافقة المشايخ ورؤساء الشعب؛ أي تقرير المبدأ المعروف، ألا ضريبة من غير ~~موافقة الشعب عليها، وألا ضريبة من غير تمثيل، الأمر الذي يبعد كل البعد عما حدث ~~فعلا، على نحو ما سلف توضيحه عند الكلام عن تفاصيل هذا الإعلام الذي وقعه محمد ~~علي. # فقد كان كل ما أراده المشايخ والرؤساء الشعبيون من توقيع محمد علي على هذه ~~الوثيقة، ينحصر في أمرين: أحدهما عاجل، هو رفع المظالم التي يشكون ويشكو الشعب ~~منها، والآخر آجل، هو ضمان استمرار المشاورة معهم في تصريف شئون الحكم، توقيا ~~لما قد يقع عليهم وعلى الشعب من مظالم جديدة في المستقبل. # ولا جدال في أن المشايخ قد كسبوا نفوذا جديدا من جراء مساهمتهم في انقلاب ~~مايو 1805، وحق لهم أن يتطلعوا إلى مشاورة الباشا لهم، ولم يبد من جانب محمد علي ~~ما يجعلهم يشعرون في العامين التاليين أنه لا يريد مشاورتهم، بل على النقيض من ~~ذلك، كانت هذه المشاورة في نظر محمد علي نفسه ضرورية لا غنى عنها لاجتياز الأزمات ~~العصيبة التي اعترضت الحكم وقتئذ، لتوسط المشايخ في جمع ms1137 الإتاوات وعقد السلف ~~والقروض لسد حاجته الملحة إلى المال دائما، ولتهدئة القاهريين الذين تعرضوا لإيذاء ~~الجند، وللاعتماد عليهم في إقناع الباب العالي بضرورة بقائه في الولاية، وقد مهد ~~محمد علي للظفر من المشايخ بتلبية مطالبه منهم، وإبداء الرأي والمشورة على النحو ~~الذي يريده، بإرخاء العنان لهم، في التكالب على إنماء ثرواتهم الخاصة، وقد تقدم كيف ~~تركهم يستكثرون من شراء حصص الالتزام، ويستغلون لنفعهم الشخصي مسموح المشايخ، ~~يعيشون في بذخ وترف، ويجمعون حولهم الخدام والأتباع، فلم يلبث هؤلاء أن صاروا أدوات ~~طيعة في يده، يلبون كل إشارة تبدر منه، ويسعون - سواء شاءوا أو لم يريدوا ذلك - لتعزيز ~~ملكه وسلطانه، فهو يستكتبهم العرائض للباب العالي، ويوسطهم لدى البكوات المماليك، ~~ويعتمد عليهم في استكمال أسباب الدفاع عن القاهرة (أيام حملة فريزر خصوصا). # وقد ترتب على هذا أن توهم المشايخ، والسيد عمر مكرم على وجه الخصوص، وهو صاحب ~~اليد الطولى في إنهاء الأزمات التي سبقت انقلاب 1805، لصالح محمد علي، ثم في أثناء ~~انقلاب 1805 نفسه، وما تبع هذا الانقلاب من أزمات أخرى؛ ترتب على هذا أن راح هؤلاء ~~يفسرون مبدأ المشاورة بأنه إلزام للباشا بالرضوخ لكل رأي قد يشيرون عليه به، فإذا ~~أبى المشورة، هددوا بإثارة القاهريين وتحريك الثورة ضده لطرده من الباشوية كما ~~طردوا خورشيد باشا، فكان في هذا الوهم نكبتهم لأسباب عدة، أهمها: أن الشعب الذي ~~شاهد الباشا يجتاز بنجاح الأزمات التي صادفته، وتتدعم أركان حكومته كلما طال بحكمه ~~الأمد صار يفطن إلى أنه قد صار بالبلاد حاكم واحد، ويدرك أن هذا الحاكم يعتزم ~~البقاء في باشويته، أضف إلى هذا أن الشعب الذي بدأ يفقد ثقته في المشايخ المتصدرين ~~من أيام الاحتلال الفرنسي، ثم شاهدهم متكالبين على الدنيا، تسود الخلافات ~~والمشاحنات بينهم، ولا يعنون إلا بخدمة مصالحهم الخاصة، ويجعلون من أنفسهم أدوات في ~~أيدي الباشا وعمالا له لتوزيع الفرض والإتاوات على الأهلين، وجمع السلف والقروض ~~الإجبارية منهم، بدلا من الاعتراض عليها، صار لا يأبه لهم، وضاعت مكانتهم عنده، ~~حتى إذا أراد فريق ms1138 منهم مقاومة حكومة الباشا بعد فوات الفرصة، انفض الشعب عنهم ولم ~~يؤازرهم، فكان المشايخ أنفسهم المسئولين عن فقد ذلك النفوذ الذي بدأ يكون لهم من ~~جديد ابتداء من حادث انقلاب عام 1805، والذي أكسبتهم إياه حوادث الأزمات التالية، ~~والذي كان في وسعهم أن يستندوا عليه في فرض مشورتهم على الباشا، وإلزامه باتباعها ~~إلزاما لو أنهم قنعوا بالقيام على شئون الدين، وعزفوا عن الجاه الزائف، وحرصوا على ~~التكتل في جبهة واحدة رائدها التوسط حقيقة لرفع المظالم عن الشعب. # ولكنه ما مرت شهور قليلة على انقلاب 1805، حتى شاعت الفرقة بين المشايخ ووقعت بين ~~أهل الأزهر منافسات، قال الشيخ الجبرتي إنها كانت بسبب أمور وأغراض نفسانية يطول ~~شرحها، فتحزبوا حزبين: أحدهما يناصر الشيخ عبد الله الشرقاوي، والآخر الشيخ محمد ~~الأمير، ودار الخلاف على نظارة الجامع الأزهر، وكان من أنصار الشيخ الأمير، عمر ~~مكرم والشيخ محمد السادات، فكتبوا له تقريرا بذلك من القاضي، وختم عليه المشايخ، ~~وقد استمر الخلاف قائما بسبب مشيخة الجامع ونظر أوقافه وأوقاف عبد الرحمن كتخدا ~~مدة طويلة، وفشلت جهود الشيخ عبد الرحمن السجيني في مايو 1806 في إزالة أسباب ~~التنافر، وسعى المشايخ: محمد الدواخلي، وسعيد الشامي، وكذلك عمر مكرم في حق الشيخ ~~عبد الله الشرقاوي، بسبب أمور وضغائن ومنافسات فأغروا الباشا به، فأمره بلزوم ~~داره، وألا يخرج منها ولا إلى صلاة الجمعة، حتى تدخل القاضي عارف أفندي في شأنه ~~مع الباشا للإفراج عنه، والإذن له في الركوب والخروج من داره حيث يريد، فقال ~~الباشا: أنا لا ذنب لي في التحجير عليه، وإنما ذلك من تفاقمهم مع بعضهم، فاستأذنه ~~في مصالحتهم، فأذن له في ذلك، فعمل لهم القاضي وليمة ودعاهم، وتغدوا عنده، وصالحهم، ~~وقرءوا بينهم الفاتحة، وذهبوا إلى دورهم، والذي في القلب مستقر فيه. # وقد استمرت الخلافات والمنافسات وتزايدت الحزازات بين المشايخ حتى ذهبت ريحهم ~~تماما وأتاحت هذه الضغائن والانقسامات الفرصة للباشا للعمل على زيادة التفرقة ~~بينهم، والإمعان في إضعافهم، حتى تسنى له إهمال أمرهم ثم إخماد كل معارضة من جانبهم ~~والقضاء ms1139 على ما تبقى من نفوذهم الذي كان قد وهن كثيرا، والانفراد وحده بكل أسباب ~~السلطة في باشويته. # وكان من أهم العوامل في إضعاف شأن المشايخ، ما سبقت الإشارة إليه مرارا وتكرارا ~~من انصراف هؤلاء عن الدين والعبادة، وتأدية وظائفهم التقليدية في المجتمع المصري، ~~من حيث وعظ الناس وإرشادهم، والاهتمام بأمورهم والتوسط لقضاء حاجاتهم والشفاعة ~~للمظلومين منهم عند الحكام، كل ذلك كواجب حتمي، لا ينتظرون من أدائه أجرا ولا ~~شكورا، فصاروا متكالبين على الدنيا، لا يبغون من الوساطة إلا تعزيز مكانتهم هم ~~أنفسهم لدى السلطات الحاكمة، وصاروا يأخذون عن هذه الوساطة الأجور العالية في صورة ~~الهدايا والعطايا الجزيلة من الفلاحين وسائر الأهلين الذين يتوسطون لهم، وقد ظهرت ~~أنانية المشايخ، وتقديم مصالحهم ومنافعهم الذاتية على مصالح الأهلين، في حادث فتنة ~~الجند الكبيرة في أكتوبر ونوفمبر 1807، وقد سبق الكلام مفصلا عن الترتيب الذي ~~وضع عندئذ لجمع المال المطلوب دفع مرتبات الجند منه لإنهاء الفتنة، وكيف أن المشايخ ~~جعلوا العبء الأكبر يقع على صغار التجار وأهل الحرف ومن إليهم، وعلى الفلاحين ~~المشتغلين في حصصهم، كما سبق الكلام عن استغلال المشايخ السيئ لهؤلاء الفلاحين ~~المشتغلين في حصصهم، واتضح لسواد الشعب أن هؤلاء المشايخ المتصدرين، لا يريدون من ~~هذه الصدارة سوى الظفر بالمغانم لأنفسهم، وانتهاز الفرص عن طريق تقربهم من الهيئة ~~الحاكمة، والإذعان لمشيئة الحكام، للاستكثار من الأراضي والأموال، والعيش في بذخ ~~وترف، حتى سماهم الشيخ الجبرتي «بمشايخ الوقت»؛ أي الانتهازيين الذين يدورون مع ~~الريح أينما دارت. # وقد وصف الشيخ الجبرتي ما ترتب على استكثار هؤلاء من البلاد والحصص التي دخلت ~~تحت مسموح المشايخ والتي أعفيت من المغارم والشهريات والفرض التي صار الباشا ~~يفرضها على القرى، ومظالم الكشوفية وغير ذلك، فقال: «إن المشايخ اغتروا بذلك، ~~واعتقدوا دوامه، وأكثروا من شراء الحصص من أصحابها المنجاحين بدون القيمة»، ثم راح ~~يصف تكالبهم على الدنيا، والفساد الذي استشرى في صفوفهم، فقال: «وافتتنوا بالدنيا، ~~وهجروا مذاكرة المسائل، ومدارسة العلم، إلا بمقدار حفظ الناموس، مع ترك العمل ~~بالكلية، وصار بيت أحدهم ms1140 مثل بيت أحد الأمراء الألوف الأقدمين، واتخذوا الخدم ~~والمقدمين والأعوان، وأجروا الحبس والتعزير والضرب بالفلقة والكرابيج المعروفة بزب ~~الفيل، واستخدموا كتبة الأقباط، وقطاع الجرائم في الإرساليات للبلاد، وقدروا حق طرق ~~لأتباعهم، وصارت لهم استعجالات وتحذيرات وإنذارات عن تأخر المطلوب، مع عدم سماع ~~شكاوى الفلاحين، ومخاصمتهم القديمة مع بعضهم بموجبات التحاسد والكراهية المجبولة ~~والمركوزة في طباعهم الخبيثة، وانقلب الوضع فيهم بضده، وصار ديدنهم واجتماعهم ذكر ~~الأمور الدنيوية، والحصص والالتزام، وحساب الميري والفائظ والمضاف، والرماية ~~والمرافعات والمراسلات، والتشكي والتناجي مع الأقباط، واستدعاء عظمائهم في جمعياتهم ~~وولائمهم والاعتناء بشأنهم، والتفاخر بتردادهم والترداد عليهم، والمهاداة فيما ~~بينهم، إلى غير ذلك مما يطول شرحه. # وأوقع مع ذلك زيادة عما هو بينهم من التنافر والتحاسد والتحاقد على الرياسة، ~~والتفاقم والتكالب على سفاسف الأمور، وحظوظ النفس على الأشياء الواهية، مع ما جبلوا ~~عليه من الشح والشكوى والاستجداء، وفراغ الأعين، والتطلع للأكل في ولائم الأغنياء ~~والفقراء، والمعاتبة عليها إن لم يدعوا إليها، والتعريض بالطلب، وإظهار الاحتياج ~~لكثرة العيال والأتباع، واتساع الدائرة، وارتكابهم الأمور المخلة بالمروءة المسقطة ~~للعدالة، كالاجتماع في سماع الملاهي والأغاني والقيان والآلات المطربة، وإعطاء ~~الجوائز والنقوط لمناداة الخلبوص، وقوله وإعلامه في السامر، وهو يقول في سامر الجمع ~~بمسمع من النساء والرجال من عوام الناس وخواصهم، برفع الصوت الذي يسمعه القاصي ~~والداني وهو يخاطب رئيسة المغاني: يا ستي حضرة شيخ الإسلام والمسلمين، مفيد ~~الطالبين، العلامة فلان، منه كذا وكذا، من النصفيات الذهب، قدر مسماه كثير، وجرمه ~~قليل، نتيجة للتفاخر الكذب، والازدراء بمقام العلم بين العوام وأوباش الناس، الذين ~~اقتدوا بهم في فعل المحرمات الواجب عليهم النهي عنها، كل ذلك من غير احتشام ولا ~~مبالاة، مع التضاحك والقهقهة المسموعة من البعد في كل مجمع، ومواظبتهم على الهزليات ~~والمضحكات، وألفاظ الكفاية المعبر عنها عند أولاد البلد بالأنقاط، والتنافس في ~~الأحداث، إلى غير ذلك.» # فلم يكن من المنتظر، وقد انحط الحال بالمشايخ إلى هذا الدرك، أن يأبه الباشا لهم، ~~وأن يستجيب لنصحهم ومشورتهم، تلك النصيحة أو المشورة التي خيل إليهم ms1141 أن قد صار من ~~حقهم إلزام الباشا باتباعها إلزاما، وراح يسعى الآن فريق منهم، اعتمادا على هذا ~~المبدأ لمشاركته في الحكم، والحد من سلطانه، بل إن الباشا لم يلبث أن عمد بعد ~~فراغه من أمر الإنجليز وانسحاب جيش فريزر من الإسكندرية، إلى إبطال مسموح ~~المشايخ، والفقهاء ومعافي البلاد التي التزموا بها، ومع أن هذا الإجراء أنزل ~~خسارة مادية جسيمة بالمشايخ المتصدرين؛ لأنهم - كما عرفنا - كانوا من كبار ~~الملتزمين وقتئذ، ويملكون حصصا كثيرة، فإن أحدا منهم لم يجرؤ على معارضة الباشا؛ ~~لضعفهم وتخاذلهم وانقسامهم على أنفسهم من جهة؛ ولأنه لم يكن في مقدورهم استثارة ~~الأهلين أو فلاحيهم لمقاومة هذا الإجراء، ومناصرتهم، لضياع هيبتهم عموما في نظر ~~الأولين، ولنفور فلاحيهم منهم، بعد أن عسفوا بهم، وأرهقوهم بمظالمهم. # وحدث أول احتكاك بين المشايخ ومحمد علي في أغسطس 1808، ظهر منه استخذاؤهم، أمام ~~تهديده لهم بتجريدهم من حصصهم، وكان الباشا قد قرر ضريبة، أربعة في المائة على كل ~~الحبوب والمأكولات المباعة في الشوارع والميادين والأسواق، وأزعجت هذه الضريبة ~~القاهريين إزعاجا كبيرا، ثم زاد البلاء عندما جاء فيضان النيل في هذا العام ~~قليلا، فنقص النيل نحو خمسة أصابع، وانكشف الحجر الراقد الذي عند فم الخليج تحت ~~الحجر القائم، فضج الناس، ورفعوا الغلال من الرقع والعرصات، والسواحل، وانزعجت ~~الخلائق بسبب شحة النيل في العام الماضي، وهيفان الزرع، وتنوع المظالم، وخراب ~~الريف، وجلاء أهله. # فاجتمع المشايخ يوم 20 أغسطس، وطلعوا عند الباشا، للنظر فيما يجب فعله، لرفع ~~المظالم وتفريج كربة الناس، فأشار الباشا بعمل استسقاء، وبأن يأمروا الفقراء ~~والضعفاء والأطفال بالخروج إلى الصحراء، وأن يدعوا الله، وعندئذ انبرى الشيخ عبد ~~الله الشرقاوي لنصح الباشا، فقال: ينبغي أن ترفقوا بالناس وترفعوا الظلم؛ حيث إن ~~تخفيض الضرائب قد يكون في هذه الظروف أجدى نفعا في إزالة الضائقة، فكان جواب محمد ~~علي: «أنا لست بظالم وحدي، وأنتم أظلم مني، فإني رفعت عن حصتكم الفرض والمغارم ~~إكراما لكم وأنتم تأخذونها من الفلاحين، وعندي دفتر محرر فيه تحت أيديكم من الحصص ~~يبلغ ألفي ms1142 كيس، ولا بد أني أفحص عن ذلك، وكل من وجدته يأخذ الفرضة المرفوعة من ~~فلاحيه أرفع الحصة عنه، فقالوا: لك ذلك»، وسكتوا أمام هذا التهديد، وراحوا ينشرون ~~بين الناس ضرورة الخروج والسقيا، واتفق رأيهم على الذهاب إلى جامع عمرو بن العاص؛ ~~لكونه محل الصحابة والسلف الصالح، يصلون به صلاة الاستسقاء، ويدعون الله ~~ويستغفرونه، ويتضرعون إليه في زيادة النيل. # وفي 21 أغسطس ركب السيد عمر مكرم والمشايخ وأهل الأزهر وغيرهم، وتبعهم الأطفال، ~~«واجتمع عالم كثير، وذهبوا إلى الجامع المذكور، بمصر القديمة، وصعد الشيخ جاد ~~المولى على المنبر وخطب بعد أن صلى صلاة الاستسقاء، ودعا الله، وأمن الناس على ~~دعائه، وحول رداءه، ورجع الناس بعد صلاة الظهر، وبات السيد عمر مكرم هناك، وفي ~~تلك الليلة رجع الماء إلى محل الزيادة الأولى، واستتر الحجر الراقد بالماء»، ثم ~~أشار بعض الناس في اليوم التالي (22 أغسطس) بإحضار الرؤساء الدينيين للقبط وطوائف ~~اليونان والأرمن، والمسيحيين اللاتينيين من إرسالية الأرض المقدسة، والمبشرين ~~الكاثوليك، والمارونيين واليهود الربانيين، فخرجوا جميعا إلى الجامع، وحضر المعلم ~~غالي، ومن يصحبه من الكتبة الأقباط وجلسوا في ناحية من المسجد، يشربون الدخان، ~~وانفض الجمع أيضا، وفي تلك الليلة زاد الماء ونودي بالوفاء وفرح الناس. وفي 23 ~~أغسطس حضر الباشا والقاضي واجتمع الناس، وكسروا السد، وجرى الماء في الخليج، ولو ~~أنه كان جريانا ضعيفا. # على أنه وإن كان قد انقضى بسلام أول احتكاك بين المشايخ والباشا، فقد كان من ~~الواضح أن عوامل السخط والتذمر قد أخذت تتجمع في أوساط المشايخ، بسبب حرمانهم من ~~إعفاءاتهم السابقة، في مسموحهم، وتهديد الباشا لهم بتجريدهم من حصصهم، ثم ما اتضح ~~لهم من فقدان كل نفوذ لهم لدى حكومته، مع اتخاذ الباشا لهم أدوات طيعة لتوزيع ~~المغارم والسلف على الأهلين، واستخدامهم في حمل هؤلاء على دفعها، وإرهاقهم هم ~~أنفسهم بمطالبه المالية المتكررة، بالصورة التي سبق بيانها عند الكلام عن أساليب ~~محمد علي المالية. # وانقسم المشايخ في حال سخطهم وتذمرهم، وفي موقفهم من حكومة الباشا عموما إلى ~~فريق، انتهز فرصة ms1143 هذا التذمر للفوز بمآربه الذاتية ونفعه الخاص على حساب الجماعة ~~بالزلفى لدى الباشا والسعي في حق منافسيه على مكان الصدارة الذي أراد الاستئثار به ~~لنفسه فحسب، وفريق خيل إليه الوهم أنه قد آن الأوان لمناقشة الباشا الحساب، ووقف ~~مظالمه، والحد من سلطان حكومته، بفرض المشورة عليه فرضا، وإلزامه باتباع ~~النصيحة إلزاما، وانفرد يتزعم هذه المعارضة السيد عمر مكرم في الظروف التي سيأتي ~~ذكرها، ثم فريق ثالث، كان يتألف من المشايخ من غير المتصدرين، الذين وإن كانوا ~~متذمرين وساخطين، فقد آثروا الصمت وعدم الجهر بتذمرهم وسخطهم، اللهم إلا بين ~~أصدقائهم وخاصتهم. ~~(4) المعارضة الصامتة: عبد الرحمن الجبرتي # ويمثل فريق هذه المعارضة الصامتة، الشيخ عبد الرحمن الجبرتي، صاحب التاريخ ~~المسمى «عجائب الآثار في التراجم والأخبار»، انحدر من سلالة اشتهر أفرادها بالعلم ~~والفضل، ونشأ في بيئة علمية وثقافية، وكان أهله أصحاب ثراء وافر، فخالط خيار القوم، ~~وتلقى الدروس عن أكابر الأشياخ، ومارس شئون الحياة الدنيا، وعرف الكثير عن أخبار ~~قارئي العلم في الأزهر الشريف، وفي غيره من الجوامع، وعن كبار البكوات المماليك ~~وصغارهم، والباشوات العثمانيين، وأرباب الدولة عموما، وقد حفزه على الاستفاضة من ~~هذه المعرفة خصوصا، اهتمامه بالتأريخ لهم، وتسجيل الحوادث التي وقعت في هذه ~~البلاد، سواء ما وصله خبره منها مما لم يحضره، أو ما شاهده منها بنفسه، وقد تحدث ~~الشيخ عن الدافع له على تدوين هذه الحوادث، والطريقة التي اتبعها في تسجيلها، مما ~~يسهل معرفته بالرجوع إلى ما كتبه عن ذلك في «تاريخه»، وأغرم الشيخ بالتاريخ، فقرأ ~~كثيرا من كتبه، واستخلص منه عظات وعبرا جمة، وأفاده حسن انتباهه ودقة ملاحظته لما ~~كان يجري من وقائع في عصره، لتبويبها وتسجيلها في تاريخه في فهم التاريخ وأغراضه ~~ومراميه كصورة صادقة للحوادث من جهة، ووصف صحيح لطبائع الخلق وصفات الأفراد الذين ~~اشتركوا في هذه الحوادث، فتحرى الدقة في كل ما سجله منها، وصار له رأي في نشأة ~~المجتمع الإنساني، ووظائف الحكام، وواجباتهم، وراح على ضوء المبادئ التي أخذ بها في ~~أصول الحكم وأسبابه وغاياته، ينقد ms1144 أساليب الحكام، ويعرض الآثار التي ترتبت على ~~مسلكهم في الحكم وسياسة شئون الرعية، ولم يفته بيان موقف هذه الرعية من مختلف ~~الأحداث التي شهدوها، ورد الفعل الذي وقع بينهم نتيجة لها. ~~(4-1) بيئته ونشأته # وينتسب أجداد الشيخ إلى مسلم بن عقيل بن أبي طالب - رضي الله عنه - جده ~~السابع، والذي ينتهي علم الشيخ إليه، هو زين الدين عبد الرحمن الجبرتي، ارتحل ~~من جبرت من بلاد زيلع بأرض الحبشة، إلى جدة ، ثم انتقل إلى مكة التي جاور بها ~~وحج مرارا، ثم جاور بالمدينة المنورة سنتين، ولقي من لقي بالحرمين من الأشياخ ~~وتلقى عنهم، ثم رجع إلى جدة، وكان حضوره إلى مصر من طريق القلزم في أوائل ~~القرن العاشر للهجرة، والسادس عشر للميلاد، فجاور بالأزهر، وتولى شيخا على ~~رواق الجبرتية، وخلفه على مشيخة الرواق ولده شمس الدين محمد، وكان صالحا ~~عالما وصاحب كرامات، أقرأ دروسا في الفقه والمعقول، ثم خلفه على المشيخة بعد ~~وفاته، ابنه الشيخ نور الدين علي، وقد نشأ هذا أيضا على قدم أسلافه في ملازمة ~~العلم والعمل، وصار له شهرة وثروة، وتزوج زينب الجوينية ابنة القاضي عبد ~~الرحيم الجويني، وكان ذا ثراء، وأنجب الشيخ نور الدين علي، الشيخين: حسن جد ~~والد صاحب «عجائب الآثار»، وعبد الرحمن، وقد توفي سنة تسع وثمانين وألف (1678)، ~~وأما حسن فقد عاش حتى سنة سبع وتسعين وألف (1686)، «وكان لزينب الجوينية أماكن ~~جارية في ملكها وقفتها على ولدي زوجها المذكورين.» # وأخذ الشيخ حسن الجبرتي عن أشياخ عصره من أهل القرن الحادي عشر الهجري، ~~كالبابلي والأجهوري والزرقاني وسلطان المزاحي والشبراملسي والشهاب الشوبري، ~~وتفقه على الشيخ حسن الشرنبلالي الكبير ولازمه ملازمة كلية، وأعقب الشيخ حسن، ~~برهان الدين إبراهيم، وكان هذا عند وفاة أبيه رضيعا، فكفلته والدته الحاجة ~~مريم بنت الشيخ محمد بن عمر المنزلي الأنصاري، فنشأ أيضا نشئا صالحا، تزوج ~~ستيتة بنت عبد الوهاب أفندي الدلجي، وبنى بها في ربيع أول سنة ثمان ومائة وألف ~~(أكتوبر 1696)، وأعقب نور الدين حسن الجبرتي والد الشيخ عبد الرحمن، وقد توفي ~~بعد ms1145 ولادة ابنه بشهر واحد، وذلك في سنة عشر ومائة وألف (1698). # وقامت بتربية نور الدين والدته بكفالة جدته أم أبيه، الحاجة مريم، ووصاية ~~الشيخ محمد النشرتي شيخ الأزهر حينئذ، وقرروه في مشيخة الرواق كأسلافه، ~~والمتكلم عنه الوصي المذكور، فتربى في حجورهم حتى ترعرع، وأخذ العلم عن أشياخ ~~العصر، كالشيخ حسن الشرنبلالي ابن الشرنبلالي الكبير، والمشايخ: السيد علي ~~السيواسي الضرير، وأحمد التونسي المعروف بالدقدوسي، وعلي العقدي، ومحمد بن عبد ~~العزيز الزيادي والشهاب أحمد بن مصطفى الإسكندراني الشهير بالصباغ، ومنصور ~~المنوفي ومحمد السجيني الضرير، وغيرهم وغيرهم من أئمة ذلك الزمان، واشتغل ~~بتجديد الخط وأتقن اللغتين الفارسية والتركية، ثم اهتم بدراسة الرياضيات، وبرع ~~فيها، تلقى العلوم الرياضية والمعارف الحكمية والفلسفية على الشيخ حسام الدين ~~الهندي والشيخ محمد الغلاني الكشناوي «وحضر إليه طلاب من الإفرنج وقرءوا عليه ~~علم الهندسة، وذلك سنة تسع وخمسين (1746) وأهدوا له من صنائعهم وآلاتهم أشياء ~~نفيسة وذهبوا إلى بلادهم ونشروا بها ذلك العلم من ذلك الوقت، وأخرجوه من القوة ~~إلى الفعل»، وأعجب بعلمه الوالي أحمد باشا المعروف بكور وزير (1748-1750)، فكان ~~يقول: «لو لم أغنم من مصر إلا اجتماعي بهذا الأستاذ لكفاني.» ومن نشاطه أنه ~~عندما وقع الخلل في عام 1758 في الموازين والقبانين وجهل أمر وضعها ورسمها ~~وظهر فيها الخطأ واختلفت مقادير الموزونات وترتب على ذلك ضياع الحقوق وتلاف ~~الأموال، وفسد على الصناع تقليدهم الذي درجوا عليه فعند ذلك تحركت همته ~~لتصحيح ذلك، وأحضر كبار القبانية والوزانين وأطلعهم على سر الصنعة ومكنونها، ~~ووضع في ذلك كتابا سماه العقد الثمين فيما يتعلق بالموازين. # وكان الشيخ نور الدين حسن على علمه وفضله متواضعا لا يعرف التصنع في ~~الأمور، ولا دعوى علم ولا معرفة ولا مشيخة على التلاميذ والطلبة، ولا يرضى ~~التعاظم ولا تقبيل اليد، وله منزلة عظيمة في قلوب الأكابر والأمراء والوزراء ~~والأعيان ويسعون إليه، ويذهب إليهم لبعض المقتضيات والشفاعات، ويرسل إليهم فلا ~~يردون شفاعته ولا يتوانون في حاجة يتكلم فيها، وله عندهم محبة ومنزلة في قلوبهم ~~زيادة عن نظرائه من الأشياخ ms1146 لمعرفته بلسانهم ولغتهم واصطلاحهم، استشاره في سنة ~~1186ه / 1772 الأمير علي بك الدفتردار المعروف بكتخدا الجاويشية في أيهما ~~الأفضل: تقليد الصحفية أو كتخدا الجاويشية، فأشار عليه بالثانية، فعمل ~~برأيه. # وكانت للشيخ مكتبة يختلف إليها المشايخ والطلاب ويستعيرون منها ما يشاءون، ~~أهداه السلطان مصطفى الثالث نفائس من خزائنه، وكذلك أكابر الدولة الروم ومصر ~~وباشة تونس والجزائر، واجتمع لديه من كتب الأعاجم مثل الكلستان وديوان حافظ ~~وشاه نامه، وتواريخ العجم وكليلة ودمنة ويوسف زليخا وغير ذلك . وكذلك الآلات ~~الفلكية من الكرات النحاس وغيرها من الآلات الارتفاعية والميالات، وحلق ~~الأرصاد والأسطرلابات والأرباع والعدد الهندسية، وأدوات غالب الصنائع، مثل ~~النجارين والخراطين والحدادين والسمكرية والمجلدين والنقاشين والصواغ، وآلات ~~الرسم والتقاسيم. # لازمه من المشايخ الذين توثقت أواصر الصداقة بينهم وبينه، محمد بن إسماعيل ~~النفراوي، ومحمد الصبان، ومحمد عرفة الدسوقي، ومحمد الأمير، وعبد الرحمن ~~العريشي، ومحمد الفرماوي وغيرهم، وتلقى عنه من أشياخ العصر محمد المصيلحي وحسن ~~الجداوي وأحمد بن يونس ومحمد الخالدي الشافعي الشهير بابن الجوهري وغيرهم، وهذا ~~إلى جانب من كان يعولهم من الأشياخ الناشئين والمهاجرين. # وعاش نور الدين حسن الجبرتي في يسر ورخاء، وقفت عليه جدته أماكن عدة، منها ~~الوكالة بالصنادقية والحوانيت بجوارها وبالغورية ومرجوش ومنزل بجوار المدرسة ~~الأقبغاوية، ومع اشتغاله بالعلم كان يعاني التجارة والبيع والشراء والمشاركة ~~والمضاربة والمقايضة، وحدث أن تزوجت جدته بعد وفاة جده الأمير علي آغا، باش ~~اختيار متفرقة، المعروف بالطوري وله حكم قلاع الطور والسويس والمويلح، وكانت ~~إذ ذاك عامرة وبها المرابطون، ويصرف عليهم العلوفات والاحتياجات، وبنى الشيخ ~~نور الدين بابنته، ولما مات صهره في عام 1137ه/1725 تقلد أعماله وحل في ~~وظيفته مع كونه في عداد العلماء، ولبث بها فترة من الزمن، ولكنه لم يلبث أن ~~تكدر خاطره عندما أرسل خادما له يسمى سليمان الحصافي (جربجيا) على قلعة ~~المويلح، فقتلوه هناك، فتكدر لذلك، وترك هذا الأمر، وأعرض عنه وأقبل على شأنه، ~~من الاشتغال، وماتت زوجة بنت الأمير علي آغا في حياة أبيها، فتزوج بنت رمضان ~~جلبي بن يوسف المعروف بالخشاب، ms1147 وهم بيت مجد وثروة ببولاق ولهم أملاك وعقارات ~~وأوقاف، ومن ذلك وكالة لكتان، وربع وحوانيت تجاه جامع الزردكاش، وبيت كبير ~~بساحل النيل، وآخر تجاه جامع مرزه جربجي، وتوفي رمضان هذا في سنة تسع وثلاثين ~~ومائة وألف (1727). واستمرت ابنته في عصمة الشيخ نور الدين محمد حتى ماتت في ~~المحرم سنة اثنتين وثمانين ومائة وألف (مايو 1768) وعمرها ستون سنة، وكانت من ~~الصالحات الخيرات المصونات، وحجت صحبته في سنة إحدى وخمسين (1739) وكانت به ~~بارة وله مطيعة. واقتنى المماليك والعبيد والجواري البيض والحبوش والسود، ~~وأنجب من الأولاد نيفا وأربعين ولدا ذكورا وإناثا ماتوا كلهم دون البلوغ، ~~ولم يعش له من الأولاد سوى عبد الرحمن الجبرتي، وكانت وفاة الشيخ نور الدين بعد ~~مرضه بالهيضة الصفراوية، في غرة صفر سنة ثمان وثمانين ومائة وألف (13 أبريل ~~1774). # تلك إذا كانت البيئة التي نشأ فيها عبد الرحمن الجبرتي، وهي بيئة علم ودين ~~وأدب وثقافة، ويعيش أهله في ثراء، ولوالده جاه ونفوذ كبيران. # وقد ولد الشيخ عبد الرحمن في خريف سنة سبع وستين ومائة وألف (1754)، ووالدته ~~إحدى السراري، وكان الابن الثاني لولده في هذا العام، ثم لم يلبث أخوه أن لحق ~~بسائر أولاد الشيخ نور الدين المتوفين، وكان ذلك سنة 1179ه/1766م. وأما عبد ~~الرحمن فقد درس في بعض الكتاتيب بحي الأزهر، ثم في مدرسة السنانية بخطة ~~الصنادقية، ثم التحق برواق الشوام لتلقينه مذهب الحنفية على يد الشيخ عبد ~~الرحمن العريشي (1763)، ولكن والده لم يلبث أن زوجه بعد خمس سنوات عام 1182ه/1768م، ~~فقطع المجاورة، ولكنه لم ينقطع عن الأزهر، أخذ عن والده العلوم الرياضية ~~والحكمية والفلكية، وانتفع بما كان يقصه عليه من أخبار الأشياخ، والعلماء ~~والحكام، وقد شاركه في هذه الدروس وهو ناشئ، الشيخ أحمد الطهطاوي، وتوثقت عرى ~~الصداقة بين الطهطاوي وعبد الرحمن الجبرتي من ذلك الحين، وكان أكبر أساتذته ~~الأثرين عنده، أبو الفيض محمد مرتضى الزبيدي - وقد سبق الحديث عنه - ثم عبد ربه ~~العزيزي المعروف بابن الست. وكان من أصدقائه أشياخ عرفوا بالعلم والصلاح وصناعة ~~الأدب، كالشيخ أحمد يوسف ms1148 الشنواني والشيخ يوسف الديار بكرلي والسيد علي العلوي، ~~والسيد إسماعيل وهبي الخشاب، وعلي عبد الله درويش الرومي والشيخ حسن العطار ~~وغيرهم. وبرع عبد الرحمن في علم الفلك والعلوم الرياضية، وقد ثابر على حضور ~~وإلقاء الدروس في الأزهر وفي بيته في الفلك والهندسة والحساب والفقه، ولم تصرفه ~~مشاغله الدنيوية عن العلم، عندما انتقل إليه الإشراف على إدارة الأملاك التي ~~ورثها عن والده، والأوقاف التي كانت للأسرة في القاهرة، ومصر القديمة وبولاق ~~وإدكو، وفي غير ذلك من الجهات. # وكان بعد وفاة والده الشيخ نور الدين حسن الجبرتي أن قام عبد الرحمن في ~~الأيام الأولى من عام تسع وثمانين ومائة وألف (1775) برحلة إلى الوجه البحري، ~~فزار كفر الزيات وطنطا؛ حيث حضر المولد الأحمدي بها في هذا العام، وعقد أواصر ~~الصداقة هناك مع الشيخ أحمد السماليجي الشافعي، الذي ظل يزوره بعد ذلك ويتردد ~~عليه بمنزله في القاهرة، ثم فوة ورشيد؛ حيث زار الشيخ أحمد علي الخضري، وشهد ~~مؤلفين لوالده، ثم إدكو وبها أوقاف الجبرتية، ولا يبعد أن يكون قد زار أبيار ~~كذلك؛ حيث للأسرة بها أرض ومزارع، وزار عبد الرحمن في السنة نفسها دمياط ~~والمنصورة. ومن المتفق عليه أنه حج إلى مكة وزار الصعيد، وهناك من يرجح أنه زار ~~أبا قير والإسكندرية؛ حيث اجتمع بالشيخ المسيري المالكي، عالم الإسكندرية ~~وشيخها الأكبر لذلك العهد. # وفي سنة إحدى وتسعين ومائة وألف (1777) عمر عبد الرحمن داره التي بالصنادقية، ~~وقد ألف الشيخ مصطفى بن أحمد المعروف بالصاوي أبياتا وتاريخا رقمت بطراز ~~مجلس العقد الداخل، تبدأ بقوله: # خليلي هذا الروض فاحت زهوره # ولاح على الأكوان حقا ظهوره # وتنتهي بقوله: # ودام به سعد السعود مؤرخا # حمى العز بالمولى الجبرتي نوره # وفي أواخر سنة خمس وتسعين ومائة وألف (1781) تزوج الشيخ ربيبة صديقه علي عبد ~~الله درويش الرومي برغبة منه، وما إن حصلت النسابة والمصاهرة حتى حوله ~~بعياله إلى منزله؛ لتعب الوقت وتعطيل أسباب المعاش. ~~(4-2) تصنيف «عجائب الآثار» # وكان في شهر مارس 1788، أن فاتحه أستاذه الشيخ مرتضى الزبيدي في معاونته على ms1149 ~~إتمام ترجمة لأعلام القرن الثاني عشر الهجري من مصريين وحجازيين، وكان الذي طلب ~~من الشيخ مرتضى ذلك، مفتي دمشق، أبو المودة محمد خليل المرادي الحسيني، فكان ~~ذلك مبعث «عجائب الآثار»، وقد انكب عبد الرحمن على عمله بكل همة، فسود ~~أوراقا في حوادث آخر القرن الثاني عشر وما يليه وأوائل الثالث عشر الهجري، قال ~~إنه «جمع فيها بعض الوقائع إجمالية، وأخرى محققة تفصيلية، وغالبها محن ~~أدركناها، وأمور شاهدناها.» وقد رجع الشيخ في تقصي هذه الوقائع إلى كل ما عثر ~~عليه من مؤلفات ومصنفات، ولو أن هذه كانت قليلة، فإنه وإن كان قد دون أسماء ~~مشهوري المؤرخين وتصانيفهم، كالطبري وابن الأثير وابن الجوزي وابن خلكان، ~~والمسعودي، والذهبي، والسمعاني وابن حجر العسقلاني، والصفدي والسيوطي ~~وابن عساكر، واليافعي، وأبي نعيم، والمقريزي، والعيني، وقد قال الشيخ عن تاريخه ~~إنه في أربعين مجلدا، رأيت منه بعض مجلدات بخطه وهي ضخمة في قالب الكامل، ~~والسخاوي، وابن دقاق، وابن خلدون وهو في ثمان مجلدات ضخام ومقدمته مجلد على ~~حدة، من اطلع عليها رأى بحرا متلاطما بالعلوم، مشحونا بنفائس جواهر المنطوق ~~والمفهوم. نقول إن الشيخ الجبرتي وإن كان قد ذكر كل هؤلاء المؤرخين ودون ~~أسماء كتبهم، فقد استدرك قائلا: «وهذه صارت أسماء من غير مسميات، فإنا لم نر ~~من ذلك كله إلا بعض أجزاء مدشتة بقيت في بعض خزائن كتب الأوقاف بالمدارس، مما ~~تداولته أيدي الصحافيين، وباعها القومة والمباشرون، ونقلت إلى بلاد المغرب ~~والسودان، ثم ذهبت بقايا البقايا في الفتن والحروب، وأخذ الفرنسيس ما وجدوه إلى ~~بلادهم.» # ولما عزم الشيخ على جمع ما كان سوده لكتابة تاريخه، أراد أن يوصله بشيء ~~قبله فلم يجد بعد البحث والتفتيش إلا بعض كراريس سودها بعض العامة من الأجناد ~~ركيكة التركيب، مختلفة التهذيب والترتيب، وقد اعتراها النقص من مواضع في خلال ~~بعض الوقائع، وكان ظفر بتاريخ من تلك الفروع، لكنه على نسق في الجملة مطبوع، ~~لشخص يقال له أحمد جبلي بن عبد الغني، مبتدئا فيه من وقت تملك بني عثمان ~~للديار المصرية، وينتهي ms1150 كغيره مما ذكره إلى خمسين ومائة وألف هجرية (1737)، ~~ثم إن ذلك الكتاب استعاره بعض الأصحاب، وزلت به القدم، ووقع في صندوق العدم، ~~ومن ذلك الوقت إلى وقتنا هذا لم يتقيد أحد بتقييد، ولم يسطر في هذا الشأن شيئا ~~يفيد، فرجع الجبرتي إلى النقل من أفواه الشيخة المسنين، وصكوك دفاتر الكتبة ~~والمباشرين، وما انتقش على أحجار ترب المقبورين، وذلك من أول القرن إلى ~~السبعين، وما بعدها إلى التسعين أمور شاهدناها ثم نسيناها وتذكرناها، ومنها إلى ~~وقتنا أمور تعقلناها وقيدناها وسطرناها إلى أن تم ما قصدنا بأي وجه كان، وانتظم ~~ما أردنا استطراده من وقتنا إلى ذلك الأوان. وقد عاونه إسماعيل الخشاب في ~~الوقوف على الصكوك والحجج وما إليها من الوثائق المودعة بدار المحكمة الكبيرة، ~~وكان قد تنزل لحرفة الشهادة بها لضرورة التكسب في المعاش، ثم لم يلبث ~~الفرنسيون أن عينوه؛ أي الخشاب، في كتابة التاريخ لحوادث الديوان الذي رتبوه ~~لقضايا المسلمين. # ويعزو الشيخ عبد الرحمن الفضل في جمع هذا التاريخ إلى مفتي دمشق السالف ~~الذكر، فيقول: إنه «السبب الأعظم الداعي لجمع هذا التاريخ على هذا النسق، فإنه ~~كان راسل شيخنا السيد محمد مرتضى، والتمس منه نحو ذلك؛ أي جمع تراجم أهل بلاده ~~وأخبار أعيان أهل القرن الثاني عشر الهجري، فأجابه لطلبته»، وشرع السيد مرتضى ~~في جمع المطلوب بمعونة عبد الرحمن، ولم يذكر السبب الحامل على ذلك، ويذكر ~~الجبرتي أنه ذهب يوما بما تيسر جمعه إلى السيد مرتضى وعنده بعض الشاميين، ~~فأطلعه عليه، فسر بذلك كثيرا، وطارحه، وطارحه الجبرتي في نحو ذلك بمسمع من ~~المجلس. # ولكنه حدث بعد هذه المقابلة بوقت قليل أن توفي السيد مرتضى (في أبريل 1791)، ~~فتنوسي هذا الأمر شهورا، ووصل نعي السيد مرتضى إلى مفتي دمشق، أبي المودة، ~~فبعث بكتاب إلى عبد الرحمن وقرنه بهدية على يد السيد محمد التاجر القباقيبي ~~تستدعي تحصيل ما جمعه الشيخ مرتضى من أوراقه، وضم ما جمعه عبد الرحمن وما ~~تيسر ضمه أيضا وإرساله، وقد بلغ أبا المودة من الشيخ مرتضى نفسه أن عبد ms1151 ~~الرحمن الجبرتي قد أعانه على ذلك. # فنشط عبد الرحمن في فحص أوراق الشيخ مرتضى، وكان قد استطاع الظفر بها، ~~وشراءها من تركته بعد وفاته، وهي في عشرة كراريس، رتبها الشيخ مرتضى على حروف ~~التهجي وسماه المعجم المختص، ذكر فيه شيوخه ومن أخذ عنه أو ساجله أو جالسه من ~~رفيق وصاحب وصالح، وقال: «أو من المشاهير، وقد أذكر فيه من أحبني في الله ~~وأحببته أو استفدت منه شيئا أو أنشدني شيئا أو كاتبني أو كاتبته أو بلوت منه ~~معروفا وكرما ... إلى آخر ما قال»، إلا أن الكراريس المذكورة لم تكمل، وترك في ~~الحروف بياضات كثيرة، وغالب ما فيها - كما وجدها عبد الرحمن - أفاقيون من أهل ~~المغرب والروم والشام والحجاز بل والسودان، والذين ليس لهم شهرة ولا كثير بضاعة ~~من الأحياء والأموات، وأهمل من يستحق أن يترجم من كبار العلماء والأعاظم ~~ونحوهم. # ويستطرد الجبرتي فيقول، إنه لما رأى ذلك، وعلم الباعث على جمع هذه التراجم، ~~وتحققت لديه رغبة الطالب لذلك؛ أي أبي المودة السيد خليل مفتي دمشق، بادر بجمع ~~ما كان سوده، وزاد فيه، وهي تراجم فقط دون الأخبار. وبينا هو مشتغل بذلك، ~~جاءه نعي أبي المودة نفسه، الذي توفي في حلب في أواخر صفر سنة ست ومائتين وألف ~~(أكتوبر 1791)، ففترت الهمة وطرحت تلك الأوراق في زوايا الإهمال مدة طويلة حتى ~~كادت تتناثر وتضيع. # ولكن الجبرتي وإن كان قد طرح هذه الأوراق الخاصة بالتراجم دون الأخبار في ~~زوايا الإهمال، فقد حرص من جهة أخرى على تدوين الوقائع وبخاصة ما استجد منها ~~بعد هذا التاريخ على أيام الاحتلال الفرنسي، وكان يسجل كل واقعة بذاتها في ~~جزازة مستقلة أو طيارة - كما يسميها - والدليل على ذلك أنه استطاع عند خروج ~~الفرنسيين أن يضع كتابه الأول، وباكورة إنتاجه «مظهر التقديس بذهاب دولة ~~الفرنسيس» لإهدائه إلى يوسف ضيا باشا، بمناسبة استرجاع الدولة لهذه البلاد، ~~وإنقاذها من المحتلين، وقد انتهى هذا التاريخ عند آخر شعبان 1216 / 4 يناير ~~1802، وأثبته في «عجائب الآثار» عند تدوينه بعد أن حذف مقدمته، ms1152 وفصولا كان قد ~~كتبها صديقه الشيخ حسن العطار. وثمة دليل آخر على تسجيله الوقائع ابتداء من سنة ~~مائتين وألف (1786)، أنه استبدل بسرده الإجمالي للحوادث في الأعوام السابقة، ~~والاهتمام أكثر الاهتمام بذكر الوفيات، إثبات الوقائع مفصلة بتدقيق يتناول ~~أوقاتها في صبح أيامها وظهرها وعصرها ومغربها ومسائها، ثم إنه لم يعد يعتذر عن ~~عجزه عن تحري تواريخ وفاة من ترجم لهم، كما كان يفعل خصوصا في الفترة السابقة ~~على عام 1786. # ولم يبدأ عبد الرحمن كتابة تاريخه «عجائب الآثار» في النسق الذي ظهر فيه إلا ~~بعد فترة طويلة من الزمن، وذلك عندما «حصل عندي باعث من نفسي على جمع ~~الأوراق التي طرحت في زوايا الإهمال مدة طويلة مع ضم الوقائع والحوادث ~~والمتجددات على هذا النسق»، وكان عندئذ - كما سبقت الإشارة إليه - أن راح ينقب ~~في خزائن الكتب، ويطوف بالمقابر لقراءة أحجار ترب المقبورين، ويجد الذهن في ~~استذكار ما كان سمعه من والده، ويسأل الأشياخ والمصريين، ويطلب معاونة إسماعيل ~~الخشاب، في مراجعة الحجج والصكوك بالمحكمة، إلى غير ذلك من الوسائل التي لجأ ~~إليها لاستيفاء معلوماته عن الموضوعات والحوادث السابقة التي أراد أن يصل ~~تاريخه بها. # ولم يزعم الجبرتي أن ما سجله في تاريخه عن هذه الحوادث السابقة أو اللاحقة عن ~~الصدق والحقيقة، وبمنأى عن كل مطعن وتجريح، فهو ما يفتأ يقول إن ما ذكره عن ~~وقائع القرن الثاني عشر، وتراجم أعلامه، إنما هو «على سبيل الإجمال بحسب ~~الإمكان، فإني لم أعثر على شيء من تراجم المتقدمين من أهل هذا القرن، ولم أجد ~~شيئا مدونا في ذلك إلا ما حصلته من وفياتهم فقط، وما وعيته في ذهني، ~~واستنبطته من بعض أسانيدهم وإجازات أشياخهم، على حسب الطاقة»، وأن ما جمعه كان ~~«بحسب التيسير أن التفصيل متعذر، وجمع الشوارد في الظلام متعسر، وذلك بحسب ~~الإمكان، وما وعاه الفكر والذهن خوان»، ثم يقول في ختام سنة خمس وعشرين ومائتين ~~وألف (1810): «وانقضت السنة بحوادثها التي قصصنا بعضها؛ إذ لا يمكن استيفاؤها ~~للتباعد عن مباشرة الأمور وعدم تحققها على الصحة، ms1153 وتحريف النقلة وزيادتهم ~~ونقصهم في الرواية فلا أكتب حادثة حتى أتحقق صحتها بالتواتر والاشتهار، وغالبها ~~من الأمور الكلية التي لا تقبل الكثير من التحريف، وربما أخرجت قيد حادثة حتى ~~أثبتها، ويحدث غيرها، وأنساها، فأكتبها في طيارة حتى أقيدها في محلها، إن شاء ~~الله تعالى عند تهذيب هذه الكتابة، وكل ذلك من تشوش البال، وتكدر الحال، وهم ~~العيال، وكثرة الاشتغال، وضعف البدن، وضيق العطن.» # ومع ذلك، فقد دل الاستقراء على أن الوقائع التي سجلها الجبرتي بنفسه وبخاصة ~~عن عهدي الحملة الفرنسية ومحمد علي، ويشغل هذان العهدان الجزأين الثالث والرابع ~~من تاريخه الذي يقف عند آخر ذي الحجة 1236 / 27 سبتمبر 1821، صحيحة في جوهرها ~~وتفاصيلها، ومتفقة مع ما ذكره عنها غيره من المعاصرين الأجانب، ووجه الاختلاف ~~بين ما دونه الشيخ وهؤلاء المعاصرون أنفسهم، وبين ما أظهره البحث الحديث، أن ~~مرد ما قد يلاحظ من نقص في سرد بعض الوقائع، أو في استيفاء تفسيراتها إنما هو ~~إلى عجز الشيخ وغيره من الكتاب الأجانب المعاصرين عن معرفة خفايا الأمور، ~~وأسرار السياسة، التي كانت من شأن الحكام والمسئولين وحدهم فحسب، والتي لا سبيل ~~لمعرفتها وإدراكها إلا بالرجوع إلى التقارير والوثائق الحكومية، مما لم يكن في ~~متناول الشيخ أو متناولهم، أضف إلى هذا أن الجبرتي لم يكن - كما قال هو نفسه - ~~من المقربين من أصحاب الحكم والسلطان أيام محمد علي، فاستمد المعلومات التي ~~دونها عن عهده من أصدقائه وإخوانه والمشايخ، أو من المتصلين بالبكوات ~~المماليك، وقد كان هو نفسه على صلة بكثيرين منهم، أو اعتمد على مشاهداته ~~الخاصة، أو صار يقيد الأخبار التي قدر لها الذيوع والانتشار، وذلك بعد التدقيق ~~في التحري عن مبلغ صحتها، وتفسير هذه الحقيقة خلو «عجائب الآثار» من المسائل ~~الخاصة بصلات محمد علي السياسية بالدول الأجنبية إلا النذر اليسير منها. ~~(4-3) التفكير السياسي عند الجبرتي # ولقد كان من شأن الثقافة التي تثقف بها الشيخ عبد الرحمن على يد والده، ثم ~~جناها من اشتغاله بالتاريخ، منذ أن توفر على التنقيب عن تراجم الأعيان ms1154 الذين ~~أراد الترجمة لهم، وجمع شوارد الحوادث التي أراد تنسيقها وتسجيلها في «مظهر ~~التقديس» أولا، ثم في «عجائب الآثار» ثانيا، إلى جانب الخبرة والتجربة اللتين ~~كسبهما من حياته العامة والخاصة - وقد كان الشيخ أحد أعضاء الديوان الذي أنشأه ~~الجنرال منو، كما كان صديقا لعديدين من البكوات، وأتاح له فضله كأحد نوابغ ~~العلماء في عصره، وجاهه كأحد سراته، أن يعرف أو يصادق أكثر الأشياخ - نقول إنه ~~كان من شأن ذلك كله أن صارت للشيخ فكرة واضحة محددة في أصول الدولة والسياسة ~~شكلت موقفه من الحوادث التي شهدها، وتأثرت بها الأحكام التي أصدرها على ~~المسئولين في عهده، سواء كان هؤلاء من المشايخ - وقد اعتبرهم في عداد أصحاب ~~المسئولية - أم من البكوات المماليك، أم من الحكام الفرنسيين، أم من الباشوات ~~العثمانيين، وعلى رأس هؤلاء الآخرين محمد علي. # ولقد تأثر الجبرتي في تفكيره أكثر ما تأثر - على ما يبدو - بآراء ابن خلدون، ~~وهو الذي أعجب الشيخ بتاريخه ومقدمته، وسماه العلامة ابن خلدون، وقال إن ~~تاريخه في ثمان مجلدات ضخام ومقدمته مجلد على حدة، من اطلع عليها رأى بحرا ~~متلاطما بالعلوم، مشحونا بنفائس جواهر المنطوق والمفهوم. ولم يختص الشيخ أي ~~تصنيف آخر من الكتب والتواريخ التي ذكرها بمثل ما وصف به مقدمة ابن خلدون، ~~لكتاب «العبر وديوان المبتدأ والخبر، في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم ~~من ذوي السلطان الأكبر». # ومع ذلك، فلا يجب الاعتقاد بأن الشيخ لم يتأثر بغير ابن خلدون، من أصحاب ~~التواريخ والتصنيفات التي ذكرها، أو بالآراء الذائعة المعروفة في أوساط علماء ~~هذا العصر عن الخلافة والإمامة وما إلى ذلك من الأنظمة المتصلة بأصول الحكم ~~والسياسة، والتي دان بها وأوضحها قادة الفكر والرأي من الفقهاء والمؤرخين ~~العرب، بل إن تجارب الشيخ المستمدة من واقع الحياة، وما تخلف عنها من انطباعات ~~في نفسه، كان ذا أثر في تكييف وجهات النظر التي أخذ بها، وبناء الرأي الذي صار ~~له في كل هذه المسائل. على أن ثمة حقيقة أخيرة، هي أن العبر والعظام التي ~~استخلصها ms1155 الشيخ من تجاريبه ومن الحوادث التي وقف عليها بالبحث والتنقيب أو ~~شاهدها بنفسه، كانت مبنية على تلك القيم والمثل التقليدية الذائعة في الأوساط ~~العلمية والفقهية في عصره، فكان الجديد في تنسيق فكرته السياسية، نتيجة لهذا ~~المزج كله، أن جعل العلم والعدل بالمعنى المتفق عليه عند علماء التفسير قوام ~~المجتمع البشري وأساس الحكم الصالح والسياسة الرشيدة، وأن اتخذ من مقياس العلم ~~والعدل أداة لتقسيم المجتمع إلى طبقات، ترتفع بعضها فوق بعض درجات. # ولما كان السبيل المتعارف عليه بين المتصدين لتفسير الظواهر الاجتماعية ~~والسياسية في العمران البشري، لاستخلاص العبر والعظات منها، توطئة لبسط الرأي ~~في أصول الحكم وسياسة الدولة، وتعزيزا له، هو الوقوف على تاريخ البشر منذ خلق ~~العالم، فقد عنى الجبرتي - كما فعل الذين سبقوه - بتعريف التاريخ وبيان الغرض ~~من تسجيله ودراسته، وذكر منافعه، ولم يأت الشيخ بجديد، بل يبدو أن مقالته في ~~هذا الشأن لا تعدو كونها تلخيصا موجزا لما قاله ابن خلدون نفسه. # وقد عرف الجبرتي التاريخ بأنه «علم يبحث فيه عن معرفة أحوال الطوائف ~~وبلدانهم ورسومهم وعاداتهم وصنائعهم وأنسابهم ووفياتهم، وموضوعه أحوال الأشخاص ~~الماضية من الأنبياء والأولياء والعلماء والحكام والشعراء والملوك والسلاطين ~~وغيرهم، والغرض منه الوقوف على الأحوال الماضية من حيث هي وكيف كانت، وفائدته ~~العبرة بتلك الأحوال والتنصح بها وحصول ملكة التجارب بالوقوف على تقلبات الزمن؛ ~~ليتحرز العاقل عن مثل أحوال الهالكين من الأمم المذكورة السالفين، ويستجلب خيار ~~أفعالهم، ويجتنب سوء أقوالهم، ويزهد في الفاني، ويجتهد في طلب الباقي»، وهو علم ~~شريف «فيه العظة والاعتبار، وبه يقيس العاقل نفسه على من مضى من أمثاله في هذه ~~الدار ... ولم تزل الأمم الماضية من حين أوجد الله هذا النوع الإنساني تعتني ~~بتدوينه سلفا عن سلف وخلفا من بعد خلف»، وفن التاريخ «علم يندرج فيه علوم ~~كثيرة، لولاه ما ثبتت أصولها، ولا تشعبت فروعها»، ثم يقول: إنه «ما ألف في فن ~~من الفنون مثل ما ألف في التواريخ؛ وذلك لانجذاب الطبع إليها، والتطلع على ~~الأمور المغيبات، ولكثرة رغبة السلاطين لزيادة ms1156 اعتناقهم بحب التطلع على سير من ~~تقدمهم من الملوك، مع ما لهم من الأحوال والسياسات وغير ذلك»، وقد أثبت الشيخ ~~قائمة طويلة بالكتب المصنفة في التاريخ. وأما نظرة الجبرتي في نشأة المجتمع ~~الإنساني وأصول الحكم، وشروطه، فقد أوجزها في قوله: «اعلم أن الله تعالى لما ~~خلق الأرض ودحاها، وأخرج منها ماءها ومرعاها، وبث فيها كل دابة وقدر أقواتها، ~~أحوج بعض الناس إلى بعض في ترتيب معايشهم ومأكلهم وتحصيل ملابسهم ومساكنهم؛ ~~لأنهم ليسوا كسائر الحيوانات التي تحصل ما تحتاج إليه بغير صنعة، فإن الله ~~تعالى خلق الإنسان ضعيفا، لا يستقل وحده بأمر معاشه لاحتياجه إلى غذاء ومسكن ~~ولباس وسلاح، فجعلهم الله تعالى يتعاضدون ويتعاونون في تحصيلها وترتيبها، بأن ~~يزرع هذا لذاك، ويخبز ذاك لهذا، وعلى هذا القياس تتم سائر أمورهم ومصالحهم، ~~وركز في نفوسهم الظلم والعدل. # ثم مست الحاجة بينهم إلى سائس عادل وملك عالم يضع بينهم ميزانا للعدالة، ~~وقانونا للسياسة، توزن به حركاتهم وسكناتهم، وترجع إليه طاعاتهم ومعاملاتهم، ~~فأنزل الله كتابه بالحق، وميزانه بالعدل، كما قال تعالى: # الله الذي أنزل الكتاب بالحق ~~والميزان ~~.» # وواضح أن الجبرتي في تفسير نشأة المجتمع الإنساني، قد ذهب مذهب من سبقوه من ~~مفكري العرب إجمالا، من حيث اعتبار الحرية المطلقة قوام الحياة البدائية، ~~يتمتع بها فرد، فلا يحدها سوى الحرص على سلامة الفرد نفسه؛ إذ يفضي عدم الحد ~~منها إلى هلاكه، ويتم هذا التقليد بداهة وطبيعيا، ودون حاجة إلى عقد، وذلك ~~بالإضافة إلى أن هذا الحد نفسه من حرية الأفراد قانون للسياسة وميزان ~~للعدالة، ويترتب على هذه الحالة حصول الاجتماع للبشر، ثم يرتبط بوجود هذا ~~الاجتماع، ظهور وازع يدفع بعضهم عن بعض. ومما تجدر ملاحظته أن الجبرتي كان ~~متفقا في هذا كله مع ابن خلدون، ولكنه لم يلبث أن خالفه في اعتبار أن لا مناص ~~من أن يكون الحكم في يد ذلك الملك العالم والسائس العادل بشرع مفروض من عند ~~الله، بينما يرى ابن خلدون أن «الوجود وحياة البشر قد تتم من دون ذلك، بما ms1157 ~~يفرضه الحاكم لنفسه أو بالعصبية التي يقتدر بها على قهرهم وحملهم على جادته»، ~~وجلي أن الشيخ لو سلم بهذا القول، لانهدم أحد الأركان التي بنى عليها نقده ~~اللاذع لحكومة محمد علي، الذي وإن أنابه الملك أو السلطان في حكم هذه البلاد، ~~فقد ملك لنفسه باشوية، فرض حكمه عليها بعصبيته، واقتدر بها - في نظر الشيخ - ~~على قهر أهل البلاد وحملهم على جادته. # ويستبين مما عمد إليه الجبرتي من تمييز صفات معينة دون سائر الصفات المشترطة ~~في الخلافة والإمامة، وبالتالي - في نظره - لصاحب الحكم الذي ينوب عن الخليفة ~~صفات اهتم بها اهتماما خاصا، أراد أن يتخذها معايير يقيس عليها سلوك ~~المسئولين عن الحكم في وقته - من إيثاره صفتي العلم والعدل على سواهما، ثم إنه ~~عند تفسيره لهاتين الصفتين، تمسك بفكرته القائلة بأن الملك أو الحاكم العالم ~~والسائس العادل، إنما هو مستخلف على الأرض من عند الله تعالى، وبشرع مفروض من ~~عنده، وقد اقترب الشيخ في فكرته هذه من المذهب القائل بحق الملوك الإلهي أو ~~المقدس في الحكم، وهي نظرية قد يدعو الأخذ بها إلى التسليم بالحكم المطلق، الذي ~~لا يلزم صاحب الحكم باتباع مشورة الغير أو يطلبها منهم ويوجب على الرعية طاعته ~~طاعة تامة، ولكنه كان واضحا من ناحية أخرى، أن الشيخ بتفسيره للعلم والعدل ~~كان يهدف إلى بيان وجوب عزل من يتجرد منهما، ولو أنه لم يفصح عن ذلك إفصاحا، ~~فقد قال ابن خلدون عند ذكر الشروط المطلوبة في الخلافة والإمامة أو في الملك ~~والحاكم ما نصه: «فأما اشتراط العلم فظاهر؛ لأنه إنما يكون منفذا لأحكام الله ~~تعالى إذا كان عالما بها، وما لم يعلمها لا يصح تقديمه لها، ولا يكفي من العلم ~~إلا أن يكون مجتهدا؛ لأن التقليد نقص، والإمامة تستدعي الكمال في الأوصاف ~~والأحوال، وأما العدالة فلأنه منصب ديني ينظر في سائر المناصب التي هي شرط ~~فيها، فكان أولى باشتراطها فيه.» وقد عمل بهذا الرأي وطبق هذا المبدأ تطبيقا ~~عمليا، من وجهة نظر الشيخ وسائر المشايخ في وقته عند ms1158 تنحية خورشيد باشا عن ~~الحكم والمناداة بولاية محمد علي في مايو 1805، فضلا عن أن الأساس الذي ارتكزت ~~عليه مطالبة المشايخ ببقاء محمد علي في الباشوية أثناء أزمة النقل إلى سالونيك ~~في العام التالي، كان تحليه بالعلم والعدل، الأمر الذي زاد من حنق الجبرتي ~~على الباشا وعلى المشايخ المتصدرين معا؛ لأن محمد علي لم يكن في اعتباره ~~عالما ولا عادلا. # قال الشيخ: إن علماء التفسير ذكروا أن المراد بالكتاب والميزان، العلم ~~والعدل، وكانت مباشرة هذا الأمر من الله بنفسه، من غير واسطة وسبب، على خلاف ~~ترتيب المملكة وقانون الحكمة، ونشأ الاجتماع الإنساني، والعمران البشري، ~~فاستخلف فيها من الآدميين خلائف، ووضع في قلوبهم العلم والعدل، ليحكموا بهما ~~بين الناس، حتى يصدر تدبيرهم عن دين مشروع، وتجتمع كلمتهم على رأي متبوع، ولو ~~تنازعوا في وضع الشريعة لفسد نظامهم، واختل معاشهم، فمعنى الخلافة أن ينوب أحد ~~مناب آخر في التصرف واقفا على حدود أوامره ونواهيه. # وأما معنى العدالة فهي خلق في النفس أو صفة في الذات تقتضي المساواة؛ لأنها ~~أكمل الفضائل لشمول أثرها وعموم منفعتها كل شيء، وإنما يسمى الإنسان عادلا لما ~~وهبه الله قسطا من عدله، وجعله سببا وواسطة لإيصال فيض فضله، واستخلفه في ~~أرضه بهذه الصفة، حتى يحكم بين الناس بالحق والعدل، كما قال تعالى: # يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض ~~فاحكم بين الناس بالحق ~~. # وخلائف الله هم القائمون بالقسط والعدالة في طريق الاستقامة، ومن يتعد حدود ~~الله فقد ظلم نفسه. والعدالة تابعة للعلم بأوساط الأمور المعبر عنها في الشريعة ~~بالصراط المستقيم، وقوله تعالى: # إن ربي على ~~صراط مستقيم ~~، إشارة إلى أن العدالة الحقيقة ليست إلا لله ~~تعالى، فهو العادل الحقيقي الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ~~ووضع كل شيء على مقتضى علمه الكامل وعدله الشامل، وقوله # صلى الله عليه وسلم ~~: «بالعدل قامت ~~السموات والأرض»؛ إشارة إلى عدل الله تعالى الذي جعل لكل شيء قدرا، لو فرض ~~زائدا عليه أو ناقصا عنه، لم ينتظم الوجود على ms1159 هذا النظام بهذا التمام ~~والكمال. # وانبرى الشيخ بعد أن أوضح معنى العلم والعدل، يقسم العدول في المجتمع طبقات ~~رفع الله بعضهم فوق بعض درجات كما قال تعالى: # وهو ~~الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض ~~درجات ~~، فبنى هذا التقسيم على درجة توفر العلم والعدالة حسبما ~~ذهب إليه، واستتبع اتخاذ العلم والعدل معيارا لوزن قيم الأفراد في المجتمع، ~~تقسيم هذا المجتمع نفسه إلى طبقات، رفع الله بعضها فوق بعض درجات، والذي تجب ~~ملاحظته أن الشيخ استطاع بفضل هذا التقسيم الطبقي الذي أوجده إرضاء الطبقة التي ~~ينتمي هو إليها، وأن يعلو بها على طبقة الملوك وولاة الأمور، ومرد ذلك إلى ما ~~لقنه إياه والده عن فضائل أهل العلم، وعن السطوة والنفوذ اللذين كانا اشتهروا ~~بالصلاح والتقوى منهم في الزمن الغابر، وعلى أيام سلطان البكوات المماليك، وإلى ~~أن الجبرتي نشأ في بيت علم وصلاح وتقوى، ويعتد بأجداده وآبائه من الأشياخ ~~العلماء السراة، وهو الذي يقول في ترجمة أبيه نور الدين حسن الجبرتي: «أولئك ~~آبائي فجئني بمثلهم»، ثم إلى ما شاهده من اضمحلال نفوذ المشايخ، وذهاب هيبتهم ~~عند الحكام، أو على الأصح محمد علي، الذي عمد إلى الانفراد بالسلطة، وصار ~~يستخدم المشايخ أدوات لتنفيذ مآربه، ولا يشاورهم ولا يسألهم النصيحة، ولا يعمل ~~بها إذا جرؤ هؤلاء على إسدائها إليه. # ثم إن هذا التقسيم أتاح للشيخ أن ينحى باللائمة على الأشياخ والعلماء الذين ~~انصرفوا عن الدين إلى الدنيا، ففسدت طبائعهم واختلت أمورهم، وفقدوا ما كان لهم ~~من نفوذ، هو من حقهم بحكم ما اصطفاهم الله به بعد أنبيائه فميزهم عن سائر الخلق ~~بالعلم والعدل، وفي كلامه عن هذه الطبقة ما يصور الحال السيئة التي وصل إليها ~~مشايخ الوقت في عصره، والتي حالت بينهم وبين التطلع إلى الزعامة التي ~~أرادوها؛ سعيا وراء الجاه، ونتيجة للافتتان بغرور الدنيا فحسب، وإن كان الشيخ ~~ينفي أن العلماء على أيامه قد صاروا جميعا من مشايخ الوقت، وأنهم لا ~~يزالون لذلك أهلا لاحتلال المكانة العالية التي من حقهم أن يحتلوها، ms1160 وقد علل ~~الشيخ ما ظهر من عجز من جانب سواد المشايخ العلماء العدول عن الحد من سلطان ~~الحاكم الظالم، بأن الحكمة الأزلية قد اقتضت ذلك، فيقول: إن «أصناف العدل من ~~الخلائق خمسة الأول الأنبياء، والثاني العلماء، الذين هم ورثة الأنبياء، فهم ~~فهموا مقامات القدوة من الأنبياء وإن لم يعطوا درجاتهم، واقتدوا بهم، واقتفوا ~~آثارهم؛ إذ هم أحباب الله وصفوته من خلقه، ومشرق نور حكمته، فصدقوا بما أتوا ~~به، وسروا على سبيلهم، وأيدوا دعوتهم، ونشروا حكمتهم، كشفا وفهما وذوقا ~~وتحقيقا، وإيمانا وعلما، بكامل المتابعة لهم ظاهرا وباطنا، فلا يزالون ~~مواظبين على تمهيد قواعد العدل وإظهار الحق يرفع منار الشرع، وإقامة أعلام ~~الهدى والإسلام، وأحكام مباني التقوى برعاية الأحوط في الفتوى، تزهدا للرخص؛ ~~لأنهم أمناء الله في العالم، وخلاصة بني آدم، ... مخلصون في مقام العبودية، ~~مجتهدون في اتباع أحكام الشريعة ... أولئك هم الوارثون، الذين يرثون الفردوس هم ~~فيها خالدون، وتلذذوا بنعيم المشاهدة، ولهم عند ربهم ما يشتهون، وما ظهر في هذا ~~الزمان من الاختلال في حال البعض من حب الجاه والمال والرياسة والمنصب والحسد ~~والحقد، لا يقدح في حال الجميع؛ لأنه لا يخلو الزمان من محقيهم وإن كثر ~~المبطلون، ولكنهم أخفياء مستورون تحت قباب الخمول لا تكشف عن حالهم يد الغيرة ~~الإلهية والحكمة الأزلية، والعلماء هم آحاد الأكوان، وأفراد الزمان، وخلفاء ~~الرحمن، وهم مصابيح الغيوب، ومفاتيح أقفال القلوب، وهم خلاصة خاصة الله من خلقه ~~...» # وأما الطبقة الثالثة فهم الملوك والأمراء، وقد تحدث الشيخ كثيرا عن الصفات ~~التي يجب أن يتحلى بها هؤلاء والواجب الذي عليهم نحو الرعية، وغني عن البيان، ~~أن مدار الحديث في هذا كله كان حول العدل ولزومه فرضا وعينا، يوجبه الكتاب ~~والسنة، ويجري بالكتاب والسنة، ولقد صال الشيخ وجال في هذا الباب؛ لاعتقاده ~~الراسخ بظلم وجور حكومة محمد علي؛ ولأنه وجد في الكتابة عن العدل متنفسا ~~لكربه؛ ولأن الباشا إذا عدل لم تعد له حاجة بالجيش، وانقادت الرعية لحكمه راضية ~~وصارت جندا له، وانتفى تسويد أشرار القوم على خيارهم، ms1161 ولقد كان الجبرتي يرى ~~كبار الأرنئود، والدلاتية، والإنكشارية، وأجنادهم من الأعاجم والذين كان ~~أكثرهم من الدهماء في بلادهم، يصلون إلى مراتب السيادة، وترتفع أقدارهم فيؤلمه ~~ما يرى، ولم يكن مبعث تسويدهم - في نظره - إلا جور محمد علي ومن سبقه من الحكام ~~في فترة الفوضى السياسية وظلمهم، ولطالما سجل الجبرتي في تاريخه بعد ذلك ~~حوادث فرار الفلاحين من قراهم، وظواهر كساد التجارة وإفلاس مساتير الناس ~~نتيجة لظلم الباشا وعسف عماله وضباطه، وقد استند الشيخ الجبرتي في ضرورة إقامة ~~العدل على أحاديث نبوية، وأقوال وحكم مأثورة كثيرة، ولقد كان في سياق حديثه عن ~~العدل، أن زاد الشيخ في تفسير ما سبق أن ذكره عن الحاجة الماسة إلى سائس عادل ~~وملك عالم، لانتظام عقد المجتمع واستقامة أموره، فعزا هذه الضرورة إلى ما ارتكز ~~في طباع البشر من ميل إلى الظلم يجب الحد منه ووقفه، حتى ينصرف الناس في سلام ~~إلى شئون دنياهم وآخرتهم. # فالملوك والأمراء «يراعون العدل والإنصاف بين الناس والرعايا؛ توصلا إلى نظام ~~المملكة وتوسلا إلى قوام السلطنة؛ لسلامة الناس في أموالهم وأبدانهم وعمارة ~~بلدانهم، ولولا قهرهم وسلطتهم لتسلط القوي على الضعيف والدنيء على الشريف، فرأس ~~المملكة وأركانها، وثبات أحوال الأمة وبنيانها: العدل والإنصاف، سواء كانت ~~الدولة إسلامية أو غير إسلامية، فهما أس كل مملكة وبنيان كل سعادة ومكرمة، فإن ~~الله تعالى أمر بالعدل، ولم يكتف به حتى أضاف إليه الإحسان، فقال تعالى: # إن الله يأمر بالعدل والإحسان ~~؛ ~~لأن بالعدل ثبات الأشياء ودوامها، وبالجور والظلم خرابها وزوالها، فإن الطباع ~~البشرية مجبولة على حب الانتصاف من الخصوم وعدم الإنصاف لهم، والظلم والجور ~~كامن في النفوس، لا يظهر إلا بالقدرة، كما قيل: # والظلم من شيم النفوس فإن تجد # ذا عفة فلعله لا يظلم # فلولا قانون السياسة وميزان العدالة، لم يقدر مصل على صلاته، ولا عالم على ~~نشر علمه، ولا تاجر على سفره، ولله در عبد الله بن المبارك؛ حيث قال: # لولا الخلافة ما قامت لنا السبل # وكان أضعفنا نهبا لأقوانا # فإن قيل فما حد ms1162 الملك العادل، قلنا: هو كما قال العلماء بالله من عدل بين ~~العباد، وتحذر عن الجور والفساد ... فمن عدل في حكمه وكف عن ظلمه نصره الحق، ~~وأطاعه الخلق، وصفت له النعمى، وأقبلت عليه الدنيا، فتهنأ بالعيش، واستغنى عن ~~الجيش، وملك القلوب، وأمن الحروب، وصارت طاعته فرضا، وظلت رعيته جندا؛ لأن ~~الله تعالى ما خلق شيئا أحلى مذاقا من العدل، ولا أروح إلى القلوب من ~~الإنصاف، ولا أمر من الجور، ولا أشنع من الظلم. # فالواجب على الملك وعلى ولاة الأمور ألا يقطع في باب العدل إلا بالكتاب ~~والسنة؛ لأنه متصرف في ملك الله وعباد الله بشريعة نبيه ورسوله نيابة عن تلك ~~الحضرة، ومستخلفا عن ذلك الجناب المقدس، ولا يأمن من سطوات ربه وقهره فيما ~~يخالف أمره، فينبغي أن يحترز عن الجور والمخالفة والظلم والجهل، فإنه أحوج ~~الناس إلى معرفة العلم واتباع الكتاب والسنة، وحفظ قانون الشرع والعدالة، فإنه ~~منتصب لمصالح العباد، وإصلاح البلاد، وملتزم بفصل خصوماتهم، وقطع النزاع بينهم، ~~وهو حامي الشريعة بالإسلام فلا بد من معرفة أحكامها، والعلم بحلالها وحرامها؛ ~~ليتوصل بذلك إلى إبراء ذمته، وضبط مملكته، وحفظ رعيته، فيجتمع له مصلحة دينه ~~ودنياه، وتمتلئ القلوب بمحبته والدعاء له، فيكون ذلك أقوم لعمود ملكه، وأدوم ~~لبقائه، وأبلغ الأشياء في حفظ المملكة العدل والإنصاف على الرعية ...» # وقد ذيل الشيخ كلامه هذا بطائفة من «نصائح الرشاد لمصالح العباد» لا يسع ~~المرء إلا أن يرى فيها خلاصة الرأي الذي كونه في حكومة محمد علي وصارت لا تتاح ~~له الفرصة إلا سجله في تاريخه، فقد قال الشيخ: «اعلم أن سبب هلاك الملوك، اطراح ~~ذوي الفضائل، واصطناع ذوي الرذائل، والاستخفاف بعظة الناصح، والاغترار بتزكية ~~المادح، من نظر في العواقب سلم من النوائب، وزوال الدول باصطناع السفل، ومن ~~استغنى بعقله ضل، ومن اكتفى برأيه زل، ومن استشار ذوي الألباب، سلك سبيل ~~الصواب، ومن استعان بذوي العقول، فاز بدرك المأمول. من عدل في سلطانه، استغنى ~~عن أعوانه، عدل السلطان أنفع للرعية من خصب الزمان، الملك يبقى على الكفر ms1163 ~~والعدل، ولا يبقى على الجور والإيمان، ويقال: حق على من ملكه الله على عباده، ~~وحكمه في بلاده، أن يكون لنفسه مالكا، وللهوى تاركا، وللغيظ كاظما، وللظلم ~~هاضما، وللعدل في حالتي الرضا والغضب مظهرا، وللحق في السر والعلانية مؤثرا، ~~وإذا كان كذلك، ألزم النفوس طاعته، والقلوب محبته، وأشرق بنور عدله زمانه، وكثر ~~على عدوه أنصاره وأعوانه ...» # وأما صنفا العدل الباقيان: فالرابع هم أوساط الناس يراعون العدل في معاملتهم، ~~والخامس والأخير، القائمون بسياسة نفوسهم وتعديل قواهم، وضبط جوارحهم، ~~وانخراطهم في سلك العدول؛ لأن كل فرد من أفراد الإنسان مسئول عن رعاية رعيته، ~~التي هي جوارحه وقواه، كما ورد: كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته. ~~(4-4) رأيه في حكومة محمد علي # ولقد كان من الأسباب التي حملت الجبرتي على النفور من حكومة الباشا والطعن ~~عليها وتجريحها، ما كسبه من تجارب على عهد استئثار البكوات المماليك بالسلطة ~~والحكم في مصر، وأثناء احتلال الفرنسيين لها، ثم طوال المدة التي شهدها من حكم ~~محمد علي نفسه، فاستطاع بفضل ذلك أن يعقد مقارنة، توخى على قدر طاقته أن تكون ~~دقيقة وصحيحة بين هذه العهود الثلاثة، وقد تحدث الشيخ نفسه عن حرصه على التنزه ~~عن الهوى في بحثه وكتابة تاريخه، فقال: «ولم أقصد بجمعه خدمة ذي جاه كبير أو ~~طاعة وزير أو أمير، ولم أداهن فيه دولة بنفاق، أو مدح أو ذم مباين للأخلاق، ~~لميل نفساني أو غرض جسماني، وأنا أستغفر الله من وصفي طريقا لم أسلكه، وتجارتي ~~برأس مال لم أملكه.» # وأما المقياس الذي قيست به أحكامه على هذه العهود الثلاثة فكان النظرية ~~التي تكونت لديه في شئون الحكم وأصول السياسة، على اعتبار أن العلم والعدل هما ~~أساس الجماعة الإنسانية أو العمران البشري، فصار الحكام والمسئولون والأفراد ~~العاديون - وهم جميعا الذين تتألف منهم الطبقات الخمس التي ذكرها - أحد شيئين: ~~إما متصفين بالعلم والعدل، وإما منعوتين بالجور والظلم، وفي ضوء هذه النظرية ~~إذا ينكشف في «تاريخه» كنه الحقائق التي أثبتها، ويستبين مغزى الإشارات ~~والإلماعات التي سجلها، وتتبلور المعاني ms1164 التي انطوت عليها الآراء التي ~~بسطها. # ولكن الجبرتي وإن أخذ على نفسه توخي الحق في أحكامه التي أصدرها على هذه ~~العهود الثلاثة، وبمقاييسه التي عرفناها؛ فقد كان من الواضح، أنه متأثر بنزعات ~~وفكرات ومبادئ معينة، مبعثها البيئة التي نشأ فيها، ونوع الثقافة التي تثقف ~~بها، وكانت هذه دينية وعلمية في آن واحد، والتجارب التي مرت به. # فهو لا يعتبر البكوات المماليك غرباء عن البلاد، بل يسميهم الأمراء المصرية ~~ويحفظ لهم عهدا وودا بحكم صلات أبيه وأجداده، وصلاته هو نفسه بهم؛ ولأنه كان ~~في عهد حكومة البكوات وأعظم كبرائهم سطوة، أن بلغ احترام الأشياخ والعلماء ~~الذروة، واعترفت الهيئة الحاكمة بنفوذهم، بقبولها لوساطاتهم وشفاعاتهم في صالح ~~الرعية. ولقد نعى الجبرتي على هؤلاء الأمراء ظلمهم وجورهم، ولكنه رفض أن ~~يفقد الأمل في إمكان ارعوائهم عن قبيح فعلهم، وارتداعهم، يجل من أعاظمهم الأمير ~~علي بك الكبير (القازدغلي) «صاحب الوقائع المذكورة، والحوادث المشهورة»، ~~والذي كان لا يرضى لنفسه بدون السلطنة العظمى، والرياسة الكبرى ... ولا يجالس ~~إلا أهل الوقار والحشمة والمسنين، وصادق العلماء والمشايخ واحترمهم وأجلهم، ~~وكان من بين هؤلاء نور الدين حسن والد عبد الرحمن الجبرتي، تتبع المفسدين ~~الذين يتداخلون في القضايا والدعاوى ويتحيلون على إبطال الحقوق بأخذ الرشوات ~~والجعالات، وعاقبهم بالضرب الشديد والإهانة والقتل والنفي إلى البلاد البعيدة، ~~ولم يراع في ذلك أحدا سواء كان متعمما أو فقيها أو قاضيا أو كاتبا، استتب ~~في عهده الأمن، وأمن الناس على أرواحهم وأموالهم، وكان الجبرتي عند وفاة علي بك ~~الكبير شابا يافعا في حوالي العشرين من عمره، ثم إنه لم يجد ما يأخذه على ~~منتزع الملك منه، محمد بك أبي الذهب سوى قتله أهل يافا بإشارة وزرائه، ولولا ~~ذلك لكانت حسنات أبي الذهب أكثر من سيئاته، واستطرد الشيخ يقول: «ولم يتفق ~~لأمير مثله في كثرة المماليك وظهور شأنهم في المدة اليسيرة، وعظم أمرهم بعده، ~~وانحرفت طباعهم عن قبول العدالة، ومالوا إلى طريق الجهالة، واشتروا المماليك ~~فنشئوا على طرائقهم، وزادوا عن سوابقهم، وألفوا المظالم وظنوها مغانم، وتمادوا ms1165 ~~على الجور، وتلاحقوا في البغي على الفور، إلى أن حصل ما حصل، ونزل بالناس ما ~~نزل»، ولم يكن ما حصل وما نزل - في رأي الجبرتي - سوى احتلال الفرنسيين لهذه ~~البلاد ثم قيام حكومة محمد علي. # وكان مراد وإبراهيم اللذان استأثرا بالسلطة وبخاصة منذ عودتها إليهما في ~~السنوات السبع التي سبقت مجيء الحملة الفرنسية، المسئولين عن هذه النكبات، ~~فالأول كان «ظالما غشوما، مختالا معجبا، وهو كان من أعظم الأسباب في خراب ~~الإقليم المصري بما تجدد منه ومماليكه وأتباعه من الجور والتهور ومسامحته لهم»، ~~ومع ذلك وبالرغم من السيئات والنقائص التي عددها له، لم يفت الشيخ أن يذكر أن ~~مرادا «كان يحب العلماء ويتأدب معهم وينصت لكلامهم ويقبل شفاعتهم ويميل طبعه ~~إلى الإسلام والمسلمين، ويحب معاشرة الندماء والفصحاء وأهل الذوق والمتكلمين ... ~~عطاياه جمة، ومواهبه وهمته فوق كل همة.» وأما إبراهيم، فقد كان «مرخصا ~~لخشداشينه في أفعالهم، كثير التغافل عن مساويهم مع معارضتهم له في كثير من ~~الأمور، وخصوصا مراد بك وأتباعه، فيغضي ويتجاوز ... وكان هذا الإهمال والترخص ~~والتغافل سببا لمبادئ الشرور، فإنهم تمادوا في التعدي وداخلهم الغرور، وغمرتهم ~~الغفلة عن عواقب الأمور، واستصغروا من عداهم، وامتدت أيديهم لأخذ أموال التجار ~~وبضائع الإفرنج الفرنساوية وغيرهم بدون الثمن، مع الحقارة لهم ولغيرهم، وعدم ~~المبالاة والاكتراث بسلطانهم العثماني الذي يدعون أنهم في طاعته مع مخالفة ~~أوامره ومنع خزينته، واحتقار الولاية ومنعهم من التصرف والحجر عليهم، فكان هذا ~~كله سبب زوال دولة البكوات على يد الفرنسيين أولا، ثم على يد محمد علي ثانيا، ~~الذي فتك بأكثرهم وقضى على سلطانهم، وأدى الحال بإبراهيم إلى الخروج ~~والتشتيت والتشريد، هو ومن بقي من عشيرته إلى بلاد السودان يزرعون الدخن ~~ويتقوتون منه، وملابسهم القمصان التي يلبسها الجلابة في بلادهم.» # ولعل محمد بك الألفي الكبير، كان أكثر هؤلاء البكوات حظوة عند الشيخ ~~الجبرتي، فهو الأمير الكبير، والضرغام الشهير، صادق الشيخ حسن العطار، صديق ~~الجبرتي، وتردد عليه هذا الأخير كثيرا، وحضر مجالسه، وقال عنه إنه كان صحيح ~~النظر في عواقب الأمور، ذهب ms1166 إليه مرة عقب خروج الفرنسيين وعودة الحكم ~~للعثمانيين، فوجده جالسا على السجادة فجلس معه ساعة، فدخل عليه بعض أمرائه ~~يستأذنه في زواج إحدى زوجات من مات من خشداشينه، فنتر فيه وشتمه وطرده وقال ~~للشيخ انظر إلى عقول هؤلاء المغفلين، يظنون أنهم استقروا بمصر، ويتزوجون ~~ويتأهلون، مع أن جميع ما تقدم من حوادث الفرنسيس وغيرها أهون من الورطة التي ~~نحن فيها الآن. ولقد تقدم في سياق هذه الدراسة ذكر الكثير من آراء الشيخ في ~~الألفي الكبير، قال فيه عند وفاته: إنه كان «آخر من أدركنا من الأمراء المصريين ~~شهامة وصراحة ونظرا في عواقب الأمور، وكان وحيدا في نفسه فريدا في أبناء ~~جنسه، وبموته اضمحلت دولتهم، وتفرقت جمعيتهم، وانكسرت شوكتهم، وزادت نفرتهم، ~~وما زالوا في نقص وإدبار ...» # ولقد كان الشيخ الجبرتي يود لو أن البكوات عدلوا وأصلحوا، ووضعوا للرعية ~~ميزانا للعدالة وقانونا للسياسة، حتى تستقيم الأمور، ولكنهم جاروا وظلموا ~~لحكمة أزلية، فنزلت بالبلاد الكوارث، وأولها مجيء الفرنسيس. # ويفسر موقف الشيخ من الاحتلال الفرنسي، مبدأه الآخر الذي أخذ به، وهو بغض ~~الأجنبي الغاصب، ولكنه بغض يخلو من التعصب، فلا يصرف الشيخ إلى تعداد مساوئ ~~الفرنسيين فحسب، ولا يجعله يجفل من التعاون معهم، فقد شاءت الحكمة الأزلية أن ~~يسود الجهل بدلا من العلم، وأن يطغى الظلم فينمحي العدل، وأن يفضي ~~اختلال الميزان، وزوال قانون الحكمة إلى تسلط هؤلاء الأجانب على ~~البلاد. # كان الشيخ عند دخول الفرنسيين القاهرة، من بين الذين غادروها إلى الريف، فذهب ~~إلى أبيار، ولكن إقامته بها لم تتجاوز عشرة أيام؛ لأن بونابرت طلب من الشيخين ~~اللذين ترأسا الوفد الذي ذهب لمقابلته بعد واقعة الأهرام في يوليو 1798، مصطفى ~~الصاوي وسليمان الفيومي، الكتابة للذين هربوا بالحضور، فكان الجبرتي من بين من ~~كتبوا لهم. # ولم يتعين الشيخ في الدواوين التي رتبها بونابرت، وقد كان له في علمه وفضله ~~وجاهه، ما يتيح له فرصة التعيين بها، لا سيما وأن بونابرت دأب على استمالة ~~العلماء والمشايخ تنفيذا لسياسته الوطنية الإسلامية، ولكن الشيخ الذي نعى على ~~المشايخ ms1167 افتتانهم بالحياة الدنيا لم يشأ أن يكون من بين المتصدرين، ثم إنه ~~وإن اعتقد أن الحكمة الأزلية هي التي هيأت للفرنسيين احتلال البلاد، فإن ~~هؤلاء كانوا ملاحدة بالرغم من تظاهرهم باحترام الدين الإسلامي، وكانوا أجانب ~~ومغتصبين، أنهوا حكم السلطان العثماني (خليفة المسلمين) ونوابه في البلاد، ~~وشرعوا ينظمون أساليب الإدارة والحكم على نهج يغاير ما ألفه الشيخ وخبره، فكان ~~حريا به قبل الإقبال على التعاون معهم أو مقاومتهم، أن يقف على مدى تمسكهم ~~بميزان العدالة وأن يعرف شيئا عن أحوالهم ونشاطهم، وأن يقتنع بفائدة هذا ~~التعاون لصالح سواد الأهلين أو مضرته، وجدوى المقاومة، فيتعاون معهم، وعندئذ ~~يقوم بدور الوساطة الذي اعتقد الشيخ أنه واجب العلماء والأشياخ بين الهيئتين: ~~الحاكمة والمحكومة، أو يحبذ المعارضة والمقاومة. # ولذلك لم يعتكف الشيخ بعد عودته من أبيار، بل حرص على مراقبة سير الحوادث، ~~وشهد احتفالات الفرنسيين، وزار مجمعهم العلمي، وشاهد خزائن كتبهم ومصانعهم ~~مدفوعا بغريزة الاستطلاع، ولأنه كان عالما بارعا يهتم بالرياضيات والطبيعيات ~~والفلك والأرصاد وما إلى ذلك، وأمكنه بفضل صلاته مع المشايخ والمتصدرين أن يعرف ~~أساليبهم الحكومية وأغراضهم وغاياتهم منها، كما أوقفه اهتمامه بمجريات الأمور ~~على عاداتهم وأخلاقهم، وتسنى له بسبب ذلك كله أن يسجل في «تاريخه» تفصيلات ~~كثيرة وصحيحة عن هذا الحكم الأجنبي الذي ابتليت به البلاد، كما تكونت لديه آراء ~~ومبادئ معينة شكلت مسلكه، وحددت موقفه من الاحتلال الفرنسي في سنواته ~~الثلاث. # فقد نعى على الفرنسيين مجونهم وخلاعتهم وانحلال أخلاقهم، وآلمه أشد ما آلمه ~~اقتداء دهماء الناس بهم في مباذلهم، ثم امتداد الفساد إلى طبقات أخرى من ~~الأهلين، وصار ينشد زوال حكمهم، ولكنه لما كانت الحكمة الأزلية هي التي مكنت ~~للفرنسيين من فرض سلطانهم على البلاد، فقد انتظر أن يجيء خلاصها منهم بحكمة ~~أزلية كذلك، وهو الذي شاهد فلول البكوات ومماليك المنهزمين ينتشرون في الشام ~~والصعيد، ويتسلح الفرنسيون بآلات الحرب والقتال الحديثة، ويحصنون الطوابي بها، ~~ويسلكون مسلك من صح عزمه على الإقامة المستمرة وإرساء سلطانه على قواعد قوية ~~راسخة؛ ولذلك لم يكن الشيخ ms1168 ممن ساهموا في ثورة القاهرة الأولى (أكتوبر 1798)، ~~ونقد تشجيع بعض المتعممين للعامة الذين دبروا هذه الثورة، فقال: إن هذا البعض ~~من المتعممين «لم ينظر في عواقب الأمور، ولم يتفكر أنه في القبضة مأسور» وزاد ~~من إيمان الشيخ بعدم جدوى أمثال هذه الثورات، ما فعله الفرنسيون بالجامع ~~الأزهر، وإيذاء الأهلين، وأخذهم بالقسوة والعنف بعد ذلك. # وكذلك كان موقف الشيخ من ثورة القاهرة الثانية (مارس وأبريل 1800) على أيام ~~كليبر، فقد توهم الرؤساء العثمانيون والبكوات المماليك والأشياخ المتصدرون، ~~أنهم بتأليب العامة على الفرنسيين، وإشعال نار الثورة ضدهم يستطيعون تملك ~~القاهرة، وإخراج العدو من البلاد، وآلم الشيخ أن ينخدع القاهريون بهذه الأوهام، ~~فيعرضوا أنفسهم لنقمة الفرنسيين، ويذهب العديدون من الأبرياء ضحية لهذه الفتنة ~~الجامحة، وحز في نفسه أن ينقاد الشعب «للدجاجلة» الذين يكثرون في الفتن ~~الهوجاء، ومن هؤلاء رجل مغربي «ليس ممن له في مصر ما يخاف عليه من مسكن أو أهل ~~أو مال أو غير ذلك، كما قيل: لا ناقتي فيها ولا جملي»، آثار العامة على المشايخ ~~الذين سعوا لإنهاء الفتنة بعد أن استفحلت، وعظم بلاء الناس وكربهم بسببها، وظهر ~~عجز العثمانيين والبكوات المماليك عن طرد الفرنسيين، بل انتصر كليبر عليهم - ~~كما هو معروف - في واقعة هليوبوليس وضيق الخناق على القاهرة، فسب الناس ~~المشايخ وشتموهم وضربوهم، والتف العامة حول هذا المغربي؛ «لعدم إدراكهم لعواقب ~~الأمور ... وتعضد كل بالآخر وكان غرضه دوام الفتنة؛ فإن بها يتوصل لما يريده من ~~النهب والسلب والتصور بصورة الإمارة باجتماع الأوغاد عليه.» وكره الشيخ الجبرتي ~~هذه الثورة ومحركيها عندما استطالت أيامها، وزاد النصب والتعب، وانعدمت الأقوات ~~حتى هلكت الناس وخصوصا الفقراء والدواب، وشكا الشيخ من إيذاء عسكر العثمانلي ~~للرعية وخطفهم ما يجدونه معهم، حتى تمنوا زوالهم، ورجوع الفرنسيس على حالتهم ~~التي كانوا عليها. وقد أثلج صدره ما كتبه الشيخ محمد السادات إلى عثمان كتخدا ~~(كتخدا الدولة)، يصب جام غضبه على العثمانيين وعساكرهم، الذين ما إن لاحت ~~الفرصة لاسترجاعهم هذه البلاد، ودخل جماعة منهم القاهرة قبل نقض اتفاق العريش، ~~حتى ms1169 صاروا يؤذون الناس ويعتدون عليهم، ثم راحوا يشعلون الثورة، ويخدعون ~~القاهريين بأكاذيبهم، ويخفون عنهم هزيمتهم وانقطاع المدد عنهم، وأثبت الجبرتي ~~صورة التذكرة التي بعث بها السادات على يد السيد أحمد المحروقي إلى عثمان ~~كتخدا، ونصها: # حسبنا الله ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير، وما هي من ~~الظالمين ببعيد: # ظننت أنك عدتي أسطو بها # ويدي إذا اشتد الزمان وساعدي # فرميت منك بغير ما أملته # والمرء يشرق بالزلال البارد # أما بعد، فقد نقضت عهدي، وتركت مودة آل بيت جدي، وأطعت الظلمة السفلة، ~~وامتثلت أمر المارقين السفلة، فأعنتهم على البغي والجور، وسارعت في تنجيز ~~مرامهم الفاسد على الفور، من إلزامكم الكبير والصغير والغني والفقير، إطعام ~~عسكركم الذي أوقع بالمؤمنين الذل والمضرات، وبلغ في النهب والفساد غاية ~~الغايات، فكان جهادهم في أماكن الموبقات والملاهي، حتى نزل بالمسلمين أعظم ~~المصائب والدواهي، فاستحكم الدمار والخراب، ومنعت الأقوات وانقطعت الأسباب، ~~فبذلك كان عسكركم مخذولا، وبهم عم الحريق كل بيت كان بالخير مشمولا، كيف لا ~~وأكابركم أضمرت السوء للمرتزقة في تضييق معايشهم، وأخذ مرتباتهم، وإتلاف ما ~~بأيديهم من أرزاقهم وتعلقاتهم، وقد أخفتم أهل البلد بعد أمنها، وأشعلتم نار ~~الفتنة بعد طفئها، ثم فررتم فرار الفيران من السنور، وتركتم الضعفاء متوقعين ~~أشنع الأمور، فوا غوثاه وا غوثاه! أغثنا يا غياث المستغيثين، واحكم بعد ذلك يا ~~أحكم الحاكمين، وانصرنا وانتصر لنا، فإننا عبيدك الضعفاء المظلومون يا أرحم ~~الراحمين. # ولقد أفصح الشيخ السادات في تذكرته هذه عن كل ما كان يدور في ذهن الجبرتي، ~~ويختلج في صدره، وأما حكمه على هذه الفتنة الجامحة فقد أوجزه في قوله: «وانكشف ~~الغبار عن تعسة المسلمين، وخيبة أمل الذاهبين والمتخلفين (الذاهبون هم ~~العثمانيون الذين هزمهم الفرنسيون، والمتخلفون هم القاهريون وسائر أهل البلاد) ~~وما استفاد الناس من هذه العمارة وما جرى من الغارة إلا الخراب والسخام ~~والهباب.» # على أنه لم يمض شهران تقريبا على انتهاء هذه الفتنة، حتى وقع مقتل الجنرال ~~كليبر على يد سليمان الحلبي في 14 يونيو 1800، فكانت نادرة عجيبة، حصلت ~~بسببها هوجة عظيمة ms1170 في الناس، وكرشة وشدة انزعاج، وقد كان لهذا الحادث أثر ~~عظيم في نفسه بسبب ما كشفه له عن عدالة أقوام ملحدين، كان من المتوقع أن ~~ينتقموا في سورة غضبهم لموت كبيرهم من الأهلين، دون تمييز بين مذنب وبريء، وهم ~~أصحاب السطوة والسلطان، ولكنهم عدلوا، ولم يعمدوا إلى القصاص من القاتل ~~وشركائه في الجريمة إلا بعد تحقيق ومحاكمة، مع ضبط القاتل وقت وقوع الجريمة ~~واعترافه بجرمه، ثم أطلقوا ساحة من ثبتت براءته في المحاكمة، فكانت هذه ظاهرة ~~غريبة على الشيخ وعلى معاصريه الذين ألفوا بطش الحكام بالأبرياء والمذنبين على ~~السواء، ولقد تزايد إعجاب الشيخ بعدالة الفرنسيين، عندما استطاع أن يعقد ~~مقارنة بين هذه العدالة التي أجروها في أحكامهم، وهم الذين لا دين لهم، وبين ~~ذلك الظلم الذي قاسى الأهلون أهواله عند عودة هذه البلاد إلى حكم العثمانيين، ~~وتسلط البكوات عليها من جديد بعد ذهاب الفرنسيين، واستمرت اعتداءات طوائف ~~العسكر من أرنئود ودلاة وغيرهم سنوات طويلة، وقد حمله تقديره لهذه العدالة ~~على إثبات صورة من الأوراق التي ضمنها الفرنسيون أخبار الواقعة والمحاكمة، ~~وطبعوا منها نسخا كبيرة باللغات الثلاث: الفرنساوية والتركية والعربية، وذلك ~~- كما قال الشيخ - «لما فيها من الاعتبار وضبط الأحكام من هؤلاء الطائفة الذين ~~يحكمون العقل، ولا يتدينون بدين، وكيف وقد تجارى على كبيرهم ويعسوبهم رجل آفاقي ~~أهوج، وغدره، وقبضوا عليه وقرروه، ولم يعجلوا بقتله وقتل من أخبر عنهم بمجرد ~~الإقرار، بعد أن عثروا عليه ووجدوا معه آلة القتل مضمخة بدم ساري عسكرهم ~~وأميرهم، بل رتبوا حكومة ومحاكمة، وأحضروا القاتل وكرروا عليه السؤال ~~والاستفهام مرة بالقول، ومرة بالعقوبة، ثم أحضروا من أخبر عنهم وسألوهم على ~~انفرادهم ومجتمعين، ثم نفذوا الحكم فيهم بما اقتضاه التحكيم، وأطلقوا مصطفى ~~أفندي البرصلي الخطاط؛ حيث لم يلزمه حكم ولم يتوجه عليه قصاص، كما يفهم جميع ~~ذلك من فحوى السطور، بخلاف ما رأيناه بعد ذلك من أفعال أوباش العساكر الذين ~~يدعون الإسلام، ويزعمون أنهم مجاهدون، وقتلهم الأنفس، وتجاريهم على هدم البنية ~~الإنسانية بمجرد شهواتهم الحيوانية مما سيتلى ms1171 عليك بعضه بعد.» # وكان لهذه التجارب التي مرت بالشيخ أثرها - ولا شك - في اقتناعه بالتعاون مع ~~الفرنسيين، فهم إلى جانب ما ظهر من اهتمامهم بالعلم، وتوفر علمائهم على البحث ~~والتنقيب والدراسة بالرغم من الاضطرابات في القاهرة والأقاليم وذهاب عدد منهم ~~ضحية لها، وإلى جانب ما أظهروه من تمسكهم بميزان العدالة، حرصوا على احترام ~~شعائر المسلمين، ولم يكلفوا المشايخ المتصدرين الذين تعاونوا معهم عند مجيئهم، ~~وصاروا أعضاء في الديوان الذي شكله بونابرت، بإتيان ما يتعارض مع الدين الحنيف، ~~حتى إنه عندما رفض الشيخ عبد الله الشرقاوي وضع «الجوكار» - وهي العلامة التي ~~يقال لها الوردة، كان رأي الجبرتي أن الشرقاوي لم يكن محقا في رفع هذه الشارة؛ ~~لأن وضعها لا يخل بالدين، ثم إنه نجم عن تردد الشيخ على مجمعهم العلمي، ~~وسؤاله لعلمائهم مستفسرا عما صار يصادفه لديهم من آلات أو يشاهده من تجارب ~~علمية، وهم الذين إذا حضر إليهم بعض المسلمين ممن يريدون الفرجة لا يمنعونه ~~الدخول إلى أعز أماكنهم، ويتلقونه بالبشاشة والضحك وإظهار السرور بمجيئه ~~إليهم، حتى إن الشيخ ذهب إليهم مرارا، وأطلعوه على ذلك - أن اتصل الشيخ ~~بعدد من علمائهم، كما أنه عرف عددا آخر من الفرنسيين، عن طريق صديقه إسماعيل ~~الخشاب، وكان لهذا مخالطة بهم، فتضافرت كل هذه العوامل على إزالة ما يكون قد ~~تبقى لديه من نفرة منهم تحول دون تعاونه معهم إذا طلب إليه أن ينضم إلى أعضاء ~~دواوينهم. # وعلى ذلك، فإنه عندما تسلم الجنرال «منو» قيادة الحملة العامة بعد مقتل كليبر، ~~وأقام ديوانه الجديد في أكتوبر 1800 صار عبد الرحمن الجبرتي أحد أعضاء هذا ~~الديوان، وصار صديقه إسماعيل الخشاب أمينا لمحفوظاته وكاتبا لسلسلة التاريخ؛ ~~أي محاضر جلسات الديوان، ولقد كان هذا الديوان أداة طيعة في يد منو، ورضخ ~~أعضاؤه لكل ما طلب «منو» منهم، ومبعث ذلك رد الفعل الذي حصل بعد ثورتي القاهرة ~~السابقتين ومقتل كليبر، وصرامة الفرنسيين في الاقتصاص من الأهلين بفرض الغرامات ~~الفادحة عليهم وانشغال القاهريين وأشياخهم بتدبير المال لدفعها، ثم يقين أعضاء ms1172 ~~الديوان بأن لا جدوى من المفاوضة أو المقاومة طالما كانوا عاجزين بمفردهم عن ~~طرد العدو من بلادهم، كما كان مبعث هذا الرضوخ انتظارهم الفرج القريب على يد ~~الجيوش المتأهبة للإغارة على مصر لإنقاذها من العدو، ولم يكن العثمانيون الذين ~~فشلوا في قتال الفرنسيين، هم الذين تتألف هذه الجيوش منهم وحدهم، بل صار لهم ~~حلفاء الآن من الإنجليز؛ أي من الجند المسلحين بأسلحة من طراز ما لدى الفرنسيين ~~منها، والمدربين على نفس فنون الحرب والقتال التي درب الفرنسيون عليها. # ولا جدال في أن الشيخ الجبرتي منذ عضويته في هذا الديوان، صار يتنازعه ~~عاملان: أحدهما الرغبة في مداراة الحاكمين، وكانت المداراة هي القاعدة التي ~~بنى عليها سائر أعضاء الديوان كذلك مسلكهم مع قائد الحملة العام - لعل الشيخ ~~يستطيع التوسط في قضاء حوائج الناس، أو لعل هذه المداراة ترفع شيئا من ~~المظالم التي أوقعها الفرنسيون آنئذ في صورة مطالبهم المالية التي لا نهاية لها ~~بالأهلين، أو لعله يتأتى من هذا التعاون ضبط الأنساب ومعرفة الأعمار - أحد ~~مشاريع «منو» التي عرضها على الديوان؛ توطئة لضبط المواريث، وتلك مسألة اهتم بها ~~الأشياخ وقتئذ اهتماما بالغا. وأما العامل الثاني، فكان خجل الشيخ من هذا ~~الرضوخ والاستسلام الذي لا خلاص منه، آية ذلك إغفاله في «تاريخه» إثبات تلك ~~الورقة التي طلب «الكمثاري فوريه» # Fourier # من ~~أعضاء الديوان أن يكتبوها تهنئة للجنرال «منو» على المولود سليمان مراد الذي ~~ولد له من المرأة المسلمة الرشيدية. # ولزم الشيخ جانب الهدوء، وساير حكومة العهد الجديد كل المسايرة، فلم يعرف ~~عنه أنه عارض في شيء، ولم يذكر هو عن نفسه أنه اقترح أمرا أو أبدى رأيا، فأما ~~تعليل مسايرته فسهل ميسور، إذا أخذنا بالاعتبارات التي سبق ذكرها، وأما أنه ~~لم يذكر عن نفسه ما يدل على مساهمته جديا في المسائل القليلة التي تركت ~~الحرية فيها لأعضاء الديوان لمناقشتها وبحثها كمسألة ضبط الأنساب ومعرفة ~~الأعمار، فلا ينهض دليلا على عدم نشاط الشيخ، بل إن مبعثه عامل الخجل الذي ~~سبقت الإشارة إليه، ولا جدال ms1173 في أن الشيخ لم يكن عضوا خاملا، وهو الذي يؤخذ ~~من التفصيلات التي حواها «تاريخه» عن هذا الديوان أنه واظب على حضور جلساته ~~واهتم بما صار يدور فيه، ولكنه مما لا شك فيه كذلك أنه عرف عند الفرنسيين ~~بالاعتدال والاتزان، والابتعاد عن الشغب، أو الاندفاع وراء العواطف، يؤيد هذا ~~القول، ترك هؤلاء له حرا طليقا، عندما أصعدوا فريقا من زملائه إلى القلعة ~~وقت اقتراب خطر الجيوش العثمانية والبريطانية الزاحفة على القاهرة من هذه ~~الأخيرة، فكان الجبرتي، مع خليل البكري ومحمد الأمير وموسى السرسي، هم الذي ~~أبقاهم الجنرال بليار في الديوان، ثم انضم إليهم سليمان الفيومي الذي أفرج عنه ~~بعد قليل، بينما اعتقل محمد الأمير. # ولكن الشيخ الذي تأثر بهياج الخواطر الذي انتشر بين الأهلين نتيجة لانهزام ~~الفرنسيين على يد الجيوش الزاحفة، وتوقعهم الخلاص القريب، ولم ترضه الاعتقالات ~~التي حدثت واستفزه عسف الفرنسيين في جمع الغرامات والإتاوات في ساعات احتضارهم ~~الأخيرة، سرعان ما انتعش أمله في زوال هذا الحكم الأجنبي البغيض، لا عن طريق ~~الثورة وإثارة الفتنة المؤذية والشعب، ولكن بمقتضى الحكمة الأزلية، التي شاءت ~~عند تفاقم الظلم والجور أن يستبدل العدل بهما، وينصب ميزانه، فصارت بلاغات ~~«بليار» و«منو» ورسائل هذا الأخير التي بعث بها من الإسكندرية إلى الديوان، ~~تمويهات وأكاذيب، ومحشوة بالكلام الفارغ. # وأفصح الجبرتي عن فرحه لزوال حكم الفرنسيين، بإهدائه كتابه «مظهر التقديس ~~بذهاب دولة الفرنسيس» إلى الصدر الأعظم يوسف ضيا باشا - على نحو ما تقدم ذكره - ~~وقد استهله بقوله: «حمدا لمن جعل كلمة الذين كفروا السفلى، وكلمة الله هي ~~العليا، وجعل الدولة العثمانية والمملكة الخاقانية بهجة الدين والدنيا»، ووجد ~~الشيخ عبرة في زوال ملك الفرنسيين بعد أن بدا أن أقدامهم قد رسخت في البلاد، ~~وأن سلطانهم قد توطد بها، فإذا هم ينخلعون عن التصرف والتحكم وسبحان من لا ~~يزول ملكه ولا يتحول سلطانه! وراعه ما قصه عليه حسين بك وكيل قبطان باشا وكان ~~بصحبة الباشا عند ذهابه إلى الإنكليز، أثناء الحملة لقتال الفرنسيين وإجلائهم ~~عن البلاد. قال حسين ms1174 بك: «كنا في نحو الخمسين والإنكليز في نحو الخمسة آلاف، ~~فلو قبضوا علينا في ذلك الوقت لملكوا الإقليم من غير ممانع، فسبحان المنجي من ~~المهالك!» فكان تعليق الشيخ على ذلك أنه «إذا تأمل العاقل في هذه القضية، يرى ~~فيها أعظم الاعتبارات والكرامة لدين الإسلام؛ حيث سخر الطائفة الذين هم أعداء ~~للملة هذه لدفع تلك الطائفة ومساعدة المسلمين، مصداق الحديث الشريف وقوله # صلى الله عليه وسلم ~~: «إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر»، فسبحان القادر ~~الفعال!» # ولقد توقع الشيخ أن تسود العدالة بعودة الحكم إلى العثمانيين، ولكن سرعان ما ~~ضاع أمله عندما عمت الفوضى في السنوات الخمس التالية، وكثرت الفتن والانقلابات، ~~واعتدى الجند على الأهلين، وهاج القاهريون، والفلاحون بالأرياف، لما نزل بهم من ~~جورهم، وصار أكثر الناس - كما قال - يتمنون أحكام الفرنساوية. # وأرهقت الشعب السلف الجبرية والإتاوات، وتوالت الفرد والمظالم، وتوقف حال ~~الناس، ورضوا عن أحكام الفرنسيس، مما سبق ذكره وتوضيحه، وذكر رأي الشيخ في ~~ذلك كله في سياق هذه الدراسة. # ثم إنه لم تلبث أن لاحت بارقة أمل، عندما شهد أحد رؤساء الأرنئود محمد علي ~~يتودد إلى المشايخ والمتصدرين أمثال عمر مكرم وأحمد المحروقي، ويتقرب منهم، ~~ويجوس الشوارع متحدثا مع العامة والرعية ومطمئنا لهم، ومشاركا لهم في ~~التذمر والشكوى من عسف عثمان البرديسي وسائر البكوات أيام حكومتهم المعروفة، ~~ويمني الجميع بقرب انتهاء عهد الظلم والجور، حتى استطاع تأليب الأشياخ والرعية ~~على هؤلاء البكوات الظلمة، ثم راح يفعل نفس الشيء أثناء أزمته مع أحمد خورشيد، ~~حتى تمكن بمعاونة المشايخ والرعية من إزاحة هذا الأخير من الولاية، والوصول ~~بنفسه إلى الباشوية، فتوقع الجبرتي بداية عهد جديد على يد هذا المبشر ~~الجديد. # ويستدل من التفاصيل التي ذكرها الجبرتي عن دور المشايخ خلال هذه الأحداث، ~~وبالقدر الذي أراده لهم أصحاب الحكم أو المتطلعون إليه في هذه الفترة، أن الشيخ ~~لم يكن من بين هؤلاء المتصدرين، أو إذا كان فإنه لم يشر إلى ذلك بقليل أو كثير، ~~وسواء اشترك أم لم يشترك فقد ظل دائب ms1175 الصلة بالأشياخ، ويعنى بتتبع نشاطهم ونشاط ~~الحكام الباشوات العثمانيين، ونشاط البكوات المماليك، منازعي الدولة في السلطة ~~والنفوذ، ولم يصرفه اشتغاله بشئونه الخاصة أو قراءة الدروس، أو انكبابه على ~~تسجيل الحوادث أو الاهتمام باستكمال بعض الكتب التي أراد تأليفها في الفقه ~~الحنفي والحساب والفلك وغير ذلك، لم يصرفه هذا عن التردد على محمد الألفي ~~الكبير وغيره من البكوات، كالأمير ذي الفقار البكري، وحضور مجالس أحمد خورشيد ~~باشا، وزيارة عمر مكرم وأحمد المحروقي وغيرهما من المتصدرين من المشايخ ~~والأعيان في وقته. # ولكن تسلم محمد علي لزمام الأمور لم ينه عهد المظالم والسلف والإتاوات، ولم ~~يتحقق به - في نظر الشيخ - ميزان العدل، ولم يلق الأهلون ومتزعموهم من ~~الأشياخ والأعيان جزاء حسنا على سعيهم في تقليده الولاية، وانقلب الشيخ أيما ~~انقلاب على هذه الحكومة الظالمة، والتي خالفت فيما اتبعته من طرائق لسد حاجتها ~~الملحة إلى المال كل ما كان يدين به الشيخ من مبادئ عن سياسة الحكم والدولة، ~~فلم ير في كل ما يحدث إلا ضياعا للعدالة وانتفاء لها، وتمكينا لأسافل ~~القوم من الاستعلاء على أكابرهم، ومثابرة على استنضاح الأموال، وتجويعا ~~للأهلين وتشريدا للفلاحين، واستبدادا بالرأي واستهانة بالعلماء واستخفافا ~~برأي ذوي الفضل، واعتدادا بالعصبية في توطيد السلطة على أساس الجور بالناس ~~والعسف بهم، وسلب أقواتهم وأرزاقهم، وتجريدهم من الأرض وما يملكون للإغداق ~~بنعمه وآلائه على أهله وعشيرته وصنائعه ورؤساء أجناده، حتى صار كل هؤلاء أصحاب ~~الشأن والسيادة والثراء الطائل، بينا يفتك المرض والجوع بأهل البلاد. # ولقد عظمت حفيظة الشيخ على الباشا لدرجة أنه تمنى زوال ملكه، فلم يكن من بين ~~الأشياخ الذين وقعوا على العرائض التي طالبوا فيها ببقاء محمد علي في الباشوية ~~أثناء أزمة النقل إلى سالونيك المعروفة، بدعوى أنه أجرى العدل، وأسعد الرعية، ~~فوصف الشيخ ما نمقوه ووضعوا أختامهم عليه، أو زوروا خاتم من لم يفعل وختموا به ~~أنه كلام عنه «يسئلون ولا يؤذن لهم فيعتذرون.» # وهذه الكراهية نفسها لحكم محمد علي، هي أحد بواعث حملته الشديدة على أشياخ ~~عصره، «مشايخ الوقت»، ms1176 الذين مكنوا للباشا بتكالبهم على الدنيا، وانقساماتهم ~~وحزازتهم ومنافستهم، إغفال أمرهم، والازدراء بهم وبما قد يجرءون على إسدائه من ~~نصح إليه، وهذه الكراهية كذلك كانت مبعث استيائه وتكدره من البكوات المماليك، ~~والحملة عليهم هم كذلك بسبب فرقتهم، وعدم اجتماع كلمتهم وتخاذلهم، ومنافساتهم ~~وكراهيتهم لبعضهم بعضا، فعجزوا عن اهتبال الفرصة السانحة أثناء أزمة النقل إلى ~~سالونيك لاسترداد الحكم وطرد محمد علي على رأس جنده الأرنئود من هذه البلاد، ~~وهم الغرباء عنها، والذين لا تربطهم صلة بها، على خلاف البكوات الذين اعتبرهم ~~الجبرتي - كما أسلفنا - مصريين، ولقد اشتد سخطه على عثمان البرديسي خصوصا، ~~أقوى خصوم الألفي ومنافسيه على السلطة، وأكثرهم عداء له، فعده وإخوانه ~~المسترشدين برأيه الضعيف، مسئولين عن تفويت الفرصة، واستمرار محمد علي في ~~باشويته. # واعتبر الجبرتي من تمام سعد محمد علي باشا الدنيوي أن يحم القضاء بالألفي ~~قبيل وصول حملة «فريزر»، ولكنه وقد أخذ الحزن منه كل مأخذ على أن تجري تصاريف ~~القدر والحكمة الأزلية بهذه الصورة، لم يسعه تشفيا لمكنون حقده على الباشا ~~إلا أن يسجل قول الشاعر: # فقل للشامتين بنا أفيقوا # سيلقى الشامتون كما لقينا # ونقم الجبرتي على البكوات نقمة شديدة؛ لأنهم باستمرار تفرقهم وتخاذلهم قد ~~أضاعوا الفرصة كذلك أثناء حملة «فريزر» لطرد محمد علي من باشويته. # ولقد درج الكتاب على مؤاخذة الشيخ على ما أظهره من حزن عند فشل حملة «فريزر»، ~~وتمنيه لو أن الإنجليز انتصروا على الباشا وأنهوا حكمه، فشاءت الأقدار غير ما ~~تمنى الشيخ، وحصلت الواقعة على غير قياس، كما أسفرت أزمة النقل إلى سالونيك ~~في العام السابق عن انعكاس القضية، ولكن كراهية الشيخ لحكم محمد علي لم تكن ~~صادرة عن اعتبارات شخصية أو مصالح ذاتية أو شهوة أو نزوة، حقيقة وقع على الشيخ ~~الظلم كما وقع على غيره، ولكن كان له من الأملاك الواسعة والثراء ما يكفل له ~~العيش في بحبوحة ويسر ولم يكن الطمع من شيمته، وخلا «تاريخه» من الإشارة إلى ~~نفسه، ولكنه ذخر بالأمثلة والوقائع المتصلة بعيش عامة الناس والفلاحين، وما ~~صاروا ms1177 يلاقونه من عنت وإرهاق بالغين في حياتهم ومعاشهم نتيجة لأساليب الباشا ~~المالية الظالمة، وكثيرا ما صار الشيخ يسجل تمني الناس لعودة حكم الفرنسيين، ~~ولم يكن الجبرتي نفسه إلا واحدا من أولئك الذين شاطروا سواد الشعب وقتئذ هذه ~~الأمنية. # ولم يكن هناك تعارض بين تمني عودة الحكم الأجنبي - على الرغم من كراهية الناس ~~وكراهية الشيخ له - وبين المبادئ التي دان بها الشيخ، والتي تنحصر في وجوب ~~إقامة ميزان العدالة كغرض عيني ألزم الله تعالى الحاكم به، سواء كان من ~~المسلمين، أم شاءت الحكمة الأزلية نفسها أن يكون من غير المسلمين. أما أن ~~يستمر الجور والظلم، فذلك ما لا بد من انتهائه امتد الأجل به أم قصر، ولا يطلب ~~من امرئ أيا كان الرضى به، والطاعة لصاحبه، فإذا انتصر الإنجليز على الباشا، ~~فلا بد أن مبعث هذا حكمة أزلية، وكما أيد الله هذا الدين بالرجل الفاجر ~~لإنهاء حكم الفرنسيين، فإنه سبحانه سوف يؤيده مرة أخرى، عند اقتضاء الحكمة ~~الأزلية ذلك بإنهاء حكم هؤلاء الفاجرين؛ أي الإنجليز، فلم يكن مبعث حزن الشيخ ~~على فشل هؤلاء إلا تمنيه زوال الظلم والجور، وانتشار العدالة، آية ذلك قوله ~~تعليقا على هزيمة الإنجليز: «وهذه الواقعة حصلت على غير قياس، وصادف بناؤها ~~على غير أساس، وقد أفسد الله رأي أهالي الإقليم لانتصارهم لمن يضرهم ويسلب ~~نعمهم، وما أصاب الناس من مصيبة فبما كسبت أيدي الناس، وما أصابك من سيئة فمن ~~نفسك. وأما لماذا أفسد الله رأي هؤلاء، فهو لبروز ما كتبه وقدره في مكنون ~~غيبه، على أهل الإقليم من الدمار الحاصل، وما سيكون بعد، كما ستسمع به، ويتلى ~~عليك بعضه، فما كان إلا ما أراده المولى جل جلاله من تعسة الإنكليز والقطر ~~وأهله إلا أن يشاء الله.» # ورأى الشيخ في محمد علي أنه منطبع على الظلم والجور، متطلع إلى ما بأيدي ~~الغير، مستبد، لا صديق ولا حبيب له، «يحب الشوكة ونفوذ أوامره في كل مراد، ولا ~~يصطفي ويحب إلا من لا يعارضه، ولو في جزئية، أو يفتح له ms1178 بابا يهب منه ريح ~~الدراهم والدنانير، أو يدله على ما فيه كسب أو ربح من أي طريق أو سبب، من أي ~~ملة كان»، انحلت عزائمه عندما بلغه حصول الإنجليز بالإسكندرية، غدر ~~بمعاونيه من كبار الأرنئود، أنزل البلاء بحسين أفندي الروزنامجي وغيره، ونفى ~~وشرد عمر مكرم، وبيت غدر المصرية وقتلهم في مذبحة القلعة (1811)، أضف إلى هذا ~~توالي المظالم في عهده واستمرار الغلاء، وإفلاس مساتير الناس من كل ما فصله ~~الشيخ في «تاريخه». # ومع ذلك فقد حاول الشيخ أن يتحرز من كراهيته لمحمد علي وأن يكون عادلا في ~~حكمه عليه، فذكر بمناسبة إصلاح سد الإسكندرية وإعادته (1816)، وقد اعتبره من ~~محاسن الأفعال أنه كان له مندوحة لم تكن لغيره من ملوك هذه الأزمان، فلو وفقه ~~الله لشيء من العدالة، على ما فيه من العزم والرياسة والشهامة والتدبير ~~والمطاولة، لكان أعجوبة زمانه وفريد أوانه. # وشهد الجبرتي، بعد الحوادث التي ذكرناها رسوخ ملك محمد علي، مقترنا باستمرار ~~الأساليب الحكومية التعسفية التي حرص الشيخ على ذكرها في «تاريخه» ووصف ~~آثارها، فلم يتغير نظره في الباشا وحكمه، في السنوات التالية. # تلك إذا كانت أسباب معارضة عبد الرحمن الجبرتي لحكومة محمد علي، ولقد كانت ~~هذه المعارضة - كما أسلفنا - معارضة صامتة، فلم يعرف عن الشيخ أنه حاول أن ينقد ~~بصورة علنية أساليب الباشا، أو أن يوجه النصح له لتقويمه كما فعل عبد الله ~~الشرقاوي مثلا في حادث الاستسقاء (أغسطس 1808)، أو الانضمام إلى المعارضة ~~السافرة عند ظهورها فيما بعد كما سيأتي ذكره، ومع ذلك فقد كانت معارضة الشيخ ~~على صمتها معارضة خطيرة، من حيث إنها قامت على مبادئ معينة، تتصل في جوهرها ~~بضرورة توفر العدل شرطا أساسيا لوجوب الطاعة للحكام، فلم يكن مبعثها ~~أغراضا شخصية لرعاية مصالح ذاتية، ولم يكن من المنتظر أن يمتنع الشيخ من ~~الإفصاح عن آرائه الصحيحة لأصدقائه، أو للأشياخ الذين اجتمع بهم، وتبادل الرأي ~~معهم في شتى الأمور التي شغلت أذهان الأشياخ أو المتصدرين في وقته، ومن أهمها ~~استمرار الإتاوات والسلف والمظالم، ولا ندحة عن حديث ms1179 الأشياخ في ذلك، وقد جردهم ~~الباشا من كثير من امتيازاتهم المادية السابقة، فأبطل مسموح المشايخ، ولم ~~يلبث أن استولى على إيرادات الأوقاف، وشارك الملتزمين - وأكثريتهم من المشايخ - ~~في فائض التزامهم، وهو علاوة على ذلك قد انفرد بالسلطة وحده، ولا يجرؤ واحد ~~منهم على نصحه والحد من سلطانه، بل وهناك ما يدل على أن أجزاء من «التاريخ» ~~الذي كتبه أو المذكرات التي دونها في طيارته قد ذاع أمره - على الأقل - بين ~~أصدقائه وفي أوساط المشايخ، فلم يكن من صالح النظام القائم في شيء أن تذيع هذه ~~الآراء وأن تجد لها صدى بين سائر الأوساط، حتى إنه بعد انقضاء هذه الحوادث التي ~~نحن بصددها بعشرة أعوام تقريبا، وبعد أن كان الباشا قد قضى على كل عناصر ~~المعارضة والمقاومة، واستبد بالسلطان الكامل في ملكه، لم يلبث أن وجد هو ورجاله ~~من الأصلح لحكمه الحجر على آراء الشيخ وإسكاته، حتى في معارضته الصامتة هذه، ~~فأجمع التواتر على أن صهر الباشا محمد بك الدفتردار فتك بخليل بن الشيخ عبد ~~الرحمن الجبرتي في يونيو 1822، فقصم هذا البلاء ظهره، وعزف عن التسجيل ~~والكتابة، ثم لم يلبث أن ذهب الحزن، بجانب الإجهاد في القراءة والكتابة ببصره، ~~وقد أشرف على السبعين، وعاش بعد ذلك معتكفا في داره حتى توفي بعد قليل في عام ~~1825 أو 1826. ~~(5) المعارضة السافرة: عمر مكرم # بيد أن الشيخ الجبرتي، وإن كان لم يجهر بمعارضته للباشا، ولم يسهم في المعارضة ~~السافرة التي بدأت تتألف بعد حادث الاستسقاء في عام 1808 خصوصا، فقد سجل تفاصيل ~~هذه المعارضة، وأخبار متزعميها من الأشياخ والمتصدرين سواء كان مبعث زعامتهم لها ~~رغبة في الجاه والسلطان أم مجرد المناورة للإيقاع بالخصوم الشخصيين وإشفاء غليل ~~أحقادهم، يدفع الأولين على المعارضة الغرور وعمى البصيرة، ويحدو الأخيرين في ~~مناوراتهم الطمع والنهم والتكالب على الدنيا، مما جعل هذه المعارضة السافرة - في ~~نظر الشيخ - تجربة تعسة في ظروفها وملابساتها ونتائجها. # وأما المتزعم لهذه المعارضة السافرة فكان عمر مكرم، وهو يختلف عن الجبرتي من حيث ~~تنشئته وثقافته ونظرته ms1180 للأمور وهدفه من الحياة، فلم يعرف عنه أن نشأ في مثل البيئة ~~التي نشأ فيها الجبرتي، ومع أنه جاور بالأزهر، واقتنى مكتبة كبيرة، فلم يكن في عداد ~~المشايخ، وعلى خلاف ما فعل الجبرتي، انصرف أكثر ما انصرف للانشغال بالدنيا، وجمع ~~المال، والاجتهاد لبلوغ أماكن الصدارة عن طريق الانغماس في شئون السياسة، بالقدر ~~الذي هيأته له الظروف، والذي استطاع هو بتدبيره وسعيه أن يهيئه لنفسه، وبينما كان ~~الجبرتي يحدد موقفه من كل عهد من العهود التي مرت به مسترشدا بتلك المبادئ المعينة ~~التي دارت حول ضرورة إقامة ميزان العدل من جهة، وربط ما يجري من أحداث بموجب الحكمة ~~الأزلية من جهة أخرى، كان عمر مكرم نهازا للفرص يقيس سعيه في خدمة أي عهد من ~~العهود التي مرت به بمقدار النفع الذي يجنيه منه، فهو صديق حميم للبكوات المماليك ~~طالما بقيت السلطة في أيديهم، وهو لا يحجم عن الانفضاض من حولهم، إذا تراءى له أن ~~بوسعه أن يفيد من أصحاب السلطان الجدد، وهو لا يثبت على كل حال في أوقات الملمات ~~والشدة، إلا إذا تحتم عليه الثبات والصمود، وبينا يظل الجبرتي أمينا على رأيه ~~حفيظا على مبدئه، لا يفارقه الاتزان حتى آخر أيامه، يركب الغرور رأس عمر مكرم، ~~ويزداد اعتداده بنفسه لدرجة الطغيان على الحكمة والتدبير الحسن، وتعويض البقية ~~الباقية مما استمتع به من نفوذ إلى الضياع. ~~(5-1) نشأته ونشاطه # ولد عمر مكرم في أسيوط، في تاريخ مجهول، قد يكون في حدود منتصف القرن الثامن ~~عشر الميلادي، لم يعرف شيء عن والده أو أجداده إلا أنهم ينتسبون إلى البيت ~~النبوي الكريم، ولم يكن بيتهم عريقا في انتسابه هذا، فمن المعروف أن سبط بني ~~الوفاء من بيتي البكري والسادات هم الذين كانت لهم من أزمان بعيدة مشيخة ~~السجادة البكرية ونقابة الأشراف. وفي أواسط القرن الثامن عشر الميلادي جمع ~~السيد محمد أبو هادي بن وفا بين مشيخة السجادة البكرية ونقابة الأشراف، وتولى ~~بعد وفاته في سبتمبر 1762 الخلافة الوفائية ابنه أبو الأمداد السيد أحمد ms1181 بن ~~إسماعيل، ونزل عن نقابة الأشراف إلى السيد محمد أفندي البكري الصديقي الكبير، ~~وقد تولى هذا المنصبين معا، وطمع في المشيخة السيد محمد السادات بسبب انقراض ~~سلسلة أولاد الظهور بموت السيد محمد أبي هادي، والشيخ السادات من سبط بني ~~الوفاء، ولكنه لم يوفق - كما شهدنا - وطمع في نقابة الأشراف - دون وجه حق - ~~السيد عمر مكرم، اللهم إلا دعوى انتسابه البعيد للبيت النبوي الكريم. # وواتت الفرصة عمر مكرم لتحقيق مأربه، عندما فر البكوات مراد وإبراهيم إلى ~~الصعيد وقت مجيء حملة القبطان حسن باشا (1786)، واتخذا مقامهما بأسيوط، فسعى ~~معهما حتى صار مقربا منهما ، فوثقا به، وكان عمر مكرم هو الذي حمل كتبهما إلى ~~المسئولين في القاهرة في منتصف عام 1791 ورجع بجواب هؤلاء إليهما - على نحو ما ~~سبق ذكره - ونال حظوة كبيرة لديهما بسبب نجاحه في المهمة، وعمل على توثيق صلته ~~بهما، حتى إذا توفي شيخ سجادة السادة البكرية ونقيب الأشراف بمصر، محمد أفندي ~~البكري الصديقي الصغير في نوفمبر 1793، تدخل مراد وإبراهيم، فتقلد عمر مكرم ~~نقابة الأشراف، بينما تولى خليل البكري سجادة الخلافة البكرية أو الوفائية، ~~واضطر محمد السادات إلى كتمان حنقه وغيظه، وأشرف عمر مكرم على إدارة أوقاف ~~وأملاك النقابة، وهيمن على إيراداتها، وظل من أقرب المقربين للبكوات، وأسدى ~~لهؤلاء خدمة جليلة بأن صار يسعى جهده لإنهاء الأزمة التي حدثت بين البكوات ~~والمشايخ على أثر اعتداء محمد بك الألفي الكبير على إحدى قرى بلبيس في يونيو ~~1795، والتي أسفر حلها عن كتابة تلك الحجة التي تعهد فيها البكوات بالتزام ~~العدل وأعلنوا فيها توبتهم عن مظالمهم السابقة، ولقد تقدم كيف أن وعود مراد ~~وإبراهيم كانت كاذبة، وأن ظلمهما شمل الأهلين والإفرنج (والفرنسيين خصوصا) على ~~السواء، وكان في نظر الأشياخ السبب الذي جر على البلاد نكبة الغزو الفرنسي ~~والاحتلال الأجنبي، حتى إن الشيخ محمد السادات وجد من ذلك سبيلا لتقريعهما ~~وأتباعهما، وذلك عندما طلب البكوات المشايخ للتشاور معهم وقت وصول الخبر إلى ~~القاهرة بطلوع الفرنسيين إلى الإسكندرية، فتكلم الشيخ بالتوبيخ وقال: كل هذا ~~سوء ms1182 مقالكم وظلمكم، وآخر أمرنا معكم، ملكتمونا للإفرنج. وشافه مراد بك: ~~وخصوصا بأفعالك وتعديك أنت وأمرائك على متاجرهم وأخذ بضائعهم ~~وإهانتهم. # وعند اقتراب الفرنسيين من القاهرة، بذل عمر مكرم ما وسعه من جهد وحيلة لتطمين ~~العامة ولحملهم على قتال العدو ومؤازرة البكوات، وكان العامة قد أفزعهم ما ~~شهدوه من انحلال عزائم البكوات والإسراع في التأهب للارتحال من القاهرة، ~~فداخلهم الخوف الكبير والفزع واستعد الأغنياء وأولو المقدرة للهروب لولا أن ~~هددهم البكوات، وسعى أنصارهم لاستحثاث الناس على الجهاد، وكان عمر مكرم بين ~~الساعين في ذلك، فصعد نقيب الأشراف إلى القلعة، فأنزل منها بيرقا كبيرا سمته ~~العامة البيرق النبوي، فنشره بين يديه من القلعة إلى بولاق، وأمامه وحوله ألوف ~~من العامة بالنبابيت والعصي يهللون ويكبرون ويكثرون من الصياح ومعهم الطبول ~~والزمور وغير ذلك، فكانت مظاهرة كبيرة لم تجد نفعا ولم تدفع ضرا، وانهزم ~~البكوات في معركة الأهرام أو إنبابة المعروفة في 21 يوليو 1798، وفر مراد في ~~طريقه إلى الصعيد، وفر إبراهيم متوجها إلى الشام، وخرج كثيرون من الأهلين ~~يريدون الارتحال من القاهرة، وقر رأي المشايخ في اليوم التالي (22 يوليو) على ~~الاتصال بالغزاة والاستفسار عن مقاصدهم، واطمأن عديدون لوعود الفرنسيين بتأمين ~~الناس على أموالهم وأرواحهم، فرجع الفارون ومعهم الأشياخ الذين كانوا قد صحبوهم ~~في فرارهم - حتى المطرية - ومنهم الشيخ محمد السادات والشيخ عبد الله الشرقاوي، ~~وأما عمر مكرم فإنه لم يطمئن ولم يرجع. # والواقع أن السيد النقيب كان قد صح عزمه على الارتحال من هذه البلاد مع ~~البكوات الذين ارتحلوا عنها، فاتبع جماعة إبراهيم الهاربة نحو الشرق، واستقر به ~~المقام في يافا فترة من الزمن، كانت كافية لأن يرى الفرنسيين وقد وطدوا أقدامهم ~~في مصر، بل واستقام لهم الأمر فيها، حتى إنهم سيروا جيشا لغزو الشام وفتحها ~~كذلك، وليتأكد لديه أن دولة البكوات قد زالت، فقد تشتتت جموع هؤلاء، وطاردهم ~~الفرنسيون في الصعيد، بينما هم أخمدوا ثورة القاهرة (الأولى) في 21 أكتوبر 1798 ~~في سهولة ويسر، ثم إنهم انتصروا على العثمانيين والبكوات الذين ms1183 عجزوا عن وقف ~~زحفهم على الشام، فاستولوا على العريش وغزة دون عناء. # واعتقد عمر مكرم - وقد تحصن العثمانيون في يافا - أنه سوف يستعصي على ~~الفرنسيين وقائدهم بونابرت فتحها، ولكن سرعان ما دانت هذه للغزاة بعد قتال دام ~~ثلاثة أيام فحسب، فسقطت في أيديهم في 7 مارس 1799، وكان عمر مكرم أحد أربعمائة ~~تقريبا من المصريين اللاجئين بها، فأعادهم بونابرت إلى مصر، وكان عمر مكرم مع ~~العائدين، وصل إلى دمياط بطريق البحر، مع جماعة ذكرهم الشيخ الجبرتي في ~~«تاريخه» وتعوق بدمياط فترة من الزمن بسبب «الكرنتيلة»، ثم وصل إلى بولاق ~~أخيرا في 7 يوليو 1799، فمكث هنيهة بزاوية علي بك التي بساحل بولاق، حتى وصل ~~إلى داره، وكان في أثناء ذلك قد رجع بونابرت نفسه من حملته الفاشلة في الشام، ~~ودخل القاهرة في 14 يونيو، فبادر عمر مكرم ثاني يوم وصوله - أي في 8 يوليو - ~~بمقابلة بونابرت بصحبة الشيخ محمد المهدي الذي استطاع أن يفوز برضاء الفرنسيين ~~عنه. # وكان الفرنسيون قد نزعوا نقابة الأشراف من عمر مكرم، وقلدوها منذ أغسطس 1798 ~~الشيخ خليلا البكري، وكان هذا قد تداخل فيهم، وعرفهم أن النقابة كانت لبيتهم ~~وأنهم غصبوها منه، فقلده الفرنسيون إياها، واستولى على وقفها وإيرادها، ~~وفضلا عن ذلك فقد صادر الفرنسيون أملاك عمر مكرم؛ ولذلك فقد صار كل ما اهتم به ~~- وقد رجع الآن إلى مصر - أن يسترجع أملاكه المفقودة ولم يكن بوسعه أن يسترد ~~النقابة؛ لأن خليلا البكري - كما سبقت الإشارة - كان قد نال حظوة كبيرة لدى ~~الفرنسيين. # ووجد عمر مكرم في وساطة محمد المهدي - وهذا صاحب حظوة كذلك لدى الفرنسيين - ~~خير ما يعينه على نيل مأربه، فكانت مقابلته بصحبة الشيخ لبونابرت، وليس من ~~المستبعد أن يكون محمد المهدي قد سعى للتمهيد لهذه القابلة؛ كسبا لرضاء ~~بونابرت الذي قامت سياسته الإسلامية الوطنية على استمالة المشايخ والعلماء ~~والأعيان، وأما بونابرت - على حد قول الجبرتي - فقد «بش له ووعده بخير، ورد ~~إليه بعض تعلقاته، وكان هذا كل ما ظفر به عمر مكرم، فاستقر بداره، وصارت ms1184 ~~الناس تغدو وتروح إليه على العادة.» # ثم توالت الأحداث مسرعة، ففشل العثمانيون في محاولتهم الإغارة على الفرنسيين ~~لطردهم من البلاد وانهزموا في موقعة أبي قير البرية في 25 يوليو 1799، وارتحل ~~بونابرت عن مصر في 22 أغسطس، وتولى الجنرال كليبر قيادة الحملة، ولم يكن هذا من ~~أنصار البقاء في مصر، بل يريد إخلاء البلاد وعودة جيش الشرق بكل سرعة إلى ~~فرنسا، وشرع يتفاوض في شروط الجلاء مع العثمانيين والإنجليز، تلك المفاوضة التي ~~أسفرت عن عقد اتفاق العريش في 24 يناير 1800، ثم نقضه وانهزام العثمانيين في ~~معركة هليوبوليس في 20 مارس من العام نفسه. # وأنعشت المفاوضة آمال السيد عمر مكرم، الذي صار يترقب عودة هذه البلاد إلى ~~حظيرة الدولة، ورجوع الأوضاع بها إلى حالها السابقة، واسترداد البكوات لسلطانهم ~~القديم، ونزول القصاص بالمتعاونين مع أعداء الدولة، واستطاعته أن يسترجع نقابة ~~الأشراف وأوقافها وريعها، عدا ممتلكاته المصادرة، فراح يستعد لمقابلة العهد ~~الجديد، ثم دخل بعض العثمانيين القاهرة عقب إبرام اتفاق العريش، ولكن خاب ~~الأمل بسبب نقض هذا الاتفاق ودارت رحى الحرب بين كليبر وجيش يوسف ضيا والبكوات ~~(وعلى رأس هؤلاء إبراهيم بك)، فما إن سمع القاهريون صوت المدافع حتى اشتد ~~هياجهم، وقامت ثورة القاهرة الثانية التي بدأت يوم المعركة نفسه (20 ~~مارس). # وبدلا من تهدئة العامة - كما صار يفعل الشيخ الجبرتي - تزعم عمر مكرم هذه ~~الثورة الفاشلة، فكان هو والسيد أحمد المحروقي من بين الذين سارعوا إلى التلول ~~خارج باب النصر، وانضم إليهما أتراك خان الخليلي والمغاربة الذين بمصر ~~(القاهرة) ... وتبعهم كثير من عامة أهل البلد وبأيديهم النبابيت والعصي، ~~والقليل معه السلاح، وكذلك تحزب كثير من طوائف العامة والأوباش والحشرات، ~~وجعلوا يطوفون بالأزقة وأطراف البلد، ولهم صياح وضجيج وتجاوب بكلمات يقضونها من ~~اختراعاتهم وخرافاتهم، وقاموا على ساق، وخرج الكثير منهم إلى خارج البلد، على ~~تلك الصورة، ثم عاد جمع عظيم من العامة ممن كان خارج البلدة ولهم صياح وجلبة ~~على الشرح المتقدم، وخلفهم إبراهيم بك، ثم أخرى وخلفهم سليم آغا، ثم أخرى كذلك ~~وخلفهم ms1185 عثمان كتخدا الدولة، ثم نصوح باشا ومعه عدة وافرة من عساكرهم، وصحبتهم ~~السيد عمر مكرم النقيب والسيد أحمد المحروقي، وطائفة من البكوات، وراح نصوح ~~باشا يقول للعامة اقتلوا النصارى وجاهدوا فيهم، وكانت ثورة عاتية، مر بنا طرف ~~من حوادثها، ومنها إهانة الشيخ خليل البكري؛ حيث تتبع الناس عورات بعضهم البعض ~~وما دعتهم إليه حظوظ أنفسهم وحقدهم وضغائنهم، فاتهم الشيخ خليل بأنه يوالي ~~الفرنسيس ويرسل إليهم الأطعمة، ولم ينقذه من أيدي العسكري وبعض أوباش العامة ~~سوى توسط سيدي أحمد بن محمود محرم التاجر، ولم يتوسط عمر مكرم قطعا في ~~إنقاذه. # ولم تفد مساعي الصلح بين الفرنسيين والأشياخ - وكان كليبر قد عقد معه معاهدة ~~في 5 أبريل - لإنهاء هذه الثورة الجامحة، وظل السيد عمر مكرم والسيد أحمد ~~المحروقي وأتباعهما يمرون في كل وقت ويأمرون الناس بالقتال، ويحضونهم على ~~الجهاد، مع اتضاح عدم جدواه، وما تسبب عن الثورة من توقع الهلاك كل لحظة ~~والتكليف بما لا يطاق، ومغالبة الجهلاء على العقلاء، وتطاول السفهاء على ~~الرؤساء، وتهور العامة، ولغط الحرافيش، وغير ذلك مما لا يمكن حصره. # ولقد أشعل الفرنسيون الحرائق في الأحياء الوطنية، وأحرقوا حي بولاق وخربوه ~~وتهدمت أغلب المنازل بالأزبكية، وصاروا يهددون بحرق القاهرة بأسرها إذا لم ~~يخرج الجند العثمانيون ورؤساؤهم منها، وبات واضحا ألا سبيل للخلاص إلا ~~بالإذعان، فتم الصلح نهائيا في 21 أبريل في اتفاق وقعه العثمانيون وإبراهيم ~~بك، مع الجنرال كليبر، وغادر الأولون القاهرة، وخمدت الفتنة التي انكشف غبارها ~~- على نحو ما ذكره الشيخ الجبرتي وأبناه قبل ذلك - عن تعسة المسلمين وخيبة أمل ~~الذاهبين والمتخلفين، وكان عمر مكرم من بين الذين خرجوا من القاهرة، فقال ~~الجبرتي: «خروج العثمانية وعساكرهم وإبراهيم بك وأمراؤه ومماليكه والألفي ~~وأجناده ومعهم السيد عمر مكرم النقيب والسيد أحمد المحروقي الشاه بندر، وكثيرون ~~من أهل مصر ركبانا ومشاة إلى الصالحية، وكذلك حسن بك الجداوي وأجناده، وأما ~~عثمان بك حسن ومن معه فرجعوا صحبة الوزير يوسف ضيا، فلم يسع إبراهيم بك ~~وحسن بك ترك جماعتهما خلفهما، وذهابهم بأنفسهم ms1186 إلى قبلي، بل رجعا بجماعتهما ~~على أثرهما، وذاقوا وبال أمرهم.» # ولزم عمر مكرم عرضي الصدر الأعظم والبكوات المماليك، حتى إذا انهزم ~~الفرنسيون في العام التالي، واضطروا إلى تسليم القاهرة والإسكندرية والجلاء عن ~~البلاد، رجع عمر مكرم ضمن من رجعوا، فدخل القاهرة في 15 يوليو 1801 وصحبته ~~السيد أحمد المحروقي شاه بندر التجار بمصر، وقد ارتدى كل منهما خلعة من ~~السمور، دليل تكريم أهل العقد والحل الجدد لهما، ورضائهم عنهما، ومكافأة لهما ~~على جهودهما وولائهما. # ولم يكتف العثمانيون بمكافأة عمر مكرم بخلع الخلع السمور عليه، بل إنهم جردوا ~~خليلا البكري من نقابة الأشراف، وقلدوا عمر مكرم إياها، فوصفه الشيخ الجبرتي ~~حال دخوله القاهرة بأنه نقيب الأشراف، وكأنما تجريد خليل البكري من النقابة ~~لم يكن كافيا لإشفاء غليل أخصامه، فراحوا يسعون لدى محمد خسرو باشا في حقه، ~~متخذين من خروج ابنة له عن طورها أيام الفرنسيين ذريعة للنيل منه، وكانت هذه ~~قد تبرأ منها والدها بعد خروج هؤلاء، وقتلت بأمر من الصدر الأعظم يوسف ضيا في 4 ~~أغسطس 1801، فراح أعداء خليل البكري ينهون إلى محمد خسرو بأنه مرتكب للموبقات، ~~ويعاقر الشراب وغير ذلك، وأن ابنته كانت تذهب إلى الفرنسيس بعلمه، وأنه قتلها ~~خوفا وتبرئة لنفسه من الشهرة التي لا يمكنه سترها، ولا يقبل عذره فيها، ولا ~~التنصل منها، وأنه لا يصلح لمشيخة سجادة السادة الوفائية، فعزله الباشا منها ~~وقلدها أحد أتباع الشيخ شخصا من سلسلتهم يقال له الشيخ محمد سعد، ثم جدد ~~أعداؤه مسعاهم لتجريده من ممتلكاته وأمواله كذلك، فتصدى لمفاقمته وأذيته أنفار ~~من المتظاهرين مثل السيد عمر مكرم النقيب، والشيخ محمد وفا السادات وخلافهما، ~~وتسلط عليه من له دين أو دعوى أو مطالبة حتى بيعوه حصصه. ~~(5-2) عمر مكرم وعهد الفوضى السياسية # وصار عمر مكرم حينئذ ممن يحتلون مكان الصدارة في العهد الجديد، ولكن هذا كان ~~عهدا - كما عرفنا - اتسم بطابع الفوضى السياسية، اختلفت فيه الأوضاع عن تلك ~~التي خبرها على أيام سطوة البكوات المماليك، قبل الاحتلال الفرنسي، فالباشا ~~العثماني يعمل ms1187 جاهدا لاجتثاث سلطان البكوات تنفيذا لسياسة الباب العالي، ~~والبكوات يفقدون سلطانهم رويدا، ويطردون من القاهرة، ويسير عليهم الباشوات ~~الحملات لتعقبهم ومطاردتهم في الوجه البحري والصعيد، وتكثر في القاهرة حوادث ~~الانقلابات تطيح بباشوية أحد الولاة تارة، وبرأس الآخر تارة أخرى، وتتوالى ~~المظالم على الشعب وسط ذلك كله، فيئن من جور الإتاوات والفرد والسلف ~~الإجبارية والمغارم، ويشكو من اعتداءات الجند عليه وإيذائهم له، ثم يشتد تذمره ~~ويعلو صخبه في مظاهرات تقصد إلى الجامع الأزهر وسائر الجوامع، ويطلب المتظاهرون ~~المتذمرون الغاضبون المشايخ حتى يقوموا بدور الوساطة لدى الباشا العثماني أو ~~لدى البكوات - عندما صار لهؤلاء الحكم فترة من الزمن في عهد هذه الفوضى ~~السياسية المتلاطمة - لرفع هذه المظالم، ولم يكن الشعب في طلبه هذا من المشايخ ~~والمتصدرين قد خرج عن مألوف ما درج عليه في الأزمان السابقة، من حيث اتخاذ ~~العلماء والمشايخ واسطة بينه وبين الهيئات الحاكمة. # ولقد عرف السيد عمر كيف يحتفظ في أثناء هذه الفوضى السياسية بمكان الصدارة ~~الذي صار له، كنقيب للأشراف، وكرجل من رجال العهد الجديد، ولكن في الحدود التي ~~رسمتها له أحداث هذه الفوضى السياسية ذاتها، فهو لن يكون بحال صاحب رأي لدى ~~الباشوات العثمانيين أو رؤساء الأجناد وكبارهم المتنازعين فيما بينهم جميعا ~~على السلطة والحكم؛ لأن هؤلاء اعتبروا خلافاتهم من شأنهم وحدهم فحسب، ولا دخل ~~للرعية بها، واستخدموا المتصدرين من الأشياخ والأعيان كأدوات طيعة في الحالات ~~التي أرادوا فيها استكتابهم العرائض والإعلانات كأسانيد شرعية يبررون بها ~~انقلاباتهم في أعين الدولة، أو تكليفهم بجمع الإتاوات والسلف وما إلى ذلك من ~~الأهلين، أو توسيطهم لدى البكوات المماليك. # والسيد النقيب لن يكون بحال كذلك من أعضاء البكوات أصدقائه القدامى، وأصحاب ~~الفضل عليه، ومصدر نعمته، وأصل الوجاهة والصدارة اللتين وصل إليهما؛ لأنهم ما ~~لبثوا أن صاروا في خصام دائم مع الدولة وفي ثورة عليها سواء أكانت هذه مستترة في ~~بعض الأحايين أم سافرة في أكثرها، وهو كذلك لا يرى نفعا وفائدة من الانقلاب ~~عليهم ونبذ الولاء لهم كلية، والباشوات العثمانيون وأجنادهم ms1188 لا يزالون عاجزين ~~عن هزيمتهم الهزيمة الساحقة، ولا يزال الباب العالي نفسه ظاهر التردد في موقفه ~~منهم، فتارة يعلنهم عصاة ثائرين، وتارة يصطلح معهم، وتارة يكاد يفقد البكوات ~~السلطة تماما، وتارة تنحصر هذه في أيديهم. # والسيد النقيب فوق ذلك كله لا يجرؤ على التظاهر برأي - على الأقل - ما لم يكن ~~قد انعقد الإجماع عليه بين سائر المشايخ والمتصدرين؛ لأنه وإن كان له أصدقاء ~~كثيرون من بين الأشياخ، ويتردد عليه الأهلون ويقصدونه كي يبثوا شكواهم، ويسألوه ~~الرأي والنصيحة، فهو يعلم في كامن ضميره أن غالب صداقة زملائه الأشياخ زائفة، ~~وأن التنافس القائم على الرئاسة والزعامة والصدارة، لما يستتبع حصولها من إثراء ~~واستمتاع بلذائذ الدنيا، قد جعلهم يحقدون على بعضهم بعضا، ويسعون في إيذائه ~~إذا قدروا على ذلك، ولا يحجم هو نفسه عن إيذائهم إذا وجد في هذا نفعا له، ~~فهناك من أعدائه السافرين أو المستترين، خليل البكري - وقد تسعفه المقادير ~~للإيقاع به كما أوقع هو وأتباعه به، وقد شغل عمر مكرم في السنوات التالية ~~بإحكام تدمير السيد خليل وهدمه - ومحمد السادات (أبو الوفا) - وإن كان عمر مكرم ~~على ما يبدو اعتقد في صداقته له - ومحمد الدواخلي، ومحمد المهدي - وهذان من ~~أكثر المشايخ حقدا عليه - وعبد الله الشرقاوي، وذلك عدا غيرهم من المتعلمين ~~الذين قاسوا صداقتهم له ولغيره بمقياس غضب أو رضاء الهيئات الحاكمة ومقدار ~~إقبال الدنيا على المتصدرين أو إدبارها عنهم، ثم إنه يعلم في كامن ضميره كذلك ~~أن مبعث تعلق العامة به، والمكانة التي احتلها من نفوسهم، زعامته السابقة لهم ~~إبان ثورة القاهرة الثانية (مارس-أبريل 1800)، فلم تكن له مندوحة من إبلاغ ~~شكاواهم - على الأقل - إلى السلطات المسئولة كلما أتيحت له الفرصة أن يفعل ذلك، ~~إذا شاء الاحتفاظ بمكانته عندهم، وتلك بدورها مكانة لا معدى عن الاحتفاظ بها، ~~لبقاء صدارته وعدم انقطاع الصلة بينه وبين السلطات المسئولة، بالقدر الذي يبقى ~~عليه نقابة الأشراف ولا يحرمه من ريع أوقافها وأملاكها، ثم إنه لم تكن له ~~مندوحة كذلك - إذا رغب الاحتفاظ بمكانته - من ms1189 تزعم الأهلين المتذمرين ~~المتظاهرين أو الثائرين، إذا استفحل الظلم وتمكن البلاء وانفجر بركان الغضب ~~يقذف بالمشايخ وسائر المتصدرين إلى الصفوف الأمامية، للقيام بدور الوسيط ~~التقليدي لدى الهيئات الحاكمة لرفع الجور والظلم الذي يشكو الشعب منه. # وعلى ذلك، فقد سلك السيد عمر مكرم في سنوات الفوضى السياسية هذه طريق الحيطة ~~والحذر، سكن أيام الشدة التي تخضبت حوادثها بدماء البكوات الذين دبرت المكائد ~~المعروفة لاغتيالهم في مطلع العهد الجديد، فنأى بنفسه عن فطنة الاتصال بهم ~~والتعاون معهم بكل وسيلة، ولم يشذ عن سائر زملائه من الأشياخ والأعيان في ~~الرضوخ لمطالب أصحاب السلطة سواء من الباشوات العثمانيين أم رؤساء الجند، وتكلم ~~في صالح الشعب - أو القاهريين - بالقدر الذي لا يثير غضب المسئولين عليه، وفي ~~حدود الظروف المواتية والمناسبات الملائمة، ورحب بعودة البكوات إلى الحكم أثناء ~~الحكومة الثلاثية المتألفة من إبراهيم بك وعثمان البرديسي ومحمد علي، وارتفعت ~~مكانته، بينما نزل الظلم والعسف بمنافسه وغريمه الشيخ محمد السادات على أيدي ~~هؤلاء البكوات، ثم قلب لهم ظهر المجن، عندما ثار القاهريون ضدهم، وراح محمد علي ~~يدبر تقويض حكومتهم وطردهم من القاهرة، فتعاون عمر مكرم معه؛ لاطمئنانه إلى ~~قدرة محمد علي والأجناد الأرنئود، وتيقنه أن البكوات لم يعد لهم عيش في ~~القاهرة، ثم آزر القائد المنتصر على غريمه أحمد خورشيد، ثم بلغ أقصى ما يمني ~~النفس به من ضروب الصدارة والزعامة في إقباله على تأييد الانقلاب الذي أفضى إلى ~~المناداة بمحمد علي، وأنهى الفوضى السياسية، فخرج من الأزمات المتلاحقة التي ~~ميزت فترة هذه الفوضى، وقد تزايد شأنه رفعة وقدمه رسوخا في الصدارة والزعامة، ~~وصار العضد الكبير لحكومة العهد الذي بدأ مؤسسا على أشلاء الفوضى ~~السابقة. # يفسر مسلك السيد النقيب الذي كفل له الوصول إلى غايته هذه - وإن دفع ثمنا ~~باهظا بعد ذلك لنجاحه الذي أدركه - جملة حوادث، منها أنه لم يعتكف ولم ينزو، ~~بل اشترك في الحياة العامة، وثابر على التمسك بمظاهر الصدارة، يوزع التفاته إلى ~~السلطات الحاكمة والبكوات المماليك بالعدل والقسطاس، وبالقدر الذي يتفق مع ~~صالحه، ms1190 فيحضر في أكتوبر 1801 احتفال عقد كريمة إبراهيم بك (السيدة عديلة)، ويحضر ~~ما يقام من احتفالات لقراءة الفرمانات الواردة من الباب العالي، أو لوصول كسوة ~~الكعبة الشريفة من حضرة السلطان، وقد صادفته أزمة في هذه الأيام الأولى عندما ~~نازعه على نقابة الأشراف، وسلبها منه شخص يدعى يوسف أفندي، اشتهر بسوء السمعة ~~والسيرة قبل مجيء الفرنسيين، ارتحل عن البلاد إلى إسلامبول وقت مكثهم بهذه ~~البلاد، ثم صار يتحيل ويتدخل في بعض حواشي الدولة حتى ظفر بتولي نقابة ~~الأشراف ومشيخة المدرسة الحبانية، فحضر إلى مصر في ديسمبر 1801 بعد جلاء ~~الفرنسيين، وأهمل أمره أولا لمعارضة أعيان الأشراف له، غير أن محمد خسرو ~~باشا لم يلبث أن قلده النقابة في 2 فبراير 1802، وبذل عمر مكرم قصارى جهده ~~لاسترجاعها، وآزره في مسعاه يوسف ضيا الصدر الأعظم، الذي هرع عمر مكرم وبعض ~~المتعممين لتوديعه عند مغادرته القاهرة في 13 فبراير من العام نفسه، فأعطاهم ~~صررا وقرءوا له الفاتحة، فلم يمض شهران حتى وصل في 18 أبريل 1802 قاصد من ~~الديار الرومية بمكاتبات وتقرير نقابة الأشراف للسيد عمر وعزل يوسف أفندي. وفي ~~19 أبريل ركب السيد عمر المذكور وتوجه إلى عند الباشا فألبسه خلعة سمور، ثم ~~حضر عند الدفتردار شريف أفندي، فكانت مدة عزله من النقابة شهرين ~~ونصفا. # ثم إن عمر مكرم حرص على أن يظل مقربا من خسرو باشا، وموضع ثقة رجال الدولة، ~~من الأدلة على ذلك أنه ثار نزاع على ميراث في غضون شهر أكتوبر 1802 بين القائم ~~على خدمة مقام سيدي أحمد البدوي ونسيبه، وادعى كل منهما أن بوسعه إحضار الأموال ~~التي يكنزها الآخر للحكومة، فعوق خادم المقام في بيت السيد عمر مكرم، وذهب نسيبه ~~مع طائفة من الجند إلى طنطا وجاء بأموال كثيرة كانت مخبوءة في بئر مردومة وفي ~~مواضع أخرى. # وثمة دليل أهم من الأول، هو أن السيد عمر امتنع عن مقابلة «سباستياني» أثناء ~~زيارة هذا لمصر في مهمته التي سبق الكلام عنها في أحد فصول هذا الكتاب، فقال ~~«سباستياني» في ms1191 تقريره: إنه توجه لزيارة عمر مكرم يوم 28 أكتوبر 1802، ولكن هذا ~~كان مريضا فقابله ولده، ولم يذكر «سباستياني» أنه تسنى له بعد ذلك مقابلة ~~النقيب بتاتا، وكان الحذر مبعث عدم مقابلته للفرنسيين، في وقت كان فيه ~~للفرنسيين حزب من بين طوائف البكوات المماليك، والعلاقات متحرجة بين هؤلاء ~~والدولة، وقد شاطر في هذا الحذر سائر المتصدرين، كالمشايخ: أحمد العريشي ومحمد ~~المهدي ومحمد الأمير، وبعث خليل البكري يرجو «سباستياني» عدم زيارته؛ نظرا لسوء ~~العلاقة بينه وبين الحكومة القائمة، ولم يرحب بزيارة الفرنسي سوى سليمان ~~الفيومي، وبعث محمد السادات مع رسوله (جوبير) يؤكد ولاءه للفرنسيين. # ولم يسمع للسيد عمر مكرم - أو لسائر المشايخ والمتصدرين - صوت في الانقلاب ~~الذي أفضى إلى طرد محمد خسرو، ولم يكن ليسمح أصحاب الانقلاب لأحد بالتدخل، وهم ~~الذين كانوا - كما عرفنا - يقولون نحن مع بعضنا وأنتم رعية فلا علاقة لكم ~~بنا، ولكن عندما احتاج طاهر باشا إلى سند شرعي موقع عليه من القاضي والمشايخ ~~ونقيب الأشراف، يبعث به إلى الدولة تفسيرا لحركته، طلب هؤلاء - ومنهم عمر مكرم - ~~لمقابلته يوم 6 مايو 1803، فانتهز المشايخ الفرصة وكلموه على رفع الحوادث ~~والمظالم وظنوا فيه الخيرية، ولم يسجل الشيخ الجبرتي عن هذا الكلام سوى ما ~~ذكرنا، ولكن قنصل النمسا (روشتي) أضاف في رسالته إلى «شتورمر» في القسطنطينية - ~~أن عمر مكرم كان من بين المتكلمين في رفع المظالم التي يشكو منها الشعب، وأن ~~طاهر باشا والدفتردار خليل أفندي السرجاني قد وعدا المشايخ خيرا، ولقد شهدنا ~~كيف أن هذه المظالم استمرت برغم هذه الوعود الكاذبة، فلم يكن لهذه الوساطة ~~التي تكاتف فيها المشايخ ولم ينفرد بها عمر مكرم أي أثر، بل كانت من قلة القيمة ~~وعدم الجدوى بحيث لم ير الشيخ الجبرتي مسوغا لذكر أية تفاصيل عنها. # ولم يلبث أن تبع ذلك انقلاب أطاح برأس طاهر باشا، فلم يسمع للسيد النقيب ~~والمشايخ صوت أو يعرف عنهم تدخل في هذا الحادث، سوى توسيط أحمد باشا والي ~~المدينة لهم بالأمر لدى محمد علي لإقناعه بالإذعان إلى الطاعة ms1192 عندما طمع أحمد ~~باشا - دون جدوى - في الولاية، ولكن عمر مكرم رحب ترحيبا كبيرا بقيام ~~الحكومة الثلاثية. وفي اليوم الذي وصل فيه محمد خسرو باشا إلى بولاق في أسر ~~البكوات الذين اقتادوه من دمياط إلى القاهرة، دعا عمر مكرم إبراهيم بك (في 19 ~~يوليو 1803) في بيته ببولاق فجلس عنده ساعة، وغرض النقيب توثيق صلاته بأرباب ~~الحكم الجديد ولما يمض أسبوعان على تولي إبراهيم بك القائممقامية. # ولم يعرف عن عمر مكرم أنه توسط في نصح أو إرشاد أو احتجاج لدى البكوات إبان ~~حكومتهم بالرغم من المظالم التي أوقعوها بالناس، والتي سردنا سابقا الشيء ~~الكثير منها، اللهم إلا إذا ورطه العامة توريطا، وتساند معه بعض المشايخ ~~المتصدرين في هذا المسعى، وانطوى التوسط على خدمة تسدى إلى البكوات أنفسهم ~~بتهدئة الخواطر من ناحيتهم، كما حدث في نوفمبر 1803؛ حيث وقف في الخامس ~~والعشرين من هذا الشهر جماعة من العسكر في خط الجامع الأزهر في طلوع النهار، ~~وشلحوا عدة أناس وأخذوا ثيابهم وعمائمهم، فانزعج الناس ووقعت فيه كرشة استفحل ~~أمرها فوصلت إلى بولاق ومصر العتيقة وأغلقت الحوانيت، واجتمع الناس وذهبوا ~~إلى الشيخ عبد الله الشرقاوي والسيد عمر النقيب، والشيخ محمد الأمير، فلم ~~ير هؤلاء بدا من الركوب إلى البكوات وعملوا جمعية وأحضروا كبار العساكر ~~وتكلموا معهم ... # ولم تكن في صالح عمر مكرم معارضة البكوات، الذين صاروا أصحاب الحول والطول ~~الآن في القاهرة، ولم تكن له ندحة عن استبقاء صداقتهم له، وقد شمل ظلمهم العامة ~~والخاصة، فبقي محتفظا بمكانته لديهم، وظل الشعب واثقا في وساطته، ولقي ~~منافسوه على أيدي البكوات كل عنت وإرهاق، بينما استمر هو معززا مكرما، فمن ~~المعروف أن عثمان البرديسي حاول أن ينتزع عنوة من الشيخ محمد السادات منافس ~~السيد النقيب وعدوه في البطن سلفة إجبارية في أواخر يناير 1804، فلم ينقذ ~~الشيخ سوى تدخل عديلة هانم ابنة إبراهيم بك. # ولكن كان من المحال أن يسدر البكوات في غوايتهم، وتتوالى اعتداءاتهم على ~~الأهلين دون أن يتحرك الشعب للثورة في النهاية، وأنذر تلبد السحب بقرب ms1193 ~~انفجارها، وكان للشيخ محمد الأمير من الجرأة والشجاعة ما حمله على لفت نظر ~~البكوات، فيذكر الشيخ الجبرتي أنه انتهز فرصة اجتماع عقد لدى البكوات لقراءة ~~فرمان ورد من الباب العالي في 2 فبراير 1804، فذكر بعض كلمات ونصائح في اتباع ~~العدل وترك الظلم وما يترتب عليه من الدمار والخراب. # وكان أمام عمر مكرم أن يختار أحد أمور ثلاثة: إما الاستمرار على مصافاة ~~البكوات ومؤازرتهم وسوف يصطدم في هذا مع إجماع المشايخ والمتصدرين الذين طلب ~~الشعب وساطتهم، ولم يبد هؤلاء ترددا في الاستجابة لنداءاته، وكان المشايخ ~~ناقمين على حكومة البكوات بسبب استيلائهم وجماعاتهم عنوة على ما أخذه المشايخ ~~من حصة الالتزام بالحلوان أيام العثمانيين، وقد سبق لهم أن شكوا من ذلك ~~وكتبوا في هذا عرضا لإبراهيم بك منذ 20 أكتوبر 1803، وإما التزام الحيدة، ~~ومعنى ذلك تخليه في هذه الأزمة عن تلك الصدارة التي حرص كل الحرص على عدم ~~التفريط فيها، وهذا ما لا يرضاه بحال، وإما مجاراة المشايخ والمتصدرين في ~~الاستجابة لمطلب الشعب، ولا خوف عليه إن فعل؛ لأنه لا يعدو كونه واحدا من ~~المتصدرين، ومتآزرا معهم، فلا سبيل إلى أن يسعى أحد خصومه لدى البكوات ~~ضده. # وبقي عمر مكرم مترددا، فلم يعرف عنه أنه كانت له يد في تلك المظاهرة الصاخبة ~~التي انفجرت يوم 8 مارس 1804، وصار نداؤها: «إيش تاخد من تفليسي يا برديسي»، ~~ولم يعرف عنه أنه كان بين المشايخ الذين قال الجبرتي إنهم ركبوا وذهبوا ~~لمقابلة البكوات مع الجمهور الصاخب الذي حضر إلى الأزهر، يستحثهم على التوسط ~~لدى البكوات لرفع الفردة التي قرروها على العقار والأملاك، وشرعوا في تنفيذها ~~على يد السيد أحمد المحروقي قبل ذلك بيوم واحد فحسب، ونجحت وساطة المشايخ في ~~إبطالها في التو والساعة. # ولقد دلت جرأة الأهلين لحد القيام بالمظاهرة الغاضبة، كما دل خنوع البكوات ~~واستسلامهم لمطالبه، على أن الضعف قد بدأ يدب في جثمان حكومتهم، وصار لا معدى ~~للسيد النقيب عن تحديد موقفه من هذه الحكومة بسرعة، بالشكل الذي يتفق ~~وصالحه. # وواتت الفرصة لتحديد ms1194 موقفه نهائيا، عندما شرع محمد علي يتودد إلى المشايخ، ~~ويستميل المتصدرين إليه؛ توطئة لإحداثه انقلابه الذي قوض عرش حكومة البكوات، ~~وأخلى القاهرة منهم، ولقد تقدم كيف أن محمد علي قد استطاع - بشهادة «روشتي» - ~~توثيق عرى الاتحاد بينه وبين السيد عمر نقيب الأشراف وسائر العلماء، فكان عمر ~~مكرم من بين الذين وافقوا على وجوب إنهاء سلطان البكوات، وكان من بين الذين قرئ ~~عليهم الفرمان الواصل من أحمد خورشيد بتوليته على الباشوية من لدن الباب العالي، ~~فقر رأيهم على اعتماده وتنفيذه، فكانت المؤامرة التي انتهت بطرد البكوات من ~~القاهرة. # وظل عمر مكرم في عداد كبار المتصدرين في الحكم الجديد، وبدأت من ذلك الحين ~~صلاته الوثيقة بمحمد علي. # فكان السيد النقيب من بين المتوسطين في حادث الست نفيسة أرملة مراد بك في ~~مايو 1804 - وقد مرت بنا تفاصيل هذا الحادث - ولو أن الذي تشدد في وجوب رفع ~~الظلم عنها وهدد بأن الشعب لن يغفر لأحد إهانتها كان الشيخ محمد الأمير، وكان ~~السيد عمر هو الذي وسطه خورشيد لتهدئة الهياج والمظاهرات التي قامت في الشهر ~~نفسه احتجاجا على مظالمه، واحتج السيد النقيب بأن كل أرباب الحرف والصنائع ~~فقراء، فرفع خورشيد المغارم الجديدة التي كان فرضها عليهم، وكان عمر مكرم من ~~كبار الوسطاء بين خورشيد ومحمد بك الألفي؛ توطئة لتعاون الرجلين، وإن أخفق هذا ~~المسعى في الظروف التي عرفناها. # ولكن توالي الغرامات والمظالم، واعتداء الدلاة على الأهلين، وهم جند خورشيد ~~الذين أراد الاعتماد عليهم في مناصرته ضد محمد علي خصوصا، وسائر أخصامه، لم ~~يلبث أن جعل من المتعذر أي تعاون من جانب عمر مكرم مع حكومته، وما إن تجمعت ~~السحب التي أنذرت بهدم هذه الحكومة، حتى كان السيد النقيب في مقدمة المناصرين ~~لمحمد علي، ومن أقطاب الانقلاب الذي انتهى بالمناداة بمحمد علي في مايو ~~1805. # على أن هناك حادثا جديرا بالتسجيل في هذه المناسبة يكشف عن مدى الدور الذي ~~قام به عمر مكرم لتمكين محمد علي من الولاية، وهو دور ينطوي على الخداع ~~والمخاتلة، تنكر فيه ms1195 السيد النقيب لأصدقائه القدامى البكوات المماليك، وفوت ~~الفرصة على محمد الألفي أقدرهم وأكفئهم، في استرجاع الحكم، أثناء أزمة الثورة ~~على خورشيد، واضطراب الأحوال في القاهرة، ولقد كان في وسع الألفي يومئذ - لولا ~~مخاتلة عمر مكرم ومراوغته - أن يحتل القاهرة، وقد يتخيل المرء أن مسلك عمر مكرم ~~كان مبنيا على رغبة لديه في إنهاء المظالم التي عانى منها الأهلون كثيرا على ~~أيدي البكوات المماليك، وأنه وثق بوعود محمد علي له بالسير في الرعية إذا ولي ~~الأمر سيرا حسنا، وقد يكون هذا صحيحا، ولكن مسلك عمر مكرم في جميع الحوادث ~~السابقة كان متشكلا بما تمليه الرغبة في انتهاز الفرص، والدوران مع الريح ~~أينما دارت، والمقامرة على الحصان الرابح دائما؛ استبقاء لمكان الصدارة الذي ~~يشغله، واستزادة من الجاه والثراء اللذين كانا له؛ ولأنه قد توهم أن يغدو هو ~~صاحب الرأي الأول في العهد الجديد. # وصف الشيخ الجبرتي هذا الدور، فقال: «ثم لما حصلت المفاقمة بين محمد علي ~~وجماعته وبين خورشيد أحمد باشا، وانتصر محمد علي بالسيد عمر مكرم النقيب ~~والمشايخ والقاضي وأهل البلدة والرعايا، وهاجت الحروب بين خورشيد باشا وأهل ~~البلدة كان الأمراء المصريون بناحية التبين والألفي منعزل عنهم بناحية ~~الطرانة، والسيد عمر يراسله ويعده ويذكر له: بأن هذا القيام من أجلك وإخراج هذه ~~الأوباش، ويعود الأمر إليكم كما كان، وأنت المعني بذلك لظننا فيك الخير والصلاح ~~والعدل، فيصدق القول، ويساعده بإرسال المال ليصرفه في صالح المقاتلين ~~والمحاربين (ضد خورشيد)، ومحمد علي يداهن السيد عمر سرا ويتملق إليه ويأتيه ~~في أواخر الليل وفي أوساطه، مترددا عليه في غالب أوقاته، حتى تم له الأمر بعد ~~المعاهدة والمعاقدة والأيمان الكاذبة على سيره بالعدل وإقامة الأحكام والشرائع ~~والإقلاع عن المظالم، ولا يفعل أمرا إلا بمشورته ومشورة العلماء، وأنه متى ~~خالف الشروط عزلوه وأخرجوه، وهم قادرون على ذلك كما يفعلون الآن، فيتورط ~~المخاطب بذلك القول ويظن صحته، وأن كل الوقائع زلابية، وكل ذلك سرا لم يشعر ~~به خلافهم. # إلى أن عقد السيد عمر مجلسا عند محمد علي ms1196 وأحضر المشايخ والأعيان وذكر لهم ~~أن هذا الأمر وهذه الحروب ما دامت على هذه الحالة لا تزداد إلا فشلا، ولا بد ~~من تعيين شخص من جنس القوم للولاية، فانظروا من تجدوه وتختاروه لهذا الأمر؛ ~~ليكون قائم مقام حتى يتعين من طرف الدولة من يتعين. فقال الجميع: الرأي ما ~~تراه. فأشار إلى محمد علي، فأظهر هذا التمنع وقال: أنا لا أصلح لذلك، ولست من ~~الوزراء ولا من الأمراء ولا من أكابر الدولة، فقالوا جميعا: قد اخترناك لذلك ~~برأي الجمع والكافة، والعبرة رضا أهل البلاد، وفي الحال أحضروا فروة وألبسوها ~~له وباركوا له وهنأوه، وجهروا بخلع خورشيد أحمد باشا من الولاية، وإقامة ~~المذكور في النيابة حتى يأتي المتولي أو يأتي له تقرير بالولاية، ونودي في ~~المدينة بعزل خورشيد باشا وإقامة محمد علي في النيابة ... فلما بلغ الألفي ~~ذلك وكان ببر الجيزة ويراسل السيد عمر مكرم والمشايخ، فانقبض خاطره ورجع إلى ~~البحيرة، وأراد دمنهور.» ~~(5-3) أفول نجمه # وتوهم السيد النقيب - وقد نجح الانقلاب، وتربع محمد علي على أريكة الولاية - ~~أن الدنيا قد أقبلت عليه بتمامها وأن السلطة قد دانت له بحذافيرها، ومد محمد ~~علي له في هذا الوهم، فاستعان به في تمكين باشويته في عهدها الأول، عن طريق ~~تنميق العرضحالات للدولة لتذليل الصعوبات التي اعترضت تثبيته في باشويته، ~~وتوسيطه في جمع الفرض والإتاوات من الرعية، والانتصار به على أعدائه البكوات ~~المماليك، لا سيما محمد الألفي، وقد سبق ذكر الخدمات التي أسداها عمر مكرم ~~لمحمد علي باشا في ذلك كله، وظهر تعاون عمر مكرم الصادق معه أثناء أزمة النقل ~~إلى سالونيك، وقد كانت هذه أزمة عصيبة كادت تطوح بباشوية محمد علي، فإلى جانب ~~الاشتراك في تنميق العرضحالات، والتغرير بالبكوات الذين ظلوا يثقون فيه ~~ويوسطونه - مع غيره من الأشياخ - من أجل الاتفاق مع الباشا، دأب عمر مكرم على ~~استحثاث همة أهل دمنهور على مقاومة الألفي، وكانت هذه البلدة - كما يقول الشيخ ~~الجبرتي - «منضافة إلى السيد عمر النقيب، فكان يرسل إليهم ويحذرهم من الألفي ~~ويرسل إليهم ms1197 ويمدهم بآلات الحرب والبارود، ويحضهم على الاستعداد للحرب، فحصنوا ~~البلدة وبنوا سورها وجعلوا فيها أبراجا وبدنات، وركبوا عليها المدافع الكثيرة، ~~وأحضروا لهم ما يحتاجون إليه من الذخيرة والجبخانة وما يكفيهم سنة، وحفروا ~~حولها خنادق، وامتنعت دمنهور على الألفي، فحاربه أهلها وحاربهم ولم ينل منهم ~~غرضا، والسيد عمر يقويهم ويمدهم ويرسل إليهم البارود وغيره من الاحتياجات، ~~وظهر للألفي تلاعب السيد عمر مكرم معه، وكأنه كان يقويه على نفسه، فقبض على ~~السفير الذي كان بينهما، وحبسه وضربه، وأراد قتله، ثم أطلقه.» وفي أكتوبر 1806 ~~كانت قد انتهت أزمة النقل إلى سالونيك. وفي يناير 1807 توفي الألفي، فزال أكبر ~~خطرين تهددا في هذا العهد المتقدم باشوية محمد علي. # ولكن بدلا من أن يصبح عمر مكرم صاحب الحول والطول في حكومة الباشا، وبدلا ~~من أن يستشيره هذا - على نحو ما تعهد به له - وجد عمر مكرم، وقد تكشفت له ~~الحقيقة، أنه لا يعدو كونه أداة طيعة في يد محمد علي، يستخدمه هذا في تنفيذ ~~مآربه فحسب، وبخاصة في جمع الإتاوات والسلف من الأهلين الذين تذمروا من استمرار ~~وقوع المظالم عليهم، على خلاف ما كانوا يتوقعونه هم وزعماؤهم وأعيانهم وقت ~~المناداة بولاية محمد علي، وبدأت ثقة الأهلين تتزعزع في زعمائهم، وفي السيد عمر ~~مكرم على وجه الخصوص من ذلك الحين؛ لأن الأشياخ المتصدرين ما عادوا يأخذون على ~~عاتقهم التوسط لرفع هذه المظالم عنهم، وانشغلوا بمنافساتهم وحزازاتهم ~~وتكالبهم على الدنيا والاستكثار من الحصص والالتزام؛ ولأن عمر مكرم - وهو أكثر ~~المتصدرين وجاهة في الدولة الجديدة وأرفعهم شأنا - كان الواسطة، لا في رفع ~~المظالم عنهم، ولكن في ترويضهم على الرضوخ لها، وتلبية مطالب الحكومة. # وضجر عمر مكرم من هذا الدور الذي فرضه عليه تعاونه مع محمد علي، والذي بدأ ~~ينفض الناس بسببه من حوله، ولم يكن في وسعه - وقد تورط كل هذا التورط في تعاونه ~~مع الباشا، وقلب ظهر المجن للبكوات، أصدقاء الأمس وأخصام اليوم، فكان من ~~المشتركين في تفويت فرصة استرجاع الحكم عليهم - أن ينتشل نفسه من ms1198 الوهدة التي ~~رماه فيها تشبثه بالوجاهة والصدارة وتطلعه إلى المشاركة في الحكم والرياسة، ~~وكأنما فطن محمد علي لما يجول في خاطر عمر مكرم، فاقترح عليه ذات مرة - وقد ~~تظاهر بأنه يريد الخروج لقتال الألفي في أبريل 1806 - أن ينوب عنه، وأن يكون ~~قائما مقامه في الأحكام مدة غيابه، ولكن السيد النقيب كان فطنا حذرا فلم ~~يقبل ذلك وامتنع ونفعه حذره؛ لأن الباشا فترت همته وقتئذ عن الخروج لمحاربة ~~الألفي، وتبين أنها إيهامات لا أصل لها، وأما ضجر السيد النقيب من الدور الذي ~~صار يقوم به، ثم عجزه في الوقت نفسه عن التخلي عنه، فقد أوضحهما الشيخ الجبرتي ~~عند تسجيله حوادث يوم 21 ديسمبر 1806، فقال: إن الباشا «التمس من السيد عمر ~~توزيع أربعمائة كيس برأيه ومعرفته، فضاق صدره، ولكنه شرع في توزيعها على التجار ~~ومساتير الناس؛ حيث لم يمكنه التخلف ولا التباعد عن ذلك.» # ولقد صار يتنازع عمر مكرم عاملان: مبعث أحدهما الاستمرار في تلبية مطالب ~~وأوامر صديقه محمد علي، الذي كان يحرص من جانبه على الحفاوة بالسيد النقيب ~~وتبجيله واحترامه، وإن كان لم يضع موضع التنفيذ تلك الشروط التي اشترطها على ~~نفسه في تعاهده معه وقت انقلاب مايو 1805، بأن يعمل بنصح السيد النقيب ~~وإرشاداته - إلى جانب نصح وإرشادات الأشياخ والعلماء، وما كان هذا الشطر ~~الأخير مما يهتم عمر مكرم بتنفيذه أو يأبه له - وخيل إلى السيد أن من المحتمل ~~أن ينفذ محمد علي ما تعهد به، فلا تعدو المشورة، تفويض تدبير المال الذي ~~يطلبه الباشا إليه برأيه ومعرفته، فيترتب على تحميله مسئولية توزيعه وتحصيله، ~~نفور الناس منه وانفضاض الأهلين من حوله، وتقويض عروش صدارته بنفس اليد ~~المتسببة في الظاهر بإرساء قواعدها، وأما مبعث العامل الآخر، فهو الرغبة في ~~تحطيم السلاسل التي شدته إلى نظام حكومي كان هو نفسه من العاملين على إنشائه، ~~على أساس أن يكون له الرأي والمشورة فيما يجري من أحكام، ولكنه وقد فاتته أعظم ~~فرصة إبان أزمة النقل إلى سالونيك لمحاولة الخلاص من حكومة الباشا، وظهر كأنما ms1199 ~~قد استقرت هذه الحكومة نهائيا على دعائم ثابتة، فلم يعد هناك مناص من ~~الاستمرار في الدور الذي رضيه لنفسه في مبدأ الأمر، والذي صار يرجو الآن أن ~~يطرأ ما قد يحمل الباشا على تنفيذ وعده. # ووجهت هذه الاعتبارات مسلك عمر مكرم في الحوادث التالية، بصورة أفضت في ~~النهاية إلى اصطدامه مع الباشا ثم إلى نفيه، وزوال تلك البقية الباقية من مظاهر ~~الجاه والصدارة التي دأب طوال حياته على الظفر بها، وضاعت الآن من يده ~~نهائيا. # فقد أذن مجيء حملة «فريزر» إلى مصر، وتعرض باشوية محمد علي لأعظم خطر صادفته ~~خلال سنوات التجربة والاختبار التي تلت المناداة بولايته، بأن يتوهم عمر مكرم ~~أن في وسعه التحرر من قيود الطاعة المذلة التي فرضها عليه تعاونه مع الباشا، ~~وأن هذا - وقد اشتدت المحنة به الآن - سوف لا يجد مناصا من الاعتماد على ~~الرعية وزعماء الشعب للذود عن باشويته، وتخيل عمر مكرم أن حادثة استنفار ~~العامة للجهاد بعصيهم ونبابيتهم وفئوسهم وهراواتهم لدفع الأجانب الغزاة سوف ~~يتكرر الآن، على غرار ما حدث أيام غزو الفرنسيين عندما طرق هؤلاء أبواب ~~القاهرة، بل ومن الثابت أنه قد ومض في ذهنه، أن الإنجليز وقد استولوا على ~~الإسكندرية، سوف يجتاحون جيوش محمد علي، كما اجتاح الفرنسيون من قبلهم جيوش ~~المماليك، وأن أيام الباشا في الحكم قد صارت معدودة، وأنه لا يجدر بالسيد ~~النقيب أن يبذل جهدا لمعاونته على اجتياز هذه الأزمة؛ إذ كفاه ما فعل في ~~الأزمات السابقة دون أن يلقى جزاء ولا شكورا، ولم يكن في اعتباره هذا الجزاء ~~وهذا الشكور سوى المشاركة في الحكم عن طريق إبداء الرأي والمشورة. # آية ذلك أن «دروفتي» القنصل الفرنسي الذي هرب من الإسكندرية إلى القاهرة عند ~~مجيء الحملة الإنجليزية - وكان محمد علي وقتئذ بالصعيد في تجريدته المعروفة ضد ~~البكوات المماليك - وجد السيد النقيب فاتر الهمة متقاعسا، فلم يبد همة ونشاطا ~~إلا بعد أن شاهد نشاط القنصل الفرنسي، والتفاف الأشياخ والأهلين حوله لتحصين ~~القاهرة، ولم يخرجه عن تردده وإحجامه نهائيا سوى ورود ms1200 الأنباء من الصعيد بأن ~~الباشا متحرك للعودة على جناح السرعة إلى القاهرة، ثم عودة محمد علي فعلا ~~إليها، وإنفاذه جيشه لملاقاة الإنجليز. # وعرض عمر مكرم والأشياخ في مقابلة لهم للباشا (12 أبريل 1807) أن يخرجوا ~~جميعا للجهاد مع الرعية والعسكر، فكان جوابه أن «ليس على رعية البلد خروج، ~~وإنما عليهم المساعدة بالمال لعلائف العسكر»، ولقد سبق تفصيل هذا الحادث وغيره ~~من الحوادث المتصلة بانهزام الإنجليز، واضطرارهم إلى الجلاء عن الإسكندرية، كما ~~سبق تفصيل الأساليب التي لجأ إليها محمد علي لجمع المال الذي ظلت حاجته الملحة ~~إليه قائمة. # وسرعان ما تبين للسيد النقيب أن دوره ~~بعد واقعة الحملة الإنجليزية قد صار ثانويا، وأنه يفقد تدريجيا مكان ~~الصدارة الذي كان له، فهو تارة تصله مكاتبة من السيد حسن كريت برشيد يطلب ~~وساطته لدى الباشا حتى يمنع جنده من إيقاع المظالم بأهل رشيد، وتارة يلجأ إليه ~~أيوب فودة كبير القليوبية المتهم بالمضالعة مع أحد قطاع الطرق، ويسمى زغلول ~~للمصالحة على نفسه بمبلغ من المال حتى ينجو من العقاب، ويستعيد سيرته (مايو ~~1807)، وتارة يشكو إليه خدام الأضرحة وأهل القرافة ما لحق بهم من إيذاء على ~~أيدي الجند لاتهامهم بالاتصال ببكوات الصعيد وإرسال ما يحتاجونه من بضائع ~~وسلاح، وتارة يطلب البكوات وساطته مع غيره من الأشياخ والمتصدرين لإجراء الصلح ~~بينهم وبين محمد علي (يونيو ويوليو 1807)، وتارة يلجأ إليه جماعة من طوائف ~~القبانية والحطابة وباعة السمك القديد المعروف بالفسيخ ليتوسط لهم لدى الباشا ~~في رفع الإتاوة التي فرضها عليهم، وتنجح شفاعة السيد عمر في هذه المرة (8 أغسطس ~~1807)، وتارة يشكو إليه الأهلون إخراج الجند لهم من بيوتهم واستيلائهم عليها ~~عنوة واقتدارا، فيكتب عمر مكرم والمشايخ عرضا في ذلك إلى كتخدا بك دون نتيجة ~~(أكتوبر 1807)، وتارة يستدعيه الباشا مع المشايخ إلى القلعة لتكليفهم الاحتفاء ~~بشاهين بك الألفي، فيسير السيد النقيب في موكبه الذي دخل به إلى القاهرة ~~(ديسمبر 1807)، وتارة يحضر ديوان الباشا الذي عرض فيه إرادة الدولة للتهيؤ لحرب ~~الوهابيين وضرورة جمع المال لإنجاز الاستعدادات اللازمة (فبراير 1808)، وتارة ms1201 ~~يخرج مع من خرجوا لصلاة الاستسقاء في جامع عمرو (أغسطس 1808). # ثم إن السيد النقيب إلى جانب ذلك كله، كان عليه بحكم منصبه (نقيبا للأشراف) ~~أن يحضر الاجتماعات الرسمية لقراءة الفرمانات الواردة من الدولة، واحتفالات ~~وفاء النيل، وما إلى ذلك. # وانخفض شأن عمر مكرم رويدا رويدا، فقل اتصال الباشا أو اجتماعه به في غير ~~المناسبات الرسمية، أو التي يستدعيه فيها الباشا مع غيره من المشايخ ~~والمتصدرين، حتى إنه ما صار يوسطه أو يعتمد عليه في إقناع الأهلين بدفع ~~الإتاوات والمغارم التي لم ينقطع فرضها عليهم؛ لأن الباشا اعتمد الآن على جنده ~~في تحصيل ذلك، وكان من المتعذر أن يتحد المشايخ لمقاومة إجراءات الباشا ~~ومشاريعه، فيجد عمر مكرم من اتحادهم وتكتلهم سندا له في معارضته لها، ~~فالخلافات والمنافسات والأحقاد لا تزال تفرقهم، وبلغ من تخاذلهم أنهم لم يجرءوا ~~على الاعتراض على إلغاء مسموح المشايخ، مع ما ألحقه هذا الإجراء من إيذاء ~~لصميم مصالحهم، وكان أكثر المتصدرين من المتمتعين بهذا المسموح من زمن قديم، ~~واستكثروا - كما عرفنا - من شراء الحصص. # ولكن السيد النقيب وإن اضطر الآن إلى التواري عن مسرح السياسة العامة، ~~والانزواء في عزلة تكاد تكون تامة، كان لا يزال يمني النفس بالظهور مرة أخرى، ~~وسؤال الباشا عندئذ الحساب عن نكثه عهده، وعدم طلب مشورة السيد والأشياخ، ~~وإلزامه بتنفيذ الاتفاق الذي قام على أساس تعاون عمر مكرم معه في حادث المناداة ~~بولايته. # ثم إن عمر مكرم لم يقنع بإطلاق العنان لخياله وأمانيه وأحلامه فحسب، بل راح ~~يتحين الفرص لمناوأة حكومة الباشا إذا وجد سبيلا إلى ذلك، ويشجع على إشاعة ~~الفوضى، ولا يتحرج من انتقاد تصرفات الباشا في مجالسه، ودل مسلكه في حادث معين ~~على أنه لا ينوي خيرا لحكومة محمد علي، وأنه ينقم منه ويحقد عليه في مكنون ~~صدره. # حادث سليمان (شيخ بنها العسل) # أما ذلك الحادث، فهو حادث الشيخ سليمان الذي ظهر في بنها العسل واعتقد ~~الناس فيه الولاية والسلوك والجذب: بدأ بداية متواضعة ونصبوا له خيمة ~~وتوالت عليه النذور والهدايا ms1202 وارتفع شأنه، فصار يطلب من القرى مقادير من ~~الحبوب برسم طعام الفقراء، ويعين المريدين لتحصيلها وجعل لهم كراء طريق ~~معين، على نحو ما تفعل الحكومة ذاتها عند إرسال الجباة ومحصلي المال إلى ~~جهة من الجهات، ثم راح الشيخ ومعاونوه يحضون الأهلين على عدم دفع الضريبة ~~أو الفرض والإتاوات التي تطلبها الحكومة، «وصار الذين حوله ينادون في تلك ~~النواحي بقولهم: لا ظلم اليوم ولا تعطوا الظلمة شيئا من المظالم التي ~~يطلبونها منكم، ومن أتاكم فاقتلوه، فكان كل من ورد من العسكر المعينين إلى ~~تلك النواحي يطلب الكلف أو الفرض التي يفرضونها، فزعوا عليه وطردوه، وإن ~~عاند قتلوه، فثقل أمره على الكشاف والعسكر. # واستفحل شر الشيخ وخطره، فصار له عدة خيام وأخصاص، واجتمع لديه من ~~المردان نحو المائة وستين أمرد، وغالبهم أولاد مشايخ البلاد، وكان إذا ~~بلغه أن بالبلد الفلانية غلاما وسيم الصورة، أرسل يطلبه ، فيحضروه إليه في ~~الحال ولو كان ابن عظيم البلدة، حتى صاروا يأتون إليه من غير طلب»، ويستطرد ~~الشيخ الجبرتي الذي ننقل عنه هذه الرواية فيقول: «ولا يخفى حال الإقليم ~~المصري في التقليد في كل شيء»، ثم يستأنف روايته فيذكر أن هذا العدد الكبير ~~كان من جنس المردان، وذلك زيادة على ما اجتمع عند الشيخ من ذوي اللحى ~~وهم كثيرون أيضا، وأما المردان فقد عمل لهم عقودا من الخرز الملون في ~~أعناقهم، ولبعضهم أقراطا في آذانهم. # ثم إنه حدث أن أحد فقهاء الأزهر ويدعى الشيخ عبد الله البنهاوي، «ادعى ~~دعوى بطين مستأجرة من أراضي بنها كان لأسلافه، وأن الملتزمين بالقرية ~~استولوا على ذلك الطين من غير حق لهم فيه، بل بإغراء بعض مشايخ القرية، ~~والشيخ زقزوق به رعونة، ولم يحسن سبك دعواه، وخصوصا كونه مفلسا وخليا ~~من الدراهم التي لا بد منها الآن في الجعالات والبراطيل للوسايط وأرباب ~~الأحكام وأتباعهم، ويظن في نفسه أنه يقضي قضيته بقال المصنف إكراما لعلمه ~~ودرسه، فتخاصم مع الملتزمين ومشايخ بلده، وانعقدت بسببه مجالس، ولم يحصل ~~منها شيء سوى التشنيع عليه من المشايخ ms1203 الأزهرية والسيد عمر النقيب، ثم كتب ~~له عرضحال ورفع أمره إلى كتخدا بك والباشا، فأمر الباشا بعقد مجلس بسببه، ~~بحضرة السيد عمر مكرم والمشايخ، وقالوا للباشا: إنه غير محق وطردوه، ~~فسافر إلى بلده، وسافر الباشا أيضا إلى جهة البحيرة والإسكندرية»، وكان ~~ذلك في أوائل أغسطس 1807، ولا يزال النضال قائما ضد الإنجليز. # فوجد الشيخ زقزوق مخرجا له من مأزقه أن يستعين بالشيخ سليمان، شيخ بنها ~~العسل، فقصد إليه وراح يغريه على الحضور إلى مصر (القاهرة)، وأنه متى وصل ~~اجتمع عليه المشايخ وأهل البلدة، ويكون على يده الفتح والفتوح، وصادفت هذه ~~الدعوة قبولا لدى الشيخ ومريديه والملتفين حوله، وكانت أطماع الشيخ سليمان ~~قد تزايدت، حتى صار لا يكتفي بما كان له من نفوذ في بنها والجهات المجاورة ~~لها، بل أراد الآن أن يبسط نفوذه وسلطانه على غيرها من الجهات، وشجعه على ~~ذلك أن أهل القرى في ناحيته قد عملوا بنصحه وإرشاده، فامتنعوا عن دفع المال ~~وطردوا المحصلين والجباة والعسكر الذين حضروا معهم، وحرضه خساف العقول ~~المحيطون به والمجتمعون حوله على المجيء إلى مصر قائلين إنه سوف يكون له ~~شأن؛ لأن ولايته اشتهرت بالمدينة، ولأهلها القاهريين فيه اعتقاد عظيم، ~~وحب جسيم، فأطاع شياطينه. # وحضر الشيخ سليمان «برجاله وغلمانه، ومعه طبول وكاسات، على طريق مشايخ ~~أهل العصر والأوان، فدخلوا إلى المدينة على حين غفلة، وبأيديهم فراقل ~~يفرقعون بها فرقعة متتابعة، وصياح وجلبة، ومن خلفهم الغلمان والبدايات، ~~وشيخهم في وسطهم»، وقصدوا أول ما قصدوا إلى المشهد الحسيني ويقع في أشد ~~أحياء القاهرة ازدحاما وجلسوا بالمسجد يذكرون. # ثم انفصل عنهم جماعة من حملة الفراقل (أو الكرابيج) فقصدوا إلى بيت ~~السيد عمر مكرم ودخلوه وهم يفرقعون بما في أيديهم من الفرقلات، وظلت ~~جماعة منهم أمام البيت يفرقعون بهذه الفرقلات طول النهار، ثم ارتدوا إلى ~~المسجد، وأقام الشيخ سليمان وأتباعه بالمسجد إلى العصر، ثم دعاهم إنسان من ~~الأجناد يقال له إسماعيل كاشف أبو مناخير، له في الشيخ المذكور اعتقاد، ~~فذهبوا معه إلى داره، وباتوا عنده إلى الصباح، ولما ms1204 طلع النهار ركب الشيخ ~~بغلة ذلك الجندي وذهب بطائفته إلى ضريح الإمام الشافعي فجلس أيضا مع ~~أتباعه يذكرون. # وبلغ خبر الشيخ سليمان، والضجة التي أحدثها هو والحشد الذي معه كتخدا بك ~~- ويحكم هذا القاهرة في غياب محمد علي - فخشي من وقوع اضطرابات بالمدينة، ~~وأنفذ من فوره جماعة من الجند على رأسهم صالح آغا قوج إلى مقام الشافعي، ~~وأراد القبض عليه، فخوفه الحاضرون، وقالوا له: لا ينبغي عليك التعرض له في ~~ذلك المكان، فإذا خرج فدونك وإياه، فانتظره بقصر شويكار، فتبطأ الشيخ إلى ~~قريب العصر، وأشاروا عليه بالخروج من الباب القبلي، وتفرق عنه الكثير من ~~المجتمعين عليه، فذهب إلى مقام الليث بن سعد، ثم سار من ناحية الجبل، وذهب ~~بداياته وغلمانه إلى دار إسماعيل كاشف التي باتوا بها. # وكان كتخدا بك عندما قرر القبض على الشيخ سليمان قد كتب تذكرة وأرسلها ~~إلى السيد عمر النقيب يطلب الشيخ، بدعوى التبرك به، وأكد في الطلب، وقصده ~~أن يفتك به، لقهرهم منه، وعلم السيد عمر ما يراد به، فبدلا من التعاون مع ~~كتخدا بك في القبض على الشيخ، أو عدم التدخل في المسألة، بادر بإيفاد رسول ~~من عنده يدعى الحاج سعودي الحناوي برسالة إلى الشيخ سليمان يقول له: إن ~~كنت من أهل الكرامة، فأظهر سرك وكرامتك، وإلا فاذهب وتغيب، ولحق الحناوي ~~بالشيخ بعد خروجه وأتباعه في طريق الصحراء، واقتفى أثره، وبلغه رسالة السيد ~~عمر، ورجع إلى السيد عمر، فوجد كتخدا بك ورجب آغا حضرا إلى السيد عمر ~~يسألانه عنه، ولم يكتفوا بالطلب الأول، فأخبرهما أنه ذهب ولم تلحقه ~~الرسائل، فاغتاظوا، وقالوا نرسل إلى كاشف القليوبية بالقبض عليه أينما ~~كانوا، وانصرفوا ذاهبين. # وقصدت العساكر بيت إسماعيل كاشف أبو مناخير، فقبضوا على الغلمان وأخذوهم ~~إلى دورهم، ولم ينج منهم إلا من كان بعيدا وهرب وتغيب، وتفرق أتباعه ذوات ~~اللحى، وكانت خاتمة الشيخ سليمان سريعة، فقد وشى به نفس الشيخ زقزوق ~~البنهاوي الذي حرضه أصلا على الحضور إلى القاهرة، فتبرأ منه الآن ودل على ~~مكانه، وكان الشيخ ms1205 سليمان قد قصد إلى بهتيم ثم إلى نوب، فبعث كتخدا بك ~~جندا قبضوا عليه وأحضروه، ثم ذهبوا إلى بولاق وأنزلوه في مركب وانحدروا ~~به ثم غابوا حصة وانقلبوا راجعين، ثم بعد ذلك تبين أنهم قتلوه وألقوه في ~~البحر، وهكذا انقضى أمره في أواخر أغسطس 1807. # ووقف الباشا من رجال حكومته على تفاصيل الدور الذي قام به عمر مكرم في ~~هذه المسألة، ومحاولته إنقاذ الشيخ سليمان، بمراوغة الحكومة في أمره، ~~والسيد النقيب هو الذي كان من أكبر عوامل إثارة هذا الحادث الذي لو أتيحت ~~الفرصة للشيخ سليمان لتنفيذ غرضه لانقلب إلى فتنة تشيع الاضطراب والفوضى في ~~القاهرة في وقت لا يزال الباشا مشغولا بمناجزة الإنجليز، فلجاجة عمر مكرم ~~في معاداة الشيخ زقزوق البنهاوي والتشنيع عليه مع سائر الأشياخ، بالرغم من ~~استناد دعواه على حق، هي التي جعلت هذا الأخير يغري الشيخ سليمان على ~~الحضور إلى القاهرة، ومع أن الكشاف والجند والجباة المكلفين بتحصيل المال ~~قد كثرت شكاواهم من امتناع الفلاحين وأهل القرى في إقليم بنها عن دفع ~~الضرائب، فقد تقاعس السيد عمر مكرم عن معاونة المسئولين في القبض عليه، ~~وأرسل إليه ينبهه إلى الخطر المحدق به ويحذره منه. # وأيا كان الأمر، فقد ظل عمر مكرم، كنقيب للأشراف، صاحب وجاهة وصدارة، ~~ولم يشأ الباشا - وإن ظلت تتزايد الجفوة بينه وبين السيد النقيب بمرور ~~الأيام - أن يقطع صلته به نهائيا أو أن ينبذه، وتحاشى الاصطدام به؛ لأنه لم ~~يجهر بمعارضته له، ولأن الباشا - وكان منشغلا بمسائل أكثر أهمية - لم يجد ما ~~يدعوه لإثارة مشاغل جديدة، فاستمر اشتراك عمر مكرم في الحياة العامة بالقدر ~~الذي أوضحناه، وإن كانت نهاية مجده قد اقتربت. # وكانت آخر طنطنة للسيد عمر مكرم بالقاهرة، الاحتفال الذي أقامه لختان ~~ابن بنته، فدعا الباشا والأعيان، وأرسل هؤلاء إليه الهدايا والتعابي، وفي ~~أول مايو 1809 «عمل له زفة مشى فيها أرباب الحرف والعربات والملاعيب ~~وجمعيات وعصب صعايدة، وخلافهم من أهالي بولاق والكفور والحسينية وغيرها من ~~جميع الأصناف وطبول وزمور وجموع كثيرة، فكان يوما ms1206 مشهودا، اكتريت فيه ~~الأماكن للفرجة، وكان هذا الفرح - كما يقول الشيخ الجبرتي - آخر طنطنة ~~السيد عمر بمصر، فإنه حصل له عقيب ذلك ما سيتلى عليك قريبا من النفي ~~والخروج من مصر»؛ أي القاهرة. ~~(5-4) التصادم بين عمر مكرم ومحمد علي # وكان مبعث الاصطدام المباشر بين الباشا وعمر مكرم، مضي محمد علي في أساليبه ~~المالية؛ لاستمرار حاجته الملحة إلى المال، وازدياد تذمر الأهلين وعلى الخصوص ~~المشايخ، الذين مست مصالحهم هذه الأساليب مباشرة، ثم توهم عمر مكرم أن الفرصة ~~قد واتت للجهر بمعارضته علانية لحكومة الباشا، وأنه قد صار بوسعه الآن أن يحرك ~~القاهريين على الثورة ضد الباشا، وأن يلزمه بوجوب التشاور معه ومع الأشياخ، ~~وتنفيذ ذلك العهد الذي أخذه على نفسه باتباع نصحه ومشورته، منذ أربع سنوات مضت، ~~لم يبد من جانب محمد علي في أثنائها ما يدل على ارتباطه بوعده، بل قام الدليل ~~على العكس من ذلك، على أنه إنما يعمل جادا للانفراد بالسلطة، وجمع أسباب ~~الحكم في يده هو وحده. # ثم إنه كان من ضمن البواعث على هذا الاصطدام، والتي جعلت السيد النقيب يجرؤ ~~على معارضة الباشا معارضة سافرة، أنه لم يدخل في حسابه عدة اعتبارات هامة، ~~لا شك في أنه لو أولاها عنايته، لتغلبت الحكمة على سوء التقدير، ولأمكن زوال ~~أسباب النفور بينه وبين الباشا، ولكان من المحتمل أن يفضي ذلك إلى استعادة ~~السيد النقيب لمكانته القديمة عند الباشا، ويقبل هذا مشاورته، خاصة وأن محمدا ~~عليا بالرغم من الجفوة بينهما كان يحمل في نفسه تقديرا ظاهرا لعمر مكرم، ~~ولا ينسى أنه آزره في بلوغ الولاية وتساند معه في اجتياز الأزمات التي مر بها، ~~ولكن كان من سوء حظ عمر مكرم أنه لم يفطن إلى أن الأوضاع قد تغيرت تغيرا ~~كليا الآن عما كانت عليه وقت أن كان بوسعه استثارة العامة وتحريكهم على ~~السلطات القائمة؛ لأن الشعب الذي شهد انقسامات المشايخ وتخاذلهم، وانصرافهم عن ~~الذود عن مصالحه، واهتمامهم بمصالحهم هم وحدهم فحسب، على نحو ما حدث في واقعة ~~عصيان ms1207 الجند في أكتوبر 1807، ولجوء المشايخ والمتصدرين إلى تحميل صغار التجار ~~وسواد الأهلين العبء الأكبر من إتاوة المال المطلوب لدفع مرتبات الجند إخمادا ~~للفتنة، ثم ثبت لديه بتوالي الأدلة والبراهين أن مصر صار لها سيد واحد هو محمد ~~علي، من العبث مقاومته، لم يعد هذا الشعب يثق في زعامة المشايخ أو في زعامة ~~السيد عمر مكرم على وجه الخصوص، أضف إلى هذا كله أن السيد النقيب لم يدخل في ~~حسابه أن أخصامه وحاسديه والناقمين عليه من الأشياخ المتصدرين، وإن نافقوه ~~وداهنوه، فهم سوف يكونون أول المنقلبين عليه إذا أظهر الباشا تغيره عليه، وصار ~~غاضبا منه، وأن هذه الأحقاد الدفينة، بحيلولتها دون تكتل المشايخ والزعماء، ~~سوف تحول كذلك دون تكتل الأهلين، وتزيد نفرة هؤلاء من المشايخ عموما، ~~وانصرافهم عن السيد عمر مكرم خصوصا إذا حاول الثورة على محمد علي. # هذه الحقائق لا تلبث أن تتضح بتتبع الوقائع التي أفضت إلى نفي عمر ~~مكرم. # فقد كان مثار الاصطدام بين الباشا وبين المشايخ عموما مسألتين: مشاركة ~~الباشا للملتزمين في فائظهم، وامتدت هذه المشاركة فشملت مقاسمة ملتزمي السلع ~~من الباعة، فثارت خواطر الأهلين من أصحاب التزام الأرض (وفي مقدمة هؤلاء ~~المشايخ) وملتزمي هذه السلع، وكان لتذمرهم جلبة وضجيج. وأما المسألة الثانية ~~فكانت فرض الضريبة على الأرض والعقارات الموقوفة على الجوامع والسبل وما إلى ~~ذلك، وكانت المسألة الثانية تفوق في أهميتها وخطورتها المسألة الأولى؛ حيث كان ~~الغرض من هذا الإجراء التمهيد لاستيلاء الحكومة على هذه الأوقاف، وقد اتخذ ~~الإجراءان معا وفي وقت واحد، فشرعت حكومة الباشا في 28 يونيو 1809 «في تحرير ~~دفتر بنصف فائظ الملتزمين (لتحصيله منهم) ودفتر آخر بفرض مال؛ أي ضريبة، على ~~الرزق الأحباسية المرصدة على المساجد والأسبلة والخيرات وجهات البر والصدقات، ~~وكذلك أطيان الأوسية المختصة أيضا بالملتزمين»، وكانت هذه أيضا معفاة من ~~الضريبة، ويخصص ريعها للإنفاق منه على المسافرين والجند وموظفي الحكومة الذين ~~ينزلون ضيوفا على أهل الناحية، كما يخصص بعض هذا الريع لمواجهة النفقات ~~المحلية. # واستتبع تقرير الضريبة على أراضي الوقف ms1208 فحص حجج الأوقاف، وكانت هذه موضع ~~احترام من زمن قديم، لم تتعرض لها الحكومات المتعاقبة على مصر، حتى أثناء ~~الاحتلال الفرنسي بشيء، طالما كانت تحمل اسم والي مصر وممهورة بختمه الكبير ~~وعليها علامة الدفتردار، ولكن الباشا أمر بفحص هذه الحجج وتجديدها؛ أي استبدال ~~غيرها بها، إذا ثبت أنها صحيحة، وأما إذا عجز المتولون على هذه الأوقاف على ~~إبراز الحجج لتجديدها في ظرف أربعين يوما، استولت حكومة الباشا على الأراضي ~~وعهدت بإدارتها لغيرهم، وبررت الحكومة هذا الإجراء بقولها: «إذا مات السلطان أو ~~عزل بطلت تواقيعه ومراسيمه وكذلك نوابه، ويحتاج إلى تجديد تواقيع من نواب ~~المتولي الجديد»، ولم يكن من الميسور إبراز كثير من الحجج لبلاها بسبب تقادم ~~العهد عليها، أضف إلى هذا أن كثيرا من هذه الحجج كذلك صار لا ينطبق على ما جاء ~~فيها عن تجديد معالم الأرض الموقوفة أصلا على أعيان الوقف الراهنة لمضي الزمن ~~الطويل على إنشاء الوقف ولتغير المعالم أو للنزاع في الاستحقاق، فكان معنى ذلك ~~أن تصبح معظم هذه الحجج عند الفحص غير مقبولة لسبب أو لآخر لدى عمال الحكومة، ~~ويحرم المتولون عليها والمستحقون في خيراتها من أرزاقهم. # فكتبت بالإجراء الذي اتخذه الباشا «مراسيم إلى القرى والبلاد، وعينت ~~الحكومة بها معينين، وحق طرق من طرف كشاف الأقاليم بالكشف على الرزق المرصدة ~~على المساجد والخيرات، وتقدموا إلى كل متصرف في شيء من هذه الأطيان، وواضع ~~عليها يده بأن يأتي بسنده إلى الديوان، ويجدد سنده، ويقوى بمرسوم جديد، وإن تأخر ~~عن الحضور (في المهلة المعطاة له وهي أربعون يوما كما ذكرنا) يرفع عنه ذلك، ~~ويمكن منه غيره، ثم إنهم حرروا دفترا لإقليم البحيرة بمساحة الطين الري ~~والشراقي، وأضافوا إليه طين الأوسية والرزق، وكتبوا بذلك مناشير، وأخرج ~~المباشرون كشوفاتها بأسماء الملتزمين، وفي الوقت نفسه شرعوا في تحرير دفتر ~~بنصف فائظ الملتزمين بأنواع الأقمشة وباعة النعالات التي هي الصرم والبلغ، ~~وجعلوا عليها ختمية، فلا يباع منها شيء حتى يعلم بيد الملتزم ويختم، وعلى وضع ~~الختم والعلامة قدر مقدر بحسب تلك ms1209 البضاعة وثمنها.» # ولما كانت هذه الإجراءات قد هددت أرزاق ليس فقط أولئك الذين يعيشون من هذه ~~الأوقاف، بل وأصحاب الأواسي، وعامة الناس من الباعة والمتسببين، فقد ضج الناس ~~وتزايد لغطهم، وازدحمت أحياء القاهرة بالمتذمرين والمتظاهرين الصاخبين، ومن ~~بينهم السيدات وأطفالهن الذين صاروا مهددين بالحرمان من استحقاقاتهم في الأوقاف ~~أو خيراتها، وقصد المتظاهرون إلى الجامع الأزهر، وتشكوا، ووعد المشايخ ~~بالتكلم في شأن ذلك بعد التثبت. # وحدث أثناء هذه الفورة أن قبض الشرطة على شخص من أهل العلم من أقارب السيد ~~حسن البقلي وحبسوه، وعبثا حاول المشايخ التوسط لإطلاق سراحه، بل أصعدوه إلى ~~القلعة، فزادت الحال سوءا بسبب هذه الواقعة. # وفي 30 يونيو 1809، احتشد الجامع الأزهر بجموع المتظاهرين، «فحضر الكثير من ~~النساء والعامة وأهل المسجون، وهم يصرخون ويستغيثون، وأبطلوا الدروس، فاجتمع ~~المشايخ بالقبلة، وأرسلوا إلى السيد عمر النقيب فحضر إليهم وجلس معهم، ثم قاموا ~~وذهبوا إلى بيوتهم.» # وهكذا وجد عمر مكرم الفرصة التي كان ينشدها لمعارضة الباشا ومقاومته، فيقول ~~المعاصرون: «إن السيد النقيب كان يعيش من مدة طويلة في عزلة عميقة؛ لأنه منذ أن ~~تأيد سلطان محمد علي، عمل هذا على إبعاده بصورة متزايدة عن الاشتراك في أي عمل ~~من الأعمال العامة، بيد أن هذه العزلة لم تغير شيئا من مبادئ هذا الشيخ، فكان ~~يرى وهو بداخل صومعته اضطراد زيادة السلطة المطلقة التي استأثر بها الرجل الذي ~~كان هو أول من ألبسه الفرو لتقليده حكومة مصر، فواتته الفرصة الآن لينزل إلى ~~معترك السياسة متصديا الآن للدفاع عن صالح الدين، وحقوق الشعب، وقبض عليها ~~بكلتا يديه.» # وعلى ذلك فقد اجتمع بالمشايخ في اليوم التالي (أول يوليو)، وكان اجتماعا ~~تحمس فيه الأشياخ، فتعاهدوا وتقاسموا على الاتحاد وترك المنافرة، وذلك من أجل ~~الدفاع عن امتيازاتهم وحقوقهم، وعظم حماس بعض الحاضرين فأعلنوا أنه إذا أصر ~~الباشا على المضي في طريقه الذي يسلكه، وجب عليهم أن يكتبوا في شأنه إلى الباب ~~العالي، وأن يثيروا الشعب على هذا الطاغية الجديد، وأن يخلعوه من العرش الذي ~~أجلسوه عليه، ثم ms1210 إنهم كتبوا عرضحالا إلى الباشا يذكرون فيه المحدثات من ~~المظالم والبدع، وختم الأمتعة وطلب مال الأوسية والرزق والمقاسمة في الفائظ، ~~وكذلك أخذ قريب البقلي وحبسه بلا ذنب، وطالبوا برفع هذه المظالم. # ونمى إلى الباشا اجتماعهم فأوفد إليهم ديوان أفندي (سكرتيره) يستفسر عن سبب ~~اجتماعهم، ويسأل عن مطلوبهم، فعرفوه بما سطروه إجمالا، وبينوه له تفصيلا، ~~وحاول ديوان أفندي إنهاء هذه الأزمة والوصول إلى حل سلمي بين الأشياخ والباشا، ~~فقال: «ينبغي ذهابكم إليه، وتخاطبوه مشافهة بما تريدون، وهو لا يخالف أمركم ولا ~~يرد شفاعتكم، وإنما القصد أن تلاطفوه في الخطاب؛ لأنه شاب مغرور جاهل وظالم ~~غشوم، ولا تقبل نفسه التحكم، وربما حمله غروره على حصول ضرر بكم وعدم إنفاذ ~~الغرض»، وكان واضحا أن ديوان أفندي إنما يتكلم على لسان محمد علي الذي يعد ~~بقبول وساطة المشايخ، والتشاور معهم، ولكن هؤلاء أصروا على موقفهم، فقالوا ~~بلسان واحد: «لا نذهب إليه أبدا ما دام يفعل هذه الفعال، فإن رجع عنها وامتنع ~~عن إحداث البدع والمظالم عن خلق الله رجعنا إليه وترددنا عليه كما كنا في ~~السابق، فإننا بايعناه على العدل، لا على الظلم والجور، فقال لهم ديوان أفندي: ~~وأنا قصدي أن تخاطبوه مشافهة ويحصل الغرض، فقالوا: لا نجتمع عليه أبدا، ولا ~~نثير فتنة، بل نلزم بيوتنا، ونقتصر على حالنا، ونصبر على تقدير الله بنا ~~وبغيرنا.» وأخذ ديوان أفندي العرضحال ووعدهم برد الجواب. # وأخطأ عمر مكرم والمشايخ التقدير؛ لأن الزمن - كما أشرنا - قد تغير؛ ولأن ~~الشعب وإن ظل يظهر احترامه للسيد النقيب وللأشياخ، فقد انقضى العهد الذي كان ~~فيه لهؤلاء من النفوذ على العامة ما يمكنهم أو يمكن عمر مكرم من تحريكهم للثورة ~~ضد الباشا؛ ولأن مقاسمة الباشا للملتزمين في فائظهم واسيتلاءه على إيرادات ~~الأوقاف قد حرم فئة قليلة بالنسبة لسائر الشعب، وكان الأشياخ هم أكثر الناس ~~امتلاكا لحصص الالتزام، وأكثر المنتظرين على الأوقاف منهم، حقيقة ضج القاهريون ~~من توالي المظالم عليهم، ولكنهم - كما يذكر المعاصرون - لم يكونوا في قرارة ~~أنفسهم إلا مرتاحين لهذا الإجراء ms1211 الذي أزال الفوارق التي مكنت لفئة معينة من ~~العيش في بحبوحة ورخاء، بينما عاشت الأكثرية في تقتير وحرمان وبؤس وشقاء، فهم ~~والحالة هذه لن يتحركوا من أجل الدفاع عن مصالح هي في صميمها مصالح طائفة ~~المشايخ الذين ما كانوا يعنون إلا برعايتها ورعاية شأنهم فحسب، فلم يكن احتشاد ~~الأزهر بالنساء والأطفال والعامة معناه بحال من الأحوال أن القاهريين مستعدون ~~للثورة على حكومة محمد علي. # ولقد فاتت هذه الحقيقة السيد عمر مكرم، ولكنها لم تفت محمد علي الذي كان له ~~من العيون والأرصاد، والذي كان من دأبه - على حد تعبير الجبرتي - التجسس على ~~الناس، ما يكفل له معرفة الموقف على حقيقته سواء من ناحية الشعب الذي لن يتحرك ~~لمؤازرة عمر مكرم، أو من ناحية المشايخ أنفسهم الذين يستحيل عليهم الاتحاد ~~والتكتل بسبب أحقادهم ومنافساتهم، فعول الباشا على إشاعة الخوف في نفوس ~~المستضعفين من المشايخ من جهة، والتلويح بالمنافع أمام ناظري المتعطلين إلى ~~الصدارة منهم أو الطامعين في منصب السيد عمر أو في الإيرادات التي تدرها عليه ~~الأوقاف المنتظر عليها من جهة أخرى، ونجحت خطة الباشا في يسر وسهولة. # على أن هناك حقيقة لا معدى عن ذكرها، هي أن محمد علي مع تيقنه من الانتصار ~~على هذه المعارضة المتخاذلة، ما كان يريد تجريد السيد عمر مما له، أو يبغي ~~قطيعته أو يطلب نفيه، لما يحمله له من احترام كبير، بسبب كبر سنه؛ ولأنه كان ~~ساعده الأيمن في الوصول إلى الولاية، بل ظل يحدوه الأمل حتى النهاية في إمكان ~~استمالة السيد النقيب إليه، واستعادة علاقات الصفاء والمودة معه، ولم يكن بحال ~~مبعث هذه الرغبة أن الباشا - كما يذكر الشيخ الجبرتي - «يخشى صولته، ويعلم أن ~~الرعية والعامة تحت أمره، إن شاء جمعهم وإن شاء فرقهم، وهو الذي قام ينصره ~~وساعده وأعانه وجمع الخاصة والعامة حتى ملكه الإقليم، ويرى أنه إن شاء فعل ~~بنقيض ذلك»، فقد فاتت الشيخ الجبرتي، كما فاتت عمر مكرم نفسه الحقائق التي ~~ذكرناها سابقا، ولعل مرد ذلك إلى أن الشيخ لكراهته ms1212 لحكومة محمد علي، ولتمنيه ~~زوال ملكه، كان يعقد آمالا كبارا على هذه الحركة المناوئة، فلم يسعه عند ~~فشلها بسبب تخاذل المشايخ وانفضاضهم من حول عمر مكرم، بل وسعيهم للدسيسة في ~~حقه، إلا أن يعزو هذا الفشل إلى تدابير محمد علي الذي أخذ على عاتقه إشاعة ~~الفرقة بين الأشياخ وصرفهم عن مؤازرة عمر مكرم خوفا منه. # بدأ الباشا إذا بأن أغفل أمر العرضحال الذي كتبه إليه المشايخ، وتظاهر بعدم ~~الاهتمام به، فلم تمض خمسة أيام فحسب، حتى كان هذا البرود البادي من ناحيته ~~قد أشاع القلق في نفوس عدد من المشايخ، ثم تبع هذا القلق الخوف من ضياع ~~مصالحهم، فبادر في اليوم الخامس (4 يوليو 1809) الشيخان: محمد المهدي ومحمد ~~الدواخلي بالاجتماع عند محمد أفندي الودنلي (ويعرف بطبل؛ أي الأعرج)، ناظر ~~المهمات ومن رجال الباشا، وثلاثتهم في نفسهم للسيد عمر ما فيها، فتناجوا مع ~~بعضهم، ثم انتقلوا في عصريتها وتفرقوا، وقصد المهدي والدواخلي إلى عمر مكرم ~~يذكران له أن محمد أفندي طبل هذا يقول إن الباشا لم يطلب مال الأوسية ولا ~~الرزق، وقد كذب من نقل ذلك ويؤكد أنه؛ أي الباشا، يقول: «إني لا أخالف أوامر ~~المشايخ، وعند اجتماعهم عليه ومواجهته يحصل المراد.» # ولقد كان نقل هذه الأقوال منسوبة إلى الباشا - على لسان محمد أفندي طبل - ~~معناه أن الباشا يبغي التفاهم مع المشايخ وعمر مكرم، على أساس تنفيذ مبدأ ~~المشورة الذي يطالبون به، ومحاولة ترضيتهم في مسألة مال الأوقاف مثار النزاع ~~بينه وبينهم، وسواء كان اجتماع الثلاثة الحاقدين على عمر مكرم - محمد أفندي طبل ~~والمهدي والدواخلي - للتآمر عليه والتمهيد لتدبير هلاكه، ويشترك معهم الباشا في ~~هذه المؤامرة حتى يشيع التخاذل في صفوف المشايخ، أم كانت رغبة الباشا حقيقة ~~تسوية هذا النزاع واسترضاء عمر مكرم والمشايخ؛ فقد كان من الواضح أن السيد ~~النقيب في وسعه إنهاء أسباب الجفوة بينه وبين الباشا، ومن المحتمل كذلك الوصول ~~إلى حل مناسب للمسألة، لو أنه استجاب لرغبة محمد علي، وتوجه مع المشايخ ~~لمقابلته ومشافهته، ولكن قد صح ms1213 عزمه على مناصبة الباشا العداء السافر، فاعتقد ~~إذا هو أجاب طلبه، ونزل عن موقف معارضته هذه العلنية، أضاع فرصة المقاومة ~~المجدية، ومهد للباشا السبيل لتفكيك ذلك الاتحاد والتكتل الذي أقسم المشايخ ~~عليه وتعهدوا به. # وارتكب عمر مكرم خطأ كبيرا مبعثه - ولا شك - توهمه أن الخلافات والحزازات ~~الماضية قد تنوسيت فعلا ما دام المشايخ قد أقسموا على نسيانها وعلى التآزر ~~والاتحاد فيما بينهم ضد محمد علي، فكشف عن موقفه لأكبر أعدائه وخصومه، المهدي ~~والدواخلي، وهما وإن كانا يمتنعان عن نقل ما يقوله عمر مكرم بأنفسهما إلى ~~الباشا - وامتناعهما مشكوك فيه - فهما سوف يذيعان أقوال عمر مكرم حتى تبلغ ~~أسماع الباشا، ذلك أن عمر مكرم لم يلبث أن أجاب على كلام محمد أفندي طبل: «أما ~~إنكاره؛ أي محمد علي، طلب مال الرزق والأوسية فها هي أوراق من أوراق المباشرين ~~عندي لبعض الملتزمين مشتملة على الفرضة ونصف الفائظ ومال الأوسية والرزق، وأما ~~الذهاب إليه، فلا أذهب إليه أبدا، وإن كنتم تنقضون الأيمان والعهد الذي وقع ~~بيننا، فالرأي لكم.» # بلغ هذا الحديث - دون شك أو ريب - محمد علي، وتبين له أن لا جدوى من تسوية ~~النزاع وديا ليس فقط مع عمر مكرم متزعم حركة المعارضة، بل ومع سائر المشايخ ~~المتذمرين، فعمد إلى إشاعة الفرقة والتخاذل بينهم حتى يمنع تكتلهم، وكان سهلا ~~عليه أن يفعل ذلك، فطفق - كما قال الشيخ الجبرتي - «يجمع إليه بعض أفراد من ~~أصحاب المظاهر ويختلي معه، ويضحك إليه، فيغتر بذلك ويرى أنه صار من المقربين، ~~وسيكون له شأن إن وافق ونصح، فيفرغ له جراب حقده، ويرشده بقدر اجتهاده لما فيه ~~المعاونة.» # وأوفد الباشا في نفس الليلة (4 يوليو) ديوان أفندي وعبد الله بكتاش الترجمان ~~إلى السيد عمر مكرم، وحضر الاجتماع المهدي والدواخلي، «وطال بينهم الكلام ~~والمعالجة في طلوعهم ومقابلتهم الباشا، ورقرق لذلك كل من المهدي والدواخلي»، ~~وكانت هذه الرقرقة أو إظهار الميل من جانب المهدي والدواخلي لتلبية طلب ~~الباشا، قمينة بأن تجعل السيد النقيب يعدل عن رأيه لو أنه كان حكيما، ms1214 ولكنه ظل ~~مصمما على الامتناع، وطلب المهدي والدواخلي الشيخ محمد الأمير لمصاحبتهما إلى ~~القلعة، ولكن هذا اعتذر بأنه متوعك، وغادر الشيخان وديوان أفندي وعبد الله ~~بكتاش السيد عمر مكرم، وطلعوا إلى القلعة، وقابلوا الباشا. # ورحب محمد علي بالشيخين، وجاء في حديثه معهما أنه يستمع دائما باحترام ~~وتقدير لكل ما يريدون إسداءه إياه من نصح وإرشاد، أو يشاءون الاحتجاج عليه من ~~تصرفاته، ولن يهمل في أي ظرف أو مناسبة أن يكون عمله مبعث ارتياح للمشايخ، وسوف ~~يقبل وساطتهم ولا يرد شفاعتهم، ولكنه يأبى قطعا أن يعمد المشايخ إلى عقد ~~الاجتماعات العامة وتحريض الأهلين على الثورة، وإثارة خواطرهم، فهو لا يريد ~~شيئا من هذه التهيجات الشعبية، وفضلا عن ذلك فإن هذه المظاهرات التي لا نفع ~~منها ولا طائل تحتها لن تخيفه ولن تزعجه؛ لأنه إذا قام الشعب بالثورة كما يهدد ~~المشايخ وهم الذين سبق أن تحدث فريق منهم عن تحريكها - أثناء الحماس الذي طغى ~~على اجتماعهم يوم كتابة عرضحالهم - فلن يجد لدي سوى السيف والانتقام. # فلم يجد الشيخان ما يجيبان به سوى نفي هذه الأقوال التي بلغت الباشا كذبا ~~وبهتانا عن المشايخ، فقالوا إن الذين أبلغوه ذلك لم يصدقوه، وإنهم عندما ~~عقدوا الاجتماع المذكور - اجتماع 28 يونيو - لم يكن يدور في خلدهم بتاتا أن ~~يئول الغرض منه بالتآمر على سلطة محمد علي؛ لأن مثل هذا الخاطر لم يرد في ذهنهم ~~ولم يكن التآمر قطعا من نواياهم، وهم لم يفعلوا - في حقيقة الأمر - سوى ما ~~اعتادوا فعله عند شعورهم بالضيق للتدبر في وسائل تفريحه وتخفيف حدة الضنك عن ~~الشعب المتألم، بسؤال الفرج من لدن المولى عز جلاله. # وعاود الباشا الكلام في أمر الاجتماعات، وطلب منعها، ثم سأل عن السبب الذي ~~حدا بالمشايخ إلى عقد اجتماع أول يوليو، وطلب معرفة أسماء الذين أقسموا اليمين ~~على الاتحاد والتعاضد، فعزا الشيخان عقد الاجتماع إلى الشعب الذي كان هياجه ~~حافزا عليه، ولكنهما آثرا الصمت عن المطلب الثاني، وراحا بدلا من ذلك يكذبان ~~بكل قوة أن اتحادا قد ms1215 حصل ضد سلطة الباشا. # ولم يكن هذا كل ما دار في هذه المقابلة، فقد ذكر الشيخ الجبرتي ما جرى فيها، ~~وبخاصة فيما يتعلق بكشف الشيخين لمحمد علي عن موقفهما من متزعم حركة المعارضة، ~~عمر مكرم: «قال الباشا في كلامه: أنا لا أرد شفاعتكم ولا أقطع رجاءكم، والواجب ~~عليكم إذا رأيتم مني انحرافا أن تنصحوني وترشدوني، ثم أخذ يلوم السيد عمر في ~~تخلفه وتعنته (في عدم الحضور لمقابلته)، ويثني على البواقي، وراح الباشا يقول: ~~وفي كل وقت يعاندني ويبطل أحكامي ويخوفني بقيام الجمهور، فقال الشيخ المهدي: هو ~~ليس إلا بنا، وإذا خلا عنا فلا يسوى بشيء، إن هو إلا صاحب حرفة أو جابي وقف، يجمع ~~الإيراد ويصرفه على المستحقين.» # ويعلل الشيخ الجبرتي طعن الشيخ المهدي على عمر مكرم وتجريحه له، بأنه قد تبين ~~له ولزميله - وكان هذا الأخير حاضرا بالأصالة عن نفسه وبالنيابة عن الشيخ ~~عبد الله الشرقاوي - قصد الباشا؛ أي تخذيل عمر مكرم والتمهيد للإيقاع به، فوافق ~~ذلك ما في نفوسهم من الحقد للسيد عمر، وراحا يتكلمان في حقه. # وانصرف الشيخان من هذه المقابلة وهما مذبذبان ومظهران خلاف ما هو كان في ~~نفسيهما من الحقد وحظوظ النفس، غير مفكرين في العواقب وقصدا إلى السيد عمر، ~~وهذا الأخير «ممتلئ بالغيظ مما حصل من الشذوذ ونقض العهد، فأخبروه بأن الباشا ~~لم يحصل منه خلاف، وقال: أنا لا أردد شفاعتكم، ولكن نفسي لا تقبل التحكم، ~~والواجب عليكم إذا رأيتموني فعلت شيئا مخالفا أن تنصحوني وتشفعوا، فأنا لا ~~أردكم ولا أمتنع من قبول نصحكم، وأما ما تفعلونه من التشنيع والاجتماع بالأزهر، ~~فهذا لا يناسب منكم، وكأنكم تخوفوني بهذا الاجتماع، وتهييج الشرور وقيام ~~الرعية، كما كنتم تفعلون في زمان المماليك، فأنا لا أفزع من ذلك، وإن حصل من ~~الرعية أمر فليس لهم عندي إلا السيف والانتقام، فقلنا له: هذا لا يكون، ونحن لا ~~نحب ثوران الفتن، وإنما اجتماعنا لأجل قراءة البخاري وندعو الله يرفع الكرب، ثم ~~قال أريد أن تخبروني عمن انتبذ لهذا الأمر، ومن ms1216 ابتدأ بالخلف، فغالطناه، وأنه ~~وعد بإبطال الدمغة وتضعيف؛ أي تقليل الفائظ إلى الربع بعد النص، وأنكر الطلب ~~بالأوسية والرزق من إقليم البحيرة»، ولم يطلعا السيد عمر بطبيعة الحال على ما ~~دار بينهما وبين الباشا بشأنه. # ومرت أيام، وانفتح بين المشايخ باب النفاق، واستمر القيل والقال، وكل حريص ~~على حظ نفسه وزيادة شهرته وسمعته، ومظهر خلاف ما في ضميره، والسيد النقيب ~~متمسك برأيه، والأشياخ الوصوليون يجدون في التزلف لدى الباشا والقربى منه، ~~والباشا يبذل ما وسعه من جهد وحيلة لإقناع عمر مكرم بالصعود إلى القلعة ~~ومقابلته حسما لهذا النزاع الذي لا طائل تحته، والذي لا معدى عن عودة مغبته ~~على عمر مكرم نفسه. # واستمر الحال على ذلك، حتى كان يوم 14 يوليو 1809، فأوفد الباشا ديوان أفندي ~~وعبد الله بكتاش الترجمان إلى السيد عمر، واجتمع المشايخ ببيته، وتكلموا في ~~مسألة طلوعه إلى الباشا ومقابلته، ولكن السيد ركب رأسه، وراح يذكر المشايخ ~~بالقسم الذي أقسموه على الاتحاد والتضافر، ولم يستطع كبح جماح غضبه، «فحلف أنه ~~لا يطلع إليه ولا يجتمع به ولا يرى له وجها إلا إذا أبطل هذه الأحدوثات، وقال: ~~إن جميع الناس يتهموني معه، ويزعمون أنه لا يتجرأ على شيء يفعله إلا باتفاقي ~~معه، ويكفي ما مضى، ومهما تقادم يتزايد في الظلم والجور، وتكلم كلاما كثيرا»، ~~ضرب الشيخ الجبرتي صفحا عن ذكره، ولكن غيره من المعاصرين يذكره، فقد هدد عمر ~~مكرم بإحالة الأمر إلى الباب العالي إذا أصر الباشا على مظالمه، وتأليب الشعب ~~وتحريكه للثورة عليه، وقال عمر مكرم: «وكما أصعدته إلى الحكم، فإني كفيل ~~بإنزاله منه»، ورفض رفضا باتا الذهاب إلى محمد علي، وقد خيل إليه أنه ~~بامتناعه عن مقابلة الباشا سوف يمتنع سائر الأشياخ عن مقابلته كذلك. # ولكن السيد النقيب أخطأ التقدير في هذه المرة أيضا؛ حيث قرر المشايخ مقابلة ~~الباشا واختاروا لهذه المقابلة المشايخ: عبد الله الشرقاوي ومحمدا المهدي ~~ومحمدا الدواخلي وسليمان الفيومي، واعتذر الشيخ محمد الأمير عن الذهاب لمرضه، ~~وكانوا يريدونه معهم، فلما طلعوا إلى الباشا وتكلموا ms1217 معه، وقد فهم كل منهم لغة ~~الآخر الباطنية، ذاكروه في أمر المحدثات، فأخبرهم أنه يرفع بدعة الدمغة، ~~وكذلك يرفع الطلب عن الأطيان الأوسية، وتقرير ربع الفائظ، وقاموا على ذلك، ثم ~~إنهم نزلوا إلى بيت السيد عمر، وأخبروه بما حصل، ولكن هذه كانت تسوية لم ترض ~~عمر مكرم، ولم تخضد من عزمه على الاستمرار في المعارضة والمقاومة، فسألهم: ~~وأعجبكم ذلك؟ ثم قال إن الباشا أرسل إليه يخبره بتقرير ربع المال الفائظ، ~~فلم يرض، وأبى إلا رفع ذلك بالكلية؛ لأنه لما طلب الباشا في العام السابق ~~إحداث الربع قال له السيد عمر: هذه تصير سنة متبعة، فحلف أنها لا تكون بعد ~~هذا العام، وذلك لضرورة النفقة، وإن طلبها في المستقبل يكون ملعونا مطرودا من ~~رحمة الله، وعاهد الباشا السيد عمر وقتئذ على ذلك، وشهد المشايخ بصحة هذه ~~الواقعة، ثم طفق عمر مكرم يفند لهم دعاوى محمد علي فقال: «وأما قوله إنه رفع ~~الطلب عن الأوسية والرزق فلا أصل لذلك، وها هي أوراق البحيرة وجهوا لها الطلب، ~~فقال المشايخ: إننا ذكرنا له ذلك فأنكر، وكابرناه بأوراق الطلب، فقال: إن ~~السبب في طلب ذلك من إقليم البحيرة خاصة فإن الكشافين لما نزلوا للكشف على ~~أراضي الري والشراقي ليقرروا عليها فرضة الأطيان حصل منهم الخيانة والتدليس، ~~فإذا كان في أرض البلدة خمسمائة فدان ري، قالوا عليها مائة، وسموا الباقي رزقا ~~وأوسية، فقررت ذلك عقوبة لهم في نظير تدليسهم وخيانتهم، فقال السيد عمر: وهل ~~ذلك أمر واجب فعله؟ أليس هو مجرد جور وظلم أحدثه في العام الماضي، وهي فرضة ~~الأطيان التي ادعى لزومها لإتمام العلوفة (مرتبات الجند) وحلف أنه لا يعود ~~لمثلها؟ فقد عاد وزاد، وأنتم توافقونه وتسايرونه ولا تصدونه، ولا تصدعونه ~~بكلمة، وأنا الذي صرت وحدي مخالفا وشاذا، ووجه عليهم اللوم في نقضهم العهد ~~والأيمان، وانفض المجلس» دون الوصول إلى نتيجة. # وهكذا - كما يقول الشيخ الجبرتي - «تفرقت الآراء، وراج سوق النفاق، وتحركت ~~حفائظ الحقد والحسد، وكثر سعي المشايخ الحاقدين على عمر مكرم وتناجيهم بالليل ~~والنهار»، ms1218 ومع ذلك لم ينقطع الباشا في أثناء هذا كله عن مراسلة السيد عمر، ~~يطلبه للحضور إليه والاجتماع به، ويعده بإنجاز ما يشير عليه به، وظن الباشا من ~~المحتمل أن مبعث إصرار السيد النقيب طمع في المال؛ حيث قد انتفى - في نظر ~~الباشا - ما يدعو لتمسكه بموقفه، طالما أنه قد أوضح الأسباب التي دعته إلى ~~تقرير الطلب على الأوسية والرزق في إقليم البحيرة، وأنقص طلب فائظ الالتزام إلى ~~الربع ووعد برفع المظالم، والأهم من ذلك كله أن يسأل عمر مكرم النصيحة، ويريد ~~التشاور معه، وقد فطن الباشا - ولا شك - إلى أن مقصد النقيب كان المشاركة في ~~الحكم بطريق هذه المشاورة، فلما لم يقنع هذا، أوفد إليه كتخداه (محمد آغا ~~اللاظ)؛ ليترفق به، وليعرض عليه ثلاثمائة كيس عطية من الباشا تدفع إلى السيد ~~النقيب فورا، عدا كيس يعطى له يوميا، فلم يقبل. # وكان هذا آخر سهم في جعبة محمد علي لاستمالته، فزادت الوحشة بينهما ، وتيقن ~~الباشا أن من العبث إغفال أمره، وعدم الاحتياط منه، فلم يزل ... متعلق الخاطر ~~بسببه ويتجسس ويتفحص عن أحواله، وعلى من يتردد عليه من كبار العسكر، وربما أغرى ~~به بعض الكبار فراسلوه سرا، وأظهروا له كراهتهم للباشا، وأنه إن انتبذ ~~لمفاقمته ساعدوه وقاموا بنصرته عليه، ولكن لم يخف على السيد عمر مكرم، ولم ~~يزل مصمما وممتنعا عن الاجتماع به والامتثال إليه، ويسخط عليه، وراح ~~المترددون على عمر مكرم ينقلون ما يبدر منه في مجالسه معهم إلى الباشا، ويحرفون ~~بحسب الأغراض والأهواء. ~~(5-5) نفي عمر مكرم # وتعذر دوام هذه الحال، وكان لا مناص من أن يبت الباشا في أمر عمر مكرم، سواء ~~بتقريبه منه وإرجاعه إلى مكان الصدارة الذي كان له، أم بإقصائه وتحطيم ما تبقى ~~له من وجاهة وصدارة تحطيما نهائيا، ومبعث الأمرين واحد، الانفراد بالسلطة، ~~القاعدة التي بنى عليها محمد علي برنامج حكمه في سياسة شئون البلاد الداخلية، ~~والتي اندرجت تحت برنامجه الأعلى، استقرار الأمر له في باشويته، والظفر بالحكم ~~الوراثي في مصر. # على أن الباشا ما ms1219 كان يستطيع تقريب عمر مكرم منه طالما بقي هذا مصرا على ~~تجنبه، مصمما على معارضته، ولم يشأ الباشا أن يبطش به إلا بعد استنفاد كل ما ~~لديه من وسائل لحمله على السير على جادته، واتضاح عجزه عن ذلك، فكان لا بد من ~~محك أخير بين الرجلين ليصدر الباشا حكمه النهائي. # أما هذا المحك الأخير، فقد تجمعت الأسباب لتهيئته منذ وصول سلحدار يوسف ضيا ~~باشا إلى القاهرة في 28 يونيو 1809 - أي قبل أول اجتماع للمشايخ بالأزهر بيومين ~~اثنين فحسب - فقد حمل السلحدار - على نحو ما مر بنا - مرسوما بطلب المال ~~المتجمع ليوسف ضيا باشا مما كان أحدثه؛ حيث كان بمصر بصفة قلم كشوفية، وقد ~~بلغ حساب ذلك 2800 كيس، عدا ألف أضافها الباب العالي بصفة إمدادية تجهيزات ~~السفر الحربي ضد الوهابية، فقد تقدم كيف أراد الباشا التنصل من دفع هذا ~~المبلغ، فأعد رسالته التي راح يعتذر فيها عن عجزه المالي، ويبين الوجوه التي ~~أنفق فيها أموالا طائلة، وكان إنفاقه لها سببا في عدم قدرته على تلبية مطالب ~~الباب العالي. # فقد ابتدأ الباشا بأن أعد عرضحالا طلب من عمر مكرم التوقيع عليه؛ لأنه كان ~~موجودا وقت استحداث الترتيب الذي يطالب يوسف ضيا بموجبه الآن بهذا المبلغ، ~~ولكن عمر مكرم أبى التوقيع، ثم لم يكتف بالامتناع، بل طفق يطعن على البيانات ~~التي تضمنها العرضحال ويعلن كذبها، وقد ذكر الباشا في عرضحاله أن الأكياس ~~المطلوبة قد صرفت في المهمات، منها ما صرف في سد الترعة الفرعونية، ومبلغه ~~ثمانمائة كيس، وعلى تجاريد العساكر لمحاربة الأمراء المصرية حتى دخلوا في ~~الطاعة، كذلك مبلغا عظيما، وما صرف في عمارة القلعة والمجراة التي تنقل ~~المياه إليها مبلغا أيضا، وكذلك في حفر الخلجان والترع، ونقص المال الميري ~~بسبب شراقي البلاد، ونحو ذلك. # فانبرى السيد عمر يفند ذلك كله بابا بابا، قائلا: «أما ما صرفه في سد ~~الترعة، فإن الذي جمعه وحياه من البلاد يزيد على ما صرفه أضعافا كثيرة، وأما ~~غير ذلك فكله كذب لا أصل له، وإن ms1220 وجد من يحاسبه على ما أخذه من القطر المصري من ~~الفرض والمظالم لما وسعته الدفاتر، فلما ردوا عليه؛ أي محمد علي، وأخبروه بذلك ~~الكلام، حنق واغتاظ في نفسه. وفرغ محمد علي من كتابة عرضحاله للدولة في 14 ~~يوليو 1809، دون انتظار لتوقيع عمر مكرم. # وطلب الباشا عمر مكرم للاجتماع به فامتنع، فلما أكثر من التراسل، قال السيد ~~النقيب: إن كان ولا بد فأجتمع به في بيت السادات، وأما طلوعي إليه فلا يكون، ~~فلما قيل للباشا في ذلك، ازداد حنقه، وقال: إنه بلغ به أن يزدريني ويرذلني ~~ويأمرني بالنزول من محل حكمي إلى بيوت الناس.» # فكانت هذه الواقعة هي الفاصلة. # فقد حضر الباشا يوم 9 أغسطس إلى بيت ولده إبراهيم بك الدفتردار «وطلب القاضي ~~والمشايخ المذكورين، وأرسل إلى السيد عمر رسولا من طرفه ورسولا من طرف ~~القاضي، يطلبه للحضور ليتحاقق ويتشارع معه، فرجعا وأخبرا بأنه شرب دواء ولا ~~يمكنه الحضور في هذا اليوم»، وكان الباشا قد أحضر الشيخ محمدا السادات الطامع ~~في نقابة الأشراف من أمد بعيد، والشيخ عبد الله الشرقاوي، «فعند ذلك أحضر ~~الباشا خلعة وألبسها الشيخ السادات على نقابة الأشراف، وأمر بكتابة فرمان بخروج ~~السيد عمر ونفيه من مصر (القاهرة) يوم تاريخه، فتشفع المشايخ في إمهاله ثلاثة ~~أيام حتى يقضي أشغاله، فأجاب إلى ذلك، ثم سألوه في أن يذهب إلى بلده أسيوط، فقال ~~لا يذهب إلى أسيوط، ويذهب إما إلى إسكندرية أو دمياط.» # وتلقى عمر مكرم هذه الضربة متجلدا، «أما منصب النقابة فإني راغب عنه وزاهد ~~فيه، وليس فيه إلا التعب، وأما النفي فهو غاية مطلوبي، وأرتاح من هذه الورطة، ~~ولكن أريد أن يكون في بلدة لم تكن تحت حكمه إذا لم يأذن لي في الذهاب إلى أسيوط ~~فليأذن لي في الذهاب إلى الطور أو إلى درنة، فعرفوا الباشا، فلم يرض إلا بذهابه ~~إلى دمياط، ثم إن السيد عمر أمر باشجاويش أن يأخذ الجاويشية (الواقفين على بابه ~~بوصفه نقيبا للأشراف) ويذهب بهم إلى بيت السادات (النقيب الجديد) وأخذ في ~~أسباب ms1221 السفر.» # وفي ثاني يوم (10 أغسطس) اعتنى السيد محمد المحروقي بن السيد أحمد المحروقي ~~شاه بندر التجار (المتوفى منذ نوفمبر 1804) بأمر السيد عمر وذهب إلى الباشا ~~وكلمه وأخبره بأنه أقامه وكيلا على أولاده وبيته وتعلقاته، فأجازه بذلك، وقال ~~الباشا: «هو آمن من كل شيء، وأنا لم أزل أراعي خاطره ولا أفوته»، وطلب محمد ~~المحروقي ابن السيد عمر، وقابله الباشا وطمن خاطره، ولكنه أصر على وجوب سفر ~~عمر مكرم إلى دمياط. # وفي 13 أغسطس، اجتمع المودعون للسيد عمر، وحضر محمد كتخدا الألفي وكان قد ~~تعين بالسفر صحبته إلى دمياط، فخرج عمر مكرم وشيعه الكثير من المتعممين وغيرهم ~~وهم يتباكون حوله حزنا على فراقه، وكذلك اغتم الناس على سفره وخروجه من مصر؛ ~~لأنه كان ركنا وملجأ ومقصدا للناس ولتعصبه على نصرة الحق، فسار إلى بولاق ~~ونزل في المركب وسافر من ليلته بأتباعه وخدمه الذين يحتاج إليهم إلى دمياط. ~~وفي 21 أغسطس رجع محمد كتخدا الألفي إلى القاهرة من تشييع السيد عمر معلنا ~~وصوله إلى دمياط واستقراره بها. # وهكذا انتهت مسألة معارضة عمر مكرم للباشا، فلم يتحرك الشعب للثورة تأييدا ~~لمعارضة زعيمه؛ لأن زعامة عمر مكرم كانت قد انقضت أيامها من زمن طويل، ولم ~~يتحرك أحد من الرعية التي هدد النقيب بتأليبها على محمد علي لإنزاله عن كرسيه ~~للدفاع عن هذا الزعيم والتمسك ببقائه والحيلولة دون نفيه؛ لأنه وإن كان موضع ~~الاحترام والاعتبار عند الجميع، فإن هذا الاحترام لم يكن معناه تعلق الشعب به ~~بالدرجة التي تحفزه على الثورة من أجله، فكان ما ظفر به عمر مكرم من حقوق ~~الزعامة التي توهمها أن اغتم الناس على سفره وخروجه كما ذكر الشيخ ~~الجبرتي. # ولما كان تقرير عمر مكرم في نقابة الأشراف، بعد حادث تجريده منها وتقليدها ~~يوسف أفندي في غضون عام 1802 قد جاء من الدولة، فقد عني محمد علي بكتابة ~~عرضحال موقع عليه من المشايخ كذلك يذكر الأسباب التي دعته إلى خلع عمر مكرم ~~من النقابة؛ وحتى يبطل مساعي هذا في دار السلطنة، ms1222 إذا حدثته نفسه بالقيام بمسعى ~~هناك من أجل استرجاع النقابة، كما فعل في المرة السابقة، وكان لا بد من تسويد ~~صفحة السيد عمر بصورة تقطع كل أمل ورجاء في ذلك، ووجد الباشا ضالته في الأشياخ ~~الذين لم يتورعوا عن أن ينسبوا إلى عمر مكرم أشياء لم تحصل منه، وكان محمد ~~السادات أول من أظهر الكامن في نفسه، وصرح بالمكروه في حق السيد عمر ومن ينتمي ~~إليه ويواليه، وتعاون مع الدواخلي والمهدي في تسطير العرضحال بالصورة التي ~~أرادها الباشا، وعدوا له مثالب ومعايب وجنحا وذنوبا ونسبوا إليه أنواعا ~~من الموبقات التي منها أنه أدخل في دفتر الأشراف أسماء أشخاص ممن أسلم من ~~القبط واليهود وقطع أناسا من الشرفاء المستحقين وصرف راتبهم للأقباط ~~المدخلين، ومنها أنه أخذ من الألفي في السابق مبلغا من المال ليملكه مصر ~~(القاهرة) في أيام فتنة أحمد باشا خورشيد، ومنها أنه كاتب الأمراء المصريين ~~(البكوات المماليك) أيضا في وقت الفتنة حين كانوا بالقرب من مصر ليحضروا على ~~حين غفلة في يوم قطع الخليج، وحصل لهم ما حصل، وكان يريد تمليكهم القاهرة في ~~غفلة الباشا والناس والعساكر، فنصر الله عليهم حضرة الباشا - والمقصود هنا ~~حادث يوم 16 أغسطس 1805 - فأراد التسبب في خراب الإقليم وإثارة الفتن وموالاة ~~البغاة المصريين؛ أي البكوات، وتطميعهم في المملكة، ومنها أنه أراد إيقاع الفتن ~~في العساكر لينقض دولة الباشا ويولي خلافه ويجمع عليه طوائف المغاربة والصعائدة ~~وأخلاط العوام، ومنها أنه هو الذي أغرى المصريين (البكوات) على قتل علي باشا ~~برغل الطرابلسي حين قدم واليا على مصر، وهو الذي كاتب الإنكليز وطمعهم في ~~البلاد مع الألفي حين حضروا إلى الإسكندرية وملكوها ونصر الله عليهم العساكر ~~الإسلامية، وغير ذلك. # نمق المشايخ - الذين سماهم الشيخ الجبرتي «مشايخ الوقت» - هذا العرضحال في 12 ~~سبتمبر 1809 ليرسله الباشا إلى الدولة، ومن الواضح أن هذه الاتهامات التي كيلت ~~كيلا لعمر مكرم كلها كاذبة، وصف الشيخ الجبرتي ما جاء بهذا العرضحال بأنه زور ~~وبهتان، وأن ما سطر به كان من عبارات ms1223 عكس القضية، وتنميق الأغراض النفسانية، ~~ولو أن الشيخ لم يشعر بعطف على عمر مكرم في محنته هذه، لتعاونه مع الظالم، ~~وتمكين سلطانه - في رأيه - فعلق على نفي عمر مكرم وتجريده من نقابة الأشراف ثم ~~تسطير هذا العرضحال في حقه، أنه على حد من أعان ظالما سلط عليه، وأن الذي ~~وقع له بعض ما يستحقه، ومن أعان ظالما سلط عليه، ولا يظلم ربك أحدا. # وكان الممتنع عن توقيع هذا العرضحال أولا وآخرا الشيخ أحمد الطحطاوي فلم ~~ينج من شر المشايخ، الذين زادوا في التحامل عليه وخصوصا الشيخ محمد (ابن وفا) ~~السادات، والشيخ محمد الأمير، ولحقت بالشيخ أحمد الطحطاوي إهانات كثيرة، وانتهى ~~الأمر بعزله من إفتاء الحنفية في 14 سبتمبر 1809، وتعين الشيخ حسن المنصوري ~~بدلا منه، وراحوا يبالغون في ذمه والحط عليه؛ لكونه لم يوافقهم في شهادة ~~الزور، ثم تعين في مشيخة الحنفية بعد وفاة المنصوري في يناير 1815 ثم توفي في ~~يونيو من العام التالي. # وأما عمر مكرم فقد طالت إقامته بدمياط وهو ينتظر الفرج وقد أبطأ عليه، وهو ~~ينتقل من المكان الذي هو فيه إلى مكان آخر على شاطئ البحر، وتشاغل بعمارة خان ~~أنشأه هناك، والحرس ملازمون له، فلم يزل حتى ورد عليه صديق أفندي قاضي العسكر، ~~فكلمه بأن يتشفع له عند الباشا في انتقاله إلى طندتاء (طنطا) ففعل، وأجاب ~~الباشا إلى ذلك. وحوالي منتصف أبريل 1812، انتقل عمر مكرم إلى طنطا، فظل ~~مقيما بها حتى شهر ديسمبر من عام 1818، فأذن له الباشا بالعودة إلى ~~القاهرة. # وكان عمر مكرم عندما حصلت النصرة والمسرة للباشا بانتصاره في حرب الوهابية، ~~قد أوفد حفيده السيد صالح بكتاب تهنئة لمحمد علي، وكان هذا وقتئذ بالإسكندرية، ~~«فتلقاه بالبشاشة وطفق يسأله عن جده، فيقول له بخير ويدعو لكم، فقال له: هل في ~~نفسه شيء أو حاجة نقضيها له؟ فقال: لا يطلب غير طول البقاء لحضرتكم، ثم انصرف ~~إلى المكان الذي نزل به، فأرسل الباشا إليه في ثاني يوم عثمان السلانكلي - ~~وقد صار قابجي باشا بعد قليل - ليسأله ms1224 ويستفسره عما عسى أن يستحي من مشافهة ~~الباشا بذكره، فلم يزل يلاطفه حتى قال: لم يكن في نفسه إلا الحج إلى بيت الله ~~إن أذن له أفندينا بذلك، فلما عاد بالجواب، أنعم بذلك وأذن له بالذهاب إلى مصر ~~وأن يقيم بداره إلى أوان الحج إن شاء برا وإن شاء بحرا، وقال: أنا لم ~~أتركه في الغربة هذه المدة إلا خوفا من الفتنة، والآن لم يبق شيء من ذلك، فإنه ~~أبي، وبيني وبينه ما لا أنساه من المحبة والمعروف، وكتب له جوابا ~~بالإجابة.» # وقد أثبت الشيخ الجبرتي صورة هذا الجواب، وهو يدل على ما يكنه محمد علي له من ~~احترام وود، وينهض دليلا بعد كل هذه السنوات الطوال على أن الباشا عندما ألح ~~في مقابلة عمر مكرم وطلوع هذا إليه في القلعة لإنهاء الأزمة التي أفضت إلى ~~نفيه، كان صادق النية وقتئذ في إزالة أسباب الجفوة بينهما، واسترضاء عمر مكرم، ~~لا عن خوف من تأليب هذا للرعية عليه وإنزاله من الحكم الذي قال إنه أصعده ~~إليه، ولكن عن عطف وإشفاق من أن تنقطع صلاته بالرجل الذي عاضده في كل أزماته ~~السابقة منذ توليه الباشوية، ولم يفسد مسعى الباشا سوى عناد عمر مكرم واغتراره ~~بالتفاف طائفة من المتعممين حوله، ودخول الغفلة عليه من جراء نفاق الأشياخ معه ~~ومداهنتهم له، ثم كبريائه الذي جعله يشتط في إصراره على إذلال محمد علي، وعلى ~~التمسك بمعارضته له حتى بعد أن تبين له انفضاض الأشياخ من حوله بالرغم من ~~اليمين التي حلفوها على الاتحاد والتعاضد ضد سلطان الباشا. # وكتاب محمد علي إلى السيد عمر كتاب مشهور، سماه فيه الباشا بوالده، بدأه ~~بقوله: إلى «مظهر الشمائل سنيها، حميد الشئون وسميها، سلالة بيت المجد الأكرم، ~~والدنا السيد عمر مكرم دام شأنه»، ثم راح يشكره على تهنئته له على ذلك الانتصار ~~الذي كان مجلبة لثناء السيد، وأعلى الباشا بنيل مناه، ويبلغه إذنه له بالحج ~~إلى بيت الله الحرام؛ تقربا لذي الجلال والإكرام ورجاء لدعوات السيد بتلك ~~المشاعر العظام، ويسأله ms1225 ألا يدع الابتهال ولا الدعاء له، ثم إن الباشا بعث ~~إليه مع كتابه هذا كتابا آخر باسم الكتخدا بك محمد آغا لاظ، حتى يسهر على ~~راحته بالقاهرة. # وأرسل محمد علي كتابا إلى كتخدا بك غير الذي بعث به إلى السيد عمر مكرم، ~~ووصل هذا الكتاب قبل وصول السيد إلى القاهرة، وأرسل كتخدا بك ترجمانه إلى منزل ~~السيد ليبشرهم بذلك، وأشيع خبر مقدمه، فكان الناس بين مصدق ومكذب، حتى وصل ~~عمر مكرم إلى بولاق في 9 يناير 1819، «فركب من هناك وتوجه إلى زيارة الإمام ~~الشافعي، وطلع إلى القلعة، وقابل الكتخدا وسلم عليه، وهنأ الشعراء بقصائدهم، ~~وأعطاهم الجوائز، واستمر ازدحام الناس أياما، ثم امتنع عن الجلوس في المجلس ~~العام نهارا، واعتكف بحجرته الخاصة، فلا يجتمع به إلا بعض من يريده من ~~الأفراد، فانكف الكثير عن الترداد.» وقال الشيخ الجبرتي: «وذلك من حسن الرأي»، ~~ولم يحج إلى بيت الله الحرام لضعفه. # ولكن لم يكن مقدرا أن يبقى السيد عمر طويلا بالقاهرة يمضي ما تبقى له من ~~حياة في شيخوخة هادئة؛ إذ لم يلبث أن حدث بعد عامين تقريبا أن قامت اضطرابات ~~بالقاهرة بسبب تذمر القاهريين من ضريبة فرضها الباشا على المنازل، واشتدت ~~الفتنة، وظن محمد علي أن للسيد عمر يدا فيها، فأمره بمغادرة القاهرة في منتصف ~~أبريل 1822، منفيا إلى طنطا؛ حيث أقام بها إلى أن أدركته الوفاة، وهو في ~~حوالي السبعين من عمره. ~~(6) خاتمة المطاف بالمشايخ # انفسح المجال لمشايخ الوقت بنفي عمر مكرم إلى دمياط (في أغسطس 1809)، ونال ~~الشيخ محمد المهدي مكافأته على سعيه ضده في اليوم نفسه الذي غادر فيه السيد عمر ~~القاهرة، فحضر في صبح ذلك اليوم عند الباشا وطلب وظائف السيد عمر، فأنعم عليه ~~الباشا بنظر أوقاف الإمام الشافعي، ونظر وقف سنان باشا ببولاق، وذلك بناء على ~~طلبه، وكان الوقفان تحت يد السيد عمر ويتحصل منهما مال كثير، وزيادة على ذلك ~~حاسب الشيخ المهدي على المنكسر له من راتب الغلال مدة أربع سنوات كان قد غابها ~~عن القاهرة، فأمر الباشا ms1226 بدفعها له من خزينته نقدا، وقدرها خمسة وعشرون كيسا، ~~وذلك في نظير اجتهاده في خيانة السيد عمر حتى أوقعوا به ما ذكر، وعند ذلك رجع ~~الشيخ إلى حالته الأولى التي كان قد انقبض عن بعضها من كثرة السعي والترداد على ~~الباشا وأكابر دولته في القضايا والشفاعات وأمور الالتزام والفائظ والرزق والأطيان ~~وما يتعلق به في بلاد الصعيد والفيوم، ومحاسبة الشركاء، وازدحمت عليه ~~الناس. # وكان محمد السادات قد تولى نقابة الأشراف منذ 9 أغسطس 1809، وأقبل على الدنيا، ~~وأنشأ دارا عظيمة، ولكنه لم يلبث أن مرض ثم توفي في 21 مارس 1813، وتقلد نقابة ~~الأشراف، الشريك الآخر في الوقيعة بالسيد عمر مكرم، الشيخ محمد الدواخلي، «فركب ~~الخيول ولبس التاج الكبير، ومشت أمامه الجاويشية والمقدمون وأرباب الخدم، وازدحم ~~بيته بأرباب الدعاوى والشكاوى، وعمر دار سكنهم القديمة وأدخل فيها دورا وأنشأ ~~تجاهها مسجدا لطيفا وعمر دارا أخرى أسكنها إحدى زوجاته. وداخله الغرور وظن أن ~~الوقت قد صفا له، وصار من أعيان الرءوس يطلع وينزل في كل ليلة إلى القلعة، ويشار ~~إليه، ويحل ويعقد في قضايا الناس ، ويسترسل معه الباشا، وداخله الغرور الزائد، ~~وصار يتطاول على كبار الكتبة الأقباط وغيرهم، ويراجع الباشا في مطالبه إلى أن ~~ضاق الباشا منه، وأمر بإخراجه ونفيه إلى دسوق (عام 1816) فأقام بها أشهرا، ثم توجه ~~بشفاعة السيد محمد المحروقي إلى المحلة الكبرى، فلم يزل بها متعلق الحواس منحرف ~~المزاج متكدر الطبع، وكل قليل يراسل السيد المحروقي في أن يشفع فيه عند الباشا ~~وليأذن له في الحج، ومرة يحتج بالمرض ليموت في داره، فلم يؤذن له في شيء من ذلك، ~~ولم يزل بالمحلة حتى توفي» في 23 يناير 1818. وكان تعليق الشيخ الجبرتي على نفي ~~الدواخلي أن ما وقع له «إنما هو قصاص وجزاء فعله في السيد عمر مكرم، فإنه كان من ~~أكبر الساعين عليه إلى أن عزلوه وأخرجوه من مصر (القاهرة) والجزاء من جنس ~~العمل.» # وأما الشيخ عبد الله الشرقاوي فقد توفي في 9 أكتوبر 1812، وكانت وفاته مثار خلاف ~~بين المشايخ على ms1227 مشيخة الأزهر، فتحزب هؤلاء شيعا متفرقة، بعضها يؤازر محمد المهدي، ~~والبعض الآخر الشيخ محمد الشنواني، وفريق ثالث يرشح الشيخ بدوي الهيتمي، وفاز محمد ~~المهدي بها ليوم أو اثنين فحسب، ثم قر الرأي على اختيار محمد الشنواني لها. # على أن المشايخ بعد نفي عمر مكرم كان قد انخفض شأنهم كثيرا، وساعد على ذلك أن ~~نفرا من أبناء أصحاب المظاهر المتعممين كانوا قد ألفوا من بينهم عصابة، يقفون ~~بالليل في صحن الأزهر لسلب من يعثرون عليه منفردا واستمر الحال على ذلك مدة، ~~«وكذلك أخرجوا طائفة من القوادين والنساء الفواحش سكنوا بحارة الأزهر، واجتمعوا في ~~أهله، حتى إن أكابر الدولة وعساكرهم، بل وأهل البلد والسوق جعلوا سمرهم وديدنهم ذكر ~~الأزهر وأهله ونسبوا له كل رذيلة وقبيحة، ويقولون: نرى كل موبقة تظهر منه ومن أهله، ~~وبعد أن كان منبع الشريعة والعلم، صار بعكس ذلك، وقد ظهر منه قبل الزغلية، والآن ~~الحرامية، وأمور غير ذلك مخيفة»، وتوالى وقوع الحوادث بخط الجامع الأزهر من سرقات ~~وضياع أمتعة من الدور والحوانيت، وتكرر ذلك حتى ضج الناس وكثر لغطهم، واتضح أن ~~جماعة من المجاورين هم الذين يسرقون ولم ينقطع ذلك حتى اقتصوا ممن ثبتت عليهم ~~التهمة (في مايو 1812). # ولما كان الشيخ سليمان الفيومي قد توفي في يناير 1810، ومات كذلك الشيخ محمد ~~الأمير في سبتمبر 1817، فقد انقضى عهد الأشياخ المتصدرين، وهم الذين عرفنا من قصصهم ~~ما عرفنا، وأما غيرهم من المشايخ والمتعممين، فقد حذا أكثرهم حذوهم، وأصدر الشيخ ~~الجبرتي حكمه عليهم فقال: إنهم قد «زالت هيبتهم ووقارهم من النفوس، وانهمكوا في ~~الأمور الدنيوية والحظوظ النفسانية والوساوس الشيطانية ومشاركة الجهال في المآتم ~~والمسارعة إلى الولائم في الأفراح والمآتم، يتكالبون على الأسمطة كالبهائم، فتراهم ~~في كل دعوة ذاهبين، وعلى الخوانات راكعين، وللكباب والمحمرات خاطفين، وعلى ما وجب ~~عليهم من النصح تاركين»، وأما هذا الرأي فقد سجله الشيخ في حوادث شهر ربيع الأول ~~عام 1231؛ أي في فبراير 1816. # الفصل الرابع # | بسط سلطان الولاية # القضاء على المماليك # تمهيد # أتم إقصاء المشايخ بعد تطويع الجند، ms1228 القضاء على العناصر المناوئة، أو التي تخشى ~~مناوأتها لحكومة محمد علي، فانفرد بالسلطة، وكان انفراده بها من عوامل دعم أركان ~~باشويته، كما أنه جاء في الوقت نفسه نتيجة لاضطراد رسوخ قدمه في هذه الباشوية بعد ~~أن اجتاز بسلام العقبات التي اعترضت سبيله، وذلل الصعوبات التي صادفته منذ توليته ~~في عام 1805، سواء ما تعلق منها بممارسته شئون الحكم الداخلية، أو كان متصلا بتدبر ~~علاقاته مع الباب العالي والدول الأجنبية (إنجلترة وفرنسا خصوصا). # وواءم انفراده بالسلطة الهدف الذي جد في تحقيقه، تمكين الحكم الوراثي لأسرته في ~~مصر، والشرط الأول لذلك - كما تبين - توطيد حكومته، فلم يكن من مقتضيات برنامجه ~~إجازة مبدأ الشورى الذي طالب به فريق من المشايخ والمتصدرين؛ لأن مقصود هؤلاء من ~~الشورى وقف إجراءاته المالية، ويستحيل عليه فعل ذلك؛ لأنه ما كان يرضى بوقفها على ~~الرغم من شذوذها؛ لأنها السبيل الوحيد للحصول على المال من أسرع الطرق وأيسرها - ~~المال الذي ظلت حاجته إليه ملحة طوال هذه السنوات للإنفاق منه في الوجوه التي تكفل ~~دعم سلطانه الداخلي، وأهم هذه - كما شهدنا - ترويض الجند على الطاعة بدفع مرتباتهم ~~إليهم، وتحصين القاهرة والثغور تهيؤا لدفع غزو أجنبي قد يأتي من ناحية إنجلترة أو ~~فرنسا، أو لصد حملة قد يبعث بها الباب العالي إلى مصر لإقصائه من الحكم، وأخيرا ~~لإعداد التجريدات المرسلة ضد البكوات المماليك، وكل أولئك أسباب لا معدى عنها ~~لتثبيت باشويته وتقوية أركانها. # على أن الانفراد بالسلطة، وتقرير سلطانه في القاهرة والثغور وأرجاء الدلتا كان ~~وحده لا يكفي لتأمينه على باشويته، طالما بقي الصعيد بأسره تقريبا - عدا بعض ~~المراكز المبعثرة هنا وهناك - بأيدي البكوات المماليك، وخارجا عن سلطان باشويته؛ ~~ولذلك فقد اقتضى نفس الهدف الذي أشرنا إليه، وجد في تحقيقه، إخضاع الصعيد لحكومته، ~~وكان واضحا أن توطيد هذه الحكومة لن يتأتى إلا ببسط سلطانه في كل جوانب ~~باشويته. # فالبكوات المماليك سوف يظلون شوكة في جانبه، ومصدر خطر ماثل على باشويته إذا ظلوا ~~رافضين الاعتراف بسلطانه، وعجز عن تمكين سيطرته عليهم، وهو الذي ms1229 عانى الكثير منهم ~~خلال سنوات التجربة والاختبار السابقة بسبب عنادهم في مخاصمته وإصرارهم على ~~مناوأته، فبسط سلطان الباشوية يعني أن يسرح هؤلاء حشودهم العسكرية، وكان فرسانهم ~~قوة؛ لا جدال في أن محمد علي يخشى بأسهم، ويعني عدم لجوء الهاربين من جنده ~~المتمردين إليهم حتى لا تظل معسكراتهم مواطن للتآمر على ملكه، وانفضاض العربان من ~~حولهم، فتنكسر حدة أعمال السلب والنهب التي يشجعهم عليها تزاملهم مع المماليك ~~والمنضوين تحت لوائهم في الإغارة على القرى والدساكر، ثم إنه يعني قبل كل شيء تحصيل ~~الميري أو الضريبة على الأقاليم الواسعة التي في أيديهم، فكان لا مناص حينئذ من ~~معالجة مسألة البكوات المماليك. # ولقد بدأ محمد علي يتدبر أمر البكوات منذ اعتلائه أريكة الولاية، وأجبرته شتى ~~ملابسات الموقف، وكلما طرأ عليه تبدل، على ممارسة مختلف الطرائق معهم، حتى يخضد من ~~شوكتهم، ويشتت من جموعهم، ويحول دون اتحادهم وتكتلهم ضده أو تعاونهم مع الغزاة ~~الأجانب، أو مع الدول الطامعة في بسط نفوذها على البلاد، أو مع الباب العالي الذي ~~يأبى إلا أن يسترجع سلطانه الشرعي عليها كاملا، فيراوغهم ويخادعهم تارة، ويخرج ~~التجريدات لمطاردتهم تارة أخرى، ويعمل دائما لإشاعة الفرقة والانقسام في صفوفهم، ~~ويبغي في أثناء ذلك كله كسب الوقت، والتمهيل حتى يتسنى له الفراغ من مشكلات أجدر ~~لخطورتها بعنايته العاجلة، ويقربه انحسامها من الاقتدار على مناجزتهم وإيجاد الحل ~~القاطع لمشكلتهم هم كذلك في النهاية، وكانت مذبحة القلعة المروعة السلاح البتار ~~الذي قطعت به عقدتهم. # ولما كان محمد علي قد اختتم نضاله مع البكوات بالإيقاع بهم في هذه المجزرة، فقد ~~أوحت هذه الفعلة لكثيرين أنه ما كان يسعى في كل علاقاته معهم إلا لتحقيق هذه ~~الغاية، ينهض دليلا على ذلك - في رأيهم - أن الانفراد بالسلطة بإقصاء المشايخ ~~وتشريد عمر مكرم خصوصا، لتأسيس حكم يقوم على الجبروت والطغيان، هو مبعث فتكه ~~بالبكوات، في وقت لم يعد فيه لهؤلاء أي شأن بعد أن هزمهم هزيمة ساحقة ماحقة في ~~المعارك التي نشبت أخيرا بينه وبينهم، ولم يفلت من يده ms1230 حتى من استأمن منهم وعاش في ~~كنفه وتحت حمايته، وقد رتب أصحاب هذا الرأي على ما أخذوا به، أن مذبحة القلعة كانت ~~مؤامرة حبكت خيوطها من زمن طويل، وأن البطش بالبكوات كان غرضا يسعى إليه ولا يأنف ~~من اللجوء إلى وسائل الغدر والخديعة لتحقيقه منذ أن ولي أمر مصر قبل ذلك بخمس ~~سنوات. # ولا جدال في أن هذا اتهام جريء، قد يسوغه هول الفعلة التي وقعت، ووجه الجرأة فيه ~~الزعم بأن الإجهاز على البكوات كان بيت القصيد من كل علاقات محمد علي معهم، والظن ~~بأن مسعاه لتسوية صلاته بهم على أساس من الود والصفاء لم يكن إلا نفاقا وختلا ~~ومخادعة، ولقد كفت هذه الجرأة وحدها؛ لأن تغدو واقعة المذبحة في حد ذاتها - وهي لا ~~سبيل إلى نكران حدوثها - مثار جدل ونقاش، من حيث تعيين المسئول عنها ومرتكبها، وجلي ~~أنه إذا صح انتفاء المسئولية عن محمد علي، وثبوت أن هناك من دبرها ونفذها غيره، ~~ينفي عنه كذلك أنه بيت النية - ومن زمن طويل - على الفتك بالبكوات، أساس الاتهام ~~كله، فزاد الخلط وتضاربت الآراء واختلفت في تعليلها؛ فالزعماء الألبانيون «هم الذين ~~دبروا الغدر بالأمراء المصريين فلطخوا يديه - وهو الرجل الذي يمقت المذابح ويستنكر ~~الوحشية والقوة في مظاهرها - بدمائهم في مذبحة القلعة في سنة 1811، وهم الذين ~~ألزموا محمد علي بالموافقة، ولو كان نصيب محمد علي في هذه الواقعة نصيب الآمر ~~المنظم لما تم التنظيم بالدقة التي تم بها»، وهو قول لا نصيب له من الصحة، وطبيب ~~الباشا الخاص «مندريشي» # Mandrici # هو الذي أشار ~~عليه بتدبير المذبحة للفتك بهم، وصاحب هذا الرأي «دروفتي»، أخذ به لبواعث سوف يأتي ~~توضيحها في حينه، والباب العالي هو الذي طلب من محمد علي ذبحهم، فلم يسعه إلا أن ~~يمتثل أمر مولاه، وسوف نرى كذلك - في موضعه - مدى انطباق هذا القول على الحقيقة، ~~وهكذا. # ولا بد أن يستقر في الأذهان أن الباشا نفسه صاحب مذبحة القلعة، ومدبر هذه ~~المكيدة، والمسئول عنها وحده، ولكن يجب التسليم كذلك، بأنه كان خالص ms1231 النية، صادق ~~الرغبة في مسعاه للصلح مع البكوات المماليك، وأن هؤلاء نكثوا عهودهم دائما، وأنهم ~~تآمروا على سلامتهم وسلامة ملكه فيما بينهم ومع أعدائه، فحفروا قبورهم بأيديهم، وأن ~~ضرورة الخروج للحرب الوهابية، الثمن الذي كان لا محيص من دفعه إذا شاء الظفر ~~بالباشوية الوراثية، ألجأه إلى الفتك بهم، وأن التفكير في المذبحة لم ينبت في ذهنه ~~إلا قبل شهر أو شهرين على الأكثر من تنفيذها، فكانت قصة محمد علي مع البكوات، قصة ~~إقبال من ناحيته، وإدبار من ناحيتهم، حتى إذا أعيته الحيل في أمرهم، وصار نجاح أضخم ~~مشروع في مطلع باشويته - وهو الحرب الوهابية - عقد عليه آمالا كبارا، مرتهنا ~~بقدرته على التفرغ له ومباشرته، لم يعد هناك مجال لأي تردد أو إحجام من ناحيته عن ~~ارتكاب الفعلة التي وإن أجازها برنامج سياسته، فلن تلقى سندا شرعيا أو ~~أخلاقيا لتبريرها. # فثمة حقائق إذا لا سبيل إلى نكرانها، وهي؛ أولا: أن النضال ضد المماليك إنما ~~يدخل في نظام ذلك البرنامج الذي ارتسمت معالمه بصورة قاطعة في ذهن محمد علي منذ عام ~~1807، والذي استهدف تقرير الباشوية الوراثية في أسرته في مصر منذ ذلك الوقت المبكر، ~~والذي كانت دعامتاه، والمكملتان لبعضهما بعضا توطيد حكومته، على النحو الذي ~~شهدناه، ثم بسط سلطانه الداخلي على كل أنحاء باشويته، الأمر الذي استتبع حتما ~~القضاء على المماليك. وثانيا: أنه بالرغم من وضوح هذه الحقيقة لم يكن الغرض من ~~الحرب التي خاض غمارها معهم إبادة المماليك وإفناءهم، بل لقد ظل محمد علي يرجو ~~صادقا في أثناء هذا النضال المرير أن يستطيع استمالة المماليك إلى الرضاء ~~بسلطانه، والعيش في هدوء وسلام في ظل ما يقطعهم من أملاك، وما يغدقه عليهم من نعم ~~وأرزاق، ويجعلهم على قدم المساواة في وضعهم الجديد المنتظر مع كبار قواده ورؤساء ~~جنده - يدخلهم في صفوف جيشه، فيعزز بفرسانهم قوات مشاته، ويبعث بهم - كجزء من جيشه ~~- إلى أرض الحجاز لاسترجاع الحرمين الشريفين من أيدي الوهابيين. وثالثا: أنه طوال ~~هذا النضال في مرحلته الأخيرة (1807-1811) ظل محمد علي ms1232 أمينا على عهده مع كل ~~مستأمن من البكوات، ولم ينقض اتفاقا أبرمه معهم، ولم يغرر بهم أو يخدعهم، بل كان ~~البكوات - كما ألمعنا - هم الذين نكثوا بعهودهم معه دائما، وأرادوا خديعته والفتك ~~به، وتقويض عروش سلطانه، وتحطيم تلك الباشوية التي كانت نواة الدولة التي ~~أنشأها في النهاية. ~~(1) مساعي الصلح مع البكوات # وتبدأ قصة العلاقات بين محمد علي والبكوات في مرحلتها الأخيرة هذه، من أيام «حملة ~~فريزر»، ونجاح الباشا بفضل وساطة «مانجان» لدى البكوات في البرنبل وزاوية المصلوب ~~في يونيو 1807، في الوصول إلى إقناع هؤلاء بالوقوف موقف الحياد في أثناء الحرب بينه ~~وبين الإنجليز. # ولم يقطع الباشا مساعيه من أجل الصلح معهم بعد انتهاء الحرب مع الإنجليز؛ لأنه لا ~~يزال يخاف من أن يتحد البكوات ويزحفوا عليه من الصعيد، والجند في تمرد وعصيان، ~~وخزانته خاوية من المال، والحكومة في القاهرة غير مستقرة، والأهلون يئنون من ثقل ~~الضرائب والمغارم، والزراع في ضنك، والأرض مهملة حتى لقد أجدب تقريبا ثلث ما كان ~~مزروعا منها عند خروج الفرنسيين من مصر (1801)، ولقد كان في عزم محمد علي - على ما ~~أكد «دروفتي» في تقريره إلى حكومته بعد ذلك في 8 أبريل 1808 - أن يخرج على رأس جيشه ~~لقتال المماليك، بعد إبرام الصلح مع الإنجليز - لولا عصيان الجند في 26 أكتوبر ~~1807، الذي جعله يعدل عن ذلك. # بيد أن «دروفتي» يذكر في تقريره كذلك، أن غرض محمد علي من خروجه لقتال المماليك ~~كان لإملاء شروط الصلح عليهم في الأقاليم التي يوافق الباشا اليوم على إعطائها ~~لهم؛ أي إن محمد علي لم يكن في عزمه إثارة حرب فناء وإبادة ضدهم، ورضي بأن ~~يظلوا في الأقاليم الواسعة التي كانت بأيديهم فعلا في الصعيد، على شريطة الإذعان ~~لحكومته ودفع الميري عنها، الشرط الذي اتخذه في هذه المرحلة وفي المراحل التالية ~~أساسا لعقد أي صلح معهم. # ووسط الباشا في هذا المسعى «روشتي» منذ أواخر أكتوبر، وكان شاهين بك الألفي أول ~~من استجاب للصلح، وقال الوكلاء الفرنسيون في تقريرهم عن حوادث هذا الشهر: ms1233 إن العروض ~~التي عرضها عليه كانت سخية، شملت إقطاعه الفيوم التزاما وكشوفية وفي عدة قرى في ~~بني سويف والجيزة نفسها، فقبل شاهين الخضوع للباشا، وأغرته هذه العروض بتناسي ~~توصيات الألفي الكبير، فتبودلت الرسائل بينهما. وفي 5 نوفمبر حضر إلى القاهرة محمد ~~كتخدا شاهين الألفي ليتباحث مع الباشا في شروط الصلح، وأسفرت المباحثة عن إعطاء ~~شاهين إقليم الفيوم بتمامه التزاما وكشوفية وإطلاق التصرف له فيها، إلى جانب ~~ثلاثين بلدة من إقليم البهنسا مع كشوفيتها، وعشرة بلاد من بلاد الجيزة من البلاد ~~التي ينتقيها ويختارها وتعجبه مع كشوفية الجيزة، وأن يكتب له بذلك تقاسيط نافذة ~~في سائر البر الغربي، وعشرة بلاد من إقليم البحيرة مع كشوفية البحيرة بتمامها إلى ~~حد الإسكندرية، وذلك لقاء خضوع شاهين واعترافه بسلطان محمد علي، وغادر محمد كخيا ~~(كتخدا الألفي) القاهرة في 13 نوفمبر، وتهيأ الباشا لاستقباله وشرع يعد قصر الجيزة ~~لنزوله - وكان العسكر قد خربوه ضمن بيوت الجيزة الأخرى التي خربوها - وأمر بإخلاء ~~الجيزة من الجند والكاشف، فعدى الجميع إلى البر الشرقي وتسلم (في 29 نوفمبر) علي ~~كاشف الكبير الألفي القصر وما حوله وما به الجبخانة والمدافع وآلات الحرب ~~وغيرها. # وأما شاهين فقد وصل يوم 21 نوفمبر إلى دهشور؛ حيث وجد بها في انتظاره ديوان أفندي ~~طاهر وطوسون بن محمد علي؛ للترحيب به ولمرافقته حتى الجيزة، وأحضر شاهين معه هدية ~~من إبراهيم بك ومحمد بك المنفوخ المرادي برسم الباشا نحو الثلاثين حصانا ومائة ~~قنطار بن قهوة، ومثلها سكر وأربع خصيان وعشرون جارية سوداء، قدم هذه الهدية لمحمد ~~علي، محمد كتخدا وعلي كاشف، فأرسل هذا صحبتهما هدية ومعهما ولده وديوان أفندي، ~~وخلع شاهين على طوسون فروة، وقدم له تقدمة وسلاحا نفيسا إنكليزيا، وكان قد ~~بلغ شبرامنت في 26 نوفمبر، فلما وصل شاهين إلى الجيزة في 6 ديسمبر، أطلقت مدافع ~~كثيرة تحية لقدومه، وأولم له علي جربجي موسى الجيزاوي وليمة فاخرة، ولو أنه فرض ~~مصروفها وكلفها على أهل البلدة، وذهب شاهين لزيارة الباشا يوم 8 ديسمبر، في موكب ~~عظيم، ms1234 فعدى إلى البر الشرقي مع طائفة كبيرة من الكشاف والمماليك وعربان الهوارة، ~~وكان الباشا قد أمر المشايخ والسيد عمر مكرم بانتظاره صحبة ابنه طوسون بك عند مصر ~~القديمة، فتلقاه هؤلاء وسلموا عليه، وكان معهم طائفة من الدلاة، فتألف الموكب ~~الذي قصد إلى القلعة من الدلاة بطبلاتهم وسفافيرهم يسيرون في الطليعة، يتلوهم ~~الكشاف والمماليك وعمر مكرم والمشايخ، ثم شاهين الألفي وبجانبه طوسون بك، وخلفهم ~~الطوائف والأتباع والخدم، وخلفهم النقانير، واستمر الموكب في سيره حتى وصلوا إلى ~~ضريح الإمام الشافعي فزاروه، ثم ركبوا وساروا إلى القلعة، وطلعوا باب العزب إلى ~~سراية الديوان، وانفصل عنهم المشايخ ونزلوا إلى دورهم، وقابل شاهين الباشا فخلع ~~عليه فروة سمور مثمنة وسيفا وخنجرا مجوهرا وتعابي، وقدم له خيولا بسروجها، ثم ~~تغدى عند طوسون في سرايه بالقلعة، ثم زار حسن باشا فأكرمه وخلع عليه أيضا، وقدم ~~له خيولا وركب ثلاثتهم: شاهين وطوسون وحسن باشا وذهبوا عند طاهر باشا ابن أخت ~~الباشا، فسلم عليه أيضا وقدم له تقادم، ثم ركب شاهين عائدا إلى الجيزة، وذهب ~~إلى مخيمه بشبرامنت، واستمر مقيما بالمخيم حتى تمم عمارة القصر، وتردد كشافهم ~~وأجنادهم إلى بيوتهم بالمدينة فيبيتون الليلة والليلتين ويرجعون إلى مخيمهم. وفي ~~10 ديسمبر، انتقل الألفية بعرضيهم وخيامهم إلى بحري الجيزة. # وجذب هذا الكرم والسخاء عددا من كبار الألفية، الذين ملوا المنفى وتاقت نفوسهم ~~لاستئناف حياتهم المترفة في القاهرة، فوصلها يوم 12 ديسمبر أربعة من صناجقهم، هم: ~~أحمد بك الألفي، ونعمان بك وحسين بك الصغير، ومراد بك الألفي، طلعوا إلى القلعة ~~وخلع عليهم الباشا فراوي، وقلدهم سيوفا، وقدم لهم تقادم، ثم نزلوا إلى حسن باشا، ~~فسلموا عليه، وخلع عليهم أيضا خلعا، ثم ذهبوا إلى بيت صالح آغا السلحدار (سلحدار ~~الباشا) فأقاموا عنده إلى أواخر النهار، ثم ذهبوا إلى بيوتهم التي بها حريمهم ~~فباتوا بها، وذهبوا في الصباح إلى الجيزة. # وبالغ الباشا في إكرام الألفية، فدفع من عنده الصداق لعديلة هانم ابنة إبراهيم بك ~~التي عقد لأحمد بك الألفي عليها في 16 ديسمبر، وقدر ms1235 الصداق ثمانية آلاف ريال، وفي ~~اليوم التالي نزل الباشا من القلعة، وذهب إلى مضرب النشاب واستدعى شاهين بك من ~~الجيزة وعمل معه ميدانا وترامحوا وتسابقوا ولعبوا بالرماح والسيوف، ثم طلع الجميع ~~إلى القلعة، واستمر شاهين بك عند الباشا إلى بعد الظهر، ثم نزل مع نعمان بك إلى ~~بيت عديلة هانم فمكثا إلى قبيل المغرب، ثم أرسل إليهما الباشا فطلعا إلى القلعة ~~فباتا عنده، ونزلا في الصباح وعديا إلى الجيزة. # واعتزم شاهين الزواج من أرملة حسين بك الوشاش الألفي، الذي غدر به جماعة عثمان ~~البرديسي وقتلوه في غضون عام 1804 في ظروف سبق أن ذكرناها، واستأذن الباشا في ذلك، ~~ولكن هذا قال: «إني أريد أن أزوجك ابنتي وتكون صهري، وهي واصلة عن قريب، أرسلت ~~بحضورها من بلدي قولة، فإن تأخر حضورها جهزت لك سرية وزوجتك إياها.» وقد بر الباشا ~~بوعده، فزوجه في منتصف مايو 1808، عندما تأخر حضور ابنته، سرية انتقتها لشاهين ~~زوجة الباشا، ونظمتها، وفرش له سبع مجالس بقصر الجيزة، وجمعوا لذلك المنجدين، وتقيد ~~بتجهيز الشواز والأقمشة واللوازم الخواجا محمود حسن البزرجان، من كبار التجار ~~وأصحاب الوجاهة، وكذلك زوج الباشا نعمان بك سرية أخرى، وعمرت دار لسكناه وفرشت ~~على طرف الباشا، وكثرت الأفراح حينذاك فتزوج علي كاشف الكبير الألفي بزوجة أستاذه، ~~وعمر بك الأرنئودي بجارية من جواري الست نفيسة المرادية. # وعندما شاع خبر الصلح بين محمد علي وشاهين الألفي، وما لقيه الألفية على يدي ~~الباشا من ضروب التكريم، قرر أمين بك الألفي الرجوع إلى مصر، وكان هذا - كما عرفنا - ~~قد غادر البلاد عند جلاء حملة «فريزر» عن الإسكندرية لتوسيط الإنجليز لدى الباب ~~العالي في صالح البكوات، وقابل «السير آرثر باجيت» في ثيندوس، ثم «السير ألكسندر ~~بول» في مالطة، ثم «الميجور مسيت» في مسينا، وقصد أخيرا إلى طرابلس الغرب، رجاء أن ~~تواتيه الفرصة للذهاب منها عبر الصحراء إلى مصر، فكتب «سانت مارسيل» من الإسكندرية ~~في أول يونيو 1808: «ينتظر حضور قافلة كبيرة من طرابلس الغرب وسائر الوجاقات تتألف ~~من آلاف المغاربة في طريقها ms1236 إلى مكة المكرمة للحج وسوف يحضر أمين بك الألفي إلى ~~مصر مع هذه القافلة.» وفي 15 يونيو وصل أمين الألفي إلى القاهرة، وكتب الشيخ ~~الجبرتي في حوادث هذا اليوم أن أمينا قد حضر من غيبته وكان مسافرا مع الإنكليز ... ~~فلم يزل غائبا حتى بلغه صلح خشداشينه مع الباشا فرجع، وطلع على ردته، فأرسلوا له ~~الملاقاة والخيول واللوازم، وحضر في التاريخ المذكور. ~~(2) الصلح مع بكوات الصعيد # وأثمرت المعاملة الكريمة التي لقيها شاهين الألفي وسائر زملائه ثمرتها الطيبة، ~~فاستطاع محمد علي الاستعانة بهم على تطويع العربان في إقليم البحيرة خصوصا - وقد ~~قدم ذكر ذلك - والأهم من هذا، أنه تمكن من توسيط شاهين الألفي في الصلح مع بكوات ~~الصعيد من بيت مراد والبرديسي: إبراهيم بك الكبير، وعثمان بك حسن، وشاهين بك ~~المرادي (خليفة البرديسي) وغيرهم. # ومنذ 16 ديسمبر 1807 كان قد تم الاتفاق على إرسال نعمان بك ومحمد كتخدا الألفي ~~وعلي كاشف الصابونجي إلى إبراهيم بك الكبير لإجراء الصلح، وغادر هؤلاء القاهرة في ~~مهمتهم هذه في ذلك اليوم مزودين بمكاتبات من شاهين الألفي، وكان الغرض من مسعاهم ~~إحضار بكوات الصعيد إلى القاهرة، يقدمون فروض الولاء لمحمد علي، ويعترفون بسلطانه ~~ويعيشون في كنفه، وحتى يكونوا تحت رقابته وملاحظته، على غرار ما حدث مع شاهين ~~وزملائه. # وكان بكوات الصعيد لا يظهرون نشاطا كبيرا في هذه الأيام بسبب انقساماتهم ~~وخلافاتهم على مألوف عادتهم، وبسبب ما طرأ عليهم من ضعف مادي من حيث نقص أعدادهم، ~~وما نجم عن اختلافاتهم واستئثار كل بك منهم بالنفوذ على عدد من المماليك يجمعهم ~~حوله ويؤلف منهم حزبا يدين بالطاعة له وحده، ثم بسبب بلوغ إبراهيم بك وعثمان بك ~~حسن سن الشيخوخة، وهما كبيرا البكوات، بينما لم يكن شاهين بك المرادي - رئيس ~~المرادية، وأحد المباشرين والضاربين لحسين بك الوشواش بالبر الغربي ليلة خروجهم ~~وتعديتهم لملاقاة الألفي - يستمتع إلا بسلطة اسمية فحسب؛ وعلى ذلك فقد قبل بكوات ~~الصعيد المفاوضة في شروط الصلح بالرغم من معارضة إبراهيم بك وعثمان حسن اللذين ~~انعدمت كل ثقة ms1237 لهما في الباشا، وكانا لا يرضيان إلا بطرده من الباشوية، ولقد راح ~~الوسطاء - نعمان بك ومحمد كخيا (كتخدا الألفي) والصابونجي، يبذلون قصارى جهدهم ~~لاستمالة البكوات إلى نبذ نصيحة إبراهيم وعثمان حسن، وتقليل أنصارهما، بدعوى ~~المعاملة - الطيبة التي سوف يلقاها بكوات الصعيد والشروط السخية التي سوف يمنحها ~~الباشا لهم إذا قبلوا الصلح كالبكوات الألفية فنجحت مساعيهم، ولم يستمع أحد ~~لتحذيرات إبراهيم وعثمان حسن، فقر الرأي على إيفاد مرزوق بك بن إبراهيم بك وسليم بك ~~المحرمجي إلى القاهرة للمفاوضة في شروط الصلح. # وفي 5 مارس 1808 وصل مرزوق وسليم المحرمجي إلى القاهرة ومعهما علي كاشف ~~الصابونجي، «فطلعوا إلى القلعة، وقابلوا الباشا، وخلع هذا على مرزوق بك والمحرمجي ~~فروتين ونزلا إلى دورهما، وبدأت المفاوضة، وترددوا على الباشا وطلعوا ونزلوا إلى ~~القلعة ومنها، وبلغوا رسائل الأمراء القبليين، وذكروا مطالبهم وشروطهم، وشروط ~~الباشا عليهم والاتفاق في تقرير الصلح والمصالحة، واستمر ذلك عدة أيام.» # وعلق محمد علي آمالا كبيرة على توفيقه في هذه الخطوة؛ لأن الصلح إذا تم مع ~~البكوات المماليك سوف يضع حدا لشرورهم وغوائلهم، ويمكنه من بسط سلطانه على ~~الصعيد، وكان لخضوع بكوات الصعيد في هذا الحين بالذات أهمية كبيرة؛ لأن الباب ~~العالي قد صار يستعجله الآن - كما عرفنا - بإلحاح متزايد الخروج في جيشه إلى ~~الحجاز، ويطلب إليه إرسال الإمدادات من مال ومؤن ومهمات لمساعدة الدولة، وحرم ~~امتلاك البكوات للصعيد الباشا من إيرادات هذا الإقليم الغني بحاصلاته وغلاله ~~الوفيرة، فهو يستطيع إذا قبل هؤلاء الصلح معه على أساس الاعتراف بسلطانه - ومعنى ~~الاعتراف بسلطانه كما أوضح الباشا نفسه في شتى المناسبات التي حصلت فيها مفاوضات ~~الصلح أن يدفع البكوات المال أو الميري؛ أي الضرائب الحكومية لخزانة الولاية - أن ~~يظفر بإيرادات الصعيد. # وتفاءل الباشا خيرا من مجيء مرزوق بك وسليم المحرمجي، بعد أن تم تسليم شاهين ~~الألفي وجماعته وصلحهم معه، فبادر بالكتابة إلى إستانبول في 10 مارس 1808 «بأن نصف ~~طائفة المماليك قد دخلوا تحت الطاعة، بينما النصف الآخر على وشك أن يحذو حذوهم في ~~هذه ms1238 الأيام، حتى صار من المتوقع بفضل خطة الباشا الحازمة والحكيمة إنهاء غوائلهم ~~جميعا ودفعها، وأن يستطيع سداد ما عليه من ديون - إن شاء الله - بفتح إقليم ~~الصعيد»، ووعد بالخروج عندئذ إلى الحجاز ضد الوهابيين. # وقد توسط في هذه المفاوضة كذلك «كارلو روشتي»، ويكتب «دروفتي» إلى حكومته في 8 ~~أبريل 1808 تعليقا على هذه الوساطة، وعلى المفاوضات ذاتها: «أن البكوات في الصعيد ~~كانوا قد رجوه التدخل في المفاوضات مع الباشا، كما طلب إليه ذلك محمد علي نفسه، ~~ولكنه اعتذر لعدم وجود تعليمات لديه تتيح له التدخل، فاضطر الجانبان إلى توسيط ~~«روشتي» قنصل النمسا العام، ورحب هذا بما عرض عليه كل الترحيب؛ لأن هذا الدور سوف ~~يمكنه من الاحتفاظ بما يتمتع به من نفوذ كبير وأكثر من اللازم في شئون مصر، وهناك ~~ما يدعوه؛ أي «دروفتي» إلى توقيع عقد الصلح في النهاية، ولكنه يلحظ كثيرا من ~~التحرز من كلا الجانبين، مما يجعل المفاوضات تطول أكثر من الوقت الذي تستدعيه ~~طبيعتها.» # واستطالت المفاوضات فعلا، ومرد ذلك إلى تغالي بكوات الصعيد في مطالبهم؛ حيث ~~تمسكوا ببقاء كل الأقاليم التي يملكونها فعلا بالصعيد في حوزتهم - أي السيطرة على ~~الصعيد بأسره ما عدا بعض المراكز القليلة - كما أنهم نفروا من الحضور إلى القاهرة، ~~ولم يشأ محمد علي قطع المفاوضة، ولم يشأ في الوقت نفسه التسليم بمطالبهم المتطرفة، ~~فراح يمد في أجلها ما استطاع إلى ذلك سبيلا، لعل وكلاءه في المعسكر المملوكي ~~يستطيعون إشاعة الانقسام والفرقة بينهم وزيادة الخلافات الناشئة بين مختلف ~~أحزابهم حدة على حدتها، فيحملهم وهنهم واتضاح عدم جدوى المعارضة لهم على قبول ~~شروطه، فصار يتعلل بضرورة إخضاع العربان وانشغاله بأمرهم، وقد استخدم في ذلك شاهين ~~الألفي على نحو ما مر بنا، فظلت تتجدد الهدنة بين البكوات وبين محمد علي طوال ~~الشهور التالية، حتى حدث أن توفي شاهين بك المرادي بمنفلوط في 11 مايو 1808. # فتهيأ بفضل هذا الحادث لمحمد علي إنهاء المفاوضة على شروطه، وذلك أنه بادر بمجرد ~~ورود الخبر في 15 مايو بموت شاهين ms1239 المرادي، بتعيين سليم بك المحرمجي رئيسا ~~للمرادية، وقبل هذا شروط الباشا، فيقول «سانت مارسيل» في أول يونيو: إن الصلح قد ~~عقد على أساس أن يظل الصعيد ابتداء من المنيا فقط في أيدي البكوات، وبشريطة أن ~~يدفع هؤلاء الميري عن الأقاليم التي بقيت لهم، وذلك ابتداء من العام المقبل، ~~وأيد أخبار هذا الصلح على القواعد المذكورة «دروفتي» في تقريره الذي رفعه إلى ~~حكومته وقتئذ، وغادر المحرمجي القاهرة إلى الصعيد، وانتظر الباشا تصديق البكوات على ~~هذا الصلح، وقبل البكوات في أول الأمر شروط الباشا وصدقوا على الصلح، وكان الباشا ~~منذ 15 مايو قد قلد مرزوق بك ولاية جرجا وإدارة الصعيد، وألبسه الخلع، وشرط عليه ~~إرسال المال والغلال الميرية، وذلك كما رأى الباشا حتى يزول أي شك لديه في صدق ~~نواياه. وذكر الشيخ الجبرتي الآثار التي ترتبت على عقد الصلح بين الباشا والبكوات، ~~فقال: «وعند ذلك اطمأنت الناس، وسافرت السفار والمنتسبون، ووصل إلى السواحل مراكب ~~الغلال والأشياء التي تجلب من الجهة القبلية»، وذلك من أواخر يونيو إلى أواخر الشهر ~~التالي. وقال «دروفتي»: إن مرزوق بك عند ذهابه إلى الصعيد كان يحمل إنذارا من ~~الباشا لإخوانه، أنه مصمم على شروط الصلح هذه ولا يقبل نقضها. ~~(3) البكوات ينقضون الصلح # وكان الباعث على توجيه هذا الإنذار إلى البكوات، أن هؤلاء بعد موافقتهم الأولى ~~على الصلح، ما لبثوا أن عملوا على نقضه، فقد نجحت مساعي وكلاء الباشا في معسكرهم، ~~فغادره كثيرون من المماليك والأتباع الذين آثروا الاستمتاع بحياة الترف في القاهرة، ~~وأغراهم سخاء الباشا على التسليم له، وعلاوة على ذلك، فقد كان تعيين سليم بك ~~المحرمجي رئيسا على المرادية (بيت مراد والبرديسي) عملا جريئا وخطوة خطيرة؛ لأن ~~البكوات في الصعيد كانوا يسلكون مسلك المستغلين، ويتفاوضون كالأنداد مع الباشا، ولم ~~يحدث قط أن الباشوات الذين تولوا بالقاهرة، أو الباب العالي نفسه في القسطنطينية، ~~رأوا أن من حقهم التدخل في مسألة تعتبرها هذه الطائفة المملوكية العسكرية مسألة ~~عائلية ومن شئونهم وحدهم، فكان معنى تدخل الباشا الآن في هذه المسألة، ms1240 أنه قد صار ~~لديه من القوة ما يجعله قادرا على هذا التدخل، لا سيما وقد أشار الباشا نفسه إلى ~~هذا المعنى عندما قال وقت تعيينه للمحرمجي رئيسا للمرادية: إن باشويته على الديار ~~المصرية تخوله هذا الحق، بفضل ما تعطيه له هذه الباشوية من سيادة كاملة على البلاد ~~بأسرها، ثم جاء إعطاؤه الحكم في جرجا وإمارة الصعيد لمرزوق بك مؤيدا لهذه السيادة ~~الكاملة، ولم يسع المحرمجي ومرزوق بن إبراهيم الكبير إلا الرضوخ لإرادة ~~الباشا. # وكان واضحا أن غرض محمد علي من خطوته هذه أن يزيد في إشاعة الانقسام والخلاف في ~~صفوف البكوات، وإثارة الأحقاد بينهم حتى يحملهم ضعفهم على قبول الاتفاق معه بشروطه ~~المعروفة، كما أنه أراد أن يعود أعداءه وخصومه، مثلما عود أنصاره، على قبول الأمر ~~الواقع والرضوخ لتلك السلطة التي يمارسها فعلا، ولم يدهش تدخل الباشا في شئون ~~المماليك القاهريين والأهالي عموما، وهم الذين صاروا - على نحو ما أشرنا سابقا - ~~يؤمنون الآن أكثر من أي وقت مضى بسلطان الباشا، وبأن لمصر سيدا واحدا فقط هو محمد ~~علي. # ولكن هذا التدخل أدهش البكوات، بل وأثار في نفوسهم الخوف في الوقت نفسه؛ لأنه كان ~~المرة الأولى التي يحدث فيها هذا التدخل من أجنبي عنهم في شئونهم؛ ولأنه كان يدل ~~على أن السلطة الجديدة قد بلغت درجة عظيمة من الاستقرار والقوة جعلتها تجرؤ ~~وتتجاسر، وهي في مكانها البعيد في القاهرة على اتخاذ هذه الخطوة، وأحدث هذا الخوف ~~أثره، فقد ثار عديدون من البكوات ضد تعيين سليم المحرمجي رئيسا للمرادية، ولكن لم ~~يلبث أن تغلب فريق آخر رأى من الحكمة - تجنبا لاتساع شقة الخلاف بينهم - تلافي ~~الموقف باختيار سليم المحرمجي، والتصديق على تعيينه، ويقول المعاصرون: إن ما وقع ~~بين البكوات يكفي وحده دليلا على مبلغ الضعف الذي صاروا فيه وقتئذ. # ومع ذلك فقد امتنع البكوات عن دفع الميري المطلوب منهم بمقتضى شروط الصلح، لا ~~نقدا ولا عينا؛ أي غلالا، وفسر «دروفتي» عدم وفائهم بوعودهم بقوله في كتابه إلى ~~حكومته في 12 يوليو 1808: «إن ms1241 شروط الاتفاق الذي تم بينهم وبين محمد علي تتطلب ~~وجود ثقة متبادلة بين الطرفين من المتعذر إنشاؤها؛ لأنه لم يكن في مقدور المماليك ~~البكوات أن يجمعوا أمرهم على دفع الميري المطلوب منهم، فبالرغم من ضعفهم ~~والانحلال الذين هم فيه، والذي يمكن القول بأنه يتفاقم يوما بعد يوم، فإنهم عاجزون ~~عن التخلي عن فكرة التنازل عن امتلاك مصر لصالح العثمانلي.» # وكرر محمد علي مطالبتهم بدفع الميري، ولكن دون جدوى، وظل الحال على ذلك حتى شهر ~~سبتمبر، فيذكر «سانت مارسيل» في 21 سبتمبر «أن الصلح مع البكوات لم يتم دعمه ~~وتأييده، ومع ذلك فكل شيء هادئ في الصعيد، ولو أن البكوات يرفضون دفع الميري عن ~~إقطاعاتهم، ودفع الميري كما هو معلوم الشرط الأساسي لهذا الصلح»، فلم يكن في وسع ~~البكوات بالرغم من عدم إذعانهم أن يقاوموا حكومة محمد علي أو أن يجبروه على تركهم ~~وشأنهم، والعلة في ذلك انقساماتهم وخلافاتهم، حتى إن المرادية طردوا سليمان كاشف ~~البواب وأربعة من الكشاف من الصعيد، فحضر هؤلاء إلى القاهرة في ديسمبر لاجئين إلى ~~الباشا، فرحب هذا بهم، وخلع على سليمان وأعد له دارا لسكناه. # وكان واضحا أن استمرار الحال على هذا المنوال متعذر، ولا معدى عن لجوء الباشا ~~إلى وسائل أخرى لإرغام البكوات على تنفيذ شروط الصلح الذي سبق أن وافقوا عليه ثم ~~راحوا ينقضونه، وكان محمد علي قد أمهلهم مرة أخرى، وآخرها إبان جولته في الوجه ~~البحري في رحلته التي سبق ذكرها، والتي استغرقت من أواخر أغسطس إلى أواخر سبتمبر ~~1808، وكانت عودته منها يوم 22 منه، فلما علم يوم وصوله أن البكوات لا يزالون ~~ممتنعين عن دفع المال والغلال (الميري) بالرغم من تكرار الطلب عليهم أن يفعلوا، أمر ~~بتجهيز حملة ضدهم، وشرع يستعد لها. # وسبب إصرار الباشا على إلزام البكوات الوفاء بعهودهم ودفع الميري نقدا أو عينا ~~أن الباب العالي استمر يطالبه بإنفاذ الإمدادات المطلوبة لحرب الوهابيين، وقد تقدم ~~كيف أن محمد نجيب كتخدا الباشا في القسطنطينية كتب إليه منذ 17 ديسمبر 1808، أن ~~ترتيبات ms1242 الحملة المرسلة ضد الوهابيين قد انتهت، وذلك بإسناد سر عسكرية الحجاز أو ~~قيادة الحملة العامة مع إيالة الحبشة إلى الصدر الأعظم الأسبق يوسف ضيا باشا، وأنه ~~عند تحرك محمد علي من مصر عندما يتحدد موعد تحرك يوسف ضيا المنتظر حدوثه قريبا في ~~السنة القادمة (1809) يجري حينئذ ما يلزم اتخاذه من إجراءات لإحالة إيالة أو ~~ولاية جدة إلى محمد علي، فكان لزاما على الباشا أن يصر على تحصيل الميري من ~~البكوات حتى يتسنى له الاستعداد للخروج إلى الحجاز. ~~(4) البكوات يطلبون الصلح # ولكن حتى شهر مارس 1809، لم يكن البكوات قد أوفوا بعهودهم، بل استمروا يسعون ~~للتنصل من التزاماتهم، وخيل إليهم أن في استطاعتهم التأثير على الباشا بالهدايا ~~وبذل الوعود الطيبة فحسب حتى يعدل عن تشدده، فأوفدوا إليه رضوان كتخدا البرديسي، ~~ومعه أجوبة وهدية وفيها خيول وجوار وعبيد وسكر وخصيان، وكان الباشا حينئذ عند ~~الترعة الفرعونية منهمكا في سدها منذ منتصف شهر فبراير، فقابله رضوان كتخدا ~~البرديسي هناك، ولكن بدلا من نزوله عن عزمه «اغتاظ الباشا وقال: أنا لست أطلب ~~إحسانهم وصدقاتهم، حتى إنهم يضحكون على ذقني بهذه الأمور، وحيث إنهم لا يرجعون عن ~~الكامن في رءوسهم فلا بد من خروجي إليهم ومحاربتهم، وأرسل إلى من بمصر من الأكابر ~~يأمرهم بالبراز والخروج، فخرج حسن باشا وصالح آغا قوج وطاهر باشا وأحمد بك والكثير ~~من أعيانهم بعساكرهم، وعدوا إلى بر الجيزة ونصبوا وطاقهم وخيامهم، وحضر أيضا ~~نعمان سراج باشا من عند إبراهيم بك، وقابل الباشا على الترعة، فلم ينفع حضوره ~~أيضا، فلم يسمع له قول، ورجع مزيفا. # وعندئذ لم يزل رضوان كتخدا يلاطفه حتى توافق معه على وعد، مقدار مسافة ذهاب ~~الجواب ورجوعه أياما معدودة.» # ورجع الباشا بعد ذلك إلى القاهرة، وفي 18 مارس 1809، اهتم بإخراج التجريدة إلى ~~الصعيد، «فأخذ في التشهيل والخروج، واستمر انتقال العساكر إلى البر الغربي، وأخذ ~~يستحث في المطلوبات وخروج الخيام وجمع المراكب، وسافر قبودان بولاق إلى جهة بحري ~~لجمع المراكب، وفرضوا على القرى غلالا وجمالا.» # وأزعجت هذه الاستعدادات بكوات ms1243 الصعيد أيما إزعاج، وحاولوا إثناء الباشا عن عزمه ~~على محاربتهم، وسؤاله أن يمهلهم بعض الوقت للوفاء بالتزاماتهم، فأوفدوا إليه علي بك ~~أيوب ورضوان بك البرديسي (وهو غير رضوان كتخدا البرديسي) فحضرا إلى القاهرة يوم 22 ~~مارس، «وطلعا إلى القلعة، وتقابلا مع الباشا، وانخضع له علي بك أيوب، وقبل رجله ~~وترجى عنده في عدم خروج التجريدة، وكلمه في أمر الغلال المنكسرة والجديدة وعلى أنهم ~~يقومون بدفع الغلال القديمة بالثمن، والجديدة بالكيل، وليس عندهم مخالفة والقصد ~~الإمهال إلى حصاد الغلال، فقال الباشا: إنهم إذا حصدوا الغلال أخذوها وفروا إلى ~~الجبال.» # واستمر المندوبان يتوسلان للصلح وعدم خروج الحملة إلى الصعيد، مدة أربعة أيام ~~بتمامها، وراقب القاهريون باهتمام زائد سير المفاوضات وقد تاقت نفوسهم لنجاحها ~~وإتمام الصلح؛ «لما يترتب على استمرار العداء بين الباشا والبكوات وما يحصل من ~~الفساد وأكل الزروعات وخراب البلدان، فإن الجند أكلوا في الأربعة أيام التي ~~ترددوا فيها بالجيزة نيفا وخمسمائة فدان، ولما أشيع بالجهة القبلية خروج العساكر ~~للتجريدة انزعج الناس وألسوا من زروعاتهم، وخرجوا من أوطانهم على وجوههم لا يدرون ~~أين يذهبون بأولادهم ونسائهم وقصاعهم، وتفرقوا في مصر (القاهرة والبلاد البحرية)؛ ~~ولذلك فإنه عندما أشيع الصلح في 25 مارس فرح الناس واستبشروا بذلك، وعندما تبين ~~لهم كذب ذلك في اليوم التالي وأشيع خروج العساكر ثانيا انقبضت النفوس ثانيا ~~وبات الناس في نكد، وطلبت السلف من المساتير والملتزمين وكتبت الدفاتر وحولت ~~الأكياس، وانبث المعنيون للطلب.» # على أن الطمأنينة عادت إلى النفوس عندما بطل أمر التجريدة يوم 27 مارس، وتوصل ~~المندوبان إلى عقد الصلح مع الباشا على شروط، وهي: أنهم؛ أي البكوات التزموا ~~بتأدية ثلث ما عليهم من غلال الميري، وقدره مائة ألف إردب وسبعة آلاف إردب، بعد ~~مناقشات ومحققات، والذي تولى المناقشات معهم مساعد الباشا: شاهين بك الألفي، وعلى ~~أن يدفع البكوات الميري سنويا وقدره ثلاثمائة ألف قرش عثماني، وأعطوا مهلة واحدا ~~وثلاثين يوما، وغادر القاهرة إلى الصعيد علي بك أيوب ورضوان بك البرديسي بعد أن ~~أكرمهما الباشا وخلع عليهما، ms1244 وكتب «سانت مارسيل» إلى حكومته من الإسكندرية في 13 ~~أبريل، أن بكوات الصعيد وقد تفاوضوا من جديد مع الباشا، فإن التفاهم لا يزال ~~قائما بين الطرفين. # ولكن منذ 29 أبريل راح «دروفتي» يكتب من القاهرة: «أن موعد انتهاء الهدنة قد قرب ~~ولم يبق سوى أيام قليلة على انتهائها، ومع أن كلا الطرفين (الباشا والبكوات) يجدان ~~في التسلح، ففي وسع المرء الاعتقاد بأن تقرير الصلح لا يزال ممكنا»، وأن «دروفتي» ~~كان لا يؤمن في قرارة نفسه بأن السلام سوف يسود بين الفريقين، ولكن كان مبعث تفاؤله ~~ما أظهره الباشا من تساهل، وموافقته على مد أجل الهدنة. # وحقيقة الأمر أن الباشا أمهل البكوات ثلاثة شهور، ودأب البكوات على المراوغة، ~~ونفذوا من الاتفاق شطره المناسب لهم، فحضر في 23 مايو إلى القاهرة مرزوق بك بن ~~إبراهيم بك وقاسم بك سلحدار مراد بك وعلي بك أيوب، وحضر معهم سليما آغا مستحفظان، ~~ولو أن هذا الأخير مذكور في الحضور، بل كان منجمعا وممتنعا عن التداخل في هذه ~~الأحوال، وكان سبب حضوره أن زوجته توفيت وأراد أخذ تركتها ومتاعها ومتاعه الذي ~~عندها وحصصها، ولكنه وجد الباشا استولى على ذلك وأخذ المتاع والمصاغ والجواهر ~~والعقار وأخذ الحصص وحلوانها، وذلك بيد محمود بك الديودار، فلما حضر سليم آغا لم ~~يجد شيئا، لا دارا ولا عقارا ولا نافخ نار فحضر إليه محمود بك الديودار ~~والترجمان وأخذا بخاطره وطمناه وأخبراه أن الباشا سيعوض عليه ما ذهب منه وزيادة ~~وزرعا له فوق السطوح، فلم يسعه إلا التسليم. # ومضى شهر يونيو، ولم يوف البكوات بعهودهم، وفي 28 يونيو غادر القاهرة إلى الصعيد ~~علي بك أيوب وسليم آغا مستحفظان، وبقي مرزوق بك وقاسم بك المرادي. ~~(5) البكوات ينقضون الصلح مرة ثانية # ثم انقضى شهر يوليو والنصف الأول من شهر أغسطس، دون أن يفي البكوات بعهودهم، فهم ~~لم يدفعوا المطلوب منهم عن السنة التي تم الاتفاق عليها، وقاربت السنة التالية ~~الانتهاء كذلك دون أن يبدو منهم ما يدل على رغبتهم في الدفع؛ ولذلك فقد قرر ms1245 الباشا ~~مناجزتهم، وكتب «دروفتي» إلى حكومته من القاهرة في 21 أغسطس أن المفاوضات بين محمد ~~علي والبكوات لم تثمر الثمرة المنشودة، ويعتزم الباشا الآن إرسال جيش للاستيلاء على ~~القرى والمدن الواقعة على ضفتي النيل، ولا يرى «دروفتي» في هذه العملية أية ~~صعوبة؛ نظرا لارتفاع مياه النهر الذي يحرم المماليك من استخدام فرسانهم، ويستعد ~~كذلك البكوات للذهاب إلى القرى المجاورة للصحراء، وسوف يكون وقت اشتباك القوتين عند ~~انخفاض مياه النهر وانحسارها عن الأراضي القريبة منه. # والواقع أن عديدين وقت إبرام الاتفاق اعتقدوا أن البكوات لن يوفوا بالتزاماتهم ~~بالرغم من الاعتدال الذي أظهره الباشا وعدم تعنته معهم، فقد كتب «دروفتي» نفسه من ~~القاهرة في 9 أبريل: «إن هذا الاتفاق المبرم بين الباشا والبكوات شأنه - كما سبق أن ~~أوضح ذلك في تقرير لحكومته بتاريخ 10 يناير 1809 - شأن كل ترتيب مثالي لا يستند على ~~أساس أو نظام معين، ولا يوجد أي ضمان لتنفيذه، وصفوة القول هو مثال لذلك الفشل ~~الذريع الذي لا مناص من ترتبه على كل مفاوضات لا تقوم على شيء من المنطق والواقع؛ ~~ولذلك فإن البكوات عند كتابة هذا التقرير قد خرقوا المعاهدة ولم يوفوا بأي عهد من ~~عهودهم بدعاوى لا يرى من المفيد ذكرها.» # ولقد استطرد «دروفتي» وقتئذ فقال: «إن مفاوضات جديدة قد بدأت، وانتهت منذ شهر إلى ~~تقرير هدنة مدتها شهر واحد، ويعتقد الباشا في احتمال الوصول إلى تفاهم مع البكوات، ~~ومركزه يوجب عليه الرغبة في الوصول إلى هذا التفاهم، والباشا يرجو أن يقبل البكوات ~~مقترحاته الأخيرة.» وسرد «دروفتي» تفاصيل هذه المقترحات فيما لا يختلف عما ذكرناه ~~عنها، ثم أنشأ يقول: «وما طلبه الباشا من البكوات كان معقولا وفي حدود الاعتدال ~~تماما، ولكن البكوات إذا قبلوا هذه التضحية الصغيرة فعلا، فإنهم يكونون قد فعلوا ~~ذلك بأسى وألم بالغ؛ لأن هذا الاتفاق يضعهم موضع الخاضعين لسلطان الباشا، في الظاهر ~~على الأقل، وزيادة على ذلك فإنهم لن يقبلوا هذا الاتفاق إلا بتحفظ ذهني دائما؛ أي ~~مع التصميم على انتهاز أول فرصة ms1246 سانحة لنبذه ظهريا والتحلل منه، ولكن أعداد ~~المماليك - لسوء حظهم - لا تزال تقل وتنقص باضطراد يوما بعد آخر، وليس لديهم زعماء ~~في قدرتهم اتخاذ قرارات من النوع الحاسم الخطير، ويفقد إبراهيم بك باستمرار منزلته ~~عند أتباعه وصغار البكوات بسبب شيخوخته، ويقل اعتباره في أعينهم بدرجة تقدمه في ~~السن، وبيت مراد والبرديسي منقسم إلى أحزاب بدرجة عدد صناجقه - وهؤلاء الأخيرون ~~كثيرون - حتى إن الواحد منهم لا يتجاوز عدد مماليكه الستة، وبمعسكر شاهين بك ~~الألفي، خليفة الألفي الكبير حوالي الاثني عشر من البكوات، زد على ذلك ما يشاع من ~~أن المماليك في هذه الظروف يستمعون لنصح أشخاص يهمهم في واقع الأمر أن تشل ~~حركتهم.» # ولقد أخطأ البكوات بعدم الوفاء بعهودهم خطأ كبيرا، ليس فقط لأنهم كانوا بسبب ~~انقساماتهم وخلافاتهم ضعافا، ولا قدرة لهم في ظروفهم التي ذكرها «دروفتي» على ~~مقاومة محمد علي، بل ولأن الباشا في أبريل 1809 والشهور القليلة التالية، كان قد ~~بسط سلطانه تماما على القاهرة، وعلى الوجه البحري بأجمعه، حتى إن ما حدث من ازدياد ~~استقرار حكومته لم يلبث أن ظهر أثره في إنعامه بسلطته الخاصة على ولديه إبراهيم ~~وطوسون برتبة الباشوية، وخصص لكل منهما عددا من الجند والحرس يتناسب مع مركزه، ~~واستقدم سائر أفراد أسرته من «قولة» وأسرات أعوانه - مما سبق تفصيله كله - الأمر ~~الذي دل على اطمئنان محمد علي لنفوذه وسلطانه في باشويته من جهة ، وحرصه على اتخاذ ~~الوسائل التي تكفل تأكيد هذا النفوذ والسلطان من جهة أخرى، لما تنطوي عليه هذه ~~الخطوات من إظهار أن أسرته صاحبة السلطة الفعلية في البلاد، وتعويد الأهلين على ~~انتظار استقرار حكومته في مصر، وحتى يقتنع البكوات المماليك أنفسهم بأن الحكم باق ~~في يده. # وفضلا عن ذلك، فقد فرغ الباب العالي أخيرا من وضع الخطة اللازمة لمحاربة ~~الوهابيين، وقد شاهدنا كيف أبلغ محمد علي في 6 مايو 1809 نبأ تعيين يوسف ضيا ~~نهائيا قائدا عاما لعسكر الحجاز، على أن يتحرك سليمان باشا والي بغداد من جهة ~~الحسا والدرعية، وأن يتحرك محمد ms1247 علي للهجوم على جدة وينبع، فيسرع يوسف ضيا بالزحف ~~عند حركتهما، وأمام هذه التبليغات وخروج مشروع حملة الباب العالي ضد الوهابيين إلى ~~حيز الوجود لم يعد هناك مناص من إرغام البكوات على الخضوع والوفاء بالتزاماتهم ~~عندما توقع الباشا أنه سوف يضطر بدوره إلى إرسال جيشه إلى الحجاز عاجلا أو آجلا، ~~وكان الباشا علاوة على ذلك يعتمد على استطاعته إذا تم الصلح مع البكوات أن يلحق ~~فرسانهم بجيشه الخارج إلى الحجاز. # أضف إلى هذا أن محمد علي كان يتوقع انتهاء الحرب قريبا بين فرنسا والنمسا في ~~صالح فرنسا (وقد وقعت النمسا - كما عرفنا - صلحا منفردا مع الإمبراطور نابليون في ~~شونبرون # Schönbrünn ~~- صلح فينا - في 14 أكتوبر ~~1809)، فكان من رأي محمد علي أن خروج النمسا من الميدان وترك إنجلترة تتحمل العبء ~~الأكبر من النضال وحدها ضد فرنسا سوف يزيد من مكانة ونفوذ فرنسا في القسطنطينية ~~ويمكنها من استمالة الباب العالي لإعلان الحرب على إنجلترة، ومع أن هذه ظلت تبذل ~~جهدها للحيلولة دون ذلك ولعقد محالفة بين تركيا والنمسا وإنجلترة ضد فرنسا على ~~النحو الذي سبق لنا توضيحه، فقد ظل محمد علي في شهري أغسطس وسبتمبر 1809 يتوقع فشل ~~المفاوضات بين إنجلترة وتركيا لعقد المحالفة المنشودة بسبب انتصارات الإمبراطور في ~~معركتي «إكموهل» # Echmühl # في 22 أبريل 1809، ~~و«واجرام» # Wagram # في 9 يوليو 1809، بل توقع أن ~~تعلن تركيا الحرب على إنجلترة، واعتقد أن الإنجليز عند قيام الحرب سوف يبادرون ~~باحتلال مصر تأمينا لممتلكاتهم في الهند ضد فرنسا، وكان من المنتظر في هذه الحالة ~~أن يحاول الإنجليز الاعتماد على البكوات المماليك في تأييد حملتهم على مصر، وفي هذه ~~المرة سوف يبذلون قصارى جهدهم لإقناع البكوات بالتعاون الفعلي معهم، وعدم الاكتفاء ~~بموقف الحياد الذي وقفوه أيام حملة «فريزر»، ولما كان البكوات قد أخلوا بعهودهم مع ~~الباشا ولم ينفذوا اتفاقهم معه، وظلوا معتصمين بالصعيد، فقد توقع محمد علي أن ~~يتعاونوا في هذه المرة مع الإنجليز، ووجب عليه - لذلك - أن يفرغ من إخضاعهم لسلطانه ~~قبل تحقق هذه الأخطار التي ms1248 توقعها، وذلك إما سلما بالاتفاق معهم واستمالتهم إلى ~~الحضور للقاهرة والإقامة بها تحت إشرافه ومراقبته، وإما حربا بقتالهم وهزيمتهم ~~وسحق قواتهم تماما، وإرغامهم بذلك إرغاما على الخضوع له والإذعان لطاعته. # وعلى ذلك فقد شرع منذ منتصف شهر أغسطس 1809 يرسل قواته إلى الصعيد، فخلع في 14 ~~منه على ثلاثة من الأجناد المصرية (المماليك) المنسوبين لسليمان بك البواب، وقلدهم ~~صناجق وأمراء وضم إليهم عساكر أتراك وأرنئود ليسافر الجميع إلى الجهة القبلية، ~~ثم إنه عين للسفر أيضا أحمد آغا لاظ، وصالح قوج، وبونابرتة (الخازندار) وحسن باشا ~~وعابدين بك، فارتجت البلد، وطلبوا المراكب، وفي 21 أغسطس غادر القاهرة أحمد آغا ~~لاظ وصالح قوج، خرجوا بعساكرهم ونزلوا في المراكب، وذهبوا إلى قبلي، وفي 30 أغسطس ~~سافر من كان متأخرا إلى الجهة القبلية، ولم يبق منهم أحد. # وتقدم الجيش الزاحف على الصعيد، في الأيام الأولى من شهر سبتمبر، وعجز البكوات عن ~~المقاومة، فصار المماليك يفرون، في كل مكان يظهر فيه جنده، تاركين شاطئ النيل، ~~ملتجئين إلى الجبال في جرجا وأسيوط للتحصن بها، ورأى الباشا في تقهقر البكوات ~~المستمر دليلا على ضعفهم وخوفهم، أو رغبتهم في حقن دمائهم، وتأكد لديه أن وجوده ~~على رأس جيشه سوف يفضي إلى تسليمهم وخضوعهم السريع معتمدا على قدرته أثناء وجوده ~~بالصعيد على إشاعة الفوضى في صفوفهم، وزيادتها حدة على حدتها، فيتسنى له بفضل ذلك ~~حملهم على الاتفاق معه، أو على الأقل إضعافهم بسبب زيادة هذا الانقسام والحيلولة ~~دون تكتلهم ضده ، فقرر اللحاق بجيشه، ثم إنه اعتزم أن يصحب معه في هذه الحملة ~~الكبيرة ولديه إبراهيم وطوسون، ثم شاهين بك الألفي، حتى يوسطه في المفاوضة مع ~~البكوات عندما يجد هؤلاء أن لا مناص لهم من قبول الاتفاق معه والوفاء ~~بعهودهم. # وأطلع الباشا «دروفتي» على أسباب تجهيز هذه الحملة والغرض من إرسالها وذهابه ~~لقيادتها بنفسه، فكتب القنصل الفرنسي إلى حكومته في 9 سبتمبر 1809: «أنه لما كان ~~محمد علي يعتقد أن الحرب بين فرنسا والنمسا تقترب من نهايتها، ويتوقع أن يعلن الباب ~~العالي ms1249 الحرب على إنجلترة، فتعمد هذه حينئذ - كي تحول دون وقوع تهديد قد تتعرض له ~~ممتلكاتها في الهند من جانب فرنسا - إلى محاولة الاستيلاء على مصر حتى تكون قريبة ~~من ممتلكاتها هذه، فقد صار ضروريا أن يحطم الباشا قوة البكوات المماليك إذا أخفق ~~في الوصول إلى اتفاق معهم، يضمن مؤازرة هؤلاء لجيشه ضد الإنجليز عند نزول حملتهم في ~~مصر؛ وذلك لأن الباشا يخشى أن يترك البكوات في هذه المرة موقف الحياد الذي وقفوه ~~أيام حملة «فريزر»، وأما الضمان لذلك فهو حضورهم للإقامة في القاهرة تحت ~~ملاحظته.» # ولعل هذا الاهتمام البالغ الذي ظهر من ناحية الباشا بأمر هذه التجريدة، هو الذي ~~حدا بالشيخ الجبرتي أن يعزو خروج الباشا نفسه وولديه وكبار قواده إلى «وصول أخبار ~~عن التجريدة التي خرجت منذ أواخر أغسطس أزعجت الباشا فاهتم اهتماما عظيما وقصد ~~الذهاب بنفسه، ونبه في جميع كبراء العساكر بالخروج، وألا يتخلف منهم أحد، حتى ~~أولاده إبراهيم بك الدفتردار وطوسون بك، وأنه هو المتقدم عنهم في الخروج يوم ~~الخميس (13 سبتمبر)، واستعجل التشهيل والطلب.» # وفي 13 سبتمبر سافر الباشا إلى الجهة القبلية فعلا، وتبعه العساكر وأقام ~~كتخدا بك محمد آغا لاظ، قائممقامه، واستقر هذا بالقلعة، وفي 23 سبتمبر سافر حسن ~~باشا وعساكر الأرنئود، وبعد يومين خرجت الدلاة والأرنئود وباقي الأجناد والعسكر ~~وبلغ جيشه حوالي الستة آلاف مقاتل، فلم يلبث أن ظهر التردد والانقسام في صفوف ~~البكوات. # وكان هؤلاء قد اعتقدوا أن الباشا لن يستطيع تجهيز هذه الحملة الكبيرة ضدهم، ~~والخروج بنفسه لقيادتها؛ لما يعرفونه من حاجته الملحة إلى المال، ولتوالي فرار ~~الجند من جيشه بسبب عدم دفع مرتباتهم المتأخرة لهم، ولكن سرعان ما تبينوا خطأهم ~~وانقسموا في ترددهم إلى فريقين: أحدهما أراد الاتفاق، والآخر صمم على القتال، ولكن ~~هذا التردد والانقسام كانا كافيين وحدهما لأن يجعلا إقدامهم على الحرب ~~مستحيلا. ~~(6) البكوات يقبلون الصلح ويضمرون العداء # وعلى ذلك ما إن وصل الباشا إلى أسيوط، حتى عرض على كل واحد من البكوات مقترحات ~~منفصلة للصلح، وتعذر على هؤلاء ms1250 أن يجمعوا كلمتهم على أمر، فطلب عثمان بك حسن ~~وإبراهيم بك - وهما أكبر مناوئي الباشا إصرارا على عدم الصلح - الاتفاق معه، وكان ~~عثمان حسن البادئ في توقيع اتفاق يوائم بين رغباته ومصلحة محمد علي وحذا حذوه ~~آخرون، وقبل إبراهيم الصلح، وأوفد ابنه مرزوق إلى معسكر الباشا، وكان هذا تسليما ~~سريعا بلغت أخباره القاهرة حثيثا، فتحدث الناس بروايات عن الباشا والأمراء ~~المصريين وصلحه معهم، وأن عثمان بك حسن ومحمد بك المنفوخ ومحمد بك الإبراهيمي ~~وصلوا عند الباشا وقابلوه، وأنه أرسل إلى إبراهيم بك الكبير ولده طوسون باشا، ~~فتلقاه وأكرمه، وأرسل هو أيضا ولده الصغير إلى الباشا فأكرمه. # وفي هذه المرة لم يعرض الباشا على البكوات اتفاقا يترك لهم التمتع بإيرادات ~~مديريات بأكملها كما كان يحدث في السابق، بل أصر على مطالبتهم بدفع الميري، بل وكل ~~الإتاوات والفرض الاستثنائية كذلك، شأنهم شأن سائر الرعايا في باشويته، وتشبث بوجوب ~~تركهم الصعيد والحضور إلى القاهرة للإقامة بها، وظهر إلحاح محمد علي في التمسك بهذا ~~الشرط الأخير؛ لأن بدونه لم تكن هناك فائدة ما من الاتفاق مع البكوات الذين أبوا ~~وهم بعيدون عن القاهرة على نكث عهودهم معه - نقول ظهر إلحاحه هذا لدرجة أثارت ~~معارضتهم له - ولكنهم أرغموا في النهاية على قبوله كرها منهم (في 5 نوفمبر 1809) ~~وطلبوا إمهالهم لتنفيذه ثلاثة شهور؛ لتسوية شئونهم في الصعيد فأجابهم الباشا إلى ~~ما طلبوا. # وغادر محمد علي أسيوط فوصل القاهرة في 2 ديسمبر، قال الشيخ الجبرتي إنه وصلها في ~~تطريدة فقطع المسافة من أسيوط إلى ناحية مصر القديمة في ثلاثين ساعة، وصحبه في ~~هذه التطريدة ابنه طوسون وبونابرتة الخازندار وسليمان آغا وكيل دار السعادة ~~سابقا، ثم بعد وصول الباشا بثلاثة أيام، وصلت طوائف العسكر وعظائمهم، وفي 8 ~~ديسمبر، وصل حسن باشا وطوائف الأرنئود وصالح قوج والدلاة والترك، ووصل القاهرة كذلك ~~شاهين بك الألفي، وصحبته محمد بك المنفوخ المرادي ومحمد بك الإبراهيمي، وهما اللذان ~~حضرا في هذه المرة من المخالفين وتناقل الناس أن البواقي أخذوا مهلة لبعد ~~التحضير. وحضر ms1251 إبراهيم بن محمد علي وباقي العسكر في اليوم التالي. # وارتاح محمد علي للاتفاق الذي عقده مع البكوات في الصعيد، فكان أمله عظيما في أن ~~البكوات سوف يوفون بعهودهم هذه المرة وسوف يحضرون إلى القاهرة فتنتهي بفضل ذلك ~~مشاغله من ناحيتهم، وبعد يومين من وصوله كتب «دروفتي» إلى حكومته من القاهرة في 4 ~~ديسمبر 1809، «أن الباشا قد أطلعه بعد عودته على نتائج حملته في الصعيد، ويبدو له ~~مما وقف عليه من الباشا نفسه أن القسم الأكبر من البكوات قد قبلوا الحضور للإقامة ~~إما بالجيزة وإما بالقاهرة، وأنهم قد خضعوا لدفع الميري والإتاوات الأخرى ~~الاستثنائية التي يريد الباشا أن يفرضها على أملاكهم بالصعيد، مما ينهض دليلا على ~~أن الباشا قد استطاع أن يحقق - على الأقل - جزءا من أغراضه التي سعى إليها عندما ~~أرسل جيشه ضدهم، فقد أحضر محمد علي معه محمد بك المنفوخ، وهو من أكبر بكوات بيت ~~مراد نفوذا، ويقول هذا الصنجق: إن إبراهيم بك وعثمان بك حسن وزملاءهما سوف يحضرون ~~جميعا إلى القاهرة بعد ثلاثة شهور، وهي المدة التي أمهلهم بها الباشا حتى ينظموا ~~شئونهم في الصعيد.» # ولكن «دروفتي» في هذه المرة أيضا كالمرات السابقة استمر يشك كثيرا في إمكان ~~نجاح هذا الاتفاق، فقال في نفس رسالته هذه: «ومن المتعذر على المرء التسليم بقيمة ~~هذه الاتفاقات والاعتماد عليها، ولو أنه من المحقق أن الباشا لم ينجح في استمالة ~~محمد بك المنفوخ إلا بعد أن بذل له الوعود السخية ومناه الأماني العريضة؛ ولذلك ~~فالوقت وحده كفيل بإعطاء فكرة صحيحة على هذا الترتيب (أو الاتفاق أو التسوية) الذي ~~لا يجب أن ينظر إليه المرء على أنه معاهدة سلام أو عقود صفح شامل - على نحو ما يريد ~~الباشا أن يصفه به - يفغر ما سلف بين الفريقين.» # ولقد صح ما توقعه «دروفتي». # ذلك أن البكوات عندما قبلوا صلح أسيوط لم يكونوا خالصي النية في قبوله، بل ~~أجبروا عليه إجبارا لاقتناعهم بأنهم عاجزون عن معارضة الباشا ومقاومة جيشه، ~~فوافقوا على شروط الباشا بنفس ذلك التحفظ ms1252 الذهني الذي ألمع إليه «دروفتي» في ~~رسالة 9 أبريل السالفة الذكر، وعقدوا العزم على التنصل من التزاماتهم، وحملهم ~~انشغال الباشا المستمر بمسألة الحرب الوهابية، وتدبير المال وإنجاز الاستعدادات ~~اللازمة للحملة المزمع إرسالها إلى الحجاز عاجلا أو آجلا، على الظن بأنه وقد قفل ~~جيشه راجعا إلى القاهرة الآن، وتحمل الباشا نفقات جسيمة في إعداد التجريدة التي ~~جاءتهم إلى الصعيد، لن يستطيع إرسال حملة جديدة عليهم، وأن بوسعهم في هذه الظروف ~~المواتية إذا أن ينكثوا بعهودهم، لا سيما وأنهم ما كانوا يريدون بتاتا الحضور إلى ~~القاهرة ووضع أنفسهم تحت رقابة الباشا وإشرافه. # فلم يحضر إلى القاهرة - بعد الفوج الأول الذي جاء مع محمد علي وقواده - إلا نفر ~~قليل من المماليك، ولم يتحرك أحد من البكوات، بل ظلوا قابعين في أماكنهم، بينما شرع ~~البكوات الذين جاءوا إلى القاهرة يتذمرون من شروط الصلح المجحفة - في نظرهم - ولو ~~أنهم لم يجرءوا على إعلان تذمرهم وسخطهم، وتزايد تذمرهم وشعورهم بالسخط على الصلح ~~الذي قبلوه مرغمين، حتى إنهم صاروا يتآمرون على حياة محمد علي، ولم يكن خافيا على ~~الباشا حالهم بفضل الأرصاد والعيون التي بثها حولهم، ولكنه آثر التريث والاصطبار ~~عليهم، لعل زملاءهم الذين لا يزالون بالصعيد ينفذون ما التزموا به ويحضرون إلى ~~القاهرة، ويلقون جميعا من معاملة الباشا الطيبة ما يخمد أحقادهم، وينهي هذه ~~المؤامرات. # وكان أثناء وجود الباشا بالسويس، التي سافر إليها في 25 ديسمبر 1809؛ ليكشف على ~~قلاع القلزم أن نمى إليه أن البكوات المقيمين بالقاهرة والجيزة يكيدون له وينتوون ~~القبض عليه واختطافه في طريق الصحراء عند عودته من السويس، فقطع زيارته فجأة وحمله ~~هجين إلى القاهرة في سرعة كبيرة، ولا أحد معه غير خادم واحد، فبلغ القاهرة في ليلة ~~31 ديسمبر، وأفسد على المتآمرين بعودته المفاجئة والسريعة خطتهم، ولم يبح الباشا ~~بالسر الذي عرفه، ولم يغير مسلكه مع البكوات بل ظل مبتسما، ثم تعرض لخطر ~~مؤامراتهم مرة أخرى، فأطلقت عليه ذات يوم رصاصة أخطأته وقضت على أحد ضباطه، ولكنه ~~آثر الصمت على هذا الحادث ms1253 أيضا وأوصى بالسكوت وصار يحتاط لنفسه، وكان من ضروب ~~الاحتياط أنه اهتم بشق طريق بين القلعة وجبل المقطم، اعتزم أن يقيم في نهايته حصنا ~~صغيرا يستطيع منه عند الحاجة إبقاء المواصلات مفتوحة بينه وبين الأرض الممتدة في ~~الصحراء خلفه، حتى يسهل عليه الانسحاب إلى السويس. # وكثرت المراسلات بينه وبين بكوات الصعيد، وأوفد إليهم ديوان أفندي وغيره يطلب ~~منهم تنفيذ الاتفاق، والحضور إلى القاهرة، والبكوات يطلبون إمهالهم في الحضور فترة ~~أخرى، واستمر الحال على ذلك طوال شهري يناير وفبراير من عام 1810، وفي 10 فبراير ~~رجع ديوان أفندي من ناحية قبلي، وصحبته أحمد آغا شويكار، فأقاما بمصر أياما، ثم ~~رجع «ديوان أفندي» بجواب إلى الأمراء القبالى، وحتى أواسط مارس، لم تسفر هذه ~~المحاولات عن شيء، فأبلغ «دروفتي» حكومته في 12 مارس 1810 «أن البكوات لم ينزلوا ~~بعد من الصعيد، بل طلبوا من الباشا مهلة جديدة بدعوى انشغالهم بالحصاد لوفرة ~~المحصول وفرة كبيرة؛ ولأنهم لو تركوه وحضروا إلى القاهرة الآن لتلف»، الأمر الذي ~~يدل في نظر «دروفتي» على أن المفاوضة الراهنة ليست أمينة وصادقة كسابقتها. # ولكن الباشا أجابهم إلى رغبتهم، فأعطاهم مهلة شهرا آخر، ثم عاد البكوات يطلبون ~~مهلة أخرى، ولكن في هذه المرة كانت قد عظمت شكوك الباشا في أمرهم، وكان لذلك أسباب ~~عدة، منها حادث الرسول الفرنسي «كادر» الذي أبلغ الوكلاء الإنجليز الباشا عنه أنه ~~يحمل خطابات من الحكومة الفرنسية إلى البكوات، وقد ذكرنا كيف وقعت مشادة عنيفة في ~~19 أبريل 1810 بسبب ذلك بين محمد علي و«دروفتي»، أضف إلى هذا أن العملاء الإنجليز ~~جددوا الآن مسعاهم بنشاط زائد مع شاهين بك الألفي. # وقد بسط «دروفتي» قصة هذه المساعي، وتآمر شاهين مع عملاء الإنجليز منذ وصوله إلى ~~القاهرة مستأمنا، وذلك في رسالة له إلى حكومته في 12 مارس 1810، فكان مما قاله ~~«دروفتي»: إنه بلغه من مصدر موثوق به، ومتصل بالباشا وشاهين الألفي، أن «بتروتشي» ~~منذ أن حضر شاهين إلى القاهرة، صار يجد في المسعى لتستأنف العلاقات القديمة بين ~~شاهين الألفي وبين ms1254 الحكومة الإنجليزية وقد نجحت هذه المساعي لدى شاهين، فراح هذا في ~~أواخر عام 1808 يطلب من الإنجليز إنفاذ جيش إلى مصر يفوق في عدده وعدته جيش الجنرال ~~فريزر السابق، ويعد بالانضمام فورا إلى هذا الجيش بمجرد نزوله إلى الإسكندرية، ~~جالبا معه قبائل العربان وسائر أعوانه، وإذا تعذر مجيء حملة بريطانية فهو يطلب ~~ثمانية ملايين قرش تركية يستخدمها في إغراء جند الباشا على تركه والانحياز إليه، ثم ~~في تحريض الأهلين على الثورة، حتى إذا نجح في ذلك، استولى على حكومة القاهرة، ~~وأبقوا على مظاهر الولاء والخضوع للباب العالي، بينما تصبح الحكومة تابعة فعلا ~~وحقيقة لإنجلترة وتحت إشرافها. # وانخدع شاهين بوعود «بتروتشي»، وكان تحت تأثيره أن كتب في 9 أغسطس 1809 رسالة إلى ~~«كولنجوود» - أمير البحر الإنجليزي للقوات البريطانية في البحر الأبيض - وهي ~~رسالة طويلة تدل على أن المستأمنين من البكوات، والذين كانوا في طليعة من اصطلحوا ~~مع محمد علي، وقبلوا العيش في كنفه وتحت رعايته، وبالغ هذا في إكرامهم، كانوا ~~يتآمرون على ملكه، ويعتمدون على مساعدة الأجنبي في تمكينهم من طرده من باشويته، وأن ~~البكوات سواء منهم الذين تطلعوا لمؤازرة الإنجليز كشاهين والألفية، أو الذين صادقوا ~~الفرنسيين ونشدوا مساعدتهم له، كانوا بعيدين كل البعد عن التفكير في إنشاء حكومة ~~مصرية أو أن الاستقلال هو ما اعتزموا بلوغه وتأسيسه، بل إن كل ما دار في ~~أذهانهم كان لا يعدو الاستئثار بالنفوذ المطلق في البلاد واسترجاع ذلك السلطان ~~القديم الذي أتاح لهم في العهد الغابر الطغيان والاستبداد بالأهلين، واستنزاف موارد ~~البلاد لإنفاقها على شئونهم ومتعهم الخاصة، الأمر الذي رسخ في أذهانهم أن لا سبيل ~~إلى تحقيقه طالما بقي محمد علي في الولاية. # استهل شاهين كتابه إلى «كولنجوود» بذكر مظاهر الشرف والمزايا التي أغدقتها ~~الحكومة الإنجليزية على سلفه محمد بك الألفي، ثم طفق يقول: إن الرغبة التي يمني ~~نفسه ببلوغها، والتي تجعله يرتسم خطوات الألفي الكبير، وتحدوه إلى تسطير رسالته هذه ~~حتى ينقلها السيد «فرنسيسكو بتروتشي» الوكيل البريطاني إلى «كولنجوود»، إنما هي ~~الظفر بحماية ms1255 إنجلترة القوية، وأنه لذلك سوف يبسط عددا من المقترحات التي يوائم ~~العمل بها بين بسط هذه الحماية وتحقيق مصالحه، ثم أخذ يذكر مقترحاته قائلا: # إنه لطبيعي أن يبغي كل إنسان استرجاع أملاكه التي نهبت منه، وتعلمون أن ~~المماليك يحكمون مصر من أزمان بعيدة، وأعتقد بوصفي خليفة شرعيا لهؤلاء أن ~~من حقي طلب الحكم والاستيلاء على حكومة هذه البلاد، ولكني عاجز عن ذلك إلا ~~إذا لقيت تأييدا من حكومة بريطانيا التي أضع نفسي تحت حمايتها، وبالشروط ~~التي تمليها إنجلترة نفسها، والشعب معي، وأما المماليك من حزب البرديسي ~~المنحاز إلى فرنسا، فلا يقدرون منذ وفاة رئيسهم عثمان البرديسي على ~~معارضتي، بل على العكس من ذلك هم مستعدون للانضمام إلي، وينطبق هذا - أي ~~الاستعداد للانحياز إلى جانبي - على جميع الأرنئود تقريبا والعثمانلي ~~بشريطة أن أستطيع دفع ما لهم من مرتبات متأخرة، وهم الذين كانت أمنيتهم ~~إشباع نهمهم المألوف، فوجدوا نهما أشد عنفا وقوة يحطم هذه الأمنية، هو ~~نهم الباشا الحالي محمد علي الذي يحظى بمعاضدة وحماية الفرنسيين. # وسوف يكون من الممكن جدا تنفيذ المشروع الذي تم وضعه بالاتفاق مع السيد ~~البطروشي «بتروتشي» وكيل جلالة ملك بريطانيا في هذه الديار، عندما أتسلم ~~مبلغا من المال في حدود الخمسة عشر ألف كيس تقريبا، ولا يجب الاعتقاد بأن ~~هذا مبلغ جسيم، تستكثر إنفاقه بريطانيا العظمى، وإعطاءه لي؛ لأني ما تقدمت ~~بطلب هذا المال الآن عن طريق سعادتكم، إلا وفي عزمي قطعا وبكل تأكيد أن ~~أقوم بسداده في صورة سلع من نتاج البلاد، وفي نظير أن أخضع خضوعا تاما ~~أنا وكل ما لدي من قوات لأوامر الحكومة البريطانية ونواهيها، حتى ولو اقتضى ~~ذلك حياتي ثمنا له، فلن أتردد ولن أتوانى لحظة في التضحية بها من أجل ~~تأييد الحكومة البريطانية ومعاونتها على كل أعدائها مهما كانوا، وضد كل ~~دولة مهما كانت، لا سيما ذلك العدو المنافس للإنجليز، والذي سوف يظهر بكل ~~تأكيد عاجلا أو آجلا على شواطئ هذه البلاد بجحافله. # أما إذا لقيت تأييدا من بريطانيا العظمى، فأعطتني ms1256 النجدات التي أطلبها، ~~فسوف يتسنى لي أن أصبح في وضع يمكنني من مقاومة أعدائي بالقوة والاقتدار ~~المعروفين عن المماليك الذين يكونون عندئذ من جماعتي وحزبي، وفضلا عن ذلك ~~فإني سوف أستطيع جذب كل ما يمكن أن يجذبه المال من أجناد الأرنئود ~~والعثمانلي، وجلب أجناد آخرين من الحبشة ودارفور وسنار، ثم جذب العربان ~~الذين في مصر أيضا. # أضف إلى هذا كله، أن الباب العالي سوف يسعده - ولا ريب - أن يرى مصر قد دانت ~~لرجل سوف يدفع له الخراج المعروف بالميري، ثم إن هذا العمل سوف يكفل إعادة ~~تسيير قوافل الحج إلى مكة المكرمة، ومن بواعث ارتياح الباب العالي - بلا شك - ~~سوف يكون ذلك العطف الذي تخصني به بريطانيا العظمى، وحمايتها التي أتمتع ~~بها، ثم إني متمتع بحماية ورعاية الوزراء العثمانيين جميعهم في ديوان ~~القسطنطينية، ومن بين هؤلاء أحد صنائع سلفي محمد بك الألفي، الذي لدي ما ~~يجعلني أشيد بمقدار الثقة التي يتمتع بها حاليا في الديوان، وهذا الإنسان ~~يشغل منصب الطواشي الأول (الآغا) في الحريم السلطاني. # وأجرؤ على القول بأن توفر المال لدي سوف يجعل سهلا ميسرا شراء مماليك ~~جددا يعاد بواسطتهم تأسيس طائفتنا على القواعد القديمة. # ومع ما ذكرته كله، فإني أعود فأكرر أني قد اعتزمت قطعا خدمة الحكومة ~~البريطانية دائما، وبناء عليه، فإذا أرادت بريطانيا العظمى أن يظهر ~~أسطولها وجيشها في بلادنا مرة أخرى، فلسعادتكم أن تؤكدوا لحكومتها أني قد ~~قطعت على نفسي عهدا من الآن في نظير إنفاقها هذا المبلغ المؤقت والمطلوب ~~سلفا، بأن أخف طائرا بكل جماعتي وعربان القبائل المختلفة لنجدتها، وبأن ~~أضع نفسي مع هؤلاء تحت أمر قائد القوات البريطانية، فنبذل دماءنا وأرواحنا، ~~برضانا واختيارا في سبيل إعلاء شأن الأمة البريطانية وزيادة مجدها. # وأنه لما يبدو لي ألا غنى - لتحقيق مصلحة إنجلترة ذاتها - عن الأخذ - على ~~الأقل - بواحد من الاقتراحين اللذين عرضتهما، وأما إذا شاءت بريطانيا ~~العظمى أن تسلك طريقا آخر، أو أن تأتي عملا غير ما ذكرت، فالواجب يقتضيها ~~حينئذ أن تسلم بفقدان كل نفوذ ms1257 لها نهائيا في هذه المملكة. # وإذا أتيح لهؤلاء الظلمة (الفرنسيين) الذين أثقلوا بظلمهم كواهل العالم ~~أن يضعوا أقدامهم في مصر، وأن يستولوا عليها، فلن يستعصي ذلك عليهم؛ لأن ~~الشعب - وقد أنهكت قواه المظالم - سوف يخضع في يأسه لأي سلطان يفرض عليه ما دام ~~هذا السلطان أخف وطأة عليه من ذلك الذي يبهظ كاهله اليوم، والذي لا سبيل ~~إلى الانفكاك منه ... # هذه الرسالة الخطيرة، سلم شاهين الألفي صورة منها بعد الحوادث التي نحن بصددها ~~بأكثر من عام إلى «دروفتي»، وفي مارس 1810، كان لا يزال «بتروتشي» وعملاء الإنجليز ~~يترددون على شاهين، وصاروا يؤكدون له أن الباب العالي على وشك إعلان الحرب على ~~بريطانيا، وأن هذه لديها حملة معدة للحضور إلى مصر، وكتب «دروفتي» في رسالته التي ~~سبقت الإشارة إليها (في 12 مارس) «أن شاهين الألفي، إما لأنه لا يستطيع الاعتماد ~~على وعود الإنجليز - التي هي دائما وعود عرقوبية ومزيفة - وإما لأنه يخشى أن يقع ~~هو نفسه فريسة هذه المؤامرات ويذهب ضحية لها، عندما كان من المحتمل بلوغ أخبارها ~~إلى محمد علي، لم يلبث أن أجاب هؤلاء الوكلاء الإنجليز، أنه عاجز في هذه اللحظة عن ~~اتخاذ قرار بصدد ما يعرضونه عليه، وأنه يعد قطعا بالوصول إلى القرار إذا تطورت ~~الظروف، التي يراد المفاوضة بشأنها بصورة حاسمة، لا سيما وأن ليس لديه ما يقوله عن ~~محمد علي سوى الثناء عليه وإطرائه.» # فكان بسبب مخاوفه وبسبب الشكوك التي ساورته من ناحية البكوات أن بعث محمد علي إلى ~~بكوات الصعيد يهدد بإرسال جيشه عليهم إذا هم امتنعوا عن الحضور فورا إلى القاهرة، ~~وكان هؤلاء حتى آخر مارس لا يزالون في الصعيد، وكتب «سانت مارسيل» إلى حكومته من ~~الإسكندرية في 30 مارس: «أن البكوات من جماعة محمد بك المنفوخ مقيمون دائما بالوجه ~~القبلي، ولو أنهم ملتزمون الهدوء والسكينة رغم رفضهم الحضور إلى الجيزة بالقرب من ~~القاهرة حسب اتفاقهم القديم مع محمد علي، فلا شيء بسبب هدوئهم هذا يعكر صفو السلام ~~الآن.» وفي 25 أبريل كتب «سانت مارسيل» ms1258 مرة أخرى: «أن البكوات مقيمون دائما ~~بالصعيد، والهدوء شامل في مصر والسلام مستتب، ولو أنه كان ينبغي عليهم أن يكونوا ~~مقيمين الآن بالجيزة والجهات المجاورة لها حسب اتفاقهم مع محمد علي.» # ولم يجد البكوات بدا في النهاية من النزول من الصعيد إزاء تهديد محمد علي، ~~ولا جدال في أنهم لم يمتثلوا لأمر محمد علي برضاء منهم، بل كانوا يضمرون الشر ~~ويبغون الكيد له، وبدأت الأخبار تترا على القاهرة بأنه «قد تحركت همم الأمراء ~~المصريين القبليين إلى الحضور إلى ناحية مصر (القاهرة) بعد ترداد الرسل والمكاتبات، ~~وحضور ديوان أفندي ورجوعه، وحضور محمد بك المنفوخ أيضا، وبعد أن صار الباشا ينعم ~~على كل من حضر منهم ويلبسه الخلع، ويقدم له التقادم ويعطيه المقادير العظيمة من ~~الأكياس، حتى إنه كان أنعم على محمد بك المنفوخ بالتزام جمرك ديوان بولاق، ثم ~~عوضه عنه ستمائة كيس، وغير ذلك.» # وفي 6 أبريل عرفت القاهرة أن البكوات وصلوا إلى ناحية بني سويف، ووصل في هذا ~~اليوم القاهرة ذاتها كثير من أجنادهم المماليك، ولكن البكوات أنفسهم ظلوا متباطئين، ~~وترددت الرسل بينهم وبين الباشا وحضر ديوان أفندي (إلى القاهرة) ثم رجع ثانيا ~~إليهم، وذكر «دروفتي» في رسالته إلى حكومته من القاهرة في 28 أبريل، «أنه عرف أن ~~البكوات قد وصلوا إلى بني سويف، ومن المنتظر وصولهم إلى الجيزة حوالي منتصف شهر ~~مايو، وقد جاءوا جميعهم، ما عدا عثمان بك حسن الذي بقي بالصعيد - كما يقولون - ~~لمراقبة جيش يتألف من أربعة إلى خمسة آلاف رجل تركه الباشا من وقت رحلته الأخيرة، ~~في قنا لتعزيز حاميتها وفي ميناء القصير.» # وأخيرا وصل البكوات إلى ناحية الرقق في 6 مايو، وأوائلهم وصلوا إلى دهشور، وخرج ~~إليهم الأتباع بالملاقاة من بيوتهم وأحبابهم. # ولقي إبراهيم بك ترحيبا كبيرا، فذهب إليه مصطفى آغا الوكيل، وعلي كاشف ~~الصابونجي وديوان أفندي، ثم الباشا، ثم في أثرهم طوسون ابن الباشا، وقدم له إبراهيم ~~بك تقادم. # ولكن حتى هذا الوقت، لم يكن البكوات - وعلى رأسهم إبراهيم بك - قد رضوا بتنفيذ ms1259 شروط ~~الصلح الذي قبلوه في أسيوط، فبقي إبراهيم مقيما بوطاقه أياما وكثر ترداد ~~المراسلات والاختلافات في الشروط. وفي 10 مايو حضر من قبله عثمان بك يوسف وصحبته ~~صنجق آخر، فطلعا إلى القلعة وقابلا الباشا، ثم رجعا، وحضرا في ثاني يوم كذلك؛ 11 ~~مايو، وفي هذه المرة وافق البكوات على الحضور إلى الجيزة، فخلع الباشا على ~~مندوبيهما هذين خلعا وأعطاهما أكياسا، وأرسل إلى إبراهيم بك هدايا وإلى سليم بك ~~المحرمجي المرادي أيضا. وفي 16 مايو 1810 وصل الجميع إلى الجيزة، ونصبوا وطاقهم ~~خارج الجيزة. ~~(7) البكوات ينقضون الصلح مرة ثالثة # ولقد تبين للباشا، منذ وصول إبراهيم بك وزملائه إلى دهشور، وكثرت الاتصالات بينهم ~~وبين ديوان أفندي وسائر رجال الباشا - على النحو الذي أشرنا إليه - أن البكوات ~~يضمرون سوءا، وأن لا ثقة لهم في محمد علي، وأنهم سوف يتحينون الفرص لنبذ ~~التزاماتهم، فزاده هذا يقينا بضرورة الاحتياط منهم، وكان من بواعث قلقه أن كان ~~بصحبتهم عربان كثيرون من الهوارة، وأنهم يستخدمون نفرا من هؤلاء عيونا لهم ~~وأرصادا تتجسس على معسكر الباشا الذي كان منصوبا وقتئذ في شبرا، وقد جمع الباشا ~~في هذا المعسكر جيشا من المشاة والفرسان، لم يلبث أن اضطر بسبب مخاوفه من البكوات ~~إلى جلب قوات أخرى إليه، مما جعل بدوره البكوات - ولا سيما إبراهيم بك - يمعنون في عدم ~~الثقة به، ويستولي عليهم القلق والانزعاج من احتياطاته هذه. # بل إن إبراهيم لم يلبث أن اتخذ من هذا القلق والانزعاج السائدين في معسكر ~~البكوات، ذريعة لتحريك مخاوفهم من نوايا الباشا، وأخطر من ذلك، الكيد لمحمد علي، ~~بمحاولة إغراء شاهين الألفي على نكث عهده مع محمد علي، وإغراء كبار رجال محمد علي ~~نفسه بالتخلي عنه ومؤازرة البكوات ضده. # وكان الباشا منذ وصول البكوات إلى الجيزة قد استأنف سعيه لديهم وراح يبذل قصارى ~~جهده لإقناعهم بالإقامة في القاهرة، وعرض عليهم أن يترك كل واحد منهم وكيلا عنه في ~~الأقاليم التي كانت للبكوات بالصعيد، وأن يدفعوا العوائد الأميرية في أوقاتها، ~~ويقدموا الغلال المطلوبة منهم، وذلك ms1260 عن البلاد التي في عهدتهم، كما اشترط الباشا أن ~~ينضم فرسانهم إلى فرسان جيشه الذاهب إلى الحجاز لاستخلاص الحرمين الشريفين من أيدي ~~الوهابيين، فكثرت الاتصالات بين البكوات وبين محمد علي، ولكن دون الوصول إلى نتيجة، ~~وسبب هذا الفشل أن إبراهيم بك لم يكن يطمئن إلى أي اتفاق يعقد مع محمد علي ولا يريد ~~اتفاقا معه. # وبدأ إبراهيم بك في إظهار مكنون نفسه، من اللحظة التي وصل فيها إلى الجيزة، ~~فانتقد محمد علي، وشكا بمرارة من أنه لم يحتفل بإطلاق المدافع تحية لقدومهم، ~~واعتبر ذلك تهوينا لأمره وتحقيرا لشأنه، فصار يقول: «سبحان الله! ما هذا ~~الاحتقار؟ ألم أكن أمير مصر نيفا وأربعين سنة، وتقلدت قائممقامية ولايتها ووزاراتها ~~مرارا وبأخرة صار محمد علي نفسه من أتباعي وأعطيه خرجه من كيلاري (مشيرا إلى ~~عهد الحكومة الثلاثية في غضون 1803-1804) ثم أحضر أنا وباقي الأمراء على صورة ~~الصلح فلا يضرب لنا مدافع، كما يفعل لحضور بعض الإفرنج.» # وانتهز إبراهيم فرصة وجوده بالقرب من شاهين بك الألفي، وقصر الأخير بالجيزة، فصار ~~يسعى للتأثير عليه حتى يترك الباشا وينقض عهده معه، واستخدم إبراهيم في هذا المسعى ~~عبد الرحمن بك تابع عثمان بك المرادي المعروف بالطنبرجي، فزار شاهين الألفي، وأفلح ~~المسعى عندما وعد إبراهيم بك شاهين بالرئاسة على بيت مراد مدى الحياة إذا هو انضم ~~بفرسانه إلى فرسان البكوات الآخرين حتى يستطيعوا جميعا مقاومة محمد علي، وكان ~~الظفر بالرئاسة على البكوات جميعهم سواء من بيت الألفي، وهو البيت الذي ينتمي إليه ~~شاهين، أم من بيت مراد الذي يتزعمه عثمان بك حسن وإبراهيم بك نفسه من قديم، ثم عين ~~محمد علي لرئاسته في الظروف التي ذكرناها سليم بك المحرمجي إغراء قويا لم يستطع ~~شاهين مقاومته، كما صار إبراهيم يؤكد له أن محمد علي لا يبغي سوى القضاء على كل ~~سلطة لهم والكيد لهم جميعا، ولا يسعى للصلح معهم إلا للغدر بهم، وهكذا أفلح رسول ~~إبراهيم بك، عبد الرحمن الطنبرجي «وحول دماغه، واتفق معه على الانضمام إليهم ~~والخروج عن ms1261 الباشا.» ولا يشك «دروفتي» في أنه كان للوكلاء الإنجليز يد في انشقاق ~~شاهين على الباشا؛ فقد ثابر هؤلاء - كما ذكر في كتابه إلى حكومته في 19 مايو 1810 - ~~على تحريض شاهين، لإثارة الحرب الأهلية في البلاد كما هو شأنهم دائما، والدليل على ~~أن أحد وكلائهم أكد لشاهين منذ حوالي أسبوعين فقط أن «السير روبرت أدير» # Adair # السفير الإنجليزي في تركيا، على وشك مغادرة ~~القسطنطينية، وأن إنجلترة عند انفصام علاقاتها مع الدولة سوف تبعث بجيشها إلى مصر، ~~كما صار هؤلاء الوكلاء يروجون الإشاعات عن انتصار البحرية البريطانية في البحر ~~الأحمر واستيلاء الإنجليز على إحدى الجزر الهامة تجاه الشاطئ الحبشي. # ونمى إلى الباشا خبر هذه المؤامرة، فعدل عن الذهاب إلى إبراهيم بك، وكان قد أشيع ~~في الناس يوم وصول إبراهيم بك إلى الجيزة في 16 مايو تعدية الباشا من الغد للسلام ~~على إبراهيم بك، فلم يثبت، وظهر أنه لم يفعل، فقد أصبح مبكرا (يوم 17 مايو) ~~إلى شبرا وجلس في قصره، وحضر إليه شاهين بك الألفي في سفينته وتناقش معه محمد علي، ~~ووقع بينهما مكالمات، ورجع من عنده شاهين عائدا إلى الجيزة منفعل الخاطر، ثم ~~إن الباشا عرض عساكره فاجتمع إليه الجميع، وبدأ اللغط وكثرت اللقلقة. # وما إن وصل شاهين إلى الجيزة، حتى «أزر حريمه وأركبهن وأرسلهن إلى الفيوم ونقل ~~متاعه وفرشه من قصر الجيزة في بقية اليوم، وكسر المرايات وزجاج الشبابيك التي في ~~مجالسه الخاصة، ثم ركب في طوائفه وأتباعه وخشداشينه ومماليكه، وذهب إلى عرضي إخوانه ~~وقبيلته، ونصب خيامه ووطاقه بحذائهم، واجتمع بهم وتصافى معهم، ونال شاهين جزاءه، ~~فنصبه إبراهيم بك وسائر البكوات رئيسا على الأمراء المرادية»، وكان خروج شاهين ~~الألفي من الجيزة بمثابة الإشارة للمماليك المقيمين بالقاهرة حتى يغادروها، وعدد ~~هؤلاء حوالي الستين، فما لبثوا أن تركوها قاصدين إلى معسكر البكوات. # وكان هذا الحادث أمرا خطيرا؛ لأنه لم يسبق بتاتا ومن زمن طويل - كما كتب ~~«دروفتي» في رسالته السالفة الذكر - أن صار يضم جميع المماليك معسكر واحد. # وكان طبيعيا أن ms1262 يتخوف الباشا من اجتماع كلمة المماليك بهذه الصورة، فبادر من ~~فوره (في اليوم نفسه؛ أي في 17 مايو) بإيفاد حسن باشا وصالح آغا قوج إلى البكوات ~~ببر الجيزة فقصدا إلى عرضي الأمراء وسلما عليهم، ثم اجتمعا بشاهين الألفي ~~وتغديا عنده، وحاولا إثناءه عن موقفه ولكن دون طائل، ثم قصدا إلى إبراهيم بك، ~~وجرى بينهما وبينه كلام كثير، حاول حسن باشا تذكير إبراهيم بعهده الذي قطعه على ~~نفسه بقبوله الصلح في أسيوط، وحاول إبراهيم تحريض حسن باشا على الانتقاض على محمد ~~علي، فنشأت بين الرجلين محاورة تكشف عن بواعث الحقد الذي كان يغلي في صدر إبراهيم ~~على محمد علي، وعدم ثقته به، وإصراره على مناوأته، وإمعانه في العداوة له، وتقيم ~~الدليل على أن إبراهيم بك وسائر البكوات من حزبه أو جماعته كانوا يضمرون غير ما ~~يظهرون منذ أن بدأت مفاوضات الصلح معهم إطلاقا من أواخر عام 1807 وأوائل العام ~~التالي إلى وقت قبولهم صلح أسيوط في سبتمبر وأكتوبر 1809، وحضورهم إلى الجيزة في ~~مايو 1810. # وقد سجل الشيخ الجبرتي وسائر المعاصرين الحديث الذي دار بين حسن باشا وإبراهيم بك ~~في خيمة هذا الأخير أمام الجيزة، ولا خلاف فيما ذكره هؤلاء عن الكلام الذي دار بين ~~الرجلين، ولو أن رواية الشيخ الجبرتي تحوي تفاصيل أدق وأوفى. # قال حسن باشا لإبراهيم: إنكم وصلتم إلى هنا لتمام الصلح على الشروط التي حصلت ~~بينكم وبين الباشا، والاتفاق الذي جرى بأسيوط، ويكون تمامه عند وصولكم إلى الجيزة ~~واجتماعكم، وقد حصل. # فقال له إبراهيم بك: وما هي الشروط؟ # قال: هي أن تدخلوا تحت حكمه وطاعته، وهو يوليكم المناصب التي تريدونها بشرط أن ~~تقوموا بدفع الفرض التي يقررها على النواحي، والغلال الميرية، والخراج، وتعيين من ~~يريده منكم صحبة العساكر الموجهة إلى البلاد الحجازية لفتح الحرمين، وتكونوا معه ~~أمراء مطيعين، وهو يعطيكم الأمريات والإنعامات الجزيلة، ويعمر لكم ما تريدون من ~~الدور والقصور التي لكم ولأتباعكم على طرفه، ولا يكلفكم بشيء من الأشياء، وقد رأيتم ~~وسمعتم ما فعله من الإكرام والإنعام على ms1263 شاهين بك، وما أعطاه من المماليك والجواري ~~الحسان، وشفعاته عنده لا ترد، وأطلق له التصرف في البر الغربي من رشيد إلى بني سويف ~~والبهنسا، مما هو تحت حكمه، ويراعي جانبه إلى الغاية. # فقال له إبراهيم بك: نعم إنه فعل مع شاهين بك ما لا تفعله الملوك، فضلا عن ~~الوزراء، وليس ذلك لسابق معروف فعله شاهين بك معه ليستحق به ذلك، بل هو لغرض سوء ~~يكتمه في نفسه، وشبكة يصطاد بها غيره، فإننا سبرنا أحواله وخيانته، وشاهدنا ذلك في ~~كثير ممن خدموه، ونصحوا معه حتى ملكوه هذه المملكة. # قال: ومن هم؟ # قال: أولهم مخدومه محمد باشا خسرو، ثم كتخداه وخازنداره عثمان آغا جنج الذي خامر ~~معه، وملك مع أخيه المرحوم طاهر باشا القلعة، وأحرق سرايته، ثم سلط الأتراك على ~~طاهر باشا حتى قتلوه في داره، وأظهر موالاتنا وصداقتنا ومساعدتنا، وصير نفسه من ~~عسكرنا، واتحد بعثمان بك البرديسي، وأظهر له خلوص الصداقة والأخوة، وعاهده ~~بالأيمان حتى أغراه على علي باشا الطرابلسي، وجرى ما جرى عليه من القتل، ونسب ذلك ~~إلينا، ثم اشتغل معه على خيانته لأخيه الألفي وأتباعه، ثم سلط علينا العساكر بطلب ~~العلوفة، وأشار على عثمان بك بطلب المال من الرعية، حتى وقع لنا ما وقع، وخرجنا من ~~مصر على الصورة التي خرجنا عليها، ثم أحضر أحمد باشا خورشيد، وولاه وزيرا، وخرج هو ~~لمحاربتنا، ثم اتضح أمره لأحمد باشا، وأراد الإيقاع به، فعجل العود إلى مصر، وأوقع ~~بينه وبين جنده حتى نفروا منه ونابذوه، وألقى إلى السيد عمر مكرم والقاضي ~~والمشايخ أن أحمد باشا يريد الفتك بهم، فهيجوا العامة والخاصة، وجرى ما جرى من ~~الحروب وحرق الدور، وبذل السيد عمر جهده في النصح معه بما يظهره له من الحب ~~والصداقة، وراجت عليه أحواله، حتى تمكن أمره وبلغ مراده، وأوقع به ما أوقع، وأخرجه ~~من مصر (القاهرة) وغربه عن وطنه، ونقض العهود والمواثيق التي كانت بينه وبينه، كما ~~فعل مع عمر بك (الأرنئودي) وغيره، وكل ذلك معلوم، ومشاهد لكم ولغيركم، فمن يأمن ms1264 ~~لهذا ويعقد معه صلحا؟ # واعلم يا ولدي أننا كنا بمصر نحو العشرة آلاف أو أقل أو أكثر بين مقدمي ألوف ~~وأمراء وكشاف وأكابر وجاقات ومماليك وأجناد وطوائف وخدم وأتباع، مرفهي المعاش ~~بأنواع الملاذ، كل أمير مختص ومعتكف بإقطاعه، مع كثرة مصارفنا وإنعاماتنا على ~~أتباعنا ومن ينتسب إلينا، وأسمطة الجميع ممدودة في الأوقات المعهودة، ولا نعرف ~~عسكرا ولا علوفة عسكر، والقرى والبلاد مطمئنة، والفلاحون ومشايخ البلاد مرتاحون في ~~أوطانهم، ومضايفهم مفتوحة للواردين والضيفان، مع ما كان يلتزم علينا من المصارف ~~الميرية، ومرتبات الفقراء، وخزينة السلطان، وصرة الحرمين، والحجاج، وعوائد العربان، ~~وكلف الوزراء المتولين، والأغوات، والقبالجية المعينين، وخدمهم، والهدايا ~~السلطانية، وغير ذلك، وأفندينا محمد علي ما كفاه إيراد الإقليم، وما أحدثه من ~~الجمارك والمكوس، وما قرره على القرى والبلدان من فرض المال والغلال والجمال ~~والخيول، والتعدي على الملتزمين، ومقاسمتهم في فائظهم ومعاشهم، وذلك خلاف مصادرات ~~الناس والتجار في مصر وقراها، والدعاوى والشكاوى، والتزايد في الجمارك، وما أحدثه ~~في الضربخانة من ضرب القروش النحاس، واستغراقها أموال الناس، بحيث صار إيراد كل قلم ~~من أقلام المكوس بإيراد إقليم من الأقاليم، ويبخل علينا بما نتعيش به نحن وعيالنا، ~~ومن بقي معنا من أتباعنا ومماليكنا، وقصده صيدنا وهلاكنا عن آخرنا. # فقال حسن باشا: حاشا لله، لم يكن ذلك، ودائما يقول والدنا إبراهيم بك، ولكن لا ~~يخفاكم أن الله أعطاه ولاية هذا القطر، وهو يؤتي الملك من يشاء، ولا ترضى نفسه من ~~يخالف عليه، أو يشاركه بالقهر والاستيلاء، فإذا صار الصلح ووقع الصفا أعطاكم فوق ~~مأمولكم. # فهز إبراهيم بك رأسه وقال: صحيح يكون خيرا. # ويزيد غير الشيخ الجبرتي على هذا الحديث، أن إبراهيم بك اختتم كلامه متسائلا بعد ~~أن سرد خيانات الباشا وعددها، وأوضح أن غرضه الفتك بالبكوات فحسب: والآن أية ثقة ~~تلك التي تريد (مخاطبا حسن باشا) أن تكون لنا في رجل كهذا الرجل؟ لقد كنا سادة ~~البلاد، ولكنه أفقدنا كل شيء! ثم ماذا يعرض علينا في نظير ذلك؟ كلمته ووعوده؟ لا شك ~~أن هذا قليل! ms1265 وعقد محالفة صادقة مع محمد علي أمر غير ممكن؛ لأن ما جرى من دم بيننا ~~كثير! # وهكذا انفض المجلس، ورجع حسن باشا وصالح قوج، وعديا إلى بر مصر. # وكان ما سمعه حسن باشا كلاما خطيرا ترك أثره العميق في نفسه، فخرج من عند ~~إبراهيم وهو يعتقد تماما أن لا جدوى مطلقا من أي اتفاق يبرمه الباشا مع المماليك، ~~لا لأن محمد علي - كما يزعم إبراهيم - يريد الغدر بهم، ولكن لأن البكوات أنفسهم ~~لا يريدون هذا الاتفاق الذي إذا حدث وأرغموا على قبوله اليوم، فهم حتما سوف ~~ينقضونه غدا عند سنوح أول فرصة، واعتقد حسن باشا أن السيف وحده الكفيل بإنهاء ~~هذا الخلاف المستحكم بين البكوات ومحمد علي، وأبلغ حسن باشا هذا الكلام لمحمد ~~علي. # وفي تلك الليلة (17 مايو 1810) خرج جميع من كان بالقاهرة من البكوات والمماليك ~~وهجنهم ومتاعهم، وعدوا إلى بر الجيزة، ولم يبق منهم إلا القليل، واجتمعوا مع بعضهم، ~~وقسموا الأمر بينهم ثلاثة أقسام: قسم للمرادية وكبيرهم شاهين بك الألفي، وقسم ~~للمحمدية وكبيرهم علي بك أيوب، وقسم للإبراهيمية وكبيرهم عثمان بك حسن، وكتبوا ~~مكاتبات وأرسلوها إلى مشايخ العربان. # وتجمعت نذر الحرب. # فأوقف الجند على أبواب القاهرة منذ 19 مايو يمنعون الخارجين من البلد حتى الخدم، ~~ثم منعوا التعدية إلى البر الغربي، وجمعوا المراكب والمعادي إلى البر الشرقي، ~~ونقلوا البضائع إلى مراكب التجار المعدة لسفر رشيد ودمياط، المعروفة بالرواحل، ~~وأخذوها إليهم، وشرع الجند في التعدية طوال يومي 19، 20 مايو، وعدى الباشا آخر ~~النهار ودخل إلى قصر الجيزة الذي كان به شاهين بك واتخذه مقرا لقيادته العامة، ~~وكذلك عدوا بالخيام والمدافع والعربان والأثقال، واجتمعت طوائف العسكر من الأتراك ~~والأرنئود والدلاة والسجمان (أو السكبان: نوع من الفرق العسكرية يقصد به على عهد ~~الإنكشارية الفرق التي تتألف من القرويين وقت التجنيد العام) بالجيزة، وتحققت ~~المفاقمة، والأمراء المصرية خلف السور في مقابلتهم، واستمروا على ذلك إلى ثاني يوم ~~(21 مايو) والناس متوقعون حصول الحرب بين الفريقين، ولم يحصل، وانتقل المصرية ~~وترفعوا إلى قبلي ms1266 الجيزة بناحية دهشور وزنين. وفي يومي 22 و23 مايو دفع محمد علي ~~للجند مرتباتهم المتأخرة وأنفق عليهم وكان لهم مدة شهور لم ينفق عليهم. وفي ~~اليوم الأخير خرج ليلا إلى ناحية كرداسة ليمنع بعض العربان الذين بلغه أنهم يريدون ~~اللحاق بالبكوات، من الذهاب إليهم، ولكنه لم يعثر بأحد، فقفل راجعا (24 مايو). وفي ~~27 مايو ارتحل المصرية وترفعوا إلى ناحية جزر الهوى بالقرب من الرقق، وفي اليوم ~~التالي عدى الباشا إلى بر مصر وذهب إلى بيته بالأزبكية، فبات ليلتين به، ثم طلع ~~(يوم 30 مايو) إلى القلعة. ويعلق الشيخ الجبرتي على ما حصل بقوله: إن الباشا قد ~~تكدر طبعه من هذه الحادثة بعد أن حصلوا؛ أي حضر البكوات إلى الجيزة، وكاد يتم قصده ~~فيهم، وخصوصا ما فعله شاهين بك الذي أنفق عليه ألوفا من الأموال ذهبت جميعها في ~~الفارغ البطال. # غير أن عدم وقوع الحرب آنئذ لم يكن معناه أن الباشا سوف يترك البكوات وشأنهم، فقد ~~كتب «دروفتي» منذ 19 مايو: «أن البكوات على ما يبدو له يريدون الالتحام مع الباشا ~~في معركة فاصلة، ولكن الخوض معهم في معركة من هذا القبيل لا تجيزه مصلحة محمد علي ~~نفسه؛ لأن فرسان المماليك ولو كانوا أقل عددا من فرسانه، إلا أنهم قوة مرعبة ولا ~~شك إذا أتيح لهم الاشتباك في معركة تدور رحاها في ميدان منبسط؛ ولذلك يعمل الباشا ~~على كسب الوقت حتى مجيء الفيضان الذي سوف يرغم البكوات على ترك السهل»، فتضيع ميزة ~~فرسانهم، وعندئذ تشتعل الحرب بين الفريقين، وأما الوسيلة التي سوف يلجأ إليها ~~الباشا لكسب الوقت فهي استئناف المفاوضة معهم من جديد على أساس شروط تكون أكثر ~~ملاءمة لهم، بغية تفرقهم ونشر الانقسامات بينهم وإنهاء تكتلهم ضده. # بيد أن الباشا وإن انتظر فيضان النيل قبل الالتحام مع البكوات في معركة حاسمة، ~~فقد شرع من فوره يتهيأ لقتالهم، وأنفذ فعلا لمطاردتهم حسن باشا، فكان في ذلك بداية ~~تلك الحملة الكبيرة التي انتهت بإنزال الهزيمة الساحقة بالمماليك وتشتيت شملهم في ~~معركتي ms1267 اللاهون والبهنسا. ~~(8) حملة 1810 # ولقد كانت الصعوبات آنئذ تكتنف موقف محمد علي من كل جانب، فهو قد آلمه وحز في ~~نفسه أن ينكث البكوات بعهودهم، وأن يخونه شاهين بك الألفي؛ لأن تلك كانت المرة ~~الأولى التي صار يواجه فيها المماليك وقد اتحدت قواتهم، وصاروا يطيعون أوامر قيادة ~~عسكرية واحدة، الأمر الذي أشاع كذلك التردد في صفوف الأهلين إلى جانب إزعاجه لجنده، ~~فصار الفلاحون وأهل المدن في المناطق التي سادت فيها الفوضى خصوصا بسبب العمليات ~~العسكرية يتوقعون حدوث تغيير كبير عاجل في الموقف، فامتنعوا عن دفع الميري والضرائب ~~الأخرى. # وقد نقض المماليك العهد في وقت كان الباشا يرجو فيه الوصول إلى اتفاق معهم يمكنه ~~بفضل دفعهم الميري والغلال من تجهيز الحملة المنتظرة، والتي يلح الباب العالي في ~~ضرورة خروجها إلى الحجاز سريعا لحرب الوهابيين، ثم إرضاء الباب العالي بإرسال بعض ~~الغلال التي كانت القسطنطينية في حاجة شديدة إليها وقتئذ، ويلح الباب العالي في ~~إرسالها ولا يستطيع الباشا مرغما إرسال شيء من ذلك إلى القسطنطينية؛ لأن القاهرة ~~ذاتها كانت تنقصها المؤن؛ لأن استكفاء القاهرة أولا كان لا مناص منه، كما ذكر ~~«سانت مارسيل» لحكومته في 20 يونيو (1810)، والأمر المفضل على كل اعتبار آخر، زد ~~على ذلك أن محمد علي ما كان يطمئن إلى خروج جيشه إلى الحجاز قبل أن يتم الاتفاق ~~مع المماليك ويرضى هؤلاء بالحضور إلى القاهرة حتى يتمكن من مراقبتهم. # وفي يونيو 1810 كتب الباشا للباب العالي يعتذر عن تأخره في إنفاذ الجيش المطلوب ~~إلى الحجاز، وحاول في الوقت نفسه أن يبرر مسلكه مع البكوات ومسعاه في مصالحتهم، وهو ~~الذي يعلم مقدار بغض الباب العالي لهم ورغبته في التخلص منهم والقضاء عليهم، فاستند ~~في تبرير ذلك إلى ما وصل إليه البكوات من مذلة وهوان، وما تحملوه من تعب ومشقة من ~~زمن طويل جعله يشفق عليهم، حتى أسكنهم قصرا بالجيزة وضمن لهم سبل الراحة والعيش في ~~رفاهية لا يطلب منهم سوى دفع الميري والغلال، ومرافقة فرسانهم لفرسان جيشه الذاهب ~~إلى الحجاز، ms1268 ولكنهم ما لبثوا أن غدروا وخانوا العهد، ففروا من الجيزة، وصار لزاما ~~عليه الآن أن يدفع غوائلهم، ولكن الباب العالي الذي لم يدهشه غدر البكوات ونقضهم ~~لعهودهم؛ لأن هؤلاء - كما كتب سليم ثابت قبو كتخدا محمد علي في الآستانة في 28 ~~يونيو - معلوم أنهم قوم خونة لم ينالوا رضاء الدولة العلية من زمن قديم، عاد فأصر ~~على خروج الجيش إلى الحجاز؛ لأنه لا ينبغي أن تتأخر مسألة تخليص الحرمين الشريفين ~~بدعوى دفع غائلة البكوات المماليك، فكان لا مفر حينئذ من مناجزتهم. # ولم يجد محمد علي من الحكمة أن يشتبك في معركة فاصلة مع المماليك للانتهاء من ~~أمرهم سريعا قبل أن يصله فرسان الدلاة الذين بعث يطلبهم من الشام لتعزيز جيشه عقب ~~انفصال شاهين بك الألفي والمماليك الذين أقاموا بالقاهرة، ثم إن البكوات عندما ~~شاهدوا محمد علي ينقل جنوده إلى الجيزة ويجعل هذه مقر قيادته، اعتقدوا أن ~~النصر لا بد من نصيبهم؛ لأن خطتهم كانت استدراج الباشا وجيشه للالتحام معهم في ~~معركة ميدانها الأرض المنبسطة المغطاة بالرمال والمكشوفة حول الجيزة أو في جزء آخر ~~من شاطئ النهر قريب منها، فيكفل لهم تفوق فرسانهم الانتصار في المعركة، ولكن هذا ~~الاعتبار ذاته جعل محمد علي يمتنع عن الالتحام معهم، حتى انسحب البكوات يوم 27 ~~مايو من دهشور وزنين، ثم بعث بحسن باشا لمطاردتهم، وآثر التريث قبل الالتحام الجدي ~~معهم حتى ترتفع مياه النهر، وكان للفيضان أهمية كبيرة في نظره؛ لأن الفيضان سوف ~~يرغم البكوات على الانسحاب من مراكزهم الأمامية والابتعاد صوب الصعيد، ثم إن ~~الفيضان يمكن الباشا من اتقاء شر المماليك، إذا حدث أن لحقت به الهزيمة في المعركة ~~المقبلة، فيصبح النهر الممتلئ بمياه الفيضان بمثابة الحاجز الذي يحول دون مطاردة ~~فرسان المماليك لجيشه، فكان هذا التريث مبعث ما صار الباشا يعرضه على البكوات من ~~شروط للصلح جديدة كانت أكثر موافقة لمصالحهم، شفعها بتهديده، إذا رفضوها، بقتالهم ~~في معركة كبيرة، وقصد الباشا كسب الوقت حتى تصله نجدات الدلاة، وحتى يبدأ فيضان ~~النيل من ms1269 جهة، وحتى يشيع الفرقة والانقسام في صفوف البكوات من جهة أخرى؛ ولذلك فقد ~~كانت «حملة 1810» عسكرية وسياسية في وقت واحد. # وانحصرت خطة الحملة العسكرية، في محاولة تجميع حشود البكوات المماليك في مكان ~~واحد للاشتباك معهم في معركة تكون الفاصلة، وذلك بأن يزحف قسم من جيش محمد علي على ~~الصعيد للاستيلاء على المواقع الهامة، وإجلاء البكوات وقواتهم عنها، وإرغامهم على ~~الارتداد والانسحاب إلى الشمال للانضمام إلى سائر إخوانهم، بينما يشغل قسم الجيش ~~الآخر جماعة إبراهيم وشاهين الألفي، فلا يذهبون لنجدة البكوات والمماليك الذين هم ~~ببني سويف أو الأقاليم التي تليها في أعلى الصعيد، فإذا انحصر البكوات عند حدود ~~الصعيد في بني سويف أو الفيوم، وقطع الباشا عليهم خط رجعتهم إلى الجنوب، شن عليهم ~~هجوما كبيرا، في وقت تكون قد أخذت ترتفع فيه مياه النيل، فيتعذر عليهم إذا ~~انهزموا الفرار، أو جمع شملهم من جديد، ولا يستطيعون إذا حلت الهزيمة بالباشا نفسه ~~مطاردته. # وأما عن خطة الحملة السياسية، فقد استند الباشا على مهارة وكلائه الذين يوفدهم ~~إلى معسكر البكوات يحملون عروضه الجديدة، في إيقاع الشقاق بينهم، وجذب فريق منهم ~~إلى الصلح معه، ثم اعتمد على نجاح عملياته العسكرية - إذا قدر لها النجاح - في ~~تطويع فريق آخر منهم، وحملهم على الحضور إلى القاهرة مستأمنين تحت رعايته في هدوء ~~وسلام. # ومنذ أواخر مايو 1810 بدأ وضع هذه الخطة المزدوجة موضع التنفيذ، فقد صدر الأمر ~~للجند في 4 يونيو بالخروج، فسعى هؤلاء بالجد والعجلة في قضاء أشغالهم ولوازمهم، ~~وفي 8 يونيو أقام حسن باشا معسكره بناحية الآثار (أثر النبي)، «وخرج أيضا محو ~~بك بعسكره وطوائفه ومعهم بيارق، وسافر جملة عساكر في المراكب ليرابطوا في البنادر، ~~وكانت هذه خالية ليس بها أحد من أجناد البكوات، واستمر خروج الجند في الأيام ~~التالية، وأشرف الباشا على الحركة، فصار يحضر من الجيزة إلى القاهرة لمراقبة خروج ~~الجند، ولملاحظة الأمن بها؛ خوفا من أن يتصل البكوات بأنصار لهم فيها، وللحيلولة ~~دون تهريب الأسلحة والذخائر والعتاد إليهم، وكاد يقع تحت طائلة ms1270 العقوبة بتهمة إمداد ~~البكوات بالأسلحة وما إليها أحد تجار القاهرة المعروفين السيد سلامة البخاري وأخوه ~~وابن أخيه، لولا اتضاح براءتهم للباشا مما نسب إليهم.» # ولما استكمل حسن باشا استعداداته نزل مع جنده في النهر وبدأ زحفه صوب الصعيد، ~~وانسحب البكوات من دهشور إلى الرقق، ثم إلى ناحية صول والبرنبل؛ حيث أقاموا أمام ~~«صول» خطا طويلا من التحصينات (أو المتاريس)، ونصبوا بطارية من ستة مدافع، لوقف ~~تقدم الجيش الزاحف، وكان على قيادة هذا الجيش كذلك صالح قوج، وعابدين بك، وطبوز ~~أوغلي، ولم يكن في تعليمات حسن باشا ما يجيز له الالتحام مع البكوات في معركة ~~كبيرة، بل الاكتفاء بمناوشتهم ومطاردتهم، على ألا يصرفه هذا عن تحقيق الهدف ~~الرئيسي من حملته، وهو الاستيلاء على المراكز المنيعة بالصعيد، ولكن مقاومة البكوات ~~الشديدة لزحفه عند صول والبرنبل، اضطرته إلى إنزال جنده الأرنئود إلى البر ~~لمناجزتهم، فكانت أول معركة كبيرة بين جيشي محمد علي والبكوات. # فقد شن عليهم حسن باشا هجوما كبيرا يوم 17 يونيو، وأجلى المماليك عن المتاريس، ~~وملكها وانتصر عليهم، وقتل رجل من الأجناد (في جيش البكوات) وهو الذي كان محافظا ~~على المتاريس، يقال له إبراهيم آغا، سقط به الجرف إلى البحر، فأخذوه؛ أي جند حسن ~~باشا إليهم، ومعه آخر وقتلوهما، وقطعوا رءوسهما وأرسلوهما صحبة المبشرين إلى محمد ~~علي، فعلقوا الرأسين بباب زويلة. # ولكن لم يلبث أن انقلب هذا النصر إلى هزيمة، عندما باغت البكوات جند حسن باشا ~~مكمنين وكاتمين أمرهم في أول الليل (17 يونيو)، فدهموا الأرنئود من كل ناحية، ~~فوقع بينهم مقتلة عظيمة، وأخذوا منهم عدة بالحياة، وأخذوا منهم أشياء، فانسحب ~~الأرنئود لاجئين إلى السفن مخلفين وراءهم جثث قتلاهم التي ألقاها المماليك في النيل ~~فحملها التيار إلى القاهرة، منبئة بالهزيمة. # وساعدت الريح السفن، فاستأنف حسن باشا سيره إلى بني سويف، وأما البكوات، فقد عبر ~~النهر منهم طائفة إلى شرق أطفيح، وانتقل بواقيهم راجعين إلى ناحية الجيزة قريبا ~~من عرضى الباشا. # وفي 22 يونيو وصل طائفة من المماليك إلى المرابطين لخفارة عرضى ms1271 الباشا، ~~واحتاطوا بهم، وساقوهم إليهم، فانزعج العرضى، وحصل فيهم غاغة، وسادت الفوضى، وترك ~~الجند خيامهم للتحصين بالجيزة (البلد)، ولكن المهاجمين لم يستطيعوا التقدم، وكان ~~الذي أوقف هجومهم وأبطله حدوث الانقسام في صفوفهم. # فقد أخذ فريق من البكوات يشكون ويتذمرون من غطرسة شاهين بك الألفي الذي زاد صلفا ~~وغرورا منذ أن صارت له الرئاسة على المماليك المرادية واقتسم السلطة مع إبراهيم ~~بك، فأساء معاملة كثيرين من البكوات ومماليك بيت الألفي الذي ينتسب إليه شاهين ~~نفسه، وأفلح وكلاء الباشا في تزكية هذا التذمر وزيادته اشتعالا، وراح الباشا ~~بواسطة هؤلاء الوكلاء - وكان أهمهم مصطفى كاشف المورلي، وهو معدود من طوائف ~~المماليك سابقا، وملتحق الآن بخدمة كتخدا بك محمد آغا لاظ - يبذل لهم الوعود ~~السخية، فانشق ثلاثة من البكوات مع حوالي الستة عشر كاشفا، ونحو المائتي مملوك من ~~فرسانهم، على شاهين، وكان رفضهم الاشتراك في العمليات العسكرية المهيأة للهجوم على ~~الجيزة السبب في إبطال هذا الهجوم (في 22 يونيو)، ولم يلبث البكوات المنشقون أن ~~غادروا معسكرهم في ليل 22 يونيو، وعبروا النيل قاصدين تسليم أنفسهم إلى الباشا، ~~وانتهى الأمر بصلحهم معه وانضمامهم إليه هم والكشاف والفرسان المماليك الذين ذكرناهم (في 28 يونيو). # وقد صادف أثناء عبورهم النيل في سواد الليل إلى القاهرة، أن كان الباشا نفسه يعبر ~~النهر في طريقه إلى الجيزة؛ لأن ولده طوسون عند هجوم المماليك الأول على مخافر ~~معسكره الأمامية وتوقعه حدوث هجوم كبير على الجيزة، كان قد أرسل إلى والده بالقلعة ~~يستدعيه على عجل إلى المعسكر، فنزل الباشا وعدى إلى البر الغربي، وسمع الباشا ~~أثناء التعدية واحدا يقول للآخر: قدم حتى نقتل المصريين (البكوات المماليك) ونبدد ~~شملهم، ويكرر ذلك، فأرسل الباشا مركبا، وأرسل بعض أتباعه لينظروا هذين الشخصين، ~~ولأي شيء نزلا البحر في هذا الوقت، فلما ذهبوا إلى الجهة التي سمع منها الصوت لم ~~يجدوا أحدا، وتفحصوا عنهما فلم يجدوهما، فاعتقد من له اعتقاد منهم، أنهما من ~~الأولياء، وأن الباشا مساعد بأهل الباطن. # ولكن اتضح ثاني يوم (23 يونيو) أن ms1272 الذين عدوا إلى البر الشرقي في الليل كانوا ~~البكوات المنشقين، وهم ثلاثة من الأمراء الألفية: نعمان بك وأمين بك ويحيى ~~بك. # وكان لانشقاق هؤلاء - ومن تبعهم من الكشاف والفرسان المماليك - آثار كبيرة، من ~~حيث إن هذه الحركة، زيادة على إحباطها خطة الهجوم الذي كان البكوات قد اعتزموا ~~القيام به، قد أضعفت مركز شاهين الألفي، الذي أخذ يفقد احترامه بين جماعته وبين ~~سائر زملائه البكوات، وضاع نفوذه رويدا رويدا بينهم، وتشجع آخرون على مغادرة ~~معسكر البكوات والانضمام إلى محمد علي، وأتيحت الفرصة للباشا لإشاعة الانقسام مرة ~~أخرى في صفوفهم، وهو على وشك الالتحام معهم في معركة اللاهون الفاصلة، وآثر شاهين ~~الألفي نفسه في آخر الأمر التسليم لمحمد علي والصلح معه، على نحو ما سيأتي ذكره ~~كله. # ولقد كان بسبب خطورة حادث الانشقاق هذا، وما يكشفه من مدى ما وصل إليه تخاذل ~~البكوات وتفاشلهم من ناحية، وبراعة محمد علي في توسيع شقة الخلاف بينهم، أن سجل ~~الشيخ الجبرتي تفاصيله، وغني عن البيان أن الشيخ وإن كان أمينا في نقله ما حدث ~~بدقة بالغة، وتتفق روايته جملة وتفصيلا ما ذكره المعاصرون، وضمنه الوكلاء ~~الفرنسيون تقاريرهم، فإنه كان بعيدا كل البعد عن الاغتباط لما حدث، بل وآلمه أن ~~يفشل البكوات في حزم أمرهم في ساعتهم العصيبة، وأن تغتر فئة منهم بوعود محمد علي ~~الخلابة والكاذبة في نظر الشيخ، وهو الذي لم يكن قصده - كما اعتقد الشيخ أيضا - من ~~مسعى الصلح مع البكوات واستمالتهم إلى العيش في كنفه بالقاهرة إلا كسر شوكتهم ثم ~~الإجهاز عليهم عند سنوح أول بادرة والفتك بهم، ويتفق الشيخ في عدم الثقة بمحمد علي ~~أصلا وإطلاقا مع إبراهيم بك الكبير خصوصا. # وها هي ذي روايته عن حادث انشقاق نعمان بك ويحيى بك وأمين بك الألفي. ~~«وفي عشرينه؛ أي 20 جمادى الأولى 1225 / 23 يونيو 1810، ظهر التفاشل بين الأمراء ~~المصريين، وتبين أن الذين كانوا عدوا إلى البر الشرقي هم ثلاثة أمراء من الألفية ~~وهم نعمان بك وأمين بك ويحيى بك، وذلك أنهم ms1273 لما تصالحوا مع الباشا، وأميرهم شاهين ~~بك وهو الرئيس المنظور إليه ومطلق التصرف في معظم البر الغربي والفيوم، ويتحكم فيهم ~~وفي طوائف العربان وأهالي البلاد والفلاحين بما يريد، وكذلك أموال المعادي بناحية ~~الأخصاص وإنبابة والخبيري (المعادي) وغير ذلك، وهو شيء له قدر كبير، زاد فيهم أيضا ~~أضعاف المعتاد، فيأخذ جميع ذلك ويختص به، وذلك خلاف إنعامات الباشا عليه بالمئين من ~~الأكياس، ويشتري المماليك والجواري الحسان، ولا يدفع لهم ثمنا، فيشكون إلى الباشا ~~فيدفعه إلى اليسرجية من خزينته وهو منشرح الخاطر، وإخوانه يتأثرون لذلك، وتأخذهم ~~الغيرة ويطمعون في جانبه، وهو يقصر في حقهم ولا يعطيهم إلا النزر من المن والتضجر، ~~وفيهم من هو أقدم منه هجرة، ويرى في نفسه أنه أحق بالتقدم منه، ولما دنت وفاة ~~أستاذهم (محمد الألفي الكبير) أحضر شاهين بك وسلمه خزينته، وأوصاه بأن يعطي لكل ~~أمير من خشداشينه سبعة آلاف مشخص، ولم يعطهم، وطفق كلما أعطاهم شيئا حسبه عليهم من ~~الوصية، حتى إذا أعطى البلك والبنش لنعمان بك مثلا يعطيه له أنقص من بنش أمين بك ~~نصف ذراع، ويقول هو قصير القامة، ونحو ذلك، فيحقدون ذلك عليه، ويشتكون من خسته ~~وتقصيره، ويعلم الباشا ذلك. # فلما نقض شاهين بك عهده، وانضم إلى المخالفين (وترك الباشا)، وخشداشينه ~~المذكورون معه بالتنافر القلبي، راسلهم الباشا سرا ووعدهم ومناهم بأنهم إذا ~~حضروا إليه وفارقوا شاهين بك الخائن المقصر في حقهم، أنزلهم منزلة شاهين بك ~~وزيادة، واختص بهم اختصاصا كبيرا، فمالت نفوسهم لذلك القول، واعتقدوا بخسافة ~~عقولهم صحته، وأنهم إذا رجعوا إليه هذه المرة ونبذوا المخالفين، اعتقد صداقتهم ~~وخلوصهم، وزاد قدرهم ومنزلتهم عنده. # وتذاكروا عند ذلك ما كانوا فيه مدة إقامتهم بمصر من التنعم والراحة في القصور ~~التي عمروها بالجيزة، والبيوت التي اتخذوها بداخل المدينة (القاهرة)، والرفاهية ~~والفرش الوطيئة، وتحركت غلمتهم للنساء والسراري التي أنعم عليهم الباشا بها، ~~وقالوا: ما لنا والغربة وتعب الجسم والخاطر والانزعاج والحروب والإلقاء بنفوسنا في ~~المهالك، وعدم الراحة في النوم واليقظة، فردوا الجواب بالإجابة، وتمنوا عليه أيضا ~~ما ms1274 حاك في نفوسهم بشرط طرح المؤاخذة، والعفو الكامل بواسطة من يعتمد صدقه. # فأجابهم الباشا لكل ما سألوه وتمنوه بواسطة مصطفى كاشف المورلي، وهو معدود ~~سابقا منهم، وانفصل عنهم وانتمى إلى كتخدا بك وصار من أتباعه. # فعند ذلك شرعوا في مناكدة أخيهم شاهين بك ومفارقته، وعقدوا معه مجلسا، وقالوا ~~له: قاسمنا في ربع المملكة التي خصونا بها في القسمة التي شرطوها، فإننا شركاؤك، ~~فإن إبراهيم بك قسم مع جماعته، وكذلك عثمان بك حسن وعلي بك أيوب، فقال لهم: ~~وما هو الذي ملكناه حتى أقاسمكم فيه؟ فقالوا: أنت تجحف علينا، وتختص بالشيء دوننا، ~~فإننا لما اصطلحنا معك مع الباشا، وصرفك في البر الغربي اختصيت بإيراده، وهو كذا ~~وكذا دوننا، ولم تشركنا معك في شيء، ولولا أن الباشا كان يراعينا ويواسينا من عنده ~~لمتنا جوعا، فنحن لا نرافقك ولا نصحبك ولا نحارب معك حتى تظهر لنا ما نقاتل معك ~~عليه، وتزايدوا معه في المكالمة والمعاتبة والمفاقمة، ثم انفصلوا عنه، ونقلوا ~~خيامهم إلى ناحية البحر، واعتزلوه وفارقوا عرضى الجميع. # فلما علم بذلك إبراهيم بك الكبير تنكد خاطره وقال: لا حول ولا قوة إلا بالله ~~العلي العظيم؛ أي شيء هذا الفشل وخسافة العقل والتفرق بعد الالتئام والاجتماع! وذهب ~~إليهم ليصالحهم، ويضمن لهم كل ما طلبوه وطمعوا فيه عند تملكهم، وقال لهم: إن كنتم ~~محتاجين في هذا الوقت لمصرف، أنا أعطيكم من عندي عشرين ألف ريال، اقسموها بينكم ~~وعودوا لمضربكم معنا، فامتنعوا من صلحهم مع شاهين بك، فرجع إبراهيم بك يريد أخذ ~~شاهين بك إليهم، فامتنع من ذهابه إليهم، وقال: أنا لست محتاجا إليهم، وإن ذهبوا ~~قلدت أمراء خلافهم، وعندي من يصلح لذلك ويكون مطيعا لي دونهم، فإن هؤلاء يرون أنهم ~~أحق مني بالرياسة. # والجماعة شرعوا في التعدية، وانتقلوا إلى البر الشرقي، وحال البحر بين الفريقين، ~~ووصل إليهم مصطفى كاشف المورلي بمرسوم الباشا، واجتمعوا معه عند عبد الله آغا ~~المقيم بناحية بني سويف، وضرب لهم شنكا ومدافع، ثم إنهم عزموا على الحضور إلى مصر ~~(القاهرة)، فوصلوا ms1275 في يوم الخميس (25 جمادى الأولى و28 يونيو) وخلع عليهم وأعطاهم ~~تقادم، ورجعوا إلى مضربهم بناحية الآثار، وصحبتهم ستة عشر من كشافهم، والجميع ~~يزيدون عن المائتين، وأنعم عليهم الباشا بمائتي كيس، لكل كبير من الأربعة ~~(والمتواتر أنهم أربعة ولم نعرف هوية الرابع على وجه التحقيق) عشرون كيسا، ومائة ~~وعشرون كيسا لبقيتهم. # واشتروا دورا واسعة، وشرعوا في تعميرها وزخرفتها على طرف الباشا، فاشترى أمين ~~بك دار عثمان كتخدا المنفوخ بدرب سعادة، من عتقائه، ودفع له الباشا ثمنها، وأمر لكل ~~أمير منهم بسبعة آلاف ريال ليصرفها فيما يحتاج إليه في العمارة واللوازم، وحولهم ~~بذلك على المعلم غالي، ولما تحقق شاهين بك انفصالهم قلد أربعة من أتباعه أمرياتهم، ~~وأعطاهم بيرقا وخيولا، وضم لهم مماليك وطوائف. # وتمت حيلة الباشا التي أحكمها بمكره.» # ثم ذكر الشيخ الجبرتي الآثار المباشرة التي ترتبت على نجاح هذه الحيلة، فقال: ~~«وعند ذلك أشيع في الإقليم القبلي والبحري تفرقهم وتفاشلهم، ورجع من كان ~~عازما من القبائل والعربان عن الانضمام إليهم، وطلبوا الأمان من الباشا، ~~وحضروا إليه ودخلوا في طاعته، وأنعم عليهم وكساهم. # وكانت أهالي البلاد عندما حصلت هذه الحادثة عصت عن دفع الفرض والمغارم، ~~وطردوا المعينين وتعطل الحال، خصوصا عندما شاع غلبة المصريين على الأرنئود ~~(في صول والبرنبل)، وتفرقت عنهم العربان الذين كانوا انضموا إليهم وأطاع ~~المخالف والعاصي والممانع. # وكلها أسباب لبروز المقدور والمستور في غيبه سبحانه وتعالى.» # وكان لهذا الحادث نتائج أخرى خطيرة؛ فقد كتب كل من «دروفتي» من القاهرة و«سانت ~~مارسيل» من الإسكندرية في 4 يوليو: أن البكوات بسبب تخاذلهم وتفاشلهم بعد (حادث ~~الجيزة) قد اضطروا إلى التقهقر منسحبين نحو مدخل الفيوم قريبا من قنطرة أو جسر ~~اللاهون، وأن أعداد المنفصلين من المماليك عن شاهين الألفي في زيادة مضطردة، حتى ~~صار هذا يعض بنان الندم على إصغائه لتحريض إبراهيم بك، ويأسف عظيم الأسف لمغادرته ~~القاهرة والخروج على سلطان الباشا، وأن محمد علي لا يزال يدأب على كسب الوقت ~~حتى تصله نجدات الدلاة وحتى يأتي الفيضان، ويثابر لذلك على ms1276 اتصالاته السرية ~~بالمماليك لإغراء فريق آخر من بكواتهم وأجنادهم على الانفصال عنهم، حتى إنه ليعتمد ~~على نجاح مؤامراته في الغلبة عليهم أكثر من اعتماده على قوة جيشه، والأهم من هذا ~~كله أن قواده في الصعيد قد نجحوا في تنفيذ الخطة الموضوعة. # والواقع أن حسن باشا وسائر القواد في حملة الصعيد، استولوا على بني سويف والمنيا ~~ومنفلوط وأسيوط، ومع أن الجيش الزاحف انهزم عند شطب، جنوب أسيوط، فقد كانت هذه هي ~~الهزيمة الوحيدة التي لحقت به، فكتب «دروفتي» إلى حكومته من القاهرة في 28 يوليو: ~~إن حسن باشا قائد الأرنئود المرسلين لأخذ البلاد الواقعة على جانبي النيل، قد برر ~~تماما الثقة التي وضعها الباشا فيه، فدانت له الأقاليم بين بني سويف وإسنا، ومنذ ~~أواسط الشهر نفسه، كان صالح قوج صاحب الحكم والسلطة في أسيوط، وطبوز أوغلي في ~~المنيا، وحسن باشا نفسه في جرجا، ولم يجد مماليك وبكوات الصعيد بدا من التقهقر ~~والانسحاب صوب الفيوم للانضمام إلى إخوانهم، فنجحت خطة الباشا التي هدفت إلى تجمع ~~البكوات في مكان واحد لمناجزتهم دفعة واحدة. # وعلاوة على ذلك فقد وصلت في أوائل يوليو قوات الدلاة التي طلبها الباشا، فحضر ~~كثير (من هؤلاء الفرسان) من الجهة الشامية، وكذلك حضر أتراك من على ظهر البحر ~~كثيرون، من قولة ومقدونيا. وكتب «سانت مارسيل» في 21 يوليو: إن النجدات لا تصله ~~من الشام يوميا، ثم إن مياه النهر قد بدأت تعلو وترتفع، وقرب موعد الفيضان، ~~فتهيأت الأسباب إذا لخروج الباشا ومناجزة البكوات في معركة فاصلة، وكان هؤلاء ~~محتشدين. ~~(9) معارك اللاهون والبهنسا # وبدأ الاستعداد جديا للخروج لقتال البكوات يوم 4 يوليو، فقلد الباشا في هذا ~~اليوم ديوان أفندي نظر مهمات الحرمين الشريفين والتأهب لسفر الحجاز لمحاربة ~~الوهابية. وفي 7 يوليو ارتحل الباشا بعسكره من الجيزة وانتقل إلى جزيرة الذهب، ~~ونودي في المدينة بخروج العساكر المقيمين بمصر، ولا يتخلف منهم أحد، وعمد الباشا ~~إلى جمع الدواب والسفن والرجال الفلاحين بكل الوسائل، فزاد تعدي رجاله وخطفهم ~~الحمير والجمال والرجال الفلاحين وغيرهم، لتسخيرهم ms1277 في خدمتهم، وفي المراكب عوضا عن ~~النوتية والملاحين الذين هربوا وتركوا سفائنهم، ثم انحدر قبطان بولاق وأعوانه في ~~طلب المراكب من بحر النيل. # وفي 12 يوليو غادر الباشا جزيرة الذهب قاصدا إلى مدخل الفيوم؛ حيث وقف البكوات ~~بجيشهم، وكان جيش الباشا يتألف من ثلاثة آلاف فارس وألفين من المشاة، وحرص محمد علي ~~في أثناء زحفه على توقي أي هجوم قد يأتيه من ناحية المماليك، فسار بمحاذاة النهر ~~متنقلا من قرية إلى أخرى بمهارة فائقة مكنته في النهاية من قطع خطوط مواصلات ~~المماليك مع النهر، وارتد هؤلاء على قناة بحر يوسف واتخذوا مواقعهم عند قنطرة ~~اللاهون، واتخذ الباشا مواقعه أمامهم. # وعبثا حاول المماليك استفزاز جند الباشا للالتحام معهم، فقد قضت تعليمات محمد ~~علي أن يقتصر جنده على مناوشتهم لإرهاقهم قبل تخير الوقت المناسب لشن هجومه عليهم؛ ~~ولأن المماليك الذين لا يعرفون من فنون القتال إلا الهجوم الشديد، سوف تربكهم ~~المناورات والمناوشات الجزئية، التي يجهلون فنونها، وقد أفاد الباشا فعلا من خطته ~~هذه، وأنزل في كل مرة ناوشهم فيها خسائر اضطرت المماليك إلى التقهقر والابتعاد عن ~~النهر تدريجيا، حتى انقطعت مواصلاتهم مع النيل - كما ألمعنا - وتجمعوا عند قناة ~~أو بحر يوسف فضربوا وطاقهم على جزء القناة؛ حيث توجد قنطرة أو جسر اللاهون، وهو ~~جسر يقع بين الوادي والصحراء، وأنشئوا متاريس، كتحصينات أمامية لمعسكرهم. # وثمة سبب آخر منع الباشا من الاشتباك معهم في التو والساعة، فقد كان الباشا لا يزال يعمل لاستمالة عدد آخر من البكوات والمماليك، وإحداث انقسام جديد في صفوفهم ~~يزيد من إضعافهم ووهن عزائمهم، وقد تم له ما أراد في هذه المرة أيضا. # ذلك أن مساعيه لقيت نجاحا لدى أحد البكوات الألفية، حسين بك تابع حسين بك ~~المعروف بالوشاش الألفي، فحاول الهروب والمجيء إلى الباشا، ومع أن شاهين الألفي ~~تنبه للأمر وقبض عليه وأهانه وسلب نعمته وكتفه وأركبه على جمل مغطى الرأس، وأرسله ~~إلى الواحات، ولكن حسين بك لم يزل حتى احتال وهرب وحضر إلى عرضى الباشا، فأكرمه ~~وأنعم عليه ms1278 وأعطاه خمسين كيسا، واستمر عنده، وحذا حذو حسين بك، عدد من الكشاف، ~~وحوالي العشرين من المماليك، ففروا إلى معسكر الباشا، وراحوا يؤكدون له - على نحو ~~ما ذكر «دروفتي» في رسالته من القاهرة بتاريخ 28 يوليو - أن شاهين الألفي نفسه منذ ~~أن تركه البكوات الأربعة، والكشاف والفرسان المماليك الذين سلموا إلى الباشا (في 28 ~~يونيو) قد فقد كل اعتبار له عند زملائه، حتى صار يشكو بمرارة من إبراهيم بك وعثمان ~~بك حسن، والبكوات الآخرين من بيت مراد، ويلعن اليوم الذي انضم فيه إليهم، ويريد ~~أن يتركهم إذا صفح الباشا عنه وأعطاه إيرادات مديرية الفيوم. # فكان لهذه الأخبار التي أظهرت انقسام البكوات وأكدت أنهم ما زالوا على منافساتهم ~~وخلافاتهم القديمة ولا يخشى لذلك من بأسهم، أعظم الأثر في تقرير محمد علي التعجيل ~~بالهجوم عليهم، فبعث أولا برسله إلى شاهين بك يتفاوضون معه حتى يضمن شل حركته في ~~المعركة المقبلة، وفي ليل 20 يوليو 1810 شن محمد علي هجوما عنيفا مفاجئا على ~~المماليك في قنطرة اللاهون وانتصر عليهم. # وكان سبب هزيمة البكوات أنهم انخدعوا بما لاحظوه من حذر في عمليات الباشا منذ ~~وصوله إلى الفيوم، فتهاونوا ولم يستعدوا الاستعداد اللازم، فعجزوا عن المقاومة عند ~~مباغتتهم، وعقدوا العزم على إنقاذ عتادهم الحربي ومدافعهم، ولكنهم فشلوا حتى في ~~هذا، فتقهقروا مسرعين إلى البهنسا - وهي قرية على بحر يوسف بالشاطئ الغربي - تاركين ~~وراءهم عشر مدافع وقسما كبيرا من عتادهم، فكانت هزيمة كبيرة، وصلت أخبارها إلى ~~القاهرة في 28 يوليو، فبادر «دروفتي» بالكتابة عن تفاصيلها إلى حكومته في اليوم ~~نفسه، كما تحدث عن آثارها فقال: «إن معركة قنطرة اللاهون قد ملكت الباشا مديرية ~~الفيوم بأسرها، الإقليم الغني بغلاته الوفيرة، فاستولى الباشا على كل ما وجده من ~~مؤن بها، ثم إن هذا النصر قد حرم كذلك شاهين بك من الغلال وغيرها مما كان يأخذه من ~~القرى بمديريتي الجيزة والفيوم، فزاد تذمره، وقوي سوء التفاهم بينه وبين إبراهيم ~~بك، وفضلا عن ذلك فقد أكسب هذا النصر جند الباشا ثقة ms1279 في قوتهم لم تكن لديهم قبل ~~هذه المعركة.» # ولم يفرح الشيخ الجبرتي لهذا النصر، ولم يستبشر به خيرا، فاكتفى بأن سجل عن هذه ~~المعركة الكبيرة في حوادث 28 يوليو، أن الأخبار قد وصلت «بأن الباشا ملك قناطر ~~اللاهون، وأن المصريين ارتحلوا إلى ناحية البهنسا، ولم يقع بينهم كبير محاربة، وأن ~~الباشا استولى على الفيوم، وأرسل الباشا هدايا لمن في سرايته، ولكتخدا بك، من ~~ظرائف الفيوم مثل ماء الورد والعنب والفاكهة وغير ذلك، واستولى على ما كان مودعا ~~للمصريين من غلال بالفيوم.» # وأما البكوات فقد ادعوا أنهم لم ينهزموا في معركة قنطرة اللاهون، وراحوا يذيعون ~~أنهم لم ينهزموا، ولم يكن تقهقرهم إلا عن خطة موضوعة؛ لأنهم لم يشاءوا التعرض ~~لنيران مدفعية الباشا دون فائدة؛ حيث إنهم قد قرروا أن يتخيروا هم الظرف المناسب ~~حتى يكون سبق المبادأة في أيديهم، وأنهم قصدوا بتقهقرهم المتعمد، استدراج الباشا ~~إلى حافة الصحراء؛ حيث يستطيعون في الأرض المنبسطة إطلاق فرسانهم على جيش الباشا ~~وإنزال هزيمة ساحقة به في مكان بعيد عن النهر، ويتعذر على فلول جيشه التقهقر إلى ~~النيل، على أن هذه الدعاوى، كانت إيهامات كاذبة. # وانتشى محمد علي بخمرة هذا الانتصار، فبادر بالكتابة إلى الباب العالي في آخر ~~يوليو يزف إليه بشرى هذا الانتصار على البكوات، وهو الانتصار الذي تفاءل به محمد ~~علي واعتبره مبشرا بقرب زوال غوائلهم. # وفي الواقع استمر البكوات في تقهقرهم بعد هذه المعركة حتى وصلوا إلى كفر بهنسا، ~~قرية على مسافة أربع عشرة مرحلة فوق جسر اللاهون، وتقع على حافة الصحراء الليبية، ~~بدا للبكوات أنها أصلح مكان للصمود في وجه المشاة الأرنئود وقتالهم؛ حيث إن انبساط ~~الأرض وخلوها من العقبات التي قد يجد فيها الأرنئود درعا لحمايتهم سوف يعرضهم ~~لهجوم فرسان المماليك المتصل عليهم، ثم لنيران مدفعيتهم التي اعتمدوا عليها في ~~المعركة المقبلة. # وعلى ذلك، فإنه ما إن ظهرت طلائع جيش محمد علي - وكان قد استأنف الزحف بعد راحة ~~قصيرة، والجنود مشتعلون حماسا بسبب انتصارهم الأخير - حتى بادرهم المماليك بالهجوم ~~عليهم، ms1280 فدارت رحى الحرب في معارك متصلة، كل يوم تقريبا، أبدى فيها الفريقان بسالة ~~فائقة، ووقعت أشد هذه المعارك وأحماها وطيسا في أيام 11، 18، 24 أغسطس 1810، ولكن ~~كان لدى الباشا مدفعية متفوقة على مدفعية البكوات، ومشاته أكثر مرانا على فنون ~~القتال من مشاتهم، وقبل كل شيء محمد علي نفسه هو الذي يختار ميدان هذه المعارك بما ~~يكفل له تجريد خصومه من الميزة التي لهم في دربة فرسانهم وتفوقهم، فخاب فأل البكوات ~~في هذه المرة كسابقتها، وحلت بهم الهزيمة، فقتل وأسر منهم كثيرون، وتشتت شمل جيشهم، ~~وكان يوم 24 أغسطس هو يوم (معركة البهنسا) الفاصلة، ولاذ إبراهيم بك وعثمان بك ~~وفلول المماليك بالفرار إلى أعالي الصعيد صوب الشلالات. # وللمرة الأولى في تاريخ جيش محمد علي، صدر بلاغ عسكري سجل هذا النصر، نقل ~~«دروفتي» ترجمته في رسالته إلى حكومته في أول سبتمبر 1810، كما أثبت هذه الترجمة ~~غيره من المعاصرين، ونص البلاغ ما يأتي: # من المعسكر بين بني عدي ومنفلوط في 25 رجب 1225/24 أغسطس 1810 # ما كدنا نرى طلائع فرسان المماليك حتى هاجمناهم على رأس فرساننا تعزز ~~المدفعية هجومنا، وكان معنا (ومحمد علي هو المتحدث) ولدنا العزيز إبراهيم ~~بك دفتردار مصر، فحملنا على العدو، وقد أطلقنا العنان لخيولنا حتى اخترقنا ~~صفوفه من أول هجمة عليه، فشتتنا صفوفه وألحقنا به الهزيمة الساحقة، ثم ~~طاردنا بعنف أولئك الذين لجئوا (من العدو) إلى الجبال في هذا المكان، حتى ~~عقبة بني عدي، فبلغ عدد القتلى والأسرى أكثر من ستمائة، بينما طلب النجاة ~~حوالي الألف في الفرار، فانسحبوا إلى منفلوط وأسيوط وأماكن أخرى، وعقب ~~المعركة دخل ثلاثة من بكوات عثمان بك حسن، وآخر من بكوات الجماعة الأخرى ~~إلى منفلوط مستسلمين، ثم طلب الأمان ستة من البكوات وعدد من الكشاف ~~وفرسان المماليك العاديين، وأما إبراهيم بك العجوز وسليم بك الأعور ~~(المحرمجي) وعثمان بك حسن وشاهين بك الألفي - وهم الذين جبلوا على الهرب ~~والفرار - فقد اتجهوا بعد أن أثخنتهم الجراح صوب إبريم وبلاد السودان، ~~ومعهم فلول جيشهم المحطم، فحمدا لله وشكرا ms1281 على نعمائه، الذي أنهى طغيان ~~البكوات وحطمهم تحطيما. # ثم بادر محمد علي بالكتابة إلى القسطنطينية ينقل إليها خبر تمكنه من حرق طوائف ~~البكوات الأشقياء الذين شقوا عصا الطاعة من جديد، ورفعوا راية الثورة ~~والعصيان. # وأما الشيخ الجبرتي الذي لم يسجل هذا (البلاغ العسكري) في تاريخه، فقد اكتفى بأن ~~ذكر في حوادث يوم 31 أغسطس: «وردت أخبار بوقوع حرابة بين الباشا والمصريين، وقتل ~~بين الفريقين مقتلة عظيمة عند دلجة والبدرمان، وكانت الغلبة للباشا على المصريين، ~~وأخذوا منهم أسرى، وحضر إلى الباشا جماعة من الأمراء الألفية بأمان، وهرب الباقون ~~وصعدوا إلى قبلي، فعملوا؛ أي حكومة القاهرة، بذلك شنكا ومدافع ثلاثة أيام، كل يوم ~~ثلاث مرات.» # وفي أول سبتمبر وصل محمد علي القاهرة، وفي 13 سبتمبر 1810 «حضرت العساكر ~~والتجريدة إلى نواحي الآثار والبساتين، ودخلوا (القاهرة) في صبيحة (14 سبتمبر) ~~بطموشهم وحملاتهم، حتى ضاقت بهم الأرض، وحضر صحبتهم الكثير من الأجناد المصرية أسرى ~~ومستأمنين.» # وبذلك اختتمت حملة 1810. ~~(10) شاهين الألفي ... مستأمنا # وتحدث «سانت مارسيل» - في كتابه إلى الوزير «شامباني» من الإسكندرية في 11 أكتوبر ~~1810 - عن نتائج معركة البهنسا، فقال: «إن عددا كبيرا من المماليك قتلوا أو أسروا، ~~وإن آخرين فروا من جيش البكوات، لينضموا إلى الباشا، وإن من بين الجرحى شاهين بك ~~الألفي وإبراهيم بك، وإن هناك بكوات آخرين يريدون الوصول إلى اتفاق جديد مع ~~الباشا، يبدو من الصعب أن يقبله الباشا، والبكوات المنهزمون يضربون صوب إسنا ومن ~~المنتظر أن يستأنفوا زحفهم منها (ضد قوات الباشا المرابطة في جهات الصعيد) عند ~~انخفاض الماء في النيل، لا ريب في ذلك. # ولم يكن شاهين الألفي من بين البكوات الضاربين صوب إسنا. # فقد اتسعت شقة الخلاف بينه وبين إبراهيم وعثمان بك حسن، بعد الهزيمة الأخيرة ~~خصوصا، ورسخ في ذهنه أن المطاولة في معاداة الباشا لا جدوى منها ولا طائل تحتها ~~غير تحمل مشاق التشريد والحرمان، وتاقت نفسه لاستئناف حياة الرخاء والدعة التي ~~عاشها سابقا في كنف محمد علي، مغمورا بنعمائه، وأبلغ رغبته في الصلح مع الباشا، ms1282 ~~والاعتراف بسيادته وسلطانه، وأمل الباشا خيرا من رغبة شاهين في الخضوع والاستسلام، ~~ونسى غدره وخيانته السابقة، فأوفد إليه منذ أواخر سبتمبر، سليمان بك البواب ~~لمصالحته على يد حسن باشا الذي تولى القيادة العامة الآن على الجند الباقين ~~بالصعيد لتعقب فلول جيش المماليك. # فحضر شاهين بك ومن معه إلى مصر مستأمنا في 8 نوفمبر 1810، ونصب وطاقه بناحية ~~البساتين، فلما استقر بخيامه وعرضيه ببر مصر، حضر مع رفقائه، وقابل الباشا وهو ~~ببيت الأزبكية، فبش في وجهه، فقال شاهين بك: نرجو سماح أفندينا وعفوه عما أذنبناه، ~~فقال الباشا: نعم، من قبل مجيئكم بزمان، وأخلى له بيت محمد كتخدا الأشقر بجوار ~~طاهر باشا بالأزبكية، وفرشوه، ونظموه، ووعده برجوعه إلى الجيزة في مناصبه كما كان، ~~حتى يتحول منها محرم بك صهر الباشا؛ لأنه عند انتقال شاهين بك من الجيزة عدى إليها ~~محرم بك بحريمه، وهي ابنة الباشا، وسكن القصر بعسكره، وكذلك أسكن كبار أتباعه ~~وخواصه القصور التي يسكنها الألفية وكذلك البيوت والدور، فوعدوا شاهين بك بالرجوع ~~إلى محله.» # ووجد الشيخ الجبرتي في استئمان شاهين وتصديقه لوعود الباشا، دليلا على خسافة ~~عقله؛ لأن الباشا وهو يبش في وجهه ووجوه أتباعه إنما كان يفعل ذلك وهو مصر لهم ~~على كل كريهة، ولم يكن من المعقول في نظر الشيخ - أن يخلي محمد علي قصر الجيزة من ~~صهره، زوج ابنته، ليسكنه شاهين. # بيد أنه وقت استئمان شاهين، كان لم يطرأ أي تغيير على موقف محمد علي من البكوات ~~المماليك، فهو لا يزال يرحب بالذين ينفصلون عن إخوانهم، ويقبلون الحضور إلى القاهرة ~~معترفين بسلطان باشويته، فيعيشون بها في هدوء وسلام تحت إشرافه ومراقبته، يعاملهم ~~نفس المعاملة التي يلقاها قواده منها، ويلحقون فرسانهم بجيشه المزمع إرساله إلى ~~الحجاز، وهو لا يزال عاقدا العزم على تعقب البكوات المخالفين والإمعان في ~~تشريدهم، فموقف محمد علي إذا من البكوات بعد انتصارات اللاهون والبهنسا هو نفس ~~موقفهم منهم عندما بدأت حملة 1810. # ولقد كان ترحيبه بالبكوات الذين انشقوا على إخوانهم أثناء هذه الحملة وإسكانهم ~~الدور وإغداق ms1283 العطايا عليهم، مبعث اعتقاد كثيرين بأن الباب العالي نفسه يريد من ~~الباشا إنهاء خصومته مع البكوات، والتقرب منهم والصلح معهم بدلا من قتالهم؛ حتى ~~يمكنه التفرغ لمسألة الحرمين الشريفين، وإنفاذ جيشه إلى الحجاز لاستنقاذهما، عبر ~~عن هذا الرأي القنصل الفرنسي بالإسكندرية «سانت مارسيل» في كتابه إلى حكومته في 24 أغسطس 1810. # وأما إصراره على مناجزة البكوات المخالفين الذين تشردوا في أعالي الصعيد عقب ~~معارك البهنسا، فلأن هؤلاء لم يرضوا بالهزيمة، فراحوا يجمعون فلولهم، وتقدموا من ~~أسوان وإسنا، ثم اتخذوا من جهات قنا وقوص قاعدة يغيرون منها على الإقليم الممتد من ~~قنا إلى أسيوط وما بعدها، فالتحم قواد الباشا معهم مرات عدة، حتى انتصر عليهم أحمد ~~آغا لاظ وأرغمهم على الارتداد إلى قنا وقوص (يناير وفبراير 1811). # وعمد بكوات الصعيد، وقد حلت بهم الهزيمة، وضاع كل أمل لديهم بتاتا منذ معارك ~~اللاهون والبهنسا في مقاومة الباشا دون الاستعانة بحليف قوي، وعمدوا إلى التآمر ~~ضد باشويته مع ألد خصومه وأعدائه، سليمان باشا الكرجي، ولقد تقدم في فصل سابق عند ~~الكلام عن سياسة محمد علي أنه كان بين البكوات وسليمان باشا صداقة مشهورة معروفة، ~~كما تبادل الفريقان المكاتبات، وشكا محمد علي مر الشكوى من هذه العلاقات للباب ~~العالي؛ لأن وجود هذه العلاقات إلى جانب أنه يمنع الباشا من الخروج لحرب الوهابيين ~~- وكان قد صح عزمه على تلبية رغبات الباب العالي لمواءمة ذلك لمصلحته، للأسباب التي ~~سبق أن عرفناها - فقد كانت لحمتها وسداها التآمر على باشويته وتقويض ملكه، بل ويتهم ~~محمد علي سليمان باشا بأنه مدبر الفتنة ومحرض البكوات على العصيان والثورة، ولقد ~~سبق أن ذكرنا رسالة محمد علي إلى الباب العالي في 3 نوفمبر 1810، التي بسط فيها ~~مشاريع البكوات الذين بالصعيد، وهدد في الوقت نفسه بأنهم إذا اعتزموا الذهاب إلى ~~سليمان باشا، ليبعثن بجيشه إلى العريش وغزة لقطع السبيل على المماليك بما في ذلك ~~من اعتداء على أقاليم من باشوية سليمان الكرجي، وظل محمد علي يطلب بإلحاح تنحية ~~سليمان باشا عن ولاية الشام، حتى يتسنى ms1284 له إرسال الجيش إلى الحجاز، بل وطالب محمد ~~علي - كما عرفنا - بإسناد ولاية الشام ذاتها إلى ابنه طوسون، وراح «دروفتي» يعلل ~~هذه المطالب - في رسالته إلى حكومته في 11 نوفمبر 1810 - بأن الباشا يسوغ هذه ~~(المشروعات الاستقلالية) بالأثر الذي أحدثه في نفسه مصادرته لكتاب كان قد بعث به ~~سليمان باشا والي الشام حاليا إلى البكوات المماليك وقت محاربة هؤلاء لمحمد علي، ~~واستمر محمد علي مصرا على مطالبته بعزل سليمان الكرجي حتى الشهور الأولى من عام ~~1811. # وأما المستأمنون من البكوات الذين يعيشون في القاهرة، وعلى رأسهم شاهين الألفي، ~~فإنهم بالرغم من استئمانهم، وتمتعهم بالعيش الرغيد في القاهرة، فقد اختاروا في ~~هذه المرة أيضا نقض عهودهم، فاستأنفوا مؤامرتهم ضد الباشا، وصاروا يتراسلون مع ~~إبراهيم بك وعثمان بك حسن وسائر البكوات بالصعيد، واستطاعوا بواسطة هؤلاء إنشاء ~~الصلات مع سليمان باشا، وعلاوة على ذلك، فقد استأنف شاهين صلاته مع «بتروتشي» ~~وعملاء الإنجليز، وبلغت به الحماقة أن أطلع «دروفتي» على صورة من كتابه إلى ~~«كولنجوود» بتاريخ 9 أغسطس 1809، وهو الكتاب الذي سطره له تحت تأثير «بتروتشي»، وقد ~~بعث «دروفتي» بصورة هذا الكتاب إلى حكومته طي رسالة مؤرخة في 11 نوفمبر 1811، تحدث ~~فيها عن حسن المعاملة التي لقيها من محمد علي، الذي أعاد إليه قسما كبيرا من ~~الأملاك التي كان قد أعطاها له قبل خروجه على سلطانه في حادث 17 مايو 1810، وخشي ~~محمد علي عندما شاهد تردد «بتروتشي» على شاهين، عودة هذا إلى التآمر عليه، لا سيما ~~وأن الوكلاء الإنجليز عظم نشاطهم منذ عودة «بريجز» إلى الإسكندرية منذ مارس 1810، ~~بعد أن كان قد غادرها - كما تقدم - وقت انسحاب حملة فريزر فعادت المؤامرات ~~والمكائد إلى مصر بعودته، كما أكد «دروفتي» لحكومته منذ 12 مارس من العام ~~نفسه. # وسواء أكان الوكلاء الإنجليز يتآمرون على محمد علي بالتعاون مع شاهين الألفي ~~وزملائه، أم إنهم ما كانوا يبغون شيئا من ذلك، فقد كفت زيارات «بتروتشي» الكثيرة ~~لشاهين؛ لإثارة شكوك محمد علي ومخاوفه من ناحية شاهين، وبخاصة عندما تبين له أن ms1285 ~~شاهين وزملاءه متصلون عن طريق بكوات الصعيد المخالفين بسليمان باشا، بل وصادر بعض ~~المكاتبات المتبادلة بين سليمان باشا وبين هؤلاء، والتي تدين شاهين الألفي بتهمة ~~الاشتراك في هذا التآمر. ~~(11) مذبحة القلعة # وتضافرت عوامل عدة خلال شهري يناير وفبراير 1811 خصوصا، لإقناع محمد علي بضرورة ~~إنهاء مشاغله من ناحية البكوات المماليك، بإنزال ضربة ساحقة ماحقة بهم، لا تقوم لهم ~~قيامة بعدها، وكان أهم هذه العوامل - بلا شك - عدا اتضاح غدر مستأمني البكوات، ~~ومثابرتهم مع سائر إخوانهم على الكيد له لهدم سلطانه، بل والقضاء على حياته هو ~~نفسه، أن الباب العالي وعد بجعل باشوية مصر وراثية في أسرته في وضع مشابه لوضع ~~وجاقات الغرب، إذا أنفذ محمد علي جيشه إلى الحجاز لقتال الوهابيين، أي إن الباشا ~~صار يرى قاب قوسين أو أدنى، تحقيق ذلك المشروع الكبير الذي أخذ يعمل جادا لإخراجه ~~إلى حيز الوجود، من أيام حملة «فريزر»، ودل وعد الباب العالي هذا على أن سياسة ~~الباشا التي ارتكزت في تطورها الأخير، وعند رفض كل من إنجلترة وفرنسا لمشروع ~~استقلاله، على الاتجاه صوب تركيا، مع ما يستتبع ذلك حتما - كما سبق أن أوضحنا - ~~من الخروج إلى حرب الوهابيين - دل هذا الوعد على أن هذه السياسة قد أثمرت ثمرتها ~~النافعة، وأن الجهود المضنية التي بذلها محمد علي لإنجاح هذه السياسة لم تذهب سدى؛ ~~ولذلك فقد صار لزاما عليه اتخاذ كل إجراء يكفل انتصار جيشه في الحملة المقبلة في ~~بلاد العرب، ومن أولى الإجراءات اللازمة، اطمئنانه إلى باشويته ذاتها، وعدم تعريضها ~~لخطر هجوم أعدائه عليها أثناء وجود جيشه بالحجاز، ومعنى هذا الاطمئنان أن تكون ~~حكومته موطدة الدعائم داخليا، وهذا ما كفله انفراده بالسلطة، وأن ينبسط سلطانها ~~على أرجاء الباشوية، وهذا ما جعله يشن الحرب على المماليك عندما أعيته الحيل في ~~إلزامهم الوفاء بعهودهم المتكررة معه، ثم ما صار يعتزمه من الفتك بهم للتخلص من ~~شرهم نهائيا، حينما ثبت لديه تآمرهم عليه، واتضح له أن المستأمنين منهم أنفسهم ~~ضالعون في هذه المؤامرة. # وكان أول ما ms1286 لفت انتباهه إلى ضرورة اتخاذ إجراء حاسم مع البكوات، إلحاح قبو ~~كتخداه في الآستانة وسائر وكلائه بها في ضرورة إنفاذ جيشه إلى الحجاز، ثم تأكيدهم ~~له بأن الباشوية الوراثية موعود بها إذا حقق رجاء الباب العالي فيه، وتعتبر رسالة ~~محمد نجيب أفندي المؤرخة في 20 ديسمبر 1810 - وقد سبق إثباتها بنصها - من أهم الكتب ~~في هذا الصدد. # ومنذ ذلك التاريخ، ظلت تترى في هذا المعنى رسائل وكلائه لدى الباب العالي، كما ~~حلت مشكلة هامة أخرى ارتبطت بمسألة الخروج إلى حرب الوهابيين، هي مشكلة يوسف باشا ~~كنج، من ذلك كتاب محمد نجيب في 9 يناير 1811، وكتابا أحمد شاكر في 27، 28 يناير، ~~ومحمد نجيب مرة أخرى في 28 يناير، وهي التي تتضمن جعل إيالة مصر منحصرة في أولاد ~~محمد علي وسلالته الطاهرة، مع توجيه رتبة الخان الرفيعة له. # هذه الرسالة وصلت محمد علي في أوائل فبراير 1811، وفي أوائل الشهر التالي وصلته ~~من القسطنطينية رسالة أخرى من محمد عارف أفندي الذي قال: إنه يعمل يدا واحدة مع ~~محمد نجيب أفندي، وفي هذه الرسالة المؤرخة في 24 فبراير 1811، ألح محمد عارف أفندي ~~في ضرورة إنفاذ الجيش إلى الحجاز، وراح يؤكد للباشا أنه ما إن يصل القسطنطينية ~~الخبر بقيام طوسون باشا، حتى تجاب جميع مطالب محمد علي من الباب العالي. # وكان أن راح البكوات يسعون لتضليل محمد علي من ناحية، ثم للفتك بحياته من ناحية ~~أخرى، فمع أن بكوات الصعيد كانوا يتراسلون مع سليمان باشا - كما كان يتراسل معه ~~كذلك شاهين الألفي - فقد بعثوا بمندوب عنهم لمفاوضة الباشا حتى يشغلوه عن أغراضهم ~~الحقيقية، فطلبوا الاستئثار بالصعيد بأسره؛ أي العودة إلى ما كانوا عليه قبل ~~هزيمتهم بقنطرة اللاهون والبهنسا، وهم يعرفون جيد المعرفة أن الباشا الذي اضطر إلى ~~خوض غمار الحرب معهم وألحق بهم الهزيمة الساحقة، لم يقبل بحال هذه العروض، ولن يتم ~~أي صلح بينه وبينهم إلا على أساس الاعتراف - دون التواء - بسيادته وسلطانه الكامل ~~على باشويته، وأن لا مفر من حضورهم إلى القاهرة والإقامة ms1287 بها، فكتب «دروفتي» إلى ~~حكومته في 16 يناير 1811 «أن البكوات يريدون عقد الصلح مع الباشا على أساس الاعتراف ~~بسيادته، في نظير إعطائهم الصعيد إقطاعية لهم، فلم تسفر المفاوضة عن أية نتيجة؛ لأن ~~الباشا ظل مصمما على حضورهم إلى القاهرة والإقامة بها، ووعد إذا هم فعلوا ذلك أن ~~يعطيهم من الأملاك ما يكفيهم إيرادها أن يعيشوا حسب مراتبهم، كما يفعل الباشا مع ~~رؤساء جيشه.» # على أن الذي أقنع الباشا نهائيا أنه لا يمكن أمن جانب البكوات إطلاقا أن راح ~~البكوات المستأمنون بالقاهرة يتآمرون على الغدر به، ذلك أن محمد علي كان قد ذهب ~~إلى السويس في أول فبراير 1811، للإشراف على إعداد السفن اللازمة لنقل جيشه إلى ~~الحجاز، فبلغه وهو هناك أن البكوات قد بيتوا النية على خطفه والفتك به أثناء عودته ~~بطريق الصحراء إلى القاهرة، على غرار ما كانوا دبروه في ديسمبر 1809، فبادر بالعودة ~~سريعا من السويس، وكتب الشيخ الجبرتي أن الباشا وصل القاهرة يوم 26 فبراير 1811 من ~~السويس في سادس ساعة من الليل وقد حضر على هجين بمفرده، ولم يصحبه إلا رجل بدوي ~~على هجين أيضا ليدله على الطريق، وقطع المسافة في إحدى عشر ساعة، وهي المسافة ~~التي تقطع عادة في ثلاثة أيام. # فكانت هذه المؤامرة من العوامل الحاسمة في تعجيل الباشا الإجهاز على البكوات ~~المماليك. # وفي اليوم نفسه وصل صالح قوج حاكم أسيوط إلى القاهرة، وكان موجودا بها قبله ~~حسن باشا، فبدأ من ثم تدبير تفاصيل المكيدة التي أودت بالبكوات في مذبحة القلعة، ~~اشترك في تدبيرها رجال محمد علي الذين وثق بهم، عدا حسن باشا وصالح قوش، كتخدا بك ~~محمد آغا لاظ (لاظ أوغلي)، وسليمان آغا السلحدار، وفي صباح اليوم المتفق عليه ~~لتنفيذ المذبحة اطلع على السر إبراهيم آغا المكلف بحراسة باب العزب، وكان قد تم ~~الاتفاق على اتخاذ الاحتفال بتقليد طوسون قيادة حملة الحجاز ذريعة لدعوة البكوات ~~وأتباعهم إلى القلعة للاشتراك في الموكب الذي رتب خروجه من القلعة، من باب العزب ~~إلى ميدان الرميلة. # ففي يوم ms1288 26 فبراير قلد الباشا ابنه طوسون باشا صاري عسكر الركب الموجه إلى ~~الحجاز، وأخرجوا جيشهم إلى ناحية قبة العزب (القبة)، ونصبوا عرضيا وخياما، وأظهر ~~الباشا الاجتهاد الزائد والعجلة وعدم التواني في إنفاذ جيشه إلى الحجاز، ونوه ~~بتسفير عساكر لناحية الشام لتمليك يوسف باشا (كنج) لمحله، وصاري عسكرهم شاهين بك الألفي. # وسبك الباشا الحيلة، فطلب من المنجمين أن يختاروا وقتا صالحا لإلباس ابنه خلعة ~~السفر، فاختاروا له الساعة الرابعة من يوم الجمعة، أول مارس 1811. # وفي 28 فبراير، وزعت التنابيه أو أوراق الدعوة لحضور الاحتفال على كبار العسكر ~~والأعيان، وكل ذي حيثية، وبطبيعة الحال الأمراء المصرية الألفية وغيرهم يطلبونهم ~~جميعا للحضور في باكر النهار إلى القلعة ليركب الجميع بتجملاتهم وزينتهم أمام ~~الموكب، وجرى توزيع رقاع الدعوة هذه بصورة لفتت أنظار العامة وسائر الناس، عرف ~~الجميع أن موكبا فخما سوف يخرج بصورة رائعة من القلعة صبيحة اليوم التالي، وكان ~~الغرض من هذه الجلبة أن يرسخ الاعتقاد في أذهان البكوات وأتباعهم أن دعوتهم ~~للاشتراك في الاحتفال المزمع بريئة، فلا يحتاطون ولا يأخذون حذرهم. # وفي اليوم التالي - أول مارس - وقعت المذبحة. # وتتفق روايات المعاصرين عن هذه المذبحة وما تلاها، ولو أن رواية الشيخ الجبرتي ~~أوفى في تفاصيلها عن سواها، ليس لاهتمامه بتسجيل ما يجري في إسهاب دائما - وهو ~~الذي لزم في المدة الأخيرة الإيجاز في أكثر ما يكتب، إلا فيما اتصل بأخبار البكوات ~~وأساليب الباشا المالية والغلاء، واعتداءات الجند على الأهلين - ولكن لأن ما جرى في ~~ذلك اليوم كان حدثا مدويا حقا، ولأن المذبحة أجهزت على البكوات الذين اعتبرهم ~~الشيخ دائما مصريين، وكان يود لو أنهم استطاعوا الانتصار على الباشا وزحزحة ~~الطاغية - في نظره - عن عرشه، فقضت خاتمتهم المروعة هذه على كل أمل لدى الشيخ في ~~إنهاء حكم محمد علي. # ورواية الشيخ الجبرتي إلى جانب أنها وافية، فهي ترسم صورة تبرز وقائع هذا اليوم ~~الرهيب، وكأنها تجري متلاحقة في أثر بعضها بعضا أمام أعيننا، قال: ~~«فلما كان يوم الخميس رابعه (4 صفر 1226 / 28 فبراير ms1289 1811) طاف ألاي جاويش ~~بالأسواق على صورة الهيئة القديمة في المناداة على المواكب العظيمة، وهو ~~لابس الضلمة والطبق على رأسه، وراكبا حمارا عاليا، وأمامه مقدم بعكاز، ~~وحوله قابجية ينادون بقولهم: يارن ألاي، ويكررون ذلك في أخطاط المدينة، ~~وطافوا بأوراق التنابيه على كبار العسكر والبينيات والأمراء المصرية ~~الألفية وغيرهم، يطلبونهم للحضور في باكر النهار إلى القلعة؛ ليركب الجميع ~~بتجملاتهم وزينتهم أمام الموكب. # فلما أصبح يوم الجمعة (5 صفر/أول مارس)، ركب الجميع وطلعوا إلى القلعة، ~~وطلع المصرية بمماليكهم وأتباعهم وأجنادهم، فدخل الأمراء عند الباشا، ~~وصبحوا عليه، وجلسوا معه حصة وشربوا القهوة، وتضاحك معهم، ثم انجر الموكب ~~على الوضع الذي رتبوه. # فانجر طائفة الدلاة وأميرهم أزون علي، ومن خلفهم الوالي والمحتسب والآغا ~~والوجاقلية والألدشات المصرية ومن تزيا بزيهم، ومن خلفهم طوائف العسكر ~~الرجالة والخيالة والبيكباشيات وأرباب المناصب منهم، وإبراهيم آغا آغات ~~الباب، وسليمان بك البواب يذهب ويجيء ويرتب الموكب. # وكان الباشا قد بيت مع حسن باشا وصالح قوج والكتخدا فقط غدر المصرية ~~وقتلهم، وأسر بذلك في صبحها إبراهيم آغا آغات الباب. # فلما انجر الموكب وفرغ طائفة الدلاة، ومن خلفهم من الوجاقلية والألداشات ~~المصرية، وانفصلوا من باب العزب، فعند ذلك أمر صالح قوج بغلق الباب، وعرف ~~طائفته بالمراد، فالتفتوا ضاربين بالمصرية، وقد انحصروا بأجمعهم في المضيق ~~المنحدر المقطوع في أعلى باب العزب، مسافة ما بين الباب الأعلى الذي يتوصل ~~منه إلى رحبة سوى القلعة، إلى الباب الأسفل، وقد أعدوا عدة من العساكر ~~أوقفوهم على علاوي النقر والحجر والحيطان التي به، فلما حصل الضرب من ~~التحتانيين، أراد الأمراء الرجوع القهقرى، فلم يمكنهم ذلك لانتظام الخيول ~~في مضيق النقر، وأخذهم ضرب البنادق والقرابين من خلفهم أيضا، وعلم العساكر ~~الواقفون بالأعالي المراد، فضربوا أيضا. # فلما نظروا؛ أي المماليك، ما حل بهم سقط في أيديهم، وارتبكوا في أنفسهم، ~~وتحيروا في أمرهم، ووقع منهم أشخاص كثيرة، فنزلوا عن الخيول، واقتحم شاهين ~~بك الألفي وسليمان بك البواب وآخرون في عدة من مماليكهم راجعين إلى فوق، ~~والرصاص نازل عليهم من كل ناحية، ms1290 ونزعوا ما كان عليهم من الفراوي والثياب ~~الثقيلة، ولم يزالوا سائرين وشاهرين سيوفهم، حتى وصلوا إلى الرحبة الوسطى ~~المواجهة لقاعدة الأعمدة، وقد سقط أكثرهم، وأصيب شاهين بك وسقط إلى الأرض، ~~فقطعوا رأسه وأسرعوا بها إلى الباشا ليأخذوا عليها البقشيش. # وكان الباشا عندما ساروا بالموكب ركب من ديوان السراية، وذهب إلى البيت ~~الذي به الحريم، وهو بيت إسماعيل أفندي الضربخانة. # وأما سليمان بك البواب فهرب من حلاوة الروح وصعد إلى حائط البرج الكبير، ~~فتابعوه بالضرب حتى سقط وقطعوا رأسه أيضا، وهرب كثير إلى بيت طوسون باشا ~~يظن الالتجاء به والاحتماء فيه، فقتلوهم. # وأسرف العسكر في قتل المصريين وسلب ما عليهم من الثياب ولم يرحموا أحدا، ~~وأظهروا كامن حقدهم، وضبعوا فيهم وفيمن رافقهم متجملا معهم من أولاد الناس ~~وأهالي البلد الذين تزيوا بزيهم لزينة الموكب، وهم يصرخون ويستغيثون، ومنهم ~~من يقول: أنا لست جنديا ولا مملوكا، وآخر يقول: أنا لست من قبيلتهم، فلم ~~يرقوا لصارخ ولا شاك ولا مستغيث، وتتبعوا المشتتين والهربانين في نواحي ~~القلعة وزواياها والذين فروا ودخلوا في البيوت والأماكن، وقبضوا على من ~~أمسك حيا ولم يمت من الرصاص، أو متخلفا عن الموكب، وجالسا مع الكتخدا ~~بك كأحمد بك الكيلارجي ويحيى بك الألفي وعلي كاشف الكبير، فسلبوا ثيابهم ~~وجمعوهم إلى السجن، تحت مجلس كتخدا بك، ثم أحضروا أيضا المشاعلي ليرمي ~~أعناقهم في حوش الديوان واحدا بعد واحد، من ضحوة النهار إلى أن مضى حصة من ~~الليل في المشاعل، حتى امتلأ الحوش من القتلى، ومن مات من المشهورين ~~المعروفين وانصرع في طريق القلعة، قطعوا رأسه، وسحبوا جثته إلى باقي الجثث، ~~حتى إنهم ربطوا في رجلي شاهين بك الألفي ويديه حبالا وسحبوه على الأرض ~~مثل الحمار الميت إلى حوش الديوان، هذا ما حصل بالقلعة.» # هذا، ويذكر المعاصرون أن اختيار طريق باب العزب لنزول الموكب منه، كان أحد ~~العوامل الحاسمة في نجاح المكيدة؛ لأنه طريق علاوة على انحداره وضيقه الشديدين كان ~~كثير التعاريج، عميق الغور، بحيث صار جانباه من الصخر كحيطان عالية، فتعذر ms1291 على ~~المماليك ملاحظة ما بدا من نشاط الجند الواقفين على الصخور على جانبي الطريق عندما ~~جاءت الإشارة بإطلاق النار، ثم إن السائرين في الموكب لم يكن في مقدورهم بسبب ~~منعرجات الطريق رؤية زملائهم الأماميين أو الخلفيين؛ ولذلك بينما كان يدق المتقدمون ~~على باب القلعة الضخم المصفح بالحديد (باب العزب) بعد إغلاقه المحكم، وتوقف طليعة ~~أجناد المماليك وبكواتهم عند الباب وقد استولى عليهم الذهول، لم يدر سائر إخوانهم ~~في المؤخرة بشيء مما وقع حتى وجدوا أنفسهم بغتة والرصاص ينهال عليهم. # زد على ذلك أن اطمئنانهم إلى طبيعة الاجتماع - للاحتفال بتقليد طوسون القيادة ~~العامة لحملة الحجاز - جعلهم يغفلون التسلح بالقرابين والبنادق، فلم يكن معهم رصاصة ~~واحدة، ولما كانوا قد تزينوا وتدثروا بأغلى الفراء والملابس الثقيلة، فقد زادت هذه ~~من ارتباكهم، ثم كان من عوامل زيادة الفوضى في صفوفهم أن المتقدمين منهم عندما ~~شاهدوا الضرب عليهم، حاولوا أن يلووا أعنة خيولهم للصعود إلى القلعة، بينما كان ~~إخوانهم نازلين عليهم بخيولهم في المنحدر الشديد ولا يكادون يقدرون على كبح ~~خيولهم. # ويزيد المعاصرون، أن سليمان بك البواب، الذي هرب من حلاوة الروح استطاع الوصول، ~~وهو يكاد يكون عاريا وقد أثخنته الجراح، إلى عتبة باب الحريم، وصار يستغيث ~~قائلا: أنا في عرض الحريم، وكانت هذه الاستغاثة حسب التقاليد، تكفي في ظروف غير ~~هذه الظروف، لإنقاذه من الموت، ولكنهم قطعوا رأسه عند عتبة باب الحريم هذه، وأما ~~طوسون عندما لجأ إليه آخرون، فكان واقفا على باب داره ممتطيا حصانه، وألقى ~~المستنجدون به بأنفسهم على الأرض ركوعا يتوسلون إليه أن يرحمهم، ولكن هذا ظل ~~جامدا ولم تختلج عضلة واحدة في وجهه وهو يرى الجند يقطعون رءوس الراكعين الذين ~~مكنوهم بسبب ركوعهم هذا من أن ينفذوا فيهم القتل في سهولة ويسر. # ومع أن طريق باب العزب، وساحة (أو رحبة) القلعة الداخلية، وسائر أفنيتها عند ~~الحريم والسراي (قلعة الباشا) وقلعة الإنكشارية، وقلعة الوجاقلية، وثكنات (أو قسم) ~~العزب، كانت مغطاة بجثث القتلى، وأرديتهم ومجوهراتهم وأسلحتهم (سيوفهم وخناجرهم ذات ~~المقابض الثمينة) وفرائهم، ms1292 وسروج خيولهم، فإن أحدا من الجند لم يغادر مكانه من ~~أعلى الصخور، أو أغراه الطمع في هذه الأسلاب؛ لينصرف عن مهمته، فلم يبدأ سلب هذه ~~الغنائم إلا بعد الفراغ من إبادة هؤلاء المماليك. # وكان الباشا عند بدء تنفيذ المذبحة وذهاب صالح قوج، مجتمعا (بقاعة الاستقبال) مع ~~شركائه الآخرين في تدبيرها: حسن باشا وكتخدا بك محمد آغا لاظ وسليمان آغا السلحدار، ~~وقد لاذوا جميعا بالصمت، والباشا يذرع القاعة جيئة وذهابا، وقد استبد به وبزملائه ~~القلق الجسيم، والسكون الرهيب يخيم عليهم، ويفزع حسن باشا وزميليه أقل بادرة أو ~~إشارة مبهمة تبدر من الباشا الذي صار يزداد اصفرار وجهه كلما دنت ساعة التنفيذ، حتى ~~إذا دوت أول رصاصة، علامة بدء المذبحة، وأعقب ذلك على الفور إطلاق الرصاص، توقف ~~الباشا فجأة، ثم جلس على ديوانه، وبهت لونه، ولم يفتح أحد فاه بكلمة واحدة حتى إذا ~~خف دوي الرصاص، وانقطع إطلاقه رويدا رويدا، هدأت نفوس الباشا وزملائه كذلك ~~وزايلهم الفزع رويدا رويدا، ولو أن السكون العميق ظل مخيما عليهم، حتى انفتح باب ~~القاعة فجأة، فإذا بطبيب الباشا الخاص (مندريشي) يدخل عليهم متهللا وهو يقول: «لقد ~~قضي الأمر، واليوم يوم سعيد لسموكم»، فلمع بريق خاطف في عيني الباشا الذي وقف وطلب ~~ماء ليشرب. # وأما في المدينة، فقد بدأ يوم الجمعة - وهو يوم عطلة - والقاهريون في بشر ومرح ~~وسرور، ذلك أن طواف «الألاي جاويش» بالأمس في أسواق المدينة وأخطاطها، جعلهم ~~يعتقدون أن اليوم يوم عيد و«فرجة»، فبكر القاهريون بالخروج من منازلهم، وازدحموا ~~في الميادين والشوارع التي توقعوا مرور الموكب منها، ثم طال انتظارهم حتى بدأ ينفد ~~صبرهم، وراح بعضهم يصيح غاضبا لتأخر الموكب، وراح آخرون يتبادلون النكات في تهكم ~~على أسباب هذا التأخير، ولكن ما إن بدأت تخرج طليعة الموكب من باب العزب، حتى بادر ~~الواقفون باتخاذ أماكنهم (للفرجة) على طول الشوارع والأزقة وفي الحوانيت، وفي ~~ميدان الرميلة خصوصا، فشاهدوا الدلاة والوجاقلية والألداشات المصرية، ثم انقطع ~~الموكب، وطال انتظار الجماهير في داخل المدينة لرؤية بقيته، وصار الناس ms1293 يؤولون ما ~~حدث تأويلات شتى، فمنهم من التمس عذرا في أن موكبا كبيرا مثل هذا لا بد أن تعوقه ~~بعض الصعوبات، وهؤلاء هم المتفائلون، ومنهم من صار قلقا جزعا، وخاف أن يكون في ~~الأمر شيء، وهؤلاء هم المتشائمون، والوقت يمر، ويطول الانتظار وإذا بصيحات تدوي ~~فجأة في هذه الشوارع الضيقة والمزدحمة بداخل المدينة: «لقد قتل شاهين بك!» فكان ~~هرج ومرج، وهلع وخوف، وتسابق الناس وهم مفزعون إلى بيوتهم، وأغلقت الحوانيت، وبين ~~طرفة عين وانتباهتها خلت الشوارع والميادين والأسواق من الناس، وتحولت في لحظة إلى ~~مكان قفر، يخيم عليه السكون، بعد أن كانت تموج بالناس، وتسود فيها الحركة والنشاط ~~العظيمان. # ولكن مآسي ذلك اليوم الرهيب لم يكن مقدرا لها أن تنتهي بعد، وقد صور الشيخ عبد ~~الرحمن الجبرتي هذه المآسي في قوله وهو يسرد ما حدث بالمدينة: ~~«وأما أسفل المدينة، فإنه عندما أغلق باب القلعة وسمع من بالرميلة صوت ~~الرصاص، وقعت الكرشة في الناس، وهرب من كان واقفا بالرميلة من الأجناد في ~~انتظار الموكب، وكذلك المتفرجون، واتصلت الكرشة بأسواق المدينة، فانزعجوا ~~وهرب من كان بالحوانيت لانتظار الفرجة، وأغلق الناس حوانيتهم، وليس لأحد ~~علم بما حصل، وظنوا ظنونا. # وعندما تحقق العسكر حصول الواقعة وقتل الأمراء، انبثوا كالجراد المنتشر ~~إلى بيوت الأمراء المصريين ومن جاورهم طالبين النهب والغنيمة، فولجوها ~~بغتة، ونهبوها نهبا ذريعا، وهتكوا الحرائر والحريم، وسحبوا النساء ~~والجواري والخوندات والستات، وسلبوا ما عليهن من الحلي والجواهر والثياب، ~~وأظهروا الكامن في نفوسهم، ولم يجدوا مانعا ولا رادعا، وبعضهم قبض على يد ~~امرأة ليأخذ منها السوار فلم يتمكن من نزعها بسهولة، فقطع يد ~~المرأة. # وحل بالناس في بقية ذلك اليوم من الفزع والخوف وتوقع المكروه ما لا يوصف؛ ~~لأن المماليك والأجناد تداخلوا وسكنوا في جميع الحارات والنواحي، وكل أمير ~~(بك من المماليك) له دار كبيرة فيها عياله وأتباعه ومماليكه وخيوله وجماله، ~~وله دار وداران صغار في داخل العطف، ونواحي الأزهر والمشهد الحسيني يوزعون ~~فيها ما يخافون عليه لظنهم بعدها وحمايتها بحرمة الخطة، وصونها عند ms1294 وقوع ~~الحوادث، وكثير من كبار العساكر مجاورون لهم في جميع النواحي، ويرمقون ~~أحوالهم، ويطلعون على أكثر حركاتهم وسكناتهم، ويتداخلون فيهم ويباشرونهم ~~ويسامرونهم بالليل، ويظهرون لهم الصداقة والمحبة، وقلوبهم محشوة من الحقد ~~عليهم والكراهة لهم، بل ولجميع أبناء العرب. # فلما حصلت هذه الحادثة، بادروا لتحصيل مأمولهم، وأظهروا جميع ما كان ~~مخفيا في صدورهم، وخصوصا من التشفي في النساء، فإن العظيم منهم كان إذا ~~خطب أدنى امرأة ليتزوج بها فلا ترضى به وتعافه وتأنف قربه، وإن ألح عليها ~~استجارت بمن يحميها منه، وإلا هربت من بيتها واختفت شهورا، وذلك بخلاف إذا ~~ما خطبها أسفل شخص من جيش المماليك، أجابته في الحال. # واتفق أنه لما اصطلح الباشا مع الألفية، وطلبوا البيوت، ظهر كثير من ~~النساء المستترات المخفيات، وتنافسوا في زواجهم وعملوا لهم الكساوي، وقدموا ~~لهم التقادم وصرفوا عليهم لوازم البيوت التي تلزم الأزواج لزوجاتهم، كل ذلك ~~بمرأى من الأتراك، يحقدونه في قلوبهم، وفيهم من حمى جاره وصان دياره ومانع ~~أعلاهم أدناهم، وقليل ما هم، وذلك لغرض يبتغيه، وأمر يرتجيه، فإنه بعد ~~ارتفاع النهب كانوا يقبضون عليهم من البيوت، فيستولي الذي حماه ودافع عنه، ~~على داره وما فيها. # وانتهبت دور كثيرة من المجاورين لهم أو لدور أتباعهم بأدنى شبهة وبغير ~~شبهة، أو يدخلون بحجة التفتيش ويقولون: عندكم مملوك، أو سمعنا أن عندكم ~~وديعة لمملوك، وبات الناس وأصبحوا على ذلك. # ونهب في هذه الحادثة من الأموال والأمتعة ما لا يقدر قدره ويحصيه إلا ~~الله سبحانه وتعالى. # ونهبت دور كثيرة من دور الأعيان الذين ليسوا من الأمراء المقصودين، ومن ~~المتقيدين بخدمة الباشا، مثل ذي الفقار كتخدا المتولي خوليا على بساتين ~~الباشا التي أنشأها بشبرا، وبيت الأمير عثمان آغا الورداني، ومصطفى كاشف ~~المورلي، والأفندية الكتبة، وغيرهم. # وأصبح يوم السبت (2 مارس) والنهب والقتل والقبض على المتوارين والمختفين ~~مستمر، ويدل البعض على البعض أو يغمز عليه.» # فكان بلاء عظيما. # ولكن الباشا لم يلبث أن نزل من القلعة في ضحوة هذا النهار (2 مارس)، لوقف السلب ~~والنهب، وإنزال العقوبة ms1295 الرادعة بالمعتدين، وإعادة الأمن والنظام في المدينة، كما ~~نزل ابنه طوسون باشا، وقطعت رءوس كثيرين من العسكر الذين ضبطوا متلبسين، وكانوا كما ~~ذكر «دروفتي» حوالي العشرين، وقال الشيخ الجبرتي: «ولولا نزول الباشا وابنه في صبح ~~ذلك اليوم لنهب العسكر بقية المدينة وحصل منهم غاية الضرر»، وقد قدر عدد الدور التي ~~نهبت هذا اليوم بنيف وخمسمائة بيت، ولو أن «سانت مارسيل» قدر عددها بحوالي عشرين ~~ومائة فحسب، كما أنه قدر قيمة المنهوبات بعشرة ملايين قرش تركي، وكان في أثناء طواف ~~الباشا أن لاقاه من أخبره بأن المشايخ مجتمعون ونيتهم الركوب لملاقاته والسلام ~~عليه والتهنئة بالظفر، فقال: أنا أذهب إليهم، ولم يزل في سيره حتى دخل إلى بيت ~~الشيخ الشرقاوي، وجلس عنده ساعة لطيفة، فعادت الطمأنينة إلى النفوس، ولو أن القبض ~~على المماليك والفتك استمر طوال هذا اليوم وفي الأيام التالية، وساهم حسن باشا ~~(الأرنئودي) وكتخدا بك بقسط وافر في هذه المقتلة. # وجرى في النواحي والأقاليم مثل ما جرى في القاهرة، وفوض الباشا الأمر لكتخدا بك ~~محمد آغا لاظ، وهو يعلم منه شدة الكراهة لجنس المماليك، فقتل عديدون من المماليك ~~في الوجهين البحري والقبلي، وأرسل طبوز أوغلي وحده - حاكم المنيا - خمسة وثلاثين ~~رأسا، وقدر الوكلاء الفرنسيون عدد من قضى من المماليك في مذبحة القلعة وسائر ~~المذابح في الأقاليم، بحوالي الخمسمائة من بينهم 25 بيكا، 60 كاشفا، وقال ~~«دروفتي»: «إن بيت الألفي قد اندثر تماما.» # وكان ممن قتلوا: شاهين بك الألفي، ويحيى بك ونعمان بك وحسين بك الصغير ومراد بك ~~وعلي بك، وكلهم من الألفية، وقتل من كشاف الألفية كذلك: علي كاشف الكبير، وأما من ~~قضي من غير الألفية، فكان منهم مرزوق بك بن إبراهيم بك الكبير، وسليمان بك البواب، ~~ويوسف بك أبو دياب، وقد ورد ذكر كل هؤلاء والأدوار التي قاموا بها في سياق هذه ~~الدراسة. # وأما من نجا من البكوات الألفية، فكانا أحمد بك الألفي زوج عديلة هانم بنت ~~إبراهيم بك الكبير، وكان متغيبا بناحية بوش، فإنه ما إن وصله النذير ms1296 حتى غادر ~~بوش وذهب عند الأمراء القبالى، ثم أمين بك الألفي، ويذكر الشيخ الجبرتي أنه تسلق ~~القلعة، وهرب إلى ناحية الشام، وفي رواية أخرى أنه لم يدخل القلعة أصلا في ذلك ~~اليوم؛ حيث انشغل ببعض الأعمال الهامة في صبيحة ذلك اليوم فتأخر، ولم يصل القلعة ~~إلا بعد أن كان الدلاة قد بدءوا خروجهم من باب الغرب، فاضطر إلى الانتظار، حتى إذا ~~رأى الباب يغلق وسمع دوي الرصاص أطلق لحصانه العنان، ميمما شطر البساتين، وعاونه ~~أحد مشايخ عربان الشرقية على الفرار إلى الشام، فأقام بطرابلس، ثم دخل في خدمة ~~السلطان العثماني برتبة عسكرية. # ثم إن عددا من الكشاف والمماليك استطاع الإفلات والنجاة بنفسه، فقد توارى البعض ~~والتجأ إلى طائفة الدلاة، وتزيا بشكلهم ولبس طرطورا، وأجاروه، وهرب كثير في ذلك ~~اليوم (2 مارس) وخرجوا إلى قبلي، وبعضهم تزيا بزي نساء الفلاحين، وخرج في ضمن ~~الفلاحات اللاتي يبعن الجلة والجبنة، وذهبوا في ضمنهم، وفر من نجا منهم إلى الشام ~~وغيرها. ~~(12) الرأي في مذبحة القلعة # ولقد بوغت المعاصرون مباغتة مذهلة بهذا الحادث المروع الذي استأصل شأفة طغمة ~~المماليك من مصر إلى الأبد، فانبروا يستقصون أسباب المذبحة ويفسرون العوامل التي ~~دفعت الباشا إلى إفنائهم بهذه الصورة. # فكتب «دروفتي» إلى حكومته في 4 مارس 1811، «لقد سبق أن ذكرت في تقريري بتاريخ 16 ~~يناير 1811 أن محمد علي يريد الذهاب إلى السويس، وقد ذهب فعلا إليها منذ بضعة ~~أيام ولم يعد منها إلا يوم 24 فبراير، وفي أثناء غيابه يقول رجال حكومته إنه ~~صادر خطابات جعلته يشك في مسلك البكوات والمماليك المقيمين بالقاهرة، والاعتقاد ~~السائد أن هؤلاء يتراسلون مع البكوات والمماليك الموجودين بالصعيد، ثم بواسطة هؤلاء ~~مع سليمان باشا والي الشام الذي لا يوجد أي تفاهم بينه وبين الباشا ولا يقوم بينهما ~~أية علاقات أو صلات طيبة، وهذه الكارثة التي أدهشت كل الناس وألقت الرعب في قلوب ~~أعداء الباشا، قد سلبت الإنجليز القليل الباقي لهم من أنصارهم في مصر والذين كان في ~~وسعهم أن يعتمدوا عليهم عند ms1297 وقوع أي حادث في المستقبل.» # وفي 15 مارس 1811، كتب «سانت مارسيل» من الإسكندرية: «والمعتقد أن الباشا لم يعمد ~~إلى إبادة المماليك إلا بعد أن صودرت خطابات منهم إلى البكوات في الصعيد وإلى ~~سليمان باشا حاكم دمشق حاليا وعدو محمد علي باشا بعد أن لاذ به ولجأ إليه يوسف ~~باشا كنج حاكم دمشق السابق.» # وفي أول مايو 1811، كتب «ستراتفورد ~~كاننج» # Stratford Canning # السفير الإنجليزي في القسطنطينية إلى حكومته: أن الريس ~~أفندي اعترف له بأن هذه المذبحة قد وقعت بناء على أمر من السلطان لمحمد ~~علي. # وفي 8 مايو 1811، كتب «دروفتي» إلى حكومته: «وسوف تدهشون كثيرا - ولا ريب - إذا ~~عرفتم أن الباشا قرر مذبحة البكوات والمماليك الذين كانوا قد حضروا ليضعوا أنفسهم ~~تحت رحمته بإيعاز من الوكلاء الإنجليز، وقد بلغت وقاحة هؤلاء حدا جعلهم يجرءون ~~على المباهاة بفعلتهم هذه قائلين إن محمد علي قد أحرز بفضل هذا النجاح على أعدائه ~~الداخليين نصرا سبق فيه الجيش الفرنسي الحاضر لغزو مصر»، ثم استطرد «دروفتي» يقول: ~~«وفي مقابلة لي مع الباشا للمباحثة في بعض الشئون قبل رحيله إلى الإسكندرية (في ~~أبريل) بدرت من الباشا عبارة تمس هذا الموضوع، عجزت وقتذاك عن إدراك معناها، ولكنه ~~يبدو لي اليوم أنه يجب تفسيرها بنفس هذا المعنى، ومهما يكن من شأن هذه الأمور ~~المنطوية على التهكم والسخرية - ويشير «دروفتي» هنا إلى كلام الوكلاء الإنجليز ~~ومباهاتهم - فقد ثبت على ما يظهر لي أن الإنجليز عندما لم يعودوا يرون في المماليك ~~تلك الأداة الطيعة التي في وسعها تأييد مكائدهم وترويج دسائسهم بالدرجة المنشودة، ~~ولما كان الإنجليز يحقدون عليهم دائما سكونهم وخمود حركتهم وقت نزول جيوشهم ~~بالإسكندرية في عام 1807، فقد اعتقدوا أنهم إذا ضحوا بحلفائهم القدماء استطاعوا أن ~~يدفعوا عن أنفسهم الاتهامات التي كان الباشا على حق في توجيهها لهم عن تواطئهم ~~السابق أو عن علاقاتهم الماضية مع المماليك، كما اعتقدوا أن بوسعهم كذلك توثيق عرى ~~الصداقة التي أنشئوها أخيرا مع الباشا.» # وفي 14 يوليو 1811، راح «مسيت» يؤكد لحكومته أن سبب المذبحة ms1298 كان اكتشاف مراسلات ~~بين البكوات وبين باشا عكا (سليمان باشا). # وبعد حوالي العام، كتب الوكلاء الفرنسيون في نشرتهم الإخبارية إلى حكومتهم بتاريخ ~~مايو 1812: «أن الذي عرف الآن عن هذه المذبحة أن طبيب الباشا الخاص (مندريشي) - وهو ~~دعامة من الدعائم التي يستند عليها الإنجليز في تأييد نفوذهم في البلاد - هو الذي ~~أشار على محمد علي بقتل المماليك بدعوى أنهم متصلون بالفرنسيين، بينما الدافع لهذا ~~الطبيب على ذلك في الحقيقة لم يكن سوى الانتقام من البكوات لعدم نجدتهم للحملة ~~الإنجليزية في عام 1807.» # وقال «مانجان» وهو معاصر آخر لهذه الحوادث: «ومع أنه أبعد ما يكون شخصيا عن ~~تبرير الفتك بالمماليك، فإنه يعتبر الفتك بهم من بعض النواحي في صالح مصر ذاتها؛ ~~لأن بقاء المماليك يثير حربا أهلية تؤذي البلاد إيذاء بالغا يتضاءل بجانبه حادث ~~الفتك بهم، وفضلا عن ذلك فإن الضربة الجريئة التي أنزلها بهم محمد علي تنفيذا ~~لأوامر الباب العالي السرية قد قضت على وضع أو نظام كانت تركيا تعمل على التخلص منه ~~تدريجيا، ومن جهة أخرى فإن الدفاع عن سلامته كان يقتضي الباشا أخذ الأمور بوسائل ~~حازمة؛ لأنه كان محاطا بجند فطروا على الشغب والفوضى، وكان مضطرا في الوقت نفسه ~~إلى إنفاذ قسم كبير من قواته إلى بلاد العرب، فوجب عليه حينئذ أن يفكر في إضعاف ~~خصومه الذين سوف يزيدون في هذه الحالة قوة ونفوذا»، ثم استطرد «مانجان» فذكر ما ~~بلغ محمد علي من تآمر المماليك على اختطافه في أثناء عودته من السويس واغتياله، ~~وقال: إنه عندما صار السياح الإفرنج يلومون الباشا في كتب رحلاتهم ومؤلفاتهم على ~~قتله للمماليك ويعدون ذلك عملا منافيا للإنسانية، كان جواب الباشا أنه ينبغي أن ~~ترسم صورة لفتك بونابرت القنصل الأول بالدوق «دانجيان» # D’Enghien # في مارس 1804 بجانب مذبحة المماليك حتى يحكم الناس على ~~الحادثين. # ومن المعروف أن الدوق «دانجيان» لم يشترك إطلاقا في المؤامرات التي دبرت وقتذاك ~~لاغتيال القنصل الأول، بل كانت كل جريمته أنه الرجل الذي رفض الرضوخ لسلطان ~~بونابرت، والذي كان له من ms1299 الكفاءة وبعد الصيت كسليل لأمراء كونديه # Condé # ما يجعل منه المنافس الخطر الوحيد الذي يخشى ~~بأسه نابليون في وقت اعتزم فيه إنشاء الإمبراطورية. # ويرى المستنكرون لمذبحة القلعة أن محمد علي بفتكه بالمماليك في هذه المجزرة ~~التي لم تبق ولم تذر قد أخذ البريء بجريرة المذنب فأهلك المستأمنين الذين جاءوا ~~القاهرة ليعيشوا فيها وفي القرى المجاورة في هدوء وسلام، ويتمتعون بلذائذ الحياة ~~ونعمها تحت مراقبة الباشا وفي كنفه وتحت رعايته، وأنه كان في وسعه أن يقابل أعداءه ~~وخصومه وجها لوجه في ميدان الحرب والسياسة بدلا وخيرا من الغدر بهم، وأنه كان في ~~وسعه استخدامهم في حربه ضد الوهابيين بدلا من الإجهاز عليهم وسفك دمائهم، كما أن ~~فريقا من هؤلاء المستنكرين صاروا يرون فيما بدا من نشاط ضئيل من جانب بكوات أقاصي ~~الصعيد بعد هذه المذبحة خطرا قد يستفحل شره تدريجيا نتيجة لها حتى لا يلبث أن ~~يفضي إلى اشتعال الحرب الأهلية في البلاد، وكان «دروفتي» نفسه من أصحاب هذا ~~الرأي. # ومع ذلك، فقد ناقض كل هؤلاء أنفسهم بأنفسهم عندما قالوا إن القضاء على المماليك ~~كان لخير مصر وصالحها، وأنه لم تكن هناك وسيلة أخرى يمكن بها التخلص من هؤلاء ~~الفسدة أحسن من ذلك، وأنه يشك كثيرا في صحة الوعود والعهود التي يقطعونها على ~~أنفسهم في اتفاقاتهم مع الباشا، وأنه كان من المتعذر - بسبب توزيع قواتهم في جهات ~~مختلفة وفي أقاصي الصعيد - على الباشا أن يشتبك معهم في معارك أخرى فاصلة، وأنه من ~~المتعذر كذلك عمليا على الباشا أن يجمع في جيشه بين فريقي المماليك والأرنئود ~~(الألبانيين) بسبب ما جرى من دم كثير بينهما في معارك عديدة، وأنه وإن كان في وسع ~~الباشا التغلب على المماليك في معركة فاصلة قاضية وإنقاذ البلاد من شرور الحرب ~~الأهلية فإن ذلك يتطلب تضحية قسم لا يستهان به من جيشه عند مواجهته للمماليك ~~وللوهابيين معا وفي وقت واحد، كما أن ذلك سوف يصرفه عن التفرغ لتدبير شئون الحكم، ~~ومن شأنه أن يعطل مشروعاته الكبرى الداخلية والخارجية ms1300 معا، وأن محمد علي منذ أن ~~أجهز عليهم قد أصبح مرهوب الجانب ويخشاه أعداؤه، حتى إن الباب العالي لم يلبث أن ~~وجد نفسه من ذلك الحين مرغما على النظر إليه كنظره إلى حليف مستقل، ولا يعامله ~~كتابع قوي فحسب، وأن محمد علي أسدى بفتكه بالمماليك خدمة جليلة للباب العالي ~~ولأمته . # واعتقد آخرون من مستنكري مذبحة القلعة أن هذه المذبحة كانت من الناحية القومية ~~ذات أضرار بليغة؛ لأنها ألقت الرعب والفزع في قلوب الأهلين، حتى قضت على كل نزعة ~~ديمقراطية، فتعذرت عودة الطمأنينة والشجاعة إلى النفوس أزمانا طويلة بسببها، حتى ~~إن أحدا من أفراد الشعب ما عاد يتصدى لمعارضة الباشا ومحاسبته ونقد تصرفاته طوال ~~المدة التي قضاها في حكم البلاد بعد ذلك؛ أي حوالي سبع وثلاثين سنة. # ومع ذلك، فقد فات أصحاب هذا الرأي أن هؤلاء المماليك طائفة لا تربطهم بالبلاد ~~وأهلها أية روابط من الجنس واللغة، ولا يعرفون من الدين سوى مظهره، ويعيشون في ~~انفصال طبقتهم العسكرية الأرستقراطية بمعزل عن سائر الناس، لا هم لهم إلا استنزاف ~~موارد البلاد وتسخير أهلها في خدمتهم، وفاتهم كذلك أنه لم يكن للقومية أي أثر ~~بينهم، فهم يطلبون إما حماية الإنجليز وإما حماية الفرنسيين، ولا يدخل الاستقلال في ~~نطاق تفكيرهم، فكان كل ما سعى إليه الألفي والبرديسي وزملاؤهما الاستعانة بالدول ~~الأجنبية لاسترجاع سيطرتهم المفقودة، وقد أوضح ذلك في عبارات لا لبس فيها ولا ~~إبهام، شاهين بك الألفي في كتابه الذي أشرنا إليه مرارا إلى الأميرال «كولنجوود» ~~في أغسطس 1809، فكان ركن الزاوية في مقترحاته على الإنجليز أن يمده هؤلاء بالمال ~~حتى يستطيع البكوات جلب عدد من المماليك من الخارج يكفي لسد الثغرة التي حدثت في ~~صفوفهم حتى يتمكنوا بذلك من الاستيلاء على السلطة الكاملة في مصر، فلا يبقى للباب ~~العالي سوى السيادة الاسمية التي ترمز لها الجزية السنوية فحسب، ويتعهدون في نظير ~~ذلك بأن يمكنوا للإنجليز بسط حمايتهم الفعلية على مصر. # وأما ذلك الرعب والفزع الذي قيل إنه حطم شجاعة الأهلين، فإن أحدا لا يمكنه ms1301 ~~التسليم بحدوثه، فقد كان للأهلين من الشجاعة ما جعلهم يشقون عصا الطاعة على حكومة ~~محمد علي وهي في أوجها، عندما أثقلتهم الضرائب (مع ضرورتها لتوفير المال)، وأرهقهم ~~التجنيد (مع ضرورته لتعزيز الجيش)، وكان المال والجيش الدعامتين اللتين قام عليهما ~~نظام محمد علي من أجل تحديد وضع البلاد السياسي بالنسبة للباب العالي وبالنسبة ~~للدول الأوروبية، فوقعت سلسلة من الاضطرابات وكان بعضها خطيرا حقا، نذكر منها ما ~~حدث بالقاهرة ذاتها في مارس 1822، وهي الاضطرابات التي اعتقد الباشا أن للسيد عمر ~~مكرم يدا فيها فنفاه إلى طنطا، ثم في منوف في مايو 1823، ثم في منفلوط في مارس ~~1838، ثم في أسيوط في فبراير ومارس 1839. # وقد قضى الباشا على كل هذه الاضطرابات بسهولة؛ لأنه لم يكن هناك أية زعامة شعبية ~~لا أيام المناداة بولاية محمد علي في سنة 1805 ولا بعدها، ولم يكن السبب في ذلك أن ~~محمد علي قد قضى عليها عامدا كما يذهب أصحاب هذا الرأي، بل للأسباب التي سبق ~~ذكرها عند الكلام عن مسألة إقصاء المشايخ، ولأن أحدا من الأهلين ما كان يهدف ~~إطلاقا إلى مشاركة محمد علي في تدبير شئون الحكم، وذلك في عصر كان لا يزال فيه ~~الشرق يخضع لسلطان المستبد الطاغية أو لسلطان المستبد المستنير، وقد كان محمد علي ~~من الطراز الثاني قطعا، وفي عصر كان فيه الغرب لا يزال يمر في مراحل تجاربه ~~الدستورية الأولى. # وعلى كل الأحوال فالثابت أن البكوات المماليك قد نكثوا بالعهد دائما، وأنهم ظلوا ~~يتآمرون ضد حكومة محمد علي سواء مع الوكلاء الإنجليز أو مع سليمان باشا عدو محمد ~~علي، ويتآمرون كذلك لاغتياله والفتك به، وفعل ذلك أيضا المستأمنون منهم، والثابت ~~أن محمد علي كان يريد حقا وصدقا الاتفاق معهم، وبذل قصارى جهده لتحقيق هذه ~~الغاية حتى أعجزته الحيلة معهم، والثابت أن الفتك بالمماليك لم يكن نتيجة خطة مدبرة ~~أو مرسومة من سنوات عدة سابقة، فقد رأينا أن هذه الفكرة لم تنبت في ذهنه إلا في ~~فبراير أو في يناير 1811 على الأكثر. # وقد ms1302 كتب محمد علي نفسه إلى الباب العالي في 9 صفر 1722 (الموافق 4 مارس 1811) - ~~أي بعد واقعة المذبحة بثلاثة أيام فحسب - يذكر للباب العالي ما حدث ويرسل إلى مقر ~~سياسة السلطنة العثمانية رءوس المماليك المقطوعة، ويبلغ الباب العالي كذلك خروج ~~ولده طوسون أحمد باشا بالجيش إلى الحجاز، ويجيب على الخط الشريف الصادر إليه بشأن ~~سليمان باشا والي الشام. # في هذه الرسالة قال محمد علي: # إن المصلحة (المأمورية) الخيرية الحجازية كانت قد أحيلت إليه منذ أربع أو ~~خمس سنوات، وقد بذل قصارى جهده للتهيؤ لهذه المهمة وإنجاز ما يلزم من ~~استعدادات لها، ولكن أشقياء المماليك هم الذين حالوا دون حركته وسفره في ~~السنين المذكورة بممانعتهم ومقاومتهم، وكان محمد علي قد أكرم واحترم كل ~~واحد من هؤلاء فوق ما يستحقه من تكريم واحترام، وذلك لمصالحتهم ومداراتهم؛ ~~حيث إنهم كانوا فرسانا مدربين، إذا انحازوا إليه استطاعوا جميعا الخدمة ~~متفقين لإنهاء مصلحة الحرمين الشريفين، وصفوة القول أنه لم يقع أي تقصير ~~منه في جذب قلوبهم واستمالتهم وتأمين إخلاصهم في الخضوع له صورة ومعنى، وقد ~~كتب محمد علي مفصلا إلى الباب العالي عدة مرات في الماضي، يذكر كيف أنهم ~~أبرزوا خصالهم الفرعونية المتركزة في طباعهم وفطرتهم الأصلية، بالرغم من ~~مساعيه في الصلح معهم، ثم كيف هرب منهم مئات عراة مشتتين ناقمين إلى بلاد ~~السودان وهم يقولون: «ليكن ما يكون»، قانطين يائسين من أرواحهم وحياتهم ~~عندما زحف الجيش عليهم ونالوا جزاءهم العادل على خياناتهم السابقة بما حل ~~بهم من هزائم في تلك المعارك التي خاضها جيشه ضدهم، ثم كيف أن من عجزوا ~~عن الفرار واللحاق بهؤلاء قد جاءوا مستأمنين يطلبون الأمان، وكيف استقر ~~هؤلاء في خدمته، وقام هو بالواجب في حقهم وأوفاهم ما يستحقونه، ثم عامل من ~~ألقى القبض عليهم أحياء في أثناء المحاربة واستسلموا من تلقاء أنفسهم ~~بالرفق الزائد حتى يدخل الطمأنينة إلى نفوسهم، ثم صبر محمد علي طويلا ~~يحاول استمالة من كان بالسودان من المماليك الفارين حتى يحضروا إلى مصر ~~وحتى يجمعهم بها بحكمة، ms1303 ولكنه عندما اقتنع بأن هؤلاء الهاربين يفضلون ~~الهلاك جوعا وعطشا في مأزقهم الحرج الذين هم فيه على الانجذاب إلى خيراته ~~المصطنعة ولا يقعون في الفخ الذي نصبه لهم، فقد تذرع بحجة الموكب الذي أعده ~~بمناسبة إخراج جيش ولده طوسون أحمد باشا إلى بركة الحاج، فجلب جميع من في ~~خدمته ظاهرا حسب الضرورة من البكوات الذين لقنوا آراءهم من زملائهم ~~والبالغ عددهم أربعا وعشرين أميرا، وجميع الكشاف وأعوانهم المعبر عنهم ~~بغلمان الداخل، وأتباع هؤلاء الأمراء أو البكوات الذين كانوا قد جاءوا ~~القاهرة أخيرا وأدخلهم جميعا القلعة وأغلق أبوابها، فقتل عقب ذلك ~~الأشقياء المذكورون بأجمعهم دون أن ينجو واحد منهم، وانتقلوا إلى دار ~~الفناء والعدم، وقد ترك رءوسهم المقطوعة وأجسامهم المنجوسة معرضة ليشهدها ~~أولئك الذين قد يطمعون في التدخل في ميدان السياسة في مصر، وأجاز ثلاثة ~~أيام لقطع رءوس البكوات والمماليك الآخرين، ثم ها هو ذا يبعث بهذه الرءوس ~~عبرة وعظة إلى مقر السلطنة، وبهذه الصورة تم الخلاص والانتهاء من أمر ~~المماليك ولله الحمد، ودفع غوائلهم والتحرر من تكاليفهم. # ثم انتقل محمد علي من ذلك إلى الكلام عن تجهيز السفن اللازمة لنقل جنده من ~~السويس، ثم استطرد بعد ذلك للكلام عن مسألة سليمان باشا والرد على ما نسبه الباب ~~العالي إليه من أنه يتخذ من هذه المسألة ذريعة لتأجيل خروج جيشه إلى الحجاز، فقال: ~~«ولم يكن مغزى شكواه من سليمان باشا ومطالبته بعزله من ولاية الشام ~~التحاشي من المشار إليه أو الحسد، بل إن حضرة المذكور يتظاهر بالطيبة ~~والتوكل على الله في المكان الذي ينام فيه، بينما هو يعمل على إيقاظ الفتن ~~والشرور، لا سيما وأن محمد علي قد صادر الرسائل التي بعث بها كتخداه ~~سليمان باشا بإذنه إلى حشرات المماليك الذين نجوا من القتل، وهي مكاتبات ~~شبيهة بتلك التي أرسلها محمد علي إلى كتخداه محمد نجيب أفندي بالباب ~~العالي، ومع ذلك يقول الباب العالي إن هذه الرسائل لا تنم عن شيء اللهم إلا ~~إظهار الصداقة والإخلاص والود المتبادل بين سليمان باشا ms1304 والمماليك ولا ~~يستنتج من ذلك حكم! لا شك في أن الباب العالي صادق فيما ذهب إليه، ولكن ~~العبارات المدونة في هذه الرسائل الأخيرة بعد ذكر الود والصداقة والإخلاص ~~تقول بطريق الإضمار والمعاني المستترة ما نصه: «والشأن يكون معلوما لكم ~~أي للبكوات من أمر المرسل سابقا»، مما يستدل منه على مدلولات أخرى خفية، ~~ولو فرض أن ذلك لا يستتبع حكما ولا ينطوي على تعليمات، ألا يكون إظهار ~~الإخلاص بإرسال كتب ورسائل خاصة إلى ولاية السودان لجماعة هم خائنون ~~للسلطان، ومن المسلم بخيانتهم وغدرهم عند العالم أجمع، معناه أن كمال ~~المحبة ليس سوى إسداء المعونة لهم، وعدا ذلك فإن أقرب ما يلاحظه المرء أن ~~حامل هذه الرسائل لا بد أن يكون مزودا كذلك بتقارير خفية لتبليغها إلى ~~البكوات، وعلى كل الأحوال فسواء دافع الباب العالي عن سليمان باشا أو ~~عزا التقصير إلى محمد علي، فها هو ذا؛ أي محمد علي، قد قام متوكلا على ~~الله بإخراج جيشه إلى بركة الحاج، فأوفى بذلك عهده ووعده، وسوف يثبت - إن ~~شاء الله - عند توجه الجيش قريبا إذا كان صادقا حقا أو غير صادق فيما ~~يعد ويفعل.» # ذلك إذا كان تفسير محمد علي نفسه للعوامل التي أدت إلى مذبحة القلعة، وهي عوامل ~~تتلخص في أمرين: نكث المماليك لعهودهم معه، وتآمرهم مع أعدائه على سلامة ملكه أو ~~باشويته. ~~(13) خاتمة المطاف بالمماليك # وأما النتيجة المباشرة لمذبحة القلعة فهي أن أقاليم مصر الوسطى والصعيد قد دخلت ~~الآن في حوزة محمد علي نهائيا. # فقد تبقى من المماليك، بعد مذبحة القلعة، والفتك بهم في الأقاليم حوالي الخمسمائة ~~أو الستمائة فحسب، اجتمعوا حول إبراهيم بك وعثمان بك حسن في أعالي الصعيد، ومع أن ~~هؤلاء ظلوا مثابرين على مناوأتهم للباشا ورجاله الذين تسلموا الحكم في الصعيد، فقد ~~سهل على الباشا إخماد حركتهم تماما وتشتيت ما بقي من فلولهم، ثم إرغامهم في ~~النهاية على التشرد إلى بلاد السودان، وكان مما ساعد على تشريدهم أن الاختلافات ظلت ~~قائمة بينهم، فلم يستطيعوا حزم أمرهم على شيء، ms1305 فهناك فئة لا تزال لديها بقية من ~~شجاعة، تبغي النزوح إلى أرض الحجاز والانضمام إلى الوهابيين، والاشتراك معهم في ~~قتال محمد علي في ميدان غير الذي انهزموا فيه، وهناك إبراهيم بك وعثمان بك حسن، ~~وهما شيخان فانيان، ولا قدرة لهما على احتمال مشاق السفر والقتال، ويبغيان البقاء ~~إلى جوار النيل، ويؤثران الانسحاب إذا لزم الأمر إلى بلاد النوبة في السودان، ~~ويتذرعان بأن أسبابا دينية تمنعهما، ويجب أن تمنع سائر البكوات والمماليك من ~~الانضمام إلى الوهابيين، وهناك فريق ثالث لا يرضى بهذا الرأي أو ذاك، ويؤثر التسليم ~~والخضوع لسلطان السيد الجديد، محمد علي، لا يزال يحدوهم الأمل في أن الباشا في هذه ~~المرة، وبالرغم من الدماء التي أريقت، سوف يقبل توبتهم ويصفح عنهم، فلا حاجة للذهاب ~~إلى الحجاز، ولا حاجة للذهاب إلى النوبة، وتغلب رأي هؤلاء بعض الوقت على رأي سائر ~~زملائهم، فأوفد بكوات الصعيد مندوبا، أحد كشافهم، إلى القاهرة لمقابلة الباشا وطلب ~~العفو والصفح عنهم، وأن يعطيهم جهة يتعيشون منها، وقد وصل هذا فعلا ثاني يوم ~~المذبحة (2 مارس)، ولكن الباشا وعده برد الجواب في غير الوقت، فأهمله، ثم انقطعت ~~أخباره، وكتب الشيخ الجبرتي: «وما أدري ما تم له.» # فكان هذا الاختلاف والانقسام منشأ ما حل بهم من نكبات جديدة. # ذلك أن الباشا - وقد كاد للمماليك وأجهز على صفوتهم في مذبحة القلعة - ما كان ~~ليطمئن باله، إلا إذا أعمل السيف في البقية الباقية منهم كذلك، واستأصل شأفتهم ~~تماما. # ولذلك، فقد بادر في ثاني يوم الواقعة - أي في 2 مارس 1811 - بتقليد مصطفى بك ~~ابن أخته قيادة الدلاتية؛ لإنفاذهم معه إلى الصعيد، وقد انتقى محمد علي هؤلاء من ~~بين إخوانهم، بينما ارتحل الباقون الذين كان قد طلبهم للاستعانة بهم في حرب ~~المماليك، فخرج حوالي الخمسمائة من الدلاة في 13 مارس إلى قبة العرب ليسافروا إلى ~~بلادهم، ثم سافروا، وبعد خمسة أيام قصد مصطفى بك بمن معه إلى الصعيد، وفي 4 ~~نوفمبر 1811، أنفذ الباشا جيشا إلى الصعيد لقتال المماليك، وكان هؤلاء مقيمين ms1306 في ~~إبريم. # وفي أبريل 1812 كتب الوكلاء الفرنسيون: «أن إبراهيم بن محمد علي قد عين حاكما ~~على الصعيد، وأنه اتخذ مقره العام في إسنا، وأن حوالي المائتي مملوك قد جاءوه يريدون ~~العيش في كنفه، وتحت رحمة الظافر المنتصر، ولقد آثروا هذه المجازفة على ما فيها من ~~أخطار جسيمة، على الذهاب إلى النوبة كما يبغي رؤساؤهم، فيعيشون في النوبة في بؤس ~~وتعاسة »، وأضاف هؤلاء الوكلاء: «أن بكوات الصعيد - كما هو مألوف عادتهم - لا يزالون ~~يتناقشون ويتباحثون فيما يجب عليهم أن يفعلوه في ظروفهم السيئة الراهنة»، ففريق ~~يبغي الذهاب إلى الوهابيين، وآخر يريد البقاء على ضفاف النيل وعدم مغادرة البلاد ~~التي خضعت لسلطانهم أزمانا طويلة. # وكان القتل نصيب الذين سلموا لإبراهيم، فكتب الوكلاء الفرنسيون ثانية في نشرتهم ~~الإخبارية بتاريخ مايو 1812 «أن كل المماليك الذين حضروا مستأمنين قد قتلوا جميعهم ~~في إسنا بأمر أصدره الباشا، بينما كان إبراهيم متغيبا عنها ومقيما بالقاهرة بالقرب ~~منه، ومن بين الذين قتلوا جماعة كان إبراهيم نفسه قد أمنهم على حياتهم، ولم ينج من ~~هذه المذبحة حتى الرقيق السود أو الأحباش الذين لا يتجاوز سنهم الخامسة عشرة أو ~~الثامنة عشرة.» # فكان بعد هذه المذبحة الثانية أن جلا البكوات نهائيا إلى السودان، ومن بينهم ~~إبراهيم بك الكبير، وعبد الرحمن بك تابع عثمان بك المرادي، وأحمد بك الألفي، وعلي ~~بك أيوب ومحمد بك المنفوخ وعثمان بك حسن وأحمد آغا شويكار وعثمان بك يوسف، ومات ~~إبراهيم بك الكبير في دنقلة في فبراير 1816، ثم أحضرت جثته في يوليو 1817 إلى ~~القاهرة؛ حيث دفن بها بالقرافة الصغرى عند ابنه مرزوق بك، وقد ساعد الباشا في ~~إحضارها من دنقلة. # وكان بعد كارثة المماليك بعشر سنوات تقريبا أن كتب «دروفتي» إلى حكومته في 10 ~~يوليو 1822، وهو يستعرض ما مر بمصر من حوادث خلال السنوات العشرين التي قضاها بها، ~~معلقا على ما بلغته مصر من تقدم على يد محمد علي، فقال: «ومن اللحظة التي كان من ~~واجب محمد علي أن يختار فيها بين هلاكه هو ms1307 نفسه وهلاك المماليك استطاع محمد علي ~~وبقدر ما سمحت به الظروف، أن يقيم بمصر حكومة طيبة، ومن ذلك الحين؛ أي منذ 1812، ~~أصبح لمصر نظام سياسي ثابت المعالم وصار لها مالية وجيش، ومن ذلك الحين استطاع ~~الباشا أن يقهر وأن يقمع العربان البدو، وهو نجاح لم يدركه بتاتا من قبل أي غاز أو ~~فاتح لهذه البلاد، ومن ذلك الحين استطاع محمد علي أن يسترد الحرمين الشريفين، ~~الأماكن الإسلامية المقدسة من يد الوهابيين، وأن يفرض على هؤلاء الخضوع للقانون، ~~كما استطاع أن يحكم أرستقراطية الوجاقلية والمشايخ، وأن يدخل الإصلاحات الواسعة ~~والكثيرة في البلاد.» # وصفوة القول أن القضاء على المماليك، ثم تحطيم أرستقراطية المشايخ الذين تطلعوا - ~~دون استحقاق - إلى الزعامة والتدخل في شئون الحكم عن أنانية ولا غرض لهم سوى رعاية ~~مصالحهم الخاصة وإشباع شهوة فريق منهم في النفوذ على حساب الشعب، ثم ترويض الجند ~~على الطاعة وإخضاعهم لمشيئة الباشا، كل تلك كانت مسائل لا مفر من مجابهتها إذا شاء ~~محمد علي أن يدعم أركان ولايته في مصر. # ولا جدال في أن انفراده بالسلطة وبسط سلطانه الكامل على جميع أنحاء القطر الذي ~~دخل في نطاق باشويته، كان الدعامة الأساسية التي يرتكز عليها استقرار حكومته، والتي ~~يرتكز عليها - لهذا السبب نفسه - برنامج الباشوية الوراثية، أو مشروع ذلك الاستقلال ~~الذي برز إلى عالم الوجود في صورته المحددة المعالم منذ عام 1807، وكان من الممكن - ~~في نظره - تحقيقه، سواء بإحراز الاستقلال التام والانفصال عن جثمان الإمبراطورية ~~العثمانية، أو بالبقاء في نطاق هذه الإمبراطورية في وضع يكفل استقرار الحكم الذاتي ~~أو استقلال البلاد في شئونها الداخلية إذا تعذر الانفصال عن جثمان الإمبراطورية ~~العثمانية. ms1308