######OpenITI# #META# URI: 1392MuhammadFuadShukri.SiracBaynBurjuwaziyaWaIqtac01.Hindawi35864036 #META# Tags: history #META# ID: 35864036 #META# Title: الصراع بين البورجوازية والإقطاع ١٧٨٩–١٨٤٨م (المجلد الأول) #META# AuthorID: 96173535 #META# Author: محمد فؤاد شكري #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # تصدير‏ # الكتاب الأول‏ # تمهيد‏ # 1 - المبدأ القومي‏ # 2 - القومية: أصولها الفلسفية‏ # 3 - القومية: أصولها التاريخية‏ # الكتاب الثاني‏ # تمهيد‏ # الباب الأول: الآراء الجديدة‏ # 1 - التعريف بالثورة وأسبابها‏ # 2 - الفلاسفة والآراء الجديدة‏ # 3 - فوضى النظام القديم‏ # 4 - الفيزوكرات: القائلون بحكم الطبيعة‏ # 5 - محاولات الإصلاح وفشلها: «ترجو» و«نكر»‏ # الباب الثاني: ديمقراطية أم ديكتاتورية بورجوازية‏ # 1 - مجلس طبقات الأمة1‏ # 2 - الجمعية الوطنية التأسيسية1‏ # الباب الثالث: الديكتاتورية البورجوازية‏ # 1 - الجمعية التشريعية1‏ # 2 - المؤتمر الوطني1‏ # الباب الرابع: «إنهاء الثورة» والتمهيد لديكتاتورية الفرد‏ # 1 - جمهورية حكومة الإدارة1‏ # الباب الخامس: الثورة وأوروبا‏ # 1 - سياسة الثورة‏ # 2 - «الثورة» واليقظة القومية‏ # تصدير‏ # الكتاب الأول‏ # تمهيد‏ # 1 - المبدأ القومي‏ # 2 - القومية: أصولها الفلسفية‏ # 3 - القومية: أصولها التاريخية‏ # الكتاب الثاني‏ # تمهيد‏ # الباب الأول: الآراء الجديدة‏ # 1 - التعريف بالثورة وأسبابها‏ # 2 - الفلاسفة والآراء الجديدة‏ # 3 - فوضى النظام القديم‏ # 4 - الفيزوكرات: القائلون بحكم الطبيعة‏ # 5 - محاولات الإصلاح وفشلها: «ترجو» و«نكر»‏ # الباب الثاني: ديمقراطية أم ديكتاتورية بورجوازية‏ # 1 - مجلس طبقات الأمة1‏ # 2 - الجمعية الوطنية التأسيسية1‏ # الباب الثالث: الديكتاتورية البورجوازية‏ # 1 - الجمعية التشريعية1‏ # 2 - المؤتمر الوطني1‏ # الباب الرابع: «إنهاء الثورة» والتمهيد لديكتاتورية الفرد‏ # 1 - جمهورية حكومة الإدارة1‏ # الباب الخامس: الثورة وأوروبا‏ # 1 - سياسة الثورة‏ # 2 - «الثورة» واليقظة القومية‏ # | الصراع بين البورجوازية والإقطاع 1789-1848م (المجلد الأول) # | الصراع بين البورجوازية والإقطاع 1789-1848م (المجلد الأول) # تأليف # محمد فؤاد شكري # | تصدير # بسم الله الرحمن الرحيم # تبين أثناء تدريس تاريخ أوروبا في القرن التاسع عشر أن هناك حاجة ماسة إلى كتابة هذا التاريخ باللغة العربية، وذلك حتى تتهيأ فرصة الوقوف على حقائقه للذين يعنون به عناية خاصة، أو لأولئك الذين يودون الاستزادة من المعرفة وحسب، وقد لا يجدون بين أيديهم في هذا الموضوع ما يشفي غلتهم. # ولعل السبب في انصراف الكتاب عن معالجة التاريخ الأوروبي، والاقتصار على نشر الكتب المدرسية، أو القيام ببعض الدراسات العابرة، هو الاعتقاد بأن الأوروبيين أحق وأولى بتدوين تاريخهم، ولديهم من الوسائل ما يجعل في مقدورهم فعل ذلك، فصار أكثر كتابنا العرب يؤثرون النقل والترجمة على التصنيف ms0001 والتأليف، ومع ذلك فقد لا يكون - لسبب أو لآخر - في استطاعة القراء الوقوف على أحدث بحوث الأوروبيين أنفسهم في هذا التاريخ، في حين أن «تفسير» التاريخ نفسه عملية مستمرة، وذلك في ضوء ما هو متجدد دائما من تيارات فكرية ناشئة من تراكم الحقائق المستكشفة من بطون الوثائق والأسانيد، والتي هي كذلك منبعثة من تطور المجتمع في كل النواحي. # ولقد حاولنا في هذه الدراسة أن نعرض «تفسيرا» لتاريخ القرن التاسع عشر، يقوم على أساس أن هذا القرن شهد ظهور الطبقة المتوسطة «البورجوازية» كقوة جديدة اكتمل نموها وصارت تبغي إحراز السيطرة في المجتمع بالقضاء على الحكومات المطلقة والطبقات الأرستقراطية ذات الامتيازات في «النظام القديم»، فاعتنقت البورجوازية المبدأ القومي والمذهب الحر، كي تشيد صرح الدولة القومية الوطنية، والتي اقترن تأسيسها كذلك بإنشاء الحكومة الديمقراطية؛ أي ذلك النوع من الحكومات الذي لا تكتفي البورجوازية فيه بالمساهمة في إدارة شئون الحكم، بل تنشد السيطرة على كل أسباب الحكم نفسه. وهكذا دخلت البورجوازية في نضال مرير مع «الطبقات الإقطاعية» القديمة؛ فكان الفشل نصيبها تارة، وكان النجاح رائدها في النهاية، عندما دانت السلطة للطبقة المتوسطة «البورجوازية»، وتمتعت بالسيطرة في أوروبا منذ أواسط القرن التاسع عشر تقريبا. ولو أن هذا النجاح نفسه كان يشمل في طياته بذور قوة ناشئة جديدة، سوف تنهض لمناصبة البورجوازية العداء، في الوقت الذي كادت فيه هذه تستكمل دعم سيطرتها. أما هذه القوة المناضلة الجديدة فكانت «البروليتارية» أو الطبقة العمالية. # وفي هذا القسم من التاريخ الأوروبي (1789-1815) عالجنا منشأ الفكرة القومية والمبدأ القومي من ناحيتين: الفلسفية والتاريخية، وإن شئت النظرية والتطبيقية، لننتقل من ذلك إلى بيان أن الثورة الفرنسية وإمبراطورية نابليون إنما كانتا بمثابة «التجربة» الحاسمة لاختبار قدرة البورجوازية على تحقيق الغرض الذي ناضلت من أجله في سبيل الوصول إلى السلطة للمحافظة على كيانها ومصالحها، وهو تحطيم بقايا «الإقطاع»، وذلك ليس في فرنسا وحدها، بل وفي كل أوروبا. # وسوف يجد القارئ أننا قد عنينا - على وجه الخصوص - ببيان الأثر العميق - سواء من الناحية السلبية ms0002 أو الأخرى الإيجابية - الذي أوجده قيام الثورة الفرنسية وإنشاء الإمبراطورية النابليونية في كل بلدان أوروبا، وذلك فيما ظهر من نظريات وآراء متعلقة بموضوعات الدولة والأمة والقومية، وما إلى ذلك، ثم ما وقع من ترتيبات وتغييرات إقليمية، تشكلت بها خريطة أوروبا السياسية . # ولقد كان هذا العرض ضروريا لتوضيح الأسباب التي أدت إلى «بعث» الإقطاع من جديد، ولو لأجل موقوت، على يد الملكية الراجعة التي كان يمثل الوزير النمسوي «مترنخ» نظامها وقتئذ خير تمثيل. فكان أن استأنفت البورجوازية النضال سنوات عديدة بعد سقوط الإمبراطورية النابليونية؛ وهو نضال وإن لم ينته بصورة حاسمة في صالح البورجوازية، فإنه ولا شك قد مهد السبيل لأن تظفر هذه الطبقة المتوسطة ببغيتها في السنوات التالية، بعد سنة 1848. # ونحن لا يمكن أن نكون من السباقين في هذا النوع من التفسير. فنضال الطبقات في حد ذاته فكرة «ماركيسية» أصيلة، والتاريخ الذي سجلناه إنما قد استقيناه من المصادر الأوروبية، ولم يكن في وسعنا أن نخلق جديدا، بل لا تعدو مهمتنا اختيار الموضوعات وترتيبها لشرح «الفكرة» التي تقوم عليها دراستنا، ومحاولة عرض هذه الدراسة عرضا سليما. # نرجو أن نكون قد وفقنا فيما حاولناه، والله من وراء القصد. # المؤلف # العباسية # 15 شعبان 1377 / 6 مارس 1958 # | الكتاب الأول # المدخل إلى تاريخ القرن التاسع عشر # | تمهيد # يبدأ تاريخ القرن التاسع عشر في أوروبا بقيام الثورة الفرنسية (1789)، ويستمر قرنا وربع قرن من الزمان؛ أي إلى وقت نشوب الحرب العظمى أو العالمية الأولى سنة 1914. ~~ والسبب في اختيار هذين الحدثين لتعيين بداية ونهاية هذا القرن أن التاريخ الأوروبي أثناء هذه السنوات المائة والخمس والعشرين كان يجري بصورة منسقة ومترابطة بسبب خضوعه لتأثير عوامل محددة لا مندوحة عن أن تتشكل بها الحوادث، وبدرجة حكمت تطور النظام السياسي الأوروبي؛ لتبرز في نهاية الشوط إلى عالم الوجود الدولة القومية المتحررة في هذا القرن، والتي اختلفت الأسس التي قامت عليها عن تلك التي كانت سببا في تكوين «الدولة الوطنية» في بداية العصور الحديثة. أي من نحو قرنين من الزمان تقريبا. ms0003 # فقد اقترن ظهور الطبقة المتوسطة (البورجوازية) في أوروبا، في بداية العصور الحديثة بتعزيز سلطان الملكية كخير كفيل لصيانة مصالح هذه الطبقة الآخذة في النمو ضد ما يقع عليها من اعتداءات الطبقات ذات الامتيازات في «النظام القديم» القائم على الإقطاع. ~~ فعرفت أوروبا خلال القرون الثلاثة السابقة من السادس عشر إلى الثامن عشر الملكيات المطلقة بنوعيها: المستبدة والمستبدة المستنيرة، وفي كلا هذين النوعين لم يكن للبورجوازية (الطبقة المتوسطة) حقوق سياسية تخولها المشاركة في ممارسة شئون الحكم، وإن كانت هذه الطبقة بفضل ثرائها وقدرتها على إمداد الحكومات بحاجاتها من المال - أو منع ذلك عنها - للإنفاق على الإدارة وجهاز الحكم الذي كان يزداد تعقدا تبعا لنمو الدولة المطرد، سواء في بناء حكومتها المركزية الداخلية أو في رسم حدودها وتشكيل علاقاتها الخارجية مع الدول، قد استطاعت في أحايين كثيرة التأثير بطريق غير مباشرة على نشاط هذه «الدولة الوطنية» الناشئة. # ولقد كان اكتمال ونمو الدولة الوطنية المتحررة الحدث البارز في تاريخ القرن التاسع عشر؛ حيث قد تسنى للبورجوازية (الطبقة المتوسطة) أن تؤسس كيانا جديدا «للدولة» على أنقاض الصلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في «النظام القديم»، وذلك حينما نضج شعور الشعوب (وأهل هذه الطبقة البورجوازية) بقوميتهم، فرفضوا الخضوع لأي سلطان أجنبي عنهم، وقامت في كل مكان في أوروبا الحركات القومية التي توجت بالاستقلال لإنشاء الحكومة الوطنية. # ولا جدال في أن البورجوازية التي ظفرت بإنشاء الدولة القومية (الوطنية) المتحررة، ما كانت لترضى ببقاء نظم الحكم على حالها في هذه الدولة القومية الجديدة؛ أي بقاء أسباب السلطة في أيدي الأمراء والملوك والأباطرة، واستمرار البورجوازية محرومة منها. ~~ بل لقد عمدت البورجوازية إلى تغيير أسس الحكم القديمة بصورة تفسح المجال لأن يشارك أهل هذه الطبقة مشاركة فعلية في تدبير شئون الحكم، ولأن يتجرد أصحاب السلطان في العهد أو النظام القديم من كل امتيازاتهم وحقوقهم الموروثة. # وسار جنبا إلى جنب النضال من أجل التحرر القومي والخلاص من السيطرة الأجنبية، ثم من أجل تقييد سلطة الأمراء والملوك، وإزالة الفوارق الطبقية التي حرمت الشعوب (وأهل ms0004 الطبقة البورجوازية) من كل حقوق سياسية واجتماعية واقتصادية في الماضي، وهي الحقوق التي أرادت البورجوازية عند انتصارها أن تسجلها في عهود ومواثيق لتصبح «دستورا» يرسم في حدود واضحة ما يجب أن تكون عليه حقوق وواجبات السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية في الدولة القومية (الوطنية) الحديثة. وأما المبادئ التي كفل انتصارها تحقيق هذه الغاية؛ فقد عرفت باسم المبادئ الحرة أو «المذهب الحر» # Liberalism ~~. # وفي القرون الثلاثة الماضية، والتي سبقت قيام الثورة الفرنسية، كان قد أخذ ينمو إلى جانب نمو الطبقة البورجوازية ذاتها نظام الرأسمالية # Capitalism ~~. وعزز النظام الرأسمالي سلطان البورجوازية، حتى إنه لم يلبث أن تألف من أثرياء هذه الطبقة أرستقراطية جديدة هي «أرستقراطية المال»، وذلك على أنقاض أرستقراطية النبلاء (الأشراف) القديمة. # ومع أن البورجوازية أشركت معها في النضال ضد الملكية المطلقة أرباب الحرف والصناعات والعمال الزراعيين، فقد عجزت الثورة الفرنسية عن إدخال أي تغيير أو تعديل على النظام الاقتصادي الرأسمالي السائد، والذي كانت تسير عليه أوروبا من بداية العصور الحديثة. وأدى إخفاق الثورة في هذه الناحية إلى أن تظفر البورجوازية بالغنم كله في نظام الدولة القومية (الوطنية) الجديدة. ولقد ساعدها على ذلك أن طوائف العمال والصناع لم ينشطوا قط للمطالبة لتحسين أحوالهم أو المساهمة بقسط في أعمال الحكومة. أضف إلى هذا أن حصول الانقلاب الصناعي ثم انتشاره في أوروبا من أواسط القرن التاسع عشر تقريبا قد عزز سلطان البورجوازية من جهة كما أدى إلى تطوير الرأسمالية لتصبح تسلطية (أي إمبريالية) تحطم حواجز الدولة الوطنية لتظفر بالسيطرة على العالم. # غير أن ظهور ونمو الطبقة المتوسطة «البورجوازية» في إطار الدولة القومية (الوطنية) الحديثة، مع كل ما اقترن بذلك من مبادئ ومذاهب سياسية واقتصادية واجتماعية و«طبقية»، كان يحمل في طياته بذور مبادئ ومذاهب «مضادة» في الوقت نفسه؛ فلم تتأثر أحداث القرن التاسع عشر بالمبادئ القومية والحرة، أو بالنظام الرأسمالي فحسب، بل إن النظام الرأسمالي الذي قام من الناحية الاقتصادية (المؤسسة على مصادر الإنتاج ووسائله) محل نظام رقيق الأرض # Serfdom # في العهد الإقطاعي، لم يلبث ms0005 أن ظهرت في كنفه - وبسبب ازدياد قوته ذاتها - الآراء والمبادئ الاشتراكية. # بل إن المذهب الاشتراكي # Socialism # كان قد بلغ درجة من القوة، في الوقت نفسه الذي بلغت فيه الرأسمالية ذروتها، في نظم «التسلطية» السياسية والتجارية؛ جعلت صراع البورجوازية ضد المبادئ الاشتراكية من حوالي منتصف القرن التاسع عشر لا يقل في صرامته عن صراع هذه البورجوازية ضد الإقطاع (أثناء الثورة الفرنسية) وضد بقايا الإقطاع أو بالأحرى محاولات إحياء أنظمة «العهد القديم» خلال السنوات الثلاثين (1815-1848) التي أعقبت حروب الثورة الفرنسية ونابليون. # وكان انتشار الانقلاب الصناعي من العوامل التي تسببت في زيادة حدة هذا الصراع؛ لأن هذه الثورة الصناعية التي شدت من أزر الرأسمالية لدرجة بعيدة، قد أوجدت كذلك الطبقة التي اعتنقت الاشتراكية وناصبت البورجوازية العداء، وكان لا محيص عن وقوع الصدام بين البورجوازية وبينها. ونعني بذلك الطبقة العمالية «البروليتارية» Proletariat ~~، وهي الطبقة التي أحرزت نجاحا ملحوظا في نهاية هذا القرن إما بالوسائل «الدستورية» في أكثر الدول الأوروبية، وإما بطريق الثورة، كما حصل في روسيا السوفييتية. # وهكذا خضع تاريخ القرن التاسع عشر (1789-1914) لتأثير عوامل معينة: المبدأ القومي، المذهب الحر، الرأسمالية، الانقلاب الصناعي (والميكانيكي)، الاشتراكية (والشيوعية). ~~ ولقد كان لبعض هذه العوامل آثار أبلغ ظهورا من غيرها في مراحل معينة من تاريخ هذا القرن (التاسع عشر)، وإن كان من المتعذر فصل هذه الآثار لارتباطها ببعضها بعضا، ولأن كل «نظام» سواء كان اقتصاديا أو سياسيا أو اجتماعيا إنما هو في حركة دائبة وتغيير مستمر، وإن تطلب حدوث هذا التغيير زمنا - يختلف في استطالته أو في قصره - حتى يصبح شاملا، ويتسنى حينئذ القول بأن انتقالا قد حدث من نظام إلى آخر. # وفي بداية القرن التاسع عشر (1789) كان الحدث الظاهر هو نضال البورجوازية ضد الإقطاع، وهو النضال الذي أشعل الثورة الفرنسية وهيأ السبيل لانتشار المبادئ القوية والحرة التي أتت بها هذه الثورة في أوروبا. # ولا جدال في أن عهد السيطرة النابليونية في هذه القارة قد أدى إلى تأكيد النصر الذي أحرزته البورجوازية ضد الإقطاع، متمثلا في ms0006 الحركات القومية التي قامت في وجه السيطرة النابليونية ذاتها. ثم ما لبثت حتى صارت معولا هدم عروشها كي تنشئ على أنقاضها «دولا قومية» تقوم فيها حكومات وطنية تستأثر البورجوازية بكل أسباب السلطة الفعلية فيها. ولقد كان نضال هذه البورجوازية عنيفا في الفترة التالية عندما أراد الملوك والأمراء الراجعون بعد انتهاء السيطرة النابليونية أن يتجاهلوا الحقوق التي صارت للبورجوازية، والتي لم يكن متوقعا أن تتخلى عنها هذه بحال من الأحوال في أي نظام، يحاول هؤلاء الملوك والأمراء الراجعون أن يفرضوه على شعوبهم؛ في حين كان معنى انتصار هؤلاء الملوك والأمراء الراجعين عودة الحكم المطلق، سواء كان استبداديا أو استبداديا مستنيرا، وإعاقة نمو وظهور الدولة القومية والمتحررة من كل سيطرة أجنبية عليها. # وفي نهاية هذا القرن التاسع عشر (1914) كانت الدولة القومية التي تقوم حكوماتها الوطنية على أكتاف البورجوازية، وفي ظل نظام الرأسمالية المتطرفة، قد صارت «وحدة» النظام السياسي في أوروبا، وإن كانت الاشتراكية قد قطعت كذلك شوطا بعيدا لتصبح في أواخر هذا القرن نفسه عاملا ذا شأن في توجيه النضال السياسي والاقتصادي في داخل الدولة القومية ذاتها، ثم بصورة لا تلبث أن تظهر آثارها في بداية القرن العشرين، إما في إطار الدولة الشيوعية؛ أي الاشتراكية الماركسية (نسبة إلى كارل ماركس) تتحقق في وجودها السيطرة العمالية «البروليتارية»، وإما في إطار الدولة الاشتراكية الوطنية التي يكفل نظامها بالفعل دوام سيطرة البورجوازية الرأسمالية. # وفي كل هذه الأحوال كانت «القومية» طراز الدولة، سواء كانت هذه اشتراكية وطنية لا وجود لها من غير هذه القومية أم اشتراكية ماركسية (شيوعية) لا تزال غير قادرة - بالرغم من محاولاتها الشديدة وبسبب النظام البورجوازي الرأسمالي القائم - على تخطي حدودها القومية الضيقة لتخرج إلى ميدان الدولية الواسع. # ولذلك؛ فقد كان المبدأ القومي من أهم العوامل التي ذكرناها، وأبعدها أثرا في توجيه حوادث القرن التاسع عشر. ولا يضعف من أثر هذا العامل ظهور «الاشتراكية» كحقيقة حاسمة يخضع لسلطانها تاريخ النصف الثاني من هذا القرن خصوصا. # ونحن في ضوء الاعتبارات التي ذكرناها سوف نحاول ms0007 معالجة تاريخ النصف الأول من القرن التاسع عشر (1789-1848) بما قد يتضح منه أن قيام «الدولة القومية» الجديدة إنما يرتبط ارتباطا وثيقا بالصراع الذي كان لا مفر من أن تخوض غماره البورجوازية ضد الإقطاع. ~~ وتلك حقيقة يسهل إدراكها عند تتبع تاريخ المبدأ القومي: نشأته وذيوعه في أوروبا من أواخر القرن الثامن عشر إلى أيام الثورة الفرنسية ونابليون. # الفصل الأول # | المبدأ القومي # التعريف بالقومية # ينطوي المذهب القومي على «فكرة» و«مبدأ»، فالفكرة معناها: الارتباط بمصالح مشتركة، واستهداف غايات محدودة مشتركة، يجمع بينها شعور واحد يستند على مقومات مشتركة من اللغة والجنس والدين وما إلى ذلك. # والمبدأ هو: إخراج الفكرة إلى حيز الوجود، وكضرورة لازمة لتفسير أحداث التاريخ ولتسويغ وقوعها، إلى رسم سياسة معينة تسترشد عند تطبيقها بتلك المصالح والأهداف أو الغايات المشتركة التي انطوت عليها «فكرة» القومية ذاتها. # والمبدأ القومي كان أظهر القوى الدافعة أو المحركة في القرن التاسع عشر، مثله في تحريك الحوادث وتشكيلها مثل المذهب الديني - أي قوة الفكرة الدينية ومبدئها، وأي محاولة تطبيقها - أو المذهب الملكي، أو فكرة الدولة ومبدئها؛ أي النظرية الخاصة بإنشاء الدولة والعمل من أجل تأسيسها من حيث تكوينها وتوحيد السلطة بها، خصوصا على نحو ما حدث في العصور السابقة. # ولما كانت الدولة القومية ثمرة المبدأ القومي؛ فقد وجب لظهور المبدأ القومي نفسه ثم لخروج الدولة القومية إلى حيز الوجود، أن تتطور في أذهان الناس المعاني المرتبطة بمفهوم «الدولة» و«الأمة»، عندما صارت تناضل الشعوب الأوروبية طوال القرن التاسع عشر من أجل إرضاء شعورها القومي، وتشييد صرح الدولة القومية. # ومن أول الأمر لا مفر من التفريق بين الدولة والأمة؛ فالدولة هي الشكل السياسي الذي يتخذه المجتمع، ثم هي مساك ما ينشأ من علاقات بين أعضاء هذا المجتمع، ورباط الأنظمة الاقتصادية والسياسية والتشريعية المسيطرة في المجتمع، وما تؤديه هذه من خدمات له. ويجب في نظر القانون العام توفر عناصر ثلاثة لقيام الدولة: وجود السكان؛ أي وجود جماعة من البشر ألفت العيش المشترك في جماعة واحدة، ثم وجود سلطة، ms0008 لها الحق في اتخاذ الإجراءات التي تراها ضرورية للمحافظة على حياة هذه الجماعة ولتنظيم المصالح الهامة والمبنية على علاقات الأفراد، ثم وجود رقعة من الأرض تعيش عليها الجماعة، ذات معالم أو حدود واضحة معينة. # فالدولة قبل كل شيء حقيقة واقعة، ثم هي في الوقت نفسه فكرة قانونية مستمدة من ولايتها الحكومية (أو التشريعية القضائية)؛ مما يترتب عليه أن صار للدولة صفتان: فهي ذات شخصية قانونية؛ أي إن لها حقوقا وعليها واجبات يحددها جميعها القانون، ثم إن لها صفة أخرى مستمدة من الحق الذي لها في مراقبة حقوق الآخرين، وتنظيم هذه الحقوق في المجتمع، سواء كانت هذه حقوقا أخلاقية أو قانونية أو متصلة بضرورة المحافظة على سلامة الأفراد في علاقاتهم مع بعضهم بعضا؛ أي إن الدولة هي التي يصدر عنها القانون، وهي التي تقوم بتعريفه وتحديده، ثم تسهر على صونه وتقوم بتنفيذه. # والدولة لذلك في استطاعتها أن تؤلف بين العناصر التي تعتمد عليها في تكوينها، وأن تدمج هذه العناصر إدماجا تاما حتى تصبح وحدة متفقة كاملة. وبمعنى آخر: للدولة قوة إنشائية، تستطيع أن تخلق بها «الأمة». آية ذلك أن دولا اصطناعية كثيرة تدخلت عوامل سياسية وقانونية معينة في تأسيسها أصلا، تمكنت بتوفر عاملي الوقت والاستقرار - إلى جانب تضافر مؤثرات أخرى - من إدماج العناصر المختلفة التي تتألف منها لخلق «أمة» معينة، كالأمة البروسية. # على أن هناك فوارق ظاهرة بين الدولة والأمة؛ فالأمة ليست فكرة قانونية، بل هي حادث أو حقيقة من حقائق المجتمع، وهي لذلك «فكرة اجتماعية». ثم إن الأمة تختلف في مدلولها عن السكان أو الشعب الذين هم أفراد يعيشون معا ومتجاورين على رقعة معينة من الأرض، ثم كذلك الذين يخضعون لحكومة واحدة؛ فيؤلفون في هذه الحالة العنصر الجوهري الذي يقوم عليه كيان الدولة ذاتها من الناحية السياسية. # ولقد فهم أهل العصور الوسطى «الأمة» بمعنى أنها الأصل أو الأرومة التي نبت منها شعب من الشعوب، فقالوا مثلا إن جامعة باريس تتألف من أمم أربع؛ هم الفرنسيون والنورمانديون والبيكارديون والألمانيون. وأثناء القرنين ms0009 السابع عشر والثامن عشر طرأ تغيير على هذا المعنى، فصار المقصود «بالأمة»: الكيان أو الجثمان السياسي الواحد، فقرب معنى الأمة حينئذ من معنى الدولة بالكيفية التي أشرنا إليها؛ حتى إذا كان آخر القرن الثامن عشر أوجد رجال الثورة الفرنسية معنى للأمة أرادوا أن يميزوا به الدولة الفرنسية في عهدها الجديد ، وبأنظمتها الجديدة التي تتعارض مع الدولة الفرنسية في عهدها الغابر وبنظامها الملكي القديم. # فالأمة في اعتبار هؤلاء كانت الدولة؛ ولقد عرفوا «الوطنيين» Patriots # بأنهم أولئك الذي تمسكوا بالآراء الجديدة في كل ما يتصل بنظام الدولة وشئونها، وراحوا يؤيدون هذه الآراء الجديدة تأييدا تاما. ~~ وفي هذه الصورة الأخيرة اتسعت «فكرة» الأمة لتشمل في معناها عناصر مشتركة بينها وبين مدلول السكان أو الشعب ومدلول الدولة، فصارت تعرف «الأمة» بأنها مجموعة من الأفراد الذين ولدوا في بلد من البلدان، وتجنسوا بجنسية واحدة، وعاشوا في ظل حكومة واحدة. ثم صارت «الأمة» تعني إلى جانب ذلك مجموعة من المواطنين الذين يعتبرون جثمانا اجتماعيا منفصلا عن الحكومة التي تحكمهم؛ فأوجد هذا التعريف إذن فروقا ظاهرة بين «فكرة» السكان أو الشعب وبين «فكرة» الأمة، حيث إنه قد أدخل في معنى الأمة عناصر أخلاقية وسياسية كان تعريف الشعب أو السكان يخلو منها. # وثمة تعريف آخر للأمة بمعنى أنها: مجموعة الأفراد الذين يعيشون مجتمعين على أرض واحدة، وقد يخضعون أو لا يخضعون لسلطان حكومة واحدة، ثم تربطهم من أزمان طويلة مصالح مشتركة، حتى إن المرء ليعتبرهم جميعا من أصل أو جنس واحد. # وفي ضوء هذا التعريف يتضح أن الأمة بمعنى المجتمع السياسي مرتبط كيانها بالشعوب أو السكان الذين تتألف منهم دون أن يكون ثمة حاجة لقيام «سلطة حكومية» على غرار ما يحدث في الدولة، فلا اتفاق أو «تواؤم» في هذه الحالة بين الأمة وبين السلطة؛ وبالتالي بين الأمة وبين الدولة، في حين تدل «الأمة» في هذا المعنى الأخير على امتزاج وترابط خلقي كامل، وصار لا يقصد بالأمة مدلول إحصائي؛ أي عدد أفراد الشعوب والسكان الذين تتألف هذه منهم. وعلى ms0010 نحو ما هو ظاهر عند كلامنا عن شرف الأمة وعلم الأمة وأموال أو أملاك الأمة، وكذلك مؤتمر الأمة (الجمعية الأهلية أو المؤتمر الوطني في تاريخ الثورة الفرنسية)، وهكذا؛ مما يدل على معنى اشتراك جميع العناصر التي يتألف منها الشعب أو السكان الذين يرتكز عليهم صرح الدولة في مثل واتجاهات أخلاقية واحدة . # وهناك فارق بين الأمة وشعوبها (أو سكانها) المنتسبة إليها، وبين «الوطن» الذي هو الأرض التي ولد بها الإنسان ونشأ وترعرع عليها، والذي هو لهذا السبب نفسه مسقط الأوائل والجدود، ومبعث العاطفة الوطنية التي تبعث في الإنسان مجد الأرض التي نبت فيها، وتدفعه للذود عنها؛ ولذلك كان الوطن «فكرة» عاطفية، في حين كانت الأمة «فكرة» اجتماعية، والدولة فكرة قانونية، فالوطنية تعريفها: أنها العاطفة التي تشعر بها الشعوب التي تتألف الدولة أو الأمة منها. # على أن هذه الفوارق الملحوظة في كل المعاني التي ذكرناها لم يعد لها وجود في البلدان التي تتمتع بتاريخ قديم، وتم تكوينها من أزمان طويلة؛ ففي فرنسا مثلا سرعان ما صارت متفقة مدلولات «وطن، شعب، أمة، دولة»، وصارت معانيها واحدة، لدرجة أن أكثر المؤرخين الذين أرادوا تصوير ما حصل من يقظة الشعور القومي أثناء ما وقع من أحداث في فرنسا في سنتي 1789 و1790 سرعان ما وجدوا لزاما عليهم أن «يميزوا» بين الأمة والدولة. ولو أن القومية # Nationalism # كفكرة ومبدأ - أي في أصولها الفلسفية والتاريخية - كانت ترتد إلى أبعد من ذلك، إلى القرن الثاني عشر والثالث عشر الميلادي. # وعلى ذلك قد يكفي أن يذكر المرء أن الأمة معناها: الشعور بوجود مثل واتجاهات «عالية» أخلاقية مشتركة، وأن «الأمة» تقوم على أسس وروابط روحية، وليس على روابط سياسية فحسب كما هو حال «الدولة»، أو على روابط جثمانية «عضوية» كما هو حال «الشعوب». وإن الشعور الكامل بوجود هذه الروابط الأخلاقية المشتركة هو مساك الأمة والدعامة التي يرتكز عليها كيانها نفسه. # أما القومية فلها معان متعددة؛ من ذلك: المعنى «القانوني» إذا أريد بالقومية التبعية من الناحية القانونية لدولة معينة، وفي هذه ms0011 الحالة يقصد بها الجنسية في قولنا القومية أو الجنسية الفرنسية أو الإنجليزية ... إلخ. ولا يدخل في نطاق البحث الاهتمام بهذا المعنى القانوني، ثم إن للقومية معنى سياسيا يمكن تعريفه في ضوء ما سبق أن عرضناه بشأن مدلولات الأمة والدولة بأنه طابع وصفة فحسب، وليس حدثا أو واقعة (أو فعلا ماديا)، وبهذا المعنى الأخير تعتبر «القومية» مصطلحا حديثا يكاد يتفق المؤرخون على أن مدام دي ستال # Stael # الفرنسية كانت أول من استخدمه في العصر الحديث. # ومدام دي ستال (1766-1817) ابنة المصرفي السويسري الأصل «جاك نكر» # Necker # الذي تولى الوزارة في فرنسا في عهد مليكها لويس السادس عشر، نالت شهرة ذائعة كأديبة وكاتبة نابهة، وضعت مؤلفا عن «ألمانيا» # De l’Allemagne ~~، وظهر فيه مصطلح القومية بمعناها السياسي. وفي سنة 1823 أخرج العالم اللغوي الفرنسي «كلود بواست» # Claude Boiste # معجما في اللغة الفرنسية عرف فيه القومية بأنها: تعبير حديث يدل على طابع أو صفة وطنية خاصة، وعلى وجود روح وطني ومحبة وأخوة وشعور بالوطنية مما يشترك في الاتصاف به جميع الناس. وفي سنة 1825 نقل عن الألمانية أحد الناشرين الفرنسية «لورتا» # Lortat # كتابا عالج فيه صاحبه بوضوح القومية وروح الشعوب الألمانية، والأنظمة المناسبة لعوائدهم وخلقهم، فاعتذر الناشر في مقدمته لهذا الكتاب عن استخدام مصطلح القومية الحديث، والذي اختصه بمعنى لا يوحي بالمعاني الدارجة والتي ألفها الناس في عصره. # ثم حدث أن بدأ في سنة 1834 ينشر كل من بوشيه # Buchez # ورو # Roux # بالتعاون فيما بينهما «تاريخ الثورة الفرنسية البرلماني» الذي تم في ثمانية وأربعين جزءا، واستغرق إنجازه أربع سنوات (1834-1838). وقد أفرد «بوشيه» في أول أجزاء هذا التاريخ عند صدوره فصلا تحدث فيه عن القومية الفرنسية. وقد فسر «بوشيه» بعد ذلك بحوالي الثلاثين سنة ما كان قد قصد إليه عند الكلام في كتابه هذا عن القومية، بأنه إنما أراد ابتكار تعبير أو مصطلح جديد، حاول كل هذه السنوات العديدة جهد طاقته أن يحرص على بقاء المعنى الذي أراد أن يختص به هذا المصطلح أو ms0012 التعبير الجديد. # أما وقد صار الآن هذا المعنى الذي أراده مسلما به، فإن المقصود «بالقومية» - على حد قوله - لم يعد مجرد التعريف «بالأمة» فحسب، بل صار المقصود بها كذلك الدلالة على أن هناك شيئا معينا يضمن بقاء الأمة ويكفل وجودها، حتى لو كانت هذه الأمة تفقد الحق في ممارسة شئونها بنفسها على أساس الحكومة الذاتية. # ولقد قبلت الأكاديمية (المجمع العلمي) في فرنسا في معجمها الذي نشرته في سنة 1835 المعنى الذي اختص به مصطلح «القومية»، وهو المعنى الذي حصل ذيوعه أيام الإمبراطورية النابليونية من قبل، ثم لم يلبث أن تأكد تماما أثناء ثورة يوليو سنة 1830 المشهورة في فرنسا؛ فعرف الناس «القومية» وقتئذ بأنها: الاجتماع أو التكتل الذي يحدث بين الأفراد وتم حصوله فعلا، وفي الواقع، في صورة «أمة»، أو كانت تحدو هؤلاء المتكتلين الرغبة في تكوين أمة متميزة عن غيرها من الأمم، وذلك في كلا الحالين بفضل ما لدى هؤلاء من تقاليد واحدة ومصالح مشتركة وانتمائهم إلى أصل واحد، كما عرف الناس «القومية» بأنها: مجموع كل تلك الخصائص التي تطبع الأمة بطابعها الخاص بها والذي يميزها عن غيرها من الأمم، والتي يقوم عليها في الوقت نفسه كيان الأمة. # ومما تجدر ملاحظته أن هناك دولا لا يمكن اعتبارها أمما أو أن لها طابعا قوميا، في حين أن هناك أمما أو قوميات لا يمكن اعتبارها دولا، سواء أكانت هذه الأمم والقوميات مما يدخل في نطاق دولة معينة، مثال ذلك: الإمبراطورية النمساوية - في القرن التاسع عشر - التي تتألف من عناصر أو أجناس مختلفة عاشت متجاورة ضمن حدود الدولة النمساوية الهنغارية، أم كانت هذه الأمم والقوميات موزعة على أكثر من دولة واحدة: كالأمة البولندية، التي أسفر تقسيمها خلال القرن الثامن عشر (في سنوات 1772، 1793، 1795) عن تشتيت هذه الأمة وتوزيعها بين دول ثلاث: روسيا وبروسيا والنمسا. # وعلى ذلك؛ فقد تعذر دائما أو أكثر الأحايين من الناحية التاريخية أن يكون هناك اتفاق أو تواؤم بين «القومية» و«الدولة». ولكن المبدأ القومي يقتضي من الناحية النظرية وجود هذا ms0013 الاتفاق والتواؤم بين الدولة والقومية؛ ولذلك صارت الحركات القومية في القرن التاسع عشر تستهدف المواءمة بين الدولة والقومية، وكان من أغراضها أن تجمع بينهما في صعيد واحد كي يتسنى إنشاء «الدولة القومية». # ولقد قامت صعوبات ومشاكل، كان لا ندحة عن محاولة معالجتها وتذليلها في طريق هذا التطور التاريخي الذي انتهى بانتصار المبدأ القومي. من هذه المشكلات معرفة مدى الامتزاج الذي يجب حدوثه بين الدولة والقومية، والفصل في أي العناصر والعوامل يجب إخضاعها لغيرها أو أن من الضروري التخلي عنها إذا لزم الأمر. # فإذا انتشر الشعور القومي بين شعب يعيش في أقاليم متفرقة «جغرافيا» بحيث يجعل هذا التوزيع الإقليمي من المتعذر على هذه القومية المعينة - أي أهلها - أن يعيشوا معا «جغرافيا» وفي رباط واحد، هل يكون ممكنا أن تتألف الدولة من مثل هذه القومية؟ وثمة مشكلة أخرى: هل يتفق وجود قومية ما - أي شعب نضج شعوره القومي - في إقليم معين مع قيام «دولة» في هذه البقعة إذا كان من المتعذر أن يكون لهذه الدولة في أرضها حدود يمكن الدفاع عنها؟ # ثم إن القومية يدخل في تكوينها عدة عوامل لا غنى عن توفرها لنشأتها كذلك، كاللغة والجنس والدين والتراث التاريخي واتحاد العاطفة الاجتماعية والمشاركة في الحياة العامة. فأي هذه العوامل إذن يصح إيثاره على غيره، وجميعها لا غنى عن أحدها في تكوين القومية ونشأتها وظهورها؟ ولقد تعددت «النظريات» المتصلة بتعريف القومية تبعا لتعدد العوامل التي ذكرناها. فالقومية تارة هي في اعتبار فريق من الناس اشتراك في جنس واحد، وتارة أخرى هي الكلام بلغة واحدة، أو هي الشعور بعاطفة روحية اجتماعية واحدة، وهكذا. # على أن هذه النظريات لا تلبث أن تنتقل من ميدان الفكر الفلسفي إلى عالم السياسة، سواء عند النظر في علاقات الدولة «الداخلية»؛ أي بحث الروابط التي تجمع بين كل هذه العناصر المختلفة والتي تتضافر على تأسيس وتكوين الدولة، وسواء عند بحث العلاقات التي تربط في الميدان الدولي بين كل دولة وأخرى. # ولقد كان الانتقال إلى عالم السياسة؛ أي العمل من ms0014 أجل «تطبيق» الفكرة القومية، مبعث الخصومات والنزاعات التي أثارت الحروب من جهة، كما أنه كان من جهة أخرى مبعث ما ظهر من «نظريات»، سواء أكانت هذه أنجلو سكسونية أم فرنسية أم ألمانية، لتعريف الدولة والقومية ولتجديد العلاقة بينهما. واختلفت هذه النظريات بعضها عن بعض اختلافا عظيما، حتى لقد بات واضحا أن ثمة نتائج تاريخية خطيرة سوف تنجم لا محالة عن محاولة تطبيقها إذا ما عمد أصحابها إلى إعادة تأسيس أو تنظيم الدول على قواعد جديدة، سواء اتفقت هذه أو لم تتفق مع مبدأ «القومية». # ولا يعنينا بحث هذه النظريات أو الدخول في جدل فلسفي أو سياسي لإظهار قيمتها، ووزن آثارها من ناحية الفكر والرأي الشخصي، ولكن الذي يعنينا منها هو معرفة ناحيتها الإيجابية؛ أي إدراك النتائج التي أسفرت «تاريخيا» عن تطبيقها في صورة كل ما وقع من أحداث ونشأ من اتجاهات شغلت مجرى «التاريخ» من بداية هذا التطبيق إلى نهايته. # ولعل أهم الحقائق التي يجب ذكرها في هذا الشأن أنه لما كان «لفكرة» الأمة والقومية صور مختلفة، أو بقول آخر معان مختلفة، فقد اختلف «التطبيق» من وقت لآخر، وتنوعت الإطارات التي برزت فيها إلى الوجود هذه الفكرة؛ ولذلك فقد بات جديرا بالاهتمام معرفة ما وقع من أحداث عند حصول هذا «التطبيق» من جهة، ثم إدراك ما طرأ على «الفكرة» القومية ذاتها من تطور، وما ترتب على هذا أيضا من تطور في تطبيقها. # ومعنى ذلك دراسة الحركات القومية، في القرن التاسع عشر، ودون حاجة لدراسة «فكرة» القومية ذاتها، أو المبدأ القومي «مجردا»، وتلك دراسة إيجابية تقوم على معرفة ما نجم من وقائع عند تطبيق فكرة القومية، ومن شأن ذلك تحديد الأثر الذي كان للمبدأ القومي في تطور التاريخ الأوروبي في القرن التاسع عشر. # الفصل الثاني # | القومية: أصولها الفلسفية # القومية كفكرة نظرية: كان لانتشار القومية - كفكرة ومبدأ - الأثر الأكبر في تشكيل كل ما طرأ من تغيرات على خريطة أوروبا السياسية في القرن التاسع عشر، حيث قد أجريت دائما باسم القومية التعديلات التي ms0015 رسمت الحدود بين الدول خلال هذا القرن. ولم يشذ عن ذلك سوى حدثين فقط؛ أولهما: ضم الألزاس واللورين «الفرنسية» إلى الإمبراطورية الألمانية الناشئة في سنة 1871، وثانيهما: وضع البوسنة والهرسك اليوغسلافية، ومن أملاك الدولة العثمانية، تحت إدارة النمسا «إمبراطورية النمسا والمجر» في سنة 1878. فقد انتهى فيما عدا هذين الحدثين، كل ما حصل من تغييرات في خريطة أوروبا السياسية بين عامي 1815-1919 بإنشاء الدولة القومية وتشييد صروحها. # والقومية كفكرة: يقصد بها تحرر الشعوب من كل سيطرة أجنبية عليها، وكمبدأ أو كقوة دافعة ومحركة: يقصد بها تطبيق هذه «الفكرة» تطبيقا عمليا. وبهذا المعنى تصبح القومية غرضا أو هدفا في حد ذاته، تتضافر الجهود على تحقيقه، ثم تغدو في الوقت نفسه «مبررا» يسوغ ما يقع من تغييرات سياسية. والقومية كقوة دافعة ومحركة لا تقل أهميتها كعامل إنشائي في تكوين الدولة القومية (أو الوطنية) الحديثة في القرن التاسع عشر، عن كل تلك القوة الدافعة والمحركة، ذات الأثر الواضح في تشكيل حوادث العصور السابقة - وهي التي سبقت الإشارة إليها في التعريف بالقومية - كعامل الوحدة الدينية، وإنشاء الملكية الثابتة المستقرة، وتأسيس الدولة بمعناها السياسي الحديث، وكل تلك عوامل ساعدت على تكوين أوروبا من الأزمان (العصور) الوسيطة. # ولقد كان كل واحد من هذه العوامل ينطوي على رغبة في الاستئثار بالسلطة، وامتداد السلطان أو التوسع. والقومية مثلها كمثل هذه القوى الدافعة ذاتها لا تعدو هي الأخرى أن تكون من الناحية التطبيقية مظهرا من مظاهر هذه الرغبة في الاستئثار بالسلطة وامتداد السلطان أو التوسع. ولذلك صارت القومية «أداة» للتمتع بالسلطة «الداخلية» إذا أراد شعب أن يتحرر من ربقة السيطرة الأجنبية، ثم إنها صارت كذلك أداة للتمتع بالسلطة «الخارجية» إذا شاء شعب أن يضم إليه شعوبا أخرى متحدة معه في الجنس أو اللغة أو الدين أو التقاليد أو العادات. وكانت هذه الشعوب لا تضمها إليه حدود واحدة؛ أي خارجة عن نطاق حدوده. # وظهور مبدأ القومية - وما تفرع عنه وارتبط به من آراء ومذاهب حرة، وديمقراطية تهدف إلى ضرورة أن يمارس كل ms0016 شعب شئون الحكم بنفسه، عن طريق نوابه وممثليه بصورة واضحة وذات أثر فعال في تشكيل حوادث القرن التاسع عشر - كان نتيجة لما تمخضت عنه «الثورة الفرنسية» على وجه الخصوص، منها آراء ومبادئ. # على أن فكرة القومية نفسها لم تكن وليدة هذه «الثورة الفرنسية» وحدها، بل لقد شهدت أوروبا بداية ظهور الفكرة القومية في السنوات القليلة التي سبقت اندلاع هذه الثورة، ثم اتخذت الفكرة القومية لبداية ظهورها ميادين أخرى غير فرنسا . # فقد ظهرت بوادر الفكرة القومية بين سنتي 1760، 1770 في إيطاليا، حيث تصدى لمعالجة الفكرة القومية مؤرخان (من إيطاليا) هما «مافي» # Maffei ~~، «موراتوري» # Muratori ~~. وفي أوروبا الشرقية الجنوبية حيث نشر في 1762 الأب «بائيزي» Paisi # تاريخه «السلافي البلغاري» الذي تناول فيه قصة الشعب والقياصرة والقديسين في بلغاريا. وكان بحثا قصره صاحبه على تاريخ شعب معين من عنصر أو جنس معين هو العنصر السلافي البلغاري، متميز من غيره من الشعوب؛ أي متمع «بقومية» معينة ومحددة. وفي اليونان، بدأت حركة قومية أثناء حرب الروس ضد الأتراك سنة 1770، كان لها أكبر الأثر في شبه جزيرة المورة، وفي جزر الأرخبيل. وفي أوروبا الشمالية - في إسكندناوة - بدأت تظهر الفكرة القومية منذ سنة 1760 حينما ظهرت أول الأقاصيص أو الأساطير الخرافية المختصة بالأبطال والآلهة (المثولوجيا) الإسكندناوية. # ثم نشر بعد سنوات قليلة (1772) جرهارد شوننج # Gerhard Shoning # تاريخا للنرويج، كما ظهرت بعد شهور عديدة أنشودة «قومية» أو وطنية نرويجية، تدعو الشعب النرويجي إلى التحرر من السيطرة الأجنبية المفروضة عليه (الدنمارك) وتحطيم الأغلال التي رسف فيها أجيالا طويلة، وكان قبل ذلك بعام واحد فقط (1771) أن ظهرت في فنلندة كذلك أنشودة وطنية من الطراز نفسه، وكانت فنلندة تخضع لحكم السويد. # وفي ألمانيا كتب «جيته» # Goethe # في موضوع الوطنية، أو القومية الألمانية في سنة 1773. وفي الأراضي المنخفضة بدأ إحياء تسمية «بلجيكي»، وكانت الأراضي المنخفضة الجنوبية (البلجيكية) من الأملاك النمساوية. أضف إلى هذا أن تقسيم بولندة المعروف في سنة 1772 بين الروسيا والنمسا وبروسيا سرعان ما أحدث رجة عنيفة في أوروبا، كان من ms0017 المتعذر محو آثارها، عندما تشبث الشعب البولندي بمقوماته الأهلية، وبمعنى آخر «بقوميته»، وإن كانت هذه القومية لا تزال وقتئذ «مبهمة» بعض الشيء، بل زاد تمسكه بقوميته بالرغم مما حدث من تقسيمات تالية، على دفعتين: في سنة 1793 بين روسيا وبروسيا، وفي سنة 1795 بين روسيا وبروسيا والنمسا. # وتلك أحداث تدل جميعها على أن الشعور بالقومية كانت قد بدأت تظهر بوادره في هذا الحين بين الشعوب الأوروبية. على أن أوروبا لم تكن القارة التي انفرد ظهور هذا الشعور القومي بها وحدها فقط، ففي العالم الجديد، كان صمويل أدمز # Samuel Adams # في ولاية «ماساشوسيت» بأمريكا الشمالية، في شتاء 1772-1773 يعد برنامجا لاستقلال «الولايات والمستعمرات الثلاث عشرة» عن إنجلترة واتحادها فيما بينها لتؤسس دولة و«قومية» جديدة هي الولايات المتحدة الأمريكية. # وكانت هذه «ظواهر» متفرقة ولا سبيل للقول بأنها تنهض دليلا على أن هذه الشعوب التي ذكرناها قد نضج شعورها القومي أو أنها صارت تدرك معنى القومية إدراكا صحيحا كاملا. ~~ ولكن من ناحية أخرى لا جدال في أن حدوث هذه «الظاهرة» في أماكن مختلفة في وقت واحد إنما يبرهن على أن هناك «فكرة» جديدة معينة قد أخذت تشيع بين الشعوب، هي «فكرة» القومية، ولا ينال من أهميتها أنها كانت لا تزال في هذا الدور الأول من وجودها «مبهمة» ولما يتولد منها بعد تلك القوى الدافعة والمحركة التي سوف تسيطر على تشكيل الحوادث طيلة القرن التاسع عشر. # على أنه مما يجدر ملاحظته كذلك أن هذا العهد المتقدم قد شاهد كذلك بداية ظهور «النظريات» التي تناولت تفسير تلك القومية؛ فانقسم أصحاب فكرة القومية «النظريون» إلى فريقين: يتبع أحدهما «المدرسة الفرنسية»، والآخر «المدرسة الألمانية»، وتبنى كل واحدة منها تفكيرها على تفاعل العوامل التي تتألف منها «الشخصية» أو «الذاتية» الفرنسية أو الألمانية، وهي عوامل نفسية وخلقية مرتبطة أوثق الارتباط بتاريخ الشعبين الفرنسي والألماني، وهي كذلك قوائم هذا التاريخ نفسه. ~~(1) المدرسة الفرنسية # ومن المعروف أن فرنسا كانت قد اكتمل تكوينها السياسي من أزمان طويلة، فبات متوقعا أن تنشأ بين ms0018 أهلها العاطفة القومية أو الوطنية من وقت مبكر. فقالت النظرية الفرنسية بحق كل أمة في الحياة حقا مطلقا لا يمكن حرمانها منه، ولو تنازلت الأمة نفسها عن هذا الحق بمحض إرادتها؛ ولذلك فقد انطوت النظرية الفرنسية على فكرة «التعاقد» # Contrat ~~، بوصف التعاقد أساسا لكيان الأمة، فيحدث التعاقد في هذه الحالة بين الشعب وصاحب السيادة الشرعية عليه. # في العصور الوسطى، عبر عن هذا الرأي فيليب بوت Philippe Pot # في برغنديا، وذلك أمام مجلس الطبقات الذي انعقد سنة 1484 عقب وفاة ملك فرنسا لويس الحادي عشر لتأليف مجلس للوصاية. وفي العصور الحديثة ظهرت نظرية استحالة نقل حقوق السيادة التي على شعب معين والتنازل عنها لسلطان آخر، حينما تنازل فرنسوا الأول - ملك فرنسا - إلى الإمبراطور شارل الخامس عن برغنديا في معاهدة مدريد سنة 1526، فأعلن البرغنديون في 4 يونيو 1526 أن ملك فرنسا لا يملك حق التنازل لملك أجنبي عن بلادهم من غير موافقتهم. # وثار جدل طويل عقب ذلك بين إسبانيا وفرنسا حول هذه المسألة، بسط فرنسوا الأول في أثنائه هذا الرأي في وضوح عندما قال: «ومن المتعذر قانونا أن ينقل إنسان حقوق السيادة التي على مدينة من المدن أو مقاطعة من المقاطعات بدون إرادة أهلها ومن غير موافقتهم التامة على نقلها.» # وفي 16 ديسمبر 1526 اتخذ برلمان باريس قرارا نفى فيه أن للملك حق التنازل إلى ملك أجنبي عن مقاطعة من مقاطعات مملكته. وعندما حدث في سنة 1552 أن ضمت فرنسا إليها أسقفيات تول ومتز وفردان (في الحرب التي أعلنها ملكها هنري الثاني على الإمبراطور شارل الخامس في فبراير 1552)، أعلن أسقف متز لمواطنيه أن الملك الفرنسي إنما جاء إلى هذه البلاد «محررا»، وأنه يريد معاملة أهل متز المعاملة التي يلقاها الفرنسيون أنفسهم، وأنه يبغي أن يعلن شعب متز عن رغبته بمحض اختياره في الانضمام إلى فرنسا بدلا من استخدام أساليب العنف والشدة من جانب الملك الفرنسي نفسه ليحقق هذه الغاية. # ولقد تأيدت هذه الآراء «الديمقراطية» و«القومية» أو الوطنية التي نادى أصحابها بضرورة استناد ms0019 الدولة عند تأسيسها على رغبات الشعب المطلقة الحرة، عند انتشار حركة الإصلاح الديني في أوروبا؛ وذلك لأن الإصلاح الديني أتى بآراء سياسية ساعدت على نمو وتأييد فكرتي القومية والديمقراطية. ولقد تمسك فريق البروتستنت (الهوجونوت) والكاثوليك بهذه الآراء أثناء الحروب الدينية في فرنسا؛ فنشر فرانسوا هوتمان # Hotman ~~، وهو من أعلام الهوجونوت، كتابه عن «الفرنجة والغالة» في سنة 1574، وقد اعتمد في بحوثه على دراسة التاريخ الفرنسي لإقامة الحجة على أن الشعب نفسه هو موئل السيادة العليا في آخر الأمر، باعتبار أن القومية الفرنسية إنما تتألف من فرنجة وغاليين ربطت بينهم في اتحاد وثيق رغبة مطلقة وإرادة حرة مشتركة، جعلت هذين الفريقين يتحدان في انتخاب ملك واحد بالاقتراع العام، هو أول ملوكهم فيلبريك الأول (539-584) من الأسرة الميرفينجية. # وتلك نظرية تفتقر من الناحية التاريخية لما يؤيدها. ومع ذلك فالذي يعنينا من أمرها أنها قائمة على فكرة التعاقد؛ أي العقد الذي يبرمه شعب من الشعوب بمطلق حريته وإرادته مع صاحب السيادة الشرعية عليه، كما أنها تنطوي عند التحليل النهائي على «فكرة» أن الشعب هو مقر السيادة العليا في الدولة. # على أن هذه النظرية التي جعلت قيام «الأمة» مستندا على موافقة الشعوب والدخول في تعاقد بين هذه الشعوب وأولئك الذين يمارسون حقوق السيادة العليا عيلها لم يلبث أن انزوت في ركن من النسيان خلال القرن السابع عشر عندما طغت نظرية «حق الملكية المطلق» على كل ما عداها من نظريات طول هذا القرن. ولم يكن معنى هذا الانزواء أنه قضى تماما على فكرة «القومية». آية ذلك ما فعله هنري الرابع - ملك فرنسا - عندما ضم إلى بلاده في سنة 1601 إقليمي بريس # Bresse # وبوجي # Bugey ~~، ويقعان بين فرعي نهر الرون، وكانا يدخلان ضمن حدود الإمبراطورية الرومانية المقدسة. # فقد أعلن الملك الفرنسي إلى المفاوضين الإسبان أنه يبغي أن يبقى للإسبان لغتهم الإسبانية وللألمان لغتهم الألمانية. أما الذين يتكلمون الفرنسية فالأحرى أن يكونوا جميعا تابعين له؛ أي للملك الفرنسي. وقال «صلي» # Sully # وزير هنري الرابع: «على المرء أن يفكر ms0020 طويلا قبل الإقدام على ضم جماعة إلى جثمان الدولة يختلفون عن أهل هذه الدولة في روحهم وتفكيرهم ولغتهم وعاداتهم بصورة تقضي على كل انسجام بداخلها.» # وعندما طرحت مسألة اللورين على بساط البحث بين الفرنسيين وسفير الإمبراطور ليوبولد الأول «لافوجيون» # La vauguon # سنة 1685، وذلك حينما أراد لويس الرابع عشر أن يستكمل سيطرته على الإلزاس بالاستيلاء على الأقاليم المجاورة في حوض الراين الأوسط، قال الملك الفرنسي: «لا يوجد إنسان في فرنسا لا يعتبر اللورين جزءا لا يتجزأ من المملكة، حتى إنه صار لا يجرؤ مخلوق على فصل اللورين دون إثارة غضب كل فرنسي وحقده.» # وواضح أنه من المتعذر على المرء أن يلمس في أقوال هؤلاء الملوك الفرنسيين ووزرائهم ما يدل على وجود خطة مرسومة «لسياسة فرنسية» واضحة المعالم وذات أغراض ومقاصد محددة، عندما كانت سياسية هؤلاء سياسة إيجابية واقعية تقوم على فكرة «الدولة» وليس على فكرة «الأمة» ومقوماتها. على أن من المسلم به في الوقت نفسه أن هؤلاء الملوك ما كانوا يترددون في الاستناد عند الضرورة على الآراء القائلة بضرورة اعتبار ولاء الشعب أو الأهلين الذين تضمهم الدولة داخل حدودها ركنا أساسيا في قيام هذه الدولة ووجودها؛ الأمر الذي ترتب عليه أن صار الأخذ بهذه الآراء جزءا من «تقاليد» السياسة الفرنسية الظاهرة. # بل إن هذه «التقاليد» القديمة ذاتها هي التي أفضى وجودها إلى بروز نظرية واضحة المعالم في القرن الثامن عشر قامت على أركان هذه التقاليد، لتعريف الدولة وبيان الأسس التي تقوم عليها؛ فقد كان حتى هذا الوقت وجود الدولة إطلاقا مرتهنا أصلا بوجود السلطة العليا وتقريرها كشرط أساس لذلك؛ مما ترتب عليه أن صارت «الدولة» مرتبطة بمبدأ «الملكية». ولكن لم تلبث فكرة «الأمة» في القرن الثامن عشر أن أخذت تعلو على فكرة صاحب السيادة العليا أو «السلطة» باعتبارها العامل الأساسي في تكوين الدولة. ولقد نجم من ذلك أن بطل اتخاذ مبدأ «حقوق الملكية المقدسة» معيارا عند محاولة الحكم على «شرعية» الدولة أو عدم شرعيتها. # ولقد كانت هناك أسباب عديدة جعلت ضروريا ms0021 التفكير من أجل ابتداع هذه النظريات الجديدة؛ لعل أهمها أن الخلاف سرعان ما دب بين المعاصرين عندما حاولوا تفسير أصول الدولة تفسيرا تاريخيا. من ذلك ما نشره الكونت دي بولانفييه # Bollainvilliers # سنتي 1727، 1732 من بحوث تاريخية عن حكومات فرنسا القديمة حتى عهد هيو كابيه # Hugues Capet ~~، ثم عن طبقة الأشراف. فعرض النظرية القائلة بأن الفرنجة الذين غزوا فرنسا وهزموا الغاليين هم الذين يؤلفون طبقة الأشراف (النبلاء) الفرنسية التي أخضعت الشعب لسلطانها. وكان غرض «بولانفييه» من ذلك تبرير كل الامتيازات التي تمتعت بها هذه الطبقة. # ولم يمض هذا «الرأي» دون مناقشة؛ فقد تصدى للرد عليه أحد رجال الدين وهو «آبيه دي بوس» # L’Abbé du Bos # الذي نشر سنة 1734 «نقدا تاريخيا لقيام المليكة الفرنسية ونشأتها في بلاد غالة»، فحاول إقامة الحجة على أن الدولة الفرنسية إنما ترتد في أصولها إلى أسس رومانية، وليس إلى أسس فرنجية، وأن سلطان الملوك الفرنسيين المطلق إنما هو مستمد من السلطان الروماني المطلق القديم، وليس مستمدا من غزو أرستقراطية الفرنجة للبلاد. # ولقد دار حول هاتين النظريتين المتعارضتين: نظرية الأرستقراطية الفرنجية ونظرية السلطان المطلق الرومانية، جدل طويل، جعل متعذرا الوصول إلى رأي قاطع بشأن أصول الأمة الفرنسية ووحدتها. وتعذر الاتفاق بين أصحاب هاتين النظريتين على تفسير معين يوضح هذه الأصول من الناحية التاريخية؛ وعندئذ راح «المفكرون» يسعون للاهتداء إلى «آراء» أخرى قد تساعدهم على تقرير الحقيقة في ضوء نظريات تستند هذه المرة إلى «الفكرة المثالية» المجردة بدلا من الاعتماد على التفسير التاريخي وحده فقط. # وثمة سبب آخر هو أن «الأدباء» وأهل الرأي من المعاصرين سرعان ما نزلوا إلى ميدان السياسة في هذا القرن (الثامن عشر)، وأخذوا يعالجون موضوعات الفلسفة السياسية، وتلك ميادين وموضوعات ظلت جميعها حتى هذا الوقت لا يطرقها أو يتناولها غير رجال الدين ومفكريهم ثم رجال القانون. كما أنه كان قد بدأ يحدث في هذا الحين رد فعل ملحوظ ضد سلطة الملوك الاستبدادية. فنشر في سنة 1747 الفيلسوف الكاتب «جان جاك بورلاماكي» # Burelamaqui ~~(1694-1748)، وأصله ms0022 من جنيف، مؤلفه عن «مبادئ القانون الطبيعي»، ثم نشر الفيلسوف الفرنسي «مونتسكيو» في العام التالي (1748) كتابه المشهور عن روح التشريع أو القوانين. ثم عظم نشاط أصحاب الموسوعة «الإنسيكلوبيديين» الفرنسيين بعد ذلك. ومن هاتين المدرستين برزت إلى عالم الوجود نظرية «الحرية السياسية». # ولقد أخذ هؤلاء المفكرون على عاتقهم أن يبحثوا من جديد كل الآراء القديمة عن «الأمة» و«الدولة»، سواء أكانت هذه دينية أم قانونية. فهم أصحاب الفضل في تحديد معنى مصطلح «الشعب» بما يدل على المشاركة في المنبت، كما صارت تدل فكرة الأمة في معناها الجديد على وجود تنظيم سياسي واجتماعي معين، فلم يعد لها ارتباط بالحقائق التاريخية؛ أي إن معنى الأمة بتعبير أدق صار يستند تدريجيا على التفكير «العقلي» ويبدو متعارضا تماما مع التفكير «التاريخي». فيدون أحد المعاصرين، الماركيز دارجانسون # d’Argenson # في «جورناله» بتاريخ 26 يونيو 1754: # أن الآراء القومية والوطنية هي السائدة الآن؛ مما قد يكون له آثار بعيدة، حيث يكثر في الوقت الحاضر ترديد كلمتي أمة ودولة بصورة لم ينطق بهاتين الكلمتين أحد البتة على أيام لويس الرابع عشر. كما أن أحدا لم يكن وقتذاك يدرك كنههما، ولم يسبق أن صار المرء يلم بما للأمة والحرية من حقوق، ويدرك تماما هذه الحقوق مثلما هو حادث اليوم. # ولا شك أن إخضاع هذه المسائل لقوة التفكير العقلي؛ أي تحكيم العقل فيما يعرض من ظواهر لمعرفة حقيقتها، وإخضاعها لقوة المنطق، والتمعن الفلسفي، جعل ممكنا تفسير أصول الدولة والأمة، وصياغة النظريات اللازمة لمعالجة هذه الموضوعات وما يتصل بها. وكان بفضل هذه القدرة على استخدام العقل والفكر عند مراجعة الآراء القديمة، ومحاولة وضع تفسير «عقلي» لمعنى الدولة والأمة، أن صارت الفكرة التي ينطوي عليها معنى «الأمة» ويرسم لفظ «الأمة» في الأذهان مدلولها، وثيقة الصلة بالمعنى الذي يوحي به الكلام عن «الجماعات القومية» أو الوطنية؛ فانفصلت بذلك فكرة الأمة هذه عن الفكرة القانونية التي ينطوي عليها معنى «الدولة»، وصارت متصلة بدلا من ذلك بفكرتي الحرية والحقوق؛ أي إن الكلام عن الأمة صار يستتبع حتما الكلام ms0023 عن الحريات والحقوق التي لأفراد وأبناء هذه الأمة. # ولقد كاد ينجم عن الانتقال إلى هذا التفسير الواسع لفكرة الأمة خطر القضاء على الشعور الوطني الأولي؛ أي الشعور بواجب الدفاع عن الوطن والتفاني في خدمته، والاستعاضة عن هذا الشعور الوطني بشعور آخر إنساني يهدف إلى إزالة الفوارق بين الأمم. ولكن هذا الانسياق وراء العاطفة الإنسانية سرعان ما أوقفه أو عمل على تصحيحه واجب السير في سياسة خارجية معينة أدت إلى إشعال الحروب التي خاضت الثورة الفرنسية غمارها. بل إن رجال الثورة أنفسهم لم يلبثوا أن كافحوا لقمع هذا الانسياق وراء العاطفة الإنسانية أو «العالمية»؛ أي ضد الاندماج في حياة لا تقيم وزنا للفوارق القائمة فعلا بين الأمم المختلفة. # فقال بيير فرنسوا روبير Pierre F. J. Robert # من حزب دانتون، في المؤتمر الوطني: «بودي لو أن المشرع الفرنسي في وسعه أن يتناسى العالم لحظة واحدة لينصرف للانشغال بشئون بلاده. وحبذا لو كان لدينا ذلك النوع من الأنانية الوطنية التي بدونها نكون قد أغفلنا واجبنا، وارتكبنا إثما في حق الوطن. ~~ إني أحب جميع الناس، وأحب على وجه الخصوص الأحرار جميعهم. ولكن محبتي ولا شك للأحرار في فرنسا أشد وأقوى من محبتي لسائر الأحرار في أنحاء العالم.» # تلك إذن كانت الأسباب التي جعلت التفكير في صياغة «نظريات» معينة لتفسير مدلول أو مفهوم الأمة والدولة في فرنسا ضروريا. # أما «النظرية» نفسها التي جاءت نتيجة لإخضاع الموضوعات المتصلة بالأمة والدولة لقوة التفكير العقلي خصوصا، ففي وسعنا القول بأنها قد خرجت إلى عالم الوجود بعد سنة 1760 تقريبا عندما نشر جان جاك روسو # Rousseau # في سنة 1762 كتابه المشهور عن «العقد الاجتماعي»، ثم كتابه الآخر في سنة 1772 عن «الحكومة في بولندة»، # 1 # وينهج روسو في البحث طريقا يتفق مع ما يتبعه أصحاب الموسوعة «الإنسيكلوبيديون» ومدرستهم، وهم الفلاسفة الذين يدينون بفكرة البحث المجرد؛ أي دون التقيد بالوقائع والأحداث، كمقدمات تفضي إلى نتائج معينة. فهو يقول في «رسالته عن المساواة» # 2 # التي نشرت في سنة 1754: # دعونا نترك جانبا ms0024 كل الوقائع! # فعند روسو، كما هو الحال مع «الإنسيكلوبيديين» ليس القياس الفرضي أو النظريات الافتراضية نتيجة استخلاص واستنتاج من الحقائق والأحداث الماضية القديمة لغرض تفسير هذه الوقائع والحوادث وبيانها، بل يجب أن يكون القياس الفرضي أو النظريات الافتراضية بمثابة المبرر المقبول، والذي يسوغ بقدر الاستطاعة هذه الوقائع والأحداث ذاتها. # وأما هذه الوقائع والأحداث فكانت كما عرفها وذكرها روسو أن الإنسان قد مر في أدوار متعاقبة بدأت بالحياة الطبيعية البحتة # état Naturel ~~، تتلوها الحياة الوحشية أو المتوحشة # état sauvage ~~، لتأتي بعدها الحياة الاجتماعية # état Social ~~؛ وهي الحياة الراهنة التي وصفها روسو بأنها ملآنة بالآثام والشرور والرذائل، والتي لا تنفك تدفع الإنسان على السير في طريق التدهور والانحطاط مرحلة بعد مرحلة. وأخيرا الحياة المدنية # état civil ~~، وفي هذا الدور الأخير يتحد الناس لإعادة بناء الدولة على أساس تعاقدي باسم المصلحة العامة. # على أن روسو لم يتناول في كتاباته موضوع «القومية» أو «الوطنية» كمسائل قائمة بذاتها، ولم يضع للقومية تعريفا محددا؛ بل لقد درج روسو على استخدام كلمة «القومية» أو الوطنية بالمعنى المألوف في عصره؛ أي في صورة مجرد الانتساب «للأمة» والوطن. فيقول في كتاب محاوراته # 3 # وهو يصف نفسه أنه رجل ينتمي للعالم بأسره # l’homme du monde ~~، يحترم أعمق الاحترام القوانين والأنظمة الوطنية (أي تلك التي تختص بها كل أمة). # ومع ذلك كله فقد كان روسو صاحب آراء في الوطنية أو القومية ساعدت على تفسير هذه المبادئ وتسويغها، من ذلك آراؤه المتصلة بنظرية «العقد الاجتماعي»، ذلك العقد الذي هو في نظره أساس المجتمع في مرحلة الحياة المدنية؛ أي أساس المجتمع «النموذجي»، والذي يستند عليه المبدأ القائل بأن أساس المجتمع ودعامته إنما هو اجتماع المواطنين في زمرة واحدة، والذي تقوم عليه فكرة الاستعاضة بالإرادة العامة # Volonté Générale # عن الإرادة الفردية # Volonté Individuelle # السائدة في دور الحياة الاجتماعية، والقول بأن هذه الإرادة العامة إنما هي تعبير صدر عن «كائن متضامن» # être collectif ~~، أو مجموعة أو طائفة وطنية. وفي اعتبار «روسو» أنه لا يزال هناك ms0025 «كائن اجتماعي» في مرحلة الحياة الاجتماعية الراهنة، وهو موجود فعلا، ويتحتم على الجميع أن يحترموا حق هذا الكائن الاجتماعي في الحياة وفي إبداء آرائه والإفصاح عن رغباته في حرية كاملة. # ولقد كانت نظرية العقد الاجتماعي تنطوي كذلك على فكرة إخضاع الدولة بوصفها كائنا أو جثمانا أو تنظيما سياسيا لتلك الروح الوطنية المتولدة من اجتماع المواطنين وترابطهم فيما بينهم من أجل التنازل عن إرادتهم الفردية لخلق الإرادة العامة؛ أي وجوب إخضاع الدولة لسلطان الإرادة العامة. # ولم يغفل روسو في تفكيره السياسي - وخاصة فيما يتعلق بمسائل الدين - وجود «الضمير الإنساني». بل شيد صرح فلسفته العامة على أساس احترام «الفرد». وذلك بالرغم من المبادئ التي ارتكزت عليها نظرية العقد الاجتماعي؛ أضف إلى هذا أن روسو عند تفكيره في معنى «الدولة» طفق يعرض طائفة من الآراء تلقي ضوءا على المعاني الماثلة في ذهنه عن القومية أو الوطنية. من ذلك رأيه في وجوب أن يستهدف التشريع في الدولة مراعاة روح الشعب نفسه؛ فتصدر القوانين تعبيرا صادقا عن قومية الشعب، ومرآة صافية تعكس مشاعره القومية أو الوطنية؛ حتى يتسنى حينئذ المحافظة على تقاليد وعادات الوطن. وأما الوسيلة إلى تحقيق هذه الغاية فهي التربية والتعليم قبل كل اعتبار آخر. # ولقد أوضح روسو هذه الفكرة بجلاء في رسالته السالفة الذكر عن «الحكومة البولندية» التي نشرها في سنة 1772، وموجز القول: أن من الضروري دائما الملاءمة بين الدولة والروح أو العبقرية الوطنية أو القومية. وتلك غاية أراد روسو بلوغها عندما حاول أن يضع دستورا لبولندة على أساس جمهوري، ولو أنه من ناحية أخرى لم يكن يرى مستطاعا إلا في حالة واحدة فقط الملاءمة بين هذا النوع من الدساتير لإقامة النظم الجمهورية وبين الشعور القومي أو الوطني، وذلك إذا كانت الدول المراد وضع هذا الدستور الجمهوري لها دولا صغيرة. # ويتضح مما تقدم إذن أن أقوال روسو نفسه لا تعنينا بقدر ما يعنينا إدراك حقيقة الروح التي تغلغلت في كل كتاباته، ثم لوحظت آثارها في كتابات وآراء معاصريه، والتي عبرت عنها فكرة ms0026 الديمقراطية والجمهورية، وبمعنى آخر فكرة سيطرة السيادة الشعبية. # ولقد عمد تلامذة روسو وأتباعه إلى صقل تلك الفكرة التي أمكن استخلاصها من كتاباته وأقواله عن القومية أو الوطنية وتحديدها، فعل ذلك الفيلسوف الألماني «إيمانويل كنط» # Emanuel Kant ~~(1724-1804)، الذي انتهى في بحوثه إلى أن الإنسان وحدة ذاتية، وأن للضمير سيطرة مطلقة على كل ما يتصل بمسلكه؛ الأمر الذي يدعو إلى احترام الفرد كواجب حتمي، والامتناع لزوما عن فرض أية إرادة أجنبية على الروح القومي أو الوطني. # واعتقد «كنط» أن القوانين الأخلاقية واحدة، بالنسبة للفرد والأمة على حد سواء، وكذلك يستحيل على المرء أن يتلمس مسوغا أو ينتحل عذرا يفسر أي حادث «اغتصاب» في التاريخ. ومع ذلك فقد كان «كنط» في تفكيره رجلا لا يفرق في محبته بين بلد وآخر، ولا يعتقد بوجود فوارق بين الأمم يفصلها بعضها عن بعض، كما أن فلسفته لم تكن تستند إلى أسس وطنية أو قومية أو أخرى مرتبطة «بالإنسانية » بمعناها المطلق؛ ولذلك صار من المتعذر إذا قصرنا البحث على الميدان السياسي الصحيح اعتبار أنه كان لهذا الفيلسوف (كنط) أثر كبير في نمو وتطور النظرية التي جاء بها روسو. # أما صاحب الأثر الواضح في نمو نظرية روسو وتطورها؛ فكان أحد رجال الدين المشهورين في فرنسا «آبيه مابلي» # L’abbé Mably # الذي نشر في سنة 1763 بحثا فلسفيا بعنوان محاورات أو مذكرات «فوسيون» Phocion # في موضوعي الأخلاق والفلسفة، # 4 # و«فوسيون» هو القائد والخطيب اليوناني (من أثينا) الذي حكم عليه بتناول السم ليموت ظلما وعدوانا. # ولقد نشر «مابلي» بعد ذلك بعامين كتابا آخر بعنوان «آراء أو ملاحظات عن تاريخ فرنسا» # 5 # وفي هذين البحثين نجح «مابلي» في دعم أركان مبدأ المساواة، بل ومبدأ «الشيوعية» كجزء لا يتجزأ من كل تفكير اجتماعي. من ذلك أن أصول التاريخ الفرنسي إنما ترتد في رأيه إلى قيام نوع من الجمهورية الوطنية فرنجية وفرنجية غالية، وأن مجالس الطبقات (طبقات الأمة) إنما هي تعبير صادق للحياة الوطنية، ولا يمكن فصلها عنها، وتأتي في ترتيب ظهورها قبل ms0027 قيام الملكية ذاتها، وأن لكل امرئ قانونه الخاص به أصلا؛ أي إن الإنسان ولد يفعل ما يشاء؛ ولذلك فقد تعذر ارتباطه بنظام معين دون أن يقبل هو مقدما هذا الارتباط وبمحض إرادته. # وإمعان الفكر في النظريات التي أتى بها كل من روسو وكنط ومابلي يكشف عن حقيقة جديرة بالملاحظة، هي أن تفكير هؤلاء جميعا إنما يصل بهم إلى نتيجة واحدة موجزها: اعتبار القومية (أو الوطنية) مجرد ارتباط بين إرادات حرة مطلقة. # على أن المفكرين في فرنسا لم يقصروا بحوثهم على ابتداع المبادئ النظرية فحسب، بل لقد حاول كثيرون منهم تطبيق هذه المبادئ بصورة عملية. مثال ذلك ما فعله «الماركيز دارجانسون» الذي سبقت الإشارة إليه، والذي نشر في سنة 1764 بحثا بعنوان «آراء أو ملاحظات عن حكومة فرنسا» # 6 # واشتمل على مشروع لتقسيم أملاك الإمبراطورية العثمانية جعله «دارجانسون» يقوم على مبدأ القومية باعتبار أن اليونان متمتعون بقومية خاصة بهم، وكذلك أهل آسيا الصغرى وأهل فلسطين وسوريا ومراكش. بل إن «دارجانسون» شرع يطبق هذا المبدأ «القومي» على أوروبا ذاتها عندما وجد مستطاعا إنشاء اتحاد أو ائتلاف دائم يربط بين الدويلات الإيطالية وآخر يجمع بين الإمارات الألمانية، وإنشاء اتحاد من الإمارات الهولندية، وكذلك من المقاطعات أو الأقاليم السويسرية. # ولقد حدث في الوقت الذي كان يكتب فيه روسو ومابلي بحوثهما، كانت الولايات (المستعمرات) الثلاث عشرة الأمريكية تناضل من أجل استقلالها الذي أعلنته في يوليو 1776. ومع أن الاستقلال كان حدثا سياسيا؛ أي نتيجة صراع سياسي (ضد إنجلترة الدولة المستعمرة)؛ فقد نبذ الاستقلال سلطان «سيادة» وسيطرة أجنبية، وحقق الاستجابة «لشعور قومي» جديد، وأنشأ «قومية» جديدة. وعلى ذلك؛ فقد رحب الفرنسيون باستقلال هذه الولايات باعتبار أن استقلالها نجاح «عملي» للآراء والنظريات السياسية التي جاءوا بها حول «الدولة» و«القومية». # ومع ذلك، فلا جدال في أنه كان «للثورة الفرنسية» الفضل في انتقال هذه الآراء والمبادئ القومية من دائرة التفكير النظري إلى حيز التطبيق العملي؛ وذلك لأن هذه الثورة بما انطوت عليه من معنى التحرر وتحطيم القيود القديمة كانت من ms0028 جهة مبدأ «عالميا»؛ أي مما يأخذ به كل شعب من شعوب «العالم» يريد الانطلاق من إسار الأنظمة السائدة في العهد القديم، ثم إنها من جهة أخرى قد حملت في طياتها حلولا عملية وتنظيما واقعيا لإنشاء مجتمع جديد. # والدليل على ذلك أن «إعلان حقوق الإنسان والمواطن» الصادر في 26 أغسطس سنة 1789 إنما يشتمل من الوجهة القومية أو الوطنية على فكرتين أساسيتين: أن الأمة هي مقر السيادة العليا، وأن القانون بيان للإرادة العامة، والذي يعبر عن رغبات هذه الإرادة العامة؛ أي إن الإرادة العامة هي وحدها مستقر القانون «وضباط» التشريع؛ الأمر الذي يجعل لها صلاحية تعيين سيادة الأمة والمحافظة على بقائها؛ أي بقاء «الأمة». ولن يتسنى قيام «الدولة» في هذه الحالة إلا إذا وافق المحكومون موافقة مطلقة وبمحض إرادتهم على قيامها. # ولقد أمكن الوصول من هاتين الفكرتين الأساسيتين إلى نتيجة مزدوجة؛ شقها الأول أن الثورة صارت ترفض فكرة الاستيلاء على الأراضي والأقاليم وامتلاكها «بحق الفتح»؛ أي إنها قد رفضت الاعتراف بأن للفتوح حقوقا تسوغ خضوع الشعوب لسلطان حكومات أجنبية عنها، وشقها الثاني أنها صارت من ناحية أخرى تعترف بأن للشعوب مهيضة الجناح، أو التي كانت تئن من فداحة المظالم التي وقعت عليها على يد مغتصب السلطة بها، الحق كل الحق في التحرر والخلاص بالانفصال من تلك السيطرة الغاشمة المفروضة عليها؛ وذلك لأن «حق الانفصال» الذي يجب أن تتمتع به مثل هذه «الأمة» لا يعني في واقع الأمر إلا إتاحة الفرصة للشعوب «المغصوبة» حتى تتخلص مما هي فيه من ظلم تنوء من ثقله. # ومثل الأمم والشعوب في التمتع بهذا الحق مثل الأفراد الذين يكفل لهم «إعلان حقوق الإنسان والمواطن» الحق في مقاومة الظلم والعمل للانفكاك من ربقة الاستبداد. # ولقد كرس دستور الثورة الأول (3 سبتمبر 1791) هذه المبادئ عندما أعلن في فصله السادس أن الأمة الفرنسية قد نبذت ظهريا الدخول في حرب تبغي من ورائها الحصول على أية فتوحات، وأنها لن تستخدم قواتها للإضرار بحرية شعب من الشعوب. بل إن الحال ما لبث ms0029 حتى تطور بعد شهور قليلة بانتقال الأمر من الإصرار على عدم استخدام القوات الفرنسية للإضرار بحرية شعب من الشعوب إلى وضع هذه القوات في خدمة الشعوب التي أرادت استرجاع حرياتها المغصوبة. # وحرصت فرنسا في عهد الثورة على دعم نظرية العقد الاجتماعي بصورة عملية، ثم إنها شرعت في علاقاتها الخارجية تعمل لتطبيق المبادئ التي تضمنتها هذه النظرية؛ ففيما يتعلق بالأمر الأول أحيت الثورة في احتفال «الوحدة القومية» # La Fédération # يوم 14 يوليو 1790 ذكرى سقوط الباستيل الذي حصل في العام السابق، فوفد الممثلون الفرنسيون من مختلف الأقاليم والمقاطعات إلى باريس لإعلان اتحادهم الشعبي أو القومي في هذا العيد «الوطني»، ولدعم هذا الاتحاد وتأكيده، وسوف يأتي ذكر هذا الحادث مفصلا في موضعه. # وفيما يتعلق بالأمر الثاني، إن الثورة عندما ضمت إلى فرنسا مقاطعتي فنيسان # Comtat Venaissin # و«أفينيون» # Avignon ~~، وكانتا تابعتين للبابوية منذ القرن الرابع عشر، طلب أهل هاتين المقاطعتين من البابا عقد «مجلس طبقات» يقدر على إعلان ضمهما إلى فرنسا، على اعتبار - كما قالوا - أن موافقة الشعب موافقة تامة بملء إرادته ومطلق حريته الأساس الشرعي الوحيد، والذي لا غنى عنه لكل عمل يؤدي إلى الاستيلاء على أية أراض وأملاك يراد الاستحواذ عليها، كما أن هذه الموافقة التامة هي الأساس اللازم لدعم حقوق السيادة العليا. # ومن الواجب قبل الخضوع لسيطرة أخرى أن يسبق ذلك الدليل على وجود هذه الموافقة العامة وعلى رضائها بما سوف يحدث. وواضح أن هذا القول إنما معناه تقرير حق الشعوب في اختيار الحكومة أو الدولة التي يخضعون لسلطانها. ولقد لقيت هذه النظرية مؤيدين كثيرين وقتئذ من بين أعضاء «مجالس الثورة» المختلفة مثل روبسبيير وبارناف # Barnave # وبتيون Petion # وغيرهم. كما تصدى من ناحية ثانية آخرون لمعارضتها، من هؤلاء كان «ترونشيت» # Tronchet # القانوني الذي استند إلى ضرورة احترام مبادئ القانون القديم، وميرابو # Mirabeau # السياسي الذي لم يعتبر الظرف مناسبا؛ ولكن سرعان ما تدعمت «النظرية القومية» وانتصر أصحابها حين وافقت الجمعية الوطنية التأسيسية في 14 سبتمبر 1791 على ضم كونتية فينسان وكونتية ms0030 أفينون إلى فرنسا. # ولقد استندت «الثورة» على هذه «النظرية القومية» نفسها عندما أرادت أن تضع حلا لمسألة الأمراء الألمان الذين لهم أملاك في مقاطعة الإلزاس الفرنسية، وأثاروا مشكلات عديدة بسبب ممتلكاتهم هذه. فقد اتفق الرأي على أن الإلزاس إقليم حصلت عليه فرنسا (من أيام صلح وستفاليا سنة 1648)، وأن امتلاك الأرض لا يعطي هؤلاء الأمراء الألمان أية حقوق على هذه الأراضي منفصلة عن السكان الذين يعيشون عليها. # ولقد عمد أهل ستراسبورج (الإلزاسيون) للإفصاح عن رغباتهم وإرادتهم في تقرير مصيرهم بأن بادروا بإرسال بيان أو خطاب إلى «الجمعية الوطنية التأسيسية» بباريس في 18 مارس سنة 1790 قالوا فيه: «إنهم قد وثقوا اتحادهم بفرنسا بفضل «الأيامين» التي حلفوها من هذا المكان نفسه، الذي لم يأسف آباؤهم على الانضمام منه إلى فرنسا. لقد أقسمنا وتردد هذا القسم الآن على بذل آخر قطرة من دمائنا لتأييد الدستور، وإذا لم تكن ستراسبورج قد نالت المجد والرفعة كالمدينة الأولى التي يحتذى بمثالها في ميدان الوطنية بين مدن المملكة، فسوف يكون لها على الأقل شرف الصدراة كطريق كبير يقود لتحقيق الحرية الفرنسية بفضل وطنية سكانها وأهلها.» # وفي 31 أكتوبر 1790 جاء في تقرير اللجنة السياسية التي عهدت إليها الجمعية الوطنية التأسيسية بحث هذه المسألة، وكانت اللجنة برئاسة النائب «مرلان دي دووية» # Merlin de Doueai # أن الشعب الإلزاسي متحد مع الشعب الفرنسي لأنه يريد هذا الاتحاد؛ فإرادة الشعب الإلزاسي وحدها فقط، وليست معاهدة مونستر # Munster ~~- (وهذه مع معاهدة أوسنابروك # Osnabruck ~~) قام على أساسها صلح وستفاليا السالف الذكر سنة 1648، وبمقتضاه احتفظت فرنسا بالإلزاس النمساوية ما عدا ستراسبورج والأراضي التي يمتلكها الأمراء الألمان الذين كانوا أتباعا # Vassals # للإمبراطور مباشرة في الإمبراطورية الرومانية المقدسة - هي التي جعلت هذا الاتحاد شرعيا. # والحقيقة أن الثورة اتبعت هذه الأساليب نفسها؛ أي الاستناد إلى «النظرية القومية» وتطبيق المبدأ القومي، عندما عقدت استفتاءات عامة تمهيدا لضم نيس وسافوي إلى فرنسا، فأفصح أهل هذه البلاد عن إرادتهم في الانضمام إلى فرنسا والاتحاد معها، واتخذ «المؤتمر الوطني» قرارا بذلك ms0031 في 27 نوفمبر سنة 1792. # وقال جريجوار # Grégoire # عضو المؤتمر الوطني تفسيرا لهذا القرار وتأييدا له: إنه تحقيق لمبدأ سيادة الأمة، وإن الطبيعة هي التي جعلت نيس وسافوي أقاليم فرنسية، وأخيرا إن هذين الإقليمين تربطهما المصلحة المشتركة بفرنسا، ثم إن هذا الأسلوب نفسه لم يلبث أن اتبع لتفسير - والأحرى لتسويغ - ضم بلجيكا والشاطئ الأيسر لنهر الراين (الأقاليم الراينية) إلى فرنسا؛ فأعلن المؤتمر الوطني انضمام نيس في 31 يناير سنة 1793، ثم أعلن انضمام بلجيكا في 14 فبراير، والمقاطعات الراينية في 17 مارس، وذلك بعد عقد المجالس والاجتماعات من أهل كل هذه الأقاليم لإظهار رغباتهم وإعلان إرادتهم من أجل الانضمام إلى فرنسا والاتحاد معها تحقيقا لمبدأ «القومية». # وهكذا ظهر إلى عالم الوجود في فرنسا من الناحية النظرية والواقعية «قانون عام» جديد، سواء فيما يتعلق بشئون الدولة الداخلية الخاضعة لأحكام القانون العادي الداخلي، أو ما كان متعلقا بالشئون الخارجية؛ أي بعلاقات الدولة بغيرها من الدول مما يخضع لأحكام القانون الدولي. وفي هذا العهد حينما بدأت الثورة الفرنسية كان مبدأ القومية لا يزال وثيق الصلة بمبدأ الحرية السياسية، كما كانت «الوطنية» في هذا العهد تعني الانتصار للحرية ومحبة الوطن والذود عن حياضه في الوقت نفسه. وبذلك اعتبرت فرنسا «أمة» لأنها دولة متحررة؛ أي صارت تتمتع بالحرية الكاملة، وبهذا المعنى كتب المعاصرون عن فرنسا فوصفوها بتعريفهم لها أنها «الأمة العظيمة». # تلك إذن هي النظرية الأولى، وهي نظرية جوهرية في موضوع القومية، وكانت تستند في أساسها على تصورات أو مدركات فلسفية. ~~(2) المدرسة الألمانية # وتغاير نظرية المدرسة الفرنسية (الفلسفية) النظرية التي أخذت بها المدرسة الألمانية وتتعارض معها؛ لأن هذه الأخيرة نظرية تاريخية. وسبب الاختلاف بين هاتين المدرستين في تفسير معنى القومية أن تكوين هذين البلدين التاريخي - فرنسا وألمانيا - كان يختلف في كل منهما عن الآخر بصورة أدت إلى وجود اختلاف في الاتجاه الفكري بين البلدين في نهاية القرن الثامن عشر، حتى صار لفكرتي الدولة والقومية معان في ألمانيا مغايرة لمعانيها في فرنسا. واختلفت النظرية الألمانية عن النظرية الفرنسية ms0032 من ناحية تطورها والمراحل التي مرت بها حتى اكتمل نموها، ثم من ناحية الآثار التي ترتبت عليها بعد ذلك في توجيه الشعوب الأخرى في هذا الطريق «القومي» نفسه. # ولا معدى لإدراك النظرية الألمانية عن معرفة الأدوار التاريخية التي مرت بها ألمانيا ذاتها. ولقد خضعت ألمانيا في أثناء تكوينها التاريخي لآثار تجربتين سياسيتين على درجة كبيرة من الأهمية؛ أولاهما أن ألمانيا بقيت ترسف أزمانا طويلة في قيود العصور الوسطى، في حين تحررت فرنسا بتحطيم هذه القيود؛ فاستمرت ألمانيا تخضع لتأثير الآراء والمبادئ السائدة في العصر الوسيط. فلم تكن ترى تحت تأثير هذه الآراء والمبادئ الوسيطة في معنى السيادة العليا غير الإمبراطورية؛ أي إن الفكرة التي أصبحت متغلغلة بها كانت الفكرة الإمبراطورية، وبمعنى آخر الفكرة «العالمية». # فلم يكن لمدلول «الدولة» القائمة على مساحة معينة من الأرض أي وجود في فكرة الإمبراطورية أو أي ارتباط بها، بل تتخذ الإمبراطورية مكانها متربعة فوق كل «الدول» الأخرى، ويتخذ الإمبراطور مكانه متربعا فوق كل الملوك العاديين. ~~ والإمبراطور هو الذي يمثل الفكرة المسيحية في عالم السياسة، كما يمثل البابا هذه الفكرة نفسها في عالم الروح أو الدين. ولقد استتبع ذلك أنه صار متعذرا بقاء الفكرة الإمبراطورية محصورة في ألمانيا فقط، بل اتسع ميدانها حتى تخطت الحدود الألمانية، سواء صوب الغرب أو صوب الجنوب؛ فدخل في نطاقها من الناحية الغربية حوض الرون واللورين، ومن الناحية الجنوبية إيطاليا الشمالية، كما أرادت إدخال إيطاليا الوسطى ورومة في نطاقها كذلك. # على أن هذه الإمبراطورية الرومانية الجرمانية المقدسة التي امتدت غربا وجنوبا داخل الحدود الألمانية الجغرافية لم تكن تشمل الأقاليم التي انضمت فيما بعد إلى الرقعة الأوروبية بعد تأسيس هذه الإمبراطورية الرومانية الجرمانية المقدسة على يد أوتو # Otto # العظيم (936-973)، وذلك نتيجة لإنشاء العواصم (أو الثغور) # Marks # التي أقيمت على حدود أوروبا الجنوبية الشرقية؛ لوقف الغزو الآسيوي عن طريق النمسا والمجر (هنغاريا)، ثم ما حدث من توسع في الحدود الشرقية بسبب إرغام السلاف البولنديين على الارتداد والتراجع. # ومع ذلك، فإن حدود الإمبراطورية ms0033 الرومانية (الجرمانية) المقدسة في نهاية القرن الثامن عشر لم تكن متفقة مع حدود ألمانيا وحدها وحسب؛ فبلغت مساحتها حوالي ستمائة ألف كيلومتر مربع، ويقطن بها حوالي ثلاثين مليون نسمة، وتطغى عليها بعض الدول أو الحكومات التي تتألف منها هذه الإمبراطورية وتعتبر جزءا منها، مثل النمسا التي بلغ عدد سكانها في الأقاليم الداخلة في نطاق الإمبراطورية عشرة ملايين ونصفا، في حين بلغ عدد سكانها في الأقاليم الخارجة عن نطاق هذه «الإمبراطورية الرومانية الجرمانية المقدسة» أربعة عشر مليونا، ومثل بروسيا بعدد سكانها الذين يبلغون مليونين ونصفا داخل الإمبراطورية، ثم مليونين ونصفا آخرين خارج الإمبراطورية. # وذلك توزيع كما هو واضح من شأنه تهيئة العوامل التي تجعل من المحتمل كثيرا في المستقبل قيام حركات المطالبة بالحقوق السياسية داخل الإمبراطورية «الرومانية الجرمانية المقدسة» إذا شاء المرء أن يرد القومية إلى أصول تاريخية، أو أن يؤلف وحدات قومية من بين الشعوب التي كانت في وقت ما جزءا من هذه الإمبراطورية. # وهكذا انفصلت فكرة السيادة العليا الألمانية التي نبتت أصلا كفكرة إمبراطورية عن كل سند إقليمي أو سياسي؛ الأمر الذي يجعل ممكنا حصول الانفصام بين القومية الألمانية والتنظيم السياسي في ألمانيا، بل يفسره. تلك إذن كانت التجربة السياسية الأولى التي مرت بها ألمانيا. # ولقد كانت التجربة الثانية من بعض نواحيها مناقضة لهذه التجربة الأولى. ومرد ذلك إلى أنه لم يلبث أن ظهر في ألمانيا نوع من الدول التي خرجت تاريخيا إلى حيز الوجود بفضل عوامل مصطنعة، مثل بروسيا التي عمل آل هوهنزلرن (الأسرة الحاكمة بها) على تكوينها من أقاليم مختلفة دخلت في حوزة هذه الأسرة إما بطريق الإرث، أو التزاوج، أو كفتوحات بحد السيف، أو بالشراء، وتألفت منها مملكة بروسيا. # ولقد صار لبروسيا شكلها السياسي بعد خطوات كان أسبقها إنشاء براندنبرج إمارة انتخابية؛ أي أن يكون لناخبها (حاكمها) صوت في اختيار وانتخاب الإمبراطور في الإمبراطورية الرومانية «الجرمانية» المقدسة. ثم كانت الخطوة التالية تأسيس الملكية عندما منح الإمبراطور ليوبولد الأول في سنة 1700 لقب الملك فردريك الأول ليستميل ms0034 بذلك إلى جانبه أحد أمراء الإمبراطورية الأقوياء في حرب الوراثة النمساوية المنتظرة. # ويرجع الفضل فيما بلغته بروسيا وقتئذ من بأس وقوة إلى تنظيمها البيروقراطي المحكم، ثم إلى وجود جيش نظامي قوي بها. وطول مدة تكوينها ظل الجيش والبيروقراطية العنصرين الأسياسيين في تشييد صروحها. ثم جاءت الخطوة الأخيرة لإعطاء بروسيا شكلها السياسي عندما أنشأ بها فردريك الثاني أو الأكبر (1740-1786) الحكومة المستبدة المطلقة. وفضلا عن ذلك، فآل هوهنزلرن هؤلاء هم الذين أوجدوا بروسيا من حيث إن «سكانها» أو أهلها صاروا يتألفون من العناصر، أو الأجناس، التي جلبها الملوك البروسيون نتيجة لسياستهم الاستعمارية أو الاستيطانية الواسعة، والتي اضطروا لاتباعها من أجل تعمير الأراضي التي كانت لا تزال - داخل ملكهم - غابات وأحراشا؛ فجلبوا لها المعمرين من أنحاء أوروبا، وبذلت الإدارة قصارى جهدها لإدماج هذه العناصر الجديدة بالعناصر الأصلية، كما عمل فردريك الثاني على إخضاع «سكان» هذه الأقاليم التي حصل استعمارها لسلطان الحكومة؛ فأمكن بفضل هذه الجهود التي بذلها آل هوهنزلرن أن تخرج إلى عالم الوجود تدريجيا «أمة» بروسية اختلفت في تكوينها تماما وللأسباب التي ذكرناها عن الأمة الفرنسية أو الأمة الإنجليزية، وهما الأمتان اللتان كان قد تم اكتمال تكوينهما ووجودهما بصورة من الصور قبل تأسيس «الدولة» ذاتها في فرنسا وفي إنجلترة. # وهكذا فيما يتعلق بالقومية صارت بروسيا مثالا ظاهرا لما يمكن أن تحدثه وتوجده «الدولة» بما لديها من قوة وقدرة إنشائية، حتى إن المرء في وسعه أن يعزو صنع كل شيء للدولة بعد أن شهد قدرة الدولة على خلق وتكوين الشعب والأمة، من كل تلك العناصر المبعثرة في مختلف الأقاليم التي استعمرتها الدولة وأدخلتها في حدودها وبسطت عليها سلطانها. ولقد أصبحت «الدولة» كذلك ذات ذاتية خاصة بها، وإن شئت ذات كيان يفيض بالحيوية والنشاط؛ الأمر الذي جعله سهلا أن ينتقل البروسيون إلى تقديس الدولة على حساب الفرد، بخلاف ما حصل في فرنسا. # حتى إنه مما يدعو للعجب حقا أن ينتشر الإصلاح الديني في ألمانيا على يد مارتن لوثر؛ لأن الإصلاح إنما يقوم في ms0035 جوهره على احترام الفرد، في حين يعني تقديس الدولة فناء الفرد في الدولة، ولم تكن الفلسفة التي شيد صروحها هيجل # Hegel ~~- جورج وليم فردريك هيجل - (1770-1831) فيما بعد سوى نقل هذه الحقيقة البروسية من ميدان الحوادث الواقعة إلى عالم الفكر المجرد. # على أن ذلك كله قد أسفر عن نتيجة هامة أخرى متولدة من ذلك التأثير الذي أحدثه وجود بروسيا، التي عرفت كيف تنشئ لنفسها كيانا متماسكا قويا، على سائر أجزاء ألمانيا التي بقيت مفتقرة إلى كيان منظم. ولقد زاد تأثر ألمانيا بما حدث في بروسيا بسبب الشهرة العسكرية والأخرى الفلسفية اللتين تمتع بهما فردريك الثاني الأكبر نفسه، وكانت تلك شهرة عظيمة؛ حتى إنه سرعان ما أصبح موضع فخار وإعجاب كل ألماني. # وهو شعور شارك فيه شاعر ألمانيا «جيته» # Goethe ~~(1749-1832) الذي سجل في «مذكراته» إعجابه ببروسيا، أو على الأصح بملكها فردريك الذي خفقت القلوب لذكره، والذي أشاعت انتصاراته الفرح في نفس «جيته» - كما قال - وفي نفس والده. وكان «جيته» يسجل هذا الشعور في مذكراته وهو بمدينة فرنكفورت الحرة مسقط رأسه، بعيدا عن بروسيا، ثم إن الإعجاب بالعاهل البروسي كان شعورا شارك فيه كذلك المهاجرون الألمان الذي نزحوا في ذلك الحين إلى أمريكا، والذين هزت مشاعرهم انتصارات فردريك الأكبر الملك البروسي، الذي صار موضع تمجيدهم وتقديسهم. ولقد أفضى هذا الإعجاب في ألمانيا إلى ظهور أدب الحرب والوطن في منظومات «هنريك فون كلايست» # Kleist # و«جوهان جلايم» # Gleim # و«توماس آبت» # Abbt # وغيرهم. # على أن كل هذا التمجيد والإعجاب كان ينطوي على تناقض ظاهر؛ لأن «الدولة» والملك اللذين أوحيا للألمان الإعجاب بألمانيتهم والافتخار بها، كانا في حقيقة الأمر أقل ما يمكن «ألمانية»؛ الأولى (الدولة) في تكوينها وأنظمتها، والملك في نشاطه وأهدافه. فيبدو التناقض واضحا إذا ذكرنا أن فردريك الأكبر خاض حروبه ضد النمسا، وضد الإمبراطورية «الرومانية الجرمانية المقدسة»؛ أي إنه حتى يبني صرح دولته قد دخل في نضال دام ضد الأساس الذي يرتكز عليه التاريخ الألماني نفسه. # وثمة عامل آخر ساعد على بناء «القومية» ms0036 الألمانية لم يلبث بعد فترة من الزمن استمر يظهر بوضوح أثناءها أن صار سببا أساسيا في بناء هذه القومية؛ ونعني بذلك الكراهية التي حملها الألمان لفرنسا، وهي الكراهية التي أدت في ألمانيا إلى ظهور كلمة «الوطن» Patrie # من وقت لآخر في كتابات ورسائل السياسيين ودراساتهم. # ففي النزاعات التي أثيرت بين فردريك الثاني وبين ماريا تريزا # Maria Theresa # التي تولت عرش الإمبراطورية سنة 1740 حول مصير سيليزيا، وقامت بسببها حروب الوراثة النمساوية (1740-1848)، ثم انتهت باستيلاء فردريك على سيليزيا، اتجه كلاهما لاستمالة «الوطن الألماني» إلى جانبه: فعلت ذلك ماريا تريزا من أجل الدفاع عن الإمبراطورية ضد فردريك، ثم ضد الفرنسيين بعد ذلك، وهم حلفاء فردريك. ثم فعل هذا أيضا فردريك عندما هاجم الإمبراطورية بدعوى «تحرير الوطن الألماني من الأجانب». ولقد خاضت ماريا تريزا غمار حرب أخرى، وهي حرب السنين السبع (1756-1763) من أجل استرداد سيليزيا، لم تلبث أن انتهت بالاعتراف بتنازلها نهائيا عن سيليزيا إلى بروسيا. # على أنه بعد سنوات قليلة من انقضاء هذه الحروب، لم يلبث أن حدث في سنة 1769 انقلاب في علاقات هذين العاملين؛ بحيث تعاون كلاهما الآن فردريك الثاني والإمبراطورة ماريا تريزا على إنشاء «نظام وطني ألماني» موجه ضد فرنسا، وكان لتبرير إنشاء هذا النظام أن ادعى كلاهما الرغبة في الدفاع عن الحريات الألمانية. ولقد كانت هذه الدعوى ذاتها هي التي استند إليها فردريك الثاني كذلك فيما بعد في مقاومة جوزيف الثاني الذي انفرد بحكم الإمبراطورية بعد وفاة والدته (1780) ماريا تريزا، وكانت له أطماع إقليمية في ألمانيا لم تلبث أن نفرت منه الأمراء الألمان، فاستطاع فردريك الثاني في سنة 1685 أن يؤلف من هؤلاء حلفا كونفدرائيا باسم «اتحاد الأمراء» غرضه الظاهر المحافظة على الإمبراطورية في نظامها القائم حسبما أقرته معاهدات الصلح في وستفاليا سنة 1648، ووقاية الإمارات الألمانية من وقوع أية اعتداءات عليها، في حين كان غرض «الاتحاد» كما يستبين من نصوصه السرية، مقاومة رغبات جوزيف الثاني الذي أراد إلى جانب أطماعه الإقليمية الأخرى، أن يستعيض عن الأراضي ms0037 المنخفضة النمساوية (بلجيكا) بإقليم بفاريا. # ولقد حاول فردريك وليم الثاني (1786-1797) عند اعتلائه عرش بروسيا أن يؤسس نفوذه في ألمانيا على هذا «النظام الوطني الألماني» الموجه ضد فرنسا، حتى إن ميرابو # Mirabeau # لم يلبث أن وصف العاهل البروسي بما معناه: أنه الملك الذي فكر أن يكون رجلا عظيما، وصار يحدوه الأمل أن يصبح هذا الرجل العظيم بفضل الاعتزاز بألمانيته، فلا يرضى بأن يكون ألمانيا وحسب، بل يبغي أن يكون ألمانيا بحتا تطغى ألمانيته على ما عداها من الصفات، وبفضل احتقاره التفوق الفرنسي وازدرائه لرفعة فرنسا. # ومع ذلك، فمما يجدر ذكره أن هذه الأقوال والتعبيرات عن الوطن والحريات الألمانية، والنظام الوطني الألماني، لم يكن يعتقد بحقيقة معانيها أو مدلولاتها كعوامل ذات أثر حاسم في تقديراتهم السياسية، أحد من أولئك الذين جرت على ألسنتهم: فردريك الثاني، أو ماريا تريزا، أو فردريك وليم الثاني. بل إن كل ما يمكن أن يدل عليه مجيء هذه العبارات في أقوالهم أنهم إنما لجئوا إلى استخدامها في أحاديثهم وبياناتهم لشعورهم بأن لها وزنا وقيمة، كدعاوى أو حجج يقبلها الشعب وتمس مشاعره؛ لأن محبة «الوطن» الألماني وتقديس «الحريات» الألمانية وكراهة فرنسا قد صارت جميعها عواطف ذات وجود فعلي لدى الشعب الألماني. # وعلى كل الأحوال كانت النتيجة الظاهرة لهذا التطور التاريخي أن ألمانيا لم تكن جثمانا سياسيا قوميا أو وطنيا بصورة من الصور. فالإمبراطورية «الرومانية الجرمانية المقدسة» تتألف من (360) إمارة أو وحدة حكومية، وفي وسط ألمانيا وغربها تشكيلات سياسية غير عادية، وتتألف من حوالي سبع مساحة ألمانيا طائفة من الإمارات الضئيلة والتي لا نهاية لها: من ذلك الأقاليم التي في حوزة الفرسان الخاضعين مباشرة لإشراف الإمبراطور عليهم # Chevalies immédiats ~~، وتبلغ مساحة هذه الأراضي أقل من مائتي فرسخ مربع يعيش بها حوالي أربعمائة وخمسين ألف نسمة. # ثم هناك المدن الإمبراطورية وعددها واحد وخمسون مدينة وسكانها سبعمائة ألف نسمة، ثم إمارات كنسية، عبارة عن دويلات صغيرة، أكبرها «ماينز» # Mainz # وعدد سكانها ثلاثمائة وخمسون ألفا، وتريف # Trèves # وكولونيا # Cologne ~~، وعدد سكانهما مائتان ms0038 وثلاثون ألفا، ثم ورتزبورج # Wartzbourg ~~(320000)، ثم بامبرج # Bamberg ~~(200000) وغير ذلك. # وتؤلف هذه الإمارات الكنسية والمدن الإمبراطورية سبعا آخر من مساحة ألمانيا. ~~ أما خمسة الأسباع الباقية فتتألف منها إمارات أو دوقيات يحكمها أمراء أو أدواق، أكبرها بروسيا وعدد سكانها مليون ونصف مليون نسمة، وتليها بفاريا و«البلاتينات Platinate ~~» وعدد سكانها مليونان ومائة ألف. ~~ وأصغر هذه الإمارات كان في حجم بادن # Baden # ونساو # Nassau # وعدد سكان كل منهما مائتا ألف نسمة. # وهذا الدويلات الثلاثمائة والستون موزعة في عشر دوائر # Circles # أو مجموعات، لكل دائرة أو مجموعة منها مجلس «دياط» # Diet ~~، ومهمة الدياطات أو «المجالس» الدفاع العام أو المشترك عن هذه الدوائر؛ أي عن أعضائها، وتنفيذ قوانين الإمبراطورية. وأما تنظيم الشئون العامة، فذلك موكول لمجلس أو دياط الإمبراطورية # Diète D’Empire # الذي كان في الماضي عبارة عن اجتماعات «مؤقتة» تنعقد من وقتت لآخر في مناسبات معينة بدعوة من الإمبراطور. ولم يكن الدياط أو المجلس الإمبراطوري الذي انعقد في راتزبون # Ratisbon # سنة 1663 قد انفض من جراء صدور قرار بحله، ولكن تعطلت أعماله فحسب، واستمر في حالة «انعقاد» دائمة وفي وسع الإمبراطور دعوته في أي وقت يشاء؛ ولذلك فقد اعتبر الدياط الإمبراطوري «قائما». # وكان هذا الدياط يتألف من ثلاث كليات # Colleges # أو طبقات # Estates ~~: طبقة الذين لهم حق انتخاب الإمبراطور وهم «الناخبون» # Electors # وعددهم سبعة؛ ثلاثة منهم من الإكليروس (رجال الدين) هم رؤساء الأساقفة في مطرانيات ماينز وتريف وكولونيا، والأربعة الباقون من الأمراء العلمانيين، وهم أمراء البلاتينات (بفاريا) وسكسونيا وبوهيميا. # وأما الطبقة الثانية فتتألف من الأمراء الذين كانوا قسمين: أمراء علمانيين وأمراء كنسيين أي من الإكليروس، وتتألف الطبقة التالية من المدن الإمبراطورية؛ أي من المدن التي كان الإمبراطور نفسه رئيسها الأعلى. # ولاتخاذ قرار من القرارات كان ضروريا موافقة طبقتين من هذه الطبقات الثلاث، ومع أن عدد الأصوات في هذا الدياط (المجلس الإمبراطوري) كان مائة صوت بعدد ممثلي هذه الطبقات الثلاث في المجلس، فلم يزد في العادة عدد الجالسين به على ثلاثين فقط، في حين بلغ الذين ms0039 يحضرون من بينهم جلسات المجلس بصورة مستمرة أربعة عشر. # ولم يكن هناك «حكومة» في هذا النظام السياسي في ألمانيا. فلم يكن الدياط حكومة، وانعدم وجود سلطة مركزية منظمة في هذا الكيان المفكك، فلم تزد ميزانية الدياط على (13884) فلورينا؛ أي ما يساوي ألفا وثلاثمائة وثمانية وثمانين جنيها تقريبا، ولم ينظر الدياط القضايا التي كانت تقيمها الإمبراطورية على الذين تريد محاكمتهم؛ فقد كانت هذه تنظرها «الغرفة الإمبراطورية» # Chambre Impériale # ومقرها في وتزلار # Wetzlar # من أعمال نساو. ولم تبد هذه الغرفة أي نشاط في أعمالها؛ فوصل عدد القضايا المعلقة بها في سنة 1772 حوالي عشرين ألف قضية، ثم إنه لم يكن هناك «جيش ألماني» تحت تصرف الإمبراطورية، فلم يكن مستطاعا إعداد جيش ألماني إلا إذا صدر قرار من الدياط بإنشائه، ولم يكن مستطاعا تحريك هذا الجيش إلا إذا وافقت دياطات «أو مجالس» الدوائر وأصدرت أوامرها بذلك. # وهكذا لم يكن معنى «الدولة» في التنظيم السياسي في ألمانيا أن هناك أمة ألمانية ذات كيان سياسي؛ فبقيت ألمانيا مجزأة في عدد من الوحدات أو الأجزاء الصغيرة على أساس من المحلية الصارمة، وقوي التمسك ببقاء هذا الترتيب «الانفرادي» ذي الصفة المحلية، لدرجة أن أي نقاش أو بحث في ضرورة تغيير هذه الحالة، أو في احتمال حدوث هذا «الإصلاح»، كان يسبب الخوف والفزع من أن يؤدي هذا التغيير إلى إعادة تنظيم البلاد على أساس «الوحدة». # فالوطنية التي وجدت في ألمانيا كانت «وطنية» مجزأة بعدد الوحدات المحلية التي كانت مجزأة إليها ألمانيا؛ أي إن الشعور بحب الوطن كان شعورا مجزءا بقي مستندا إلى روابط التعلق العاطفي التي ربطت أهل كل إمارة أو دويلة من هذه الوحدات العديدة والمتناثرة بالرقعة المحددة من الأرض التي يعيشون عليها؛ فلم تعرف ألمانيا بسبب هذه «المحلية» عملة موحدة ولا قوانين ولا مقاييس وأوزان ... إلخ موحدة، ولم يجمع بين هذه الأقسام المتناثرة إلا شيء واحد فقط هو الوحدة الأدبية والروحية. وكان لهذه الوحدة الروحية والأدبية الفضل كل الفضل في خلق «أمة» متحدة أو متجانسة روحيا ms0040 وأدبيا في ألمانيا في نهاية القرن الثامن عشر إلى جانب تلك التجزئة السياسية التي عطلت إنشاء «أمة سياسية» في ألمانيا. # وعلى ذلك، ففي حين تعذر خروج ألمانيا إلى حيز الوجود في أواخر القرن الثامن عشر ولها كيان سياسي وقومي أو وطني، فقد شهد هذا العصر «أمة» من ناحية الأدب والفكر في ألمانيا. ولا جدال في أن هذا كان شيئا جديدا إذا ذكرنا أن النشاط الذهني في ألمانيا كان قد أصابه الشلل بسبب حروب الثلاثين سنة (1618-1648) في القرن السابع عشر؛ فلم يبرز من أبنائها سوى فيلسوفها المعروف ليبنتز # Leibnitz ~~(1646-1716)، حتى إذا انقضى هذا العهد المضطرب بدأت فترة من التهيئة والاستعداد، تميزت بحصول نشاط «متناقض» اتضح أثره أولا: فيما فعله «العقليون» # Rationalists # أتباع ليبنتز الذين أنشئوا مدرسة ضمت إليها عددا من الفلاسفة والشعراء والكتاب المسرحيين، مثل الشاعر «جيلرت» # Gellert ~~، والروائي المسرحي «جوتشيد» # Gottsched # الذي حاول إنشاء مسرح ألماني، وثانيا: في اتجاه التفكير وجهة دينية تجلت في ظهور جماعتي «المتورعين» Piétistes # و«المستنيرين» # Illuminés # الذين استنارت بصائرهم. ولقد ترتب على هذا النشاط الذهني أن صار متيسرا ابتداء من سنة 1740 الكلام عن وجود أدب ألماني حقيقي. # وهذا الأدب الألماني إنما تتفق نشأته مع ارتقاء الطبقة المتوسطة (البورجوازي) في حياتها الاجتماعية بسبب الانتعاش الاقتصادي العظيم الذي حدث في هذا العصر، وبسبب انتشار التربية والتعليم انتشارا قويا بين أهل هذه البورجوازية. والدليل على وجود هذا النشاط الذهني وارتقائه بين البورجوازية ذلك العدد العظيم من المجلات الأدبية والأخلاقية التي صارت متداولة في ألمانيا بين سنتي 1711، 1761. فقد بلغت هذه مائة واثنتين وثمانين مجلة، أو صحيفة أدبية. # ثم ينهض دليلا على وجود هذا النشاط الذهني لدى البورجوازية ما ظهر من اهتمام جدي بإصلاح شئون الجامعات وقتئذ، ثم إنشاء جامعة جوتنجن # Gottingen # الجديدة في سنة 1733، والتي قامت على أسس تربوية مختلفة عن سابقاتها كان لها أكبر الأثر على الطلاب والتلاميذ في هذه الجامعة الناشئة، كما تأثرت الجامعات الأخرى بجدية البحوث والدراسات والأساليب الدراسية الجديدة المتبعة بها؛ فقد أشاعت ms0041 جامعة جوتنجن روحا متحررا في ميادين الفكر والبحث العلمي، واتسمت دراساتها بطابع العلم والمعرفة المستندة على الحقائق، فلم يلبث هذا «الانطلاق» الذهني أن صار يغزو تدريجيا وشيئا فشيئا الجامعات الأخرى. # ولقد ترتب على ارتقاء الطبقة المتوسطة (البورجوازي) وإصلاح الجامعات أن تكون في ألمانيا جمهور مثقف في وسعه أن يتذوق آثار النشاط الذهني الذي سبقت الإشارة إليه. # واتفق مع وجود هذا النشاط الذهني وكان من آثاره - وهو كذلك أحد عوامله - بروز طائفة من أصحاب الفكر الذين صار تفكيرهم «ألمانيا» بحتا بعد أن درج المفكرون الألمان في الماضي على تقليد زملائهم في فرنسا وإنجلترة، ولعل أهم هؤلاء كان الشاعران ويلاند # Wieland # وكلوبستوك # Klopstock ~~. # 7 # ونشر هذا الأخير أهم قصائده حوالي سنة 1748، ثم صار له تلاميذ كثيرون يتضح من منظوماتهم ثم من كتاباتهم الأدبية والتاريخية أن «أدبا قوميا» وأدبا يتسم بطابع الكراهية للغالية (أي لفرنسا) قد خرج إلى حيز الوجود للمرة الأولى في ألمانيا. # نذكر من هؤلاء الشاعر جوهان هنريك فوس # Voss ~~، وزملاءه برجر # Burger ~~، والأشقاء ستولبرج # Stolberg ~~، وفي عالم الفلسفة والأدب جوهان يواكيم وينكلمان # Winckelmann # مؤرخ الفنون والعصور القديمة الذي نشر أهم دراساته في فنون النحت والتصوير لدى الإغريق في سنتي 1754، 1764. # وأخيرا نذكر «ليسنج» # Lessing # 8 # الذي بلغت على يديه في هذا العصر حركة «التنور» # Aufklarung # في الأدب والنقد ذروة تطورها، والذي يعتبر بحق محرر الفكر الألماني. # و«لسينج» هو الذي أوجد المسرح القومي أو الوطني عندما كتب أولى مسرحياته، وهي مأساة بعنوان «مينا فون باكنهيلم» # 9 # في سنة 1767. ثم توج حياته الأدبية بكتابة مأساته الخالدة «ناثان الحكيم» سنة 1779. ولم يكن نشاط «ليسنج » مقصورا على كتابة المسرحيات، بل تناول النقد المسرحي، وكتب في فلسفة الفن الجميل. ولقد شهد الثلث الأخير من القرن الثامن عشر نخبة من أعلام الأدب والفكر في ألمانيا، مثل «جيته»، و«شيلر» # Schiller ~~، و«كنط»، وهردر # Herder ~~. # تلك إذن كانت معالم الحركة الأدبية التي تميزت «بألمانيتها»، والتي شقت لنفسها طريقا مستقلا عن زميلاتها في فرنسا وإنجلترة، والتي صار لها الآن شعور بقيمتها ms0042 الذاتية، وأهميتها كحركة أصيلة ابتداعية. # على أنه مما يجدر ملاحظته - فيما يتعلق بالقومية - أن هذه الحركة الأدبية بقيت أدبية فحسب، ولم تتجاوز دائرتها الأدبية؛ فلم تقتحم الميدان السياسي البحت بحال من الأحوال؛ فظل الأدب الألماني بالرغم من أنه قد صار أدبا قوميا، بعيدا كل البعد عن الوطنية السياسية. بل على العكس من ذلك اعتقد هؤلاء الأدباء الألمان «الوطنية» بمعنى محبة الوطن ضعفا ومسبة وعارا، فلم يكونوا يدركون معنى فكرة «الوطنية» بما تنطوي عليه من محبة للوطن، أو فكرة الوطن الألماني، بل كانوا يرون من واجبهم ألا يجعلوا اهتمامهم مقصورا على «ألمانيا» وحدها فقط. # فيكتب «جيته» مثلا في سنة 1772: # إنه لمما يسبب لي التعب والانزعاج أن أسمع قائلا يقول: إن الشعور بمحبة الوطن منعدم بيننا وأننا لا وطن لنا ... إن تلك إلا ألفاظ وحسب، ولا شيء غير ألفاظ، وإني لأتساءل: ما جدوى تلك الجهود التي تبذل من أجل إحياء عاطفة لا سبيل لشعورنا بها الآن بتاتا؛ وهي عاطفة لم يكن لها وجود فيما مضى، ولا يمكن وجودها إلا في لحظات معينة من لحظات التاريخ، وتكون نتيجة لتضافر ظروف معينة. # ولطالما شعر هؤلاء الكتاب والفلاسفة بالغبطة العظيمة لأن ألمانيا على حد قولهم لم يكن لها وجود ما من الناحية السياسية؛ الأمر الذي جعلهم متحررين من «عاطفة» من شأنها - كما قالوا - الحجر على نباهة الذهن، والتضييق عليه، والحد من القدرة على التفكير. فنرى «هردر» يزدري بفكرة الوطن، ونرى «فردريك شيلر» # Schiller ~~(1759-1805) يكتب في سنة 1789 ما معناه: «أن الأمم التي لم يكتمل نضجها هي وحدها التي يسود بها الاعتقاد بأن للصالح الوطني قيمة ووزنا، وذلك اعتقاد يسود كذلك بين شباب العالم. وتلك فكرة مثالية متخاذلة فقيرة ولا شك، التي تجعل الكتابة من أجل أمة واحدة فقط، وتعجز الروح الفلسفية عن احتمال هذا التضييق.» وعلى ذلك فقد كان «الوطن» في اعتبار «شيلر» مجرد جزء من كل لا وزن ولا قيمة له، أو أن وجود الوطن على الأقل كان لا يبدو له ضروريا أو ms0043 شرطا لا غنى عنه، لإمكان شحذ الذهن وضمان الرقي الفكري. # ولقد اعتقد الذين كانوا أكثر «ألمانية» من بين هؤلاء الكتاب والمفكرين أن لألمانيا رسالة يجب عليها تأديتها، وأنها لم تستطع تأديتها في الماضي ولكن المستقبل كفيل بمعاونتها على إتمام رسالتها، في حين أن الدول والبلدان الأخرى قد انتهى دورها، ومن بين هذه الدول فرنسا. أما هذه الرسالة فهي العمل من أجل تقرير السلام ونشر ألوية الحضارة. # وتلك الآراء هي التي كانت تدور عليها المناقشات التي أثيرت في ألمانيا وقت تأليف «اتحاد الأمراء» الذي سبقت الإشارة إليه، أو حتى بين المصلحين السياسيين الذين كثرت مساجلاتهم - خصوصا عشية «الثورة الفرنسية» - وهؤلاء كانوا يدينون بمبدأ المساواة الطبيعية، مع أنهم كانوا لا يزالون متمسكين بوجود الفوارق التي تقسم الناس طبقات حسب مولدهم، ويتشبثون بفكرة «الهيراركية» # Hierarchy ~~، أو نظام المراتب الحكومية. # وإلى جانب فكرة المساواة الطبيعية التي أخذ بها هؤلاء المصلحون السياسيون كانت لهم آراء إنسانية؛ فنادوا بتحرير رقيق الأرض، وتعليم الشعب وتربيته، باعتبار أن هذه حقوق طبيعية. وأما هذه الآراء: تحرير رقيق الأرض وتعليم الشعب؛ فقد سميت في ألمانيا آراء «جمهورية». # والسبب في أن هؤلاء المفكرين والفلاسفة لم يكن يستأثر بحبهم قطر أو وطن واحد من الناحيتين النظرية والواقعية، أنه كانت لهم علاقات واسعة بأقوام من شعوب مختلفة، وقاموا برحلات وجولات في أنحاء أوروبا، وأنشئوا صلات وثيقة مع زملائهم من أرباب الفكر والقلم في فرنسا وهولندة وإنجلترة؛ ولذلك فإنهم مع إيمانهم بالفكرة «الألمانية» بمعناها السامي الذي شهدنا آثاره لم يكونوا يربطون بين هذه الفكرة وبين أي مفهوم سياسي لها أو أي إدراك للمشاركة الأدبية والأخلاقية، كعامل في تكوين الشعوب وخلق الأمم. ومن هذه الناحية إذن كان الحال يختلف اختلافا بينا في ألمانيا عنه في فرنسا التي وجدت بها من زمن طويل «أمة فرنسية». # ومع ذلك؛ فنحن إذا أمعنا النظر في آراء هؤلاء الفلاسفة والمفكرين الألمان، وتعمقنا على وجه الخصوص الرأي القائل بالوحدة الفكرية أو الذهنية عاملا حاسما في نشأة ألمانيا وتكوينها، لوجدنا وجوها للشبه ms0044 بين هذه الآراء والآراء التي بسطها «جان جاك روسو» في كتاباته؛ كمثله «الإنسانية» العالية وإيمانه بأن الإنسان مطبوع على الخير، وما للآراء والفكرات من قوة وآثار قاطعة. # والحقيقة أنه كان لكتابات روسو وقع عظيم في ألمانيا، ولو أن ألمانيا لم تتأثر بكتابه عن «العقد الاجتماعي»، وإنما بكتابيه عن «إميل» # Emile # و«إلواز الجديدة» # Nouvelle Héloise ~~، وهما كتابان تربويان في صميمهما. # وثمة ملاحظة أخرى هي أنه قد ترتب على الفكرة القائلة بوجود «ألمانيا» من الناحية الأدبية، وقيامها ذهنيا وثقافيا - ولكن ليس سياسيا - أن صار للفكرة القومية في ألمانيا نوع من الميوعة، جعلها تتشكل في معان مختلفة بخلاف ما كان عليه الحال في فرنسا؛ ولذلك فقد تعذر أن يكون «للقومية» في ألمانيا تعريف أو صورة ثابتة، واستمرت في نظر الألمان دائما فكرة تخضع لما قد يقع عليها من تأثيرات مختلفة في المستقبل، وتمثل لذلك كل ما قد يحدث من احتمالات مستقبلة؛ أي إن «القومية» في نظر الألمان لم يكن لها أي أثر واقعي أو حتمي معين ومحدد. # وواضح مما تقدم إذن أن الأمة الألمانية التي ظهرت في عالم الوجود في آخر القرن الثامن عشر «كأمة عقل وفكر»؛ أي تستند في تكوينها على العامل الذهني والفكري «الأدبي والروحي» فحسب، كانت شيئا جديدا في تاريخ ألمانيا. ولقد كانت هذه الأمة ألمانية ومنتمية لجميع البلدان في وقت واحد؛ أي إنها كانت ألمانية في شعورها الأدبي والذهني متحررة من القيود التي تربط الشعوب بمحبة أوطانهم. ولقد كانت هذه الأمة الألمانية بالمعنى الذي ذكرناه منبت أحد أولئك الفلاسفة العظام من الألمان والذي كانت زرايته بالشعور أو العاطفة الوطنية ومحبة أرض الوطن منشأ نظرية قومية جديدة سرعان ما صار لها آثار عميقة مباشرة وقت ظهروها ثم في المستقبل كذلك. أما هذا الفيلسوف فكان «جوهان جوتفريد هردر» # Johann Gottfried Herder ~~(1744-1803). # القومية لدى هردر # ولد «هردر» في إحدى قرى موهرونجن # Mohrungen # من أعمال بروسيا الشرقية. كان أبوه مدرسا رقيق الحال، ترك أثرا ظاهرا في تنشئة ابنه، ولو أن عوامل أخرى ms0045 تضافرت كذلك على تكوينه، منها أنه كان لدى قسيس القرية البروتستنتي مكتبة كبيرة، انكب «هردر» الصغير على مطالعة الكتب التي بها. # كما حدث مصادفة بعد فترة من الزمن أن مر بالقرية جراح روسي أعجب بهردر، فاصطحبه معه إلى كونجزبرج # Konigsberg # ليعلمه الجراحة، وكان في كونجزبرج أن قرر «هردر» ترك دراسة الطب؛ حتى يتفرغ لدراسة اللاهوت، ثم انتقل إلى «ريغا» # Rige # ليقوم بالتدريس بها، ثم كان بطريق الصدفة مرة أخرى أن تعين «هردر» مربيا لأمير شاب في «هولشتين» # Holestein ~~؛ مما هيأ «لهردر» الفرصة حتى يزور كل بلدان أوروبا الغربية تقريبا، ثم كان بطريق الصدفة مرة ثالثة أن التقى «هردر» أثناء رحلاته بالشاعر «جيته»، وذلك في ستراسبورج في غضون سنة 1770؛ فنشأت من ذلك الحين بين الرجلين صداقة كبيرة، حتى إذا صار «جيته» وزيرا في «فايمر» # Weimer # استقدم إليها صديقه «هردر» ليعينه مفتشا على المدراس ورئيسا لهيئة القساوسة البروتستنت الدينية في سنة 1776. # وفي كل أدوار حياته أبدى «هردر» تشوقا للازدياد من المعرفة؛ معرفة كل شيء، ورغبة في التنقيب والبحث عن كل شيء، وذلك إلى جانب همة عالية وانكباب على العمل، كما أظهر من بداية شبابه إلى آخر أيامه قدرة على التصور والخيال عجيبة كانت ثمرة استنارة وعبقرية أكثر منها ثمرة استنتاجات عقلية. # وبالوقوف مليا عند كل مرحلة من مراحل حياته يتسنى لنا إدراك حقيقة آرائه ونظرياته؛ كيف وجدت؟ وكيف تطورت؟ من ذلك أثناء دراسته اللاهوت في كونجسبرج وهو لا يزال يافعا كان «هردر» يتلقى دروسه على أستاذ سرعان ما صار صديقا له لم يلبث أن فتح له آفاقا جديدة من المعرفة، فدرس فلسفة «كنط»، وتوفر على قراءة الأدب الأجنبي، فدرس شكسبير ودانتي والشاعر الأيقوسي أو الاسكتلندي والذي عاش في القرن الثالث الميلادي ونشرت منظوماته سنة 1760 «أوسيان» # Ossian ~~، وتعلم «هردر» اللغات الأجنبية جميعها تقريبا وأتقنها حتى تسنى له قراءة كتب الأدب بلغاتها الأصلية، ثم انتقل «هردر» من كونجسبرج إلى ريغا وتعين مدرسا بها سنة 1764، فكان في هذا الوسط الروسي البعيد عن ألمانيا أن ms0046 أتيحت له الفرصة ليدرس الأقاصيص والأساطير الشعبية وأشعار القدماء وأغاني الحب لدى أهل فنلندة ولابلاند # Lapland ~~. # وانكب بنفس الحماس على قراءة «الكتاب المقدس» وشيء من الشعر في «الشرق»، إلى جانب أهازيج الحرب وأغان في البحار التي ينشدها القراصنة النرويجيون، بل اهتم «هردر» فيما بعد بدراسة أشعار الشعوب الأصليين في البحار الجنوبية. أضف إلى هذا كله مطالعاته الواسعة في الأدب المعاصر. ولقد أثمرت هذه القراءات والدراسات الكثيرة ثمرتها المنتظرة عندما أصدر في سنة 1767 مؤلفه في الأدب الألماني الجديد، # 10 # ونحا فيه منحا جديدا، فلم يقتصر نقده الأدبي على وزن ما كتبه الأدباء الألمان من ناحية الروعة الفنية فحسب، بل حاول فهم الروح التي تجلت في كتاباتهم، فلم يشأ أن يطبق على نتاجهم الفكري قواعد مرسومة تدور على مقاييس الجمال الفني، بل قصد إلى التغلغل في معاني ما كتبوه؛ حتى يتسنى له معرفة «الروح» ذاتها أو العبقرية التي أنتجت هذا الأدب. # ولا ريب أن ذلك كان منحى جديدا استتبع إدراكا جديدا لكل تلك العناصر والعوامل التي تتضافر عادة فيما بنيها على تكوين وإنماء عبقرية الشعوب. أما المرحلة الهامة التالية في تنشئة «هردر» وتطور آرائه الفلسفية فكانت عندما بدأ يعمل أستاذا في ريغا؛ وذلك لأنه اعتقد في هذه المرحلة بضرورة تحديد أساليب التعليم على أساس أن المدرسة يجب أن تشبه حديقة فيحاء لا سجنا رهيبا. ~~ واقتضاه الاستعداد والتهيؤ لوضع النظام الجديد الذي أراده للتعليم أن يقوم بأسفار عديدة في أوروبا الغربية؛ حتى يدرس برامج التعليم في البلدان المختلفة؛ فزار باريس حيث تعرف بكبار الكتاب والفلاسفة بها وتردد على دور الكتب، وكان في باريس أن عرض عليه العمل مربيا لأمير هولشتين، فمر في طريقه إلى هذه الدوقية بين أقاليم ألمانيا الغربية. # وفي هامبروج قابل «جوتهولد أفرايم ليسنج» فأنشأ معه صلات وثيقة. ولقد استطاع «هردر» بعد ذلك في صحبة تلميذه الأمير التنقل في أنحاء هولندة وألمانيا الراينية (أي: الأقاليم الواقعة على شاطئ الراين) فزار «ستراسبورج» حيث قابل أثناء وجوده بها (سنتي 1770، 1771) الشاعر «جيته» ووثق ms0047 صلاته به، وفي ستراسبورج وضع «هردر» بحثا هاما عن أصل اللغات # 11 # نشر بعد ذلك في سنة 1772. # وتتفق بداية المرحلة الثالثة في تطور آرائه مع استدعائه إلى «فايمر» في الظروف التي سبقت الإشارة إليها، وذلك بعد أن كان قد تقلب (هردر) في وظائف عدة منها عمله كأستاذ في «جونتجن» سنة 1775. وكان الذي استدعاه إلى «فايمر» صديقه «جيته»، فأقام «هردر» بها ولم يغادرها طول حياته بعد ذلك إلا مرة واحدة أثناء سفرته في إيطاليا في سنتي 1788 و1789. وكان في «فايمر» أن انكب (هردر) على دراسة الكتاب المقدس وتاريخ الشرق القديم، وأثمرت هذه الدراسة بحثا في «الشعر العبري» نشر في سنة 1783؛ وذلك لأن «هردر» لم يدرس الكتاب المقدس من الناحية الدينية أو الفقهية، بل عني بدراسة الناحية الإنسانية، محاولا أن يفهم هذه الناحية الإنسانية في ضوء ما استطاع أن يلم به ويعرفه عن تلك المدنيات الشرقية القديمة التي كانت معاصرة للكتاب المقدس. # ولقد عني «هردر» كذلك بدراسة أخرى هامة هي دراسة فلسفة التاريخ؛ فنشر بين سنتي 1784، 1791 أعظم مؤلفاته إطلاقا: «آراء في فلسفة تاريخ الإنسانية»، # 12 # ثم ما لبث حتى نشر في سنة 1793 رسائله عن تقدم الإنسانية، # 13 # وكان أثناء هذه المرحلة أن نشر «هردر» كذلك في سنة 1778 مؤلفه عن «صوت الشعوب» # 14 # وهو عبارة عن مجموعة من القصائد والأناشيد الشعبية من مختلف البلدان. ولقد أنهى «هردر» حياته الأدبية بترجمة بعض المنظومات الإسبانية، وكانت وفاته في سنة 1803. # وبفضل هذا الإنتاج الأدبي الضخم كسب «هردر» شهرة واسعة في ألمانيا كما كسب محبة الشعب الألماني، وأحدث «هردر» بكتاباته توجيها فكريا جديدا لدى شطر كبير من الألمان في ميدان الأدب والفلسفة؛ فهو الذي جعل الفكر الألماني بصورة أو بأخرى ينكص على عقبيه، مرتدا عن «فلسفة التنور» ليسير في اتجاه مضاد نحو «عصر العواصف» أو الحركة التي يصفها الألمان في ميداني الأدب والفلسفة بأنها حركة عاصفة محتدمة ذات انطلاق واندفاع بين # Sturm und Drang ~~. ثم إن الفضل يعزى إلى «هردر» كذلك في إنشاء ms0048 «مدرسة تاريخية» امتد أثرها إلى ما وراء الحدود الألمانية. فكان «جيزو» # Guizot ~~- من أعلام المفكرين الفرنسيين فيما بعد - أحد الذين تأثروا في شبابهم بكتابات وآراء «هردر». # ولقد اعتمد «هردر» في بحوثه وتفكيره على الفهم والإدراك الذهني، ثم دعم ما يذهب إليه بالأسانيد والوثائق أكثر من اعتماده على الطريقة الاستنتاجية والتعقلية البحتة التي اتبعها الفلاسفة الفرنسيون. ولما كان يطمح إلى احتلال مكانة عالية في ميدان العلوم الأخلاقية، فقد دأب على البحث المنظم ليستكشف بوسائله القوانين المسيطرة على تطور الإنسانية وتقدمها منذ نشأة الإنسانية وتدرجها في تلك الخطوات التي أوجدت في درجات متتالية أنواعا من الإنسانية لم تكن قط من صنع الإنسان أو ثمرة جهوده على نحو ما يقول الفرنسيون أصحاب الفلسفة «التعقلية»، بل كانت نتيجة لفعل ظروف وعوامل خارجية بجانب استخدام القوى أو الخصائص الغريزية. # فالإنسانية في رأيه في حدود بلد من البلدان لا تعدو أن تكون «مجموعا كليا» يفنى فيه الفرد وتعجز فيه قوة العقل وحدها عن تغيير أسباب الحياة أو العمل من أجل ضمان رقي الإنسانية وتقدمها. وبذلك يكون «هردر» قد أفسح مكانا عريضا في نظرية الإنسانية لفعل قوى تتصف بالغموض والتضام في الوقت نفسه؛ ولو أن ذلك لم يمنعه من التفاؤل بهذه الإنسانية ذاتها فأدار ظهره بهذا التوجيه الجديد في ميدان الفلسفة العامة، للفلسفة الفرنسية، وترتب على ذلك رد فعل ضد «التعقلية» الفرنسية والكنطية نسبة «لكنط»، ورد الكرامة لفلسفة سبينوزا # Spinoza # الهولندي (1632-1677)، والتي لم تكن في جوهرها وتفاصيلها «مادية» وواقعية، وقامت على أساس إدراك ماهوية كل الأشياء بطريق الفكر، أكثر من معرفتها بطريق الحواس، والتي تقول بوحدة الوجود؛ بمعنى أن الله والكون واحد؛ أي إن الله حال في كل شيء وفي كل جزء منه ومتحد به. # ونحا «هردر» منحى جديا عند دراسته الأدب وتاريخ اللغة، ساعد إلى جانب ما تقدم على وضع نظرية «القومية» التي نسبت له، وذلك أنه عند دراسته كتابات معاصريه وكتابات القدماء وآثارهم الأدبية، وأثناء تنقيبه عن مميزات كل مرحلة تاريخية من مراحل نمو ms0049 الشعوب وتطورها، حاول أن يصل إلى معرفة الأسس التي قامت عليها عبقرية الشعوب المختلفة؛ فكان في رأيه أن لكل شعب خصائصه التي يتميز بها من غيره، شأن الشعوب في ذلك شأن الأفراد، وأن الثمار التي تنبت من الأعماق أو من تلقاء نفسها تعبير يفصح عن عبقرية الشعب ويدل على حقيقة هذه العبقرية وكنهها، وأن كل تقليد - وبمعنى آخر: كل خضوع لمؤثرات خارجية وأجنبية عن طبيعة الشعب - إنما هو جهد يدل على ضآلة الذهن ولا يلبث حتى يصبح خطرا يهدد بالتشويه آراء الشعوب وتفكيرها. # ولقد ترتب على الأخذ بهذه الأقوال أن حصل تجديد أدبي واسع النطاق صار مصدر الحركة الرومانتيكية (التخيلية أو التصورية) الألمانية. ونجح «هردر» في أن يجعل النقاد في ميدان الأدب والفنون يحولون انتباههم عن معايير الجمال الفني إلى البحث عن مصادر الأدب والفن الأدبي والتنقيب في ماضي الشعوب نفسها؛ كي يتسنى لهم الوقوف على عبقرية الشعوب في نتاجها الأدبي وقوة الابتداع أو الابتكار المرتبط بعبقريتها. # ويتفرع عن هذه الفكرة بصورة من الصور الرأي القائل بأن اللغة أو لسان الشعب نفسه هو الأداة الأساسية التي يمكن بها الإفصاح عن عبقريته. ولا تستند اللغة في أصولها إلى أن اتفاقا قد حدث على استخدام وسيلة أو أسلوب فني معين للأداء، بل يعتبر «هردر» اللغة حقيقة عضوية لها مولد ولها حياة وتخضع للموت والفناء، وهي في نظره روح الشعب في صورة مجسدة تعبر عن مزاجه وأحاسيسه وأفكاره، وكل ما هو متصل بأصل هذا الشعب ومنبته من قدرة على الابتداع والابتكار؛ أي إن اللغة الوسيلة التي تعبر بها الشعوب عن خلجاتها، وكذلك كان لا مناص في رأيه من معرفة الأدوار التي مرت بها اللغة أثناء تطورها لمعرفة تاريخ الشعوب. # والكاتب العظيم حقا هو الذي تتسم اللغة التي يكتب بها بالطابع الوطني الصميم، والذي يرفض محاكاة أو تقليد التعبيرات الأجنبية الغريبة. والواجب يقتضي لذلك كل كاتب أو إنسان له حس وضمير أن يتقن لغة قومه وأن يذكر أصولها؛ فيعرف ما كانت عليه هذه اللغة ms0050 في مراحلها البدائية الأولى. وعلى ذلك لا يستطيع المرء أن يعرف شعبا إلا إذا عرف لغته. وبمعرفة لغاتها تستفيق الشعوب؛ لتدرك بشعورها ما تنشده من أهداف وما تنتظر بلوغه من نمو وتطور في المستقبل. # تلك إذن كانت الآراء التي استندت عليها نظرية «هردر» في القومية. «فالأمة» في رأيه إن هي إلا جثمان أو كائن حي له وجوده الذاتي والبدائي، ويتمتع بغريزة حية نشيطة وبعبقرية معينة تفصح جميعها عن نفسها تلقائيا في لغة هذا الكائن وعاداته البدائية وفي مسلكة الخلقي. وعلى ذلك كانت «القومية» شيئا طبيعيا؛ أي من صنع الطبيعة، ولاإراديا؛ أي لا حيلة للإنسان فيه، وذا حياة تاريخية. # ومع أن «هردر» في كل بحوثه في الأدب والفن وأصول اللغة كان ينتزع الأمثلة التي يبغي بها إرشاد الشعب الألماني وإسداء النصح للكتاب على أساس الدفاع عن اللغة الألمانية والتقاليد والعادات والفنون ... إلخ الألمانية، فقد انفصلت «القومية» في تفكير «هردر» عن الوطنية بمعنى محبة الوطن. فنراه ينشر في سنة 1765 بحثا تساءل فيه إذا كان قد أصبح لبلاده بعد جمهور ووطن على غرار ما هو حادث في البلدان الأخرى، ثم أجاب على هذا السؤال بعقد مقارنة بين المجتمع في العصور القديمة والذي يقوم على محبة الوطن، وبين المجتمع في عالم المسيحية والذي يعتبر الشعوب إخوة تؤلف الإنسانية بينهم، والذي يدين بالإنسانية مثلا أعلى من ناحيتي السياسة والاجتماع. ولقد عزا «هردر» إلى الحضارة المسيحية الفضل في إزالة الحواجز التي فصلت الشعوب عن بعضها بعضا. # ومن أقواله المأثورة أن الفخورين بقوميتهم أكثر الناس بلادة ذهن مثلهم في ذلك مثل الذين يفخرون بأصولهم العريقة وثرائهم العريض. وفي أواخر أيامه سنة 1794 كتب «هردر» يدين كل اشتباك دموي بين وطن وآخر بأنه أسوأ درجات البربرية التي ينحدر إليها البشر، فلم يعترف «هردر» إلا بنوع واحد من المنافسة بين الأمم هي المنافسة المثمرة في سبيل التقدم والرقي الحضاري. وكان من المتوقع إذن أن يرحب بتلك الضآلة السياسية التي كانت عليها ألمانيا في عصره بدلا من أن يأسف ms0051 على ذلك. بل إنه اعتبر في صالح ألمانيا أن يكون لها وعلى نحو ما هو حادث فعلا عدة قواعد أو مراكز سياسية اعتقد أن وجودها ضروري ولا غنى عنه؛ ليتسنى نمو فروع أصيلة متعددة من الدوحة الألمانية؛ أي الجنس الألماني. فلم يكن لدى «هردر» إذن أي فكر عن استطاعة ألمانيا أن تصبح «وحدة جغرافية»، ولو أنه كان من ناحية أخرى يمجد ألمانيا ويرى أسباب هذا التمجيد في لغتها وروحها «وخلقها» وتقاليدها، ويطلب منها أن تشحذ كل قواها وعلى نحو ما كان يفعل هو نفسه؛ ليصبح لألمانيا الموحدة عقليا وذهنيا شعور بذاتها ووجودها. # وهكذا وصل «هردر» إلى مفهوم للقومية يستند على عناصر تختلف تماما عن تلك التي استندت عليها نظرية روسو وسائر الفرنسيين. وزيادة على ذلك فإن «هردر» لم يكن يلبس نظريته هيكلا تتجسد به في كائن سياسي على نحو ما فعل الفرنسيون في مفهوم القومية لديهم. # وأما هذا المفهوم والمعنى الذي جاء به «هردر» لنظرية القومية؛ فقد انتشر في أوساط الفكر جميعها في ألمانيا بصورة مزدوجة: في شكل الحركة الرومانتيكية في الأدب معتمدة على عناصر الحياة البدائية والتاريخ الألماني، ثم في شكل حركة علمية كان قوامها فقهاء اللغة والمؤرخين والذين يدرسون تاريخ الأديان. وكانت الجامعات العديدة والمنتشرة في أنحاء ألمانيا مراكز هذه الحركة الأدبية والعلمية المزدوجة، فكان يؤم هذه الجامعات الطلاب الذين صاروا يفدون إليها من أقاصي البلدان البعيدة. وفي هذه الجامعات صار هؤلاء يدرسون نظريات «هردر» عن القومية وعن ارتكاز عنصرية الشعوب على لغاتها الأصلية، وهؤلاء الطلاب هم الذين صاروا يروجون هذه النظريات في أنحاء أوروبا. # الخلاصة # وهكذا وجدت عشية اندلاع «الثورة الفرنسية» نظريات في موضوع «القومية» اختلفت كل منها عن الأخرى اختلافا عظيما: النظرية الفلسفية التي أخذت بها فرنسا وبمقتضاها كانت القومية عقدا أبرمته إرادة المتعاقدين الحرة المطلقة، ثم النظرية التاريخية التي أخذت بها ألمانيا وبمقتضاها اعتبرت القومية كائنا عضويا، لغة الشعوب البدائية هي أداة تعبير هذا الكائن العضوي الأساسية. # ولم يكن مفهوم القومية في هذين الحالين نتيجة ms0052 المصادفة أو الظروف الطارئة، بل كانت الفكرتان على العكس من ذلك تفسيرا لتطور تاريخين يسيران في اتجاهين متضادين؛ أحدهما: تاريخ بلاد تكونت من عوامل مختلفة امتزجت امتزاجا كليا؛ لتصبح كلا واحدا تحت تأثير ترابط واندماج سياسي ترتب عليه أن «الدولة» و«الأمة» و«القومية» كلها مدلولات لشيء واحد، وذلك في فرنسا. والآخر: هو تاريخ بلاد افتقرت إلى هذا الاندماج والترابط السياسي، وكانت مؤسسة من استقرار شعب في رقعة ممتدة من نهر الراين غربا إلى نهر الأودر شرقا، ظل بمنأى من كل غزو أجنبي أو سيطرة أجنبية عليه، ولكن سرعان ما صار لا يفقه معنى لفكرة «الدولة» عندما لم يكن لمفهومه عن الدولة أساس جغرافي، ولم يتجسد هذا المفهوم في صورة سياسية، وبقيت «القومية» لديه تستند على العنصر البدائي المشترك، وهو اللغة التي تمثلت فيها وحدة الأصل عند هذا الشعب، وذلك في ألمانيا. # تلك إذن كانت الأصول النظرية أو الفلسفية (والمثالية) للحركة القومية في أوروبا. # الفصل الثالث # | القومية: أصولها التاريخية # تمهيد # تستند القومية إلى أصول تاريخية، كاستنادها إلى الأصول الفلسفية والنظرية التي سبق الكلام عنها، ونشأة الفكرة القومية ونموها من الناحية الفلسفية أو النظرية، كان يتفق من حيث الترتيب الزمني مع وقائع التاريخ وحوداثه الأولى، ولو أنه كان ببطء شديد؛ أي بعد مضي زمن طويل، أن أحدثت هذه النظريات أثرا جعل الوقائع مطابقة لها، فاقتضى الحال مرور قرن ونصف قرن من الزمان تقريبا ليكتمل شعور الشعوب بقومياتها في عالم الواقع والنشاط الفعلي. # فلا يجوز الاعتقاد بأن التاريخ يعرض فجأة ودون سابق إنذار مشهدا للقوى المتضامنة بلا أسباب ولا مقدمات له؛ لأن التاريخ إنما يسلك طريق التطور، ولا قدرة للفكرة النظرية على إبراز الحوادث التاريخية بغير هذا الطريق البطيء؛ لأن الفكرة الواحدة (أو الرأي المعين) قد تظهر في جهة ما، ليدين بها جماعة ما، ثم لا تلبث حتى تختفي بعض الوقت لتعود إلى الظهور بعد فترة من الزمن قد تكون طويلة أو قصيرة حسب شتى المناسبات، ومن أجل تأييد حوادث معينة بذاتها، فيلتف فريق ms0053 من الناس حول هذه الفكرة أو النظرية، وفي هذه المرحلة تكون هذه الآراء أو الفكرات قد اكتسبت حيوية ونشاطا يتعذر معهما محوها من الوجود بالرغم مما قد يكون هنالك من قوى معارضة تريد القضاء عليها، فينشب عندئذ نضال عنيف تنتصر في نهايته النظريات والآراء الجديدة، وتبدو ثمرة هذا الانتصار في صورة حوادث ووقائع في عالم الحقيقة، ثم لا تلبث حتى تنتشر هذه النظريات بين الجماهير في قوة تتعذر مقاومتها بعد أن تكون في هذه المرحلة قد نجحت في استثارة قوات متضامنة عظيمة. # ونظرية القومية كغيرها من النظريات إنما تسلك هي الأخرى هذا الطريق نفسه، فتمر في أدوار عدة، وتتخذ مظاهر أو أشكالا متباينة تبعا لدرجة نموها وتطورها، ولا يجب اعتبار أن هذا النمو والتطور قد حصلا بصورة رتيبة بطيئة، بل جاءت نظرية القومية نتيجة نمو أو تطور متقطع وغير متسلسل الحلقات. # ولم يكن تكوين هذه القوميات «صناعيا»؛ فلقد كان لها وجود مستكن قبل بروزها إلى عالم الوجود الفعلي الخارجي، فهي لا تعدو عن كونها حقائق اكتمل الشعور بذاتيتها وبوجودها، ولا يمكن كذلك اعتبار القومية للسبب نفسه، ابتكارا أو ابتداعا؛ أي شيئا مستحدثا من العدم؛ فكل ما هنالك أن القوميات كانت موجودة، ولكن بدرجات متفاوتة، فبعضها كان لا يزال في دور الميوعة، ولا يمكن تمييزه من البيئة أو الوسط الذي أحاط بها كشعوب البلاد السلافية، أو الذين تتألف منهم إمبراطورية الهابسبرج، وتلك كانت آخر القوميات التي دبت فيها الحياة واكتمل شعورها بذاتيتها. # وعلى النقيض من ذلك، فهناك أمم كانت تتمتع بحياة مستقلة واحتفظت بذاتيتها بالرغم من خضوعها لسيطرة «دولة» أخرى عليها؛ فالقوميات من هذا الطراز يستمر بقاؤها ووجودها دون أن يكون لديها شعور بهذا الوجود، ودون أن تكون لديها رغبة أو إرادة لإبراز ذاتيتها. # ويكفي أن تطرأ مناسبات تاريخية معينة، حتى تستيقظ هذه القوميات من سباتها ، وتستبد بها الرغبة حينئذ في طلب الاستقلال الذي لا معدى عن تحقيقه في هذه الحالة إن شاءت البقاء بعد ذلك، والقوميات التي من هذا الطراز ms0054 هي التي اختفت في الواقع كذاتية سياسية من أزمنة طويلة، حتى لقد بات متعذرا عليها إدراك أن لها رسالة في الحياة أو أن لها «قومية» خاصة بها. ومع ذلك فإن هذا لا يعني اختفاء العناصر والمقومات التي دخلت في تكوين هذه القوميات ضمن الإطار المرسوم لها، بل صار ينقصها الروح فقط الذي يشيع فيها الحياة، ويجعلها تشعر بذاتيتها، وتتبع ظهور هذا الروح أو اليقظة القومية هو موضوع هذه الدراسة. # لقد شهد القرن الثامن عشر في السنوات الأخيرة منه تجربة صحيحة تشير إلى ما كان منتظرا أن تمر فيه القوميات من أدوار عند تكوينها، ولو أن هذه التجربة المقصود الكلام عنها بالذات قد حدثت في وقت كان تطور الآراء فيه قد بلغ مرحلة من النمو والتقدم يتعذر بها خنق هذه الآراء وإخمادها كما حصل في أمم أخرى. وأما هذه «التجربة» فكانت حادث الإثم الذي ارتكب في حق الأمة «والقومية البولندية» عند تقسيمها الأول في سنة 1772. # وعلى ذلك سوف يشمل البحث في أصول حركة «القوميات» من الناحية التاريخية دراسة هذا الحادث البولندي من جهة، وهو حادث «دولة» كانت تسير في طريق الاختفاء من عالم الوجود، ثم دراسة «الدول» التي كان لا يزال لها وجود ولكنها فقدت «قومياتها» كالمجر (هنغاريا) واليونان وإيرلندة، باعتبار أن هذه جميعا قد خضعت لسيطرة أجنبية عليها، ولكن لم تستطع هذه السيطرة الأجنبية أن تمحو «ذاتية» هذه الدول. ولقد اختلف النظام الذي أقامته السيطرة الأجنبية في كل واحدة من هذه الدول واختلفت «ذاتية» كل شعب من هذه الشعوب الثلاثة، ولم تكن هذه الدول الثلاث أو الشعوب الثلاثة قد خطت بعد في طريق «القومية» خطوات ظاهرة، وإن كانت تملك القواعد أو الأسس التي تشيد عليها صروح قومياتها. # بولندة # لم يكن يوجد ببولندة وقت التقسيم الأول (1772) شعور قومي، كما لم تكن بولندة «دولة» بالمعنى المعروف، بل كانت أولا وقبل كل شيء تصويرا أو «صياغة» تاريخية دون أسس جغرافية أو عنصرية، وتتألف أساسا من بولندة الكبرى وبولندة الصغرى؛ أي من إقليم بوزن ms0055 Posen # ووارسو من جهة، ومن كراكار ولوبلين # Lublin # من جهة أخرى، وكان حول هذه النواة أن صار تكوين بولندة نتيجة لحوادث ثلاثة: زواج ابنة لويس أنجو # Louis D’Anjou # ملك بولندة من «جاجلون» # Jagellon # غراندوق ليتوانيا سنة 1386، فتضاعفت مساحة بولندة لانضمام ليتوانيا وروسيا البيضاء إليها بسبب هذا الزواج، ثم التوسع بسبب هجرة فلاحي الأوكرين إلى كييف # Kiev # ونهر الدنيبر # Dineper # والفتوح التي فتحوها، وكذلك صوب الجنوب حتى مدينة «تارجويتز» # Tergowicz # على الحدود العثمانية. # وأما الحادث الثالث فكان سببه الإصلاح الديني، وذلك بأن الأمراء الذين اعتنقوا البروتستنتة واستولوا على أملاك الكنيسة، وأرادوا تمكين سلطانهم في إماراتهم وحكوماتهم، لم يلبثوا أن وضعوا أنفسهم تحت سيادة بولندة، فضمت بولندة إليها بفضل ذلك بروسيا الشرقية وليفونيا # Livonia # وكورلاند # Courland ~~، ووصلت أراضيها حتى خليج ريغا شمالا. # ولقد كان طبيعيا أن تطرأ تعديلات على حدود هذه الدولة البولندية في مختلف مراحل تاريخها؛ فقد حدث في وقت من الأوقات أن وصلت حدودها إلى موسكو، كما حدث أن فقدت كذلك جزءا من أراضيها، فضاعت منها كييف كما نبذت دوقية بروسيا سيادة بولندة عنها، وفي سنة 1772 كانت بولندة دولة يبلغ عدد سكانها خمسة عشر مليون نسمة، وفي سنة 1772 كانت بولندة «دولة» وحقيقة تاريخية واقعة. # ومع ذلك لم يكن لدولة بولندة من الناحية السياسية وجود ما، أو أنها كانت قائمة ولكن في صورة سيطرة مطلقة تتمتع بها طبقة واحدة هي الطبقة الارستقراطية، وتمارس هذه الطبقة السلطان المطلق في الدولة في ميادين السياسة والاجتماع والثقافة. # وهذه الطبقة التي لا يزيد عددها على مائة ألف وحسب لم يوجد لديها أي شعور بضرورة الحاجة إلى «دولة»، بل لقد عملت على هدم أركان الدولة بسبب تمسكها بدستور كان يشمل من أجل ضمان مصالح هذه الطبقة؛ أولا: «حق اعتراض» # Liberum Veto # يستطيع بفضله أي نبيل من النبلاء (الذين تتألف منهم هذه الطبقة الأرستقراطية) أن يمنع «الدياط» من اتخاذ قرار يرى فيه النبيل المعارض افتئاتا على مصالحه ومصالح طبقته. وثانيا: حقا يخول هؤلاء النبلاء عقد ms0056 اتحادات فيما بينهم (مجالس كونفدرائية) لتنفيذ أغراض معينة، وبقوة السلاح إذا لزم الأمر # Confederations ~~. وثالثا: نصا يجعل الملكية في بولندة انتخابية بفضل إعطائه النبلاء فرصة فرض ما يشاءون من شروط على الملك قبل اختياره لمنصب الملكية Pacta Conventa ~~. # وبذلك استطاع النبلاء البولنديون أن يحطموا سلطة الملك تحطيما، ولم يكن هؤلاء يشعرون بوجود صالح عام أو وطني يقتضيهم الواجب المحافظة عليه؛ فكانت المشاحنات الشخصية أو النزاعات الطبقية الأساس الذي قامت عليه الأحزاب التي ساعد وجودها على تفرق الكلمة وإضعاف البلاد. وانعدم إلى جانب هذا أي تضامن أو تماسك بين الطبقة الأرستقراطية وسائر أفراد الشعب وطبقاته، واستأثرت هذه الأقلية الأرستقراطية بالثروة والغنى؛ فأخذت بأساليب المدنية الأوروبية وأقامت نظاما «بوليسيا» أحكمت فيه الرقابة، وأنشأ أعضاؤها الصلات القوية مع الغرب بفضل الزواج من الأسرات الأوروبية الكبير في غرب أوروبا. ولكن هؤلاء النبلاء لم يكونوا بحال من الأحوال يمثلون «الأمة» البولندية، بل عاشوا عالة عليها، ويستنزفون مواردها، وكما لو كانوا يعيشون في بلد فتحوه بحد الحسام. # ولم يوجد في بولندة طبقة متوسطة (بورجوازية) بالمعنى المعروف، والتي تشغل في العادة مكانا وسطا بين الطبقتين العليا والدنيا؛ فقد كان ما يمكن تسميته بالبورجوازية في بولندة يتألف من بعض المعمرين الألمان في المدن، والذين كانوا يعيشون في كد ونصب وفي مذلة وهوان، وكذلك اليهود الذين فرضت عليهم الضرائب المتنوعة دون حساب. ولقد بقيت هذه الطبقة المتوسطة المزعومة دون التئام أو اندماج ودون شعور جماعي ودون تنظيم بل ودون حياة خاصة بها. # أما الطبقة الدنيا، فكانت تتألف من كتلة الفلاحين الضخمة، الذين رسفوا في أغلال رق الأرض والذين تحدث عنهم «مابلي» # Mably # عند كلامه عن حكومة بولندة، فقال: إن السادة «الأسياد» النبلاء البولنديين لم يكن لديهم الذكاء والإدراك حتى ليعاملوا فلاحيهم نفس المعاملة التي تلقاها خيولهم، وكان هذا العدد الضخم من الأهلين - من «الفلاحين» - لا يأبه في قليل أو كثير لما يصيب سادتهم من سرور أو ينزل بأوطانهم من كوارث؛ فعاشوا في خمول تام، كانت تتخلله من وقت لآخر ms0057 بعض فورات تعصب ديني شديد. # وواضح أن مجتمعا هذا شأنه كان من المتعذر أن يتم فيه توحيد أو اندماج، بل إن الكاثوليكية التي كان مستطاعا أن يتسلح بها البولنديون في مقاومتهم ضد جيرانهم الروس أو الألمان من أصحاب العقائد المغايرة لعقيدتهم لم تكن كافية لأن تصبح عامل إدماج وتوحيد؛ فقد كان من بين البولنديين أنفسهم نفر اعتنقوا الأرثوذكسية أو اللوثرية. # وعلى ذلك كان تقسيم بولندة في سنة 1772 عند وقوعه مجرد عملية بتر لاقتطاع أجزاء من أرض الدولة دون إلحاق أي أذى بقوى الدولة ذاتها، ففقدت بولندة جزءا من روسيا البيضاء أخذته روسيا، وفقدت بوميرانيا التي أخذتها ألمانيا (بروسيا)، وهذا الجزء صار يعرف باسم بروسيا البولندية، واستولت النمسا على إقليمي «لدوميريا» # Ludomeria # وروسيا الحمراء، وأطلق النمساويون على هذه الجهات اسم غاليسيا # Galicia ~~. # وأما أن عملية البتر هذه لم يتسبب منها ضرر لبولندة، فمرده إلى أن بولندة كانت كما شاهدناها «دولة تاريخية» فحسب؛ أي إن تكوينها كان نتيجة انضمام مساحات من الأراضي إلى بعضها في مختلف مراحل التاريخ؛ فلم يؤثر شيئا في «قوميتها» اقتطاع بعض هذه الأراضي منها. ولا تعدو لذلك أن تكون عملية البتر هذه مجرد طعنة أصابت كبرياء النبلاء أو الطبقة الأرستقراطية البولندية، ومن المتعذر لهذا كله اعتبار التقسيم الذي حصل سنة 1772 اعتداء وقع على «أمة». # إلا أن هذا التقسيم لم يلبث أن أدى إلى قيام حركة صارت فيما بعد أصلا للقومية البولندية؛ فقد ظهرت بعد التقسيم حركتان هامتان؛ الأولى: عندما تألفت جماعة من المصلحين الذين أرادوا إصلاح الدولة والقضاء على الفوضى الناجمة من وجود «حق الاعتراض» وتلك العهود والمواثيق المبرمة عند اعتلاء الملك العرش لتنفيذ شروط النبلاء عليه، ثم اتحادات النبلاء في مجالسهم الكونفدرائية. ولقد أراد هؤلاء في الوقت نفسه إصلاح الدولة بإنشاء جيش يضم قوات من المشاة والمدفعية، مع فرض ضريبة معينة للإنفاق من محصولها على هذا الجيش. # التف فريق المصلحين هذا حول بعض الزعماء والنبلاء مثل الأمير «تزارتوريسكي» # Czartoryski # وبوتوكي Potocki # وزامويسكي # Zamoyski # وغيرهم. وكان ms0058 أن انعقد من أجل تحقيق هذه الإصلاحات «دياط» في وارسو في 6 أكتوبر سنة 1788. ولكن بدلا من الاهتمام بالإصلاح انغمس «الدياط» في المشكلات السياسية نتيجة للتنازع على النفوذ بين روسيا وبروسيا. # وتحت تأثير النفوذ الذي كان للوزير البروسي والأموال التي أنفقها على أعضاء المجلس، ارتمى «الدياط» في أحضان بروسيا واتبع سياسة مناوئة لروسيا، ووصل إلى قرارات كان من المتعذر تنفيذها قبل الاستعداد اللازم أولا بالبدء في إصلاح شئون الدولة ذاتها وإعادة تنظيمها؛ فقد قرر «الدياط» إنشاء جيش من مائة ألف مقاتل، وطالب بجلاء روسيا عن الأراضي التي احتلها عسكرهم (بمقتضى تقسيم 1772)، كما قرر المفاوضة مع بروسيا لعقد معاهدة تحالف معها، وتأجل البحث في برنامج الإصلاح المنشود إلى العام التالي. # وأما الحركة الثانية التي كان منشؤها التقسيم الذي حدث في سنة 1772 فكانت الأغراض التي هدفت إليها أبعد مدى وأعمق أثرا؛ ذلك أنها أرادت النهوض بالنبلاء خلقيا وفكريا أو ثقافيا عن طريق إصلاح التعليم، وكان بدء ظهور فكرة الإصلاح أو الإنعاش الفكري والثقافي في النصف الأول من القرن الثامن عشر على يد أحد الرهبان «الأب كونارسكي» # Konarski ~~(1700-1733)، ولم يلبث أن ساعد على اشتداد الرغبة في الإصلاح ذيوع الآراء الفرنسية بعد ذلك في بولندة، وعلى وجه الخصوص آراء القائلين بحكم الطبيعة (أو الفيزوقراطيين Physiocrats ~~)، وسنتكلم عن آرائهم بالتفصيل في موضعه. # ولقد تسنى وضع نظام للتعليم العام عندما ألغى البابا جماعة اليسوعيين (الجزويت) سنة 1774، وهو القرار الذي قوبل في بولندة بمعارضة شديدة نظرا لأن اليسوعيين كانوا يتمتعون بمحبة الشعب لهم، فأمكن تخصيص الأموال أو ريع الأملاك التي كانت لهذه الجماعة للإنفاق على التعليم، وعاون هؤلاء أنفسهم بعد حل جماعتهم في مشروعات التعليم، وعلى ذلك؛ فقد تأسست في سنة 1774 لجنة للتربية والتعليم الأهلي؛ أي الوطني، وضعت نظاما شاملا لبرامج التعليم، وأشرفت على إخراج الكتب التربوية اللازمة، كما أدخلت إصلاحات كبيرة في جامعتي «كراكاو» و«فلنا» # Vilna ~~، وقد عهد بالإشراف على هذا الإصلاح إلى «ميشيل بونياتوسكي» Poniatowski ~~. فكان بفضل إصلاح التعليم إذن أن تكون ms0059 لدى البولنديين بمرور الزمن شعور عام، وروح قومي (أو وطني) وسياسي، ولو أن هذا لم يحدث إلا بعد مشقة عظيمة وبعد مضي وقت طويل بسبب العقبات التي اعترضت هذا النمو القومي والعراقيل التي أثارها ما وقع من حوادث، بعد ذلك. # فقد كان مقدرا لهذه الحركة المزدوجة - سواء من أجل الإصلاح السياسي أو الإنعاش الروحي والخلقي - أن تشق طريقها وسط مناضلات حادة ومكائد وأحداث شديدة لا تقل في آثارها العنيفة عما كان يحدث قبل تقسيم سنة 1772. بل إن هذا التقسيم نفسه لم يكن له من أثر إلا زيادة هذه النزاعات والأحداث حدة على حدتها. # ومع ذلك فالجدير بالملاحظة أن الاعتداء الذي وقع على بولندة وانتهى بتقسيمها في سنة 1772 ثم كان مقدمة لاعتداءات لاحقة (في سنتي 1793، 1795) ترتب عليها اختفاء بولندة من خريطة أوروبا كلية، إنما وقع في وقت كان قد بلغ فيه تطور الآراء وتقدمها درجة جعلت متعذرا على البولنديين الرضوخ للتقسيم وعدم الاحتجاج ضده؛ الأمر نفسه الذي جعل متعذرا خنق الروح البولندية وإخمادها، على نحو ما حدث للدولة التي ذهبت من الوجود فيما مضى، واقتسم أرضها الطامعون فيها والمعتدون عليها وقضوا عليها: أضف إلى هذا أن المسألة البولندية تنازعتها تيارات متضاربة بسبب المؤامرات الكثيرة الناجمة من اختلاف المصالح الأوروبية السياسية بشأنها. ثم لم تلبث أن نشبت الثورة الكبرى في فرنسا في سنة 1789؛ فكان لهذه الثورة أكبر الأثر في تحرير الحركة البولندية وفك عقالها بصورة من الصور، بعد سنة 1789. # ولذلك وبفضل هذه الأسباب جميعها، فإنه بدلا من انقضاء «المسألة البولندية» واختفائها من ميدان السياسة الأوروبية، فقد بقيت مسألة «مفتوحة». وذلك ليس فيما يتعلق بأهل البلاد أنفسهم كذلك، ولو أنها ظلت في الوقت نفسه مسألة سياسية تستأثر باهتمام الطبقة الأرستقراطية (طبقة النبلاء) وحدها فقط، ولا تلقى أي اهتمام من جانب سواد الشعب نفسه، ثم إنها لم تثر بعد أي شعور قومي؛ فلم يستثر هذا الشعور القومي إلا بعد وقوع الكوارث التي نزلت ببولندة في العهود التالية. # هنغاريا (المجر) # وكانت هنغاريا (المجر) في ms0060 آخر القرن الثامن عشر «دولة» من طراز آخر : دولة تاريخية في نطاق دولة أخرى، وتحتفظ بذاتيتها وشخصيتها بالرغم من ذلك، والبحث في تاريخها يكشف عن المدى الذي بلغه شعورها بذاتيتها هذه وشخصيتها. # وتحتل مملكة المجر (هنغاريا) مركزا خاصا لا معدى عن توضيحه لعلاقة ذلك بما يعرف باسم نظرية الحقوق التاريخية؛ وهي النظرية التي اعتمد عليها الهنغاريون فيما بعد عند المطالبة بحقوقهم الوطنية؛ ذلك أن مملكة المجر من الممالك القديمة في أوروبا، والتي كان لها وجود قديم، فما لبثت حتى فرضت ذاتيتها و«شخصيتها» على سادتها الجدد عندما انتقل فيها الحكم إلى آل هابسبرج في سنة 1526، فانتخبت ملكا عليها فردنند النمساوي - شقيق الإمبراطور شارل الخامس - (والذي أعطي كما هو معروف الحكم في النمسا، ثم صار إمبراطورا بعد تنازل أخيه شارل الخامس سنة 1556، وكان فردنند قد تزوج من شقيقة ملك بوهيميا والمجر «لويس جاجلون» الذي لقي حتفه في واقعة موهاكز المشهورة على يد الأتراك في سنة 1526). # وقد اعتبر «الدياط» في هنغاريا اتحاد البلاد مع النمسا بمثابة محالفة الغرض منها الاطمئنان على سلامة الدولة، في حين أن فردنند على النقيض من ذلك كان يعتبر حصوله على المجر بمثابة «هبة» منحتها الدولة له شخصيا. # وحقيقة وجود المجر؛ أي تمتعها بكيان قائم بذاته، ينهض دليلا عليه في عرف الفقه السياسي وجود طائفة من القوانين باسم «الدستور الهنغاري»، كما تضافرت قوى تاريخية مختلفة على صون هذا الكيان الذاتي وضمان بقائه؛ فأمكن الحفاظ على استقلال البلاد القانوني وبدرجة معينة على استقلالها السياسي كذلك. ومن أهم هذه القوى كان النضال الذي تحتم على هنغاريا أن تخوض غماره في الداخل والخارج معا؛ ذلك بأن مملكة المجر بقيت زمنا طويلا مقسمة إلى ثلاثة أجزاء؛ فهناك إلى جانب المجر «هنغاريا» التي خضعت للعثمانيين، قسم آخر حكمه آل هابسبرج، ثم ثالث هو المجر الجنوبية يخرج عن نطاق القسمين الأولين ويتمتع بالحكم الذاتي في داخل الإمبراطورية العثمانية، وهو المعروف باسم إمارة ترنسلفانيا # Transylvania ~~، والتي حفظت لها وجودها القومية الهنغارية القديمة. # وزيادة على ذلك؛ فقد ms0061 دافعت هنغاريا عن ذاتيتها ضد الملك أو الحكم الهابسبرجي بفضل الثورات التي نشبت من وقت اتحادها مع النمسا (في سنة 1526)، واستمرت حتى سنة 1711، وهي ثورات كانت تلقى تعضيدا من جانب الدبلوماسية الأوروبية وخصوصا الفرنسية؛ لإضعاف الهابسبرج، فنجح المجريون في المحافظة على ذاتية أو شخصية المملكة؛ أي إنهم حالوا دون فنائها في نطاق سيطرة الهابسبرج الأجنبية. ولقد أمكن في آخر الأمر إعادة بناء الوحدة الهنغارية، بطرد الأتراك العثمانيين على يد الهابسبرج في القرن السابع عشر خصوصا بفضل الانتصارات التي أحرزها أمير سافوي البرنس أوجين # Eugene ~~، فأمكن استرجاع بودابست سنة 1686، وانهزم الأتراك في زنطة # Zenta ~~، ثم اضطروا في معاهدة «كارلوفتز» # Carlwitz # في سنة 1699 إلى التخلي عن أراضي المجر التي كانت في حوزتهم، فلم يستبقوا في حوزتهم سوى بنات تمسفار # Banat Temesvar # التي لم تلبث أن سقطت في يد البرنس أوجين بعد أن ضيق الحصار على تمسفار شهرين من الزمان، ثم فقدها الأتراك نهائيا في معاهدة «بساروفيتز» Passarowitz # في يوليو سنة 1718، وبمقتضى هذه المعاهدة الأخيرة أضافت المجر إلى أراضيها جزءا صغيرا من السرب وبلاد الأفلاق # Wallachia ~~. # وهكذا بقيت المجر أثناء القرنين السابع عشر والثامن عشر محتفظة بكيانها كمملكة. ~~ بل لقد ترتب على تمسكها بهذه الذاتية «والشخصية» الخاصة بها - والدفاع عنها ضد الإمبراطور صاحب السيادة الشرعية عليها - أن دخلت المجر في مفاوضات معه أسفرت عن حل وسط اتخذ شكل معاهدة في «زاتمار» # Szatmar # في سنة 1711 سرعان ما أعقب إبرامها استصدار طائفة من «قوانين أساسية» وافق عليها الدياط بين سنتي 1712، 1732 اعترف الهنغاريون بمقتضاها بمبدأ ملكية الهابسبرج، وهو المبدأ الذي كانوا قد سلموا به منذ سنة 1637 عن اعترافهم بنظام الوراثة في نظير الاتحاد مع قوات الإمبراطورية في النضال ضد العثمانيين. وكانت في مقابل ذلك قد اعترفت النمسا (أو الإمبراطور) بالقوانين الهنغارية التي نظمت طرائق الحكم وأساليبه في هنغاريا، أعيد النظر الآن في هذه القوانين الدستورية لتصبح متلائمة مع وضع الدولة الجديد في ميادين الإدارة والقضاء وفي المسائل العسكرية. # وهكذا ففي حين استطاع ms0062 الهابسبرج خلال هذه المدة الطويلة من أواخر القرن السادس عشر ثم أثناء النصف الأول من القرن الثامن عشر، القضاء على مملكة بوهميا وإدماجها في أملاكهم، فقد بقيت المجر على خلاف ذلك محتفظة بكيانها وذاتيتها داخل نطاق دولة آل هابسبرج ذات نظام الحكم المطلق؛ فكان أن ترتب على هذه الحقيقة قيام ذلك الوضع التاريخي الذي جمع في نظام ثنائي بين النمسا والمجر. # وأثناء القرن الثامن عشر تضافرت عوامل عدة على دعم كيان المجر والمحافظة على وجودها وبقائها. وكان أهم هذه العوامل أن الإمبراطور ليوبولد الأول عمد في سنة 1703 إلى ترتيب نظام للوراثة في آل هابسبرج، وأن الإمبراطور شارل السادس وضع في سنة 1713 ذلك «الضمان الوراثي» Pragmatic Sanction # الذي أراد منه ضمان وراثة ابنته «ماريا تريزا» لأملاكه النمساوية؛ فقد قامت مفاوضات بين الهنغاريين والإمبراطور صاحب السيادة عليهم حول مسألة الوراثة، فاشترط الأولون شروطا عديدة في نظير اعترافهم «بالضمان الوراثي» أراد الإمبراطور أن يرفضها أولا، ثم انتهى الأمر إلى الوصول إلى حل وسط على أساس قبول الضمان الوراثي، الذي قبله الدياط في المجر سنة 1723، باعتبار أن المجر قد قبلت ما ينطوي عليه هذا «الضمان» من تقرير أن وراثة الهابسبرج إنما هي من الآن فصاعدا وراثة موحدة وشاملة بحيث يتعذر تجزئة أملاك الهابسبرج أو انفصال أي أقاليم من جثمان هذه الدولة. # ومعنى ذلك أن المجر أيدت ارتباطها بالنمسا وصار متعذرا عليها الانفصال عنها، ومع ذلك فقد انطوى هذا المبدأ نفسه على مبدأ آخر؛ هو أنه لما كان متعذرا على المجر الانفصال عن النمسا فقد صار متعذرا على النمسا كذلك الانفصال عن المجر. ~~ ولهذا المبدأ أهمية كبيرة؛ لأن تقرير ارتباط النمسا بالمجر وعجزها عن الانفصال عنها كان معناه أن النمسا صارت تعترف بأن للمجر كيانا وذاتية خاصة بها. # ويمكن إيجاز الشروط التي اشترطها المجريون للاعتراف بالضمان الوراثي في أن هؤلاء اعتبروا الضمان الوراثي من قوانينهم؛ أي قانونا مندمجا في قوانين «مملكتهم»؛ فصار هذا القانون الذي اعترف بالوراثة في آل هابسبرج جزءا لا يتجزأ ms0063 من الدستور الهنغاري؛ مما معناه أن المجر لا تعترف بوراثة الهابسبرج كأمراء نمساويين تئول إليهم حقوق الوراثة وفق القوانين النمساوية، ولكن باعتبار أن لهم حقوقا وراثية بمقتضى القوانين الهنغارية وبناء على ما تتضمنه هذه القوانين الهنغارية من نصوص خاصة بوراثة العرش في المجر فحسب. # أضف إلى هذا ما تعهد به وارث العرش من آل هابسبرج من إدارة شئون الحكم في المجر بوصفه ملكا على المجر وفق قوانين البلاد وحسبما نص عليه دستورها؛ فكان معنى ذلك أن هناك «عقدا رسميا» بين الدياط «المجري» وبين صاحب السلطان والحكم بها. ~~ وهكذا، فإنه في حين قد تم الاعتراف بوجود «دولة» النمسا، ووضعت هذه نظاما إداريا يسري على كل أقاليمها (السلافية-الألمانية) ظفرت المجر بالاعتراف بحقها في الوجود وبذاتيتها الخاصة بها؛ مما تدعم بسببه نهائيا نظام «الحكم الثنائي» داخل الدولة الهابسبرجية. # وثمة عامل ثان ساعد على دعم وجود المجر واحتفاظها بكيانها أثناء القرن الثامن عشر، ونعني بذلك السياسة التي اتبعتها ماريا تريزا التي تولت عرش الإمبراطورية من سنة 1740 إلى 1780 بعد وفاة والدها شارل السادس؛ فقد سبقت الإشارة إلى الصعوبات التي صادفت الإمبراطورة بسبب اعتداءات فردريك الثاني (الأكبر) - ملك بروسيا - على أملاكها في سيليزيا، حتى إنه لم يكن هناك معدى عن حشد كل القوات التي تملكها «ماريا تريزا» لدفع هذا الغزو، فأقبل الهنغاريون في هذه الظروف على تقديم كل مساعدة كانت ملكتهم «ماريا تريزا» - كما قالوا - في مسيس الحاجة لها، وفي نظير ذلك أيدت الملكة - وهي إمبراطورة النمسا وملكة المجر - كل الحقوق والامتيازات التي كانت لهؤلاء. # ولقد أرادت ماريا تريزا بعد حرب الوراثة النمساوية (سنة 1740-1748)، التي تميزت كما سبق أن عرفنا بالنضال بين بروسيا والنمسا حول امتلاك سيليزيا. وأثناء «فترة الهدوء» التي تلت هذه الحروب، أرادت أن تعمل لتوحيد السلطة وتركيزها في النمسا بإنشاء إدارة وحكومة مركزية من الناحيتين السياسية والقضائية خصوصا، فاستصدرت لهذه الغاية عدة قوانين بين سنتي 1747، 1749، ثم ما لبثت حتى تابعت نشاطها لتحقيق هذا الغرض نفسه أثناء «حرب السنوات السبع» التي ms0064 استمرت من سنة 1756 إلى 1763، وكانت تبغي منها ماريا تريزا استرجاع سيليزيا ولكن دون طائل؛ فاستصدرت طائفة أخرى من القوانين بين سنتي 1760، 1763. # ومع ذلك فالذي يجدر ملاحظته أن هذه الإصلاحات التي هدفت إلى إنشاء إدارة أو حكومة تقوم على أساس تركيز السلطة في النمسا لم تكن تشمل هنغاريا، بل وقفت هذه الإصلاحات عند نهر ليتا (أحد فروع الدانوب الصغيرة) على الحدود بين النمسا والمجر، وبقيت هذه الأخيرة خارجة عن نطاقها. وهكذا ففي حين توطدت أركان السلطة العليا في الدولة النمساوية اتبعت ماريا تريزا سياسة «خاصة» نحو هنغاريا، ثم إنه كان في عهد هذه الإمبراطورة (الملكة) أن حقق الهنغاريون أغراضهم عندما ظفروا منها بالاعتراف رسميا بأن ترنسلفانيا وكرواتيا # Croatia # أقاليم ضمت إلى مملكة المجر. # وكان هناك عامل ثالث ساعد بدوره على بقاء المجر متمتعة بكيانها وذاتيتها، ونعني به إصلاحات الإمبراطور جوزيف الثاني (1765-1790) ابن ماريا تريزا، أو على الأصح تعطيل تلك الإصلاحات التي حاولها هذا الإمبراطور، وكان جوزيف الثاني حاكما فيلسوفا حاول توحيد أملاكه النمساوية بالرغم من تباين أقاليمها على أساس يقبله العقل؛ أي على أساس «فلسفي»، فلم يبلث أن أثار ضده معارضة شديدة في كل أنحاء مملكته عندما رفض رعاياه إلغاء تقاليدهم الموروثة والنزول عن لغاتهم الأهلية أو الرضاء بإلغاء الأنظمة القضائية والإدارية المحلية، كما عارضوا نظام التجنيد العام الذي أريد به الاستعاضة عن التطوع الاختياري في نظام الخدمة العسكرية، واشتدت المعارضة على وجع الخصوص في المجر ثم في الأراضي الواطئة النمساوية (بلجيكا)، لدرجة أن جوزيف الثاني لم يلبث أن اضطر قبل وفاته بمدة قصيرة إلى إلغاء كل الإصلاحات التي كان ابتدعها. # وانتهز الهنغاريون فرصة وفاته واعتلاء شقيقه ليوبولد الثاني عرش الإمبراطورية (1790-1792) لاستعادة أنظمتهم القديمة، فأرغموا ليوبولد على التخلي عن برنامج الإصلاحات التي هدفت إلى توحيد الأملاك النمساوية. ثم إن إصلاحات جوزيف الثاني بما ترتب عليها من رد فعل كبير قد ساعدت كذلك على تقوية شعور المحلية في المجر؛ فقد اجتمع الدياط في صورة هيئة تأسيسية، وكان لم يجتمع ms0065 مدة من الزمن أيام ماريا تريزا، ولم يجتمع أصلا في حكم جوزيف الثاني، فبادر الآن بالانعقاد عقب وفاة الملك مباشرة ليستصدر عدة قوانين (خلال سنتي 1790-1791) تحتم بمقتضاها تتويج الملك في بودابست - عاصمة المجر - خلال الشهور الستة التالية لاعتلائه العرش، كما حرمت هذه القوانين الملك من ممارسة سلطاته الكاملة حين نصت على اجتماع «الدياط» مرة كل ثلاث سنوات، ومنعت الملك من فرض الضرائب وجمع الجيوش من غير موافقة «الدياط»، وصار للدياط إلى جانب الملك الحق في سن القوانين وتفسيرها وإلغائها، وصار حتما ممارسة السلطات التنفيذية والقضائية وفق القانون. # وتألف من هذه القوانين نوع من الدستور لعل أهم ما يستلفت فيه النظر - إلى جانب ما تقدم - ما جاء في مادته العاشرة التي جاء فيها: أن الملك معترف باستناد حقه في الوراثة إلى القانون الهنغاري كاستناده إلى القانون النمساوي سواء بسواء، «وأن هنغاريا إنما تؤلف مع الأقاليم التي ضمت إليها مملكة حرة في كل ما يتصل بشكل الحكومة القانوني، ويدخل في ذلك كافة فروع الإدارة، وهي مستقلة؛ أي متحررة من أي نوع من أنواع الخضوع لمملكة أخرى، أو لشعب آخر، بل هي على العكس من ذلك مستمتعة بوجود كيان صحيح، ولها دستورها الخاص بها؛ ولذلك فإن مليكها المتوج عليها شرعا وقانونا الواجب عليه أن يدير شئون الحكم وفق القوانين وحسب التقاليد والعادات الخاصة بها، وليس حسبما يجري في أقاليم أخرى.» # وتلك كانت عبارات صريحة قوية تؤيد ما كان للدستور المجري من طابع خاص. ولم يكن ذلك شيئا جديدا؛ إذ إن هذا «الدستور» كان موجودا قبل ذلك، وكل ما في الأمر أن صدر تأكيد رسمي لهذا الدستور الآن. ولا ينبغي أن يؤخذ من ذلك أن المجر قد صارت انفصالية أو تريد الانفصال من النمسا؛ لأن المجر - على العكس من ذلك - قد قبلت تبعيتها للدولة النمساوية وقبلت سيادة الملك العليا عليها، وأرادت فقط أن تحتفظ بطابعها وذاتيتها كما أرادت التمسك بدستورها التاريخي، ذلك «الدستور» الذي لم يكن مستندا إلى نظريات أوحى بها الفكر والعقل، ms0066 ولكن إلى وقائع وأحداث التاريخ. # ولم يكن الدستور الهنغاري «مسطرا» في وثيقة واحدة، بل نما وتطور حتى صار يتألف من عدة قوانين وقرارات ومرسومات وما إلى ذلك، صدرت من أزمان بعيدة في شتى المناسبات والظروف، لعل القانون الصادر في سنة 1222 والخاص بتقرير حقوق وامتيازات النبلاء وهم من المجيار، ووسائل إجبار الملك على احترام هذه الحقوق، كان من أهم القوانين التي صدرت في هذه الأزمان البعيدة. # ولقد رسمت هذه القوانين والقرارات المتناثرة - والتي صدرت في أوقات متفاوتة - نظام الحكم «أو الجهاز الحكومي في المجر»، فكان «الدياط» هيئة طبقية تتألف منذ 1608 من: طبقة أو مجلس «العظماء» # Table of Magnates ~~، وهم الأساقفة وكبار الموظفين وعظام النبلاء، ثم طبقة أو مجلس «النواب» # Table of Deputies ~~، وهؤلاء كانت تنتخبهم المجالس # Comitats # في الأقاليم والمدن الحرة. وكان للدياط سلطات تشريعية، ولكن كان للمجالس الإقليمية الحق في الاعتراض لدى الحكومة على القوانين التي لا تريدها، وتعطيل ما تشاء تعطيله منها، كما كان لها الحق في انتخاب وعزل موظفي الإدارة والقضاء؛ ولذلك فإذا استصدر الدياط قانونا ولم يكن مقبولا في البلاد، بقي دون تنفيذ. # ومن الواضح أن نظاما كهذا جعل متعذرا أي تقدم سياسي، ولكن من ناحية أخرى حفظ هذا النظام حقوق البلاد «وحرياتها» عندما أوجد المجالس الإقليمية التي درجت على الاتصال فيما بينها للإبقاء على الروح الوطنية مشتعلة إذا رفض الملك دعوة الدياط للاجتماع. وكان في تفاصيل نظام التمثيل والنيابة، سواء في المجالس الإقليمية والمقاطعات والمدن الحرة أو في الدياط بمجلسيه أو طبقتيه، ما جعل طبقة النبلاء - وهم من المجيار كما ذكرنا - يحتكرون كل أسباب السلطة السياسية في أيديهم. ومع أن شطرا من الأهلين كانوا من الجرمان (التيتون) فقد حرم هؤلاء تماما من أن يكون لهم صوت في توجيه الشئون العامة. # وهؤلاء النبلاء (المجيار) هم الذين انتخبوا فردنند الأول النمساوي سنة 1526 ملكا على هنغاريا؛ حتى يخف لنجدتهم ضد الأتراك العثمانيين. ولقد بقي كما رأينا تاج المجر من ذلك الحين من نصيب آل هابسبرج. # وعلى ms0067 ذلك؛ فقد كان دستور المجر دستورا «إقطاعيا تاريخيا»: إقطاعيا لأن الدولة بمقتضى هذا الدستور لم تتأسس إلا من اتحاد عنصرين أحدهما «الملك» والآخر الأمة، ولم تكن اختصاصات كل منهما وعلاقتهما إزاء بعضهما بعضا واضحة الحدود والمعالم في القانون الإقطاعي القديم، وتاريخيا لأن حوادث التاريخ هي الأصل في قيام هذا الدستور ولأنه صار يعتمد في بقائه على موقف كل من هاتين القوتين (الملك والأمة) من الأخرى، وتلك علاقات متغيرة حسب مقتضيات الأحوال والظروف في العصور المختلفة. # ولم يوجد جهاز الحكم بهيئاته التي ذكرناها: الملك، الدياط، المجالس الإقليمية # Comitats # نظاما برلمانيا بالمعنى المعروف في الأزمان الحديثة، أو حتى على غرار ما كان معروفا في ذلك العصر في إنجلترة؛ فلم يكن النظام الهنغاري إذن نظاما تمثيليا نيابيا بحال من الأحوال، وإنما كان نظاما إقطاعيا، لا ريب في أنه أدى مع ذلك مهمته بنجاح من حيث إنه هيأ لهنغاريا الفرصة للاحتفاظ بكيانها وذاتيتها في وجه «ملك» هو صاحب السيادة الشرعية عليها، يريد أن يحكم حكما استبداديا؛ أي يحاول عدم الاعتراف بالحقوق والحريات التي للهنغاريين، أو يريد توحيد أملاكه (ومن بينها هنغاريا) على أساس الحكومة المركزية. ولقد كان هذا الدستور هو ذلك الدستور الذي صارت له شهرة عظيمة فيما بعد وبقي الهنغاريون يطلبون من «مليكهم» احترامه حتى منتصف القرن التاسع عشر، وحتى أثناء ثورة 1848. # والحقيقة أن المجر (هنغاريا) لم تكن أمة بل «مجتمعا إقطاعيا»: سواد الأهلين من الفلاحين رقيق الأرض، والطبقة المتوسطة (البورجوازية) في المدن لا قيمة ولا وزن لها؛ فيؤلف الفلاحون 99٪ من أهل البلاد، ومع ذلك لم يشترك هؤلاء في حياتها السياسية الوطنية، بل استأثر النبلاء كما رأينا بكل أسباب السلطة واضطلعوا بأعباء كل الوظائف، وهم سلالة الأسر المجيارية الغازية القديمة، أو رفعهم الملك إلى مرتبة النبلاء، أو منحهم الدياط ما يمكن تسميته بصفة المواطن أو «الجنسية» الهنغارية # L’Indigenat ~~، ويفقد النبيل «نبالته» إذا اتهمه الملك بأنه أخل بولائه له إذا ارتكب جرما خان به واجباته الإقطاعية. # ولقد كان يزيد عدد هؤلاء النبلاء الهنغاريين عن ms0068 عدد النبلاء في فرنسا سنة 1789 باثني عشر ضعفا، وذلك بالنسبة للطبقات الأخرى في المجتمع. وأما أهم امتيازاتهم فكان إعفاءهم إعفاء تاما من الضرائب أو إلزامهم بدفع شيء إلى الدولة. # ولقد كان هؤلاء النبلاء متساوين ولا فوارق بينهم في نظر القانون، ولكنهم كانوا منقسمين إلى فريقين: فريق يعيش في بؤس وضنك؛ ويعرف هؤلاء باسم نبلاء الأخفاف # Nobles en Sandales ~~؛ أي الذين ينتعلون النعال الخفيفة، وفريق كبار الملاك أصحاب الأراضي الشاسعة الأغنياء والمثقفين الذين تأثروا لدرجة ما بأساليب المدنية أو الحضارة الأوروبية، ويطلق على هؤلاء اسم «العظماء» # Magnates ~~، ومنهم تألفت الأرستقراطية المجرية «الهنغارية» التي ذكرنا أنها أنشأت لها صلات بالأسر الأوروبية في الغرب. # ولقد عاشت بين هذين الفريقين طبقة النبلاء الإقليمية، وكانت متوسطة الحال، ولكنها الطبقة التي سيطرت على أعمال المجالس في المقاطعات المختلفة # Comitats # وفي مجلس النواب في الدياط، وتزعمت المعارضة، وكانت قوام الحياة السياسية ومساكها في البلاد. على أنه مما يجدر ملاحظته أن هؤلاء النبلاء الهنغاريين لم يكونوا عموما من المثقفين أو المتعلمين، ولا يدركون شيئا من معنى الأمة أو القومية، وانحصر كل نشاطهم في الدفاع عن مصالحهم الشخصية أو تأييد مصالحهم الطبقية وحسب. وهؤلاء النبلاء الهنغاريون الذين كانوا الطبقة السياسية الوحيدة في البلاد لم يتكتلوا في جبهة متحدة ضد صاحب السيادة الشرعية عليهم، وهو العاهل النمساوي الذي كان إمبراطورا على ألمانيا (الإمبراطورية الرومانية الجرمانية المقدسة). ولقد اتخذ سلطان هذا الإمبراطور على طبقة هؤلاء النبلاء؛ وبالتالي على مجموع «الدولة» في هنغاريا - وذلك إذا تركنا جانبا الجيش والبيروقراطية المالية - طريقين: طريق النفوذ الديني، وطريق النفوذ الأرستقراطي؛ أي تأييد الأسر الأرستقراطية لنفوذه. # ففيما يتعلق بالأمر الأول: إن المجر عند انتشار الإصلاح الديني اعتنقت البروتستنتية، ولكن ما إن قويت حركة انتعاش الكنيسة الكاثوليكية حتى عاد قسم عظيم من البلاد إلى الكاثوليكية مرة أخرى، وفي كل مكان عملت الكنيسة الكاثوليكية لتأييد مصالح الأسرة المالكة، وربطت مصيرها بمصير «الملك» صاحب السيادة الشرعية على البلاد. # وكانت هذه الكنيسة صاحبة ثراء عريض وقوة عظيمة، وكان لرجال ms0069 الدين «الإكليروس» الحق كما شاهدنا قانونا في اتخاذ مقاعدهم في «الدياط» إلى جوار النبلاء العظام في مجلس أو طبقة العظام # Table des Magnats # كما أنهم ملئوا أهم الوظائف في الدولة، وكثيرا ما صاروا يتدخلون للوساطة بين النبلاء وصاحب السلطان الشرعي (الملك والإمبراطور)، وخصوصا كلما كان يشتد النقاش حول القوانين المراد استصدارها. ومن هذه الناحية إذن كان رجال الدين «الإكليروس» في هنغاريا عامل توحيد وتركيز حكومي لربط هذه البلاد بمقر صاحب السيادة العليا - وهو الإمبراطور النمساوي - في فينا. # وعندما ازدهرت الحياة في البلاط النمساوي في عاصمة الهابسبرج أيام شارل السادس ثم ماريا تريزا في القرن الثامن عشر، كان نبلاء المجر عماد هذه الحياة الاجتماعية الجديدة في العاصمة النمساوية. أضف إلى هذا أن ماريا تريزا اتبعت سياسة هدفت إلى التقريب بين النبلاء الألمان والنبلاء الهنغاريين، وعملت على «مزج» الفريقين بتشجيع التزاوج بينهما وعند ملء الوظائف الإدارية وبتوزيع المناصب عليهم في البلاط، كما أغدقت عطاياها على الفريقين بالتساوي؛ فترتب على ذلك أن بدأت تشعر هذه الطبقة الأرستقراطية الهنغارية بروح جديد أخذ ينمو شيئا فشيئا، حتى صارت تنظر إلى الأشياء نظرة أكثر اتساعا من ذي قبل، وحتى صار هؤلاء النبلاء الهنغاريون الذين عاش أكثرهم في فينا وأنشئوا صلات شخصية مع الإمبراطور، ينظرون إلى الأمور من الناحية السياسية، وليس من الناحية الوطنية (الهنغارية) فحسب، وذلك بالرغم من أن عواطفهم بقيت هنغارية، كما ظل الوطني الهنغاري (المجري) يستأثر بمحبتهم. # وهؤلاء النبلاء الهنغاريون كانت لهم صلات كذلك مع الطبقات الأرستقراطية في أوروبا، خصوصا الأرستقراطية الفرنسية والإنجليزية، كما أنهم تأثروا بالثقافة الأوروبية الغربية؛ الأمر الذي ترتب عليه كله أن صارت تدريجيا هذه الأرستقراطية الهنغارية لا تجد غضاضة في قبول ما يريده ويوصي به صاحب السلطان (أي الملك والإمبراطور) حتى لقد غدت أخيرا طبقة النبلاء العظام في مجالس الدياط أداة طيعة في يد الإمبراطور. # وهكذا صار هؤلاء النبلاء العظام عوامل نمو وتطور، أفادت منها الدولة النمساوية على حساب الدولة الوطنية (هنغاريا)؛ مما تهدد بالخطر هنغاريا، حيث إن النمسا التي ms0070 اتبعت في بوهيميا سياسية مشابهة لما تفعله الآن في المجر كانت قد نجحت في «جرمنة» بوهيميا «جرمنة» كاملة وقضت عليها تماما. ولكن النمسا عجزت عن القضاء على المجر، وبقيت هذه للأسباب التي ذكرناها بالرغم من محاولات النمسا المتكررة محتفظة بكيانها وذاتيتها، إلا أنه لا يمكن اعتبار المجر (هنغاريا) أمة حديثة؛ أي بها مجتمع من طراز المجتمعات الحديثة المعروفة، بل لقد بقيت المجر محتفظة «بمجتمعها» القديم الذي استطاع الدفاع عن امتيازاتها ومقاومة ضياع هذه الامتيازات التي هددت الملكية بإلغائها؛ فكان للمجر «استقلال» سياسي وحياة وطنية (أهلية)، ولكنها لم تكن تتمتع بنظم برلمانية أو نيابية تمثيلية، كما أنها لم تكن «أمة»، فقد كان بعد انتشار التعليم والشعور السياسي بين طبقة النبلاء الوسطى أن أمكن انطلاق القومية الهنغارية، ولقد حدث ذلك في الربع الأول من القرن التاسع عشر؛ فالمجر إذن دولة تاريخية لها ذاتيتها الخاصة بها واستطاعت المحافظة على هذه الذاتية أو الشخصية، ولكنها لم تصل بعد إلى مرتبة الدولة القومية أو الوطنية بالمعنى المعروف. # أمة اليونان # واليونان أمة يختلف طرازها عن الطرازين السابقين، من حيث إن اليونان يؤلفون أمة «روحية» تشعر بتقاليدها ولكنها لا تزال عاجزة تماما عن الشعور بحياتها أو وجودها القومي، وليست العناصر التي تضافرت على خلق الأمة اليونانية مستمدة من الآراء الحديثة، بل لقد كفى الأمة اليونانية أن تعتمد على ذكرياتها القديمة لتستطيع الحياة والبقاء. # ومع أن اليونان خضعت لسلطان الأتراك العثمانيين منذ نهاية العصور الوسيطة، فقد أمكنها المحافظة على وجودها وكيانها، وتلك حقيقة لا ينبغي أن تثير الدهشة إذا عرفنا أن الدولة العثمانية لم تكن «دولة» بالمعنى الصحيح، بل كانت خليطا أو مزيجا من الأقوام يعيشون في أقطار كان كل ما يعني الأتراك من شأنها هو استمرار احتلالهم ثم استغلالهم لها؛ مما ترتب عليه أن صار «تركيب» هذه الدولة العثمانية تركيبا غير عادي؛ فهناك حكومة وهناك سكان أو «رعايا»، وهناك طبقة إقطاعية ممتلكة فرضت نفسها على البلاد التي فتحتها والتي أجازت لأهلها أن يعيشوا تحت سلطانها طبقة دنيا ms0071 في نظير أن «يفتدوا» أنفسهم بالقيام بما صار يطلب منهم تأديته من واجبات وخدمات: كدفع الخراج (الضريبة المفروضة على الأرض)، وكانت هذه نوعا من الضرائب الشخصية أو الفردية التي يدفعها «الروم» لقاء العيش في سلام، ثم الضريبة العقارية، وضريبة العشور، وكل هذه الضرائب «فدائية»؛ أي يفتدي بها الأفراد أنفسهم وأملاكهم من أرض وعقار ... إلخ. # وفي الماضي أخذ العثمانيون عددا من أبناء وبنات الروم بنسبة الخمس؛ وذلك لتنشئتهم النشأة التي يريدونها ولتكوين تلك الفرق التي عرفت باسم الانكشارية، وبطل العمل بهذا النظام في سنة 1685 فقط؛ فكانت هذه ضريبة افتدائية أخرى؛ وهكذا بقي العثمانيون بفضل هذه الضرائب الافتدائية إن صحت هذه التسمية - سواء لافتداء الأفراد «من الروم» بدفع الخراج، أو لافتداء الأرض والعقار بدفع العشور والضريبة العقارية، أو لافتداء أبناء وبنات الروم في نظام الانكشارية - نقول بقوا طبقة منفصلة عن أهل البلاد التي فتحوها ومفروضة على سكانها الأصليين فرضا، ولم يفكر العثمانيون في الامتزاج بهؤلاء أو اتباع سياسية تهدف إلى حدوث اندماج بين الفريقين، وعلى ذلك فقد استطاع اليونان أن يحتفظوا بطابعهم وذاتيتهم، وسهل على العثمانيين في ظل النظام الذي أقاموه أن يعترفوا بوجود الأمة اليونانية. # ولقد تضافرت عوامل عدة على إنشاء هذه الأمة اليونانية، لعل أهمها أن اليونان كانوا يتبعون الكنيسة الأرثوذكسية، وقد أبقى محمد الفاتح الذي فتح القسطنطينية (1453) على هذه الكنيسة الأرثوذكسية؛ لأنها كانت وقت الفتح ضالعة لحد ما مع الغزاة الفاتحين بسبب كراهيتها لسياسة آخر الأباطرة البيزنطيين «قسطنطين دراغاسيوس» # Dragases # الذي كان قد بدأ المفاوضة مع رومة من أجل الاتحاد مع الكنيسة الرومانية. # وعلى ذلك فقد عقد محمد الفاتح (الثاني) مع البطريق اليوناني «جينياثيوس» # Genuatios # اتفاقا ظل موضع احترام السلاطين والبطارقة في العهود التالية، ونص هذا الاتفاق على إعفاء رجال الدين من الخراج في نظير مبلغ تدفعه الكنيسة إلى السلطان سنويا، وترك السلطان في يد البطريركية إدارة شئون الكنيسة المدنية واعترف باستقلال الإكليروس القضائي، واستعان البطريق في القيام بأعباء وظائفه بمجلس كنسي (سينود # Synode ~~) من عشرة من المطارنة ms0072 يعينهم البطريق إلى جانب أربعة مطارنة آخرين هم مطارنة هرقلة (في جنوب الأناضول) وتزيقوس # Czycus ~~(على شاطئ بحر مرمرة الآسيوي) وخلقدونة # Chalecdon ~~(على الشاطئ المقابل للقسطنطينية) ودرقوس # Dercos # في آسيا الصغرى. # ولقد امتد سلطان البطريركية ومجلسها (السينود) حتى شمل اليونان وجزر الأرخبيل وآسيا الصغرى بأسرها وكل المشرق (أو الليفانت) وشبه جزيرة البلقان، بل وامتدت ولاياتها «القضائية» إلى أبعد من ذلك حتى إنه عند إنشاء كنيسة روسيا كان بطريق القسطنطينية هو الذي أجلس على كراسيهم الأساقفة الروس لممارسة وظائفهم الدينية. # ولما كان الأتراك العثمانيون لم يميزوا بين الدين والأمة والدولة؛ فخلطوا بين مفاهيمها، فقد أعطى السلطان العثماني الكنيسة اليونانية عند اعترافه بها نوعا من النيابة في ممارسة السلطات العامة، ورضي أن تقوم إلى جانبه هيراركية - أي تنظيم إداري - مستقل في شكل الكنيسة الأرثوذكسية. وبفضل هذا كله أتيحت الفرصة لهذه الكنيسة الأرثوذكسية أن تنمو وأن يثري رجالها، سواء كانوا من القساوسة أو من الرهبان، وانتعشت الأديرة انتعاشا عظيما، ووجدت أهم هذه الأديرة في «جزر الأمراء» الصغيرة في بحر مرمرة، حيث أعطيت هذه الأديرة الإذن بدق أجراسها، ومع ذلك فقد كان أعظم مراكز الرهبنة إطلاقا في جبل أتوس # Mont Athos # المقدس؛ حيث وفد إليه الرهبان من أقاصي البلاد الأرثوذكسية، مثل روسيا وبلغاريا واليونان وغير ذلك. ولقد كان بيت المقدس مركزا هاما آخر لحياة الرهبنة، ودفعت هذه الأديرة إتاوة للسطان العثماني في نظير سماحه لها بالنمو والاتساع، وبالاحتفاظ بأملاكها. # ومن أول الأمر سلكت هذه الكنيسة الأرثوذكسية طريق المعارضة الرسمية والمستمرة ضد الكاثوليكية. وتبدت هذه المعارضة في أول الأمر في مقاومة رغبة الإمبراطور «قسطنطين دراغاسيوس» في إعادة الاتحاد بين الكنيسة الأرثوذكسية والكاثوليكية، وكانت هذه المعارضة سببا - كما سبق القول - في أن يقبل رجال الدين الأرثوذكس السيطرة العثمانية «في القرن الخامس عشر»، وفي القرن السابع عشر كافحت الكنيسة الأرثوذكسية جماعة اليسوعيين (الجزويت) كفاحا مريرا؛ لأن هؤلاء يمثلون كنيسة رومة في الشرق. ~~ وفي آخر هذا القرن وبداية القرن التالي (الثامن عشر) عاون الأرثوذكس الأتراك العثمانيين معاونة فعالة ms0073 في انتزاع المورة من جمهورية البندقية، وهي دولة كاثوليكية، كما أنهم هاجموا مع العثمانيين جزيرة «كرفو» التابعة للبندقية. # ولذلك؛ فقد بقيت الكنيسة الأرثوذكسية داخل الدولة العثمانية بمثابة الحفيظ على العاطفة الوطنية (القومية) لدى اليونان، والتي اختلطت بالعاطفة والعقيدة الدينية؛ فتجانست هاتان العاطفتان: الوطنية (القومية) والدينية، في أنه قد نشأت منهما مقاومة مزدوجة ضد السلطان العثماني من أجل الاستقلال الذاتي، وضد الكاثوليكية من أجل الاحتفاظ بالذاتية الأرثوذكسية. # وأما اليونان الكاثوليك، فقد عاش أكثرهم في مجموعة الجزر اليونانية الصغيرة من جزر بحر الأرخبيل «سيكلاد» # Cyclades # في بحر إيجة # 1 # وذلك في شبه عزلة داخل الإمبراطورية العثمانية، وقد تمتع هؤلاء بامتيازات معينة ناشئة من اضطلاع فرنسا بحماية مصالح الكاثوليك في هذه الإمبراطورية نتيجة لتلك المعاهدات الكثيرة التي عقدها العثمانيون مع الملوك الفرنسيين واعترفوا فيها بحقوق الكاثوليك الموروثة، ومن هذه حق هؤلاء في ترميم كنائسهم بحرية؛ وهذه الحقوق التي عرفت باسم «الامتيازات» # Capitulations ~~، والتي كانت أصلا «منحة» من السلطان العثماني، هي التي صارت ضمانا كفل للكاثوليك حرية العبادة. # وكان بين اليونان الأرثوذكس واليونان الكاثوليك هؤلاء أن نشب النضال الذي اتفق حدوثه مع حركة اليونان الاستقلالية. # ذلك إذن كان نظام المؤسسة الكبيرة (الكنيسة الأرثوذكسية) التي امتد سلطانها حتى وسع الإمبراطورية العثمانية بأسرها. # ومع هذا؛ فقد وجد إلى جانب الكنيسة الأرثوذكسية تنظيم إداري آخر لا يقل في أهميته عن وجود هذه الكنيسة الأرثوذكسية، ونعني بذلك المجالس البلدية؛ فقد أبقى العثمانيون عندما أقاموا إمبراطوريتهم مكان الدولة البيزنطية ما كان لدى هذه الأخيرة من ترتيبات وأنظمة إدارية، واكتفوا باستبدال الموظفين العثمانيين بأولئك الذين ملئوا مناصب الإدارة في العهد البيزنطي، وترك العثمانيون الوظائف الصغرى يشغلها أصحابها. والسبب في ذلك أنه لم يكن لديهم العدد الكافي من الرجال لملء هذه الوظائف؛ فأبقوا في المقاطعات والمدن التي يخدمها الخوارنة (خوري الكنيسة) المجالس البلدية التي درج السكان على انتخاب أعضائها بأساليب تختلف باختلاف المدن والمقاطعات. # وأما هؤلاء الذين ينتخبهم الأهلون لممارسة الإدارة فكانوا الرؤساء الذين وضع تحت تصرفهم نوع من الشرطة أو ms0074 العسس عرفوا باسم «باليكاريس» Palikares ~~، وعرف رؤساؤهم باسم «أرماتولي» # Armatolis ~~، وقد ذاعت شهرة هؤلاء الباليكاريس والأرماتولي في أوروبا وقت انتشار الحركة الهللينية لإحياء مجد الإغريق القديم. وكان أثناء سيطرة البندقية على المورة أن تدعم نظام المجالس البلدية في هذه البلاد خصوصا، واستمر العثمانيون يحترمون هذه الأنظمة بعد استرجاع المورة. # ولقد صارت المجالس البلدية تتمتع باستقلال كامل من الناحية العملية الواقعية في الجزر التي صعب على الأتراك أن يبسطوا سلطانهم الكامل عليها، بل إن هذه الجزر ما لبثت حتى صارت مستقلة تماما في إدارة شئونها حسب رغبات أهلها بسبب ضآلة العناصر العثمانية بها؛ مثال ذلك: جزيرة «رودس» التي يحكمها بيك عثماني، هو الإداري العثماني الوحيد، في حين يشغل الأهلون كل مناصب الإدارة، وفي جزيرة طاسوس # Thasos # الكبيرة (والقريبة من شاطئ طراقيا) قام بأعباء الحكم أولئك الرؤساء الذين انتخبهم الشعب مرة كل عام أعضاء لمجلس بلديتها، وفي جزيرة «بسارا» Psara # الصغيرة بالقرب من شيوز # Chios # اضطلع بأعباء الحكم والإدارة أعضاء بلديتها والمعروفون باسم «الجيرونت» # Gerontes # الذين اختارهم الشعب كذلك لهذه المهمة. وفي جزيرة «هيدرا» # Hydra ~~- وهي الجزيرة الصغيرة التي سوف تصبح من معاقل حركة اليونان الاستقلالية - لم يكن موجودا بها عثماني واحد؛ ولذلك فقد اعتبر كثير من المؤرخين هذه المجالس البلدية «جمهوريات وطنية» صغيرة لكل منها طابعها المستمد من كل تلك التنظيمات التي ظهرت في أرض اليونان في الأزمان القديمة في صورة «الدولة» الديمقراطية الغابرة «والشعور المحلي» الانفصالي القديم. # ولقد ترتب على اعتراف السلطان العثماني بوجود الكنيسة الأرثوذكسية والبلديات اليونانية أن استمرت اليونان تتمتع بحياة روحية مستقلة. وكان مما ساعد على ذلك أن الأتراك لم يستهدفوا في أساليب حكومتهم الدعوة للدين الحنيف ونشر لواء الإسلام بين الشعوب التي خضعت لسلطانهم، وذلك في رأي كثيرين لأن الأتراك اعتقدوا أن الله وحده سبحانه هو الذي يختار من يشاء من عباده لهدايته بنعمة الإسلام؛ فكانوا أبعد ما يكون من الرغبة في فرض الإسلام دينا على الشعوب التي خضعت لهم، وكانوا يرون أن الخير كل الخير ms0075 بدلا من ذلك أن يبتعدوا عن التعرض بشيء لحياة اليونان الروحية والفكرية. # واستندت هذه الحياة الروحية والفكرية عند اليونان إلى ما كان لهم من تراث أدبي كبير، تألف من الأقوال والأحاديث والحكم المأثورة والقصص التاريخي والأساطير والمنظومات والقصائد والأهازيج التي توارثوها على مر العصور، وانتقلت بالتواتر من جيل إلى جيل. ولقد نشر أحد المؤرخين الفرنسيين - «فوريل» # Fauriel ~~- في سنة 1824 مجموعة من الأغاني الشعبية في «اليونان الحديثة»، # 2 # وكان يقصد باليونان الحديثة بلاد اليونان في العصور الوسطى، وليس في العصر الحديث، كشيء يختلف تماما عن اليونان القديمة؛ أي يونان العصور الغابرة. ~~ وكان يقصد «فوريل» من نشر هذه الأغاني الشعبية إقامة الدليل على أن اليونان يتمتعون بحياة روحية كاملة. # وتلك حياة نهض الدليل على وجودها فعلا فيما صار يصدر من كتب ومؤلفات وينشأ من مدراس تعهدته بالتأييد والتعضيد الكنيسة الأرثوذكسية؛ فاحتفظت الثقافة البيزنطية - ثقافة العصور الوسطى في اليونان - ببقائها، بل وانتعشت انتعاشا عظيما في مراكز عديدة كانت «كرفو» من أهمها، ثم جزيرة كريت حيث أعيد بهما تنظيم المدارس في القرن التاسع عشر على يد أحد البطارقة المثقفين «سيريل لوكاريس # Cyrille Loukaris ~~» الذي عمل على نشر التعليم في أنحاء اليونان، وإنشاء أول مطبعة في حي الفنار. # وتعددت مراكز الثقافة اليونانية الهامة؛ فوجدت بالقسطنطينية «ويانينا» وأرطة ومونت آثوس وميسولونجي وغيرها. وفي سنة 1740 نشأ مركز جديد لهذه الثقافة في «كوزاني» # Kozani # في مقدونيا، وزيادة على ذلك فقد تأسست في جزيرة شيوز مدرسة للفنون والصنائع كانت بمثابة جامعة حقيقية اشتهر تلاميذها «بفرنسيي المشرق»، وهو اللقب الذي أضفي عليهم. # ثم تأسست في «ياسي» وبوخارست مراكز لتعليم اللغة اليونانية في الولايات الدانوبية (البغدان والأفلاق). واحترم العثمانيون هذه المدارس جميعها، ولم يتعرضوا لها بسوء، ولم يحاولوا حرمان اليونان من أن يكون لهم هذه السيطرة الفكرية، ولم يحدوا من نشاطها لسبب معين، وإلى جانب الأسباب التي مرت بنا هو أن الأتراك لم يكونوا يأبهون لها. ولقد قصد كذلك عدد من اليونان إلى الغرب (أوروبا الغربية)؛ لارتشاف العلم من ms0076 مناهله في دورها ويمموا شطر فرنسا خصوصا للتزود من ثقافتها. # أما هذا النشاط، فقد دل على أن اليونان ظل شعورهم بقوميتهم ينمو نموا مطردا دون أن يطرأ شيء يوقفه أو يعطله، وكان مظاهر هذا الشعور الوطني (أو القومي) أنهم أطلقوا على أبنائهم أسماء إغريقية كما سموا أنفسهم أسماء إغريقية أو بيزنطية؛ فأكدوا بذلك تصميمهم على الاحتفاظ بكيان مستقل ومنفصل عن الكيان العثماني. ومع ذلك؛ فالذي يجدر ملاحظته بشأن هذه الثقافة اليونانية أنها اعتمدت في صميمها على التقاليد البيزنطية ، في حين يقل كثيرا اعتمادها على الثقافة الإغريقية القديمة، وتلك حقيقة فات إدراكها على كثيرين من المعاصرين الذين انبروا لتأييد الهللينية أو حركة إحياء الحضارة اليونانية؛ فاعتبروا اليونان الحديثين سلالة الإغريق القدامى، واعتبروا نشاطهم الثقافي إحياء للثقافة الإغريقية القديمة، في حين كان الحال على العكس من ذلك تماما؛ لأن اليونان التي عاصرها هؤلاء إنما كانت «يونان» بيزنطية وذات ثقافة ترتد في نشأتها إلى أصول بيزنطية. # ولقد كان هناك عامل آخر إلى جانب الكنيسة الأرثوذكسية والمجالس البلدية يساعد على استمرار بقاء الأمة اليونانية، ونعني بذلك سلسلة الوقائع والأحداث التي فتحت آفاقا لاستمرار نشاط هذه الأمة فيما يحفظ عليها ذاتيتها من جهة، ثم أتاحت الفرصة في الوقت نفسه لحصول رد فعل بين اليونان ضد السيطرة العثمانية؛ ذلك العامل هو وجود طبقة من كبار «البيزنطيين» بالقسطنطينية عاصمة الإمبراطورية العثمانية ذاتها، سواء كان هؤلاء من الطبقة الأرستقراطية أم من أهل الطبقة المتوسطة (البورجوازية)؛ فهؤلاء هم الذين عاونوا على صيانة التقاليد الهللينية في مستقر هذه التقاليد من الأزمان السابقة. # وتنوعت أصول هذه الأسر التي عاشت في القسطنطينية؛ فبعضها ينتمي لأسرة الأباطرة البيزنطيين كأسرتي «أرغيروبولو» # Argyropoulo # و«أبسلنتي» # Ypsilanti ~~، والبعض الآخر كان من أصل إيطالي، استقروا بالعاصمة من أيام العصور الوسطى؛ كأسرة «مانو» # Mano # و«نجري» # Negri ~~؛ وأخيرا كان هناك اليونانيون الذين وفدوا إليها من مختلف أقاليم اليونان ذاتها، منهم أسرات «كانتا كوزين» # Cantacuzene # و«ماوروكرداتو» # Mavrocordato # و«ستوردتزا» # Stourdza # وغيرها. وقد بلغت هذه عشرين أسرة حفظ تاريخ اليونان أسماءها. # وعاش أعضاء ms0077 هذه الأسر الكبيرة في حي الفنار في قصورهم ويقف على خدمتهم أتباع عديدون، وكانوا ذوي ثراء عريض، وهم الذين يترأسون البيوت التجارية الكبيرة، واستأثروا بالمشروعات الاقتصادية الهامة داخل الإمبراطورية العثمانية؛ فإنه لم يمض زمن طويل على سقوط القسطنطينية في قبضة الأتراك حتى كان هؤلاء قد أعادوا صفوفهم وانطلقوا يعملون لتنمية ثرواتهم، وامتاز يونان الفنار بمعرفتهم لغات «المشرق» أو الليفانت ولغات بلدان البحر المتوسط وكذلك بلدان أوروبا الغربية؛ فأنشئوا مع كل هذه الجهات صلات واسعة ساعدتهم في نشاطهم التجاري خصوصا، وأصبح لهم بفضلها ما يشبه نظام المخابرات الدقيق، ثم كان طبيعيا أن تتوثق العلائق بينهم وبين «البطريركية» التي أمدوها دائما بالأموال للإنفاق على المدارس والكنائس والأديرة. # ويلي الأسر التي اتخذت مقامها في حي الفنار فريق آخر من اليونان الأثرياء ذوي النشاط الملحوظ والذين اختصوا «بالتجارة البحرية». ولقد بلغ نشاط هؤلاء درجة بعيدة، حتى إن السفن جميعها تقريبا التي حملت الراية العثمانية كانت سفنا يونانية في الحقيقة؛ وصاروا هم الذين يقومون بالملاحة البحرية الطويلة، ثم الملاحة الساحلية، وتعاونوا في مبدأ الأمر مع اليهود الذين لجئوا للتوطن في الدولة العثمانية، فرارا من الاضطهاد الذي نزل بهم في إسبانيا والبرتغال فتواطنوا في «سالونيك» وفي غيرها، ولكن سرعان ما عظمت المنافسة بين الملاحين اليونان وبين هؤلاء اليهود اللاجئين. # ولقد أفاد اليونانيون من الضعف والانحلال الذي أصاب نشاط البندقية في تجارتها البحرية في القرن الثامن عشر؛ فاستطاعوا أن يوسعوا شيئا فشيئا دائرة نشاطهم البحري، ثم طرد الإيطاليين أنفسهم في آخر الأمر من مياه الجزر اليونانية. ولما كان الإنجليز قد قضوا كذلك على نشاط الفرنسيين في هذه الجهات (في حروب الثورة الفرنسية) فقد حل اليونان محلهم، وهكذا احتل اليونان مكان الإيطاليين والفرنسيين في أساكل الليفانت، وبفضل ذلك استطاعوا احتكار هذه التجارة البحرية بأجمعها تقريبا. # وإلى جانب هؤلاء، كان هناك يونانيون أنشئوا جاليات كبيرة في كل موانئ البحر المتوسط الهامة، وفي أماكن أبعد من هذه كذلك مكان منهم أصحاب السفن أو الذين أشرفوا على تجهيزها ووسقها بالبضائع، وأصحاب ms0078 مخازن التجارة ومستودعاتها، ثم التجار أنفسهم، وقد أثرى هؤلاء ثراء عظيما. ولقد كانوا في أول الأمر يقومون بنشاطهم التجاري تحت حماية الراية الفرنسية التي نالت اعتراف الأتراك بها دون إعلام سائر الدول وقتئذ، وتأسست أهم الجاليات الكبيرة في مرسيليا وجنوة وتريستا والإسكندرية وليفورنة والبندقية. # بل وكان لليونان جاليات في أماكن بعيدة في لندن وأنفرس (أنتورب) وموسكو وفينا، وأشهر الأسر التي تألفت منها الجاليات الكبيرة كانت أسرة «باليولوج» Paleolgue ~~، وأسرة كنتاكوزين # Cantacuzene # ببلاد المورة، كما اشتهرت من بين الأسر التجارية الكبيرة: «نوتاراس» # Notaras ~~، و«ممالي »، # Mammali # وفاتاتزيس # Vatatzis ~~. # ولم يكن هؤلاء المعمرون أو المتوطنون اليونان من التجار والفناريين أنانيين ولا «واقعيين»؛ فحافظوا بحرارة على كل التقاليد البيزنطية، وظلت تربطهم بأوطانهم صلات وثيقة، وتبرعوا بسخاء بأموالهم للمدارس اليونانية والمؤسسات الخيرية، بل إن أهل الجاليات اليونانية والفناريين أنفسهم هم الذين قاموا بتمويل حركة الاستقلال اليونانية أثناء ثورة المورة في سنة 1821. # ولقد كان لثراء اليونان الذي أسفر عن ظهور طبقة أرستقراطية أو طبقة عالية من البورجوازية الغنية نتائج بعيدة داخل الإمبراطورية العثمانية؛ فإن هؤلاء اليونان ما لبثوا حتى صاروا يتغلغلون شيئا فشيئا في دولاب الإدارة العثمانية؛ فكان منهم خصوصا عمال المالية ورجال إدارة الخزينة، بل إن المالية العثمانية لم تلبث أن صارت تتألف من اليونان، ثم إنهم سرعان ما شرعوا يملئون مناصب لا تقل عن هذه المناصب المالية أهمية عندما استخدمهم الباب العالي تراجمة في وقت نشطت فيه الدبلوماسية العثمانية في منتصف القرن السادس عشر ثم في منتصف القرن السابع عشر خصوصا؛ فأنشأت الدولة صلات واسعة ومنوعة مع الدول الأوروبية، وصار ضروريا استخدام هؤلاء التراجمة؛ فاستخدمت الدولة اليونان الذين اشتهر من بين التراجمة الكبار فيهم «بنايوتي» Panaiotis ~~، وهو من شيوس وأول من شغل منصب كبير التراجمة. # ولقد بقي اليونان يشغلون هذا المنصب بعد ذلك، وكان أوسع كبار التراجمة شهرة «إسكندر ماوروكرداتو» (1626-1709)، والذي كان يسمى «بالعارف بالأسرار»، تعددت زياراته لبلدان أوروبا الغربية، واشتغل بالطب في بادوا «بإيطاليا»، وعاش زمنا في بولوني «في فرنسا»، ثم انتهى ms0079 به المطاف إلى الاستقرار في القسطنطينية؛ حيث شغل ما يشبه وظيفة السكرتير العام لوزارة الخارجية العثمانية بها، وكان هو الذي تفاوض عن الدولة لعقد معاهدة كارلوفيتز # Carlowitz ~~(1699)، ثم إنه كان أديبا كتب باليونانية «تاريخا مقدسا» نشر في بوخارست في سنة 1713 بعد وفاته. # ولم يلبث أن صار اليونانيون يشغلون مناصب أرقى في وظائف الإدارة العثمانية؛ فتعين «نيقولا ماوروكرداتو» ابن إسكندر حاكما «هوسبدارا» # Hospodar # في سنة 1707 للبغدان «ملدافيا»، ثم على الأفلاق «ولاشيا» في سنة 1711، ومن ذلك الحين عين السلطان حكام هاتين المقاطعتين، اللتين عرفتهما أوروبا باسم «الولايات الدانوبية» من بين يونانيي الفنار، وكان نيقولا أديبا كوالده، ولكنه كتب باللاتينية، وتوفي سنة 1730 فلم يلبث السلطان أن عين أخا له يدعى قسطنطين حاكما «هوسبدار» على الأفلاق «ولاشيا» ابتداء من سنة 1735. # ولقد احتفظت الولايات الدانوبية (الأفلاق والبغدان) بقوانينهما الخاصة بهما تحت السيادة العثمانية مقابل دفع إتاوة سنوية، وكان حكام هاتين الولايتين ينالون من السلطان عند تقليدهم الحكم بهما لقب الباشوية الذي يخولهم الحكم قوادا عسكريين وحكاما مدنيين، كما كانوا ينالون من البطريق و«الكنيسة الأرثوذكسية» لقب «صاحب السلطة» # Despote ~~؛ أي رئيس الأهالي اليونان وعميدهم. # ولقد قام بفضل هذا التقليد المزدوج نوع من «الحكم الثنائي» في هذه الولايات الدانوبية جمع بين السلطة المركزية العثمانية وبين ممثلي هذه السلطة المركزية في الأفلاق والبغدان وهم يونانيو الفنار، وكان هذا النوع من الإدارة التي قامت في الولايات الدانوبية بمثابة تجربة أتاحت لليونان من الأسر الكبيرة الفرصة لممارسة شئون الحكم، سوف يفيد اليونان منها في المستقبل. # وهكذا كان بفضل كل هذه العوامل أن وجد من بين جمهرة اليونان نخبة ممتازة شعرت بأهميتها، وأدركت أن هناك احتمالات لمستقبل زاهر للأمة اليونانية، وهذه النخبة الممتازة هي التي زودت عند سنوح الفرصة الأمة اليونانية بقادتها وزعمائها، ثم كان بسببها أن استطاعت اليونان عند تحريرها واستقلالها أن تجد «هيئة إدارية» تتسلم زمام الأمور كان قد تم تهيئتها سياسيا وتدريبها على ممارسة شئون الحكم والإدارة في داخل الإمبراطورية العثمانية ذاتها. # على أنه إلى ms0080 جانب الأسر اليونانية الكبيرة التي أثرت بسبب نشاطها التجاري والاقتصادي؛ كان هناك عنصر يختلف تمام الاختلاف عن هؤلاء كان لوجوده ونشاطه أثر فعال عند قيام حركة اليونان الاستقلالية، ونعني بذلك أولئك الذين وضعوا أنفسهم خارج القانون والذين صاروا عضد الحركة الاستقلالية وساعدها الأيمن منذ نشبت الثورة (1821). والسبب في وجود هؤلاء «الخارجين على القوانين» من رجال العصابات طبيعة البلاد وتكوينها الجغرافي؛ حيث قد فصلت الجبال بين مختلف أقاليمها ومقاطعاتها فصارت هذه منعزلة عن بعضها، واتخذ اللصوص وقطاع الطريق الذين طاردهم القانون من هذه الجبال معاقل لهم، وعرفهم اليونان بأسماء مختلفة منها «الكلفت» # Kelpht ~~، ومعناها اللصوص وقطاع الطريق ... إلخ، وهؤلاء «الكلفت» ألفوا العصابات واستقروا في المقاطعات الجبلية صعبة المسالك والدروب في بلاد اليونان، وخصوصا في منطقة الجبال الممتدة على حدود الإمبراطورية الجنوبية. # ومن هؤلاء اللصوص كان بوتزاريس # Botzaris # الذي أدرك شهرة بعيدة فيما بعد، ثم في جبال «أجرافا» # Agropha # في الجزء الجنوبي من هضبة البندوس Pindus # في جبال «مونت أوليمبوس»، و«مونت فالتوس» # Mont Valtos ~~، حتى إذا اجتزنا خليج كورينث # Corinth # وجدنا «الكلفت» في شبه جزيرة المورة في إقليم «ماني» # Magne ~~(أي في لاكوينا # Laconio # القديمة)، وتزعمت أسرة «ماورو ميخالي # Mavromichalis ~~» عصابات الكلفت في هذه الجهات، وفي جزيرة كريت ألف الخارجون على القانون هؤلاء «الكلفت» عصابات صغيرة من خمسة إلى عشرة رجال اعتصمت في الجبال، وكان في أحايين كثيرة من المتعذر التمييز بين هؤلاء اللصوص وقطاع الطرق والخارجين على القانون (أو الكلفت) وبين الجندرمة أو العسس في هذه البلاد والذين انغمسوا في حياة لا تختلف كثيرا عن حياة عصابات الكلفت أنفسهم، وكان هؤلاء الجندرمة أو العسس المسمون «باليكاريس» Palikaris ~~. وكان القول المأثور في هذا العصر «إن الحرية لا تكون إلا في الجبال.» # وفي الجزر كان هناك خارجون على القانون كذلك من طراز «الكلفت» نفسه، وهؤلاء كانوا من النوتية والملاحين ورجال البحر القراصنة، وقد كان عددهم عظيما في جزر الأرخبيل «سيكلاد»، ونشر المؤرخ الفرنسي «فوريل» السالف الذكر كثيرا من أغانيهم التي تحدثوا فيها عن ms0081 مغامراتهم. # ولقد كان متيسرا كما هو واضح أن ينقل هؤلاء اللصوص وقطاع الطرق والقراصنة نشاطهم في اللصوصية والنهب والسلب إلى ميدان آخر هو الثورة عند نشوبها، وأن يشتركوا مع سائر أهل البلاد في المقاومة الوطنية، ولقد فعلوا ذلك في مرة سابقة سنة 1770 أثناء الحرب الروسية التركية عندما أرسلت القيصرة كاترين الثانية حملة بحرية كبيرة إلى بحر إيجة لمهاجمة الإمبراطورية العثمانية؛ فقد سبق إرسال العمارة الروسية أن أوفدت القيصرة إلى تساليا # Thessaly ~~(الإقليم الشرقي الساحلي من أرض اليونان شمال مورة) أحد الضباط الروس «باباز أوغلي» Papazaglou ~~، وكان ينحدر من أصل يوناني، وذلك حتى يثير القلاقل والاضطرابات في البلاد؛ تزعم باباز أوغلي وبناخي # Benaki # الثوار هناك، فعينت الدولة «محسن زاده محمد باشا» سردارا على جيش مورة وأمدته بعسكر جديد، فكان بعد لأي وعناء أن استطاع هذا القائد تسكين الاضطرابات؛ ولكن بعد خسائر كثيرة. # على أن الروس انتصروا في هذه الحرب على العثمانيين في روسيا الجنوبية وشبه جزيرة القرم، فسعى جماعة من الرؤساء اليونانيين يطلبون الاتصال بالقائد الروسي الجنرال «أورلوف» # Orlof # في البندقية أولا ثم في ليفورنه؛ وذلك لتدبير القيام بعمل مشترك بينهم وبين الأسطول الروسي، ثم حاول الروس احتلال «كورون» # Coron # الميناء الجنوبي بالمورة، وبمجرد نزولهم به قصد إليهم جمع غفير من اليونانيين الكلفت والباليكاريس الذين حضروا من كل أنحاء اليونان ومن جزر الإيونيان وكريت ومن جهات أخرى للانضمام إلى الروس الذين حاولوا بمساعدة كل هؤلاء لهم الاستيلاء على «تريبوليتزا» # Tripolitza # عاصمة إقليم «ماني» لتمتعها بسبب موقعها في قلب المورة بمركز استراتيجي هام. فحاصرها الروس مرتين، ولكن تحصينات المدينة كانت قوية ففشلت الحملة. # وانتقم الأتراك من اليونانيين؛ فقتلوا منهم من أهل المدينة ثلاثة آلاف، وسير الأتراك جيشا من مائة ألف ألباني لإخماد هذه الثورة، وهو الجيش الذي تعين لقيادته محسن زاده محمد باشا السالف الذكر، ولقد دافع اليونانيون ببسالة أعادت إلى الأذهان بطولة قوادهم في التاريخ الغابر، فوقف «كريستوف جريفاز» # Christophe Grivas # بحفنة من ثلاثمائة يوناني وحسب، يحاول وقف تدفق القوات ms0082 الألبانية عند ممر ضيق حاولت الجيوش الزاحفة أن تعبر منه نهر «أسبروبوتاموس» # Aspropotamos # فهلك هو ورجاله. # وهذه الثورة في سنة 1770 التي صحبت الغزو الروسي كانت بمثابة «تصوير» سابق لما سوف يحدث في ثورة 1821؛ ذلك أن ثورة 1770 قامت على أكتاف اليونان الخارجين على القانون، الذين رفعوا راية العصيان وأثاروا سائر مواطنيهم ضد الدولة العثمانية، ولم تتردد عن المضالعة معهم في هذه الثورة «البطريركية» أو السلطات الدينية؛ ومن ناحية أخرى فقد انتقم الأتراك من اليونانيين انتقاما فظيعا على نحو ما سوف يفعلون في سنة 1821، وذلك في ميسولونجي، وبتراس Patras # وبيولي # Beolie # خصوصا. وكان من بين الذين لقوا حتفهم في هذه الثورة (1770) من كبار الزعماء الوطنيين في المورة «أتيين ماورو ميخالي» وولده في حين عزل السلطان بطريق الكنيسة الأرثوذكسية في القسطنطينية ميلتيوس الثاني # Meletios II ~~. # وانتصر الروس على العثمانيين في الحرب التي كانت بدأت منذ أن أعلنها الأخيرون على روسيا (في أكتوبر 1768)، واستمرت حتى حاقت الهزائم بالدولة، وخشي الباب العالي العاقبة فطلب الصلح، وأبرمت معاهدة قوجك قينارجه (كشك كينارجي) في يوليو سنة 1774. ~~ فنصت المعاهدة على منح اليونانيين العفو الشامل وضمان حرية عباداتهم وإعفائهم من الضرائب المتأخرة عليهم، كما أنها نصت على احترام ما كان للأفلاق والبغدان (الولايات الدانوبية) من امتيازات سابقة. # ولقد اشتملت معاهدة قوجك قينارجه على بندين، كان لهما أهمية بالغة بسبب ما انطويا عليه من تقرير أول الأسس التي اعتمدت عليها المطالب والادعاءات الروسية من أجل التدخل لصالح أبناء الكنيسة الأرثوذكسية في الإمبراطورية العثمانية؛ هذان البندان كانا السابع والسابع عشر، فنص البند السابع على أن: # يعد الباب العالي بحماية الديانة المسيحية بصورة دائمة في جميع الكنائس ويوافق على أن يقدم إليه الوزراء الروس كل ما يبدو لهم من أمور متعلقة بصالح الكنيسة المؤسسة في القسطنطينية، وبصالح خدمة هذه الكنيسة جميعهم، ويعد بقبول كل ما يقدم إليه احتجاجات باعتبار أنها صادرة من أشخاص محترمين يمثلون دولة مجاورة وصديقة مخلصة ويتكلمون باسمها. # وواضح أن هذا النص كان ينطوي على مبدأ جديد ms0083 هو أنه صار لروسيا حق التدخل قانونا في صالح البطريركية الأرثوذكسية في القسطنطينية ذاتها. # وعلاوة على ذلك فقد أضاف البند السابع عشر: # أن الباب العالي يعد من الآن فصاعدا بأن الديانة المسيحية لن تتعرض لأي اضطهاد مهما قل شأنه، وأنه لن يمنع أحدا من إصلاح الكنائس وترميمها أو إعادة بنائها، وأن يمنع منعا باتا أن يلحق برجال الدين المسيحيين إهانة أو يكونوا موضع سخرية أو اضطهاد بأي شكل من الأشكال. # ومع ذلك وبالرغم مما تقدم جميعه لم تكن ثورة سنة 1770 حركة قومية، ولم يكن «الكلفت» أو رجال البحر القراصنة ... إلخ متأثرين بأي «شعور قومي». وكل ما يمكن أن تدل عليه هذه الثورة أنه كانت هناك عناصر مقاومة يونانية وطنية، وأن هناك احتمالا لظهور هذه العناصر ذاتها مرة أخرى إذا سنحت الفرصة لقيام حركة قومية صحيحة. # وثمة عامل أخير لا غنى عن ذكره عند الكلام عن هذه «الأمة» اليونانية الداخلة في نطاق الإمبراطورية العثمانية، وكان ذا شأن في ظهور القومية اليونانية فيما بعد، ونعني بذلك وجود مجموعة «جزر الأيونيان» # Ionian Islands # الواقعة تجاه ساحل اليونان الغربي وجنوب بحر الأدرياتيك، والتي لم تدخل قط تحت سلطان العثمانيين (المسلمين)، وكانت هذه الجزر سبعا أكبرها كروفو وسيفالونيا، وهذه الجزر مع المدن الحصينة الأربع على ساحل إبيروس # Epirus ~~: بوتريندو # Butrindo # وبارجا Parga ~~، وبريفيزا Preveza # وفونيتزا # Vonitza ~~، كانت بقايا أو أملاك إمبراطورية البندقية القديمة في بلاد اليونان، وانتشرت بها الكاثوليكية إلى جانب الأرثوذكسية. # ولو أن الأرثوذكس كانت لهم الأكثرية وتبع رئيس الكنيسة الأرثوذكسية في جزر الأيونيان بطريق القسطنطينية في حين بقيت الجزر تتبع من الناحية السياسية جمهورية البندقية يحكمها حاكم من البندقية، ويساعده موظفون إيطاليون في أعماله الإدارية، وعلى هؤلاء البنادقة تتلمذ اليونانيون في شئون الإدارة، وكان النبلاء اليونان يجتمعون سنويا لانتخاب مجلس من مائة وخمسين عضوا، ينتخب بدوره ثلاثة من «الوكلاء» # Syndics # ليمثلوا هذه الجزر في مدينة البندقية، وهؤلاء النبلاء اليونان كانوا يعملون بطبيعة الحال على تأييد حقوقهم الإقطاعية بالنسبة لجمهورية البندقية، ولكن لم ms0084 تكن لهم حقوق في الإشراف والهيمنة على الحكومة البندقية في الجزر (جزر الأيونيان). # ثم إن الجمهورية كانت تمنع يونانيي الجزر من الاشتغال بالملاحة حتى لا يتحد يونانيو الجزر خصوصا مع أهل كرفو المعروفين بعدائهم الشديد - كسائر أهل الجزر - ضد السيطرة الإيطالية التي يخضعون لحكومتها، وكانت «كرفو» هذه مركزا هاما للثقافة غزت بأضوائها بلاد اليونان نفسها. # وهكذا وجدت في اليونان كل العناصر التي تتألف منها «القومية» وأهم هذه اللغة والدين، وإن كانت هذه القومية لم يتح لها الظهور بعد، بل بقيت تترقب الفرصة تسنح في شكل مثل عليا معينة أو عواطف ملتهبة ليتسنى لها جمع هذه العناصر في «شعور قومي» ناضج كما بقيت تترقب الفرص تسنح في وقوع حادث سياسي، أو مجيء ظروف سياسية مناسبة لتصبح «حركة قومية». وأما الذي كان صاحب الفضل في إمداد اليونانيين بهذه المثل العليا؛ ثم في تهيئة الظروف السياسية المناسبة، فكان «الثورة الفرنسية»، ثم كان عندئذ أن انتقل اليونان من مجرد «أمة» مشتتة وما تزال في دور الميوعة إلى أمة اكتمل نضجها وصار لها شعور قومي؛ أي إلى «أمة قومية». # إرلندة # وكانت إرلندة «دولة» - وبالأحرى «دويلة» - من طراز يختلف عن الطرازات السابقة؛ من حيث إن إرلندة نقطة ابتداء لما يصح وصفه «بالقومية» الخالصة؛ وذلك لأن إرلندة تمتعت «بذاتية» بدت في جميع مناحي الحياة السياسية والاجتماعية بالرغم من رزوح هذه «الذاتية» تحت أقسى أنواع البؤس والاستبداد لدرجة حطمت قواها وأعجزتها حتى عن إدراك مقدار ما صارت إليه من وهن وانحطاط، بل وأعجزتها عن الشعور بما كان يتحتم عليها فعله لمقاومة هذا الانحطاط. # وإرلندة كانت أمة قد توافرت لديها العوامل التي لا غنى عنها لتكوين الأمم، وهي وجود الأرض التي يعيش عليها شعب من جنس واحد، هم الكلت # Celt # ودين واحد هو الكاثوليكية، ويتكلم بلغة واحدة هي الإرلندية، وله ماض مشترك، وتلك هي العوامل التي سوف تتألف منها القومية الإرلندية. # ولكن إرلندة ظلت في عزلة عن سائر بقاع الأرض بسبب البحر الإنجليزي الذي فصل بين هذه الجزيرة البعيدة ms0085 وبين القارة الأوروبية والغرب عموما. ومن زمن طويل وقعت إرلندة تحت سيطرة الإنجليز، وكانت هذه سيطرة غاشمة حتى إن ماكولي # Macauley # المؤرخ الإنجليزي كتب أن «الإنجليز استخدموا السيف ضد الإرلنديين الكاثوليك ليس في عهد إدارة (حكومة) واحدة فحسب، أو حتى في عهد عشرين إدارة أو حكومة، ولكن طول قرن من الزمان بأكمله. لقد لجأنا إلى محاولة نشر المجاعة في إرلندة، بل ولجأنا إلى اصطناع كل أساليب الظلم والاستبداد باستصدار القوانين الغاشمة، ثم حاولنا وسائل التشريد والإفناء، ولم يكن الغرض من ذلك كله تحقير شعب بغيض أو كسر شوكته وحسب، بل عملنا من أجل إبادة شعب بأسره في بلاد نبت فيها وشب وترعرع.» ومع ذلك فقد استطاعت إرلندة اجتياز هذه الشدة والنجاة من الموت والفناء الذي كان ينتظرها. # ولكن كان الأثر الذي خلفته الكوارث والنوازل أن فقدت الأمة أحاسيسها ومشاعرها لدرجة أنه لم يعد هناك مجال لحدوث «رد فعل» قد ينتشلها من الوهدة التي تردت فيها، وكان كل الأثر الذي خلفته هذه الكوارث والنوائب كراهية عظيمة تغلغلت في نفوس الإرلنديين ضد أولئك الذين بطشوا بهم. # ويتبين من تاريخ إرلندة أنها كانت تخضع دائما لنظام حكومة تأسست في البلاد بطريق الفتح؛ أي تميزت أساليبها بالوحشية الغاشمة، وهي أساليب تركت آثارا دامية في حياة هذه البلاد، فقد بدأت الفتوحات في إرلندة في القرن الثاني عشر في العهد الإنجليزي النورماندي، ومن ذلك الحين عرفت منطقة الاحتلال الإنجليزي على شاطئ الجزيرة الشرقي وعلى مسافة قريبة من إنجلترة ذاتها باسم القصر أو «المسوجة» Palisade ~~(أي الدائرة المحاطة بسياج من الأوتاد)، أو الحامية # Garrison # أو «البال» Pale ~~(أي دائرة النفوذ الإنجليزي). # ومنطقة الاحتلال الإنجليزي هذه كانت بمثابة رأس الجسر لامتداد النشاط الإنجليزي العسكري إلى داخل إرلندة، ولكن سرعان ما اتضح أن منطقة الاحتلال الإنجليزي كانت تسير تدريجيا وبصورة من الصور نحو الاندماج في الكيان الإرلندي، فلم تلبث إرلندة أن «تمثلت» الإنجليز الذين أقاموا في منطقة الاحتلال وكانوا يمتلكون الأراضي الشاسعة في إرلندة حتى انتهى الأمر بأن صار ms0086 هؤلاء يؤلفون طبقة من النبلاء (الأنجلو أيرلنديين)، وتحتم حينئذ على حكومة الملك في لندن أن تعمل من وقت لآخر لتغذية منطقة الاحتلال بعناصر إنجليزية جديدة، وفي عهد أسرة تيودور (خصوصا أيام الملكة إلياصابات) وفي عهد أسرة ستيوارت؛ أي في القرنين السادس عشر والسابع عشر، تأيد نظام «الحكومة الفاتحة» وتدعمت أركانه بأن تجددت العمليات العسكرية التي أرهقت البلاد وخربتها وأذاعت بها الإرهاب، وجوعت «الإدارة» الأهلين وأهلكت المجاعات عددا عظيما من الناس. # وفي عهد أسرة تيودور (الملكة إلياصابات) جلب الإنجليز إلى إرلندة حوالي عشرين أو ثلاثين ألفا من الاسكتلنديين ليتوطنوا بمقاطعة «ألستر» # Ulster # في الشمال على حساب الإرلنديين الوطنيين الذين جردوا من أراضيهم وأملاكهم ليغتصبها هؤلاء النازحون الجدد منهم بشتى الوسائل. ثم إن إنجلترة وقد صارت «بروتستنتية» لم تلبث أن أدخلت «الكنيسة الإنجليكانية» إلى إرلندة؛ فصادرت دون إمهال أموال وأملاك الكنيسة الكاثوليكية بها، وعمدت إلى اضطهاد الإرلنديين الكاثوليك. # وكما كان متوقعا أدى هذا النظام الغاشم إلى قيام الثورة في سنة 1641، فبدأت أولا في إقليم «ألستر» حيث ارتكب الإنجليز الإرلنديون الفظائع الشديدة ضد بعضهم بعضا، ووقعت المذابح العديدة بين الفريقين، وبقيت الثورة سنوات حتى قمعها «أوليفر كرمويل» # Cromwell # الذي ترأس الحكومة الجمهورية في إنجلترة عندما أرسل إلى إرلندة في سنة 1649 حملة قضت على الحاميات الإرلندية. # ولقد اتبعت حكومة الاحتلال مع الأهلين خطة إبادة وإفناء منظم، ذهب ضحيته خلال السنوات الإحدى عشرة التالية ستمائة وستة عشر ألف إرلندي من سكان بلغ عددهم مليونا وأربعمائة وستة وسبعين ألفا، ثم أنشئت محاكم خاصة كأداة للاستمرار في أعمال الإفناء والإبادة سرعان ما صارت تعرف باسم «محاكم المجازر»، فترتب على هذه المآسي أن غادر إرلندة فرارا من بطش الإنجليز حوالي ثلاثين أو أربعين ألفا لجئوا إلى أوروبا وأمريكا. ولم يكتف الإنجليز بما فعلوا؛ فباعوا في أسواق الرقيق حوالي ستين ألفا من الأطفال والنساء أو البنات للعمل في جزيرة جمايكا وجزر بربادوس، وبهذه الوسائل نقص عدد السكان في إرلندة إلى أقل من مليون نسمة، ثم إنه لما كانت ms0087 الحكومة قد صادرت أراضي الإرلنديين في مقاطعات «لينستر» # Leinster # و«ألستر» ومنستر # Munster ~~، فقد وزعت هذه الأراضي المصادرة على جنود كرمويل وعلى الذين استطاعوا الاستحواذ عليها بطريق التقاضي أمام المحاكم التي صارت تطبق قوانين التملك الإنجليزية. ودفع الإنجليز دفعا أهل البلاد ليرتدوا إلى طرف الجزيرة الغربي، ليقيموا في مقاطعة واحدة فحسب هي مقاطعة «كنوت» # Connaught # والإنجليز من وراء أقفيتهم يتصايحون إلى «كنوت» أو إلى جهنم وبئس المصير. # على أن الإنجليز أدركوا أهمية الإبقاء على عدد من الإرلنديين حتى في تلك المناطق التي أبيدوا فيها إبادة كادت تكون تامة؛ لاستخدامهم في أغراض مناوراتهم السياسية، وكان لبقاء هذا العنصر «الضئيل» الفضل في إعادة بناء الشعب الإرلندي. وفي عهد ملكية ستيوارت الراجعة (1660-1688) تمسك الإنجليز بالنظام الحكومي الساري في إرلندة، فأعادوا دعم أركان الكنيسة الإنجليكانية من جهة، ثم استصدروا من جهة أخرى «إعلان سنة 1660» # 3 # والذي هدف إلى معالجة مسألة الأراضي على أساس إعادة أملاك الكنيسة الإنجلكانية إليها، وإبقاء الأراضي في حوزة الملاك الإنجليز من الجنود الذين اشتركوا في قمع الثورة الإرلندية بين سنتي 1649، 1653، ثم أولئك المغامرين الذين أمدوا الحكومة بالأموال اللازمة لإخضاع هذه الثورة. # ولم يفد من هذه «التسوية» سوى عدد ضئيل من الكاثوليك الذين «ثبتت» براءتهم من القيام بالثورة ضد «التاج»، وكان بفضل هذه التسوية أن صار انتقال «ملكية» الأراضي من أصحابها الإرلنديين إلى سادتهم الإنجليز إجراء يستند إلى قوانين رسمية. # ولقد تم فتح إرلندة على يد وليم الثالث الذي اعتلى العرش بعد «الثورة السلمية» المشهورة في سنة 1688 التي أقصت جيمس الثاني عن العرش، وأنهت حكم أسرة ستيوارت من إنجلترة؛ فقد أرسل وليم الثالث إلى إرلندة حملة للاقتصاص منها بسبب تعضيدها لجيمس الثاني الذي كان اعتمد على الإرلنديين (الكاثوليك) في محاولة استرجاع عرشه، فأوقع وليم بالإرلنديين وبجيش جيمس الثاني هزيمة كبيرة في واقعة «بوين» # Boyne # في يوليو 1690، وسقطت «دبلين» في قبضته وفر جيمس إلى فرنسا. # وبعد أن سلم إقليم «لميريك» # Limerick # في غرب إرلندة الجنوبي في أكتوبر 1691 عقد الإنجليز مع ms0088 الإرلنديين في السنة نفسها اتفاقا (سلام لميريك) تعهد فيه الإنجليز باحترام مبدأي حرية العبادة والمساواة في الحقوق بينهم وبين الإرلنديين. على أن الإنجليز ما لبثوا حتى نقضوا هذا الاتفاق؛ فصادروا مسافة شاسعة من الأراضي، حوالي مليون فدان، ليستقر بها عدد عظيم من الإنجليز الذين أتوا بهم من جديد إلى إرلندة؛ وفقد كبار الإرلنديين كل رجاء في إمكان الاحتفاظ «بالقومية الإرلندية» فغادر هؤلاء أوطانهم، وهاجروا إلى فرنسا. ~~ وأما الذين آثروا البقاء في إرلندة فقد رضخوا لكل إرهاق وقع عليهم دون أن يحركوا ساكنا لدفعه ودون أن يفكروا في إثارة أية مقاومة ضده. وهكذا كان يبدو «الفتح» كأنه يريد إنشاء إرلندة إنجليزية تقوم عروشها على بقايا الوطن الإرلندي الصميم. # على أن قصة الفتح الإنجليزي في إرلندة لم تكن قد استكملت فصولها بعد؛ فقد استصدر البرلمان الإرلندي نفسه في «دبلن» تحت تأثير النفوذ الإنجليزي طائفة من القوانين بين سنتي 1695، 1709 عرفت باسم «قوانين العقوبات» Penal Laws # قضي بسببها على حريات الأهلين الكاثوليك، وحقوقهم المدنية، ومنع أتباع البابوية من التدريس في المدارس وفي منازلهم الخاصة، وصار محرما على الأطفال تلقي العلم على أيدي معتنقي الكاثوليكية في بلادهم، كما منعوا من التعليم الكاثوليكي خارج بلادهم، ثم نفي رجال الدين الكاثوليك من إرلندة، وحرم على البروتستنت الزواج من كاثوليك، ووضعت عدة شروط لتنظيم وراثة الأرض والأملاك الأخرى بصورة تمنع الكاثوليك من توريثها أو وراثتها. # وموجز القول: أن هذه القوانين (قوانين العقوبات) فرضت سيطرة أقلية من البروتستنت على أكثرية من الكاثوليك هم أهل البلاد الإرلنديون، وكان واضحا أن الحكومة الإنجليزية لم تكن تستهدف من سياستها إدماج الإرلنديين أو استيعابهم، وإنما كانت تبغي إخضاعهم لسيطرتها الباطشة المستبدة من ناحية، ثم استغلال موارد البلاد واستنزاف دماء أبنائها من ناحية أخرى، تعتمد في تحقيق مأربها على وجود «الحامية» الإنجليزية البروتستنتية مما كان معناه أن حالة حرب فعلية كانت قائمة بصورة مستديمة تحت ستار «نظام سياسي» معين. # ولقد قامت هذه السيطرة الإنجليزية في إرلندة على دعامات عدة منها «قانون بويننجس» Poynings ms0089 Law # نسبة إلى «إدوارد بويننجس» الذي حكم إرلندة نائبا للملك هنري السابع (من أسرة تيودور) فترة من الزمن، وصدر هذا القانون في ديسمبر سنة 1494، وتضمن المبادئ التي صارت مرعية طول القرون الثلاثة التالية في حكم إرلندة، وبمقتضى هذا القانون صار البرلمان الإرلندي مرغما على الموافقة على القوانين التي تقدم إليه واستصدارها دون مناقشة أو تعديل لها، وكما أعدتها الحكومة الإنجليزية، وكان معنى ذلك إدخال التشريع الإنجليزي في إرلندة وسريانه بها، وإخضاع البرلمان الإرلندي لرغبات الحكومة الإنجليزية. # وأما الدعامة الثانية للسيطرة الإنجليزية فكانت الكنيسة الإنجليكانية، ولو أن هذه الكنيسة لم يكن لها أتباع من بين الإرلنديين أنفسهم؛ لأن هؤلاء كما هو معروف إنما كانوا من الكاثوليك ما عدا أقلية بروتستنتية في شمال الجزيرة الشرقي في مقاطعة «ألستر». ولقد اعتمدت الكنيسة الإنجليكانية في تقرير العقيدة وتنظيم العبادات على القرارات والقوانين التي يستصدرها البرلمان، وهذا فيما يتعلق بالعقيدة ذاتها، ثم على الملك الذي كان من حقه تعيين القساوسة والأساقفة، وهذا فيما يتعلق بملء الوظائف الكنسية. وقد بلغ عدد الأساقفة اثنين وعشرين أسقفا والقساوسة ثلاثة آلاف، في حين لم يكن يوجد إرلندي واحد يدين بالولاء للبروتستنتية في الأبرشيات الإنجليكانية في إرلندة وعددها المائتان. # ثم إن هؤلاء الأساقفة ظلوا يعيشون أكثر الوقت في إنجلترة، وكانت هذه الكنيسة الإنجليكانية التي فرضت فرضا في إرلندة ذات ثراء عريض نتيجة مصادرة أملاك الكنيسة الكاثوليكية، كما صارت تحصل العشور من الإرلنديين، وأشرفت على التعليم وعلى حياة الأهلين المدنية، وتمتعت بالولاية القضائية على الأراضي التي تملكها، وعلى الفلاحين المقيمين عليها، وذلك كله دون أن يفيد الإرلنديون وهم كاثوليك شيئا من الخدمة الروحية التي تؤديها الكنيسة، وفضلا عن ذلك لم ينج من سلطان الكنيسة الإنجليكانية أولئك الاسكتلنديون أتباع «الكنيسة المشيخية» والذين عاشوا في مقاطعة ألستر. # وكان الملاك الدعامة الثالثة التي قامت عليها السيطرة الإنجليزية في إرلندة، وهذه كانت أبعد الدعامات أثرا وأقواها نفوذا؛ ذلك أن الإنجليز كانوا يملكون في إرلندة الأرض التي استولوا عليها نتيجة مصادرة أملاك الأفراد الصغيرة وأملاك كبار ms0090 الإرلنديين من أصحاب الأراضي الشاسعة. # ولقد كان هناك طبقتان من الملاك الإنجليز؛ الطبقة الأولى: وتتألف من كبار الملاك الذين لم يتخذوا مقامهم في إرلندة وعهودا باستغلال أراضيهم إلى طائفة من الوكلاء كانوا في أحايين كثيرة من أهل البلاد أنفسهم، وذلك في نظير نسبة معينة من الإيراد، الأمر الذي جعل هؤلاء الوكلاء يشتدون في معاملتهم ويقسون على المشتغلين في هذه الأراضي من أجل الحصول على أعظم قدر ممكن من الإيراد. # أما الطبقة الثانية: فكانت جماعة الملاك متوسطي الحال الذين عاشوا في البلاد نفسها وصاروا يؤلفون طبقة أقل في مستواها من كبار الملاك، ونعني أعيان الطبقة المتوسطة # Gentry ~~، وكان هؤلاء هم الذين عمدت الحكومة إلى ملء وظائف الإدارة منهم، فجمعوا إلى جانب السيطرة الاقتصادية بسبب ثرائهم أسباب السيطرة الإدارية والحكومية في أيديهم كذلك، وهؤلاء الملاك (من طبقة أعيان البورجوازية) انتشروا على وجه الخصوص في مقاطعات «لينستر» و«ألستر» على شواطئها وفي «منستر». ولقد كان للملاك الإنجليز الحق في توريث أراضيهم إلى أكبر أبنائهم الذكور، كما كان لهم الحق في توريثها مقدما كذلك لأكبر حفدتهم الذكور؛ وذلك حرصا على بقاء الثروة مركزة في يد كبير الأسرة. # ولقد حرم هذا النظام الإرلنديين الذين عاشوا في هذه الأراضي من الحماية التي كانت لهم في علائقهم كفلاحين بالسادة الأشراف أو ملاك الأرض وفق القواعد والأنظمة «الإقطاعية» القديمة، ثم إن الأرض ما لبثت حتى فقدت جودتها وقلت غلتها تدريجيا بسبب امتناع الملاك عن إنفاق أموالهم في استصلاحها أو في استخدام طرائق حديثة في استغلالها؛ فنزل الضنك والبؤس بالفلاحين وهم جمهرة الشعب الإرلندي نتجية لسوء الحالة الاقتصادية، وكان الملاك يعطون بطريق الإيجار إلى المزارعين الإرلنديين جزءا صغيرا من أراضيهم لمدة لا تزيد على عشرين أو ثلاثين سنة، في نظير أن يؤدي هؤلاء المستأجرون خدمات معينة إلى جانب ما يدفعون من إيجار، فكان أشق هذه الخدمات تسخيرهم في العمل في أراضي الملاك لقاء أجر ضئيل أو بالمجان. # ومما زاد هذه السيطرة الإنجليزية قوة وإحكاما أن الإنجليز استمالوا إليهم بشكل ما ms0091 جماعة من الإرلنديين الذين سوف يصبحون عند الضرورة «الصفوة الإرلندية» الذين تتألف منهم طبقة بورجوازية ريفية، فقد حدث خلال القرن الثامن عشر خصوصا أن تحولت بعض الأراضي الإرلندية إلى مزرعات لتربية الماشية بسبب استغلال الأراضي مراعي بدلا من زراعتها، فسوجت هذه المزرعات المخصصة للرعي وعرفت باسم «التحويطات الزراعية» # Enclosures # في مقاطعات «ليمريك» و«تيبراري» # Tipperary # و«كلير» # Clare # و«ميث» # Meath # و«ووترفورد» # Waterford ~~، ولو أنها كانت قليلة العدد بسبب ما يلزم لهذه المراعي من مساحات من الأرض شاسعة. # وكان ملاك هذه «المسوجات» أو مستغلوها من الإرلنديين يحاكون أهل طبقة أعيان البورجوازية # Gentry # من الإنجليز في عيشهم ويقلدونهم في كل شيء ويقفون أثرهم. ولقد وجد إلى جانب هؤلاء فريق من أهل الطبقة المتوسطة (البورجوازية) الإرلندية من جماعة «الوسطاء» # Middlemen # الذين استأجروا (التزموا) بجزء من أراضي الملاك الإنجليز؛ فاحتفظوا بقسم منها يستغلونها بأنفسهم في حين وزعوا القسم الآخر في أجزاء صغيرة على «مستأجرين» آخرين، وكان هؤلاء «الوسطاء» الإرلنديون الذين عاونوا الملاك الإنجليز على استغلال أراضيهم موضع كراهية واحتقار هؤلاء الإنجليز أنفسهم الذين استخدموهم، ثم كراهية واحتقار الفلاحين الإرلندين الذين استبد بهم «الوسطاء» وأساءوا معاملتهم فاعتبرهم مواطنوهم خونة لقضية الوطن. # وأما هؤلاء «الوسطاء» فقد صاروا يتطبعون بطباع الإنجليز ويمعنون في تقليدهم ومحاكاتهم، على أنه مما تجدر ملاحظته أن جميع هؤلاء الملوك الإنجليز من أعيان البورجوازية ثم هؤلاء الوسطاء الإرلنديين كان ينقصهم التهذيب والتعليم ولا ثقافة لهم، كما كانوا غلاظ الطباع أصحاب خشونة ووحشية في مسلكهم وأساليب حياتهم. # تلك إذن كانت دعامات السيطرة الإنجليزية في إرلندة: الإدارة السياسية، الكنيسة الإنجليكانية، نظام الملكية العقارية «والأرض»، ثم ذلك النظام الحكومي الذي هدف إلى تحطيم جميع أسباب الحياة الروحية والمادية في إرلندة. # ولقد كان لهذه السيطرة الإنجليزية آثار بعيدة؛ من ذلك أن البروتستنتية الإنجليكانية التي فرضت على إرلندة درجت على تعقب الكاثوليك بالاضطهاد والتشريد، فمنع الكاثوليك وهم الإرلنديون من مزاولة طقوس العبادة الظاهرة كالحج ودق النواقيس وما إلى ذلك، وعظمت حروجة مركز القساوسة الكاثوليك دينيا واجتماعيا، ثم إنه تقرر في ms0092 سنة 1598 إرسال الأساقفة الكاثوليك والقساوسة الذين تمسكوا بالعقيدة ومظاهر العبادة الكاثوليكية إلى المنفى، وأجيز فقط بقاء القساوسة الذين سجلت الحكومة أسماءهم في سجلاتها، وكان عليهم أن يحلفوا يمين الولاء للحكومة ولكنيستها، وكان عدد هؤلاء القساوسة المسجلة أسماؤهم قليلا، وفيما عدا ذلك فقد اعتبر الأساقفة والقساوسة «خارج القانون»، وخصصت المكافآت المالية للإرشاد عنهم، وسمي هؤلاء الذين يرشدون عن رجال الدين «الخارجين على القانون» بصائدي القساوسة Priest Hunters ~~. # وكثرت القيود التي ضيقت من الناحية القانونية سبل العيش في وجه الكاثوليك؛ أي الإرلنديين، فإلى جانب عجز هؤلاء عن مزاولة طقوس عبادتهم وحرمانهم من حقوق الملكية وقصر مدة «استئجارهم» الأراضي على عشرين أو ثلاثين عاما (التزاما)، فقد حرموا كذلك من مزاولة المهن الحرة ما عدا مهنة الطب، ثم حرموا من مزاولة أكثر المهن المتعلقة بالتجارة إلا في حالات معينة؛ ولما كان البرلمان الإنجليزي يبغي استبعاد الكاثوليك من الوظائف الحكومية في الدولة، فقد استصدر في سنة 1673 «قانون التمييز الطائفي # Test Act ~~» يحتم على جميع موظفي الحكومة أن يحلفوا يمين الولاء للكنيسة الإنجليكانية وأن يؤمنوا بسر القربان المقدس وفق طقوس هذه الكنيسة، وأن يرفضوا علنا الإيمان بتحول الخبز والنبيذ إلى جسد المسيح ودمه، فكان هذا القانون «اختبارا» استبعد بفضله عند تطبيقه في إرلندة كل الكاثوليك - أي الإرلنديين - من شغل الوظائف العامة؛ أضف إلى هذا أن هؤلاء كانوا قد حرموا كذلك حق الولاية على أطفالهم، كما قدمنا، فمنع غير البروتستنت من القيام على تعليمهم في إرلندة كما منع غير البروتستنت من تعليمهم في خارج إرلندة. # وعلاوة على ذلك فقد حرم الكاثوليكي قانونا من حقه في إرث أبويه إذا كان من البروتستنت، وتمتع البروتستنت بحق حصر الوراثة في الابن الأكبر في حين تجزأت أملاك الكاثوليك بين الأبناء بالتساوي، وهكذا لم يعترف القانون في نظر الحكومة الإنجليزية بوجود الكاثوليك أتباع الكنيسة الرومانية. وقد وصف «إدموند بيرك» # Burke ~~- الفيلسوف الإنجليزي - هذه الأحوال السائدة في إرلندة في عصره، وكان مولده في دبلن 1729 ودرس بها قبل أن يتم دراسته ms0093 القانونية في لندن، ثم زار إرلندة بعد ذلك، وتوفي بإنجلترة سنة 1797، وهو صاحب شهرة ذائعة بسبب كتاباته ضد الثورة الفرنسية. وصف «بيرك» الحالة في إرلندة بأنها «منتهى درجات التمام التي يمكن أن تصلها الرذيلة، ورق تقشعر منه الأبدان، ينطوي على جحود وكفران مبين، وطغيان يدل على أقصى ما تصل إليه وقاحة الإنسان وفساد خلقه.» # هذا أما حياة البلاد الاقتصادية؛ فقد تدهورت تدهورا عظيما بسبب أن إرلندة كان يحكمها الإنجليز بوصف أنها مستعمرة وحسب، يستغلها حكامها لصالح العاصمة «لندن» وحدها. ولقد قضى قضاء منظما على الصناعات الإرلندية الوطنية الواحدة بعد الأخرى بفضل القوانين العاتية التي استصدرت والضرائب المرهقة التي فرضت على الإرلنديين، فاختفت منذ أواخر القرن التاسع عشر صناعة الصوف وحذت حذوها صناعة الخزف والفخار، ولم يترك الإنجليز سوى صناعة الأقمشة من القنب أو الكتان في بعض المدن الشمالية الشرقية مثل «بلفاست» # Belfast # و«لندوندري» # Londonderry ~~، وترتب على هذا الضيق الاقتصادي أن إرلندة لم تفد شيئا من الانقلاب الصناعي الذي حدث في إنجلترة في القرن الثامن عشر. # ومن ناحية الزراعة، بقيت إرلندة في حالة تأخر ظاهر تزاول أساليب الزراعة القديمة وأدواتها المحاريث الخشبية، فاستمرت فلاحة الأرض طالما أخرجت الأرض محاصيلها، حتى إذا ضعفت التربة تركت الأرض بورا وانصرف الناس عن فلاحتها وزرعها، أضف إلى هذا انعدام وجود الطرق وعربات النقل؛ مما جعل متعذرا نقل المحاصيل إلى الأسواق لبيعها، فلم تنل زراعة الحنطة أي عناية، واقتصرت زراعتها في بعض أجزاء إرلندة الجنوبية الغربية فقط لإنتاج مشروب الويسكي، وصار البطاطس محصول البلاد الرئيسي وذلك على حساب المحصولات الأخرى، وزاد في ضنك أهل البلاد وبؤسهم تقسيم الأراضي إلى أجزاء صغيرة، وكان من عوامل هذا التفتيت والتجزئة نظام الوراثة الذي ذكرنا أنه قضى بتوزيع أملاك المورث على الورثة بالتساوي، وثمة عامل آخر وهو تجزئة أراضي القرية «المشاعة» على أهل القرية بالتساوي، وقد ظلت تنقص وتتضاءل مساحات هذه الأجزاء من الأراضي المقسمة والموزعة تبعا لزيادة عدد السكان. # وأما العامل الأخير؛ فكان انعدام وجود المزارعين المأجورين. ولقد عرفنا ms0094 أن طريقة التأجير والوساطة كانت الطريقة المتبعة في استغلال الأراضي، وكانت لا تزيد مساحة كل منطقة حسب هذا النظام على عدد من الأفدنة يتراوح تقريبا بين الخمسة عشر والأربعين فدانا. وهكذا بقيت إرلندة بعيدة كل البعد من تلك الحركة الاقتصادية الزراعية التي قامت وقتئذ في إنجلترة وفي قسم من فرنسا وأحيت النشاط الزراعي من جديد في كل منهما. # تلك إذن كانت مظاهر الحياة الاقتصادية والاجتماعية والدينية والسياسية في إرلندة تحت السيطرة الإنجليزية الغاشمة. وأما لإدراك ما كان عليه حال الإرلنديين في هذه الحياة، فإن أول ما ينبغي ذكره كحقيقة تساعد على فهم موقف هؤلاء أن الإرلنديين أمة تتناسل بكثرة عظيمة، فقد بلغ عدد سكان إرلندة في آخر القرن الثامن عشر حوالي خمسة ملايين، عاشوا في ضنك وبؤس استرعيا نظر الإنجليز أنفسهم في ذلك الحين، فتحدث عن هذا الضنك والبؤس «جونثان سويفت» # Jonathan Swift # أحد كتاب الإنجليز المشهورين الذي نشر في سنة 1721 بحثا عن الحالة في إرلندة لم يلبث أن أعقبه في سنة 1729 بنشر مقترحاته «المتواضعة» لمعالجة مسألة الفقراء والبؤساء الإرلنديين الذين وصلوا إلى درجة من البؤس والشقاء تفوق ما كان عليه الشحاذون في إنجلترة. # ولقد تصدى آخرون كذلك لوصف حال هؤلاء البؤساء الإرلنديين كما فعل «إدموند بيرك» الذي سبق ذكره، ثم لورد «شيسترفيلد» # Chesterfield # الذي وصف الإرلنديين بأنهم كانوا أسوأ حالا من العبيد السود، وسماهم شعبا من الرقيق والشحاذين، ثم «آرثر يونج» # Arthur Young # الذي وصف معيشة الأيرلنديين في آخر القرن الثامن عشر فقال: إنهم يعيشون في أكواخ حقيرة ويضعون على أجسامهم خرقا مهلهلة، وينام أفراد الأسرة مع مواشيهم في غرفة واحدة. ولقد كان من دواعي البؤس كذلك أن انتشرت المجاعات بين هذا الشعب الإرلندي، فحدث خلال العشرين سنة في القرن الثامن عشر وحده ما لا يقل عن أربع مجاعات اجتاحت عددا عظيما من أهل البلاد. # وترتب على وجود هذا البؤس والشقاء أن اضطرت العناصر النشيطة إلى الهجرة من البلاد وبخاصة عندما تعذر عليهم العمل كأجراء زراعيين في ms0095 أراضي الملاك الإنجليز الذين منعوهم من الدخول في أراضيهم. ولما كان الانقلاب الصناعي قد حصل وقتئذ في إنجلترة فقد نشأت مراكز صناعية جديدة صارت بسببها الحاجة ملحة إلى الأيدي العاملة الكثيرة، فقصد هؤلاء المهاجرون الإرلنديون إلى هذه المراكز الصناعية الجديدة وسرعان ما تألفت منهم «جاليات» كبيرة في ليفربول ومانشستر خصوصا، وتزايد عدد الإرلنديين في هذه المدن بنسبة نمو الصناعة بها. # ثم إن فريقا آخر هاجر إلى الخارج للعمل كجنود مرتزقة في جيوش فرنسا وإسبانيا والنمسا، فكان لدى جيش الملك في فرنسا دائما «فرقة إرلندية»، ومثل هؤلاء المهاجرين هم الذين أطلق عليهم مواطنوهم اسم «الإوز البري» # Wild geese ~~، ويقدر عدد الإرلنديين في جيش الملك الفرنسي الذين هلكوا في الحروب التي دارت أثناء القرن الثامن عشر بحوالي أربعمائة وخمسين ألفا، ومع ذلك، فقد تولى بعض هؤلاء الإرلنديين مناصب القيادة في فرنسا وإسبانيا وامتاز منهم قواد عظام من أسرة «لالي» # Lally # وأسرة «ديلون» # Dillon # في فرنسا، ثم أسرة «أونيل» # O’Neill # و«أودونيل» # O’Donnel # في إسبانيا، بل شغل أحد أفراد الأسرة الأخيرة وهو «دي وال» # De Wall # منصب رئيس الوزارة بها، وفي النمسا كان القائد الكونت لافال نوجنت # Nugent # ثم «موريس لاسي» # Lacy # القائد النمساوي الآخر من أصل إرلندي. ثم إن نفرا آخر من الإرلنديين هاجروا إلى أمريكا. # ولقد ترك هذا البؤس والضنك آثارا لا تمحى في نفوس الإرلنديين؛ فمن الناحية النفسية (السيكولوجية) زادت حدة ذلك الطابع الذي امتاز به الخلق الإرلندي، ونعني بذلك عدم الاكتراث وعدم المبالاة وقلة التبصر في عواقب الأمور ثم «المطاوعة» والتزام مسلك سلبي إزاء كل ما يقع من أحداث، فهم يستسلمون للبؤس راضخين ويوطنون النفس على ضرورة الثقة بحسن نوايا «ساداتهم» فلا يهتمون حتى بأن يكون استخدامهم بناء على على عقود مكتوبة؛ مما جعل الإنجليز يتشجعون على الاستهانة بهم والإمعان في إذلالهم وإرهاقهم؛ ففقد الإرلنديون بسبب البؤس والضنك الذي كانوا فيه كل شعور باحترام أنفسهم أو الثقة في أنفسهم، حتى أن المثقفين منهم كان يسيطر عليهم الخمول الذهني والجسمي معا ms0096 لدرجة منعتهم حتى من التفكير في الإتيان بأي نشاط كان. # وكان طبيعيا لهذا كله أن يقتنع الإنجليز أن من العبث أن يرجو المرء خيرا من هؤلاء الإرلنديين أو أن يستحثهم على فعل شيء وهم الذين اعتقد الإنجليز أنهم شعب من المنافقين الكذابين الذين انطبعت نفوسهم على القسوة والوحشية والحقد لا يعرفون معنى النظام ولا يصلحون إلا للخضوع لنير حكومة باطشة مستبدة. وهذا الاعتقاد كان من أهم أسباب إمعان السادة الإنجليز في سياستهم القائمة على العسف بالإرلنديين ومحاولة إبادتهم وإفنائهم. # ولا جدال في أن هذا الاعتقاد الخطير في نتائجه كان اعتقادا خاطئا، فالإرلنديون كما يتبين من وثائق العصر كانوا يتمتعون بروح عظيمة حقيقة، أرغم البؤس والضنك الذي حل بالأمة الإرلندية أبناءها أن يؤمنوا بحكم القضاء والقدر، وجعلهم البؤس والضنك في حالة ركود نفساني ظاهر؛ فقدوا بسببه القدرة على تنظيم صفوفهم والشعور بما كان لديهم من قوة كامنة، ولكن ذلك لم يكن إلا نتيجة نظام الحكم الإنجليزي السائد في بلادهم؛ النظام الذي حطم نفوسهم تحطيما، حتى إنهم لم ينتهزوا فرصة نزول جيمس الثاني في بلادهم وما تبع ذلك من اضطرابات ناجمة من محاولة هذه الأخير استرداد عرش أسرة ستيوارت، فيقوم الإرلنديون بثورة مستطيرة تخلصهم من ظلم السادة الإنجليز. ومع ذلك، فقد بقيت الروح الإرلندية حية ولم تندثر بالرغم من كل ما حدث. # وهذه القوة الروحية، وبمعنى أدق روح الإرلنديين «الاستقلالية»، قد استندت على عقيدتهم الدينية الكاثوليكية؛ لقد شاهدنا كيف حطم الحكم الإنجليزي كل أنظمة الأيرلنديين وأساليب حياتهم في شتى نواحيها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ولكنه عجز عن تحطيم الكنيسة الكاثوليكية وعجز عن محو عقيدة الإرلنديين الدينية، فبقيت الكنيسة في إرلندة بأنظمتها وتقاليدها، وكما كانت قبل السيطرة الإنجليزية، فاستمرت البلاد مقسمة إلى ست وعشرين أبرشية أسقف تحوي أربعة رؤساء أساقفة، وحوالي الألف من القساوسة ومائتي كاهن موزعين على «خوريات» بهذا العدد، فضلا على قساوسة الأبرشيات الذين بلغوا تسعمائة. # وقد عين الأساقفة في أول الأمر المطالب بالعرش الإنجليزي جيمس الثاني بعد ثورة 1688، ثم صار يعينهم ms0097 المطالبون بالعرش من بعده من أسرة ستيوارت: جيمس إدوارد ثم شارل إدوارد، وباختفاء هذا الأخير اتبع القساوسة والأساقفة الإرلنديون نظاما آخر، فصاروا يعدون قائمة بأسماء المرشحين لملء المناصب الدينية يعرضونها على البابا الذي يختار لهذه المناصب من يشاء من بينهم. وحيث إن الإنجليز قد صادروا أملاك الكنيسة الكاثوليكية، فإن هذه لم تلبث أن اعتمدت في إدارة شئونها على المساعدات التي يقدمها لها أتباعها. على أن الذي تجدر ملاحظته أن هذه الكنيسة ظلت قائمة في الخفاء بسبب القوانين التي استصدرتها الحكومة الإنجليزية لتعطيل نشاطها، فلم يكن لها كنائس؛ لاستيلاء الكنيسة الإنجليكانية على دورها المخصصة للعبادة وعجزها بطبيعة الحال عن بناء غيرها، ومنعت من دق النواقيس أو الاحتفال علنا بأعيادها، إلى غير ذلك من المظاهر والطقوس الدينية، فاكتفت حينئذ بإعداد معابد صغيرة في الأكواخ الحقيرة غالبا وفي الأهراء أو المخازن، وفي بلفاست لم يكن يوجد سوى «معبد» كاثوليكي واحد. # وأما القساوسة أنفسهم فكانوا يتلقون دروس اللاهوت في خارج إرلندة لتعذر إنشاء المدارس الإكليريكية أو غيرها من المدارس الكاثوليكية في داخل إرلندة، فدرسوا اللاهوت في «لوفان» # Louvin # و«دويه» # Douai # في بلجيكا وفي باريس بفرنسا و«سلامنكا» في إسبانيا، وكانت كل هذه، وفي فرنسا على وجه الخصوص، مراكز للتعاليم الجاليكانية، التي نبذت العلاقة مع كنيسة رومة وجعلت التعيين للوظائف الكنسية يخضع لسلطان الحكومة والملك مع بقائها تدين في الوقت نفسه بالعقيدة الكاثوليكية. وعلى ذلك، فقد تلقى القساوسة الإرلنديون في هذه المراكز مبادئ الخضوع الكامل لسلطان الحكومة وصاحب السيادة العليا؛ فانطبعوا على الطاعة التامة وعدم الثورة ضد الحكومة، وكان بفضل هذه التنشئة ذاتها أن صارت الحكومة الإنجليزية تعتمد عليهم أنفسهم في تهدئة الشعب الإرلندي وتسكينه، وفي فض الخلافات والنزاعات المحلية، كما أنها صارت تعتمد عليهم في القبض على المجرمين وفي منع الفلاحين من التفكير في الثورة عليها. # ولقد خضع الشعب الإرلندي لسلطان ونفوذ هؤلاء القساوسة ورجال الدين خضوعا مطلقا، ومما ساعد على هذا الخضوع أنه لم تقم في إرلندة أية حركة «تعقلية» تستند على تحكيم العقل ms0098 والتفكير المنطقي فيما يعرض من أمور. ثم إن من أسباب هذا الخضوع كذلك امتياز الجنس الكلتي الذي منه الإرلنديون بالانكباب على العبادة والتدين لدرجة التصوف. # على أن تمسك الإرلنديين بعقائدهم وديانتهم الكاثوليكية كان الأساس الذي أوجد العاطفة الوطنية لديهم، بمعنى أن الإرلنديين شهدوا في واقع كونهم «كاثوليكا» الوسيلة التي أبقت لهم كيانهم ووجودهم بل واستقلالهم إزاء الإنجليز، بالرغم من كل ما فعله هؤلاء لإفنائهم وإبادهم، بل إن إمعان الإنجليز في اضطهادهم كان من أثره زيادة هذه العاطفة، وإن شئت الغريزة الدينية، وبالتالي العاطفة أو الغريزة الوطنية شدة على شدتها وقوة على قوتها. # ثم إن القساوسة الكاثوليك هم الذين اضطلعوا وحدهم بشئون التعليم وكان في استطاعتهم تعليم الأبناء الإرلنديين لغة بلادهم وتاريخها بل وأغانيها، وذلك عندما منعت الحكومة تدريس ذلك كله ضمن برامج التعليم العام، وأصبحت جامعة دبلن والثالوث الأقدس # Trinity College # التي تأسست سنة 1511 إنجليزية بروتستنتية، ولم يعد للكاثوليك وسيلة لتعليم أبنائهم سوى تلقينهم مبادئ العلوم والمعارف الأولية فيما يعرف باسم المدارس «المسوجة» وهي بمثابة كتاتيب في الهواء الطلق تنشأ جنب دغل من الأدغال يتلقى فيها أطفال القرية المبادئ الأولية على أيدي القساوسة في بعض الأهراء أو في الهواء الطلق، ثم كان عند صدور «قانون الاندماج» في سنة 1800 في المملكة البريطانية المتحدة أن تأسست جمعيات أو محافل لتعليم الأطفال وتنشئتهم، وهي جماعات «الإخوان المسيحيين» # Christian Brothers # أو إخوان (رهبان) القديس باتريك. # وعلى ذلك، فقد ارتبطت الكاثوليكية بالعاطفة الوطنية في إرلندة ارتباطا وثيقا، بل واندمجتا في بعضهما بعضا اندماجا كليا، ثم إن هذه العاطفة الوطنية تبدت في ضرورة واحدة وحسب، هي تصميم الإرلنديين على تمسكهم بتقاليدهم الدينية، وكان هذا «العناد الخلقي» المتعلق بكل ما يمس عقائدهم الدينية لا يمت بسبب أو صلة كما هو واضح إلى أي شعور أو يقظة «قومية» أو عاطفة سياسية، وكان كلما تقدم الزمن بالإرلنديين تزايد عناد الإرلنديين الخلقي وإصرارهم على التمسك بكاثوليكيتهم، حتى إن الحركة الدينية التي ظهرت في إنجلترة وعرفت باسم الحركة «النظامية ms0099 الدينية» # Methodism ~~- وهي بروتستنتية - بزعامة جون وزلي # Wesley ~~(1703-1791) وكان من أعظم الوعاظ وأقدرهم على التنظيم الديني، لم تلبث أن أخفقت في محاولتها جعل الإرلنديين ينبذون عقائدهم الكاثوليكية بالرغم من أن «وزلي» نفسه زار إرلندة للوعظ والإرشاد بها سبع عشرة مرة. # ومع ذلك؛ فإن إرلندة التي عظم بؤسها وشقاؤها لدرجة أن خمد كل شعور لدى الشعب بالحاجة لمقاومة السيطرة الإنجليزية، لم تلبث في السنوات القليلة التي سبقت اشتعال «الثورة الفرنسية» أن أصبحت مسرحا لبعض حركات المقاومة التي اقترنت بأعمال العنف والشدة ضد هذه السيطرة الإنجليزية. # ففي عهد جورج الثالث تكونت بين سنتي 1760، 1770 عصابات المقاومة ممن عرفوا في مبدأ الأمر باسم العاملين من أجل المساواة وإزالة الفوارق بين البشر # Levellers # ثم صاورا يعرفون من آخر سنة 1761 باسم «الصبيان البيض» # Whiteboys # توزعوا في جماعات من مائتين أو ثلاثمائة رجل يرتدون عباءات بيضاء فوق ملابسهم العادية ويضعون شارات بيضاء فوق رءوسهم، أو حول قبعاتهم، وكانوا من الفلاحين. # ولقد صارت هذه العصابات تسطو على «التحويطات الزراعية» لتخريبها وعلى الماشية لإيذائها بكسر أرجلها، وكل ذلك انتقاما من القوانين الصارمة التي حرمت الإرلنديين من الأرض، وكانت مصدر كل تلك المساوئ التي سبق وصفها عند الكلام عن ملاك الأرض الإنجليز، واعتدى «الصبيان البيض» على أتباع هؤلاء الملاك وموظفيهم واستفحل شرهم، فصار لا يجرؤ أحد على الشهادة ضدهم، وعجز القانون عن تأديبهم أو وقف اعتداءاتهم، وكانت هذه العصابات أولى تلك «التنظيمات الزراعية» التي تعددت واستمر رجالها أو «أعضاؤها» طول قرن من الزمان يتحدون القانون ويحطمونه دون أن تستطيع الحكومة ردعهم. ولقد شهدت إنجلترة نفسها مثل هذه الحركات وقتئذ، ومنشأ ذلك كله ولا شك نظام «التحويطات الزراعية» الذي ضمت بمقتضاه الحقول الصغيرة لتؤلف حقولا كبيرة ثم حوطت الأراضي أو سوجت وقسمت تقسميا جديدا وأدمجت المساحات البور والمراعي المشاعة في أراضي كبار الملاك، وكثرت هذه التحويطات الزراعية في إرلندة كما كثرت في إنجلترة. # ولقد تألفت بعد سنة 1770 عصابات أخرى من طراز «الصبيان البيض»، ولقد أفادت هذه العصابات ms0100 من المتاعب والصعوبات التي صادفتها إنجلترة حينئذ بسبب ثورة مستعمراتها (الولايات) الثلاثة عشر في أمريكا واستقلالها. # ودرج الإرلنديون على الاستفادة دائما من متاعب الإنجليز ليفوزوا ببعض ما يصبون إليه، حتى لقد قيل: في مصاعب إنجلترة الفرصة السانحة لنفع إرلندة. # 4 # وكذلك فقد استفاد الإرلنديون من قيام الثورة في الولايات (المستعمرات) الأمريكية، فظفروا ببعض الحقوق التي اضطر الإنجليز إلى التنازل عنها لهم؛ فإن الثورة الاستقلالية في أمريكا لم تلبث أن أسفرت عن نتيجتين: اتساع الحركة الثورية في إرلندة حتى تزايدت العصابات من طراز «الصبيان البيض» كما ذكرنا، فوجدت عصابات المكافحين أو المدافعين # Defenders ~~، وهؤلاء من الكاثوليك الذين ناصبوا العداء البروتستنت، ثم «الصبيان القويمين» # Right boys # ابتداء من سنة 1785، ثم «صبيان السنديان» # Oakboys # الذين قاموا بحركتهم الثورية سنة 1763 بالقرب من أرماغ # Armagh ~~. # وقد انتشرت حركتهم حتى امتدت بعد ذلك إلى كل المقاطعات المجاورة لها، وكان منشؤها الشكوى من العشور ومواجهة الضرائب المخصصة لصيانة الطرق وسوء توزيع هذه الضرائب؛ الأمر الذي جعل عبء صيانة الطرق يقع على كاهل مستأجري الأرض وحدهم، وكان بعض هذه العصابات جماعات دينية غرضها الدفاع عن العقيدة الكاثوليكية في حين تصدى بعضها الآخر لمقاومة الضرائب المحلية والعشور خصوصا، ثم قام فريق ثالث لمقاومة ذلك النظام الاقتصادي الذي جمع الأرض في أيدي الملاك الإنجليز، وحرم الفلاحين الإرلنديين من الاستقرار في الأراضي التي استأجروها وعاشوا عليها واضطروا إلى دفع الإيجارات الفادحة عنها، والتي كانت لا تتناسب مع غلتها وريعها. # وفضلا عن ذلك؛ فقد تألفت في الجهات الشمالية خصوصا في إقليمي «داون» # Down # و«أنتريم» # Antrim # عصابات من الفلاحين البروتستنت أتباع «الكنيسة المشيخية» تحت اسم أصحاب القلوب الفولاذية # Steel boys Steel Heart # تشبه عصابات «الصبيان البيض» للنضال ضد كبار الملاك الإنجليز أتباع الكنيسة الإنجليكانية، واستمرت ثورة أو عصيان هؤلاء مدة سنتي (1772، 1773) وقد قضي عليها بعد مشقات كبيرة، واضطر أصحاب القلوب الفولاذية إلى مغادرة البلاد مع زوجاتهم وسائر أفراد عائلاتهم إلى أمريكا، فانضموا هناك إلى أعداء إنجلترة في المستعمرات (الولايات) الثائرة عليها، ويقدر ms0101 ما فقدته «ألستر» - وهي المنطقة الشرقية في إرلندة والتي تشمل أقاليم «داون وأنتريم وأرماغ» - بين سنتي (1767-1773) بحوالي ربع الأموال المستغلة في التجارة، وحوالي ربع عدد السكان المشتغلين بالصناعة بها. # على أن هذه الحركات الثورية جميعها كان مبعثها المطالبة بحقوق اجتماعية لفريق من الناس أرهقهم البؤس وأضناهم الضنك والشقاء بسبب الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية الغاشمة السائدة تحت سيطرة الإنجليز، فلم تكن هذه الحركات الثورية بحال من الأحوال «قومية» أو سياسية. # ومع ذلك، فالجدير بالملاحظة أن الثورة الاستقلالية الأمريكية سرعان ما أحدثت أثرا كبيرا بين الأقلية الإرلندية البروتستنتية وحركتهم إلى المطالبة بالحقوق السياسية، وتلك هي النتيجة الثانية التي أشرنا إليها لهذه الثورة الاستقلالية؛ فقد كان الإرلنديون البروتستنت - ومن هؤلاء التجار والملاك - وعلى الرغم من اعتناقهم البروتستنتية، يرزحون بدورهم تحت أثقال القوانين الإنجليزية، وكان البروتستنت من أتباع الكنيسة المشيخية - أي البرسبتيريين - محرومين من الوظائف العامة بسبب «قانون التمييز الطائفي لسنة 1673» الذي سبق الحديث عنه، فكان موقفهم يشبه من عدة وجوه موقف أولئك «الأمريكيين» الذين أرادوا الدفاع عن حقوقهم كمواطنين إنجليز ضد الحكومة. # ثم إنهم أنشئوا - وكما فعل الأمريكيون أيضا - نوعا من «المليشيا الوطنية» أو الجيش الإقليمي والقوات المرابطة للدفاع عن جزيرتهم بلغ عدده أربعين ألفا من المتطوعين، ثم قاموا بحركة واسعة لمقاطعة التجارة الإنجليزية في إرلندة. وبفضل إنشاء المليشيا الوطنية ومقاطعة التجارة الإنجليزية استطاع الإرلنديون إبلاغ احتجاجاتهم المدوية إلى أسماع الحكومة وإرغام الحكومة على التسليم ببعض مطالبهم. ~~ ومع ذلك فلم تكن هذه حركة قومية؛ لأن هؤلاء الإرلنديين البروتستنت لم تكن تحدوهم في حركتهم هذه أية رغبة في الانفصال عن إنجلترة، ولقد كان أتباع الكنيسة المشيخية (البروتستنت) دائما من أنصار الملكية، كما كان الإرلنديون الكاثوليك أعداء البروتستنت الأمريكيين، وعلى ذلك فقد بات متعذرا اعتبار الحركات التي قامت في السنوات الأخيرة من القرن الثامن عشر في إرلندة «حركات قومية». # وهذه الحركات الثورية التي كان قوامها البروتستنت لم تلبث أن أدركت نجاحا في ميادين عدة، وذلك حينما تحولت لفترة من الزمن إلى حركة أساسها المطالبة بحرية ms0102 التجارة والاستقلال التشريعي؛ أي قدرة البرلمان الإرلندي على استصدار القوانين، وذلك إلى جانب العمل للظفر بحرية الفرد وتأييدها، وعلى ذلك اضطر البرلمان الإنجليزي في «وستمنستر» # Westminister # في سنة 1779 أولا إلى إلغاء القيود التي قيدت التجارة في إرلندة، والتي حتمت على إرلندة الإتجار مع إنجلترة وحدها شأنها في ذلك شأن سائر المستعمرات الإنجليزية، فصار في قدرة الإرلنديين بعد إلغاء هذه القيود أن يصدروا أصوافهم إلى الأسواق الأوروبية، وثانيا إلى سحب قانون التمييز الطائفي وإبطال عمله في إرلندة، وهو القانون الذي عرفنا أنه حرم على غير البروتستنت ملء الوظائف العامة. # ثم ظفر الإرلنديون بانتصارات أخرى، فصار يطبق في إرلندة منذ 1781 المبدأ القانوني الذي يمنع حبس الأفراد وتوقيفهم دون تقديمهم للمحاكمة # Habeas Corpus ~~، وترجع أصول هذا المبدأ إلى ما قبل «العهد الأعظم» # Magna Carta # الصادر سنة 1215، ثم استصدر به «البرلمان القصير» في عهد أسرة ستيوارت قانونا في مايو سنة 1679 وكان الغرض منه دعم حريات الفرد ضد السلطة الاستبدادية. # وأخيرا ظفر الإرلنديون باستقلال السلطة التشريعية في بلادهم عندما نزلت إنجلترة عن حقها في سن القوانين لإرلندة، فصار للبرلمان الإرلندي منذ 1782 حق التشريع في حين احتفظ التاج بحق الاعتراض # Veto # على مشروعات القوانين فحسب، وهكذا استطاع الإرلنديون البروتستنت الحصول من البرلمان الإنجليزي على نوع من الاستقلال الذاتي للبرلمان الإرلندي. # ومع أن هذه الحركة كانت بروتستنتية بحتة؛ فقد أفاد منها الكاثوليك الإرلنديون أيضا؛ وذلك لأن هنري جراتان # Grattan ~~- متزعم هذه الحركة البرلمانية في إرلندة - كان يعمل لجمع كلمة الإرلنديين البروتستنت والكاثوليك على السواء في جهد موحد ضد السيطرة الإنجليزية؛ فقد كان يعتبر من العار أن يعمل المرء من أجل أن يظفر بالحرية لعدد لا يتجاوز ستة عشر ألف رجل في حين يكون في استطاعته الظفر بالحرية لحوالي مليوني نسمة، وبفضل هذه الخطة الحكيمة أدرك الكاثوليك بعض الخير من هذه الحركة، من ذلك تخفيف صرامة بعض القوانين والعقوبات التي ذكرنا أنها أرهقتهم زمنا طويلا. وفي سنة 1778 ألغي القانون الذي كان يقضي بانتقال ms0103 الإرث عند وفاة أحد الكاثوليك إلى أي ولد من أبنائه يعتنق البروتستنتية، وفي سنة 1782 اعترفت الحكومة بحرية العبادة والتعليم. # وإذا كان البرلمان الإرلندي قد أجاز تمتع الكاثوليك بكل هذه الحقوق، فالسبب في ذلك ولا ريب هو حدوث ذلك التطور الذي بدأت تظهر آثاره في الرأي العام البروتستنتي في إرلندة ذاتها نتيجة لتلك الصورة التي رسمتها للحالة في إرلندة أقلام «جونثان سويفت» الذي سبق ذكره و«جورج بيركلي» # Berkeley # الفيلسوف الذي تولى فيما بعد أسقفية «كلوين» # Cloyne # في جنوب إرلندة (وقد توفي سنة 1752)، وسويفت وبيركلي كانا من أصل إرلندي وكان كلاهما بروتستنتيا، كتبا بالإنجليزية وتركت كتاباتهما آثارا لا تمحى في الأوساط الإرلندية والإنجليزية على السواء. # أضف إلى هذا أن الإرلنديين الأحرار من حزب «الويجز» # Whigs # في البرلمان الإنجليزي قاموا بحملة تشهير ضد المظالم التي أنهكت قوى الشعب الإرلندي. ومع ذلك فالفضل الأكبر في هذا التطور الذي حدث في الرأي العام البروتستنتي في إرلندة خصوصا إنما يعود إلى «إدموند بيرك» الذي مر بنا ذكره، والذي دخل البرلمان الإنجليزي في سنة 1765، ثم إلى هنري جراتان الإرلندي الذي ترأس حركة الاحتجاج ضد إنجلترة؛ فقد أدرك «بيرك» و«جراتان» أن إرلندة البروتستنتية لن تحرر بتاتا إذا بقيت إرلندة الكاثوليكية ترسف في أغلالها، وأنه طالما كانت إرلندة راسفة في أغلالها فسوف تبقى دائما مسرحا للثورة؛ ولذلك فمن صالح الإنجليز والإرلنديين البروتستنت معا إزالة تلك القيود التي صفدت بها إرلندة وتخفيف وطأة النظام الغاشم الذي فرضته السيطرة الإنجليزية عليها. # وهكذا نستبين من دراسة تاريخ إرلندة في آخر القرن الثامن عشر أن العناصر التي تتألف منها «القومية» قد وجدت مجتمعة في إرلندة، ولو أن هذه القومية كانت لا تزال مفتقرة إلى الشعور بذاتيتها وإلى ضرورة العمل من أجل إبراز وجودها بصورة قاطعة؛ وذلك لأن الحقوق التي حصل الإرلنديون عليها لم تكن كافية لأن يتحرر هؤلاء بفضلها من ذلك البؤس والشقاء الذي نزل بساحتهم وظلوا يقاسون من آثاره، بل إن هذا البؤس والضنك بقي على شدته وقسوته حتى إنهم كانوا ms0104 بحالة يعجزون فيها عن القيام بأي عمل إيجابي لطرده عنهم. # وفي آخر القرن الثامن عشر كان الإرلنديون قد نسوا تماما كل ما تمتعت به أمتهم من أمجاد غابرة أو حاضرة زاهرة نشرت ألويتها في إرلندة قبل الغزو أو الفتح الأنجلوسكسوني لبلادهم، فلم يكن يقض مضاجعهم سوى شعور الألم بسبب الفوارق التي فصلت بينهم وبين الإنجليز الذين نكلوا بهم وأخضعوهم لسيطرتهم الباطشة. وغني عن البيان أن الشعور بالألم وحسب لا يمكن اعتباره شعورا بالقومية. # الخلاصة # تلك إذن كانت الأمم التي تمتعت بوجود وكيان ذاتي في آخر القرن الثامن عشر، ولكن دون أن يشعر أهلها شعورا قوميا بهذه الذاتية حتى يمكن أن ترتفع بفضل ذلك إلى مصاف الدول القومية التي عرفها القرن التاسع عشر. والذي يستخلص من تاريخ هذه الأمم الأربع: أولا أن كل واحدة منها - بولندة، المجر (هنغاريا)، اليونان، إرلندة - كانت ذات شخصية أو ذاتية تاريخية. وتشترك جميعها في وجود هدف تاريخي واحد يربط بين كل شعب من شعوبها، ولو أن هذه كانت شعوبا يختلف أحدها عن الآخر فقد ظل سواد الشعب في كل من بولندة والمجر (هنغاريا) بعيدا كل البعد عن حياة «الدولة» - والحكومة - ونشاطها، ولا أثر له في تاريخ الأمة. فصارت تمر الحوادث وتقع الوقائع دون أن يأبه لها سواد الشعب ودون أن يسهم فيها بشيء، حتى إنه لو صح التسليم بوجود أي شعور في بولندة والمجر، فذلك ملحوظ فقط في جماعات قليلة من أهل الطبقة العليا، ولم ينفذ هذا الشعور بتاتا إلى سواد الشعب نفسه. # وأما الحال فقد كان على العكس من ذلك في اليونان وإرلندة، ففي كل منهما كان سواد الشعب نفسه هو الذي تتمثل فيه الحياة الجماعية المستمدة من تطورات التاريخ نفسه ومن حوادثه، فانتفى في كل منهما وجود طبقة أرستقراطية ذات امتيازات معينة، بل كان سواد الشعب نفسه مبعث كل عناصر القوى التي وجدت بهما، والتي اعتمد عليها الشعور القومي فيما بعد عند ظهوره. # وعلى ذلك، فقد ارتدت يقظة الشعور القومي في أسبابها إلى دوافع ms0105 عاطفية كانت تختلف في كل مجموعة من هاتين المجموعتين؛ أي بولندة والمجر في جانب، واليونان وإرلندة في جانب آخر. # ومما تجدر ملاحظته أنه مع تعذر ظهور الشعور القومي بصورة واضحة، أو بمعنى آخر مع عجز هذه الأمم عن إدراك أن لها ذاتية مستقلة وخاصة بها، فقد كانت من ناحية أخرى تخضع لسيطرة العاطفة القومية التي أرغمتها على إدراك ما كان يوجد من فوارق تفصل بينها وبين الدول التي فرضت عليها سيطرتها وأخضعتها لسلطانها كجزء لا يتجزأ منها. مثال ذلك: العاطفة الدينية القومية في اليونان؛ حيث قاوم أهلها الأرثوذكس سلطان الحكومة الإسلامية العثمانية، والعاطفة الدينية الكاثوليكية في إرلندة، حيث قاوم الإرلنديون الكاثوليك سلطان الحكومة البروتستنتية الإنجليكانية، وفي إرلندة - كما شاهدنا - تضافر مع العاطفة الدينية الشعور بالألم العميق نتيجة لما نزل بالشعب من كوارث ونكبات ليجعل أهل هذه الجزيرة يدركون أن هناك فوارق عميقة تفصل بين جزيرتهم وبين إنجلترة. # وأما في المجر (هنغاريا) فقد لعبت اللغة ولعب اعتزاز الهنغاريين بتقاليدهم السياسية هذا الدور نفسه. وفي بولندة كانت العاطفة الانتقامية هي المتغلبة حيث أصر البولنديون على النضال ضد أولئك الغرباء الذين اجتاحوا بلادهم واقتسموها فيما بينهم غنيمة باردة. # أضف إلى هذا كله عاطفة الاعتزاز بالجنس: ففي إرلندة الشعب كلتي، وفي هنغاريا مجياري، وفي اليونان يوناني لاتيني، وفي بولندة سلافي. يقابل ذلك الجنس التوتوني في إنجلترة والنمسا، والأورالي الطائي في تركيا (آسيا الصغرى). # ولذلك فقد اختصت هذه الأمم التي لم ينضج شعورها بقوميتها بعد بوجود عنصرين متحدين أحدهما إنساني وتاريخي والآخر طبيعي ووراثي، وهذان العنصران هما اللذان سوف يتألف من اجتماعهما دائما تلك الأسس التي قامت عليها الحركات القومية في القرن التاسع عشر. # تلك إذن كانت الأصول النظرية أو المثالية «الفلسفية» ثم التاريخية الواقعية «المادية» التي تستند عليها الحركة القومية، والتي بتناولها أمكن تصوير ما كانت عليه أوروبا كذلك سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وفكريا في آخر القرن الثامن عشر. وقد اتضح من هذه الدراسة أن الشعور القومي كان قد بدأ يستيقظ في إبهام عبرت عنه ms0106 العاطفة ذات النوازع المختلفة، إما على يد طبقة أرستقراطية (إقطاعية) وإما بجهد طبقة بورجوازية (متوسطة) ناشئة ولا تزال ضعيفة في ظل الإقطاع القديم. # وهذا الشعور القومي المستيقظ لم يلبث أن اكتمل نضجه في السنوات التالية مباشرة بسبب قيام الثورة الفرنسية وإنشاء الإمبراطورية النابليونية لتنتقل الفكرة التي انطوى عليها هذا الشعور إلى «مبدأ»؛ أي إلى قوة تؤثر في مجرى الحوادث لإخراج هذه الفكرة إلى عالم الوجود السياسي في القرن التاسع عشر. ولقد اقترن وصول الشعور القومي إلى مرتبة النضج هذه باكتمال نمو الطبقة البورجوازية (المتوسطة) كقوة تبرز إلى الميدان لتدخل في صراع مرير مع الإقطاع لتحاول بالقضاء عليه الظفر بالحقوق المدنية والسياسية التي تكفل لها السيطرة «القانونية» والفعلية في المجتمع الجديد. # ولقد كان لقيام الثورة الفرنسية وبناء عروش الإمبراطورية النابليونية أكبر الأثر في أن تفوز البورجوازية بالسلطة في فرنسا ثم في أنحاء أوروبا تدريجيا لتدخل بعد انقضاء عهد الثورة الفرنسية وإمبراطورية نابليون في صراع جديد مع بقايا الإقطاع بعد أن تحطم النظام القديم «عمليا» في أكثر بلدان أوروبا وصارت تبذل العناصر الرجعية كل ما وسعها من جهد وحيلة لترميم بنائه، ولكن في النهاية، من غير طائل. # | الكتاب الثاني # الثورة الفرنسية # | تمهيد # مرت بأوروبا فترة من الزمن، بين سنتي 1792 و1815 شهدت خلالها انقلابات عديدة لم يسبق لها مثيل في تاريخها، وتأثر بها تكوينها الإقليمي والسياسي معا بدرجة عميقة، وذلك بسبب ما ترتب على هذه الانقلابات من تغييرات واسعة في «النظام الأوروبي»، أو ما وقع من شد وجذب وتحول وتبدل نتيجة لهذه الانقلابات. ولقد كان ما وقع الآن يختلف كل الاختلاف عن كل ما سبق حدوثه بسبب الصورة الجديدة التي اتخذتها هذه الانقلابات، أو الطابع الجديد الذي تميزت به عن سابقاتها. # وذلك لأن الانقلابات التي حدثت في «عهد الثورة ونابليون» لم يكن مبعثها تآلف أو اختلاف عوامل سياسية معينة، وأنها أفضت كذلك إلى ترتيبات وتنظيمات سياسية معينة وحسب، بل امتازت إلى جانب هذا كله بتأثرها بمبدأ مثالي خاص، ثم ذيوع هذا المبدأ ms0107 المثالي في أنحاء القارة الأوروبية في عصر الثورة ونابليون، ثم في العصور التالية إلى الوقت الحاضر؛ فقد ناقشت الثورة الأسس التي كانت ترتكز عليها مبادئ القانون العام نفسه، كما ناقشت القواعد التي قام عليها المجتمع وقتئذ، ولذلك فإن الحديث عن الانقلابات التي وقعت في أوروبا في هذه الفترة، إنما تتناول إلى جانب البحث في نشاط رجال السياسة في الدول المختلفة، دراسة فلسفة جديدة اجتماعية وقانونية تناقضت مبادئها مع كل ما كان يتعارف عليه القوم وقتئذ. # وبمعنى آخر، لم تكن الثورة الفرنسية مجرد حلقات متتابعة من الحوادث وحسب، بل كانت كذلك حركة فكرية؛ أي حركة آراء ومبادئ، حتى إنه عند انتهاء انقلابات الثورة، ظلت بقاياها ظاهرة في صورة كل ما طرأ على «الدول» من تبدل وتغير في حياتها حينئذ، كما ظلت بقاياها ظاهرة في صورة تلك الآثار التي خضعت لها الشعوب والتي كانت مبعث التغييرات التي سوف تحدث في المستقبل في الميدان السياسي، ومن هذه الناحية كانت الحركات القومية التي انتشرت في أوروبا بعد سنة 1815 هي ذلك «التراث» الذي خلفته الثورة. # ولقد كان الذين اعتنقوا «الآراء الجديدة» ثم روجوا لمبدأ القومية بعد أن آمنوا به هم أنفسهم، أهل الطبقة المتوسطة (البورجوازية) الذين تألفت منهم الطبقة الثالثة في فرنسا عند اجتماع مجلس طبقات الأمة في سنة 1789، ثم صاروا هم قوام الحياة السياسية في كل مجالس الثورة التالية، والذين استصدروا دساتير الثورة المختلفة، وتكفلوا بفضل «سياستهم الخارجية» بإذاعة المبادئ التي نادت بها الثورة، وأهمها «القومية» والحرية الفردية، على أساس المشاركة في الحكم أولا، ثم التسلط على الحكم أخيرا. وتلك مبادئ هدفت بالقضاء على «النظام القديم» وسيطرة الإقطاع القديمة إلى تحرر البورجوازية وتحطيم القيود التي حرمتها - سواء في ظل حكومة أجنبية عنها، أو تحت استبدادية محلية أو أهلية - من كل أسباب السلطة، فكانت عاجزة عن صيانة مصالحها «كطبقة» ترى في واقع وجودها، ليس صيانة هذه المصالح «الطبقية» فحسب، بل وصيانة المصالح «الوطنية»، والذود عن حقوق «الأمة» وحرياتها. # وفي هذه الدراسة سوف يتضح كيف ms0108 نضج الشعور القومي بفضل اشتعال الثورة الفرنسية، وقيام الإمبراطورية النابليونية، ومدى تأثر القارة الأوروبية بالقومية في هذا العصر، ثم كيف اكتمل سلطان البورجوازية في فرنسا، والخطوات التي اتخذتها للمحافظة على مصالحها في فرنسا، ثم للتغلب على القوى الإقطاعية في سائر أوروبا، سواء وفقت في هذه المحاولات أم لم توفق. # على أن «عهد الثورة ونابليون» إنما يتألف في واقع الأمر من عهدين، لكل منهما طابعه الخاص الذي يتميز به: عهد الثورة ذاتها، ثم عهد الإمبراطورية النابليونية، وإن كانت «الإمبراطورية» تعتبر مكملة «للثورة» ومستتبعة لها، بل ويعتبر فريق من المؤرخين أن الإمبراطورية هي الثورة بذاتها، ولكن في شكل جديد. ومع ذلك فهناك اختلاف واضح بين الثورة والإمبراطورية يجعل ضروريا دراسة تاريخ كل منهما على حدة في الإطار الذي حددناه. # الباب الأول # | الآراء الجديدة # الفصل الأول # | التعريف بالثورة وأسبابها # ليست الثورة حدثا بسيطا، كما لا يمكن اعتبارها حدثا تميز دائما بالعنف والشدة وإراقة الدماء كما يؤخذ من معنى كلمة «ثورة». فالثورة الفرنسية على الرغم من التخريب الذي حدث والحروب العنيفة التي وقعت والدماء التي سفكت بسببها وأثناءها، كانت من ناحية أخرى حركة بناء وتكوين، ثم إنها خلفت آثارا كانت أكثر دواما من حوادث العنف والشدة العابرة. # ومن المعروف أنه عندما بدأت الثورة لم يكن أحد يفكر في هدم النظام القائم واقتلاعه من جذوره. ومن الحقائق المسلم بها أيضا أن أحدا لم يكن يفكر وقت اندلاعها في تأسيس الجمهورية، أو يريد فصل الكنيسة عن الدولة، أو إقامة نوع من الأنظمة القضائية الاستثنائية، أو بناء المقصلة التي أطاحت برءوس الألوف من أبناء الثورة ذاتها؛ بل على العكس من ذلك كان ما فهمه قادة هذه الحركة وصفوة رجالها وقتئذ أن الثورة في معناها «اللفظي» إنما تدل على حركة منظمة، منطقية، يتحكم العقل في حوادثها بصورة تجعل ممكنا وقوع هذه الحوادث في إثر بعضها بعضا في ترتيب طبيعي، وفي غير ما عنف أو شدة؛ فكان فقط بعد قيام الثورة أن صارت حوادثها تخضع تدريجيا لتأثير الظروف والمصادفات ms0109 البحتة التي تضافرت على صبغها في النهاية بتلك الصبغة الدموية التي عرفت بها. # وفضلا عن ذلك، فقد تعددت دوافع الثورة، كما تنوعت العناصر التي تألفت منها، واختلفت النتائج التي ترتبت عليها، حتى صار من المتعذر اعتبارها حدثا منفردا أو واقعة مستقلة بذاتها يمكن أن يحدد لها بداية ونهاية. # ولعل هذا «التعقد» الظاهر الذي أضفى على الثورة مسحة من التناقض بين أهدافها وأسبابها المباشرة وبين ما انتهت إليه، ثم ما صحبها من أعمال العنف والشدة إلى جانب قيامها بنشر الدعوة خارج حدودها إلى الإخاء والحرية والمساواة؛ نقول: لعل هذا التعقد الظاهر كان منشأ ذلك التضارب الذي لوحظ في آراء الكتاب والمؤرخين الذين حاولوا تسجيل حوادث الثورة وتفسير وقائعها. # فمنهم من اعتبرها «عملا شيطانيا» مثل «ديمستر» # de Maistre ~~، ومنهم من اعتبرها «عملا أحيا البشرية وبعثها وبعثا جديدا». ووصل طائفة من الكتاب إلى نتائج معينة مستمدة من حوادثها ووقائعها. فاعتبر «تيير» # Thiers # الثورة نتيجة لخضوع فرنسا قرونا عديدة للملكية المطلقة. وفي نظره كان «الإرهاب» نتيجة حتمية لتعرض البلاد للغزو الأجنبي، واعتبر «إدجار كينيه» # Edgar Quinet # أن الثورة هي الأثر الذي تخلف عن طغيان استمر جيلا بعد جيل، ولو أنه كان من رأيه أن الطغيان الذي وقع على يد «المؤتمر الوطني» كان عديم النفع ولا جدوى منه، عقد عمل الثورة وقيد سيرها فحسب، ثم كان «ميشيليه» # Michelet # في مقدمة الكتاب الذين أحاطوا الثورة بهالة من المجد والفخار، واعتبر عملها ثمرة جهود الشعب الذي مجده «ميشيليه» تمجيدا عظيما. ~~ و«ميشيليه» هو المسئول في واقع الأمر عن تشجيع الكتاب والمؤرخين من بعده على جعل بحوثهم ودراساتهم مقصورة على وصف حوادث الثورة ووقائعها وصفا خلابا رائعا صرف الناس ردحا من الزمن عن محاولة فهم أسباب الثورة وطبيعة العوامل التي شكلت حوادثها. # على أن الثورة سرعان ما لقيت في شخص «تين» # Taine # مؤرخا لا يقل عن سلفه حدة تأجج عواطفه وقوة بلاغته. ~~ ونجح «تين» في عرض الحوادث ووصف الشخصيات، وتميز عن «ميشيليه» في أنه حاول تفسير هذه الحوادث وتحليل ms0110 شخصيات الثورة من الناحية السيكولوجية النفسية، فاستطاع أن يلقي ضوءا ساطعا على الدور الذي قامت به الجماهير خصوصا في عهد الثورة. ثم حمل «تين» حملة شديدة على الثورة، فصورها في صورة قاتمة دامية، أثارت عليه غضب أولئك الذين نصبوا أنفسهم لتمجيد نشاط «اليعاقبة» قادة الجماهير وتخليد ذكرهم. # ولكن «تين» لم يكن موفقا عندما أراد أن يستند في أحكامه على العقل والمنطق وحدهما في توضيح حوادث وأفعال لم يكن للعقل أو للمنطق أي سلطان عليها. ولقد قيل عن «تين»: «حقا لقد استطاع أن ينظر جيدا، ولكنه أساء فهم ما رآه.» # ومع ذلك فثمة حقيقة واحدة جمعت بين فريقي المادحين والقادحين: هي تسليمهم بأن حوادث الثورة كانت «مقدرة» ومن المتعذر منعها أو دفعها. وهذا المذهب القدري تولى «إميل أوليفيه» # Emile Ollivier # توضيحه في تعليل قيام الثورة عندما قال: «لم يكن في استطاعة إنسان الوقوف في سبيلها أو مقاومتها، ولا يقع اللوم في ذلك على من هلكوا أو من نجوا وعاشوا؛ لأنه لم تكن هناك قوة شخصية (فردية) في وسعها تغيير العناصر وتلافي الحوادث التي خلقتها طبيعة الأشياء والظروف.» # وكان «تين» يميل للأخذ بهذه النظرية عندما قال: «وفي اللحظة التي افتتح فيها مجلس طبقات الأمة، لم تكن الآراء والحوادث قد صارت تسير في مجرى محدد المعالم فحسب، بل إن ذلك قد صار حقيقة ظاهرة وواضحة، فكل جيل من الأجيال يأتي وهو محمل سلفا ودون علم سابق بمستقبله وتاريخه، حتى إن المرء ليستطيع التنبؤ بما يخبئه القدر لهذا الجيل قبل وقوعه.» # ووجد المتسامحون مع الثورة في حكم القدر هذا مسوغا جعلهم يغضون النظر عن وقائعها الدامية؛ فحاول «ألبير سوريل» # Albert Sorel # أن يقيم الدليل على أن الثورة التي اعتبرها البعض حركة هدامة، واعتبرها آخرون عامل بعث لإحياء العالم الأوروبي القديم، إنما كانت نتيجة طبيعية وحتمية تمخض عنها تاريخ أوروبا كله، كما أنها لم تأت بنتائج غير تلك التي تمخض عنها هذا التاريخ نفسه. # وشاطر «جيزو» # Guizot # الرأي القائل بأن الثورة كانت حدثا طبيعيا وأنها ms0111 لم تبتكر جديدا، فبدلا من أن تعطل الثورة مجرى الحوادث الطبيعي في أوروبا، لم تكن تردد أقوالا لم يسبق ترديدها أو تطلب مطلبا أو تستهدف هدفا لم يسبق أن ظهرت الرغبة في تحقيقه والإرادة في تنفيذه مئات المرات قبل انفجار بركان الثورة. ولم تكن بالمذاهب الجديدة المبتكرة أو تلك التي لا يصادفها المرء فيما اصطلح على تسميته بالعصور النظامية، كل تلك المذاهب العامة التي أتت بها الثورة، سواء فيما يتعلق بنوع الحكم في الدولة أو بالتشريع المدني وحقوق التملك وحريات الأفراد وخصائص السلطة وهكذا. # ولكن هذه الأقوال وما يماثلها لا تعدو أهميتها تذكير المرء بذلك القانون القائل بضرورة أن تستند كل ظاهرة حادثة إلى ظواهر سابقة لا مناص من أن تترتب عليها هذه الظاهرة ذاتها. ومع ذلك فإن تطبيق هذا القانون وحده على حوادث الثورة لا يساعد كثيرا على كشف خباياها. ومن جهة أخرى؛ فإن المذهب القدري إنما يفيد عند تطبيقه على حوادث الثورة، في تسويغ وقائعها الدامية فحسب: على اعتبار أنه لم يكن هناك مناص من وقوعها. ~~••• # ويذكر المؤرخون أسبابا كثيرة لقيام الثورة: من ذلك رغبة الفرنسيين في التخلص من استبداد الملكية وإنهاء سلطانها المطلق، ولكن يجب ملاحظة أن الملكية لم يكن لها سلطان مطلق حتى في العهود التي اشتهرت فيه بالبأس والقوة؛ حقيقة تمتعت الملكية أيام لويس الرابع عشر بسلطة مطلقة، ولكنها لم تلبث أن فقدت تدريجيا هذا السطان المطلق حتى إذا ما جاء عهد لويس السادس عشر كان الملك قد صار محكوما من البلاط والوزراء، بل ومن كل إنسان، ولا سيطرة له حتى على نفسه. # ويعزى قيام الثورة إلى بغض وكراهية «البورجوازية» - الطبقة المتوسطة - للطبقات ذات الامتيازات. يؤيد هذا أن «البورجوازية» بمجرد أن دانت لها السلطة عمدت إلى اغتصاب أموال وأملاك النبلاء ورجال الدين (الإكليروس) الذين حاقت بهم الهزيمة. ولكن يجب ملاحظة أن أهل الطبقة المتوسطة هؤلاء لم يكونوا يحملون بغضا أو كراهية للملكية ذاتها، علاوة على ما ظهر لهم وقتئذ من استحالة الاستعاضة عن الملكية بنظام ms0112 آخر، حتى إن سوء تصرف الملك «لويس السادس عشر» واستنجاده بالأجانب ضد الثورة لم يترك سوى أثر بطيء في تغير الناس من ناحية الملكية. # زد على هذا أن أحدا من أعضاء الجمعية الوطنية التأسيسية - أول مجالس الثورة - لم يكن يفكر بتاتا في إنشاء جمهورية، بل إن كل ما كانت تفكر فيه هذه الجمعية الوطنية أو التأسيسية لم يتعد تأسيس ملكية دستورية بدلا من الملكية المطلقة. ~~ ولم يفقدها صبرها وأناتها سوى شعورها بقوتها المتزايدة، ولم يستثر غضبها ضد الملك سوى إصراره على المقاومة، ومع ذلك لم يجرؤ هذا المجلس الأول على طرد الملك من عرشه أو إزالة الملكية. # ويعتبر آخرون أن سوء حال الفلاحين وبؤسهم وشقاءهم وتعرضهم للمجاعات كان من أهم أسباب الثورة. وتطرف بعض الكتاب فرسم صورة قاتمة لهذا البؤس والشقاء. ولكن وجد فريق آخر رسم صورة مغايرة لهذه، كما فعل «آرثر يونج» الكاتب الإنجليزي الذي زار فرنسا بين عامي 1787-1789 وشاهد رضاء الفلاحين، وفي رأي كثيرين أنه من غير المعقول أن يكون الفلاحون قد عاشوا في ضنك وعوز أيام «النظام القديم» # L’Ancien Regime ~~، وهم الذين استطاعوا كما هو ثابت الاستحواذ على أكثر من ثلث الأرض التي اشتروها فعلا. # حقيقة شكا الفلاحون وغيرهم من تعقد أساليب الإدارة المالية ومساوئها، ومن العجز الظاهر الذي وقع بالميزانية في أحايين كثيرة، ومن خضوع جباية الضرائب لنظام «الملتزمين» الذين اشتطوا واستبدوا في تحصيل الضرائب، حتى إن هذا الموضوع نفسه كان في اللحظة التي قامت فيها الثورة محل شكوى مرة في كراسات # Cahiers # الثورة التي ضمنها الأهلون شكاياتهم ومطالبهم. ولكن هذه الكراسات كانت تصف وقت كتابتها وتقديمها حالات أوجدها رداءة المحصول في عام 1788، وقسوة الشتاء غير العادية في العام التالي (1789). ثم إن هذه الكراسات خلت من أي فكرة ثورية، وانحصرت مطالب أشد هذه الكراسات تطرفا في موافقة مجلس طبقات الأمة على كل ضرائب يراد فرضها ووجوب اشتراك الجميع في دفع هذه الضرائب؛ فلا تعفى منها الطبقات ذات الامتيازات. وفي بعض الأحيان، طلبت هذه الكراسات أن ms0113 يحد من سلطة الملك دستور يعين حقوق الملك وحقوق الأمة. # ويعتقد كثيرون أنه كان «للفلاسفة» بفضل كتاباتهم والآراء الجديدة التي أتوا بها أثر عميق في تشكيل عبقرية الثورة وتحريك حوادثها. ومع أن هؤلاء الفلاسفة لم يبتكروا جديدا أو يكشفوا عن جديد بكتاباتهم وآرائهم، إلا أنهم أحيوا روح النقد وزادوا من نمو «الفكر الناقد» ودعمه، حتى صار قوة عجزت المذاهب المقررة عن مقاومتها عندما تمهد الطريق لتفكك هذه المبادئ والمذاهب ذاتها. # وكان تحت تأثير روح النقد هذه أن الأشياء التي كانت قد بدأت تفقد قيمتها وما كان لها من احترام كبير في الماضي، قد استمرت تفقد احترام الناس لها حتى إذا نبذ الناس التقاليد المرعية انهار البناء الاجتماعي دفعة واحدة. ولقد اتسع أثر هذا التفكك والانحلال تدريجيا حتى وصل إلى طبقة الشعب. ولم يكن الشعب نفسه هو المسئول عن هذا التفكك والانحلال الذي لم يحدث على يده لسبب ظاهر؛ هو أن الشعب لا قدرة له على الابتكار والابتداع، ولكنه يتبع ما يراه من أمثلة ويحذو حذو الغير دائما؛ فالأثر الذي أحدثه الفلاسفة بكتاباتهم وآرائهم الجديدة إنما وقع على النبلاء الذين كانوا من غير عمل أو نشاط بسبب حرمانهم من كل سلطة سياسية، واستمرارهم بعيدين عن زمام الأمور زمنا طويلا، فكان بفضل ما وعوه من آراء ونظريات جديدة أن صاروا ينقدون الأنظمة القائمة دون تبصر بالعواقب، ويقودون الحركة التعقلية والحركة الإنسانية في عصرهم. # فالطبقة الأرستقراطية هي التي صارت تشجع البحوث والدراسات الخاصة بنظريات العقد الاجتماعي، وحقوق الإنسان والمساواة بين المواطنين، والطبقة الأرستقراطية صاحبة الامتيازات الإقطاعية العديدة هي التي شجعت التمثيليات التي أظهرت مساوئ المجتمع، ونقدت الامتيازات، وحملت على السلطان المطلق، وسخرت من عجز رجال الحكم ورجال الدين على السواء. ولما كانت «الحكومة المدنية» في النظام القديم مرتبطة «بالحكومة الدينية»، وما يصيب إحداهما لا مفر من أن يصيب الأخرى، فقد تزلزلت بسبب هذا النقد أركان الدولة بشطريها السياسي والديني، ونال تقدم العلم والمعرفة وانتشار التنور من قوة التقاليد. # وكان لتغلغل روح النقد العلمي ms0114 الذي عمل الفلاسفة على إحيائه وإذاعته أعظم الأثر في أن يخضع كل نظام وكل شيء في الوجود للفحص الدقيق؛ حتى يتسنى الكشف عن قيمه الحقيقية. ثم سرعان ما تبين أن القيم المعطاة للنظم القديمة والتقاليد المقررة لا مسوغ لها، وأن الواجب أن يعطى «العقل» وحده كل تلك القوى التي كانت في الماضي من نصيب الآلهة والتقاليد. وكان إعطاء السيادة العليا والقوة المسيطرة، العقل وحده، آخر ما وصل إليه الفكر في ذلك الحين، وهو يعتبر إلى جانب هذا مبعث «الثورة» بل والمسيطر كذلك على جميع حوادثها. # وفي أثناء سيطرة سلطان العقل هذا استمرت الجهود تبذل في مثابرة نشيطة لتحطيم الماضي وبناء صرح المجتمع على أساس جديد، ووفق خطة جديدة قائمة على «المنطق» وحده. # وعندما تعرف الشعب إلى هذه النظريات التعقلية التي أتى بها الفلاسفة، لم يلبث أن أدمجها في فكرة بسيطة يتمكن من فهمها واستيعابها، هي أن النظم والأشياء التي كانت حتى الآن موضع احترام وتقدير كبيرين لم تكن تستأهل شيئا من ذلك، وحيث إن الناس قد أعلنوا متساوين فقد وجب نبذ السادة القدماء. وصار سهلا على سواد الشعب أن يفقد احترامه للأشياء التي ما عادت تحترمها الطبقات العليا ذاتها. ولقد كان في انهيار حاجز الاحترام هذا صنع أو خلق الثورة وقيامها. # ووجد سواد الشعب وعامته نفرا كانوا على استعداد لمشاركته في تلك الروح الثورية التي زاد تغلغلها في المجتمع بدرجة خطيرة قبل انفجار الثورة. أما هؤلاء فكانوا صغار رجال الدين الناقمين على كبارهم، وصغار السادة من أهل الأقاليم الذين عرفوا بعدائهم لأشراف البلاط، والأتباع الذين ما عادوا يشعرون بالولاء للنبلاء الإقطاعيين، والفلاحين في الإقطاعيات الذين ساءهم إقامة الأشراف الإقطاعيين في المدن. بل إن الجيش نفسه لم يكن بعيدا عن التأثر بهذه الروح الثورية؛ فكان الضباط من أنصار «الإنسانية» الجديدة ومن مؤيدي قادة «التنور» الجديد، وانتشرت في مجتمعهم الفلسفة والآراء الجديدة. # وأما الجند الذين كانوا من حثالة القوم، ويعجزون بطبيعة الحال عن إدراك المعاني الفلسفية الجديدة، فقد فقدوا هم أيضا الطاعة ms0115 والاحترام لرؤسائهم، فلم تلبث الفوضى الذهنية أن غزت الجيش بعد أن شملت كل طبقات المجتمع. وفي رأي كثيرين أن تأثر الجيش بهذه الفوضى الذهنية كان السبب الجوهري في اختفاء النظام القديم وزواله، «فخيانة الجيش (أو خروجه على الأوضاع المقررة) بسبب استمالته لقبول آراء الطبقة الثالثة (العامة) قد قضت - كما يقول ريفارول # Rivarol ~~- بالفناء على الملكية.» # ذلك إذن كان أثر الآراء الجديدة في مجتمع النظام القديم. ومع ذلك فإذا كان يعزى إلى الفلاسفة أصحاب هذه الآراء الجديدة قيام الثورة بفضل نضالهم في تفكيرهم، وكتاباتهم ضد بعض المساوئ الظاهرة والآراء والمذاهب العتيقة البالية، فيجب أن نذكر من ناحية أخرى أنهم لم يكونوا في الحقيقة من مؤيدي الحكومة الشعبية أو يعطفون على الديمقراطية، فلم تستهو الديمقراطية إذن رجلا مثل «مونتسكيو» الذي كان مثله الأعلى حكومة دستورية على النمط الإنجليزي تمنع الملكية من النزول إلى درك الاستبدادية، أو مثل «فولتير» الذي قل ميله لمناصرة الديمقراطية، أو «الإنسيكلوبيديين» أصحاب الموسوعة، الذين يعزى إليهم القيام بدور هام في تحريك الثورة، والذين إجمالا لم يكونوا يهتمون بالسياسة، اللهم إلا إذا استثنينا أحدهم «دولباخ» الذي كان مليكا حرا مثل فولتير، وديدرو # Didérot ~~، أو استثنينا جان جاك روسو، ولعل «روسو» كان الوحيد الذي انفرد من بين الفلاسفة في عصره بتأييد الديمقراطية، واتخذ رجال الثورة «في عهد الإرهاب» كتابه «العقد الاجتماعي» إنجيلا لهم. # ومع ذلك فإن عواطف روسو الديمقراطية موضع اشتباه كبير؛ لأنه اعتبر تطبيق مشروعاته لإعادة التنظيم الاجتماعي على قاعدة السيادة العليا الشعبية متعذرا إلا في مدينة صغيرة، ولأنه نصح البولنديين بأن يختاروا ملكا وراثيا لحكمهم عندما سأله هؤلاء إعداد مشروع دستور ديمقراطي لبلادهم. زد على ذلك أن السبب الذي جعل رجال الثورة يتخذون كتابه «العقد الاجتماعي» إنجيلا لهم أن روسو عندما بسط نظرية العقد الاجتماعي أفلح في إعطاء المسوغ التعقلي اللازم لانتحال الأعذار التي رأى رجال الثورة أن يلجئوا إليها لتبرير أعمال كان مصدرها في الحقيقة عاطفة صوفية غامضة ونوازع لاشعورية بعيدة كل البعد عن إيحاء الفلسفة. # الفصل ms0116 الثاني # | الفلاسفة والآراء الجديدة # على أن تأثر الثورة بالآراء الجديدة التي أتى بها الفلاسفة حقيقة لا سبيل إلى نكرانها، حتى إن التأريخ للثورة إنما يبدأ في الوقت الذي برزت فيه هذه الآراء الجديدة، وشرع المجتمع الفرنسي يتأثر بها. وقد اختلفت قوة هذا التأثر باختلاف الظروف والحوادث التي أحاطت بهذه الآراء نفسها، ثم إن هذه الظروف والحوادث كانت كذلك بمثابة النبع الذي استقى منه «الفلاسفة» هذه الآراء الجديدة التي أتوا بها. # فكان لذلك إذن أن اهتم المؤرخون بتعيين بداية للثورة يفرعون عنها ما وقع من أحداث ويرتبون عليها ما ظهر من نتائج. وبفضل البحث عن هذه البداية أمكن معرفة أسباب الثورة، فوجدت هذه منقسمة إلى قسمين؛ أحدهما يرتد في أصوله إلى منبت الفكرة الثورية ذاتها، والآخر يرتبط بالحوادث التي سبقت الثورة مباشرة وساعدت الفكرة الثورية على الخروج من دائرة التفكير العقلي إلى حيز الوجود الفعلي. # فكان من الحوادث التي حاولوا بها تعيين بداية الثورة: صلح إكس لا شابل # Aix La Chapelle # سنة 1748، الذي اختتمت به حرب الوراثة النمساوية، ومحاولة «مشو دارنوفيل» # Machault d’Arnoville ~~- مراقب المالية العام في فرنسا - في العام التالي إصلاح المالية بعد أن استنفدت الحرب موارد فرنسا، وذلك بفرض ضريبة على الدخل ( ~~) تدفعها الطبقات الممتازة (الأشراف ورجال الدين) إلى جانب سائر أفراد الشعب. ولقد قاوم الأشراف والإكليروس هذا الإصلاح. # وكان في سنة 1748 أن ظهر كتاب «مونتسكيو» المسمى روح التشريع، كما بدأت تقوى من ذلك الحين «مدرسة التفكير الحر» التي كان قوامها رجال من طراز فولتير نشطوا لمهاجمة الكنيسة لمساوئها وإظهار مفاسد رجال الدين في حملة كبيرة من السخرية والازدراء والتهكم اللاذع . # وفي سنة 1751 نشر الفلاسفة أو «الإنسيكلوبيديون» أول أجزاء موسوعتهم التي بلغت بين عامي 1751-1765 سبعة عشر جزءا. وفي 1764 نشر «روسو» كتابه «العقد الاجتماعي» # Le Contrat Social ~~، كما نشر «رينال» # Raynal ~~- من الإنسيكلوبيديين - مؤلفه المشهور في عام 1770 عن «التاريخ الفلسفي والسياسي لمراكز التجارة التي أسسها الأوربيون في الهندين الشرقية والغربية». وكانت على الخصوص الفترة بين ms0117 عامي 1760-1765 فيما يتعلق بسمعة الملكية السياسية نقطة تحول هامة، حيث فقدت ملكية البربون قدرا كبيرا من سمعتها السياسية بسبب معاهدة باريس المبرمة في فبراير 1763، وهي المعاهدة التي اختتمت بها حرب السبع سنوات (1756-1763)، وفقدت فرنسا بسببها أكثر مستعمراتها في أمريكا الشمالية وفي جزر الهند الغربية والسنغال الأفريقي، ومنعت من الاحتفاظ بقوات مسلحة في البنغال وإنشاء أية تحصينات بها. # وصفوة القول: أن فرنسا شهدت في النصف الثاني من القرن الثامن عشر تبلور الآراء والمبادئ الجديدة التي تألفت منها «الحركة التعقلية» خصوصا، والتي نجم عنها انهيار المثل السائدة وانتشار الفوضى الذهنية التي هدمت «النظام القديم» وأوجدت «الثورة». # فيما يلي عرض سريع لهذه الآراء الجديدة. ~~(1) مونتسكيو # Montesquieu ~~(1689-1755) # أثار مونتسكيو في كتابه «روح التشريع» مسألة فصل السلطات الثلاث (التنفيذية، والقضائية، والتشريعية)، ضمانا للعدالة وصونا للحرية (الحرية المدنية) أو التحرر من الرق والعبودية، سواء كان الرق مدنيا أو سياسيا، ثم «الحرية السياسية». ولم يكن معنى الحرية السياسية أن يفعل الإنسان ما يريد وكما تشاء إرادته المطلقة، بل معناها شعور المرء بالاطمئنان إلى أن في وسعه «أن يفعل»؛ الأمر الذي لا يتأتى إلا في ظل حكومة تقوم على القانون. أي إن الحرية السياسية هي شعور الاطمئنان إلى القدرة على فعل شيء - أي شيء - يجيزه القانون. ~~ ثم إنه لما كان ضروريا صون هذه الحرية السياسية وحمايتها من النزوات البشرية والسلطة المستبدة، فقد صار ضروريا أن يخضع المرء للقانون وحده، وليس لسلطان إنسان آخر عليه؛ الأمر الذي لا يتحقق إلا بتوزيع السلطات الثلاث (التنفيذية، والقضائية، والتشريعية) ووجود ضوابط بينها تجعل مستحيلا إساءة استخدام هذه السلطات، أو تمكين إحداها من العدوان على الأخرى. والطريق إلى ذلك إنما يكون بفصل هذه السلطات الثلاث بعضها عن بعض، وكان لهذه النظرية أثر ظاهر في تطور الفكر السياسي في عهد الثورة، وفي بداية القرن التاسع عشر على وجه الخصوص. ~~(2) فولتير # Voltaire ~~(1694-1778) # لم تكن لفولتير آراء سياسية تمتاز بأنها أصيلة أو جديدة، ولكن ميزته الكبرى كانت تفوقه في فنون النقد. ونقد ms0118 فولتير كتاب مونتسكيو «روح التشريع» فكان مما عابه على صاحبه عدم تعمقه في الاستقصاء التاريخي عن أصول القوانين التي ذكرها لدعم نظرياته، ثم عدم رسمه في دقة ووضوح الحدود الفاصلة بين الملكية والاستبدادية؛ «لأن الملكية والاستبدادية (الطغيان) - على حد قول فولتير - أخوان يشبه أحدهما الآخر شبها عظيما لدرجة العجز عن التفريق بينهما في أكثر الأحايين. ومن الواجب أن نعترف بأن الملكية والاستبدادية كان مثلهما في كل الأزمنة كمثل هرتين كبيرتين تحاول الفئران تعليق الجرس في عنقيهما.» # ونقد فولتير نقدا مرا ما ذهب إليه مونتسكيو من حيث موافقته على شراء وبيع الوظائف القضائية، بدعوى نفع ذلك للدولة ذات النظام الملكي، والتي قد يرفض بعض الناس فيها القيام بأعباء وظائف معينة تمسكا منهم بالفضيلة، فتصبح هذه الوظائف حرفة أو مهنة تزاولها الأسر التي يدرج أبناؤها على ابتياعها، فندد فولتير بإجراء يجعل تنفيذ العدالة (وتلك وظيفة مقدسة) مهنة أو حرفة تزاولها أسرة معينة. # وفي كتيب بعنوان «آراء جمهورية» # 1 # ظهر سنة 1765 عرض فولتير بعض الآراء القوية والجريئة، من ذلك قوله: إن الحكومة الاستبدادية السافرة، هي عقاب حل بالناس اقتصاصا منهم لسوء سلوكهم، فإذا خضع مجتمع من المجتمعات لسيطرة فرد واحد عليه أو عدد من الأفراد، فلا سبب لذلك إلا افتقار هذا المجتمع للشجاعة والمهارة أو القدرة على حكم نفسه بنفسه. وعرف فولتير الحكومة المدنية بأنها «إرادة الكل يقوم بتنفيذها شخص واحد أو جملة أشخاص تبعا لقوانين يدين الجميع بالخضوع لها.» وذلك تعريف قبله كذلك جان جاك روسو. # ولقد أعجب فولتير بحكومة إنجلترة إعجاب «مونتسكيو» بها؛ لأن دستورا - كما قال - «ينظم حقوق الملك والأشراف والشعب، ويكفل لكل فريق من هؤلاء أمنه وسلامته، من شأنه البقاء والدوام بقدر ما في طبيعة الأشياء التي هي من صنع البشر، من قدرة على البقاء والدوام.» ثم لاعتقاده أيضا «بأن كل الدول التي تقوم على مبادئ مثل هذه لا تتعرض لحدوث أي ثورات بها.» # وفي رسالته عن العادات # 2 # التي نشرت في عام 1765 عرض «فولتير» بعض الآراء ms0119 السياسية التي شرحت «المذهب الحر المستنير». فلاحظ عن الطبقة الثالثة (العامة) أنها الأساس الذي يرتكز عليه تكوين الأمة، ونفى وجود أي مصلحة خاصة أو شخصية لدى هذه الطبقة. وقال عن الحرية # Liberté ~~: إن حب الناس لها طبيعي لدرجة أن جميع من ظفروا بها يرضون عن الآراء الجمهورية. # وفي ضوء المذهب الحر عرف فولتير الملكية بأنها: «الحكومة السعيدة إذا كانت من طراز حكومة لويس الثاني عشر، وبأنها أسوأ الحكومات إذا هيمن على حكومتها ملك خاسر ضعيف.» وأشاد «فولتير» بذكر المساواة # Egalité # فقال: «لا توجد بلدان تستحق السكنى بها كالبلدان التي يخضع أهلها للقانون متساوين وفي كل الظروف»، ثم فسر معنى المساواة الحقيقي فقال: «أولئك الذين يقولون بأن الأفراد جميعهم متساوون، إنما يقررون الحقيقة، إذا قصدوا بذلك أن الأفراد جميعهم متمتعون على قدم المساواة بحقهم في الحرية، وفي الملك، وفي حماية القانون لهم. ولكنهم يخطئون إذا توهموا أن الأفراد يجب أن يكونوا متساوين من حيث استخدامهم (أي ما يقومون به من أعمال) لأن الأفراد لا يتساوون مطلقا في كفاءتهم ومواهبهم.» # ووظيفة الحكومة - في رأي فولتير - هي أن تقوم على تنفيذ ما يصدر من رغبات تبديها الإرادة العامة # Volonte Generale # وبشريطة أن يكون هذا وفق القوانين التي يقرها الجميع أو يأتي استصدارها بموافقتهم. ووصف فولتير الحكومة المستبدة - كما تقدم القول - بأنها العقوبة التي تنزل بالناس جزاء لهم على سوء سلوكهم، والدليل على أن المجتمع فقد القدرة والمهارة الكافيتين لاستلام زمام الحكم، وحكم نفسه بنفسه. # ولقد انطوت هذه الأقوال وأمثالها على رغبة في استحثاث الناس على إظهار الشجاعة والمهارة اللازمتين للتحرر من الاستبداد، وللقدرة على حكم أنفسهم بأنفسهم؛ أي الدعوة لتحقيق ذلك المبدأ العام الذي تدعو الضرورة لتطبيقه على وجه الخصوص إذا أخلت الحكومة بوظائفها وصارت لا تحترم «الإرادة العامة». # ولقد كان إعجاب فولتير بنظام الحكم في إنجلترة، وما وصل إليه نتيجة دراسته لنظام الحكم الدستوري في إنجلترة، من أن الدول التي حكوماتها مستبدة تكون معرضة دائما لحدوث الثورات بها، ينطوي كذلك على دعوة ms0120 صريحة للحد من سلطان الحكومة المطلق في عصره، وتقرير حرية الفرد، وذلك كله في ضوء نظرية «الإرادة العامة». ~~(3) أصحاب الموسوعة # نذكر من الإنسيكلوبيديين: ديدورو، ودالمبير # D’Alembert ~~، وهلفيتيوس # Hélvétius ~~، ودولباخ # D’Holbach ~~. # وقد أضيفت إلى «موسوعتهم» التي نشرت بين 1751-1765 أصلا في سبعة عشر جزءا، أربعة أجزاء طبعت بعد ذلك بين عامي 1776-1777. # وهؤلاء «الإنسيكلوبيديون» أرادوا أن يحتل العقل مكان الضمير في تفسير سلوك الإنسان وفي السيطرة على مسلكه كذلك. واعتقدوا أن جميع فعال الإنسان تهدف لتحقيق سعادته، وقد تصطبغ بالخير أو بالشر تبعا لاتفاقها مع الهدف الذي ترمي إلى تحقيقه؛ أي سعادة الإنسان الشخصية. وكانت العودة إلى الطبيعة في عرف الإنسيكلوبيديين أن ينبذ الإنسان ظهريا كل القيود الأخلاقية. بحث هؤلاء موضوعات هامة مثل الأرستقراطية والسلطة # Autorité ~~، والديمقراطية، والقانون، والحكومة، والرق، والملكية، والسياسة، والسيادة العليا # Souveraineté ~~، وغير ذلك. وكانت أكثر بحوثهم مقتبسة من مؤلف «مونتسكيو» السالف الذكر «روح التشريع»، وتشيع فيها روح لا تتقيد بغير القيود التي فرضتها الأحوال القائمة في المجتمع وقتذاك. # وكان عندما تحدث الإنسيكلوبيديون عن «السلطة» أن عمدوا إلى مهاجمة مبدأ حق الملوك الإلهي، وقالوا في تبرير مهاجمة هذا المبدأ الذي استندت عليه الملكيات المطلقة في فرنسا وفي سائر أوروبا في ذلك العصر: «إنهم لا يريدون التشكيك في أن سلطان الأمراء الشرعي مستمد من عند الله، ولكنهم يريدون أن يميزوا بين هذه السلطة الشرعية، وبين تلك التي اغتصبها المغتصبون وصاروا يمارسونها قوة واقتدارا فحسب. ولا شك في أن السلطة الأولى الشرعية حق إلهي؛ أي مستمدة من الإله نفسه، بدليل موافقة الشعب عليها. وهذه الموافقة الشعبية حتمية ولا سبيل إلى نبذها، وهي التي مكنت «هيو كابيه» # Hughes Capet # من الوصول إلى عرش فرنسا (987م)، وهي التي وضعت التاج على هامته، وضمنت استمرار الحكم في أسرته وذريته.» وواضح أن هذا القول ينطوي على تقرير مبدأ «سلطة الأمة». # وفيما يلي سوف نعرض آراء طائفة من هؤلاء الإنسيكلوبيديين ومعاصريهم، خصوصا جان جاك روسو - صاحب «العقد الاجتماعي» - أي صاحب تلك الفلسفة التي سيطرت فعلا ms0121 على كل ما وقع من أحداث مثيرة اختتم بها القرن الثامن عشر. وكانت هذه في أسلوبها ومداها من طراز غير الذي أتى به «مونتسكيو» في كتابه «روح التشريع». # روسو # Rousseau ~~(1712-1778) # حاول روسو إقامة الدليل على أن «العقد الاجتماعي» حدث نتيجة تطور نقل الإنسان من «نظام طبيعي» # Etat Naturel # إلى «نظام اجتماعي» # Etat Social ~~، نظام طبيعي تغلبت فيه رغبات الفرد الذاتية؛ أي إشباع أهوائه وتحقيق مطالبه على ما عداها، ورغبات الفرد إزاء رغبات إخوانه في المجتمع؛ أي إنه النظام الذي تتغلب فيه إرادة المرء ورغباته مستقلة عن إرادة ورغبات سائر إخوانه. و«نظام اجتماعي» تنازل فيه الفرد عن رغباته وإرادته إلى «المجتمع» الذي هو مقر وموئل الرغبة والإرادة العامة التي تتألف بدورها من مجموع رغبات وإرادات الأفراد، والنظام الاجتماعي يمتاز بتغليب الرغبة والإرادة العامة على رغبات الفرد الذاتية إزاء أو نحو إخوانه في المجتمع. # ولقد بنى «روسو» العقد الاجتماعي على أساس تنازل كل فرد في المجتمع عن جميع ما لديه من رغبات وله من حقوق إلى «المجتمع» نفسه وليس إلى هيئة معينة. وحيث إن هذا التنازل قد حدث للمجتمع عامة وليس لفرد أو لهيئة معينة، فالتنازل - تنازل الفرد عن رغباته وحقوقه - لم يحدث لأي إنسان. ثم إن الفرد لا يزال إلى جانب هذا متمتعا بكامل حريته؛ لأنه دخل في نظام العقد الذي أوجب عليه هذا التنازل بمحض اختياره؛ ولذلك فالعقد الاجتماعي يكفل من هذه الناحية تحقيق الحالة الطبيعية الأولى التي لم تعرف العبودية، ولم يعرف الناس فيها سادة وعبيدا. بل صارت العبودية بعد «التعاقد الاجتماعي» هي الخروج على نظام هذا العقد نفسه. # ونشأت عن نزول كل فرد عن رغباته وإرادته الخاصة، رغبة أو إرادة عامة # Volonté Générale # هي التي يتمتع بها «المجتمع» وحده. وفرق «روسو» بين هذه الإرادة العامة وبين ما سماه «إرادة الكل» # Volonté de Tous ~~؛ فالأخيرة في رأيه هي نزول جماعة من الجماعات عن رغباتهم ومصالحهم الخاصة إلى «هيئة معينة» تقوم من بينهم لوضع هذه الرغبة موضع التنفيذ. ومع ms0122 أن هذه - أي رغبة أو إرادة الكل - قد حدثت فعلا بطريق الإجماع، إلا أنها تنشد صالحا معينا على خلاف «الإرادة العامة» التي تنشد دائما الصالح العام. ~~ ولذلك فهناك تعارض بين الإرادتين، وقد ترتب على نزول الأفراد عن رغباتهم وإراداتهم الخاصة إلى المجتمع أن أصبح هذا المجتمع نفسه الطرف الثاني في العقد الاجتماعي، بينما بقي الأفراد أنفسهم الطرف الأول في هذا العقد، كما أن المجتمع صار هو وحده صاحب القوة والسلطان المطلق، ومقر السيادة العليا # Souverainété ~~؛ أي تلك القوة والسلطة العامة التي هي قوة وسلطة Pouvoir # الإرادة العامة. # ونشأ من وجود هذا العقد الاجتماعي: قيام «الجماعة السياسية» وتكوين الجثمان السياسي الذي هو دعامة الدولة # Etat ~~، والذي تستند عليه الدولة في تكوينها. # ثم إن «السيادة العليا» أو القوة والسلطة صاحبة السيادة لا يمكن تخطئتها أو النزول عنها أو تجزئتها، وهي التي وحدها لها أن تعين الحكام الذي هم أداة لها، ويقومون فقط بتنفيذ القوانين، ولا حق لهم في وضعها. وهم الذين ليسوا سوى ضباط أو عمال مكلفين من قبل القوة والسلطة صاحبة السيادة العليا بتنفيذ القوانين فحسب: سواء كان هؤلاء الضباط أو العمال ملوكا أو شيوخا أو غير ذلك. وللقوة والسلطة صاحبة السيادة العليا أن تعزلهم من مناصبهم متى شاءت، ولها أن تغير الحكومة في أي وقت تراه؛ وذلك لأنه مهما تعددت أنواع وأشكال الحكومة فهي ترتد جميعها إلى أصل ديمقراطي حيث إن تأسيسها جميعها منوط دائما برغبة الشعب وإرادته العامة. ولما كانت الإرادة العامة هي القوة العامة، فللشعب أن يغير حكومته متى شاء؛ لأن كلمة الشعب في هذه الحالة إنما تعبر عن رغبته وإرادته العامة. # وواضح أن ذيوع هذه الآراء يهدم كل الحقوق التي استندت عليها الملكية كحق الفتح أو الحق الإلهي المقدس. وهذه الآراء التي انطوت عليها نظرية العقد الاجتماعي تهدم كل أساس تقوم عليه الملكية المطلقة والاستبدادية وحكومة الطغاة خصوصا، فقد صار من حق الشعب إجراء كل تغيير يريده في حكومته وإقصاؤها عن الحكم إذا وجد أن هذه الحكومة ms0123 قد خرجت على إرادة الشعب العامة التي تستهدف الصالح العام دائما، وأنها قد أخلت بذلك العقد المبرم أصلا بينها وبين الشعب صاحب السيادة العليا في الدولة. # دولباخ # D’Holbach ~~(1723-1879) # وقد تناول آخرون غير «روسو» نظرية العقد الاجتماعي هذه: من هؤلاء البارون دولباخ الذي نشر في عام 1773 كتابه «النظام الاجتماعي» # Système Social ~~. وهو كتاب تحدث فيه عن نظرية العقد الاجتماعي على غرار ما فعل «روسو»، وحدد العلاقة بين الحكومة والمجتمع، فقال في الحكومة إنها «مظهر القوى التي وضعها المجتمع بين أيدي أولئك الذين اعتبرهم صالحين لقيادته وإرشاده إلى ما فيه سعادته.» وقال «دولباخ»: إن هناك عقدا بين الشعوب وقادتها أو رؤسائها على أساس أن يتعهد هؤلاء القادة أو الرؤساء بحكم الشعب حكما طيبا، فإذا لم يفعلوا تحرر الشعب من ارتباطه ومما تعهد به، وصار باطلا وملغى وكأن لم يكن، وبمقتضى نظرية العقد هذه صارت القوانين لا تعدو كونها التعبير الذي تفصح به الإرادة العامة عن رغباتها ومطالبها، فالمجتمع يعبر عن إرادته باستصدار القوانين، فإذا رفض مواطن أن يذعن لهذه القوانين (التي هي مظهر للإرادة العامة) أنهى بذلك ارتباطاته وخرج على ما تعهد به، وحق للمجتمع حينئذ أن ينزل العقوبة به. # وهاجم «دولباخ» حكومات الطغاة الذين استبدوا بالشعب وبطشوا به، وندد خصوصا بحكومة لويس الرابع عشر، تارة بالتمليح والإشارة، وتارة بصريح العبارة، فقال: «لقد أصبحت السياسة في كثير من الأقطار مجرد مؤامرة محبوكة الأطراف، موجهة ضد الشعوب. فالملك أو صاحب السلطان في جميع أنحاء العالم تقريبا هو كل شيء. أما الأمة فقد ظلت لا تعني شيئا بتاتا.» # ومن أقواله ضد «لويس الخامس عشر»: «يندر جدا أن يعثر الإنسان على ملك يكلف نفسه مشقة القيام بأعباء وظائفه في الدولة، والسبب في ذلك أن التربية والتعليم اللذين ينالهما سادة الأرض هؤلاء يجعلانهم أكثر صلاحية لأن يكونوا هم أنفسهم عبيدا من أن يتزودوا بما يؤهلهم لحكم غيرهم. فهم أدوات في أيدي وزرائهم ورجال بطانتهم ومحظياتهم، يحركها كل هؤلاء حسب أهوائهم ورغباتهم.» # ولم يكتف «دولباخ» ms0124 بمهاجمة الملكية، فحمل حملة عنيفة على رجال الدين كذلك، وهم الذين في نظره قد اتحدوا مع الطغاة يستجدون منهم العطايا، وكي ينالوا منهم إعفاءهم من الواجبات التي كان عليهم قانونا وعدلا أن يؤدوها للمجتمع والأمة، وهذا فضلا عن تسخير رجال الدين للمجتمع في خدمة أغراضهم ومآربهم. أي إن «دولباخ» حمل بعنف وقسوة على دعامتين أساسيتين من دعائم الدولة في «النظام القديم»: الملكية والكنيسة. # آبيه دي مابلي # Mably # 3 ~~(1709-1785) # وكان جبرائيل دي مابلي # L’Abbé Gabriel de Mably # ممن اعتبروا الملكية الفردية، وخصوصا ملكية الأرض أساس كل المساوئ الاجتماعية والسياسية التي يشكو منها المجتمع، ومصدر كل الشرور التي حلت به والتي أوجبت على أفراده البحث عن الوسائل اللازمة لإصلاح شئون هذا المجتمع، ثم أدى بهم البحث عن هذه الوسائل إلى اقتراح أنظمة شيوعية واشتراكية لتحقيق هذه الغاية. ولقد تأثر مابلي بكتابات «روسو» تأثرا عميقا، ولكن المصدر الذي استقى منه آراءه ونظرية الشيوعية خصوصا التي أتى بها، كان كتاب أفلاطون عن «الجمهورية» ثم كتابه الآخر عن «القوانين»، وليس مؤلفات «روسو». فلا ذكر في كتابات «مابلي» لنظريات «روسو» المعروفة عن العقد الاجتماعي، أو الإدارة العامة، أو غير ذلك. # وكان عن طريق «مابلي» وما بسطه من آراء ونظريات، أن صار لأفلاطون تأثير مباشرة على الثورة الفرنسية ذاتها، والسبب في هذا أن نادي اليعاقبة كان يتخذ كتابات «مابلي» مصدرا أو مرجعا أساسيا يعتمد عليه في دعم آرائه وتأييد نشاطه، وبخاصة عندما كانت عقيدة اليعاقبة الهامة بإلزام الدولة إنشاء نوع من الحكم تسود فيه «الفضيلة»، ولأن آراء اليعاقبة الاشتراكية قامت على اعتبار الملكية الفردية أساس الشرور التي يعاني منها المجتمع. # وتتلخص نظرية «مابلي» في أنه - كما فعل روسو - اعتبر عدم المساواة في حقوق التملك منشأ كل المساوئ الاجتماعية والسياسية ومصدرها. واعتقد - كما اعتقد أفلاطون - أن من الممكن إزالة هذه المساوئ عن طريق التشريع الحكيم. كما كان التشريع غير الحكيم - في نظره - هو سبب هذه المساوئ ذاتها التي ناء بها الشعب. ويتعارض عدم المساواة في التملك تعارضا ms0125 تاما مع أصول الطبيعة التي لم تخلق فقراء وأغنياء. ثم إنه لا يجوز الاعتماد على وجود تفاوت في المواهب لتسويغ عدم المساواة في التملك؛ لأن التفاوت في المواهب في حد ذاته نتيجة لعدم المساواة في الفرص، أو الحظوظ، أو الثراء الناجم من عدم المساواة في التملك. # ولا يجوز الاعتماد على وجود تفاوت في القوى؛ لأن الفرد مهما كان قويا جثمانيا فهو عاجز عن المقاومة إذا اتحد عدد من الأفراد ضده. وفي ضوء هذه الاعتبارات إذن دعا «مابلي» إلى شيوعية الملك على أساس أن تصبح الدولة وحدها هي الممتلكة فعلا لكل شيء؛ فتقوم بتوزيع ما تملكه على الأفراد، كل فرد بقدر حاجته ودون نظر إلى مواهبه أو كفاءته أو طاقته. # مورللي # Morelly # ولم يكن «مابلي» وحده هو الذي دعا إلى هذا المذهب الشيوعي في عصره، بل سبقه في ذلك فرنسي آخر يدعى «مورللي» نشر كتابا عن «قانون الطبيعة» # 4 # في سنة 1755، كما نظم مقطوعة مطولة قبل ذلك بعامين ترسم «عالما شيوعيا»، ولقد تضمنت كتاباته الدعوة لهذه المذاهب الاشتراكية والشيوعية الحديثة التي ابتدع لتنفيذها نظاما متقنا استمد منه المصلحون الاشتراكيون فيما بعد في فرنسا خططهم وبرامجهم. # ولكن «مورللي» كان خامل الذكر، وظل تاريخ مولده ووفاته مجهولا، وساد الاعتقاد في عصره أنه لم يكن صاحب كتاب «قانون الطبيعة»، ووجد من عزا تأليف هذا الكتاب إلى «ديدرو»، خطأ بطبيعة الحال؛ ولذلك فإنه بالرغم من وضوح الفكرة الشيوعية وتنسيقها في نظام رتيب على يد «مورللي»، فقد انصرف المعاصرون عنه، وظل تأثرهم بكتابات «مابلي» يفوق كل تأثر، ولا جدال في أن «مابلي» كان مصدر الآراء الشيوعية والاشتراكية التي ظهرت في عصر الثورة. # وتتلخص نظرية «مورللي» في أن تحصيل المنفعة الذاتية هو الدافع أو المحرك الأول للإنسان في نشاطه، وهذه المنفعة الذاتية مصدر كل شر إذا أسيء توجيهها؛ لأن الطبيعة قصدت أن يشترك الأفراد في الملكية اشتراكا شيوعيا كي تصبح منافع الأفراد الذاتية متطابقة ومتماثلة، بحيث إذا عمل إنسان لتحقيق نفع ذاتي معين عاد هذا النفع في ms0126 الوقت نفسه عند تحقيقه على المجتمع بأسره؛ ولذلك، فإذا اختص الفرد بامتلاك شيء معين لنفسه واستأثر به دون سائر إخوانه، عاد نشاطه الذي يبذله لتحقيق هذا النفع الذاتي لنفسه بالضرر على سائر الأفراد وألحق الأذى بالمجتمع؛ لأن الملكية الفردية تستتبع حتما انصراف الأفراد لرعاية مصالحهم الخاصة، مهما كانت هذه المصالح متناقضة، ولا مفر في هذه الحالة من أن يلحق هذا التناقض الأذى بهؤلاء الأفراد أنفسهم وبالمجتمع أيضا. # وتلك - في نظر «مورللي» - حال غير طبيعية؛ أي أن يكون نشاط الإنسان بسبب محاولته تحصيل النفع لذاته منصبا على إلحاق الأذى بغيره. والإنسان كان أصلا مطبوعا على الأمانة، ولكن هذه سرعان ما أفسدها طغيان النهم والشره عليها عندما استبدت رغبة التملك - أساس كل شر - بالإنسان. # وعلى ذلك فقد اهتم «مورللي» في كتابه «قانون الطبيعة» برسم صورة لنظام اجتماعي يتيح للإنسان فرصة العيش بقدر المستطاع فعلا في هذه الحياة، في سعادة وفي فضيلة، ولو أن «مورللي» نفسه كان متشائما في إمكان الوصول إلى هذه الحياة السعيدة، بسبب ظروف الحياة الواقعية فعلا، والتي يتعذر معها إنشاء مثل هذا المجتمع في عصره. # رينال # Raynal ~~(1713-1796) # وآخر من نذكر من هؤلاء «الفلاسفة» آبيه غليوم رينال # Guiallaume Raynal # صاحب أكبر إنتاج خلف آثارا لا تمحى في عالم الفكر والرأي في عصره، عندما اصطبغت بفضل كتاباته كل تلك الآراء والمذاهب التي انتشرت بين معاصريه بالعنف والشدة، وانتقلت من عوالم الفكر إلى ميدان العمل؛ وذلك بسبب ما أثارته كتاباته من كوامن الأحقاد السياسية لدى طبقة الشعب الفرنسي التي لم يكتمل نضجها الفكري، وكانت لا تزال وقتئذ «نصف متنورة». وأما الذي أحدث هذا الأثر فكان كتابه المشهور عن «التاريخ الفلسفي والسياسي لمراكز التجارة التي أسسها الأوروبيون في الهندين الشرقية والغربية». # 5 # نشر للمرة الأولى في سنة 1770 دون ذكر اسم المؤلف، ثم نشر ثانية مع ذكر اسمه سنة 1780، وكان في عشرة أجزاء، وصادف رواجا عظيما. # حمل «رينال» على الاستبداد والطغيان حملة شديدة، ولو أنه عزا وجود هذا الطغيان إلى فعل الشعوب ms0127 وليس إلى الملوك. من أقواله في ذلك: «لماذا يعاني الإنسان ما يعانيه، ولماذا لا يندد بكل ما يملك من قوة وحماس بهذا الطغيان؟ ولماذا لا يبذل كل ما وسعه من جهد وحيلة لاسترداد قدره ومكانته كإنسان؟ هل يرى في ارتفاع صيحاته مدوية ضد الرق والعبودية عصيانا وثورة جامحة؟ إن الرجال الذين لا يكافحون في سبيل استرداد حقوق الإنسان وتقريرها لخليق بهم أن يهلكوا في زوايا النسيان يغمرهم الخزي والعار والفضيحة!» # وحمل «رينال» على عدم المساواة في الفرص أو الحظوظ «عدم تكافؤ الفرص» فقال: إنها أصل كل إجحاف وظلم، ومبعث كل استبداد وطغيان، ولا سبيل إلى الخلاص من ذلك طالما بقيت عدم المساواة. وعدم المساواة الظاهر في توزيع الثروة هو منشأ البلاء والبؤس الذي يثقل كاهل الشعب. وكذلك حمل «رينال» على النظام الملكي وأنصاره، وقال متهكما بهؤلاء الأخيرين: «إنهم أولئك الذين ما كنت تسمع منهم إلا أمثال هذه العبارات: قام الملك! أراد الملك! ~~ شاهدت الملك! قابلت الملك! تعشيت مع الملك!» # ثم حمل على رجال الدين فقال: «وماذا يفعل القسيس؟ وما ذلك الدور الذي يؤديه؟ إنه يجعل الناس (أي البشر) ينقلبون إلى غير آدميين بفضل ما يشاهدونه من فعال رجال الدين ويلاحظونه على مسلكه، ويسمعونه من عظاته وأحاديثه!» ثم حمل على النبلاء فقال: «يتذلل كبار السادة للأمراء، ويتذلل أفراد الشعب لكبار السادة، وهكذا فقد الإنسان احترامه الطبيعي لنفسه، ولم تعد لديه أية فكرة عن حقوقه.» # ولكن هذه الحملة الشديدة التي أثارها «رينال» ضد الطغيان، وعدم المساواة في الحظوظ أو الفرص، وضد الملكية، والكنيسة والنبلاء، لم تكن تنطوي في جوهرها على أي مذهب أو عقيدة ثورية، كما خلت كتاباته من أية آراء جمهورية أو اشتراكية بارزة. بل إن «رينال» كان يؤمن بالنظام الملكي، ويوصي باتباع النظام الملكي الإنجليزي خصوصا؛ لأن الحكومة في إنجلترة حكومة «مختلطة»؛ أي تجمع عناصرها - على حد قوله - بين الملكية الاستبدادية التي هي الطغيان بعينه، وبين الديمقراطية التي تقود في عرفه إلى الفوضى، ثم بين الأرستقراطية؛ فصارت بفضل اشتمالها على ms0128 هذه القوى الثلاث - التي تحد كل واحدة منها من تطرف الأخرى، وتتآزر إلى جانب ذلك فيما بينها جميعا - قادرة، ومن تلقاء نفسها، على تحقيق صالح الوطن. # ولكن «رينال» - على خلاف «مونتسكيو» - كان يعترض اعتراضا شديدا على فصل السلطات (القضائية، والتشريعية، والتنفيذية)؛ لاعتقاده بأن فصلها بعضها عن بعض، وما سوف يستتبع ذلك من كفاح بين هذه السلطات الثلاث، سوف يؤدي إلى الفوضى، وإلى انحلال الحكومة في آخر الأمر. # ومع أن «رينال» لم يستطع إبراز فكرة جلية واضحة عن نوع الحكومة التي يريدها، وظلت آراؤه في هذا الشأن مبهمة، فقد نادى بمبادئ ثلاثة، كان الغرض منها «تطويع» الدين للدولة، ومقاومة الفكرة القائلة بضرورة فصل الكنيسة أو السلطة الروحية عن الدولة أو السلطة الزمنية. وقد ذكر «رينال» هذه المبادئ الثلاثة في قوله: «أولا: أن الدولة لم تؤسس من أجل الدين، ولكن الدين هو الذي وجد من أجل الدولة. ثانيا: مراعاة الصالح العام هو القاعدة التي يجب أن تأخذ الدولة بها بصورة دائمة. ثالثا: أن للشعب وحده، حيث إنه مقر سلطان السيادة العليا، الحق في إبداء حكمه فيما يتعلق باتفاق أي نوع من أنواع الأنظمة «الحكومية» مع الصالح العام.» # وكان أهم ما تأثر به معاصرو «رينال» آراؤه عن الحرية؛ حيث قال عنها: إنها لا تباع ولا تشترى، وقسمها إلى طبيعية ومدنية وسياسية، لا يستطيع إنسان بدونها أن يملك نفسه جثمانيا وروحيا أو يصبح زوجا أو أبا، أو يكون له وطن أو يصير مواطنا، أو يكون له إله، ولن يجدي الضغط والاستبداد شيئا في القضاء على الحرية لأنها منقوشة في الصدور. # وقال: إنه لن يمضي وقت طويل حتى يكون الناس قد شعروا جميعا بأن الحرية أفضل نعم الله على الإنسان. وعندئذ سوف يتحرر الناس من استبداد الطغاة، بطردهم وإقصائهم أو بقتلهم وإفنائهم، كما قال: ولقد اعتقد رجال الدين وأذاعوا على الملأ أن الملوك يستمدون سلطاتهم من الإله وحده، ولكن هذا الزعم ليس سوى «قيود من حديد تربط أمة بأسرها بقدمي رجل واحد. وفي وسعنا أن ms0129 نفرض الذل والهوان على أي شعب إذا سمينا أحد الطغاة «أبا» لهذا الشعب ودعمنا بفضل هذا اللقب استبداده به.» # ولقد اعتبر علماء اللاهوت في جامعة باريس وقتئذ هذه الأقوال وأمثالها «مضادة للعقل، ومسبة للدين، وتدل على الزندقة واختلال الشعور، والكراهية الشديدة للدين ولسلطان الملوك.» ولكن هذه الصفات ذاتها هي التي حببت سواد الشعب في أقوال «رينال» وجعلتهم يتأثرون بكتاباته. والسبب في ذلك أن سواد الشعب لم يكن على قدر من الثقافة يكفي لأن يميز بين الغث والثمين، أو يجعله قادرا على تقليب وجوه الرأي فيما يعرض له من آراء وأقوال. # ثم إن «كتاب» رينال هذا قد ظهر في وقت كان قد علا فيه ضجيج سواد الشعب ومفكريه وقادته على السواء، من تلك الفوضى التي انتشرت في فرنسا، نتيجة لزوال كل نظام في ذلك «النظام القديم» الذي انهارت أركانه. # الفصل الثالث # | فوضى النظام القديم # فرض النظام القديم # L’Ancien Régime # على الشعب؛ أولا: الرضوخ لسلطان ملكية مستبدة، فقدت إلى جانب أنها استبدادية وذات سلطان مطلق في الحكم، كل كفاءة وقدرة على إدارة شئون الحكم، وفقدت تبعا لذلك السبب المباشر في وجودها، والذي كان يسوغ في مراحل تكوين الملكية السابقة وتطورها استئثارها بالسلطة المطلقة في فرنسا. # وفرض «النظام القديم» على الشعب؛ ثانيا: الرضوخ لسلطان النبلاء في وقت كان هؤلاء يعنون فيه بالأرض وصونها من البوار، ويذودون عن حياض الوطن في جيوش الملك، ويقيم أكثرهم بين فلاحيهم؛ ولكنهم نزحوا الآن إلى باريس للعيش في خمول في بلاط الملك، وطالت غيبتهم عن أراضيهم، وزال اهتمامهم بالزراعة، وزادت نفقاتهم الجديدة؛ فاشتط عملاؤهم في إرهاق الفلاحين واستنزاف مواردهم لسد حاجات هؤلاء «النبلاء المتغيبين». # ثم قل وجود أصحاب المواهب العسكرية بينهم، وظهر عجزهم في ميادين القتال؛ فانعدم بسبب ذلك كله أي مبرر لوجود الامتيازات والحقوق الإقطاعية القديمة، وعظم سخط الفلاحين على «نظام» فرض عليهم دفع الضريبة العقارية # Taille ~~، والملح # Gabelle ~~، والفردة أو ضريبة الرءوس # Capitation ~~، وضريبة الدخل # Vingtieme # وغير ذلك، إلى جانب «العوائد المقررة» أو الحقوق الإقطاعية التي ms0130 ألزمت الفلاح المالك - بمعنى المنتفع من الأرض - القيام بواجبات معينة نحو صاحب الإقطاع. وكانت هذه كثيرة: مثل حق صاحب الإقطاع في بيع نبيذه في إقطاعيته، ومنع الغير من بيع أنبذتهم، وذلك في فترة معينة من السنة # Banvin ~~، أو حقه في جباية المكوس عند عبور الجسور أو السير في الطرق واستخدامها في إقطاعيته Péage ~~، أو استخدام الأفران والمخازن الخاصة بصاحب الإقطاع لقاء قدر معين من المال # Banalité ~~، أو الخدمات العسكرية والمدنية وأنواع الخدمات التي كان مكلفا بها أهل إقطاعية صاحب الإقطاع، وما كان يحصله منهم في صورة إتاوات نقدية أو عينية، كجزء من حقوقه الإقطاعية عليهم # Redevance ~~، أو المال الذي يحصله من كل «صاحب أرض» أو مستغل لها «كأجير» ما دامت هذه الأرض ضمن حدود إقطاعيته # Cens ~~. أو الأموال التي يحصلها من أية مزرعة أو عقار قد يرى صاحب الإقطاع فرض إتاوة خاصة عليه # Censives ~~، أو الاستيلاء على جزء من محصول الكروم في إقطاعيته # Carpot ~~، أو الرسوم التي تدفع عند تعيين حدود كل مزرعة في الإقطاعية # Champage ~~، أو الرسوم المحصلة على مختلف المحصولات في أوقات الحصاد حيث كان لصاحب الإقطاع مثلا أن يستولي عند حصاد القمح على «حزمة» واحدة من كل عشر حزمات من القمح # Terrage ~~؛ وهكذا. # وكذلك؛ فقد اشتد السخط على نظام فرض على الشعب احترام الكنيسة، والخضوع لرجال الدين، من أساقفة وقساوسة ورؤساء ورئيسات أديرة ورهبان وراهبات، عندما كان هؤلاء جميعا يؤدون وظائفهم الدينية صحيحة ويحرصون على واجباتهم الروحية نحو الشعب، وتدفقت وقتذاك الهبات والعطايا على الكنيسة، واتسعت أملاكها وعظمت إيراداتها، كما أنها كانت تنفق بسخاء على شئون العبادة والتعليم، وتحسن على الفقراء والمعوزين، ولكن لم يلبث أن أخذ الانحلال يتسرب إلى الكنيسة، فانصرف رجال الدين كبارهم وصغارهم عن القيام بواجباتهم، واعتبروا أملاك الكنيسة ملكا خاصا لهم، ثم انعدمت المساواة في توزيع إيرادات الكنيسة بين رجالها؛ فتفاوتت إيرادات الأسقفيات والأديرة والأبرشيات وغيرها، وانحط شأن القساوسة وصغار رجال الدين عموما، حتى عاش أكثرهم في بؤس ساعد على انحلال أخلاقهم وفسادها؛ ms0131 فكان بسبب ذلك إذن، أن انتفى أي مبرر لأن تتمتع الكنيسة ويتمتع رجال الدين بتلك الامتيازات العديدة التي كانت لهم، وأهمها إعفاؤهم من الضرائب. # ولقد ضج سواد الشعب والفلاحون خصوصا من ضريبة «العشور» أو العشر # Dime # التي حصلتها الكنيسة منهم، وحاول كثيرون قبل قيام الثورة بسنوات عديدة الامتناع من دفعها، وعمدت الكنيسة إلى مقاضاتهم لإرغامهم على دفعها حتى بلغ عدد القضايا التي من هذا القبيل في عام 1788 حوالي (400000) قضية. # ولقد كان من عوامل هذه الفوضى كذلك: ذيوع «الماسونية» وانتشارها في الجيش خصوصا. ~~ والماسونية جمعية سرية ينتظم أعضاؤها في «محافل» لتبادل المنفعة الأدبية والتعاون فيما بينهم. ويعتبر «البناءون الأحرار» أنفسهم «إخوانا» مهما تفاوتت طبقاتهم الاجتماعية، ويقتضيهم واجب هذه الرابطة مساعدة بعضهم بعضا. وقد دخلت الماسونية إلى فرنسا في أواخر القرن الثامن عشر، وانتشرت «المحافل» الماسونية في الجيش، في السنوات التي سبقت الثورة، حتى بلغ عددها في سنة 1789 خمسة وعشرين محفلا عسكريا. # وسواء سادت الروح الثورية هذه المحافل أو لم تسد، فالذي لا ريب فيه أن روح المساواة كانت ذات سيطرة تامة في هذه المحافل؛ بحيث ترأس الجنود العاديون وصغار الضباط بعضها، وفقد كبار الضباط والقواد تبعا لذلك نفوذهم؛ فاختل النظام في الجيش، وتسرب إليه الانحلال، حتى ظهرت آثار هذه الفوضى في العصيان الذي حدث في عام 1789 بين فرق الحرس الفرنسي # Gardes Françaises ~~، وفي تمرد الجنود في نانسي # Nancy # في أغسطس سنة 1790؛ الأمر الذي حرم الملكية من تلك القوة - قوة الجيش - التي كان في استطاعتها - لولا ذلك - الدفاع عن الملكية في أزمتها. # تلك إذن كانت أسباب الفوضى ومظاهرها في فرنسا، وهي الفوضى التي حببت جمهرة الشعب في أقوال «رينال»، وجعلت صفوة مفكريه، من أهل الطبقة المتوسطة البورجوازية خصوصا، يتأثرون بالمبادئ والمذاهب التي نشرها «دولباخ» و«مابلي» و«مورللي» و«الإنسيكلوبيديون» عموما، ثم قبل ذلك كله «جان جاك روسو». # وهي الفوضى التي دلت كذلك على إخفاق حكومة «النظام القديم» وفشلها، وجعلت الشعب الفرنسي قاطبة يشعر بحاجته الملحة إلى ضرورة إنهائها، وإعادة «النظام» إلى ms0132 نصابه، في شكل حكومة ترعى الشعب، وتعمل لما فيه خير الصالح العام في فرنسا، وهي الفوضى التي دعت «كالون» # Calonne ~~- من وزراء البلاط ومن أنصار الملكية الاستبدادية - يقول في تقرير قدمه إلى الملك، وكان لويس السادس عشر قد استدعاه بين عامي 1781 و1788 لإصلاح مالية البلاد، ولكن دون جدوى: «إن فرنسا مملكة مؤلفة من أقاليم ومقاطعات منفصلة بعضها عن بعض، وذات إدارات مختلفة، ولا تدري كل مقاطعة من هذه المقاطعات شيئا مما يجري أو يقع في غيرها، ولا تتحمل جهات معينة شيئا من الواجبات والتكاليف، بينما ترزح جهات أخرى بكل هذه الأعباء، ولا تدفع أعظم الطبقات ثراء سوى أقل ضريبة ممكنة. وكان سبب وجود الامتيازات أن اختل التوازن في البلاد، ولا سبيل إلى إيجاد نوع من الحكم المستقر أو إدارة عامة مستديمة؛ الأمر الذي يجعل من فرنسا بالضرورة مملكة وصلت في نظامها إلى منتهى القصور والعجز، تسود فيها المساوئ، بل ومن المستحيل في حالتها الراهنة إدارة شئون الحكم بها.» # الفصل الرابع # | الفيزوكرات: القائلون بحكم الطبيعة # ويرى بعض المؤرخين أنه يصح اختيار سنة 1776 أو سنة 1787 لتحديد بداية «الثورة»؛ وذلك بسبب خروج «ترجو» # Turgot # من الوزارة في عام 1776، وهو المصلح المالي والاقتصادي الذي لجأ إليه الملك بين 1774-1777 لمعالجة الأزمة المالية المستحكمة، ثم بسبب تضافر عوامل عدة في سنة 1787 أفضت وقتئذ إلى تحريك الثورة؛ منها: رداءة المحصول، وارتفاع ثمن الحبوب (الغلال)، واستحكام الأزمة المالية والضائقة الاقتصادية. وبعبارة أخرى وقوع كل ما من شأنه أن يزيل الثقة في قدرة الملكية المطلقة على الاضطلاع بالحكم، أو بأن في وسعها الاستفادة من آراء أولئك المصلحين الاقتصاديين، الذين أرادوا معالجة شئون الاقتصاد على أسس جديدة، وذاعت آراؤهم وقتئذ، وآمن بها كثيرون. # وأما هؤلاء المصلحون فقد عرفوا باسم «الاقتصاديين» # Economists ~~. وكان بعد مضي زمن طويل من ظهورهم، أن أطلق عليهم اسم الفيزوكرات Physiocrats # أو القائلين بحكم الطبيعة، فصار هذا الاسم علما عليهم واشتهروا به. وكان على رأس هؤلاء «فرانسوا كسناي» # Francois Quesnay ~~(1694-1774) مؤسس ms0133 هذه المدرسة الجديدة، ثم «مرسييه دي لا ريفيير» # Mercier de la Riviere ~~(1720-1794) الذي وضع مذهب الفيزوكرات في أسلوب علمي واضح، كما كان الماركيز دي ميرابو # Marquis de Mirabeau # أبو خطيب الثورة المشهور، من أشد مؤيدي «كسناي»، بينما كان «ترجو» من الذين أيدوا آراء الاقتصاديين وعملوا على تحقيق مذهبهم. # وقد عني الاقتصاديون - أو الفيزوكرات - أكثر ما عنوا بمعالجة المسائل المتصلة بحياة الأمة المادية، وقصروا بحوثهم على بيان وظائف الطبقات المنتجة في المجتمع: أي الزراع والصناع والتجار، ثم إظهار الوسائل الكفيلة بإنهاضهم وإنعاش أحوالهم، وبيان علاقة هذه الطبقات المنتجة بالدولة، ثم إنهم حاولوا من وجهة نظر الحكم نفسه، تحديد أكبر الوسائل أثرا في ضمان الإيراد أو الدخل الذي يكفي الدولة ويعينها على النهوض بأعبائها. # وكان من الطبيعي للوصول إلى هذا الغرض أن تتناول بحوثهم مسألة الضرائب؛ أي الغرض من تقريرها، وكيفية فرضها وتحصيلها، والآثار المترتبة على هذه الأمور جميعها، حتى إذا فعلوا هذا، انتقلوا إلى البحث عن مصادر الثروة التي تؤلف الضرائب نصيب الحكومة منها، ثم البحث في وسائل إنتاج هذه الثروة، وتوزيعها، وعلاقاتها برفاهية المجتمع، وحجم هذا المجتمع والصفات المميزة له. # على أن أهم ما يسترعي النظر من مبادئهم، كان تقرير الضريبة الواحدة # L’Impôt Unique ~~، والتي تفرض على الأرض وحدها فحسب. على اعتبار أن الأرض وحدها مصدر كل ثروة. ثم إلغاء المكوس الداخلية على تجارة القمح في فرنسا (أي تقرير حرية التجارة)؛ يحدوهم إلى تقرير هذين المبدأين الرغبة في إمداد الحكومة بأكبر دخل مستطاع، مع تأمين رفاهية الشعب ورخائه في الوقت نفسه. # وتتلخص نظرية الفيزوكرات السياسية في أن العدالة أول شرائط المجتمع، بل هي أول شرائط حياة البشر قبل وجود المجتمع، كما أن العدالة في أساسها هي ضمان وتأييد تلك الحقوق التي أعطتها الطبيعة لكل مخلوق في البشر: حق الفرد في الحرية، وحقه في التملك، ولا يتنازل الأفراد عن شيء من حقوقهم الطبيعية عن تأليف أو تكوين الجثمان أو الكيان السياسي. بل على العكس من ذلك؛ فإن الغرض من تكوين ms0134 أو تأليف أية جماعة أو رابطة، إنما هو تأكيد التمتع بهذه الحقوق في أوسع نطاق ممكن. وليست القوانين المتبعة في المجتمع سوى قواعد العدالة والأخلاق؛ لأن سريان العدالة والتزام المبادئ الأخلاقية، هما مناط أو مساك الكون بأسره. # وفي رأيهم تشمل الحقوق الطبيعية التي للأفراد، والمتعلقة بالملكية (أو التملك)؛ أولا: حق التملك الذاتي أو الشخصي؛ أي حق الفرد في امتلاكه نفسه، بما ينطوي عليه ذلك من حقه في استخدام كل مواهبه وكفاءاته، ويستتبع هذا الحق حق آخر هو «حق العمل»؛ أي حق الفرد في أن يعمل. ثانيا: حق الفرد في ملكية منقولاته؛ أي تلك الأشياء التي أنتجها «عمله»، وكانت ثمرة هذا العمل. ثالثا: حق الفرد في امتلاك الأرض «أو الملكية العقارية Proprieté Foncière ~~». # ومما تجدر ملاحظته أن حق الفرد في الملكية إنما يحد منه ما يحيط به من حقوق الملكية التي يتمتع بها الآخرون، كما يحد من حق الفرد في الحرية ما للأفراد من حقوق في الحرية مماثلة لحقه. # ومن آرائهم أن الغرض من وجود «النظم» في المجتمع أن يكفل المجتمع للأفراد جميعهم تمتعهم بما يمتلكون، حقا طبيعيا لهم؛ ولذلك فقد صار وجود سلطة تعمل لحماية هذه الملكيات أمرا ضروريا، كما تحتم أن ترتكز هذه السلطة في صاحب سيادة أو سلطان # Souverain # متسلحا بقوة تكفي للتغلب على كل ما قد يصادفه من عقبات وصعوبات. ووجب أيضا أن تجتمع السلطة في مستقر واحد (أو في وحدة) واحدة؛ إذ من المتعذر تقسيم أو توزيع سلطة صاحب السيادة أو السلطان، وليس الغرض مطلقا من إنشاء أو إقامة هذه السلطة، التي لصاحب السيادة أو السلطان، صنع القوانين؛ لأن القوانين تم صنعها فعلا على يد ذلك «الكائن الأعظم» الذي أوجد الحقوق والواجبات. وأما ما يصدره صاحب السلطان من أوامر أو مراسيم، فلا يمكن أن يكون إلا بمثابة إظهار لما هنالك من قوانين أساسية يقوم عليها النظام الاجتماعي، هي قانون الحرية، وقانون الملكية، فإذا صدرت الأوامر والمراسيم مناقضة لهذه القوانين الأساسية، فإنها تصبح ملغاة ولا وجود لها، ms0135 وذلك لأن أهم واجبات صاحب السيادة أو السلطان في المجتمع هو التشريع بإصدار أوامر تضع موضع التنفيذ هذه القوانين الأساسية التي تحكم النظام الاجتماعي. # ويستأثر صاحب السيادة أو السلطان وحده ودون غيره بالسلطة التشريعية، أو بمعنى أصح بسلطة إظهار آثار القوانين الأساسية (الخاصة بالحرية والتملك) التي يقوم عليها النظام الاجتماعي. ثم إن صاحب السيادة أو السلطان يستأثر وحده كذلك بالسلطة التنفيذية. ولكنه من ناحية أخرى لا يمارس السلطة القضائية؛ لأن إصدار الأحكام القضائية ضد المواطنين لا يتفق ولا يتلاءم مع خصائص السيادة العليا، حيث إن ممارسة الوظائف القضائية يستدعي فحص تفصيلات دقيقة كثيرة، وبحث قضايا معينة، لإصدار أحكام معينة في كل واحدة منها، وذلك عمل يبعده كل البعد عن الغرض من وجود السيادة العليا؛ أي تقرير قوانين النظام الاجتماعي الأساسية؛ ولذلك فالقضاة هم الذين يتولون شئون القضاء، وواجبهم مقارنة الأوامر أو المراسيم الموضوعة بقوانين «العدالة» - أي القوانين الأساسية - حتى يقوموا بتطبيق ما كان متلائما من هذه الأوامر أو المراسيم مع تلك القوانين الأساسية. # ثم كان بعد تقرير هذه المبادئ الجوهرية، أن عالج الاقتصاديون أو الفيزوكرات مسألة الحكم والحكومة. وقد انتهوا من بحوثهم إلى أن «الملكية الوراثية» أفضل أنواع الحكومات إطلاقا. ولم يخش الفيزوكرات من أن تصطبغ المليكة الوراثية بصبغة الطغيان، طالما بقي وظل قائما النظام الذي وضعوه للمجتمع ونفذت قواعده بصدق وأمانة، وهو النظام الذي سبق القول بأنه يقوم على تقرير مبدأ الحرية وحق التملك. # ولذلك فقد تحتم أن تصبح وظائف الملك في ظل هذا النظام المحافظة التامة وبصورة مجدية على حقوق الحرية والتملك، كما تحتم تنفيذا لهذه الغاية، أن يفحص القضاة المتنورون كل ما يصدره الملك من أوامر وقرارات، وأن يدلوا بآرائهم في شأنها، وفي كل ما يعرض لهم من قضايا مواطنيهم. وفضلا عن ذلك، فإن إقامة نظام اقتصادي يرتكز على مبدأ «الضريبة الواحدة» من شأنه أن يقضي على مبعث الظلم والشر في المجتمع؛ وذلك لأن توفير قدر كاف من الإيراد للتاج أو الملك، نتيجة للأخذ بهذا النظام الاقتصادي، ms0136 سوف يؤدي من تلقاء نفسه إلى ضمان أكبر قسط مستطاع من الرفاهية والرخاء لرعايا الملك وشعبه. # الفصل الخامس # | محاولات الإصلاح وفشلها: «ترجو» و«نكر» # تلك إذن كانت مبادئ الفيزوكرات الاقتصادية والسياسية. وقد لقيت في فرنسا كل تأييد وتعضيد من جانب عدد غير قليل من رجال الحكم والإدارة، كان أهمهم ترجو # Turgot ~~(1727-1781)، أحد الذين عنوا بالشئون الاقتصادية والمالية، ثم اعتبره كثيرون من مدرسة «الاقتصاديين»، ولو أنه كان صاحب آراء أكثر اتصالا بالمبادئ التي نشرها «آدم سميث» # Adam Smith ~~(1723-1790) في كتابه المعروف عن «ثروة الأمم»، # 1 # والذي اعتبر أن الأرض ليست وحدها مصدر الثروة، فناقض بذلك آراء الفيزوكرات، فاعتبر العمل # Labour ~~، ورأس المال # Capital # من مصادر الثروة كذلك، ثم نادى بمبدأ الحرية الاقتصادية؛ حرية التجارة والعمل والصناعة وغير ذلك. # ولقد أتيحت الفرصة «لترجو» حتى يضع آراءه موضع التنفيذ عندما عين حاكما لإقليم «ليموج» # Limoges ~~، ثم عند تعيينه في سنة 1774 مراقبا عاما (أو وزيرا) للمالية عند اعتلاء لويس السادس عشر للعرش، ووقع عليه عبء معالجة الأزمة الاقتصادية والمالية، في وقت عظم فيه عجز الميزانية؛ وكادت الدولة تعلن إفلاسها. فكان من إصلاحاته أنه أطلق حرية التجارة في الغلال، وألغى المكوس الداخلية «بين مختلف المقاطعات»، كما ألغى السخرة (تسخير الفلاحين في إصلاح الطرق)، والعوائد الإقطاعية المقررة، واستبدل بذلك كله ضريبة عقارية منظمة «على الأرض»، يجري إنفاق حصيلتها على شئون الدولة. وانطوى فرض هذه الضريبة على مبدأ جديد يخالف ما درج عليه «النظام القديم» من تمييز بعض الطبقات الاجتماعية وإعفائها من دفع الضرائب؛ لأن «ترجو» قرر ضرورة إشراك الجميع - بما في ذلك طبقتا الأشراف ورجال الدين - في دفع الضريبة الجديدة، بدعوى أن الحكومة تقوم بالإنفاق على كل ما من شأنه تحقيق المنفعة لصالح الجميع؛ ولذلك فقد وجب على الأهلين جميعا أن يقوموا بسداد هذه النفقات. # بل إن الواجب يقتضي أولئك الذين يفيدون من انتعاش المجتمع، أكثر من سواهم، أن يقوموا بنصيب أوفر في سداد نفقات الحكومة وبنسبة ازدياد منفعتهم. ثم ألغى «ترجو» نقابات الصناع ms0137 وأصحاب الحرف # Jurandes # التي سيطرت على العمل من زمن طويل، وعطلت الصناعة. وتلخص برنامجه المالي والاقتصادي في مبادئ ثلاثة: «لا إفلاس، لا زيادة في الضرائب، لا قروض!» # ووسع نشاط «ترجو» ميادين أخرى شملت إصلاح التعليم، ووضع مشروعات لمجالس انتخابية، تبدأ في الجهات والنواحي الصغيرة، ثم في المقاطعات والأقاليم، وهكذا حتى ينتهي المطاف بإنشاء مجلس نيابي للدولة، ولو أن «ترجو» قرر جعل مهمة هذه المجالس مقصورة على مجرد المذاكرة والبحث، فلا يكون لها سلطات تشريعية. # ولكن مشروعات «ترجو» وإصلاحاته لم تلبث أن أثارت المعارضة الشديدة، من جانب النبلاء ورجال الدين، وملتزمي الضرائب، وكبار رجال المال، والنقابات. وظهرت آثار هذه المعارضة الشديدة في «برلمان باريس» وبرلمانات الأقاليم. وكان برلمان باريس من أيام العصور الوسطى محكمة قضائية عليا، بينما تقوم البرلمانات الإقليمية بشئون القضاء في دوائرها. وكان من وظائف برلمان باريس تسجيل الأوامر والمراسيم التي يصدرها الملك، ومن تاريخ برلمان باريس أنه انتزع بمضي الزمن وبقدر مقابل لما كان يستأثر به ملوك فرنسا من السلطة الاستبدادية؛ انتزع ما يصح تسميته «حقوقا سياسية»، عندما ادعى لنفسه مطلق الحرية في رفض تسجيل مراسيم أو أوامر الملك، والاحتجاج عليها، أو الرضاء بتسجيلها والموافقة عليها. ولقد تعطل برلمان باريس أيام لويس الخامس عشر، بسبب شدة النضال بين البرلمان وبين الملك الذي نفى جميع قضاته، وظل هذا البرلمان معطلا، وكذلك برلمانات الأقاليم، حتى استمع لويس السادس عشر لنصيحة وزرائه (ووزيره الكونت دي موريبا # Maurepas ~~)، فأعاد برلمان باريس والبرلمانات الإقليمية في أغسطس سنة 1774. # تجلت معارضة برلمان باريس الآن، عندما رفض إلغاء السخرة وغير ذلك من الإصلاحات؛ فاستخدم الملك حقه المعروف باسم «سرير العدل» # 2 # في 12 مارس 1776، وأرغم البرلمان على تسجيل الأوامر والمراسيم الصادرة بهذه الإصلاحات، غير أن السخط لم يلبث أن اشتد على ترجو، حتى خشي لويس السادس عشر مغبة الاستمرار في تأييده، في وجه بطانته، ووزيره «موريبا»، وزوجه النمساوية الملكة ماري أنطوانيت، فأقال ترجو من الوزارة في مايو 1776. # وكما عظم فرح رجال البلاط والحاشية لخروج «ترجو» من ms0138 الوزارة، فقد استبد القلق بالفلاسفة والمفكرين السياسيين والاقتصاديين مثل: فولتير وكوندرسيه # Condorcet # وغيرهما؛ فاعتبروا إقالة «ترجو» كارثة عظيمة. والحقيقة أن خروج «ترجو» من الوزارة كان حدثا عظيما، فيقول في ذلك «ألبير سوريل» مؤرخ الثورة: «لقد ضاع بخروج ترجو كل أمل في إعادة بناء هيكل الحكومة في قالبها القديم.» ومعنى هذا القول أنه صار متعذرا من ذلك الحين أن يستمر بقاء «النظام القديم»، وأنه صار لا معدى بعد هذا الفشل عن وقوع تغيير جوهري في أساليب الحكم، مع ما يستتبع ذلك من طبع «الدولة» الفرنسية بطابع آخر؛ أي إن خروج ترجو من الوزارة كان من هذه الناحية انقلابا في حد ذاته، يضاف إلى جانب تلك الانقلابات الكثيرة التي وقعت فيما بعد، والتي تألف من مجموعها ما صار يعرف باسم الثورة الفرنسية. # وأما ما تبع خروج «ترجو» من الوزارة، فكان وقوع طائفة من الحوادث التي ساعدت على انتشار الفوضى من جهة، وزادت من جهة أخرى سواد الشعب وصفوته معا، اعتقادا بأن الملكية في ظل «النظام القديم» قد فشلت في أداء مهمتها، وأنه صار لا غنى عن محاولة إدخال أساليب جديدة للحكم، إذا شاءت الدولة أن تنجو بنفسها من خطر الانهيار المحدق بها؛ فقد اشتد تيار الرجعية بعد ترجو، وأعاد خلفه في الوزارة «كلوني» # Cluny # السخرة والنقابات، وألغيت حرية التجارة في القمح، وكان كل ما ابتكره «كلوني» لسد العجز في المالية أن تنظم الدولة «يانصيبا» حكوميا. وعندئذ اضطر «موريبا» إلى الاستعانة بخدمات أحد رجال المال المعروفين، والمصرفي السويسري الأصل «جاك نكر» # Jacques Necker ~~. وكان ممن أمدوا الدولة بالقروض في الماضي، فعهد إليه الملك في أكتوبر 1776 بإدارة الخزينة، وفي العام التالي عينه مراقبا عاما للمالية. # واتبع «نكر» سياسة عقد القروض، وصار يتوخى الاقتصاد في النفقات جهد الطاقة؛ لتوفير المال اللازم لسد العجز الظاهر في المالية، ولكن هذه الجهود ذهبت جميعها سدى عندما دخلت فرنسا الحرب ضد إنجلترة، لمؤازرة الولايات الثائرة على هذه الأخيرة في أمريكا، فأقنع «نكر» الملك، في أوائل سنة 1781، بنشر «بيان» ms0139 تعرف الأمة منه حقيقة مالية الدولة، وذلك بإذاعة تفصيلات الداخل والخارج، ولقد توخى «نكر» أن يجعل الإيرادات في هذا البيان تزيد على النفقات بمبلغ عشرة ملايين فرنك؛ وذلك حتى يستعيد ثقة الناس فيتشجعوا على إقراض الدولة، ولكن هذا البيان سرعان ما صار موضع مناقشة حادة من جانب الذين تشككوا في صحة الأرقام المنشورة به، ومن جانب الطبقات صاحبة الامتيازات التي أظهر البيان ما كانت تتمتع به من إعفاءات كثيرة هامة، بحيث وقع عبء تقديم المال اللازم لسد نفقات الدولة على كاهل سواد الشعب وحده؛ فاتخذت الملكة ورجال البلاط من نشر هذا «البيان» ذريعة ليغضبوا الملك على صاحبه، ثم لم يلبث «نكر» أن أثار عليه سخط برلمان باريس عندما اقترح مشروعا لإنشاء مجالس انتخابية في الأقاليم؛ فتألبت المعارضة ضده من كل جانب، واضطر إلى الاستقالة في مايو 1781. # وبخروج «نكر» تغلبت العناصر الرجعية تماما؛ فسارت الأحوال من سيئ إلى أسوأ على أيدي من خلفوه في منصبه. وكان على يد كالون # Calonne ~~، الذي تولى بوساطة ماري أنطوانيت منصب مراقب المالية في أكتوبر 1783، أن فقدت الملكية لدرجة كبيرة احترام الناس لها؛ بسبب خطة الإسراف المفرط التي اتبعها، ثم لإقراره بعجز مالية البلاد بعد ذلك، ومحاولته فرض ضريبة على الأرض لا تستثنى منها الطبقات الممتازة، كإمداد أو مساعدة مالية # Subvention Territoriale ~~، كما أنه أراد تخفيض الضريبة العقارية، وضريبة الملح، وأراد إلغاء السخرة؛ فعارضه البلاط والنبلاء ورجال الدين معارضة شديدة، وانتهى الأمر بإقالته. وعندئذ تدخلت الملكة ثانية في إسناد المنصب الذي كان يشغله «نكر» إلى أكبر خصومه، لوميني دي بريين # Lemonie de Brienne # وكان من كبار رجال الدين (رئيس أساقفة طولوز). # وفي عهد هذا الأخير اشتدت الخصومة بين البلاط وبرلمان باريس، الذي أقر مبدأ ضرورة موافقة الأمة سلفا بواسطة ممثليها، على كل ما يراد فرضه من ضرائب عليها، وطالب «البرلمان» في 30 يونيو 1787 بعقد مجلس طبقات الأمة # Etats Généraux ~~، فلم يجد الملك مناصا من دعوة هذا المجلس إلى الانعقاد، وتحديد موعد للاجتماع يوم أول يونيو ms0140 من العام التالي. وفي 25 أغسطس 1788 انتهى الأمر باعتزال «بريين» منصبه، ومغادرته البلاد إلى إيطاليا، بعد أن ترك الحكومة في فوضى شاملة؛ فكلف الملك «نكر» بتولي إدارة المالية العامة، وعهد إليه بأهم أعباء الوزارة. وكان اجتماع مجلس طبقات الأمة حدثا عظيما، «أو انقلابا» لا يقل في خطورته عما سبقه أو لحقه من الانقلابات التي شكلت حوادث الثورة. # الباب الثاني # | ديمقراطية أم ديكتاتورية بورجوازية # الفصل الأول # | مجلس طبقات الأمة1 # 5 مايو 1789-9 يوليو 1789 # أسباب دعوة مجلس الطبقات # كان السبب الجوهري لدعوة هذا المجلس، الذي بقي معطلا منذ 1614، سوء الحالة المالية، ورغبة الملك كما قال في دعوته التي وجهها إلى حكام الأقاليم في 24 يناير 1789 من أجل اجتماع مجلس طبقات الأمة: «أن يتعاون معه رعاياه المخلصون في تذليل الصعوبات التي تحيط به بسبب الحالة التي عليها ماليته.» # ولم يكن سوء الحالة المالية شيئا جديدا، بل كانت الأزمة قديمة العهد من أيام الحرب الأمريكية والنفقات التي تحملتها البلاد بسبب اشتراكها في هذه الحرب إلى جانب الولايات «المتحدة» ضد إنجلترة؛ ثم زاد من حدة الأزمة، تخبط سياسة الحكومة الاقتصادية خصوصا في تجارة الغلال؛ فتارة أطلقت حرية التجارة في الغلال، وتارة منعت: فقد حدث مثلا أن منعت سنة 1770، وأطلقت سنة 1774، ثم منعت سنة 1781 «على يد نكر»، وأطلقت سنة 1787 «على يد كالون»، حتى إذا كان العام التالي (1788) كان قد نفد المخزون من الحبوب. وجاء في نفس هذا العام (1788) المحصول رديئا وقليلا، فارتفع ثمن الخبز إلى سبعة أمثاله بين سنتي 1761-1788. ~~ وخاف الناس من المجاعة، فانتشر القلق وعم الاضطراب. # وكان من عوامل القلق الظاهر عدم ارتياح أرباب الصناعة الفرنسيين إلى المعاهدة التي أبرمتها الحكومة مع إنجلترة في 27 سبتمبر 1786 على أساس حرية التبادل، في وقت كانت المصانع الإنجليزية مجهزة بالآلات الحديثة؛ مما زاد في قدرتها على الإنتاج، وبتكاليف قليلة، بينما فرنسا لا تزال مبتدئة فحسب في إدخال هذه التغييرات الآلية الجديدة في مصانعها. وشكا الصناع الفرنسيون من الخسائر الفادحة التي تكبدتها ms0141 الأسواق الوطنية؛ نتيجة للمنافسة الإنجليزية. # والمسئولون عن دعوة مجلس الأمة للاجتماع كانوا من طبقة «أصحاب الامتيازات»، سواء من رجال الطبقة المتوسطة (البورجوازية) الأثرياء، أو من الطبقة الأرستقراطية؛ أي الأشراف والنبلاء، الذين يبغون من دعوة مجلس الطبقات الحد من سلطات الملكية، وهي التي ظلوا يعارضون استبدادها المركزي من أيام لويس الرابع عشر. # وكانت طبقة أصحاب الامتيازات هذه تتألف وقتئذ من أناس حصلوا في أكثر الحالات على ألقاب النبل والشرف عن طريق «الرشوة»، وأقاموا في الريف حيث صاروا يحلون محل الأرستقراطية القديمة، وهم «نبلاء السيف» # Noblesse d’Épée # في امتلاك الأرض، كما أنهم التحقوا بالجيش ودخلوا في خدمة الحكومة ، وصار فريق منهم حكاما للأقاليم، وهم الذين دأبوا على تحريك المعارضة في «برلمانات» المدن؛ وهي الهيئات القضائية التي طمحت إلى الاستمتاع بسلطان سياسي يمكنها من مقاومة سلطة الملوك المطلقة. ولقد كان هؤلاء هم الذين طالبوا الآن باجتماع مجلس طبقات الأمة، حتى يسيطروا على هذا المجلس مثلما سيطروا على البرلمانات من قبل. # ومع ذلك، فقد كان هذا النوع من «الأرستقراطية» ثم «البورجوازية» الغنية كذلك أكثر ثقافة من الأرستقراطية الإقطاعية: فهم يقرءون ويفكرون، ويرضون بالإصلاح ويريدونه وإن كان بشريطة أن يزيد الإصلاح من سمعتهم ومكانتهم، وهم يثقون في «مونتسكيو» ويعجبون بإنجلترة لأنها وزعت السلطة (بفضل ثورتها العظيمة سنة 1688) بين التاج والنبلاء. ولكنهم لا يجيزون للملكية بتاتا إجراء أية إصلاحات تساعد على دعم أركان الحكم المطلق؛ فهم قد طالبوا بدعوة مجلس طبقات الأمة للاجتماع؛ لأنهم يريدون تقييد الملكية وفرض الرقابة الصارمة أو «الوصاية» عليها. # ولقد كانت هذه المطالبة بداية كل تلك الانقلابات التي تألفت منها الثورة الفرنسية، والتي ظهرت أول ما ظهرت في شكل «ثورة النبلاء»، أرادوا تضييق سلطان الملكية ومشاركة السلطة التنفيذية في تدبير شئون الحكم. # تقرير نكر # ولا شك في أن الملكية قد فطنت وقتئذ إلى مصدر الخطر عليها، فحاولت التخلص منه بالموافقة على دعوة مجلس الطبقات. ومنذ نوفمبر 1787 أعلن لويس السادس عشر عزمه على جمع مجلس طبقات الأمة. وفي يوليو 1788 صدر قرار ms0142 بتكليف المختصين والهيئات العلمية - تمهيدا لهذه الخطوة - أن يجمعوا كل المعلومات المتصلة بمجالس الطبقات السابقة ومحاضر جلساتها ... إلخ. وفي 8 أغسطس 1788 حدد الملك يوم أول مايو موعدا لاجتماع مجلس الطبقات. # وفي 25 أغسطس 1788 عزل «لوميني دي بريين» حتى يعهد إلى «نكر» الذي استدعي إلى الوزارة، مديرا عاما للمالية - كما عرفنا - بمهمة إنجاز الترتيبات اللازمة لاجتماع المجلس، ثم دعا للانعقاد مجلسا للأعيان # 2 # لنظر هذه المسألة ذاتها. # ولكن لما كان «مجلس الأعيان» متأثرا في بحثه بتقاليد مجالس طبقات الأمة القديمة، وخصوصا ما حدث عند اجتماع المجلس سنة 1614، فقد تقدم «نكر» بتقرير في هذا الموضوع في 27 ديسمبر 1788 تناول فيه مسائل ثلاثا على جانب عظيم من الأهمية، كانت موضع بحث ومناقشة شديدة، ويتوقف على القطع برأي حاسم بشأنها في هذه المرحلة المبكرة سير الحوادث في الشهور القليلة التالية، إما بصورة تحمل العامة أو الطبقة الثالثة # Tiers État # على الاعتقاد بأن الملكية والطبقات ذات الامتيازات تريد الإصلاح حقيقة وإزالة أسباب الشكوى، وإما بصورة تجعل العامة أو الطبقة الثالثة (البورجوازية) تفقد كل رجاء في هؤلاء وتأخذ على عاتقها هي وحدها مهمة الإصلاح وإزالة المساوئ مبعث الشكوى. # وأما هذه المسائل الثلاث فأولها: هل يتساوى عدد النواب الذين ترسلهم المديريات أو الأقسام الإدارية إلى المجلس بصرف النظر عن اختلاف المساحة وعدد السكان في كل منها، أو ترسل كل منها عددا من النواب يتناسب مع مساحتها وعدد سكانها؟ وثانيها: هل يتساوى عدد نواب الطبقة الثالثة أو العامة مع عدد نواب كل طبقة من الطبقتين الأخريين (النبلاء، ورجال الدين)، أو يكون عدد نواب الطبقة الثالثة مساويا لعدد نواب الطبقتين الأخريين معا به؟ وثالثها: هل يحق لإحدى هذه الطبقات الثلاث أن تختار نوابها وممثليها من أهل طبقة أخرى؟ أو يكون حقها مقصورا على اختيار ممثليها أو نوابها من بين أهل طبقتها فقط؟ # أيد «نكر» في تقريره أن يكون عدد النواب متناسبا مع عدد سكان ومساحة كل مديرية أو قسم إداري، كما أيد إطلاق الحرية التامة لكل ms0143 طبقة في اختيار نوابها وممثليها إذا شاءت، من بين أهل الطبقات الأخرى. ثم إنه أيد مبدأ «التمثيل الضعفي» # 3 # للطبقة الثالثة، بمعنى أن يكون عدد نوابها مساويا لعدد نواب الطبقتين الأخريين معا. # وكانت هذه المسألة الأخيرة بالذات المسألة التي احتدم حولها النزاع والنقاش، والصخرة التي تحطم عليها في النهاية مجلس طبقات الأمة. وذلك لأن مؤيدي «النظام القديم» وقتئذ - أي الملكية والنبلاء والإكليروس، ما عدا القلائل الذين تأثروا من النبلاء والإكليروس بالآراء الجديدة - أرادوا أن يستمر - على غرار ما جرى به العمل في السابق - تمثيل الطبقة الثالثة بنسبة الثلث فقط؛ وأن يكون «التصويت طبقيا»؛ أي أن تصوت كل طبقة على حدة. وغرضهم من ذلك أن تظل الأكثرية من نصيب طبقتي النبلاء ورجال الدين أصحاب الامتيازات، دائما، وحتى إذا أخذ بقاعدة «التصويت الفردي»، # 4 # فالأكثرية في هذه الحالة تكون كذلك من نصيب الطبقات ذات الامتيازات. # وقدم «نكر» كثيرا من الحجج لدعم وجهات نظره التي كان لها الغلبة في النهاية؛ فقبل مجلس وزراء الملك تقرير «نكر»، ثم نشر قرار المجلس هذا مع تقرير «نكر» بمرسوم في 27 ديسمبر 1788. فقابله الشعب بالفرح وأقيمت الزينات، وانهالت التهاني على «نكر». وظهر كأنما الملك ووزيره قد انتصرا على النبلاء الذين كانوا يلحون في دعوة مجلس طبقات الأمة للاجتماع، وأنهما قد استطاعا الاستفادة من الموقف لصالح الملكية بتوثيق عرى الاتفاق بين الملك والأمة. # مطالب الأمة ودفاتر الثورة # وفي 24 يناير 1789 صدرت رسائل دعوة مجلس طبقات الأمة للاجتماع إلى حكام الأقاليم في أنحاء المملكة، وقد ذيل بهذه الرسائل قانون أو قواعد الانتخاب، وطلب من رجال الحكومة والإدارة تجنب الأساليب التي قد تمنع الشعب من إبداء رغباته الصادقة واختيار ممثليه بحرية كاملة؛ لأن الملك كما جاء في هذه الرسائل يريد أن تسود الحرية المطلقة، مع التوفيق بينها في الوقت نفسه وبين المحافظة على النظام والهدوء الشامل ... «ولأن» الواجب يقتضي في كل الأحوال، تجنب كل ما قد يبدو تدخلا بطريق الضغط، أو استثارة عامل الخوف، من نفوذ السلطات للتأثير على ms0144 آراء الناس ومناقشاتهم، وللتأثير على الانتخابات.» ثم طلب الملك من رعاياه أن يقدموا إليه كل ما يريدون من مطالب، وكل ما يستطيعون - إلى جانب ذلك - جمعه وإعداده من معلومات ومقترحات يهتم بها الصالح العام. # وكان بناء على هذه الرغبة الأخيرة من جهة، وإطلاق حرية الطبع والنشر في الوقت نفسه من جهة أخرى، أن صدر عدد كبير من «الرسائل» والبحوث التي دارت فيها المناقشة حول مطالب الطبقة الثالثة والمبادئ التي نادى بها «المتنورون»: من ذلك كتيب، أو «رسالة» لكاميل دي مولان # Camille Desmoulins # بعنوان «فرنسا الحرة»، # 5 # ورسالة «لتارجيه» # Target # بعنوان «عريضتي»، # 6 # ورسائل أخرى كثيرة تولى فيها أصحابها من الجانبين إما تأييد مطالب الطبقة الثالثة ضد أصحاب الامتيازات، وإما الدفاع عن أصحاب الامتيازات، ومحاولة التفرقة في الوقت نفسه ببذر بذور الخلاف والشقاق بين أهل الطبقة الثالثة، عندما صاروا يتحدثون عن «طبقة ثالثة عليا» و«طبقة ثالثة سفلى أو دنيا»؛ أي بورجوازية عالية وأخرى صغيرة. # ولعل من أهم الرسائل التي نشرت وقتئذ كان رسالة «الآبيه سييس» # L’Abbé Sieys # المشهورة، وعنوانها: «ما الطبقة الثالثة؟ كل شيء. وماذا كان لها حتى الآن؟ لا شيء. وماذا تبغي أن تكونه؟ ~~ بعض الشيء». # 7 # وقد صدر هذا الكتيب في يناير 1789، ولقي فور صدوره رواجا عظيما؛ لوضوح عبارته التي أفصح بها عن الآراء التي كانت تدور في أذهان الشعب، والمشاعر المختلجة في نفسه، كما أنه ذكر المطالب التي تريدها الطبقة الثالثة (المتوسطة) وشرح الأسباب التي تستند إليها. وكانت هذه المطالب ثلاثة؛ أولا: أن ينتمي نواب الطبقة الثالثة إلى نفس هذه الطبقة التي جاءوا لتمثيلها في المجلس، حتى يعبروا تعبيرا صحيحا عن مطالب الطبقة التي يمثلونها، وكي يقوموا بواجب الدفاع عن مصالحها على خير وجه. والمطلب الثاني: أن يكون عدد نواب الطبقة الثالثة مساويا لعدد نواب طبقتي الأشراف والإكليروس معا، والمطلب الثالث: أن يكون التصويت في المجلس عدديا Par Tête ~~، فلا تصوت كل طبقة بمفردها وعلى حدة. # وختم «سييس» عرض هذه المطالب بقوله: «إن نواب الطبقة الثالثة يمثلون 25 ms0145 مليونا من الرجال، ويتشاورون في صالح الأمة، وأما نواب الطبقتين الأخريين فهم عند اجتماعهم إنما يمثلون حوالي (200000) من الأفراد فحسب، ولا يفكرون إلا في امتيازاتهم، وقد يقولون إنه في غير مقدور الطبقة الثالثة أن تؤلف مجلس طبقات الأمة. ليقولوا ما يقولون! إن الطبقة الثالثة هي التي سوف يتألف منها المجلس الوطني «أو الجمعية الوطنية»!» # ولقد بيع من كتاب «سييس» في بضعة أسابيع ما لا يقل عن (300000) نسخة. وفي هذا الجو وفي هذا الغليان جرت الانتخابات لمجلس طبقات الأمة، وأعدت الدفاتر أو كراسات الثورة المشهورة # Les Cahiers # التي كانت عبارة عن سجل رصد المساوئ موضع الشكوى، ثم المطالب التي نادت بها الطبقات الثلاث. وبلغ عدد هذه الدفاتر التي أعدتها الطبقات الثلاث حوالي الخمسين أو الستين ألفا. # ولكن هذه الدفاتر وحدها لا تكفي لمعرفة الأحوال السائدة في فرنسا سنة 1789 معرفة صحيحة، أو للوقوف على حقيقة رغبات الأمة وقتذاك كاملة؛ فقد اختلف اهتمام الدفاتر بتدوين المساوئ التي شكت منها الأمة، حسب اختلاف الجهات والأقاليم، حيث اهتم على الأكثر أهل كل إقليم أو جهة بتدوين أسباب شكاواهم، وتسجيل مطالبهم الخاصة بهم، وظهر في كل واحد من هذه الدفاتر أثر الشخصية أو الشخصيات التي تولت أو اشتركت في كتابتها، بحكم ما كان لها من كفاءة، أو بحكم المناصب التي شغلتها، حتى إنه ليتعذر الجزم بأن آراء الشعب الحقيقية قد صيغت صياغة دقيقة في العبارات التي زخرت بها هذه الدفاتر. # وعلى ذلك، فبينما شكت بعض الدفاتر مثلا من ضريبة الملح، شكت الأخرى من الربا الفاحش على يد اليهود، وبينما طالبت بعضها بحرية العقيدة والمذهب، طالبت الأخرى بعدم التسامح مع الكاثوليك أكثر مما ينبغي، وبينما طالبت أكثرية الدفاتر الساحقة بإعطاء حق الانتخاب لكل الذكور الراشدين، أجاز بعض الدفاتر هذا الحق فقط إذا كان لا يترتب عليه تعطيل عمل مجلس طبقات الأمة وشل نشاطه. وإذا كانت بعض الدفاتر قد طالبت بالملكية الدستورية، فقد اهتم بعضها الآخر بضرورة إصلاح الطرق الرديئة، وبينما طالبت بعضها بإصلاح الكنيسة إصلاحا واسعا ms0146 شاملا يتناول الرأس والأعضاء معا، انحصرت مطالب الآخرين في ضرورة أن تتعلم «القابلات» القراءة كي يتولين تعليم الناشئة؛ لأن البلاد تشكو من قلة المعلمين وندرتهم ... وهكذا. # ومن المتعذر أن يعثر الإنسان في هذه الدفاتر على مذهب أو مطلب اتفقت الدفاتر على تفسير معين له، فهي قد طالبت «بدستور» # Constitution ~~، ولكنها أخفقت في تحديد معنى واحد له. فهو تارة الضمانات اللازمة لتقرير حرية الفرد، وتارة إبطال الأوامر أو الرسائل المختومة # Lettres De Cachet # التي كانت تصدر بالقبض على الأفراد وسجنهم دون تحقيق أو محاكمة، وتارة إلغاء سجون الدولة. # وتحدثت الدفاتر عن إلغاء الامتيازات، ولكن كان مفهوما ومتفقا عليه عدم المساس بتلك الامتيازات التي ينال منها أصحابها نفعا وفائدة. وطالبت الدفاتر «بالمساواة» في الضرائب، ولكنها كانت مساواة بين الأقاليم كما طلب بعض رجال الدين، ومساواة بين الأفراد كما طلبت الطبقة الثالثة ، وكذلك كثيرون من أهل الطبقتين الممتازين. # وحقيقة كانت الطبقات الثلاث ذات ولاء ظاهر للملكية، ولكن الدفاتر طلبت أن يكون الملك «ملكا للفرنسيين». وأصر أهل الطبقة ذات الامتيازات على ضرورة الحد من سلطة الملك، ثم إنهم رضوا بتضحية بعض امتيازاتهم المالية، ولكن في نظير أن يظلوا محتفظين بتفوقهم الاجتماعي وسطوتهم السياسية. # وإذا كانت هناك رغبة واضحة في تصفية أملاك وأموال الكنيسة لسداد الدين العام من حصيلتها، فقد كان هناك خوف واضح من أن يؤدي السير في هذا الطريق إلى نهايته إلى تعريض مبدأ الملكية الخاصة ذاته إلى الخطر. وهكذا قل في مسائل الإصلاح القضائي، وتنظيم العلاقة بين الكنيسة في فرنسا وكنيسة روما، واستخدام أموال الكنيسة فيما يعود بالنفع على الأمة بأسرها، وإلغاء الرهبنة، وطريقة التصويت في مجلس طبقات الأمة؛ حيث عجزت طبقة الأشراف عن الاتفاق على رأي واحد بشأنها، والإصلاح الزراعي، وهل تبقى أو تلغى النقابات. ولو أن الجميع اتفقوا على قدسية حقوق الملكية باستثناء الثروات التي جاءت عن طريق «الاغتصاب»، كما خلت الدفاتر من أية مطالب ذاب صبغة اشتراكية. # ومع ذلك، وبالرغم من هذه الاختلافات، فقد كان واضحا - وعلى نحو ما ms0147 يمكن استخلاصه مما تقدم - أن الرأي كان متفقا على مطالب معينة محددة، هي إلغاء الامتيازات التي أعفت طوائف وطبقات معينة من التكاليف والأعباء العامة، وإصلاح نظام الضرائب، وإلغاء الحقوق الإقطاعية، وتحرير الأرض، وإلغاء ضريبة العشر، وغير ذلك من المطالب التي لو أجيبت لاختفى في أثرها الإقطاع و«النظام القديم». # ولقد كان «الإصلاح» والمطالبة «بالإصلاح» قبل ذلك كله الصرخة المدوية التي تجاوبت أصداؤها في أنحاء فرنسا: إصلاح نظام الحكم إصلاحا أساسيا. ومع هذا، فقد كان أخشى ما يخشاه مريدو الإصلاح أن يؤدي المساس بقواعد الحكم وما يصحبه من قضاء على الحقوق الإقطاعية، وتخلص من عبء الضرائب الثقيل، إلى فتح الباب على مصراعيه للثورة، وتقويض عروش النظام القائم. وكان لذلك ضروريا - في نظرهم - الحيطة؛ للحيلولة دون حدوث ذلك. # وكان من رأي قادة الطبقة المتوسطة (البورجوازية) ومفكريها، سواء من السياسيين ذوي المطامع ، أو من الأحرار الذين يريدون الإصلاح حقيقة، أن «الدستور» وحده هو الذي يكفل إزالة كل هذه المساوئ والأدواء التي تشكو منها الأمة، وذلك دون أن يتعرض النظام القائم إلى الانهيار. ومن ذلك الحين كان استصدار هذا «الدستور» - أو البلسم الشافي - الأمر الذي صح عزم نواب الأمة عليه. ومن ذلك الحين، صار شغل «المجالس» الشاغل في تاريخ الثورة الفرنسية، استصدار «الدساتير» لتعيين شكل الحكم، وتسجيل حقوق الفرد وحرياته، ثم واجباته، ولإنقاذ الأمة - في رأي واضعي هذه الدساتير - من الأخطار الداخلية، والخارجية، التي أحاطت بها من كل جانب ... ولقد كانت هذه «الدساتير» نقطة الارتكاز التي تأسست عليها كل تلك الجهود التي نقلت الحكم في فرنسا خلال خمسة عشر عاما فحسب، من استبداد ملكية البربون المطلقة، إلى ديكتاتورية الإمبراطورية النابوليونية الأولى. # اجتماع مجلس طبقات الأمة ومشكلة التصويت # ذلك إذن كان البرنامج الضخم الذي أخذ ممثلو الطبقات على أنفسهم تنفيذه عندما وصلوا إلى فرساي (مكان اجتماع المجلس)، في آخر أبريل 1789. وكان عدد هؤلاء النواب ضخما كذلك؛ بلغوا (1139) نائبا، ازدحمت بهم الطرق العامة في جميع أنحاء فرنسا، وهم في رحلتهم التاريخية هذه إلى فرساي. يسترعي النظر من ms0148 نواب طبقة الإكليروس (الكنسيين أو رجال الدين) وعددهم (291) بعض رؤساء الأديرة، ورؤساء الأساقفة الذين عرف عنهم التبذل في حياتهم الخاصة واشتهروا بالعنف والقسوة أو المداهنة والنفاق والمطامع الواسعة؛ ومن نواب طبقة الأشراف وعددهم (270) كان هناك نخبة من الذين آزروا الثوار الأمريكيين في حرب استقلالهم كالماركيز الشاب «لفاييت» # La Fayette ~~، أو «الملكيون» الذين أرادوا ملكية من نمط الملكية الإنجليزية، مثل الكونت دي ميرابو، الذي اختارته الطبقة الثالثة ليكون من بين نوابها. وكان من بين رجال الدين جماعة من النواب الأحرار كأسقف أوتان # Autin ~~، «تاليران-بيريجور» # Talleyrand-Périgord ~~. ولقد بلغ عدد القساوسة (من صغار رجال الدين) المطالبين بالإصلاح (205) و(291). # وأما الطبقة الثالثة (البورجوازية) وعدد نوابها (578)، فكان من بين نوابها عدد من العلماء والكتاب الممتازين، مثل العالم الفلكي «بايلي» # Beilly ~~، والكاتب الرحالة الكونت دي فولني # Volney ~~، ثم من رجال الإدارة «مالويه» # Malouet ~~، ومن رجال المحاماة أو القانون وهؤلاء عديدون : «مونيه» # Mounier # نائب جرينوبل، و«بارناف» # Barnave # وهو من جرينوبل كذلك، ثم لوشابيليه # Le Chapilier ~~، وديفيرمو # Defermou ~~، ولانجوينيه # Lanjuinais ~~، وهؤلاء الثلاثة حضروا من «رين» # Rennes # بإقليم «بريتاني» # Brittany ~~، ثم أسسوا في باريس «النادي البريتوني» # Club Breton # منشأ نادي اليعاقبة المشهور في تاريخ الثورة # Club Jacobin ~~، ثم مرلان نائب «دويه» # Merlin De Douai ~~، وبتيون Pétion # نائب شارتر # Chartres # وعميد بلدية باريس فيما بعد، وروبسبيير # Robespierre # نائب أراس # Arras ~~. وهؤلاء جميعا كانوا من الشبان الذين عرفوا «بالروية والحكمة» عموما ويدينون بالمثل العليا، ولكن كانت تعوزهم الحنكة السياسية. # ولما كان عدد نواب طبقة الأشراف (270)، وطبقة الإكليروس (291)، وتجمع بينهم رابطة الدفاع عن امتيازاتهم والمحافظة عليها في جبهة تتألف من (561) نائبا، فقد تشبث نواب الطبقة الثالثة بضرورة «التصويت الفردي»، على أمل أن يعينهم ما كان لهم من أكثرية - ولو أنها وقتئذ كانت ضئيلة لا تزيد على (17) صوتا فقط - إلى جانب ما قد يظفرون به من أصوات بعض نواب طبقتي الأشراف والإكليروس على إجراء «الإصلاح» المنشود. # على أن تدفق «النواب» على عاصمة المملكة، وقصر الملك، سرعان ما أثار مخاوف الملكية. حقيقة سخر «البلاط» ms0149 في أول الأمر من نواب الطبقة الثالثة المتحمسين والمزهوين «برسالة» الإصلاح الجسيمة التي عهد بها الشعب إليهم، ولكن هذه السخرية انقلبت مخاوف وهواجس عندما راحت الملكة ماري أنطوانيت تسأل «نكر» إذا كان مجلس طبقات الأمة سيصبح سيدا للملك، أو أن الملك سيبقى سيدا للأمة! # 8 # ولقد ساورت هذه الشكوك «نكر» نفسه الذي أراد الاحتياط للطوارئ، فاستدعى منذ (أبريل 1789) بعض فرق الجيش إلى باريس، وحدث فعلا أن وقع شغب في حي «سان أنطوان» ببارس، ذبح المشاغبون في أثنائه أحد أصحاب المحال التجارية، واضطر فرسان الجيش إلى التدخل حتى يعيدوا الأمن إلى نصابه. # ولقد أفزع الملك هذا الحادث فزعا شديدا، حتى صار يعير أذنا مصغية لنصائح وتأنيب النبلاء له، وعول على تفادي العاصفة باستدعاء أحد رجاله القدامى الموثوق بهم (ماشو دارنوفيل) إلى الوزارة. ولكن هذا الأخير رفض، ونصحه أن يستبقي «نكر». وهكذا عندما انعقد مجلس طبقات الأمة، كانت الملكية على غير استعداد لمواجهة هذا المجلس ببرنامج وخطة مرسومة، ويزعجها قبل أي شيء آخر ذكر كلمة «الإصلاح» ... وكان في خوف الملكية من الإصلاح انهيارها وزوالها في النهاية. # وفي يوم 2 مايو استقبل الملك في قصر فرساي نواب الأمة، وفي 5 مايو 1789 انعقد مجلس طبقات الأمة في أحد أبهاء القصر الواسعة (قاعة أو صالة التسلية أو التلهية). # 9 # وازدحم المكان بنواب الطبقات الثلاث للاستماع إلى خطاب الملك، وهو الخطاب الذي أكد فيه الملك حقوق الملكية وسلطانها، وطلب تنظيم المالية، ولكنه لم يذكر شيئا عن المسائل التي شغلت أذهان نواب الأمة وقتئذ. هل سيدعى مجلس الطبقات للاجتماع بانتظام في المستقبل؟ وهل سيكون التصويت «طبقيا» أم «فرديا»؟ وخطب حامل أختام الملك «بارنتان» # Barentin # فجاء كلامه عاما لا يشفي غليلا، ثم خطب «نكر» فأصغى إليه النواب باهتمام، واستمر خطابه ساعتين، فشرح حالة المالية بالتفصيل، ولكنه لم يذكر شيئا عن «الدستور»، كما كان يبدو أنه يميل إلى جعل التصويت طبقيا، فانقضى اليوم الأول في وجوم، ودون أن يظفر نواب الطبقة الثالثة بما يطمئن خواطرهم، إلى أن هذا ms0150 «التمثيل الضعفي»، الذي جعل عددهم مساويا لعدد نواب الطبقتين الأخريين، سوف يأتي بثمرته. وكان حول هذه المسألة أن بدأت الأزمة التي أخذت تتزايد حدتها، وبخاصة عندما وصل إلى فرساي سائر النواب، بعد انتهاء عمليات الانتخابات الباقية. # وثارت الأزمة عندما شرع المجلس ينظر في صحة انتخاب (نيابة) أعضائه، وهي عملية ضرورية قبل البدء في العمل. فرفض نواب الطبقة الثالثة أن تقوم بعملية الفحص كل طبقة من الطبقات على حدة، وكان قد خصص لكل من النبلاء والإكليروس حجرة، وبقي العامة «بالصالة» على حدة كذلك. # ثم اتصل العامة بطبقة الإكليروس ووجهوا إلى هؤلاء الدعوة رسميا «باسم الله والسلام وصالح الوطن» في 27 مايو، حتى يجتمع نوابهم مع نواب الطبقة العامة (أي الثالثة) في صالة المجلس للتشاور في الوسائل المحققة للتعاون، الذي يبدو ضروريا «في هذه اللحظة» لصون السلام العام. # ولكن هذه الدعوة لم يستجب لها سوى أقلية من النبلاء (47 من 188) ورجال الدين (114 من 247)، وافقت على اشتراك الطبقات الثلاث معا في فحص صحة عضوية النواب، فأسقط في يد الطبقة الثالثة. وكان عندئذ أن اعتلى «ميرابو» منصة الخطابة للمرة الأولى، يناشد نواب الطبقة الثالثة أن يثبتوا ويصمدوا، ويؤكد لهم أن طبقتي الأشراف والإكليروس سوف تخضعان لهم في النهاية حتما بسب الانقسام في صفوفهما، وأنه لا مفر من ذلك، خصوصا إذا لزم نواب الطبقة الثالثة الجمود والفتور المطلق، ووقف كل عمل أو نشاط. ولكن «مونيه» # Mounier # الذي كان متخوفا من هذا النبيل الثائر والذي رأى فيه «طاغية المستقبل»، لم يلبث أن أقنع زملاءه بإرسال وفد إلى الطبقتين الأخريين يرجوهما «الانضمام إليهم والاندماج بهم». ولكن هذا المسعى الأخير كان نصيبه الفشل كذلك. وفي النهاية قرر نواب الطبقة الثالثة في 10 يونيو، أنه قد بات من العبث ومن الخيانة في حق الأمة، أن يستمر هذا التقاعد الملحوظ عن العمل. فوجهوا دعوة أخيرة لفحص صحة نيابة الأعضاء، في مجلس واحد، منذرين بأن العمل الجدي النافع سوف يبدأ فعلا «سواء حضر أو تغيب نواب الطبقات الممتازة». # الطبقة الثالثة ms0151 تتحول إلى «جمعية وطنية» # 10 # وفي 12 يونيو كان الأشراف ورجال الدين قد تسلموا هذه الدعوة. وفي مساء اليوم نفسه بدأت الطبقة الثالثة عملية الفحص بالمناداة على أسماء النواب من الطبقات الثلاث؛ فتبين في اليوم التالي أن ثلاثة من القساوسة أجابوا على هذه المناداة، وفي 14 يونيو أجاب ستة منهم، وفي 16 يونيو أجاب عشرة؛ أي إن تسعة عشر نائبا من رجال الدين وافقوا على مطلب الطبقة الثالثة. ولكن الأشراف ظلوا كتلة صامدة، في ظاهرها على الأقل، وحاولوا مرارا إقناع «العامة» بترك حق الفصل في صحة انتخاب النواب إلى الملك نفسه، ولكن دون طائل. # وكان في هذه الظروف إذن، أن قرر «العامة» أن المجلس صار يضم أكثرية نواب الأمة، وأنه لذلك «مجلس» شرعي وقانوني، ولا يتفق في وضعه هذا مع تسميته بمجلس طبقات الأمة، بل يجب أن يسمى «المجلس الوطني أو الجمعية الوطنية». وعلى هذا؛ فقد تقررت هذه التسمية في 17 يونيو. وفي 19 يونيو قرر رجال الدين بأكثرية (149) صوتا ضد (137) الانضمام إلى العامة، والاجتماع معهم في مجلس واحد. # ولما كان النبلاء قد تمسكوا بموقفهم، وصار على الملك نفسه أن يكون حكما بينهم وبين الجمعية الوطنية، فقد نشطت المساعي والمؤامرات للتأثير على الملك ضد الجمعية الوطنية، وتزعم هذا النشاط أخو الملك الكونت دارتوا # D’Artois # والبرنس دي كونديه # Condé ~~(لويس جوزيف دي بربرون). وظل الملك مترددا فترة من الوقت، فقد «نكر» في أثنائها فرصة مواتية للتدخل بين «العامة» والحكومة لإنقاذ الموقف. وفي 20 يونيو قرر لويس السادس عشر - تحت تأثير وضغط بطانة الملك والملكة وأفراد الحاشية، وكلهم من مؤيدي الأشراف والإكليروس - أن يعقد «جلسة عامة» # Séance Royale # يحضرها نواب الطبقات الثلاث مجتمعين يوم 23 يونيو؛ أي بعد ثلاثة أيام، فيأمر الملك هؤلاء النواب بالاجتماع منفصلين، كل طبقة يجتمع نوابها على حدة، وباتخاذ هذا القرار ارتكبت الملكية خطأ كبيرا. # ثم إنه خوفا من حدوث تطورات أخرى، أغلقت «صالة التسلية» بحجة إعدادها «للجلسة العامة» المقبلة، وفي الحقيقة لمنع «العامة» من الاجتماع. ولكن هؤلاء ms0152 سرعان ما عقدوا اجتماعهم في اليوم نفسه في «ملعب التنس» # 11 ~~- 10 يونيو - وحيث إن هؤلاء النواب اعتبروا أن السبب في دعوة الشعب لهم لتمثيله إنما كان - كما قالوا - «كي يضعوا دستورا للملكية، ويعملوا لإحياء النظام العام، ولتأييد الملكية الصحيحة». ولما كان اجتماعهم في أي مكان يجتمعون به، لا ينبغي أن يغير شيئا من طبيعة أو صفة جمعيتهم الوطنية، فقد شرعوا فور اجتماعهم يحلفون يمينا، وضع صيغته «مونيه» أنهم سوف يجتمعون في أي مكان تختاره الظروف لهم، وأنهم لن يتفرقوا «حتى يتم وضع دستور المملكة على أسس متينة قوية». ووقع الحاضرون على هذا العهد والميثاق، الذي صار يعرف باسم «ميثاق ملعب التنس»، # 12 # وكان من بين الموقعين عليها تسعة من القساوسة، هم الذين حضروا هذا الاجتماع، بينما لم يحضره نبيل واحد. # ولكن الكونت دارتوا لم يلبث أن أمر بإخلاء الملعب، وإعداده للعبة في اليوم التالي، على أمل تعطيل اجتماعات «العامة». فاجتمع هؤلاء في اليوم التالي (21 يونيو) في كنيسة سانت لوي # Saint-Louis ~~، حيث انضم إليهم أربعة من كبار رجال الدين، وكذلك (144) من القساوسة. ثم حضر اثنان من النبلاء قوبلا بعاصفة من الحماس الشديد. وأخذ «العامة» يستعدون لمواجهة ما قد يحدث في «الجلسة الملكية» المنتظرة. # وفي 23 يونيو انعقدت الجلسة العامة (الملكية). فطلب الملك أن يكون اجتماع الطبقات وهي منفصلة الواحدة عن الأخرى، وأجاز للطبقات (وهي منفصلة) بحث مسألة الضرائب. ولكنه منعها من التعرض لأي شيء متعلق أولا: بحقوق الطبقات الثلاث الدستورية، والتي لهذه الطبقات من قديم الزمن، ثانيا: بالدستور الذي سوف يعين مجلس طبقات الأمة التالي شكله، ثالثا: بالملكيات الإقطاعية، رابعا: بالحقوق والصلاحيات، أو الاختصاصات «العادلة» التي لطبقتي الأشراف ورجال الدين. # ثم اختتم الملك خطابه بقوله: «وتلك هي إرادتي.» وعندئذ طلب كبير أمناء القصر (الماركيز دي درو-بريزيه # Dreux-Brézé ~~)، أن ينسحب نواب الطبقة الثالثة من القاعة؛ فكانت دهشة نواب الطبقة الثالثة عظيمة وأذهلتهم المفاجأة، ولكن «بايلي» لم يلبث أن أجاب «بأن المجلس سوف ينظر هذه المسألة، وأن الأمة المجتمعة هنا لترفض ms0153 أن يصدر أي أمر لها!» ثم وقف «ميرابو» ليقول جملته المشهورة، موجها القول «لدروبريزيه»: «اذهب يا سيدي، وبلغ مولاك أننا لن نغادر هذا المكان إلا على أسنة الحراب!» وقال «سييس»: «لقد أقسمنا على أن نحصل للشعب الفرنسي على حقوقه ... أيها السادة، أنتم اليوم كما كنتم بالأمس، فلنمض في مباحثاتنا.» ثم اتخذ المجتمعون قرارا (اقترحه ميرابو) يقضي بتمتع نواب الأمة وممثليها بالحصانة الكاملة. ولم يكن هناك مناص من اتخاذ هذا القرار؛ لأن النواب كانوا مصممين على عدم طاعة أوامر الملك، مع ما يترتب على ذلك من نتائج كان من الواجب الاحتياط لها؛ وخصوصا عندما كان بالأمس فقط - كما قالوا - يجري على كل لسان: «ما يشاؤه الملك يشاؤه القانون!» أي إرادة الملك هي القانون. # وحمل درو-بريزيه جواب «العامة»، وانتظر الناس كلمة الملك، ولكن لويس السادس عشر كان متعبا، أنهكت قواه كل هذه الحوادث المتلاحقة، فكان جوابه: «هم يريدون البقاء؟ ... حسنا! فليبقوا إذن!» فكان هذا استسلاما توقع كثيرون أن يتبعه استسلامات أخرى. ولقد كان لهذا التسليم أسباب أخرى هامة، منها الخوف من أن يرفض الجنود الذين أحاطوا بمكان الاجتماع، ووقفوا على أبواب القاعة، وخلف «درو-بريزيه» عندما أبلغ هذا أمر الملك إلى النواب بإخلاء القاعة، استخدام حرابهم ضد «العامة»، ومنها موقف أفراد النبلاء الذين انضموا إلى الطبقة الثالثة مثل لفاييت ولينكور # Laincourt ~~، ولارشفوكولد # La Rochefoucould # وغيرهم، فقد عارض هؤلاء في استخدام الجند لتفريق النواب، ثم إنه كان متعذرا استخدام القوة المسلحة ضد هؤلاء النبلاء أنفسهم، ومنها نزول الأسعار المستمر في «البورصة» منذ بداية شهر (يونيو 1789)، وخوف الملكية لذلك من وقوف كل أصحاب المصالح المالية ضدها. # وقد يكون لموقف «نكر» - الرجل المحبوب من الشعب وقتئذ، والذي هدد بالاستقالة إذا لجأت الحكومة إلى وسائل العنف والشدة - شيء من الأثر في استسلام الملكية. ~~ فكان لكل هذه الأسباب مجتمعة أن وجدت الملكية في هذا التسليم (ثم فيما تبعه من استسلامات لاحقة) خير الوسائل التي يمكن بها تفادي الأزمة. # ومع ذلك؛ فلم يكن هناك ما يدل - من قريب أو ms0154 بعيد - على أن هذه الاستسلامات سوف تضع حدا للأزمة. فقد استمر هياج الخواطر في باريس، لخوف الباريسيين من حدوث «انقلاب عسكري» في أي وقت للقضاء على الجمعية الوطنية الناشئة. ثم أعيد في 25 يونيو تشكيل «مجلس الناخبين» # 13 # وهو المجلس الذي تألف من الناخبين الذين انتخبوا النواب # Deputés # العشرين الذين يمثلون باريس في مجلس طبقات الأمة. ولقد انضم إلى هذا المجلس الآن خمسة عشر نائبا من الأشراف، وستة وعشرون من الإكليروس. وأعلن تأييده لكل أعمال الجمعية الوطنية، واعتبر من حقه المشاركة في إدارة شئون العاصمة، حيث إنه يمثل سكان باريس، وطلب إعطاءه قاعة يعقد بها اجتماعاته في مبنى الأوتيل دي فيل # Hôtel de Ville ~~، كما طالب بإنشاء حرس «وطني» من أهل الطبقة المتوسطة (البورجوازية). # زد على ذلك أن الخلاف اتسعت شقته في صفوف الطبقات ذات الامتيازات فانضمت طائفة جديدة من الإكليروس إلى الجمعية الوطنية بين 24، 26 يونيو، وكذلك مدير جامعة باريس، ومن النبلاء سبعة وأربعون نائبا يتزعمهم الدوق دورليان # d’Orléans ~~. # وهكذا عجزت الملكية عن فرض طاعتها. وساعد ترددها المستمر على مخالفة أوامرها، ومع أنها أرادت الاستعانة بالجيش، فقد عجزت عن ذلك؛ بسبب استعداد الجند للعصيان، وتأييدهم للطبقة الثالثة، حتى قيل عنهم إنهم إذا أرغموا على إطلاق النار، فسوف يصوبون بنادقهم إلى صدور النبلاء ورجال الدين. وفقد الضباط كل سيطرة على جنودهم، حتى إن أحد الجند لم ير بأسا في أن يصفع أحد ضباطه على وجهه. # وجد الملك بسبب هذا كله إذن أن يسلم بالأمر الواقع، لعله يستطيع الظهور بمظهر «الحكم» بين الطبقات ذات الامتيازات وبين «العامة». فكتب في 27 يونيو إلى الأقلية من رجال الدين، وإلى الأكثرية من النبلاء - الذين ظل كل فريق منهم يجتمع كطبقة منفصلة في «غرفته» المخصصة له - يطلب منهم الانضمام إلى النواب المجتمعين في القاعة العامة؛ فانضم هؤلاء بالفعل - وفي نفس اليوم - إلى الجمعية الوطنية. وبهذه المناسبة أقيم احتفال رائع في حدائق الباليه رويال Palais Royal ~~، وعلقت الزينات، وفرحت الجماهير المحتشدة لمشاهدة انتصار الأمة فرحا عظيما. ms0155 واعتقد كثيرون أن «الثورة قد انتهت، من غير أن تراق نقطة دم واحدة!» # ومنذ 3 يوليو انتظمت جلسات المجلس، وفي 6 يوليو تألفت «لجنة للدستور»، وفي 9 يوليو اتخذ المجلس اسم «الجمعية الوطنية التأسيسية»، وبذلك انطوت صفحة مجلس طبقات الأمة نهائيا، وهو المجلس الذي أوجده «النظام القديم». وبدأت من ثم صفحة جديدة، لمجلس جديد، هو الجمعية الوطنية التأسيسية، التي كان يبدو وقتئذ أنها قوة «سلمية» ولخدمة السلام، وأنها سوف تبقى قوة سلمية ولخدمة السلام. بينما هي في واقع الأمر - وعلى العكس من ذلك - قوة ثورية ولخدمة «الثورة»، وسوف تبقى قوة ثورية ولخدمة الثورة؛ لأن منشأها كان ثوريا. # الفصل الثاني # | الجمعية الوطنية التأسيسية1 # 9 يوليو 1789-30 سبتمبر 1791 ~~(1) الملكية والطبقة الثالثة # كان لا يعني تسليم الملكية في 27 يونيو أن التحالف الذي ربط بين الملكية وبين طبقة النبلاء خصوصا قد انفصمت عراه، بل إن تسليم الملك لم يحدث إلا نتيجة لضغط الظروف فحسب، فهو عمل اضطراري ومؤقت، وبمثابة حل وسط لا يمنع الملك من الاتحاد فيما بعد مع النبلاء، وبخاصة مع غلاة المتطرفين منهم، ثم مع نظرائهم من رجال الدين؛ لتعطيل نشاط «البورجوازي» أهل الطبقة الثالثة ومقاومتهم؛ الأمر الذي أفضى إلى نتائج خطيرة، سوف تشكل حوادث الثورة في مراحلها التالية. # وأما الجمعية التأسيسية؛ فقد اهتمت بتأدية رسالتها على الوجه الأكمل، وكانت تريد العمل متعاونة مع الملك. وفي هذه المرحلة كان أهم ما هدفت إليه هو منع الملك من التأثر بآراء دعاة العنف والشدة الذين أحاطوا به، وحذر «ميرابو» هؤلاء من عدم جدوى المكائد والمؤامرات في إثناء الجمعية الوطنية عن عزمها: وهو وضع دستور يعيد الرخاء إلى المملكة ويبعثها بعثا جديدا. # ولكن المحيطين بالملك ظلوا لا يدعون فرصة تمر دون أن يبينوا له أن ضمان تاجه وبقاء قوانين المملكة، بل وسعادة شعبه نفسه، يتطلب إخضاع الجمعية الوطنية لإرادته ومشيئته، وأن الموقف يستدعي استقدام قوات جديدة من الجيش لمنع حدوث عصيان أو مشاغبات، ولتخويف محركي الفتنة وردعهم. # واستمع الملك إلى هذه الأقوال، وقبل ms0156 فكرة استدعاء قوات من الجيش للقيام بمظاهرة عسكرية، وكان منذ 26 يونيو قد أصدر أمره كي تجتمع ست فرق في فرساي، فانتهز الآن فرصة ظهور بعض علامات التذمر والعصيان في أهم فرق الجيش الفرنسي وقتئذ وهي فرقة «الحرس الفرنسي» الذين غضبوا من تعطيل ترقية صغار ضباطهم ونقموا على قائدهم؛ فاستقدم الملك - في أول يوليو - عشر فرق جديدة أكثرها من السويسريين والألمان؛ فاجتمع لديه حوالي عشرين ألف جندي بقيادة المارشال دي بروجلي # de Broglie ~~. فأثار وجود هذه القوات هياج الشعب في باريس، وصارت ترجو الجمعية الوطنية من الملك أن يسحبها، ولكنه ادعى أن استقدام هذه القوات إنما هو للمحافظة على الأمن في باريس، وصون حرية الجمعية الوطنية ذاتها. وأما إذا ساء الجمعية الوطنية وجود هذه القوات، فهو لا يرى ما يمنع من نقلها إلى «نويون» # Noyon # أو «سواسون» # Soissons ~~. ثم لم يلبث أن انتقل الملك نفسه إلى «كومبيين» # Compiegne # تاركا باريس. # ويبدو أن الملك نفسه كان مقتنعا بأن الغرض من وجود الجيش هو مجرد «ردع الجميع» فحسب. ولكن كانت هناك مشروعات وتدابير أخرى سرية لإجبار الملك على اتخاذ إجراءات معينة لا يجرؤ أصحابها - وهم رجال الحاشية - على الحديث عنها الآن مع الملك بصراحة. فلم يلبث أن زاد هذا النشاط من جانب بطانة الملك من حدة الخواطر، بل وأثار عصيان الجنود وتذمرهم، وسرت الإشاعات الخطيرة تقول بأن النية في بلاط الملك مبيتة على حرمان العاصمة من المؤن، وتهديد الباريسيين بالمجاعة، ومطاردة نواب الطبقة الثالثة، وتدبير مذبحة مروعة للإجهاز على الوطنيين. وكان من ذلك الحين أن بدأ اعتقاد الناس بوجود ما صار يعرف باسم «المؤامرة الأرستقراطية». # ولقد ساعد على زيادة الهياج والاضطراب العام: اشتداد الأزمة المالية، ونزول الأسعار، الذي أزعج رجال المال والتجار، وأشاع الخوف في نفوس «البورجوازي» أهل الطبقة المتوسطة، الذين خشوا من ضياع دخولهم وفقد ثرواتهم. وثمة عامل آخر هو وجود «المرتزقة» السويسريين والألمان في باريس، حيث كان ذلك نذيرا بتعرض الفرنسيين الذين لا يفهمون لغة هؤلاء المرتزقة في جيش الملك، ms0157 لأخطار المذابح المفاجئة وأعمال العنف والقسوة؛ فكان بسب هذا كله، أن اجتمع الناخبون - وهم الذين انتخبوا نواب باريس عن الطبقة الثالثة والذين ذكرنا أن «مجلسهم» كان قد أعيد تشكيله في 25 يونيو - فاجتمعوا الآن في يوم 10 يوليو في «الأوتيل دي فيل» كي يحلفوا مرة أخرى اليمين التي حلفوها قبل ذلك بأسبوعين تقريبا، بأن ينشئوا حرسا بورجوازيا بمدينة باريس؛ لحماية الأفراد، والمحافظة على الأملاك، وصون المتاجر. # وفي هذا الجو الثائر، قرر الملك الاستغناء عن «نكر»، وأمره في 11 يوليو بمغادرة فرنسا، وتشكلت الوزارة الجديدة برئاسة «بريتول» # Bretéuil ~~، من المعروفين بعدائهم الشديد للثورة، والذي تولى كذلك شئون المالية، بينما عين وزيرا للحرب المارشال دي بروجلي. ولقد قوبل في باريس يوم 12 يوليو خبر إبعاد «نكر» بمجرد ذيوعه بوجوم كبير، ككارثة وطنية، وتوقع كثيرون أن يعقب ذلك «انقلاب حكومي»؛ فتنحل الجمعية الوطنية، قوة واقتدارا، ويغزو الجيش العاصمة. واهتزت الأوساط المالية بسبب ما حدث؛ فقرر رجال المال والأعمال إغلاق البورصة في اليوم التالي. وأما الجماهير فقد تدفقت من كل مكان إلى «الباليه رويال»، وهو المكان الذي اعتاد أهل باريس الاجتماع به في وقت الأزمات، وخرجوا بمظاهرة كبيرة اخترقت شوارع باريس وهم يحملون تمثالين: أحدهما «لنكر»، والآخر للدوق دورليان، الذي أشيع أنه نفي كذلك. # وحاولت الفرقة «الألمانية الملكية» # Royal-Allemand # تشتيت الجماهير عند التوليري؛ فأصيب رجل مسن بجراح، وزاد هذا الحادث من صخب الجماهير وهياجهم، ووقف «كاميل ديمولان » # Camille Desmoulins # يخطب في الجماهير في «الباليه رويال»، ويحرضهم على «حمل السلاح»، وتجاوبت في أنحاء باريس كلها صيحة «حمل السلاح» # Aux Armes ~~، وأخذ بعض جنود «الحرس الفرنسي» يطلقون النار على جنود الملك الذين ما لبثوا أن انسحبوا إلى ثكناتهم بالمدرسة الحربية # Ecole Militaire ~~، وأخلوا الميدان للجماهير الثائرة، التي اشتد صخبها، عندما اشترك مع المتظاهرين قطاع الطريق والشحاذون ومن إليهم. # فقد اقتحم «جيش» من هؤلاء أبواب باريس في ليل 12-13 يوليو وأحرقوا «البوابات» وتدفقوا على العاصمة ينهبون ويسلبون، واستبد الخوف والذعر «بالناخبين» فدقوا ناقوس الخطر من «الأوتيل دي ms0158 فيل». وفي صباح 13 يوليو قرروا إنشاء «لجنة دائمة» # Comité Permanente # تسلمت الإدارة في العاصمة وشرعت تجمع حرسا وطنيا للمحافظة على الأمن والنظام في شوارع باريس. # هذه الحوادث الخطيرة لم تفد شيئا في إقناع المارشال دي بروجلي بأن الموقف قد صار متحرجا؛ فلم يصدر أية أوامر إلى جنوده لقمع هذه الاضطرابات، بل اكتفى بتكليفهم أن يدفعوا القوة بمثلها إذا وقع هجوم جديد عليهم، ورفض اتخاذ إجراء حاسم لإعلان أن الثوار بعملهم هذا قد أجرموا في «حق الملكية»، ولتبصير «الطبقة المتوسطة» بعواقب الانسياق وراء ما سماهم مستشاروه عصبة من المهيجين وقطاع الطرق. ومع أنه أمر بإجراء بعض المناورات البوليسية، فقد بقي هذا الأمر دون تنفيذ. والحقيقة أن بطانة الملك والملتفين حوله كانوا لا يزالون يشعرون بالثقة والاطمئنان، ولا يدركون جسامة الخطر المحدق بهم، وذلك بالرغم من هياج الخواطر الملحوظ في داخل الجمعية الوطنية ذاتها. # وأما سبب هذا الهياج في داخل الجمعية، فهو أن النواب قد صاروا يخشون حدوث «الانقلاب الحكومي» الذي توقعوه في أية لحظة الآن، وطلب النواب القسم من جديد لتأييد قرارات 17 يونيو بأنهم جمعية وطنية ويمثلون الأمة، وطالبوا بعودة الوزراء المطرودين، كما طالبوا بالدستور، وبضرورة السرعة في إنجازه، وإلا قضي على الجمعية الوطنية كما قالوا. وحاولت هذه - دون جدوى - حمل الملك على سحب جنوده، والموافقة على إنشاء الحرس البورجوازي، وعندما لم يستجب الملك لمطالبها، قررت «الجمعية الوطنية» مسئولية الوزراء الحاليين أمامها، وجميع مستشاري الملك مهما كانت مراتبهم، وأيدت جميع القرارت السابقة، لا سيما قرارات 17، 20، 23 يونيو 1789، ثم أعلنت أنها منعقدة بصورة مستديمة. ~~(2) سقوط الباستيل # وتطايرت الإشاعات أن الكونت دارتوا، والدوقة دي بولينياك Polignac # يحاولان التأثير على الجنود في فرساي، واستمالتهم ضد الشعب، ببذل الوعود السخية لهم وتقديم المرطبات لهم والحفاوة بهم؛ الأمر الذي زاد من غضب «المهيجين» في باريس الذين خشوا من حدوث انقلاب حكومي وصاروا يمعنون في تحريض الشعب على الثورة. وعلى ذلك، فإنه ما بدأ نهار 14 يوليو حتى كانت الثورة مشتعلة في باريس، ولم يبلغ ms0159 الجمعية الوطنية، أو القصر الملكي في فرساي، سوى شائعات متضاربة عن الحالة. # ولكن ما إن تقدم النهار حتى وصلت أخبار الثورة، بأن الشعب قد تسلح ونهب «أوتيل ديزانفاليد» # Hotel des Invalides ~~، وزحف على الباستيل (رمز الاستبدادية)، وعندئذ انتقل وفد من الجمعية الوطنية لمقابلة الملك «في فرساي» يكرر مطالب الجمعية، وشعر الملك بحرج الموقف؛ فوعد بإبعاد الجنود من ساحة «شان دي مارس» # Champs De Mars # التي كانوا معسكرين بها في باريس، ووعد بتعيين ضابط لقيادة «الحرس البورجوازي» ومعاونة الحرس على إعادة النظام والأمن، ولكن قبل عودة هذا الوفد إلى مقر الجمعية (بقصر فرساي) وصلت الأخبار المفصلة عن هجوم الشعب على الباستيل وإطلاق المدافع، وإراقة الدماء في باريس؛ فانتقل وفد آخر لمقابلة الملك، الذي أعلن أن ليس لديه ما يزيده على جوابه السابق. # ولكن الأنباء ما لبثت أن جاءت تؤكد سقوط الباستيل وانتقام الشعب لنفسه بقتل حاكم الباستيل «دي لوني» # De Launey ~~، الذي أطلق النار على الجماهير عندما دخل مندوبوهم إلى الحصن، كي يبحثوا معه في تسليمه، كما انتقم الشعب لنفسه بقتل «فليسيل» # Flesselles ~~، عميد التجار الذي اتهم بالخيانة والمضاربة في أقوات الشعب. # ولما كانت هذه أنباء خطيرة حقا، فقد راح الناس يتساءلون: وماذا يا ترى يكون موقف الملك الآن؟ وكيف تستطيع الملكية اجتياز هذه الأزمة العصيبة؟ # ففي الوقت الذي كان ينسحب فيه الجنود من ساحة «شان دي مارس» تطايرت الشائعات في باريس، بأن الكونت دارتوا، والمارشال دي بروجلي سوف يهاجمان العاصمة بقوة كبيرة عندما يرخي الليل سدوله، وأشيع أن الملك يتأهب لمغادرة فرساي، حتى يترك الجمعية الوطنية بها تحت رحمة الفرق الأجنبية، ومنذ 15 يوليو صار «ميرابو» يؤكد أن الجنود الموجودين بفرساي قد زارهم عشية ذلك اليوم (أي مساء أو ليل 14 يوليو) الأمراء والأميرات، والمقربون والمقربات، يغمرونهم بالعطف والهدايا، ويستعدونهم ضد الشعب، وأن هؤلاء الجنود الأجانب الذين امتلأت جيوبهم بالذهب، ودارت الخمر برءوسهم، قد قضوا الليل (ليل 14 يوليو)، يتوعدون في أغنياتهم المبتذلة الجمعية الوطنية بهدم أركانها، ويهددون فرنسا باستعبادها ms0160 واسترقاقها. # على أن الذي راح «ميرابو» يؤكده لم يكن إلا مجرد شائعات. وأما الحقيقة فكانت أن الملك لم يلبث أن أدرك أن من الحكمة وأصالة الرأي، إحناء الرأس حتى تمر العاصفة، والانتظار في الوقت نفسه حتى تحدث المعجزة، وتلك كانت أن تتغلب محبة الملك الكامنة في قلوب الشعب، على كل هذه الأخطار. وعلى ذلك فقد حضر الملك بنفسه إلى الجمعية الوطنية، يتحدث مع نواب الأمة في الوسائل اللازمة لإعادة النظام والهدوء، ويؤكد لهم أن أشخاصهم مأمونة مصونة بالرغم من كل ما حدث، وأصدر أمر بإبعاد الجنود من باريس وفرساي، وطلب من النواب معاونته لتأمين سلامة الدولة، واستمع بهدوء إلى المديح والثناء العظيم الذي وجهه المتكلمون في الجمعية الوطنية إلى شخص وزيره المبعد «نكر». # ولكن موقف الملك هذا لم يرض بطانته، واعتبر البرنس دي كونديه على وجه الخصوص موقف الملك هذا «تسليما يدل على الضعف والجبن»، وكان من رأي المحيطين به أن يذهب «الملك» إلى متز # Metz # حيث يكشف للشعب من هناك عن حقيقة المؤامرات التي يدبرها أعداء العرش، ثم يعلن الإصلاحات «المعقولة» التي يريدها هو أي الملك نفسه، وليس الجمعية الوطنية؛ ولكن شقيق الملك، الكونت دي بروفنس Provence # لم يوافق على أساليب اعتبرها عنيفة وشديدة، وكان من رأي المارشال دي بروجلي أن اتخاذ هذه الخطوة لا يحل المشلكة. قال: «صحيح في وسعنا الذهاب إلى متز، ولكن ماذا نحن فاعلون عندما نكون هناك؟» فبقي الملك بفرساي، وبذلك ضيع الفرصة التي ندم على ضياعها فيما بعد ندما كبيرا. # وهكذا ظلت الملكية مترددة، لا تدري ماذا تفعل في يومي 14، 15 يوليو، في حين كانت الحوادث تجري بسرعة عظيمة في باريس، من ذلك أن «بايلي» أصبح منذ 16 يوليو عمدة لباريس، وأن لفاييت تولى رئاسة الحرس الباريسي الذي سمي بالحرس الوطني، واشتدت المطالبة باستدعاء «نكر» للوزارة والمطالبة بمجيء الملك نفسه إلى باريس. # واستسلم الملك مرة أخرى، فاستدعى «نكر» من الخارج (وكان في بال # Bâle # بسويسرة)، فأسرع بالعودة إلى باريس، وكذلك عاد الملك نفسه إلى ms0161 باريس منذ 17 يوليو بالرغم من الخوف من أن يحتفظ به الشعب «رهينة» في باريس. وحاول لويس السادس عشر الدفاع عن «ضعفه» بأن أعد احتجاجا رسميا ضد كل ما حدث، أو ما يمكن أن يحدث ابتداء من يوم 15 يوليو 1789، ثم سلم أخاه الكونت دي بروفنس، وثيقة تخوله الوصاية على العرش إذا حصل اعتداء على حياة الملك أو حريته. # وأما حادث عودة الملك إلى باريس، فقد وصفه روبسبيير في رسالة له بتاريخ 23 يوليو، فذكر كيف دخل الملك باريس يوم 17 يوليو في عربة بسيطة تحيط به جماعات الحرس البورجوازي (الوطني)، وتشق العربة طريقها وسط الجماهير المحتشدة من الحرس الوطني والنساء والرهبان والجماهير، وكانوا جميعا مسلحين بالبنادق والحراب والعصي، فاستمر هذا الموكب في طريقه حتى وصل الملك إلى الأوتيل دي فيل، وهناك وافق على تسمية «بايلي» عمدة لباريس، و«لفاييت» قائدا للحرس الأهلي أو الوطني. وكان الملك يحمل بجوار الشارة «أو الجوكارد # Gocarde ~~» البيضاء، شارة الباريسيين ذات اللونين الأزرق والأحمر، وكان ذلك منشأ الشارة (الكوكارد) المثلثة الألوان؛ «فما إن شاهدت الجماهير الملك متزينا بشارة الحرية هذه، حتى علت الهتافات بحياته وحياة الأمة.» # وكتب السفير الإنجليزي في باريس «ساكفيل دوق دورسيت»: # 2 # وهكذا يستطيع المرء أن يقول إن فرنسا قد صارت من هذه اللحظة بلدا متحررا، وأن الملك قد أصبح ملكا فرضت القيود على سلطاته، وأن النبلاء قد صار إنزالهم من عليائهم إلى مستوى سائر أبناء الأمة. ~~(3) الهجرة الأولى «وأصول المؤامرة الأرستقراطية» # على أن تسليم الملك بهذه الصورة، أغضب النبلاء الناقمين على «الثورة» وحوادثها، والذين رفضوا الآن أن يربطوا مصيرهم بمصير ملكية وجدت في الاستسلام المهين مخرجا من الأزمات التي تعرضت لها؛ فغادر البلاد البرنس دي كونديه مع ولده الدوق دي بربون وحفيده دوق دانجيان # D’Enghien # وابنته الأميرة لويز # Louise ~~، والكونت دارتوا أخو الملك مع ولديه الدوق دانجوليم # D’Angoulême # والدوق دي بري # Berry ~~، والدوقة دي بولينياك - صديقة الملكة - وأسرتها. # وكانوا إلى جانب اعتقادهم أن «الشرف» يقتضيهم أن «يتنحوا» عن كل شيء ما ms0162 دام الملك قد فضل الخضوع لأعدائه على قبول خدمات الأسرة المالكة، كانوا يرجون أن يستطيعوا وهم بالخارج القيام بعمل أوفى وأبعد أثرا في إعادة الملكية إلى سابق عهدها. وآثر بعضهم الهجرة - كالكونت دارتوا والدوقة بولينياك - حتى لا يزيد بقاؤهم من ناحية أخرى في إحراج الأسرة المالكة، وقد تبع هؤلاء مهاجرون آخرون من المقربين إلى البلاط، ومن الوزراء السابقين، وعملائهم أو وكلائهم، وقصدوا جميعا حدود الأراضي الواطئة «بلجيكا» أو إلى سويسرة. # والتقى الكونت دارتوا والدوق دي كونديه في بروكسل، حيث التف حولهما أعوانهما هناك، وتخلى المارشال دي بروجلي عن قيادته ولجأ إلى لكسمبورج. ووجه الكونت دارتوا إلى أخيه الملك رسالة حرص على إذاعتها بكل الوسائل، يلومه فيها على ضعفه واستسلامه، ويأخذ عليه نقص كفاءته الظاهرة، وهي الأسباب التي قال عنها إنها وحدها مصدر كل الشرور التي حدثت، والتي لا مفر من زيادة حدتها. # ولقد أقام المهاجرون # Les Emigrés # الدليل، بهجرتهم هذه وبكتاباتهم، على أن الأرستقراطية الإقطاعية قد صح عزمها على مقاومة حركة الإصلاح مقاومة صارمة، وهو الإصلاح الذي شعرت الملكية ذاتها أن من واجبها رعايته. وثمة ملاحظة أخرى، هي أن عزم هذه الأرستقراطية الإقطاعية على المقاومة كان معناه أن الملكية قد ضعف سلطانها ضعفا شديدا حتى عجزت عن فعل شيء، وأن الأرستقراطية التي تريد المقاومة، قد صارت تحاول «احتكار» سلطة الملكية المتلاشية هذه. # ولكن سلطة الملكية لم تكن وحدها هي التي تلاشت، بل كان يبدو كذلك أن سلطات غيرها - وعلى رأسها سلطة الأرستقراطية نفسها - كانت في طريقها إلى الانحلال كذلك. # فقد رأينا كيف نشأت فكرة أن هناك مؤامرة أرستقراطية للقضاء على «الطبقة الثالثة» بسبب استقدام الجنود إلى فرساي وباريس، ولقد قوي اعتقاد الناس تدريجيا بوجود هذه المؤامرة بسبب ما وقع من حوادث بعد ذلك، ثم رسخ هذا الاعتقاد عند «هجرة» أمراء البيت المالك وأتباعهم إلى الخارج. وسيطر على «الثوريين» نوع من «الذهنية الجماعية» التي وجهت نشاطهم وجعلتهم يعتقدون أن في استطاعة البلاط القضاء على «العامة» وإفناءهم إذا تمكن خصومهم - وهم النبلاء ms0163 الفرنسيون - من استخدام القوة ضدهم (أي ضد العامة)، فإنه لما كان هؤلاء «الخصوم» أثرياء وينالون تأييد الدولة، وفي حوزتهم الأسلحة الكثيرة، ويعيشون في قصور حصينة، ولهم خدم وأتباع لا عدد ولا حصر لهم، فقد تغالى «الثوريون» في تقدير قوة هؤلاء الخصوم الحقيقية وباتوا يخشونهم، واعتقدوا أن النبلاء علاوة على ذلك سوف يستعدون عليهم الملوك والدول الأجنبية، بل ويستعينون في محاربتهم وإفنائهم بعصابات قطاع الطرق واللصوص والشحاذين، الذين زاد عددهم كثيرا بسبب التعطل عن العمل وانتشار المجاعات. # وقر رأي «الثوريين» لذلك على أن ينتزعوا الملك انتزاعا من الوسط السيئ الذي يحيط به، وعلى تحريره من النفوذ الضار الذي وقع تحت تأثيره دائما، فيحسن صنعا إلى نفسه - كما قالوا - ثم إلى باريس، إذا كان هذا ممكنا، ويوفي بالعهود التي قطعها على نفسه. وأما النبلاء الذين تزعموا حركة المقاومة أمثال دارتوا، وكونديه، وبولينياك ومن إليهم، فقد كان الثوريون والمواطنون على استعداد «للتسلح» من أجل القضاء عليهم. # وهكذا بينما علت الهتافات للملك «الطيب» الذي دعا مجلس طبقات الأمة للاجتماع، والذي استسلم لمطالب الجبهة الوطنية، استحكم العداء بين الثوريين وبين أولئك النبلاء الذين تزعموا من ذلك الوقت المبكر «حركة المقاومة» ضد الثورة، والذين اعتقد الثوريون أنهم جرءوا على خديعة الملك، وعلى إخضاعه لسلطانهم. # ولم تفد هجرة زعماء المقاومة هؤلاء في إقناع «الثوريين» بأن الملك وقد صار متحررا من نفوذهم، سوف يستمع من الآن فصاعدا لرغبات الشعب ويلبي مطالبه. بل بقي هؤلاء يعتقدون أن «المهاجرين» سوف ينشئون صلات خطيرة مع أعداء فرنسا، وأن الملكة ماري أنطوانيت - والتي سموها دائما «بالمرأة النمساوية # L’Autrichienne ~~» إظهارا لكراهيتهم واحتقارهم لها، إنما كانت تصطنع الصبر اصطناعا حتى يتم لها تدبير مؤامرتها لتسديد طعنة قاتلة إلى ظهر الوطن . وكان مما زاد من حدة مخاوف وشكوك «الثوريين» أن نواب الطبقة الثالثة ما لبثوا حتى صاروا يتلقون من مختلف الأقاليم رسائل تحمل إلى باريس أنباء مزعجة، عن جرائم ترتكبها عصابات اللصوص وقطاع الطريق، الذي حرضهم النبلاء - كما قالت هذه الأنباء - على حرق المحاصيل ونهبها، ms0164 ونشر الذعر والفوضى، وحرمان الأهلين من القوت، ونشر المجاعة، وذلك كله من أجل معاقبة «الثورة»، وبالفعل سادت الفوضى في الأقاليم، بل وامتدت إلى باريس كذلك، حيث قتل يوم 23 يوليو أحد المستشارين وصهره الأول؛ # 3 # لأنه توعد الشعب بأن يجعله «يأكل الحشيش»، وعزي إليه أنه يريد إفلاس فرنسا والاستيلاء على الغلال، والثاني لاتهامه بحصد القمح قبل نضجه. # ولم يكن «الخوف» هو منشأ الفوضى التي انتشرت وقتئذ، بقدر ما كان مبعثها الصحيح هو ذلك «النظام» أو الأسلوب الذي رسمه واتبعه الشعب لاتقاء المخاطر سواء كانت هذه حقيقية أو وهمية، والانتقام لنفسه إذا نزل به الشر، ثم منع وقوع الشر مرة ثانية. وهو نظام، أو أسلوب اقتضى لتحقيق هذه الغاية المبادرة بإلغاء الحقوق الإقطاعية التي حكمت على الفلاحين بالمذلة والمهانة، ونكدت عليهم عيشهم، وذلك بإعدام كل الوثائق والمستندات التي كانت هذه الحقوق الإقطاعية القديمة مسجلة بها. # ولما كان الشعب لا يجد مبررا لبقاء احتكار الملح أو لبقاء امتياز الصيد، فقد هوجمت مخازن الملح، وطورد حراس الصيد، ثم إن الجماهير لم تلبث أن انتزعت من أيدي الجلادين كثيرين من المحكوم عليهم بالإعدام، وأفاد عدد غير قليل من هذه الفوضى لإشفاء غليلهم من أعدائهم، ثم لم يكتف الفلاحون في ثورتهم وهم الناقمون على «النظام القديم» عموما بإتلاف السجلات والمستندات، بل صاروا يحرقون ويخربون المباني التي حفظت بها هذه السجلات. وكان الدافع المسيطر على «ذهنية» هؤلاء الفلاحين «الرغبة الشديدة في الاقتصاص من صاحب الإقطاع، وذلك بالانتقام منه في أعز شيء لديه، وهي الأملاك (القصور) التي ارتكز عليها سلطانه وكانت رمزا لسيطرته.» # وفي الأسبوعين الأخيرين خصوصا من شهر (يوليو 1789) انتشر ما صار يعرف باسم «الرعب العظيم» # La Grande Peur ~~: الرعب من اللصوص وقطاع الطرق، ثم الرعب من جيش أجنبي يتوقع الناس هجومه على البلاد بتحريض من الكونت دارتوا. ولقد توترت الأعصاب بدرجة أن «نواقيس الخطر» صارت تدق محذرة من دنو العدو كلما شوهد غبار منعقد كالسحب من بعيد، أو دخان يتصاعد في الأفق كثيفا من المداخن، ms0165 فيهرع أهل القرى والدساكر للفرار بمتاعهم ومواشيهم وأثاث بيوتهم ... إلخ، بينما يتسلح المعروفون بالشجاعة من بينهم؛ فيقفون متأهبين لحراسة القرية وبأيديهم البنادق، أو الحراب أو السكاكين أو الفئوس وما إلى ذلك. # وقد ينشط المسئولون في بعض القرى فيلحون على أهلها بالفرار بكل سرعة، فيساور القرويين الشك في نواياهم، ويتهمونهم بالارتشاء من الأشراف ورجال الدين، لإخلاء القرى من أهلها، كي يستولوا هم على أملاكهم وثرواتهم، وعندئذ ينقلب القرويون على هؤلاء المسئولين النشيطين. # ولقد ظلت مع ذلك بعض الأقاليم لا يعرف أهلها الرعب والفزع بالرغم من اعتقاد الناس في أنحاء فرنسا وتأكيدهم أنهم «شاهدوا» اللصوص وقطاع الطريق في كل مكان، ثم إن «الرعب» كان طفيفا في بعض الأقاليم لا يعدو الانزعاجات المحلية البسيطة فحسب. وأما سبب هذا الرعب والفزع العظيم فكان كما شاهدنا الخوف من قطاع الطريق ومن مؤامرات النبلاء (أي المؤامرة الأرستقراطية)، وثورة الفلاحين، والتسلح المفاجئ. # وكان من المنتظر - وكما حدث فعلا - أن يترتب على حالة الرعب والفزع هذه وقوع كثير من حوادث القتل والذبح، وذلك التخريب والتدمير الذي صحب ثورة الفلاحين، ولكن كانت هناك نتائج أعظم خطرا من هذه، وأبعد أثرا، وذلك عندما أخذ يقوى ويشتد في وجه هذه الأخطار - ومنذ ربيع 1789 - تماسك وتكتل طبقي حقيقي، هو تكتل الشعب حول «الطبقة الثالثة» التي ينتمي إليها، حتى يدفع عن نفسه الأخطار التي تتهدده من ناحية أعداء الثورة. # وقد ظهر هذا التكتل خصوصا منذ أن صار متوقعا حدوث «انقلاب عسكري» بعد حوادث 12 يوليو، وهو اليوم الذي ذاع فيه خبر إبعاد نكر من الوزارة، ومن فرنسا. ثم أخذ هذا التكتل صورة تشكيل قومونات # 4 # فعلية في بعض المدن التي انتزعت لنفسها من السلطات الحكومية المحلية الصغيرة حق إدارة شئونها بنفسها. كما حدث في ليون، وأميان ، وبردو، وديجون، وروان، ونانت، ومونبيليه، ثم أنشئ في كل مكان «حرس أهلي» من البورجوازية. ولما كان مفتشو الأقاليم # Intendants # أو حكامها، قد بقوا دون تعليمات ولا قدرة لهم على إعادة النظام، فقد غادروا مراكزهم، وحذا حذوهم ms0166 القضاة والموظفون، فلزموا بيوتهم، وانتشر العصيان بين الجنود، ولم يعد هناك كما قال أحد المعاصرين: «لا ملك ولا برلمان (أي هيئة قضائية) ولا جيش ولا بوليس.» ووجب على المجالس البلدية أن تتسلم على الفور زمام الأمور الذي أفلت من يد الحكومة. # وهكذا كان فيما حدث، انهيار «النظام القديم» من تلقاء نفسه، كما أن هذا الانهيار جعل الملكية تعتمد على المجالس البلدية في مواجهة هذه الفوضى ومقاومتها، بينما وجدت البلاد من ناحية أخرى، في الحركة «الاتحادية» أو «الفدرالية» ما يحقق إنقاذها من الفوضى؛ فاتحدت المدن التي في إقليم «بريتاني» حول مدينة «رين»، والتي في إقليم نانت حول مدينة نانت، وهكذا. ~~(4) زوال النظام القديم (يوم 4 أغسطس) # وعجزت الجمعية الوطنية التأسيسية أمام هذه الحوادث الجسيمة عن فعل أي شيء؛ بسبب انقسام الرأي بين أعضائها، واختلاف نزعات النواب وميولهم؛ فهناك فريق يريد وضع نظام صارم يكفل القضاء على الفوضى، وفريق آخر يرى وضع «نظام» يتيح الفرصة للانتقام من كبار رجال الدين والنبلاء الإقطاعيين، الذين أنشئوا الصلات مع «المهاجرين»، والذين اتهمهم الشعب الآن بأنهم هم الذين حرضوا الفلاحين والقرويين على تخريب الأملاك في الإقطاعيات، وفريق ثالث من أثرياء الطبقة المتوسطة الذين ابتاعوا من النبلاء بعض أملاكهم وأراضيهم وصار لهم ريع ودخل منها، لم يكن من مصلحتهم استمرار الفوضى والتخريب؛ حتى لا يحرموا من إيراداتهم، علاوة على كل ما كان ينطوي عليه استمرار الفوضى والتخريب من تعريض مبدأ الملكية الفردية ذاته للخطر. # وعلى ذلك؛ فقد تعذر على الجمعية الوطنية أن تفعل شيئا، قبل التوفيق بين هذه الآراء المتعارضة. ولقد استمر الحال على ذلك، حتى حدث في مساء يوم 4 أغسطس 1789، أن اعتلى الكونت دي نواي # Noilles # منصة الخطابة، وأخذ يعالج بمهارة الفروق القائمة بين الامتيازات الإقطاعية؛ أي الخدمة الإقطاعية الشخصية التي يتمتع بها صاحب الإقطاع بحكم مولده النبيل، والحقوق الإقطاعية، وبين حقوق الملكية (التملك) الفردية؛ أي الحقوق التي آلت إلى أولئك الذين ابتاعوا أملاكا من النبلاء حديثا؛ أي إلى الطبقة البورجوازية، ثم أعلن كعلاج للهياج ms0167 المنتشر في الريف: # أولا: # إلغاء السخرة ورقيق الأرض، والخدمة الإقطاعية الشخصية؛ أي الامتيازات الإقطاعية. # ثانيا: # شراء الحقوق «الكائنة فعلا»؛ أي إلغاء الحقوق الإقطاعية في نظير تعويض يدفع لأصحابها. ولم يكن «دي نواي» يملك ما يخشى أن يفقده هو شخصيا؛ لأنه كان الابن الأصغر (ولا يرث شيئا) ومفلسا. ولكن «دي نواي» لم يلبث أن لقي تأييدا من جانب النبلاء الأحرار، وسرعان ما طغت موجة من الحماس على المجلس، فصار النواب من طبقة النبلاء والإكليروس يهرعون إلى المنصة ليعلنوا منها تنازلهم عن امتيازاتهم وحقوقهم الإقطاعية؛ فعلوا ذلك من تلقاء أنفسهم، ودون أن يفوضهم ناخبوهم من أهل هاتين الطبقتين في ذلك التنازل إطلاقا. ثم بادر نواب الأقاليم يعلنون كذلك تنازل المجالس الإقليمية عن كل ما كان لها من سلطات مالية، وتنازل المدن عن نقاباتها وامتيازاتها الاقتصادية، وأعلن القضاة تنازلهم عن حق شراء الوظائف القضائية، وأعلن المجلس أن «الملك معيد الحرية إلى فرنسا وموطد لأركانها بها»، وذلك ابتهاجا «بذلك الاتحاد السعيد الذي جمع اليوم بين العقول والقلوب». وهكذا عندما انفض المجلس في الثالثة من صبيحة اليوم التالي (5 أغسطس) كان ظاهرا أن الاتفاق منعقد على «تحطيم النظام القديم»، وأن لا سبب بعد اليوم يدعو إلى الخوف من «ثورة» عنيفة! # ولكن ذلك كان تفاؤلا، لا يلقى ما يبرره. وسبب هذا ما ظهر من صعوبات عديدة عند تفسير وتطبيق القرارات الآنفة، والقرارات التي اتخذت كذلك في الأيام التالية بين 5، 11 أغسطس سنة 1789، وبشأن: إلغاء شراء وظائف القضاء، وبشأن حقوق واختصاصات المجالس البلدية، وتحقيق العدالة لكل إنسان بدون مقابل، وإلغاء الامتيازات المالية «بحيث يدفع كل مواطن الضريبة التي تفرض على جميع الأملاك، بطريقة واحدة، وفي شكل واحد»، وتقرير المساواة «بحيث يكون من حق كل مواطن دون تمييز بسبب المولد الالتحاق بالوظائف الكنسية والمدنية والعسكرية»، وبحيث لا يمنع أحد من ممارسة أية مهنة نافعة، وإلغاء العشور مع تعويض الكنيسة عنها، بما يكفي النفقات اللازمة لإقامة الشعائر الدينية وتأدية رجال الدين لواجباتهم، ومساعدة الفقراء والمعدمين إلى غير ذلك، وإلغاء ms0168 الأموال التي كانت تدفعها الكنيسة إلى «روما»، ثم دعم حقوق الدولة في الإشراف والهيمنة على شئون الكنيسة عموما. # وقد دلت هذه المسائل على أن الجمعية الوطنية كانت مدفوعة إلى اتخاذ هذه الخطوات بميول «جاليكانية» (أي غالية) تحفظ للكنيسة في فرنسا ذاتيتها، وأنظمتها في علاقاتها مع كنيسة «روما»، وحسب المبادئ التي أعلنها القساوسة في فرنسا منذ قرن مضى (سنة 1682). # ولقد لعبت المجالس البلدية دورا هاما في كل التغييرات الكبيرة التي حدثت أو كان من المنتظر حدوثها أيضا نتيجة لاتخاذ هذه القرارات من جهة، وبسبب الصعوبات التي نجمت من محاولة تطبيقها من جهة أخرى؛ وذلك لأن المجالس البلدية كانت تودع بها الأوامر المتعلقة بالنظام القضائي والاجتماعي، وكان من عملها تفسير القرارات التي عهد إليها بتنفيذها. ثم إن المجالس البلدية لم تلبث أن حصلت (في 10 أغسطس) على حق تجنيد المواطنين للجيش، وتسريح الجنود الذين انتشر العصيان بينهم، كما صار الجنود والضباط لا يخضعون لسيطرة الملك وإشرافه المطلق عليهم، منذ أن طلب منهم أن يحلفوا اليمين - يمين الولاء - «للأمة والملك والقانون»، ووجب لذلك منع استخدامهم ضد «المواطنين». # أضف إلى هذا أن هؤلاء المواطنين - أعضاء المجالس البلدية - قد ازداد اهتمامهم الآن بكل ما يقع من حوادث لا معدى من أن تترك أثرا على سعادتهم ومستقبلهم، فقويت رغبتهم في الوقوف على حقيقة كل ما يحدث، ومناقشة آثاره، والتفكير في خير الطرق الموصلة للانتفاع به. ولا جدال في أن يقظة الوعي القومي هذه كانت أساس «الثورة» الاجتماعية التي كان لا مناص من دعم أركانها في «الدستور» المنتظر. ~~(5) إعلان حقوق الإنسان والمواطن # 5 ~~(26 أغسطس 1789) # طالبت أكثر دفاتر الثورة بتقرير المبادئ التي يجب استناد الحكومة الفرنسية عليها في ميثاق أو عهد قومي # Charte Nationale ~~، يحدد من الآن في صورة قاطعة المبادئ التي نادت بها الأمة. ولما كانت الولايات الاتحادية الثلاث عشرة في أمريكا الشمالية قد فعلت ذلك في سنة 1776، حيث تضمن إعلان الاسقلال الذي أصدرته في 6 يوليو 1776 - في شبه مقدمة - حقوق الإنسان في المساواة والحرية ms0169 والحياة السعيدة، وتغيير الحكومات التى لا ترعى هذه الحقوق؛ فقد اقترح لفاييت استصدار «إعلان بحقوق الإنسان الطبيعية وبحقوقه كفرد يعيش في المجتمع حتى يصبح هذا الإعلان الفصل الأول من فصول الدستور» الذي تنشده الأمة. # وفي أول أغسطس بدأت الجمعية الوطنية تبحث موضوع هذا الإعلان من حيث وجوب اشتماله على النظريات التي أتى بها الفلاسفة مثل روسو وغيره، أو أن يشتمل فقط على الحقائق الأساسية التي هي مصدر كل القوانين الوضعية، أو من حيث الأخذ بالمبادئ التي تقررت في إعلان الاستقلال الأمريكي، أو اعتبار أن ما يصلح لأمة حديثة النشأة كالولايات المتحدة قد لا يصلح لأمة قديمة العهد، ولإمبراطورية كبيرة كفرنسا. # ولقد استغرقت هذه المباحثات وأمثالها وقت المجلس حتى يوم 4 أغسطس، فوافقت الجمعية الوطنية في هذا اليوم على استصدار إعلان الحقوق للإنسان والمواطن. ومما تجدر ملاحظته أن الجمعية رفضت استصدار إعلان مكمل لإعلان الحقوق للإنسان والمواطن، يتضمن «الواجبات» كذلك المفروضة على الإنسان والمواطن. وفي 26 أغسطس سنة 1789 اعتمد الإعلان في صيغته النهائية. # ويتفق إعلان الحقوق الذي صدر في 26 أغسطس 1789 مع منطق العهد الذي صدر فيه؛ فهو خلو من من الحشو، كما أنه مصاغ في عبارات واضحة وبصورة تعكس المزاج والروح الفرنسي، عندما كانت تحدو أصحابه الرغبة في «وضع إعلان يصلح لكل الأقوام ولكل الأوقات (الأزمنة) ولكل البلدان، ويصبح نموذجا يحتذيه العالم قاطبة وينسج على منواله.» # وبدأ إعلان الحقوق بمقدمة في قالب من الألفاظ والعبارات الرنانة انتهت بوضع السبع عشرة مادة التي تألف منها الإعلان تحت رعاية «الكائن الأعظم» # L’Étre Suprême ~~. ولم يكن هناك مناص من أن يرعى «الكائن الأعظم» هذه الحقوق؛ لأن الطبيعة وحدها كانت مصدرها، فمن جهة لم يكن واضعو «الإعلان» يريدون التصدي لمعارضة الدين والعقائد فذكروا الكائن الأعظم، ثم إنهم من جهة أخرى أرادوا نكران أن «للتجربة» دخلا في تقرير الحقوق، (يعني أن هذه الحقوق طبيعية). # ويتسم «الإعلان» بالطاع النفعي؛ أي بالرغبة في الانتفاع من استصداره، عندما كانت الغاية الأولى من تقرير المبادئ التي تضمنتها ms0170 مواده السبع عشرة، الحيلولة دون وقوع أي عصيان أو ثورة جديدة؛ الأمر الذي دل على أن إعلان الحقوق إنما استصدر في ظروف خاصة، وأنه قد خضع لإملاء الحوادث، ولذلك فإن إعلان الحقوق - من هذه الناحية - يعتبر عملا أو إجراء سياسيا. # وثمة ملاحظة هامة هي أن هذا الإعلان كان من وضع «بورجوازية حرة»؛ أي طبقة متوسطة تدين بمبادئ الإصلاح، كما أنها كانت «بورجوازية ممتلكة»؛ أي إنها ذات مصلحة في تقرير حقوق ملكيتها. فكان ذلك مبعث ما لوحظ من تناقض في إعلان الحقوق؛ لأنه بينما أرادت هذه البورجوازية الحرة تقرير مبدأ الملكية (التملك) وعلى اعتبار أنه حق طبيعي مقدس لا يمكن المساس به أو النيل منه (المادتان: 2، 17)، كان واضحا من جهة أخرى أن هذا المبدأ لا يمكن أن يفيد منه سواد الشعب الذي لا يملك شيئا. زد على ذلك أنه قد تركت دون حل كل المسائل المتعلقة بمصير الملكية الإقطاعية والكنسية التي ألغتها قرارات الجمعية الوطنية في 4-11 أغسطس 1789. # وعندما ضمن إعلان الحقوق حق «المقاومة ضد الاستبداد والظلم» (المادة 2) كان واضعوه يريدون - قبل كل شيء - تقرير أن الحوادث الأخيرة التي بدءوا بفضلها يستأثرون بكل أسباب السلطة، كانت قانونية ومشروعة، وفي الوقت نفسه لا شك في أن حوادث شهر يوليو كانت لا تزال ماثلة في أذهانهم، ويسيطر على تفكيرهم ضرورة الحيلولة دون وقوع ما يشبهها في المستقبل، عندما جاء في هذه المادة أن الغرض من كل نظام سياسي أو تضامن سياسي هو المحافظة على حقوق الإنسان الطبيعية والتي ليست مؤسسة على سلطة خارجية. # ومع أنهم أرادوا تهدئة النفوس وإزالة الأحقاد الماضية بإعلان مبدأ «المساواة» (في المادة 1)، فقد وضعوا تحفظا يجيز تقييد هذه المساواة عندما قالوا بوجود فوارق أو مميزات اجتماعية مستندة على الخدمات التي يؤديها الفرد للصالح العام، وتعود بالنفع على المجتمع؛ فجاءت صياغة هذه المادة الهامة كما يلي: «يولد الناس أحرارا ومتساوين في الحقوق، ويبقون أحرارا ومتساوين في الحقوق، ولا ينبغي بحال أن تقوم الميزات الاجتماعية إلا على أساس النفع العام أو ms0171 الفائدة المشتركة.» # 6 # ثم إنهم قبلوا مبدأ حرية الرأي (المادة 10) وترك الناس أحرارا يبدون ما يشاءون من آراء، حتى الآراء الدينية، ثم أكدوا حق الإنسان في التعبير عن آرائه وإذاعتها (المادة 11)، ولكنهم (المادة 10) اشترطوا ألا يترتب على التظاهر بهذه الآراء إقلاق أو إزعاج للنظام العام المستند على القانون. وقد احتج «ميرابو» في خطاب مثير على هذا المبدأ، الذي قال: إنه يدل على أن المجلس يريد تقرير العقيدة الدينية (الكاثوليكية) السائدة. # ولقد سبب هذا التناقض الألم، كما بعث على الشعور بالخيبة في نفوس المواطنين الذين عقدوا آمالا عظيمة على الدستور، الذي كان إعلان الحقوق مقدمته، ولكن بالرغم من هذا التناقض الظاهر، اشتمل إعلان الحقوق على أهم المبادئ التي نادى بها فلاسفة الثورة: الحرية، المساواة، سيادة الأمة، فصل السلطات، الإرادة العامة ... إلخ. وكان بسبب تقرير هذه المبادئ في وثيقة إعلان حقوق الإنسان والمواطن، أن صار هذا الإعلان «عقيدة» الديمقراطية، ثم زاد من قوة هذه «العقيدة»، إيمان رجال الثورة بأن الواجب الإنساني، يطلب منهم العمل على نشر هذه «العقيدة» أو المذهب الديمقراطي، خارج حدود بلادهم، حتى تسعد البشرية قاطبة، ويتحرر الإنسان في كل مكان، من قيود الرق والعبودية. ~~(6) حقوق الملك # وبدأت الجمعية الوطنية التأسيسية تبحث موضوع الدستور؛ وعندئذ ظهرت بوادر الانقسام الخطير في المجلس، ولم يكن سبب الانقسام التفكير في تغيير شكل الحكم؛ لأن المجلس كان يريد أن يبقى الحكم «ملكيا». ولكن دار الخلاف حول الطريقة التي يمارس بها الملك وظائفه في المملكة وإذا كان لويس السادس عشر قد تنازل (مؤقتا) عن سلطاته وسلم (ضمنيا) بمبدأ سيادة الشعب، فقد كان معروفا كذلك أنه لا غنى عن تصديق الملك على القوانين حتى تصبح نافذة، وفي وسع الملك لذلك أن يعطل أو يوقف نشاط النواب المتحمسين للإصلاح. # وإذا كان المجلس من جهته قد أقر مبدأ فصل السلطات، فإنه كان يرى كذلك أنه إذا بقيت السلطة التنفيذية في يد الملك، يجب أن يحتفظ المجلس بالسلطة التشريعية، وأصر كثيرون على أن تبقى هذه السلطة التشريعية للمجلس وحده ms0172 ودون شريك، ورفض المجلس أن يكون للملك حق التصديق على القوانين، «واستندوا في ذلك إلى أن الاضطراب والحيرة سوف يسودان إذا رفض الملك التصديق على قرارات 4-11 أغسطس وعلى إعلان حقوق الإنسان؛ أي إذا رفض التصديق على الإجراءات التي أعادت السلام الداخلي، وأشاعت الثقة والطمأنينة في النفوس»، وهي الإجراءات أو القرارات التي يجب المحافظة عليها كاملة ومهما كان الثمن. # وكان لبعض أعضاء «لجنة الدستور» بالمجلس رأي يخالف ما ذهب إليه المجلس؛ وذلك أن الخوف من طغيان عواطف الشعب الجامحة قد جعل هؤلاء - ومقررا لجنة الدستور هما: مونيه، ولالي توليندال # Lally-Tollendal ~~- يريدون إقامة سلطة تنفيذية قوية في وسعها الدفاع عن الأملاك والأموال وإخماد الاضطرابات. وقد تألف برنامجهم (وكان مأخوذا من الدستور الإنجليزي)؛ أولا: من إعطاء الملك حق الرفض (الاعتراض المطلق # Veto Absolu ~~) على جميع قرارات السلطة التشريعية، وثانيا: إنقاص السلطة التشريعية ذاتها، وذلك بخلق أو إنشاء مجلس أعلى يتألف من أعضاء بحق الوراثة، أو لمدة الحياة، يقوم إلى جانب المجلس الشعبي أو الانتخابي. # وحمي وطيس المناقشة داخل المجلس وخارجه حول هاتين المسألتين: تقييد حق الملك في رفض التصديق على القوانين التي تستصدرها السلطة التشريعية، هل يكون مطلقا أو اعتراضا موقوتا (معلقا) # Veto Suspensif ~~؟ ~~ ثم هل تستمر السلطة التشريعية في مجلس واحد أو ينشأ إلى جانبها «غرفة ثانية»؛ أي مجلس أعلى وراثي للإنقاص من سلطتها؟ # وازدحم الباريسيون في «المقاهي» التي انتشرت في العاصمة وقتئذ، وأهمها مقهى «كافيه دي فوي» # Café De Foy # في حي الباليه رويال، يتناقشون في هذه المسائل، ويستمعون إلى آراء النواب، وإلى أقوال «المهيجين» في مسألتي «حق الاعتراض والرفض» و«الغرفة الثانية» واستخدام «ميرابو» طائفة من الناشرين، والمهيجين لتحريض الجماهير في مختلف نواحي باريس، وفي مقاهيها العديدة الأخرى، التي لم يكن يخلو منها حي من أحياء باريس، ضد حق الرفض والاعتراض # Veto # وضد الغرفة الثانية. ولم يكن الهياج مقصورا على باريس وحدها، بل تعداها إلى غيرها من المدن وانتشر في البلاد بأسرها للتحريض في كل مكان على مقاومة ما أطقلوا ms0173 عليه اسم «مدام فيتو» # Madame Veto ~~. # ورفض المجلس «الغرفة الثانية» على اعتبار أنها محاولة لإضعاف السلطة التشريعية وإحياء طبقة النبلاء تحت اسم آخر. ولكن المجلس لم يلبث أن أعطى الملك في 11 سبتمبر 1789 حق الاعتراض (الرفض) المؤقت، وذلك بأن جعل هذا الحق موقوتا بدورتين فقط من أدوار انعقاد المجلس؛ أي لمدة أربعة أعوام، فإذا أقر المجلس نفس القوانين بعد ذلك، سقط حق الملك في الاعتراض عليها. وكان «نكر» قد وعد بأن الملك سوف يصدق في نظير ذلك على قرارات 4 أغسطس. # ولكن سرعان ما تبين أن الملك لا يريد الوفاء بوعده، ويحاول التخلص من التصديق على قرارات 4 أغسطس، فدار البحث في المجلس حول هذه القرارات (4-11 أغسطس) هل هي ذات طابع دستوري (أي حقوق دستورية) فتنفذ بمجرد استصدارها، أو أنها ذات طابع تشريعي (أي قوانين عادية) فلا تتنفذ حتى تنال تصديق الملك عليها. ~~ ولكن الملك لم يلبث أن دعا إلى فرساي، في 14 سبتمبر «آلاي الفلاندر»، # 7 # فدل باستدعائه الجيش إلى مكان اجتماع الجمعية الوطنية على أنه يريد تحدي الجمعية؛ مما كان له أعظم الأثر في زيادة هياج الجماهير في باريس بمجرد وصول هذا النبأ إليها. ~~(7) الهياج في باريس # ولقد كانت الفوضى وقتئذ تسود باريس، سببها إقفار الحوانيت من البضائع والأغذية؛ لامتناع المزارعين والمنتجين عن إرسال سلعهم وغلالهم ومحصولاتهم إلى العاصمة، ولأن الماليين صاروا يهربون أموالهم؛ بسبب انتشار القلاقل والاضطرابات في الأقاليم، ولأن الجمهور صار متكالبا على تخزين المواد الغذائية لخوفه من المجاعة، فارتفعت لذلك كله الأسعار، وندر وجود العملة، واضطر الباريسيون إلى الوقوف ساعات طويلة أمام المخابز للحصول على كسرة من الخبز لا تغني ولا تشبع، وتعطلت الصناعات الكمالية التي كانت تزود أثرياء باريس بأدوات الزينة والترف، منذ أن غادر العاصمة أكثر أهل البلاط وكبار الأجانب وأعضاء الأسر الغنية. # وانتشرت البطالة كما انتشرت المجاعات، حتى صار يتزايد تباعا عدد الفقراء المعدمين في باريس، فوصل عددهم بعد عامين اثنين من بداية الثورة إلى 100000 تقريبا من سكان عددهم ms0174 في أوائل أيام الثورة حوالي 600000 نسمة. ومن بين هؤلاء الفقراء والمعدمين حوالي 60000 جاءوا من الأقاليم طلبا للرزق. # وكان في وسط هذا الاضطراب إذن أن تألف «القومون» في باريس في 18 سبتمبر 1789 من أعضاء البلدية (60 عضوا، عن كل قسم من أقسام باريس عضو واحد)، وعمدة باريس، وهم الذين اختارهم الناخبون. وانقسمت باريس إلى شبه جمهوريات متنافسة فيما بينها عندما صار لكل قسم ومركز منها «قومون» أو لجنة أو مجلس للإشراف على التموين ولتنظيم الحرس الأهلي، وللمحافظة على الأمن والنظام؛ أي إن هذه اللجان قد انتزعت لنفسها الاختصاصات التي كانت للبوليس والشرطة. وكان في مراكز أو لجان المراكز هذه أن وجد أشد المهيجين تطرفا فرصته السانحة للسيطرة على عواطف الجماهير. امتاز من هؤلاء: «مارا» # Marat # وهو سويسري الجنسية، ومن رجال الطب العسكري، كان قد أصدر حديثا في صحيفته المعروفة في تاريخ الثورة: «صديق الشعب» # L’Ami De Peuple ~~، ثم «كاميل ديمولان» صاحب صحيفة «فرنسا الحرة» # La France Libre ~~، وأحاديث المصباح للباريسيين # Discours de la lantern aux Parisiens ~~، ثم إليزي لوستالو # Elisée Loustalot # المحامي من بردو ومحرر «ثورات باريس» # Revolutions de Paris ~~. # وقد اتهم هؤلاء المهيجين جماعة «الأرستقراطيين» و«أصحاب القلنسوات» (أي رجال الدين) في المجلس بأنهم منشأ كل سوء، ونصحوا بوجوب العمل مباشرة ضد الملك وضد البلاط، وطالبوا بحل الجمعية الوطنية، وعودة الملك إلى باريس. # وزاد من حدة الغضب ما كان يصدر وقتئذ من «رسائل أو كتيبات» مثيرة مثل «سوط الوطن» # Le Fouet National ~~، و«متى نحصل على الخبز؟» # 8 # إلخ. ثم اشتد الصخب عندما نشر رجل أطلق سراحه أخيرا من الباستيل رسالة قذف بعنوان «ميثاق المجاعة» # 9 # اتهم فيها لويس السادس عشر وأنصاره بالاستيلاء على الغلال للإثراء من بيعها، دون اهتمام بما يحدثه هذا العمل من تجويع الشعب. # ولقد صدقت الجماهير الثائرة هذا الاتهام، بسبب الاعتقاد السائد وقتئذ بأن البلاط وقد أخفق في الانتصار على الثورة، وليس في قدرته اللجوء إلى القوة لإخمادها، صار يحاول القضاء عليها بنشر المجاعة، وأن ms0175 القلق سوف يظل مستبدا بالنفوس حتى يتسنى فصل الملك الذي صار أداة طيعة في أيدي المهاجرين والنبلاء عن حاشيته المحيطة به، وأنه لا مفر للوصول إلى ذلك من عودة الملك إلى باريس. ~~(8) 5، 6 أكتوبر: عودة الملك إلى باريس # وخشي الملك والبلاط من العودة إلى باريس، وسعى البلاط عبثا لاستمالة لفاييت والحرس الأهلي، وهو القوة الموجودة فعلا منذ عصيان «الحرس الفرنسي»، وحاول البلاط أن «يجس نبض» الجنود، وكانت فرقة أو آلاي الفلاندر قد وصلت إلى فرساي بناء على دعوة الملك كما تقدم، فاحتفلت سيدات البلاط بمقدمهم احتفالا كبيرا، وأقيمت في أول أكتوبر سنة 1789 مأدبة فخمة لضباط الفرقة، وشرب هؤلاء نخب الأسرة المالكة. وعندما رجع الملك من الصيد دخل فجأة إلى المقصورة المخصصة له لتحية المجتمعين، ومعه الملكة والدوفان (أي ولي العهد)، فعظم الحماس، وفعلت الخمر فعلها في الرءوس؛ فأهان الجنود الشارة الحمراء الزرقاء (شعار باريس)، واستبدلوا بها الشارة البيضاء (شعار الملك البربروني)، أو الشارة السوداء (شعار الملكة أنطوانيت)، ولعن الجنود الجمعية الوطنية، وصاروا يسبونها. وبلغ هياجهم ذروته عند خروج الأسرة المالكة من الاجتماع، وأعلن الجنود وضباطهم أنهم يكرسون حياتهم لخدمة الملك وحده. # هذه المأدبة وما حدث فيها، وصلت أخبارها إلى باريس؛ فزاد هياج الجماهير، ووجد المهيجون فيها فرصتهم السانحة، لإرغام الملك على العودة إلى باريس، ولم تكن تعوزهم الحجة في هذه المرة، بسبب ما حدث في فرساي، لإقامة الدليل القاطع على أن النية مبيتة لإحداث «انقلاب حكومي» ضد الشعب، وضد نوابه في الجمعية الوطنية. # ووقف «مارا» يهيب بالجماهير أن «تسلحوا»، وقررت مجالس أو لجان المراكز أن تنعقد بصورة دائمة، وطلبت لجنة الكورديليه # Cordeliers ~~- أحد أحياء باريس - برئاسة دانتون # Danton # أن يذهب لفاييت إلى الملك لإقناعه بإبعاد فرقة الفلاندر، والتصديق فورا على قرارات الجمعية الوطنية التي كانت لا تزال معلقة. # ولكن كان يبدو أن لا مفر من سلوك طريق واحد مع الملك الضعيف والمتردد، والذي أحاط نفسه ببطانة السوء: هو الاتصال به مباشرة ودون وساطة أحد. # وكان النساء أكثر حماسا من ms0176 الرجال وأشد هياجا منهم، دوت أصواتهن تطلب الخبز، وأحدثن جلبة وضوضاء لا نظير لها، وخصوصا في أسواق حي «الهال» # Halle # المكتظ ببائعات السمك، وغيرهن من نساء الطبقة الدنيا. واستمر هذا الهياج الليل بطوله، حتى إذا كانت الخامسة من صبيحة اليوم التالي (5 أكتوبر) كان حوالي 10000 امرأة قد جرفهن جنون لا طاقة لإنسان على دفعه. ثم تزايدت الفوضى عندما نهب بعض الثوار «الأوتيل دي فيل». وتألف من هذه الجماهير الصاخبة موكب كبير يقصد الذهاب إلى فرساي لإحضار الملك. # وكان موكبا عجيبا: النساء العنصر البارز فيه، حيث بلغ عددهن ستة آلاف وفي الطليعة نساء حي «هال» «الفظيعات» المشاكسات «الفتوات»، ينضم إليهن عدد من الرجال الذين حرصوا على حلاقة ذقونهم، واستخدام الصباغ في تزيين وجوههم - وكان استخدام الصباغ عادة منتشرة بين الرجال - وارتدى بعض هؤلاء الرجال - ومن بينهم جنود من الحرس الأهلي - أزياء النساء، وتجمل أكثر الرجال بارتداء أحسن ملابسهم، وانضم الثوريون والمهيجون أقوياء الشكيمة إلى هذا الحشد الغريب. وحمل الموكب مدفعين، وتقدم الموكب «الحاجب ميلار» # Millard # يقرع على طبلة، وعندما ظهر على «لفاييت» التردد، هدده رجاله بالموت: «إما إلى فرسالي، وإما إلى المشنقة!» # وبعد ظهر هذا اليوم (5 أكتوبر) وصل الحشد إلى فرساي، متلطخا بالوحل وفي حالة هياج شديد، وذهب وفد على الفور إلى الجمعية الوطنية كي يبلغها شكاوى الشعب: غلاء المعيشة، وتلاعب المضاربين، وإهانة الشارة الوطنية (الكوكارد)، وأصرت النساء على مقابلة الملك، واخترن وفدا لهذه الغاية من أعضائه إحدى فتيات الهوى مادلين شابري # Madelaine Chabry # التي أغمى عليها في حضرة الملك، الذي وعد عندما قابله الوفد باتخاذ ما يلزم من إجراءات لتموين العاصمة، وأمر بإعادة النسوة إلى باريس في عربات البلاط، ثم أعلن قبوله لمواد الدستور وإعلان حقوق الإنسان؛ وساد الهدوء بعد هذه الوعود. # ولكن الملك لم يكن يريد العودة إلى باريس، بل كان يريد الذهاب إلى «روان» # Rouen ~~، مصطحبا معه «المعتدلين» من أعضاء الجمعية الوطنية، وسبقت الملكة فعلا بالخروج، ولكن الحرس الأهلي في فرساي أوقفها. وحاول «نكر» - وكان قد ms0177 وصل إلى فرساي - أن يوضح للملك خطورة الذهاب إلى «روان» بسبب الأزمة التي تعانيها الخزانة، ثم الخطر المترتب على ترك الميدان فسيحا لدسائس ومؤامرات قريبه الدوق دورليان «فيليب المساواة» Philippe L’Egalité # الذي انضم إلى طبقة ممثلي الشعب منذ يوم 25 يونيو، ونصح «نكر» الملك بالذهاب إلى باريس، وكان يرجو أن يستطيع في باريس التأثير على الملك. # ولكن لويس السادس عشر - وهو الرجل المتردد دائما - لم يلبث أن زادت حيرته، بسبب هذا النصح والإرشاد، فبعث يطلب النصيحة من الجمعية الوطنية. غير أن هذه كان قد اقتحمها النسوة الصاخبات، والمطالبات «بالخبز، والخبز وحده» ووقف كل تلك الخطب الطويلة الرنانة، والتي لا جدوى منها ولا طائل تحتها»؛ فصارت الجمعية عاجزة عن التفكير أو البحث في شيء منها. # وفي صباح 6 أكتوبر تجدد الصخب؛ فاقتحم جماعة من الثوار قصر الملك، وكادوا يفتكون بالملكة لولا أنها هربت من مخدعها إلى غرفة الملك، وتدخل لفاييت - وكان قد وصل إلى فرساي مع حرسه الوطني في منتصف ليل 5 أكتوبر - تدخل لإنقاذ الموقف بأن جعل الملك والملكة يخرجان إلى شرفة القصر، وقبل لفاييت يد الملكة أمام الجماهير، ووضع الملك شارة الثورة على صدره كما علقها حرسه. ولكن الجماهير أصرت في عناد على وجوب عودة «الخباز (الملك)، والخبازة (الملكة)، وصبي الخباز الصغير (ولي العهد) إلى باريس»؛ فاضطر حينئذ الملك والملكة إلى العودة في اليوم نفسه إلى باريس. وأما الجمعية الوطنية، فقد لحقت بالملك يوم 12 أكتوبر إلى باريس كذلك. وإذا قيل عن لويس السادس عشر إنه فقد تاجه يوم 14 يوليو، فهو قد فقد حريته الشخصية بانتقاله إلى باريس يوم 6 أكتوبر. # فقد كان لانتقال الملك من فرساي حتى يتخذ مقره بالعاصمة أهمية تفوق في نظر كثيرين من المؤرخين أهمية سقوط الباستيل نفسه، وذلك بأن أنصار «النظام القديم» قد صاروا من الآن فصاعدا تحت سيطرة «الثوريين» الذين فرضوا عليهم رقابة صارمة؛ الأمر الذي جعل «الملكيين» يسرعون بمغادرة البلاد، فحدث ما عرف باسم «الهجرة العظمى» # La Grande Emigration ~~، وهي الهجرة ms0178 التي اشترك فيها كذلك عدد من البورجوازي البارزين. # وأما المهاجرون # Emigrés ~~- وهم النبلاء الذين أغضبهم وأخافهم ما اعتبروه ضعفا واستسلاما من جانب لويس السادس عشر، فقد أقام نفر قليل منهم في إنجلترة، بينما ذهب أكثرهم للإقامة في الإمارات الألمانية على نهر الراين في ماينز # Mainz ~~، وكوبلنز # Coblentz ~~. وكان في المدن الألمانية هذه أن أنشأ أمراء البيت المالك «بلاطا» على غرار بلاط فرساي، وراحوا هم وأتباعهم يهددون بقرب القضاء على الثورة، كما أخذوا يجمعون الجند استعدادا لليوم المنشود، فكان لهذا أسوأ الأثر على الملكية ذاتها حيث إن الأمل الوحيد في إنقاذ فرنسا كان منعقدا في الحقيقة على إمكان التفاهم بين الملك والثورة، فجعلت «الهجرة» ذلك متعذرا إن لم يكن مستحيلا؛ مما عاد بالوبال على الملكية وساعد على تطور الثورة بالصورة الخطيرة التي سارت فيها الحوادث بعد ذلك. # وكان للانتقال إلى باريس أثر آخر، هو أن الجمعية الوطنية التي شهدت في فرساي الجماهير تقتحم جلساتها يوم 5 أكتوبر وتتدخل في مناقشاتها، لم تعد هي الأخرى متمتعة بحريتها منذ مجيئها إلى باريس، عندما صارت قاعة المجلس تزدحم بجماهير المتعطلين عن العمل والمتطرفين في عواطفهم السياسية، ويتعالى صياح هؤلاء وصخبهم إما لتأييد وإما لمعارضة خطيب من الخطباء، وإما للموافقة على ما يروقهم من الاقتراحات المعروضة، وإما لرفض تلك التي لا تروقهم منها. # وفي هذا الجو الملبد إذن وفي هذه الظروف الشاذة، كان على الجمعية الوطنية أن تعمل لإنعاش الدولة، ولبعثها ذلك البعث الجديد الذي طالبها الشعب به وهدف إليه «البرنامج» الذي انتخبت الأمة أعضاءها على أساسه. # وتضافرت صعوبات كثيرة ومتلاحقة لتعطيل نشاط أولئك الذين رغبوا حقيقة في العمل المثمر الصحيح، فتميز ما وقع وتم في الشهور التالية بطابع التفكك وعدم الارتباط المنطقي، سواء فيما كان يفسر مسلك الأفراد أو فيما صار يشكل مجرى الحوادث؛ فقد بقيت الأزمة المالية والاقتصادية على حالها، وظلت العاصمة في هياج مستمر، وزاد من حدة الأزمة التموينية أن الأقاليم احتفظت كل منها بما لديها من أغذية ومحاصيل، وأدى عدم إقبال ms0179 الشعب على المساهمة في القروض الأهلية التي أصدرها «نكر» لسد عجز الميزانية إلى شدة الضائقة المالية، حتى باتت الدولة مهددة بالإفلاس. # زد على ذلك استمرار مناوأة مجالس الطبقات الإقليمية والبرلمانات (وهي الهيئات القضائية العليا في الأقاليم) لنشاط الجمعية الوطنية، وعملت العناصر المعادية للثورة من أجل تعطيل النظام الجديد بما في ذلك من تعطيل وضع دستور للكنيسة وإدخال الإصلاحات القضائية اللازمة وإعادة تنظيم البلاد من الناحية الإدارية، وغير ذلك من الأمور التي نجمت من زوال «النظام القديم»، والتي وجب أن يشملها «الدستور» الذي انتظر الشعب الفراغ من وضعه بنافذ الصبر. # وقد تخلصت الجمعية الوطنية من هذه المناوأة التي هدفت منها «البرلمانات» على وجه الخصوص إلى توجيه الحركة الثورية في طريق معين يضعف السير فيه من قوة وقيمة المبادئ التي نادت بها الثورة، وذلك بأن أصدرت في 3 نوفمبر 1789 قرارا بتعطيل هذه البرلمانات (وكان عددها وقتئذ 13 برلمانا) إلى أجل غير مسمى. # وإلى جانب هذه المحاولات لمقاومة الثورة ظهرت في المدن حركة ترمي إلى تخليص الملك من سيطرة الثوريين والجمعية الوطنية وتهيئة الوسائل لإخراجه من العاصمة حتى يقيم بعيدا عنها في الأقاليم، سواء في «رامبويه» # Remboulliet # أو في روان أو في ليون # Lyons ~~. وكان من رأي «ميرابو» في 15 أكتوبر: أن الملكية وفرنسا جميعا سوف تصبحان أثرا بعد عين إذا لم يسرع الملك بالخروج من عاصمة صار لا يستطيع أن يكون فيها على اتصال بشعبه، حتى إذا انسحب إلى إحدى المدن في الأقاليم، ولتكن هذه «روان» مثلا، استطاع أن يعلن من هناك حل الجمعية الوطنية، تلك الجمعية التي فرقتها النزاعات شيعا وخضعت لتأثير المهيجين، وصارت تعمل لتدفع الأمة بأسرها إلى هاوية الإفلاس. ثم يعمد الملك إلى دعوة جمعية وطنية جديدة تحقق الاتحاد الكامل بين الملك وشعبه. # ولم تكن خطة «ميرابو» هذه سرا مكتوما، بل لم تلبث أن علمت الجمعية بها من ميرابو نفسه، كما صار مشتبها في مؤازرة ميرابو لقضية الملكية، وتخوفت الجمعية من علاقات ميرابو بالملكية؛ ولذلك فإنه عندما طلب ms0180 ميرابو في 6 نوفمبر 1789 أن يكون لوزراء الملك صوت استشاري في مداولات الجمعية الوطنية على غرار ما يحدث في إنجلترة؛ حتى تتمكن الجمعية بسبب حضور هؤلاء الوزراء لجلساتها من الإشراف على أعمال السلطة التنفيذية، لم تقتنع الجمعية الوطنية بوجهة النظر هذه وخشيت أن تستوزر الملكية ميرابو، وقررت في 7 نوفمبر أن يمتنع على أي نائب دخول الوزارة طول مدة انعقاد الجمعية، وكان لقرارها هذا أثره في الدستور بعد ذلك. # على أن الملك جاءته الدعوة من مدينة ليون للانسحاب إليها والإقامة بها. وكانت هذه الدعوة ذات خطورة ظاهرة؛ لأنه كان لمدينة ليون علاقات مع «المهاجرين» الذين اتخذ فريق منهم برئاسة الكونت دارتوا # D’Artois ~~- شقيق الملك الأصغر - مقرهم في «تورين» في بيدمنت «بإيطاليا»، وأنشئوا بها «بلاطا» وصار لهم فيها نشاط كبير، وتطايرت الشائعات وقتئذ بسب نشاطهم هذا عن وجود «المؤامرة الأرستقراطية» كحقيقة واقعة، وعن أنه كان هناك جيش يجهزه ملك سردينيا لمعاونة الملكية والمهاجرين على استرجاه نفوذهم وسلطانهم. # ولقد كان بسبب هذا كله: الخوف من الأخطار الخارجية (أي المتمثلة في وجود المؤامرة الأرستقراطية)، والخوف من الأخطار الداخلية، والخوف من انتشار المجاعة، وانعدام الأمن، وتهديد حقوق التملك التي حرص عليها «البورجوازي»؛ أي الطبقة المتوسطة، الغنية على وجه الخصوص، ثم ارتباك الحالة المالية بدرجة تهدد بالإفلاس؛ كان بسب هذا كله أن خطت الثورة خطوتها الأولى والمبكرة في طريق جمع كل أسباب السلطة لوضعها في أيدي أولئك الذين كانوا يرون في وضع واستصدار «الدستور» الذي يحد من سلطات الملكية - وهي التي تزعزعت ثقتهم بها - الوسيلة التي يستطيع بها الشعب وممثلو الأمة الحقيقيون - وهم البورجوازي دائما - إنقاذ الوطن. # وذلك بأن الرأي في الجمعية الوطنية قد صار متجها الآن إلى ضرورة دعم سلطانها أو بمعنى أصح إلى ضرورة تحويلها إلى «ديكتاتورية» ذات سلطات نافذة، تمكنها من وضع الأنظمة التي تريدها، على أساس أنها (أي الجمعية الوطنية) مقر السيادة العليا في الأمة. ولكن مما تجدر ملاحظته هنا أن ديكتاتورية أخرى كانت تكمن وراء ديكتاتورية الجمعية الوطنية، تلك ms0181 هي ديكتاتورية مدينة باريس (القومون)، وهذه قد كانت لا تتردد عند الحاجة - علاوة على ذلك - في مقاومة ديكتاتورية الجمعية الوطنية ذاتها. ~~(9) الدستور (3 سبتمبر 1791) # وفي هذا الجو استأنفت الجمعية الوطنية أعمالها «لتصفية» النظام القديم، وإنجاز الدستور، وبعد مناقشات عنيفة وكثيرة، أسفرت أعمالها في آخر الأمر عن تقرير مسائل الدستور الآتية: # أولا: الملك والسلطة التنفيذية # كان الملك - كما عرفنا - قد أعطي حق الاعتراض المؤقت # 10 # في 11 سبتمبر 1789، لتقييد سلطته. ولكن الدستور أبقى على الملكية الوراثية، ونص على أن شخص الملك لا يمس. ولو أن الجمعية الوطنية قررت في الوقت نفسه أن لا سلطان أعلى من سلطان القانون. # ثم تقرر للملك مرتب ثابت (25 مليون فرنك سنويا)، وصار القائد الأعلى للجيش، ولكن لم يترك له الفصل في أمر الحرب والسلم تماما، بل استلزم الدستور موافقة المجلس (أي الهيئة التشريعية) على إعلان الحرب أو إبرام السلم، ثم جعل من حق الملك تعيين الموظفين واختيار وزرائه، ولكن بشريطة أن لا يكون الموظفون والوزراء من أعضاء الجمعية أو الهيئة التشريعية؛ حرصا على تنفيذ مبدأ فصل السلطات وخوفا من أن يؤثر هؤلاء الموظفون والوزراء بالرشوة على أعضاء المجلس (الهيئة التشريعية)، ثم حرم الوزراء من حضور جلسات الهيئة التشريعية حتى ولو كان ذلك للدفاع عن سياستهم، وقرر الدستور أن ليس لعضو سابق «في الهيئات التشريعية» أن يلي وظيفة إلا بعد مضي أربعة أعوام من انتهاء عضويته. # ثانيا: السلطة التشريعية # وقد تقرر أن يكون التشريع من حق مجلس واحد هو الجمعية التشريعية، وجعل الانتخاب لهذه الجمعية التشريعية على درجتين. # ثالثا: التنظيم الإداري # تقرر في 22 و23 ديسمبر 1789 إلغاء النظام الإداري القديم في الأقاليم؛ فألغيت الامتيازات والأنظمة الموروثة في المديريات من ذلك الوضع القديم الذي كان لها عندما كانت هذه أصلا دولا مستقلة، قبل أن يبدأ توحيد فرنسا في عهد أسرة كابيه # Capet ~~. # ولقد قام النظام الإداري الجديد على أساس اللامركزية التامة، بإنشاء «القومونات» كوحدات محلية مختصة بشئون الإدارة في الأقاليم. وبناء على هذا التنظيم الجديد صارت ms0182 فرنسا تتألف من 83 مديرية # Départements ~~، روعيت الاعتبارات الجغرافية في رسم حدودها، وجعلت مساحاتها متساوية بقدر الإمكان، وقد قسمت كل مديرية إلى تسعة مراكز # Districts ~~، وقسم كل مركز إلى تسعة نواح ريفية؛ أي كانتونات # Cantons ~~(أو قومونات # Communes ~~). على أن يكون لكل مديرية مجلس مديرية # Conseil de Département # من 63 عضوا، وهيئة تنفيذية تسمى إدارة المديرية # Directoire de Dép # من خمسة أعضاء. ثم نظمت الإدارة في المراكز على هذا النمط: «مجلس المركز # Conseil de Dist ~~، إدارة المركز # Directoire de Dist ~~»، ولكن بعدد أقل من أعضاء مجالس وإدارات المديريات، وعلى أن تكون هذه الهيئات في المراكز تحت إشراف المديرية. # وأما في الكانتونات، فقد كان الغرض أصلا من إنشائها هو أن تصبح هذه وحدات انتخابية، فالمواطنون العاملون # Citoyens Actifs ~~(أي الذين لهم حق الانتخاب) ينتخبون «الناخبين» # Electeurs ~~، الذين ينتخبون بدورهم كل سنتين مرة الأعضاء الذين تتألف منهم المجالس والهيئات التنفيذية في المديريات والمراكز، وكذلك النواب الذين يجلسون في الجمعية التشريعية المنتظرة. # وكان إنشاء الكانتون (أو القومون) هو أهم ما يلاحظ في هذا التنظيم الإداري الجديد، وتتألف إدارته من مجلس البلدية، ومن هيئة أو إدارة تنفيذية (الإدارة البلدية) يختلف عدد أعضائهما باختلاف عدد سكان كل «كانتون» أو «قومون»، وينتخبهم الشعب (المواطنون العاملون) انتخابا مباشرا. # ويلاحظ أن الغرض من هذا التنظيم الإداري الجديد كان تأسيس الوحدة القومية، وإزالة الفروق الإقليمية المحلية التي فصلت فيما مضى بين أهل إقليم وآخر، فأصبح الجميع الآن «فرنسيين» فحسب، ولم يعد هناك غاسكونيون أو نورمانديون ... إلخ. كما أن هذه القومونات التي بلغ عددها 44 ألفا كانت تتمتع بسلطات أقوى مما كانت تتمتع به الحكومة المركزية وبدرجة جعلت من المنتظر أن تتطور هذه القومونات (أو الكانتونات) حتى تهدد بأن تصبح شبه جمهوريات مستقلة. # على أن الذي يجب ذكره من ناحية أخرى، أنه بدلا من أن يحكم فرنسا - كما كان الحال في النظام القديم - عدد محدود من حكام الأقاليم أو أن يحكمها اثنان فقط من المفتشين # Intendants # تحت إشراف وزير المالية، ms0183 صار يحكمها بفضل هذا التنظيم الجديد موظف منتخب عن كل 34 ناخبا من أهلها. # ولما كان الغرض من هذا التشريع في نظر الجمعية الوطنية توحيد الأمة الفرنسية وإزالة الفوارق التي ذكرنا أنها كانت تفصل بين أقاليم فرنسا من قديم، فقد أرادت الجمعية الوطنية تمكين الشعور بالوحدة وبالقومية، وذلك بإقامة احتفال وطني عام يحيي فيه الأفراد من جميع الأقاليم الوحدة القومية القائمة على الإصلاح والحرية والإخاء والمساواة، وعلى أن يحدث هذا الحفل يوم ذكرى سقوط الباستيل. # وعلى ذلك فقد جاءت للاشتراك في هذا الاحتفال يوم 14 يوليو 1790 الوفود إلى باريس من مختلف الأقاليم تمثل فرق الحرس الأهلي، وفرق الجيش، وقوات البحرية (الأسطول )، وكانت الجمعية الوطنية قد أحالت الجيش إلى جيش وطني ووعدت رجاله بفتح باب الترقي أمامهم إلى أعلى الرتب، وأخذت عليهم عهدا بالإخلاص للدستور وبالطاعة للقانون، فجاءت كل هذه الوفود، ومشتركة مع حرس باريس الأهلي، لتحلف يمين الولاء للأمة والقانون وللملك. وحصل الاحتفال في ساحة «شان دي مارس» # Champs de Mars ~~، فقام «تاليران» بتلاوة صلاة دينية، وتبعه لفاييت فأقسم باسم الوفود يمين الولاء للدستور، وتلاه رئيس الجمعية الوطنية، ثم أقسم الملك، وأقسمت الوفود. # وقد حضر هذا الاحتفال من أعضاء الوفود والجماهير حوالي 300000 نسمة. ومع أن المطر كان ينزل مدرارا في أثناء الاحتفال، فقد ظل الحماس عظيما. ~~ واعتقد كثيرون وقتئذ أن الثورة قد تدعمت أركانها، وأن مبادئها قد استقرت تماما، وأن عهد الظلم والاستبداد قد انتهى إلى غير رجعة، وأن ذلك كله قد حدث دون أن تدفع فيه الأمة ثمنا غاليا. # ولكن مما يسترعي النظر في التنظيم الإداري الذي حصل أنه إنما استبدل نظام طبقات جديد بنظام الطبقات القديم؛ ذلك بأنه قد أوجد ثلاث طبقات في الأمة هي؛ أولا: طبقة المواطنين غير العاملين # Citoyens Passifs # وهم المحرومون من حق الانتخاب إطلاقا. ثانيا: طبقة المواطنين العاملين # Citoyens Actifs # وهم المتمتعون بحق الانتخاب، ويشترط في هؤلاء أن يكونوا قد بلغوا سن الخامسة والعشرين، ولهم إقامة ثابتة، وليسوا من عداد الخدم، ويدفعون ms0184 ضرائب مباشرة تعادل أجر ثلاثة أيام من العمل، ومن هؤلاء «المواطنين العاملين» تتألف المجالس الأولية أو الابتدائية # Assemblées Primaires # التي تسمي أو تنتخب «الناخبين» # Electeurs # بنسبة 1٪. ثالثا: طبقة الناخبين # Electeurs # وهم الذين يدفعون ضرائب مباشرة تساوي أجر عشرة أيام من العمل، وهؤلاء هم الذين ينتخبون أعضاء المجالس الإدارية، ولهم كذلك حق العضوية في هذه المجالس ذاتها في المديريات والمراكز. رابعا: طبقة الصالحين للنيابة في الجمعية التشريعية المنتظرة # Les Éligibles # وهم الناخبون # Électeurs # الذين يدفعون ضرائب مباشرة قيمتها 54 فرنكا ويملكون عقارا. # وهكذا صار من بين عدد سكان فرنسا الذين بلغوا (24 مليونا)، أولا: مواطنون عاملون # Citoyens Actifs # وعددهم (4298360)، ثانيا: ناخبون # Électeurs # مقدارهم (50000)، ويدخل في عدادهم الصالحون للنيابة # Éligibles ~~، بينما حرم من هذه الحقوق المدنية سائر المواطنين. فكان نظاما كما قال «كاميل ديمولان» يدل على خرق الرأي والحمق ومن شأنه أن يحرم من تمثيل الأمة أناسا من طراز «روسو» و«مابلي» و«كورنيل» # Corneille ~~. كما وصف هذا النظام آخرون بأنه متعارض كل التعارض مع المبادئ الديمقراطية. # والحقيقة أن هذا النظام إنما يكشف عن وجود تلك السيطرة البورجوازية الغنية التي أرادت الاستئثار بكل أسباب السلطة في فرنسا على أنقاض النظام القديم، والتي لم تكن بعيدة كل البعد عن حب الذات. ولقد كانت هذه الأثرة والأنانية مصدر كل المتاعب التي حدثت، والاصطدامات التي وقعت بعد ذلك. # رابعا: الإصلاح القضائي # وعالج المجلس الإصلاح القضائي بحكمة تفوق ما ظهر في إصلاحاته الأخرى. ~~ ولعل مرد ذلك إلى وجود عدد كبير من المحامين ذوي الخبرة في الجمعية الوطنية. فقد ألغيت «البرلمانات»، وأدخل نظام المحلفين في نظر القضايا الجنائية، ومنع التعذيب والعقوبات الوحشية، وألغيت أوامر القبض على الأفراد وحبسهم بدون محاكمة # Lettres de Cachet ~~، ولم تعد تعتبر الهرطقة وكذلك السحر من الجرائم، وجعلت عقوبة الإعدام مقصورة على حالات قليلة. وأما فيما يتعلق بالتنظيم القضائي، فقد صار ترتيبه على نمط التقسيم الإداري، بمعنى أنه أنشئت لكل مديرية محكمة جنائية ولكل مركز محكمة مدنية، بينما أنشئت في كل «كانتون أو قومون» وحدة ms0185 قضائية بإشراف «قضاة الصلح» # Juges De Paix ~~. # ولقد حاول الملكيون أن يكون للملك حق تعيين القضاة، ولكن الخوف من تدخل الملك في شئون القضاء كان كبيرا لدرجة أن تقرر اختيار القضاة من بين طبقة المحامين، وأن ينتخبهم الناخبون # Électeurs # في المراكز والمديريات، ولو أن مبدأ «الانتخاب» هذا كان من أكبر ما يؤخذ على التنظيم القضائي الجديد؛ لأن المحاكم القديمة، بالرغم من فسادها، كانت مستقلة على الأقل. أما الآن فقد تدخل نفوذ الجماهير في أعمال القضاء، وهو لا يقل في خطورة أثره عن نفوذ الملكية الاستبدادية. # وثمة إصلاح قضائي آخر، هو أن الجمعية الوطنية لخوفها من إحياء «البرلمانات» القديمة، منعت وجود محاكم استئنافية بمعناها المعروف، فكان الحكم يستأنف من محكمة إلى أخرى من نفس مرتبتها، ثم أوجدت نوعا جديدا من المحاكم هو محكمة النقض والإبرام # Cour de Cassasion ~~، ومهمتها النظر فيما إذا كانت الأحكام المطعون فيها تخالف أو لا تخالف القانون. # خامسا: الإصلاح المالي # كانت الأزمة المالية أعظم المشاكل التي واجهتها فرنسا في هذا الحين بسبب ما أحدثته اضطرابات الثورة من تعطيل كثير من موارد إيرادات الدولة، ثم بسبب زيادة النفقات زيادة عظيمة، وهي النفقات التي اقتضاها تموين باريس بالغلال، وتنظيم الحرس الأهلي، وتعويض أعضاء البرلمانات الملغاة، حتى إن «نكر» لم يلبث أن أصدر قرضين أهليين؛ أحدهما من 30 مليونا من الفرنكات والآخر من 80 مليونا لسد العجز الظاهر في الميزانية. # ولما لم يقبل الأهلون على الاكتتاب في هذين القرضين، طلب «نكر» أن يتبرع كل فرد بما أسماه «هبة وطنية» بنسبة # من دخله، وأيده في ذلك «ميرابو». ولكن هذه الإجراءات لم تفلح في سد عجز الميزانية وتوفير المال لنفقات الحكومة، وعندئذ أشار «تاليران» كوسيلة لعلاج الأزمة المالية، بضرورة الاستيلاء على أملاك الكنيسة، وكانت تقدر قيمتها بأربعمائة مليون فرنك، بدعوى أن رجال الدين لا يملكون أموال الكنيسة، وإنما هم يشرفون على إدارتها فحسب، فهي بمثابة وديعة في أيديهم؛ وعلى ذلك فقد اقترح «تاليران» أن تستولي الأمة على هذه الأملاك حتى تصبح أموالا ms0186 أهلية، على أن تتعهد الأمة بأن تدفع مرتبات لرجال الدين وبأن تقوم بالنفقات اللازمة لخدمة العبادة. وقد عارض في ذلك رجال الدين معارضة شديدة ولكن دون جدوى؛ فصدر في 19 ديسمبر 1789 قرار بيع أملاك الكنيسة. وكان مقدرا لقيمة هذه الأملاك ثلاثة بلايين فرنك. # وعلى خلاف ما كان منتظرا، لم يقبل أحد على شراء هذه الأملاك؛ لأن الثقة في استقرار الأوضاع كانت معدومة، فلم يثمر هذا القرار الثمرة المرجوة منه، فبقيت الأزمة المالية دون حل، واستمر الحال على ذلك مدة ثلاثة شهور حتى وجدت «البلديات» المختلفة وفي مقدمتها بلدية باريس أن تشتري أملاك الكنيسة على أن تبيعها بعد ذلك تدريجيا للأفراد وتحصل لنفسها على ربح من هذه العملية. ولما كانت هذه البلديات يعوزها المال لتدفع ثمن ما تبتاعه نقدا وفورا، فقد سمح لها بأن تدفع الثمن سندات بلدية # Municipality Bills # بضمانة هذه الأملاك وبفائدة 5٪. # ولما كانت الحكومة (أو الدولة) ترغم دائنيها على قبول سندات البلدية هذه في نظير (مقابل) ما هي مدينة لهم به، فقد رئي من المستحسن استصدار ورق نقد بضمانة قيمة أملاك الكنيسة - أي ثلاثة بلايين فرنك - يصير التعامل به رسميا. وورق النقد هذا هو المعروف باسم # Assignats ~~(من # Assigner ~~= إعطاء حق على شيء). # وكل ورقة نقد تمثل ما يساوي قيمتها من أملاك الكنيسة، ولكل فرد يتعامل بهذا الورق الحق في أن يستبدل به ما يساوي قيمته عينا من أملاك الكنيسة، ثم لم تلبث الحكومة ذاتها أن صارت تصدر «أوراق النقد» هذه بكميات عظيمة. ~~ وبهذه الطريقة أمكن اجتياز الأزمة المالية، ولو أن هذا النجاح كان «وقتيا»، كما ترتب على إصدار هذه السندات آثار سيئة فيما بعد (في صورة تضخم مالي خصوصا)، وقد ألغيت هذه الأوراق النقدية سنة 1797. # سادسا: قانون الكنيسة المدني # 11 # على أن رجال الدين الذين كانوا أكثر ميلا «للثورة» وأكثر عطفا عليها من النبلاء انقلبوا الآن مناوأتها، وشرعوا يبذلون قصارى جهدهم لتعطيل أعمال الجمعية الوطنية. والسبب في ذلك أن أنصار الإصلاح من طبقة الإكليروس؛ أي أولئك ms0187 الذين أيدوا «الثورة»، كان من رأيهم أن الكنيسة دعامة قوية من الدعائم التي يستند عليها «النظام القديم»، وأن وجودها كمؤسسة لها امتيازات وذات وضع خاص بها لا يتفق - بل ويتعارض - مع التنظيم الثوري الجديد. # وعلى ذلك فقد بدأ أنصار الإصلاح يهاجمون الآن «الكنيسة» ذاتها، بدلا من أن يجعلوا هجومهم مقصورا على أملاكها، والأخير وهو الهجوم الذي نشأ من اشتداد الأزمة المالية كما رأينا. وكان مبعث الهجوم الجديد على «الكنيسة» ذاتها أن كان من بين أعضاء الجمعية الوطنية عدد من أتباع «جانسن» # Jansen(ius) # أسقف إيبر # Ypres # الهولندي (1585-1638) الذي قال بالقدرية «والغفران من الأزل»؛ فقد أراد هؤلاء الانتقام من الكنيسة بسبب الاضطهادات الكبيرة التي أنزلتها هذه بهم من أيام لويس الرابع عشر. # ثم إنه وجد إلى جانب هؤلاء عدد كبير من أعضاء الجمعية من الذين اعتنقوا المبادئ التي نادى بها فولتير والإنسيكلوبيديون أصحاب الموسوعة. # وأسفر الهجوم على «الكنيسة» عن إلغاء الأديرة وطوائف الرهبان ما عدا الطوائف التي تقوم بأعمال البر والإحسان، كما صودرت أموال الأديرة والطوائف في نظير إعطاء «معاشات» لأعضائها من قبل الدولة. وفي 12 يوليو 1790 أصدرت الجمعية الوطنية قانون الكنيسة المدني، وبمقتضاه صار كل الأساقفة وغيرهم من القساوسة ينتخبون بواسطة الأمة، على نمط ما يحدث في انتخاب القضاة والموظفين في المديريات والمراكز، وجرى تعديل في توزيع الأسقفيات وغيرها من الوحدات الدينية بحيث صار توزيعها متفقا مع الوحدات الإدارية، وذلك كله دون أن يكون للبابا دخل ما، لا في الانتخاب ولا في رسم القساوسة. ثم أنقصت مرتبات الأساقفة بينما زيدت مرتبات صغار القساوسة. # وقانون الكنيسة المدني هذا هو الذي أثار غضب رجال الدين على «الثورة» وسبب عداءهم لها. وظهر هذا العداء جليا عندما طلب منهم حلف اليمين على ملاحظة واتباع هذا القانون؛ فانقسموا إلى فريقين، وكان عظيما عدد الذين رفضوا القسم، وكان هؤلاء المخالفون (أو الرافضون) في أكثر الحالات من المعروفين بالتقوى والصلاح ويتمتعون بنفوذ كبير على الفلاحين خصوصا. وقد عرفوا باسم المخالفين «أو المستنكرين # Refractaires ~~»، بينما عرف الذين ms0188 قبلوا حلف اليمين باسم الدستوريين # Constitutionnels ~~؛ أي الموافقين على التعديل الذي حدث. # وكان لهذا التشريع الكنسي نتائج سيئة أهمها: # أولا: # أنه أدخل التفرقة بين شعب فرنسا من حيث شعوره تجاه الثورة وموقفه منها بصورة لم تحدث من قبل؛ حقيقة أعلن «المهاجرون» النبلاء حربا شعواء على الثورة، ولكن مناوأتهم للثورة زادت صفوف الشعب تماسكا وتكتلا. وأما الآن فقد حدث الانقسام في صفوف هذا الشعب بدرجة أشعلت الحرب الأهلية في البلاد قبل مضي وقت طويل. # وثانيا: # أن الملك الذي كان قد قبل «الثورة» وسلم بها، لم يلبث أن وجد نفسه الآن وقد صار يقف منها موقف المعارضة الشديدة؛ وذلك لأن الملك اعتقد من أول الأمر أن في هذا القانون مساسا بعقيدته ودينه، وكان لويس رجلا متمسكا بالدين والعقيدة؛ فكتب للبابا يطلب النصح والإرشاد، ولكن البابا أرجأ الإفصاح عن رأيه فاضطر الملك إلى الموافقة على القانون المدني للكنيسة منعا للهياج ولعدم إثارة عاصفة من الاحتجاج على «حق الاعتراض المؤقت» الذي أعطي له إذا استخدمه في هذه المسألة، فوافق على القانون في 24 أغسطس 1790. # وثالثا: # أن البابا لم يلبث بعد ذلك أن أعلن استنكاره لقانون الكنيسة المدني في 10 مارس 1791، فكان هذا التحدي من جانبه لقرار الجمعية الوطنية سببا جعل الجمعية الوطنية في 13 أبريل 1791 ترغم على رجال الدين «المخالفين أو المستنكرين» على حلف يمين الطاعة للدستور، كضمان لولاء هؤلاء المستنكرين للثورة؛ فأدى هذا الإجراء بدوره إلى اشتداد حركة المقاومة ضد الثورة من جانبهم. # ولقد لقي القساوسة المخالفون تأييد معظم الفلاحين لهم؛ لأن هؤلاء الذين كانوا قد رحبوا في الماضي بإلغاء الحقوق الإقطاعية وانتزاع أملاك الكنيسة، قد ساءهم الآن أن تتدخل الجمعية الوطنية في شئون الدين والعبادة. # وعلى ذلك، فقد وجد أعداء الثورة والمناوئون لها في هذا كله مجالا فسيحا للدس ضد المبادئ الجديدة. ثم كان لا يقل عن هذا أهمية أن الملك قد صار ينفر نهائيا من الثورة، ومبادئها، ولم يلبث أن صح عزمه على قتل الثورة بالقوة العسكرية. # ولكن حتى يتمكن ms0189 الملك من القضاء على الثورة بالقوة العسكرية، كان واجبا عليه أن يغادر باريس، وأن يتصل بجيشه الرابض في متز # Metz # على الحدود الشرقية. ~~(10) فرار الملك إلى فارن # Varennes # أوضحنا فيما سبق كيف أن «ميرابو» كان قد نصح الملك في إلحاح أن يغادر العاصمة إلى إحدى المدن بالأقاليم (1789). ولكن أحدا لم يعمل بنصيحته؛ ثم حدث في شهر مايو 1790 أن وافق الملك على استخدام «ميرابو» للدفاع عن حقوق الملكية في داخل الجمعية الوطنية وخارجها، ولإطلاع الملك على مجرى الحوادث، وكي يشير عليه بالسياسة التي يجب اتباعها. ومن ذلك الحين استمر «ميرابو» يلح على الملك في ضرورة أن يغادر باريس حتى ولو أدى ذلك إلى إثارة الحرب الأهلية. ولكن مما تجدر ملاحظته أن «ميرابو» في الوقت نفسه حذر الملك من التفكير في الاستنجاد بالملوك والأمراء الأجانب ضد «الثورة» وتشجيع أي غزو أجنبي على البلاد كوسيلة تستعيد بها الملكية سلطانها المفقود، وتقضي بها على «الثورة»؛ لأن هذا العمل من شأنه إذا حدث أن يستثير الأمة بأسرها على الملك ، ويؤدي إلى وقوفها متكتلة ومتحدة ضده. # وعلى ذلك فإنه لما قرر الملك ومستشاروه قتل الثورة بالقوة العسكرية، بدأ «البلاط» يجس نبض حاكم متز، وهو القائد بويليه # Bouillé # لمعرفة مدى ولائه، ولكن «ميرابو» توفي فجأة في 2 أبريل 1791 قبل تنفيذ المشروع، وبموت «ميرابو» فقدت الملكية أكبر نصير لها، وانتهى بموته كل رجاء في إمكان إنقاذها. # وفي مساء 20 يونيو سنة 1791 بدأ تنفيذ خطة الهرب من باريس إلى الحدود الشرقية والاحتماء بجيش «بويليه» والاستنجاد به ضد «الثورة» بأن تمكن الملك والملكة وأولادهما الثلاثة وأخت الملك من مغادرة قصر التوليري في باريس قاصدين إلى مونتميدي # Montmédy # حيث كان الجنود على استعداد لاستقبالهم. وهذا بينما كان أخوه الأكبر الكونت دي بروفنس Provence # يغادر البلاد هو الآخر. وقد تمكن الكونت دي بروفنس من الوصول بسلام إلى بروكسل. وأما الملك فكان سيئ الحظ حيث انكشف أمره عند «سانت منيهولد» # St. Ménéhould # ثم أوقف عند «فارن». وعندما وصل «بويليه» وفرسانه ms0190 متأخرين كان الملك وأسرته قد أعيدوا في مركبتهم تاركين «فارن» إلى باريس تحت الحراسة. # ووصل الملك وأسرته إلى باريس في 25 يونيو، وقد قابلته الجماهير وهي صامتة ولم ترفع القبعات لتحيته. # فقد ذاع خبر فرار الملك في باريس صبيحة يوم 21 يونيو، فكان لهذا النبأ وقع سيئ. ثم إن أعداء الثورة اعتقدوا أن الفوضى سوف تنتشر في باريس نتيجة لهذا الهرب، وأنهم سوف يجدون في حدوث هذه الفوضى المبرر الذي يمكنهم من اتخاذ إجراءات رجعية ضد الجمعية الوطنية. ولكن الجمعية الوطنية سرعان ما سيطرت على الموقف، واتخذت عدة قرارات هامة لتأمين سلامة الثورة. # وأما هذه القرارات فكانت: أن يطيع الوزراء وسائر الموظفين أوامر الجمعية وقراراتها، وأن يحلف هؤلاء وضباط الجيش كذلك يمين الطاعة، وأن يكون لقرارات الجمعية قوة القانون دون حاجة إلى تصديق الملك، وذلك مدة غيابه، وأن تؤكد فرنسا نواياها السلمية، وأن يبلغ هذا التوكيد إلى حكومات الدول، وأن يعين مندوبون أو قوميسيريون للنظر في الوسائل اللازمة للدفاع عن المملكة، وهكذا كما قال الماركيز دي فيريير # Ferrières # أحد نواب طبقة النبلاء: «خولت الجمعية الوطنية في أقل من أربع ساعات كل السلطات.» فاستمرت الحكومة في أعمالها ولم يحدث ما يعكر الهدوء العام، ثم عرفت فرنسا وباريس بفضل هذه التجربة أن الملك غريب دائما عن الحكومة التي تقوم باسمه. وقد عاد هذا على الملكية ذاتها بكوارث جسيمة. # وعند عودة الملك قررت الجمعية أن «يوقف» وأن يستمر وقفه حتى يفرغوا من الدستور، وأن يوضع الملك تحت الحراسة في التوليري، وقد عهد بحراسته إلى لفاييت. ~~ وفي الشهور الثلاثة التالية شهدت فرنسا «فترة خلو» فعلية، وتجددت الخلافات واشتد الهياج بدرجة هددت بعودة اضطرابات عام 1789، واحتج أكثر من مائتين من الملكيين المتطرفين بالجمعية على وقف الملك، وانسحبوا من الجمعية الوطنية. ولكن من ناحية أخرى كان من رأي اليعاقبة وأنصار الدوق دورليان (الطامع في العرش) أن الملك بهربه من باريس - وقد أخفق الملك في محاولته لأسباب خارجة عن إرادته - قد خسر تاجه؛ وطالبوا إما بأن ينصب ms0191 حاكم جديد وإما بأن تنشأ الجمهورية. وكان معنى القضاء على الملكية القضاء على ذلك «الدستور» الذي شغلت الجمعية وقتا طويلا وبذلت جهودا كبيرة في وضعه؛ فلم ترض الأكثرية في المجلس بأن تذهب جهود المجلس سدى ويضيع «الدستور» من أجل إرضاء حفنة من المتطرفين من أمثال روبسبيير وبيتون Pétion # ودانتون # Danton # وبريسو # Brissot # ومارا # Marat ~~. # ولكن روبسبيير الذي استطاع التأثير على نادي اليعاقبة، وكان له في هذا النادي نفوذ عظيم سرعان ما أصبح خلال هذه الأزمة وللمرة الأولى، أقوى رجل في فرنسا؛ الأمر الذي ترتب عليه أن انسحب أعداؤه من نادي اليعاقبة وأنشئوا لأنفسهم ناديا عرف باسم «الفويان» # Feuillants # نسبة إلى المكان الذي صاروا يجتمعون به وهو دير الفويان، ومعنى «الفويان» الوراقون، وهم طائفة القديس سان برنار. أما هؤلاء المنسحبون الذين أنشئوا هذا النادي فكانوا من «الدستوريين». # وبسبب هذا الانقسام الذي حدث في صفوف اليعاقبة، وجد الملكيون - مثل لفاييت وبايلي # Bailly # والأخوين إسكندر # Alexandre # وتيودور دي لاميث # Lameth # وديبور # Duport # وغيرهم - أنصارا لهم، وكادوا يسيطرون على الجمعية. ~~ ولكن اليعاقبة استطاعوا الصمود في موقفهم؛ وذلك لأنه كان لناديهم فروع كثيرة في الأقاليم صار لهم بفضلها أكثرية وغلبة ظاهرة ، وصار رسلهم ودعاتهم يحركون الشعب في الأقاليم وفي باريس ويحرضونهم على إثارة اضطرابات جديدة، وذلك لتخويف الجمعية الوطنية. # وكان من هذه الاضطرابات ما حدث من قيام أول مظاهرة «جمهورية» في ميدان شان دي مارس أيام 15، 16، 17 يوليو 1791؛ فأمر لفاييت يوم 17 يوليو بإطلاق النار على المتظاهرين لتشتيتهم، فقتل وجرح حوالي مائتين، وانفض المتظاهرون ولكن بعد أن خسر «لفاييت» منذ هذا الحين شعبيته؛ أي محبة الجماهير له وتعلقهم به. ~~(11) نهاية الجمعية الوطنية التأسيسية # وأما الدستور فكان قد تم الفراغ منه قبل هذه الحوادث الأخيرة. ومما تجدر ملاحظته أن «روبسبيير» استطاع في مايو 1791 أن يستصدر قرارا أدى إلى هدم كل ما تعبت الجمعية الوطنية في بنائه منذ تأسيسها، وذلك بأن تقرر بمقتضى هذا القرار منع أعضاء الجمعية الوطنية من أن يكونوا «ناخبين» # Électeurs # أو نوابا ms0192 في المجلس التالي (أي الجمعية التشريعية)، فقد كان معنى ذلك أن يوضع الحكم في هذه الظروف الدقيقة في أيدي طائفة من الناس لا خبرة ولا دراية لهم. من المتوقع أنهم لن يطمئنوا إلى الحكمة التي اتسمت بها أعمال وجهود الأعضاء السابقين. أضف إلى هذا أن انتخاب الأعضاء الجدد سوف يحدث في وقت كان اشتداد هياج الخواطر فيه عظيما. # وكان السبب في إصدار هذا القرار - أو بالأحرى في نجاح روبسبيير في استصداره من الجمعية - أن الحزب الرجعي في الجمعية الوطنية - وهم الذين لا يعبئون بما قد يؤدي إليه اتخاذ هذا القرار من فوضى ما داموا يستطيعون كما اعتقدوا القضاء على الدستور نتيجة لهذه الفوضى - قد انضم إلى حزب اليسار المتطرف (من اليعاقبة) الذين هم أصحاب هذا القرار. # وفيما عدا ذلك، منع وجود أكثرية معتدلة بالجمعية من إدخال تغييرات جوهرية على الدستور عند مراجعته. وأخيرا قررت الجمعية حتى تضمن بقاء الدستور «أن للأمة الحق في مراجعته متى شاءت، ولكن المجلس (أي الجمعية الوطنية) يعلن أن صالح الأمة ذاتها يدعوها إلى وقف هذا الحق لمدة ثلاثين عاما.» # وفي 3 سبتمبر 1791 عرض الدستور على الملك ليصدق عليه، فطلب مهلة لدراسته. ~~ وفي مساء 14 سبتمبر صدق الملك على الدستور، وأعيد الملك إلى وظائفه. وكان آخر ما قامت به الجمعية الوطنية أنها حاولت دون طائل مهاجمة نادي اليعاقبة، ثم أنها استصدرت قرارا بالعفو الشامل عن المشتركين أو المتعاونين في مسألة هرب الملك. ~~ وفي 30 سبتمبر 1791 أصدرت الجمعية قرارا بانفضاضها، وبذلك انتهى عهد الجمعية الوطنية التأسيسية. # الباب الثالث # | الديكتاتورية البورجوازية # الفصل الأول # | الجمعية التشريعية1 # أول أكتوبر 1791-19 سبتمبر 1792 ~~(1) تأليفها # بدأت الجمعية التشريعية جلساتها يوم أول أكتوبر 1791، وكان عدد أعضائها 745، انتخب معظمهم من بين الطبقة المتوسطة، وأكثرهم من المحامين (حوالي ثلاثمائة) الذين لا خبرة لهم في شئون السياسة، كما كان من بين الأعضاء «سبعون» صحفيا. ~~ وقد توزع الأعضاء في الأحزاب الآتية: # أولا: حزب اليمين # وهم «الفويان» أو الملكيون الدستوريون، وقد استمرت لهم الغلبة الظاهرة إلى ms0193 أن فقدوا السيطرة على بلدية باريس، فانتقلت إلى أيدي خصومهم (حزب اليسار) عندما فاز هؤلاء في انتخابات البلدية في أواخر 1791 وسيطروا على قومون باريس. وأما مبادئ «الفويان» فكانت الرضا بالتغييرات التي حدثت، ومناصرة النظام القائم بدعوى أنه يكفل الحريات العامة، ثم التمسك في الوقت نفسه بما كان للملكية من سلطات وحقوق نص عليها الدستور. وكان زعماؤهم: ماثيو دوماس # Mathieu Dumas ~~، وفوبلان # Vaublane ~~، وجيراردان # Girardin # وغيرهم. كما انضم إلى هذا الحزب: بارناف # Barnave # وديبور ولاميث، وعن طريق هؤلاء الأخيرين أمكن الاتصال بالملك والبلاط. وأما خارج الجمعية فكان لفاييت أقوى أنصارهم. # ثانيا: حزب اليسار # وهو الحزب المعارض «للفويان». ويتألف من «الثوريين» والمتطرفين في آرائهم وميولهم. وكان من أنصار هذا الحزب أقدر رجال الجمعية التشريعية، وفي مقدمة هؤلاء: فرنيو # Vergniaud # وجوديه # Guadet ~~، جينسونيه # Gensonné ~~، وهم يمثلون مقاطعة الجيروند في الجمعية، وقد صار الجزب يسمى باسم هذه المقاطعة «الجيرونديين» # Les Girondins ~~، وكان كذلك من أعضاء هذا الحزب: بريسو وكان مقتدرا بليغا، وله إلمام ودراية بشئون السياسة الخارجية، ثم كوندرسيه # Condercet # وكان كاتبا له مكانة عالية. # ثالثا: حزب الجبل # La Montagne # وهؤلاء كانوا على ارتباط وثيق بالجيروند، ولكنهم مع قلة عددهم كانوا من السياسيين المتطرفين، غرضهم القضاء على الملكية وإزالتها وإنشاء الجمهورية. ~~ احتلوا مقاعد الجمعية العليا في نهاية طرف القاعدة اليساري، ومن هنا جاءت تسميتهم «بالجبليين » # Montagniards ~~. وهم يحرضون الجماهير في باريس، ويعتمدون على هياجهم وصخبهم ومظاهراتهم في تنفيذ خططهم وبلوغ مآربهم. كانوا يستمدون سلطانهم من تأييد نادي اليعاقبة لهم بزعامة مكمسليان روبسبيير، ونادي الكورديليه بزعامة دانتون ومارا وكاميل ديمولان، وفابر دانجلانتين # Fabre D’Anglantine ~~. # رابعا: حزب الوسط # Centre # ويتألف من المعتدلين وأصحاب الآراء أو المبادئ المستقلة. وقد اتسم نشاط هؤلاء بطابع التردد والخوف، ولم يلبثوا أن فقدوا كل نفوذ بعد قليل، كما صاروا يصوتون في أكثر الأحايين إلى جانب الجيروند. ~~(2) نشاط الجمعية التشريعية # وكان أول ما شغلت به الجمعية التشريعية هو مسألة المهاجرين. فقد أنشأ هؤلاء جيشا منظما على شواطئ الراين في «كوبلنز» تحت ms0194 إشراف الكونت دارتوا (أخي الملك، وشارل العاشر فيما بعد 1824-1830)، وفي «ورمز» # Worms # تحت إشراف البرنس دي كونديه # Condé ~~، وصاروا يتآمرون من أجل إشعال «الثورة المضادة»، # 2 # فاستصدرت الجمعية التشريعية بعد نقاش عنيف وطويل قرارين: القرار الأول في 30 أكتوبر 1791 بأن يطلب من شقيق الملك الكونت دي بروفنس والذي صار «لويس الثامن عشر فيما بعد 1814-1824» العودة إلى فرنسا في خلال شهرين، وإلا فقد حقوقه في الوصاية على المملكة. والقرار الثاني في 9 نوفمبر 1791 بإعلان المهاجرين عموما بأنهم موضع اشتباه بتهمة التآمر ضد فرنسا، وأنهم إذا استمروا حتى يوم أول يناير 1792 محتشدين ومسلحين، عوقبوا بمصادرة أموالهم، وتوقيع عقوبة الإعدام عليهم. # وقد وافق الملك على القرار الأول، ولكنه استخدم «حق الاعتراض» لتعطيل القرار الثاني مما أغضب المجلس. ومع أن الملك بادر فورا عقب ذلك بتوجيه منشور أو نداء إلى المهاجرين، يدعوهم فيه إلى العودة إلى البلاد، ويهددهم بأقسى العقوبة إذا امتنعوا، فقد تشكك المجلس في صدق نوايا الملك، وأعلن استنكاره لمسلكه - أي عدم التصديق على القرار الثاني - واعتبره شريكا للمهاجرين في مؤامراتهم وخططهم العدوانية ضد فرنسا. # ولقد تناول المجلس كذلك مسألة رجال الدين المستنكرين أو المخالفين الذين رفضوا حلف يمين الولاء للدستور، وللمرة الثانية وقع الصدام بين الملك والجمعية التشريعية بسبب هذه المسألة. فقد قررت هذه في 29 نوفمبر 1791 حرمان رجال الدين المستنكرين من المعاشات أو المرتبات التي كانت تدفع لهم (أي للقساوسة) في مقابل الاستيلاء على ربع أملاك الكنيسة التي صادرتها الأمة، كما تقرر وضع هؤلاء تحت المراقبة. ولكن الملك رفض التصديق على قرارات اعتبر أنها تضطهد هؤلاء المستنكرين اضطهادا كبيرا، واستخدم في هذه المرة أيضا «حق الاعتراض» لتعطيلها. # وكان في هذه الظروف أن جرى تعديل في وزارة الملك، وهي التي تألفت أصلا من «الفويان»؛ أي من الملكيين الدستوريين. ولما كان للملك أن يختار وزراءه كما يشاء، ولما كان لويس السادس عشر يريد وزارة تساعده على التخلص من القيود التي فرضها الدستور على سلطته، فقد نجم ms0195 من هذا التعديل أن صارت الوزارة الجديدة تتألف من الفويان الأكثر تأييدا للملكية مثل «ناربون» # Narbonne ~~، ودي ليسار # de Lessart ~~، وبرتران دي مولفيل # Bertrand de Moleville ~~، وكان أبرزهم «ناربون» وهو ملكي ديمقراطي ينظر إلى قيام حرب بين فرنسا والنمسا كخير فرصة يمكن أن تسنح لإنقاذ الملكية (نوفمبر-ديسمبر 1791). # وقد حدث في انتخابات البلدية التي جرت وقتئذ كذلك أن أيد البلاط انتخاب «بتيون» ليكون عمدة باريس، وكان هذا جيرونديا متحمسا، وذلك ضد لفاييت الذي لم يكن موضع ثقة الأسرة المالكة وتنفر منه الملكة ماري أنطوانيت على وجه الخصوص. وتوكد أنه «ما كان يريد أن يكون عمدة لبلدية باريس إلا ليكون عمدة للقصر في الوقت نفسه.» وبفضل المؤامرات التي دبرها القصر لفاييت، فاز بتيون بمنصب العمدية، وبذلك صار للعرش ولأعداء الدستور القدرة على توجيه بلدية باريس أو حكومة العاصمة الوجهة التي يريدونها. ولكن «الثوريين» لم يلبثوا أن تداركوا الموقف عندما تألف مجلس البلدية الآن من أنصار الثورة المعروفين، مثل دانتوم، وروبسبيير، وتاليان # Tallien ~~، وبللوفارن # Billaud-Varennes ~~. ~~(3) الحرب # وواجهت الجمعية التشريعية مسألة على جانب عظيم من الخطورة، هي مسألة العلاقات بين فرنسا والدول الأجنبية، خصوصا الإمارات الألمانية. ولقد ترتب على الفصل في هذه المسألة انتصار الثورة في النهاية وتقرير مصير الملك لويس السادس عشر نفسه. # وتفصيل ذلك أن حوادث الثورة كانت قد استرعت في أول الأمر انتباه الملوك والأمراء في أوروبا، ثم أثار إعلان حقوق الإنسان والمواطن اهتمامهم، وهو الإعلان الذي تضمن مبادئ غير تلك التي قامت عليها حكوماتهم، ثم أزعجهم إصرار رجال الجمعية الوطنية التأسيسية على أن ينشروا هذه المبادئ التي جاءت بها الثورة، ويعملوا على إذاعتها خارج حدود فرنسا، فكانت دعاية خطيرة تهدد بهدم عروش النظام القديم بأسره. زد على ذلك أن صلات القربى كانت تربط كثيرين من ملوك أوروبا بالأسرة الحاكمة في فرنسا. فملك إسبانيا وملك نابولي من البربون وهما يعتبران لويس السادس عشر رئيس الأسرة، وملك سردينيا «أميدوس الثالث» # Amedeus # صهر للكونت دارتوا، والإمبراطور جوزيف (يوسف) الثاني الذي توفي في 20 ms0196 فبراير 1790، ثم الإمبراطور ليوبولد الثاني الذي خلفه، وكذلك ناخب # Electeur # كولونيا جميعهم أشقاء للملكة ماري أنطوانيت. # أضف إلى هذا أن الثورة من أيامها الأولى قد طغت على حقوق الأمراء المجاورين على الحدود الفرنسية. من ذلك أن كونيتة فنيسان # Venaissan # ومدينة أفينون # Avignon # كانتا من أملاك البابوية منذ القرن الرابع عشر، ولكن الجمعية الوطنية التأسيسية انتهزت فرصة حدوث الاضطرابات الناجمة من استصدار قانون الكنيسة المدني؛ فقررت إدماجهما في فرنسا، وإنشاء مديرية أو مقاطعة واحدة جديدة منهما، هي المديرية الرابعة والثمانون. # 3 # وقد حدث مثل هذا في الألزاس # Alsace ~~(أكتوبر 1790) وغيرها من الأقاليم الواقعة على حدود فرنسا الشرقية، والتي كانت تدين بالتبعية للإمبراطورية «الرومانية المقدسة» والتي حفظت معاهدات وستفاليا (1648) حقوق الملكية وغيرها من الحقوق أو الامتيازات الإقطاعية في هذه الأقاليم للأمراء الألمان الذين خضعوا لسيادة الإمبراطور عليهم في الوقت الذي حلفوا فيه يمين الولاء لملك فرنسا (أي بالرغم من حلفهم هذه اليمين). # فقد ألغت قرارات 4 أغسطس 1789 وما تلاها من إجراءات كل تلك الحقوق، وضمت هذه الأقاليم إلى فرنسا. ومع أن الجمعية التشريعية عرضت أن تدفع تعويضا للأمراء الألمان في نظير هذا الضم وإلغاء الحقوق القديمة التي كانت لهم، إلا أن هذه التعويضات بلغت حدا من الضآلة جعل الأمراء الألمان يرفضونها، وكان هؤلاء كبار «ناخبي الراين»: أسقف ستراسبورج وأسقف سبير # Speier ~~، وأسقف بال # Basel ~~، وحكام ورتمبرج # Wartemberg # وتزفايبروكن # Zweibrucken ~~، وهس-درمستاد # Hesse-Darmastadt ~~، وبادن # Baden ~~، وغيرهم. وقد تقدم هؤلاء بشكاواهم إلى «الدياط» # Diet # أو المجلس الإمبراطوري الألماني الذي أيد دعواهم، وطلب من الإمبراطور أن يتخذ الإجراءات التي يرى أنها كفيلة برد حقوق هؤلاء الأمراء الألمان إليهم. # وكان لهذه الحوادث أثر كبير في تشجيع المهاجرين على المضي في نشاطهم، حيث كانوا يريدون تأليف محالفة أوروبية قوية ضد الثورة، تتمكن بفضل القوات التي لديها من إعادة نظام الحكم القديم إلى فرنسا. ولقد أنشأ هؤلاء المهاجرون - كما عرفنا - بلاطا في «كوبلنز»، صار يقصده أتباعهم وأنصارهم في أعداد كثيرة، من المدن المجاورة ومن مقاطعات الراين، وراح أخوا ms0197 الملك يذيعان أنهما يمثلان حكومة فرنسا الحقيقية، وأن من حقهما لذلك الدخول في مفاوضات مستقلة باسم هذه الحكومة، ولم يلقيا بالا إلى ما قد يترتب على مسلكهما هذا من أخطار يتعرض لها شقيقهما الملك. ومع أن لويس السادس عشر احتج على عملهما هذا، فقد كان جوابهما عليه أنهما يعرفان أنه مقيد الحرية؛ ولذلك فهما لن يقيما وزنا لما يكتبه إليهما تحت ضغط غيره. وفي بلاط كوبلنز هذا صار ل «كالون» شأن كبير مع ما هو معروف عن عجزه وقلة كفاءته؛ إذ سرعان ما صار بمثابة رئيس للوزارة في هذا البلاط. # وكان مما قوى حركة المهاجرين هذه أن ناخبي كولونيا وتريف # Treves-Trier # وهما اللذان لجأ المهاجرون إلى أراضيهما، لم يلبثا أن وجدا من صالحهما تشجيع هذه الحركة، كما أن الكونت دارتوا استطاع عند زيارته لنورين أن يظفر بمعاونة صهره ملك سردينيا. ثم أظهر كل من ملك نابولي وملك إسبانيا أنهما يريدان أن يقوما بواجبهما كأعضاء في أسرة بربون. وكذلك كان ملك السويد «جوستاف الثالث» # Gustave # الذي أرجع الحكم الأوتقراطي في بلاده شديد الرغبة في تولي قيادة حرب تثار من أجل تعزيز قضية الملكية، ولقد لقي جوستاف هذا تشجيعا في ذلك من جانب قيصرة روسيا كاترين الثانية التي وجدت من صالحها لتنفيذ مشروعاتها الشرقية، أن تشتبك دول غرب أوروبا في حروب مع فرنسا. ولم يكن من المنتظر أن يرفض فردريك وليم الثاني - ملك بروسيا - مساعدة الملوك والأمراء الراغبين في الحرب ضد فرنسا، وهو الذي كان يسيئه من جهة الكوارث التي نزلت بالملك الفرنسي، وكان من جهة أخرى قد سبق أن تمكن من إعادة حاكم هولندة إلى منصبه في لاهاي. # ومع كل ذلك، فقد كان من الواضح أن الإمبراطور ليوبولد الثاني هو الرجل الذي بيده وحده تقرير ما إذا كانت أوروبا سوف تتدخل أو سوف تمتنع عن التدخل في شئون فرنسا. فقد كان الإمبراطور معروفا بالحذر؛ استطاع التغلب على الصعوبات التي تركها له سلفه في الحكم، شقيقه الإمبراطور يوسف الثاني (المتوفى في فبراير ms0198 سنة 1790)، فهو قد تجنب الدخول في عراك مع بروسيا بأن عقد معها معاهدة في رايشنباخ # Reichenbach # في 27 يوليو 1790، ومنذ يونيو كان قد نجح في تهدئة المجر، وفي نوفمبر دخل جيشه بلجيكا دون مقاومة؛ فأخمد ثورة كانت بها ضد حكم النمسا. وفي ديسمبر كانت «لييج» # Liège # والأراضي الواطئة (بلجيكا) في قبضته، ودخل في مفاوضات مع الأتراك، ولو أنه لم يصل منها وقتئذ إلى نتيجة، وكان الاعتقاد السائد لأول وهلة أن الإمبراطور سوف يؤيد لا محالة قضية الملكية في فرنسا لأسباب؛ منها حبه لشقيقته الملكة ماري أنطوانيت، ثم التجارب التي صادفها بسبب أخطار الحركة الثورية في بلجيكا (ولييج)، وهي أقاليم قريبة من فرنسا، ثم واجبه كإمبراطور يتحتم عليه النظر في الشكاوى التي قدمها «أتباعه» # Vassals # الناخبون والأمراء إلى المجلس الإمبراطوري (الدياط) على نحو ما سبق ذكره. # ولكن ليوبولد الثاني كان بطبعه يميل إلى معارضة كل الإجراءات السريعة التي تأتي دون تمعن وتفكير، وهو إلى جانب هذا معارض لكل سياسة من شأنها إشعال نار الحرب. وفضلا عن ذلك فقد كان يضع مصلحة النمسا ذاتها - كما فعل سلفه يوسف الثاني - فوق كل اعتبار. وكان في هذه الآونة كما ذكرنا لم يعقد الصلح بعد مع تركيا، ولم تكن علاقاته مع بروسيا بالرغم من معاهدة رايشنباخ السالفة الذكر قد استقرت، وأزعجته - علاوة على ذلك - أطماع روسيا؛ فلم يشأ أن يترك للقيصرة كاترين الثانية الميدان فسيحا حتى تنال مآربها من تركيا وبولندة. # وعلى ذلك، فإنه لما أصر «الدياط» وألح في مطالبة الإمبراطور بأن يتخذ الإجراءات التي تكفل إعادة حقوق الأمراء الألمان إليهم، وعلم الإمبراطور في الوقت نفسه أن لويس السادس عشر قد حاول الهرب من باريس، ولكن قبض عليه في «فارن» وأعيد إلى عاصمة ملكه في الظروف التي عرفناها. لم يجد الإمبراطور مناصا حينئذ من اتخاذ إجراء لم يكن الغرض منه إشعال الحرب ضد فرنسا، وإنما مجرد المظاهرة في صف الملكية «الفرنسية». فأصدر في «بادوا» منشورا # 4 # في 6 يوليو 1791 بعث به إلى الدول يطلب ms0199 منها أن تؤيد قضية الملك الفرنسي على اعتبار أن هذه ليست قضيته وحده، بل هي قضية الدول ذاتها كذلك، وأن ترفض الاعتراف بأية قوانين أو قرارات تصدر في فرنسا ما دام الملك مجردا من حريته ولم يقبلها هو بمحض إرادته، ثم طلب ليوبولد في هذا المنشور من الدول أن تعمد إلى استخدام السلاح (أو القوة المسلحة) لإرغام الحكومة الفرنسية والجمعية الوطنية التأسيسية - وكانت لا تزال هذه منعقدة حتى 30 سبتمبر 1791 - إذا امتنعتا عن إرجاع سلطات الملك السابقة إليه وإطلاق الحرية له. # وكما كان متوقعا لم يكن لهذا المنشور أي أثر، سوى أنه أشعل الغضب في فرنسا من جديد ضد الملكية، وأدى إلى تضييق الحراسة على الملك في قصره، حتى صار سجينا هو وأسرته «الأسرة» المالكة في التويلري. # ولقد اضطر ليوبولد أن يخطو خطواته التالية بالرغم منه كذلك. فقد عقد معاهدة «سستوفا» # Sistova # مع تركيا في أغسطس 1791، واستطاع أن يعقد مقدمات معينة في 25 يوليو 1791 لإبرام معاهدة مع بروسيا، ولكن عقد هذه المقدمات كان على خلاف التعليمات التي أرسلتها بروسيا لمندوبها في فينا. وعلى ذلك فقد اجتمع ليوبولد الثاني وفردريك وليم الثاني - ملك بروسيا - في «بلنتز» Pillnitz # في 27 أغسطس للنظر في هذا الموضوع. # وكان عندئذ أن انتهز الكونت دارتوا الفرصة فقابلهما في هذا الاجتماع كي يعرض عليهما خطة للعمل ضد فرنسا وضعها المهاجرون، ولكن الإمبراطور وملك بروسيا رفضا هذه الخطة، وحذرا المهاجرين أنهم وإن كان مسموحا لهم بالإقامة في أرض ألمانية، فليس مسموحا لهم بالقيام بعمليات عسكرية. ومع ذلك فقد أصدر الإمبراطور والملك تصريحا مشتركا، هو تصريح بلنتز # 5 # في أغسطس سنة 1791، أعلنا فيه أن عودة النظام في فرنسا، واسترجاع الملكية سلطاتها السابقة، أمران على جانب عظيم من الأهمية، ويستأثران بعناية أوروبا بأسرها. ثم دعيا دول أوروبا إلى التعاون معهما من أجل تحقيق ذلك، ووعدا «في هذه الحالة ولتأييد هذه القضية» بالتدخل الفعلي؛ أي في حالة تعاون سائر دول أوروبا معهما لإعادة النظام في فرنسا ودعم الملكية بها. ms0200 # وواضح أن هذا الشرط الأخير - تعاون سائر دول أوروبا معهما - إنما يدل على أن «ليوبولد» كان يريد في واقع الأمر تجنب الحرب مع فرنسا إذا كان هذا ممكنا. # فقد كان ليوبولد يعلم أن وزارة بت الأصغر Pitt The Younger # في إنجلترة قررت اتخاذ موقف الحياد تجاه فرنسا؛ ولذلك صار تحقيق «معاونة سائر دول أوروبا» الذي نص عليه تصريح بلنتز في هذه الحالة متعذرا. ولا شك في أن صدور هذا التصريح، ثم رفض خطة المهاجرين التي عرضها الكونت دارتوا على ليوبولد وفردريك وليم الثاني، ثم تحذير هذين للمهاجرين من اللجوء إلى أية عمليات عسكرية، لا شك في أن هذا كله من شأنه ضمان السلام. ولقد كانت المحافظة على السلام وتجنب الحرب هما رغبة ليوبولد، وذلك على خلاف ما يعزوه إليه بعض المؤرخين (من الفرنسيين خصوصا) من أنه كان يريد الحرب مع فرنسا. وزيادة على ذلك فإن ليوبولد نفسه صار يلح على لويس السادس عشر في قبول «الدستور»، وكان بناء على هذه النصيحة أن قبل الملك في 14 سبتمبر 1791 الدستور كما عرفنا. # وأخيرا فإنه بمجرد أن بطل «توقيف» الملك واستأنف هذا ممارسة سلطاته التي نص عليها الدستور، بادر الإمبراطور بإصدار منشور آخر أعلن فيه أنه لم تعد هناك الآن حاجة إلى محالفة أوروبية. # وهكذا كان قيام الحرب أو المحافظة على السلم متوقفا الآن على القرار الذي تتخذه فرنسا نفسها. # وفي الجمعية التشريعية استأثرت المسألة السياسية أو الشئون الخارجية باهتمام الأعضاء (النواب) من وقت انعقادها. ولقد تضافرت عدة عوامل جعلت الجمعية تقرر إعلان الحرب على النمسا. فقد لوحظ أن تصريحات الإمبراطور «ليوبولد» مفرغة في عبارات تنطوي على الوعيد والتهديد (مع أن رغبة الإمبراطور الواضحة كانت تجنب الحرب)، ثم إن «المهاجرين» استمروا في استعداداتهم العسكرية . وكان أول من تأثر بهذه الوقائع الجيروند الذين عبروا عن شعور الأمة في هذه المسألة - مسألة الحرب - عندما صاروا يطلبون الانتقام من الملوك والمهاجرين، الذين هددوا بالقضاء على الثورة، والتدخل في شئون البلاد الداخلية. واعتقد الجيروند أن الدخول ms0201 في حرب خارجية سوف يزيد من دعم سيطرتهم؛ صرح بهذا الرأي «بريسو» الذي تزعم حزبه (أي حزب الجيروند) في تأييد مطلب الحرب. # ومما يجدر ذكره هنا - على خلاف الشائع خطأ - أن روبسبيير وهو من اليعاقبة كان يريد السلم ويعارض في الحرب؛ لخوفه من أن يفيد من الحرب منافسوه (الجيروند) من جهة؛ ولأنه من جهة أخرى كان يميل بطبعه إلى السلم. وأما «الفويان» وهم الملكيون الدستوريون، فقد اتفقت رغبتهم في الحرب مع رغبة الجيروند كوسيلة لتقوية الملك. ثم قال خصومهم: إنهم يريدون أن يكون لدى الملكية كذلك جيش قوي على رأسه ضباط من المناوئين للثورة تستطيع الملكية استخدامه ضد الأمة. ولقد صار للجيروند بفضل انضمام هذه العناصر المؤيدة للحرب، الأكثرية في الجمعية التشريعية التي تمكنهم من إرغام الملك ووزرائه على السير في طريق الحرب وإعلانها. وكانت الخطوة الأولى لتمهيد إعلان الحرب عزل ديبورتايل # Duportail # وزير الحربية وتعيين وزير من «الفويان» مكانه، هو «ناربون»، وذلك في التعديل الوزاري الذي سبقت الإشارة إليه (في نوفمبر-ديسمبر 1791). # وعلى ذلك، فقد وجد الملك نفسه مرغما على إرسال مذكرة بتاريخ 14 ديسمبر 1791 إلى الإمبراطور وإلى حاكم (أو ناخب) تريف، فحواها أنه إذا لم يسرح المهاجرون القوات العسكرية التي يجمعونها، وذلك في موعد أقصاه 15 يناير 1792، فالعمليات الحربية سوف تبدأ فورا ضد ناخب تريف. وترتب على ذلك أن بادر ناخب تريف بإصدار أمره توا بوقف الاستعدادات العسكرية. ولكن المهاجرين لم يذعنوا لهذا الأمر، ثم أهانوا المبعوث الفرنسي. وأما الإمبراطور ليوبولد فقد أبدى رغبته في السلم، ولكنه أنذر الفرنسيين في الوقت نفسه بأنه سوف يعتبر كل هجوم يقع على تريف عملا عدوانيا موجها ضد الإمبراطورية. # وتلك «إجابات» لم ترض بطبيعة الحال «ناربون» الذي عمد من فوره إلى حشد ثلاثة جيوش على الحدود بقيادة «روشامبو» # Rochambeau # و«لفاييت» و«لوكنر» # Luckner ~~، بلغ مجموعها 150000 مقاتل، ثم طلب من الإمبراطور في 25 يناير 1792 أن يصدر تصريحا قاطعا بشأن فض وتسريح قوات المهاجرين، وأنذره بإعلان الحرب ضده إذا لم يصل منه (إلى ms0202 ناربون) جواب مرض حتى يوم 4 مارس. # وهكذا وجد الإمبراطور أن آماله في المحافظة على السلم في أوروبا الغربية قد تبددت، وأنه قد صار لزاما عليه أن يستعد لمواجهة الحرب المتوقعة؛ ولذلك فقد صدق أولا على القرارات التي كان «الدياط» أو المجلس الإمبراطوري قد اتخذها ضد اعتداءات الجمعية الوطنية التأسيسية، وكانت هذه - كما عرفنا - قد قررت ضم الألزاس إلى فرنسا في أكتوبر 1790، وإلغاء حقوق الأمراء الألمان وامتيازاتهم في الأراضي التي يملكونها، وهم الذين ظلوا فيما يتعلق بهذه الحقوق تابعين للإمبراطورية تبعا لأحكام معاهدة وستفاليا سنة 1648 بالرغم من يمين الولاء التي يحلفونها لملك فرنسا. وقد تقدم كيف أن «الدياط» طالب الإمبراطور بالعمل من أجل رد حقوق هؤلاء الأمراء الألمان إليهم. ثم إنه لم يلبث ثانيا أن أنهى مفاوضاته مع بروسيا فعقد معاهدة معها في 7 فبراير 1792 ضمن بمقتضاها كل من الطرفين أملاك الآخر، واتفق الإمبراطور وملك بروسيا على التعاون فيما بينهما لرد أي هجوم يقع على أحدهما. # وعلى ذلك - وبالرغم من هذه الاستعدادات - فإن ليوبولد الثاني كان لا يزال يرجو أن تسنح فرصة لتجنب الحرب في آخر لحظة، وظل يمني النفس بهذا الأمل حتى عاجلته الوفاء على إثر مرض مفاجئ في أول مارس 1792. فتولى عرش النمسا ابنه فرنسيس الثاني (الذي توج إمبراطورا على الإمبراطورية الرومانية المقدسة في 14 يوليو من السنة نفسها). وكان هذا شابا يبلغ الرابعة والعشرين، ليست له الخبرة والتجربة والكفاءة والمقدرة التي كانت لوالده؛ الأمر الذي جعل سهلا على «مناوئي الثورة» أن يجذبوه إلى جانبهم؛ فصار بسبب ذلك قيام الحرب عاجلا أو آجلا أمرا مفروغا منه. # ولكن مما يجب ذكره أن مسئولية قيام الحرب في النهاية بين فرنسا والنمسا إنما وقعت على كاهل فرنسا، وعلى كاهل الجيروند أنفسهم على وجه التحديد. فقد اتفق رأي المؤرخين على أنه من المشكوك فيه كثيرا حتى لو عاش الإمبراطور ليوبولد الثاني مدة أطول، لكان في استطاعته تجنب الحرب في النهاية. والسبب في ذلك أن «الجيروند» حشدوا كل قواهم آنئذ لمهاجمة ms0203 وزير الخارجية «دي ليسار» فاتهموه بالانصياع بكل مذلة ومهانة لمطالب العدو. فألقي القبض على «دي ليسار» وسجن واستقالت وزارة «الفويان» في مارس 1792. وألف الجيروند الوزارة الجديدة، وذلك من «رولاند» # Roland ~~- زوج مدام رولاند - للداخلية، و«سرفان» # Servan # للحربية، و«كلافيير» # Claviére # للمالية، وتولى «ديمورييه» # Dumouriez # الشئون الخارجية، وديرانتون # Duranthon # العدل، و«لاكوست» # Lacoste # البحرية، وقد أطلق عليها أعداؤها اسم وزارة أصحاب السراويل الطويلة # Sans-Culottes ~~؛ أي الوطنيين الثوريين الذين نبذوا السراويل القصيرة # Culottes # زي النبلاء والبورجوازي في النظام القديم. # واتخذ «ديمورييه» لهجة الآمر الناهي في علاقات البلاد الخارجية بصورة ألزمت حكومة فينا - حكومة الإمبراطور فرنسيس الثاني - أن تطلب في ردها عليه (مذكرة وزيرها دي كونيتز # Kaunitz # في 18 مارس 1792) ضرورة أن يستتب النظام في فرنسا من أجل أمن أوروبا وسلامها، كما طالبت بأن ترد إليهم حقوقهم التي انتزعت من البابا ورجال الدين، والأمراء الألمان، فيعوض الأول عن فقد أفينيون، ورجال الدين عن أملاك الكنيسة المصادرة، والأمراء الألمان عن حقوقهم التي فقدوها في الألزاس واللورين. فقوبلت هذه المطالب بإعلان الحرب من جانب فرنسا على ملك المجر وبوهيميا (أي النمسا)، حيث قررت الأمة الفرنسية - كما قال المجلس عند الاقتراع على قرار الحرب - المحافظة على حريتها واستقلالها ضد عدوان غاشم من ملك # Un Roi # عليها. # وقد حضر لويس السادس عشر إلى الجمعية التشريعية ليقرأ إعلان الحرب في صوت مرتجف في 20 أبريل 1792. وفي بلدة ستراسبورج الفرنسية على الحدود بين فرنسا وألمانيا ألهم حماس الدفاع عن حرية الأمة الفرنسية واستقلالها أحد ضباط سلاح المهندسين «روجيه دي ليل» # Rouget de L’Isle # فوضع «نشيد الحرب لجيش الراين» الذي لم يلبث المواطنون أن سموه «بالمارسيلييز» # Marseillaise ~~. # وباغت إعلان الحرب من جانب فرنسا كل أوروبا، وكان له رد فعل كبير في كل أنحائها. ولم تلبث أن وجدت النمسا نفسها وقد صارت في عزلة؛ لأن بروسيا وسردينيا اللتين أرادتا الدخول إلى جانبها في هذه الحرب، لم يكن في وسعهما فعل ذلك قبل تهيئة جيوشهما؛ الأمر الذي يقتضي زمنا ليس بالقصير لإنجازه. أضف إلى ms0204 هذا أن بروسيا كانت مشغولة بمسألة بولندة. (ومن المعروف أن تقسيم بولندة الأول وقع سنة 1772 بين روسيا وبروسيا والنمسا، والتقسيم الثاني وقع سنة 1793 بين روسيا وبروسيا، والتقسيم الثالث بين الدول الثلاث كان في سنة 1795، وقد أزيلت بولندة كلية من خريطة أوروبا). وهذا بينما كانت إسبانيا مترددة، وفضلت إنجلترة الوقوف موقف الحياد. كما أن أكبر نصير للملكية في أوروبا وقتئذ وهو جوستاف الثالث - ملك السويد - كان قد توفي في 29 مارس 1792؛ أي قبل إعلان الحرب بشهر تقريبا. # أما «ديمورييه» فقد عول على الاستفادة من هذه الظروف لتوسيع حدود فرنسا الشرقية. وعلى ذلك فقد أمر قواد الجيوش الثلاثة: «لوكنر» و«لفاييت» و«روشامبو»، بالتعاون فيما بينهم للقيام بهجوم مشترك على بلجيكا (وكانت هذه تابعة للنمسا)، على أمل أن يترتب على هذا الهجوم إشعال الثورة من جديد في بلجيكا، وهي الثورة التي سبق أن ذكرنا أن الإمبراطور ليوبولد الثاني كان قد أخمدها حديثا. ولكن التغييرات الأخيرة التي أدخلتها «الثورة» على الجيش الفرنسي كانت قد قضت على كل نظام فيه، وصار الجنود لا يثقون في ضباطهم، فلم تلبث أن تعالت الصيحات بوجود الخيانة عند محاولة الجيش الفرنسي الهجوم على بلجيكا (عند مونز # Mons ~~)، وصار الجنود يفرون من الصفوف وهم في رعب وهلع، وذبحوا قائدهم الجنرال «ديلون» # Dillon # وضابطا آخر بدعوى أنهما يخونان الجيش لصالح النمسا، واضطر قائدا الجيشين الآخرين: لفاييت وروشامبو إلى التزام خطة الدفاع. # وذاعت أنباء هذه الحوادث في باريس، فتزايد في العاصمة السخط والهياج، وعظمت الشكوك من ناحية البلاط الذي وجهت إليه تهمة الخيانة، وشاع بين الناس أن الملكة ماري أنطوانيت تجمع حولها «لجنة نمساوية» هي أصل هذه الخيانة، وأسرعت الجماهير تتسلح «بالحراب». ومن الآن فصاعدا صارت هذه الطبقة الدنيا من الغوغاء والمسلحين منافسا خطيرا للحرس الأهلي؛ أي لتلك الأداة التي أوجدها أهل الطبقة المتوسطة (البورجوازي)، واعتمدوا عليها في سيطرتهم على الموقف، ثم أعلنت الجمعية التشريعية أنها منعقدة في جلسة مستديمة، وبادرت بحل حرس الملك الخاص، وأصدرت قرارين على غاية من الخطورة: ms0205 اقترح أحدهما «سرفان» - وزير الحربية - دون استشارة الملك أو زملائه في الوزارة، ويقضي بإنشاء معسكر بجوار باريس لعشرين ألفا من «المتطوعين أو الفدرائيين» # Volontaires-Fédérés # من جميع المديريات والأقاليم، وكان الغرض الظاهر من هذا الإجراء الدفاع عن العاصمة ضد الغزو الأجنبي، بينما كان الغرض الحقيقي دعم سيطرة الجيروند. وأما القرار الآخر، فقد أعطى الهيئات الإدارية في الأقاليم السلطة لنفي القساوسة المستنكرين من فرنسا إذا شهد ضدهم عشرون من المواطنين. # وقد وافق الملك على تسريح حرسه الخاص. ولكنه أصر على استخدام «حق الاعتراض» لتعطيل القرارين الآخرين. وعندما نقد «رولاند» مسلكه لم يلبث الملك أن طرده هو وزميليه «سرفان» و«كلافيير» من الوزارة، في 12 يونيو 1792. وثلاثتهم كانوا العنصر الأوثق ارتباطا بالجيروند في الوزارة. وأراد الملك أن يستبقي «ديمورييه» والوزيرين الآخرين «ديرانتون» وزير العدل و«لاكوست» وزير البحرية، ولكن هؤلاء أصروا على ضرورة أن يصدق الملك على قراري الجمعية التشريعية الخاصين بإنشاء معسكر المتطوعين بجوار باريس ونفي القساوسة المستنكرين من فرنسا. ولما رفض الملك على وجه الخصوص التصديق على القرار المتعلق بنفي القساوسة المستنكرين، فقد استقال ثلاثتهم، وسقطت وزارة الجيروند في 15 يونيو 1792. ~~(4) حادث 20 يونيو 1792 # حاول الملك الآن التحالف مع «الفويان». فشكل وزارته منهم، وانبرى هؤلاء للدفاع عن الملك. ولكن سقوط وزارة الجيروند واستيزار الفويان كان معناهما في نظر الوطنيين أن كل شيء قد صار الآن مهيأ لتنفيذ «المؤامرة الأرستقراطية». ~~ فراجت الإشاعات بأن الأوامر سوف تصدر لوقف القتال، وأن الملك سوف ينتهز فرصة الاحتفال بيوم 14 يوليو؛ ليصدر عفوا شاملا عن المهاجرين. واستبد القلق بالجمعية التشريعية، حتى إنها أنشأت «لجنة استثنائية من اثني عشر عضوا» «لاقتراح الوسائل التي يتسنى بها إنقاذ الدستور والإمبراطورية الفرنسية». # وعلى ذلك، فقد جاء سقوط وزارة الجيروند مشابها لحادث إخراج «نكر» من الوزارة في 11 يوليو 1789؛ أي إن الملك قد طرد الوزراء الجيروند الذين لم يستطع احتمالهم سوى شهرين من الزمان فحسب، ولم يكن قد استوزرهم إلا كسبا للوقت وحتى ينتهي هو من إتمام استعداداته، أما وقد أخرجهم من ms0206 الوزارة، فالمتوقع أن الموعد قد حان لتنفيذ المؤامرة، ذلك ما كانت تردده الإشاعات. # وقد زاد الاعتقاد بقرب تنفيذ المؤامرة رسوخا عندما وجه «لفاييت» من معسكره في «موبوج» # Maubeuge # خطابا إلى الجمعية التشريعية قرئ بها في 18 يونيو، قال فيه: إن وجود «ديمورييه» في الوزارة السابقة كان عارا وفضيحة، ثم هاجم اليعاقبة هجوما عنيفا، وطالب بإغلاق ناديهم وإخماد حركتهم، ثم رسم برنامجا لتطبيق الدستور بصورة تعطي الملك خصوصا سلطات أوسع، وتخوله الحق في اختيار وزرائه «متحررين من الحزبية». ~~ فاعتبرت رسالة «لفاييت» هذه مقدمة «لانقلاب حكومي». واتحد الجيروند مع اليعاقبة لتحريض الجماهير على القيام بحركة ثورية لإلقاء الرعب والفزع في قلب الملك وقلوب مستشاريه حتى يذعنوا، وحتى يصدق الملك على قراري الجمعية التشريعية. # وفي يوم 20 يونيو 1792، وهو يوم ذكرى توقيع ميثاق ملعب التنس # 6 ~~(20 يونيو 1789) تجمعت الجماهير (حوالي عشرين ألفا) في حي سان أنطوان، وحي سان مارسو # 7 # يقودهم على وجه الخصوص «سان تير» # San Terre ~~- أحد تجار وصانعي الجعة - وقصد الغوغاء إلى الجمعية التشريعية حيث قدموا عريضة طالبوا فيها باستدعاء الوزراء «الجيروند»، ثم قصدوا إلى قصر التويلري كي يرفعوا شكاواهم إلى الملك، ولم يقاومهم الحرس، فتدفقوا إلى داخل القصر، واقتحموا غرفة الملك، وقابلهم لويس السادس عشر برباطة جأش، وأجبره المتظاهرون على ارتداء القلنسوة الحمراء # Bonnet Rouge ~~«لباس اليعاقبة»، وأن يشرب نخب الشعب، وأهان الغوغاء الملكة وأطفالها في غرفة مجاورة لساعات طويلة، واستمر الحال على ذلك إلى أن حضر «بتيون» - عمدة باريس - وليس هناك أدنى شك في أن «بتيون» مدبر هذه الثورة؛ فأنهى هذه الاضطرابات، وأخلى المتظاهرون القصر دون إراقة دماء. # ولقد ترتب على حادث يوم 20 يونيو 1792 هذا عدة نتائج: منها أن رد فعل كبيرا حدث في صالح الدستور والملك، وتشجع «الفويان» - أنصار الدستور والملك، والذين تألفت الوزارة منهم، على توجيه الاتهام ضد «بتيون» وغيره كمحرضين على الشغب الذي حصل. ولكن الملك - لقصر نظره، ولعجزه عن إدراك الحقائق - لم يلبث أن ترك فرصة رد الفعل الذي حصل في ms0207 صالح الملكية تفلت من يده، عندما أراد الاعتماد في خلاصه وإنقاذه على الجيوش الأجنبية فحسب، فرفض في عناد أن يتقيد كما قال بمحالفة مع أي حزب من الأحزاب ذات الصلة «بالثورة». # وقد خيل إلى «لفاييت» من ناحية أخرى أن بوسعه إعادة الهدوء والسكينة إلى باريس وإنقاذ الملكية، إذا حضر بنفسه من مقر قيادته في الميدان، ولكنه قوبل في باريس ببرود من جانب الجمعية التشريعية التي أنبته على ترك قيادته في هذه الظروف العصيبة. ثم أراد «لفاييت» أن يستخدم جنوده القدامى من رجال الحرس الأهلي ضد النوادي في باريس، ولكنه أخفق في محاولته بسبب تدخل «البلاط» ضده؛ لأن «لفاييت» لم يكن موضع ثقة البلاط؛ فاضطر إلى الانسحاب حانقا. وبانسحاب «لفاييت» فقد الحزب الدستوري كل أهمية كانت له، وبذلك ضاع الأمل الأخير في إنقاذ الملكية. ~~(5) يوم 10 أغسطس 1792 # والواقع أن الغزو الأجنبي الذي كان الملك يبني عليه اعتماده في إنقاذه وإنقاذ الملكية لم يأت بالنتيجة المرجوة منه، بل لم يلبث هذا الغزو الأجنبي أن أتاح الفرصة لأعداء الملك حتى ينتصروا عليه. # فقد انتخب فرنسيس الثاني إمبراطورا في 3 يوليو 1792، واتخذ الأمراء الألمان والنبلاء الفرنسيون (المهاجرون) من الحفل الذي أقيم لتتويجه (14 يوليو) فرصة لحشد قواتهم، وأحضر ملك بروسيا «فردريك وليم الثاني» ثمانين ألف مقاتل، وارتهن الأمر لشن الهجوم الكبير على فرنسا بالفراغ في تنسيق الإجراءات اللازمة لبدء العمليات العسكرية. وأمام هذا التهديد إذن، وجد الشعب الفرنسي أنه لم يعد في وسعه أن يضع ثقته في ملك كان من الواضح أن ميوله قطعا في جانب أعداء الأمة. ~~ وانتهز الجيروند واليعاقبة فرصة وجود هذا الشعور المعبأ ضد الملك؛ كي يستأنفوا خططهم التي عطلها فشل حادث 20 يونيو. فخطب «فيرنيو» # Vergniaud ~~- من أبلغ خطباء الجيروند - ضد الملك بعنف في الجمعية التشريعية، واتهمه بأنه مبعث كل الأخطار التي تهددت الوطن، وراح يؤكد بأن خيانة الملك قد قضت بالفشل على كل أهداف الجيروند، وجعلت الدفاع عن البلاد عديم النفع ولا جدوى منه. # وكان في هذه الظروف ms0208 أن استدعي المتطوعون (أو الفدرائيون) - وعددهم عشرون ألفا - للحضور إلى المعسكر الذي وافق الملك أخيرا على قرار إنشائه، (وهو القرار الذي كان قد اقترحه «سرفان» كما عرفنا قبل سقوط وزارة الجيروند)، على أن ينشأ هذا المعسكر في «سواسون» # Soissons ~~، كما تقرر أن يكون مرور المتطوعين من باريس ذاتها وهم في طريقهم إلى سواسون. وقد حضر متطوعو مرسيليا، وهم ينشدون «المارسيليز» الذي وضعه كما ذكرنا «روجيه دليل». ~~ وفي 11 يوليو 1792 أعلنت الجمعية التشريعية: «أن الوطن في خطر»، وعمدت إلى اتخاذ الإجراءات الكفيلة بدفعه، وأعيد «بتيون» إلى منصبه (عمدة لبلدية باريس) نزولا على إرادة الجماهير. وفي الاحتفال بعيد 14 يوليو، أرغم الملك على تجديد قسم الولاء للدستور، ولو أن عقيدة الشعب - وعن حق - كانت أن الملك حانث في يمينه. # وفي 25 يوليو 1792 أصدر «دوق دي برنسويك» # Brunswick ~~- قائد الجيش البروسي - بلاغا حرره أحد المهاجرين، توعد فيه كل من يعمد للدفاع عن نفسه ضد جيوش الحلفاء بمعاملته كثائر؛ أي بإعدامه رميا بالرصاص، وهدد باريس بالتدمير التام إذا اعتدى إنسان على قصر التويلري ولحق أي أذى بالأسرة المالكة. وقد عرفت باريس بهذا البلاغ في 28 يوليو، فزاد بها الهياج، واتحد اليعاقبة والجيروند لتدبير هجوم جديد على الملكية. وعبثا حاول «برتران دي مولفيل» - وزير الفويان السابق - نصح الملك بالهرب إلى نورماندي. # وفي 3 أغسطس تألفت مظاهرة من «أقسام» باريس على رأسها «بتيون» قصدت إلى الجمعية التشريعية، تطلب خلع الملك، ودعوة «مؤتمر وطني»، كما طالبت بتوجيه الاتهام ضد «لفاييت». وفي 6 أغسطس كرر هذا الطلب - خلع الملك - وفد من المتطوعين أو الفدرائيين. # ولما كانت الجمعية التشريعية قد رفضت الإذعان لهذه الديكتاتورية الديماجوجية، ورفضت على وجه الخصوص توجيه الاتهام ضد «لفاييت» - جلسة 8 أغسطس - فقد استقر الرأي على إحداث عصيان وشغب جديدين. ودبر اليعاقبة - باشتراك دانتون وسان تير وديمولان وغيرهم - هجوما على قصر التويلري، حددوا له موعدا مساء 9 أغسطس. وفي الوقت المعين (منتصف ليل 9 أغسطس 1792) دق ناقوس الثورة، فاحتشد الثوريون في حي سان ms0209 أنطوان، واستولوا على إدارة البلدية، وحلوا مجلسها وأنشئوا «قومونا» مؤقتا وضعوا على رأسه «دانتون»، ثم عملوا على إلغاء التدابير المتخذة لحراسة القصر والدفاع عنه، فاستدعي «ماندا » # Mandat # رئيس الحرس الأهلي إلى دار البلدية، وتقرر سجنه، ثم ذبح في الطريق إلى السجن، وعين القومون بدلا منه «سان تير» - من زعماء حادث 26 يونيو - وزحف الثوار على قصر التويلري وهم مسلحون بمختلف أنواع السلاح وبالمدافع. # وفي الخامسة من صبيحة يوم 10 أغسطس، استعرض الملك جنود الحرس في حديقة القصر، فكان هلعه عظيما عندما اكتشف أنهم من طراز لا يمكن التعويل عليه. ثم لم تمض ساعتان حتى كان قد حضر الغوغاء (20 ألفا) لمهاجمة قصر التويلري. فهرب الملك والملكة وأطفالهما إلى قاعة الجمعية التشريعية، وترك الملك وراءه الحرس السويسري - حرسه الخاص - يلتحم مع الجماهير الثائرة؛ إذ لم يصدر الملك إلى هذا الحرس أية أوامر بالانسحاب قبل الاشتباك مع الجماهير، وأخفق وفد من الجمعية التشريعية في تهدئة هؤلاء، واستطاع الحرس السويسري الصمود في وجه الثوار، ولكن الملك لم يلبث أن أمر بوقف إطلاق النار وبانسحاب الحرس إلى الجمعية التشريعية. ~~ وتعذر بسبب الفوضى أن يبلغ هذا الأمر لكل جنود الحرس، فانسحب فريق منهم بينما بقي حوالي ثلاثمائة يقاتلون الثوار. فلم تمض عشرون دقيقة حتى كانت عند الساعة الحادية عشرة قد انتهت المعركة وقتل الثوار هؤلاء عن آخرهم. # ذلك إذن كان يوم 10 أغسطس، وهو يوم ذو نتائج حاسمة في تاريخ فرنسا، فلم تعد الملكية وحدها تحت رحمة الغوغاء، بل صارت كذلك الجمعية التشريعية من الآن فصاعدا تحت رحمتهم. وحق للجيروند أن يندموا على ما حدث عندما انتقلت السلطة العليا الآن إلى يد قومون باريس الثوري. ولم يكن الجيروند هم أصحاب السيطرة في هذا القومون، بل كانت هذه من نصيب اليعاقبة. فلم يعد في وسع الجمعية التشريعية إلا أن تصدر القرارات التي صارت تملى عليها. من هذه القرارات وقف الملك الذي أودع قصر لكسمبورج، ودعوة مؤتمر وطني لمراجعة الدستور، ثم تشكيل وزارة جديدة، دخلها من الجيروند: ms0210 رولاند، وسرفان، وكلافيير. ولكن دخلها أيضا «دانتون» وزيرا للعدل. وكان «دانتون» صاحب اليد العليا في الوزارة، بينما تعين «مارا» رئيسا للجنة المراقبة أو الأمن العام. # 8 # ولقد أرغمت الجمعية التشريعية على إقرار التغيير الذي حدث في مجلس البلدية، وإقرار انتخاب القومون الثوري الذي عمد إلى الاستئثار بكل وظائف الحكم. وقد رفع عدد أعضاء هذا القومون من ستين أو سبعين عضوا إلى 288 عضوا. وكان «روبسبيير» من الأعضاء الذي انتخبوا حديثا. وكان «روبسبيير» قد أخفى نفسه أثناء حوادث يوم 10 أغسطس ولم يشترك فيها بشيء. ولكنه لم يلبث أن ظهر حتى يجني ثمار تدبير غيره، ويقتسم مع «دانتون» سلطان الحكم في فرنسا. # ثم إن القومون لم يلبث أن نقل الملك يوم 13 أغسطس من قصر لكسمبورج إلى سجن الهيكل # Temple ~~، وعين بتيون وسان تير لحراسته، كما قرر هدم تماثيل الملوك، وطلب القومون من الجمعية التشريعية تأسيس محكمة استثنائية (جنائية) لمحاكمة أعداء الشعب الذين ساهموا في المؤامرة ضد الأمة. فنزلت الجمعية ثانية عند إرادة الغوغاء، وقررت إنشاء هذه المحكمة في 17 أغسطس سنة 1792، تختار أقسام باريس أعضاءها ولا استئناف للأحكام التي تصدرها. ثم تنفذت القرارات الخاصة بمصادرة أملاك المهاجرين، ونفي القساوسة المستنكرين. وأعطيت البلديات السلطة في إلقاء القبض على المشتبه في أمرهم. ~~(6) مذابح سبتمبر 1792 # وبينما كانت هذه الحوادث تقع في باريس، كان خطر الغزو الخارجي لا يزال ماثلا وعلى أشده؛ ذلك بأن البروسيين بقيادة دوق دي برنسويك، ويصحبهم ملكهم كذلك، كانوا قد بدءوا زحفهم يوم 30 يوليو 1792 من كوبلنز صوب حدود شامبانيا # Champagne # بطريق لكسمبورج، وتصدى لمقاومتهم جيشا «لفاييت» و«لوكنر»، بينما دافع جيش آخر بقيادة بيرون # Biron # وكاستين # Custine # عن الألزاس. ثم جاءت أخبار يوم 10 أغسطس، فصار موضع التساؤل الآن: هل يحذو الجيش الفرنسي حذو أكثرية إدارات الأقاليم، فيوافق على ما فعله الباريسيون، أو ينشق عليهم؟ ولم يتردد «لفاييت»، وكان مقر قيادته عندئذ في «سيدان» # Sédan # إعلان استنكاره ضد اليعاقبة والتنديد بهم، وطلب إلى القائد الآخر «لوكنر» أن يزحف ms0211 معه بجيشه على باريس لإعادة النظام بها. ولكن الجنود والضباط الآخرين وعلى رأسهم «ديمورييه» رفضوا هذا الزحف، بدعوى أن الواجب يحتم على كل فرنسي أن يعمل لدفع العدو الأجنبي وليس قتال مواطنيه، وتخلى «لوكنر» عن «لفاييت». # وعندئذ أعلنت الجمعية التشريعية أن «لفاييت» قد ارتكب جريمة الخيانة ضد الوطن. فلم يجد «لفاييت» وسيلة لإنقاذ حياته سوى الهرب، فهرب من الجيش هو وحفنة من أصدقائه (20 أغسطس) قاصدا إلى هولندة. ولكن العدو لم يلبث أن قبض عليه وهو في طريقه إليها وسجنه كأسير حرب، فقضى خمس سنوات في قلعة «أولمتز» # Olmutz # النمساوية، حتى أفرج عنه عند عقد معاهدة «كمبوفرميو» مع النمسا في أكتوبر 1797. وأما قيادته فقد انتقلت إلى «ديمورييه» بينما حل «كلرمان» # Kellermann # محل «لوكنر». وأفاد البروسيون من هذه الاضطرابات فسلمت إليهم «لونجوي» # Longwy # في 23 أغسطس، وكان البروسيون قد بدءوا هجومهم عليها في 20 أغسطس، ثم لم تلبث أن سقطت «فردان» # Verdun # في 2 سبتمبر. وبذلك صار الطريق أمامهم مفتوحا إلى باريس. # وفي باريس استبد الفزع بأهلها لاقتراب الخطر منهم. واتخذت الجمعية التشريعية عدة قرارات للدفاع، وحاولت القضاء على القومون كي تتحرر من سيطرته، ولكن القومون لم يكتف بأن رفض الإذعان لمشيئة الجمعية التشريعية، بل انتزع من الجمعية كل شئون الدفاع عن باريس، وصار «دانتون» ديكتاتورا حقيقيا على باريس بأسرها، وأخذ على عاتقه وحده الدفاع عنها بكل الوسائل والطرق، ضد أعداء الوطن الخارجيين والداخليين على حد سواء. وكان شعار دانتون: «إرهاب الملكيين، وإلقاء الرعب في قلوبهم!» # وكان من أثر الفزع الذي استبد بالعاصمة أن دخل «مارا» وغيره من المتطرفين هيئة القومون المشرفة على أعمال الشرطة (البوليس). وفي مساء 29 أغسطس أغلقت بوابات باريس وأجري تفتيش دقيق في المنازل بدعوى التفتيش عن الأسلحة، وفي الحقيقة للقبض على المشبوهين؛ أي أصحاب الميول الملكية. وتلقت السجون # 9 # في باريس حوالي ثلاثة أو أربعة آلاف من القساوسة المستنكرين والنبلاء والضباط وغيرهم. # وفي 2 سبتمبر راجت إشاعة بأن الملكيين على وشك مهاجمة السجون لإنقاذ المسجونين، ولتسليم ms0212 باريس خيانة وغدرا للبروسيين؛ أي إن المؤامرة الأرستقراطية قد دخلت في دور التنفيذ. فهاجمت الغوغاء السجون، وبدأت من ثم مذابح سبتمبر المشهورة. وتزعم الحركة في بدايتها الحاجب «ميلار» # Millard ~~- في بعض السجون - وزاد من وحشية هذه المجازر وصول النبأ في مساء 3 سبتمبر بسقوط «فردان»؛ فراحت عصابات مسلحة تزور السجون وتفتك بمن فيها تحت إرشاد القومون وبتعليمات منه، وقد دفع القومون بعد ذلك الأجور للباريسيين الذين اشتركوا في هذه المذابح، ثمنا «لجهودهم». واستمرت هذه المذابح أربعة أيام متوالية ولم يتدخل أحد لوقفها، ذهب ضحيتها حوالي الألفين على أقل تقدير. وتدخل «دانتون» بنفسه لإنقاذ قلائل كان من بينهم «بارناف» # Barnave ~~«من الفويان». وكان من بين القتلى في سجن «لافورس» البرنسيس دي لامبيل # Lambelle # صديقة الملكة. # وطلب القومون من الأقاليم اتخاذ إجراءات شبيهة بهذه، بدعوى أنه لا ينبغي على الذاهبين إلى جبهة القتال أن يتركوا وراءهم أعداءهم (قطاع الطريق) الذين سوف يقتلون لا محالة - أثناء غيابهم - نساءهم وأطفالهم. فوقعت مذابح في فرساي، وليون، ورايمز # Reims ~~، ومو # Meaux # وأورليان. فكانت هذه المذابح في رأي بعض المؤرخين: «باكورة نتائج انتصار الجيروند، وثمرة الجهود التي بذلتها الدول الأجنبية لإنقاذ فرنسا!» ~~(7) نهاية الجمعية التشريعية # على أن الخطر الذي اتخذ وجوده ذريعة لهذه الحوادث الدامية كان قد زال أثناء هذه المذابح؛ وذلك لأن «ديمورييه» استطاع عقب سقوط «فردان» الاستفادة من بطء حركة البروسيين، فبادر باحتلال الممرات في غابة أرجون # Argonne ~~، وتمكن بعد مناوشات كاد ينهزم جيشه في أثنائها من احتلال موقع «سانت منيهولد» # Ménéhould ~~، حيث لم يلبث أن وافاه به القائد «كلرمان» بجيشه من متز، وشن البروسيون هجوما على مرتفع «فالمي» # Valmy # القريب من هذا الموقع، ولكن هذا الهجوم لم يسفر عن شيء سوى إطلاق المدافع من الجانب البروسي، وصمد الفرنسيون لهذا الضرب. # وكان هذا الصمود - وهو نجاح ضئيل - كافيا لتقرير مصير المعركة «في 20 سبتمبر 1792» حيث بدأ العدو يتقهقر. وبذلك تسنى إنقاذ فرنسا «على يد ديمورييه». # وفي هذه الأثناء كانت الانتخابات للمؤتمر الوطني قد أجريت، وهي ms0213 انتخابات لم تلاحظ فيها القواعد التي نص عليها الدستور (دستور 1791)، بل اعتبر كل فرنسي بلغ الواحدة والعشرين مواطنا عاملا # Citoyen Actif ~~، واعتبر كل مواطن يزيد على الخامسة والعشرين صالحا لأن يكون ناخبا ونائبا # Elégible ~~، (والانتخاب على درجتين). كما لم توضع قواعد لتقييد العضوية، فصار لكل عضو من أعضاء الجمعية الوطنية التأسيسية السابقة أو الجمعية التشريعية، الحق في أن يكون نائبا في المؤتمر الوطني. # وفي يوم 21 سبتمبر 1792؛ أي في اليوم التالي لمعركة فالمي، اجتمع المؤتمر الوطني، وكان أول قرار اتخذه: إلغاء الملكية، وإعلان الجمهورية في فرنسا. # الفصل الثاني # | المؤتمر الوطني1 # 21 سبتمبر 1792-24 أكتوبر 1795 ~~(1) تأليفه # تألف المؤتمر الوطني من 749 عضوا انتخبوا بالاقتراع العام، ولو أن الذين استعملوا حق الانتخاب كانوا نسبيا قليلين. من هؤلاء الأعضاء (65) سبق أن كانوا أعضاء بالجمعية الوطنية التأسيسية، (164) أعضاء بالجمعية التشريعية. وجرى الانتخاب مباشرة تحت تأثير هياج الخواطر الذي أحدثته مذابح سبتمبر. ولما كان في باريس القومون صاحب الكلمة النافذة، فقد انتخب للمؤتمر الوطني: روبسبيير، دانتون، كوللود يربوا # Collot d’Herbois ~~، كاميل ديمولان، مارا، الدوق دورليان (أو فيليب المساواة). وأما في الأقاليم فقد ساد بها شعور بالغيرة من السيطرة التي كانت للعاصمة من جهة، ثم كان هناك استنكار شديد للحوادث الدامية الأخيرة من جهة ثانية؛ ولذلك فقد فاز الجيروند في معظم الانتخابات. ولم يوجد في المؤتمر الوطني ملكيون أو دستوريون. # وفي داخل المجلس، صار الجيروند هم حزب اليمين المتطرفين. ويعتمدون على ما كان لهم من تفوق عددي في المجلس وسلطان على الوزارة، لا سيما بعد أن استقال منها «دانتون» على إثر انتخابه نائبا في المؤتمر الوطني. وقد أعيد انتخاب الجيروند للقدامى، وهم: فرنيو، بريسو، كوندورسيه، جنسونيه. وكان غرض الجيروند خصوصا إخضاع قومون باريس للطاعة؛ حتى يسترجعوا بذلك السلطة التي فقدوها منذ حوادث 2 سبتمبر، ولكي يحرروا المديريات من ديكتاتورية باريس عليها. # وأما في أعلى مقاعد المجلس إلى اليسار، فقد جلس نواب باريس الذين سبق ذكرهم (روبسبيير، دانتون، كوللود يربوا، كاميل ديمولان، مارا، فيليب المساواة) مع ms0214 حوالي ثلاثين عضوا آخرين عرفوا بسبب ارتفاع المكان الذي جلسوا فيه باسم «الجبل». # 2 # ولم تكن هناك فروق كبيرة بين حزبي الجيروند والجبل؛ لأنهم جميعا كانوا جمهوريين ويعتمدون على الشعب (أو ديماجوجية الجماهير) في تأييد الإجراءات التي يريدون اتخاذها، وينحصر وجه الخلاف بين الحزبين في أن الجيروند أرادوا إنشاء حكومة نظامية، وجعلهم رد الفعل الذي حدث نتيجة للمذابح الأخيرة لا يثقون في جماهير الغوغاء ويميلون نحو الطبقة المتوسطة (البورجوازي). ولما كانوا قد حصلوا على كل ما أرادوه: وهو التفوق العددي في داخل المجلس والسلطان على الوزارة، فقد صاروا الآن من المحافظين. # وأما الجبل، فكان مصمما على ضرورة أن تستمر «الثورة»، وهدف قادة الجبل إلى انتزاع السلطة من أيدي الجيروند، وكانوا على استعداد لقبول أية نتائج قد يسفر عنها تطرف الديمقراطية، ثم استنكروا كل عمل من شأنه تعطيل إرادة الشعب الذي قالوا إنه صاحب السيادة العليا، وعدوا ذلك خيانة. وكان مبعث قوتهم اتحادهم وتكتلهم، ثم تأييد قومون باريس لهم، وقد صار القومون الآن السلطة الأولى في الدولة، وأخيرا قدرتهم على تحريك الجماهير والغوغاء ضد الأكثرية في المجلس. # وإلى جانب حزب الجيروند والجبل، كان هناك عدد كبير من أعضاء المجلس «المستقلين» والذين عرفوا باسم «السهل» Plain # أو المستنقع # Le Marais ~~، يصوتون تارة مع الجبل، وأخرى مع الجيروند، حسبما تمليه عليهم آراؤهم أو مخاوفهم. ~~(2) نشاط المؤتمر الوطني # واتخذ المؤتمر الوطني إجراءاته الأولى بالإجماع؛ لأن هذه كانت لدعم الجمهورية من الناحية القانونية حتى تتخذ الصيغة الشرعية اللازمة لها؛ حيث إن الجمهورية ولو أنها كانت قائمة فعلا منذ يوم 10 أغسطس سنة 1792، إلا أنه لم يكن لها سند قانوني. فكان كما تقدم أول إجراء اتخذه المؤتمر الوطني في 21 سبتمبر 1792 هو إلغاء الملكية وإعلان الجمهورية (أي من يوم 21 سبتمبر)، وبهذا اليوم بدأ العام الأول من الجمهورية. # ولما كان قد انتهى أمر الدستور السابق (دستور 1791) فقد تقرر في يوم 22 سبتمبر أيضا، إعادة انتخاب الهيئات الإدارية البلدية والقضائية، وكذلك قضاة الصلح، ثم أبقيت القوانين ms0215 التي لم تصدر قرارات بإلغائها، وتشكلت لجنة لوضع «دستور» جديد. ولقد أحرز الجيروند في هذه اللجنة وسائر اللجان أكثرية ساحقة. # وحتى يضمن المجلس استيلاء الأمة نهائيا على الأملاك المصادرة، تقرر نفي المهاجرين نفيا أبديا، وإعدام كل من يعثر عليه منهم في الأراضي الفرنسية، أو يؤخذ أسيرا وهو مسلح. # وفي كل هذه الإجراءات، كان الجيروند والجبل على اتفاق كامل، ولكن الاصطدام لم يلبث أن وقع بين هذين الحزبين عندما ناقش المجلس التقرير الذي وضعته الوزارة عن الحالة العامة في الدولة. # فقد استنكر الجيروند المذابح الأخيرة (مذابح سبتمبر ) وطالبوا بعقاب الذين دبروها، وهاجموا دانتون وروبسبيير ومارا «كثلاثية» ذات أطماع خطيرة تريد تأسيس حكم ديكتاتوري. وكان الجيروند يبغون من هذا الهجوم تحطيم «الجبل» وكذلك قومون باريس. ولكن الجيروند كانوا متسرعين؛ فلم يحسنوا تقدير الظروف أو اختيار الوقت المناسب للقيام بهذا الهجوم، ثم أعوزتهم الأدلة والبراهين لتأييد اتهاماتهم ضد اليعاقبة الثلاثة. # وعلاوة على هذا، فقد أضفوا على خصومهم أهمية كبيرة بهجومهم عليهم، فجاءت النتيجة على العكس مما كانوا يريدون، حيث تدعمت سيطرة هذه «الثلاثية» في المجلس، كما تدعمت سيطرة «القومون» في باريس. # فقد استطاع دانتون وهو يدافع عن نفسه، أن يوجه الاتهام ضد الجيروند أنفسهم، فاتهمهم بأنهم يريدون تمزيق وحدة فرنسا وتقسيمها إلى عدد من الجمهوريات المستقلة، بمحاولتهم أن يجعلوا المديريات والأقاليم منفصلة عن باريس (والسلطة المركزية بالعاصمة). وعلى ذلك فقد دار النقاش في المؤتمر الوطني حول الفدرائية (أي الجمهوريات المستقلة التعاهدية)، وهي التهمة التي ألصقها الجبل (اليعاقبة) بالجيروند، والديكتاتورية (أي ديكتاتورية العاصمة والحكم في فرنسا)، وهي التهمة التي ألصقها الجيروند بالجبل. وصارت كل من هاتين التهمتين بمثابة السلاح الذي حاول أن يقضي به كل حزب على غريمه. # ثم تبع روبسبيير زميله دانتون، فتحدث في دفاعه طويلا - وكما كانت عادته - عن الفضائل التي تحلى بها هو. وعندما أراد «مارا» الكلام للدفاع عن نفسه، قوبل بعاصفة استنكار شديدة من جانب الجيروند (أي اليمين المتطرف)، ومن جانب الوسط أو السهل، وحاولوا أن يتجاهلوا وجوده بوصفه «وحشا ms0216 زنيما»، وصاروا يعزون كتاباته إلى أحد الملكيين ممن أرادوا تلطيخ سمعة الثورة، ولكن هذه المعارضة لم تنجح في إسكات «مارا». وانتهى الأمر بأن اضطر الجيروند إلى التخلي عن الاتهام الذي وجهوه إلى هؤلاء الثلاثة، وانتقل المجلس إلى جدول الأعمال. # ولكن الجيروند سرعان ما جددوا هجومهم بعد ذلك، وفي هذه المرة جعلوه مركزا ضد روبسبيير. فطلب الأخير مهلة (ثمانية أيام) كي يتفرغ لإعداد دفاعه. ولقد استطاع روبسبيير أن يدحض الاتهامات الموجهة ضده بمهارة، حتى إن «السهل» اعتبر هذه الاتهامات ناشئة عن مجرد خصومة شخصية بين الجيروند والجبل ، ولا ينبغي أن تعلق عليها أهمية كبيرة. # والواقع أن مسلك الجيروند في مسألة توجيه الاتهام ضد الجبل كان بعيدا كل البعد عن الحكمة والصواب. فالجيروند قد وجهوا اتهامات معينة ضد خصومهم، ولكنهم لم يقدموا الدليل اللازم لإثباتها، ثم إنهم اضطروا إلى التخلي عنها؛ فكانت النتيجة أن زادت «شعبية» خصومهم. # ومع أن الجيروند كانوا قد نجحوا في تقرير أن يجري انتخاب أعضاء القومون من جديد، إلا أنهم لم يتخذوا أية خطوات كي يحولوا دون انتخاب الأعضاء السابقين أنفسهم، وكما حدث فعلا. # زد على ذلك أنهم جعلوا دانتون ينقلب عليهم. وكان دانتون أكثر أعضاء الجبل ميلا للاعتدال، ويرى بعد حوادث المجازر السالفة، من الضروري منع إراقة الدماء، وكان من الممكن استمالته بسهولة إلى ترك زملائه والانضمام إلى الجيروند. ثم إن وزراء الجيروند كانت تنقصهم المقدرة والكفاءة، ولم يكن لهم سياسة مرسومة حقيقية. فكان لكل هذه الأسباب إذن أن أخذ حزب الجيروند ينحل تدريجيا، وفقد الجيروند ما كان لهم من ميزة التفوق العددي في المجلس، فصار لا يزيد عدد من اتحدت كلمتهم عند الاقتراع (أي التصويت) على أية مسألة على ثلاثين عضوا فقط، وحتى هؤلاء كثيرا ما كانوا يختلفون فيما بينهم على المسائل الهامة التي أثيرت في المجلس، وكان هذا الانحلال مبعث الضعف الخطير الذي لوحظ في صفوف الجيروند، في حين امتاز حزب الجبل بالتنظيم القوي المتين. ~~(3) استمرار الحرب # وكان من المنتظر بعد واقعة فالمي (20 سبتمبر ms0217 1792) التي قررت مصير حملة الجيش البروسي في شمبانيا، أن يقضي الفرنسيون على هذا الجيش تماما، لو أن «ديمورييه» نشط في تعقب البروسيين بعد أن أجبروا على التقهقر بسبب تفشي المرض بين جنودهم وقسوة الجو، ولكن بدلا من مطاردتهم آثر «ديمورييه» الدخول في مفاوضة مع العدو على أمل أن ينال لفرنسا نصرا دبلوماسيا عظيما، يحمل بروسيا على الخروج من المحالفة القائمة بينها وبين النمسا ضد فرنسا، ويجعلها تعترف بالجمهورية وتعقد معاهدة للصلح معها. فإن «ديمورييه» كان يعرف أن الدوق دي برنسويك وأكثر الجنود البروسيين يمقتون النمساويين والمهاجرين أكثر مما يمقتون «الثورة»، وأن ملك بروسيا «فردريك وليم الثاني» يريد إنهاء الحرب حتى يتفرغ لمسألة بولندة. ولكن آمال «ديمورييه» لم تتحقق؛ لأن ملك بروسيا كان يريد من جهة أخرى إبرام صلح شامل، ويرى من الجبن التخلي عن النمسا عند أول فشل يصيبها؛ ولذلك فقد حرص «فردريك وليم الثاني» على أن تظل المفاوضات مستمرة حتى يتمكن الجيش البروسي من التقهقر بسلام من الأراضي الفرنسية، وبالفعل فإنه بمجرد أن تم تقهقر جيشه من الأراضي الفرنسية بادر بقطع المفاوضة. # ولقد كان من أثر النجاح الذي أدركه الجيش الفرنسي في «فالمي» أن شعر الفرنسيون بثقة عظيمة في أنفسهم لم تكن لديهم من قبل. فلم يعودوا يقنعون بمجرد الدفاع عن حدودهم، بل أرادوا الآن أن ينشروا المبادئ التي جاءت بها الثورة بطريق القوة المسلحة، وأن يحركوا الشعوب على الثورة ضد ملوكهم وأمرائهم. فأصدر المؤتمر الوطني نداء يدعو فيه الشعوب المتذمرة من حكامها إلى طلب النجدة من فرنسا. ولكن لا ينبغي أن يتبادر إلى الذهن أن هذه الدعوة كانت مجردة من الأنانية والنفع الذاتي؛ لأن الديمقراطية الجديدة كانت ذات ميول عدوانية لا تقل في عنفها عما كان عليه الحال في عهد الملكية ذاتها، فانبعثت من جديد فكرة الوصول إلى الحدود الطبيعية، وبالصورة التي أخذ بها لويس الرابع عشر. # وتعددت ميادين الحرب: ففي سبتمبر 1792 دخل جيش الجنوب «سافوي» للاقتصاص من ملك سردينيا «فكتور أمادوس الثالث» # Amadeus # الذي تحالف مع ms0218 البربون (متأثرا بإقامة المهاجرين في تورين، ومصاهرته للكونت دارتوا). ورحب شعب سافوي بالفرنسيين. وسبب هذا الترحيب أن دوقات سافوي كانوا قد فقدوا نفوذهم على أهل دوقيتهم الأصلية «سافوي» - ولغة هؤلاء الفرنسية - وذلك منذ أن صار الدوقات «قوة» أو «دولة» إيطالية، كملوك لسردينيا بفضل امتداد سلطانهم إلى الجنوب في شبه الجزيرة الإيطالية. # وفي نوفمبر 1792 ضمت كل من سافوي ونيس إلى فرنسا، فتحولت الأولى «سافوي» إلى مديرية فرنسية باسم مديرية «الجبل الأبيض» # Mont Blanc ~~، وتحولت الثانية «نيس» إلى مديرية أخرى باسم «مديرية الألب البحرية» # Maritime Alps ~~. # ثم عهد المؤتمر الوطني إلى الجنرال «مونتسكيو» # Montesquieu ~~- قائد جيش الجنوب - بالهجوم على جمهورية جنيف الأرستقراطية. ولكن «مونتسكيو» كان من النبلاء في «النظام القديم»، فلم يشأ أن يقتحم جنيف، التي وقف على حصارها مدة، بل آثر الدخول في مفاوضات معها؛ فاتهمه المؤتمر الوطني بالخيانة، وهرب «مونتسكيو» لاجئا إلى سويسرة، وتخلصت «جنيف» مؤقتا من الخطر الذي كان يتهددها. # وفي الميدان الألماني، فاقت انتصارات الفرنسيين ما أحرزوه في الميدان الجنوبي؛ فاستولى الجنرال «كاستين» في سبتمبر 1792 على «سبيير» # Speier ~~، و«ورمس» # Worms ~~، وفي 21 أكتوبر سنة 1792 سلمت «ماينز» # Mainz # دون مقاومة. واستطاع الفرنسيون كذلك أن يحتلوا «فرانكفورت» لفترة من الزمن. # وأما في الميدان الشمالي فقد ترك «ديمورييه» الجنرال «كلرمان» يطارد البروسيين، بينما حمل هو الوزارة على الموافقة على غزو بلجيكا، وانتصر «ديمورييه» على النمساويين انتصارا حاسما في معركة «جيماب» # Jemmappes # في 6 نوفمبر 1792، والتي قررت مصير بلجيكا، حين انسحب النمساويون بعد ذلك، وتقدم «ديمورييه» في زحفه حتى بلغ «إكس لا شابل» # Aix-la-Chapelle ~~. ورحب الأهلون في كل مكان بالفرنسيين الذين حرروهم من سلطان النمسا. وإلى جانب هذه الانتصارات كان من المتوقع أن تسقط كذلك هولندة بسهولة؛ بسبب الخلافات السائدة بين أحزابها. # وأراد المؤتمر الوطني أن يفيد من هذه الانتصارات؛ فنبذ ظهريا المعاهدات السابقة، وقرر فتح الشلدت # Scheldet # للملاحة، كما أعلن «أنتورب» # Antwerp # ميناء حرا (6 نوفمبر 1792). ثم أصدر في 15 ديسمبر سنة 1792 قرارا يكشف عن ناحية «البروبجندا» ms0219 في سياسة «الثورة» الخارجية، ويتبين منه مدى عداء المؤتمر الوطني لدول أوروبا، جاء فيه: «يعلن القواد (الجنرالات) في كل بلد تحتله الجيوش الفرنسية: إلغاء السلطات القائمة، إلغاء طبقة النبلاء، والرق، وكل الحقوق الإقطاعية، وكل الاحتكارات، ويعلن القواد (الجنرالات) سيادة الشعب العليا، ويدعون للانعقاد مجالس من السكان لتشكيل حكومة مؤقتة لا يرشح لها موظف من موظفي الحكومة السابقة، أو نبيل من النبلاء، أو عضو من أعضاء النقابات ذات الامتيازات، ويصادر القواد لحساب الجمهورية الفرنسية كل أملاك «الملوك والأمراء» والنقابات المدنية والدينية. وإن الأمة الفرنسية سوف تعامل كأعداء لها أي شعب يرفض الحرية والمساواة، ويريد الإبقاء على أميره أو حاكمه والطبقات ذات الامتيازات، وينبغي الاتفاق والتفاهم مع هؤلاء.» وإلى جانب هذا، فقد كان واضحا أن المؤتمر الوطني يريد تعويض نفقات حروب التحرير من البلدان التي تغزوها جيوشه. # وشرع المؤتمر الوطني يطبق هذه المبادئ في البلدان المفتوحة. ولكن هذه المبادئ طبقت في بلجيكا بصورة لم تلبث أن أدت إلى فتور حماس أهلها من ناحية تحريرهم؛ وذلك لأن المؤتمر الوطني أرسل إلى بلجيكا عددا من المندوبين أو القومسييريين وعلى رأسهم «دانتون»؛ كي ينشئوا بها حكومة جمهورية، فعوملت بلجيكا على أيدي هؤلاء كما لو كانت مقاطعة استولت عليها فرنسا بحق الفتح فحسب، فصادر المندوبون الأملاك، وهاجموا على وجه الخصوص الأديرة ورجال الدين، وأثاروا بعملهم هذا غضب البلجيكيين المعروف عنهم من قديم أنهم دائما شعب متدين. # وغضب «ديمورييه» غضبا شديدا لما حدث، وهو الذي أراد أن ينشئ في بلجيكا دولة محمية (أي تحت حماية فرنسا). فشهد الآن ثمار انتصاراته تضيع بسبب أعمال النهب والسلب التي ارتكبها مندوبو «نادي اليعاقبة»، وعندما فشل «ديمورييه» في حماية البلجيكيين، ودفع الأذى عنهم، لم يلبث أن عاد إلى باريس، ليعلم بمجرد وصوله إليها أن أحداثا خطيرة قد وقعت بها أثناء غيبته عنها. ~~(4) محاكمة الملك وإعدامه # وذلك بأن النزاعات الحزبية ظلت على أشدها في المؤتمر الوطني. ولم يلبث حزب الجبل أن اكتشف وسيلة جديدة يهزم بها خصومه، وتمكنه من السيطرة في المؤتمر؛ ms0220 تلك الوسيلة كانت المطالبة بمحاكمة الملك كعدو للأمة. فإعدام لويس السادس عشر من شأنه أن يفصل فرنسا نهائيا عن تاريخها الماضي القديم، ويتيح الفرصة «للجبل» لإسقاط الجيروند إذا حاول هؤلاء الدفاع عن الملك، فيتهمهم الجبل بأنهم «ملكيون». وعلى ذلك فقد نظم نادي اليعاقبة عرائض كثيرة طالب فيها أصحابها بإعدام الملك. # ولقد أراد «المعتدلون» أن يلفتوا نظر المجلس إلى ضرورة مراعاة أحكام الدستور (دستور 1791) الذي ينص على أن شخص الملك لا يمس، والذي يعين في حالات معدودة عقوبة الخلع فحسب، وكان من رأي هؤلاء المعتدلين أن هذه العقوبة (عقوبة الخلع) قد نفذت فعلا عند إلغاء الملكية وإعلان الجمهورية، وأن ليس في مقدور المؤتمر الوطني أو أية هيئة أخرى أن تفعل أكثر من ذلك، أو أن تتناول هذه المسألة من جديد. وعندئذ أحيل هذا الموضوع على لجنة كي تبحثه. ولكن هذه لم تلبث أن قررت أن للمؤتمر الوطني الحق قانونا في محاكمة الملك. وفي 13 نوفمبر 1792 ناقش المجلس تقرير هذه اللجنة. # وجرت مناقشة عنيفة، حيث اختلف موقف الأحزاب من هذا التقرير عندما رأى الجيروند وجوب تأييد الدستور، بينما رأى «السهل» ضرورة قبول تقرير اللجنة، واتخذ «الجبل» موقفا متطرفا؛ فطالب بإعدام الملك ودون أية محاكمة. وقد تولى قيادة الجبل في هذه المسألة «روبسبيير»، كما اشترك معه «سان جوست» # Saint Just ~~. واستندت دعواهما في ذلك على أن المجلس إنما يتألف من رجال دولة وسياسة ولا يتألف من قضاة، وأن إدانة الملك فصل في أمرها فعلا منذ أن تقرر عزله، وأن الملك المخلوع دائما مصدر خطر على أي نظام جمهوري، وأن الدستور مهما تضمن من نصوص لا يمكن أن يحول دون اتخاذ إجراء تستوجبه ضرورة المحافظة على سلامة الأمة، وبناء عليه طلب روبسبيير وسان جوست إعدام الملك فورا ودون محاكمة، وذلك كما قالا تطبيقا لحق «الثورة» المقدس. # وكانت هذه مقترحات أو مطالب متطرفة، وسرعان ما ضغطت على يد المعارضة؛ فقد خشي الجيروند أن يفقدوا «شعبيتهم» إذا هم ظهروا بمظهر من يريد الدفاع عن الملك، ms0221 فانضموا إلى جماعة «السهل» في الاقتراع على محاكمة الملك أمام المؤتمر الوطني. ~~ وتقرر ذلك يوم 2 ديسمبر 1792. # وكان من العوامل التي ساعدت على الوصول إلى هذا القرار، أن اكتشفت خزانة (دولاب) سرية في قصر التويلري عثر فيها على أوراق الملك ومراسلاته مع «ميرابو» و«بويليه»، وكل الخطط والتدابير التي بحثت، إما لتخليص الملك (وفراره من باريس)، وإما لإرجاع سلطاته المفقودة إليه. وكانت هذه الأوراق الأساس الرئيسي الذي قام عليه «الاتهام» ضد الملك. # وكان لويس السادس عشر منذ 11 أغسطس 1792 سجينا في سجن «الهيكل» # Temple ~~، وكانت قد وقعت عليه منذ أكتوبر عقوبة فصله، وعزله عن سائر أفراد أسرته. وفي 13 ديسمبر بدأت محاكمته أمام المؤتمر الوطني. # ولم يحاول الملك مناقشة سلطات أولئك الذين كانوا متهميه أو خصومه وقضاته في الوقت نفسه. قرأ «بارير» # Barére ~~- رئيس المجلس - الاتهامات الموجهة إليه، وشرع يسأله الأسئلة التي كان قد سبق الاتفاق على سؤاله إياها وعددها 33 سؤالا، وأجاب لويس عليها بهدوء. فأعلن أن وزراءه هم المسئولون عن أعماله العامة، وأنكر أن الأوراق التي وجدت في التويلري صحيحة. ~~ وكان أكثر تأثره في اتهامه بأنه أراق دماء المواطنين يوم 10 أغسطس. # ثم انسحب الملك، وقام نقاش عنيف في المجلس بعد انسحابه. وبالرغم من معارضة «الجبل» تقرر إجابة طلب الملك بأن يتولى الدفاع عنه محامون أمام المجلس. وكان الملك قد اختار لهذه المهمة «تارجيه» # Target # وترونشيه # Tronchet ~~. فرفض «تاريجه»، وتقدم من تلقاء نفسه «مالزهرب» # Malesherbes # متطوعا للدفاع عن الملك، وهو أحد المستوزرين القدماء، وصاحب شهرة كرجل فاضل كريم. # وفي 26 ديسمبر ترافع المحامي ديسيز # Deséze # من قبل مالزهرب وترونشيه. وكان الدفاع قد أعد بمهارة وعناية فائقتين، وبذل المحامون في إعداده مجهودا عظيما. ونزولا عند إرادة الملك لم يتضمن الدفاع طلبا بالرحمة من المجلس. # وفي 27 ديسمبر استؤنف النقاش في المجلس، وأراد الجيروند إنقاذ الملك، ولكنهم لسوء تنظيمهم الحزبي ولضعفهم، لم يجسروا على إعلان رغبتهم في تبرئته، بل اقترحوا بدلا من ذلك أن تستفتى الأمة في هذه المسألة، غايتهم ms0222 من ذلك إرضاء ميولهم الجمهورية من ناحية وذلك بالرجوع إلى الأمة، وتنحية المسئولية عن كواهلهم في مسألة إدانة أو تبرئة الملك من ناحية أخرى. ولكن اليعاقبة سرعان ما حشدوا قاعة المجلس بأنصارهم المشاغبين والمهيجين الذين صاروا يهددون بالموت كل من يحاول من النواب إنقاذ الملك. # وأخيرا انتهى النقاش في يوم 14 يناير 1793 بإلقاء الأسئلة الثلاثة التالية على المجلس: هل لويس كابيه مذنب؟ هل يسمح باستفتاء الشعب؟ ما نوع العقوبة التي يجب أن توقع عليه؟ # فكان الجواب على السؤال الأول بالإيجاب وذلك بالإجماع تقريبا. ورفض المجلس استفتاء الشعب بأكثرية 484 صوتا ضد 292 صوتا. وقبل الاقتراع على السؤال الأخير اقترح «لانجونيه» # Lanjuinais # ضرورة الحصول على ثلاثة أرباع عدد الأصوات عند تقرير نوع العقوبة. ولكن «دانتون» تدخل، واقترح أن تكون الأكثرية المطلقة؛ أي نصف العدد زائد واحد هي التي يؤخذ بها ، وفاز مشروع اقتراح دانتون، ثم حصل الاقتراع على السؤال الثالث بالمناداة على الأسماء، حتى يعطي العضو صوته شفويا. وعمد كثير من الأعضاء إلى بيان الأسباب التي بنوا عليها اقتراعهم، واستغرق هذا وقتا طويلا، مدة (24) أو (25) ساعة من الثامنة من مساء 16 يناير إلى الثامنة والتاسعة من مساء 17 يناير. ~~ واستخدم «الجبل» بفضل اعتماده على جماهير الغوغاء المحتشدة في القاعة، كل وسائل التخويف لإرهاب الجيروند المترددين، وأعطى الجبل هذه الفرصة بطبيعة الحال أن التصويت كان بالمناداة على الاسم شفويا. وأفلح «الجبل» في وسائله الإرهابية هذه لدرجة أن «فيرنيو» الذي دافع دائما عن العدالة وطالب بالرحمة في خطبه الرنانة السابقة، وكان الآن رئيس المجلس، لم يسعه إلا التصويت (أو الاقتراع) على إعدام الملك؛ «لاجتناب الحرب الأهلية». # وكذلك اقترع «فيليب دورليان» أو«فيليب المساواة» على إعدام رئيس الأسرة. ~~ وأخيرا قام «فيرنيو» في جلسة 17 يناير يعلن نتيجة الاقتراع بصوت مرتجف. ~~ فاتضح أن عدد النواب المقترعين (721) والأكثرية اللازمة (361) صوتا. وجرى التصويت على الوجه التالي: (366) إعدام، (67) إعدام بشروط مختلفة، (286) سجن أو نفي، (2) ليمان «في السفن». وبذل الجيروند جهدا أو محاولة أخيرة لإنقاذ الملك؛ فاقترح «بريسو» تأجيل ms0223 تنفيذ حكم الإعدام بعض الوقت؛ خوف الوقوع في حرب ضد الملوك الأجانب. ولكن هذا الاقتراح رفض بأكثرية (34) صوتا. وعلى ذلك فقد سمح للملك في 20 يناير 1793 بأن يودع أسرته الوداع الأخير. وفي 21 يناير 1793 أعدم لويس السادس عشر في ميدان الكونكورد # 3 # بباريس. # وقال «مينيه» # Mignet # في كتابه عن الثورة الفرنسية، تعليقا على إعدام الملك ما يأتي: # وهكذا هلك في سن التاسعة والثلاثين ملك من أفضل الملوك، وإن كان في الوقت نفسه من أضعفهم، وذلك بعد حكم استمر ست عشرة سنة ونصفا قضيت في فعل الخير. لقد أورثه آباؤه وأجداده الثورة. أما هو فكان أكثر من أي واحد منهم صلاحية وقدرة على أن يمنع اندلاعها، أو أن يعمل لإنهائها إذا اشتعلت، حيث كان بوسعه - قبل نشوب الثورة - أن يكون ملكا مصلحا، أو أن يصبح - بعد قيامها - ملكا دستوريا. وهو يكاد أن يكون الأمير (الملك) الوحيد الذي لا أطماع له، ولا شغف أو ولوع بالسلطة، والذي يجمع في شخصه بين السجيتين اللتين تصنعان الملوك الصالحين: الخوف من الله، وحب الشعب. ولقد هلك فريسة أطماع لم يشارك هو فيها بتاتا، هي أطماع أولئك الذين التفوا حوله والتي كان هو غريبا عنها، وأطماع الجماهير التي لم يثرها هو. ولا يتمتع ملك - إلا في حالات قليلة - بوجود ذكريات عنه موضع تقدير، مثلما لهذا الملك. أما التاريخ فسوف يقول عنه: لو أن مزيدا من متانة الخلق كان نصيبه، لكان ملكا فريدا من نوعه. # وقد ترتب على قتل الملك أن تلطخت أيدي عدد كبير من رجال السياسة في فرنسا بدم الملك؛ أي إنهم صاروا «قتلة الملك» # Régicides # وصاروا يعملون ليجعلوا بعيدا ذلك اليوم الذي سوف يقعون فيه في يد أحد أعضاء أسرة الملك وأقاربه؛ ليقتص منهم على ما فعلوه دون شفقة أو رحمة؛ ولذلك فقد صار «قتلة الملك» هؤلاء يبذلون قصارى جهدهم من الآن فصاعدا لإرجاء هذا اليوم بكل وسيلة. الأمر الذي جعلهم يسيرون من تطرف إلى تطرف أشد منه، ومن حرب ضد الملوك ms0224 إلى حرب ضد «الأمم»، وهكذا دواليك، حتى انتهى بهم المطاف إلى تأسيس ديكتاتورية بونابرت، وإنشاء الإمبراطورية النابوليونية في الظروف التي سيأتي ذكرها. # قال «لوي مادلان» # Madelin # تعليقا على حادث قتل الملك: «لقد غيرت الثورة بذلك طابعها، وقطعت كل السبل على نفسها، وصار لزاما عليها كما كتب أحد أعضاء المؤتمر الوطني أن تمضي في طريقها قدما، سواء شاءت ذلك أو لم تشأ. نعم! ولكن بأي جنون تعس! حقيقة لقد أتاح لها الجنون الذي قادها قسرا إلى الإرهاب، الانتصار على طغاة أوروبا انتصارا جسيما؛ لأنهم لما كانوا قد أهلكوا ملكا فقد صاروا مرغمين على إهلاك ملوك الأرض طرا. # وحيث إنهم صاروا معرضين للموت إذا فشلوا، فقد تكاتفوا في إنشاء تلك الأوليجاركية من قتلة الملك، التي ما كان يسعها الاطمئنان إلا يوم أن يؤسس طاغية آخر هو بونابرت، تلك الحكومة القوية التي تعد بوقايتهم أو تجنيبهم الانتقام، ولكن أليس يحق لنا أن نتساءل : هل حقيقة كان الغرض في عام 1789 عندما انبثق فجر الثورة هو إشعال الحروب التي لا نهاية لها، وإقامة الإرهاب الضروري، وتأليف أوليجاركية، وإنشاء ديكتاتورية رجل واحد؟ لأن ذلك جميعه هو ما جعل اقتراع يوم 17 يناير 1793 تسير إليه ثورة الحرية.» ~~(5) آثار قتل الملك: ثورة الفنديه وهزيمة نيروندن # قطعت الثورة إذن على نفسها كل السبل بسبب قتل الملك، ولم يعد في وسعها أن تتراجع، بل لقد سارت في الداخل من تطرف إلى تطرف أعنف منه. وأما من حيث علاقاتها بدول أوروبا، التي يسود بها النظام الملكي، فكان مقتل الملك بمثابة التحدي لها جميعا. فكانت النتيجة المباشرة لمقتل الملك أن تزايد أعداء «الثورة» في الداخل وفي الخارج. # في الخارج نجد أن «دانتون» نفسه قد اعترف بأن المؤتمر الوطني في حادث 21 يناير 1793 (أي حادث إعدام الملك) «قد أعلن الحرب على الملوك، وألقى القفاز في وجوههم طلبا للمبارزة والقتال، ولم يكن هذا القفاز إلا رأس طاغية.» فاستثار قتل الملك دول أوروبا «الملكية» بأسرها، وجعلها تتحالف ضد «الثورة». فقد رأينا كيف ms0225 أن إنجلترة وقفت في الماضي موقف الحياد من الثورة، ولكن مقتل الملك سرعان ما صار الذريعة التي تذرعت بها لتغيير موقفها. وكانت إنجلترة منذ شهر نوفمبر 1792 قد شهدت مصالحها تتعرض للخطر بسبب انهيار الأراضي المنخفضة أمام غزو الجيوش الفرنسية التي احتلت بلجيكا. كما أن الجمهورية الفرنسية قد أعلنت فتح نهر الشلدت للملاحة الحرة، فألحقت الأذى بمصالح الإنجليز الاقتصادية في ميناء أنتورب. # زد على هذا تحريض المؤتمر الوطني الشعوب الخاضعة للحكومات المستبدة على القيام بالثورة للتخلص من استبداد الطغاة - كما قال المؤتمر - حيث استصدر هذا قرارا في 19 نوفمبر 1792 بادر بترجمته إلى كل اللغات، وأعلن فيه باسم الأمة الفرنسية رغبته في مؤاخاة ونجدة الشعوب التي تريد استرجاع حرياتها، وقد أزعج هذا القرار الإنجليز، الذين اعتقدوا علاوة على ذلك أن لا أمل في استمرار سياسة «ديمورييه» الذي أراد «تحرير» بلجيكا؛ لأن فرنسا التي رغبت أصلا في «تحرير» الشعوب لم تلبث أن حركتها أطماع الفتح والتوسع على حساب الأمم المجاورة لها؛ ينهض دليلا على ذلك تصريحات رجال الثورة مثل «دانتون»، الذي أعلن «أن حدود فرنسا قد رسمتها الطبيعة، وسوف تصل إليها في جهاتها الأربع: المحيط، وشاطئ الراين، وجبال الألب، وجبال البرانس. ولن تستطيع دولة منعنا من ذلك.» # وكذلك أعد «آبيه جريجوار # l’Abbé Gregoire ~~»، وهو الذي طالب يوم 22 سبتمبر 1792 باستصدار قانون صريح يعلن رسميا إلغاء الملكية في فرنسا؛ أعد تقريرا في 27 نوفمبر عن توسع فرنسا للوصول إلى حدودها الطبيعية، على شريطة أن تضم إليها الأراضي التي يبدي أهلها «رغبة حرة» في الانضمام إلى فرنسا. وكان وقتئذ قد سبق ان انضمت سافوي ونيس إلى الأراضي الفرنسية، وطلبت مدن وأسقفيات الراين الانضمام إلى الجمهورية الفرنسية. فلكل هذه الأسباب إذن تذرعت إنجلترة بإعدام الملك للدخول في حرب ضد فرنسا. # ومع ذلك فقد كانت فرنسا هي البادئة بإعلان الحرب. وتفصيل ذلك: أن البلاط الإنجليزي أعلن الحداد على وفاة الملك لويس السادس عشر، وخطب «بيت» Pitt # في مجلس العموم فتحدث عن ضرورة الانتقام للجريمة ms0226 التي لا مثيل لها في التاريخ، وأبلغ في 24 مارس 1793 السفير الفرنسي في لندن «شوفيلان» # Chauvelin # بقطع كل علاقة معه، فاستدعي السفير إلى فرنسا، بينما غادر سكرتير السفارة الأول «تاليران» # Tallyrand # لندن، مهاجرا إلى أمريكا. وفي أول فبراير 1793 بناء على تقرير من «بريسو» قرر المؤتمر الوطني إعلان الحرب على إنجلترة، كما أعلن المؤتمر في اليوم نفسه أن الجمهورية الفرنسية في حالة حرب مع هولندة. # وفي 7 مارس أعلن المؤتمر الوطني الحرب كذلك ضد إسبانيا. فمهد ذلك لتأليف المحالفة الدولية الأولى ضد فرنسا. فقد وقع اعتداء على أحد سكرتيري السفارة الفرنسية في رومه، وهو «هوجون دي باسفيل» # Hugon de Basseville ~~، وأعلنت الدولة البابوية الحرب على الجمهورية، ثم تبعتها نابولي، وفلورنسة، وكذلك جمهورية البندقية، ثم الدويلات أو الإمارات الألمانية، وذلك بناء على قرار اتخذه «الدياط» في 22 مارس 1793. ولم يبق خارجا عن نطاق الحرب سوى السلطان سليم العثماني، الذي أساء مقابلة المبعوث الفرنسي في القسطنطينية «ديكورش» # Descorches ~~، ثم سويسرة بالرغم من تهديدات الجنرال «مونتسكيو» في جنيف، وكذلك روسيا رغم أنها قطعت علاقاتها السياسية مع فرنسا ؛ لأن روسيا كانت مشغولة بتقسيم بولندة، وقد وقعت معاهدة التقسيم الثاني مع بروسيا في 23 يناير 1793. وعلى غير ما كان متوقعا، ذهبت بولندة لمقاومة هذا التقسيم، فقامت بها ثورة وطنية تزعمها أحد صغار النبلاء «كوشيوزكو» # Kosciuszko ~~، ففوجئت بها مفاجأة كل من بروسيا وروسيا. # وصارت إنجلترة هي الروح المحرك للمحالفة الدولية. وذلك بفضل الإمدادات المالية خصوصا، التي زودت بها حلفاءها. ومع ذلك فقد أكد «بيت» أن بريطانيا لن تتدخل في شئون أية دولة. فرفض أن يأذن للكونت دي بروفنس شقيق لويس السادس عشر الأكبر في «تجربة العمل»، كما رفض أن يعلن «المهاجرون» أن الملك لويس السابع عشر - ولي العهد - قد وضع تحت حماية إنجلترة. وتمسك الإنجليز بأن غرضهم من الحرب ليس إلا العودة بالحالة في أوروبا إلى ما كانت عليه قبل الحرب؛ أي حرمان فرنسا من ثمرة انتصاراتها في سنة 1792. ولو أن أطماع الإنجليز وحلفائهم كانت ms0227 في الحقيقة أبعد من ذلك كثيرا. # وقد أفاد هذا الخطر الخارجي في أنه أوقف مؤقتا النزاعات الحزبية في داخل المؤتمر الوطني، فاستطاع المؤتمر أن يتخذ قرارات هامة للدفاع عن الجمهورية. ~~ وكان المؤتمر قبل إعدام الملك قد أنشأ في أول يناير 1793 لجنة للدفاع العام، # 4 # وأدخلت عدة تغييرات في وزارة الحرب لتعزيز نشاط هذه الوزارة (3 فبراير). وفي 24 فبراير صدر قرار بتجنيد 300000 مواطن. وهذا إلى أن الحكومة أصدرت من ورق النقد # Assignats # ما قيمته 800 مليون من الفرنكات، ثم ضوعف عدد الحرس الأهلي تقريبا. # ولكن هذه الهدنة التي أوقفت الخلافات الحزبية، ومكنت من اتخاذ هذه الإجراءات، كانت كما ذكرنا هدنة وقتية فقط؛ وذلك لأن الجيروند الذين وافقوا على إعدام الملك، لم يفعلوا ذلك إلا لإنقاذ أنفسهم فقط. وسرعان ما وجدوا الآن أنفسهم مخدوعين فيما أرادوه، حيث استمر «الجبل» وقومون باريس يناصبانهم العداء الشديد، وصار للمتطرفين من أعضاء حزب الجبل، خصوصا «شوميت» # Chaumette # و«هيبير» # Hébert ~~، نفوذ عظيم في القومون، بينما عقد كل من «روبسبيير» و«مارا» العزم على التخلص من خصومهما (الجيروند)، فصارا يحركان الجماهير والغوغاء ضد الخونة الذين حاولوا إنقاذ الملك. # ولم يكن هناك من بين اليعاقبة من يميل إلى الاعتدال غير «دانتون» وحده. فقد أنشأ دانتون وهو في بلجيكا صلات مع «ديمورييه»، وكان على استعداد كامل للاتفاق مع الجيروند، ولكن هؤلاء خضعوا لتأثير مدام رولاند وجوديه، لدرجة حالت دون الاتفاق مع «أولئك الذين أثاروا مذابح سبتمبر»؛ فاضطر «دانتون» مرغما - وذلك لوقاية نفسه - إلى الاستمرار على تأييد زملائه الذين كان يرغب رغبة أكيدة في التخلي عنهم. وارتكب الجيروند خطأ جسيما في عدم الاتفاق معه. # وحاول الجيروند أن يشغلوا المجلس بمشروع دستور جديد، وضعه «كوندورسيه» ولكن دون جدوى؛ لأن الشعور الحزبي كان عنيفا بصورة جعلت متعذرا المناقشة أو البحث في مثل هذه الموضوعات. # ثم سرعان ما تزايدت قوة اليعاقبة بسبب ما وقع من حوادث متلاحقة بعد ذلك. # فقد انتشرت الاضطرابات، ووقعت حوادث عصيان كثيرة في فرنسا في هذه الفترة، من ms0228 ذلك: الشغب والاضطراب الذي حدث في باريس (24-26 فبراير 1793) بسبب انخفاض قيمة «ورق النقد» # Assignats ~~، والمجاعة، وارتفاع أسعار الحبوب، فنهبت المخازن، وتعددت العرائض التي طالب أصحابها بحفظ قيمة ورق النقد، وجعل تداوله إجباريا، وتوقيع عقوبة الإعدام على المختزنين والمحتكرين. وحدث اضطراب أشد عنفا في مدينة «ليون»، حيث طالبت الجماهير بضريبة تصاعدية على رأس المال، وأخرى على الحبوب. ووقعت حركات عصيان كبيرة ضد قرار 24 فبراير الخاص بتجنيد الثلاثمائة ألف مواطن، وذلك في مونتارجي # Montargis ~~(14 مارس). وفي «أورليان» # Orléans ~~(في 16 مارس) حيث قتل مندوب المؤتمر الوطني. وهذا إلى جانب معارضة المجالس البلدية في «روان» و«أميان» لقرار التجنيد والمطالبة بإلغائه. # وأما أخطر الاضطرابات، فقد وقعت في الأقاليم الغربية في الفنديه # Vendée # وغيرها من الأقاليم التي بقيت معقلا للنظام القديم برمته، واحتفظ فيها رجال الدين والنبلاء بكل نفوذهم على الفلاحين خصوصا. وكان سخط أهل «فنديه» وبريتاني # Brittany ~~... إلخ عظيما؛ لأنهم شديدو التمسك بالعقيدة الكاثوليكية، وهم الكثرة في هذه البلاد، ضد القساوسة الدستوريين الذين على الرغم من قلة عددهم كانوا مسئولين على الكنائس والمرتبات ... إلخ. ثم استبد الغضب بأهل «فنديه» والأقاليم المجاورة، عندما صدر قرار تجنيد الثلاثمائة ألف مواطن؛ لأنهم ما كانوا لبعدهم عن الحدود الشرقية يشعرون بالخطر الذي يتهدد فرنسا، ولأنهم لا يريدون أن ينقلوا إلى جهات بعيدة عن مواطنهم؛ ليحاربوا من أجل جماعة امتهنوا عقائدهم الدينية. # ولذلك فإنه بمجرد أن بدأت عملية التجنيد في الأيام الأولى من شهر مارس 1793، قامت الثورة في أقاليم اللوار # Loire ~~، وفنديه، وسيفر # Sévres ~~، وكانت ثورة عاتية، اضطر بسببها المؤتمر الوطني إلى إرسال قوات عسكرية لإخمادها، وقد استمرت العمليات العسكرية حتى نهاية العام نفسه قبل أن يقضي على الثورة القائدان مارسو # Marceau # وكليبر # Kléber ~~، ولو أن بعض العصاة استمروا يناضلون فترة من الوقت بعد ذلك في مستنقعات «بريتاني السفلى». # ولقد حدث هذا العصيان الخطير، في وقت كانت الحرب على الحدود الشرقية تسير فيه ضد صالح فرنسا؛ ذلك أن تعليمات المؤتمر الوطني صدرت إلى «ديمورييه» بغزو هولندة، ms0229 بينما كان يزحف جيش من النمساويين وحلفائهم قوامه مائة ألف جندي بقيادة دوق كوبورج # Cobourg # النمساوي على بلجيكا وماينز، وكانت النمسا وبروسيا قد قررتا استرجاعهما بعد فقدهما في حملة 1792. ~~ فاضطر «ديمورييه» إلى التقهقر بسرعة، ولكنه انهزم في موقعة «نيروندن» # Neerwinden # في 18 مارس، ثم في «لوفان» # Louvin # في 21 مارس 1793. ~~(6) خيانة ديمورييه # ويبدو أن «ديمورييه» قرر من هذه اللحظة الخروج على المؤتمر الوطني، وتنفيذ الخطة التي بدأ يفكر فيها منذ إعدام لويس السادس عشر؛ فقد تقدم كيف أن «ديمورييه» قد ساءه ما فعله «دانتون»، والمندوبون اليعاقبة في بلجيكا، الذين أخذوا ينهبون البلاد بدعوى نشر المبادئ الجمهورية بها، حتى نفر الديمقراطيون البلجيكيون من «الفاتحين» الذين كانوا قابلوهم في أول الأمر وقبل أربعة شهور فحسب «كمحرريهم» ومنقذيهم من طغيان النمسا، وقصد «ديمورييه» إلى باريس ليعرض هذا الموضوع على المسئولين بها، فبلغها أثناء مناقشة المؤتمر الوطني موضوع مصير الملك. فراح «ديمورييه» يبذل قصارى جهده لإنقاذ الملك، ولكن دون جدوى. # واعتقد «ديمورييه» الآن، وبعد هزيمة «نيروندن» أن الفرصة قد صارت مواتية لتنفيذ برنامجه: قلب الجمهورية وحل المؤتمر الوطني، وإعادة الملكية بإرجاع دستور سنة 1791، وتتويج لويس فيليب دورليان دوق دي شارتر # Chartres # ابن فيليب المساواة (والذي حكم بعد ذلك فرنسا من 1830 إلى 1848) ملكا على فرنسا. وكان دوق دي شارتر وقتئذ ملتحقا بجيشه، وحارب معه بفروسية ممتازة في حملتيه (1792، 1793)، وكان «ديمورييه» ينتوي أصلا تنفيذ هذا البرنامج بعد أن يتسنى له إحراز انتصارات باهرة على العدو ترفع من سمعته وقوته. # ولكن بعد هزيمتي «نيروندن» و«لوفان»، والقضاء على هذا الأمل، قرر «ديمورييه» في 23 مارس 1793 الاتفاق مع العدو، فأمضى اتفاقا على الهدنة مع القائد النمساوي «ماك» # Mack ~~، يخلي «ديمورييه» بموجبه بلجيكا، ويتعهد النمساويون «كوبورج» بعدم اقتحام الحدود الفرنسية أو القيام بأية فتوحات. وقد أعلن ذلك «كوبورج»، ولا شك في أن هذا كان «تعهدا» في صالح «ديمورييه» يتيح له الفرصة لتنفيذ مآربه، ولكنه كان يتعارض مع رغبات حلفاء النمسا. # ولم يجعل «ديمورييه» نواياه هذه سرا مكتوما، ثم ms0230 لم يلبث المؤتمر الوطني عندما علم بهذه الخيانة أن بعث إلى «ديمورييه» بأربعة قومسييريين مع وزير الحربية «بورنونفيل» # Beurononville # للتحقيق ولعزل «ديمورييه» من القيادة إذا اقتضى الأمر. فوصل هؤلاء إلى معسكره في «تورناي» # Tournai # في 25 مارس فقبض عليهم «ديمورييه»، ووجه نداء إلى الجيش يطلب منه الزحف معه على باريس لتخليص فرنسا من طغيان المؤتمر الوطني. # وبادر بتسليم قومسييري المؤتمر ووزير الحربية إلى العدو. فأعلن المؤتمر الوطني في 3 أبريل أن «ديمورييه» «خائن للوطن» و«خارج على القانون»؛ أي أهدر دمه. ورفض الجيش أن يتبع «ديمورييه» بل حاول أحد قواده، «دافو» # Davout # أن يقتله بإطلاق الرصاص عليه. وهرب «ديمورييه» ومعه الدوق دي شارتر وحوالي الثمانمائة من رجاله إلى معسكر العدو، وانتقلت قيادته إلى قائد آخر هو «دامبيير» # Dampierre ~~. ولم يسمح «لديمورييه» بعد هذه الخيانة بالعودة إلى فرنسا إطلاقا، فأقام في النمسا، ثم في سويسرة، ثم في جهات أخرى، وقضى حوالي عشرين عاما في إنجلترة حيث صار مستشارا للوزارة الإنجليزية، مسموع الكلمة في أكثر الأحايين، حتى توفي في لندن في سنة 1823. # ولم تكن هذه كل الهزيمة التي لحقت بالجيوش الفرنسية؛ فقد خسر القائد «كاستين» # Custine # خط الراين. ومنذ ديسمبر 1792 استرجع الدوق دي برنسويك مدينة «فرانكفورت»، ولو أنه لم يعبر الراين إلا في 25 مارس 1793 على إثر هزيمة «ديمورييه» في «نيروندن»، واضطر الفرنسيون إلى الانسحاب صوب الجنوب؛ فسقطت «ورمز» و«سبير»، وارتد «كاستين» إلى «لانداو» # Landau # في أول أبريل، ووقف البروسيون على حصار «ماينز». وفي 9 أبريل 1793 اجتمع رؤساء المحالفة في أنتورب لوضع خطة الحملة المستقبلة، وأعلنوا عدم اعترافهم بالهدنة التي منعت «دوق دي كوبورج» من اختراق الحدود الفرنسية، واتفقوا في هذا الاجتماع على توزيع المغانم فيما بينهم، فاحتفظت إنجلترة لنفسها بدانكرك والمستعمرات الفرنسية، واحتفظت النمسا بإقليمي أرتوا # Artois # وفلندرا الفرنسية، واحتفظت بروسيا باسترجاع الألزاس واللورين، بينما كان نصيب إسبانيا المنتظر الاستيلاء على نافار ورسيون # Roussillon ~~. وهكذا أصبحت فرنسا بمثابة «بولندة» جديدة تريد الدول تقسيمها، وتطمع كل دولة في اقتطاع جزء ms0231 من جثمانها. ~~(7) سقوط الجيروند: انقلاب 2 يونيو 1793 # ولما كان «ديمورييه» شديد الصلة بالجيروند، فقد اشتد الهجوم على هؤلاء في المؤتمر الوطني بسبب خيانته. وحاول الجيروند دفع تهمة الخيانة عن أنفسهم بتوجيه الاتهام إلى «دانتون» بأنه كان شريكا «لديمورييه» في نشاطه وفعاله منذ أن تعرف به في بلجيكا. ولكن هذا الاتهام أخفق ولم يسفر إلا عن كسب عداوة الرجل «دانتون» الذي كان أعظم «الديماجوجيين» ميلا إلى السلام. # ومن ناحية أخرى كان لهذه الخيانة ولحوادث المشاغبات والعصيان في باريس وفي الأقاليم، وفي «فنديه» خصوصا، ولهزائم الجيوش الفرنسية على الحدود، أثر عظيم الخطورة من حيث انتشار الرعب والفزع والإرهاب من جهة، واتخاذ المؤتمر الوطني من جهة أخرى لعدة إجراءات، الغرض منها مواجهة الأخطار الداخلية والخارجية على السواء، كان من شأنهما التمهيد للقضاء على الجيروند نهائيا، وإنشاء ديكتاتورية حزب الجبل. # وأما هذه الإجراءات فيمكن إيجازها فيما يلي: # إنشاء محكمة الثورة # Tribunal Revolutionnaire # في 10 مارس 1793، والمسئول أكثر من سواهما عن إنشائها كان روبسبيير ودانتون. # إعلان طوائف معينة من الأفراد الذين اشتركوا في الثورات والاضطرابات المناوئة للثورة أو علقوا الشارة البيضاء وهكذا؛ إعلانهم «خارج القانون» في 19-20 مارس. # إنشاء «لجان للمراقبة العامة» لمنع المؤامرات المناوئة للحرية # Comités de Surveillance Communaux # في وقت تحالف فيه الطغاة في أوروبا ضد الجمهورية، في 21 مارس. # توسيع جديد لاختصاصات لجنة الدفاع العام # Comité de Défense Générale # التي تأسست منذ أول يناير 1793 من 21 عضوا، كلهم تقريبا وقتذاك من الجيروند، فتألفت هذه اللجنة الآن من خمسة وعشرين عضوا؛ لإعداد ووضع كل القوانين والإجراءات الضرورية للدفاع الداخلي والخارجي عن الجمهورية، في 25 مارس. # نزع السلاح من المشبوهين، سواء كانوا من النبلاء السابقين، وغير الملتحقين بالجيش أو بالوظائف العامة المدنية، أو القساوسة المستنكرين، وكذلك الهيئات الإدارية في القومونات والمراكز والمديريات التي تكون موضع اشتباه، في 26 مارس. # استصدار قرار بناء على اقتراح من «دانتون» أعلن خارج القانون جميع الأرستقراطيين وأعداء الثورة، وقرر تسليح المواطنين بالحراب Piques ~~، في 27 مارس. # استصدار ms0232 قانون جديد ضد المهاجرين، أعلن بمقتضاه أن هؤلاء قد ماتوا موتا مدنيا # Civil ~~، وصودرت أملاكهم، ونفوا مدى الحياة، مع توقيع عقوبة الإعدام على كل من يعود منهم إلى فرنسا، في 28 مارس. # استصدار قانون لتقييد حرية الصحافة، مع توقيع عقوبة الإعدام على كل من تثبت إدانته كناشر أو طابع لأقوال تنطوي على التحريض على إلغاء التمثيل الوطني، وإعادة الملكية، والافتئات على سيادة الشعب العليا (أو المساس بها)، وصدر هذا القانون في 29 مارس. # تقرير وقف حصانة النواب، عندما كان «دانتون» موضع شبهة كشريك «لديمورييه» في المؤامرة؛ فقد اجتمع هذا الأخير بثلاثة من اليعاقبة يوم 26 مارس في «تورناي»، يبدو أنهم على اتفاق سابق «بدانتون» في هذه المسألة، وكذلك لارتشائه، وعندما كان الجيروند موضع شبهة كذلك، فصار بفضل هذا الإجراء الذي اتخذ في أول أبريل يحق توجيه الاتهام ضد أي نائب يشتبه في أنه متعاون مع أعداء الحرية وضد الحكومة الجمهورية. # توسيع سلطات المحكمة الثورية التي لم يكن في وسعها حسب قرار تأليفها في 10 مارس 1793 أن تنظر جرائم الخيانة أو التآمر على سلامة الوطن، إلا إذا صدر قرار الاتهام من جانب المؤتمر الوطني ضد الأشخاص الذين يراد محاكمتهم. أما الآن (في 5 أبريل) فقد صار في استطاعة المدعي العام إلقاء القبض على مرتكبي هذه الجرائم ومحاكمتهم، بمجرد أن تتهمهم السلطات بذلك أو المواطنون العاديون. ~~وصار لا يستثنى من هذا الإجراء إلا أعضاء المؤتمر الوطني أنفسهم الذين وجب أن يسبق محاكمتهم صدور قرار الاتهام ضدهم من جانب المؤتمر الوطني، كما كان الحال قبلا. # تأليف حرس من المواطنين في كل مدينة، يختار أفراده من بين أقل الناس ثراء، وتخفيض ثمن الخبز على حساب أهل الثراء العريض، في 15 أبريل. # إنشاء «لجنة الخلاص العام» # Comité de Salut Publique ~~؛ لأن لجنة الدفاع العام لم تف بالغرض الذي أنشئت من أجله، في 6 أبريل. # وقد تألفت لجنة الخلاص العام من تسعة أعضاء من المؤتمر يتجددون كل شهر مرة، وتعقد هذه اللجنة جلساتها سرا، ومن ms0233 مهامها اتخاذ الإجراءات اللازمة للدفاع الداخلي والخارجي معا، على أن يجري تنفيذ إجراءاتها «دون إبطاء»؛ أي إنها كانت ذات سلطات ديكتاتورية. وكان من الواضح أن لجنة الخلاص العام هذه قد انتزعت بحكم قرار إنشائها «سلطات تشريعية» هي من حق المؤتمر الوطني وحده - كما قال الجيروند - أن يمارسها. # وبينما كان يجري تجنيد المتطوعين في الأقاليم، وتقوم الثورة في «لافنديه»، كان الصراع بين الجيروند والجبل يمر في آخر أدواره في باريس، حيث كان «مارا» يقوم في نادي اليعاقبة بإعداد عرائض شعبية؛ لتقديمها إلى المؤتمر الوطني، تطلب القبض على اثنين وعشرين عضوا من الجيروند، وحيث كان «روبسبيير» في داخل المؤتمر يشن هجومه على «بريسو» و«فيرنيو» وغيرهما من زعماء الجيروند. وقد ترتب على هذا الهجوم على نواب المؤتمر أن ائتلافا وقتيا لم يلبث أن نشأ بين حزب اليمين (الجيروند) وحزب الوسط (السهل)، فوجه الحزبان الاتهام ضد «مارا». ولكن محكمة الثورة سرعان ما برأته في 24 أبريل 1793، وسط تصفيق وتهليل جماهير الغوغاء. # وفي الأيام التالية استمر يتزايد هياج الخواطر خصوصا عندما بلغت الجماهير أنباء هزائم الجيش على الحدود، حتى وجد المؤتمر نفسه أخيرا قد صار مهددا بالقوة المسلحة، منذ أن بدأ يعقد جلساته في قصر التويلري في 10 مايو. # وحاول الجيروند دفع هذا الخطر عنهم، فاقترح «جوديه» - أحد زعمائهم - إلغاء السلطات القائمة في باريس - ويقصد بذلك إلغاء قومون باريس خصوصا، إلا أنه كان من المتعذر على الجيروند الاتفاق فيما بينهم، أو توحيد كلمتهم بشأن ما يجب اتخاذه من إجراءات إيجابية. فاقترح حينئذ «بارير» # Barère # وهو من المستقلين، حلا وسطا، هو إنشاء لجنة عرفت بلجنة الاثني عشر (لتأليفها من اثني عشر عضوا) # 5 # لفحص العلاقات التي يجب أن تسود بين المؤتمر الوطني وقومون باريس من جهة، ولاتخاذ الإجراءات الكفيلة بصون الهدوء والسلام، وفحص أمر أولئك الذين قبض عليهم القومون خلال الشهر السابق من جهة أخرى. وكان أعضاء «لجنة الاثني عشر» من الجيروند، ومنهم من كان القومون قد اتهمهم بالخيانة، وطالب المؤتمر الوطني بإلقاء القبض عليهم، وقد ms0234 شجع تشكيل «لجنة الاثني عشر» بهذه الصورة «بريسو» الي وجد الجرأة الكافية الآن لأن يطلب في 22 مايو إلغاء قومون باريس، وإغلاق نوادي اليعاقبة. # وأما لجنة الاثني عشر فقد بدأت عملها فور تشكيلها، بأن أخذت تفحص سجلات الأقسام # Sections # الثورية، وعارضت في تعيين أحد اليعاقبة «بولانجيه» # Boulanger # لقيادة الحرس الأهلي خلفا «لسان تير» الذي ذهب إلى «لافنديه» للاشتراك في إخماد ثورتها. ثم أمرت اللجنة بالقبض على «هيبير» أكبر المحرضين على الاضطرابات، ومن زعماء القومون. فأثارت هذه الإجراءات غضب الباريسيين، وسببت ثورة شعبية عامة في باريس ضد المؤتمر الوطني، الذي أرغمته الجماهير على إطلاق سراح «هيبير» وغيره من أصحاب السراويل الطويلة # Sans-Culottes ~~(أي اليعاقبة) المقبوض عليهم، كما أرغمته على حل لجنة الاثني عشر في 27 مايو 1793. # غير أن الجيروند لم يلبثوا أن استعادوا تفوقهم في اليوم التالي، فأعيد إنشاء اللجنة، وعندئذ قام الغوغاء الذين شعروا بقوتهم بثورة عظيمة في 31 مايو بقيادة «هانريو» # Hanriot # الذي حل أخيرا محل «سان تير» في قيادة الحرس الأهلي. وأراد «روبسبيير» أن يوجه هذه الثورة ضد زعماء الجيروند، ولكن غرض الحركة كان في الحقيقة القضاء على لجنة الاثني عشر. وفازت الثورة بمأربها وانتهى العصيان عندما ألغى المؤتمر هذه اللجنة للمرة الثانية. # وارتاح دانتون لحل «اللجنة» التي اعتزمت فحص حوادث مذابح سبتمبر 1792، ولكن زملاءه: «مارا» و«روبسبيير» خصوصا، أرادوا الظفر بنصر حاسم على خصومهم. فوقع ما يعرف بانقلاب 2 يونيو 1793، # 6 # الذي قضي فيه على الجيروند. # وتفصيل ذلك أن ثمانين مسلحا بقيادة «هانريو»، ومعهم مدفعية كبيرة قد حاصروا يوم 2 يونيو قصر التويلري - مكان اجتماع المؤتمر الوطني - وطلبوا من المؤتمر القبض على أعضاء لجنة الاثني عشر وعلى زعماء الجيروند. وحاول «بارير» إنهاء الأزمة فاقترح أن يعمد النواب (الجيروند) المتهمون إلى إعلان وقف أنفسهم من وظائفهم، وقبل عدد من هؤلاء العمل بهذا الاقتراح؛ للتهدئة ولتسكين أعدائهم، ولكن دون جدوى. وغضبت جماعة من حزب الجبل من هذه الديكتاتورية التي أراد الغوغاء أن يفرضوها على المؤتمر، وهو جمعية وطنية لها حصانتها، ms0235 فخرج المؤتمر بكامل هيئته إلى الأبواب، يأمر محاصريه بالانسحاب وفك الحصار، ولكن «هانريو» بادر بتصويب المدافع على النواب الذين انقلبوا عائدين إلى المجلس وهم في يأس وقنوط لعجزهم. # وعندئذ انتهز «مارا» الفرصة فأعد قائمة بأسماء النواب الذين يراد حبسهم، وهم أعضاء لجنة الاثني عشر ثم اثنان وعشرون من زعماء الجيروند، من بينهم «فرنيو»، «جوديه»، «جنسونيه» # Gensonné ~~، بريسو، «بتيون» وغيرهم. قرر المؤتمر بناء على اقتراح من «كوتون» # Couthon # توجيه الاتهام ضدهم. وألقي القبض على هؤلاء بينما استطاع آخرون الهرب. # وحقق سقوط الجيروند، نتيجة لانقلاب 2 يونيو هذا، انتصار الجبل، ولو أن هذا الحادث قد زاد من حدة الأخطار التي هددت فرنسا؛ لأن كثيرين من الذين قبض عليهم استطاعوا الفرار من الحبس والالتجاء مع غيرهم إلى نورمانديا، حيث حركوا الثورة في «كاين» # Caen # وانحاز إلى جانبهم في الثورة ضد طغيان باريس أكثر من خمسين مديرية. وتجلت روح المعارضة لطغيان باريس وديكتاتوريتها في إقدام «شارلوت كورداي» # Charlotte Corday # على قتل «مارا». فقد جاءت خصيصا من «كاين» بمناسبة الاحتفال بعيد 14 يوليو. وطلبت مقابلة «مارا» (صديق الشعب) بدعوى أن لديها معلومات عن نشاط الجيروند في نورمانديا تريد أن تدلي بها إليه. فلما قابلته وكان في «حمامه» طعنته بخنجرها وقضت عليه في 13 يوليو. # وكانت «شارلوت كورداي» فتاة تبلغ الرابعة والعشرين، تأثرت بقراءاتها الكثيرة لجان جاك روسو وبلوتارك، وتنتمي لأسرة الشاعر «كورنيي» # Corneille ~~، وكانت إلى جانب هذا مخطوبة لأحد رجال الجيروند «باربارو» # Barbaroux ~~، واعتقدت أن بوسعها إنقاذ الجيروند إذا هي ارتكبت جريمة من «جرائم البطولة» بقتل «مارا». ~~ ولما كانت باريس تمجد «مارا»، فقد قضت محكمة الثورة بإعدامها، وماتت على المقصلة في 17 يوليو. # على أن الثورة في هذا الحين كانت قد امتدت إلى «ليون» و«مرسيليا» و«طولون» و«نيم » # Nimes ~~، وغيرها من المدن التي أعلنت استنكارها ضد المؤتمر الوطني. بينما تسلحت في الشمال مقاطعة «كالفادوس» # Calvados # لإعادة الملكية، وهاجمت جيوش «لافنديه» مدينة «نانت»؛ حتى تسيطر على نهر اللوار وتستطيع إنشاء الصلات مع إنجلترة. ولكن هذه الحركات جميعها ms0236 كان يعوزها تنسيق الجهود؛ الأمر الذي شل نشاطها. ثم إن الجيروند ما كانوا يرتاحون للملكيين الذي أرادوا توجيه هذه الثورات لصالحهم. # ومن ناحية أخرى، فإن الغزاة الخارجين سرعان ما استغلوا هذه الاضطرابات الداخلية لتنفيذ مآربهم التي رأينا أنها لم تعد مجرد القضاء على «الثورة» فحسب، بل صارت تقطيع أوصال فرنسا وفتح أقاليم معينة منها لحسابهم. وانهزمت جيوش «الثورة» في كل مكان. فسقطت ماينز في 23 يوليو، وكان البروسيون قد وقفوا على حصارهم منذ 14 أبريل، ودافع عنها «كليبر» وغيره من القواد، ولكن دون جدوى. وكان نصيب القائد «كاستين» الفشل بعد انتصاراته الأولى، واجتاز «كوبورج» - القائد النمساوي - الحدود زاحفا على كونديه # Condé # وفالنسيين # Valenciennes ~~، فسقطتا في 15، 28 يوليو بالتوالي، وانفتح بذلك الطريق وللمرة الثانية إلى باريس. وزحف الإنجليز على «دانكرك»، والبروسيون على «ويزنبورج» # Wissenbourg # و«لانداو». وعلاوة على ذلك فقد هزم الإسبان الفرنسيين في البرانس، وغزا عشرون ألفا من البيدمونتيين فرنسا من ناحية الألب، وأعلنت الحكومة الإنجليزية الحصار على كل الموانئ الفرنسية، وباتت العاصمة «باريس» مهددة بالمجاعة. ~~(8) ديكتاتورية الجبل: «حكومة لجنة الخلاص العام» # وكان في هذه الظروف الدقيقة: الاضطرابات والثورات في الداخل والهزائم على الحدود وخطر الغزو من الخارج، أن سيطر حزب الجبل على توجيه شئون الحكم في فرنسا. وقد ظهرت آثار ديكتاتورية الجبل أولا: في تعطيل «الدستور» الذي أراده الجيروند، ووضع مشروعه «كوندورسيه» ثم أنجزه «الجبل» بعد أن قضى على الجيروند في انقلاب 2 يونيو 1793، فلم يضعه موضع التنفيذ، وأبقاه معطلا حتى نهاية عهد المؤتمر الوطني. # وثانيا: في إنشاء تلك الحكومة التي عرفت في تاريخ الثورة باسم حكومة لجنة الخلاص العام، والتي سيطرت على شئون الحكم في فرنسا وحكمت البلاد حكما ديكتاتوريا مدة سنة تقريبا من يوليو 1793 إلى يوليو 1794. ~~(8-1) دستور سنة 1793 (دستور السنة الثانية) # فقد ذكرنا عند الكلام عن نشاط المؤتمر الوطني، أن لجنة قد شكلت لوضع دستور جديد بدلا من دستور 1791 الذي انتهى العمل به، وذكرنا أن هذه اللجنة تألفت أكثريتها من الجيروند، كما ذكرنا أن ms0237 هؤلاء أرادوا إشغال المجلس أثناء اشتداد النضال بينهم وبين الجبل، بتقديم مشروع دستور وضعه كوندورسيه؛ ليناقشه المجلس، ولكن دون جدوى. # وواقع الأمر أن «الجبل» ظل يبذل قصارى جهده لتعطيل أعمال لجنة الدستور، واستمر الحال على ذلك حتى حدث «انقلاب 2 يونيو» وتخلص الجبل من الجيروند نهائيا. وعندئذ صار من صالح «الجبل» التعجيل بإصدار الدستور؛ وذلك حتى ينفي عن نفسه تهمة الطغيان التي ألصقها به الجيروند. وحتى يستميل الأمة إلى مناصرته، لا سيما وقد زال خصومه الآن من الميدان. فتسنى إنجاز مشروع الدستور في ستة أيام فقط، وضعه «هيرو دي سيشل» # Herault de Séchelles # وقدمه إلى لجنة الدستور في 9 يونيو، فقبلته اللجنة في 10 يونيو، وتلاه صاحبه على المؤتمر في اليوم نفسه، واعتمده المؤتمر الوطني بعد مناقشته في 24 يونيو 1793. # ويتألف دستور 1793 من «إعلان لحقوق الإنسان» في 35 مادة، ومن قانون الدستور نفسه في 124 مادة. # أما «إعلان الحقوق» فقد جاء فيه أن الإعلان قد حصل في حضرة الكائن الأعظم. # 7 # وتجددت في هذا الإعلان الحقوق التي ذكرها إعلان سنة 1789، وزيد فيه نص على وجوب أن يكون «التعليم» في متناول الجميع، وأن يكون «العمل» متوفرا للجميع كذلك، وأن تمد يد المساعدة لكل من يحتاج إليها. ونص الإعلان على أن الغاية من الاجتماع الإنساني هي توفير السعادة للناس، كما ذكر أن للناس الحق في مراجعة وتعديل وتغيير دستورهم، حيث إنه لا يحق لجيل معين أن يتحكم بفضل دستور يضعه في الأجيال المقبلة. واختتم الإعلان بنص يوجب القيام في وجه الحكومة إذا اعتدت هذه على حقوق الشعب: «عندما تعتدي الحكومة على حق الشعب، يكون حق الثورة من أقدس الحقوق، والتي لا يمكن الاستغناء عنها.» # وواضح أن هذا النص إنما ينطوي على تقرير شرعية انقلاب 2 يونيو، وسقوط حكومة الجيروند. # وأما الدستور نفسه، فقد جعل لكل مواطن يبلغ الواحدة والعشرين حق الانتخاب في المجالس الأولية أو الابتدائية في الكانتونات. وأعضاء هذه المجالس هم الذين ينتخبون مباشرة النواب، وأعضاء البلديات، وقضاة الصلح، وهم ms0238 الذين ينتخبون كذلك «الأعضاء الناخبين» # élécteurs # في «المجالس الانتخابية» # Assemblée Électorale # في كل المديريات. وجعلت مدة النيابة سنة واحدة. وذلك في مجلس تشريعي واحد # Corps Législatif # يقترح القوانين، وجعلت مدة حق الاعتراض على هذه القوانين أربعين يوما يسقط بعدها هذا الحق وتقرر حق الاعتراض، على أساس أن الشعب هو صاحب السيادة العليا، ومن الضروري لذلك الرجوع إلى الأمة في كل القوانين التي تصدر. فإذا لم يعترض أي قومون من القومونات عليها صارت نافذة. وأما السلطة التنفيذية فقد وضعت في يد مجلس تنفيذي # Conseil Exécutif # يتألف من 24 عضوا، تنتخبهم الهيئة التشريعية من كشف يحوي أسماء 84 مرشحا، وتعد هذا الكشف المجالس الانتخابية في المديريات بنسبة واحد عن كل مديرية، ويتجدد نصف هؤلاء الأعضاء سنويا. # وأخيرا، نص الدستور في مواده من المادة (118) إلى المادة (121): على أن الشعب الفرنسي صديق وحليف طبيعي للشعوب الحرة، وأنه لا يتداخل في شئون الأمم الأخرى الداخلية، وكذلك لا يحتمل أن تتداخل هذه الأمم في شئونه، وأنه يرحب بكل اللاجئين الذين يأتون إليه من البلدان الأجنبية، مشردين ومنفيين من أوطانهم، من أجل قضية الحرية، ولكنه يرفض أن يلجأ إليه طاغية من الطغاة. # ومما يجب ذكره أن هذا الدستور قد عدد حقوق المواطنين المدنية. فذكرت «المادة 122» أن منها المساواة والإخاء والأمن والملكية (التملك) وحرية العبادة، والتعليم العام وحرية الصحافة والدين العام، والتمتع بكل حقوق الإنسان: حق الاجتماع وتأليف الجمعيات الشعبية، وحق تقديم العرائض ... إلخ. ~~ ولكن هذا الدستور لم يذكر شيئا عن «واجبات» الإنسان، فلم يختلف في هذه الناحية عن دستور سنة 1791. # ولقد اقترع على هذا الدستور المؤتمر الوطني نهائيا في 24 يونيو، ثم تمشيا مع روح الدستور نفسه - أي واجب الرجوع إلى الأمة - عرض الدستور على المجالس الأولية أو الابتدائية في الأقاليم للاقتراع عليه: في باريس من 2 إلى 4 يوليو، وفي الأقاليم من 14 إلى 22 يوليو، ثم في 4 أغسطس. وقد قبلت الأمة الدستور. # ولكن يجب ملاحظة أن سواد الشعب لم يكن متحمسا للتصويت، فمن بين ms0239 سبعة ملايين ناخب لهم حق التصويت، استخدم هذا الحق مليونان فقط، ومع أن المعارضين للدستور كانوا قلة، حيث لم يقترع ضده ولا ناخب واحد في باريس، في حين بلغ عدد المعارضين في الأقاليم من 15 إلى 16 ألفا فقط، فالذي يجدر ذكره أن الاقتراع كان بالمناداة بالاسم، وأن من بين الموافقين كان (100000) طالبوا بإدخال تعديلات على الدستور، وكان من مطالبهم الإفراج عن نواب الأمة المقبوض عليهم في انقلاب 2 يونيو 1793. # ولكن هذا الدستور لم يوضع موضع التنفيذ أبدا. فيقول «لوي مدلان»: أما وقد أمكن بلوغ النتيجة التي ظلت منشودة زمنا طويلا، فقد رئي أن هذا الدستور الذي بلغ حدا من الصرامة لا يجعله ملائما لطبيعة الفرنسيين دستور طيب جدا بحيث لا ينبغي المجازفة باستخدامه حتى لا يتحطم! ولكن حتى لا يشك امرؤ في وجوده، فقد أودع هذا الدستور في صندوق، وأغلق عليه، ووضع هذا الصندوق وسط ردهة المؤتمر، في مكان غير مناسب بتاتا. وهكذا كما قال «بارير» وهو متنبئ آخر متصف بالهدوء والرزانة: «لقد صار هذا الصندوق قبره!» ~~(8-2) لجنة الخلاص العام # وهذه اللجنة كما تقدم تأسست في 6 أبريل 1793، وأعيد انتخاب أعضائها منذ ذلك التاريخ. ولكن لم يلبث أن طرأ تغيير على تأليفها في 10 يوليو، عندما أنقص عدد أعضائها من ستة عشر عضوا إلى تسعة أعضاء فقط، ثم خرج منها «دانتون» وصارت تتألف بعد هذا التاريخ من: روبسبيير (منذ 27 يوليو)، وسان جوست، وكوتون، وبيللوفارن، وكوللود يربوا (والأخيران منذ 6 سبتمبر) إلى جانب «بارير» وكذلك «كارنو» # Carnot ~~(منذ 14 أغسطس). # ولقد عرفت هذه اللجنة باسم «لجنة السنة الثانية الكبرى». # 8 # وقد عرفت الفترة التي مارس خلالها هؤلاء أسباب السلطة باسم «حكومة لجنة الخلاص العام»، وامتدت هذه الفترة على وجه التحديد من 10 يوليو 1793 إلى 27-28 يوليو 1794. # وتألفت حكومة لجنة الخلاص العام، من «هيئة حاكمة» أو من رجال دولة # H’ommes d’état # عددهم خمسة: فأشرف روبسبيير على التعليم والفنون الجميلة، و«سان جوست» على التشريع والقوانين، و«كوللود يربوا» و«بيللو فارن» ms0240 و«كوتون» على شئون السياسة الداخلية، والمراسلات مع أعضاء البعثات الموفدة في مهمات، ومع السلطات الإدارية. ثم قامت إلى جانب هذه «هيئة تنفيذية» من الرجال المنفذين # Hommes d’exécution # وكانوا «هنري دي سيشل» لشئون السياسة، و«جان بون أندريه» # Jean Bon-André # لإدارة البحرية، و«كارنو» لتنظيم الجيش «وتدبير النصر»، ثم كل من «بريور» Prieur # نائب المارن، و«بريور» نائب كوت دور # La Lôte d’or ~~، و«روبير ليندت» # Robert Lindet # لشئون الإدارة الحربية ومصانع الجيش وخدمة المستشفيات والنقل، وأخيرا «بارير» للإدارة المالية، كما عهدت إليه أعمال السكرتيرية العامة وإعداد التقارير وتقديمها للمؤتمر. # ولقد كان هؤلاء الرجال يمارسون «حكما مطلقا» في فرنسا، حيث قد اقتضت مواجهة الأخطار الداخلية والخارجية التي تعرضت لها البلاد وقتئذ أن يتزايد تركيز السلطة بها، وتولت «لجنة الخلاص العام» معالجة الموقف مستندة على سلطاتها الديكتاتورية. # فكان مما عالجته لجنة الخلاص العام الأزمة المالية، وذلك بأن فرضت على الأغنياء الاكتتاب إجباريا في قرض داخلي، أرادت أن تسد به العجز الحاصل في الميزانية. ثم إنها تناولت الشئون الخارجية، فكان من إجراءاتها - لمواجهة الموقف - أنها بادرت بإعلان «التعبئة العامة» # Levée en Masse ~~: «بأن يذهب الشبان إلى ساحات القتال، وبأن يصنع الأزواج السلاح وينقلوا الإمدادات، وبأن يصنع الزوجات الخيام والأقمشة، وأن يخدمن في المستشفيات، وبأن يمزق الأطفال الثياب البالية الكتانية؛ لعمل مشاقة منها، وبأن يذهب العجائز إلى الميادين والمحال العامة؛ ليشجعوا المحاربين، وليشعلوا نار الكراهية ضد الملوك.» # ولمعالجة الثورات الداخلية، ومجابهة العدو الداخلي، اتخذت لجنة الخلاص قرارا في 6 سبتمبر 1793، بوضع جيش ثوري من ستة آلاف من المشاة، وألف ومائتين من المدفعية تحت تصرف اللجنة؛ ليقوم بتنفيذ أوامرها في كل أنحاء فرنسا. وفي 17 سبتمبر صدر «قانون المشبوهين» # 9 # لتعقب ومطاردة «المناوئين للثورة» والمشتبه في أمرهم. ويدخل في عداد هؤلاء، كل من يبدو من مسلكه أو علاقاته بالغير أو في كتاباته وأقواله أنه عدو للحرية، وضالع مع الطغيان أو الملكية أو الفدرائية؛ أي الدولة التعاهدية؛ لأن هدف الثورة هو الوحدة القومية، وليس إنشاء جمهوريات مستقلة منفصلة في الأقاليم، ms0241 وكان الغرض من النص على الفدرائية تعزيز النظام المركزي تحت سيطرة العاصمة؛ أي باريس. # ويدخل في عداد المشتبه في أمرهم كذلك، كل أولئك الذين يعجزون عن القيام بواجباتهم كمواطنين، ثم الذين رفضت السلطات إعطاءهم «الشهادات المدنية» # 10 # للتدليل على أنهم مواطنون طيبون صالحون، ثم الموظفون الذين يوقفهم المؤتمر عن مباشرة وظائفهم، أو القومسيريون الذين كانوا تابعين له، ثم لا يعادون إلى وظائفهم، ثم أقرباء المهاجرين، الذين لا يظهرون دائما شعور الولاء «للثورة»، والمهاجرون الذين لم يعودوا للوطن في المهلة التي حددتها القرارات لهم. # وعلاوة على ذلك، فقد وضعت «تسعيرة» للغلال والمواد التموينية الأخرى؛ تجنبا لخطر المجاعة، واعتبر «مشبوها» كل تاجر يترك تجارته، ولا يلبث أن يتعرض للحكم عليه بالإعدام إذا هو عمد إلى تخزين المواد الغذائية. # وأخيرا، فإن المؤتمر الوطني لم يلبث أن نقل سلطاته نهائيا إلى لجنة الخلاص عندما رئي إغفال الدستور - دستور السنة الثانية (1793) - بدعوى استحالة تنفيذ القوانين الثورية ما لم تكن الحكومة ذاتها - كما قال «سان جوست» - حكومة ثورية. ولقد استمر «سان جوست» يقول: إن على الدولة واجب إطعام المتعطلين، وإخماد الثورات، وإنقاذ الشعب، وتلك مشكلة ضخمة لا سبيل إلى إيجاد حل لها إلا «بتقويم الحكومة بأسرها». # وعلى ذلك فقد أصدر المؤتمر الوطني قرارا في 10 أكتوبر 1793 ذا شقين: فهو قد أعلن رسميا؛ أولا: أن حكومة فرنسا المؤقتة سوف تكون ثورية إلى أن ينعقد الصلح، والحكومة المؤقتة هنا كانت «المجلس التنفيذي المؤقت»، # 11 # وهي مؤقتة لأن دستور 1791 كان قد ألغي، في حين أن دستور 1793 معطل. فأعطى هذا القرار حكومة الثورة القائمة فعلا - وهي لجنة الخلاص - الصبغة الشرعية اللازمة لها، كما تأجل بمقتضاه تنفيذ دستور 1793 نهائيا حتى ينعقد الصلح بين فرنسا والدول. # ثم إن هذا القرار ثانيا: وضع تحت مراقبة وإشراف لجنة الخلاص (المجلس التنفيذي المؤقت) والوزراء والقوات والهيئات الإدارية ... إلخ؛ فألغى القرار فعلا نتائج الانتخابات الشعبية (للهيئات الإدارية وما إليها)، وأخضع كل موظفي الدولة في السلك المدني وفي الجيش كذلك لسلطان لجنة الخلاص. ms0242 # وفي 2 ديسمبر 1793 اتخذ المؤتمر الوطني قرارا تقدمت بمشروعه لجنة الخلاص أعلن أن: «المؤتمر الوطني المركز الوحيد الذي يصدر عنه نشاط الحكومة.» وواضح أن ذلك كان خرافة أو زيفا قانونيا، ولكن لم يكن هناك مناص من القول بها حتى يتسنى إعطاء أقل صيغة شرعية ممكنة لمجلس كان يجب أن ينفض بعد أن أدى الغرض من اجتماعه، وهو إنهاء وتصفية الملكية، وإعلان الجمهورية، وبعد أن خرج عليه نصف أعضائه، وتوزعت السلطات التي كانت له بين مختلف اللجان التي أقيمت، وخصوصا «لجنة الخلاص العام» التي استأثرت بكل أسباب السلطة الفعلية والحكم. وكان بمقتضى هذا القرار أن صارت لجنة الخلاص العام هي الحكومة الثورية «قانونا» في فرنسا. # ولقد كان بفضل هذه الإجراءات (أو القرارات) إذن، أن تمكنت حكومة لجنة الخلاص من إخماد الثورات والاضطرابات الداخلية من جهة، وإدارة الحرب بنجاح، وإلحاق الهزيمة بالعدو من جهة أخرى. وزيادة على ذلك فقد ساعدت هذه القرارات على قيام عهد الإرهاب الذي انتهى بسقوط روبسبيير وانتهاء لجنة الخلاص ذاتها. # أولا: إخماد الثورات والاضطرابات الداخلية # فقد انهزم الملكيون الثوار في نورمانديا، واستطاع مندوبو المؤتمر الوطني الدخول إلى «كاين» في 3 أغسطس 1793. وتلا ذلك أن سلمت «بردو» مركز المقاومة في الغرب، وقبلت الدستور. ثم سقطت مرسيليا في الجنوب في 23 أغسطس، وحاصر القائد «كلرمان» مدينة «ليون» التي سقطت بعد أن تكبدت خسائر فادحة (في 9 أكتوبر)، وقرر المؤتمر الوطني «إزالتها» وإقامة عمود في مكانها منقوش عليه: «لقد حاربت ليون ضد الحرية فأزيلت (أو محيت) من الوجود.» # وفي 19 ديسمبر أخضع نابليون بونابرت طولون الثائرة، والتي كان يحميها الأسطول الإنجليزي بقيادة أمير البحر هود # Hood # الذي استنجدت طولون به. وأما ثورة «لافانديه» التي بدأت تعنف منذ مارس 1793، فقد استطاع الفلاحون في مدى شهرين أن يسيطروا على الإقليم بأكمله، ويهزموا جيوش المؤتمر وأن يطردوها إلى ما وراء نهر اللوار، واستمرت الثورة إلى أن قضى عليها كما ذكرنا الجنرال «كليبر» وزميله «مارسو» في ديسمبر سنة 1793. وحاول ثمانون ألفا من أهلها (أهل ms0243 فنديه) الفرار إقليم «بريتاني» حيث استمرت بها بعض الوقت حرب متقطعة ضعيفة، ولكن هذه العمليات أخفقت، وتشتت الثوار، وقررت لجنة الخلاص إبادة سكان «لافنديه» حيث إنه من المتعذر تهدئتهم، فأعدم كثير من أهلها. وعلى ذلك فإنه لم ينقض عام 1793 حتى كانت فرنسا بأسرها قد خضعت للمؤتمر الوطني، وصار قومسييرو أو مندوبو المؤتمر يتمتعون في الأقاليم بسلطات مطلقة تعادل ما كانت تتمتع به «لجنة الخلاص» من سلطات مطلقة في باريس. # ولقد كان من أسباب ضعف المقاومة ضد اليعاقبة ولجنة الخلاص العام ذيوع الاعتقاد بين سواد الشعب بأن وجود سلطة مركزية قوية ضروري حتى يمكن إنقاذ فرنسا من خطر الغزو الخارجي. # ثانيا: إدارة الحرب # وكذلك نجحت إدارة الحرب، ولازم التوفيق فرنسا عندما دب الخلاف بين النمسا وبروسيا بعد سقوط «ماينز» في أيدي البروسيين في 23 يوليو 1793؛ فمنع هذا الخلاف البروسيين بعد استيلائهم على ماينز من الزحف على باريس، ففاتت عليهم فرصة إخضاع العاصمة وكسب الحرب. وأما سبب هذا الخلاف فهو أن ملك بروسيا «فردريك وليم الثاني» (1740-1797) كان يريد الحيلولة دون أن تستبدل النمسا بفاريا ببلجيكا، بينما كانت النمسا تقف كل جهودها على التوغل في فرنسا الشمالية والألزاس وضم فتوحات جديدة إليها في هذه الجهات. ودب النزاع كذلك بين «كوبورج» القائد النمساوي و«دوق يورك» قائد القوات الإنجليزية الواقفة على حصار «دانكرك»، ورفض «كوبورج» مساعدة الإنجليز في هذا الحصار. # وقد حدث هذا الخلاف بين الحلفاء في الوقت الذي ساد فيه الخلاف كذلك في الداخل بين الثوار (الملكيين) و«الجيروند». فانتهز اليعاقبة (لجنة الخلاص العام) هذه الفرصة لتعبئة كل الجهود لإنقاذ الوطن. واستطاع «كارنو» - الذي تسلم في حكومة «لجنة الخلاص» إدارة الحرب - تنظيم ثلاثة عشر جيشا، وأدخل تغييرات هامة فاستبدل بالقواد الأرستقراطيين القدامى أمثال «كاستين» و«مونتسكيو» رجالا ممن ترقوا من الصفوف، مثل «جوردان» # Jourdan # و«هوش» # Hoche # و«بيتشجرو» Pichegru ~~، فأعاد هذا التغيير الاتحاد في الرأي والهدف بين قواد الجيش والحكومة المركزية. ثم إن تحول أغراض الحلفاء إلى الرغبة في الفتح والتوسع على حساب فرنسا بدلا ms0244 من نكران المصلحة الذاتية والنفع الخاص، على نحو ما كانوا يعلنونه في بادئ الأمر، لم يلبث أن صرف عنهم شعور العطف الذي ساد قبلا نحوهم بين بعض طبقات الشعب الفرنسي. # وعلى ذلك، فقد اضطر الإنجليز إلى رفع الحصار عن «دانكرك » في 6 سبتمبر 1793، وانهزم الإنجليز والهانوفيربون في معركة كبيرة في هوندشوتن # Hondschoten # بعد ذلك بيومين. بينما انتصر «جوردان» على النمساويين في «واتيجنيز» # Wattignies # في 16 أكتوبر، وكان قبل ذلك قد تمكن «هوش» من هزيمة جيش «نمساوي-بروسي» في 25 سبتمبر، وأرغم «بيشجرو» النمساويين بقيادة ورمزر # Wurmser # على الارتداد عبر الراين. واسترجعت جيوش «هوش» و«بيشجرو»، ومع هذه الجيوش مندوب المؤتمر «سان جوست» ليشجع الجنود ويستحثهم على القتال، استرجعت «وايزنبرج» # Weissenberg ~~. # وتلك جميعها انتصارات باهرة. لم يطفئ بهاءها سوى تلك الإجراءات العنيفة التي اعتقد «الجبل» و«لجنة الخلاص» أنهما على حق في اتخاذها ضد أعداء الوطن الداخليين المتآمرين على «الثورة»، وهي الإجراءات التي أوجدت عهد الإرهاب. ~~(9) عهد الإرهاب # 12 # أوجدت حكومة لجنة الخلاص العام عهد الإرهاب الذي أقيم بدعوى القضاء على أعداء الثورة الداخليين من المناوئين للثورة والمتآمرين عليها. واستندت حكومة لجنة الخلاص العام في تعقب هؤلاء المناوئين والمتآمرين، ونشر الإرهاب، على طائفة من القرارات التي اتخذها المؤتمر الوطني، وأهمها: القرارات التي صدرت في 5 مارس 1793، وبمقتضاها صار تقوية «المحكمة الثورية» - التي عرفنا أنها أنشئت في 10 مارس 1793، وتوسعت اختصاصاتها في 5 أبريل - فقد رفع الآن عدد قضاتها إلى سبعة عشر قاضيا، وكانوا أصلا سبعة ثم زيدوا إلى عشرة. وبمقتضى قرارات 5 سبتمبر تعين خمسة لمساعدة المدعي العام المسمى فوكييه تانفيل # Foquier Thinville # كمناوبين له. # وكذلك تقرر تقسيم المحكمة الثورية إلى أربعة أقسام، يعمل كل اثنين منها معا مرة بالتناوب حتى تسير الأعمال بسرعة، وكذلك تقرر إنشاء «جيش ثوري» من 6000 من المشاة، 1200 من الفرسان؛ لضمان تموين باريس وإحباط المؤامرات الأرستقراطية، ثم تقرر «تعويض» أو إعطاء مكافأة مالية قدرها أربعون صلديا لأصحاب السراويل الطويلة (سان كيلوت) الذين يحضرون جلسات مجالس الأقسام (وقد أنقصت ms0245 هذه إلى جلستين أسبوعيا)، ثم إلغاء القرار الذي كان يمنع الموظفين - تحت طائلة عقوبة الموت - من تفتيش المنازل أو إلقاء القبض على المواطنين أثناء الليل، بل صار الواجب على المواطنين «أن يفتشوا عن الأعداء في أوكارهم أو جحورهم، و«صار» لا يكاد يكفي للقبض عليهم النهار ولا الليل بطولهما.» # وفي 13 سبتمبر 1793 حصلت لجنة الخلاص العام من المؤتمر الوطني على حق تجديد تشكيل لجنة الأمن العام، # 13 # والتي كانت تألفت منذ أكتوبر 1792، والتي كان لها الإشراف على أعمال البوليس وإدارة القضاء، والتي كان للجنة الخلاص السلطة في دعوتها للاشتراك في المباحثة معها لتنسيق العمل. ولو أن لجنة الأمن العام كان لها كيانها الخاص بها. # فأخرج من لجنة الأمن العام كل الذين اتهموا باستغلال النفوذ لحماية المتعهدين (للتموين والجيش) أو أصحاب البنوك ... إلخ، وتعين بدلا منهم أعضاء من أنصار لجنة الخلاص العام والخاضعين لنفوذ هذه اللجنة. وزيادة على ذلك فقد أجيز (للجمعيات الشعبية) # 14 ~~«وفي الأقسام للمواطنين الذين لا يحضرون مجالس الأقسام» أن ترشد لجنة الخلاص العام إلى الأشخاص الذين يفرطون بواجباتهم المدنية أو المشتبه فيهم، خصوصا المتعهدين لتزويد الجيش بحاجاته. # وفي 17 سبتمبر 1793 صدر قانون المشبوهين الذي سبق الحديث عنه لتحديد فئات المشبوهين الذين يجب الإرشاد عنهم. # ولقد بدأ الإرهاب في باريس بأن امتلأت سجونها (التي تقدم ذكرها) بأكثر من خمسة آلاف «مشتبه في أمرهم»، قبض عليهم بمقتضى «قانون المشبوهين». وبدأت محكمة الثورة عملها بنشاط وهمة بعد أن ظلت بلا عمل تقريبا منذ إنشائها في 10 مارس سنة 1793، وقال «باراس» # Barras # ما معناه: «يجب أن تبدأ بقتل خصومك على المقصلة أو تنتظر حتى يقتلك بها هؤلاء.» # وكان النائب «جروساس» # Grosas # أول من أعدم من الجيروند، وعددهم 22، وهم الذين طردوا من المؤتمر يوم 31 مايو (انقلاب 2 يونيو 1793). وفي 16 أكتوبر أعدمت «الأرملة كابيه»: ماري أنطوانيت، بعد أن أقذع القول في اتهامها أمام محكمة الثورة كل من «شوميت» و«هيبير»، وأدينت بتهمة الاتصال بالعدو ضد سلامة الوطن. وفي 31 أكتوبر أعدم ms0246 باقي الجيروند (21 عضوا عدا فالاذي # Valazé # الذي انتحر بطعنة خنجر) ومنهم «فرنيو» و«بريسو» و«جنسونيه» وغيرهم. # وفي 6 نوفمبر قطعت المقصلة رأس فيليب دورليان أو فيليب المساواة عضو المؤتمر الوطني، والذي اقترح إعدام الملك. وفي 8 نوفمبر أعدمت مدام رولاند وهي تقول: «أيتها الحرية، كم من الجرائم ارتكبت باسمك!» أما زوجها (وكان لاجئا في روان) فقد انتحر في 15 نوفمبر. وأعدم «بايلي» في 10 نوفمبر، و«بارناف» في 4 ديسمبر، وانتحر «كلافيير» في 8 ديسمبر. ووجد «كوندرسيه» ميتا في محبسه «في باريس» في 29 مارس 1794، ومن المحتمل أنه مات جوعا. وأعدم «جوديه» في بردو في 15 يونيو 1794، وباربارو # Barbaroux # في بوردو في 25 من الشهر نفسه، وانتحر في 26 منه بتيون. وهكذا كما قال تاين # Taine ~~: «صارت الثورة تأكل رجالها.» ومن الذين لقوا حتفهم مدام دي باري عشيقة لويس الخامس عشر، وكذلك كاستين الذي اتهم بالخيانة لتسليمه ماينز وفالنسيين. # وبعد الاستيلاء على ليون (9 أكتوبر 1793) أرسل إليها «فوشيه» # Fouché # للاقتصاص من أهلها؛ فقبض فوشيه من ديسمبر 1793 إلى مارس 1794 على نحو 3500 مواطن، أعدم منهم 1682، واعتقل 162، وأطلق سراح الباقي. وأرسلت «لجنة الخلاص» لعقاب إقليم «لافنديه»، «كارييه» # Carrier # الذي أقام محكمة ثورية تحت رئاسته، واستبطأ المقصلة كأداة للعقاب؛ فأغرق المقبوض عليهم بالجملة، وأفواجا أفواجا، في نهر اللوار «عند نانت». وبلغ عدد الذين هلكوا بناء على أوامر «كارييه» في هذا التغريق # Noyades # خلال شهور أكتوبر ونوفمبر وديسمبر 1793، ما لا يقل عن 15000 نسمة. # ثم إنه حتى يتم الانفصال كلية عن الماضي، تقرر في 6 أكتوبر سنة 1793 استبدال تقويم ثوري بالتقويم المسيحي (الجريجوري). فصار بدء حساب السنين من تاريخ إعلان الجمهورية؛ أي في يوم 22 سبتمبر سنة 1792، وقسمت السنة إلى اثني عشر شهرا متساويا، هي: # Vendémiaire ~~«شهر حصاد الكروم، أول شهور السنة، ويبدأ يوم 22 سبتمبر»، «الضباب» # Brumaire ~~، «الصقيع» # Frimaire ~~، وهذه لفصل الخريف. ثم شهور «الجليد» # Nivose # و«المطر» Pluviose # و«الرياح» # Ventose ~~، وهذه لفصل الشتاء. ثم شهور «النبت» # Germinal ~~، «الإزهار» # Floreal ~~، «المراعي» Prairial ms0247 ~~، وهذه لفصل الربيع. ثم شهور «الحصاد» # Messidor ~~، «الحر» # Thermidor ~~، «الثمر» # Fructidor ~~، وهذه لفصل الصيف. # وينسب وضع أسماء هذه الشهور لعضو المؤتمر الوطني: فابرد أنجلانتين. وقد جعل كل شهر من ثلاثين يوما، ثم قسم إلى ثلاثة أقسام متساوية سميت أيام كل قسم منها بترتيبها العددي هكذا: اليوم الأول Primidi ~~، والثاني # Duodi ~~، والثالث # Tridi ~~، والرابع # Quatridi ~~، والخامس # Quintidi ~~، والسادس # Sextidi ~~، والسابع # Septidi ~~، والثامن # Octidi ~~، والتاسع # Nonidi ~~، والعاشر # Decadi ~~، وجعل اليوم العاشر يوم راحة، ثم أضيفت خمسة أيام مكملة # Jours Complementairs # في نهاية السنة سميت أيام السان كيلوتيين # sans-culottes ~~(مخصصة أو مهداة للعبقرية # Genuis ~~، والعمل # Labour ~~، والفعل # Action ~~، والتعويض # Recompenses # والرأي # Opinion ~~). وقد بقي هذا التقويم معمولا به حتى أول يناير سنة 1806. # وقد أدى بطبيعة الحالة إلغاء التقويم الجريجوري المسيحي مع إلغاء أيام الآحاد والأعياد القديمة إلى مهاجمة المسيحية ذاتها. ولكن هذا الهجوم كان ينطوي على بداية ذلك الانقسام الذي أخذ يظهر في صفوف «الجبل»، وهو الحزب الذي استطاع حتى الآن أن يفرض ديكتاتوريته أو سيطرته المطلقة من غير منازع. ~~(10) انقسام الجبل # والحقيقة أن حزب الجبل كان قد بدأ يسير من مدة في طريق الانقسام إلى ثلاث جماعات متباينة، وذلك بدرجة اختلاف ما كان لدى زعماء هذه الجماعات من آراء ووجهات نظر مختلفة، وكان الزعماء الثلاثة هم: دانتون، وروبسبيير، ومارا. ~~(10-1) حزب دانتون # فقد كان دانتون (وحزبه) يبررون قيام الإرهاب بأنه ضرورة لا غنى عنها لإنقاذ الوطن، ولكن حيث إن الخطر قد زال الآن بالقضاء على أعداء الثورة الداخليين (الإعدام على المقصلة: الجيروند والمشبوهين، والقضاء على الثورات في لافنديه وليون ... إلخ) وهزيمة أعدائها الخارجيين بفضل انتصار جيوش الثورة، فقد كان من رأي دانتون وحزبه أن من الواجب العودة إلى سياسة أكثر رحمة وشفقة. فسموا لذلك «بالمعتدلين». وتصدت جريدة كاميل ديمولان - المسماة «الكوردليه القديم» # Le Vieux Cordelier ~~- لتنشر آراءهم بقوة، ولقوا تعضيدا كبيرا من أكثرية الطبقة المتوسطة (البورجوازية)، وكانت أكثرية كبيرة. ولكنهم فقدوا السيطرة على الحكومة منذ أن انسحب دانتون أو خرج من لجنة ms0248 الخلاص العام (10 يوليو 1793). ثم فقدوا سمعتهم؛ بسبب الانحلال والبذخ اللذين تميزت بهما حياتهم الشخصية. ~~(10-2) حزب مارا # وأما حزب مارا، فمع أن الحزب قد فقد رئيسه (منذ 13 يوليو 1793) فقد ظل ينتمي إليه نواب بارزون في المؤتمر الوطني، كما كان صاحب السيطرة في قومون باريس. فمن زعماء هذا الحزب في «القومون» كان «شوميت» و«هيبير»، ومن رجاله قائد الجيش الثوري (قرارات 5 مارس 1793) رونسان # Ronsin ~~، وكان داعيته أنشراسيس كلوتز # Anachrasis Clootz # البارون البروسي الذي صار مواطنا فرنسيا. وأصدر بباريس صحيفة «الحوليات الوطنية»، # 15 # ولقد ملأ أنصار هذا الحزب نادي الكورديليه، بعد أن أخرج منه الدانتونيون، وقد عرف هؤلاء باسم «الهيبيريين» # Hébéristes # نسبة إلى «هيبير» أو المفرطين # Les Exagérés ~~؛ أي الذين أفرطوا في تأييدهم تطرف الثورة في كل شيء، وأرادوا القضاء على العبادة والدين في فرنسا، وقد نشرت آراءهم صحيفة «هيبير» المشهورة «الأب دوشين» Pére Duchêsne ~~. # بدءوا نشاطهم بهدم القبور، ثم أرغموا المؤتمر الوطني على إلغاء الكاثوليكية وتقرير دين الحرية والمساواة، وفي 10 نوفمبر 1793 احتفلوا «بعيد العقل» في كنيسة «نوتردام» حيث قامت عاهرة بتمثيل «إلهة العقل»، وسميت هذه العبادة بعبادة العقل. # 16 ~~(10-3) حزب روبسبيير # وقد أثارت هذه الطقوس المفزعة غضب واحتقار روبسبيير الذي كان صادق الإيمان في وجود إله أو كائن أعظم. وتلك عقيدة استخلصها مكسمليان روبسبيير من قراءاته لكتابات جان جاك روسو. كما أنه اتخذ شعارا له قول «فولتير»: لو أنه لم يكن هناك إله لكان ضروريا أن نصنع واحدا. ووقف روبسبيير موقفا وسطا بين المعتدلين والمتطرفين، وكان لا يزال صاحب السلطان على نادي اليعاقبة في باريس والنوادي التابعة له في الأقاليم، وفي وسعه بواسطة حلفائه وأنصاره سان جوست، وكوتون، وبيللو-فارن، وكوللود يربوا أعضاء لجنة الخلاص العام - وهم زملاؤه - أن يظفر بأكثرية في هذه اللجنة. ووقفت لجنة الخلاص العام الآن موقف المعارضة الصريحة، بل والمقاومة القوية ضد قومون باريس، الذي كان يسيطر عليه «الهيبريون»، وعملت لجنة الخلاص على تحطيم هؤلاء. # سيطرة روبسبيير # وحاول «دانتون» وحزبه بكل وسيلة جذب ms0249 روبسبيير إليهم، ولكن روبسبيير رفض أن تكون له بهم أية صلة، حيث قد قرر القضاء على الحزبين معا (الدانتونيين والهيبيريين) على أساس أنهما يهددان بوجودهما الجمهورية بالدمار؛ أحد الحزبين (وهم الدنتونيون) «باعتدالهم» المزعوم وباستهتارهم وفسادهم وانحلال حياتهم الشخصية ومباذلهم. والحزب الآخر (الهيبيريون) بتطرفهم، وإشاعة الفوضى بفعالهم. # وليحقق هذا الغرض المزدوج إذن تحالف روبسبيير مع الحزب الأضعف، وهو «حزب دانتون»؛ ليستعين به على التخلص من الحزب الأقوى (حزب هيبير)، وكان هؤلاء الآخرون قد بدءوا يقاومون أو يعارضون كذلك طغيان لجنة الخلاص العام، فحاولوا (أي حزب هيبير) تدبير ثورة من الأقسام (أقسام باريس)، ولكن أحدا من الجماهير لم يستمع لهم، فقرأ «سان جوست» اتهاما ضدهم في المؤتمر في 13 مارس سنة 1794، وقدموا أمام محكمة الثورة في 20 منه، وبعد محاكمة دامت ثلاثة أيام حكم بإعدامهم، وأعدموا، وكانوا تسعة عشر في 24 مارس، ومنهم: «هيبير»، «رونسان»، «كلوتز». # ولقد قوبل إعدامهم بفرح كبير في باريس، حيث ساد الاعتقاد بأن روبسبيير قد انضم الآن إلى المعتدلين، وأن عهد الإرهاب قد انتهى. ~~ ولكن روبسبيير كان يريد الانفراد بالسلطة، ويجب عليه لذلك أن يتخلص من «دانتون» الذي صار الآن - كما ذكرنا - يطلب حكومة معتدلة، فأصبح موضع شك وعداء روبسبيير، واعتمد «دانتون» على شعبيته، فلم يستمع لنصح وتحذير أصدقائه، ورفض الهرب من باريس والنجاة بنفسه؛ اعتقادا منه أن أعداءه لن يجرءوا على إلقاء القبض عليه. # ولكن لم يمض أسبوع واحد على إعدام «هيبير» حتى فوجئت باريس في أول أبريل سنة 1794 بنبأ القبض على دانتون وزملائه وسجنهم في «اللوكسمبرج» في 30-31 مارس ولم يتدخل المؤتمر. وقدم دانتون وزملاؤه (وعدد الجميع خمسة عشر) ومنهم «كاميل ديمولان»، و«فابر داجلانتين»، و«هيرو دي سيشيل» للمحاكمة. ودافع «دانتون» عن نفسه بكل قوة مستندا إلى ماضيه في تاريخ الثورة، # 17 # ووجه الاتهام إلى «سان جوست» نفسه، وعجزت «المحكمة» وعجز المؤتمر عن إسكات دانتون، فاستصدر لجنة الخلاص من المؤتمر (في 4 أبريل) قرارا بإسكات المتهمين بوصفهم خارج «المناقشة»؛ أي خارج المحاكمة (المحكمة) إذا أهانوا المحكمة، ms0250 وتذمر النظارة عند قراءة هذا القرار، ولكن لم تلبث أن رفعت الجلسة. # وفي اليوم التالي أعلن «المحلفون» أن ضمائرهم قد صارت مرتاحة لإدانة المتهمين، فحكم عليهم بالإعدام، وأعدموا في اليوم نفسه (5 أبريل سنة 1794). وعرف «دانتون» أن روبسبيير هو السبب في تقديمه للمحاكمة، فصاح في وجهه: «روبسبيير، أيها المأفون، سوف تطلبك المشنقة! ... سوف يأتي دورك بعدي! ...» وفي 13 أبريل أرسلت إلى المقصلة «لوسيل» # Lucile # أرملة كاميل ديمولان، ثم أرملة «هيبير»، كما أعدم عدد آخر من الهيبيريين، وكذلك «شوميت». # وهكذا دانت السلطة لروبسبيير دون منازع. فقد كانت لجنة الخلاص لا تزال متحدة ولما يتطرق إليها الانقسام بعد، وصار القومون مواليا له، ولم يجسر المؤتمر الوطني على مناقشة سلطانه. وتزايد عنف الإرهاب فقضت المقصلة بين شهري مارس ويونيو 1794 على حوالي (1251)، ثم بين 10 يونيو و27 يوليو فقط هلك (1376) نسمة من بينهم «إليزابيث» شقيقة لويس السادس عشر، و«لافوازيه» # Lavoisier # و«أندريه شينيه» # André Chénier ~~، وكذلك «مالزهرب» وأسرته، وكثيرون ممن لعبوا دورا هاما في الجمعية الوطنية التأسيسية أو الجمعية التشريعية. # وكان في هذه الفترة أن بلغت قسوة «كارييه» ذروتها في أعمال الإرهاب (التغريق) التي قام بها في نانت، وفاقت كذلك قسوة مندوب لجنة الخلاص «جوزيف لوبون» # Lebon # في آراس # Arras ~~(بلد روبسبيير) القسوة التي شهدتها باريس ذاتها. # ثم عمد روبسبيير إلى إحياء العبادة والدين في فرنسا، ولكن في صورة جديدة؛ فاستصدر من المؤتمر الوطني قرارا في 7 مايو 1794، بأن الأمة الفرنسية تبني عقيدتها على وجود «كائن أعظم» # Etre Supréme ~~، وعلى خلود النفس، وفي 8 يونيو أقام روبسبيير احتفالا فخما ترأسه هو بوصفه الكاهن الأعظم للعبادة الجديدة. # سقوط روبسبيير # ولكن اتحاد الحكومة الثورية الذي ضمن بقاء الإرهاب لم يلبث أن تحطم بسبب ظهور انقسامات وأحزاب جديدة: فقد ساء الكثيرين من أتباعه وأنصاره مظهر الاستعلاء الذي ظهر به روبسبيير «كالكاهن الأعظم» في الحفل الذي أقامه للعبادة الجديدة في 8 يونيو، وكان كل من بيللو فارن، و«كوللود يربوا» يحقدان على روبسبيير تفوقه وما يتمتع به من سيطرة، ms0251 كما أنهما كانا أشد تطرفا منه ويريدان الانغماس في إرهاب أشد وأفظع لم يستطع روبسبيير مجاراتهما فيه. # وقد انضم إليهما «بارير» بمجرد أنه شعر أن روبسبيير قد بدأ بالفعل يفقد نفوذه؛ بسبب هذه المعارضة الجديدة. ثم إن روبسبيير وزميليه «سان جوست» و«كوتون» كانوا قد بدءوا يرون - بفضل الديكتاتورية التي صارت لهم، وتقرير عبادة الكائن الأعظم - أن الثورة قد حققت أغراضها، وصار واجبا لذلك في نظرهم أن ينتهي عهد الإرهاب حتى يبدأ «حكم الفضيلة» الذي أراده روبسبيير وصار يدعو له. بل إن روبسبيير لم يلبث أن استدعى «كارييه» من نانت، وصار يقاوم نشاط «لجنة الأمن العام». # وتألفت المعارضة ضد روبسبيير من اتحاد جميع المتطرفين ضده: من أنصار «بيللو فارن»، و«كوللود يربوا»، ومن بقايا الدانتونيين، ثم من أولئك الذين صاروا يستفظعون جرائم النظام القائم، والذين صاروا لا يأمنون على حياتهم من استمرار هذا النظام، وكان من هؤلاء جماعة من أقرب المقربين إلى روبسبيير نفسه. # وعول روبسبيير على التخلص من معارضيه، فاستصدر «كوتون » من المؤتمر الوطني في 10 يونيو 1794، قرارات لزيادة سلطات «محكمة الثورة» بحيث تنقسم إلى أربع دوائر حتى يزيد نشاطها، وعلى أن يكون الإعدام العقوبة الوحيدة التي تصدر بها الأحكام في هذه المحكمة، ودون حاجة إلى دليل لإثبات الاتهام أو إلى مناقشة الشهود أو الاستماع إلى الدفاع، بل يكفي لصدور الحكم بالإدانة أن يقتنع المحلفون «أدبيا» بإدانة المتهم، وزيادة على ذلك فقد نص على تقديم أي نائب من نواب المؤتمر الوطني يكون مشتبها في أمره إلى المحاكمة بأمر من لجنة الخلاص العام، بدلا من الإجراء السابق، وهو ضرورة أن يصدر أولا قرار بالاتهام من المؤتمر نفسه. # ومع أن هذا المشروع عندما قدم قوبل برعب وهلع عظيمين، فقد كان سلطان روبسبيير لا يزال طاغيا لدرجة أن المؤتمر لم يجسر على الرفض، فصدر القرار المطلوب. وبلغ عدد الضحايا في باريس وحدها منذ صدوره في 10 يونيو إلى اليوم الذي سقط فيه روبسبيير في 27 يوليو 1794 (2085) نسمة. ~~ ولكن المعارضة سرعان ما حزمت أمرها ms0252 على أن تسبق بتحطيم روبسبيير قبل أن يسبق هو بتحطيمها. # وفي أثناء هذه الأزمة تغيب روبسبيير حوالي ستة أسابيع من لجنة الخلاص العام ولجنة الأمن العام، حيث كان أعداؤه قد استطاعوا الظفر بنفوذ كبير فيهما، ولم يعودوا يخفون عداءهم وكراهيتهم له. وتألف تدريجيا تحالف من أعدائه هؤلاء داخل المؤتمر وكان على رأسهم «تاليان»، وفوشيه، وباراس، وكارنو، وبارير. وجميعهم مصممون على الدخول في معركة مع روبسبيير هي معركة الموت أو الحياة بالنسبة له ولهم. # وبدأ الهجوم على روبسبيير في صورة هجوم على امرأة عجوز تدعى «كاترين ثيو» # Catherine Theot ~~، اتهمت بإنشاء طائفة لعبادة شخص روبسبيير نفسه كمسيح جديد. فاغتم روبسبيير لذلك واعتزل الحياة العامة لمدة أسبوعين، وعكف على إعداد اتهام طويل يريد أن ينسف به أعداءه الذين أثاروا مسألة «كاترين ثيو» وصاروا يتآمرون ضده. وكان اعتزال روبسبيير خطأ جسيما؛ لأنه حدث في وقت وجب عليه فيه النشاط في المؤتمر نفسه ضد أعدائه، وحاول «سان جوست» إقناعه بضرورة العمل الجريء والسريع، ولكن دون جدوى. # والسبب في تقاعس روبسبيير أنه كان يعتمد فيما مضى على النشاط أو الحركات التي يبدؤها ويثيرها غيره فيأتي هو ليستفيد منها، ولم يحدث بتاتا أن كان له فضل المبادأة بحركة من الحركات، أو سبق له تدبير انقلاب بنفسه. أضف إلى هذا أنه ظل حتى اللحظة الأخيرة يعتقد أن نفوذه الشخصي وحده كفيل بأن يرهب خصومه، ولا ضرورة لذلك لأن يستخدم القوة ضدهم، لا سيما وأن القومون في باريس كان يؤيده. # وحدث في الأيام القليلة التالية ما جعل خصوم روبسبيير يسرعون بالعمل ضده؛ ذلك أن «سان جوست» اقترح في المؤتمر الوطني في 22 يوليو 1794 إنشاء ديكتاتورية برئاسة روبسبيير. وفي 24 يوليو ألقي القبض على «تيريزا كاباروس» # Thérese Cabarrus # عشيقة «تاليان» أحد رؤساء المتآمرين أو المعارضين. وفي 26 يوليو حضر روبسبيير فجأة، واعتلى المنصة (أو المنبر) ليلقي خطبة طويلة، في غضب وعنف، حمل فيها على لجنتي الخلاص والأمن، وعلى موظفي الحكومة، وعلى معارضيه، فوصفهم جميعا بأنهم خونة ولصوص وملحدون، ms0253 ومتهتكون ... إلخ. # وعلى نحو ما كان منتظرا لم يتحمس المؤتمر لهذا الخطاب، وهو محشو بالتهديد لكل فرد منهم! وانسحب روبسبيير بعد ذلك غاضبا إلى نادي اليعاقبة لتدبير الإجراءات التي سوف تتخذ في اليوم التالي. وكانت جلسة المؤتمر الوطني في اليوم التالي جلسة حاسمة (28 يوليو)؛ فقد قاطع المؤتمر تقريرا أخذ يقرأه «سان جوست» عن خطاب روبسبيير بالأمس، فكانت ضجة كبيرة. وأيد رئيس جلسة المؤتمر آنئذ «كوللود يربوا» وبعده ثوريو # Thuriot ~~، زميليه (بللو فارن وتاليان) في مقاطعتهما، فأخذا يدقان الجرس لإغراق صوت روبسبيير، وصاح بللو فارن بالمؤتمر أن عليه إما أن يترك أعضاءه يقتلون وإما أن يقتل ويحطم روبسبيير. # وهدد «تاليان» والخنجر في يده بقتل روبسبيير في التو والساعة إذا لم يجد المؤتمر في نفسه الشجاعة الكافية ليأمر بإلقاء القبض عليه. ولما كان روبسبيير وأنصاره لم يتخذوا العدة لهذا اليوم بالإنفاق على تدبيرات خاصة مع القومون ضد خصومهم؛ فقد تعذر على روبسبيير أن يجعل المؤتمر يصغي لخطابه أو ينصت لأقواله، فأغرقت الصيحات المدوية أقواله: ليسقط الطاغية، لتسقط الثلاثية الاستبدادية «روبسبيير، سان جوست، كوتون». ~~ ووسط هذه الضجة اقترع المجلس على انعقاده في جلسة مستديمة، وقرر القبض على روبسبيير وكوتون، وسان جوست. وانضم إلى هؤلاء باختيارهما «أوغسطين» # Augustine # شقيق روبسبيير الأصغر، وصديق آخر هو «لوباز» # Lebas ~~، فنقل الخمسة إلى السجون، كما قبض على «هانريو». # ولكن الأمل لم يفقد بعد في إنقاذهم، فقد ثارت الأقسام فورا بتحريض القومون، وأخرج الثوار «هانريو» الذي أرسل دون إمهال جماعات من الجنود والضباط إلى السجون لإطلاق سراح المسجونين، وقد نقل هؤلاء في مظاهرة كبيرة إلى «الأوتيل دي فيل». ولكن المؤتمر الوطني قابل الموقف بحزم، فأصدر قرارا بوضع روبسبيير وهانريو وأقسام باريس خارج القانون، فهدأت أكثر الأقسام نزولا على إرادة ممثلي الأمة، وتسلم «باراس» قيادة قوات المؤتمر المسلحة (الجيش)، وعند منتصف الليل كان باراس يقف على حصار «الأوتيل دي فيل». فانتحر «لوباز» بمسدس وقفز أخو روبسبيير من النافذة فانكسرت ساقه، وحاول روبسبيير الانتحار فجرح فكه الأسفل. وفي 28 يوليو ms0254 1794 (10 ترميدور السنة الثانية) أعدم روبسبيير، وأخوه أوغسطين، وسان جوست، وهانريو وكوتون وغيرهم. وكان ترتيب روبسبيير في قائمة الذين أعدموا العشرين. ~~(11) محاولة الاستقرار الأولى ~~(11-1) عهد الترميدوريين # 18 # أنهى انقلاب 9 ترميدور (السنة الثانية) 27 يوليو 1794 عهد الإرهاب، وأعقب سقوط روبسبيير رد فعل كبير ضد حكومة الطغيان، ولأجل إنشاء حكومة «معتدلة» أو «إنسانية». فتقرر في 29 يوليو تجديد اللجان، لا سيما لجنة الخلاص ولجنة الأمن العام. فأخرج من هاتين اللجنتين أعضاؤهما الإرهابيون القدامى، ثم ضيقت اختصاصات وسلطات اللجان، فصدر قرار على وجه الخصوص في 31 يوليو نزع من لجنة الخلاص سلطة تقديم النواب مباشرة للمحاكمة أمام المحكمة الثورية (وهي السلطة التي كانت للجنة الخلاص العام بفضل قرارات 10 يونيو 1794، بعد أن كان المؤتمر الوطني هو الذي يقدم قرار الاتهام ضد نوابه قبل أن تحاكمهم المحكمة الثورية). # ثم تبع ذلك إعادة تنظيم المحكمة الثورية، فصدر قراران في 5، 10 أغسطس بإطلاق سراح المقبوض عليهم بمقتضى «قانون المشبوهين» والذين لا ينطبق عليهم هذا القانون، وباستبدال جميع المحلفين، وكل قضاة المحكمة الثورية تقريبا. ~~ وبلغ في باريس وحدها عدد الذين أطلق سراحهم - بعد زيارة السجون المختلفة - عشرة آلاف، ثم تقرر للحد من سلطات لجنتي الخلاص والأمن العام - وخصوصا لجنة الخلاص - إنشاء ست عشرة لجنة جديدة «للتشريع، والفنون، والزراعة ... ~~ إلخ» في 24 أغسطس. ثم ألغيت اللجان الثورية المحلية ما عدا ما كان منها في مراكز رئيسية في الأقاليم. # وفي أول سبتمبر 1794 ألغي قومون باريس واستبدلت به لجنتان إحداهما لإدارة البوليس والأخرى للمالية. وفي 14 سبتمبر برأت محكمة الثورة عددا من أهل نانت كان «كارييه»، ولجنة نانت الثورية قد حكمت بإعدامهم، ثم نقلوا إلى باريس ونسوا في سجونها. ثم قبض المؤتمر بعد ذلك بأيام قليلة على بعض القواد الذين ارتكبوا الفظائع أثناء إخماد ثورة لافانديه. وفي 21 سبتمبر قرر المؤتمر مصادرة مراسلات اليعاقبة. # وتوهم كثيرون بسبب هذه الإجراءات أن انقلاب 9 ترميدور ينبئ بانتهاء «الثورة»، فأخذ أعداء الثورة يخرجون من مخابئهم ومكامنهم، وتسلل بعض ms0255 المهاجرين خفية إلى مواطنهم، وظهرت للمعتدلين صحف تنطق بلسانهم وتعبر عن آرائهم، وتدعو إلى تعقب أذناب روبسبيير والقضاء عليهم. ولكن التفكير في إنهاء الثورة كان بعيدا كل البعد عن أذهان «الترميدوريين» الذين استمروا مع ذلك يطلبون الانتقام من الإرهابيين. # ولقد توالى الهجوم على «نادي اليعاقبة»، ثم ما لبثت أن تألفت في باريس جماعة من آلاف الشبان من الطبقات العالية خصوصا؛ للاقتصاص من اليعاقبة على فعالهم الإرهابية الماضية، وقد عرف هؤلاء باسم الشبان # Jeunes Gens # أو (الشباب المذهب # Jeunesse Dorée ~~). وفي 9 نوفمبر قام هؤلاء بهجوم على نادي اليعاقبة، واستطاع اليعاقبة بعد نضال شديد صد هذا الهجوم. # ولكن منذ أواسط شهر أكتوبر صار المؤتمر يتناقش في موضوع إغلاق الأندية والاتحادات والجمعيات الشعبية وما إليها، والتي يعتبر وجودها خطرا على «وحدة الجمهورية». وفي 12 نوفمبر 1794 تقرر إغلاق نادي اليعاقبة. وفي 16 ديسمبر 1794 أعدم «كارييه»، ثم ألقي القبض على المدعي العام «فوكيه-تانفيل» و«كوللود يبروا» و«بللو فارن» و«بارير»، و«فادييه» # Vadier ~~(2 مارس سنة 1795). # وفي شهر مارس صدر قرار بإرجاع الأعضاء الجيروند الذين كانوا قد طردوا من المؤتمر بعد انقلاب (31 مايو 1793). # ولكن هذه الإجراءات الموجهة ضد اليعاقبة جعلت هؤلاء يقررون المقاومة. ~~ ولقد كان مما ساعد اليعاقبة على تحريك الثورة انتشار التذمر؛ بسبب قسوة الشتاء وارتفاع الأسعار الفاحش، وانخفاض (أو هبوط) قيمة ورقة النقد، وإفلاس كثيرين من الناس، وانتشار الضنك والبؤس بسبب هذا كله في باريس وفي الأقاليم. فتجمع الثوار في أول أبريل سنة 1795 واقتحموا قاعة المؤتمر، وصاروا يطالبون بالخبز، ودستور السنة الثانية (1793)، وإطلاق سراح «كوللود يربوا» وزملائه الإرهابيين، ولكن «الشباب المذهب» مع جنود الأقسام بقيادة الجنرال بشيجرو شتتوا شمل الثوار، وبدأ الترميدوريون بعد هذا الحادث مباشرة محاكمة «كوللود يربوا» وزملائه بعد أن ألقوا القبض كذلك على آخرين من اليعاقبة. ولما كان أحد الثوريين المتطرفين «بابيف» # Babeuf # قد قام بحملة شديدة ضد التملك في صحيفة محامي الشعب # Tribun du peuple ~~، فقد قبض عليه وسجن (في 15 مارس سنة 1795). وفي 6 مايو سنة ms0256 1795 أعدم «فوكبيه-تانفيل»، وأما «كوللود يربوا» وزملاؤه فقد حكم بنفيهم. # ولكن فلول اليعاقبة والجماهير التي عضها ناب المجاعة المستمرة في باريس لم تلبث أن قامت بثورة جديدة، فأحاط الثوار بالتويلري واقتحموا قاعة المؤتمر الوطني في 20 مايو سنة 1795، واستؤنف القتال في اليوم التالي، وطالب الثوار بالخبز ثم إلغاء الحكومة الثورية والعمل فورا بدستور سنة 1793. (وكان المؤتمر الوطني قد شكل منذ (4 أبريل سنة 1794) لجنة تجدد تشكيلها بعد ثلاثة أسابيع (29 أبريل) للنظر في موضوع هذا الدستور، فقررت عدم العمل به في ظروف سوف يأتي ذكرها). # كما طالب الثوار بالقبض على الذين تتألف منهم لجان الحكومة، وإطلاق سراح المواطنين الذين حبسوا لمطالبتهم بالخبز، أو لأنهم أعلنوا آراءهم بصراحة، ثم طالبوا بحل المؤتمر الوطني، وأن تستبدل به جمعية تشريعية ... إلى غير ذلك من المطالب. ولكن المؤتمر سرعان ما استنجد بقوات الجيش بقيادة «منو» # Menou # و«مورا» # Murat # و«دلماس» # Delmass ~~، فقضى على هذه الثورة في 23 مايو. وحوكم «الجبليون- اليعاقبة» أمام لجنة عسكرية، حكمت بإعدام ستة من زعمائهم وبالنفي المؤبد على آخرين، بينما هرب واختفى الباقون. وبهذا قضي على كل نفوذ سياسي لحزب الجبل نهائيا. # ومن هذا التاريخ إذن وكما يقول المؤرخ «جورج ليفبر» # Leffbre ~~: يجب اعتبار أن أجل «الثورة» قد تعين؛ لأن قوتها أو شدتها قد انكسرت وتحطمت في هذه المرة. # ولقد ساعد على إنهاء عهد الإرهاب زوال المبرر لوجوده: الخطر الخارجي (أو الغزو الأجنبي)، والخطر الداخلي (أو العصيان والثورة الداخلية). # فمن ناحية الخطر الخارجي: استمرت الجيوش التي جهزها «كارنو» تصمد في وجه قوات المحالفة الدولية الأولى، بل وتنتصر عليها. فنال «جوردان» قائد جيش السامبر # Sambre # والموز # Meuse # انتصارا على جيش الحلفاء في موقعة فلوراس # Fleurus # في 26 يونيو سنة 1794، واتصل بجيش الشمال الذي كان بقيادة «بيشجرو»، فدخل الفرنسيون بروكسل في 9 يوليو، وتقهقر الحلفاء بقيادة الدوق بورك صوب هولندة، فاحتل الفرنسيون بلجيكا بأكملها، وتهيأ جيش «بيشجرو» لغزو هولندة، بينما طارد «جوردان» النمساويين وتعقبهم صوب الراين، وهزمهم هزيمة كبيرة في ريرموند # Ruremonde ~~، وأرغمهم على ms0257 اجتياز النهر إلى الضفة الألمانية في 5 أكتوبر سنة 1794. وسقطت كولونيا وكوبلنز في أيدي الفرنسيين، بينما سلمت «تريف» لجيش الموزيل # Moselle ~~. وقبل نهاية شهر أكتوبر كان الفرنسيون قد سيطروا على مجرى نهر الراين بأكمله من «ورمز» إلى «نموجين» # Nimeguen ~~. # وعلى حدود سردينيا وإسبانيا انتصر الفرنسيون كذلك، ولو أن الأسطول الإنجليزي بقيادة اللورد «هاو» # Howe # أوقع الهزيمة بالأسطول الفرنسي عند جزيرة أوشانت # Ushant ~~(المقابلة لطرف شبه جزيرة بريتاني) في أول يونيو 1794. # واستأنف جيش «بيشجرو» الهجوم، فعبر نهر الموز في أواخر ديسمبر 1794، وفي 11 يناير 1795 هاجم الإنجليز والهولنديين في «نموجين» وأرغمهم على التقهقر بخسارة عظيمة، ورحب الهولنديين (أهل البلاد) بالفرنسيين الغزاة، فهرب حاكم # Stadtholder # هولندة إلى إنجلترة، ودخل «بيشجرو» أمستردام في 20 يناير 1795. وأما الإنجليز المتقهقرون فقد وصلوا في تقهقرهم شرقا إلى «بريمين» # Bremen # حيث أبحروا منها إلى بلادهم، وبذلك تم افتتاح هولندة دون أية معارك. وجعلت هولندة جمهورية وسميت جمهورية بتافيا # Rep. Batave ~~، من نمط الجمهورية الفرنسية، وعقدت فرنسا معها معاهدة في مارس 1795. # وحوالي هذا الوقت تقريبا كانت المفاوضات قد بدأت مع فردريك وليم (الثاني) ملك بروسيا الذي كان منذ مايو 1794 قد تخلى عن حلفائه، وعقد الأمل على تعويض خسارته في الغرب بكسب مغانم في بولندة عن طريق الاشتراك في تقسيمها مرة أخرى (التقسيم الثالث). وقد اتفقت النمسا وروسيا في 3 يناير 1795 على إجراء تقسيم بولندة فيما بينهما فقط. (وبالفعل نالت بروسيا نصيبها في التقسيم الثالث). # وحتى يمكنها التفرغ لهذه المسألة إذن عقدت بروسيا صلح «بال» # Basel # مع فرنسا في 5 أبريل سنة 1795. وأما إسبانيا فقد عقدت الصلح مع فرنسا كذلك في 22 يوليو 1795، ونالت فرنسا نصف جزيرة سان دمنجو # St. Domingo # في الهند الغربية. ولما كان «الدوفان» لويس السابع عشر قد توفي في سجنه في 8 يونيو 1795 فقد أطلق سراح شقيقته (التي عرفت فيما بعد باسم دوقة دانجوليم # d’Angouléme ~~) من سجن «الهيكل» # Temple # في مقابل إطلاق سراح قومسيري المؤتمر الذين كان «ديمورييه» قد سلمهم إلى العدو ms0258 عند خيانته في سنة 1792. # وقد عقدت تسكانيا الصلح مع الجمهورية، كما عقدت «هس كاسل» إحدى الإمارات الألمانية معها معاهدة في أغسطس 1795. وبذلك تكون تحطمت المحالفة الدولية الأولى التي تشكلت ضد فرنسا عقب إعدام الملك (في 1793)، ولم يبق في حرب مع فرنسا سوى إنجلترة والنمسا وسردينيا. # وأما فيما يتعلق بالناحية الداخلية: فقد استطاع المؤتمر القضاء على ثورة قام بها الملكيون (ويسمون شوان # Chouans ~~) في إقليم «لافنديه»، وذلك بعد أن كان المؤتمر قد أخضع ثورة لافنديه الأولى، وعقد الثوار معاهدة للصح مع المؤتمر في فبراير 1795، فلم يلبثوا أن استأنفوا الثورة الآن، وأقنعوا الحكومة الإنجليزية بمساعدتهم فنقل الأسطول الإنجليزي بضعة آلاف من المهاجرين الفرنسيين وممن انضموا إلى الثوار (من المسجونين) إلى شبه جزيرة كويبرون # Quiberon ~~(شاطئ بريتاني الجنوبي) واستولوا على فوربنثيفر # Fort Penthiévre ~~، وتحصنوا بالقلعة في 27 يونيو، وكان الثوار (الشوان) قد تجمعوا من جديد وقتئذ بزعامة شاريت # Charette # وستوفليه # Stofflet ~~. # ولكن جيش المؤتمر الوطني بقيادة الجنرال «هوش» لم يلبث أن حاصر الثوار في «فوربنثيفر» واقتحمها بعد هجوم عنيف في 20 يوليو 1795، وألحق بالثوار هزيمة ساحقة، وفي العمليات العسكرية التالية انهزم الثوار في كل مكان. ولم يلبث الكونت دارتوا الذي كان قد التحق بالثوار لتزعمهم، أن تركهم هاربا إلى إنجلترة. وانهزم هؤلاء وأعدم أحد زعيميهم «ستوفليه» في أنجيه # Angers # في فبراير 1796، بينما أعدم الزعيم الآخر «شاريت» في نانت في 29 مارس، وبذلك أخمدت الثورة نهائيا في «فنديه»، وأمكن تهدئة هذه الجهات الشمالية الغربية من فرنسا. ~~(12) دستور 1795 (العام الثالث) # وكان المؤتمر الوطني قد شكل كما ذكرنا لجنة منذ 4 أبريل 1794 من أحد عشر عضوا كلهم تقريبا من الجيروند للنظر في موضوع دستور 93: «وضع القوانين الأساسية التي يجب بمقتضاها أن يتنفذ الدستور الديمقراطي لسنة 1793.» وكنا ذكرنا أن تشكيل هذه اللجنة تجدد في 29 أبريل. ولكن لجنة الأحد عشر لم تلبث أن قررت عدم العمل بدستور 93، ثم بعد ثورة أول أبريل 1795 وثورة 20-23 مايو 1795 وقعت اللجنة تحت تأثير رد الفعل الشديد الذي ms0259 حدث، ووجدت نفسها تدريجيا تعمل لوضع دستور جديد، حيث لم تعد المسألة حينئذ مجرد محاولة للملاءمة بين دستور 1793 هذا - الذي أزعجهم وأرعبهم كثيرا - والأوضاع القائمة، وحيث قد وصف أعضاء اللجنة دستور 1793 هذا - الذي أزعجهم وأرعبهم كثيرا - بأنه «دستور حي سان أنطوان». # وعلى ذلك، فقد قدم «بواسي دانجلاس» # Boissy d’Anglas # إلى المؤتمر الوطني في 23 يونيو 1796 تقريرا باسم اللجنة عن الدستور الجديد. وكان في هذا التقرير أن وجه «بواسي دانجلاس» لدستور سنة 1793 نقدا شديدا على أساس أنه وضع السلطة التنفيذية في «مجلس تنفيذي» # Conseil Exécutif # مسلوب كل إرادة وكل سلطة، ويخضع لسلطان الهيئة التشريعية المطلق، والتي تخضع بدورها ودائما لإشراف وسلطان المجالس الابتدائية # Corps Legislatif # في الكانتونات، وهي المجالس التي عرفنا أن أعضاءها هم الذين ينتخبون مباشرة النواب «وأعضاء البلديات وقضاة الصلح»؛ ولذلك فقد وجب أن يكفل الدستور الجديد المبادئ التي يقوم عليها النظام الجديد وهي: الاستقرار، والحرية، وحق التملك. # وقال «بواسي دانجلاس»: «إن بلدا يحكمه المتملكون (أصحاب الأملاك) لهو بلد يعيش في نظام اجتماعي، وأما ذلك الذي يحكمه غير المتملكين (أو الذين لا يملكون شيئا) فهو بلد لا يزال في حالته الطبيعية.» # وعلى ذلك، فقد كان من المنتظر أن يحفظ الدستور الجديد مصالح الطبقة البورجوازية الغنية، والتي أفادت من «الثورة». كما كان من المنتظر أن يضمن الدستور الجديد إنشاء سلطة تنفيذية، ذات قوة فعلية. ثم إنه لما كان قد تم وضع هذا الدستور في جو من الرجعية الشديدة، وتحت تأثير رد الفعل الذي حصل بعد انقلاب 9 ترميدور وبعد ثورات أبريل ومايو 1795، فقد كان من المنتظر أن يختلف هذا الدستور عن سابقيه في أن مقدمته صارت تتحدث الآن عن واجبات الإنسان والمواطن، إلى جانب الحديث عن «حقوق الإنسان والمواطن». # كان واضع الدستور الحقيقي من بين أعضاء لجنة الأحد عشر هو المواطن «دونو» # Daunou ~~، ولقد ناقش المؤتمر الوطني مواد الدستور في جلسات امتدت من 4 يوليو إلى 17 أغسطس، وتمت موافقة المؤتمر على الدستور في 23 أغسطس ms0260 1795 (5 فريكتدور السنة الثالثة). # أعلنت مقدمة الدستور في حضرة «الكائن الأعظم» # L’étre Suprême # ليس فقط حقوق الإنسان بل وواجباته، كما ذكرنا، كما عددت حقوق الإنسان والمواطن بدقة أكثر ولكن بحماس أقل مما حصل في إعلاني 1789، 1793. فانتزعت في هذه المرة من حقوق الإنسان والمواطن: حق الثورة والعصيان، وحق مطالبة الدولة بمده العون والمساعدة. # وأما مواد الدستور نفسه فبلغت 277 مادة، في أربعة عشر فصلا. فنص الدستور على أن الأمة ولية الأمر، ولكنه لم يمنح كل أفرادها حق الانتخاب، بل جعل هذا الحق مقيدا بقيود، كما كان الحال في دستور 1791، وجعل الانتخاب على درجتين، وحرم من حق الانتخاب أقارب المهاجرين والمشبوهين، والمشتبه في إخلاصهم وولائهم للجمهورية؛ بسبب اشتراكهم في دسائس ومؤامرات ملكية، كما حرم رجال الدين الذين رفضوا حلف يمين الولاء للجمهورية، والمترهبنين والخدم والأميين، وأخلى من هذه القيود الأفراد الذين حاربوا للدفاع عن الوطن. # وبمقتضى هذا الدستور وضعت السلطة التشريعية في هيئتين: مجلس القدماء (أو الشيوخ) # Conseil Des Anciens (Sénat) # من 250 عضوا لا يقل عمر الواحد منهم عن أربعين عاما، ويجب أن يكون زوجا أم مترملا، ثم مجلس الخمسمائة # Conseil des Cinq Cents # ولا يقل عمر العضو عن ثلاثين عاما. # ولقد قال أحد أعضاء لجنة الدستور (الأحد عشر) وهو «بودان» # Baudin ~~: إن المجلس الأول يمثل «العقل» # La Raison # والثاني يمثل «الخيال» # L’Imagination ~~، وأما أعضاء هذين المجلسين فيسقط ثلثهم كل سنة ويجري انتخاب غيرهم. وتنتخب «المجالس الابتدائية» # Assem. ~~ Primaires ~~- وهذه تتألف من كل مواطن فوق الحادية والعشرين سنة، ويدفع ضريبة مباشرة لتعادل أجور أيام معينة من العمل - تنتخب هذه المجالس الناخبين # élécteurs ~~، وهؤلاء ينتخبون النواب # deputès ~~، ولمجلس الخمسمائة حق وضع مشروعات القوانين، ولمجلس القدماء (أو الشيوخ) وحده حق رفض ما يقترحه مجلس الخمسمائة أو الموافقة عليه. ~~ والمشروعات التي تنال موافقة مجلس القدماء تصبح قوانين. # ومما يجب ملاحظته أن السلطة التشريعية في دستور سنة 1795 كانت من نصيب مجلسين أو غرفتين، بدلا من أن تكون من نصيب مجلس أو غرفة واحدة، ms0261 كما كان الحال في دستور سنة 1791، ودستور سنة 1793. # وأما السلطة التنفيذية: فقد وضعت هيئة تتألف من خمسة مديرين عرفت باسم «الإدارة» # Directoire # تنتخبهم الهيئة التشريعية، مع ما في ذلك من افتئات واضح على مبدأ فصل السلطات، ولو أن مبعث هذا الإجراء كان الرغبة في تجنب قيام طغيان مستند على الجماهير. وحاول الدستور (المادة 133) التغلب على حقيقة أن أعضاء الإدارة ينتمون إلى نفس الهيئة التشريعية، بأن جعل مجلس الخمسمائة يختار أسماء خمسين مرشحا بانتخاب سري، يختار مجلس القدماء (أو الشيوخ) منهم خمسة «مديرين». # هذا ويشترط في عضو الإدارة أن لا يقل عمره عن الأربعين عاما، وتستمر مدة عضويته خمس سنوات. على أن يسقط واحد من هؤلاء المديرين بالاقتراع كل سنة ليحل غيره محله، ولا يجوز لمن تسقط عضويته أن يعاد انتخابه إلا بعد مضي خمس سنوات؛ وذلك لضمان تغيير هيئة الإدارة بأكملها خلال هذه المدة، حتى يظل المديرون على اتصال بمجريات الأمور وبالشعب. ولحكومة الإدارة أو المديرين هذه كل الحقوق التنفيذية المعروفة، من سياسة وحربية وإدارية، ولهم وزراء # Ministres # ستة ليسوا إلا رؤساء مصالح فحسب (من مالية وحربية وبحرية) وخارجية وداخلية وقضائية (العدل) ... إلخ. وقد أنشئت وزارة سابعة في 2 يناير 1796 لأعمال البوليس، ولم يكن هناك لذلك مجلس وزراء. # وأما السلطة القضائية: فقد جعل حق المواطنين تولي الوظائف القضائية إذا كانت أعمارهم لا تقل عن ثلاثين سنة وبطريق الانتخاب. وذلك لمدة عامين أو خمسة أعوام، ويصح إعادة انتخابهم. ثم أنشئت محكمة قضائية عليا (المادة 265) # 19 # وكانت هذه أداة سياسية أكثر منها منظمة قضائية؛ ومثلا في ذلك «مجلس مراجعة الأحكام» الذي أنشئ (المادة 338) إلى جانبها، ومبعث هاتين المؤسستين كان الخوف وأثر رد الفعل الذي حصل، وهما اللذان يشيعان في هذا الدستور بأسره. # هذا؛ ومما تجب ملاحظته أن دستور العام الثالث (في المادة 258) قد ضمن حق التملك (الذي لا يمكن خرقه أو الاعتداء عليه) وبشريطة دفع تعويض إلى أولئك الذين «يثبت قانونا» أن الصالح العام يقتضي إعطاء تعويض لهم «في نظير هذه ms0262 التضحية». ثم إن هذا الدستور (في المادة 373) قد أيد كل القوانين الصادرة ضد المهاجرين، وقرر أن أملاكهم وأموالهم قد صودرت بصورة لا رجعة فيها، وذلك لفائدة ولحساب الجمهورية. # وواضح أن غرض المؤتمر الوطني من تقرير ذلك، إنما هو المحافظة على حقوق أولئك الذين استولوا على هذه الأملاك، وهم البورجوازي، عندما كان أكثر «اليعاقبة» من الأغنياء أصحاب الثراء العريض بفضل الثورة؛ يمتلكون الأموال والضياع والقصور: نذكر من هؤلاء «شابوت» # Chabot ~~، «باراس»، «بارير»، «تاليان»، «مرلان» وغيرهم. بل إنه كان من بين أعضاء اللجنة المشهورة التي أنشأها الترميدوريون، والتي كانت بمثابة هيئة أركان حرب لهؤلاء الجماعة وعرفت باسم «لجنة السنة الثالثة»، # 20 # عضو صار فيما بعد أميرا، هو «كمبسيرس» # Cambacéres ~~، و13 صاروا «كونتات»، و5 صاروا «بارونات»، و7 صاروا أعضاء شيوخ في عهد الإمبراطورية النابوليونية، و6 صاروا مستشاري دولة. # زد على هؤلاء واحدا من بين أعضاء المؤتمر الوطني صار فيما بعد «دوقا» هو «فوشيه» # Fouché # دوق دوترانت # d’Otrante ~~، وواحدا صار كونتا هو «مرلان». ~~ وهكذا صار حوالي خمسين من الديمقراطيين قبل مضي خمسة عشر عاما من أصحاب الألقاب، ويمتلكون المركبات والخيول والقصور والخدم والحشم والأموال، ولقد قدرت ثروة «فوشيه» مثلا عند وفاته بخمسة عشر مليون فرنك. # ولما كان غرض المؤتمر الوطني المحافظة على الجمهورية، «ولما كان أعضاؤه من قتلة الملك # Régicides # ويخافون من انتقام الملكية؛ إذا قدر لها أن تعود إلى البلاد»، فقد حرصوا على اتخاذ الضمانات التي تكفل الحيلولة دون وقوع ذلك؛ فاشترطوا في بند خاص أن يكون ثلثا أعضاء الهيئة التشريعية الجديدة من أعضاء المؤتمر الوطني أنفسهم، وأن يكون الثلث الباقي بالانتخاب. ولكن هذا القرار الذي أخفى في طياته تصميم الحزب المسيطر على المؤتمر (وهم الترميدوريون) على الاستئثار بالسلطة في النظام الجديد، لم يلبث أن أغضب خصوم المؤتمر من «إرهابيين» و«ملكيين» على حد سواء. فشاع الاضطراب والهياج في باريس، ومع ذلك فقد حاز الدستور الجديد موافقة الأقاليم، ونال الأكثرية اللازمة، فأعلن المؤتمر قبول الأمة للدستور في 23 سبتمبر. # ولكن «أقسام» باريس لم ترضخ ms0263 لهذه النتيجة، وقامت بالثورة ضد المؤتمر في 12 فندميير السنة الرابعة (5 أكتوبر 1795)، فعهد المؤتمر بقيادة الجند إلى «باراس» - الذي خبره المؤتمر في أزمة 9 ترميدور - للدفاع عنه، وسلم «باراس» القيادة بدوره إلى نابليون بونابرت الذي نال شهرة كبيرة، وكانت تعطف عليه مدام تاليان أثناء حصار طولون، فبادر بونابرت بجلب المدافع إلى التويلري، وأطلق النيران على الثوار، فشتتهم بعد أن أنزل بهم خسائر فادحة. ~~(13) نهاية المؤتمر الوطني # وفي نهاية 24 أكتوبر 1795 اجتمع المؤتمر للمرة الأخيرة، في قصر التويلري، وأصدر عفوا شاملا عن كل مرتكبي الجرائم السياسية، باستثناء ثوار يوم 13 فندميير، وباستثناء القساوسة المستنكرين والمهاجرين، والذين يزيفون «ورق النقد»، كما أعلن انتهاء مهمته. وفي 26 أكتوبر سنة 1795 انفض المؤتمر الوطني ووضع الدستور الجديد موضع التنفيذ. # ويقول المؤرخ الفرنسي «لويس فيلا» # Louis Villat # تعليقا على أعمال المؤتمر: «وهكذا، فإن المجلس الذي أرسل لويس السادس عشر إلى المشنقة، ونظم الإرهاب، وانتصر على أوروبا المتحالفة ضده، انتهى به الأمر بأن حرم الشعب من حق المشاركة (أو المساهمة في إدارة) شئونه، وبأن أعطى السلطة إلى البورجوازي الذين انتفعوا من بيع أملاك رجال الدين والمهاجرين؛ ليستولوا بثمن رخيص على الأرض. وإذا كان النظام القديم قد انهار بسبب الخلاف بين الحاكمين والمحكومين، فإن خلافا مشابها لهذا قد حصل وفرق بصورة خطيرة بين الشعب وبين أولئك المزودين بالمال، والذين امتلأت به جيوبهم، وعرفوا كيف يستفيدون على حساب الثورة. # لقد ظل عدم التوازن باقيا على حاله حتى إن موريس # Morris ~~(وموريس هذا كان أمريكيا، من أنصار الملكية الحرة بالصورة التي أرادها لفاييت، شهد الثورة ونشرت يومياته ومذكراته عنها بعد ذلك) أمكنه وقتئذ أن يتنبأ بحدوث سيطرة وطغيان فرد واحد.» # وقد عبر عن ذلك أيضا «جوستاف لوبون» في كتابه عن «الثورة الفرنسية وسيكولوجية الثورات»، # 21 # فقال: # وهكذا وجد أن امتيازات العهد القديم التي تعالت الصيحات ضدها قد استرجعت، ولكن لصالح الطبقة المتوسطة (البورجوازية). ولقد كان من أجل الوصول لهذه النتيجة أن صار لزاما أن يلحق الخراب بفرنسا، ms0264 وأن تدمر مقاطعات بأسرها، ويحكم بالتعذيب والإعدام على أناس عديدين، وترغم أسر لا عدد ولا حصر لها على العيش في يأس وقنوط، وأن تقلب أوروبا رأسا على عقب، وأن يهلك مئات وألوف الرجال في ساحات القتال. # الباب الرابع # | «إنهاء الثورة» والتمهيد لديكتاتورية الفرد # الفصل الأول # | جمهورية حكومة الإدارة1 # استمرار محاولة الاستقرار الأولى: الديكتاتورية الخماسية # 2 # 20 أكتوبر 1795-10 نوفمبر 1799 # تمهيد # تمثل حكومة الإدارة أول تجربة لحكومة جمهورية مؤسسة (أو قائمة) على دستور، ولكن هذه التجربة لم تكن تجربة سعيدة الحظ؛ لسبب جوهري هو أن الحكومة الجديدة لم تختلف في شيء عن الحكومة السابقة: حكومة عهد الترميدوريين، بينما تزايدت المشاكل التي واجهتها حكومة الإدارة. ويقول «ماثييز» # Mathiez # ممن أرخوا لحكومة الإدارة: «إن رجال الحكم هم تقريبا نفس رجال الحكم السابقين، وإن أساليبهم لم تتغير في شيء، وإن الاعتداء يقع بصورة مستمرة على المبادئ الجمهورية بحجة العمل لإنقاذ الجمهورية ...» # فقد كان دستور العام الثالث (1795) من صنع الجمهوريين المعتدلين الذين أرادوا إنشاء «خير حكومة أخرجت للناس». ولكن الدستور كما عرفنا وضع في وقت كان فيه تيار رد الفعل شديدا بعد انقلاب ترميدور والحوادث اللاحقة، حتى إن واضعي الدستور اعتقدوا من المتعذر عليهم أن ينشئوا نوع الحكومة التي يريدونها، إلا إذا ضحوا بكثير من المبادئ الديمقراطية الصحيحة؛ كالقضاء على حق الانتخاب العام، وتقييد حق الانتخاب بنصاب معين من الضرائب - أي اشتراط حق التملك - وجعل الانتخاب على درجتين، وبمعنى آخر: العودة إلى أبرز القواعد التي أخذ بها دستور سنة 1791. # الحكومة الجديدة وبرنامجها # ولما كان قد تقرر أن يكون ثلثا الأعضاء في الهيئة التشريعية من بين رجال المؤتمر الوطني، فقد وجب أنه يكون خمسمائة من هؤلاء أعضاء في الهيئة التشريعية الجديدة التي تألفت من 750 نائبا (500 لمجلس الخمسمائة، 250 لمجلس القدماء أو الشيوخ)، واتخذ مجلس الشيوخ مقره في قصر التويلري في نفس القاعة التي كانت للمؤتمر الوطني من قبل، بينما اتخذ مجلس الخمسمائة مقره في قاعة أخرى في التويلري كذلك، ثم انتقل بعد عامين ms0265 إلى مكان آخر هو «باليه بربون». # 3 # وكان رئيس الشيوخ «لاريفليير لييو» # La Révellière-Lépeaux ~~، ورئيس الخمسمائة «دونو»، وكلاهما من الجيروند، ويمثلان البورجوازية الثورية التي ناصبت النبلاء ورجال الدين العداء، والتي هي في الوقت نفسه شديدة العداء للإرهابيين. وفي 30 أكتوبر 1795 كان قد تم تشكيل مجلسي الهيئة التشريعية. # وأما الهيئة التنفيذية، فقد تم تشكيلها في 2 نوفمبر 1795، وذلك بأن اجتمع أعضاء المؤتمر الوطني القدماء الذين تألف منهم ثلثا أعضاء الهيئة التشريعية؛ لإعداد قائمة بأسماء المرشحين لعضوية حكومة الإدارة؛ كي ينتخب منهم مجلس الشيوخ خمسة، فحصل حسب الدستور ترشيح خمسين، انتخب منهم خمسة هم «لاريفليير ليبو» و«لوتورنير» # Letourneur ~~(وأصلهما من الجيروند)، و«روبل» # Reubell ~~، و«سييس» # Siéys ~~(وقد استبدل بهذا الأخير «كارنو» منذ 4 نوفمبر»، ثم «باراس». # أما «باراس» و«روبل» و«كارنو» فكانوا من الجبل، وجميع أعضاء حكومة الإدارة كانوا في سن الشباب (بين الأربعين والثمانية والأربعين)، ولم يكن لكل من «لاريفليير-ليبو» و«لوتورنير» أية قدرة على فهم الشئون السياسية. بينما كان «روبل» من رجال المال المعروفين بفساد الذمة، وكذلك كان حال «باراس». وأما «كارنو» فقد اشتهر بحبه أو برغبته في أن يسود السلام بين الجمهورية وأوروبا. ~~ وكانوا جميعا - ما عدا «روبل» الذي كان موفدا وقتئذ في مهمة إلى الأقاليم من قبل المؤتمر الوطني - ممن حضروا محاكمة لويس السادس عشر، ووافقوا على إعدامه: أي إن هذه «الخماسية» كانت من «قتلة الملك» # Régicides ~~، واتخذ المديرون قصر لكسمبورج مقرا لهم. # وقد شرعت «الإدارة» في تعيين الوزراء الستة المنصوص عليهم: للداخلية، والعدل، والخارجية، والمالية، والبحرية، والحربية. وقد ذكرنا قبلا أن وزارة سابعة أنشئت بعد ذلك لشئون البوليس في 2 يناير 1796. # وأصدرت حكومة الإدارة بيانا للشعب الفرنسي في 5 نوفمبر 1795 عرضت فيه برنامجها، فقالت: «إنه الحرب ضد الملكية وإنعاش الروح الوطنية، وإخماد الاضطرابات والعصيان، والروح الحزبية، والقضاء على كل رغبة في الانتقام، والعمل على نشر الوئام والاتحاد، وإعادة السلام، وتجديد العادات، وإنعاش مصادر الإنتاج، وإحياء الصناعة والتجارة، وإبطال المضاربة في أوراق النقد، وإنهاض العلوم والفنون، والعمل على إرجاع ms0266 الرخاء، وإعادة الثقة في الدولة واسترجاع حسن السمعة، واستبدال النظام الاجتماعي بالفوضى المصحوبة دائما بالثورات، وأخيرا جلب السعادة والمجد إلى الجمهورية الفرنسية التي نترقبها.» # صعوبات حكومة الإدارة # وكان هذا ولا شك برنامجا كبيرا ومعقدا وصعب التنفيذ. وعجزت حكومة الإدارة عن تحقيق شيء مما وعدت به، بل وصارت هذه الحكومة مكروهة من الشعب؛ ومرد هذه الكراهية كان إلى أسباب ثلاثة رئيسية: هي الصعوبات المالية، والمنازعات الحزبية، والأزمة الخلقية (أو التدهور الخلقي). # فقد كانت خزانة الدولة خاوية على عروشها؛ لأن المتحصل من الضرائب كان قليلا؛ لسبب سوء الحالة المالية والاقتصادية في البلاد نتيجة للهبوط المستمر في قيمة ورق النقد # Assignats ~~، وحرمان الفلاحين الأجراء من امتلاك الأرض الزراعية عندما جرى توزيع الأراضي المشاعة حسب القانون الزراعي وقتئذ، وبسبب عدم وجود المال؛ إذ صار الموظفون لا ينالون مرتباتهم، وكذلك لم ينل العمال أجورهم حتى صار منهم كثيرون يموتون جوعا، فأضربوا عن العمل، وساءت حال الطرقات والجسور، وانتشرت عصابات اللصوص وقطاع الطرق، ينهبون البريد ويعطلون المواصلات. # وهذه الحاجة الملحة للمال لم تلبث أن أملت إملاء على حكومة الإدارة السياسة التي وجب عليها أن تتبعها، من حيث التجاؤها إلى عقد القروض من الشركات والمتعهدين وأصحاب البنوك، لآجال قصيرة أو طويلة، وبشروط قاسية، ثم اعتمادها على قوادها العسكريين أن يأتوها بالأموال التي تستطيع جيوشهم أن تنهبها من البلدان المفتوحة؛ الأمر الذي أخضع حكومة الإدارة في نهاية الأمر لنفوذ هؤلاء القواد العسكريين، ووضعها تحت رحمتهم. # وأما المنازعات الحزبية، فسببها وجود جماعات ثلاث هامة: الملكيون ومعهم المتعصبون دينيا، والفوضويون، والجمهوريون الحقيقيون. فمع أن الملكيين # Royalistes # قد انهزموا في ثورة (13 فندميير/5 أكتوبر 1795) التي قاموا بها في باريس ضد المؤتمر الوطني، فقد ظلوا يتصلون بالأمراء المهاجرين: الكونت دي بروفنس (أو لويس الثامن عشر) الذي أذاع من فيرونا # Verona # منشورا أيد فيه الملكية المطلقة، والكونت دارتوا الذي اتخذ مقامه في إنجلترة، والبرنس دي كونديه # Condé # الذي تولى قيادة جيوش الأمراء في الغابة السوداء في ألمانيا. ولقي هؤلاء كل معونة مالية من ms0267 إنجلترة. # ولقد اختلفت آراؤهم بشأن أفضل الوسائل الواجب اتخاذها لاسترجاع السلطة في فرنسا؛ ففريق منهم كان يرى ضرورة القيام بعمل عسكري، وآثر فريق آخر الطريق الدستوري. وبذلت حكومة الإدارة بدورها كل جهد لمقاومة نشاط الملكيين، فأمدت طائفة من الصحف بالمال لتكتب في تأييد الحكومة ولتحمل على الملكيين وأنصارهم. ~~ وشجعت إعادة تشكيل الجمعيات الشعبية، فتأسست جمعية «التئام أصدقاء الجمهورية» # 4 # التي صارت تعرف باسم «نادي البانثيون». # 5 # وكان أعضاء هذه الجمعية أو النادي على اتصال بالاشتراكي «بابيف» # Babeuf ~~، وكانت هذه الصلة سببا في أنهم صاروا يسمون كذلك بالفوضويين، ولو أنهم من البورجوازيين (الطبقة الممتلكة) والتي تستنكر أية فكرة شيوعية. وكان برنامج «نادي البانثيون» مهاجمة دستور العام الثالث (1795) «غير الديمقراطي»، والمقارنة بين هذا الدستور ودستور (1793). # وأما الجمهوريون الحقيقيون، فهم المؤيدون لنظام حكومة الإدارة # Directoriaux ~~، وهم أهل الطبقة المتوسطة الغنية، الذين امتلأت جيوبهم بالأموال، واشتركوا في العمليات والصفقات المربحة والمضاربات المالية، وكان كل ما يعنيهم أن يضمن أي نظام حكومي يقوم، استمرار مكاسبهم، وزيادة ثرائهم. ولما كانوا قد صاروا يمتلكون أملاك الكنيسة التي صارت كما عرفنا «أموالا أهلية»، فقد صاروا أعداء للكاثوليكية. ولو أنهم لم يكونوا معادين للروح الدينية في حد ذاتها، على أساس أنها دعامة أخلاقية ضرورية للمجتمع. # وكان التدهور الخلقي من العوامل التي زادت من حدة الصعوبات التي واجهتها حكومة الإدارة. فقد انتشر الفساد والرشوة بحيث صارت «الجمهورية» نهبا للنواب الذين قبلوا العضوية في الشركات، وارتشوا من المتعهدين والتجار والموردين لمصالح الحكومة والجيش، وتغلغل الفساد والرشوة في كل فرع من فروع الإدارة. وفي الجيش صارت الخدمة في الجندية (كضباط أو جنرالات) وسيلة سهلة للإثراء الفاحش والسريع على حساب أغذية الجند وملابسهم، حتى صار هؤلاء يعيشون في مسبغة ويكادون يسيرون وهم عرايا، وبحيث أمكن لأي قائد من القواد أن يظفر بولائهم وإخلاصهم، إذا لم يكن مرتشيا، وإذا قادهم - كما فعل بونابرت - إلى النصر في سهول لمبارديا الغنية. # وانتشر الفساد الخلقي في الحياة الاجتماعية. فمع أنه جاء في الدستور (دستور العام الثالث): «إن ms0268 الإنسان لا يمكنه أن يكون مواطنا صالحا إلا إذا كان ابنا بارا، ووالدا رحيما، وأخا عطوفا، وصديقا وفيا، وزوجا طيبا.» فقد ساد الانحلال الخلقي، حتى صارت «المتعة» هدف الجميع وغايتهم، وحتى كتب أحد المعاصرين «ماليه دي بان» # Mallet du Pan # في سنة 1796: «إن أحدا من الناس لا يفكر في شيء سوى متعته ومشربه ومأكله.» فشهدت باريس حياة ترف وبذخ ولهو ومجون، ومغامرة، ومضاربة، لم يسبق لها مثيل. وعاد عهد الصالونات، ولكن هذه بدلا من أن تكون منتديات أدبية صارت بؤرا للفساد. وكذلك الحال في الحدائق العامة، والمراقص والمسارح والمطاعم والمقاهي، وتزيى النساء بأزياء فاضحة، وكثرت حوادث الطلاق. # الأزمة المالية وحركة «بابيف» الاشتراكية # وعنيت حكومة الإدارة قبل كل شيء بمعالجة الأزمة المالية؛ بسبب خلو الخزانة من المال. وكان من أقوى أسباب هذه الأزمة تدهور قيمة «ورق النقد» # Assignats # حتى إن سعر الجنيه الذهب ( # Louis d’or # وقيمته 20 فرنكا) بلغ في ديسمبر سنة 1795 (5200) فرنك من ورق النقد. وحاولت حكومة الإدارة معالجة الأزمة بإصدار كمية أخرى من ورق النقد، ولكن ذلك سرعان ما أدى إلى تدهور أكبر في قيمته، فلجأت إلى عقد قرض إجباري قيمته مليار من الفرنكات من المواطنين الموسرين، وفرضت ضريبة استثنائية تصاعدية على رأس المال تدفع عينا (من الحبوب) أو نقدا (من الذهب)، وذلك مع استئناف التعامل بورق النقد على أساس واحد على مائة من قيمته. وكان غرض الحكومة من هذا الإجراء امتصاص جزء من ورق النقد المتداول، ووقف تدهور قيمته برفع سعر المبادلة. # ولكن الذي حدث كان على خلاف ما توقعته؛ لأن الحكومة بتحديدها النسبة بواحد على مائة من قيمة الورق قد أقرت رسميا الخفض الحاصل في قيمته واستمرت الأزمة، فخولت الحكومة «اللجنة المالية» # Comité des Finances # في 23 ديسمبر 1795 إصدار ورق نقد # Assignats # بمقدار أربعين مليارا من الفرنكات، وعمدت إلى حرق ربع مقدار ورق النقد الذي حصلته عن طريق القرض الإجباري. # ولما فشلت كل هذه المحاولات وجدت الحكومة في 18 مارس 1796 من الضروري إلغاء «ورق ms0269 النقد»، وأن تستبدل به نوعا جديدا من الورق بقيمة الأملاك الأهلية التي لم تكن قد بيعت، والتي قدرت قيمتها بمليار ونصف مليار من الفرنكات، على أن يكون لحامل هذا الورق الحق في استبداله عينا عند الطلب من هذه الأملاك الأهلية؛ ولذلك فقد سمي هذا «الورق الجديد» باسم «أذونات على الأرض أو سندات عقارية # Mandats Territoriaux ~~». وقد انفرجت الأزمة مؤقتا ولكن لم تلبث أن هبطت قيمة هذه الأذونات كذلك. ثم كان من الإجراءات الأخرى التي حاولت بها الحكومة معالجة الأزمة المالية: فرض الضرائب المتعددة والمنوعة كضريبة التمغة، والرسوم الجمركية، والضريبة على الصحف، وعلى الأبواب، وعلى النوافذ ... إلخ. ولكن كل هذه المحاولات أخفقت في حل الأزمة المالية والاقتصادية. # وعلى ذلك فقد استمر الضنك والبؤس في البلاد، وزادت مدة البطالة، واشتد التذمر، واضطرت الحكومة في 27 فبراير 1796 إلى إلغاء «نادي البانثيون»، وكان يضم أكثر من ألفي عضو. والتف المتذمرون حول الاشتراكي «بابيف»، وكان هذا صحفيا، أسس منذ 1793 «جريدة حرية الصحافة»، # 6 # وهي التي أسماها بعد ذلك «بالمحامي عن حقوق الشعب»، # 7 # وتزعم «بابيف» حركة اشتراكية كانت شيئا جديدا في تاريخ الثورة التي تمجد «حق الفرد» كدعامة من دعاماتها وتقدس «حق الملكية»: أهم ما تحرص عليه الطبقة البورجوازية التي قامت الثورة على أكتافها، وأنكرت في صميمها المبادئ الاشتراكية التي دعا إليها «بابيف». # بدأ «بابيف» هجومه بتناول «القانون الزراعي» الذي نقده على أساس أنه يؤدي إلى توزيع الأراضي في الريف وتقسيمها إلى ملكيات فردية، وهو نفس القانون كما ذكرنا الذي حرم الفلاحين الأجراء من أي نصيب في الأرض عند حصول هذا التوزيع. ولكن «بابيف» لم يلبث أن تناول مسألة أكبر أهمية في نظره، تدور حول «الصالح العام المشترك أو اشتراكية الأموال» (أو الأملاك)، فطلعت صحيفة «تريبون دي بوبل» في 6 نوفمبر 1795 تتساءل: «ما الثورة الفرنسية؟» ثم تجيب على هذا السؤال بقولها: «إنها الحرب المعلنة بين السادة والعامة، بين الأغنياء والفقراء!» # ثم يقول «بابيف» (في عدد 30 نوفمبر 1795): # إن الديمقراطية هي وجوب أن ms0270 يقوم أولئك الذين يملكون أكثر مما يحتاجون بسد حاجة أولئك الذين لا يملكون ما يفي بحاجتهم؛ لأن النقص أو العجز الحاصل في أموال هؤلاء المحتاجين إنما منشؤه السرقات التي ارتكبها الأولون من أموالهم ... والأرض القابلة للحراثة لا يملكها أحد، ولكنها ملك للجميع ... والممتلكات التي يقتنيها أولئك الذين لهم أنصبة من هذه الأرض كأملاك فردية، إنما هي ممتلكات مسروقة ومغتصبة ... ومن العدل لذلك أن تنتزع هذه منهم . والوسيلة الوحيدة لتحقيق الديمقراطية تكون بإقامة إدارة مشتركة وبإلغاء الملكية الفردية أو الشخصية، وإعطاء كل فرد الحرفة أو العمل الذي يعرفه ويتفق مع استعداده وكفاءته، وإلزامه بأن يسلم ثمرة (غلة) هذا العمل «عينا» ليوضع في مخازن مشتركة عمومية، ثم إنشاء إدارة مبسطة للقيام بتوزيع هذه الغلات. # ولقد دلت التجربة على أن هذا نظام عملي، حيث إنه مطبق على (1200000) رجل في الجيوش الفرنسية الاثني عشر. فالشيء الممكن عمله في نطاق صغير، من الممكن عمله في نطاق كبير. # وفي عدد 21 ديسمبر 1795 اختتم «بابيف» شرح نظريته هذه بقوله: # إن ثمار (غلات) الأرض ملك للجميع، ولكن الأرض نفسها ليست ملكا لأحد. # أي إن نظرية «بابيف» تتلخص في أن «المساواة» التي نص عليها إعلان حقوق الإنسان والمواطن يجب أن تكون «مساواة» في الغنى والفقر على حد سواء، وأن ليس لإنسان أن يملك شيئا، بل يجب أن تكون كل وسائل الإنتاج ملكا للجميع عامة، وعلى الدولة أن تقوم بتوزيع الغلات بين الناس بنسبة ما يؤدونه من عمل، وبنسبة حاجاتهم. # وأما الأداة التي كان عليها تحقيق هذا البرنامج، فكانت «لجنة مركزية» أنشئت لهذه الغاية، لم تلبث أن اتصلت بالإرهابيين القدماء من أعضاء المؤتمر الوطني الذين «يأسفون على دستور سنة 1793»، كما اتصلت ببعض أعضاء مجلس الخمسمائة، وبعضو حكومة الإدارة «باراس» ثم «فوشيه»، وقام جماعة «بابيف» بحملة واسعة من الدعاية النشيطة لهذه المبادئ الاشتراكية بين العمال والأجيرين، بل وأنشئوا صلات مشتبها فيها مع بعض الشخصيات الأجنبية (مثل الوزير الهولندي في باريس «بلاءو» # Blauw ~~). # ولم تكن حركة «بابيف» تنطوي في حد ذاتها ms0271 على خطر كبير، ولكن انضمام متطرفي اليعاقبة الساخطين على الوضع القائم إلى هذه الحركة، لا عن عقيدة، وإنما لتحقيق مآربهم، لم يلبث أن ألب الحكومة على «بابيف» وأعوانه، فقررت هذه في 16 أبريل 1796 إعدام كل من «يحرضون بالقول أو الكتابة على حل أو إنهاء الهيئات التمثيلية الوطنية أو حكومة المديرين (السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية)، أو يحرضون على إرجاع الملكية، أو إرجاع دستور 1793، أو يحرضون على الاعتداء على الممتلكات العامة أو نهب أو اقتسام الممتلكات الخاصة (التي للأفراد) باسم القانون الزراعي، أو بأية وسيلة أخرى.» # وعندما نمى للحكومة أن اليعاقبة يتآمرون مع «بابيف» وأنصاره لتدبير انقلاب حكومي وإرجاع دستور سنة 1793، ألقي القبض على «بابيف» وأعوانه في 10 مايو 1796، وقدموا للمحاكمة أمام المحكمة العليا في فندوم # Vendome ~~. ثم دبر البوليس حركة عصيان في معسكر «جرينيل» # Grenelle ~~، اتخذ منه ذريعة للقبض على عدد من الفوضويين (في 9 سبتمبر 1796)، وإعدام فريق منهم دون محاكمة. # وأما «بابيف» وجماعته، فقد استمرت محاكمتهم من 20 فبراير لغاية 26 مايو 1797، وكان عدد المتهمين خمسة وأربعين، أعدم اثنان منهم هما «بابيف» وصديقه «دارثي» # Darthé # في 27 مايو 1797، وحكم على سبعة بالنفي منهم «فادييه» # Vadier ~~، وقضي على الحركة. # السياسة الخارجية: حملة إيطاليا # واتسمت سياسة حكومة الإدارة الخارجية بطابع التناقض، من حيث إن حكومة الإدارة كانت تريد السلم؛ لأن أكثرية الأمة الفرنسية ذاتها كانت تريده، ولكنها لم تستطع الاستغناء عن الحرب؛ لأنها لم تستطع إغضاب العسكريين الذين كانوا يريدون الحرب. ثم إن حكومة الإدارة كانت تريد أن تستهل عهدها بالفتوحات. أضف إلى هذا أن خزانة الدولة كانت خاوية، والحاجة حينئذ ملحة إلى أسلاب الحرب؛ لتملأ بها الدولة خزانتها. # ولقد تقدم كيف انفرط عقد المحالفة الدولية الأولى ضد فرنسا بعد أن عقدت الجمهورية الصلح مع بروسيا (معاهدة بال في أبريل 1795)، وإسبانيا (صلح يوليو 1795)، ثم مع تسكانيا وهس كاسل، ولم يبق في حرب مع فرنسا سوى إنجلترة والنمسا وسردينيا. وكانت في أوائل العام نفسه (منذ يناير 1795) قد خضعت هولندة وتأسست جمهورية بتافيا ms0272 بها. وعلى ذلك فقد حاولت إنجلترة خصوصا بعد أن فقدت معاونة هولندة وإسبانيا لها، أن تصل إلى تسوية مشاكلها مع فرنسا في أواخر 1795، وتعقد معها صلحا بالاتفاق مع النمسا، التي ما لبثت حتى تخلصت من هذه المحاولة. ولكن حكومة الإدارة (في 20 مارس 1796) اشترطت للصلح احتفاظها ببلجيكا، فتوقفت المباحثات. # ولم تكن الحرب مع إنجلترة أمرا ميسرا من الناحية العملية؛ لأسباب منها أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت قد أبرمت في لندن معاهدة تجارية مع الإنجليز (صودق عليها في أمريكا في 19 نوفمبر 1794)، حدت من نشاط السفن الفرنسية في المحيط الأطلنطي بدرجة كبيرة، ولأنه كان متعذرا القيام بعمليات عسكرية ضد إنجلترة عن طريق إرلندة أو في البحر الأبيض المتوسط؛ لعدم استعداد حكومة الإدارة الكامل، ولحاجتها الشديدة وقبل كل شيء إلى أسطول. # وعلى ذلك فلم تكن الحرب متيسرة إلا مع النمسا. وقررت حكومة الإدارة الرجوع إلى الخطط العسكرية التي وضعتها «لجنة الخلاص العام» لمهاجمة النمسا، من حيث تجهيز جيوش ثلاثة للزحف على فينا في وقت واحد: جيش السامبر والموز بقيادة «جوردان»، وجيش الراين والموزل بقيادة «مورو» # Moreau ~~، وجيش إيطاليا بقيادة «بونابرت». وقد تولى بونابرت القيادة في 2 مارس 1796، ثم تزوج من جوزفين بوهارنيه في 9 مارس، ثم غادر باريس إلى مقر قيادته العامة في «سافون» # Savon # في 10 أبريل 1796. # واعتمدت حكومة الإدارة على جيشيها في ألمانيا لإحراز الانتصارات السريعة الباهرة. ولكن قائد الجيش النمساوي «الأرشيدوق شارل» لم يلبث أنه هزم «جوردان» وأرغمه على التقهقر إلى نهر الراين (سبتمبر 1796)؛ فاضطر «مورو» بسبب هذا التقهقر إلى الارتداد هو الآخر، وكان قد استطاع اختراق الغابة السوداء، فتقهقر الآن مرتدا إلى الألزاس (25 أكتوبر)، وتحولت الأنظار نحو جيش إيطاليا، والحملة الإيطالية التي صارت تحتل المكان الأول من الأهمية بفضل كفاءة قائدها بونابرت وعبقريته. # فمنذ اللحظة الأولى التي تولى فيها بونابرت قيادة جيشه، كسب هذا القائد الشاب ثقة جنوده في قيادته، واحترامهم ومحبتهم لشخصه، وصار يسير بهم من نصر إلى نصر. بنى خطته لهزيمة النمساويين وحلفائهم البيدمونتيين (سردينيا) ms0273 على الالتحام مع كل جيش على حدة، وعلى سرعة الحركة. وكان ذلك ضروريا لأن جيشه بلغ حوالي الثلاثين ألفا فقط في حين بلغ عدد الجيش النمساوي أربعين ألفا، والبيدمونتي حوالي الألفين. فبدأ بونابرت هجومه الخاطف على جيش سردينيا فهزمه في جملة مواقع: «مونتنوت» # Montenotte # و«ديجو» # Dego # و«مليسيمو» # Millesimo # و«مندوفي» # Mondovi ~~، وفرض على سردينيا هدنة «شيراسكو» # Cherasco ~~(في 28 أبريل 1796) التي تحولت إلى صلح باريس في 15 مايو 1796. ونالت فرنسا بمقتضى هذا الصلح سافوي ونيس. وتفرغ بونابرت لمناجزة النمساويين؛ فهددهم بالالتفاف حول جيشهم، وخشي هؤلاء أن يقطع خط الرجعة عليهم فانسحبوا تاركين إقليم الميلانيه # Milanais # يسقط من غير قتال في يد بونابرت، وعقدوا العزم على مقاومة الفرنسيين عند نهر الأدا # Adda ~~. ولكن بونابرت هزمهم عند جسر لودي # Lodi ~~(في 10 مايو) ودخل ميلان (في 14 مايو)، وبدأ يحاصر «مانتوا» # Mantoue ~~. # وانحصرت من هذا الحين جهود بونابرت في ناحيتين: تهدئة إيطاليا الوسطى والجنوبية وتحصيل الأموال منها، والاستمرار في مناجزة جيوش النمسا. # ففيما يتعلق بالأمر الأول: عقد بونابرت المعاهدات مع «بارما» في 9 مايو 1796 و«مودينا» # Modene ~~(في 17 مايو)، وأملاك الكنيسة (الدولة البابوية) التي نزلت لفرنسا عن بولونا وفراره وإنكونا (23 يونيو)، وأخذ منها بونابرت كثيرا من الصور والتحف التاريخية، وجنوة في 9 أكتوبر، ونابولي في 10 أكتوبر 1796. وقد أنشأ من كل هذه الأراضي جمهوريتين: «جمهورية خلف أو ما وراء نهر البو» # Rep. ~~ Cispadane # في 16 أكتوبر 1796، من بولونا وفراره ومودينا، وأعطاها دستورا من طراز الدستور الفرنسي للسنة الثالثة (1795). ثم «جمهورية عبر نهر البو» # Rep. ~~ Transpadane # في سهل لمبارديا، في 9 يوليو 1797. وقد انضمت الجمهوريتان في 15 يوليو، وتألفت منهما جمهورية «خلف أو ما وراء جبال الألب» # Cisalpine ~~. # وفي أثناء ذلك هزم بونابرت جيوش النمسا التي حاولت مرات أربع بقيادة «ورزمر» # Wursmer ~~، وألفينزي # Alvinzi # تخليص «مانتوا»، فانتصر بونابرت على النمساويين في مواقع كاستليوني # Castiglione ~~(5 أغسطس 1796)، بسانو # Bassano ~~(8 سبتمبر 1796)، أركولا # Arcole ~~(17 نوفمبر 1796)، وريفولي # Rivoli ~~(14 يناير 1797)، فسلمت «مانتوا» بعد هذه ms0274 الموقعة الأخيرة في 2 فبراير 1797. # ولقد استطاع بونابرت في الوقت نفسه أن يمد أهل «كورسيكا» بالمساعدات التي مكنتهم من طرد الإنجليز من جزيرتهم في نوفمبر 1796. # وكان بعد سقوط «مانتوا» أن اتجه بونابرت لمعاقبة البابا «بيوس السادس» Pius vi # الذي أظهر عداء للفرنسيين. ~~ ولم تستطع جنود البابا الصمود أمام جيش الجمهورية «الفرنسية»؛ فاضطر البابا إلى عقد صلح تولينتينو # Tolinteno # في 19 فبراير 1797، وبمقتضاه دفع البابا أموالا طائلة لتعويض الفرنسيين عن خسائر الحرب، ولتعويضهم كذلك عن مقتل «باسفيل» # Basseville # أحد موظفي المفوضية الفرنسية في روما، والذي قتله الشعب بها في 1793. واستولى بونابرت على التحف التاريخية في رافينا # Ravenna ~~، وريميني # Rimini ~~، وبيسارو Pesaro ~~، وأنكونا، وبيروجيا Perugia # ولوريتو # Loretto ~~، وبعث بها إلى باريس. # ولما كان متعذرا على النمساويين بعد هذه الهزائم أن يعدوا جيوشا جديدة للميدان، فقد استمر بونابرت يزحف دون مقاومة، عندما استأنف عملياته العسكرية، قاصدا إلى فينا، حتى وصل إلى «لوبن» # Leoben ~~، وعندئذ وقع النمساويون على مقدمات «صلح لوبن» في 18 أبريل 1797. فنزلوا لفرنسا عن بلجيكا ولمبارديا بينما احتفظوا بمانتوا، ودلماشيا، وإستريا # Istria ~~، والبندقية، وترك أمر الصلح مع «الإمبراطورية» - أي ألمانيا - إلى مؤتمر ينعقد لهذه الغاية. # الموقف الداخلي: حزب الكليشيان # 8 # وفي أثناء هذه الانتصارات الخارجية، كان الموقف الداخلي ينبئ بحدوث أزمة مستعصية بين الهيئة التنفيذية (حكومة الإدارة)، والهيئة التشريعية (مجلس الخمسمائة ومجلس الشيوخ). # ومرد ذلك إلى ما جاء في دستور العام الثالث (1795) من وجوب تغيير ثلث أعضاء الهيئة التشريعية كل عام، وسقوط عضو واحد من أعضاء حكومة الإدارة (الهيئة التنفيذية) كل عام كذلك. # فإن إعادة انتخاب ثلث أعضاء الهيئة التشريعية ثم تبديل أعضاء حكومة الإدارة لم يلبثا أن أتيا بأعضاء من «المعتدلين» في الهيئتين التشريعية والتنفيذية، تتعارض مبادئهم وأغراضهم مع مبادئ وأغراض الأعضاء الأصليين في كلا الهيئتين؛ وهؤلاء الأخيرون هم الذين عرفنا أنهم كانوا من أعضاء المؤتمر الوطني # Conventionnels # الذين اشترط الدستور أصلا أن يكون ثلثا أعضاء الهيئة التشريعية منهم، وكانوا يمثلون مصالح الطبقة البورجوازية التي أثرت على حساب الانقلابات الاجتماعية ms0275 والاقتصادية التي أحدثتها الثورة، والذين كانوا من «قتلة الملك» الذين يريدون بقاء النظام الجمهوري، ويعارضون أي اتجاه «رجعي» أو أي انحراف نحو تأييد الملكية. # ولكن التيار الرجعي الذي حدث بعد «انقلاب ترميدور» عموما ثم بعد قيام حكومة الإدارة ذاتها، وهي التي صارت تغض النظر عن مساعي «المهاجرين» - وهم الملكيون - الذين بدءوا يعودون في أعداد كبيرة، وصارت تتعامى عن الوسائل التي لجئوا إليها لتسهيل عودتهم إلى البلاد، وإقامتهم بها، مثل تزييف جوازات السفر، أو شهادات الإقامة ... إلخ. جعل ذلك كله في وسع الملكيين أن يعودوا إلى الوطن، بل وأن يلقوا من يتولى الدفاع عنهم أمام الشعب الفرنسي حتى إنهم شرعوا علاوة على ذلك، يؤلفون الجمعيات السرية (أو العلنية؛ لأن أمرها لم يكن سرا مكتوما) ويضمون إليهم عناصر من البورجوازيين الذين يريدون إنهاء الحرب وعقد السلام السريع، ثم عناصر من الكاثوليك الذين يطالبون بحريات أوسع للعبادة. # ولقد تألف من بين هؤلاء الملكيين والبورجوازي والكاثوليكيين المنضمين إليهم، اتحاد أو حزب أطلق عليه اسم «حزب الكليشيان» نسبة إلى شارع كليشي # Clichy # الذي كان به مقر اجتماع كثيرين من رؤسائهم، وهو منزل عضو مجلس الخمسمائة «جلبير ديموليير» # Gilbert Desmolières ~~. # وقد اشترك بعض هؤلاء «الكليشيان» في مؤامرة قام بها أحد الوكلاء الملكيين، وهو الأبيه بروتيه # L’Abbe Brottier ~~، ولكن الحكومة بادرت بالقبض على «بروتيه» وإخوانه في 30 يناير 1797، ثم حكم عليه بالسجن عشر سنوات «في 8 أبريل»، وقد نفوا جميعا بعد انقلاب (18 فريكتدور/4 سبتمبر 1797) إلى كايين # Cayenne # بأمريكا الجنوبية. # ولكن الملكيين نبذوا سريعا كل تفكير في القيام بانقلاب بوسائل العنف، بل عولوا بدلا من ذلك على بلوغ غايتهم بطريق العمل السلمي والقانوني، حسبما أشار عليهم به كبار رجالهم مثل «بيشجرو» Pichegru # وغيره، ووافق عليه الملك لويس الثامن عشر «دوق دي بروفنس» نفسه (10 مارس 1797)، وكان معنى العمل السلمي والقانوني: أن يسيطر «الملكيون» أو «الكليشيان» على الهيئة التشريعية والتنفيذية، بأن تكون لهم الغلبة فيهما. # وعلى ذلك، فقد راح الملكيون يستعدون لخوض الانتخابات المتوقعة (حسب الدستور) وموعدها في ms0276 ربيع 1797؛ لتجديد الثلث الأول من أعضاء الهيئة التشريعية، وجعلت كل من إنجلترة والنمسا تتآمران لتأييد الملكيين في الانتخابات المقبلة. ~~ وبالفعل نجح هؤلاء نجاحا تاما في انتخابات «المجالس الابتدائية» # Assm. ~~ Primaires # في 21 مارس 1797، و«المجالس الانتخابية» # Assm. Electorales # في 9 أبريل. فلم ينتخب من الأعضاء الذين سقطت عضويتهم - وهم كما نعرف من أعضاء المؤتمر الوطني القدامى وعددهم 216 - سوى 13 فقط (بالإضافة إلى أربعة منهم «بارير» ألغت الهيئة التشريعية انتخابهم). # وفيما يتعلق بالهيئة التنفيذية، خرج «لوترنير» بالقرعة وحل محله «بارتليمي» # Barthélemy ~~، المفاوض الفرنسي في صلح بال سنة 1795، ومرشح حزب الكليشيان. وقد انتخب في الوقت نفسه «بيشجرو» من كبار الملكيين، رئيسا لمجلس الخمسمائة، و«باربيه ماربوا» # Barbé-Marbois ~~، وهو معدود من الملكيين كذلك لرئاسة الشيوخ. # ولقد ظهر أثر هذا التغيير عندما قرر مجلس الخمسمائة في 16 يوليو 1797 إلغاء القوانين القائمة ضد القساوسة المستنكرين. وعندما جرى التفكير في تغيير وزراء أربعة من اليعاقبة هم: وزراء العدل، والمالية، والبحرية، والخارجية. ولكن «باراس» - «من اليعاقبة» وعضو حكومة الإدارة - استطاع أن ينتهز هذه الفرصة للإبقاء على وزيرين من هؤلاء، كانوا من أنصاره، ثم أدخل في الوزارة اثنين آخرين من أنصاره كذلك، كان أحدهما محاميه «تاليران-بيريجور» # Talleyrand-Périgord ~~. # وكان في هذه اللحظة بالذات أن جددت إنجلترة مسعاها لعقد الصلح، تحت تأثير انتصارات بونابرت في إيطاليا من جهة، ولأنها كانت تعاني أزمة مالية داخلية، وتخشى من وقوع عصيان في الأسطول من جهة أخرى. فقامت المفاوضات في «ليل # Lille ~~» بين الإنجليز «ومندوبهم مالمسبري # Malmesbury ~~» وبين مندوبي حكومة الإدارة، وقد بدأت هذه المفاوضات في 7 يوليو 1797. وكان قد استطاع «مالمسبري» بإرشاد الوزير الإنجليزي «بيت الأصغر» وتحت تعليماته، أن يظفر ببعض مزايا، عندما وقع انقلاب (18 فريكتدور السنة الخامسة/4 سبتمبر 1797). # انقلاب 18 فريكتدور سنة 5 / 4 سبتمبر 1797 # لقد بقي بونابرت بعد الانتصارات التي نالها مقيما في إيطاليا، حيث وافته زوجه «جوزفين بوهارنيه» إلى قصر كريفللي # Crivelli # العظيم في مومبللو # Mombello # بالقرب من ميلان، وحيث احتفل بونابرت بزواج أخته «بولين» Pauline # من الجنرال ms0277 لكلير # Leclerc ~~. ويصف «ألبير سوريل» # Albert Sorel # أسلوب أو نوع الحياة التي كان يعيشها بونابرت في ميلان وقتئذ فيقول: «إنه أنشأ بها بلاطا حقيقيا، فالحكومة التي التف رجالها حوله هي حكومة أحد كبار القناصل الرومانيين في عهد الرومان المجيد؛ هي حكومة الغازي الفاتح، ورجل الدولة، ومنظم الفتوحات، وناشر السلام بين الشعوب المقهورة. «إن مثل بونابرت في ميلان» كمثل يوليوس قيصر في بلاد الغال.» # وبونابرت وقتئذ كان قد فرغ من إنشاء جمهورية ما وراء الألب (9-14 يوليو 1797). وفي 14 يوليو كانت قد بلغت ثقته في قيادته وفي مقدرته حدا جعله يبعث بالنصح إلى حكومة المديرين في باريس؛ حتى تبذل نشاطا أكبر ضد مؤامرات ومحاولات الملكيين ضد الحكومة، وأن يؤكد «للمديرين» ولاء جنوده الذين قال إنهم مستعدون لاجتياز جبال الألب، والحضور إلى باريس «في سرعة النسور» لحماية الحكومة ولحماية الجمهوريين. ثم إنه لم يلبث أن أوفد إلى باريس أحد قواده «أوجيرو» # Augereau # كي يتولى قيادة الجنود بها (8 أغسطس 1797). # ولما كانت أكثرية أعضاء حكومة الإدارة، وهم: باراس، وروبل، ولاريفليير ليبو، من الجمهوريين، ويؤلفون ثلاثية حكومية متشبثة بالنظام الجمهوري، بينما كان «كارنو» و«بارتليمي» من المعتدلين (أو الملكيين)، وهما أقلية ، فقد بقيت الهيئة التنفيذية تؤيد الجمهورية، في الوقت الذي كانت فيه أكثرية الهيئة التشريعية - كما رأينا - بعد انتخابات مارس-أبريل 1797، من «المعتدلين» الذين يؤيدون الملكية. # وكان من نقائص دستور العام الثالث (1795) أنه لم ينص على الطرق التي يمكن بها إزالة ما قد يقع من خلافات بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، فلم يكن لأي من المجلسين الحق في إسقاط حكومة المديرين أو السلطة التنفيذية، وليس لهذه الأخيرة حق حل المجلسين، وإجراء انتخابات جديدة، فكان المخرج إذن هو لجوء كل منهما إلى وسائل غير قانونية لحسم ما يحدث من خلافات بينهما. فتعددت حوادث الاصطدام بين أنصار المعتدلين (الملكيين) والجمهوريين، وكثرت معارك الشوارع بين الفريقين. # وحاول «المجلسان» التخلص من «الثلاثية الديكتاتورية»: ثلاثية باراس، لاريفليير ليبو، وروبل؛ فأخذا يتهيآن (يوم 17 فريكتدور السنة الخامسة/3 سبتمبر 1797) لتوجيه الاتهام ضد هؤلاء الثلاثة، ms0278 وفي المساء أقفلت «بوابات» باريس. ولكن باراس ولاريفليير ليبو وروبل أعلنوا انعقاد حكومة الإدارة في جلسة مستديمة، وبادر «أوجيرو» باحتلال مكان اجتماع المجلسين وشتت شمل الأعضاء الذين حاولوا الاجتماع وحبس فريقا منهم. # وقد ألقي القبض على «بارتليمي» وهو في فراشه، وتمكن «كارنو» من الهرب «إلى سويسرة»، واقتاد «بيشيجرو» ثلاثة عشر نائبا إلى سجن «الهيكل». # وفي اليوم التالي من (4 سبتمبر/18 فريكتدور سنة 5) أصدرت حكومة المديرين (الإدارة) قرارا باجتماع مجلس الخمسمائة «في مسرح الأوديون # I’Odéon ~~» ومجلس الشيوخ في مدرسة الطب # I’Ecole de Medécin # وأبلغوا المجلسين وثائق متعلقة بالمؤامرة الملكية ضد الحكومة، وطلبوا من الهيئة التشريعية استصدار طائفة من القرارات لاعتماد الإجراءات التي يريدها وزير العدل «مرلان دي دويه» # Merlin de Douai ~~. # وقد انتظمت هذه القرارات في قانون 5 سبتمبر 1797، وبمقتضاه؛ أولا: صار إلغاء انتخاب 145 نائبا، ونفي 53 نائبا آخر إلى كايين منهم كارنو، وبارتليمي، وباربيه، ماربوا، وبيشجرو، وكذلك عدد من الصحافيين، ثم الآبيه بروتييه الذي سبق الكلام عنه. ولم يكن كل هؤلاء في قبضة الحكومة. ومن الذين نفوا فعلا كان بارتليمي وبيشجرو وبروتييه. وثانيا: إلغاء كل القرارات التي صدرت في صالح المهاجرين، والقساوسة المستنكرين، ثم الاستزادة من صرامة الرقابة المفروضة على الصحافة، ثم إعطاء حكومة الإدارة سلطات استثنائية لتطهير كل فروع الإدارة في الحكومة. وثالثا: وضع الجيش تحت سلطان وإشراف أصدقاء «باراس»: أوجيرو، وخصوصا بونابرت الذي بدأ يسطع نجمه، لا سيما بعد وفاة الجنرال «هوش» الذي توفي فجأة في 19 سبتمبر 1797، وكان المنافس القوي الوحيد لبونابرت. # وفي 6 سبتمبر حل «مرلان دي دويه» وفرانسوا دي نوف شاتو # Neufchateau # محل كل من «كارنو» و«بارتليمي». # وأفادت حكومة الإدارة من هذا النصر الذي قضى (بفضل انقلاب 18 فريكتدور السنة الخامسة) على حزب الكليشيان والملكيين، وعلى كل معارضة وقتئذ؛ بأن راحت تبذل جهدا صادقا لمعالجة الأزمة المالية، فاستصدرت قانون 30 سبتمبر 1797 لضغط المصروفات في ميزانية الحرب، ولإنقاص الدين العام خصوصا، ولتحسين الإدارة المالية بالعمل من أجل صيانة موارد الثورة العامة، بما في ذلك ms0279 تخفيض الضريبة المباشرة، وتنظيم الاحتكار، وضريبة التمغة، وغير ذلك. # صلح كامبوفرميو (17 أكتوبر 1797) # وخشي النمساويون بعد انقلاب 18 فريكتدور - وهو الانقلاب الذي ساعد بونابرت على إنجاحه، وصار له بفضل هذه المساعدة نفوذ ملموس في باريس - خشي النمساويون أن يتمكن بونابرت من إجبار حكومة الإدارة على تأييده فيما كان يريد فرضه من شروط على النمسا. وخشي وزير الخارجية النمساوي «ثوجوت» # Thugut # أن لا يتقيد بونابرت في هذه الظروف بشروط «هدنة لوبن» وأن يصر على إنشاء الجمهورية في «فينا» ذاتها. # وعلى ذلك فقد بادر «ثوجوت» بإرسال دبلوماسي ماهر هو الكونت لويس كوبنزل # Cobenzl # إلى «أودين» # Udine # حيث كان يقيم بونابرت حتى يعقد الصلح النهائي معه بكل سرعة. وفي 17 أكتوبر 1797 تم إبرام الصلح بين النمسا وحكومة الجمهورية «الفرنسية» في كامبو- فرميو # Campo-Formio ~~، وفي هذا الصلح تنازلت النمسا لفرنسا عن ممتلكاتها في بلجيكا وفي إيطاليا، واعترفت بالجمهوريتين اللتين أنشأهما بونابرت في إيطاليا وهما: جمهورية ما وراء الألب # Rép. Cisalpine # وجمهورية ليجوريا # Rép. ~~ Ligurienne ~~«في جنوه». وكان بونابرت قد عقد مع حكومة جنوة الجمهورية القديمة معاهدة مؤقتة في «مومبللو» في 6 يونيو 1797 استبدل فيها بحكومة النبلاء، حكومة ديمقراطية من هيئة تشريعية في مجلسين وهيئة تنفيذية في شخص «دوج» # Doge # واثني عشر «شيخا» # Senateurs ~~؛ أي حكومة من نمط حكومة الإدارة في فرنسا. وقد سميت هذه بجمهورية ليجوريا. # وفي نظير ذلك تنازلت فرنسا للنمسا عن جمهورية البندقية والأراضي التابعة لها في «فريولي» # Fruili # و«إستريا» ودلماشيا حتى نهر الأديج، وجزر بحر الأدرياتيك، وتلك أملاك ليست لبونابرت، ولا حق له في التصرف في أمرها. وقد احتفظ بونابرت لفرنسا من أملاك البندقية السابقة في بحر الأدرياتيك، بجزر الأيونيان: كرفو، زانتي، سيفالونيا، سانت مور # Sainte-Maure ~~، سيريجو # Cérigo ~~. # وفيما يتعلق بالصلح مع الإمبراطورية «ألمانيا» تقرر في 31 أكتوبر أن ينعقد مؤتمر لهذه الغاية في «رشتات» # Rastatt ~~. ~~ وقد بدأ هذا المؤتمر أعماله في 16 ديسمبر 1797، ووافق مندوبو الولايات الألمانية والنمسا (في 9 مارس 1798) على التنازل لفرنسا عن كل الشاطئ الأيسر لنهر ms0280 الراين باستثناءات بسيطة. فأجاب هذا الصلح (صلح رشتات) مطلب الفرنسيين من حيث إنه ربط حدود فرنسا الطبيعية بالشاطئ الأيسر لنهر الراين. # وعلى خلاف ذلك كانت على صلح كامبو-فرميو مآخذ كبيرة: منها أن النمسا بالرغم من هزيمتها في الحرب الأخيرة لم تفقد شيئا؛ لأن خسائرها كانت في بلجيكا وإيطاليا، ولأن فرنسا «الجمهورية» قد تنكرت في هذه الحرب للمبادئ التي نادت بها ثورتها، من حيث الرغبة في تحرير الشعوب، ولأن هذا الصلح انطوى في الحقيقة على أصول حرب جديدة قادمة. ولكن فرنسا كانت منهوكة القوى، ولم يكن الشعب متنورا التنور الكافي في شئون السياسة الخارجية؛ ولذلك فقد قوبل صلح كامبو-فرميو بحماس عظيم. # وحقيقة قضى إحراز هذا النصر السياسي (صلح كامبوفرميو) على الخطر من حدوث رد فعل أو حركة رجعية في صالح الملكية، ولكن هذا «الصلح» قد وضع من الآن فصاعدا السلطة الفعلية في يد بونابرت الذي ألزمت سمعته القوية الناس على احترامه، وأخرست ألسنتهم عن توجيه أي نقد لأعماله. # وأما بونابرت فقد عاد إلى باريس يوم 10 ديسمبر سنة 1797، وهو يشعر كما قال: «بأنه لم يعد قادرا على تلقي الأوامر بعد اليوم من غيره.» ولو أنه حاول جهد طاقته أن يعيش عيشة «المواطن» العادي. واستقبله الشعب بمظاهرات الترحيب الحماسية واستقبلته حكومة الإدارة استقبالا رسميا. وفي 25 ديسمبر انتخب بونابرت عضوا في المجمع العلمي # L’Institut # في مكان «كارنو»، وفي 3 يناير سنة 1798 أقام له «تاليران» حفلا عظيما تكريما له حضرته «مدام دي ستال» # Stael ~~. # ولكن بونابرت لم يكن يرضى «بالبطالة»؛ فأخذ يدرس موضوع مراجعة دستور العام الثالث، والموقف السياسي الخارجي، وسياسة الدول: إنجلترة التي تعرف كيف تفيد من الظروف؛ لتحول دون تأليف محالفة فرنسية ضدها، وإسبانيا التي يحاول عضو الإدارة «روبل» أن يزج بها في حرب مع البورتغال، ولكن دون جدوى، وهولندة التي أفقدتها الاضطرابات الداخلية كل قوة، والولايات المتحدة الأمريكية وأمريكا اللاتينية ... ~~ وهكذا. # كما استمر يهتم بشئون إيطاليا، وبالجمهوريات التي أنشئت أو التي يجب أن تنشأ على حدود فرنسا خصوصا سويسرة ms0281 ... وظل بونابرت يدرس ويكتب وينشر في الصحف، وتسنى له بفضل هذا كله أن يجذب اهتمام الرأي العام إلى شخصه، فأخذت تتزايد شهرته رسوخا عند الجماهير، في حين استمرت تتناقص وتسوء سمعة حكومة الإدارة. # وكان لغضب الشعب من حكومة الإدارة عدة أسباب: منها السياسة التي جرت عليها في الداخل، والتي أوجدت ذلك التناقض الذي سمح لفريق من الناس أن يعيش في بذخ وترف، بينما يشقى الباقون، وهم أكثرية الشعب الساحقة، ومنها ما يعرفه الشعب عن «باراس»، وإغضائه عن المتعهدين والموردين للجيش والمضاربين أو مشاركتهم في أرباحهم التي جنوها على حساب قوت الجيش والشعب عامة، ومنها الصعوبات التي وقفت في طريق استيراد الحبوب والمواد الأولية من الخارج والتي أوجدها قطع العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية، ومنها إفلاس كثيرين من أصحاب السندات بسبب إنقاص الدين العام، وكذلك الخفض المستمر الذي حدث في قيمة أوراق النقد الجديدة المعروفة باسم «الأذونات» على الأرض، التي سبق وصفها، ثم خزين الفلاحين محصولاتهم الزراعية. أضف إلى هذا كله الفضائح الخلقية المتزايدة؛ بسبب الانحلال الذي طرأ على المجتمع مما سبق الحديث عنه. # انقلاب 22 فلوريال سنة 6 / 11 مايو سنة 1798 # وظهر غضب الشعب من حكومة الإدارة وكراهيته لها عندما جرت الانتخابات لتجديد ثلث أعضاء الهيئة التشريعية في أبريل 1798. # وكان الاتجاه في هذه المرة نحو انتخاب أعضاء من «اليعاقبة» وليس انتخاب «ملكيين» كما حدث في انتخابات العام السابق (سنة 1797). فأسفرت الانتخابات عن نجاح أعضاء المؤتمر الوطني القدامى، وانتخابهم لعضوية مجلسي الخمسمائة والشيوخ. # ولما كانت الأكثرية في المجلسين (وهي الثلثان) من أنصار حكومة الإدارة، فقد رأت التخلص من هذه العناصر الجديدة، بالقيام بانقلاب من نمط انقلاب السنة الماضية؛ فاستصدرت الهيئة التشريعية قانونا في (11 مايو سنة 1798 / 22 فلوريال سنة 6) ألغي بمقتضاه انتخاب 98 عضوا من الأعضاء الجدد؛ ليستبدل بهم 45 مرشحا (11 للشيوخ، 34 للخمسمائة). # والذي تجدر ملاحظته أن عدد الأعضاء الذين ألغي انتخابهم من «اليعاقبة» كان كافيا لأن يجعل «اليعاقبة» الباقين الأقلية في الهيئة التشريعية (أي في المجلسين). ms0282 فلم يكن الغرض إذن طرد كل «اليعاقبة» من الهيئة التشريعية: الأمر الذي يدل على أن هذا الانقلاب (انقلاب 22 فلوريال سنة 6) لم يكن مبعثه سياسة واضحة مفهومة ومنطقية، وإنما كان الغرض منه - كما كان الغرض من انقلاب 18 فريكتدور سنة 5 الذي سبقه - مجرد البقاء في الحكم، وذلك ليس بناء على رغبة في إسداء خدمة معينة للأمة وللدولة، ولكن للمنفعة الشخصية فقط. # ونفس هذه الحقيقة تفسر ما حدث كذلك عند اختيار عضو الإدارة الذي يخلف «فرنسوا دي نوف شاتو» والذي سقطت عضويته، فوقع الاختيار في 15 مايو 1798 على «تريلهارد» # Treillhard # بالرغم من أنه لم يكن حائزا للشروط التي نص عليها الدستور، وهي ضرورة أن تمضي سنة من تاريخ انتهاء عضويته في الهيئة التشريعية، حيث كان «تريلهارد» عضوا بمجلس الخمسمائة، ولم تمض سنة بتمامها على خروجه من هذا المجلس حتى يصح اختياره لحكومة المديرين. # ومع أن هذه الحكومة قد بذلت قصارى جهدها لإجراء عدة إصلاحات - مشهورة باسم إصلاحات العام السابع - في الإدارة المالية، وشئون الضرائب، والتعليم العام، والاقتصاد، والإدارة العامة؛ فقد ظل الناس يكرهونها بسبب البذخ والترف الذي عاش فيه أعضاؤها، والذين سماهم الشعب «بأصحاب الجلالة المقيمين في قصر لكسمبورج»، وذلك بينما يعيش الشعب في بؤس وضنك. # وسبب آخر لكراهية الناس لهذه الحكومة، هو أن هذه الديكتاتورية التي فرضها النظام القائم على الشعب، كانت لا تستند على رضاء هذا الشعب، بل وصارت تعمل على إهدار حرياته وحقوقه. ولقد جعلت الظروف السائدة هذا الشعب نفسه يتطلع إلى قيادة أو توجيه أو حكومة الجنرالات المنتصرين في الحرب، والذين في وسعهم وحدهم أن يجنبوا البلاد أخطار الغزو من جهة، وأن يكفلوا لفرنسا إكليلا من المجد والفخار بفضل انتصاراتهم من جهة أخرى. # المحالفة الدولية الثانية (1798) # فقد نشأ عن سياسة الغزو التي اتبعتها حكومة الإدارة والتي ساعد بونابرت على نجاحها، أن تألبت أوروبا ضد فرنسا؛ وذلك لأن السيطرة الفرنسية في القارة لم تلبث أن امتدت حتى شملت الجمهورية السويسرية. بينما تدخلت في إيطاليا حكومة الإدارة ms0283 - وتدخل بونابرت الذي كان شقيقه «جوزيف بونابرت» السفير الفرنسي في رومه - تدخلت في إيطاليا: في شئون «الدولة البابوية» لتأييد الجمهوريين الرومانيين، واحتل الجنرال «برتيه» # Berthier # مداخل رومة. حتى إذا أعلن الديمقراطيون بها «الجمهورية الرومانية» دخل القائد الفرنسي رومة في (15 فبراير 1798). # ولقد أثار إنشاء هذه «الجمهورية الرومانية» حفيظة النمسا الكاثوليكية، بينما هدد وجودها تهديدا مباشرا ملك نابولي «فردنند الرابع» الذي انقلب الآن على فرنسا، وراح يبذل المساعدات لأسطول الإنجليز بقيادة اللورد نلسن في البحر الأبيض. وكانت ماري- كارولين زوجة فردنند، صديقة حميمة لليدي إما هاملتون # Emma Hamilton # زوجة السفير الإنجليزي في نابولي. وفي نوفمبر 1798 قام فردنند بالهجوم على «الجمهورية الرومانية»، وفي أول ديسمبر تحالف مع إنجلترة، ومن هذا الحين صار يسدي كل معاونة في قدرته للأسطول الإنجليزي. # ثم لم تلبث تركيا أن أعلنت الحرب على فرنسا في 9 سبتمبر 1798، عندما غزت الحملة الفرنسية مصر بقيادة بونابرت في شهر يوليو السابق، في ظروف سوف يأتي ذكرها. # وتزايد الخطر على الجمهورية «فرنسا» عندما قرر بول الأول - قيصر روسيا - مؤازرة تركيا في الحرب ضد فرنسا مع السلطان العثماني في 7 أكتوبر 1798، وأخذ يستحث النمسا على قطع علاقاتها مع فرنسا. # وفي أكتوبر 1798 غزت جيوش النمسا مقاطعة جريسون # Grisons # في سويسرة «أو الجمهورية الهلفيتية». وفي 16 نوفمبر تحالفت النمسا مع إنجلترة، وقامت هذه المحالفة على أساس تحرير سويسرة، واسترجاع لمبارديا «للنمسا»، واحتفاظ النمسا بالبندقية، وإرجاع فرنسا إلى حدودها القديمة، وكبح جماحها بإنشاء «دولة حاجزة» قوية على حدود فرنسا الشمالية الشرقية، تتألف من بلجيكا وهولندة، ثم إرجاع الحال في ألمانيا إلى ما كان عليه في عام 1792. # وهكذا تألفت المحالفة الدولية الثانية ضد فرنسا. وصارت جبهة القتال حينئذ ممتدة من هولندة إلى نابولي، وتواجه فرنسا بجيشها المؤلف من 200000 جندي، جيش الحلفاء الذي كان قوامه 400000 جندي. # ولقد حاولت حكومة الإدارة معالجة هذا الموقف بتجنيد جميع الشبان الفرنسيين بين سن الحادية والعشرين والخامسة والعشرين، وأصدرت نداء لتجنيد 200000 شاب، ولكن هذا القرار أثار غضب الشعب، وهرب ms0284 كثيرون من الشبان الصالحين للخدمة العسكرية، وانضموا إلى صفوف أو جماعات أو عصابات «قطاع الطريق» «الملكيين». # وأما العمليات العسكرية، فقد بدأت قبل تجهيز أية جيوش جديدة. فبدأت الحرب في إيطاليا؛ حيث استولى الفرنسيون بقيادة «شامبيونيه» # Championnet # على تسكانيا، ثم على مملكة نابولي (23 يناير 1799)، التي أنشئوا منها جمهورية لم تعمر إلا فترة قصيرة من الزمن، سميت بالجمهورية البارثينوبية # Rép. Parthénopéenne ~~. ولكن لم يلبث النمساويون أن انتصروا عليهم، فهزم هؤلاء بقيادة «الأرشديوق شارل» جيش الجنرال «جوردان» في موقعة ستوكاش # Stockach # في 21 مارس 1799، وأرغموه على الارتداد على نهر الراين، بينما عجز جيش فرنسي آخر بقيادة الجنرال «شيرر» # Sehérer # عن عبور نهر الأديج «في لمبارديا»، واضطر إلى التقهقر حتى نهر «الأدا» # Adda ~~، واستطاع بعد ذلك أن يقتحم نهر الأدا قائد جيش الحلفاء الجنرال «سواروف» الروسي # Souvarov # بعد هزيمة الفرنسيين الذين كانوا بقيادة الجنرال «مورو» # Moreau # الذي خلف «شيرر» في القيادة عند «كاسانو» # Cassano # في 17 أبريل 1799، ولم تكن هذه كل الهزائم التي أدركت الفرنسيين في إيطاليا. # فبينما كان النمساويون ينتقمون من الجمهورية الفرنسية لإعلانها الحرب عليهم، بذبح مندوبيها في مؤتمر «رشتات» عند مغادرتهم البلدة (في 28 أبريل 1799)، كان «سواروف» يواصل تقدمه في شمال إيطاليا. فهزم الفرنسيين (بقيادة ماكدونالد) في تربيا # Trebbia ~~(17-19 يونيو)، ثم هزم جيش «جوبير» # Joubert # في نوفي # Novi ~~(في 15 أغسطس). وقتل القائد الفرنسي في المعركة. # وفي سويسرة كان الموقف في صالح الفرنسيين. حقيقة أوقع بهم الأرشديوق شارل بعض الهزائم، ولكن «مسينا» # Masséna ~~- القائد الفرنسي - اشتبك مع الروس في جملة معارك ناجحة، واستطاع بعد أن أرغمهم على الارتداد، الصمود في خط يمتد من زيورخ إلى ممر سان جوثارد (3-4 يونيو 1799). # وفي هولندة ظل الجنرال برون # Brune # يحتل البلاد، ولو أن الخطر كان محدقا به؛ بسبب نزول جيش إنجليزي روسي بقيادة «دوق يورك» # York # على الشاطئ الهولندي في سبتمبر 1799. # وهكذا إذا استثنيت العمليات العسكرية في سويسرة وهولندة، كادت تكون جيوش الجمهورية منهزمة في كل مكان. ولقد أثارت هذه الهزائم - وخصوصا ms0285 تلك التي حدثت في إيطاليا - الشعور، وهيجت الخواطر ضد حكومة الإدارة. وقام الملكيون بثورات في الأقاليم الغربية، ولكن في هذه المرة ليس في «لافنديه» المنهوكة القوى، ولكن في الإقليم الواقع إلى الشمال منها، والمعروف باسم بوكاج # Bocage ~~، حيث كانت به مراكز «الشوان» من بريتاني، ونورمانديا وأنجو، ثم في جهات طولوز (في حوض الجارون الأعلى). وكذلك قاومت بلجيكا أوامر التجنيد. # انقلاب 30 بريريال سنة 7 / 18 يونيو 1799 # وعلى ذلك فقد أسفرت انتخابات مايو 1799، عن نجاح عدد كبير من اليعاقبة من الذين سبق طردهم من الهيئة التشريعية في انقلاب (22 فلوريال سنة 6 / 11 مايو 1798) ونجاح عدد آخر من الذين عرفوا باسم «الفريكتدوريين»؛ أي الذين قام على أكتافهم انقلاب (18 فركتدور سنة 5 / 3 سبتمبر 1797)، والذين صاروا الآن من ألد أعداء المديرين الحاليين، إن لم يكونوا من ألد أعداء حكومة الإدارة ذاتها، كنوع من أنواع الأداة التنفيذية. # وزاد من أزمة حكومة الإدارة أن «روبل» أقدر أعضاء هذه الحكومة والذي كان في استطاعته من بينهم مواجهة الموقف، لم تلبث أن سقطت عضويته وأخرجه الاقتراع من الحكومة في 9 مايو 1799. وانتخب بدلا منه «سييس» # Sieyes ~~، والأخير ضد دستور العام الثالث، وكان انتخابه لعضوية هذه الحكومة بمثابة الاعتراف بأن هذا الدستور (دستور 1795) لم يعد يؤدي الغرض من وجوده، وقد وجب لذلك إلغاؤه. # ووقع الاصطدام بين الهيئة التشريعية والسلطة التنفيذية على المسألة المالية، حيث اشتد الهجوم على حكومة المديرين؛ بسبب العجز الكبير في الميزانية، والفساد المنتشر بين المديرين أنفسهم، الذين تركوا المتعهدين والموردين والمضاربين يثرون على حساب الجيش «الجائع» والأمة التي تعيش في ضنك، بل وتواطئوا معهم. # وعندما وصل «سييس» إلى باريس من برلين في مايو 1799 - وكان موفدا في مهمة لدى ملك بروسيا فردريك وليم الثالث لإقناعه، دون جدوى، بالخروج من حياده والتحالف مع فرنسا، وتغيب عن باريس منذ 10 مايو 1798 في هذه المهمة - دخل «سييس» عضوا في حكومة المديرين في 16 يونيو. ووجد «سييس» عند حضوره إلى باريس أن الرأي منعقد على ms0286 ضرورة إخراج ثلاثة من المديرين حتى يتسنى إجراء أي إصلاح جدي. وهم لاريفليير ليبو، ومرلان، وتريلهارد. فلم يلبث أن اقتنع هو أيضا بهذا الرأي، ثم وجد «باراس» في هذه الظروف من صالحه الانضمام إلى «سييس» بمجرد أن أدرك أن مصير هؤلاء الثلاثة قد صار محتوما وأمرا مفروغا منه. # وعلى ذلك فقد بدأت الهيئة التشريعية هجومها في 16 يونيو، بأن اكتشفت الآن وبعد مضي عام بطوله أن «تريلهارد» قد انتخب عضوا في حكومة المديرين بطريقة غير دستورية. فأخرج «تريلهارد» من حكومة المديرين، وانتخب في مكانه «جوهييه» # Gohier ~~(18 يونيو)، ثم أرغم كل من «لاريفليير ليبو» و«مرلان» على الخروج كذلك في مساء اليوم نفسه، وانتخب في مكانهما «روجر ديكو» # Roger-Ducos ~~، والجنرال مولان # Moulins ~~. فصارت حكومة المديرين تتألف الآن من: باراس، سييس، جوهييه، وروجر ديكو ومولان. # وبهذا الانقلاب الذي عرف باسم انقلاب (30 بريريال سنة 7 / 18 يونية 1799) انتقمت الهيئة التشريعية من الهيئة التنفيذية صاحبة الانقلابين السابقين: (انقلاب 18 فريكتدور سنة 5 / 3 سبتمبر 1797)، (22 فلوريال سنة 6 / 11 مايو 1798) ضد الهيئة التشريعية. وهكذا كما قال «لوسيان # Lucien # بونابرت» شقيق الجنرال بونابرت: «بفضل هذا الانقلاب الأخير (30 بريريال)، استعادت الهيئة التشريعية المكان الأول الذي هو من حقها أن تشغله في الدولة.» # ولكن الشعب قابل هذا الانقلاب «ببرود» وجفاء؛ لأنه كان من المتعذر عليه أن ينسى الشدائد التي تحملها في أيام المؤتمر الوطني، والبؤس الذي عاش فيه والذي تزايدت حدته على عهد حكومة الإدارة. ولقد كان سبب النكبات التي نزلت بساحة الشعب، تعرض البلاد لخطر الغزو الخارجي من ناحية، ولخطر التآمر - تآمر أعداء الثورة - عليها في الداخل من ناحية أخرى؛ الأمر الذي جعل الشعب يعتقد أن قيام الحكومة القومية التي تتركز في يدها السلطة سوف يدفع عنه هذين الخطرين: الخارجي والداخلي معا. # فكان لدفع هذين الخطرين إذن أن تأسست «الديكتاتورية» التي حكمته في عهد المؤتمر الوطني والتي لا زالت تحكمه في عهد المديرين. ومع ذلك فقد أخفقت هذه الديكتاتورية في دفع هذه الأخطار عنه ms0287 ، بل ظلت هذه الأخطار قائمة ومتجددة، بل واقتضى وجودها وعدم زوالها اللجوء إلى اتخاذ نفس الإجراءات التي قاسى الشعب من جرائها الأهوال في «عهد الإرهاب». # من ذلك «قانون الرهائن» # Loi de Otages # الذي صدر منذ 12 يوليو 1797، وكان من طراز «قانون المشبوهين» المعروف الذي صدر في 17 سبتمبر 1793، وكان من دعامات عهد الإرهاب. فقد أجاز «قانون الرهائن» للحكومة أن تأخذ رهائن من العائلات المشتبه في أنها تعطف على الفارين من التجنيد أو المنضمين إلى عصابات الملكيين، أو المشتبه في أنها ذات قرابة ولو بعيدة «بالمهاجرين». على أن يكون نصيب هؤلاء الرهائن الإعدام إذا حاولوا الهرب، وكذلك نفي أربعة منهم ومصادرة أموالهم، مع فرض غرامة جماعية عليهم، وذلك في نظير كل جمهوري واحد يلقى حتفه على أيدي خصوم الحكومة. # ولقد قاوم الشعب هذا القانون، «الذي أعاد - كما قال الأهلون - حكومة سنة 93، والذي لا يمكن أن يتحمله إنسان.» وظهرت هذه المقاومة في تأليف الجمعيات للانتقام من الموظفين الذين يريدون تنفيذ «قانون الرهائن». # وزيادة على ذلك، فقد أفزع الشعب وأرعبه، وأعاد إلى ذهنه ذكريات عهد الإرهاب الأليمة، وجعله ينقم على حكومة المديرين، أن هذه الحكومة حتى تكسب - كما اعتقدت - الرأي العام، لم تلبث أن أجازت من جديد تشكيل «نادي اليعاقبة» القديم، فصار هذا يعرف الآن باسم «جمعية المانيج» # Sociéte du Manège # نسبة إلى صالة «المانيج» - ملعب الخيل - التي كانت مكان جلسات الجمعية التأسيسية الوطنية، والجمعية التشريعية، والمؤتمر الوطني. # وقد انضم إلى جمعية المانيج هذه حوالي (150) نائبا، عكست خطاباتهم ومناقشاتهم صورة من تلك الأقوال المحمومة التي تميزت بها مناقشات المؤتمر الوطني في سنة 1793، بالإضافة إلى التعبيرات الاشتراكية والشيوعية المنتشرة الآن كنتيجة للحركات الديمقراطية التي قامت في عامي 1795، 1796. # وتزايد فزع الشعب عندما صار الفوضويون # Anarchistes # يتحدثون علنا في «مقهى جودو» # Café Godeau # بالقرب من التويلري عن ذبح ألوف من الناس انتقاما لإعدام «روبسبيير» و«بابيف». وأخذت تروج الإشاعات بأن مجلس الخمسمائة يعتزم إعادة تأسيس «لجنة الخلاص العام»، وأن الجنرال «جوردان» - أبرز القواد في باريس - قد شرب ms0288 من مأدبة نخب إحياء عهد «حاملي الحراب # piques ~~» أي الثوريين «اليعاقبة ». # فقامت المظاهرات، ووقعت الالتحامات في شوارع باريس، واضطر مجلس الشيوخ إلى إغلاق صالة «المانيج». ولكن «جمعية المانيج» انتقلت إلى ضفة نهر السين الأخرى؛ لتتخذ مقرها في كنيسة اليعاقبة. # وظلت هذه الجمعية موضع كراهية عظيمة عامة، فحملت الصحف عليها حملات عنيفة، وهزأت بها الجماهير وسخرت منها في الطرقات والمقاهي والمسارح وفي كل مكان. ~~ ولكنها بقيت مبعث رعب وإرهاب للجميع؛ لأن أعضاءها كانوا في البوليس، والموظفين المنتشرين في مختلف فروع الإدارة، ثم كان لها أنصار عديدون في مجلس الخمسمائة، ويعطف عليها من حكومة المديرين اثنان، هما: «جوهييه» و«مولان»، بينما كان من بين أعضائها ثلاثة من القواد: براندوت وهو وزير الحربية، وجوردان، وأوجيرو. # والفزع الذي استبد بالشعب حدث في نفس الوقت الذي كان قد أوقف فيه الهجوم العام الذي شنه الحلفاء على فرنسا (عند تشكيل المحالفة الدولية الثانية). ~~ وتركزت حينئذ العمليات العسكرية على خط الحدود في ميدانين أساسيين: «أولهما» في سويسرة، حيث استطاع الجنرال «ماسينا» هزيمة الروس بقيادة «كورساكوف» # Korsakov # في زيوريخ في 25-26 سبتمبر 1799، في حين اضطر الجنرال «سواروف» إلى التقهقر صوب إقليم «جريسون» بعد أن هلك نصف عدد جيشه وفقد مدفعيته وكل عتاده. «وثانيهما» في هولندة، حيث انتصر الجنرال «برون» في برجن # Bergen ~~، في 19 سبتمبر 1799، على الجيش الإنجليزي الروسي الذي ذكرنا أنه نزل على الشاطئ الهولندي بقيادة دوق يورك؛ فاضطر دوق يورك إلى التسليم في «اتفاق ألكمار # Alkamaar ~~» في 18 أكتوبر 1799، والإبحار مع فلول جيشه إلى إنجلترة في 30 نوفمبر، وبذلك تم إنقاذ فرنسا. # الحملة المصرية وبونابرت (1798-1799) # ولكن هذه الانتصارات لم تثر اهتمام الشعب وقتئذ؛ بسبب سوء الموقف الداخلي من جهة، ولأن الأنظار من جهة ثانية كانت متجهة نحو مصر، التي صارت ميدانا لانتصارات بونابرت الباهرة. ولقد أخفيت عن الشعب الفرنسي أنباء أية هزائم تكون قد حلت بجيش الشرق في مصر، أو أية صعوبات تحيط به أو الأخطار التي كانت محدقة بهذا الجيش، فلم يعرف الشعب شيئا عن ms0289 ذلك كله، وبدأت من هذا الحين تحاك الأساطير حول البطل الذي علق الشعب المكدود الآمال العظيمة في أن تستعيد فرنسا مجدها وفخارها، بفضل هذا القائد الشاب، الذي غامر في بلاد «الشرق»: بلاد الأسرار والغموض، والبلاد التي ذهب إليها بونابرت غازيا فاتحا، ومنشئا ومؤسسا للإمبراطوريات العظيمة. # وكان المقصود من إرسال الحملة إلى مصر مهاجمة الإنجليز في طريق مواصلاتهم مع الهند عندما اتضح أن من المتعذر مهاجمتهم في جزيرتهم. ومن المتواتر أن بونابرت نفسه كان عندئذ يحلم بمشروعه الشرقي العظيم، وأن حكومة الإدارة عندما قررت في 12 أبريل 1798 إرسال «جيش الشرق» بقيادة بونابرت إلى مصر، إنما كانت تبغي إلى جانب ما ذكرنا التخلص مؤقتا أو إلى الأبد من القائد المنتصر الذي صار يخاطبهم بلهجة الآمر صاحب السلطان والنفوذ في شئون الدولة، والذي يضع حكومة المديرين أنفسهم تحت رعايته أو حمايته. # ومن الثابت أن فرنسا كانت تريد إنشاء مستعمرة جديدة، في ميادين جديدة، ووفق مبادئ استعمارية جديدة، تعوض عليها خسارتها في جزر الهند الغربية، وتمكنها من إحياء مجد الإمبراطورية الاستعمارية القديمة. # ومهما يكن من أمر، فقد جرت الاستعدادات لهذه الحملة في هدوء وكتمان، وكاد يعطل قيامها وقوع أزمة انتابت العلاقات الدبلوماسية مع النمسا عندما حدث شغب في فينا، انتزع الجمهور في أثنائه علم الثورة المثلث الألوان من مبنى السفارة الفرنسية، وغادر السفير الفرنسي «برنادوت» فينا في 15 أبريل 1798، ولكن النمسا لم تستطع إثارة الإمارات الألمانية للدخول في حرب معها ضد فرنسا لعدم استعدادها. وعندئذ تخلى بونابرت عن عزمه على الذهاب إلى «رشتات» لتسوية الأمور بنفسه (2 مايو). وذهب بدلا من ذلك إلى طولون، فأبحرت الحملة من طولون في 19 مايو 1798. وفي أول يوليو وصلت إلى الإسكندرية بعد أن استطاعت الإفلات من الأسطول الإنجليزي بقيادة «نلسن» في البحر الأبيض، واستولت على جزيرة مالطة (10 يونيو). # ودخل بونابرت القاهرة بعد أن أوقع بالمماليك هزيمة كبيرة في واقعة الأهرام في 21 يوليو 1798. ولكن لم يلبث أن تحرج موقف الفرنسيين عندما حطم «نلسن» أسطولهم في أبي ms0290 قير في أول أغسطس، فانقطعت بسبب هذه الكارثة المواصلات بين جيش الشرق وأرض الوطن، وصار من الآن فصاعدا الفرنسيون محصورين في فتوحاتهم. وعندما أعلنت تركيا الحرب على فرنسا (9 سبتمبر 1798) ترك بونابرت الجنرال «ديزيه» # Desaix # في مصر بينما زحف هو إلى الشام، وانتصر على العثمانيين في معركة جبل طابور # Mont Thabor # في 17 أبريل 1799. ولكنه أخفق في اقتحام حصن عكا. ولما كان الطاعون قد انتشر في جيشه، وبات مهددا بوقوع هجوم عثماني-إنجليزي عليه، فقد اضطر بونابرت إلى التقهقر (20 مايو) والانسحاب إلى مصر، التي وصلها في الوقت المناسب لينتصر على العثمانيين الذين نزل جيشهم في أبي قير (25 يوليو-2 أغسطس 1799). وفي 22 أغسطس غادر بونابرت مصر بعد أن ترك كليبر في قيادة الحملة. # ومن المعروف أن الجنرال «منو» لم يلبث أن خلف هذا الأخير في القيادة بعد مقتله، وأنه (أي منو) اضطر إلى التسليم بعد ذلك، وخرج الفرنسيون نهائيا من مصر (في أغسطس وسبتمبر سنة 1801). # ونجا بونابرت بأعجوبة من الأسطول الإنجليزي المتجول في البحر الأبيض، فوصل إلى فيريجوز # Fréjus # على ساحل إقليم بروفنس الجنوبي في 9 أكتوبر 1799، وفي 13 أكتوبر دخل باريس. # وكانت باريس عندما وصلها بونابرت، تتحدث من مدة سابقة عن ضرورة إصلاح الدستور بشكل يكفل تركيز وتقوية السلطة التنفيذية، حتى يتسنى بفضل ذلك إنشاء عهد من الاستقرار في فرنسا. فقد نشر «بنيامين كونستان» # Beniamin Constant # بوحي من «سييس» كراسة عن «الثورة المضادة» الإنجليزية، والتي أعادت أسرة ستيوارات إلى العرش في سنة 1660. وكان «بنيامين كونستان» من الذين أسسوا مع «سييس»، ومدام دي ستال وتاليران، في سنة 1797 حزبا عرف باسم «الجماعة أو الدائرة الدستورية» # Cercle Constitutionnel ~~، وهو حزب جمهوري يؤيد وقتذاك حكومة الإدارة ضد حزب «الكليشيان» المعروف من «المعتدلين» الملكيين. وفي هذه الكراسة نقد «بنيامين كونستان» «الفجوات» الكثيرة في الدستور، والتي تسبب عنها اللجوء إلى استخدام وسائل العنف والشدة، فبدلا من إنشاء أداة تنفيذية قوية، صار الاعتماد على الانقلابات والثورات لتحقيق رغبات الأحزاب المتناحرة، والتي اتخذت من دعوى وضع ms0291 الدستور، أو التمسك به، أو تعديله، أو تغييره، ستارا تخفي وراءه تنازعها على السلطة. ثم طالب «بنيامين كونستان» بإنهاء «الثورة»، وذلك كما قال بالاستفادة من الظروف القائمة فعلا لتخليص «المبادئ» الصحيحة، والتي تجعل ممكنا، أخيرا، وبعد كل هذه الانقلابات والثورات «تأسيس الجمهورية». # ولقد قالت بهذا الرأي كذلك «مدام دي ستال» في كتاب نشرته في الشهور الأخيرة من عام 1798، بعنوان «الظروف القائمة فعلا والتي يمكن بها إنهاء الثورة». # 9 # وقد قرأ هذا الكتاب وصححه «بنيامين كونستان»، ومع أن كل ما عنيت به «مدام دي ستال» في هذا المؤلف كان ضمان مصالح الأغنياء، فقد تحدثت عن «النظام» # Ordre ~~، وعن «السلام» Paix ~~، وهما الأمران اللذان طلبت الجماهير (الشعب) في فرنسا في سنة 1798 أن تتأسس حكومة مركزية قوية في البلاد حتى يمكن تحقيقهما؛ لأن الحاجة باتت ملحة الآن «للنظام» و«للسلام» أكثر من أي وقت مضى. # وأخذ «سييس» يفكر جديا في موضوع الوسيلة التي يمكن بفضلها حسم الخلافات التي تحدث بين السلطتين التشريعية والتنفيذية. و«سييس» كان العدو اللدود لدستور العام الثالث، وهو كما نعلم لم يشترك في وضعه، ولقد كانت أكبر معايب هذا الدستور - وعلى نحو ما ذكرنا - أنه لم يبتكر الوسيلة التي يمكن بها فض ما قد ينشأ من خلاف بين السلطتين التشريعية والتنفيذية بالطرق الدستورية القانونية؛ أي بالطرق السلمية والنظامية، ولم يكن أحد قد استشار «سييس» عند وضع هذا الدستور. # ولقد تخيل «سييس» نفسه وإلى جنبه قائد عسكري على رأس حكومة قوية وقادرة على إعادة النظام والسلام إلى فرنسا، ويلتف حوله ليس فقط المعتدلون، ولكن الوطنيون المخلصون، والملكيون، والمتآمرون المغامرون، وبالاختصار كل أولئك الذين يريدون «إنهاء الثورة»؛ أي الذين يريدون تحقيق ما صار الجميع في عام 1798 يطلبونه؛ لأن فريقا منهم قد امتلأت جيوبهم بالمال ويبغون استمرار الفائدة التي جنوها من «الثورة»، ولأن فريقا آخر لم يكن قد استفاد شيئا من «الثورة»، وصار يبغي الآن الاستفادة من تغيير الأوضاع القائمة عندما تنتهي «الثورة»، ولأن فريقا ثالثا كان يؤمن إيمانا صادقا بضرورة «إنهاء ms0292 الثورة» عن إيمان بالمثل العليا. # أما بونابرت فقد وقف سريعا على كل ما كان يدور ويحدث حوله، وأشرك نفسه سريعا في هذه المباحثات الدائرة حول ضرورة «إنهاء الثورة». وعندما سأله «تاليران» عن رأيه في دستور العام الثالث، كان جوابه: «إن تنظيم الشعب الفرنسي لم يكد يبدأ بعد!» ولقد حمل بونابرت حملة عنيفة على دستور العام الثالث الذي ترك للهيئة التشريعية - كما قال - الحق في تقرير السلم والحرب، والحق في فرض الضرائب. وأعلن بونابرت أن السلطة الحكومية هي التي يجب اعتبارها الممثل الحقيقي للأمة. # ومع أن شعورا بالعداء كان متبادلا بين «سييس» و«بونابرت»، فقد كفت الصلات التي نشأت بين الرجلين - منذ إقامة بونابرت في باريس - لأن يعتقد «سييس» أن بوسعه الاعتماد على بونابرت في تدبير الانقلاب المنتظر، ولأن يعتقد بونابرت من ناحيته، أن بوسعه بعد الانقلاب أن يسلب من «سييس» كل سلطة حقيقية بسهولة؛ وعلى ذلك فقد تم الاتفاق بينهما على أن يتعهد بونابرت بتنفيذ الانقلاب، في نظير أن يوضع موضع التنفيذ ذلك الدستور الجديد الذي كان قد أعده «سييس» نفسه. # انقلاب 18-19 بريمير سنة 8 / 9-10 نوفمبر 1799 # وكان «سييس» قبل مجيء بونابرت من مصر قد بدأ يدبر مؤامرة الانقلاب الذي يقضي على حكومة الإدارة، وعلى دستور العام الثالث، ويتيح الفرصة لإنشاء الحكومة المركزية القوية التي تستطيع إعادة «النظام» و«السلام» إلى فرنسا. # ولكن «سييس» وجد من المتعذر الاستناد على «المعتدلين» وحدهم لتنفيذ الانقلاب، ورأى من الضروري الاستعانة بقوة عسكرية؛ أي الاعتماد على قائد له من حسن السمعة وقوة النفوذ ما يضمن نجاح المؤامرة. ولما كان بونابرت بعيدا عن فرنسا، فقد اتجه تفكير «سييس» إلى الجنرال «جوبير» # Joubert ~~، الذي أعطي قيادة جيش إيطاليا، على أمل أن يتمكن من هزيمة القائد الروسي «سواروف» في إيطاليا، فيعاون الحكومة عند عودته منتصرا، في القضاء على اليعاقبة، ووضع دستور جديد بدلا من دستور العام الثالث. # ومن المسلم به أن «سييس» وجماعة من أعوانه كانوا يفكرون وقتئذ في إنشاء ملكية دستورية. وهناك من يقولون إن «سييس» ms0293 كان على اتصال بوكلاء الدوق دورليان. ~~ وقال غيرهم إنه متصل بأمير بروسي أو بدوق برنسويك، أو إنه يريد تولية أمير من أسرة بربون الإسبانية ... إلخ إلى غير ذلك. كما أن «مدام دي ستال» كانت تدعو إلى جعل البروتستنتية دين الدولة الرسمي في فرنسا. ومن المقطوع به أن فكرة إنشاء الملكية من جديد في فرنسا كانت قائمة، قبل حدوث انقلاب بريمير بأربعة أشهر. ~~ ولقد قضى هذا الانقلاب على كل ذلك. # أما «جوبير» فقد غادر باريس في 16 يوليو، ولكنه لم يلبث أن انهزم كما عرفنا على يد «سواروف»، وقتل في معركة نوفي # Novi # في 15 أغسطس 1799، وهي المعركة التي أفقدت فرنسا كل إيطاليا، ما عدا «جمهورية ليجوريا». فاتجهت الآن الأنظار إلى بونابرت كالرجل الذي في وسعه وحده إنقاذ فرنسا. # وفي 30 أغسطس كتبت الصحف: «إن بونابرت هو الرجل الذي نفتقده # 10 # ويعوزنا.» # ولم تلبث حكومة الإدارة أن سلمت بضرورة استدعائه من مصر. فقررت في 10 سبتمبر 1799 أن تدخل في مفاوضات مع تركيا عن طريق السفير الإسباني لدى الباب العالي، من أجل عودة بونابرت والجيش الفرنسي، في نظير إرجاع مصر إلى الباب العالي، وفي 18 سبتمبر صدرت التعليمات من حكومة الإدارة إلى بونابرت بأن يتخذ كل الخطوات العسكرية والسياسية، التي يرى بعبقريته أنها ضرورية لتحقيق عودته مع جيش الشرق إلى فرنسا. # ولكن قبل أن تصل هذه التعليمات إلى بونابرت، كان هذا قد غادر مصر كما عرفنا منذ 22 أغسطس. وفي 13 أكتوبر 1799 وصل إلى باريس. # وبدأت الاستعدادات للانقلاب بأن أشرك «سييس» في المؤامرة اثنين من المديرين هما: روجر ديكو، وباراس، وأكثر الوزراء، وأكثرية مجلس الشيوخ. وكان من أعضاء هذا المجلس: «جوزيف» شقيق بونابرت. ومن جهة أخرى تعهد شقيق بونابرت الآخر «لوسيان» - وكان رئيس مجلس الخمسمائة ومشهودا له بالكفاءة والذكاء، وبأنه برلماني ماهر - تعهد بأنه المسئول عن مسلك هذا المجلس. # ثم انضم إلى المؤامرة نفر من رجال المال الذين أغضبهم على حكومة الإدارة ذلك القرض الإجباري الذي فرضته هذه الحكومة على ms0294 الأغنياء؛ فقام بالإنفاق على الحركة وتمويلها أحد المتعهدين والموردين للجيش ويدعى «كوللو» # Collot # ومصرفي يدعى «أوفرارد» # Ouvrard ~~، واكتملت الاستعدادات لتنفيذ المؤامرة (أو الانقلاب) يوم (8 نوفمبر/17 بريمير سنة 8). # واتفق رأي المتآمرين على نقل مكان اجتماع الهيئة التشريعية إلى خارج باريس، وكان لمجلس الشيوخ بحكم الدستور الحق في تغيير مكان اجتماع الهيئة التشريعية. ~~ فادعى المتآمرون اكتشاف «مؤامرة» من تدبير اليعاقبة، وانعقد مجلس الشيوخ لبحث هذه المسألة مساء يوم (8 نوفمبر/17 بريمير)، وبقي منعقدا طوال الليل حتى الثامنة من صباح اليوم التالي (9 نوفمبر/18 بريمير)، وقرر المجلس أن ينقل مكان اجتماع الهيئة التشريعية إلى «سان كلو» # St. Cloud ~~، وعهد بتنفيذ هذا القرار إلى بونابرت، الذي عين لهذا الغرض حاكما عسكريا لباريس. # وبناء على ذلك فقد حضر «بونابرت» مع قواده وضباطه إلى قصر التويلري ليحلف أمام مجلس الشيوخ يمين الولاء للدستور. وخطب بونابرت فحمل على القوانين التي تؤدي إلى بؤس الشعب وتساعد على نهبه، وحمل على حكومة فاسدة تقضي على الثمرة التي يجب أن تجنيها البلاد من فتوحاته ومن الجهود التي يبذلها من أجل إنعاشها، وزيادة ثروتها، وجلب السلام والهدوء إليها. وحمل على الاستبداد، ثم طالب بقيام الحكومة الطيبة التي تجعل الناس ينسون اختلافاتهم ونزاعاتهم الحزبية، وقال: إنما نحن نريد جمهورية تقوم على قواعد من القانون والأخلاق، والحرية المدنية، والتسامح السياسي. # وبادر بالاستقالة من حكومة المديرين كل من «سييس» و«روجوديكو»، وتبعهما «باراس». وعندما رفض «جوهييه» و«مولان» أن يحذوا حذوهم، كان نصيبهما السجن في قصر لكسمبورج تحت حراسة الجنرال «مورو». # وفي (10 نوفمبر/19 بريمير) اجتمعت الهيئة التشريعية في «سان كلو» (مجلس الشيوخ ومجلس الخمسمائة). وكانت أكثرية أعضاء «الخمسمائة» غاضبة مما جرى في اليوم السابق، وناقمة على مدبري هذه الحركة، وبدأ الأعضاء يحلفون - عضوا بعد آخر - يمين الولاء من جديد لدستور العام الثالث، وسط الهياج والصخب الشديدين، وعندئذ قرر بونابرت أن يحضر بنفسه إلى المجلس لإنهاء المسألة. # وحوالي الرابعة بعد ظهر اليوم نفسه، حضر بونابرت إلى مجلس الشيوخ أولا، وكان يبدو عليه الارتباك، وعندما تكلم ms0295 قوبل بفتور، وفاته أن يذكر أن سبب الانقلاب هو مؤامرة اليعاقبة الموهومة. ثم انتقل بعد ذلك إلى مجلس الخمسمائة. ~~ ولكنه ما إن وقف خارج باب القاعة حتى تعالت النداءات والهتافات بسقوط الديكتاتور والطاغية، وبطرده خارج القانون؛ أي إهدار دمه. ثم هاجمه جماعة من النواب المهتاجين وضيقوا الخناق عليه وهم يهددون ويتوعدون؛ فأنقذه رجاله الذين سرعان ما أحاطوا به، يتلقون عنه ضربات «اليعاقبة»، واستطاعوا أن يحملوه خارج القاعة. # وعبثا حاول «لوسيان بونابرت» - رئيس مجلس الخمسمائة - أن يذود عن أخيه أو أن يكبح جماح الأعضاء الثائرين. وعندئذ غادر «لوسيان» قاعة المجلس ليخطب في الجنود، وليطلب منهم بوصفه رئيسا لمجلس الخمسمائة أن ينقذوا «الأكثرية» من النواب، الذين ترهبهم «الأقلية» التي أعضاؤها من اليعاقبة «الأوغاد»، صنائع الإنجليز الذين يهددون هذه «الأكثرية» بخناجرهم، والذين يريدون الفتك بقائدهم (قائد الجند) بونابرت. وحتى يزول كل تردد لدى الجنود، أقسم «لوسيان»: «ليخترقن بسيفه صدر أخيه إذا جرؤ هذا فعرض حرية فرنسا للخطر!» ثم تكلم بونابرت، ودخل الجنود بسلاحهم وعلى رأسهم الجنرال «مورا» # Murat # والجنرال «لوكلير» إلى قاعة المجلس ليطردوا هذه «العصابة - كما طلب منهم بونابرت - عن بكرة أبيهم!» # نهاية حكومة الإدارة (10 نوفمبر 1799 / 19 بريمير سنة 8) # وكان بعد هذا «التطهير» أن اجتمع برئاسة لوسيان بونابرت في مساء اليوم نفسه (10 نوفمبر 1799 / 19 بريمير سنة 8) مجلس الخمسمائة. وقد نقص عدد أعضائه فصاروا حوالي الثلاثين؛ ليتخذ القرار الذي يعترف بقانونية الانقلاب الذي حصل. فتقرر إلغاء حكومة الإدارة: «لقد صارت حكومة الإدارة منتهية.» # 11 # وتقرر إسقاط العضوية عن (61) نائبا؛ لما ظهر منهم من تطرف وعدوان «خصوصا في جلسة هذا الصباح»، وتقرر أن تنشأ بصورة مؤقتة «هيئة أو لجنة قنصلية تنفيذية» # 12 # مؤلفة من المديرين السابقين: سييس وروجرديكو، ومن الجنرال بونابرت. ~~ على أن يمارس هؤلاء الثلاثة «سلطة الإدارة»، وأن يعهد إليهم بتنظيم كل فروع الحكومة والعمل على استتباب الهدوء والنظام في الداخل، والوصول إلى عقد السلام على أسس ثابتة متينة ومشرفة. ثم تقرر تأجيل انعقاد الهيئة التشريعية إلى يوم 20 ms0296 فبراير 1800. # وأخيرا تقرر أن يعين المجلسان لجنة من 25 عضوا لوضع تقرير عن التغييرات اللازم إدخالها على قوانين الدستور الأساسية، ولعرض ذلك على الهيئة التشريعية عند اجتماعها. وقد أقر مجلس الشيوخ هذه القرارات لتصبح قانونا. وحلف القناصل الثلاثة «المؤقتون» في مجلس الشيوخ يمين الولاء للجمهورية (الواحدة والتي لا تتجزأ) وللحرية والمساواة، وللنظام التمثيلي (النيابي)، وكان «لوسيان بونابرت» هو الذي وضع صيغة هذا القسم. وبذلك يكون قد انتهى عهد حكومة الإدارة. # إنهاء الثورة # ذلك إذن كان «انقلاب 18-19 بريمير سنة 8»، وهو انقلاب قابله سواد الشعب لأسباب عديدة ومتنوعة، ليس فقط دون إبداء أية معارضة ضده بل وبالارتياح والترحيب به؛ ذلك بأن حكومة الإدارة كانت قد صارت موضع كراهية الشعب واحتقاره؛ بسبب طغيانها وفسادها وعجزها. ولقد ترتب على سقوط هذه الحركة أن تسلم بونابرت مقاليد الأمور في فرنسا لثقة الشعب به. ومع أن بونابرت بقي لفترة قصيرة من الزمن بعد ذلك يحرص على المظاهر والعادات التي أوجدتها «الثورة» إلا أن اليوم الذي تولى فيه بونابرت السلطة والحكم في فرنسا، إنما يحدد في واقع الأمر آخر أيام الجمهورية. # قال «مينييه» # Mignet # تعليقا على «انقلاب 18-19 بريمير سنة 8»: «وهكذا وقع الاعتداء على القانون بحدوث هذا الانقلاب ضد نظام المجالس التمثيلية (النيابية). ولقد بدأت القوة تفرض سلطانها. إن انقلاب (18 بريمير/9 نوفمبر 1799) يشبه الانقلاب الذي حصل على يد الجيش ضد التمثيل النيابي يوم 31 مايو 1793، (وهو الانقلاب الذي أسقط الجيروند في عهد المؤتمر الوطني)، لو أن هذا «الانقلاب» لم يكن موجها ضد حزب «من الأحزاب» بل ضد القوة الشعبية. ولكن من الإنصاف أن يميز الإنسان بين 18 بريمير، وبين الحوادث اللاحقة لهذا الانقلاب والمترتبة عليه. لقد كان في وسع المرء أن يعتقد وقتئذ أن الجيش إن هو إلا عضد للثورة، كما كان الشأن يوم (13 فندميير سنة 4 / 5 أكتوبر 1795)، يوم أن دافع بونابرت عن المؤتمر الوطني، وكما كان الشأن يوم (18 فريكتدور سنة 5 / 3 سبتمبر 1797 ضد الملكيين)، وأن هذا التغيير الذي لا ms0297 مفر منه سوف لا يتحول أثره لفائدة (أو لنفع) رجل، ورجل واحد فقط سوف يجعل من شباب فرنسا قريبا جيشا كبيرا، وسوف يجعل العالم الذي كان حتى هذه اللحظة منشغلا ومتأثرا بتلك الرجة (أو الهزة) الأدبية والنفسية العظيمة «التي أحدثتها الثورة» لا يسمع إلا وقع أقدام جيشه، ولا يستجيب إلا لإملاء إرادته.» # لقد قام «انقلاب 18 بريمير سنة 8» «لإنهاء الثورة»؛ أي لإنهاء تلك الاضطرابات التي نجمت من وجود الخطرين الخارجي والداخلي، ومن تجددهما المستمر بالرغم من الإجراءات العنيفة والدموية، التي أهدرت المبادئ التي نادت بها الثورة ذاتها، ولقد وضعت «الثورة» أسباب السلطة في أيدي ديكتاتورية بورجوازية، رضيت كي تحافظ على الثراء الذي نالته والمنافع التي حصلت عليها بسبب «الثورة»، وكي تأمن على أرواحها منذ أن تلطخت يداها بدم الملك، رضيت بأن تنقل السلطة إلى أيدي ديكتاتورية محدودة ضيقة، هي ديكتاتورية حكومة المديرين «الخماسية»، يحدوها إلى هذا رغبتها الملحة في ذلك «الاستقرار» الذي صارت تنشده منذ أن انتهى عهد الإرهاب. # ولقد خيل إليها تحت ضغط رد الفعل الذي حدث بعد 9 ترميدور سنة 2 أن لا سبيل إلى إنشاء الحكومة المركزية القوية إلا إذا زادت تضحية الأمة بحرياتها وحقوقها، على أمل أن يتحقق «الاستقرار» الذي إنما يحفظ في صميمه مصالح هذه البورجوازية على أساس أن يستتب «النظام» في الداخل، وأن يسود «السلام» علاقات الجمهورية مع سائر الدول. # ولكن هذه الديكتاتورية الخماسية لم تحقق شيئا من «الاستقرار» المنشود؛ فالخطر الخارجي ماثل ومتجدد، والاضطرابات الداخلية ماثلة ومتجددة. ولقد زاد من حدتها تدهور الحالة المالية والاقتصادية والخلقية من ناحية، وتعدد الانقلابات الحكومية بسبب تنازع الأحزاب على السلطة، ونتيجة للعجز الظاهر في ترتيب نظام الحكم، الذي أوجده دستور العام الثالث (1795)، من ناحية أخرى. وهو ذلك العجز الذي جعل «الانقلابات» الوسيلة الوحيدة لحسم كل خلاف قد ينشأ بين السلطتين التشريعية والتنفيذية في الدولة. # ومنذ أن فشلت حكومة المديرين (أو الديكتاتورية الخماسية Pentarques ~~) في إعادة «النظام» و«نشر السلام»، اتجهت الرغبة نحو «إنهاء الثورة»؛ أي نحو إنهاء تلك ms0298 الأخطار التي أوجدتها «الثورة»: خطر الغزو الأجنبي، وخطر الانقلابات والثورات الداخلية. وذلك هو معنى الاستقرار المنشود بدعامتيه: النظام، والسلام. وكانت الوسيلة لتحقيق ذلك التسليم بضرورة التضحية مرة أخرى بحريات وحقوق الأمة، في سبيل إنشاء حكومة مركزية أشد قوة من الحكومات السابقة، فكان ذلك منشأ «جمهورية القنصلية» وكان في ذلك إنهاء «الثورة» فعلا. # فعند انقضاء عهد الإدارة؛ أي انقضاء التجربة التي مهدت لقيام حكومة الفرد في الحقيقة، يكون قد بدأ عهد جديد، يتميز بقيام محاولة جديدة ثانية لتحقيق «الاستقرار» في فرنسا. ذلك كان هدف الجمهورية القنصلية التي أنشئت في «انقلاب 18 بريمير سنة 8»، وذلك سوف يكون مبعث قيام ديكتاتورية الإمبراطورية: «إمبراطورية» نابليون الأول، التي حلت «قانونا» محل «الجمهورية» التي اختفت عندئذ شكلا، وحقيقة واقعة. # الباب الخامس # | الثورة وأوروبا # الفصل الأول # | سياسة الثورة # تمهيد # قال أنصار الثورة: إن من مآثرها أنها أحلت القانون والعقل محل القوة، فاتسمت أعمالها بهذا الطابع الجديد في الداخل؛ أي أثناء حوادث الثورة ذاتها في فرنسا، وفي الخارج؛ أي في علاقات الثورة أو «الجمهورية» بسائر الدول الأوروبية، وبشعوب هذه الدول، وكان إحلال القانون والعقل محل القوة في حياة الأفراد والشعوب، ثم في علاقات الدول بعضها ببعض، عنصرا جديدا ينطوي على مبدأ «مثالي». # ولقد أرادت «الثورة» أن يذيع هذا المبدأ المثالي في أوروبا، فلا تختص به فرنسا وحدها. ولا يشمل أثره الفرنسيين وحدهم، بل يتعدى الحدود الفرنسية ليتسنى «تطبيقه» في بلدان أخرى، ولا تظل آثاره مقصورة على الفرنسيين وحدهم. ~~ وعملت «الثورة» لتحقيق هذه الغاية. وكان عندئذ أن انتقلت «الثورة» ذاتها من حادث «موضعي» أو «محلي» إلى «حركة» عامة شاملة. ولقد عبر خير تعبير عن اصطباغ الثورة بهذا «الشمول» الذي صار لها أحد الذين عاصروا الثورة، وراقبوا حوادثها، ونعني به «ماليه دي بان» # Mallet du Pan # وكان من جنيف، ويرأس تحرير صحيفة من صحف الرأي المعارض للثورة «عطارد فرنسا» # Mercure de France ~~، وشهد له «تين» # Taine # بالقدرة والحصافة ودقة الملاحظة وعمقها، في حين اعتبره مؤرخ الثورة «أولار» # Aulard ~~، أحد القادحين ms0299 في الثورة، الذين أكل الحقد قلوبهم. فقد قال «ماليه دي بان» منذ 1793 ما معناه: إن الثورة لم تعد «ملكا» للفرنسيين وحدهم فحسب، يستأثرون بامتلاكها دون غيرهم من الشعوب؛ لأن الثورة بفضل «الطابع العام» الذي صار لها لم تعد حركة يختص بها شعب دون آخر. # وأما السبب في أن «الثورة» صارت «حركة شاملة» فهو من شقين: أولهما أن الثورة أتت بالمبادئ الجديدة التي نادى بها أصحابها (البورجوازيون)، والذين دانت لهم السلطة في بلادهم على أنقاض «النظام القديم» الذي حطموه بأيديهم بعد نضال عنيف ضد الإقطاع وبقاياه في بلادهم (فرنسا). فقرروا المبادئ التي كفلت حقوق الأفراد والشعوب وحرياتهم وأكدت سيادة الأمة ، التي ترتب عليها أن تكون الأمة نفسها مصدر السلطات، وأقامت نوع الحكومة المستندة على «المذهب الحر» الذي يكفل تأمين البورجوازية على مصالحها، بأن يقرر لها حقا صريحا وقبل كل اعتبار آخر، ليس في مشاركة الحكم فحسب، بل والسيطرة عليه كذلك، سواء جاءت هذه السيطرة بطريق ممارسة الديمقراطية الصحيحة، أم بتأسيس ديكتاتورية الفرد. # ولقد كانت القومية كذلك من المبادئ الجديدة التي أذاعتها الثورة، وعملت على نشرها خارج حدودها، وتطبيقها على الشعوب التي احتكت بها في حروبها، وكنتيجة لتشكل علاقتها بالحكومات «الأوروبية» وتطورها. فقد كانت «الذاتية» التي يقوم عليها الشعور القومي من الأهداف التي عملت «الثورة» من أجل إحيائها أو إيقاظها أو استكمالها لدى «الأمم» التي لم يكن هناك معدى عن تأثرها بصورة أو بأخرى بالمبادئ الحرة والقومية التي نادت بها الثورة. وكان معنى «الذاتية» أن تتحرر الشعوب من كل سلطان أجنبي عنها، وأن تبني في الوقت نفسه كيانها السياسي إلى جانب «ذاتيتها» الروحية والاجتماعية، وتلك مهمة من حق «البورجوازية» - الطبقة المتوسطة، وقبل غيرها من الطبقات في اعتبار الثورة - القيام بها. # على أن أصداء الاصطدام بين هذه الآراء والمبادئ الجديدة، وبين مصالح الإقطاع في «النظام القديم» كانت متفاوتة في أوروبا، حيث قد قاومت «الحكومات» الإقطاعية المتشبعة بالنظم القديمة كل هذه الآراء والمبادئ الجديدة، في حين أقبلت الأمم والشعوب في أكثر أنحاء أوروبا، ms0300 إن لم يكن فيها جميعها، على اعتناقها وتأييدها. # على أن الذي يجب ذكره كحقيقة واضحة الأثر في يقظة الشعور القومي، ونمو القومية في أوروبا، نتيجة لذيوع الآراء والمبادئ التي نادت بها الثورة الفرنسية: أن من عوامل هذه اليقظة القومية الشاملة، كان التطور الذي طرأ على المبادئ الحرة والمذهب القومي، بين أيدي رجال الثورة أنفسهم، حين انتقلت «الدعاية» لهذه المبادئ من ميدان الدعوة «النظرية» لتحرير الشعوب إلى محاولة «عملية» لفرض «سيطرة» فرنسية على الحكومات والشعوب في أوروبا، بدعوى «تطبيق» هذه المبادئ ذاتها؛ الأمر الذي ترتب عليه أن تزايد تكاتف «حكومات» النظام القديم في النضال ضد الثورة من جهة، في حين تبدت «ذاتية» الشعوب و«قوميتها» في مقاومة «الثورة» المتمثلة في السيطرة «الأجنبية» المفروضة عليها من جهة أخرى. ~~ وفي كلا الحالين كان للبورجوازبة الناهضة - ولفريق من نبلاء العهد القديم في بعض البلدان كذلك - نصيب ظاهر في هذه المقاومة «الوطنية». # وأما حقيقة هذا كله، فسوف تتضح من عرض الآراء والمبادئ التي نادت بها الثورة في موضوع «القومية» أولا، ثم تتبع الطرق «العملية» التي حاولت بها الثورة «تطبيق» هذه المذاهب الحرة والقومية في أنحاء أوروبا، وبيان التغيير الذي طرأ على هذه الآراء والمبادئ لدى رجال الثورة، وقت أن أرادوا «تعميم» فوائدها لنفع الشعوب التي دعوا أصلا لتحريرها. ولقد كان من أثر الآراء والمبادئ الفرنسية هذه، هدم القواعد التي قام عليها وقتئذ القانون العام في أوروبا. ~~(1) الدعوة للمبادئ والآراء الجديدة # فلقد جعلت الثورة بادئ ذي بدء من نظرية «العقد الاجتماعي» التي أتى بها «روسو» برنامجا سياسيا. فلم تكتف الثورة بإعلان حقوق الإنسان، وحقوق الأمم وحرياتها، بل ناضلت جاهدة فيما يشبه حملة صليبية كبيرة من أجل تقرير الحرية، وتأييد حقوق الشعوب كافة، واستندت في حملتها هذه - قبل كل شيء - على «دعاية» واسعة منظمة وقوية. # فقد تقدم كيف سبق استصدار إعلان بحقوق الإنسان والمواطن (26 أغسطس 1789)، الانتهاء من وضع دستور الثورة الأول. واعتماد الملك له (3 سبتمبر 1791). وكفل إعلان الحقوق حرية الفرد الشخصية، وحرية الرأي والعقيدة، وحق الملك. ms0301 ثم أقر المساواة أمام القانون والمساواة الاجتماعية، ومبدأ سيادة الأمة. وكل تلك مبادئ من المعروف أن أصحابها قد قصدوا من تقريرها العمل على تنفيذها في فرنسا. ولكن سرعان ما برز وقت إعداد الدستور واستصداره فريق من الكتاب والناشرين مثل «كاميل ديمولان» و«مارا» وغيرهما، أخذوا يدعون لضرورة أن تتدخل فرنسا من أجل نصرة الشعوب في أوروبا. # وعندما تم ظهور «الجيروند» حزبا سياسيا، كان من القواعد التي قام عليها برنامج الحزب تدبير حملة قوية لتتمكن فرنسا من تأييد الحرية في أوروبا، ونشر كل تلك الآراء التي أتت بها الثورة والمبادئ التي صار يتألف من مجموعها المذهب القومي. # ولقد تبين أثر هذه الدعوة الجديدة في حادث «الألزاس» الذي سبق أن عرضنا له أثناء دراستنا لأصول «القومية» الفلسفية. فأشرنا إلى الخلاف الذي حصل بين بعض الأمراء الألمان في هذا الإقليم، و«الجمعية الوطنية التأسيسية» على إثر إلغاء الامتيازات الإقطاعية في عهد هذه الجمعية. فقد بعث هؤلاء الأمراء الألمان احتجاجا إلى الحكومة الفرنسية في فبراير 1790، أحالته «الجمعية الوطنية» على اللجنة الإقطاعية بها، التي قررت في أكتوبر 1790 تحت تأثير «مرلان دي دوويه» خصوصا، أن اندماج «الألزاس» في فرنسا إنما حصل تأسيسا على ما صدر من جانب أهل الألزاس من قرار إجماعي بذلك، ثم قالت: إن كل ما أبرم من معاهدات قديمة، أو اشترطه الملوك السابقون لا يمكن بحال من الأحوال أن يكون شعب حر طليق ملزما باتباعه. # ولما كان «ميرابو» يخشى أن تعتبر الإمبراطورية - «الرومانية الجرمانية المقدسة» والتي كان هؤلاء الأمراء الألمان، كما عرفنا، أتباعا لها - هذا القرار بمثابة إعلان حرب عليها، فقد اقترح أن تستصدر «الجمعية الوطنية» قرارا يؤكد السيادة الفرنسية على الألزاس، ثم يطلب من الملك «لويس السادس عشر» في الوقت نفسه أن يسوي هذه المسألة بتعويض الأمراء الألمان عن الامتيازات التي فقدوها تعويضا كافيا، ورفض الأمراء الألمان هذا الحل، وبادروا بعرض «قضاياهم» على «الدياط» أو المجلس الإمبراطوري لفحصها. # على أن أهم ما يسترعي النظر في هذا الحادث - كدليل على ما كان لدى «الجيروند» ms0302 من رغبة صادقة في تأييد حرية الشعوب إطلاقا - أن أحد رجالهم (بريسو # Brissot ~~) لم يلبث أن كتب باسم «اللجنة السياسية» في الجمعية التشريعية، وذلك ضمن تعليمات بعث بها إلى الممثلين الفرنسيين في الخارج بتاريخ 22 نوفمبر 1791 بشأن هذه المسألة: # أبلغوا الدول الأجنبية أننا سوف نحافظ بأمانة على اليمين التي حلفناها بعدم القيام بأية فتوحات، وبأننا سوف نحترم قوانين هذه الدول ودساتيرها (أي أنظمتها الحكومية)، ولكننا إنما نبغي في الوقت نفسه أن يحترم غيرنا كذلك قوانيننا ودستورنا. ثم أبلغوا الدول الأجنبية أنه إذا استمر يمضي الأمراء الألمان في الاستعدادات العدائية ضد فرنسا، فإننا لن نأتي بالحديد والنار إلى بلادهم، ولكننا سوف ننشر ألوية الحرية بين ربوعهم، وهم وحدهم الذين يعنيهم أن يتدبروا كل ما يترتب على يقظة الأمم (والشعوب) من نتائج! # وفي اليوم نفسه (22 نوفمبر 1791) أعلن «إسنار» # Isnard # أحد كبار زعماء الجيروند في الجمعية التشريعية: «ولنقلها كلمة صريحة وموجهة لأوروبا بأسرها. إذا سعت الوزارات (الحكومات) لتجعل الملوك يخوضون غمار الحرب ضد الشعوب، فسوف نسعى نحن كذلك لنجعل الشعوب تخوض حربا لا تعرف رحمة ولا شفقة ضد الطغاة الذين يحكمونهم. وعندئذ تتعانق الشعوب اغتباطا بما ظفرت به على مرأى ومسمع من أولئك الطغاة الذين استلت عروشهم، فتهدأ الأرض وتسعد، وتبارك السماء ما حدث!» # ولقد تأيدت هذه المبادئ مرة أخرى حين أعلنت «الجمعية التشريعية» الحرب على فرنسيس الثاني - ملك بوهيميا والمجر «هنغاريا» - والذي نال لقب الإمبراطورية في 14 يونيو 1792 بعد شهور قليلة من وفاة أبيه ليوبولد الثاني الذي توفي في أول مارس. فجاء في قرار إعلان الحرب الصادر من الجمعية التشريعية أن الثورة الفرنسية لا تؤيد إطلاقا حرب أمة ضد أمة أخرى، بل هي تقاتل من أجل الدفاع عن حرياتها ضد اعتداء ملك على هذه الحريات اعتداء ظالما. # وبسط «كوندرسيه» أمام الجمعية التشريعية الأسباب التي جعلت «اللجنة السياسية» تريد الحرب، فقال: «إن لكل أمة السلطة لأن تضع هي وحدها القوانين الخاصة بها، ومن حقها الذي لا يمكن نقله إلى غيرها ms0303 تغيير هذه القوانين. أما اغتصاب هذه السلطة وهذا الحق من أي أمة أجنبية عنوة واقتدارا، فمعناه أن المرء لا يحترم هذا الحق وهذه السلطة اللتين لأمته التي ينتمي إليها هو نفسه، والتي هو مواطن فيها وزعيم لها، وأنه إنما يرتكب بفعل ذلك خيانة في حق الوطن، ويصبح عدوا للإنسانية ولكافة البشر.» # ولما كان رجال الثورة قد أكدوا في دستور 1791 مبادئهم السلمية، فتضمن «الفصل السادس» من هذا الدستور - وعلى نحو ما أشرنا إليه في موضعه سابقا - استنكارا تاما للحرب التوسعية، وتعهدا صريحا من جانب الأمة الفرنسية بعدم الدخول في أية حروب غرضها الفتح، أو استخدام القوة ضد حريات الشعوب، فقد وجدوا في اعتبارهم أن الحرب لم تكن موجهة ضد الشعوب، بل ضد الملوك فقط وسيلة طيبة، ومسوغا يفرقون بفضله بين المبادئ السلمية التي نادوا بها، وبين الحرب التي أعلنوها نهائيا على النمسا في 20 أبريل 1792. # وترسم المؤتمر الوطني طريق هذه الدعاية الثورية نفسها؛ أي العمل لنشر مبادئ الثورة وإذاعتها في كل أنحاء أوروبا، وخطا رجال الثورة في هذا السبيل خطوة حاسمة. فاستصدر المؤتمر الوطني غداة تأسيسه قرارا في 19 نوفمبر 1792، أعلن فيه باسم الأمة الفرنسية مد يد الأخوة والمساعدة لجميع الشعوب التي تريد استرجاع حرياتها المسلوبة، وتكليف السلطة التنفيذية إعطاء القواد العسكريين الأوامر اللازمة ليقوموا بنجدة هذه الشعوب والدفاع عن المواطنين الذين قد يضارون بسبب تأييدهم لقضية الحرية. # وواضح أن «الثورة» باتخاذ هذا القرار قد انتقلت من أسلوب الدعاية السلبية لنشر المبادئ التحررية والقومية التي نادت بها، إلى توجيه الدعوة الصريحة للشعوب حتى تقوم بالثورة لتظفر بحرياتها، ثم تعهدت «الثورة» بنجدة هذه الشعوب ومعاونتها على التحرر. وكي تضمن «الثورة» اطمئنان الشعوب، إلى أنها لا تبغي من هذه النجدة إتاحة الفرصة لأمة تريد أن تفرض سلطانها على أمة أخرى وحسب، لم يلبث أن أوضح المؤتمر الوطني معالم السياسة التي أراد السير عليها، والتي لم يكن يهدف من روائها إلى ضم فتوحات جديدة، أو التدخل في شئون الأمم والشعوب الأخرى الداخلية؛ فاستصدر ms0304 في 13 أبريل 1793 بناء على اقتراح من «دانتون» قرارا أعلن فيه: «أن الجمهورية لن تتداخل بحال من الأحوال في شئون حكومات الدول الأخرى.» # وهذه الدعوة الموجهة للشعوب لتظفر بحرياتها، وتستيقظ «لقوميتها»، والمستندة في الوقت نفسه إلى نظرية حقوق الشعوب، لم تلبث أن برزت معانيها في التعلميات التي أصدرها «كارنو» باسم «اللجنة السياسية» بشأن الأراضي التي من المحتمل انضمامها إلى فرنسا نتيجة للحرب. فقال «كارنو»: «لا تنبغي الموافقة على انضمام أية أقاليم إلى فرنسا إلا إذا طلبت شعوبها ذلك، وأفصحت عن هذه الرغبة رسميا في صراحة وحرية تامتين؛ لأن السيادة حق للشعوب قاطبة. ومن المتعذر كذلك حدوث مشاركة أو اتحاد بين شعب وآخر دون اتفاق (أو إجراء) رسمي وفي حرية كاملة، وليس لشعب منها الحق إطلاقا في أن يخضع شعبا آخر لقوانين مشتركة، من غير موافقته الصريحة على ذلك ... والمبدأ الذي ندين به هو أن كل شعب من الشعوب مهما ضؤلت مساحة بلده التي يسكنها، صاحب السيادة والسلطان في داخل بلاده، ويقف على قدم المساواة من الناحية القانونية مع غيره من الشعوب الكبيرة. وليس في وسع إنسان شرعا وقانونا الاعتداء على استقلاله.» # وهكذا استطاعت «الثورة» أن تضع مذهبا جديدا، تواجه به أوروبا في وقت كانت فيه سياسة حكوماتها تقوم على الروابط والمحالفات المستندة على القوة؛ لتحصيل المنافع الذاتية. وحينما كان سياسيو النظام القديم لا يزالون متمسكين بأساليبهم البالية الغابرة، في الوقت الذي أخذت تنشر فيه الثورة هذه المبادئ السياسية المؤسسة على احترام حقوق الشعوب وحرياتها، والتي كانت بمثابة إنجيل جديد مزج بين الآراء الحرة القومية. # ولقد حرصت «الثورة» على تطبيق تلك القاعدة التي بسطها «كارنو» في تعليماته السالفة الذكر؛ أي حق الشعوب في الموافقة أو عدم الموافقة على الانضمام إلى فرنسا. ولقد شهدنا في موضع آخر كيف استفتيت الشعوب - تطبيقا لهذا المبدأ - في مصيرها، فكان أن ضمت فرنسا إليها سافوي بعد استفتاء شعبها (21 أكتوبر 1792). ~~ وفي اليوم نفسه حصل استفتاء في «نيس» أدى إلى هذه النتيجة، وقررت «لييج» # Liége # في ms0305 استفتاء عام في 16 يناير 1793 اتحادها مع فرنسا، وقرر أهل «بلجيكا» مصيرهم بالاتحاد مع فرنسا بطريق الاستفتاء كذلك في شهر مارس من السنة نفسها. # وعلى الشاطئ الأيسر للراين أدى الاستفتاء إلى تقرير مؤتمر وطني من أهل المقاطعات الراينية في 21 مارس 1793، الاتحاد مع فرنسا والانضمام إليها. وطلبت «مونتبليار» # Montbéliard # بعد استفتاء أهلها نفس الشيء في فبراير 1794. يقابل ذلك إقدام حكومات النظام القديم على تقطيع أوصال بولندة عندما اجترأت هذه الحكومات على تقسيمها عنوة واقتدارا، ودون أن يكون لأهلها صوت في تقرير مصيرهم، مرة ثانية في سنة 1793 بين بروسيا والنمسا، ثم مرة ثالثة وأخيرة سنة 1795 بين بروسيا والنمسا وروسيا؛ فقضوا عليها سياسيا. ~~(2) التحول في سياسة الثورة # وعلى هذا النحو إذن أتيحت الفرصة لتطبيق مبدأ «مثالي» يحترم حقوق الشعوب وحرياتها. غير أن هذا المبدأ المثالي لم يلبث أن انحرف به أصحابه - ولما يمض وقت طويل - عن جادة الطريق، وساروا به في مسالك أخرى. وكان السبب في ذلك أن هذه المبادئ المثالية التي بنت عليها «الثورة» دعوتها ليقظة القوميات ولتحريرها، لم تلبث أن أيقظت لدى الفرنسيين أنفسهم العواطف «الوطنية» الجامحة التي صارت تدفع الفرنسيين دفعا نحو المجد والعظمة الوطنية. # ثم إن هذه «المبادئ المثالية» سرعان ما صادف أصحابها مسائل عملية وحقائق واقعية كان لا معدى عن معالجتها ومواجهتها، مثل الترتيبات الإدارية اللازمة لحكومة الأراضي التي احتلها جنود «الثورة» وشئون التموين والامتياز، وضرورة تدبير وسائل الدفاع عن هذه الأراضي المحتلة. وهكذا فإن تغير الموقف العسكري أثناء حروب الثورة، وما تبعه من ظهور مشكلات جديدة تتطلب حلا سريعا ومتلائما مع الظروف المتغيرة، قد ترتب عليه أن أخذت تتطور شيئا فشيئا تلك الحملة الصليبية التي كانت تبغي أصلا نشر مبادئ الثورة المثالية في أوروبا، حتى صارت «حركة» إحياء وبعث لتلك التقاليد السياسية التي بها جرى العمل في النظام القديم نفسه، في كل ما يتصل بشئون السياسة الخارجية، ولكن مع فارق واحد فقط، هو أن «الثورة» سارت الآن في هذه السياسة تحت ستار نظرية ms0306 «حقوق الشعوب» الجديدة. # وهذا التحول - كما أشرنا - لم يحدث فجأة، بل إن إجراءات «الاستفتاءات» السابقة الذكر، كان بعضها يبرر الشك في سلامتها. ولا جدال في أنه كان «للمهارة» في تنظيم هذه الاستفتاءات، خصوصا في بلجيكا، وفي أقاليم الراين اليسرى لمعرفة رغبات أهليها الصحيحة في الاتحاد مع فرنسا، دخل كبير في الوصول لتلك النتائج التي أسفر عنها الاستفتاء في صالح فرنسا. # وحرصت «الثورة» في بعض الأماكن على حشد الذين وثقت في أن يأتي استفتاؤهم لصالحها. فكان استفتاء ناقصا؛ أي إن الانضمام إلى فرنسا والاتحاد معها إنما كان نتيجة لرغبة أبدتها «أقلية» فحسب، وليس سواد الشعب أو أكثره. وحصل هذا خصوصا في بلجيكا والأقاليم الراينية (الرينانية). # ووقع في بداية 1794 ما يصح اعتباره خطوة أخرى في طريق هذا التحول، وذلك عندما أخذت «الثورة » بنظرية الوصول إلى الحدود الطبيعية «لفرنسا»، وتلك نظرية تستمد كيانها من أصول الدولة الفرنسية الفلسفية والتاريخية، على نحو ما اتجهت إليه بحوث الفلاسفة والمفكرين ورجال السياسة في القرن الثامن عشر. ولقد اعتبرت هذه النظرية أن فرنسا إنما هي بلاد غالة القديمة، واستتبع ذلك تخطيط الحدود الفرنسية الحالية بالصورة التي كانت عليها حدود بلاد غالة في العهد الروماني القديم؛ أي حينما كانت حدود غالة تصل إلى نهر الراين، وكان «دانتون» هو الذي تولى صياغة نظرية الوصول إلى الحدود الطبيعية للمرة الأولى، وذلك عندما أعلن يوم 31 يناير 1793 في «المؤتمر الوطني»: «أن الطبيعة قد عينت حدود الجمهورية، وسوف تصل إلى هذه الحدود في جهاتها الأربع ببلوغ المحيط الأطلسي، وشواطئ الراين، وجبال الألب، وجبال البرانس. # وعند هذه الحدود الطبيعية يجب أن تقف حدود جمهوريتنا (أي المدى الذي يبلغه اتساعها في هذه النواحي الأربع)، ولن تستطيع قوة بشرية أن تمنعنا من الوصول إلى هذه الحدود الطبيعية.» # ولقد كثرت الإشارة إلى نظرية الحدود الطبيعية أثناء عامي 1794 و1795، وكثر ذكرها في الرسائل والمذكرات والكراسات التي صدرت، وفي المناقشات التي دارت في هذه الفترة بشكل يستلفت النظر، خصوصا بعد انقلاب (9 ترميدور/27 يوليو 1794) الذي ms0307 أطاح برأس «روبسبيير» على المقصلة، وأنهى عهد الإرهاب. فقد بعث أحد أعضاء «لجنة الخلاص العام» البارزين (مرلان دي دوويه) إلى مندوبي المؤتمر الوطني لدى جيش الجنرال «ديجومييه» # Dugommier ~~، جيش الجنوب الذي يقاتل عند البرانس، برسالة في 7 أكتوبر 1794 طلب فيها العمل من أجل الوصول إلى الحدود الطبيعية في هذا الجانب. # وفي 7 أكتوبر من السنة نفسها ألقى «تاليان» # Tallien # خطابا تناول فيه الكلام عن نظرية الحدود الطبيعية؛ أضف إلى هذا أن «دوهيم» # Duhem ~~- وكان من كبار مؤيدي الحكومة التي تسلمت زمام الأمور في البلاد بعد انقلاب ترميدور - لم يلبث أن تقدم بمذكرة إلى «اللجنة السياسية» في المؤتمر الوطني بعنوان: «آراء في موضوع السلام» # 1 # تحدث فيها عن مسألة الحدود الطبيعية (3 نوفمبر 1794). وفي 9 نوفمبر تقدم «إيشاسيريو» # Eschasériaux ~~- أحد أعضاء لجنة الخلاص العام بعد انقلاب ترميدور - بمذكرة بعنوان: «حقوق الشعب» # 2 # تناول فيها الموضوع نفسه. ولقد كانت نظرية الحدود الطبيعية شيئا مغايرا لنظرية حقوق الشعب. # ثم إنه حدث في بداية عام 1795، أن برزت إلى الوجود نظرية تختلف عن سابقتيها: حقوق الشعب، والوصول إلى الحدود الطبيعية، وإن كانت متصلة بهذه الأخيرة، ونعني بذلك فكرة تأمين البلاد والمحافظة على سلامتها. وكان «كمباسيرس»، من أعضاء لجنة الخلاص العام، ومن الذين اشتركوا في وضع دستور العام الثالث (1795) - صاحب الفضل في تحديد هذه النظرية - وذلك حين خطب في المؤتمر الوطني يوم 5 مارس 1795 يقول: «إن الواجب يقتضي إعادة بناء أوروبا على قواعد العدالة، وليس اغتصاب حقوق الشعب أو الاعتداء عليها. # ومع ذلك يجب أن يستأصل السلام (عند إبرامه) جراثيم الحرب في المستقبل. ~~ والجمهورية تجد نفسها مصاقبة في الشمال لبلدان وممتلكات أجنبية تسببت بفضل تخطيط حدودها، والحكومات التي طمست الغيرة بصيرتها، في إشعال الحروب قرونا عديدة. وعلى ذلك فالواجب أن تقطعوا برأي فيما إذا كانت تجارب القرون العديدة وأحكام الطبيعة تحتم عليكم أن ترسموا بيد ثابتة قوية حدود الجمهورية.» وهكذا احتلت مكان الصدارة نظرية تأمين فرنسا والمحافظة على سلامتها عن طريق إنشاء حدود جديدة، ms0308 تتمكن بها البلاد من إدراك هذه الغاية. # ولقد أتيحت الفرصة في اليوم نفسه (5 مارس 1795) لأن ينتظم عقد هذه النظريات جميعها في قاعدة عامة واحدة، حينما قال أحد أعضاء المؤتمر الوطني «ديبوا-جرانسيه» # Dubois-Grancé ~~: «الطبيعة ورغبات الشعوب وصالح الجمهورية، تحتم جميعها أن تبقى هذه البلاد - وكان يتحدث عن الأقاليم الراينية - دائما وإلى الأبد أقطارا تسود الحرية في ربوعها.» # وفي أبريل من السنة نفسها (1795)، قدم «سييس» إلى لجنة الخلاص العام، مشروع معاهدة للصلح مع الدول تضمنت الآراء نفسها بشأن إعطاء فرنسا حدودا طبيعية تكفل أمن البلاد وسلامتها. ولقد كانت هذه الرغبة ذاتها هي التي أملت على «بارتليمي» و«رينار» و«كمباسيرس» التعليمات التي بعثوا بها باسم المؤتمر الوطني إلى المندوبين الفرنسيين في يناير 1795 وقت المفاوضة مع الدول. ولقد كان بفضل المعاهدة المبرمة في «بال» بين فرنسا وهولندة من جانب آخر أن استولت فرنسا على البلجيك، والأقاليم الواقعة على شاطئ الراين الأيسر، وحصلت على اعتراف الدول بانضمام هذه الأراضي إليها. # وحتى يمكن إقناع الشعب الفرنسي بعدالة الأسباب التي دعت لإبرام معاهدات أسفرت عن توسيع حدود فرنسا، وإدخال ممتلكات جديدة في حوزتها، لم يلبث أن انبرى رجال من طراز «كارنو» و«بواسي دانجلاس» # Boissy d’Anglas # و«روبيرجو» # Roberjot # يتحدثون عن نظرية الحدود الطبيعية، وضرورة تأمين فرنسا والمحافظة على سلامتها. ثم تحدث «مرلان دي دوويه» صاحب المواقف المعروفة في مسألة الألزاس، والذي كان قد أعلن أن الألزاس إذا كان فرنسيا فذلك لم يحدث بسبب الفتح على يد لويس الرابع عشر، ولكن لأن الألزاس بمحض اختياره رأى أن يهب نفسه إلى فرنسا وأن يرتمي في أحضانها، ويطلب الاندماج بالوطن الفرنسي، فقال - الآن - في خطاب له في 31 أكتوبر 1795: # لا شك أنكم أدركتم حتى يتسنى تعويضنا عما لحقنا من أضرار، وما تحملناه من نفقات؛ بسبب الحروب التي خضنا غمارها، والتي كانت - بلا مراء - من أعظم الحروب عدالة في أسبابها وأغراضها، وأنه حتى يتسنى لنا أن نكون قادرين على منع استئناف هذه الحروب باتخاذ وسائل للدفاع جديدة، كان على الجمهورية الفرنسية، ms0309 وذلك ما كان لزاما عليها فعله، أن تستبقي في حوزتها إما بحكم الفتح، وإما بمقتضى المعاهدات المبرمة، البلاد التي ترى في صالحها الاستحواذ عليها، وذلك دون استشارة أهلها. # وواضح أن هذه «النظرية» التي أعلنها - الآن - «مرلان دي دوويه» وزملاؤه، كانت متباينة تماما عن النظرية الأولى التي نادت بها «الثورة» والتي شاهدنا «تطبيقها» في الاستفتاءات التي جرت في سافوي ونيس وبلجيكا، والأقاليم الراينية (الرينانية)، ولييج، ومونتبليار، بين أكتوبر 1792 ومارس 1793. # ولكن يجب ملاحظة أن المؤتمر الوطني حين عقد الصلح مع بروسيا في «بال» في أبريل 1795، لم يكن يعتبر هذا الصلح إلا وسيلة مواتية وحسب، تمكنه من متابعة النضال ضد النمسا، كما أن التفرغ لهذا النضال كان بدوره في نظر المؤتمر الوطني، مجرد وسيلة أخرى لاستنقاذ ألمانيا من السيطرة النمساوية وتحريرها. وعلى ذلك فقد جاء في نفس التعليمات المرسلة إلى المفاوضين الفرنسيين في «بال» في 15 يناير 1795: # لقد آن الأوان لتحرير ألمانيا وتخليصها من وطأة الاستبداد النمساوي الشديد، وإنهاء عهد هذه الأسرة النمساوية التي بقيت أطماعها قرونا عديدة مبعث الكوارث التي نزلت بأوروبا، فلا يعود هذا البيت النمساوي يعكر صفو السلام، وتنعم أوروبا حينئذ بالهدوء والراحة. # وفي مذكرة «سييس» عن الصلح، حرص - «سييس» - على تعيين الدولتين اللتين اعتبرهما أعداء ألداء لفرنسا، وأعداء ألداء لحقوق وحريات الأمم والشعوب، وهما إنجلترة وروسيا، اللتان كان يتحتم على فرنسا أن تبذل قصارى جهدها للانتصار عليهما وهزيمتهما؛ ضمانا لبقاء فرنسا ذاتها ومحافظة على كيانها. أما كيف يتسنى بلوغ هذه الغاية، فقد ذكر «سييس» أن ذلك يكون بإعادة بناء وتنظيم ألمانيا على قواعد حرة في شكل جمهوري، ولن يكون لإنجلترة شأن إطلاقا في هذا النظام الجديد، بل إنها تطرد من ألمانيا طردا، ومعنى ذلك أن تفقد إنجلترة بمقتضى هذا التنظيم الجديد هانوفر. كما أن هذا التنظيم الجديد سوف يرغم كلا من بروسيا والنمسا بصورة من الصور على الاتجاه صوب الشرق، حتى يتسنى بفضل ذلك إنشاء «مخافر أمامية» للدفاع عن أوروبا ضد روسيا، والحاجز الذي يمنع الزحف الروسي عليها. ms0310 # على أن ذلك لم يكن كل الخروج الذي حصل عن «نظرية حقوق الشعوب» التي بدأت بها الثورة نشاطها في الحقل الدولي. فقد اتبعت «حكومة الإدارة» سياسة اتسمت «بالواقعية» البحتة في علاقاتها الخارجية. # ولقد كانت هذه سياسة لا تستهدف غير النفع الذاتي، وتحقيق المصلحة الشخصية «للدولة» وحسب؛ أي إنها كانت سياسة خوض غمار الحروب، والالتجاء إلى أساليب الشدة والعنف لتحقيق المآرب التي نشدتها «الثورة». وأما هذه المآرب، فالمباشرة منها كانت إمداد خزينة «حكومة المديرين» الخاوية بالأموال التي يمكن ابتزازها من البلدان التي تغزوها جيوش الجمهورية، ثم توفير النفقات التي تتكبدها «الخزينة» بسبب هذه الفتوحات. وذلك بإرغام «الممتلكات» الجديدة على سد حاجات الجيوش الغازية، ودفع رواتب الجند التي عجزت حكومة الإدارة (المديرين) عن دفعها؛ بسبب اختلال ميزانيتها. ولقد كان كذلك لهذه السياسة «الواقعية» هدف «وطني» و«سياسي» ظاهر. من ذلك المحافظة على فتوح «الثورة» في الأقاليم الراينية، وفي بلجيكا. تستخدم لتحقيق هذه الغاية الموارد التي تحصل عليها من أملاكها وفتوحها الجديدة في إيطاليا الشمالية خصوصا. # ومن ذلك أيضا تأمين فرنسا ذاتها والمحافظة على سلامتها بإنشاء حلقة حولها مما كان يعرف سابقا باسم «الطرق العسكرية» # Boulevards Militaires # والذي صار من الآن فصاعدا سلسلة من «الجمهوريات الشقيقة» # Les Républiques Soeurs # التي سوف تقيمها فرنسا وراء حدودها. # فقد بدأت فرنسا بأن جعلت من أسقفية «بال» في سويسرة «دولة» علمانية باسم جمهورية «روراشيا» # Rauracia ~~(1792)، ثم ضمتها إليها في العام التالي. ولو أن السويسريين لم يصدقوا على هذا الانضمام إلا في سنة 1798، وتأسست الجمهورية الهلفيتية # Rép. Helvetique # على أنقاض الاتحاد السويسري (1798)، وفي إيطاليا تألفت في سنة 1796 جمهورية «شمال نهر البو» # Transpâdane ~~، وجمهورية «جنوب نهر البو» # Cispadane # ليحصل اندماجهما في السنة التالية (1797) في جمهورية واحدة «جمهورية ما وراء الألب» # Cisalpine ~~، وفي سنة 1797 تأسست من مدينة جنوة جمهورية ليجوريا # Ligurienne ~~، وفي سنة 1795 تأسست الجمهورية البتافية # Batave # التي قامت على أنقاض مملكة هولندة. # وفي فبراير 1798 تألفت الجمهورية الرومانية # Romaine # من بقايا الأملاك البابوية لتعيش بعض الوقت، حيث ms0311 أعيد الحكم البابوي مرة أخرى في يونيو 1800، وبين يناير ويوليو 1799 حلت جمهورية بارثينوبيا Parthénopéenne # محل مملكة نابولي في إيطاليا. وسوف يأتي ذكر ذلك مفصلا في موضعه. # ولكن الذي تجب ملاحظته أن سياسة حكومة الإدارة لم تكن - وكما يبدو لأول وهلة - متناقضة تماما مع المبدأ الذي أخذت به «الثورة» في الأصل، من حيث احترام «حقوق الشعوب»، أهم عناصر المبدأ القومي عند تقريره بصورة نهائية؛ وذلك لأن الاستيلاء على بلجيكا وعلى شاطئ الراين الأيسر حدث - كما شاهدنا - بعد استشارة الشعوب و«استفتائها» في هذه الجهات، ولأن إنشاء جمهورية «بتافيا» ذات حكومة من طراز «حكومة الإدارة» بفرنسا، إنما حصل على أيدي الهولنديين أنفسهم. # ومع ذلك فلا ريب في أن السياسة التي سارت عليها حكومة الإدارة كانت بعيدة كل البعد عن تلك السياسة المثالية التي استرشدت بالمبادئ التي أعلنتها الجمعية الوطنية التأسيسية، أو الجمعية التشريعية، أو سار عليها المؤتمر الوطني في أول عهده. كما أنها كانت تبعد كثيرا عن السياسة التي اتبعها نابليون بونابرت. والتي أسفرت عن التنظيمات التي تضمنتها معاهدة «كمبوفرميو» في 17 أكتوبر 1797؛ لتعزيز السيطرة الفرنسية، وتأمين حدودها، والمحافظة على سلامتها، في كل الأملاك التي استولت عليها في ألمانيا وإيطاليا، و«الجمهوريات الشقيقة» والتي كانت حكوماتها من طراز الحكومة القائمة في فرنسا، التي تأسست قبل هذه المعاهدة وبعدها. # تلك إذن كانت الخطوات التي حصل فيها التحول من سياسة تسترشد في أهدافها بمبادئ «مثالية» صريحة، إلى سياسة «واقعية» نفعية بحتة، في عهد حكومة الإدارة. ~~ وهذا التحول إن دل على شيء، فإنما على أنه قد بات متعذرا أن تبقى «الحرية» أو «القومية» فكرة نقية، أو مذهبا خالصا من الشوائب. فإن اصطدام هذه «الفكرة» بالحقيقة الواقعة، سرعان ما أخضعها لكل ما طرأ عليها من تعديل وتحول، ولم يعد مستطاعا بقاؤها في نطاق المثالية التي كانت لها، بل صار لا معدى عن خضوعها لتفاعل عناصر عديدة، أهمها الاعتبارات الجغرافية والاستراتيجية والاقتصادية، وذلك إلى جانب الاعتبارات السياسية ذاتها، المتمثلة في ضرورة استقرار نظام الدولة الداخلي، والمحافظة على توازن ms0312 القوى بين الدول. # وثمة ملاحظة أخرى؛ هي أن الانتقال من عالم الفكر النظري إلى دائرة التطبيق العملي، من شأنه أن يضع المسائل المراد معالجتها في وضعها الصحيح، والمجرد من كل ما يكون قد أحاط به من مظاهر السهولة، واحتمال تدبير الأمور في يسر ومن غير عناء. وعلى ذلك، وفي ضوء ما تقدم، قد يصبح المذهب القومي ستارا يحجب وراءه طائفة من العواطف القائمة على الغريزة والرغبات التي لا تمت بأية صلة إلى المبادئ المثالية والحرة، بل قد يصبح المذهب القومي عند يقظة الشعور بالقومية وشعور الأمم بذاتيتها وكيانها الخاص بكل واحدة منها، مجرد رغبة في التوسع والاستئثار بفتوحات جديدة، فتتخذ هذه الرغبة التوسعية من مبدأ القومية ستارا يخفي عن الأنظار حقيقتها. ولقد كانت تلك هي «التجربة» التي مرت بها الثورة الفرنسية ذاتها، والتي ظهرت آثارها في عهد الثورة، ثم طوال القرن التاسع عشر. ~~(3) آثار السياسة الواقعية # فلقد كان لما طرأ من تحول في «المذهب القومي» على أيدي رجال الثورة آثار لم تكن مقصورة على فرنسا وحدها، بل امتدت إلى أوروبا، نجمت من «تطبيق» تلك النظريات التي أتت بها الثورة، سواء في مراحلها الأولى، أو عند تحول المذهب القومي إلى سياسة «واقعية»، وذلك عن طريق ذيوع الآراء والمبادئ التي تألفت منها «القومية»، أو بسبب النتائج السياسية التي أسفرت عنها حروب الثورة؛ ولذلك فإن الثورة ما لبثت حتى وجدت في «المذهب القومي» أداة فعالة لإدخال تغيير ظاهر على قواعد القانون العام في أوروبا من جهة، وعلى السياسة الدولية السابقة من جهة أخرى. # على أن الدور الذي كان للمذهب القومي في الحوادث التي وقعت، لم يكن واحدا في كل الحالات، بل اختلف في جهة عنه في أخرى، باختلاف البيئة والظروف. فهناك بلدان دخلت مباشرة في دائرة نشاط السياسة الفرنسية بحكم موقعها الجغرافي ومتاخمتها لفرنسا، كأقاليم ألمانيا الواقعة على نهر الراين، ومثل إيطاليا وسويسرة. وتلك جميعها كانت ميادين لحروب الثورة، وطرأ على أوضاعها السياسية تغيير كامل بسبب هذه الحروب. وهناك بلدان خرجت من نطاق ms0313 السياسة الفرنسية المباشر، ولكنها تأثرت بتعاليم الثورة، فقبلت المبادئ الجديدة، أو ناضلت ضد هذه المبادئ نضالا عنيفا، كهنغاريا «المجر»، وأسبانيا والبرتغال، وإنجلترة وبولندة وروسيا وإرلندة. # ولقد تضافر في ألمانيا عاملان هامان على تغيير الأوضاع السياسية بها تغييرا كليا، هما - كما سبقت الإشارة إليه في موضعه - أن ألمانيا كانت بلادا امتازت بثروتها الفكرية العظيمة، فسهل لذلك أن تلقى الآراء الفرنسية حقلا خصيبا؛ لنموها في هذا الوسط الفكري بصورة تصبح معها نقطة تحول جديد لمناقشات ونظريات جديدة. وإلى جانب هذا فقد نجحت السياسة الفرنسية في ضم الشاطئ الأيسر لنهر الراين إلى فرنسا، وكان لهذا الحادث تأثير كبير في موقف الشعوب الألمانية من الثورة، ومن النظريات والتعاليم الجديدة التي أتت بها. وتلك جميعها موضوعات سوف يأتي الكلام عنها بشأن ألمانيا في دراسة مفصلة تالية. # في إيطاليا # ولقد بدأ عهد التوسع الفرنسي في إيطاليا من أيام «حكومة الإدارة»؛ وذلك نتيجة للمناورات السياسية والحركات العسكرية التي أجرتها حكومة المديرين بسبب الحرب مع النمسا. فكانت إيطاليا - كما شاهدنا - أحد ميادين القتال. ~~ أما قبل تجربة هذه الحروب القاسية ، فإن إيطاليا كانت من أواسط القرن الثامن عشر مستمتعة بحياة رغدة سعيدة، لم يعكر صفو السلام في أرجائها حادث واحد منذ إبرام معاهدة «إكس لاشايل» في سنة 1748، وهي المعاهدة التي اختتمت بها حرب «السبع سنوات». ومن المعروف أن من الدويلات الإيطالية التي اشتركت في هذه الحرب، كانت سردينيا ونابولي وجنوة ومودينا. ومن ذلك الحين لم يقع اعتداء ما على إيطاليا. # ولقد كانت إيطاليا مقسمة إلى عدد من الدويلات الصغيرة التي لم يكن يربط بينها رابط سياسي، ويختلف المظهر الخارجي الذي كان لنظام الحكم في كل منها عن الأخرى، ولو أنها جميعها كانت تشترك في ظاهرة واحدة هي خضوعها لنوع من الحكم الاستبدادي، يستند إلى «هيراركية» اجتماعية، أساسها طبقي؛ أي إنه يقوم على استئثار طبقة معينة بوظائف الحكم والإدارة. ثم إن هذه الدويلات الإيطالية كانت تشترك من الناحية الفكرية في وجود اتساق فكري وذهني ظاهر، عنيت «الكنيسة» بتأييد وجوده، كما ms0314 تضافرت المدارس والجامعات والأكاديميات - وعند الضرورة السياسة ذاتها - على استمرار بقائه. # ونجح هذا «النظام» في نشر الهدوء والسكينة في ربوع إيطاليا. ثم إنه أضفى عليها مظهرا خارجيا، كان ينبئ بأن «الاستقرار» الدائم صار يسود إيطاليا، وبأنه صار لا يسمح بحال من الأحوال بعودة «الفوضى» التي شهدتها البلاد في الماضي، وخصوصا أثناء «عصر النهضة الأدبية والفنية» في إيطاليا، وصار يبدو أن إيطاليا قد ألف أهلها العيش في هدوء وسكينة ونظام كامل. # وكان من عوامل هذا «الاستقرار» أن إيطاليا كانت تتمتع طوال القرن الثامن عشر بثراء عريض؛ مبعثه إتقان أساليب الزراعة وفلاحة الأرض، وكثرة مشروعات الري في حوض نهر البو، من أيام «ليوناردو دافنشي» # Leonardo Da Vinci ~~، ونشاط تجاري استمر طيلة القرون الثلاثة السابقة. ولقد ظهرت آثار هذا الثراء العريض في وجود عدد عظيم من أصحاب رءوس الأموال، أو إذا شئت في وفرة الأموال، التي زخرت بها خزائن الطليان، ثم في وفرة الإنتاج الفني حينما اكتظت الكنائس ومنازل الخاصة، وقصور الأمراء بالتحف الفنية العظيمة. # ولقد كان من أسباب هذا الثراء العريض كذلك، الأموال العظيمة التي حصلتها «الكنيسة الرومانية» - في روما - من العالم الكاثوليكي قاطبة. ومع ذلك، فقد كانت طائفة أو طبقة معينة فحسب، هي التي استمتعت في إيطاليا بكل هذا الثراء، ونعني بذلك الطبقة التي تألفت من صفوة الناس وخيارهم في مصطلح ذلك العصر، وهم النبلاء، والإكليروس (الكنسيون)، ورجال الحكم والإدارة (أي البيروقراطية) التي اضطلعت بشئون الحكم والإدارة في «الحكومات» المختلفة. # على أنه كان يقابل هذه الصورة «البراقة» أن الصناعة كانت متأخرة؛ لأن أرباب الصناعة إنما كانوا يهتمون بسد المطالب المحلية من ناحية، وإنتاج السلع التي تساعد على استمرار البذخ والترف. ثم إن التجارة كانت منزلقة في طريق الانحدار والتدهور، إذا قيست بما كانت عليه سابقا. ولكن الذي تجب ملاحظته أنه بالرغم مما طرأ على الصناعة والتجارة من أسباب الانحلال والتأخر، حتى فقدتا المكانة التي كانت لهما خلال العصور الوسطى، فقد كانتا كافيتين لسد مطالب سواد الشعب من الصناع والفلاحين كي يعيش ms0315 هؤلاء دون عنت وإرهاق ملحوظين، وحتى إن هذه الطبقات الدنيا التي تألف منها سواد المجتمع الإيطالي وقتئذ، لم تكن تشعر بأية نزعة إلى العصيان والثورة. # ولقد امتازت إيطاليا «بطابع» خاص تميزت به عن غيرها في هذا العصر، هو أنها كانت في القرن الثامن عشر تحتل مكانة مرموقة، كأحد عوامل التقدم الفكري في أوروبا، فمن الأسماء التي سطعت في ميادين الآداب والعلوم والفنون في ذلك الحين: «دي فولتا» # Volta # في الطب، و«موراتوري» # Muratori # وغيره في التاريخ، و«بيتنيلي» # Bettineli # و«الجاروتي» # Algarotti # وغيرهما في تاريخ الأدب والنقد الأدبي، و«جالياني» # Galiani # و«فيلانجييري» # Filangieri ~~، ثم «بيكاريا» # Beccaria ~~، وهو أعظمهم في القانون والاقتصاد السياسي. ~~ وكان تحت تأثير «الاقتصاديين» والقانونيين أن بدأ الإمبراطور جوزيف الثاني (1765-1790) يعمل لتغيير «المجموعة القانونية» المعمول بها في إيطاليا الشمالية. كما أصدر ليوبولد غراندوق تسكانيا (والذي صار الإمبراطور ليوبولد الثاني فيما بعد) (1790-1792) ما يعرف باسم «قوانين ليوبولد»، والتي كانت أكثر القوانين التي عرفتها أوروبا تقدما من الناحيتين: التشريعية والاجتماعية. ولقد ازدهر الأدب، فاشتهرت «هزليات» جولدوني # Goldoni # و«مآسي» ألفييري # Alfieri ~~، ومنظومات «باريني» Parini ~~. وأدرك كل هؤلاء عصر الثورة الفرنسية، فلم يقضوا نحبهم إلا في السنوات الأخيرة من القرن الثامن عشر. # وهذه الحركة الفكرية كانت تشبه لحد كبير الحركة الفكرية في فرنسا، في أن نشاطها لم يكن محصورا في داخل إيطاليا وحدها فقط، بل شمل كذلك أصقاعا أخرى، فلم تكن الحركة الفكرية الإيطالية «محلية» وحسب. ثم إنها زيادة على ذلك قد احتفظت بطابعها الإيطالي الخالص بالرغم من اتساع ميدانها، وتمتعت بوحدة روحية وذهنية «وثقافية» إيطالية. فاعتبر «ألفييري» نفسه «إيطاليا» وليس «بيدمنتيا» - وبيدمونت مسقط رأسه - وأعلن أنه خلع عن نفسه «بيدمنتيته» ونبذها ظهريا. وكل هؤلاء المفكرين رغبوا في اعتناق فكرة «الحرية» كما صاغها الفلاسفة الفرنسيون، ومع أنه لم يكن يوجد في إيطاليا حينئذ أي شعور قومي، فقد تحدث المفكرون الطليان عن «الوطن»، واحتل «ألفييري» مكان الصدارة بين معاصريه كشاعر «وطني» ويدين بالمبادئ الحرة. # وصفوة القول: إن إيطاليا في آخر القرن الثامن عشر كانت تبدو ms0316 وقد اكتست حلية زاهية من الحضارة «الأرستقراطية»، وذات تراث فني عظيم، ولم يعتور نشاطها الفني فتور منذ «عصر النهضة»؛ ولذلك فقد صار متوقعا أن يترتب على الآراء الفرنسية التي جاءت بها الجيوش الفرنسية إلى إيطاليا في عهد الثورة، نتائج على جانب عظيم من الخطورة، يتأثر بها هذا الوسط «المرهف» تأثيرا عميقا. # فلقد قضى جنود الثورة حينما غزوا هذه البلاد واحتلوها على هذه الحضارة الإيطالية الزاهية قضاء مبرما. وتفصيل ذلك أن إيطاليا سرعان ما تعرضت لغزوين فرنسيين متتالين، بين سنتي 1796، 1797، وهو الغزو الأول، وبين سنتي 1800، 1801، وهو الغزو الثاني، كما عرفنا في عهدي حكومة الإدارة، ثم القنصلية على التتابع، فأسفر الغزو الأول عن تحطيم دوقية ميلان النمساوية، وجمهورية البندقية وجمهورية جنوة، ولم تنج أملاك البابا من الاعتداء عليها، وذلك في أراضي إيطاليا الشمالية. ثم انتقل الغزو إلى إيطاليا الوسطى والجنوبية؛ فأنشأ الفرنسيون في رومة «الجمهورية الرومانية» في 15 فبراير 1798، ووضعوا لها نظاما للحكم على غرار نظام «حكومة الإدارة». وعندما احتل الفرنسيون «بيدمونت» اتخذوها قاعدة يعملون منها لتوطيد السيطرة الفرنسية في إيطاليا، وأضحت كل من جنوة ونيس بمثابة مراكز أمامية للجيوش الفرنسية. # وأما الغزو الثاني الذي وقع في سنة 1800، فقد أتاح لنابليون بونابرت الفرصة لأن يعبر بجيوشه جبال الألب «ممر سان برنار»، وينقض على النمساويين في سهول لمبارديا، فيهزمهم هزيمة قاصمة في واقعة «مارنجو» المشهورة في 14 يونيو 1800. كما أن قائدا آخر (الجنرال مورو) لم يلبث أن انتصر على النمساويين في ميدان آخر في واقعة «هوهنلندن» في 2 ديسمبر 1800. ~~ وبذلك رأى النمساويون أنفسهم مرغمين على عقد الصلح مع فرنسا في «نفيل» في 9 فبراير 1801 بنفس الشروط تقريبا التي قامت عليها قبلا معاهدة «كمبوفرميو»، فأخذت فرنسا إلى جانب أراضي شاطئ الراين الأيسر، كلا من بلجيكا ولكسمبورج، واعترف الإمبراطور باستقلال جمهورية بتافيا «هولندة»، والجمهورية الهيلفيتية (سويسرة). ونال الأمراء الألمان تعويضا عما فقدوه من أراضيهم في إقليم الراين، في شكل أراض أخرى أعطيت لهم في ألمانيا، على أن يشترك بونابرت نفسه في تقدير هذه التعويضات. ms0317 # أما في إيطاليا فقد احتلت فرنسا «بيدمنت» وضمتها إليها، ووسعت رقعة جمهورية ما وراء الألب (أو شمال إيطاليا)، حتى وصلت حدودها إلى نهر الأديج وصارت تضم «مانتوا»، ثم وضعت تحت حماية فرنسا، كما وضعت جمهورية «ليجوريا» تحت حمايتها كذلك، ثم تأسست في تسكانيا مملكة «إتروريا» # Etrurie ~~، وولي عليها دوق بارما، الذي خضع لبونابرت خضوعا كليا، ثم بسط بونابرت نفوذه على روما، وأرغم ملك نابولي على قبول حامية فرنسية في «تارنتو» # Tarento ~~، في حين بقيت أراضي جمهورية البندقية القديمة في حوزة النمسا منذ أن استولت هذه عليها في معاهدة كمبوفرميو. # وهكذا توزعت الأراضي الإيطالية من جديد، بصورة تجعل ممكنا لفرنسا أن توطد سيطرتها الكاملة على شبه الجزيرة الإيطالية. فأنشأت فرنسا في الشمال كتلتين كبيرتين، تحفظان نوعا من التوازن في هذا الجزء: هما الجمهورية الإيطالية «ما وراء الألب»، تقابلها «دولة» البندقية القديمة التي ضمت بقايا أراضيها الآن إلى النمسا. وهاتان الكتلتان تقفان شمال الولايات البابوية التي امتدت في وسط إيطاليا، وصارت حدودهما الشمالية الشرقية تلاصق مملكة إتروريا (تسكانيا). أما في الجنوب، فقد عادت الأوضاع إلى سابق عهدها؛ أي بقيت مملكة نابولي، ولكن مع فارق هام، هو انعدام كل هدوء واستقرار من هذه الأقاليم. # ومثلما تحطم التنظيم الإقليمي والسياسي القديم في إيطاليا، فقد تحطم كذلك التنظيم الاقتصادي والاجتماعي بها بسبب الغزو الفرنسي؛ وذلك لأن الجنود الفرنسيين الذين وقعت هذه البلاد فريسة في أيديهم، سرعان ما صاروا يجمعون منها الأسلاب والغنائم، فنهبوا تلك الثروة التي تجمعت بها خلال القرون العديدة. أضف إلى هذا أن هذه الجيوش «الفرنسية» الغازية كانت تعيش بفضل «المصادرات» و«الغرامات الحربية» عالة على المدن، والمقاطعات الإيطالية، بل واستطاع الغزاة أن يبعثوا من «حصيلتها» الإمدادات المالية إلى خزينة حكومة الإدارة. # ثم إن الغزاة أخذوا يطبقون القوانين الفرنسية التي مكنت الدولة من الاستيلاء على أملاك الكنيسة وبيعها، وزيادة على ذلك فقد استولى الفرنسيون على الأموال التي كانت مودعة في نوع من المصارف (في إيطاليا الشمالية) لتسليف النقود بفوائد بسيطة لمكافحة الربا الفاحش، وكان ms0318 هذا النوع من المصارف منتشرا في القرن الثامن عشر وتتولى الحكومات الإشراف عليها. ولقد كان معنى كل هذه المصادرات والمغارم، وأعمال السلب والنهب، تجريد الطبقة الإيطالية الغنية من أموالها وثروتها. # وبذلك تكون قد اختفت من الوجود في إيطاليا - وفي وقت واحد - كل التنظيمات السياسية والإقليمية والاجتماعية والاقتصادية، كما اختفت ثروة البلاد في حين لم تستطع «الثورة الفرنسية» حتى هذا الوقت أن تعوض إيطاليا شيئا عن كل ما فقدته؛ لأن عهد «الإنشاء» الجديد لم يبدأ في إيطاليا إلا في عهد الإمبراطورية النابليونية، كما سيتضح لنا فيما بعد، ومع ذلك فإن «الثورة» عندما حطمت أنظمة «العهد أو النظام القديم»، وقضت على الحضارة التي اختصت بها إيطاليا وقتئذ، كانت قد جعلت ظهور تنظيم آخر جديد، وانبثاق روح أخرى جديدة، أمرا لا مفر منه ولا معدى عنه في إيطاليا. # في سويسرة # وسويسرة كانت من بين البلدان المجاورة لفرنسا، والتي وقعت تحت تأثير «الثورة الفرنسية»، وطرأ تغيير كبير على تكوينها نتيجة لذلك. وسويسرة لم تكن في هذا الحين «دولة»، بل كانت اتحادا كونفدرائيا، وبمعنى أصح «محالفة» قصدت منها الولايات (أو الكانتونات) السويسرية الثلاث عشرة، معاونة بعضها بعضا في الدفاع عن نفسها . ولم يكن هذا الاتحاد أو المحالفة يشمل كل سويسرة، فقد بقي خارجا عنه ولايات «جنيف» و«فاليه» # Valais ~~، و«جريسون» # Grissons ~~، في حين كانت ولاية «نيوشاتل» تابعة لملك بروسيا، وكانت «سانت جالين» # St. Gallen # تخضع لرئيس الأديرة بها، وتخضع «بال» لأسقفها. # ثم كانت لا تزال بعض الأقاليم (والتي صارت كانتونات فيما بعد) تخضع لسلطات كانتونات أو «ولايات» أخرى: «آرجو» # Aargau ~~، «تورجو» # Thurgau ~~، «فود» # Vaud ~~، «لوتيسان» # Le Tessin ~~، أو «تشينو» # Ticino # و«فالتلين» # Valtelline ~~. # وفي هذه الكانتونات (الولايات) قام التنظيم الداخلي على أسس أرستقراطية، تركزت بفضلها السلطة في أيدي طبقة من البورجوازية، لها امتيازات كبيرة، عملت على حرمان كل أولئك الذين عرفوا باسم (المولديين # Natifs ~~)، وهم أهل المدن والكانتونات الذين لم تكن لهم حقوق البورجوازية، و«المهاجرين» الذين نزحوا من كانتون - أي ولاية - إلى أخرى ليستقر مقامهم بها. # ومن ms0319 أواخر القرن الثامن عشر - وبالتحديد ابتداء من سنة 1770 - ساد في داخل الولايات نضال سياسي عنيف كان ينتهي في كل الأحوال تقريبا بفوز الطبقة الأرستقراطية، وتشريد كثيرين من المواطنين السويسريين وطردهم خارج البلاد. ولقد لجأ جمع غفير من هؤلاء المنفيين إلى البلدان الأخرى وخصوصا فرنسا، ينشدون العيش والاستقرار بها، نذكر من هؤلاء «إتيين كلافيير» # Etienne Claviére ~~، وقد تولى وزارة المالية في الوزارة التي تشكلت في مارس 1792، أيام الجمعية التشريعية بموافقة الملك، وكان «كلافيير» من المنتمين لليعاقبة، كما كان من هؤلاء المهاجرين المشردين «جان بول مارا» # Marat # صاحب التاريخ المعروف في الثورة. # ذلك إذن كان الوضع في سويسرة التي لم يكن لها وقتذاك شكل «الدولة» الحديثة. # وأما خضوع هذه البلاد لتأثير الثورة الفرنسية فقد تبدى في ناحيتين؛ أولاهما: أنه ظهرت بالبلاد رغبة جامحة للظفر بالحقوق الديمقراطية، وصمدت الطبقة الأرستقراطية المستأثرة بكل أسباب السلطة في وجه هذه الحركة. ~~ وثانيتهما: أن اللاجئين السويسريين في الخارج لم يلبثوا أن قاموا تحت حماية الحكومة الفرنسية وبتشجيعها، بحملة قوية لدعوة فرنسا إلى التدخل في شئون سويسرة الداخلية، وكانت تحدو هؤلاء اللاجئين الرغبة في العودة إلى أوطانهم، والمساهمة في إدارة شئون بلادهم، على أن يأتي ذلك إما عن طريق تدخل سياسي من جانب فرنسا، وإما عن طريق تدخل عسكري من جانبها كذلك. # وعلى ذلك، فقد ظل اللاجئون السويسريون طوال عهد «المؤتمر الوطني» يدفعون الحكومة الفرنسية دفعا لتتدخل في شئون سويسرة، وحينما تسلمت حكومة الإدارة أزمة الحكم في فرنسا، وجد هؤلاء نصيرا لهم في شخص «روبل» عضو هذه الحكومة، والذي استأثر بشئون السياسة الخارجية بعد انقلاب (18 فريكتدور/4 سبتمبر 1797). واتبع «روبل» سياسة توسعية تسلطية واضحة المعالم، فلم يلبث أن وثق صلاته باثنين من المهاجرين هما: «بيتر أوشز» Peter Ochs # السياسي «الديمقراطي»، و«فردريك سيزار دي لاهارب» # La Harpe # مستشار القيصر إسكندر الأول فيما بعد، وكان الأول من «بال» والثاني من «برن». # ورأت فرنسا في تدخلها في شئون سويسرة فرصة مواتية، تمكنها من القضاء على المؤامرات التي كانت تحاك ضد ms0320 الجمهورية الفرنسية في تلك البلاد؛ وذلك لأن أعداء «الثورة» والمنشقين عليها كانوا قد اتخذوا سويسرة مقرا لنشاطهم ضد «الثورة» من مدة طويلة، ولم تلبث أن قويت حركتهم عندما انضم إليهم الذين اضطروا إلى مغادرة فرنسا بعد حادث انقلاب 18 فريكتدور، وكانت إنجلترة تمدهم بالأموال اللازمة لاستمرار نشاطهم. # وترأس في سويسرة هذه الحركة العدائية ضد فرنسا كل من السويسري «فرنسيس ديفرنوا» # Divernois ~~، وأحد العملاء الإنجليز «ويكام» # Wickham ~~. ووجدت الحكومة الفرنسية مسوغا لهذا التدخل في ضرورة إتقان خططها العسكرية والاستراتيجية؛ وذلك أنه طالما بقيت الجيوش الفرنسية مستمرة في عملياتها العسكرية في إيطاليا الشمالية، فقد تحتم العمل على تأمين المواصلات السهلة بين هذه الجيوش وقواعدها عن طريق ممر سمبلون، ثم عن طريق جنيف. # وفي سنة 1798 قررت الحكومة الفرنسية نهائيا التدخل في شئون سويسرة، وقبلت العمل بالبرنامج الذي وضعه اللاجئون السويسريون، وعكف «أوشز» في باريس على وضع «دستور» سلفا للدولة الجديدة على أساس ديمقراطي، ويكفل في الوقت نفسه تحقيق الوحدة القومية، وكان هذا الدستور من طراز دستور حكومة الإدارة. وعلى غراره عاون في إعداده مع «أوشز» كل من «مرلان دي دوويه» و«بيير دونو» # Daunou ~~، وكانا - كلاهما - قد اشتركا في وضع دستور حكومة الإدارة (دستور العام الثالث). # وبموجب هذا الدستور السويسري تحررت من التبعية لغيرها كل تلك «الكانتونات» السويسرية التي سبق ذكرها، وصار يتألف من الولايات جميعها دولة واحدة ذات طابع اتحادي (كونفدرائي)، وضمت إليها «فاليه» على قدم المساواة مع الكانتونات أو الولايات الأخرى. وصار لهذه الدولة الاتحادية حكومة مديرين من نمط الحكومة التي أقامها دستور العام الثالث في فرنسا (1795)؛ أي على أساس أن تتألف السلطات التشريعية والتنفيذية من ممثلي الشعب المنتخبين؛ ولذلك فقد اعتبر هذا الدستور بداية طيبة لتركيز السلطة وتوحيد البلاد. # ولقد استطاعت القوات الفرنسية في حملة ناجحة ضد ولاية «برن» # Bern ~~- وكانت أهم الكانتونات الأرستقراطية وأعظم الولايات شأنا في الاتحاد الكونفدرائي - أن ترغم هذه الولاية على قبول الدستور الجديد، والاعتراف به في 6 مارس 1798. ولما كان من أغراض حكومة الإدارة الحصول ms0321 على المال دائما للأسباب التي ذكرناها، فقد استولى الفرنسيون - الآن - على «الخزينة» في برن، ولقد خصصت نصف هذه الأموال المستولى عليها تقريبا في تمويل الحملة على مصر. # وبقيت الكانتونات الجبلية: «أونترفالدن» # Unterwalden ~~، «أوري» # Uri ~~، و«شويتز» # Schwyz # مصممة على الاحتفاظ باستقلالها. وحينئذ سيرت حكومة الإدارة جيوشها عليها وأرغمتها على الخضوع والإذعان، وأبدت ولاية «شويتز» مقاومة كبيرة، ولكن انتصرت جيوش الثورة عليها في أكثر من معركة، وكان بعد واقعة «مورجارتن» # Morgarten # في 2 مايو 1798، أن أمكن تطبيق الدستور الجديد في سويسرة. # وكانت «الجمهورية الهلفيتية» قد تأسست رسميا منذ 12 أبريل 1798، على أن تكون مدينة «آراو» # Aarau ~~- في ولاية أو كانتون «آرجو» - عاصمة وقتية. وجرت الانتخابات ثم تشكلت الحكومة الجديدة. ~~ وفي 19 أغسطس 1798 عقدت الجمهورية الهلفيتية معاهدة تحالف مع فرنسا، فوعدت بمعاونة الجمهورية الفرنسية في كل الحروب التي تخوض غمارها - ما عدا الحرب البحرية - واعترفت بالحكم الفرنسي في أسقفية «بال» السابقة، وخولت فرنسا حق استخدام كل طرق المواصلات التي تربط بين فرنسا وبين ألمانيا الجنوبية وإيطاليا، ووعدت فرنسا بدورها بأن تسحب عسكرها من البلاد في خلال شهور ثلاثة، ولكنها لم تنفذ وعدها. # وهكذا أمكن بفضل هذا التدخل من جانب الثورة، إنشاء جمهورية سويسرية في دولة واحدة تضم في حدودها كل الولايات (أو الكانتونات)، وتحل محل ذلك الاتحاد المفكك السابق. على أن خروج «دولة» سويسرية للمرة الأولى إلى عالم الوجود لم يكن معناه إطلاقا أن سويسرة قد صار بها «شعور قومي»، ذلك أن الشعور القومي لم يكتمل نضجه في سويسرة إلا بعد فترة طويلة من الزمن، وفي خطوات تدريجية. ~~••• # تلك إذن كانت آثار «الثورة» على البلاد التي خضعت مباشرة لتفاعل الآراء والمبادئ التي نادى بها رجال الثورة، وفي الأقطار المتاخمة لفرنسا. بيد أن آثار «الثورة» لم تلبث أن ظهرت كذلك في البلدان التي لم تكن متاخمة لفرنسا مباشرة، وفي هذه الحالة حصل التأثر بطريق غير مباشر، أي ليس بسبب فرض آراء «الثورة» ومبادئها في البلاد التي خضعت لجيوشها، وبواسطة رجال الثورة الذين مارسوا ms0322 بأنفسهم السلطة في هذه الأقاليم التي دانت لهم ليروجوا الآراء والمبادئ التي جاءوا بها، وليرغموا الأهلين والحكومات على تنفيذها. ~~ وإنما حصل التأثر بطريق احتكاك الآراء والأفكار الذي حدث بسبب ذيوع الآراء والمبادئ «الثورية»، ونتيجة للسياسة التي اتبعتها «الثورة» في علاقاتها الخارجية. # ولم يكن رد الفعل الذي حصل - سواء من جانب الحكومات، أو من جانب الشعوب تجاه الآراء التي أتت بها الثورة - في درجة واحدة أو في صورة واحدة. فلقد اعتبرت الحكومات «الثورة الفرنسية» خطرا داهما، من واجبها أن تبذل كل ما وسعها من جهد وحيلة للقضاء عليه وإزالته؛ لأن «الثورة» عمدت إلى تشجيع حركات المقاومة التي كانت قد بدأت ضد هذه الحكومات وقتئذ، ولأن «الثورة» كان في استطاعتها كذلك تحريك الثورة ضد الحكومات القائمة. مما تذرعت به الدول لتضم صفوفها، ولتوطد دعائم الحكم المطلق وأساليبه في داخل بلادها. ~~ وعلى ذلك فقد صار «للثورة» من هذه الناحية أثر عكسي، من حيث إنها عوقت بداية ظهور أو تطور المطالبة بالحقوق السياسية والقومية. # فلقد حدث في هنغاريا «المجر» أن امتنعت الحكومة من ذلك الحين عن دعوة «الدياط» إلى الاجتماع، ثم راحت تشدد الرقابة البوليسية لتعطيل نشاط الوطنيين. وفي غضون سنة 1795 اكتشفت الحكومة مؤامرة سرية لإنشاء جمهورية تضم إليها أقطار الدولة النمساوية، وأدى اكتشاف هذه المؤامرة إلى القبض على كثيرين، كان منهم أحد الأساتذة الهنغاريين «مارتينوفيتش» # Martinovitch ~~، وأقبل النبلاء على تأييد خطة الحكومة، حتى ليصح لنا القول بأن «الحركة القومية» في هنغاريا قد وقفت وتعطلت تماما من ذلك الحين إلى سنة 1815، بل وإلى ما بعد هذا التاريخ أيضا. # وثمة مثل آخر لتوضيح هذا الأثر العكسي؛ أي التوقف الذي حصل في الحركات الحرة والمطالبة بالحقوق الديمقراطية؛ بسبب الذعر والخوف الذي أوجدته الثورة الفرنسية. ذلك كان توقف عهد الإصلاحات فجأة في شبه جزيرة إيبريا، وكانت هذه الإصلاحات قد بدأت في إسبانيا والبرتغال تحت نظام الحكومة المستبدة المستنيرة في كل منها. ثم كان ذلك نفس ما حصل في إنجلترة حينما أدى الخوف من الثورة، ثم اشتباك ms0323 البلاد في الحروب التي خاضتها ضد الجمهورية الفرنسية، إلى تولي حزب «التوري» الحكم؛ فتعطل كل إصلاح على أيدي هؤلاء المحافظين في إنجلترة. # ولقد كان للثورة أثر عكسي كذلك، وإن كان من نمط آخر، هو أن الضعف الذي أصاب الحكومة بفرنسا بسبب هذه الثورة، كان عاملا قويا في إغراء الدول على تحقيق مآربها، بإخراج فرنسا ذاتها من دائرة النشاط السياسي من ناحية، والمضي في تقسيم بولندة من ناحية أخرى. فاستطاعت الدول تقسيمها مرة ثانية في 1793 (بين روسيا وبروسيا)، ثم مرة ثالثة وأخيرة في سنة 1795 (وهذا منذ التقسيم الأول المعروف في سنة 1772)؛ الأمر الذي ترتب عليه اختفاء بولندة من خريطة أوروبا السياسية. # في بولندة # ولم تكن آثار الثورة مع ذلك كلها عكسية؛ ففي الوقت الذي ساعدت فيه «الثورة» على اختفاء بولندة سياسيا - أي كدولة - من عالم الوجود، كان «للثورة» ذاتها فضل في تحديد معالم حركة وطنية كانت قد بدأت بشائرها عشية حادث «الثورة» كحركة موجهة في صميمها ضد روسيا، ثم ما لبثت حتى نمت واتسعت عند قيام الثورة «الفرنسية». ولقد كان عماد هذه الحركة القومية أولا: شباب النبلاء الذين تلقوا علومهم في المدارس التي أنشأتها لجنة التربية والتعليم الوطنية منذ 1774 - على نحو ما سبق ذكره - وتلك مدارس تأثرت برامجها بآراء الفلاسفة الفرنسيين، ثم قامت هذه الحركة على أكتاف الأساتذة المثقفين الذين عرفوا باسم «الأكاديميين»، وعلى وجه الخصوص الأساتذة في جامعتي «كراكاو» و«فيلنا». # وأخيرا كان عماد الحركة القومية أهل الطبقة المتوسطة (البورجوازية) في «وارسو». وكان أثناء انتعاش الحركة الفكرية في بولندة وتقدمها عشية «الثورة الفرنسية» وفي أوائل أيامها، أن قام «المفكرون» أو قادة الرأي البولنديون بحملة واسعة، يؤيدون الآراء الفرنسية الجديدة، فيما أصدروه من بحوث ودراسات عديدة، ومنها ما عني فيها أصحابها بنقل كتابات الفرنسيين وحسب، كنقل رسالة «سييس» المشهورة عن «الطبقة الثالثة»، وحرص البولنديون على الاتصال برجال الثورة الفرنسية؛ ليقفوا منهم على برامج الثورة، والإصلاحات الحرة التي تعتزمها «الثورة»؛ ليعثروا فيها على ما قد يستطيعون الانتفاع به في إصلاح ms0324 أحوال بلادهم. # ولقد انكب البولنديون البورجوازيون على تتبع أنباء الثورة الفرنسية، وقراءة كل ما كانت تنشره الصحف عنها، أو تذيعه عن الآراء والمبادئ الجديدة التي أتت بها. واشتهر في ذلك الحين نخبة من أعلام الثقافة والأدب والقانون البولنديين، واحتل مكان الصدارة بينهم «أبو الديمقراطية البولندية» الأب ستانسيلاس ستاتزيك # Staszic # الذي بذل قصارى جهده بالخطابة والكتابة والوعظ والإرشاد في الدفاع عن الفقراء والمطالبة بتحسين أحوالهم، وناشد أمته أن تنبذ ظهريا فوارق الطبقات الاجتماعية، ثم كان من هؤلاء الأعلام أيضا الأب «هيو كولونتاي» # Kollontay # الذي اشتهر «برسائله» وبمؤلفاته في القوانين الطبيعية الاجتماعية، وبمذكراته التاريخية. كان «مربيا» ممتازا ورجل دولة وخطيبا مفوها، سرعان ما صار بيته «ندوة» للمفكرين التقدميين، نادى بضرورة إصلاح الحكومة وإلغاء رقيق الأرض، كان عضو «لجنة التربية والتعليم الوطنية» النشيط، وأبرز أعضاء هذه الجمعية إطلاقا. # ولقد تعاونت هذه اللجنة مع رئيس «البرلمان» «ستانسيلاس مالاكوسكي» # Malachowski ~~، ووزير التربية «إجناز بوتوكي» # Ignace Potocki # في إعداد مشروع قانون الدستور البولندي الذي صدر في 3 مايو 1791 على نحو ما سيأتي ذكره. وكان للأب «كولونتاي» اليد الطولى في وضع هذا الدستور. # تلك إذن كانت العوامل التي ساعدت على ظهور الحركة القومية في بولندة ونموها. وكان من أثر ذلك كله أن شرع مجلس «الدياط» خلال سنوات 1789-1791، ينفذ برنامجا من الإصلاحات الواسعة، والتي يتضح من معرفة أغراضها الأثر الذي كان عليها للثورة الفرنسية؛ ذلك أن هذه الإصلاحات استهدفت تقوية الحكومة، بأن تصبح حكومة تمثل الشعب وتقوم على تأييده لها، ثم تقوية الحكومة بالقضاء على أسباب الضعف الناجمة من وجود الامتيازات أو «الحقوق» السياسية التي عطلت أعمال الحكومة، وساعدت على انتشار الفوضى، ومن هذه «حق» النبلاء في تعطيل قرارات «الدياط» باللجوء إلى استخدام «حق الاعتراض» # Liberum Veto # الذي تحدثنا عنه في فصل سابق. وفضلا عن ذلك فقد كفل هذا البرنامج التحاق أهل الطبقة المتوسطة (البورجوازية) بالوظائف العامة في كل فروع الإدارة، وكفل هذا الحق للنبلاء أنفسهم الذين أعطوا وظائف «الشرف» العامة. وأخيرا، تضمن البرنامج إصلاحات عدة ms0325 لصالح الفلاحين. # ولقد تسنى تنفيذ هذا البرنامج الإصلاحي بفضل «انقلاب» حدث على يد الملك «ستانسيلاس أوجستس بونياتوسكي» Poniatowski ~~(1764-1795)، بالاتفاق مع جماعة من أعضاء مجلس الدياط، فأعلن الدستور يوم 3 مايو 1791، وبمقتضى هذا الدستور تقرر انتقال الملك إلى أسرة ناخب سكسونيا؛ لعدم وجود وارث للعرش للملك «ستانسيلاس أوجستس»، وفيما عدا ذلك جاء هذا الدستور البولندي على غرار دستور الثورة الأول (1791) الذي وضعته الجمعية الوطنية التأسيسية في فرنسا. # وتضمن الدستور الإصلاحات المنشودة، فألغى «حق الاعتراض»، فكان حينئذ أن أقيم بفضل هذا الدستور في بولندة ما صار يعرف باسم «الجمهورية الملكية». # 3 # وكان لإعلان الدستور في بولندة صدى بعيد، فلم يلبث أن نهض «إدموند بيرك» # Burke # يعلق على هذا الحادث في مجلس العموم البريطاني، فقال: «إن هذا التغيير الذي حدث (أي إعلان الدستور في بولندة بالإصلاحات التي تضمنها) يجعل من حق الإنسانية أن تستعد وأن تزهو عجبا، وقد زال ما كان يندى منه جبينها خجلا، وانتهت آلامها بفضل هذا التغيير الذي أدخل على حياة الأمة البولندية. فأهل المدن حصلوا على مقومات حياتهم الاجتماعية بعد أن عاشوا محرومين من كل الامتيازات والفرص، وأما النبلاء وعلية القوم (وأعيان الطبقة المتوسطة)، الذين اشتهروا في العالم بالصرامة والبأس والبطش، فقد أعيد تنظيمهم، وصاروا الآن يحتلون مرتبة أمامية في صفوف المواطنين الأحرار والأكرمين. وصار الناس إطلاقا، ابتداء من الملك حتى العامل الذي يكسب قوت يومه بعمله وجده، يعيشون في عزة وكرامة، وقد تحسنت أحوالهم جميعا ... # ومما يدعو للعجب حقا ويبعث على الشعور بالسعادة المتزايدة، أن هذا كله قد حصل من غير أن تسفك قطرة دم واحدة، ودون غدر أو خيانة من جانب أحد، أو ارتكاب جريمة، أو أن يقذف الناس في حق بعضهم بعضا - ولعمري إن ذلك لأشد قسوة وأعظم نفاذا من ضربة سيف بتار - ثم دون تعمد توجيه الإهانات للحط من كرامة الدين والأخلاق والعادات، ودون الالتجاء إلى اغتصاب ما بيد الغير أو مصادرة ثرواتهم. ثم إن أحدا لم يحبس أو ينفى، كما لم ينزل الإملاق ms0326 بمواطن من المواطنين يرغمه على الاستجداء والشحاذة، بل لقد حدث هذا التغيير العظيم بناء على وجود سياسة موضوعة وخطة مرسومة، أحيطتا بسياج من الكتمان التام. واجتمعت الكلمة على تنفيذ هذه السياسة، التي اتصف أصحابها بالحكمة وأصالة الرأي، حتى إنه لم يسبق حصول مثيلها في أي ظرف مضى. ولقد كان هذا المسلك العجيب مدخرا لتحقيق تلك المؤامرة الباهرة (الانقلاب) التي دبرها أصحابها لتأييد حقوق الإنسان ومصالحه الصديقة الصادقة.» # وواضح أن «بيرك» في هذا الخطاب إنما كان يقصد كذلك التنديد بحوادث الثورة الفرنسية من طريق غير مباشر، وهو المعروف بعدائه لها. # ولقد كان طبيعيا أن يترتب على هذه الحركة الإصلاحية التي استهدفت إعادة بناء «الدولة» البولندية من جديد، إزعاج روسيا وإغضابها. وعلى ذلك، فإن القيصرة كاترين الثانية بمجرد أن استطاعت إنهاء الحرب مع تركيا في معاهدة «ياسي» # Jassy # في يناير 1792، قررت التدخل في شئون بولندة بصورة جدية، ولقيت في هذه الرغبة تأييدا من جانب كبار الطبقة الأرستقراطية من «العظماء» # Magnates ~~، ثم من جانب المتمسكين بالتقاليد القديمة، والذين أفزعتهم إصلاحات «الدياط» الاجتماعية والسياسية. فارتمت الأرستقراطية العالية البولندية في أحضان روسيا. وأقامت اتحادا أو حلفا كونفدرائيا - من ذلك الطراز من الاتحادات التي سبق الكلام عنها - عرف باسم اتحاد «تارجويتز» # Targowitz # في مارس 1792 تحت ستار الدفاع عن الحريات البولندية. # وأراد البولنديون الاعتماد على بروسيا لمؤازرتهم ضد روسيا، ولكن بروسيا لم تشأ التدخل إلا إذا وافقت إنجلترة على هذا التدخل واشتركت معها فيه وقامت بعمليات بحرية ضد روسيا في بحر البلطيق. وكانت تلك شروطا رفضتها الحكومة الإنجليزية (وزارة بت Pitt ~~) فتخلت بروسيا عن مساعدة بولندة. بل إن بروسيا لم تلبث أن قررت التدخل هي الأخرى في المسألة البولندية (فبراير 1792) لتحقيق مآربها الخاصة بالحصول من بولندة على الأموال التي تسد بها نفقات الحرب المتوقعة مع فرنسا، وأبلغت بروسيا هذه الرغبة حكومة القيصرة في منتصف مارس 1792، وبذلك وجدت بولندة أنها صارت منفردة، ولا أمل في نجدة خارجية تأتي لمعاونتها في النضال ضد روسيا. # وفي 19 مايو اخترق ms0327 الغزاة الروس حدود بولندة. وانهزم البولنديون الوطنيون في كل مكان، وسقطت «وارسو» في شهر يوليو. وفي 22 يوليو 1792 أعاد الروس العمل بدستور بولندة القديم، وكان مما ساعد الروس على إدراك هذا النجاح أن الملك «ستانسيلاس أوجستس بونياتوسكي» - وكان ضعيفا - قد تخلى في اللحظة الأخيرة عن موقفه وضرب ببرنامج إصلاحاته عرض الحائط، وانحاز إلى «اتحاد تارجويتز». ورضي بالمفاوضة والاتفاق مع روسيا. فانعقد «الدياط» في «جرودنو» # Grodno # في «ليتوانيا». وعلى يده تم عقد معاهدة تحالف مع روسيا في 16 أكتوبر 1793 وإلغاء دستور 1791. # وهكذا نجم من حركة الإصلاح الوطنية التي بدأها «البورجوازيون» البولنديون، وأهل الفكر وقادة الرأي في البلاد، نزول الكوارث من جديد ببولندة. فقد سبق أن انتهت المفاوضة بين روسيا وبروسيا إلى الاتفاق في 23 يناير 1793، على ما صار يعرف باسم «تقسيم بولندة الثاني»، فنالت روسيا بمقتضى هذا الاتفاق: الأوكرين وروسيا البيضاء، وعدد سكانهما حوالي الثلاثة ملايين نسمة، وحصلت بروسيا على دانزج، وتورن # Thorn ~~، وبوزن Posen # وكاليش # Kalish ~~، وعدد سكانها جميعها حوالي مليون نسمة. وبذلك صارت بولندة، التي كان عدد سكانها في سنة 1792 يبلغ خمسة عشر مليون نسمة، «دولة» لا يزيد عدد سكانها - الآن - على أربعة ملايين تقريبا. # وأرغمت روسيا «الدياط» البولندي على إقرار هذا التقسيم، فقبل «الدياط» المجتمع في «جرودنو» تحت الضغط والتهديد، هذا البتر الجديد من جثمان الوطن البولندي في سبتمبر، وكانت روسيا وبروسيا قد احتلتا فعلا هذه الأراضي في الشهر السابق. وفي أكتوبر أبرم الدياط معاهدة التحالف السالفة الذكر مع روسيا، والتي كانت بمثابة الاعتراف من جانب بولندة بخضوعها للسيطرة الروسية. وصار «ستانسيلاس بونياتوسكي» مجرد عميل للوزير الروسي في وارسو. # غير أنه سرعان ما ظهر في بولندة عقب هذه الكارثة الوطنية، جماعة من الوطنيين الذين تزايد غضبهم من روسيا وحنقهم عليها؛ بسبب «الحكم الروسي» الذي تأسس في الأقاليم المبتورة، والذي اتصف «بعسكرية» صارمة تعمدت إلحاق الإهانة والأذى بالبولنديين. وكان هؤلاء الوطنيون على استعداد للقيام بالثورة بمجرد أن يقوى ساعدهم. ونشطت العناصر الوطنية التي غادرت البلاد، لتجد ms0328 في سكسونيا أو فرنسا مكانا أمينا تلجأ إليه، فصارت تعمل لتدبير حركة عصيان خطيرة في بولندة، فتألفت من ثم تحت سمع جيش الاحتلال الروسي وبصره، بقيادة «إجلستروم» # Egelstrôm # الجمعيات السرية، وصارت تحاك خيوط المؤامرات ضد السيطرة الروسية. وكان هدف هذه الحركة استقلال بولندة، وعودة دستور 1791. # فدارت المراسلات بين المتآمرين الوطنيين وبين الزعماء البولنديين في المنفى. وكان قد اتخذ جماعة من هؤلاء مقرهم في سكسونيا، ويتزعمهم «تاديوس كوشيسكو» # Thaddeus Kosciusko ~~، وطلب «كوشيسكو» النجدة من «المؤتمر الوطني» في باريس. ولكن فرنسا كانت تخوض غمار الحرب وقتئذ (1793). ناهيك بالصعوبات الداخلية التي صادفها المؤتمر الوطني، فلم يسع الفرنسيين تقديم أية مساعدة فعلية، أو التدخل في المسألة البولندية. # ثم إن دولة أخرى غير فرنسا من تلك التي حاول زعماء الحركة استمالة حكوماتها لتأييدهم، لم تشأ التدخل أو تعضيدهم ضد روسيا. فإن النمسا التي كانت قد رفضت الموافقة على تقسيم 1793، صارت الآن تريد «تقسيما» جديدا يكفل لها نصيبا من الأراضي المنهوبة. ولقد كان من صالح تركيا أن تبقى روسيا مشغولة عنها في بولندة، فلا تستأنف الحرب ضدها، ولكن تركيا خرجت من الحرب الأخيرة مع روسيا منهوكة القوى وتعجز عن مؤازرة البولنديين في نضالهم ضد روسيا. # ثم إن السويد لم يكن في استطاعتها مقاومة روسيا وبروسيا متحدتين، بل ووجد بالسويد جماعة من النبلاء تميل لمؤازرة روسيا. وعلى ذلك، اتفق الرأي بين قادة الحركة البولندية الوطنية في الخارج بسبب هذا كله، على أن الواجب على البولنديين أن يتريثوا في الأمر فترة من الزمن قبل القيام بحركتهم. # وكان قائد جيش الاحتلال الروسي في بولندة «إجلستروم»، يدرك مقدار الخطورة التي صارت تكتنف الموقف، ولو أنه عجز عن معرفة شيء عن حقيقة «المتآمرين» الذين بلغوا وقتئذ حوالي العشرين ألفا. فلم يلبث أن قرر في بداية مارس 1794 تجريد قسم كبير من الجيش البولندي الوطني من سلاحه وتسريحه. ولكن تجريد الجنود - إذا حدث - كان معناه في نظر المتآمرين أن من المتعذر عليهم القيام بحركتهم، فدفعهم هذا القرار إلى القيام بثورتهم دون إمهال. ms0329 وبالفعل، قامت الثورة في شهر مارس في كل من «كراكاو» و«وارسو» في وقت واحد. وفي 24 مارس سنة 1794، أذاع «كوشيسكو» منشورا دعا فيه الأمة لتأييده. وكان إصدار هذا المنشور بمثابة إعلان الحرب على روسيا وبروسيا. وفي وارسو استطاع الوطنيون مفاجأة الحامية الروسية بها في 29 أبريل، وأرغموا الحامية على الانسحاب. # على أنه كان من أثر هذا الفشل المؤقت الذي أصاب الروس، أن نشطت كل من بروسيا والنمسا تريدان التدخل. فزحف البروسيون على «كراكاو» واحتلوها في 15 يونيو 1794، وبدءوا في الوقت نفسه يتفاوضون في الصلح مع فرنسا حتى يتفرغوا لنشاطهم العسكري في بولندة. وكان الروس أثناء ذلك قد أعادوا تنظيم قواتهم، وعينوا لقيادة جيوشهم هذه المرة «سواروف» # Souvorov # أعظم قوادهم إطلاقا، ثم إن جيشهم المنسحب من وارسو لم يلبث أن أنزل الهزيمة بقوات «كوشيسكو» التي كانت تجد في مطاردته، وذلك عند «ماشيوفيتش» # Maciejowice # فانتصر قائدهم «فرسن» # Fersen # على البولنديين انتصارا حاسما في 10 أكتوبر، وأصيب «كوشيسكو» بجرح ووقع في الأسر، ومن ذلك الحين استبد اليأس بالوطنيين البولنديين. أما «سواروف» فقد أخضع وارسو في 4 نوفمبر سنة 1794 واحتلها الروس بعد أربعة أيام. وفي هذه الأثناء كان النمساويون بدورهم قد حشدوا قواتهم في «غاليسيا» لتأييد مفاوضتهم المقبلة مع روسيا وبروسيا. # وبسبب هذه الهزائم إذن اضطر الملك «ستانسيلاس بونياتوسكي» إلى الإقامة مرغما في «جرودنو» في حين بدأت المفاوضات بين روسيا والنمسا لتصفية المسألة البولندية. وكانت بروسيا مشغولة في مفاوضاتها مع فرنسا في «بال» - والتي انتهت بعد قليل بمعاهدة بال في أبريل 1795 - فقد اتفق الفريقان روسيا والنمسا، على تعيين نصيب كل منهما، وترك وارسو وشمال بوميرانيا حتى نهر «النيمن» إلى بروسيا. وفي 3 يناير سنة 1795 تم توقيع معاهدة التقسيم الثالث بين بروسيا وروسيا والنمسا، وهي المعاهدة التي اختفت وقتئذ بسببها بولندة كلية من خريطة أوروبا السياسية. # على أن الذي تجدر ملاحظته بشأن هذه الثورة التي أخفقت وانتهت بضياع بولندة في هذا التقسيم الثالث، أنها كانت «حركة قومية» حقيقية. آية ذلك الاستعدادات التي ms0330 سبقت اشتعال الثورة، وكانت هذه تسير عندئذ في خطى وئيدة. فتسلم الشباب الذي أثرت فيه الدعاية الوطنية وألهبت شعوره الوطني، زمام هذه الحركة في المدارس، وأنشد التلاميذ في إحدى مدارس الجنوب في «ولودزيميرز» # Wlodzimierz # نشيدا وطنيا من نمط نشيد «المارسيليز» الفرنسي: «أيها الشباب سلالة الشعب الحر الطليق الذي دافع دائما عن حقوق الإنسان المقدسة ضد العنف والعسف المنتشر في كل مكان، ضموا صفوفكم وكونوا يدا واحدة وروحا واحدة.» # ولقد كان الكلام عن «حقوق الإنسان» شيئا جديدا أخذه الوطنيون من فرنسا. ~~ وأما هذا النشيد فقد اختتم بعبارات تشبه ما جاء في نشيد «المارسيليز»: «هيا إلى السلاح يا أبناء «كودجيسكي» # Codjewski ~~، وأحفاد «سوبيسكي» # Sobeiski ~~، و«تزارنكي» # Czarnecki # الأبطال، هبوا للنضال ولا تتركوا العدو يمزق أوطانكم، فلنعمل إذن للاتحاد في تحالف مقدس، وليصبح كل فرد منا جنديا يضحي في سبيل الوطن بدمه وروحه وماله، حتى نحطم قوات العدو تحطيما، وإلا فالخير لنا أن نلحق بآبائنا وأجدادنا في قبورهم.» # ثم إن «الدياط» لم يلبث أن أصدر نداء إلى الأمة في 29 مايو 1794، اشترك في إعداده «كولونتاي»، كان متسما بهذا الطابع القومي نفسه، جاء فيه: «إن بولندة تجد نفسها اليوم في موقف الدفاع ضد جيش الروس ... أيها البولنديون، إنما أنتم تحاربون اليوم للذود عن أنظمتكم السياسية والدينية، عن قوانينكم، عن حرياتكم، عن ممتلكاتكم!» # ولقد حدث أثناء الثورة، ومن أجل الدفاع عن الوطن، أن امتزجت العناصر المختلفة التي يتألف منها المجتمع، فقام الفلاحون حول «لوبلن» - أي في بولندة الصغرى - بطرد الروس بعد أن انتصروا عليهم في واقعة «راكافيتش» # Rackavicz # في 4 أبريل سنة 1794. وفي «وارسو» تألف مجلس وطني كان قطب الرحى فيه الزعيم «كوشيسكو»، لغرض إعداد جيش الثورة، فضمت السلطات المشرفة على هذا الجيش عناصر متعددة: من أساتذة الجامعات ، ورجال الطبقة المتوسطة (البورجوازية)، والنبلاء. ثم إن الأهلين من البروتستنت سرعان ما اتحدوا مع مواطنيهم الكاثوليك، فتصدت ميدنتا «تورن» و«دانزج»، وهما لوثريتان لمقاومة الجيش البروسي، في حين انضم الكلفينيون إلى صفوف الكاثوليك في إقليم «ليتوانيا» للنضال ضد الروس. ms0331 وهكذا اختفت للمرة الأولى الفوارق الدينية في جهد مشترك من أجل النضال ضد العدو. # والذي تجدر ملاحظته أن الثورة اعتمدت قبل كل شيء على الطبقة البورجوازية في المدن، وانتعشت المثل العليا بين طبقة النبلاء الذين كانوا في الماضي دائما قوام الاتحادات الكونفدرائية، ومن بين هذه الاتحادات القديمة، كان اتحاد «بار» # Bar # الذي كان قد تألف من النبلاء الذين عرفوا باسم «فرسان بار» سنة 1764 عقب انتخاب الملك «ستانسيلاس بونياتوسكي»، وفي وقت كان قد عظم فيه النفوذ الروسي لدرجة خطيرة، وكان «لاتحاد بار» هذا شهرة ذائعة تعدت حدود بولندة، وانضم إليه كثيرون من الخارج نذكر منهم الجنرال «ديمورييه» الفرنسي صاحب الانتصارات المعروفة على البروسيين في واقعتي «فالمي» و«جيماب». # ولقد خاض «اتحاد بار» الحرب ضد جيوش روسيا، ولكن جهوده ذهبت سدى، ففشلت محاولته لمنع التقسيم الأول الذي حدث في بولندة سنة 1772. ومع ذلك استمرت باقية مثل الاتحاد العليا، وانتعشت في عهد الثورة الأخيرة (1794). واشترك مع «اتحاد بار» في هذه الحركة الوطنية أهل الطبقة المتوسطة (البورجوازية). ~~ وهكذا لم تعد الأرستقراطية وحدها هي المتكفلة بالنضال، إما للمحافظة على امتيازاتها، وإما من أجل المحافظة على الصالح العام للدولة. # ولا ريب في أن ذلك كله إنما يدل على أنه كان قد وجد في بولندة «شعور قومي» لا سبيل إلى نكرانه. # حقيقة اختفت بولندة من عالم الوجود السياسي، ونقل الروس الملك «ستانسيلاس بونياتوسكي» إلى سان بطرسبرج ليلقى منيته بها في سنة 1798. ~~ ولكن ذلك لم يكن معناه إطلاقا اختفاء «الأمة» البولندية. لقد تشرد الوطنيون في كل أنحاء أوروبا، ولجأ منهم كثيرون خصوصا إلى فرنسا، وقصد «كوشيسكو» إلى أمريكا لاجئا بها، ولكن هؤلاء الوطنيين سرعان ما صاروا ينضمون في كل مكان إلى الجيوش المحاربة ضد روسيا. # وحينما رجع «كوشيسكو» من أمريكا إلى فرنسا، عملت حكومة الإدارة في سبتمبر 1798 على الوصول إلى تفاهم معه من أجل تنظيم فرق عسكرية من المتطوعين البولنديين، تضم إليها كذلك الهاربين من الجيوش الروسية والنمساوية. فكان في خارج بولندة إذن، وفي البلاد الأجنبية، وبفضل ms0332 احتكاك البولنديين «بالغرب»، أن نما «الشعور القومي» البولندي ووصل إلى ذروته. غير أن «المسألة البولندية» ظلت وقتئذ واستمرت مدة طويلة بعد ذلك، عنصرا هاما من عناصر المناورة والمساومة السياسية، وهذا حتى في اعتبار الحكومة الفرنسية ذاتها، ينهض دليلا على ذلك أن «سييس» وهو يتفاوض في برلين سنة 1798 لاستمالة بروسيا إلى عقد محالفة مع فرنسا، لم يتردد في التلويح أمام حكومتها باحتمال إعطائها بولندة بأكملها. # وصفوة القول أنه كان للثورة الفرنسية إذن أثران واضحان؛ فهي قد كانت مبعث الكوارث التي حلت بساحتها إما مباشرة وإما بطريق غير مباشرة، ثم أفضت إلى تقسيمها واختفائها «سياسيا» من الخريطة الأوروبية، وهي قد كانت في الوقت نفسه مصدر خير لبولندة بسبب ما فعلته من ناحية إحياء «الشعور القومي» بها. # الفصل الثاني # | «الثورة» واليقظة القومية # تمهيد # لقد تبين من الدراسة السابقة أن الأثر الذي أحدثته الثورة الفرنسية على «الحكومات» في أوروبا كان أثرا عكسيا؛ وسبب ذلك أن الثورة استعدت ضدها أكبر الدول التي كان قد تم تكوينها في ظل «النظام القديم»، فصارت حكوماتها تحرص على الاحتفاظ بما كان لها من أنظمة اقتصادية واجتماعية وسياسية؛ ولذلك ناصبت هذه الدول «الثورة» العداء، وراحت تعقد المحالفات العسكرية القوية ضدها، وأرغمت «الثورة» على الاشتباك في حروب استمرت بدون انقطاع تقريبا منذ سنة 1792. وفي طليعة هذه الدول المتحالفة ضد «الثورة» كانت إنجلترة وروسيا والنمسا وبروسيا، ولقد انحاز إليها عدد من الدويلات أو الإمارات في إيطاليا وألمانيا. # أما هذه الحروب فقد أسفرت حتى عام 1798 عن اختفاء طائفة من حكومات «العهد القديم» على يد الثورة ذاتها، وبفضل انتصار جيوشها في أوروبا؛ من ذلك حكومة البندقية، وعدد من الحكومات الأخرى الإيطالية، على أثر إنشاء جمهوريات ما وراء الألب (سيزألباين) وليجوريا وبارثينوبيا ... إلخ. كما أسفرت عن اختفاء حكومة (أو دولة) بولندة، التي ألهبت الثورة «الشعور القومي» بها، فانتهى ظهور الحركة القومية في بولندة إلى اقتسام هذه الدولة بين جيرانها واختفائها من الوجود سياسيا. # أما إذا تركنا جانبا أمر «الحكومات» فمما لا شك فيه ms0333 أنه كان للثورة أثر «إيجابي»، تأثرت به كل تلك «الشعوب» التي كانت قد بدأت تنمو قبل حوادث الثورة، ثم قطع نموها شوطا كبيرا، حتى إنها صارت تستطيع إدراك معاني الآراء والمبادئ التي جاءت بها الثورة بعد ذلك. الأمر الذي أتاح الفرصة «للثورة» حتى تلعب دورا هاما في استحثاث هذه الشعوب واستنهاض همتها، ودعوتها للمطالبة بتحقيق مبادئ الحرية والمساواة، إلى جانب المطالبة باستقلالها. # ونجحت «الثورة» بفضل الآراء والمبادئ التي جاءت بها، في تأييد رغبة الشعوب في استقلالها، وتصميمها على الاحتفاظ بكيانها الذاتي. ولم تكن الرغبة في الاستقلال، والإبقاء على هذه الذاتية شيئا جديدا، بل كانت هذه الرغبة موجودة فعلا في صورة من الصور قبل عهد الثورة. # والسبب في هذا النجاح أن «الثورة الفرنسية» سرعان ما عملت على إحياء آمال الشعوب التي رضخت طويلا تحت سلطان السيطرة الأجنبية الغاشمة، ثم أخذت تدفع هذه الشعوب دفعا نحو العمل الإيجابي للتحرر من النير الأجنبي. فاستطاعت «الثورة» أن ترسم بهذا العمل الخطوط الأولى لبداية الحركات القومية في أوروبا. # وتلك حقيقة سوف تتضح تماما من دراسة أثر الثورة في اليونان وإرلندة، أو أثرها على الشعوب التي جاورت اليونان، كالسرب الذين حاولوا الثورة على روسيا في عام 1804، فضلا عن دراسة هذا الأثر في ألمانيا. وكانت ألمانيا حقلا واسعا لتفاعل الآراء والمبادئ التي نادت وأتت بها الثورة الفرنسية. # ألمانيا تجاه الثورة # تضافرت عوامل هامة على تهيئة ألمانيا وإعدادها لقبول الآراء التي جاءت بها الثورة الفرنسية، وخصوصا الآراء والمبادئ السياسية. ففي حين كان الفرنسيون لا يعرفون سوى النزر اليسير عن ألمانيا ويكادون «يجهلون» ألمانيا، كان الألمان أنفسهم أكثر أهل أوروبا معرفة بآراء ونظريات قادة الفكر الفرنسي، وأكثر شعوبها إلماما بعادات الفرنسيين وبأساليب حياتهم، وكانت لهم دراية واسعة بالأدب الفرنسي. # فالألمانيون عرفوا النظريات التي نادى بها «جان جاك روسو» في التربية، وانكب «تلاميذ» كثيرون يدرسون سائر «نظريات» هذا الفيلسوف الفرنسي، وآراءه في السياسة وغيرها، بشغف ونهم عظيمين. وظفر «مونتسكيو» إلى جانب زميله بالحظوة لدى مفكري الألمان. # فكان «أمانويل كنط» (1724-1804) ms0334 فيلسوف كونجزبرج العظيم، من كبار المعجبين بكل من «روسو» و«مونتسكيو»، وتأثر بدرجة كبيرة بكتاباتهما وآرائهما، وإن كان «كنط» قد نحا منحى خاصا في ابتداع تلك الفلسفة الأخلاقية المثالية التي استندت عليها آراؤه ونظرياته السياسية، فحاول أن يمزج بين آراء «روسو» و«مونتسكيو» في نظام من التفكير السياسي، يميز فيه بين نظرية الحياة والوجود (الكون) كما يدركها العقل المجرد، وبين هذه النظرية ذاتها كما يستدل عليها من الواقع وبالتجربة، فأنكر «كنط» على الشعوب خروجها على صاحب السيادة في الدولة، والذي يجتمع «تمثيل» الشعب في شخصه، سواء أكان ملكا، أو ارتكزت السيادة في نبلاء أو في نواب عن الأمة. # ولقد كان من المعجبين بآراء «روسو» والفلاسفة الفرنسيين كذلك «جوهان جوتليب فيشته» وهو من تلامذة «كنط»، ويحتل «فيشته» مكانة عظيمة في تاريخ الفكر الألماني السياسي. ولقد جعل «فيشته» الاهتمام «بالشعب والأمة» يغلب على الاهتمام «بالفرد»، فابتدع ذلك «النظام الاجتماعي» الذي اتخذه أساسا لنشوء الدولة باعتبار أسبقية حرية المجتمع بأسره على حرية الفرد وحده. وكان لذلك طبيعيا أن يأتي تفسير «فيشته» لنظرية العقد الاجتماعي مغايرا لما أخذ به «روسو»، وإن كان كلاهما اعتمد في تفسيره على وجود «إرادة عامة» هي مصدر السيادة العليا وموئلها في الدولة، فجعلها «روسو» نتيجة تنازل الأفراد عن إرادتهم الفردية، واندماج هذه في إرادة عامة، في حين افترض «فيشته» وجود «الإرادة العامة» أصلا في المجتمع، وبالتالي في الدولة التي جعل من حقها ونصيبها وحدها السهر على حريات الأفراد وضمان هذه الحريات في المجتمع. # ولقد كان لآراء «فيشته» أثر كبير في تنظيم المقاومة الوطنية ضد السيطرة الفرنسية في ألمانيا في عهد نابليون الأول، كما أن «فيشته» يعتبر في عداد أعلام المفكرين الألمان الذين نادوا بتكوين «الدولة القومية». # وعلى ذلك، فقد كانت ألمانيا وقت اندلاع «الثورة الفرنسية » في مقدمة البلدان التي قطعت شوطا لا يستهان به في ميدان الفكر، ولو أن اهتمام الألمان وقتئذ كان لا يزال مقصورا على دراسة الآراء التربوية والفلسفية التي نادى بها «أمانويل كنط» خصوصا. ثم إنهم بدءوا يستيقظون ms0335 رويدا رويدا من سباتهم السياسي. ولعل نجاح الفرنسيين في تأسيس «الجمهورية» في فرنسا كان أعظم العوامل أثرا في هذه اليقظة السياسية التي جعلت الألمان ينفضون عنهم غبار ذلك الخمول السياسي الذي أقعدهم عن العمل والنشاط في هذا الميدان «السياسي» أزمانا طويلة. # وثمة عامل آخر هو أنه وجدت بألمانيا ذاتها قبل اشتعال «الثورة الفرنسية» بسنوات عديدة صحافة نشيطة كان ديدنها الكشف عن المساوئ المنتشرة في الدويلات والإمارات الألمانية؛ والتي كانت وصمة عار في جبينها. فحملت الصحافة حملة شديدة استمرت حوالي العشرين سنة قبل بدء «الثورة» في فرنسا؛ لإزالة هذه المساوئ التي شكا منها الشعب الألماني في الولايات والإمارات المختلفة، وخصوصا وجود الحكومات المستبدة التي عطلت تقدم البلاد. # ثم قويت الدعوة لإدخال الإصلاحات العديدة التي يطالب بها الشعب، على أسس ديمقراطية، وبخاصة في ميدان التربية والتعليم. ولقد كانت المطالبة بالإصلاح خروجا على الأنظمة والتقاليد «القديمة»، وهي الأنظمة والتقاليد التي مهد لزوالها كذلك انتشار «الماسونية» حركة البنائين الأحرار، وهددت «الماسونية» بالقضاء على الآراء والمعتقدات التقليدية العتيقة. # ومما هيأ ألمانيا لقبول الآراء الجديدة التي نادت بها «الثورة الفرنسية» أن الحكومة في «بفاريا» عمدت منذ 1784 إلى حل جماعة «المتنورين» # Illuminati # وإلغاء منظماتهم أو هيئاتهم؛ فانتشر هؤلاء في أنحاء ألمانيا يحملون آراءهم «الخطيرة» إلى كل مكان ذهبوا إليه. ومن أخطر هذه الآراء قولهم: إن الوقت قد مضى الآن، للتمسك بالنظام الملكي، ولم تعد هناك حاجة لوجود الملكية أو الملوك، ثم إنهم حملوا على طبقة النبلاء الذين اعتبروهم مجرد آلات لا عمل لها غير دعم أركان الظلم والاستبداد. # وثمة سبب آخر، هو أن الفلاسفة والمفكرين السياسيين من طراز «كنط» و«فيشته»، لم يكونوا وحدهم الذين أعجبوا بآراء الفلاسفة الفرنسيين وكتاباتهم، فمهدوا بذلك السبيل في ألمانيا لانتشار الآراء والمبادئ التي أتت بها الثورة الفرنسية. ~~ فقد أعجب بآراء وكتابات فلاسفة الثورة طائفة من فحول الكتاب والشعراء الألمان المعاصرين، مر بنا ذكر جماعة منهم مثل «فردريك شيلر» # Schiller ~~(1759-1805) الكاتب والشاعر ومؤرخ «حرب الثلاثين سنة» في ألمانيا، ومن كبار المعجبين ms0336 «بروسو». وقد أخذ «شيلر» على عاتقه المناداة في كل ما كتبه بتحطيم القيود الاجتماعية والسياسية، وبالثورة عليها. وحذا حذوه في ذلك «جيته» # Goethe ~~(1749-1832) أعظم شعراء ألمانيا شهرة. ولقد هزأ «جيته» وغيره من الكتاب الشبان في عصره بطبقة النبلاء، وسخر منها سخرية كبيرة. # وساعد على تغلغل الآراء الفرنسية في ألمانيا بهذه السرعة والسهولة، أن هذه البلاد الواسعة لم تكن تعرف وقتئذ شعورا قوميا أو وطنيا يحول دون انتشار الآراء «الأجنبية» بها. ومع أن ألمانيا كانت مهيأة لقبول أية آراء قد تأتيها من الخارج والتأثر بها، فالذي تجب ملاحظته أنها كانت عاجزة في الوقت نفسه عن أن تنتزع لنفسها «نظاما» معينا في التفكير السياسي يتلاءم مع الأحوال السائدة بها. # وتلك حقيقة يفسرها التهليل والتكبير الذي قابل به المفكرون والكتاب الألمان «الثورة الفرنسية» عند اندلاعها، فرحبت بها الصحف الألمانية، واستبد الحماس لها بطائفة الأدباء والكتاب والمفكرين الألمان، فشدوا الرحال إلى «باريس»، وكان من كبار «المتحمسين» للثورة «ولهلم فون همبولدت» # Humboldt ~~(1767-1835) العالم اللغوي، ورجل الدولة الذي تولى وزارة التربية والتعليم في مملكة بروسيا فيما بعد، كما حضر مؤتمر فينا وأدى خدمات جليلة لدولته. ثم عميد الأدب الألماني «فردريك كلوبستوك» # Klopstock ~~(1724-1803) الذي اشتهر بقصيدته عن عودة المسيح المنتظر، والذي أسف أسفا عظيما - كما قال - لأنه لم يكن له «مائة لسان» حتى يستطيع الاحتفال بمولد الحرية كما يحب ويشتهي، وأعلن أنه ما كان يتردد هو وأبناؤه في الذهاب إلى «باريس» لو أن له أبناء؛ حتى يظفروا جميعا بالحصول على صفة «المواطن الفرنسي». # ولقد ساهم غير هؤلاء من كبار قادة الرأي والفكر في الترحيب «بالثورة»، والحفاوة والاحتفال بها. في مقدمة هؤلاء كان «هردر» و«ريشتر» # Richter # و«جوتفريد أوجست بيرجر» # Burger # وغيرهم. كما عظم الحماس «للثورة» في المدارس والجامعات. # ومع ذلك، فإن هذا الحماس العظيم الذي قوبلت به «الثورة »، لم يكن معناه أن البلاد بأسرها كانت ترحب بها، أو أن جميع قادة الرأي وأهل الفكر في ألمانيا كانوا يقبلون الآراء والمبادئ التي تمخضت عنها «الثورة»، والتي ms0337 عمل رجال الثورة الفرنسيون على إذاعتها في أوروبا. فقد وجدت طائفة من الكتاب والمفكرين الألمان، نذكر منهم «جوهان ولهلم جلايم» # Gleim # الشاعر، و«فردريك هنريك جاكوبي» # Jacobi # الفيلسوف، و«بارتولد جورج نيبور» # Neibuhr # المؤرخ، وغيرهم، نظروا جميعا بخوف وحذر شديدين «للثورة»، منذ بدايتها. # ثم إن «الثورة» فشلت في أن تستميل إلى تأييدها «هنري ستين» # Stein ~~(1756-1831) صاحب الإصلاحات الكثيرة التي مكنت بروسيا من النهوض والانتعاش بعد صلح «تلست» # Tilst ~~- بين روسيا وفرنسا سنة 1807 - لتتزعم النضال ضد السيطرة الفرنسية. ومع أن «كوتزبيو» # Kotzebue ~~، (الذي كان عميلا للقيصر إسكندر فيما بعد ثم اغتيل لرجعيته بعد ذلك بسنوات عديدة في ظروف سيأتي ذكرها في موضعها)، كان قد دفعه الحماس إلى الذهاب إلى باريس عقب «الثورة»، فإنه لم يلبث أن تناول بالنقد الممزوج بالسخرية ذلك التضارب الذي لاحظه بين المثل العليا التي نادت بها «الثورة»، وبين ما كان يبدو في نظره من ضعف وانحراف عن هذه المثل العليا في نوادي اليعاقبة. # أما «جيته» فمع أنه - كما عرفنا - كان يهزأ بطبقة النبلاء في بلاده عموما، ولا يشعر بعطف ما نحو «النظام القديم»، ولم يكن بحال من الأحوال «صديقا» لهذا العهد الذي أثبت عجزه فانطوت في نظره صفحته، فقد فشلت «الثورة» في استمالته هو الآخر لتأييدها. فراح «جيته» ينعى على «الثورة» الشدة والعنف الذي اقترفته، ويندد بعجلتها الظاهرة. ولما كان «مارتن لوثر» في نظره مسئولا عن القضاء على حركة «النهضة الأدبية والفنية» في بلاده، فقد خشي «جيته» أن تحول «الثورة الفرنسية» دون ازدهار الحركة الفلسفية والذهنية المعاصرة، والتي سميت باسم فلسفة العلم والمعرفة، أو «التنور» # Aufklarung # في ألمانيا. ومع أنه أعلن غداة واقعة «فالمي» التي نجحت «الثورة» بفضلها - في 20 سبتمبر 1792 - من أعدائها وخصومها، أن فجر عهد جديد قد بزغ، فقد أبدى مخاوفه من المستقبل. ثم لم يلبث أن أظهر كراهيته للدعاية أو «البروبجندا» التي قامت بها «الثورة ». # وفي قصته المشهورة عن «هرمان ودوروثيا» # 1 # شرح «جيته» فكرته القائلة بأن الخير كل الخير للبشرية إنما يكمن ms0338 في قيام كل فرد بتأدية واجبه على أكمل وجه، وفي إعداد حياة بيتية سعيدة، بدلا من الانزلاق في أي نشاط آخر. # ثم إن «شيلر» لم يمنعه إعجابه بآراء «روسو» وكتاباته من إظهار تبرمه بأعمال «الثوار الفرنسيين» الذين هم من طبقات العامة؛ لأن فرنسا في رأيه لم يكن أبناؤها قد وصلوا بعد إلى درجة من التربية والتعليم تجعلهم قادرين على «فهم» معنى تلك «المساواة» التي يطالبون بها وإدراك قيمتها، فضلا عن أن الطريق أو الوسيلة الموصلة «للحرية» إنما هي بنشر الثقافة المعتمدة على إدراك «الجمال» وتقديره. ومع أن «جيته» كان قد نال صفة «المواطن الفرنسي» عن قصته «اللص أو القرصان» # Die Raüber ~~، فقد جعلته الفظائع التي ارتكبها رجال الثورة يتحول بعد ذلك من المسالمة أو المهادنة إلى الانتقاض على الثورة وكراهيتها، والشعور بعداء شديد ضدها. وحينما قبضت «الثورة» على الملك لويس السادس عشر تهيأ «جيته» لتقديم التماس بالعفو عن الملك وإطلاق سراحه، ولكن الملك لم يلبث أن أعدم قبل أن يستطيع «جيته» التدخل. # وهذه الفظائع التي ارتكبتها «الثورة» كان لها نفس الأثر في موقف «شيلر» كذلك. ~~ ولقد ترتب على قيام الحرب، ووقوع «مذابح سبتمبر» المعروفة، وإعدام الملك، أن وجد الألمان أنفسهم منقسمين إلى فريقين؛ فريق الذين كانوا قد رحبوا بالثورة في أول الأمر، مثل «شلوتزر» # Schlozer ~~، و«ويلاند» # Wieland ~~، و«شارنهورست» # Scharnhorst ~~، و«ستولبرج» # Stolberg ~~، و«كامب» # Campe ~~، و«جاجرن» # Gagern ~~، وغيرهم، وهم الذين انقلبوا الآن فصاروا أعداء لها، ثم فريق الذين استطاعوا احتمال ما جرى من حوادث، خصوصا «مذابح سبتمبر» في جلد وصبر، ومن هؤلاء «هردر» و«كلوبستوك»، ولكنهما لم يلبثا أن انقلبا ضد الثورة بسبب إعدام الملك، ولو أن «هردر» لم يتردد في إعلان رأيه: أن أحدا من الجماعتين المتناضلتين: رجال الثورة، وأنصار الرجعية والنظام القديم الذين يعتمدون على مؤازرة الحكومات لهم، سوف يكون من نصيبهم النصر في الحرب الدائرة في النهاية. ~~••• # والحقيقة أن موجة من الذعر سادت ألمانيا عموما بسبب «الفظائع» التي ارتكبها اليعاقبة، حينما حطموا قواعد النظام القديم في فرنسا، وراحوا يبذلون - علاوة ms0339 على ذلك - كل ما وسعهم من جهد وحيلة لنشر آراء «الثورة» في سائر ربوع أوروبا. وأخذت «الحكومات» الألمانية على عاتقها مقاومة الآراء التي نادت بها الثورة، بعد أن أدركت هذه الحكومات جسامة الأخطار التي تتهددها نتيجة لذيوع الآراء والمبادئ التي جاءت بها الثورة الفرنسية من حيث تهديدها لذلك السلطان الذي تمتعت به هذه الحكومات في داخل الدويلات أو الإمارات المنتشرة في أرجاء ألمانيا. فعظم عداء الحكومات للثورة، وراحت من ثم تتخذ الوسائل والتدابير التي تكفل مكافحة هذه الآراء الجديدة وتعطيل ذيوعها والقضاء عليها. # وعلى ذلك؛ فإنه سرعان ما أوقفت في حزم وشدة كل تلك الحركات الإصلاحية التي كان قد بدأها في شيء من الوجل، دعاة «الاستبداد المستنير» في ألمانيا. ~~ فمنعت النمسا منذ سنة 1790 تبادل كل الرسائل والكتب التي يترتب على ذيوع ما قد تحويه من أفكار وأنباء «هياج فكري»، فقامت في النمسا «رقابة» شديدة، وانتشرت بها الجاسوسية على نطاق واسع، وبدأت حركة تطهير كبيرة لإخراج العناصر الخطرة وإقصائها عن الإدارة. # وفي بروسيا قوي نفوذ جماعة «الأتقياء» أو «المتورعين» Pietists # في الحكومة، وقام هؤلاء بحركة كنسية رجعية كبيرة، وتطرف الرجعيون، فحرمت بروسيا الإقامة بها على كثيرين من الفرنسيين الذين كان مشتبها في تأثرهم بآراء «الفلاسفة»، ثم منعت الحكومة في يونيو 1792 نشر الجزء الثاني من مؤلف «كنط» عن «الدين في حدود العقل»، # 2 # كما منعت في نفس السنة دخول المطبوعات الفرنسية جميعها إلى بروسيا. ~~ ولقد حذرت كذلك الصحف البروسية من الخوض في السياسة. # وسبب هذا الإمعان في الرجعية أنه كانت قد قامت منذ عامين مضيا ثورة من الفلاحين في «سيلزيا» على أثر صدور كتيب بعنوان «رسائل من الذهب لأحد السياح» # 3 # بسط فيه صاحبه الآراء الجديدة التي أتت بها الثورة الفرنسية، فقضى على هذه الثورة بشدة، وترتب على هذه الحركة الفاشلة أن امتنع إزالة «الخدمات الإقطاعية» من «قانون الأرض» البروسي الذي صدر في سنة 1794. # وفي كل ألمانيا طوردت الجمعيات السرية : جماعة «المتنورين» في بفاريا الذين سبقت الإشارة إليهم. وفي 14 ms0340 يونيو 1793 قرر «الدياط» منع الطلاب من تكوين الجمعيات، وذلك بعد أن ندد غراندوق «فايمر» بهذه الجمعيات، ونال مؤازرة كل من بروسيا وسكسونيا في ذلك. ولقد وضعت الجامعات تحت رقابة صارمة، وسرعان ما طرد «فيشته» الذي كان أستاذا للفلسفة بجامعة إيينا # Jena ~~، من هذه الجامعة في 1798 بتهمة الإلحاد والهرطقة. ثم حدث عقب انتخاب ليوبولد الثاني إمبراطورا «للإمبراطورية الرومانية الجرمانية المقدسة» في سنة 1790، أن اشترط عليه ناخبو الإمبراطورية الكاثوليك بعدم السماح بشيء قد ينال من «العقائد العامة، والعادات الحميدة». # ووجد الذين تصدوا لمقاومة الثورة ومحاربة الآراء التي أتت بها في شخص «فردريك جنتز» # Gentz ~~(1764-1832) أعظم الناشرين الألمان شهرة في عصره، خصما عنيدا للثورة، انبرى لمناصبتها العداء بكل ما أوتي من قوة وقدرة على التعبير ببلاغة ووضوح عظيم. ولقد كان «جنتز» أحد الذين رحبوا «بالثورة» في سنة 1789، ولكنه ما لبث حتى تحول عن تأييده لها. ~~ ثم نشر في سنة 1792 ترجمة كاملة لكتاب «إدموند بيرك» «آراء عن الثورة الفرنسية» # 4 ~~- وكان قد ظهر للمرة الأولى منذ عامين (في نوفمبر 1790) - ويحمل فيه «بيرك» على الثورة في فرنسا حملة عنيفة. فعمد «جنتز» إلى نقل هذا الكتاب الآن إلى الألمانية، وذيله بشرح وتعليقات مسهبة، ثم إنه لم يلبث أن نشر كذلك في سنة 1793 ردا قويا بارعا على كتاب لإنجليزي آخر، هو السير «جيمس ماكنتوش» # Mackintosh # ظهر منذ 1791 لتبرير الثورة في فرنسا والدفاع عنها # Vindiciae Gallicae ~~، فتناول «ماكنتوش» بالنقد والتحليل آراء «بيرك»، وحاول أن يدحض أقوال هذا الأخير خصوصا في حملته على الثورة بشأن مصادرتها أملاك الكنيسة. # فكان في رأي «ماكنتوش» أن تلك المصادرة كانت في صالح الدولة، ثم كان في رأيه أن الفوائد التي عادت على الفرنسيين من قيام الثورة في بلادهم، إنما كانت تفوق بدرجة عظيمة كل تلك الفظائع التي اتهم المهاجرون المغرضون رجال الثورة بارتكابها، وتغالوا في وصفها. # وعلى ذلك فقد عمد «جنتز» في رده إلى تحطيم كل الدعاوى التي استند عليها «ماكنتوش» وأنصار الثورة في تبريرها ونشر الدعوة ms0341 لها. واعتمد «جنتز » على قوة المنطق والفكر في تقديم الحجج التي أيد بها وجهة نظره. فمع أنه لم ينحرف قط عن تحبيذ دعوة «مجلس طبقات الأمة» للانعقاد، فقد اعتبر القضاء على الطبقات # Estates # ذاتها خطأ سياسيا خطيرا؛ لأن الملكية التي لا يكون لطبقة النبلاء وجود في نطاقها، لا تعدو أن تكون - كما قال - إما «استبدادية شرقية»، وإما اسما على غير مسمى، ولا أثر لوجودها كلية. # وعلى ذلك فقد استند «جنتز» في حملته ضد الثورة في فرنسا على أنه كان من المتعذر أن تصبح فرنسا بسبب أخطاء الثورة، دولة من ذلك الطراز المثالي الذي استهدفه المفكرون والمصلحون السياسيون قاطبة، والذي وجد «جنتز» في النظام الدستوري في إنجلترة، أقرب ما كان يحقق فكرته عن إنشاء دولة مثالية. # أما آثار هذه المقاومة الشديدة ضد الثورة والآراء التي نادت بها، فقد تبدت في تعرض بعض أعلام الفكر الألمان، مثل «فيشته» الذي سبق الحديث عنه لكل صنوف الاضطهاد. و«فيشته» كان قد نشر في سنة 1793 آراءه عن الثورة الفرنسية أو بالأحرى «تصحيحا» - كما قال - لأحكام الرأي العام على الثورة الفرنسية. # 5 # فاعتمد في مؤلفه هذا نظرية أستاذه «كنط» عن العقد الاجتماعي، ولكن ليس كواقعة تاريخية وحادث وقع فعلا، ولكن كفكرة نظرية تفسر ائتلاف الأفراد العقلاء لتشييد أركان المجتمع. # ولما كان تطور الثقافة الأخلاقية ونموها يستلزم تغيير الأشكال الدستورية بصورة مستمرة تكفل تجددها، فقد تعذر أن تبقى هذه «العقود» على حالها، وعلى ما كانت عليه أصلا، ودون أن يدخل عليها تغيير يلائم بينها وبين مقتضيات التطور الأخلاقي. ولذلك فقد كانت «الدولة» في اعتبار «فيشته» مجرد الأداة التي تحفظ للأفراد حقوقهم، ولم تكن بتاتا مصدر هذه الحقوق أو هي التي وضعتها. # فالدولة لذلك إنما تقوم - في نظره - بناء على وجود «عقد» بين مواطنيها، كما أن القوانين لا تكون قوانين إلا إذا أبدى الشعب رغبته الصريحة في الخضوع لها بملء حريته وبمحض إرادته. ثم بحث «فيشته» موضوع الكنيسة وعلاقتها بالدولة، فذهب إلى أن الكنيسة لا ينبغي لها انتظار ms0342 المعونة من الحكومة لتأييدها، أو انتظار الحصول من الدولة على أملاك تكون لها، بل من حق الفرد أن ينتزع من الكنيسة جزءا من أملاكها وأموالها إذا هو طالب بذلك. ولقد نشر في سنة 1793 كذلك «إمانويل كنط» رسالته عن «النظرية والتطبيق» # 6 # تحدث فيها عن الحرية والمساواة أمام القانون، والمساهمة في التشريع، فأكد أنها حقوق أساسية. ولما كان يضمر كراهية شديدة للحروب، فقد نشر في سنة 1795 مشروعا عن «السلام الدائم» # 7 # بسط فيه رأيه عن سقوط الملكية في فرنسا، فأعلن أن زوالها من شأنه التمهيد لقيام اتحاد من الجمهوريات التي يكفل إنشاؤها واتحادها صون السلام بصورة دائمة. # ثم نشر بعد أعوام ثلاثة (1798) رسالة جديدة عن نضال القوى الذهنية، # 8 # فقال: إن كل الفظائع التي اتهم اليعاقبة بارتكابها في فرنسا، لا توازي شيئا من كل تلك الفظائع التي ارتكبها الطغاة في الأزمنة السابقة. وأعلن أن الثورة الفرنسية وإن كانت تبدو فاشلة في ظاهرها، إلا أن النجاح سوف يكون نصيبها في النهاية، فتصبح نعمة يعم خيرها الإنسانية بأسرها. # تلك إذن كانت الآراء «الخطيرة» التي اعتبر كل من «كنط» و«فيشته» مسئولا عن انتشارها وذيوعها في ألمانيا. ولقد كان سهلا الاقتصاص من «فيشته» بتنحيته عن عمله كأستاذ للفلسفة في جامعة «أيينا» - على نحو ما قدمنا - في سنة 1798. وكان الخوف من ذيوع هذه الآراء التي صار يروجها رجال من طراز «كنط» و«فيشته»، والتي تمخضت عنها الثورة الفرنسية كذلك، قد استبد بالحكومات الألمانية، خصوصا عندما نجم من اشتعال الثورة في فرنسا أن سارت الحوادث بسرعة نحو قيام الحرب التي خاضت الحكومات الألمانية غمارها. ولا جدال في أن هذه الحرب التي خاضت الحكومات الألمانية غمارها كانت «إجراء» استلزمه بالطبيعة واجب الدفاع عن كيانها؛ حتى تدرأ عنها خطر اشتعال الثورة بها. # ولكن كان من أثر هذا الموقف «الطبيعي» الذي وقفته الحكومات الألمانية من الثورة الفرنسية للدفاع عن نفسها، أن صار مختلطا في أذهان الشعب الألماني ما كان يفرضه عليه واجب الدفاع ضد فرنسا، مع ما كان يتطلبه ms0343 من النضال من أجل الحرية ونصرتها. # فقد تقدم بنا كيف أن المفكرين وأهل الرأي في ألمانيا كانوا وقت نشوب الثورة في فرنسا يرحبون بها، ويؤيدون المبادئ التي جاءت بها، على خلاف ما كانت تفعله الحكومات في الدويلات والإمارات الألمانية. وكان أهم ما امتازت به الطبقات التي انتمى إليها هؤلاء المفكرون وأهل الرأي، وهي الطبقات المثقفة والمستنيرة في ألمانيا، أنها بقيت تدين بمبادئ تتسم بطابع العالمية والإنسانية، فلا يقتصر أثرها على ألمانيا وحدها، بل صار يسع نشاطها سائر الأقطار إلى جانب ألمانيا ذاتها. # ولقد كانت الحركة الفكرية في ألمانيا، والتي ذكرنا أنها عرفت باسم فلسفة الاستنارة أو فلسفة العلم والمعرفة # Aufklarung # كانت ذات صلة وثيقة بالفلسفة الفرنسية؛ لأن فلسفة «التنور» هذه لم تكن إلا حركة قائمة على نقل آراء وأفكار أصحاب الموسوعة «الانسيكلوبيديين» الفرنسيين، وإنما في صيغ وتعريفات وألفاظ أخرى، وعلى نحو ما حدث في فرنسا حين ثورة الولايات الثلاث عشرة الأمريكية على إنجلترة، فأقبل الفرنسيون على تأييدها، فقد ظفرت الثورة الفرنسية بدورها بكل تأييد من جانب الرأي العام في ألمانيا، واشتركت كل الطبقات في المجتمع الألماني في تأييد هذه الثورة. # ولقد سبق أن أشرنا إلى مدى هذا التأييد الذي لقيته «الثورة الفرنسية» من ناحية المفكرين وقادة الرأي والفكر في ألمانيا، وكيف أن هؤلاء كانوا في طليعة المتحمسين «للثورة». ومع وجود «المعارضين» للثورة من طراز «جنتز» مثلا، فقد انحازت أكثرية هؤلاء المفكرين إلى تأييدها. فقد كتب أحد المؤرخين وعلماء الأخلاق السويسريين «جوهانز مولر» # Johannes Müller ~~(1752-1809)، وكان موجودا في «ماينز» بألمانيا وقت سقوط الباستيل: # إن يوم 14 يوليو من أبهى الأيام التي شهدها البشر منذ سقوط الرومان وانتهاء سيطرتهم التي فرضوها على العالم. لقد كان الثمن الذي دفع من أجل الظفر بالحرية ثمنا رخيصا حقا إذا عرفنا أن تدمير عدد من قصور البارونات الأغنياء والتضحية بحياة بعض العظماء الذين كان أكثرهم من المجرمين الآثمين، كان كل الثمن الذي دفع للفوز بهذه الحرية. # ولم يكتف «مولر» بتمجيد يوم سقوط الباستيل، بل أشار ms0344 إلى احتمال امتداد الثورة إلى ألمانيا ذاتها، فقال: «وهل يصير ممكنا كذلك سقوط كل أولئك الذين ترتعد فرائصهم الآن «من ذكر الثورة أو الإشارة إليها»، أي أولئك الملوك وأصحاب السلطان الظالمين، وكل أولئك الطغاة الذين يسيئون استخدام تلك القوة والسلطة التي بأيديهم؟» # ووجدت «الجمعية الوطنية التأسيسية» «مدافعا» عنها في كل شخص كاتب وناشر آخر، هو «أرنست فردنند كلاين» # Klein ~~، الذي ضمن دفاعه عنها رسالة نشرها في سنة 1790 بعنوان «الرخاء والحرية». # 9 # ثم كتب «جورج فورستر» # Forester # أمين مكتبة «ماينز» إلى ولهلم فون هامبولدت - من العلماء الذين مر بنا ذكرهم - أنه قد نفد صبره انتظارا لملاحظة الآراء الفرنسية وقد صارت ذائعة في إقليم الراين، وأبدى إعجابه العظيم بفرنسا. # وأما «كنط» فقد بقي يتتبع باهتمام زائد كل الأحداث في فرنسا، وتطورات الثورة بها. بل إنه وصف فرنسا (سنة 1790) «بأنها الأمة التي ارتفعت من ناحية التنظيم إلى درجة عالية.» أضف إلى هذا أن «فيشته» لم يدخر وسعا في تأييد الآراء التي أتت بها الثورة الفرنسية، فنشر في سنة 1793 # 10 # نداء موجها إلى أمراء أوروبا الذين لا يزالون يبذلون قصارى جهدهم - كما قال - من أجل إخماد حرية الفكر؛ فأخذ يطالبهم بفك إسار الفكر وإطلاق حريته، ثم نشر في العام التالي (1794) كتابه الذي سبقت الإشارة إليه عن «تصحيح أحكام الرأي العام على الثورة الفرنسية». # 11 # والذي يجب ذكره أن هذا الانحياز الظاهر إلى جانب «الثورة» كان يجد أنصارا في كل مكان؛ في المدن، مهد الحركة الفكرية، وبين جميع الطبقات، ومن بينها طبقة النبلاء والأمراء الذين اشتهر منهم «كرامر» # Cramer ~~، الذي نقل إلى الألمانية دستور الثورة الأول (لسنة 1791) الذي وافقت عليه «الجمعية الوطنية التأسيسية»، ثم دوق ودوقة «جوتا» # Gotha ~~، وقد توافرا على مناصرة الآراء الجديدة. # واشتد الحماس للثورة وللآراء التي نادت بها بين أساتذة الجامعات، ورجال الصحافة، والأدباء عموما، والذين يؤلفون الطبقة البورجوازية (المتوسطة). فتزعم الحركة المناصرة «للثورة» جوهانز مولر، وجورج فورستر، وكلاهما - كما عرفنا - من ماينز. ثم «بوسيلت» Poselt # الذي تزعم هذه الحركة ms0345 في «كارلسروه» # Karlsruhe ~~. وبلغ الحماس ذروته في سوابيا وفرانكونيا بين الطلبة في الجامعات، وخصوصا في جامعة «توبنجن» # Tubingen ~~. وكذلك كان من زعماء الحركة كل من «جورج ولهلهم فردريك هيجل» # Hegel ~~(1770-1831)، و«فردريك ولهلم فون شلنج» # Schelling ~~(1775-1854)، وكلاهما أحرز شهرة واسعة فيما بعد في عالم الفلسفة. # وأما أعلام الأدب، فقد توفر نخبة منهم على تمجيد «الآراء» والمبادئ التي نادت بها «الثورة»، تزعمهم «شوبارت» # Schubart ~~، و«هولدرلن» # Hölderlin ~~، و«ريبمان» # Rebmann ~~. # وفي وسط ألمانيا وشمالها كان «للثورة» والآراء الجديدة أنصار عديدون؛ ففي «جوتنجن» كان يرتفع طوال العشرين سنة السابقة لقيام الثورة في فرنسا صوت «شلوتزر» مدويا يحتج على مبادئ الحكومات المستبدة الغاشمة التي ألحقت العار بأكثرية الدويلات «والإمارات» الألمانية في عصره، وفي «جوتنجن» كان «شلوتزر» من أنصار الآراء الجديدة، كما انبرى الشاعر «فردريك فون ستولبرج» لتأييدها، وفي «ديتمولد» # Detmold # تزعم هذه الحركة «إيوالد» # Ewald ~~، كما تزعمها في «همبورج» شاعر ألمانيا الوطني «كلوبستوك»، وكثر أنصار الآراء الجديدة في «فايمر» عندما تزعم حركة تأييدها كل من «هردر» و«ويلاند»، كريستوف مارتن ويلاند (1733-1813) المسمى «فولتير ألمانيا»، وكان يتولى رئاسة تحرير إحدى الصحف الهامة بها، ثم «ريشتر»، والشاعران العظيمان «جيته» و«شيلر»، ولو أن هذين الأخيرين كانا أقل حماسة في تأييد «فرنسا» من غيرهما. # أما في «فريبوج» # Friborg ~~، فقد تزعم الحركة الفيلسوف «جاكوبي»، ولو أنه - كما سبق - كان ينظر «للثورة» بعين الخوف والحذر. ~~ وفي «كييل» # Kiel # انقسم أساتذة جامعتها فريقين، وقف أحدهما موقف المعارضة من «الآراء الفرنسية» وتزعم هؤلاء المؤرخ «بارتولد نيبور» (1776-1831) صاحب تاريخ الرومان، في حين أيد الفريق الآخر الآراء التي أتت بها «الثورة»، وكان على رأس هؤلاء «كرامر» ثم «إهلرز» # Ehlers ~~. وصفوة القول أنه كان يوجد بألمانيا في هذه الآونة حوالي سبعة آلاف كاتب أو ناشر، تؤيد أكثريتهم الآراء التي أتت بها الثورة الفرنسية. # أما في خارج دائرة هؤلاء المفكرين، فإن الحماس للآراء الفرنسية كان عظيما، خصوصا بين الشباب وبين النساء، حتى اشتهرت من بين السيدات الألمانيات «كارولين بوهمر» # Boehmer ~~، التي عبرت في إحدى رسائلها ms0346 عن الحماس العظيم الذي كانت تشعر به كلما وقفت على ما كان يجري من حوادث في فرنسا، فقالت: # تستبد الحيرة بي استبدادا عظيما، ولا أعرف ما يرشدني إلى طريق الخروج من هذه الحيرة؛ لأن الصحف لا تزال تعلن في أنبائها عن حدوث أمور جسام لم تتعود الأذن على سماعها، وهي أحداث عظيمة حقا، حتى إن نار الحماسة لا تلبث أن تتأجج في نفسي حين قراءة أنباء هذه الصحف. # وفي 14 يوليو 1790، أقيم في «همبورج» احتفال كبير لإحياء ذكرى سقوط الباستيل، فقامت المظاهرات في المدينة، وارتدت السيدات ثيابا ناصعة البياض تزينها ألوان زرقاء وحمراء لإبراز ألوان الشارة الفرنسية، ثم سار على رأس هذه المظاهرات الشاعر «كلوبستوك» وقد حمل «الكوكارد» شارة الثورة المثلثة الألوان، وثار ينشد قصيدة كتبها لهذه المناسبة تحية لفرنسا، ويعتذر فيها عن الإثم الذي ارتكبه في أنه كان قد أغفل شأنها سابقا. # ولقد انكب سواد الشعب الألماني على قراءة الصحف بنهم وشغف عظيمين، ولم يترك الذين قرءوا الصحف الأنباء التي جاءت بها دون مناقشتها بجد واهتمام وحماس كبير، وأفصحت الجماهير عن حماسها «للثورة» بشتى الوسائل، فانتشرت في أسواق فرنكفورت «المناديل» التي طبعت عليها «حقوق الإنسان»، ولقيت هذه «المناديل» رواجا عظيما. # ثم إن الجماهير لم تكن ترضى بتاتا عن التكريم والحفاوة التي قابلت بهما الحكومات الطبقة الأرستقراطية (المهاجرين) الفرنسيين، بل قابل سواد الشعب الألماني هؤلاء المهاجرين الذين غادروا أوطانهم فرارا من «الثورة» بالعداء الظاهر، وصار سواد الألمان ينددون بنقائصهم ورذائلهم، حتى إن «ويلاند» لم يلبث أن كتب: # يجد الإنسان صعوبة عظيمة في كبح جماح ذلك الغيظ الذي يشعر به ويعض عليه بنواجذه كلما شاهد الفضائح التي يستبيح هؤلاء المهاجرون لأنفسهم ارتكابها في بلادنا وعلى أرض الوطن. فهل هناك نية مبيتة لإجراء تجربة - لا شك أن لا جدوى منها ولا طائل تحتها بالرغم من أنها عمل خطير - لاختبار قدرة الشعب الألماني على الاحتمال والجلد قبل نفاد صبره؟ # غير أن هذا الحماس العظيم لم يلبث أن اعتوره شيء من الفتور، كما طرأ ms0347 شيء من التردد على الرأي العام في ألمانيا، أخذ يحد من حماسه في تأييد «الثورة»؛ وسبب ذلك الأنباء التي صارت تصل عن حوادث «مذابح سبتمبر» المعروفة في فرنسا، وفظائع عهد الإرهاب، حتى إن أكثرية أولئك الذين رحبوا بالثورة في أول عهدها، وجدوا الآن أنفسهم وقد انقلبوا عليها بمجرد أن تلطخت بالدماء حوادثها. # ولقد أفزعت هذه الحوادث الدامية سواد الشعب فزعا كبيرا؛ فانهارت بذلك كل تلك الآمال الكبار التي بناها الألمان على «الثورة»، وأبدى أنصارها القدامى مثل «كلوبستوك» و«هردر» الأسف العميق على تبدد أوهامهم، وكتب «ستولبرج»: # وهكذا فالفرنسيون إنما هم الفرنسيون دائما، ولن تستطيع الشعوب أن تظفر بالحرية إلا إذا ساد فيها حكم الأخلاق والفضيلة. # ووجد «جنتز» في هذا التحول تربة خصبة لنشر ترجمته لمؤلف «إدموند بيرك» عن الثورة الفرنسية الذي سبقت الإشارة إليه، وصادفت «المقدمة» التي وضعها «جنتز» لهذه الترجمة، والتي ندد فيها بالآراء والمبادئ التي جاءت بها «الثورة» نجاحا عظيما. ثم إن «هامبولدت» كان كذلك من بين أولئك الذين تبددت أوهامهم عن «الثورة». وطغى سيل من الرسائل والمنشورات والبحوث التي حمل فيها أصحابها على «الثورة» حملة عنيفة، وراج تداول هذه «المطبوعات» في ألمانيا. # ولقد حاول «جيته» في قصته التي ذكرناها عن «هرمان ودوروثيا» أن يفسر أسباب هذا التحول، فعزاه إلى قيام عهد الإرهاب الفظيع في فرنسا، وذلك في قوله: # سرعان ما أظلمت السماء بسبب حوادث الإرهاب المروعة؛ ذلك أن شعبا متشبثا بالضلال، ولا يصلح لفعل الخير، قد عمد الآن إلى الصراع من أجل الاستئثار بالسلطة الغاشمة، والانفراد بالطغيان، فهب أبناؤه يذبحون بعضهم بعضا، ويفرضون سيطرتهم الاستبدادية على الشعوب المجاورة لهم والذين كانوا قد سموهم أشقاء لهم ... إن الوحوش المفترسة لتبدو أقل بشاعة منهم. # فكان إذن بسبب رد الفعل الذي حدث ضد الثورة، أن اضطر الأحرار الألمان الذين اشتهروا بالانحياز إلى «الثورة» إلى الفرار إلى باريس والإقامة بها. فعل ذلك «ربمان» و«كرامر»، وآخرون غيرهما. ولقد بقي كثيرون على ولائهم «للثورة» بالرغم من رد الفعل هذا الذي حدث، وتهدم أحلامهم، وتلاشي ms0348 آمالهم العظيمة التي كانوا قد بنوها على ذيوع الآراء والمبادئ التي أتت بها الثورة الفرنسية، من هؤلاء «بنيامين كونستان» # Constant # الذي كان قد بدأ حياته العلمية في بلاط «برنسويك»، والشاعران «تيك» # Tieck # و«واكينرودر» # Wackenroder ~~. # ولقد كتب هذا الأخير إلى صديقه «تيك» يؤكد له مشاركته الحماس للفرنسيين، بل ويؤكد أنه لن يتردد في صفع كل أولئك الذين دأبوا الآن على الاستخفاف بهؤلاء، ثم يقول: «حقيقة انتزع إعدام الملك «برلين» بأسرها من تأييد قضية الفرنسيين، ولكنه هو لا يزال باقيا على عهده القديم، ويفكر ويكتب اليوم، كما كان يفكر ويكتب بالأمس.» ولقد بقي «فورستر» كذلك على ولائه للثورة، فقال: «إن النتائج المترتبة على انتشار الفوضى في «فرنسا» هي بلا شك نتائج سوداء تشبه ما يرتكبه طواغيت الاستبداد، ولكنها لا تعدو أن تكون ألعاب أطفال إذا قيست بتلك الفظائع التي يقترفها الطغاة!» # وبقي «فيشته» و«شيلر» و«كنط» على عهدهم السابق، وأصروا على التمسك بالمثل العليا التي كانت لهم. ولعل أهم تغيير حدث في موقف هؤلاء «الأحرار» عموما أنهم صاروا الآن لا يريدون إدخال أي إصلاح مباشر في الدويلات الألمانية قبل تعميم التربية والتعليم، حتى يتم تثقيف الشعب الألماني؛ ليكون ممهدا للإصلاح المنشود. # ومع هذا، فإن الانقسام الذي حصل، ففرق بين المفكرين الألمان في معسكرين؛ أحدهما صار رجعيا، في حين بقي الآخر أمينا في تأييده المثل العليا الديمقراطية التي أتت بها الثورة الفرنسية، كان انقساما لا يتجاوز أثره ميدان الحياة الاجتماعية والخلقية، وأما الحياة «القومية» أو الوطنية، فقد ظلت بعيدة عن التأثر بهذا النشاط. # ثم جد عامل على الموقف؛ هو نشوب الحرب بين فرنسا وبين الإمارات (أو الدويلات) والدول الألمانية، خصوصا مع بروسيا والنمسا. هذه الحرب لم تغير شيئا من موقف أولئك الألمان الذين استمروا على تأييدهم لآراء ومبادئ «الثورة» والتي أفضت إلى إنشاء «الجمهورية» في فرنسا. وأما سواد الشعب الألماني، فقد بقي لا يأبه لما كان ينزل بالقوات البروسية والنمساوية من هزائم، بل إن أحدا لم يكن يتقدم «للتطوع» في الجيوش المقاتلة ضد فرنسا، ms0349 حتى إن الحكومات الألمانية لم تلبث أن رأت أكثرها - مرغمة - ضرورة الأخذ بنظام الخدمة العسكرية الإجبارية؛ لتعزيز جيوشها المحاربة ضد فرنسا. # ولقد كان غريبا حقا أن تعجز هذه الحرب عن استثارة الروح الوطنية، وخلق «شعور قومي» أو وطني، أو استنهاض الهمم للقيام «بحركات قومية» من أجل المقاومة ضد فرنسا. ولكن لا يلبث أن يزول وجه الغرابة إذا عرفت أسباب ذلك، والتي يمكن إيجازها في أن هذه الحرب بين فرنسا والإمبراطورية الرومانية (الجرمانية) المقدسة، لم يكن مبعثها شعور بالكراهية من جنس (عنصر) ضد آخر، بل كانت تدور رحاها على دفاع الأمراء الألمان عن مصالحهم ضد الثورة الفرنسية، فكانت حربا اختصت بالاهتمام بها الحكومات والوزارات في مختلف الإمارات والدويلات الألمانية وحسب، وتلقاها الشعب الألماني بعدم الاكتراث أو المبالاة بها؛ لأنه لم يكن له شأن بها. # بل إنه كان في صالح الشعب الألماني نفسه من الناحية السياسية، وتحقيقا للمبادئ والمثل العليا، أن يأتي انحيازه إلى جانب الثورة الفرنسية، ذلك «الحادث» الذي فتح آفاقا واسعة للإصلاح، والذي جاء يمهد للظفر بالحرية، في حين كانت الحكومات والوزارات الألمانية رمزا للاستبداد، وعلما على تلك السلطات الغاشمة التي ناءت الشعوب تحت أثقالها وأرزائها. ثم إن «الرأي العام» في ألمانيا، والذي عبر عن وجوده واتجاهاته أكثر الكتاب والناشرين الألمان وقتئذ، كان يحمل الأمراء الألمان أنفسهم مسئولية إشعال نار هذه الحرب، ويبرئ فرنسا من تحمل تبعتها، واجتمعت الكلمة حينئذ على أن «الحكومات» الألمانية كانت وحدها المسئولة عن الحرب. # ولم يأبه الألمان لنتائج هذه الحرب كذلك، ولم يعيروا اهتماما كل تلك الهزات السياسية العنيفة التي أحدثتها انتصارات الفرنسيين. أما أهم النتائج فيما يتعلق بتكوين ألمانيا ذاتها، فقد اتضحت في قرار مؤتمر «رشتات» الذي حدث فيه (1797-1798) - كما عرفنا - التنازل لفرنسا عن كل شاطئ نهر الراين الأيسر، باستثناءات بسيطة، ثم في «القرار النهائي الألماني» # Recés d’Empire # الذي اتخذه الدياط الألماني في «راتزبون» سنة 1803 - كما سيأتي ذكره في موضعه - والذي ألغي بمقتضاه عدد كبير من الإمارات الألمانية الصغيرة، إلى جانب حدوث ms0350 تغييرات أخرى كثيرة إقليمية، على أساس أن ينال الأمراء الألمان تعويضا عن الأراضي التي فقدوها من أراضي وأملاك الكنيسة، التي صارت أملاكا علمانية، ومن أراضي «المدن الإمبراطورية الحرة»؛ الأمر الذي ترتب عليه جميعه حصول تغييرات إقليمية في داخل ألمانيا ذات خطورة جسيمة كان من المنتظر أن تسترعي انتباه سواد الشعب الألماني وتثير اهتمامه. # ولكن بالرغم من تحويل أملاك الكنيسة وأراضيها إلى أملاك «علمانية» ومصادرة أملاك الكنيسة، وأملاك المدن «الإمبراطورية» الحرة في سنوات 1797، 1798، 1803، فإن شيئا من ذلك لم يثر أي شعور بضرورة المقاومة في ألمانيا. بل إن سواد الشعب الألماني لم يكن يزعجه إطلاقا أن يرى «الدويلات» التي انتشرت في أنحاء البلاد، تختفي من الوجود، أو أن يرى الكنيسة تفقد أملاكها، أو الإمارات (والدويلات) الكنسية تطوى صفحتها نهائيا. # وحدث أثناء مؤتمر «رشتات» أن وقع اعتداء على المندوبين الفرنسيين، وقتل بطانة الأرشيدوق شارل النمساوي اثنين من هؤلاء (28 أبريل 1798) واستطاع زميلهما الثالث الفرار والنجاة بنفسه، فصارت الحرب على وشك الوقوع من جديد - وقد استؤنفت فعلا في نوفمبر من السنة نفسها - وحينئذ كتب «ويلاند»: # الآن أو أبدا، حان الوقت لوضع سياسة ألمانية صحيحة، ولكني نسيت أننا لسنا أمة، بل مجرد مجموعة من الشعوب يزيد عددها على المائتين. # ولا شك في أن هذا التفكك كان مبعث عدم الاهتمام والمبالاة وعدم الاكتراث، الذي قوبلت به التغييرات الإقليمية التي حصلت في ألمانيا وقتئذ، خصوصا في غربها. # ولقد فسر الفلاسفة الألمان المعاصرون هذه الظاهرة بأن الخلق الألماني كان يعتروه نوع من التدهور والانحطاط؛ ففي رأي «فيشته» أن عدم المبالاة والاكتراث سببه وجود حكومات الأمراء «الرديئة والسيئة»، الذي أفضى إلى فتور واسترخاء الشعب الألماني روحيا ومعنويا، وإلى الضعف والوهن الذي طرأ على إيمان هذا الشعب. فقال: إن الأفراد صاروا لا يسعون لشيء غير تأمين مصالحهم الفردية، ورفاهيتهم الشخصية، كمثل أعلى ينشدونه، حتى إن كل امرئ صار لا يبغي غير العيش في رغد ويسر، ويضرب عرض الحائط بأية اعتبارات قد تلزمه التفكير في تلك الروابط التي لا مناص من ms0351 وجودها بين الفرد وسائر مواطنيه في المجتمع، كما صار الإنسان لا يسأل نفسه إذا كان ممكنا فعلا وجود طريق آخر أجدى نفعا لحياته. # وعلى ذلك لم يلبث أن خضع المجتمع لسيطرة «الفردية»، وسلطان الأنانية، وهما أهم خصائص الخلق العام في ألمانيا. و«فيشته» كتب حكمه و«تفسيره» هذا في سنة 1804. ثم إن «مدام دي ستال» في مؤلفها عن ألمانيا # De l’Allemagne # حاولت أن تبرز التناقض الحاصل بين الخمول الخلقي والنشاط الذهني في ألمانيا في هذا العصر، ونددت بهذا الخمول كثيرا. # ولم يكن سبب عدم اهتمام الألمان بالتغييرات الإقليمية في أوطانهم ذلك الانحلال وحده، الذي أشار إليه «فيشته» والذي أصاب «الدويلات» الألمانية وحكومات الأمراء بها. فثمة سبب آخر، منشؤه تمسك المفكرين وقادة الرأي الألمان بالفكرة «الصافية» والمثالية التي نادى بها فلاسفة القرن الثامن عشر، وأخذها هؤلاء عنهم، والتي عنيت - على وجه الخصوص - بعلاقات البشر بعضهم ببعض في أنحاء العالم، فاعتبرت تاريخ شعب من الشعوب جزءا لا ينفصل عن حياة البشرية (أو الإنسانية) قاطبة. # وتلك الفلسفة كان من أثرها أن «شيلر» مثلا، لم يكن يتناول القومية إلا من وجهة النظر «التعقلية» البحتة. فأفضى به التفكير من هذه الناحية إلى الاعتقاد بإمكان تحقيق التآلف والانسجام بين أمم الأرض جميعا. ولذلك فإنه حينما أراد تحديد معنى القومية، كان في رأيه أن ما يسمى «بالروح القومية» لدى شعب من الشعوب، إنما يقصد به وجود اتفاق في آراء أفراده، وائتلاف في ميولهم، يسير بهم نحو أهداف معينة واحدة، لا تلبث أمة أخرى ترى نفسها تسير في طريق آخر، يختلف عن الطريق الأول، وذلك عند التفكير في هذه الأهداف ذاتها ومحاولة تحقيقها، ومبعث ذلك اختلاف تقديرها عن تقدير الأولى لها. # واعتقد «شيلر» أن من المتعذر على الألمان إطلاقا أن يؤلفوا أمة واحدة، وحذرهم من عقد الآمال الزاهية على هذا الوهم الباطل، ثم دعاهم بدلا من ذلك إلى العمل بكل ما وسعهم من جهد؛ ليصبحوا بشرا بلغ ذروة الكمال. # وعلى ذلك، فقد كان موقف الألمان من «الثورة» بعد حوادث عهد ms0352 الإرهاب التي أفزعتهم أيما فزع، يقوم على أسباب كثيرة مرتبطة بضرورة المحافظة على المصلحة الذاتية، وتجمع بينها كذلك طائفة من مختلف العواطف، مع مجموعة من الاعتبارات والأغراض السياسية. وفي كل الأحوال، لم يكن يستند هذا «الموقف» إطلاقا على شعور قومي أو وطني، أو على شعور بضرورة تأمين مصلحة قومية أو وطنية. # ولعل ما كتبه «فيشته» نفسه في سنة 1805 يفسر هذه الحقيقة عندما قال: # وبودي أن أسأل مرة أخرى: ما ذلك «الوطن» الذي «يريده أو يعتبره وطنا» الرجل الأوروبي المسيحي؟ لا شك في أن أوروبا بصورة عامة هي هذا الوطن، وبصورة خاصة الوطن هو الدولة التي في كل عصر من العصور، تتبوأ مكان الصدارة متزعمة الحضارة والمدنية، ولا يجب أن يثير الاهتمام إطلاقا توقف أمة في طريق التقدم والرقي، وسقوطها، أو إذا تخلفت عن الركب فسبقتها أمم أخرى غيرها. # أما الذين نشئوا على الأرض، والذين يرون في السهول المزروعة والأنهار والجبال «وطنهم»، فأولئك هم الذين يبقون مواطنين في هذه الدولة التي سقطت، وهم الذين يحفظون تلك الأشياء التي استأثرت بمحبتهم والتي ربطوا سعادتهم ببقائها. وأما الروح - وليدة الشمس - فسوف تنجذب حقا نحو مبعث الضوء والحق. وفي هذا المعنى المنطوي على إزالة الفوارق والحواجز بين الأمم، في وسع المرء أن يشهد في سكون وهدوء التقلبات التي تحدث أو الكوارث التي تقع ويسجلها التاريخ، مطمئنا برغم هذا كله إلى مصيره ومصير الأجيال القادمة حتى نهاية هذا الكون. # ذلك الشعور بأن كل البلدان وطن للإنسان، كان لدى الألمان هو «الوطنية» الصحيحة، وهو الشعور نفسه بعدم وجود الحواجز والفوارق بين الأمم، هو الذي جعل «شيلر» يكتب من قبل (في أكتوبر 1789) أن واجب كل أولئك الذين أرغموا على ترك أوطانهم والعيش في المنفى، أن يعتبروا فرنسا «وطنهم» الصحيح. # وهكذا كان واضحا أن «الثورة» لم تخلق الوطنية أو «القومية» في ألمانيا. ~~ وبقيت «الأمة الألمانية» فكرة مثالية، تستند في تعريفها على عناصر واعتبارات ذهنية «وفكرية» فقط، ولم تفعل «الثورة الفرنسية» شيئا لتغيير هذا المعنى الذي أخذ به ms0353 الألمان. والسبب في ذلك أن الألمان وقعوا تحت تأثير «الغزو الفكري» وحسب، والذي أتاح في ألمانيا انتشار الآراء والمبادئ التي جاءت بها الثورة الفرنسية، وعملت على ترويجها في أوروبا. فبقيت ألمانيا حتى هذا الوقت بمنأى عن نشاط الجيوش الفرنسية، حيث إنها لم تكن قد تعرضت بعد لغزو الجيش الفرنسي لها. # على أن الحال كان على خلاف ذلك في إقليم معين في ألمانيا الغربية، هو إقليم الراين الذي خضع في وقت واحد لغزو مزدوج: غزو الآراء والمبادئ التي نادت بها «الثورة»، وغزو جيوش «الثورة». فشاهد «الراينيون» الجنود الفرنسيين وقد أخذوا يقيمون بين ظهرانيهم، و«يتوطنون» في بلادهم حتى تصبح الأقاليم الراينية فرنسية. # ومع ذلك، لم يكن «الوضع» في هذا الإقليم مما يثير اهتمام الألمان بمصيره، فلم يشعروا بعاطفة ما نحو بقعة من الأرض كانت مجزأة إلى عدد كبير من «الدويلات» يختلف طابع كل منها عن طابع الأخرى: فهناك دويلات أو إمارات كنسية، وأخرى علمانية، وجميعها تتفاوت أحجامها، وإن ظلت كلها ولايات أو إمارات «ضئيلة». # ومع أن الإمارات الكنسية كانت أهم هذه الدويلات إطلاقا، فقد كانت هذه الإمارات الكنسية ذاتها أقلها موضعا للاحترام. ولقد ترتب على هذا التفكك أن إقليم الراين الذي كان يجب أن يصبح من أغنى بقاع ألمانيا ثروة من الناحية الاقتصادية، ثم من الناحية الفكرية والثقافية كذلك، استمر معدودا من الأقاليم المتأخرة، يزرع فلاحوه الأرض بأساليبهم العتيقة البالية، في حين انعدم وجود النقابات أو اتحادات العمال والصناع في المدن، وافتقر أهل هذا الإقليم إلى العلم والمعرفة، بل لقد كاد الجهل يسود تماما بينهم، فانتشر الخمول، وعرفوا ببلادة الذهن. ولذلك لم يثر اختفاء «الوضع» الذي اختص به إقليم الراين حزنا أو أسى. # ومع أن سائر أقاليم ألمانيا تأثرت بدرجات متفاوتة بالآراء والمبادئ التي أذاعتها «الثورة الفرنسية»، فقد بقي إقليم الراين بعيدا عن هذه التيارات الفكرية المختلفة، وتلك حقيقة تنهض في حد ذاتها دليلا على وجود ذلك الانحلال الذي أدرك هذا الإقليم من الناحيتين السياسية والأخلاقية. بل إن كل الصعوبات التي صادفها ms0354 الفرنسيون فيما بعد أثناء احتلالهم إقليم الراين، كان منشؤها فتور وخمول الأهلين، وجمودهم وخوفهم من الزج بأنفسهم في المخاطر. ولقد حاول بعض «الناخبين» # Electors # في الإمارات الكنسية إنشاء نوع من الحكم «الاستبدادي المستنير» ولكن اشتعال الثورة الفرنسية سرعان ما قضى على هذه المحاولة التي تخلى عنها أصحابها بسبب «الأزمة» الفرنسية التي وجهوا بها. # ومع ذلك فقد بقيت هناك أماكن قليلة كمراكز للعلم والمعرفة أو «الاستنارة» في «بون» و«ماينز»، وبقيت في هذه الأماكن عناصر ديمقراطية رحبت بالآراء والمبادئ «الفرنسية». وكان من أهم هؤلاء، الطلاب الذين التفوا حول أساتذتهم في الجامعات، كما فعل الطلاب بجامعة «بون» الذين تزعمهم أستاذهم «يوليجيوز شنايدر» # Eulogius Schneider # الذي أقام بعد ذلك في «ستراسبورج»، ثم بلغ من حماسه «للثورة» أثناء عهد الإرهاب الأعظم في فرنسا، أن خرج هو الآخر يتجول في الأماكن المجاورة يحمل «المقصلة» ليقضي بها على أعداء الآراء الحرة، حتى إذا حضر «سان جوست» إلى إقليم الراين في رحلة تفتيشية لم يلبث أن قبض عليه وأرسله إلى باريس ليلقى هو الآخر حتفه بها على «المقصلة». # على أن هذه العناصر الديمقراطية في «نادي ماينز» كانت ذات صوت مسموع في بداية «الثورة»، وهي التي اقترعت في المؤتمر «الرايني» الذي عقد في مارس 1793 لتأييد الانضمام إلى فرنسا. # ولقد كان بفضل وجود أمثال هؤلاء المتحمسين «للثورة» حين قيام الحرب التي أعلنتها فرنسا على أعداء الجمهورية في شهر أبريل من سنة 1792، أن اضطر ناخب «ماينز» إلى الهرب، دون إبداء أية مقاومة، وأن رحب الأهلون ترحيبا عظيما بالقائد الفرنسي «كاستين» # Custine # عند دخوله «محررا» إلى بلادهم. وكان «فيليب كونت دي كاستين» صاحب أطماع واسعة، ولد في متز سنة 1740، وشهد حرب السنوات السبع ضابطا في الجيش، ثم اشترك في الحرب الأمريكية وترقى في مناصب الجيش إلى أن بلغ مراتب القيادة في سنة 1791. وعند اجتماع مجلس طبقات الأمة قبل ذلك بثلاث سنوات (1789) كان أحد أعضائه، وركب الغرور رأسه، فتوهم أن في قدرته معالجة كل الشئون، اقتصادية كانت أم مالية، وسياسية أم عسكرية. ms0355 # وفي 19 سبتمبر 1792، أعطي «كاستين» قيادة جيش جديد يتألف من القوات المعسكرة حول «وايزنبرج» # Weissenburg ~~، والتي سميت عندئذ «بجيش الفوزج # Vosges ~~»، ثم تقرر بعد واقعة «فالمي» أن يزحف بهذا الجيش على «سبير» # Speier ~~، وأفاد «كاستين» من هزيمة جيوش الحلفاء في «فالمي» والذين كانوا في تقدمهم صوب باريس قد تركوا وراءهم الإمارات الكنسية في حوض الراين من غير قوات للدفاع عنها، فاستولى «كاستين» على «سبير» الآن بسهولة في 30 سبتمبر 1792، ثم احتل «ورمز» # Worms # في 5 أكتوبر، ثم فتح الطريق باستيلائه على «فيلبسبورج» Philippsburg # لعبور نهر الراين في أمن. # وترتب على هذه الانتصارات أن صار الخوف والذعر والاضطراب يسود ألمانيا، واشتد الرعب والقلق خصوصا في «بادن» و«ماينز» و«هس درمستاد» # Hesse-Darmstadt ~~، وقررت «الإمبراطورية» حشد جيوشها لدفع الخطر الفرنسي. # واضطر «كاستين» إلى إخلاء «سبير» و«ورمز» في 10 أكتوبر. ولكنه ما إن سمع بتوقف الألمان في جهة «أرجون» # Argonne ~~، حتى عاد فاحتلهما بسرعة، ثم يمم وجهه شطر «ماينز»، وكان يعرف - بالرغم من أهميتها كحصن خطير - أن الدفاع عنها ضعيف، وأن الانقسامات الداخلية سائدة بين أهلها، وأن بها طائفة من الفلاسفة والأحرار والملتفين حولهم يؤيدون فرنسا. وقد اتصل هؤلاء فعلا بالقائد الفرنسي يعرضون عليه التسليم، فزحف «كاستين» على ماينز، وسلمت هذه إليه بعد ثلاثة أيام وحسب في 21 أكتوبر 1792. # وكان الواجب يقتضيه بعد هذا النصر أن يواصل الزحف صوب «كوبلنز» لتهديد القوات البروسية المتقهقرة، ولكن «كاستين» توهم أن بوسعه غزو ألمانيا بما كان لديه من قوات في ماينز لا تزيد على ثلاثة عشر ألف مقاتل وحسب. فسلمت «فرانكفورت» لقوة فرنسية صغيرة، فظهر كأنما صار نجاح الفرنسيين كاملا. إلا أن هذا النجاح ما كان يمكن أن يستمر طويلا، بالرغم من وجود فريق من الأهلين يرحبون بجيش «التحرير»، ويؤيدون الآراء والمبادئ التي جاءت بها جيوش الثورة إلى أوطانهم. # حقيقة أفلح «كاستين» في أن يجمع حوله طائفة كبيرة من قادة الرأي والفكر الألمان مثل «شتام» # Stamm ~~، و«كوطا» # Cotta ~~، و«بوهمر» # Boehmer ~~، والتفت حوله «الوطنيون» و«الأحرار» الألمان من شعراء وفلاسفة ms0356 وكتاب، يذيعون بين مواطنيهم الدعوة للآراء الجديدة، ويبشرون ببزوغ شمس عهد جديد. وقوبل الفرنسيون بكل هذا الترحيب؛ لاعتقاد سواد الشعب أنهم إنما أتوا كي يحرروهم من طغيان الحكومات الاستبدادية، سواء أكانت هذه كنسية أم علمانية، وهي التي شكا الجميع من مفاسدها وشرورها. وكان بفضل هذا الترحيب أن أحرز الفرنسيون بسهولة الانتصارات التي مكنتهم من «الحدود الطبيعية» التي أرادتها الثورة، حينما بدأ قادتها يعملون لتحقيق أهداف فرنسا الوطنية التقليدية. # غير أن الغرور الذي تسلط على «كاستين» جعله يزعم أن في وسعه الآن استمالة «المؤتمر الوطني» إلى تأييد مشروعات للغزو، الغرض منها فتح أقاليم جديدة تتسع بها رقعة فرنسا إلى ما وراء حدودها الطبيعية، وتمتد في قلب ألمانيا ذاتها. وغرض «كاستين» من ذلك أن يؤسس من هذه الفتوح الجديدة نوعا من الحكم الشخصي القائم على ديكتاتورية وسيطرة بعيدة عن سلطان ورقابة «المؤتمر الوطني» في باريس. # واتضحت نوايا «كاستين» عندما انحسر القناع عن أغراضه، وتبين أنه إنما جاء إلى إقليم الراين غازيا فاتحا وليس «محررا» أو منقذا، وراح يفرض الإتاوات على رجال الكنيسة والنبلاء في «ورمز»، كما طلب من «فرنكفورت» إتاوة مالية جسيمة. فتساءل الناس عن الغاية من هذا «السلب والنهب المنظم والذي يحدث باسم الحرية». ثم أصدر أحد الناشرين رسالة حمل فيها حملة عنيفة على «أولئك الجمهوريين الذين في حقيقتهم إخوان وأشقاء لجنود لويس الرابع عشر الذين أحرقوا «البلاتينات». وليس «كاستين» إلا لصا وقاطع طريق، كلفه فلاسفة باريس بشن الحرب على القصور، فشنها حربا شعواء، ولكن على الأقبية والأنبار والصناديق المملوءة بالمؤن والأغذية والمال. # على أن هذا التذمر الشديد لم يزعج «كاستين» بحال من الأحوال. فمضى في سبيله، واعتمد على استطاعته الظفر بالتأييد من مواطنيه الفرنسيين، بفضل شعور الفخر والإعجاب والخيلاء الذي تستثيره فيهم انتصاراته، واستمر يتساءل: «إذا كان لا يخوله مواطنوه الحق ليصل بقواته إلى كل مكان، يكون وجودهم به ضروريا من أجل تأمين هذا المجد الذي أدركه الجيش بانتصاراته.» ولقد ظهر كأنما الحكومة الفرنسية قد استجابت لرغبته، وذلك حين زادت ms0357 من شأن قيادته في نوفمبر 1792، بحيث صار يعلو مركزه على مركز سائر زملائه قواد جيوش الحدود مثل «بيرون» # Biron ~~، و«بورنفيل» # Bournoville ~~، و«كلرمان» # Kellermann # نفسه. فاتخذ «كاستين» لقب المواطن الفرنسي، وقائد قوات الجمهورية في الراين الأعلى والراين الأسفل، وفي وسط الإمبراطورية، وفي ألمانيا. # هذه الأوهام لم تلبث أن تبددت بكل سرعة. فقد شرع البروسيون في تنظيم قواتهم بمجرد أن بلغهم نبأ سقوط «ماينز»، وأمر قائدهم «برنسويك» في 24 أكتوبر جيشه بالتقهقر حتى يحفظ خط الرجعة. وفي اليوم التالي وصلت طلائع جيشه إلى «كوبلنز»، ولم يقفه غير تفشي المرض في جيشه. وفي منتصف شهر نوفمبر، كان الحلفاء قد استعادوا قدرتهم على منازلة العدو، وصارت مهمة «كاستين» في منتهى الصعوبة، بالرغم من الإمدادات التي وصلته من حاميات الألزاس (حوالي 15000 مقاتل)؛ بسبب حاجته الملحة إلى الفرسان، كما كان عليه أن يعمل لتعزيز الحاميات الفرنسية المختلفة في ماينز وفرنكفورت، وورمز، وأوبنهايم، وبينجن # Bingen ~~، وكروزناخ # Kreuznach ~~. ~~ فكان الواجب يقتضيه لذلك إخلاء شاطئ الراين الأيمن، ولكنه بدلا من ذلك بادر باحتلال مركز للدفاع خلف نهر «نيدا» # Nidda ~~، فكشف بهذه الحركة «فرنكفورت»، واستطاع البروسيون الالتفاف حول جناحه، والانقضاض على فرنكفورت، فسلمت هذه لهم في 2 ديسمبر 1792. وتقهقر «كاستين» إلى ماينز ليتحصن بها. # ومع ذلك، فقد أخذ النشاط يدب من جديد في الجيش الفرنسي، عندما وصل مندوبون عن «المؤتمر الوطني» لفحص الموقف (أول يناير 1793)، وكان هؤلاء المندوبون: «ربول» و«مرلان دي ثيونفيل» # Thionville # و«هاوسمان» # Haussmann ~~. فتبين أن جيش الراين وقتئذ يتألف من (45000) مقاتل، يحتشد منهم (22000) في ماينز نفسها، ويتوزع الباقون بطول خط يشمل: أوبنهايم، وسبير، وكروزناخ. # وساد التفاؤل بين «الأحرار» الألمان، وهم الديمقراطيون الذين كانوا قد أسسوا في «ماينز» ذلك النادي الذي سبقت الإشارة إليه، وقت الترحيب بمقدم «كاستين» باعتباره «محررا» لبلادهم (منذ سبتمبر 1792)، فاستمروا في تأييدهم للآراء والمبادئ التي نادت بها الثورة، وفي مقدمة هؤلاء الأحرار كان «جورج فورستر» الذي ذكرنا أنه كان أمين المكتبة في «ماينز»، والذي يعزى إليه أكبر الفضل في دعوة «مؤتمر وطني» رايني، يحضره ms0358 ممثلو الشعب في إقليم الراين من مختلف الجهات، وهو المؤتمر الذي عرفنا أنه انعقد فعلا واتخذ في مارس 1793 قراره المعروف في صالح الانضمام إلى فرنسا. # ولكن لم تمض أيام قلائل على هذا القرار، حتى كان البروسيون في 21 مارس قد استطاعوا تهديد ميسرة الفرنسيين وعبروا الراين عند «باشاراش» # Bacharach ~~، وفي 26 مارس حلت الهزيمة كذلك بميمنة الجيش الفرنسي، واضطر «كاستين» بعد أن أحرق مخازنه وأخلى «ورمز» و«سبير» إلى التقهقر صوب «لانداو» # Landau # الفرنسية والتي بلغها في أول أبريل. وبذلك أخفقت محاولة إخضاع «الدوائر الانتخابية» في الراين. # ولقد ترتب على هذه الهزيمة، ثم كان بسبب نظام المصادرة وفرض الإتاوات الذي اتبعه «كاستين»، أن تحطمت الجماعة المؤيدة لفرنسا في إقليم الراين. فاضطر - في هذه الظروف - كثيرون من «الديمقراطيين» إلى الذهاب إلى فرنسا ليعيشوا بها «كلاجئين» سعيا وراء الرزق من جهة، وفرارا من الانتقام من جهة أخرى. وكان من بين الذين ذهبوا إلى باريس «جورج فورستر»، وكان «المؤتمر الوطني الرايني» قد أوفده ممثلا له لدى «المؤتمر الوطني» في باريس، فأقام «فورستر» بباريس حتى قضى بها نحبه في غضون سنة 1794 بعد أن شهد مآسي «الثورة» وتبددت «أوهامه» عن الثورة. وقد صحبه إلى باريس زميل له هو «آدم لاكس» # Adam Lux ~~، لم يلبث هو الآخر أن فقد كل رجاء في «الثورة» عندما شهد سقوط «الجيروند» وإعدام زعمائهم وقادتهم، ولقد أعدم «آدم لاكس» نفسه بعد قليل عندما تصدى للدفاع عن «شارلوت كورداي» التي اغتالت «مارا» في يوليو 1793. # على أن الموقف في إقليم الراين لم يلبث أن تغير عند استئناف الغزو الفرنسي في سنة 1794؛ فقد انهزم الحلفاء، وتقهقر النمساويون على نهر الراين، واحتل الفرنسيون كولونيا وبون وكوبلنز سريعا. ولقد ترتب على انسحاب البروسيين في الوقت نفسه أن استولى الفرنسيون على شاطئ الراين الأيسر. ووقعت بروسيا حينئذ معاهدة «بال» في أبريل، فاحتفظت فرنسا بموجبها بالأراضي البروسية على شاطئ الراين الأيسر، على أساس أن تنال روسيا تعويضا عنها، حين انعقاد الصلح العام، أرضا على الشاطئ الأيمن لنهر ms0359 الراين. # وثمة سبب آخر لتغير الموقف، وفي هذه المرة بالنسبة للراينيين (أهل الراين) أنفسهم، ذلك هو اختفاء «روبسبيير» من مسرح الحوادث، واستصدار دستور السنة الثالثة في فرنسا (1795) الذي أقام حكومة الإدارة، وكان هذا الدستور (دستور السنة الثالثة) يتسم بطابع «بورجوازي» صميم. وعلى ذلك فقد تكونت في شتاء (1794-1795) في المدن الراينية الكبيرة «الأندية» الجمهورية. وتلك كانت الحركة الجمهورية التي صارت في غضون سنة 1797 تسمى بالحركة الجمهورية «السيزرينانية » - أي ما وراء الراين - والتي قامت بالتعاون مع الفرنسيين. # وهذه الحركة «السيزرينانية» اعتمدت على الشباب والمثقفين، المملوئين حماسا ونشاطا والذين ينتمي أكثرهم للطبقة المتوسطة (البورجوازية)؛ أي الطبقة التي تأثرت بفلسفة «التنور» أو فلسفة العلم والمعرفة # Aufklarüng # التي سبق الكلام عنها، وهؤلاء كانوا يزاولون المهن الحرة ويعيشون لذلك في يسر، وأهل هذه الطبقة كذلك هم الذين حرمهم النبلاء والقساوسة - أي الطبقات الممتازة في المجتمع - من ممارسة شئون الإدارة في المدن، وضمت هذه الطبقة المتوسطة (البورجوازية) عددا من أساتذة الجامعات الأحرار، الذين كان فريق منهم منتميا للكنيسة ثم انفصلوا عنها، على نحو ما فعل «جان بابتيست جايش» # Geich # وكان أستاذا بجامعة كولونيا ثم بجامعة بون، أو «جان جاك هان» # Haan # أحد أساتذة جامعة تريف # Treves ~~، أو بعض رجال الكنيسة الذين طردوا منها مثل «بيرجانس» # Biergans # في كولونيا. وكان من بين أنصار هذه الحركة «السيزرينانية» نفر من المحامين مثل «كريستيان سومر» # Sommer # في كولونيا، و«ميشيل فنيدي» # Venedy # بها كذلك، ثم طائفة أخرى من موظفي «العهد القديم»، سواء في خدمة الحكومة أو الكنيسة، ومن أبرز هؤلاء «جان بابتيست هيتزروت» # Hetzroth ~~(في تريف). # وكان من أهم أنصار الحركة الجمهورية السيزرينانية أحد الشبان الذين سوف يكون لهم شأن في الحركة الراينية خصوصا في بلادهم في السنوات التي تلت عهد الإمبراطورية النابليونية، ونعني به «جوزيف جوريز» # Von Gorres # الذي ولد في كوبلنز سنة 1776 من أسرة أثرت من أعمال التجارة، وكانت تريد أن يدرس «جوريز» الطب، ولكنه كان متأثرا بالآراء الجديدة وحركة «التنور»، فأخذ يغشى «نادي ماينز» منذ 1792 ms0360 وهو لا يزال في سن السادسة عشرة، ثم لم يلبث أن انضم عضوا به، وفي سنة 1797 صار سكرتيرا لنادي كوبلنز، واشتهر «جوريز» بكراهيته العظيمة لطبقة الأرستقراطية وطبقة الإكليروس اللتين تمتعتا بسلطان كبير، ثم اشتهر كذلك بحماسه العظيم لكل الآراء التي أتت بها الثورة الفرنسية. # وكان «جوريز» شديد الإعجاب بالفيلسوف «كنط»، كما تعشق الحرية تعشقا كبيرا، ثم حاول أن يضع برنامجا عمليا ينتظم آراء «كنط» ونظرياته، حتى يخرج بها من حيز الفكر المجرد إلى نطاق الإدراك الواقعي، فنشر في صيف 1797 كتابه عن «السلام الدائم: مثل أعلى» # 12 # رسم فيه الخطوط الرئيسية لتحقيق فترة السلام العالمي أو السلام العام التي نادى بها «كنط»، فارتأى «جوريز» إنشاء «اتحاد لامركزي» - كونفدرائي - يضم الشعوب الأوروبية، ويعهد إلى فرنسا بقيادته وإرشاده؛ ولذلك لم يكن غريبا أن ينبري «جوريز» لمناصرة فكرة إنشاء الجمهورية السيزرينانية بالتعاون مع فرنسا. # ولقد استوحى أنصار الجمهورية السيزرينانية بادئ ذي بدء فكرتهم من الناحية السياسية من فلسفة التنور أو العلم والمعرفة التي أشرنا إليها، وكان مثلهم الأعلى الذي هدفوا إليه، تقبل «الحرية السياسية» بالمعنى الذي جاءت به الثورة الفرنسية؛ أي وجوب إزالة الامتيازات الإقطاعية التي تمتعت بها طبقة النبلاء، فضلا عن إزالة «العشور» التي حصلتها الطبقة الكنسية «الإكليروس»، ثم إزالة الاحتكارات والأنظمة التي عطلت بقيودها نشاط النقابات، ثم المطالبة بإعطاء الفلاحين حق امتلاك الأرض، ولو أنهم - وتلك حقيقة جديرة بالملاحظة - ظلوا يعارضون مبدأ تقسيم الأرض وتوزيعها، ويؤيدون بدلا من ذلك مبدأ وحق الملكية الفردية. ثم إنهم طالبوا من الناحية الاقتصادية بضرورة فك القيود التي عطلت حرية التجارة في الداخل والخارج. ولا جدال في أن هذا البرنامج السياسي والاقتصادي كان «برنامجا للحرية» يتفق مع تلك البرامج التي أخذت بها الأحزاب الفرنسية، ثم الأحزاب الديمقراطية الأخرى الألمانية. # وبجانب هذه المطالب السياسية والاقتصادية، امتاز أنصار الجمهورية السيزرينانية بتأثرهم العميق بفلسفة «كنط»، واتجاهها الظاهر نحو تحكيم المبادئ الخلقية في كل نشاط، بحيث يتعين على كل مواطن حتما عند ممارسة «الحرية» أن يسترشد بالواجبات التي يمليها ms0361 عليه ضميره، وبالمسئوليات الملقاة على عاتقه والتي لا سبيل إلى إغفالها. فلا يكون المرء مستحقا للحرية إلا إذا تحلى بالفضيلة، وحرص على التمسك بالقانون الخلقي واتباع أحكامه. # ومن ناحية أخرى، يقتضي الواجب أن تحرص «الدولة» من جانبها كذلك على احترام القانون الخلقي في المجتمع، حتى يتسنى للدولة أن تكفل لكل فرد من أفراد المجتمع الحق في تربية خلقية وذهنية كاملة. ولقد كان من أجل تحقيق هذه الأغراض جميعها تحقيقا كاملا أن انبرى فريق من أنصار فكرة «الجمهورية السيزرينانية» لتأييد مبدأ تخويل «الدولة » الحقوق التي تمكنها من تنظيم الحياة في المجتمع، اجتماعيا واقتصاديا، من أجل حماية القانون الأخلاقي، والعمل على إذاعته ونشره. وكان من بين هؤلاء «كريستيان سومر». # ثم إنه كان من أغراض الدعاة للجمهورية السيزرينانية عند مطالبتهم بالحقوق السياسية أن تتاح الفرصة لكل مواطن ليمارس «الحرية» بصورة معقولة، متى أعطيت هذه له وعند ظفره بها. وذلك أمر يجعل متعذرا «توزيع» الحقوق السياسية «قسرا» أو «إلزاما» على المواطنين، بل صار متعينا على كل مواطن التحلي بالخلق المتين، وأن ينال قسطا وافرا من التربية العالية، لقاء ظفره بهذه الحقوق السياسية؛ أي إن «الحرية» تكون حينئذ «امتيازا» من نصيب صاحب الخلق القويم وحده. وواضح أن هذا المعنى إنما هو معنى ألماني صحيح. كان طابع التفكير الألماني في آخر القرن الثامن عشر، ويرتكز في أصوله على الفلسفة التي أتى بها «إمانويل كنط». # ذلك إذن كان المثل الأعلى الذي نشده أنصار الجمهورية السيزرينانية، والذين - حتى يتسنى لهم تحقيقه - لم يلبثوا أن اتجهوا اتجاها كليا نحو فرنسا، الدولة التي توسموا فيها وحدها القدرة على تزعم العالم وقيادته وإرشاده لإدراك هذا الهدف السامي. # وكان في صيف 1795، ثم خلال العام التالي (1796)، أن أصدر أنصار الجمهورية السيزرينانية طائفة من الصحف والمجلات لترويج آرائهم، نذكر منها مجلة بون الثقافية # 13 # التي أسسها في بون «جان بابتيست جايش». وأصدر «جايش» في بون أيضا صحيفة سماها «صديق الحرية». # 14 # وفي كولونيا صدرت صحيفة «صديق الشعب في كولون». # 15 # ثم أصدر «بيرجانس» صحيفة ms0362 ذات ميول عنيفة ضد الكنسيين «الإكليروس» سماها «بروتس الحر». # 16 # ولقد تعددت في ألمانيا الصحف التي من هذا الطراز، منها واحدة بعنوان «المساهمة الوطنية» # 17 # التي أصدرها «هيتزروث» في تريف. وكل هذه الصحف نادت بالتعاون مع فرنسا من جهة، وبإنشاء مجتمع ديمقراطي في ألمانيا من جهة أخرى. # ولكن لم تلبث أن اصطدمت هذه الحركة النشيطة بصعوبات عديدة: أحدها تزايد وطأة الاحتلال الفرنسي العسكري؛ نتيجة لكثرة الضرائب والإتاوات التي فرضها القواد الفرنسيون وللمصادرات التي حدثت، ثم سوء الإدارة العسكرية، والتي لم تكن متصفة بالأمانة؛ مما جعل المتحمسين لفرنسا يخففون من غلوائهم، وحتى أخذ هذا الحماس يزول تدريجيا. وثمة صعوبة ثانية، هي أن الدعوة للتعاون مع فرنسا كانت تلقى مقاومة وعداء من جانب طائفة الموظفين القدامى أنصار «النظام القديم»، ومن جانب الكنسيين، رجال الدين الذين نقموا على الثورة الفرنسية أنها جردت الكنيسة من أملاكها، وحولت هذه الأملاك من كنسية إلى علمانية؛ أي جعلتها من نصيب الدولة. # أضف إلى هذا أن المستقبل كان يبدو مبهما غامضا، والخوف من عودة «النظام القديم» بقضه وقضيضه لا يزال مستوليا على النفوس، وبخاصة عندما تبين أن بونابرت بعد انتصاره في الحملة الإيطالية كان يتأهب للمفاوضة من أجل عقد السلام مع النمسا على أساس المحافظة على كيان «الإمبراطورية». ومعنى ذلك عودة السلطات الألمانية إلى ضفة الراين اليسرى، ثم إن الجنرال «هوش» # Hoche # الذي عهدت إليه قيادة الجيوش الفرنسية في منطقة الراين لم يتسع له الوقت لتنفيذ برنامج مبني على سياسة التقرب إلى الأهلين. فتوفي فجأة. وأخيرا فإن عوامل عديدة تضافرت على إلحاق الفشل بفكرة إنشاء الجمهورية السيزرينانية. # فقد ترتب على إنشاء «لجنة الخلاص العام» في فرنسا أن أعيد تنظيم الجيوش الفرنسية في الحدود الشرقية، فتسلم «جوردان» # Jourdan # قيادة جيش الشمال، وتسلم «بيشجرو» Pichegru # قيادة جيش الراين. بينما تعين «لازار هوش» قائدا لجيش الموزيل، وكان ذلك في أوائل نوفمبر 1793، وكان «لازار هوش» قد صار صاحب شهرة واسعة بفضل انتصاراته في معارك «مايستريخيت» # Maestricht ~~، و«نيوبورت» # Nieuport ~~، و«دانكرك» # Dunkirk ~~، وكان صديقا ms0363 لكل من «مارا» و«روبسبيير»، واسترعى بكفايته انتباه «كارنو» الذي أشرف الآن على تنظيم جيوش «المؤتمر الوطني»، فأعطاه كارنو قيادة جيش الموزيل. # فأعاد «هوش» تنظيم هذا الجيش، وبمجرد أن جاءته النجدات من جيش الراين قرر مهاجمة العدو، فبدأ بأن خلص «لانداو» في 17 نوفمبر، وأجبر البروسيين على إخلاء «وورث» # Wörth # والقهقرى صوب كايسرزلوترن # Kaiserslau tern ~~، وفي 28 نوفمبر بدأت المعركة المعروفة بهذا الاسم والتي استمرت ثلاثة أيام، وانتهت بارتداد «هوش» عن «كايسرزلوترن». ولكن لم يلبث أن حصل الاتصال بين جيشي الراين والموزيل، فأجلى الجيشان العدو عن «وورث» في 22 ديسمبر. # وفي 24 ديسمبر توحدت القيادة في جيشي الراين والموزيل، وتعين «هوش» قائدا أعلى لهذه القوات المتحدة. وفي 28 ديسمبر شن «هوش» هجوما عنيفا على النمساويين بقيادة «ورمزر» # Wurmser # في «وايزنبرج» # Weissenburg ~~، وتمكن الفرنسيون من السيطرة على خطوط دفاعها. وفي 30 ديسمبر تقهقر «ورمزر» عبر نهر الراين عند «فيليبسبورج» واضطر «برنسويك» - قائد جيش بروسيا - إلى إخلاء «ورمز» و«أوبنهايم»، وبذلك انفك الحصار عن «لانداو»، وما جاء شهر يناير 1794 حتى كانت «البلاتينات» بأسرها قد خضعت لسلطان الفرنسيين. # وتوقفت العمليات العسكرية بسبب بداية فصل الشتاء من ناحية، وبسبب ما نشأ من غيرة وسوء تفاهم بين القائدين «بيشجرو» و«هوش» عطلت قيام تعاون كامل بينهما. ~~ ومع ذلك، فقد أسفرت الحملة عن نجاح ظاهر للفرنسيين الذين استطاعوا إلى جانب فك الحصار عن «لانداو» تطهير الألزاس من قوات العدو. ثم لم يلبث أن انتقل «هوش» إلى إقليم «فنديه» للإشراف على إخضاع الثورة به، واشترك بعد ذلك في الحملة التي سيرتها «حكومة الإدارة» للاقتصاص من إنجلترة بغزو إرلندة (1796)، ثم لم يلبث أن عين بعد إخفاق هذه الحملة لقيادة جيش «سامبر-موز» خلفا للجنرال «جوردان»، فعبر نهر الراين مرة أخرى وأوقع بالنمساويين الهزيمة في «نيوويد» # Neuwied # في 18 أبريل 1797. وكان يستعد لمواصلة عملياته العسكرية عندما وصلت أنباء مقدمات صلح «لوبن» # Loeben # التي عقدها بونابرت مع النمساويين يوم انتصار «هوش» في معركة «نيوويد». ثم أبرم بونابرت بعد ذلك معاهدة كامبو فرميو مع ms0364 النمساويين في 17 أكتوبر من العام نفسه. # كان لاستلام «هوش» قيادة الجيوش الفرنسية في إقليم الراين أكبر الأثر في إحياء الأمل لدى أنصار الجمهورية السيزرينانية؛ لأن «هوش» كان قد رسم لنفسه سياسة «شخصية» على أساس التقرب إلى أهل هذا الإقليم والتفاهم معهم؛ فعمل على إزالة المساوئ التي ارتكبها «قومسييرو الحرب» الفرنسيون، الذين كانت مهمتهم الإشراف على حاجيات الجيوش من مؤن وعتاد ... إلخ. ثم أنشأ نوعا من الإدارة المركزية في شاطئ الراين الأيسر. فكان من أثر هذا النشاط والرغبة الظاهرة في الإصلاح أن توثقت العلاقات بين «هوش» وبين أنصار فكرة «الجمهورية السيزرينانية». فوضع هؤلاء برنامجا لهذه الجمهورية المزمعة، واستطاعوا في يونيو 1797 إنشاء «مكتب مركزي لاتحاد ما وراء الراين»، # 18 # جعلوا مقره مدينة «بون». وبمقتضى هذا البرنامج، شمل هذا الاتحاد عددا من المجالس البلدية المحلية، في مختلف أنحاء الإقليم، الذي قسم بدوره إلى مديريات ثلاث في «كولونيا» و«كوبلنز» و«نوس» # Neuss ~~. # ولقد بقيت مدينتان هما «تريف» و«إكس لاشابل» خارج هذه الحركة كلية، حيث إنهما كانتا تطالبان بالانضمام إلى فرنسا، ونشطت الدعوة لتأييد جمهورية ما وراء الراين، في 13 نوفمبر 1797 أعد أنصارها قرارا أذاعوه «لتحقيق سيادة الشعب بين الراين والموز والموزيل»، # 19 # ثم قاموا بحركة واسعة لجمع التوقيعات في المدن لتأييد هذا المطلب، وأنشئوا في كل مكان «جمعيات» شعبية مهمتها ترويج الدعاية لهذه الفكرة. ثم بذلوا كل جهودهم لإقناع السياسيين في مؤتمر «رشتاد» بوجهة نظرهم. وكان هذا المؤتمر قد انعقد - كما عرفنا - منذ نوفمبر 1797، وعقب إبرام معاهدة «كامبو فرميو» لبحث مسألة تعويض الأمراء الألمان الذين فقدوا ممتلكاتهم في الشاطئ الأيسر للراين، ثم لتنظيم ألمانيا الغربية. # غير أن «الجمهورية السيزرينانية» كان نصيبها الفشل، لأسباب عدة: منها أن «هوش» - وكان من أنصارها - لم يلبث أن توفي فجأة في 19 سبتمبر 1797 بعد إصابته بذات الرئة، في حين كان قد وقع قبل ذلك «انقلاب فريكتدور» في باريس (4 سبتمبر) فأوصل إلى مراكز الحكم في حكومة الإدارة رجالا من أنصار سياسة التوسع (التسلطية)، كما دعم مركز ms0365 «ربويل» # Rebwell # عضو الإدارة الذي كان من كبار مؤيدي هذه السياسة التوسعية. أضف إلى هذا أن بونابرت فرض على النمسا في كامبو فرميو استخدام نفوذها من أجل التنازل لفرنسا عن حدود الراين، وإلزامها في مادة سرية بالتنازل فعلا لفرنسا عن ضفة الراين اليسرى والاعتراف بانضمام هذا الإقليم إلى فرنسا نهائيا. وكان الاستيلاء على الأراضي وضم الأقاليم إلى فرنسا هي السياسة التي جرت عليها - الآن - الحكومة الفرنسية. # وفي مارس 1798، وقبل انفضاض مؤتمر «رشتاد» نجحت حكومة الإدارة في إقناع بروسيا بالاشتراك معها في الضغط على النمسا حتى تتنازل هذه لفرنسا عن الإقليم الواقع على شاطئ الراين الأيسر (11 مارس) نظير تعويض في جهات أخرى. وفي 20 مارس 1798 وافق المجلس الإمبراطوري (الدياط) على هذا التنازل . ولم يشأ «رودلر» # Rüdler ~~- مندوب حكومة الإدارة أو قومسييرها الذي أوفدته لتنظيم الإدارة في إقليم شاطئ الراين الأيسر - الاستعانة في عمله بجماعة «السيزرينانيين» الذين عرضوا عليه خدماتهم وكانوا مستعدين لمعاونته. بل إن «رودلر» آثر بدلا من ذلك أن يستعين بالموظفين القدامى بالبلاد من أصحاب الخبرة، وهم الذين أعلنوا - الآن - انحايزهم لفرنسا «اقتناصا للفرص» وحسب. فنجم من هذا العمل أن ساد التذمر بين «السيزرينانيين» الذي راحوا يحتجون بشدة على مسلك «رودلر» دون نتيجة، حتى اضطر في آخر الأمر «جوزيف جوريز» إلى الذهاب بنفسه إلى باريس؛ حتى يقدم مذكرة بمطالب «السيزرينانيين» إلى الحكومة الفرنسية. # ولكن «جوريز» لم يوفق في مهمته؛ فقد وصل إلى باريس وقت حدوث انقلاب (18 بريمير) المعروف - 9 نوفمبر 1799 - الذي أعطى بونابرت السلطة، وأنشأ القنصلية، فكان في ذلك القضاء نهائيا على فكرة إنشاء جمهورية مستقلة، وإن كانت على صلات وثيقة مع فرنسا فيما وراء نهر الراين. فإنه سرعان ما أغلقت الأندية السياسية، وصار الحجر على حرية الرأي، ومنع كل بحث أو مناقشة، وعاد «جوريز» نفسه من باريس وقد تخلى عن فكرة الجمهورية، وأصبح من أنصار الملكية الدستورية. # ومع ذلك، فإن فشل فكرة إنشاء جمهورية «مستقلة» في ضفة الراين اليسرى ليس معناه أن أنصار هذه الفكرة ms0366 ومؤيديها قد أثاروا تبعا لذلك أية عراقيل أو صعوبات؛ كي يحولوا دون انضمام إقليم الراين إلى فرنسا. حقيقة زعم كثيرون بعد قيام المقاومة الوطنية في ألمانيا وسقوط نابليون أن الغرض من محاولة إنشاء جمهورية ما وراء الراين، كان تجنب الاندماج بفرنسا أو الانضمام إليها، واتخذوا من هذه المحاولة المزعومة دليلا على أن هناك «قومية أو وطنية ألمانية» كانت موجودة فعلا قبل الحركة الشعبية التي سبقت سقوط نابليون، وكانت من عوامل زوال الإمبراطورية النابليونية. غير أن الواقع لا يؤيد هذه الدعاوى بحال من الأحوال، فإن «جوريز» نفسه كان قد قبل في مشروعه عن «السلام العام» الذي سبق ذكره (في سنة 1796) الانضمام إلى فرنسا، بل وعمل على تشجيع ذلك. ثم إنه عندما دعا القائد الفرنسي «أوجيرو» # Augereau ~~«اتحاد ما وراء الراين» للانضمام إلى فرنسا (15 نوفمبر 1797) وجه الاتحاد إلى أعضائه في «كوبلنز» نداء يطلب فيه الانضمام إلى فرنسا، مستندا إلى ما يجنيه أهل الراين من فوائد مترتبة على هذا الانضمام إلى بلاد يتمتع أهلها بالحرية، وإلى أن الانضمام من شأنه أن يحول دون حدوث حركة رجعية على أيدي الأمراء ورجال الكنيسة، وإلى أن مصلحة الراين الاقتصادية توجب هذا الانضمام إلى فرنسا والاندماج بها. # وعلاوة على ذلك، فقد عبرت الصحافة المعاصرة أصدق تعبير عن هذه الرغبة، خصوصا «الصحيفة الحمراء» # Das Rote Blatt # التي ظهرت في أعقاب صحف «بون» الأولى. ولقد أيدت كذلك الأندية والجمعيات رغبة الانضمام إلى فرنسا، ومنذ البداية كان مقبولا لدى الراينيين فكرة وصول فرنسا إلى حدودها الطبيعية. فكتبت «هيتزروث»: لن تستطيع الأمم الاطمئنان إلى قيام عهد طويل من السلام، وإلى قدرتها على العمل من أجل دعم تقاليدها، إلا إذا أنجزت تخطيط حدودها بدقة، وحينئذ فقط يتسنى اختفاء هذه الحدود، ويتسنى تعاون الدول فيما بينها في جهد مشترك لتحقيق مأثرة إنسانية. وذلك رأي ينطبق تماما على ما كان يأخذ به «جوريز» نفسه، حينما قال هذا الأخير: «لقد أوجدت الطبيعة نهر الراين حتى تفيد فرنسا من وجوده في رسم حدودها.» # وهذه الرغبة ms0367 في الانضمام إلى فرنسا كانت شيئا منتظرا، حينما كان الراينيون يعتبرون فرنسا مهد العلوم والمعرفة، وموئل الحضارة والمدنية، وحينما كانوا يعتبرون أنفسهم - وعلى نحو ما فعل الفلاسفة الألمان الذين سبق ذكرهم - «مواطنين عالميين» وطنهم العالم أجمع، فاعتقدوا أن الواجب يقتضيهم لهذا السبب نفسه أن يؤيدوا فرنسا وأن ينحازوا إلى جانبها، فكتب «هيتزروث» أيضا أنه «يعتقد اعتقادا راسخا، أن واجب «المواطن العالمي» قبل كل شيء أن يعمل بكل قواه الذهنية والثقافية، ولو كانت هذه ضعيفة، لتأييد كل الحكومات التي تأخذ على عاتقها السير وفق فلسفة العلم والمعرفة.» # وتكاد هذه المبادئ تكون هي ذاتها التي نادى بها «فيشته» في سنة 1805، والتي سبقت الإشارة إليها. ولم يجد «هيتزروث» وإخوانه غبارا في اعتمادهم على الحضارة الفرنسية التي جعلت فرنسا في نظرهم تقود عالم «الاستنارة» أو العلم والمعرفة، والتي جعلتهم يتخذون من هذه الحقيقة ذاتها أساسا «للعالمية» التي انتموا إليها «كمواطنين». ولم يروا في وصفهم «مواطنين عالميين» أي مبرر لتوجيه الاتهام ضدهم بأنهم في فعلهم هذا إنما قد خرجوا على المثل العليا الألمانية، أو خانوا عهدها. بل على النقيض من ذلك، اعتبر «هيتزروث»، كما اعتبر «فنيدي» وغيرهما أن المثل الأعلى الذي أخذت به فرنسا، هو مثلهم الأعلى كذلك، كما أنه المثل الأعلى الألماني نفسه. # ومع ذلك، فقد شعر الراينيون بالمرارة والألم والحسرة، عندما شهدوا فرنسا تضحي بالحرية تحت أقدام بونابرت. وكان «جوريز» الذي وصل إلى باريس - كما ذكرنا - وقت انقلاب 18 بريمير، أحد أولئك الذين أفصحوا عن هذه الحسرة والمرارة في كتاباتهم وأقوالهم، فنشر عقب عودته في سنة 1800 كتيبا بعنوان «نتائج مهمتي (أو بعثتي) في باريس»، # 20 # وكان في رأيه أن فرنسا لم تعد تصلح الآن لقيادة الإنسانية وإنعاشها وإنهاضها؛ حيث إنها قد ضحت بحريتها، واستبدلت بهذه الحرية سلطان بونابرت القنصل الأول. # وقال «جوريز»: إن الغشاوة التي حجبت عن ناظريه في الماضي رؤية الحقيقة قد انقشعت الآن، فصار في وسعه أن يدرك أن هناك فروقا تفصل بين المزاجين الألماني والفرنسي، وأن يعترف بوجود «عبقرية» ms0368 يختص بها كل من الشعبين الألماني والفرنسي على حدة. ثم لقيت لديه قبولا آراء «هردر» عن اللغة بوصف أنها العنصر الأساسي في التعبير عن «العبقرية» التي يختص كل شعب بها. ولقد وصل «جوريز» رويدا رويدا إلى اعتناق الفكرة القائلة بأن الشعب والدولة إن هما إلا شيء واحد، ولا سبيل إلى التفرقة بينهما، وأن من المتعذر بتاتا إنشاء دولة قوية البنيان، إلا إذا اعتمد بناؤها على ما لدى الشعوب من تقاليد عريقة محببة إليه. # وهذه الآراء التي صار يعنى بها «جوريز» الآن، قد دلت على أن تغييرا قد طرأ على تفكيره، أخرجه من دائرة التأثر بمبدأ الوطنية أو القومية على طريقة «جان جاك روسو»، إلى الإيمان بالرأي الذي نادى به هردر. ومن هذه الناحية صار «جوريز» بفضل هذا التغيير الذي طرأ على تفكيره، في عداد الرواد الأوائل الذين فتحوا الطريق لغيرهم. ولقد سبق «جوريز» في هذا الميدان سائر معاصريه؛ ذلك بأن النسيان سرعان ما جر ذيوله على طائفة من أنصار فكرة «الجمهورية السيزرينانية» مثل «كريستيان سومر»، في حين التحقت طائفة أخرى منهم بالإدارات الفرنسية، وانخرطوا في سلك موظفي الجمهورية أو الإمبراطورية الفرنسية بعد ذلك. # ولقد بقيت حركة إنشاء جمهورية ما وراء الراين، تستند على أقلية لا يزيد عددها على الألفين وحسب، أخذوا على عاتقهم نشر الدعوة لها في وسط أو بيئة كان يسودها الخمول والفتور الذهني، ولم يحرك ثلاثة أرباع الأهلين ساكنا لتأييدهم، بل على العكس من ذلك، لم يلبث أن عظم سخط سواد الشعب على هذه الحركة؛ بسبب ما وقع من ضروب السلب والنهب والمصادرة على أيدي الجنود الفرنسيين، فانصرف الناس عن «السيزرينانيين» في حركتهم. # وهؤلاء الخاملون الحاقدون الذين رفضوا التأثر بآراء «السيزرينانيين» ولم يلبوا دعوتهم، هم الذين هبوا لتأييد «السياسة الفرنسية» عندما أسرف بونابرت على توجيه هذه السياسة وجهة تختلف في معناها تماما عن وجهتها السابقة، فصارت ترتكز الآن على وجوب إعادة النظام والاستقرار في إقليم الراين، والمحافظة على العقائد الدينية واحترامها، ثم تشجيع التجارة والنهوض خصوصا بالزراعة، بصورة ms0369 مكنت من انتشار الرخاء الاقتصادي. فكانت إذن سياسة «مادية» فاقت في أثرها المباشر كل ما كان يبذله أنصار جمهورية ما وراء الراين من جهود. ولقد أثمرت هذه السياسة عندما أمكن بفضلها استمالة الأهلين في هذا الإقليم إلى جانب الإمبراطورية النابليونية. # وعلى ذلك، فكما أنه لم يظهر في هذا الجزء من ألمانيا (إقليم الراين الأيسر) أية مقاومة ذات صبغة قومية، أو طابع وطني، أيام الجمهورية «الفرنسية»، فإن شيئا من ذلك لم يحدث أيضا أيام الإمبراطورية «النابليونية». ويتضح من هذا كله أنه لم يكن للثورة الفرنسية أي فضل أو أثر في بعث الشعور القومي في ألمانيا. بل إن الشعور القومي في ألمانيا لم ينشأ إلا أيام الإمبراطورية النابليونية؛ نتيجة لرد الفعل الكبير الذي حصل ضد سيطرة هذه الإمبراطورية ولمقاومتها. # اليونان «وأولى الحركات القومية في أوروبا» # وإذا كانت الثورة الفرنسية قد أخفقت في خلق فكرة القومية في ألمانيا، فإنها نجحت في تغذية هذه الفكرة، واستثارة الشعور القومي وتشجيعه في اليونان، ولو أن اليونانيين كانوا لا يزالون لا يدركون وجود تلك العناصر - التي سبق أن ذكرناها في موضعها - والتي ينشأ الروح القومي من تفاعلها؛ وذلك لأن اليونان كانت أمة لم تبدأ تشعر بذاتيتها إلا عن طريق عوامل خارجية لم تلبث أن أفضت بتضافرها إلى فكرة إنشاء دولة يونانية ذات كيان خاص بها. فكان بفضل ما حدث من ارتباط بين الدوافع الخارجية، وشعور الاعتزاز والتوثب الداخلي، أن برزت إلى الوجود القومية اليونانية. # وكان الائتلاف بين هذين العاملين؛ الدافع الخارجي والتوثب الداخلي، والارتباط الوثيق بينهما، هو الطابع الذي تميزت به حركة اليونان القومية، وهي أولى الحركات القومية التي حصلت في أوروبا، ومن هذه الناحية كانت «الثورة الفرنسية» الحادث أو الفرصة أو الظرف الذي جعل ممكنا قيام هذه الحركة القومية الأولى (اليونانية). # لقد سبقت الإشارة - عند الكلام عن اليونان في آخر القرن الثامن عشر - إلى كل تلك الاتجاهات العاطفية، والمظاهر التي كانت تنبئ بوجود آراء وأفكار «تقليدية» لدى اليونانيين قبل نشوب الثورة الفرنسية ذاتها بمدة من الزمن، ms0370 وضحت آثارها بفضل تلك «الحركة» التي قام بها الفناريون، وصفوة الناس من أهل الطبقة المثقفة المهذبة الراقية اليونانية. ولقد كانت هذه حركة سياسية ودبلوماسية في جوهرها، استندت على جهود لم يعرها السلطان العثماني أي انتباه، حتى قوي شأنها واستطاع أصحابها تدبير المؤامرات في الخارج مع الدول المجاورة ضد الإمبراطورية العثمانية. # أما هذا النشاط فقد اتخذ وقتئذ «الولايات الدانوبية» مقرا له. فصار الحكام «الهسبودار» # Hospodar # ورجال بطانتهم في كل من ملدافيا «البغدان» في ياسي، وولاشيا «الإفلاق» في بوخارست، هم الذين يغذونها ويشجعونها بالاتحاد مع طوائف التجار الأثرياء وقادة الرأي والمثقفين في البلاد. ومما ساعد على ذلك أن الباب العالي درج على اختيار الحكام لملدافيا وولاشيا من بين الفناريين أنفسهم في أكثر الأحوال؛ أي من بين تلك الأسر اليونانية القديمة التي عاشت في حي الفنار (من ضواحي القسطنطينية ). ولقد كان هؤلاء الفناريون على علاقات وثيقة بروسيا، واتجهوا دائما صوب روسيا ينشدون العون منها، ويعتمدون في حركتهم على ما قد ينشأ من أزمات بين الدولة العثمانية والدول المجاورة لها، خصوصا روسيا. # وفي السنوات القليلة التي سبقت نشوب الثورة الفرنسية مباشرة، كانت أهم أزمة أرادوا الاستفادة منها، تلك التي وقعت في سنة 1785 بين روسيا (أيام القيصرة كاترين الثانية) والنمسا (أيام الإمبراطور جوزيف الثاني)، وبين الإمبراطورية العثمانية، فحيكت خيوط مؤامرة واسعة تزعمها ولدا «إسكندر إبسلنتي» # Ypsilanti # حاكم ولاشيا وقتئذ، ولكنها أخفقت وكاد ابنا «إبسلنتي» يفقدان حياتهما لولا تدخل والدهما، وهو من أسرة عريقة في حي الفنار، ولولا تدخل أفراد هذه الأسرة، فأمكن أن ينجو الابنان من العقوبة، ومع ذلك فقد كان «إبسلنتي» نفسه ضالعا في هذه المؤامرة، فقد اكتشفت بعد قليل طائفة من الرسائل المتبادلة بينه وبين القيصرة كاترين والإمبراطور جوزيف، تتضمن مشروعا لإنشاء دولة بلقانية تحت حماية روسيا، ولم تلبث أن قامت مؤامرة أخرى في «ياسي» شبيهة بهذه المؤامرة، تزعمها زميله «مافروكروداتيس» حاكم ملدافيا. # على أن هذه الحركة التي تزعمها الفناريون، لم تكن تشمل سواد الشعب اليوناني الذي بقي بعيدا عنها. ثم إن ms0371 هذه الحركة لم تكن تهتم باليونان نفسها مثل اهتمامها بالبلقان، أو بذلك الجزء «الأوروبي»؛ أي المنتمي «للقارة» من شبه جزيرة البلقان. أضف إلى هذا أن الحركة سرعان ما اصطدمت بأخرى «معارضة» لها نبتت كذلك بين الفناريين أنفسهم. ففي حين تميز كل من «إبسلنتي» و«مافروكروداتيس» بميولهما الروسية، وجدت تركيا نصيرا يؤيد مصالحها في شخص زعيم آخر من حي الفنار هو القائد «مافروجيني» # Mavrojeni # الذي خدم في الجيش العثماني، ووصل إلى مرتبة القيادة، ثم عينه السلطان العثماني الآن حاكما (هسبودارا) على الولايتين معا: ملدافيا وولاشيا، ثم عهد إليه بقيادة الجيش العثماني ضد قوات روسيا والنمسا، بمجرد أن تجددت الحرب بين تركيا وروسيا. ولكن «مافروجيني» لم يكن موفقا في الحرب، فحلت به الهزيمة، وعندئذ قطع السلطان رأسه (1790). # تلك إذن كانت جملة الأفكار والآراء القديمة التي شكلت حوادث الحركات التي قام بها اليونان قبل مجيء الثورة الفرنسية. ولكن ما إن قامت الثورة في فرنسا، وذاعت الآراء والمبادئ التي جاءت بها، حتى تأثر اليونان بها، فنشأت من ثم اتجاهات جديدة من وجهة النظر السياسية، سرعان ما صار للحركات التالية في اليونان بفضلها طابع قومي، وبصورة لم يسبق لها عهد بها. # ويصعب تحديد الطريقة التي انتشرت بها هذه الآراء الجديدة في اليونان، ولو أن عوامل كثيرة لا بد أن تضافرت فيما بينهما على فعل ذلك. ومن هذه كان عامل «الدعاية» الذي يكفل ذيوع الآراء والمبادئ المنادى بها، ثم عامل «الاحتكاك» بين النظريات والآراء القديمة، وبين المبادئ والمذاهب الجديدة، ولكل من هذين العاملين آثار يمكن إدراكها، وإن تعذر العثور عليها في الوثائق واضحة جلية. ~~ ومع ذلك، وبالرغم من هذه الصعوبة، فقد يسهل معرفة «الطريق» الذي انتقلت بواسطته إلى هذه الجهات والآراء والمبادئ التي أتت بها الثورة الفرنسية. أما ذلك الطريق فقد يكون موضع غرابة، إذا عرفنا أن طريق «فينا» كان أهم الطرق التي استطاعت آراء ومبادئ الثورة الفرنسية العبور منها إلى البلقان وشبه جزيرة المورة. # والسبب في ذلك ما كان للإمبراطورية النمساوية من أهمية جغرافية بالنسبة لتركيا ms0372 عندما أحاطت أملاك هذه الإمبراطورية بأملاك العثمانيين من الشمال والغرب، فأصبحت «فينا» مركزا تنفذ منه بسهولة - وعند سنوح الفرصة - الآراء والمبادئ الجديدة إلى داخل الممتلكات العثمانية. أضف إلى هذا أن اليونانيين وجدوا في كل البلدان الكثيرة في الإمبراطورية النمساوية مكانا أمينا لإقامتهم وتوطنهم. فاستقرت «بفينا» - على وجه الخصوص - جالية يونانية كبيرة قوامها التجار عرفت بالغنى والثروة، حتى إن الإمبراطورية لم تلبث أن اعترفت رسميا (في يناير 1787) بوجود هذه الجالية اليونانية كحقيقة قانونية، فصار لهذه الجالية كيان قانوني معترف به. بل إن الإمبراطور النمساوي سرعان ما وجد بعد سنوات قليلة في وجود هذه الجالية اليونانية، وسيلة مواتية للتدخل في شئون الدولة العثمانية والضغط عليها. # ولذلك فقد اعترف الإمبراطور فرنسيس الثاني بوجود الكنيسة اليونانية رسميا في فينا. واتهم اليونانيون في «فينا» لدرجة كبيرة بإمداد المدارس التي توفرت على تعليم أبناء جاليتهم الأدب واللغة اليونانية، بالإعانات المالية. كما أن أغنياءهم صاروا يعهدون إلى «معلمين يونانيين» بأبنائهم لتنشئتهم تنشئة يونانية. وبفضل ذلك كله صارت «فينا» مركزا لاجتماع عدد غفير من المثقفين وقادة الفكر والرأي اليونانيين. ثم تأسست في «فينا» بيوت للنشر، أنشأت صلات وثيقة مع المثقفين اليونانيين في ولايتي ملدافيا (البغدان) وولاشيا (الأفلاق). ولقد استطاع هؤلاء اليونانيون بوصفهم نمساويين من الناحية القانونية، أن يظفروا بكل التسهيلات التي جعلت في مقدورهم إنشاء الصلات التي تعذر عليهم إنشاؤها لو أنهم كانوا «عثمانيين» من ناحية الجنسية. فصار في مقدورهم التحول والانتقال من مكان إلى آخر، بفضل «الجوازات النمساوية» التي حملوها، في جميع أنحاء الإمبراطورية النمساوية، بل وفي كل أنحاء الدولة العثمانية أيضا، دون أن يزعجهم أحد أو أن يلحق بهم أي ضرر. # وبذلك أمكن قيام حركة كبيرة لنقل «الآراء» الجديدة التي أتت بها الثورة الفرنسية، وترويج هذه الآراء على أيدي هؤلاء اليونانيين المتجولين، وأشرفت «فينا» على تنظيم هذه الحركة ودعمها. وهكذا، على أيام الثورة الفرنسية، كانت فينا «اليونانية» هي مركز الدعوة للآراء التي نادت بها هذه الثورة. # وفي فينا صدرت أول صحيفة يونانية «أفيميريس» # Ephimeris # أسسها «الأخوان ms0373 بوليوس ماركيديس» Paulios Markidis ~~، من أسرة كانت أصلا من مقدونية. ~~ ظهر أول أعداد هذه الصحيفة في آخر ديسمبر 1790، وجاء في مقالها الافتتاحي: # يجد القارئ اليوم بين يديه الصحيفة التي طال انتظاره لها، والتي كان قد سبق الوعد بظهورها من زمن طويل، وهي باللغة الدارجة التي يفهمها الشعب ويتذوقها. تبدأ الآن كغرس صغير لا يلبث حتى ينمو رويدا رويدا، فإذا اكتمل نموه، ازدهر، ثم أينعت ثماره، وصارت قطوفه دانية. # وجريدة «إفيميريس» بدأت في أول عهدها تظهر مرتين أسبوعيا في ثماني صفحات، ثم ازداد عدد صفحاتها حتى تراوحت هذه بين الست عشرة والعشرين. وفي سنة 1793، حددت الصحيفة أغراضها فقالت: إن «إفيميريس» هي سجل لتدوين الحوادث المعاصرة به؛ أي كل ما يجري في أنحاء العالم بصدق ودقة. كما قالت إنها «تأبى أن تبقى أمتنا العظيمة (اليونانية) والتي نشرت الحضارة في العالم بفضل علومها وأخلاقها ، محرومة وحدها فقط من وجود صحافة لها.» # ولقيت «إفيميريس» صعوبات جمة، منشؤها صرامة «الرقابة» النمساوية من ناحية، وشدة نظام البوليس العثماني من ناحية أخرى، حتى إن الصحيفة صارت مضطرة إلى حذف كل الأخبار المتعلقة بالدولة العثمانية أو تمس هذه من قريب أو بعيد، وذلك من الأعداد المرسلة للتوزيع داخل هذه الدولة العثمانية. ثم إن رؤساء التحرير اضطروا بسبب الرقابة النمساوية، أن يتجنبوا الأقوال ذات الطابع الحر الصريح. ~~ وعلى ذلك فقد اعتمدت الجريدة في نشر دعايتها على المقالات المفرغة في قالب دراسات تاريخية تتحدث عن مجد اليونان في تاريخهم الغابر، وتحاول تذكير الأبناء بفعال الآباء والأجداد المجيدة. ثم إنها اتبعت طريقة «حكيمة» في إذاعة أنباء الثورة الفرنسية؛ حتى لا تتعرض لشطط الرقابة الصارمة، وذلك بأن جعلت من صفحاتها مجرد سجل لأخبار الثورة، فنشرت وقائع المظاهرات وأحداث عهد الإرهاب، ونشاط «المقصلة»، كما نشرت أخبار المعارك التي انتصرت أو انهزمت فيها جيوش الثورة. ~~ وفي بعض الأحايين، استباحت الصحيفة لنفسها الحق في نقد طائفة من هذه الأحداث وإظهار استيائها منها. # على أن أهم ما عنيت به «إفيميريس» كان طبع وإذاعة الخطب التي ألقيت ms0374 في الجمعية الأهلية التأسيسية والجمعية التشريعية في فرنسا، وخصوصا عند البحث في «حقوق الإنسان والمواطن». ثم إنها نشرت دراسات تحليلية للقرارات التي استصدرتها هذه الهيئات، ولدساتير الثورة عموما. وهكذا استطاعت «إفيميريس» أن تذيع على قرائها دروسا وافية في موضوع «المبادئ والآراء الجمهورية»، وأن تلقن هذه الدروس الجديدة قراءها. ثم نجم من هذا النشاط الكبير أن صار متيسرا قيام روابط وثيقة بين اليونان في النمسا وبين اليونان في الخارج. وانتشرت الآراء التي روجت لها هذه الصحيفة في أنحاء الإمبراطورية العثمانية. فكان بفضل هذا كله أن صارت «إفيميريس» من الوسائل المعدودة للتعليم من جهة، وأداة للنضال من جهة أخرى. وصارت الجريدة في هذا الطريق المرسوم لها «بحكمة» وبقدر ما كان ذلك ممكنا. ولا جدال في أنها قد قامت بدعاية ذات أثر بالغ، ينهض دليلا على ذلك كل تلك التقارير العديدة التي سجل فيها البوليس اتهاماته ضدها، فعزا إليها بث روح الثورة، والعمل لترويج الآراء الفرنسية. وكان متوقعا أن «تحظى» الصحيفة بعناية البوليس النمساوي بسبب الحرب القائمة وقتئذ بين النمسا وفرنسا. # والجدير بالذكر أن كل هذه التقارير أجمعت على أن «الجالية اليونانية» قد صارت متأثرة تأثرا بالغا بالروح الثورية. وذلك كان اتهاما - إن صح هذا القول - صحيحا؛ لأن الجالية اليونانية سرعان ما اشتركت في تلك «المؤامرة الثورية» التي حركت المقاومة ضد حكومات «النظام القديم» في أوروبا عندما بدأت تحاك خيوط هذه المؤامرة بكل سرعة. # ولكن الآراء والمبادئ التي أتت بها الثورة الفرنسية لم تلبث أن وجدت خارج «فينا» وسائل أخرى كذلك لاقتحام بلاد اليونان والتوغل في أرضها. ولقد حدث الاقتحام والتوغل بوسائل كانت أكثر اتصالا مباشرا، وبواسطة طرق أكثر «يونانية» من سابقتها. وتفسير ذلك أن الملاحين والنوتية وأصحاب السفن اليونانيين هم الذين أخذوا على عاتقهم أثناء حروب الثورة الفرنسية الانسلال من الحصار البحري الذي ضربت نطاقه حول الشواطئ الفرنسية الأساطيل الإنجليزية والنمساوية ثم الروسية. فصار هؤلاء اليونانيون يمدون الموانئ الفرنسية - أو تلك التي احتلها الفرنسيون - بحاجاتها من العتاد والمؤن. # وكان في أحايين كثيرة ms0375 أن اضطر هؤلاء أيضا إلى الاشتباك في معارك جدية مع القوات الواقفة على حصار هذه الموانئ، ثم إنه كان من بين هؤلاء أن أقبل نفر يتزعم الثورة اليونانية عند نشوبها فيما بعد. وهؤلاء البحارة والملاحون هم الذين تسنى لهم بفضل نشاطهم الاحتكاك بالآراء الجديدة في الموانئ الفرنسية التي زاروها، وصاروا ينشرون هذه الآراء الجديدة بين مواطنيهم عند عودتهم إلى بلادهم، فكانوا «دعاة» الثورة الذين قيل عنهم: إنهم ابتاعوا بالحنطة والقرصة التي اشتريت منهم في الموانئ الفرنسية، مبادئ الحرية والقدرة على فهم هذه المبادئ وإدراك معانيها! # ثم كان من أهم أسباب نجاح دعوتهم في بلاد اليونان أنها اتفقت مع قيام نهضة ذهنية وأدبية صحبها نشاط عام لإنشاء المدارس ودور العلم. ومن بين هؤلاء الملاحين والتجار وجد جماعة صاروا «عملاء» سياسيين في خدمة فرنسا خصوصا، وفي سنة 1792 كان كثيرون من هؤلاء يجوبون أنحاء الولايات الدانوبية (الأفلاق والبغدان) ينشرون الدعوة لفرنسا من جهة، ويجمعون المعلومات لإرسالها إلى الحكومة الفرنسية من جهة أخرى. # وثمة طريق آخر لنشر المبادئ والآراء التي جاءت بها الثورة الفرنسية؛ كان المحافل الماسونية. فقد وجد من هذه المحافل الماسونية طائفة من المحافل «اليونانية» في أوديسا وبوخارست وباريس وبعض المدن في ألمانيا. والتحق أكثر اليونانيين الذين عاشوا في الخارج بأكثر هذه المحافل. ثم وجد عدد من المحافل في داخل الإمبراطورية العثمانية في «تساليا» و«أمبيلاكيا» # Ambelakia # ووادي «تمبي» # Tempé ~~، والجزر السبع (الأيونيان). وهذه كلها محافل مقطوع بوجودها في هذه الجهات، ووجد إلى جانبها في جهات أخرى محافل كثيرة. # وبفضل حركة «البنائين الأحرار» هذه تمكن اليونانيون من توحيد صفوفهم، ثم استمالة مواطنيهم إلى تأييد الآراء الحرة، ثم إن المحافل المساونية كانت أداة مواتية لنشر الدعوة بسبب السرية التي حتمتها قوانين الماسونية. فصارت هذه السرية أكبر عون للدعاة إلى الآراء الجديدة على نشر دعوتهم. والذي يجدر ذكره أن كل الذين اشتركوا فيما بعد في حركات جمعية الإخوان (أو الهيتريافيلكي # Hetairia Philike ~~) في سنة 1821 كانوا من البنائين الأحرار. # وعلى ذلك، فقد نشطت الدعاية ms0376 اليونانية نشاطا عظيما، ثم سرعان ما صارت «فرنكفورت» المدينة الألمانية، مركز حركات الدعاية الرئيسي خارج حدود النمسا والإمبراطورية العثمانية. فقد كانت تلتقي بها وتستند إلى توجيهها كل حركات الدعاية اليونانية في الخارج. وينهض دليلا على ما كان لهذه الحركة من أثر بالغ في نشر الدعوة، وبسبب نشاط أصحابها، ما كان هنالك من نظام محكم جعل ممكنا إيفاد العملاء اليونانيين من القسطنطينية إلى باريس في مهمات معينة، ثم إلى لندن وميلان؛ ليطلب هؤلاء المبعوثون من الحكومة الفرنسية ورجالها في مختلف العواصم أن تتدخل في صالح اليونان، ولتأييدها، وذلك في نظير أن تتنازل اليونان لفرنسا عن بعض الجزر اليونانية في بحر إيجة، وأن تتعهد بالتجارة مع فرنسا وحدها دون غيرها. # وثمة دليل آخر على نشاط الدعاية اليونانية، هو انزعاج بطرياركية القسطنطينية، وكانت هذه تخضع خضوعا تاما لنفوذ روسيا - الأرثوذكسية المذهب - كما أنها كانت على صلات وثيقة بجماعة اليونان «الفناريين» الأثرياء - وهم يدينون بالأرثوذكسية كذلك - فقد أقلق البطرياركية انتشار الآراء الجديدة بين اليونانيين، وأزعجها نشاط دعاة هذه الآراء الجديدة؛ والسبب في ذلك ما ظهر من «إلحاد» في فرنسا، وعدم تمسك «الثورة الفرنسية» بالدين من جهة، ثم نمو الآراء والأفكار الفلسفية التي عملت المحافل المساونية على ترويجها، وذيوع المبادئ الديمقراطية من جهة أخرى. فقد كان هذا كله ينطوي على أخطار جسيمة، تتهدد أصحاب الأملاك أو التجار الأثرياء، ثم أولئك الأرستقراطيين من أهل ضاحية «الفنار» في القسطنطينية. # وعلى ذلك، فقد عمد البطريرك «جريجوريوس الثاني» # Gregorious # بطريرك القسطنطينية، ورئيس الكنيسة الأرثوذكسية - وهو نفس البطريرك الذي شنقه الأتراك فيما بعد في حوادث 1821 - إلى توجيه المنشورات إلى المطارنة يحضهم فيها على مقاومة الآراء الفرنسية، ويطلب منهم إقصاء وجمع كل الأناشيد والأغاني والرسائل والنداءات التي تروج لهذه الآراء الفرنسية، وأن يبعثوا بذلك كله إليه بالقسطنطينية. بل إن «جريجوريوس الثاني» لم يلبث أن أنشأ «مطبعة» في القسطنطينية؛ ليتمكن من مقاومة الآراء الحرة الجديدة. # على أنه كان هناك عامل آخر هام ساعد على نشاط الدعاية اليونانية، هو أن «حكومة الإدارة» ms0377 بمجرد تسلمها زمام الحكم في فرنسا، عمدت إلى اتخاذ هذه الدعاية النشيطة لترويج الآراء الفرنسية «أداة» للعمل السياسي. فإن هذه الحكومة سرعان ما جعلت تبعث بعملائها ووكلائها إلى كل مكان، وخصوصا إلى الولايات الدانوبية (ملدافيا وولاشيا)، فصارت القنصلية الفرنسية في بوخارست مقر دعاية واسعة، التف مروجوها حول «جودان» # Gaudin # القنصل الفرنسي بها - والذي عين فيما بعد سكرتيرا للسفارة الفرنسية في القسطنطينية، وتزوج من يونانية من أهل جزيرة «ناكسوس» # Naxos ~~. # وفي القسطنطينية كان «ستاماتي» # Stamaty # من أنشط الدعاة بها، وكان قد تعين في سنة 1796 قنصلا فرنسيا بالقسطنطينية، ولكن الباب العالي رفض قبوله قنصلا لديه عندما عرف أنه يوناني الأصل، ثم رضي به مأمورا للقسطنطينية فحسب. وكان ستاماتي رجل مؤامرات، لم يلبث أن ذهب في آخر سنة 1796 إلى مقر القيادة الفرنسية العام في إيطاليا ليتسلم تعليماته من الحكومة الفرنسية. # ولقد كان للسمعة العظيمة التي تمتع بها «بونابرت» أيام حكومة الإدارة أثر بالغ في نشاط الدعاية الفرنسية وقتئذ. فقد نظر إليه اليونانيون على أنه القائد المظفر الذي حرر إيطاليا وطرد النمساويين منها، ونشر ألوية الحرية في ربوعها، وأتاح الفرصة للطليان ليظفروا بها. وعقد اليونانيون آمالا عظيمة على «بونابرت»، وراحوا يرجون أن تتحرر بلادهم على يديه، لا سيما وأن «بونابرت» نفسه هو الذي حطم جمهورية البندقية التي بسطت سلطانها على بلاد اليونان أزمانا طويلة، والتي لم يكن اليونانيون يقبلون سيطرتها إلا على كره منهم، فقابلوا بالفرح والسرور سقوط هذه الجمهورية. # ومما يدل على حقيقة شعور اليونانيين نحو «بونابرت» وتمجيدهم له، أن تاجرا يونانيا ابتاع من سوق «ليبزج» في سنة 1797 ثلاثمائة صورة من رسم «بونابرت» لتوزيعها بين مواطنيه في بلاده. بل لم يكن يخلو بيت من بيوت اليونان في كل مكان - حتى في أقصى القرى - من صورة «بونابرت» موضوعة بجانب «الأيقونات» باعتباره إلها للحرية قمينا بالتقديس. وساعد على ازدياد هذه الدعاية نشاطا وقوة أن الجيوش الفرنسية لم تلبث أن احتلت جزر الأيونيان وشواطئ «دلماشيا» في صلح «كامبو فرميو في أكتوبر 1797». # وواضح إذن ms0378 أنه وجدت باليونان أماكن وجهات معينة، وقعت تحت تأثير الآراء الفرنسية نتيجة لتوغل هذه الآراء والمبادئ بها، فصارت مراكز هامة لنشر الآراء القومية والثورية، وفي مقدمة هذه الأقاليم، كانت الولايات الدانوبية (ملدافيا وولاشيا)؛ بسبب ما كان لهذه الولايات من علاقات بالنمسا، والتي عرفنا أنه كان «بفينا» مقر الجالية اليونانية الكبيرة في الإمبراطورية النمساوية، وبفضل ما كان للولايات الدانوبية كذلك من علاقات مع القائمين بالدعاية النشيطة لصالح فرنسا، ونعني بذلك القناصل الفرنسيين خصوصا في بوخارست وياسي، وسائر المدن الكبرى. ثم كان من بين هذه الأقاليم كذلك: مقدونيا وتساليا في داخل الإمبراطورية العثمانية، وكان اليونانيون بهذين الإقليمين، على صلات وثيقة بعصابات «الكلفت» في معاقلها المنيعة في «جبل أوليمبس» # Mont Olympus ~~. # وثمة إقليم آخر تأثر بالآراء الجديدة، هو إقليم «إبيروس» # Epirus ~~، بفضل سهولة الاتصال دائما بينه وبين جزر الأيونيان. وبذلك صارت «وسط شبه جزيرة المورة» «البيلوبونيز» Peloponese ~~، حيث به إقليم «ماني» # Magne ~~(أو لاكونيا القديمة)، وهو إقليم كان في حالة عصيان مستمر وثورة دائمة ضد سلطات الحكومة، حتى إن السلطان العثماني لم يلبث أن عين أحد أبناء البلاد «زاناتوس جريجوراكيس» # Zanatos Gregorakis # حاكما على هذا الإقليم. واشتهر «زاناتوس» باسم «زاينت بك» # Zannet Bey ~~. ولكن «زانيت بك» كان على علاقات وثيقة بالبحارة وأصحاب السفن (الأرماتولي # Armatoles ~~) الذين قاموا بأعمال القرصنة في البحر، وبعصابات «الكلفت» الذين تحصنوا في الجبال، ثم بأعيان اليونان في أقاليم وسط المورة الأخرى. فعزله الباب العالي، واعتبره أحد العصاة الخارجين على الدولة. ولكن هذا الإجراء لم يغير شيئا من حقيقة الوضع القائم؛ لأن «زانيت بك» استمر على رأس السلطة في «ماني»، ولو أنه صار يمارس هذه السلطة الآن باسمه بدلا من إدارة شئون الحكم باسم السلطان العثماني. وبذلك بقيت «البيلوبونيز» مركزا هاما للدعاية الفرنسية. # وزيادة على ذلك فقد وجدت هذه الدعاية مركزا لنشاطها في جزر بحر إيجة، مأوى البحارة والنوتية وأصحاب السفن من «الأرماتولي»، ومقر قوتهم، والقاعدة التي انتشروا منها لمواصلة نشاطهم. # وصفوة القول أن بلاد اليونان بأجمعها كانت متأثرة بالآراء ms0379 التي أتت بها الثورة الفرنسية؛ الأمر الذي ترتب عليه أن صار المجال منفسحا فيها لقيام حركة فكرية عظيمة وتنبه ذهني كبير، بلغ ذروته خصوصا في سنتي 1796 و1797 وفي السنوات التالية، وصارت اليونان لذلك متأهبة للانتقال إلى دائرة العمل الجدي عند أول بادرة، لإشعال ثورة تستهدف الاستقلال والتحرر نهائيا من سلطان الدولة العثمانية. # ومن مظاهر هذا الاستعداد للتوثب أن اليونانيين نقلوا نشيد «المارسيليز» الفرنسي إلى لغتهم، وصاروا ينشدونه في كل مكان وفي كل مناسبة. وكان مما جاء في هذا «المارسيليز اليوناني» نداء موجه إلى أبناء الهيللينيين (أو الإغريق القدماء)، يستحثهم على اليقظة والتوثب؛ لأن ساعة تحقيق المجد قد أزفت، ويطلب منهم أن يكونوا خير سلالة لأولئك الأماجد الذين أورثوهم المبادئ التي يعتنقونها، وأن يناضلوا ببسالة للخلاص من ربقة الاستبداد والطغيان؛ حتى يثأروا لوطنهم مما لحق به من ذل وأذى مهانة. # وأهاب النشيد بأبناء اليونانيين القدماء أن يحملوا السلاح، وأن «يسيروا إلى الأمام؛ فدماء الأعداء سوف تجري تحت أقدامهم أنهارا.» وهكذا بقي اليونانيون يرتقبون سنوح الفرصة، بل إنهم صاروا يعملون «لخلقها» وإيجادها، ولم يكونوا يفتقرون إلا إلى ظهور زعيم يتولى قيادة الثورة. وكان في غضون سنة 1797 أن وجد الزعيم المنتظر، وسنحت الفرصة المنشودة. # فقد حدث عند استقرار الفرنسيين بجزر الأيونيان، بعد القضاء على جمهورية البندقية - وبفضل معاهدة الصلح التي أبرمها بونابرت مع النمسا في «كمبوفرميو» - أن أرسلت الحكومة الفرنسية لإدارة الجزر، قائدا من أصل كورسيكي اختاره بونابرت لهذه المهمة، هو الجنرال «جنتيلي» # Gentili ~~، طلب إليه بونابرت إلى جانب عمله الإداري أن يبذل قصارى جهده لتذكير اليونانيين دائما بما كان لأسلافهم القدماء من فضل على تقدم الحضارة، وكي يستحثهم على إحياء تراثهم المجيد. ولقد بعث بونابرت في صحبته كذلك العالم «أرنو» # Arnault ~~، الذي كلف ينقل المنشورات والنداءات الفرنسية إلى اللغة اليونانية. وكانت هذه النداءات والمنشورات ملأى بالذكريات الكلاسيكية، وتفيض بالوعود من جانب فرنسا لتحرير اليونان. ولقد جاء في أحد هذه المنشورات أن فرنسا هي التي حررت إيطاليا، وأن «جنتيلي» إنما يتحدث ms0380 الآن باسمها وباسم بونابرت والجمهورية الفرنسية، وهم «الحلفاء الطبيعيون لكل الشعوب الحرة». # وكان بفضل هذا النشاط الجديد إذن أن أخذت تنتشر من جزر الأيونيان الدعاية بطريقة منظمة. فخرج من الجزر الوكلاء والعملاء إلى ساحل دلماشيا، وإلى الساحل الإيطالي، يبثون الدعوة. ثم أنشئت قواعد للعمل المنظم في كل من «راجوزا» # Ragusa # على ساحل دلماشيا، و«أنكونا» على الساحل الإيطالي - وتطل كلتاهما على بحر الأدرياتيك - واتخذ «ستاماتي» - الذي سبقت الإشارة إليه - مقره في «أنكونا» لتنظيم توزيع المنشورات والنداءات، وإرسال الوكلاء والعملاء إلى مختلف الجهات. # واستطاعت السلطات الفرنسية في جزر الأيونيان أن تنشئ علاقات وثيقة مع اليونانيين المقيمين في النمسا عن طريق «تريستا»، ثم إن أهل اليونان أنفسهم حاولوا إنشاء الصلات الوثيقة مع هذه السلطات الفرنسية. ففي بداية سنة 1797 كان «زانيت بك» قد أوفد ابنه إلى بونابرت أثناء الحملة الإيطالية المشهورة، يعرض عليه وضع الموانئ في إقليم «ماني» تحت تصرف الأسطول الفرنسي. وقد تلقى بونابرت هذه الرسالة وهو بميلان بعد عودته من حملته في «ستيريا». وفضلا عن ذلك فقد التف حول بونابرت «عملاء » كرسوا حياتهم لخدمة القضية اليونانية، ومن هؤلاء كانت قرينة الجنرال «جونو» # Junot # دوقة دابرانتس # d’Abrantés # فيما بعد، وهي من أصل يوناني، وتدعي أنها من سلالة أباطرة القسطنطينية. # واستخدمت حكومة الإدارة وبونابرت طبيبا وعالما في النبات من أصل كورسيكي، من قرية كارجيز # Cargése # الصغيرة التي تقطن بها جالية يونانية كاثوليكية هو «تيمو ستفانو بولي» # Timo Stephanopoli # كلفته الحكومة بمهمة علمية في الظاهر، قابل بونابرت في ميلان، بمقر القيادة العامة، فسلمه بونابرت جوابه على رسالة «زانيت بك». وفي هذا الجواب راح بونابرت يؤكد احترام الفرنسيين العظيم لقضية بلاده «ولذلك الشعب المانيوتي (نسبة لإقليم ماني) الذي يمتاز بالبسالة على قلة عدده، والذي استطاع وحده - من دون أهل اليونان القديمة - الاحتفاظ بحريته، وصون هذه الحرية. ولا شك في أن المانيوتيين جديرون أن يكونوا من سلالة الإسبرطيين القدماء.» # ووضع «ستفانو بولي» بالاشتراك مع «زانيت بك» برنامجا لثورة وطنية كبيرة على أساس التعاون مع الجيش الفرنسي، ms0381 ثم دعوا رؤساء الأقاليم الأخرى للاجتماع في إقليم «ماني»، فحضروا من أثينا وكريت وأبيروس ومقدونيا، ومن اليونان الوسطى. ~~ فانعقد مؤتمر حضره هؤلاء جميعا، أسفر عن قبولهم فكرة «الثورة» بحماس عظيم، وإنما بشريطة أن يمدهم الفرنسيون بنجدة من ستة آلاف رجل، وأن يحضر بونابرت نفسه على رأس جنده لمؤازرتهم، وأن تبادر فرنسا بإرسال السلاح والعتاد اللازمين لتجنيد وتسليح اليونانيين. ثم اشترط المؤتمرون أن يلزم الفرنسيون عند احتلالهم البلاد مبدأين هامين؛ أولهما: احترام نساء اليونان وعدم الاعتداء عليهن. ~~ وثانيهما: ترك السلاح في أيدي اليونانيين وعدم تجريدهم منه. ولا جدال في أن اليونانيين في سنة 1797 كانوا يعتقدون اعتقادا راسخا أنهم صاروا على وشك التحرر والخلاص حقا بمعاونة الجيوش الفرنسية. # أما هذه «المؤامرة الوطنية» فقد وجدت آنئذ من يتزعمها في شخص أحد اليونانيين من تساليا، هو «ريجاز فاليزتنليس» # Righas Valestinlis # أي ريجاز المنتسب لبلدة «فاليزتنلو». وريجاز شخصية قوية تضافرت على تكوينها كل العوامل التي أوجدت الحركة القومية اليونانية ذاتها، ثم كل تلك الخصائص التي تميزت بها الحركة الاستقلالية في اليونان بعد ذلك. # ولد «ريجاز» في تساليا حوالي سنة 1757 من أسرة اشتغلت بالتجارة، وفي وسط مثقف. وذلك لأن تساليا ثم بلدة «فاليزتنلو» نفسها، كانتا من بين مراكز الثقافة «والحركة الفكرية» الهامة في اليونان؛ بسبب ما كان يوجد بهذه الجهات من مكتبات عظيمة في «زاجورا» # Zagora # و«أمبلاكيا» وغيرهما. وقد بدأ «ريجاز» حياته مدرسا بمدرسة صغيرة، ثم اضطر بسبب حادث ربما كان شجارا أو مقتل أحد الأتراك، للفرار إلى الأحراش وهو لا يزال في سن السابعة عشرة. ولكنه لم يلبث بعد فترة من الزمن يصعب تحديدها أن ذهب إلى القسطنطينية حيث عاش بها «الفناريين»، والتحق بالحاشية التي التفت حول أسرة «إبسلنتي»، وصار معلما لأحد أبناء إسكندر إبسلنتي حاكم «هوسبودار» ولاشيا. # وفي هذا الوسط المثقف تعلم «ريجاز» اللغات الأجنبية: الفرنسية والألمانية والولاشية (أي الرومانية). وعندما تعين إسكندر إبسلنتي هوسبودارا على ولاشيا، التحق «ريجاز» بخدمته سكرتيرا له. وفي بوخارست اندمج «ريجاز» في الوسط المثقف الذي لقيه بها ms0382 اندماجا كليا، وتعرف - على وجه الخصوص - برجل القانون والعالم اللغوي العظيم «كانتاتزيس» # Cantatzis ~~. ولقد ساعد «ريجاز» وجوده في هذا الوسط العلمي على إتمام ثقافته من ناحية، وإتمام تكوينه السياسي من ناحية أخرى. # وليس من شك في أن «ريجاز» كان على علم بأمر تلك المؤامرة التي حاكت خيوطها أسرة إبسلنتي في سنة 1785، وهي المؤامرة التي ذكرنا أنها كانت ضد الدولة «العثمانية»؛ فقد توطدت الصداقة بين «ريجاز» ورئيس هذه المؤامرة قسطنطين إبسلنتي، ابن الهوسبودار إسكندر. وفضلا عن ذلك فقد أنشأ «ريجاز» علاقات وثيقة مع «فينتوتيس» # Ventotis # العالم اللغوي الذي ذاع صيته في الولاية الدانوبية الأخرى «ملدافيا» أو البغدان، واتخذ مقره في «ياسي». وكان «فينتوتيس» متفقها في اللغات القديمة الكلاسيكية، نشر كثيرا من الكتب الإغريقية القديمة، ووضع معجما للغة الإغريقية، وأشرف على مطبوعات إحدى دور النشر الكبيرة في «فينا» مكتبة بوميسر # Baumeisser # التي أخذت على عاتقها نشر مؤلفات الإغريق القديمة. # ولقد عمل «ريجاز» إلى جانب هذا كله سكرتيرا للقائد «مافروجيني» حينما كان هذا الأخير يتزعم حركة تأييد للعثمانيين وينشط ضد «إبسلنتي». ولكن لم تلبث أن ثارت ثائرة «ريجاز» عندما قطع السلطان العثماني رأس «مافروجيني» في سنة 1790، على نحو ما سبقت الإشارة إليه. ويبدو أن «ريجاز» التحق في هذه الفترة بخدمة أحد الباشوات الأتراك «باسفان أوغلو» Pasvan Oglou # الذي نال شهرة واسعة بعد ذلك؛ بسب ثورته على الدولة العثمانية. # على أن «ريجاز» بعد وفاة «مافروجيني» لم يلبث أن استقر به المقام في بوخارست، في ولاية الأفلاق «ولاشيا»، وعقد وهو هناك أوثق الصلات برجال الأدب وأثرياء اليونان في الولايتين الدانوبيتين، ثم قام برحلات عديدة إلى النمسا، وخصوصا إلى فينا في سنة 1794، وانكب في أثناء ذلك على الدارسة والقراءة في الأدب والفلسفة والسياسة. وكان في سنة 1790 أن نشر «ريجاز» أول كتابين من مؤلفاته؛ أحدهما دراما صغيرة بعنوان «مدرسة العشاق مرهفي الحس»، # 21 # والآخر عن «مبادئ الطبيعة». # 22 # وفي هذا الكتاب الأخير شرح «ريجاز» مبادئ العلوم الطبيعية الألمانية والفرنسية في لغة يونانية «أهلية»، وفي أسلوب مبسط ms0383 يسهل على سواد الناس فهمه. # ولقد كان «ريجاز» من عظماء رجال الأدب، وكان صاحب وطنية صادقة، ثم إنه كان وثيق الارتباط «بالعالم اليوناني» سواء في حي الفنار، أو في الولايات الدانوبية (الأفلاق والبغدان) أو في النمسا. ولذلك فما إن ظهرت في أفق التفكير العقلي الآراء والنظريات التي أتت بها الثورة الفرنسة، حتى كلف «ريجاز» بالمبادئ الديمقراطية والقومية كلفا عظيما، واندفع من أول الأمر ودون أي تحفظ، يؤيد تلك «الحركة» التي أوجدتها الثورة الفرنسية. ومنذ سنة 1792 خصوصا، صار على صلة كبيرة بكل أولئك الدعاة الذين صاوا يروجون لآراء ومبادئ الثورة الفرنسية، والذين صار أكثرهم كذلك يروجون «للقومية اليونانية»، فوطد «ريجاز» علاقاته بحكومة القنصلية في فرنسا فترة طويلة من الزمن، وأنشأ الصلات الوثيقة مع «ستاماتي» أكبر الدعاة الذين صاروا يروجون - كما عرفنا - للآراء والمبادئ الفرنسية. وكان إعجاب «ريجاز» بالقائد الشاب بونابرت بدرجة عظيمة. # على أن الذي تجدر ملاحظته أن الفكرة المسيطرة لدى ريجاز كانت ضرورة أن تحرر بلاده اليونان من الناحية العقلية الذهنية، قبل أن تبذل الجهود لتحريرها سياسيا، فهو يكتب منذ 1790: # لما كنت محبا صادقا «للوطن الإغريقي» فإني لا أقنع بذرف الدموع حزنا على الحال التي وصلت إليها أمتي، ولكني أريد نجدتها حسب طرائقي. # ولقد أصر ريجاز على الكتابة دائما باللغة التي يتخاطب بها اليونانيون في حياتهم اليومية. وأفلح «ريجاز» في الارتقاء بهذه اللغة إلى مصاف اللغات «القومية» أو الوطنية الأهلية؛ ذلك «أن الشعب - على حد قوله - لا يستطيع أن يتجاوب بشعوره مع أولئك الذين يتحدثون إليه عن مصالحه، إلا إذا تحدث إليه هؤلاء باللغة الوحيدة التي عرفها أبناؤه وهم في المهد أطفال.» # وأما هذه اللغة اليونانية (الأهلية) فلم تكن وقتئذ غير لهجة عامية، فلم يلبث أن نهض بها «ريجاز» وغيره من الأدباء المعاصرين الذين صدرت كتاباتهم ومؤلفاتهم بها، حتى صارت «لغة» علم وأدب. # ولقد استهدف «ريجاز» في كل ما كتب استثارة حب الوطن في نفوس مواطنيه، وكان من أجل ذلك أن نقل إلى اليونانية مؤلفا لرجل الدين الفرنسي «آبيه ms0384 بارتلمي» # Barthélemy # عن «رحلة الشاب أنكارسيس»، # 23 # وكانت هذه الرحلة قد صادفت نجاحا عظيما في أواخر القرن الثامن عشر في فرنسا وفي أوروبا. وذيل «ريجاز» هذه الترجمة بمذكرات تفسيرية، وتعليقات على المسائل التاريخية التي تضمنتها، فخرج هذا المؤلف من بين يديه بعد نقله إلى اليونانية درسا في النقد الأدبي وبحثا في المسائل التربوية. # ثم إن «ريجاز» أضاف إلى هذا الكتاب مصورا جغرافيا للعالم الإغريقي، يشتمل كذلك على رسوم تخطيطية للمدن، وللمداليات القديمة وإشارات متعلقة بآثار البلاد، فجاء «الكتاب» وثيقة علمية خطيرة، كما أن هذا المصور كان أول الخرائط التي رسمت لبلاد اليونان. # وجدير بالذكر أن «العالم اليوناني» الذي أبرزه «ريجاز» في مصوره، والذي يفسر «فكرة» ريجاز عن هذا العالم، ويوضح معالمها، إنما كان العالم اليوناني البيزنطي، فاشتمل المصور على سواحل آسيا الصغرى، والجزء القاري الأوروبي من البلقان. ومن هذه الناحية، لرسمه بلاد اليونان، ولإبرازه العالم اليوناني البيزنطي، يعتبر مصور «ريجاز» إلى جانب تعليقاته وشروحه ... إلخ، أول وثيقة تاريخية ذات قيمة كبيرة عن الحركة الهيللينية الأولى. # ولم يلبث أن نقل «ريجاز» نشاطه إلى ميدان العمل، بمجرد أن تهيأت الظروف لذلك؛ أي منذ أن وضح له نشاط «بونابرت» في إيطاليا، ووقف على مدى انتشار الدعاية (أو البروبجاندا) الواسعة التي قامت بها حكومة الإدارة، وحرص «عملاء» هذه الحكومة على ترويجها وإذاعتها في أنحاء العالم الشرقي؛ فأقبل «ريجاز» على المساهمة في هذا النشاط (في سنة 1796-1797) بكل ما يملك من جهد وقوة، وشن حملة من الدعاية السياسية الكبيرة، كتب في أثنائها طائفة من البحوث والنشرات التي صارت تطبع بعد ذلك سرا في فينا، وعظم تداولها وذيوعها. # وفي أغسطس 1797، انتقل «ريجاز» إلى فينا. وكتب القنصل النمساوي في بوخارست بهذه المناسبة أن «ريجاز» كان على علاقات متينة بعملاء ووكلاء الثوار الفرنسيين. أما «ريجاز» فإنه لم يلبث أن جمع حوله اليونانيين من أهل فينا، واليونانيين المقيمين في سائر أنحاء النمسا، وبخاصة الشباب اليوناني، وهم الذين أخذ يدبر معهم مؤامرة كبيرة، ويعمل لتنظيم دعاية وطنية عظيمة. وكان «ريجاز» ms0385 في هذه الفترة جم النشاط، يعقد الاجتماعات، ويطوف في أنحاء البلاد النمساوية، واعتمد في هذه «الحركة» على ما كان يأتيه من أموال لتغذية حركته من أغنياء التجار اليونانيين في فينا. وكان من بين هؤلاء الأخيرين أحد كبارهم «أرجنتي» # Argenti ~~، الذي قبض عليه بعد ذلك عند انكشاف «المؤامرة». # ثم إن جريدة «إفيميريس» صارت من «عملاء» هذه الحركة؛ فنشرت في عهدها الجديد آراء ومبادئ، وصفها القناصل النمساويون في بوخارست وفي القسطنطينية خصوصا، بأنها كانت على جانب عظيم من الخطورة، وصاروا يلفتون النظر في تقاريرهم إلى حكومتهم إلى ضرورة الانتباه لنشاط هذه الجريدة «الخطير». أما ناشر الجريدة «بوليوس ماركيديس»، فقد تعاون مع «ريجاز» في كتابة رسالة ثورية لم يعثر على نسخة منها، ووضع دستور لليونان، وأنشودة حرب بعنوان «ثوريوس» # Thourios ~~. وقد طبع «بوليوس ماركيديس» كل هذه الكتابات والمؤلفات سرا. # أما «الدستور» الذي وضعه «ريجاز» استعدادا لإعلانه بمجرد قيام الثورة في اليونان، فكان يتألف من مقدمة ومن بنود الدستور نفسه وعددها (114) بندا. ~~ وهذا الدستور يستهدف إنشاء دولة هيللينية-بلقانية، تضم إليها اليونان ذاتها إلى جانب ذلك الجزء من القارة الأوروبية المعروف باسم البلقان، ويتألف من بلغاريا ومقدونيا وجنوب السرب. على أن تتساوى في هذه الدولة جميع العناصر التي بها، فلا يكون هناك تفرقة بين جنس أو دين ولا تمييز لجنس أو دين على آخر. ~~ فكفل الدستور للعناصر السلافية والتركية التمتع بنفس الحقوق التي يتمتع بها اليونانيون طالما بقيت هذه العناصر السلافية والتركية في نطاق هذه «الدولة اليونانية». # ولقد استرشد «ريجاز» عند وضع هذا الدستور بالمبادئ التي أخذ بها الدستور الفرنسي الصادر في سنة 1793 - والذي عرفنا أنه لم يوضع قط موضع التنفيذ - ولو أنه أدخل تعديلات هامة تتفق مع حال بلاده، فضلا عن أنه اقتبس الكثير من دستور العام الثالث (1795) الذي أوجد حكومة الإدارة. وعلى ذلك، فقد نص دستور «ريجاز» على إنشاء «حكومة إدارة» تتألف من خمسة أعضاء، تتسلم الحكم في الدولة الهيللينية. ولما كان الدستور يستند على سيادة الشعب العليا، فقد صار الشعب صاحب ms0386 السلطة، بفضل جعل انتخاب هذه الحكومة من حق الشعب وحده. ولقد نص الدستور على أن «اليونانية» هي لغة الدولة الرسمية. # وهكذا حافظ «ريجاز» في دستوره على فكرة «الإمبراطورية البيزنطية»؛ أي على تلك الفكرة التقليدية التي هدفت دائما إلى إنشاء دولة بيزنطية، والتي أطلق عليها اليونانيون اسم «الفكرة العظيمة» # La Grande Idée ~~. وإلى جانب هذا، دل وضع الدستور بالصور المتقدمة على وجود ذلك «الرباط الثوري» الذي ربط «ريجاز» واليونانيين عموما بالآراء والمبادئ التي أتت بها الثورة الفرنسية. # وأما أنشودة الحرب المسماة «ثوريوس»، والتي صارت عنصرا أساسيا من عناصر الدعاية الهيللينية، فكانت قصيدة صار مفروضا إنشادها على كل المشتركين في تلك «المؤامرة» التي دبرها «ريجاز» حتى يتعلمها الجميع، وينشطوا لإذاعتها وتلقينها لبعضهم بعضا، فتصبح الأنشودة بفضل ذلك أداة فعالة لترويج الآراء القومية (الوطنية) والثورية في كل الأوساط، وعلى الخصوص بين أولئك الذين كانوا في المنفى ويتعذر لذلك وصول الصحف والرسائل إليهم، حتى إذا حفظ هؤلاء أنشودة الحرب، صار في وسعهم أن يذيعوها، وأمكن أن يتلقنها غيرهم عنهم. ولقد كانت الأنشودة تتألف من (126) بيتا، وصف فيها «ريجاز» العبودية التي رسف اليونانيون في أغلالها، ثم إنه صار يمجد فعال عصابات «الكلفت» الذين صمدوا ببسالة في نضالهم ضد الأتراك. # ففي بيتين من هذه القصيدة نالا شهرة ذائعة، قال «ريجاز»: «إنه لمن الخير والأفضل كثيرا أن يعيش المرء ساعة واحدة، في حياة حرة سعيدة، بدلا من أن يعيش أربعين عاما بطولها وهو يرزح تحت نير العبودية، وبين جدران السجون.» وفي هذه الأنشودة وجه «ريجاز» الدعوة لليونانيين قاطبة، حتى أولئك الذين يعيشون منهم في الخارج للمجيء إلى بلادهم، والنضال من أجل الحرية. فيقول: «الموت في سبيل الوطن أفضل وأعظم جمالا من أن يكون للمرء سيف في خدمة الأجنبي مزين بحمائل من الذهب!» # ووجه «ريجاز» دعوة النضال والحرية لكل أولئك الذين وقعوا تحت وطأة الظلم والعسف في الدولة العثمانية، والذين ذكرهم في قصديته، وهم جميع الجنس السلافي في البلقان، ثم باشا «ودين» # Widdin # بالذات «باسفان أوغلو» الذي سبقت ms0387 الإشارة إليه، الذي ثار أخيرا على الدولة. وطلب «ريجاز» من كل أنصار هذه الحركة التحررية أن يقسموا أغلظ الإيمان لمواصلة القتال ضد الطغيان والفوضى. ولما كان قد وجه دعوته لشعوب تعتنق أديانا مختلفة، منهم اليوناني، والسلافي معتنق الأرثوذكسية، والمسلم، ومنهم كذلك الكاثوليكي - عند الضرورة؛ فقد اختار «ريجاز» أن تكون هذه اليمين أمام «الألوهية المقدسة»، دون تحديد أو تعيين لمعناها. وهؤلاء جميعا دعاهم «ريجاز» للنضال متحدين من أجل تحرير اليونان وخلاصها. # ولقد اعتمد «ريجاز» والمشتركون معه في «مؤامرته» على تأييد فرنسا لهم، فحاولوا إنشاء الصلات مع الفرنسيين لهذه الغاية بشتى الطرق. فبعث «ريجاز» برسائل عدة إلى بونابرت في مقر قيادته العامة في إيطاليا، ولو أن هذه الرسائل - على ما يبدو - لم تكن تصله. ثم إنه كتب إلى عضوي حكومة الإدارة «سييس» و«بارتليمي»، وكان الأخير من أقرباء صاحب «رحلة الشاب أنكارسيس» المشهورة، ووسط «ريجاز» أحد التجار في مدينة «بال» في حمل رسائله إليهما. # وفي سبتمبر 1797، أوفد «جان مافروجيني» - من أقرباء «مافروجيني» الذي ذكرنا أن الدولة العثمانية أعدمته سنة 1790 - إلى باريس ليتصل بوزير الشئون الخارجية في فرنسا «ديلاكروا» # Delacroix ~~، فذهب «جان مافروجيني» عن طريق فرنكفورت، وكانت هذه - كما عرفنا - مركزا هاما لنشر الدعاية الهللينية، ولنشاط الماسونية، فمكث بها «جان مافروجيني » مدة شهرين، لم يلبث أن وقع خلالها من الأحداث ما جعل الأمور تنحرف لتتخذ طريقا آخر في سيرها. # أما «ريجاز» نفسه فقد غادر «فينا» إلى «تريستا» في شهر ديسمبر من العام نفسه عاقدا العزم على الانتقال منها إلى اليونان للاجتماع بالمتآمرين هناك، والعمل معهم لتحريك الثورة في اليونان. وكان «ريجاز» يعتمد قبل كل شيء على معاونة الفرنسيين له في تحرير بلاده. # غير أن آمال «ريجاز» ما لبثت حتى انهارت، كما لحق الفشل بمحاولات اليونانيين في كل مكان، وذلك بأن «ستفانو بولي»، وسيط الفرنسيين بينهم وبين «زانيت بك»، وجد بعد عودته من إقليم «ماني» وتزويده بالوثائق التي حملها معه إلى باريس، أن تغييرا هاما قد طرأ على السياسة الفرنسية. وسبب ذلك أن بونابرت ms0388 لم يعد يريد أن يتزعم الحركة الثورية في الشرق، ويفكر بدلا من ذلك في مشاريع وتدابير أخرى، وأن حكومة الإدارة صارت في حال لا ترغب معها في إمداد اليونانيين بالمعونة. # وعندئذ لم يعد هناك مناص من تأجيل الثورة التي كان مشروطا لقيامها مجيء نجدة من ستة آلاف فرنسي لتعزيزها، ففشلت الحركة، ولو أن بعض حركات العصيان الصغيرة هنا وهناك كانت قد قامت فعلا في غضون سنة 1798، في الوقت الذي ذاع فيه في اليونان نبأ وفاة «ريجاز» نفسه. # وكان «ريجاز» قد غادر فينا - كما ذكرنا - في الأيام الأولى من شهر ديسمبر 1797 قاصدا إلى تريستا، فبلغها يوم 10 ديسمبر، ولكن حدث لسوء حظه أن وقعت في أيدي البوليس رسائله التي كان قد كتبها دون حيطة أو حذر، فضمنها تعليماته وتوجيهاته لأفراد الجالية اليونانية في فينا. فألقي القبض عليه مساء يوم وصوله نفسه، وعثر البوليس في حقائبه على وثائق أخرى هامة، وعلى مقالات ورسائل سياسية، ثم أنشودة الحرب المعروفة، والدستور الذي وضعه، إلى جانب قوائم بأسماء الأنصار والمؤيدين؛ الأمر الذي كشف تماما عن حقيقة نواياه وأغراضه، وأماط اللثام عن «مؤامرته» الكبرى. فألقت السلطات القبض على حوالي عشرين شخصا، كان منهم ثمانية من الرعايا الأتراك. # ولما كانت النمسا تتفاوض وقتئذ مع الدولة العثمانية بشأن الثوار البولنديين اللاجئين في تركيا، وبشأن الحصول من الدولة على تصاريح للسفن التجارية التي كانت النمسا قد استولت عليها من أسطول البندقية القديم بمقتضى معاهدة كمبوفرميو، وتريد الترخيص لهذه السفن بالملاحة والعمل في مياه الدولة، فقد رأت النمسا في القبض على الثوار اليونانيين الذين أرادوا الانتقاض على الدولة وسيلة تستطيع بها المساومة مع الأتراك لتظفر بمطلبها منهم. فسلمت الحكومة النمساوية للسطات العثمانية «ريجاز» والرعايا الأتراك الذين قبضت عليهم. ولقي كل هؤلاء حتفهم - بما فيهم «ريجاز» - شنقا في سجن بلغراد في 24 يونيو 1798. # ولقد كان منتظرا بعد اكتشاف هذه المؤامرة أن يبذل البوليس النمساوي قصارى جهده للقضاء على كل نشاط للدعاية، وأن يحكم رقابته على اليونانيين في فينا، وفي سائر ms0389 أنحاء النمسا. وبالفعل سرعان ما صدر الأمر بتعطيل جريدة «إفيميريس»، ومصادرة مطبعتها. # وسارت الأمور في غير صالح اليونانيين، على أثر تأسيس التحالف الدولي الثاني ضد فرنسا، وتزايد شعور الفرنسيين بخطورة مركزهم، وكان القيصر بول الأول عند اعتلائه العرش عقب وفاة والدته كاترين الثانية، هو الذي أنشأ هذه المحالفة التي ضمت إليها النمسا وإنجلترة وتركيا ونابولي وأكثر الإمارات والدويلات الألمانية. ولقد سير القيصر جيشا قويا بقيادة «سواروف» صاحب الشهرة العسكرية الواسعة، إلى شمال إيطاليا لمؤازرة الجيوش النمساوية بها بقيادة «كراي» # Kray ~~، فانهزم القواد الفرنسيون: «شيرر» في واقعة «ماجنانو» # Magnano # في 5 أبريل 1798، و«مكدونالد» في واقعة «تربيا» في 17-19 يونيو، و«جوبير» في واقعة «نوفي» في 15 أغسطس - وقد سبقت الإشارة إلى هذه المعارك في موضعها - ثم لم تلبث أن خرجت نابولي بمساعدة أسطول «نلسن» من حوزة الفرنسيين، ثم غادرت الحامية الفرنسية رومة، وأعيدت بها حكومة البابوية، ففقدت فرنسا وسط إيطاليا وجنوبها. # ولقد سارت الأمور في غير صالح فرنسا في ميدان آخر كذلك، حينما استطاع «علي التبلينجي» # Tepelendji ~~، أو التبليني نسبة لبلدة تبلين في ألبانيا - وهو الذي اشتهر فيما بعد باسم علي باشا والي يانينا - أن يستولي بقواته «العثمانية» على ثلاث مواقع بساحل دلماشيا تابعة لحكومة جزر الأيونيان، وكانت فرنسا قد حصلت على هذه الجزر في صلح كمبوفرميو ، وفي شهر مارس 1799 ظهرت الأساطيل العثمانية والروسية أمام كرفو - إحدى جزر الأيونيان - فبادر بالانضمام إلى هذه القوات نبلاء كرفو الذين التفوا حول «كابوديستريا» # Capodistrias ~~(1776-1831)، وهو من أبناء كرفو الذين ولدوا بالجزيرة، وقد التحق «كابوديستريا» فيما بعد بخدمة القيصر إسكندر الأول وصار وزير خارجيته، ورفض قيادة الثورة اليونانية عند اشتعالها في سنة 1821. وفي كرفو حينئذ أسقط في يد الحامية الفرنسية، واضطرت للتسليم بالرغم من دفاعها الكبير عن الجزيرة. # ولما لم تستطع الحكومة الفرنسية إرسال أية نجدات إلى جزر الأيونيان، فقد استرجعت تركيا هذه الجزر، وسرعان ما تأسست في جزر الأيونيان جمهورية متمتعة بالحكم الذاتي تحت السيادة العثمانية، وتحتلها في الوقت نفسه قوات روسية. ونالت ms0390 هذه الجمهورية الجديدة دستورا ذا صبغة أرستقراطية، وأقبل من ثم النبلاء الذين تألفت منهم الطبقة الأرستقراطية في جزر الأيونيان على تأييد السيطرة العثمانية الروسية، وصاروا يقفون موقف العداء من العناصر الديمقراطية التي كانت تؤيد في الماضي السيطرة الفرنسية. # وهكذا انقضت هذه الفترة، وقد تحطمت أثناءها كل الآمال التي كان اليونانيون قد عقدوها على نجاح مؤامرة «الماني» أو على زعامة «ريجاز» أو على نجدة الفرنسيين لهم. ومع ذلك فإن جذوة هذه الآمال لم تنطفئ تماما، كما تألفت من كل هذه الحوادث «أسطورة» شيقة. فلقد صار «ريجاز» معدودا من «الشهداء» الذين يقدس الشعب اليوناني ذكراهم، ومعتبرا رمزا للاستقلال وعلما على البطولة الوطنية. ومثلما بقيت ذكرى «ريجاز» خالدة، فقد بقيت كذلك أنشودة الحرب «ثوريوس» التي حفظها كل فرد في العالم اليوناني عن ظهر قلب، مبعث الحياة والرجاء، ولحمة الشعور القومي ومساكه، ونبعا صافيا ينهل منه الشعب اليوناني مقومات حياته الدفاقة، والكفيل ببقاء هذه الحيوية برغم كل ما وقع من كوارث، حتى إذا جاءت أحداث 1821 هب الشعب اليوناني يتغنى بهذه الأنشودة، فتنهمر على السواء دموع أولئك الذين ينشدونها، ثم الذين ينصتون إليها في سكون وخشوع. # ومع ذلك، فالواضح من كل ما تقدم أن حركة «ريجاز» والثوريين كانت سابقة لأوانها. ولكن فشل هذه الحركة لم يكن معناه بحال من الأحوال أن الفكرة القومية أو الشعور القومي قد قضي عليهما. ولقد بقيت المدارس التي أنشئت لإحياء الثقافة الهيللينية تؤدي على خير وجه رسالتها، وظلت الحركة الفكرية، كما بقي الانتعاش الذهني قائما. فتأسست في بوخارست مدرسة ثانوية يونانية، في سنة 1810، وجمعية لأنصار الأدب، وأنشأ «المثقفون» في فينا مجلة أدبية، # 24 # وكان من المتعذر بطبيعة الحال إنشاء مجلة سياسية. فظهرت هذه المجلة الأدبية في أول عهدها مرتين شهريا، ثم صارت بعد مضي سنة واحدة تصدر جريدة يومية، ظهر أول أعدادها في بداية يناير 1811، ويتولى أحد العلماء (أنثيم جراتزيس # Anthime Grazis ~~) الإشراف عليها. # وكانت هذه المجلة بمثابة دائرة معارف أدبية وعلمية في كل ما هو متعلق بشئون اليونان، ms0391 كما كانت على وجه الخصوص مرآة للحركة الفكرية المعاصرة. فاقتنت المدارس هذه المجلة، وأقبل الناس على قراءتها بشغف عظيم، واستمرت تصدر ثلاث سنوات. وفي يوليو 1811 صدرت صحيفة أخرى # 25 # في مبدأ الأمر نصف أسبوعية، ثم صارت بعد سنة 1812 جريدة يومية، كما أخذت تنشر من آن لآخر ملاحق أدبية. وفي سنة 1812 تأسست أثناء الاحتلال الفرنسي الثاني لجزر الأيونيان جريدة صدرت بالإيطالية، # 26 # ولكنها كانت تنشر مرة كل شهر موجزا لأخبارها وبحوثها باليونانية. # وهذه الصحف التي صدرت في بوخارست وفينا وجزر الأيونيان (في عهد الإمبراطورية النابليونية) لم تلبث أن هيأت الفرص بعد ذلك لصدور عدد من الصحف التي عملت على توثيق عرى الصلات بين الحركة اليونانية القومية الأولى (1797) وبين حركة اليونان الاستقلالية في سنة 1821؛ فقد تأسست في باريس مجلة «أثينا» # L’Athena # في سنة 1818، ثم تأسست في باريس في العام التالي صحيفة «النحلة» # Mélissa ~~، وفي فينا صدرت في سنة 1819 مجلة «كاليوبي» # Calliopi ~~. فقد أمكن بفضل هذه الصحف والمجلات جميعها التي صدرت في فينا وجزر الأيونيان على وجه الخصوص، إنشاء تلك الروابط التي جمعت بين حركتي اليونان القوميتين في سنتي 1797 و1821. # على أنه مما تجدر ملاحظته أن مركز الحركة اليونانية كان قد انتقل إلى الخارج بعد حوادث 1797-1799. ولو أن الحال الآن صار مختلفا عما كان عليه في الماضي، حينما كانت بلاد اليونان في شبه عزلة عن أبنائها «المهاجرين». بل إن كل تلك الآراء والأنباء التي نشرتها الصحف والمجلات اليونانية التي تصدر في الخارج، صارت الآن تجد طريقها إلى بلاد اليونان، فلم يعد اليونانيون في غفلة عن مجريات الأمور في خارج بلادهم أو يجهلونها. # وثمة ملاحظة هامة أخرى، هي أن تغييرا معينا لم يلبث أن طرأ على الحركة اليونانية في مظهرها وصورها، فلم يعد غرضها المباشر «سياسيا» صرفا، بل صارت تقوم على فكرة جديدة، هي أن يسبق نشر التعليم، وكذلك التحرر والخلاص «العقلي»، الحركة السياسية ذاتها، والتي سوف تكون حينئذ نتيجة لنشر التربية والثقافة بين أهل البلاد مجرد انتقال ms0392 من طور عقلي وروحي إلى آخر عملي وثوري. وعلى ذلك، فقد توقف الآن كل عمل أو نشاط ثوري توقفا تاما، وتأجل ذلك إلى موعد آخر يحدد في المستقبل. # ولقد كان «أدمانتيوس كوريس» # Admantios Korais # هو المسئول عن هذا التحول الذي طرأ على الحركة القومية اليونانية، ويعتبر «كوريس» ممثل الحركة الهيللينية في عهد الإمبراطورية النابليونية. كان من العلماء الأفذاذ، كما كان ذا وطنية ملتهبة، نشأ في بيئة امتاز أهلها بالنشاط الثقافي والاقتصادي، وذلك في جزر «شيوز» # Chios # إحدى جزر الأرخبيل، حيث نبتت أسرته. وكانت «شيوز» من أهم مراكز الثقافة والحركة الذهنية العظيمة في اليونان، واشتهرت هذه الجزيرة بوجود مكتبات كبيرة بها، وكان جد «كوريس» شغوفا بالكتب، أما والده فكان من كبار تجار اليونان في أزمير التي ولد بها «كوريس» في سنة 1748. وإن كان «كوريس» يوناني الأصل، فقد كان كذلك «أوروبي» التكوين؛ فقد أوفده أبوه إلى أوروبا ليدرس فنون التجارة وأعمال المصارف في أمستردام، حيث عاش بها «كوريس» سنوات عدة، ثم إنه زار فينا وتريستا والبندقية، وأقام في هذه الأخيرة عامين قبل عودته إلى أزمير. # وفي سنة 1782 غادر «كوريس» أزمير مرة أخرى، فقصد إلى فرنسا ليدرس الطب في «مونبلييه» # Montpellier ~~، وكان لكلية الطب بها شهرة ذائعة، فأقام في هذا المكان حتى سنة 1788، ودرس في هذه المدة الطب والكيمياء، وتتلمذ على العالم الكيميائي المعروف «شابتال» # Chaptal # الذي وصل إلى مرتبة الوزارة في عهد نابليون الأول. ~~ وانتقل «كوريس» بعد ذلك إلى باريس، التي سماها «أثينا الصغيرة»، وقرر الإقامة الدائمة بها، وحدث هذا في الوقت الذي بدأت فيه الحركة الثورية في باريس، ثم امتدت إلى سائر أنحاء فرنسا. وتحمس «كوريس» تحمسا عظيما للآراء التي أتت بها الثورة الفرنسية. غير أن «كوريس» على خلاف مواطنيه المقيمين في أوروبا، والذين أعجبوا بالحوادث التي أفضت إلى وصول بونابرت إلى «القنصلية» في فرنسا، لم يلبث شعر بنفور عظيم من بونابرت الذي بزغ نجمه بعد «انقلاب بريمير». # ثم انتهى الأمر بأن صار «كوريس» يكره ما أسماه «بالطغيان النابليوني» كراهية ms0393 شديدة. وفي اللحظة التي توفي فيها «ريجاز» في سنة 1798، أصدر «كوريس» مؤلفا صغيرا، حمل فيه حملة عنيفة على حكومة النمسا التي اجترأت على تسليم «ريجاز»، الوطني العظيم، للعثمانيين حتى يفتكوا به. وفي هذا المؤلف دعا «كوريس» للثورة. ولما كان يريد أن يقف العالم على «حضارة» اليونانيين وأحوالهم في عصره، فقد وضع بحثا في هذا الموضوع تقدم به إلى «جمعية المهتمين بشئون الإنسان» # 27 # في سنة 1803. ولكن هذا الاتجاه صوب الثورة لم يستمر طويلا؛ لأن «كوريس» لم يلبث أن حول جهوده ونشاطه بعد ذلك في اتجاه آخر، للاهتمام بالناحية الثقافية والعلمية، فكان عمله في هذا الميدان أبقى وأعمق أثرا من نشاطه السابق. # وذلك لأن «كوريس» صار صاحب الفضل في أنه جعل اللغة اليونانية الحديثة لغة علم وأدب وثقافة، ولغة حضارة ومدنية. فاستطاع أن يهيئ لبلاده ذلك السلاح القوي الذي لا مندوحة عنه بتاتا في حياة الأمم والشعوب، ونعني به وجود لغة أهلية حية إلى جانب يقظة الشعور الأدبي، والقدرة على تذوق الأدب. وتلك هي العوامل التي ينشأ من تفاعلها الأدب الأهلي أو القومي. وكانت وسيلة «كوريس» إلى ذلك نقل المؤلفات الأجنبية المهمة إلى اللغة اليونانية «المحلية» التي يفهمها مواطنوه ويتكلمون بها في عصره. # فبدأ «كوريس» ينقل من الإنجليزية والألمانية، المؤلفات المعتمد عليها في دراسة الطب، إلى اللغة اليونانية. ثم نقل إلى اليونانية في سنة 1802 مؤلف العالم الجنائي والفيلسوف الإيطالي المشهور «بيكاريا» # Beccaria # عن الجرائم والعقوبات. # 28 # و«بيكاريا» أصله من ميلان، عاش من سنة 1738 إلى سنة 1794. وكانت ترجمة هذا المؤلف - على وجه الخصوص - السبب في ذيوع صيت «كوريس» وشهرته. # وإلى جانب ترجمة هذه المؤلفات الطبية والقانونية، أخذ «كوريس» على عاتقه نشر مؤلفات الإغريق القدماء. فبدأ بترجمة كتابات «سترابون» # Strabon # العالم الجغرافي الإغريقي، وكتب «كوريس» لهذه الترجمة مقدمة ذات قيمة علمية عظيمة، ثم إنه ترجم كتابات الفيلسوف «ثيوفراست» # Theophraste # الذي خلف أرسطو في «مدرسته»، وقد نشرت هذه الترجمة في سنة 1799، ثم عكف «كوريس» على نقل مؤلفات الطبيب الإغريقي «هيبوقراط» # Hippocrate ~~، وقصص ms0394 الروائي «لونجوس» # Longus # صاحب قصة «دافن وكليوي» # 29 # المشهورة، وكذلك كتابات المؤرخ والفيلسوف الأخلاقي «بلوتارك» Plutarque ~~، صاحب تراجم عظماء الرجال في اليونان ورومة. # ولقد عكف «كوريس» على نقل مؤلفات كل هؤلاء وكثيرين غيرهم من أعلام الكتاب وقادة الرأي والفكر الإغريقي القديم إلى اللغة «الأهلية» اليونانية. ثم إنه أسس في سنة 1807 علاوة على هذا كله «مكتبة يونانية» جمعت كل ما أمكن نشره من مؤلفات الإغريق القدماء. واستمرت هذه المكتبة قائمة حتى وفاته، وبلغ عدد مجلداتها (26) مجلدا. وعمر «كوريس» طويلا، فتوفي وهو في سن الخامسة والثمانين في سنة 1833. # وكانت رسالة «كوريس» التي كرس حياته لتأديتها هي تقريب «الفكرة اليونانية» من الذهن الأوروبي المثقف، وإذاعتها بين كل الأوساط المثقفة في أوروبا. ونجح «كوريس» في تأدية هذه الرسالة نجاحا كاملا. فكان هو إذن واضع أسس الحركة التي عرفت فيما بعد باسم «مناصرة الهيللينية» أو اليونانية Philhellénisme ~~. # وعلى ذلك، فقد صارت القومية اليونانية منذ ذلك التاريخ متيقظة لوجودها، وتشعر بأنه قد صار لها «وجود» وكيان فعلي. ومع ذلك، فقد كان لهذه اليقظة القومية ما يمكن تسميته «شخصية ثنائية»؛ ففي حين كان «العقل والروح» يعيش حرا طليقا في أجواء أوروبا و«نائيا»؛ أي خارج بلاد اليونان نفسها، بقي «الجسد والهيكل الجسماني» قابعا في عقر داره، عاجزا عن النشاط والحركة، ويرضخ لسلطان العثمانيين. ولقد كان متعذرا قيام الحركة الاستقلالية اليونانية، طالما بقي هذا الازدواج. فإذا اتحد الروح والجسد، وزالت هذه «الثنائية» بفضل نشاط جمعيات الإخوان «الهيتريافيلكي» ونشوب ثورة سنة 1821، صار ممكنا إنشاء دولة قومية يونانية مستقلة. # أما حركة اليونان القومية الأولى، والتي سردنا قصتها فيما تقدم، وجرت حوادثها في السنوات الأخيرة من القرن الثامن عشر، فقد كان الفشل نصيبها للأسباب التي حرصنا على بيانها أثناء هذه الدراسة. ومع ذلك - وبالرغم من إخفاقها - فلا جدال في أن هذه الحركة الأولى قد كانت فعلا ومعنى حركة قومية. # إرلندة # كانت الثورة الفرنسية بالنسبة لليونان العامل الذي جعل ممكنا أن تشعر لأول مرة بذاتيتها الخاصة بها، وأن تحاول تحقيق هذه الذاتية ms0395 وإبرازها، فكانت الثورة الفرنسية - لذلك - ذات آثار طيبة و«خيرا» على اليونان. # ولكن الأمر كان على العكس من ذلك بالنسبة لإرلندة. فالثورة الفرنسية كانت ذات آثار سيئة و«شرا» على إرلندة، ووبالا ونكبة عليها؛ لأنه كان بسبب الثورة الفرنسية أن حصلت الفرقة والانقسام في صفوف الإرلنديين نتيجة للأعمال غير الحكيمة وللأخطاء التي جعلتهم الثورة يرتكبونها. ثم إن الثورة سرعان ما أثارت في إنجلترة المخاوف العظيمة، حتى إن الحكومة الإنجليزية لم تلبث أن زادت من صرامة الإجراءات والتدابير التي كانت تتخذها ضد الإرلنديين من أجيال طويلة بقصد الحيطة والحذر منهم. # ففي السنوات التي سبقت الثورة الفرنسية، خصوصا منذ أن حصل برلمان «دبلن» على استقلاله في التشريع في سنة 1782، وخلال الأعوام التالية حتى سنة 1790، كانت الآمال منتعشة في إمكان تحسين أحوال البلاد، وأدخلت بالفعل بعض الإصلاحات الاقتصادية، مثل السماح بتصدير القمح الذي جعل ممكنا نمو زراعة الحبوب وتقدمها بعض الشيء، كما تقدم نسج القنب تقدما ملموسا. ولكن تلك كانت إصلاحات ضئيلة بالنسبة لما كانت تتطلبه البلاد، ثم إنها لم تقطع شوطا بعيدا. # وعلاوة على ذلك فقد بقيت الحكومة الإنجليزية تصم آذانها عن سماع مطالب الإرلنديين، وتمتنع عن إجابتها. فرفضت في سنة 1785 مشروعا تقدم به «وليم بيت» إلى مجلس العموم الإنجليزي لإلغاء القيود الاقتصادية وإجازة حرية التبادل التجاري مع إرلندة، فأدخل «وليم بيت» تعديلات كثيرة على مشروعه أفقدته طابعه الأساسي، وقيدت التجارة الإرلندية، وعندئذ نال مشروعه موافقة المجلس. ولكن «هنري جراتان» # Grattan # الزعيم الإرلندي والذي كان بروتستنتيا ومن أصحاب الأراضي، لم يلبث أن تصدى لمعارضته معارضة شديدة؛ لأن من بين التعديلات التي أدخلت - وطلب بعضها من البرلمان الإرلندي - استصدار القوانين التي تجعل نافذة في إرلندة، كذلك كل القوانين التي يصدرها البرلمان الإنجليزي بشأن «الملاحة». ومعنى ذلك إلغاء ذلك الاستقلال في التشريع الذي كان البرلمان الإرلندي قد ظفر به منذ أعوام ثلاثة فقط. # ولقد أراد أرباب الصناعة الإنجليز أن تبقى ضئيلة أجور العمال الإرلنديين المهاجرين إلى إنجلترة، فاشتدت معارضتهم ضد التخلي عن سياستهم الاقتصادية القديمة ms0396 إزاء إرلندة؛ ولذلك لم يحدث تغيير ما في النظام «القانوني» الذي وقع عبؤه الثقيل على كاهل الفلاح الإرلندي وأرهقه. ثم إنه كان بسبب الأزمة الاقتصادية المزمنة، أن ظهر منذ 1787 - وعلى نحو ما ذكرناه في موضعه - جماعة «الصبيان البيض» # Whiteboys # الذين استخدم البرلمان الإرلندي ضدهم أشد وسائل العنف للقضاء عليهم بدرجة فاقت في قسوتها وسائل البرلمان الإنجليزي للغرض نفسه. وهكذا فإن الإصلاحات القليلة التي حصلت، لم يفد منها سوى أهل الطبقة المتوسطة العالية؛ أي أعيان البورجوازية # Gentry # البورتستنت في إرلندة، وهي الطبقة التي أصرت على التمسك بامتيازاتها، فبقيت حينذئذ «المشكلة الإرلندية» دون حل. # وأظهر برلمان «دبلن» الخضوع الكامل في علاقاته مع الحكومة الإنجليزية، وكان هذا البرلمان يتألف دائما من أعضاء من البروتستنت. ولم يفد من الإصلاح سواد الشعب الكاثوليك في إرلندة، حتى إن البرلمان الإرلندي لم يلبث أن رفض مشروع إصلاح انتخابي وضعه «هنري جراتان» لإعطاء بعض حقوق الانتخاب للكاثوليك؛ وذلك لأن البروتستنت الذين هيمنوا على الإدارة في إرلندة وسيطروا على شئونها، لم يكونوا يريدون بتاتا إشراك أحد من الكاثوليك معهم في ممارسة السلطة التنفيذية أو السلطة الإدارية. # فبقي الحكم في إرلندة دائما في أيد أرستقراطية بروتستنتية، اكتفت بأن صارت تعامل سواد الشعب الكاثوليكي الذي وقع تحت سلطانها بالصورة التي أرادتها. ~~ وكأنما كان الكاثوليك «أتباعا» لهم. # تلك إذن كانت الحال في إرلندة عندما شبت نيران الثورة الفرنسية، والتي كان لها عند اندلاعها «تأثيرات سحرية». فإن الثورة سرعان ما أطلقت العنان لتدفق موجة عظيمة من الوطنية في إرلندة، وللمطالبة بالحقوق المغتصبة (1790). أما هذه الحركة الوطنية فقد تزعمها محام شاب بروتستنتي من أهل بلفاست، هو «ثيوبالد وولف تون» # Theobald Wolfe Tone ~~، وكان متأثرا بالآراء الجديدة التي أتت بها الثورة الفرنسية. رأى أن يجمع الإرلنديين قاطبة من بروتستنت وكاثوليك معا وفي صعيد واحد على أساس المطالبة بالإصلاح وإزالة المساوئ التي تشكو البلاد منها. وكان ذلك ولا شك تفكيرا جديدا، ومنهاجا للعمل جديدا أيضا، إذا عرفنا أن الاختلافات الدينية كانت دائما منبع التفرقة والانقسام ms0397 في إرلندة، والحائل القوي الذي يقف دون اتحاد الكلمة في أي جهد مشترك. # وعلى ذلك، فقد ضم «وولف تون» الإرلنديين الثوريين في جمعية تأسست في سنة 1791 باسم «جمعية الإرلنديين المتحدين» # 30 # بدأت بأن ضمت إليها البروتستنتيين الشماليين الذين لم يلبثوا أن رحبوا بانضمام الكاثوليك الرومانيين (أي أتباع كنيسة رومة) إليهم، وتولت إدارة هذه الجمعية لجنة تنفيذية من خمسة أعضاء. وكان واضحا أن برنامجها يقوم على الإصلاح ولا يهدف إلى الثورة، فقد نادت الجمعية بحقوق الإنسان، وطالبت بإصلاح البرلمان الإرلندي، وإزالة المساوئ التي يشكو منها الشعب. ثم إنها قامت بحملة شديدة ضد طغيان «الملاك» ورجال الكنيسة الإنجليكانية. # وقد ضم جهودهم إلى هذه الحركة الموجهة ضد الأرستقراطية التي حكمت البلاد، أتباع الكنيسة المشيخية (البرسبتيرية) الديمقراطيون في مقاطعة «ألستر» # Ulster ~~، وأتباع الكنيسة الكاثوليكية الذين ألفوا عصابات «المدافعين» # Defenders ~~، كما أسس البروتستنت جمعيات سرية، مثل جماعة «صبيان الفجر» Peep of Day Boys # الذين عرفوا فيما بعد باسم «أورانجمين» # Orangemen ~~. وكان زعماء هذه الحركة من الذين تأثروا بدراسة «جان جاك روسو»، حتى إنهم اعتبروا أنفسهم تلاميذ لهذا الفيلسوف الفرنسي، من هؤلاء «تاندي» # Tandy ~~، و«إميت» # Emmett ~~، و«أوكونل» # O’Connel ~~، و«فيتزجيرالد» # Firtzgerald ~~، ووقعت مصادمات كثيرة بين «المدافعين» و«صبيان الفجر». ولكن هذه المصادمات لم تقض على التحالف القائم بين البروتستنت والكاثوليك. # ثم تأسست جمعيات سياسية كانت أهمها «اللجنة الكاثوليكية» التي تألفت في فبراير 1792 لتعمل على ربط هذه الجمعيات السياسية في نوع من الاتحاد الفدرائي. ~~ وطالبت هذه الجمعيات بإلغاء قانون التمييز الطائفي، وبإعطاء الكاثوليك حق الانتخاب. وتقدم «هنري جراتان» بمشروع يتضمن هذه المطالب إلى البرلمان، ولكن كان نصيب هذه المطالب الرفض. وفي «بلفاست» انبرت جماعة أخرى تطالب من جانبها بالانفصال عن إنجلترة. # وكانت إنجلترة في هذا الوقت تعاني مصاعب متعددة، سببها رداءة المحصول وقلته، وارتفاع أسعار الخبز خلال شتاء (1791-1792)؛ الأمر الذي أدى إلى قيام حركة شعبية ديمقراطية في البلاد، ثم وقعت خلال الربيع الاضطرابات في المدن الصناعية. ~~ وكان من أسباب الاضطرابات التي حصلت ذيوع الآراء التي أتت ms0398 بها الثورة الفرنسية؛ فقد تألف بإنجلترة حزب راديكالي اعتنق هذه الآراء والمبادئ، وطالب بعقد مؤتمر وطني إنجليزي، واستطاع أن يعقد مؤتمرا وطنيا في اسكتلندة في شهر أكتوبر من سنة 1793، أرسل الإرلنديون ممثلين لهم به. وكان من مبادئ هؤلاء الديمقراطيين الإنجليز أن تنال إرلندة حريتها. وانزعج «وليم بيت» الأصغر والحكومة الإنجليزية من هذه الحركة، وأراد أن يدفع شرها، وإنهاء الأزمة؛ فقرر إجابة بعض المطالب، وبذلك نال الكاثوليك حق الانخراط في سلك المحاماة، والقيام بمهمة المحلفين في إرلندة (1792)، ثم أعطي الكاثوليك حق الانتخاب (1793)، على أن يكون هذا الحق من نصيب الذين يدفعون ضرائب قدرها أربعون شلنا، كما هو الحال في إنجلترة. ولكن الكاثوليك لم يعطوا في الوقت نفسه حق الترشيح للنيابة. # وفي سنة 1794، أرسل حاكما على إرلندة لورد «فيتزوليام» # Fitzwilliam # وكان من الأحرار. ولكن «سياسة إجابة المطالب» هذه التي سار عليها «وليم بيت» سرعان ما توقفت؛ بسبب الذعر الذي استولى على الإنجليز من جراء ما شاهدوه من نتائج انتصار الديمقراطية في فرنسا بعد انقلاب 10 أغسطس (1792)، وبعد انعقاد المؤتمر الوطني الفرنسي الذي انتخب على أساس حق الانتخاب العام، ثم إعدام الملك بعد ذلك بقليل (يناير 1793). فقد ترتب على تطرف الفرنسيين في تفسير معنى الديمقراطية، أن انفض كثيرون من الإنجليز الذين كانوا يعطفون على الثورة الفرنسية، ولم يعودوا يؤيدون «قضية» فرنسا. # ثم حدث في الوقت نفسه أن نشبت الأزمات الدبلوماسية بين إنجلترة وفرنسا بسبب فتح نهر «إيسكو» # Escaut # للملاحة الحرة؛ الأمر الذي أزعج إنجلترة. وقد أسفرت هذه الأزمات عن إعلان الحرب بين فرنسا وإنجلترة في بداية فبراير 1793. # وكان الإرلنديون هم الذي دفعوا الثمن! فقد قامت في إنجلترة حركة رجعية شديدة ضد الآراء الحرة وضد إرلندة، وصار من عداد الرجعيين كل من الملك جورج الثالث، والذي كان في عداء مستمر ومستحكم مع الكاثوليك، و«وليم بيت» الأصغر الذي كان يبدو قبل ذلك ميالا للتفاهم، وطلب لوردات إرلندة استدعاء «فيتزوليام»، فاستدعي هذا من منصبه في فبراير 1795، وحلت الحكومة «جمعية الإرلنديين المتحدين»، واضطر «وولف تون» و«فيتزجيرالد» إلى ms0399 العيش في المنفى بفرنسا. # وثمة نتيجة أخرى لحوادث الثورة الفرنسية، هي أن العنصر البروتستنتي الحر لم يلبث أن انفصل عن الكاثوليك في إرلندة، كما أزعج رجال الدين الكاثوليك ما صار يحدث من إثارة للخواطر في الريف خصوصا، ولما كان هؤلاء في عداء مستحكم ضد فرنسا، لموقفها العدائي على أيام الثورة ضد الكنيسة، فقد انصرفوا عن «الثوريين» الإرلنديين وخصوصا بعد أن أرهبتهم أعمال العنف التي قام بها هؤلاء في شتاء (1795-1796). # ومن هذا التاريخ، يمكن اعتبار غربي إرلندة إجمالا في حالة عصيان واضطراب شديدين، كانا مصحوبين بنوع من النشاط لا جدال في أنه كان ينبئ قطعا عن وجود حركة ثورية حقيقية في هذا القسم من جزيرة إرلندة. # ولقد أرادت فرنسا أن تستفيد من هذا الموقف في حربها مع إنجلترة. وعمل «وولف تون» من جهته - وهو لاجئ بفرنسا - على دفع الحكومة الفرنسية لاستخدام إرلندة كأحد أدوات الحرب ضد إنجلترة، وأوفدت «لجنة الخلاص العام» إلى إرلندة أحد رجال الدين البروتستنت القدامى، ويدعى «جاكسون» # Jackson ~~، ولكنه وقع في قبضة السلطات الإنجليزية التي ألقت به في غياهب السجون. وذهب «وولف تون» إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حتى يجمع الأموال اللازمة للحركة، ثم عند عودته من أمريكا في فبراير 1796، أخذ على عاتقه قيادة العمليات في إرلندة. وبذلك أمكن قيام حركة داخلية إرلندية، ثم أخرى خارجية فرنسية، كان الغرض منهما معا تخليص إرلندة. # فاحتشدت القوات الفرنسية في ثغر «بريست» # Brest # بقيادة الجنرال «لازار هوش»، وتهيأ أسطول من ثلاثين فرقاطة وخمس عشرة سفينة أخرى بقيادة الأميرال «بوفيه» # Bouvet # للنزول في إرلندة. ولكن هذا المشروع لم ينجح؛ لأن معظم قوات الحملة من برية وبحرية وصلت أمام خليج «بانتري» # Bantry Bay # في 22 ديسمبر 1796، ولم تستطع النزول إلى البر بسبب هياج البحر الشديد، فاضطرت إلى العودة بعد ثمانية أيام. وعندما حضر «هوش» نفسه ومعه جزء بسيط من قوات هذه الحملة، لم يجد في مكان المقابلة الذي حصل الاتفاق عليه سوى قطعتين من الأسطول فحسب، فأقلع بدوره عائدا إلى «لاروشيل» # Larochelle # التي ms0400 بلغها في 13 يناير 1797. ~~ وبذلك فشلت الحركة. # ولقد أعطى تعاون الفرنسيين واشتراكهم في هذه الحملة الإرلندية الإنجليز الفرصة التي ينشدونها لمعاملة الإرلنديين معاملة الثوار والعصاة. # ثم حصلت في غضون سنة 1797 محاولة أخرى، تهيأت الفرصة المناسبة لها بسبب ما كانت تعانيه إنجلترة آنئذ من أزمة مالية وسياسية عصيبة؛ فقد اعتنق «اليعاقبة» الإنجليز الفكرة الإرلندية، كما أن أصحاب هذه المحاولة الجديدة أرادوا الاستفادة من الصعوبات الداخلية في إنجلترة بسبب عصيان بحارة الأسطول الإنجليزي الرابض في «سبيت هيد» # Spithead # في أبريل من هذا العام. ولقد بلغ خوف الإنجليز من محاولة الفرنسيين إنزال جيوشهم بأرضهم، درجة جعلتهم يبدءون المفاوضة مع حكومة الإدارة في «ليل» # Lille # في يوليو 1797. وكان في هذه الظروف إذن وحتى يتخلص الإنجليز من متاعبهم في إرلندة، أن لعب هؤلاء لعبتهم الكبرى؛ أي بذر بذور الشقاق والتفرقة الدينية بين الإرلنديين الكاثوليك والبروتستنت، وبصورة نجحت في أن تفصل الإرلنديين عن الإنجليز فصلا نهائيا. # ففي سنة 1795 تأسست في «ألستر» جمعية «أورانجمين»، وهم الذين عرفوا أصلا - كما ذكرنا - باسم «صبيان الفجر». وقد نظمت هذه الجمعية العصابات للكفاح ضد الكاثوليك، ثم عمدت الحكومة في إرلندة إلى مطاردة الكاثوليك بأساليب تشبه في صرامتها وقسوتها الأساليب التي كان يتبعها لويس الرابع عشر لمطاردة البروتستنت في فرنسا بعد إلغاء مرسوم نانت. ولقد كان يبدو أن الحكومة الإنجليزية إنما تريد - متعمدة - إثارة العصيان في إرلندة حتى تتخذ من ذلك ذريعة للانتهاء «بضربة باطشة واحدة» من كل مشاكل إرلندة. # ولقد هدفت حركة إقليم «ألستر» إلى طرد الفلاحين الكاثوليك من مقاطعات إرلندة الشمالية الشرقية. وكان يوجد على حدود «ألستر» ومقاطعة «أرماغ» # Armagh # القريبة عدد كبير من «الملتزمين» الكاثوليك الذين كانوا مستخدمين في أملاك البروتستنت الواسعة، والذين أراد هؤلاء الآن التخلص منهم. فتألفت لذلك العصابات من البروتستنت ومن الكاثوليك واشتد النضال بين الفريقين، وانهزمت العصابات الكاثوليكية، فطرد البروتستنت الكاثوليك من مقاطعتي الشمال تماما، وذلك في نهاية عامين. # ولقد انعدم بسبب ذلك وجود أية روابط من الآن فصاعدا بين الراديكاليين وأتباع الكنيسة ms0401 المشيخية (البرسبتيرية) وبين الإرلنديين الكاثوليك. ومن الآن فصاعدا وطوال القرن التاسع عشر تحالف البروتستنت في إرلندة مع الحكومة الإنجليزية ضد الإرلنديين، وهكذا لم يلبث أن اختفى كل احتمال لإمكان إنشاء دولة إرلندية متحدة، وذلك حينما وقف سواد الشعب الإرلندي وهم كاثوليك في جانب، ووقف أهل المقاطعات الشمالية الغربية وهم بروتستنت في جانب آخر. # ومع ذلك، فقد كانت هذه السياسة الإنجليزية ذاتها، سياسة التفرقة الدينية، ثم ما كان يعانيه الإرلنديون من بؤس وشقاء، من الحوافز التي دفعت الإرلنديين دفعا إلى الانتقال إلى ميدان العمل في سنة 1798. فاندلع لهيب ثورة كبيرة في هذه السنة. ولكن هذه الثورة أخفقت، وكان الأثر الذي ترتب عليها أن انتهزت الحكومة الإنجليزية الفرصة لتتخذ منها ذريعة لإدخال تغيير جوهري على وضع البلاد السياسي. أما هذا التغيير الجوهري، فكان تحطيم الحكم الذاتي في إرلندة، واستصدار قانون الاندماج المعروف مع إنجلترة (1800) # Act of Union ~~. # وثورة 1798 ترتد في أصولها إلى الأسباب نفسها التي أثارت الحركات السابقة. ~~ فقد أخذ «وولف تون» يحرض حكومة الإدارة في فرنسا على إرسال حملة ثانية إلى إرلندة. ولكن دون جدوى؛ لأن فرنسا كانت مشغولة وقتئذ بالتفكير في مصير حملتها على مصر، فاكتفى «باراس» حينئذ ببذل الوعود المعسولة للإرلنديين، ومع ذلك فقد شجعت هذه الوعود الإرلنديين على الثورة. وعرف الإنجليز من أحد الخونة الذي أطلعهم على حقيقة ما يجري أن ثورة على وشك الاندلاع في إرلندة، فقرروا سبق الأمور بإلقاء القبض في «دبلن» على زعماء الحركة في 21 فبراير 1798. ونجح «فيتزجيرالد» في الفرار والإفلات من أيديهم. وبالرغم من ذلك أخفقت هذه التدابير في منع الثورة، فلم تلبث هذه أن شبت في مقاطعة «لينستر» # Leinster # في 24 مايو 1798، وكان قوامها الفلاحين الذين عضهم البؤس بنابه، ويقودهم رجال الدين مثل «مارفي» # Murphy # و«روش» # Roche ~~. كما كان من زعمائهم «هارفي » # Harvey # وهو بروتستنتي، ثم اشتدت الثورة وتفاقم خطرها خصوصا في المقاطعات الجنوبية، في «وكسفورد» # Wexford ~~، و«كلدير» # Kildare ~~. # وبادرت الحكومة الإنجليزية بإرسال جيش من ثلاثين ألفا بقيادة «كورنواليس» # Cornwallis # القائد ms0402 الذي حارب في أمريكا، لإخضاع الثورة. فأبدى الفلاحون الثوار مقاومة كبيرة، ولكن دون أن يكون لديهم أمل في النجاح، فانهزموا في «فينجر هيل» # Vinegar Hill # في 21 يونيو، ثم في «نيو روس» # New Ross ~~، وتشردوا متقهقرين إلى مرتفعات «ويكلو» # Wicklow ~~. وفي الشمال قضي على الثورة بسهولة أكثر، وكان نصيب رؤسائها الموت شنقا، كما ألقي القبض على «فيتزجيرالد» وألقي به في السجن، ومات به من جروحه. # ولقد كان عندئذ، وفي هذا الوقت المتأخر جدا، أن تهيأت «حملة فرنسية» لغزو إرلندة. فأعدت ثلاثة حشود للقوات الفرنسية؛ أحدها في «روشفور» # Rochefort # بقيادة الجنرال «همبرت» # Humbert ~~، وهذه القوة نزلت في «كلدير» من أعمال «كونوت» # Connaught # في 22 أغسطس 1798، ولم يكن عددها يزيد على ألف رجل تقريبا. وكان سبب نجاح نزولها إلى البر أنها فاجأت قوات المليشيا في «كاستلبار» # Castlebar ~~، ولكن ما إن زالت الدهشة، حتى شرع الإنجليز يطوقون الغزاة، وأوقعوا بهم الهزيمة وأرغموهم على التسليم في 9 سبتمبر. # وأما القوة الثانية فكانت بقيادة «هاردي» # Hardy # و«وولف تون». وقد تأخر خروجها من «بريست» بسبب خيانة قومسيير الخزينة الذي كان ضالعا مع الإنجليز، والذي استطاع بسبب البيروقراطية وأساليب «الروتين» المعقدة أن يعطل خروج الحملة ويتسبب في تأخيرها، حتى إذا علم الإنجليز بخروجها أخيرا، استطاعوا القضاء عليها أثناء عبورها البحر، ثم إنهم ألقوا القبض على «وولف تون» الذي انتحر في محبسه. أما القوة الثالثة التي اجتمعت في «دانكرك» فإنها لم تستطع الخروج أصلا. # والذي يتبين من هذه الأحداث أن العصيان أو الثورة أو «النجدة» الفرنسية، كانت جميعها محاولات فاشلة، لم يكن لها من أثر سوى أنها حفزت الإنجليز إلى مقابلتها بتدبير سلسلة من «المذابح» المنظمة، عرفت باسم «الإرهاب الأورنجي» # Orange Terror ~~، وصفه أحد المعاصرين الإنجليز # 31 # بأنه كان شبيها في فظاعته وبشاعته «بمذابح سبتمبر» المعروفة في فرنسا، أو بحوادث الإعدام والضرب بالرصاص التي وقعت في ليون، وشبه كاتب آخر # 32 # الرؤساء الإنجليز برجال عهد الإرهاب في فرنسا : روبسبيير، و«كاريير» و«كوتون» وغيرهم. وهكذا قضي على الثورة، وتحطمت إرلندة ms0403 بسبب هذه المجازر والكوارث. وكان من أثر تحطيمها بهذه الصورة أنها لم تلبث أن عادت تعيش في خمول ويأس «كجثة هامدة مسجاة على مشرحة». # وأرادت الحكومة الإنجليزية أن تضع حدا نهائيا لكل هذه الانزعاجات التي كانت تسببها لها إرلندة، ثم إنها أرادت في الوقت نفسه أن تسيطر سيطرة مباشرة على شئون الإدارة في الجزيرة. فأخذت تعمل ليس فقط لإعادة التنظيمات القديمة، وإلغاء ما كانت قد حققته من مطالب الإرلنديين سابقا، والحقوق التي أعطتها لهم، بل صارت تعمل قبل كل شيء لوضع إرلندة خارج نطاق المساومة الدولية. ولقد كان في مقدورها أن تفرض النظام الجديد الذي أرادته على إرلندة فرضا، ولكنها آثرت بدلا من ذلك الاعتماد على المداهنة والنفاق في تنفيذ أغراضها. # فراحت تزعم أن اسكتلندة لم تعرف الرخاء والتقدم إلا منذ أن ارتبطت بإنجلترة مباشرة؛ ولذلك فمن صالح إرلندة أن تحذو حذو اسكتلندة حتى تنعم هي الأخرى بالرخاء كذلك. ثم عملت إنجلترة على «تطهير» كل وظائف الإدارة العامة في إرلندة من «الوطنيين» الذين اشتهر عنهم تعلقهم بالوطن ومحبته. وعمدت الحكومة إلى ابتياع كل ما عثرت عليه من الدوائر البرلمانية المعروفة باسم «الدوائر العفنة» # 33 # لتضمن الفوز بأكثرية ساحقة عند الانتخابات. ثم إن الحكومة راحت تبيع ألقاب النبل والشرف إلى أعيان الطبقة المتوسطة # Gentry ~~، بما قيمته مليون ونصف مليون من الجنيهات، وبذلت الوعود للكاثوليك بإعطائهم كل الحقوق التي يطلبونها، بمجرد اتحاد أو ارتباط إرلندة بإنجلترة. # وبهذه الوسائل إذن نجحت الحكومة في الظفر بتأييد بعض الزعماء الإرلنديين مثل رئيس أساقفة دبلن، وأحرزت أكبر نجاح لها عندما استطاعت بفضل الأكثرية التي كانت لها داخل البرلمان في إرلندة أن تجعل هذا البرلمان يقترع في صالح «قانون الاندماج» في المملكة البريطانية المتحدة في 5 فبراير 1800، وهو القانون الذي لم يلبث أن نال تصديق البرلمان الإنجليزي عليه في وستمنستر في شهر مايو من السنة نفسها، ثم وضع موضع التنفيذ ابتداء من أول يناير 1801. وفي هذا التاريخ اجتمع أول برلمان للمملكة «البريطانية» المتحدة. # وكان بفضل «قانون الاندماج» ms0404 هذا أن ألغي برلمان إرلندة. وبدلا من وجود برلمان في إرلندة، صار من الآن فصاعدا يمثل الإرلنديين في البرلمان الإنجليزي أربعة أساقفة، وثمانية وعشرون نبيلا من بلاد إرلندة في مجلس اللوردات، ثم مائة نائب بنسبة نائبين عن كل مقاطعة، والباقون عن ست وثلاثين دائرة برلمانية # Boroughs # في مجلس العموم. # وفي المقاطعات كان الناخبون هم أصحاب الأملاك الحرة # Freeholders # الذين يبلغ دخلهم أربعين شلنا، أو يدفعون «التزاما» قدره أربعون شلنا، وكان عدد هؤلاء عظيما، وهم من الفلاحين الذين كانوا تحت سيطرة «كبار الملاك» ويدلون بأصواتهم في الانتخابات حسب مشيئة هؤلاء. # ومع ذلك، فقد كان واضحا أن هذا التوسع في إعطاء حق الانتخاب لهؤلاء الفلاحين، سوف يعود بالخطر على الإنجليز أنفسهم يوما من الأيام، عندما يتيقظ الفلاحون لقوميتهم، ويبدءون يشعرون بذاتيتهم. أما في الدوائر البرلمانية في المدن والمناطق الصناعية وما إليها # Boroughs # فقد أعطي حق الانتخاب لأعضاء النقابات ولأصحاب الأملاك «والعقارات» الحرة، كما أعطي هذا الحق أيضا أصحاب الأملاك المؤجرة أو النزل # Landlords ~~، ثم إنه قضى كذلك على عدد من هذه الدوائر البرلمانية في نظير دفع تعويض لأصحاب الأملاك بها. # وبمقتضى «قانون الاندماج» صار التبادل التجاري بين إرلندة وبريطانيا حرا طليقا، ثم إن نسبة ما طلب إلى إرلندة أن تساهم به في الميزانية العامة، قد قدر بما يساوي خمس الميزانية الإنجليزية. ومع ذلك فقد بقي «الدين الإرلندي» منفصلا عن ديون المملكة المتحدة العامة، بصورة جعلت الإرلنديين يتحملون عبء هذا الدين الضخم الثقيل وحدهم. وأخيرا فقد ترك «قانون الاندماج» النظام القضائي في إرلندة مستقلا استقلالا ذاتيا برئاسة الحاكم العام # Lord-Lieutenant ~~، والقصر # Castle # في دبلن. # ولكن «التمثيل البرلماني» المزعوم الذي أعطي لإرلندة لم يكن يؤدي الغرض منه؛ لأن إرلندة لم تكن في حقيقة الأمر «ممثلة» في البرلمان الإنجليزي أو برلمان المملكة المتحدة. ينهض دليلا على ذلك أن النواب عن إرلندة كثيرا ما كانوا من الإنجليز وليسوا إرلنديين، فبلغ عدد النواب مثلا في سنة 1807 ثلاثة عشر نائبا إنجليزيا في مجلس العموم، من بين ستة ms0405 وثلاثين نائبا عن الدوائر البرلمانية # Boroughs ~~، فبقيت السلطة التشريعية في الحقيقة في أيدي الإنجليز أنفسهم. وحيث إن الإنجليز كانوا أصحاب السيطرة، ويستأثرون بكل أسباب السلطتين التنفيذية والإدارية في إرلندة، فقد صار الإرلنديون لا يملكون شيئا من السلطة المحلية. ثم انعدم وجود أية حماية سياسية تحول دون وقوع الإرلنديين تحت سيطرة الإنجليز الكاملة؛ لأنه كان بالوزارة الإنجليزية وزير لشئون إرلندة من جهة، ولأن الكنيسة والجيش في إرلندة صارا مندمجين بالأنظمة الإنجليزية. # وعاشت إرلندة في خمول وخمود، ولا يحرك الإرلنديون ساكنا. ومع ذلك، فقد حدث ما عكر هذا الهدوء قليلا، عندما انبرى شاب بروتستنتي - «روبرت إميت» # Emmet ~~، وكان شقيقا لأحد زعماء الثورة في سنة 1798 - يريد مهاجمة «القصر» في دبلن على رأس بضع مئات من الإرلنديين (25 يوليو 1803). ولكن حركة هذا العصيان الصغيرة لم تلبث أن أخفقت عندما عجز الثوار عن الاستيلاء على «القصر» ولو أنهم أفلحوا في قتل رئيس القضاة «كيلواردن» # Kilwarden ~~، فاضطروا للالتجاء إلى مرتفعات «كيلكو» # Kilkow ~~، وتهيأ «روبرت إميت» للفرار إلى فرنسا. ثم أراد قبل إقلاعه توديع خطيبته فذهب إلى دبلن، حيث قبض عليه بها وشنق. وفي هذه المرة لم تأت أية نجدات للعصاة من فرنسا. وأما المهاجرون الإرلنديون في فرنسا فقد أنشئوا «فرقة إرلندية» # 34 # حاربت في صفوف جيش «القنصلية». # واتخذ الإنجليز مرة أخرى من هذا العصيان ذريعة لاستصدار طائفة من القوانين الصارمة وإعلان الأحكام العرفية في البلاد وإطالة مدتها. ثم إن الإنجليز سرعان ما أحكموا الرقابة على إرلندة، وخصوصا أثناء «الحصار القاري» الذي فرضه نابليون لإغلاق الموانئ في القارة الأوروبية في وجه الإنجليز. وأفاد هؤلاء من الرقابة المشددة على إرلندة من الناحية الاقتصادية، عندما صاروا يستولون على منتجات البلاد من الحبوب والأقمشة، وعاون أهل «ألستر» البروتستنت معاونة صادقة، الإنجليز في تنفيذ هذه «السياسة». ولقد ترتب على ذلك أن اتسعت لدرجة عظيمة الهوة التي صارت تفصل تماما بين هؤلاء «الأورانجمن» أهل «ألستر» البروتستنت، وبين سائر أهل إرلندة. # وعلى ذلك، فقد بقيت الآن الكنيسة الكاثوليكية، هي وحدها المؤسسة التي ms0406 صار في مقدور الحياة الوطنية أو القومية في إرلندة، الاعتماد عليها، ولقد اضطرت هذه الكنيسة في مبدأ الأمر أن تحني رأسها لحظة أمام العاصفة؛ وذلك لما كانت تعانيه من أحوال سيئة، حينما لم يكن لديها «كنائس» للعبادة، ولكن «مصليات» أو معابد صغيرة، حتى إن القساوسة الإرلنديين كثيرا ما كانوا يضطرون لإقامة القداس في الهواء الطلق، أو داخل الأكواخ والأهراء، وكانت هذه في أحايين كثيرة مهدمة مخربة، بل لقد حدث ذات مرة أن سقط في «كالاه» # Callah # سقف المكان على المصلين، فلم يحرك هؤلاء ساكنا حتى انتهوا من القداس. # ثم إن القساوسة الكاثوليك الإرلنديون كرهوا «الثورة الفرنسية»، وكرهوا كل الآراء الجديدة التي أتت بها؛ وذلك لأن «الثورة» اضطهدت الكنيسة وحاربت الدين، وجعلت هذه الكراهية هؤلاء القساوسة وقسما من أعيان الطبقة المتوسطة الكاثوليك، يصدقون بسهولة الوعود التي يبذلها لهم «وليم بيت» الذي صار يمنيهم - في نظير «الاندماج» مع إنجلترة - بأن ينال الكاثوليك حقوقهم، وأن يتحرروا من القيود المفروضة عليهم. بل لقد أمكن التأثير عليهم لدرجة أنهم دخلوا في مفاوضة تستهدف إبرام اتفاق مع البابا «كونكردات»، وكان مما شجعهم على ذلك إبرام «بونابرت» اتفاقية «الكونكردات» مع البابا (1801-1802). # فقد بدأ عشرة أساقفة في سنة 1799 محادثات لهذا الغرض مع الحكومة الإنجليزية، ومن غير أن يستشيروا زملاءهم أو «رعيتهم» في ذلك، وقوبلت هذه الرغبة بالعطف من ناحية الكنيسة في رومة، وشجع النائب الرسولي «جون موهنر» # Muhner # المفاوضة، وكانت القواعد التي بحثت ليقوم عليها «الاتفاق الكنسي» المنشود، تتلخص في أن يكون للحكومة الإنجليزية حق الاعتراض عند تعيين الأساقفة، في نظير قيامها بدفع مرتبات الكاثوليك، وذلك قبل تقديم القائمة الخاصة بأسماء المرشحين للأسقفية إلى رومة، كما أنه طلب من الخوارنة أن يحلفوا يمين الولاء للحكومة بطريق الأساقفة. # ولقد استمرت المفاوضات فترة من الزمن، ولكنها باءت بالفشل أخيرا، بعد أن أثارت غضب رجال الدين الآخرين الذين لم يشتركوا فيها، وخصوصا «أورايلي» # O’Reilley # رئيس أساقفة أرماغ، و«مويلاند» # Moyland # رئيس أساقفة «كورك»، في حين كان «تروي» # Troy # رئيس أساقفة ms0407 دبلن يتزعم المؤيدين لهذه المفاوضات. # ومن ناحية أخرى، فإن هذه المفاوضة لم تلبث أن أثارت كذلك غضب «العلمانيين» - أي من غير رجال الدين - خصوصا «أوكنل» المحامي الشاب الذي ارتفع صوته لأول مرة في هذه المناسبة، فكان بسبب سورة الغضب هذه إذن أن اضطر المفاوضون إلى النكوص على أعقابهم. واجتمع مجلس الأساقفة الذي أعلن بالإجماع أنه لا مسوغ لأي تغيير يحصل في وضع الكنيسة، ولا حاجة لهذه به، ووقفت المسألة حينئذ عند هذا الحد. # على أن عددا من «الويجز» الإنجليز، كانوا بصورة أو بأخرى يريدون أن ينال الكاثوليك حقوقهم. ومن هؤلاء «شارلس جيمس فوكس» # Fox # زعيم الأحرار الذي تعين وزيرا للخارجية في «وزارة كل أصحاب المواهب» المشهورة في إنجلترة والتي تألفت في بداية سنة 1806. فقد أراد فوكس أن يكون للإرلنديين حق الحصول على الرتب العسكرية في الجيش، ولو أن شيئا من هذا لم يحدث. وفي سنة 1812 كان «الويجز» في مجلس العموم أصحاب الأكثرية، ناصروا مشروع قانون يرمي إلى «تحرير» الكاثوليك وإعطائهم حقوقهم لقاء «ضمانات» معينة طلب إلى الإرلنديين تقديمها، ولكن هذه المحاولة أخفقت، ولم يلبث أن اقترع البرلمان في العام التالي ضد هذا المشروع. ولم يعتقد الإرلنديون أنفسهم أن الاتفاق ممكن مع «الويجز» الأحرار. # ولما كانت الكنيسة في رومة قد نصحت الكاثوليك الإرلنديين بأن يلزموا سياسة «مسالمة وودية»؛ فقد أعد الأساقفة مذكرة في لهجة قوية، بعثوا بها إلى رومة، قالوا فيها: «إنه يتعذر عليهم أن يدركوا كيف يمكن تجنب مخاوفهم على صالح الكنيسة الكاثوليكية الرومانية في إرلندة، أو كيف ينبغي تفادي هذه المخاوف، بواسطة قرار تتخذه أو تقترحه السدة الرسولية، ليس دون موافقتنا عليه وتأييدنا له وحسب، بل ومع مناقضته التامة لقراراتنا المتكررة.» # وجاء هذا الموقف الصريح ضد أية «مسالمة» مؤذنا بتكتل الأساقفة في مجموعهم، في صف المقاومة في إرلندة. # وعلى ذلك، فإنه بعد تلك «اللحظة» القصيرة التي أحنت فيها الكنيسة في إرلندة رأسها أمام العاصفة، سرعان ما شرعت هذه تجمع قوتها، متهيئة للكفاح بشدة وصرامة ضد أصحاب السيطرة الغاشمة. ms0408 ولقد كان من أسباب هذا التكتل وثوق الكاثوليك الإرلنديين من أن الإنجليز سوف يرفضون لا محالة أية مطالب قد يتقدمون بها إليهم للظفر بحرياتهم وحقوقهم. ومبعث هذا الاعتقاد ما كان معروفا عن عداء الملك جورج الثالث لهم، ومعارضته العنيفة ضد أي «تنازل» من هذا القبيل يحصل لصالحهم. كما كان متوقعا إذا جد الجد أن يعمد الإنجليز دائما إلى التكتل ضد إرلندة. # وهكذا، فإنه لم يلبث أن حدث تطور قومي واضح المعالم بين القساوسة الكاثوليك، بعد أن كانوا قد أحنوا رءوسهم قليلا للعاصفة. فقد حدث بعد أن خف تطيبق القوانين الصارمة لفترة قصيرة فقط، ابتداء من سنة 1795، أن تأسست في «ماينوث» # Maynooth # مدرسة إكليريكية، فتحت أبوابها في العام التالي؛ فأمدت هذه المدرسة الكنيسة بالقساوسة اللازمين للخدمة الدينية في إرلندة، وكان الأساتذة الذين تولوا التدريس بهذه المدرسة من بين القساوسة الذين حضروا من فرنسا في بادئ الأمر، وهم الذين تخرجوا عموما في كليات «السوربون». # ومن هؤلاء الذين جاءوا من فرنسا، كان «آبيه ديلاهوج» # Delahogue # من باريس، و«آبيه أهيرن» # Aherne # من «شارتر» # Chartres ~~، وزميله «ديلوست» # Delost # من بردو، وهؤلاء جميعا نشئوا على النظام الجاليكاني في فرنسا؛ ولذلك فقد صاروا يدعون لضرورة خضوع الكنيسة للحكومة (أو الدولة). # على أن تلاميذ هذه المدرسة الإكليريكية كانوا من أهل البلاد، ومن أبناء الفلاحين الذين قاسوا حياة البؤس وعض الفقر أسرهم بأنيابه، وتذوقوا طعم السيطرة الإنجليزية الباطشة، فملأ الغضب نفوسهم، واستبدت بهم الكراهية ضد أصحاب الأملاك. فأخرجت هذه المدرسة وبسرعة فائقة، طائفة من القساوسة والخوارنة للخدمة في كنائس القرى أولا، ثم للعمل كأساتذة ومدرسين، ثم تأدية وظائف الأساقفة بعد ذلك، وفي صدورهم جميعا كانت تغلي مراجل الوطنية، وذلك بالرغم من أنهم تلقوا العلم على أيدي «الجاليكانيين» الفرنسيين. # فكان القساوسة المتخرجون في مدرسة «ماينوث» الإكليريكية رجالا وطنيين من الطراز الأول، أخذوا على عاتقهم من أول الأمر إرغام الرؤساء والزعماء «الانتهازيين» على الإخلاد إلى الهدوء والسكينة، وإلا كشفوا هويتهم، وفضحوا أمرهم للناس. # وفي النصف الأول من القرن التاسع عشر تسلم ms0409 رجال الدين هؤلاء قيادة حركة المقاومة، والمطالبة بالحقوق المشروعة في إرلندة، ثم إن هؤلاء هم الذين انبروا يؤيدون «أوكنل» في كتلة متراصة من ورائه، في حركة المطالبة بحقوق الإرلنديين وتحريرهم. # وفضلا عن ذلك، فقد عنوا عناية فائقة بمشكلات التعليم والتربية، وبذلوا قصارى جهودهم للارتقاء بمستوى سواد الشعب الإرلندي، كما كان من آثار نشاطهم أن وقفت تماما أعمال المبشرين التابعين للكنيسة الإنجليكانية، وكان هؤلاء قد بدءوا جهودهم التبشيرية غداة صدور «قانون الاندماج»؛ فأسسوا عددا من الجمعيات الروحية والإنسانية معا لخدمة الروح البشرية، وعمدت هذه الجمعيات إلى استمالة الإرلنديين وجذبهم لاعتناق المذهب الإنجليكاني، عن طريق الهبات المادية، والأقوات والأرزاق التي صارت توزعها عليهم، حتى سميت حركتهم «بالحسائية» نسبة لوجبة الحساء التي كانوا يوزعونها. ومع ذلك فإن الإرلنديين ما كانوا يرضون إطلاقا بالتخلي عن روحهم القومية، في نظير «وجبة الحساء» هذه. # وفي سنة 1802، أسس الأساقفة الإرلنديون الجمعيات الدينية، أو «الإخوان المسيحيين»، # 35 # ثم إنهم أسسوا في سنة 1808 جماعة «إخوان القديس باتريك»، # 36 # أما هاتان الجماعتان فقد اختصتا بتربية الأطفال وتعليمهم، ونشر التعليم الابتدائي عموما، كما أشرفت «أخوات المحبة» # 37 # على تعليم وتربية البنات. فكانت هذه تربية ابتدائية دينية مستقلة، تغلبت على قسوة النظام القائم على القوانين التأديبية من جهة، وأنشأت الشباب تنشئة جديدة قوامها تغذية الروح القومية (الوطنية) ودعمها من جهة أخرى. # ولا جدال في أن نتائج هذا النشاط كله لم يكن متوقعا ظهورها إلا بعد مرور فترة من الزمن. ومع ذلك، فقد كان واضحا أيضا أنه من هذا الحين إلى سنة 1815، لم يعد هناك مجال لظهور أية قوى رجعية في إرلندة. حقيقة لم يشعر الإرلنديون وقتئذ بأنهم قد صاروا مندمجين وممتزجين في كتلة متراصة ومتماسكة وقوية بدرجة كافية. ولكنه كان واضحا أنه بات من المتعذر الآن القضاء على ذلك الروح القومي الذي بدأ ينتعش ويتحرك، بل لقد صار منتظرا أن يبرز هذا الشعور القومي طفرة ومفاجأة ودون سابق إنذار. إذا ما تهيأت الفرصة المناسبة لحدوث ذلك. وانتهز الإرلنديون مجيء هذه الفرصة ms0410 المناسبة. ولقد كان بفضل كل الأحداث التي وقعت خلال الأجيال الغابرة أن صار للإرلنديين الآن «شهداء»، وصارت لهم «أساطير» وأقاصيص «بطولة » ومغامرة، وتقاليد تحفظ لهم هذا التراث ويتوارثونها. # والذي تجدر ملاحظته أن الفكرة الإرلندية قد صارت متجسدة الآن في «الكنيسة»؛ وذلك لأن الروح الإرلندية، إنما هي روح كاثوليكية في جوهرها، وتسيطر على الإرلنديين العاطفة الدينية، ووجدت هذه القومية الإرلندية في العقيدة «الدينية» الصورة التي ظهرت بها، والشكل الذي برزت فيه وقتئذ. # الخلاصة # تلك إذن كانت الحركات الثلاث التي كان للثورة الفرنسية أثر ظاهر عليها. ~~ ولعل أول ما يسترعي الانتباه في تاريخها، إذا استثنيت كل من ألمانيا الغربية وإيطاليا، وهما اللتان تداعت أركانهما تحت معول الثورة الفرنسية، أن الثورة قد أحدثت تفاعلا عظيما بفضل كل تلك الآراء التي أتت بها، وأن هذا التفاعل كان أبعد أثرا وأوسع نطاقا مما فعلته الثورة ذاتها بحوادثها ووقائعها؛ فقد كانت الثورة الفرنسية وليدة النظريات والآراء التي ظهرت وتكونت خلال القرن الثامن عشر، والتي أجملتها فلسفة «جان جاك روسو» السياسية، والثورة الفرنسية كذلك هي الأداة التي أعطت هذه الفلسفة السياسية التي أتى بها «روسو» القدرة على الذيوع والانتشار، دون أن يستطيع إنسان وقف هذا الذيوع والانتشار. # ومن ناحية الأثر الذي كان للثورة الفرنسية، بشأن الفكرة القومية، فمما لا شك فيها، أن الثورة بطابعها «التعقلي» و«التعميمي»، قد تمكنت من خلق أو إيجاد «الوحدة الروحية» في أوروبا، ولكن على أساس جديد غير تلك «الفكرة المسيحية» السابقة. ورسخ في ذهن رجال الثورة أن الآراء التي تأثروا بها والمبادئ التي استرشدوا بها، والوحي الذي استلهموا منه نشاطهم، كل أولئك من الممكن أن يخضع له ويتأثر به كذلك وبالدرجة ذاتها كل الأفراد، أيا كان هؤلاء الأفراد، وفي كل البلدان أيا كانت هذه البلدان. ينهض دليلا على ذلك ما فعلته «الجمعية الأهلية التأسيسية» باستصدار قرارها المعروف في 30 نوفمبر 1790 لمنح حق التجنس بالجنسية الفرنسية كل أجنبي أقام بفرنسا مدة خمس سنوات، وكان له أملاك أو تجارة بها أو متزوجا من فرنسية، ms0411 ولم يشترط القرار لقاء ذلك سوى شرط واحد فقط، هو حلف «اليمين المدنية» يمين المواطن الفرنسي. # ولقد اتخذت «الجمعية التشريعية» بعد أربعة أشهر من إعلانها الحرب ضد النمسا وبروسيا، قرارا جاء فيه: «إنه لما كان متعذرا اعتبار الرجال الذين خدموا قضية الحرية، ومهدوا لتحرير الشعوب بكتاباتهم وشجاعتهم، أجانب في أمة تضافرت بها أسباب العلم والمعرفة، والبسالة التي اتصفت بها على تحريرها، وانطلاقها من كل قيد، وحيث إنه يكفي أن يقيم الأجنبي في فرنسا خمس سنوات حتى يحصل على لقب مواطن فرنسي، وذلك لقب يستحقه عدلا وأكثر من أي إنسان آخر، ومهما كان منبتهم، كل أولئك الذين شحذوا كل قواهم، وخصصوا كل جهودهم للدفاع عن قضية الشعوب ضد طغيان الملوك، ولإبعاد البغاة جميعهم من وجه الأرض، ولتقوية الأمل بأن البشر يوما ما سوف يؤلفون أمام القانون كما هم في حال الطبيعة أسرة واحدة ومجتمعا واحدا؛ لذلك فإن الأمة الفرنسية التي أعلنت عزوفها عن كل الفتوحات، ورغبتها الصادقة في التآخي مع الشعوب قاطبة، ترى عسيرا عليها عدم الاعتزاز بأصدقاء الحرية والإخاء العالمي هؤلاء. # ولما كان قد صار وشيكا اجتماع مؤتمر وطني، فقد صار لزاما على شعب حر كريم أن يوجه دعوته لكل أعلام الثقافة والتنور، وأن يخول حق المشاركة في أعمال العقل والفكر العظيمة، رجالا ثبتت جدارتهم بأن يشاركوا في ذلك، بفضل ما تميزوا به من عواطف نبيلة وبسالة كبيرة، وبفضل ما دبجه يراعهم من كتابات مجيدة.» # وبسبب هذا القرار إذن، صار اعتبار ثمانية عشر كاتبا ومفكرا من أعلام الكتاب والمفكرين الأجانب مواطنين فرنسيين. ولا جدال في أن استصدار هذا القرار إنما يدل على مقدار ما كان يجيش في صدور رجال الثورة الفرنسية، من مشاعر وأحاسيس، مبعثها تلك «المثالية» التي اعتنقوها عن عقيدة حقة وفي حماس شديد. ~~ ولقد كانت المبادئ والآراء التي عملت الثورة على ترويجها في أوروبا تنطوي على «مثل عليا» تنادي بالأخوة العالمية؛ أي ذلك الشعور بالتآخي الذي يحس بفضله أبناء مختلف البلدان في أوروبا أن هناك صلة واحدة؛ صلة ms0412 الأخوة السامية هي التي تربط بينهم جميعا. # وغني عن البيان أن هذه الآراء كانت تبعد كل البعد عن فكرة القومية، ومع ذلك فقد كان بفضل هذه الدعوة الإنسانية العالية التي وجهتها الثورة الفرنسية لشعوب أوروبا، أن صار للثورة أثر فعال في تفكيك أوصال دول وممالك «النظام القديم» حتى يتسنى إعادة تأليف وتكوين عناصر أخرى على أسس جديدة، سوف تصبح ذات طابع قومي خاص بها، ويميزها عن بعضها بعضا. # ولقد كان بهذا المعنى إذن أن هيأت الثورة الفرنسية الفرصة السانحة، كما صارت العامل القوي، الذي ساعد «القوميات» التي وقعت تحت نير السلطات الاستبدادية، على تحقيق مطالبها. ومع ذلك، فقد استمر باقيا ذلك المثل الأعلى الذي جاءت به الثورة، وكما كان دائما، ونعني به إنشاء مجتمع من الأمم الحرة كخطوة تالية؛ ذلك بأن الثورة في تفكيك أوصال الدول القديمة في «النظام القديم» وإعادة بناء الصرح الأوروبي على قاعدة القومية الجديدة، إنما كانت تعمل من أجل تحقيق مثلها الأعلى في الحقيقة، مثل الأخوة العالمية. # ولا جدال في أن أثر أو فعل الثورة في كلا الحالين ظل متفوقا في ميدان الفكر عما كان عليه الحال في ميدان العمل المادي. ولكن الثورة بقيت في تفاعلها وتأثيرها على أوروبا - الآن - وفي الأزمان المستقبلة بمثابة العقيدة، ذات التأثير السحري العميق. وفي هذا المعنى كان سر بقائها وخلودها، فاستمرت في السنوات التالية في أذهان الشعوب فكرة محركة، وقوة دافعة، وبرنامجا ينشد الجميع تحقيقه. وعلى هذا الاعتبار كانت «الفكرة القومية» ترتد في أصولها حقا إلى الثورة الفرنسية. # المقدمة‏ # الكتاب الثالث‏ # الباب الأول: القنصلية‏ # تمهيد‏ # 1 - دستور العام الثامن‏ # 2 - السلام العام‏ # 3 - الإصلاح الداخلي: مجد القنصلية‏ # 4 - التمهيد للإمبراطورية‏ # الباب الثاني: الإمبراطورية‏ # تمهيد‏ # 1 - دستور العام الثاني عشر‏ # 2 - نظام الإمبراطورية‏ # 3 - أوج الإمبراطورية: من أوسترلتز إلى تلست‏ # 4 - أزمة الإمبراطورية: الحصار القاري‏ # 5 - نهاية الإمبراطورية‏ # 6 - حكم المائة يوم وواترلو‏ # الباب الثالث: أوروبا والإمبراطورية‏ # 1 - سياسة الإمبراطورية‏ # 2 - المقاومة ضد فرنسا‏ # 3 - انهيار السيطرة النابليونية‏ # الخلاصة‏ # الكتاب الرابع‏ ms0413 # المقدمة‏ # 1 - التسوية الأوروبية‏ # 2 - الاتحاد الأوروبي1‏ # 3 - المسألة الشرقية‏ # 4 - فرنسا (1815-1848)‏ # الخلاصة‏ # المقدمة‏ # الكتاب الثالث‏ # الباب الأول: القنصلية‏ # تمهيد‏ # 1 - دستور العام الثامن‏ # 2 - السلام العام‏ # 3 - الإصلاح الداخلي: مجد القنصلية‏ # 4 - التمهيد للإمبراطورية‏ # الباب الثاني: الإمبراطورية‏ # تمهيد‏ # 1 - دستور العام الثاني عشر‏ # 2 - نظام الإمبراطورية‏ # 3 - أوج الإمبراطورية: من أوسترلتز إلى تلست‏ # 4 - أزمة الإمبراطورية: الحصار القاري‏ # 5 - نهاية الإمبراطورية‏ # 6 - حكم المائة يوم وواترلو‏ # الباب الثالث: أوروبا والإمبراطورية‏ # 1 - سياسة الإمبراطورية‏ # 2 - المقاومة ضد فرنسا‏ # 3 - انهيار السيطرة النابليونية‏ # الخلاصة‏ # الكتاب الرابع‏ # المقدمة‏ # 1 - التسوية الأوروبية‏ # 2 - الاتحاد الأوروبي1‏ # 3 - المسألة الشرقية‏ # 4 - فرنسا (1815-1848)‏ # الخلاصة‏ # | الصراع بين البورجوازية والإقطاع 1789-1848م (المجلد الثاني) # | الصراع بين البورجوازية والإقطاع 1789-1848م (المجلد الثاني) # تأليف # محمد فؤاد شكري # | المقدمة # بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، صدر في شهر مارس من هذا العام (1958) المجلد ~~الأول من «الصراع بين البورجوازية والإقطاع»، الدراسة التي عقدناها لتاريخ أوروبا في ~~القرن التاسع عشر، أو بالأحرى في النصف الأول منه بين سنتي 1789، 1848، وكنا حاولنا في ~~هذا المجلد الأول إظهار الصلة بين نشوء المبدأ القومي والمذهب الحر، وبين ظهور ~~البورجوازية أو الطبقة المتوسطة، تخوض غمار نضال عنيف ضد أصحاب السيطرة من الطبقات ~~الممتازة في المجتمع الأوروبي، ذلك المجتمع الذي لم يكن - حتى هذا الوقت - قد استطاع ~~القضاء على بقايا الإقطاع في أوروبا، لا من الناحية الاجتماعية، ولا من الناحية ~~السياسية، أو الأخرى الاقتصادية. # وكنا قد أوضحنا في المجلد الأول كذلك، كيف أن الثورة الفرنسية كانت التجربة الكبرى ~~التي مرت بها البورجوازية، عندما راحت هذه تعمل لتشييد صرح الدولة القومية ذات ~~المبادئ الحرة، فتوقف على نجاح هذه التجربة ظفر البورجوازية بالسلطة في ظل نظام ~~«دستوري»، وتلك كانت الغاية التي هدفت إليها الطبقة المتوسطة دائما في نضالها ضد ~~الطبقات ذات الامتيازات في «النظام القديم»، ولقد كان معنى فشل البورجوازية - لو أن ~~عناصر الرجعية في أوروبا تمكنت من قمع «الثورة» - أن يقضى لمدة من الزمن - لا شك في ~~أنها سوف ms0414 تطول كثيرا - على القومية والمذهب الحر، كمثل عليا يسترشد بها المجتمع ~~البورجوازي في أوروبا، في بناء نظامه السياسي بالشكل الذي عرفه القرن التاسع عشر ~~بعدئذ. # ونحن في هذا المجلد الثاني - الذي بين يدي القارئ الكريم - قد قطعنا شوطا آخر في ~~دراسة «الصراع بين البورجوازية والإقطاع»، وذلك في فترة من التاريخ الأوروبي بين عامي ~~1799-1815، شهدت أحداثا جسيمة خلفت آثارا عميقة على كيان المجتمع الأوروبي من ~~الناحيتين المادية والروحية معا، ولقد كان بسبب ذلك أن اصطلح المؤرخون على تسمية هذه ~~الفترة «بعصر نابليون»، ولم يكن غرضنا في هذه الدراسة تفصيل تاريخ الإمبراطورية ~~النابليونية لبيان الأحداث والوقائع وحسب، ولكننا توخينا أن نبرز الحقيقة التالية: ~~وهي أن الإمبراطورية التي أقامها نابليون كانت «إمبراطورية بورجوازية» قامت على أكتاف ~~الطبقة المتوسطة في فرنسا، واستطاعت أن تفرض سلطانها على أوروبا خصوصا بفضل مؤازرة ~~البورجوازية «العالية» لها، واستندت على تشريعات تؤمن أهل الطبقة البورجوازية على ~~مصالحهم، ووضعت لها تنظيمات كفلت لهؤلاء السيطرة السياسية والاقتصادية في ~~الدولة. # ومن هذه الناحية، كانت الإمبراطورية النابليونية إذن حلقة أخرى في سلسلة التجارب ~~الكبرى، التي مرت بها الطبقة المتوسطة منذ قيام الثورة الفرنسية إلى أن أمكن أن ~~تفوز البورجوازية نهائيا بالسيطرة في النظام الأوروبي في النصف الثاني من القرن ~~التاسع عشر، وتدعمت بذلك أركان القومية والمذهب الحر، الدعامتين اللتين تقوم ~~عليهما هذه السيطرة البورجوازية. # وكما حدث أن رضيت البورجوازية أثناء الثورة الفرنسية بتضحية المبادئ الحرة ~~الديمقراطية، فقد حدث عند تأسيس الإمبراطورية النابليونية أن رضيت البورجوازية كذلك ~~بتضحية كل الحقوق السياسية التي كان من حقها التمسك بها، ومبعث التضحية في كلا الحالين ~~كان رغبة البورجوازية في الاطمئنان على مصالحها بالصورة التي تخيلتها حينئذ، أما ~~نابليون فقد أخذ يعوض البورجوازية عن حقوقها السياسية التي فقدتها؛ بابتداع ألقاب ~~النبل والشرف، وإقامة «بلاط» إمبراطوري، وإصدار أوسمة جوقة الشرف، وغير ذلك من «مظاهر» ~~الإمبراطورية اللازمة «لنظامه»؛ وحتى يتسنى مكافأة هذه البورجوازية العالية على الخدمات ~~التي صارت تسديها لإمبراطوريته. # ومثلما كان للثورة الفرنسية آثار ظاهرة في أوروبا من ms0415 ناحية القومية والمذهب الحر، فقد ~~خلفت الإمبراطورية النابليونية كذلك من هذه الناحية آثارا خطيرة الشأن على أوروبا، ~~كانت أهمها مباشرة - ولا شك - استثارة «الأمم» للمقاومة ضد نابليون، وهي المقاومة ~~التي أدت إلى انهيار السيطرة النابليونية في أوروبا، وسوف يرى القارئ أن مبعث هذه ~~المقاومة «الأممية» ضد نابليون كان انتشار الشعور الوطني، وذيوع الآراء «القومية» التي ~~نادى بها قادة الرأي والمفكرون في البلدان ذاتها التي خضعت لنظام نابليون ~~وإمبراطوريته. # بقيت كلمة أخيرة: هي أننا أضفنا إلى هذا المجلد قسما من البحث المتعلق «بأوروبا تحت ~~نظام مترنح»، وهو الذي يشمل الفترة الباقية من هذه الدراسة، أي بين سنتي 1815-1848، على ~~أن يتم نشر بقية فصوله في المجلد التالي، وقد رأينا أن نرجئ الكلام عن أهمية الصراع ~~بين البورجوازية والإقطاع في هذه الفترة؛ حتى تتاح الفرصة إن شاء الله لصدور المجلد ~~الثالث والأخير من هذا الكتاب. # والله ولي التوفيق. # المؤلف # العباسية # 3 ربيع الثاني 1378 / 16 أكتوبر 1958 # | الكتاب الثالث # عصر نابليون # الباب الأول # | القنصلية # 10 نوفمبر سنة 1799-18 مايو سنة 1804 # | تمهيد # | الجمهورية القنصلية وديكتاتورية الفرد # ذكرنا أن مجلس الخمسمائة الذي اجتمع برئاسة لوسيان بونابرت مساء يوم 10 نوفمبر ~~سنة 1799 - وهو يوم انقلاب 19 بريمير - كان قد قرر أن يعهد إلى اللجنة القنصلية ~~التنفيذية التي تألفت من «سييس» و«روجرديكو» و«بونابرت» بتنظيم إدارات الحكومة، ~~ونشر السكينة والاستقرار في الداخل، والوصول إلى تحقيق السلام على قواعد ثابتة ~~ومشرفة في الخارج، ولم يكن ذلك برنامج الهيئة الحاكمة فحسب، بل كان السلام في ~~الداخل والخارج مطلب الأمة بأسرها، بعد أن أتعبتها الحروب الطويلة، وأنهكت أعصابها ~~الانقلابات المتلاحقة، وصارت ترنو إلى تحقيق الآمال الكبيرة التي كانت تجيش في صدور ~~أبنائها، وقت أن بدأت الثورة سنة 1789، أو تريد أن تجعل أمرا مفروغا منه، نتيجتين ~~على الأقل من نتائج هذه الثورة: إلغاء الحقوق الإقطاعية، وعملية بيع أملاك الدولة، ~~وذلك كان برنامجا ضخما ولا شك. # ولكن بونابرت الذي تسلم من الآن فصاعدا زمام الحكم في الجمهورية الجديد، كان ~~يدرك ms0416 ضخامة المهمة الملقاة على عاتق هذا النظام، ولم يتردد في تحمل مسئولية ~~الاضطلاع بها وحده، ولكن قبل أي نشاط آخر كان يجب الفراغ من وضع الدستور الذي كانت ~~قد تألفت لجنة لوضعه، وهو الدستور الذي تحتم لذلك أن يكفل للجنرال ~~بونابرت أكبر قسط من السلطة؛ كي يتسنى له تنفيذ مشيئة الأمة على أساس البرنامج الذي ~~أوضح معالمه قرار مجلس الخمسمائة يوم أن عمل هذا المجلس على «إنهاء الثورة». # الفصل الأول # | دستور العام الثامن # 13 ديسمبر سنة 1799 # استغرق وضع الدستور الجديد مدة شهر ونصف شهر تقريبا من 11 نوفمبر إلى 24 ~~ديسمبر سنة 1899، ومنذ أول ديسمبر كانت جريدة المونيتر قد أذاعت ملخصا لبعض الآراء ~~التي تقدم بها «سييس» كقواعد للدستور الجديد، يبغي منها أن يجعل حق الانتخاب ~~مقصورا على شاغلي الوظائف العمومية في الهيئات الإدارية والقضائية والتشريعية في ~~الدولة، الذين سماهم الشعب أصلا لهذه الوظائف، أو الذين عينتهم الحكومة بها، ~~وصاروا لذلك يهتمون جديا بضرورة المحافظة على المبادئ التي أتت بها الثورة ~~والإبقاء على النتائج التي تمخضت عنها، وأما الهيئة التشريعية؛ فقد أشار «سييس» بأن ~~تتألف من أربعمائة عضو يتجدد ربع عددهم سنويا، يضعون القوانين وفق حاجات المجتمع ~~ومطالب الحكومة، وقد وضع «سييس» على رأس هذا النظام كله «ناخبا أعظم» لا يمكن ~~عزله، يعطى مخصصات قدرها ستة ملايين فرنك ويقيم في قصر فرساي، ويلحق بخدمته ~~ثلاثة آلاف حارس، تصدر باسمه القرارات والقوانين وأحكام القضاء، ثم إن هذا الناخب ~~الأعظم يسمي قنصلين: أحدهما للحرب، والآخر للسلام. # هذه المقترحات لم تلق قبولا لدى بونابرت الذي سرعان ما هاجمها هجوما عنيفا ~~بدعوى أنها خليط من الآراء المهوشة، وحمل بونابرت على ذلك «الناخب الأعظم» ~~خصوصا؛ إذ قال عنه: إنه «ظل هزيل لملك كسول»، وأمكن بفضل وساطة «تاليران» ~~و«رودرر # Roederer ~~» تجنب القطيعة بين ~~بونابرت وسييس، ولكن بونابرت ما لبث حتى جمع لديه بمقره في قصر لكسمبورج ~~أعضاء لجنة الدستور (يوم 2 ديسمبر سنة 1799)، فلم يمض أحد عشر يوما على ~~اجتماعهم حتى كان قد تم إنجاز ms0417 مواد الدستور الجديد في 95 مادة، وذلك في 13 ديسمبر ~~سنة 1799 (أي يوم 22 فريمير من السنة الثامنة)، وقد صار يعرف بدستور العام ~~الثامن. # وقد احتفظ هذا الدستور بنظام التمثيل النيابي، ولو أن هذا التمثيل كان اسميا ~~فقط؛ حيث كاد يقضي النظام الذي جاء به الدستور على كل صوت للشعب، ذلك بأن الانتخاب ~~جعل على أربع مراحل؛ إذ ينتخب سواد الشعب «أعيان أو نواب القومونات»، بينما ~~ينتخب هؤلاء من بينهم عشر عددهم فقط «أعيان أو نواب المديريات»، ثم ينتخب هؤلاء ~~بدورهم من بينهم عشر عددهم كذلك «أعيان أو نواب فرنسا»، ثم يجري من بين هؤلاء ~~الأخيرين انتخاب أعضاء الهيئة التشريعية. # والهيئة التشريعية تتألف من مجالس ثلاثة: مجلس ~~الشيوخ # Le Sénat # من 80 عضوا يعينهم القناصل لمدة حياتهم، مهمتهم السهر على ~~الدستور والإشراف على تطبيقه، ثم تعيين أعضاء المجلسين الآخرين «التربيون # Tribunat ~~» و«المجلس التشريعي # Corps Législatif ~~» باختيارهم من قوائم الانتخاب، وأما «مجلس ~~التربيون» فيتألف من مائة عضو، ومهمته بحث ومناقشة القوانين والمسائل التي تعرضها ~~عليه الهيئة التنفيذية، «والمجلس التشريعي» يتألف من 300 عضو، ومن حقه فقط الموافقة ~~على هذه القوانين أو رفضها. # أما السلطة التنفيذية: فقد تألفت من ثلاثة قناصل لمدة عشر سنوات، من الممكن ~~تجددها بصورة مستمرة، على أن يكون بونابرت «قنصلا أول» وأن يحتفظ بالمنصبين ~~الآخرين لكل من «كمباسيرس # Cambacérès ~~» ~~و«لبران # Lebran ~~»، ونصت المادة 41 من الدستور ~~على أن من حق القنصل الأول «استصدار القوانين، وتعيين وعزل أعضاء «مجلس الدولة # Conseil d’Etat ~~» حسب إرادته، والوزراء ~~والسفراء وكبار الوكلاء الخارجيين، وضباط الجيش في البر والبحر، وأعضاء الحكومات ~~«الإدارات» المحلية، وقومسييري الحكومة «نوابها» لدى المحاكم، وهو الذي يسمي كل ~~القضاة لدى المحاكم الجنائية والمدنية، خلاف قضاة الصلح وقضاة النقض دون القدرة على ~~عزلهم»، بينما نصت المادة 42 على أن للقنصل الأول القول الفصل في كل أعمال ~~الحكومة الأخرى؛ فيكفي قرار القنصل الأول لاعتماد أي إجراء أو لإبطاله، وليس ~~للقنصلين الثاني والثالث إلا صوت استشاري فحسب. # وواضح إذن أن هذا الدستور ms0418 أعطى كل سلطة فعلية للقنصل الأول، فإلى جانب الحقوق ~~التشريعية والتنفيذية الواسعة التي صارت له، كان من حقه - بالاشتراك مع القنصلين ~~الآخرين، ولم يكونا في نفس مرتبته - تعيين أعضاء مجلس الشيوخ، وهؤلاء هم الذين ~~يعينون أعضاء الهيئة التشريعية «بمجلسيها: التشريعي، والتربيون»، وذلك ~~باختيارهم من بين الأسماء الواردة في آخر قائمة للانتخاب بعد تعدد عملية الانتخاب ~~ذاتها في مراحلها الأربع السالفة الذكر، فلم يعد الشعب قريب الصلة بممثليه، بل ~~كادت تختفي تماما في هذا النظام كل إرادة له. # ولقد أعلن هذا الدستور رسميا يوم 15 ديسمبر سنة 1799، وأدرك سواد الشعب أن ~~الدستور الجديد إنما يعطي كل سلطة لقائده المظفر «بونابرت»، ولم ير الشعب في ذلك ~~إلا سببا لرضائه ولزيادة اطمئنانه على أن الأمور سوف تسير في الطريق المحقق ~~للسكينة والاستقرار في الداخل ولبسط ألوية السلام في الخارج. # وأعرب الشعب عن ثقته الكاملة في النظام الجديد عندما تقرر الاستفتاء العام على ~~هذا الدستور - تطبيقا للمادة الأخيرة منه - في اليوم نفسه (15 ديسمبر)، فأيد ~~الشعب الدستور بأغلبية ساحقة، حيث تبين عند إعلان نتيجة الاستفتاء في 7 فبراير سنة ~~1800 أن الذين قبلوا الدستور 3011007، بينما الذين رفضوه بلغوا 1562 فقط، ولم ~~ينتظر بونابرت ظهور نتيجة الاستفتاء ليعلن بداية العمل بالدستور، بل تحدد لوضعه ~~موضع التنفيذ يوم 25 ديسمبر سنة 1799. # وبادر بونابرت بتأليف «مجلس الدولة»؛ فاختار للتعاون معه رجالا اعتقد فيهم ~~القدرة على القيام بمهامهم، دون نظر إلى ماضيهم السياسي، من هؤلاء كان ~~«بولاي دي لامورث # Boulay de la Meurthe ~~» صاحب ~~القانون المعروف الذي حرم نبلاء العهد القديم كل حقوق المواطن، ثم «رودرر # Roederer ~~» من رجال العهد القديم، وأحد أعضاء الجمعية ~~الأهلية التأسيسية، ثم «ديفرمون # Defermon ~~» وكان من ~~الجيروند، ثم «برون # Brune ~~» وكان من مؤسسي نادي ~~الكوردلييه قبل التحاقه بالجيش، ثم «غانتوم # Ganteaume ~~» وقد اشترك في الحرب الأمريكية، وقد تعين هؤلاء لرئاسة ~~أعمال التشريع والشئون الداخلية والمالية والحربية والبحرية. # وكذلك اختار سييس، وروجيرديكو، وكمباسيرس، ولوبران مع بونابرت أعضاء «مجلس ~~الشيوخ» دون تمييز بين الأحزاب أو ms0419 الهيئات القديمة، سواء كان الذين وقع الاختيار ~~عليهم من رجال «العهد القديم» أو أعضاء الجمعية الأهلية التأسيسية، أو حكومة ~~الإدارة، كما كان من بينهم علماء وعسكريون وماليون وغير ذلك، وقد اختار أعضاء مجلس ~~الشيوخ هؤلاء - حسبما نص عليه الدستور - أعضاء المجلس التربيون المائة، وأعضاء ~~المجلس التشريعي الثلاثمائة. # ووقع الاختيار على الأعضاء السبعة الذين تألفت منهم الوزارة، دون نظر كذلك إلى ~~ماضيهم القديم، أو إلى الأحزاب والهيئات التي كانوا ينتمون إليها سابقا؛ نذكر من ~~هؤلاء الوزراء «برثييه # Berthier ~~» الذي تعين ~~للحربية، وتاليران الذي تسلم وزارة الخارجية، و«فوشيه # Fouché ~~» الذي عين للبوليس «أو الشرطة»، وكان إلى جانب هؤلاء ~~وزراء للبحرية، والمالية «لوسيان بونابرت»، وللعدل. # وهكذا كما قال بونابرت: «سوف يجد رجل الثورة (الثوري) ما يبعث على الثقة في هذا ~~النظام عندما يشهد فوشيه وقد صار وزيرا، وسوف يملأ الرجاء صدر الرجل من النبلاء في ~~إمكان العيش بسلام طالما أن أسقف أوتان القديم (أي تاليران) قد صار كذلك وزيرا، ~~فأحد هذين يحمي يساري والآخر يحمي يميني، لقد افتتحت طريقا عظيما في استطاعة ~~الجميع أن يسيروا فيه.» # ولتحقيق «العيش بسلام» عمدت حكومة القنصل الأول إلى استصدار التشريعات التي ~~ألغت بها قانون الرهائن، وأجازت عودة المبعدين الذين كانوا قد نفوا على أثر ~~انقلاب فريكتدور، وأوقفت إضافة أسماء جديدة على قوائم المهاجرين، واستبدلت ~~بالقسم القديم «الذي تقرر من 16 يوليو سنة 1797» وكان منطويا على كراهية شديدة ~~للملكية، وعدا بسيطا بالولاء للدستور، وبدأت تحقيقا لمعرفة عدد القساوسة الذين ~~كانوا في السجن. # ومن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لنشر السلام الداخلي: استصدارها العفو عن ~~ثوار الغرب «الشوان # Chouans ~~» الذين يرضون ~~بالتسليم، مع التهديد بتوقيع أشد العقوبة على زعماء ثورة فنديه الذين لا تزال تمدهم ~~إنجلترة بالمعونة، وفي 18 يناير سنة 1800 قبل أكثرية زعماء فنديه وبريطانيا ~~الاتفاق مع الحكومة، واستطاعت هذه التخلص من زعماء الثورة الذين أصروا على ~~المقاومة «مثل «فروتيه # Frotté ~~» في نورمانديا الذي ~~قبض عليه وأعدم في 18 فبراير سنة 1800»، وأما في بريطانيا فقد انهزم زعماء ~~الثورة ms0420 وسلم كادودال # Cadoudal # في 14 فبراير، ~~ثم لم يلبث أن فر إلى إنجلترة «في مايو» عندما اكتشفت مؤامرة للملكيين ضد ~~النظام الجديد «في مايو» من السنة نفسها (1800). # ولتأمين السلام الداخلي من أعداء «الجمهورية» الذين اتخذوا من بعض الصحف أداة ~~ينفثون بها سمومهم، قررت حكومة القنصلية إلغاء حرية الصحافة، وهي التي نصت ~~دساتير الثورة الثلاثة التي صدرت بين عامي 1791، 1799 على وجوب احترامها - ولو أنه ~~لم يكن لها وجود عمليا - فصدر مرسوم في 17 يناير سنة 1800 بوقف وتعطيل كل الصحف ~~السياسية في باريس «طوال مدة الحرب» وكان عدد الصحف التي سمح باستمرار صدورها ~~ثلاث عشرة صحيفة فقط، وجب عليها أن تجعل اهتمامها مقصورا على «العلوم والفنون ~~والآداب والتجارة والإعلام». # الفصل الثاني # | السلام العام # صلح أميان (25 مارس 1802) # ولما كانت مهمة النظام الجديد تحقيق السلام العام، أي: إنهاء الحرب التي كان ~~يهدد استمرارها ببقاء التحالف الدولي «الثاني» قائما ضد فرنسا، فقد صار واجبا ~~على بونابرت مواجهة الموقف الخارجي بمواصلة الحرب مع النمسا، حجر الزاوية في هذا ~~التحالف، وحمل إنجلترة على عقد صلح مشرف مع فرنسا. # وبدأ بونابرت بأن نشر خطابين مفتوحين، أحدهما: إلى ملك إنجلترة جورج الثالث ~~بتاريخ 26 ديسمبر سنة 1799، والآخر: إلى الإمبراطور فرنسيس الثاني، يعرض عليهما ~~الصلح، ولكنهما رفضا أن يجيبا على رسالة من شخص اعتبراه «مغتصبا» للحكم، ثم إن ~~الحكومة الإنجليزية «وزارة وليم بيت» كان قد صح عزمها على إضعاف فرنسا، ~~واعتقدت أن في وسعها - إذا استطالت الحرب بضعة شهور أخرى، وتزايد ضعف فرنسا - ~~أن تحصل من هذه على شروط أفضل للصلح، وأما النمسا فكانت مرتبطة بحليفتها إنجلترة، ~~ولا تريد علاوة على ذلك مغادرة إيطاليا، وحينئذ لم تسفر عن شيء المحادثات التي ~~دارت بين الفريقين، فكان جواب إنجلترة أن عودة الأسرة القديمة (البربون) إلى الحكم ~~في فرنسا كفيل وحده لدرجة كبيرة بضمان السلام والهدوء في أوروبا، وأظهرت ~~هذه المفاوضة بونابرت أمام الشعب الفرنسي بمظهر الراغب في السلام حقا، والذي ~~صار مرغما على أن يخوض غمار حرب «ضرورية» كان ms0421 بونابرت - ولا شك - يريدها على أمل ~~الفوز بانتصارات جديدة لزيادة دعم سلطانه. # وعلى ذلك فقد أخذ القنصل الأول يتهيأ للحملة المقبلة، فمن الناحية السياسية عمل ~~على عزل النمسا بأن استمال بروسيا «فردريك وليم الثالث» إلى التزام الحياد، وروسيا ~~«بول الأول» إلى الخروج من التحالف، ومن الناحية العسكرية اتخذ عدة إجراءات لضمان ~~تموين الجيش بحاجاته الكاملة، ومنع سرقات الموردين، وذلك لاعتقاد القنصل الأول أن ~~طاعة الجند وخضوعهم للنظام الدقيق مرتهنان بسد حاجاتهم من الأغذية والملابس ~~والعتاد، كما دعا للخدمة العسكرية كل المطلوبين للجندية في هذا العام، وجمع في ~~«ديجون # Dijon ~~» جيشا من الاحتياطي يبلغ الستين ~~ألف رجل، تحت قيادة الجنرال «برثييه»، ومهمة هذه القوة الأولى كانت تخليص الجنرال ~~«ماسينا # Massena ~~» الذي كان النمسويون قد ~~أرغموه مع الجنرال «سولت # Soult ~~» على الارتداد ~~بجيشه إلى جنوه ، وفرضوا عليه الحصار بها. # وكانت حملة هذا العام (1800) قد بدأت منذ شهر أبريل بالعملية التي أفضت إلى ~~محاصرة «ماسينا» في جنوة، مع زميله «سولت»، وكان الأول هو صاحب القيادة على جيش ~~إيطاليا، واستطاع القائد النمسوي «ميلاس # Mélas ~~» أن ~~يرغم جيشا فرنسيا آخر بقيادة «سوشيه # Suchet ~~» ~~على الارتداد إلى «برغيتو # Borghetto ~~»، ثم لم يلبث ~~أن وضع قوات كبيرة على حصار جنوة، بينما صار يتعقب «سوشيه» ببقية جيشه على أمل ~~أن يتمكن من افتتاح الحدود الفرنسية ذاتها من ناحية «بروفنس». # ذلك كان الموقف عندما تدخل بونابرت ليفسد خطط النمسويين، فبينما استعد ~~«مورو # Moreau ~~» قائد جيش ألمانيا لعبور نهر ~~الراين لغرض الزحف على فينا بطريق حوض الدانوب، عهد بونابرت بشئون الحكم إلى ~~«كمباسيرس»، ثم غادر باريس في 6 مايو ليزحف بجيشه عبر جبال الألب السويسرية؛ حتى ~~يتسنى له - بالنزول إلى سهول بيدمنت - أن يشن هجوما على الجيش النمسوي في خطوطه ~~الخلفية، وتقرر عبور الألب من ممر سان برنار، فوصل بونابرت إلى جنيف في 10 مايو، ~~وبدأت عملية الزحف والعبور الشاقة، فلم تمض أيام قلائل حتى كان الجيش (35000) قد ~~بلغ القمة (15 مايو)، ثم بدأ الهبوط، وبعد يوم ~~واحد (16 مايو) ms0422 كانت طلائع هذا الجيش قد استطاعت بقيادة «لان # Lannes ~~» الاستيلاء على «أوستا # Aosta ~~»، وبعد تذليل بعض العقبات استأنف الجيش زحفه إلى شاطئ ~~نهر «تيشينو # Ticino ~~»، وفي الوقت نفسه كانت قوات ~~فرنسية أخرى قد عبرت الألب «عند سان جوثار» و«مون سنيس # Mont. Cenis ~~». # وعندئذ بدلا من الزحف صوب الجنوب لتخليص ماسينا «مما أرغمه على التسليم في جنوه ~~في 4 يونيو، وإخلاء جنوه في اليوم التالي»، اتجه بونابرت صوب ميلان (2 يونيو)، وقد ~~وزع بونابرت قواته إلى ثلاث فرق، فارتكب خطأ مواجهة الجيش النمسوي الرئيسي بقيادة ~~«ميلاس» بقسم من جيشه فقط، وفي سهل «ألكسندرا # Alexandrie ~~» إذن استطاع العدو اختراق خطوطه (14 يونيو)، وكان ميلاس ~~وهو رجل مسن قد أخذ منه التعب فانسحب إلى «مارنجو» متخليا عن القيادة ~~العامة لرئيس أركان حربه الجنرال «دي زاك # Zach ~~»، ~~الذي كان عليه إتمام العمليات الأخيرة لإحراز نصر صار مؤكدا، ولكن لم يلبث أن وصلت ~~إلى ميدان المعركة قوات فرنسية جديدة بقيادة الجنرال «ديزيه # Desaix ~~» سدت طريق زحف النمسويين، الذين سرعان ما أوقفتهم مدفعية ~~«ديزيه»، ثم شن الفرسان الفرنسيون على جناحهم هجوما عنيفا أرغمهم على التقهقر إلى ~~«ألكسندرا»، فانقلب انتصار النمسويين إلى هزيمة؛ وبذلك صار النصر من نصيب الفرنسيين ~~في هذه المعركة المشهورة، معركة مارنجو (14 يونيو 1800) التي كلفت «ديزيه» حياته، ~~وخسر الجيشان المتقاتلان خسائر جسيمة، وارتد النمسويون في اليوم التالي إلى ما وراء ~~«المنشيو # Mincio ~~» فأخلوا لمبارديا وبيدمنت ~~«بمقتضى اتفاق ألكسندرا الذي عقدوه مع الفرنسيين في 15 يونيو 1800». # ويعتبر انتصار «مارنجو» نجاحا حاسما لسياسة بونابرت الإيطالية، حيث استطاع ~~إعادة تأسيس جمهورية ما وراء الألب # Cisalpine # في ~~17 يونيو 1800، والتي اتسعت في 7 سبتمبر بضم إقليم «نوفارا # Novarais ~~»، وسمى الجنرال «جوردان # Jourdan ~~» حاكما على بيدمنت، وأمر بهدم القلاع القائمة على ~~ممرات الألب للدفاع عنها ومنع المرور منها، كما ترتب على هذا النصر الحاسم أن تمكن ~~بونابرت من تأكيد سياسته السويسرية، حيث أمر بحل حكومة الإدارة في الجمهورية الهلفيتية # Rep. Helvétique # في 8 أغسطس، وسمى ~~«رينهارد # Rienhard ~~» قومسييرا ms0423 ساميا، على رأس ~~قوة من خمسة عشر ألف رجل، وطلب من تاليران أن يعد مع المختصين دستورا جديدا ~~لهذه الجمهورية. # ولقد كان انتصار «مارنجو» كذلك ذا آثار حاسمة على الموقف الداخلي في فرنسا، فقد ~~تأكدت بفضله سمعة بونابرت، وزادت سيطرته الداخلية، في حين وضع هذا النصر ~~حدا لمؤامرات الملكيين التي كان يدبرها لويس الثامن عشر من منفاه «في ~~ميتاو # Mittau # من أعمال كورلاند الروسية، ~~وبالقرب من ريجا» ويمده الإنجليز بالمال، ويتخذ له وكلاء لهذه الغاية في باريس ~~وأوجسبرج، ثم إن بونابرت لم يلبث أن أقدم على مناورة جريئة من أجل استمالة ~~الملكيين إليه عندما حذف - بجرة قلم واحدة - أسماء (52000) مهاجر من قوائم ~~المهاجرين - أي سمح لهم بالعودة إذا شاءوا إلى فرنسا - ولم يشترط في نظير ذلك ~~سوى شرط واحد بسيط فقط، هو أن يقسموا يمين الولاء للحكومة، وذلك في 20 ~~أكتوبر 1800. # وفي الوقت الذي زحف بونابرت على رأس جيشه عبر جبال الألب، وأحرز انتصار مارنجو ~~الحاسم على جيوش النمسا في سهول بيدمنت، كان جيش آخر (هو جيش الراين) بقيادة ~~الجنرال «مورو # Moreau ~~» قد عهد إليه - كجزء من خطة ~~غزو النمسا - بالتوغل في ألمانيا والزحف بطريق نهر الطونة «أو الدانوب» من أجل ~~الوصول إلى فينا والاستيلاء عليها، وقد قام «مورو» بمناورات بارعة في بفاريا، حتى ~~وصل إلى «أولم # ULM ~~» (19 يونيو) ولم يعق تقدمه ~~إلا إرساله النجدات إلى إيطاليا، ومع ذلك فقد تمكن من قطع خط الرجعة على ~~النمسويين بقيادة الجنرال «كراي # Kray ~~» الذي طلب ~~- مرغما - (في 15 يوليو) وقف العمليات العسكرية حتى يخلي بفاريا، وعندئذ ~~اضطر الإمبراطور «فرانسوا الثاني» النمسوي إلى الكتابة إلى بونابرت (منذ 5 ~~يوليو) جوابا على رسالة بونابرت السابقة إليه منذ ديسمبر سنة 1799 التي يعرض فيها ~~الصلح، وأوفد الإمبراطور مفاوضا من قبله لإبرام الصلح. # وكان الإمبراطور يرجو في الوقت نفسه أن يطول أمد المفاوضة، وذلك نزولا على ~~رغبة الإنجليز الذين دفعوا له مبلغا جسيما من المال في نظير عدم إبرامه الصلح مع ~~فرنسا قبل شهر فبراير ms0424 من عام 1801، ولكن «تاليران» و«بونابرت» سهل عليهما توريط ~~مندوب الإمبراطور «الكونت سان جوليان # Sain Julien ~~» ~~حتى وقع على «مبادئ الصلح» في 28 يوليو، وعندئذ أنكرت عليه حكومته هذا ~~العمل ورفضت الاعتراف به، واقترح النمسويون بدلا من ذلك عقد مؤتمر للصلح ~~تدعى إليه إنجلترة، فوافق الفرنسيون ووقع الاختيار على «لونفيل # Lunéville ~~» مكانا للمؤتمر، وحدد «تاليران» يوم ~~24 أغسطس لبداية جلساته. # وفي «لونفيل» كان ممثل الإمبراطور، رئيس وزرائه «كوبنزل # Louis de Cobenzl ~~» (الذي خلف الرئيس السابق ~~ثوجو # Thugut # منذ 25 سبتمبر)، وممثل بونابرت ~~شقيقه جوزيف (منذ 2 أكتوبر)، ومع أنه كانت قد بدأت المفاوضات من أجل الصلح، فقد خشي ~~بونابرت أن يعمد النمسويون إلى الخديعة بإطالة أمد المفاوضة، فأصدر أوامره إلى ~~قواده في 22 نوفمبر باستئناف العمليات العسكرية ضد العدو، فاستطاع «مورو» أن ~~يلحق الهزيمة بجيش الأرشيدوق جون الذي خلف «كراي» في قيادة القوات النمسوية، في ~~واقعة «هوهنلندن # Hohenlinden ~~» في 3 ديسمبر سنة ~~1800، وعندئذ انفتح الطريق إلى فينا، فاضطر الإمبراطور إلى طلب الهدنة «في ~~«ستيار # Steyer ~~» في 25 ديسمبر»، ومن ناحية أخرى ~~تمكن جيش الجنرال «برون # Brune ~~» (جيش ما وراء ~~الألب) التقدم حتى «تريفيزو # Tréviso ~~» «في إقليم ~~البندقية» في 15 يناير سنة 1801، بينما عمل الجنرال «مورا # Murat ~~» (والذي تزوج من أخت بونابرت «كارولين» في يونيو سنة 1800) ~~على تدعيم قوات الاحتلال الفرنسي بقيادة الجنرال «ميوليس # Miollis ~~» في تسكانيا ووافق على منح النابوليتان (أهل نابولي) بعد ~~هزيمتهم الهدنة في «فولينو # Foligno ~~» في 18 فبراير ~~سنة 1801. # وفي الوقت الذي كان يتهيأ فيه بونابرت لمفاوضات الصلح في «لونفيل» أمر بعقد ~~معاهدة مع إسبانيا في «سان ~~الديفونسو # San Iidefnso ~~» تنازلت بمقتضاها إسبانيا عن لويزيانا وست بوارج ~~إسبانية، في نظير أن ينال لويس دوق بارما - وهو ابن شقيق ملكة إسبانيا ماريا لويزا ~~- وعدا بإنشاء مملكة إيطالية له تتألف من تسكانيا والمقاطعات الباباوية # Legations # أول أكتوبر سنة 1800، وعشية هذه المعاهدة ~~كان بونابرت قد جعل شقيقه جوزيف يعقد معاهدة مع الولايات المتحدة الأمريكية (في 30 ~~سبتمبر) تنهي الخلافات السائدة من ms0425 وقت حكومة الإدارة بين البلدين بشأن حرية ~~البحار من جهة، ومن جراء تدخل الفرنسيين في نزاعات الاتحاديين (الفدرائيين) ~~والجمهوريين في الولايات المتحدة، فاعترفت الجمهوريتان في هذه المعاهدة إذن ~~(معاهدة مورتفونتين # Mortefontaine ~~) بمبدأين ~~أساسيين من المبادئ الدولية الخاصة بالملاحة في البحار، أحدهما: تبعية المتاجر ~~للدولة التي تحمل السفينة علمها، والآخر: عدم سريان حق التفتيش على كل سفينة ~~يحرسها ويرافقها مركب حربي، وفي 26 ديسمبر سنة 1800 وقع قيصر روسيا بول الأول على ~~وثيقة «حياد مسلح» يقوم على نفس هذه المبادئ مع كل من السويد والدنمارك ~~وبروسيا. # وكان في هذه الظروف حينئذ أن انتهت المفاوضات في لونفيل (من 2 يناير إلى 9 فبراير ~~سنة 1801) إلى إبرام الصلح في 9 فبراير، الذي أملاه القنصل الأول، وكادت شروط هذا ~~الصلح تكون مطابقة تماما لشروط صلح كامبوفرميو. # فبمقتضى صلح لونفيل تنازلت الإمبراطورية الجرمانية عن كل الشاطئ الأيسر لنهر ~~الراين على أن ينال الأمراء الذين انتزعت أراضيهم تعويضا يعطى لهم من أملاك ~~الكنيسة الكاثوليكية في ألمانيا، فجدد الإمبراطور التنازل عن المقاطعات ~~البلجيكية والأراضي حتى حد نهر الراين، واعترف باستقلال جمهورية خلف الألب ~~«سيزالباين» التي ضمت إليها إقليمي «فيرونا # Veronais ~~» و«حوض البو Poiésine ~~»، ~~وذلك بعد أن كانت قد ضمت إليها إقليم «نوفارا # Novarais ~~» الذي اقتطع من بيدمنت؛ حتى يفتح لجمهورية ما وراء ~~الألب طريق ممر «سمبلون # Simplon ~~»، كما ضمت إليها ~~كذلك المقاطعات البابوية «أو الرسولية # Legations ~~»، ~~واعترفت النمسا أيضا باستقلال جمهوريات «بتافيا» هولندة و«هلفيتيا» سويسرة، ~~وليجوريا «جنوة»، وحصل دوق مودينا الذي كان قد فقد دوقيته في صلح ~~كامبوفرميو، على «برايسجاو # Breisgau ~~» في ألمانيا، ~~كما نص على أن ينال دوق تسكانيا تعويضا في ألمانيا كذلك: هو مطرانية «سالزبورج # Salzbourg ~~» بعد تحويلها إلى إمارة علمانية ودائرة ~~انتخابية، أي ذات صوت في انتخاب الإمبراطور. # وأما غراندوقية تسكانيا ذاتها فقد أنشئت منها مملكة «إتروريا # Etruria ~~»، وأعطيت إلى لويس دوق بارما، ومن ناحية ~~أخرى احتفظت النمسا بأملاكها القديمة في البندقية حتى نهر «الأديج # Adige ~~»، ولم تذكر معاهدة «لونفيل» شيئا عن ملك ~~نابولي ms0426 أو ملك سردينيا «بيدمنت» أو البابا، الأمر الذي جعل مصيرهم ومصير بلادهم في ~~يد بونابرت؛ وعلى ذلك فقد امتدت حدود فرنسا حتى نهر الراين؛ فأنشئت مديريات أربع ~~جديدة باسم مديريات الراين (منذ 19 مارس سنة 1801) وهي مديريات: «الرور # Roer ~~»، و«السار # Saare ~~»، «الراين ~~موزيل # Rhin et Moseile ~~»، و«مونت ~~تونير # Mont-Tonnerre ~~». # وفي 21 مارس 1801 أبرمت معاهدة «أرانجوز # Aranjuez ~~» مع ملك إسبانيا شارل الرابع، تأكدت بمقتضاها شروط ~~معاهدة «إلديفونسو # Ildefonso ~~» السابقة فيما يتعلق ~~بلويزيانا ومملكة إتروريا. # وفي 29 مارس أبرم في فلورنسه، فردنند الأول ملك نابولي، معاهدة تنازل ~~بمقتضاها عن الأقاليم التي كانت له في تسكانيا وعن جزيرة إلبا، ووافق على احتلال ~~الفرنسيين لقلاعه، وعلى إغلاق موانيه في وجه السفن الإنجليزية. # واستمرت المفاوضات بنجاح مع بول الأول قيصر روسيا الذي كان يبغي القيام بحملة ضد ~~الإنجليز في الهند. # وفي إنجلترة سقطت وزارة بيت (5 فبراير 1801) عندما حاول رفع القيود السياسية ~~التي كان يقيد بها الكاثوليك، مسألة تحرر الكاثوليك # Catholic Emancipation ~~، وخلفه في الوزارة أدنجتون # Addington # الذي سميت وزارته الجديدة - حتى ~~قبل تشكيلها - بوزارة السلام. # وهكذا تضافرت - على ما يبدو - كل العوامل التي جعلت الأمل كبيرا في أن ~~يسود السلام أوروبا، وتبلغ القنصلية مقصدها الأول الذي تولت السلطة والحكم بزعامة ~~بونابرت لتحقيقه، ولكن لم يكن مقدرا الوصول قبل مضي عام كامل إلى هذا السلام ~~العام الذي ينشده كل فرنسي، وينشده بونابرت نفسه؛ ذلك أن بونابرت كان يهمه أن يظفر ~~من إنجلترة على موافقتها على كل التغييرات التي أحدثها في سويسرة وفي إيطاليا، وأن ~~تبقى مصر في حوزته قبل أي شيء آخر، وكانت لا تزال «الحملة الفرنسية» في مصر بقيادة ~~الجنرال «منو # Menou ~~»، وأن يسترجع مالطة التي كانت ~~قد سلمت للإنجليز منذ سبتمبر 1800، وذلك حتى يتسنى له - بفضل امتلاكه لهذين ~~المركزين؛ مصر ومالطة - بسط السيطرة الفرنسية على حوض البحر الأبيض الشرقي، وكان ~~تحالفه مع القيصر بول الأول شرطا أساسيا لنجاح سياسته هذه، ولكن حدث في ليل 23 ~~مارس 1801 أن اغتيل القيصر على يد ms0427 رجال بطانته الذين كانوا قد قبلوا العمل مع ~~إنجلترة، وبموت القيصر انهار «الحياد المسلح»؛ فضرب الأسطول الإنجليزي مدينة ~~كوبنهاجن في 2 أبريل وحطم الأسطول الدنماركي، فكانت تلك باكورة نشاط «وزارة السلام» ~~الإنجليزية الجديدة. # ولما كانت قد فشلت مؤامرة دبرت قبل ذلك لاغتيال بونابرت بوضع مفجرات في طريقه في ~~شارع سانت نيكيز # Saint-Nicaise # في 24 ديسمبر 1800، ~~أي قبل حادث اغتيال القيصر بول بثلاثة شهور فقط، وتبع اغتيال القيصر ضرب كوبنهاجن، ~~فقد عزا بونابرت هذه «الجرائم» إلى تدابير الإنجليز الذين قال عنهم: إنهم فشلوا في ~~محاولة اغتياله يوم 24 ديسمبر، ولكنهم نجحوا في إلحاق الأذى به في سان بطرسبرج، ~~العاصمة الروسية، بفضل اغتيالهم القيصر بول. # ولم يكن ذلك كل الأذى الذي ألحقه الإنجليز بالقنصل الأول، ولإحباط مشروعاته فهم ~~قد استطاعوا إنزال قواتهم في مصر، وأوقعوا بالجنرال منو هزيمة قاصمة في معركة ~~«كانوب» في 21 مارس 1801، ثم لم تمض شهور ثلاثة حتى انهزم القائد الفرنسي الآخر ~~«بليار # Belliard ~~» الذي اضطر إلى التسليم في ~~القاهرة في 27 يونيو من العام نفسه، وتضاءل أمام هذه الهزائم ذلك النجاح الذي أدركه ~~أمير البحر الفرنسي «لينوا # Linois ~~» في قتاله مع ~~الأسطول الإنجليزي أمام «الجزيراس» على الشاطئ الإسباني الجنوبي عند مضيق جبل طارق ~~(8 يوليو)، ثم في قادش على مسافة إلى الغرب من الموقع الأول (في ليل 12-13 يوليو)، ~~أو نجاح القائد الآخر لاتوش-تريفيل # Latouche-Tréville # في الجولة بأسطوله في مواني القنال الإنجليزي (بحر ~~المانش) دون أن يستطيع أمير البحر الإنجليزي نلسون فعل شيء لوقفه في محاولتين ~~أخفق هذا الأخير فيهما في 4، 15-16 أغسطس 1801. # على أن إنجلترة سرعان ما وجدت أنها قد صارت إلى جانب هذا في عزلة متزايدة ~~عندما اضطرت البرتغال إلى عقد معاهدة في باداجوز # Badajoz # مع إسبانيا في 6 يونيو 1801 تحت ضغط فرنسا التي ~~أرغمت ملك إسبانيا شارل الرابع على غزو البرتغال، وكان ملكها صهرا له، فقام ~~بالغزو المطلوب، ولكنه بادر بعقد الصلح مع البرتغال خشية حدوث تدخل فرنسي، ~~وتعهدت البرتغال في معاهدة «باداجوز» - وتقع ms0428 هذه على الحدود بين إسبانيا والبرتغال ~~- السالفة الذكر إلى إغلاق موانيها في وجه السفن الإنجليزية، وتنازلت عن مقاطعة ~~أوليفنسا # Olivenca # لإسبانيا، ودفعت عشرين ~~مليونا من الفرنكات تعويضا لفرنسا، أضف إلى هذا أن إنجلترة كانت تعاني من قلة ~~المؤن والأغذية، بينما بلغ الدين العام ملايين عدة من الجنيهات، الأمر الذي ~~جعل الإنجليز يميلون - الآن - إلى عقد الصلح مع فرنسا. # وعرض «هوكسبري # Hawkesbury ~~» وزير الخارجية ~~البريطانية على الوكيل الفرنسي «لويس غليوم ~~أوتو # Otto ~~» أن تحتفظ فرنسا بمصر لقاء أن تحتفظ إنجلترة بمالطة، ورفض ~~بونابرت هذه العروض، ثم دارت المباحثات وتعددت صنوف المساومة حسب تغير ظروف ~~السياسة والحرب بين الفريقين، حتى أمكن التوقيع على ما يعرف باسم «مقدمات ~~الصلح» في لندن في أول أكتوبر 1801، على أساس إرجاع مصر إلى تركيا، ومالطة إلى ~~فرسان القديس يوحنا «تحت ضمان الدول»، واستبقت إنجلترة بعض فتوحاتها: سيلان التي ~~أخذتها من هولندة، وترينداد التي حصلت عليها من إسبانيا، ومستعمرة رأس الرجاء ~~الصالح التي صار الحكم فيها ثنائيا بين إنجلترة وهولندة، وأقرت إنجلترة امتلاك ~~فرنسا لشاطئ الراين الأيسر، واعترفت بالجمهوريات الحديثة التي أقامها بونابرت، ~~وتم التصديق على مقدمات الصلح هذه في 10 أكتوبر. # وتبع عقد الصلح مع إنجلترة الدخول في مفاوضة مع «ماركوف # Markoff ~~» مندوب إسكندر الأول القيصر الجديد، انتهت بعقد معاهدة ~~للصلح بين روسيا وفرنسا في باريس في 8 أكتوبر. # وقد لزم مضي ستة شهور قبل أن تتحول «مقدمات» لندن إلى صلح نهائي؛ وذلك لأن ~~الحوادث كانت تسير في مصر بالصورة التي أرغمت «منو» على التسليم في الإسكندرية يوم ~~31 أغسطس 1801، والانسحاب إلى فرنسا، حيث وصل إلى طولون يوم 15 نوفمبر، أي بعد ~~توقيع مقدمات الصلح في لندن، وعندما كانت تسير المفاوضات بكل همة من أجل الاتفاق ~~على شروط الصلح النهائية، فانتزعت هذه الحوادث كل قيمة لذلك التعهد الذي التزمت به ~~فرنسا في مقدمات صلح لندن بشأن إرجاع مصر إلى تركيا، أضف إلى هذا زيادة مخاوف ~~الإنجليز من أطماع القنصل الأول الذي عمد إلى تأكيد سيطرته على إيطاليا ms0429 باستصدار ~~دستور جديد لجمهورية ما وراء الألب # Cisalpine ~~«والتي ستعرف بعد قليل باسم الجمهورية الإيطالية» والتي تعين بونابرت رئيسا ~~لها (في 25 يناير 1802). # وكان أكثر ما يخشاه الإنجليز إصابة مصالحهم التجارية بالضرر بسبب نشاط الفرنسيين ~~في العالم الجديد عندما تجددت الحرب بين الفرنسيين والزنوج في جزيرة سان دمنجو ~~بزعامة «توسيان لوفرتير # Toussiant L’Ouverture ~~» ~~فأبحرت حملة من المواني الفرنسية إلى جزر الهند الغربية في فبراير 1802، وكانت ~~الحملة بقيادة الجنرال لكلير # Leclerc ~~، وعندما ~~أبرمت فرنسا معاهدة أرانجوز السالفة الذكر مع إسبانيا وهي التي أعطت لويزيانا إلى ~~فرنسا؛ لتتخذ هذه منها قاعدة لمناوأة تجارة الإنجليز في أمريكا، ولكن التباطؤ في ~~إبرام الصلح لم يكن ليخدم المصالح الإنجليزية في شيء، كما كان من العبث الامتناع عن ~~الاعتراف بالجمهوريات الإيطالية؛ وعلى ذلك فقد وقعت إنجلترة على الصلح مع فرنسا ~~في أميان # Amiens # يوم 25 مارس 1802، وقع المعاهدة ~~من الجانب الإنجليزي لورد كورنواليس # Cornwallis ~~، ~~ومن الجانب الفرنسي جوزيف بونابرت. # وبمقتضى هذه المعاهدة تنازلت إنجلترة عن كل فتوحاتها أثناء الحرب، ما عدا ~~ترينداد وسيلان اللتين بقيتا في حوزتها، كما وعد الإنجليز بإعادة مالطة إلى ~~فرسان القديس يوحنا، ونصت المعاهدة على أن تضمن استقلال هذه الجزيرة كل ~~من بريطانيا والنمسا وإسبانيا وروسيا وبروسيا، ثم حصل الاتفاق على إرجاع مصر إلى ~~تركيا، وتعهدت فرنسا بإخلاء مملكة الصقليتين (أي: نابولي) وإعادة أملاك ~~البرتغال. # واعتبر البرلمان في إنجلترة شروط هذه المعاهدة مجحفة بالمصالح ~~البريطانية، وشعرت الأمة الإنجليزية بأنها تنطوي على إهانة لها، حتى إن البرلمان ~~عند موافقته على معاهدة أميان وضع التحفظ الآتي: «إن البرلمان يوافق على المعاهدة، ~~ولكنه يضع ثقته التامة في حكمة ويقظة جلالة الملك «جورج الثالث » لاتخاذ كل ~~الإجراءات التي قد تصبح ضرورية في حال تبدل الشئون العامة لما هو أفضل، وعندئذ ~~يعد البرلمان والأمة بمؤازرة جلالته بكل ما يملكون من أنفس ومال وبنفس الهمة ~~والولاء كما فعلوا في الحرب الأخيرة.» # ولكن هذا «التحفظ» لم يلق أي اهتمام من جانب فرنسا، بل كان كل ما يعنيها هو ~~الوصول ms0430 إلى السلام العام بعد عشر سنوات من الحروب المتصلة، فتعود تأتي إلى فرنسا ~~محصولات المستعمرات والمؤن والمواد الأولية، ويعود إلى العمل في الحقول الجنود ~~المسرحون، الأمر الذي سوف يترتب عليه انتشار الرخاء، وبسط ألوية الحرية في كل ~~مكان. # ومع ذلك فلم يعد يبدو أن هناك أي أمل - سواء في فرنسا أو في إنجلترة - في أن ~~الصلح الذي أمكن الوصول إليه في «أميان» سوف يستمر طويلا، فلم تلبث أن ~~تجمعت الأسباب التي أدت إلى العداء بين الدولتين، بعد مضي عام واحد فقط، ~~ولكن قبل الدخول في تفاصيل هذا العداء ثم تجدد الحرب الأوروبية العامة بعد ذلك ~~كانت حكومة القنصل الأول قد أنجزت برنامجا واسعا من الإصلاحات الداخلية التي ~~جعلت بحق أيام القنصلية من أزهى العهود التي شهدتها فرنسا في تاريخها، ومهدت - ~~إلى جانب غيرها من العوامل - لقيام الإمبراطورية. # الفصل الثالث # | الإصلاح الداخلي: مجد القنصلية # وكما لقيت سياسة بونابرت الخارجية النجاح الذي زاد من رفع سمعته بين بني وطنه، ~~لقيت إصلاحاته الداخلية النجاح الذي أفادت منه فرنسا لأجيال قادمة في تنظيمها ~~الإداري والتشريعي خصوصا. # فمن ناحية التنظيم الإداري أنشأ بونابرت المركزية الإدارية الكاملة، حيث استبدل ~~«بضباط» النظام القديم، وبأولئك الذين ملأت الثورة بهم الوظائف «بالانتخاب» موظفين ~~تعينهم وتعزلهم الحكومة، ويربطهم نظام دقيق صارم للتوظف، يحملهم مسئولية ~~الأعمال التي يقومون بها، وقد ساعد على تثبيت دعائم هذه المركزية الإدارية تقدم ~~المواصلات بفضل ما أدخل من تحسينات على نظام البريد، ثم استخدام البرق - الذي ~~كان مخترعه المهندس الفرنسي كلود شاب # Chappe ~~(1763-1805) والذي استخدم لأول مرة في سنة 1794 - وصدرت القوانين الخاصة ~~بالتنظيم الإداري الجديد في 17 فبراير 1800 و4 مارس 1801. # واهتم القنصل الأول بشئون المال من حيث العمل على تنظيم تقدير الضرائب وطرق ~~جبايتها، فصدر قانون في 18 مارس 1800 لتعيين الحكومة محصلا خاصا في كل ناحية ~~أو قسم، وفي 4 فبراير 1804 صار الجباة موظفين يصدر تعيينهم من قبل القنصل ~~الأول، ومنذ 1801 تعين مفتشون عموميون للخزانة، من عملهم مراجعة حسابات ~~المحصلين ms0431 والجباة وسائر موظفي المالية، وصار لكل مديرية ومركز وناحية فئتان من ~~الموظفين: تتألف الأولى من المدير # Directeur # في ~~المديرية، والمراقب # Controleur # في المركز، ~~و«الموزع # Répartiteur ~~» - أي مقسم أو ~~مقدر الضريبة المباشرة على المطلوب منهم أن يدفعوها - في الناحية أو القسم، ~~وينحصر عمل كل هؤلاء في تقدير وفرض الضريبة، وأما الفئة الثانية: فتتألف من ~~الخازن العام «الخازندار # Trésorier Gén. ~~» ~~و«المحصل العام # Réceveur Gén. ~~» في المديرية، ~~و«المحصل الخاص # Réceveur Partieulier ~~» في ~~المركز، و«الجابي Percepteur ~~» في الناحية أو ~~القسم، ويخضع الجميع لسيطرة وزيري المالية والخزانة في النهاية. # وفي 13 فبراير 1800 أنشئ «بنك فرنسا» الذي أشرف على إدارته في أول الأمر لجنة من ~~ثلاثة أعضاء، يعاونها مجلس من خمسة عشر نائبا، بلغ عدد أسهم تأسيسه الأولى ثلاثين ~~ألفا، قيمة كل منها ألف من الفرنكات، قوبلت بالمعارضة الشديدة مما اضطر القنصل ~~الأول وكبار الموظفين إلى شراء معظمها، وكان على هذا المصرف - وهو مؤسسة رسمية - أن ~~يقرض الحكومة، ولكن بنك فرنسا كان قبل أي شيء آخر مصرفا «خصوصيا» لتنشيط التجارة ~~بتسهيل عمليات الخصم للتجار، وبينما اضطرت الحكومة في بداية عهد القنصلية إلى عقد ~~القروض بفائدة 18٪ على الأقل، فقد انخفضت قيمة الفائدة بكل سرعة حتى وصلت إلى 6٪ ~~وإلى 4٪ نتيجة لنشاط هذا المصرف، وفي 24 أبريل 1803 صار لبنك فرنسا الامتياز الذي ~~انفرد به لاستصدار ورق النقد (البنكنوت) لمدة خمس عشرة سنة، واضطرت المصارف ~~التي كان لها الحق قبل ذلك في إصدار ورق النقد إما لتصفية أعمالها، وإما لأن ~~يبتاعها بنك فرنسا نفسه. # وقام تنظيم القضاء على مبدأ التخلي عن انتخاب «القضاة»، وصار من حق بونابرت ~~«تعيين» كل أعضاء الهيئة القضائية في مختلف مراتبها من القوائم المجهزة بأسماء ~~المرشحين لوظائف القضاء، وحيث إنه لم يعد هناك ما يجعله يخشى من عودة الأرستقراطية ~~القضائية التي تألفت منها «البرلمانات» في العهد أو النظام القديم، فقد أنشأ ~~بونابرت 29 محكمة استئنافية، أقيمت أكثرها في الأماكن نفسها التي وجدت بها ~~من قبل «البرلمانات»، كما جعلت لها معظم الاختصاصات القديمة التي كانت ms0432 لهذه ~~البرلمانات أيضا، وفي 18 مارس 1800 صدر قانون لتنظيم الهيئة القضائية على نفس ~~الأساس الذي قام عليه تنظيم الإدارات الأخرى، حيث تأتي بعد قاضي الصلح المحكمة ~~الأولية (واحدة في كل مركز) ثم المحاكم الاستئنافية وعددها 29 محكمة، وإلى جانب هذا ~~تحتفظ كل مديرية بمحكمة جنائية، وفي قمة النظام القضائي محكمة النقض والإبرام، ثم ~~وزير العدل المسمى «بالقاضي الأعظم». # وكان من ضروب الإصلاح القضائي - ولعله من أهمها - استصدار مجموعة القوانين التي ~~عرفت باسم «قانون نابليون # Code Napoléon ~~» أو ~~«القانون المدني # Code Civil ~~»، ولم يكن هذا ~~القانون من صنع نابليون وإنشائه، ولكن كان للقنصل الأول الفضل في إنجاز هذه ~~المجموعة وإصدارها، فقد شهدت البلاد قدرا من التشريعات أو القوانين المتضاربة من ~~بقايا العهود القديمة، بعضها روماني المنبت، وبعضها يستند إلى العرف والتقاليد، ~~وبعضها صدر عن المجالس أو الهيئات الثورية السابقة، حتى لقد ظهرت الرغبة ~~الملحة في ضرورة التأليف بين هذه التشريعات والقوانين وتوحيدها من أيام مجالس ~~الثورة، فوعد دستور 1791، ثم دستور 1793 بتحقيق هذه الرغبة، فنص الدستور الأول على ~~قانون مدني عام للبلاد بأكملها، وتحدث الثاني عن قانون مدني وجنائي موحد لكل ~~الجمهورية؛ فتشكلت لجنة برئاسة «كمباسيرس» في 12 أغسطس 1800 لإخراج مجموعة القوانين ~~المطلوبة، وكان «كمباسيرس» قد حدد منذ 9 سبتمبر 1794 ما عرفه بالضرورات الثلاث التي ~~يجب توافرها ليستطيع أي إنسان الحياة كعضو من أعضاء المجتمع البشري: «أن يكون سيدا ~~على نفسه، وأن يملك ما يسد به حاجته ومطالبه، وأن تكون له القدرة على التصرف في ~~شخصه وماله بما يحقق أكبر نفع ممكن لصالحه.» # وكان أن عملت اللجنة على هدى هذه «الضرورات الثلاث»، فانتهت من عملها بعد أربعة ~~شهور، حتى إذا فرغت اللجنة من وضع القانون، أبلغت صورته إلى محكمة النقض ~~والإبرام وإلى المحاكم الاستئنافية؛ لتبدي هذه ما يعن لها من ملاحظات عليه، ثم أحيل ~~المشروع مع ملاحظات هذه الهيئات القضائية إلى «مجلس الدولة»؛ حتى يبحثه القسم ~~القانوني أو التشريعي بهذا المجلس، فبدأت مناقشة القانون في هذا المجلس يوم ms0433 17 ~~يوليو 1801، وعقد المجلس لبحثه جلسات عدة (102) حضر منها بونابرت وترأس 57 جلسة، ~~ورفض مجلس التربيون - عندما عرض عليه المشروع - بعض بنوده، وفعل مثل ذلك ~~المجلس التشريعي، فتريث بونابرت حتى يتجدد أعضاء هذين المجلسين (حسب الدستور مرة ~~كل سنة) على يد مجلس الشيوخ، وعندئذ أقر المجلس التشريعي كل بنوده بين 5 ~~مارس 1803-15 مارس 1804، وفي 27 مارس 1804 صدر قانون باعتماده في مجموعة واحدة من ~~بابين أو فصلين و2281 مادة. # والقانون المدني أو قانون نابليون، مع أنه تقنين مناسب لمجتمع من الطبقة المتوسطة ~~(البورجوازي) المحافظة التي يستغرق الاهتمام بالأرض كل عنايتها، ويقوم نظامها ~~على روابط الأسرة الشرعية التقليدية، فقد كان متأثرا كذلك بصورة واضحة بكل المبادئ ~~والقواعد التي أتت بها الثورة، مثل المساواة بين كافة الأبناء في الحقوق، والحد من ~~حرية الوصية، ثم المساواة بين جميع المواطنين والأخذ بالفكرة العلمانية في الزواج ~~المدني، بأن يحدث هذا الزواج سابقا على العقد الديني، وأن يتسنى فك رباط ~~الزوجية. # ولعل أصدق تعليق على القانون المدني القول بإنه: «لم يكن ابتداعا، ولكنه كان ~~تنسيقا ... وهو إنما يحمل في طياته موجزا لكل تلك التقاليد التاريخية الطويلة ~~المتوارثة من الأزمنة القديمة بعد إحيائها وتجديدها على يد الثورة، وأمكن أن يكون ~~متلائما مع حاجات المجتمع الذي تمخضت عنه الأزمة، لقد حفظ بضعة من المبادئ ~~الأساسية التي جاءت بها الثورة، وحيث إنه صادر عن شعور قومي ومعبر له، فقد كان ~~عامل وحدة كذلك، وهو مما يشترك الفرنسيون جميعا - وعلى السواء - في امتلاكه، أي ~~إنه قانون عام واحد ليطبق عليهم جميعا»، ومع هذا لم يعد قانون نابليون فرنسيا ~~وحسب، بل صار أوروبيا كذلك؛ لأنه كان ينقل في بنوده المبادئ الرئيسية التي نادت ~~بها الثورة الفرنسية. # ووجه القنصل الأول عنايته للناحية الدينية، ذلك بأن «العبادات» التي أتت بها ~~الثورة كعبادة محبة الله والإنسان، وعبادة الفضيلة، وعبادة العقل ... إلخ، كانت قد ~~فقدت - الآن - كل اعتبار لها، وعند عودة الهدوء بعد عواصف الأيام السابقة، نشد ~~الشعب السكينة الروحية في العودة إلى أحضان ms0434 الكنيسة الكاثوليكية، واستطاعت كنيسة ~~روما (البابوية) أن تسيطر في هذه الظروف على القساوسة الفرنسيين الذين صاروا خاضعين ~~لها وحدها سيطرة لم تكن تمارسها إطلاقا حتى في ظل نظام الاتفاق الكنسي # Concordat # الذي أبرم مع البابوية في ~~عام 1516، أضف إلى هذا أن بونابرت نفسه لم يكن يدين بعقيدة دينية معينة، ولكنه كان ~~يدرك مدى القوة الروحية العظيمة الكامنة في العقيدة الدينية، والتي تجعل منها ~~عامل استقرار سياسي واجتماعي في الدولة، ولقد خبر بنفسه في إيطاليا منذ 1796 ~~القوة التي تمتعت بها هناك كنيسة روما، كما خبر قبل كل شيء قوة الروح الدينية ~~العميقة والمتغلغلة دائما في نفوس الفرنسيين، وقد أمكن أن يفيد الملكيون ~~المناوئون للنظام القائم من هذه الروح الدينية القوية لإثارة الاضطرابات والعصيان ~~في إقليم فنديه خصوصا، فهل يعجز بونابرت عن استمالة هذه القوة إلى جانبه لتأييد ~~النظام القائم بإعادة تأسيس الكنيسة الفرنسية «الجاليكانية» وإرجاع سطوتها الدينية ~~إليها والعمل على تحريرها من كل سيطرة رومانية. # وكان البابا الجديد «بيوس السابع» الرجل الذي في وسع القنصل الأول أن يتفاهم ~~معه لإبرام الاتفاق الذي يريده مع الكنيسة، فقد توفي سلفه «بيوس السادس» في ~~أغسطس 1799، وانتخب الكردينال كيارا ~~مونتي # Chiaramonti # باسم بيوس السابع تحت حماية النمسا في البندقية في مارس ~~1800، ولكنه استرجع كل الأملاك البابوية بعد قليل؛ بفضل انتصارات الفرنسيين في ~~مارنجو (يونيو)؛ ولذلك فقد صار يرحب بمقترحات بونابرت الذي أسر إلى أحد ~~الكرادلة منذ 25 يونيو رغبة في إعادة العلاقات بين فرنسا وبين «رئيس الكنيسة ~~العالمية»؛ فبدأت من ثم مفاوضات طويلة وشاقة بين ممثلي القنصل الأول وممثلي ~~البابا، وأشرف بونابرت بنفسه على قسم من هذه المفاوضة، ودارت المباحثات حول مسائل ~~ثلاث: (1) هل يجري إعلان الكاثوليكية دين الدولة الرسمي؟ وحصل الاتفاق على أن ~~تكون ديانة «أكثرية الأمة». (2) ثم كيف يجري اختيار الأساقفة للقيام بإدارة شئون ~~الأسقفيات التي خفض عددها في التنظيم الجديد، وكان القنصل الأول يريد اختيار أشخاص ~~جدد لاستبعاد القساوسة المستنكرين أو المخالفين الذين ثبت تطرفهم ومن المتوقع أن ~~يصعب قيادهم، وكذلك ms0435 القساوسة من غير المستنكرين، ولكن ثبت أنهم كانوا موضع شبهات ~~كثيرة؛ لاعتقاده أن الاختيار الحسن وحده كفيل بإنهاء الانقسام في صفوف رجال الدين ~~من مستنكرين ومحلفين، ولم يكن البابا يظهر أي عطف على من سماهم «بالدخلاء» ~~على رجال الدين، أي أولئك الذين هادنوا الثورة وساروا في ركابها وحلفوا يمين الولاء ~~لها، ولكنه اعتقد أن ليس من حقه التصرف في «وظائف» كان يشغلها أصحابها قبل سنة ~~1790، ولم يكن هناك معدى عن الوصول إلى حل وسط لإنهاء هذه المسألة. (3) وثم ~~كيف يكون حل مسألة الأملاك الأهلية، أي أملاك الكنيسة التي استولت عليها الدولة، ~~ولم يكن في وسع البابا التخلي عن أملاك الكنيسة حتى لا يتهمه أحد بأنه قد تصرف ~~في أملاك الكنيسة - وهي شيء مقدس - بالبيع أو الشراء، أي بثمن زمني # Simonie ~~، فصار ضروريا البحث عن عبارة تمنع ~~من توجيه هذا الاتهام إلى البابا من جهة، وتستبقي الأملاك الكنسية في أيدي أصحابها ~~العلمانيين الذين استولوا عليها من جهة أخرى. # وأخيرا بعد الاتفاق على كل هذه النقاط أمكن توقيع الاتفاقية الكنسية ~~«الكونكردات» في باريس في 15 يوليو 1801، وكانت من سبع عشرة مادة، وبها اعترفت ~~حكومة الجمهورية بأن الكاثوليكية هي دين أكثرية المواطنين الفرنسيين إلى جانب قناصل ~~الجمهورية، وجعلت العبادة الكاثوليكية علنية في كل أنحاء فرنسا، وألغيت كل ~~الأسقفيات والمطرانيات القديمة، وطالب البابا رجال الدين بالتخلي أو الاستقالة من ~~مناصبهم لتحقيق هذا الإلغاء، ثم أنشئت عشر مطرانيات وخمسون أسقفية جديدة جعل تعيين ~~شاغليها من حق القنصل الأول، بينما يأتي التثبيت في وظائفهم الدينية من لدن الكرسي ~~البابوي في روما، واعتمد البابا المبيعات التي حصلت من أملاك الكنيسة أيام الثورة، ~~وتعهد عن نفسه وعن خلفائه بالتنازل عن أية ادعاءات للمطالبة باسترجاعها في ~~المستقبل. # وتعهدت الحكومة الفرنسية من جانبها بأن تأخذ على عاتقها تخصيص معاشات أو مرتبات ~~كافية لإعالة رجال الدين من كل الدرجات، وأخيرا تحتم على رجال الدين أن ~~يقسموا يمين الولاء للحكومة القائمة، وصار الدعاء للجمهورية أو للقناصل ~~قسما من الصلاة التي تتلى في ms0436 الكنائس. # وصار التصديق على هذه الاتفاقية الكنسية «الكونكردات» في 10 سبتمبر 1801، ولكنها ~~لم تصبح قانونا نافذا إلا يوم 8 أبريل 1802 عندما أضاف بونابرت إلى «الكونكردات» ~~قرارات أساسية أو ~~تنظيمية # Articles Organiques ~~، كان الغرض من إضافتها التغلب على معارضة الهيئة التشريعية، ~~وبمقتضى هذه القرارات أو المواد امتنع على روما إرسال أية رسالة «براءة» بابوية أو ~~منشور بابوي وغير ذلك، أو أن تبعث لتمثيلها سفيرا أو رسولا بابويا ومن إليهما ~~من غير موافقة الحكومة، كما صار رجال الدين ممنوعين من عقد أية مجامع دينية، أو ~~مجالس للمباحثة في شئون الكنيسة من غير موافقة الحكومة، بينما تناولت القرارات ~~تنظيم شئون الإدارة في الكنيسة وكيفية الحكم فيها بصورة تؤكد الحقوق والحريات ~~الجاليكانية التي كانت للكنيسة الفرنسية بمقتضى قرارات سنة 1682، أو الإعلان أو ~~التصريح # Declaration # الذي صدر في عهد لويس ~~الرابع عشر والذي فصل الكنيسة في فرنسا عن كنيسة روما وضمن لها حياة مستقلة، ~~وجعل رئيس الدولة في فرنسا هو كذلك رئيس الكنيسة بها. # وقد احتج البابا على هذه القرارات أو المواد التنظيمية التي لم تكن ضمن الشروط ~~التي تمت الموافقة عليها في اتفاقية 15 يوليو 1801، والتي أضيفت من غير سابق إنذار ~~إلى المواد السبع عشرة التي اشتملت عليها الاتفاقية المذكورة، ولم يأبه بونابرت ~~لاعتراضات البابا، وفي 18 أبريل 1802 أقيم احتفال صلاة للشكر على ذلك السلام العام ~~الذي انتشرت ألويته بفضل صلح أميان، وذلك السلام الذي صار يسود الكنيسة، وقد أرضى ~~هذا السلام «المواطن الفرنسي» عموما. # وشملت عناية القنصلية مسائل التعليم، ومن المعروف أن المؤتمر الوطني أيام الثورة ~~كان قد أنشأ نوعا من المدارس ~~المركزية # Ecoles Centrales # أو المتوسطة، أفلح عدد كبير منها في تأدية رسالته بالرغم ~~من عقبات الفوضى الاقتصادية والحرب المشتعلة على الحدود، وصعوبة موازنة الميزانية، ~~إلى غير ذلك من صعوبات الحياة في تلك الأيام، ومع ذلك فقد ساد روح «الحرية ~~والاستقلال» هذه المدارس، وكان كل ما يخشاه الأساتذة والمدرسون ما بدأ يظهر من حذر ~~واسترابة من جانب القنصلية نحو هذه ms0437 المدارس التي انعدمت الثقة بها. # وقد تحققت مخاوف هؤلاء عندما أصدر وزير الداخلية «شابتال # Chaptal ~~» في 16 مارس 1801 منشورا إلى مأموريه افتتحه بقوله: # لم يعد يكفي وجود مدرسة مركزية واحدة بكل مديرية للتعليم العام، وإن مطلب ~~الأهلين في كل مكان منذ عشر سنوات إنما هو إنشاء معاهد للتعليم ناجحة يلقى ~~فيها الشباب تعليما سهلا قصيرا. # إنه وبمقتضى المشروع الوزاري استعيض عن المدارس المركزية أو المتوسطة ~~بعدد من مدارس القرية # Communales ~~(250 مدرسة) يحتل ~~بها تعليم العلوم المكان الأول مع تقوية تدريس اللاتينية، وإلغاء بعض المواد التي ~~كان منها الأجرومية والتاريخ، ثم دار الكلام عن «مدارس رئيسية Principales ~~» (25 مدرسة)، وفي 12 مارس 1802 عهد بالإشراف على ~~التعليم العام إلى «رودرر # Roederer ~~» وهو منصب ~~ألحق بوزارة الداخلية. # وفي أول مايو 1802 صدر قانون ألغيت بمقتضاه المدارس المركزية أو المتوسطة ~~واستعيض عنها بمدارس التعليم الثانوي أو الليسيه # Lycées ~~، وبينما تركت الدولة لعناية الإدارات المحلية، ~~وللجهود الشخصية، المدارس الأولية والابتدائية، تولت هي الإشراف على مدارس ~~الليسيه وعلى المدارس الخاصة، وقد أوضح «رودرر» الغرض من هذا التنظيم في قوله: إنما ~~هو ربط الآباء بطريق الأبناء، أي: أولئك الذين انتهى تعليمهم بأولئك الذين يبدأ ~~تعلمهم، بالحكومة، وربط الأبناء بطريق الآباء بها، وإنشاء نوع - على حد تعبير رودرر ~~- من الأبوة العمومية Paternété Publique ~~، وكان ~~«رودرر» نفسه هو الذي أوضح كذلك أن الغرض من التعليم سياسي أكثر منه أدبي أو ~~خلقي. # وبالطريقة نفسها أراد بونابرت الذي كان من أعضاء المجمع العلمي منذ 25 ديسمبر ~~1797 - والذي أنشأه المؤتمر الوطني في سنة 1795 ليحل محل الأكاديميات القديمة - ~~نقول: أراد بونابرت أن يتخذ من هذا المعهد أداة لفرض السيطرة الذهنية، أي: السيطرة ~~على الفكر في فرنسا، فصدر قرار في 23 يناير 1803 انقسم المجمع بمقتضاه إلى شعب ~~أربع: للعلوم الطبيعية والرياضية، وللغة والآداب الفرنسية، وللتاريخ والآداب ~~القديمة، وللفنون الجميلة، وهو تقسيم ألغى أقسام علوم الأخلاق والسياسة التي جذب ~~إليها دائما أصحاب المثل العليا. # وكما عمل بونابرت على تنظيم ms0438 التعليم، والمجمع العلمي، والقضاء، والإدارة، ~~والكنيسة ... إلخ، فقد وجب كذلك تنظيم الجيش، وتوجيهه الوجهة التي يريدها القنصل ~~الأول، وبمعنى آخر وتعبير أدق؛ صار على الجيش أن يعاون في تأليف تلك الطبقة ~~الأرستقراطية التي أرادها بونابرت الآن، على شريطة أن لا تكون مستندة إلى حق ~~المولد، بل تقوم على تأدية الأعمال والخدمات العامة التي يتميز أصحابها عن غيرهم ~~بما يبدونه من جهد وتضحية يجعلانهم جديرين بكل تكريم من جانب الدولة؛ وعلى ~~ذلك فقد اقترح بونابرت عن طريق «مجلس الدولة» إنشاء نظام جوقة الشرف # Légion d’Honneur # التي تتألف من خمسة عشر ~~حشدا أو جماعة تتألف كل منها من سبعة ضباط عظام، وعشرين قومندانا، وثلاثين ~~ضابطا، وثلاثمائة وخمسين فارسا، ولكل من هذه الرتب مكافأة مالية معينة، وكان من ~~قول بونابرت: «إن الواجب يقتضي أن يكون هناك توجيه لروح الجماعة في الجيش، وتأييد ~~هذا التوجيه، وأما ما يلقاه الجيش من تأييد قائم الآن فمبعثه الفكرة التي لدى أولئك ~~العسكريين أنهم يحتلون مكان النبلاء القدامى أو الأسبقين، إن من شأن هذا المشروع - ~~مشروع جوقة الشرف - أن يزيد من قوة نظام التعويض والجزاء «أو المكافأة» وإنه ~~ليؤلف كلا واحدا، وإن في ذلك لبداية تنظيم الأمة.» # وقد لقي هذا المشروع معارضة شديدة بدعوى أنه ينطوي على خطر محقق من وجهة ~~النظر الاجتماعية، ومع ذلك فقد قدمه «رودرر» إلى المجلس التشريعي بوصف أنه يعمل ~~لإقامة منظمة يعضد وجودها كل «قوانيننا الجمهورية»، وتعاون من غير شك على دعم ~~أركان الثورة، فصدر قرار 9 مايو 1802 الذي أنشأ جوقة الشرف، يشترط (في مادته ~~الثامنة) على كل شخص ينضم إلى هذه الجوقة أن يحلف يمين الشرف على خدمة الجمهورية ~~بأمانة وولاء، وللمحافظة على أرض بلاده وعدم التفريط في أي شبر منها، والدفاع عن ~~حكومته وعن قوانينها، ومقاومة أو محاربة أية محاولة أو مجهود يبذل من أجل تأسيس ~~الإقطاع من جديد؛ وذلك بكل الوسائل التي تقرها العدالة والحكمة والقوانين ~~القائمة، وأخيرا التعاون بكل ما لديه من قوة في تأييد مبادئ الحرية والمساواة، ms0439 ~~ووقع الاختيار على أحد كبار علماء الطبيعيات «لاسيبيد # Lacépède ~~» ليكون أول رئيس لجوقة الشرف هذه، وأما توزيع ~~أوسمتها؛ فبدأ للمرة الأولى بعد تأسيس الإمبراطورية، وذلك في 14 يوليو 1804 تحت قبة ~~مبنى الأنفليد # Invalides ~~. # ولقد ترتب على عقد السلام العام واستقرار الهدوء في الداخل، أن نشط دولاب العمل، ~~ودبت الحياة من جديد في مختلف ميادين الإنتاج؛ فشهدت البلاد عودة الرخاء من جديد، ~~وتوفرت أسباب العمل ونقص عدد المتعطلين، ينهض دليلا على ذلك معرض الصناعة الذي ~~أقيم في مارس 1801 بفضل جهود «شابتال # Chaptal ~~»، ~~أضف إلى هذا إصلاح الطرق، وإنشاء الفنارات والموانئ، وتأسيس البورصة (1801)، ~~والعمل بنظام القياس المتري الذي كانت قد قررته الجمعية الأهلية التأسيسية، وإعادة ~~تنظيم شوارع العاصمة وشق شوارع جديدة بها (شارع ريفولي)، وبناء الأرصفة على نهر ~~السين «رصيف أورساي # Quai d’Orsay ~~»، والعمل لإقامة ~~الكباري على هذا النهر نفسه «وهي التي صارت بعد قليل كوبري الفنون Pont des Arts ~~، وكوبري المدينة Pont de la Cité ~~، وكوبري أوسترليتز # d’Austerlitz ~~». # ونشطت الحياة الاجتماعية في عهد القنصلية حول بلاطين تأسسا من جديد في قصري ~~التويلري # Tuileries # ومالميزون # Malmaison ~~، واشتدت المنافسة بينهما، واجتمع نبلاء ~~العهد القديم القدامى مع أصحاب السراويل الطويلة من طبقة العامة الذين أثروا ~~حديثا، وتقدموا درجات في الحياة الاجتماعية الجديدة، وذلك في مناسبات الولائم ~~والأعياد التي كان ينظمها «كمباسيرس» أو «تاليران» أو «مدام دي ريكامييه # Récamier ~~» ... إلخ. # وتجدد «الباليه» في أوبرا باريس منذ فبراير 1800، وأضحت باريس مرة ثانية ملتقى ~~الزوار الأجانب، والمكان الذي تصدر عنه طرازات الأزياء الجديدة، ووصف ~~الكتاب المجتمع الفرنسي في عهد القنصلية بأنه: «كان ينبض بالحياة، ويشع ~~بالسعادة، لا يفتر عن الحركة والنشاط ويدأب على الاستمتاع بلذائذ العيش، حقا لقد ~~كان ينقصه الكياسة والسجايا الطيبة، ولكنه قبل الحياة على علاتها بسماحة وخلق ~~رضي دون التورط في تعقيدات عاطفية، أو البحث - دون جدوى - وراء آراء وفكرات ~~معينة، لقد كان مجتمعا اتسم بسلامة المزاج، عرف كيف يعيش طيبا، ويأكل جيدا، ~~ويحب حبا قويا ... لقد كان مجتمعا سعيدا.» # ولا جدال ms0440 في أن الطبقة الوسطى (البورجوازي) - وهي الطبقة الحاكمة في الأمة من ~~أيام الثورة - قد جنت أعظم الفائدة في ظل هذا النظام الاجتماعي الذي تدعمت ~~أركانه على عهد القنصلية، ولكن لا جدال كذلك في أن سواد الشعب أو الطبقة المحكومة ~~منه قد أفادت من انتشار الرخاء العام، ومن تأمين الطرق، وتقدم وسائل النقل ~~«والمواصلات» وارتفاع الأجور، وانخفاض نفقات المعيشة. # لقد جعلت كل هذه الإصلاحات الفرنسيين يعتبرون بونابرت - الذي سمت مكانته فوق ~~الأحزاب جميعها، سواء من أنصار الثورة أو النظام القديم - الزعيم الذي استطاع ~~إنهاء الثورة بطريق العمل على دعم تلك المبادئ التي قامت عليها، وذلك بوقف المغالاة ~~والتطرف الذي صحب تطبيق هذه المبادئ مع عدم التخلي عنها في الوقت نفسه، بل ~~الاستمساك بها بكل قوة، ولقد عبر بونابرت عن موقف «اللاحزبية» الذي اختاره لنفسه ~~في قوله: «لئن حكمت بواسطة حزب من الأحزاب، لصرت - عاجلا أو آجلا - ~~معتمدا في حكومتي على مؤازرته، وتابعا له ... إني رجل قومي.» # الفصل الرابع # | التمهيد للإمبراطورية # كان من أثر الانتصارات التي أحرزها بونابرت في الخارج وتوصله لإبرام الصلح في ~~أميان في مارس سنة 1802، ونجاح إصلاحاته الداخلية - الأمران اللذان ترتب عليهما ~~استتباب الهدوء والسكينة والاستقرار الداخلي خصوصا - أن زادت نقمة المتطرفين ~~الثوريين والملكيين على القنصل الأول الذي حطم كل أمل لديهم في إمكان إنهاء ~~النظام القائم، فتآمر الفريقان على حياته، وتعددت محاولات اغتياله، من ذلك ~~محاولة الملكيين قتله في شارع سانت نيكاز بتفجير برميل من البارود في طريقه وهو ~~يمر بعربته من هذا الشارع إلى دار الأوبرا في باريس، وقد ذكرنا كيف نجا القنصل ~~الأول وأخفقت هذه المؤامرة (24 ديسمبر سنة 1800)، وقد سبقت هذه المحاولة محاولة ~~أخرى فاشلة من جانب اليعاقبة؛ عندما حاول المتآمرون طعنه بمدية وهو يريد الدخول ~~إلى دار الأوبرا (أكتوبر سنة 1800)، وقد انتقم بونابرت من اليعاقبة بإرسال عدد كبير ~~منهم إلى المنفى في كايين في جويانا الفرنسية بأمريكا الجنوبية. # ولكن كان لانتصارات القنصل الأول في الميدانين الخارجي والداخلي أثر من نوع ~~آخر، كان أخطر شأنا، ms0441 هو التمهيد لقيام الإمبراطورية، ولإنهاء عهد القنصلية، ذلك ~~بأن مجلس التربيون بعد إذاعة معاهدة الصلح الذي أبرم في أميان اتخذ قرارا ~~إجماعيا يوم 6 مايو سنة 1802 بضرورة التعبير للقنصل الأول عن تقدير الأمة لجهوده ~~الرائعة وشكرها له، وفي 8 مايو قرر مجلس الشيوخ (السناتو) عندئذ أن يمد قنصلية ~~بونابرت عشر سنوات أخرى، تبدأ مباشرة بعد انقضاء السنوات العشر الأولى التي نص ~~دستور العام الثامن (دستور القنصلية) عليها، ولكن هذا القرار لم ينل رضا بونابرت ~~الذي طلب - الآن - أن يكون للأمة صوت في قيامه بأعباء منصبه، ووضع بنفسه صيغة ~~القرار الذي صدر يوم 10 مايو لاستفتاء الشعب في أن يصبح بونابرت قنصلا مدى الحياة، ~~وبالفعل جرى استفتاء الشعب كما أراد بونابرت، وأعلن مجلس الشيوخ النتيجة يوم 2 ~~أغسطس سنة 1802، فكانت الموافقة بأكثرية 3568885 صوتا من مجموع 3577259 ~~صوتا. # وعلى ذلك لم تلبث أن أدخلت بعد يومين فقط على إعلان هذه النتيجة (4 أغسطس ~~سنة 1802) التعديلات التي وجب إدخالها على دستور العام الثامن؛ حتى يتلاءم ~~الدستور مع الأوضاع الجديدة التي نشأت، كما قال «كمباسيرس»، عن وجود نظام حكومي ~~يستند على «رجل واحد» فقط، وكان الغرض من هذه التعديلات أن ينفرد القنصل الأول بكل ~~سلطة في الدولة؛ فهو الذي يسمي رؤساء المجالس في الأقاليم «ومهمتها ترشيح قضاة ~~الصلح وأعضاء مجالس البلديات وأعضاء الدوائر الانتخابية»، وهو الذي يسمي رؤساء ~~الدوائر الانتخابية في المراكز «وتتألف من 120 إلى 200 عضو، يضاف إليهم عشرة يعينهم ~~القنصل الأول». # وكان من هذه التعديلات كذلك «مراجعة مادة الدستور التي تخول مجلس الشيوخ ~~(السناتو) حق تنصيب القناصل»، وإعطاء هذا المجلس كل الخصائص اللازمة لأن يصبح ~~مزودا حقا بالسلطة الوقائية الضرورية لصيانة النظام القائم، فيكون لمجلس ~~الشيوخ القدرة على البت في المسائل التي أغفلها الدستور، والتي لا غنى عن الفصل ~~فيها لصالح الدستور نفسه، ثم يكون له حق وقف وظائف القضاة في المديريات مدة خمس ~~سنوات، وإلغاء الأحكام الصادرة من المحاكم، وحل المجلس التشريعي ومجلس ~~التربيون. # وقد نص التعديل على ms0442 أن يكون عدد أعضاء مجلس الشيوخ (السناتو) ثمانين عضوا، ~~للقنصل الأول أن يزيد عليهم أربعين آخرين، ثم قل عدد أعضاء «مجلس الدولة» بسبب ~~إنشاء «مجلس خاص # Conseil Privé ~~»، كما أنقص عدد ~~أعضاء مجلس التربيون إلى خمسين فقط، وقد نجم عن إدخال كل هذه التعديلات ما صار ~~يعرف باسم دستور العام العاشر (24 أغسطس سنة 1802). # على أن القنصلية لم تلبث أن شهدت في أيامها الأخيرة تحطم ذلك السلام العام الذي ~~بذل بونابرت قصارى جهده لتحقيقه في معاهدة أميان (25 مارس سنة 1802) نزولا على ~~رغبة الأمة الفرنسية التي نشدت السلام دائما وكافأته على جهوده من أجله، كما ~~شاهدنا تنصيبه قنصلا أول مدى حياته، ولقد كان من أثر نقض السلام بالصورة التي ~~سوف نعرضها، أن تهيأت الأسباب التي أبدلت جمهورية القنصلية بالإمبراطورية. # أما أسباب زوال السلام فكانت متعددة، منها: (1) تذمر الهولنديين الذين تحولت ~~بلادهم إلى جمهورية عرفت باسم الجمهورية الباتافية، ولم تكن سوى جزء من الفتوحات ~~الفرنسية، يهدد منها الفرنسيون إنجلترة مباشرة، لا سيما وأنهم كانوا يحتلون كذلك ~~«انفرس # Antwerp ~~» في بلجيكا. (2) ومنها ازدياد ~~القلاقل في إيطاليا الشمالية. (3) ومنها التداخل المتزايد في شئون ألمانيا، فإن ~~بونابرت لما كان قد وعد «في معاهدة لونفيل» بتعويض الأمراء الذين انتزعت منهم ~~أملاكهم على شاطئ الراين الأيسر، فقد حصل من الدياط الألماني (أو المجلس ~~الإمبراطوري) المنعقد في راتزبون # Ratisbon # على ما ~~يعرف باسم القرار النهائي ~~الألماني # Recés Germanique ~~، أو النتيجة ~~الرئيسية # Conclusion Principale # التي وصل إليها وفد الإمبراطورية، وذلك في 25 فبراير سنة ~~1803 ثم لم يلبث «الدياط» أن اعتمد هذا القرار في 24 مارس، وصدق عليه الإمبراطور ~~في 27 أبريل من السنة نفسها؛ وبمقتضاه ألغي عدد من الإمارات الألمانية الصغيرة ~~بلغ 112. # ولم يعد عدد كبير من المدن الحرة مربوطا مباشرة بالإمبراطورية، وهي التي كانت ~~أصلا خاضعة في حكومتها للإمبراطور وتابعة له وحده، وتسمى لذلك أيضا «بالمدن ~~الإمبراطورية»، وكان عددها إحدى وخمسين مدينة حرة، فصارت - الآن - ستة فقط، وهذا ~~بينما زيدت مساحات الإمارات الكبيرة في ألمانيا - وذلك ms0443 خصوصا على حساب الإمارات ~~الكنسية التي حولت إلى أخرى علمانية - فأمكن تعويض بروسيا عن المساحة التي فقدتها ~~(750) كيلومترا مربعا بمساحة أخرى في إقليم وستفاليا بين نهري الإلب والراين ~~مقدارها اثنا عشر ألف كيلو متر مربع، وبدلا من عدد السكان الذين فقدتهم (125000) ~~ضمت إليها نصف مليون نسمة، وكذلك نالت بفاريا تعويضا إقليميا، وبالمثل بادن، ~~وورتمبرج، وحتى النمسا - بالرغم من الهزائم العسكرية والسياسية التي توالت ~~عليها. # وهكذا عمل بونابرت على وضع أكبر مساحة من الأراضي الألمانية في أيدي حفنة من ~~الأمراء الألمان الذين سوف تقل حاجتهم لحماية فرنسا لهم بقدر زيادة قوتهم، وخدم ~~بونابرت كذلك قضية البروتستانتية في ألمانيا، عندما صار هناك ستة ناخبين ~~للإمبراطورية من البروتستنت (ثلاثة منهم قدامى في إمارات هانوفر وبراندنبرج وساكس، ~~وثلاثة جدد، هم أمراء بادن، وورتمبرج، وهس) بينما كان عدد الناخبين الكاثوليك ~~أربعة: في ماينز راتزبون، بفاريا، بوهيميا، سالزبورج تسكانيا، وهذا إلى جانب أن صار ~~للبروتستنت سبعون صوتا ضد أربعة وخمسين صوتا للأمراء الكاثوليك، كما أضحت ~~الدوائر الانتخابية في المدن من البروتستنت؛ وبذلك يكون بونابرت قد مهد لقيام ~~إمبراطورية بروتستنتية في ألمانيا، حتى ذكر المؤرخون أن «الثورة الألمانية» التي ~~أوجدت الإمبراطورية الحديثة في ألمانيا إنما انبعثت من ذلك القرار النهائي، أو تلك ~~النتيجة الرئيسية # Recés Germanique # التي قررها ~~الدياط، أو المجلس الإمبراطوري في راتزبون سنة 1803. # وبينما كان بونابرت يسعى لإلحاق الأذى بالتجارة الإنجليزية بزيادة المكوس ~~الجمركية، كان يعمل لتحقيق هذه الغاية بوسائل أخرى، ارتبطت في واقع الأمر بخطة ~~واسعة «استعمارية» لصالح فرنسا، ذلك أنه أبرم معاهدات مع وجاقات الغرب، مع طرابلس ~~في 17 يونيو سنة 1801، ومع تونس في 23 فبراير سنة 1802، واتخذ من نهب القرصان لإحدى ~~السفن الفرنسية ذريعة لمحاولة غزو الجزائر، فوصل أسطول فرنسي إلى ميناء الجزائر ~~في 7 أغسطس سنة 1802. # وخشيت إنجلترة أن يكون غرض فرنسا أن تستعيض عن خسارتها لمصر بالاستيلاء على ~~الجزائر، ولم يضع جلاء الفرنسيين من مصر حدا لأطماع بونابرت في «الشرق» بل بقيت ~~مشروعاته الشرقية «سرا» لا يدرك حقيقته أحد؛ فهو ms0444 يوفد الكولونيل سباستياني # Sebastiani # في «بعثته» المشهورة في سبتمبر 1802 ~~بوصفه مندوبا تجاريا إلى طرابلس الغرب ومصر والشام، ومن المعروف أن تقرير ~~سباستياني لم يلبث أن أذاعته الجريدة الرسمية في يناير من العام التالي، ثم هو (أي ~~بونابرت) يقترح على القيصر إسكندر الأول تقسيم أملاك السلطان العثماني، ثم هو يعين ~~الجنرال «ديكان # Decaen ~~» في يونيو 1802 قائدا ~~عاما لمراكز (مخازن) التجارة الخمسة الفرنسية في الهند، الأمر الذي سبب القلق ~~لإنجلترة، خصوصا عندما أبحر «ديكان» إلى مياه الهند مع أسطول قوي (مارس 1803)، ولو ~~أن الأوامر لم تلبث أن وصلته وهو لا يزال في طريقه بالتوقف عند جزيرة «إيل دي ~~فرانس»، ثم إن الجنرال لكلير - الذي تزوج من باولين Pauline # شقيقة بونابرت - لم يلبث أن أبحر مع زوجته في فبراير ~~1802 إلى سان دومنجو على رأس قوة من عشرة آلاف رجل - وقد سبق أن ذكرنا ذلك - ~~وقبض لوكلير على زعيم الثورة الزنجية هناك «توسيان لوفرتير» في 7 يونيو، وكان ~~توسيان قد أعلن دستورا (في 9 مايو 1801) للحكم الذاتي في الجزيرة، فأرسله لكلير - ~~الآن - إلى فرنسا، حيث مات مسجونا في إحدى قلاعها بمرض السل (في 7 أبريل سنة ~~1803)، وأعيد نظام الرقيق إلى الجزيرة في يوليو 1802، ومع ذلك فقد اشتعلت الثورة من ~~جديد في الجزيرة في شهر سبتمبر، واستطالت الحرب ولقي لوكلير حتفه في 2 نوفمبر 1802، ~~ولم يسع «روشامبو # Rochambeau ~~» الذي خلف لوكلير ~~إلا التسليم في 19 نوفمبر 1803، وبدا كأنما فرنسا قد أصابتها الهزيمة الكاملة في ~~هذه الجزيرة، وأما في المستعمرة الفرنسية الأخرى، لويزيانا، فقد تعين الجنرال ~~«فيكتور # Victor ~~» قائدا عاما لها (24 سبتمبر ~~سنة 1802)، وتأسست بها إدارة مدنية قوية برئاسة «لوسات # Laussat ~~» الذي تسلم مهام منصبه في شهر مارس من العام التالي، ~~ولكن لم يمض قليل حتى كانت قد أبرمت بين بونابرت والولايات المتحدة ~~الأمريكية الصفقة التي تم بها ابتياع هذه الأخيرة لمستعمرة لويزيانا الفرنسية بمبلغ ~~ثمانين مليونا من الفرنكات (3 مايو 1803). # تلك إذن كانت مشروعات بونابرت الاستعمارية، ولم يكن أكثرها ناجحا، ومع ms0445 ذلك فقد ~~كانت كافية لإزعاج إنجلترة التي طلبت «تفسيرا» لهذا النشاط كله، وفي نوفمبر 1802 ~~كانت المباحثات قد وصلت إلى مرحلة لا تبشر باستمرار السلام طويلا، فقد رفضت ~~إنجلترة إخلاء مالطة، متذرعة في رفضها هذا بكل تلك التغييرات والتعديلات التي ~~يدخلها بونابرت على «الوضع» القائم في أوروبا، بينما تمسكت الحكومة الفرنسية ~~بمعاهدة أميان، وكما أملى بونابرت تعليماته على تاليران (في 23 أكتوبر 1802) التمسك ~~بكل مواد هذه المعاهدة، وعدم قبول شيء سواها، وهي التي استطاع بونابرت بفضلها تأكيد ~~التغييرات التي أرادها وأدخلها على «الوضع» في أوروبا «ألمانيا، إيطاليا، هولندة، ~~سويسرة» والتي تحتم بموجبها على إنجلترة التخلي عن مالطة، أما الإنجليز فقد ~~تمسك وزير خارجيتهم لورد «هوكسبري» من جانبه بضرورة العودة «بالوضع» القائم في ~~أوروبا إلى ما كانت عليه وقت إبرام معاهدة أميان، ولا شيء غير ذلك، فاستطالت ~~المفاوضة حينئذ مدة ستة شهور دون الوصول إلى نتيجة. # وفي 6 مارس سنة 1803 اتخذت الحكومة الإنجليزية «وزارة أدنجتون» قرارا بالتعبئة، ~~وبعد أيام قليلة طلبت من الحكومة الفرنسية إخلاء هولندة وسويسرة، وإعطاء ملك ~~سردينيا تعويضا مناسبا عن أملاكه التي فقدها في بيدمنت، وقررت الاحتفاظ ~~بمالطة حتى تتم إجابة هذه المطالب. # وفي 12 مايو غادر السفير الإنجليزي لورد هويتورث # Whitworth # باريس، وفي 19 منه قبضت الحكومة الإنجليزية على ~~سفينتين فرنسيتين؛ فقرر بونابرت إلقاء القبض على كل الرعايا الإنجليز في فرنسا ~~بين الثامنة عشرة والستين من عمرهم، وأرسل قواده «مورتييه # Mortier ~~» لاحتلال هانوفر في ألمانيا، و«سان سير # Saint-Cyr ~~» لاحتلال أنكونا في إيطاليا وللزحف على ~~أترنتو وبرنديزي، بينما رحل بنفسه إلى نورمانديا وإلى البلجيك ليشرف في موانئهما ~~على بناء النقالات اللازمة لعبور بحر المانش (القنال الإنجليزي)، ثم انبرت ~~الجريدة الرسمية «المونيتور # Moniteur ~~» للحملة على ~~إنجلترة وتوجيه الاتهام لساستها الذين يعملون - كما قالت - لإرجاع ملكية البربون ~~إلى فرنسا، وإرغام فرنسا على الانكماش في دائرة حدودها القديمة، وتحطيم كل المآثر ~~التي أتت بها الثورة. # وانتهز المهاجرون تكدر العلاقات بين فرنسا وإنجلترة بهذه الصورة ليجددوا ~~نشاطهم باستئناف المؤامرات ضد القنصل ms0446 الأول؛ فإن أحد هؤلاء المهاجرين «الملكيين» ~~الذين لجئوا إلى لندن «جورج كادودال # Cadoudal ~~» ~~وكان من زعماء ثورة الشوان # Chouans ~~- الاسم الذي ~~أطلق على الثوار الملكيين في إقليم بريطاني - استطاع في أغسطس 1803 النزول ~~سرا وبصحبته الجنرال «بيشجرو Pichegru ~~»، واثنان ~~من أسرة بولينياك في مكان على ساحل نورمانديا نقلتهم إليه سفينة إنجليزية، ثم ~~قصدوا ثلاثتهم إلى باريس حيث حاولوا إشراك الجنرال «مورو # Moreau ~~» معهم في مؤامرة لاغتيال القنصل الأول، اعتمادا على ما ~~سمعوه عن تذمر هذا القائد، ولأنه كان يتمتع بسمعة عالية كقائد مظفر يجذب إليه ~~الجماهير، ولكن المتآمرين كانوا من أول الأمر موضع رقابة البوليس القنصلي، ومع أن ~~«مورو» اجتمع مرتين اجتماعا خاصا أو سريا برئيس المؤامرة كادودال وبالجنرال ~~بيشجرو، وكان معروفا عنه التذمر من النظام القائم والمعارضة له، يرى فريق من ~~المؤرخين أنه لم يكن بحال من الأحوال مؤيدا للمؤامرة على اغتيال حياة القنصل ~~الأول، أو أنه اشترك بصورة فعالة في تدبيرها، ولكن ما إن وقف «فوشيه # Fouché ~~» ناظر (وزير) البوليس على حقيقة المؤامرة حتى ~~ألقى القبض على كل من: مورو في 15 فبراير 1804، وبيشجرو في 29 فبراير، وأخيرا ~~كادودال في 9 مارس، ثم تبع ذلك إلقاء القبض على أكثر من أربعين متهما في هذه ~~المؤامرة، ويعزو كثيرون تقرير القنصل الأول القبض على مورو إلى رغبته في التخلص من ~~أكبر منافس له، أو المنافس الوحيد الذي كان بونابرت يخشى خطره ونفوذه. # وكان أثناء محاكمة كادودوال وزملائه أن أعلن أحد المتهمين أنه كان من المنتظر أن ~~يرأس أحد الأمراء هذه المؤامرة، مما جعل الحكومة تشدد المراقبة على السواحل على أمل ~~القبض على الكونت دارتوا # Artois # شقيق الملك لويس ~~السادس عشر، والدوق دي بري # Berry ~~«ابن الكونت ~~دارتوا»، أضف إلى هذا أن أحد العملاء السريين «ميهي ديلاتوش # Méhée de La Touche ~~، وكانت الحكومة الفرنسية ~~قد بعثت به للتجسس في لندن ثم في ألمانيا»، أبلغ المسئولين في باريس أن دوق ~~أنجيان # Enghien # الابن الأكبر لدوق بربون، ~~وحفيد برنس كونديه # Condé # يقيم في ms0447 بلدة إتنهايم # Ettenheim # في إقليم - أو إمارة - بادن، على مسافة ~~قريبة من بلدة ستراسبورج على الحدود الفرنسية، وكان دانجيان مشغولا بحبه العظيم ~~لإحدى قريباته شارلوت دي روهان # Rohon ~~، ولا يدري ~~شيئا عن مؤامرة كادودال أو غيرها من المؤامرات، ولكن سبق أن حمل السلاح ضد الثورة، ~~وكان دائما على استعداد لحمله مرة أخرى إذا ما قام المهاجرون بأية محاولة لإعادة ~~أسرته «البربون» إلى العرش في فرنسا، وكان دانجيان لذلك على علاقات بالمتذمرين في ~~الألزاس «وأهم مدنها ستراسبورج» من النظام القائم. # ولما كان قد أزعج القنصل الأول سيل التقارير التي أتته من كل مكان عن ~~المؤامرات التي تدبر لاغتياله، وتزعم الملكيون هذه المؤامرات ضد حياته، ~~فقد صمم على إنزال العقوبة الصارمة بهم، وقرر القبض على الدوق دانجيان، معقد ~~آمالهم، واعتباره شريكا في المؤامرة التي حاك خيوطها كل من كادودال وبيشجرو، ~~وذلك بالرغم من أنه لم يقم أي دليل على أن دانجيان كان ضالعا - بحال من الأحوال - ~~معهما في هذه المؤامرة أو يدري شيئا عنها. # ويبدو أن بونابرت اعتقد بوجود مؤامرة لتدبير غزو على فرنسا باشتراك دوق دانجيان ~~يعاونه «ديمورييه»، وفي ليل 15 مارس 1804 اقتحمت ثلة من الجنود الحدود وقبضت على ~~دانجيان في إتنهايم، ثم اقتادته إلى قلعة ستراسبورج، وبعد يومين نقل بسرعة إلى ~~باريس، ولكنه ما وصل إلى «بواباتها» يوم 20 مارس حتى نقل إلى قلعة «فينسن # Vincennes ~~» بالقرب من باريس، وفي نفس الليلة ~~أجريت محاكمته أمام محكمة عسكرية تشكلت بكل سرعة، فصدر الحكم بإعدامه، ~~وأعدم في صباح اليوم الثاني الباكر (21 مارس 1804). # وأما أصحاب المؤامرة الحقيقيون فقد حوكموا في شهر يونيو من السنة نفسها، وكان ~~«بيشجرو» قد انتحر في سجنه قبل المحاكمة (منذ 6 أبريل)، فصدر الحكم بالإعدام على ~~كادودال وثمانية عشر آخرين، بينما حكم على «مورو» بالسجن سنتين، وقد استبدل ~~بونابرت بهذا الحكم النفي إلى الولايات المتحدة الأمريكية، ثم تنفذ حكم ~~الإعدام في «كادودال» وعشرة من زملائه في 25 يونيو، وصدر العفو عن الثمانية ~~الباقين، وكان من هؤلاء الماركيز ms0448 دي رفيير # Riviére # ثم عضوا أسرة بولينياك اللذان سلف ذكرهما. # وكان الذي صادق على هذه الأحكام، وأمر بالعفو عن المدانين الثمانية ~~الإمبراطور نابليون الأول؛ لأنه كان من الآثار المباشرة لاكتشاف هذه المؤامرة التي ~~دبرها «كادودال» وإخوانه، أن أقام بونابرت صرح الإمبراطورية في فرنسا، وتبوأ ~~عرشها. # الباب الثاني # | الإمبراطورية # 1804-1815 # | تمهيد # كان بونابرت يرمز - في نظر الأمة الفرنسية - إلى النجاح الذي وصلت إليه ~~ثورتها الكبرى، بمعنى تأمين النتائج التي تمخضت عنها هذه الثورة، والآثار ~~التي ترتبت على قيامها في داخل البلاد، وفي علاقاتها مع الدول، وكان تشبث ~~الأمة الفرنسية - وعلى وجه الخصوص «الثوريين» الذين قامت على أكتافهم الثورة - ~~بالنظام الحكومي الذي يحفظ للطبقة المتوسطة كل الحقوق الجديدة التي حصلت عليها، ~~العامل الحاسم في كل تلك التطورات التي شاهدناها من أيام اجتماع الجمعية الأهلية ~~التأسيسية وصدور دستور الثورة الأول سنة 1791 إلى وقت «إنهاء الثورة» في انقلاب ~~بريمير المعروف في نوفمبر سنة 1799 الذي أسقط حكومة الإدارة، ومهد لقيام ~~القنصلية. # وفي كل التطورات أو التغييرات التي حدثت، وصدرت بسببها أو كأثر لها دساتير ~~الثورة المعروفة: دستور 1791، ثم دستور 1793 (دستور السنة الثانية للثورة) ثم دستور ~~العام الثالث (1795) الذي قامت عليه حكومة الإدارة، وأخيرا دستور العام الثامن ~~(1799) وهو دستور القنصلية؛ نقول: إن الغرض من كل هذه الأحداث كان إنشاء النظام ~~الذي يكفل «بقاء» الثورة، ويذود عنها كل خطر داخلي أو خارجي - على حد سواء - ~~يهدد بعودة النظام القديم، وفي ركابه طبقة الأشراف الأرستقراطية القديمة وطبقة رجال ~~الدين، وهما الطبقتان اللتان جردتهما الثورة من امتيازاتهما وأملاكهما لحساب ~~البورجوازية الناشئة التي قادت البلاد إلى الثورة، وبقيت مسيطرة على مقدراتها، ~~ويعني في اعتبارها «استمرار» الثورة دوام المزايا التي صارت تستمتع بها، والتي ~~توقفت استدامتها على دفع الأخطار التي تهددت (الثورة) من الداخل والخارج ~~معا. # ولقد شاهدنا في «التطور» الدستوري الذي حصل كيف رضي «الثوريون» - من أجل احتفاظ ~~البورجوازية بالسيطرة الجديدة التي ظفرت بها - أن يضحوا بالمبادئ الديمقراطية التي ~~نادت بها الثورة لتأسيس نظام للحكم، يقوم على ms0449 قواعد تكفل تمثيل الأمة تمثيلا ~~صحيحا، وإشراك «مندوبيها أو ممثليها» في الحكم إشراكا كاملا صحيحا، فضيقت ~~الدساتير المتتالية حقوق الانتخاب، ثم جعلت الانتخاب على درجات، وحرمت منه ~~أكثرية المواطنين، وإن شذ عن ذلك دستور 1793، ولو أنه - كما هو معروف - لم يوضع ~~أصلا موضع التنفيذ، والحد من هيمنة الهيئة التشريعية في نظير أن يزيد مرة بعد ~~أخرى سلطان الهيئة التنفيذية، وذلك بنسبة انكماش عدد القائمين عليها، فصاروا خمسة ~~في حكومة الإدارة أو المديرين، ثم صاروا ثلاثة في حكومة القنصلية، لتنحصر أسباب ~~السلطة في يد قنصل واحد فقط في النهاية، ورضي الثوريون الذين مهدوا لحكومة الفرد ~~بهذه الصورة أن «ينهوا» الثورة باعتبار أن في هذا «الإنهاء» ذاته ضمانا ~~«لاستمرارها»، وانعقدت آمالهم وآمال الأمة الفرنسية قاطبة على شخص القنصل الأول ~~لتحقيق هذه الغاية الأخيرة، فكان لضمان «استمرار» الثورة أن نودي بالجنرال بونابرت ~~قنصلا لمدى الحياة (1802)، وكان لهذا السبب نفسه أن نودي - الآن - بإمبراطورية ~~نابليون الأول. # الفصل الأول # | دستور العام الثاني عشر # 18 مايو 1804 # تذرع الذين أرادوا إنشاء الإمبراطورية بأن الأمة قد صارت - أكثر من أي وقت ~~مضى - في حاجة ماسة لتأمين «نتائج» الثورة، التي يكفل بقاءها وجود الرجل - ~~نابليون بونابرت - الذي تآمر الملكيون أعداء الثورة على حياته أكثر من مرة، ~~وأرادوا اغتياله في الوقت الذي استؤنفت فيه الحرب مع إنجلترة، وظهرت الرغبة في أن ~~يصبح لبونابرت الحق في تعيين خلف له، ولإعطائه لقبا جديدا، وقد بحث مجلس ~~الدولة هذه الرغبة، ولكنه أعلن يوم 5 أبريل 1804 موافقته على مبدأ الوراثة فحسب، ~~وعندئذ اتجه القنصل الأول إلى «مجلس التربيون» الذي قرر يوم 30 أبريل: (1) أن ~~يعلن نابليون بونابرت «القنصل الأول حاليا» إمبراطورا، وأن يبقى بهذه الصفة ~~قائما بأعباء الحكم في حكومة الجمهورية الفرنسية. (2) أن يكون منصب الإمبراطورية ~~وراثيا في أسرته. (3) وأن تقرر نهائيا الأنظمة اللازمة لذلك. # لم يلق هذا المشروع أي معارضة في مجلس التربيون إلا من جانب «كارنو # Carnot ~~» وحده، ثم أحيل المشروع إلى مجلس الشيوخ ~~(السناتو) الذي وافق عليه وطالب بإدخال ms0450 التعديلات أو التغييرات الدستورية ~~الضرورية، على أساس أن هذه قد صار لا غنى عن الأخذ بها بسبب المؤامرات التي يحيكها ~~أعداء فرنسا ضد سلامة الدولة، بينما ثبت عجز الأنظمة الحكومية الجمهورية عن مواجهة ~~الصعوبات التي تصادفها البلاد الآن، وقد ثبتت لذلك حاجتها الملحة لقيام ~~حكومة قوية ومستقرة بها، وقال بورتاليس Portalis ~~(في 16 مايو 1804): «إن الدول العظمى لا يجدر بها ولا تحتمل غير نوع من الحكومات، ~~هو حكومة الفرد، وإن الوراثة حاجز ضد المنازعات الحزبية، وإن الوسيلة الوحيدة ~~للقضاء على أحقاد أسرة البربون القديمة وإنهاء آمالها في استرجاع الحكم في فرنسا، ~~وإحياء الامتيازات التي أعطتها كل تلك السلطات التي أساءت استخدامها إنما تكون ~~بجعل السلطة وراثية في أسرة جديدة، نالت تقدير الشعب وعرفانه بجميلها عليه.» # وأخذ مجلس الشيوخ يعمل لإعداد «قانون الإمبراطورية # Senatus-Consulte de l’Empire ~~»، وفي 18 مايو 1804 صدر القانون النظامي الذي ~~بفضله: (1) تأسست الإمبراطورية وما يتبع ذلك من وضع أنظمة لترتيب الوراثة ~~وشئون الأسرة «المالكة » الإمبراطورية ونظام الوظائف الكبيرة وألقاب الشرف ... إلخ. ~~(2) وإدخال التعديلات اللازمة على اختصاصات السلطات «التشريعية والتنفيذية» العامة، ~~فأصبح للإمبراطور سيطرة أكبر على مجلس الشيوخ، وأنشئت محكمة عليا لنظر المخالفات ~~أو الجرائم التي يرتكبها أعضاء الأسرة الإمبراطورية والوزراء وكبار الموظفين، وكذلك ~~الجرائم أو الاعتداءات التي ترتكب والمؤامرات التي تدبر ضد أمن الدولة ~~وضد شخص الإمبراطور نفسه، (3) ثم إجراء استفتاء عام للأمة في هذا النظام ~~كله. # وفي الاستفتاء الذي أعلن مجلس الشيوخ نتيجته في 6 نوفمبر 1804، بلغ عدد ~~الأصوات المؤيدة للإمبراطورية 3572329، وكانت الأصوات المعارضة 2579 فقط، ومع ~~ذلك فإن هذه الأرقام لم تكن تدل على أن الاستفتاء كان يعبر عن حقيقة الرأي العام ~~تماما؛ لأن الممتنعين عن التصويت - أي الذين لم يشتركوا في الاقتراع - اعتبرتهم ~~الحكومة مؤيدين للدستور الجديد، أضف إلى هذا أن قانونا يصدره مجلس الشيوخ لم ~~يكن يتطلب إجراء استفتاء عام ليصبح نافذا، ولذلك لم يكن المقصود من هذا الاستفتاء ~~الحصول على تصديق الشعب على لقب أو حكومة الإمبراطورية، بقدر ما كانت الرغبة ~~تأييد ms0451 نظام الوراثة بالصورة التي أتى بها قانون الإمبراطورية، وقد جعل هذا ~~القانون من حق الإمبراطور أن يتبنى أحد أبناء أشقائه، وفي حالة عدم وجود وارث من ~~صلبه مباشرة أو عدم تبني أحد أبناء أشقائه ينتقل تاج الإمبراطورية إلى أخويه يوسف، ~~ولويس بونابرت وأبنائهما، وقد حرم من الوراثة كل من شقيقيه الآخرين لوسيان ~~وجيروم؛ لأنهما عقدا زيجات لا يرضى عنها. # وكان بعد تقرير نظام الإمبراطورية أن أنشئت ست وظائف كبرى، ورفع عدد كبير ~~من قواد نابليون إلى مرتبة المارشالية ومنحوا ألقاب الشرف الرفيعة، وكانت ~~الوظائف الكبيرة التي أنشئت هي: الناخب ~~الأعظم # Grand électeur # وتعين بها جوزيف بونابرت شقيق الإمبراطور، ومهر دار ~~(حامل الأختام) الإمبراطورية # Archichncelier # وتعين بها كمباسيسرس، ومهر دار الدولة وشغل هذه الوظيفة يوجين بوهارنيه، ~~والضابط الأعظم «للقوات العسكرية» # Connetable # وتعين بها لويس بونابرت - شقيق آخر للإمبراطور - وأميرال أو ضابط أعلى للبحرية ~~وشغل هذا المنصب القائد مورا، وأنشئت إلى جانب هذا عدة وظائف «للبلاط» الإمبراطوري ~~مثل الخوري الأعظم # Grand Aumônier # للإمبراطورية، ~~وهو منصب شغله الكردينال جوزيف فيش # Fesch ~~- أحد ~~عمومة الإمبراطور - وكبير ~~الحجاب # Grand Chmbellan ~~، وكان هذا «تاليران» الذي سمي كذلك نائب الناخب الأعظم، ~~ثم كبير الإصطبلات # GR. Écuyer # وكان كولينكور # Caulincourt # ثم مارشال القصر # Grand Maréchal du Palais # وكان ديروك # Duroc ~~، ثم كبير ~~الصائدين بالكلاب # Grand Veneur # وكان «برثييه»، وأخيرا كبير الأمناء # GR. Maître des-Cérémonies # وكان دي سيجور # De Segur ~~. # وأما الإقطاعات وألقاب الشرف التي كوفئ بها العسكريون في عهد الإمبراطورية فقد ~~بلغت اثنين وعشرين، تمتع بها كبار قواد الإمبراطور، وهم برثييه، برنادوت، دافو، ~~ماسينا، ناي، كلرمان، لان، ماكدونالد، أودينو، مورتييه، فيكتور، ديروك، أوجيرو، ~~مونسي، سولت، أريجي # Arrighi ~~، مارمون، جونو، ليففر، ~~موتون # Moutoun # بينما بلغ عدد الذين منحوا ~~هذه الألقاب والإقطاعات لخدماتهم المدنية والسياسية ثمانية: هم؛ تاليران، فوشيه، ~~ماريه # Maret ~~، شامباني # Champagny ~~، سافاري، رينييه # Régnier ~~، جودان # Gaudin ~~، نال لقب ~~الإمارة منهم برتييه وبرنادوت وتاليران، وجمع بين لقب الإمارة والدوقية دافو ~~وماسينا، وناي، وصار الباقون أدواقا، بينما أعطي موتون لقب ms0452 الكونتيه. # وأما هذه الإمبراطورية التي أوجدها قانون 18 مايو 1804 فكانت مزيجا من الجمهورية ~~والملكية بالصورة الظاهرة التي تعارف الناس عليها، ولكنها في جوهرها كانت شيئا ~~يختلف عن الجمهورية والملكية - أو الإمبراطورية المتعارف عليها - ولا يمكن اعتبارها ~~إلا شيئا مستولدا من عبقرية نابليون نفسه، ولا تفتأ تزداد هذه الطبيعة أو الخاصية ~~وضوحا بمرور الزمن، حتى إذا بلغت الإمبراطورية ذروتها في السنوات التالية ~~(1807-1809) كان الانفراد بهذه الصفة أبرز مميزاتها، أو قل: إنه المميز الوحيد لها ~~من الملكيات أو الإمبراطوريات العادية الأخرى. # فقد كان نابليون هو الذي رأى تأسيس إمبراطورية بدلا من ملكية؛ لأن الملكية ~~كانت لا تزال مقترنة في أذهان الناس بكل تلك المساوئ والمظالم التي قامت الثورة ~~لتحرير الأمة منها، وخشي نابليون أن يتحدى إنشاء الملكية من جديد الفرنسيين في ~~شعورهم، وأن يكون عامل استفزاز لهم للمطالبة بالحرية، فقال: إن إعلان ~~الإمبراطورية فيه إرضاء لأنانية الأمة دون تحريك حبها للحرية أو استثارة هذا الشعور ~~لدرجة متطرفة، وكانت الإمبراطورية القائمة حتى هذا الوقت من عشرة قرون مضت هي ~~الإمبراطورية الرومانية المقدسة، ولم يكن فرنسوا الثاني «الذي خلف الإمبراطور ~~ليوبولد الثاني منذ 1792» قد توج بعد إمبراطورا عليها، فلم ينل لقب ~~إمبراطور إلا في أول سبتمبر 1804، أي بعد إعلان تأسيس إمبراطورية نابليون الأول ~~ببضعة شهور، ولم يكن يرضي كبرياء نابليون شيء في هذا الوقت قدر إدراكه أن في ~~وسعه الاستهانة بكل التقاليد التي ارتبطت بهذه الإمبراطورية الرومانية المقدسة ~~القديمة التي شيد شارلمان صرحها، فظلت تصدر كل أعمال الحكومة الرسمية حتى ~~عام 1809 باسم «الجمهورية الفرنسية» إلى جانب اسم الإمبراطور نابليون. # ومع هذا؛ فقد كانت الملكية هي التي أقيمت الآن في فرنسا، وبكل حذافيرها حتى مظاهر ~~الفخامة الخارجية، بالرغم من وصف إمبراطورية نابليون بأنها الجمهورية الفرنسية، ~~ولم يكن تأسيس هذا النوع من الملكية شيئا جديدا، أو خطورة مفاجئة، فقد تطورت ~~«الجمهورية» التي نادى بها المؤتمر الوطني (25 سبتمبر 1792) وشهدت البلاد في ~~عهد حكومة الإدارة «أو المديرين» كثيرا من مظاهر فخامة الملكية، ثم تزايدت ms0453 ~~وتأكدت هذه المظاهر خصوصا في عهد القنصلية: وجود بلاط، وصالونات، وملابس رسمية ~~لموظفي الدولة، وأعياد، واحتفالات في قصر التويلري ... إلخ، أما الآن فقد بلغت هذه ~~المظاهر ذروتها، وذلك: أولا: بإعطاء لقب «ماريشال الإمبراطورية» في 14 مايو 1804 ~~إلى ثمانية عشر قائدا من الذين كسبوا انتصاراتهم في الحملات الإيطالية، خصوصا تحت ~~قيادة نابليون بونابرت نفسه، هم: برثييه # Berthier ~~، ~~مونسي # Moncey ~~، ماسينا # Massina ~~، أوجيرو # Augereau ~~، ~~جوردان # Jourdan ~~، برنادوت # Bernadotte ~~، برون # Brune ~~، مورا # Murat ~~، مورتييه # Mortier ~~، بسيير # Bessières ~~، سولت # Soult ~~، لان # Lannes ~~، ناي # Ney ~~، ~~دافو # Davout ~~، ثم كلرمان # Kellerman ~~، سيروريه # Sérurier ~~، ~~بيرينون Pérignon ~~، ليففر # Lefèbvre ~~، وعددهم ثمانية عشر مارشالا، لم يلبث أن ~~ضم إليهم في السنوات التالية القواد: فيكتور # Victor ~~(1807)، أودينو # Oudinot ~~، ~~ماكدونالد، مارمون # Marmont ~~(1809)، سوشيه # Sucht ~~(1811)، جوفيون سان سير # Gouvion Saint Cyr ~~(1812)، وبونياتوسكي Poniatowski ~~. # وثانيا: بأن وزع الإمبراطور في قصر الأنفاليد للمرة الأولى وسام جوقة ~~الشرف (يوم 14 يوليو 1804) على مستحقيه. وثالثا: ~~بأن أقيم حفل ديني فخم في كنيسة نوتردام لتتويج الإمبراطور، وقد اهتم نابليون بهذا ~~الاحتفال؛ فمهد له بالمفاوضة مع البابا بيوس السابع من جهة، وبعقد قرانه في ~~الكنيسة من جهة ثانية، وكان زواج بونابرت من جوزفين بورهانيه زواجا مدنيا فحسب ~~(أول ديسمبر)، وفي اليوم التالي (2 ديسمبر 1804) أقيم حفل التتويج الذي حضره ~~البابا، ولكن بدلا من أن يضع البابا التاج على رأس نابليون وزوجه، انتظر نابليون ~~حتى بارك البابا التاج فتناوله من يده وتوج به نفسه، ثم وضعه على رأس ~~الإمبراطورة التي ركعت أمامه. # ولئن دلت واقعة التتويج هذه على شيء، فإنما تدل على أن الإمبراطورية مستولدة ~~من عبقرية نابليون وحده ومتصلة بشخصه قبل أي شيء آخر، فهو الرجل الذي صار له حتى ~~هذا الوقت أربع سنوات ونيف وهو متربع في دست الحكم في فرنسا، يجمع في يديه كل ~~أسباب السلطة، وينفرد بممارستها وحده، ويبذل قصارى جهده لإتقان أساليب الحكومة ~~الفردية مع ما يقتضيه ذلك من تدريب صارم على ضرورة نظر الأشياء بنفسه، والإحاطة بها ~~إحاطة تامة، ثم تقرير ما ms0454 يجب اتخاذه بشأنها؛ وذلك لأن صاحب الحكم - أو الملك ~~كما قال نابليون - لن يكون شيئا مذكورا إذا لم يكن هو كل شيء، وحتى يتسنى له أن ~~يكون كل شيء، وجب عليه أن يكون في كل مكان، حقا لم ينكر نابليون افتتانه ~~بالسيطرة والسلطة، ولكنه - كما وصفه هو نفسه - كان من نوع افتتان الفنان بآلته ~~الموسيقية. # ونفى نابليون (مارس 1804) أنه طموح أو أن له أطماعا، فإذا كان لا مناص من ~~الاعتراف بوجودها، فهي حينئذ أطماع قد امتزجت امتزاجا في كيانه حتى صارت - كما قال ~~- بمثابة الدم الذي يجري في عروقه والهواء الذي يستنشقه، ونابليون هو الذي عرف ~~«المستحيل» بأنه «الشبح الذي يفزع الخائف الوجل، والملجأ الذي يلوذ به الجبان ~~الرعديد»، وكان صاحب هذا التعريف الذي أنكر المستحيل هو مؤسس الإمبراطورية الذي نهض ~~بأعباء الحكم فيها وحده، ولم يشأ أن يشاركه في ديكتاتوريته إنسان، والذي أعتقد أن ~~له من العبقرية ما يهيئه لأن يكون «شخصية تاريخية» - كما قال هو نفسه - وليس بشرا ~~كسائر البشر. # الفصل الثاني # | نظام الإمبراطورية # ديكتاتورية نابليون # نصت المادة الرابعة عشرة من القانون النظامي للإمبراطورية الصادر في 18 مايو 1804 ~~على أن يجري «تنظيم القصر الإمبراطوري بما يتفق وهيبة العرش وعظمة الأمة»، ذلك بأن ~~العرش سوف يكون له بلاط لامع يتألف من مارشالات الإمبراطورية، وكبار الموظفين ~~وأصحاب المناصب والألقاب الرفيعة، فصدر في 13 يوليو 1804 قرار بترتيب درجة كل فئة ~~من هؤلاء بالنسبة لغيرها في السلم الاجتماعي . # ثم إن نابليون لم يلبث أن استصدر طائفة من المراسيم، منح بها ألقاب الشرف ~~أفراد أسرته وكبار القواد في إمبراطوريته، وأنعم عليهم بالأملاك الواسعة خارج ~~فرنسا؛ فكانت مملكة نابولي وصقلية من نصيب شقيقه جوزيف الذي صار ملكا ~~عليها (30 مارس 1806)، ودوقية جواستالا # Guastalla # التي ضمتها فرنسا إليها في 1806 - وتقع ~~على نهر ألبو على الحدود بين مودينا ولمبارديا في إيطاليا - أعطيت لشقيقته ~~باولين Pauline ~~، ودوقية كليف # Cleves ~~، وبرج # Berg ~~(في ألمانيا على حدودها الشمالية الغربية مع فرنسا) إلى مورا، وإمارة نوشاتيل # Neuchatel ms0455 ~~(على الحدود بين فرنسا وسويسرة) إلى ~~برتييه، وفي 6 يونيو 1806 منح شقيقه لويس مملكة هولندة، وصار لويس ملكا ~~عليها. # وأما الإمبراطور نفسه فقد استبقى في حوزته أملاكا واسعة في إيطاليا، عهد ~~بالحكومة والإدارة بها إلى طائفة من رجال دولته، هم تاليران الذي أعطي إمارة ~~بنيفنتو # Benevento ~~«في قلب نابولي»، ودوقية ~~بارما إلى كمباسيرس، ودوقيه بلازانس Plaisance ~~(بياسنزا Piacenza # على نهر بو Po ~~) إلى لوبران # Lebrun ~~، ودوقية تارنتو # Tarento ~~(في ~~جنوب إيطاليا) إلى ماكدونالد، ثم دوقية أوترنتو # Otranto ~~(قريبة منها) إلى فوشيه # Fouché ~~، ودوقية جيتا # Gaeta ~~(في ~~نابولي) إلى جودان # Gaudin ~~، وعلاوة على ذلك فقد كان ~~الغرض من الإنعام بألقاب الشرف على طائفة أخرى من قواده ورجال دولته، تخليد ذكرى ~~الأحداث الهامة أو الوقائع الفاصلة في تاريخ إمبراطوريته؛ فالمارشال ماسينا منح ~~لقب دوق ريفولي # Rivoli # الواقعة التي أحرز فيها ~~بونابرت أحد انتصاراته الحاسمة في إيطاليا (14 يناير 1797)، كما أعطى لقب أمير ~~إيسلنج # Easling ~~؛ تخليدا لذكرى الموقعة التي ~~انتصر فيها نابليون بالاشتراك مع ماسينا وغيره من كبار قواده على جيوش النمسا - وإن ~~كان الفرنسيون كالنمسويين قد تحملوا خسائر فادحة (22-23 مايو 1809). # ونال المارشال ناي # Ney # لقب دوق الشنجن # Elchingen ~~، وأمير مسكوفا # Moscowa # لإحياء ذكرى الانتصار على النمسويين في واقعة الشنجن (14 ~~أكتوبر 1805) التي اشترك فيها ناي، وتقديرا لجهوده كذلك في واقعة نهر مسكوفا (7 ~~سبتمبر 1812) التي مكنت نابليون من الدخول إلى موسكو (في 14 سبتمبر) وأعطى ~~المارشال دافو لقب دوق أورشتاد # Auerstadt # وأمير ~~إيكموهل # Echmuhl ~~، وأورشتاد هي المعركة التي ~~انتصر فيها دافو، فأكمل النصر الذي أحرزه نابليون على الجيوش البروسية في واقعة ~~إيينا # Jena ~~(14 أكتوبر 1806)، أما إيكموهل فكانت الواقعة التي انتصر فيها نابليون وساهم فيها ~~دافو كذلك على جيش النمسا «في بفاريا» في 22 أبريل 1809. # واعتقد نابليون أن من صالحه تأمين مستقبل الأسرات التي صارت موالية له في النظام ~~الجديد، وارتبطت أقدارها نهائيا بمصير البيت البونابرتي الحاكم، فأعاد حق ~~أيلولة الإرث إلى الابن الأكبر في الأسرة (منذ 1806) فيما يتعلق بطبقة ms0456 كبار ~~العسكريين، ثم إنه أضاف إلى نظام الإرث حق «الاستعاضة» بمعنى أنه يحق للمورث إذا لم ~~يوجد عقب مباشر له أن يسمي في وصيته من يشاء ليرثه، ثم أنشأ (في أول مارس 1808) ~~نظاما يتسنى بفضله تخصيص نصيب من أملاك الأسرة يكفي وارث اللقب لأن يعيش في ~~المستوى الذي يفرضه لقب النبل الذي يحمله، وكان في نفس هذا التاريخ (أول مارس 1808) ~~أن صدر القانون الذي أنشأ رسميا طبقة النبلاء أو الأشراف في الإمبراطورية. # واحتفظ الإمبراطور في الوقت نفسه بحق منح ما يشاء من ألقاب النبل والشرف للقواد ~~والمديرين، ورجال الإدارة المدنيين وللعسكريين وغير هؤلاء من رعاياه الذين يتميزون ~~بالخدمات التي يسدونها للدولة. # وقد شاهدنا كيف أن نابليون قد رفع عددا من القواد وكبار الموظفين إلى مرتبة ~~الإمارة والدوقية، ولقد بلغ خلال ثماني سنوات فقط عدد من رفعهم نابليون إلى ~~مرتبة الإمارة أربعة، وإلى الدوقية ثلاثين، وإلى الكونتية (388) وإلى البارونية ~~(1090)، وإلى جانب هذا صار للإمبراطورة «جوزفين» وللأميرات شقيقات الإمبراطور ~~«إليزا # Elisa ~~، وباولين، وكارولين # Caroline ~~» وصيفات شرف، واستدعيت إحدى ~~السيدات لتلقين كل هؤلاء الوافدات على الحياة الاجتماعية العالية، قواعد السلوك في ~~هذا المجتمع وفق تقاليد البلاد في العهد القديم. # ولم يفرق الإمبراطور بين نبلاء العهد القديم والنبلاء المستحدثين، بل وزع ~~منحه وعطاياه على الفريقين بالتساوي، طالما أن نبلاء العهد القديم صاروا ~~ملتفين حوله، وبذل قصارى جهده ليمزج بين الجماعتين بعقد الزيجات بينهما؛ فقرب ~~من «بلاطه» أسرات مونتمورنسي، ونوال، وروهان # Rohan ~~، وشوازيل ~~براسلان # Choiseul-Praslin ~~، وفيليب دي سيجور # Ségur ~~- من رجال العهد القديم - أعطي منصبا في جيش الإمبراطور وصار كبير الأمناء، ~~ولقي ناربون وزير الحرب أيام لويس السادس عشر نفس العناية وألحق بالجيش ~~الإمبراطوري، بينما دخل عديدون من طبقة صغار النبلاء قديما في خدمة الحكومة، ~~ووجدوا في الإدارات التي ألحقوا بها زملاء من الطبقة المتوسطة «المستنيرة» ~~والتي تأثرت بفلسفة القرن الثامن عشر، والذين كانوا لذلك يدينون بمبدأ الطاعة ~~للحكومة «المستبدة المستنيرة». # وضمت فروع الإدارة إليها موظفين من بين الذين اشتركوا في مجالس الثورة ولم ~~تطح ms0457 المقصلة برءوسهم أيام إرهاب اليعاقبة، أو إرهاب الملكيين المناوئين للثورة، ~~وهرعوا يؤيدون القنصل الأول ثم الإمبراطور الذي عرف كيف يربطهم بالنظام الذي ~~أقامه، وكيف يفيد من خدماتهم، فتعين عدد كبير من أعضاء المؤتمر الوطني القدامى في ~~وظائف الدولة الكبيرة والإدارة الإقليمية «كمديرين في المقاطعات». # ولما كانت الإمبراطورية التي أعادت النظام إلى نصابه تحترم مبدأ التملك، ومن ~~واجبها تأمين الناس على أموالهم وأملاكهم الخاصة، أي تأمين الطبقة المتوسطة على كل ~~ما تعتبره هذه الطبقة ضروريا لبقاء «امتيازاتها»، فقد قصرت حق الانتخاب في ~~نظام الحكم الذي أوجدته على المواطنين الذين يدفعون القسط الأكبر من الضرائب، أي ~~أعضاء الأسرات ذات القدر أو المكانة الكبيرة في الماضي وفي الحاضر؛ بفضل ثرائها ~~وارتباطاتها الواسعة العائلية وغيرها في الإقليم، وما اشتهر عنهم من حسن السمعة ~~والآداب العالية في حياتهم الخاصة والعامة على السواء، أو كما قال نابليون: «تلك ~~الأسرات الطيبة التي كانت تنتمي إلى ما عرف في الماضي باسم العامة، أو الطبقة ~~الثالثة»، وواضح أن نابليون إنما كان يبغي من ذلك الاعتماد على كل المزايا الأدبية ~~والمادية التي للطبقة المتوسطة في تدعيم بناء إمبراطوريته الداخلي. # وفي ضوء هذه الرغبة خضع كل إصلاح داخلي في عهد الإمبراطورية للاعتبارات المتصلة ~~بمصالح الطبقة المتوسطة «المحترمة» أو «العالية» التي ارتبط مصيرها دائما «بالأرض» ~~فتحددت الضريبة على الأملاك والعقارات والأراضي، وتلك هي الموارد الرئيسية لإيرادات ~~الدولة، بصورة ترسم حدود أملاك الأفراد (الزمام)، وتعين حقوق وواجبات كل فرد ~~الخاصة بالأرض التي يملكها، وبالمثل طلب في التأريع (الذي صدر به قانون منذ 1807) ~~أن تضع القرى كشوفا مفصلة للزمام؛ لبيان أملاك الأفراد بكل دقة، وتقدير قيمة ~~الضريبة التي يدفعونها، وفي ذلك - كما هو ظاهر - ضمان لأصحاب الأرض (المتملكين) من ~~اعتداء الغير على أملاكهم أو «اعتداء» الخزانة «الحكومية» عليهم. # ومع ذلك فقط عظم اعتماد الإمبراطور في بقاء نظامه على إمكان إنشاء هيئة تعليمية ~~وادعة ومسالمة، تكون بمثابة القوى الأدبية التي يستند إلى مؤازرتها صرح ~~إمبراطوريته، ذلك أن نابليون كان يعتقد اعتقادا جازما بأن بقاء الدولة ms0458 أو كيانها ~~السياسي مرتهن بوجود هيئة تعليمية تدين بمبادئ ثابتة، ما دام أن الإنسان يولد وهو ~~لا يدري أي أنواع الأنظمة جدير بتأييده؛ الجمهورية أم الملكية؟ وهل الأفضل أن يكون ~~صاحب عقيدة وإيمان أو أن يكون لا دينيا؟ وفي رأيه أن الدولة لا تصنع الأمة بل ~~ترتكز الدولة دائما على أسس غير محددة، ومقلقلة، وهي معرضة لحدوث الاضطرابات ~~وخاضعة للتغييرات التي تطرأ عليها. # ثم لم تلبث أن أخذت تتبلور آراء الإمبراطور تدريجيا حتى استطاع أن يعرض آراءه ~~ورغباته على «مجلس الدولة» بصورة محددة في فبراير 1806، وكانت هذه إنشاء «جامعة ~~إمبراطورية» يكون لأعضائها وحدهم الحق في القيام بأعباء التعليم والإشراف عليه، ~~وأن يعهد إليهم بمهمة رئيسية هي «توجيه الرأي العام في الناحيتين السياسية ~~والخلقية»، وبحث مجلس الدولة هذه الرغبة حتى شهر أبريل، ثم تناول مجلس الشيوخ ~~الموضوع، وفي 10 مايو 1806 صدر قرار بتأسيس هيئة تحمل اسم الجامعة الإمبراطورية # 1 # يعهد إليها بمفردها بمهمة التربية والتعليم العام في أنحاء ~~الإمبراطورية، وهو قرار يقوم على مبدأ المركزية في التعليم. # ولا جدال في أن نابليون لم يكن يريد من وراء هذه المركزية في التعليم إخضاع ~~الشباب الفرنسي وحده لنظام موحد من التعليم والثقافة يكفل - بإشراف الدولة - ربط ~~هذا الشباب الفرنسي بالإمبراطورية، وإنما أراد بهذا النظام الموحد أن يروض كل ~~شباب الإمبراطورية المترامية الأطراف من أبناء الشعوب التي خضعت حديثا للسيطرة ~~العسكرية التي فرضها الإمبراطور عليها بقوة السلاح، ولما يمض الوقت الكافي ~~لاستقرارها على قبول «فكرة» الإمبراطورية، والرضاء «بنظامها» وذلك بأن يقيم - ~~إلى جانب روابط السيطرة العسكرية وروابط الانخراط في سلك الإدارات «أو الوظائف ~~الحكومية» المحلية - نوعا آخر من الروابط عن طريق هذه المركزية في التعليم ~~والثقافة. # ولقد كانت الخطوة التالية بعد «تأسيس» الجامعة الإمبراطورية، إعداد «دستور» ~~لتنظيم العمل بهذه الجامعة وتعيين وجوه نشاطها، واستطال البحث في مشروع هذه ~~الجامعة، حتى إذا كان يوم 17 مارس 1808 صدر القانون النظامي الخاص بالجامعة ~~الإمبراطورية، وكان يتألف من 144 مادة، وبمقتضى هذا القانون امتنع من الآن ms0459 فصاعدا ~~على أي إنسان إنشاء مدرسة، أو الاشتغال بالتعليم ما لم يكن من أعضاء الجامعة ~~الإمبراطورية ومتخرجا في إحدى كلياتها، وأما هذه الكليات فكانت خمسا: اللاهوت، ~~والقانون، والطب، والعلوم، والآداب، ويلي هذه الكليات الخمس في الترتيب مدارس ~~التعليم الثانوي «أو الليسيه»، ثم تأتي المدارس الإعدادية «أو التجهيزية» التي تقوم ~~بالإنفاق عليها المجالس النيابية، ثم المدارس الداخلية الخاصة، وأخيرا المدارس ~~الابتدائية. # ونصت المادة 38 من هذا القانون على القواعد التي يقوم عليها التعليم في كل هذه ~~المدارس «وفي الجامعة الإمبراطورية» وكانت ثلاثا: الديانة الكاثوليكية، والولاء ~~للإمبراطور، والطاعة لقرارات الهيئة التعليمية، وكانت هذه ترسم نظاما صارما ~~لأعضائها لدرجة إلزام فريق ممن يشغلون منهم بعض المناصب العالية في هذه الهيئة ~~بالعيش متبتلا. # وفي نفس اليوم (17 مارس 1808) صدر قرار آخر بتعيين رئيس لهذه الجامعة، هو ~~«لويس دي فونتان # Fontanes ~~»، ثم لم تلبث أن ~~وسعت السلطات المعطاة له باستصدار قرار آخر في 17 سبتمبر 1808، وقد اشتمل هذا ~~القرار على بعض المواد الخاصة بتنظيم الجامعة؛ فنصت المادة الثالثة على أنه ابتداء ~~من أول يناير 1809 تغلق أبوابها كل مؤسسة تعليمية لم يصدر من رئيس الجامعة ~~ترخيص باستمرارها في العمل، ثم توالى استصدار القوانين المنظمة لعمل الجامعة ~~واختصاصات كلياتها وعمدائها ولوائحها الداخلية إلخ، ثم من أجل إنشاء مدرسة للمعلمين ~~(30 مارس 1810)، وذلك بإعادة مدرسة المعلمين التي كانت قد تأسست أيام المؤتمر ~~الوطني سنة 1795 لإمداد المدارس المختلفة بالمدرسين اللازمين لها، وقد صدرت كل هذه ~~القوانين بين 10 فبراير 1810 و15 نوفمبر 1811. # وبمقتضى القانون الصادر في 15 نوفمبر 1811 صار للقساوسة الحق في تأسيس مدرسة ~~أكليريكية صغيرة في كل مديرية، لا يقتصر دخولها على الأطفال الذين يراد إعدادهم ~~للكهنوت فقط، وبهذا القانون زيد من ناحية أخرى عدد مدارس الليسيه فبلغت المائة في ~~كل أنحاء الإمبراطورية، كما جعلت كل المؤسسات التعليمية الخاصة خاضعة للجامعة ~~الإمبراطورية، وذكرت أنواع العقوبات التي يمكن توقيعها على أعضاء هذه ~~الجامعة. # وهكذا أدى إنشاء الجامعة الإمبراطورية وتنظيم المؤسسات العلمية والإكثار من عدد ~~المدارس إلى ms0460 زيادة استمالة الطبقة المتوسطة، وتوثيق علاقاتها بالنظام القائم، وهي ~~الطبقة التي شغفت دائما بالدرجات العلمية و«الشهادات الرسمية» التي تؤمن لأبنائها ~~فتح طريق الوظائف الحكومية، وتجعلهم يطمئنون إلى «مستقبلهم المهني» بينما ترمز ~~الشهادات التي يحصلون عليها إلى الطبقة التي ينتمون إليها، ينهض دليلا على هذا ~~الشغف بالدرجات العلمية للغرض الذي ذكرناه أن معاهد التعليم في فرنسا في عام 1813 ~~وحده أعطت درجة البكالوريوس لعدد من الخريجين بلغ (1658)، والبكالوريوس أولى ~~الشهادات الجامعية حسب قرار 17 مارس 1808، يليها الليسانس، ثم الدكتوراه وهي ~~أعلاها. # على أن التعليم لم يكن كله تحت هذه السيطرة العلمانية وحدها، فترك الإمبراطور ~~للهيئات الدينية تعليم الفتيات، وعني نابليون عناية خاصة ببنات ضباطه الذين لقوا ~~حتفهم في ميادين القتال؛ فأسس لتنشئتهن في مايو 1807 ست مؤسسات أو مدارس ~~إمبراطورية، جعلها تحت «حماية» الملكة هورتنس # Hortense # ابنة زوجه جوزفين، والتي تزوجت من لويس شقيق الإمبراطور، ~~والذي صار ملكا على هولندة (منذ 1806). # وإلى جانب هذا كانت قد أعيدت مدارس «الفرير» الرهبان المسيحية إلى فرنسا منذ ~~1801، فعهد إليها - الآن - بالتعليم الابتدائي، ولقد كان الغرض الجوهري الذي ~~استهدفه الإمبراطور أن يتعلم أبناء الأمة الفرنسية الديانة المسيحية، وأن يدينوا ~~بكل «التعاليم والإرشادات # Catéchisme Impérial ~~» ~~التي أخذت بها جميع الكنائس في الإمبراطورية الفرنسية «والتي تدور حول واجب ~~المسيحيين نحو نابليون الإمبراطور، وهو واجب يتطلب منهم الحب والاحترام لشخصه، ~~والطاعة لأوامره، والولاء لحكومته، وتأدية الخدمة العسكرية، وكل هذه شرائط ضرورية ~~للمحافظة على الإمبراطورية وعلى عرشه وللدفاع عنهما، وذلك ليس فقط لأن «الإله» قد ~~فوضه الحكم والسلطان، واتخذه صورة منه على الأرض، بل وكذلك لأنه أعاد الدين ~~والعبادة على نحو ما كان يعرفه الفرنسيون ونشأ آباؤهم وأجدادهم عليه، ولأنه عمل على ~~استقرار النظام العام بفضل ما أوتي من حكمة وأصالة رأي، ولأنه يذود عن حياض الدولة ~~بصارمه البتار، ولأنه نال المباركة المقدسة على يد البابا رئيس الكنيسة الأعلى ، ~~وأما أولئك الذين يقصرون في تأدية هذا الواجب عليهم، فهم - حسبما يقول بطرس ~~الرسول - إنما يقاومون النظام الذي أقامه الله ms0461 نفسه، ويستحقون لذلك نزول اللعنة ~~الأبدية عليهم.» # تلك كانت «التعاليم والإرشادات» التي نادت بها وأذاعتها «كنائس الإمبراطورية» وهي ~~«تعاليم» تؤيد سلطان الإمبراطور المطلق، وتدعو لنفس المبادئ التي حاربتها الثورة ~~أصلا، والتي تقول بحق الملوك المقدس «أو حقهم الإلهي» في الحكم. # وكان ضروريا لاستكمال هذه الدعائم التي قامت على ديكتاتورية الفرد في نظام ~~الإمبراطورية النابليونية أن يفرض الإمبراطور رقابة صارمة على الصحافة التي ~~اتهمها نابليون بترويج الشائعات، أو الأنباء التي يذيعها في القارة الوكلاء ~~الإنجليز أعداؤه، ليحدثوا بلبلة في الأذهان، لا يسع النظام القائم السكوت عليها ~~أو إغفال آثارها السيئة والمؤذية، فكتب منذ 22 أبريل 1805 إلى مدير البوليس «أو ~~الأمن» فوشيه، أن يستدعي هذا الوزير لديه رؤساء تحرير صحف «جورنال دي ديبا # Journal des Débats ~~» و«بوبليسيست Publiciste ~~»، و«جازيت دي فرانس # Gazette de France ~~»، وهي الصحف التي اعتقد ~~نابليون أنها واسعة الانتشار ليعلنهم؛ أنهم إذا استمروا يقومون بدور الترجمان الذي ~~ينقل ما يجيء في الصحف والنشرات الإنجليزية وإزعاج الرأي العام بصورة مستمرة - ~~لنشرهم بحماقة الأخبار التي تصدر عن فرانكفورت وأوجزبرج دون تدبر لمعاني ما ~~ينشرونه ودون روية - فإن صحفهم لن يطول بقاؤها، «وليعلموا» أن عهد الثورة قد ~~انتهى، وأنه لم يبق في فرنسا غير حزب واحد. # وقد تكرر الإنذار من نابليون بعد أيام قليلة (28 أبريل) وأعلن أن «إصلاح الصحافة» ~~قد صار ضروريا، وأن إجراء سوف يتخذ قريبا لتحقيق الغاية؛ لأن من الحماقة - ~~كما قال - أن تكون هناك طائفة من الصحف تسيء استقلال حرية الصحافة، ولا تحاول أن ~~تفيد من المزايا التي تكفلها هذه الحرية لها؛ وعلى ذلك فقد صدرت تشريعات في 20-22 ~~مايو، 7 أغسطس 1805 تطلب من الصحف تقديم حساباتها للبوليس، وأن تدفع مبلغا ~~من المال يخصص لإنشاء «رقابة» على الصحف، ثم لم يلبث أن صدر تشريع لتنظيم ~~الرقابة على النشر والطباعة في 5 فبراير 1810، على أن يجري العمل بالتنظيم الجديد ~~ابتداء من أول يناير 1811، وبمقتضى هذا القانون أنشئت إدارة عامة «للرقابة» ~~ألحقت بوزارة الداخلية لها الإشراف على كل ms0462 ما يتعلق بشئون المطابع ~~والمكتبات - أي دور النشر ومحال بيع الكتب - وعهد إلى هذه الإدارة بإصدار ~~«جورنال عام للمكتبة والمطبعة» بمثابة قائمة بأسماء الكتب المطبوعة، والمطابع ~~التي تولت طبعها، ثم أنقص عدد المطابع في باريس إلى الستين فقط، وتحتم أن ~~ينال أصحابها ترخيصا بممارسة عملهم، وأن يحلفوا يمينا بالامتناع عن طبع شيء ~~يتعارض مع واجب الولاء للإمبراطور وصالح الدولة، وجعل للمدير العام الحق في وقف ~~الطبع في أي وقت يشاء للأسباب التي يراها، ثم يحتم على أصحاب المكتبات - الذين لم ~~يقيد القانون عددهم - أن ينالوا ترخيصا من الحكومة لمحالهم، وأن يقسموا ~~نفس اليمين التي سبقت، ثم لم يلبث أن تحدد بعد قليل عدد الصحف التي يجب ~~إصدارها، فصدر قانون في 3 أغسطس 1810 يجيز إصدار صحيفة واحدة فقط في كل مديرية، ~~بينما صدر من أجل تحديد الصحف في باريس قانون في أكتوبر من السنة نفسها يجيز صدور ~~أربع صحف فقط: كانت «المونيتور # Moniteur ~~» الجريدة ~~الرسمية، و«جورنال دي لامبير # Jour-de l’Empire ~~» - ~~وهو الاسم الذي صارت تسمى به الآن صحيفة «الجورنال دي ديبا» ذات الانتشار ~~الواسع، والتي كانت موضع نقمة نابليون - ثم «جورنال دي باري # Jour-de Paris ~~» - وكان مختصا بنقل أخبار المجتمع - وأخيرا ~~جازيت دي فرانس # Gazette de France ~~، التي اهتمت ~~بالأنباء الدينية، وفي 18 فبراير 1811 صدر قرار بالاستيلاء على (جورنال دي لامبير) ~~دون دفع أي تعويض لأصحابه، ثم لم يلبث أن تبع ذلك استصدار قرار آخر في 17 ~~سبتمبر 1811 بمصادرة الصحف الباريسية الأخرى، وبذلك تكون قد قضت الإمبراطورية على ~~الصحافة في فرنسا، ومن الآن فصاعدا لم يعد ينشر شيء من الأنباء السياسية ~~إلا بموافقة الحكومة، ونادرا ما كان يحدث هذا، وفي غالب الأحايين كانت هذه الأنباء ~~التي تذاع أنباء كاذبة. # ومثلما فرضت الرقابة على الصحف - وكانت رقابة خانقة - خضع المسرح للرقابة ~~التي كانت أشد تدقيقا وصرامة على نحو ما كان منتظرا، حيث كان إقبال الجمهور على ~~المسرح عظيما في وقت كان للمسرح الفرنسي نجومه المتألقة، في شخص تالما # Talma ms0463 ~~(1763-1826) الممثل الأثير عند نابليون نفسه، ~~ومدموازيل مارس # Mars # المتخصصة في هزليات موليير، ~~وماريفو # Marivaux ~~، ثم مدموازيل جورج # Georges # وغير هؤلاء. # وكان نابليون من المعجبين بالمسرح، وبالتمثيليات الجدية، وبتأثير من «تالما» لم ~~يتردد في تشجيع «الكوميدي فرانسيز» بمنح هذه المؤسسة مبلغا جسيما من المال (يوليو ~~1802، يناير 1803)، ولكن الجمهور كان يقبل على المسارح الصغيرة والتمثيليات ~~الخفيفة التي لا قيمة أدبية أو خلقية لها، وظل منصرفا عن المسرح الجدي، حتى حدث ~~في بداية عام 1806 أن لفت تاليران ومدام دي ~~ريميزا # Rémusat ~~- صاحبة المذكرات المشهورة عن حياة البلاط في عهد نابليون ~~- وغيرهما، نظر نابليون للحالة السيئة التي صار إليها مسرحا الأوبرا، والأوبرا ~~كوميك، وحساباتهما المرتبكة، فقرر الإمبراطور أن يجعل صدور إذن منه ضروريا ~~لتأسيس أي مسرح، وأن يحيل على وزارة الداخلية حسابات المسارح لفحصها؛ حتى يمكن ~~تصفية المسارح التي يثبت خلل في ميزانيتها، ثم أغلقت المسارح القريبة من ~~«الكوميدي فرانسيز» بدعوى مراعاة الذوق والمحافظة على التقاليد، وطلب من مسرح ~~مشهور في حي الباليه رويال الانتقال إلى مكان آخر في تاريخ معين، وتحدد نوع ~~الاستعراضات في دار الأوبرا، بحيث اقتصرت هذه على رقصات الباليه، وحفلات الرقص ~~التنكري. # ولم تمنع مشغوليات السياسة والحرب الإمبراطور من الاهتمام بالمسرح؛ فهو يكتب ~~في 17 مارس 1807 إلى الإمبراطورة جوزفين، من أوسترود # Osterode # التي عسكر بها عقب معركة إيلو # Eylau ~~: «أنها ما يجب أن تذهب إلا إلى المسارح العظيمة، وأن تشهد ~~التمثيلية دائما من مقصورة فخمة»، أما المسارح العظيمة التي عناها نابليون فإنه لم ~~يلبث بعد خمسة أسابيع فحسب أن صدر قرار (25 أبريل 1807) ببيانها عندما قسمت ~~المسارح إلى كبيرة وثانوية؛ فكان من الأولى: الكوميدي فرانسيز، والإمبراتريس ~~(الإمبراطورة) وهو حاليا مسرح الأوديون # Odéon ~~، ~~والأوبرا، والأوبرا كوميك، وأما الثانية: فكانت مسارح الفودفيل والجايتيه # Gaité # وعدد كبير آخر من نفس هذه الطبقة. # وفي 29 يوليو صدر قرار آخر بجعل عدد المسارح ثمانية فقط، بما في ذلك المسارح ~~الأربعة الكبرى، وابتداء من 6 أغسطس 1807 «لم يعد في استطاعة مخلوق تأدية ms0464 أية ~~مسرحية على غير المسارح المصرح بوجودها في باريس بأي عذر من الأعذار، ولا السماح ~~بدخول النظارة، حتى ولو كان ذلك بالمجان ، ولا إلصاق أي إعلان أو توزيع أية تذكرة ~~مطبوعة أو مكتوبة بخط اليد دون الوقوع تحت طائلة العقوبات التي فرضتها القوانين ~~وسلطات البوليس على مرتكبي هذه الجرائم»، وبذلك تكون صناعة المسرح قد صارت صناعة ~~حكومية، وحياة المسرح وظائف إدارية وتشرف الدولة على ذلك كله إشرافا ~~وثيقا. # وفي ظل هذا النظام كان الحجر على الفكر الحر أمرا طبيعيا؛ لأن الإمبراطور ~~الذي أراد بناء مجتمع يقوم على التجانس الفكري المرتبط بتلك «التعاليم والإرشادات» ~~الإمبراطورية التي سبق أن أشرنا إليها، لم يكن يرضى عن وجود الكتاب المستقلين في ~~إمبراطوريته، أو الفلاسفة وأولئك السياسيين الذين يعنون بشئون السياسة وبالتفكير في ~~مسائلها دون أن يكونوا من محترفي السياسة الذين تستخدمهم الدولة في وظائفها ~~الدبلوماسية؛ ولذلك فقد ألغى نابليون - كما شاهدنا - من أقسام «المجمع العلمي # Institut ~~» قسم علوم الأخلاق والسياسة (في ~~يناير 1803؛ أي من أيام القنصلية)، وشرع الإمبراطور يوجه عنايته إلى الطريقة ~~التي وجب - في نظره - أن يكتب بها تاريخ الأمة الفرنسية، فهو يبذل العطايا ويعطي ~~المرتبات السخية للكتاب الذين يسجلون تاريخه وسيرته، أو يكتبون تاريخ البلاد من ~~وجهة النظر التي يرضى هو عنها؛ من ذلك أنه عين مبلغا كبيرا من المال لإنجاز ~~«الموجز التاريخي» # 2 # الذي كان قد بدأه الشاعر والكاتب هينو # Hénault ~~(1685-1770) رئيس برلمان باريس في القرن الماضي، ومنع من ~~ناحية أخرى نشر مؤلف مونلوزييه # Montlosier ~~(1755-1838) «دراسات في تاريخ فرنسا». # 3 # وقد اشتهر صاحبها بكتاباته ضد اليسوعيين، ولذلك لم يكن عجيبا أن يقف في صفوف ~~المعارضة ضد الإمبراطورية أعظم كاتبين فرنسيين ظهرا في هذا العهد النابليوني، ~~هما شاتوبريان # Chateaubriand ~~، ومدام دي ستال # Staël ~~. # تلك إذن كانت الأسس التي قامت عليها تنظيمات الإمبراطورية وإصلاحاتها الداخلية، ~~وهي الأسس التي أنشأت تلك الديكتاتورية التي كان لا معدى عنها في اعتبار نابليون ~~لاستقرار الأمور في فرنسا بالصورة التي تكفل بقاء الإمبراطورية كنظام للحكومة ~~الداخلية، ms0465 ولتثبيت دعائم أسرة بونابرت - البيت الحاكم الجديد في فرنسا. # على أنه مما تجدر ملاحظته أن هذه الأغراض المباشرة التي توخاها نابليون - ~~من فرض ديكتاتورية الإمبراطورية في الداخل - كانت ذات أثر حاسم كذلك في ~~تشكيل علاقات الإمبراطورية بغيرها من الدول والحكومات في أوروبا، ولا ينال من قوة ~~هذا العامل - تثبيت أركان الإمبراطورية ذاتها وضمان بقاء بيت بونابرت الحاكم في ~~فرنسا - أن كانت السياسة التي اتبعها نابليون تهدف إلى دوام السلام العام، وفي دوام ~~السلام العام تثبيت لعروش إمبراطوريته، أو أنها كانت تهدد بإشعال نار الحروب ~~دائما من أجل ضم أملاك جديدة إلى إمبراطوريته، وتوسيع رقعة هذه الإمبراطورية لعله ~~يجد في هذا الاتساع ذلك الاستقرار الذي ينشده لحكومته. # والحقيقة التي لا مشاحة فيها أن هذه الديكتاتورية الداخلية قد أعانته على المضي ~~في سياسة الغزو والحروب الخارجية، كما أنها كذلك وبالدرجة نفسها، قد ساعدت على ~~تقويض عروش إمبراطوريته عندما سدد الأعداء الخارجيون ضرباتهم ضد هذه الإمبراطورية، ~~وعبثا حاول الإمبراطور استنهاض الهمم في أمة أنهكتها الحروب، وكان قد سلبها - ~~من أمد طويل - كل حرياتها. # الفصل الثالث # | أوج الإمبراطورية: من أوسترلتز إلى تلست # 1805-1807 # قابلت أوروبا - بالقلق - إعلان الإمبراطورية وإنشاء تلك الديكتاتورية التي أخضعت ~~الفرنسيين لسلطان نابليون ووضعت كل السلطة في يده، وأفزعت أصحاب التيجان في ~~أوروبا هذه السلطة التي صارت للإمبراطور بالرغم من أنه كان في تأسيس الإمبراطورية ~~ضمان لذلك النظام الاجتماعي، الذي جعل الملوك في أوروبا يتضامنون في مناصبة الثورة ~~في فرنسا العداء من أجل المحافظة على العهد القديم بكل ما كان للطبقات العليا فيه ~~من حقوق وامتيازات. # ولكن مبعث الخوف من هذه الإمبراطورية النابليونية المستحدثة كان التغييرات ~~السياسية التي حصلت في أيام حكومة القنصلية في ألمانيا وإيطاليا وهولندة وسويسرة، ~~والتي كان «خلق» هذه الإمبراطورية ينبئ بأن «الاعتداءات» التي شكت منها «أوروبا ~~الشرعية» سوف تفقد هذه الصفة العدوانية في ظل السيطرة الفرنسية الجديدة، وتصبح ~~تغييرات «مشروعة» من المنتظر لها الاستمرار والبقاء ما دامت الإمبراطورية، ومن ~~المنتظر أن يتزايد الخطر بدرجة تهدد بزوال العهد ms0466 القديم جملة وبكل ما يشمل من ~~حقوق وامتيازات للملوك «الشرعيين»، ما دام نابليون الإمبراطور قد جعل نصب عينيه ~~دائما تثبيت دعائم أسرته (البيت البونابرتي) في الحكم - ليس في فرنسا وحدها، بل ~~وفي أوروبا - مع ما يستلزمه ذلك من اتخاذ إجراءات عسكرية لتوسيع رقعة الإمبراطورية ~~على حساب الحكومات «الشرعية» من جهة، ونشر المبادئ التي أتت بها الثورة للحد من ~~سلطان هذه الحكومات في داخل بلادها، ثم تقويض عروشها في النهاية على أيدي رعاياها ~~من جهة أخرى. # ولقد ظهرت بوادر هذا الخوف والقلق عندما امتنع أصحاب التيجان «الشرعية» في ~~أوروبا عن تهنئة نابليون بتتويجه إمبراطورا، وشذ عن هؤلاء ملك إسبانيا وحده ~~«فردنند السابع» وكان مع ذلك بربونيا، ثم لم يلبث أن تألف ضد فرنسا - بكل سرعة - ~~ما صار يعرف باسم التحالف الدولي الثالث. # فقد رفض نابليون وساطة القيصر إسكندر الأول الذي رغب في أن يخلي الإمبراطور ~~الأقاليم المحتلة فيما وراء جبال الألب (إيطاليا) ونهر الراين (ألمانيا)، واستدعى ~~القيصر سفيره في باريس في أغسطس 1804، وبقي بها قائم بالأعمال هو «الكونت دوبريل # d’Oubril ~~» الذي لم يلبث أن استدعي هو ~~الآخر في شهر أكتوبر من العام نفسه، وهذا بينما أوفد القيصر إلى لندن مبعوثا ~~«الكونت نيقولا نوفوسيلتزوف # Novosiltsov ~~» ~~يحمل تعليمات لمحالفة مع إنجلترة، ولكن حكومة لندن لم تكن راضية تماما عن شروط ~~هذه المعاهدة المعروضة عليها، وعلى ذلك فقد تأجل عقد هذه المحالفة؛ حتى ~~أمكن الوصول إلى اتفاق بين الحكومتين، فأبرمت معاهدة سان بطرسبرج بينهما ~~في 11 أبريل 1805. # وبمقتضى هذه المعاهدة صار «مفهوما» أن فرنسا يجب أن تنكمش حدودها إلى ما كانت ~~عليه قديما، وأن دولا كبيرة يجب إنشاؤها على هذه الحدود «للسهر» على فرنسا، هي ~~هولندة التي تنضم إليها بلجيكا، وبيدمنت التي تضم إليها ليجوريا وبارما، ومن ~~المحتمل أيضا لمبارديا، ثم بروسيا، وأن ينال القيصر إسكندر تعويضا في بولندة، وقد ~~رفضت إنجلترة الدخول في مباحثات مع روسيا حول مسألة حقوق المحايدين وعدم خضوع ~~سفنهم للتفتيش في أعالي البحار، وتجنبت الخوض في موضوع السلام الدائم، ms0467 الذي ~~كان يشغل ذهن القيصر إسكندر. # ومنذ 6 نوفمبر 1804 كانت النمسا قد عقدت معاهدة سرية مع روسيا لضمان أراضيها ~~في إيطاليا، ولتقرير الوضع القائم في «الشرق»، ومع ذلك فقد ظلت مدة من الزمن ~~مترددة في إعلان خصومتها، والدخول في محالفة سافرة ضد الرجل الذي أنزل بها كل ~~الهزائم القاصمة التي عرفناها من أيام «الحملة الإيطالية» المشهورة، ولكن النمسا لم ~~تلبث أن قررت الانضمام إلى المحالفة الأوروبية عندما وجدت أن نابليون قد أحال - ~~بعد بضعة شهور من الاحتفال بتتويجه إمبراطورا على الفرنسيين - جمهورية ~~ما رواء الألب # Cisalpine # إلى مملكة سماها ~~مملكة إيطاليا، ثم توج نفسه ملكا على هذه المملكة في ميلان في 25 مايو 1805، ~~ثم عين يوجين بوهارنيه نائبا للملك، ثم لم يلبث أن ضم نابليون إلى الأملاك ~~الفرنسية، جنوة (في 4 يونيو)، ثم أعطى لوقا وبيومبينو Piombino # إلى زوج شقيقته إليزا «باكيوشي Pacciocchi ~~»، وجعل من مملكة إيطاليا وجمهورية ليجوريا وجنوة، ~~مديريات فرنسية أدمجت في فرنسا في 30 يونيو 1805، وعندئذ انضمت النمسا إلى ~~محالفة سان بطرسبرج في 9 أغسطس 1805. # وبقيت بروسيا واقفة على الحياد؛ لأن غرضها الاستيلاء على هانوفر التي كان يحتلها ~~نابليون، والتي لم تكن بروسيا تدري ما إذا كان الإمبراطور سيتخلى عنها ~~لإنجلترة. # وكان نابليون - على نحو ما اعتقد فرنسوا الثاني - يهتم في هذا الحين اهتماما ~~جديا بمشروع غزو إنجلترة - بالرغم من قوة البحرية الإنجليزية المتفوقة على ~~البحرية الفرنسية تفوقا كبيرا - فأنشأ منذ 1803 معسكرا عند بولوني، وأرسل السفن ~~المعدة لنقل الجنود إلى المواني الشمالية، وأعد سبعة جيوش لهذا الغزو: في ~~إمبلتوز # Ambleteuse ~~«بقيادة دافو»، وفي بولوني ~~بقيادة «سولت»، وفي مونترويل # Montreuil # بقيادة ~~«ناي»، وفي أراس # Arras # بقيادة «لان»، بينما وقف ~~القائد «مورا» مع احتياطي الفرسان في الخلف، وتولى «مارمون» قيادة طرف الجناح ~~الأيمن عند «يوترخت»، بينما وقف أوجيرو في بريطاني # Bretagne # على طرف الجناح الأيسر، وكان على كل من هولندة وإسبانيا ~~والبرتغال تزويد هذا الجيش بالإمدادات المالية وبالسفن لمحاربة «طغاة ~~البحار». # وكان ضروريا العمل ما أمكن لإخلاء ms0468 «القنال الإنجليزي» - بحر المانش - من ~~الأسطول الإنجليزي؛ ليتسنى نقل جيش الغزو الفرنسي إلى الشواطئ الإنجليزية دون ~~تكبد خسائر؛ فتظاهر الإمبراطور بأن غرضه الأول إرسال حملة إلى جزر الهند ~~الغربية، وخرجت لهذه الغاية بالفعل السفن الفرنسية بقيادة أمراء البحر «غانتوم» من ~~برست # Brest ~~، ومسيسي # Missiessy # من روشفور # Rochefort ~~، ~~ولاتوش-تريفيل # Latouche-Treville # الذي خلفه ~~فيلنوف # Villeneuve # من طولون. # وخرج الأسطول الإنجليزي بقيادة «كورنواليس» لمطاردتهم، ولكن «غانتوم» لم يستطع ~~الابتعاد كثيرا من برست، بينما وصل «مسيسي» مبكرا إلى جزر الهند الغربية بدرجة ~~أنه اضطر إلى العودة إلى روشفور، حيث بقي مختبئا بها، وأما فيلنوف الذي غادر ~~طولون في 29 مارس 1805 فقد وصل إلى المارتنيك في 13 مايو ولم يجد بها أحدا، ~~وعندئذ أمره نابليون بالإبحار إلى فيرول # Ferrol ~~(طرف إسبانيا الشمالي الغربي)؛ ليجتمع بالأسطول الإسباني ~~بقيادة جرافينا # Gravina # ليعيد الكرة من جديد في ~~الهند الغربية. # وقابل هذه الخطوة أمير البحر الإنجليزي نلسن - الذي طارد أسطول «فيلنوف» دون جدوى ~~- بأن أوصى بحشد الأساطيل الإنجليزية عند رأس فينيستير # Finisterre ~~- على الساحل الإسباني الغربي إلى الجنوب من ميناء ~~فيرول - واشتبك زميله أمير البحر الإنجليزي «كالدر # Calder ~~» في معركة غير حاسمة مع الأسطول الفرنسي بقيادة «فيلنوف» ~~في 22 يوليو 1805؛ وعجز عن منع فيلنوف من دخول ميناء فيرول، وعندما حاول فيلنوف ~~بعد ذلك - بسبب تبكيت نابليون الشديد له - الخروج من فيرول (17 أغسطس) للذهاب إلى ~~روشفور وبرست، منعته رياح معاكسة من متابعة السير، وصار مهددا بهجوم العدو عليه ~~بقوات متفوقة على قواته؛ فاضطر للاتجاه إلى ميناء قادش # Cadix ~~«في الجنوب»، ومع أنه كتب إلى وزير البحرية يشكو من أن سفنه ~~في حاجة إلى الإصلاح والترميم، وأن الضباط والنوتية الذين يعملون على ظهرها تنقصهم ~~الخبرة والكفاءة، فقد صدرت إليه أوامر الإمبراطور بالإبحار صوب الشرق لتأييد الحملة ~~التي يقودها الجنرال «جوفيون سان سير» ضد صقلية. # وقرر فيلنوف - عندما هدد الإمبراطور بأن يخلفه أمير آخر للبحر - أن يخرج ~~بسفنه إلى عرض البحر في مأموريته الجديدة بالرغم من معارضة أركان حربه، فاستطاع ms0469 ~~نلسن أن يلحق به على مسافة عشرين ميلا من الميناء الإسباني بالقرب من رأس ~~الطرف الأغر # Trafalgar ~~، وفي المعركة التي دارت ~~في (21 أكتوبر 1805) استطاع كولينجوود # Collingwood # نائب أمير البحر الإنجليزي أن يفصل أسطول جرافينا عن الأسطول الفرنسي، ويلحق ~~بالأول هزيمة بالغة، اضطر بعدها جرافينا للانسحاب إلى قادش ليموت بها متأثرا ~~بجراحه، بينما انتصر نسلن على الأسطول الفرنسي انتصارا باهرا، وإن كان نلسن نفسه ~~قد أصيب أثناء المعركة إصابة قاتلة أودت بحياته، فقد وقع فيلنوف في الأسر ~~وتحطمت أو غرقت أكثر قطع الأسطول الفرنسي، وعندما قامت العاصفة في أول المساء ~~استطاع الضابط البحري الفرنسي دومانوار # Dumanoir # العودة بفلول الأسطول الفرنسي-الإسباني إلى ميناء قادش، وكانت «الطرف الأغر» آخر ~~المعارك البحرية العظمى في عهد الإمبراطورية، ولم يتسع نابليون بعد هذه المعركة ~~التي قضت على أسطوله أن يعيد بناء البحرية الفرنسية؛ فصارت إنجلترة هي صاحبة ~~السيطرة الكاملة في البحار. # وانتهزت النمسا فرصة مشغولية نابليون بهذه العمليات البحرية وذيوع الاعتقاد بأنه ~~قد صح عزمه على غزو إنجلترة؛ فبادرت بامتشاق الحسام وزحف إمبراطورها فرنسوا ~~الثاني على بفاريا، فعبر نهر الإن # Inn ~~(أحد فروع ~~الطونة) في 7 سبتمبر 1805 وفي 9 سبتمبر استولى على ميونخ. # ولكن نابليون بالرغم من مشغوليته بمسألة غزو إنجلترة وحوادث الحرب البحرية ~~الخطيرة كان لا يفتر اهتمامه بالتدابير اللازمة لمواصلة الحرب البرية ضد أعدائه؛ ~~فقد أملى على معاونيه منذ 13 أغسطس 1805 وهو في بولوني نفسها خطة الحملة المقبلة؛ ~~ولذلك فقد استطاع تحويل قواته الضخمة الممتدة من بحر المانش (القنال الإنجليزي) إلى ~~نهر الراين للزحف صوب نهر الدانوب، وكان زحفا سريعا، أوصل (الجيش الأعظم) بعد ~~عشرين يوما فقط إلى ماينز # Mainz ~~، الأمر الذي جعل ~~القائد النمسوي «ماك # Mack ~~» يبادر بالزحف بدوره بكل ~~سرعة عبر الأراضي الألمانية من الجنوب؛ حتى يسد الطريق في وجه نابليون عند الغابة ~~السوداء ونهر الراين، ولكن نابليون انحرف بقواته نحو الشمال ولم يترك إلا جزءا ~~يسيرا من جيشه بقيادة «أوجيرو» يسير صوب ستراسبورج (أي نحو الجنوب)، ثم قصد ms0470 عن ~~طريق وادي نهر «المين # Main ~~» (أحد فروع الراين) حتى ~~بلغ «ورزبورج # Wurzburg ~~»، ومن هذه انثنى إلى الجنوب ~~واستقر في مكان يسمى «دونويرث # Donauwörth ~~» خلف ~~«أولم # Ulm ~~» التي كان قد وصل إليها الجنرال ~~«ماك»، ثم احتل نابليون أوجزبرج، وبذلك قطع خطوط مواصلات النمسويين بعاصمتهم ~~فينا، ثم التحم مع الجنرال «ماك» في جملة معارك - منها معركة إلشنجن # Elchingen # التي ينسب إليها لقب الدوقية الذي حصل ~~عليه الجنرال ناي، وقد اضطر «ماك» إلى الانزواء في أولم والاحتماء بها بعد هذه ~~الالتحامات ، حتى اضطر إلى التسليم بها في 20 أكتوبر 1805 بعد حملة استمرت أربعة ~~عشر يوما فقط، وبلغ عدد النمسويين الذين سلموا في أولم تسعة وعشرين ألف ~~مقاتل. # وكانت الخطوة التالية مواجهة جيوش روسيا التي حضرت لمعاونة حليفتها النمسا، وكانت ~~الجيوش الروسية بقيادة القيصر إسكندر والمارشال كوتوزوف # Koutousov # قد دخلت الأراضي النمسوية، ووصلت طلائعها أمام ~~فينا، وكان القيصر قد ذهب إلى برلين لمقابلة ملك بروسيا فردريك وليم الثالث ~~وملكتها لويزا، حيث أقسم الملكان على قبر فردريك الأكبر في بوتسدام في 3 نوفمبر ~~يمين الصداقة والولاء، وأذنت الحكومة البروسية للقوات الروسية بالزحف عبر ~~أراضيها في سيلزيا من أجل الدخول في الأراضي النمسوية والوصول إلى فينا، وقد فعلت ~~حكومة بروسيا ذلك دون أن تعلن العداء ضد فرنسا. # وكان بسبب هذه التطورات الأخيرة، وصعوبة الموقف المالي والاقتصادي في داخل فرنسا ~~وقتئذ أن نصح تاليران بالاعتدال، وأشار على نابليون بتنفيذ سياسته؛ فيتخلى الآن عن ~~بروسيا، وعن كل محاولة للتفاهم معها، ويعمل من ناحية أخرى لعقد الصلح مع النمسا على ~~أساس تعويض هذه الأخيرة في الشرق - أي على حساب الإمبراطورية العثمانية - ولكن ~~نابليون لم يأبه لهذه النصيحة، ودخل فينا في 13 نوفمبر 1805، وعندما طلب ~~فرنسوا الثاني الهدنة اشترط نابليون أن تجلو أولا القوات الروسية عن كل أراضي ~~النمسا، ولكن الروس رفضوا الجلاء، فشرع نابليون في مطاردتهم، وعندئذ اتجه القيصر ~~إسكندر صوب بروسيا، وأوفدت هذه وزيرها البارون دي ~~هوجويتز # Haugwitz # يحمل عروضا للتوسط إلى المعسكر الفرنسي، فبلغه يوم ms0471 28 ~~نوفمبر، ولكن لم تمض أيام قليلة حتى حدث بالقرب من قرية أوسترلتز # Austerlitz # في صبيحة 2 ديسمبر 1805، أن دارت رحى ~~المعركة التي اشترك فيها أباطرة ثلاثة «فرنسا، النمسا، بروسيا» وانهزمت فيها القوات ~~الروسية النمسوية هزيمة بالغة، كانت كافية لإنهاء المحالفة الثالثة ضد فرنسا ~~والقضاء على أعضائها؛ فطلبت النمسا الصلح، وتقهقر قيصر الروسيا عن طريق بولندة، ~~واضطرت بروسيا إلى تناسي اتفاقاتها في بوتسدام، وشعرت إنجلترة - بالرغم من النصر ~~الذي أحرزته في «الطرف الأغر» - أنها هي الأخرى قد انهزمت في هذه الواقعة، فقال ~~وليم بيت: «لقد لحقت بي الإصابة أنا كذلك في أوسترليتز»، وتوفي بيت في 23 يناير ~~1806. # وعلى ذلك فقد عقدت الهدنة بين فرنسا والنمسا في أورشيتز # Urchitz # في 6 ديسمبر 1805، وعقدت المعاهدات بين فرنسا وبين ~~حلفاء النمسا السابقين: بفاريا في 10 ديسمبر، وورتمبرج في 11، وبادن في 12 ديسمبر ~~ورفع ناخبا بفاريا وورتمبرج إلى مرتبة الملكية، وناخب بادن إلى الغراندوقية، واتسعت ~~رقعة أملاك الثلاثة، وفي 15 ديسمبر فرض نابليون على النمسا معاهدة شونبرون # Schoenbrunn ~~، وبمقتضاها أعطيت هانوفر ~~لبروسيا، وفي مقابل ذلك تنازلت هذه عن أنسباخ # Ansbach # إلى بفاريا، وعن كليف ونيوشاتيل إلى فرنسا، ثم أبرمت ~~معاهدة الصلح النهائية مع النمسا في برسبورج Presburg # في 26 ديسمبر 1805، وبمقتضاها تنازلت النمسا عن ~~إستريا # Istria ~~(ما عدا تريسته # Triesta ~~) ودلماشيا وكل فينيسيا # Venetia # إلى فرنسا لتضم إلى مملكة إيطاليا، وهذه الأقاليم تكفل ~~وصول السيطرة الفرنسية إلى بحر الأدرياتيك، ثم أخذت من النمسا كل الطرق المؤدية إلى ~~نهر الراين، وهي أقاليم: التيرول، فورارلبرج # Vorarlberg ~~(إلى الغرب من التيرول)، وترنتان «أو ترنت» # Trentin Trent # وأعطيت إلى فرنسا، ~~ولم تنل النمسا تعويضا عن ذلك كله غير سالزبورج # Salzbourg ~~، وقد اعترفت النمسا كذلك بملكي بفاريا وورتمبرج ~~وبسيادتهما الكاملة على أملاكهما. # وكان معنى ذلك أن أتم صلح «برسبورج» عملية انهيار الإمبراطورية الرومانية المقدسة ~~والقضاء عليها نهائيا، وقد وقع فرنسوا الثاني على هذه المعاهدة بوصفه ~~«إمبراطورا لألمانيا والنمسا»، ولكن لم تمض ستة شهور حتى كان فرنسوا الثاني قد ~~خسر ms0472 لقب الإمبراطور على ألمانيا. # ولكن لم يكد يعود نابليون إلى باريس حتى رفضت بروسيا الإذعان لشروط معاهدة ~~شونبرون (15 ديسمبر)؛ فرفض فردريك وليم الثالث التنازل عن أنسباخ، وطالب بمدن اتحاد ~~الهانسا: برمن، وهمبورج، ومن المحتمل أيضا لوبك، وأعلن الهانوفريين والإنجليز ~~بعزمه على البقاء في احتلال هانوفر حتى وقت السلام العام، وذلك بدلا من القوات ~~الفرنسية أو القوات المتحالفة مع فرنسا، كما لو كان يبغي من هذا الإعلان نقض كل ~~اتفاق حصل مع نابليون الذي اعتبر هذه الخطوة من جانب بروسيا تدبيرا غادرا، ~~وأخذ يتهيأ لحملة جديدة، بينما أرغم البارون دي هو جويتز على التوقيع على ~~وثيقة تحتوي على نصوص معاهدة شونبرون وذلك في باريس في 15 فبراير 1806، وكان على ~~بروسيا إذن أن تختار بين الحرب أو التصديق على هذه المعاهدة، واضطر فردريك وليم ~~الثالث إلى التصديق عليها. # وبسبب هذه الانتصارات قرر نابليون في 26 فبراير 1806 إقامة قوس نصر # Arc de Triomphe # تكريما «للجيش الأعظم» الذي جعل ~~الأمة الفرنسية تشعر بالمجد والفخار، وإن كانت لا تزال تبني آمالا عظيمة على قدرة ~~عاهلها الذي أضفت عليه من ذلك الحين لقب «العظيم # Le Grand ~~» في إعادة السلام إلى فرنسا ونشر ألويته في ~~أوروبا. # وفي نظر كثيرين لم تكن تسمية نابليون بالعظيم صادرة عن رغبة في منافقة الحاكم ~~الذي فرض ديكتاتوريته على الشعب الفرنسي، أو لإظهار فروض الطاعة والاحترام ~~لشخصه؛ وإنما صدرت عن شعور عميق بالإعجاب والتقدير، عبر عنه الرأي العام بإضفاء ~~هذا اللقب على العاهل الذي انتظرت الأمة الفرنسية - قبل أي شيء آخر - أن يستقر ~~السلام على يديه في الداخل والخارج معا. # وقد بذل الإمبراطور (في يناير 1806) قصارى جهده لتصفية الأزمة المصرفية، كما أعاد ~~النظر في تنظيم بنك فرنسا؛ فاستصدر في 22 أبريل 1806 قانونا جعل من هذا المصرف ~~مؤسسة حكومية، ويشرف على إدارته مدير تعينه الحكومة، وإلى هذا العهد كذلك ~~يرجع تاريخ الإجراءات التي اتخذت بشأن الأوضاع السائدة وقتئذ في الحكومات أو ~~الدويلات التي أقامها نابليون في ألمانيا وإيطاليا. # ففيما يتعلق ms0473 بإيطاليا أعلن الإمبراطور منذ 26 ديسمبر 1805 وهو في شونبرون، أن ~~«ماري كارولين ملكة نابولي - التي عرف الناس علاقاتها المشينة مع نلسن - لم تعد ~~تحكم نابولي»، وفي 19 يناير 1806 كتب إلى أخيه جوزيف من شتوتجارت # Stuttgart # أنه يريد إنهاء حكم البربون في نابولي، ~~وأنه يريد أن يعتلي عرش هذه المملكة أحد أفراد أسرته، وبذلك تكون إيطاليا وسويسرة ~~وهولندة وممالك ألمانيا الثلاث (بفاريا وورتمبرج، وربما برج # Berg # بعد رفعها إلى مرتبة المملكة) الدول التابعة لنابليون ~~والمتحدة اتحادا فدراليا مع فرنسا والتي تتألف منها الإمبراطورية الفرنسية، ~~وقبل جوزيف بونابرت إنشاء إدارة في نابولي بحماية القائدين الفرنسيين جوفيون سان ~~سير، وماسينا. # وفي 30 مارس 1806 أعلن جوزيف ملكا على الصقليتين، أي على نابولي، دون أن ~~يفقد حقوقه في عرش فرنسا، واضطر فردنند الرابع ملك نابولي وزوجه «وأسرته» إلى ~~الاحتماء في جزيرة صقلية حيث نقلهما الأسطول الإنجليزي إليها، وقد ذكرنا كيف أن ~~شقيقته «باولين» أعطيت إدارة جواستالا، وكذلك أعطيت شقيقته الأخرى ~~«إليزا» إمارة لوقا وبيومبينو Piombino ~~، ثم ~~أعطيت بعد قليل غراندوقية تسكانيا، وهكذا لم يعد مستقلا في أملاكه بإيطاليا ~~غير البابا الذي احتج على احتلال الفرنسيين «أنكونا» في 13 نوفمبر 1805، على أن ~~الإمبراطور لم يلبث أن قيد استقلال رئيس الكنيسة الأعلى؛ عندما أملى عليه نوع ~~السياسة التي وجب على البابا اتباعها في علاقاته الخارجية، ومنعه من السماح ~~لمندوبي الدول المعادية لفرنسا بمقابلته، أو لسفنها بالدخول في موانيه، وهي دول ~~سردينيا (بيدمنت)، وإنجلترة، وروسيا، والسويد، وقد احتج البابا بيوس السابع على كل ~~هذه القيود، ولكن دون جدوى (21 مارس 1806). # وفيما يتعلق بألمانيا؛ كانت إعادة تنظيمها مهمة أكثر صعوبة وتحتاج إلى وقت ~~أطول، وكثير من الصبر والحذر، وقد بدأ نابليون بأن أنشأ على ضفة نهر الراين الأسفل ~~غراندوقية برج وكليف التي أعطاها لمورا (زوج شقيقته كارولين) في 15 مارس 1806، ومع ~~أن هذه كانت دويلة صغيرة؛ فقد كان ميسورا أن تتسع رقعتها دائما بتهديد ~~اقتطاع هانوفر من بروسيا وضمها إليها، ثم إن نابليون مضى في «سياسة ms0474 الزواج» التي ~~أراد بها توثيق العلاقات مع الأسرات الحاكمة الألمانية؛ فزوج يوجين بوهارنيه ابن ~~الإمبراطورة جوزفين، من الأميرة أوجستا # Augusta # ابنة مكسمليان الأول ملك بفاريا (14 يناير 1806)، وكانت هذه مخطوبة لوريث عرش بادن ~~الأمير شارلس، الذي زوجه الإمبراطور من قريبة الإمبراطورة «ستفاني تاشر # Stephanie Tascher ~~» في 18 أبريل 1806، ثم زوج ~~شقيقه جيروم بونابرت من كاترين، ابنة ملك ورتمبرج (23 أغسطس 1807)؛ وبذلك صارت ~~الأسر الحاكمة الثلاث في ألمانيا الجنوبية مرتبطة بالأسرة الحاكمة في فرنسا، وفي 6 ~~مايو 1806 قرر نابليون إلزام كارل دالبرج # Dalberg # كبير مستشاري الإمبراطورية الألمانية وناخب ماينز ومطران راتزبون أن يختار ~~الكردينال فيش # Fesch # عم نابليون معاونا له، ومن ~~حقه أن يخلفه في منصبه، ثم نال المارشال برثييه # Berthier # رئيس هيئة أركان الحرب العامة إمارة نيوشاتيل التي تخلى ~~عنها فردريك وليم الثالث ملك بروسيا، ثم كان من نتائج هذه السياسة كذلك - سياسة ربط ~~البيوت المالكة في أوروبا عموما بالبيت الإمبراطوري الفرنسي - أن سمى نابليون ~~شقيقه لويس (وزوج هورتنس، ابنة الإمبراطورة جوزفين) ملكا على هولندة (26 مايو ~~1806). # على أنه كان في 12 يوليو 1806 أن تم في باريس توقيع المعاهدة التي تأسس بموجبها ~~«اتحاد الراين # Confédération du Rhin ~~» أجرأ ~~«تعديل إقليمي» أوجده نابليون في ألمانيا، وكان هذا الاتحاد يتألف من ستة عشر ~~عضوا هم: ملكا بفاريا وورتمبرج وغراندوقات بادن، هس درمستاد، وبرج، ثم كبير ~~مستشاري الإمبراطورية الألمانية «الأمير كارل دالبرج» وعشرة أمراء آخرين من أصحاب ~~الإمارات الصغيرة، ولعل أهم نتيجة عاجلة ترتبت على هذا التعديل الإقليمي؛ أن ~~انفصمت العلاقة تماما بين «الاتحاد» الجديد، وجثمان الإمبراطورية الألمانية، ~~واختفت من الوجود نهائيا الإمبراطورية الرومانية المقدسة، حيث قد اشترطت المعاهدة ~~على كل عضو من أعضاء اتحاد الراين أن يبلغ المجلس الإمبراطوري (الدياط) أو ~~الدايت # Diet # قبل يوم أول أغسطس 1806؛ أنه قد ~~انفصل تماما عن الإمبراطورية، وفي 6 أغسطس تنازل فرنسيس (فرنسوا) الثاني عن لقب ~~إمبراطور ألمانيا، ومن ذلك التاريخ لم يعد إمبراطورا إلا على النمسا وحدها فقط، ~~وذلك باسم فرنسيس الأول، أما ms0475 نابليون فقد أعلن نفسه «حاميا» للاتحاد، وسمى «كارل ~~دالبرج» كبير المستشارين، أي رئيس مجلس الاتحاد (أو الدياط)، ونقل مقر الدياط ~~الجديد من راتزبون إلى فرانكفورت، وكان على أعضاء اتحاد الراين تقديم المعونة ~~للإمبراطور في وقت الحرب، وأما جيوش الاتحاد (من 36 ألف رجل) فقد وضعت تحت تصرف ~~«حامي الاتحاد». # وبهذه الاستعدادات إذن استطاع نابليون مواجهة الموقف في أوروبا، ولم يكن يبدو ~~آنئذ أن خطر الحرب قريب، بالرغم من أن إنجلترة كانت منذ 16 مايو 1806 قد ~~منعت السفن الإنجليزية من الدخول إلى المواني الفرنسية والهولندية أو غيرها من ~~مواني البلاد المتحالفة مع فرنسا، وهددت بمصادرة السفن الفرنسية أو سفن البلاد ~~المحالفة لها إذا حاولت الدخول في المواني الإنجليزية والاستحواذ على المتاجر في ~~بطون هذه السفن والقبض على الأشخاص الذين يعثر عليهم بها. # ومع ذلك فقد قامت المفاوضات - وقد اعترضتها الصعوبات - بين لندن وباريس من أجل ~~الوصول إلى اتفاق يعيد السلام إلى أوروبا، واشترك في هذه المفاوضات الكونت دوبريل ~~الذي كان قد أوفده القيصر إلى باريس بعد سحبه منها من نحو عامين مضيا تقريبا لهذه ~~الغاية، وقد دارت المفاوضات حول مصبات كتارو # Cattaro ~~(على ساحل الأدرياتيك الشرقي جنوب دلماشيا)، التي كانت قد ~~احتفظت بها معاهدة برسبورج لفرنسا، ولكن استمر الروسيون في احتلالها منذ شهر ~~مارس، ولما كان نابليون قد عاوده حلم تقسيم أملاك الإمبراطورية العثمانية، فقد ~~رفض بقاء الروس في كتارو (في دلماشيا) مثلما رفض بقاء البربون (ملك نابولي ~~وملكتها) في صقلية؛ وعلى ذلك فقد وقع الكونت دوبريل مع الجنرال كلارك # Clarke # في 20 يوليو 1806 معاهدة سلام يتخلى ~~بمقتضاها القيصر عن كتارو، ولكن يستمر في احتلالها «الجزر السبع» و«جزر الأيونيان»، ~~ووعد نابليون بالحصول على جزر البليار من ملك إسبانيا لإعطائها لملك نابولي ~~(الصقليتين) ولكن القيصر إسكندر رفض التصديق على هذه المعاهدة. # وكان القيصر قد أفاد من مشغوليات نابليون، واستطالة المفاوضة معه لإعادة تنظيم ~~جيشه، ثم إنه نجح (منذ 12 يوليو) في انتزاع بروسيا من المحالفة مع فرنسا، وكانت ~~بروسيا تعتبر ms0476 «اتحاد الراين» تهديدا مباشرا موجها لسيطرتها ولنفوذ أسرة ~~براندنبرج - البيت الحاكم بها - في ألمانيا الشمالية، ونقمت على نابليون «مسلكه ~~الغادر»؛ إذ إنه يعرض سرا إرجاع هانوفر إلى إنجلترة، فعدت ذلك خيانة من ~~جانبه، على أن الموقف لم يلبث أن تغير في إنجلترة عندما مرض وتوفي شارل جيمس فوكس # Fox # في (13 سبتمبر 1806)، وتولى الحكم من ~~جديد الحزب المناوئ لفرنسا، وضاع بذلك كل أمل في إمكان الوصول إلى تسوية مع ~~إنجلترة. # وفي 9 أغسطس قرر فردريك وليم الثالث التعبئة العامة، وفي 26 سبتمبر بعث بإنذار ~~إلى نابليون تنتهي مدته في 8 أكتوبر، وزحف الجيش البروسي عبر أراضي سكسونيا ~~قاصدا إلى الراين، وعندئذ أسرع نابليون لمقابلة البروسيين؛ فوضع قواته في ~~مواجهتهم في خط يمتد من جوتا # Gotha # إلى ~~إيينا # Jena # من أجل الاستيلاء على «إيينا»، ~~وتقع على نهر سال # Saal # أحد فروع نهر الإلب # Elbe ~~، وقطع مواصلات البروسيين بالعاصمة «برلين» بفضل ~~السيطرة على كباري السال، فحاول البروسيون اجتياز النهر بالقوة، ولكن الفرنسيين ~~أقاموا مدفعية قوية على المرتفعات الغربية، وأنزلوا بالبروسيين هزيمة بالغة (وقد ~~اشترك في المعركة من قواد نابليون كل من: أوجيرو، لان، سولت، وناي، وكذلك فرسان ~~مورا)، فحاول البروسيون العثور على مكان إلى الشمال يجتازون منه النهر ولكن دون ~~جدوى، بل لم يلبثوا أن اصطدموا مع الفرنسيين بقيادة «دافو» عند أورشتاد # Auerstadt ~~، واشتبك معهم دافو في معركة حامية ~~بالرغم من نصح الجنرال برنادوت له بالتريث (وكان على مسافة غير بعيدة منه)؛ ~~لتفوق البروسيين عليه؛ إذ يبلغ عددهم 70000، بينما جيشه يبلغ 25 ألفا فقط، ولكن ~~«دافو» دحر البروسيين وأرغمهم على التقهقر صوب «فايمر # Weimar ~~»، وقد كافأ نابليون «دافو» بإعطائه لقب دوق أورشتاد، وكانت ~~هذه الواقعة - واقعة إيينا وأورشتاد - في 14 أكتوبر 1806. # ولم تلحق الهزيمة في هذه الواقعة بالجيش البروسي وحده وحسب، بل لحقت الهزيمة ~~بالأمة البروسية قاطبة؛ ذلك أنه بينما كان الجيش الذي استمر يطارده الفرنسيون في ~~بوميرانيا Pomerania ~~، وميكلمبورج # Mecklembourg # يلقي سلاحه أمام العدو، عجزت ~~المدن المحصنة والقلاع القوية عن المقاومة، ms0477 وسلمت ستيتن # Stettin # إلى طلائع فرسان الجنرال لاسال # Lassalle # في 28 أكتوبر، وسلمت مجد برج إلى الجنرال ناي في 8 ~~نوفمبر، وفعلت ذلك أيضا كاسترين # Custrin # التي ~~عرض حاكمها البروسي على القوة الفرنسية الصغيرة التي سلم لها أن يزودها ~~بالقوارب لعبور نهر «الأودر»، وفي 27 أكتوبر 1806 دخل نابليون برلين، وهكذا كما قال ~~هنريك هايني # Heine ~~: «لقد نفخ نابليون بفمه على ~~بروسيا، فلم يعد لبروسيا وجود.» # ولقد بقي نابليون وسط حروبه القارية هذه مشغولا كذلك بنضاله مع إنجلترة؛ فكان ~~وهو يعسكر في برلين أن ابتكر نوعا جديدا من الحرب ضد هذه الدولة، وذلك بأن استصدر ~~يوم 21 نوفمبر 1806 مرسومات برلين المشهورة لفرض الحصار على إنجلترة بإنشاء ما ~~يعرف باسم «الحصار القاري # Blocus Continental ~~»، ~~وقد اتخذ نابليون هذه الخطوة كإجراء مضاد لقرار الإنجليز الذي مر بنا في 16 مايو ضد ~~السفن الفرنسية، فأعلن «في مرسومات برلين» أن إنجلترة قد صار الحصار مضروبا عليها، ~~وحرم التعامل التجاري معها والاتصال بها، وإلا تعرض فاعل ذلك للعقوبة ~~الصارمة، وجعلت متاجر وممتلكات الرعايا البريطانيين خاضعة للمصادرة، ~~ومنعت كل السفن الآتية من إنجلترة أو من مستعمراتها، أو التي زارت في طريقها ~~إحدى المواني الإنجليزية من دخول المواني الفرنسية، وصار يقبض على كل الرعايا ~~الإنجليز، سواء في فرنسا أو في البلاد المحالفة لها، أو التي تحتلها فرنسا. # وتلك كانت قرارات خطيرة، فهي ولا شك قد زادت من حدة الأزمة الاقتصادية في فرنسا ~~وفي القارة الأوروبية، ولم يكن من المنتظر أن تتحمل الإمارات والممالك الخاضعة ~~لسلطان نابليون - والتي تؤلف جزءا من إمبراطوريته أو تلك المتحالفة معه - ~~مضار هذا النظام القاري طويلا، هذا من ناحية؛ ومن ناحية أخرى فإن فرنسا لم يكن ~~لديها البحرية التي يسعها السهر على نظام يقتضي تنفيذه وجود السفن الحربية ~~الكافية لمراقبة الحصار المفروض على الجزر البريطانية، ثم على المواني الأوروبية في ~~الأملاك الواسعة الخاضعة للإمبراطورية. # وكان فردريك وليم الثالث قد انسحب في تقهقره إلى كوينجزبرج # Konigsberg # ينتظر بها قيصر روسيا الذي كان يزحف ms0478 على رأس جيشه صوب ~~نهر الفستيولا، وما إن علم نابليون باحتشاد الروس عند الفستيولا حتى غادر برلين ~~قاصدا إلى بولندة في الأيام الأخيرة من شهر نوفمبر 1806، وكان الوطنيون البولنديون ~~يعلقون على نابليون آمالا عظيمة في أنه سوف يعيد للأمة البولندية استقلالها ~~القديم، وأفاد نابليون من هذا الشعور نحوه؛ فأنشأ «ألايا بولنديا» من الفرسان ~~البولنديين المشهورين بالفروسية، وضم إليهم عددا من البروسيين الفارين من صفوف ~~الجيش البروسي، وقد يكون الإمبراطور قد فكر فعلا في إعادة تأسيس بولندة ~~المستقلة القديمة، على أن يعوض النمسويين عن فقدهم غاليسيا التي سوف تضم ~~إلى بولندة، وذلك بإعطائهم سيلزيا، واقترح على فرنسيس الأول إمبراطور النمسا أن ~~يعيد إليه سيلزيا التي انتزعها فردريك الثاني (الأكبر) من ماريا تريزا، وأضافها إلى ~~أملاك بروسيا، ولكن الإمبراطور لم يذهب في نشاطه إلى أبعد من هذا، عندما كان كل ما ~~اهتم به هو أن يمتنع عن فعل شيء فيه إغضاب لروسيا التي كان يبغي الاعتماد عليها في ~~نضاله ضد إنجلترة، وهي الدولة التي كان من المستعصي عليه عقد السلام معها. # واتخذ نابليون مقره في وارسو التي وصل إليها في 19 ديسمبر 1806، وأقام معسكره ~~بها، (وكان عندئذ أن تعرف بماري ~~والسكي # Walweska # المشهورة)، ومن وارسو أثناء شتاء 1806-1807 صار نابليون ~~يحكم الإمبراطورية، ويشرف على الحكومة، ويصدر أوامره لأعضاء مجلس الدولة ~~الذين حضروا إليه لتلقي هذه الأوامر، ومن المتفق عليه أن نشاط نابليون الذهني ~~قد بلغ ذروته مدة إقامته في معسكر وارسو. # ولم يلبث الروس، الذين تولى قيادتهم الآن الجنرال بنيجسن # Bennigsen # أن استأنفوا نشاطهم في منتصف شهر يناير 1807، وحاول أن ~~يقسم الجيش الفرنسي إلى قسمين، بتوجيه الهجوم ضد قوات برنادوت الذي وقف عند ~~طرف الجناح الأيسر عند البنج # Elbing # على أمل ~~الإلقاء به وبجيشه إلى البحر «البلطيق»، ولكن برنادوت قاوم هذه المحاولة مقاومة ~~صادقة عند «موهرونجن # Mohrungen ~~» (في 26 يناير ~~1807)، وعندئذ تحول بنيجسن صوب كونيجزبرج خشية أن يستطيع نابليون تطويق جيشه، ~~وفي طريقه إلى هذا المكان الأخير توقف عند «إيلو # Eylau ~~» حيث ms0479 دارت بهذا المكان رحى معركة عظيمة وسط الثلوج ~~المتساقطة والتي غطت أرض المعركة، وكانت بمثابة الستار الكثيف الذي يحجب حركات ~~الجيوش المتقاتلة (8 فبراير 1807)، فقد كاد يقضي على قوات الجنرال «أوجيرو» بسبب ~~هذا الثلج الكثيف؛ لعجزه عن ملاحظة تحركات الجيش الروسي؛ فاستطاع الفرسان الروس ~~الإحاطة بنابليون، وكاد هؤلاء أن يأسروه لولا هجمات الجنرال مورا الباسلة، وقد ~~استطاع «مورا» اختراق صفوف المشاة الروس، ثم كفل تحقيق النصر أخيرا وصول «دافو» ~~و«ناي». # وبعد هذا النصر (الغالي الثمن) في أيلو، عسكر نابليون «بالجيش الأعظم» عند ~~أوسترود # Osterode ~~، التي صار يبعث منها الأوامر ~~والتعليمات إلى الحكومة بباريس، يطلب إقامة الأعياد احتفالا بالانتصارات التي ~~أحرزها الجيش، ويؤنب الصحف على الأخطاء التي ترتكبها، ويدافع عن ذكرى ميرابو الذي ~~هاجمه أحد أعضاء المجمع العلمي، ويأمر بطرد مدام دي ~~ستال # Staël ~~... إلى غير ذلك. # وفي أول أبريل 1807 استقر به المقام في قصر فينكنشتاين # Finckenstein ~~(إلى الشمال الغربي ~~من أوسترود، وكلاهما في بروسيا الشرقية)، وفي هذا المكان أخذ يعد الخطة ويدبرها ~~ضد روسيا: (1) فهو من نهاية مارس كان قد بدأ حصار دانزج # Danzig # وكانت ذات أهمية كبيرة بسبب المؤن العظيمة المخزونة بها، ~~ولموقعها الإستراتيجي على ميسرة «الجيش الأعظم»، حيث يمكن أن تنزل بها القوات ~~الروسية والإنجليزية أو السويدية، وكان يقوم البروسيون بقيادة المارشال كالكروت # Kalkreuth # عن دانزج ضد الفرنسيين الذين يحاصرونها ~~بقيادة ليففر، وقد سلمت دانزج في 26 مايو. (2) ثم ~~إن سباستياني ممثل الإمبراطور في تركيا، استطاع أن يجعل السلطان العثماني «سليم ~~الثالث» يعلن الحرب على روسيا في 24 ديسمبر 1806، وكان الروس قد غزوا ملدافيا ~~(البغدان)، ثم إنه قام بتحصين القسطنطينية بدرجة جعلت الأسطول الإنجليزي بقيادة ~~دكويرث # Duckworth ~~- بعد أن كان قد اقتحم ~~الدردنيل في 19 فبراير 1807 - يرتد على أعقابه في 2 مارس، ولقد صار «سباستياني» ~~المستشار الفعلي للسلطان الذي قرر إرسال جيش عثماني على نهر الدانوب من أجل ~~الانضمام إلى جيش القائد الفرنسي مارمون # Marmont # الذي يحتل دلماشيا. (3) ثم إن نابليون لم يلبث أن أبرم في ms0480 فينكنشتاين معاهدة مع ~~فارس للمحالفة ضد روسيا وإنجلترة في 4 مايو 1807. # وبفضل هذه الخطوات إذن صار يبدو أن روسيا - ابتداء من حدودها الجنوبية عند تركيا ~~وفارس إلى حدودها الشمالية عند البلطيق - قد باتت تحت رحمة نابليون، ولكن كان لا ~~مفر من إحراز نصر حاسم، وبدرجة أعظم مما حصل في إيلو، حتى يرضخ الروس الذين ~~صلوا لله شكرا على النصر الذي زعموه لأنفسهم في هذه المعركة، ويرضخ حليفهم فردريك ~~وليم الثالث الذي كان بعد واقعة إيلاو هذه قد جدد اتفاقه مع الروس في ~~بارتنشتاين # Bartenstein # منذ 26 أبريل ~~1807. # وعند فريدلاند # Frideland # إذن في 14 يونيو ~~1807، وهو يوم ذكرى واقعة مارنجو، أنزل الفرنسيون هزيمة بالغة بالروس الذين اضطر ~~قائدهم بينجسن # Bennigsen # إلى الفرار بفلول جيشه ~~صوب نهر النيمين «نيامن # Niemen ~~»، والتخلي عن ~~الدفاع عن كونيجزبرج التي دخلها «سولت» في 17 يونيو، واشترك من القواد في واقعة ~~فريدلاند كل من لان # Lannes ~~، ومورتيه # Mortier ~~، وناي # Ney ~~، ثم مورا الذي لم يلبث مع فرسانه أن احتل تلست # Tilst # يوم 19 يونيو. # وشعر القيصر إسكندر بالخيبة بعد توالي هذه الهزائم وضاعت ثقته في حلفائه، ورغب في ~~السلام؛ فطلب مقابلة نابليون، واستجاب الإمبراطور لهذه الرغبة، فأعد لمقابلة ~~العاهلين رمث وسط مجرى النيمن يوم 25 يونيو، واستطاع نابليون وإسكندر تقرير مبادئ ~~الصلح بكل سرعة، وعبثا حاول الاطمئنان على مصير بلاده، ملك بروسيا فردريك وليم ~~الذي انتظر واقفا على الشاطئ تحت المطر الغزير مدة الساعات الثلاث التي استغرقتها ~~مقابلة العاهلين، وقد وافق نابليون - إرضاء للقيصر - على عقد الهدنة مع بروسيا، ~~ولكنه رفض إرجاع حصونها إليها. # وفي اليوم التالي (26 يونيو) حصل اجتماع ثان حضره فردريك وليم، ولكن نابليون ~~أظهر كل ازدراء نحو الرجل الذي وصفه بضيق الأفق، وضعف الشخصية ونقص الكفاءة، ~~وعبثا حاولت لويزا ملكة بروسيا إنقاذ بلادها بذرف الدموع والإلحاف المستند على ~~جمالها، حيث تقرر أن تكون بروسيا الدولة التي تتم تسوية الصلح على حسابها، فتم ~~توقيع الصلح بين فرنسا وروسيا في 7 يوليو 1807 «في تلست»، ms0481 وفي 9 يوليو بين فرنسا ~~وبروسيا، ففقدت بروسيا كل أراضيها غرب نهر الإلب، والولايات البولندية التي كانت قد ~~ضمتها إليها في تقسيم 1793، ثم الجزء الجنوبي من بروسيا الغربية الذي كانت قد حصلت ~~عليه في سنة 1772، وهذا بينما أعطيت «كوتباس # Cottbus ~~» إلى سكسونيا، وصارت دانزج مدينة حرة تحت حماية ~~سكسونيا وروسيا المشتركة، وقد رضي نابليون أن تبقى بروسيا مكونة من مديريات أو ~~أقاليم أربعة فقط هي: دوقية براندنبرج، ودوقية بوميرانيا، ثم سيليزيا العليا ~~وسيليزيا السفلى، أي بالرقعة التي كانت عليها مملكة بروسيا في بداية سنة 1772، وعلل ~~نابليون موافقته على الإبقاء على بروسيا بحدودها المنكمشة هذه بأنه إنما فعل ذلك ~~استجابة لرغبة قيصر روسيا، الذي يهم نابليون أن يقيم الدليل بالإبقاء على ~~بروسيا نزولا على رغبته، على أنه يعتز بصداقة إسكندر ويبغي أن يقوم بين الدولتين - ~~روسيا وفرنسا - اتحاد على أسس من الصداقة الخالصة والثقة الكاملة، وهكذا فقدت ~~بروسيا نحو نصف مساحتها ونصف عدد سكانها الذين صاروا الآن أقل من خمسة ملايين نسمة، ~~وزيادة على ذلك فقد طلب من بروسيا الاعتراف بالإمارات والممالك التي أوجدها ~~نابليون، فهي (أي بروسيا) قد تخلت عن أقاليمها على يسار نهر الإلب ليضيف إليها ~~نابليون الجزء الأكبر من هانوفر، ويؤسس من هذه الأراضي مملكة وستفاليا التي ~~نودي بأخيه جيروم ملكا عليها، ثم إن بروسيا فقدت ولاياتها البولندية لتتألف منها ~~دوقية وارسو تحت حكم ناخب سكسونيا الذي صار ملكا، بينما أعطيت بيالستوك # Bialystok # لروسيا، وبمقتضى المادة السابعة ~~والعشرين من معاهدة 9 يوليو تعهد فردريك وليم بإغلاق بلاده في وجه السفن ~~والتجارة الإنجليزية. # وفي المعاهدة التي وقعت بين فرنسا وروسيا (في 7 يوليو 1807)، ذكرت ~~موادها كل هذه الأقاليم التي أخذت من بروسيا، وأن بروسيا لم تستبق ~~ولاياتها الأربع السالفة الذكر إلا احتراما من نابليون لرغبة القيصر. # وكان نابليون قد اقترح بالفعل إزالة بروسيا من الوجود كلية؛ حتى يصبح نهر ~~الفستيولا الحد الفاصل بين الإمبراطوريتين الفرنسية والروسية، ثم إن المعاهدة ~~ذكرت كذلك الطريقة التي أراد بها الفصل في مصير هذه ms0482 الأراضي المأخوذة من بروسيا ~~لإنشاء مملكة وستفاليا ودوقية وارسو. # وقد اعترف القيصر إسكندر بكل هذه الإجراءات والترتيبات، كما اعترف بتلك التي ~~سبق أن أجراها نابليون في ألمانيا وإيطاليا، ثم تخلى القيصر عن كتارو وجزر ~~الأيونيان، ووعد بالاعتراف بجوزيف بونابرت ملكا على نابولي (الصقليتين) إذا ~~أعطي ملكها فردنند جزر البليار أو جزيرة كريت تعويضا له، وكان القيصر - ~~كما سلف القول - قد رفض التصديق على المعاهدة التي وقعها مندوبه الكونت ~~دوبريل في باريس في يوليو من العام السابق بشأن كتارو والأيونيان والبليار، وإلى ~~جانب هذا قبل القيصر وساطة نابليون لعقد السلام بين تركيا وروسيا، بينما قبل ~~نابليون وساطة القيصر لعقد السلام بين فرنسا وإنجلترة. # وفي اليوم نفسه (7 يوليو) أبرمت معاهدة سرية لعقد محالفة بين فرنسا وروسيا، ~~تعهد الحليفان بمقتضاها بمعاونة كل منهما الآخر بكامل قواته، أو بالقدر الذي ~~يحصل الاتفاق عليه عند نشوب القتال بين أحد الطرفين وبين أية دولة أوروبية، ~~ونصت على أن يبلغ قيصر روسيا نواياه إلى إنجلترة بأنه سوف ينحاز إلى جانب ~~فرنسا إذا رفضت إنجلترة وساطة روسيا، أو رفضت إبرام الصلح حتى يوم أول نوفمبر ~~1807 على أساس اعترافها بحق الدول في حرية الملاحة في البحار، والتخلي عن كل ~~الفتوحات التي استولت عليها إنجلترة منذ 1805 في مقابل إعادة هانوفر إليها، وفي هذه ~~الحالة تدعى الدنمارك والسويد والبرتغال والنمسا لإعلان الحرب على إنجلترة، فإذا ~~رفضت السويد ذلك دعيت الدنمارك للقتال المشترك ضدها. # ونصت المعاهدة السرية على أنه إذا رفضت تركيا وساطة فرنسا انحازت هذه إلى جانب ~~روسيا ضد الباب العالي، وفي هذه الحالة تتفق الدولتان (روسيا وفرنسا) على تحرير كل ~~الولايات الأوروبية الخاضعة للدولة العثمانية، فيما عدا الروملي والقسطنطينية، ~~وهكذا يكون نابليون قد تخلى عن صداقته ومحالفته لتركيا. # ولقد تذرع نابليون - لتبرير هذه الخطوة المنطوية على الخديعة - بأن ~~مؤامرة في السراي طوحت بعرش السلطان سليم الثالث، وأفضت إلى موته يوم 29 ~~مايو 1807، ليتولى مكانه السلطان مصطفى الثالث، فإن نابليون عند وصول أبناء هذا ~~الانقلاب إلى تلست لم ms0483 يلبث أن اعتبره من فعل الإله لإقامة الدليل على أن ~~الإمبراطورية العثمانية لم يعد ممكنا بقاؤها. # وتم التصديق على المعاهدة الروسية الفرنسية في تلست يوم 9 يوليو، ولقد ترتب ~~على هذه الاتفاقات التي أبرمت في تلست أن تدعم نفوذ نابليون في القارة ~~الأوروبية بأسرها، وبالصورة التي تجعله قادرا على أن يجعل من «الحصار القاري» ~~أداة فعالة يهدد بها إنجلترة، فالجنود الفرنسيون يحتلون دانزج - المدينة الحرة ~~- وبروسيا تحتلها القوات الفرنسية حتى تدفع الغرامة المفروضة عليها، والقيصر إسكندر ~~قد اعترف بالتغييرات الإقليمية التي حصلت في ألمانيا: إنشاء اتحاد الراين، ومملكة ~~وستفاليا، كما اعترف بمملكة هولندة «وملكية لويس شقيق الإمبراطور عليها»، ~~وبمملكة نابولي في إيطاليا وملكها جوزيف بونابرت. # أما نابليون فقد عاد إلى باريس في 27 يوليو، وكتب الكونت دي سيجور # Ségur ~~(كبير الأمناء) في مذكراته: # إن الإمبراطور في ثمانية عشر شهرا اشتبك في مائة واقعة وأربع معارك ~~كبيرة، وحطم أربعة جيوش وخلق ستة ملوك جدد (هم ملكا بفاريا وورتمبرج ~~سنة 1806، وملك سكسونيا سنة 1807، ومن بين أفراد أسرته جوزيف بونابرت، ملك ~~نابولي، ولويس بونابرت ملك هولندة سنة 1806، وجيروم بونابرت ملك وستفاليا ~~سنة 1807)، ثم إن جميع الدول العظمى في القارة الأوروبية من بطرسبرج إلى ~~نابولي الذين كانوا قد تحالفوا ضده بمسعى إنجلترة تحولوا الآن ضد هذه ~~الدولة. # لقد بلغت الإمبراطورية النابليونية في تلست أوج رفعتها، ولقد كان نابليون نفسه ~~يدرك هذه الحقيقة، ويعترف بأن أسعد أيام حياته كانت تلك التي اقترنت ~~بالانتصارات السياسية والعسكرية التي توجتها اتفاقات تلست، فقد سئل فيما بعد ~~وهو بمنفاه في سانت هيلانة عن أسعد الأوقات في حياته، فأجاب: «ربما كانت هذه أيام ~~أن كنت في تلست؛ فقد كنت متوجا بأكاليل النصر، أملي القرارات وأسن ~~القوانين، ويحف بي الأباطرة والملوك كأنهم من رجال حاشيتي.» # وفي فرنسا نفسها كان الإمبراطور يستمتع بالسيطرة المطلقة؛ فلا مقاومة ولا ~~اضطرابات، فهو قد أنقص عدد المسارح الشعبية في باريس إلى ثمانية فقط، بمقتضى ~~قرار 29 يوليو 1807 الذي مر بنا ذكره، على أن أهم تغيير ms0484 حدث في هذه الفترة ~~لدعم أركان سيطرة الإمبراطور الفردية كان اتخاذ بعض الإجراءات ضد «مجلس التربيون» ~~الذي وصف بأنه لا يزال يحتفظ - بعض الشيء - بذلك الروح المضطرب الديمقراطي الذي ~~تسبب - من مدة طويلة - في إثارة المتاعب بفرنسا، فقد صدر قرار من مجلس الشيوخ ~~في 19 أغسطس 1807 بإلغاء مجلس التربيون، وبأن ينضم أعضاءه إلى المجلس التشريعي الذي ~~جعل سن القبول به لا يقل عن الأربعين سنة، وانتقلت اختصاصات مجلس ~~التربيون إلى ثلاث لجان من هذا المجلس التشريعي. # وفي 15 أغسطس 1807 احتفلت باريس بالنصر الباهر الذي أحرزه نابليون، احتفالا ~~فاق بفخامته كل الاحتفالات السابقة، وكان هذا الاحتفال - بشهادة «فوشيه» - ~~احتفالا «قوميا» بكل ما ينطوي عليه هذا الوصف من معنى؛ فلم يكن الاحتفال - ~~على حد قول فوشيه - لتكريم البطل نابليون، بل لتمجيد العاهل الذي شاء الإله أن يكون ~~هدية السماء إلى الأمة الفرنسية. # ومع ذلك فمما لا شك فيه أن تلك الإمبراطورية - التي بلغت أوج الرفعة في ~~تلست - كانت نتيجة جهود بذلها شخص واحد، وارتبط مصيرها بمصيره، وهي ~~إمبراطورية كان من الواضح أن بقاءها مرتهن كذلك بدوام تلك المحالفة مع روسيا، ~~وهي المحالفة التي اعتمد عليها نابليون في تنفيذ سياسة الحصار القاري، أكبر إجراء ~~موجه ضد إنجلترة، ارتبط بنجاحه بقاء الإمبراطورية النابليونية، كما كان لا ~~معدى عن انهيار الإمبراطورية في النهاية إذا قدر له الفشل، ولكن المحالفة مع ~~روسيا لم تكن عملا من المنتظر دوامه، ومن الواضح أن ثمة عوامل عديدة تجعل هذه ~~المحالفة بين العاهلين إجراء شخصيا لا يستند إلا على أطماعهما ومصالحهما ~~الذاتية فحسب، ولا يستهدف تسوية تكفل الاستقرار في أوروبا، فإذا حدث أي ~~اختلاف بينهما انحلت المحالفة. # وقد تحدق الأخطار بعدئذ بالإمبراطورية من كل جانب، وذلك كان مبعث الضعف في ~~ذلك الصرح الشامخ الذي أقامه العاهل الفرنسي في تلست، وكما كتب دي سيجور أيضا: إن ~~اليد التي رفعت عماد هذا البناء في وسعها وحدها أن تحفظه قائما، وفي وسعها ~~وحدها كذلك أن تهدمه. # وفي السنوات التالية سوف تبرهن ms0485 الحوادث على مبلغ صدق هذه ~~الملاحظة. # الفصل الرابع # | أزمة الإمبراطورية: الحصار القاري # 1807-1811 # كانت الأغراض التي استهدف نظام الحصار القاري تحقيقها ثلاثة: أولها؛ موافقة ~~الدول «في القارة» الأوروبية بأسرها، سواء بطريق الرضا أو بإرغامها على إغلاق كل ~~موانيها دون التجارة البريطانية، وثانيها: استبدال السلع التي تنتجها المصانع ~~الأوروبية «في القارة» بالمصنوعات البريطانية، ~~وثالثها: تحقيق السلام البحري وضمان حرية البحار، وانتزاع ذلك انتزاعا من العدو ~~المشترك «بريطانيا» بهدم اقتصاديات الإنجليز وتحطيم بحريتهم، بفضل تحالف القوات ~~البحرية في أوروبا بأسرها ضدهم. # وتوقف الوصول إلى هذه الأغراض الثلاثة على استطالة المدة التي يبقى فيها ~~نظام الحصار القاري نافذا، وبمعنى آخر؛ المدة التي تظل فيها أوروبا خاضعة ~~لسيطرة نابليون وتدين بالطاعة له، في وقت كان لا بد أن تئن حكوماتها وشعوبها من ~~وطأة هذا النظام القاري عليها، عندما ترتب على تنفيذه حرمان القارة الأوروبية ~~من السلع والمواد الضرورية، وغلاء الأسعار غلاء فاحشا، ووقف كل تجارة بحرية، ~~وتعطيل النقل البري وعجزه عن إمداد الأسواق بحاجاتها بدرجة كافية أو في صورة رتيبة ~~منظمة، وانتشار الكساد في التجارة الداخلية، وذلك في حين أنه كان من المتعذر على ~~الشعوب في أجزاء القارة التي خضعت للسيطرة الفرنسية إدراك الغرض الذي سعى ~~نابليون إليه من هذا النظام الصارم الذي فرضه عليهم، وتعذر على نابليون ~~والسلطات الفرنسية إقناعهم بأن من الخير لهم التضحية بحاضرهم - وذلك بترويض أنفسهم ~~على الحرمان وشظف العيش في ظل الإمبراطورية - من أجل مستقبل كان - على أحسن الفروض ~~- يحوطه الغموض والإبهام من كل جانب. # ومع ذلك فقد كان نابليون صحيح العزم على تنفيذ نظام الحصار القاري، وكان اعتماده ~~في ذلك - على نحو ما ذكر هو نفسه - أن يدع القوات البرية (الجيوش) تقهر ~~القوات البحرية (الأساطيل)، وتلك محاولة اقتضته أن يشن حربا مدبرة ~~وطويلة الأجل ضد إنجلترة، وكان لا معدى - في الوقت نفسه - لاستمرار هذه الحرب ~~المدبرة بنجاح ضد إنجلترة، أن يتدخل في شئون الأمم، سواء ما خضع منها لسلطانه ~~المباشر كجزء من إمبراطوريته، أو كانت تربطها بعجلة هذه ms0486 الإمبراطورية معاهدات ~~التحالف والصداقة. # ولم يكن متيسرا - في ظل هذا النظام القاري - أن تقف دولة من الدول في أوروبا ~~موقف الحياد من الحرب القائمة، فتلك التي لا تقاتل إلى جانبه هي بالضرورة في ~~صف أعدائه، فاضطرت الدنمارك إلى إعلان موقفها إلى جانب نابليون، وضرب ~~الأسطول الإنجليزي عاصمتها كوبنهاجن في أول سبتمبر 1807، وحطم سفنها وكل ~~عتاد الحرب في ترسانتها، وفي 7 سبتمبر قررت الحكومة الدنماركية تسليم بقايا أسطولها ~~«للإنجليز»، وبقيت السويد إلى جانب إنجلترة، وكان حينئذ أن استطاع القيصر إسكندر ~~وفقا لمعاهدة تلست، أن يستولي منها على فنلندة (في فبراير 1808). # وأما البرتغال فقد كانت تربطها بإنجلترة معاهدة صداقة وتجارة من الأزمنة القديمة ~~(1703)، وتثق في قوة البحرية الإنجليزية ضد اعتداءات وأطماع الإمبراطور نابليون، ~~ورفضت الحصار القاري، وعندئذ أعلن نابليون من فونتنبلو # Fontainebleu # عزل بيت براجنزا # Braganza # من الحكم، وهي الأسرة الحاكمة في البرتغال (في 29 ~~أكتوبر 1807)، وأعد مع السفير الإسباني إيزكويردو # Izquierdo # مشروعا لتقسيم أملاك البرتغال. # وفي المعاهدة السرية التي أبرمت في فونتنبلو في 27 أكتوبر أعطيت ~~البرتغال الشمالية (لوزيتانيا # Lusitania # وهو الاسم ~~القديم للبرتغال) مع ميناء أوبرتو # Oporto # كعاصمة ~~لها؛ إلى ماري لويز ملكة إتروريا # Etruria ~~«بإيطاليا» على أن تتنازل هذه عن مملكة إتروريا إلى إليزا بونابرت التي ~~طلب إليها منذ 23 نوفمبر أن تتسلم مقاليد الحكم بها. # وفي نفس المعاهدة أعطيت البرتغال الجنوبية إلى مانويل جودوي # Godoy ~~(أمير السلام، ومحظي الملك الإسباني) كما نال لقب ~~أمير الغرب # Algrave ~~(المقاطعة الجنوبية في ~~البرتغال)، وأما ما تبقى من البرتغال، وهو لشبونة وما حولها، فقد تركت ~~لتحتلها قوات نابليون إلى أن يحين الوقت عند عقد السلام العام لإرجاعها إلى شارل ~~الرابع ملك إسبانيا وصاحب السيادة على لوزيتانيا (أي البرتغال الشمالية) والغرب ~~(البرتغال الجنوبية)، وإمبراطور الأمريكتين (أمريكا الإسبانية، والأخرى ~~البرتغالية). # وعلى ذلك فقد عهد إلى القائد الفرنسي «جونو # Junot ~~» بمهمة احتلال البرتغال، فزحف «جونو» على طول نهر ~~التاغوس # Tagus # وأوقع بالبرتغاليين هزيمة حاسمة ~~عند أبرانتس # Abrantés ~~«على النهر» دخل بعدها ~~لشبونة في 30 نوفمبر ms0487 1807 ليجد يوحنا السادس صاحب الحكم في البرتغال قد أبحر قبل ~~ذلك بأيام ثلاثة فقط من لشبونة قاصدا إلى البرازيل ليتخذ مقر حكومته ~~بها. # أما إنجلترة فكانت تمر وقتئذ في أزمة اقتصادية طاحنة، يخشى من استفحال ~~نتائجها الاجتماعية والمالية من حيث زيادة التعطل عن العمل وانتشار البطالة، وهبوط ~~قيمة الأوراق المالية، وارتفاع الدين العام من 260 إلى 871 مليون جنيه، ومع ذلك فقد ~~كانت مصممة على الاستمرار في مقاومة الحصار القاري، وكانت الوزارة القائمة هي ~~وزارة المحافظين «حزب التوري # Tory ~~» برئاسة ~~دون بورتلاند Portland ~~، وقد خلفت هذه ~~وزارة الأحرار حزب الويجز # Whigs ~~(برئاسة ~~جرنفيل # Grenville ~~) في مارس 1807، وكان من ~~أعضاء الوزارة الجديدة كل من كاسلريه وزيرا للحرب، وجورج كاننج للسياسة الخارجية، ~~وكان كاسلريه وكاننج قد صح عزمهما على أن تسلك الحكومة مسلكا قويا في ~~سياسة المقاومة ضد نابليون، وكانت وزارة جرنفيل السابقة قد اتخذت منذ يناير ~~1807 قرارات تجيب بها على مرسومات برلين، وذلك بأن أعلنت الحصار على كل المواني ~~الفرنسية ومواني البلاد التابعة لها أو الدول المعترفة بمرسومات برلين، فلم تلبث ~~وزارة بورتلاند - لإظهار استيائها من مرسومات برلين - أن استصدرت قرارات أخرى ~~في 11 نوفمبر 1807، نزل بسببها إرهاق شديد على ~~سفن الدول المحايدة كلها بما في ذلك سفن الدول الصديقة أو حتى المتحالفة مع ~~الإنجليز أنفسهم، فأخضعتها هذه القرارات لحق تفتيش البحرية الإنجليزية لها، ~~وألزمتها فوق ذلك بالوقوف في إحدى مواني بريطانيا (المملكة المتحدة) أو في جبل ~~طارق ومالطة، ودفع إتاوة تعسفية على المتاجر التي في بطونها، والحصول على مأذونية ~~أو ترخيص بالتجارة؛ ليتسنى لها الدخول في إحدى المواني الإنجليزية إطلاقا. # فلقيت الدول المحايدة عناء شديدا، وكانت الولايات المتحدة الأمريكية في طليعة ~~الدول التي ألحقت بها هذه القرارات أذى كبيرا، حتى إنها استصدرت قانونا ~~في 8 ديسمبر 1807 لتنفيذ قانون سابق كان قد ~~صدر في العام الماضي (1806) لمنع التبادل التجاري مع الدول الأوروبية، ~~وطلب جفرسون # Jefferson ~~(رئيس الولايات المتحدة) ~~من الكونجرس استصدار قرارات لإغلاق المواني الأمريكية في وجه التجارة ms0488 ~~الأجنبية. # وكان يبدو أن نابليون في وسعه - إذا شاء وقتئذ - الاستفادة من شعور الاستياء ~~المتزايد هذا ضد إنجلترة، ولكنه - وقد صمم على المضي في سياسة الحصار القاري ~~إلى النهاية - لم يلبث أن أجاب على إجراءات الإنجليز بأن استصدر في 12 ديسمبر 1807 ~~«مرسوم ميلان» الذي نص على أن كل سفينة - مهما كانت الدولة التي ترفع هذه ~~السفينة علمها - تخضع لتفتيش السفن الإنجليزية، أو ترغم على الرحلة إلى إنجلترة، ~~أو تدفع إتاوة ما إلى الحكومة الإنجليزية، تفقد بسبب هذا الفعل نفسه ~~جنسيتها، وينتهي تمتعها بالضمان الذي يخوله لها علمها الذي ترفعه، ~~وتعتبر أملاكا إنجليزية. # وعلى ذلك فإن «مرسوم ميلان» جاء مكملا لمرسومات برلين في شدتها وصرامتها، ~~وعده نابليون إجراء لا غنى عنه لمواجهة ذلك «النظام الوحشي» - على حد وصفه ~~له - الذي أخذت به إنجلترة، وقال: إن العمل بهذا الإجراء لن ينتهي إلا إذا عاد ~~الإنجليز إلى الاعتراف بحقوق الإنسان واحترموا مبادئ العدالة والشرف. # وتنفيذا لمرسومات برلين وميلان إذن، ولتضييق الحصار القاري المضروب على إنجلترة ~~بضمان إغلاق المواني الأوروبية في وجه السفن الإنجليزية، ومنع كل اتصال بين ~~القارة الأوروبية وإنجلترة، لم يلبث نابليون أن اتخذ من الخطوات ما اعتقد أنه ~~قمين بتأكيد سيطرته على أوروبا. # ففي إيطاليا احتل قائده الجنرال ميوليس # Miollis # روما في 2 فبراير 1808، ولم تمض أسابيع قليلة حتى كانت أدمجت في مملكة ~~إيطاليا كل من مقاطعات أنكونا وأربينو # Urbino # التي انتزعت من الأملاك البابوية. # وفي إسبانيا تزايد تدخل نابليون في شئونها بصورة نشيطة، بسبب الخلافات ~~الناشبة بين أعضاء الأسرة المالكة الإسبانية والتي هددت بزوال نفوذ مانويل جودوي، ~~محظي الملك شارل الرابع، فقد أراد ولي العهد - فردينند (فردينند السابع فيما بعد) ~~ويبلغ الثالثة والعشرين من عمره - التخلص من جودوي، مدفوعا إلى ذلك بتحريض ~~حاشيته؛ لإنهاء النفوذ السيئ الذي كان لهذا الوزير على والديه ، ولكي يصل هو إلى ~~الحكم والسلطة، وكان فردينند مترملا من مدة قصيرة، فأوحى إليه السفير الفرنسي في ~~مدريد «أوجيه بوهارنيه» أن يطلب من نابليون (في 12 أكتوبر ms0489 1807) يد إحدى أميرات ~~بيت بونابرت، فلم تمض أيام على «مؤامرة» فردينند حتى ألقت الحكومة القبض ~~عليه وعلى معاونيه (في 29 أكتوبر)، لتفك إسارهم بمجرد أن علمت الحكومة بأن ~~هذه «المؤامرة» غرضها المحالفة مع البيت البونابرتي، وتقدم الملك شارل ~~الرابع نفسه يطلب رسميا إتمام هذه المصاهرة (18 نوفمبر 1807). # وكان الفرنسيون قد استطاعوا التوغل في الأراضي الإسبانية قبل هذه الحوادث، بدعوى ~~إرسال الإمدادات إلى البرتغال (وقد عرفنا أن جونو لم يلبث أن احتل لشبونة في 30 ~~نوفمبر 1807)، وبدعوى حماية إسبانيا نفسها بمنع الإنجليز من إنزال قواتهم في ~~أراضيها عن طريق جبل طارق، فاستطاع القائد «مورا» على رأس جيش من ثمانين ألفا أن ~~يجتاز جبال البرانس، وأن يحتل المواقع الاستراتيجية والحصون في إسبانيا الشمالية، ~~يعاونه في ذلك القواد: مونسي # Moncey ~~، وبسيير # Bessières ~~، وديبون # Dupont # تحت إمرته، وأن يزحف على العاصمة مدريد (ودخل مورا مدريد ~~في 23 مارس 1808). # على أنه بينما تمكن نابليون من بسط سيطرته على إيطاليا، وإلى درجة كبيرة - ~~كما يبدو - على إسبانيا، كان من واجبه أن يبذل قصارى جهده لتهدئة قيصر روسيا حليفه، ~~وإزالة مخاوفه، وإقناعه - تبعا لذلك - بالاستمرار على تنفيذ سياسة الحصار القاري ~~ضد إنجلترة، وكان الذي يقض مضجع القيصر إسكندر إنشاء غراندوقية وارسو «على يد ~~نابليون، وفي معاهدة تلست»، فقد اعتبر القيصر إنشاء هذه الغراندوقية محاولة ~~جدية لبعث وإحياء مملكة بولندة القديمة، وفي ذلك خطر على كيان الإمبراطورية ~~الروسية ذاتها ويهدد بانحلالها، أضف إلى هذا أنه كان يخشى من أن تصبح ~~بولندة عند إحيائها ملجأ لليهود «المشردين في أنحاء الأرض» يحشدون بها قوتهم ~~لتهديد الكنيسة الأرثوذكسية (كنيسة روسيا). # ومع أن المحالفة الروسية الفرنسية لقيت كل تعضيد من حكومة القيصر التي ~~تولى فيها روميانتزوف # Roumiantsov # وزارة ~~الخارجية، وسبيرانسكي # Speranski # وزارة الداخلية، ~~ولكن أحدا من النبلاء (الطبقة الأرستقراطية) أو رجال البلاط ما كان يؤيد هذه ~~المحالفة، ولم يشأ النبلاء العسكريون أن يتناسوا ذكرى معركة ~~إيلو (8 فبراير 1807) التي انهزموا فيها، وإن ~~كانوا قد زعموا لأنفسهم النصر بسبب الخسائر الفادحة التي تكبدها ms0490 الفرنسيون في ~~هذه الواقعة - على نحو ما سبق ذكره في موضعه - فاحتفلت روسيا بأسرها ~~وقتئذ بهذا النصر، زد على ذلك أن طبقة ملاك الأرض «بويار # Boyar ~~» كانت متأثرة بمصالحها فحسب، فهي لا تكاد تجد ما تبيعه ~~لفرنسا، بينما كانت إنجلترة الدولة التي تحتاج بحريتها العظيمة إلى الأخشاب ~~والقنب لصناعة السفن، وتباع هذه الأشياء من أملاك البويار الواسعة، فحرمهم ~~الحصار القاري من أهم مواردهم، وأظهرت الأرستقراطية الروسية شعورها نحو ~~فرنسا بمحاولة الابتعاد دائما عن السفير الفرنسي الجديد «سفاري # Savary ~~»، وقد اعتبره النبلاء مسئولا عن مقتل دوق ~~دانجيان، في حين أنهم صاروا يقربون إليهم «المهاجرين» الفرنسيين، مثل الدوق ~~دي ريشيلو # Richelieu ~~، أو سفير بيدمنت «بيت ~~سافوي» الذي أسقطه نابليون، وكان السفير «جوزيف دي ~~ميستر # Maistre ~~» صاحب شهرة، عاش في بطرسبرج خمسة عشر عاما (1802-1817)، ~~وسجل أحداثها في مذكرات معروفة باسم «أمسيات سان بطرسبرج # Sorées de Saint-Pétersbourg ~~». # ومع ذلك فقد بذل نابليون قصارى جهده لإقناع القيصر بالإبقاء على المحالفةفتنازل ~~فردينند السابع في الفرنسية، ولاستلال سخيمة النبلاء الروس، وصار يلوح أمام ~~ناظري إسكندر بالمزايا العظيمة التي سوف تعود على روسيا في القريب العاجل عندما ~~يستطيع الحليفان - وبإشراك النمسا معهما كذلك - الزحف صوب القسطنطينية، ثم صوب ~~الدجلة والفرات؛ للسير من هذه الجهات إلى الهند. # وعندما تعين «كولنكور # Caulaincourt ~~» سفيرا ~~لدى روسيا في مكان «سفاري»، طلب منه نابليون في 2 فبراير 1808: «أن يبلغ القيصر ~~أن رغبات نابليون هي رغباته، وأن «النظام» الذي أوجده نابليون إنما يرتبط ارتباطا ~~وثيقا «بنظام» القيصر نفسه، وأن ليس هناك ما يدعو للاصطدام بينهما؛ لأن الدنيا أو ~~العالم متسع بدرجة تكفي للاثنين أن يتخذا مكانهما به، وأن نابليون لن يلح ~~على القيصر في طلب إخلائه الولايات الدانوبية (الأفلاق والبغدان)، وأن القيصر لا ~~يجب أن يلح عليه في طلب إخلاء بروسيا، وأن نابليون لا يرى صعوبة ما في أن يستولي ~~القيصر على السويد، وأن يأخذ ستوكهلم العاصمة نفسها، بل من الواجب أن يقوم القيصر ~~بهذه الخطوة، ولن تجد روسيا فرصة أنسب من هذه ms0491 التي تعرض لها لأن تتخذ بطرسبرج ~~مركزا يتوسط أملاكها، وأن تتخلص من هذا العدو الجغرافي (السويد).» # وتلك كانت عروضا متصلة بواقع الموقف في أوروبا، وألصق بمصالح روسيا المباشرة ~~من تلك المشروعات الواسعة التي استهدفت احتلال القسطنطينية والوصول بطريق الدجلة ~~والفرات إلى الهند. # ولكن كل هذه العروض وما صحبها من مباحثات بين السفير الفرنسي الجديد في ~~بطرسبرج «كولنكور» والقيصر إسكندر، ووزير خارجيته روماينتزوف لم تسفر عن شيء؛ إذ ~~سرعان ما تعطلت فجأة بسبب الحوادث التي وقعت في إسبانيا، والتي أثارت ~~أمة بأسرها (الأمة الإسبانية) ضد نابليون. # ولقد كان في إسبانيا أن أوقدت الشرارة التي أشعلت نار الحرب القومية في ~~أوروبا ضد السيطرة النابليونية، فقد ذكرنا كيف أن الفرنسيين توغلوا في الأراضي ~~الإسبانية بقيادة «مورا» حتى وصلوا إلى أبواب مدريد، بدعوى حماية إسبانيا من ~~الإنجليز، لكن مثول الخطر الفرنسي بوجود الجيوش الفرنسية أمام العاصمة ذاتها لم ~~يلبث أن جعل الإسبانيين يدركون أن الإمبراطور الفرنسي إنما يريد الاستيلاء على ~~بلادهم، وأن يطوح باستقلالهم، ويملي عليهم القرارات والقوانين التي يرغمهم على ~~الإذعان لها مهما كانت مناقضة لمصالحهم الوطنية؛ فاهتاجت النفوس ضد هؤلاء ~~الأجانب المعتدين على بلادهم، وضد الحكومة «الإسبانية» الضعيفة التي رضخت عن ~~طيب خاطر لهذه «الإهانات»، وشرع الملك شارل الرابع - الذي أخلى مكانه للغزاة ~~الفرنسيين - يفكر في مغادرة مقره الملكي في «أرانجوز # Aranjuez ~~» على مسافة إلى الجنوب عن مدريد للإبحار من قادش قاصدا ~~إلى أمريكا، ولكن الثورة سرعان ما اشتعلت في 18 مارس 1808، ولم ينقذ «جودوي» من ~~أيدي الثوار إلا تنازل الملك عن العرش لصالح ابنه فردينند السابع، الذي رحب ~~به الشعب، وأحاط بموكبه في الطريق من «أرانجوز» إلى مدريد (23 مارس). # وكان لهذا الحادث - حادث أرانجوز - أكبر الأثر في رأي كثيرين في أن يعمد ~~نابليون إلى تغيير الخطة التي كان قد رسمها لمعالجة مسألة إسبانيا، حقا ~~لقد ظل دائما غرضه أن يتخذ من إسبانيا وسيلة لزيادة قوة فرنسا، ولكن التغيير ~~طرأ على الوسائل المحققة لهذه الغاية، فهو كان يريد مبدأ الأمر التخلص ms0492 من محظي ~~الملك «مانويل دي جودوي» الذي كان مكروها من الشعب الإسباني، وأن يضع في حكومة ~~البلاد بدلا من «جودوي» رجالا من اختياره، ولكن ثورة فردنند ضد أبيه، واضطرار ~~شارل الرابع إلى التنازل (حادث أرانجوز) جعل نابليون يعدل عن خطته الأصيلة، ~~ويلجأ إلى أساليب أدت إلى نتائج خطيرة. # فما إن وصله خبر تنازل شارل الرابع عن العرش حتى أعلن «نابليون» أن هذا ~~التنازل ملغي، وأن العرش قد صار خاليا. # وفي خطاب بعث به إلى أخيه لويس، ملك هولندة بتاريخ 27 مارس سنة 1808، ويبرز ~~إلى عالم الوجود للمرة الأولى الطريقة التي أراد بها نابليون «معالجة» المسألة ~~الإسبانية، عرض الإمبراطور على شقيقه عرش إسبانيا، وفي هذا العرض كانت أصول ~~«الحرب الإسبانية» التي امتدت سنوات طويلة، والتي كانت أحد العوامل الحاسمة في ~~النهاية في سقوط الإمبراطورية النابليونية. # فقد احتج شارل الرابع - ومن المرجح أن ذلك كان بتأثير من مورا - على الشدة التي ~~عومل بها، حتى اضطر إلى التنازل عن العرش، وبعث بهذا الاحتجاج إلى نابليون، ~~بينما استطاع مورا أن يقنع فردينند (الابن) بالذهاب إلى الحدود الفرنسية لمقابلة ~~الإمبراطور، عله ينال منه تثبيته على عرش إسبانيا، واستدعى نابليون الوالد وولده ~~لمقابلته في بايون # Bayonne # عبر الحدود في الأراضي ~~الفرنسية، وأطلق «مورا» سراح «جودوي» ليذهب هو الآخر إلى بايون، واستقبل نابليون ~~شارل الرابع وزوجه «ماريا لويزا» بمظاهر التكريم اللائقة بالملوك، وبعد مشادة عنيفة ~~بين الأب وابنه، في حضوره، أرغمهما نابليون على التنازل عن كل حقوقهما في عرش ~~إسبانيا «لصديقهما العزيز وحليفهما الإمبراطور»، فتنازل فردينند السابع في 5 مايو، ~~وبعد أيام قليلة (10 مايو) تنازل شارل الرابع ~~الذي بدا كأنه صار لا يبغي إلا تمضية ما تبقى له من عمر بين زوجه وصديقهما ~~«الوحيد» جودوي، ورحلوا جميعا إلى «كومبيين # Compiegne ~~». # وأما فردينند السابع فقد أعطي إقليم «فلانساي # Valençay ~~» لإقامته، وكان من أملاك تاليران، وتقع كومبيين وفلانساي ~~داخل الحدود الفرنسية. # وفي 6 يونيو سنة 1808 صدر قرار بتنصيب جوزيف بونابرت ملكا على إسبانيا، وقد ~~حل محله في ms0493 نابولي «مورا» ملكا على هذه الأخيرة. # وفي 15 يونيو قابل وفد إسباني الإمبراطور في بايون ليبدي موافقته ~~على قبول جوزيف بونابرت ملكا على إسبانيا، ووعد نابليون الوفد بأن حكومة عادلة ~~حكيمة سوف تتولى إدخال الإصلاحات الحرة إلى بلادهم. # واغتبط نابليون بهذه النتيجة «السهلة» التي وصل إليها، وزاد من اغتباطه أن ~~جاءه آنئذ خبر إخفاق مؤامرة دبرها في باريس أحد الضباط المطرودين من الجيش ~~لآرائه الجمهورية، الجنرال دي ماليه # Malet ~~، مع ~~جماعة من أعضاء مجلس الشيوخ «المثاليين» لعزل نابليون، وإعادة تأسيس الجمهورية، ~~فاكتشف أمرها ديبوا # Dubois # مدير البوليس، ~~ومنافس «فوشيه # Fouché ~~» الخطير على وزارة ~~الداخلية (8 يونيو 1808)، فقد اعتقد نابليون أنه في الوقت الذي تآمر عليه بعض ~~الفرنسيين - ولإنهاء عهد الإمبراطورية - أن الشعب الإسباني الذي أساء ملوكه ~~حكومته، قد قبل بسهولة تنصيب أمير عليه (جوزيف بونابرت) من أسرة ينبئ ~~اختياره منها بأن عهدا من الإصلاح والرخاء لا بد أن يبدأ سريعا. # وجمع نابليون في بايون مجلسا # Junta # من ~~الإسبان لوضع دستور جديد للمملكة، واستطاع هؤلاء بعد اثنتي عشرة جلسة فقط أن ~~يعدوا دستورا كان منسوخا من دستور الإمبراطورية الفرنسية نفسه، أعلن نابليون ~~اعتماده له في 7 يوليو 1808، وبعد يومين اثنين دخل جوزيف بونابرت الأراضي ~~الإسبانية، ليجد الثورة مشتعلة في كل إسبانيا. # فقد رفض الشعب الإسباني الاعتراف «بالأمر الواقع»، والإذعان لما يعتبره إهانة ~~لحقت بشرف الأمة، وكانت قد قامت اضطرابات خطيرة في مدريد؛ عندما ذاع خبر ~~«مؤامرة بايون»، وحاول الفرنسيون نقل فرنسوا - أصغر أبناء شارل الرابع - من القصر ~~الملكي؛ فخرج الإسبانيون في مظاهرات صاخبة لم تلبث أن تحولت إلى التحامات ~~دامية عندما أمر «مورا» بإطلاق النار على المتظاهرين، وتبع ذلك اصطدام ~~الفريقين بعضهما ببعض يوم 2 مايو 1808، وهو اليوم الذي اشتهر في تاريخ المقاومة ~~الأهلية بإسبانيا # Dos Mayo # بأنه كان بداية الحرب ~~التحريرية؛ إذ سرعان ما تألفت «المجالس» التنفيذية الثورية في المدن الهامة، وصار ~~يتولى السلطة العليا «مجلس» أشبيلية، وأعلنت «الحرب حتى الموت» ضد الفرنسيين، إلى ~~أن يرحل هؤلاء من بلادهم، وتعود ms0494 الأسرة الإسبانية (البربون) إلى الحكم ثانية، ~~وتسترجع البلاد استقلالها، وقامت المذابح في فالنسيا # Valencia # وقادش، وفي أكثر الأقاليم الجنوبية، ليس للخلاص من ~~الفرنسيين وحدهم، بل ومن الإسبانيين الموالين لهم، وساعد على المقاومة أن ~~البلاد جبلية، ويخترق الجبال ممرات ضيقة ذات أغوار بعيدة، مما يجعل سهلا حرب ~~العصابات التي كان من أفرادها - إلى جانب المقاتلين - القساوسة والرهبان الذين ~~اعتبروا الفرنسيين أعداء للدين، ولقد استطاع هؤلاء جميعا أن يقاوموا الجيوش ~~الفرنسية مقاومة عنيفة، تحت إرشاد المجالس التنفيذية التي ذكرناها. # وبدأت العمليات العسكرية بأن أمر الإمبراطور بأن يزحف جيش بقيادة الجنرال ~~ديبون # Dupont # على أشبيلية، وعلى أن يكون من ~~مهمته كذلك إنقاذ بقايا الأسطول الفرنسي الذي ظل ملتجئا في قادش من أيام معركة ~~الطرف الأغر، واحتل جيش ديبون قرطبة 7 يونيو 1808، ولكنه سرعان ما اضطر إلى التقهقر ~~أمام القوات الإسبانية المتفوقة عليه، حتى بلغ في تقهقره «أندوجار # Andujar ~~» (وتقع قرطبة، وإلى الشمال منها أندوجار ~~على نهر الوادي الكبير، وتقع جنوب قرطبة على النهر نفسه إشبيلية)، ومكان أندوجار ~~عند مدخل الممرات الضيقة في جبال مورينا # Sierra Morina # وتعذر على «ديبون» التقدم، ولكنه بدلا من الارتداد ~~إلى ممرات سيرا مورينو واتخاذ موقف الدفاع، بعث بالجنرال «فيديل # Vedel ~~» مع نصف الجيش تقريبا للاستيلاء على مرتفعات ~~أو «ممرات» ديسبينا بيروس # Despëna Perros ~~، وتقع ~~سلسلة الجبال هذه إلى الشمال من أندوجار، فانتهز القائد الإسباني الفرصة (وهو ~~كستانوس # Castanos ~~) ليبعث بجزء من قواته بقيادة ~~ردنج # Rédinng ~~(من كبار العسكريين والنبلاء ~~الإسبان) إلى بايلن # Baylen # الواقعة بين المكانين ~~كي يفصل بين جيشي ديبون وفيديل. # ولا شك أن تلك كانت مناورة تنطوي على مجازفة كبيرة، وتعرض الإسبانيين في ~~«بايلن» للاندحار التام، لو استطاع جيشا ديبون وفيديل الإطباق عليهم، ودارت في ~~«بايلن» معركة حامية بين ديبون وبين الإسبان بقيادة «ردنج» الذي دفع كل هجمات ~~ديبون الذي أراد اختراق الصفوف الإسبانية دون جدوى، حتى إذا أنهك الفرنسيون ~~وخارت قواهم ظهر «كستانوس» في المؤخرة ليجهز عليهم؛ وعندئذ عرض ديبون ~~أن يستسلم بجيشه إذا سمح ms0495 له بالعودة مع قواته إلى فرنسا، ومع أن «فيديل» كان قريبا ~~من مكان المعركة ويسمع صوت إطلاق المدافع وفي وسعه إذا أسرع أن يعاون ديبون معاونة ~~جدية ، فقد آثر البقاء في موضعه، وعندما بلغه أن رئيسه يقترح التسليم على العدو، ~~فضل الارتداد صوب الممرات «ديسبينا بيروس»، وكان ذلك مسلكا إجراميا في نظر ~~الكثيرين، ولا يقل عنه خطورة ما فعله «ديبون» نفسه الذي جعل شروط التسليم تشمل ~~جيش «فيديل» أيضا (23 يوليو 1808)، ومع ذلك فقد قبل «فيديل» هذه الشروط، ورجع - ~~الآن - ليستسلم مع جيشه عندما كان في وسعه أن يذهب بجيشه سالما إلى مدريد، أما ~~مجموع الفرنسيين الذين سلموا في هذه الواقعة «بايلن» فكان 18 ألفا، بينما بلغ عدد ~~قتلاهم أكثر من ثلاثة آلاف، وقد رفض مجلس إشبيلية أن يعود الأسرى إلى فرنسا، بل ~~استبقاهم جميعا في حوزته. # تلك إذن كانت هزيمة بايلن، التي زاد من خطورة أثرها إقدام جوزيف بونابرت بعدها ~~بأيام قلائل على إخلاء إسبانيا حتى نهر الإبرو # Ebro # في الشمال. # وأما أثر هذه الهزيمة الآخر، فكان أن شجع النجاح الذي أحرزه الإسبانيون البرتغال ~~على إعلان الثورة، فنادى الأهلون في أوبرتو # Oporto # بتأييدهم لبيت براجنزا (الأسرة المالكة البرتغالية)، وبادروا بإلغاء الحكومة ~~الفرنسية وتأليف مجلس تنفيذي مؤقت للحكم، وانضمت كل الأقاليم في البرتغال الشمالية ~~إلى الثورة التي لم تلبث أن امتدت كذلك إلى الأقاليم الجنوبية، وما إن بلغ الحكومة ~~الإنجليزية نبأ هذه الثورة حتى أسرعت بإرسال جيش إلى البرتغال بقيادة السير ~~أرثر ولزلي # Arthur Wellesley ~~(دوق ولنجتون ~~فيما بعد)، نزل في شاطئ البرتغال عند خليج مونديجو # Mondego ~~(عند مصب نهر مونديجو) يوم 2 أغسطس 1808، وكان جيش ~~«جونو» في البرتغال في لشبونة وما حولها ويبلغ الثمانية والعشرين ألفا قد صار ~~معزولا بها منذ قيام الثورة في إسبانيا، ولو أن «جونو» كان مصمما على الدفاع عن ~~البلاد التي فتحها، فاستطاع القضاء على الثورات «الضعيفة» التي قامت في كل مكان بين ~~6-16 يونيو، وكانت هذه «ضعيفة»؛ لأن الفرنسيين سبق أن سرحوا الجيش البرتغالي ms0496 ~~القديم، وجمعوا الأسلحة واستولوا على كل مستودعاتها ومخازن الذخيرة فيها، فلم يجد ~~الشعب «الثائر» قوة مدربة يمكنه الاستناد عليها في ثورته، وتعذر الحصول على ~~الأسلحة، وتجول جيش «جونو» في أنحاء البرتغال، وتمكن من إخماد الثورات المشتعلة ~~بها، واعتقد جونو أن في وسعه الاحتفاظ بفتوحاته طويلا، ولكن نزول الإنجليز في ~~البرتغال سرعان ما حطم هذه الآمال. # فقد انتصر «ولزلي» على جيش جونو عند فيميرو # Vimiero # في 21 أغسطس 1808، وعندئذ اضطر جونو الذي كان يتولى ~~قيادة الجيش الفرنسي بنفسه في هذه الواقعة إلى عقد اتفاق «كينترا # Cintra ~~» في 30 أغسطس، وبمقتضاه وافق القائد الفرنسي ~~على إخلاء البرتغال بأسرها فورا، على أن تحمله السفن الإنجليزية مع جيشه إلى فرنسا ~~(إلى لوريان # Lorient ~~، ورشفور # Rochefort ~~) وفي 12 سبتمبر 1808 احتل الإنجليز ~~لشبونة، وفي 30 سبتمبر لم يكن هناك جندي فرنسي ~~واحد في كل البرتغال. # وأقامت هزيمة فيميرو وهزيمة بايلن قبلها، الدليل على أن جيوش الإمبراطور لم يعد ~~الانتصار مستعصيا عليها، وقد ضارعت هذه الهزائم في خطورة آثارها الهزيمة التي لحقت ~~منذ نيف وسبع سنوات الجنرال «منو» في الإسكندرية، وترتب عليها انسحاب جيش الشرق من ~~مصر. # ولا جدال في أن مسئولية الهزيمة التي لحقت بجيش الفرنسيين في إيبريا كانت موزعة ~~على الإمبراطور نفسه وعلى قائديه: ديبون، وفيديل خصوصا، فهو قد أخطأ التقدير عندما ~~استهان بقوة الإسبان، وبعث لغزو بلادهم جيشا ضئيل الحجم لم يتدرب جنوده تدريبا ~~كافيا، بينما افتقر قواده إلى الكفاءة العسكرية والشجاعة الأدبية، على نحو ما ظهر ~~من جانب «ديبون»، وإلى النشاط والقدرة على اتخاذ القرارات الحاسمة، على نحو ما ~~تبين من مسلك «فيديل»، وقد اتهمهما الإمبراطور بالخيانة والجبن، وقد قدمهما ~~للمحاكمة العسكرية، وأثبتت هذه أنهما ارتكبا جريمة الإهمال، وقبلا شروطا للتسليم ~~مهينة للشرف؛ وعلى ذلك فقد سجن كلاهما، فاستمر «ديبون» في السجن إلى سنة 1814، ~~وأما «فيديل» فقد عفا عنه الإمبراطور بعد سنوات قليلة واستخدمه مرة ثانية. # وكان «جونو» وحده الذي خرج من حوادث الحرب في شبه جزيرة إيبريا دون أن يلحق به ms0497 ~~الأذى، فقد شاء نابليون أن يحمي هذا القائد الذي وقع على «اتفاق كينترا» برفعه ~~إلى مرتبة الدوقية، فنال «جونو» لقب دوق ~~أبرانتس # Abrantés # إحياء لذكرى المعركة التي انتصر فيها جونو على ~~البرتغاليين ودخل بعدها لشبونة في العام السابق (نوفمبر 1807). # ومهما يكن من أمر، فقد أثبت الانسحاب من البرتغال، ومن أكثر أجزاء إسبانيا ~~بعد هذه الهزائم أن «الجيش الأعظم» لم يعد بالجيش الذي لا يقهر، وتجاوب في أنحاء ~~أوروبا صدى هذه الحقيقة التي استكشفت في إيبريا، ووجب على الإمبراطور أن يمنع ~~ذيوع هذا الاعتقاد بكل وسيلة، وإلا ترتب على انتشاره ثم رسوخه في الأذهان ~~تحرك الشعوب بالثورة ضده وسعيها لتقويض أركان إمبراطوريته، وكان نابليون ~~منذ أن بلغته أخبار الهزيمة في «بايلن» - 23 يوليو 1808 - فقد أمر ثلاثة ~~جيوش من خيرة جيوشه «الألمانية» المدربة، وهي جيوش فيكتور # Victor ~~، ومورتييه # Mortier ~~، ~~وناي # Ney # بالذهاب إلى إسبانيا، وعقد الآمال ~~على إمكان جوزيف بونابرت (الملك) والجنرال سافاري القائد الأعلى والذي حل محل ~~«مورا» في إسبانيا، الصمود في مراكز أمامية حتى تصلهما النجدة، ولكن هذه الآمال ~~تحطمت بعد الحوادث التي ذكرناها، وصارت مهمة الجيوش الزاحفة أن تعيد من جديد ~~فتح شبه جزيرة إيبريا، وأما هذه القوات الحاضرة من ألمانيا فقد بدأت طلائعها تجتاز ~~ممرات البرانس في آخر شهر أكتوبر 1808، وعندئذ كان الإمبراطور نفسه قد ولى وجهه ~~شطر «إرفورت # Erfurt ~~». # لقد حاول نابليون مكافحة الأثر الذي أحدثته هزيمة جيوشه في إيبريا بالذهاب ~~بنفسه إلى إسبانيا، لإعادة الأمور إلى نصابها هناك، ولتأكيد أن ما فعله في ~~إسبانيا لم يكن عملا «ثوريا»، ولكن من نتائج العهد القديم؛ لأن إسبانيا - كما ~~قال - يجب أن تكون فرنسية، وهي الإرث الذي طالب به لويس الرابع عشر لابنه ولي ~~العهد من زوجته ابنة فيليب الرابع ملك إسبانيا، ولحفيده الذي صار لويس الخامس عشر، ~~فتلك «وصية» قال نابليون: إن الواجب يقتضيه قبولها مع تاج الملكية على فرنسا، طالما ~~أن لويس الرابع عشر قد أهرق الدماء الغزيرة من أجل أن تتبوأ نفس الأسرة عرش ~~البلدين: ms0498 فرنسا وإسبانيا، غير أن الإمبراطور ما كان يستطيع الذهاب بنفسه إلى ~~إسبانيا دون أن يستوثق سلفا من أن أوروبا لن تنتهز فرصة سحب أكثر جيوشه منها - ~~لإرسالها إلى إيبريا - للقيام بالثورة في مؤخرته، هذا من جهة، وأن النظام القاري ~~الذي ضرب الحصار على إنجلترة سوف يظل نافذا وبنفس الصرامة التي استمر ينفذ بها ~~بعد إبرام معاهدة تلست على وجه الخصوص مع روسيا (7-9 يوليو 1807) وهذا من جهة ~~ثانية. # ولذلك فقد بادر الإمبراطور بتسوية مسألة بروسيا بأن عقد معها اتفاقا في باريس في ~~8 سبتمبر 1808، أخلى الفرنسيون بمقتضاه بروسيا، في نظير أن ينقص عدد الجيش ~~البروسي إلى 42 ألف رجل فقط، وأن تدفع تعويض حرب لفرنسا مبلغ 140 مليون فرنك، ~~وعلى شريطة أن تبقى حاميات فرنسية تحتل المواقع الثلاثة التالية: جلوجو # Glogau ~~، وكاسترين # Küstrin ~~، وستيتن # Stettin ~~، ~~وكلها تقع على نهر الأودر، وذلك حتى تقوم بروسيا بتأدية التزاماتها وفق المعاهدة، ~~ثم ذهب الإمبراطور لمقابلة القيصر إسكندر في إرفورت. # وفي إرفورت استمرت مقابلة العاهلين حوالي شهر تقريبا (من 27 سبتمبر إلى 24 ~~أكتوبر 1808)، وكان في إرفورت أن شهد العهد النابليوني أزهى أوقاته إطلاقا، حيث ~~أقيمت الزينات وتميزت الحفلات بالبذخ والفخامة عندما احتشد رجال البلاط من روس ~~وفرنسيين يحفون بالإمبراطور، وقام الممثل العظيم «تالما» بأداء تمثيليات ~~كورنيل # Corneille ~~، وأصغى الجميع باهتمام ~~وعناية زائدة لكل ما أراد الإمبراطور أن يقصه من ذكريات الشباب عندما كان «ضابط ~~مدفعية»، واستطاع عندما ذهب في رحلة قصيرة إلى فايمر # Weimar ~~، أن يجزل العطاء لاثنين من ألمع قادة الفكر ~~الألمانيين وقتئذ، هما الشاعر جيته # Goethe ~~، ~~والفيلسوف القصصي والمؤرخ ويلاند # Weiland ~~. # ولكن تلك كانت جميعها مظاهر خادعة؛ فالقيصر كان متحفظا ولا يريد التورط في ~~تعهدات جديدة، فهو كان قد توقف في كونجسبرج، قبل الذهاب إلى إرفورت وقابل هناك ~~ملك بروسيا فردريك وليم وزوجه لويزا، وهو إلى جانب هذا وجد في إرفورت «تاليران» ~~يحذره من عواقب ترك نابليون يعمل من أجل توسيع رقعة إمبراطوريته، وكان تاليران قد ~~أخلى مكانه في وزارة الخارجية ms0499 ليحل محله «شامباني # Champagny ~~» وزيرا لها، واستطاع - بمعاونة القيصر - أن يزوج ابن ~~أخيه من أميرة كورلاند، وقد أشار تاليران على القيصر فوق ذلك بعدم الموافقة على ~~مشروع نابليون الذي أراد الزواج من إحدى أميرات البيت القيصري، وأدرك نابليون أن ~~المحالفة التي عقدت أواصرها في تلست قد انتهى أجلها، ولكنه عمد إلى المراوغة ~~كما فعل صاحبه؛ كسبا للوقت، فوعد بإخلاء غراندوقية وارسو ليستخدم في إسبانيا ~~الجنود الذين كانوا في احتلالها، واعترف بحق القيصر في امتلاك الإمارات الدانوبية، ~~ملدافيا وواليشيا # Walachia ~~(البغدان والأفلاق) على ~~أمل أن يتعهد القيصر بإقناع النمسا - وبالوسائل التي يراها - بالوقوف ساكنة ~~أطول مدة ممكنة يريدها نابليون حتى يتفرغ لنضاله المزمع في إسبانيا. # ويبدو أن القيصر قد أشار فعلا على البارون دي فنسنت # Vincent # سفير فرنسوا الأول، إمبراطور النمسا، أن يتخلى هذا الأخير ~~عن محاولة الالتجاء إلى الحرب مرة ثانية لحسم خلافاته مع فرنسا، وقبل القيصر ~~إسكندر الاعتراف من جانبه بكل الإجراءات التي اتخذها نابليون في إسبانيا «واغتصاب ~~عرشها»، ووعد بإمداده بمائة وخمسين ألف جندي في حالة نشوب الحرب ثانية بين فرنسا ~~والنمسا. # وعلى ذلك فقد وقع الفريقان في 12 أكتوبر 1808 «اتفاق إرفورت» الذي تناول الموقف ~~في بروسيا وبولندة وفقا لما سبق الاتفاق عليه في تلست، كما شمل مصير ~~الإمبراطورية العثمانية، على أساس أن تستبقي روسيا مؤقتا في حوزتها الإمارات ~~الدانوبية، مع إرجاء الفصل نهائيا في هذه المسألة؛ خوفا من أن يرتمي السلطان ~~العثماني في أحضان إنجلترة، على أساس أن تمتنع فرنسا عن الاشتراك في الحرب إذا أعلن ~~الأتراك الحرب على روسيا، ثم تعهد نابليون وإسكندر بالمحافظة على سلامة ما بقي من ~~أملاك الدولة العثمانية، وكان واضحا أن الإمبراطور في هذا الاتفاق قد حرم ~~القيصر - على وجه الخصوص - من تحقيق أعز أمانيه، الاستيلاء على القسطنطينية ومضيق ~~الدردنيل، وكان واضحا كذلك - ولهذا السبب نفسه - أن القيصر لن يؤيد نابليون في أي ~~إجراء يتخذه للضغط على النمسا وإهانتها، وهكذا؛ فمع أن العاهلين وقعا معا على ~~رسالة بعثا بها إلى ملك ms0500 إنجلترة جورج الثالث في 12 أكتوبر يطلبان منه الموافقة ~~على عقد الصلح، ويهددانه بإلحاق الأذى ببلاده إذا تعطل بسبب رفضه إبرام السلام ~~العام - ولم تسفر هذه الرسالة عن نتيجة - فقد وقع نابليون وحده على رسالة ~~شديدة العبارة لتهديد إمبراطور النمسا. # ومع ذلك، فقد أسفر اتفاق إرفورت عن النتيجة المباشرة التي توخاها نابليون منه، ~~وهي السماح له بالذهاب إلى إسبانيا «ليغزوها» من جديد، وكانت المقاومة في إسبانيا ~~قد زادت شدة على شدتها عندما استطاعت قوات الماركيز دي لارومانا # La Romana # الإسبانية الإفلات من رقابة الفرنسيين والانضمام إلى ~~القائدين الإسبانيين: كستانوس، وبلافوكس Palafox ~~، ~~وكان نابليون قد احتجز «لارومانا» بجيشه في جزيرة فونن # Funen # الدنماركية، ولكن «مؤامرة بايون» سببت تذمر هذه القوات ~~الإسبانية، واستطاع الأسطول الإنجليزي أن ينقلها من شمال ألمانيا إلى ~~إسبانيا. # وغادر نابليون باريس في 29 أكتوبر 1808 على رأس مائة وسبعين ألف مقاتل، قسمهم إلى ~~سبعة جيوش بقيادة خيرة قواده: لان، سولت، ناي، فيكتور، ليففر، مورتييه، جوفيون سان ~~سير، بينما تولى قيادة الحرس الإمبراطوري الجنرال بسييير # Bessières ~~، وحصل أول اشتباك عند زرنوسا # Zornosa ~~«بإقليم بسكاي الإسباني» في 29 أكتوبر، وارتد الوطنيون ~~الإسبانيون، وعند جامونال # Gamonal # أمام ~~برجوس # Burgos # أوقع بهم الإمبراطور هزيمة ~~ساحقة في 10 نوفمبر، وكان الجيش الإسباني الصغير بقيادة إستريمادورا # Estremadura # وقد توالت الهزائم بعد ذلك على ~~الإسبانيين؛ فانهزم القائد الإسباني بواكيم ~~بليك # Blake # عند إسبينوزا # Espinosa ~~(11 ~~نوفمبر)، وانهزمت قوات كستانوس وبلافوكس في 30 نوفمبر عند «توديلا # Tudela ~~» على يد الجنرال «لان». # وزحف نابليون بطابور واحد فقط من جيشه لاقتحام ممرات سوموسييرا # Somosierra # التي وقف على حمايتها الإسبان بقيادة ~~بنيتوسان جوان # Benito San-Juan # فتم له ذلك بعد ~~معركة قصيرة (30 نوفمبر)، وفي 2 ديسمبر كان نابليون على أبواب مدريد التي دخلها يوم ~~9 ديسمبر 1808 ليضع أخاه جوزيف على عرش إسبانيا ثانية، وليصدر طائفة من ~~القرارات «الإصلاحية» والتي أنهى بفضلها الحقوق الإقطاعية، وألغى محكمة التفتيش، ~~وأغلق ثلثي الأديرة. # وكان الإنجليز في أثناء ذلك قد اعترفت حكومتهم «ووزير ms0501 الخارجية بها جورج كاننج» ~~بالمجلس التنفيذي # Junta # الذي أنشأه الإسبان في ~~قادش، على أساس أنه يمثل ملك إسبانيا الشرعي فردنند السابع، ويعمل باسمه، وأمد ~~الإنجليز هذا المجلس - الذي اعترفوا له بحقوق الحرب - بالمعونة المالية وبالجيوش، ~~وأرسلوا الإمدادات كذلك لتقوية جيشهم الرابض في البرتغال (بعد اتفاق كينترا بتاريخ ~~30 أغسطس 1808)، وقد عهد بقيادته إلى السير جون ~~مور # Moore ~~(6 أكتوبر)، ولكن هزيمة الجيوش الإسبانية ودخول نابليون إلى ~~مدريد سرعان ما أرغمت «المجلس التنفيذي» على الفرار إلى «إشبيلية # Seville ~~»، وتفرقت قوات الوطنيين الإسبانية في كل ~~مكان، وباستثناء الجيش الإنجليزي بقيادة السير جون مور في البرتغال بدا كأنما قد ~~صارت إسبانيا بأسرها على وشك التسليم للإمبراطور، ووجد الجنرال مور بعد هذه الحوادث ~~أن موقفه قد بات شديد الحروجة؛ فشرع يتقهقر بجيشه إلى لشبونة (28 نوفمبر) - وكان ~~مور عقب توليه القيادة قد بدأ يزحف صوب إسبانيا ليضم قواته إلى جيوش حلفائه - فارتد ~~الآن نحو العاصمة البرتغالية، ولكنه عاد فصمم على التقدم بعد أن تلقى من الممثل ~~الإنجليزي في مدريد «فرير # Frere ~~» - وكانت هذه لم ~~تسقط بعد في أيدي الفرنسيين - ما شجعه على المضي في مغامرة الزحف صوب مدريد؛ فبلغ ~~سلامنكا # Salamanca # في (13-23 نوفمبر)، ثم بقي ~~بها ينتظر وصول مدفعيته (3 ديسمبر) ليستأنف الزحف إلى بلد الوليد # Valladolid ~~، ولكن لم يلبث أن جاءته الأنباء عن ~~هزيمة الإسبان وعن دخول نابليون إلى مدريد، وأهم من هذا كله لم يلبث مور أن علم ~~بتحرك الجيوش الفرنسية، ونابليون نفسه للإطباق على قواته، فقرر مور التقهقر بكل ~~سرعة إلى جاليكيا # Galicia ~~(الإقليم الواقع في طرف ~~إسبانيا الغربي)، ونفذ الإنجليز خطة تقهقرهم بنظام حتى وصلوا إلى «أستورجا # Astorga ~~»، ولكن بعد هذه الأخيرة ظهرت بوادر ~~العصيان وعدم الطاعة؛ بسبب المشاق التي تكبدها الجيش المتقهقر في إقليم جبلي، ~~ووسط فصل الشتاء، وعندما بلغ الإنجليز المرتفعات المطلة على «كورونه # Coruna ~~» الميناء الذي أزمعوا الإبحار منه إلى ~~بلادهم، كان الجيش في حالة يرثى لها، وكان عندئذ أن حاول «سولت» محاولة ~~يائسة ليمنع السير ms0502 جون مور وجيشه من الوصول إلى هذا الميناء والإبحار منه. # وكان نابليون قد جاءته الأنباء بأن إمبراطور النمسا يعمل لفصم علاقاته مع فرنسا، ~~وأن مؤامرة ضد حياة الإمبراطور قد اكتشفت في باريس؛ ولذلك قرر العودة إلى ~~عاصمة ملكه، فغادر إسبانيا يوم 3 يناير 1809 بعد أن عهد بقيادة الجيش إلى ~~«سولت» وأوصاه «بإلقاء الإنجليز إلى البحر». # وطارد «سولت» هؤلاء مطاردة عنيفة حتى اشتبك بهم عند مرتفعات كورونه في معركة ~~حامية يوم 16 يناير 1809، أسفرت عن قتل قائدهم السير جون مور، ولكنها لم تنجح ~~في منع الإنجليز من الإقلاع على مراكبهم من كورونه يوم 18 يناير 1809. # ووصل نابليون إلى باريس يوم 23 يناير عن طريق بلد الوليد وبايون؛ ليوقف المؤامرة ~~التي نمى إليه خبرها ضد حكومته ، وكان تاليران - أثناء حملة إسبانيا - قد اتفق مع ~~فوشيه على التخلص من شخص الإمبراطور؛ ليحل محله الجنرال مورا، واكتفى نابليون بعد ~~مشادة عنيفة مع تاليران بأن حرمه من وظائفه (كبير الحجاب) ثم كان عليه مواجهة ~~المحالفة الدولية الجديدة التي تشكلت ضده (المحالفة الدولية الخامسة). # فقد كان من أثر الثورة في إسبانيا أن نفضت الشعوب الألمانية عنها ثوب ~~الاستكانة والخنوع، الذي جعلها ترضى بالمصير الذي يريده لها نابليون من غير أن ~~تحرك ساكنا، فحركتها الثورة في إسبانيا من سباتها، وتضافرت الأسباب التي جعلت ~~الألمانيين ينتقضون بدورهم على السيطرة النابوليونية، فهم قد غدت بلادهم تحت هذه ~~السيطرة معبرا أو ممرا للجيوش الفرنسية المتقاتلة في أوروبا «وفي إسبانيا»، مع ~~ما يقترن بذلك من وجوب تقديم المؤن، ودفع الإتاوات، وكانت الغرامات العسكرية التي ~~فرضت - عليها إلى جانب هذا - عبئا ثقيلا أبهظ كاهلهم، في وقت اشتدت عليهم ~~فيه وطأة الأزمة الاقتصادية بسبب نظام الحصار القاري الذي فرضه نابليون على كل ~~أوروبا الخاضعة لسلطانه، أو «المتحابة» و«المتحالفة» معه، وتلك شدائد تحملها ~~الشعب الألماني بسبب الهزائم العسكرية التي لحقت به، وكان ضروريا لخلاصه منها أن ~~يعمل لغسل الإهانات التي أتت بها هذه الهزائم العسكرية، فبدأ يستيقظ شعوره الوطني ~~(القومي) رويدا رويدا، ويتوق ms0503 للقيام بعمل ينهي به السيطرة الأجنبية ~~(النابليونية) التي أذلته كل هذا الإذلال، وأفقدته كرامته ~~الوطنية. # ولقد أتيح للفيلسوف الألماني فيشته # Fichte # أن ~~يعبر عن هذا الشعور القومي الناشئ في ألمانيا، في سلسلة من المحاضرات «الأربع ~~عشرة» التي ألقاها في دار «أكاديمية برلين» في شتاء 1807-1808 بعنوان: «أحاديث أو ~~خطب موجهة إلى الأمة الألمانية» لم يجد البوليس سببا لمنعه من إلقائها، واكتفت ~~الرقابة بحذف المحاضرة الثالثة عشرة فقط؛ لأنها كانت عنيفة، وقد أجاز البوليس هذه ~~المحاضرات على اعتبار أن صاحبها فيلسوف ألماني شهير، لا يبغي منها إلا إصلاح قواعد ~~التربية والتهذيب في بلاده، والواقع أن «فيشته» أراد في محاضراته هذه أن يبين للشعب ~~الألماني أنه هو وحده (أي الألمان أنفسهم) المسئول عن كل الأذى الذي لحق به بسبب ~~الغزو الفرنسي، وأن في وسع الشعب الألماني وحده إزالة هذه المساوئ وإصلاح شئونه ~~بنفسه، وعليه - قبل أي شيء آخر - إبراز القوى الكامنة في كل تلك الخصائص التي يتميز ~~بطابعها كشعب ألماني، فلأن لهذا الشعب «ألمانيته» ومن واجبه الاحتفاظ بهذه ~~«الألمانية»، صار يتحتم عليه الوقوف في وجه أية محاولة للامتزاج بشعب آخر أجنبي ~~عنه، والاندماج فيه لدرجة الاختفاء من الوجود بذاتيته «الألمانية»، وانصهاره في هذا ~~الشعب الأجنبي، بل صار لزاما عليه أن ينشئ أو يخلق قومية مستقلة عن كل الأمم ~~«والدول» الأخرى، وألمانيا فنن جرماني أي أحد فروع الشعب الذي رسالته أن يربط ~~النظام الاجتماعي القائم في أوروبا العجوز بالدين الصحيح، كما هو محفوظ في آسيا ~~المتوغلة في القدم، فيعمل بذلك على بداية عهد جديد. # لقد احتفظ الشعب الألماني بمسقطه، وبلغة أجداده، وبعنصريته، ولكن الألمان خلال ~~نصف القرن الأخير استبدت بهم الأنانية، وصاروا متصفين بالعجز؛ لأنهم تركوا أنفسهم ~~يشردون في عالم الفكر النقي دون أن يزعجهم التفكير في شئون الدنيا حولهم، التي ~~تأزمت فيها الأمور بدرجة صارت تدعوهم إلى أن يوجهوا قواهم الذهنية لعلاجها بعد أن ~~يتجدد شباب هذه القوى بفضل ما هنالك من قابلية للعالم الإنساني للترقي وبلوغ مراتب ~~الكمال، فإذا امتنع الألمان ms0504 عن نسيان نوع الحياة القائمة على قوة الفكر، صار في ~~وسعهم أن ينزعوا من يد القوة المتوحشة الهيمنة على مصائر العالم. # وكان عندئذ أن تألفت بعض الجمعيات السرية، نذكر منها خصوصا «حلف الفضيلة # Tugenbund ~~» الذي أسسه ماكس لهمان # Max Lehman # الأستاذ والمؤرخ الألماني، بمعاونة ~~أحد الموظفين «موسكا # Mosque ~~»، وقد أشاد كثيرون - ~~وربما لدرجة المغالاة - بالأثر الذي كان لهذه الجمعية في نشر آراء «فيشته» ~~وتوضيحها، وإذاعة أماني الألمان القومية، وجمع المؤيدين والأنصار حول هذه المبادئ ~~القومية الجديدة. # واعتبرت بروسيا خير مكان يتسنى فيه قيام «الأمة» الألمانية الناشئة، إذ إن ~~بروسيا إلى جانب شعور شعبها بضرورة الإصلاح الذي لا معدى عنه للنهوض بالبلاد بعد ~~كبوتها وهزيمتها في الحرب ضد نابليون، كانت كذلك موئل الألمانيين الذين صح عزمهم ~~على التضحية بكل عزيز لديهم لتحرير بلادهم من السيطرة النابليونية، فكان ~~«هاردنبرج # Hardenberg ~~» الوزير البروسي السابق ~~الذي لجأ إلى «ريغا» تحت حماية القيصر، لا يزال يوجه سياسة مليكه فردريك وليم ~~الثالث، ويذكر له المبادئ التي جعلت في نظره الموظفين الفرنسيين - منذ قيام ~~«الثورة» التي فتحت أمام المواطنين جميعهم باب الترقي - يقبلون على خدمة الدولة ~~بحماس، فالثورة جددت شباب فرنسا عندما حطمت أعداء التقدم المتشبثين بالنظام ~~الزائل، وقضت على المساوئ القديمة، وأيقظت القوى النشيطة من سباتها، وتلك هي ~~المبادئ والقوى التي يستمد منها نابليون نفوذه وسلطانه، «إن روح القرن الذي نعيش ~~فيه تدعو حتما - كما استمر هاردنبرج يقول - إلى أن تقوم الدولة ذات النظام الملكي ~~على مبادئ ديمقراطية.» # ثم إن بروسيا وجدت في وزيرها البارون ستين # Stein # خير من يسهر على إدخال الإصلاحات الاجتماعية والإدارية التي تقوم على هذه ~~المبادئ التي بسطها «هاردنبرج»، ومع أن كثيرين حذروا من المغالاة في تقدير آراء ~~«ستين» الحرة، فالذي لا شك فيه أن بروسيا مدينة للبارون ستين بوصولها لمرتبة الدولة ~~القومية الألمانية بالصورة التي أوجدتها العبقرية الألمانية ذاتها، والتي تتفق ~~مع تقاليد ألمانيا ومصالحها، وكان «ستين» - الذي ولد في نساو - قد دخل في ~~خدمة بروسيا قبل تأليف المحالفة الدولية الرابعة، ms0505 ووصل إلى رئاسة الحكومة (الوزارة) ~~على أثر ذهاب «هاردنبرج» إلى المنفى، فأصدر في 9 أكتوبر 1807 قرارا بإلغاء الرق ~~كان ذا أثر ضئيل؛ لأنه أعطى الفلاحين حق امتلاك الأرض دون أن يمكنهم من ~~امتلاكها فعلا، ثم إنه أعد مشروعا للإصلاح الإداري على أساس اللامركزية في ~~الأقاليم، وذلك بأن يستبدل «بالبيروقراطية» ممثلين بالانتخاب، يعرفون أقاليمهم ~~حق المعرفة بسبب عيشهم الطويل بها، وذلك حتى يتسنى إشراك الأمة في إدارة شئونها ~~والسهر على مصالحها، وهو إجراء - في نظر كثيرين كذلك - لم يكن ذا أهمية ~~بالغة. # وعلى ذلك فقد كانت هذه «الإصلاحات» لا تبعث في حينها على الأمل العظيم في أن ~~عهدا من الإصلاح الواسع المدى قد بدأ في بروسيا، أو أنه كان يخشى من أثرها ~~لتحريك الشعب على الثورة والانتفاض على سلطة الإمبراطورية؛ ولذلك لم يأبه ~~نابليون لهذه الإصلاحات وآثارها، ولو أنه انتهز الفرصة للتخلص من «ستين» استنادا ~~على انتشار التذمر في وستفاليا. # وكان للإمبراطور علاقات بالمتذمرين بها، وعلى رسالة من القائد الروسي وتجنستاين # Wittgenstein # في 15 أغسطس 1808 إلى الملك فردريك ~~وليم الثالث يطلب إبعاد «ستين»، فأصدر نابليون وهو بإسبانيا أمرا بنفيه (في سبتمبر ~~1808)، فاضطر «ستين» إلى مغادرة البلاد والهرب إلى النمسا، ولكن بعد عامين ~~استطاع «هاردنبرج» أن يظفر برضاء مليكه عليه، فعاد إلى برلين ليتعاون مع ~~«شارنهورست # Scharnhorst ~~»، «وجنسيناو # Gneisenau ~~» على إتمام الإصلاحات التي كان هذان ~~الأخيران قد بدآها في الجيش، وأهم هذه الإصلاحات تسريح الجنود بمجرد تدريبهم على ~~فنون القتال، بعد خدمة قصيرة، ليحل محلهم دفعات جديدة، يدربون بسرعة حتى يأتي ~~فوج آخر بعد تسريحهم، وهكذا، وذلك ليكون لدى بروسيا جيش كبير وقت الحاجة دون أن ~~يزيد عدد الجيش النظامي عن 42 ألف رجل، وهو الرقم الذي حددته معاهدة تلست لأقصى ما ~~يمكن أن يبلغه الجيش البروسي. # ووقعت في أثناء ذلك كله بعض الحوادث التي تدل على وجود الاضطراب وانتشار ~~القلق في أنحاء ألمانيا، والتذمر من السيطرة النابليونية، ومع أنه سهل دائما ~~على السلطات الحكومية «الخاضعة لنظام الإمبراطورية» إخماد هذه ms0506 الاضطرابات والفورات ~~بكل سرعة، فلقد كانت في حد ذاتها كافية للتدليل على أن حوادث أكثر جدية لا بد ~~واقعة في النهاية، وأن شعورا «قوميا» أخذ يشتد في ألمانيا، ولا يلبث حتى يقوى ~~بدرجة تهدد بتقويض عروش الإمبراطورية النابليونية، وتنهي سلطانها من ~~ألمانيا. # من ذلك «الثورة» التي قامت في إقليم التيرول، والتي اشترك في تحريكها كل من ~~أندريا هوفر # Höfer ~~(صاحب حانة)، وراهب كبوشي ~~يدعى كاسبينجر # Caspinger ~~، ضد بفاريا التي كانت ~~قد حصلت على التيرول من النمسا بمقتضى معاهدة برسبورج، أي نزولا على رغبة ~~نابليون، وقد استمرت مقاومة الثوار في التيرول حتى شتاء 1810 عندما قبض على ~~«هوفر» وأعدم رميا بالرصاص في منتوا # Mantoue ~~، ~~ثم كانت هناك محاولات أخرى أخفقت جميعها، منها: محاولة الضابط البروسي ~~كاط # Katt # الاستيلاء على مجدبرج، والمحاولة ~~التي قام بها الكولونيل دورنبرج # Dörnberg # من حرس ~~الملك جيروم بونابرت لتحريك الفلاحين في وستفاليا على الثورة، فحصدت المدافع ~~الثوار تحت أسوار كاسل # Cassel ~~، ومنها المحاولة ~~الفاشلة التي أراد بها الماجور «شل # Schill ~~» تحريك ~~فرسانه على الثورة (28 أبريل 1809)، وكان «شل» محبوبا من الشعب بسبب بسالته في ~~حملة 1806، واشتهاره بكراهيته للفرنسيين، فقد أخفق وانهزم فرسانه، ولقي ~~مصرعه في سترالسند # Stralsund ~~«شمال ألمانيا»، ومن ~~ذلك أيضا أن دوق برونزويك إولز # Oels # الابن الرابع ~~للدوق برونزويك الذي انهزم في واقعة «أورشتاد»، والذي فقد أملاكه سنة 1806، لم ~~يلبث أن جند ضد الفرنسيين ما أطلق عليهم اسم «فرسان الموت»، فاستطاع ~~الاستيلاء على برنزويك (أملاكه القديمة) واسترجع قصر آبائه، ولكن ذلك لم يستطل إلا ~~أياما معدودة، سرعان ما طرد بعدها من برنزويك، ثم طورد مطاردة عنيفة وهو في ~~طريق فراره عبر وستفاليا، حتى كاد يقبض عليه، ولكنه تمكن من بلوغ مصب نهر ~~الوزر # Weser # بالقرب من برمن # Bremen ~~، حيث أنقذته سفينة إنجليزية هرب على ~~ظهرها. # وتلك جميعا كانت محاولات متفرقة، لا تستند على تدابير محكمة، ولا تربط بينها ~~خطة معينة للعمل، وكان لذلك مقضيا عليها بالفشل من البداية، ومع ذلك فهي ~~تعتبر بالغة الدلالة على ms0507 مقدار الضيق الذي شعر به الشعب الألماني حتى نفذ ~~صبره، وما عاد يحتمل الخضوع لسلطان الإمبراطورية النابليونية، وهي كذلك تعتبر ~~مؤذنة بأن انفجارا «قوميا» ضد هذه السيطرة سوف يحدث لا محالة، وسواء في ~~القريب العاجل أو بعد فترة من الزمن، وعند أول بادرة. # ولقد جاءت هذه البادرة التي فجرت بركان المقاومة الأهلية ضد نابليون ~~والسيطرة الفرنسية في ألمانيا على يد النمسا. # فقد حطت - ولا شك - معاهدة برسبورج من شأن النمسا في أوروبا، بعد أن أفقدها ~~الإمبراطور كل أملاكها في إيطاليا، وأرغمها على التخلي عن أكثر أملاكها في ~~ألمانيا لحساب بفاريا وورتمبرج وبادن خصوصا، ووجدت النمسا أنها قد صارت بفضل ~~هذه المعاهدة في عداد الدول الضئيلة القيمة، ولا تحتل في محفل الدول الأوروبية إلا ~~مرتبة ثانوية، ولكن النمسا رفضت الإذعان لهذا المصير، بل إنها وجدت في ~~المبادئ والتعاليم التي نادى بها «فيشته» للاحتفاظ بالذاتية الألمانية، الوسيلة ~~التي تمكنها من جمع الشعوب الألمانية في صعيد واحد للنضال ضد السيطرة الأجنبية ~~(الفرنسية) التي تبغي القضاء على الوطن الألماني، ومحو التقاليد والذكريات ~~الجرمانية العتيدة التي تفخر بها الأمة الألمانية. # ووجدت النمسا في حوادث الاضطرابات والثورات الصغيرة التي ذكرناها في التيرول وفي ~~وستفاليا ما يشجعها على المضي في محاولة إنقاذ الوطن الألماني، وبدأت النمسا ~~استعداداتها بإعادة تنظيم جيوشها، فأشرف على هذا التنظيم وزيرها الكونت ~~فون ستاديون # Stadion ~~(الذي خلف كوبنزل # Cobenzl ~~)، والأرشيدوق شارل. # وفي 12 مايو 1808 صدر قرار بإنشاء «الميليشيا الجديدة»، ووعدت إنجلترة بمد ~~هذه القوة الجديدة بالمال والسفن، وأما روسيا التي كان عليها أن تمنع النمسا من ~~التحرك ضد نابليون ليفرغ لحربه في شبه جزيرة إيبريا فإنها هي الأخرى بدأت تفطن بعد ~~إرفورت، وبفضل مساعي تاليران إلى حقيقة نوايا الإمبراطور، ولم يكن في وسع القيصر ~~الاستغناء كلية عن صداقة نابليون، وهو الذي يلوح أمام ناظريه بمشاريع «الشرق» ~~العظيمة، ولكن إسكندر لم يكن يسعه كذلك أن يغفل أهمية وجود النمسا كحاجز بين ~~إمبراطوريته وإمبراطورية غريمه، ويهمه كذلك الإبقاء على كيانها، وكان اعتمادا على ~~كل ms0508 هذه الاعتبارات إذن أن حاولت النمسا انتزاع روسيا كلية من محالفاتها مع ~~نابليون، فأوفدت إلى بطرسبرج سفيرها «شوارزنبرج # Schwarzenberg ~~» لهذه الغاية، ووعد القيصر أن يبذل كل ما وسعه من ~~جهد وحيلة ليتجنب امتشاق الحسام جديا ضد النمسا. # وكان اعتمادا على هذه التأكيدات إذن أن زحف الأرشيدوق شارل على رأس جيشه ~~يوم 10 أبريل 1809 صوب بفاريا، واقتحم حدودها، ومعنى ذلك أن النمسويين دخلوا أراضي ~~«اتحاد الراين» الذي كان نابليون «حاميا» له، ويعين استئناف النمسا القتال ~~بهذه الصورة، تأسيس المحالفة الدولية الخامسة ضد فرنسا؛ لأن الحرب التي ~~أشعلتها النمسا الآن جاءت في وقت تدور فيه الحرب في إسبانيا، ولأن إنجلترة ~~أفادت من هذه الحوادث، فأرسلت النجدات إلى لشبونة وعينت لقيادتها السير أرثر ~~ولزلي محل السير جون مور. # وفي يوليو 1809 بعثت بأسطولها لتحطيم الأحواض والأسطول الفرنسي في ميناء أنتورب - ~~أو انفرس - (حملة جزيرة فالشيرين # Walcheren ~~) وقد ~~أخفقت هذه المحاولة، واضطرت بقية الحملة إلى العودة لإنجلترة في أغسطس من ~~السنة نفسها، ومن جهة أخرى اعتمدت النمسا في نضالها ضد الإمبراطور على عوامل أخرى ~~لها خطرها، هي القوة المعنوية أو الروحية التي بدت في الحركات الثورية التي ذكرناها ~~(حركة أندريا هوفر)، ثم التذمر المتولد من الضيق الاقتصادي بسبب سياسة الحصار ~~القاري، وأخيرا الغضب الديني من معاملة البابا بيوس السابع رئيس الكنيسة ~~الكاثوليكية بالعسف والجور على يد العاهل الفرنسي. # أما نابليون فقد غادر باريس في حملة هذا العام (1809) يوم 13 أبريل بعد أن أناب ~~عنه في الحكم «كمباسيرس»، وكان جيشه في هذه الحملة يكاد يكون بتمامه جيشا جديدا ~~يتألف ثلث قواته من فرق أجنبية «ألمانية»، بينما ضمت القوات الفرنسية إليها شبانا ~~يافعين لم يبلغوا السن القانونية للتجنيد، وتخرجوا في سرعة من المدارس الحربية في ~~سان سير # Saint-Cyr # أو «لافليش # La Flèche ~~» المدرسة الحربية الإعدادية لأبناء ~~الضباط، أو من المدارس الثانوية (الليسية)، كما ضمت إليها جنودا من ~~المسرحين من الخدمة العسكرية، ومع أن جيش نابليون كان أقل عددا من جيش ~~النمسا؛ إلا أنه احتفظ بميزتين ms0509 هامتين: المدفعية القوية، والسرعة في العمليات ~~العسكرية التي اشتهر بها نابليون. # وعبثا حاول النمسويون بقيادة الأرشيدوق شارل أن يفصلوا جيش «دافو» في راتزبون عن ~~جيش «ماسينا» في أوجزبرج، فقد اشتبك معهم الإمبراطور في معركة (أو سلسلة من ~~المعارك) دارت رحاها خمسة أيام (من 19 إلى 23 أبريل 1809)، كانت أهمها في ~~«إكموهل # Eckmühl ~~» في 22 أبريل - نال دافو على ~~أثرها لقب أمير إكموهل - وعجز النمسويون بعد هذه المعارك عن وقف زحف الفرنسيين، ~~فنشبت معركة دامية عند إبرزبرج # Ebersberg # في 3 ~~مايو، ودخل نابليون فينا للمرة الثانية في 13 مايو 1809. # وجمع الأرشيدوق شارل فلول جيشه ليعد جيشا جديدا من حوالي الثمانين ألف رجل، ~~تقدم بهم على نهر الدانوب حتى صار على مقربة من فينا، وتهيأ نابليون ~~لمقابلته، وفي 20 مايو تمكن جيش ماسينا - من 40 ألف - من اتخاذ مواقعه على ~~الضفة اليسرى للنهر في مكان يتوسط المسافة بين قريتي أسبيرن # Aspern ~~، وإيسلنج # Essling ~~، ~~واشتبك الفريقان في معركة حامية، وتبادل الجيشان المتقاتلان احتلال أسبيرن ~~وإيسلنج مرات عديدة، وانقضى يوم المعركة الأول (21 مايو) والأرشيدوق شارل يحتل هذا ~~الموقع (أسبيرن)، وفي القتال الذي دار يوم 23 مايو تحمل الفريقان خسائر جسيمة، ~~ولم يجد الإمبراطور مناصا من إصدار أمره بالتقهقر، وبلغت خسائر الفرنسيين في ~~هذه المعركة ثلاثين ألفا تقريبا، وبلغت خسائر النمسويين عشرين ألفا، وأصيب في ~~هذه الواقعة القائد الفرنسي «لان» بجرح قاتل؛ ليقضي نحبه بعد أيام قلائل، وأما ~~«ماسينا» فقد استطاع أن يجمع فلول الجيش الفرنسي، ونال ماسينا لقب أمير إيسلنج، ~~ولكن هذه الواقعة - واقعة أسبيرن وإيسلنج - (21-22 مايو) كانت ذات أثر خطير على ~~سمعة نابليون. # وقد قضى نابليون ستة أسابيع بعد هذه الواقعة يعمل بكل همة لتعويض خسائره وإعادة ~~بناء الجيش؛ استعدادا لمحاولة جديدة من أجل عبور النهر (الدانوب، عند فينا) ~~والالتحام مع العدو في معارك فاصلة على الضفة الأخرى. # وكان النمسويون عندما بدءوا تعبئة جيوشهم في يناير وفبراير 1809 قد أعدوا ~~جيشا بقيادة الأرشيدوق جون # John # لغزو إيطاليا ~~الشمالية الشرقية، بينما تهيأ ms0510 الأرشيدوق فردنند للزحف من كراكاو # Cracow # بجيش آخر لاحتلال وارسو (عاصمة غراندوقية وارسو)، وقد ~~تقدم هذا الجيش الأخير بكل سرعة داخل الأراضي البولندية، وأوقع الهزيمة بالوطنيين ~~البولنديين بقيادة «بونياتوسكي Poniatowski ~~» في 19 ~~أبريل، وفي 23 أبريل دخل وارسو، ولكن بونياتوسكي الذي جمع جيشه في غاليسيا # Galicia # لم يلبث أن احتل لوبلن # Lublin ~~(في 14 مايو)، ثم ساندومير # Sandomir ~~(على نهر الفستيولا) ~~في 18 مايو. # وفي 20 مايو استولى بعد هجوم عنيف على زاموس # Zamosz ~~«جنوب لوبلن، إلى الغرب من نهر الفستيولا»، وتقدم الروس ~~(حلفاء الإمبراطور) في الوقت نفسه عبر الحدود الروسية-النمسوية إلى لمبرج # Lemberg ~~، بينما شرعت قوات بولندية تزحف على ~~وارسو وتقترب منها، فما إن وجد الأرشيدوق فردنند نفسه مهددا من كل جانب حتى ~~قرر إخلاء وارسو يوم 3 يونيو، والانسحاب إلى مكان بعيد منها، على أن ينسحب بجشيه ~~أخيرا إلى أولمتز # Olmütz ~~(الأراضي النمسوية) عن ~~طريق كراكاو (يوليو 1809). # وكما أخفقت عمليات النمسويين العسكرية ضد بولندة، لم يظفروا بنتيجة من حملتهم ~~العسكرية في إيطاليا؛ فقد عبر جيش الأرشيدوق جون الحدود الإيطالية عند ~~تارفيس # Tarvis # في 9 أبريل، وأنزل بعد ذلك ~~بأيام قليلة هزيمة كبيرة بجيش فرنسي إيطالي يقوده نائب الملك في إيطاليا ~~البرنس يوجين بوهارنيه، عند ساشيل # Sacile ~~«إلى ~~الجنوب» في 16 أبريل، ثم لم يلبث أن انتصر مرة أخرى على الفرنسيين عند كالديرو # Caldiero # في 29 أبريل، ولكن أخبارا سيئة لم تلبث ~~أن وصلته عن سوء الموقف في ألمانيا؛ قرر بسببها الانسحاب إلى ما وراء ~~الحدود الإيطالية (في بداية مايو). # وبعد عدة التحامات مع قوات البرنس يوجين الذي كانت قد وصلته النجدات عندئذ، ولم ~~يحرز النمسويون أية انتصارات جديدة، اضطر الأرشيدوق جون إلى التخلي عن إقليم ~~كارينثيا # Carinthia ~~«النمسوي» لنائب الملك في ~~إيطاليا، والانسحاب إلى المجر (هنغاريا)، فوصل يوم 7 يونيو إلى «راب # Raab ~~» يتعقبه يوجين الذي كانت مهمته الآن تغطية تحركات ~~الجيش الفرنسي الرئيسي الزاحف على المجر، ثم أوقع يوجين بالنمسويين الهزيمة ~~عند «راب» في 14 يونيو، وتقهقر ms0511 الأرشيدوق إلى برسبورج عن طريق كومورن # Komorn ~~، وقد استدعي من برسبورج للاشتراك في ~~واقعة واجرام # Wagram ~~. # وكذلك اضطر النمسويون الذين اشتبكوا في معارك مع قوات المارشال مارمون في كرواتيا ~~ودلماشيا إلى الارتداد والانسحاب إلى الأراضي النمسوية. # وفي أثناء ذلك كله كانت العلاقات في هذه اللحظة ذاتها قد ساءت لدرجة بعيدة بين ~~الإمبراطور والبابا بيوس السابع؛ فقد احتل الجنرال ميوليس # Miollis ~~- كما عرفنا - روما في 2 فبراير 1808 من أجل مراقبة ~~تنفيذ الحصار القاري، ومن ذلك الحين وجد البابا أنه في حرب «فعلية» مع ~~الإمبراطورية الفرنسية، فقد أوقف ونفى سكرتير الدولة (البابوية) الكردينال ~~جبرييلي # Gabrielli ~~؛ لأنه منع الموظفين في ~~الأملاك (أو الدولة) البابوية من حلف يمين الولاء للحكومة الدخيلة، وخلفه الكردينال ~~«باكا # Bacca ~~» الذي سار في نفس سياسة المقاومة ~~ضد السيطرة الفرنسية، وهي المقاومة التي امتدت إلى كل أنحاء إيطاليا. # وقد شرح الكردينال «باكا» لأعضاء الهيئة السياسية في البلاط البابوي (30 نوفمبر ~~1808) الحال السيئة التي صارت عليها حكومة رئيس الكنيسة الأعلى، تحت السيطرة ~~النابليونية فقال: «إن الكنيسة المستعبدة قد صارت خاضعة لسلطان السلطة الزمنية، ~~بينما قد بقي رئيسها الأعلى حبيس سجن ضيق منذ عشرة شهور، فريسة للإهانات ~~والاعتداءات من كل نوع، محروما من وزرائه ومبعدا عنهم، مشلول السلطة للقيام ~~بوظائفه.» ولكن نابليون لم يلبث أن أجاب على هذه المقاومة باستصدار قرار من فينا ~~في 17 مايو 1809، يعلن فيه أنه لم يعد هناك مسوغ لبقاء السلطة الزمنية التي يمارسها ~~البابا، ذلك أن الأملاك البابوية قد ضمت الآن إلى الإمبراطورية الفرنسية، وأن ~~روما قد صارت مدينة حرة وتابعة للإمبراطورية، وأراد نابليون أن يعوض البابا عن ~~خسارته؛ فقرر زيادة أراضيه ومزارعه بدرجة تستطيع بها أن تدر عليه ريعا سنويا ~~يبلغ مليوني فرنك، على أن البابا لم يلبث هو الآخر من ناحيته أن استصدر بعد ستة ~~أسابيع فقط (10 يونيو 1809) قرار حرمان ضد «أولئك الذين ارتكبوا، وأمروا، ~~ورحبوا بالاعتداءات التي وقعت على السدة الرسولية، وأشاروا بها ووافقوا ~~عليها»، وقاوم البابا أمر نابليون بالقبض على الكردينال ms0512 «باكا» وأخيرا ألقى ~~الجنرال «رادت # Radet ~~» القبض على البابا نفسه في 6 ~~يوليو 1809، ونقله إلى سافونا # Savona ~~(ناحية الغرب ~~من جنوة) حيث بلغها يوم 20 أغسطس. # واليوم الذي ألقي فيه القبض على البابا بيوس السابع (6 يوليو) كان اليوم ~~الذي أحرز نابليون فيه النصر على النمسويين في واقعة (واجرام) الدموية؛ فقد ~~عبر الجيش الفرنسي نهر الدانوب، وقد بلغ المائة والخمسين ألف مقاتل، قبل ذلك ~~بيومين (4 يوليو)، ثم وقعت الواقعة عند واجرام على مسافة 4 أميال من النهر، وساهم ~~في المعركة نخبة من القواد الفرنسيين: دافو، ماسينا، ماكدونالد، مارمون، ~~أودينو # Oudinot ~~، وقد رقي الثلاثة ~~الأخيرون إلى مارشالات فرنسا، ثم لوريستون # Lauriston ~~، ودروت # Drouot ~~، ~~وبرتييه # Berthier # الذي نال لقب أمير واجرام، ~~وتكبد الفرنسيون في هذه المعركة خسائر لا تقل عن خسائر أعدائهم، كما أنهم ~~عجزوا عن الاستفادة من هذا النصر؛ لافتقارهم للفرسان من جهة، ولعدم وجود قوات ~~احتياطية كافية لديهم من جهة أخرى، ولكن فرانسوا الأول (إمبراطور النمسا) الذي ~~كان يعوزه المال والحلفاء، لم يلبث أن اضطر إلى توقيع الهدنة في زنايم # Znaim # في 11 يوليو، وبدأت من ثم المفاوضات بين ~~مترنخ # Metternich ~~(عن الجانب النمسوي)، ~~وشامباني # Champagnz ~~(عن الجانب الفرنسي) في ~~ألتنبورج # Altenbourg # من أجل عقد الصلح، ~~وسارت المفاوضات بخطى وئيدة. # ولا جدال في أن فرنسوا الثاني (عاهل النمسا) قد وجد نفسه مخدوعا من ناحية ~~القيصر إسكندر، الذي كان يرجو فرانسوا وجوده، والذي اعتقد أن بوسعه - إذا هب ~~لنجدته، أو تدخل مع «حليفه» الإمبراطور - أن يمنع هذا الأخير من التمادي ~~في عدائه ضد النمسا، ووجد فرانسوا نفسه مخدوعا كذلك من ناحية بروسيا التي ~~استسلمت لسلطان نابليون، ثم مخدوعا أخيرا من ناحية الإنجليز الذين أخفقت ~~حملتهم على جزيرة فالشيرين. # ولم يكن نابليون متفرغا تمام التفرغ لمفاوضات الصلح مع النمسا؛ فهو يشك في ولاء ~~فوشيه مدير البوليس الذي تولى شئون وزارة الداخلية مؤقتا بسبب مرض وزيرها ~~«أمانويل كريتيه # Cretet ~~»، وقد انتهز فوشيه ~~فرصة نزول الحملة الإنجليزية في جزيرة فالشيرين ليدعو الحرس الوطني ms0513 للاحتشاد، وكان ~~يتولى قيادته برنادوت، ويشك نابليون في ولائه كذلك. # ثم إن فوشيه صار يشجع الحركات التي تجمع بين الجمهوريين والملكيين في جهد ~~مشترك ضد نابليون لمناوأة «الطاغية»، واتخذ نابليون من جانبه الخطوات التي رآها ~~كفيلة بإفساد هذه المؤامرات؛ فاستبدل بالقائد برنادوت، الجنرال «بسيير» في الدفاع ~~عن أنتورب (أنفرس)، وأخذ يجرد تدريجيا الحرس الوطني من الأسلحة، وتظاهر بأنه لم ~~ير في مناورات فوشيه إلا دليلا على شدة حماس هذا الأخير في خدمته، فرفعه إلى ~~مرتبة الدوقية (في 15 أغسطس 1809)، وغدا فوشيه دوق ~~أوترانتو # Otranto ~~، ولكنه عين بوزارة الداخلية في أول أكتوبر ~~مونتاليفيه # Montalivet ~~، وكان موضع ثقته، ~~أضف إلى هذا أن الإمبراطور صادف متاعب كذلك في فينا عندما حاول أحد الألمان ~~«ستابس # Staps ~~» الاعتداء على حياته (12 ~~أكتوبر). # وأخيرا وقعت معاهدة الصلح مع النمسا في فينا «شونبرون # Schönbrunn ~~» في ~~14 أكتوبر 1809، وقد أصر نابليون على إنقاص الجيش النمسوي العامل إلى مائة ~~وخمسين ألف مقاتل وحسب، وعلى أن تدفع النمسا تعويضا (85) مليونا من الفرنكات، ثم ~~فقدت النمسا من أملاكها غاليسيا الشمالية التي أعطيت إلى غراندوقية وارسو، ~~على أن تنال روسيا إقليم تارنبول # Tarnopol # الملاصق ~~لحدودها، وقد أراد نابليون بإعطاء تارنبول لروسيا أن يقيم الدليل على أنه لا يعمل ~~لإحياء بولندة القديمة؛ وذلك حتى يقضي على مخاوف القيصر، وكذلك فقدت النمسا ~~سالزبورج # Salzbourg ~~، وبرونو # Braunau # وقد أعطيتا لملك بفاريا، وأدمجتا ~~تبعا لذلك في اتحاد الراين، ثم تنازلت النمسا عن موانيها على بحر الأدرياتيك ~~(ميناء تريسته) وعن كارينثيا وكارنيولا # Carniola # وجزء من كرواتيا # Croatia ~~؛ ليتألف من كل هذه ~~الأقاليم بالإضافة إلى دلماشيا (التي سبق أن تخلت النمسا عنها منذ 1805) ما ~~صار يعرف باسم المقاطعات ~~الأليرية Provinces Illyriennes ~~، نسبة للإقليم الجبلي المطل على الأدرياتيك والذي ~~يضم كارنيولا، وكارينثيا، وتريسته. # وقد أدمجت هذه (المقاطعات الأليرية) في الإمبراطورية الفرنسية؛ لإحكام نظام ~~الحصار القاري في هذا الجزء من أوروبا، ثم إن إمبراطور النمسا اعترف رسميا بكل ~~الملكيات والإمارات التي أوجدها نابليون، وتعهد بالامتناع عن إنشاء أية صلات ~~ودية ms0514 مع إنجلترة، والقيام على تنفيذ نظام الحصار القاري بكل دقة، وهكذا أصبحت ~~النمسا بفضل هذه المعاهدة (معاهدة شونبرون) مجرد دولة ثانوية تخضع لسلطان ~~نابليون وتسير في فلك الإمبراطورية الفرنسية، وبسط نابليون سيطرته على كل ~~أوروبا. # ولقد بدا مع ذلك هذا السلطان مزعزعا، ما دامت تحاك المؤامرات ضد حياة العاهل ~~الفرنسي، وما دام السلام الداخلي - في داخل فرنسا ذاتها - قد ظل مهددا لسبب ~~هام؛ هو افتقار نابليون لوريث من صلبه يكفل إنشاء «بيت بونابرتي»، أي: أسرة ~~حاكمة يلتف حولها الفرنسيون لصيانة نظام الحكم وضمان الاستقرار والسلام في ~~الداخل، ومن أجل المحافظة على صرح الإمبراطورية النابليونية، كي يسود السلام في ~~الخارج. # وانعقدت الآمال في أول الأمر على أن ابن شقيق نابليون - ملك هولندة، لويس - من ~~زوجته هورتنس، ابنة جوزفين بوهارنيه، ولكن هذا الوريث المنتظر «نابليون شارل» لم ~~يلبث أن توفي في سن الخامسة (في 5 مايو 1807)، واستأثرت مشكلة وراثة العرش بتفكير ~~كل من تاليران، وفوشيه، خصوصا أثناء حملة 1809؛ خوفا من أن يصيب نابليون مكروه أو ~~تلحق الهزيمة بجيوشه ويتصدع بناء الإمبراطورية، ثم فاتح كلاهما «مورا» وغيره في ~~هذه المسألة. # وأما نابليون نفسه فكان يفكر من مدة طويلة في الطلاق من زوجه جوزفين، ولكن يمنعه ~~من اتخاذ هذه الخطوة عاطفته القوية نحوها، من جهة؛ ولأن جوزفين قامت دائما بدور ~~الإمبراطورة خير قيام، وساعد بذخها وإسرافها في إحياء الحفلات وتنظيم الحياة ~~في البلاط الإمبراطوري على رواج التجارة وانتعاش السوق الباريسية، التي اشتهرت ~~سريعا بإنتاج الأطرزة الراقية من أدوات ومستلزمات التجميل، والملابس وما إلى ذلك، ~~ومع ذلك فقد اشتهرت جوزفين بالاندفاع وعدم التريث، وأسرفت إسرافا عظيما في ~~الإنفاق على زينتها، أو على القصور الإمبراطورية، خصوصا في تأثيث وتجميل قصر ~~مالميزون # Malmaison ~~، قصرها الأثير الذي تخلو ~~فيه بأصدقائها والمقربين إليها. # ثم إن جوزفين أجزلت العطاء دائما للغير في كرم وسخاء؛ فبلغ ما أنفقته ~~خلال ثماني سنوات فقط خمسة وعشرين مليونا من الفرنكات، ثم إن الإمبراطورة كانت ~~مدينة بمبالغ طائلة (استطاع فوشيه تأدية بعض هذه الديون سرا ms0515 من ميزانية ~~البوليس)، وإلى جانب هذا كله، كانت جوزفين موضع كراهية الأسرة البونابرتية، لا ~~سيما بعد أن عجزت عن إنجاب ولي للعهد، ووريث للعرش الإمبراطوري، الأمر الذي لم ~~يدع مجالا في نظر هذه الأسرة للشفقة والرحمة، وقاومت جوزفين - ما استطاعت ~~المقاومة - فكرة ومشروع الطلاق، ولكنها ما لبثت حتى وجدت نفسها تخضع رويدا ~~رويدا لقبول هذه الفكرة، عندما تخلى «فوشيه» عن تأييدها بعد أن صار يعتقد بضرورة ~~إنجاب وريث للعرش، وصار يصف الطلاق بأنه التضحية التي يجب على جوزفين أن تفتدي ~~بها فرنسا، ثم طفق ولداها يوجين وشقيقته هورتنس يبذلان قصارى جهدهما لإقناعها ~~بضرورة هذا الطلاق، وقد عهد الإمبراطور إلى يوجين (في 3 نوفمبر 1809) بأن يقنع ~~والدته بصورة نهائية بالموافقة على الطلاق، وفي 30 نوفمبر أبلغ الإمبراطور زوجه ~~بعزمه على تطليقها، وعندئذ استدعى أعضاء بيت (أسرة) بونابرت إلى باريس (ما عدا ~~لوسيان، وكان مغضوبا عليه لزواج غير متكافئ أقدم عليه دون موافقة نابليون، ~~وما عدا جوزيف ملك إسبانيا، وإليزا)، وفي حضور الأسرة حصل الطلاق (15 ديسمبر 1809)، ~~وفي اليوم التالي صدق مجلس الشيوخ (السناتو) على هذا الطلاق. # وكان هذا الطلاق طلاقا مدنيا، ووجب تصديق البابا عليه حتى يستوفي شرائطه ~~الدينية، وحاول نابليون عبثا انتزاع هذه الموافقة من البابا الذي أقام دائما في ~~أسره في سافونا، وعندئذ أصدر مجلس الشيوخ قرارا في 17 فبراير 1810، بأن ~~الدولة البابوية (حكومة روما) - وهذه كان قد سبق ضمها إلى فرنسا في الظروف ~~التي ذكرناها، منذ حوادث 1808، 1809 - تؤلف جزءا لا يتجزأ من الإمبراطورية ~~الفرنسية، وأن مدينة روما هي المدينة الثانية في الإمبراطورية، ويحمل ولي العهد ~~الإمبراطوري - والذي لم يولد بعد - لقب ملك روما، ويقيم أمراء البيت ~~الإمبراطوري، أو عظماء الدولة «بلاطا إمبراطوريا في روما»، ويصير تتويج الأباطرة ~~في كنيسة بطرس الرسول في روما بعد أن يتوجوا أولا في كنيسة نوتردام في باريس، ~~وذلك قبل مضي السنة العاشرة من حكمهم. # ولتأكيد استقلال العرش الإمبراطوري نص القرار على أن كل سلطة أجنبية عاجزة ~~تماما عن ممارسة شيء من السلطات ms0516 الروحية في داخل الإمبراطورية، وأن الواجب يقتضي ~~البابوات حلف اليمين على عدم المساس في شيء بالقرارات التي اتخذها مجمع القساوسة في ~~سنة 1682، والتي قامت عليها الكنيسة الجليكانية (الفرنسية الأهلية)، والتي تقوم ~~عليها كذلك كل الكنائس الكاثوليكية في أنحاء الإمبراطورية، وجاء في قرار 17 فبراير ~~1810 أن البابا «بيوس السابع» حر في اختيار مكان إقامته، ولكن من الأفضل أن يكون ~~ذلك إما في روما وإما في باريس، وأن تخصص له إيرادات، مليونان من الفرنكات، ~~وأن تتحمل الميزانية الإمبراطورية نفقات جميع الكرادلة في روما، ومنظمة ~~الرسالات الكاثوليكية التبشيرية. # وفي أثناء ذلك كان الإمبراطور ينظر في اختيار زوجة جديدة له، وكلف «كولينكور» ~~أن يجس نبض القيصر في زواج الإمبراطور من أميرة روسية (من أسرة القيصر)، وكان ~~وزراء القيصر: روميانتزوف # Roumiantzov ~~، ~~وسبيرانسكي # Speranski ~~- وهما اللذان يؤيدان ~~التقرب من فرنسا - قد عقدا آمالا كبيرة على عقد مصاهرة بين الأسرتين في بطرسبرج ~~وباريس؛ من أجل استمرار اتجاه السياسة الروسية نحو التحالف مع فرنسا، ولكن مشروع ~~نابليون سرعان ما اصطدم بصخرة عنيفة، هي مقاومة والدة القيصر إسكندر «صوفيا دورثيا # Sophia Dorothea ~~» الألمانية (أميرة ورتمبرج) ~~وأرملة القيصر بول الأول المقتول في سنة 1801، وكانت هذه تكره كراهية شديدة ~~كل شيء يمت بصلة لفرنسا، وتكره ثورتها والرجل (أي نابليون) الذي جاءت ~~به هذه الثورة وجنى ثمارها، وكان بسبب هذه الكراهية أن بادر إسكندر بمجرد أن شعر ~~باتجاهات نابليون بعد «إرفورت» بتزويج شقيقته كاترين - وتبلغ الثانية والعشرين - من ~~الأمير جورج غراندوق أولدنبرج # Oldenburg ~~، ولكن كان ~~لدى القيصر شقيقة أخرى تصغرها «سنها خمس عشرة سنة» هي الغرندوقة آن # Anne ~~، وهي التي تقدم نابليون - الآن - (يناير 1810) ~~يطلب يدها. # وعلى ذلك فقد انتحل القيصر شتى الأعذار للتخلص من المصاهرة، تارة بدعوة أن ~~القيصرة الأم متغيبة في رحلة بعيدة عن العاصمة ويجب انتظار عودتها، وتارة بالقول إن ~~الغراندوقة الصغيرة لا ترغب في استبدال عقيدة أخرى بعقيدتها الأرثوذكسية، مما قد ~~يعرضها لكراهية الشعب الفرنسي، أو على أحسن الفروض لانعدام الميل نحوها، وفوق هذا ~~وذاك هناك الخوف ms0517 الكامن دائما من محاولة نابليون بعث الدولة البولندية القديمة إلى ~~الوجود، وتهديد كيان روسيا، وضرورة الحصول على ضمانات أوفى لتأمين روسيا من هذه ~~الناحية. # وهكذا تعدد إرسال الرسل بين باريس وسان بطرسبرج دون الوصول إلى نتيجة، ~~وأدرك نابليون في آخر الأمر أن طلبه الزواج من أميرة روسية لا يلقى قبولا، ~~وعندئذ اتجه صوب النمسا. # ولم يكن نابليون في قرارة نفسه راضيا عن الزواج من أميرة نمسوية، وهو الذي اشتبك ~~مع النمسا في حروب دموية، وأوقع بجيوشها الهزائم البالغة مرة بعد أخرى، والتي ~~يحقد عليها حقدا شديدا، وأما النمسا فقد نظر عاهلها «فرنسوا الأول» - كذلك هو ~~فرنسوا الثاني بوصفه إمبراطورا للإمبراطورية الألمانية - لمشروع المصاهرة مع ~~الإمبراطور الفرنسي كخطوة يستطيع بها إنقاذ مملكته المهددة بالفناء السريع أمام ~~الجيوش النابليونية، وعقد وزيرها «مترنخ» الآمال الكبار على هذه المصاهرة من حيث ~~استطاعته التفريق بين نابليون والقيصر إسكندر، وانتزاع نابليون من المحالفة مع ~~روسيا، وجذبه بدلا من ذلك إلى المحالفة مع النمسا؛ حتى يحفظ للنمسا بقاءها، ~~ما دام صاحب السلطان في أوروبا، حتى إذا أفل نجمه وتبين أن صرح الإمبراطورية ~~الفرنسية قد بدأ ينهار، انقلبت النمسا ضده، لتسدد إليه الضربة الغادرة، ومن حيث ~~لا يتوقع نابليون أن تسدد إليه منها؛ لتقوض عروض هذه الإمبراطورية ~~المنهارة. # وكان مترنخ هو الذي أشعر المسئولين الفرنسيين منذ 29 نوفمبر 1809 (في فينا) أن ~~الأرشيدوقة ماري لويز ابنة فرنسوا الأول (منذ 1804 بوصفه إمبراطورا للنمسا) وتبلغ ~~الثامنة عشرة لن يرفض أحد تزويجها من العاهل الفرنسي إذا تقدم يطلب يدها، ~~وجرت مباحثات في هذا الشأن في باريس، وأخيرا جمع نابليون في باريس في 29 يناير ~~1810 مجلسا كبيرا للتشاور، حضره كبار رجال الإمبراطورية وعدد من الوزراء، فكان ~~كمباسيرس ومورا في صف المصاهرة الروسية، وفضل يوجين بوهارنيه، وشامباني، ~~وتاليران الزواج النمسوي، وكان نابليون نفسه يؤثر زواجا روسيا على كل ما ~~عداه، ولكنه لم يلبث أن وافق على المصاهرة النمسوية؛ اعتقادا منه بأن الزواج من ~~إحدى حفيدات شارل الخامس ولويس الرابع عشر كفيل ms0518 بأن يحفظ ثمرة انتصاراته، وأن ~~فيه ضمانا لضبط ألوية السلام العام. # وإلى جانب هذا كله فإن المصاهرة مع أقدم البيوت الحاكمة العريقة في أوروبا (أسرة ~~الهابسبرج) لا بد أن يضفي على بيت بونابرت الذي تأسس على أنقاض أسرة مالكة ~~عريقة أخرى (أسرة البربون) صفة الشرعية التي ترفع هذا البيت البونابرتي ~~«المغتصب» إلى مصاف البيوت المالكة في أوروبا، واعتقد نابليون أن الظفر بهذا ~~الاعتراف بمشروعية البيت البونابرتي عن طريق المصاهرة مع أحد البيوت العريقة ~~الحاكمة، سواء في ألمانيا (الهابسبرج)، أو في روسيا (رومانوف)، عمل لا يقل في ~~خطورة أثره عن إنجاب وريث للعرش من أجل المحافظة على الإمبراطورية، وما ينطوي ~~عليه ذلك من دعم السيطرة النابليونية في كل أنحاء أوروبا. # وعلى ذلك فإنه بمجرد أن وصلته الأنباء الأخيرة من روسيا (5 فبراير سنة 1810)، ~~وانعدم كل أمل في مصاهرة بيت رومانوف الروسي، كلف نابليون البرنس يوجين بوهارنيه ~~أن يطلب من السفير النمسوي «شوارزنبرج» يد الأرشيدوقة ماري لويز، وفي 23 فبراير ~~جاءت الموافقة، وفي 2 مارس وصل «برثييه» إلى فينا لعقد صك الزواج (9-11 ~~مارس). # وغادرت ماري لويز فينا يوم 12 مارس في طريقها إلى باريس، وعند كورسيل # Courcelles # بالقرب من سواسون استقبل نابليون ~~زوجه ليسير بها إلى باريس، وفي أول أبريل صار الاحتفال بالزواج المدني «في سان ~~كلو» ليعقبه الاحتفال بالزواج الديني في قصر اللوفر في اليوم التالي. # وقام بالعقد الكردينال فيش، وامتنع عن حضور هذا الزواج عدد من كبار رجال الدين ~~والكرادلة (13)، الذين اعتبروا طلاق الإمبراطور من زوجته السابقة جوزفين غير ~~قانوني، وقد تعرض هؤلاء للنفي في الأقاليم «بسبب عصيانهم» مع مصادرة ~~أموالهم، ومنعهم من ارتداء أردية الكرادلة الحمراء. # ولم يلبث الإمبراطور أن غادر باريس يوم 20 أبريل 1810 قاصدا إلى البلجيك، واصطحب ~~معه في هذه الرحلة زوجه الجديدة لقضاء «شهر العسل»، ومن المعروف أن بلجيكا كانت ~~من أملاك النمسا حتى انتزعتها فرنسا منها «أيام الثورة» سنة 1792، وبقي عديدون من ~~أهل بلجيكا يكنون الولاء للبيت النمسوي، إلا أن نابليون كان له ms0519 غرض آخر إلى ~~جانب قضاء شهر العسل في هذه البلاد الصديقة لزوجه، ذلك أنه كان يريد مراقبة تنفيذ ~~الحصار القاري في حدود إمبراطوريته المواجهة لإنجلترة التي لم يفتر عداؤها له، ~~ثم في حدود إمبراطوريته المتاخمة لهولندة وقد أصبحت هذه مركزا نشيطا للتهريب إلى ~~إنجلترة ومنها، ويؤمها المصرفيون الذين يحاولون بمناوراتهم المالية إلحاق الأذى ~~بالاقتصاد الفرنسي، وقد اختلطت بهذا كله المؤامرات المنبعثة عن الأطماع الشخصية ~~لدرجة أن أفق السياسة في أوروبا سرعان ما صار متلبدا بالغيوم، ولعل السبب ~~الرئيسي في ذلك كان إصرار نابليون على تنفيذ نظام الحصار القاري بكل صرامة. # وكان غرض نابليون من التشبث بتنفيذ الحصار القاري، التضييق على إنجلترة؛ حتى ~~يرغمها على التسليم وطلب الصلح، على أساس الاعتراف بإمبراطوريته، والخضوع ~~لسلطانه الممتد على أوروبا، ولقد شعرت إنجلترة بالضيق ومرت بأزمة اقتصادية شديدة ~~بسبب هذا الحصار القاري، ولكن الذي لا شك فيه كذلك أن أوروبا ذاتها شعرت بمثل هذا ~~الضيق، وصارت هي الأخرى تمر بأزمة اقتصادية شديدة بسبب سياسة الحصار القاري، وكانت ~~هولندة في طليعة الدول التي شكت من الأزمة بسبب حرمانها من حرية الملاحة ~~والتجارة التي اعتمدت عليها حياتها الاقتصادية، ولم يتردد ملكها لويس بونابرت في ~~إبلاغ الإمبراطور حقيقة الحالة، ورفض الحلول التي أشار بها نابليون لمعالجة هذه ~~الأزمة، وكانت تدور حول خفض قيمة الفوائد وأقساط الديون التي تدفعها الحكومة ~~الهولندية، وحرص الملك لويس على الاقتصاد في نفقات الحكومة، وأغمض عينيه عن تجارة ~~التهريب التي استطاع الشعب الهولندي بفضلها وحدها العيش وقتئذ، ثم قام بمحاولته في ~~سبيل السلام مع إنجلترة، وكان وسيطاه في هذه المحاولة لابوشير # Labouchère # المصرفي الهولندي، وبارنج # Baring # المصرفي الإنجليزي. # وعندئذ ضاق نابليون بأخيه ذرعا، ولم يلبث أن استدعاه إلى باريس في نوفمبر 1809، ~~وألزمه بقبول موظفين فرنسيين لمراقبة الجمارك، وملاحظة الشواطئ الهولندية، ثم ~~عقد معه بعد قليل معاهدة في 16 مارس 1810، انتزع بمقتضاها كل الضفة اليسرى ~~لنهر الفال # Vaal ~~، وعد الملك لويس هذه ~~الإجراءات إهانة له، وصمم على الاستقالة، وقد نصحه مستشاروه بالبقاء على ~~عرشه ms0520 (17 أبريل 1810). # على أن اقتطاع هذا الجزء الجديد من هولندة، لضمه إلى فرنسا من أجل تضييق الحصار ~~القاري من هذه الناحية على إنجلترة، كان من أثره أن زادت صلابة الإنجليز ~~وإصرارهم على المضي في النضال ضد العاهل الفرنسي، وقام مصرفي آخر «أوفرارد # Ouvrard ~~» - وهو فرنسي صديق لفوشيه، ويوليه الملك ~~لويس حمايته - بنفس المحاولة التي قام بها من قبل كل من لابوشير وبارنج، ~~واعتقد أن في قدرته أن يعد الإنجليز بالتخلي عن البلاد الواقعة خارج ~~حدود فرنسا الطبيعية، ثمنا لعقد الصلح معهم، ولكن الإمبراطور بمجرد أن علم ~~بالمؤامرة، عزل فوشيه من وزارة البوليس ليعهد بها إلى سافاري دوق دي روفيجو # Rovigo ~~، وذهب فوشيه «للمنفى» في تسكانيا، لينتقل ~~منها (في 27 أغسطس 1810) إلى أملاكه في أيكس # Aix ~~، ~~ليرقب من هناك تطور الحوادث، ومؤامرات اليعاقبة أو الملكيين ضد ~~الإمبراطورية، ثم إن نابليون لم يلبث أن تشاجر مع أخيه، وفي أول يوليو 1810 تنازل ~~لويس عن عرش هولندة، ليخلفه ولده، وذهب إلى بوهيميا. # وفي 9 يوليو استصدر الإمبراطور قرارا بضم هولندة إلى الإمبراطورية، وفي 13 ~~ديسمبر صدر قرار من مجلس الشيوخ بتقسيم هولندة إلى مقاطعات «فرنسية» تحت إدارة ~~«لوبران»، وتنظيم الجمارك بها بصورة تربطها بنظام الجمارك الفرنسية، وخفض قيمة ~~الدين العام إلى الثلث. # وهكذا استطاع نابليون إنشاء رقابة فعالة على الشواطئ، ولكن إنجلترة - بفضل ~~أسطولها الكبير - بقيت محتفظة بالسيادة في البحار؛ فلم تنقطع علاقاتها ~~التجارية مع مستعمراتها، ومع المستعمرات الفرنسية ذاتها، ونشطت لإنشاء هذه العلاقات ~~مع البلاد التي ثارت في أمريكا لتظفر باستقلالها، مثل المكسيك، وكولمبيا (أبريل ~~1810)، كما صارت جزر هيلجولند في بحر الشمال، وصقلية، ومالطة في البحر المتوسط ~~مراكز هامة للتهريب، ومخازن ومستودعات للبضائع، تصدر بها «التراخيص» لسفن الدول ~~المحايدة لتمنع عنها التفتيش والمصادرة. # وقد بلغ عدد ما صدر من هذه التراخيص 2600 في سنة 1807 و18000 في سنة 1810، ~~ولم يكن في وسع نابليون إلا أن يبذل قصارى جهده لمسايرة هذا النظام (نظام التهريب) ~~الذي هدد بتحطيم مراسيم برلين وميلان لفرض الحصار القاري ms0521 على إنجلترة، فأجاز في ~~12 يناير 1810 للقراصنة ولصوص البحر أن يعرضوا البضائع والمتاجر التي في حوزتهم ~~للبيع في نظير أن تحصل الحكومة ضريبة بنسبة تتراوح بين 40٪ و50٪ من قيمتها، كما ~~سمح هؤلاء بتصدير بضائعهم ومتاجرهم بعد دفع ضريبة بنفس النسبة، ثم لم يلبث أن ~~صدر قرار آخر في 5 أغسطس 1810 لزيادة نسبة الضريبة المحصلة على المحصولات ~~والمنتجات الآتية من المستعمرات، سواء أكانت هذه إنجليزية أم فرنسية أم غير ذلك، ~~فارتفعت الضريبة من 10٪ إلى 50٪، وصدرت قرارات في 18 و19 أكتوبر 1810 بإنشاء محاكم ~~جمركية، وفيما عدا المنتجات القطنية التي ظلت تجارتها ممنوعة، صار نابليون نفسه ~~- بفضل هذه الأنظمة «الجمركية» التي ابتدعها لمواجهة النشاط الذي حاول به أصحابه ~~اختراق الحصار القاري - «مهربا» هو الآخر، يسعى للاستفادة من حركة التهريب ~~الواسعة هذه؛ ليملأ خزائنه بالمال بدلا من أن يستولي المهربون والقراصنة على ~~أرباح هذه التجارة «السرية». # ولم يكن التهريب الوسيلة الوحيدة التي لجأت إليها إنجلترة في نضالها ضد الحصار ~~القاري؛ فإنه سرعان ما تألف في شمال أوروبا حلف لصالح التجارة البريطانية، كان أهم ~~أعضائه السويد، وإمارة أولدنبرج # Oldenburg ~~، وكانت ~~السويد - لانحيازها الشديد للسياسة الإنجليزية - قد طردت ملكها جوستاف ~~«الرابع» أدولف منذ 13 مارس 1809؛ لأنها عدته مسئولا عن خسارة بوميرانيا ~~السويدية، التي فشل في محاولة استرجاعها سنة 1807، وفنلندة «التي غزتها روسيا منذ ~~مارس 1808 واستولت عليها من السويد». # وكان الملك شارل الثالث عشر الذي خلفه على العرش لا وارث له؛ فقررت السويد في سنة ~~1810 اختيار أحد قواد نابليون لوراثة العرش على أمل أن تقربها هذه الخطوة من فرنسا ~~ومن إمبراطورها المظفر، والذي يرمز إلى كل المبادئ التي نادت بها الثورة الفرنسية، ~~وانتظرت السويد أن ترفعها هذه العلاقة الجديدة إلى مصاف الدول الكبيرة وتزيل عنها ~~آثار إهانة الهزائم السابقة، ووقع اختيارها على المارشال برنادوت الذي كان من ~~أصهار البيت الإمبراطوري لزواجه من ديزريه ~~كليري # Dèsirée Clary # 1 # شقيقة زوجة جوزيف بونابرت «جوليا كليري»، فتم انتخاب برنادوت وليا ~~للعهد ووارثا لعرش السويد في ms0522 21 أغسطس 1810، فاتخذ اسم شارل جان «وصار الملك شارل ~~الرابع عشر في سنة 1818»، ودخل ستوكهلم العاصمة في بداية نوفمبر. # وقد اعتمد نابليون على وجود برنادوت في السويد لتشديد الحصار القاري على إنجلترة ~~من هذه الناحية وإغلاق السويد في وجه المتاجر الإنجليزية، ولكن ولي العهد ~~الجديد لم يشأ أن يكون أداة يحركها الإمبراطور، ولم يكن يؤمن بسياسة الحصار ~~القاري، وكان يريد ضم النرويج إلى السويد والاستيلاء عليها من الدنمارك، التي كانت ~~متحالفة مع نابليون، وأدرك برنادوت أن بوسعه الاستفادة من العلاقات المتقلبة ~~بين فرنسا وروسيا لتحقيق برنامجه، وعلى ذلك فإنه لم يلبث أن أعلن أنه يضع نفسه ~~بملء الثقة في كنف القيصر إسكندر وتحت حمايته، ومن ذلك الحين صار بحر البلطيق ~~مفتوحا للسفن الإنجليزية، وفي أكتوبر 1810 استطاع الإنجليز تفريغ حمولة ستمائة ~~سفينة على الشاطئ البروسي. # ولكن «تهريبا» على هذا النطاق الواسع لم يكن نابليون ليغفل عنه، أو يرضى ~~باستمراره دون اتخاذ إجراء مضاد؛ ولذلك ما لبث الإمبراطور حتى قرر الاستيلاء ~~على الساحل الألماني بطوله، وكان الإمبراطور منذ 14 يناير 1810 قد تنازل لأخيه ~~جيروم ملك وستفاليا عن كل «حقوق» له على هانوفر، أي على الإقليم الواقع عند مدخل ~~بحر الشمال. # وفي 13 ديسمبر من السنة نفسها - وبالرغم من احتجاجات جيروم - عمد الإمبراطور إذن ~~إلى تمزيق قرار 14 يناير، وأمر بضم كل مدن الهانسا إلى الإمبراطورية الفرنسية، ~~ومدن الهانسا # Hansa # هي همبرج، برمن، لوبك # Lübeck ~~، كما ضم كل الأراضي الواقعة بين مصبات نهري ~~إمز # Ems ~~، والوزر # Weser ~~، والإلب # Elbe ~~، فامتد ~~بذلك سلطان الإمبراطورية إلى بحر البلطيق، وعهد الإمبراطور بإدارة هذه الأقاليم إلى ~~القائد دافو # Davout # الذي اتخذ مقره في همبرج ~~ليشرف منها على حركة «التهريب» في ألمانيا الشمالية، ولتقديم المهربين الذين ~~يقبض عليهم للمحاكمة أمام «محاكم تجارية» لا استئناف لأحكامها. # وشملت هذه الأراضي الممتدة على طول الساحل الألماني الشمالي التي ضمها نابليون ~~لإمبراطوريته إمارة صغيرة هي إمارة أولدنبرج، كان من الصعب - بالرغم من صغرها - ~~ابتلاعها وإدماجها في الإمبراطورية؛ لأن حاكمها الأمير ms0523 جورج كان زوجا - كما ~~عرفنا - للغراندوقة كاترين شقيقة القيصر، وقد عرض عليه نابليون تعويضا له؛ ~~إرفورت والأراضي المجاورة لها، ولكن أمير أولدنبرج رفض هذا العرض، فاقترح القيصر ~~إسكندر تنصيبه على عرش بولندة، ولكن القيصر عمد في آخر ديسمبر 1810 إلى فتح المواني ~~الروسية لدخول السفن الأمريكية، دون أن يتحقق ما إذا كانت هذه السفن قد وقفت في ~~موانئ إنجليزية أم لا، ثم إنه عمد إلى جانب هذا - بدعوى أنه إجراء مالي وحسب - إلى ~~منع استيراد كل المصنوعات الفرنسية، وعندئذ لم ير نابليون بدا من الإجابة على ~~ذلك باتخاذ قرار في 18 فبراير 1811، يجعل نهائيا الاستيلاء على الأراضي التي ~~ضمها قرار 13 ديسمبر من العام السابق إلى الإمبراطورية الفرنسية بما في ذلك ~~إمارة أولدنبرج. # ولقد كان من أثر تصميمه على تنفيذ سياسة الحصار القاري، أن عناية الإمبراطور ~~شملت ملاحظة حدود إمبراطوريته الداخلية (أو البرية)، كما شملت حدودها ~~الخارجية (أو البحرية)؛ ليمنع تهريب البضائع أو المنتجات الإنجليزية عبر سويسرة ~~إلى إيطاليا - وكانت هذه السوق الرئيسي للمنتجات الفرنسية من الأقمشة والمنسوجات ~~خصوصا - فاحتل الإمبراطور «تيسن # Tessin ~~» عند ممر ~~سمبلون، وإقليم فاليه # Valais ~~(جنوب الجمهورية ~~الهيلفيتية أو السويسرية) في 12 فبراير 1810، وكان إخضاع إسبانيا المشكلة التي ~~استغرقت جانبا كبيرا من نشاطه. # فهو لتنفيذ سياسة الحصار القاري - كذلك - قد عهد منذ 8 فبراير 1810 بالحكم في ~~الأقاليم الواقعة في إسبانيا على الشاطئ الأيسر لنهر الإبرو # Ebro ~~(وهي: كتالونيا، وأرغونة، ونافار، وبسكاي) إلى قواد ~~عسكريين، فاستقطعت كل هذه الأقاليم من حكومة أخيه جوزيف بونابرت في مدريد، ~~وأغضب جوزيف أن يرى كل هذه الأقاليم أخذت منه ليصبح هو - على حد قوله - «مجرد ~~حارس لمستشفيات مدريد»، واستمر يشكو مر الشكوى إلى باريس ولكن دون جدوى، وقاوم ~~الوطنيون الإسبان مقاومة عنيفة، وقد ظلت قادش مقر حكومتهم الأهلية، وحاول ~~«سولت» مرات عديدة تضييق الحصار عليها دون نتيجة، ومع ذلك فقد استطاع المارشال ~~«ماسينا» الاستيلاء - بعد معركة حامية - على سويداد رودريجو # Cuidad Rodrigo # في 10 يوليو 1810، ثم لم يلبث أن سقطت ms0524 في يده ~~«ألميدا # Almeida ~~»، وكانت من أقوى الحصون في ~~البرتغال، واضطر «ولزلي» بقواته البريطانية البرتغالية لاتخاذ موقع للدفاع عن ~~العاصمة «لشبونة» عند «توريس فدراس # Torres Vedras ~~» ~~التي حصنت تحصينا قويا لهذه الغاية، وطارد الفرنسيون جيش ولزلي (دوق ~~ولنجتون)، ولكنهم انهزموا عند بوساكو # Busaco # في 27 سبتمبر، واستطاع «ولنجتون» السير صوب ~~لشبونة حتى بلغ مرتفعات توريس فدراس، واتخذ مواقعه بها (9 أكتوبر 1810)، وبعد أن ~~أخفق ماسينا في مهاجمة خطوط توريس فدراس، اتخذ هو الآخر مواقعه على نهر ~~التاغوس عند سانتارم # Santarem # في انتظار وصول ~~النجدات إليه، حتى إذا استطالت إقامته بها دون أي أمل في زحزحة الإنجليز عن موقعهم ~~في توريس فدراس، بينما نقصت لديه المؤن وصار جيشه يعاني مشقات شديدة - قرر ماسينا ~~الانسحاب إلى إسبانيا، وفي 5 مارس 1811 غادر مع جيشه سانتارم، وكان من أسباب ~~انسحاب ماسينا - ولا شك - ما وقع من انقسامات بينه وبين قواده، خصوصا «ناي» ~~و«جونو» اللذين ساءهما أن يتولى القيادة العليا عليهما «ماسينا». # وفي ميادين إسبانيا الأخرى كان النصر حليف القائد «سوشيه» وحده، وذلك في ~~كتالونيا، (حيث أخضع تاراجونا # Tarragona # في 28 ~~يونيو 1811، بعد أن حاصر الثوار بها)، وفي فالنسيا حيث نجح في إقامة حكومة مستقرة ~~بها. # وسياسة الحصار القاري نفسها هي التي جعلت نابليون يفكر أثناء ذلك كله (مارس ~~1811) في منح الأمريكيين بعض التسهيلات التجارية؛ لتشجيعهم على إعلان الحرب ضد ~~إنجلترة التي كانت من جانبها تعمل لتنفيذ الحصار البحري على فرنسا بكل شدة، حتى ~~إنها صارت تقبض على السفن التجارية الأمريكية لتقوية بحريتها، وتجبر الملاحين ~~الأمريكان على الخدمة في سفنها، إلى غير ذلك من الأعمال التي أنذرت بقيام ~~الحرب - لو استمر الحال على ذلك طويلا - بين الأمريكان والإنجليز، «وقد أعلن ~~الأمريكان الحرب فعلا على هؤلاء في يونيو 1812»، بل إن نابليون من أجل استمالة ~~الأمريكان (الولايات المتحدة) إلى جانبه، وتشجيعها على قطع علاقاتها بإنجلترة، ~~صار يفكر في وقف قرارات الحصار القاري بالنسبة لهم؛ حتى يشعروا - كما قال - بثقل ~~وطأة الطغيان الإنجليزي الذي لا يحتمله أحد. ms0525 # وفي ربيع 1811 والإمبراطورية قد اتسعت رقعتها كل هذا الاتساع الذي وإن ~~جعل ممكنا بسط السيطرة النابليونية على أوروبا، كان ينطوي على عوامل الضعف التي ~~هددت بانهيار هذه الإمبراطورية عاجلا أو آجلا، وفي الوقت الذي كانت تجري فيه ~~كل هذه الحوادث، وتواجه الإمبراطور المشكلات في إيبريا، وهولندة، وإيطاليا، ~~وسويسرة، والسويد، وروسيا، والنمسا، وألمانيا بسبب الحصار القاري، وإصرار ~~الإمبراطور على إحكام تنفيذ نظامه ضد إنجلترة لإرغامها على الخضوع لسلطانه، ~~أنجب نابليون في 20 مارس 1811 ابنا، كان مجلس الشيوخ قد أصدر قرارا قبل ~~ميلاده، بل وقبل زواج الإمبراطور، بإعطاء لقب ملك روما لولي عهد الإمبراطورية (17 ~~فبراير 1810)، وكان الأباطرة الرومانيون يمنحون اللقب لوريث العرش، فأحيا نابليون ~~هذا التقليد، وبدا الآن بمولد ملك روما أن مستقبل البيت البونابرتي - في حكم ~~الإمبراطورية النابليونية التي خلفت الإمبراطورية الرومانية المقدسة القديمة ~~- قد بات مضمونا. # فالإمبراطورية في ربيع 1811 تتألف من 130 مديرية (أو إقليم)، وتمتد حدودها من ~~الدنمارك إلى نهر الأبرو (في إسبانيا)، ومن هولندة إلى دلماشيا، وفي وسع نابليون - ~~بكل جدارة - أن يرى نفسه مساويا لشارلمان، وفي مشروعاته العظيمة هذه ~~ارتفعت باريس حتى صارت عاصمة العالم الغربي قاطبة؛ يؤمها الناس من كل أنحاء ~~أوروبا، وتزدان متاحفها بالتحف الفنية المجلوبة لها من كل البلدان، وباريس ~~المدينة الأولى في الإمبراطورية التي صار بها كذلك مقر البابا رئيس الكنيسة ~~الأعلى، ولو أن مرتبته لم تعد تعلو - في هذا النظام الجديد - مرتبة مجرد ~~كاهن ملحق بخدمة الإمبراطور في شئون العبادة. # وازدحم بلاط الإمبراطورية في باريس بالأتباع من رجال الحاشية والوزراء وكبار ~~الموظفين الذين انحنوا بخنوع أمام نابليون «العظيم»، واختار الإمبراطور كبار ~~موظفيه من بين النبلاء القدامى في العهد القديم، وكان لا مندوحة عن أن يضم البلاط ~~الإمبراطوري هؤلاء النبلاء «الأصليين»؛ لإعطاء المظهر الأرستقراطي اللازم لحاشية ~~أكثرها من أفراد العامة - أي الطبقة الوسطى الذين قامت «الثورة» على أكتافهم ووصلوا ~~إلى مراكز الصدارة - ولقد كان في رأي كثيرين من المعاصرين أن البلاد لم تشهد عهدا ~~من الهدوء والسكينة - مفعما بالسعادة ms0526 - كعهد الإمبراطورية وقتئذ، من أيام ~~القنصلية، وشهد آخرون بأن الأرستقراطية الفرنسية - حتى في أزهى عصور الملكية - لم ~~يبلغ ثراؤها مبلغ ما وصل إليه الآن، ولم تلمع أضواؤها بالدرجة التي بهرت ~~الأبصار في هذه الفترة من حياة الإمبراطورية النابليونية. # ومع ذلك فلم يكن هذا المجد الظاهري ينطوي على رخاء حقيقي، بسبب ازدياد البطالة ~~والتعطل عن العمل المستمر، ولعجز الزراعة عن سد حاجة السكان، ولرداءة محصول سنة ~~1811 على وجه الخصوص، حتى نزل الضيق بالشعب وكثر تذمره، ومن ناحية أخرى كان ~~مثل هذا التناقض ملاحظا في شئون البلاد التي خضعت لسلطان الإمبراطورية؛ ~~فالأقاليم التي لقيت من نابليون عناية شخصية مثل جزء الأيونيان، وإيطاليا، ~~واتحاد الراين، وفي كل مكان دخله نابليون بجيوشه، وصار ينشر فيه الآراء التي ~~جاءت بها الثورة الفرنسية، نشط الأهلون في نهضة قومية جديدة يبغون إحياء ~~أمجادهم الماضية، وأما فيما عدا ذلك فقد صار الجميع يثنون من صرامة ~~الديكتاتورية النابليونية، وشدة الطغيان الذي أرهقهم. # ووصف الكونت بالبو # Balbo ~~، من كبار الإداريين ~~الطليان الذين استخدمهم نابليون في إيطاليا، وقد أحرز بالبو فيما بعد شهرة ~~كبيرة كمؤرخ وكاتب، نقول: إنه وصف ظاهرة هذا التناقض في إيطاليا - وليس هذا ~~الوصف مقصورا على إيطاليا وحدها - في مجتمع يخضع لعسف وطغيان السيطرة ~~الأجنبية المفروضة عليه بحكم الغزو، ثم يشعر في الوقت نفسه بأنه مغمور بموجة من ~~الرخاء، فيزدهر إنتاجه ولا يحول الخضوع لسلطان الأجنبي دون إحساسه بالعزة، ~~وتطلعه إلى بلوغ ذروة المجد الذي يسير في طريقه بخطى ثابتة. # فقال بالبو ما معناه: «إن كل العهود التي خضعت فيها إيطاليا للسلطان الأجنبي ~~لم يعدل أحدها مبلغ الرخاء والخصب والنفع والعظمة مثل ما بلغه عهد السيطرة ~~النابليونية؛ فلم يشعر أي إنسان بأن إهانة ما قد لحقته من جراء خدمة رجل ~~ذي شهرة عالية ونشاط عظيم، كان نصف أوروبا يقوم على خدمته، وهو فوق ذلك إن لم يكن ~~إيطاليا بحكم المولد، فهو بالأقل إيطالي بحكم أرومته، ويتسمى باسم إيطالي، ~~حقيقة حرم الطليان الاستقلال الحقيقي، ولكنهم عوضوا عن ذلك ms0527 أن الأمل صار ~~يملأ صدورهم في تحقيق أمانيهم في المستقبل القريب، وهم قد حرموا كذلك الحرية ~~السياسية ولكنهم عوضوا عنها بمظاهر هذه الحرية السياسية، ثم سادت المساواة في ~~الحقوق المدنية، وتلك في اعتبار كثيرين كانت تعويضا عن الطغيان الذي استبد ~~بهم، وإذا لم تكن هناك حرية في الكتابة والتعبير عن الرأي، فقد اختفى من جهة أخرى ~~شعور الحسد والحقد ضد المعرفة بكل أنواعها، واحتقار رجال العلم والقلم، وإذا كانت ~~التجارة قد فقدت نشاطها، فقد احتفظت بنشاطها الصناعة والزراعة وحرفة ~~الجندية. # وفي عهد السيطرة النابليونية احترف مهنة الجندية أولا أهل بيدمنت، وتبعهم ~~الأهلون في لمبارديا، ثم رومانا، وأخيرا أهل تسكانيا، ثم روما، ثم نابولي، فصار ~~احتراف الجندية الحياة التي اختارها الطليان؛ ليصبحوا إخوانا في السلاح لأولئك ~~الجند الذين هزموا أوروبا وأخضعوها، ولينالوا من هؤلاء كل مديح أثناء الخدمة في ~~الجيوش الفرنسية، وبالجملة فإن السيطرة التي فرضت الخضوع على إيطاليا لحكم ~~نابليون قد جعلت الطليان يشاركون سادتهم الاستمتاع بالحياة المفعمة بالنشاط ~~والمباهج، ويشعرون بالكبرياء والعظمة التي يسعد بها هؤلاء السادة، ولم يعد هناك ~~مكان لشعور الضيق والكبت والإرهاق والعنت الذي كان يسود بينهم في الماضي، ولقد كان ~~وقتئذ أن بدأ الأهلون ينطقون باسم إيطاليا في محبة وإعزاز، وإن أخذت تختفي ~~النزاعات والأحقاد والمنافسات الإقليمية المحلية، فإذا كانت نهاية القرن «الثامن ~~عشر» تستأهل البداية الطيبة لهذا التحول، فإن هذا العهد - عهد السيطرة النابليونية ~~- سوف يكون فاتحة عهد جديد في مقدرات (أو مستقبل) إيطاليا.» # ولقد كان بسبب هذا التناقض نفسه بين لمعان المجد الظاهر، وما كان يخيم على ~~الحياة الداخلية من مشكلات سياسية وأزمات اقتصادية في أنحاء الإمبراطورية ~~النابليونية، كان من المتعذر في 20 مارس 1811 يوم مولد «ملك روما» أن يقطع أحد ~~برأي فيما إذا كانت الإمبراطورية آنئذ قد أشرفت على الموت والفناء، أو أن في وسع ~~هذه الإمبراطورية «العظيمة» أن تبقى على الزمن، وأن المستقبل قد صار لها ~~وحدها. # ولكن الأزمات الاقتصادية والمالية التي مرت بها الإمبراطورية وقتئذ كانت ~~مشكلات مادية، قد ms0528 يسهل اتخاذ الإجراءات الملائمة، والنشيطة لمحاولة التغلب عليها، ~~ومع ذلك فقد كانت هناك مشكلات أدبية ودينية، أي روحية تأثر بها الرأي العام في ~~أنحاء الإمبراطورية، لم تكن معالجتها - بصورة يرضى عنها هذا الرأي العام في ~~الإمبراطورية - أمرا سهلا ميسرا، نعني بذلك معاملة نابليون للبابا، رئيس ~~الكنيسة الأعلى، وتداخل السلطة الزمنية - النابليونية - في شئون الكنيسة «والدين» ~~دائما، والذي لا شك فيه أن نابليون لم يكن موفقا إطلاقا في علاقاته مع ~~البابا بيوس السابع والكنيسة. # فقد رفض البابا أن يخضع لسلطان نابليون ويقر تدخله في شئون الكنيسة، ~~فقال بيوس السابع: «إن الآراء المؤسسة على الإيمان والشعور بالواجب تظل ~~راسخة رسوخ الطود، وليس في وسع قوة مادية أو أدبية - مهما كانت - أن تنال ~~شيئا من قوة روحية من هذا الطراز.» # وجمع نابليون مجمعين للكنيسة أحدهما: في سنة 1809، والثاني: في سنة 1811، ~~وأكد كلاهما أن حل كل المسائل الدينية المختلف عليها إنما هو في يد ~~الإمبراطور، وأن المسائل التي تهم العالم الكاثوليكي قاطبة لا يمكن أن يتناولها ~~مجلس كنسي مستقلا عن البابا، ولكن من المستطاع عقد مجلس أهلي من رجال الدين ~~لينظر موضوع «الكونكردات»، أي الاتفاقية التي أبرمت مع البابا في 15 يوليو ~~1801 - على أيام القنصلية - ويفصل فيما إذا كان يجب العمل بها أو وقفها. # وفيما بين عامي 1809، 1811 قامت محاولتان للوصول إلى تسوية مع البابوية، ولكن ~~دون جدوى، الأولى: كانت على يد كونت لبزلتيرن # Lebzeltern # النمسوي الذي تدخل لدى البابا باسم الإمبراطور ~~فرنسيس الأول (الثاني) وذلك في مايو 1810، والثانية: حصلت في شهر يوليو من السنة ~~نفسها على يدي الكردينال سبينا # Spina # والكردينال ~~كاسيلي # Caselli ~~، وهما المفاوضان في اتفاقية ~~الكونكردات سابقا، وقد أبدى لهما البابا غضبه من نابليون، ورغبته في العيش ~~في روما. # ثم تفاقمت الأزمة عندما استصدر الإمبراطور أمرا في 3 أغسطس 1810 بأن يبادر ~~أساقفة أربعة بالذهاب إلى أبروشياتهم فور تسميتهم، دون انتظار التقليد «أو التنصيب» ~~القانوني، ثم لم يلبث أن سمى الإمبراطور بعد قليل أسقفين أحدهما: لمطرانية باريس ~~(14 أكتوبر)، والآخر: ms0529 لمطرانية فلورنسه (22 أكتوبر)، وقد أجاب البابا على هذه ~~الإجراءات باستصدار المنشورات البابوية، التي سرعان ما صادرها البوليس، وأثارت غضب ~~نابليون. # وكان أثناء هذا التوتر أن صمم نابليون على إخضاع الكنيسة والبابا لسلطانه ~~نهائيا، وعلى غرار ما اعتقد أن شارلمان قد سبقه إليه؛ فأعلن في 16 مارس 1811 ~~عزمه على دعوة مجمع كنسي، فقال: «إن العصر الذي نعيش فيه يعود بنا إلى عهد ~~أو أيام شارلمان؛ فقد تجددت كل الممالك والإمارات والدوقيات التي أنشئت ~~منها جمهوريات على أنقاض إمبراطوريته، وذلك بفضل الإجراءات التي صدرت بها ~~قوانيننا، إن كنيسة إمبراطوريتي هي كنيسة الغرب والمسيحية العالمية بأسرها تقريبا، ~~لقد قررت عقد مجمع كنسي للعالم الغربي، وذلك حتى تكون الكنيسة الخاصة ~~بإمبراطوريتي كنيسة واحدة من حيث النظام السائد بها، كما هي كنيسة واحدة من حيث ~~العقيدة التي تقوم عليها.» # ووجه نابليون الدعوة لاجتماع هذا المجمع الكنسي في 25 أبريل 1811، على أن ~~ينعقد يوم 9 يونيو، ولكن الانعقاد تأجل حتى يوم 17 يونيو، بعد أن أخفقت ~~محاولة جديدة قام بها مطارنة تور # Tours # وتريف # Trêve # ونانت للحصول على تنازلات من ~~البابا. # وقد ترأس هذا المجمع الكردينال «فيش»، وحضره (104) من كبار رجال الدين، من بين ~~(149) كانت الدعوة قد وجهت لهم، وبعد مناقشات حامية، سجن بسببها ثلاثة ~~من القساوسة، وأغلق المجمع فترة من الوقت، صدر قرار المجمع في 5 أغسطس ~~1811 بأنه بعد مهلة ستة شهور من تسمية الأساقفة يستطيع رئيس الأساقفة أو المطران ~~«المتربوليتي» إعطاء التقليد القانوني، أو يقوم بذلك أيضا أقدم الأساقفة، وقد ~~انتهى الأمر بأن تنازل البابا عن موقفه (في 20 سبتمبر سنة 1811)، ولكنه اشترط النص ~~على أن يفعل «المتربوليتي» ذلك باسم البابا القائم، وأنه ينبغي عليه أن ينال من ~~البابا إنابة أو تفويضا رسميا يخوله إعطاء التقليد القانوني، وبهذا الشرط ~~يكون البابا قد احتفظ بحقوقه أعلى من حقوق المجمع الكنسي. # فانتقم نابليون لنفسه بأن طارد أنصار أو أتباع كنيسة روما (أكتوبر 1811)، وألقى ~~«درسا» في العقيدة على البابا نفسه الذي اتهمه بقصور الفهم ms0530 وعدم التمييز بين ~~القوانين والعقائد الدينية، وبين ما هو زمني وخاضع للتغيير، وأخيرا ألغى ~~الإمبراطور الاتفاقية مع البابا (الكونكردات) في 23 فبراير 1812، فقال إنه ~~يعتبر هذه الاتفاقية ملغاة، وإنه لا يسمح بتدخل البابا في مسألة تقليد الأساقفة ~~القانوني، وفي 21 مايو 1812 أمر نابليون وهو بدرسدن «بألمانيا» أن ينقل ~~البابا إلى فونتنبلو (على مسافة قريبة من باريس)، وهو يرتدي ملابس القساوسة العادية ~~حتى لا يتعرف عليه أحد. # وفي 9 مايو 1812 كان نابليون قد غادر سان كلو بعد أن جمع جيشا ضخما يزيد عدده ~~على مليون مقاتل، يريد أن ينقض به على روسيا؛ حتى يصبح سيدا على كل أوروبا، ~~فلماذا لا يكون سيدا على البابا؟ # الفصل الخامس # | نهاية الإمبراطورية # من حملة روسيا إلى غزو فرنسا (1812-1814) # لقد كانت المحالفة الروسية الفرنسية تنطوي من أول الأمر على العوامل المؤدية إلى ~~تحطيمها في النهاية؛ فالإمبراطور أغدق على القيصر عبارات المجاملة وأظهر ~~إعجابه بالعاهل الروسي، وفعل مثل ذلك القيصر نحو نابليون، سواء في مقابلاتهما ~~على الرمث الذي أقيم وسط نهر النيامن، أو في تلست أو في أرفوت، ولكن بالرغم من ~~مظاهر الصداقة من الجانبين، والمحالفة العلنية والسرية التي ربطت بينهما، فقد ~~كان واضحا أن الاتفاقات التي أبرمت كانت تخدم «مصالح» وتقوم على «تسويات» إن ~~اعتبرها الطرفان تخدم مآربهما العاجلة، من حيث حمل القيصر على إقرار الترتيبات ~~الإقليمية التي نجمت من وجود الإمبراطورية النابليونية، والموافقة على سياسة ~~الحصار القاري ضد إنجلترة، وامتداد النفوذ الفرنسي إلى الشرق على حساب الدولة ~~العثمانية، والتعهد بوقف النمسا عن قتال الإمبراطور حتى يتفرغ لحربه الإسبانية، وكل ~~ذلك تعزيزا للسيطرة النابليونية في أوروبا في النهاية. # ومن حيث إن القيصر كان يجد من ناحيته في هذه المحالفة وسيلة لمد نفوذه، وتوسيع ~~أملاكه في بحر البلطيق خصوصا، وتحقيقا لحلم القيصرية القديم على حساب الدولة ~~العثمانية كذلك، وإن كان القيصر لم يفز بأي وعد بشأن استيلائه على ~~القسطنطينية، فقد كان من الواضح أن هذه المحالفة إنما تخدم مصالح «وقتية» لم يجد ~~كل من ms0531 الطرفين محيصا عن التسليم في الظروف القائمة وقتئذ بأن المحالفة - سواء رضي ~~بها كلاهما في أعماقهما، أم ارتضياها نزولا على واقع الموقف الراهن - إنما هي ~~الوسيلة التي يمكن أن تضع موضع الاختبار - لفترة محددة من الزمن - متاخمة ~~الإمبراطوريتين الكبيرتين: الفرنسية والروسية بعضهما لبعض، حتى إذا طرأ «تغيير» على ~~واقع هذا الموقف الراهن ووجد أحد الطرفين أو كلاهما أن المحالفة التي أبرمت ~~والإمبراطورية النابليونية في أوجها (في تلست وإرفورت 1807-1808) قد صارت بعد ~~بضع سنوات فقط (1811) متعارضة مع المصالح التي ينشدها أحدهما أو كلاهما بعد اتساع ~~هذه الإمبراطورية، وتعدد ميادين النضال فيها بسبب سياسة الحصار القاري، وبداية ~~المقاومة الأهلية في بعض أنحاء أوروبا واشتدادها في إسبانيا خصوصا، كان لا معدى ~~حينئذ عن أن يطرأ «تغيير» على هذه المحالفة ذاتها، بتحرر الطرفين أو أحدهما من ~~التزاماتها. # ولا جدال في أن «تغييرا» طرأ على الموقف في أوروبا في السنوات الأربع التالية ~~للمحالفة (1807-1811)، ولا جدال في أن «تغييرا» قد تبعه كذلك وتأثرت به ~~المحالفة الروسية الفرنسية، بدرجة أفضت إلى انحلالها، ولا جدال في أن انحلال ~~هذه المحالفة قد ترتب عليه من الآثار ما يجعله في عداد العوامل التي أدت إلى ~~انهيار الإمبراطورية النابليونية في النهاية. # أما أسباب «التغيير» الذي طرأ على المواقف فمتعددة، لعل أهمها: # أولا: # أن القيصر إسكندر بعد اتفاق إرفورت (12 أكتوبر 1808)، لم يصنع ~~شيئا لمنع النمسا من دخول الحرب ضد نابليون، ولم يقبل الروس ~~(حلفاؤه) على الحرب ضد النمسا إلا بفتور ورخاوة، وأما الجزء من ~~غاليسيا الذي كان نصيب القيصر من هذه الحرب (في صلح شونبرون)، فقد ~~اعتبره الروس ضئيلا، ثم إن الزواج النمسوي كان عملا ذا نتائج ~~خطيرة، حتى إن أحد موظفي البوليس جرؤ على الكتابة إلى «فوشيه» أن ~~الحرب مع روسيا سوف تكون النتيجة الحتمية لزواج الإمبراطور من ~~أميرة نمسوية، ومع أن القيصر رفض زواج إحدى أميرات الروس من ~~نابليون، فقد نظر إلى هذه المصاهرة النمسوية على أنها مؤذنة ~~بحصول انقلاب في محالفات الإمبراطورية الفرنسية، وذلك لصالح ~~النمسا، ms0532 ثم لم يلبث أن ظهر أثر التغيير في البلاط ~~الإمبراطوري في باريس عندما صار «مترنخ» السفير النمسوي يتقدم في ~~المكان على سفير روسيا البرنس كوراكين # Kourakine ~~. # ثانيا: # أن امتداد نظام الحصار القاري جعل العلاقات متوترة بين ~~البلدين: فرنسا وروسيا، وزاد من توتر العلاقات بين العاهلين: ~~الفرنسي والروسي، وكان الروس في حاجة لإنجلترة التي يصدرون ~~إليها القمح والأخشاب والبوتاس (الملح) والقطران (القار) والغراء، ~~بينما من ناحية أخرى دفعوا أثمانا باهظة في شراء الحلي وأدوات ~~الزينة من المصنوعات الفرنسية التي وجدت منذ 1807 سوقا مفتوحة ~~في روسيا، وفي 31 ديسمبر 1810 صدر قانون (أو قرار قيصري) فرض ~~ضريبة على المنتجات الفرنسية الآتية بطريق البر إلى روسيا، بينما ~~سمح لكل السفن بتفريغ بضائعها - حتى البضائع الإنجليزية ذاتها - ~~في المواني الروسية ما دامت هذه السفن تابعة لدول محايدة، وقد زاد ~~من حدة سوء التفاهم بين القيصر ونابليون ما حدث من إعلان هذا ~~الأخير في 18 فبراير 1811 ضم الشواطئ الألمانية، وخصوصا إمارة ~~«أولدنبرج» إلى الإمبراطورية. # ثالثا: # أن المسألة البولندية زادت الهوة اتساعا بين إسكندر ونابليون، ~~فمن المعروف أن غراندوقية وارسو كانت قد أنشئت سنة 1807 على حساب ~~بروسيا، ثم اتسعت مساحتها في سنة 1809 على حساب النمسا، وصار ~~يخشى الآن من إحياء مملكة بولندة القديمة، وأن تزداد مساحتها ~~مرة أخرى، وعندئذ تكون هذه الزيادة باسترجاع المقاطعات التي كانت ~~أخذتها روسيا في عهد كاترين الثانية من بولندة في التقسيمات ~~الثلاثة المعروفة في سنوات 1772، 1793، 1795، وقد جعل هذا ~~الخوف القيصر لا يكف عن التفكير في هذا الاحتمال، ويحاول ~~الحصول من نابليون على ضمانات للمستقبل في هذه الناحية، فهو يقدم ~~لنابليون بواسطة وزيره روميانتزوف مشروعا في يناير 1810، ولكن ~~نابليون يرفض التقيد باتفاقات معينة تعطل حرية العمل في ~~المستقبل، ولو أنه صار يبذل قصارى جهده لتطمين القيصر من ناحية ~~المسألة البولندية، ثم إن القيصر صار يعمل من جهة أخرى لاستمالة ~~البولنديين أنفسهم لفصم علاقاتهم بالإمبراطور، فعرض على البرنس ~~آدم تزارتورسكي # Czartoryski ~~- ~~وهو صديق له من أيام الطفولة، وزعيم البولنديين ms0533 الوطنيين الآن - أن ~~يبعث إلى الوجود بولندة القديمة بحدودها التي كانت لها قبل التقسيم ~~الأول سنة 1772 تحت ضمانته، ثم حاول تنفيذ مآربه بتدبير عصيان ~~عسكري في مارس 1811، لم يلبث القائد الفرنسي دافو # Davout # أن قابله بتقوية الحامية في ~~وارسو. # وعلى ذلك فقد تميزت سنة 1811 بقيام مفاوضات طويلة بني العاهلين الفرنسي ~~والروسي، ولكن دون جدوى، حيث اختار كلاهما سياسيين جدد لهذه المفاوضة، فاستبدل ~~نابليون الجنرال لورستون # Lauriston # بسفيره في سان ~~بطرسبرج «كولينكور» الذي اعتبره «روسيا أكثر من اللازم»، بينما بعث القيصر في ~~مهمة خاصة ياوره تشيرنيتشيف # Tchernytchev # ليكون ~~إلى جنب سفيره في باريس البرنس «كوراكين» الذي اعتبره القيصر «فرنسيا أكثر من ~~اللازم»، فلم تسفر هذه المفاوضات إلا عن زيادة حدة الخلاف لدرجة انفجار ~~نابليون ضد «كوراكين» أثناء استقبال رسمي للهيئة الدبلوماسية في 15 مارس 1811، حيث ~~قال الإمبراطور: «لست قاصر الإدراك لدرجة أن أصدق أنك مشغول بمسألة «إمارة ~~أولدنبرج»؛ لأني أدرك تماما أن مسألة بولندة هي التي تستأثر بتفكيرك، وإنكم ~~لتفترضون مشروعات في صالح بولندة، ولكني بدأت أعتقد أنكم إنما تبغون أنتم الاستيلاء ~~عليها، وإني لن أتخلى عن شبر واحد من الأراضي الفارسوفية، حتى لو عسكرت جيوشكم ~~على مرتفعات مونمارتر.» # والحقيقة أن كلا الفريقين بسبب هذا الموقف الذي كان لا يفتأ يزداد سوءا من وقت ~~إلى آخر، كانا حينئذ يجهزان جيوشهما ويبذلان قصارى جهدهما لاستمالة الدول للتحالف ~~معهما؛ تهيؤا للحرب التي لم يعد هناك مفر منها. # أما القيصر إسكندر الذي اصطدمت مشاريعه في بولندة بذلك الولاء الذي أظهره ~~البولنديون وتمسكوا به نحو الإمبراطور الفرنسي، والذي عبر عنه الشاعر ~~البولندي ميكيفتش # Mickiewicz ~~، ودل عليه وجود ذلك ~~العدد العظيم من البولنديين في خدمة «الجيش الأعظم»، فقد كان في وسعه الاعتماد على ~~السويد، ذلك أن الحرب بين السويد وروسيا - التي استمرت حوالي سنة ونصف سنة وانتهت ~~باستيلاء روسيا على فنلندة (1809) - لم تترك جروحا دامية بين الدولتين، ولم يلبث ~~أن حدث تقرب بينهما عندما احتل نابليون بوميرانيا السويدية في يناير 1812، بل ~~سرعان ما ارتمت ms0534 السويد في أحضان القيصر، وكان ولي عهد السويد وقتئذ المارشال ~~برنادوت الذي صار يقوم بنيابة الحكم الآن في السويد. # وفي 5 أبريل 1812 عقد إسكندر وبرنادوت معاهدة لتعويض السويد عن فقدها ~~فنلندة، بإعطائها النرويج (معاهدة سان بطرسبرج)، وتأكد الاتفاق في مقابلة ~~آبو # Abo # في 30 أغسطس «في فنلندة على ساحل ~~البلطيق»، وقد حصل القيصر على ضمانة إنجلترة لهذا الاتفاق بشأن النرويج في 3 مايو، ~~وأبرم مع إنجلترة اتفاقا في يوليو، وكذلك مع إسبانيا في الشهر نفسه، أضف إلى ~~هذا أن القيصر حتى يتفرغ تماما لمنازلة نابليون لم يلبث أن سوى علاقاته ~~بتركيا، بأن عقد مع هذه الأخيرة معاهدة بوخارست في 28 مايو 1812 تنازل بموجبها ~~السلطان العثماني لروسيا عن أراضي ملدافيا (الأفلاق) الواقعة شرق نهر البروث، ووعد ~~بإصدار عفو عن أهل الصرب، ووافق القيصر في مقابل ذلك أن يحتل جنود عثمانيون ~~الحصون الصربية. # وأما نابليون الذي لم يعد في وسعه الاعتماد على محالفة مع السويد أو مع تركيا، ~~فقد أصر على أن يضم إليه - وبالرغم منهما - كلا من بروسيا والنمسا، وقد ~~حذر من برلين السفير الفرنسي سانت ~~مارسان # Saint-Marsan # والعملاء الفرنسيون الإمبراطور، كما فعل ذلك ~~أتو # Otto # من فينا، حتى لا ينخدع بالوعود ~~المعسولة وحسب، فأبرم الإمبراطور معاهدة مع بروسيا في 24 فبراير 1812، وضعت بروسيا ~~بمقتضاها عشرين ألف جندي بقيادة الجنرال يورك دي وارتنبرج # Yorck de Wartenburg # تحت أوامر الجنرال الفرنسي ماكدونالد، ثم أبرم ~~مع النمسا معاهدة في 14 مارس 1812 وضعت النمسا بمقتضاها ثلاثة عشر ألف مقاتل ~~بقيادة شوارزنبرج تحت تصرف الإمبراطور، وعلاوة على ذلك فإن الولايات المتحدة ~~الأمريكية التي أغضبتها القوانين الصادرة في إنجلترة لفرض الحصار البحري على ~~فرنسا والإمبراطورية النابليونية، وتدعيم سيطرة الأسطول الإنجليزي في البحار - وقد ~~سبقت الإشارة إلى هذه القوانين - لم تلبث أن أعلنت الحرب على إنجلترة في 18 يونيو ~~1812، «بالرغم من أن إنجلترة ألغت هذه القوانين في 17 يناير من العام نفسه؛ لأن ~~اتخاذ هذه الخطوة جاء متأخرا.» # في 25 أبريل 1812، أرسل القيصر إلى ms0535 نابليون ما يشبه إنذارا حربيا، يطلب ~~منه قبل كل شيء جلاء الجنود الفرنسيين من بوميرانيا السويدية، حتى إذا حدث ذلك أمكن ~~بحث مسألة أولدنبرج والوسائل التي يتسنى بها تطبيق نظام الحصار القاري، وأجل ~~نابليون الجواب على هذا الإنذار، ثم غادر باريس فجأة في 9 مايو، ومعه زوجه ماري ~~لويز، قاصدا إلى درسدن، حيث استقبله بها يوم 17 مايو ملك سكسونيا فردريك أوجستوس الأول # Augustus # الذي كان قد أعطي ~~غراندوقية وارسو في صلح تلست، وقد استقبل نابليون استقبالا رائعا بوصفه «عاهل ~~أوروبا»، وأفاد نابليون من وجوده في درسدن، واصطحاب زوجه معه ليوثق صلاته بأصدقائه ~~وحلفائه «الحقيقيين»، فتذرع بدعوى إسعاد ماري لويز بمشاهدة والديها، ليدعو كل أعضاء ~~أسرتها، ودعا مع هؤلاء أيضا الأمراء الألمان، وملك بروسيا نفسه، واستمرت ~~الاحتفالات من 17 إلى 29 مايو، ثم لم يلبث بعدها أن بعث بزوجه إلى براج في بوهيميا، ~~ثم قصد هو إلى بوزن Posen # في بولندة، ولكنه لم يشأ ~~أن يزور وارسو التي أعلن بها «مجلس الدياط» وسط حماس أعضائه قرب إعلان استقلال ~~بولندة، فبادر بحله السفير الفرنسي في وارسو «برادت # L’abbé de Pradt ~~» رئيس أساقفة مالين # Malines ~~، واعتقد نابليون أن الحرب سوف تكون قصيرة الأجل، لا تزيد ~~مدتها على ثلاثة شهور وحسب، وفي 22 يونيو 1812 أعلن الإمبراطور لجيشه «أن الحرب ~~البولندية الثانية قد بدأت». # وكان عدد جيش نابليون عند دخول المعركة ضد روسيا لا يقل عن 678000 مقاتل، وأكثر ~~قواته من الفرق الأجنبية، من البلدان الحليفة للإمبراطورية أو التي ضمتها هذه ~~إليها، فكان عدد البولنديين (بزعامة بونياتوسكي Poniatowski ~~) سبعين ألفا، وأما الباقون فكانوا من سكسونيا بقيادة ~~الجنرال الفرنسي رينييه # Jean Rynier ~~، ومن وستفاليا ~~بقيادة جيرون بونابرت، وإيطاليا بقيادة البرنس يوجين بوهارنيه، والجنرال مورا، ~~وبفاريا بقيادة الجنرال ديروي # Deroy ~~، والبرنس ~~ريد # Wrede # الجنرال البفاري كذلك، ثم من هولندة ~~وسويسرة وإسبانيا (ولم يشغل الجنود الإسبانيين غير التفكير دائما في الهرب ~~والتخلف من الخدمة)، وبروسيا (20 ألفا بقيادة يورك)، ~~والنمسا (30 ألفا بقيادة شوارزنبرج) ~~وغيرها. # وبلغ ms0536 عدد جنسيات الأجناد المشتركين في هذه الحملة نحو العشرين، «يتكلمون كل ~~اللغات» ولم يكن الأجناد الفرنسيون أنفسهم يؤلفون نصف قوة هذا الجيش، ومن بين ~~هؤلاء حاول كثيرون الهرب، ودأبوا على عصيان الأوامر، فكان في رأي عدد من المؤرخين ~~من الصعوبة بمكان، لانعدام التجانس بين وحداته ولسوء نظام التموين، منع هذا الجيش ~~من ارتكاب أعمال النهب والسلب في طريقه، وأما قواده فكانوا: دافو، وناي، ويوجين في ~~قيادة «الجيش الأعظم»، وبسيير # Bessières # وليففر ~~ومورتييه يقودون الحرس «الإمبراطوري»، ومورا على الفرسان، ومكدونالد وأودينو ~~وجوفيون سان سير والبروسيون في الجناح الأيسر، وجيروم ورينيه، وشوارزنبرج (القائد ~~النمسوي) في الجناح الأيمن، بينما وقف خلف نهر الفستيولا الجنرال فيكتور على ~~رأس القوات الاحتياطية الأولى، ثم وقف «أوجيرو # Augereu ~~» مع القوات الاحتياطية الثانية خلف نهر الأودر، على أن ~~تتقدم القوات الاحتياطية جميعها في الزحف أماما مع تحركات جيش الغزو، وفيما عدا ~~هذا بقي في فرنسا 150 ألف جندي، وفي إيطاليا خمسون ألفا، وفي إسبانيا 300 ألف، أي ~~إن كل جيوش نابليون بلغ عددها 1188000 مقاتل، دخل منهم روسيا لغزوها 553 ~~ألفا. # وأما الجيش الروسي فقد بلغ 350 ألف مقاتل موزعين في جيشين: جيش الشمال بقيادة ~~ليفونيان باركلاي دي ~~توللي # Livonien Barcly de Tolly ~~، ويليه في القيادة الجنرال ويتجنستاين # Wittgenstein ~~، ثم جيش الجنوب بقيادة البرنس باجراتيون # Bagration ~~، وقد تعززت قواته فيما بعد ~~عندما انضمت إليه أجناد الأميرال تشيتشاجوف # Tchitchagov # الآتية من نهر الدانوب (الطونة)، وكان حماس هذه الجيوش ~~الروسية عظيما لقتال الغزاة المعتدين، كما كان إيمان الجنود عميقا بروسيا ~~المقدسة، وأما الرقيق، رقيق الأرض الذين كان في وسع نابليون أن يجمعهم حوله ~~بالمناداة بتحريرهم، فقد استثارهم النبلاء بدافع العقيدة الدينية لكراهية الفرنسيين ~~المنشقين على الدين، والقتال ضدهم، وأفلحوا في تحريك حماسهم عندما أطمعوهم في نهب ~~مخازن (الجيش الأعظم) ومؤنه وعتاده. # وعبر نابليون نهر النيامن (الحدود الروسية) يوم 24 يونيو 1812، وهذا وقت متأخر ~~نسبيا، لقرب مجيء فصل الشتاء في روسيا، وفي 28 يونيو دخل فيلنا # Vilna ~~، وكتب للإمبراطورة ماري لويز: ms0537 «إن أعماله تسير ~~بصورة طيبة جدا، وإن العدو قد فشل في خططه تماما»، وكان القيصر إسكندر يعيش في ~~فيلنا منذ بداية شهر أبريل، وكان قد جمع «مؤتمرا» بعثت إليه الأمم التي ~~أخضعها نابليون لسلطانه، مندوبين من كل أنحاء الإمبراطورية من الوطنيين ~~المتقدين حماسا لتحرير أوطانهم من السيطرة النابليونية «الأجنبية»، كان من بينهم ~~أرندت # Arndt # المشهور بعدائه الكبير ضد فرنسا ~~منذ 1805 خصوصا، وستين # Stein # السياسي البروسي، ~~وكلاهما يعبر عن الروح القومية (الوطنية) السائدة في ألمانيا ضد ~~«الإمبراطورية». # ولكن ما إن جاءت الأخبار منبئة بعبور نابليون نهر النيامن - وكان القيصر يقيم ~~حفلا راقصا - حتى اضطر إسكندر إلى مغادرة فيلنا بكل سرعة. # وفي 17 يوليو غادر نابليون فيلنا، فوصل إلى فيتبسك # Vitebsk # في 28 يوليو، ولم يحصل أثناء هذا الزحف اشتباك بين ~~الجيشين ما عدا بعض المناوشات البسيطة تجنب باركلاي دي توللي قائد جيش الشمال ~~الروسي أثناءها الالتحام مع الفرنسيين، وعول نابليون على إجبار الروس على ~~الاشتباك في معركة كبيرة عند سمولنسك # Smolensk ~~، ~~المكان الذي كان منتظرا اتحاد جيشي روسيا به (الشمالي بقيادة باركلاي دي ~~توللي، والجنوبي بقيادة باجراتيون)، ولكن في اللحظة التي يحكم فيها نابليون ~~مناورته لتطويق سمولنسك وقطع خط الرجعة على القوات الروسية، يعتمد هؤلاء إلى حرق ~~المدينة، ويتقهقرون بسرعة (18 أغسطس)، فيطاردهم «ناي» مطاردة عنيفة، ويلتحم معهم في ~~معركة عنيفة عند فالوتينا # Valoutina-Goro ~~، ولكن ~~دون أن يلحق بالجيش الروسي هزيمة حاسمة. # ودلت هذه المعركة (فالوتينا) في رأي كثيرين من ناحية الفن الحربي، على نجاح الخطط ~~العسكرية الفرنسية، وعلى أن السبب الأكبر في هزيمة الروس هو أن قوادهم عجزوا - ~~للخلافات التي بينهم - عن تنسيق جهودهم وتحركاتهم، ومع ذلك فقد عجز نابليون من ~~ناحية أخرى عن إدراك ذلك النصر الحاسم الذي كان ضروريا لإنهاء حملة سنة 1812 قبل ~~حلول فصل الشتاء؛ وعلى ذلك فإنه بدلا من الاستقرار في هذا المكان مع جيشه حتى ~~يحصن خطوطه ومواقعه على نهري دوينا # Dwina ~~، ~~ودنيبر # Dnieper # وينظر في إعادة تنظيم ~~بولندة وليتوانيا (وقد اجتاز أراضي ms0538 ليتوانيا في زحفه)، لم يلبث أن غادر سمولنسك في ~~ليل 24-25 أغسطس في وقت كان الحر شديدا خانقا، والمستشفيات ملأى بالجرحى - تحت ~~عناية الجراح لاري # Larrey ~~- وزحف نابليون صوب ~~موسكو المدينة المقدسة والتي لن يتخلى عنها الروس - كما اعتقد نابليون - دون أن ~~يلتحموا مع الغزاة في معارك دامية، ويتسنى للعاهل الفرنسي حينئذ أن ينزل بهم ~~الهزيمة الفاصلة والتي تمكنه من العودة إلى باريس، ثم الاجتماع بزوجه ماري لويز ~~قريبا، كما كتب لها في 2 سبتمبر، وفي كتابه هذا إلى زوجه أشار «نابليون» إلى كل ~~تلك الحروب التي خاضها بنجاح منذ تسعة عشر عاما، ثم إلى الحرب الراهنة التي وعد ~~بأنه سوف ينهيها سريعا. # أما الروس تحت قيادة «كوتوزوف # Koutousov ~~» - وكان ~~من أصل روسي عريق جعله يتميز عن زملائه القواد الذين كانوا من أصول أجنبية ~~وليست روسية خالصة، ويثير لهذا السبب نفسه الحماس في نفوس جنوده - نقول: إنهم ~~استطاعوا تحصين مواقعهم في بورودينو # Borodino # تحصينا قويا على شواطئ كالوتشا # Kalotcha # الذي ~~يصب بعد مسافة قريبة في نهر موسكو # Moscowa ~~. # وقد وصل الفرنسيون أمام هذه التحصينات يوم 7 سبتمبر، ولكن الهجوم الذي قام به ~~هؤلاء «بقيادة يوجين، وناي، ومورا خصوصا» أرغم الروسيين على التقهقر وإخلاء ~~تحصيناتهم، وكاد «دافو» أن يلحق بهم هزيمة ساحقة لو أن نابليون رضي بإعطائه ~~الحرس الإمبراطوري الذي استبقاه نابليون كقوة احتياطية أخيرة «ويبلغ الثماني عشرة ~~ألف مقاتل»، وعلى ذلك تمكن الروس من الإفلات، بعد أن بلغ ضحاياهم من القتلى ~~والجرحى خمسة وأربعين ألفا، وكانت خسائر الفرنسيين في هذه الموقعة (بورودينو) عشرة ~~آلاف قتيل، وأربعة عشر ألف جريح. # وتابع «الجيش الأعظم» زحفه بعد «بورودينو»؛ فسار في سهول مقفرة تركها ~~الفلاحون الذين تقهقروا أمام الغزاة الزاحفين بعد أن أتلفوا الزراعة، وخربوا ~~كل أثر للعمران، واعتمد نابليون و«الجيش الأعظم» على أن موسكو - عند بلوغها - ~~سوف تعوضهما خيرا عن كل المشقات التي صادفاها في هذا الزحف، بفضل ما بها من مخازن ~~مليئة بالمؤن والأغذية والعتاد، وما بها من خزائن مفعمة بالكنور ... إلخ، ms0539 واعتمد ~~نابليون على الالتحام في معركة فاصلة أخرى سريعة، تمكنه من الاستقرار في موسكو، ~~وقد صار فصل الشتاء الروسي على الأبواب من جهة، وتمكنه من تموين جيشه من جهة ~~أخرى. # ولكن الروس بقيادة «كوتوزوف» دائما، والذين تقهقروا من بورودينو إلى موسكو، كان ~~قد صح عزمهم على عدم تعريض مصير جيشهم للخطر بالاشتراك في معركة كبيرة أخرى مع ~~الفرنسيين، إذا حاربوا من أجل الدفاع عن موسكو؛ فقرروا إخلاءها، وأدرك الروس - إلى ~~جانب هذا - أن الفرنسيين سوف تحل بهم الهزيمة لا محالة عند مجيء الشتاء، إذا وجدوا ~~أنفسهم في أرض العدو، تفصلهم مسافات شاسعة عن قواعدهم ومخازن مؤنهم وعتادهم، ~~وذلك كله دون حاجة لقتالهم والاشتباك معهم في أية معارك؛ وعلى ذلك فإن الجيش الروسي ~~لم يلبث أن غادر موسكو في 14 سبتمبر 1812 متسللا من شوارعها وهو في طريق هربه إلى ~~كولومنا # Kolomna ~~، وتبعه في انسحابه أكثر أهل ~~موسكو، وكان قد سبق جلاء النبلاء والطبقات العليا من البلدة، كما نقلت منها المخازن ~~والأشياء الثمينة، فلم يبق بها الآن غير قليلين (من الطبقات الدنيا) وأخليت ~~موسكو تماما، وفي مساء اليوم نفسه (14 سبتمبر 1812) دخلت طلائع الجيش الفرنسي ~~موسكو، وفي اليوم التالي (15 سبتمبر) اتخذ نابليون مقره في قصر الكرملين # Kremlin # محل إقامة القياصرة من قديم الزمن في هذه ~~العاصمة التي أقفرت الآن من أهلها. # وكتب نابليون إلى ماري لويز من قصر الكرملين: # إن مدينة موسكو تشبه في ضخامتها باريس، فيها من قباب الأجراس (1600)، ومن ~~القصور الجميلة (1000)، والمدينة مجهزة بكل شيء، ومؤثثة تأثيثا ~~كاملا. # ولكن منذ 19 سبتمبر لم يعد نابليون يذكر هذه القصور «التي تضارع في ~~جمالها قصر الأليزية» في باريس، والمؤثثة على الطراز الفرنسي، وفي بذخ لا يتصوره ~~العقل، أو يذكر ثكناتها العديدة أو مستشفياتها الضخمة، إلا ليتحدث في ألم عميق ~~وأسى بالغ عن التخريب الذي أصاب عاصمة القياصرة القديمة. # ففي مساء 14 سبتمبر، ولما يمض قليل على دخول الفرنسيين إلى موسكو واستيلائهم ~~عليها شبت النار في موسكو، وظلت مشتعلة مدة طويلة، ms0540 وتغذي سعيرها رياح الخريف، ~~فاستعصى إخمادها إلا بعد أن كانت قد التهمت أكثر من سبعة آلاف مبنى، أي ~~خربت حوالي تسعة أعشار المدينة، وقال نابليون - في حزن وهو يمر بين أطلالها ~~بعد الحريق: «إنهم (أي الروس) لبرابرة حقا، وإن ذلك (حريق موسكو) لدلالة على ما ~~سوف ينطوي عليه المستقبل من كوارث»، حقيقة لقد قضت النار على كل شيء، فهي قد ظلت ~~مشبوبة مدة أربعة أيام، والتهمت الأخضر واليابس، ثم تزايد اشتعال وقودها؛ لأن ~~الطبقة المتوسطة بيوتها الصغيرة مصنوعة من الخشب، فكانت كعيدان الكبريت، وللمرء أن ~~يتساءل: هل كان الحريق مدبرا أم بسبب حادث؟ # والذي يبدو محققا أن الحريق كان مدبرا، وأن حاكم موسكو «روستوبشين # Rostopchine ~~» عند انسحابه دبر هذا الحريق، إن ~~لم يكن فعله ونفذه، وكان بتدبيره أن انتزعت مضخات إطفاء الحريق، ومع ذلك فقد ~~تغالى كثيرون في تقدير الخسائر «المادية» التي نجمت مباشرة من هذا الحريق، فإن ~~نابليون الذي كان غادر موسكو أثناء الحريق للإقامة في قصر بتروسكوا الإمبراطوري Petrowskoïe # لم يلبث أن عاد إلى ~~الكرملين في 18 سبتمبر، وكان من قوله: «إن ما بقي بالمدينة بعد الحريق كان بمقادير ~~تكفي حاجات الجند من مؤن ومتاجر، والعرق (الخمور الفرنسية) ...» أي إنه كان هناك ما ~~يكفي لتموين الجيش بأسره طوال فصل الشتاء. # ولكن كان لحريق موسكو آثار «معنوية» بليغة، لعل أهمها إشاعة اليأس - أو التخاذل - ~~في نفوس الجنود الفرنسيين الذين يقيمون في عاصمة آثر أهلها حرقها وتخريبها ~~على تسليمها لعدوهم، ثم كان من نتائجها أن الوطنيين الروس أنفسهم والذين ظلوا ~~يجهلون تفاصيل حادث الحريق على حقيقتها، سرعان ما اعتقدوا أن الفرنسيين هم الذين ~~أحرقوا عاصمة بلادهم لنهب هذه المدينة المقدسة وتدنيسها، وذلك اعتقاد جعلهم الآن - ~~أكثر من أي وقت مضى - مصممين على المضي في قتال أعدائهم ويرفضون إطلاقا أي ~~اتفاق أو مباحثة معهم، أضف إلى هذا أن «شوارزنبرج» عمد إلى المراوغة بعد هذه ~~الكارثة، ولم يعد يفكر في شيء إلا محاولة إرجاع القوات النمسوية تحت قيادته ~~إلى النمسا سليمة لخدمة ms0541 عاهلها فرنسوا الأول (الثاني)، ولو كانت الخيانة الثمن الذي ~~يجب دفعه لتحقيق هذه الرغبة، وذلك في حين أن نابليون كان يعتمد على زوجه ماري ~~لويز في حمل والدها العاهل النمسوي على إرسال النجدات لجيش شوارزنبرج ~~لتقويته. # واستطالت إقامة نابليون في موسكو، واعتقد أن امتلاك هذه المدينة لا يزال ضمانا ~~قويا لقبول الروس الاتفاق والصلح في النهاية، فلم يشأ التخلي عنها، وأظهر ~~أثناء إقامته بها نشاطا غير عادي، حيث ظل يصرف شئون الإمبراطورية في همة عظيمة، ~~ولكن كان قد صار فصل الشتاء أثناء ذلك على الأبواب، واستطاع الروس أن يحشدوا جيشهم ~~ويهددوا بقطع المواصلات بين الفرنسيين في موسكو وبين مخازنهم وقواتهم الاحتياطية في ~~سمولنسك، ولما كانت قد أخفقت كل محاولة للمفاوضة السلمية مع القيصر، فقد ~~اضطر نابليون في النهاية إلى مغادرة موسكو على أمل الوصول بكل سرعة إلى ~~سمولنسك، ثم الانسحاب منها إلى «فيتبسك»، وإذا لزم الأمر الانسحاب كذلك إلى موقع ~~أبعد. # وفي 19 أكتوبر 1812 أخلى الفرنسيون (120000) موسكو، وكان في المؤخرة المارشال ~~«مورتييه» لينسف قصر الكرملين بعد جلاء الجيش؛ بناء على تعليمات نابليون نفسه، وقد ~~نفذ «مورتييه» هذا الأمر، وتهدم أكثر القصر، وحتى يتجنب الجيش المنسحب الطريق الذي ~~كان قد اتبعه في زحفه على موسكو، والذي صار الآن متخربا - بفضل المقاومة الروسية - ~~اختار نابليون خطا للانسحاب يميل إلى الجنوب صوب «كالوجا # Kaluga ~~» على نهر أوكا # Oka ~~، ~~ولكنه اشتبك مع الروس في معركة شديدة عند مالو ~~ياروسلافتز # Malo-Yaroslàvetz # في 24 أكتوبر، لم يلبث أن اضطر بسببها إلى اتباع ~~الطريق الآخر إلى سمولنسك. # وتكبد الفرنسيون مشقات عظيمة؛ فقد بدأ الثلج يسقط يوم 6 نوفمبر مؤذنا ببداية فصل ~~الشتاء الروسي القاسي، وقد عجل الشتاء بقدومه هذا العام عن السنوات الماضية، وكان ~~قاسيا قسوة شديدة، ومات كثير من الجنود وسط عواصف الثلج، وحتى أثناء وقوفهم للراحة ~~في الليل وهم حول نيرانهم للتدفئة، ولقد بلغ عدد الخيول التي نفقت بسبب البرد ~~والصقيع في الأسبوع الأول فقط من بداية تساقط الثلوج، ثلاثين ألفا، وترتب على ذلك ms0542 ~~أن تخلى الجيش عن كميات عظيمة من الذخائر والعتاد والمدفعية، وإلى جانب هذا كله ~~طارد فرسان القوزاق الروسي كل المتخلفين، أو الرسل الذين ينقلون أوامر القائد ~~العام إلى مرءوسيه. # وحاول «كوتوزوف» أن يرغم وحدات الجيش على الانفصال عن بعضها بعضا بمناوشتها ~~على أمل أن تفصل المسافات الواسعة بين الفرق المجبرة على التخلف وبين الجيش ~~الرئيسي المتقهقر، وأخيرا عندما وصل (الجيش الأعظم) إلى سمولنسك في 10-12 ~~نوفمبر كان البرد والجوع والتعب قد فتك بحوالي الثلاثين ألف مقاتل، والفرسان قد ~~فقدوا كل خيولهم تقريبا، وخسرت المدفعية أكثر من ثلاثمائة مدفع. # ولقد كان في هذه الظروف البائسة، والتي أنبأت ببداية الانهيار أن عرض الوزير ~~النمسوي «مترنخ» في 4 نوفمبر أن يتدخل لدى روسيا، والمعاونة من أجل الحصول على ~~«معاهدة طيبة» للسلام، وذلك بأن يأتي هذا التدخل في صورة وساطة؛ لأن «الوسيط» لا ~~يمكن أن تكون له صفة «المحارب» - وكان للنمسا كما عرفنا قوات بقيادة شوارزنبرج في ~~هذه الحملة الفرنسية ضد روسيا - وواضح أن غرض مترنخ من هذا العرض الذي تقدم به ~~«للوساطة» أي: بالصورة التي تنهي دور النمسا، كدولة محاربة ضد روسيا، إنما كان ~~الاستفادة من موافقة نابليون للخروج من الحرب أولا، وإعادة جيش شوارزنبرج سالما ~~إلى فينا، فيحرم نابليون المساعدة الحربية التي يلقاها من النمسا، وثانيا حتى ~~يتسنى لمترنخ عند انعقاد المفاوضة أن يعمل لتوجيهها ضد صالح الإمبراطور الفرنسي، ~~ولم يشجع نابليون هذا التدخل، كما أنه لم يدفعه أو يوقفه. # ولم يكن مستطاعا البقاء على كل الأحوال في سمولنسك؛ فقد أخذت المؤن تتضاءل، ~~وصار يخشى من نجاح الروس في تطويق «الجيش الأعظم»، وتزايد سقوط الثلوج واشتداد ~~البرد، وقرر نابليون استئناف التقهقر دون إمهال، وقسم نابليون قواته إلى أربعة ~~«طوابير» تفصل بين كل منها مسيرة يوم، ولكن البرد الآن كان قد بلغ درجة الزمهرير، ~~فسجل مقياس الحرارة أيام 14، 15، 16 نوفمبر ست عشرة درجة تحت نقطة التجمد، ثم إن ~~فرسان القوزاق والفلاحين الروس، دأبوا على إزعاج الجيش المتقهقر، ومطاردة الجنود ~~المتخلفين، ولم يستطع الفرنسيون ms0543 أن يسرعوا السير بسبب قسوة المناخ، وضعف روحهم ~~المعنوية، ولأن قواتهم كانت منهكة. # وفي 16 نوفمبر وصل الفرنسيون إلى «كراسنوي # Krasnoi ~~» جنوب سمولنسك بغرب، ليجدوا الروس بقيادة «كوتوزوف» ~~يقطعون طريق نهر الدنيبر، ومتأهبين للالتحام مع الجيش الفرنسي، وكانوا ستين ألفا، ~~فدارت رحى معركة رهيبة لاختراق الخطوط الروسية عند هذا المكان «كراسنوي» بين 16-18 ~~نوفمبر، نجح الفرنسيون أثناءها في اختراق هذه الخطوط في هجمات ثلاث بواسطة الحرس ~~الإمبراطوري، ثم يوجين، ثم دافو، وقد استطاع «ناي» - الذي بدا كأنما قد انهزم مع ~~المؤخرة - أن يعبر النهر هو الآخر بعد الالتحام في موقعة عنيفة على الثلوج ~~المتجمدة، وأن يلحق بالإمبراطور وبقية الجيش عند أورشا # Orsha # على نهر الدنيبر بفلول «طابوره» الذي بلغ 1500 رجل فقط، ~~وعندما استأنف نابليون السير المتعب نحو نهر البريسينا # Bérésina # لم تكن تعدو قوة «الجيش الأعظم» الصالحة للخدمة ~~(24000) مقاتل وحسب، بينما بقية الجيش (وعددهم 14000) لم يكونوا سوى جنود متباطئين ~~متخلفين، لا قدرة لهم على القتال، وعبء ثقيل على «الجيش الأعظم». # وعند «أورشا» وجد الفرنسيون الروس قد أحاطوا بهم، بقيادة «كوتوزوف» من الشرق، ~~وتنجنستاين من الشمال، وتشيتشاجوف من الجنوب، ليحولوا دون استمرار تقهقر ~~الفرنسيين وعبورهم نهر البريسينا، وعندئذ اشتبك الفرنسيون معهم في معركة حامية ~~لتحطيم هذه الدائرة من القوات المطبقة عليهم (26-29 نوفمبر)، فقد أعد كوبريان ~~(جسران) بكل سرعة لنقل الجنود عبر النهر، ونقل نابليون معظم جيشه إلى الضفة ~~المقابلة، ولكن قوات الجنرال فيكتور التي تولت حماية عملية العبور لم تلبث أن هوجمت ~~هجوما عنيفا، وأرغمها الروس على التقهقر فوق هذين الجسرين دون نظام، فسقط أحدهما ~~تحت ضغط ثقل المدفعية، بينما أمر «فيكتور» بنسف الآخر، فكانت مجزرة، ولقد هلك ألوف ~~في هذه الموقعة «بريسينا» حيث أوقع الروس مقتلة كبيرة بالفرنسيين، وأسروا ~~عددا عظيما منهم، وأتمت هذه الكارثة تحطيم «الجيش الأعظم»، فلم يعد هناك (الآن) ~~غير حوالي عشرين ألف مقاتل، يؤلفون القوة النظامية في هذا الجيش، أما الإمبراطور ~~نفسه فقد نجا من هذه الواقعة، وحينئذ استأنف الجيش الزحف صوب فيلنا، حيث ms0544 يمكن ~~الوقوف بها «للراحة» والاستجمام بعد كل هذه المشاق التي تكبدها الجيش ~~المتقهقر، وانتظار النجدات التي يجب أن تصله من فرنسا، والبقاء بها في أمان حتى ~~يأتي الربيع. # وفي 3 ديسمبر 1812 وصل الإمبراطور بجيشه إلى «مولوديتشنو # Molodetchno ~~» على مسافة مائة كيلو متر فقط من فيلنا، ومن هذا ~~المكان أصدر «نشرة 3 ديسمبر» المشهورة، أو النشرة التاسعة والعشرين التي كشفت ~~حقيقة الكارثة للمرة الأولى، بعد أن ظلت هذه الحقيقة سرا مكتوما كل هذه الشهور ~~الماضية، ثم عهد بقيادة الجيش إلى «مورا» على أن يتولى برثييه # Berthier # رئاسة أركان الحرب، وقرر نابليون العودة إلى فرنسا في ~~5 ديسمبر، فغادر «سمورجوني # Smorgoni ~~» متنكرا، وقد ~~اصطحب معه «كولينكور» و«دوروك # Duroc ~~» ومترجما ~~بولنديا، واستخدم الإمبراطور الزحافات لقطع هذه المسافات الشاسعة على الجليد بكل ~~سرعة، فأمكنه الوصول إلى وارسو يوم 10 ديسمبر، وفي مساء 18 ديسمبر دخل باريس، ~~فدهشت زوجه ماري لويز والحاشية، وقد كانوا جميعا لا يتوقعون وصول الإمبراطور، ~~وفي هذه الصورة المفاجئة، بعد أن سبقته بساعات معدودة فقط (النشرة التاسعة ~~والعشرون)، وسببت الوجوم في عاصمة الإمبراطورية. # ولقد كان من أسباب هذا الوجوم كذلك - إلى جانب الأخبار التي أذيعت عن كارثة ~~الحملة الروسية - تلك الهزائم التي لحقت بالجيوش الفرنسية في إسبانيا؛ ففي ~~إسبانيا كان الكورتيز # Cortes ~~(وهو بمثابة برلمان ~~أهلي) في قادش قد استصدر دستورا على مبادئ حرة في 18 مارس 1812، وبدأ دوق ولنجتون ~~حملة 1812 في إسبانيا بالاستيلاء على سويداد رودريجو «واسترجاعها من الفرنسيين» في ~~19 يناير، ثم على «بداجوز # Badajoz ~~» في 6 أبريل، ~~بعد أن تكبد في سبيل ذلك خسائر فادحة، بيد أن الاستيلاء عليهما أعطى ولنجتون ~~قواعد يستند عليها في عملياته الهجومية التالية، وكان ذا أثر ظاهر في تقرير مصير ~~النضال في إسبانيا، وعندئذ تقدم ولنجتون في داخل إسبانيا والتحم مع الجيش ~~الفرنسي بقيادة «مارمون» في واقعة سلامانكا # Salamanca # التي انتصر فيها الإنجليز انتصارا باهرا في 22 يوليو ~~1812، وقد جرح «مارمون» في هذه المعركة، وارتد بعد هزيمته إلى «برجوس # Burgos ~~» «في ms0545 الشمال»، فضرب ولنجتون الحصار عليها، ~~ولكنه ما إن شاهد مجيء النجدات إليها حتى رفع الحصار عنها في 21 أكتوبر. # وكانت مدريد بسبب هزيمة مارمون السابقة قد باتت مهددة، مما اضطر «سولت» إلى رفع ~~الحصار عن قادش منذ 25 أغسطس، والتقدم صوب الشمال للدفاع عن العاصمة، وتولى سولت ~~القيادة العامة في إسبانيا، وأما ولنجتون الذي تابع تقهقره من «برجوس» صوب الجنوب ~~ونزلت بجيشه خسارة كبيرة بسبب انعدام النظام من جهة، وقسوة المناخ من جهة أخرى، فقد ~~تمكن بعد جهد ومشقة من الوصول إلى «سويداد رودريجو»، حيث قرر اتخاذها مقرا لتمضية ~~جيشه فصل الشتاء بها، وعنئذد عاد الملك جوزيف بونابرت إلى العاصمة مدريد، ولكن كان ~~واضحا أن الفرنسيين فقدوا كل إسبانيا، جنوب مدريد دون أي أمل في استرجاعها. # وكان لهذه الهزائم في إسبانيا وما صحبها من إهانات ألحقت الأذى بسمعة ~~نابليون على وجه الخصوص، نتائج ذات آثار تشير بوضوح إلى الطريق الذي سوف تسير ~~فيه الحوادث في المستقبل، ولعل من أبرز هذه الآثار العاجلة كانت تلك المؤامرة ~~الغريبة، والتي كان من الممكن نجاحها - بالرغم من أنها أخفقت - وهي مؤامرة ~~الجنرال ماليه # Malet ~~، وكان «ماليه» قد اشترك في ~~مؤامرة جمهورية - هي الأولى من نوعها منذ 1801 - وذلك في غضون عام 1808، وقبض ~~عليه مع غيره من المتهمين، وكانوا إما من أعضاء المؤتمر الوطني السابقين أو أعضاء ~~لجنة الأمن (الخلاص) العام، ولكن «فوشيه» بمؤازرة «كمباسيرس» نجح وقتئذ في إقناع ~~نابليون بكتمان المسألة وإنهائها في سكون. # ونقل «ماليه» من السجن إلى مصحة، وأخذ «ماليه» يوثق صلاته ليس ~~بالجمهوريين وحدهم، بل وبالملكيين كذلك هذه المرة، يدبرون جميعا الخطة لإسقاط ~~نابليون، ولقد كان إسقاط هذا العاهل المسألة التي اتفقت كلمة المتآمرين عليها؛ ~~لأنهم اختلفوا في نوع النظام الذي يجب أن يحل محل الحكومة القائمة، بل وإجراء ~~الانتخابات لانعقاد الهيئات الانتخابية لإقراره، واستفاد المتآمرون من ذيوع إشاعة ~~في باريس بأن الإمبراطور قد توفي، وهو في حملته بروسيا، فاستمالوا إليهم بعض ~~الرؤساء العسكريين، ومدير البوليس في العاصمة «فروشو # Frochot ~~»، وفي ms0546 يوم 23 أكتوبر 1812 تمكن «ماليه» من القبض على ~~وزير البوليس والمدير العام للبوليس «سافاري»، وعندما عجز عن استمالة الجنرال ~~«هولان # Hulin ~~» القومندان العسكري في باريس، ~~أطلق «ماليه» عليه الرصاص، ولكن «ماليه» لم يلبث أن وقع هو وشركاؤه في قبضة ~~الحكومة وأعدموا جميعا رميا بالرصاص في 29 أكتوبر، وبلغت أنباء هذه ~~المؤامرة نابليون يوم 7 نوفمبر قبل وصوله إلى سمولنسك، فكان هذا الحادث من الأسباب ~~التي جعلته يريد العودة إلى باريس بكل سرعة. # وكان وجه الخطورة في هذه المؤامرة - التي كان الفشل نصيبها - أن عددا من الضباط ~~بمجرد أن ذاع النبأ بوفاة نابليون، تمكنوا في ساعات معدودة من الاستيلاء على ~~الحكومة، وأن مدير بوليس العاصمة انحاز إليهم دون أي اهتمام بوجود الإمبراطورة وولي ~~العهد ملك روما، ووزراء نابليون وكل سلطات الدولة، بل إن «ماليه» ربما كان محقا ~~عند استجوابه أمام الهيئة العسكرية التي حاكمته لمعرفة شركائه في المؤامرة، حين ~~قال مخاطبا رئيس الهيئة: «إنهم أنتم أنفسكم يا سيدي، وفرنسا بأسرها كذلك لو ~~قدر لي النجاح»، ولم يكن في وسع نابليون إلا أن يذهب «ليرى بنفسه» ما يحدث ~~بعاصمة إمبراطوريته. # ولا جدال في أن مؤامرة «ماليه» هذه كانت من الحوافز القوية التي جعلته يصمم ~~على العودة إلى عاصمة ملكه، وكان لا بد من رجوعه إلى باريس بعد أن بدأ أعداؤه ~~يرفعون رءوسهم، ويقوى أملهم في التحرر من سيطرته، بسبب الكوارث التي ~~نزلت به خصوصا في روسيا وإسبانيا. # وأما المشكلة العاجلة التي واجهت الإمبراطور عقب وصوله إلى قصر التويلري في باريس ~~في مساء 18 ديسمبر 1812، فكانت اتحاد أوروبا في المحالفة السادسة ضده، وأخذ ~~الإمبراطور يتهيأ لمواجهة أوروبا، وكان لا بد من تنظيم «الجيش الأعظم» من جديد ~~قبل الدخول في الحرب المنتظرة. # وكانت بقايا «الجيش الأعظم» قد وصلت إلى فيلنا يومي 8-9 ديسمبر في حالة يرثى ~~لها، وتحت تهديد القوزاق (الفرسان الروس) الذين نجح «ناي» و«لواسون # Loison ~~» في دفعهم بعد عناء ومشقة، وواصل الجيش ~~تقهقره فغادر فيلنا، بعد أن ترك بها الجرحى والمرضى ms0547 ليذبحهم الروس دون شفقة، ووصل ~~الجيش المتقهقر إلى «كوفنو # Kovno ~~» على نهر النيامن ~~الذي عبره الجنود يوم 30 ديسمبر، وكان في هذا اليوم كذلك أن عمد الجنرال يورك دي ~~وارتنبرج قائد القوات البروسية (تحت أوامر القائد الفرنسي مكدونالد) إلى توقيع ~~اتفاق مع الجنرال الروسي ديبتش # Diébitch # في ~~تاوروجن # Tauroggen ~~، ينص على أن جيشه البروسي ~~قد صار محايدا، ثم اضطر «مورا» إلى مغادرة كونجزبرج التي دخلها الروس يوم 15 ~~يناير 1813، بينما تقهقر مورا جنوبا حتى وصل إلى بوزن في بولندة، حيث بدأت ~~الاتصالات بينه وبين مترنخ في مفاوضة عرجاء، ثم لم يلبث أن ذهب إلى نابولي عاصمة ~~مملكته في إيطاليا. # ومع أن ملك بروسيا فردريك وليم الثالث استنكر اتفاق «تاوروجن»، فقد كان سبب ذلك ~~أن برلين حتى يوم 4 مارس 1813 كانت لا تزال تحتلها الجيوش الفرنسية، والحقيقة أن ~~بروسيا بدأت «تخون» العهد مع فرنسا، منذ اللحظة التي لم يعد لدى هذه الأخيرة غير ~~«جنود جرحى، ولا سلاح معهم ولا شجاعة لديهم»، وعبثا حاول يوجين بوهارنيه - الذي ~~خلف «مورا» في قيادة الجيش في «بوزن» (17 يناير 1813) وعلى نحو ما كتب لشقيقته ~~«هورتنس» - أن يؤلف من الجيش الذي تحت قيادته قوة تكفي لوقف جيوش العدو ~~«الروسية» وصدها عن مطاردته من ناحية، وفي الوقت نفسه مواجهة أولئك الذين ~~يعلنون عداءهم ضد فرنسا مرة بعد أخرى. # ثم إن شوارزنبرج وجد الفرصة مواتية لتنفيذ أغراضه، فعرض عليه السياسي ~~الروسي البارون دي أنستيت # Anstett # هدنة من نمط ~~الهدنة التي حصل الاتفاق عليها مع البروسيين في تاوروجن، وبعد أن أحال ~~شوارزنبرج هذا العرض على حكومته في فينا - وهي التي كما رأينا، كانت تعمل للخروج ~~من المحالفة مع فرنسا منذ 4 نوفمبر من العام السابق لتتدخل ضدها - أبرم ~~شوارزنبرج مع الجنرال كوتوزوف في 30 يناير 1813 اتفاق زيتيش # Zeycz # الذي أضحى بفضله كل جناح «الجيش الأعظم» الأيمن مكشوفا؛ ~~وعلى ذلك فقد تقهقر الفرنسيون إلى ما وراء نهر الأودر، بينما دخل القيصر وارسو (في ~~18 فبراير 1813)، ووقف البرنس يوجين ms0548 في تقهقره في أقصى حدود سكسونيا الغربية عند ~~نهر سال # Saal ~~(أحد فروع الإلب). # أما نابليون فقد علق على الموقف بقوله في 10 يناير 1813؛ بأنه وإن كان يريد ~~السلام، فهو لا يهاب الحرب، وإنه لا يزال لدى الفرنسيين موارد عظيمة بالرغم من ~~الخسائر التي سببتها قسوة المناخ؛ فالهدوء يسود البلاد في الداخل، ولا تريد ~~الأمة إطلاقا التنازل عن أمجادها وعن قوتها، وفي الخارج تؤكد - بأقصى ما ~~يمكنها فعله - كل من النمسا وبروسيا والدنمارك ولاءها، فلا تفكر النمسا في ~~فصم عرى محالفة من المنتظر أن تجني منها فوائد عظيمة، ويعرض ملك بروسيا تقوية ~~الفرق البروسية (في الجيش الفرنسي)، وقد قدم للمحاكمة الجنرال يورك (دي ~~وارتنبرج) أمام مجلس عسكري، والروسيا في حاجة إلى السلام، ومهما تآمرت إنجلترة ~~لاستثارة حفيظتها فهي - حسب اعتقاده - لا تريد الاستمرار في حرب تكون عواقبها وخيمة ~~عليها في النهاية. # ولا جدال في أن هذه كانت مجرد تصريحات رسمية مبنية على تفاؤل، لم يكن بحال من ~~الأحوال نابليون مخدوعا به نفسه، ينهض دليلا على ذلك ما صار يبذله من جهد لإعادة ~~بناء قوة فرنسا والإمبراطورية بالدرجة التي تجعلها قادرة على مواجهة الأزمات ~~المقبلة. # وكانت وسائل نابليون لتحقيق هذه الغاية متعددة؛ فهو (أولا) أدرك أن الواجب ~~يقتضيه إرضاء الشعور الكاثوليكي، وذلك بالصلح مع البابا، وكان نابليون قد نقله إلى ~~«فونتنبلو # Fontainebleau ~~» منذ 19 يونيو 1812، ~~قريبا من باريس ليبقى تحت رحمته؛ وعلى ذلك فإنه لم تمض أيام ثلاثة على عودته ~~إلى باريس حتى بادر نابليون بمناسبة السنة الجديدة فكتب للبابا بيوس السابع في 29 ~~ديسمبر 1812: «إنه بالرغم مما وقع من حوادث، ظل دائما يحتفظ بنفس المحبة لشخصه، ~~ويؤكد له رغبته الصادقة في إنهاء كل الخلافات التي تفصل الدولة عن الكنيسة.» # وقد حضر إلى «فونتنبلو» يوم 9 يناير 1813 أسقف نانت «ديفوازان # Duvoisin ~~» وثلاثة من الكرادلة يحملون إلى البابا ~~مقترحات نابليون التي ظلت موضع بحث ومفاوضة، ساهم فيها نابليون بنفسه عندما ~~زار البابا فجأة في 18 يناير، وبقي معه بضعة أيام يبحثان ms0549 معا شروط الصلح، ثم أسفر ~~الأمر عن الاتفاق في 25 يناير 1813 على إحدى عشرة مادة تألفت منها اتفاقية أو ~~كونكردات فونتنبلو، وقد تضمنت هذه الاتفاقية شروطا طيبة في صالح البابا والكنيسة، ~~ولكنها احتفظت بموجب المادة الرابعة منها بالترتيبات التي وافق عليها المجلس ~~الكنسي في سنة 1811 بشأن التقليد القانوني، والتي عرفنا أنه بعد مهلة ستة شهور يكون ~~للبابا أثناءها حق التقليد القانوني، تنتقل ممارسة هذا الحق إذا تأخر التقليد إلى ~~المطران (أو المتربوليتي) أو إلى أقدم الأساقفة في المقاطعة، وكان بسبب ذلك أن ~~وقع البابا على «الكونكردات»، وهو في قرارة نفسه لا يرضى عنها. # وفي مساء يوم التوقيع نفسه أعلن نابليون في مذكرة رسمية أنه لم يكن يدور في خلده ~~إطلاقا أن يجعل البابا ينزل بسبب هذه الاتفاقية، وما ذكرته موادها، عن حقوق ~~سيادته الزمنية على أملاك «الدولة» البابوية، ومع ذلك فقد ظل البابا غير راض عن ~~«الكونكردات»، ولم يتردد في إظهار عدم رضائه عنها، وعندئذ رأى نابليون أن يتعجل ~~الأمر، فجعل مجلس الشيوخ يعلن في 3 فبراير أن الاتفاقية (الكونكردات) الجديدة، ~~قانون من قوانين الدولة. # ولكن البابا نزولا على رغبة الكرادلة لم يلبث أن احتج على إعلان مقدمات الاتفاق ~~بوصف أنها المعاهدة النهائية (24 مارس)، وأرسل إلى الإمبراطور استدراكا رجع ~~فيه عن موافقته السابقة بدعوى أنه استدرجه لارتكاب هذا الخطأ، غير أن هذا التنصل لم ~~يثن نابليون عن عزمه، وإظهار أن كل مسائل الكنيسة قد سويت بالتفاهم التام ~~والموافقة الكاملة من الجانبين، فأعلن في اليوم التالي (25 مارس) أن الكونكردات ~~نافذة في كل أنحاء الإمبراطورية، وتقديم كل من يجرؤ على مخالفة نصوصها للمحاكمة، ~~ليس أمام مجلس الدولة كما كان المعمول به سابقا، بل أمام المحاكم الإمبراطورية، ~~وزيادة على ذلك بادر نابليون بتعيين اثني عشر أسقفا للأسقفيات الشاغرة، ~~واتخذ الإجراءات الكفيلة بعزل البابا عن مستشاريه وخلصائه، وبدا كأنما كل ~~الخلافات قد أزيلت بين البابا والإمبراطور. # وأحدث هذا الصلح «الظاهري» الأثر المطلوب لدى سواد الأمة والعالم ~~الكاثوليكي، ولكن الحقيقة كانت ms0550 إخفاق نابليون في كل محاولاته في استرضاء البابا ~~بيوس السابع الذي بقي «سجينا» في «فونتنبلو» حتى يوم 22 يناير 1814 «لينقل منها ~~إلى سافونا في 24 يناير، ثم يعود من هذه إلى روما في 19 مارس بعد هزيمة ~~الإمبراطورية»، وأما الكونكردات التي أبرمت في فونتنبلو فقد ولدت ~~ميتة. # وكان نابليون قد أحضر معه إلى فونتنبلو الإمبراطورة ماري لويز عندما ذهب ~~«لزيارة» البابا، ولعله كان يريد أن يقوم البابا بتتويجها حتى تزيد سمعتها ~~ومكانتها ارتفاعا ويطمئن الإمبراطور نفسه - بفضل هذا التتويج البابوي - إلى ~~استقرار الحكم في الإمبراطورية في أسرته، وأن يخلفه ابنه وولي عهده ملك روما ~~على عرش هذه الإمبراطورية، فكان (ثانيا) التفكير في تقوية مركز الإمبراطورة ماري ~~لويز، واتخاذ الإجراءات التي تكفل استقامة الأمور عند وفاته، وعدم تعرض العرش ~~للضياع إذا تآمرت بعض العناصر المعادية لقلب نظام الحكم، على نحو ما حاول ~~«ماليه» ورفاقه أن يفعلوا، وحرمان أسرة بونابرت وملك روما عرش ~~الإمبراطورية. # وعلى ذلك فقد استصدر نابليون قرارا من مجلس الشيوخ في 11 مارس 1813 بتخصيص ~~صداق لزوجه تتمتع به عند ترملها، قدره أربعة ملايين فرنك، إلى جانب قصر ~~الأليزيه وقصري التريانون «في فرساي، أحدهما الكبير: وقد بناه لويس الرابع عشر، ~~والآخر الصغير: وهذا بناه لويس الخامس عشر»، ثم استصدر قرارا في 30 مارس بإنشاء ~~مجلس للوصاية # Conseil de Régence # برئاسة ماري ~~لويز، وكان هذا الإجراء مخالفا لدستور السنة الثانية عشرة، أي دستور الإمبراطورية ~~(بتاريخ 18 مايو 1804)، ولكنه في نظر نابليون كان إجراء ضروريا لتجنب حدوث ~~اضطرابات دستورية، أو أخرى من نمط الانقلابات التي ذكرنا أن محاولة «ماليه» كانت ~~من أمثلتها لقلب نظام الإمبراطورية. # على أن بقاء الإمبراطورية وضمان استمرار الحكم في بيت بونابرت كان كلاهما مرتهنا ~~بوجود القوة العسكرية التي تعتمد عليها السيطرة النابليونية في أوروبا، وكان دوام ~~هذه السيطرة النابليونية شرطا أساسيا للحيلولة دون انهيار الإمبراطورية، ولتثبيت ~~دعائم النظام الذي أراد نابليون أن ينتقل العرش بمقتضاه إلى ملك روما، وأن تبقى من ~~حق البيت البونابرتي وراثة الحكم ms0551 في فرنسا؛ وعلى ذلك فقد كانت (ثالثا) العناية ~~بإعادة تنظيم الجيش أمرا لازما؛ لا سيما بعد الكوارث التي كبدته خسائر فادحة ~~في الحملة الروسية والحرب الإسبانية، ولأن الدول في أوروبا تألبت الآن ضد ~~فرنسا في المحالفة الدولية السادسة، من إنجلترة وبروسيا والولايات أو الإمارات ~~الألمانية، وإسبانيا والبرتغال وروسيا ثم السويد والنمسا، وذلك بعد أن تبين ~~لها أنه قد بات ممكنا إنزال الهزيمة بجيوش نابليون «المظفرة»؛ فاستصدر نابليون ~~قرارا في 22 ديسمبر 1812 بتوقيع العقوبة على الآباء الذين يمتنعون بشتى الوسائل عن ~~تقديم أبنائهم للتجنيد، واستصدر قرارا آخر في أبريل 1813 بإنشاء أربعة فرق من ~~فرسان الحرس الذين يجري اختيار أكثرهم من الشبان أبناء الأغنياء في الأقاليم ليتألف ~~منهم الحرس الإمبراطوري، وإلى جانب هذا فإنه لما كان مجندو طبقة سنة 1813 قد ~~تم تجنيدهم فعلا منذ أكتوبر 1812، فقد دعيت للتجنيد الآن الطبقة التالية، ~~أي مجندو سنة 1814، على أساس تقديم تاريخ الطلب للجندية عامين عن موعده، وقد ~~أشرفت الوصية على العرش، ومجلس الوصاية على عملية التجنيد هذه الأخيرة خصوصا؛ ~~لاستحثاث الموظفين المسئولين على السرعة في إنجازها؛ ولذلك فقد أعطي الجنود ~~الشبان من هذه الطبقة لقب «الماري لويز». # وإلى جانب ما تقدم كانت هناك (رابعا) استعدادات للتنظيم والتعبئة من نوع آخر ~~تتناول مسائل ذات أهمية اجتماعية، من ذلك - على وجه الخصوص - استصدار قرار صار ~~مشهورا بتاريخ 26 مايو 1813 بتنظيم استخراج الفحم الحجري من إقليم أو مقاطعة ~~ميرث # Meurthe # بفرنسا - على حدودها الوسطى ~~الشرقية - على أساس اشتراكي بإشراف الدولة؛ حيث أنشئت جمعية للخدمة الاجتماعية تضم ~~إليها الصناع والمستخدمين، تتخذ مقرها في «لييج» مركز المقاطعة الرئيسي، وتتألف ~~مواردها من إعانة تدفعها الحكومة ومستقطعات من أجور ومرتبات أعضاء الجمعية بنسبة ~~اثنين في المائة، وإتاوات يدفعها أصحاب المناجم بنسبة 0,50٪ من جميع الأجور ~~والمرتبات الدائمة التي يدفعونها، وتقوم هذه الجمعية بتوزيع الإعانات والمعاشات، أي ~~إن عملها كان تأمين العمال والمستخدمين ضد تقدم السن والتعطل عن العمل، ~~والحوادث، ثم المرض، على أن يسمح بامتداد هذا النظام إلى ms0552 أقاليم مناجم الفحم ~~الأخرى، وأن يشمل أصحاب الحرف الأخرى، ولم يمنع انتشار هذا النظام الاشتراكي ~~ونجاحه غير انهيار الإمبراطورية النابليونية في الوقت الذي كان قد بدأ العمل به في ~~أول مراحله، ولما يكد يمض زمن كاف على البدء في تنفيذه. # وأما هذا الانهيار فقد جاء النذير به من ناحية بروسيا، ذلك أن الفرنسيين بمجرد أن ~~اضطروا إلى إخلاء بروسيا الشرقية على أثر تقهقرهم من روسيا في الظروف التي ~~سبق ذكرها، حتى حضر من المنفى الوزير البروسي «ستين» لينضم إلى الجنرال ~~يورك دي وارتنبرج، ولينشئ في هذه المقاطعة حكما دكتاتوريا، ويشرف على إعداد جيش ~~قوي حسب النظام العسكري البروسي الجديد، ومن ناحية أخرى نجح «هاردنبرج» في إقناع ~~الملك فردريك وليم الثالث - الذي كان من شيمته التردد دائما - بالذهاب إلى برسلاو ~~في سيليزيا (22 يناير 1813)؛ ليجد بها على قدم الاستعداد جيشا بروسيا كبيرا من ~~خمسين ألف مقاتل، يتولى قيادتهم أعظم القواد البروسيين: شارنهورست وجنسيناو # Gneisenau ~~، وكلوسوتيز # Clauswitz ~~، وبلوخر # Blüchehr ~~، ~~وقد رفض هؤلاء خدمة الإمبراطور نابليون، فاستمرت تنحيتهم عن العمل مدة، حتى ~~تولوا (الآن) القيادة، وكان امتناعهم السابق عن خدمة نابليون من الأسباب التي ~~جعلتهم يتولونها. # وقد اتخذت عدة إجراءات لتنظيم هذا الجيش، كانت موضع تفكير طويل ودراسة عميقة ~~من مدة سابقة، من ذلك أنه صدر قرار في 8 فبراير 1813 يجيز للقناصة المتطوعين من ~~الجنود المشاة والفرسان، أن يتحملوا أنفسهم نفقات تسليحهم وعتادهم، في 16 فبراير ~~صدر قرار آخر بوقف الإعفاء من الجندية طول مدة الحرب، وقد كان وقف الإعفاء ~~من الجندية هذا - الذي لم يلبث أن صار معمولا به بصورة نهائية - الأصل الذي ~~استند عليه نظام الخدمة العسكرية الإجبارية الذي عرفته بروسيا قبل غيرها من ~~الأمم. # وفي 10 مارس (عيد ميلاد الملكة لويزا) أنشئ نظام الصليب الحديدي لتكريم كل أولئك ~~الذين يمتازون بالبسالة في ميادين القتال ضد العدو، وذلك دون نظر للمولد أو للمنصب، ~~وفي 17 مارس صدر قرار بتأسيس وتنظيم الجيش المعد للدفاع عن البلاد # Landwehr ~~، وفي 21 أبريل صدر ms0553 القرار الخاص ~~بقوات الدفاع المؤلفة من كل القادرين على حمل السلاح، أي تعبئة الصالحين للخدمة ~~العسكرية # Landsturm ~~، وتلك كانت قوات «حرة» غير ~~الجيش النظامي العادي، وأقبل على الانضمام إلى صفوفها الفلاحون وأبناء الطبقة ~~المتوسطة، وساهم النساء في تزويد الجيش بحاجاته وتأسيس هذه القوات المقاتلة ~~«الحرة» بكل الوسائل، وصرن يبعن ما لديهن من مصوغات وحلي من أجل ~~الانتصار في الحرب المنتظرة «حرب ~~التحرير # Befreingskrieg ~~»، وهي الحرب التي تاق لها الألمان، وراحوا يعبرون ~~عن ذلك الروح الوطني، أو الشعور القومي الجديد الذي أحيا في صدورهم الأمل في التخلص ~~من السيطرة الأجنبية التي فرضها نابليون عليهم، وحفزهم إلى التكتل في مجهود وطني ~~متحد يهدف إلى غرض واحد هو إحياء الأمة الألمانية. # هذا الشعور القومي، وهذه الرغبة القوية في التحرير والخلاص عبر عنهما الألمان ~~في أغنياتهم وأناشيدهم، وفي منشوراتهم العدائية ضد السيطرة أو الديكتاتورية ~~النابليونية، وفي الكراسات أو النشرات التي أذاعوها، من ذلك «أنشودة المزاهر ~~والسيوف» للشاعر الألماني كارل تيودور ~~كورنر # Körner # الذي تطوع في حرب التحرير، وغنى لها، ثم قتل في ساحة ~~الوغى، بينما كان أرندت # Arndt ~~- الذي سبق ~~ذكره، وهو أستاذ بجامعة جريفزوالد # Griefswald ~~- ~~صاحب «أهازيج الحرب»، والشاعر فردريك ~~روكيرت # Rückert # وله أغان مشهورة، وهنريك ~~كلايست # Kleist # وغير هؤلاء، وقد عبروا جميعا عن ذلك الشعور القومي الذي ~~جاش في نفوس الألمان لمدة طويلة قبل انفجار الثورة في ألمانيا سنة 1813 للخلاص من ~~السيطرة الفرنسية. # ولقد سبق أن تحدثنا عن محاضرات «فيشته # Fichte ~~» في جامعة برلين، التي تأسست في عام 1810 فقط، فقد ختم ~~محاضراته يوم 19 فبراير 1813 بقوله: «إن هذه ~~المحاضرات سوف توقف إلى أن تنتهي الحملة «أو الحرب» الحالية، وسوف نستأنف ~~إلقاءها وقد تحررت بلادنا، أو أن نلقى الموت في سبيل الحرية»، وكان لهذه ~~العبارات دوي عظيم. # وفي جامعة برلين - كذلك - اشتهر أستاذ آخر «شلايرماخر # Schleirmachet ~~» بتحريك النفوس، واستفزاز الأمة الألمانية للنضال ضد ~~الرجل الذي يجب تحطيمه (نابليون)؛ لأنه - على حد قول أرندت - قد حطم الحرية ~~وهدم صرح القانون. # ولقد ms0554 كانت المفاوضات في كاليش # Kalish # بين القيصر ~~إسكندر، والقائد البروسي كنسبيك # Knesebeck ~~(عن ~~فردريك وليم الثالث ملك بروسيا) في 9 فبراير 1813، وكانت مفاوضات دقيقة؛ لأن القيصر ~~أراد إرجاع بولندة إلى روسيا والاحتفاظ بها تحت سلطانه، ودفع بروسيا صوب الغرب ~~في اتجاه سكسونيا ونهر الراين، بينما أرادت بروسيا أن تتدعم أركانها في الشمال ~~والشرق. # ثم استؤنفت المفاوضات في برسلاو، حيث حمل البارون أنستيت # Anstett # إلى فردريك وليم رسائل من قيصر روسيا (21 فبراير)، وانتهت ~~المفاوضات إلى إبرام معاهدة برسلاو في 27 فبراير، ثم التصديق عليها في كاليش في أول ~~مارس 1813 لإنشاء محالفة دفاعية هجومية ضد فرنسا، وقد تعهد الطرفان بعدم الدخول ~~في مفاوضات منفصلة مع العدو (فرنسا)؛ لأجل عقد السلام، وبأن يتخذا - بالاشتراك فيما ~~بينهما - الخطوات اللازمة للحصول على تأييد النمسا من جهة، وعلى المعونة المالية من ~~إنجلترة من جهة أخرى، وفي مادة سرية اتفق الفريقان على أن تعود بروسيا إلى ما كانت ~~عليه حدودها في سنة 1806، على أن يكون لها من الأقاليم ما يربط بروسيا القديمة ~~بأراضي سيليزيا، وقد ترك هذا الإجراء لروسيا احتمال إرجاع بولندة تحت سيطرتها، ~~ودخل الروس برلين في 11 مارس، وفي 15 مارس قابل القيصر الملك فردريك وليم في ~~برسلاو، وكان الوزير البروسي هاردنبرج عشية هذه المقابلة قد بعث إلى فرنسا بمذكرة ~~يفسر فيها أسباب فصم العلاقات مع فرنسا، وخروج بروسيا على الإمبراطور. # وفي 17 مارس أعلنت بروسيا الحرب على فرنسا وأصدرت قرار تأسيس وتنظيم جيش ~~الدفاع عن البلاد # Landwehr ~~- الذي سبق الكلام ~~عنه - ثم أذاع الكاتب الألماني تيودور جوتليت ~~هيبل # Hipple # دعوته المشهورة لاستنهاض أمته للنضال ضد الأعداء ~~(الفرنسيين)، وهي الدعوة أو النداء الذي يحدد بداية الثورة الألمانية - أو النهوض ~~القومي - والذي تجاوبت أصداؤه في جميع أنحاء ألمانيا؛ فقد وجه «هيبل» النداء ~~«للبراندنبرجيين، والبروسيين، والسيليزيين، والبوميرانيين، والليتوانيين، الذين ~~يعرفون أنهم تذوقوا مرارة العذاب سبع سنوات بتمامها، والذين يعرفون ماذا ~~يكون مصيرهم المحزن إذا هم لم ينهوا - في شرف واستبسال - هذا النضال الذي بدأ ~~الآن.» ms0555 # وناشد «هيبل» مواطنيه أن يذكروا آباءهم وأجدادهم، والأمجاد التي كانت لهم؛ ~~ليسترجعوها في ميدان الجهاد من أجل تحرير الوطن، بتحمل التضحيات التي لا يمكن أن ~~توازي - مهما بلغت - كل تلك الأهداف المقدسة التي يجب عليهم أن يحاربوا من أجلها، ~~وأن ينتصروا للفوز بها، إذا شاءوا إقامة الدليل على أنهم دائما أبدا بروسيون ~~وألمان. # ولقد أصدر القائد الروسي وتجنستاين بمجرد دخوله إلى برلين نداء مشابها يدعو كل ~~شعوب ألمانيا لحمل السلاح، استهله بقوله: «الحرية أو الموت»، ثم أخذ يوجه الكلام ~~«للسكسونيين والألمان» قائلا: «إن كل اعتزاز بالأصول العريقة قد انتهى وطويت ~~سجلات النبلاء بانتهاء سنة 1812؛ لأن أعمال جدودنا المجيدة قد طمستها ~~الإهانات التي لحقت بأحفادهم، ولكن ثورة ألمانيا ونهوضها سوف يتولد منها أسرات ~~نبيلة جديدة، وهي وحدها التي سوف تعيد للأجداد المجد الذي فقدوه»، وثورة ألمانيا ~~هي التي جعلت في صفوف الجيش البروسي «يقف جنبا إلى جنب ابن العامل وابن ~~الأمير.» # وفي برسلاو أبرم الوزير البروسي «ستين» مع الكونت نسلرود # Nesselrode # ممثل القيصر اتفاقا في 19 مارس 1813 بشأن تنظيم الإدارة ~~والحكومة في الأقاليم الألمانية التي يصير استرجاعها من نابليون، وذلك بإنشاء خمس ~~دوائر إقليمية كبيرة للإدارة العسكرية تحت نوع من الحكم، لوحظ فيه أن يكون حلا ~~وسطا بين الميول والاتجاهات المحلية الإقليمية، لعدم إثارة مخاوف الملوك والأمراء ~~الألمان، واحتراما لرغباتهم، وبين المبادئ التي تهدف للوحدة والتي اعتنقها ~~«ستين» نفسه. # وفي 25 مارس أصدر القائد الروسي «كوتوزوف» منشورات تحدث فيها إلى الشعب ~~الألماني، ليس عن الاستقلال وحده وحسب للخلاص من السيطرة الأجنبية (الفرنسية)، بل ~~عن الحرية كذلك، أي: تمتع الشعب الألماني بكل حقوقه المشروعة، والتي كانت قد ~~طمستها الديكتاتورية النابليونية. # ذلك كان الحال في بروسيا التي أدت ثورتها القومية إلى إعلان الحرب على ~~الإمبراطورية الفرنسية، فماذا كان الموقف في الدولة «الألمانية» الكبيرة الأخرى، ~~وهي النمسا؟ # لقد دأب المؤرخون الألمان دائما على اعتبار مترنخ - الوزير النمسوي - صنوا ~~للوزير البروسي «ستين» في شدة الإخلاص للوطن، وغمر المؤرخون الألمان الوزيرين ~~بصنوف المديح والإطراء، وانعقد ms0556 الرأي على أن مترنخ تحت ستار المحالفة مع فرنسا - ~~منذ الزواج النمسوي وبسببه - كان لا يعمل إلا لتحطيم السيطرة الفرنسية، وإجبار ~~فرنسا على التراجع والانكماش داخل حدودها «الشرعية»، وإعادة التوازن إلى أوروبا، ~~وهو التوازن الذي هدمه نابليون بفتوحاته الواسعة. # وقد تحدثنا فيما سبق عن الوساطة التي عرضها مترنخ «للتدخل» مع روسيا من ~~أجل الوصول إلى «معاهدة طيبة» للسلام بينها وبين فرنسا أثناء الحملة الروسية ~~(نوفمبر 1812)، وشرحنا غرض مترنخ الحقيقي من هذه الوساطة، فعاد مترنخ الآن يقترح ~~الوساطة مرة أخرى، بأن أوفد إلى باريس الكونت بوبنا # Bubna ~~، يعرض التدخل مع أعداء فرنسا، وغرضه الصحيح في هذه المرة ~~التغلب على شكوك نابليون ومخاوفه من اتفاق الهدنة الذي أبرمه شوارزنبرج مع الجنرال ~~كوتوزوف في «زيتيش» في يناير 1813، ثم من ناحية المرشال شوارزنبرج نفسه، الذي كان ~~قد أرسل في سفارة غير عادية لدى حكومة نابليون في باريس. # وفي الوقت نفسه بعث مترنخ رسولا إلى لندن، البارون ويزنبرج # Wessenberg # متخفيا ويحمل تعليمات بتاريخ 18 ~~فبراير لم يلبث أن أبلغها إلى وزير الخارجية الإنجليزية لورد كاسلريه # Castlereigh # في 13 مارس، وقد أتبعها مترنخ - ~~بعد معاهدة كاليش بين روسيا وبروسيا - بتعليمات أخرى بتاريخ 10 مارس، وصلت ~~ويزنبرج يوم 24 أبريل، ومن ناحية أخرى عرض السفير الفرنسي الجديد في فينا ~~الكونت ناربون # Narbonne ~~- والذي خلف «أوتو» - ~~مشروعا لتنظيم وسط أوروبا (29 مارس) على أساس سيطرة نمسوية بدلا من النظام ~~الروسي-البروسي الذي كانت معاهدة كاليش تمهد له، فيتم تقسيم بروسيا، وتنال ~~النمسا سيليزيا التي فقدتها من أيام حرب الوراثة النمسوية (صلح برسلاو ~~1742). # ولكن مترنخ عارض هذا المشروع باقتراح المبادئ التي رآها ضرورية لإعادة التوازن ~~السياسي إلى أوروبا، وفحواها تنازل فرنسا عن فتوحاتها والأملاك التي ضمتها ~~إليها لإقامة صرح إمبراطوريتها، والتنازل عن سياسة الحصار القاري وإلغاء نظامه، ~~والمحافظة على كيان بروسيا كمملكة لم تفقد شيئا من أراضيها ومتحدة اتحادا ~~وثيقا مع النمسا التي لا ترغب في توسيع حدودها؛ وعلى ذلك فإن ناربون عندما استقبله ~~الإمبراطور النمسوي فرنسوا الأول بعد أيام ms0557 قليلة (في 23 أبريل) لم يلق أي ترحيب، ~~بل كان استقباله ببرود كثير، ومن جهة أخرى فإن السفير النمسوي شوارزنبرج - الذي ~~ذكرنا أنه موفد في سفارة خاصة لدى نابليون، وكان يحمل مقترحات مشابهة - لم يجرؤ ~~عند مقابلة الإمبراطور (في 9 أبريل) على إبلاغها له. # وفي 15 أبريل 1813 غادر نابليون باريس في طريقه بكل سرعة إلى ماينز، ومنها إلى ~~إرفورت ليتولى قيادة جيشه، وكان الحلفاء قد زحفوا من «الأودر» صوب نهر الإلب، ثم ~~بعد عبور هذا النهر الأخير أخذوا يتقدمون نحو نهر السال الذي تقع خلفه وعلى ~~مسافة منه إرفورت، وكانت خطة الفرنسيين حشد قواتهم في جيشين: أحدهما بقيادة يوجين ~~بوهارنيه، يعتلي نهر السال، والآخر يضم ناي، وأودينو، ومارمون، يأتي من الجنوب حتى ~~يتلاقى الجيشان في سيرهما. # وفي 2 مايو وقع أول اشتباك بين الفريقين في سهول «لوتزن # Lutzen ~~» وكان انتصارا «كاملا» - كما وصفه ~~نابليون لزوجه ماري لويز - أحرزه الفرنسيون على القوات الروسية البروسية بقيادة ~~وتجنستاين، الذي عهد إليه بالقيادة العامة بعد وفاة كوتوزوف، ولو أن هذا النصر ~~كلف «الجانبين» ثمنا غاليا، وطارد الفرنسيون العدو المتقهقر «والذي وجد ~~السلامة في الانسحاب السريع في كل مكان». # وفي 8 مايو دخل نابليون «درسدن # Dresden ~~» حيث ~~وافاه بها ملك سكسونيا العجوز فردريك أوجستوس الأول الذي ضاعت معه مساعي مترنخ وبقي ~~على ولائه للإمبراطور حتى النهاية، وقد أعاده نابليون الآن إلى عرش مملكته. # وتزايد تذمر نابليون من صهره فرنسوا إمبراطور النمسا، وتزايدت شكوكه من ~~ناحية مترنخ، وغضبه منه، ووصفه بأنه رجل مكايد ومؤامرت، وقد جاء «الكونت ~~بوبنا» لمقابلة نابليون في درسدن (16 مايو) ليعرض عليه الشروط التي تراها النمسا ~~ضرورية «لوساطتها» بين الفريقين المتقاتلين: «إنهاء وحل غراندوقية وارسو، ~~والتنازل عن الفتوحات وكل الأملاك التي للإمبراطور في ألمانيا، وإرجاع المقاطعات ~~الليرية إلى النمسا»، ورفض نابليون هذه الشروط، وأوضح للكونت بوبنا: «أن ~~أحدا لا يستطيع أن يأخذ من الفرنسيين شيئا بضرب العصا»، وأنه - أي نابليون - لن ~~يتنازل عن شيء إطلاقا من كل تلك الأقاليم التي صارت ms0558 دستوريا متحدة أو ~~مندمجة في فرنسا، وأن الشرف يمنعه من فعل شيء من ذلك، وأن النمسا على كل حال ~~لم تكن أقوالها صريحة، أو تنبئ عن أغراضها الحقيقية؛ فالنمسويين بدءوا بمطالبته ~~بإرجاع المقاطعات الليرية، ولكنهم سوف يطالبونه بعد ذلك بإخلاء البندقية، ثم ميلان، ~~ثم تسكانيا، ثم إنهم سوف يرغمونه على القتال معهم والدخول في حرب ضدهم، ~~وقال نابليون: ومن الأفضل إذن أن نبدأ بالقتال من الآن، وهكذا لم تسفر عروض الوساطة ~~النمسوية عن شيء في صالح السلام. # وزحف الإمبراطور من درسدن للالتحام مع العدو الذي حشد قواته في موقع حصين ~~إلى ما وراء بوتزن # Bautzen ~~، وهنا دارت رحى معركة ~~حامية، يومي 20-21 مايو 1813 تشتت فيها جيش «وتجنستاين»، وقتل في أثنائها ~~«ديروك # Duroc ~~»، وفي 22 مايو أكمل الاشتباك ~~الذي حصل في «ورشن # Wurschen ~~» النصر الذي أحرزه ~~نابليون على الجيش الروسي البروسي، واستطاع أن يقول: «لعل في هذا النصر ما يجعل ~~الوزارة في فينا تقلل من أطماعها»، ذلك أنه قد ترتب على هذا النصر أن تم ~~طرد العدو من سكسونيا، وإن أمكن غزو وإخضاع نصف سيليزيا، ثم إعادة جيروم ~~بونابرت إلى العرش في وستفاليا، ودعم سلطان «دافو» في همبورج. # ولكن العدو لم تيئسه هذه الانهزامات؛ فقد تقهقر الروس والبروسيون إلى ~~شفايدنيتز # Schweidnitz # في «سيليزيا» ليعيدوا ~~تنظيم قواتهم، وحيث وصلتهم النجدات من السويد وأمكنهم الحصول على إعانات مالية ~~جديدة من إنجلترة. # واستمر مترنخ في دور التمويه الذي دأب عليه من بداية هذه الحرب خصوصا، فهو يكتب ~~أن الانتقال من الحياد إلى الحرب أمر يتعذر حصوله إلا عن طريق الوساطة المسلحة، ~~أي الإرغام، وصار يعتقد بعد واقعة «بوتزن» أن الفرصة قد صارت مواتية لأن يعرض ~~على نابليون إبرام الهدنة التي تمهد لاجتماع مؤتمر ينظر في شروط الصلح لعقد ~~السلام العام، ووافق الإمبراطور على الهدنة التي وقع عليها في بليزويتز Pleswitz # في 4 يونيو 1813، وكانت مدة هذه الهدنة ~~حوالي شهرين تنتهي في يوم 28 يوليو. # أما نابليون فقد وصل إلى درسدن في ليل 9-10 ms0559 يونيو ليقضي بها وقت الهدنة، وحيث جلب ~~إليها جوقة الكوميدي فرانسيز، وفي 25 يونيو وصل مترنخ، وفي 26 يونيو اليوم ~~التالي لوصول مترنخ كانت المحادثة المشهورة التي صاح أثناءها نابليون، بعد أن ~~تبين له من «تمويه» الوزير النمسوي وخداعه، أن النمسا لا محالة ~~منضمة إلى أعدائه، لقد كان من الحمق البالغ أن أتزوج أميرة نمسوية! ولقد كتب ~~نابليون إلى زوجه ماري لويز في أول يوليو، يصف مترنخ بأنه رجل مكائد ومؤامرات، ~~وأنه أساء النصح «للأب فرانسوا» والد ماري لويز وصهره، ثم كتب لها مرة ثانية في 7 ~~يوليو: أن من الممكن الوصول إلى إبرام السلام العام لو أن النمسا امتنعت عن الصيد ~~في الماء العكر، وأن الإمبراطور فرانسوا مخدوع بوزيره مترنخ الذي رشاه الروس ~~وابتاعوه بأموالهم، والذي يعتقد أن السياسة هي القدرة على نسج الأكاذيب. # وكان نابليون محقا في حذره من مترنخ ونقمته عليه، وفي توقعه كذلك أن تنضم ~~النمسا إلى المحالفة القائمة ضده، ذلك أن مفاوضات لم تلبث أن قامت بين النمسويين ~~وبين الروس والبروسيين، انتهت بعقد اتفاق في رايشنباخ # Reichenbach # بين الأطراف الثلاثة في 27 يونيو 1813، وكان في ~~رايشنباخ أن تعهدت إنجلترة منذ 14-16 يونيو بدفع إعانة شهرية قدرها 17 ~~مليونا لبروسيا، 33 مليونا لروسيا لاستمرار الحرب، ولكن تنفيذ هذا الاتفاق كان ~~معلقا على رفض نابليون وساطة النمسا بينه وبين الروس والبروسيين، وعندئذ ~~يكون غرض الحلفاء الثلاثة (روسيا، وبروسيا، النمسا) أن تعود حدود النمسا إلى ما ~~كانت عليه في سنة 1805، وأن تطالب بإخلاء كل ألمانيا، وإسبانيا، وإيطاليا، ~~وهولندة. # ولكن مترنخ الذي توسط في عقد هذا الاتفاق كان لا يطمئن لنوايا القيصر - وكما ~~كان ذلك رأيه - بينما اعتقد أن في وسعه في الوقت نفسه الوصول إلى اتفاق مع نابليون، ~~فقابله في درسدن، حيث وصل إليها يوم 25 على نحو ما ذكرناه، وعرض نابليون عليه ~~المقاطعات الليرية في نظير بقاء النمسا على الحياد، الأمر الذي رفضه مترنخ عندما ~~أصر على فرض وساطة النمسا بين الجانبين المتقاتلين لإبرام الصلح بينهما، أو ms0560 أن ~~النمسا إذا رفضت وساطتها سوف تنضم حتما إلى الحلفاء ضد فرنسا، مما جعل نابليون ~~يصف نفسه بالحمق البالغ؛ لأنه تزوج من أرشيدوقة نمسوية، على أن نابليون في 30 يونيو ~~لم يلبث أن غير موقفه، وقبل الوساطة التي عرضها مترنخ أيضا ، وامتد أجل الهدنة ~~إلى يوم 10 أغسطس. # وأراد نابليون كسب الوقت، فلم يصدر تعليماته إلى «كولينكور» إلا يوم 28 يوليو، ~~وقد نصت هذه على المطالبة بإعادة الحالة إلى ما كانت عليه قبل الحرب، ~~ورفض نابليون أن يزوده بسلطات التعاقد الكاملة، وعلى ذلك فقد رفض ~~مفوضو الحلفاء عند وصول «كولينكور» إلى براج Prague ~~- المكان المعد لعقد المؤتمر (في 28 يوليو) - المفاوضة ~~معه، وبعثوا به إلى مترنخ الذي تمسك بشروط هدنة بليزويتز، وأصر على قبول ~~نابليون لمقدمات الصلح التي يريدها الحلفاء، وعندئذ (في 13 أغسطس) وافق نابليون على ~~إخلاء غراندوقية وارسو، وتمسك بدانزج، ورضي بإعادة مملكة بروسيا على شرط تعويض ملك ~~سكسونيا (حليفه) عن الأراضي التي سوف يفقدها بأراض أخرى عدد سكانها نصف مليون ~~نسمة، كما تنازل نابليون عن المقاطعات الليرية ما عدا تريسته، وإيستريا # Istria ~~، ولكن عندما وصلت عروض نابليون هذه ~~إلى المؤتمر (أي في 13 أغسطس) كان وصولها بعد فوات الوقت؛ لأن كاسلريه - الذي ~~شجعه انتصار ولنجتون الحاسم في إسبانيا على الفرنسيين في واقعة فيتوريا # Vittoria ~~(في 21 يونيو 1813) - لم يلبث أن طالب ~~بالاحتفاظ بصقلية لفردينند الأول ملك نابولي، واشترط أن ينال برنادوت «في السويد» ~~كل ما وعده الإنجليز به، وعمد مترنخ إلى إعلان انتهاء المؤتمر - مؤتمر براج - ~~الذي سماه نسلرود «بالمؤتمر السخري أو ~~الاستهزائي # Congrès dérisoire ~~»، وفي 12 أغسطس أعلن الحرب على فرنسا. # وكانت جيوش الحلفاء ثلاثة: جيش الشمال بقيادة برنادوت، وجيش سيليزيا بقيادة ~~بلوخر، وجيش بوهيميا بقيادة شوارزنبرج، وأفاد الحلفاء من مشاورات وخبرات اثنين ~~تركا صفوف الفرنسيين لخدمة العدو أحدهما: جوميني # Jomini # وهو سويسري كان رئيس أركان حرب القائد ناي، والثاني: ~~مورو # Moreau # الذي عاد من الولايات المتحدة ~~الأمريكية بناء على طلب القيصر، وقد نصح «مورو» بعدم ms0561 الاشتباك في معركة مع نابليون ~~نفسه، وبدلا من ذلك الالتحام مع قواده، حتى إذا انهزم هؤلاء سهلت هزيمة نابليون ~~وإجباره على التقهقر، ثم إملاء شروط الصلح عليه في باريس. # والذي حدث في هذه الحملة (حملة 1813) أن اشتبك الفريقان في سلسلة من المعارك؛ ~~فانهزم شوارزنبرج في معركة درسدن في 27 أغسطس أمام نابليون، ولكن الحلفاء سجلوا ~~انتصارات على قواد نابليون؛ فانتصر برنادوت على جيش أودينو # Oudinot # في جروس ~~بيرين # Gross-Beeren # في 23 أغسطس، وانتصر بلوخر على ماكدونالد في كانزباخ # Katzbach # في 26 أغسطس، وانتصر الروس على القائد ~~فاندام # Vandamme # في كالم # Kulm # في 29-30 أغسطس، وانهزم «ناي» في دينويتز # Dennewitz # في 6 سبتمبر. # ثم إن الحلفاء (روسيا، بروسيا، النمسا) بادروا بدعم المحالفة الثلاثية في ~~تبليتز # Teplitz # في 9 سبتمبر، وفي 3 أكتوبر ~~انضمت إنجلترة إلى المحالفة، وفي 8 أكتوبر أبرمت معاهدة ريد # Reid # للتحالف بين بفاريا والنمسا، وبمقتضاها خرجت ~~بفاريا من اتحاد الراين وتعهدت بضم قواتها فورا إلى جيوش الحلفاء، وفي 9 أكتوبر ~~حصل الاتفاق بين إنجلترة والنمسا، ومدت الأولى الثانية بإعانة مالية كبيرة ~~لتغطية نفقات الحرب، وفي 23 أكتوبر خرجت ورتمبرج على نابليون وانضمت إلى ~~المحالفة. # وما إن تلقى الحلفاء نجدات جديدة من روسيا (50000) بقيادة بنينجسن، حتى زحفوا مرة ~~أخرى على سكسونيا في 3 أكتوبر، واتخذوا مواقعهم على الضفة اليسرى لنهر الإلب، وكان ~~من الواضح أن خطة الحلفاء هي حشد قواتهم في سهول ليبزج # Leipsig # في مؤخرة الفرنسيين حتى يقطعوا عليهم خط الرجعة عند ~~تقهقرهم إلى فرنسا. # واضطر نابليون - بسبب خروج بفاريا من اتحاد الراين من جهة، ولأن الحلفاء حاولوا ~~قطع خطوط مواصلاته مع نهر الراين - إلى الارتداد والزحف على ليبزج، فبلغها يوم 15 ~~أكتوبر على رأس جيش من (160000) مقاتل، ومع أن هذا كان جيشا ضخما فإنه كان ينقص ~~كثيرا عن عدد قوات الحلفاء الذين حشدوا في ميدان المعركة في ليبزج ما لا يقل عن ~~(320000)، وفي المعركة التي دارت بين 16-19 أكتوبر والتي عرفت باسم «حرب الأمم» ~~انهزم نابليون، وكان ms0562 من عوامل هذه الهزيمة وصول قوات جديدة في يوم المعركة الأول ~~بقيادة برنادوت وكولوريدو # Colloredo ~~، وبنينجسن # Bennigsen ~~(السويد، النمسا، روسيا)، بينما لم يكن ~~في وسع نابليون الاعتماد على أية نجدات لتقوية جيشه، وقد أدرك نابليون خطورة ~~الموقف؛ فعرض في مساء اليوم نفسه (16 أكتوبر) ~~مقترحات للاتفاق على هدنة تمهيدا للمفاوضة من أجل الصلح، ورفض الحلفاء ~~مقترحاته عندما تعهدوا فيما بينهم بعدم الدخول في أية مفاوضات مع الإمبراطور ~~إلا بعد أن يكون آخر جندي فرنسي قد انسحب من الأراضي الألمانية حتى نهر الراين، ~~وعلى ذلك فقد استؤنف القتال يوم 18 أكتوبر، وكانت معركة حامية، انتصر فيها الحلفاء ~~بسبب تفوقهم العددي، وقدرتهم دائما على تعويض خسائرهم في الرجال، ولأن جنود ~~سكسونيا وورتمبرج وعددهم اثنى عشر ألفا، تخلوا عن نابليون أثناء اشتداد ~~المعركة وغادروا صفوف جيشه لينضموا إلى قوات برنادوت. # وانهزم نابليون وتقهقر جيشه إلى إرفورت (صوب الغرب)، وكانت عملية التقهقر هذه ~~مشوبة باختلال النظام لعدم وضع خطة محكمة لها، وعندما عبر الجنود الجسر الوحيد من ~~بين عدد من الجسور كان نابليون قد أمر بإقامتها على نهر السيتر # Elster # لم يلبث أن تحطم تحتهم، وكان من بين الغرقى ~~القائد البولندي (بونياتوسكي)، وفي صباح اليوم التالي (9 أكتوبر) وجد الحلفاء ميدان ~~المعركة خاليا، وتأكد لهم أنهم كسبوا المعركة. # وفي إرفورت التي وقف فيها الإمبراطور يومين، استطاع نابليون جمع ثمانين ألف جندي ~~استعدادا لاستئناف التقهقر صوب فرنسا، والزحف على هناو # Hanau # لعبور المين # Main # أحد فروع ~~نهر الراين، ولما كان الجيش البفاري بقيادة الجنرال ريد # Wrede # قد اتخذ مواقعه عند هناو ليمنع الفرنسيين من عبور النهر، فقد ~~اشتبك الفريقان في معركة حامية يوم 30 أكتوبر، انتصر فيها الفرنسيون انتصارا ~~حاسما، وتمكن الإمبراطور من متابعة السير بكل سرعة صوب الراين الذي عبره مع ~~جيشه عند ماينز # Mainz # يوم 2 نوفمبر. # وعند ماينز ترك الإمبراطور الجيش الذي بلغ عدده الآن أقل من 70 ألف مقاتل ~~وحسب، وأسرع هو في العودة إلى عاصمته، فغادر القصر الملكي في ماينز ms0563 يوم 7 ~~نوفمبر ووصل إلى سان كلو في 9 نوفمبر. # ولم يكن تقهقر الإمبراطور من ألمانيا كل الهزيمة التي لحقت به وبالإمبراطورية، ~~فقد انكمشت حدود هذه الإمبراطورية في كل نواحيها الأخرى؛ ففي إسبانيا حيث انتصر ~~ولنجتون - كما ذكرنا - على قوات جوزيف بونابرت في واقعة فيتوريا في 21 يونيو 1813، ~~اضطر الفرنسيون إلى الانسحاب منها، بعد أن قررت واقعة فيتوريا مصير حكومة (أو ~~ملكية) جوزيف بونابرت قصيرة الأجل، فإنه لم يمض أسبوعان على هذه الواقعة، حتى ~~كان ولنجتون مستوليا على كل الحدود الإسبانية الشمالية الغربية من رونسيسفال # Roncesvalles # إلى مصب نهر البيداسو # Bidassoa ~~، ويقف على حصار قلعة سان سباستيان # San Sebastian # على الشاطئ وبامبيلونا Pampeluna # في الداخل، وبدأ المارشال سولت - ~~الذي تولى القيادة العامة الآن ووصل إلى بايون في 13 يوليو - يعمل لتخليص ~~بامبيلونا؛ فحصلت معارك يائسة بين 25 يوليو وأول أغسطس عند ممرات البرانس في ~~رونسيسفال ومايا # Maya # انتهت بارتداد سولت إلى ما ~~وراء الجبال في الأراضي الفرنسية. # ثم إن سان سباستيان لم تلبث أن سقطت في أيدي قوات ولنجتون في 31 أغسطس، ~~وعبر الإنجليز نهر البيداسو يوم 7 أكتوبر، وفي 31 أكتوبر وبعد حصار عنيف وطويل ~~سلمت بامبيلونا للإسبان، وهذا في حين أن ولنجتون نفسه استطاع السيطرة على كل ~~الإقليم الشمالي الغربي خلف البرانس، وفي الأراضي الفرنسية حتى أبواب مدينة بايون ~~نفسها، وكان القائد الفرنسي الآخر «سوشيه # Suchet ~~» ~~قد أخلى هو الآخر فالنسيا # Valencia # على الشاطئ ~~الشرقي ووصل إلى نهر البيداسو منذ 2 يوليو، وعلى ذلك، ولما لم يعد يحتل الأراضي ~~الإسبانية جندي فرنسي واحد اضطر نابليون إلى إبرام معاهدة فالنسيه # Valençay ~~(بفرنسا) في 8 ديسمبر 1813، وبموجبها ~~استرجع الملك فردنند السابع عرش إسبانيا. # ومن ناحية حدود الألب - أي في إيطاليا - حارب يوجين بوهارنيه النسمويين، الذين ~~صاروا خطرا يهدد سلطان الفرنسيين في إيطاليا؛ إذ إنهم احتلوا المقاطعات الليرية، ~~ثم بدءوا يزحفون الآن عن طريق نهر الدراف # Drave # والتيرول، وقد ساعدهم على ذلك انتقاض بفاريا على الفرنسيين في الظروف التي عرفناها، ~~فتقهقر ms0564 يوجين على نهر الأديج، ومع ذلك فقد اشتبك مع النمسويين في معركة عند ~~كالديرو # Caldiero # في 15 نوفمبر 1813، وانتصر ~~عليهم ولكنه كان نصرا لا جدوى منه ولا طائل تحته؛ فقد احتل النمسويون الرومانا # Romagna # والمقاطعات الوسطى من الولايات البابوية # Marshes ~~، وكان «مورا» قد ترك نابليون في إرفورت ~~ليعود إلى عاصمة ملكه في إيطاليا، وبمجرد وصوله إلى نابولي بدأ المفاوضة مع ~~البرنس مترنخ ليحصل من النمسويين على اعتراف بمملكته في نابولي لقاء أن ينضم هو ~~للحلفاء ضد نابليون، ورحب النمسويون برسول مورا في فينا، ولم يؤجل «الخيانة» بعض ~~الوقت إلا محاولات الإنجليز الذين أرادوا أن يعيدوا الأسرة المالكة السابقة ~~«البربون» والمقيمة في بليرمو بجزيرة صقلية إلى العرش في نابولي، فقد احتفظ ~~الإنجليز للملك فردنند، ملك نابولي السابق بكل حقوقه وطالبوا بإرجاع جيتا إليه، ~~وأظهروا استعدادهم لإنزال خمسة وعشرين ألف رجل في إيطاليا، فأغضب ذلك «مورا» وجعله ~~ينضم إلى نابليون، ولكنه عاد للمفاوضة مع مترنخ الذي عقد معه معاهدة صلح ومحالفة ~~في 11 يناير 1814 تضمن لمورا عرش نابولي في نظير أن يضمن مورا عرش صقلية للملك ~~فردنند الرابع. # ومن ناحية الحدود الشرقية (الراين) فقد أخليت هولندة، وتألفت بها حكومة ~~مؤقتة أعلنت استقلال «الولايات المتحدة الهولندية» في 21 نوفمبر 1813. # وفي ألمانيا لم يعد بها غير الحاميات الموزعة في المدن الألمانية الكبيرة، في ~~درسدن، ويتنبرج، مجدبورج، ستيتن # Stettin ~~، ~~كاسترين # Custrin ~~، جلوجو # Glogau ~~، وقد صمد القائد الفرنسي راب # Rapp # في الدفاع عن دانزج سبعة شهور، ولم يبق غير «دافو» في ~~همبورج التي عجز الحلفاء عن إخراجه منها، فلم يسلم «دافو» المكان إلا بعد سقوط ~~الإمبراطورية، وبناء على أوامر رسمية من الملك لويس الثامن عشر حين عودة البربون ~~إلى فرنسا. # ولم يكن الحلفاء - وخصوصا مترنخ - جادين في إبرام السلام؛ ولذلك فقد عمد مترنخ ~~إلى تدبير ما صار يعرف باسم «حملة السلم»، والتي كان غرضه من إثارتها خديعة ~~الرأي العام وكسبه إلى جانبه، باعتبار أنه «والحلفاء» يرغبون حقيقة في عقد الصلح ~~مع نابليون، واستخدم مترنخ لهذا ms0565 الغرض الوزير الفرنسي السابق لدى حكومة سكسونيا ~~الكونت سانت إينان # Saint-Aignan # وكان أسيرا في ~~«فايمار # Weimar ~~» أثناء الحملة الماضية، وكان ~~موجودا (الآن) في فرانكفورت التي اتخذها الحلفاء مقرا عاما لهم (أول نوفمبر ~~1813)؛ فعرض بواسطته على نابليون شروط الصلح على أساس انكماش فرنسا إلى حدودها ~~الطبيعية «الألب والراين والرانس»، واستقلال ألمانيا، وهولندة وإيطاليا «عن فرنسا» ~~مع التحفظ فيما يتعلق بالأراضي النمسوية، ثم إرجاع البربون إلى الحكم في إسبانيا، ~~ولم يرد شيء عن مملكة نابولي، ومع أن هذه كانت شروطا قاسية فقد اعتبرها كل من ~~هاردنبرج، وبلوخر، وكاسلريه غير كافية «للانتقام من نابليون». # ويعزو المؤرخون الفرنسيون السبب في إخفاق محاولة عقد الصلح على أساس هذه الشروط ~~نفسها إلى مترنخ الذي لم يكن جادا حتى في هذه الشروط «المتطرفة»، فقد أجاب ~~نابليون على هذه العروض بواسطة وزير خارجيته ماريه # Maret # منذ 16 نوفمبر، بأنه مستعد لإرسال «كولينكور» إلى ~~منهايم # Mannheim # للمفاوضة، ولكن مترنخ في 25 ~~نوفمبر تمسك بأن من الضروري أولا أن يعلن الإمبراطور رأيه في «القواعد ~~العامة» التي يقوم عليها الصلح، وأجاب «كولينكور» في 2 ديسمبر بأن الإمبراطور قابل ~~للقواعد العامة التي عرضت عليه، لتكون أساسا لمفاوضات الصلح، ويرى الكتاب ~~الفرنسيون في تعيين كولينكور وزيرا للخارجية - وهو من أنصار السلام - محل الوزير ~~السابق «ماليه» وهو من أنصار الحرب، دليلا على رغبة نابليون الصادقة في إبرام ~~الصلح، وعلى القواعد التي عرضت عليه، ولكن الحلفاء «ومترنخ» غداة جواب كولينكور ~~كانوا قد اتخذوا من دعوى عدم مجيء هذا الجواب بالسرعة اللازمة ذريعة لإصدار منشور ~~في 4 ديسمبر يحملون فيه نابليون مسئولية فشل المفاوضات، ويحاولون أن يفصلوا بين ~~الإمبراطور وبين فرنسا، ويعرضون الصلح من جديد على فرنسا: (السلام مع الأمة ~~الفرنسية، والحرب ضد نابليون). # ولكن هذه كانت مناورة خاسرة؛ لأن سواد الفرنسيين بقوا على ولائهم للإمبراطور ~~بالرغم من قوانين التجنيد واستطالة الخدمة العسكرية، ولكن الطبقات العليا لم تكن ~~راضية عن الحالة التي وصلت إليها فرنسا، وراح كثيرون - وعلى نحو ما توقع مترنخ ~~- يحملون الإمبراطور مسئولية فشل ms0566 الصلح، لا سيما وقد جاءت متأخرة موافقته ~~على «مقترحات فرانكفورت»، وهي العروض التي أراد الحلفاء «ومترنخ» أن تكون قواعد ~~للصلح المنتظر، وذلك أن «لوبران» دوق بياكنزا والحاكم الفرنسي في هولندة كان قد ~~اضطر منذ 16 نوفمبر إلى إخلاء أمستردام، وقامت الثورة في اليوم التالي (17 نوفمبر) ~~في لاهاي، وأقام الهولنديون بها حكومة بادرت بطلب المعونة من إنجلترة، ودعوة ~~أمير أورانج الذي بادر بإجابة ملتمسهم - بكل سرعة - لتسلم أزمة الحكم ~~في هولندة، وكان انكماش الحدود الفرنسية الشمالية الشرقية بهذه الصورة أهم سبب جعل ~~الحلفاء يصدرون منشور 4 ديسمبر السالف الذكر. # وأما المتذمرون من أهل الطبقات العليا الفرنسية، والذين نقموا على الإمبراطور ~~لأنه أضاع - في زعمهم - فرصة إبرام السلام العام؛ فقد ضموا إلى صفوفهم فريقا من ~~الوزراء والموظفين الذين خدموا النظام القائم من زمن طويل، وأهل الطبقة المتوسطة ~~العالية، حتى إن الملكيين الذين كان الإمبراطور قد قضى عليهم تماما منذ عشر سنوات ~~مضت، سرعان ما بدءوا يرفعون رءوسهم ويحيكون المؤامرات، ثم عمد جماعة من كبار ~~الشخصيات للتآمر ضد النظام القائم، وكان على رأس هؤلاء «تاليران». # وأبدى نابليون منذ وصوله إلى باريس نشاطا عظيما؛ فهو يعمل لاستنهاض الهمم ~~وإشاعة الثقة في النفوس لمعالجة النزول الذي حصل في الأوراق المالية، والذي كان قد ~~بدأ عقب الحملة الروسية، ويصدر التعليمات لتجنيد الفئات التي لم تكن قد بلغت ~~دور الاقتراع والخدمة العسكرية، ويفرض الضرائب باسم إمداد الحرب بالمعونة المالية، ~~وفي 19 ديسمبر 1813 يدعو المجلس التشريعي للاجتماع في جلسة يحضرها الإمبراطور وفي ~~حضور مجلس الشيوخ (السناتو) ومجلس الدولة؛ ليعرض على أعضاء هذه الهيئات جميعا ما ~~قام به من جهود من أجل السلام العام، وليعبر عن ثقته في أن الفرنسيين لن يترددوا ~~عن التضحيات الضرورية إذا لزم الأمر، وقد تألفت لجنة من خمسة أعضاء لتفحص ~~الرسائل والتقارير الدبلوماسية. # وفي 29 ديسمبر أعدت هذه اللجنة تقريرا عن الموقف في ضوء هذه المراسلات ~~الدبلوماسية جاء فيه أن الواجب يقتضي أن يكون الغرض الأوحد من الحرب في المستقبل ~~«استقلال الشعب ms0567 الفرنسي وسلامة أراضيه»، وأنه - لإشاعة روح التوثب في صفوف الجند ~~المحاربين - يجب على الإمبراطور أن يقوم بتنفيذ القوانين التي تكفل للفرنسيين ~~حقوقهم في الحرية وتؤمنهم على سلامتهم وأملاكهم، والتي تضمن للأمة ممارسة حقوقها ~~السياسية في حرية تامة، ولكن الإمبراطور منع طبع التقرير وإذاعته لما فيه من ~~تعريض ظاهر بحكومته من جهة، وبالسياسة التي أدت في نظر المتذمرين - وأكثرهم من ~~أعضاء هذه الهيئات التي جمعها لينال منها تأييدا لسياسته، وموافقة على مواصلة ~~الحرب - إلى الدخول في حروب أنهكت قوى الأمة، وأضاعت فرص السلام العام، ~~وعلى ذلك فقد حل الإمبراطور المجلس التشريعي (20 ديسمبر). # وجاء في خطابه الموجه إلى أعضاء هذا المجلس: «أنه كان في وسعهم أن يسدوه ~~صنيعا طيبا ولكنهم لم يفعلوا إلا إلحاق الضرر به، وأنهم لا يمثلون الشعب، في حين ~~أنه هو الذي يمثل هذا الشعب، ولقد دعته الأمة أربع مرات ليتولى زمام الحكم بها ، ~~وحصل في كل مرة من هذه المرات الأربع على أصوات خمسة ملايين من المواطنين المؤيدين ~~له، فهو لديه السند الذي يخوله الحكم، بينما لا يجد المجلس التشريعي سندا ما يستند ~~عليه، فهم ليسوا إلا نوابا عن مقاطعات الإمبراطورية، أما المسيو «لينيه # Lainé ~~» أحد أعضاء لجنة الخمسة والذي قرأ التقرير ~~السالف الذكر الذي أعدته هذه اللجنة، فقد وصفه نابليون بأنه رجل دسائس ~~ومؤامرات، وعميل لإنجلترة، وذو نفس خبيثة»، ثم سألهم: «وما الذي فعلته معكم ~~فرنسا هذه المسكينة حتى تريدوا إلحاق كل هذا الأذى بها؟» # واستمر يوجه الخطاب إليهم قائلا: # لقد أردتم أن تلطخوني بالوحل، ولكني من أولئك الرجال الذين يلقون ~~الموت ويأبون المعرة، وهل بمثل هذه التأنيبات تزعمون أنكم تقيلون ~~عثرة العرش؟ وما العرش؟ إنه يتركب من قطع من الخشب المذهب عددها أربع، ~~يغطيها قماش من القطيفة، إنما العرش هو الأمة، ولا يمكن أن يفصل أحد بين ~~شخصي وبين الأمة دون أن يحطم هذه الأمة؛ لأنها في حاجة إلي أكثر من حاجتي ~~أنا إليها، وماذا هي صانعة من غير قائد يقودها وزعيم يتولى أمورها؟ وأنتم ms0568 ~~تتقدمون بمطالب من أجل إصدار قوانين وتأسيس أنظمة، في حين أن صد العدو ~~ودفعه هو المطلب الذي يجب أن تتوفر كل الجهود لتنفيذه كما لو لم يكن ~~لدينا قوانين أو أنظمة، فأنتم حينئذ تودون محاكاة «الجمعية التأسيسية» ~~القديمة وتريدون إشعال الثورة! ولكني لا أشبه الملك الذي كان موجودا ~~وقتذاك، وإني لأوثر أن أكون أحد أبناء الشعب صاحب السيادة على أن أكون ~~ملكا مستعبدا أو مسترقا ... عودوا إلى مقاطعاتكم ... # ومن هارتويل # Hartwell # بإنجلترة، أصدر الكونت ~~دي بروفنس Provence ~~(شقيق لويس السادس عشر) ~~والمتطلع إلى العرش الفرنسي، منشورا في أول يناير 1814 وقعه بإمضائه ملكا على ~~فرنسا، وفي هذا الوقت بدأ «شاتوبريان» - من الكتاب المعارضين للإمبراطور - ~~يخط السطور الأولى في كراسته عن «بونابرت والبربون»، وكثر تململ تاليران ~~واشتد تذمره، حقا لقد أنبأت الأحوال بأن النهاية قد بدأت. # وفي هذه الظروف إذن كان الحلفاء قد حشدوا جيوشهم (ربع مليون مقاتل) خلف نهر ~~الراين ، وصاروا يتهيئون لغزو فرنسا، وكان الجيش النمسوي (120000) جيش بوهيميا ~~بقيادة شوارزنبرج قد عبر نهر الراين عند «بازل # Basel ~~» على الحدود السويسرية يوم 21 ديسمبر، وزحف على مهل نحو ~~«لانجر # Langres ~~» التي أخضعها في 16 يناير ~~1814، ووقف عند مدخل حوض نهر السين، ثم استأنف زحفه في حوض هذا النهر قاصدا ~~إلى باريس من الجنوب الشرقي، ومن ناحية الشرق في الوسط كان جيش سيليزيا (65000) ~~بقيادة بلوخر قد عبر نهر «الراين» من عدة جهات بين منهايم وكوبلنز (أول يناير ~~1814)، وبعد أن اجتاز جبال الفوزج استولى على نانسي # Nancy ~~، وكانت الخطة بعد الاستيلاء على شالون # Châlons # وعلى حوض نهر المارن # Marne # الانضمام إلى جيش شوارزنبرج أمام باريس، ومن ناحية الشمال ~~كان جيش الحلفاء بقيادة الروسي وينزينجرود # Winzingerode # والبروسي بولو # Bulow # ومعهما برنادوت. # وكانت مهمته الزحف على فرنسا بطريق كولون # Cologne ~~، ولييج # Liége ~~، ~~ونامور # Namours ~~، واستطاع هذا الجيش أن يتخذ ~~مواقعه أخيرا في الطريق الموصل إلى باريس، مارا بلاوون # Laon ~~، وسواسون # Soissons ~~. # ومع أن قوات الحلفاء في ميادين القتال بلغت 200000 مقاتل عدا جيش الشمال، ms0569 فقد ~~تعذر على نابليون بالرغم من المحاولات التي بذلها، أن يجهز للمعركة أكثر من ~~110000 رجل عدا القوات المحاربة في إسبانيا بقيادة «سولت» ضد ولنجتون، وقوات ~~«سوشيه» في قطالونيا وأرغونه، ووقع على الإمبراطور وقواته التي كانت تحت أوامره ~~مباشرة عبء مقاومة العدو، وذلك بعد أن كان الغزاة - ولما ينته شهر يناير (1814) ~~- قد احتلوا خطا لعملياتهم العسكرية يمتد من «لانجر» في الجنوب، وإلى «نامور» في ~~الشمال امتدادا متصلا، ويجعل ما يقرب من ثلث مساحة فرنسا واقعا تحت سيطرتهم ~~العسكرية. # وعلى ذلك فقد وقع الإمبراطور في 23 يناير 1814 قرارات رسمية لتجديد نيابة ~~ماري لويز على العرش «يعاونها كمباسيرس»، وجمع في قصر التويلري رئيس وكبار ضباط ~~الحرس الأهلي في باريس؛ ليعهد إليهم في لغة مشوبة بالعاطفة العميقة، بالسهر على شخص ~~الإمبراطورة، وولي العهد الصغير ملك روما «أعز ما لديه في العالم»، ثم صدر قرار ~~بتعيين جوزيف بونابرت (ملك إسبانيا السابق) النائب أو القائم مقام العام في ~~الإمبراطورية والمستشار الأول لصاحبة النيابة أو الوصاية، ماري لويز، وفي هذا ~~القرار ترك الإمبراطور الإمبراطورة وملك روما في أيدي الحرس الأهلي الشجعان، وفي ~~ساعة مبكرة من صباح يوم 25 يناير 1814 غادر نابليون باريس. # ولم تكن المعارك الأولى التي التحم فيها نابليون مع العدو معارك حاسمة، فهو قد ~~بدأ بمحاولة الاشتباك بالجيش السيليزي بقيادة بلوخر؛ لمنعه من الاتصال بجيش ~~بوهيميا، قيادة شوارزنبرج، فالتحم بقوات بلوخر على نهر «أوب # Aube ~~» - أحد فروع السين - عند بريين # Brienne # في 29 يناير 1814 وانتصر عليه، ولكن بلوخر استطاع الاتصال ~~بجيش شوارزنبرج، وفي أول فبراير واجه الإمبراطور عند لا روثيير # La Rothiére # قوات تبلغ ثلاثة أضعاف قواته؛ ~~فانهزم، واضطر إلى التراجع إلى ترويز # Troyés # ثم ~~إلى نوجنت # Nogent ~~«وكلاهما على السين». # وكان واضحا حينئذ أن من العبث مواصلة القتال، وأن من الخير لنابليون - لو أنه ~~شاء الاحتفاظ بعرشه - المفاوضة مع العدو، وفي ليل 4-5 فبراير يبعث إلى «كولينكور» ~~بتعليمات تعطيه تفويضا كاملا لعقد الصلح، وفي 7 فبراير وصلت «كولينكور» في ~~شاتيون ms0570 # Chatillon # الشروط التي يريدها الحلفاء ~~للصلح، وكان هؤلاء يريدون إرجاع فرنسا إلى حدود 1792، وعبثا حاول «كولينكور» إقناع ~~الحلفاء بالعودة إلى مقدمات فرانكفورت، أي إلى القواعد التي ذكرنا أن نابليون ~~كان قد قبلها في 2 ديسمبر 1813، وعندئذ بدلا من تحمل المسئولية - وفي رأي ~~كثيرين الفصل في مصير فرنسا، على أساس بقاء الحكومة النابليونية - أحال «كولينكور» ~~هذه الشروط على نابليون لاتخاذ القرار النهائي، وفي ليل 7-8 فبراير بعد ساعات ~~عصيبة، رضخ الإمبراطور، ولكن ليعود في صباح 8 فبراير لنبذ هذه الشروط كلية، وساعد ~~على إحياء الأمل في نفس نابليون أن الحلفاء ارتكبوا أخطاء عسكرية عندما جعلوا ~~جيوشهم تنفصل عن بعضها بعضا مرة أخرى، باعتبار أن ذلك سوف يساعد هذه الجيوش على ~~الزحف السريع صوب باريس من جهة، ويتيح الفرصة لتموينها بصورة أسهل؛ وعلى ذلك فقد ~~انفصل بلوخر عن شوارزنبرج ليتقدم هذا الأخير على نهر السين، بينما يقصد بلوخر إلى ~~باريس عن طريق سيزان # Sezanne ~~(2 فبراير)، وأمله أن ~~يقطع خط الرجعة على القائد الفرنسي ماكدونالد «على نهر المارن» الذي كان يتقهقر ~~أمام القائد البروسي يورك (فون وارتنبرج). # وعلى ذلك فقد بادر نابليون بانتهاز الفرصة، ومحاولة الاشتباك مع كل جيش على حدة؛ ~~فأنزل عدة هزائم بجيش بلوخر، وكان موزعا على الطريق من شالون إلى شاتوتيري # Château-Thierry ~~(امتداد المارن)، فهزم ~~هذه القوات المجزأة، الواحدة بعد الأخرى في معارك: «شامبوبير # Champaubert ~~» (10 فبراير)، «مونتميراي # Montmirail ~~» (11 فبراير)، «فوشان # Vauchamp ~~» (14 فبراير)، واضطر بلوخر إلى التقهقر بعد أن تكبد خسائر ~~فادحة، وكان ذلك نصرا باهرا، ولكن لم يقض على العدو الذي عادت قواته للتجمع ~~مرة أخرى في شالون. # وأما جيش شوارزنبرج فكان قد عبر نهر السين، وأرغم القائدين الفرنسيين «أودينو» ~~و«فيكتور» على التقهقر، وعبثا حاول «ماكدونالد» - الذي انضم إليهما - وقف الزحف ~~النمسوي، وكان غرض شوارزنبرج الوصول إلى «مونتارجيس # Montargis ~~» وفونتنبلو «ثم باريس». # وعندئذ تقدم نابليون من «فوشان» صوب «مونتريه # Montéreau ~~» وأرغم العدو على التقهقر، واستعاد نابليون بعد مشقة - ~~لنقص قواته - مونتريه في 18 فبراير، وانسحب شوارزنبرج ms0571 إلى «ترويز»، ومع أن بلوخر ~~كان قد وصل إلى فرع النهر المقابل «أوب»، فقد استمر تقهقر شوارزنبرج صوب ~~«شومونت # Chaumont ~~» و«لانجر». # واستطاع بلوخر تنظيم قواته، ولكن نابليون شرع الآن (28 فبراير) في مطاردته، فتوقف ~~بلوخر (في أول مارس) ليتجه صوب الشمال لينضم إلى قوات «بولو» و«وينزينجرود»، وكانت ~~تهاجم بلدة سواسون، وكادت تحل به كارثة لو أنه استمر في زحفه؛ لتعرضه لإطباق ~~الفرنسيين عليه من الأمام والخلف، ولكن لم تلبث أن سلمت سواسون فجأة يوم 3 مارس، ~~وطارد نابليون بلوخر إلى ما وراء نهر الإيسن # Aisne # ليحشد بلوخر قواته من جديد، واشتبك في «لاوون» مع نابليون في معركة في 9 مارس، ~~وأرغم نابليون على الارتداد جنوبها، وكان «مارمون» يقف بقواته إلى الشرق، ولكنه لم ~~يلبث أن تعرض هو الآخر لهجوم مفاجئ ونزلت به الهزيمة أثناء الليل، وفي 10 مارس ~~تعرض نابليون بدوره لهجوم جديد، فارتد إلى سواسون. # وتجددت مساعي الصلح، وكان الإمبراطور قد أرسل وزير خارجيته «كولينكور» منذ 5 ~~يناير 1814 يعرض على الملوك الحلفاء المفاوضة من أجل عقد الصلح على أساس «القواعد» ~~التي عرضت في فرانكفورت؛ فتركه الحلفاء في لونفيل أياما طويلة (من 5 إلى 25 ~~يناير) يضيع وقته فيها هباء، ثم وجهوا إليه الدعوة بالحضور للمفاوضة في شاتيون يوم ~~3 فبراير، ووقع اختيار الحلفاء على مفاوضين من جانبهم، اشتهروا بعدائهم العظيم ~~لنابليون؛ وكان هؤلاء ستاديون # Stadion # عن النمسا، ~~وكاسلريه عن إنجلترة، والبرنس «أندريه ~~رازموسكي # Razoumovski ~~» عن روسيا، وقد عرض هؤلاء أساسا للصلح عودة فرنسا إلى ~~حدودها في سنة 1790، وتجاهلوا مسألة الحدود الطبيعية، والعروض التي قدموها سابقا ~~في فرانكفورت. # وكان شوارزنبرج حتى قبل هزيمته في «مونتريه» يوم 18 فبراير قد طلب في اليوم ~~السابق عقد هدنة، ورفض وقتذاك نابليون الرد عليه؛ لأنه ما كان يفكر إطلاقا - كما ~~كتب لأخيه جوزيف بونابرت - في أن ينال الحلفاء منه شيئا ما دامت بلاده # terrritoire # لم تتطهر منهم، ولم يكن نابليون يريد ~~إلا صلحا «معقولا» يكتب له البقاء والاستدامة، على أسس لا تتجاوز تلك ms0572 التي ~~قدمت في فرانكفورت، ووافق عليها نابليون نفسه، وكان غرض نابليون - الذي كتب ~~لزوجه ماري لويز، ابنة الإمبراطور النمسوي يشرح لها أغراضه هذه - أن يستميل فرنسوا ~~الأول لتأييد مقترحات ومساعي «كولينكور» في مؤتمر الصلح في شاتيون، وألا يكون ~~«أداة» في يد إنجلترة، وطلب نابليون من ماري ليوز (25 فبراير) أن تكتب لوالدها في ~~ذلك، وأن تطلب من والدها رعاية مصالحها ومصالح ولدها ملك روما، وأن تؤكد له أن ~~«الموت أفضل من قبول سلام مهين، ومناقض للشرف والعزة والكرامة»، فضلا عن أنها ~~سياسة خاطئة تلك التي ترضى بسلام من هذا النوع؛ لأنه لن يدوم طويلا. # وعاود النمسويون طلب الهدنة - بعد طلبهم الأول يوم 17 فبراير - وذلك يوم 24 ~~فبراير، وأوفد نابليون في هذه المرة الجنرال دي ~~فلاهو # Flahaut # إلى لاسيني # Lassigny ~~(في ~~مقاطعة أوب) للمفاوضة، وزوده بتعليمات - مطابقة لما جاء في خطاب نابليون نفسه ~~إلى «والد زوجته» بتاريخ 22 فبراير - هي التمسك بالقواعد التي قدمت في ~~فرانكفورت أساسا للصلح، ولكن دون نتيجة، وقرر الحلفاء في شومونت يوم 26 فبراير ~~الإصرار على المقترحات التي قدموها في شاتيون إلى «كولينكور»، مع تحديد يوم 10 ~~مارس آخر موعد لقبولها، وقبل انقضاء هذه المهلة «الأخيرة» بيوم واحد استطاع ~~كاسلريه (9 مارس 1814) إبرام الميثاق الذي جمع الدول الأربع الكبرى: إنجلترة، ~~النمسا، بروسيا، روسيا، في محالفة مدتها عشرون سنة، وموجهة ضد فرنسا، ~~وتعهد الأطراف الأربعة بأن يجهز كل منهم جيشا من 150000 مقاتل عند الحاجة ~~للذود عن النظام الأوروبي الجديد الذي صح عزمهم على تأسيسه هم وحدهم، على ~~أنقاض الإمبراطورية النابليونية المنهارة، وقد جعل تاريخ هذه المعاهدة (معاهدة ~~شومنت) يوم أول مارس، وتعهدوا جميعا بمتابعة القتال وعدم الدخول في مفاوضات ~~لعقد صلح منفرد مع فرنسا، وحينئذ تعهد كاسلريه - وقد وجد آماله تتحقق في عقد هذه ~~المحالفة الرباعية ضد فرنسا - بأن تدفع إنجلترة معونة مالية للحلفاء قدرها خمسة ~~ملايين من الجنيهات عن سنة 1814. # وأما مؤتمر شاتيون فقد ظل يتعثر في أعماله، حقيقة حصل كولينكور يوم 10 مارس ~~على ms0573 مد أجل المهلة، وتقدم يوم 15 مارس بمشروع مقابل، على أساس بقاء يوجين ~~بوهارنيه (نائب الملك) في إيطاليا، والاحتفاظ بسكسونيا لملكها فردريك أوجستاس، ~~ومساهمة فرنسا في مؤتمر يعقد لتنظيم أوروبا من جديد، ولكن بعد إبرام معاهدة ~~شومنت لم يعد هناك أي أمل في الوصول إلى تسوية مع نابليون بالطرق السلمية على ~~غير الأسس التي يريدها الحلفاء، أي انكماش فرنسا إلى حدود 1790 وحسب، وفي 19 مارس ~~إذن أعلن انفضاض المؤتمر «في شاتيون». # واستعد الفريقان للمعركة الحاسمة: (معركة باريس) ذاتها. # وكان نابليون قد احتل هضبة كراءون # Craonne # شمال ~~نهر الإيسن، بين سواسون ولاءون؛ ليرقب حركات بلوخر، واستطاع أن يدفع عنه ~~هجوما روسيا لزحزحته من هذا الموقع (7 مارس)، ولكنه لم يلبث أن اصطدم أمام ~~«لاءون» بالمواقع القوية التي اتخذها جيش بلوخر في هذا المكان، ولم يصب نابليون ~~أي نجاح، ثم استطاع بعد قليل (13 مارس) أن ينتزع من أيدي الروس والبروسيين ~~«ريمز # Reims ~~»، ولكن هذه الواقعة كانت آخر عهد ~~نابليون بالانتصارات، ولم يعد الحظ يبتسم له بعدها، فمع أنه التحم مع شوارزنبرج يوم ~~20 مارس في معركة دامية عند «أرسيز-سير-أوب # Arcis-Sur-Aube ~~»، كانت أحمى وقائع هذه الحملة إطلاقا وذات نتائج ~~تضارع في أثرها الحاسم معركة لودي التاريخية أيام الحملة الإيطالية، فإن نابليون ~~بالرغم من أنه أرغم شوارزنبرج على الارتداد فقد عجز عن الانتصار عليه ~~انتصارا حاسما، «بل إن نابليون - الذي خشي من عودة العدو لاستئناف الهجوم عليه - ~~لم يلبث أن ارتد هو الآخر بطريق فيتري # Vitry # على ~~المارن.» # وكان غرض نابليون من هذا الارتداد أن يضع قواته بأكملها وراء الجيش ~~النمسوي؛ حتى يقطع خطوط مواصلاته مع نهر الراين، ويضطره إلى الابتعاد عن باريس ~~والدخول في عمليات عسكرية في ميادين تقع حينئذ في المكان الذي يختاره نابليون، وفي ~~غير الاتجاه الذي سارت فيه العمليات السابقة نحو باريس، وكادت هذه الخطة تنجح؛ لأن ~~الحلفاء عولوا على الارتداد نحو «لانجر» و«فيسول # Vesoul ~~» لتحطيم جيش الإمبراطور أولا - أي في ميدان المعركة الذي ~~اختاره نابليون - ثم الزحف ms0574 على باريس بعد ذلك، ولكن الحلفاء لم يلبثوا أن غيروا ~~عزمهم، عندما سقط في أيديهم خطاب من نابليون إلى ماري لويز (23 مارس)، وخصوصا ~~خطاب من «سافاري» - المشرف على البوليس - يشرح لنابليون هياج الخواطر في باريس تحت ~~تأثير الدعاية التي يذيعها العدو، وتشيع روح الهزيمة في نفوس الباريسيين، فكان أن ~~أشار القيصر - في مجلس الحرب الذي انعقد لبحث الموقف - بضرورة الزحف مباشرة على ~~باريس. # وفي 25 مارس تحركت الطوابير النمسوية لتنضم إلى جيش بلوخر في الزحف على باريس، ~~بينما انفصل جزء من قوات الحلفاء بقيادة وينزينجرود ليتتبع نابليون؛ لإيهام هذا ~~الأخير أن الحلفاء قد استجابوا لمناوراته والاتجاه صوب الجنوب بدلا من الزحف على ~~باريس، وقد اشتبك نابليون بكل قواته مع جيش «وينزينجرود» بالقرب من «سان ديزييه # St-Dizier ~~» في 26 مارس، وانطلت عليه ~~الحيلة، ولكنه ما عتم أن وقف على الحقيقة في الصباح التالي من بعض أسرى العدو، ~~فبادر عندئذ وبسرعة خاطفة ينكص على عقبيه صوب (ترويز) التي وصلها مساء 29 مارس، ~~ولكن الحلفاء كانوا قد سبقوه في زحفهم إلى الشمال بأيام ثلاثة بتمامها، وفي يوم ~~26 مارس نفسه كانوا أمام باريس، ولم يكن في طوق إنسان مهما أوتي من قوة ومهارة أن ~~يلحق بهم، وبات متعذرا على نابليون أن يبلغ باريس في الوقت المناسب؛ حتى يضع قواته ~~تحت أسوارها للدفاع عنها. # ومع ذلك فقد اعتمد نابليون على مهارة وبسالة قائديه: مارمون، ومورتييه، وعلى ~~وطنية الباريسيين، فواصل الجيش السير نحو باريس، وسبق نابليون نفسه جيشه، ولكن ~~الحلفاء كانوا قد أوقعوا الهزيمة بقوات مورتييه ومارمون في 25 مارس عند فيرشامبنواز # Fère-Champenoise ~~، حتى إن هؤلاء ارتدوا إلى ~~أسوار باريس (يوم 29 مارس) وهو نفس اليوم الذي غادرت فيه العاصمة ماري لويز ومعها ~~ملك روما إلى بلوا # Blois # مقر الحكومة الجديد، ~~وتجدد القتال في اليوم التالي (30 مارس)، ودافع ببسالة عن العاصمة كل من مارمون، ~~ومورتييه، ومونسي # Moncey # مع الحرس الأهلي، وطلبة ~~المدرسة الحربية قبل أن يرغموا على إلقاء السلاح، وقد أعطى جوزيف بونابرت ms0575 نفسه ~~الأمر بالتسليم قبل أن يغادر باريس. # وفي ليل 30-31 مارس 1814 تم التوقيع على تسليم باريس، وفي تسليم باريس كانت ~~نهاية الإمبراطورية، فلم تفد شيئا في إحيائها وبعثها إلى الوجود أية محاولات ~~بعد ذلك، وبالرغم من نضال نابليون المرير طوال الخمسة عشر شهرا التالية. # الفصل السادس # | حكم المائة يوم وواترلو # 1814-1815 # آذن تسليم باريس بأن الإمبراطورية النابليونية - التي قامت قبل كل شيء على حد ~~السيف - قد انطوت صفحتها، عندما ثبت (الآن) أن نابليون لن يكون في وسعه - بسبب ~~الإرهاق الذي صارت تعانيه البلاد، والخسائر الجسيمة التي تكبدتها في الرجال، ~~بعد حروب استمرت دون انقطاع تقريبا من أيام المحالفة الأولى ضد الثورة (1792) - أن ~~يجند الجيوش التي تعادل في قوتها جيوش الحلفاء، أولئك الذين صح عزمهم على ~~تقويض عروش إمبراطوريته والانتقام «منه»، بالانتقام من فرنسا التي قامت فيها الثورة ~~أولا، فأطاحت بعرش الملكية الشرعية (البربون)، وقبلت أخيرا ديكتاتورية «المغتصب» ~~الذي أذاعت جيوشه مبادئ الثورة في أوروبا، وقوضت عروش الملوك والأمراء الشرعيين ~~لتقيم على أنقاضها تلك الإمارات والممالك التي ضمتها إمبراطوريته. # ولكن تسليم باريس لم يضعف عزم نابليون الذي صمم على المقاومة، فهو كان قد ~~وصل إلى بار (الواقعة على نهر ~~أوب) # Bar-Sur-Aube # يوم 29 مارس عندما بلغه نبأ وصول الحلفاء إلى أبواب باريس، ~~وفي المساء وصل إلى «ترويز» - كما قدمنا - وتابع السير بكل سرعة فبلغ ~~فونتنبلو في مساء 30 مارس، وبعد أربع وعشرين ساعة أخرى وقف عند «فرومنتو- جوفيزي # Fromenteau-Juvisy ~~» في الطريق إلى باريس ~~ليستبدل الخيول، وهناك علم بتسليم باريس، وعندئذ لم يشأ نابليون التسليم بأن خسارة ~~العاصمة من شأنها إنهاء المعركة، وأراد الاجتماع بقواده (مارشالات فرنسا) ليشرح ~~تفاصيل الخطة للمعركة المقبلة: إما التقدم لتوجيه الهجوم على باريس ذاتها؛ لاسترجاع ~~العاصمة، وإما الانسحاب إلى نهر اللوار، حيث يوجد مقر الحكومة الجديدة في بلو ~~لإعادة تنظيم جيشه، فاجتمع بالمارشال مارمون عند إسون # Essones # في أول أبريل، وهو المكان الذي انسحب إليه مارمون بعد تسليم ~~باريس، وفي 3 أبريل عقد نابليون مؤتمرا حضره قواده ms0576 الذين أرادوا إقناع الإمبراطور ~~بإعلان تنازله عن العرش، ولكن نابليون جعلهم يرجعون عن رأيهم. # على أنه أثناء ذلك كان القيصر إسكندر، وملك بروسيا فردريك وليم قد دخلا إلى باريس ~~يوم 31 مارس في احتفال رسمي، على رأس الجيوش المتحالفة (230000)، وقوبل العاهلان في ~~الأحياء الغنية بالعاصمة بهتافات الحشود بحياة الملك! وحياة البربون! ثم هتف ~~الناس في أنحاء باريس بحياة الإمبراطور إسكندر، وحياة ملك بروسيا، وحياة لويس ~~الثامن عشر، كما نادوا بسقوط الطاغية نابليون. # واتخذ القيصر مقره في منزل «تاليران»، حيث انعقد على الفور مؤتمر ضم إليه ~~أعضاء الشيوخ من أصحاب المكانة، وكبار موظفي الحكومة، وكان بناء على طلب هؤلاء أن ~~أصدر الملكان منشورا أعلنا فيه أنهما لن يتفاوضا مع نابليون بونابرت، ولا ~~مع أي فرد من أعضاء أسرته، وحاول «تاليران» إيجاد حل دستوري لإنشاء حكومة مؤقتة ~~تحل محل حكومة فونتنبلو برئاسة نابليون المتهيئ للحرب، وحكومة بلوا، مقر ماري ~~لويز، صاحبة الوصاية أو النيابة في الحكم، والتي تتحمل مسئولية التسليم؛ وعلى ذلك ~~فإنه بناء على قرار من مجلس الشيوخ - أي الأعضاء الحاضرين من هذا المجلس وهم 64 ~~شيخا من 140، ودون اجتماع رسمي أو أية مباحثات - أنشئت حكومة مؤقتة من دوق ~~دالبرج # Dalberg ~~، والكونت جوكور # Jaucourt ~~، ورجل الدين مونتسكيو # Montesquiou ~~، والجنرال بورنونفيل # Beurnonville ~~، ويترأس هذه الحكومة تاليران، وصدر ~~هذا القرار في أول أبريل. # وهذه الحكومة المؤقتة التي قبل الحلفاء المفاوضة معها فقط، اتخذت لنفسها ~~كذلك سلطات جمعية تأسيسية؛ فاستصدرت تصريحا موجزا بالمبادئ التي يقوم عليها ~~الدستور: بقاء مجلس الشيوخ (السناتو) والمجلس التشريعي، وإطلاق حق الانتخاب، ~~والإبقاء على الرتب والمعاشات العسكرية، واحترام التزامات الدين العام، والاعتراف ~~بقانونية مبيع الأملاك الأهلية، والعفو عن أصحاب الآراء التي لم تكن يرضى عنها نظام ~~الإمبراطورية، وحرية العبادة، وحرية الصحافة، والتعبير عن الرأي، واعتبرت هذه ~~الحكومة المؤقتة أن نابليون قد اعتدى على الدستور؛ فطلبت من المجلس التشريعي إعلان ~~عزله، ونفذ المجلس هذه الرغبة يوم 3 أبريل. # وكان حينئذ - بعد مقابلة عنيفة بين الإمبراطور والمارشال «ناي» وأحاديث طويلة ~~مع قواده: ms0577 أودينو، وليففر وغيرهما - أن رضي نابليون يوم 4 أبريل بالتنازل عن العرش ~~لصالح ابنه ملك روما، وبعث نابليون بقواده ناي ومكدونالد، ووزير خارجيته ~~«كولينكور» إلى القيصر، وقد اصطحب هؤلاء معهم «مارمون»، وكان يقيم في «إسون»، وقد ~~بدا لأول وهلة أن القيصر يميل لقبول تنازل نابليون لصالح ولده، غير أن الحكومة ~~المؤقتة استطاعت التأثير على جيش مارمون، بينما تمكن شوارزنبرج من استمالة ~~مارمون نفسه إلى التخلي عن نابليون؛ فحدث في ليل 4-5 أبريل - بفضل مساعي الحكومة ~~المؤقتة - أن انضم جيش مارمون إلى صفوف الأعداء، وكشف بذلك فونتنبلو - مقر حكومة ~~نابليون - وعندئذ أصر القيصر على وجوب تنازل نابليون، من غير قيد أو شرط، وفي ~~6 أبريل وقع نابليون وثيقة التنازل، ومن غير قيد أو شرط. # وفي اليوم نفسه نادى مجلس الشيوخ بالحكومة الملكية الوراثية، ووجه الدعوة ~~لاعتلاء عرش فرنسا إلى لويس ستانسيلاس ~~إكسافييه # Stansilas-Xavier # شقيق الملك السابق لويس السادس عشر، واعتمد وثيقة دستور ~~جديد يتألف من 29 مادة، وبمقتضى هذا الدستور أبقي في وظائفهم - واستمروا يفيدون ~~ماليا تبعا لذلك من هذه المناصب وكما فعلوا في الماضي - أعضاء مجلس الشيوخ ~~الحاليون وسائر النواب الذين حضروا جلسة المجلس التشريعي، التي صدر عقبها قرار ~~التأجيل إلى أجل غير مسمى «ثم الحل» في 29 ديسمبر من العام السابق، واحتفظ هذا ~~الدستور في نظر أصحابه بالآثار المتخلفة عن «الثورة»، وفقا للمبادئ التي ~~أعلنت يوم أول أبريل، كما تناول التنظيم الحكومي؛ فنص «في المادة الرابعة ~~عشرة» على أن الوزراء يجوز أن يجمعوا بين الوزارة وعضوية مجلس الشيوخ أو المجلس ~~التشريعي، «وفي المادة الحادية والعشرين» على أن جميع قرارات الحكومة يجب أن ~~يوقع عليها الوزير المختص، ولكن الوزراء مسئولون عن أعمالهم. # وعامل الحلفاء نابليون معاملة سخية نظير تنازله؛ فأعطوه جزيرة ~~إلبا # Elba # لإقامته، مع معاش سنوي يبلغ ~~المليونين من الفرنكات، وجعلوه يحتفظ بلقب الإمبراطور، وتم ذلك في معاهدة أبرمت في ~~فونتنبلو يوم 11 أبريل، وقد ضمنت هذه المعاهدة أيضا إعطاء الإمبراطورة «ماري ~~لويز» دوقيات بارما، وبليزانس أو ~~بياكنزا Plaisance, ms0578 Piacenza ~~، وجواستالا # Guastalla ~~(وكلها في إيطاليا)، وقد حاول نابليون في الليلة التالية الانتحار بتناول السم، وفي ~~20 أبريل ودع حرسه القديم وداعا مؤثرا، ثم غادر فونتنبلو في طريقه إلى ~~المنفى، مارا بروان، وليون، وإفينون، ثم أبحر من فريجوز # Fréjus # يوم 4 مايو إلى جزيرة إلبا على ظهر فرقاطة ~~إنجليزية. # وفي الوقت الذي غادر فيه نابليون فونتنبلو في طريقه إلى إلبا، غادر الملك ~~لويس الثامن عشر القصر الذي أقام فيه في هارتويل في مقاطعة بكنجهامشاير في إنجلترة ~~(21 أبريل) في طريقه إلى لندن، وكاليه، ليصل إلى هذه الأخيرة يوم 24 أبريل، وليدخل ~~العاصمة باريس رسميا يوم 3 مايو 1814، وبذلك عادت الملكية إلى فرنسا، وقضي ~~على الأنظمة التي تولدت من الثورة: الجمهورية، والقنصلية (الجمهورية) ~~والإمبراطورية. # ومنذ 26 فبراير 1814 كتب نابليون للإمبراطورة ماري لويز: # إن الروس هم الذين أرادوا تقديم البربون وتأييد قضيتهم، فكانوا بسبب ذلك ~~موضع سخرية الناس بهم، ولم يشأ إنسان مؤازرتهم في هذا العمل، فلم يؤيدهم ~~النمسويون الذين لا يريدون إطلاقا الكلام في موضوع البربون. # ويبدو أن نابليون كان وقتئذ على صواب فيما ذهب إليه؛ لأن الحلفاء ~~ما كانوا يفكرون جديا في إعادة البربون إلى عرش فرنسا، وكان مترنخ يؤثر إقامة ~~وصاية نمسوية، تشرف على حكومة باسم نابليون الثاني، أي تولية «ملك روما» عرش ~~فرنسا، وحتى يوم 10 مارس كان الحلفاء ضد عودة البربون، فقوبل مندوب تاليران لديهم، ~~وكان من الملكيين (وهو البارون دي ~~فيترول # Vitrolles ~~) مقابلة جافة عندما أخذ يتحدث عن البربون، ولكن ~~تاليران ظل مثابرا على تأييده لقضية البربون، واستطاع التأثير على القيصر إسكندر ~~الذي ذكرنا أنه أقام في بيته، حتى أقنعه بأن عودة البربون إلى عرش فرنسا إنما ~~هي اعتراف «بالمبادئ» التي يقوم عليها السلام وترمز لها، كما ترمز للاستقرار ~~المنتظر في ظل النظام الجديد في أوروبا. # وفي رأي كثيرين من المؤرخين أن ليس صدقا القول بأن «البربون عادوا في ركاب ~~الأجانب» إلى فرنسا، وليس صدقا كذلك - في الوقت نفسه - القول بأن فرنسا كان لها ~~مطلق ms0579 الحرية - حسب ما وعد به القيصر إسكندر - في أن تختار نوع الحكومة التي ~~تريدها، والواقع أن مبدأ إرجاع البربون إلى عرش فرنسا كان تقرر وحصل الاتفاق ~~عليه بين رؤساء المحالفة الدولية وبعض رؤساء الإمبراطورية «النابليونية». # على أن موضوع انتقال السلطة إلى الملك العائد كان أكثر تعقيدا من تقرير العودة ~~في حد ذاتها؛ فقد دعي لويس ستانسيلاس إكسافييه، كما شاهدنا يوم 6 أبريل لاعتلاء ~~عرش فرنسا، ولكن لم يكن مستطاعا إعلان ملكيته - ملكا على الفرنسيين - إلا إذا ~~قبل الدستور وأقسم على احترامه، ولقد دأب لويس «الثامن عشر» - منذ وجوده في ~~المنفى في ميتاو # Mittau ~~(وذكرنا أنها في كورلاند ~~بروسيا)، ثم بعد ذلك في هارتويل (في إنجلترة) - على انتهاز الفرص، ولم يفتر له ~~نشاط، وكان من هارتويل إذن بمناسبة الحوادث الأخيرة أن أصدر منشورا في أول يناير ~~1814 لتأييد حقوقه في العرش، ولما كان يشكو داء المفاصل (النقرس)؛ فقد سبقه ~~شقيقه الكونت دارتوا في الدخول إلى باريس (يوم 12 أبريل) بوصفه قائم مقام المملكة - ~~وهو اللقب الذي أعطي له يوم 14 أبريل - باعتبار أنه مندوب - على حد قول فوشيه ~~- عن مجلس الشيوخ، وذلك إلى أن يقبل لويس ستانسيلاس إكسافييه الدستور ويقسم ~~على احترامه. # وقد وجد المعاصرون في هذا الترتيب ضمانا لسلطان الأمة وسيادتها، ولكن الذي ~~حدث أنه سرعان ما صار مبعث مناقشات كثيرة حول قيمته، خصوصا كإجراء يجب التقيد به ~~في تقرير سيادة الأمة، أو تأييد حقوق الملكية الراجعة (الشرعية). # ومهما كان الأمر، فقد وجد الكونت دارتوا نفسه على رأس الحكومة بوصفه قائم مقام ~~المملكة، واتخذ بهذه الصفة عدة إجراءات أثارت انتقادات كثيرة، منها الإبقاء على ~~فئات وأنواع معينة من الضرائب التي كانت موضع شكاية الشعب أيام الإمبراطورية، ~~والتي كان «أرتوا» نفسه قد وعد بإلغائها يوم 20 أبريل، ومنها أنه عين قومسييرين ~~غير عاديين، مهمتهم مراقبة ولاء الموظفين (22 أبريل)، ومنها أنه وقع ~~اتفاقا مع الحلفاء في 23 أبريل على أساس إرجاع حدود فرنسا إلى ما كانت عليه سنة ~~1792، ثم إعادة الحصون ms0580 التي يحتلها الفرنسيون خارج هذه الحدود بكل ما فيها من ~~مدفعية، وذخائر، وسجلات؛ الأمر الذي جرد فرنسا من السلاح قبل إبرام الصلح ~~معها. # وعندما استطاع لويس الثامن عشر أخيرا مغادرة هارتويل، ظل مترددا بين اتباع ~~مشورة «بوزو دي بورجو Pozzo di Borgo ~~» - وكان ~~لاجئا كورسيكيا التحق بخدمة القيصر وصار من مستشاريه، ويدين بالمبادئ الحرة، ~~وقد نصح الملك بقبول الدستور - وبين نصيحة أولئك الذين وضعوا حقوق الملك ~~المشروعة فوق كل اعتبار، وكان لويس حريصا على الاحتفاظ بكل سلطاته، ولا يريد بحال ~~التفريط في شيء منها، ولكنه كان كذلك حذرا للغاية، ولا يود أن يرفض الدستور ~~رفضا صريحا. # فقد هنأ رئيس المجلس التشريعي الملك لويس على رغبته في إقامة حكومة «حكيمة ~~ومتزنة»؛ لأنه لم يطلب من الحقوق إلا ما كان كافيا لممارسة الملك سلطاته ~~بصورة تجعل ممكنا تنفيذ «الإرادة العامة» تنفيذا أبويا؛ فأجاب الملك ~~مؤكدا الاتحاد التام الذي يربطه بممثلي الأمة، والذي يجب أن ينبثق منه «استقرار ~~الحكومة، وسعادة الشعب»، وعندما تحدث تاليران باسم مجلس الشيوخ أشار إلى الأنظمة ~~الإنجليزية «الدستورية»، ولكنه راح يرجو «أن تكون فرنسا حرة؛ حتى يكون الملك ~~قويا»، وهكذا كان واضحا أن الرأي لم يستقر على شيء قطعي فيما يتعلق بشكل الحكومة ~~الدستورية المزمع إقامتها على أيدي الملكية الراجعة، هل يكفل الدستور سلطات الأمة ~~وسيادتها، فيعمل الملك وحكومته لتنفيذ «الإرادة العامة» أو أن الدستور سوف يحفظ ~~للملك سلطات واسعة تجعله قادرا على إقامة حكومة غير مسئولة فعلا أمام ممثلي ~~الأمة؟ # ولقد ظهر هذا التردد - وإن شئت الإبهام - في التصريح الذي أذاعه الملك من ~~سانت أوين # Saint-Ouen # يوم 2 مايو قبل دخوله ~~عاصمة ملكه، فقد أشرف على إعداد هذا التصريح كل من البارون دي فيترول - ~~وسبقت الإشارة إليه - والدوق دي بلاكاس # Blacas # من أنصار الملك، وذلك من غير إشراك الهيئات السياسية في البلاد، وفي هذا التصريح ~~أوضح الملك آراءه ونواياه، فقد استهله بتأكيد مبدأ «الشرعية» في قوله إنه ~~ملك فرنسا بإرادة الله، وإنه قد استرجع عرش آبائه وأجداده بسبب ms0581 حبه لشعبه، ~~ولكنه أشار إلى تلك الثقة المتبادلة بينه وبين شعبه، والتي قال إنه لا غنى عنها ~~لانتشار الهدوء والسكينة وتوفر أسباب السعادة، ثم إنه اعتبر الدستور الذي ~~أعده مجلس الشيوخ (في 6 أبريل) - والذي دعاه ~~بمقتضاه ليتبوأ العرش باسم الأمة - مجرد مشروع لم يكن في وسعه إطلاقا - وهو ~~الذي يستمد حقوقه المقدسة في الحكم من عند الإله - قبوله، وقال الملك: «إن ~~هذا المشروع مدموغ بطابع السرعة، كما يلاحظ ذلك في معظم مواده؛ ولا غنى - لهذا ~~السبب - عن مراجعة هذا الدستور وإعادة النظر فيه «لتصحيحه.» # وهكذا رفض الملك الاعتراف بأن هناك سلطات أعلى من سلطاته، أو أنه ~~يستند في اعتلائه العرش على دعوة الأمة له بأن يفعل ذلك، أو أن للأمة ~~«سيادة» تعلو السيادة التي له، أو أنه باعتلائه العرش إنما يمارس السلطات التي ~~يجري بها تنفيذ «الإرادة العامة»، حتى إذا اطمأن الملك في «تصريحه» من هذه ~~الناحية، لم يجد صعوبة ما في الاعتراف بأن القواعد التي قام عليها «مشروع» الدستور ~~«قواعد طيبة»، وهي القواعد التي سبق ذكرها: (ضمان الحرية الفردية والمساواة في ~~الحقوق المدنية، وقانونية مبيع الأملاك الأهلية، والإبقاء على أنظمة الحكم التي ~~عرفها العهد الإمبراطوري، من حيث توزيع السلطات بين الهيئات التشريعية ~~المعروفة، والهيئات التنفيذية، ثم وجوب إنشاء الحكومة على أسس دستورية). # وعلى ذلك فقد اختفى من «تصريح سانت أوين» كل ذكر لسيادة الأمة، بل إن الملك ~~هو الذي سوف يصدر عنه الدستور، وحتى حينئذ استبدل باسم الدستور # Constitution ~~، العهد أو ~~الميثاق، أو القانون النظامي للمملكة # Charte ~~. # وعلى ذلك فقد تشكلت لجنة لوضع الدستور الجديد، انتهت من مهمتها بين 22 و27 ~~مايو، وأخذ واضعو الدستور «التنظيم السياسي» عن الإنجليز، من حيث تقرير أن ~~الملك يمارس سلطاته التنفيذية بواسطة وزراء مسئولين، وأن من حقه وحده اقتراح ~~القوانين، وأن مجلسا للأعيان # Chambre des Paris # وآخر للنواب # Ch. des Députés des Départements # يقترعان على الضرائب وعلى القوانين، وأن مجلس الأعيان أعضاؤه يعينهم الملك ، ~~ومن الممكن أن تكون العضوية به وراثية، وأن ms0582 مجلس النواب أعضاؤه بالانتخاب، على أن ~~يكون للذين يدفعون ضريبة مباشرة قدرها خمسمائة فرنك حق الانتخاب، وللذين يدفعون ~~ضريبة قدرها ألف فرنك حق النيابة، وفيما عدا ذلك، فقد تحول «الآن» ومؤقتا ~~المجلس التشريعي الذي عرفته الإمبراطورية إلى مجلس للنواب، بينما تألف من ~~الأرستقراطية الجديدة أكثرية مجلس الأعيان، من بينهم أربعة وثمانون «شيخا» ~~و«مارشالا»، وهذا الدستور قدم للقراءة في المجلسين يوم 4 يونيو 1814. # وظاهر أن هذا الدستور قد احتفظ بالتغييرات العريضة التي أحدثها، والمزايا ~~التي نجمت من «الثورة» و«الإمبراطورية» في الناحيتين السياسية والاجتماعية، وإن ~~كان قد تم في صورة تنازل صدر عن إرادة الملك، وفي ظل سيادته العليا. # ولقد كان الذي استأثر باهتمام الفرنسيين ولا شك، ليس صفات الملك وأغراضه، بقدر ~~المعنى الذي انطوت عليه عودة الملكية إلى فرنسا؛ ففي اعتبارهم كان معنى الملكية ~~الراجعة انتشار السلام، وذلك ما كانت قد بدأت في إقامة الدليل عليه «الحكومة ~~المؤقتة» - برئاسة تاليران - عندما بادرت بتسريح المجندين، والتوقف عن طلب ~~أية دفعات جديدة للجندية، كما ساعد على ذلك عقد الهدنة على يد الكونت دارتوا ~~(في 23 أبريل) في الاتفاق الذي سبقت الإشارة إليه، والذي دل على أن العهد الجديد ~~(الملكية الراجعة) لا تهتم بالتوسع الذي أحرزته فرنسا على أيام الثورة ~~ونابليون، ولم يكن قبولها انكماش الحدود الفرنسية إلى ما كانت عليه سنة 1792 ~~إلا عملا غير حكيم، سوف يفقدها مزايا كان في وسعها الاعتماد عليها في ~~المساومة الخاصة بإبرام معاهدة الصلح النهائي مع الدول المتحالفة ضدها، ومن شأنه ~~كذلك حرمان البلاد من ضمان ثمين للمحافظة على مصالحها عند النظر في تصفية المشاكل ~~التي نجمت من «تجربة» إقامة الإمبراطورية النابليونية. # ولقد حاول تاليران أن يحصل على بعض تعويضات لقاء تخلي فرنسا عن كل هذه ~~الفتوحات التي فقدتها؛ فتحدث في ذلك مع مترنخ، ومع نسلرود، ومع كاسلريه - ولو أنه ~~لم يشأ المباحثة مع هاردنبرج؛ لعدم توقعه الوصول إلى شيء مع بروسيا - ولكن دون ~~جدوى، وحاول تاليران إقناع الحلفاء بأن تقوية حدود فرنسا الشرقية ضروري - من ~~ناحية ms0583 بلجيكا خصوصا - حتى يتسنى الدفاع عن حدودها، وذلك بإعطائها مونز # Mons ~~، ونامور # Namur ~~، ~~ولكسمبرج، وبما في ذلك أيضا قيصر ~~سلوترن # Kaiserslautern # في البلاتينات، واستنكر الحلفاء هذا المطلب، وكفى في ~~نظرهم لتأمين فرنسا من ناحية حدودها الشرقية إعطاؤها سافوي وكونتية نيس، ومن ناحية ~~حدودها الشمالية، تحسين حدود 1792 بضم الأقاليم المجاورة إليها في فيليبفيل Phileppeville ~~، وماريانبورج # Marianbourg ~~، ثم سارلويي # Sarrelouis ~~، ثم لانداو # Landau ~~، ~~وكلها مواقع تفيد في الدفاع وصد الغزو من نواحي نهري واز # Oise ~~، وسار # Saare ~~، ثم جبال ~~الفوزج. # وأراد الحلفاء أن يفرضوا غرامة حرب أو «تعويضا» على فرنسا، ودارت مناقشات طويلة ~~حول هذا «التعويض»، ولم يثن الحلفاء عن عزمهم غير رفض لويس الثامن عشر ~~دفع أية تعويضات، وعندئذ وقعت معاهدة الصلح الأولى في باريس في 30 مايو ~~1814، وقعها تاليران عن الملك الفرنسي، وممثلو النمسا وروسيا وبريطانيا ~~وبروسيا. # وبمقتضى معاهدة الصلح هذه انكمشت فرنسا داخل الحدود التي كانت لها أيام ~~«العهد القديم»، بل إنها تعهدت بالاعتراف بكل الترتيبات التي يتفق عليها الحلفاء ~~بشأن الأقاليم التي تخلت عنها فرنسا والنظام الذي سوف ينجم من هذه ~~الترتيبات ليكفل التوازن الحقيقي والدائم في أوروبا، وأما هذه الترتيبات المنتظرة ~~فكان قد تم تقرير المبادئ التي تقوم عليها بحيث تتألف من الأراضي المنخفضة دولة ~~واحدة تجمع بين بلجيكا وهولندة، وأن تسترجع النمسا كلا من لمبارديا والبندقية ~~«فينيسيا # Venetia ~~»، وأن تستقل ألمانيا، ويتألف ~~منها اتحاد كونفدرائي، وأن تحتفظ إنجلترة ببعض الجزر التي استولت عليها، وكانت ~~جزءا من المستعمرات الفرنسية: تباجو # Tabago ~~، ~~أيل دي فرانس # Ile de France ~~، سانت لوسي # Sainte-Lucie ~~، سيشيل # Seychelles ~~. # ودلت شروط الصلح الذي تم في باريس إذن على أن الذي حصل لم يكن رجوع الملكية ~~إلى فرنسا وحسب، بل كان الغرض المتوخى منها كذلك إضعاف فرنسا ذاتها - وفرنسا كما ~~كانت في العهد القديم - حقا لقد احتفظت فرنسا بأفينون # Avignon ~~«في الجنوب على نهر الرون»، ومنتبليار # Montébeliard ~~، وملهوسن # Milhausen ~~«في الشرق في إقليم الراين الأعلى»، وشامبري # Chambéry ~~، وأننسي # Annecy ~~«في سافوي»، وكانت فرنسا قد ms0584 استولت على هذه الأقاليم قبل ~~1792، وكذلك احتفظت بحقوقها القديمة في الصيد في «الأرض الجديدة»، نيوفوندلاند، ~~الجزيرة الإنجليزية في أمريكا الشمالية، ولكنها فقدت عددا من مستعمراتها، ~~وحرمت من أن يكون لها صوت ما في توزيع الأسلاب من الإمبراطورية ~~النابليونية. # وقد طلب الحلفاء قبل مغادرتهم باريس، أن يبادر لويس الثامن عشر باعتماد ~~الدستور؛ لاعتقادهم أن في اعتماده ضمانا لاستقرار الأمور ونشر الهدوء والسكينة، ~~عندما لاحظوا هياجا في الخواطر، وثورة فكرية حول الدستور من جانب أصحاب الآراء ~~الحرة الذين أرادوا التوسع في الحقوق المعطاة للأمة وتقرير سيادتها العليا، وأصدروا ~~النشرات أو الكراسات لتأييد وجهة نظرهم، مثلما فعل جريجوا # Grégoire ~~(من أعضاء المؤتمر الوطني القدامى)، وبنيامين كونستان # Constant # وغيرهما، ومن جانب أعداء الفكرة ~~الدستورية والمناوئين للدستور، وقد اشتركت الصحف في تأييد وجهات النظر المختلفة، ~~فأيد الجورنال دي ديبا # Journal des Débats ~~، ~~وجورنال دي باري # de Paris # فريقا، وأيدت ~~غازيتة فرنسا # Gazette de France # فريقا آخر، ~~فتألفت يوم 18 مايو لجنة لوضع الدستور، باشرت عملها بكل سرعة، وقد ذكرنا كيف ~~أنها انتهت من وضعه يوم 27 مايو، وأن الدستور قدم للقراءة في المجلسين يوم 4 ~~يونيو. # على أن مهمة الملكية الراجعة الرئيسية - وهي ممارسة شئون الحكم - لم تلبث أن بدأت ~~وكانت هذه مهمة خطيرة، بسبب التغييرات التي طرأت على نظام الحكم في الداخل من جهة، ~~من حيث إقامة الملكية الدستورية التي يتوقف نجاحها على مدى تطبيق الدستور بصورة ~~تحفظ حريات الأمة، وتنال رضى الشعب عن العهد الجديد، وبسبب انكماش الحدود ~~الفرنسية بمقتضى المعاهدة التي أبرمت مع الحلفاء في باريس، ومدى نجاح الملكية ~~الراجعة في تجنب العزلة، ومحاولة إرضاء الشعور الوطني عن طريق المساهمة بدرجة ~~ملحوظة في الترتيبات الإقليمية المنتظرة لإعادة التنظيم السياسي في أوروبا. # وكان لويس الثامن عشر يتمتع بمزايا كثيرة، منها معرفته لشئون أوروبا، والمثابرة ~~على العمل مع الحيلة والقدرة على المجاراة وتسيير الأمور، ولكن كان يلتف ~~حوله «المهاجرون» من الذين طمست شهوة الانتقام من «الثورة» بصائرهم، ~~وأرادوا استرجاع كل امتيازاتهم وحقوقهم المفقودة، والذين ms0585 قيل عنهم: «إنهم لم ~~يتعلموا من دروس الماضي شيئا، ولم ينسوا من حوادث هذا الماضي شيئا»، والذين ~~نقموا على «الدستور» أو ميثاق 1814 أنه مؤذن بانتشار «الفوضى الثورية» في البلاد ~~وعقدوا آمالهم على «حكومة إصلاح»، مهمتها القيام بحركة تطهير شاملة لتصفية ~~الموظفين، وإلغاء الحقوق الأساسية التي تكفل حريات الأفراد والجماعات، وإعادة ~~النظر في مبيعات الأملاك الأهلية؛ وبالجملة إزالة كل الآثار الاجتماعية والسياسية ~~التي تمخضت عنها الثورة والإمبراطورية، والعودة بالبلاد إلى نظام «العهد ~~القديم». # وألف الملك وزارته الأولى في 13 مايو، ولم يعين رئيسا للوزارة، ولكن كان من ~~الواضح أن تاليران هو الذي يحتل مكان الصدارة في هذه الوزارة، ولما كان يستأثر بكل ~~اهتمامه مسألة إعادة التنظيم السياسي في أوروبا - وهي المسألة التي سيتناولها مؤتمر ~~فينا في نوفمبر، والتي غادر تاليران باريس من أجلها منذ سبتمبر لحضور هذا المؤتمر ~~- فقد ترك تصريف شئون البلاد الداخلية للملك ووزرائه، ولا شك في أن غياب تاليران ~~عن الوزارة كان ذا آثار سيئة عليها، حيث انعدم الانسجام بين أعضائها، فهناك فريق من ~~الوزراء يضم وزير الحرب «ديبون # Dupont ~~» من قواد ~~نابليون، ووزير البحرية «مالويه # Malouet ~~» وهو من ~~أعضاء الهيئة التأسيسية أمام «الثورة»، ووزير المالية البارون لويس من أنصار ~~المبادئ الدستورية، ووزير البوليس كونت «بوجنو # Beugnot ~~» من كبار الإداريين في عهد الإمبراطورية، وغرض هؤلاء ~~استمالة طبقات الأمة لقبول النظام الجديد على أساس تطعيم الثورة بالمبادئ ~~الملكية. # ثم كان هناك الفريق الآخر، مثل وزير الداخلية «مونتسكيو» عضو الحكومة المؤقتة ~~السالفة الذكر، ووزير الخاصة الملكية الكونت «دي بلاكاس»، ووزير البريد ~~«فراند # Ferrand ~~»، ثم وزير العدل «دامبراي # Dambray ~~»، وكل هؤلاء من الملكيين الرجعيين يريدون ~~العودة بالبلاد إلى «العهد القديم». # وكان هذا الانقسام في الوزارة صورة مصغرة من الانقسام السائد في الأمة، وبقيت ~~إجراءات الوزارة موضع مناقشة عنيفة؛ بسبب تلك الاتجاهات المضادة التي لخصناها، ~~واتسمت الحكومة بالفشل في كل نواحي سياستها الداخلية، فمن الناحية المالية ~~والاجتماعية واجه وزير المالية جملة احتجاجات شديدة من جانب الملكيين المتطرفين # Ultra-Royalists # مثل شقيق الملك ms0586 ~~«أرتوا # Artois ~~»، ودوقة دانجوليم # Angouléme ~~، ابنة لويس السادس عشر وزوجة ابن ~~الكونت داتورا البكر «لويس»، وذلك عندما اعتزم بيع مسافة كبيرة من الأراضي التي ~~تغطيها الغابات كانت ملكا لرجال الدين من أجل موازنة الميزانية. # واشتركت الصحف «اليومية # Quotidienne ~~» ~~و«الجورنال الملكي # Journal Royal ~~» وغازيتة ~~فرنسا في الاحتجاج على هذه الخطوة المزمعة، ولم يكن الاتفاق على مسألة الأملاك ~~الأهلية بين الذين ابتاعوا هذه الأملاك في عهدي الثورة والإمبراطورية - وقد بقيت ~~حقوق هؤلاء في امتلاكها غير ثابتة نهائيا - وبين أصحاب هذه الأملاك الأصليين، ~~والذين انتزعتها الدولة منهم، وهؤلاء من المهاجرين. # كما كانت الدولة استولت كذلك على أراضي الكنيسة؛ فتألفت لجنة برئاسة «فراند» لنظر ~~هذه المسألة، وصلت إلى قرار في شهر سبتمبر (1814) بإبقاء الأملاك الأهلية في ~~أيدي الذين صارت لهم، وذلك تحقيقا لما نص عليه الدستور «أو الميثاق»، ولكنها ~~اقترحت إعادة الأملاك التي لم يحصل التصرف بالبيع فيها إلى أصحابها ~~الأصليين. # وواضح أن هذا الترتيب أخضع موضوعا قانونيا - حق التملك - لتأثير الفرصة وحدها، ~~فالذين ابتاعوا هذه الأملاك واغتنموا الفرصة سابقا، بقيت الأملاك في حوزتهم ولم ~~يسترجع أصحابها الأصليون شيئا، والذين فاتتهم الفرصة في السابق، أو كانوا هم ~~أصحاب الأملاك التي لم تتصرف فيها الدولة، بقي موقف الفريق الأول منهم على ~~حاله، وأجيز للفريق الثاني استرجاع أملاكهم، وكانت الدولة مستولية على الأملاك ~~التي لم يبتعها الأفراد، ومع ذلك فقد رفض اقتراح لتوزيع الأملاك غير المبيعة ~~على الذين فقدوا أملاكهم بنسبة خسائرهم، وتقرير بدلا من ذلك صرف تعويضات لهم ~~عندما يصلح حال مالية الدولة، وأغضب وزير المالية إلى جانب هذا دافعي الضرائب ~~عندما وجد من واجبه - لموازنة الميزانية - الاحتفاظ بأنواع الضرائب التي كان ~~الكونت دراتوا قد وعد بإلغائها (منذ 20 أبريل). # وكان دارتوا قد وعد كذلك بإلغاء التجنيد، وكان من السهل تنفيذ هذا الوعد؛ لانتهاء ~~الحرب من جهة، ولضرورة إنقاص النفقات العسكرية من جهة أخرى، ولكن تسريح الجنود ~~استتبع الاستغناء عن عدد كبير من الضباط؛ فبلغ عدد الذين صاروا في الاستيداع ~~ولا يصرف لهم سوى نصف ms0587 مرتباتهم، اثنى عشر ألف ضابط، وتزايد تذمر هؤلاء ~~واستياؤهم عندما وجدوا «المهاجرين» من الضباط الذين وصلوا إلى الرتب العسكرية وهم ~~يحاربون ضد فرنسا ذاتها، يحتلون المراكز التي أخلاها هؤلاء المسرحون، ~~وحاول وزير الحربية الجنرال (ديبون) أن يجعل الالتحاق بالمدارس الحربية مقصورا ~~على أبناء الطبقات الأرستقراطية، ولكن الاحتجاجات ضد هذا الإجراء بلغت درجة من ~~الشدة اضطرت الحكومة إلى العدول عنه. # وجانب التوفيق الوزير الجديد «سولت» الذي خلف «ديبون» في وزارة الحرب في ~~ديسمبر عندما اتخذ عدة إجراءات أثارت ضده غضب الفرنسيين، وأوذيت بسببها سمعة ~~الحكومة، لعل من أخطرها اضطهاده الجنرال إكسلمانز # Excelmans ~~، ثم تقديمه للمحاكمة أمام مجلس عسكري، بسبب وقوع خطاب ~~منه إلى «مورا» ملك نابولي في أيدي الحكومة، ووعد «إكسلمانز» في خطابه هذا، إذا لم ~~يحصل «مورا» تسوية طيبة في مؤتمر فينا، أن يهب لنجدته واضعا تحت تصرف «مورا» ~~«ألف ضابط من الشجعان الذين تخرجوا في المدرسة «الحربية» وتحت أنظار جلالة الملك» ~~أي «مورا» نفسه، وكان «ديبون» الوزير السابق قد اكتفى بتوجيه اللوم لهذا القائد، ~~ولكن «سولت» أنقص مرتباته إلى النصف، وأمره بمغادرة العاصمة، وعندما رفض ~~القائد تنفيذ هذا الأمر الأخير، هوجم منزله ليلا لتفتيشه، وانتهى الأمر بتقديمه ~~للمحاكمة، ولكن عندئذ كان قد انتشر خبر هذه «الاعتداءات» في كل أنحاء فرنسا، ~~وتحمس الشعب لقضيته تحمسا كبيرا، حتى غدا «إكسلمانز» بين عشية وضحاها «بطلا» ~~من الأبطال المعدودين، فكاتبته مدام دي ~~ستال # Staël ~~، وصار يزوره «لانجونيه # Lanjuinais ~~» (وقد مر بنا خبره في تاريخ الثورة)، وعرض عليه ~~«لفاييت # Lafayette ~~» استضافته في بيته في ~~الريف، مكانا أمينا يلجأ إليه، وعندما حكم في «ليل # Lille ~~» ببراءته في 25 يناير 1815 قوبل هذا الحكم من الشعب بحماس ~~منقطع النظير. # وكان من أسباب الاستياء كذلك من إدارة «سولت» في وزارة الحربية، ومن الحكومة ~~عموما، أنه طلب من الجيش المساهمة في التبرعات التي جمعت لإقامة نصب تذكاري ~~للمهاجرين الذين اشتركوا في حوادث ثورة «الملكيين» الشوان # Chouan # في كويبرون # Quiberon # سنة ~~1795، وقد عرفنا عند الكلام عن هذه الثورات في ms0588 عهد المؤتمر الوطني، أن الأسطول ~~الإنجليزي كان قد نقل إلى شبه جزيرة كويبرون بضعة آلاف من المهاجرين وغيرهم ~~للاشتراك في هذه الثورة. # ولم تدرك الوزارة نجاحا كذلك في معالجة الشئون الدينية، وكان من الحوادث ~~التي أهاجت الخواطر أن رفض رجال الدين إقامة الصلاة الجنائزية للاحتفال ~~بتشييع جثمان راقصة مشهورة (28 يناير 1815) - مدموازيل روكور # Raucourt ~~- مما تسبب عنه حصول الاضطرابات في باريس، ثم زاد من ~~بلبلة الأفكار، إقامة الصلاة الاستغفارية في جميع أنحاء البلاد يوم 21 يناير (1815) ~~لإحياء ذكرى الملك لويس السادس عشر الذي أعدم في مثل هذا اليوم سنة 1793، وبدأ ~~الناس يتكلمون ثانية عن الاضطهادات والمصادرات المتوقعة. # وهكذا لم تنقض شهور على العهد الجديد حتى كان القلق قد استبد بالنفوس، ووجد ~~الأحرار الأكثر اعتدالا من غيرهم، أنهم بسبب ثورة الخواطر العارمة هذه قد صاروا ~~يتآمرون ضد النظام القائم؛ فهناك لفاييت يعلن أن الحرية في خطر، وهناك مدام دي ستال ~~تعقد الاجتماعات في قصرها (بشارع كليشي # Clichy ~~)، ~~وتدعو للعشاء على مائدتها الأحرار من كل العناصر، وهناك البونابرتيون يجتمعون في ~~منازل أصدقائهم، وكان أعظم المتآمرين نشاطا جماعة عهد الإرهاب القديم، وعلى رأس ~~هؤلاء «كارنو» الذي يبعث بمذكرة للملك تحوي أسباب الشكوى العامة من الحكومة، ثم ~~«فوشيه» الذي يحيك المؤامرات لمساعدة الدوق دورليان على اعتلاء العرش، ثم ~~«ثوريو # Thuriot ~~» و«جريجوار» و«ثيبودو # Thibaudeau ~~» وغير هؤلاء، بينما كان القائد ~~«دورييه # Drouet ~~» في ليل، يفكر في الزحف ~~بجنوده على باريس. # وتضاربت آراء هؤلاء المتآمرين حول النظام الذي يجب أن يحل محل النظام القائم، ~~فجماعة أيدوا الدوق دورليان، وآخرون آثروا البرنس يوجين، وفريق نادى ~~بالجمهورية، وفريق ثان أراد عودة نابليون إلى الحكم، ومع ذلك فقد اتفقوا على أمر ~~واحد، هو أن هذا النظام القائم لا يمكن أن يدوم، وأخذ كثيرون يحددون تاريخ ~~اليوم الذي ينتهي فيه هذا النظام، ويختفي من الوجود تماما، وبينما كان «المهاجرون» ~~يريدون إعادة بناء حصن «الباستيل» الذي خربته الثورة، ورمز الحكومة ~~الاستبدادية في العهد القديم، تداعت أركان الملكية الراجعة، وانتهت أيامها مؤقتا ~~(15 ms0589 يوليو 1815) ليحكم نابليون من جديد، خلال المائة يوم التالية، قبل أن يستطيع ~~البربون استرجاع العرش الذي فقدوه للمرة الثانية، والعودة إلى الحكم في فرنسا بعد ~~أن تنتصر جيوش الحلفاء على نابليون في واقعة واترلو # Waterloo ~~. # ذلك أن هذا التذمر المتزايد من حكومة الملكية الراجعة وأساليبها، لم يكن يغيب ~~نبأه عن نابليون وهو في منفاه في جزيرة إلبا «جزيرة الراحة» على نحو ما وصفت به، ~~يرقب تطور الحوادث في فرنسا، ولا يفقد الأمل في استرجاع سلطانه المفقود، فهو قد ~~نزل في «بورتوفيراجو Porto Ferrajo ~~» إحدى مواني ~~جزيرة إلبا يوم 4 مايو 1814، ولم يكن مكتئب النفس، فأبدى رضاه عن المكان الجميل ~~الذي أعد لإقامته، والحديقة التي يضمها، والهواء الطيب، والنظافة التي لاحظها، ~~وطيبة الأهلين، ثم إنه أنشأ إدارة أو «حكومة» حقيقية عندما جعل «برتران # Bertrand ~~» وزيرا للقصر، و«دروت # Drouot ~~» حاكما ووزيرا للحرب، و«بيروس Peyrusse ~~» وزيرا للمالية، و«كامبرون # Cambronne ~~» قائد الجيش من (1600) رجل، ~~و«تاياد # Taillade ~~» قائد الأسطول من «طاقم عدده ~~129 رجلا»، وأبدى نابليون نشاطا فائقا، فهو يقوم بالتفتيش على أعمال التحصينات، ~~وينشئ المنازل والملاجئ، ويفتح الشوارع، ويبني دارا للتمثيل، ويزرع الكروم، ويربي ~~دود القز، ويزيد من مساحة الأراضي الصالحة للزراعة، ويعمل لتجميل المدينة ولتزويدها ~~بالماء، ولم يكن يزيد عمره وهو في هذا المنفى عن خمسة وأربعين عاما. # ولكن جروحا عميقة كانت آثارها تحز في نفسه، فقد حرمه الحلفاء أو أعداؤه ~~زوجه ماري لويز، وابنه ملك روما، الذي اقتيد إلى فينا لينشأ بها نشأة أمير ~~نمسوي، وقد شكا مر الشكوى من ذلك، ولكن دون طائل، ولو أن والدته «ماريا ليتتزيا رامولينو # Maria Letizia Ramolino ~~» لم تلبث ~~أن جاءت لتقيم معه (في أغسطس 1814)، أضف إلى هذا أن المعاش السنوي (2 مليون فرنك) ~~الذي تقرر له في معاهدة فونتنبلو لم يصله منه شيء، وقامت عدة محاولات لاغتياله، ~~وراح تاليران المندوب الفرنسي في مؤتمر الصلح في فينا يحذر من عواقب وجود ~~نابليون في هذه الجزيرة القريبة، ويشير بنقله إلى مكان بعيد من فرنسا، وكان في هذا ms0590 ~~المكان القريب من فرنسا، أن حضر (الآن) أحد قدامى الموظفين بمجلس الدولة ~~«فليري دي شابلون # Fleury de Chaboulon ~~» (في 13 ~~فبراير 1815) ليبلغه نبأ انتشار التذمر في الجيش، وكراهية الشعب المتزايدة للبربون؛ ~~وعندئذ قرر نابليون الفرار من إلبا والعودة إلى فرنسا. # وقد غادر نابليون إلبا يوم 26 فبراير 1815، فبلغ الشاطئ الفرنسي ومعه عدد من جنود ~~الحرس «الإمبراطوري» القديم، ونزل في خليج «جوان # Jouan ~~» يوم أول مارس «عند فيريجوس # Fréjus ~~» وتجنب نابليون طريق نهر الرون، حيث يوجد أنصار الملكية، ~~واختار طريقا آخر للذهاب إلى باريس، بقي الأهلون من أنصار «الثورة» على طوله، ويمر ~~هذا الطريق بالمدن الآتية: كان # Cannes ~~، ~~جراس # Grass ~~، دين # Digne ~~، سيسترون # Sisteron ~~، ~~جاب # Gap ~~، «كورب # Corps ~~»، لافري # Laffray ~~، وكان ~~وصوله إلى هذه الأخيرة في 7 مارس، وهنا رحب جنود الصف الخامس بعودة إمبراطورهم، ~~ثم بلغ فيزيل # Vizille ~~، وهنا رحب به كذلك جنود ~~الصف السابع، ثم رحب به كل جنود الحامية في جرينوبل # Grenoble ~~. # ومن الآن فصاعدا كانت رحلة نابليون إلى باريس موكب نصر حقيقي بطريق ليون، حيث ~~أصدر قرارا بإلغاء راية البربون البيضاء والأنظمة التي أوجدها لويس الثامن ~~عشر، ثم أوكسير # Auxerre # حيث ألقى ناي بنفسه في ~~أحضان الإمبراطور، وقد هزته ولا شك مشاعر جنده نحو إمبراطورهم، وذلك بعد أن كان ~~«ناي» وعد بأن يأتي بالإمبراطور موضوعا في قفص من حديد، وفي 20 مارس دخل نابليون ~~باريس، وبذلك تكون قد انتهت قصة «طيران النسر». # وفي باريس وجد نابليون أن الملك لويس الثامن عشر قد تعلق بأذيال الفرار في ليل ~~19-20 مارس قاصدا إلى «ليل» ليذهب منها إلى غنت لاجئا بها مدة المائة يوم التي ~~حكم فيها نابليون فرنسا. # ومع أن الملكيين حاولوا المقاومة في بوردو # Bordeaux ~~، بزعامة دوقة دانجوليم، وفي طولون بزعامة فيترول ودوق ~~دانجوليم، وحيث سلم جيشهما بعد أن كان أيدهما بعض الوقت المارشال ماسينا، وفي ~~الغرب في أقاليم فنديه وبريتاني وأنجو، فقد أخفقت كل هذه المحاولات، ولم يكن ~~السبب في ذلك نجاح الجيش وقوات الإمبراطور، بقدر ما ms0591 كان مبعثه الاستياء العام من آل ~~بربون الذين يبدو أنهم يريدون القضاء على كل تراث الثورة الذي عز على الشعب أن ~~يفقده، والذي كان يرمز له في نظره شخص نابليون نفسه، وهكذا كانت «عودة نابليون» ~~بمثابة عودة «الثورة» في صورة هجوم ضد البربون الذين أنكروا الثورة وأرادوا ~~تحطيمها، فتضافر الآن الجنود والفلاحون ليرجعوا إلى الحكم الرجل الذي شعروا نحوه ~~بالحب من جهة، والذي ربطت بينهم المصلحة لتأييده وإعادة العرش إليه، وكانت «عودة ~~نابليون» في رأي كثيرين لذلك «حركة وطنية عظيمة». # وأدرك نابليون أن الواجب يقتضيه إقامة الدليل على أن أنصار «الثورة» قد صاروا ~~فعلا مندمجين في صفوف مؤيدي «البونابرتية»، فألف حكومته الجديدة من الفريقين: ~~ماريه «سكرتير دولة»، دكريه # Decrès # للبحرية، ~~جودان # Gaudin # للمالية، وموليان # Mollien # للخزانة، وكمباسيرس للعدل، ودافو للحربية، ~~وكولينكور للخارجية، ثم كارنو للداخلية، وبدا تعيين كارنو على وجه الخصوص بمثابة ~~الإشارة إلى الامتزاج الذي حصل بين «الثورة» و«البونابرتية»، وفضلا عن ذلك فقد عمد ~~نابليون إلى إشاعة الطمأنينة في النفوس، ووعد بأن يكون الحكم على قواعد دستورية، ~~وقد طلبت منه الهيئات الحكومية المختلفة أن يكون الحكم دستوريا (26 ~~مارس). # ولما كان نابليون قد أكد رغبته في تعديل أنظمة الإمبراطورية لتتمشى مع الروح ~~الدستورية الجديدة، فقد استطاع «فوشيه» أن يأتي لمقابلة الإمبراطور بالرجل الذي ~~اشتهر بآرائه الحرة من أيام الثورة، والذي نقم على نابليون ديكتاتوريته السابقة، ~~والذي كان حتى الأمس القريب يصف الإمبراطور بالطغيان ولا يسميه إلا بأسماء البرابرة ~~المتوحشين، من طراز «أتيلا» و«جانكيز خان»، وكان هذا الرجل «بنيامين كونستان»، الذي ~~أشرف على وضع التعديلات التي صدر بها ما يعرف باسم «القانون الإضافي # Acte Additionnel ~~»، والذي أطلق عليه ~~كذلك اسم صاحبه: «القانون البنياميني # Benjamine ~~»، ~~وهو قانون إضافي؛ لأنه أضيف إلى دستور الإمبراطورية، وكان صدوره في 22 أبريل ~~ووافق عليه الشعب بالاقتراع العام، ولو أن عدد الذين اشتركوا في هذه العملية كان لا ~~يزيد على مليون ونصف مليون نسمة، أي نحو نصف العدد الذي وافق سنة 1802 على نظام ~~القنصلية الذي ms0592 صار نابليون بونابرت بمقتضاه قنصلا أول مدى الحياة، وفي أول يونيو ~~أعلن «القانون الإضافي» رسميا. # وكان في خطوطه العريضة يشبه «الميثاق» من حيث إنشاء مجلسين؛ أحدهما للأعيان، ~~والآخر للنواب، مع فارق هام هو توسيع اختصاصات هذين المجلسين وسلطاتهما في شئون ~~التشريع والضرائب والميزانية، وتقييد سلطة الإمبراطور بتقرير مبدأ المسئولية ~~الوزارية، وتأمين القضاة على مناصبهم، وإلى جانب هذا، نص القانون الإضافي على ~~حرية العبادة دون أن يذكر شيئا عن دين الدولة الرسمي، وعلى حرية الصحافة دون ~~فرض أية رقابة مبدئية عليها، والاكتفاء بتطبيق القانون العادي عليها إذا لزم ~~الأمر، وأمام المحلفين، كما يجب استصدار قانون لإعلان الأحكام العرفية، ونصت ~~آخر مواد هذا القانون الإضافي - وهي المادة السابعة والستون - على أنه لا يسمح ~~لأي شخص بحال من الأحوال أن يقترح إعادة البربون، أو طبقة النبلاء الإقطاعية ~~القديمة، أو الامتيازات والحقوق الإقطاعية، أو ضريبة العشور، أو أية عبادة ذات ~~امتيازات وسيطرة، ولا يجوز قطعا محاولة النيل من مشروعية بيع الأملاك ~~الأهلية. # ذلك إذن كان جوهر النظام الجديد في الإمبراطورية العائدة، أو الإمبراطورية ~~الدستورية التي أراد نابليون إقامتها، ولكن كان واضحا من أول الأمر أن حياة هذه ~~الإمبراطورية الجديدة مرتهنة بقدرة نابليون على الانتصار في ميادين القتال - قبل كل ~~شيء آخر - على أعدائه، ذلك أن الإمبراطور منذ أن دانت له السلطة، صار يحاول ~~إقناع الحكومات الأجنبية - والحلفاء خصوصا - بأن نواياه سلمية، وأنه لا يريد ~~الحرب، ولكن أحدا ما كان يثق في تصريحاته ووعوده، بل على العكس من ذلك، بادر ~~ممثلو الدول المجتمعون في فينا - بمجرد أن بلغهم نبأ فرار نابليون - ~~بإعلان أن «الغاصب» قد فقد حماية القانون (13 مارس) أي إنه قد جرد من كل حقوقه ~~المدنية وغيرها وأهدر دمه، ثم عمدوا إلى تجديد معاهدة شومونت في 25 مارس ~~1815، وتعهدت الدول الأربع العظمى: روسيا، النمسا، بريطانيا، بروسيا، بعدم إلقاء ~~السلاح «طالما بقي احتمال في قدرة بونابرت على إثارة المتاعب، أو محاولة استرداد ~~السلطة والحكم في فرنسا وتهديد أوروبا في أمنها وسلامتها.» # وبالفعل حشد الحلفاء ms0593 جيوشا تزيد على المليون رجل، منهم (100000) من الإنجليز ~~والهولنديين بقيادة دوق ولنجتون، وكان مقرهم بلجيكا، ثم (150000) من البروسيين ~~بقيادة بلوخر حول نامور، ثم (350000) من النمسويين في جيشين: أحدهما صوب الراين، ~~والثاني صوب جبال الألب، ثم (225000) من الروس يزحفون من نورمبرج، ووقفت فرنسا ~~النابليونية أمام هذه الجحافل في عزلة تامة، واعتمدت على مواردها، واستطاع «دافو» ~~في بضعة أسابيع إنشاء جيش من (275000) مقاتل. # وعول نابليون على تحطيم القوات الإنجليزية البروسية في الأراضي البلجيكية قبل ~~وصول الجيوش النمسوية والروسية، فعبر نهر السامبر # Sambre ~~(أحد فروع الموزيل) عند شارلروا # Charleroi # يوم 15 يونيو سنة 1815، فوقف بجيشه بين الإنجليز ~~والبروسيين، وتمت عملية العبور «للجيش كله » في اليوم التالي، وتمكن نابليون ~~يوم 16 يونيو من هزيمة البروسيين عند ليني # Ligny ~~، ~~بينما ينجح «ناي» في إلحاق الهزيمة بالإنجليز في «كاتربرا # Quatre-Bras ~~»، ولكن لم ينشطا كلاهما للاستفادة من هذا النصر، وترك ~~نابليون لقائده «جروشي # Grouchy ~~» مهمة احتواء ~~«بلوخر» وحبسه في مواقعه، بينما زحف هو للالتحام مع الإنجليز عند غابة ~~سوان # Soignes ~~، وتقع في طرفها الجنوبي بلدة ~~واترلو، وعندئذ وقعت معركة واترلو التاريخية، التي انهزم فيها نابليون (18 يونيو ~~1815). # وكان من أسباب الهزيمة أن نابليون نفسه كان مريضا، وأن تأخيرا حصل في بدء ~~الهجوم على مواقع الإنجليز، وأن نوعا من الخيانة لم يمكن تحديده سبب خلل ~~خطة المعركة، وأن «جروشي» عجز عن احتواء «بلوخر» الذي استطاع إعادة تنظيم قواته ~~بسرعة وجاء لنجدة حلفائه الإنجليز، ثم تأخر «جروشي» في الوصول إلى ميدان المعركة ~~بينما سبقه إليه «بلوخر» ونقص قوات المشاة لدى نابليون، ولقد نجا المارشال «ناي» ~~من الموت أثناء المعركة بأعجوبة، ووقع على عاتق القائد «كامبرون # Cambronne ~~» تأمين مؤخرة الجيش المتقهقر. # عاد نابليون إلى باريس بعد هذه المعركة، فبلغها في ليل 20-21 يونيو مصمما على ~~مواصلة الدفاع، ولكن لم يصغ إليه أحد، وعبثا حاول إثارة الرأي العام لتأييده، ~~وعبثا حاولت حكومته تجهيز جيش جديد للمعركة، وانقسم قواده فريقين: أحدهما؛ يريد ~~الحرب إلى النهاية، ومن هؤلاء دافو، ودروت # Drouot ~~(وكان عدد ms0594 الجند الذين يمكن تأليف جيش جديد منهم لا يزيد على ثمانين ألفا وحسب)، ~~وفريق يرى مستحيلا الاستمرار في القتال، وبهذه القوات القليلة، وهؤلاء كانوا: ~~«ناي» و«ماسينا» والقواد القدامى. # وكان من الواضح في هذه الظروف إذن أن نابليون قد غدا وحده العقبة الكئود في ~~طريق السلام، وحينئذ اقترح «لفاييت» على مجلس النواب والأعيان دعوة الإمبراطور إلى ~~التنازل عن العرش، وفي 22 يونيو تنازل نابليون عن عرش فرنسا، وأعلن في ~~الوقت نفسه أن حياته السياسية قد انتهت، ولكنه احتفظ بالتاج لابنه الذي نادى به ~~إمبراطورا على الفرنسيين باسم نابليون الثاني. # ولم يشأ مجلس النواب اتخاذ قرار في هذه المسألة - وبالرغم من مساعي لوسيان ~~بونابرت - وقرر التأجيل، ثم لم يلبث أن انعقد بصورة جمعية أهلية أو تأسيسية؛ ~~ليسمي «لجنة تنفيذية» من خمسة أعضاء، كان منهم فوشيه وكولينكور، ثم صدر «أمر يومي» ~~بالاعتراف بنابليون الثاني، ولما كان نابليون الثاني في النمسا، وعاد لويس الثامن ~~عشر إلى فرنسا منذ 24 يونيو، ويساعده فوشيه بتآمره على نابليون، فقد بات ظاهرا أن ~~لا أمل في اعتلاء نابليون الثاني العرش، ولقد أصدر لويس الثامن عشر منشورا من ~~«كمبراي» في 28 يونيو، قال فيه: إنه «وضع نفسه بين الفرنسيين وبين جيوش ~~الحلفاء»، ووعد بإعلان العفو العام. # وأقنع فوشيه نابليون بأن الوقت قد حان لمغادرة باريس؛ فغادرها في 29 يونيو، وفي ~~اليوم التالي وصل ولنجتون أمام العاصمة، وحاول مجلس النواب التخلص من حكم ~~أسرة بربون، وبعث بوفد إلى ولنجتون يطلب أن يحل دوق دورليان محل لويس الثامن ~~عشر، وكان تاليران الذي ظل في فينا من هذا الرأي أيضا، ولكن دون نتيجة، وعندئذ ~~انفض المجلسان (مجلسا النواب والأعيان) وانحلت اللجنة التنفيذية، ووقع «دافو» - ~~الذي عهد إليه بقيادة الجيش - وثيقة تسليم باريس في 3 يوليو، وانسحب إلى ما ~~وراء نهر اللوار، ليدخل لويس الثامن عشر باريس مرة أخرى يوم 8 يوليو 1815. # وكان نابليون أثناء ذلك قد وصل إلى ثغر روشفور # Rochefort # يوم 3 يوليو بقصد الإبحار إلى الولايات المتحدة ~~الأمريكية، وطلب من ms0595 اللجنة التنفيذية بعض الفرقاطات لحراسته إليها بدعوى وجود ~~بوارج إنجليزية لمنع عبوره المحيط، ورفضت اللجنة التنفيذية إجابة طلبه، ~~ومنعته من ركوب البحر، وأبقته في الحقيقة سجينا تحت تصرفها، ثم أمر ~~لويس الثامن عشر بتسليمه إلى الإنجليز (14 يوليو)، وكان نابليون نفسه قد بدأ يتفاوض ~~معهم منذ 9 يوليو لينقلوه إما إلى أمريكا وإما إلى إنجلترة، وفي 15 يوليو سلم ~~نفسه إليهم على ظهر سفينة الحرب الإنجليزية «بلروفون # Bellerphon ~~» التي أبحرت به رأسا إلى إنجلترة، فوصلها يوم 24 ~~يوليو، ليجد أن الحكومة الإنجليزية لا تبيح له النزول إلى البر، ثم صدر قرار هذه ~~الحكومة بإرساله إلى المنفى في جزيرة سانت هيلانة - في المحيط الأطلسي - وأذنت ~~له الحكومة الإنجليزية باختيار رفاقه في المنفى، فاصطحب معه القواد الثلاثة: ~~مونثولون # Montholon ~~، وبرتران # Bertrand ~~، وجورجو # Gourgaud ~~، ثم الكونت لاس ~~كاسيس # Las Cases ~~، ونقلته إحدى سفن الحرب الإنجليزية الأخرى (نورثمبرلند) ~~إلى سانت هيلانة التي وصلها يوم 16 أكتوبر 1815، وقد بقي نابليون في المنفى إلى أن ~~قضى نحبه يوم 5 مايو 1821، ولم تنقل رفاته من هذه الجزيرة النائية إلى باريس إلا ~~بعد مضي حوالي عشرين سنة أخرى، حيث حل في مثواه الأخير تحت قبة الأنفاليد في 15 ~~ديسمبر سنة 1840. # الباب الثالث # | أوروبا والإمبراطورية # الفصل الأول # | سياسة الإمبراطورية # تمهيد # انتهت الثورة الفرنسية بانتهاء القرن الثامن عشر، أي خلال السنوات الأخيرة من ~~هذا القرن، وبدأت صفحة جديدة في تاريخ فرنسا وفي تاريخ أوروبا بتسليم نابليون ~~بونابرت زمام الحكم في فرنسا ابتداء من عهد القنصلية، وعلى وجه الخصوص من وقت ~~تأسيس الإمبراطورية، ومع ذلك فقد اختلف الرأي حول حقيقة الدور الذي قام به ~~نابليون في تحديد اتجاهات بلاده السياسية، وتشكيل العلاقات التي نشأت بينها ~~وبين سائر الأمم الأوروبية أثناء الخمسة عشر عاما التي تلت انتهاء الثورة ~~الفرنسية، وانقسم المؤرخون إلى فريقين: فمنهم من يعتبر نابليون بمثابة ~~«النتيجة» الحتمية التي أفضت إليها «الثورة»، ويرى أن الثورة قد استمرت حتى ~~بعد عهد القنصلية، وتأسيس الإمبراطورية، ولكن «متجسدة» في شخصه، وفريق آخر ~~يرفض ms0596 هذا الرأي، ويعتبر نابليون - على العكس من ذلك - رمزا لكل ما هو «مناقض» ~~للثورة، و«ينفي» المبادئ والآراء التي جاءت بها الثورة. # وفي مقدمة المؤرخين، أصحاب الرأي الأول، المؤرخ الفرنسي «جورج ليففر # Lefebvre ~~» الذي يعتبر نابليون بالنسبة ~~لأوروبا أنه «هو» الثورة؛ ينهض دليلا على ذلك - في رأي «جورج ليففر» نظام ~~نابليون القاري - وهو خلاف «الحصار» القاري، وكان الإمبراطور يهدف من نظامه ~~القاري إلى تحقيق غرض مقصود، هو تغيير تكوين أوروبا وإعادة بنائها على أسس ~~المبادئ والآراء التي أتت بها الثورة الفرنسية، ومعنى ذلك إنهاء سلطان ~~الحكومات المستبدة ونقل السيادة العليا في الدول الأرستقراطية للشعوب، واستصدار ~~الدساتير التي تكفل لهذه الشعوب حقوقها المدنية والسياسية، وتخضع السلطة ~~التنفيذية لإشرافها، وتنشئ الحكومات التي تستند حينئذ على ما هنالك من عقود ~~مبرمة بينها وبين هذه الشعوب إذا أخلت بشرائطها، حق للشعب أن يزيلها من الحكم ~~ويتخلص منها. # ثم إن إعادة بناء أوروبا على أسس المبادئ التي نادت بها الثورة الفرنسية، ~~معناه كذلك تحرير الشعوب التي ترضخ لسلطان الحكم والنفوذ الأجنبي، ومعاونة هذه ~~الشعوب على الشعور بذاتيتها وكيانها؛ حتى يتسنى نمو الشعور القومي بها، فتصبح ~~شعوب أوروبا وقد استيقظ ثم اكتمل شعورها القومي «مجمع» قوميات متحررة، تدين ~~بالآراء والمبادئ التي جاءت بها الثورة الفرنسية وتقدسها. # ولقد حاول نابليون نفسه، وبكل ما وسعه من جهد وحيلة، إقامة الدليل على أنه ~~ما كان يبغي من سياسته ونشاطه الحربي سوى تحقيق هذا «النظام القاري» على أسس ~~تلك المبادئ التي ذكرناها، فعل ذلك على وجه الخصوص عندما صار يملي على رجال ~~حاشيته في سانت هيلانة أجزاء من المذكرات والذكريات التي حرص هؤلاء على ~~تسجيلها، فكان نابليون نفسه صاحب تلك «الأسطورة النابليونية» # 1 # التي صار يروجها فيما بعد ابن شقيقه لويس، والذي اعتلى عرش ~~فرنسا بعد وفاة الإمبراطور بثلاثين عاما تقريبا، باسم نابليون الثالث، كما ~~صار يروجها المعجبون به، ولا جدال في أن «الإمبراطورية» كانت ذات نشاط أوسع ~~من «الثورة» في إيقاظ شعور القومية لدى الشعوب الأوروبية، ولكن الذي تجب ~~معرفته ms0597 على وجه الدقة، هو ما إذا كانت هذه اليقظة القومية نتيجة «لسياسة» ~~تحررية قومية، وتستند إلى المبادئ الحرة التي نادت بها الثورة حقيقة، أم أنها ~~كانت نتيجة «لرد فعل» حصل ضد «الإمبراطورية» التي فرضت سلطانها على أوروبا، ~~فهبت الشعوب تناضل من أجل الخلاص من السيطرة النابليونية، سواء أكان الحافز ~~على هذا الجهاد شعور بوطنية أو «قومية محلية» أم شعور قومي ناضج يشمل الأمة ~~بأسرها متحدة في نضالها لخلق «قومية» أي أمة متحررة جديدة. # وأما هذه «الأسطورة النابليونية»، ودعوى الذين يعزون إلى الإمبراطور أنه ~~كان يريد إنشاء «نظام قاري» يعيد به بناء أوروبا على أسس المبادئ التي جاءت بها ~~الثورة الفرنسية، فسوف تتضح حقيقة ذلك كله، ومدى انطباقه على ما وقع فعلا في ~~عهد هذه السيطرة النابليونية في أوروبا وضدها إذا أمكن بيان «السياسة» التي سار ~~عليها نابليون، والمبادئ أو الآراء التي استرشد بها في علاقاته مع حكومات ~~أوروبا وشعوبها، ثم بيان الأسلوب الذي أمكن به عمليا تطبيق هذه المبادئ ~~والآراء النابليونية، خصوصا في ألمانيا وإيطاليا وبولندة، وفي بولندة أمكن ~~بعث «أمة» وإحياء «قومية»، ولكن هذه السياسة النابليونية المستندة على المبادئ ~~«الثورية» في بولندة كانت من إملاء اعتبارات محدودة، ولخدمة مآرب سياسة خاصة، ~~ومرتبطة بنشاط الإمبراطور وعلاقاته بالدول الأخرى، ومشروعاته التوسعية. ~~(1) سياسة نابليون # ومن المتعذر إخضاع سياسة نابليون للفحص كوحدة كلية، أو استصدار حكم شامل ~~عليها جملة؛ لأن «شخصية» الإمبراطور و«خلقه» كانا في تغير وتطور مستمر من ~~جهة، ولأن الظروف والمناسبات التي اقتضت اتخاذ إجراءات أو قرارات سياسية معينة، ~~كانت متغيرة هي الأخرى بصورة مستمرة؛ وعلى ذلك فالرأي الذي قد يبديه أو يأخذ به ~~في لحظة معينة لا يعني بالضرورة أن الإمبراطور متمسك به في كل أدوار نشاطه، أو ~~أنه لا يزال على حاله عندما يحين الوقت بعد سنوات لوضعه ذاته موضع التنفيذ، ~~وهكذا كان ضروريا التمييز في حياة نابليون بين أدوار محددة تشكلت فيها ~~آراؤه و«سياسته» في صور معينة. # ولقد كان نابليون «عمليا» في تفكيره، وهذا إلى جانب أنه حصل ms0598 دراسة ~~كلاسيكية كانت ذات شأن في تكوينه، وهو قد درس التاريخ دراسة «واقعية»، أي ~~كحوداث مسبوقة بأسبابها ومتبوعة بنتائجها؛ فلم يكن حينئذ ممن يدينون بالفكرة ~~«المثالية» المتحررة من الحس والمادة، التي أخذت بها «الثورة» لتعريف «الوطن» ~~وإدراك معناه، فالوطن في اعتبار نابليون إنما هو الأرض والبلاد، وليس معنى ~~«مثاليا» أو فكرة مطلقة، وأما «القومية الفرنسية»؛ فقد كان تفسيرها في ~~ذهن نابليون يقرب من تفسير «النظام الغالي» الذي تأسست بمقتضاه ملكية ~~فيلبريك الأول، من أسرة المرفنجيين في بلاد «غالة» - فرنسا - والذي كان موضع ~~بحث المفكرين في ماهية الدولة والأمة في القرن الثامن عشر، وعلى نحو ما ~~سبقت الإشارة إليه في مكانه. # على أن نابليون من جهة أخرى كان قد تأثر بفكرة معينة من «الأفكار» التي ~~جاءت بها الثورة، هي فكرة «الحدود الطبيعية»، أي ضرورة أن تصل فرنسا إلى حدودها ~~الطبيعية في الشرق والجنوب الشرقي والجنوب، وقد احتفظ نابليون بهذه «الفكرة» ~~وتمسك بضرورة الوصول إلى الحدود الطبيعية طوال عهد الثورة، ثم حتى نهاية عهد ~~القنصلية، وكانت إيطاليا هي الناحية الوحيدة خلال هذين العهدين التي تجاوزت ~~فيها فكرة «الحدود الطبيعية» النطاق المنتظر لها، وإيطاليا هي البلاد التي وجد ~~فيها المغامرون دائما منفذا لنشاطهم، ومتسعا لتحقيق أحلامهم، ولقد كان ~~نابليون يريد من فتوحه الإيطالية في حملته الأولى إنشاء «مملكة» لنفسه، ولو أنه ~~في مسألة إيطاليا هذه إنما كان يقوم بتنفيذ الخطط التي رسمتها حكومة الإدارة، ~~ثم إن إيطاليا كانت بمثابة طريق عسكري، حتى بعد اجتياز جبال الألب بالنسبة ~~لحدود فرنسا الجنوبية الشرقية. # والفتوحات الأولى في إيطاليا، والتي يمكن الاستدلال بها على سياسة نابليون، ~~كانت ضم جزيرة إلبا (في 26 أغسطس 1802)، ثم بيدمنت (في 11 سبتمبر 1802)، ولقد ~~كان في إيطاليا كذلك أن حصلت أولى فتوحات الإمبراطورية في جنوة في سنة ~~1805. # وفيما عدا ذلك تظاهر نابليون بأنه أمين على مبدأ «الوصول إلى الحدود ~~الطبيعية»، وسواء كان مجرد ادعاء وتظاهر يخفي نفاقا ورياء، أم صدر عن نية ~~خالصة، فقد صار نابليون يردد مرات كثيرة أنه إنما يبغي ms0599 أن يظل أمينا على ~~فكرة أن تكون فرنسا بحدودها الطبيعية فحسب؛ فيعلن وهو في برلين سنة 1807 أمام ~~وفد من أهل الطبقة المتوسطة (البورجوازية) أنه «لا يريد الحرب بل يكتفي ~~بالراين» حدودا لبلاده، وفي اللحظة التي ضم فيها إلى الإمبراطورية همبورج ~~ولوبك، من مدن اتحاد الهانسا في ديسمبر 1810، أعلن «أن الواجب يقتضيه ألا يدع ~~مجالا للشك في نواياه وفي موقفه، من حيث عدم تجاوز الحكومات الخاضعة له (أي ~~للإمبراطورية) مباشرة نهر الراين.» # وواضح مقدار ما كان ينطوي عليه هذا التصريح من تناقض ظاهر! ومع ذلك فقد ~~بقيت «فرنسا بحدودها الطبيعية» الفكرة المسيطرة على ذهنه، حتى عند مفاوضته ~~مع «الحلفاء» المنتصرين عليه أثناء 1813-1814، فقد كانت فرنسا في نظره هي ~~«فرنسا الثورة» أي بحدودها عند نهر الراين وجبال الألب، يعارض بها فكرة «فرنسا ~~بحدودها القديمة» قبل الثورة، وهي النظرية التي أخذ بها «الملكيون » الذين ~~يمهدون لعودة ملكية البربون إلى فرنسا. # وهكذا - ومن أول الأمر - لم تكن «المثالية العالمية» - أي عدم التقيد ~~بالانتماء إلى وطن معين التي أتت بها الثورة الفرنسية - هي الفكرة التي دان ~~بها نابليون؛ بل إنه أخذ بفكرة «فرنسا العظمى» التي يحدها جغرافيا ~~جبال البرانس وجبال الألب ونهر الراين، ومن أول الأمر أظهر نابليون ~~استخفافا كبيرا بحقوق الشعوب، من ذلك إجراء استفتاء في هولندة لاعتماد ~~الدستور الذي أرادت القنصلية أن تفرضه على الهولنديين، فقد تبين أن ~~هناك ستة عشر ألفا فقط يؤيدون الدستور، بينما يرفضه خمسة وعشرون ألفا، ~~فعمدت «القنصلية» للخروج من هذا المأزق إلى اعتبار الممتنعين عن التصويت، ~~وعددهم (347) ألفا، مؤيدين له وفي صف الموافقين، أضف إلى هذا أن الفتوحات ~~التي سبقت الإشارة إليها قد حدثت دون استشارة الشعوب المعنية، على ~~العكس مما حصل على أيام «الثورة»، بل لقد تحولت الجمهورية الإيطالية إلى ~~«مملكة» في 12 نوفمبر 1802 دون استشارة الأهلين في إيطاليا الشمالية، وفي ~~سويسرة أعطى «كانتون» أو ولاية «فاليه # Valais ~~» ~~دستورا في (28 أغسطس 1802) دون استشارة أهلها. # وإلى جانب هذا كله فالذي يجب ذكره أنه كان ms0600 هناك فارق عظيم بين هذه ~~«الاستفتاءات النابليونية» التي كان الغرض منها الموافقة على «أمر واقع» حدث ~~فعلا، وبين الاستفتاءات الشعبية العادية التي غرضها معرفة رغبة الشعوب ~~العامة من أجل تحقيقها؛ وعلى ذلك ففي وسعنا القول بأن نابليون ما كان يقيم ~~وزنا كبيرا للنظرية الثورية بشأن ذلك «التعاقد» الذي يؤسس الوحدة القومية على ~~الموافقة الحرة. # تلك إذن كانت «الفكرة» الأولى التي أخذ بها نابليون، وواضح أنها بعيدة كل ~~البعد عن النظرية «الثورية»، على أن الإمبراطورية لا تلبث بعد هذه السنوات ~~الأولى من تاريخها أن تتجه نحو فكرة أخرى؛ هي فكرة «الوحدة الأوروبية # Unité Européenne ~~»، ومعنى «الوحدة ~~الأوروبية» في سياسة نابليون: أن تتزايد سيطرة فرنسا السياسية في أوروبا، وكان ~~ابتداء من سنة 1805-1806 أن بدئ العمل لتحقيقها، حتى إذا جاءت سنة 1810 صار ~~نصف القارة الأوروبية من الناحية العملية «فرنسيا»، ولا جدال في أن سياسة ~~«الوحدة الأوروبية» المنطوية على بسط السيطرة الفرنسية على أوروبا، إنما هي ~~سياسة مضادة لأي اتجاه «قومي»، ولا يمكن أن تتواءم مع «القومية» إلا في حالة ~~واحدة، وذلك إذا كانت «الوحدة الأوروبية» بدلا من إخضاع أوروبا لسلطان فرنسا، ~~تهدف إلى إنشاء اتحاد فدرائي من الأمم في صورة «ولايات متحدة» أوروبية. # ولقد اعتمد نابليون على الدعاية الماهرة والنشيطة لتبرير بسط سلطانه على ~~أوروبا؛ فأعلن أنه لم يشأ الاعتداء على أوروبا، ولكن «إنجلترة» وحدها هي التي ~~أرغمته إرغاما على فعل ذلك بموقفها العدائي منه، ثم راح نابليون يدعي أن ~~«الوحدة الأوروبية» إنما أنشئت كإجراء موجه ضد إنجلترة، وتلك «بروبجاندا» ~~كانت ذات أثر طيب بين سواد الشعب الفرنسي؛ لاستغلالها شعور الكراهية الذي ~~ولدته في صدور الفرنسيين حروب الثورة ضد إنجلترة، وكانت هذه الكراهية هي ~~الشعور «الوطني» الوحيد وقتئذ الذي شعر به الفرنسيون حقيقة؛ وعلى ذلك فإن أحدا ~~لم يناقش في ذلك الحين فكرة إنشاء «الوحدة الأوروبية» كإجراء لمقاومة ~~إنجلترة، وقبل الناس في فرنسا وفي أوروبا هذا التفسير الذي أراده نابليون ~~لسياسته التوسعية. # ولكن إذا نحي جانبا موضوع تحديد المسئولية أصلا في ms0601 إثارة هذه الحرب ~~غير المنقطعة ضد إنجلترة، فهل كانت رغبة نابليون حقا الاستمرار في الحرب ~~ضدها؟ لقد كانت الاتفاقات والمعاهدات التي أبرمت في «برسبورج» في 26 ~~ديسمبر 1805، وفي «تلست» في 7 يوليو 1807، وفي (فينا) - صلح شونبرون - في 14 ~~أكتوبر 1809 تتضمن شروطا سبق أن ذكرناها في موضعها، لم تكن تستهدف مواصلة ~~النضال ضد إنجلترة، ولا يمكن تفسيرها في ضوء هذه الرغبة، لقد كان «الحصار القاري # Blocus Continental ~~» وحده هو الذي يفسر ~~السياسة الفرنسية، باعتبار هذا الحصار القاري سلاحا اقتصاديا موجها ضد ~~إنجلترة، وهو بهذا المعنى وحده إنما يوحي بوجود فكرة «الوحدة الأوروبية»، ~~ويفترض وقوف أوروبا كوحدة اقتصادية في وجه إنجلترة لمقاومة الإنجليز ~~وإغلاق مواني القارة ومنافذها في وجوههم. # وكانت سياسة «الحصار القاري» هذه مبعث الفتوحات «الشاطئية» التي حصلت وقتئذ ~~على يد نابليون، ومع ذلك فلو صح أن الغرض من «الحصار القاري» إنشاء «الوحدة ~~الأوروبية»، بمعنى جمع الكلمة في أنحاء القارة الأوروبية ضد إنجلترة، فإن ~~النظام القاري قد جاء متأخرا، ثم إنه لم يستمر إلا وقتا قصيرا جدا لتتولد ~~منه كتلة أوروبية حقيقية، ولقد أدى تنفيذ سياسة النظام القاري إلى زيادة ~~الصعوبات التي صار يصادفها نابليون، إلى جانب المقاومة في البلدان الخاضعة ~~لسلطانه، بسبب التجنيد والضرائب وأعباء السيطرة الفرنسية عموما، والتي صارت ~~تئن من ثقلها وتريد الخلاص منها الشعوب الداخلة في نطاق هذه الإمبراطورية ~~النابليونية؛ ولذلك فلا يمكن اعتبار أن الحصار القاري قد أوجد «شعورا ~~أوروبيا» نجح في إزالة تلك العاطفة «العالمية» التي نادى بها رجال الثورة، ~~على أساس المشاركة في الشعور «بوطنية» إنسانية عالمية، أي: عدم التقيد بمحبة ~~وطن معين هو مسقط رأس الإنسان وبلده، أو حتى إزالة الشعور بالقومية المحلية، ~~وتلك نتائج في حد ذاتها تجعل متعذرا التمسك بفكرة «الوحدة الأوروبية» ~~الموجهة ضد إنجلترة؛ لتبرير السيطرة النابليونية على أوروبا. # أما كيف كانت تتألف «الأمة» التي احتوتها الإمبراطورية النابليونية، وبسطت ~~سلطانها عليها، وبمعنى آخر؛ كيف تأسست هذه «الأمة»، وماذا كانت الأسس التي قام ~~عليها التوسع الفرنسي لإنشاء هذه الإمبراطورية، فذلك ms0602 أمر توضحه كل تلك ~~الآراء والنظريات التي تولدت تباعا في ذهن نابليون، فجاءت متغايرة ومتناقضة، ~~وبقدر اختلاف الظروف والمناسبات والحوادث الواقعة، وبقدر ما كان يتطلبه ~~معالجة كل موقف وكل حالة، فكان هناك أصلا «تراث» الثورة: الوصول إلى الحدود ~~الطبيعية، بما في ذلك الاعتداء على إيطاليا واقتطاع أجزاء منها، مما كان معناه ~~ببساطة زيادة «حجم فرنسا» واتساعها، ولقد أدمجت الأراضي التي تألفت منها ~~فرنسا «المتسعة» هذه في الأراضي الفرنسية. # ولقد كان في هذا الدور كذلك أن لوحظ أثر عامل شخصي طرأ على هذه السياسة ~~المنبعثة من «الثورة»، ذلك هو إنشاء «جمهورية ما وراء الألب»، والتي صارت فيما ~~بعد «جمهورية إيطالية»، فلا جدال في أن مبعث إنشائها كان تفكير نابليون في ~~إنشاء «دولة» أو مملكة لنفسه في إيطاليا، وتلك فكرة لم تلبث أن تخلى عنها ~~سريعا عندما هيأت له الظروف أن يصبح سيدا على «دولة» أكبر حجما، وأكثر ~~أهمية، وبدرجة عظيمة من تلك التي كان يريدها لنفسه في إيطاليا، فصار سيدا على ~~«فرنسا» بعد انقلاب برومير الذي أوجد القنصلية، وبذلك لم تعد فكرة تأسيس مملكة ~~أو دولة لنفسه في إيطاليا فكرة نافعة، ومع ذلك فمما لا شك فيه أن هذا التفكير ~~ذاته كان يعني بداية تحول ملحوظ في سياسة نابليون، التي صارت تهدف من ذلك ~~الحين إلى تأسيس سيطرة شخصية، وتشمل - إن أمكن - أوروبا بأسرها، وأما هذه ~~«الجمهورية الإيطالية» فقد أصبحت في سنة 1805 «مملكة إيطاليا». # تلك إذن كانت القاعدة الأولى التي ارتكزت عليها «الإمبراطورية»: بسط ~~السيطرة الفرنسية، ولقد كانت تستند هذه السيطرة على فكرة جديدة؛ هي إخضاع ~~أوروبا لسلطان موحد، أي فكرة إنشاء تلك السيطرة القارية، التي كانت مستوحاة ~~من آراء من طراز ما كان يأخذ به لويس الرابع عشر، بشأن تأسيس دولة قومية أو ~~وطنية عظيمة، بمعنى أن ترتكز فرنسا على عدد من الدول المتمتعة باستقلالها ~~الذاتي، والتي تتبع فرنسا وتنال حمايتها في الواقع، وترتبط بها بروابط شخصية، ~~وأما فرنسا العظمى هذه فقد ضمت إليها كدول «محمية»، الجمهورية الهولندية ~~بدستورها ms0603 الذي صدر في سنة 1802 في عهد القنصلية، ثم الجمهورية السويسرية ~~(الهلفيتية) سنة 1803، واتحاد الراين (الكونفدرائي) في يوليو 1806، وارتبطت ~~الجمهورية الهلفيتية واتحاد الراين بفرنسا برباط شخصي عندما صار الإمبراطور هو ~~«الوسيط # Mediateur ~~» بين الجمهورية ~~الهلفيتية وفرنسا، ثم «حامي Protecteur ~~» اتحاد ~~الراين، وتلك «سياسة» تعيد إلى الأذهان «السياسة العظمى» التي سار عليها لويس ~~الرابع عشر، لإحراز التفوق السياسي لفرنسا في القارة الأوروبية. # ولم يقف نابليون عند فكرتي السيطرة القارية، وإنشاء فرنسا العظمى، بل إنه لم ~~يلبث أن أضاف إلى هاتين الفكرتين فكرة ثالثة، كانت سائدة خلال القرن الثامن ~~عشر، ثم بعثت الآن من جديد، ونعني بذلك فكرة «الميثاق العائلي Pacte de Famille ~~»، فقد ارتكزت ~~امبراطورية نابليون على نوع من الميثاق العائلي، ولكن بين أعضاء أسرته عندما ~~شرع يعين أشقاءه وشقياته وأزواج شقيقاته أمراء وملوكا، ويخلق لهم ~~ممالك وإمارات في أوروبا، وكان هؤلاء جميعا أدوات للسياسة الفرنسية؛ فقد ~~أنشئت غراندوقية برج # Berg # للجنرال «مورا» زوج ~~شقيقته كارولين في يوليو 1806، وتعين أخوه جوزيف ملكا على نابولي في مارس ~~1806، ثم أخوه الآخر لويس ملكا على هولندة في يونيو 1806. # وهكذا تعاقبت ثلاث فكرات، كانت ذات أثر واضح في تشكيل «الإمبراطورية ~~الفرنسية»، ومع ذلك فقد كانت هذه الإمبراطورية في الحقيقة نظاما فدرائيا ~~ممتزجا بنظام عائلي، فإن امتداد اتحاد الراين الكونفدرائي لم يلبث أن وسع ~~كل ألمانيا تقريبا، وألمانيا هذه هي التي كانت قد أنشئت بها التيجان التي ~~وزعت على «ملوك» بفاريا وورتمبرج وهانوفر وغيرها، وهي التي «خلق» بها ~~نابليون مملكة جديدة - هي مملكة وستفاليا - توج أخوه «جيروم» ملكا ~~عليها. # أما في الشرق فقد بعث نابليون بولندة مرة أخرى، عندما أسس «غراندوقية وارسو» ~~والتي سلم زمام الحكم بها ناخب سكسونيا، وهكذا نرى الإمبراطورية في سنة 1807 ~~تتجه نحو فكرة جديدة؛ فكرة إنشاء اتحاد فدرائي يجمع دول أوروبا. # على أن هذا الاتحاد لن يستمر طويلا، بل إن نابليون لا يلبث حتى يعود مرة ~~أخرى - وبعد 1809-1810 - لفكرة إدماج أجزاء من أوروبا في كيان الإمبراطورية ~~الفرنسية، فقد ترتب على ms0604 سياسة «الحصار القاري» وواجب تطبيق هذه السياسة، أن ~~استأنف نابليون خطة «الإدماج» التي سار عليها قبلا؛ ففي سنة 1809 عمد ~~الإمبراطور إلى ضم «الدولة البابوية» إلى فرنسا، ثم هولندة في سنة 1810، ثم ~~مقاطعات الهانسا في سنة 1812، كما ضم إلى فرنسا في جهات أخرى من أوروبا ~~«المقاطعات الليرية Provinces Ilyriennes ~~» ~~«المطلة على ساحل الأدرياتيك الشرقي، وتشمل كارنيثيا، كارنيولا، كرواتيا، ~~دلماشيا»، ثم البرتغال التي وضعت تحت الإدارة الفرنسية. # وإلى جانب هذا كله، فثمة فكرة «إقطاعية» كانت ذات أثر في تشكيل أو بناء هذه ~~الإمبراطورية، مبعثها رغبة نابليون في مكافأة «ماريشالاته» وكبار موظفي ~~الإمبراطورية، بأن يقطعهم الإقطاعيات التي اختارها لهم قبل كل شيء في ~~إيطاليا، ثم في ألمانيا، مثل إمارة بنفنتو، وبارما، بياسنزا، التي أعطيت ~~بالتوالي إلى تاليران، وكمباسيرس، ولوبران، إلى جانب عدد من الإمارات والدوقيات ~~الأخرى الكثيرة. # وعلى ذلك فقد كانت الإمبراطورية النابليونية متولدة من تفاعل «فكرات» وآراء ~~تتابعت بعضها في إثر بعض، ثم اختلف بعضها عن بعض، وكثيرا ما كانت متناقضة، ~~الأمر الذي جعل الإمبراطورية تبدو في النهاية جثمانا سياسيا «ممسوخ الخلقة»، ~~لا يجمع بين أجزائه المختلفة سوى رباط واحد، هو طموح الإمبراطور وأطماعه ~~«الشخصية»، وحبه للسيطرة والسلطان، ولا تندرج هذه الأجزاء التي اختص كل منها ~~بنظام وتكوين يختلفان فيها عن غيرها، إلا تحت «نظام واحد» هو تحمل أعباء ~~الخدمات العسكرية، والأنظمة المالية والاقتصادية التي فرضت على «الدول» ~~التي تألفت منها أجزاء هذه الإمبراطورية النابليونية دون أي اعتبار لمبادئ ~~القانون العام، وواضح أن «تركيب» الإمبراطورية بهذه الصورة لم يكن يفسح - ~~بحال من الأحوال - أي مجال للاعتراف بوجود «قوميات» في أوروبا، أو أن هذه ~~الإمبراطورية كانت تسترشد من بعيد أو من قريب بفكرة القومية. # ولعل هذه الحقيقة لا تلبث أن تتضح إذا عرضنا للطريقة التي حصلت بها كل ~~التغييرات الإقليمية التي صنعتها الإمبراطورية، خصوصا في ألمانيا وإيطاليا، ~~مسرحي هذه العمليات الواسعين، ثم بحثنا موقف «الشعوب» من هذه التغييرات التي ~~حدثت، والتي انبسطت بفضلها السيطرة النابليونية على أوروبا. # أما الذي تجدر ملاحظته من ms0605 أول الأمر، فهو أن كل هذه التغييرات ~~التي جعلت أوروبا تتحول هذا التحول الضخم تحت السلطان الفرنسي، إنما استغرق ~~إجراؤها خمس سنوات وحسب (1805-1810)، وتلك مدة قصيرة جدا، فتتابعت ~~التغييرات والتوزيعات والترتيبات الإقليمية، نتيجة لكل تلك المعاهدات ~~والاتفاقات التي تخللت الحروب المتصلة، ولقد شهدت ألمانيا على وجه الخصوص - ~~قبل حروب المحالفة الدولية الثالثة أو بعدها - أقاليم تبدل عليها سلطان ~~حكومات مختلفة، لا لسبب سوى مشيئة القدر - إذا صح هذا التعبير - ودون أن ~~يتولد من هذه السيطرات الحكومية المتغيرة أي رد فعل عميق لدى شعوب هذه ~~الأقاليم. # ولقد كانت الفكرة البارزة من وراء هذه التغييرات «الحكومية» رعاية مصالح ~~سياسية أو اعتبارات استراتيجية معينة، أو رغبة الإمبراطور «نابليون» في توقيع ~~العقوبة على أحد الأمراء أو تعويض أمير آخر عما فقده من أملاكه ... وهكذا، أي ~~إن الذي تحكم في مصير هذه الأقاليم وفي مصير أهلها وشعوبها تبعا لذلك، ~~كان إرادة فردية وتحكمية بحتة، ومع ذلك فقد كان لا معدى عن أن تترك هذه ~~التغييرات الإقليمية المتلاحقة والانقلابات العظيمة، أثرا واضحا في نفوس ~~المعاصرين ؛ هو أن فقد الناس أولا: كل شعور بالاطمئنان والأمن ~~والاستقرار، وثانيا: أن الكثيرين صاروا ينظرون لكل ما حدث كأشياء طارئة لا ~~تلبث أن تزول هي الأخرى كما زال غيرها، وأن المستحيل دوام هذا البنيان الشامخ ~~الذي صنعه الإمبراطور بيديه، بل إن هؤلاء المعاصرين كانوا يشاركون والدة ~~نابليون نفسه «ليتيتزيا رامولينو» شعورها عندما تمنت لو أن هذا كله يدوم! # 2 # أي لا يتصورون دوام الأوضاع القائمة، والواضح أن هذه التغييرات ~~والانقلابات الأوروبية لم تكن تسمح في طبيعتها بإقامة بناء سياسي مستقر. # وعلينا أن نعرض الآن للآثار التي ترتبت على هذه التغييرات والانقلابات ~~التي حدثت في ألمانيا وإيطاليا، أي في البلدين اللذين كانا أكثر تعرضا من ~~غيرهما لأكبر هذه الانقلابات وأضخمها، التي حصلت على يد نابليون. # في ألمانيا # ولعل أول ما تجدر ملاحظته بشأن التغييرات والانقلابات التي حصلت ~~على يد نابليون في ألمانيا؛ أن التعديلات الإقليمية بها كانت كثيرة، وأن ~~أهم انقلاب ms0606 حدث كان اختفاء الإمبراطورية الرومانية الجرمانية المقدسة، ~~وأن كلا الأمرين وقعا دون أن يحصل رد فعل يتحرك «الرأي العام» في ~~ألمانيا بسببه، بل إن الذي حصل كان احتجاج بعض أصحاب المصالح الذين ~~أوذيت مصالحهم، بسبب هذه التغييرات والانقلابات، أو الذين ~~تعذر إشباع أطماعهم، والاستجابة لمطالبهم بدرجة كافية، من هؤلاء ~~بارونات الإمبراطورية الذين ضمت أملاكهم أو أخضعت في صورة من ~~الصور للنفوذ الفرنسي مباشرة أو غير مباشرة، فانخفضت مرتبتهم ~~بحكم تبعيتهم لصاحب السيطرة الفعلية عليهم، والذين تأثر ~~مركزهم بسبب التغييرات الإقليمية التي أجراها نابليون في نطاق النظام الذي ~~أراد به إخضاع ألمانيا لسلطانه، ويعرف أمثال هؤلاء البارونات والأمراء ~~بأنهم هم الذين صاروا بفضل هذه الإجراءات لا يتبعون «الإمبراطورية» ~~الألمانية # Mediatisés ~~. # ولما لم يكن من شأن هذه التغييرات إذن إنعاش أو إحياء آية آمال لدى ~~سواد الشعب في «تغيير» الحال التي كانوا عليها إلى ما هو أفضل منها، فقد ظل ~~«الرأي العام» لدرجة كبيرة لا يأبه بها. # وأول هذه التغييرات الهامة، والتي يمكن مقارنتها بتلك التي أوجدتها ~~من قبل معاهدات وستفاليا (1648) من حيث نتائجها ، فقد كان منشؤها القرار ~~النهائي للإمبراطورية الجرمانية # Recès ~~d’Empire ~~، الذي صدر في 25 فبراير 1803 على يد الدياط ~~(المجلس الإمبراطوري) المنعقد في «راتزبون»، ولقد تذرع نابليون ليعيد ~~تنظيم ألمانيا، بدعوى ضرورة أن ينال الأمراء الذين حرمهم أملاكهم ~~وأراضيهم، ضم الأقاليم الواقعة على شاطئ الراين الأيسر إلى فرنسا؛ تعويضا ~~عن هذه الأملاك والأراضي التي فقدوها في داخل ألمانيا ذاتها، وكانت مسألة ~~«التعويضات» هذه عملية مالية مربحة، حينما أقبل الأمراء الألمان ~~«يتساومون» في مكتب «تاليران» خصوصا في باريس، على مقدار التعويض الذي ~~ينالونه ومكانه ... إلخ، وتدفقت الهدايا «والبقاشيش» والرشاوى، وكثرت ~~المساومات حتى صارت باريس سوقا للمزايدة. # ولقد كان «القرار النهائي» للإمبراطورية الجرمانية هذا إجراء ذا صبغة ~~دولية معينة؛ فقد تقدمت به فرنسا وروسيا بالاتفاق فيما بينهما (منذ ~~18 أغسطس 1803) كخطوة موجهة ضد النمسا إلى حكومة فينا، ثم إن فرنسا من ~~ناحية أخرى قد صار لها بفضله «أتباع» عديدون في ألمانيا، ms0607 وفي هذين ~~المعنيين كان هذا «القرار النهائي» من صميم السياسة الفرنسية من أيام ~~الملكية القديمة التي خدمها ورسم خطوط سياستها التوسعية كل من ~~«ريشليو» و«مزران» في النصف الأول من القرن السابع عشر. # ووقع عبء تنفيذ هذا «القرار النهائي للإمبراطورية» على وجه الخصوص ~~في ألمانيا الغربية؛ فكانت هذه أكثر الأقاليم التي تأثرت به؛ لأنها ~~كانت مقطعة الأوصال، ومجزأة إلى «دويلات» ضئيلة أكثر من غيرها؛ ~~فهناك إمارات و«دويلات» بارونات الإمبراطورية الرومانية الجرمانية المقدسة، ~~ثم الإمارات الكنسية العديدة، حتى إذا صفيت هذه «الدويلات» بفضل ~~«القرار النهائي» كان قد تغير وجه ألمانيا الغربية تغيرا ~~كاملا. # ولقد تألف هذا «القرار النهائي» من إجراءات ثلاثة كبيرة: أولها؛ إحداث ~~تغيير في الإمبراطورية الرومانية الجرمانية المقدسة، بنقلها من حال إلى ~~حال مختلف عن السابق كلية؛ فقد صار عدد «ناخبي الإمبراطور» عشرة، ~~بسبب تعيين أربعة جدد هم مطران «سالزبورج» ودوق بادن، ودوق ورتمبرج، ودوق ~~هس كاسل، واختفى اثنان من الناخبين الكنسيين القدامى، هما ناخب كولونيا، ~~وناخب تريف، وبقي على حالهم الناخبون الستة القدامى، وهم ناخبو بفاريا ~~البلاتينات، وبوهيميا، وبراندنبرج، وهانوفر، وسكسونيا، وماينز، وهؤلاء ~~جميعا صارت تتألف منهم «كلية الناخبين»، وفي هذا الوضع الجديد صار بها ~~أربعة من الناخبين الكاثوليك فقط، هم مطران ماينز، ومطران سالزبورج، وملك ~~بوهيميا، وملك بفاريا، وذلك مقابل ستة من الناخبين البروتستنت. # وأما «كلية المدن» فقد اختفت أو كادت تختفي عمليا، فقد كانت هذه تشمل ~~قبلا (51) مدينة حرة، فلم يبق منها الآن سوى ست: كانت فرانكفورت، ~~وهمبرج، وبريمين، وكوبك، ونورمبرج، وأوجزبرج، وكل هذه المدن بروتستنتية، ~~وأما «كلية الأمراء» فقد تغير تأليفها بسبب التعديلات الإقليمية التي ~~حصلت، فقد ترتب على عملية إلغاء تبعية الأمراء والبارونات ~~للإمبراطورية المقدسة، وتخفيض مراتبهم بسبب الإجراءات الإقليمية وغيرها # Médiatisations # أن اختفى تمثيل كل ~~الدويلات الضئيلة، وأن تحولت الإمارات الكنسية إلى علمانية، وأنقص ~~هذا الإجراء الأخير بدرجة عظيمة نفوذ الكنسيين؛ ففي حين كانت نسبة ~~تمثيل الإمارات الكنسية في «كلية الأمراء» في الماضي حوالي 37 في المائة، ~~فقد اختفت هذه النسبة في الترتيب الجديد، ms0608 وصارت نسبة أصوات البروتستنت في ~~«كلية الأمراء» الجديدة سبعين صوتا، مقابل أربعة وخمسين صوتا ~~للكاثوليك. # وأخيرا فقد قسمت الإمبراطورية الرومانية المقدسة إلى ثماني «دوائر» ~~بدلا من العشر السابقة، وهكذا تغير وجه الإمبراطورية المقدسة من ~~الناحية السياسية، حيث قد صار «الدياط» أو المجلس الإمبراطوري الذي يتألف ~~من هذه الكليات والدوائر «بروتستنتيا» في جوهره، وانحسر نفوذ الكاثوليك ~~في هذا المجلس الإمبراطوري حتى بات ضعيفا جدا. # وأما النتيجة الهامة الثانية «للقرار النهائي للإمبراطورية الجرمانية»؛ ~~فهي أنه قد حصل «تركيز إقليمي» على أثر اختفاء عنصرين هامين، هما: الدويلات ~~الكاثوليكية، والنبلاء التابعين للإمبراطورية «المقدسة» مباشرة، فلم ~~يبق من الدويلات الكنسية سوى «ماينز» التي فقدت جزءا من أراضيها؛ ~~فصارت لا تتعدى أملاكها شاطئ الراين الأيمن، في حين ضمت إليها أسقفية ~~راتزبون؛ تعويضا لها عن الأراضي التي فقدتها، وإلى جانب «ماينز» بقيت ~~الدويلات الكنسية التي كانت لرئيس فرسان التيتون، # 3 # ولرئيس دير مالطة. # 4 # وفيما يتعلق بالنبلاء أو طبقة الفرسان # Ritterschaft ~~؛ فقد اختفت تماما هذه الطبقة المؤلفة من كبار ~~النبلاء، والفرسان، أو صغار النبلاء، وفي الوقت نفسه الذي اختفت فيه ~~الدويلات الكنسية وطبقة النبلاء التابعين للإمبراطورية مباشرة ، برزت إلى ~~عالم الوجود حفنة من «الدول الكبيرة» ذات الحجوم أو المساحات الواسعة، أما ~~أهم هذه الدول الكبيرة فكانت: بفاريا، وورتمبرج، ودوقية بادن، ودوقية ~~هس-درمستاد، وبروسيا التي بلغت مساحتها الآن (12000) بدلا من (2750) كيلو ~~مترا مربعا، وزاد عدد سكانها؛ فصار نصف مليون نسمة، بعد أن كان حوالي ~~(125) ألفا، موزعين في جهات مبعثرة، ثم تزايدت مساحة «هانوفر» كذلك، ~~فترتب على هذا «التركيز الإقليمي» إذن أن نقص عدد الدويلات ~~الألمانية من (360) إلى ثمانين دويلة فقط، وتلك نتيجة «إقليمية وسياسية» ~~ضخمة ولا شك. # ولقد ساعدت إعادة تنظيم الإمبراطورية الرومانية المقدسة «الجرمانية» - ~~بفضل هذا «القرار النهائي» الإمبراطوري - على إخراج النمسا من ألمانيا، حيث ~~فقدت النمسا أكثر ممتلكاتها فيما يعرف باسم المدن الحدودية على ~~نهر الراين، إلى جانب عدد من الممتلكات الصغيرة في الغابة السوداء، ثم ~~المدن الصغيرة التي كانت للنمسا «منعزلة» في إقليم سوابيا، ولقد ms0609 تنازلت ~~النمسا عن بعض أقاليمها في ألمانيا لبعض الأمراء الطليان الذين أخذوها ~~كتعويض لهم عما فقدوه من أملاكهم في إيطاليا، فنال دوق «مودينا # Modena ~~» إقليمي بريزجو # Brisgau ~~، وأورثينو # Orthenau ~~، ونال غراندوق تسكانيا إمارة سالزبورج التي ~~تألفت من المطرانيات القديمة والتي تحولت إلى أملاك علمانية في ~~سالزبورج، وإيشستاد # Eichstadt ~~. # أما النمسا فقد أخذت في مقابل ذلك بعض الأراضي في الألب: ~~إترنت # Trente ~~، بريكسن # Brixen ~~، وقسم من مطرانية بساو Passau ~~، وبذلك فقدت النمسا أكثر ممتلكاتها ~~«الإقليمية» في ألمانيا، وفضلا عن ذلك فإن النمسا فقدت - بسبب إعادة ~~تنظيم الإمبراطورية المقدسة - ما كان لها من نفوذ عظيم في ألمانيا، وأخيرا ~~فإن النمسا ذاتها لم تلبث أن تحولت إلى «إمبراطورية النمسا» في 11 ~~أغسطس 1804. # فقد رأت النمسا في وجود إمبراطور فرنسي - إلى جانب الإمبراطور الوحيد ~~الذي عرفته أوروبا حتى هذا الوقت، وهو إمبراطور «الإمبراطورية ~~الرومانية الجرمانية المقدسة» - إهانة لها، وعلى ذلك فقد صار للنمسا تاج ~~إمبراطوري، وبدأت من هذا الحين تبتعد عن ألمانيا، وتنفصل بحياتها الخاصة ~~بها عن الجثمان الألماني؛ لتصبح ذات كيان مستقل في نموه وتطوره عن سائر ~~ألمانيا؛ الأمر الذي كان له نتائج ذات شأن كبير خلال القرن التاسع عشر ، لا ~~جدال في أن أهم هذه النتائج وأخطرها كان تخلي النمسا عن ألمانيا لتتولى ~~بروسيا زعامتها. # تلك إذن كانت «النتائج» المترتبة على ذلك «القرار النهائي» للإمبراطورية # Recès d’Empire (Recès Germanique) # في ~~سنة 1803، والذي يعتبر بحق نقطة التحول في حياة ألمانيا ~~الحديثة؛ فقد تولد بسبب هذا القرار - وكما شاهدنا - عدد من ~~«التجمعات» الإقليمية القوية في داخل ألمانيا، بفضل القضاء على التنظيم ~~الإقطاعي القديم القائم على طبقة النبلاء والفرسان # Ritterschaft # وعلى الدويلات الكنسية، على أن الذي تجب ~~ملاحظته أنه لم يكن هناك في كل ما حدث أي شعور لصوالح وطنية أو قومية، بل ~~إن الذي حصل لم يكن سوى «ترتيبات» بين الألمانيين، لإعادة التوزيع ~~الإقليمي على أساس جديد من القوى في نظام لم يكن من شأنه قطعا إفساح ~~أي مجال «لقومية ألمانية». # ومع ذلك فإن ms0610 هذا التحول أو التغير العظيم الذي طرأ على ألمانيا بسبب ~~«القرار النهائي الإمبراطوري» لم يكن من المنتظر بقاؤه طويلا، لا في شكله ~~الإقليمي، ولا في صورته السياسية؛ فمن الناحية الإقليمية لم يكن هذا ~~«القرار النهائي» إلا إجراء أوليا، سوف تتلوه إجراءات أخرى يهدف بها ~~نابليون إلى إعادة رسم خريطة ألمانيا، بالقضاء على بعض الدول الجديدة ~~التي أوجدها هو نفسه، كما أنه لم يلبث أن قضى على ثلاث من المدن الحرة ~~في سنة 1806؛ فلم يبق من المدن الحرة بألمانيا سوى ثلاث: هي همبورج، ~~وبريمين، ولوبك، ثم إن هذه لم تلبث أن اختفت جميعها في سنة 1810. # ثم إنه قضى على دول قديمة كانت قائمة في الماضي، هي «هس همبورج» في سنة ~~1806، ودوقية برنسوبك في سنة 1807، ودوقية أولدنبورج في سنة 1810، ثم إنه ~~لم يلبث أن انتهى من مسألة إلغاء تبعية الأمراء والبارونات الألمان ~~للإمبراطورية المقدسة # Médiatisation # بأن ~~تقرر في سنة 1806 أن جميع الأمراء أو البارونات الذين لا يسمح بدخولهم ~~شخصيا في «اتحاد الراين» يصير اعتبارهم تابعين للحكومات التي يعيشون في ~~أرضها، ويتحتم عليهم لذلك الحصول على «جنسية» الدول الإقليمية التي ~~يقيمون بها، ولقد ترتب على هذا القرار أنه صار لا يوجد هناك من الآن ~~فصاعدا في ألمانيا مواطنون أو أمراء تربطهم أية روابط مباشرة بالحكومة ~~المركزية، فكل هؤلاء من مواطنين وأمراء قد حصلوا الآن على «جنسية ~~إقليمية». # واختفت من خريطة ألمانيا السياسية كذلك الدول التي تمتعت أصلا ~~بعطف نابليون، وأوجدها «القرار النهائي الإمبراطوري»، من ذلك اختفاء نائب ~~«هس-كاسل» في سنة 1807، وأما الدول «أو الحكومات» الجديدة التي أوجدها ~~نابليون، فكانت غراندوقية برج على شاطئ الراين الأيمن في سنة 1806، ثم ~~غراندوقية «ورتزبرج # Würtzberg ~~» التي ~~أعطيت إلى فردنند صاحب تسكانيا بدلا من «سالزبورج» التي كانت النمسا ~~تنازلت له عنها. # وفي السنة نفسها (1806) أنشأ غراندوقية فرانكفورت التي أعطيت إلى ~~«دالبرج # Dalberg ~~» مطران ماينز القديم، ~~ثم إلى جانب هذه الغراندوقيات الثلاث أنشأ نابليون مملكة وستفاليا التي ~~أعطاها لأخيه «جيروم # Jérome ~~». # ولقد حصل «أتباع» السياسة النابليونية والمؤتمرون بأمر ms0611 الإمبراطور ~~على زيادات إقليمية، اتسعت بسببها مساحة «دولهم»، من ذلك غراندوقية ~~«بادن # Baden ~~» التي كانت في سنة 1789 ~~تبلغ مساحتها (3600) كيلو متر مربع، وعدد سكانها (200000) نسمة، فصارت في ~~نهاية عهد الإمبراطورية تبلغ مساحتها (15000) كيلو متر مربع، وبلغ عدد ~~سكانها مليون نسمة، وأصبحت دولة مهمة، وكذلك زادت مساحة «بفاريا» من ~~(56000) إلى (96000) كيلو متر مربع، وعدد سكانها من مليونين إلى (3800000) ~~نسمة، ثم دوقية «ورتمبرج» من (9500) إلى (19500) كيلو متر مربع، ومن ~~(650000) إلى (1350000) نسمة، ثم سكسونيا بقيت على حالها تقريبا، أي إن ~~مساحتها كانت (40000) كيلو متر مربع، وعدد سكانها مليونا نسمة، وأما هذه ~~جميعها فقد صارت - الآن - «دولا متوسطة» كبيرة، وكلها خضعت لتغييرات ~~مختلفة. # ولقد كانت «هانوفر» أكثر «الدول» التي خضعت لهذه التغييرات، وكانت ~~«هانوفر» أملاكا بريطانية؛ ولذلك فقد عمد نابليون إلى تجزئتها في صالح ~~جيرانها، والتصرف في مصيرها حسب مشيئته؛ فهو يعطي هانوفر ذات مرة إلى ~~بروسيا، ثم لا يلبث حتى ينتزعها منها، ثم لا يلبث حتى يقضي عليها؛ فتختفي ~~«هانوفر»، ثم لا يلبث نابليون حتى يعيد إنشاءها من جديد ليضيف إليها أراضي ~~جديدة، وليجعل منها المملكة المعروفة باسم «مملكة وستفاليا». # أضف إلى هذا أن السويد قد أخرجت من ألمانيا بعد أن كانت تمتلك بها ~~«بوميرانيا»، ثم إن بروسيا قد اقتطعت أجزاء منها حتى إنها فقدت ~~نصف أراضيها. # ولقد أفضت هذه التعديلات والتغييرات الجديدة إلى خلق «تركيزات ~~إقليمية» جديدة على أساس اختفاء ما يزيد قليلا على نصف «الدول» التي ~~تركها «القرار النهائي الإمبراطوري»؛ فنزل عدد الدول الألمانية من ثمانين ~~إلى ثمان وثلاثين دولة فقط في آخر عهد الإمبراطورية، كما كانت قد ~~استبعدت وطردت من ألمانيا العناصر الأجنبية عنها. # وهكذا كان لا يمكن اعتبار «القرار النهائي الإمبراطوري» وثيقة أو إجراء ~~يستهدف ترتيبات إقليمية مستديمة، ومثل ذلك كان الترتيب أو التنظيم ~~السياسي الذي وضعه نابليون لألمانيا؛ فإن هذا التنظيم هو الآخر لم ~~يعمر طويلا. # فقد قرر نابليون زوال الإمبراطورية الرومانية الجرمانية المقدسة ~~واختفاءها من الوجود، وفرض ذلك على النمسا في معاهدة «برسبورج»، ~~وتنازل فرنسيس الثاني ms0612 رسميا عن لقب إمبراطور ألمانيا في 6 أغسطس ~~1806، وبفضل هذا الإجراء خرجت النمسا من ألمانيا النابليونية، وفي الوقت ~~الذي اختفت فيه الإمبراطورية المقدسة، رفع نابليون إلى مرتبة ~~الملكية كلا من «بفاريا» و«ورتمبرج»، وفي مكان هذه الإمبراطورية التي ~~عمرت من العصور الوسطى، أوجد نابليون في ألمانيا «ترتيبات» أخرى: ~~«اتحاد الراين» الذي تأسس في 12 يوليو 1807، ويضم إليه ستة عشر أميرا ~~ألمانيا في الغرب والجنوب، ثم لم يلبث أن اتسع نطاق هذا «الترتيب»، أو ~~هذه «المجموعة» السياسية في السنوات التالية، حتى صارت تضم في سنة 1808 ~~ثلاثة وسبعين عضوا، أي كل «الحكومات» أو الدول الألمانية تقريبا، فيما ~~عدا بروسيا والنمسا، فقد بقيتا خارج الاتحاد. # ولقد حصل هذا الاتحاد على «دستور» تحددت فيه حقوق وواجبات الدول التي ~~يتألف منها بالنسبة لبعضها بعضا؛ فصار لهذه «الدول» مجلس أو «دياط» يتولى ~~توجيه الإدارة المشتركة بينها، غير أن هذا الدستور بقي دون تنفيذ؛ لأن ~~نابليون سمى نفسه «حامي اتحاد الراين»، # 5 # فتركز في يديه توجيه وإدارة شئون السياسة الخارجية من ناحية، ~~وتجنيد الجيوش من أهل الاتحاد الصالحين للخدمة العسكرية من ناحية أخرى؛ ~~وعلى ذلك فإن من المتعذر اعتبار «اتحاد الراين» دولة ألمانية تأسست في هذه ~~البلاد، وإن كان الاتحاد - ولا شك - نوعا من التكتل الذي حصل في ألمانيا، ~~والذي يعتبر من وجهة النظر هذه إجراء «جديدا» بالنسبة لحالة التشتت ~~والتفكك التي كانت سائدة في ألمانيا قبل إنشائه. # وواضح من هذه التفصيلات التي ذكرناها أن شيئا مما حدث جميعه لم يكن ~~يستند على مبدأ من المبادئ التي جاءت بها الثورة الفرنسية؛ فلم يكن هناك ~~احترام لقاعدة التكتل وحق الشعوب في التجمع على أساس «التعاقد»، ولم يكن ~~هناك وجود لقاعدة موافقة الشعوب على الحكومات التي إنما تتألف بناء على ~~رغبة هذه الشعوب ذاتها ورضائها عنها، ولم يكن هناك مكان لمبدأ القومية، بل ~~إن الذي حدث لم يكن سوى إجراءات و«ترتيبات» تعسفية وحسب، وأقوى دليل على ~~هذا «التعسف» أن هذه الترتيبات استمرت تخضع لكل تلك التغييرات التي طرأت ~~عليها ms0613 والتي أفقدتها صفة «الاستقرار» الذي تعذر بدوره أن يكون من ~~نصيبها؛ لأنها إنما وضعت قوة واقتدارا لمواجهة حالة طارئة وظرف معين، ~~وللتغلب على «صعوبة» وقتية، أو لتنفيذ «فكرة» عابرة، ولا يحكمها سوى أطماع ~~نابليون الشخصية، وطموحه هو نفسه، ولقد تعذر على كثيرين من المؤرخين - ~~في ضوء كل الاعتبارات التي ذكرناها - التسليم بأنه كان لدى نابليون أية ~~فكرة لقومية ألمانية تستند عليها إجراءاته و«ترتيباته» في ألمانيا. # ومع ذلك، وبالرغم من أن نابليون لم يكن لديه أية فكرة عن «خلق» قومية ~~ألمانية، فإن العمل الذي أتمه في ألمانيا قد أدى إلى تكوين القومية ~~الألمانية، وخلق شعور قومي ألماني، أما كيف أدت هذه «الترتيبات» ~~النابليونية إلى خلق الشعور القومي الألماني، فذلك أمر يوضحه أولا: ~~ملاحظة أن التركيز الإقليمي الذي أنقص عدد الدويلات الألمانية من (360) إلى ~~(38) فقط كان إجراء لا يمكن الرجوع فيه، وخطوة اتخذت بصورة نهائية، ~~ويتعذر بعدها إطلاقا عودة ألمانيا إلى ذلك التشتت، وتلك التجزئة التي كانت ~~عليها في الأزمان السالفة، ولن تكون بألمانيا بعدئذ دولة كنسية أو مدن ~~حرة. # ففي ألمانيا النابليونية لم يكن يوجد بها من الدويلات الضئيلة (أي أقل من ~~خمسة آلاف نسمة) سوى ثلاث فقط، نجت لأسباب شخصية؛ أي لارتباطها بأشقاء ~~نابليون نفسه، وتلك كانت الدوقيات الثلاث : جيرولدسيك # Géroldsek ~~، إيزمبورج # Isemburg ~~، ليشتنشتاين # Lichtenstein ~~، وبمعنى آخر فإن هذه التعديلات التي ~~صنعها نابليون في ألمانيا جعلت التمهيد لوحدة البلاد ممكنا. # وتفسير ذلك أن عدم الاستقرار السياسي والإقليمي الذي شاهدنا كيف أنه كان ~~«القاعدة» التي حكمت الإجراءات والترتيبات الإقليمية والسياسية ~~النابليونية في ألمانيا، لم يلبث أن حطم الصلات أو الروابط التاريخية ~~التي في وسعها تأييد الشعور المحلي في الحكومات المختلفة، وجعل هذه ~~الروح المحلية شيئا مشروعا في آخر الأمر في ألمانيا. # فقضى عدم الاستقرار الإقليمي والسياسي على كل هذه التقاليد التاريخية ~~الموضعية، و«القوميات» أو الوطنيات المحلية التي كانت تستند عليها، وثمة ~~نتيجة هامة وأخيرة: هي أن الترتيبات الإقليمية والسياسية النابليونية قد ~~اجتثت من جذورها قسما من طبقة النبلاء الألمانية المؤلفة من ms0614 ~~بارونات الإمبراطورية المقدسة، أي أولئك الفرسان الذين كانت أراضيهم سابقا ~~تتبع مباشرة الإمبراطور «في الإمبراطورية الرومانية الجرمانية المقدسة»، ~~والذين لم تعد لهم الآن جنسية ما غير الجنسية الألمانية منذ أن ~~اقتلعوا من أراضيهم التي كانت لهم، وهؤلاء الأمراء والنبلاء الذين ~~فقدوا أراضيهم، «وعوضوا عن قسم منها» وانفصمت صلتهم بالإمبراطور ~~«في الإمبراطورية ~~المقدسة # Médiatisés ~~»، لم تعد لهم أية حياة سياسية غير الحياة الألمانية، ~~مثال ذلك البارون «ستين # Stein ~~» الذي ~~تردد ذكره كثيرا أثناء هذه الدراسة والذي يمثل نوع الألماني ~~الأول الذي صار يدين بشعور الألمانية المتحدة. # ولا جدال في أن تلك كانت آثارا حقيقية وعميقة، وإن كانت ثمارها قد ~~ظهرت بعد ذلك وفي وقت متأخر، بمعنى أنه كان بعد مرور سنوات عديدة أن ~~صار مستطاعا تشكيل هذه الأحداث النابليونية في ألمانيا، في نتائجها التي ~~أفضت إلى توحيد «أو اتحاد» ألمانيا. # في إيطاليا # ولقد كانت سياسة نابليون في إيطاليا أكثر وضوحا من سياسته في ألمانيا؛ ~~لسبب واحد: هو أن نابليون كان غير مقيد بأية قيود في نشاطه في إيطاليا، ~~بل حرا طليقا لدرجة كبيرة جدا، يفعل ما يشاء ويهوى بها، ولا جدال في ~~أنه من الممكن بسهولة في هذا الميدان الإيطالي معرفة الأسس التي قامت عليها ~~السياسة الأمبريالية «التسلطية» النابليونية، وما إذا كانت هذه «التسلطية » ~~تنطوي ضمن ما تنطوي عليه على أي اعتبار لمبدأ القومية، أم أنها لم تكن ~~تأبه لخلق قومية إيطالية. # ولعل أول ما تجدر ملاحظته أن إيطاليا كانت البلد الوحيد الذي راح ~~نابليون يؤكد رغبته في أن يجعل منه «أمة» إيطالية، بل إنه لمما ~~يشير إلى هذه الرغبة تسمية نابليون جمهورية ما وراء الألب عند تحويلها إلى ~~مملكة «بمملكة إيطاليا»؛ فقد أراد نابليون أن يتم هذا التحول بصورة تشمل ~~شبه الجزيرة الإيطالية، وحتى يتسنى إنشاء «مملكة إيطاليا» التي سوف تضم ~~إليها حينئذ كل بلاد أو «دويلات» إيطاليا. # ولقد كانت هذه هي المرة الأولى التي يعطى فيها اسم «إيطاليا» إلى أي ~~تكوين أو ترتيب سياسي في شبه الجزيرة الإيطالية، وعندما ms0615 قدم الإيطالي ~~«ملزي # Melzi ~~» رئيس الجمهورية القديم ~~(جمهورية ما وراء الألب) تاج «مملكة إيطاليا» الجديدة - وحصل التتويج في ~~ميلان في 26 مايو 1805 - قال له نابليون: «لقد كانت رغبتي «أو نيتي» دائما ~~إنشاء «أو خلق» أمة إيطالية حرة ومستقلة، وأنا أقبل التاج وسأحافظ عليه، ~~ولكن طوال الوقت - فقط - الذي تقتضي فيه مصالحي أن أفعل ذلك.» وذلك تصريح ~~يشمل معنيين: أولهما؛ أن إيطاليا كانت البلد الوحيد الذي أكد نابليون ~~رغبته في أن يخلق به «أمة»؛ أي كان منتظرا لذلك أن يتبع في إيطاليا ~~سياسة إن لم تقم على أساس قومي، فهي بالأقل تعترف بمبدأ القومية. وأما ~~ثانيهما: فهو أن المصلحة «الشخصية» حسب تصريح العاهل الفرنسي كانت «نقطة ~~الابتداء» بالنسبة للسياسة النابليونية في إيطاليا، ولقد تقدم كيف أن ~~نابليون قد طاف في ذهنه خيال إنشاء مملكة لنفسه في إيطاليا قبل ذلك، وكيف ~~أنه أراد فعلا أن يتخذ من إيطاليا «مقفزا» لتحقيق أطماع التوسع والمجد ~~والشهرة، آية ذلك تلك «الترتيبات» التي تضمنتها معاهدة «كمبو فرميو» خصوصا ~~- 1797 - لإنشاء سيطرة قوية في حوض البحر الأبيض المتوسط، ولإنشاء سيطرة ~~«شرقية»، وفي كلا الأمرين احتلت إيطاليا مكانا مرموقا في برامج تلك ~~(السياسة العظمى) الخاصة بالسيطرة، سواء في البحر المتوسط أو في ~~«الشرق». # ولقد كان في وسع نابليون - كما ذكرنا - أن يعيد تنظيم إيطاليا ~~بالصورة التي يريدها؛ فقد سبق أن أوضحنا كيف قضت «الثورة الفرنسية» ~~على إيطاليا «التقليدية» أو إيطاليا «التاريخية»، ثم إن النمسا منذ أن ~~أبرمت معاهدة «برسبورج» - في 26 ديسمبر 1805 - كانت قد طردت كذلك ~~من إيطاليا؛ وعلى ذلك فقد صار نابليون «مطلق اليد» حر التصرف، كما ~~صار الميدان مفتوحا أمامه في إيطاليا لينشئ تلك «الأمة الإيطالية» التي ~~تحدث عنها - إذا شاء أن يفعل ذلك حقا. # ومع ذلك، فقد سلك نابليون في إيطاليا طريقا، أقل ما يوصف به أنه قائم ~~على النزعات والنزوات الشخصية المتعارضة والمتناقضة، ومن المقطوع به أنه ~~لم تكن لديه أية فكرة عن «وحدة إيطالية»، اللهم إلا إذا اعتبرت كذلك ~~تلك الصورة ms0616 التي ارتسمت في ذهنه عن إخضاع أقاليم إيطاليا رويدا ~~رويدا في «مجموعة» واحدة لإرادته وسلطانه وتوجيهه الشخصي والمباشر، وفيما ~~عدا ذلك فالذي جرى في ألمانيا كان نفس ما حصل في إيطاليا من حيث «المزج» ~~بين آراء غريبة ومتناقضة، قامت على أساسه الترتيبات الإقليمية والسياسية في ~~إيطاليا. # فهناك «الملكية»، وهي أقدم الصور التي أحاط بها إطار هذا «المزج»، فتأسست ~~في سنة 1805 «مملكة إيطاليا» التي تحدثنا عنها، والتي أخذت ~~بمقتضى معاهدة «برسبورج» البندقية «فنيشيا» والأملاك البابوية في شمال جبال ~~«الأبيناين»، الأمر الذي يبدو منه كأنما قد تم توحيد إيطاليا الشمالية، ~~ومع ذلك فإن إيطاليا الشمالية هذه كانت قد اقتطعت منها جنوة، وبيدمنت، ~~وأدمجتا في الإمبراطورية الفرنسية؛ فترتب على ذلك وجود «ثنائية» في النظام ~~السياسي السائد في إيطاليا الشمالية، لا جدوى منها ولا طائل تحتها، حيث ~~دخل قسم منها في نطاق الإمبراطورية الفرنسية فصار مندمجا بها، في حين ~~بقي القسم الآخر يؤلف مملكة كان نابليون نفسه ملكا عليها. # ولقد عرفنا أن «تسكانيا» قد تحولت إلى مملكة «إتروريا» على يد ~~نابليون، لينال تاجها ابن دوق بارما المتزوج من ابنة ملك إسبانيا، وذلك ~~ترتيب اقتضاه صالح سياسة نابليون الإسبانية، وقد صارت ابنة ملك إسبانيا ~~«ماري لويزا» وصية على مملكة «إتروريا» باسم ابنها، أو نيابة عنه لوفاة ~~والده - لويس دوق بارما - منذ شهر مايو 1803. # ثم إن نابليون لم يلبث أن أعطى في السنة نفسها (1801) جمهورية «لوقا» ~~ودوقية «ماساكاراري # Massa-Carrare ~~» إلى ~~شقيقته «إليزا باكيوشي»، وأخيرا فقد أقصيت أسرة البربون عن عرش ~~نابولي، وهي الأسرة التي قرر نابليون إسقاطها في ديسمبر 1805، ثم أعطى ~~مملكة نابولي إلى أخيه جوزيف في 30 مارس 1806، ثم إلى «مورا» الذي خلف ~~جوزيف على عرشها في سنة 1808 - وقد تقدم تفصيل كل ذلك في ~~موضعه. # ويستبين من هذه الإجراءات المتخذة في إيطاليا، أنه كانت هناك ثلاث ~~«فكرات» متباينة تستند هذه عليها، أولاها: فكرة شخصية متمثلة في وجود ~~«المملكة الإيطالية» التي ليست مملكة فرنسية أو مندمجة في كيان ~~الإمبراطورية الفرنسية، ولكنها تابعة لهذه الإمبراطورية ms0617 ويملكها نابليون ~~«شخصيا»، وثانيتها: فكرة فدرالية «اتحادية» من نمط تلك الفكرة التي ~~لوحظت في ألمانيا، وانبنى عليها الترتيب السياسي والإقليمي بها، ~~وثالثتها: فكرة أسرية «أي عائلية» متمثلة في إنشاء مملكة نابولي لأخيه، ~~وإمارة لوقا لشقيقته، ومع ذلك فهناك فكرة رابعة لا ندحة عن إضافتها إلى ما ~~تقدم، وهذه كانت فكرة إقطاعية؛ لأن نابليون لم يلبث أن أنشأ اثنتى ~~عشرة «إقطاعية» لماريشالاته، ثم إمارتين: إحداهما؛ لتاليران، وهي إمارة ~~«بنيفنتو» المعروفة، والأخرى: لبرنادوت، هي إمارة «بونتي-كورفو Ponte-Corvo ~~». # وهكذا كانت إيطاليا - ذلك الميدان المفتوح، والذي كان نابليون حرا ~~طليقا يفعل فيه ما يشاء بمطلق إرادته - مسرحا لفكرات أربع متعارضة، ~~ومتقاطعة. # ولم يكن هذا كل ما حصل؛ فقد أدخلت تعديلات جديدة بعد «تلست» - وهو ~~الاتفاق بين نابليون والقيصر إسكندر، الذي يعين بداية مرحلة جديدة في تاريخ ~~الإمبراطورية النابليونية - اختفت بسببها إتروريا، فأخذها نابليون لنفسه في ~~7 أكتوبر 1807، ثم وضع على حكمها شقيقته «إليزا باكيوشي» في السنة ~~التالية (1808)، وأعطيت «إليزا» كذلك الحكم في «بارما»، و«بياكنزا» أو ~~«البليزانس Plaisance ~~»، وفي أبريل ~~1808 أضيفت إلى مملكة إيطاليا الأراضي الواقعة بين «كمبانيا الرومانية» ~~وشاطئ الأدرياتيك، وهذه من الأملاك البابوية التي كان يحكمها البابا، وفي ~~فبراير 1808 كانت قد احتلت روما نفسها، ثم لم تلبث أن أدمجت الأملاك ~~البابوية في الإمبراطورية الفرنسية في 27 مايو 1809. # ومن الواضح أنه كان هناك اختلاف ظاهر في الأوضاع القائمة أثناء هذه ~~السيطرة النابليونية في كل من إيطاليا وألمانيا؛ ففي إيطاليا اتخذ الخضوع ~~للسيطرة النابليونية أشكالا ثلاثة: إما في صورة حكومات شخصية، يحكمها نائب ~~ملك في مملكة إيطاليا، أو تحكمها شقيقة الإمبراطور في تسكانيا، وإما ~~كحكومات خاضعة لسيطرة فرنسا مباشرة، وتؤلف جزءا من الإمبراطورية الفرنسية ~~في روما، وجنوة، وبيدمنت، وإما حكومات تابعة، يتولى الحكم فيها شخص مفروض ~~عليها فرضا، وذلك في مملكة نابولي. # وعلى ذلك فقد اختفى النظام السابق في إيطاليا اختفاء تاما، واستعيض ~~عنه الآن بقيام «تركيز إقليمي» لم يترك سوى أربع كتل إقليمية فحسب، هي: ~~مملكة إيطاليا، (تسكانيا)، الأملاك البابوية القديمة، مملكة ms0618 نابولي، ومع ~~ذلك فإنه لم يكن هناك وجود «للوحدة» القومية أو السياسية في هذا الترتيب ~~الإقليمي والسياسي، والذي لم يكن يستهدف بحال من الأحوال إنشاء تلك «الأمة ~~الإيطالية» التي تحدث عنها نابليون، وعن رغبته ونواياه الصادقة في «خلقها»؛ ~~فلم ينشئ نابليون إيطاليا. # وفي ضوء ما تقدم جميعه يصبح متعذرا القول بأن نابليون - سواء فيما ~~يتعلق بألمانيا أو إيطاليا - كان يتبع سياسة ترمي إلى إحياء القوميات ~~وبعثها، أو أنه قد أوجد إطلاقا في البلدان التي دانت لسلطانه، شعورا ~~قوميا؛ بمعنى أنه كان يسعى «إيجابيا» لخلق هذا الشعور القومي عن ~~طريق سياسة مرسومة تهدف لهذه الغاية بذاتها. # في سائر أوروبا # على أنه قد يكون للعاهل الفرنسي سياسة أوسع مدى بالنسبة لتنظيم أوروبا ~~بأسرها، على اعتبار أن التقطيعات والتجزئات التي حصلت في ألمانيا وإيطاليا ~~خصوصا، ليست سوى خطوة أو خطوات تمهيدية، قد تؤدي إلى إنشاء «دولة» فذة في ~~نوعها، فلا تعود تلك التقطيعات والتجزئات مما يؤبه له، سواء أكانت عابرة ~~أم كانت باقية ومستديمة، طالما أنها سوف تمهد في النهاية لظهور ~~القوميات، والاعتراف بها في أوروبا. # ولقد سبق في بداية هذا البحث أن كنا عرضنا لرأي المؤرخ الفرنسي ~~«جورج ليففر» الذي فسر السياسة النابليونية في ضوء ما أسماه «بالنظام ~~القاري»، الذي أخذ به نابليون بعد «تلست»، ويتلخص رأي «جورج ليففر» في أن ~~نابليون إنما كان يبغي من سياسته اتحاد أوروبا بأجمعها، بأن تندمج ~~تدريجيا في كيان «الإمبراطورية العظمى»، تلك الإمبراطورية التي تأسست في ~~سنة 1805 أولا، ثم تلك التي جرى إنشاؤها بعد سنة 1807 في نطاق «النظام ~~القاري» الذي فرضه نابليون على أوروبا، والذي كان متوقعا أن يحيل هذه ~~الإمبراطورية العظمى النابليونية إلى إمبراطورية من الطراز الروماني، متحدة ~~أو موحدة، ويتولى إدارة شئونها رئيسها الأوحد فقط، ويدفعها أو يوجهها دافع ~~أو حافز سياسي واحد يلزم هذه الإمبراطورية السير بأجمعها في طريق ~~واحد. # ويستمر «جورج ليففر» فيقول: «إن الفكرة التي كان يدين نابليون بها عند ~~تطبيق هذا «النظام القاري» على أوروبا، كانت إدخال «تجديد ms0619 سياسي» على أحوال ~~القارة، من حيث إعادة التنظيم الإداري والاجتماعي بها، وإنعاشها أو إعادة ~~الشباب والفتوة إليها، وتلك الفكرة - «فكرة التجديد السياسي» - هي التي ~~كانت بمثابة «الملهم» لنابليون، والتي أوحت إليه بكل الإصلاحات ~~الداخلية التي أتمها فعلا، أو كان يريد تنفيذها في كل الدول التي خضعت ~~لسيطرة فرنسا، وأما الأداة التي وضعت بها هذه الفكرة «التجديدية» ~~موضع التنفيذ؛ فكانت «قانون ~~نابليون # Code Napoléon ~~».» # وتلك نظرية في رأي كثير من المؤرخين «مغرية» حقا، ومع ذلك، فلو صح أن ~~«النظام القاري» كان هدف نابليون، أي إنشاء «وحدة» أوروبية في نطاق ~~«الإمبراطورية العظمى»، تحت السيطرة الفرنسية والنابليونية، فإن هذا النظام ~~القاري نفسه متعارض مع مبدأ القومية؛ لأن «التجديد» المنشود سوف يبعث إلى ~~عالم الوجود تنظيما سياسيا من طراز «الملكية العالمية» التي راجت ~~فكرتها خلال القرن الثامن عشر، والتي شوهد رواجها قبل ذلك خلال القرنين ~~السادس عشر والسابع عشر، لصالح الإمبراطور شارل الخامس أولا، ثم لصالح ~~لويس الرابع عشر؛ ولأن هذا «التجديد السياسي» إنما كان معناه خلق حضارة ~~معينة، لا تلبث حتى «تذوب» في أتونها حضارات الشعوب المختلفة، أضف إلى هذا ~~أن فكرة «النظام القاري» من وجهة النظر الفرنسية، إنما تعني بسط السيطرة ~~الفرنسية على أوروبا بأجمعها، وتلك كانت السياسة التي اتبعتها ~~«الثورة» في الإقليم الواقع خلف نهر الراين، فأرادت «الإمبراطورية» الآن أن ~~تجعلها تمتد حتى تشمل أوروبا بأسرها. # ومن المقطوع به أن نابليون في اتباعه هذه السياسة لم يكن يستهدف غير ~~تحقيق المصلحة الفرنسية، وليس صالحا أوروبيا، ينهض دليلا على ذلك ~~التعليمات التي زود بها الملوك والملكات الذين أعطاهم السيطرة في ~~أوروبا، وكانت هذه تعليمات متفقة جميعها في الغرض المرجو منها؛ فهو ~~يقول لأخيه «لويس»: «لا تنقطع عن أن تكون دائما فرنسيا»، ويكتب إلى ~~«مورا»: «تذكر أني إنما جعلت منك ملكا لصالح نظامي»، ويكتب إلى ~~أخته «كارولين»: «إني أرغب قبل كل شيء آخر أن تجري الأعمال بما يتفق ~~وصالح فرنسا، فإذا كنت قد غزوت ممالك وصارت لي فتوحات؛ فذلك حتى ~~تفيد منها فرنسا»، ms0620 وأما أولئك الملوك والملكات والغراندوقات الذين «خلقهم» ~~نابليون، وسلمهم مقاليد الحكم في أنحاء أوروبا، فقد كانت «تصرفاتهم» ~~موضع استنكار الإمبراطور الشديد، إذا هم حادوا عن السياسة التي يعتبرها ~~نابليون في صالح فرنسا، فيغضب عليهم، بل وينتهي الأمر بإلغاء مناصبهم، وضم ~~الدول التي أعطاها لهم إلى فرنسا، كما حدث عندما غضب على أخيه «لويس» في ~~هولندة. # ولقد اتسمت السياسة التي اتبعها نابليون وفرضها على بلدان ~~أوروبا الخاضعة لسلطانه بالتناقض؛ فلم تكن سياسة الإصلاحات الداخلية واحدة، ~~لا في «الأماكن» ولا في «المناسبات» المتشابهة، بل كانت هناك سياسة قد يصح ~~القول بأنها متلائمة مع كل دولة أو حكومة على حدة. مثال ذلك ما حصل في ~~ألمانيا التي وجد بها «دولتان» متجاورتان، هما: غراندوقية فرانكفورت ~~ومملكة وستفاليا؛ ففي كل منهما قامت سياسة داخلية مختلفة، واختلف التنظيم ~~الداخلي في كل منهما عنه في الأخرى، بالرغم من تلاصقهما. # ثم في إيطاليا التي يعتقد «جورج ليففر» أن «النظام القاري» قد بلغ بها ~~ذروة كماله، لم تكن هناك سياسة داخلية موحدة في كل تلك التجزئات أو ~~الأقسام التي أوجدها الإمبراطور الفرنسي، بل إن هذه الاختلافات في ~~السياسة الداخلية مشاهدة كذلك في البلدان التي خضعت لإدارة نابليون ~~مباشرة، ثم إنها أبرز وضوحا أيضا في البلدان التي كانت تحت «حمايته»، ~~فاختلفت التنظيمات الداخلية في كل من بفاريا وورتمبرج وبادن عنها في ~~الأخرى. # والحقيقة أن الإصلاحات التي حصلت على يد نابليون نفسه ، أو كانت ~~«مستوحاة» منه في مختلف أنحاء أوروبا، كانت مختلفة بعضها عن بعض، بل وكانت ~~متناقضة، ولا تبدو لهذا السبب نفسه أنها «أداة» أو وسيلة طيبة لتثبيت أقدام ~~السيطرة الفرنسية، وتوطيد سلطان فرنسا في أوروبا، وهذا الاختلاف والتناقض ~~كان مبعث الرأي الذي أخذ به فريق من المؤرخين الفرنسيين، وعلى رأسهم ~~المؤرخ «شارل بوتاس Pouthas ~~» الذي يقول: ~~«إنه من المتعذر بتاتا الاعتقاد بوجود «سياسة منسقة» ومترابطة يسير ~~عليها نابليون في أوروبا ويسعى لتنفيذها وتحقيقها، بل كل ما هنالك أنه ~~وجدت طائفة من الحلول لمعالجة المواقف الطارئة، والتغلب على «الظروف» ~~الوقتية.» ms0621 # ومع ذلك فإن هذا المؤرخ (شارل بوتاس) كان من بين الذين لاحظوا أن هذه ~~السياسة غير المنسقة والتي تألفت من «حلول» لمعالجة مشكلات «طارئة» وفي ~~مناسبات وظروف وقتية، كانت تعمد إلى استخدام فكرة القومية بدرجة ~~معينة، وكوسيلة تجعل تنفيذ هذه السياسة ممكنا، على نحو ما فعل ~~نابليون عندما جعل الشاعر الهنغاري «باكساني # Bacsanyi ~~» يوجه نداء للهنغاريين في 15 أغسطس 1809 يدعوهم ~~فيه إلى «استئناف حياتهم كأمة»، ومع ذلك فإن هؤلاء لم يلبوا هذه الدعوة ~~الموجهة لهم. # وقد يتضح المعنى الذي صورته فكرة القومية والقوميات في ذهن نابليون، ~~من محاولته إظهار الفوائد التي يجنيها أخوه «لويس» ملك هولندة لصالح هذه ~~البلاد، إذا هو ظل «هادئا مستكينا»، فيقول نابليون (في 20 مايو 1805): ~~«إنه يستطيع أن يضم إلى هولندة كل شمال ألمانيا الغربي»، معللا ذلك بأن ~~هذا القسم نواة لأولئك الشعوب الذين يفقدون روحهم الألمانية، الغرض الأول ~~الذي تستهدفه سياسته، وواضح أن هذا القول ينطوي على مناقضة تامة لأية سياسة ~~قومية، حيث يقرر نابليون نفسه في هذه العبارة أنه يريد أن يفقد الألمان ~~«روحهم الألمانية». # ومن هذه الناحية تعتبر بولندة خير مثال لبيان الطريقة التي عالج ~~بها نابليون فكرة القومية، فقد سبق أن لاحظنا كيف أن مصير بولندة كان ~~مرتهنا بمشيئة نابليون، وأن نابليون لم يكن ينظر إلى بولندة إلا «كورقة» ~~سياسية وعسكرية في يده، «يلعب» بها كما «يلعب» بها القيصر إسكندر نفسه، ولم ~~يكن القيصر إسكندر يأبه لآمال البولنديين الوطنية؛ فقد أعد البرنس ~~«تزارتوريسكي» مذكرات بعث بها إلى القيصر في شهري يناير وأبريل، ثم في ~~ديسمبر 1806 يحاول فيها إقناعه بضرورة إحياء مملكة بولندة القديمة دولة ~~جديدة، وبأهمية إنشاء اتحاد فدرائي من الشعوب السلافية حول روسيا وتحت ~~حمايتها، باعتبار أن يكون ذلك بمثابة القاعدة لسياسة روسية «عظيمة» تكفل ~~لها السيطرة على تركيا، وعلى حوض البحر الأبيض المتوسط، ولكن هذه المحاولات ~~ذهبت سدى، ولم يصنع القيصر الروسي شيئا لإحياء بولندة. # ونظر نابليون من ناحيته إلى بولندة كمسألة «طارئة» لمعالجة «ظروف» وقتية ~~فحسب، وتتصل ms0622 - كما يتوقع هو - بعلاقاته مع روسيا أو «بالحل» الذي قد ~~يفوت على روسيا أغراضها في السيطرة على تركيا والبحر المتوسط؛ ففي ~~«النظام النابليوني» تجاور بولندة وتركيا روسيا، الأولى من الغرب، ~~والثانية من الجنوب، وتجعلان روسيا في «عزلة»، وتبعدانها من السيطرة في ~~البحر الأبيض المتوسط؛ وعلى ذلك فقد بقيت بولندة في يد نابليون «أداة» ~~- وحسب - لمعاونته على معالجة مشكلة طارئة، هي بالأقل احتواء روسيا داخل ~~حدودها ومنع امتداد نفوذها غربا إلى وسط أوروبا، وجنوبا إلى البحر ~~المتوسط؛ ولذلك فقد راح نابليون يساوم بمصير بولندة في مفاوضاته في آخر سنة ~~1808 مع قيصر روسيا، في موضوع زواج العاهل الفرنسي من شقيقة القيصر ~~الغراندوقة كاترين، فعرض إعطاء القيصر بولندة لقاء الزواج من أخته، وفي ~~اللحظة التي أراد فيها نابليون (في سنة 1809) محالفة القيصر ضد النمسا، ~~عرض نابليون إعطاء القيصر إسكندر إقليم غاليسيا، وهو الذي كانت قد حصلت ~~عليه النمسا في تقسيم بولندة الثالث (سنة 1795) ولم تكن هذه «المساومات» - ~~كما هو ظاهر - تنطوي على محاولة لتحقيق وجهة نظر بولندة. # ثم إنه حدث خلال العمليات المشتركة التي قام بها الروس والبولنديون ~~أثناء حملة 1809 ضد النمسويين في «غاليسيا» أن وقعت اصطدامات بين الفرق ~~الروسية والفرق البولندية، مما يدل على تعارض «السياستين»: الروسية ~~والفرنسية، ومع ذلك فقد نال القيصر في معاهدة فينا «شونبرون» التي ~~أبرمت مع النمسا في أكتوبر 1809 جزءا من غاليسيا (إقليم تارنبول)، في ~~حين أعطيت بقية غاليسيا إلى غراندوقية وارسو. # وبالرغم من هذا «التصرف الشخصي» في مصير البولنديين، فقد بقي هؤلاء ~~يتحمسون لنابليون حماسة عظيمة، وبلغ اعتقادهم - كما يقول المؤرخ الفرنسي ~~«البيرسوريل» - في قدرة نابليون على إحياء أمتهم درجة لا يعدلها غير ~~حماس البولنديين المعروف للتضحية بأرواحهم في سبيل إحياء مملكة بولندة ~~القديمة، وراح البولنديون يؤيدون نابليون، وبعد هزيمة بروسيا سنة 1808 التف ~~هؤلاء حول الفرنسيين زرافات ووحدانا عندما وصل نابليون إلى وارسو، ثم ~~إنهم انخرطوا في سلك الجيش الفرنسي، ولقد ظلوا متمسكين بإيمانهم بالعاهل ~~الفرنسي، ويغذي حماسهم الأمل إلى النهاية، بأن نابليون ms0623 سوف يعمل قطعا ~~لإحياء بولندة وبعث الأمة البولندية. # على أن الذي فعله نابليون - أي إنشاء غراندوقية وارسو (في صلح تلست ~~في يوليو 1807) - لم يكن ذلك الذي عقد البولنديون عليه آمالهم، أضف ~~إلى هذا أن الذي قام بتنظيم حكومة الغراندوقية الجديدة كان الفرنسيون، وليس ~~رئيس «الدولة» الجديدة، ملك سكسونيا الذي ظل مقيما في درسدن، ولم يمارس ~~شئون الحكم في دولته الجديدة، وقد حصل البولنديون من نابليون على دستور (في ~~22 يوليو 1807) أنشأ سلطة تنفيذية وأوجد تمثيلا للشعب في مجلس «دياط» ~~يتألف من غرفتين: مجلس شيوخ من النبلاء، ومجلس نواب من ممثلين للأهلين على ~~قاعدة الانتخاب بدفع قدر معين من الضرائب، على أن هذا التمثيل «الأهلي» لم ~~يكن مجديا؛ لأن مدة انعقاد «الدياط» جعلت خمسة عشر يوما فقط كل سنتين ~~مرة واحدة. # وإلى جانب هذه «الحكومة المركزية» جعل نابليون للبولنديين أنظمة أو ~~مؤسسات حكومية من نمط الأنظمة الحكومية الفرنسية: إدارات وزارية، ومصالح ~~«أو إدارات» عامة كبرى وهكذا، ولو أن بولندة تقلصت في هذا الترتيب أو ~~«النظام النابليوني» إلى غراندوقية وارسو، فقد صار لها لأول مرة في حياتها ~~سلطة مركزية محددة، ونظام معين من الموظفين الفنيين أو المحترفين، وفي ~~هذه الغراندوقية أدخل الإمبراطور في سنة 1810 القانون المدني الفرنسي، بعد ~~أن ألغى «رقيق الأرض»، وكان إلغاء رق الأرض كل ما فعله نابليون للفلاحين ~~البولنديين. # ومع أن بولندة النابليونية هذه كانت ذات طابع أرستقراطي؛ فلم يكن أهل ~~الطبقة الأرستقراطية يشعرون بالاطمئنان؛ بسبب السياسة النابليونية ~~«المتغيرة»؛ فكانوا يخشون دائما من أن يعمد نابليون إلى سياسة تحريرية ~~بعيدة الأثر في صالح الفلاحين. # وانقسم «العظماء # Magnates ~~» أصحاب ~~الأملاك الواسعة - والذين تتألف منهم الأسر العظيمة - فريقين: أحدهما؛ ~~تميز بعدائه الصريح لفرنسا، وقد بقي هؤلاء يؤيدون «الترتيبات» الروسية ~~السياسية، ومن هؤلاء كان البرنس «تزار توريسكي» الذي ظل يؤيد وجهة النظر ~~الروسية، ثم الفريق الآخر؛ وهؤلاء انحازوا إلى جانب فرنسا، كما فعل ~~«يونياتوسكي». # وبين هؤلاء وهؤلاء وقف رجال الدين موقفا «مبهما» أو «غامضا»، فهم ~~قد أفادوا من السيطرة الفرنسية التي ms0624 حفظت لهؤلاء أملاكهم ومناصبهم السامية ~~في الدولة الجديدة، ولكنهم من ناحية أخرى كانوا غير مطمئنين للسياسة ~~الفرنسية التي أعلنت حرية العبادة وحرية الضمير في الغراندوقية، ~~وتزايد قلقهم وانزعاجهم بسبب انتشار المحافل الماسونية واتساع ~~نشاطها في البلاد، كما أقلقهم ما أعطي لليهود من حقوق سياسية، ~~ولو أنه كان بسبب هذا الانزعاج الكبير نفسه أن تقرر بعد فترة من الوقت ~~سحب هذه الحقوق السياسية من اليهود مدة عشر سنوات، وكذلك حق امتلاك ~~الأراضي، وعلى ذلك كان هذا القلق مبعث الشعور بعدم الرضى الذي أخذ ~~يطغى تدريجيا على رجال الدين، وخصوصا لدى الرهبان الذين لم يلبثوا أن ~~قاموا بحملة كبيرة ضد نابليون، عندما بدأ هذا سياسته المعروفة لاضطهاد ~~البابا. # ولقد صادفت غراندوقية وارسو إلى جانب هذا كله طائفة من المشكلات الداخلية ~~التي تزايد خطرها، واحدة بعد أخرى، ولو أنه من المتعذر معرفة نتائج هذه ~~الصعوبات، وما قد ينشأ عن تفاقمها، أو الوصول إلى رأي قاطع بشأن الوضع ~~الذي سوف تكون عليه بولندة بسبب هذه الصعوبات نفسها، والسبب في ذلك أن ~~غراندوقية وارسو التي خلقها نابليون لم تعمر إلا وقتا قصيرا جدا، ~~على أن الذي يجب ذكره سواء وجدت هذه الصعوبات أو انتفى وجودها، ~~وسواء نال إنشاء هذه الغراندوقية رضاء الأمة البولندية رضاء تاما، أو ~~أن البولنديين لم يشعروا بالرضى الكامل من ناحية تحقيق «الفكرة القومية» ~~وخلق الوطن البولندي، فقد كان - ولا شك - إحياء بولندة - ولو أنه جاء ~~بهذه الصورة المحددة - خطوة ذات شأن، بعد أن كانت هذه الدولة قد انمحت من ~~الوجود، واختفت من خريطة أوروبا السياسية بعد التقسيمات الثلاثة المعروفة ~~في القرن الثامن عشر. # ولذلك فقد بقي البولنديون وحدهم من بين شعوب أوروبا على ولائهم للعاهل ~~الفرنسي، بالرغم من كل التقلبات «السياسية» التي حدثت بعد ذلك؛ فهم قد ~~أمدوا جيوش نابليون في أول الأمر بثلاثة وخمسين ألف مقاتل، ثم بلغت ~~القوات البولندية أثناء حملة روسيا تسعين ألفا، وفي جيش نابليون تولى ~~القيادة ثلاثة عشر قائدا بولنديا، توفي منهم اثنان في المعارك الحربية، ms0625 ~~أحدهما: المارشال «بونياتوسكي»، وكان من بين ضباط الجيش النابليوني ستة ~~بكباشية، ظلوا قوادا في الجيش الفرنسي بعد سنة 1815، ولقد بقي قسم ~~من هذه القوات البولندية في فرنسا بعد سقوط نابليون، باعتبارهم «مهاجرين» ~~في خدمة الجيش الفرنسي. # ولقد كان في بولندة إذن أن بلغت سياسة نابليون «القومية» ذروتها، ~~وبالصورة المحدودة التي شاهدناها؛ ولذلك فمن المتعذر القول بأن نابليون كان ~~نصير الحركات القومية في أوروبا، أو أنه بنى سياسته على تشجيع القوميات ~~بها، وفي المرات القليلة التي نجم من سياسته «تشجيع» أو «إحياء» لهذه ~~القوميات، لم يكن ذلك على الأقل شيئا حدث باختياره، أو كغرض معين اتجه ~~صوبه عامدا وبناء على سياسة موضوعة تستهدف تحقيقه لذاته. # والحقيقة أن القوميات سوف تربح ربحا كبيرا من هذا «النظام النابليوني»، ~~ولكن ليس كنتيجة «لمبادئ» و«توجيهات» منبعثة من نابليون نفسه، وإنما كرد ~~فعل في شكل مقاومة عميقة وواسعة ضد السيطرة النابليونية في ~~أوروبا. # الفصل الثاني # | المقاومة ضد فرنسا # تمهيد # لقد شاهدنا عند الكلام على الأثر الذي أحدثته الثورة الفرنسية في ~~أوروبا، كيف أن أوروبا قد رحبت - بصورة تكاد تكون إجماعية - بهذه الثورة، ~~إذا استثنينا - بطبيعة الحال - تلك المصالح التي كانت متعارضة مع الثورة، سواء ~~أكان أصحاب هذه المصالح أهل الطبقات صاحبة الامتيازات أم الحكومات التي أوجدها ~~«النظام القديم»، ولا جدال في أن «الثورة الفرنسية» كانت تتمتع وقتئذ بسلطان ~~روحي عظيم في أوروبا. # على أن هذه السيطرة الروحية سرعان ما تبدلت على يد نابليون، فصارت سيطرة ~~مادية استبدادية، قائمة على إخضاع أوروبا وشعوبها، تحت سلطان ذلك «النظام ~~القاري» الذي تحدث عنه «جورج ليففر» والذي كان متعارضا - كما رأينا - في جوهره ~~مع مبدأ احترام القوميات وتحرير الشعوب، والذي تسبب عنه إثارة رد فعل كبير ~~من جوانب متعددة ضد السيطرة الفرنسية والنابليونية، ولقد اتخذ رد الفعل الذي ~~حصل شكل المقاومة الوطنية، الأمر الذي أحيا الشعور بالقومية ليسير جنبا إلى ~~جنب مع شعور الوطنية. # والذي يجب ذكره - وعلى نحو ما فعلنا مرارا وتكرارا أثناء هذه الدراسة - أن ~~نابليون لم يكن ms0626 هو صاحب الفضل عن طريق إجراء مباشر أو غير مباشر ومنبعث منه في ~~خلق القوميات الأوروبية، وإنما هذه قد برزت إلى عالم الوجود كحركة مضادة ~~للسياسة النابليونية، ومن أجل مقاومة ذلك «النظام القاري» نفسه الذي عزاه ~~بعض المؤرخين إلى العاهل الفرنسي. # وثمة ملاحظة أخرى: هي أن رد الفعل الذي حصل لم يكن متشابها في مقداره ومداه ~~وآثاره، والزمن الذي وقع فيه، ولم يحدث رد الفعل هذا في البلدان جميعها ~~في وقت واحد ولحظة ومناسبة واحدة، واختلفت النتائج كذلك التي ترتبت على ~~حدوثه. # ولعل رد الفعل الأول، والذي يسهل تتبع آثاره، كان ذلك الذي حدث في مجموعة ~~الدول «القديمة» في أوروبا، أي تلك التي تم تكوينها في الأزمنة القديمة، وصار ~~لها كيان، بدأ النضال بين أهل البلاد وحكوماتها من أجل المحافظة عليه وحمايته ~~ضد اعتداءات الغزاة الفرنسيين، وذلك نضال بدأ من وقت مبكر، ثم حصل في صورة رد ~~فعل «وطني» كذلك، والذي يدعو للدهشة أن نابليون نفسه عجز عن أن يفطن لحقيقة ~~هذه المقاومة الوطنية ورد الفعل «القومي»، بل إنه لم يكن يتوقع حدوثه، ثم صار ~~لا يأبه له حتى بعد حصوله، ولعل أظهر مثال لذلك تلك المقاومة التي ~~حطمت قواعد «النظام القاري» النابليوني في إسبانيا وروسيا، والنمسا ~~وإيطاليا، إلى جانب هولندة والدول الألمانية مثل: بفاريا، ووورتمبرج، وبادن، ~~وبروسيا خصوصا، وتلك كانت حركة المقاومة التي سوف تتبلور في «حرب الأمم» ~~المعروفة للقضاء على السيطرة النابليونية في أوروبا. # في إسبانيا # فقد وقفت إسبانيا موقفا سلبيا من كل المناورات والاتفاقات السياسية التي ~~قامت بها حكومتها؛ حكومة «جودي # Godoi ~~» أمير ~~السلام المعروف، وكان الغرض منها التهيؤ للحرب إلى جانب فرنسا، أو الدخول في ~~محالفة معها، فلم يحرك الإسبان ساكنا، أما رد الفعل العكسي فإنه لم يلبث أن ~~حدث مباشرة بمجرد أن حاولت السيطرة الفرنسية الاستقرار بإسبانيا وفرض ~~نفوذها الشامل عليها، ولقد أجمع المؤرخون على أن نابليون لم يظهر قدرا ~~من النفاق والقسوة الوحشية في معالجة شأن من الشئون مثلما بدا منه في معالجة ~~هذه ms0627 المسألة الإسبانية. # فرفض نابليون الاعتراف إطلاقا بأن في وسع الإسبان أن يكون لهم في مجموع ~~البلاد الخاضعة لهم ذاتية أو كيان ذو ملامح خاصة به، بل اعتقد أن الإسبان - كما ~~صار يقول - إنما هم كغيرهم من الشعوب الأخرى سوف يسعدهم أعظم السعادة ~~قبولهم «الدساتير الإمبراطورية»؛ أي أنظمة الحكم التي تضعها لهم وتفرضها ~~عليهم الحكومة الفرنسية، واحتقر نابليون من ناحية أخرى قدرة الثوار الإسبان ~~العسكرية، ومدى الأعمال أو المقاومة التي كان في وسعهم أن يقوموا بها. # ولقد تسبب عن هذا الازدراء بالثوار والاستخفاف بقوتهم، أن عمد نابليون ~~إلى بعثرة قواته وجيوشه في شبه الجزيرة، وإلى عدم إرساله إطلاقا القوات ~~العسكرية الكافية للقضاء على المقاومة وإخماد الثورة في إسبانيا بصورة حاسمة ~~فاصلة، ولم يعن بتنظيم جيشه في إسبانيا بالدرجة التي اعتنى بها عادة عند ~~تنظيم جيوشه المحاربة في ميادين أخرى، حتى لقد صارت طبيعة البلاد الجغرافية ~~والمسافات الشاسعة التي وجب أن تقطعها من مكان إلى آخر قوات مشاته ~~العسكرية، من العوامل التي أدت إلى الهزيمة في عدة مواضع، وكان هذا ~~الاستخفاف بقوات الإسبان المحاربة، مبعث إهماله تنظيم «القيادة العامة»، ~~فانعدم أي تنسيق في عمليات القادة والرؤساء، وفي الحالات الاستثنائية ~~القليلة التي كان نابليون موجودا ليتولى القيادة العامة أو الإشراف عليها ~~بنفسه، درج قواده على العمل مستقلين عن بعضهم بعضا في «جبهات» القتال ~~المتعددة، ومع ذلك فالجدير بالملاحظة هنا أن الإسبان ما كان في وسعهم بتاتا - ~~سواء بوصفهم ثوارا يحاربون حرب عصابات، أو جيوشا نظاميين - أن يتخلصوا من ~~الجيوش الفرنسية وحدهم، ومن غير أن يكونوا مؤيدين من الإنجليز، الذين كانوا ~~أصحاب «السيطرة البحرية». # ولقد احتفظ الإنجليز بسيطرتهم في البحار دائما طوال الحرب ضد الثورة ~~ونابليون، وكان بفضل احتفاظهم بهذه السيطرة البحرية أن استطاعوا «تغذية» الحرب ~~في إسبانيا ونجدة الإسبان في قتالهم ضد فرنسا إلى النهاية. # أما نقطة البداية في رد الفعل الذي حصل ضد السيطرة الفرنسية النابليونية في ~~إسبانيا، فكانت احتلال شمال إسبانيا بدعوى تأمين مواصلات الجيش الفرنسي في ~~البرتغال، وهو الجيش الذي ms0628 تولى قيادته الجنرال «جونو» في آخر سنة 1807 وبداية ~~السنة التالية، ولقد مر بنا أثناء دراسة تاريخ الإمبراطورية النابليونية كيف ~~أن «مورا» دخل إلى مدريد، العاصمة الإسبانية في 23 مارس 1808، وكيف أن ~~«الأحداث» السياسية التي وقعت بعد هذا الاحتلال الفرنسي كانت تنازل ~~الملك شارل الرابع عن العرش الإسباني في 14 مارس، ثم مقابلة «بايون» المشهورة ~~التي نزل فيها الملك شارل الرابع وولده فردنند السابع في مايو من السنة نفسها ~~«لصديقهما العزيز وحليفهما الإمبراطور» عن كل حقوقهما في عرش إسبانيا، ثم إعطاء ~~تاج إسبانيا إلى جوزيف شقيق نابليون في 5 مايو 1808، ثم اجتماع «مجلس» انتخب ~~أعضاؤه حسب الطريقة التي أرادتها الحكومة الفرنسية من ثلاث طبقات من الناخبين، ~~استصدر دستورا «للملكية الإسبانية» بعد أن قبل جوزيف بونابرت تاج هذه ~~الملكية، وقد دخل جوزيف مدريد يوم 20 يوليو. # وضد هذه السيطرة الفرنسية التي فرضت على الإسبان، حصل رد فعل ~~مباشر في صورة مقاومة فعلية، وكان قد سبق هذه المقاومة حركة عصيان أو ~~ثورة، وقعت في «أرانجوز» يومي 17، 18 مارس 1808، قلبت حكومة «جودوي» الذي ~~ذكرنا أن تنازل الملك عن العرش لصالح ابنه كان السبب في إنقاذه من غضب ~~الشعب، ثم وقع عصيان آخر بعد شهر من هذا الحادث الأول، وذلك بعد دخول الجنود ~~الفرنسيين إلى مدريد، فقضى «مورا» على هذا العصيان بقسوة ووحشية في اليوم ~~التالي (2-3 مايو)؛ فكان حينئذ أن رفع الإسبان علم الثورة مباشرة. # والذي تجدر ملاحظته أنه لم يكن يوجد بإسبانيا طبقة متوسطة «بورجوازية»، ~~اللهم إلا إذا استثنينا بعض المواني، خصوصا قادش ، ومعنى ذلك أنه كان مختفيا ~~من إسبانيا ذلك العنصر الذي كان مستعدا في بقية أوروبا لقبول النفوذ الفرنسي، ~~فأمكن إذن أن تتحد كل عناصر المجتمع الإسباني في مقاومة السيطرة الفرنسية، ~~وأول هذه العناصر الجيش النظامي، حيث إن الثورة التي اشتعلت في إسبانيا الآن لم ~~تكن من صنع الشعب وحده فقط؛ فقد أعلن الجيش الإسباني النظامي ~~معارضته ومقاومته ضد فرنسا، في مجموعتين تشكلتا في التو والساعة، ~~إحداهما: في الشمال في ms0629 جاليكيا # Galicia ~~، ~~وجالوتزو # Galuzzo ~~، والأخرى: في الجنوب في ~~أندلوشيا # Andalucia ~~، وقد حصل هذا الجيش ~~الإسباني على المعونة اللازمة - والتي بدونها ما استطاع أن يفعل شيئا - من ~~الجيش الإنجليزي الذي نزل في البرتغال، وهكذا انعدم في إسبانيا - وعلى خلاف ~~ما حدث في ألمانيا وإيطاليا - وجود أي تعاون أو مشاركة عسكرية بين الإسبان ~~والفرنسيين. # وكان عنصر المقاومة أو الثورة الباقي هو الشعب، ولقد توافرت الأدلة من أزمان ~~بعيدة على أن الشعب الإسباني متصف بالتعصب الديني، وبشدة التمسك بتعاليم ~~المسيحية الأولى، ثم الكراهية للأجنبي، وذلك شعور ظهر جليا ضد الإنجليز ~~أنفسهم، كما ظهر ضد الفرنسيين، ثم لم يلبث أن «تركز» ضد الآخرين لعدة ~~أسباب؛ كان أهمها ولا شك: حدوث الغزو الأجنبي لبلادهم، ثم كل المساوئ والأضرار ~~المادية التي تحملها الإسبان بسبب هذا الغزو نفسه، ومع ذلك فقد قامت ~~الثورة أصلا في مقاطعات لم تتعرض لغزو الفرنسيين، وفي ذلك دليل على أن العاطفة ~~الوطنية، أو الشعور الأهلي «القومي» كان الحافز على هذه الثورة، مع الأخذ بعين ~~الاعتبار كذلك الأضرار المادية التي أشرنا إليها، والتي وقع عبئها على كاهل ~~الشعب الإسباني. # فقد بدأت الحركة في إقليم «استورياس # Asturias ~~»، وجاليكيا في الشمال وفي أندلوشيا في الجنوب، ~~أضف إلى هذا كله أن القساوسة ورجال الدين كانوا أصحاب نفوذ «ديني» عظيم على ~~الشعب الإسباني، استطاعوا بفضله أن يحرضوا «الفلاحين» على الثورة ضد ~~الفرنسيين، ولا جدال في أن الشعور العميق بالكراهية للأجانب - الذين يمثلون في ~~نظر الشعب الإسباني كل ما هو مخالف ومناقض للتقاليد الإسبانية العريقة - ~~كان حافزا قويا من الناحية العاطفية، على تحريك المقاومة ضد ~~الفرنسيين. # وعلى ذلك فقد كانت الثورة في إسبانيا حركة «جماهيرية» ساهم فيها الفلاحون ~~وصغار الناس من أهل المدن، وبقول آخر: «سواد الشعب الإسباني»، ولقد كان بسبب ~~اشتراك هذا العنصر الشعبي في الثورة، أن أخذت تذيع في أوروبا «أسطورة» ~~الكفاح في إسبانيا، باعتبار أنها حركة مقاومة عمادها الشعب الذي وقف في ~~جبهة واحدة في وجه الغزاة الفرنسيين. # وثمة عنصر آخر من عناصر «الثورة» أو ms0630 المقاومة المسلحة ضد السيطرة الفرنسية؛ ~~هو جماعة النبلاء الذين عظم لديهم الشعور بالكبرياء الوطني أكثر مما يشعر ~~به سواد الشعب، ثم أثارهم ضد الفرنسيين - ولا شك - شعورهم بالكراهية ضد ~~«نظام» عمد إلى إقصاء النبلاء؛ ففقد هؤلاء بسببه نفوذهم السياسي، وكل ~~سلطة في البلاد، ولقد جعلهم ذلك يقومون مباشرة في وجه «جودوي»، ثم في وجه ~~«فردنند السابع»، بمجرد أن أدركوا ارتباط هذا الأخير واتفاقه مع الفرنسيين ~~«العنصر الأجنبي». # وأضمر النبلاء الإسبان عداء شديدا ضد «الإصلاحات» التي يريد إدخالها ~~«النظام الفرنسي» والتي يمثلها هذا النظام نفسه، وهو «نظام» يقتضي إهدار كل ~~الامتيازات التي كانت لطبقة النبلاء في إسبانيا، وتلك كانت امتيازات اجتماعية ~~على وجه الخصوص، لم يكونوا يريدون التخلي عنها، حتى في الحالات التي صار بعض ~~هؤلاء يميلون فيها إلى الإصلاح السياسي المأخوذ من الأنظمة الإنجليزية؛ فقد كان ~~معنى استمرار السيطرة الفرنسية في بلادهم - مع ما تنطوي عليه هذه السيطرة من ~~العمل لإزالة الحقوق الإقطاعية، وتقرير مساواة الأفراد أمام القانون - أن يفقد ~~النبلاء الإسبان كل سيطرتهم الاجتماعية؛ ولذلك فقد كان أحد هؤلاء النبلاء، ~~الماركيز «دي سانتاكروز # Santa-Cruz ~~» هو الذي ~~أعطى إشارة الثورة في «أوفيدو # Oviedo ~~» في ~~أوائل يونيو 1808. # ومع ذلك فقد كان العنصر الرابع - رجال الدين - هو العنصر الجوهري في هذه ~~الثورة، حتى إن نابليون لم يلبث أن دمغ هذه الثورة وهو يعلق على الحوادث ~~الجارية في إسبانيا بأنها ثورة رهبان! # 1 # والحقيقة أن عدد رجال الدين في إسبانيا كان عظيما، وأن هؤلاء ~~كانوا أصحاب نفوذ قوي وسلطة كاملة، ولقد كان يفوق عدد رجال الدين في ~~إسبانيا آنئذ، ما كان يوجد بفرنسا ذاتها منهم، في سنة 1789، مع أن عدد سكان ~~فرنسا كان يزيد عن عدد سكان إسبانيا؛ فوجد بإسبانيا ستون ألفا من القساوسة ~~العالميين (أو العلمانيين غير القانونيين)، وحوالي المائة ألف من القساوسة ~~القانونيين، وكل هؤلاء كانوا جميعا في عداء ضد السيطرة الفرنسية، وللفكرة ~~الفرنسية؛ لأن الثورة الفرنسية دأبت على اضطهاد رجال الدين، ولأن «النظام ~~الفرنسي» إنما يرمز إلى تحويل الدولة إلى ms0631 «دولة علمانية» والمجتمع إلى «مجتمع ~~علماني»، ولأن نابليون العاهل الذي أراد أن يفرض السيطرة أو النظام الفرنسي على ~~إسبانيا، كان في هذه الآونة ذاتها قد بدأ سلسلة اضطهاداته ضد البابا، رئيس ~~الكنيسة الكاثوليكية، الأمر الذي أثار ثائرة العالم الكاثوليكي ضد الإمبراطور ~~الفرنسي. # وعلى ذلك فقد ثار جميع رجال الدين الإسبان - باستثناء بعض أحبارهم في حالات ~~نادرة جدا - ضد فرنسا، بل وكان رجال الدين هؤلاء هم الذين قاموا بتنظيم ~~الكفاح ضدها، فيكتب (في 20 يونيو 1808) مطران أشبيلية من روما التي كان بها ~~وقتئذ إلى مطران غرناطة، تعليقا على الحوادث التي أفضت إلى تسمية جوزيف ~~بونابرت ملكا على إسبانيا: # لا شك أنك تدرك تماما أن الواجب علينا عدم الاعتراف بشخص ~~«ماسوني» - أي من البنائين الأحرار - مهرطق، ولوثري «أي منشق على كنيسة ~~رومة» ملكا على البلاد، كما هو حال كل أفراد أسرة بونابرت، وكل أفراد ~~الأمة الفرنسية. # ولقد كان أصحاب الدور الأكبر، والكلمة النافذة أثناء الثورة، بعض هؤلاء ~~الأحبار (كبار رجال الدين)، خصوصا مطارنة غرناطة، وإشبيلية، و«سانتاندر # Santander ~~» وأرسل الأساقفة منشورات إلى ~~القساوسة المحليين، يرشدونهم فيها إلى الخطة التي يجب أن يتبعوها، ثم كان رجال ~~الكنيسة في أحايين كثيرة هم الرؤساء المحليون للثوار، من ذلك أن متزعم ~~الثورة في (فالنسيا) كان الكاهن القانوني «كالفو # Calvo ~~»، وفي «فالنسيا» هذه فتك الثوار بثلاثمائة وثمانية ~~وثلاثين فرنسيا، ولقد كان في أحايين كثيرة الذين تزعموا الثورة هم رؤساء ~~الأديرة، والرهبان، وحتى الراهبات كذلك، على أن «النظام الفرنسي» كان أصلا قد ~~كفل احترام وضع رجال الدين؛ فلم يذكر «دستور بايون» شيئا عن تحويل إسبانيا ~~إلى «دولية علمانية»، كما أن الكاثوليكية وحدها هي التي صار الاعتراف بها دينا ~~رسميا للدولة، ولكن نابليون بمجرد استيلائه على مدريد بادر بإلغاء «محاكم ~~التفتيش»، وحل الأديرة، وصادر ممتلكاتها، الأمر الذي صار سببا جديدا لاستثارة ~~رجال الدين ضده. # وهكذا، فإنه على خلاف ما حصل في جهات أخرى من أوروبا؛ لم تلق «الآراء ~~الفرنسية» المؤازرة اللازمة لتأييدها أو «الأداة» والوسيلة التي تروج ~~بها، حتى إن ms0632 الطلاب في جامعات «ألكالا # Alcala ~~»، و«سلامنكا # Salamanca ~~»، ~~و«بلد الوليد # Valladolid ~~» كانوا في طليعة ~~الذين ناضلوا ضد السيطرة الفرنسية؛ فثار «النظام القديم» بكل بنائه الاجتماعي ~~والديني في إسبانيا في وجه هذه السيطرة الفرنسية، والحقيقة أن التركيب الذي ~~كان عليه هذا «النظام القديم» في إسبانيا آنئذ لم يكن يسمح بحال من الأحوال أن ~~توجد في البلاد من أقصاها إلى أقصاها «عناصر» أو عوامل تحول دون حدوث هذه ~~المقاومة المسلحة ضد فرنسا، وبذلك اتحدت جميع عناصر المجتمع الإسباني، ~~فكانت يدا واحدة في كفاحها ضد «النظام الفرنسي». # ولقد كانت لهذه المقاومة أو الثورة الإسبانية «ملامح» معينة اختصت بها، ~~أولها: تلك القسوة والوحشية التي اتسمت بها أحداثها والتي كان مبعثها من جانب ~~الإسبان، التطرف أو المغالاة التي اتصف بها الخلق الإسباني من ناحية، ثم كل ~~تلك الشدائد التي تحملها الشعب الإسباني نتيجة لهذه السيطرة الفرنسية ~~الأجنبية المفروضة عليه من ناحية أخرى، فاتخذ النضال بين الفريقين من أساسه ~~شكل المذابح والاغتيالات والقتل وتعذيب الأسرى، أو المعتقلين في ~~الجيوش. # ولعل أبرز مثال لهذه «الوحشية» ما وقع لجيش «ديبون» و«فيديل» عند تسليم ~~الفرنسيين المعروف في «بايلن» في 23 يوليو 1808، على أساس عودة هؤلاء إلى ~~بلادهم، فرفض «مجلس إشبيلية» أن يعود الجنود إلى فرنسا، وبقي هؤلاء أسرى في ~~جزيرة «كابريرا # Caberera ~~» حيث ماتوا جميعهم ~~جوعا، ولقد قابل الفرنسيون - وعلى نحو ما كان منتظرا - هذه القسوة بمثلها؛ ~~فقد صاروا يعدمون الأهلين «بالجملة» ويحرقون القرى، فكان نضالا رهيبا، على ~~أن هذه الفظائع التي ارتكبت كان مبعثها كذلك من جانب الإسبان، استثارة ~~شعورهم الوطني أو القومي الذي وجد متنفسا له في هذه الصورة «العملية »، ~~والتي تعددت أنواعها، والتي كان أبرزها - ولا ريب - ذلك الدفاع المجيد الذي ~~ثابر عليه الإسبان طيلة شهرين بتمامهما - في يناير وفبراير 1809 - ضد ~~الفرنسيين الذين ضربوا الحصار على «سارجوسه # Saragossa ~~»، فدافع الإسبان عنها شبرا شبرا، وفقدوا في هذه ~~المعركة الهائلة ستين ألفا من القتلى، عدا الذين هلكوا من المرضى وكانوا ~~ثمانية وخمسين ألفا. # ثم إن من خصائص هذه ms0633 الثورة أنها كانت عامة شاملة، خرجت من «أستورياس» ~~و«جاليكيا» من ناحية، ومن «أندلوشيا» من ناحية أخرى، لتمتد إلى كل أرجاء ~~إسبانيا. # ولقد اتخذت هذه الثورة في كل الأماكن التي نشبت بها شكلا يقوم على تأليف ~~اللجان المحلية لقيادة الثورة، أي «المجالس الثورية» المعروفة باسم ~~«جونتا # Junta ~~»، جمعت العصابات وزودتها ~~بالأسلحة لتجول في طول البلاد وعرضها، وأنشأت «المجالس الثورية» الجيوش المحلية ~~(المليشيا)، ولقد أيدت هذه العصابات والجيوش المحلية (المليشيا) عمليات الجيوش ~~النظامية، أو خاضت هي بمفردها المعارك، إذا تبين أن الجيوش النظامية مشتبكة في ~~ميادين أخرى. # وبلغ عدد «المجالس الثورية» سبعة عشر مجلسا «أو جونتا» منتشرة في مختلف ~~أنحاء إسبانيا، وتعتمد على تأييد الشعب الإسباني، وهذا «التنظيم» أو «العمومية» ~~التي اتسمت بها الثورة هي التي تفسر - إلى حد كبير - عجز العمليات العسكرية ~~الفرنسية؛ لأنه بالرغم من الانتصارات التي كان يحرزها الفرنسيون في المعارك ~~التي خاضوا غمارها مع القوات الإسبانية النظامية أو الثورية، كانت لا تلبث حتى ~~تبدأ عمليات جديدة في أماكن وميادين أخرى، فعجز الفرنسيون تماما عن إحراز ~~نصر عسكري «فاصل» يحسم هذا النضال المستمر بينهم وبين الإسبان، ومع أنه من ~~المسلم به أن الإسبان ما كانوا يقدرون في النهاية أن يظفروا بنتائج حاسمة، ~~من غير المؤازرة المستمرة التي نالوها من الإنجليز، فقد كانت القوات الثورية ~~الإسبانية كافية لتجعل الجيوش الفرنسية عاجزة من الناحية العسكرية. # وثمة طابع آخر لهذه الثورة أو المقاومة الإسبانية، هو اعتمادها على «الشعور ~~المحلي»؛ لأن «عمومية» الثورة بالصورة التي شاهدناها، أي بمعنى اتفاق الكلمة ضد ~~السيطرة الفرنسية لم تكن تدل على وجود «وحدة» أو اتحاد، تنصهر فيه كل عناصر ~~المقاومة في جهد «قومي» متحد لتحرير «الأمة» الإسبانية من السيطرة الأجنبية؛ ~~وذلك لأن التنافس كان شديدا بين «مجالس الثورة» المتعددة، حتى أمكن ~~التمييز بين مجموعتين من هذه المجالس: إحداهما في الشمال، حيث كان مجلس «جونتا» ~~استورياس، ثم مجلسا «جونتا» ليون # Leon ~~، ~~وقشتالة القديمة تخضع جميعا لمجلس جاليكيا، حتى حدث أن انفصل سريعا المجلسان ~~«جونتا» الأخيران عن مجلس جاليكيا. ms0634 # وفيما يتعلق بالمجموعة الأخرى في الجنوب، اتخذ مجلس إشبيلية لنفسه اسم «مجلس ~~(جونتا) إسبانيا والهند» أي الممتلكات الإسبانية فيما وراء البحار، ولو أن ~~«جونتا إشبيلية» لم يكن يؤلف حكومة عامة، ومع ذلك فقد رفض «قائد» هذا المجلس ~~الثوري، الكونت دي تيلي # Tilly ~~، أن يغادر جيش ~~إشبيلية هذه المقاطعة للقيام بعمليات عسكرية في أقاليم أخرى، ولقد رفض كذلك ~~«المجلس الثوري» في غرناطة المجاورة لها، الاعتراف بسلطان «جونتا إشبيليا» الذي ~~يسمي نفسه «مجلس إسبانيا». # ولقد كان فقط في شهر سبتمبر 1809 بناء على اقتراح من «فلوريدا بلانكا # Florida Blanca ~~» أحد السياسيين ~~القدامى، ورئيس «المجلس الثوري» في مارشيا # Murcia # في الجنوب الشرقي، أن تقرر اجتماع نواب عن المجالس ~~الثورية في المقاطعات المختلفة، في «مجلس» ينعقد بمدينة «أرانجوز»، يتألف من ~~النبلاء ورجال الدين، على أن المناقشة في هذا المجلس سرعان ما تناولت المسائل ~~السياسية، فظهر التعارض بين فكرتين: إحداهما فكرة «الاستبدادية المستنيرة»، ~~ويتزعم هذا الاتجاه «فلوريدا بلانكا»، وفكرة الملكية من الطراز الإنجليزي، ~~ويتزعم هذا الرأي «جوفيلانوس # Jovellanos ~~» # 2 # الشاعر المسرحي. # ومع ذلك فقد نجح هذا المجلس في تأليف وزارة إسبانية، ولكنهم لم يعينوا «قيادة ~~عليا»؛ لأن القواد آثروا الاحتفاظ باستقلالهم، وهكذا أمكن تأليف «جونتا ~~مركزية»، غير أن هذه عجزت عن توطيد سلطانها، أو نفوذها الإداري في غير مقاطعتين ~~اثنتين وحسب، وهما «ليون» و«قشتالة القديمة»، وهذا العجز عن إنشاء سلطة ~~موحدة ومركزية وطنية يوضح ذلك الميل الغريزي لدى الإسبان الذين يميلون ~~إلى التفكك «المحلي»، وإنشاء سلسلة من الوحدات الإقليمية ذات الطابع المحلي ~~بمجرد اختفاء الطغيان المركزي، أي ظهور عجز السلطة المركزية عن فرض سلطانها ~~الموحد على البلاد، وسوف تبرز هذه الحقيقة واضحة عند دراسة تاريخ إسبانيا ~~بعد سقوط الإمبراطورية النابليونية خصوصا، ولو أن ظاهرة «التفكك» و«المحلية» ~~هذه سوف تبقى من خصائص التاريخ الإسباني طوال القرن التاسع عشر، وحتى الجزء ~~الأول من القرن العشرين. # على أن هذه الثورة أو المقاومة الإسبانية كانت تنطوي كذلك على «جرثومة» ~~الانقسامات والاختلافات السياسية، التي صار لها شأن بعد فترة من ms0635 الزمن، وخصوصا ~~في المدة بين 1815، 1848 على نحو ما سنفصله في فصول تالية. # فقد استطاع «جوفيلانوس» في سنة 1809 أن يرغم «الجونتا المركزية» على دعوة ~~المجلس الوطني «الكورتيز # Cortes ~~» للاجتماع، ~~فاجتمع الكورتيز في قادش في 24 سبتمبر 1810، وكان يتألف من أعضاء انتخبتهم ~~مجالس «الجونتا» الإقليمية، فيما عدا المقاطعات التي تعذر فيها إجراء ~~الانتخابات بسبب الغزو والاحتلال الفرنسي، فقد سمى اللاجئون من هذه ~~المقاطعات في قادش الأعضاء الذين يمثلونهم في «الكورتيز» أو تولى تعيينهم ~~مباشرة «مجلس الوصاية» الذي أنشئ في قادش كجزء من ذلك النظام المركزي الذي ~~حاولوا إقامته في «غيبة» الجالس على العرش. # ولقد ضم «الكورتيز» إليه كذلك ستة وثلاثين نائبا يمثلون المستعمرات ~~الإسبانية في أمريكا، جرى تعيينهم بنفس الطريقة، ويدل تأليف الكورتيز بهذه ~~الصورة «الحرة» على أن طبقة معينة تدين بالآراء التقدمية، إذا قيست بسائر ~~الطبقات الإسبانية، وفي مختلف أنحاء إسبانيا، كانت ذات أثر في تشكيل المجلس ~~الوطني، ونعني بها الطبقة المتوسطة (البورجوازية)، فقد انفردت قادش وقتئذ بأنها ~~المكان الوحيد الذي وجدت به فعلا طبقة بورجوازية هامة، وكانت الآراء ~~السائدة في هذا المركز التجاري والسياسي الكبير آراء تقدمية نوعا وبدرجة صار ~~بها «الكورتيز» - وبسبب الطريقة التي تألف بها كذلك - لا يمثل الرأي العام ~~في إسبانيا بمجموعها ولا يتفق معه، ومع ذلك فإن هذا المجلس الوطني بحكم تأليفه، ~~والآراء التي صار يدين بها من حيث مؤازرته «للنظام القديم» القائم على دعامتي ~~الملكية والكنيسة وتأييد النبلاء ومعارضته للحركات الثورية، كان مناقضا للثورة ~~في ذاتها. # وهذا «الكورتيز» هو الذي استصدر دستور 1812 لإسبانيا، وكان صورة من الدستور ~~الفرنسي الأول (سنة 1791) مع تعديل أدخل عليه بشأن اتخاذ الكاثوليكية وحدها ~~دينا للدولة، ولقد رفض القساوسة الاعتراف بهذا الدستور بالرغم من ذلك، ثم ~~عمد الكورتيز إلى إلغاء محاكم التفتيش وإنقاص عدد الأديرة. # وهذا الدستور الذي صدر في سنة 1812 والذي قبلته إسبانيا «الرجعية» ~~سرعان ما أصبح مثار الانقسامات السياسية بين مختلف الأحزاب الإسبانية عقب عودة ~~الملكية، على أثر انهيار السيطرة النابليونية، وتقوض عروش «الإمبراطورية»، ودار ms0636 ~~الخلاف في عهد الملكية الراجعة، وحتى سنة 1848 بين الإسبانيين حول دستور 1812، ~~إما لتأييده والتمسك به، وإما للقضاء عليه وإنهائه، وعلاوة على ذلك فقد صار ~~لهذا الدستور نفسه أهمية كبيرة في تاريخ إيطاليا، عندما صار برنامج الثوار ~~الطليان السياسي والذي عارضوا به طغيان الملكية المستبدة في بلادهم ورجعية ~~«الحلف المقدس» وتداخله في شئون بلادهم لمحاولة إخماد الحركات القومية ~~التحررية. ~~••• # تلك إذن كانت العناصر المختلفة التي تألفت منها هذه الحركة القومية ~~(الوطنية) في إسبانيا، ولقد كانت هذه الحركة «إسبانية» في خصائصها وملامحها، ~~فالإسبانيون كان لديهم شعور قوي ونشيط بقوميتهم الممتزجة بوطنيتهم وبتقاليدهم، ~~ولقد كان هذا «الشعور» هو مبعث المقاومة الشديدة ضد السيطرة الفرنسية، ومع ذلك ~~فإن رد الفعل الذي حصل ضد هذه السيطرة، كان مع خطورته بسيطا للغاية من وجهة ~~النظر المثالية؛ إذ إنه كان رد الفعل الوطني الذي لا مناص من حدوثه ضد الغزو ~~الأجنبي. # وفي روسيا # كان رد الفعل الذي حصل ضد السيطرة الفرنسية شبيها بما حصل في إسبانيا؛ فلقد ~~أسمى الروس حرب سنة 1812 «بالحرب الوطنية»، # 3 # وكانت هذه هي المرة الأولى التي تعرضت فيها بلادهم للغزو ~~الأجنبي، وأحدق الخطر بالروس منذ أن غزا السويديون بلادهم في عهد بطرس الأكبر ~~من نحو قرن مضى، وارتكب نابليون الخطأ الذي لم يكن محتملا أن يغير شيئا من ~~قوة رد الفعل الذي حصل في روسيا، وذلك بأنه رفض أن يجعل الحرب «شعبية» أي ~~مقبولة من الشعوب التي يهمها الانتصار على روسيا، خصوصا أولئك البولنديين ~~الذين أرادوا إعلان إنشاء «مملكة بولندة» - في 28 يونيو 1812 - والذين أرادوا ~~أن يضموا إليها المقاطعات التي كانت استولت عليها روسيا وقت تأليف غراندوقية ~~وارسو وأن يضموا «ليتوانيا» إلى بولندة، وذلك ما كان مستعصيا على نابليون ~~الموافقة عليه ؛ لأنه كان يريد المفاوضة مع روسيا. # ومن ناحية أخرى فقد عجز نابليون عن استمالة الفلاحين الروس إلى جانبه ~~أثناء هذه الحرب الوطنية، أو فريق منهم على الأقل؛ لأنه لم يكن يجرؤ على إعلان ~~إلغاء رقيق الأرض، والعمل من أجل ms0637 توزيع الأرض عليهم، ولا ريب في أن نابليون لو ~~أنه أقدم على هذه الخطوة لكان محتملا كثيرا نجاحه في جذب فريق من ~~الفلاحين على الأقل، كما ذكرنا لتأييده، ومن المقطوع به على كل حال جذب سواد ~~الشعب البولندي إلى جانبه لو أنه حقق مطالب «الأمة» البولندية السياسية ~~والاجتماعية، ولكن نابليون فقد فرصة جعل الحرب الروسية «حربا شعبية» أي ~~مقبولة من الشعبين البولندي والروسي على السواء، بسبب ما كان يدور في ذهنه من ~~اعتبارات سياسية. # وأما المظهر الذي اتخذه رد الفعل ضد السيطرة الفرنسية أثناء حملة 1812، ~~والذي دل على الطابع القومي الذي اتسمت به هذه الحرب الوطنية من الجانب الروسي، ~~فقد كان اجتماع كلمة الروس، واتحاد الرأي فيما بينهم على رفض كل مفاوضة مع ~~الفرنسيين بالرغم من محاولات نابليون المتكررة للدخول في المفاوضة مع حكومة ~~القيصر إسكندر، وتشبث الروس بموقفهم حتى آخر لحظة. # ولم يكن هناك مجال للمفاوضة حينما انحصرت المسألة لدى الروس في واحد من ~~أمرين: إما التمسك بموقف الدفاع فحسب؛ لإجلاء الفرنسيين عن الأراضي الروسية ~~وتحرير هذه منهم، وتلك كانت وجهة نظر القائد «كوتوزوف # Kotouzov ~~» وزعماء الروس القدامى، وإما على العكس من ذلك ~~متابعة القتال بمجرد تحرير الأراضي الروسية إلى أن يتسنى إسقاط نابليون نفسه، ~~والاطمئنان إلى تحرير أوروبا بأسرها، وذلك كان رأي القيصر إسكندر والدوائر ~~المحيطة به، وكذلك اللاجئين في بلاط القيصر. # ولقد كان بفضل نشاط عصابات المقاومة الوطنية «أو القومية» أن أمكن هزيمة ~~«الجيش الأعظم» الفرنسي، عندما عمدت هذه العصابات إلى تحطيم وإتلاف المؤن، ~~وتخريب القرى في طريق الجيش الفرنسي الزاحف؛ حتى لا يجد الفرنسيون زرعا ولا ~~ضرعا، وقاسى هؤلاء شدائد وأهوالا من المجاعة التي انتشرت بينهم، حتى إن الرأي ~~الجديد بين المؤرخين يكاد يكون متفقا على أن «المجاعة » وحدها - وليس «البرد» ~~كما هو شائع في «الأساطير» المتواترة عن «حملة 1812» - كانت سبب الهزيمة ~~الرئيسي التي حاقت بالفرنسيين، فالثابت أن فصل البرد الشديد في روسيا لم يبدأ ~~إلا بعد هزيمة الجيش الفرنسي واضطراره إلى الارتداد، وبعد أن كان ms0638 قد وصل في ~~تقهقره إلى «سمولنسك»، أي إن البرد القارس قد بدأ عندما كاد يكون الجيش الفرنسي ~~متحطما تماما، بل إن البرد بقي بعض الوقت «معتدلا» إن صح هذا التعبير، فلم ~~يكن نهر «بريزينا» متجمدا عندما حاول الفرنسيون واستطاعوا أن يعبروه، فلم يحطم ~~البرد إذن الجيش الفرنسي، ولكن حرب العصابات هي التي حطمته، ومقاومة الروس ~~أنفسهم. # وهكذا قوبل الغزو الفرنسي برد فعل «غريزي» ووطني للدفاع عن البلاد ضد الفاتح ~~والغازي الأجنبي، ورد الفعل الذي حصل هو الذي أمكن بفضله تقوية الأمة ~~الروسية وتماسكها وترابطها، ولقد ترتب على ذلك حصول رد فعل من نوع ~~آخر، هو رد فعل ثقافي ضد آراء الغرب وأساليب تفكيره، تمثل في علمين ~~من أعلام الأدب والفن، أحدهما: الموسيقي «جلينكا # Glinka ~~» 1802-1857، والآخر: المؤرخ «كارامزين # Karamzin ~~» 1765-1826، وقد أصابا شهرة واسعة، ~~وكانا قبل الغزو قد أسسا صحفا أدبية في روسيا، وهما كذلك من الذين تأثروا ~~قبلا بالآراء الفرنسية، وبالحركة التعقلية التي أتت بها فلسفة المعرفة والتنور ~~الألمانية # Aufklärung ~~، ثم بالروح العالمية، أي: ~~الشعور بالانتماء لكل الأوطان والبلدان # 4 # التي أتت بها هذه الفلسفة، ولقد تبدلت كل هذه الآراء على أثر ~~رد الفعل الشديد الذي حصل بسبب غزو بلادهم، فحل محلها شعور بالوطنية و«المحلية» ~~عميق. # وهذه الغريزة الوطنية التي أفضت إلى تأكيد وجود «قومية» كان لها كيان سابق، ~~كانت كذلك العامل الذي أكد وجود القومية الهولندية، فقد زادت التقاليد ~~القومية في هولندة قوة على قوتها أثناء السيطرة الفرنسية، ذلك بأن «الجمهورية ~~الباتافلية» - التي أنشأها الفرنسيون - لم تلبث أن أدخلت الإصلاحات ~~السياسية الضرورية، والتي ساعدتها على النجاح في الدفاع عن حكومتها الذاتية ~~«واستقلالها الذاتي» في موقفها من فرنسا، حتى إن لويس بونابرت الذي فرضه ~~شقيقه الإمبراطور ملكا على هولندة لم يلبث أن وجد نفسه مضطرا إلى العمل ~~ضد «إرادة» نابليون الذي أراد أن تتبع هولندة نظام السياسة الفرنسية، وتقف ~~إلى جانب فرنسا في «نظامها القاري»، فخسر لويس بونابرت عرش هولندة؛ بسبب ~~اضطراره إلى مسايرة الشعور الذاتي «أو القومي» الهولندي. ms0639 # ولقد أثار الهولنديون صعوبات عديدة في طريق طائفة من الإصلاحات - خصوصا ~~الإصلاح الزراعي - التي أراد الفرنسيون إدخالها بالقوة في بلادهم، ثم إنهم ~~صاروا يتحملون متاعب شديدة بسبب الأضرار الاقتصادية التي لحقت بهم من جراء ~~«الحصار القاري» الذي فرضه نابليون على البلاد عنوة واقتدارا لمحاربة ~~إنجلترة، وكان لهذا الأذى الذي لحق بالمصالح الاقتصادية أكبر الأثر في استثارة ~~الشعور الوطني «أو القومي» القديم في هولندة، (ابتداء من سنة 1810)، ولم يقبل ~~الهولنديون «القانون المدني» وسائر القوانين الفرنسية، ولم يقبلوا كذلك تخفيض ~~الفوائد المحتسبة للدخول السنوية بقيمة الثلث (1810)، كما رفضوا إدخال الضرائب ~~الفرنسية إلى بلادهم (1813)، ومما يجب ذكره أن كل الأثر الذي أحدثته ~~هذه «المصالح المادية» لم يكن سوى زيادة شدة رد الفعل الوطني «أو القومي» الذي ~~كان موجودا من قبل. # وأما النتيجة الهامة لهذه السيطرة الفرنسية في هولندة، فكانت تقوية شعور ~~العطف نحو أسرة أورانج الوطنية وزيادة تعلق الشعب الهولندي بها، وإعطاء هذه ~~الأسرة طابعا قوميا، جعلها مقبولة من سواد الأمة الهولندية عند عودة ~~الملكية إلى هولندة بعد سقوط الإمبراطورية (1815). ~~••• # وتلك الحالات التي درسناها لوجود رد فعل وطني ضد السيطرة الفرنسية في كل من ~~إسبانيا وروسيا وهولندة، كانت حالات مبسطة للغاية من وجهة النظر المثالية لشعور ~~وطني «أو قومي» مبعثه الشعب نفسه الذي كان لديه «قوميته» أو ذاتيته ~~القديمة، على أن رد الفعل الذي حصل قد اتخذ مظهر العداوة الشديدة ضد السيطرة ~~الفرنسية، كمقاومة وطنية لإجلاء الغزاة والفاتحين الأجانب عن البلاد، ولم تكن ~~هذه المقاومة «الوطنية» مستندة إلى أية فكرة توحي بأنه كانت هناك يقظة قومية، ~~أي مقاومة منبعثة عن شعور عام شامل بوجود اتحاد كل عناصر المجتمع في ~~مجهود مشترك ناجم عن وعي كامل بضرورة تضافر كل أفراد الأمة، في نضال موجه ~~لتحرير الأمة من كل سيطرة خارجية، بل إن الذي حدث في الحالات التي شاهدناها كان ~~لا يعدو «مظاهر» لمقاومة فردية في بعض الأحايين، أو لمقاومة وطنية محلية في ~~أحايين أخرى ضد الاحتلال الفرنسي والسيطرة النابليونية، ومعنى ذلك أن المقاومة ~~التي ms0640 حصلت إنما كانت من جانب «حكومات» معينة أو من جانب «أفراد»، وأن هذه ~~«الحكومات» وهؤلاء «الأفراد» إنما تولوا المقاومة ضد الاحتلال الفرنسي من ~~تلقاء أنفسهم، أي بدافع وطني «أو قومي» غرزي، وشعور وطني محلي، وليس بناء على ~~شعور أهلي «أو قومي» عام. # وكان لتصدي «الحكومات» للمقاومة أهمية مزدوجة بالغة، من حيث إن ذلك قد ساعد ~~أولا على زيادة تركيز السلطة المركزية في «الدولة» وزيادة قوة الدولة، ومن شأن ~~ذلك تطور بناء الدولة، وتقدم تكوينها كوحدة سياسية كاملة، ومن حيث إن هذا ~~التقدم ذاته في تكوين الدولة قد ترتب عليه زيادة الشعور «المحلي» قوة على ~~قوته، بحيث صار يتعذر في حالات معينة أن يتم «إدماج» هذه الدولة المحلية في ~~وحدة سياسية أعلى، وتتضح هذه الحقيقة بشطريها على وجه الخصوص فيما حصل في كل ~~من بفاريا وبروسيا. # فلقد وصلت بفاريا إلى مرتبة «الدولة الحديثة» في عهد السيطرة الفرنسية، ~~وذلك بفضل الإصلاحات التي كان بدأها الوزير البفاري «فون مونتيجلاس # Montgelas ~~» منذ سنة 1800، والتي استمرت ~~ابتداء من سنة 1807، ثم توجت باستصدار دستور سنة 1810، وتلك «إصلاحات» ~~تمت بالتعاون مع فرنسا، وقد تناولت بناء الدولة نفسه، وأدت في الوقت ~~نفسه إلى تقوية هذا البناء ودعمه، فإن بفاريا لم تلبث أن أنشأت عدة مصالح ~~للشئون العامة مثل التعليم والقضاء والبريد، والخدمات والمعونة العامة ~~«والموازين والمكاييل»، مما أوجد «بيروقراطية» أو خدمة حكومية تقوم عليها ~~هذه الخدمات «والمصالح» العامة، وكان ذلك شيئا جديدا في تاريخ بفاريا. # ولقد خلقت هذه البيروقراطية للدولة وحدتها الاقتصادية؛ فعممت الضريبة ~~المباشرة، وقضي على المكوس (الجمارك) الداخلية، وبدئ في عمل «تأريع» لتنظيم ~~الضريبة العقارية «على الأرض»، ولقد أنشئت كذلك أجهزة للحكومة المركزية في شكل ~~وزارات، ومجلس دولة ثم مجلس نيابي - كان بطبيعة الحال صوريا - لأنه لم تكن ~~هناك حكومة برلمانية، ثم إن البلاد لم تلبث أن قسمت إلى «دوائر» أو مناطق ~~إدارية، لكل واحدة منها الإدارات الخاصة بها، إلى جانب مجلس بلدي يخضع للإشراف ~~الإداري الحكومي، ولقد جعل هذا التنظيم الحديث أملاك الملك الخاصة، ~~ومرتبات ms0641 الملك أو مخصصاته، منفصلة عن أملاك وأموال الدولة العامة؛ وبذلك ~~أمكن بناء الدولة الحديثة في بفاريا. # ثم إن الوضع الديني في هذه «المملكة» لم يلبث أن طرأ عليه تغيير ملحوظ عندما ~~تقرر مبدأ التسامح الديني في سنة 1803، وصار إلزاميا الالتحاق بالمدارس التي ~~لا تمييز بين المذاهب فيها في سنة 1805، وحصل البروتستنت على «وضع» لهم في سنة ~~1809، ثم تحولت أموال الأديرة وأملاكها إلى أموال عامة (1802-1803) وحددت ~~الحكومة البفارية علاقتها مع الكنيسة عندما استصدرت في فبراير 1809 «القانون الديني» # 5 # الذي وضع قيودا على سلطات الكنيسة (كنيسة روما) في صالح ~~الحكومة البفارية عند محاولة رسم العلاقات بين الكنيسة والحكومة، مما أدى ~~إلى منع إبرام أي اتفاق (كونكردات) بين هذه الحكومة وبين كنيسة روما؛ لرفض ~~هذه الأخيرة القيود التي وضعت على سلطاتها. # ولقد تم إلى جانب هذا كله قدر من الإصلاح الاجتماعي، وإن لم يكن بنفس ~~التقدم الذي شوهد في الإصلاحات السياسية، حقيقة ألغيت الطبقات صاحبة ~~الامتيازات في سنتي 1807-1808 وألغيت المجالس التي كانت لها، ثم ألغي ~~الرق والواجبات المفروضة على الأفراد بسببه، ولكن البارونات أو الأمراء الذين ~~فقدوا أملاكهم وتبدل «وضعهم» بسبب التغييرات الإقليمية والسياسية التي ~~حصلت # Mediatisation # بقيت لهم امتيازاتهم، ~~كما تأسست لصالح طبقة النبلاء خصوصا بعض الامتيازات، ثم احتفظت هذه الطبقة ~~بحقوق قضائية معينة، من ذلك «تسخير» الفلاحين وتشغيلهم في الأرض دون ~~أجر، ومع ذلك وبالرغم من عدم السير بهذا الإصلاح الاجتماعي إلى نهايته، فقد ~~ترتب عليه عموما اختفاء «النظام القديم»، واختفاء البناء الإقطاعي ليحل ~~محلها تكوين فردية أو ذاتية سياسية جديدة، حديثة وقوية، لا شك في أنها سوف تكون ~~عنصر مقاومة، بفضل العقبات التي سوف تضعها في طريق أي وحدة ألمانية في السنوات ~~المقبلة. # وفي «الدول» المجاورة لبفاريا، مثل «ورتمبرج» و«بادن» حصل في درجات مختلفة ~~وصور متفاوتة نفس ما حصل في بفاريا؛ بحيث صار وجودهما مبعث صعوبات وعراقيل ~~عديدة وخطيرة في طريق الوحدة الألمانية، وهكذا فإنه بعد «الوحدات» أو ~~«الذاتيات» السياسية الضئيلة والبائسة التي شوهدت في ألمانيا سابقا، ms0642 لم تلبث ~~أن وجدت بألمانيا وحدات قوية مستندة على وطنية وقومية قوية، على أن الذي ~~تجدر ملاحظته أن هذه الوحدات القومية كانت وحدات مبعثها الشعور المحلي وحسب، ~~وهو الشعور الذي قوي تحت السيطرة النابليونية أو بسببها، وكان لاستفحال ~~خطر هذا الشعور المحلي الوطني آثار «معطلة» عندما جاء الوقت لإنشاء الوحدة ~~القومية في ألمانيا بعد ذلك. # في بروسيا # ولقد حدثت نفس هذه الظاهرة في بروسيا كذلك، ولكن نتائج هذه «الذاتية» ~~المحلية والشعور الوطني المحلي، كانت أشد خطرا وأعظم جسامة مما حصل في بفاريا ~~أو في غيرها؛ وذلك لأن التحول أو التغيير الداخلي «الشخصي» الذي وقع في ~~بروسيا لم تلبث أن شملت آثاره كل ألمانيا، ليس في هذه الآونة فحسب، بل وفي ~~السنوات المقبلة، وعلى صورة أوسع مما ترتب على بروز «ذاتية» بفاريا، ومن ~~أسباب ذلك أن إعادة تنظيم بروسيا، أثار اهتمام سواد الألمان أكثر مما أحدثته ~~إعادة تنظيم بفاريا، حقيقة خضعت بروسيا آنئذ للإشراف «والسيطرة» الفرنسية، ~~ولكن بروسيا بقيت مع ذلك الدولة الوحيدة «المستقلة» بصورة فعلية في ألمانيا، ~~ولو أنها فقدت حوالي نصف أملاكها، والدولة التي احتفظت بتقاليدها ~~المنبعثة من أمجادها القديمة، والتي كان المسعى لإحيائها وإنهاضها ضروريا ~~لصنع «أداة العمل» التي سوف تكون ضرورية لتخليص ألمانيا من نير السيطرة ~~الفرنسية، ولا جدال في أن العمل من أجل إحياء بروسيا ونهضتها إجراء أو «حركة» ~~موجهة ضد فرنسا، سواء جاء هذا العمل من ناحية فريق من القادة والمسئولين ~~الذين صح عزمهم على تدبير النضال ضد فرنسا، أو كان مبعثه ارتياح بروسيا ~~لهذا التغيير، أي التحرر من السيطرة الفرنسية نتيجة لكل تلك الشدائد التي ظل ~~يعانيها الشعب الألماني بسبب احتلال الجيوش الفرنسية لبلادهم. # ولقد تضافرت هذه الحقائق جميعها على أن تكسب حركة بعث بروسيا ~~وإحيائها اهتماما اتخذ صورة قومية، كما صار لها نفوذ لم يلبث هو الآخر أن صار ~~نفوذا قوميا. # ومع ذلك فقد كانت هذه «الحركة» - إحياء بروسيا ونهضتها - عملا بروسيا ~~محضا، ثم إنه لم يكن نتيجة لحدوث ثورة أو انقلاب، بل ms0643 إن الذي قام به كان ~~البيروقراطية، ثم الجيش. # والحزب الوطني البروسي الذي نشد هذا البعث لم يكن سوى تلك الجماعة القديمة ~~المحبة للحرب كخير وسيلة لتحقيق أغراض الدولة الناشئة، والتي عرفها ~~«البلاط» البروسي من قديم، ولكن بعد أن دخلها «التجديد» ودبت فيها روح ~~الشباب بفضل العناصر «الأجنبية» التي جاءت من مختلف جهات ألمانيا، لمعاونتها ~~على بناء بروسيا في الظروف الصعبة التي كانت تجتازها الدولة وقتئذ، حيث كانت ~~الحكومة البروسية قد لجأت إلى «كونجسبرج» في الظروف التي عرفناها، في حين ~~استمرت الجيوش الفرنسية تحتل بروسيا حتى سنة 1808. # ولقد سبق أن تكلمنا عن إعادة تنظيم الجيش في بروسيا على يد «شارنهورست» ~~وأصله من هانوفر، لجأ إلى بروسيا ليعيش بها، ثم «جنسينار» وهو من سكسونيا، وقد ~~تعاون كلاهما مع الضباط البروسيين في هذا العمل، ومن هؤلاء الأخيرين كان ~~«كلوزويتز # Clauzewitz ~~»، فتناول الإصلاح ~~تطهير القيادة العليا وتنظيمها، مع رئاسة هيئة أركان الحرب، وإنشاء القوات ~~المقاتلة الألمانية في ستة جيوش، وتأسيس مدرسة حربية، ومصلحة للحرب # Kreigsdepartment # كانت بمثابة هيئة أركان ~~الحرب العامة، وإعادة تنظيم قوات المشاة في ضوء الفنون العسكرية الفرنسية (ومن ~~ذلك تجديد المدفعية). # ولعل أهم إجراء في نظر الكثيرين اتخذ كعمل عدائي موجه ضد فرنسا ~~للتخلص من سيطرتها في ألمانيا آنئذ كان اختراع «نظام الاحتياطي» الذي أمكن ~~بفضله أن تستغل هيئة أركان الحرب الألمانية لصالحها القيود التي ~~فرضتها معاهدة فرنسا مع بروسيا بتحديد عدد الجيش البروسي برقم أقصاه ~~(42000)، فقد تقرر لإمكان تجاوز القوات العاملة هذا العدد أن يتدرب ~~الفلاحون الذين لا ينخرطون في سلك الجيش العامل تدريبا عسكريا، وذلك مدة ~~الخدمة العسكرية «أو التجنيد» التي جعلت شهرا من الزمان، يعود هؤلاء بعدها ~~إلى أعمالهم العادية؛ لينالوا تدريبا وتعليما عسكريا آخر على أيدي الضباط ~~الذين يكونون في عطلة أو الجنود القدامى المسرحين، وهؤلاء العسكر الذين ~~يجندون لمدة شهر واحد ليعودوا بعده إلى بيوتهم، حيث يتلقون هناك تعليما ~~حربيا صاروا يسمون «بأحصنة التقوية أو النجدة» # 6 # ويؤلفون قوات «الرديف». # وهكذا استطاعت هيئة أركان الحرب البروسية ms0644 تعليم وتدريب أعداد عظيمة من ~~الفلاحين وإنشاء احتياطي للجيش، يدعون للخدمة العسكرية العاملة عند ~~التعبئة، ثم إن هيئة أركان الحرب لم تلبث أن جددت تأليف هيئة الضباط ~~وإعادة الشباب إليها، بأن أدخلت أفراد الطبقة المتوسطة (البورجوازية) في ~~صفوف الضباط بعد اجتيازهم الاختبارات والتدريبات المخصصة لأولئك الذين يريدون ~~التعليم للالتحاق ضابطا في الجيش البروسي، على أن الذي يجب ذكره أن هذا ~~الجيش قد ظل جيشا بروسيا برغم من أنه قد أعيد نظامه، وصار تجديده حسب ~~نظريات وآراء فرنسية، وتحت تأثير أغراض ونزعات قومية، فبقي الجيش - جيش ~~بروسيا القديم - جيش نبلاء، وليس جيشا شعبيا أو قوميا، وإن كانت هيئات ~~الضباط «القديمة» هذه قد صارت متأثرة بروح «وطنية» جديدة، ويسودها شعور ~~العداء والكراهية ضد فرنسا. # ولقد شمل إحياء بروسيا وإنعاشها - إلى جانب إعادة تنظيم الجيش - إصلاح ~~الحكومة والإدارة، وذلك كان العمل الذي قام به أولا «ستين»، واستمر بعد ذلك - ~~ولو أنه كان قد صار مشوها لدرجة معينة - على يد «هاردنبرج»؛ فقد ألغى النظام ~~الحكومي القديم الذي يرجع إلى عهد فردريك الثاني، والذي كان مجلس وزراء ~~الملك يدير بمقتضاه شئون الحكم والإدارة، واستعيض عنه بتعيين ستة من الوزراء، ~~كما ألغى نظام الوزراء والمجالس القديمة في الأقاليم، وحل «الحكام» أو المديرون ~~محل هؤلاء في الأقاليم، وعندما تسلم «هاردنبرج» زمام السلطة مرة أخرى ~~في سنة 1810 تعين «مستشارا # Chancelier ~~» ~~الأمر الذي ترتب عليه أن صار هو المهيمن على أعمال الوزارة. # وأما فيما يتعلق بالحكومة المحلية؛ فإن «ستين» أدخل إصلاحا في سنة 1808 ~~تناول شئون المجالس البلدية، ولو أن هذه المجالس بقيت دائما تخضع ~~للإشراف والمراقبة من الناحية الإدارية للسلطة المركزية، فصارت تتألف من مجلس ~~منتخب هو الذي يسمى «العميد»، أو رئيس البلدية ومعاونيه، ولم يعد هذا ~~المجلس مؤلفا من النقابات القديمة، بل بواسطة الانتخاب الذي يشترك فيه دافعو ~~الضرائب، وفي سنة 1812 أنشئت في المقاطعات المختلفة هيئات للشرطة المحلية تخضع ~~لإشراف «الدولة»، فكان بفضل هذه الإصلاحات إذن أن أمكن إنشاء سلطة ~~متماسكة وقوية في وسعها إنهاء ms0645 التردد الذي اتسمت به سياسة فردريك وليم ~~الثالث الذي أحاط نفسه بكل تلك المنافسات والخلافات الداخلية، والتي جعلت ~~بروسيا دولة عاجزة وضعيفة، وهكذا لم تعد الدولة مجرد آلة، بل صارت - على حد ~~قول «ستين» نفسه - كائنا حيا. # وأما المظهر الثالث والأخير لحركة إحياء بروسيا وإنعاشها، فكان الإصلاح ~~الاجتماعي، وكان قد حصل التفكير في إجراء إصلاح زراعي يتناول الأرض، كضرورة لا ~~مفر منها نتيجة للأضرار الناجمة من الحرب في بروسيا الشرقية، وبسبب ~~الضرورة التي أوجبت على أصحاب الأرض من السادة أن يعيدوا تجزئة الأرض ~~وإرجاعها مرة أخرى للفلاحين الذين كانوا يستغلونها ويعيشون عليها، ثم أخرجوا ~~منها، فقد كان تقرر في شهر أكتوبر 1807 ليتسنى إعادة تنظيم الأملاك ~~العقارية في بروسيا الشرقية، أن يكون لأصحاب الأملاك الحق في طرد فلاحيهم من ~~الأرض وإدماج الأرض التي يستغلها هؤلاء في أملاكهم، وأن يزول ما كان عليهم من ~~واجب حماية هؤلاء الفلاحين # Bauerschietz ~~، وذلك ~~كله في نظير إلغاء «رق الأرض» وفي نظير تأسيس أنواع جديدة من التملك أو حقوق ~~الملكية للفلاحين، ذلك أنه طلب من أصحاب الأملاك تخصيص قدر من الأراضي ~~التي تعطى للفلاحين التزاما، على أن تكون ذات مساحة مساوية للأراضي التي ~~كانوا يستغلونها سابقا، وذلك إجراء «وسط» كان الغرض منه التوفيق بين حالة ~~ناجمة من إلغاء الرق والنظام الإقطاعي، وبين ما كان لطبقة النبلاء من حقوق ~~مستمدة من هذا النظام الإقطاعي نفسه. # ولقد فرضت في الوقت نفسه ضريبة على الدخل حتى يمكن إعادة تنظيم موارد ~~الدولة، وقد أخذ بهذين الإصلاحين - الإصلاح الخاص بملكية الأرض، والآخر ~~المتعلق بضريبة الدخل - برلمان # Landtag # بروسيا ~~الشرقية، وصدر عن المجلس هذان الإصلاحان لسبب هام، هو أن الحكومة عمدت ~~إلى إفساح المجال بشكل أوسع لتمثيل الطبقة البورجوازية في هذا المجلس، ثم ~~إنها جعلت التصويت بداخله عدديا بدلا من أن يكون طبقيا، نمط الاقتراع ~~السائد بمجالس القرن الثامن عشر، أما الإصلاح الذي حدث في بروسيا الشرقية، ~~فإنه ما لبث حتى امتد إلى المقاطعات الأخرى بفضل استصدار طائفة من ~~«القرارات الإقليمية» ms0646 بين سنتي 1808، 1810 جعلت ممكنا أن يبتاع الفلاحون ~~الواجبات الإقطاعية التي كانت مفروضة عليهم في ظل «النظام القديم» ~~الإقطاعي. # ولقد صار تحرير الفلاحين من الرق في أملاك الخاصة الملكية منذ 1807، وفي سنة ~~1811، أضاف «هاردنبرج» إصلاحا آخر صار بمقتضاه الفلاحون من ملتزمي الأرض ~~ملاكا لها، في حين ألغيت السخرة والالتزامات الإقطاعية، وفي نظير أن ~~يترك الفلاحون للسادة أصحاب الأرض ثلث مساحة أرض الالتزام، وفي بعض الأحايين ~~نصفها، وفي نظير أن يتنازل الفلاحون عن الحقوق التي لهم على الملاك في مقابل ~~أن يضفي هؤلاء الآخرون عليهم «حمايتهم»، ولقد كان من نتائج إلغاء الرق في ~~مقابل تنازل الفلاحين عن جزء من الأراضي التي كانوا يستغلونها بالالتزام؛ ~~أن صار هؤلاء أكثرهم أجراء باليومية. # ولقيت هذه الإصلاحات «الاجتماعية» معارضة شديدة من جانب النبلاء ~~البروسيين؛ حتى إن «ستين» و«هاردنبرج» صارا يريان ضروريا الاعتماد على قوة ~~الرأي العام لإمكان تنفيذها؛ ففكر «ستين» في إصلاح المجالس (البرلمانات) ~~الإقليمية، وفي إنشاء مجلس أو برلمان قومي، «أو وطني» يتألف من طبقات تمثل ~~مختلف العناصر التي يتألف منها المجتمع، ولكن على أن يكون التصويت بهذا المجلس ~~عدديا وليس طبقيا، ولقد قوبل هذا المشروع بمعارضة قوية، فاضطر «ستين» ~~إلى التخلي عنه، أما «هاردنبرج» فقد استطاع في سنة 1811 أن يجمع «مجلس أعيان» ~~لاستشارته في الإصلاحات التي يريدها بالرغم من معارضة النبلاء، ثم إنه جمع في ~~السنة التالية (1812) مجلسا منتخبا روعي فيه تساوي نسبة التمثيل بين ~~المقاطعات، بأن يكون لكل مدينة اثنان من النبلاء، واثنان من النواب، ومثل هذا ~~العدد للدوائر الريفية (خارج المدن)، على أن يكون هؤلاء من الذين يملكون عقارا ~~«أو أرضا»، ومع ذلك فقد كان هذا المجلس محروما من كل سلطة، ولا يجوز القول ~~أنه كان هناك بسببه أي «تمثيل» سياسي في بروسيا. # وهكذا بقيت بروسيا دولة أرستقراطية، كانت طبقة النبلاء صاحبة النفوذ القوي ~~بها، وهي الطبقة التي عارضت معارضة شديدة اتخاذ أي إجراء لإعادة تنظيم ~~الدولة على أساس قومي، باعتبار أنه عمل ثوري، ولشد ما كان ترحيب النبلاء إذن ms0647 ~~عندما طرد «ستين» من الحكم في سبتمبر 1808 بناء على أمر من نابليون، وبذلك ~~نجحت طبقة هؤلاء النبلاء من ملاك الأرض «اليونكر # Junkers ~~» في تعطيل إصلاحات هاردنبرج - في غير شئون المال ~~والاقتصاد - ونالوا في مقاومتهم هذه تعضيد الملك، فكان معنى ذلك أن بروسيا ~~التي أرادت أن تبقى بروسيا وحسب، ودون أن يكون لها شأن بمعالجة الأمور من وجهة ~~نظر قومية ألمانية، قد نجحت في أن تبقى «كما هي»، ولا تنظر للمسائل إلا من وجهة ~~نظر بروسية «محلية» فقط، وكان معنى ذلك أيضا أنه بالرغم من الشعور القوي ~~السائد بالبلاد ضد فرنسا لم تجد بروسيا عائقا يمنعها عند الضرورة من التعاون ~~مع فرنسا سياسيا؛ فبروسيا لم تلبث أن اتجه تفكيرها في سنة 1808 للانضمام ~~إلى «اتحاد الراين» على أمل أن ينفع ذلك في إقناع الفرنسيين بالتعجيل في الجلاء ~~عنها، وكذلك انضمت بروسيا إلى فرنسا في النضال ضد روسيا، وأمدت فرنسا ~~بقوات بروسية للاشتراك في القتال الدائر مع روسيا. # وواضح من دراسة موقف «الحكومة» سواء في بروسيا أو في بفاريا، أن رد الفعل ~~الذي حصل ضد السيطرة الفرنسية كان «فرديا»؛ فلم يكن ثمة تنسيق بين جهود أو ~~موقف هذه الحكومات حيال النفوذ الفرنسي؛ وذلك لسبب واحد هام، هو غلبة الشعور ~~الوطني المحلي، وانعدام الشعور القومي «أو الوطني» الذي يترتب على ~~استثارته توحيد جهود الأمة الألمانية في كفاح وطني عام يهدف إلى إنهاء كل ~~سيطرة أجنبية ليس من بروسيا أو من بفاريا، أو من أية دويلة وإمارة أخرى وحدها، ~~بل من كل ألمانيا بأسرها، حقيقة تأسست - تحت السيطرة الفرنسية وبسبب هذه ~~السيطرة ذاتها، سواء في بفاريا أو بروسيا - وحدات سياسية كانت أكثر قوة ~~وحداثة من سابقاتها، بفضل «الإصلاحات» التي شاهدناها، ولكن تلك لم تكن «تنظيمات ~~قومية». # على أن الذي يجدر ذكره أنه قد حصل كذلك - وفي غير ميدان «الحكومات» - رد ~~فعل ضد السيطرة الفرنسية، من جانب «الأفراد» لم يكن مبعثه هو الآخر أي ~~شعور أكيد بالقومية، فقد أضرت السيطرة الفرنسية والإصلاحات التي ~~صحبتها ms0648 والتغييرات التي حصلت بسببها، بمصالح كثيرة، فكان من الذين ~~أوذيت مصالحهم طبقة الفرسان # Ritterschaft # التابعين مباشرة للإمبراطورية الرومانية «الجرمانية» المقدسة، والذين أخذت ~~منهم أراضيهم بسبب التنظيمات الإقليمية الجديدة، وقضي على حقوق سيادتهم، ثم ~~كان من هؤلاء أيضا النبلاء وأفراد الطبقة المتوسطة «البورجوازي» الذين ~~تحملوا خسارات فادحة بسبب نقص دخولهم نتيجة للتغيير الذي طرأ على قيمة ~~السندات المالية، ثم بسبب إلغاء الحقوق الإقطاعية والالتزامات والحقوق التي ~~كانت للطبقات أو عليها جميعا، وعلاوة على ذلك فقد استغني عن خدمات عدد ~~كبير من الضباط والموظفين، وذلك عند إعادة تنظيم الحكومات والإدارات المختلفة ~~تحت السيطرة أو الإشراف الفرنسي. # واستبد القلق بالشباب الذين تبدد أملهم في ملء الوظائف التي تطلعوا إليها، ~~ثم إن الاحتلال الفرنسي كان عبئا ثقيلا بهظ كاهل الأهلين بسبب النفقات ~~الجسيمة التي تحملها هؤلاء، وبسبب المصادرات التي حصلت، ولقد ترتب ~~على هذا كله أن استبد شعور الكراهية ضد فرنسا بالأهلين، وكان شعورا «وطنيا»، ~~حدث من تلقاء نفسه، أو كان مبعثه تعرض المصالح - التي لمختلف طبقات الأمة - ~~للخطر. # ولقد كان من أسباب استثارة هذه الروح العدائية «الوطنية» ضد فرنسا، وزيادة ~~هياج الخواطر في ألمانيا، ما وقع من حوادث في إسبانيا في غضون عامي 1808، ~~1809؛ فقد هزت المقاومة أو «الثورة» الإسبانية، الشعب الألماني هزا عميقا ~~ليفيق من سباته الطويل، وذلك في الوقت الذي بدأت فيه الحرب ضد النمسا (أبريل ~~1809). # ولقد كنا أشرنا إلى بعض حوادث المقاومة ضد السيطرة الفرنسية، مما وقع في ~~أجزاء من أوروبا النابليونية، مثل الحركات الثورية التي قام بها بعض الضباط ~~البروسيين أو الوستفاليين، أو حركات الدعاية والنشر ضد السيطرة الفرنسية، وكان ~~قد أصدر أحد أصحاب المكتبات، ويدعى «بالم Palm ~~» وهو بفاري، بعض الرسائل والكتيبات ضد الفرنسيين في غضون ~~سنة 1806، ولكن سرعان ما ألقى الفرنسيون القبض عليه وأعدموه رميا بالرصاص، حتى ~~إذا قامت الحرب مع النمسا وتعددت حوادث المقاومة، فحاول أحد الشبان ~~«سباتس # Spats ~~» في شونبرون اغتيال نابليون ~~في 12 أكتوبر 1809 بعد سقوط فينا، وحاول بعض الضباط البروسيين والوستفاليين - ~~كما ذكرنا ms0649 - تحريك الثورة، وقد كنا ذكرنا من هؤلاء الملازم «كاط # Katt ~~»، الذي حاول الاستيلاء على مجدبرج؛ فقبض ~~عليه في «ستندال # Stendal ~~» في 3 أبريل 1809، ثم ~~الكولونيل «دورنبرج» من حرس الملك جيروم في وستفاليا الذي استثار فرقته في 22 ~~أبريل من السنة نفسها، وأمكن التخلص منه بسهولة بجوار «كاسيل # Cassel ~~»، ثم الميجور «شيل # Schill ~~» الذي قام على رأس فرقة من الفرسان (الهوسار) يقصد إلى ~~«كاسيل» في 28 أبريل 1809، فوجد الطريق إليها مقفلا، وانحرف صوب الشمال لينزل ~~في «سترالسوند» حيث حلت به الهزيمة وقتل (31 مايو)، ثم دوق «برنسويك أولز» الذي ~~قاد ألايا من الهسيين في بوهيميا، فاحتل مدينة «ليبزج» مدة من الزمن، واستطاع ~~أن يخترق ألمانيا ليصل إلى شاطئ البلطق في الشمال، تنقله سفينة إنجليزية عند ~~مصب «الوزر # Weser ~~» بالقرب من «بريمين» إلى ~~إنجلترة، ولقد كانت هذه حركات منعزلة بعضها عن بعض، لم تحدث أثرا ما على ~~«الرأي العام» في ألمانيا، ولم تكن لها أية أهمية «قومية» حيث كانت جميعها ~~حركات مقاومة «فردية». # وكنا قد أشرنا كذلك للثورة التي قامت في التيرول على يد الفندقي «أندريا ~~هوفر» الذي حاز بسببها شهرة واسعة، وعلى يد أحد الرهبان الكابوشيين ~~«كاسبينجر # Caspinger ~~»، ولقد كانت هذه ~~الثورة أكبر أهمية من الحركات السابقة؛ فقد حرض «هوفر» و«كاسبينجر» البلاد ~~على الثورة، واتخذ الثوار الجبال معقلا لهم شهور عدة (من أبريل إلى أكتوبر ~~1809)، ثم لم تلبث أن استؤنفت الثورة، ولكن في هذه المرة قبض على «أندريا ~~هوفر» الذي اقتيد إلى ميلان وأعدم بها (في 20 فبراير 1810). # ولقد كانت هذه الحركة التي حدثت في التيرول ثورة قام بها الشعب في ~~مجموعه، وإن كان لا يجوز تسميتها بحركة وطنية ألمانية؛ لأن الثورة التي حصلت ~~كانت موجهة ضد بفاريا التي كان إقليم التيرول قد دخل في حوزتها، فاتبعت ~~بفاريا سياسة تبغي منها تركيز السلطة في يدها، فألغت «البرلمان» أو ~~المجلس التمثلي # Landtag ~~، ومع أن أهل ~~البلاد «التيروليين» كانوا شديدي التمسك بالكاثوليكية، عمدت الحكومة البفارية ~~إلى اتباع سياسة «علمانية» في إدارتها الكنسية أو ms0650 الدينية، فألغت الأديرة ~~ومؤسسات الكنيسة الخيرية، ثم إنه كان من أسباب تحريك الثورة في هذه الجبال؛ ~~انتشار البؤس والضنك والشقاء بسبب سياسة «الحصار القاري»؛ وعلى ذلك فقد كانت ~~هذه الثورة موجهة ضد الاستبدادية المركزية التي أرادت منها بفاريا إدماج هذه ~~الجهات في أملاكها، وليس ضد السيطرة الفرنسية بمعناها الفعلي أو الصحيح، ولقد ~~كان لهذه «الثورة» التيرولية - على كل الأحوال - آثار ملموسة في كل من إيطاليا ~~الشمالية، وحوض الأديج وفي إقليم الرومانا «في إيطاليا». # وثمة حركة «فردية» يمكن اعتبارها من مجموعة الحركات التي ذكرناها، ونعني بذلك ~~تلك الحركة التي قامت بها جمعية «حلف ~~الفضيلة # Tugendbund ~~» السرية التي سبق كذلك أن أشرنا إليها عند الكلام ~~عن الموقف في ألمانيا في خريف 1809، أثناء الحرب والمقاومة في إسبانيا، وقد ~~تأسس «حلف الفضيلة» - وهو من المحافل الماسونية أصلا - في «كونجزبرج»؛ أنشأه ~~ثلاثة رجال، هم: «لهمان»، و«بارديلبين # Bardeleben ~~»، و«بارش # Barsch ~~» ~~إلى جانب «موسكوا # Mosqua ~~» الذي يعتقد ~~كثيرون أن الدور الذي قام به - هذا الأخير - لم يكن بالأهمية التي أعطيت ~~له، أما «غرض» حلف الفضيلة؛ فكان السهر والملاحظة لفضيحة أولئك الألمان الذين ~~لا يكفون عن التعاون مع السلطات الفرنسية، وكان للحلف عدا «كونجزبرج» مراكز ~~في برلين، وسيليزيا، وفي سنة 1809 كان لديه خمس وعشرون «غرفة» - الاسم الذي ~~سميت به المجموعات السرية - تضم إليها حوالي السبعمائة عضو، على أقصى ~~تقدير، أو عددا يتراوح بين الثلاثمائة والأربعمائة فقط في رأي كثيرين، وعرض ~~هذا الحلف خدماته على الملك فردريك وليم الثالث والملكة لويزا، وأمكن إغراؤهما ~~بتأييده، ولكن «الحكومة» وقفت موقفا معاديا من «حلف الفضيلة»؛ فنقمت عليه، ~~وتجنب «ستين» و«شارنهورست» أن يكون لهما علاقة به، وانتهى الأمر بإلغاء «حلف ~~الفضيلة» في غضون سنة 1810. # وواضح من كل ما تقدم أنه وجد فعلا اضطراب أو «تحريك» وطني في ~~ألمانيا، كان بمثابة محاولة للقيام بالثورة، ويتفق حدوث هذه الحركة مع الوقت ~~الذي بدأت فيه الحرب مع النمسا في سنة 1809، وواضح كذلك أن السيطرة الفرنسية ~~كانت مكروهة من الشعب الألماني، آية ذلك كل الحوادث التي ms0651 ذكرناها والتي كان ~~مبعثها «رد الفعل» الذي حصل ضد هذه السيطرة الفرنسية، ومع ذلك فكل تلك إنما ~~كانت حركات لم تترتب عليها أية آثار إيجابية أو أنها أفضت إلى نتائج محدودة، ~~ولم تكن كذلك في حد ذاتها شيئا عظيما، أو حركات قومية إطلاقا، ولا يجب إغفال ~~هذه الحقيقة بالرغم من محاولات المؤرخين الألمان أن يضفوا عليها أهمية كبيرة ~~عند محاولتهم - فيما بعد - «تمجيد» حركتهم القومية، فراحوا يضعون لهذه ~~«الحركات» الفردية والمتناثرة «تفسيرات» قومية. # والمقاومة الوطنية أبسط الأشكال التي يتخذها الشعور القومي عند وصوله إلى ~~درجة من النضج تؤذن بظهوره بعد قليل في وضوح كامل، ومع ذلك فلم يكن هناك ما يدل ~~في هذه الآونة على أن «الشعور القومي» قد نضج بالدرجة التي تؤذن بظهوره ~~فورا، بل كان لا بد لحصول ذلك من مرور فترة أخرى، ولا جدال في أن الحركة ~~الفكرية القومية قد سبقت ظهور «الشعور القومي» بمدة طويلة، ولا جدال في أنه ~~لم يكن هناك أي احتمال لقيام ثورة ما ضد السيطرة الفرنسية بعد صلح فينا (14 ~~أكتوبر 1809) الذي أنهى الحرب مع النمسا، وبعد زواج نابليون من الأرشيدوقة ~~ماريا لويز النمسوية (أبريل 1810)، فاختفى كل أمل في إمكان التخلص من هذه ~~السيطرة الفرنسية، وصار يبدو أن الألمان - في مجموعهم - قد وطدوا العزم على ~~التسليم بأحكام القدر بشكل منعهم من الإتيان بأية حركة، حتى لقد أعلنت ~~ملكة بروسيا نفسها أنه لم يعد لديها أي أمل في شيء. # وفي هذا الوقت الذي تبددت فيه آمال الألمان في الخلاص، كانت تتزايد العوامل ~~التي سببت استياء الشعب الألماني وتذمره من السيطرة الفرنسية وسخطه عليها، من ~~ذلك ارتفاع أثمان المواد الغذائية إلى ثلاثة أمثالها، نتيجة لسياسة «الحصار ~~القاري»، فالقهوة والسكر والكاكاو، وتؤلف جميعها عناصر هامة في غذاء الألمان قد ~~بلغت أثمانها أرقاما خيالية، فكانت مأساة لم يقابلها الشعب بالثورة، بل بقي ~~سادرا في استكانته، يخيم عليه نوع من الخمول وعدم الاكتراث، ومع ذلك فقد ~~ترتب على انهيار بروسيا (1806-1807) وسط هذا «الخمول» وعدم الاكتراث الذي ms0652 ~~خيم على ألمانيا، أن نهض المفكرون وأولو الرأي والمثقفون عموما، يرسمون ~~الخطوط لحركة جديدة باعتبار أن بروسيا كانت بمثابة المعقل الأخير الذي من ~~المحتمل صموده في وجه السيطرة النابليونية، ولا مفر من حدوث كارثة وطنية ~~شاملة نتيجة لانهيارها، إذا اتضح أن هؤلاء المفكرين والمثقفين لم يبادروا ~~باعتبار هذا الانهيار «نقطة تحول» في معنى الوطن والوطنية، لإحياء «الشعور ~~القومي» وبعثه في البلاد. # ولقد كان للفيلسوف «هردر» في أول الأمر الفضل في خلق الحركة الأدبية ~~«الابتداعية» أو الرومانتيكية (الرومانسية)، التي لم تلبث أن صارت في طورها ~~الثاني تولي اهتمامها العظيم لتاريخ البلاد، حتى لقد سطع أعلام كثيرون - ~~إلى جانب رجال الأدب - من المؤرخين واللغويين، ووسع نشاطهم مراكز عديدة في ~~ألمانيا، كانت أهمها - دون شك - مدينة «هيدلبرج # Heidelberg ~~»، حيث اشتهر أديبان هما «برنتانو # Brentano ~~» و«أرنيم # Arnim ~~» واللذان أسسا في سنة 1806 مجلة «بوق الأطفال المدهش»، # 7 # كانت عبارة عن مجموعة من الأغاني الشعبية، واستمرت تظهر حتى سنة ~~1808، وفي هذه السنة الأخيرة أسسا «جريدة الناسك # Einsiedler Zeitung ~~». # ولقد اجتمع حول هذين لفيف من الأدباء، من هؤلاء «لاموت فوكيه # La Motte-Foqué ~~» وهو من أصل فرنسي، هاجرت ~~أسرته إلى ألمانيا بعد إلغاء مرسوم نانت في فرنسا «في القرن السابع عشر»، وإليه ~~يرجع الفضل في إحياء الأساطير الألمانية القديمة، ومن هؤلاء كذلك كان ~~«جوريز # Goerrés ~~» الذي سبق الحديث عنه عند ~~الكلام عن الحركة «السيزرينانية»، والذي ذكرنا أنه تحول ضد فرنسا ~~لتخليها عن المذهب الحر. # وقد انضم «جوريز» إلى هذه الجماعة سنة 1807، وبدأ ينشر بعض القصص المأخوذة من ~~الكتب الشعبية الألمانية، # 8 # ونشأ إلى جانب «هيدلبرج» مركز ثقافي آخر في مدينة «كاسيل»، كان ~~قوامه الأخوان «جريم # Grimm ~~» وهما أمينا مكتبة ~~هذه المدينة، وقد بدأ هذان بأن نشرا مجموعة من الأساطير والقصص الألمانية، # 9 # وفي كولونيا قامت حركة اتجهت بادئ الأمر إلى التنقيب عن أصول ~~المسيحية القديمة، وإحياء العصر الوسيط الديني الألماني خصوصا، وكان الأخوان ~~«بواسيري # Boisserie ~~» متزعمي هذه الحركة، ~~ولكن «هيدلبرج» كانت على ما يبدو أهم هذه المراكز ms0653 الثقافية والأدبية، من حيث ~~إشعال المقاومة ضد السيطرة الفرنسية، فيقول «ستين» في ذلك: إن «هيدلبرج» هي ~~التي أشعلت أساسا تلك النيران التي أدت فيما بعد إلى طرد الفرنسيين ~~من ألمانيا. # ولقد كان من هذه المراكز التي ذكرناها: هيدلبرج، كاسيل، كولونيا، أن امتدت ~~الحركة الأدبية الوطنية التي أشادت بماضي ألمانيا إلى كل مكان فيها، فلا يلبث ~~أن يصدر في درسدن من أعمال سكونيا، مجلة # 10 # لتقوية دعائم الفن والآداب والعلوم الألمانية تحت إشراف ~~«آدم مولر # Müller ~~»، وفي فينا ألقى ~~«أوجست شليجل # Schlegel ~~» صديق مدام دي ~~ستال، سلسلة من المحاضرات في موضوع الأدب الألماني، هاجم فيها الذين يعمدون ~~إلى تقليد الأدب الفرنسي هجوما عنيفا، وحاول تحرير الأدب الألماني من كل ~~نفوذ «غربي». # ثم حذا حذو هؤلاء الأدباء واللغويين ومن إليهم، طائفة كبيرة من الذين ~~كرسوا أنفسهم للتنقيب عن «الوثائق» التي تلقي أضواء على جوانب عديدة من ~~التاريخ الألماني؛ من هؤلاء المؤرخ «رومر # Raumer ~~» الذي تخصص في دراسة عهد أباطرة هوهنشتاوفن، ثم ~~القانوني «سافيني # Savigny ~~» الذي وضع ~~التقاليد والعادات الجرمانية الأصيلة في مواجهة الآراء والقواعد التي تأسس ~~عليها القانون الفرنسي، وكان يرى في هذه العادات الجرمانية القائمة على الحرية ~~«الجرمانية» الغرزية، الأسس التي يجب أن ترتكز عليها المقاومة ~~والمعارضة ضد السلطة المفروضة على البلاد والمستندة على القانون ~~الفرنسي. # وأقام «هاجن # Hagen ~~» و«بوشينج # Büsching ~~» متحفا يضم طرائف الفن والأدب في ~~ألمانيا القديمة، وانتشرت في كل مكان الأناشيد «القومية» الألمانية، وتخصص ~~عدد من الشعراء في نظم الشعر الوطني، مثل «تيودور ~~كورنر # Koerner ~~» الذي سقط في معركة «ليبزج»، يحارب في صفوف الحلفاء ~~ضد جيوش الإمبراطور الفرنسي، ثم «كلايست # Kleist ~~» وكان ضابطا بروسيا ترك الخدمة العسكرية بعد واقعة ~~«يينا # Jena ~~»، وضع عددا من «الدرامات» ~~التي استوحى موضوعاتها من التراث الألماني، وكانت أعظم هذه الدرامات شهرة ~~واحدة بعنوان «معركة أرمينيوس»، تدور وقائعها حول ثورة حركها «أرمينيوس» ~~ضد الرومان، وكانت الإشارة في هذه الدراما واضحة إلى احتمال حدوث ثورة ضد ~~السيطرة الفرنسية وضد نابليون. # و«كلايست» كان صاحب دراما أخرى ms0654 بعنوان «أمير همبورج»، مثلت سنة 1821، أي ~~بعد وفاته بسنوات عديدة، (وكان قد مات منتحرا في سنة 1811)، وتعتبر هذه ~~المسرحية وسابقتها أروع ما أنتجه هذا المؤلف المسرحي الألماني ، ولقد ~~كانت الفكرة المسيطرة على هذه «الدرامات» أو التمثيليات مستوحاة من شعور ~~الكراهية العميقة للأجنبي، ثم شعور التحقير والازدراء بالأمراء الألمان ~~«المتعاونين» مع الإمبراطور والسيطرة الفرنسية، كما أن هذه المسرحيات كانت ~~تحث الألمان على ضرورة التكتل، وتدعو لترويض النفس على النظام الدقيق من ~~أجل خلاص ألمانيا وتحريرها من النفوذ الأجنبي «الفرنسي». # ولقد تميز من بين هؤلاء الشعراء الوطنيين - وكان أبرزهم أثرا الآن في ~~ميدان العمل - «آرندت # Arndt ~~»، وقد عرفنا ~~عنه أنه كان أصلا أستاذا للتاريخ بجامعة «جريفزوالد # Greifswald ~~»، ثم رحل منها قاصدا إلى السويد وقت ~~الاحتلال الفرنسي، فبقي بالسويد بعض الوقت حتى غادرها إلى روسيا سنة 1812 ~~لينضم إلى «ستين» الذي كان آنئذ يقيم بها. # وكان «آرندت» من الذين يعتقدون بأن البلدان جميعها وطن لكل إنسان، شأنه في ~~ذلك شأن سائر «المتنورين» والمثقفين الألمان في عصره، فنشر في سنة 1802 ~~مؤلفا بعنوان «ألمانيا (جرمانيا) وأوروبا»، # 11 # استوحى فكرته من كتابات «فيتشه» وفلسفته الداعية لانتماء المواطن ~~لكل بلدان العالم، ولكن لم يلبث أن تحول «آرندت» عن هذه «المواطنية العالمية» ~~على أثر الشدائد والأهوال التي ذاقها الشعب الألماني تحت السيطرة الفرنسية، ~~فاستبدت به الكراهية للفرنسيين ولشخص الإمبراطور، ولم يلبث أن عبر عن هذه ~~الكراهية الشديدة لهم في مؤلف يختلف تماما عن سابقه بعنوان «روح العصر»، # 12 # ظهر في سنة 1807، وأشاد «آرندت» في هذا الكتاب بما أسماه المائة ~~سنة العظمى في تاريخ ألمانيا، وذلك كان القرن السادس عشر، ثم تناول الأسباب ~~التي أدت إلى انحدار ألمانيا بعد هذا القرن وإلى ضعفها، فوصل إلى أن ~~مبعث ذلك كان الضعف الذي لحق بالخلق الألماني ذاته من جهة، ثم فعل ~~الكتاب والفلاسفة الألمان الذين قيدوا أنفسهم بالآراء والأساليب الأجنبية ~~وتأثروا بها، والذين وصفوا أنفسهم بأنهم مواطنون عالميون، أي ينتمون في ~~وطنيتهم إلى جميع بلدان العالم، وعرف عنهم تعلقهم بالبشرية ms0655 أو ~~الإنسانية. # وقد ترك هذا النوع من «التفكير» آثارا سيئة ورديئة في نظر «آرندت» الذي ~~يقول: «إنه بدون شعوب لا وجود لأية إنسانية، وليس هناك شعوب من غير مواطنين ~~أحرار، ولا وجود لعظماء الرجال بدون شعوب عظيمة، ولا وجود لشعوب عظيمة من غير ~~وطنية»، ولقد حمل «آرندت» على بروسيا؛ لأنها أخفقت في تأدية الرسالة ~~التي جعلها القدر من نصيبها، فكان من رأيه أن فردريك الثاني - وإن كان ملك ~~بروسيا - إلا أنه لم يكن قط ملكا ألمانيا، فلم يهتم بسعادة ألمانيا، ~~ولم يبذل جهدا لتحقيق هذه السعادة ولرعاية المصلحة الألمانية، بل إن فردريك ~~الثاني كان يسترشد في أعماله «وإصلاحاته» بالآراء والأساليب الفرنسية، أي إنه ~~كان يستوحي نشاطه من «الخارج». # وهاجم «آرندت» الأمراء الألمان الذين أسماهم «بالخدم والأتباع»، والذين باعوا ~~أنفسهم لسلطان الأجنبي، فكانوا في نظره «مجرمين» - على نحو ما وصفهم في ~~خطاب وجه فيه الكلام إليهم - لم يفكروا في ألمانيا لأنهم يجهلونها، ولم ~~يضعوا كل ثقتهم في مستقبلها لأنهم لا يعرفونها، ثم راح يحملهم وزر ~~اختفاء شعور الألمان بأن هناك روابط تجمعهم في صعيد واحد، أهمها اللغة ~~الواحدة والأصل المشترك، حتى بات لا وجود لألمانيا؛ نتيجة لفعل الأمراء ~~الألمان أنفسهم، وبسبب الأخطاء التي ارتكبوها هم وحدهم. # وفي روسيا، كتب «آرندت» قصائده الملآنة بالإشادة بالوطنية الألمانية والتي ~~صار يدعو فيها مواطنيه للثورة، ونالت بعض قصائده شهرة عظيمة، من ذلك قصيدته ~~عن نهر الراين الذي هو نهر وليس حدودا لألمانيا، وأثناء حملة 1813 أصدر سلسلة ~~من القصائد لم تلبث أن جمعت بعنوان: «أغاني الحرب». # وواضح أن هذا النوع «من الوطنية» الذي ظهر في تفكير وكتابات وقصائد ~~وأغاني: آرندت، كلايست، هاجن، بوشينج، كرونر وغيرهم، لم يكن «فرديا»، ~~«خصوصيا» أو «محليا» من نمط تلك «الوطنية» التي حركت أهل التيرول ~~على الثورة ضد بفاريا، ولكن هذه كانت وطنية ألمانية تشمل آفاقها كل ~~ألمانيا، وعلى النحو الذي ظهر خصوصا في قصائد «آرندت». # ولقد كان «فيشته» - الذي تحدثنا عنه كثيرا - خير من يمثل بكتاباته ~~وآرائه هذا التحول الذي ms0656 طرأ على الفكر الألماني من الاتجاه نحو «المواطنية ~~العالمية» والنظرة الإنسانية الواسعة إلى تحبيذ الوطنية «والقومية» الألمانية ~~البحتة، بسبب الكوارث التي نجمت من اندحار بروسيا في واقعة «يينا» في 14 أكتوبر ~~1806، وكان أثناء الحرب أن أراد «فيشته» الانخراط في سلك الجندية لا كمقاتل؛ ~~لأنه لا يستطيع ذلك، ولكن كواعظ يبذل قصارى جهده لتقوية أخلاق الجند وشد أزرهم، ~~ولم يلبث «فيشته» أن تبع البلاط الذي انتقل بعد كارثة «يينا» إلى ~~«كونجزبرج»، ثم أقام بعض الوقت لاجئا في «كوبنهاجن» بعد ذلك، ولكنه آثر ~~العودة بكل سرعة إلى برلين، بالرغم من وجود الاحتلال الفرنسي بها، معرضا نفسه ~~للأخطار، غير أن السلطات الفرنسية لم تتعرض له بشيء. # وكان في شتاء 1807-1808 أن بدأ «فيشته» دروسه المشهورة التي جمعت بعنوان: ~~«محاضرات للأمة الألمانية»، # 13 # يعني الأمة الألمانية، وليس للبروسيين، ذلك بأن فكرة وحدة ~~ألمانيا هي التي استلهم منها هذه الدروس، وكانت مسيطرة على محاضراته، ~~فقال في محاضرته الأولى: «إنما أخاطب الألمان عموما، كل الألمان ودون ~~استثناء، فإني لم أعد أعرف شيئا عن تلك الانقسامات التي جزأت الألمان، وكانت ~~سيئة الأثر عليهم، والتي أدت إلى نزول الكوارث بنا، وإني أخاطب الغائبين ~~الذين لا يحضرون هذه المحاضرات، مثلما أوجه خطابي إلى المستمعين لهذه ~~الدروس، وأرجو - صادقا - أن يصل صوتي إلى أقصى الحدود الألمانية»، على أن ~~«فيشته» لم يشأ - بالرغم من ذلك - التخلي عن بعض آرائه الفلسفية القديمة، تلك ~~الآراء الكانطية بشأن الإرادة والواجب الحتمي. # ولقد وجه «فيشته» الدعوة لكل طبقات الشعب بشدة وحرارة؛ ليؤدي هؤلاء ~~واجبهم الذي يفرض عليهم مقاومة الغزاة الذين احتلوا بلادهم، وعقد ~~«فيشته» آمالا كبيرة على الشباب في القيام بأوفى نصيب من المقاومة المنتظرة، ~~«فكل فرد مسئول أمام الأجيال القادمة عن الجهد الذي يبذله من أجل تحرير ألمانيا ~~وضمان خلاصها وأمنها»، فلا يجب أن تعتمد ألمانيا في خلاصها على أية مساعدة ~~خارجية، بل يجب أن تضع ألمانيا كل ثقتها من أجل النجاح في الإرادة الحقة ~~والواجب المطلق، اللذين يفرضان عليها فرض المقاومة والنضال للتحرر ms0657 من كل ~~سيطرة أجنبية، وقال «فيشته»: «إن ألمانيا باعتمادها على هذه «الوطنية» وحدها، ~~سوف تنال - من غير شك - خلاصها.» # وفي رأي «فيشته» أن إصلاح التربية والتعليم شرط أساسي لإعادة خلق أو ~~صنع الروح الألمانية من جديد، وتلك فكرة أوحت بها إليه تعاليم «كانط»، ~~فنادى «فيشته» بوجوب وضع تربية وطنية «قومية» تستند عليها الثقافة الألمانية ~~المراد إعادة خلقها أو صنعها، وكان من ضروب الإصلاح التربوي الذي أراده ~~«فيشته» أن يعزل الأبناء عن آبائهم؛ حتى لا يتلوث جيل الشباب المقبل ~~بالرذائل القديمة التي سببت هلاك ألمانيا، فيعهد إلى الدولة بهؤلاء ~~الأبناء لتعمل على تنشئتهم في نوع من المدارس الداخلية بعيدين عن ~~أسرهم، فيتساوى الأطفال جميعهم في تلقي العلم، ويعيشون في منازل ~~التعليم داخل «عالم مغلق» يتكفل بإنتاج كل ما يحتاج إليه هؤلاء الأطفال من ~~أغذية وملابس وأدوات ضرورية، حتى إذا زاد الإنتاج على حاجة هذه «المنازل ~~التعليمية»، بيع الفائض ودخل الثمن خزينة هذه المؤسسات للإنفاق على الطلاب ~~«الداخلية». # وكان غرض «فيشته» من هذا النظام أن يعيش الطلاب في مجتمعات صغيرة، معزولين عن ~~المجتمع الألماني؛ وذلك حتى تتسنى تنشئتهم بروح جديدة غير تلك الروح الملوثة ~~القديمة والتي كان نصيبها الفشل، أما هذا النظام التربوي الذي أراده «فيشته» ~~فقد مزج - وعلى نحو ما هو ظاهر - بين التربية العقلية والأخرى اليدوية، أي ~~ذلك النوع من التربية الذي ساد التفكير حوله في القرن الثامن عشر، ومع أن ~~هذا الإصلاح التربوي والتعليمي كان ينطوي على ترتيبات غير عملية، أو «وهمية»؛ ~~فقد اعتقد «فيشته» أنه الوسيلة الوحيدة لإمكان حدوث بعث خلقي ونهضة أخلاقية، ~~كانا في نظر «فيشته» شرطا أساسيا لإحياء ألمانيا ذاتها ونهضتها، وعقد ~~«فيشته» الآمال الكبار على أجيال الشباب المسلحين بالخلق القويم لإنعاش ~~ألمانيا. # ولم يكن ما نادى به «فيشته» في هذا الميدان إلا مستلهما من آراء وفلسفة ~~«كانط»، ولكن الجديد في تفكير «فيشته» أنه صار يؤمن بفكرة «القومية» كما نادى ~~بها «هردر»، فاتخذت «القومية» مكانة عالية في تفكير «فيشته» وبدت في ~~صفائها ونقائها فكرة «الإنسانية»، ورأى ms0658 «فيشته» في اللغة الألمانية دليلا ~~يبرهن على علو مكانة «القومية» وتفوقها على «الإنسانية»؛ فاللغة ~~الألمانية - في نظره - اللغة الأصيلة الوحيدة والتي احتفظت بصفائها البدائي، ~~ونقاوتها الأصيلة، على عكس اللغات الأخرى التي ليست في نظره بدائية «أو ~~فطرية » بل مشتقة من اللغة اللاتينية، مثل الطليانية والإسبانية والفرنسية، ~~وعلى عكس اللغات التي هي مزيج من عناصر مختلفة مثل الإنجليزية، وتلك جميعها ~~لغات دخلت الصنعة في خلقها ففقدت حيويتها، فمالت إلى التقليد، بخلاف ~~اللغة الفطرية والأصيلة التي يتكلمها الألمان، والتي كان من طبيعتها المحافظة ~~على طابعها الأصيل، أما هذا النقاء والصفاء الذي امتازت به اللغة الألمانية فقد ~~عده «فيشته» البرهان الناصع والدليل الحي على رفعة قدر «القومية ~~الألمانية» وعلو مكانتها، وتفوقها على غيرها من القوميات. # ولدى «فيشته» كان الشعب الألماني شعبا بدائيا فطريا، مثل لغته البدائية ~~الفطرية، تسنى له - أكثر من غيره من الشعوب الأخرى - الاحتفاظ بتلك ~~الجرثومة التي وضعها الله في خلقه لإنجاب أفضل الرجال وأعظمهم سموا ~~وكمالا، ولقد ترتب على هذه الحقيقة - في نظر «فيشته» - أن صار الأدب ~~الألماني والثقافة الألمانية بمثابة «الرسالة» التي عهد بها الإله إلى الشعب ~~الألماني لهداية وتنوير الإنسانية «أو البشرية»، وفي دروسه ومحاضراته تتبع ~~«فيشته» الدور العظيم والمجيد الذي لعبته ألمانيا على مسرح التاريخ، ~~وخصوصا في عهد الإصلاح الديني الذي كان «عملا أو نتاجا» ألمانيا يتعارض في ~~رأيه مع ما أسماه بالأكاذيب التي قبلتها الشعوب اللاتينية، والرومانية، من ~~جراء الفساد الذي انتشر على يد «الكنيسة» في عالم المسيحية. # ولقد خرج «فيشته» من كل هذا بفكرة واضحة؛ هي أن ألمانيا صاحبة رسالة لا يجب ~~على المرء أن يتركها تزول وتموت؛ لأنها رسالة تريد النفع والخير لألمانيا ~~وللإنسانية قاطبة؛ فألمانيا هي التي سوف ترسم للعالم الطريق وترشده إلى ~~السير فيه للتوفيق بين «الإنسانية» أي الرغبة في تحقيق النفع للبشر، وبين ~~«الحركة التعقلية» التي تزن الأمور بميزان العقل، وتفسرها في ضوء الأحكام ~~العقلية، وكان في رأي «فيشته» أن هذا التوفيق سوف يترتب عليه الوصول إلى حل ~~لمشكلة «الدولة المدنية»، ms0659 ذلك أن الحركة التعقلية الفرنسية والفكر الفرنسي، ~~إنما قد انتهيا فقط إلى تقرير الفكر الحر الذي لا قيود عليه، وإلى الكفر بالله ~~والإلحاد، وإلى قيام الثورة الفرنسية. # ذلك كان موجز الآراء والنظريات التي نادى بها «فيشته» في دروسه ومحاضراته ~~الموجهة إلى الأمة الألمانية، وواضح أن موقفه الآن قد صار يختلف - بل ~~يتعارض - تماما مع موقفه قبل الكارثة التي حلت ببروسيا؛ فهو الآن يؤكد أن ~~الألماني الذي يتشبث بألمانيته بكل ما وسعه من قوة، هو الذي في وسعه بفضل ~~هذه «الألمانية» ذاتها أن يخدم «الإنسانية»، في حين أن أنصار «المواطنية ~~العالمية» الذين رددوا سابقا وجوب انتماء المرء لكل الأوطان أو البلدان، كانوا ~~يرون أن بهذه الصفة العالمية وحدها يكون المرء في الوقت نفسه وأكثر من أي وقت ~~مضى ألمانيا، و«فيشته» قد استطاع الآن - بجعله الحضارة (الثقافة) والأمة ~~والدولة كلا واحدا - أن يصل إلى فكرة القومية الكاملة. # ولقد كان لدروس ومحاضرات «فيشته» هذه آثار على جانب عظيم من الأهمية في ~~بروسيا وفي كل ألمانيا الشمالية؛ فقد بثت في نفوس الألمان الإيمان بأن ~~لهم حقوقا «قومية»، وهيأتهم لاحتمالات المستقبل، وتحمس الشباب - على وجه ~~الخصوص - لآراء هذا الفيلسوف الذي بشر بالقومية، ولقد ظهر في الوقت الذي ~~نشط فيه «فيشته»، أحد رعاة الكنيسة البروتستنت في برلين، «شلير ماخر # Schleiermacher ~~»، شرع منذ 1808 ينشر دعوة ~~مشابهة لدعوة «فيشته»، وغزت الآراء التي نادى بها كلاهما المحافل الماسونية ~~والجمعيات السرية خصوصا. # على أن الذي يجدر ذكره أن الآراء التي نادى بها «فيشته» وغيره من ~~المفكرين كانت لها آثار مستديمة، أو على الأقل بقيت آثارها زمنا طويلا؛ ~~فقد صار «فيشته» أحد أنبياء القومية الألمانية، وفي الصورة التي اتخذتها هذه ~~القومية، أي الدعوة للألمانية «أو الجرمانية»، أما الوطن الألماني فلم تكن له ~~حدود أو نهاية في اعتبار «فيشته»، كما أنه في اعتبار «آرندت» كل مكان يدق ~~فيه ناقوس اللغة الألمانية، وتلك الآراء التي شهدنا إذن مولدها في ~~(1808-1809) كانت لذلك نقطة التحول في «مثالية» سوف تنتشر خلال القرن التاسع ~~عشر ms0660 حتى تعم كل ألمانيا، وإن كانت قد وجدت لها الآن مركزا تنبثق منه ~~وجهازا يعاونها على الانتشار، ونعني بذلك إنشاء جامعة برلين. # فمن المعروف أن أساتذة الجامعات في ألمانيا خلال القرن الثامن عشر، وفي بداية ~~القرن التاسع عشر - إن لم يكن في السنوات التالية كذلك - كانوا يحتلون في تقدير ~~الشعب الألماني مكانة كبيرة، ولقد لعبت الجامعات الألمانية في كل العصور ~~والأوقات دورا كبيرا في تطور الفكر الألماني، كما كان لها نفس الأثر في ~~الحياة السياسية في ألمانيا، ولقد كان قادة الفكر الألمان جميعهم تقريبا ممن ~~تخرجوا في الجامعات أو قاموا بالتدريس بها، وانبعثت من الجامعات كل الحركات ~~الفكرية، والآراء والمذاهب التي تأثر بها الألمانيون عموما، ولعل أقرب مثال ~~لذلك انتشار اللوثرية على يد مارتن لوثر، الذي كان أستاذا جامعيا، ولقد أدرك ~~هذه الحقيقة تماما الحكام من آل هوهنزلرن؛ فاقترنت كل خطوة من خطوات إنشاء ~~الدولة البروسية بإنشاء جامعة جديدة، فوجدت في الأصل جامعة «كونجزبرج»، ثم لم ~~يلبث أن تبعها إنشاء غيرها، فأسس الهوهنزلرن جامعة في «هال # Halle ~~» عندما ارتفعت بروسيا إلى مرتبة ~~مملكة. # ولقد حدث أن فقدت بروسيا في اتفاق تلست (يوليو 1807) بين القيصر ~~إسكندر والإمبراطور نابليون نصف مساحتها تقريبا، فكان رأي ملكها «فردريك وليم ~~الثالث»: «أن الدولة يجب عليها الاستعاضة عن القوة المادية التي فقدتها ~~بالقوة الذهنية»، وكان قد كتب «شلير ماخر» قبل ذلك من «هال» في أول ديسمبر 1806 ~~يصف التأثير الذي في استطاعة أستاذ الجامعة أن يحدثه في عقول (أو أذهان) ~~تلاميذه، بأنه قد صار الآن أعظم مما كان في أي وقت مضى، ويؤكد اعتقاده بأن ~~ألمانيا التي وصفها بأنها «قلب أوروبا» سوف تصبح قريبا ذات قوة جديدة ~~وكبيرة، ثم لم يلبث أن انتقل إلى برلين ليبدأ سلسلة «عظاته» في الوقت الذي جذب ~~إليه هذا المركز الثقافي الجديد كل المثقفين في البلاد. # وهكذا تضافر الغرضان: السياسي والفكري أو الثقافي؛ ليجعلا ممكنا إنشاء ~~جامعة برلين، على أساس إدخال الإصلاح الأخلاقي والفكري أو الثقافي الذي كان ~~يعد ضروريا لبعث ms0661 ألمانيا وإنعاشها وإنهاضها، فقال «شلير ماخر»: «سوف تصبح ~~برلين مركز النشاط الثقافي «والذهني» في ألمانيا الشمالية والبروتستنتية ~~والأرض الصلدة المهيأة لتأدية الرسالة التي اختصت بها وحدها الدولة ~~البروسية»، ومعنى ذلك أن إنشاء هذه الجامعة «في برلين» لم يكن من أجل تنفيذ ~~برنامج ذهني وثقافي فحسب، بل كان لتحقيق غرض سياسي كذلك. # وكان ببرلين وقتئذ عدد من المدارس الخاصة، ولكن لم يكن بها جامعات، في حين أن ~~مدينة «هال» والتي وجدت بها جامعتها العظيمة كانت قد فقدتها بروسيا ضمن ~~الأملاك التي خسرتها بمقتضى معاهدة «تلست»، وفي براندنبرج لم يعد هناك ~~غير المدارس الخاصة، ثم جامعة «فرانكفورت على نهر الأودر»، وهذه كانت جامعة ~~صغيرة لا تكفي بحال من الأحوال لتأدية الرسالة المطلوبة، وعلى ذلك فبمجرد ~~انفصال «هال» عن براندنبرج بادر أساتذة الجامعة بها بإرسال وفد إلى الملك ~~«فردريك وليم الثالث» المقيم وقتئذ في «ممل # Memel ~~»؛ يرجونه نقل جامعتهم من «هال» إلى برلين، وخشي ~~الملك إذا هو فعل ذلك أن يثير عليه غضب الإمبراطور الفرنسي؛ لأن نابليون ~~ما كان يرضى - بلا شك - أن تنتقل جامعة «هال» إلى ذلك الجزء من بروسيا الذي بقي ~~على حاله، فرأى الملك «فردريك وليم الثالث» أن من الخير إنشاء جامعة جديدة، ~~بدلا من الاكتفاء بنقل الطلاب وهيئة التدريس إلى برلين. # وصادف مشروع تأسيس الجامعة الجديدة صعوبات معينة، مبعثها ما كانت تعانيه ~~الدولة من ضائقة مالية بعد هزيمتها وانهيارها تجعل متعذرا إنفاق المال في ~~إنشاء جهاز لم تكن هناك في الظاهر حاجة ملحة لإنشائه، وثمة صعوبة أخرى ~~«أخلاقية» مبعثها التخوف من معارضة جامعة فرانكفورت التي لم تكن تريد وجود ~~منافس جديد لها، ثم معارضة مجلس بلدية برلين الذي خشي من وجود الطلاب ~~الجامعيين في المدينة وتعريض «البرلينيات» - كما قال هذا المجلس - لما من شأنه ~~إضعاف أو إفساد أخلاقهن بسبب ذلك، أضف إلى هذا صعوبة إنشاء المراكز الكبيرة ~~في هيئة التدريس بدرجة تكفي لإغراء الأساتذة وجذبهم للجامعة الجديدة، ولقد ~~أمكن التغلب على كل هذه الصعوبات شيئا فشيئا، وبرزت فكرتان بشأن ms0662 الجامعة ~~المزمعة، فأراد «فيشته» أن تكون هذه بمثابة «دير علماني»، في حين نادى «شلير ~~ماخر» بوجوب أن تكون جامعة برلين جامعة عادية من نمط سائر الجامعات ~~المعروفة. # أما منشئ هذه الجامعة؛ فكان العالم اللغوي والأثري «وليم همبولدت» الذي ~~ذكرناه مرارا، والذي تولى في سنة 1809 وزارة المعارف في بروسيا، وقد احتفظ ~~«همبولدت» من صفة «المواطنية العالمية» باتساع الأفق، واحترام الاستقلال ~~الذهني، وإن كان هو الآخر قد تخلى عن هذه «المواطنية العالمية» وصار يعتنق ~~الفكرة الوطنية، ويفسر الرغبة في إنشاء جامعة برلين قول «همبولدت»: «إنه لم يعد ~~هناك ملجأ أو حمى للعلوم والفنون الألمانية، في وقت خضعت فيه ألمانيا ~~لسلطان سيد أجنبي، ولسيطرة لغة أجنبية؛ ولذلك فقد صار واجبا افتتاح مركز ~~للعلوم الألمانية وتوجيه الدعوة للعمل به إلى كل أولئك الرجال من أصحاب المواهب ~~والكفايات الذين لا يعرفون ملجأ يلجئون إليه.» # وحصل «همبولدت» من الدولة على كل المعاونة اللازمة؛ فأعد قصر الأمير ~~هنري، شقيق فردريك كمقر لها، وذلك كان أحد قصور برلين الهامة، ثم أعطيت ~~الجامعة منحة مالية كبيرة، وأنشئت للأساتذة «وظائف» كافية، أي خصصت لهم ~~المرتبات التي تكفي لجذبهم إلى الجامعة الجديدة، وعني «همبولدت» أعظم عناية ~~باختيار الأساتذة الذين اشتهروا بولائهم لبروسيا، وكان من بين هؤلاء - وكما هو ~~منتظر - «فيشته» الذي شغل بضعة شهور منصب مدير الجامعة، و«شلير ماخر»، ~~كما وفد إليها طائفة من الأعلام المشهورين من مختلف أنحاء ألمانيا، نذكر منهم: ~~«ميفيلاند # Miefeland ~~» في الطب، ~~و«رايل # Reil ~~» في التشريح، و«سافيني # Savigny ~~» في القانون، ثم العالم اللغوي ~~والفيلسوف «وولف # Wolfe ~~»، وافتتحت الجامعة ~~في شهر أكتوبر من سنة 1810، وعدد تلاميذها (256)، وهو رقم لم يحصل تجاوزه ~~قبل 1814-1815، بل لم يلبث أن نقص هذا العدد في صيف 1813، وفي شتاء 1813-1814؛ ~~فبلغ ثلاثة وعشرين، وتسعة وعشرن فقط؛ بسبب انخراط الطلاب في سلك الجندية ~~جماعات ووحدانا. # وفي ضوء الأرقام التي ذكرناها قد لا يجوز اعتبار جامعة برلين في هذه ~~السنوات الأولى «مركزا» ثقافيا، ولكنها كانت «بداية» أكثر من أنها ~~«نتيجة». # ولا جدال في أن ms0663 جامعة برلين كانت - على كل الأحوال - مركزا ثقافيا، ~~ومستقرا للمشاعر الوطنية الملتهبة، وأحد العناصر الهامة في التجديد والإنعاش ~~الروحي، والنهضة الأخلاقية التي عاونت على تقويم ألمانيا وتثقفيها. # ولم يكن البحث عن فكرة جديدة «للقومية الألمانية» من نصيب المفكرين ورجال ~~الأدب والفلاسفة وحدهم، بل ساهم في ذلك أيضا طائفة من الرجال الذين كان ~~العمل «والتنفيذ» ميدانهم، ومن هؤلاء «ستين» الذي سبق ذكره كثيرا والذي ~~التف حوله كل الذين أرادوا «العمل» والنضال القومي من أجل تحرير ألمانيا، ~~وكان «ستين» الذي ولد سنة 1757 من «بارونات الإمبراطورية» وتقع أرضه في ~~حوض «اللاهن # Lahn ~~»، ولقد انتزعت منه هذه ~~في التغييرات الإقليمية التي حصلت في سنة 1804، وضمت إلى «نساو»، ~~ففقد «ستين» بسبب هذا الحادث كل صلة قد تربطه بدولة معينة في ألمانيا، أي إن ~~«ستين» صار يدين بالتبعية لألمانيا ذاتها، وليس لواحدة من الدول التي وجدت ~~بها. # ولقد كان لهذا «الأصل» الذي انحدر منه «ستين» أكبر الأثر في احتفاظه بكل ~~تلك التقاليد الرجعية التي لطبقة فرسان الإمبراطورية الرومانية «الجرمانية» ~~المقدسة، فهو لم يفعل شيئا لتحسين أحوال فلاحيه، وهو يحتقر الفلاسفة ~~والكهنوتيين على السواء، أولئك الذين أيدوا الاستبدادية المستنيرة، وهو ~~بطبيعة الحال ولسبب أقوى يحتقر كذلك «المواطنية العالمية»، ويرعبه أشد ~~الرعب كل تلك الآراء «الاجتماعية» التي جاءت بها الثورة الفرنسية، واشتد ~~مقته وعظمت كراهيته لها. # ولقد كان «ستين» من ناحية أخرى ورعا تقيا، تلقى ثقافته الروحية ~~وتكوينه الخلقي بجامعة «كوتنجن # Coettingen ~~»، ~~وعشق دراسة التاريخ، حتى إنه لم يلبث منذ انسحابه من الحياة السياسية بعد ذلك ~~أن شرع في سنة 1815 في إعداد مجموعة من الوثائق الخاصة بتاريخ ألمانيا؛ # 14 # وعلى ذلك فقد اجتمعت في «ستين» كل عناصر التقاليد الصحيحة ~~الألمانية. # وقد التحق «ستين» بخدمة بروسيا كمهندس أولا، ثم كإداري، ثم عين ~~وزيرا للدولة في سنة 1804، ولم يكن «ستين» ممن يهتمون بتفاصيل الإدارة التي ~~تركها لمرءوسيه، في حين اهتم هو بالمسائل الرئيسية، وحاول «ستين» بعد ~~كارثة «يينا» إزالة مساوئ الإدارة وإصلاح الجهاز الحكومي؛ فقدم في ذلك ~~مذكرات ms0664 عديدة إلى الملك فردريك وليم الثالث، يطلب فيها إصلاحا كاملا ينهي ~~ذلك النظام الإداري الذي كانت تسير عليه الدولة من أيام فردريك الثاني، والذي ~~ساعد على انهيار الدولة عند أول كارثة نزلت بها، والذي ثبت فشله. # وفي نهاية شهر مارس 1807 انسحب «ستين» إلى نساو، التي لم يلبث أن بعث منها ~~«بمذكرة نساو» المشهورة إلى الملك يعرض فيها برنامجا لإصلاح الدولة على أن ~~يستند هذا الإصلاح على ما أسماه «ستين» بالروح العام الذي تمثله الهيئات ~~الإقليمية، وكان هذا البرنامج منشأ الإصلاحات التي أجراها «ستين» في بروسيا؛ ~~فقد دعاه الملك للوزارة بعد تنحية «هاردنبرج» في آخر شهر سبتمبر من سنة 1807، ~~وظل «ستين» في كرسي الوزارة حوالي ثلاثة عشر شهرا، وكان أهم عمل قام به؛ ~~استصدار مرسوم تحرير الرقيق الذي كان قد أعده قبل وصوله للوزارة، ثم ~~إصلاح مجالس البلدية «في نوفمبر 1808»، ثم الإصلاح الإداري «الذي نفذ في ~~ديسمبر»، ولقد ترك «ستين» الوزارة في 24 نوفمبر (سبتمبر) 1808 - كما عرفنا - ~~بناء على رغبة نابليون بدعوى اكتشاف السلطات الفرنسية أن «ستين» كان مشتركا في ~~تدبير عصيان أو ثورة تنشب في سيليزيا، وأنه كان يريد أن يجعل بروسيا تتدخل إلى ~~جانب النمسا في الحرب التي أعلنت ضد فرنسا. # ولعل أهم ما قام به «ستين» أثناء وزارته، أن نفخ روحا جديدة في هيكل الإدارة ~~والحكومة البروسية؛ فقضى على البيروقراطية الموروثة من زمن فردريك الثاني، وسهر ~~على تنفيذ الإصلاحات التي أدخلها حتى تتم بكل سرعة، وبصورة تجعل ممكنا ~~المضي فيها بدونه، وعندما نفاه نابليون خارج «الإمبراطورية»؛ لجأ «ستين» إلى ~~النمسا حيث أخذ يؤيد إصلاحات الوزير النمسوي «ستاديون # Stadion ~~» الذي هيأ النمسا لتصبح قادرة على الانتقام من ~~فرنسا، واستقر المقام «بستين» أولا في قرية «برون # Brünn ~~»، ثم في مدية «براج»، وأخذ يدبر الخطط ~~والمشروعات لإشعال الثورة في ألمانيا ضد السيطرة الفرنسية، وبقي متصلا بالوزير ~~«هاردنبرج» وبالوطنيين البروسيين. # ولقد غادر «ستين» براج عندما ساءت العلاقة نهائيا بين القيصر إسكندر ~~ونابليون، وفي شهر مايو 1812 استقر به المقام قريبا ms0665 من القيصر في سان بطرسبرج، ~~فلم يعد إلى ألمانيا إلا بعد أن حلت الكارثة بجيش نابليون الأعظم في روسيا، ~~وانتقاض العسكر البروسي بقيادة الجنرال يورك # Yorck # على الجيوش الفرنسية، فرجع إلى «كونجزبرج» في يناير ~~1813. # على أن الذي تجدر ملاحظته أن «ستين» برغم أنه خصص أكثر نشاطه السياسي ~~لخدمة ملك بروسيا، لم يكن «بروسيا» في تفكيره وتدبيره، بل كان «ألمانيا» في ~~نظرته للأمور وتقديره لها، وتلك كانت ميزة «أصيلة» تميزه من «هاردنبرج» - ~~الذي كان أصلا من هانوفر - ومن الوطنيين البروسيين مثل «شارنهورست» وكل ~~المصلحين العسكريين في بروسيا. # وعندما احتج «ستين» على فقد أملاكه في «لاهن» لم يكن مبعث هذا الاحتجاج ~~حرصه على مصلحته الشخصية، أو نزعة أنانية، ولكن لأن هذه التغييرات الإقليمية ~~والسياسية المترتبة على «القرار النهائي ~~للإمبراطورية # Recès d’Empire ~~» كانت إجراء لا يمكن - على حد قوله - أن تفيد ~~منه ألمانيا في تحقيق استقلالها، ولضمان الاستقرار بها، وهكذا كان استقلال ~~ألمانيا واستقرارها - وتلك وجهة نظر «ألمانية» ولا شك - وليس المحافظة على ~~مصالح خاصة وفردية الغرض الذي صار يعمل لتحقيقه، والهدف الذي استرشد به في كل ~~أعماله. # بل إن «ستين» كان يرى وجوب أن تكون هذه التغييرات الإقليمية «والسياسية» على ~~نطاق أوسع بكثير مما حدث؛ حتى لا يبقى في ألمانيا بأسرها سوى دولتين اثنتين ~~فقط، هما بروسيا والنمسا، فهو عدو لكل الدويلات الصغيرة والوسطى، ويقسو قسوة ~~بالغة على كل أولئك الأمراء «الجبناء» الذين حاولوا بطريق التقرب إلى الحكومة ~~الفرنسية، زيادة مساحة أراضيهم وإماراتهم، فقد أقض مضجعه أن التغييرات ~~الإقليمية والسياسية والتي طلب من طائفة من الأمراء التضحية ببعض ما ~~يمتلكون بسببها لم تكن لصالح ألمانيا، أو لتحقيق غرض نبيل وعظيم، يعود ~~بالنفع على الأمة بأسرها. # وإذا كان «ستين» في السنوات التالية، أراد إصلاح حكومة بروسيا، فقد كان غرضه ~~من ذلك أن يجعل بروسيا على درجة كافية من القوة تهيئها لاستناف النضال ضد ~~فرنسا؛ فهو يكتب في مذكرة بعث بها إلى «ستاديون»: # إن الواجب يقتضي الآن تذكير كل ألماني بواجبه نحو الوطن المشترك، ms0666 ~~ودعوته لتأدية هذا الواجب بأن يبدأ النضال ضد أعداء البشرية، وأعداء ~~ألمانيا. # ولقد جاء في مذكرة أخرى له في مارس 1810، أن الحاجة قد باتت ملحة لإعادة ~~صنع وتنشئة الشعب الألماني؛ لاعتقاده أن تربية الشعب الألماني شرط أساسي ~~لتقويمه، حيث إن القوة الروحية «والخلقية» قمينة بأن تجعله يتغلب في النهاية ~~على القوة الجثمانية، والتي تمثلها في نظره السيطرة الأجنبية ~~«الفرنسية». # وفي مذكرة قدمها للقيصر في سبتمبر 1812، أوضح «ستين» الفكرة التي ~~استند عليها في الحالة التي يجب أن تسود ألمانيا بعد الانتصار المنتظر على ~~نابليون، فقال: # إن من الواجب قبل كل شيء الامتناع عن إعادة الأحوال القديمة إلى ما ~~كانت عليه سابقا، ذلك أن «الوضع» الذي نشأ نتيجة لمعاهدات وسيفاليا ~~(1648) كان يدعو للحزن والأسى حقا، بالرغم من أنه لم يكن في صالح ~~ألمانيا ولا في صالح أوروبا أن تكون ألمانيا «مشلولة» الحركة ولا حول ~~لها ولا طول؛ بسبب الترتيبات الإقليمية والسياسية التي أوجدتها ~~هذه المعاهدات، وبقيت آثارها «المشئومة» ما يزيد على قرن من ~~الزمان. # أما الحل الذي ارتآه «ستين» فكان وحدة ألمانيا في دولة واحدة ذات نظام ملكي، ~~وذات سلطة عليا واحدة يخضع الجميع لها، على أن تبقى لكل الأحرار حقوقهم المدنية ~~والسياسية، فإذا تعذر إنشاء هذه الوحدة، وكان لا معدى عن وجود بروسيا ~~والنمسا تتمتع كل منهما بذاتيتها المنفصلة، ولا مفرد من وجود عدد من الدويلات ~~إلى جانبهما، فلا أقل من أن يكون عدد هذه الدويلات قليلا، وأن يتألف من ~~تلك التي في الشمال اتحاد كونفدرائي حول بروسيا، ومن تلك التي في الجنوب اتحاد ~~كونفدرائي آخر حول النمسا، وبذلك سوف يمتنع على هذه الدويلات أن تحيا حياة ~~مستقلة، وأن تتبع سياسة خاصة بها، فلا تدخل في مفاوضات مباشرة، أو تبرم ~~معاهدات ما مع الدول الأجنبية. # ومع ذلك وبالرغم من أن «ستين» كان «ألمانيا في أغراضه وسياسته»؛ فقد ~~تعرض للوم الكثيرين من الذين عدوه «بروسيا»، وأخذوا عليه أنه إنما كان ~~يعمل لصالح بروسيا فحسب، واتهموه بأنه يسيئ استخدام نفوذه في ألمانيا لنصرة ms0667 ~~المصالح البروسية، ولقد أجاب «ستين» على هذه المآخذ والاتهامات التي وجهت ~~إليه في رسالة بعث بها في 20 نوفمبر 1812 إلى السياسي الهانوفري الكونت ~~فون مونستر # Munster ~~، يؤكد فيها أنه إنما ~~يعمل دائما لما فيه صالح ألمانيا بأسرها، وليس لصالح بروسيا، قائلا: إنه لا ~~وطن له غير وطن واحد اسمه ألمانيا، وإنه يخلص لهذا الوطن إخلاصا كاملا ومن كل ~~قلبه؛ فهو لا يقيم وزنا في هذه اللحظات الخطيرة للأسر الحاكمة إلا من حيث ~~إنها وسائل وأدوات «للحكم» فحسب، ولا يريد إلا أن تصبح ألمانيا بلدا عظيما ~~وقويا، وأن تسترجع استقلالها وحرياتها وذاتيتها القومية (أي شعورها بهذه ~~القومية)، وأن تصبح قادرة على الدفاع عن ذلك كله بالرغم من موضعها بين فرنسا ~~وروسيا، وتحقيق هذه الرغبة إنما هو في صالح الأمة وأوروبا معا ... ثم إنه يريد ~~الوحدة، وأما إذا كانت الوحدة مستحيلة، فلا أقل من حصول انتقال يفضي إلى ~~هذه الوحدة. # وفي وسع الذين يلومونه على «بروسيته» أن يضعوا أية دولة أخرى يشاءونها في ~~مكان بروسيا إذا أرادوا ذلك، وأن يحصنوا النمسا ويزيدوا من قوتها ~~بإعطائها سيليزيا، وبادن، وبراندنبرج، وألمانيا الشمالية، مع استبعاد الأمراء ~~الذين في المنفى، وأن يعودوا ببفاريا وورتمبرج وبادن إلى الوضع الذي كان لها ~~قبل سنة 1802، وبالاختصار في وسعهم أن يجعلوا النمسا صاحبة السلطة والقوة ~~والنفوذ الأعلى في ألمانيا، فإنه لن يتردد في الموافقة على ذلك إذا اتضح أنه ~~إجراء طيب ويمكن تنفيذه عمليا، ولكن يجب على الألمان «والحكومات ~~الألمانية» أن تضع حدا لخلافاتها ومنازعاتها التي تشبه - كما قال «ستين» ~~- خصومات أسرتي «مونتاجيو» و«كابوليه» في مسرحية «شيكسبير» الخالدة «روميو ~~وجولييت». # وفي سنة 1813 سوف لا يكون «ستين» مدفوعا في نشاطه بأي اعتبار لمصالح ~~الحكومة البروسية، على أن الذي تجدر ملاحظته أن «ستين» لم يكن يفكر في ~~ألمانيا، والذي كان هدفه رعاية مصالحهم من غير النمسا، ففي فكره اشتملت ~~ألمانيا دائما على النمسا؛ لأنه إنما كان يسعى لبناء «ألمانيا العظمى». # وهكذا صار «ستين» يمثل فكرة الوحدة القومية الألمانية في معناها ms0668 الأعلى، وفي ~~أكبر درجات الشعور بها، ولا جدال في أن «ستين» كان يتقدم معاصريه كثيرا في ~~تفكيره هذا، ويتقدم بقدر كبير جدا في هذا التفكير على الحكومات ~~الألمانية التي استرشدت بمصالحها الخاصة الإقليمية، سواء في الجنوب أو في ~~الغرب، وسرها أن ترى بروسيا وقد تقوضت عروشها «في الحرب التي شنها ~~عليها نابليون»، ووجدت في التعاون مع فرنسا ما يخدم مصالحها، ولقد ~~تقدم ستين في تفكيره كذلك على «الرأي العام» الألماني الذي ظل لا يعبأ ~~بفكرة القومية. # على أن «ستين» كان متقدما في هذه الناحية كذلك على جماعة الوطنيين البروسيين ~~الذين شاركوه شعور الكراهية ضد نابليون، ولكنهم كانوا أنفسهم «بروسيين» ~~وليسوا «ألمانيين»، فقد تبعه «كلوزويتز» و«بوين # Boyen ~~» إلى روسيا، وأما «جنسناو» صاحب اليد الطولى في إحياء ~~جيش بروسيا، فكان مثل «ستين» «ألمانيا» لا يأبه بالبروسية، وبقي لذلك بمعزل ~~عن سائر زملائه، واستطاع «جنسناو» الإفلات إلى إنجلترة في مهمة خاصة، وقدم ~~للوصي على العرش # 15 # في شهر أغسطس 1812 مذكرة يطلب فيها إنزال جنود من الإنجليز ~~على الشواطئ الألمانية؛ ليعاونوا في إنشاء إمبراطورية ألمانية عظيمة في الغرب ~~والشمال، وفيما عدا الذين تبعوا «ستين» إلى روسيا، وفيما عدا «جنسناو» نفسه، ~~بقي الآخرون في أماكنهم يواصلون عملهم لتأدية رسالتهم؛ فحاولوا تحريك ~~الثورة في سيليزيا، كما فعل أحدهم «جرونر # Grüner ~~»، أو ظلوا يتربصون الحوادث، حتى سنحت الفرصة بعد ~~هزيمة نابليون في حملة روسيا (1812). # وفي أثناء هذا كله كانت «الحكومة البروسية» ذاتها تقوم بدور مزدوج، فيسلم ~~«هاردنبرج» الوطنيين إلى البوليس النمسوي، ويتحالف مع نابليون بالاتفاق مع ~~«مترنخ» في حملة روسيا، في حين أنه استمر خفية ينشئ الصلات المتينة مع ~~الوطنيين، ولقد فصم هذا الفريق من الوطنيين كل علاقة له بفرنسا، عندما ~~حلت الكارثة بنابليون في روسيا، ولم يعد هناك أي مجال للشك في أن قوة ~~«الجيش الأعظم» قد تحطمت نهائيا، فكان عندئذ فقط أن حاول هؤلاء وضع قوة ~~بروسيا الجديدة تحت تصرف أولئك الذين صح عزمهم على الانتقام من نابليون ~~وإنهاء السيطرة الفرنسية. # في إيطاليا # وقد ms0669 لا تكون إيطاليا ميدانا بارز المعالم، له خصائصه المميزة له على ~~نحو ما حدث في ألمانيا، ولكن الفكرة القومية كانت قد بدأت تظهر كذلك في ~~إيطاليا، ولم تلبث أن سجلتها حوادث شتى بسبب المقاومة ضد السيطرة ~~الفرنسية، فكانت هناك حركات «فكرية» واتجاهات في الرأي، ثم حركات عملية، أو ~~ثورية ضد هذه السيطرة النابليونية، وإن كان من المتعذر وصف هذه «الحركات» ~~بأنها كانت «قومية» فعلا وحقيقة، من هذه الثورة التي قامت في «كلابريا # Calabria ~~»، ثم امتدت إلى أن وسعت مملكة ~~نابولي كلها، فقد كانت هذه ثورة أو عصيانا حرضت عليه الملكة «ماري ~~كارولين» ملكة نابولي، ضد «جوزيف بونابرت» والسيطرة الفرنسية، وأيدت ~~قوة إنجليزية نزلت في يوليو 1807 هذه الثورة. # وضمت الثورة إليها عناصر متعددة؛ فكان رؤساؤها من النبلاء، مثل ~~«روديو # Rodio ~~»، ومن اللصوص وقطاع الطرق، ~~مثل: «فراديافولو # Fra Diavolo ~~»، ومن القساوسة ~~ورجال الدين، ومن الفلاحين، إلى جانب المهربين، وكل الخارجين على القانون ~~من رجال عصابات «المافيا # Maffia ~~» في جبال ~~الجنوب، والذين اشتركوا في النضال والثورة كوسيلة لتماديهم في أعمال السلب ~~والنهب في الحقيقة، ثم كان من بين الثوار كذلك كل أولئك المتذمرين الذين ~~أرهقتهم «المصادرات» المتعددة والإتاوات الكثيرة المفروضة عليهم، إلى ~~جانب قسوة «النظام» الجديد، وإصرار «الحكومة» على جمع الأسلحة منهم، ولقد ~~كانت الفوضى «التقليدية» في نابولي هي التي أرادت أن تتخذ من «الحركة الوطنية» ~~ستارا لاستمرارها وبقائها، ومع ذلك فقد تألفت الجمعيات السرية لمتابعة ~~المقاومة ضد السيطرة الفرنسية، انفردت واحدة منها على وجه الخصوص بأن صار لها ~~شأن كبير في المستقبل، ونعني بذلك جمعية «الكاربوناري # Carbonaria ~~». # ويبدو أن أصل هذه الجماعة كان جمعية سرية من «أبناء العم الفحامين الطيبين» # 16 # في مقاطعة «فرانش كومتيه»، ويبدو أنه كان أثناء حكومة «يواكيم ~~مورا» في نابولي أن صار «الكاربوناري» يدينون بفكرة وحدة إيطاليا. # ولقد كان بسبب الإيمان بفكرة الوحدة الإيطالية أن صار للكاربوناري وللجمعيات ~~السرية الأخرى - التي دانت هي أيضا بهذه الفكرة - شأن كعنصر نشاط من عناصر ~~المستقبل التي قام على أكتافها العمل ms0670 من أجل تحرير إيطاليا، في المحاولات التي ~~حصلت بين سنتي 1815-1848. # على أن الذي يجدر ذكره أن «مورا» من جهة أخرى قد بذل قصارى جهده ~~لإرضاء «الشعور المحلي» والرغبات المحلية، أي الاستجابة لمطالب «شعبه»، ~~فأراد أن يسلك في علاقاته مع الإمبراطور الفرنسي مسلكا مستقلا، ولا ينبئ عن ~~خضوع حكومته خضوعا كليا للسيطرة النابليونية، فقال: «لا يكون المرء ملكا ~~ليطيع أوامر غيره!» ولتنفيذ هذا التحرر من نفوذ نابليون إذن، طفق «مورا» ~~يجمع حوله طائفة من الطليان الذين عرف عنهم - بصورة من الصور - عداؤهم ~~لنابليون، ومن هؤلاء وزيره «جالو # Gallo ~~»، ~~ورئيس شرطته «ماجنيلا # Magnella ~~»، والذي كان ~~متصلا بالجمعيات السرية، ويبدو أنه يدين بفكرة توحيد إيطاليا تحت سلطان ~~«مورا» نفسه. # وواضح أن أنواع المقاومة التي ذكرناها ضد السيطرة الفرنسية لم تكن حركات ~~«قومية» صحيحة، ولم تكن كذلك من الحركات القومية الصحيحة، كل أنواع المقاومة ~~التي قامت ضد السيطرة الفرنسية، على أيدي حكومات البربون التي أفقدها نابليون ~~عروشها، ولجأت إلى صقلية أو إلى سردينيا، أو تلك التي قام بها الموظفون ورجال ~~الدين في خدمة البابوية، ضد السيطرة الفرنسية، عندما أعلن نابليون (في 17 مايو ~~1809) ضم الأملاك البابوية إلى الإمبراطورية. # على أن السيطرة الفرنسية من ناحية أخرى قد أحدثت تغييرا وتحولا عميقا ~~في الأحوال الاجتماعية والسياسية السائدة في شبه الجزيرة الإيطالية، وبدرجة ~~يمكن اعتباره بها عملا ممهدا لإنشاء الوحدة الإيطالية، ومع أن نابليون ~~اتبع في «سياسته» الإيطالية خططا متعارضة ومتناقضة، وعلى نحو ما فعل ~~في ألمانيا، فالشيء الواضح إجمالا أن النظام المبني على الإقطاع قد ألغي، ~~كما ألغي حق القضاء الخاص الذي تمتع به الملاك أصحاب الأراضي، ~~وجعل من اختصاص الخدمة العامة أو القضاء العام، وخضع النبلاء لقانون ~~مشترك عام في كل ما يتعلق بأراضيهم وأشخاصهم، وألغيت العشور التي كانت ~~تدفع لرجال الدين، كما ألغيت الواجبات أو الالتزامات الشخصية التي على ~~الأفراد نحو الملاك والسادة، وأمكن - إلى جانب هذا كله - ملاحظة بداية ~~إصلاح زراعي في أماكن متعددة من إيطاليا. # ثم تناول الإصلاح الإداري - في النواحي ms0671 الخاضعة لهيمنة السلطات الفرنسية ~~- تبسيط الإجراءات الإدارية وإلغاء عدد عظيم من «الوظائف» الإدارية التي ~~كانت عبئا ثقيلا ضج الأهلون منه، مثل الوظائف الشرفية التي يتناول ~~شاغلوها أجورا عالية دون عمل يؤدونه، وكان عدد الوظائف عظيما، ثم ~~الوظائف التي كانت تباع وتشترى، ثم عمدت السلطات الفرنسية في الجانب ~~الآخر إلى تنظيم المصالح والإدارات، لا سيما تلك المتعلقة بالحسابات العامة، ~~وشكلت في كل مكان تقريبا هيئات نظامية من الموظفين الذين يخضعون ~~لأساليب وقواعد العمل الفرنسية. # ولقد كان للسيطرة الفرنسية في إيطاليا آثار ظاهرة فيما حدث من تنظيم ~~للحياة القومية بها في نواح متعددة، من ذلك تشكيل جماعة الموظفين الذين ~~استخدمتهم السلطات الفرنسية من بين أهل الطبقة المتوسطة (البورجوازية)، ~~والذين تعاونوا مع السيطرة الفرنسية، فقد كانت تضم هؤلاء المحافل الماسونية ~~إليها، وهي التي أعيد تنظيمها فصارت تسمى «بالماسونية الملكية والإيطالية»، # 17 # والتي نشأت أصلا في إيطاليا الشمالية، ثم كان هناك الجيش الذي ~~امتص عددا كبيرا من السكان، بسبب اتساع نطاق التجنيد حتى شمل كل أنحاء ~~إيطاليا تقريبا، وذلك عندما بلغ عدد الذين هلكوا من الطليان في جيوش ~~نابليون ستين ألفا. # ولقد وصل عدد الجيش في «مملكة إيطاليا» أي في إيطاليا الشمالية سنة 1810 ~~حوالي تسعة وأربعين ألفا، وفي سنة 1811 بلغ الرقم واحدا وتسعين ألفا، ~~ومعنى ذلك أنه لم يكن هناك مفر من اتصال الأهلين - سكان البلاد الطليان - ~~بالجيوش النابليونية المعسكرة في أقاليمهم، وكان معنى ذلك أيضا أن هذه ~~الجيوش النابليونية - التي اعتمدت في إيطاليا على تجنيد الطليان لملء ~~صفوفها - كانت تتألف من حشود من أصول مختلفة، صارت مجتمعة في مكان واحد، وفي ~~«منظمة» واحدة - هي الجيش - لأول مرة، فصار ممكنا حينئذ - وللمرة الأولى كذلك ~~- أن يحصل الاتصال والامتزاج بين النابوليتان والسردينيين، والجنوبيين، بأهل ~~الميلانيز والشماليين عموما، ولقد كان ذلك أول امتزاج حدث من ~~نوعه. # وأما الضباط الذين استخدمهم نابليون في جيشه؛ فقد صار اختيارهم - بقدر ~~المستطاع - من بين النبلاء، ومن بين أفراد الطبقة المتوسطة (البورجوازية)، وثمة ~~عامل آخر «لتوحيد» الطليان في نطاق ms0672 الخضوع للسيطرة الفرنسية، نشأ من سياسة ~~«الحصار القاري» التي أوجبت إنشاء نوع من الاقتصاد الموحد في إيطاليا، ~~بمعنى التزام الطليان في أنحاء شبه الجزيرة باتباع نظام معين في علاقاتهم ~~الاقتصادية مع بعضهم بعضا، ومع البلدان الأجنبية. # وهكذا، فإن نابليون دون أن يخلق «قومية إيطالية» - وذلك ما كان يتعذر ~~عليه فعله، وما لم يفعله إطلاقا - قد أوجد السيطرة الفرنسية التي ~~جعلت ممكنا تعرف العناصر الإيطالية المختلفة والتي عاشت أجيالا طويلة ~~مشتتة على بعضها بعضا وبدرجة طيبة، ثم جعلت ممكنا قيام العمل ~~المشترك بين هذه العناصر المختلفة، بإتاحة الفرصة لها لفعل ذلك، ولا جدال في ~~أن هذا التعارف، ثم الاشتراك في العمل، كانا كلاهما ضروريين للتمهيد ~~لبناء «قومية» إيطالية في المستقبل. # على أنه - إلى جانب هذا كله - لا يجب إغفال ما كان للحياة الذهنية والثقافية ~~والخلقية في إيطاليا من آثار هامة وعميقة في صنع الشعور القومي وإحياء الروح ~~القومية في هذه البلاد، وعلى غرار ما حدث في ألمانيا؛ فقد شهدت إيطاليا ~~في هذه الفترة نهاية عصر الأدب الكلاسيكي، وقبل أن تخرج إلى عالم الوجود ~~الحركة الابتداعية (الرومانتيكية)، فوجد من الكتاب من كانوا لا يزالون ~~يكتبون باللهجات المحلية، ويستلهمون موضوعات كتابتهم من العناصر المحلية، ~~والحياة الشعبية، ولكن هؤلاء كانوا الأخيرين من طرازهم، نذكر منهم الكاتب ~~المحلي «ميلي # Meli ~~» وهو سيشلياني من بالرمو ~~(1740-1815)، وزميله «كارلوبورتا # Carlo Porta ~~» ~~وهو من ميلان (1777-1821)، وأما أكثرية الكتاب فكانوا من الملتحقين بخدمة ~~الفرنسيين كموظفين في الإدارات المختلفة، أو ينالون من حكومة الإمبراطور ~~الفرنسي الإعانات والمرتبات. # ولقد كان فريق من هؤلاء الكتاب أساتذة بالجامعات الإيطالية في بافيا وميلان ~~وفلورنسة، وفريق آخر كانوا أعضاء في الهيئات التشريعية في «المملكة» الإيطالية، ~~مثل «بوتا # Botta ~~»، ولقد كان هؤلاء جميعا ~~يدينون بالآراء الديمقراطية التي أخذوها عن الفرنسيين، ويكتبون في تمجيد ~~«الثورة الفرنسية» ويكيلون المدح لشخص نابليون. # ومع ذلك فقد كانت جهود وآثار هؤلاء الكتاب أثناء «العهد الإمبراطوري» في ~~إيطاليا جهودا «قومية» في معان متعددة، ذلك أن جمال الأسلوب والموضوع الذي ~~سبب ازدهار ms0673 هذا النوع من الأدب، لم يلبث أن جعله جزءا من التراث ~~الإيطالي، وضمن نجاحا باقيا لهؤلاء الكتاب، حتى بعد أن انتهى هذا الشكل ~~الفني الذي تميزت به كتاباتهم، أضف إلى هذا أن كثيرين من هؤلاء الكتاب دأبوا ~~على تمجيد الوطن، وأشادوا بفكرة الوطنية ومحبة البلاد، بالرغم من أنهم كانوا من ~~أصول محلية، يعنون بالمحليات، والتحقوا بخدمة الفرنسيين، فكان ممن نالوا شهرة ~~ذائعة في هذا العصر «أوجوفوسكولو # Ugo Foscolo ~~» ~~(1778-1827) الذي أصدر في سنة 1802 «رسائل جاكوبو أورتيز الأخيرة» # 18 # يصور فيها الآلام التي انتابت بندقيا بسبب اختفاء وطنه ~~(البندقية)، ثم لفشله في الحب، حتى إنه عمد لإنهاء آلامه بالانتحار، ونال ~~«فوسكولو» شهرة عريضة بفضل قصائده التي ظهرت إحداها سنة 1807 بعنوان: «القبور»، # 19 # يشيد فيها بذكر الأرض التي صارت مقدسة لوجود قبور العظماء بها، وهم ~~الذين يقودون المجتمعات البشرية ويرشدونها للأعمال العظيمة، والقبور التي صارت ~~لذلك تربط الحكومات بالأرض التي نبت فيها الإنسان. # وهناك كاتب آخر نال شهرة مساوية؛ هو «فنسنتو مونتي # Vincento Monti ~~» الذي كان معاصرا «لفوسكولو» لمولده في سنة ~~1754، وكان صاحب نتاج ضخم من القصائد التي تغيرت موضوعاتها حسب الظروف ~~والمناسبات وتحت تأثير الأحداث السياسية؛ فهو يكتب قصيدة في سنة 1793 بمناسبة ~~وفاة القائم بالأعمال الفرنسي «بازفيل # Basville ~~» الذي قتل في رومة، وهو ينشد قصيدة أخرى لتحية أحد ~~الشعراء وعلماء الرياضة «ماشيروني # Mascheroni ~~»، وحتى يحتفل «مونتي» بهذا الشاعر الرياضي نظم ~~أغنيات وأناشيد وطنية تحدث فيها عن أمجاد إيطاليا ممثلة في شخصيات ~~عظماء رجالها من أقدم الأزمنة. # ثم إن «مونتي» لم يلبث أن صار «الشاعر الرسمي» للإمبراطور؛ فنظم القصائد في ~~مديح نابليون، حتى إذا بدأ نجم الإمبراطور في الأفول جذبت عروض النمسا ~~المغرية هذا الشاعر بعد سنة 1814 للتخلي عن المذهب الحر الذي كان قد اعتنقه، ~~وصار يسبح بحمد هذه الدولة الأوتوقراطية؛ وهكذا لم تكن أحاسيسه السياسية ~~صادرة عن مبدأ واحد ثبت عليه صاحبه، ومع ذلك فقد كان «مونتي» في كل مراحل ~~تطوره لا يفتأ يبحث عن العناصر التي ms0674 تتألف منها عظمة إيطاليا وعظمة الوطن ~~وصالحه؛ ليصوغ كل هذه المعاني في قصائده. # ولقد كان هذا الأدب كذلك أدبا قوميا، بمعنى أنه حقق الغاية من ذلك ~~المجهود الذي بذل من زمن طويل لتطوير اللغة، حتى صنع هذا الأدب من ~~الإيطالية ما يصح تسميته بلغة قومية؛ فقد اتفق الكتاب جميعا - على ~~اختلاف منابتهم وبيئاتهم واتجاهاتهم - على ضرورة دراسة الإيطالية، وضرورة تنقية ~~هذه اللغة وتقديسها، فعل ذلك حتى أولئك الذين كانوا منهم في خدمة الفرنسيين أو ~~التفوا حولهم، مثل «مونتي» و«سيزارولي # Cesaroli ~~» أو أولئك الذين احتفظوا باستقلالهم الكامل، مثل ~~«فوسكولو»، أو «جوشو # Guoco ~~»، وهذا الأخير كان ~~يدين بالآراء التي نادى بها «هردر» في ألمانيا عن تقديس اللغة «الأهلية» ~~والأساطير الشعبية الأصيلة، واعتبارها أساسات يرتكز عليها بناء الأمة، وأخيرا ~~أولئك الذين عرفوا بعدائهم للسيطرة الفرنسية، مثل «نيكوليني # Niccolini ~~». # وقد استطاع هؤلاء جميعا، وعن طريق بحوثهم في نقد الأدب، ودراساتهم في قواعد ~~اللغة، وبفضل نتاجهم الأدبي العالي الذي صار مثلا يحتذيه الأدباء ~~الناشئون وغيرهم؛ نقول: استطاع هؤلاء جميعا تنقية اللغة، وإحداث نهضة لغوية ~~«إيطالية» أو «وطنية» عظيمة في إيطاليا، ولقد كانت اللغة الإيطالية السائدة هي ~~«اللسان» التسكاني، حيث كانت «التسكانية» اللغة الرسمية الإيطالية منذ أمد ~~طويل، فعمد هؤلاء الآن إلى تطهير هذه «اللغة» من كل شائبة وإعادتها إلى نقاوتها ~~الأولى. # ولقد كان من أسباب نجاح جهودهم؛ التشجيع الذي نالوه من نابليون نفسه، حتى ~~ظفروا بتحقيق شيء مما أرادوه في هذا السبيل في سنة 1809 عندما تقرر أن تكون ~~الإيطالية هي اللغة المستخدمة في المحاكم، حتى في الأراضي التي ضمت «من ~~إيطاليا» إلى فرنسا، وفي سنة 1812 وافق نابليون على إعادة تشكيل «أكاديمية ~~العلوم» في فلورنسة، فكان هذا النشاط الأدبي واللغوي مبعث شعور جديد لدى ~~الطليان بالفخر والكبرياء، يضاف إلى شعورهم القديم بأمجادهم الغابرة، كما لا ~~يجب إغفال نهضتهم المعاصرة في الفنون الأدبية والموسيقى. # وواضح مما تقدم إذن، أن الفكرة القومية في إيطاليا بقيت في هذا العهد ~~ضمن إطار الأقوال وحسب، تلقى تعبيرا عنها في ms0675 نوع الأدب الجديد، والإحياء ~~اللغوي «الأدبي» ولم تدخل بتاتا إلى ميدان العمل السياسي، فلا تزال معدودة ~~لذلك «إضافة» تزيد من قيمة ومقدار التراث الأدبي والفني الإيطالي فقط، في ~~وقت لم يكن منتظرا فيه - بسبب ما حصل من تعاون مع الفرنسيين - أن تبرز ~~إلى عالم الوجود «فكرة قومية» أو شعور قومي صحيح في إيطاليا، وإن كانت كل ~~العوامل التي ذكرناها قد مهدت لوجود هذا الشعور القومي بعد ذلك. # الفصل الثالث # | انهيار السيطرة النابليونية # تمهيد # حاولنا في الفصلين السابقين تتبع رد الفعل الذي حصل ضد السيطرة ~~الفرنسية في مختلف أنحاء أوروبا، وهو رد الفعل الذي جعل الشعوب تحاول التحرر ~~من سلطان الحكومة الأجنبية، والذي أدى لذلك إلى مولد «القومية» ومهد ~~لظهورها، ولقد شاهدنا كيف أن المحاولات الناجمة من رد الفعل الذي حصل ~~كانت «فردية» أو «محلية» أو «منعزلة» عن غيرها؛ فلم يكن مبعثها شعور ~~عام، وجهد منسق يجمع كل عناصر الأمة، سواء في ألمانيا، أو في إيطاليا، ~~أو في غيرهما من البلدان التي خضعت لهذه السيطرة الفرنسية في «ثورة» واحدة ~~أو قومة «وطنية» تبغي التحرر والخلاص من هذه السيطرة وإنهاءها؛ لتقيم ~~في مكانها «وحدة قومية» ألمانية أو إيطالية. # على أن الذي نريد بيانه الآن، أن هذه السيطرة الفرنسية لم تلبث أن انهارت ~~بفعل الحروب التي حصلت في أوروبا في غضون سنتي 1813-1814 والتي عرفت «بحروب ~~التحرير والخلاص»، # 1 # والتي مهد لها تحطيم «الجيش الأعظم» في حملة روسيا، وغزو ~~ألمانيا وانقلاب النمسا على الإمبراطور «نابليون»، وثورتها على السيطرة ~~الفرنسية، وكل تلك كانت حوادث بمثابة اختبار لقوى ذلك الشعور القومي الذي ~~شهدنا بدايته أو بزوغه في كل أنحاء أوروبا. # ونحن في هذا الفصل سوف نحاول بيان مدى مساهمة الشعوب في الحوادث أو الحركات ~~السياسية والعسكرية التي أفضت إلى سقوط نابليون، ثم طرده وإنهاء سيطرته ~~من أوروبا الوسطى أولا، والتي أفضت إلى هزيمة فرنسا وإنهاء حكومته بها ثم ~~طرده منها أخيرا، وواضح أن مثل هذه المحاولة سوف تستلزم حتما تتبع ~~الفكرة القومية ومراقبتها عن كثب ms0676 في كل «مظهر» تتخذه هذه الفكرة، ثم عند ~~انتقالها من حيز الفكر إلى ميدان العمل: عسكريا وسياسيا؛ لتبرز أخيرا ~~إلى عالم الوجود على أنقاض السيطرة النابليونية والإمبراطورية الفرنسية. ~~(1) بولندة # وكانت بولندة البلد الأول الذي انحسر عنه سلطان الفرنسيين، وفي حين بقي ~~القواد العسكريون، مثل «بوفياتوسكي» على ولائهم للإمبراطور نابليون، كان ~~السياسيون يبذلون قصارى جهدهم للمحافظة على المظهر القومي الذي صار على كل حال ~~لبولندة بإنشاء غراندوقية وارسو، وعلى ذلك فقد طلب البرنس «تزارتوريسكي» - ~~الذي عرفنا أنه من الموالين لروسيا - من القيصر إسكندر بعث مملكة بولندة ~~القديمة، بإنشاء مملكة جديدة يكون ملكها أحد أشقاء القيصر نفسه، أي ~~الغراندوقات الروس، فقال «تزارتوريسكي» - مخاطبا القيصر: «فإذا حانت الساعة ~~لتنتقم الأمة البولندية من الغزاة، ولقيت المعاونة من جلالتكم في ذلك، ~~وحاربت لتحقيق هذه الغاية، فإن أثر ذلك سوف يكون عظيما رائعا، بل ~~ويتجاوز كل ما قد تنتظرونه، وإني متعهد بالتوقيع على كل شيء دون إبطاء.» # ولقد عرضت كذلك من ناحية أخرى «حكومة وارسو» التسليم لروسيا على شرط ~~إعادة أو إحياء بولندة حتى ولو كان ذلك تحت حكومة روسية مع اتحادها مع ~~«ليتوانيا»، واستصدار دستور لها. # ولكن هذه العروض «البولندية» لقيت مقاومة ومعارضة شديدة من جانب ~~الوطنيين الروس، مثل «نسلرود # Nesselrode ~~»، بل ~~ومن جانب البارون دي ستين الذي ذكرنا أنه لجأ إلى بطرسبرج، وصار أحد ~~مستشاري القيصر، فكان من رأي «ستين» الذي ذكره في رسالة له بتاريخ 7 نوفمبر ~~1812؛ أن الواجب منع إنشاء مملكة بولندة مهما كان الثمن؛ لأن إنجلترة ~~والنمسا سوف تتحدان في مقاومة هذا العمل، ثم إنه يخشى على وجه الخصوص ~~أن يترتب على إحياء أو إعادة تأسيس مملكة بولندة، اصطدام النمسا مع ~~روسيا، والحيلولة دون نجاح التحالف الدولي ضد فرنسا، فكان تحت تأثير «ستين» من ~~جهة، ومعارضة «نسلرود» من جهة أخرى، أن تجنب القيصر الاستجابة لعروض ~~البولنديين (13 يناير 1813)، وراح يبذل الوعود المعسولة لهم، الأمر الذي كان ~~- على الرغم من ذلك - كافيا لأن يلزم البولنديون السكينة ليشهدوا سقوط ~~الغراندوقية دون أن يحركوا ms0677 ساكنا، وليتمكن الروس من الاستيلاء على وارسو ~~دون قتال في 9 فبراير 1813. # وأما «موقف» المعارضة الذي وقفه «ستين» من إعادة تأسيس أو إحياء مملكة ~~بولندة القديمة، فيفسره أن القومية الألمانية قد وقفت - بمجرد ظهورها - ~~موقف العداء من القومية البولندية، ورفض الألمان أن يتمتع ~~البولنديون بالمزايا التي لهذه الحياة القومية، والتي كان الألمان يريدونها ~~لأنفسهم. ~~(2) بروسيا الشرقية # وكانت بروسيا الشرقية، التالية بعد بولندة في ترتيب البلدان التي انحسرت عنها ~~السيطرة النابليونية «الفرنسية»، وكانت ثورة بروسيا الشرقية أول مظهر لوجود ~~القومية الألمانية، والجدير بالذكر هنا أن الكارثة التي حلت بالإمبراطورية ~~الفرنسية بسبب حملة نابليون في روسيا، لم يكن ممكنا إدراك أهميتها أو عمق ~~أثرها في التو والساعة في أنحاء الإمبراطورية، بل إن إدراك مقدار الخسارة ~~الفادحة التي سببتها هذه الكارثة لم يحدث إلا تدريجيا، حتى إذا اتضحت ~~هذه الحقيقة أخذت تتساقط «خطوط» الفرنسيين العسكرية والسياسية، واحدا بعد ~~واحد، وصار الفرنسيون لا يقفون في تقهقرهم، مرحلة بعد أخرى، إلى أن تخلصت ~~الأراضي الألمانية من وجودهم، وتحررت من سيطرتهم بانحسار موجة المد الفرنسي ~~عن ألمانيا انحسارا مطردا، أولا عن «خط» الفستيولا، فيصل الفرنسيون في ~~تقهقرهم إلى خط الأودر (في نهاية فبراير 1813)، ثم يرتدون بعدئذ إلى نهر ~~«الإلب». # ولقد شاهدنا في الفصول السابقة - عند الكلام عن انهيار الإمبراطورية ~~النابليونية - كيف أن القوات الفرنسية في أقصى الشمال كان عليها أولا الارتداد ~~إلى نهر «النيامين» في النصف الثاني من شهر ديسمبر (1812)، فصدر الأمر إلى ~~«ماكدونالد» بالانسحاب إلى «تلست» في 18 ديسمبر 1812، ثم تبع ذلك الانسحاب ~~إلى «الفستيولا» من نهر «النيامين» وهو الانسحاب الذي ترتب عليه الجلاء عن ~~بروسيا الشرقية. # ولقد كان بفضل هذه الحوادث أن تسنى قيام الثورة في بروسيا الشرقية، فقد كان ~~«ماكدونالد» يتولى حينئذ قيادة أقصى الميسرة، حيث يؤلف الجيش العاشر قسما ~~من «الجيش الأعظم» في احتلال إقليم «كورلاند # Courland ~~»، وكان فريق من هذا الجيش العاشر يتألف من البروسيين ~~بقيادة الجنرال «يورك # Yorck ~~»، وهو من الطبقة ~~الأرستقراطية البروسية المحافظة، وكان «يورك» أصلا من الذين يكرهون ms0678 «الثورات» ~~كراهية شديدة، ولا يريد بحال من الأحوال أن تكون ألمانيا - على حد قوله - ~~مسرحا لحوادث دامية كتلك التي حصلت أثناء «الثورة» في فرنسا، ثم إنه كان ~~من الذين يحرصون بقوة على تقاليد الجيش البروسي، من عهد فردريك الأكبر ~~(الثاني)، وحز في نفسه كثيرا لذلك أن يرى هذا الجيش وقد وصل إلى حال ~~سيئة، ولقد تسنى لهذا القائد «البروسي» بحكم موقع قواته في أقصى اليسار أن يكون ~~ملما بالأنباء المفصلة عن حقيقة الموقف، أكثر من القائد العام الفرنسي ~~«ماكدونالد» الذي بقي في عزلة، ويجهل ما كان يدور في مؤخرة جيشه. # وأما الذي حدث في «مؤخرة» جيش ماكدونالد فهو أن عروضا تقدم بها ~~الروس في نهاية شهر سبتمبر 1812 إلى الجنرال «يورك» على يد الحاكم الروسي في ~~«ريجا # Riga ~~» - والذي كان إيطاليا يدعى ~~«باولوتشي Paulucci ~~» - وعلى يد القائد ~~الأعلى للقوات الروسية، وبعث «يورك» يطلب تعليمات من حكومته في «برلين»، ولكن ~~هذه تركته دون أية تعليمات، وبقي «يورك» يماطل الروس مدة شهرين، ويسعى ليظفر ~~بفسحة من الوقت في اتصالاته بقائده الأعلى «ماكدونالد». # ولقد عمل «يورك» - من تلقاء نفسه - على توسيع نطاق المفاوضات التي ~~عرضها عليه الروس، وكان يريد الحصول على ضمانات للمملكة بأسرها، أي الدولة ~~البروسية؛ فحصل من القيصر إسكندر في 18 ديسمبر 1812 على تعهد بعدم إلقاء ~~روسيا السلاح قبل إعادة تأسيس بروسيا بالأقاليم التي كانت لها حتى تسترد ~~مكانتها بين الدول الكبرى، وهي المكانة التي كانت متمتعة بها قبل سنة ~~1806. # وهكذا استطاع هذا القائد - الذي كان في عزلة عن حكومته ودون تلقي تعليمات ~~منها - أن يحيل مفاوضات «عسكرية» بدأت لإبرام هدنة لوقف القتال إلى مفاوضة ~~«سياسية»، وعندما وصلته في 29 ديسمبر 1812 أوامر «ماكدونالد» باللحاق به ~~عند «تلست» خلف نهر «النيامين»، بادر «يورك» بعد تردد قصير بالتسليم للروس ~~في اتفاق «تاوروجين # Tauroggen ~~» في 30 ديسمبر ~~1812. # وكان تسليم «تاوروجين» على غاية من الأهمية، بل ويعتبر نقطة التحول في ~~«الحركة الألمانية»؛ فمن الناحية العسكرية وجد «ماكدونالد» نفسه مكشوفا ~~بسبب هذا التسليم في ms0679 جناحه الأيسر، فاضطر إلى التقهقر من «النيامين» صوب ~~«الفستيولا»؛ وكنتيجة لذلك اضطر إلى إخلاء «بروسيا الشرقية»، ومع ذلك فلا ~~يجب اعتبار هذا «التمرد» الذي حصل من جانب «يورك» - بالرغم من جسامة الآثار ~~الناجمة من هذه الخطوة - حركة قومية ألمانية، بل إن الذي حدث لا يعدو أن ~~يكون «رد فعل» عسكري ووطني من جانب أحد البروسيين فحسب. # ولقد صار الموقف متغيرا بسرعة عظيمة بعد تسليم «تاوروجين»؛ لأن بروسيا ~~الشرقية كانت حالها على درجة كبيرة من السوء بسبب التخريب والدماء الذي حل ~~بها، نتيجة للقتال الذي دار في أرضها أثناء حملة 1807 (معركتا إيلو ~~وفريدلاند)، ثم أثناء عمليات سنة 1812 عند إعداد الحملة ضد روسيا، وأثناء ~~الحملة نفسها، فأنهكت قوى بروسيا الشرقية تماما - وعلى وجه الخصوص - بسبب ~~مصادرة المؤن وغير ذلك من المنتجات التي استولت عليها فرنسا «لتموين» ~~جيوشها، الأمر الذي هيأ بروسيا الشرقية لأن تشعر بالعداء المستحكم ضد ~~فرنسا. # على أن «بروسيا الشرقية» كانت - إلى جانب هذا - القسم من ألمانيا الذي ~~شاهد أهله وحدهم «الجيش الأعظم» بعد أن حلت به الكارثة في روسيا؛ ~~فشهدوا «الهاربين» المهزومين من الجنود الذين اجتازت فلولهم هذا الإقليم، في ~~طريق تقهقرهم المطرد وقد استبد بهم الهلع والفزع بعد الهزيمة التي أصابتهم، ~~أضف إلى هذا أن «الموظفين» في بروسيا الشرقية كانوا من البروسيين ~~«الوطنيين»، الذين أرادوا تخليص «وطنهم» من وطأة السيطرة الأجنبية. # تلك إذن كانت الأسباب التي أدت إلى إشعال الثورة في بروسيا الشرقية، ~~ولقيت هذه الثورة كل تأييد من جانب «شون # Schoen ~~» رئيس الإدارة البروسي، والذي كان منتميا لنفس الجماعة ~~الوطنية التي التفت حول «ستين»، ثم من جانب القائد الأعلى في بروسيا ~~الغربية الجنرال «بولو # Bulow ~~» الذي أخذ على ~~عاتقه دعوة كل «المسرحين» إلى الخدمة. # وأما «يورك» فقد بدأ من تلقاء نفسه يشن هجوما على خطوط الفرنسيين الخلفية، ~~في الوقت الذي استمر فيه الروس يهاجمون هؤلاء، وبالرغم من أن «الحكومة ~~البروسية» كانت لا تزال «حليفة» لنابليون. والذي تجدر ملاحظته أن كل النشاط ~~الذي حدث أثناء هذه ms0680 الثورة كانت الهيئات المختلفة في الإدارة والجيش معا هي ~~القائمة به، ولكن دون تصريح من هذه الحكومة ذاتها أو اعتراف من هذه به، وخارج ~~نطاق «المسئولية الحكومية». # والواقعة الحاسمة في هذه الثورة كانت وصول البارون «ستين» إلى كونجزبرج في 22 ~~يناير 1813، وقد حضر «ستين» مزودا بتفويض كامل من القيصر إسكندر للعمل ضد ~~الفرنسيين، ولقد كنا ذكرنا عن «ستين» أنه كان في تفكيره «ألمانيا» ولا ~~يأبه كثيرا بمصالح بروسيا في حد ذاتها، ومنفصلة عن صالح ألمانيا، فكان ~~«ستين» مدفوعا في نشاطه بعدائه وكراهيته لفرنسا؛ ولذلك فقد وجه اللوم ~~بمجرد وصوله هو «وجنسناو» إلى رئيس الإدارة في بروسيا الشرقية «شون»؛ لأنه لم ~~يذبح الفرنسيين الذين مروا من «مقاطعته»، ولم تكن في نظر «ستين» ثورة بروسيا ~~الشرقية إلا أداة أو وسيلة للقيام بعمل أعظم؛ هو خلاص ألمانيا وتحريرها، وتأسيس ~~ألمانيا «جديدة» مرة أخرى. # وكان من أجل خلاص ألمانيا وتحريرها وإعادة إنشائها، أن عمد «ستين» إلى رفع ~~«الحصار القاري» فورا، والذي كان عبئا ثقيلا على بروسيا، وإلى جمع الإتاوات ~~للإنفاق منها على المقاومة التي يعزى إليه كل الفضل في تنظيمها بأن ~~بادر بجمع «مجلس الطبقات» الإقليمي في بروسيا الشرقية لتقرير إنشاء وتنظيم ~~الجيش، واستطاع «ستين» أن يؤسس من العناصر المحلية نوعا من «الحكومة» تتولى ~~شئون الإدارة والحكم وتنظيم المقاومة في غيبة الحكومة الملكية. # أما المجلس الإقليمي فقد اجتمع في «كونجزبرج» في 5 فبراير 1813، وفي 7 فبراير ~~أقر المشروع الذي كان قد أعده «ستين» لإنشاء الجيش، وعندئذ غادر «ستين» ~~بروسيا الشرقية ليذهب إلى الروس تاركا لأصدقائه الذين خلفهم بها مهمة ~~تنظيم الثورة، وكان «المجلس الإقليمي» يتألف من سبعين عضوا؛ نصفهم من ممثلي ~~طبقة النبلاء، والنصف الآخر ممن يمثلون المدن والمهن الحرة، وكان هذا المجلس في ~~حقيقة أمره مجلس نبلاء فحسب؛ حيث لم يشترك الشعب في انتخاب أعضائه، فبقي ~~الشعب بعيدا عن هذه الحركة. # على أن هذا المجلس بسبب انعقاده دون صدور دعوة له بالاجتماع من الملك، وبفضل ~~القرارات التي اتخذها، نجم من وجوده افتئات على ms0681 حقوق الملك، كما كان ~~إجراء ثوريا في صميمه، بالرغم من كل تصريحات وإعلانات الولاء لمليكهم التي ~~أصدرها أعضاؤه، وتأكيدهم الخضوع للملكية. # ولذلك فقد تميزت الحركة البروسية بظاهرتين، بقيتا تلازمانها في كل ~~أدوارها، أولاهما: أنها كانت حركة «نبلاء» قامت بها الطبقات العليا في المجتمع ~~البروسي، وثانيتهما: أن هذه الحركة لم تكن «حكومية» ولم تخش العمل خارج ~~النطاق الحكومي، وصارت لذلك تدعو لمبادآت العمل الثورية، فكان أن أتم «المجلس» ~~تأليف الجيش الإقليمي، عندما اتخذ قرارا بذلك في 7 فبراير 1813 بأن يصير تشكيل ~~هذا الجيش الإقليمي # Landwehr # خارج نطاق الجيش ~~النظامي، والسبب في ذلك أنه كان لا يزال يسود الطبقات المتنورة في بروسيا شعور ~~بعدم الارتياح، أو بالعداء ضد الجيوش المحترفة، وهو الشعور الذي كان ملحوظا ~~بين أوساط هذه الطبقات في أواخر القرن الثامن عشر، أما هذا الجيش الإقليمي # Landwehr # المؤلف من أهل البلاد، فهو ~~الذي يجب أن يكون الأداة اللازمة للدفاع عن أرض الوطن ضد الغزو الأجنبي من جهة، ~~وكذلك أداة الثورة ضد السيطرة الأجنبية بمجرد اختراق العدو لحدود ~~البلاد. # والتحق بهذا الجيش الإقليمي كل الشباب والرجال من سن الثامنة عشرة إلى سن ~~الخامسة والأربعين، المتطوعون منهم أولا، ثم أولئك الذين يأتي دورهم للخدمة ~~العسكرية بطريق «القرعة»، على أن يكون لهؤلاء الاختيار في الوقت نفسه في أن ~~يأتوا بمن يحل محلهم في الجيش. # والذي تجب ملاحظته أن هذا الإجراء الأخير لم يكن مذكورا في مشروع «ستين» ~~الأصلي، الذي ذكرنا أن «المجلس» كان قد اقترع بالموافقة عليه في يوم 7 ~~فبراير نفسه، ولكن لم تلبث أن طلبت «الطبقة الثالثة» - التي تمثل المدن - ~~إدخاله، كما أبدى الجنرال «يورك» رغبته في ذلك، ولقد بدأ التنفيذ فور الاقتراع ~~على مشروع إعادة تأسيس الجيش وتنظيمه، دون انتظار موافقة الملك الذي كان ~~بعيدا. # ولكن للمرء أن يتساءل عن أثر أو صدى هذه الثورة التي حصلت في بروسيا ~~الشرقية على سائر المقاطعات التي تتألف منها دولة بروسيا، فإن الذي حصل كان أن ~~غادر الملك برلين في 22 يناير ms0682 1813 قاصدا إلى «برسلاو # Breslau ~~» بعد أن عمل على تنحية الجنرال «يورك» من قيادته، ~~وبعد أن وجه اللوم إلى «مجلس الطبقات» في كونجزبرج بسبب القرارات التي ~~اتخذها، وعلى ذلك فإنه لم تلبث أن تركت حكومة الملك جانبا، وتشكل نوع من ~~«الحكومة المضادة» من الوطنيين في براندنبرج، وعمد القواد الذين شاهدناهم ~~على رأس الثورة، مثل «يورك» و«بولو» إلى التفاهم مع القائد الروسي الأعلى ~~«ويتجنستين # Wittgenstein ~~» # 2 # من أجل الزحف صوب نهر «الأودر» ضد الفرنسيين، وضغط هذا ~~الإجراء على يد الملك؛ فوجه فردريك وليم الثالث في 3 فبراير 1813 دعوة ~~للمتطوعين للانخراط في صفوف الجيش حتى يزيدوا من قوته، وفي 9 فبراير ~~أوقف الملك كل الاستثناءات من الخدمة العسكرية في طبقة الشبان من سن ~~السابعة عشرة إلى الرابعة والعشرين، فكان من أثر هذه الترتيبات أن أصيب الشعب ~~البروسي «بحمى» خفيفة من أجل الدفاع عن الوطن وخلاصه. # ولقد كان «الجيش الإقليمي» إذن - # Landwehr ~~- ~~بمثابة حجر الأساس للقومية البروسية، عندما أقبل على التطوع به البروسيون من ~~مختلف الطبقات، وخصوصا الطبقات المثقفة التي لوحظت فيها الملامح الأولى ~~للقومية الألمانية، فاعتنق أهلها - بحماس شديد - فكرة التسليح العام ~~للنضال ضد فرنسا، فصار أساتذة الجامعات يتولون «شرح وتفسير» مرسوم الدعوة ~~للمتطوعين (منذ 3 فبراير)، فعل ذلك «فيتشه» في برلين، و«ستفان # Stefens ~~» في برسلاو، وغيرهما في سائر الجامعات ~~في «هال» و«كونجزبرج»، وحتى في بروسيا القديمة التي كانت قد ضمتها إليها ~~«الدولة الفرنسية»، ثم في «يينا» في شهر مارس (1813). # وجذبت هذه الحركة - على وجه الخصوص - كل الشباب؛ فكان شباب الجامعة هم الذين ~~التحقوا «بالجيش الإقليمي» أولا، وبقيت جامعة برلين مدة من الزمن تكاد ~~تكون خالية من طلابها؛ فلم يوجد بها سوى ثلاثة وعشرين وحسب، واشتركت طبقتا ~~النبلاء والبورجوازي مع الشباب في حركة التطوع هذه، وكان لذلك أن صارت هذه ~~الحركة، حركة الأوساط المثقفة والطبقات العالية، وقدمت برلين وحدها ستة ~~آلاف متطوع، في حين بلغ عدد سكانها وقتئذ مائة وخمسين ألفا، ولقد ترتب ~~على حماس الرغبة في التطوع أن خلت الكليات ms0683 في أماكن أخرى من طلابها، ~~وتعددت الأمثلة على صدق هذه الرغبة؛ ففي «سيليزيا» طلبت كل هيئات ~~الموظفين أن تحل هيئات أخرى محلها ليتطوع أفرادها في الجيش، ثم عمد أحد القواد ~~الشبان «لوتزوف # Lützov ~~» إلى إنشاء فرقة من ~~«القناص السود # Chasseurs Noirs ~~»، ~~مهمتها إدخال المتطوعين في صفوف الجيش الإقليمي، من الذين يريدون ذلك في ~~جهات أو أقسام ألمانيا الأخرى. # على أن هذه الحركة لم تلبث - على ما يظهر - أن أزعجت السلطات الحكومية في ~~ألمانيا وخارجها، فانزعج «مترنخ» مما أسماه «بهياج الخواطر الفظيع» المنتشر في ~~سيليزيا، وفي بوهيميا، ووستفاليا، ثم في التيرول كذلك، فكتب في 18 فبراير 1813: ~~«إنه ليس بالأعمى الذي لا يرى خطورة هذه الحركات الشعبية المستثارة باسم شرف ~~ألمانيا واستقلالها؛ لأن هذه سوف لا تلبث أن تحطم الصلات والروابط السياسية ~~والاجتماعية»، ولقد كان الانزعاج الذي حصل وقتئذ هو مبعث كل ذلك الانزعاج ~~والتخوف الذي غشي الحكومات الأوروبية بعد انقضاء عهدي الثورة الفرنسية ~~وإمبراطورية نابليون، والتي صارت تتوجس خيفة من كل حركة شعبية تتوقع أن تنقلب - ~~عاجلا أو آجلا - إلى «ثورة» عارمة تجرف هذه الحكومات نفسها. # وأما هذه الجيوش «أو القوات» البروسية الكبيرة؛ فقد صارت مدفوعة في نشاطها ~~بحدة العاطفة «الوطنية» وشعور الكراهية العظيمة، الذي كان مبعثه كل تلك ~~الأحقاد التي أثارتها السيطرة الفرنسية، وزرعها في القلوب النظام ~~النابليوني. ولقد طغى شعور الكراهية هذا على كل ألمانيا؛ فامتد الهياج حتى ~~شمل كل ألمانيا الشرقية، ثم ألمانيا الشمالية عندما ضمت «حركة التطوع» إليها ~~مدينة «همبورج» وأقاليم الهانسا. # ومع أن «حكومة» بروسيا أرادت التزام خطة «التحفظ»، وكانت تبغي ربط قضيتها ~~بمصالح النمسا، وتشعر بالارتياب من ناحية روسيا، وكانت متحذرة من أطماع ~~القيصر إسكندر، ويستبد بها القلق والخوف من الأساليب والأعمال الثورية التي ~~اقترنت بنشاط الحركة الوطنية، فقد اضطرت هذه الحكومة إلى العمل تحت ضغط ~~هذا التيار الجارف من الشعور الوطني، ورضخ فردريك وليم الثالث لآراء «ستين» ~~الذي حضر بنفسه إلى «برسلاو» - المكان الذي قصد إليه الملك كما ذكرنا بعد ~~مغادرته برلين - فكان بسبب ms0684 ضغط «ستين» عليه أن قبل فردريك وليم الثالث ~~المحالفة مع روسيا في معاهدة «كاليش # Kalisch ~~» ~~في 27 فبراير-أول مارس سنة 1813، وقد كانت تلك معاهدة مزعجة تماما لحكومة ~~بروسيا؛ لأن القيصر مقابل التحالف ضد فرنسا قد تعهد «في مادة سرية» ~~بإرجاع بروسيا إلى الحدود التي كانت بها سنة 1806، دون أن يصدر منه أي ~~تأكيد بأن تسترجع بروسيا الأقاليم جميعها التي كانت في حوزتها قبل سنة 1806، ~~ودون الحصول على أي ضمان بإعادة تأسيس بروسيا بالصورة التي كانت عليها قبل ~~الغزو الفرنسي، وذلك في مقابل هذه المخاطرة العظيمة: الاشتباك في حرب جديدة ~~مع روسيا ضد فرنسا. # ولقد كان وصول القيصر نفسه إلى برسلاو في 15 مارس 1813 ضروريا ليعلن فردريك ~~وليم الثالث الحرب على فرنسا في 16 مارس، وليتخذ في اليوم التالي (17 مارس) ~~قرارا على جانب عظيم من الأهمية؛ هو أن يعمم نظام «الجيش الإقليمي» الذي نشأ ~~في بروسيا الشرقية، حتى يشمل كل مقاطعات أو أقاليم المملكة، ولكن مع فارق ~~هام، هو إلغاء حق الاختيار الذي يخول الأفراد المقترعين للخدمة تسمية ~~غيرهم ليحلو محلهم في هذه الخدمة العسكرية - على نحو ما سبق تفصيله - وفي ~~12 أبريل 1813 قرر الملك نوعا من «التعبئة العامة» في بروسيا من طراز ما ~~فعلته «الثورة الفرنسية» في سنتي 1792-1793، وفرضت الخدمة العسكرية ~~الإجبارية على البروسيين مدة اشتعال الحرب. # وهكذا تبدو هذه الحركة البروسية «تلقائية» من نوع أخلاقي، تلتقي فيه الحركتان ~~اللتان سبق أن تناولنا كلا منهما على حدة: المقاومة البروسية الصحيحة ضد ~~السيطرة الفرنسية، أو الحركة «الوطنية» البروسية، ثم «فكرة» الإحياء والتجديد ~~أو الانتعاش الأخلاقي التي كان قد أخذ بها الرؤساء والقادة الألمان المثقفون ~~وعملوا بها من أجل خلق ألمانيا جديدة، ببث الروح القومية بها. # ولمعرفة مدى اشتراك المجتمع البروسي مع سائر المجتمعات في ألمانيا في هذه ~~الثورة ضد فرنسا، كانت ضرورية دراسة التنظيم العسكري الذي حصل على أثر ~~الحوادث التي وقعت في بروسيا، أي الوقوف على مقدار الأثر الذي كان للقرارات ~~التي ذكرناها في شهري فبراير ms0685 ومارس 1813 والأسلوب أو الطريقة التي نفذت ~~بها. # وبشأن التنظيم العسكري الذي حدث، لا مناص من التمييز بين عنصرين تتألف منهما ~~القوات المقاتلة، هما: «المتطوعون»، و«الجيش ~~الإقليمي # Landwehr ~~»؛ فالأولون كانت تضمهم فرق مخصوصة ومعزولة، لكل ~~واحدة منها رئيسها، فلم تدخل في نطاق الجيش، ومبعث هذا النوع من التنظيم كان ~~احترام آراء كل أولئك الذين ظلوا يسيئون الظن «بالجيش المحترف» ويضمرون العداء ~~له، وهم الذين تجمعهم الطبقات المتنورة والغنية في بروسيا؛ فكان انخراط ~~المتطوعين في مجموعات منفصلة، وفرق «حرة» بمثابة الامتياز الذي صار لأهل ~~الطبقات المثقفة والمتعلمة والتي كانت في بحبوحة من العيش، وعلى ذلك فقد قل عدد ~~المتطوعين لدرجة كبيرة جدا في سلاحي المدفعية والمهندسين، وهما «السلاحان» ~~اللذان لم يكن بهما «متطوعون»، أو أن هؤلاء كانوا قد اندمجوا فيهما اندماجا ~~كليا مع سائر الجند، وأما عدد «المتطوعين»؛ فقد بلغ في شهري مارس وأبريل ~~1813 حوالي خمسة عشر ألف متطوع، وذلك رقم قياسي، تدرب من هؤلاء حوالي سبعة ~~أو ثمانية آلاف بدرجة تؤهلهم للاشتراك في العمليات العسكرية ، ابتداء من شهر ~~مايو، وأما الجيش الذي انهزم على يد نابليون في واقعتي «لوتزن» و«بوتزن» - في ~~مايو 1813 - فقد كان الجيش النظامي البروسي، لم يكد يزيد حجمه على ما كان عليه ~~في وقت السلم، ولم ينضم إليه إلا عدد قليل من قوات المتطوعين، والرديف # Krümper # فبلغ عدده خمسة وثلاثين ألف ~~مقاتل. # وأما «الجيش الإقليمي»؛ فقد عظم به عدد المتطوعين الذين استجابوا لنداء ~~الدولة، وكان تنظيم هذا الجيش بطيئا، وتم في صور غير متكافئة، وإن كان قد ~~صار يشكل في مجموعه «جيشا وطنيا» مؤسسا على «التعبئة العامة»، ومع ذلك ~~فقد صار هذا الجيش الوطني في حقيقته تنظيما إقليميا؛ لأن «مجالس» المقاطعات ~~أو الأقاليم هي التي قامت بتنظيمه وتشكيله، فأنشأت هذه لجانا من اثنين من ~~النبلاء واثنين من ممثلي العامة لتعيين الضباط، ولم يتم تنظيم «الجيش الإقليمي» ~~بدرجة متساوية في كل من سيليزيا وبروسيا الغربية، أي في بروسيا القديمة ~~البولندية، فقد كثر فرار المجندين من صفوف ms0686 الجيش، وأكثر الذين هربوا من ~~الخدمة - بدلا من الالتحاق بالجيش - كانوا من أصل بولندي، فعبروا الحدود ~~إلى خارج البلاد. # وفي بروسيا الشرقية كان كذلك عدد الهاربين من التعبئة العسكرية كبيرا، وفي ~~بوميرانيا استطاع الفارون من الخدمة العسكرية - وكانوا كذلك كثيرين - الهروب ~~بطريق البحر واللجوء إلى السويد أو إلى الجزر الدنماركية، وعجز «الفلاحون» في ~~الريف عن «الفرار» من الخدمة؛ لوقوعهم من أجيال عديدة تحت نفوذ وسلطان سادتهم ~~من «اليونكر»، ومع ذلك ففي أحايين كثيرة شوهد هؤلاء الأسياد «اليونكر» يقودون ~~بأنفسهم «فلاحيهم» إلى مراكز الخدمة العسكرية، ولكن نجاح «الجيش الإقليمي» كان ~~محققا في المقاطعات أو الأقاليم التي كانت أصلا بمثابة الدروع الواقية ضد ~~الغزاة على حدود بروسيا، فكثر عدد الذين انخرطوا في سلك «الجيش الإقليمي» دون ~~انتظار «للقرعة العسكرية» ومدفوعين بالواجب الوطني؛ ففي حين بلغت في ~~المتوسط نسبة الملتحقين بالجيش الإقليمي بطريق «القرعة» 12٪ فحسب، وهي نسبة ~~ضئيلة، وصلت هذه في أقاليم الثغور في بروسيا الشرقية 27٪، وفي وسط ~~براندنبرج كانت 14٪، وفي بقية المقاطعات بلغت حوالي 8٪، وتلك الأرقام تدل - ولا ~~ريب - على أنه كان هناك نوع من «الزعزعة» الوطنية. # ولكن لا يجب أن يغيب عنا كذلك أن نظام القرعة لم يشمل كل «المجندين» في الجيش ~~الإقليمي؛ فقد أرغم قسم كبير من الأهلين على الانخراط في سلك الجيش إرغاما ~~بطريق التجنيد الجبري. # وفي هذا الجيش # Landwehr # احتفظ النبلاء ~~بالمراكز والوظائف العسكرية العليا؛ فوحدوا صفوفهم ليبعدوا من هيئة ~~الضباط - بكل ما وسعهم من جهد - أفراد الطبقة المتوسطة (البورجوازية)؛ فصار ~~النبلاء هم الذين يشغلون وظائف «الضباط» في هذا الجيش، وكان هؤلاء من الذين ~~عني «شارنهورست» في السنوات السابقة بتدريبهم وتهيئتهم لملء هذه ~~المناصب. # وبلغ عدد قوات «الجيش الإقليمي» حوالي المائة والعشرين أو المائة والثلاثين ~~ألفا من مجموع الجيش البروسي بأسره، الذي قدر بنحو مائتين وسبعين ألف ~~مقاتل، وكان في شهر أغسطس 1813 أن ظهر «اللاندفهر» في ميدان المعارك، وكان يؤلف ~~وقتئذ حوالي نصف عدد القوة «العاملة»، ولا جدال في أن وجود «الجيش الإقليمي» قد ~~أدخل تغييرا كاملا ms0687 على طابع الجيش البروسي و«شكله» الذي كان حتى هذا ~~الوقت «جيشا محترفا»، على أن الذي يجدر ذكره أن تشكيل «الجيش الإقليمي» ~~والتغيير الذي حدث بسببه على طابع وتكوين الجيش البروسي عموما، لم يؤديا ~~بحال من الأحوال إلى اندماج أو امتزاج «الطبقات الاجتماعية» في الفرق ~~العسكرية؛ وذلك لأن الجيش الإقليمي لم يكن «تعبئة ديمقراطية» على غرار التعبئة ~~العامة التي حصلت على يد حكومة «الثورة» في فرنسا، بل إن هذا الجيش الإقليمي ~~كان مجرد تنظيم عسكري، ولا غرض من إنشائه إلا الحرب والقتال فحسب، فلم يكن ~~غير «المتطوعين» في هذا الجيش الإقليمي ممن يعتبرون عنصرا وطنيا وقوميا ~~حقيقة. # وهكذا، فالذي يبدو من هذه الدراسة أن الحركة الوطنية أو القومية البروسية قد ~~بقيت غير مستكملة، وبالدرجة أو الصورة التي بقيت بها غير مستكملة ~~كذلك إصلاحات «هاردنبرج» والحكومة البروسية التي ذكرناها في ميادين الاجتماع ~~والإدارة؛ ولذلك فإن هذا «الجيش الإقليمي» مع ما كان يرمز إليه من نهضة ~~أخلاقية ووطنية، كان لا يعدو كونه أداة مواتية لمواجهة موقف عسكري، هو ضرورة ~~القتال للتحرر من السيطرة الأجنبية. ~~(3) سائر ألمانيا # ذلك إذن كان أثر الثورة التي حصلت في «بروسيا الشرقية»، والتنظيم العسكري ~~الذي أوجد «الجيش الإقليمي» على بروسيا. # أما في خارج بروسيا، وبمعنى آخر في سائر ألمانيا؛ فالذي لا شك فيه أن ~~ألمانيا بأسرها كان يحركها للثورة شعور الكراهية والعداء العظيم لفرنسا، وهو ~~شعور وطني، ومع ذلك فإن هذه الحركة لم تتغلغل بالدرجة الكافية ليتأثر بها ~~المجتمع الألماني بأجمعه، ولم تكن عامة في كل أنحاء ألمانيا، ولا يجب لذلك ~~المغالاة في تقدير قيمتها، أو التسليم بادعاء الأسطورة القائلة بأن ألمانيا ~~بشعوبها قد هبت متكتلة في ثورة عارمة شاملة ضد السيطرة النابليونية، وتلك ~~حقيقة سوف توضحها الحوادث التالية. # فقد بذل «ستين» بادئ ذي بدء وجماعته قصارى جهدهم لإحداث ثورة عامة في كل ~~أنحاء ألمانيا لإشعال حرب قومية «ألمانية» ضد فرنسا، فأكثر من توجيه ~~النداءات وإذاعة الدعوة التي شفعها بالإنذارات والتهديدات لتحريك هذه ~~الثورة «القومية»، وآثر «ستين» العمل في ms0688 هذا الميدان - على نحو ما جرت ~~عليه عادته - بالتعاون مع روسيا، فأصدر - بالاشتراك مع «نسلرود» في 19 مارس ~~1813 باسم ملكيهما - نداء موجها «لألمانيا» أوضحا فيه أن خلاص ألمانيا ~~هو الغرض من الحرب، ودعوا للاشتراك في هذه الحرب التحريرية كل شعوب وملوك ~~وأمراء ألمانيا، ولقد رسم هذا النداء صورة لما سوف يكون عليه الوضع سياسيا ~~في ألمانيا بعد إنهاء السيطرة النابليونية؛ فأعلن «ستين» و«نسلرود» انحلال ~~«اتحاد الراين الكونفدرائي» على أن تحل محله «لجنة مؤقتة» لإدارة الأراضي ~~الألمانية المستنقذة من السيطرة الفرنسية، وتتألف من مجلس مندوبين عن روسيا ~~وبروسيا والحكومات الأخرى التي تنضم إليهما، مع تسمية «ستين» رئيسا لهذه ~~الإدارة. # وبمقتضى البرنامج الذي وضعاه تصبح البلاد مقسمة إلى خمسة أجزاء، من: ~~سكسونيا، ووستفاليا، وغراندوقية برج # Berg ~~، ~~وأقاليم «ليب # Lippe ~~»، ومصبات نهر الإلب مع ~~مكلنبرج، ثم راح الاثنان في هذا النداء يتهددان كل أمير ألماني يتخلف عن إجابة ~~الدعوة بفقد ممتلكاته. وواضح من لهجة هذا النداء والأغراض التي هدف إليها أن ~~«ستين» نفسه كان إلى حد كبير مسئولا عنه. # وإلى جانب هذا النداء صدر نداء آخر، وجهه إلى ألمانيا القائد الروسي ~~المعروف «كوتوزوف» في 25 مارس 1813، وهذا النداء يفسر الغرض من «الحركة» أو ~~الثورة بقوله: «إنه مساعدة الشعوب والأمراء في ألمانيا على استرجاع ذلك التراث ~~الذي اغتصب منهم، والذي يتعذر النيل بشيء منه، ونعني بذلك حرياتهم ~~واستقلالهم، الشرف والوطن! فلا يسع كل ألماني مستحق لهذه التسمية إلا ~~المبادرة بالانضمام إلى صفوفنا فورا ... وبقدر استناد قواعد هذا العمل ومبادئه ~~على الروح القديمة التي للشعب الألماني واقتدائه بها، سوف يتسنى لألمانيا - ~~التي تجدد شبابها، وزاد نشاطها، وصارت متحدة - أن تعود للظهور ثانية؛ ~~لتتبوأ مركزا ممتازا بين أمم أوروبا.» # ولقد كانت تلك التي صدر بها هذان النداءان في 19 و25 مارس «لغة ثورية»، الأمر ~~الذي كان في حد ذاته شيئا جديدا في ألمانيا، والذي ترتب عليه من جهة ~~أخرى أن طفق الألمان يفسرونه بأنه بمثابة التعهد المزدوج، في صالح الحرية ~~السياسية من ناحية، وفي صالح ms0689 الوحدة القومية من ناحية أخرى. # وأما هذه الحركة «القومية» التي وجهت الدعوة للألمان من أجلها، فقد ~~أثمرت في التو والساعة حركة من القريض الوطني، حيث نبت جيل جديد من ~~الشعراء، عرفنا منهم «تيودور كرونر» الذي ذكرنا أنه قتل في واقعة ~~«ليبزج»، والذي جمعت أغانيه وأناشيده بعنوان «المزهر والسيف»، # 3 # كما كان منهم الشاعر «روكيرت # Rüekert ~~» الذي نشر منظوماته، ثم «شينكندورف # Senenkendorf ~~»، ثم «أوهلاند # Uhland ~~» وغير هؤلاء كانوا كثيرين. # على أن «الحكومات» الألمانية وقفت - على العكس من ذلك - موقفا في غاية ~~«التحفظ» من الأحداث الجارية؛ فلم تشأ هذه الحكومات «الانتقاض» على نابليون إلا ~~في خريف سنة 1813، أي بعد أن تأكد لديها أن سقوط نابليون وهزيمته قد صار ~~أمرا محققا، وذلك على خلاف ما حدث في ألمانيا الشمالية، التي انتشرت بها ~~الثورة بكل سرعة في «همبورج» في 18 مارس، ثم في «مكلنبرج» التي قدمت وحدها ~~عددا من «المتطوعين» بلغ ستة آلاف، أما «بفاريا» فإنها لم تنبذ الولاء ~~لنابليون إلا يوم 16 سبتمبر، وكان في 8 أكتوبر فقط أن أعلنت الحرب ضده، ~~وانتظرت «ورتمبرج» هزيمة نابليون في واقعة «ليبزج» بين 16-19 أكتوبر لتعلن ~~موقفها العدائي منه أخيرا في 23 أكتوبر، ولقد كانت هذه الحكومات تتجه ~~بنظرها صوب النمسا، وتوجيهات الحكومة النمسوية «ووزيرها مترنخ»، وليس صوب ~~المجموعة البروسية الروسية التي يشرف على توجيهها - كما شاهدنا - «ستين» ~~بالتعاون مع «نسلرود». # ثم إن حركة المقاومة هذه أو الثورة لم تمتد إلى ألمانيا الغربية، بل بقيت لا ~~تتعدى ألمانيا الشرقية والشمالية؛ فظلت بلاد الراين بعيدة عن هذه الحركة، حتى ~~إن «بوجنو # Beugnot ~~» القائم الفرنسي بشئون ~~الحكم والإدارة في غراندوقية «برج» لم يلبث أن لاحظ - كما أثبت ذلك في جورناله ~~- كيف أن الطبقات العليا الراينية وحدها كانت تقابل بالسرور خبر انكسار ~~الجيش الفرنسي في روسيا، في حين أن سواد الأهلين قد أحزنتهم حزنا عميقا ~~هذه الكارثة، على أن الذي يجب ذكره على كل الأحوال أن الإدارة الفرنسية في ~~إقليم الراين قد خلفت آثارا بعيدة الغور سوف يظهر تفاعلها ms0690 من جديد فيما ~~سوف يقع من حوادث بعد سنة 1815 خصوصا. # ولقد صادفت هذه الحركة الثورية «في ألمانيا» صعوبات عديدة، مبعثها رغبة ~~أصحاب «المصالح» السياسية في سد الطريق أمامها، وفي مقدمة هؤلاء كان الوزير ~~النمسوي «مترنخ»، الذي اتخذ الاحتياطات اللازمة ضد هذه الحركة الثورية، بأن ~~أخضع «ستين» ولجنته الإدارية التي سبق الحديث عنها لإشراف «لجنة دبلوماسية» ~~خاصة، ثم أثار أصحاب البنوك الألمان المصاعب عندما رفضوا قبول السندات ~~الإنجليزية التي قدمها الإنجليز إلى الحكومة الألمانية لتمويل العمليات ~~العسكرية التالية، ثم كان من هذه الصعوبات التي صادفتها الحركة الثورية أنه ~~لم توجد «عصابات» للمناوشات المحلية خلف الخطوط الفرنسية، على غرار ما حدث في ~~الحرب الإسبانية. # وهكذا، لم تكن هذه الحركة - كما ذكرنا - ثورة عارمة عمت ألمانيا بأسرها ~~ضد السيطرة الفرنسية، ولو أنه مما لا شك فيه أن البلاد (ألمانيا) في مجموعها قد ~~قامت بالثورة فعلا، مدفوعة بعاطفة أو شعور الكراهية الشديدة ضد فرنسا. # ولقد كان على أساس هذه الكراهية لفرنسا وللاحتلال الفرنسي في البلاد أن ~~ارتكزت نهائيا وبصورة حاسمة العاطفة أو الشعور القومي في ألمانيا. # وكان أثناء «المباحثة» في الشروط التي يجب عقد الصلح مع فرنسا على أساسها ~~في سنة 1814، أن برز هذا الشعور القومي - بمعنى الانبثاق من الكراهية لفرنسا ~~ولسلطانها - في إطارات معينة؛ فقدم «ستين» إلى القيصر مشروعا للصلح، طلب ~~فيه أن تكون حدود ألمانيا عند نهر الموز # Meuse ~~، ولكسمبورج، ونهر الموزيل، وجبال الفوزج # Vosges ~~، وعلى أن يدخل في نطاقها كذلك قسم ~~من الدنمارك، وفي سنة 1814 صار «ستين» يؤيد ادعاءات روسيا وبروسيا على بولندة ~~وسكسونيا، في الوقت نفسه الذي طالب فيه باتساع ألمانيا من ناحية الغرب. # وفي سنة 1815 صار «ستين» يحاول إقناع القيصر إسكندر بأن سلامة ألمانيا ~~وأمنها يحتمان وصول حدودها الغربية إلى نهر الموز، وفي مذكرة أعدها في 18 ~~أغسطس 1815، ذكر «ستين» أن العاهل الفرنسي لويس الرابع عشر كان في سنة 1710 ~~قد نظر موضوع التخلي عن «الألزاس»، وذلك في مفاوضات «جيرترودنبرج # Gertruydenberg ~~» بالأراضي المنخفضة والتي ~~حصلت على ms0691 أثر هزائمه في حرب الوراثة الإسبانية، وهي الحرب التي انتهت بصلح ~~بوترخت في مايو 1713. # ولقد وجد فريق آخر من أنصار القومية الألمانية عند النظر في شروط الصلح ~~المرتقب مع فرنسا، وكان «جوزيف جوريز # Goerres ~~» ~~الذي سبق ذكره كثيرا، متزعم هذا الفريق، فنشر سلسلة من المقالات في ~~الجريدة الراينية «عطارد الراين» # 4 # يبين فيها إرجاع فرنسا إلى حدودها التي كانت لها في سنة 1792، إنما ~~يعتبر حلا رديئا للمسألة؛ لأن سلامة القومية الألمانية تتطلب أن تكون الحدود ~~عند جبال الفوزج وهضبة الأردين # Ardenne ~~، وفي ~~أثناء حكومة «المائة يوم» عند عودة نابليون من جزيرة إلبا إلى فرنسا، كتب ~~«جوزيف جوريز» مقالا بعنوان «فرنسا المقسمة» أو فرنسا المصفدة # 5 # أعلن فيه أن أوروبا لن تعرف السلام إلا إذا أنزلت فرنسا إلى ~~مرتبة الدولة من الدرجة الرابعة. # وفي مقال آخر كتب «جوريز»: # إنه لن يكون هناك أي أمل في السلامة والأمن من جانب هذا الشعب ~~الفرنسي إلا إذا صار عاجزا تماما، وصار للألمان من ناحية أخرى قوة ~~ساحقة، ولا يجرؤ على التفكير في تحدي هذه القوة أحد، والفرنسيون عاجزون ~~عن التمسك بأية قيم أخلاقية، وليس هناك أساس لإمكان الاعتماد عليه في ~~التعامل معهم؛ ولذلك فقد وجب علينا أن ننتزع منهم أملاك شارل الجسور، ~~أو عند تعذر ذلك الإلزاس واللورين وملحقاتهما. # ولقد طالبت صحيفة أخرى # Deutsche Blätter # باسترجاع كل الأقاليم التي اقتطعت من ألمانيا في مختلف العصور؛ الأراضي ~~المنخفضة، الدنمارك، والمقاطعات البلطيقية، وكورلاند، فطالبت بضم كل مكان «أو ~~إقليم» تقطن به أسر ألمانية من الإلزاس، حتى «ليفونيا # Livonia ~~»، ومن أقاليم «جريسون # Grisons ~~» حتى «شلزويج» حيث يتطلب الاشتراك في ~~اللغة والعادات، والمزاج «أو العبقرية» أن يتأسس نوع من التنظيم السياسي ~~المشترك أو المتحد، يبسط حمايته على بلجيكا وهولندة في الغرب، وجوتلندة # Jutland # في الشمال، وعلى أن يحد هذا التشكيل ~~السياسي من الغرب هضبة «الأردين» وغابتها، وجبال الفوزج والجورا # Jura ~~، ومن الجنوب جبال الإلب حتى بحر ~~الأدرياتيك، ومن الشرق جبال الكربات، وأما داخل هذه الحدود فلا يجب أن ms0692 يكون ~~هناك غير لغة واحدة، ومثل سياسي واحد. # وواضح أن هذه المطالب إنما تستند على الآراء التي نادى بها «هردر»، وتكاد ~~تكون صورة طبق الأصل من نظريته القائلة باستناد القومية على اللغة، ولكن مع ~~توسع في الصورة السياسية التي سوف تتجسم فيها هذه الفكرة بدرجة لا شك ~~في أنها مما قد يدهش له «هردر» كثيرا. # وهكذا كانت القومية الألمانية عند بدء ظهورها، أو في فجر بزوغها، قومية ~~تدعو للألمانية أو الجرمانية، كما أنها كانت تمتاز بذلك الطابع الديني الذي جعل ~~«الجيش الإقليمي # Landwehr ~~» يتخذ شعارا ~~له: «مع الله، ومن أجل الملك والوطن»، والذي جعل المجندين أو المتطوعين ~~للالتحاق بهذا الجيش، يبدءون حياتهم فيه بحضور صلاة دينية، حتى إن الجنرال ~~«بولو» كتب لأحد أصدقائه في مارس 1813 أن بوسعه - وكما فعل أوليفر كرمويل ~~«الإنجليزي» - أن يعطي كل فارس من فرسانه نسخة من الكتاب المقدس ليحملها ~~معه في سرج جواده، ولقد أقيم نصب تذكاري بأسماء القتلى في الحرب في كل كنيسة ~~لوثرية، وأما هذا الطابع الديني فقد نهض وجوده دليلا على ذلك الاتجاه الذي ~~حصل منه انبثاق الروح القومية في ألمانيا، ليجعل من ألمانيا «أداة» في يد ~~الإله، يصدر نشاطها عن مشيئة الإله نفسه ولتأدية الرسالة التي يريدها ~~المولى. ~~(4) بقية أوروبا # وفي غير ألمانيا: لم تتخذ حروب التحرير ذلك الشكل العنيف، ولم يكن لها ~~ذلك الأثر الفعلي النافذ بالدرجة التي شوهدت في ألمانيا. # ففي إسبانيا # كانت حركة التحرير العبء الذي وقع على كاهل القوات العسكرية، وخصوصا ~~القوات العسكرية الإنجليزية؛ فقد انتشرت الثورة في هذه البلاد في خريف 1813 ~~في أقاليم بسكاي ونافار، بصورة ألزمت فريقا من القوات الفرنسية بقيادة ~~«كلوزيل # Clausel ~~» على الوقوف وعدم ~~الحراك في أماكنهم، ثم كان من نتيجة الزحف الذي قام به «ولنجتون» على ~~«سلامنكا» من جهة، ثم قيامه من عند نهر «دورو» قاصدا إلى «جاليكيا # Galicia ~~» لإمداد الثوار بالمساعدة من جهة ~~أخرى، أن اضطر «جوزيف بونابرت» إلى الانسحاب من مدريد مع عسكره حتى ~~نهر «الإبرو # Ebro ~~»، ولقد ذكرنا ms0693 عند ~~الكلام عن الحرب الإسبانية ضد نابليون، كيف أن «ولنجتون» - بعد أن أنزل ~~الإنجليز جنودهم على الساحل الإسباني بعد تحريره - استطاع أن يحرز ~~انتصارا عظيما على الفرنسيين في واقعة «فيتوريو» في 21 يونيو 1813، وهو ~~النصر الذي أرغم جيش «جوزيف بونابرت» على التقهقر خلف نهر «البيداسوا»، ~~أي إنه أرغم على ترك إسبانيا بأسرها، وأما جيش «كلوزيل» في «جاليكيا» ~~فقد التقى به خلف الحدود الإسبانية كذلك، في حين تقهقر جيش «سوشيه # Suchet ~~» صوب «روسيليون # Roussillion ~~»، وبالجملة فإن الذي حصل في ~~إسبانيا لم يكن إلا تعاونا كاملا بين الثورة القومية أو الوطنية في ~~البلاد والحملة الإنجليزية العسكرية. ~~••• # على أن الوقائع العسكرية في أوروبا الشمالية الغربية - على خلاف ما ~~حصل في إسبانيا - لم يكن لها أثر حاسم في حركة التحرير التي ~~حدثت، بل كانت الوقائع السياسية قبل كل شيء آخر هي التي فعلت ذلك؛ ~~بمعنى أن «السياسة» التي جرت عليها البلدان في هذا القسم من أوروبا، ~~كانت المسئولة عن خلاص الشعوب والحكومات وتحريرها من السيطرة ~~النابليونية. # ومن ناحية الترتيب الزمني؛ حصل تحرير أوروبا الشمالية الغربية بعد تحرير ~~أوروبا الوسطى، ولا جدال في أن وجود عنصر سياسي - كعامل جوهري - وأكثر ~~أهمية من العنصر العسكري في بعث أو مولد الشعور القومي في هذه ~~المنطقة، مما يضفي على تاريخ «القومية» طابعا فريدا في نوعه. # ففي هولندة # اضطر حاكمها الفرنسي «لوبران» - القنصل القديم في عهد القنصلية ~~بفرنسا - إلى مغادرة العاصمة في 16 نوفمبر 1813، وكانت خطة الإنجليز أن ~~يزحف «برنادوت» مع قواته - التي تؤلف الجناح الشمالي الأقصى لجيوش الحلفاء ~~- على هولندة بكل سرعة لينتزعها من الفرنسيين، وأن يمد يد المساعدة للقوات ~~الإنجليزية المنتظر نزولها في هذه البلاد، ولكن بدلا من الزحف صوب هولندة ~~مباشرة، آثر «برنادوت» أن يزحف عن «هولشتين # Holstein ~~»، مدفوعا بمصالحه الخاصة، حيث أراد إرغام ~~الدنمارك - وقد وصل إليها «الآن» بقواته - على التخلي له «وللسويد» عن ~~النرويج، وعلى ذلك فقد وجد الهولنديون - بسبب تخلف «برنادوت» - أنه صار ~~عليهم وحدهم القيام بكل الأعباء والجهود اللازمة للتحرر والخلاص، وكان ms0694 من ~~هذه الحقيقة أن اتخذت حركة الخلاص والتحرر في هولندة طابعا قوميا في ~~جوهره؛ فبدأت الثورة في 17 نوفمبر 1813 في لهاي وأمستردام، وتشكلت حكومة ~~ثلاثية برياسة «هوجندروب # Hogendrop ~~» - أحد ~~رجال السياسة. # وطلبت هذه الحكومة النجدات من لندن، ووجهت نداء للبرنس أورانج حتى ~~يحضر لقيادة الثورة، وبالفعل نزل «أورانج» في البحر عند «شفيننجن # Scheveningen ~~» في 30 نوفمبر 1813 وسط ~~مظاهرات الشعب الحماسية، وذلك في حين أن القائد البروسي «بولو» لم يلبث أن ~~وصل من الغرب مخترقا هولندة في بداية شهر ديسمبر؛ فبلغ «أوترخت» التي ~~أصدر منها بتاريخ 9 ديسمبر 1813 منشورا موجها إلى البلجيكيين، وكان ~~الموظفون الفرنسيون في أثناء ذلك كله قد بادروا بمغادرة البلاد بكل سرعة، ~~خلال النصف الأخير من شهر نوفمبر وبداية شهر ديسمبر من سنة 1813. # وواضح أن انتهاء السيطرة الفرنسية من هولندة لم يكن نتيجة عمليات عسكرية، ~~ولقد كان من أثر ثورة الهولنديين لخلاص بلادهم، أن انتقل خط الدفاع ~~الفرنسي إلى بلجيكا ودون أن يكون لهذا «الدفاع» قدرة ما على الافتئات ~~أو «الاعتداء» على هولندة، وثمة حقيقة يجب ذكرها، هي أن السيطرة الفرنسية ~~في سنواتها الأخيرة في هولندة - «كحكومة» أجنبية شديدة الوطأة على البلاد - ~~قد أفلحت في أن يزيد تعلق الهولنديين بأسرة أورانج ومحبتهم ~~لها، فرحب هؤلاء في حماس عظيم بحكومتهم الجديدة، واستقبلوا بهذا الحماس ~~نفسه «استقلالهم القومي» الذي كان لهم في الماضي، والذي استرجعوه الآن ~~بزوال السيطرة الفرنسية. # وفي بلجيكا # تضافرت في أول الأمر عوامل عدة جعلت من اليسير انحياز البلجيكيين ~~إلى جانب السيطرة الفرنسية، من ذلك تسوية الخلاف مع الكنيسة بفضل ~~«الكونكردات»، أي الاتفاق الذي أبرمته الحكومة القنصلية الفرنسية مع ~~البابا بيوس السابع في 15 يوليو 1801 «وصار نافذا من التصديق عليه في 10 ~~سبتمبر، ومنذ أن اعتبر أحد قوانين الدولة في 18 أبريل 1802»، فأعيدت ~~الديانة الكاثوليكية رسميا في بلجيكا - والبلجيكيون من المتمسكين ~~بالكاثوليكية، ومن ذلك الفوائد التي صاروا يجنونها من الإصلاحات ~~الاجتماعية والإدارية التي أدخلها الفرنسيون في بلادهم - ولقد ساد الرخاء ~~فترة من الزمن ms0695 في أول الأمر، نتيجة لسياسة «الحصار القاري»، فانتشر الهدوء ~~والأمن الداخلي، ولم يصعب على البلجيكيين حينئذ قبول السيطرة ~~الفرنسية. # أضف إلى هذا أن البلجيكيين لم يشعروا بأية عاطفة ولاء نحو النظام ~~الذي كان قائما في بلادهم قبل عهد «الثورة الفرنسية»، حيث كانت بلجيكا - ~~الأراضي المنخفضة الجنوبية - جزءا من الأملاك النمسوية، وخضعت لذلك ~~لسيطرة نمسوية كانت شديدة الوطأة عليها، ومصحوبة بنوع من التعسف والطغيان ~~الاجتماعي، الذي أخذ به «السادة» - كبار أصحاب الأراضي والأملاك ورجال ~~الدين - الشعب مأخذا شديدا، والذي أوجده - من وجهة نظر الكنيسة ~~من ناحية أخرى - فرض سلطان الحكومة على الكنيسة ذاتها. # ولم يكن هناك وجود تحت السيطرة النمسوية وفي عهدها «لأراض منخفضة» أو ~~«بلجيكا»، أو أية «ذكريات» قد تربط البلجيكيين بتراث «قومي»، ولكن ذلك كله ~~لم يلبث أن أخذ في الظهور تحت السيطرة الفرنسية بسبب ثقل وطأة هذه ~~السيطرة على البلجيكيين، وخصوصا في السنوات الأخيرة منها، وأثناء انهيار ~~الإمبراطورية الفرنسية، فكان عندئذ أن بدأت تبرز الخطوط الأولى لما سوف ~~يصبح «قومية بلجيكية»، ولما سوف يصنع كل تلك العوامل التي أفضت بين ~~عامي 1815-1830 إلى مولد الدولة البلجيكية بعد حوادث الثورة التي قامت في ~~بروكسل، وامتدت إلى سائر البلاد في شهر أغسطس 1830 على نحو ما سيأتي تفصيله ~~في موضعه. # ولقد كان العنصر الأول في هذه الحركة الوطنية - والذي كان على درجة كبيرة ~~من الأهمية - تلك «المقاومة الدينية» التي وجهت ضد الحكومة ~~الإمبراطورية، وكان مبعث هذه المقاومة قبل كل شيء تلك «التعاليم ~~الإمبراطورية الدينية» التي تحدثنا عنها في فصول سابقة، # 6 # والتي جعلت معارضة النظام الإمبراطوري السائد إنما يستحق ~~مرتكبها اللعنة الأبدية، ورفض رجال الدين والبلجيكيون عموما قبول ~~هذا النوع من «التعاليم الدينية» أو المسيحية الإمبراطورية، وأثار نضال ~~الإمبراطور مع البابا بيوس السابع الذي أخذ يشنه في بداية سنة 1810 - ~~واضطهاد نابليون للبابا - تذمر وغضب البلجيكيين. # ومنذ سنة 1810 بدأت حركة عميقة من جانب رجال الدين والأهلين الكاثوليك في ~~بلجيكا، قوامها المعارضة للحكم الفرنسي، وتزعم المعارضة والمقاومة الأساقفة ~~«حتى الذين ms0696 كانوا من أصل فرنسي»، نذكر من هؤلاء القادة الكنسيين: أسقف ~~«جاند # Gand ~~» وأسقف «تورناي # Tournai ~~»، ومن كبار رجال الدين والمطارنة: ~~«دي بروجلي # Broglie ~~» و«هيرن # Hirn ~~» ثم غير هؤلاء، وقد كانوا جميعا ~~يتمتعون بنفوذ عظيم على الشعب، خصوصا اثنان منهم، هما: «فاند فلد # Van de Velde ~~»، و«دوفيفيه # Duvivier ~~»، ولقد تصدى هذان الأسقفان ~~لمعارضة مشروعات نابليون التي اتضحت في «المجمع الكنسي # Concile ~~» الذي عقده في شهر يونيو 1811، والتي كان ~~الغرض منها - على نحو ما ذكرناه في موضعه - أن ينتزع الأساقفة حق ~~رسامة القساوسة، وهو الحق الذي رفض البابا أن يكون لهم، وكان الأسقفان ~~البلجيكيان في مقدمة المعارضين لهذه المشاريع، فألقى نابليون القبض ~~عليهما، وسرعان ما نجم من هذه الخطوة انتشار روح تمرد وعصيان حقيقي ~~بين رجال الدين في بلجيكا، كان على درجة بالغة الخطورة. # فقد رفض القساوسة في أبرشياتهم أو أسقفياتهم، الاعتراف بمن يحل في ~~مكان هذين المقبوض عليهما، ثم إنهم رفضوا الاعتراف بالأساقفة الذين صار ~~تعيينهم في «مالين # Malines ~~»، وفي ~~«لييج # Lièges ~~» بقرار من الحكومة، وصدر ~~الأمر بتولي العمل في أبرشياتهم دون انتظار لرسامة البابا (منذ شهر أغسطس ~~1810)، وكان هذان هما الرئيس الديري «برادات # L’Abbé Pradt ~~» وزميله «لوجياز # Lejeas ~~». # ثم إن تلامذة المدارس الأكليريكية كانوا أقوياء الشكيمة، لم يلبثوا أن ~~آثروا الالتحاق بالجيش على الاعتراف بالرؤساء الديريين الجدد، فألقي ~~بعديدين منهم (حوالي مائة وثلاثة وتسعين من تلاميذ المدارس ~~الأكليريكية في جاند) في سجون بلدة «ويزل # Wesel ~~» الواقعة على نهر الراين، ومات منهم كثيرون، أما ~~الخوارنة فقد رفضوا أن يطلبوا الخير وطول الحياة في تراتيلهم بعد ~~القداس، بل صاروا بدلا من ذلك يحرضون الفلاحين على الثورة، ثم كثر ~~عدد أولئك الذين أخذوا يقصون خبر «المعجزات» التي أجازت السماء ~~حدوثها - «إشارة» إلى قرب زوال عهد السيطرة الفرنسية، وأفول نجم ~~الإمبراطور نابليون - وكثر عدد أولئك «المتنبئين» والضاربين في عالم ~~الغيب الذين شرعوا يجولون في طول البلاد وعرضها يوزعون على الأهلين ~~«الرسائل» التي أخفوها تحت أرديتهم وعباءاتهم. # ولقد تضافرت الأدلة على أن مقاومة القساوسة ورجال ms0697 الدين هذه كانت ~~تلقى تأييدا كبيرا من جانب «الرأي العام» في بلجيكا، الأمر الذي جعل ~~لهذه المقاومة آثارا بعيدة. # وثمة سبب ثان لهذه المقاومة ضد السيطرة الفرنسية كان منشأه الأزمة ~~الاقتصادية التي ساعدت على اتساع دائرة التذمر والغضب من الإدارة ~~الفرنسية، والذي كان أصلا - كما شهدنا - تذمرا دينيا؛ فصار يشمل الآن ~~كل تلك الطبقات التي كانت ذات ميول عدائية ضد الكنيسة، ثم تلك التي كانت ~~أثناء عهد الرخاء تدين أكثر من غيرها بالآراء الفرنسية، والذي تجب ~~ملاحظته أنه بالرغم من التدين الذي اشتهر به البلجيكيون عموما، وإيمانهم ~~العميق بالعقيدة الكاثوليكية؛ فقد كان هناك فريق من السكان أو الأهلين في ~~بلجيكا، اتخذوا - على العكس من ذلك - موقفا عدائيا من الكنيسة، وأيدوا ~~الحركة «التعقلية»، وتلك حقيقة هامة؛ لأن العداء كان مستحكما بين هذين ~~العنصرين، وهو عداء بين «مثاليتين» كان موجودا من أيام السيادة النمسوية، ~~ثم إنه لا يلبث أن يتضح مرة أخرى عندما يصبح هذان التياران المتناقضان ~~أساس تأليف الأحزاب السياسية في بلجيكا، عند استقلال البلاد بعد ذلك ~~وإنشاء الملكية بها. # أما الأزمة الاقتصادية فقد بدأت تستفحل سنة 1813، نتيجة لنظام الحصار ~~القاري خصوصا الذي أصاب صناعة النسيج بالعجز؛ لتعذر الحصول على المواد ~~الخام اللازمة لها؛ فاضطر الغزالون في «جاند» مثلا أن يستغنوا عن ألف ~~وثلاثمائة عامل دفعة واحدة، وفي خريف 1813 نزل إنتاج الأقمشة إلى ~~العشر فقط من مقداره السابق، وفي المقاطعة التي بها «بروكسل» خرج حوالي ~~ستة آلاف من العمل «بأن نقص عدد العمال من خمسة عشر ألفا إلى تسعة آلاف ~~فقط». # ومنذ 1811 كان قد بدأ يتزايد إفلاس المصارف (البنوك) وأشهر عديدون من ~~التجار كذلك إفلاسهم، ولحق الأذى بالمواني مثل «أوستند»، و«انتورب» حيث ~~أصيب بالشلل نشاطهما نتيجة للحصار القاري، وكان من المتوقع أن يؤدي الحصار ~~القاري إلى ارتفاع تكاليف المعيشة الذي مبعثه هذه الأزمة الاقتصادية ~~ذاتها، والذي كان سببه كذلك الضرائب الثقيلة التي فرضتها الحكومة ~~الفرنسية تنفيذا لسياسة الحصار القاري، ولأنه تعذر بفضل هذا الحصار ~~نفسه ورود المواد الخام وغيرها ms0698 من السلع من الخارج، وقد عانى سواد الشعب ~~البؤس والضنك نتيجة غلاء المعيشة والأزمة الاقتصادية، ثم زاد تذمره بسبب ~~«التجنيد» الذي أخذت تشتد وطأته يوما بعد آخر؛ فبلغ عدد المجندين من ~~شعب بلجيكا القليل مائة وعشرة آلاف في سنة 1811، ثم ارتفع هذا الرقم إلى ~~مائة وعشرين ألفا في سنة 1812، وإلى مائة وستين ألفا في سنة 1813، يضاف ~~إلى ذلك «الحرس الأهلي» الذي بلغ مائة ألف رجل. # وكثرت محاولات الشباب الإفلات من الجندية، وساعدت المجالس البلدية ~~هؤلاء الشبان على الفرار من الخدمة العسكرية، ولم تتعاون مع السلطات ~~المسئولة عن التجنيد، حتى إنه لم تلبث أن صارت «الجندرمة» تطارد ~~الصالحين للخدمة العسكرية، وكان من بين الحوادث الكثيرة المتصلة بهذه ~~المسألة قيام المجندين بعصيان كبير في مدينة «بروج # Bruges ~~» في شهر أبريل 1813، فأوسعوا رئيس هيئة التجنيد بها ~~ضربا حتى قتلوه، ثم مزقوا سجلات التجنيد والتعبئة، وتزايدت وطأة ~~التجنيد حتى صار يشمل الأسر الموسرة والأعيان؛ فقد صار يؤخذ أبناء الطبقة ~~المتوسطة (البورجوازي) لإدخالهم المدارس الحربية، وفي سنة 1813 فرض ~~نابليون على هؤلاء تأليف حرس شرف، فبعث هذا الإجراء الرعب والفزع في ~~قلوب الأسر البورجوازية، عندما رأى الأثرياء الذين دفعوا مبلغا كبيرا من ~~المال (خمسة آلاف أو ستة آلاف فرنك) لإعفاء أبنائهم من الخدمة العسكرية، ~~هؤلاء ينتزعون منهم «لتجنيدهم» بالرغم من هذه التضحية. # ولقد كان هناك سبب ثالث للتذمر الذي حدث من السيطرة «والحكومة» ~~الفرنسية، مبعثه ذلك النظام البوليسي الذي تأسس في بلجيكا، والذي ~~نشر نوعا من الاضطهاد والضغط تزايدت صرامته يوما بعد آخر، حتى صارت ~~الحياة في البلاد تشبه الحياة في ظل محاكم التفتيش الرهيبة في ~~الأزمان السالفة، فعظم الحجر على حرية الرأي وحرية الفرد، بفضل ~~التنظيمات التي أنشأها الحكم الفرنسي. # فمنذ سنة 1811 صار تنظيم «هيئة عليا ~~للبوليس # Haute Police ~~» في بلجيكا، ذات وكالات أو قوميسيريات خاصة # 7 ~~«ولجان عامة» # 8 # لا تخضع للمديرين أو مأموري البوليس، ولكنها تتلقى أوامرها من ~~باريس مباشرة، وفي بعض الأحايين ضد هؤلاء «المأمورين» أنفسهم، لدرجة أن ~~هؤلاء لم ms0699 يلبثوا أن شعروا بوطأة هذه «الجاسوسية» المهيمنة عليهم وعلى ~~الأهلين على السواء، وعلى ذلك فقد كانت هيئة «البوليس العليا» هذه «سلطة» ~~تعسفية، تتدخل في شئون كل إنسان وفي دقائق كل مسألة، ومع ذلك فقد عرف ~~البلجيكيون كيف يتشبثون بحرياتهم الشخصية، حينما كانت الحرية الشخصية - أي ~~حرية الفرد - مع تقاليد الحكم الذاتي عن طريق المجالس البلدية، أقوى ~~الخصائص التي تميز بها شعور البلجيكيين السياسي. # ولقد حدث في اللحظات الأخيرة ~~للإمبراطورية أن ثارت «فضيحة» أحدثت رجة عنيفة بين أهل البلاد، وذلك ~~عندما ألقى البوليس القبض على «وربروك # Werbrouck ~~» عميد بلدية «أنتورب» الذي ارتاب البوليس خطأ - ~~ولا شك، ودون أن ينهض دليل على ذلك على كل الأحوال - في أنه يشجع ~~«التهريب» لاختراق الحصار القاري، ومع أن رئيس البوليس تقدم بشخصه ~~ضامنا له، فقد أوقف عميد البلدية عن عمله ووظائفه، ثم لم يلبث أن ~~صدر أمر شخصي من الإمبراطور نابليون؛ فألقي القبض عليه وقدم ~~للمحاكمة في نفس الوقت الذي صودرت فيه أملاكه بصورة غير قانونية، وبالرغم ~~من أن قضاة المحكمة والمحلفين قد «اختيروا» بعناية؛ فقد برأت محكمة ~~بروكسل ساحة «وربروك» في ربيع 1813 بعد أن تولى الدفاع عنه أحد المحامين ~~الفرنسيين «برييه # Berryer ~~» - الذي سوف ~~يتولى الدفاع بعد عامين من هذه الحوادث عن المارشال «ناي # Ney ~~» في فرنسا (1815). # وقابل الرأي العام تبرئة ~~«وربروك» بمظاهرات صاخبة، وجن جنون نابليون الذين كان في هذه اللحظة ~~مشغولا بقيادة العمليات العسكرية في سكسونيا؛ فأصدر أوامره من «درسدن» إلى ~~مجلس الشيوخ لإلغاء الحكم الصادر من محكمة بروكسل، وتقديم عميد بلدية ~~أنتورب للمحاكمة من جديد أمام محكمة أخرى؛ فأعيد القبض على «وربروك» ~~وأودع السجن، وكان «وربروك» متقدما في السن فلم يلبث أن توفي في محبسه، ~~وقبل أن يظهر أمام محكمة أخرى، ولكن في أثناء ذلك كانت إمبراطورية نابليون ~~قد تقوضت عروشها. # وعلى ذلك، وبسبب كل هذه العوامل الدينية والاقتصادية والسياسية، ~~تحول الرأي العام في بلجيكا في غضون سنتي 1813-1814 تحولا تاما ضد ~~فرنسا؛ فكل الطبقات في غضب شديد ضد السيطرة ms0700 «والحكومة» الفرنسية، وكان تحت ~~تأثير السخط والتذمر أن «استيقظت» الذكريات القديمة، فارتسمت في أذهان ~~البلجيكيين صور «زاهية» لذلك الحكم الذاتي الذي «تمتعوا» به قبل السيطرة ~~الفرنسية، وشعر المسنون - خصوصا وهم يؤلفون الطبقة المحافظة - بالحنين ~~لذكريات «السيطرة النمسوية» التي كانت سيطرة «أبوية» لم تسبب للأهلين ~~إرهاقا ولا عنتا. # ومنذ هزيمة الجيش الأعظم في روسيا وتقهقره من موسكو، وذيوع هذا الخبر في ~~بلجيكا، أبلغ مديرو البوليس عن إشاعات «مؤذية» صارت رائجة في كل مكان ~~تقريبا، في مقاطعة «ليز # Lys ~~»، وفي أكثر ~~المقاطعات اصطباغا بالفرنسية في بلجيكا مقاطعة «أورت # Ourthe ~~»، أي في الجنوب الشرقي، وفي إقليم «لييج» حذر ~~مديره السلطات من «أن رغبة الأهلين عامة إنشاء دولة منفصلة»، وفي شهر ~~أبريل 1813 انزعج مدير جديد عين لهذا الإقليم عندما شاهد عند وصوله ~~إلى بروكسل الجدران في كل مكان وقد غطتها اللافتات والإعلانات ذات ~~العبارات الشديدة اللهجة والمعادية لفرنسا، ولقد تبين من تقارير ~~المديرين في مجموعها أن ثلاثة أخماس الأهالي في مقاطعة «أورت» كانوا لا ~~يزالون متعلقين بالفرنسيين ومتمسكين بولائهم لهم قبل معركة ليبزج، ولكن في ~~المقاطعات الأخرى لم يلبث أن صار أربعة أخماس السكان - على العكس من ذلك - ~~أعداء لفرنسا بعد معركة ليبزج، وانتشر روح التمرد والعصيان انتشار البارود ~~بينهم. # ولقد كان للثورة التي قامت في هولندة آثار عميقة في بلجيكا؛ فقد اشتعلت ~~الثورة في هولندة - كما شاهدنا - في 17 نوفمبر 1813، فلم تمض أيام قلائل ~~حتى أعلن مدير بروكسل في 21 نوفمبر أنه يخشى من حدوث ثورة عامة، ولم ~~يلبث أن امتنع الناس عن دفع الضرائب، ورفضت المجالس البلدية أن ~~تبعث للإمبراطور بالخطب والالتماسات التي طلب منها إرسالها له، ~~وامتنع المجندون عن الالتحاق بالجيش ، وتألفت في المدن فرق من ~~«الحرس» الخاص بالمدن، # 9 # مهمتها - من حيث المبدأ - الدفاع عن هذه المدن ضد الغزاة ~~أو المعتدين على البلاد، ولكن لم يلبث «المدير» في جيماب أن صار يتساءل: ~~إذا لم تكن مهمة هذا «الحرس» الحقيقية هي مد يد المساعدة لجيوش الحلفاء عند ~~حضورها؟ ولقد حضرت ms0701 جيوش الحلفاء فعلا إلى بلجيكا في آخر ديسمبر 1813، ~~فجاءت طلائعها أولا، ثم جاءت بعدها الجيوش ذاتها في شهر يناير 1814 ~~فدخلت بروكسل في أول فبراير آتية من الشمال، وقد استمرت العمليات ~~العسكرية في بلجيكا حتى نهاية شهر مارس 1814 تقريبا. # ولكن هؤلاء البلجيكيين الذين اتفقت كلمتهم على الكراهية لفرنسا، واتحدت ~~جهودهم ضد السيطرة والحكم الفرنسي، ثم حضرت جيوش الحلفاء لتحرير بلادهم ~~واستنقاذها من هذه السيطرة الفرنسية البغيضة، لم يكن لهم رأي مسموع لدى ~~دوائر هؤلاء الحلفاء أنفسهم - العسكرية والسياسية - بشأن مستقبلهم، ذلك أن ~~تقرير مصير البلاد سوف لا يكون مرتبطا بالرغبات التي يبديها البلجيكيون ~~«لحل» مسألتهم، بل إن «الحلفاء» هم الذين سوف يتولون إيجاد حل ~~للمسألة البلجيكية، يستند على اعتبارات سياسية عامة، قوامها المحافظة على ~~توازن القوى في أوروبا، ودون استشارة الشعب البلجيكي نفسه، أو حتى التفاهم ~~معه على «المصير» المنتظر له. # ففي اللحظة التي دخل فيها الجنرال «بولو» مدينة «بوترخت» وجه نداء ~~للبلجيكيين يدعوهم فيه للثورة، ثم إن دوق «ساكس فايمر» الذي كان قد وقع ~~عليه الاختيار أولا ليحكم البلاد، لم يلبث هو الآخر أن أصدر منشورا من ~~بروكسل في 7 فبراير 1814، جاء فيه: «إن الطغيان قد انتهى أجله، وإن ~~النظام قد أصبح يسود البلاد من جديد، وإن استقلال بلجيكا قد صار أمرا لا ~~شك فيه»، ودعا البلجيكيين إلى أن يكونوا هم «المحررين» لبلادهم. # ولكن الذي يجب التساؤل عنه، هو هل قام البلجيكيون بالثورة العامة، أو ~~بمجهود مسلح تمخضت عنه كراهيتهم الشديدة للفرنسيين وتذمرهم من ~~الحكم الفرنسي، فساهموا في استنقاذ بلادهم إلى جانب جيوش الحلفاء التي ~~حضرت إلى بلجيكا لإنهاء السيطرة الفرنسية منها؟ # الحقيقة أن سواد البلجيكيين كانوا قانعين بأن يشاهدوا نهاية الحكم ~~الفرنسي تتقرر على أيدي جيوش الدول المتحالفة ضد نابليون، دون أن ~~يسهموا هم أنفسهم في العمليات المحققة لهذه الغاية، فلم تحذ أية ~~مدينة من المدن البلجيكية حذو المدن الهولندية، مثل أمستردام أو لهاي أو ~~غيرهما، بل على العكس مما حدث في هولندة كان موقف البلجيكيين مدموغا ms0702 بعدم ~~الاكتراث، و«البلادة» أو الخمول، وعدم المبالاة بما يجري حولهم؛ فهم لم ~~يشتركوا في المعركة، لا في جانب الحلفاء «المحررين»، ولا في جانب ~~الفرنسيين، بل تركوا الأمور تجري في أعنتها، وراحوا ينتظرون ما سوف تسفر ~~عنه من نتائج. # ولقد أفصح «هوجندروب» زعيم الثورة الهولندية عن اشمئزازه من مسلك ~~البلجيكيين، فكتب في يناير 1814: # لو أن البلجيكيين أظهروا من النشاط ما يكفي لأن ينجحوا ~~وحدهم في طرد الفرنسيين من بلادهم؛ لصار يحق لهم أن يقرروا ~~هم أنفسهم مصيرهم، ولكن المرء لا يسمع منهم إلا مقالة واحدة تتردد ~~من كل مكان، إنهم يريدون مشاهدة جنود الدول المتحالفة ومجيئ هؤلاء ~~إلى بلادهم، وبمعنى آخر إنهم يريدون أن يفتتح غيرهم بلادهم وأن ~~يغزوها. # ولا جدال في أن بعض السبب في ذلك التخاذل أو عدم الاكتراث، كان مرده ~~إلى ذلك الخلاف والانقسام الذي أشرنا إليه في صفوف البلجيكيين بين جماعة ~~الطاعنين في السن، من المحافظين الذين ذكرنا أنهم كانوا يحنون لذكريات ~~العهد النمسوي، ويريدون عودة النظام القديم، والذين طالبوا باجتماع ممثلي ~~الأمة عن مجلس الطبقات في كل من ولايتي «برابانت # Brabant ~~»، و«هينولت # Hainault ~~»، واتصلوا من أجل ذلك بالإمبراطور النمسوي ~~فرنسيس الثاني، اعتقادا منهم بأن النمسا سوف يهمها الأمر باعتبار أنها ~~الدولة التي كانت تملك الأراضي الواطئة «البلجيكية» قبل «الثورة الفرنسية»، ~~على أن جماعة الشباب من الذين لم يعرفوا «النظام النمسوي»، ومن الأهلين ~~الذين اشتغلوا بالصناعة، والذين صارت لهم مصالح جديدة، كانوا جميعا من ~~أنصار «حقوق الإنسان»، وعدم إلغاء الإجراءات التي تم بها «بيع» الأملاك ~~الأهلية. # ولقد حكم الحلفاء بلجيكا بواسطة قومسييرين من النمسويين، ثم إنهم ~~احتفظوا - أو على الأقل تظاهروا بأنهم يريدون الاحتفاظ - بالجهاز الإداري ~~الذي أوجده الفرنسيون دون إدخال تعديل عليه؛ فعينوا بدلا من ~~الفرنسيين في الوظائف الكبرى، موظفين من أهل البلاد، ولكنهم أبقوا ~~الفرنسية لغة رسمية، وكان في الأقاليم الفلمنكية فقط أن اضطروا إلى ~~ترجمة الكتابات الرسمية إلى اللغة الفلمنكية، بجوار النص الفرنسي. # وفي 7 مارس 1814 صدر قرار بإلغاء «الكونكردات»، وتولت الكنيسة ~~رعاية ms0703 الشئون الدينية، وكل تلك كانت اتجاهات دلت على أن الحلفاء يريدون ~~انتهاج سياسة تستجيب لمطالب الأهلين، وترضي رغبتهم في الاستقلال، ولكن ~~سرعان ما صار «احتلال الحلفاء» عبئا ثقيلا، أرهق الأهلين أكثر مما ~~أرهقهم الاحتلال الفرنسي السابق؛ لأن الحلفاء الذين عرفوا أن ~~احتلالهم «مؤقت» ولن يدوم بقاؤهم في بلجيكا، طفقوا يصادرون ويستولون على ~~الأموال والمواد من الأهالي دون شفقة أو هوادة، حتى إن احتلال هؤلاء ~~«المحررين» سرعان ما صار موضع كراهية أشد من تلك التي أثارها الاحتلال ~~الفرنسي الذي تخلصت البلاد منه. # ولقد بقي الشعب البلجيكي في ~~واقع الأمر، يتخذ موقفا سلبيا وسط كل هذه الاضطرابات وهياج الخواطر الذي ~~شمل أوروبا بأسرها وقتئذ، حتى إن البارون فنسنت # Vincent ~~- وهو «القومسيير العام» أو الحاكم الذي تولى ~~الحكم في بلجيكا إلى أن يحين موعد الفصل في مصيرها - سجل في مذكراته ~~عند الكلام عن البلجيكيين: # إن المرء لا يسعه في حكومة بلادهم إلا أن يتوخى - أكثر من اللازم ~~في إدارة الشئون العامة بها - الحرص على تجنيب السلطات خطر وجود ~~نفسها في موضع يجعلها تصطدم بادعاءات ومطالب الأهلين الديمقراطية ~~من جهة، وبذكريات الدساتير «أو الأنظمة القديمة»، وهي الذكريات ~~التي يكمن الخطر كذلك في إحيائها وبعثها. # ولعبارات هذا الحاكم العام النمسوي أهمية كبيرة من حيث ~~إنها تشير إلى وجود ذلك الانقسام الذي تكلمنا عنه بين فريق المحافظين ~~من الأهالي المشدودين إلى الماضي، وفريق الشباب المربوطين بالإصلاحات التي ~~جاءت بها «الثورة الفرنسية» والمبادئ التي نادت بها. # وكان هذا الانقسام مبعث عجز ~~البلجيكيين، ومبعث المنازعات التي حصلت بينهم، ومع ذلك فقد لمس هذا ~~الحاكم النمسوي في الوقت نفسه وجود رغبة واحدة لدى الفريقين، هي تحقيق ~~الحرية المحلية، سواء اتخذت هذه الرغبة صورة «العزلة» والحياة الإقليمية، ~~أو إنشاء الوطن القومي البلجيكي، ولقد كان متعذرا أن تتحقق هاتان الغايتان ~~معا وفي وقت واحد، ولا جدال في أن «تفاعل» كل منهما على حدة من ناحية، ثم ~~وجودهما «بآثارهما» إلى جانب بعضهما بعضا، إنما يؤدي إلى ذيوع نوع من ~~الفوضى في «الفكر» ms0704 و«العاطفة»، وينهض في الوقت نفسه دليلا على وجود هذه ~~الفوضى في تفكير البلجيكيين وعواطفهم. # والحقيقة أن البلجيكيين في هذه المرحلة، وبعد إنهاء السيطرة الفرنسية من ~~بلادهم لم يكونوا بعد قد بلغوا الوضع الذي يؤذن بتأسيس «الدولة»؛ فهم ~~دائما متمسكون بحرياتهم وحقوقهم وتقاليدهم المحلية، وأنظمتهم الإقليمية ~~ومجالسهم البلدية، وتعوزهم الرغبة أو الإرادة في أن تكون لهم حريات أسمى ~~وأعلى من تلك التي يتمتعون بها في ممارسة أعمالهم المحلية «الصغيرة»، ولقد ~~كان هناك - من ناحية أخرى - إدراك كامل لكل تلك المصالح الاقتصادية، أو ~~الحقوق المدنية التي نشأت من أيام «الثورة الفرنسية»، والتي ظلت قائمة ~~بعد سقوط فرنسا، ولكن من المقطوع به أنه لم يكن هناك وجود بعد «لقومية ~~بلجيكية»، بل كان كل الذي حدث أن احتوى الانقسام الذي شهدناه بين فريقي ~~المحافظين، كبار السن، والشباب المتأثرين بالإصلاحات والمبادئ «الفرنسية» ~~الحديثة، على البذور التي نبت منها فيما بعد الشعور القومي في ~~بلجيكا. # وفي إيطاليا # كانت البلاد مسرحا للمؤامرات والتيارات السياسية المختلفة التي كان ~~بعضها يستهدف الوحدة الإيطالية، أو خلق الأداة التي تفيد في بلوغ هذا ~~الغرض في النهاية، ولكن دون أن يتفق ذلك مع «حركة» ما من جانب سواد الشعب ~~الإيطالي، ودون أن يعني انتقال الفكرة «الإيطالية» - فكرة إنشاء دولة ~~إيطاليا - إلى دور الشعور السياسي وإلى ميدان العمل، حتى بين الطبقات التي ~~كانت أكثر نموا وتطورا في تفكيرها السياسي من غيرها، وكانت تدين بهذه ~~الفكرة ذاتها. # وفي عهد السيطرة الفرنسية في إيطاليا، كان يساند الفكرة القومية عدد من ~~«الجماعات» التي ظهرت في ميدان السياسة؛ فحاول فريق منهم أن يفيد من ~~أطماع بعض كبار السياسيين أو يبثوا في نفوسهم هذه الأطماع، وفريق آخر كان ~~مدفوعا بمصالحه الشخصية، ثم كان أولئك الذين هم أكثر «مثالية» ~~ويدينون حقيقة بآراء قومية، وهؤلاء الأقوام هم الذين التفوا حول «يوجين ~~بوهارنيه» نائب الملك في «مملكة إيطاليا» في الشمال، أو حول «يواكيم مورا» ~~في الجنوب، ولقد قامت مؤامرات كبرى ثلاث على أيدي أنصار هذه الجماعات، لم ~~تلبث أن صفيت واحدة ms0705 منها بسرعة كبيرة، وهي التي كان يحكيها «يوجين ~~بوهارنيه»، وبقيت الأخريان من تدبير «مورا» و«مترنخ» وتحريكهما. # وقد بدأ الفريقان نشاطهما بالتعاون فيما بينهما، ثم انتهى الأمر إلى قيام ~~المنافسة الشديدة بينهما بشأن مصير البلاد، وقد كان بفضل السياسات التي ~~اتبعها هؤلاء الثلاثة: «يوجين بوهارنيه»، و«مورا»، و«مترنخ» أن صار ممكنا ~~وضع المسألة الإيطالية على بساط البحث، ثم إخراج هذه المسألة في الوقت ~~نفسه من دائرة نشاط الدول القارية المباشر، والتي لم تكن تهتم بالمسألة ~~الإيطالية، والتي تركت بين أيدي النمسا وحدها فقط، منذ بداية سنة 1813، ~~تدبير حل لهذه المسألة. # إلا أن إنجلترة - بالرغم من ذلك - صارت الدولة التي أولت اهتمامها ~~المسألة الإيطالية؛ فهي قد أيدت أسرة البربون اللاجئة في صقلية، ثم ~~إن سفيرها في نابولي، لورد «بنتينك # Bentinck ~~» قد أخذ من تلقاء نفسه، ولدرجة معينة - دون ~~انتظار تعليمات بهذا الشأن من حكومته - يفرض إرادته على فردنند الرابع ملك ~~نابولي (ملك الصقليتين)، وساهم في توجيه السياسة الإيطالية ضد «مورا» ~~الذي حل محل «فردنند» على عرش نابولي. # وفي إيطاليا الشمالية: كانت «مؤامرة» يوجين بوهارنيه تدور حول رغبة هذا ~~الأخير في الاحتفاظ لنفسه «بمملكة إيطاليا»؛ فلا يقنع بمنصب نائب الملك، بل ~~يريد أن يكون الحكم من حقه مباشرة بأن يستمر بقاء هذه المملكة، وأن ~~يكون هو الملك المتوج عليها، وبعد معركة «ليبزج» (في أكتوبر 1813) - وكان ~~يوجين قد اشترك في هذه الواقعة التي انهزم الفرنسيون فيها - رجع ~~«يوجين» إلى ميلان، ورفض إخلاء إيطاليا الشمالية على خلاف الأوامر التي ~~صدرت إليه من نابليون، ليفعل ذلك، وليعود مع الموظفين الفرنسيين إلى فرنسا، ~~ومع ذلك فقد كان مركزه على درجة كبيرة من الخطورة من الناحية العسكرية، ~~بسبب زحف النمسويين الذين جاءوا من المقاطعات «الإلليرية» بطريق نهر ~~الدراف # Drave # من جهة، ثم مجيئ نمسويين ~~آخرين بطريق نهر «الأديج» من جهة أخرى، مما أرغم «يوجين» على الارتداد ~~والتراجع إلى لمبارديا فيما وراء «الأديج»، في حين احتل النمسويون من ناحية ~~إقليم الرومانا، ثم جبال الألب من ناحية أخرى. # ومع ذلك فقد ms0706 كان «يوجين» نفسه مترددا؛ فهو يريد البقاء على «عرشه» ثم هو ~~لا يجرؤ على خيانة نابليون خيانة علنية، ثم هو لا يجرؤ كذلك على دعوة ممثلي ~~الشعب للاجتماع؛ ليعتمد على تأييد الشعب له، وحاول «يوجين» المفاوضة مع ~~الحلفاء ليقر هؤلاء بقاءه على العرش، وبالرغم من أنه في لحظة من ~~اللحظات لقي تأييدا من القيصر إسكندر، إلا أن تنازل نابليون عن ~~العرش «في 6 أبريل 1814» لم يلبث أن ترتب عليه إرغام «يوجين بوهارنيه» ~~عسكريا على التسليم إلى القائد النمسوي «بيلجارد # Bellegarde ~~» في 26 أبريل 1814. # ولقد ظهرت في ميلان في هذا الوقت الأحزاب السياسية، فكان أحدها «الحزب ~~النمسوي» الذي تألف قبل كل شيء من أولئك الذين آثروا السكينة والسلام ~~على أية اعتبارات أخرى، ثم من أولئك «الرجعيين» الذين أرادوا عودة «النظام ~~القديم»، ثم من أولئك الذين عقدوا آمالهم على النمسا، فتوقعوا أن تنال ~~لمبارديا حكما ذاتيا، وقاموا بحملة دعاية عريضة في صالح النمسا، ولقد ~~وجد إلى جانب هذا الحزب النمسوي، حزب لا شك في أنه يثير اهتماما أكبر، ~~هو «الحزب الحر الإيطالي» الذي شمل أكثرية النبلاء في إقليم ميلان ~~(الميلانيز)، والذين أرادوا استقلال ميلان (الميلانيز)، على أن تكون ميلان ~~المستقلة دولة أكبر اتساعا، هي مملكة إيطاليا لا يعنيهم أن يكون الأمير أو ~~الملك المنتظر تتويجه على هذه المملكة نمسويا أو إنجليزيا أو ~~إيطاليا؛ طالما قد تحقق استقلال المملكة، واطمأنوا لدوام هذا ~~الاستقلال، ولاحتفاظ مدينة ميلان بأهميتها كعاصمة لهذه المملكة، وبما كان ~~لها من سيطرة في إيطاليا الشمالية، وطالما صحب تأسيس هذه المملكة المستقلة ~~إعطاؤهم حق الإشراف على شئونها وتوجيه نشاطها. # وكان رئيس هذا الحزب الحر الإيطالي «كونفالونييري # Confalonieri ~~» الذي بادر مع حزبه بتحريك أهل ميلان ~~للقيام بالثورة عند تنازل نابليون عن العرش ؛ حتى يرغم مجلس الشيوخ ~~في ميلان على دعوة الدوائر الانتخابية، فقامت الثورة فعلا في 20 أبريل ~~1814، وأنشأ مجلس بلدية ميلان حكومة «وصاية» لم تلبث أن أوفدت ~~«كونفالونييري» نفسه إلى باريس ليتباحث مع الحلفاء في موضوع استقلال مملكة ~~إيطاليا الشمالية وإعطاء ms0707 هذه المملكة دستورا، ولكن «كونفالونييري» وصل ~~إلى باريس متأخرا وبعد فوات الفرصة؛ لأن النمسويين كانوا «المنتصرين» في ~~الحرب من ناحية، ولأن «الحلفاء» كانوا قد قرروا من ناحية أخرى تسوية ~~المسألة الإيطالية دون انتظار لمعرفة رغبات الطليان أنفسهم؛ فدخل «بيلجارد» ~~ميلان في نهاية شهر مايو 1814، وصار يبذل الوعود الطيبة للأهالي، في الوقت ~~الذي اتخذ فيه احتياطات عسكرية معينة، بالتخلص من القواد الطليان الذين ~~كان محتملا أن يتزعموا المقاومة ضد السيطرة النمسوية. # والحقيقة أن هذا «الحزب الحر الإيطالي» لم يكن بالقوة التي كان يجب أن ~~تكون له لو أنه كان يمثل حركة إيطالية عامة؛ ذلك بأن هذا الحزب لم يكن إلا ~~عنصرا من عناصر هذه الحركة وحسب، فهو حزب محلي (ميلاني) وليس حزبا ~~«إيطاليا»، واقتصر تفكيره على مصير ميلان، ولم يشمل إيطاليا في مجموعها؛ ~~فهو حزب وطني محلي، كان قوامه الجيش إلى جانب النبلاء، وكان الجيش على أهبة ~~الاستعداد لتأييد حكومة مستقلة إذا وجدت هذه الحكومة، ولكنه في جوهره ~~كان حزبا محليا، أضف إلى هذا أن الدولة المستقلة أو مملكة إيطاليا ~~المنتظرة - حسب تقدير هذا الحزب - لم تكن تتعدى الأقاليم الميلانية ~~(الميلانيز)، وأقاليم البندقية، وعندما جمع الحزب الدوائر الانتخابية ~~حدث ذلك فقط في الجهات التي يتكلم أهلها باللهجة المحلية ~~اللومباردية. # ولقد كانت الدعوة أو النداءات التي صدرت عن القائمين بالحركات التي ~~تزعمها «مورا» أو تلك التي دبرها «مترنخ» تنطوي على «فكرات» أوسع ~~مدى وأبعد عمقا من تلك التي نادى بها هذا الحزب الميلاني (الحزب الحر ~~الإيطالي)، واستطاع أولئك الذين التفوا حول «مورا» و«مترنخ» تأدية ~~مهمتهم بنجاح، حتى إن هذين سرعان ما صارا مدفوعين رويدا رويدا، إلى ~~اعتناق أو قبول «الفكرات» أو «المدركات» الواسعة التي نبت أو تولد ~~منها ما صار يعرف باسم «إيطاليا». # أما «مترنخ» فقد أراد قبل كل شيء - وتلك كانت نقطة البداية في سياسته - ~~أن يفصل إيطاليا من نابليون، أي أن ينتزعها منه، وأن يفصل «مورا» من ~~الإمبراطور؛ حتى يتسنى له التخلص من «يوجين بوهارنيه»، واستنقاذ إيطاليا ~~الشمالية من الفرنسيين ms0708 المسيطرين عليها، ولقد كان بسبب هذا الدافع أن صار ~~«مترنخ» ميالا عند الضرورة للتفاهم مع «مورا»، وبقي «مورا» في نابولي ~~بعد التقهقر من روسيا (4 فبراير 1813)، وانحصرت غايته في الاحتفاظ بتاجه ~~وعرشه، وكان «مورا» يعلم جيدا أنه موضع ريبة وشك من جانب نابليون، بسبب ~~سلوكه كثيرا مسلك «الملك» المستقل، وبدليل أن نابليون كان قد هدده ~~بالعزل، وبطلب استدعائه؛ ولذلك فقد كان «مورا» على أهبة الخروج على نابليون ~~والتخلي عنه عند الضرورة، في نظير بقائه على عرش نابولي، ومنذ عودته إلى ~~مقر ملكه بادر بإيفاد بعثة إلى فينا برياسة الأمير «كارياتي # Cariati ~~»، مهمتها الحصول على ضمانات ~~في صالحه، معلنا استعداده في نظير ذلك للترحيب بزحف الجيوش النمسوية على ~~إيطاليا. # ووفد إلى نابولي، والتف حول «مورا» أناس صاروا يغرونه على المضي في ~~طريقه، وهؤلاء كانوا أعضاء «الكاربوناري» الذين هم عنصر ثوري، ويدينون ~~بآراء جمهورية في جملتها، ويرفضون عودة «النظام القديم» بحال من الأحوال، ~~والذين اشتد عداؤهم له، وإلى جانب هؤلاء «الكاربوناري» الثوريين وجد ~~الوطنيون الذين اعتنقوا فكرة إنشاء إيطاليا حقيقة، والذين كانوا من ~~الطبقة المتوسطة (البورجوازية) ومن «المستنيرين» الذين أرادوا إنقاذ ~~الحريات المدنية، والإصلاحات الحرة التي أدخلتها إلى البلاد السيطرة ~~الفرنسية، والذين كانت تجيش في صدورهم الروح الوطنية (القومية) في الوقت ~~نفسه. # ثم وجدت إلى جانب هؤلاء وأولئك جماعة المناوئين للحركات الثورية، ~~والذين لا يترددون إذا قامت الثورة في استخدام أسوأ أساليب السياسة ~~لإخمادها، ولقد دفع هؤلاء «مورا» إلى السير في سياسته دون أن يخشى من ~~أية اضطرابات داخلية قد تحدث بدعوى أن النمسويين سوف يتدخلون لا محالة ~~عندئذ لإخمادها ولإعادة النظام إلى نصابه بعد ذلك. # ثم كانت هناك تحريضات لورد «بنتينك» السفير الإنجليزي الذي أنشأ وهو ~~بصقلية علاقات مع «مورا»، ويريد استخدام «مورا » ضد الفرنسيين، وعرض عليه ~~إرسال نجدة من خمسة وعشرين ألف إنجليزي على شرط أن يسلم «مورا»، ~~«جيتا # Gaëte ~~» لينزل بها هؤلاء من ~~البحر، والذي لا شك فيه أن السفير الإنجليزي كان يعمل لخديعة «مورا»؛ إذ من ~~الثابت أن ms0709 «بنتينك» إنما كان يخدم مصالح الملك البربوني «فردنند»، في ~~صقلية، في الوقت الذي حاول فيه إقناع «مورا» وجعله يعتقد أن ~~«بريطانيا العظمى» مستعدة لتأييده في أي عمل يأتيه ضد «الطاغية»؛ أي: ~~نابليون. # كل هذه «المجموعات» حول «مورا» اشتركت في مداهنته وتملق كبريائه، ~~وزين هؤلاء له المجد والشهرة مما سوف يصبح حقا له إذا صار ~~«محرر إيطاليا ومنقذها»، واستخدموا كل ما لديهم من وسائل الضغط ~~والإغراء ليقنعوه بتزعم حركة التحرير؛ ليصبح بطل الحرية الإيطالية، ~~وتردد «مورا»، وفجأة بمجرد أن طلب نابليون منه الانضمام إليه في حملة ~~ألمانيا، تراجع «مورا»؛ فكتب إلى الإمبراطور يلبي الدعوة في 12 أبريل ~~1813، وبادر بالذهاب إليه، وحارب في معركة «ليبزج»، ولكن قبل الهزيمة ~~الأخيرة صح عزم «مورا» على التخلي عن المصلحة الفرنسية نهائيا؛ فترك ~~نابليون في «إرفورت»، وعاد إلى نابولي في 4 نوفمبر 1813، وفي هذه اللحظة ~~كان «مورا» قد قرر إيثار صالحه الخاص على صالح نابليون، والعمل ~~لنفعه الشخصي هو وحده. # ولقد اقترح «مورا» على نابليون في 10 نوفمبر 1813، إعلان استقلال ~~الطليان، وإنشاء أمة واحدة في إيطاليا، ومن المحتمل أن مبعث هذا الاقتراح ~~كان رغبة «مورا» في اتخاذ رفض نابليون له عذرا يسوغ به انتقاضه عليه ~~وانفصاله عنه، أو كان مبعثه أن «مورا» نفسه يريد أن يقوم بهذا الدور ذاته - ~~إعلان استقلال إيطاليا، وإنشاء «الأمة» الإيطالية - وقد لخص «كولينكور» ~~المقترحات التي تقدم بها «مورا» في مذكرة لتعرض على نابليون، كان ~~مما جاء بها تعليقا على ما يقترحه «مورا»: # إن الغرض الذي يريده الملك «مورا ملك نابولي» هو استقلال إيطاليا ~~... ولقد صنعتم جلالتكم - مخاطبا نابليون - من إيطاليا أمة، وتريد ~~أكثرية الطليان أن تكون لهم حياة سياسية، ولقد أدرك ذلك ملك ~~نابولي؛ فأخذ يبذل قصارى جهده مستخدما كل الوسائل ليصبح هذا هو ~~الرأي السائد في كل مكان، وليجمع في صعيد واحد - إذا استطاع - ~~كل أعضاء (أقسام) إيطاليا. # وفي تلك العبارات تتجسم للمرة الأولى فكرة إنشاء إيطاليا ~~موحدة ومستقلة، وعلى أن يكون «مورا» صاحب صولجان الحكم بها. # ولقد كانت النمسا ms0710 صحيحة العزم آنئذ على انتزاع «مورا» من جنب نابليون، ~~وانتزاع إيطاليا من السيطرة النابليونية، وفي أثناء حملة ألمانيا، كان ~~«مترنخ» على اتصال مستمر بزوجة «مورا» الملكة كارولين - شقيقة نابليون - ~~يتفاوض معها، وبعد عودة «مورا» - عقب واقعة «ليبزج» - إلى نابولي، ~~أوفدت إليه النمسا - بموافقة إنجلترة وروسيا - سفيرا هو الجنرال ~~«نايبرج # Neipperg ~~»، تقرر سفره ~~إلى نابولي في 10 نوفمبر 1813، فبلغها في آخر ديسمبر، وجرت المفاوضات ~~بين «نايبرج» و«مورا» بكل سرعة؛ فأبرم «مورا» في 11 يناير 1814 معاهدة ~~تحالف متبادل مع النمسا؛ فضمنت النمسا تاج «مورا» وتعهدت ~~باستخدام وساطتها لدى الحلفاء لاستمرار هذا التاج في حوزته، ولقد ألحق ~~بهذه المعاهدة اتفاق سري تعهدت فيه النمسا بأن تبذل قصارى ~~جهدها؛ لتحصل على تنازل من فردنند البربوني عن كل حقوقه في عرش نابولي، ~~ولتقنع إنجلترة بإبرام السلام فورا مع «مورا»، وفي هذا الاتفاق السري ~~قبلت النمسا كذلك أن يزداد حجم مملكة «مورا»، بضم بعض الأراضي من ~~الأملاك البابوية إليها، بزيادة أربعمائة ألف نسمة. # وبالفعل تمكن «مترنخ» من إقناع لورد «بنتينك» بإبرام «هدنة» بين ~~الإنجليز و«مورا» في 3 فبراير 1814، وكان «مورا» نفسه - تنفيذا لمعاهدة ~~التحالف مع النمسا - قد قطع كل صلة له بنابليون منذ 14 يناير، وأعلن ~~الحرب عليه، وبدأ عملياته العسكرية باحتلال رومة في 19 يناير، ودخل ~~الجيش النابوليتاني أنكونا في 30 يناير، وفي 31 يناير دخلوا «بولونا»، في ~~حين احتل النمسويون من جانبهم الأملاك البابوية في رافنا # Ravenna ~~، وفرارة # Ferrara ~~، وبولونا، وبذلك تكون قد انهارت السيطرة الفرنسية ~~في إيطاليا الوسطى؛ كانهيارها في أكبر قسم من إيطاليا الشمالية - على النحو ~~الذي شهدناه عند تسليم «ميلان» للنمسويين في 26 أبريل، واحتلال هؤلاء لها - ~~وبمجرد إعادة البابا «بيوس السابع» إلى إيطاليا بعد أن فك إساره من ~~«فونتينبلو» التي كان نابليون قد نفاه إليها منذ مايو 1812، حاول «مورا» ~~جهد طاقته - منذ وصول البابا إلى إيطاليا في آخر مارس 1814 - لإقناعه ~~بالتنازل له عن جزء من الأملاك البابوية. # والذي تجدر ملاحظته أن كل «الترتيبات» والمباحثات التي حصلت حتى هذه ms0711 ~~اللحظة بين «مترنخ» و«مورا» كانت تدابير سياسية بحتة، وذات صبغة محلية، ~~وبصفة شخصية بحتة كذلك، ولكن من اللحظة التي نجحا فيها في تحطيم السيطرة ~~الفرنسية في إيطاليا اتسع برنامج كل منهما طفرة واحدة؛ فتزايدت أطماع ~~«مورا» الذي استمر يتكتل حوله الطليان من الجماعات التي سبق ذكرها، ~~وأخذ يفد - ضمن من وفدوا عليه في نابولي - وفود من رومة يرجونه ~~الاستيلاء على مدينتهم، وأراد «البناءون الأحرار» الماسون - الذين كان ~~«مورا» أستاذا أعظم لهم - أن يضعوه على رأس إيطاليا بأجمعها، وكان تحت ~~تأثير كل هذه العوامل وحتى يزيد عدد أتباعه وأنصاره أن سار «مورا» ~~حثيثا في طريق الإصلاحات الدستورية التي أرادها لمملكته، وجاءه التأييد من ~~كل جانب، من ناحية أولئك الذين ابتاعوا أملاك الكنيسة بعد أن صارت هذه ~~علمانية، وصارت أملاكها أموالا عامة، أو الذين ابتاعوا كذلك أملاك النبلاء ~~التي بيعت. # وكان «مورا» قد أوضح للسفير النمسوي، أن النمسا لن تربح شيئا من ~~كل تلك الدويلات الصغيرة التي تريد إنشاءها في إيطاليا، ولكن الهدوء ~~والسكينة سوف يسودان إيطاليا، ونفوذ النمسا سوف يتوطد بها إذا جعل ~~النمسويون في قدرة «مورا» أن يكون لديه دائما جيش من ستين ألف مقاتل، ~~وفي الوقت نفسه أخذ «مورا» يتراسل مع نابليون في جزيرة إلبا، واستمر ~~يتفاوض مع البابا كي يحصل منه على الاعتراف بتاجه، ولينال قسما من الأملاك ~~البابوية، يضمه إلى مملكته في نظير استرجاع البابا لبقية أملاكه «أو ~~الدولة» البابوية، وكان لدى «مورا» برنامجان للعمل يستندان على وجود ~~«احتمالين»، مبعثهما اعتقاد «مورا» أن سقوط نابليون قد ألحق الضعف على ~~كل الأحوال بمركزه، فهو إما أن ينجح في الاعتماد على وجود «رأي عام» إيطالي ~~قوي يؤيده في إنشاء دولة إيطالية تحت حكمه، وإما أن يحصل نهائيا على تاج ~~نابولي إذا أخفق المشروع الأول. # وأما «مترنخ» الذي تسنى له الخلاص من نابليون، فقد أخذ يفكر الآن ~~في الخلاص من «مورا»، ولكنه كان مقيدا بالمعاهدة - معاهدة التحالف - ~~المبرمة بين مورا والنمسا في 11 يناير 1814، ثم بالاعتبارات المرتبطة ~~بالطريقة التي أراد ms0712 بها «مترنخ» التصرف في مصير الأملاك (الدولة) ~~البابونية، و«الأرشيدوقات» النمسويين الذين يريد ترتيب نظام للحكم لهم في ~~إيطاليا، و«دويلاتها» الصغيرة المبعثرة. # وأراد «مترنخ» أن يضع للمسألة الإيطالية حلا يوجد بها ترتيبات، من ~~نوع تلك الترتيبات التي حصلت في ألمانيا؛ فيؤسس اتحادا كونفدرائيا ~~إيطاليا، يكون أعضاؤه من المؤيدين لسياسة النمسا، والخاضعين لنفوذها، ~~فتحتفظ النمسا بمملكة إيطاليا باسم «مملكة لمبارديا فينيسيا»، وفي بيدمنت ~~يرتب زواج أحد الأرشيدوقات النمسويين من ابنة «فكتور عمانويل» الذي لا ~~ولد له ذكرا، فيتسنى عندئذ - وبعد إلغاء قانون الوراثة المعمول به، والذي ~~يمنع النساء وأولادهن من الملك - أن يصبح هذا الأرشيدوق ملكا على ~~بيدمنت وسردينيا، وفي تسكانيا ومودينا تأسست بها حكومة الأرشيدوقين، أما ~~«ماري لويز» الإمبراطورة القديمة، وكذلك الحكام من أسرة البربون في بارما، ~~فقد أراد مترنخ أن يكون لهم الحكم في وسط إيطاليا، وكل هذه الحكومات ~~الخاضعة لنفوذ النمسا هي التي يضمها الاتحاد الكونفدرائي الذي أراده ~~مترنخ. # ولذلك فقد وجد برنامجان متعارضان لتقرير مصير إيطاليا، هما برنامج ~~«مورا» و«مترنخ»، ولكن من المستطاع أن يؤدي كل منهما إلى إعادة تنظيم ~~إيطاليا، وذلك بتأسيس دولة «إيطاليا»، إما في صورة «مملكة»، وإما في شكل ~~«اتحاد كونفدرائي»، وكلا النوعين إن هو إلا تنظيم عام وشامل، لم ~~يسبق أن شهدت له إيطاليا مثيلا في حياتها كلها. # ولكن الفشل كان مزدوجا؛ لأن «مورا» اعتقد أن عودة نابليون بعد فراره ~~من إلبا سوف تمكنه من تحقيق مشروعه، وكان «مورا» قبل ذلك قد طلب من ~~مترنخ إعطاءه حق المرور بقواته عبر الأملاك البابوية لمقاومة النفوذ ~~النمسوي، وقابل مترنخ هذا الطلب بالرفض، ولكن «مورا» لم يلبث أن بدأ ~~عملياته العسكرية بعد نزول «نابليون» في «فريجوز»، باختراق خط الحدود الذي ~~يفصل بين نابولي والأملاك البابوية؛ فقد طلب في 19 مارس 1815 حق المرور ~~لقواته عبر إقليم «كامبانا» الرومانية، ورفض البابا؛ فاحتل جيش «مورا » ~~إقليم «كامبانا # Campagne ~~»، وفي 29 مارس ~~اجتاز خط الحدود النمسوية، ودخل إلى «الرومانا»، فكان معنى ذلك قطع ~~العلاقات مع النمسا، وعمد «مورا» إلى إصدار ms0713 «نداء» من «ريميني # Rimini ~~» في 30 مارس، موجها للإيطاليين، ~~جاء فيه: # إن الساعة قد حانت ليتحقق مصير إيطاليا المجيد، فإن الله يدعو ~~الإيطاليين ليكونوا «أمة مستقلة»، فلتدو إذن صيحة واحدة ~~تتجاوب أصداؤها من جبال الألب في الشمال، إلى مضايق صقلية في ~~الجنوب، تنادي باستقلال إيطاليا ... إن ثمانين ألفا من الطليان ~~يزحفون تحت أوامر مليكهم، ويحلفون يمينا مغلظة أنهم لن يذوقوا ~~طعم الراحة حتى تتحرر إيطاليا. # واختتم «مورا» هذا النداء بأن طلب من كل الأحرار الشجعان في إيطاليا ~~أن يلتفوا حوله؛ ليخوضوا المعركة سويا، وفي 2 أبريل دخل «مورا» ~~بولونا، ثم بعد يومين (4 أبريل) دخل ~~«مودينا». # ومع ذلك فإن «الحركة القومية» التي بنى «مورا» آماله على إثارتها ~~والاستفادة منها لم تحدث؛ فلم تثر «حركة» مورا هذه أي حماس، اللهم إلا ~~بين قسم من الشباب وبعض الطبقات المستنيرة المثقفة؛ فألف الموسيقار ~~«روسيني # Rossini ~~» «أنشودة الاستقلال»، ~~وتعين «روسي # Rossi ~~» أستاذ القانون ~~في «بولونا»، قومسييرا للمقاطعات الأربع، وكان من أنصار هذه الحركة ~~القومية، وتألفت هذه الجماعة أو هذا الحزب الوطني (القومي) من عناصر ~~جاءت جميعها من بين الطبقات المتعلمة، إلى جانب بعض النبلاء ورجال الجيش، ~~فلم يكن هناك وجود لحركة «شعبية» أي من جانب سواد الشعب، وظل الخمول ~~وعدم الاكتراث يسيطران تماما على سواد الأهلين؛ واضطر «مورا» إلى الاعتماد ~~على قواته المقاتلة وحدها، فكان عندئذ أن سهلت هزيمته على يد الجيش ~~النمسوي الذي أرغم «مورا» على التقهقر بكل سرعة صوب «نابولي»، ثم لم ~~يلبث أن تنازل عن عرشه وسلمه للإنجليز، ثم غادر البلاد إلى ~~«كان # Cannes ~~» في 20 مايو 1815، ثم ذهب ~~إلى «كورسيكا» التي لم يلبث أن غادرها في 21 سبتمبر؛ ليقوم بحركة ~~لاسترجاع عرشه المفقود، فألقي القبض عليه عند نزوله من البحر في ~~«بيزو Pizzo ~~» في أرض «كلابريا»، ~~وحكم عليه بالموت وأعدم رميا بالرصاص في 13 أكتوبر 1815، على نحو ~~ما سبق ذكره في موضعه. # ولقد كان بفضل «تدابير» وترتيبات شخصية، أن تسنى «لمورا» أن ~~يصبح بطل «القضية الإيطالية» عندما أراد استخدام هذه ms0714 التدابير ~~«البسيطة» كوسيلة لصنع أو خلق «دولة» إيطالية، ولم يكن هناك وجود في ~~الحقيقة لذلك «الحزب الوطني» أو القومي الذي وجه له «مورا» نداءاته؛ ~~لأن هذا الحزب الوطني لم يكن يوجد إلا في صورة طائفة من المبادئ والأفكار ~~المثالية لم تتح لها الفرصة بعد للذيوع والانتشار، والتي كان يعتنقها ~~بعض العناصر من المثقفين والعسكريين، والذين تأثروا كذلك بالفكرة ~~الدستورية. # وكما أخفقت تدابير «مورا» المستندة على «الملكية» و«القومية»، ~~ولتأسيس دولة إيطالية موحدة؛ فقد أخفقت كذلك تدابير «مترنخ» لإنشاء ~~دولة اتحادية (كونفدرائية) في إيطاليا؛ فقد تخلى «مترنخ» عن جزء من أطماعه ~~عندما صار ضروريا الانتهاء سريعا من وضع تسويات الصلح في فينا، فكان ~~من المستحيل أن يحصل على الأملاك البابوية، بل استرجع البابا أقاليم ~~«رافنا» و«فرارة» و«بولونا» لتعود أملاكه إلى الوضع الذي كانت عليه في سنة ~~1789، وكانت الدول - بعد انتهاء الخطر الذي كان يتهددها من ناحية نابليون ~~بعد هزيمة هذا الأخير في «واترلو» - قد صارت تقابل بتحفظ وحذر ~~شديدين مقترحات مترنخ، وتقف من «سياسته» موقفا أكثر استقلالا من ~~الماضي، وتشعر بأنها صارت قوية بالدرجة التي تقدر فيها على مقاومته، ~~وكانت تلقى الدول تأييدا في موقفها هذا من جانب روسيا وفرنسا. # وعلى ذلك فقد «تجنب» ملك نابولي (فردنند الرابع، أعيد إلى عرشه الآن باسم ~~فردنند الأول)، والبابا وملك بيدمنت، الإصغاء لمقترحات مترنخ، ورفضوا ~~«الكونفدرائية» التي اقترحها «مترنخ» حلا للمسألة الإيطالية، بل إنهم ~~رفضوا كذلك - بعد فترة من الزمن قصيرة - اقتراحا لإنشاء «اتحاد بريدي» ~~لتنظيم البريد بين الدويلات والإمارات الإيطالية؛ وعلى ذلك فقد بقيت ~~إيطاليا «مصطلحا جغرافيا»، حسب التعريف الذي صاغه مترنخ نفسه بعد ذلك ~~ليصف به إيطاليا. # ولعل أهم ما تجدر ملاحظته عند المقارنة بين الحركتين الإيطالية ~~والألمانية أن ثمة اختلافا كبيرا يميز كلا منهما عن الأخرى؛ ذلك بأن ~~الطليان لم يشتركوا - وعلى نحو ما فعل الألمان - في تحرير بلادهم ~~واستنقاذها من السيطرة الفرنسية، فلم يعد الدور الوحيد الذي قاموا به، ~~تأليف ذلك الحزب الميلاني الذي أسمى نفسه «الحزب الوطني الإيطالي»، والذي ~~لم ms0715 يكن إلا حزبا محليا، ثم تقوية كل تلك الأماني الوطنية التي صارت ~~مرتكزة على النشاط الذي سوف يقوم به «مورا»، والتي كانت في الحقيقة لا ~~تستند على أصول عريقة ولا تنسيق يربط اتجاهاتها ويوجه نشاطها. # ومن ناحية أخرى فقد كان هناك أصحاب المصالح الذين أزعجهم ضياع كل ~~الإصلاحات والتغييرات التي حصلت على أيام السيطرة الفرنسية، وصاروا لا ~~يريدون عودة «النظام القديم»، بل لقد كانت الفكرة القومية يحوطها الإبهام ~~الشديد، حتى في تفكير الأدباء والمثقفين، والذين عرفوا بالتقدم الذهني ~~أكثر من سواهم، وصفوة القول: إن من المتعذر ملاحظة يقظة قومية في ~~إيطاليا، من طراز تلك اليقظة القومية التي شوهدت في ألمانيا آنئذ. # | الخلاصة # أما وقد انتهينا من هذه الدراسة الطويلة والدقيقة، التي شملت عهدي الثورة ~~الفرنسية والإمبراطورية النابليونية، وموقف «أوروبا» من هذين الحدثين العظيمين، ~~وتأثرها أو بالأحرى تأثر حكوماتها وشعوبها بهما، من حيث محاولة تقويض دعائم ~~«النظام القديم» أو القضاء على بقايا «الإقطاع» من كل النواحي الاقتصادية والسياسية ~~والاجتماعية، ثم من حيث إفساح المجال لظهور الطبقة المتوسطة (البورجوازية) التي ~~وقع على كاهلها عبء المقاومة «روحية» كانت - وتلك متمثلة في حركة الفكر والأدب ~~والفن - أم «مادية» فعلية - متمثلة في العمليات العسكرية - ثم من حيث إفساح المجال ~~كذلك لطبقات النبلاء ورجال الكنيسة في بقايا المجتمع القديم، للمساهمة الجدية ~~أحايين كثيرة في حركات التحرر والخلاص من السيطرة الفرنسية (الأجنبية)، الأمر الذي ~~ترتب عليه جميعه - وبفضل وجود هذه السيطرة الفرنسية ذاتها والتي بدأت تمتد إلى ~~أوروبا من أيام «الثورة»، ثم صارت تشمل القارة بأسرها تقريبا أيام «الإمبراطورية» ~~- أن تكشفت «قوميات» كان لها كيان، وإن لم تكن قد أتيحت الفرصة لبروزها ~~إلى حيز الوجود قبل حوادث «الثورة» وحروب نابليون و«سياسته»، وإن بدأ إلى جانب ~~ذلك ميلاد «قوميات أخرى عديدة». # على أن الذي نود الإشارة إليه مستخلصا من كل هذه الدراسة: أن الثورة الفرنسية ~~والإمبراطورية النابليونية لم يكن لديهما قطعا - وكما شاهدنا - أية «سياسة» قومية، ~~أو سياسة تهدف إلى خلق وصنع «القومية» أي الدول والأمم التي تشعر ms0716 ~~بقوميتها وكيانها الذاتي الخاص بها، وواضح أن «السياسة» القومية غير «الفكرة» ~~القومية أو «نظرية» القومية؛ لأن «النظرية» القومية قد وجدت فعلا على أيام ~~الثورة الفرنسية والإمبراطورية النابليونية. # والأمم التي توفر بها وجود العناصر اللازمة لخلق «القومية» كان في ~~وسعها أن تقطع شوطا ملحوظا في طريق الشعور بذاتيتها وكيانها، وذلك إما بفضل ~~هذه «النظريات» التي أتت بها الثورة الفرنسية وزودت بها هذه الأمم، وإما ~~بفضل «الأمثلة» التي قدمتها الثورة في صلاتها مع الشعوب التي أرادت الثورة أن ~~يكون من حق هذه الشعوب وحدها الفصل في مصيرها، وإما لأن «الثورة» قد أعطت هذه ~~الشعوب الفرصة للنضال من أجل التحرر من كل سيطرة أجنبية، وتأسيس «ذاتية» مستقلة، ~~وكانت اليونان وإيرلندة وبولندة من البلدان التي فعلت ذلك، ولو أنه تعذر ~~الوصول إلى نتائج حاسمة من نضالها؛ لأن أهل هذه البلدان كانوا «معزولين» ويصعب ~~إرسال النجدات إليهم، ولأن «السياسة الفرنسية» قد تخلت عنهم. # ومع ذلك فقد أثارت «الثورة الفرنسية» والإمبراطورية النابليونية، رد فعل كبير في ~~البلدان الأخرى للدفاع عن الوطن، والدفاع عن الوطن هو أول الأسس التي تقوم عليها ~~كل «قومية»، وفي هذه الصورة الوطنية أمكن ظهور بوادر الشعور القومي، أو الفكرة ~~القومية للمرة الأولى، وذلك كان عين الذي حدث في الأمم التي تمتعت بكيان ~~ذاتي، أو وطني وقومي، قبل أن تمتد السيطرة الفرنسية على أوروبا، ونعني بذلك إسبانيا ~~وروسيا وهولندة. # وثمة نوع آخر من الأمم في ألمانيا، ولدرجة أقل في إيطاليا، كانت من الناحية ~~السياسية في مستوى ينخفض عن مستوى الأمم السالفة الذكر، حيث إن العاطفة القومية ~~لديها لم تكن مع وجودها قد تعدت - حتى هذا الوقت - النطاق الفكري والثقافي ~~البحت، وفميا يتعلق بألمانيا وإيطاليا، كانت المشكلة هي معرفة ما إذا كان الشعور ~~القومي سوف يستمر باقيا بعد زوال ضرورة الدفاع المشترك عن الوطن في ألمانيا ~~وإيطاليا، وسوف يجد أسبابا أخرى غير النضال ضد الاحتلال الأجنبي للبلاد تكفل له ~~الاستمرار والبقاء. # أما السيطرة الفرنسية؛ فمن المسلم به أنها خلفت بعض الآثار و«الجروح» في ~~أوروبا؛ ms0717 فأوروبا سوف لا تعود إلى الحال التي كانت عليها سابقا، ذلك أن هذه السيطرة ~~قد أحدثت «تبسيطا» في كيانها السياسي عندما تأسست في كل من ألمانيا وإيطاليا ~~والنمسا وحدات إقليمية كانت أكبر حجما من «الدويلات» التي وجدت بها في الزمن ~~السابق، ثم أحدثت هذه السيطرة «تبسيطا» كذلك في كيانها الاجتماعي، عندما ~~ألغيت الامتيازات والإدارات الإقليمية والتي كانت للنبلاء، وقضي على ~~العراقيل التي قيدت نشاط الأفراد واتصالهم ببعضهم بعضا داخل «الدولة»، مثل ~~الأنظمة الجمركية ورسوم استخدام الطرق وما إلى ذلك، وفي كل مكان - تقريبا - ~~ترتب على الإصلاحات الاجتماعية شيء من التقريب بين طبقات المجتمع، لم يسبق ~~إطلاقا حصوله بأية درجة. # وأخيرا فقد ازدحمت في أذهان الناس ذكريات عديدة تعذر عليهم التخلي عنها أو ~~نسيانها فيما بعد، وكانت مرتبطة بتلك الآراء والنظريات والمبادئ التي جاءت بها ~~الثورة الفرنسية، أو نجمت من رد الفعل الذي حصل ضد السيطرة ~~النابليونية. # ولقد بقيت شعوب أوروبا متأثرة بهذه «الذكريات» مدة قرن من الزمان، كانت ~~الثورة الفرنسية تستثير في أذهانهم دائما معاني الحرية والمساواة والبطولة ~~والتضحية في سبيل هذه المبادئ، ومن أجل الدفاع عن الوطن، ولقد كانت هذه «المبادئ» ~~والمثل العليا التي غرستها الثورة الفرنسية والسيطرة النابليونية - الأولى: بفضل ~~المبادئ التي أذاعتها، والثانية: بفضل رد الفعل الذي حصل ضدها - هي التي ~~جعلت ممكنا يقظة الشعور القومي على درجاته المتفاوتة التي شاهدناها، ثم بداية ~~الحركات القومية في السنوات التالية، عندما استأنفت الشعوب - مباشرة بعد سقوط ~~إمبراطورية نابليون - الصراع ضد الحكومات الراجعة، وبقايا الإقطاع في ظل «النظام ~~القديم» الذي أراد الملوك والأمراء الراجعون إلى عروشهم التي كانوا قد طردوا ~~منها، أن يعيدوه بحذافيره. # ولقد كانت «الطبقة المتوسطة» البورجوازية هي التي قامت على أكتافها الحركات ~~القومية في الأدوار التالية، ليس من أجل تحرير أوطانهم من السلطان الأجنبي وحسب، بل ~~ولإنشاء الحكومات الدستورية التي انتظرت «البورجوازية» أن يكفل الدستور - الذي ~~يجب أن تقوم هذه الحكومات على أساسه - مشاركتها في الحكم، إن لم يكن استئثارها بكل ~~أسبابه، وذلك كان نضالا شديدا استمر ms0718 طيلة الفترة التالية (1815-1848) التي هي ~~موضع دراستنا في الفصول التالية، وهو نضال قد استمر كذلك إلى ما بعد هذه السنوات ~~التي ذكرناها. # | الكتاب الرابع # أوروبا تحت نظام مترنخ (1815-1848) # | المقدمة # كانت مهمة الدول بعد سقوط نابليون وزوال إمبراطوريته أن تضع تسوية للمشكلات التي ~~أوجدها التوسع الفرنسي، أثناء السيطرة النابليونية في أوروبا، وذلك بإعادة تنظيم ~~أوروبا من الناحيتين السياسية والإقليمية خصوصا، ولقد استرشدت الدول الكبرى عند وضع ~~هذه التسوية بقواعد معينة أساسية: أولها؛ الشرعية، أي التمسك بمبدأ إرجاع العروش إلى ~~أصحابها الشرعيين، ومعنى ذلك إعادة الأسر الحاكمة القديمة التي أقصيت عن الحكم منذ ~~1792 على أيام الثورة ونابليون، واستبدل بها غيرها في حكومة الأقطار أو الدول ~~والممالك التي أنشئت من جديد أو تلك التي أزيل عن عروشها أصحابها الأصليون، وفي ~~أكثر الأحايين لم يكن هؤلاء الحكام (الملوك والأمراء) الراجعون معروفين لشعوبهم كما ~~كرههم هؤلاء كراهية شديدة، فأدى العمل بهذه القاعدة إلى عودة البربون إلى فرنسا، وحرمان ~~أسرة بونابرت من الحكم، ثم إنه كان من معنى الشرعية أن صار معمولا بالمبدأ القائل ~~بضرورة اعتبار الشعوب أن الواجب يقتضيهم أن يقبلوا الحكام الذين يفرضون عليهم وأن ~~يذعنوا لهم، وأن يمتنع عليهم حتى مجرد التفكير إطلاقا في أن لهم حقا في ~~اختيار من يريدون تنصيبه حاكما عليهم. # وأما ثاني هذه الأسس: فكان المحافظة على توازن القوى بين الدول، ومعنى الموازنة بين ~~القوى - التوازن الدولي - أن لا يسمح لدولة بالتفوق على غيرها من الدول؛ وذلك حتى لا ~~تبسط سيطرتها على أوروبا، على غرار ما فعلت الإمبراطورية النابليونية، ولكن مبدأ ~~المحافظة على التوازن الدولي عند تطبيقه كان معناه العودة إلى ما درج عليه العمل في ~~القرن الثامن عشر، من حيث المبادرة إلى توزيع الأسلاب بين المنتصرين على أن يكون لأقوى ~~الدول النصيب الأوفر منها. # فكان الذي أفاد من تطبيق مبدأ التوازن الدولي بهذه الصورة كل من إنجلترة وروسيا، ~~وبروسيا والنمسا والسويد، فسوف نرى أن إنجلترة احتفظت بمقتضى التسوية الأوروبية ~~بالسيطرة في البحار، الأمر الذي ساعد ms0719 على زيادة نشاطها وتوسعها التجاري، كما أضافت ~~إلى أملاكها عددا من المستعمرات، أما روسيا فقد استولت على أكثر الأقاليم التي ~~تكونت منها قديما مملكة بولندة، كما احتفظت بفنلندة. ثم إن بروسيا ضمت ~~إليها النصف الشمالي من سكسونيا، وكذلك عددا من الإمارات والمقاطعات عند نهر الراين، ~~وضمت السويد إليها النرويج بعد أن انتزعت هذه الأخيرة من الدنمارك، وأما النمسا ~~فقد أفادت من مبدأ التوازن الدولي، باسترجاع سيطرتها السابقة في إيطاليا، والعمل - كما ~~أراد مترنخ - على تفكيك أوصال إيطاليا لتصبح شبه الجزيرة الإيطالية مجرد تعبير أو ~~مصطلح جغرافي. # والمبدأ الثالث: كان تأمين أوروبا ضد تجدد الغزو من ناحية فرنسا؛ فقد خشيت الدول ~~أن تسترد فرنسا أنفاسها بعد الهزيمة التي لحقت بها، فتبدأ في التسلح من جديد، ~~وتصبح خطرا يتهدد أوروبا بالغزو مرة ثانية، ولقد كان هذا الخوف من ناحية فرنسا أهم ~~المؤثرات التي ظلت تسيطر على مباحثات المؤتمرات التي عقدت في أوروبا لإبرام ~~الصلح أولا، ثم للمحافظة على السلام بعد إبرام معاهدات الصلح في الفترة التالية، وكان ~~هذا الخوف - بدوره - هو مبعث ما حدث من ترتيبات سياسية وإقليمية أنشأت حول الحدود ~~الفرنسية حلقة من الدول التي تكون على درجة من القوة تكفي لاحتجاز فرنسا أو لاحتوائها ~~داخل حدودها التي رسمتها لها معاهدات الصلح النهائية، فيكون في وسع هذه الدول ~~الحاجزة ضد الغزو الفرنسي إذا تجدد. # وعملا بهذه القاعدة إذن، ضمت بلجيكا إلى هولندة، ونالت بروسيا الأراضي الألمانية ~~في جهة نهر الراين، وضمنت الدول استقلال سويسرة وحيدتها كإجراء ضروري لتقوية الاتحاد ~~السويسري، وأعطيت سافوي إلى بيدمنت، واقترن العمل بهذا المبدأ ثم بمبدأ توازي ~~القوى قبله باتباع قاعدة «التعويضات» التي أخذ بها السياسيون في مؤتمر فينا، من ~~أجل تعويض الدول التي اقتطعت أجزاء منها، أو فقدت بعض أملاكها بما يساوي ~~مساحة هذه الأجزاء التي فقدتها أو عدد سكانها. # وتلك المبادئ جميعها، التي أخذت بها الدول «الكبرى» عند وضع التسوية الأوروبية ~~لم تلبث أن صارت - وعلى نحو ما سنفصله في موضعه - مبعث كل الأحداث والمشكلات ms0720 التي ~~عرفها القرن التاسع عشر، وهي مشكلات قامت على أساس رغبة الشعوب التي اكتمل نضجها ~~القومي في نقض هذه التسوية وإلغائها فيما يتعلق بالترتيبات الإقليمية والسياسية التي ~~قامت على المبادئ الثلاثة السالفة الذكر؛ فإيطاليا وألمانيا كلتاهما ترغبان في الوحدة ~~أو الاتحاد، وبلجيكا والنرويج كلتاهما تريدان الانفصال والاستقلال، الأولى عن هولندة، ~~والثانية عن السويد، وبولندة تبغي التحرر والخلاص من روسيا، وإلى جانب هذا كله قامت ~~الشعوب في الدول «الصغيرة» تريد التخلص من الحكام الرجعيين الذين جاء بهم مبدأ ~~«الشرعية»، وتعمل للتحرر من تدخل الدول «الكبرى» في شئونها حتى تفرض عليها ~~حكما رجعيا استبداديا، أو لترغمها على الرضوخ لحكم أجنبي عنها. # وفي السنوات من 1815 إلى 1848 بذلت الدول الكبرى كل ما وسعها من جهد وحيلة ~~«لتنفيذ» هذه المبادئ الثلاثة التي قامت عليها التسوية الأوروبية، وكان معنى «التنفيذ» ~~محاولة التمسك بجوهر هذه التسوية وتفاصيلها في وجه كل الرغبات المشروعة التي كانت ~~تجاهلتها الدول الكبرى عند وضع التسوية الأوروبية، وعلى ذلك فقد تميزت هذه ~~السنوات الثلاثون، من أجل المحافظة على الأوضاع التي أوجدتها هذه التسوية ~~الأوروبية، بقيام نوع من المحالفات بين الدول الكبرى على أساس التدخل في شئون الدول ~~«الصغرى»؛ لإخماد كل نزعة أو محاولة للتخلص من الحكم الأجنبي، ولإنهاء الحكومة ~~الاستبدادية، أي إن هذه السنوات الثلاثين قد شهدت صراعا مستمرا بين الحكومات ~~«الشرعية» الراجعة أو العائدة، وأنصار الرجعية، وبين الحركات القومية الوطنية وأنصار ~~الحرية في أوروبا. # وأما هذا النظام الرجعي الذي استند على التسوية الأوروبية من جهة، وعلى ضرورة استمرار ~~هذه التسوية وبقائها والمحافظة على آثارها من جهة أخرى، وذلك بمحاولة القضاء على ~~الحركات الدستورية (المذهب الحر)، والأخرى الاستقلالية (المذهب القومي)، فقد كان يمثله ~~في أوروبا البرنس دي ~~مترنخ # Clement Metternick-Winneburg ~~(1773-1859). # وقد أملت على مترنخ الظروف التي نشأ فيها في خدمة الإمبراطورية النمسوية «وآل ~~هابسبرج» السياسة التي لم يكن هناك مناص من اتباعها، ليس فقط من أجل المحافظة على كيان ~~الإمبراطورية النمسوية نفسها ، وكانت هذه تتألف من شعوب وعناصر «أو جنسيات» ms0721 متعددة: ~~جرمانية، سلافية، مجيارية ... إلخ، وتتكلم هذه الشعوب بلغات مختلفة، بل ولضمان الفوز ~~بمكان الصدارة الذي يرجو مترنخ أن تحتله هذه الإمبراطورية بين الدول في أوروبا، فهو عدو ~~لكل تغيير في داخل الإمبراطورية النمسوية يهدف إلى تحرر شعوبها المتباينة عن طريق ~~إنشاء الحكومات الوطنية والدستورية، الأمر الذي يهدد بانحلال هذه الإمبراطورية، وهو عدو ~~لكل تغيير يحدث في داخل الدول الأوروبية الأخرى، أو يطرأ على العلاقات الدولية ~~المؤسسة على التسوية الأوروبية (في سنة 1815)؛ لأن من شأن هذا التغيير تعكير السلام ~~العام، وتهديد التوازن الدولي الذي كفلته التسوية الأوروبية، والذي حفظ للنمسا ~~نفوذا كبيرا في كل من إيطاليا وألمانيا، وذلك نفوذ حرصت النمسا دائما على تدعيمه، ~~وإن كان قد عاد ذلك عليها بالضرر والوبال في النهاية. # وعلى ذلك فقد صار اسم مترنخ علما على سياسة «التدخل» في أوروبا، أي السياسة التي ~~اتبعت من أجل القضاء على الحركات القومية (الاستقلالية) والدستورية بها، ذلك أن ~~مترنخ كان صاحب سياسة المحالفات العملية التي قام عليها الاتحاد الأوروبي، وهو الذي ~~يتدخل لقمع الثورات في إيطاليا وألمانيا، ويعقد مع روسيا وبروسيا اتفاقات القمع ضد ~~الحركات الدستورية والقومية، ويمتنع عن تأييد ثورة اليونانيين ضد السلطان العثماني صاحب ~~السيادة الشرعية عليهم، بالرغم من اتفاق كلمة الدول الكبرى على إنقاذ اليونانيين من ~~الفناء على يد الجيوش المصرية العثمانية، ويبادر بتأييد السلطان العثماني نفسه في ~~نضاله مع واليه وتابعه في الباشوية المصرية، وذلك لتمسك مترنخ في كلا الحالين ~~بمبدأ الشرعية فوق الاعتبارات الأخرى. # أما في داخل بلاده (النمسا) فقد صار «نظام مترنخ» علما على الدولة البوليسية التي ~~اعتمدت على الأساليب البوليسية الصارمة في تعقب المناوئين للنظم القائمة ومطاردتهم، ~~وهم الأحرار والقوميون، وعمدت إلى إلغاء حرية الفرد السياسية، وحرية الصحافة، وفرضت ~~القيود التي وأدت حرية الرأي، وأخضعت أنظمة التعليم للرقابة الصارمة، والجامعات ~~للتضييق الشديد، ولقي الأحرار والقوميون على أيديها السجن والنفي والتشريد، ولقد ~~اتبعت الدول الأخرى في أوروبا هذه الأساليب نفسها، بدرجات متفاوتة؛ لتحقيق الغاية ~~الكبرى ذاتها التي هدف إليها «نظام مترنخ» ms0722 بأكمله، وهي المحافظة على التسوية الأوروبية ~~التي وضعت سنة 1815 دون تغيير. # على أن مترنخ بنظامه البوليسي الرجعي إنما كان يناضل ضد قوات لم يكن هناك معدى عن ~~نجاحها في آخر الأمر، وبعد شوط طويل من المقاومة، ونقصد بذلك قوات الشعوب التي ~~طالبت بحقوقها الدستورية والاستقلالية، والتي لم يكن يتسنى لها أن تظفر بهذه الحقوق ~~إلا عن طريق تحطيم التسوية الأوروبية ذاتها؛ التسوية التي نهض «نظام مترنخ» للمحافظة ~~والإبقاء عليها؛ ولذلك فقط اشتعلت الثورات في كل مكان تقريبا، وفي أزمنة متفقة أو ~~متفاوتة، وكان اشتعالها بمثابة رد الفعل لهذا النظام المترنيخي نفسه، ولغرض القضاء ~~عليه. # ثم إن الثورة لم تلبث أن اشتعلت في النمسا أيضا، وذلك على أثر قيام ثورة فبراير 1848 ~~المشهورة في باريس، فوقعت الثورة في فينا في 13 مارس 1848، واضطر مترنخ إلى ~~الاستقالة، وفي اليوم التالي (14 مارس) غادر مترنخ البلاد هربا «مع زوجه» بطريق ~~مورافيا وسكسونيا، ثم هانوفر وهولندة، إلى إنجلترة للانزواء في برايطون # Brighton ~~، ومع أن «نظام مترنخ» لم يقض عليه مباشرة ~~بفرار صاحبه، فقد خسر هذا النظام أكبر العاملين على تأييده، وكان اختفاء مترنخ من ~~الميدان مؤذنا ببداية انتصار المذهب القومي والمذهب الحر في أوروبا «والتمهيد بذلك ~~للسيطرة البورجوازية»، وإن كان هذا الانتصار لم يتم إلا رويدا رويدا، وفي مراحل ~~متعددة، استمر فيها النضال طيلة الثلاثين سنة التالية. # الفصل الأول # | التسوية الأوروبية # (1) مؤتمر فينا # لقد تقدم كيف انتهت الحروب التي بدأت في أوروبا في عهد الثورة الفرنسية، ثم ~~استمرت في عهد الإمبراطورية النابليونية، بأن انتصر الحلفاء على نابليون في ليبزج ~~(1813)، ثم لم يلبثوا أن غزوا فرنسا نفسها في أوائل العام التالي، واستطاع البربون ~~أن يعودوا إلى عرش آبائهم، وأن يعقد الحلفاء الصلح مع فرنسا في معاهدة باريس الأولى ~~في 30 مايو 1814. # ولكن حروب الثورة ونابليون كانت أكثر من مجرد نضال بين الدول المتحالفة وبين ~~فرنسا، بل إن هذه الحروب كانت بمثابة العاصفة الهوجاء التي اجتاحت أوروبا؛ لتبيد ~~معالم الحياة القديمة بها، فلم تستطع دولة ms0723 أو شعب أو أسرة الإفلات من التأثر ~~بها؛ ولذلك فقد بات ضروريا أن يجتمع «مؤتمر» يتسنى فيه البحث في شئون أوروبا ~~العامة وتسوية المشكلات التي نجمت من هذه الحروب الطويلة، ووقع الاختيار على ~~فينا لتكون مقر هذا المؤتمر؛ لأنها مدينة أوروبية عظيمة، وعاصمة لدولة من ~~الدول الكبرى التي انتصرت في الحرب، ولأن حكومتها - حكومة الإمبراطورية النمسوية - ~~كانت تمثل كل ما ينطوي عليه معنى المحافظة على التقاليد والقانون والنظام في أوروبا ~~وقتئذ. # على أن ثمة ملاحظات بشأن هذا المؤتمر جديرة بالذكر، منها: أن هذا المؤتمر لم ~~ينعقد لإبرام الصلح، والسبب في ذلك أن شروط الصلح كان قد تم وضعها في معاهدة ~~باريس الأولى في 30 مايو 1814، ومن ذلك الحين كانت الحرب منتهية فعلا وقانونا بين ~~فرنسا وبين الدول المتحالفة، وفي استطاعة فرنسا لذلك عند انعقاد المؤتمر أن تطلب ~~الانضمام إلى الأسرة الدولية، أضف إلى هذا أن الغرض من عقد هذا المؤتمر لم يكن ~~إعادة تنظيم شئون أوروبا على قواعد جديدة، باعتبار أن «النظام الأوروبي» قد انهار ~~فعلا من أساسه نتيجة لحروب الثورة ونابليون خلال العشرين سنة الماضية، وأن الواجب ~~يقتضي أصحاب التسوية أن يؤسسوا نظاما أوروبيا جديدا، تختلف القواعد التي ~~يقوم عليها عن تلك التي استند إليها التنظيم الأوروبي في القرن الثامن ~~عشر. # ولكن الذي حدث أن السياسيين الذين اجتمعوا في هذا المؤتمر، اعتقدوا على العكس من ~~ذلك، أن النظام القديم وبالصورة التي عرفها القرن الثامن عشر - أي احترام ~~السلطات الحكومية وتمجيد التقاليد، والمحافظة على التوازن الدولي - هو خير نظام ~~وجد ليضمن للشعوب حرياتها، وليحقق سيادة القانون، وأن كل ما تدعو الحاجة إليه ~~الآن لا يعدو حينئذ أن يكون إدخال بعض التحسينات وحسب، والتي وإن كانت ضرورية فإنها ~~لا يجب أن تنال بحال من الأحوال من جوهر هذا النظام القديم نفسه، ولا جدال في أنهم ~~قد فعلوا ذلك، وأنهم أصروا على أن تعود الحال إلى سابق العهد بها، وأنهم ~~تجاهلوا فيما فعلوا حادث الثورة «الفرنسية» العظيم، وكل المبادئ الجديدة التي جاءت ms0724 ~~بها هذه الثورة، الأمر الذي أدى إلى اعتبار فترة انعقاد هذا المؤتمر، ثم الفترة ~~التالية التي شهدت رجوع الملكيات السابقة إلى الحكم، والعودة إلى الأنظمة ~~القديمة عموما، أنها عهد الرجعية في أوروبا. # وكان الأصل في نشأة هذا المؤتمر أنه جاء في معاهدة باريس الأولى (30 مايو 1814) ~~في مادتها الثانية والثلاثين، أن تتعهد الدولة المشتركة وقتئذ في الحرب من كلا ~~الطرفين بإرسال مندوبيها في خلال شهرين إلى فينا؛ للاجتماع في مؤتمر عام لوضع ~~التسوية التي تضمنتها نصوص هذه المعاهدة، على أنه لما كان يحق لفرنسا - ~~بحكم هذه المادة، ولأنها كانت في حالة سلم مع الدول بفضل إبرام معاهدة الصلح هذه ~~- أن تشترك في وضع التسوية المزمعة، فقد أراد الحلفاء أن يحرموها هذا الحق، ~~فأضافوا مادة سرية، اضطرت فرنسا إلى الموافقة عليها، نصت على أن يكون للحلفاء ~~فيما بينهم هم وحدهم فقط الحق في وضع المبادئ والقواعد التي تجري عليها تسوية ~~الصلح النهائية. # وعلى ذلك صار المؤتمر يتألف من الدول التي وقعت على معاهدة باريس الأولى، ~~وكانت سبعة، هي: بريطانيا، وروسيا، والنمسا، وبروسيا، والسويد، وإسبانيا، ~~والبرتغال، وحينما تبين أن العدد كبير، انحصر النشاط بموجب اتفاق بين الدول ~~الكبرى بين دول أربع فقط، هي: بريطانيا، وروسيا، والنمسا، وبروسيا؛ تألف منهم ~~ما يعرف باسم «لجنة الأربعة»، ولقد نجح تاليران عند اجتماع المؤتمر - بفضل ~~مهارته السياسية - في أن يجعل الدول توافق على انضمام فرنسا إلى هذه اللجنة ~~التي تحولت عندئذ إلى «لجنة خماسية»، وكانت لجنة الخمسة هذه هي المؤتمر فعلا؛ ~~فاستأثرت وحدها ببحث المشكلات والمسائل الهامة، وباتخاذ القرارات الحاسمة بشأنها، ~~وعندما انتهى مؤتمر فينا من أعماله انضمت ثلاث دول أخرى هي: السويد، وإسبانيا، ~~والبرتغال إلى الدول الخمس الأولى في التوقيع على وثيقة أو قرار المؤتمر النهائي # Final Act # في 9 يونيو 1815. # وأما ممثلوا سائر الدول والإمارات الذين بلغ عددهم في فينا المائة تقريبا، ~~فقد اشترك قليلون منهم في أعمال اللجان الأخرى الفنية، ولما كان المؤتمر لم ~~يجتمع إطلاقا بهيئته الكاملة، ولم يعقد جلسة واحدة رسمية ms0725 تضم جميع أعضائه ، ~~سواء عند البدء في العمل أو عند الانتهاء منه، فقد قضى المؤتمر - بمعناه الأعم - ~~وقته في إقامة الحفلات الراقصة والمآدب، ووجد فريق من ممثلي الدول والإمارات ~~والدوقيات وما إليها فراغا من الوقت لكتابة المذكرات والرسائل؛ فكتب أحد هؤلاء ~~البرنس دي لين # Ligne # يصف «نشاط» المؤتمر لصديق له: # لقد كان قدومك في الوقت المناسب؛ لأنه إذا كانت تروقك الحفلات الراقصة ~~والأعياد (الزينات) فأنت قمين بأن تجد ما يشبع نهمك منها؛ فالمؤتمر ~~لا يمشي ولكنه يرقص! وفينا مزدحمة بأصحاب التيجان، والكل يصرخون: السلام، ~~العدالة، التوازن الدولي، التعويضات، وأما أنا فإني قانع بالمشاهدة ~~والملاحظة فحسب، وكل ما أطلبه من تعويض هو قبعة جديدة؛ لأن قبعتي بليت ~~من المرات العديدة التي أرفعها لتحية السادة الذين أصادفهم في كل ~~منعطف وشارع. # ولقد شهدت فينا أيام هذا المؤتمر عددا من الشخصيات العظيمة حقا، من هؤلاء ~~مترنخ وزير النمسا وأعظم السياسيين في أوروبا حنكة وتجربة، مع أنه لا يتجاوز ~~الواحد والأربعين من عمره، ثم إسكندر الأول قيصر روسيا، الرجل الخيالي الحالم ~~والعبقري، والذي يحمل على كتفيه رأسا مزدحما بالآراء والمشروعات، ثم فردريك ~~وليم الثالث ملك بروسيا، الرجل الطيب والضعيف، ثم لورد كاسلريه # Castlereagh # وزير خارجية بريطانيا، وهو رجل ~~عمل وجد وذو تجربة، ويتصف بالاتزان والأمانة، وأخيرا تاليران الذي خدم ~~نابليون وزيرا لخارجيته حتى سنة 1814، ثم نبذه للإمبراطور وهو يصيح في وجهه: «إنك ~~لن تحجم عن ارتكاب الخيانة حتى في حق أبيك نفسه.» # وبدأت أعمال المؤتمر أخيرا باجتماع ممثلي الدول الأربع: بريطانيا، روسيا، ~~النمسا، بروسيا في 13 سبتمبر 1814، وفي 23 سبتمبر وصل تاليران إلى فينا، ولم ~~يرتح تاليران لعزلة فرنسا وانزوائها بعيدة عن لجنة الأربعة؛ فقرر تصحيح هذا ~~الوضع بأساليب سوف يأتي ذكرها في حينه، وتحققت رغبته عند إنشاء لجنة الخمسة ~~التي ضمت فرنسا إليها، وإلى جانب هذه اللجنة الخماسية أنشأ المؤتمر عددا من ~~اللجان الأخرى لدراسة الموضوعات التفصيلية وإعداد البيانات اللازمة؛ فكانت هناك ~~«لجنة الثمانية»، وهي التي وقعت على القرار النهائي - كما تقدم - في ms0726 9 يونيو ~~1815، ولم تكن مهمة هذه اللجنة سوى تلقي القرارات والبحوث الخاصة بالمسائل ~~الأوروبية الهامة، ودرست هذه اللجنة موضوع تجارة الرقيق ومسألة الاتحاد ~~السويسري، ثم كانت هناك «اللجنة الألمانية» لبحث شئون ألمانيا ووضع دستور لها، ثم ~~«لجنة الإحصاءات» وقد اختصت بتعداد السكان في الأراضي التي يراد استبدالها أو ~~إعطاؤها كتعويض كجزء من التسويات التي يتفق عليها المؤتمر. # وأما سكرتيرو المؤتمر فقد تميز منهم اثنان، أحدهما: فردريك فون جنتز # Gentz ~~، أكبر الدعاء والناشرين الذين ~~حملوا على نابليون الأول، وكان جنتز في خدمة بروسيا ثم انتقل في عام 1802 إلى ~~خدمة النمسا، ومنذ 1812 صار «الروح الشريرة» المتسلطة على مترنخ، أو شيطانه الذي لا ~~يفارقه، ولقد بقي فون جنتز بعد مؤتمر فينا سكرتيرا لكل المؤتمرات التي عقدت ~~حتى سنة 1822، وأما الآخر: فكان دي ~~مارتنس # Martens ~~، وهو لا يقل شهرة عن فون جنتز، وصاحب مجموعة المعاهدات المعروفة # Recueil de Traités ~~. # ولقد تناول المؤتمر مسائل تسعا تتعلق ببولندة وسكسونيا، وبحدود الراين، ~~وببلجيكا وهولندة، وبالدنمارك والسويد، وبسويسرة، وبإيطاليا، وبالاتحاد الألماني، ~~وبالأنهار الدولية، وبتجارة الرقيق. # غير أنه قبل الكلام عن الحلول التي وصل إليها السياسيون في هذه المسائل يجب ~~أن نذكر أن المؤتمر كان مقيدا في أعماله بطائفة من المعاهدات والاتفاقات ~~التي أبرمتها الدول فيما بينها أثناء القتال ضد فرنسا، وكانت هذه توضح ~~الطريقة التي يجري بها توزيع الأراضي والأقاليم في إيطاليا الشمالية والأراضي ~~المنخفضة السفلى (بلجيكا)، وعلى ضفة نهر الراين اليسرى، وكذلك مسألة إعداد دستور ~~فدرائي لسويسرة. # وفيما يلي أهم هذه المعاهدات والاتفاقات: ~~(1) # معاهدة كاليش # Kalisch # في 28 فبراير ~~1813 بين روسيا وبروسيا، تنازلت بروسيا بموجبها عن شطر كبير من ~~ادعاءاتها على بولندة، في نظير تعويضها من أراضي ألمانيا (عدا هانوفر) ~~بقدر ما كان لها قبل سنة 1806. ~~(2) # معاهدة ريشنباخ # Reichenbach # في 27 ~~يونيو 1813 وهي معاهدة تحالف بين النمسا وروسيا وبروسيا لاقتسام ~~غراندوقية وارسو فيما بينها. ~~(3) # معاهدة تبليتز # Teplitz # في 9 سبتمبر ~~1813، لدعم أركان المحالفة السابقة، وكان الظاهر في سكسونيا ستكون ~~التعويض الذي تناله بروسيا. ms0727 ~~(4) # معاهدة ريد # Ried # في 8 أكتوبر 1813، ~~وبمقتضاها حصل ملك بفاريا على حق استبقاء ما كان بيده من ~~الأراضي ما عدا التيرول والمقاطعات النمسوية على نهر «الإين # Enns ~~». ~~(5) # معاهدة كييل # Kiel # في 14 يناير 1814، ~~وبمقتضاها تنازل فردريك السادس ملك الدنمارك عن النرويج في نظير ~~حصوله على لونبرج # Luneberg ~~، ~~واستبقت إنجلترة في يدها جزيرة هيلجولند، وكانت السويد قد حصلت ~~منذ آخر أغسطس 1812 في معاهدة أبو # Abo # مع روسيا على حق الاستيلاء على النرويج في نظير مساعدتها الحلفاء ضد ~~فرنسا. ~~(6) # معاهدات شومونت # Chaumont # في أول ~~مارس 1814، وكانت ثلاثا ذات منطوق واحد بين بريطانيا من جانب، وكل ~~من النمسا وبروسيا وروسيا على حدة من جانب آخر، وقد تقرر في مادة ~~سرية أن تسترد الولايات أو الإمارات الألمانية استقلالها، ولكن ~~في نطاق اتحاد عام يجمع بينها، وقد صار إدماج هذا النص في معاهدة ~~باريس الأولى (30 مايو 1814). # وزيادة على ذلك فإن الحلفاء الذين وقعوا في أثناء النضال ضد ~~نابليون، على معاهدة شومونت وهم مترنخ عن النمسا، وهاردنبرج عن بروسيا، ~~ونسلرود عن روسيا، وكاسلريه عن إنجلترة، قد اتفقوا أيضا على عقد ~~اجتماعات دورية لتأكيد التفاهم وتوثيق الصلات الودية فيما بينهم، وبذلك ~~تكون معاهدة شومونت قد تضمنت أيضا أساس نظام المؤتمرات التي ~~عقدتها الدول الكبرى، عندما أخذت هذه الدول تباشر حقها ~~في المحافظة على السلم في أوروبا، وهي المهمة التي اضطلعت ~~بالقيام بها، وكان مؤتمر فينا نفسه أول وأهم هذه المؤتمرات التي ~~عقدتها الدول لهذه الغاية، وإن لم يكن آخرها. ~~(7) # معاهدة باريس الأولى في 30 مايو 1814، وهذه المعاهدة تعتبر ~~«المفتاح» لأعمال المؤتمر؛ لأنها تضمنت كثيرا من الحلول التي ~~عرضت الآن على المؤتمر كأمر واقع ومفروغ منه، من ذلك إرجاع الحدود ~~الفرنسية إلى ما كانت عليه في أول يناير 1792 مع زيادة بسيطة في الجنوب ~~الشرقي والشمال والشمال الشرقي؛ فتنازلت فرنسا عن حقوق سيادتها على ~~أكثر من اثنين وثلاثين مليون نسمة، ثم نصت المعاهدة على انضمام ~~بلجيكا إلى هولندة في مملكة واحدة، وانضمام البندقية ولبمارديا إلى ~~النمسا، ms0728 وجمهورية جنوة إلى بيدمنت (سردينيا). # ثم إنها نصت على إنشاء اتحاد من الولايات الألمانية، كما ~~أبقت جزيرة مالطة وبعض المستعمرات الفرنسية (جزر توباجو، سان ~~لوسيا، إي لدي فرانس) ثم مستعمرة الرأس الهولندية في حوزة بريطانيا ، ~~وأخيرا مهدت معاهدة باريس الأولى لظهور النزاع بين الدول ~~المتحالفة حول المسألة البولندية السكسونية، وذلك حينما كانت بولندة ~~(غراندوقية وارسو) من الأراضي التي انتزعت من فرنسا النابليونية، ~~وكانت مملكة سكسونيا حليفة نابليون، من أراضي العدو التي يجب النظر ~~في مصيرها؛ وذلك كله نتيجة لانكماش حدود فرنسا - حسب هذه المعاهدة - ~~إلى ما كانت عليه قبل حروب الثورة ونابليون. ~~(2) المسألة البولندية-السكسونية # وكانت هذه في الحقيقة أصعب المشكلات التي كادت تتحطم بسببها أعمال المؤتمر، ~~ومنشأ هذه المشكلة أن معاهدة كاليش (28 فبراير 1813) كانت - كما رأينا - قد ~~تضمنت وعدا بتوسع بروسيا في ألمانيا الشمالية، بينما نالت روسيا حق التصرف ~~في بولندة؛ فاعتمدت روسيا على هذه المعاهدة في المطالبة بكل بولندة، وأراد القيصر ~~إسكندر الأول أن يضم غراندوقية وارسو التي أنشأها نابليون، إلى بقية أجزاء بولندة ~~التي كانت روسيا قد استولت عليها من أيام تقسيم بولندة في القرن الثامن عشر في ~~معاهدات التقسيم الثلاث المعروفة في 1772، 1793، 1795. # والغرض من ذلك أن يتسنى بعث بولندة القديمة إلى الوجود مرة ثانية، ولقد أراد ~~القيصر أن يمنح بولندا دستورا ديمقراطيا، وأن يقيم بها حكومة برلمانية، وأن ~~يجمع بين بولندة وروسيا في اتحاد تحت تاج القيصر الشخصي فقط، ولكن غراندوقية ~~وارسو كانت تتألف من المقاطعات البولندية التي هي أصلا من نصيب بروسيا في ~~التقسيمات السابقة؛ ولذلك فقد بات واجبا الحصول على موافقة بروسيا، وقد وافقت ~~بروسيا على رغبات القيصر لقاء أن تنال هي تعويضا في سكسونيا بالاستيلاء خصوصا ~~على درسدن وليبزج أهم مدنها، بدعوى أن ملك سكسونيا فردريك أغسطس قد سقط حقه ~~وحق أسرته في الاستفادة من مبدأ الشرعية، أي إرجاع الحقوق إلى أصحابها الشرعيين؛ ~~لأنه استمر مواليا للإمبراطور نابليون حتى معركة ليبزج (أكتوبر 1813)، ولم يعد ~~له أي حق في الاحتفاظ بأملاكه؛ لأنه خان المصلحة ms0729 الألمانية، ولم تجد روسيا ~~ما يمنعها من قبول وجهة النظر هذه، وراحت روسيا وبروسيا تعضد كل منهما ~~مطالب الأخرى. # على أن هذه المشروعات لم تكن تلقى تأييدا من جانب مترنخ رجل المؤتمر الأول؛ ~~لأن إحياء أو بعث بولندة القديمة على نحو ما أرادت روسيا كان معناه استيلاء روسيا ~~على غاليسيا # Galicia ~~، وكراكاو # Cracow ~~، وكانت كلتاهما من نصيب النمسا في تقسيمي 1772، 1795، ~~ومعناه أيضا امتداد نفوذ روسيا إلى نهر الفستيولا الذي تقع عليه وارسو، أي إلى ~~وسط أوروبا، وذلك ما كانت تخشاه النمسا، ثم إن مترنخ كان يخشى من ناحية أخرى من ~~ازدياد نفوذ بروسيا في ألمانيا الشمالية والوسطى إذا هي استولت على أهم أجزاء ~~سكسونيا، ثم إن كاسلريه - إلى جانب هذا كله - مع عطفه على إحياء بولندة وبعثها إلى ~~الوجود ثانية كان متخوفا هو الآخر من زيادة نمو بروسيا بدرجة تهدد هانوفر ~~(مسقط رأس الأسرة الإنجليزية المالكة) بالخطر. # وعلى ذلك فقد انقسمت الدول الأربع فريقين: روسيا وبروسيا في جانب، وإنجلترة ~~والنمسا في جانب آخر، ولم تلبث أن تأزمت الأمور بين هذين الفريقين؛ حتى إن ~~القيصر أخذ يتهدد المؤتمر، ثم قال في حديث له مع تاليران: «إن لدي مائتي ألف ~~جندي الآن يرابطون في دوقية وارسو، فليحاول من يشاء إخراجي من هذه الدوقية، وأما ~~أنا فقد أعطيت سكسونيا إلى بروسيا»، وهذا الخلاف الظاهر على مسألة ~~بولندة-سكسونيا هو الذي أعطى تاليران الفرصة التي كان يتحينها منذ وصوله إلى ~~فينا (23 سبتمبر)؛ ليخرج فرنسا من عزلتها وليشركها في محادثات لجنة الأربعة، ~~فقد أدرك تاليران أن بوسع فرنسا أن تفعل ذلك إذا هي قبضت الآن على ناصية ~~التوازن بين هذه الدول. # وشارل موريس دي تاليران ~~بيريجور # Taliyrand-Périgord # كان قد نال حنكة كبيرة وتقلبت به ظروف السياسة منذ ~~أن بدأ حياته في سلك رجال الدين وبلغ مرتبة أسقف قبل الثورة، ثم جلس في مجلس ~~طبقات الأمة الذي انعقد في 1789، ولم يلبث أن ترك وظائفه الدينية ليذهب في سنة 1791 ~~إلى لندن في مهمة سياسية، وقد قضى ms0730 تاليران بعد ذلك حوالي السنتين ونصف السنة في ~~الولايات المتحدة الأمريكية (1793-1795)، فلم يعد إلى بلاده إلا في عهد حكومة ~~الإدارة، وتعين حينئذ وزيرا للخارجية، حتى إذا سقطت حكومة الإدارة التحق ~~تاليران بخدمة نابليون، فبقي في خدمته حتى استغنى عنه الإمبراطور في سنة ~~1814. # وعند عودة الملكية الراجعة، ملكية لويس الثامن عشر، شغل تاليران منصب وزير ~~الخارجية، وصار يعمل لإنقاذ وطنه من انتقام الحلفاء المنتصرين، مستندا على أن ~~فرنسا النابليونية قد انتهى أمرها بسقوط نابليون، وأن فرنسا البربونية ليست ~~مسئولة عن الحروب الطويلة الماضية، وبمجرد وصوله إلى فينا، أخذ تاليران يعمل ~~لتحقيق مأربه، ولما كان شديد الإعجاب بالنظم الإنجليزية - منذ زيارته للندن في ~~1791 - وكانت إنجلترة من ناحية أخرى تبدي في شخص وزيرها كاسلريه عطفا على ~~فرنسا، فقد سهل التفاهم بين كاسلريه وتاليران، وبخاصة عندما أخذ تاليران يؤيد وجهة ~~نظر إنجلترة والنمسا في الخلاف القائم حول المسألة البولندية السكسونية. # وعلى ذلك فما إن عقد المؤتمر أولى جلساته الرسمية في 24 ديسمبر 1814 حتى ~~تقدم كاسلريه ومترنخ باقتراح يطلبان فيه أن تضم فرنسا إلى المؤتمر، وأصرا ~~على قبولها ضمن لجنة الأربعة، فأزعج هذا الاقتراح والإصرار على التمسك به ~~كلا من روسيا وبروسيا، ولكن تعذر عليهما الرفض؛ لأن فرنسا منذ أن وقعت ~~على معاهدة باريس الأولى (في 30 مايو 1814) لم تعد دولة معادية، هذا من جهة، ~~ولأن تاليران راح يهدد من جهة أخرى باستثارة الدول الصغيرة للوقوف موقف المعارضة، ~~وبتحريضها على المطالبة بالمساهمة الفعلية في أعمال المؤتمر، إذا رفض الاقتراح ~~بانضمام فرنسا إلى الدول الأربع الكبرى، وعندئذ اضطرت روسيا وبروسيا إلى القبول، ~~وكانت الأمور قد تحرجت بينهما وبين إنجلترة والنمسا، وفي 24 ديسمبر 1814 دخل ~~تاليران إلى لجنة الأربعة. # ومنذ أن تشكلت لجنة الخمسة - بدخول تاليران إلى لجنة الأربعة - أقبل تاليران ~~على تعضيد النمسا وإنجلترة وتأييدهما قلبا وقالبا، وأسفر تعضيده لهاتين ~~الدولتين عن عقد محالفة سرية «دفاعية» بين الدول الثلاث: إنجلترة وفرنسا والنمسا ~~في 3 يناير 1815، وحينئذ لم يكن هناك مناص أمام روسيا ms0731 وبروسيا، إذا بقي الفريق ~~الآخر متمسكا بموقفه، وأرادتا تجنب الحرب من قبول حل وسط لفض المشكلة ~~البولندية السكسونية. # أما هذا الحل الوسط الذي تم الاتفاق عليه، فقد أبقيت بمقتضاه سكسونيا مملكة ~~مستقلة، ويدخل في نطاق حدودها كل من درسدن وليبزج، ولو أنها اضطرت إلى ~~التخلي عن خمس مساحتها الشمالية إلى بروسيا، كما نالت بروسيا تعويضا آخر «بدلا ~~من سكسونيا» في وستفاليا وعلى شاطئ الراين، وأما روسيا فقد استولت على بولندة فيما ~~عدا بوزن Pozen ~~، وبروسيا الغربية (بما فيها دانزج ~~وثورن # Thorn ~~) فقد احتفظت بهما بروسيا، ~~وفيما عدا غاليسيا (بما فيها تارنبول # Tarnopole ~~) ~~التي احتفظت بها النمسا، وفيما عدا كراكاو التي أعلنت مدينة حرة، وبهذا ~~سويت المشكلة البولندية السكسونية. # على أنه إذا كان هذا الحل الوسط قد خدم مصالح إنجلترة والنمسا في هذه المسألة، ~~فمن المشكوك فيه كثيرا أن تاليران أفاد شيئا من تأييده لهاتين الدولتين، وذلك عدا ~~خروج فرنسا من عزلتها، ودخولها في لجنة الأربعة، وانحلال المحالفة ضد فرنسا، وهي ~~الأمور الثلاثة التي قال هو نفسه: إنه جناها من تأييده للمصالح الإنجليزية النمسوية ~~في مشكلة بولندة سكسونيا. # والحقيقة في رأي طائفة من المؤرخين أن تاليران بتدخله الذي أدى إلى هذا الحل ~~الوسط لفض المشكلة البولندية السكسونية قد تسبب في ضياع أكبر فرصة أتيحت ~~لسياسي فرنسي كان في وسعه بانتهازها أن يسدي خدمة جليلة لوطنه؛ وذلك لأن ~~بروسيا وروسيا كانتا على استعداد في هذه الآونة لأن تبذلا في سخاء لقاء حصولهما ~~على مؤازرته لهما، فتقدم إليه المندوب البروسي «هاردنبرج # Hardenberg ~~» عن بروسيا وروسيا معا باقتراح فحواه: أن ينال ملك ~~سكسونيا في حالة استيلاء بروسيا على مملكته، تعويضا في أقاليم أخرى تقع على شاطئ ~~الراين الأيسر ليؤسس فيها مملكة جديدة؛ بحيث تتألف هذه الدولة الناشئة من دوقية ~~لكسمبرج، ومطرانية تريف # Tréves ~~، ومدينة ~~بون # Bonn ~~، وأديرة بروم Prüm ~~، وستافيلو # Stavelot ~~، ~~ومالميدي # Malmédy ~~، ويبلغ سكانها 700000 ~~نسمة. # وقد لقي هذا المشروع معارضة شديدة من جانب مترنخ؛ لأن هذا الأخير كان لا يريد ~~استيلاء بروسيا ms0732 على سكسونيا كما عرفنا، ثم انبرى كاسلريه كذلك لمعارضة المشروع؛ ~~لأن الوزير الإنجليزي لم يكن يريد إقامة دولة ذات ميول واضحة نحو فرنسا على شاطئ ~~الراين الأيسر، فتصبح بلجيكا مهددة بخطر جديد، وتلك جميعها أسباب مفهومة لتفسير ~~معارضة كل من النمسا وإنجلترة للمشروع المقترح، ولكن الذي لم يكن مفهوما أن يتصدى ~~تاليران لمعارضة مشروع تفيد فرنسا من نجاحه فوائد ظاهرة، وهي فوائد يمكن إجمالها في ~~الحقائق التالية؛ وأولها: أن ناخب سكسونيا فردريك أغسطس، كان صديقا لفرنسا، وأن ~~الدولة الجديدة من المنتظر أن تكون الكاثوليكية عقيدتها، وأن يكون أكثرية سكانها ~~من الغاليين، وأن الأسرة المالكة بها، وهي التي أبعدت عن مواطنها الأصلي في ~~سكسونيا، من المنتظر أن يشتد نفورها من بروسيا، وأن الدولة المقترحة سوف تكون ~~بمثابة حاجز بين فرنسا وألمانيا، ومن المحتمل أن يمنع وجود هذه الدولة الحاجزة ~~وقوع الاصطدام بين هاتين الدولتين أجيالا طويلة. # وقد يبدو أن تاليران كان متخوفا إذا هو أيد المشروع البروسي «الروسي» أن تعمد ~~إنجلترة والنمسا إلى خوض غمار الحرب لمنعه ووقفه، ومع ذلك فقد كان ~~محتملا كذلك أن يؤدي انحيازه إلى جانب إنجلترة والنمسا وإصرار هاتين الدولتين ~~على التمسك بآرائها إلى نشوب الحرب كذلك. # وعندما وقع تاليران على معاهدة التحالف بين الدول الثلاث: إنجلترة والنمسا ~~وفرنسا، كتب في اليوم التالي (4 يناير 1815) إلى مليكه لويس الثامن عشر، مزهوا ~~بعمله هذا: # مولاي! لقد انحل التحالف الآن، وإلى الأبد! # حقيقة حطم تاليران بهذه الخطوة التحالف الأوروبي ضد فرنسا، ولكن ~~في رأي الذين نقدوا سياسة تاليران «أنه قد نجح في إعطاء فرنسا شرف القتال من ~~أجل المحافظة على سلامة النمسا وتأييد النصر الذي أحرزته السياسة ~~الإنجليزية.» ~~(3) تسوية فينا # ومنذ أن سويت المشكلة البولندية السكسونية صار سهلا أن يتم الاتفاق على حلول ~~مقبولة للمسائل الأخرى، وهكذا فإنه بمجرد أن بلغت المؤتمر أنباء فرار نابليون من ~~جزيرة إلبا في 6 مارس 1815 - وكان نابليون قد غادرها منذ أول مارس - انزعج ~~المندوبون انزعاجا كبيرا وبادروا يعملون بكل سرعة لإنجاز «القرار ms0733 النهائي»، ثم ~~وقعوا على هذا القرار في 9 يونيو 1815، أي قبل نشوب معركة واترلو بتسعة أيام ~~فقط، وأما هذا القرار النهائي فقد تضمن التسوية التي وضعها السياسيون ~~للمسائل التسع التي سبقت الإشارة إليها، وذلك في الصورة التالية: # أولا: # حصلت روسيا على فنلندة من السويد، ثم على بسارابيا من تركيا، ~~وبسطت سلطانها - كما رأينا - على دوقية وارسو، فاستطاعت أن تنفذ ~~إلى وسط أوروبا. # ثانيا: # رفضت النمسا استرجاع ممتلكاتها في جنوبي ألمانيا وفي بلجيكا؛ ~~لبعد بلجيكا ولصعوبة الدفاع عنها، ولأن النمسا - كما أراد مترنخ ~~- أرادت أن تؤسس إمبراطوريتها بعيدة عن كل اتصال مباشر بفرنسا، ~~وأن تعمل بدلا من ذلك على توحيد قوتها في وسط وجنوبي أوروبا، ~~فاستولت لذلك على التيرول وسالزبرج. # وأما بلجيكا فقد ضمت إلى هولندة في مملكة واحدة تحت تاج أسرة ~~أورانج # Orange ~~، على أمل أن ~~يضمن وجود مملكة متحدة الاستقرار في هذه المنطقة الخطرة (بين ~~مصبات الشلدت والراين)، وهي التي تهدد دائما السلام في ~~أوروبا. # ثم نالت النمسا عن خسارة بلجيكا تعويضا في شبه الجزيرة ~~الإيطالية، فاسترجعت إقليم الميلانيز (لمبارديا) التي خضعت لها ~~منذ معاهدات بوترخت في سنة 1713، كما حصلت على البندقية ودلماشيا، ~~وكافة الجزر التي كانت لجمهورية البندقية في سنة 1797 ما عدا جزر ~~الأيونيان: كرفو، وزانطي، وكيفالونيا وغيرها مما تألف منها ~~الآن دولة واحدة حرة ومستقلة (بمقتضى معاهدة في 5 نوفمبر 1815) ~~ووضعت تحت حماية بريطانيا، وأصبحت النمسا بفضل استيلائها ~~على البندقية وشاطئ الأدرياتيك دولة بحرية. # ثالثا: # ولما صار مترنخ يريد أن يجعل من إيطاليا «تعبيرا أو مصطلحا ~~جغرافيا» فقد طبقت الدول في إيطاليا مبدأ «الشرعية» أي إرجاع ~~الحقوق إلى أصحابها الشرعيين، فرجع ملك سردينيا إلى مملكته، ~~وضمت إليه جمهورية جنوة القديمة، وأعيدت أسرة إست # Este # إلى مودينا # Modene ~~، وأسرة لورين هابسبرج إلى تسكانيا، ثم ~~خولف هذا المبدأ مؤقتا عندما أعطيت ماري لويز زوجة نابليون ~~وابنة إمبراطور النمسا فرنسيس الثاني، دوقية بارما لمدة حياتها، ~~حتى إذا توفيت (وكانت وفاتها في سنة 1847) عادت بارما إلى أسرة ~~بوبرون بارما، بينما ms0734 عادت لوقا # Lucca # التي كانت في يد هذه الأسرة الأخيرة طوال ~~المدة الماضية بمقتضى التسوية إلى غراندوقية تسكانيا، وعندما انضم ~~«مورا» ملك نابولي إلى الإمبراطور نابليون وقت فراره من إلبا ~~وعودته إلى فرنسا، خرجت مملكة نابولي من حوزته، ثم أعدم فورا ~~بعد ذلك، وعادت نابولي إلى ملكها القديم فردنند الأول، من بيت ~~بربون، ولقد أسفرت هذه التسويات عن تمتع النمسا بنفوذ ~~عظيم في شبه الجزيرة الإيطالية. # رابعا : # وكان التعويض الذي أخذته بروسيا في منطقة الراين يتألف من ~~الإمارات الكنسية القديمة التي كان نابليون استولى عليها في ماينز، ~~وتريف، وكولونيا مع غيرها من المطرانيات، وهذا إلى جانب عدد من ~~الإمارات العلمانية، والمدن الإمبراطورية الحرة التي كان قد استولى ~~عليها نابليون أيضا، فتألفت من هذه جميعها الآن مقاطعة ~~الراين السفلي # Nieder Rhein ~~، ~~وكذلك حصلت بروسيا على مقاطعة وستفاليا (حول مونستر # Münster # خصوصا)، ثم أخذت من ~~الدنمارك، بوميرانيا ~~السويدية Pomerania # في نظير تنازلها للدنمارك عن دوقية ~~لونبرج على نهر الإلب. # خامسا: # احتلت إنجلترة جزيرة هليجولند (من أملاك الدنمارك) - ومما ~~تجدر ملاحظته أن إنجلترة تنازلت عنها فيما بعد إلى بروسيا ~~في معاهدة أبرمت سنة 1890 - ثم احتفظت بمالطة، وجزر ~~الأيونيان، ومستعمرة الرأس الهولندية، وسيلان، وديمارارا «في ~~جوايانا البريطانية» وسان لوسيا وتوباجو وترينداد. # سادسا: # تضمنت التسويات الباقية: فصل النرويج من الدنمارك وإعطاء ~~النرويج إلى السويد في نظير استيلاء روسيا على فنلندة من أملاك ~~السويد، ثم استيلاء بروسيا على بوميرانية السويدية، تسوية مسألة ~~الاتحاد السويسري بالإبقاء على الكانتونات (المقاطعات) التسع عشر ~~القديمة، مع إضافة ثلاثة كانتونات جدد إليها «منها جنيف»، ووضع ~~دستور فدرائي لها، ثم ضمان حياد سويسرة بواسطة الدول الثمان، وضع ~~دستور اتحادي لألمانيا، فصار الاتحاد الكونفدرائي الألماني يتألف ~~من أربع وثلاثين إمارة (زيدت واحدة فصارت خمسا وثلاثين في سنة ~~1816)، وأعطيت رياسة الاتحاد إلى النمسا، جعل الملاحة حرة في ~~الأنهار الدولية، إعلان الدول الثمان أن إلغاء تجارة الرقيق في ~~العالم أمر يستحق كل عناية وكل انتباه، ولو أن تحديد الوقت ~~المناسب لإلغاء هذه التجارة صار ms0735 من حق كل دولة أن تختاره متى شاءت، ~~أبقيت الحدود بين إسبانيا والبرتغال على حالها. # سابعا: # لم يتناول المؤتمر مسألة أمريكا الإسبانية، ولو أن كاسلريه على ~~وجه الخصوص كان يدرك أن من المتعذر في المستعمرات الإسبانية ~~«وكذلك في المستعمرات البرتغالية» العمل بالنظام الحكومي القديم ~~الذي أعيد في شبه جزيرة إيبريا، كما كان واضحا أن أمريكا ~~الإسبانية سوف تصبح «أسواقا» لبريطانيا التي زادت أملاكها في ~~العالم الجديد بمقتضى تسويات الصلح، ولقد كان مفروغا منه أن أزمة ~~سوف تحدث في أمريكا الإسبانية نتيجة لسياسة القمع والحكومة ~~الأوتقراطية التي تجري عليها إسبانيا في أملاكها الأمريكية، كما ~~أنه كان من المتوقع أن تتعقد الأمور في البرتغال التي ~~أعلن اندماج «البرازيل» مستعمراتها القديمة معها في مملكة ~~واحدة، ولكن عند انعقاد المؤتمر في فينا (1814-1815) لم تكن ~~واحدة من الدول العظمى سوى بريطانيا تريد التدخل في شئون ~~المستعمرات الإسبانية في أمريكا؛ وذلك لأن روسيا كانت تطمع أن ~~تشغل في البلاط الإسباني في مدريد مركز المستشار المخلص الأمين ~~للحكومة الراجعة، في حين أن فرنسا كانت تؤيد مصالح فرع أسرة بربون ~~الإسباني. # نقد التسوية # قامت تسوية فينا على أساسين هما: توازن القوى، والتعويضات، قاعدتا ~~الدبلوماسية الأوروبية في القرن الثامن عشر، فأرجع السياسيون فرنسا إلى ما ~~كانت عليه قبل حروبها الأخيرة كي يعيدوا التوازن الدولي في أوروبا، ثم إنهم ~~اتبعوا خطة تعويض الدول التي أخذت منها أراضيها لإعطائها إلى دول أخرى، ولو ~~أن كلا من إنجلترة وبروسيا والنمسا وروسيا قد احتفظت بما استولت عليه، ~~سواء كان هذا الذي استولت عليه «حكومات» لم يعد لها وجود مثل مالطة والبندقية، ~~أو مقتطعا من حكومات، كانت سابقا من حلفاء فرنسا، مثل السويد وتركيا وبولندة، ~~كذلك صار إرجاع الأسر القديمة إلى الحكم في الدول التي نحى نابليون أصحابها ~~عن عروشهم وضمها إلى فرنسا، ولكن هذا المبدأ (الشرعية) لم يتبع أيضا ~~بحذافيره، فلم يشأ المؤتمر عودة الأسر الحاكمة التي كان يسوؤه رجوعها أو التي ~~أراد توزيع أملاكها في شكل «تعويضات» تعطى للدول التي تولى ms0736 المؤتمر التصرف ~~في أملاكها، وفي الواقع أن هذا كله إنما كان يجري وفق المبادئ والتقاليد وما ~~أخذ به العرف الدبلوماسي في القرن الثامن عشر، فلم يفكر إنسان أن هناك ~~ما يدعو لاستشارة الشعوب التي أخذ المؤتمر على عاتقه أن يفصل هو وحده في ~~مصيرها. # ثم إن المؤتمر لم يلبث أن أضاف إلى قاعدتي توازن القوى والتعويضات اعتبارا ~~آخر؛ هو ضرورة الاطمئنان لعدم تكدير السلام من ناحية فرنسا في المستقبل، أي ~~اتخاذ التدابير والإجراءات التي تمنع فرنسا من الإقدام على أية اعتداءات ~~جديدة؛ فأحاط المؤتمر مدن فرنسا بحلقة من الدول التي أرادوا أن تكون قوية ~~بدرجة تكفي لمنع فرنسا من استئناف الاعتداء؛ فضموا بلجيكا - كما رأينا - ~~إلى هولندة، وأعطوا الأراضي الواقعة على ضفة الراين اليسرى إلى ألمانيا بينما ~~دعموا استقلال سويسرة التي ضمنت الدول حيادها، ثم أعطوا سافوي إلى بيدمنت ~~لتقوية الحدود الشرقية الجنوبية بالنسبة لفرنسا. # ولقد ترتب على العمل بمبدأ توازن القوى نتائج هامة؛ فقد كان أساس النظام ~~الجديد - حسب تسوية فينا - إنشاء توازن القوى بين مجموعتين من الدول العظمى: ~~إنجلترة وفرنسا، الدولتان الغربيتان في جانب، وروسيا وبروسيا والنمسا الدول ~~الثلاث الشرقية في جانب آخر، ولم تكن واحدة من هذه الدول العظمى قوية بالدرجة ~~التي تعطيها السيطرة بمفردها على شئون أوروبا أو القدرة على المغامرة بدخول ~~الحرب وإحراز النصر على الدول الأخرى، وكان يقع بين هاتين المجموعتين ~~إقليم وسط أوروبا، ويشمل ألمانيا وإيطاليا وسويسرة والأراضي المنخفضة (بلجيكا ~~وهولندة). # أما ألمانيا وإيطاليا فكانت كل منهما مجزأة إلى دويلات وإمارات صغيرة، ~~بينما ضمنت الدول حياد سويسرة ثم الأراضي المنخفضة، وتمكنت أسرة هابسبرج ~~النمسوية من السيطرة على الدويلات الصغيرة في إيطاليا وألمانيا؛ بفضل ما كان ~~لها من أملاك في إيطاليا، وما تمتعت به من نفوذ في ألمانيا بسبب أن ~~الإمبراطور النمسوي كان رئيس الاتحاد الكونفدرائي بها، فلم تعد أسرة هابسبرج ~~في حاجة إلى توسع جديد من ناحية، في حين أنها وجدت من ناحية أخرى أن من ~~صالحها أن تظل قائمة هذه الدويلات الصغيرة، ms0737 فصارت سياسة النمسا التمسك ~~بالوضع القائم والمحافظة عليه وإخماد كل الثورات القومية والدستورية في ~~المستقبل. # ولكن كان من أثر زيادة نفوذ النمسا في كل من إيطاليا وألمانيا أن ~~تأخرت وحدة الأولى، وتعطل اتحاد الثانية مدة خمسين سنة تقريبا، أي ~~حتى 1870-1871، أضف إلى هذا أن انشغال النمسا وتدخلها في شئون إيطاليا ~~وألمانيا حرمها فرصة التفرغ لمد نفوذها في أوروبا الجنوبية الشرقية، ~~وكان هذا ميدانا أفضل وأكثر سهولة لتوسعها، وأدعى لخدمة مصالحها السياسية ~~من ميدان وسط أوروبا. # ثم إن انسحاب النمسا من الحدود الفرنسية الشرقية بتخليها عن بلجيكا، ثم حصول ~~بروسيا على بعض الأقاليم الواقعة على نهر الراين، لم يلبث أن جعل منوطا ~~بمملكة بروسيا حق الدفاع عن ألمانيا عموما، فارتفع شأن بروسيا، ثم انتقلت ~~إليها تدريجيا الزعامة في ألمانيا حيث صارت قبلة أنظار الدويلات ~~والإمارات الصغيرة التي تطلعت إليها في الدفاع عنها، واضطرت بروسيا إلى ~~إنشاء جيش قوي، في قدرته تأدية هذه المهمة. أضف إلى هذا أن التسوية التي ~~حدثت في فينا وأعطت بروسيا أقاليم متفرقة في أنحاء ألمانيا، لم تلبث ~~أن جعلت بروسيا مرغمة على العمل لربط هذه الأقاليم بعضها ببعض، فكان ~~ذلك بداية السياسة التي أفضت إلى تشييد صرح الاتحاد الألماني ~~(1870-1871). # وفي الوقت الذي قوي فيه نفوذ النمسا وروسيا، وقد أعطيت هذه الأخيرة - ~~كما عرفنا - منفذا إلى أوروبا الوسطى باستيلائها على بولندة، فلم يبق ~~من بولندة ذاتها سوى مدينة «كراكاو» التي أنشئت مدينة حرة ذات حكومة ~~جمهورية أرستقراطية، ثم بدأ يرتفع شأن بروسيا، كانت السويد مرغمة على ~~الانزواء في اسكندناوة بعد أن فقدت فنلندة وبوميرانيا السويدية، وقد نالت ~~السويد - كما رأينا - النرويج تعويضا لها عن الأقاليم التي فقدتها. # وأما الإمبراطورية العثمانية فلم يكن لها مندوبون أصلا في مؤتمر فينا؛ لأن ~~المؤتمرين تجاهلوا - خطأ منهم ولا شك - وجود المسألة الشرقية بمشكلاتها ~~الشائكة في اليونان، والولايات الدانوبية: الأفلاق والبغدان «ولاشيا وملدافيا» ~~ومصر، وتلك مشكلات لم يكن هناك مناص من مواجهتها عاجلا أو آجلا. # ومما يجدر ذكره أن العمل بمبدأ ms0738 توازن القوى كان معناه أيضا، بمجرد أن ~~أعيدت «الدول» التي غيرت الثورة ونابليون حكوماتها، أن يعود الملوك والأمراء ~~السابقون إلى حكوماتهم القديمة، وبالطراز الذي كان سائدا أيام «النظام ~~القديم»، وحينئذ انتشرت الملكيات المطلقة في أوروبا، فلم يزد عدد الدول ~~التي كان لها دساتير تقيد حكوماتها على ست فقط، كانت إنجلترة وفرنسا والأراضي ~~المنخفضة والجمهوريات السويسرية الأرستقراطية التي يضمها اتحاد سويسرة ~~الكونفدرائي، والنرويج (منذ نوفمبر 1814) ومملكة بولندة الجديدة (التي أنشأها ~~القيصر إسكندر الأول ومنحها دستورا سنة 1815)، ومع ذلك حتى هذه الدول أبقت ~~دساتيرها جميعا السلطة الحقيقية في يد الملك، أو في يد أرستقراطية ~~صغيرة. # وكان من المتعذر إغفال آثار المبادئ الحرة التي جاءت بها الثورة الفرنسية، ~~والتي هدفت إلى إنشاء نوع من الحكومات أكثر ديمقراطية من الحكومات الراجعة، ~~فتزايد عدد المتذمرين الذين أخذوا يعارضون الأنظمة السياسية التي أعادها ~~السياسيون إلى الوجود سنة 1814، ثم أغفلوا رغبات الشعوب (والمذهب القومي وليد ~~حروب الثورة ونابليون) عندما شرعوا يقتسمون الأراضي ويوزعونها بسكانها فيما ~~بينهم دون أن يستشيروا أهلها في مصيرهم، فأنشئوا دولا غابت منها روابط ~~اللغة والجنس والشعور بالمصلحة، أو الاتفاق في المذهب، مثال ذلك تجزئة إيطاليا ~~وألمانيا وبولندة، أو توسع النمسا حتى صارت تضم بين حدودها مجموعة من الأمم ~~لا يربط بينها رابط، فانتشر بسبب هذا العمل التذمر بين الأهلين الذين ~~راحوا يؤلفون في الدول المختلفة أحزابا «وطنية» للمطالبة بتحقيق الأهداف ~~القومية، ولقد كان من المنتظر - وكما حدث فعلا - أن ينضم المتذمرون «الأحرار» ~~الذين يريدون الحكومة الديمقراطية إلى المتذمرين «الوطنيين» أصحاب المطالب ~~القومية، فيؤلف الفريقان حزبا أو جماعة واحدة، مهمتها المعارضة الشديدة ~~من أجل تحطيم التسوية التي وضعها السياسيون في فينا. # فلما أن عمدت الحكومات الأوتقراطية والرجعية إلى التقرب من بعضها بعضا كي ~~تتآزر فيما بينها لتدفع عنها هذا الخطر، شعر «المعارضون» في كل دولة بضرورة ~~التقرب من زملائهم في الدول الأخرى، والتعاون فيما بينهم جميعا ضد الحكومات ~~الاستبدادية والأجنبية التي فرضت سلطانها عليهم. # ولما كانت إمبراطورية النمسا تضم في حدودها أكبر مجموعة من ms0739 الأمم ذات الأهداف ~~القومية والديمقراطية التي يهدد تحقيقها كيان الإمبراطورية نفسه، فقد ~~اهتمت النمسا قبل غيرها من الدول بضرورة اتخاذ الإجراءات السريعة والحازمة من ~~أجل القضاء على كل حركة للتذمر والمقاومة في أرجائها، وأسمى مترنخ هؤلاء ~~المتذمرين «بالثوريين»، ثم راح يلخص الموقف في قوله: «إن غرض هذه الجمعيات ~~الثورية واحد لا يتغير، هو قلب كل نظام حكومة قانوني قائم، فالواجب على ~~الملوك أن يقابلوا هذا بمبدأ واحد لا يتغير أيضا، هو المحافظة على كل نظام ~~حكومة قانوني قائم.» # وبين أولئك الملوك وأصحاب السلطان الشرعي الذين يريدون المحافظة على كل ~~نظام حكومة قانوني قائم، وبين أحزاب المعارضة من الوطنيين والأحرار ~~والديمقراطيين الذين أرادوا قلب كل نظام حكومة قانوني قائم، لم يلبث أن ~~نشب ذلك النضال المستعر الذي استمر طيلة القرن التاسع عشر، عندما صارت ~~بلجيكا تطلب الانفصال عن هولندة، والنرويج عن السويد، وصارت بولندة تنشد ~~استقلالها، وتحاول كل من إيطاليا وألمانيا تحقيق وحدتها أو اتحادها، ثم ~~صارت الشعوب في الدويلات الأقل أهمية تبذل قصارى جهدها للتخلص من حكامها ~~الرجعيين، ولإنشاء الحكومات الوطنية والقومية، والتحرر من السيطرة الأجنبية ~~المفروضة عليها. # ومع ذلك، وبالرغم من كل هذه المثالب والعيوب، فقد نجحت تسوية فينا في ~~تحقيق الغرض المباشر الذي هدفت إليه الدول التي وقعت على معاهدة باريس ~~الأولى (في 30 مايو 1814)، وكانت تريد وقتئذ إقامة نظام حقيقي ودائم للتوازن ~~الدولي في أوروبا، حقيقة طرأ على هذا النظام شيء من التبدل بانفصال بلجيكا ~~عن هولندة في سنة 1831، أو حينما خطت إيطاليا خطوة كبيرة نحو وحدتها في سنتي ~~1859-1860، ولكن هذا النظام لم يتصدع، بل إنه على العكس من ذلك استطاع أن ~~يخدم السلام العام في أوروبا مدة طويلة، فلم يعكر صفو السلام في ~~الفترة التالية سوى قيام حرب القرم (1853-1856)، ولقد وقعت هذه الحرب في ~~ميادين بعيدة، فلم تنشغل الشعوب والدول بحروب كبيرة، الأمر الذي جعل ممكنا ~~انتشار الانقلاب الصناعي، وتبعا ذلك، نمو النظام الرأسمالي في إنجلترة ~~أولا، ثم في سائر أوروبا، والحقيقة أن نظام ms0740 التوازن الدولي الذي أوجدته ~~تسوية فينا لم تتصدع أركانه إلا حين قامت الحرب السبعينية بين ألمانيا ~~وفرنسا، ففقدت فرنسا إقليمي ألزاس ولورين لتستولي عليهما الإمبراطورية ~~الألمانية الجديدة على يد مستشارها الأول بسمارك (1871). # الفصل الثاني # | الاتحاد الأوروبي1 # أزعج فرار نابليون من إلبا السياسيين المجتمعين في فينا؛ فبادورا - كما ~~تقدم - بالتوقيع على التسوية النهائية «أو القرار النهائي» في 9 يونيو 1815، وفي ~~18 يونيو انهزم نابليون في واترلو، وواجه السياسيون أمرين: عقد الصلح من جديد مع ~~فرنسا التي آزرت نابليون أثناء حكم «المائة يوم »، ثم تجديد محالفة الدول العظمى ~~على أساس الاتحاد فيما بينها بعمل مشترك للغرض منه، اتقاء أية أخطار قد تهدد ~~السلام العام من جانب فرنسا في المستقبل، ثم المحافظة على التسوية النهائية التي ~~تمت في فينا لعدم تكدير السلم كذلك في أوروبا. # معاهدة باريس الثانية (20 نوفمبر 1815) # ففيما يتعلق بالأمر الأول، عقد الحلفاء معاهدة جديدة مع فرنسا؛ هي معاهدة ~~باريس الثانية في 20 نوفمبر 1815، فقدت فرنسا بمقتضاها كثيرا من المزايا التي ~~كانت نالتها في معاهدة باريس الأولى (30 مايو 1814) بسبب أنها ساعدت نابليون ~~على الحكم مرة ثانية عند عودته من إلبا، فأرجعت فرنسا الآن إلى الحدود التي ~~كانت لها سنة 1790 (أي بدلا من حدود 1792 التي كانت نصت عليها معاهدة باريس ~~الأولى)، ثم طلب منها دفع تعويض قدره سبعمائة مليون من الفرنكات يؤخذ ~~منها جزء لتقوية الحصون التابعة للدول ذات الحدود الملاصقة للحدود الفرنسية، ~~ويوزع بقية المبلغ على حكومات الحلفاء والدول الأخرى التي أصابتها أضرار من ~~ناحية فرنسا، وقد قسم هذا المبلغ الضخم بصورة يتمكن بها الفرنسيون من ~~سداده في خلال خمس سنوات على أقساط متساوية، وبشريطة أن يحتل مائة ألف مقاتل من ~~جيوش الحلفاء حصون فرنسا الشمالية الشرقية، إلى أن يتم تسديد المبلغ بأجمعه. # ومع أن الفرنسيين وقتئذ شعروا بصرامة هذه الشروط وقسوتها، فقد كان في وسع ~~الحلفاء أن يفرضوا على فرنسا شروطا أشد قسوة، ولكنهم لم يفعلوا، بل إنهم رفضوا ~~مثلا إعطاء إقليم «ألزاس» إلى بروسيا، وكان ms0741 مندوبا بروسيا قد طالبا بهذا ~~الإقليم، وهما هاردنبرج وهمبولدت # Humboldt ~~، ولقد ~~دلت التجربة بعدئذ على أن احتفاظ فرنسا بالألزاس كان ضروريا لتأمين التوازن ~~السياسي في أوروبا، زد على ذلك أن أحدا لم يكن يتوقع أن ترضى إنجلترة بأن تنال ~~هولندة كل المستعمرات التي كانت في حوزتها سابقا، فتستعيد هولندة بفضل معاهدة ~~أبرمت معها في 13 أغسطس 1814 كل المستعمرات التي كانت لها عند أول يناير 1803 ما ~~عدا رأس الرجاء الصالح، ثم دمارارا # Demarara ~~، ~~ونهري إسكويبو # Essequibo ~~، وبربيس # Berbice # في جوايانا بأمريكا الجنوبية، فتترك ~~إنجلترة هولندة تستولي على بتافيا (جاوه)، مما أدهش نابليون نفسه، الذي زاد من ~~دهشته كذلك أن تترك إنجلترة فرنسا تمتلك جزيرة بربون (إلى الشرق من جزيرة ~~مدغشقر). # التحالف الرباعي # 2 # وأما عن الأمر الثاني، فقد انطوت فكرة الاتحاد الأوروبي على إنشاء تحالف بين ~~الدول التي اشتركت في النضال ضد فرنسا من جهة، ثم السعي من أجل المحافظة على السلام ~~عموما في أوروبا من جهة أخرى، وعلى ذلك فإن فكرة الاتحاد الأوروبي إنما ترتد ~~في أصولها إلى الوقت الذي كانت لا تزال تعقد فيه المحالفات الدولية لمواصلة ~~القتال ضد نابليون، فمن الثابت أن فكرة الاتحاد الأوروبي قد أخذ بها على وجه ~~الخصوص رجال السياسة الإنجليز «بت الأصغر Pitt # وكاسلريه» منذ 1805 أثناء النضال ضد نابليون، أضف إلى هذا أن كاسلريه لم يكن ~~يقنع - أثناء انتصارات نابليون المتكررة وبسببها - بمجرد عقد المعاهدات المنفصلة ~~التي عمدت الدول وقتئذ إلى إبرامها متفرقة فيما بينها، مثل معاهدة كاليش (في ~~فبراير 1813) بين روسيا وبروسيا، أو معاهدة «ريد» في أكتوبر من السنة نفسها بين ~~بافاريا والنمسا، أو تلك التي عقدتها بريطانيا مع كل حليف من حلفائها على حدة، ~~وأدرك كاسلريه أن من الضروري عقد معاهدة عامة تسمو على كل هذه الاتفاقات ~~والمعاهدات المنفصلة والمتفرقة. # ولقد تزايد وضوح الحاجة إلى إبرام هذه المعاهدة حينما رفض نابليون شروط ~~الصلح التي كان قد عرضها عليه الحلفاء في «شاتيون # Chatillon ~~» في 7-8 فبراير 1814، وذلك بعد انتصارهم على ms0742 جيوشه في ~~معركة ليبزج المعروفة منذ أكتوبر من العام السابق، فأسفرت مساعي كاسلريه حينئذ ~~عن إبرام معاهدة «شومنت» في أول مارس سنة 1814، وهي المعاهدة التي عرفنا أنها ~~تتألف من ثلاث معاهدات متشابهة بين بريطانيا وبين كل من النمسا وبروسيا ~~وروسيا على حدة، ولهذه المعاهدة أهمية كبيرة باعتبار أنها احتوت على الأساس الذي ~~قام عليه نظام الاتحاد الأوروبي في الفترة التالية؛ فقد قرر الموقعون على هذه ~~المعاهدات الثلاث مواصلة الحرب ضد نابليون وعدم الدخول في مفاوضات صلح منفرد مع ~~العدو المشترك: فرنسا، ثم تعهد كل منهم بتقديم ستين ألف مقاتل إذا هاجمت ~~فرنسا إحدى الدول الأعضاء الموقعة على المعاهدة ، بعد إبرام الصلح، ثم إن هذه ~~الدول الأربع التي وقع مندوبوها على المعاهدة عمدت إلى الاحتفاظ بحق الاشتراك ~~فيما بينها متحدة. # وبمجرد عقد الصلح مع فرنسا من أجل اتخاذ أفضل الوسائل القمينة بضمان استمرار ~~السلام في أوروبا من جهة، واستمراره بين كل دولة وأخرى من بين الدول المتعاقدة من ~~جهة أخرى، وكان معنى هذا أن النص الذي جاء بالمعاهدة خاصا بتقديم الإمدادات ~~العسكرية عند وقوع العدوان من جانب فرنسا، لا يجب أن يكون متعارضا مع أي نظام أوسع ~~مدى لضمان السلام العام قد تضعه الدول عند عقد مؤتمر الصلح النهائي، أو يكون ~~معطلا له. # ولقد تجددت معاهدة شومنت هذه في جوهرها عندما عقد الحلفاء مع فرنسا معاهدة ~~باريس الأولى في 30 مايو 1814، ثم لم تلبث أن تجددت مرة ثانية عندما بادر ~~الحلفاء إلى عقد معاهدة للتحالف فيما بينهم في فينا في 25 مارس 1815 بمجرد ~~ذيوع نبأ فرار نابليون من إلبا، وقد حققت هاتان المعاهدتان «في شومنت وفينا» ~~الأغراض المتوخاة من عقدهما، فقضي على قوة نابليون، وأبرم الحلفاء مع ~~فرنسا معاهدة باريس الثانية (في 20 نوفمبر 1815). # وكان عندئذ أن خشي كاسلريه ومترنخ أن يترتب على نجاح المحالفة في تحقيق الغرض ~~المباشر منها، وهو هزيمة فرنسا، انفراط عقدها، وذلك في وقت كان الواجب يقتضي رجال ~~السياسة في أوروبا أن يعملوا من أجل المحافظة ms0743 على السلم واستقراره، وأن يتخذوا كل ~~الاحتياطات التي تمنع فرنسا من استئناف عدوانها إذا شاءت تكدير السلام في أوروبا ~~مرة أخرى. # ولذلك فقد استطاع كاسلريه - على وجه الخصوص - أن يظفر بتجديد «المبدأ» الذي ~~تضمنته معاهدة شومنت السابقة، من حيث المبادرة بتقديم القوات العسكرية إذا ~~وقع عدوان جديد من جانب فرنسا، وعقد اجتماعات دورية لبحث المشكلات التي ~~يتهدد تأزمها السلم في أوروبا؛ ففي اليوم نفسه الذي وقعت فيه الدول: ~~روسيا، بروسيا، النمسا، إنجلترة على معاهدة الصلح مع فرنسا، أي في 30 نوفمبر 1815، ~~أبرمت هذه الدول الأربع فيما بينها معاهدة «تحالف رباعي»، كانت هي الأساس الذي ~~قام عليه نظام الاتحاد الأوروبي في السنوات التالية. # فقد تعهدت الدول الأعضاء في هذه المحالفة الرباعية بتأييد معاهدة باريس ~~الثانية المبرمة مع فرنسا في التاريخ نفسه، ثم إنها أخذت على عاتقها أن ~~تبادر كل منها بتقديم ستين ألف مقاتل لمساعدة أي عضو من أعضاء المحالفة ~~يقع عليه هجوم في المستقبل، وأبرزت المادة السادسة من المعاهدة فكرة ~~الاتحاد الأوروبي كما صورته معاهدات شومنت، وإنما بصورة عملية، فنصت على ما يأتي: # حتى يمكن دعم الروابط التي تجمع في الوقت الحاضر الملوك الأربعة ~~في اتحاد وثيق، يوافق المتعاقدون على تجديد عقد اجتماعاتهم في فترات أو ~~أوقات (دورات) معينة، سواء كانت هذه الاجتماعات تحت إشرافهم شخصيا، أو ~~حضرها وزراؤهم الذين يمثلونهم؛ وذلك لتبادل الرأي (أي المشاورة) فيما ~~يتعلق بمصالحهم المشتركة، ولفحص الوسائل «أو الإجراءات» التي يقر الرأي ~~في كل فترة أو دورة من هذه الدورات على اعتبارها ذات أعظم أثر طيب في ~~تأمين هدوء وسكينة الأمم (الشعوب) ورخائها، وفي تأييد واستقرار السلام في ~~«الدولة أو في» أوروبا. # ولما كان كاسلريه أكبر المسئولين عن إنشاء هذا التحالف الرباعي، (على أساس ~~معاهدتي شومنت في مارس 1814 وفينا في مارس من السنة التالية)، ونص هذا التحالف ~~على عقد اجتماعات دورية لفحص المسائل التي تمس مصالح أعضائه المشتركة، ~~ولتوطيد السلام في أوروبا، ثم ترتب على وجود هذا النص وتطبيقه قيام «الاتحاد ~~الأوروبي» الذي أخذ ms0744 يعالج المشاكل التي ظهرت في أوروبا في الفترة التالية؛ ~~فقد صار ضروريا معرفة آراء كاسلريه نفسه في هذا الاتحاد، وماذا كان موقفه منه، ~~ثم إنه لا غنى عن هذه المعرفة في آخر الأمر؛ لأن السياسة التي سار عليها كاسلريه ~~إلى وقت وفاته في أغسطس 1822، ثم استرشد بمبادئها الجوهرية جورج كاننج # Canning # الذي خلفه في وزارة الخارجية ~~البريطانية، كانت في النهاية مع العوامل التي حطمت الاتحاد الأوروبي، أي القضاء ~~على ذلك النظام الذي بذل كاسلريه نفسه كل ما يملك من جهد ومهارة سياسية من ~~أجل إنشائه. # وروبرت ستيوارت كاسلريه كان من أقدر الوزراء الإنجليز الذين نالوا احترام رجال ~~السياسة في أوروبا؛ وذلك لما اتصف به من هدوء واتزان وأصالة رأي، وقد قام بدور ~~هام في سياسة بلاده الداخلية مدة ربع قرن من الزمان تقريبا، ثم ظهر على مسرح ~~السياسة الأوروبية في السنوات العشر الأخيرة، ومنذ أن شغل كاسلريه منصب وزير ~~الخارجية (1812) - في وقت كان فيه نابليون صاحب القوة والغلبة الظاهرة، وكان ~~ضروريا لذلك عدم انفراط عقد المحالفة الأوروبية ضد فرنسا - لم يلبث أن أبدى ~~كاسلريه مهارة فائقة في أشد أوقات الحرب حرجا ليحول دون تفكك المحالفة ~~الأوروبية، وعندما سقط نابليون، جاء كاسلريه إلى فينا لحضور مؤتمر الدول المنعقد ~~بها، وكانت المبادئ التي استرشد بها في سياته الخارجية هي التعاون مع الدول ~~للمحافظة على السلام في أوروبا، ثم التزام خطة عدم التدخل إطلاقا في شئون الدول ~~الداخلية. # ولقد تمسك كاسلريه بمبدأ عدم التدخل لاعتقاده الراسخ أن مبعث تكدير السلام دائما ~~إنما هو تدخل الدول الكبيرة في شئون الأخرى الصغيرة، وجعل كاسلريه نصب عينيه ~~المحافظة على مصالح الدول الصغيرة، على أنه في أثناء هذا كله كان شديد الحرص على ~~سلامة المستعمرات البريطانية، ويعمل بجد لتأمين طريق الإمبراطورية البريطانية إلى ~~الهند وبقاء هذا الطريق مفتوحا دائما، وقد اقتضى كاسلريه العمل بهذه المبادئ، أن ~~صار يؤيد فيما بعد القوميات الناشئة ويعترف باستقلال الشعوب وبالحكومات الوطنية ~~«الفعلية أو الواقعية» التي تقيمها. # ومع هذا فإن كاسلريه يعتبر ms0745 بحق مسئولا إلى حد كبير عن التسوية الأوروبية ~~التي وضعت في فينا، وهي تسوية أغفلت - كما رأينا - المبادئ التي نادى ~~بها الأحرار والوطنيون القوميون في أوروبا، غير أن السبب في انحراف كاسلريه عن هذه ~~المبادئ الحرة والوطنية كان اعتقاده بضرورة تحقيق التوازن الدولي عن طريق تقوية كل ~~من النمسا وبروسيا في وسط أوروبا. # أما الحافز الأكبر لكاسلريه إلى إنشاء التحالف الرباعي؛ فكان خوفه من فرنسا ~~وتجدد الاعتداء من ناحيتها، فاحتاط للأمر بعقد أواصر المحالفة مع الدول الكبرى من ~~جهة، وتدبير احتلال فرنسا نفسها (وقد استمر هذا الاحتلال حتى سنة 1818) من جهة ~~أخرى، وكان تحقيق هذه الحيطة إذن في إبرام المحالفة الرباعية، على أن تلك في نفس ~~الوقت كانت حقيقة جعلت متعذرا أن يرضى كاسلريه بتاتا بأن يخرج هذا التحالف ~~الرباعي عن الغرض الأساسي الذي أنشئ من أجله، فيتخذ منه السياسيون الرجعيون في ~~أوروبا، وعلى رأسهم مترنخ أداة للتدخل في شئون الدول الداخلية، بدعوى أن إخماد كل ~~ثورة أو انقلاب قد يحدث في داخل هذه الدول ضروري من أجل صيانة السلام العام في ~~أوروبا، ثم إنه كان واضحا للسبب نفسه أن من المتعذر أن يقبل كاسلريه الموافقة ~~على أية محالفات ترمي إلى هذه الغاية. # وفي ضوء هذه الاعتبارات إذن تكون سياسة كاسلريه عند إنشاء التحالف الرباعي قد ~~نجحت أولا: في ضمان تنفيذ الشروط التي فرضها المنتصرون في الحرب على فرنسا، بمقتضى ~~معاهدات الصلح، وثانيا: في أنها بإنشاء نظام الاتحاد الأوروبي قد أتاحت الفرصة ~~لتسوية عدد من المشكلات التي ظهرت فيما بعد، من غير حاجة للالتجاء إلى الحرب ~~كوسيلة ناجعة لفضها. # الحلف المقدس # 3 ~~(26 سبتمبر 1815) # وفي الوقت الذي وضع فيه السياسيون هذه القواعد العملية لتنفيذ شروط التسوية ~~الأوروبية التي حصلت في فينا، ولتأييدها، وللمحافظة على السلام العام في ~~أوروبا، كان قيصر روسيا إسكندر الأول، قد أخرج إلى عالم الوجود مشروعا آخر ~~للسلام من ثمرات خياله الخصب، كان قد فكر فيه من مدة طويلة، ثم راح يقلب وجوه ~~الرأي فيه من جديد ms0746 حينما انتصر الحلفاء على نابليون، وبدءوا يعقدون اجتماعاتهم لوضع ~~تسوية الصلح الأخيرة، وقام مشروع القيصر على فكرة أن يصبح الملوك إخوة، وأن ~~يسترشدوا في معاملاتهم مع بعضهم بعضا بمبادئ المسيحية وتعاليمها. # ومنذ سنة 1804، وقت أن تألبت الدول - في محالفات دفاعية على الأكثر - ضد ~~نابليون كتب القيصر إسكندر إلى الكونت نوفوسيلتزوف # Novossilzoff # مندوبه في إنجلترة في 11 سبتمبر 1804، يشرح الفكرة ~~التي لم تكن ترمي فقط إلى خلاص أوروبا عند القضاء على نابليون، بل ومن أثرها ~~كذلك خلاص الإنسانية نفسها والمحافظة على «حقوقها»، وموجز هذه الفكرة إنشاء اتحاد ~~أوروبي مهمته أن يفصل بالطرق السلمية فيما قد يقع من خلافات بين الدول، ~~على أن هذا المشروع القيصري كان سابقا لأوانه، بسبب انتصارات الإمبراطور الفرنسي ~~المتتابعة، حتى إذا انهزم نابليون أخيرا، وظهر الاهتمام بضرورة المحافظة على ~~السلم في أوروبا، تقدم القيصر إسكندر بمشروعه من جديد، وفي هذه المرة أراد أن يستند ~~الاتحاد الأوروبي الذي يدعو إليه على كل المبادئ والتعاليم التي جاءت بها المسيحية؛ ~~أي إن القيصر أراد أن يتخذ من «الدين» أساسا تقوم عليه العلاقات بين الدول، وكان ~~لمشروع القيصر - بهذا الثوب الديني الذي أضفي عليه، والذي عرف باسم «الحلف ~~المقدس» - آثار عديدة ومنوعة. # فقد كان من المعروف عن القيصر إسكندر الأول أنه رجل تنطوي شخصيته على متناقضات ~~كثيرة، وأن ثمة عاملين متضادين يتنازعانه دائما، هما: التقدم والسير نحو الحرية ~~والأخذ بمبادئ الأحرار، ثم الجمود والتوقف، بل والاستدارة للمضي في طريق الرجعية، ~~ثم إنه كان محبا لنفسه، تستثيره العاطفة، وصاحب أهواء ونزوات نفسية، لا يستقر على ~~حال، ومن المعروف أنه حينما تقدم بمشروع الحلف المقدس كانت تغمره موجة من التقى ~~والورع، ويعيش تحت تأثير أرملة أحد السياسيين الروس، كتبت فيما مضى طائفة من القصص؛ ~~هي البارونة جوليانه فون كرودنر # Krüdner ~~، كان ~~القيصر قابلها في مدينة «بال» بسويسرة في خريف 1813، في وقت كانت فيه هذه السيدة ~~قد نبذت حياة الترف واللهو التي انغمست فيها سابقا، وصارت تأخذ على عاتقها ~~مهمة اعتقدت أنها موحى بها ms0747 إليها؛ هي إرشاد الملوك والأمراء إلى الطريق ~~السوي. # ولقد كان لنشأة القيصر الأولى أكبر الأثر في أنه صار متقلب الأطوار لدرجة أن غدت ~~شخصيته «لغزا» غامضا من الألغاز التي عجز العصر الذي عاش فيه عن فك طلاسمها؛ ~~فهو قد قضى طفولته في بلاط الإمبراطورة كاترين الثانية، وهي جدته لأبيه ~~(1762-1796)، وكان بلاط لهو ولعب، أطلق فيه العنان لشهوات الحياة ولذائذها، ثم ~~قضى دور المراهقة تحت إشراف أبيه القيصر بول الأول (1796-1801)، وكان هذا رجل شذوذ ~~ومتناقضات، علم ابنه الشغف بالتفصيلات العسكرية، كما علمه أن يحب ~~«الإنسانية» حبا نظريا فقط، وأن يحتقر الرجال مهما علت أقدارهم، ثم كان ~~معلم القيصر في شبابه، فرديك سيزاردي ~~لاهارب # Harpe ~~، وهو سياسي سويسري، من الذين اعتنقوا مبادئ اليعاقبة ~~وأيدوا الثورة الفرنسية، لم يلبث أن لقن إسكندر المبادئ والتعاليم التي نادى ~~بها فيلسوف الثورة «جان جاك روسو»، وفي أثناء ذلك كله تلقى القيصر تعليمه العسكري ~~على يد المارشال سوليتكوف # Solitkoff ~~، والذي حرص ~~كذلك على تدريبه تدريبا صارما حتى برع في معرفة تقاليد الأوتقراطية الروسية، ~~وبعد مقتل أبيه «بول» في سنة 1801 أظهر إسكندر ميولا دينية واضحة، كان لحريق ~~موسكو فيما بعد (1812) أعظم الأثر في دعمها، كما زاده إمعانا في هذه النزعة ~~الدينية وقوعه تحت تأثير البارونة فون كرودنر، وكانت فون كرودنر هي نفسها التي ~~راجعت في باريس وثيقة الحلف المقدس، كما تضمنها الإعلان أو التصريح الذي صدر ~~به في 26 سبتمبر 1815، وذلك قبل أن يقدم القيصر نص هذه الوثيقة إلى ~~حلفائه. # أما وثيقة الحلف المقدس فكانت تتألف من مقدمة وثلاث مواد، فجاء في المقدمة ما ~~معناه أن إمبراطوري روسيا والنمسا، وملك بروسيا صاروا يعتقدون بأنه قد بات ضروريا ~~أن يسترشدوا في علاقاتهم مع بعضهم بعضا بالمبادئ السامية التي نادى بها الدين ~~المسيحي والحقائق العالية التي أتى بها، وأنهم لا يبغون من إعلانهم هذه الوثيقة إلا ~~أن يطلعوا العالم أجمع على القرارات التي اتخذوها لهذا الغرض، فنصت المقدمة إذن ~~على أنه: # ليس لهذه الوثيقة من غرض سوى ms0748 أن تعلن للعالم أجمع أنه قد صح ~~عزم الموقعين عليها - سواء فيما يتعلق بإدارة شئون بلاد كل منهم، أو ~~فيما يتعلق بشئون علاقاتهم السياسية مع كل حكومة من الحكومات الأخرى - على ~~أن يسترشدوا بمبادئ الديانة المقدسة (المسيحية) وحدها، وهي مبادئ العدالة ~~والمحبة المسيحية والسلام، وتلك مبادئ لا ينبغي أن يكون الأخذ بها مقصورا ~~على العلاقات الشخصية وحسب، بل يجب أن تكون ذات أثر مباشر على ما يصدر ~~من آراء عن الملوك والأمراء، وأن يسترشد بها هؤلاء في كل خطواتهم بوصف ~~أنها الوسيلة الوحيدة لدعم الأنظمة الإنسانية ومعالجة وجوه النقص ~~بها. # وفي المادة الأولى: «تعهد الملوك الثلاثة المتعاقدون بالبقاء متحدين، ~~وتجمع بينهم أواصر الأخوة الحقيقية والتي لا تنفصم عراها، اهتداء بما جاء به ~~الكتاب المقدس الذي يأمر جميع الناس أن يعتبروا أنفسهم إخوانا، ولما كانوا ~~يعدون أنفسهم أبناء وطن واحد فإنهم يتبادلون في كل الظروف والمناسبات «في كل ~~زمان ومكان» المعاونة والمساعدة والنجدة، وحيث إنهم يعتبرون أنفسهم آباء ~~لرعاياهم ولأجنادهم في أسرة واحدة فهم سوف يسوسونهم بروح الأخوة نفسها التي تحفزهم ~~إلى الذود عن الدين والسلام والعدالة والمحافظة على هؤلاء جميعا.» # وهم المادة الثانية جاء ما نصه: # وعلى ذلك فإن المبدأ الوحيد الذي يسير عليه العمل بين الحكومات أو بين ~~رعاياها، سوف يكون تأدية الخدمات من جانب كل فريق للآخر، وإقامة الدليل ~~بفضل الرغبة الطيبة الثابتة على تبادل المحبة التي يجب أن تملأ قلوبهم ~~ليعتبروا أنفسهم جميعا أعضاء أمة مسيحية واحدة، أما الأمراء الثلاثة ~~المتحالفون فإنهم يعتبرون أنفسهم مجرد وكلاء من قبل الإله ليحكموا فروعا ~~ثلاثة من أسرة واحدة: النمسا وبروسيا وروسيا، معترفين بذلك بأن الأمة ~~المسيحية التي يؤلفون هم ورعاياهم قسما منها، ليس لها غير سيد واحد، هو ~~الإله يسوع المسيح ... # وبمقارنة ما جاء في هذه المادة الثانية في وثيقة «الحلف المقدس»، والتي دعت ~~لاتخاذ الدين أساسا للمحاولات التي يرجى بها حسم المشكلات السياسية، بالمادة ~~السادسة التي أتت في وثيقة التحالف الرباعي، والتي أقامت الاتحاد الأوروبي على أساس ~~عقد مؤتمرات ms0749 دورية لفض المنازعات التي قد تهدد بتعكير صفو السلام العام ~~في أوروبا، لا يلبث أن يتضح الفارق الكبير بين تفكير القيصر إسكندر، الذي طغى عليه ~~نوع من التصوف المبهم وقتئذ، وبين الطريقة العملية الإيجابية التي اهتدى إليها ~~كاسلريه لمحاولة المحافظة على التسوية الأوروبية. # وفي المادة الثالثة والأخيرة: وجهت الدعوة إلى بقية الدول التي تريد الاعتراف ~~بهذه المبادئ المقدسة حتى تنضم إلى الحلف المقدس. # وقد امتدح الشاعر الألماني جيته # Goethe ~~(1749-1832) الفكرة التي أوحت بالمبادئ السامية التي قام عليها الحلف المقدس، ~~والذي قال «جيته» عنه أنه خير محاولة إطلاقا لإسداء خدمة جليلة لقضية ~~الإنسانية. # ولكن وثيقة الحلف المقدس عند إذاعتها لم تلبث أن أثارت دهشة رجال الدين ~~الكاثوليك، فقال الفيلسوف الديني الفرنسي جوزيف دي ~~ميستر # Maistre ~~(1753-1821): إن قيام محالفة بين ملوك ثلاثة أحدهم كاثوليكي ~~(النمسا)، والثاني بروتستنتي (بروسيا) أي مهرطق، والثالث أرثوذكسي (روسيا) أي ~~منشق، لأكبر دليل على عدم المبالاة بالفوارق الدينية التي تفصل بين هذه المذاهب ~~المختلفة، وإنه كذلك لمظاهرة كبرى لتأييد الهراطقة ضد العقيدة الكاثوليكية ~~الصحيحة. # أما رجال السياسة فكانت دهشتهم عند قراءة هذه الوثيقة لا تقل عن دهشة رجال ~~الدين الكاثوليك؛ من ذلك أن مترنخ راح يصفها بأنها «طبل أجوف»، و«أمان إنسانية ~~مكسوة بحلة دينية»، «وفيض من عواطف التقى والورع التي تجيش في صدر القيصر ~~إسكندر»، ثم إن كاسلريه صار يعتبرها «خليطا من الصوفية والكلام الفارغ»، ووصفها ~~فون جنتز بأنها: «زينات مسرحية» ... وهكذا، ومع ذلك فقد انضمت أكثر الدول إلى ~~الحلف المقدس؛ مراعاة لشعور القيصر إسكندر، وكان من بين الدول التي انضمت إليه ~~فرنسا، وهي التي تلمست دائما كل الطرق للخروج من عزلتها السياسية، والعودة ~~إلى المجتمع الأوروبي، أما إنجلترة فقد امتنعت عن التوقيع على هذه الوثيقة ~~بدعوى أن الدستور يمنع الملك أو الوصي على العرش من فعل ذلك. # ومما يجب ذكره، من ناحية أخرى: أن «الحلف المقدس» قد خلف آثارا عميقة في ~~أذهان سواد الناس مدة جيل بأكمله، عندما ساد الاعتقاد بأن قيام الحكومات ~~الاستبدادية، ثم ms0750 إخماد كل حركات أو ثورات الشعوب التحريرية، إنما كان من أسباب ~~وجود الحلف المقدس، كما كان من نتائج إنشائه؛ ولذلك فقد ظل أعداء الملكية ~~الراجعة في فرنسا مثلا، يخلطون بين الحلف المقدس، وبين المحالفات الدولية التي ~~عقدت سابقا ضد نابليون؛ فاعتبروا الحلف المقدس أداة موجهة ضد فرنسا وضد ~~المبادئ الحرة في أوروبا، في حين أن الأحرار صاروا يعتبرون الحلف المقدس مسئولا عن ~~انتشار الرجعية في المدة التالية. # ومع ذلك فإن الحلف المقدس لم يكن في ذاته ~~مسئولا، لا عن انتشار الرجعية، ولا عن قيام «نظام الحكم» المبني على الاستبداد ~~وعلى إخماد الحركات القومية والدستورية في أوروبا، بل كان المسئول في ذلك كله ~~التحالف الرباعي وحده فقط، ويعود ذلك لعدة أسباب من أهمها: أن تعهد أعضاء ~~الحلف المقدس بمساعدة بعضهم بعضا في كل الظروف والمناسبات «في كل زمان ومكان» كان ~~تعهدا يتعذر تنفيذه؛ لأن الظروف والمناسبات أو الزمان والمكان لم تكن معينة ~~ومحددة، على عكس ما حدث في معاهدة التحالف الرباعي التي أوضحت هذه الظروف ~~والمناسبات، ثم عينت قدر المساعدة المطلوبة ونوعها، وهي ستون ألف مقاتل ~~يقدمها كل عضو عند وقوع الاعتداء على أحد أعضاء المحالفة، كما نصت على عقد ~~المؤتمرات الدورية، أي إن التحالف الرباعي قد وضع القاعدة التي من شأنها أن تجمع ~~بين الدول في صورة عملية، في اتحاد أوروبي له أغراض معينة ومحددة ~~معروفة. # وزيادة على ذلك فإن مترنخ سرعان ما أدرك ما كان للتحالف الرباعي من قيمة عملية، ~~فاعتمد عليه في نجاح سياسته التي كانت ترمي إلى تأليف جبهة متحدة من الحكومات ~~الأوروبية، غرضها إخماد الحركات والثورات التي قد تهدد النظام القائم والسلم ~~في أوروبا، ومع أن مترنخ كان يرى في الحلف المقدس «طبلا أجوف»، فقد أدرك أيضا ~~إمكان الاعتماد على هذا الحلف المقدس في الجمع بين الدول الموقعة على وثيقته، ~~والتقريب فيما بينها للقيام بعمل مشترك - دائما على أساس التحالف الرباعي - الغرض ~~منه تأييد النظام القائم، ثم تحويل التحالف الرباعي نفسه إلى أداة فعالة للتدخل في ms0751 ~~شئون الدول الداخلية، إذا اقتضى تأييد النظام القائم هذا التدخل، حتى يمكن إخماد ~~الحركات والثورات الدستورية والقومية في أوروبا. # ولكن لما كانت هذه هي أغراض مترنخ ~~السياسية، وكان هذا هو موقفه من «الاتحاد الأوروبي»، فقد اصطدمت هذه السياسة وهذه ~~الأغراض مع السياسة الإنجليزية التي بدأها كاسلريه، وظل يسير على منوالها جورج ~~كاننج من بعده، وواضح أن هذا الاصطدام كان أول الأسباب التي أدت في النهاية إلى ~~فشل «الاتحاد الأوروبي»، وأما هذه الحقيقة فإنها سوف تستبين عند معالجة المشكلات ~~السياسية التي صادفها رجال السياسة بعدئذ. # وكانت المشاكل الأوروبية التي واجهتها الدول في الفترة التالية مباشرة بعد ~~تسوية الصلح في فينا (1815) أربعا: # أولها: # أن فرنسا التي عقدت الدول التحالف الرباعي، واحتل «الحلفاء» ~~أرضها، ثم فرضوا عليها غرامة مالية كبيرة، إمعانا منهم في الحيطة ~~والحذر منها، استطاعت أن تدفع أقساط التعويضات المطلوبة منها ~~بتمامها، وصارت تريد الخلاص من عزلتها السياسية، وبات لذلك ضروريا أن ~~يفصل السياسيون فيما إذا كان ممكنا أن يؤذن لها بالانضمام إلى ~~الاتحاد الأوروبي، أو أن تبقى تحت إشراف الدول، وتلك مسألة لا مناص من ~~عقد مؤتمر لبحثها، استنادا إلى ما جاء في مواد التحالف الرباعي ~~«والمادة السادسة منها خصوصا». # وثانيها: # أن الدول المنتصرة ضمنت ~~ممتلكات وأراضي كل عضو من أعضاء المحالفة الرباعية ضد أية اعتداءات ~~خارجية قد تقع عليها (وخصوصا من جانب فرنسا)، ولكن الدولة المنتصرة ~~لم تضمن بقاء الحكومات الداخلية التي ينشئها أعضاء المحالفة ~~بصورة دائمة ومن غير تغيير، فكان ضروريا إذن معرفة ما إذا كان ذلك ~~يعني أن لهؤلاء الأعضاء أو لغيرهم أن يقيموا إذا شاءوا حكومات ~~دستورية في داخل بلادهم، أو أن من المحتم على الحلفاء التدخل في ~~شئون هذه الدول من أجل تأييد حكومات الملكيات المستبدة المطلقة بها، ~~وتلك كانت مسألة «التدخل # Intervention ~~» التي ما لبثت أن واجهت الدول بسبب الثورات ~~والاضطرابات التي وقعت في شبه الجزيرة الإيطالية. # وثالثها: # أن الحلفاء ضمنوا ممتلكات وأراضي بعضهم بعضا في أوروبا، ولكنهم ~~تركوا جانبا الإمبراطورية العثمانية، فهل كان ms0752 معنى تقرير مبدأ الضمان ~~في معاهدة التحالف الرباعي أنه مطبق كذلك على الإمبراطورية ~~العثمانية بالرغم من إغفال أمرها، وأن الواجب عليهم أن يضمنوا كذلك ~~ممتلكات هذه الإمبراطورية، أو أن مبدأ الضمان لا ينسحب عليها؟ لقد ~~رفض القيصر إسكندر أن يبحث المؤتمر في فينا «المسألة الشرقية»، ~~ولكن قيام الثورة في اليونان ضد السلطان العثماني لم يلبث أن اضطر ~~الدول أن تواجه هذه المشكلة بصورة جدية. # ورابعها: # أن الحلفاء كذلك لم يتناولوا شيئا من شئون المستعمرات الأوروبية في ~~أمريكا، وقد سبق القول كيف ترك الحلفاء في مؤتمر فينا معالجة ~~مسألة المستعمرات التي لإسبانيا في العالم الجديد، ولكن لم تلبث ~~الحوادث في هذه المستعمرات أن أرغمت الدول على بحث هذه المسألة في ~~أحد المؤتمرات التالية (مؤتمر فيرونا). # مؤتمر إكس لاشابل # Aix-La-Chapelle # وعلى ذلك فقد عقدت الدول أول اجتماعاتها في سبتمبر 1818 في إكس لاشابل من ~~أعمال وستفاليا في ألمانيا للفصل في موضوع فرنسا؛ وذلك لأن فرنسا كانت - كما ذكرنا ~~- قد دفعت أقساط التعويضات المطلوبة منها حتى ذلك التاريخ، وأبدى رئيس وزرائها ~~دوق دي ريشيليو # Richelieu # استعداد حكومته لسداد ~~بقية التعويضات فورا، وطلبت فرنسا أن تسحب الدول جيش الاحتلال من بلادها، ~~وحيئنذ لم تر الدول ما يمنعها من الاستجابة لهذه الرغبة؛ فإن كاسلريه خصوصا ~~كان قد اطمأن إلى فرنسا، وصار لا يرى ما يحول دون عودتها إلى حظيرة الاتحاد ~~الأوروبي، ثم إنه كان يرجو عند انعقاد المؤتمر أن تتاح الفرصة أيضا لتسوية النزاع ~~بين إسبانيا ومستعمراتها الأمريكية، وإن كانت الدول - ومن بينها إنجلترة كذلك - لم ~~تلبث أن وافقت على أن تكون أعمال المؤتمر مقصورة على بحث المسائل الخاصة بفرنسا ~~فقط مباشرة. # ولذلك فقد صار على المؤتمر عند انعقاده في 20 سبتمبر 1818 أن يفصل في أمرين: جلاء ~~قوات الاحتلال عن الأراضي الفرنسية، ثم إدخال فرنسا في نطاق المحالفة القائمة، أي ~~المحالفة الرباعية. # ولقد كان ميسورا الوصول إلى قرار نهائي بصدد جلاء قوات الاحتلال من الأراضي ~~الفرنسية، وذلك بمجرد أن تم الاتفاق في المؤتمر على ms0753 الطريقة التي تسدد بها فرنسا ~~فورا بقية التعويضات المطلوبة منها، فوافقت كل من بريطانيا والنمسا وبروسيا ~~وروسيا على جلاء جيش الاحتلال، وذلك في معاهدة «إكس لاشابل» في 9 أكتوبر 1818، ~~وعندئذ شرعت الدول تبحث طلب فرنسا الانضمام إلى المحالفة ~~الرباعية. # واختلفت آراء الدول في هذه المسألة؛ فقد اقترح القيصر إسكندر بقاء التحالف ~~الرباعي كما هو موجها ضد فرنسا، على أن يسمح لفرنسا في الوقت نفسه بالانضمام ~~إلى محالفة عامة أخرى، تعلن فيها الدول عزمها على القضاء على الثورات، ~~ومساعدة بعضها بعضا، وعلى الخصوص مساعدة الدول التي تتعرض حكوماتها للتقلقل ~~والاضطراب، على أن هذا كان معناه - إذا قبل المؤتمر اقتراح القيصر - أن تأخذ الدول ~~على عاتقها محاربة الشعوب التي ظلت تقوم بالثورة آنئذ، وفي السنوات التالية لإنشاء ~~الحكومات الدستورية في بلادها؛ ولذلك لقي اقتراح القيصر - وكما كان متوقعا - رفضا ~~قاطعا من جانب كاسلريه الذي امتنع امتناعا تاما عن أي تدخل في شئون الدول ~~الداخلية. # فكان حينئذ أن جعل مترنخ الدول الأربع تعقد اتفاقا سريا فيما بينها يوم أول ~~نوفمبر 1818 تتعهد بموجبه استخدام جيوشها مشتركة ومتحدة ضد فرنسا إذا حدثت بها ~~ثورة ناجحة يترتب عليها تهديد أمن جيرانها وسلامتهم، ولقد وافقت إنجلترة على هذا ~~الإجراء، ولكن في حالة واحدة فقط، هي اعتلاء أحد أفراد أسرة بونابرت عرش ~~فرنسا. # وعلى ذلك فقد تقدمت الدول الأربع في 4 نوفمبر 1818 بمذكرة مشتركة إلى فرنسا ~~تعلن فيها أن معاهدة 9 أكتوبر 1818 التي ينتهي بفضلها احتلال الأراضي الفرنسية إنما ~~هي في نظر هذه الدول آخر ما يتخذ من خطوات تكميلية لتأييد السلام العام، ثم ~~وجهت الدعوة إلى الملك الفرنسي؛ ليعمل من الآن فصاعدا بآرائه وجهوده للاتحاد ~~مع الحلفاء الأربعة لتحقيق ما يعود بالنفع على الإنسانية وعلى فرنسا معا. # ولقد وافق المؤتمر على هذا «الحل الوسط» في 15 نوفمبر 1818، وذلك في وثيقتين: ~~إحداهما؛ تتضمن المبدأ الذي وافقت عليه الدول الأربع في الاتفاق السري بتاريخ أول ~~نوفمبر، فكانت هذه الوثيقة عبارة عن «بروتوكول سري» تجددت بمقتضاه المحالفة ms0754 ~~الرباعية لمراقبة فرنسا ولحمايتها كذلك من الأخطار الثورية التي تتهددها، وعلى أن ~~يبلغ هذا البروتوكول إلى دوق دي ريشيليو، ويطلع عليه بصفة خاصة، وأما ~~الوثيقة الثانية فقد قامت على المبدأ الذي ووفق عليه في «المذكرة المشتركة» في 4 ~~نوفمبر، فكانت «تصريحا # Declaration ~~» دعيت ~~فرنسا إلى الانضمام إليه، وجاء فيه أن الدول الخمس: بريطانيا، وروسيا، وبروسيا، ~~والنمسا، وفرنسا، تنوي توثيق عرى الاتحاد فيما بينها على أساس المعاهدات والاتفاقات ~~المعقودة للمحافظة على السلام، وذلك كان الأساس الذي تمسكت بريطانيا به دائما، ~~والمبدأ «العملي» الذي قام عليه التحالف الرباعي، والذي كان يجب في نظر بريطانيا أن ~~يقوم عليه الاتحاد الأوروبي. # ولما كانت إنجلترة تعارض فكرة عقد مؤتمرات دورية باعتبار أن هذه ترمز إلى ~~النظام نفسه - التدخل - الذي وقفت هي كل جهودها على معارضته، وكانت القاعدة ~~التي رضيت بها إنجلترة أن تنعقد اجتماعات خاصة، أي «جزئية» لمعالجة ما قد يطرأ ~~من حوادث معينة وبشروط محددة، فقد جاء في ختام «التصريح» توضيحا لهذه الشروط ~~المحددة أنه لا ينبغي عقد «اجتماعات جزئية» لبحث شئون الدول الأخرى، من غير أن ~~تطلب هذه ذلك، وفي حضورها إذا لزم الأمر، وكان معنى ذلك - وبالرغم من هذه ~~الشروط المحددة - أن تقرر في هذا «التصريح» مبدأ التدخل. # وهكذا كان مؤتمر إكس لاشابل نصرا بينا لسياسة مترنخ؛ لأن «النتيجة السعيدة» - ~~على حد قوله - التي وصل إليها المؤتمر كانت دعم أركان المحالفة - التي صارت الآن ~~بانضمام فرنسا إليها، محالفة ~~خماسية # Quintuple Alliance ~~- ضد الثورات في أوروبا، فيكتب: # إن تغييرا ما لن يطرأ إطلاقا على النظام القائم في المستقبل. # وزيادة على ذلك فقد ألبس «الحل الوسط» الذي وافقت عليه الدول في إكس ~~لاشابل روح الحلف المقدس «هيكلا جثمانيا»، فراح مترنخ يبذل حينئذ كل ما في ~~وسعه من جهد وحيلة في السنوات التالية (1818-1823) خصوصا كي يجعل من الحلف المقدس ~~شيئا حقيقيا وأداة فعالة «كحكومة مديرين أوروبية» تفرض النظام البوليسي على بقية ~~الدول وتسيطر على شئونها لإرغامها على البقاء في نطاق نظام سياسي لا يتغير، ms0755 بإخماد ~~الحركات الدستورية والقومية، وتأييد الحكومة المطلقة المستبدة، وذلك كان جوهر ~~«النظام المترنيخي» نفسه الذي سبق لنا وصفه، وخضعت لسلطانه أوروبا ليس في ~~علاقات الدول الخارجية وحسب، بل وفي شئونها الداخلية كذلك من سنة 1823 خصوصا إلى ~~وقت قيام ثورات فبراير 1848، وفرار مترنخ نفسه كما عرفنا من فينا في مارس من ~~السنة نفسها. # وإلى جانب انتصار مترنخ في مؤتمر إكس لاشابل (باستصداره تصريح 15 نوفمبر 1818) ~~أحرز مترنخ انتصارا آخر، عزز به نظامه، وذلك عندما تمكن من استمالة القيصر ~~إسكندر الأول إلى آرائه، بعد أن كان هذا الأخير قد منح بولندة دستورا منذ 27 ~~نوفمبر 1815، وافتتح في وارسو أول «دياط» أو برلمان لمملكة بولندة الجديدة في 27 ~~مارس 1818، فأراد مترنخ إزالة هذه الأفكار الحرة والخطرة من رأس القيصر، وسهل ~~على مترنخ إدراك غايته؛ لأن القيصر كان وقتئذ متأثرا بكتابات «إسكندر ستوردتزا # Stourdza ~~»، وهو كاتب وسياسي روماني من ~~البغدان (ملدافيا) وضع مذكرة عن الأحوال السائدة في ألمانيا، لفتت انتباه ~~القيصر الذي طبع منها عددا صار يوزعه على الملوك والأمراء والسياسيين المجتمعين ~~في المؤتمر، وقد أكد «ستوردتزا» في هذه المذكرة أن الثورة على وشك الاندلاع في ~~ألمانيا. # ولقد أزعج القيصر كذلك قبيل انعقاد المؤتمر أن الطلبة في وارتبرج # Wartburg # قاموا بمظاهرات في أكتوبر 1817 احتفالا ~~بمرور ثلاثمائة سنة على بداية الإصلاح الديني في ألمانيا، ومرور أربعة أعوام على ~~معركة ليبزج (أكتوبر 1813) أو حرب الأمم ضد نابليون، التي تعتبر مظهر الروح ~~القومية الألمانية، فأحرق الطلبة في هذا الاحتفال كل ما وقع بأيديهم من كتب ~~تتناول موضوع الحكومات الاستبدادية وتشيد بها، أضف إلى هذا أنه حدث بعد مؤتمر ~~إكس لاشابل أن أقدم كارل ساند # Karl Sand # أحد ~~الطلاب الألمان بجامعة يينا # Jena # على اغتيال أحد ~~كبار الصحفيين والكاتب المسرحي الألماني «أوجست فون ~~كوتزبيو # Kotzebue ~~» وذلك في مانهايم # Mannheim # في 23 مارس 1819، وكان كوتزبيو معدودا من جواسيس روسيا ~~في ألمانيا، كما كان إلى جانب إمداده القيصر بالمعلومات عن أحوال ألمانيا السياسية ~~واتجاهات الرأي العام بها، صديقا ms0756 حميما له، ولكل هذه الأسباب إذن بدأ إسكندر - ~~وهو الرجل العاطفي دائما - يشك من ذلك الحين في «حكمة» تأييده للآراء والمبادئ ~~الحرة، ولقد لقي مترنخ معاونة صادقة من رجل الرجعية الآخر، فردريك فون جنتز، في ~~إقناع القيصر بنبذ هذه الآراء الحرة ظهريا. # ثم عمد مترنخ إلى «استمالة» فردريك وليم الثالث ملك بروسيا إلى سياسته، فأخذ ~~يهدده بانسحاب النمسا من الاتحاد الألماني إذا امتنعت بروسيا عن تأييد سياسته، ثم ~~تكللت مساعي مترنخ بالنجاح، واستطاع أن يبسط «نظامه» على سائر ألمانيا عندما انعقد ~~في كارلسباد، من أعمال بوهيميا في 7 أغسطس 1819، مؤتمر حضره مندوبون عن النمسا ~~وبروسيا وبافاريا، وبادن، ونساو، وورتمبرج، ومكلنبرج، وهيس، وساكس فايمر، # 4 # لم يلبث أن استصدر طائفة من القرارات الرجعية عرفت باسم «مرسومات كارلسباد»، # 5 # صارت بدورها قوانين فدرائية، أي مطبقة في أنحاء الاتحاد الألماني ~~عندما أجازها «دياط» هذا الاتحاد في فرانكفورت في 20 سبتمبر 1819، ثم لم تلبث أن ~~تأيدت في مؤتمر عقده في فينا وزراء الولايات والإمارات الألمانية برياسة مترنخ ~~نفسه ، فصدر بها «قرار فينا النهائي» # 6 # في 15 مايو 1820، فكان بموجب هذه القرارات «البوليسية» أن وضعت ~~الجامعات تحت إشراف الحكومات لمراقبة المواد التي تدرس بها من الناحية السياسية، ~~وأنشئت رقابة على الصحف، وأقيمت لجنة في «ماينز» مهمتها البحث عن المحرضين على ~~الثورة وإرشاد الحكومات المحلية إليهم لتقبض عليهم، وقد عهد إلى هذه اللجنة ~~نفسها بالبحث في حوادث الثورات والاضطرابات الماضية، فقدمت في هذا الموضوع ~~وحده حتى نهاية 1822 أربعة مجلدات ضخمة مشحونة بتقاريرها. # ثم إنه سرعان ما وقع من الحوادث بعد استصدار «مرسومات كارلسباد» ما جعل القيصر ~~إسكندر يعرض عن مستشاريه الأحرار مثل كابوديستريا اليوناني «الكرفوي» ودي لاهارب ~~(السويسري)، ويزداد اقتناعا بحكمة استصدار هذه المرسومات، فلا يكتفي بالانحياز إلى ~~مترنخ في سياسته، بل صار هو الآخر يطلب اتخاذ إجراءات رجعية صارمة إمعانا في ~~الحيطة والحذر. # من هذه الحوادث كان مقتل دوق دي بري # Berry # ابن ~~شارل شقيق ملك فرنسا لويس الثامن عشر، طعنه لوي بيير ~~لوفيل ms0757 # Luovel # بمدية على باب دار الأوبرا في باريس في مساء 13 فبراير ~~1820، فقد كان لهذه الجريمة أثر بالغ في نفس القيصر الذي شبه عمل لوفيل ~~بفعلة كارل ساند، وتزعزعت ثقته نهائيا في آراء «كاببوديستريا» الحرة ~~المعتدلة. # وأما الحادث الثاني الهام فكان قيام الثورة العسكرية في إسبانيا بسبب تمرد ~~الجنود في ثكنات قادش، وكان هؤلاء ينتظرون بها منذ 1816 ترحيلهم إلى أمريكا، ~~فأعلنوا عصيانهم في أول يناير 1820، وراحوا يطالبون بدستور 1812 وانتشرت الثورة في ~~البلاد. # وعندئذ تقدم القيصر باقتراح دعوة مؤتمر للانعقاد في باريس للبحث في الموقف ~~عموما، كما أعلن استعداده لإرسال جيش بالنيابة عن حكومات أوروبا، وباسمها لإخماد ~~الثورة في إسبانيا، كما أنه قد اقترح إنشاء لجنة من وزراء الدول المتحالفة تتخذ ~~مقرها في باريس، مهمتها الإشراف على سير الأمور في فرنسا ذاتها، فكان أن ~~مهدت هذه المقترحات لعقد المؤتمر التالي الذي اجتمع في «ترباو» في أكتوبر 1820 في ~~ظروف يمكن إيجازها فيما يلي. # التمهيد لمؤتمر ترباو # Troppau # رفض كاسلريه ومترنخ اقتراح القيصر إنشاء لجنة لمراقبة سير الأمور في فرنسا، ~~بدعوى أن ذلك مخالف لما سبق الاتفاق عليه مع فرنسا في مؤتمر إكس لاشابل، في ~~معاهدة 9 أكتوبر 1818 التي أنهت الاحتلال، وفي «تصريح» المحالفة الخماسية في 15 ~~نوفمبر 1818، ومن شأنه إثارة القلاقل بدلا من العمل على تهدئتها، كما هو الغرض ~~المقصود من إنشاء هذه اللجنة المقترحة، ثم إن كاسلريه عارض دعوة مؤتمر للانعقاد ~~دون بيان الغرض من انعقاده بصورة واضحة جلية، في حين أنه لم يكن يرى في صالح الدول ~~كذلك الانغماس في شئون فرنسا الداخلية، وتلك كانت كلها مبادئ متفقة مع ما سارت ~~عليه دائما السياسة الإنجليزية. # وأما الدوافع التي حفزت مترنخ إلى معارضة دعوة المؤتمر للانعقاد، فكانت ~~تختلف كلية عن الأسباب التي أبداها كاسلريه؛ فلم يكن مترنخ يهتم في قليل أو كثير ~~بما يحدث من اضطرابات خلف جبال البرانس، في حين أن تدخل القيصر لإخماد الثورة في ~~إسبانيا معناه أن جيشا روسيا كبيرا سوف يجتاز الأراضي النمسوية ms0758 في طريقه إلى ~~إسبانيا، وفي هذا خطر مباشر، عليه أن يدرأه، ولما كان متعذرا على مترنخ أن ~~يرفض الدعوة إلى عقد مؤتمر بالسهولة التي بدت من جانب إنجلترة - صاحبة سياسة عدم ~~التدخل المعروفة في شئون الدول الداخلية - فقد راح ينتحل الأعذار للحيلولة دون عقد ~~المؤتمر، تارة بدعوى أن الغرض من المحالفة إنما هو معالجة أدواء أوروبا الأدبية أو ~~الخلقية قبل كل شيء، في حين أن الثورة في إسبانيا حدث «مادي» وحسب، وتارة أخرى ~~بدعوى أن التدخل بدلا من التهدئة سوف يزيد الأمور ارتباكا والحالة اشتعالا، ~~وتارة ثالثة بدعوى أن أعضاء المؤتمر المزمع عقده سوف يكونون خمسة بدلا من أربعة، ~~ومن المتعذر استمالة إنجلترا أو فرنسا (وهما من أعضاء المحالفة الخماسية) إلى جانب ~~الدول الثلاثة الأخرى (روسيا، النمسا، بروسيا)، أي إلى الجانب الذي يريد التدخل في ~~شئون إسبانيا. # ولقد ظل مترنخ معارضا لعقد المؤتمر حتى شهر يونيو 1820، ولكنه سرعان ما تخلى عن ~~موقفه عندما حدث في شهر يوليو 1820 أن اشتعلت الثورة العسكرية في نابولي واضطر ~~ملكها فردنند الأول إلى قبول دستور 1812 الإسباني (أي استصدار دستور مثله)، فكان ~~لهذا الحادث - الذي هدد بالزوال النظام الحكومي النمسوي في إيطاليا - ~~أعظم الأثر في تشكيل الخطة التي اعتزم مترنخ الآن اتباعها. # ذلك أن هذه الثورة التي نشبت في نابولي، إذا قدر لها النجاح، تكون مصدر خطر ~~كبير على «نظام مترنخ» برمته في إيطاليا، زد على ذلك أن مترنخ لم يلبث أن وجد في ~~هذه الثورة الوسيلة التي تمكنه من تحقيق أغراضه؛ لأن اشتعال الثورة في نابولي، ~~أي: في مكان قريب من ممتلكات الإمبراطورية النمسوية ومناطق نفوذها في إيطاليا، سوف ~~يعطيه الفرصة ليحمل الدول على تحويل انتباهها عن مسألة إسبانيا إلى مسألة أخرى، هي ~~مسألة الثورة في نابولي، في وسعه إذا تناولها بمهارته السياسية المعهودة - وعلى ~~نحو ما كان يرجو - أن يجعل النمسا صاحبة القول في هذه المسألة، وليس روسيا، لو أن ~~مسألة إسبانيا بقيت تستأثر بانتباه الدول. # ثم إن البحث في موضوع الثورة ms0759 في نابولي سوف يجعل ممكنا إرجاء النظر في مسألة ~~إسبانيا، وبذلك يتسنى تجنب خطر سوق الجيوش الروسية عبر الممتلكات النمسوية في ~~طريقها إلى إسبانيا، أضف إلى هذا أن النمسا ذاتها صاحبة حقوق ظاهرة تمكنها من ~~التدخل في شئون نابولي، وهذه حقوق مستندة إلى معاهدة سابقة كانت النمسا قد ~~عقدتها مع نابولي في 12 يونيو سنة 1815، جاء في مادة سرية بها، أن تتعهد ~~الحكومة النابوليتانية بعدم إدخال أية تغييرات دستورية - أي في طرائق الحكم - غير ~~ما يسمح بإدخاله من تغييرات دستورية في الممتلكات النمسوية في إيطاليا، وكان تسويغه ~~التدخل على أساس هذه المعاهدة حجة قوية، لم تستطع الحكومة الإنجليزية التي قامت ~~سياستها على عدم التدخل في شئون الدول إلا أن تعترف بأن للنمسا حقا في هذا ~~التدخل، بناء على ما ورد في معاهدة 12 يونيو سنة 1815، ما دامت النمسا تعتقد ~~بوجود خطر يتهدد مصالحها، ويهدم نفوذها في إيطاليا بسبب الثورة التي حدثت في ~~نابولي، ولم تتردد فرنسا وبروسيا في الموافقة على هذا الرأي كذلك. # ولكن روسيا ظل موقفها لا يدعو للاطمئنان تماما؛ لأن النابوليتان (أهل نابولي) ~~الأحرار صاروا يدعون أنهم إنما قد استندوا في ثورتهم على معاونة القيصر ~~ومساندته الأدبية لهم، وكان لهذا الادعاء نصيب من الصحة؛ لأن وكلاء القيصر - خصوصا ~~«دي لاهارب» - كانوا يجوبون أرجاء إيطاليا لينشروا المبادئ الحرة بها؛ ولذلك ~~فقد عني مترنخ بضرورة القضاء على ما كان يعتقده الأحرار في إيطاليا من ~~أن في وسعهم الاعتماد على مؤازرة روسيا لهم، فقد خشي أن يكون لروسيا أهداف بعيدة ~~وغامضة، مستترة وراء هذه الميول غير الطبيعية لتشجيع الروح الثورية. # وعلى ذلك فقد انتهز مترنخ فرصة وجود القيصر في وارسو، فاقترح عليه أن يعقد ~~امبراطورا روسيا والنمسا اجتماعا يكون مقصورا عليهما وحدهما؛ لبحث المسائل ~~التي تشغل الأذهان وقتئذ، ولكن القيصر إسكندر رفض أن يتم تفاهم «منفصل» بين ~~الإمبراطورين وحدهما فقط ومن غير أن يشركا معهما بقية الدول التي وقعت ~~على «تصريح» إكس لاشابل بتاريخ 15 نوفمبر 1815، وهو التصريح الذي قال «كابو ms0760 ~~ديستريا» مستشار القيصر وقتئذ: إنه ألغى عند صدوره التحالف الرباعي، وأوجد ~~بدلا منه «التحالف الخماسي»، بانضمام فرنسا إلى الدول الأربع، ولا يمكن لذلك أن ~~تعترف روسيا بغير «اجتماع مشترك» تحضره كل الدول، ومعنى ذلك أن القيصر لا يرضيه غير ~~انعقاد مؤتمر على غرار ما حدث في إكس لاشابل سنة 1818. # ولقد لقي هذا الرأي أيضا كل تأييد من جانب فرنسا استنادا إلى أن الاضطرابات ~~التي وقعت في إسبانيا وإيطاليا، إنما هي من نوع المسائل التي كان يدور حولها ~~التفكير وقت أن اتخذت الدول قراراتها المعروفة في إكس لاشابل، وكان واضحا ~~أن فرنسا ترغب ملحة - وإن كانت لا تستطيع إظهار هذه الرغبة علانية - في أن تجد ~~نفسها دائما إلى جانب بقية الدول الكبرى في عمل مشترك حاسم داخل نظام الاتحاد ~~الأوروبي. # ذلك إذن كان موقف النمسا وفرنسا، ولكن لماذا دعت روسيا إلى عقد مؤتمر أوروبي؟ ~~وهذا سؤال يحاول المؤرخ الفرنسي إميل ~~بورجوا # Bourgeois # الإجابة عليه بقوله: «إن القيصر كان يرجو أن يثار ~~الخلاف بين الدول إذا اجتمع ممثلوها في مؤتمر عام، فيؤدي هذا الخلاف إلى قيام ~~الحرب العامة، وحينئذ يتسنى لروسيا، وإلى جانبها فرنسا كحليفة لها، هزيمة النمسا ~~والقضاء عليها»، وقد يكون هذا الرأي منطويا على مبالغة كبيرة، وأن غرض القيصر من ~~الدعوة لعقد مؤتمر أوروبي، لا يعدو أن يكون مجرد إنشاء نوع من «البوليس الدولي» ~~تحت إشراف الحلف المقدس لملاحظة مجريات الأمور في أوروبا. # وعلى كل حال فقد ظل مترنخ يرفض فكرة المؤتمر الأوروبي، ويتذرع بمختلف الدعاوى ~~لتجنب عقده، ثم كان من محاولاته لمنع المؤتمر أنه ما لبث حتى تقدم باقتراح ~~فحواه أن يرفض الحلفاء الاعتراف بحكومة نابولي الثورية، وأن يؤيدوا بواسطة ~~وزرائهم في فينا الإجراءات التي تتخذها النمسا لقمع الثورة في نابولي، ومعنى ~~العمل بهذا الاقتراح انتفاء الحاجة إلى دعوة مؤتمر أوروبي. # ولكن كاسلريه لم يلبث أن رفض (في 16 سبتمبر 1820) المساهمة في مشروع قال: إن ~~من شأنه - وبالصورة التي يريدها مترنخ - إنشاء محالفة عدائية ضد نابولي، وإرغام ~~إنجلترة على ms0761 الاشتراك في الحرب التي سوف تكون نتيجة هذه المحالفة العدائية، ~~ورفضت إنجلترة التدخل عنوة في شئون نابولي الداخلية، كما رفضت أن تشجع ~~غيرها على هذا التدخل، على أن كاسلريه أبدى في الوقت نفسه استعداده للتخلي جانبا ~~والسماح للنمسا بالعمل ما دامت هذه ترى في حوادث نابولي خطرا على مصالحها ونفوذها ~~في إيطاليا - باعتبار أن للنمسا حقا في هذا التدخل مستندا (كما ذكرنا) على ~~المعاهدة مع نابولي المبرمة في 12 يونيو 1815 - وعندئذ يصير «لمؤتمر الوزراء» الذي ~~يقترحه مترنخ فائدة كبرى، من حيث أن هذا المؤتمر في فينا، سوف يتسلم - كما قال ~~كاسلريه - «التقرير» الذي تقدمه النمسا عن أعمالها في «نابولي» من جهة، وسوف ~~يحول، من جهة أخرى، دون وقوع شيء، يتعارض مع النظام الراهن الذي يسود أوروبا في ~~الوقت الحاضر. # وواضح أن الأخذ برأي كاسلريه كان معناه إنشاء «هيئة رقابة» مهمتها الإشراف على ~~أعمال النمسا، وذلك ما كان لا يمكن بحال من الأحوال أن تقبله النمسا، وعندئذ فقط لم ~~يجد مترنخ مناصا من قبول الفكرة التي نادت بها روسيا وأيدتها فرنسا لدعوة مؤتمر ~~للانعقاد على غرار مؤتمر إكس لاشابل، ولو أن مترنخ كان لا يزال يرجو أن يسفر هذا ~~المؤتمر عن اتفاق كلمة الدول على عمل مشترك يعطي النمسا ما تصبو إليه من «تأييد ~~أدبي» على الأقل حينما تمضي في سياستها الإيطالية. # مؤتمر ترباو # Troppau ~~«في سيليزيا» # حضر هذا المؤتمر القيصر إسكندر الأول ووزيراه كابوديستريا ونسلرود، ثم ولي ~~عهد بروسيا ومعه هارندبرج وبرنستورف # Bernstorff ~~، ~~ثم فرنسوا الأول إمبراطور النمسا ومعه مترنخ ~~وجنتز # Gentz ~~، ثم حضر عن إنجلترة لورد ستيوارت # Stewart # شقيق كاسلريه، ثم عن فرنسا دي فيروناي # Ferronays # سفيرها في بطرسبرج وصديق القيصر، والماركيز ~~دي كارامان # Caraman # من رجال السياسة في العهد ~~القديم ومن المعجبين بشخص مترنخ. # ومن مبدأ الأمر كان مقضيا بالفشل على رجاء مترنخ في أن يجمع كلمة الدول على عمل ~~مشترك لتأييد سياسة النمسا في إيطاليا، ومبعث هذا الفشل؛ الاختلاف العظيم بين ~~المبادئ والقواعد التي أراد مترنخ ms0762 السير عليها، وبين تلك التي استرشدت بها السياسة ~~الإنجليزية خصوصا. # فقد أراد مترنخ، كما بسط ذلك في مذكرة له قدمها للمؤتمر أن يجعل مصلحة النمسا ~~من تدخلها في شئون نابولي متفقة في صميمها مع مصلحة أوروبا عموما؛ لأن ~~الدول يهمها - كما قال - المحافظة على المعاهدات، ويهمها أن تتآزر فيما بينها ~~لاتخاذ الإجراءات اللازمة لإخماد الثورة الداخلية التي تهدد كيانها؛ ولذلك ~~فالمؤتمر مهمته أن يحدد المبادئ والقواعد التي يجب أن ينبني عليها التدخل في ~~نابولي. # ومن السهل تحديد هذه المبادئ إذا فرق الحلفاء بين «الثورات المشروعة» التي ~~تأتي من أعلى - وهذه لا تستدعي تدخلا من جانب الدول - والثورات غير المشروعة التي ~~تأتي من أسفل، وواجب الدول في هذه الحالة عدم الاعتراف بأية تغييرات قد تنجم منها، ~~بل واجبها العمل من أجل إزالة هذه التغييرات، كما لو حدثت تماما هذه التغييرات ~~في داخل بلادها ذاتها، فإذا أقرت الدول هذه القواعد تكون في الحقيقة قد أقرت ~~مبدأ التدخل # Intervention # الذي أراد مترنخ أن يتخذ ~~منه أساسا ثابتا يبني عليه تدخله في مسألة نابولي، باعتبار أن الدول الأوروبية ~~الكبرى ذات حق واضح صريح في القضاء على الثورات الداخلية إطلاقا، محافظة على ~~السلام العام في أوروبا، على أن مبدأ «التدخل» هذا، هو ذاته ما كانت إنجلترة تسعى ~~دائما لتجنبه من بداية المؤتمرات إلى نهاية عهدها. # ولذلك فقد تمسك كاسلريه بالفكرة الأصلية التي أوجدت «التحالف» على أساس الارتباط ~~بالمعاهدات القائمة دائما، وقصر مهمة «التحالف» على تأدية الغرض الذي وجد من ~~أجله، والمعروف أن مهمة التحالف هي منع وقوع الاعتداء على عضو من أعضائه ~~والمحافظة على السلام العام، ولا يمكن اتخاذ التحالف الرباعي (20 نوفمبر 1815) ~~وسيلة للتدخل في شئون الدول، زد على هذا أن تصريح إكس لاشابل «أو التحالف الخماسي # Quintuple Alliance ~~» (15 نوفمبر 1818) ~~اشترط أن يمتنع على الدول عقد اجتماعات جزئية لبحث شئون دولة أخرى إلا إذا طلبت ~~ذلك هذه الدولة، ثم جرى البحث - إذا لزم الأمر - في حضور الدولة المختصة، ولا يعني ~~هذا كله أن ms0763 للدول الكبرى أية حقوق تجعل في قدرتها - قانونا - التدخل في شئون الدول ~~الصغرى الداخلية، وعلى ذلك فقد رفضت إنجلترة مبدأ «التدخل» ثم أيدتها ~~فرنسا في ذلك. # واعتمد مترنخ حينئذ على تعضيد قيصر روسيا - إسكندر الأول - له، الذي أبدى «أسفه ~~العظيم على كل ما قاله وفعله بين 1815، 1818 وأحزنه ما ضاع من وقت ~~سدى»، وأراد الآن أن يتدارس مع مترنخ الوسائل التي يمكن بها تدارك ما فات، ~~واعترف أن مترنخ كان مصيبا تماما في إدراك الحال على حقيقتها، وأظهر لذلك ~~استعداده لأن يلبي كل ما يطلبه مترنخ منه، واستنادا على هذا التأييد إذن استطاع ~~مترنخ أن يغفل معارضة إنجلترة وفرنسا؛ فتعددت اجتماعات ممثلي الدول الثلاث: ~~النمسا، روسيا، بروسيا، وأسفرت هذه الاجتماعات عن عقد «بروتوكول ترباو» الذي ~~وقعه أعضاء «الحلف المقدس»، أي: روسيا، وبروسيا، والنمسا، في 19 نوفمبر 1820، ~~ومع أن إنجلترة رفضت التوقيع على هذا البروتوكول، فقد انضمت إليه فرنسا خشية ~~العزلة السياسية. # ونص بروتوكول ترباو على أن: # الدول التي يحدث تغيير في حكوماتها بسبب قيام ثورة بها، ويترتب على هذا ~~التغيير تهديد للدول الأخرى، تفقد بحكم الضرورة عضويتها في التحالف ~~(الاتحاد) الأوروبي، وتظل خارج التحالف ومستبعدة منه إلى أن يجيء ~~الوقت الذي يعطي الموقف الداخلي في هذه الدول الضمانات اللازمة لتأييد ~~النظام القانوني والاستقرار، أما إذا نجم من هذه التغييرات أخطار مباشرة ~~تهدد الدول الأخرى، فالدول المتحالفة تتعهد فيما بينها بإرجاع الدولة ~~المذنبة إلى حظيرة التحالف «أو الاتحاد الأوروبي» إما بالوسائل السلمية، ~~وإما بقوة السلاح «أي بطريق الحرب» إذا لزم الأمر. # ولم يكتف كاسلريه بمجرد الرفض (16 ديسمبر 1820)، بل نقد البروتوكول نقدا ~~مرا؛ لأن إنجلترة - كما قال - لا يمكنها الموافقة على نظام من شأنه إيجاد نوع من ~~حكومة عامة في أوروبا لها من السلطان ما تستطيع به تحطيم السيادة العليا في داخل ~~الدولة، وكعضو من أعضاء المحالفة لا تستطيع إنجلترة كذلك تحمل مسئولية القيام ~~بأعمال «بوليسية» من قبيل ما يريده أصحاب هذا البروتوكول. # ولقد تأجل مؤتمر ترباو من غير الوصول إلى ms0764 قرار بشأن المسألة الإيطالية، ولكن على ~~أن يجتمع المؤتمر في شهر يناير من العام التالي (1821) في مدينة ليباخ # Laibach ~~، وعلى أن يدعى لحضوره فردنند الأول ملك ~~نابولي؛ لأن الدول الثلاث التي رفضت المفاوضة مع حكومة ثورية، أرادت أن يحضر ~~فردنند بنفسه حتى يمكن المفاوضة والاتفاق معه شخصيا. # مؤتمر ليباخ # Laibach # وانعقد المؤتمر التالي في ليباخ (وتقع في حوض الساف أحد فروع نهر الطونة في ~~كرنيولا من أعمال النمسا)، وذلك بين 8 يناير و12 مارس 1821، وقد حضره إمبراطور ~~النمسا وقيصر روسيا ومترنخ، كما حضره فردنند الأول ملك نابولي، وكان هذا قد ~~أقسم أمام شعبه أن يظل أمينا في دفاعه عن الدستور الذي منحه له الشعب ~~عند قيام الثورة (وهي التي طالبت باستصدار دستور من نمط الدستور الذي نالته ~~إسبانيا في عام 1812)، وجاء إلى ليباخ في الظاهر كي يتوسط بين شعبه وبين الدول على ~~أساس بقاء الدستور، ولكنه حضر في الحقيقة ليطلب مساعدة الدول ضد شعبه، فقرر ~~المؤتمر، وبمعنى أصح أعضاء الحلف المقدس الثلاثة: النمسا، روسيا، بروسيا، إلغاء ~~دستور نابولي، ثم عهد ثلاثتهم إلى النمسا بمهمة تنفيذ هذا الإلغاء بالقوة ~~العسكرية، وعلى ذلك فقد ذهب جيش نمسوي بقيادة الجنرال فريمونت # Frémont # إلى نابولي لتحقيق هذا الغرض، فأخمد ~~الثورة الدستورية، وأعاد إلى فردنند سلطته الاستبدادية. # وقبل أن يختتم المؤتمر أعماله جاءه نداء آخر من ملك سردينيا لنجدته ضد رعاياه ~~الثائرين، فأرسلت النمسا جيشها - الذي جمعته في لمبارديا لهذه الغاية دائما - ~~لإخماد الثورة في بيدمنت، فانهزم الثوار في واقعة نوفارا # Novara # في 8 أبريل 1821، واحتل الغزاة تورين العاصمة، وأعيد - ~~بفضل هذه العمليات - «النظام ~~القديم # L’Ancien Régime ~~» إلى سردينيا. # وفي مايو 1821 انفض المؤتمر، ولكن بعد أن أعد منشورا لإرساله إلى ~~الحكومات الأوروبية، يوضح فيه المبادئ التي استرشدت بها الدول الثلاث خصوصا ~~- وهي دول الحلف المقدس - في سياستها، فجاء في هذا المنشور أن الغرض من التحالف ~~الأوروبي إنما هو تأييد المعاهدات القائمة، والمحافظة على السلام العام، وتحقيق ~~سعادة الأمم، وأن التغييرات النافعة والضرورية من الناحيتين ms0765 التشريعية والإدارية، ~~والتي تحدث في داخل الدول يجب أن تأتي من جانب أولئك الذين أعطاهم «الله» ~~مسئولية الحكم في هذه الدول. # وعلى ذلك فإن المؤتمر لم يقنع بتأييد مبدأ التدخل # Intervention # الذي أسفر عنه مؤتمر ترباو، بل عمل على إرجاع ~~النظام القديم بحذافيره، على أساس الاعتراف من جديد بحق الملوك الإلهي أو ~~المقدس في الحكم، فكانت هذه القرارات التي اتخذت في ليباخ والأعمال التي ~~تمت على يد المؤتمر، من العوامل التي زادت شقة الخلاف اتساعا بين دول ~~«الحلف المقدس» الأصليين: النمسا، روسيا، بروسيا، وبين إنجلترة على وجه الخصوص، ثم ~~أدت في النهاية إلى انهيار نظام الاتحاد الأوروبي، ذلك أن هذه الدول الثلاث قد ~~أحكمت في ترباو وليباخ روابط المحالفة بينها، على أساس التدخل في شئون الدول ~~الداخلية بصورة جعلت من المتعذر على إنجلترة إطلاقا أن تجد قاعدة عامة ~~يصلح اتخاذها أداة للعمل المشترك المفيد بينها وبين هذه الدول. # ولكن متاعب الحلف المقدس كانت لا تزال كثيرة؛ فقد حدث أثناء انعقاد المؤتمر في ~~ليباخ أن جاءت الأنباء عن قيام الثورة في بلاد المورة، أضف إلى هذا أن الثوار في ~~إسبانيا استطاعوا أن ينتزعوا من الملك فردنند السابع دستورا أقيمت بفضله الحكومة ~~الدستورية في مدريد، وهذا بينما كانت الثورة مشتعلة في مستعمرات إسبانيا في أمريكا ~~الجنوبية، فأعلنت «الأرجنتين» استقلالها منذ 9 يوليو 1816، وأنشئت ديكتاتورية ~~مستقلة في براجواي منذ 1817، وأعلنت ديكتاتورية أخرى في فنزويلا، على يد سيمون ~~بوليفار # Bolivar # منذ 1813، واستطاع بوليفار ~~كذلك أن يحرر «كولمبيا» بعد انتصار كبير في واقعة بوياكا # Boyaca # في 17 أغسطس 1819، وبعد ذلك بعامين تحررت «بيرو» في ~~سنة 1821، وفي مايو 1822 أعلنت المكسيك استقلالها، وفي هذا الشهر أيضا ~~أعلن «بدرو Pedro ~~» نفسه إمبراطورا مستقلا في ~~البرازيل، و«بدرو» هو ابن الملك يوحنا السادس البرتغالي الذي عاد «من البرازيل» إلى ~~لشبونة عام 1821. # وبسبب هذه الاضطرابات إذن تقرر قبل انفضاض مؤتمر ليباخ أن ينعقد المؤتمر مرة ~~أخرى في خريف العام التالي (1822) في فيرونا # Verona ~~. # وكان أكبر المتحمسين للمسألة الإسبانية - بما في ms0766 ذلك مستعمراتها الأمريكية - ~~القيصر إسكندر، ومع أن القيصر كان يشجع - في هذه الآونة بواسطة سفيره بوزو دي بورجو Pozzo di Borgo ~~- الحركة الدستورية في ~~باريس، فقد اتخذ موقفا رجعيا في مدريد، وأبدى استعداده لإرسال جيش روسي إلى ~~إسبانيا لإعادة الحكم المطلق بها، يجتاز هذه المرة في سيره إليها الأراضي ~~الفرنسية. # ولم يكن قيصر روسيا هو وحده المتهم بهذه المسألة؛ فقد استرعت الثورة الدستورية في ~~إسبانيا انتباه رئيس الوزارة الفرنسية الجديد بعد ريشيليو، وهو الكونت دي فيليل # Villèle ~~(22 ديسمبر 1821)، فقد وقعت بعض ~~الاضطرابات بين الضباط الفرنسيين في بلفور # Belfort # وستراسبورج ولاروشيل وغيرها، وأظهرت المدرسة الحربية في سومير # Sumur ~~- في هذه الآونة - ميولا وعواطف واضحة نحو ~~نابليون الثاني الدوق دي رشتاد # Reichstadt # وقضيته؛ ~~ولذلك فقد صار فيليل يخشى من انتقال عدوى الاضطرابات من إسبانيا إلى فرنسا، ولكن ~~فيليل رفض اقتراح القيصر بشأن إرسال جيش روسي عبر الأراضي الفرنسية لإخضاع ~~الثورة في إسبانيا، ولما كان يؤيد مصلحة أسرة بربون الحاكمة بفرعيها في فرنسا ~~وإسبانيا، فقد أسرع بإقامة ما سماه «عازلا صحيا # Cordon Sanitaire ~~» من الجنود الفرنسيين على طول الحدود الإسبانية، ~~لحماية فرنسا الجنوبية من عدوى الحمى الصفراء المنتشرة وقتئذ في إسبانيا، وعندئذ ~~صار من المتوقع حدوث «تدخل عسكري» في إسبانيا، وفي هذه الظروف إذن انتشار الثورات ~~في العالمين الجديد والقديم، والتفكير في التدخل العسكري في هذين العالمين من ~~أجل إخماد الثورة المستمرة بهما، انعقد مؤتمر فيرونا في منتصف أكتوبر 1822. # مؤتمر فيرونا # Verona # 7 # حضر المؤتمر إمبراطور النمسا، وقيصر روسيا، وملوك بروسيا وسردينيا ونابولي، ~~وغراندوق تسكانيا، ودوقة بارما، ودوق مودنيا، ثم كثيرون من السياسيين، وعلى رأسهم ~~مترنخ، وكان يمثل فرنسا وزير خارجيتها دوق مونتمورنسي # Montmorency # وسفيرها في لندن شاتوبريان # Chateaubirand ~~، ويمثل إنجلترة دوق ولنجتون (قاهر نابليون) ولورد ~~ستيوارت # Stewart # شقيق كاسلريه الأصغر، ولم ~~يحضر كاسلريه؛ لأنه مات منتحرا منذ 12 أغسطس 1822 قبل انعقاد المؤتمر، ولم يشأ ~~وزير خارجية إنجلترة الجديد جورج كاننج # Canning # الذهاب إلى فيرونا؛ لأنه لا يرتاح لسياسة مترنخ. # وكان ms0767 على المؤتمر أن يعالج مسألتي إسبانيا وإيطاليا، كما كان منتظرا أن تثير ~~اهتمام المؤتمر مسألة هامة أخرى؛ هي الثورة التي قامت في المورة، وقد استغرقت ~~مسألة إسبانيا معظم نشاط المؤتمر، فتركت مسألة إيطاليا من غير الوصول إلى حل ~~حاسم بشأنها، ولم يجرؤ المؤتمر على بحث المسألة اليونانية؛ لاختلاف الدول في ~~أمرها، حيث كان مترنخ يعتبر اليونانيين ثوارا فحسب شقوا عصا الطاعة على تركيا ~~صاحبة السيادة والسلطة الشرعية في البلاد، في حين أن القيصر إسكندر كان يعتبر ~~اليونانيين إخوانه في الدين الذين إنما يناضلون من أجل الحياة ذاتها. # أما فيما يتعلق بإسبانيا فقد أظهر المندوبون الفرنسيون من اللحظة الأولى ما ~~صح عليه عزم حكومتهم من حيث التدخل، ليس فقط للقضاء على الثورة في إسبانيا، بل ~~ولإخمادها في مستعمراتها الأمريكية كذلك، وأيدت النمسا وروسيا وبروسيا المقترحات ~~الفرنسية، وفي 30 أكتوبر قرر المؤتمر التدخل المسلح في شئون إسبانيا، وفي 19 ~~نوفمبر 1822 بعثت هذه الدول بإنذار إلى مجلس الكورتيز الإسباني وسحبت ~~سفراءها من مدريد، وامتنعت إنجلترة عن مجاراة الدول في هذا العمل؛ فأعلن «ولنجتون» ~~أن الحكومة الإنجليزية لا توافق إطلاقا على أي تدخل في شئون الدول الداخلية ولا ~~تؤيده، وانفض مؤتمر فيرونا في 14 ديسمبر من السنة نفسها. # ولكن في بداية العام التالي (1823) تعين شاتوبريان في وزارة الخارجية ~~الفرنسية، وكان من سياسته التدخل للقضاء على الثورات في إسبانيا وفي مستعمراتها ~~الأمريكية معا، وعلى ذلك لم يلبث أن أعلن ملك فرنسا لويس الثامن عشر الحرب على ~~إسبانيا في 28 يناير 1823، وغزا البلاد جيش فرنسي أسندت قيادته إلى دوق ~~دانجوليم # d’Angouleme ~~(ابن شقيق الملك)، فاحتل ~~الفرنسيون مدريد في 24 مايو، وفي 31 أغسطس سلم الكورتيز - من غير قيد ولا شرط - إلى ~~الملك فردنند السابع (بمقتضى معاهدة تروكاديرو # Trocadero ~~) وعاد فردنند إلى عاصمة ملكه على أسنة الرماح ~~الفرنسية. # ولم يكن هذا الغزو بتفويض من الدول، بل قامت به فرنسا على مسئوليتها الخاصة، ومع ~~ذلك فقد رضي به مترنخ الذي وجد في انشغال فرنسا بهذا الغزو ما ms0768 يصرفها عن ~~المسألة اليونانية وتأييد الثوار في المورة، ولم يكن مترنخ كذلك يتوقع أن يترتب على ~~الانتصارات الفرنسية في إسبانيا قيام حرب عامة أوروبية. # ولكن المسألة الإسبانية لم تقف عند هذا الحد، بل مضى شاتوبريان يريد إخماد ~~الثورة في المستعمرات الإسبانية في أمريكا الجنوبية، وكان من المنتظر أن يلقى في ~~رغبته هذه تأييدا من جانب القيصر إسكندر الذي أراد هو الآخر من مدة طويلة عودة ~~السلام إلى هذه البلاد البعيدة، ولكن هذه كانت مشروعات لقيت من جهة أخرى كل ~~معارضة من جانب وزير الخارجية البريطانية «جورج كاننج» الذي أراد أن يظل العالم ~~الجديد يعيش في حرية واستقلال، وأن يفتح أبوابه للتجارة الأوروبية، ولإنجلترة أكبر ~~نصيب في هذه التجارة، وأن يغلق أبوابه دون أي تدخل مسلح من جانب ~~أوروبا. # ولقد كان للموقف الذي اتخذه كاننج في المسألة الإسبانية ومستعمرات إسبانيا ~~الأمريكية أعظم الأثر في انحلال «نظام مترنخ» بالصورة التي أظهرته بها في هذه ~~الآونة فكرة «الاتحاد الأوروبي». # ولقد كانت تواجه جورج كاننج عندما تسلم شئون وزارة الخارجية البريطانية (منذ ~~أغسطس 1822) مسائل ثلاث: ثورة اليونان في المورة، وسوء العلاقات بين روسيا وتركيا، ~~ثم شئون إسبانيا الداخلية، وأخيرا علاقات إسبانيا مع مستعمراتها الثائرة عليها في ~~أمريكا الجنوبية، ثم لم تلبث أن أضيفت مسألة أخرى رابعة، ناشئة عن محاولة تحديد ~~مركز أسرة براجانزا # Braganza ~~(الأسرة الحاكمة) في ~~البرتغال والبرازيل. # ويجدر قبل الحديث عن موقف كاننج من هذه المسألة، أن نلم بشيء عن المبادئ ~~والقواعد العامة التي استرشد بها في سياسته الخارجية وقتئذ، وهي السياسة التي قد ~~يكون أصدق وصف لها ما قاله بعض المؤرخين عند المقارنة بينها وبين سياسة ~~سلفه كاسلريه؛ أن الفرق بين هاتين السياستين لم يتناول المبادئ الجوهرية ~~الأساسية، ولكنه انحصر - أكثر من أي شيء آخر - في مقدار ما تجده بعض الاتجاهات ~~المعينة من تأكيد وبروز أكبر وأوسع، كما أنه كان في نوع الوسائل والطرائق التي ~~تتبع في معالجة بعض المسائل أو إغفال بعضها الآخر. # فالثابت أن كاسلريه وكاننج كانا يريدان استعلاء ms0769 النفوذ الإنجليزي، ثم إنهما كانا ~~يريدان وقف الاعتداءات الأجنبية، بمعنى تدخل الدول الكبيرة في شئون الدول ~~الصغيرة الداخلية، ولكن مع فارق واحد هو: أن كاسلريه كان مقيدا بماضيه ~~السياسي عندما اضطر إلى عقد المحالفات والمعاهدات مع الدول أثناء النضال ضد ~~نابليون، بينما يجد كاننج أنه حر طليق لا يقيد نشاطه السياسي ارتباطات ما ~~سابقة؛ ولذلك فقد عارض كاننج فيما سماه «سياسة كاسلريه الأوروبية» وطالب من ~~أيام مؤتمر إكس لاشابل باتباع «سياسة إنجليزية»، ولم يوافق بتاتا على مادة ~~التحالف الرباعي السادسة (20 نوفمبر 1815) التي نصت على عقد الاجتماعات «أو ~~المؤتمرات» الدورية، بل كان يعارض في الحقيقة نظام المؤتمرات نفسه الذي ارتبط ~~بفكرة الاتحاد الأوروبي، فهو يريد أن يكون عمل التحالف الرباعي مقصورا على ~~مراقبة فرنسا فقط، ولم يكن يحفل بالحلف المقدس، ويخشى إلى جانب هذا أن يغدو ~~التحالف الرباعي بمثابة أداة لتخويف وإرهاب الدول الصغيرة، بل ولإثارة شكوك وشبهات ~~الشعب البريطاني في أغراض ونوايا الوزراء الإنجليز أنفسهم، واتهامهم بأنهم يعملون ~~لخيانة الحريات البريطانية، نزولا على إرادة الملوك والطغاة المستبدين ~~الأجانب. # ولذلك فإنه عندما اتخذت دول الحلف المقدس قراراتها الرجعية المعروفة في «ترباو» ~~و«ليباخ» أعلن كاننج (20 مارس سنة 1821) سياسة إنجلترة في مسألة نابولي، ~~وموقفها من «الحلف المقدس الجديد»، وموجزها: أن تلتزم إنجلترة جانب العزلة وعدم ~~التدخل في شئون القارة، حتى إذا حدث أمر عظيم الشأن وجب عليها أن تتدخل، ~~وهي مستندة حينئذ على مؤازرة قوة كافية تجعل هذا التدخل مجديا وحاسما. # ثم أعلن سياسة بلاده العامة، فقال: إنها التمسك دائما بمبدأ عدم التدخل في ~~شئون الدول الداخلية الأخرى، وذلك مبدأ لن تحيد عنه إنجلترة إطلاقا، ثم إنها ~~في الوقت نفسه ترفض كل تطرف، سواء حدث في صالح الاستبداد والطغيان - وكاننج ضد ~~الرجعية بكل معانيها - أو كان في جانب الديمقراطية الثورية - وكاننج ضد الروح ~~الثورية كذلك - ففي رأيه أن القوميات النشيطة إنما تستمد حياتها من التاريخ ~~نفسه، وتعتمد في وجودها على الحقائق التاريخية، فلا يجب إذن أن يكبح الرجعيون ~~جماحها تطبيقا لنظريات ms0770 رجعية معينة، ولا يجب في الوقت نفسه أن يحرك المهيجون ~~الشعوب للثورة تطبيقا لنظريات حرة متطرفة. # ولذلك خشي كاننج في أواخر سنة 1821 أن يكون السياسيون الإنجليز قد أغفلوا ~~العمل بالسياسة التي وضع قواعدها كاسلريه في العام السابق، عندما طلبت منه ~~الوزارة الإنجليزية إعداد «مذكرة # Memorandum ~~» ~~تبسط وجهة النظر الإنجليزية في المسائل التي شغلت الأفكار قبل انعقاد ~~مؤتمر «ترباو»، فأعد كاسلريه في 5 مايو 1820 «الوثيقة الحكومية # State Paper ~~» المشهورة التي تضمنت مبدأ «عدم التدخل # Non-intervention ~~» الذي تمسكت به ~~إنجلترة، فقد جاء في مذكرة كاسلريه هذه: أن التحالف الذي قام بين الدول إنما كان ~~موجها ضد فرنسا، ولم يكن مقصودا منه أن يصبح «إدارة» للتدخل في شئون الدول ~~الداخلية أو للإشراف عليها، أو أن يصبح «اتحادا» لحكم العالم بواسطته، ثم ~~تحدثت المذكرة عن مبدأ «عدم التدخل» فقالت: «إن مبدأ تداخل إحدى الدول بطريق ~~القوة في الشئون الداخلية لدولة أخرى من أجل تنفيذ واجب الطاعة الذي على رعايا هذه ~~الدولة للسلطات الحاكمة بها، إنما هو مسألة على جانب كبير من الدقة من الناحية ~~الأدبية (الخلقية)، والناحية السياسية كذلك، وبريطانيا العظمى إنما تتدخل إذا ~~وقع حادث يخل بالتوازن الإقليمي في أوروبا، وعندئذ يكون تدخلها بصورة ~~مجدية، ولكنها آخر حكومة في أوروبا ينتظر منها أو يكون في قدرتها الاجتراء ~~على التداخل في مسائل ذات طابع نظري أو عام، وغير محددة.» # وهذه القواعد التي ذكرها كاسلريه في مذكرته كانت هي بنفسها التي قامت عليها ~~سياسية جورج كاننج. # وقد ساء كاننج أن يرى كاسلريه يجتمع بالبرنس مترنخ أثناء زيارة ملك إنجلترة جورج ~~الرابع لهانوفر (في ألمانيا) في أكتوبر 1821؛ لأن مترنخ صاحب مبدأ التدخل الذي ~~تقرر في ترباو وليباخ، وبسبب ما ظهر من أن كاسلريه ومترنخ قد صار رأيهما ~~متفقا تقريبا بصدد المسألة الشرقية، فقد كان موقف كاننج في هذه المسألة يختلف عن ~~موقف كاسلريه منها، حيث يرى كاننج أن عرض مسألة اليونان على بساط البحث في ~~مؤتمر يعقد خصيصا لهذه الغاية، إنما هو مضيعة للوقت ms0771 ولا يساعد على حل المشكلة، ~~فصار يعارض في دعوة مؤتمر للانعقاد «في فيرونا» في حين كان كاسلريه موافقا على ~~انعقاد هذا المؤتمر، وقد أعد كاسلريه قبل وفاته التعليمات التي أعطيت إلى ~~المندوب الإنجليزي في المؤتمر دوق ولنجتون، وكانت هذه تتناول المسألة التركية، ~~ومسألة إسبانيا والمستعمرات الإسبانية في أمريكا الجنوبية، والمسألة الإيطالية، ~~ويبدو من التعليمات التي أعدها كاسلريه أنه كان يعتقد أن المسألة الشرقية ~~(التركية) سوف تكون موضع اهتمام المؤتمر كلية، ولا يقيم المؤتمر وزنا ~~كبيرا لمسألة إسبانيا الأوروبية. # ولكن سرعان ما فقدت المسألة الشرقية كل أهمية لها في مؤتمر فيرونا، ~~واحتلت مسألة إسبانيا الأوروبية مكان الصدارة في مباحثات المؤتمر، ولقد كان ~~كاسلريه يتوقع أن تجيء مصاعب المؤتمر من ناحية روسيا، ولكن سرعان ما تبين ~~كذلك عند انعقاد المؤتمر أن فرنسا كانت هي مصدر المتاعب في فيرونا؛ لأن سياسة فرنسا ~~- وكانت تهدف إلى التدخل في صالح البربون في إسبانيا - خضعت وقتئذ لتأثير النزاعات ~~الحزبية الداخلية. # ولذلك فإنه لما كان محور السياسة الفرنسية «التدخل»، بينما قامت السياسة ~~الإنجليزية على «عدم التدخل» فقد صارت العلاقات الإنجليزية الفرنسية هي المحور الذي ~~دارت حوله أعمال المؤتمر، ولقد كان واضحا من مبدأ الأمر أن «فيليل» إنما يسترشد في ~~خطته نحو إسبانيا بالمصلحة الفرنسية وحدها، وأن فرنسا لن تتقيد في عملها بأية ~~قرارات قد تصدر من المؤتمر مناقضة لهذه المصلحة، وأن الوزير الفرنسي لن يطلب ~~مساعدة ما من إحدى الدول، بل ويتعذر عليه قبول هذه المساعدة إذا عرضت عليه ~~من أجل إخضاع إسبانيا، بل ويجب عليه مقاومتها إذا فرضت هذه المساعدة عليه ~~فرضا، أو جاءت في صورة إرسال جيش يخترق الأراضي الفرنسية في طريقه إلى إسبانيا، ~~فبات واضحا إذن أن كل ما يستطيع المؤتمر فعله هو أن يسدي «مساعدته الأدبية» ~~فحسب لتأييد التدخل الفرنسي في إسبانيا. # ولقد أدرك كاننج أن مضي فيليل في إصراره على التدخل المسلح بمفرده في ~~إسبانيا من شأنه أن يمهد لخروج فرنسا من المحالفة المقدسة الجديدة، ولانفصالها ~~منها، ومع أن سياسة كاننج كانت ms0772 الحيلولة بكل وسيلة دون حصول «تدخل مشترك» من جانب ~~دول هذه المحالفة مجتمعة، فقد تمسك بالسياسة التي سار عليها دائما، وكتب إلى ~~دوق ولنجتون، مندوبه في المؤتمر (في 27 سبتمبر 1822) أن حكومته مستمسكة بسياسة عدم ~~التدخل «مهما كانت النتائج»، وكان الإصرار على هذه السياسة من جانب إنجلترة السبب ~~الذي أدى إلى فشل المؤتمر في النهاية، وفي 30 نوفمبر 1822 غادر ولنجتون ~~فيرونا. # ولا شك في أن السبب الآخر في فشل المؤتمر كان تصميم فيليل - من ناحية أخرى - على ~~المضي في سياسة «تدخل» ثابتة، ومستقلا عن الدول إذا لزم الأمر، ووجه ~~الخطر في هذه السياسة أن استعداد فرنسا لخوض غمار الحرب من أجل إرجاع البربون إلى ~~عرش إسبانيا بسلطاتهم المطلقة السابقة، إنما كان معناه إحياء سياسة «الميثاق ~~العائلي» القديم بين فرنسا وإسبانيا (بتاريخ 7 نوفمبر 1733). # ومن المحتمل كذلك أن يتبع هذا التدخل محاولات أخرى من أجل إعادة فتح ~~المستعمرات الإسبانية في أمريكا، فقد صرح فيليل في ديسمبر 1822 بأنه: «إذا شاءت ~~الحكومة الإسبانية إرسال أحد أبناء الأسرة المالكة إلى المكسيك، أو إلى بيرو، أو ~~إلى أي مكان في أمريكا الإسبانية، على رأس جيش لمحاولة استئناف العلاقات بين ~~المستعمرات وبين إسبانيا، فإن الحملة التي يجري إعدادها الآن في مواني فرنسا على ~~استعداد لأن تكون تحت أمر الحكومة الإسبانية لنقل عضو البيت المالك مع الجيش ~~المزمع إرساله معه إلى أي مكان يريدون أن يذهبوا إليه»، وذلك ما كان ينطوي على ~~تهديد مباشر لمصالح إنجلترة، التي وجدت حينئذ إذا كان في استطاعة فرنسا ~~إحراز التفوق السياسي في إسبانيا الأوروبية - بفضل ما لديها من قوات مسلحة ~~تستخدمها لهذه الغاية - فمن الواجب على إنجلترة أن تعمل لإحراز التفوق التجاري ~~في أمريكا الإسبانية، ولكن باستخدام الوسائل الدبلوماسية، وكان موقف كاننج في ~~هذه المسألة بالذات - وما تفرع عنها - من العوامل الحاسمة التي قضت على الاتحاد ~~الأوروبي في النهاية. # مسألة أمريكا الإسبانية # وذلك لأن كاننج قد صح عزمه من أول الأمر على أنه إذا أتيح لفرنسا ~~الاستيلاء على إسبانيا، ms0773 أو الاستئثار بالنفوذ الأعلى بها - وقد بقيت الجيوش ~~الفرنسية التي أعادت فردنند السابع إلى العرش بحكومته المطلقة، معسكرة في ~~إسبانيا حتى سنة 1827 - فالواجب أن يكون استيلاء فرنسا على إسبانيا وحدها، ودون ~~الاستحواذ على أملاكها في «الهند الغربية»، بل اعتقد كاننج أن امتداد النفوذ ~~الفرنسي إلى إسبانيا، وتوطده بها من شأنه أن يؤدي إلى اختلال التوازن الدولي في ~~أوروبا. # ولذلك صار حتما على حكومته أن تبذل كل جهودها لمؤازرة المستعمرات الإسبانية في ~~نصف الكرة الغربي؛ حتى تتحرر هذه من كل نفوذ إسباني وأجنبي بها، فتصبح دولا ~~مستقلة وعاملا حاسما لذلك في إعادة التوازن الدولي في القارة الأوروبية؛ لأن ~~حرمان إسبانيا، أو فرنسا - في حالة امتداد نفوذها إلى إسبانيا - من المستعمرات ~~الأمريكية سوف يحرمهما القوة التي تجعل لهما النفوذ المستعلي في أوروبا، أضف ~~إلى هذا أن إسبانيا يتعذر عليها معالجة مشكلة الاعتداءات التي كانت تقع ~~من جانب المستعمرات على السفن والملاحة الإنجليزية، في حين أن كل ما يهتم به ~~الإنجليز أن تبقى العلاقات التجارية قائمة لا يعطلها شيء بينهم وبين المستعمرات ~~الإسبانية في أمريكا، ثم إن وزير خارجية فرنسا «شاتوبريان» يريد التدخل بين ~~إسبانيا ومستعمراتها الثائرة عليها في كوبا وبرتوريكو، ويريد علاوة على ذلك أن ~~ينصب أمراء فرنسيين من آل بربون في المستعمرات الإسبانية التي حصلت على ~~استقلالها الفعلي، في المكسيك، وبيرو، وبونس إيرس، وهو مشروع كشف القناع عن نوايا ~~فرنسا ومبلغ أطماعها، وبات واجبا على كاننج أن يعمل لتعطيل هذه المشروعات بكل ~~وسيلة. # ولقد تعددت العوامل التي ساعدت على فشل مشروعات «شاتوبريان»، عندما لم ~~تكن الحكومة الفرنسية ذاتها متحمسة لها؛ ولأن الملك فردنند السابع رفض أن ~~يستولي أمراء البربون الفرنسيون على شيء من الأملاك الإسبانية، ولأن الحكومة ~~الإنجليزية - وسياستها كما عرفنا - رفضت أن يحصل تدخل فرنسي في شئون ~~المستعمرات الإسبانية في أمريكا، أضف إلى هذا كله أن الولايات المتحدة الأمريكية ~~عارضت كل تدخل يأتي من جانب أوروبا، وبالأحرى من جانب فرنسا في شئون أمريكا ~~اللاتينية، أي الجنوبية. # أما عدم تحمس ms0774 الحكومة الفرنسية عموما لمشروعات وزير خارجيتها «شاتوبريان» فقد ~~ظهر عندما استطاع كاننج أن يحصل بعد مفاوضة مع سفير فرنسا في لندن الدوق ~~دي بولينياك Polignac # على بيان قاطع في 9 ~~أكتوبر 1823 بأن فرنسا ليست لديها أية نوايا للعمل المسلح ضد المستعمرات ~~الإسبانية. # وكان موقف الولايات المتحدة الأمريكية على قدر كبير من الأهمية؛ لأنه أسفر ~~عن وضع مبدأ عام شامل يمنع العالم القديم - أي الدول الأوروبية - من التدخل في ~~شئون «العالم الجديد» بأجمعه، وليس فيما هو متصل بالمستعمرات الإسبانية وحدها فقط، ~~فقد بعث الرئيس جيمس منرو # Monroe # في 8 مارس 1822 ~~برسالة إلى مجلس الكونجرس الأمريكي يوصي فيها بضرورة الاعتراف بكل مستعمرة إسبانية ~~استطاعت التحرر والخلاص، أمة مستقلة، وكانت الولايات المتحدة قد أخرجت إسبانيا ~~من أمريكا الشمالية، منذ أن ابتاعت لويزيانا من فرنسا (في سنة 1803 وكان نابليون قد ~~أرغم إسبانيا على إرجاعها إلى فرنسا قبل ذلك بثلاث سنوات)، واستولت على فلوريدا ~~نهائيا منذ 1819، وصارت تريد الآن إخراج إسبانيا من أمريكا اللاتينية (الجنوبية)، ~~فاعترفت بأن لأهل المستعمرات الإسبانية الثائرة صفة المحاربين النظاميين في حرب ~~أهلية، ثم إنها فتحت موانيها لسفنهم، فكانت لا تنظر كذلك بعين الارتياح للتطورات ~~الأوروبية التي أفضت إلى تدخل فرنسا في المسألة الإسبانية، وساءتها المشروعات ~~التي أتى بها «شاتوبريان»، والتصريح الذي أدلى به «فيليل». وهكذا التقت الرغبات ~~الأمريكية في هذه الناحية بالرغبات الإنجليزية. # وحينما كان كاننج يتفاوض مع الدوق بولينياك من أجل الحصول على بيان 9 أكتوبر 1823 ~~السالف الذكر؛ كانت تجرى مفاوضة أخرى بينه وبين الوزير الأمريكي في لندن ~~«ريتشارد رش # Rush ~~» غرضها استمالة الحكومة ~~الأمريكية إلى استصدار تصريح مشترك بينها وبين بريطانيا، ضد أي تدخل أوروبي ~~في أمريكا، وذلك في وقت كانت حكومات الحلف المقدس تسعى فيه لدعوة مؤتمر أوروبي ~~جديد لتقرير الوساطة بين إسبانيا ومستعمراتها الأمريكية، ومن المتوقع أن ينعقد هذا ~~المؤتمر بالرغم من تخلي فرنسا عن أية مشروعات من جانبها للتدخل الفعلي «أو ~~المسلح». # وعلى ذلك فقد اقترح كاننج على الوزير الأمريكي، منذ ms0775 16 أغسطس سنة 1823 أن ~~تشترك الحكومتان: الأمريكية والإنجليزية في اتخاذ إجراء يمنع فرنسا من التدخل في ~~شئون المستعمرات الإسبانية في أمريكا، فعمد الرئيس «منرو» إلى استشارة الرئيسين ~~السابقين: جفرسون # Jefferson ~~، وماديسون # Madison # في الأمر، فأوصى كلاهما بقبول مقترحات ~~كاننج، وذلك في رأي جفرسون؛ لأن أوروبا كانت تعمل جادة في هذا الحين لتغدوا مركزا ~~للطغيان والرجعية، الأمر الذي يقتضي الأمريكيين أن يعملوا - وبجد كذلك - ليصبح ~~نصف الكرة الغربي موئلا للحرية، وذلك مسعى - كما قال جفرسون - في مقدور أمة ~~واحدة فقط، أكثر من غيرها، هي الأمة الإنجليزية أن تعطله. # ومع ذلك فقد جاءت هذه الأمة نفسها تعرض على الأمريكيين الإرشاد والمعاونة، ~~والاستعداد للسير معهم في الطريق الموصل لهذه الغاية، ومن صالح الأمريكيين أن ~~يقبلوا مقترحاتها؛ حتى يفصلوا هذه الأمة الإنجليزية من العصبة الرجعية في ~~أوروبا، وحتى يجذبوها بقواتها البحرية الكبيرة إلى صف الحكومات الحرة، وذلك ~~من شأنه أن يفضي في النهاية إلى تحرير قارة بأسرها (هي قارة أوروبا). # ولقد كان لهذه القوات البحرية الإنجليزية الكبيرة وزن كذلك في تشكيل الأسباب ~~التي جعلت الرئيس السابق «ماديسون» يوصي بقبول مقترحات كاننج، ففي رأيه أن الولايات ~~المتحدة تستطيع مواجهة العالم دون خوف أو وجل، في عصر اشتد فيه النضال بين الحرية ~~والطغيان، إذا هي ضمت إلى قواتها الأساطيل البريطانية، ومن واجب الولايات ~~المتحدة تأييد الحرية - على الأقل - في هذا الجزء من العالم. # والواقع أنه حينما كان كاننج يريد منع إسبانيا من أن تسترجع في يدها احتكار ~~التجارة في مستعمراتها الأمريكية القديمة، كانت الولايات المتحدة الأمريكية تعمل ~~من ناحيتها لتحقيق الغرض المزدوج الذي تحدثنا عنه سابقا، وهو منع الدول ~~الأوروبية من فتح بلدان أمريكا اللاتينية (الجنوبية) وإخضاعها لسلطانها، ثم ~~استمالة إنجلترة إلى الارتباط معها في سياسة مشتركة، تصرف إنجلترة نهائيا عن ~~«النظام الأوروبي» وتدفعها للوقوف إلى جانب الحكومات الحرة. # ومع ذلك فقد لقي الاقتراح الإنجليزي كل معارضة من جانب وزير الخارجية ~~الأمريكية وقتئذ «جون كونيزي آدمز # Adams ~~» # 8 # الذي بنى رفضه العمل المشترك مع إنجلترة ms0776 على اعتبارات عدة، مبعثها ~~خوفه من أن تؤدي هذه المشاركة إلى دخول الولايات المتحدة ذاتها دائرة «النظام ~~الأوروبي» الذي تسعى لانتزاع بريطانيا منه، ثم خوفه من أن التصريح المنشود ضد ~~أي تدخل أوروبي في أمريكا لا يلبث حتى يتخذ شكلا يدل على أن الدولتين (إنجلترة ~~والولايات المتحدة) ليس غرضهما مجرد الحيلولة وحسب دون استيلاء دولة أوروبية على ~~قسم من أملاك إسبانيا في أمريكا، بل إنهما تتعهدان فوق ذلك بالامتناع هما أيضا عن ~~فعل ذلك، الأمر الذي يغل يد الولايات المتحدة فلا تستطيع في المستقبل ~~الاستيلاء على بعض الأقاليم التي كانت تريدها، مثل تكساس # Texas ~~، أو كوبا # Cuba ~~، وكان ~~«آدمز» يرغب على وجه الخصوص في الاستيلاء قريبا على كوبا، فكان في رأيه إذن أن ~~من الضروري أن تبتعد الولايات المتحدة كل البعد عن «النظام الأوروبي»، وأن ~~تحرص على أن يبقى الباب مفتوحا لتضم إليها ما تشاء من الأقاليم في المستقبل، أي ~~إن «آدمز» لم يكن يريد التقيد بتصريح يغل يد الولايات المتحدة عن ~~العمل. # ولقد أخذ الرئيس «منرو» بهذه الاعتبارات التي عززها انتفاء كل خطر مباشر من ~~جهة أوروبا نتيجة للاتفاق الذي حصل بين كاننج وبولينياك في 9 أكتوبر 1823، وكان ~~تحت تأثير هذه الاعتبارات إذن أن أصدر «منرو» تصريحه المشهور الذي تضمنته ~~رسالته إلى مجلس الكنجرس الأمريكي في 2 ديسمبر 1823، وكان هذا التصريح يشمل المبادئ ~~الآتية؛ وأولها: أن الولايات المتحدة ليست لها أية مصلحة، ولا تريد التدخل في شئون ~~أوروبا السياسية، وأنها تريد من الدول الأوروبية وتطلب منها الابتعاد عن التدخل في ~~شئون العالم الجديد السياسية، بل إنها لن تتردد في قتال أية دولة تحاول أن ~~تفرض أو أن تبسط سيطرتها السياسية في أمريكا، وأخيرا أن الولايات المتحدة لا ~~تتدخل في شئون المستعمرات والممتلكات الحالية التي للدول الأوروبية «في ~~أمريكا ». # تلك كانت القواعد التي يتألف منها «مبدأ ~~منرو # Monroe Doctrine ~~» الذي استلفت وقت صدوره أنظار رجال السياسة في ~~أوروبا، فسبب انزعاجا كبيرا للوزير الفرنسي «شاتوبريان»، الذي اعتقد أنه إنما ~~صدر بناء ms0777 على تأييد من بريطانيا أو لمجرد إرضائها، وكتب ليبزيلترن # Lebzeltern # السفير النمسوي في بطرسبرج إلى ~~البرنس مترنخ يصف الدهشة العظيمة التي أثارتها في العاصمة الروسية، رسالة الرئيس ~~منرو إلى الكنجرس، وأما مترنخ فقد قابل إعلان هذا المبدأ بشن هجوم عنيف على ~~رسالة الرئيس الأمريكي، حتى إنه قال: «ينبغي على الدول أن تتخذ الإجراءات التي ~~تمنع أطفال أوروبا من أن يصبحوا الرجال البالغين في أمريكا.» # ولقد أبلغ الرئيس منرو الوزير الإنجليزي في واشنطون «أدنجتون # Addington ~~» # 9 # أن السياسة الأمريكية التي أفصح عنها مبدأ منرو، إنما هي متفقة في ~~نظره مع السياسة الإنجليزية، ولقد كان ذلك صحيحا؛ لأن مبدأ منرو قد صدر ~~فعلا بموافقة الحكومة الإنجليزية، بل كان صدوره نتيجة للاقتراح الذي جاء من جانب ~~كاننج لمنع التدخل الأوروبي في شئون أمريكا، أو بالأحرى في شئون المستعمرات ~~الإسبانية في أمريكا. # ومن المحتمل في رأي كثيرين، أن الحكومة الإنجليزية هي التي اقترحت استصدار هذا ~~المبدأ من جانب واحد، كما أنه من المقطوع به لو صممت فرنسا على إرسال جيشها لنجدة ~~القوات الإسبانية في أمريكا لكان الأسطول الإنجليزي قد بادر بمؤازرة الولايات ~~المتحدة في الحرب التي تنشب حينئذ بينها وبين فرنسا؛ لأن بريطانيا وهي صاحبة ~~إمبراطورية مترامية الأطراف كان يعنيها - كما يعني الولايات المتحدة تماما - أن ~~تبقى أمريكا بعيدة عن كل سيطرة أجنبية، وتلك حقيقة شرحها كثيرون في قولهم: إن ~~مبدأ منرو كان يعتمد دائما في بقائه على قوة البحرية البريطانية، بل إن الاعتماد ~~على قوة البحرية البريطانية كأساس عملي لقيام المحالفة الإنجليزية الأمريكية، كما ~~ارتسمت في ذهن كل من جفرسون وماديسون، كان ركن الزاوية في ذلك «النظام الأطلنطي» ~~الذي بدأ التفكير في إقامته في سنة 1823 كإجراء مناهض ومعارض «للنظام الأوروبي»؛ ~~لتحقيق الغرض المزدوج الذي سبق الكلام عنه: منع الدول الأوروبية من الإقدام على ~~فتح البلدان الأمريكية اللاتينية «في أمريكا الجنوبية»، وضمان انضمام إنجلترة إلى ~~جانب الحكومات الحرة وانصرافها عن النظام الأوروبي المعروف برجعيته الشديدة ~~وقتئذ. # وعلى ذلك فمع أن التصريح الذي تضمنته ms0778 رسالة الرئيس منرو إلى مجلس الكنجرس ~~الأمريكي، كان تصريحا من جانب واحد # Unilateral ~~، ~~فقد جاء محققا للأغراض التي أرادها كاننج، وبينما انتصرت الرجعية في إسبانيا ~~أمكن أن تنجو أمريكا الجنوبية (اللاتينية) من طغيان الحلف المقدس. # وكانت الحكومة الإنجليزية قبل صدور مبدأ منرو بستة أسابيع فقط (في 17 أكتوبر ~~1823) قد أوفدت قناصلها إلى المدن الهامة في أمريكا الجنوبية، وأما القوات ~~الإسبانية فقد لحقت بها الهزيمة في آخر المعارك التي خاضت غمارها في بيرو (في ~~ديسمبر 1824)، وفي هذا العام الأخير نفسه اعترفت إنجلترة باستقلال بونس إيرس، ~~وكلومبيا، والمكسيك، وفي 2 فبراير 1825 عقدت إنجلترة معاهدة صداقة وتجارة وملاحة ~~مع الأرجنتين (بونس إيرس) تعرف بمعاهدة ري ودي لابلاتا، واعترفت باستقلال ~~«اتحادها الكونفدرائي»، ثم إنها اعترفت باستقلال بوليفيا وبيرو وشيلي في السنة ~~نفسها، وبذلك تكون قد زالت أو كادت تزول من الوجود كلية الإمبراطورية الإسبانية ~~في أمريكا. # وهكذا تسببت سياسة كاننج في فشل الحلف المقدس، وتبعا لذلك في إخفاق محاولة ~~الدول أن تحكم أوروبا بطريق «المؤتمرات»، ومرد ذلك إلى أن إنجلترة ما كانت ~~تجد في هذه المؤتمرات ما يحقق الأغراض التي أرادتها سياستها، ولم تكن احتجاجات ~~كاننج مجرد عبارات بليغة وحسب، عندما أخذ يتساءل عن ذلك النفوذ الذي قيل إنه ~~كان لإنجلترة في مشاورات التحالف «الأوروبي»، والذي قال كاننج: «إن مترنخ كان يحث ~~الحكومة الإنجليزية على عدم التفريط به»، ثم انبرى كاننج يقول: «لقد رفعنا صوتنا ~~بالاحتجاج في ليباخ، ثم عارضنا معارضة شديدة في فيرونا، ولكن احتجاجاتنا ~~اعتبرت كقصاصة ورق لا قيمة لها، وذهبت معارضتنا أدراج الرياح، فإذا ~~كان لنفوذنا أن يبقى قائما في الخارج فالواجب أن يعتمد هذا النفوذ على مصادر القوة ~~في داخل بلادنا، وتلك تكون بالتعاطف والتفاهم بين الشعب والحكومة، وتتم في الاتحاد ~~بين الشعور السائد والمشورة التي يتفق عليها الرأي العام، ثم في الثقة ~~المتبادلة والتعاون الكامل بين مجلس العموم والتاج البريطاني.» # وأخيرا كان موقف كاننج في المسألة البرتغالية أحد الأسباب الحاسمة التي ~~أدت كذلك إلى إخفاق محاولة الحكم في ms0779 أوروبا عن طريق المؤتمرات ~~السياسية. # المسألة البرتغالية # ويرجع تاريخ المسألة البرتغالية، فيما يتعلق بسياسة كاننج، إلى سنة 1807 عندما ~~أصدر نابليون الأول قراره المعروف بانتهاء حكم أسرة براجانزا # Braganza ~~، وهي الأسرة الحاكمة في البرتغال، فقد ~~فرت هذه الأسرة من البرتغال في الوقت المناسب، ونقلت مركز الحكومة إلى ~~البرازيل، وعند سقوط نابليون (1815) كان من المنتظر أن يعود الملك يوحنا السادس إلى ~~لشبونة، ولكنه فضل - كما سبق القول - الإقامة في ريو دي جانيرو، وصارت البرتغال ~~تشغل مركزا ثانويا بالنسبة لمستعمراتها، ثم بقي الحال على ذلك إلى أن امتدت ~~الثورة من إسبانيا إلى البرتغال سنة 1820، فاضطر يوحنا السادس للعودة إلى البرتغال ~~ليوطد سلطانه بها (1821)، أما في البرازيل؛ فقد عمد أهلها في العام التالي إلى ~~نبذ سلطان البرتغالي، والمناداة بأكبر أبناء الملك «دون بدرو # Dom Pedro ~~» إمبراطورا دستوريا عليهم في مايو 1822. # ومع ذلك فإن تدخل فرنسا الناجح وقتئذ في شئون إسبانيا لم يلبث أن أحيا آمال ~~الرجعيين في البرتغال بزعامة الملكة كارلوتا # Carlota # زوجة يوحنا السادس التي رفضت أن تنفصل البرازيل عن ~~البرتغال، واعتمدت على مؤازرة ابنها الأصغر دون ~~مجويل # Miguel # وارث عرش البرتغال، في حمل الملك يوحنا السادس على اعتزال ~~العرش حتى تتمكن من تنفيذ أغراضها، فانتهز الفرصة الوزير الفرنسي في لشبونة ~~«هيد دي نوفيل # Hyde de Neuville ~~» وصار يبذل ~~قصارى جهده ليجعل النفوذ الفرنسي يحتل مكان الصدارة في البرتغال بدلا من نفوذ ~~الإنجليز حلفاء البرتغال من قديم الزمان، وتدخل لإحالة النزاع على الحكومة ~~الفرنسية، ثم عرض على الملك يوحنا استقدام جنود فرنسيين من إسبانيا - وكان لا ~~يزال بها بعض الحاميات الفرنسية - إلى البرتغال لنجدته، فعارض كاننج في هذا ~~التدخل الفرنسي بمجرد أن بلغته أنباؤه، وأخذ يهدد البرتغال بحرمانها من ~~مساعدة بريطانيا لها. # وكان أنصار الدستور في البرتغال قد طلبوا مساعدة بريطانيا العسكرية، ولكن ~~كاننج الذي نادى دائما بمبدأ عدم التدخل لم يكن في وسعه إجابة هذه الرغبة؛ ~~ولذلك فقد اكتفى بإرسال أسطول بريطاني صغير إلى نهر التاجة (التاجوس) وراح يوضح ~~في الوقت ms0780 نفسه لفرنسا ولسائر الدول، أنه لما كانت إنجلترة قد امتنعت عن ~~التدخل لتأييد فريق معين فقد بات واجبا على فرنسا أن تمتنع هي الأخرى عن التدخل ~~لتأييد الفريق الثاني. # وأفاد وجود الأسطول الإنجليزي في مياه نهلر التاجوس؛ لأن دون مجويل لم يلبث أن ~~قام بانقلاب حكومي في أبريل 1824، فاضطر الملك يوحنا للالتجاء إلى إحدى السفن ~~البريطانية ليستأنف نشاطه منها، ولينجح في استرجاع عرشه، وعندئذ ذهب دون مجويل إلى ~~المنفى (13 مايو 1824) فأعيد النظام، وأبعد المؤيدون للمصلحة الفرنسية، ورأى ~~«فيليل» أن يحد من غلواء وزير خارجيته «شاتوبريان»؛ فبادر باستدعاء «هيد دي ~~نوفيل» من لشبونة في ديسمبر 1824، فلم ترسل فرنسا جيشا إلى لشبونة، وبالتالي لم ~~تذهب أية قوات - وعلى خلاف ما كان يبغي شاتوبريان - إلى البرازيل، وانتصرت ~~سياسة كاننج. # وفي العام التالي (1825) توسط كاننج لتسوية الخلافات القديمة بين البرازيل ~~والبرتغال، فأسفرت مساعيه في مؤتمر عقد لهذه الغاية في لندن، عن إبرام معاهدة في ~~29 أغسطس 1825، اعترف بموجبها يوحنا السادس باستقلال البرازيل، «وبولده ~~المحبوب» دون بدرو، إمبراطورا عليها. # ولكن ما إن توفي يوحنا السادس في مارس 1826 حتى قام النزاع بين أنصار مجويل ~~الرجعيين، وبين الإمبراطور بدرو، وطلب المجويليون من إسبانيا أن تتدخل في النزاع ~~القائم، وعندئذ اضطر كاننج للتدخل في ديسمبر 1826 حتى يمنع إسبانيا من تلبية ~~هذا الطلب، وكان المبدأ الذي استند إليه كاننج لتبرير تدخله أن إنجلترة وإن كانت ~~لا تريد التدخل لتأييد جماعة دون أخرى في البرتغال، فهي لا يمكنها في الوقت نفسه أن ~~تجيز لغيرها هذا التدخل، وفي البرلمان أعلن كاننج أن قوة بريطانية قد ~~أرسلت إلى البرتغال، فحال هذا الموقف الحاسم دون التدخل الإسباني. # وهكذا تحطمت سياسة التدخل التي أرادها الحلف المقدس، وذلك في الوقت الذي ~~كانت تبدو فيه هذه السياسة كأنها حقيقة واقعة في أوروبا، وكان تحطمها على صخرة ~~المسألتين: الإسبانية الأمريكية، والبرتغالية البرازيلية، وفي 12 ديسمبر 1826 ~~استطاع كاننج أن يقف في البرلمان ليقول في زهو وافتخار: «هل كان من الضروري إذا ~~احتلت فرنسا إسبانيا ms0781 أن نضرب نحن نطاق الحصار على قادش، حتى نتجنب نتائج هذا ~~الاحتلال؟ كلا، لقد تطلعت إلى طريق آخر، وبحثت عن تعويض لنا في نصف الكرة ~~الثاني، ذلك أني حين صرت أفكر في أمر إسبانيا، وبالصورة التي عرفها بها ~~أجدادنا من قبل، لم يلبث أن تقرر لدي أنه إذا استولت فرنسا على إسبانيا فلتكن ~~إسبانيا وحدها، ودون الهند الغربية! لقد أردت أن يبرز العالم الجديد إلى الوجود؛ ~~حتى يتسنى إعادة توازن القوى إلى نصابه في العالم القديم.» # فشل الاتحاد الأوروبي # كان معنى تحطيم سياسة التدخل، إخفاق فكرة الاتحاد الأوروبي، ومن أول الأمر ~~تجمعت الأسباب التي أدت إلى هذا الفشل، وذلك منذ أراد السياسيون الرجعيون - ~~وعلى رأسهم مترنخ - أن يجعلوا من المحالفة - التي استند إليها الاتحاد الأوروبي، ~~والتي كانت وسيلة فحسب لمراقبة فرنسا - أداة الغرض منها القضاء على كل الثورات ~~والحركات الدستورية والأهلية، والتدخل في شئون الدول الداخلية، ثم إن أعضاء الحلف ~~المقدس لم يجعلوا هذا التدخل مقصورا على الدول الأوروبية، بل أرادوا التدخل في ~~شئون العالم الجديد، الأمر الذي عارضته إنجلترة معارضة شديدة، كما عارضته ~~كذلك الولايات المتحدة الأمريكية. # وعندما تمسكت إنجلترة بمبدأ عدم التدخل في المسألة الإسبانية الأمريكية، وفي ~~المسألة البرتغالية البرازيلية، كانت فكرة الاتحاد الأوروربي مقضيا عليها بالفشل ~~كما أرادته الدول الأوتقراطية، وانقسمت الدول فريقين: فريق الدول الأوتقراطية؛ ~~روسيا، النمسا، بروسيا، وهي أعضاء الحلف المقدس الأصيلة، وفريق الدول المتمسكة ~~بالمبادئ الحرة: وهي الدول الغربية، إنجلترة، وأخيرا فرنسا، ثم الولايات المتحدة ~~الأمريكية التي وقفت إلى جانب إنجلترة في مشكلة المستعمرات الإسبانية في أمريكا، ~~فعطلت مطامع وأغراض الدول الأوتقراطية الرجعية صاحبة مبدأ التدخل في شئون الدول ~~الداخلية. # وفي الفترة التالية زاد الانقسام، واتسعت شقة الخلاف بين الدول عندما ~~تطلبت المسألة الشرقية حلا حاسما لتهدئة اليونان وتحريرها من السيطرة العثمانية، ~~فوضع استقلال اليونان - كما سيأتي ذكره - تحت ضمان بريطانيا وفرنسا وروسيا، ~~بدلا من وضعه تحت ضمان التحالف الأوروبي عامة، أضف إلى هذا أن الدول التي ~~اضطرت إلى العمل المشترك في مسألة استقلال ms0782 بلجيكا، وتوطيد ملكية أورليان في ~~فرنسا (بعد ثورة يوليو 1830)، لم تلبث أن وجدت نفسها منقسمة بعضها على بعض بسبب ~~الثورات التي انتشرت في أوروبا في هذا العام نفسه، فتعاقدت كل من روسيا، النمسا، ~~بروسيا في اتفاق برلين السري في15 أكتوبر 1833 على أساس تأكيد المبادئ التي ~~تضمنها بروتوكول ترباو المعروف (19 نوفمبر 1820). # ومن ذلك الحين أصبح الحلف المقدس بمثابة اتحاد صريح بين الدول الملكية الثلاث ~~الشرقية للذود عن الأوتقراطية ضد أخطار الثورة، ومع ذلك فقد كان من نتيجة عقد هذا ~~الاتفاق السري في برلين، أن الاتحاد الأوروربي، أي العمل المشترك بين الدول في ~~المسائل التي تعرض لها، ظل عاملا هاما في السياسة الدولية، ويرتكز - كما أرادت ~~السياسة البريطانية دائما - على قاعدتي احترام الارتباطات التي تضمنتها ~~المعاهدات المبرمة بين الدول، وأن للدول التي يخصها الأمر الحق في نظر المسائل ~~التي ينجم من إثارتها تهديد لمصالحها، وفي الفترة التالية حدث أول اختبار لفكرة ~~الاتحاد الأوروبي، في هذا الوضع الجديد، عندما تلبدت في أفق السياسة الدولية غيوم ~~المسألة الشرقية. # الفصل الثالث # | المسألة الشرقية # اليونان ومصر # تمهيد # المسألة الشرقية تعبير يقصد به تعريف الإمبراطورية العثمانية في ضوء علاقاتها مع ~~الشعوب التي خضعت لها وتألفت منها الإمبراطورية، ثم في ضوء علاقاتها مع الدول ~~الأوروبية خصوصا، وموقف هذه الدول منها؛ ولذلك فإن تاريخ المسألة الشرقية إنما يمر ~~في دورين هامين: أولهما؛ يستغرق القرنين الخامس عشر والسادس عشر، حين بلغت الدولة ~~العثمانية أوج قوتها، فلم يكن يشغل أوروبا حينئذ غير التفكير في أجدى الوسائل ~~التي يمكن بها تجنب الخطر العثماني ودفعه عنها، وأما ثانيهما: فقد استمر ~~طوال القرنين السابع عشر والثامن عشر، وذلك عندما أخذ الضعف يدب في جثمان الدولة ~~وانهزم العثمانيون أمام أسوار فينا (1683)، ثم في واقعة موهاكز بعد أربع سنوات ~~(1687)، وفي القرن الثامن عشر كان الذي اهتمت به الدول هو البحث في الطريقة التي ~~يمكن بها ملء الفراغ الذي نجم من تقلص سلطان الدولة العثمانية بصورة تدريجية ~~من أوروبا، ولقد كان في أواخر هذا الدور ms0783 أن اتخذت المسألة الشرقية ذلك الشكل الحديث ~~الذي عرفتها به أوروبا خلال القرن التاسع عشر. # وأهم العوامل التي أبرزت المسألة الشرقية ذلك شكلها الحديث، كانت ازدياد ~~ضعف العثمانيين في القسطنطينية، ونهضة شعوب البلقان الصغيرة المسيحية، واطراد نمو ~~الشعور القومي بين هذه الشعوب، ثم الأثر الذي نجم من تفاعل هذين العاملين على ~~سياسة الدول الأوروبية الكبرى. # فقد اشتركت كل من روسيا والنمسا بين سنتي 1788، 1791 في مهاجمة تركيا، وأخذت ~~روسيا لنفسها حق حماية المسيحيين داخل الإمبراطورية العثمانية، وتقدمت في زحفها ~~صوب البحر الأسود، حتى ضمت إليها ميناء آزوف، ولقد حاول وقتئذ الوزير ~~الإنجليزي «ويلم بت الأصغر» إظهار خطر التقدم الروسي على كيان الدولة العثمانية، ~~وما سوف يترتب عليه من آثار في محيط السياسة الدولية، ولكن دون جدوى، ومن ذلك الحين ~~وضعت إنجلترة المبدأ الذي استرشدت به سياستها في المسألة الشرقية عموما مدة ~~التسعين سنة التالية، وهو المحافظة على كيان الإمبراطورية العثمانية، ثم لم تلبث أن ~~سلكت النمسا في سنة 1791 طريق الاعتدال مع تركيا، فأعادت إليها كل الفتوحات ~~السابقة تقريبا، وانبنت سياستها على الرغبة في مساعدة الدولة العثمانية ~~وحمايتها. # وكان السبب في سياسة المحافظة على كيان الإمبراطورية العثمانية، من جانب النمسا ~~وإنجلترة؛ أن هاتين الدولتين صارتا تدركان منذ 1791 أن تركيا وإن ظلت حقيقة ~~مصدر أخطار على أوروبا، فإن ذلك لم يكن بسبب قوتها كما كان الحال في ~~الأزمنة السابقة، ولكن بسبب ضعفها؛ ولذلك فحينما كانت روسيا في مطلع القرن التاسع ~~عشر لا تزال تهتم بمتابعة الزحف على شواطئ البحر الأسود، وتهدف دائما لامتلاك ~~القسطنطينية، جعلت النمسا من نفسها رقيبا على النشاط الروسي، وهددت بالانقضاض ~~على جناح روسيا إذا أثارت هذه الحرب مع تركيا، وانشغلت بها، أما إنجلترة فقد ~~صممت على حماية التجارة في حوض البحر الأبيض الشرقي (الليفانت)، والدفاع عن ~~القسطنطينية ذاتها ضد كل هجوم يقع عليها. # ومن أواخر القرن الثامن عشر، كان واضحا أن المسألة الشرقية سوف تحمل الدول ~~الكبرى على التدخل عاجلا أو آجلا في شئون الإمبراطورية العثمانية ms0784 ، التي أخذت ~~تنتشر الاضطرابات في أنحائها بسبب ما ظهر من رغبة قوية في التخلص من الحكم ~~العثماني، والظفر بالاستقلال من جانب الشعوب المسيحية في داخل الإمبراطورية ~~العثمانية، في حين اعتبرت الدولة نشاط رعاياها هؤلاء عصيانا يجب إخماده بكل الطرق، ~~ولو استلزم الأمر اللجوء للمجازر ووسائل الإبادة الأخرى. # وثمة سبب آخر للتدخل؛ هو أن الدولة العثمانية لم تحاول أن تصلح شيئا من ~~أحوال «الذميين» وهم رعاياها المسيحيون، حتى إذا كانت قد اضطرت في بعض ~~الأحايين إلى منح هؤلاء قدرا من «الامتيازات» التي تحفظ لهم أرواحهم وأعراضهم ~~وأموالهم، فإن هذه «الامتيازات» لم تكن لها قيمة من الناحية العملية. # ولذلك، لم تلبث أن ظهرت بوضوح في مطلع القرن التاسع عشر العناصر الجوهرية ~~التي تألفت منها مشكلة «المسألة الشرقية»، وهي: أولا: وجود حكومة أو دولة ~~شرقية في أوروبا تسيء الحكم بين ملايين من الشعوب المسيحية الخاضعة لسلطانها، وذلك ~~في الوقت الذي كان ظاهرا فيه أن الضعف ينتاب هذه الحكومة أو الدولة الشرقية، وأنها ~~تسير تدريجيا في طريق الانحلال، وثانيا: وجود مجموعة من الحكومات أو الدول ~~الأوروبية التي تهتم بمصير هذه الحكومة أو الدولة الشرقية، ثم وجود روسيا من بين ~~هذه الحكومات، وقد انفردت وحدها في رغبة العمل على زيادة هذا الانحلال العثماني ~~سرعة على سرعته، وثالثا: وأخيرا، وجود مجموعة من الشعوب التي نضج شعورها ~~القومي، وصارت تريد التخلص من السيطرة العثمانية. # ولقد كان من هؤلاء الأخيرين الصرب، الذين بدءوا الثورة ضد تركيا قبل غيرهم من ~~الشعوب البلقانية؛ فقد ثار الصرب بقيادة قره جورج، (ومعنى قره # Kara ~~: الأسود) في سنة 1804، واستمر النضال مدة حتى نال قره جورج ~~وعدا بإنشاء حكومة ذاتية في بلاده، وذلك في معاهدة بوخارست التي أبرمت في 28 ~~مايو 1812 بين روسيا وتركيا، ولكن لم تلبث أن لحقت به الهزيمة، واضطر للفرار من ~~البلاد في العام التالي (سنة 1813). # ثم استطاع منافسه وعدوه، ميلوش ~~أوبرينوفيتش # Milos Obrenovic # إشعال الثورة في الصرب مرة أخرى في سنة 1815، ~~وأفلح في إقامة حكومة «واقعية # de Facto ~~»، تكفل ms0785 ~~استقلالا فعليا لبلاده، ثم تخلص من قره جورج عند عودة هذا الأخير إلى صربيا ~~بقتله (سنة 1817)، واختار الزعماء الصربيون «ميلوش» أميرا وراثيا عليهم، وحصل ~~على اعتراف من تركيا بهذه الإمارة سنة 1820 عندما منحته الحكومة العثمانية لقب ~~«أمير الصرب في باشوية بلغراد»، ثم اعتمد ميلوش على روسيا في تأييد مركزه، وقد ~~ظهر أثر هذا التأييد الذي ناله منها في المعاهدات التي عقدتها روسيا مع ~~تركيا في أكرمان (1826) وإدريانويل (1829) - وسيأتي ذكر هاتين مفصلا - تأكد ~~بفضلهما استقلال الصرب الذاتي، وأعلنت تركيا اعترافها بهذا الاستقلال الذاتي ~~في 5 فبراير 1830. # وفي السنة نفسها جعلت تركيا لقب الإمارة وراثيا في أسرته، ثم صدر خط ~~شريف بعد سنوات ثلاث (1833) رسم حدود الإمارة الصربية الجديدة، والتي بقيت مع ~~تمتعها بالاستقلال الذاتي تدين بالتبعية للسلطان العثماني، حتى تقرر ~~نهائيا استقلالها في سنة 1878 في ظروف سوف يأتي ذكرها. # على أن الذي يعنينا الآن أن ثورة الصرب هذه سواء في سنة 1804، أو في سنة 1815 لم ~~تسترع وقتذاك انتباه الدول الكبرى في أوروبا، بل بقيت تسير الأمور في ~~مجراها العادي، في حين أن الذي لفت أنظار أوروبا كان قضية شعب آخر من شعوب ~~البلقان، هم اليونانيون الذين كانت لهم أطماع تشبه أطماع الصرب، من حيث الرغبة في ~~التحرر من سلطان العثمانيين، فقد تحدث عن هذه «الآمال الوطنية» في مؤتمر ~~فينا، كل من القيصر إسكندر ووزيره كابوديستريا (ومن المعروف أن الأخير من أصل ~~كرفوي). # ولكن في مؤتمر فينا لم تكن الدول متفقة بينها على موقف معين تجاه المسألة ~~اليونانية، فمن ناحية كانت النمسا (ووزيرها مترنخ)، تريد المحافظة على كيان ~~الإمبراطورية العثمانية، في حين أن روسيا (والقيصر إسكندر) تقف ضد هذه السياسة، ~~ولقد بقي الحال على ذلك إلى أن حدث في 6 مارس 1821 أن عبر نهر بروث Pruth ~~، أحد اليونانيين الذين كانوا في خدمة روسيا، ~~هو الأمير إسكندر إبسلانتي # Ypsllanty ~~، ليشعل ~~الثورة ضد تركيا في ولايتها الدانوبية ملدافيا وولاشيا (البغدان والأفلاق)، فأثار ~~بعض النجاح الذي لقيه إبسلانتي في أول الأمر ms0786 اهتمام الدول، ولم يلبث أن حرك هذا ~~الاهتمام المسألة الشرقية. # استقلال اليونان # اشتعلت الثورة في ياسي # Jassy # ببلاد البغدان ~~(ملدافيا) في مارس 1821 وشجع على قيامها اعتماد الثوار على مساعدة القيصر ~~إسكندر لهم، وكان غرض هؤلاء ليس فقط تحرير المقاطعات الدانوبية (الأفلاق والبغدان)، ~~بل وطرد العثمانيين كذلك من أوروبا كلها، وإحياء إمبراطورية اليونان القديمة في ~~الشرق «أي الدولة البيزنطية»، وأذاع إبسلانتي أنه يتلقى التأييد والعون الكامل من ~~دولة عظمى معينة. # إلا أن القيصر الذي كان قد انحاز إلى مترنخ، ووقع على «بروتوكول ترباو» منذ ~~نوفمبر 1820 لم يكن في وسعه تعضيد الثورة العلنية ضد صاحب السلطة الشرعية في ~~البلاد، وهو السلطان العثماني، ثم إن رغبة الثوار في الاستقلال والتحرر من كل نفوذ ~~أجنبي، وإنشاء الإمبراطورية البيزنطية القديمة مرة أخرى، جعل القيصر يعدل عن ~~مساعدتهم. # ولقد تعددت - إلى جانب ذلك - العوامل التي جعلت هذه الثورة مقضيا ~~عليها بالفشل من البداية، من ذلك قيام الثورة في المقاطعات (الولايات) الدانوبية، ~~أي بعيدة عن أرض المورة (اليونان)، وتوجيه الدعوة للفلاحين ملاك الأرض، أي طبقة ~~البويار # Boyar ~~، وهم من الفلاحين «الولاشيين»؛ ~~ليقوموا بالثورة، في حين أن هؤلاء إنما كانوا يكرهون اليونانيين - الذين يحكمونهم ~~مباشرة - أكثر من كراهيتهم للأتراك، أضف إلى هذا وجود الفوارق الجنسية بين ~~اليونانيين الذين يشعلون الثورة، وبين الرومانيين والبلغار أهل مقاطعتي الأفلاق ~~والبغدان، ثم إن اليونانيين اعتمدوا على تحريك ثورة كانت في جوهرها «طبقية»، ~~باستثارة البويار ضد الطبقة الحاكمة العثمانية، وفضلا عن ذلك فإن إبسلانتي بدلا ~~من الزحف فورا على بوخارست واحتلالها قبل أن يتحرك الأتراك لمطاردته أضاع الوقت في ~~ياسي، حيث أخذ يسلك مسلك الملك المتوج، فانفض أتباعه من حوله، ثم إنه ~~أقر المجازر التي ذهب ضحيتها ألوف المسلمين في «جالاتز # Galatz ~~» وياسي وغيرهما، فانصرف كثيرون عن قضيته. # وجاءت بوادر الفشل عندما بعث «كابوديستريا» برسالة إلى إبسلانتي يوبخه فيها ~~على إساءة استخدامه اسم القيصر، ويأمره بإلقاء السلاح فورا، وكان في صالح إبسلانتي ~~أن يفعل ما أمر به، ولكنه أعلن أن تنصل ms0787 القيصر وإنكاره العلني ~~للثورة ليس إلا مناورة غرضها المحافظة على السلام في أوروبا، في حين أن القيصر ~~قد أكد له سرا إسداء روسيا كل معاونة له، ولقد كان هذا ادعاء لا فائدة فيه؛ لأن ~~الاختلافات والنزاعات أخذت تتفاقم بين اليونانيين والفلاحين الولاشيين الذين ~~كانوا انضموا إليهم، ولأن الجيوش العثمانية الزاحفة عليهم لم تلبث أن أوقعت ~~بقوات الثوار اليونايين الرئيسية هزيمة حاسمة في معركة دراجاشان # Dragashan ~~(في 19 يونيو 1821) فأنهت هذه ~~الهزيمة الثورة في الأفلاق (ولاشيا)، وعندئذ فر إبسلانتي عبر حدود ترنسلفانيا ~~إلى النمسا. # ثم أمكن إخماد الثورة بسهولة في البغدان (ملدافيا) عندما تبين أن روسيا لن ~~تبعث بأية نجدات للثوار الفلاحين، فعزلوا الحاكم المحلي الذي كان يؤيد إبسلانتي ~~واضطروه هو أيضا إلى الفرار خارج البلاد، فدخل الأتراك إلى ياسي في 25 يونيو 1821، ~~وانسحب بقايا اليونانيين إلى نهر بروث، حيث وقفوا عند «سكاليني # Skaleni ~~»، يدافعون عن أنفسهم ببسالة، ولكن دون جدوى، وبهذه ~~الهزيمة في «سكاليني» قضي على الثورة الشمالية نهائيا، وتلاشى بانتهائها كل ~~أمل لدى اليونانيين في إحياء الإمبراطورية اليونانية القديمة (الدولة ~~البيزنطية). # أما إبسلانتي فقد اعتقله مترنخ - الذي التزم خطة الحياد التام في المسألة ~~اليونانية، وهو الذي قام النظام الرجعي في أوروبا على يديه - بمجرد عبوره الحدود ~~النمسوية، وسجنه في قلعة موهاكز، فقضى إبسلانتي في الحبس سبع سنوات إلى سنة ~~1827، ثم توفي في العام التالي (1828) في فينا. # غير أن حركة إبسلانتي سرعان ما جعلت اليونانيين يقومون بالثورة في بلاد المورة ~~وفي الجزر اليونانية هذه المرة، فبدأ اندلاع الثورة في بتراس Patras # في أبريل 1821 دون ترتيب أو تنظيم سابق، وأوقع الثوار ~~بالمسلمين مذبحة كبيرة، ثم امتدت الثورة عبر مضيق كورينت # Corinth # إلى الشمال، فانتشرت في مقدونيا وطراقيا # Thessaly ~~، ولقد تبين أن الثورة في هذه المرة ~~تختلف عن ثورة إبسلانتي في المقاطعات الدانوبية اختلافا كليا؛ وذلك لأن ~~«جمعية الأخوان # Hetairia Philike ~~» السرية - ~~وهي التي تأسست منذ 1814 في أوديسا لطرد الأتراك من أوروبا وإحياء الإمبراطورية ~~الإغريقية القديمة (الدولة البيزنطية) - لم تكن ms0788 ترضى عن الحركة التي قام بها ~~إبسلانتي في المقاطعات الدانوبية للأسباب نفسها التي كانت من عوامل فشل هذه الثورة ~~الشمالية، وعمل الأخوان لتحريك الثورة في المورة؛ ليقوم بها شعب متحد في ~~الجنسية هو الشعب اليوناني، ثم تحددت أغراض الثورة فصارت الرغبة في تحرير ~~اليونانيين من سيطرة شعب أجنبي عنهم هم العثمانيون، الذين يختلفون عنهم في الجنس ~~واللغة والدين، ثم الظفر باستقلال اليونان فحسب بدلا من محاولة إحياء الإمبراطورية ~~اليونانية القديمة. # وكان مما شجع الثوار على المضي في ثورتهم عصيان علي باشا والي يانينا # Janina ~~، ومشغولية الأتراك في الحرب ضد فارس؛ فاحتل ~~الثوار تريبوليتزا # Tripolitza # مقر الحكومة، ~~ومثلوا بالأتراك أفظع تمثيل، وبين سنتي 1821، 1825 كان النجاح حليف الثوار ~~عموما، بسبب تفوقهم البحري، ثم بسبب تدفق المتطوعين من أوروبا للذود عن اليونان، ~~وعن «حضارتها القديمة» كما اعتقدوا، ولو أن الحكومات الأوروبية ذاتها لم تتدخل في ~~المسألة. # وفي هذه الفترة أعد اليونانيون دستورا (1822) أنشأ حكومة في مجلس تشريعي واحد، ~~وكان رئيسها إسكندر مافروكرداتس # Mavrokordats ~~، ثم ~~تألفت اللجان لمساعدة اليونانيين في جنيف وباريس ولندن، وخضعت سياسة الدول ~~الخارجية لضغط الرأي العام في أوروبا، فصار من الواضح أن إنجلترة وفرنسا سوف تضطران ~~تحت ضغط هذا الرأي في كل منهما إلى التدخل في المسألة اليونانية، حتى ولو بقيت ~~روسيا ممتنعة عن التدخل في هذه المسألة، ثم لم تلبث أن عظمت الضجة في أوروبا عندما ~~استقدم السلطان العثماني محمود الثاني، قوات واليه في مصر، محمد علي، لإخماد ~~الثورة في اليونان، فنزل إبراهيم بن محمد علي بجيشه في المورة في فبراير 1825، ~~وأنزل بالثوار الهزيمة، وصار لزاما على الدول الكبرى أن تهتم بأمر هذه الثورة، ~~فبدأ من ذلك الحين التدخل الأوروبي بصورة جدية، وانفتح على مصراعيه باب المسألة ~~الشرقية. # وكان من أسباب التدخل الأوروبي وفاة القيصر إسكندر، واعتلاء أخيه الأصغر القيصر ~~نيقولا الأول العرش في أول ديسمبر 1825، وكان نيقولا مملوءا بالحمية والنشاط، ولم ~~يكن يقيد نشاطه وجود اتفاقات سابقة بينه وبين الدول، على خلاف ما كان عليه الحال ~~أيام ms0789 أخيه الإسكندر؛ فاسترشد نيقولا بتقاليد روسيا السياسية القديمة في موقفه من ~~الإمبراطورية العثمانية، وأراد مؤازرة اليونانيين في محنتهم، وساعده على ذلك ~~وجود أسباب كثيرة تدعو للاحتكاك بين روسيا وتركيا، فقد أهملت تركيا تنفيذ ~~المادة الخامسة من مواد معاهدة بوخارست، التي ذكرنا أنها أبرمت بين تركيا ~~وروسيا في 28 مايو 1812، ومن بين ما نصت عليه هذه المادة أن تخلي تركيا ~~البغدان (ملدافيا) من العسكر العثماني؛ ولذلك فقد عظم خوف النمسا وإنجلترة من أن ~~تقوم روسيا بالهجوم الآن ودون إبطاء على تركيا. # ولقد كانت سياسة كل من كاننج ومترنخ متفقة في مبادئها الجوهرية بصدد القضية ~~اليونانية منذ قيام الثورة في اليونان في سنة 1821 إلى وقت نزول إبراهيم باشا في ~~أرض المورة (1825)؛ فقد اعتبر كلاهما هذا النضال مسألة خاصة بالعثمانيين ~~واليونايين وحدهم، وأن واجب الدول العظمى أن تحول دون إقدام دولة من الدول على ~~التدخل واستخدام القوة لفض أو تسوية النضال القائم، واعتقد كاننج إذا تدخلت ~~روسيا منفردة بطريق الحرب لتسوية النزاع العثماني اليوناني، فذلك معناه أن ~~تلتهم روسيا اليونان أولا، ثم تركيا ثانيا. # ولكن النجاح العظيم الذي أحرزه إبراهيم في المورة جعل روسيا تقرر ~~قطعا ضرورة التدخل؛ لتحفظ الشعب اليوناني من الفناء والإبادة، واضطر كاننج بسبب ~~التغيير الذي طرأ على الموقف أن يعيد النظر في سياسته، وكان كاننج يعطف على ~~اليونانيين في نضالهم من أجل الخلاص والحرية، وإن كان في الوقت نفسه من مؤيدي سياسة ~~إنجلترة التقليدية من أيام وليم بت الأصغر، ومن قواعدها المحافظة على كيان ~~الإمبراطورية العثمانية، فكانت مهمته إذن محاولة التوفيق بين هذين الاتجاهين، وذلك ~~باستمالة روسيا إلى جانب إنجلترة في العمل لتحرير الشعب اليوناني، ثم منع روسيا ~~في الوقت نفسه من اللجوء للحرب كوسيلة ظاهرة ومواتية لتحقيق هذه الغاية؛ وعلى ذلك ~~فقد أراد كاننج أن يحول دون انفراد روسيا بالعمل في المسألة اليونانية. # واختار كاننج للمفاوضة مع قيصر روسيا دوق ولنجتون «الدوق الحديدي»، صاحب الشهرة ~~العسكرية الواسعة في أوروبا، وخير شخصية «جذابة» للتأثير على حاكم روسيا ~~الأوتقراطي، ms0790 والمعروف بميوله العسكرية، فوصل ولنجتون إلى بطرسبرج في 26 فبراير ~~1826، وذلك في وقت كانت تأزمت فيه العلاقات بين روسيا وتركيا، فلم تمض ~~أسابيع على وجوده بالعاصمة الروسية حتى كان قد أتم إبرام «بروتوكول بطرسبرج» في 4 ~~أبريل 1826، وفيه اتفق الفريقان على عرض وساطتهما على تركيا - وكان ~~اليونانيون أنفسهم قد طلبوا من قبل الوساطة بينهم وبين العثمانيين - فإذا قبل ~~الباب العالي وساطة إنجلترة وروسيا، وضعت هاتان الدولتان تسوية للمسألة ~~اليونانية على قاعدة إعطاء اليونان الحكم الذاتي مع بقاء التبعية لتركيا صاحبة ~~السيادة عليها، أما إذا رفضت تركيا الوساطة تظل الدولتان متمسكتين بهذه القاعدة ~~ذاتها كأساس لأية تسوية تحدث على أيديهما للمسألة اليونانية في المستقبل، ثم ~~نصت المادة السادسة على إبلاغ البروتوكول إلى عواصم فرنسا والنمسا وبروسيا، ~~ودعوة هذه الدول الثلاث لضمان المعاهدة التي تسوي العلاقات بين تركيا واليونان، ~~وهو ضمان تعطيه روسيا كذلك. # وفي 7 أكتوبر 1826 سويت الخلافات بين روسيا وتركيا عندما عقد الفريقان ~~معاهدة في أكرمان # Akerman ~~، تأيدت بفضلها نصوص ~~معاهدة بوخارست (1812)، وتدعمت على وجه الخصوص المزايا التي كانت نالتها في ~~هذه المعاهدة كل من الأفلاق والبغدان والصرب. # أما بروتوكول بطرسبرج فقد اتضح عند تبليغه للدول، أن فرنسا وحدها كانت مستعدة ~~لتأييده؛ ولذلك فقد تحول بروتوكول بطرسبرج إلى معاهدة بين بريطانيا وروسيا ~~وفرنسا، أبرمت في لندن في 6 يوليو 1827، واشتملت - إلى جانب ما جاء بخصوص ~~التسوية في البروتوكول الأصلي - على نص صار للدول بمقتضاه أن تتبادل تعيين ~~القناصل مع بلاد اليونان، لإنشاء الصلات التجارية معها، إذا رفضت تركيا الوساطة، ~~وكذلك أن تعمل بقدر المستطاع «ومن غير أن تشترك مع هذا في القتال الدائر»؛ لوقف ~~الاصطدام بين الفريقين المتحاربين. # ثم نصت المواد الإضافية في هذه المعاهدة، على أنه إذا رفض أحد الفريقين ~~المتحاربين «الهدنة» التي تعرضها الدول مع وساطتها، فالدول المتعاقدة سوف تجد ~~نفسها مرغمة حينئذ على استخدام كل ما تمليه عليها الظروف من وسائل لتحقيق ~~الأغراض المباشرة من الهدنة المنشودة، بأن تبذل قصارى جهدها لمنع وقوع الاصطدام ~~بين الفريقين ms0791 المتحاربين، وتطبيقا لهذه المعاهدة إذن وافقت الدول الثلاث ~~(إنجلترة وفرنسا وروسيا) على إرسال تعليمات متمشية مع هذه القرارات إلى قواد ~~أساطيلها في «الليفانت»، ولقد كانت معاهدة لندن آخر ما قام به جورج كاننج من نشاط؛ ~~لأنه لم يلبث أن توفي في 8 أغسطس 1827، وكان قد وصل إلى رئاسة الوزارة منذ شهر ~~أبريل من السنة نفسها، فخلفه في رئاسة الوزارة لورد جودريتش # Goderich ~~، وفي وزارة الخارجية لورد ددلي # Dudley ~~. # وفي اليونان كانت الحوادث تسير بسرعة عظيمة، ولدرجة أنه لم يعد هناك مفر من ~~التدخل إذا رغبت الدول في استنقاذ اليونان؛ وذلك لأن إبراهيم الذي كان قد نزل في ~~مودن # Moden ~~(في طرف المورة الجنوبي الغربي)، ~~وأخضعها في فبراير 1825، سرعان ما استولى على غيرها من المواقع، حتى أخضع ~~ميسولونجي # Missolongi # في 22 أبريل 1826، ثم ~~سقطت في يده أثينا في 5 يونيو 1827، وبسقوط أثينا صارت المورة بأكملها تقريبا تخضع ~~لسلطان العثمانيين. # وكان بعد حادث سقوط أثينا بشهر واحد فقط أن أبرمت الدول الثلاث - إنجلترة ~~وروسيا وفرنسا - معاهدة لندن السالفة الذكر (في 6 يوليو سنة 1827)، وحينئذ حاصرت ~~أساطيل هذه الدول بقيادة هيدن # Heyden # الروسي، ~~ودي ريني # Rigny # الفرنسي، وكودرنجتون # Codrington # الإنجليزي - وكانت له القيادة ~~العامة - خليج نفارينو # Navarino ~~، وفي 20 أكتوبرة ~~1827 أمر كودرنجتون أساطيل الحلفاء بالدخول في الخليج، وكان يبغي الاتصال ~~بالقيادة العثمانية لوقف تخريب قرى الثوار حول الخليج، ومع ذلك فقد توقع ~~الفريقان أن تؤدي هذه الحركة إلى نشوب القتال، وبالفعل وقعت في هذا اليوم نفسه ~~معركة نفارينو البحرية التي انتصر فيها الحلفاء، وحطموا الأسطولين المصري ~~والعثماني، فلم تشهد الإمبراطورية العثمانية كارثة بحرية مثل هذه الكارثة منذ ~~واقعة ليبانتو # Lepanto # التي انهزم فيها الأسطول ~~العثماني على يد أساطيل الدول المتحالفة (إسبانيا والبندقية والبابوية) قبل ذلك ~~بقرنين ونصف من الزمان (أكتوبر 1571). # على أن إنجلترة بالرغم من انتصار نفارينو بقيت متمسكة بموقف الحياد، فقد سقطت ~~وزارة جودريتش بمجرد ذيوع أنباء المعركة وتحطيم الأسطول العثماني، وشكل الوزارة ~~الجديدة دوق ولنجتون، واستنكرت إنجلترة عمل كودرنجتون؛ لأنه ms0792 كان مكلفا فقط بوضع ~~الحصار على الأسطول العثماني من غير الاشتباك معه في معركة يكون من آثارها إضعاف ~~تركيا، وخدمة المصالح الروسية، وإثارة موضوع تقسيم الممتلكات العثمانية، فجاء في ~~خطاب العرش الجديد بالبرلمان الإنجليزي - ومن المقطوع به أن ولنجتون هو الذي صاغ ~~هذا الخطاب: # إنه بالرغم من البسالة التي أظهرتها الأساطيل المتحدة، يأسف «ملك ~~بريطانيا» عظيم الأسف لوقوع هذا الاصطدام مع بحرية حليف قديم (هو السلطان ~~العثماني)، ولكن جلالته لا يزال كبير الرجاء في أن لا يتبع هذا الحادث المشئوم # Untoward Event # قتال آخر، وأن لا ~~يعطل الوصول إلى تسوية ودية للخلافات القائمة بين الباب العالي وبين ~~اليونانيين. # ولقد أفاد ولنجتون من هذا النصر البحري في نفارينو بأن أفلح في الوصول إلى اتفاق ~~مع محمد علي، أبرم بالإسكندرية في 6 أغسطس 1828، انسحب بمقتضاه الجيش المصري من ~~المورة، ولكن قبل أن يوضع هذا الاتفاق موضع التنفيذ، كانت فرنسا قد ~~أرسلت إلى المورة الجنرال مازون # Maison # على ~~رأس جيش كبير، فبلغ «مازون» المورة في بداية سبتمبر، ولم تلبث أن أخذت القوات ~~المصرية العثمانية المورة، وهكذا كانت نفارينو الخطوة الأولى في استقلال اليونان، ~~وأما الخطوة الثانية فقد جاءت نتيجة لقيام الحرب بين روسيا وتركيا. # ذلك أن السلطان محمود الثاني الذي انتهز فرصة قيام الحرب بين روسيا وفارس (سنة ~~1826) كان قد رفض شروط معاهدة لندن؛ لغضبه من اتحاد الدول وتدخلها المشترك بينه ~~وبين «رعاياه» اليونانيين، ولأنه وجد مشجعا له على المضي في ذلك، فيما كان ~~يلمسه من معارضة مترنخ لسياسة الدول الثلاث إنجلترة وفرنسا وروسيا، ثم لم تلبث ~~نكبة نفارينو أن أثارت ثائرته، فأبطل معاهدة أكرمان، وأعلن الجهاد الديني ضد الدول ~~المتحالفة، خصوصا روسيا التي عزا إلى دسائسها وقوع هذه الكارثة الكبرى. # ولكن القيصر نيقولا الأول منذ أنهى الحرب مع الفرس «في معاهدة توركمانكي # Tourkmanchai ~~» في 22 فبراير 1828، كان على ~~استعداد لخوض غمار الحرب ضد تركيا، وفي بداية الحرب لم يكن التوفيق حليف الروس، ثم ~~تحسنت الأحوال في صالحهم في العام التالي، فدخل قائدهم ms0793 دبيتش # Diebitsch # أدرنه (أدريانوبل) في 20 أغسطس سنة 1829، ~~وحصل ما كانت تخشاه إنجلترة وفرنسا عندما صارت الدولة العثمانية معرضة بسبب ~~هذه الهزيمة للانهيار، ولو أن ديبتش نفسه كان في حالة من الضعف سوف ترغمه على ~~التقهقر دون شك إذا صمد الأتراك في دفاعهم وأبدوا شيئا من المقاومة الصادقة، على ~~أن ممثل بروسيا في القسطنطينية فون ~~موفلنج # Von Müffling # لم يلبث أن تدخل بين الفريقين فعقدت تركيا مع ~~روسيا معاهدة أدريانوبل # Adrianople # في 14 سبتمبر ~~سنة 1829، وكانت هذه من أقسى المعاهدات التي أرغمت تركيا على قبولها. # ففي معاهدة أدرنه صارت الأفلاق والبغدان (الولايات الدانوبية) إمارتين مستقلتين ~~استقلالا فعليا وإن بقيتا تحت السيادة العثمانية؛ فلكل منهما الحق في اختيار ~~أمير «هوسبدار # Hospodar ~~» يحكم الإمارة مدة حياته، ~~وتدفع الولايتان الجزية لتركيا عند وفاة الأمير الحاكم واختيار الأمير الجديد، ~~ثم تعهدت روسيا بضمان رفاهية أهل هاتين الولايتين، وفيما يتعلق باليونانيين، ~~كفلت المادة العاشرة من المعاهدة تحرير بلادهم، حيث أعلن الباب العالي موافقته ~~الكاملة على معاهدة لندن المبرمة في 6 يوليو سنة 1827 «بين بريطانيا وفرنسا وروسيا» ~~بشأن إعطاء اليونان استقلالا ذاتيا تحت السيادة العثمانية، كما قبلت تركيا ~~«بروتوكولا لاحقا» بين هذه الدول الثلاث (في 22 مارس 1829) لتخطيط حدود ~~اليونان. # وهكذا خسر الأتراك اليونان، ثم إنهم فقدوا إلى جانب ذلك، وبمقتضى المادة ~~الثالثة من المعاهدة نفسها دلتا «مصبات» نهر الطونة «أو الدانوب» التي ~~أعطيت لروسيا. # واطمأن اليونانيون بعد جلاء الجيوش المصرية العثمانية من بلادهم، ثم صاروا لا ~~يخشون جانب العثمانيين بعد أن أوذيت سمعتهم أذى بليغا بسبب معاهدة ~~أدريانوبل، فاستعصى عليهم قبول الحل الذي تضمنته هذه المعاهدة الأخيرة لقضية ~~بلادهم، ورفضوا الاستقلال الذاتي تحت السيادة العثمانية، فلم تلبث أن دارت ~~المباحثات في لندن حول المسألة اليونانية، بين وزير الخارجية البريطانية لورد ~~أبردين # Aberdeen # والسفير الفرنسي مونتمرنسي لافال # Montmorency-Laval # والسفير الروسي البرنس ~~ليفين، فعقدوا مؤتمرا لهذه الغاية تعددت جلساته، وكان رأي إنجلترة في ~~النهاية الذهاب في حل هذه المسألة إلى أبعد ما تضمنته شروط معاهدة لندن، ms0794 ودفع ~~إنجلترة لاعتناق هذا الرأي اعتبارها أن تركيا لم تعد قادرة على أية مقاومة، ~~وأن وجود «دولة تابعة» بالصورة التي تريدها هذه المعاهدة إنما يفسح المجال - ~~بسبب عجز الأتراك - لتدخل روسيا، على نحو ما فعلت هذه في الأفلاق ~~والبغدان. # وأسفرت المباحثات عن عقد بروتوكول بين الدول الثلاث (إنجلترة وروسيا وفرنسا) في ~~لندن في 3 فبراير 1830 بشأن استقلال اليونان، فنصت المادة الأولى على أن تصبح ~~اليونان دولة مستقلة، وأن تتمتع بكل الحقوق السياسية والإدارية والتجارية المرتبطة ~~بالاستقلال التام ، ثم رسمت المادة الثانية حدود الدولة اليونانية الجديدة، ~~وأدخلت في نطاقها عددا من الجزر في بحر إيجه، ونصت المادة الثالثة على أن ~~حكومة اليونان ملكية وراثية. # وفي 11 فبراير من السنة نفسها عرض العرش الجديد على الأمير ليوبولد من أسرة ~~ساكس كوبرج # Saxe-Coburg # فقبله، ولكنه عاد ~~فرفضه بعد أسابيع قليلة، وأشيع أن كابوديستريا الذي كان يشغل منصب رئيس ~~الحكومة اليونانية منذ سنة 1827 هو الذي جعل الأمير يرفض العرش؛ فاستطاع خصوم ~~كابوديستريا «اليونانيين» اغتياله في 9 أكتوبر سنة 1831 في نوبليا # Nauplia ~~(على ساحل المورة الشرقي)، وعندئذ قامت ~~الحرب الأهلية. # وفي فبراير 1832 عرضت الدول الثلاث العرش على البرنس أوتو # Otto # ثاني أبناء ملك بفاريا فقبله، ثم وقعت الدول الثلاث ~~مع بفاريا معاهدة في لندن في 27 مايو 1832 لتنظيم الوراثة في بفاريا، ثم لرسم حدود ~~اليونان بشكل أضاف إليها مساحة جديدة؛ فأعطيت الجزر التي ذكرها بروتوكول ~~لندن في 3 فبراير 1830، ثم وسعت حدودها حتى صارت تمتد من خليج فولا # Vola # شرقا إلى خليج أرتا # Arta # غربا، ووافقت تركيا على هذه الحدود الجديدة في اتفاق ~~القسطنطينية في 21 يوليو 1832. # وفي 28 يناير 1833 نزل في نوبليا «أوتو» أول ملك لليونان الحديثة، يحاول ~~إنشاء الحكومة الموطدة بها وإعادة الهدوء والسلام إليها، يعاونه في مهمته الشاقة ~~- بين شعب ألف حياة الرعي والنزاعات الداخلية وأعمال القرصنة من أزمنة بعيدة ~~- نخبة من الموظفين البفاريين، والجنود «المرتزقة» من البفاريين كذلك. # مصر وتركيا # كانت ثورة المورة واستقلال اليونان ms0795 بمثابة المقدمة لعرض المسألة الشرقية ~~بحذافيرها على بساط البحث أمام الدول، حينما لم تجد هذه بدا من التساؤل في ~~السنوات القليلة التالية عما يجب عمله إزاء تركيا، هل يجب المحافظة عليها من ~~التفكك والانحلال؟ أم التعجيل بالقضاء على رجل أوروبا المريض حتى تقتسم ~~الدول ممتلكاته فيما بينها؟ وبمعنى آخر تحديد المبادئ التي يجب أن تسترشد بها ~~الدول في سياستها نحو تركيا. # وقد عمد السياسي والوزير الفرنسي جيزو # Guizot # إلى تفسير المسألة الشرقية في خطاب أدلى به أمام مجلس النواب الفرنسي في 2 يوليو ~~1839، فقال: # إن السياسة التي يجب اتباعها هي سياسة المحافظة على كيان الإمبراطورية ~~العثمانية ، من أجل المحافظة على توازن القوى في أوروبا، فإذا حدث أن ~~اقتطعت أجزاء معينة من هذه الإمبراطورية تحت ضغط الحوادث، فانفصلت ~~إحدى المقاطعات «أو الولايات» من جثمان هذه الإمبراطورية المتداعية، ~~فالسياسة الرشيدة حيئنذ هي السماح لهذه المقاطعة «أو الولاية» بأن تتمتع ~~بالسيادة الكاملة والاستقلال، حتى تغدو عضوا من أعضاء الأسرة الدولية، ~~وتفيد في إنشاء التوازن الأوروبي الجديد الذي ينتظر أن يحل ~~محل التوازن القديم عند زوال العناصر التي كان هذا التوازن يتألف ~~منها. # ولقد كان هذا التفسير في رأي كثيرين أفضل تفسير للمسألة الشرقية، ~~وفي وسع المرء أن يفهم في ضوئه الشيء الكثير عن سياسة إنجلترة - وفرنسا ~~خصوصا - نحو هذه المسألة في المائة سنة التالية. # على أن هذا التفسير الذي جاء به جيزو لم يكن سوى المعنى الأعم الذي عرف به ~~السياسيون الفرنسيون المسألة الشرقية، في حين أنه كان لهذه المسألة في نظرهم معنى ~~آخر، وتفسير أخص في الوقت نفسه؛ فللمسألة الشرقية في اعتبارهم شقان: مسألة ~~القسطنطينية، وهي التي ينطبق عليها تفسير جيزو، ومسألة الإسكندرية، أو مسألة ذلك ~~الجزء من الإمبراطورية العثمانية المعروف باسم مصر؛ وذلك لأن الفرنسيين اعتبروا ~~البحر الأبيض المتوسط وشاطئ أفريقية الشمالية من المسائل المتصلة اتصالا وثيقا ~~بمصالحهم. # وبين سنتي 1830-1840 تحدد معنى المسألة الشرقية بأكملها، بما فيها مسألتي ~~القسطنطينية والإسكندرية بشكل أثر تأثيرا عميقا على علاقات الدول الخمس ~~العظمى الأوروبية ms0796 فيما بين بعضها بعضا، ثم كان من نتيجة ظهور المسألة الشرقية على ~~مسرح السياسة الدولية بمعناها الكامل، أن وقعت في سنتي 1839-1840 أزمة خطيرة ~~كادت تفضي إلى إشعال حرب أوروبية تقف فيها فرنسا ضد إنجلترة، ولم يمكن ~~تجنب وقوع هذه الحرب إلا بصعوبة كبيرة. # أما أسباب هذه الأزمة؛ فبعضها مرده إلى التبدل الذي طرأ على سياسة كل من ~~روسيا وفرنسا خصوصا، ومرد البعض الآخر إلى توتر العلاقات بين السلطان ~~العثماني وواليه في الباشوية المصرية محمد علي، وكان السبب في تبدل السياسة ~~الفرنسية أن فرنسا اتخذت لنفسها وجهة نظر مزدوجة في موضوع المسألة الشرقية، عندما ~~صارت تميز بين ما سمته بمسألة الإسكندرية، وبين مسألة القسطنطينية، فدعاها ~~العمل من أجل تأييد مصالحها في البحر المتوسط وعلى شواطئ أفريقية الشمالية إلى ~~إرسال حملة إلى الجزائر (في عهد وزارة يولينياك) للاستيلاء عليها، وكانت فرنسا تريد ~~أن يقوم والي مصر محمد علي بإرسال حملة إلى هذه البلاد لتأديب باي الجزائر الذي ~~ساءت علاقته مع فرنسا، فطلب محمد علي مبلغا كبيرا من المال، وأربعة سفن حربية ~~نظير قيامه بهذا العمل. # ثم تدخلت إنجلترة وعارضت بشدة أن ينفذ محمد علي هذا المشروع تحت إشراف ~~فرنسا، وحذرته من النتائج الخطيرة التي يتعرض لها إذا أقدم على ذلك؛ ~~لأن إنجلترة كانت - إلى جانب تمسكها بمبدأ المحافظة على كيان الدولة العثمانية ~~- تقاوم كل سياسة أو خطة من شأنها دعم نفوذ فرنسا في الشرق، وعندئذ أرسلت ~~فرنسا منفردة حملتها إلى الجزائر، وفي يوليو 1830 ضمت إليها هذه البلاد، ~~واقتطعت بعملها هذا إقليما من أقاليم الإمبراطورية العثمانية، ثم إنها لم ~~تكتف بهذا؛ بل أخذت تشجع محمد علي في ثورته ضد السلطان صاحب السيادة ~~الشرعية عليه، على أمل أن يساعد نجاح محمد علي في تأييد المصالح الفرنسية ذاتها ~~في البحر الأبيض المتوسط؛ ولذلك كانت فرنسا في هذا الدور من أدوار المسألة الشرقية ~~(1830-1840) عاملا ظاهرا من عوامل تفكك الإمبراطورية العثمانية، بدلا من ~~روسيا التي كانت عامل التفكك الظاهر أثناء المسألة اليونانية. # أما روسيا ms0797 فقد أدخلت تغييرا واضحا على أساليبها السياسية بعد عام 1830 ~~عندما اتخذت في المسألة الشرقية موقفا «عكسيا»؛ فأصبحت لا تهدف الآن للاستيلاء ~~على القسطنطينية، والاستيلاء على كل ما يقع في طريقها من ولايات وأقاليم حتى تصل ~~إلى العاصمة العثمانية، بل صارت خلال السنوات العشر التالية تبغي المحافظة على كيان ~~الإمبراطورية العثمانية، والسبب في هذا أن روسيا التي اضطرت اضطرارا للاعتراف ~~باستقلال اليونان، سرعان ما أدركت أن «اقتطاع» أحد أقاليم الدولة العثمانية ~~ليس معناه استقلال هذا الإقليم عن تريكا وحسب، بل - وهذا هو المهم - استقلاله عن ~~روسيا أيضا، فقد تخلصت اليونان سريعا من النفوذ الروسي، وساعدتها الدول ~~العظمى على ذلك؛ لأن المصالح الروسية في البلقان لم تكن متفقة دائما مع مصالح ~~هذه الدول، وزيادة على ذلك، فقد أخفقت روسيا في دعم نفوذها في الأفلاق ~~والبغدان، وكره الرومانيون روسيا كراهية شديدة، وفي الصرب جعل أميرها «ميلوش ~~أوبرينوفتش» روسيا بمثابة مخلب القط في منازعاته مع تركيا. # وعلى ذلك فقد جمع القيصر نيقولا الأول منذ 1829 لجنة من رجال الدولة الروسيين ~~لبحث النتائج المتوقعة من انهيار الإمبراطورية العثمانية، ومدى استفادة روسيا من ~~تفكك هذه الإمبراطورية، فجاءت نتيجة بحوثهم - وعلى خلاف ما جرت عليه سياسة روسيا ~~التقليدية القديمة - أن من مصلحة روسيا المحافظة على كيان الإمبراطورية ~~العثمانية؛ لأنه إذا انحلت هذه الإمبراطورية خرجت إلى حيز الوجود دول ~~بلقانية صغيرة، ولكنها قوية، يتعذر على روسيا أن تتدخل في شئونها بنجاح، بينما إذا ~~بقيت الإمبراطورية متماسكة استطاعت روسيا - بفضل ما لها في تركيا من حقوق وامتيازات ~~كبيرة كفلتها المعاهدات والاتفاقات القديمة - أن تستخدم هذه الحقوق والامتيازات ~~في زيادة السيطرة الاقتصادية والتوغل السلمي في كيان الإمبراطورية، وعلى ذلك يجب ~~على روسيا إذا أرادت التوسع الإقليمي أن تتجه صوب أرمينيا أو بغداد، وتترك ~~جانبا القسطنطينية. # ووافق القيصر نيقولا الأول على نتائج بحوث هذه اللجنة، بالرغم من عدم ارتياحه لها ~~وتذمره منها، وفي السنوات العشر التالية كان هدفه المحافظة على كيان الدولة ~~العثمانية، ثم أبلغ القيصر نبأ هذا التحول الجديد ms0798 إلى النمسا، فنال تعضيد مترنخ ~~وتأييده لسياسته، ولكن كبرياءه منعته من إبلاغ هذه الآراء الجديدة إلى إنجلترة، ~~فظل وزيرها بلمرستون Palmerston # يعتقد أن ~~القيصر لا يزال يطمع في القسطنطينية ويريد الاستيلاء على المضايق (البسفور ~~والدردنيل)، وكانت إنجلترة في هذا الدور أيضا تؤيد المحافظة على كيان الإمبراطورية ~~العثمانية كعامل أساسي في المحافظة على التوازن الدولي في أوروبا. # وقد ظهرت هذه الاتجاهات والتيارات السياسية المختلفة عندما تأزمت ~~العلاقات بين السلطان محمود الثاني وبين محمد علي، فمع أن السلطان أعطى محمد علي ~~حكومة كريت مكافأة على مساعداته في حرب اليونان؛ فقد ساء محمد علي ضياع أسطوله في ~~نفارينو وأراد تعويضا كافيا بالحصول على حكومة الشام، بل إنه لم يكن يتردد في ~~إعلان استقلاله إذا أمن شر الدول، وخصوصا إنجلترة، وخشي محمود الثاني في الوقت ~~نفسه من ازدياد بأس وقوة محمد علي بعد أن فتح السودان، ودخلت جيوشه بلاد العرب، ~~فأضمر لواليه كراهية شديدة، وكان من السهل قيام الحرب بينهما، فغزا ~~إبراهيم الشام في نوفمبر 1831، وسقطت في حوزته يافا وغزة وبيت المقدس، ثم عكا ~~ودمشق وحلب (يوليو 1832)، وعبر إبراهيم جبال الطورس وهزم الأتراك في قونية (في 21 ~~ديسمبر 1832)، وباتت القسطنطينية ذاتها مهددة بالخطر، وكان السلطان أمام هذه ~~الهزائم المتوالية قد طلب معونة إنجلترة ونجدتها، ومنذ أغسطس 1832 اقترح على ~~السفير الإنجليزي في القسطنطينية سترافورد ~~كاننج # Strafford Canning # عقد محالفة مع إنجلترة لإخضاع باشا مصر، ولكن بلمرستون ~~رفض مقترحات تركيا، وعندئذ لم يجد السلطان مناصا من الالتجاء إلى روسيا - عدوته ~~القديمة - لنجدته، قائلا: «إن الغريق يمسك بالثعبان إذا لزم الأمر لنجاته»، ~~فطلب في فبراير 1833 نجدة روسيا المسلحة ضد محمد علي، وأجاب القيصر نيقولا هذه ~~الرغبة في التو والساعة. # وفي 20 فبراير 1833 دخل الأسطول الروسي مياه البسفور، وأنزل النجدات الروسية ~~قبالة القسطنطينية، وعندئذ نشطت الدبلوماسية الأوروبية لإرغام محمد علي على قبول ~~تسوية مع الباب العالي، فأصدر السلطان «التوجيهات» الجديدة - وهي قائمة بأسماء ~~الولاة والباشوات الجدد المعينين في حكومة ولايات الإمبراطورية - ومن بينهم محمد ~~علي ms0799 لتثبيته في حكومة مصر وكل الشام بما فيها دمشق وحلب، ثم جزيرة كريت، وإبراهيم ~~لتثبيته في حكومة الحبشة وحكومة جدة، وفي 3 مايو 1833 أبلغ الباب العالي إبراهيم ~~باشا في كوتاهية إعطاءه «أطنة» وتعيينه محصلا لها، وفي اليوم التالي أعلن ~~الباب العالي عقد السلام رسميا، وظهر كأنما قد انفرجت الأزمة. # ومع ذلك فقد بقيت السفن الروسية والجنود الروس بالقرب من القسطنطينية، وفي 5 ~~مايو وصل إلى القسطنطينية الكونت أرلوف # Orloff # سفيرا فوق العادة لروسيا، وأقلق مسلكه في العاصمة العثمانية بقية سفراء ~~وممثلي الدول، وبمجرد أن أقلعت العمارة الروسية من المياه العثمانية ساورت ~~الدول الشكوك من ناحية روسيا، وكانت الدول محقة في شكوكها؛ لأن أرلوف قبل ~~ذهابه كان قد عقد مع وزير الخارجية العثمانية وقائد الجيوش معاهدة تحالف في ~~سراي هنكاراسكلسي # Unkiar Skelessi # على شاطئ ~~البسفور الآسيوي في 8 يوليو 1833، ولم تبلغ هذه المعاهدة إلى وزارة الخارجية ~~البريطانية إلا بعد مضي أكثر من سبعة شهور على عقدها. # وكانت المعاهدة تتألف من «نص» ظاهر أو علني، و«مادة» منفردة سرية، وكان ~~«النص» - من وجهة نظر الدول - لا يبعث على الاطمئنان كلية عندما تضمن عقد محالفة ~~دفاعية هجومية بين روسيا وتركيا لمدة ثماني سنوات، وأما المادة المنفردة، فكانت ~~أسوأ أثرا لأنه جاء بها: «إن جلالة إمبراطور روسيا، رغبة منه في أن يوفر على ~~الباب العالي العثماني النفقات والمشقات التي قد تحدث له من جراء تقديم المساعدة ~~الجدية (أي لحليفته روسيا في حالة الاعتداء عليها حسب المادة الأولى من المعاهدة)، ~~لن يطلب هذه المساعدة إذا طرأ من الظروف ما يقضي على الباب العالي بتقديمها، ~~ولكن بدلا من هذه المساعدة التي يتحتم عليه تقديمها إذا دعت الضرورة عملا بمبدأ ~~تبادل المنفعة الذي تتضمنه المعاهدة المذكورة يقصر الباب العالي عمله ~~لمصلحة روسيا على إغلاق بوغاز (مضيق) الدردنيل، أي على عدم السماح لأية سفن حربية ~~أجنبية بالدخول في هذا البوغاز بأية حجة من الحجج.» # وفي نظر «فرسينييه # Frycinet ~~» مؤرخ «المسألة ~~المصرية» أن هذه المعاهدة وضعت تركيا تحت حماية ms0800 روسيا رسميا، كما جعلت ~~منها حارسا على البحر الأسود لصالح روسيا حتى تمنع أعداء هذه من الدخول إلى ~~البحر الأسود، بينما تستطيع روسيا ذاتها الخروج منه حسب مشيئتها، وأما الروس أنفسهم ~~فقد اعتبروا وقت عقد هذه المعاهدة أن حدود دولتهم الجديدة قد صارت عند مضايق ~~الدردنيل ذاتها، وفي الواقع كان واجب تركيا - حسب المعاهدة - إذا دخلت روسيا ~~الحرب مع إحدى الدول، وطلبت من تركيا إغلاق البوغازات، أن تفعل ذلك، فلا يستطيع ~~أعداء روسيا مهاجمتها عن طريق المضايق، في الوقت الذي تستطيع فيه السفن الحربية ~~الروسية الخروج إلى البحر الأبيض المتوسط للهجوم على أعدائها في أي مكان ~~تريده. # ومع أن الحكومة الروسية لم تبلغ الدول معاهدة هنكاراسكلسي إلا في ربيع العام ~~التالي (1834) فقد وقفت أوروبا الغربية على حقيقة المعاهدة عقب إبرامها بأيام ~~قليلة، ثم نشرت إحدى الصحف الإنجليزية «مورننج هيرالد # Morning Herald ~~» في لندن موجز المعاهدة في 21 أغسطس 1833، ~~ونشرت بعد ذلك موجزا للمادة السرية (في 16 أكتوبر 1833)، فأثار الوقوف على ~~حقيقة المعاهدة الشعور العام في لندن وباريس، وفي سبتمبر 1833 أعطى وزير الخارجية ~~التركية الجديد نسخة من المعاهدة ومن المادة المنفردة (السرية) إلى السفير ~~الإنجليزي «لورد بونسبي Ponsonby ~~»، وعندئذ أرسل ~~بلمرستون إلى بونسبي حتى يبلغ الحكومة العثمانية أن في استطاعتها الحصول على ~~معاونة الأسطول الإنجليزي في البحر المتوسط إذا هي آثرت ذلك على تأييد القوات ~~الروسية لها بمقتضى شروط المعاهدة (مارس 1834). # ووقفت كذلك الحكومة الفرنسية موقفا حاسما، فذكر وزير خارجيتها دوق ~~دي بروجلي # Broglie # إلى سفير حكومته في بطرسبرج ~~(أكتوبر 1833) أن روسيا إنما تريد بعملها هذا أن تعلن في وجه أوروبا بأسرها ~~تصميمها على أن تجعل استئثارها بمطلق النفوذ المنفرد في شئون الإمبراطورية ~~العثمانية مبدأ من مبادئ القانون الدولي، وكان واضحا أن فرنسا وإنجلترة لا يمكن ~~أن تقبلا ذلك. # على أن القيصر نيقولا كان قد حصل على تأييد من جانب النمسا وبروسيا عندما اجتمع ~~القيصر مع وزيره نسلرود بولي عهد بروسيا «فردريك وليم» وبالإمبراطور فرنسيس ~~«فرانسوا» الأول ووزيره مترنخ في ms0801 منشنجراتز # Münchengratz # في بوهيميا بين 10-20 سبتمبر 1833، فقد تأكد في هذا ~~المؤتمر حق كل «ملك في طلب نجدة ومساعدة الملوك الآخرين»، ثم أضاف المجتمعون ~~أنه لا يجوز لأية دولة أن تتدخل لتعطيل ومنع هذه المساعدة ما دام لا يطلب أحد ~~منها ذلك، حقيقة وعد القيصر البرنس مترنخ الذي «كره المعاهدة» - معاهدة هنكاراسكلسي ~~- بأنه لن يطلب تنفيذ نصوصها إلا بعد أن يقبل وساطة النمسا أولا، ولكن الموقف ~~لم يتغير بالرغم من هذا «التعديل»، وبقيت معاهدة هنكاراسكلسي خطرا يتهدد أوروبا؛ ~~ولذلك اتفقت كلمة إنجلترة وفرنسا على مقاومة روسيا إذا استخدمت هذه الحقوق ~~التي صارت لها بمقتضى المعاهدة (هنكاراسكلسي). # ومع هذا فإن الاتفاق بين الدولتين الغربيتين (فرنسا وإنجلترة)، في هذا الوجه من ~~وجوه المسألة الشرقية - أي في مسألة القسطنطينية - لم يمهد أو أنه كان لا يدعو ~~إلى اتفاقهما في الوجه الآخر للمسألة الشرقية، وهو المسألة المصرية؛ إذ سرعان ما ~~ظهر الخلاف بين هاتين الدولتين عندما تحرجت الأمور مرة أخرى بين السلطان ~~ومحمد علي في عامي 1839-1840. # فقد تحرجت العلاقات بين محمود الثاني ومحمد علي؛ خصوصا منذ نشوب الثورة في سوريا ~~لأسباب منوعة؛ منها تحريض تركيا وروسيا عليها (1834)، ولقد حاول محمد علي - حسما ~~للنزاع - إعلان استقلاله عن تركيا، ثم تكررت محاولاته في ذلك خلال الأعوام ~~التالية (1834، 1836-1837، 1838) ولكن الدول منعته من إعلان الاستقلال، وانحصرت ~~جهود وزير الخارجية البريطانية لورد بلمرستون: أولا: في إضعاف نفوذ محمد علي حتى ~~لا يطغى بقوته على الدولة العثمانية، وثانيا: في منع الروس من أن يضعوا ~~موضع التنفيذ معاهدة هنكاراسكلسي. # ولما كانت السياسة الفرنسية تسير في تيارين متضادين «أو متعاكسين» - ~~تحقيقا للمصالح الفرنسية في مسألة الإسكندرية، وذلك بتأييد محمد علي، ثم تحقيقا ~~لهذه المصالح ذاتها في مسألة القسطنطينية، وذلك بإبطال معاهدة هنكاراسكلسي - فقد ~~أمكن أن يتفق كل من بلمرستون، ورئيس الوزارة الفرنسية المارشال سولت # Soult # على أنه إذا قامت الحرب بين السلطان ومحمد علي، ~~ودخل الأسطول الروسي المياه العثمانية (القسطنطينية) تنفيذا لمعاهدة ~~هنكاراسكلسي فإن إنجلترة وفرنسا تعلنان الحرب على روسيا، ms0802 وعندئذ وأمام هذا ~~الإصرار من جانب إنجلترة وفرنسا كتب نسلرود إلى سفير حكومته في لندن «بوزو دي برجو Pozzo di Borgo ~~» في 17 يونيو 1839 أنه يريد ~~تجنب أية أزمة يدعو حدوثها إلى تنفيذ المعاهدة، وأكد هذه الرغبة أيضا من ~~جانب روسيا السفير الإنجليزي في بطرسبرج لورد كلانريكارد # Clanricarde # إلى حكومته. # ولكن الأزمة سرعان ما وقعت عندما انهزم الجيش العثماني هزيمة حاسمة على يد ~~إبراهيم في معركة نصيبين # Neseb # غرب نهر الفرات في ~~21 يونيو 1839، ثم مات محمود الثاني في أول يوليو قبل أن تصله أخبار هذه ~~الكارثة، ثم سلم الأسطول العثماني إلى محمد علي في مياه الإسكندرية في بداية ~~يوليو، وهكذا فقدت تركيا - كما قال جيزو - في ظرف أسابيع ثلاثة فقط: سلطانها، ~~وجيشها، وأسطولها، وأما هذه الكارثة فقد هددت بإلحاق الخلل بالتوازن الدولي في ~~أوروبا لا محالة إذا لم تتحد الدول الأوروبية في عمل مشترك في المسألة الشرقية؛ ~~حتى لا تترك السلطان الشاب الجديد، عبد المجيد، وتابعه المنتصر محمد علي، يعملان ~~وحدهما ومن غير وساطة أحد لفض النزاع القائم بينهما. # وكان في هذه الظروف أن تخلت روسيا عن الامتيازات والحقوق التي كانت لها في ~~معاهدة هنكاراسكلسي، وأن قدمت فرنسا في هذه الآونة الخطيرة اهتمامها بمسألة ~~القسطنطينية للمحافظة على كيان الإمبراطورية العثمانية وحرمان روسيا الاستفادة من ~~هنكاراسكلسي، على اهتمامها بمسألة الإسكندرية وتأييد محمد علي، ثم اجتهدت كي تخرج ~~المسألة المصرية من نزاع بين تركيا ومصر فقط، لتصبح مسألة أوروبية عامة، فلا ينفرد ~~السلطان بوضع أسس الصلح مع محمد علي من غير وساطة أو إشراف الدول، فبعث المارشال ~~سولت إلى سفيره في لندن البارون بوركيني # Bourqueney # في 26 يوليو 1839 بما معناه: «أن سرعة سير الحوادث قد ~~تفوت على الدول الأوروبية فرصة التدخل، فلا تؤخذ بعين الاعتبار مصالح السياسة ~~العامة الرئيسية، وحيث إنه من مصلحة إنجلترة وفرنسا وكذلك النمسا - ولو أنها لا ~~تفصح عن ذلك علنا - أن يكون وجوبا هدف «الاتحاد الأوروبي» أو العمل المشترك ~~الحقيقي «بين الدول» هو قسر روسيا ms0803 على العمل المشترك مع الدول في شئون الشرق ~~وتعويدها عليه؛ ولذلك فإني أعتقد، أنه يجب على الدول في الوقت الذي توافق فيه ~~موافقة تامة على الميول السلمية التي يبديها الباب العالي، أن تطلب من هذا ~~الأخير عدم التعجل في شيء، وعدم المفاوضة مع الوالي «محمد علي» إلا عن طريق ~~وساطة حلفائه الذين سوف يكون تعاونهم ولا شك وسيلة أفضل من أجل الحصول له ~~على شروط مضمونة وأكثر ملاءمة لمصلحته.» # وكانت فرنسا ترجو أن تمتنع روسيا عن الاشتراك مع الدول في اتخاذ هذه الخطوة ~~وتتحقق عزلتها، ولكن روسيا وجدت من الحكمة التنازل عن معاهدة هنكاراسكلسي، بينما ~~رحب بلمرستون بهذه الفرصة المواتية للقضاء على المصالح الروسية، وللقضاء على ~~محمد علي الذي اعتبره مسئولا عن إذلال الدولة العثمانية وإضعافها، كما كان من ~~أغراض مترنخ تعطيل المفاوضات المباشرة بين السلطان وبين الوالي الثائر على صاحب ~~السيادة الشرعية عليه، وانحازت بروسيا إلى جانب النمسا؛ ولذلك ، وبناء على ما ~~تقدم جميعه، أصدرت الدول الخمس العظمى (إنجلترة، روسيا، النمسا، بروسيا، فرنسا) ~~في 28 يوليو سنة 1839 مذكرة مشتركة، بعثت بها إلى السلطان حتى لا يبرم صلحا ~~مع محمد علي من غير موافقة الدول، وحتى ينتظر ما قد يسفر عنه اهتمام الدول ~~بالمسألة الشرقية، وهكذا أملت المصلحة المشتركة على الدول ضرورة العمل ~~«المتحد»، وظهر كأنما الاتحاد الأوروبي قد أصبح حقيقة واقعة، وظهر كأنما ~~فرنسا نفسها قد أصبحت المتزعمة للاتحاد الأوروبي. # ولكن فرنسا ارتكبت بعملها هذا خطأ جسيما - ولا شك - عندما فتحت مجال التدخل ~~للدول وعطلت الاتفاق المباشر بين محمد علي والسلطان؛ إذ سرعان ما ظهر الخلاف ~~بين فرنسا وبين إنجلترة وسائر الدول، خصوصا عندما أرادت إنجلترة أن تصبح مصر ~~وحدها فقط لمحمد علي وتجلو جيوشه من سوريا، بينما أرادت فرنسا أن يحتفظ والي مصر ~~بسوريا أيضا، وانحازت روسيا إلى جانب إنجلترة فيما ذهبت هذه إليه؛ حتى لا تبسط ~~فرنسا نفوذها على كل المنطقة الممتدة من مصر إلى جبال طوروس تحت جناح محمد علي، ~~وعلى أمل أن يؤدي الخلاف ms0804 بين فرنسا وإنجلترة إلى فصم عرى ذلك التحالف الإنجليزي ~~الفرنسي الذي استمر إجمالا طيلة السنوات العشر الماضية (أي منذ 1830) ~~تقريبا. # ومع أن السفير الفرنسي في لندن الجنرال سباستياني # Sebastiani # الذي عاد إلى سفارة لندن في خريف 1839، فقد حذر ~~سولت رئيس الوزارة الفرنسية من عواقب الإصرار على مؤازرة محمد علي، وما يترتب على ~~ذلك من عزلة فرنسا في النهاية، فقد صمم سولت على المضي في تأييد محمد علي، وهو يرجو ~~أن يتعذر على الدول الأربع الأخرى الوصول إلى اتفاق فيما بينها، ولكن بلمرستون - ~~الذي لم يكن يريد عزلة فرنسا - لم يلبث أن أبلغ سباستياني أن إنجلترة وروسيا على ~~وفاق تام فيما بينها، وبادر سباستياني فأبلغ بدوره هذه الحقيقة إلى حكومته، ~~وكان أمام سولت لذلك أحد أمرين: إما أن يتخلى عن تأييده لمحمد علي ويترك جانبا ~~المطالبة بسوريا، وإما أن يرضى بعزلة فرنسا وخروجها من الاتحاد الأوروبي، ولكن ~~سولت كان لا يزال لديه أمل في نجاح محاولة أخيرة؛ فاستدعى سباستياني من لندن وأرسل ~~بدلا منه رجلا اختص بدراسة التاريخ الإنجليزي من زمن طويل، وأظهر في كتاباته ~~تقديرا طيبا للخلق الإنجليزي، ولو أنه لم يزر هذه البلاد في الماضي، وذلك ~~الرجل كان جيزو الذي حاضر في السربون، وشغل منصب وزير المعارف في فرنسا، والذي كان ~~يقول: «لم أزر إنجلترة قط، ولم أشتغل بالسياسة!» # ووصل جيزو إلى دوفر في 27 فبراير 1840، في طريقه إلى مقر سفارته في لندن، ~~وكان يحمل تعليمات فحواها: أن يبذل قصارى جهده ليحفظ التفاهم والاتفاق مع ~~إنجلترة، وليحفظ فرنسا مكانا ضمن مجموعة الدول الخمس في الاتحاد الأوروبي، على أن ~~يصر في الوقت نفسه على ضرورة إعطاء سوريا إلى محمد علي كشرط أساسي لذلك كله، ~~وفي أول مارس خلف تيير # Thiers # في رياسة الوزارة ~~الفرنسية المارشال سولت، وكان تيير متمسكا بضرورة إعطاء سوريا إلى محمد علي، وبدأ ~~جيزو في لندن يشعر بعزلة فرنسا، ومنذ 12 مارس 1840 أنبأ رئيسه «تيير» أن فرنسا إذا ~~استمرت متمسكة بتأييدها لمحمد علي فإنها سوف تجد ms0805 نفسها مضطرة في النهاية إلى ~~الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، ولكن تيير كان مستعدا - كما كان سولت من قبل - ~~لمواجهة هذا الاحتمال. # ولقد قامر تيير - وكما قامر سولت من قبل - على أمرين؛ أولهما: أن محمد علي سوف ~~يقاوم بنشاط كل تدبير الغرض منه انتزاع الشام من قبضته، وثانيهما: أن وسائل ~~القسر والشدة التي قد تتخذ ضده سوف تذهب جميعها سدى، وكان تيير كما أثبتت ~~الحوادث بعد ذلك مخطئا في تقديره. # فقد حضر نوري أفندي السفير العثماني في باريس إلى لندن في أبريل سنة 1840؛ ليقدم ~~مذكرة إلى وزارة الخارجية البريطانية، وإلى بقية سفراء الدول الخمس يبلغهم فيها ~~استعداد الباب العالي لإعطاء باشوية مصر وراثة إلى محمد علي (أي من غير سوريا)، ~~باعتبار ذلك الشرط الوحيد الذي يقبل السلطان بمقتضاه الصلح مع محمد علي، وفي 12 ~~أبريل عرف جيزو أن إنجلترة وروسيا والنمسا وبروسيا متفقة فيما بينها على نوع ~~الإجابة التي يتضمنها الرد على مذكرة السفير العثماني، وفي اليوم التالي بعث ~~بلمرستون بصورة من هذا الرد إلى جيزو، وسأله إذا كان في استطاعته هو الآخر أن يجيب ~~على مذكرة السفير العثماني بالمعنى نفسه، ولكن تيير رفض الإجابة على المذكرة ~~العثمانية. # وفي الشهرين التاليين شغل جيزو بمسائل أخرى، وفي أواخر مايو حضر إلى لندن ~~سفير عثماني جديد، هو شكيب أفندي، وطلب تيير من جيزو عدم التحدث إلى شكيب أفندي ~~في شيء لاعتقاده - كما قال - أن تسوية المسألة لن تحدث في لندن مع السفير ~~العثماني، وأخطأ تيير في ذلك؛ لأن بلمرستون لم يلبث أن دعا جيزو إلى وزارة الخارجية ~~البريطانية في 17 يوليو 1840، وقرأ عليه «مذكرة» جاء فيها أنه نظرا لامتناع فرنسا ~~عن الانضمام إلى جانب الدول الأربع: بريطانيا، النمسا، روسيا، بروسيا، عقدت هذه ~~الدول فيما بينها معاهدة لوضع تسوية نهائية للنزاع القائم بين السلطان ومحمد ~~علي، هذه المعاهدة كانت اتفاقية لندن المشهورة التي وقعتها الدول الأربع في 15 ~~يوليو 1840، يحدوها إلى ذلك الرغبة في المحافظة على كيان الإمبراطورية العثمانية، ~~وهكذا وجدت فرنسا نفسها بسبب ms0806 إصرارها على المطالبة بسوريا لمحمد علي بمعزل عن ~~سائر الدول. # وتضمنت اتفاقية لندن، شروط الصلح المزمع إبرامه بين الباب العالي وبين محمد ~~علي، على أساس أن يحتفظ هذا الأخير بباشوية مصر فقط وراثة في أسرته، كما نصت ~~على تعاون الدول الأربع في رد الجيش المصري عن القسطنطينية إذا هدد محمد علي ~~العاصمة العثمانية، وطلب الباب العالي مساعدة الدول، وكان معنى قبول روسيا هذا ~~«البند» أنها تنازلت عن حقها الخاص في الدفاع عن القسطنطينية بمقتضى معاهدة ~~هنكاراسكلسي، وزيادة على ذلك فقد نصت المادة الرابعة على استمرار العمل ~~بالقاعدة القديمة التي اتبعتها الإمبراطورية العثمانية، وهي غلق الدردنيل في وجه ~~جميع السفن الأجنبية الحربية، وما دام الباب العالي نفسه في حالة سلم مع ~~الدول. # وعندما وصلت أخبار هذه الاتفاقية إلى باريس، شعرت فرنسا بأن إهانة بالغة قد ~~لحقت بها، ورأت الحكومة الفرنسية أنه كان يجب دعوتها للتوقيع على اتفاقية لندن ~~قبل إبرامها، ولو أن تيير نفسه لم يلبث أن اعترف بعد ذلك (في أغسطس) أنه كان من ~~المعروف جيدا أن فرنسا لو أنها دعيت للتوقيع على المعاهدة لرفضت أن تفعل ~~ذلك، وفي الواقع كان السبب الذي جعل بلمرستون يسرع متكتما في إجراءات ~~إبرام المعاهدة، أن فرنسا في هذه الآونة كانت بواسطة سفيرها «بونتوا Pontois ~~» في القسطنطينية تقوم بمفاوضة منفصلة من ~~أجل عقد الصلح بين محمد علي والباب العالي على أساس الشروط الفرنسية، وكان سير ~~المفاوضات في القسطنطينية السبب الذي جعل «تيير» يطلب من جيزو التمسك بمسألة سوريا، ~~وتوقع تيير بين لحظة وأخرى أن يسمع من سفيره في القسطنطينية أن المفاوضات قد ~~انتهت بعقد الصلح على أساس إعطاء سوريا إلى محمد علي، وعندئذ يستطيع «تيير» ~~مواجهة بلمرستون بالأمر الواقع. # ولكن بدلا من ذلك، استطاع بلمرستون الذي أدرك حقيقة ما كان يجري أن يواجه ~~الوزير الفرنسي باتفاقية لندن، واشتد غضب تيير، واشتد غضب الأمة الفرنسية التي ~~ظلت من مدة تتوق نفسها إلى الحرب نتيجة لتأثرها «بالأسطورة النابليونية»؛ ~~ولرغبتها في استعادة مجد الفتوح الماضية في عهد ms0807 إمبراطورية نابليون، ولم يلطف ~~شيئا من حدة هذه الروح العسكرية إرسال الحملات والجيوش إلى بلاد الجزائر، وظهر ~~كأنما الحرب واقعة لا محالة، وكان كل ما يشغل ذهن تيير أثناء هذه الأزمة، إنما ~~هو التفكير في أي الجهتين عليه أن يبدأ بتسديد ضربته المباشرة: ضد إنجلترة، أم ضد ~~بروسيا «للوصول إلى الراين»، وفي أثناء هذا كله كانت الحوادث تسير بكل سرعة في ~~سوريا. # فقد رفض محمد علي شروط اتفاقية لندن، وحرك بونسنبي السفير الإنجليزي في ~~القسطنطينية الثورة في الجبل (لبنان)، وفي 11 سبتمبر 1840 ضرب أمير البحر السير ~~شارلس نابيير # Napier # بيروت بالقنابل من البحر ~~واستولى عليها، وأحرز بعد قليل انتصارا حاسما على القوات المصرية في واقعة برية ~~عند نهر الكلب، وفي 14 سبتمبر أعلن السلطان عزل محمد علي، وكان على فرنسا الآن أن ~~تقرر الحرب أو أن تمتنع عن المحاربة كلية. # وفضلت فرنسا عدم الدخول في حرب ضد مجموعة من الدول أعاد اتحادها إلى الذاكرة ~~محالفة الدول القديمة في شومونت ضد فرنسا سنة 1814، وكان الملك الفرنسي «لويس ~~فيليب» ضد الحرب، ويؤيد رغبته في السلم أصحاب الأملاك والأراضي، وأرباب الصناعة ~~في فرنسا، فأرسل تيير إلى لندن مذكرة في 8 أكتوبر كانت بمثابة «عرض للسلام» ~~تضمنت استعداد فرنسا للنزول عن إصرارها السابق بشأن بقاء سوريا في حوزة محمد ~~علي إذا حصلت إنجلترة وبقية الدول لمحمد علي على وراثة الحكم في مصر. # وكانت المذكرة مكتوبة بلهجة شديدة ومفرغة في قالب إنذار، ومع هذا فقد كان إقلاع ~~فرنسا عن إصرارها السابق هو كل ما تريده الدول؛ لأن إعلان عزل محمد علي لم يكن ~~الغرض منه سوى إرغامه على قبوله التسوية؛ ولذلك فإن نابيير بعد انتصاره في بيروت، ~~وبمجرد أن سقطت في قبضته عكا أيضا في 3 نوفمبر، قصد بأسطوله إلى الإسكندرية، ثم لم ~~يلبث أن عقد في 27 نوفمبر سنة 1840 مع بوغوص بك ممثل محمد علي إنفاقا في ~~الإسكندرية تعهد فيه محمد علي بإخلاء سوريا في نظير احتفاظه بالحكومة الوراثية ~~في مصر ذاتها. ms0808 # ولما كان هذا متفقا مع ما طلبته فرنسا في مذكرة 8 أكتوبر، فقد أقرت ~~الدول اتفاق نابيير، وفي الشهور الأولى من العام التالي (1841) أسفرت المفاوضات ~~التي اشتركت فيها فرنسا في هذه المرة، بواسطة سفيرها الجديد البارون بوركيني، والذي ~~خلف جيزو عندما تعين هذا الأخير وزيرا للخارجية، في الوزارة التي ~~ألفها سولت، عقب سقوط تيير في 21 أكتوبر سنة 1840 عندما رفض لويس فيليب أن ~~يكون خطاب العرش في لهجة عسكرية عنيفة، نقول: إن هذه المفاوضات أسفرت عن إقناع ~~السلطان بإصدار فرمان في 13 فبراير 1841 يعطي حق الوراثة لمحمد علي ولأسرته من بعده ~~في مصر فقط، ومن غير أن يكون معها سوريا أو كريت، وفي أول يونيو صدر الفرمان الأخير ~~الذي أكد مبدأ الوراثة وإنما على أن تكون هذه للأرشد فالأرشد من أسرة محمد علي، ~~كما أكد الفرمانان الأول والثاني بقاء مصر جزءا من أجزاء الإمبراطورية ~~العثمانية. # ولقد كان من المتيسر بعد ذلك أن تعمل الدول لاستكمال تسوية المسألة الشرقية بصورة ~~تتناول وجهها الآخر، أي ما أسمته فرنسا بمسألة القسطنطينية؛ فانعقد مؤتمر ~~لهذه الغاية في لندن حضرته فرنسا إلى جانب بريطانيا وروسيا والنمسا وبروسيا وتركيا ~~أيضا، فعقدت الدول المجتمعة في 13 يوليو 1841 اتفاقية البوغازات، أو اتفاقية ~~لندن التي تضمنت المبدأ الثابت الذي كان دائما القاعدة التي أخذت بها ~~الإمبراطورية العثمانية في الأزمنة السابقة، والذي كان من مقتضاه منع السفن ~~الحربية الأجنبية من دخول المضايق «الدردنيل والبسفور»، طالما أن الباب العالي في ~~حالة سلم مع الدول. # وهكذا ألغى هذا الاتفاق المركز الممتاز الذي كان لروسيا في علاقاتها مع تركيا، ~~وفي مسألة البوغازات خصوصا، بمقتضى معاهدة هنكاراسكلسي، كما أن هذه الاتفاقية قد ~~حلت محل معاهدة 15 يوليو 1840 (وفاق لندن) بين الدول الأربع، ولو أنها كانت لا ~~تلغي هذا الوفاق، ثم أتاحت الفرصة لفرنسا حتى تخرج من عزلتها وتنضم إلى مجموعة ~~الدول في الاتحاد الأوروبي. # الفصل الرابع # | فرنسا (1815-1848) # ثورات 1830، 1848، وفشل نظام الحكم الرجعي في فرنسا # تمهيد # عقد الحلفاء معاهدة شومونت ms0809 في أول مارس 1814 لمواصلة الكفاح ضد نابليون، وفي ~~30 مارس من السنة نفسها دخلت جنودهم باريس، وعاد البربون معهم إلى عاصمة ملكهم ~~القديمة، فدخل لويس الثامن عشر إلى باريس في 3 مايو 1814، ثم استتب له الأمر في ~~فرنسا نهائيا بعد حكم المائة يوم وانهزام نابليون في واقعة واترلو (يونيو 1815) ~~وذهابه إلى المنفى. # ومن مبدأ الأمر كان مقضيا بالفشل على ملكية البربون الراجعة لأسباب عدة: بعضها ~~متصل بطبيعة المسائل التي واجهت البربون عند استلامهم أزمة الحكم، ومن كان من ~~واجبهم أن يجدوا لها حلولا موفقة ثم أخفقوا في ذلك، والبعض الآخر متصل ~~بالمبادئ الرجعية - مبادئ العهد القديم - التي أخذ بها البربون، والأساليب التي ~~أرادوا أن يطبقوها في حكومتهم متناسين جميع التغييرات التي حدثت في داخل ~~البلاد من بداية الثورة الفرنسية (1789) إلى وقت عودتهم (1814). # وكانت المشكلة الكبرى التي ورثتها الملكية الراجعة من عهد الثورة ونابليون، ~~محاولة التوفيق بين هدفين مختلفين: إنشاء نوع من الحكومة ترضى عنه البلاد، واتباع ~~سياسة «خارجية» ترضى عنها الدول. # وفي الخمسين سنة التالية قامت محاولات ثلاث لتحقيق هذين الهدفين، أولها: في عهد ~~الملكية الراجعة ذاتها، وقد أخفق البربون في هذه المحاولة؛ لأنهم لم يتمتعوا ~~بالاحترام الكافي، لعودتهم إلى البلاد كما اعتقد كثيرون وقتئذ في ذيل جيش الاحتلال ~~الأجنبي، ولأنهم أساءوا الحكم الداخلي، أي إنهم فشلوا في إقامة نوع الحكومة التي ~~يرضى عنها الفرنسيون، فانتهى الأمر بقيام ثورة يوليو 1830 وضياع ملكهم، وأما ~~المحاولة الثانية: فقد وقعت في عهد ملكية أسرة أورليان التي تولت الحكم ~~بعد ثورة يوليو، وأخفقت لأن لويس فيليب اتبع سياسة خارجية كانت متعارضة تماما مع ~~رغبات الأمة، ومع أن هذه الملكية استندت إلى مؤازرة الطبقة المتوسطة إلا أن هذا ~~أجل فقط سقوطها بعض الوقت، فشبت ثورة فبراير 1848 التي أطاحت بملكية أسرة ~~أورليان، وأعلنت الجمهورية الثانية، وأما المحاولة الأخيرة: فكانت في عهد لويس ~~نابليون الذي استطاع أن يجمع حول العرش قلوب الفرنسيين مدة من الزمن، ولكن هذا ~~النجاح نفسه لم يلبث أن نفر الدول ms0810 التي أثار لويس نابليون مخاوفها عندما حاول ~~إحياء مجد وانتصارات الإمبراطورية الأولى، فسقطت إمبراطوريته في النهاية بعد هزائم ~~سبتمبر 1870 وصار إعلان الجمهورية الثالثة. # والحقيقة أن تاريخ فرنسا من وقت رجوع البربون (1815) إلى وقت إنشاء الجمهورية ~~الثالثة (1871) إنما يدور حول أمرين هامين، أولهما: رغبة الفرنسيين في تحطيم ~~التسوية - تسوية الصلح في فينا - التي ارتبطت في أذهانهم بانكماش حدود بلادهم، ~~واعتبروها مهينة لشرف الوطن، ثم ارتطام هذه الرغبة بتصميم الدول التي وضعت ~~التسوية على التمسك بها كأساس للنظام الأوروبي؛ لأنها خشيت من حدوث اضطرابات خطيرة ~~إذا هي سمحت بوقوع أية اعتداءات على هذه التسوية، وأما الأمر الثاني: فهو رغبة ~~الطبقة المتوسطة (البورجوازية) التي جنت أعظم فائدة من الانقلابات والتغييرات ~~الاقتصادية والاجتماعية التي حدثت أيام الثورة وعهد نابليون، في أن تظل محتفظة بما ~~في أيديها من مزايا عن طريق إنشاء حكومة دستورية تقف حائلا أولا: دون مطالب ~~المهاجرين # Emigrés # الذين عادوا مع الملكية ~~الراجعة وأرادوا استرداد ما كان لهم من حقوق وامتيازات وثروة وأرادوا عودة «النظام ~~القديم» بحذافيره، وبدعاماته الثلاث: الملكية المطلقة، والكنيسة الممتلكة ذات ~~الأراضي والأملاك الواسعة، ثم أرستقراطية النبلاء الوراثية، وثانيا: دون تسرب ~~المبادئ الاشتراكية إلى طبقات الصناع والعمال وتغلغل هذه المبادئ في كيان المجتمع ~~حتى لا ينجم من ذلك إفساح المجال لعناصر جديدة تشترك مع الطبقة الوسطى ~~(البورجوازية) في الحكم عن طريق التوسع في قواعد الانتخاب وشرائطه، أي إن ~~البورجوازية أرادت التمسك (بالمبادئ الحرة) وحسب. # ولقد كان من تفاعل هذه العوامل جميعها أن قامت ثورات 1830، 1848، كما وقعت ~~الحوادث التي سببت سقوط الإمبراطورية الثانية (1870)، ويتضح ذلك كله من دراسة ~~تاريخ فرنسا بعد سنة 1815. ~~(1) الدستور # كانت مهمة البربون عند عودة لويس الثامن عشر إلى عرش فرنسا التوفيق بين مبدأين ~~متناقضين: الشرعية # Legitimacy # وهو مبدأ العهد ~~القديم، وسيادة الشعب، وهو ثمار الثورة، وتلك كانت مهمة شاقة، ثم إنه كان عليهم إلى ~~جانب هذا، عقد الصلح «للمرة الثانية» مع الحلفاء المنتصرين، وهذه أيضا لم تكن مهمة ~~يسيرة، وقد رفض تاليران رئيس الوزارة إبرام ms0811 المعاهدة «القاسية» معتمدا في ~~رفضه على إمكان إثارة غضب الشعب، ولكن الملك «الحذر» والذي كره تاليران؛ لأنه من ~~رجال الثورة القدامى ووزير نابليون السابق، لم يشأ إثارة أزمة بينه وبين الحلفاء، ~~فاستقال تاليران واستقالت الوزارة، وألف دوق ريشيليو # Richelieu # الوزارة الجديدة (في 24 سبتمبر 1815)، ووقع ريشيليو على ~~معاهدة باريس الثانية في 20 نوفمبر 1815. # ومع هذا فقد كان السبب الأكبر في استقالة تاليران عجزه عن مقاومة متطرفي ~~المهاجرين، الذين تألف منهم حزب الملكيين ~~المتطرفين # Ultra Royalists # واشتطوا في مطالبهم خارج وداخل مجلس النواب الجديد ~~الذي جرى انتخابه حسب الميثاق أو العهد الدستوري، الذي كان أصدره لويس الثامن عشر ~~كما عرفنا في 4 يونيو 1814، عقب عودته إلى باريس، ولقد حكمت فرنسا وفق ~~أحكام هذا الدستور من حين العمل به إلى وقت قيام الثورة في يوليو 1830، وكانت مآخذ ~~الدستور ونقائصه، ثم ما ترتب على إصداره من انقسام الأمة إلى فريقين ~~كبيرين؛ يتمسك أحدهما بهذا الدستور، ويريد الآخر تعديله أو إلغائه، من أسباب هذه ~~الثورة الرئيسية. # وكان «العهد الدستوري» يتألف من مقدمة وستة وسبعين بندا، ومؤرخا في السنة ~~التاسعة عشرة من حكم الملك، كأنما لم يسمع أحد شيئا عن حدوث ثورة فرنسية أو ~~قيام حكم نابليون، جاء في المقدمة أن كل السلطة ترتكز في شخص الملك، ولو أن الملك - ~~كما فعل أسلافه لويس الحادي عشر وهنري الثاني وشارل التاسع ولويس الرابع عشر ~~- كان على استعداد لأن يعدل طريقة ممارسة هذه السلطة، وذلك بإعادة إنشاء مجلس ~~للأشراف أو النبلاء، والاستعاضة بمجلس للنواب عن المجالس القديمة، كما جاء في ~~المقدمة أن الملك بمحض إرادته، وباستخدام سلطته الملكية يمنح رعاياه بما له من ~~حقوق السلطة هذا «العهد الدستوري» عن نفسه وعن خلفائه وإلى الأبد، فكان معنى هذا ~~القول أن الشعب نفسه لم يسهم بشيء في إعداد هذا الدستور، أو تؤخذ موافقته عليه؛ ~~ولذلك فالدستور دستور يمكن ~~إلغاؤه # Revocable ~~. # ومن مواد الدستور الست والسبعين، ضمنت الإثنتى عشرة مادة الأولى حقوق ~~المواطنين الفرنسيين؛ وهي المساواة أمام القانون، بصرف النظر ms0812 عن الرتب والألقاب، ~~وذلك كان المبدأ الأساسي الذي أتت به الثورة، وحق الجميع في إشغال الوظائف ~~المدنية والعسكرية، فلا تحتكر طبقة معينة الوظائف في الدولة، كما كان الحال ~~لدرجة كبيرة قبل الثورة، ثم ضمان حرية الفرد باحترام القانون؛ فلا يجوز القبض على ~~إنسان أو أن توقع عليه عقوبة إلا بمقتضى إجراء قانوني، وقد أنهى الأخذ بهذا ~~المبدأ السجن التعسفي، ثم حرية العبادة وإقامة شعائر الدين واعتناق أي المذاهب ~~التي يشاؤها الفرد، ولو أن الكاثوليكية ظلت بمقتضى الدستور دين الدولة الرسمي، ~~ثم حرية الصحافة «ما دامت متفقة مع القوانين التي لا غنى عنها لمنع إساءة استخدام ~~هذه الحرية»، ثم ضمان الملكية مع عدم استثناء الأملاك الأهلية، أي ضمان بقاء ~~الممتلكات التي اغتصبها الأفراد من التاج أو الكنيسة أو النبلاء، أو حصلوا عليها ~~بصورة من الصور في أيدي أصحابها الجدد. # وكان ضمان الملكية إلى جانب ما جاء في مادة أخرى (التاسعة) منعت استقصاء آراء ~~الأفراد ومعتقداتهم السياسية في الأيام التي سبقت عودة «الملكية» خير ما يطمئن ~~أفراد الطبقة البورجوازية على مراكزهم ومصالحهم، وأفراد هذه الطبقة هم الذين ~~ابتاعوا الأملاك الأهلية بعد مصادرة أملاك الكنيسة والنبلاء والتاج في عهد الثورة، ~~ثم أيدوا القوانين والأوامر التي أصدرتها حكومات الثورة، وأما النص على حقوق ~~الفرنسيين المدنية عموما واحترامها، كما جاء في هذا الدستور، فقد دل على أن ~~البربون كانوا مستعدين لقبول ذلك الجزء من تراث الثورة وعهد نابليون الذي من شأنه ~~أن يطمئن الشعب الفرنسي إلى أن الملكية الراجعة لا تريد اجتياح الحريات والحقوق ~~التي أصبحت عزيزة عليه، والسبب في هذا أن البربون أرادوا أن يكسبوا عطف الشعب ~~(الطبقة المتوسطة) في وقت كانت حكومتهم لا تزال في حاجة ظاهرة إلى الاستقرار عند ~~أول قدومهم. # ولكن الدستور في الوقت الذي أعطى فيه الحرية الفردية لجميع المواطنين الفرنسيين، ~~ترك الأمة في مجموعها من غير ضمان لحرياتها؛ لأن ضمان حريات الأمة إنما يكون بدعم ~~المسئولية الوزارية، وذلك بأن يتولى السلطة التنفيذية مجلس وزراء يرتبط بقاؤه بثقة ~~المجلس الذي ms0813 تنتخبه الأمة، أي البرلمان، وذلك ضمان كان الدستور خلوا منه، فقد جاء ~~في المادة الثالثة عشرة: «إن شخص الملك مقدس ولا يمكن أن يمسه شيء، ووزراءه ~~مسئولون، والملك وحده صاحب السلطة التنفيذية»، ومع ذلك فقد تركت هذه المسئولية ~~الوزارية من غير حل؛ ففي حين كان للملك الحق في تعيين وزرائه، لم يذكر الدستور ~~إذا كان من واجب الملك أن يختار هؤلاء من بين الأكثرية في المجلس حتى تكون حكومته ~~برلمانية أو دستورية، وعلى كل الأحوال فقد صار يفسر كل من لويس الثامن عشر ~~وشارل العاشر من بعده هذه المادة الثالثة عشرة بأنها تخولهما حق دعوة الوزارة ~~وإقالتها حسب مشيئتهما ودون التقيد في ذلك برغبة مجلس النواب. # وبمقتضى هذا الدستور تألفت الهيئة التشريعية من مجلس للأعيان، وآخر للنواب، ~~وصار للملك الحق في منح ألقاب الشرف والنبل وراثة أو لمدى الحياة فقط، وقرر لويس ~~الثامن عشر أن تكون ألقاب النبلاء وراثية، ولم يكن الملك يميل في أول الأمر إلى خلق ~~نبلاء جدد، ولكن تاليران وغيره من المستشارين سرعان ما أقنعوه بأن خلق مثل هؤلاء ~~سوف يوحي إلى الدول الأوروبية بالثقة الكافية في استقرار أنظمة الحكم الفرنسية، ~~ولما كان الدستور «في مادته السابعة والعشرين» يطلق حق «خلق » النبلاء من كل قيد، ~~فقد استخدم هذا الإطلاق في «غمر» مجلس الأعيان بالنبلاء الجدد في المناسبات ~~الهامة، من ذلك خلق ثلاثة وسبعين نبيلا في سنة 1819 في وزارة ديكاز # Decazes ~~، وستة وسبعين في سنة 1827 في وزارة ~~«فيليل». # وأما مجلس النواب فكان يتألف من نواب ينتخبون لمدة خمس سنوات، وقد جعل حق ~~الانتخاب مقصورا على الذين يدفعون ضرائب مباشرة قدرها ثلاثمائة فرنك سنويا، ~~ولا تقل أعمارهم عن ثلاثين سنة، بينما اشترط في النائب أن يبلغ الأربعين أو ~~يزيد، ويدفع ضريبة مباشرة قدرها ألف فرنك سنويا على الأقل، وهي شروط في صالح طبقة ~~الأثرياء فقط؛ ولذلك فإن مجلس النواب سرعان ما صار أداة حكومية تمثل مصالح ~~الأغنياء، وصار عدد المتمتعين بحق الانتخاب يقلون عن مائة ألف ناخب ms0814 من مجموع تسعة ~~وعشرين مليون نسمة، هم سكان فرنسا، وأما الذين يصلحون للنيابة فكانوا اثنى عشر ~~ألفا فقط، وكان يتجدد خمس عدد النواب سنويا، وللملك الحق في حل مجلس النواب في ~~أي وقت وإجراء انتخابات عامة جديدة. # ومما تجدر ملاحظته أن الدستور لم يعين الطريقة التي تجري بمقتضاها ~~الانتخابات، وحدد مرسوم ملكي عدد النواب؛ فكان عددهم (402) نائبا في سنة 1815، ~~ثم أنقص هذا العدد بعد حل المجلس في سبتمبر 1816 إلى (262) فقط. ~~(2) الإرهاب الأبيض # وقد تبع عودة الملك إلى باريس (يوليو 1815) بعد حكم المائة يوم، وقوع حوادث دامية ~~كثيرة خصوصا في جنوبي فرنسا حيث قتل كثيرون من رجال الثورة القدامى ومن ~~البونابرتيين «مثل المارشال برون»، واستعرت الأحقاد الدينية من جديد في ~~نيم # Nimes ~~؛ حيث أوقع الكاثوليك ~~بالبروتستنت مذبحة كبيرة، بدعوى أن هؤلاء الأخيرين عطفوا على نابليون وكان لهم ~~نشاط عظيم إبان حكومة المائة يوم؛ وهكذا انتشر ما يعرف بالإرهاب الأبيض، وزادت ~~خطورته في ليون وأفينيون، وادعى حثالة القوم الولاء لملكية بربون الراجعة، ولم ~~تتردد حكومة الملك الراجع في الانتقام من رجال العهد الماضي، لا سيما أولئك الذين ~~حنثوا في يمين الولاء للملك لويس الثامن عشر وانضموا إلى نابليون أثناء المائة يوم، ~~وكان كثيرون من هؤلاء قد استطاعوا الفرار من فرنسا عقب واقعة «واترلو». # ولما كانت وزارة تاليران التي استمرت في الحكم من يوليو إلى سبتمبر سنة 1815 قد ~~أظهرت بعض الاعتدال في موقفها من هذه الحوادث الانتقامية، فقد أبعدت من ~~الحكم، وتولى الدوق دي ريشيليو رياسة الوزارة، وفي عهده حوكم المارشال «ناي» ~~وأعدم في 7 ديسمبر 1815، وفي اليوم التالي قدم ريشيليو مشروعا لاستصدار ~~العفو عن جميع الذين اشتركوا في الحوادث الماضية، ما عدا أولئك الذين كانت لا تزال ~~تجري فعلا محاكمتهم، فوافق المجلسان وصدر القانون المنشود، وأما الذين ~~صدرت ضدهم أحكام بسبب أعمال ارتكبوها قبل يوليو 1815، أي قبل عودة الملك، ~~فقد بلغوا حوالي تسعة آلاف، ولو أن العقوبة في أكثر الأحيان كانت مجرد الطرد من ~~الخدمة. # وفي وسط هذه الموجة من ms0815 الإرهاب الأبيض تم انتخاب المجلس الأول (في أغسطس 1815)، ~~فدخل المجلس عدد عظيم من مؤيدي الملكية الراجعة، عرفوا باسم «الملكيين المتطرفين # Ultras ~~»، وبلغوا في حماسهم للملكية ~~الراجعة حدا جعل لويس الثامن عشر يسمي مجلسهم «بالمنقطع النظير»، # 1 # وينصح هؤلاء المتطرفين بألا يكونوا ملكيين أكثر من ~~الملك. # وتزايد الإرهاب الأبيض - بعد تأليف مجلس النواب على هذه الصورة - شدة على ~~شدته، وعندئذ اضطر الملك إلى حل المجلس في سبتمبر 1816، وفي الانتخابات ~~الجديدة حصلت وزارة ريشيليو على أكثرية من العناصر الملكية المعتدلة، أيدت ~~سياسة التهدئة والتسكين التي اتبعها ريشيليو في الداخل والخارج معا. # وعلى ذلك فقد أمكن أن تتمتع الملكية الراجعة بمجيء هذا المجلس الجديد ~~بعهد هو أفضل العهود - بلا مراء - في تاريخها، استمر حتى سنة 1822، أي إلى الوقت ~~الذي قرر فيه «فيليل» العودة إلى أساليب ومبادئ «العهد القديم»، فأضاع بذلك ~~أعظم فرصة سنحت لضمان نمو واستقرار النظام البرلماني الثابت في فرنسا، وقد ~~مهد «فيليل» بهذا العمل لإشعال ثورة يوليو وسقوط ملكية البربون الراجعة في ~~النهاية. ~~(3) الأحزاب السياسية # ولما كان خمس عدد الأعضاء يتجدد سنويا فقد بدأ جماعة من الأعضاء المستقلين ~~والأحرار يدخلون مجلس النواب بعد سنة 1816، حتى إذا كان عام 1818 أصبح من الميسور ~~ملاحظة وجود اختلاف في الرأي بين أعضاء المجلس، وأمكن التمييز بين أحزاب ثلاثة ~~ظاهرة؛ أولها: حزب اليمين، وهم الملكيون المتطرفون، وشعارهم «الحرب ضد الثورة» ~~«الفرنسية»، وأقدر رجالهم فيليل وشاتوبريان # Chateaubriand ~~، وصحيفتهم «الجورنال دي ديبا»، # 2 # وكان تأسيسها أيام الثورة في 29 أغسطس 1789، وكانت «معتدلة»، وثانيها: ~~حزب الوسط، وهؤلاء من الملكيين المعتدلين، ويهدفون للتوفيق بين الملكية والثورة، ~~وأقدر رجالهم ريشيليو وديكاز، وثالثها: حزب اليسار، وهؤلاء من الأحرار الذين ~~قبلوا الملكية ولكنهم أرادوا إنشاء حكومة مسئولة على الطراز الإنجليزي، وأقدر ~~رجالهم بنيامين كونستان # Benjamin Constant ~~، ~~ولافيت # Laffitte ~~، وكازمير برييه # Casmir Périer ~~، والأخيران من المصرفيين، ثم ~~انضم إليهم أيضا البونابرتيون. # وأهم صحف اليسار كانت «الدستور»، # 3 # وهي «معتدلة» كذلك، أضف إلى هذا أنه كان هناك فريق آخر يقرب من ~~اليساريين، وإن كان ms0816 منفصلا عنهم، ويعرف باسم «النظريين أو المذهبيين # Doctrinaires ~~» منهم الفيلسوف «رويه كولار # Royer Collard ~~» ثم جيزو # Guizot ~~، وصحيفتهم «لوكورييه»، # 4 # وكان من جماعتهم في مجلس الأعيان الدوق بروجلي # Broglie ~~، وقد وجد في مجلس الأعيان قلائل من الجمهوريين، مثل ~~لفاييت # Lafayette ~~. # وكان أصحاب السطوة والنفوذ عند عودة الملكية الراجعة، الملكيون المتطرفون ألد ~~أعداء الثورة، والذين صمموا ليس فقط على القضاء على كل أثر للآراء الحرة التي جاءت ~~بها الثورة «الفرنسية»، بل أرادوا الرجوع بفرنسا إلى الوراء، وتوجيه نمو البلاد ~~التاريخي ليسير في طريق رجعي، ثم إنهم يمثلون سياسة المهاجرين التقليدية الذين ~~كافحوا الثورة من المنفى بكل شدة، واعتزموا بمجرد عودتهم ظافرين إلى وطنهم أن ~~يستردوا كل امتيازاتهم وكل أسباب السلطة الاستبدادية، وبقوا حوالي العشرين سنة ~~يمنون أنفسهم بالانتقام متى رجعوا إلى الحكم في فرنسا. # وكان برنامج المتطرفين يستند إلى فكرة أساسية هي إحياء النظام القديم، وإنما مع ~~تعديلات تتفق قبل كل شيء مع مصالح طبقة النبلاء والأشراف التي هي طبقتهم، وإن ~~لم تكن هذه التعديلات ملائمة لصالح الملكية نفسها، وقد وجدوا أن خير وسيلة ~~لتحقيق هذه الغاية هي إرجاع الكنيسة الكاثوليكية إلى سابق سطوتها، وعقد محالفة ~~وثيقة بين الكنيسة والدولة، أو بين المذبح والعرش - كما قالوا - واتخاذ هذه ~~المحالفة أساسا يبنون عليه مشروعاتهم، وحتى تتمكن الكنيسة الكاثوليكية من ~~استرجاع سطوتها ومكانتها، أراد المتطرفون أن تستعيد الكنيسة جميع الأملاك التي ~~اغتصبت منها أيام الثورة، وكانت لا تزال في حوذة الدولة. # ثم إنهم أعطوا رجال الدين حق الإشراف على التربية والتعليم؛ فتعين في سنة ~~1822 أسقف لرياسة الجامعة وأعطي سلطات واسعة، كما سمح لليسوعيين (الجزويت) ~~بالعودة إلى فرنسا وتأسيس معاهدهم الدينية والتعليمية بها، وكان الغرض من هذا كله ~~أن يستطيع حزب الكنيسة إعادة بناء النظام السياسي والاجتماعي في فرنسا تحت ستار ~~العناية بحياة الأمة الروحية والخلقية، فتتاح الفرصة لبذر بذور الرجعية وتهيئة ~~الأفكار لقبول تغيير النظام القائم، ثم كان من وسائلهم لتعزيز جهود الكنيسة في ~~نشر فكرة التسليم والخضوع المطلق أنهم أنشئوا رقابة ms0817 نشيطة على الصحف ~~والمطبوعات حتى تمنع الحكومة نشر كل ما تراه ضارا بمصالحها ومعطلا ~~لأهدافها، فيتقيد بذلك الرأي العام ويخضع لتوجيه الحكومة. # وكذلك أراد المتطرفون أن يستغلوا سياسة البلاد الخارجية بشكل يجعل ممكنا قبول ~~التغييرات التي اعتزموا إجراءها في حياة مواطنيهم الداخلية؛ وذلك لأنه كان من ~~المتعذر إطلاقا في رأي أكبر كتابهم (شاتوبريان) أن تحتل أسرة بربون مكانا ~~ثابتا في قلوب الشعب الفرنسي؛ إلا إذا انتصر البربون في معارك عسكرية وأكسبهم ~~هذا الانتصار مجدا وفخرا، وهكذا كان يتلخص برنامج «المتطرفين» في إقامة الملكية ~~المستقرة والقائمة على دعائم موطدة، وإنشاء الكنيسة الغنية صاحبة الأملاك الواسعة، ~~ولم يكن الغرض من هذا كله إلا استرداد امتيازاتهم السابقة، فقد صح عزم هؤلاء ~~«المتطرفين» على استرجاع الممتلكات والحقوق التي كانت لطبقة النبلاء القديمة عند ~~نشوب الثورة الفرنسية، أضف إلى هذا أنهم أرادوا الآن الاستئثار بقسط وافر من ~~السلطة السياسية التي ظلوا حتى هذا الوقت محرومين منها، وما كانوا يرضون بديلا عن ~~هذين الأمرين ثمنا لولائهم للملكية وللكنيسة. # وأما المعتدلون - من جماعات الوسط واليسار و«المذهبيين» - فقد دافعوا عن ~~الثورة، وأرادوا استمرارها، ولكن من غير الروح الثورية - كما قالوا - ثم إنهم بنوا ~~الآمال على أن من الممكن أن يتم تحالف بين النظام والحرية، وبين الشرعية والثورة، ~~أي إنهم تمسكوا بكل قوة بتراث الثورة، وما كانوا يرضون بعودة النظام القديم ~~بحال من الأحوال؛ ولذلك فقد تعذر أي اتفاق بينهم وبين «المتطرفين»، أضف إلى ~~هذا أن المعتدلين كانوا ينفرون من الآراء المتطرفة، ويقبلون الملكية التي ~~فرضت عليهم وعلى الفرنسيين قاطبة، بسبب الانتصارات العسكرية التي أحرزتها ~~جيوش الأعداء، ويرون التمسك بالولاء للملك ما دام الملك يحترم من جانبه ~~الشروط التي تبوأ بمقتضاها عرش فرنسا. # ولما كان الحلفاء المنتصرون قد أصروا على أن تكون الملكية الراجعة دستورية ~~كضمان لا معدى عنه لبقاء واستمرار حكومة البربون في فرنسا، فقد تمسك المعتدلون ~~بالدستور الذي أصدره لويس الثامن عشر؛ لأن هذا الدستور قضى نهائيا على تقاليد ~~«النظام القديم» وأحل مكانها تقاليد الثورة والإمبراطورية «النابليونية»، ms0818 حيث ~~قد أخذ عن الثورة مبادئ التسامح والمساواة أمام القانون وعدم التمييز بين ~~الطبقات في خدمة الدولة، أي فتح أبواب الوظائف أمام الجميع، بينما أخذ من ~~الإمبراطورية أداة الحكومة المركزية. # وكان واضحا أن التوفيق متعذر بين حزبي المتطرفين والمعتدلين، وأن لا مفر من ~~سقوط أحد هذين الحزبين وخروجه من الميدان السياسي في آخر الأمر؛ لأن فرنسا لم تكن ~~تستطيع احتمال الصراع إلى ما لا نهاية من أجل الاستئثار بالسلطة والنفوذ بين هذين ~~الفريقين، وأما نتيجة هذا الصراع فكانت اندحار المتطرفين، ومع ذلك فإن التأثير ~~المباشر على مجرى الحوادث وتسيير دفة الأمور وسط هذه التيارات المتناقضة كان يتوقف ~~على شخص الملك نفسه، وكان من حسن حظ البربون آنئذ أن لويس الثامن عشر لم يكن يجهل ~~«نفسية» الأمة، أو حقيقة مركزه المزعزع حينما قال كاسلريه: «يبدو أن هناك رأيا ~~واحدا فقط، هو أنه إذا انسحب جنود الحلفاء «من فرنسا» لن يبقى جلالة الملك أسبوعا ~~واحدا على عرشه.» # ولم يكن لويس الثامن عشر بالرجل الذي يستمرئ حياة «التجول» السابقة، بل يبغي ~~الاحتفاظ بعرشه؛ ولذلك عمد الملك إلى حل ذلك المجلس «المنقطع النظير» الذي ضم ~~متطرفي الملكيين، وعهد بالوزارة إلى ريشيليو - وهو من المعتدلين - في الظروف ~~التي ذكرناها (في سبتمبر 1816). # ونجحت وزارة ريشيليو في سياستها الخارجية عندما كسب ريشيليو ثقة الحلفاء، وتقرر ~~في مؤتمر إكس لاشابل (1818) - على نحو ما عرفنا - انسحاب جيوش الاحتلال من فرنسا، ~~وكان هذا نصرا دبلوماسيا للوزير، ولكن الانتخابات الجديدة السنوية لم تلبث أن ~~أسفرت عن دخول عناصر جديدة عززت جماعة «الأحرار» في المجلس، فأجبر هؤلاء ~~ريشيليو على الاستقالة في ديسمبر 1818، وعندئذ تولى الوزارة دوق ديكاز، وهو ~~كسلفه من المعتدلين، وكان ديكاز مقربا من الملك وصاحب مهارة برلمانية، ~~واتسمت إدارته بطابع الحكمة. # وقد اعتمد ديكاز على مؤازرة الأحرار في المجلس كما وعد «المذهبيون» بتأييده؛ ~~فألغى في أول مايو 1819 الرقابة على الصحف، وتقررت حرياتها، ولكن مقتل دوق دي ~~بري في 13 فبراير 1820 سرعان ما أثار ضد ديكاز العناصر المتطرفة؛ فحمله ms0819 ~~المتطرفون - بسبب أساليبه المعتدلة - مسئولية هذا الحادث، ولم تلبث أن سقطت ~~وزارته، وكان سقوط ديكاز مؤذنا ببداية ذلك التغيير الذي أفضى إلى سيطرة الرجعيين ~~والمتطرفين على شئون الحكم في فرنسا بشكل أدى في النهاية إلى انفجار ثورة يوليو ~~1830. # فقد كان من أثر مقتل دوق دي بري أن اختفت جماعة الوسط من المجلس؛ فأصبح ~~المجلس ينقسم الآن إلى فريقين ظاهرين فقط: اليمين من المتطرفين، واليسار من ~~الدستوريين والأحرار، ووجد المتطرفون أن الوقت غير مناسب ليتولى أنصارهم ~~الوزارة؛ ولذلك فقد عهد إلى ريشيليو بتأليف الوزارة الجديدة، وفي عهد ريشيليو ~~أعيدت الرقابة على الصحف، ثم صدر قانون الانتخاب في يونيو 1820، ضيق حقوق ~~الانتخاب لمصلحة الطبقة الممتلكة الغنية، وذلك بإدخال ما يعرف باسم «التصويت الضعفي # Double Vote ~~»، فقد رفع عدد النواب من ~~258 إلى 430 على أن ينتخب الناخبون النواب في الأقاليم وعدد هؤلاء (258)، ثم يعود ~~الناخبون أنفسهم ممن يدفعون أكثر الضرائب في أقاليمهم - وهم ربع عدد الناخبين - ~~فينتخبون من جديد العدد الباقي من النواب، أي (172) نائبا، وبذلك يكون هذا الربع ~~من عدد الناخبين قد اشترك مرتين في عملية الانتخاب، أي أدلى بصوته مرتين، وصار لذلك ~~ممثلا تمثيلا ضعيفا في مجلس النواب. # وقد ترتب على هذا النظام إذن أن دخلت بعد حادث مقتل دوق دي بري أكثرية ~~متطرفة إلى مجلس النواب لم تكن ترضى عن «اعتدال» ريشيليو، فلم تلبث أن اضطرته إلى ~~الاستقالة في ديسمبر 1821؛ فألف الوزارة الجديدة زعيم المتطرفين الكونت دي فيليل، ~~الذي استمر في الوزارة سبع سنوات من عام 1821 إلى 1827، واستطاع أن ينفذ ~~برنامج المتطرفين الذي سبق وصفه. ~~(4) وزارة فيليل # كانت سياسة فيليل رجعية بحتة، ولكنه اتبع في تنفيذها أساليب دلت على المهارة ~~والحنكة، وكانت تختلف عن تلك التي سببت إخفاق المتطرفين في سنة 1816؛ ذلك أنه ~~لم يشأ إزعاج البلاد بإظهار تطرفه، بل عمد إلى اتباع سبيل التؤدة والاعتدال الظاهر ~~في تنفيذ سياسته، حتى وصفه جيزو برجل الاعتدال في حزبه، ومع ذلك ففي رأي كثيرين ~~أن فيليل كان مخطئا عندما قرر ms0820 المضي في سياسة رجعية نصيبها الإخفاق لا محالة، وهو ~~الرجل الذي اشتهر بأساليبه الإدارية الحكيمة وبدربته السياسية، وسواء أخطأ فيليل أو ~~لم يخطئ في تفهم «نفسية» أمته وإدراك ميول الشعب وعواطفه الحقيقية، فالثابت ~~على كل الأحوال أنه كان مصمما على المضي في تجربته الرجعية مهما كانت ~~النتائج. # ولقد اعتمد فيليل في ذلك على قوة الكنيسة، وقوة المصالح المادية، يستخدم التربية ~~الدينية كأداة للدعاية (البروبجندا) السياسية ولاستئصال ذكريات الثورة وبذر بذور ~~المبادئ التي يستند إليها نظامه السياسي، ويستخدم «قوة المصالح المادية» في استمالة ~~الرأي العام وتحويل الشعب من الشئون السياسية إلى الاهتمام بالسعادة المادية، وقد ~~شرع فيليل ينفذ هذا البرنامج خطوة فخطوة وبكل حذر واعتدال وحكمة، وكاد يكون ~~النجاح نصيبه ولا شك لولا طغيان المتطرفين، والانقسام الذي حدث في صفوف حزبه، مما ~~أفسد عليه سياسته في النهاية. # نفذ فيليل إذن سياسته تدريجيا؛ فشدد الرقابة على الصحف (1822)، وفرض ~~ضرائب عالية على الواردات إرضاء لأصحاب المصانع الأغنياء، وأعطى الكنيسة حق ~~الإشراف على التربية والتعليم، ولقد كان ظاهرا عند وصول فيليل إلى الحكم أن لا ~~مفر من اتخاذ إجراءات صارمة ضد «الثورة» وأنصارها بسبب انتشار الجمعيات السرية ~~وكثرة المؤامرات التي تدبر لإثارة العصيان في الجيش؛ فقد ألقي القبض على ~~بعض المتآمرين من العسكر في «لاروشيل»، واتضح أنهم ينتمون إلى جمعية الكاربوناري السرية # Charbonnerie ~~- على غرار جمعية ~~الكاربوناري التي دبرت الثورة في إيطاليا عام 1820 - وحدث هذا في وقت ~~اندلعت فيه الثورة في إسبانيا أيضا ، واضطر فيليل - كما سبقت الإشارة إليه - إلى ~~إنشاء ذلك «الكردون الصحي» على الحدود بين إسبانيا وفرنسا بحجة منع انتقال وباء ~~الكوليرا المنتشر وقتئذ في إسبانيا. # وعندما نجح الغزو الفرنسي في إسبانيا (في مارس سنة 1823) تدعم انتصار أحزاب ~~اليمين في مجلس النواب؛ فرفع فيليل إلى مرتبة النبلاء سبعة وعشرين نبيلا ~~جديدا تعزيزا لمركز الحكومة في مجلس الأعيان، ولإضعاف الأكثرية «الحرة» في هذا ~~المجلس، واستصدر قانونا للانتخاب (1823) جعل مدة مجلس النواب سبع سنوات بدلا ~~من خمس؛ فيتجدد سبع أعضاء المجلس فقط كل ms0821 سنة بدلا من خمس أعضائه، وفي سنة 1824 ~~عظم نفوذ «المتطرفين» في مجلس النواب حتى أعاد هذا المجلس بتطرفه إلى الأذهان ~~ذكرى مجلس 1815 «المنقطع النظير»؛ ولذلك فقد سمي «بالمجلس الذي عثر عليه ثانية»، # 5 # وفي 16 سبتمبر 1824 توفي لويس الثامن عشر، وتولى من بعده أخوه الكونت ~~دارتوا باسم الملك شارل العاشر. # وكان الملك الجديد عظيم الاعتقاد بأن للملوك حقا مقدسا في الحكم، ثم إنه كان ~~صاحب ميول شديد نحو الأكليريكية «أي لتأييد الكنيسة»، حتى صار الملكيون يعرفون ~~الآن باسم «حزب القساوسة Parti-Prêtre ~~»، ولم يكن ~~من المنتظر - وقد ناهز الملك السابعة والستين من عمره - أن يتخلى عن معتقداته أو ~~أن ينحرف عن ميوله؛ ولذلك فقد استطاع فيليل الذي بقي في رياسة الوزارة أن ينفذ ~~برنامج الملكيين المتطرفين بحذافيره، وكان أهم ما حدث تعويض المهاجرين الذين خرجوا ~~إلى المنفى في عهد الثورة وحاربوا في صفوف الأعداء ضد فرنسا بمبلغ جسيم من المال ~~(أربعين مليون جنيه)، وضعفت مقاومة الأحرار في المجلس؛ فكان عددهم لا يزيد على ~~العشرين، ومع ذلك فقد ضم الأحرار إلى صفوفهم طائفة من أكفاء الرجال في فرنسا، ثم ~~انحاز شوتوبريان إلى جانبهم بعد أن أخرج من سفارة لندن بعد اعتلاء شارل العاشر ~~العرش، فصار يمد بالمقالات جريدة اليمين المعتدلة «جورنال دي ديبا»، وكانت هذه ~~الصحيفة قد انتقلت نهائيا إلى صف المعارضة في عهد شارل العاشر، ووضعت ~~خدماتها تحت تصرف جماعة الأحرار. # ولما كانت سياسة التحالف بين «المذبح والعرش» التي جرى عليها فيليل قد أيقظت ~~مخاوف الأمة، وتركزت المعارضة الحرة ضده في مجلس الأعيان، فقد عمد فيليل من أجل ~~التغلب على هذه الصعوبات إلى «خلق» ستة وسبعين نبيلا جديدا في سنة 1827، ثم إنه ~~بادر بحل مجلس النواب وإجراء انتخابات جديدة. # ولكن نتيجة الانتخابات جاءت على خلاف ما كان يرجوه، فاستطاع الأحرار أن يؤلفوا ~~أكثرية معارضة في المجلس الجديد، وعندئذ اضطر فيليل إلى الاستقالة بعد حكومة ~~دامت سبع سنوات كانت سياستها في أثنائها ناجحة إجمالا: تقدم مادي في الداخل، ~~ونجاح ms0822 في السياسة الخارجية في الحملة الإسبانية، وفي انتصار نفارين. # وبعد شهر من استقالة فيليل اضطر شارل العاشر إلى قبول وزارة «معتدلة»؛ ~~فألف الكونت دي مارتنياك # Martignac # الوزارة ~~الجديدة، وكانت غايته الاعتماد على أحزاب الوسط في الحكم، ولكنه فشل في استمالة ~~الأحرار والمعتدلين، ولم ينل تأييد الملكيين المتطرفين، كما أن الملك وجده ~~«معتدلا» أكثر مما ينبغي، فاتحدت كلمة الأحرار والمتطرفين ضده، وسقطت وزارته في ~~أبريل 1829. ~~(5) وزارة «بولينياك Polignac ~~» والتمهيد ~~للثورة # وكان معنى سقوط مارتينياك إخفاق آخر محاولة في عهد الملكية الراجعة - ملكية ~~البربون الشرعية - من أجل التوفيق بين الملكية وبين الحرية الدستورية، وعندما ~~كلف الملك البرنس جول دي بولينياك بتأليف الوزارة الجديدة، قابل الرأي ~~العام الفرنسي هذا النبأ بغضب شديد؛ لأن بولينياك كان أحد زعماء المهاجرين في عهد ~~الثورة، واشترك في مؤامرة «كادودال» المعروفة لاغتيال نابليون وحكم عليه ~~بالإعدام، واستبدل السجن بالإعدام بناء على وساطة جوزفين، ثم إن بولينياك كان ~~احتج في سنة 1815 ضد الدستور ورفض أن يقسم يمين الولاء له وبقي سنوات طويلة ~~من أقرب المقربين إلى شخص شارل العاشر، ويؤيد أشد القوانين المتطرفة التي اقترحها ~~شارل وأراد استصدارها. # ولم يلبث بولينياك بمجرد وصوله إلى الحكم أن أعلن عزمه على «إعادة تنظيم المجتمع ~~وإعادة ما كان لرجال الدين من نفوذ وشأن في أعمال الدولة، وإنشاء أرستقراطية قوية ~~وإحاطة هذه الأرستقراطية بالامتيازات»، ولكن بولينياك لم يكن - لضعفه وتردده - ~~الرجل الذي في استطاعته حقا تنفيذ هذا البرنامج الرجعي المتطرف، بل إنه صار يعتمد ~~على كسب الانتصارات الخارجية في استمالة الأمة إلى تأييد سياسته؛ فأرسل حملة ~~إلى الجزائر (في يوليو 1830) كانت ناجحة، واعتمد على هذا الانتصار فأجرى انتخابات ~~جديدة، ولكن نتيجة هذه الانتخابات جاءت على عكس ما كانت الحكومة تنتظره، ومع ذلك ~~أصر بولينياك على بقاء الوزارة على حالها، وعلى تعديل قانون الانتخاب وتقييد حرية ~~الصحافة، وهي مسائل اعتقد بولينياك أنها ضرورية حتى يمكن «امتزاج» الأحزاب، وحتى ~~يمتنع الاصطدام بينها، الأمر الذي دل ليس فقط على عناده، بل وعلى قصر نظره؛ لأن ms0823 ~~الإصرار على المضي في هذه المسائل ذاتها لم يلبث أن أودى بملكية البربون. # ولم تلبث الحكومة أن شعرت بحرج مركزها عندما أتت الانتخابات بأكثرية معارضة ~~لها في مجلس النواب، ولم يشأ مجلس الأعيان تأييد الحكومة في إجراءات من شأنها - كما ~~قال هذا المجلس - «أن تضع الوزارة في موقف المعارضة الصريحة والعلنية ضد مجلس ~~النواب»، وعندئذ لم يجد شارل العاشر ووزيره مخرجا من هذا المأزق إلا بحل المجلس ~~ولما يجتمع بعد، وتعطيل الضمانات التي كفلت للشعب حرياته، بدعوى أن هذه ~~الحريات قد أسيء استخدامها. # ولما كانت المادة الرابعة عشرة من الدستور تجيز للملك استصدار «مراسيم» للمحافظة ~~على سلامة الدولة، فقد نشرت الجريدة الرسمية «المونيتور # Moniteur ~~» في 25 يوليو 1830 «مراسيم سان كلو الأربعة المشهورة»، ~~وكان سان كلو أحد قصور شارل العزيزة لديه، وتعلن حل مجلس النواب، وإدخال تغييرات ~~على قانون الانتخاب (من ذلك إنقاص عدد النواب إلى مائتين وخمسين نائبا)، ودعوة ~~الهيئة التشريعية للاجتماع يوم 28 سبتمبر، ثم تقييد حرية الصحافة، ولم يكن هناك أي ~~شك في عدم قانونية المرسومين الخاصين بإدخال التغييرات على قانون الانتخاب، وتقييد ~~حرية الصحافة، وكان تعليق السفير الإنجليزي في باريس لورد ستيورات دي روثزاي # Rothesay ~~، أن الحكومة قد استصدرت هذه ~~المراسيم كوسيلة تقيس بها قوتها إزاء قوة خصومها. ~~(6) ثورة يوليو 1830 # وبمجرد ذيوع نبأ هذه المراسيم الأربعة نزلت أسعار الأوراق المالية، واحتج عليها ~~كبار العلماء، فأثارت الملكية القديمة ضدها - على حد قول لويس بلان - عداء ~~المال والعلم من البداية، فتوقف المصرفيون في باريس عن إجراء عمليات الخصم، ~~وتعذر على أصحاب الصناعة الحصول على المال أو الاقتراض، وطفقوا يخرجون من ~~مصانعهم العمال في أعداد كثيرة؛ وعلى ذلك فإنه سرعان ما أقيمت المتاريس في شوارع ~~باريس، ووقع الاصطدام بين العمال والجنود، وسفكت الدماء، وعندئذ تسلح ~~أعضاء «الحرس الأهلي» القديم - وكان هذا الحرس قد انحل منذ عام 1818 - فاحتلوا مبنى ~~أوتيل دي فيل، كما استولى الثوار على مكاتب الحكومة ودواوينها وامتنع عن الحكومة ~~المال (28 يوليو)، وكان أكثرية الثوار ms0824 من الجنود القدامى وأعضاء الكاربوناري، ~~وجماعة الجمهوريين والعمال. # وتولى الجمهوريون تنظيم الثورة، وسيطر البورجوازيون عليها، واتحدت كلمة العمال ~~الذين هدفوا إلى أغراض سياسية وحسب، فلم يطلبوا تغييرات اجتماعية، وكلمة الممولين، ~~أصحاب العمل، فتحالفت - كما يقول لويس بلان - الطبقة الوسطى (البورجوازية) مع الشعب ~~في هذه الثورة، وهي التي استمرت حوادثها طوال ثلاثة أيام بتمامها (27، 28، 29 يوليو ~~سنة 1830)، وقد عرفت هذه باسم «الأيام المجيدة الثلاثة». # 6 # وفي يوم 28 يوليو اجتمع ثلاثون عضوا من أعضاء المجلس المنحل في منزل المصرفي ~~الغني كازمير برييه # Casimir Péier ~~، وكان يكره ~~الفوضى و«حكم الغوغاء»، وتقرر تأليف حكومة مؤقتة اتخذت مقرها في مبنى ~~«أوتيل دي فيل»، وعرضت رياسة الحرس الأهلي على لفاييت، رجل الثورة القديم، ~~وقبل لفاييت المنصب، وعرض التاج على «لويس فيليب» دوق أورليان، وعبثا حاول ~~شارل العاشر إصلاح الخطأ الذي ارتكبه، فسحبت الحكومة المراسيم الأربعة في 29 يوليو، ~~ولكن هذا الإجراء جاء متأخرا، كما لم تفلح محاولة أخرى عندما أراد شارل العاشر ~~التنازل لصالح حفيده ابن دوق دي بري # Berry # وهو دوق ~~دي بوردو # Bordeau ~~، فدخل لويس فيليب إلى باريس، ~~وركب إلى مبنى أوتيل دي فيل مرتديا حلة جنرال ويحمل شارة الثورة المثلثة الألوان، ~~وظهر على الشرفة وإلى جانبه لفاييت، وتعانق الاثنان وسط هتافات الجماهير ~~المحتشدة، وحينئذ لم يجد شارل العاشر مناصا من مغادرة فرنسا؛ فترك سان كلو في 3 ~~أغسطس إلى فرساي، ومنها إلى نورماندي، فوصل إلى شربورج في 4 أغسطس 1830، ومن ~~هناك حملته وحاشيته سفينتان إلى إنجلترة، حيث عاش بها مدة «في أدنبره ~~باسكتلندا» ثم انتقل إلى النمسا (إلى براج ثم إلى جوريتز # Goritz ~~) وقد توفي بها سنة 1836. # نتائج ثورة يوليو # ولثورة يوليو أهمية كبيرة في تاريخ فرنسا، ولو أنه كان يبدو أن هذه الثورة في ~~ظاهرها لم تحدث تغييرات جوهرية؛ فقد بقيت «الملكية» نظاما للحكم بالرغم ~~من إقصاء البربون عن العرش، بل إن العرش انتقل إلى أسرة أورليان، وهي فرع من ~~أسرة بربون ذاتها، وهذا مع العلم بأن الجمهوريين هم الذين نظموا ms0825 الثورة ~~وتسلموا زمامها، وهم الذين تألفت منهم الحكومة المؤقتة في «أوتيل دي ~~فيل»، وكانوا يعتبرون الثورة عملا لا يتحدون به فقط ملكية بربون، بل وكل ~~أوروبا التي كانت أرغمتهم على قبول الإهانة الوطنية في عام 1815، ومع ذلك ~~فقد تعذر على الجمهوريين تحقيق مآربهم؛ لأن الظروف التي أفضت إلى زوال ~~حكم البربون وسقوط ملكيتهم، جعلت من المتعذر بل ومن المستحيل إقامة ~~الجمهورية في فرنسا؛ لأن أوروبا في عام 1830 كانت - ولا شك - تفسر إنشاء ~~الجمهورية بأنه عمل عدائي تقصد فرنسا أن تتحداها به، ولا يمكن أن ترضى أوروبا ~~به، وهي لا تزال تذكر حوادث 1789. # ولذلك فقد كان من المتوقع إذا أنشئت الجمهورية أو يعمد «الحلفاء» القدامى ~~إلى اتخاذ خطوات حاسمة لدفع شرور هذا الخطر بكل سرعة، وأمام هذه الاعتبارات كان ~~كل ما استطاع الجمهوريون أن يفعلوه إذن هو الاحتجاج على إعادة النظام الملكي، ~~وفي هذه الظروف تمكن الأحرار في المجلس - الذي كان شارل العاشر أعلن ~~حله، ثم اجتمع الآن من تلقاء نفسه - من إنشاء نظام للحكم في البلاد يتفق ~~مع رغباتهم، وذلك بابتداع حل وسط يضمن استمالة الدول الأوروبية بالإبقاء على ~~نظام الملكية في فرنسا، واستمالة العناصر الديمقراطية التي تتألف منها الطبقة ~~المتوسطة (البورجوازية) بتقديم الضمان الكافي ضد عودة الأرستقراطية إلى الحكم ~~من جهة، وضد انتصار الاشتراكية العمالية من جهة أخرى، أما هذا الحل الوسط فكان ~~عرض التاج الفرنسي على «لويس فيليب» الذي اشترك مع الثورة في معاركها «في ~~فالمي وجيماب ونرويندن» وابن فيليب المساواة الذي أعدمته الثورة في سنة ~~1793. # وزيادة على ذلك فإن ثورة يوليو لم تفشل فقط في إزالة الملكية، بل أخفقت ~~كذلك في إدخال تغييرات واسعة على الدستور نفسه، ولم تحقق «سيادة الأمة»، فقد ~~اهتم مجلس النواب قبل دعوة لويس فيليب للحكم بإعداد دستور جديد حتى يقسم ~~الملك يمين الولاء له عند تنصيبه، ولم يكن هذا الدستور الجديد في الحقيقة إلا ~~دستور عام 1814 مع تعديلات بسيطة تناولت المواد التي سببت المتاعب في ~~الماضي؛ فعدلت المادة الرابعة عشرة ms0826 بشكل يجيز للملك استصدار المراسيم ~~الضرورية لتنفيذ القوانين، ويمنعه في الوقت نفسه من وقف القوانين أو ~~تعطيلها، وكذلك لم يعد اقتراح القوانين من حق الملك وحده، بل صار المجلسان ~~(النواب والأعيان) يتمتعان بهذا الحق أيضا، ثم جعلت جلسات مجلس الأعيان علنية ~~مثلها في ذلك مثل جلسات مجلس النواب، وبدلا من النص على الكاثوليكية أصبح ~~الدين الذي تعتنقه أكثرية الفرنسيين هو دين الدولة الرسمي. # ثم نص الدستور على عدم عودة الرقابة على الصحف بتاتا، وبمقتضى المادة ~~السابعة والستين صار علم الدولة ثم شارتها، علم الثورة المثلث الألوان ثم ~~شارة الثورة المعروفة «الكوكارد # Cocarde ~~»، ~~وزيادة على ذلك فقد اختفت من الدستور الجديد، تلك المقدمة التي اشتمل عليها ~~دستور 1814، والتي أيدت نظرية حق الملك المقدس في الحكم، وذكرت أن إعطاء ~~الدستور كان منحة من الملك لشعبه، ثم أنقص سن الناخب إلى خمس وعشرين ~~والنائب إلى ثلاثين، ونص الدستور على أنه لا يمكن أن يتم تغيير في قواعد ~~الانتخاب إلا بقانون؛ وذلك لضمان عدم تعطيلها. # ثم صدر قانون بقواعد الانتخاب الجديد في 1831 ظل معمولا به حتى عام 1848، ~~ألغي بمقتضاه «التصويت الضعفي»، ووسع حق الانتخاب حتى يشمل الذين ~~يدفعون مائتي فرنك ضرائب عقارية بدلا من ثلاثمائة فرنك، وأنقصت الضرائب ~~إلى مائة فرنك فقط في حالة المحامين والأطباء والقضاة والأساتذة ومن إليهم، ~~وأما النواب فصاروا يدفعون خمسمائة فرنك ضرائب بدلا من ألف فرنك، وبذلك ضوعف ~~عدد الناخبين تقريبا، أي صاروا مائتي ألف ناخب، وكان عدد سكان فرنسا حسب تعداد ~~سنة 1831 اثنين وثلاثين مليونا ونصف مليون نسمة، ومن هؤلاء المائتي ألف كان ~~يتألف جزء البلاد القانوني Pays Legal ~~، أي ذلك ~~الجزء من الأمة الذي كان يتمتع بحق الانتخاب والنيابة . # وظاهر من هذا أن ملكية يوليو كانت تعتمد على طبقة أصحاب الأملاك، أي الطبقة ~~المتوسطة الغنية (أرستقراطية المال)، ولقد ظلت البورجوازية تتمتع بالسلطة ~~وتحتكرها طوال عهد هذه الملكية، وهكذا وجد أولئك الذين اشتركوا في ثورة يوليو، ~~والذين أرادوا على وجه الخصوص توسيع حقوق الانتخاب، وخصوصا العمال ms0827 الذين ~~حرموا السلطة السياسية أنهم قد خدعوا في آمالهم وأغراضهم، وكان اعتماد ~~ملكية يوليو على الطبقة المتوسطة (البورجوازية) وعلى جماعة اليمين من هذه ~~الطبقة، وهم أصحاب سياسة «الجمود» من عوامل ضعف هذه الملكية التي سميت ~~بملكية يوليو؛ نسبة إلى الثورة التي كانت سببا في وجودها، ثم إن ذلك كان أيضا ~~السبب في إشعال الثورة التي أودت بهذه الملكية (ملكية يوليو) ذاتها في ~~النهاية. # ملكية يوليو: عوامل ضعفها # ولقد تعددت العوامل - إلى جانب الاعتماد على طبقة البورجوازي وعلى أصحاب ~~سياسة «الجمود» - التي سببت ضعف ملكية يوليو وأدت إلى زوالها، وكان ~~من أخطر هذه العوامل تلك التي ارتبطت بنشأتها ونجمت من البحث في طبيعة ~~تكوينها عندما صار يتناقش كثيرون فيما إذا كان لويس فيليب يحكم مستندا إلى حق ~~الملوك المقدس في الحكم، أو إلى رغبة وإرادة الشعب الممثلة في نوابه، وواضح أن ~~ملكية يوليو - وهي وليدة الثورة - ما كانت تستند إطلاقا إلى حق الملوك المقدس ~~في الحكم، بل لعله كان من حسنات ثورة يوليو أنها بنجاحها قد قضت نهائيا ~~على أية ادعاءات من جانب الملوك أن لهم حقوقا مقدسة في الحكم، كما أن هذه ~~الثورة قد أطاحت بمبدأ الشرعية الذي أيده مؤتمر فينا وتمسك به المتطرفون ~~الملكيون، وهو المبدأ الذي كان من نتيجة تمسك البربون به وببرنامج المتطرفين ~~المبني على أساس الشرعية عموما، ليس سقوط ملكية البربون ذاتها فحسب، بل ~~واختفاء برنامج المتطرفين كذلك من حياة الأمة السياسية، بل إن ثورة يوليو من ~~هذه الناحية إنما تعتبر مكملة لثورة 1789 على أساس تأييد مبادئ المساواة، ~~والعلمانية # Secularism ~~، والحرية ~~والدستور. # ومما يؤيد عدم إمكان ملكية يوليو أن تعتمد على حق الملوك المقدس في الحكم، أن ~~هذه الثورة (ثورة يوليو ) لم تقبل دوق بردو # Bordeau # ابن دوق بري، وحفيد شارل العاشر وارثا للعرش، بل ~~اختارت لاعتلائه لويس فيليب من فرع الأسرة الآخر (أورليان - بربون)، ومع ذلك ~~فقد تساءل كثيرون إذا كان يعني اعتلاء لويس فيليب العرش في هذه الظروف أن ~~السيادة قد صارت متركزة ms0828 في الشعب، وذلك رأي أخذ به فريق على اعتبار أن شعب ~~فرنسا هو الذي «انتخب» من الوجهة العملية الملك لويس فيليب، وكان في استطاعته ~~وبملء حريته أن ينتخب ملكا آخر غيره، وزيادة على ذلك فإن الشعب الذي انتخبه في ~~إمكانه كذلك أن يعزله أو يبعده من الحكم. # وأما الذين خالفوا هذا الرأي فكانت حجتهم أن التشبث بهذا الكلام معناه أن ~~ملكية يوليو ليست في حقيقة الأمر إلا «جمهورية» في حين أن «الجمهورية» كنظام ~~للحكم قد رفضت تماما، ولو أن أحدا لا ينكر في الوقت نفسه - كما قالوا ~~- أن مركز ملكية يوليو مركز «خاص»؛ لأن أساس النظام الجديد كان عبارة عن عقد ~~أو ميثاق الملك والأمة، وكلاهما يتمتع بقسط من «السيادة»؛ ولذلك فكلا الطرفين ~~ضروري للآخر، ويكملان بعضهما بعضا، ولم تعترف فرنسا اعترافا مطلقا ~~بنظرية سيادة الشعب أو سيادة الملك الكاملة، بل إن امتزاج السيادتين الكامل ~~والذي لا مفر منه هو أساس الدولة، وقد أفصح لويس فيليب نفسه عن نظرية ~~الملكية هذه، عندما قال: «إنه يملك بفضل من الله وبناء على إرادة الأمة»، وهكذا ~~كان الأساس القانوني الذي استندت إليه ملكية يوليو أساسا غير ثابت، ومن أول ~~الأمر موضع مناقشة كبيرة. # وثمة عامل آخر من عوامل الضعف؛ هو أن ملكية يوليو لم تكن لها سيطرة موطدة ~~في داخل البلاد وهيمنة تامة على شئونها، ومرد ذلك إلى أن الذي فصل في ~~سنة 1830 في مصير فرنسا كان مجلس النواب، وهو مجلس سبق أن حله شارل العاشر، ~~ولكنه اجتمع من تلقاء نفسه لتقرير مسألة إعطاء التاج إلى لويس فيليب، فلم يكن ~~اجتماعه إذن قانونيا، أضف إلى هذا أن الذين اشتركوا في بحث هذه المسألة ~~كانوا (252) عضوا فقط من (430)، وأن الذين أعطوا أصواتهم في صالح لويس ~~فيليب كانوا (219)، أي إنه كان مشكوكا في مركز هذه الملكية من الناحية ~~القانونية من البداية، وقد نجم من ذلك أن ملكية يوليو فرغت كل جهودها ~~للعمل على توطيد مركزها، ووجهت معظم نشاطها لبسط سيطرتها على الشعب الفرنسي ~~ودعم ms0829 وجودها. # وأما محك هذه السيطرة أو ضمان هذا الوجود فكان متوقفا على مقدار احترام ~~الشعب لملكية نشأت في ظروف ثورية وتشكلت لسبب جوهري هو الرغبة في عدم ~~استعداء الدول الأوروبية ضد فرنسا إذا أعلن الجمهورية أولئك الجمهوريون ~~الذين قادوا ثورة يوليو وأشرفوا على تنظيمها؛ ولذلك لم تكن ملكية يوليو ذات ~~أصول بعيدة أو تعتمد على تقاليد عتيقة تفرض احترامها على الشعب، بل كانت ~~تستمد بقاءها من رغبات الطبقة المتوسطة (البورجوازية) الغنية، وتعتمد في ~~حياتها على تعضيد هذه الطبقة لها، وكان إنشاؤها نتيجة لاعتبارات عملية بحتة، في ~~حين أنها محرومة من السمعة المجيدة التي تضفي عليها عظمة الملك ~~وأبهته. # وقد أظهر مترنخ حقيقة هذا الوضع في قوله: «إن لويس فيليب وجد نفسه عند ~~اعتلاء العرش في مركز لا يمكن الاحتفاظ به؛ لأن الأساس الذي قام عليه سلطانه لم ~~يكن سوى نظريات جوفاء وحسب، بينما يفتقر عرشه إلى تأييد ذلك الاستفتاء الذي ~~استندت عليه جميع الحكومات التي تشكلت بين عامي 1792-1801، كما أن عرشه يفتقر ~~كذلك إلى التأييد المستمد من الحق التاريخي، وهو حق استندت عليه ملكية بربون ~~الراجعة، ثم إن عرشه يفتقر أيضا لقوة الشعب التي تستند عليها الجمهورية، ~~والانتصارات العسكرية التي تستند عليها الإمبراطورية، ثم للعبقرية والسلطان ~~اللذين تمتع بهما نابليون، والمبدأ الذي أيد «حقوق» البربون؛ وعلى ذلك فإن ~~استمرار هذه الملكية وبقاءها سوف يعتمد على سير الحوادث وتقلبات ~~الظروف.» # حقيقة بقيت واستمرت ملكية يوليو أكثر مما قدر لإمبراطورية نابليون، أو ~~لملكية البربون الراجعة أن تبقيا، ولكن ذلك كان بقاء محفوفا بالمخاطر وتحدق ~~به الصعوبات من كل جانب، بل وكان لهذا السبب نفسه من العوامل التي مهدت ~~لسقوط هذه الملكية، ومن أشد هذه المخاطر وأقسى الصعوبات التي صادفتها ملكية ~~يوليو، كان وجود الأعداء «الخارجيين» الذين أنكروا عليها حق البقاء نفسه، ثم ~~وجود الانقسام في صفوف أنصار هذا النظام الجديد الذين اختلفت آراؤهم بشأن ~~السياسة التي وجب على ملكية يوليو اتباعها في الداخل والخارج معا. # أما الأعداء «الخارجيون» فهم «الشرعيون» الذين ms0830 يطالبون بالعرش لدوق دي بردو ~~«هنري الخامس»، ابن دوق بري وحفيد شارل العاشر، والذين اعتبروا لويس فيليب ~~مغتصبا سرق التاج من صاحبه الشرعي، دوق بردو، وتولى زعامة هذه ~~الجماعة أرملة دوق بري، كارولين ابنة فرنسوا الأول ملك نابولي، والتي أدارت ~~المعارضة القوية من منفاها في إنجلترة، واعتمدت في نشاطها على أن الدول سوف ~~تقبل على تأييدها دفاعا عن مبدأ الشرعية الذي تستند عليه حكوماتها، كما ~~أنها اعتمدت على قوة الحزب البربوني في فرنسا ذاتها، وقد اعتدقت دوقة دي بري أن ~~لهذا الحزب قوة يعتد بها في البلاد، ثم إنها كانت متيقنة من مؤازرة رجال ~~الدين والنبلاء، ومن تأييد إقليم فندية الذي اشتهر أهله بولائهم للبربون ~~دائما، ولقد عظم أملها في النجاح لدرجة أنها أعدت - مقدما - ~~دستورا لإعلانه بمجرد عودة ابنها «هنري الخامس» إلى عرش آبائه، وكانت لا تفتأ ~~تتأهب للعودة إلى فرنسا. # وإلى جانب هؤلاء الشرعيين، كان هناك «الجمهوريون» وبعض هؤلاء من الطبقة ~~البورجوازية، والبعض الآخر من العمال، ويطالبون جميعهم بحق الانتخاب العام، ~~وهؤلاء الجمهوريون الذين استطاع لفاييت أيام الحكومة المؤقتة أن يجذبهم لإقامة ~~ملكية يوليو بعد أن أكد لهم أنها سوف تكون «أفضل أنواع الجمهوريات» ~~المعروفة، ثم تبين للجمهوريين بعد ذلك أنهم خدعوا، فكان نشاطهم إلى جانب ~~نشاط الشرعيين مصدر خطر كبير على ملكية يوليو. # ولقد تعرضت هذه الملكية كذلك لنقمة جماعة «الوسط اليساري» الذين ~~يحتقرون الموقف الوسط # Juste Milieu ~~، ودأبوا ~~على مهاجمة الحكومة، كما كانت هناك بين العمال عناصر اشتراكية، خصوصا تحت ~~زعامة «برودون» وهو من العمال، وصاحب الكتاب المعروف «ما هي الملكية؟» ثم ليوس ~~بلان الصحفي البورجوازي، وكانت الدعاية الاشتراكية منتشرة بين جمعيات سرية ~~عديدة في فرنسا، أضف إلى هذا ذيوع الأسطورة النابليونية التي روج لها ~~البونابرتيون دائما منذ 1815، وتدفقت المطبوعات التي روجت كذلك لهذه ~~الأسطورة، ومن أهمها مذكرات «لاس ~~كاسيس # Las Cases ~~» المشهورة عن سنت هيلانة، الجزيرة التي نفي بها ~~الإمبراطور نابليون، وقد نشرت هذه المذكرات بين سنتي 1821-1823، ولم تنل ~~وفاة ابن نابليون، دوق دي ms0831 رشتاد # Reichstadt # في ~~سنة 1832 من قوة هذه الدعاية، بل إن «تيير» ولم يكن بونابرتيا لم يلبث هو ~~الآخر أن ساعد على ترويج الأسطورة النابليونية عندما كتب تاريخه المشهور عن ~~القنصلية والإمبراطورية، وظهر الجزء الأول منه في سنة 1845. # ولقد تعرضت ملكية يوليو لأخطار أخرى كذلك، كان مصدرها هذه المرة وقوع ~~الانقسام في صفوف مؤيدي هذه الملكية أنفسهم؛ فقد انقسم هؤلاء فريقين: فريق ~~أصحاب الحركة والتقدم، وفريق الجمود والمقاومة من المحافظين، وكان على رأس ~~الحركيين والتقدميين لافيت # Lafitte ~~، وهو من ~~أغنياء المصرفيين في باريس، ثم لفاييت، وكان من رأي هذا الحزب أن ثورة يوليو ~~1830 لم تنته بمجرد اعتلاء لويس فيليب العرش، بل هي باقية ومستمرة، وطالبوا ~~في برنامجهم الداخلي بإجراء عدة إصلاحات ذات صبغة ديمقراطية، على أن يتم ~~الإصلاح تدريجيا دون سرعة ثورية، وفي الخارج أرادوا مساعدة الشعوب التي قامت ~~بالثورة ضد سوء الحكم في بلجيكا وبولندة وإيطاليا، حتى إذا غدت فرنسا متمتعة ~~بنظم أكثر ديمقراطية في الداخل، وأيدت الحركات الديمقراطية في الخارج تسنى ~~لها حينئذ تحت رعاية الأحرار «من البورجوازية دائما» أن تستعيد ذلك المركز ~~الذي كفلته لها الثورة الكبرى (في سنة 1789). # أما حزب الجمود من جماعة المحافظين فكان زعمائه كازمير برييه، وجيزو، ودوق دي ~~بروجلي، وهذه الجماعة اعتقدت أن ثورة يوليو 1830 قد انتهت، وذلك بمجرد أن ~~قبل لويس فيليب الدستور المعدل (9 أغسطس سنة 1830) واعتلى العرش، وكان في ~~رأيهم أن ثورة يوليو أحلت ملكا يريد المحافظة على النظام البرلماني كما ~~تأسس في سنة 1814 محل ملك آخر كان يريد القضاء على هذا النظام، أي إن ثورة ~~يوليو كانت ثورة شعبية قامت لتمنع حدوث ثورة ملكية، ثم إن هدف هذه الثورة ~~إنما هو المحافظة على الأنظمة الموجودة، وليس المقصود منها توسيع هذه الأنظمة ~~في اتجاه ديمقراطي، وفي رأيهم أخيرا أن الواجب على فرنسا أن تعمل لتستعيد ~~حياتها الطبيعية من غير إبطاء، وأن تقضي على الهياج الثوري حتى تهدأ النفوس ~~ولا يسود القلق دوائر الأعمال. # ومع ذلك فقد كان ms0832 مصير الملكية متوقفا لدرجة بعيدة على الطريق الذي سوف يسلكه ~~في إدارة شئون الحكم، ولقد فضل لويس فيليب الاعتماد على حزب المحافظين أو ~~الجموديين، ولو أنه لم يستطع في بادئ الأمر أن يقطع كل صلته بحزب الحركة ~~والتقدم؛ ولذلك فقد ظل الملك منذ أن استقام له الأمر يشكل وزارات ~~«تجريبية» من الحزبين، ولكن هذه الوزارات الائتلافية بسبب طبيعة تكوينها نفسه ~~عجزت عن السير على سياسة واضحة متماسكة، مما ترتب عليه استمرار هياج ~~الخواطر في باريس، ومطالبة الجماهير بإعدام وزراء شارل العاشر الذين كانوا ~~نصحوه باتخاذ الإجراءات الأوتقراطية التي سببت الثورة، وهاجم الدهماء في ~~شوارع باريس أنصار «الشرعيين»؛ فنجم عن هذا كله أن ركدت الأعمال، ~~وتعطل الصناع الذين غادر منهم حوالي مائة وخمسين ألفا باريس للبحث عن ~~عمل في جهات أخرى، وتزعزعت الثقة في الحكومة، فنزلت أسعار الأوراق المالية ~~بسرعة، وشعرت الطبقة البورجوازية بعدم الاطمئنان على مصالحها فانحازت إلى جماعة ~~المحافظين الجموديين، وبذلك تمهد الطريق أمام هذا الحزب ليصل إلى ~~السلطة. # وفي 13 مارس 1831 عهد الملك إلى «كازمير برييه» بتأليف الوزارة من حزب ~~الجموديين المحافظين، وهو الحزب الذي ظل يتمتع بالسلطة مغ تغييرات طفيفة، ~~حتى نهاية عهد هذه الملكية. # وزارة كازمير برييه Périer # وكان كازمير برييه رجل حزب الجموديين أو المحافظين الأول، صاحب ثروة طائلة، ~~قاد المقاومة ضد «اليمين» وضد «اليسار» على السواء، وضمن وصوله إلى الوزارة ~~والحكم مصالح الطبقة المتوسطة (البورجوازية) الغنية أفصح عن برنامجه في ~~الحكم غداة تأليفه الوزارة - وهو برنامج عمل به حزب المحافظين في المدة التالية ~~- فأعلن أنه يعتزم المضي في تنفيذ المبادئ التي جاءت بها ثورة يوليو من غير ~~ضعف، ودون حاجة للتطرف، وهي مبادئ - كما قال - تتعارض تماما مع الثورة ~~والعصيان، ومن شأنها في الوقت نفسه مقاومة اعتداءات السلطة التنفيذية، فهو ~~يعتبر انتصار الثورة في يوليو نصرا للقانون ؛ لأن هذه الثورة أقامت حكومة ~~ولم تنشئ عهدا من الفوضى، كما أنها لم تقوض أركان المجتمع، ولكن الذي تأثر بها ~~كان النظام السياسي وحده فقط، أي ms0833 إن ثورة يوليو قد هدفت - على حد قوله - ~~إلى إنشاء حكومة يجب أن تكون حرة ونظامية في الوقت نفسه؛ ولذلك لا ينبغي أن ~~يصطبغ بالعنف نشاط هذه الحكومة في الداخل أو الخارج على السواء؛ لأن كل دعوة ~~لاستخدام القوة في الداخل، وكل تشجيع للثورات الشعبية في الخارج لا يعدو أن ~~يكون خرقا لمبادئ ثورة يوليو. # ووصف «برييه» القواعد التي تسير عليها سياسة الحكومة الداخلية بأنها ~~استتباب النظام وتنفيذ القوانين واحترام السلطات وعودة الأمن العام إلى نصابه ~~واستقرار الهدوء والسكينة، وقال عن سياستها الخارجية: إن الواجب يقتضي أن تقوم ~~هذه على القواعد نفسها التي ذكرها، ثم إنه وضع مبدأ عدم التدخل بمعناه ~~المزدوج، أي عدم تدخل الحكومة الفرنسية في جانب الشعوب الثائرة على حكوماتها، ~~ثم عدم تدخل الدول الأوروبية فيما يجري من أحداث وراء حدود كل منها، وذلك ~~مبدأ يتعارض - كما هو واضح - مع المبدأ الذي استند «الحلف المقدس» عليه في ~~نشاطه، وجدير بالذكر أن كازمير برييه نفسه لم يلبث أن تدخل في شئون إيطاليا ~~وبلجيكا باسم مبدأ عدم التدخل هذا. # فقد اعتمد كازمير برييه في سياسته الخارجية لتعزيز مركز ملكية يوليو على ~~إنشاء تفاهم وثيق مع بريطانيا كاد يكون محالفة، لعب في دعم أركانها دورا ~~كبيرا تاليران الذي خرج من عزلته في فالنساي # Valençay # عند حدوث ثورة يوليو، وقابل الملك يوم 8 أغسطس ~~غداة موافقة المجلس النيابي على إعطائه التاج، وقد ذكر تاليران أن الحديث في ~~هذه المقابلة تناول وجهات نظر الدول الأوروبية وخصوصا إنجلترة بشأن هذه ~~الثورة، واعتبار أن إنجلترة يجب أن تكون أكثر الدول عطفا على فرنسا، وأوضح ~~ميلا نحوها بسبب الأنظمة السائدة بها، والثورات التي حدثت بها. # وقبل تاليران السفارة في لندن، وظل يشغل منصب السفير هناك حتى شهر أغسطس ~~من 1834، وفي أثناء الأزمة البلجيكية عند ثورة البلجيكيين - متأثرين بثورة ~~يوليو - للانفصال عن هولندة، وأرادت فرنسا التدخل في ظروف سيأتي ذكرها في ~~موضعها، عمل تاليران على بقاء العلاقات الوثيقة مع إنجلترة على أساس التعاون ~~معها في هذه ms0834 المسألة، وفي ريس تدعمت هذه العلاقات كذلك، ونجح هذا التعاون في ~~منع بروسيا من بسط نفوذها على نهر الشلدت، كما نجح في تطمين أوروبا إلى أن ~~فرنسا لا تريد من تدخلها الاستحواذ على بلجيكا، الأمر الذي أيد مركز ~~وزارة برييه، وملكية لويس فيليب نفسه، ولو أن هذا الأخير لم يلبث أن أثار غضب ~~الشعب الفرنسي لرفضه التاج الذي عرضه البلجيكيون وقتئذ على أحد أبنائه ~~دوق دي نيمور # Nemours # في فبراير 1831. # ولقد بقي هذا التفاهم الودي بين إنجلترة وفرنسا دعامة قوية تعتمد عليها ملكية ~~يوليو، ليس في علاقاتها الخارجية وحسب، بل وفي مركزها الداخلي كذلك، إلى الوقت ~~الذي قضي فيه على هذا التفاهم بسبب اصطدام مصالح الدولتين في عام 1846 في ~~مسألة الزواج الإسباني، على نحو ما سيأتي ذكره. # وكان سبب التدخل في إيطاليا قيام الثورة سنة 1832 ضد سلطان البابوية في إقليم ~~رومانا # Romagna ~~، مما جعل البابا جريجوري ~~السادس عشر يطلب نجدة النمسا، ويرسل مترنخ جيشا لمساعدته، وعندئذ أرسل «برييه» ~~جيشا فرنسيا لاحتلال أنكونا في الأملاك البابوية في فبراير 1832، وقد بقيت ~~القوات الفرنسية في هذه الجهات كل المدة التي بقيت فيها القوات النمسوية في ~~رومانا، أي إلى سنة 1838، وكان لاحتلال أنكونا أعمق الأثر في أوروبا؛ حيث قد ~~تعزز بفضله مركز ملكية لويس فيليب بين الدول الأوروبية العظمى، ولكن كل ~~هذه الجهود التي بذلها كازمير برييه في الداخل والخارج أضعفت صحته، ~~فلم يستطع مقاومة مرض الكوليرا الذي أصيب به وتوفي في 16 مايو 1832. # ومع أن الملك ألف جملة وزارت بعد ذلك من حزب المحافظين الجموديين، فقد ~~بقيت المبادئ التي وضعها كازمير برييه هي المبادئ التي استرشدت بها هذه ~~الوزارات، وتتلخص فيما يتعلق بالشئون الداخلية في ضرورة المحافظة على دستور ~~1831، وعدم إدخال أية تغييرات عليه أو إجراء إصلاحات ديمقراطية دستورية، ومعنى ~~ذلك عدم تحقيق رغبات الشعب الفرنسي الذي أراد التمتع بقسط أوفر من الحياة ~~الديمقراطية النيابية، وفي الشئون الخارجية قامت على عدم التدخل، أي عدم إجابة ~~رغبات الشعب الفرنسي كذلك، وهو الذي ms0835 أراد التدخل في صف الشعوب التي كانت ~~تطالب بالحياة الدستورية أو تريد تحقيق الفكرة القومية. # إلا أن التمسك بهذا البرنامج بشقيه الداخلي والخارجي كان معناه في نظر الشعب ~~الفرنسي أن ملكية يوليو قد أخفقت في تبرير وجودها، وبمجرد أن اعتقد ~~الفرنسيون بانعدام المبرر لوجود هذه الملكية، صار زوال ملكية يوليو مسألة وقت ~~فقط، ومرتهنا بتطور الحوادث، ولم يعد هناك مفر من سقوط هذه الملكية في ~~النهاية. ~~(7) فترة الاضطراب وعدم الاستقرار الحكومي # وفي عهد الوزارات التالية كان أول ما عنيت به الملكية، العمل من أجل الاحتفاظ ~~ببقائها أمام معارضة الشرعيين والجمهوريين الذين تآمروا لقلب ملكية يوليو، وكانت ~~الحكومة استطاعت في عهد وزارة كازمير برييه إخماد حركات الشرعيين والجمهوريين بعد ~~حوادث دامية، عندما قررت دوقة دي بري العودة إلى فرنسا، بالرغم من نصيحة أنصارها ~~الذين حذروها من عدم استكمال الاستعدادات اللازمة للثورة، فنزلت في الأرض ~~الفرنسية في فبراير 1832، وأرادت تحريك الثورة في إقليم فنديه في مايو، ولكنها ~~أخفقت وقضت الحكومة على الثورة، ثم ألقت القبض على دوقة دي بري، ولم ~~تطلق سراحها إلا بعد ضياع هيبتها وزوال أهميتها السياسية. # ولم يلبث الجمهوريون بعد وفاة كازمير برييه أن حركوا الثورة في باريس في يونيو ~~عام 1832، ولكن أحدا من الزعماء لم يشترك في هذه الحركة، وامتنع العمال عن ~~المساهمة فيها، فقضت الحكومة على الثورة بعد قتال استمر طيلة يومين في شوارع ~~باريس، ولقد كان لهذه الثورة بالرغم من فشلها أهمية كبيرة باعتبار أنها أول عصيان ~~جمهوري سافر حدث منذ سنة 1815؛ ولأنها كانت أشد حركات المعارضة التي صادفتها ~~الملكية حتى هذا الوقت. # ولم ييأس الجمهوريون بسبب هذا الفشل؛ فقاوموا الثورة في عدة أماكن، وكانت أعنف ~~هذه الثورات ما حدث في مدينة ليون، وذلك في عهد وزارة المارشال سولت # Soult ~~(وهذه تألفت بعد وفاة كازمير برييه ببضعة أشهر ~~حاول الملك خلالها أن يحكم من غير وزارة)، أما هذه الثورة فقد نشبت في شهر أبريل ~~1834، واستمرت خمسة أيام، وكان سببها بعض المشاكل المتصلة بالعمل والعمال، ثم ~~سريعا ms0836 ما اتخذت صبغة سياسية، على أن الحكومة التي قضت على هذه الثورات لم ~~تحاول استمالة العناصر المعادية لها، أو أن تبحث مشاكل العمال التي كانت من ~~أسباب هذه الاضطرابات، بل وجهت كل اهتمامها لمجرد القضاء على الجمهوريين - ~~خصومها السياسيين - قضاء مبرما، وكان من الوسائل التي لجأت إليها الحكومة ~~لتحقيق هذه الغاية فرض رقابة صارمة على الصحف، ولقد ظلت ملكية يوليو - من ~~مبدأ نشأتها، وبالرغم من ضمان حرية الصحافة في دستور 1831 الذي أعلن كذلك إلغاء ~~الرقابة كلية - تضطهد الصحف الجمهورية على اعتبار أنها أعدى أعداء النظام الحكومي ~~الجديد، حتى إنها قدمت لنظر القضاء بين يوليو 1830 وسبتمبر 1834 أكثر من ~~خمسمائة قضية صحفية، كما أنها فرضت غرامات مالية فادحة على رؤساء التحرير، ~~وأودعتهم السجون. # ولقد لقيت جريدة تربيون # Tribune # على وجه الخصوص ~~- وهي جريدة جمهورية متطرفة في عدائها للحكومة - كل عنت وإرهاق، فقدم أصحابها ~~للمحاكمة ما لا يقل عن مائة وإحدى عشر مرة، ودفعوا مائة وسبعة وخمسين ألفا من ~~الفرنكات غرامة مالية، ثم تفاقمت هذه المحاكمات بعد الحركات الثورية الفاشلة في سنة ~~1834، وقررت الحكومة تقديم بعض الذين قبضت عليهم في الاضطرابات الأخيرة - ~~وعددهم مائة وأربعة وستون متهما - للمحاكمة أمام مجلس الأعيان بدلا من اتباع ~~نظام المحلفين، واستغرقت محاكمتهم وقتا طويلا (من مارس 1835 إلى يناير 1836)، ~~فسجن البعض ونفي البعض الآخر، ولكن لم يلبث أن صدر عفو عام بمناسبة ~~زواج أكبر أبناء الملك، فأخلي سبيلهم. # وكان من أثر هذه المحاكمات والأساليب الصارمة التي اتبعتها الحكومة مع معارضيها ~~أن أمكن إسكات الجمهوريين مدة طويلة، ولو أنه كان من أسباب ضعف الجمهوريين كذلك ~~الانقسام الذي حصل في صفوفهم. # ولقد كان من مظاهر الاضطراب وعدم الاستقرار الحكومي، ما وقع من حوادث الاعتداء ~~على حياة الملك نفسه؛ فقد بلغت هذه ستا بين عامي 1835-1846، كما اكتشفت ~~مؤامرات كثيرة لاغتيال الملك اشترك فيها الجمهوريون. # وكان أفظع هذه المحاولات التي دبرت للاعتداء على حياة الملك ، ما حدث في 28 ~~يوليو 1835 عندما أشعل أحد الكورسيكيين براميل محشوة ms0837 بالبارود في أحد شوارع ~~باريس وذهب ضحية هذا الحادث عدد كبير من الباريسيين بينما نجا الملك وأبناؤه ~~بأعجوبة. # على أن هذه المحاولات الإجرامية لم تلبث أن أضعفت من شأن الجمهوريين ~~وقيمتهم، كما أن الذعر الذي سببته هذه المحاولة الجهنمية جعل الحكومة ~~تقرر الانتقام من جميع خصومها بكل شدة، ومن غير تفرقة، فاستصدرت في سبتمبر 1835 ~~عدة قوانين لمحاكمة الذين يهددون أمن الدولة أمام محاكم خاصة، ولصدور الأحكام على ~~المتهمين في غيابهم، وكان أهم القوانين التي استصدرت «قانون الصحافة» لحماية الملك ~~والدستور والمبادئ الأساسية التي يقوم عليها المجتمع، وذلك بفرض غرامة مالية كبيرة ~~(من خمسين ألف فرنك) على كل من يدعو إلى العصيان - ولو كانت دعوته فاشلة - أو يقذف ~~في حق الملك، أو ينشر الصور الكاريكاتورية أو يجمع التبرعات لدفع الغرامات الموقعة ~~على الصحف ... وغير ذلك. # ثم فرضت غرامة مالية فادحة على كل فرنسي يحاول الدفاع عن أنواع حكومات غير ~~نوع الحكومة القائمة، أو يعلن تأييده لأسرة مالكة سابقة، أو يناقش حق الملكية ~~القائمة في العرش، ثم أعيدت الرقابة على الرسوم والصور الكاريكاتورية والمسرحيات، ~~ورفعت إلى مائة ألف فرنك قيمة الرسوم التي تدفعها الصحف في نظير التصريح اللازم ~~لصدورها. # هذه القوانين - قوانين سبتمبر 1835 - سرعان ما أغضبت الأحرار والمعتدلين الذين ~~اعتبروا هذه الإجراءات التعسفية، أمرا لا مسوغ له، بعد مرور خمس سنوات كانت ~~الصحافة متمتعة في أثنائها بحرية ظاهرة، ومع أنه كان من الواضح أن حماية الملك ~~والدستور شيء مرغوب فيه، فإن تعدد هذه القوانين الصارمة سوف يؤدي - كما قالوا - ~~إلى زيادة عدد الجرائم بدلا من زوالها. # ومع أن المقصود من هذه القوانين كان الانتقام من «الشرعيين» و«الجمهوريين» على ~~وجه الخصوص وإلحاق الأذنى بهم، فقد كان «الشرعيون» أصحاب ثراء وغنى، واستطاعت ~~صحفهم أن تدفع الغرامات الفادحة التي وقعت عليها، أما صحف الجمهوريين فقد ~~عجزت عن تدبير المال اللازم؛ ولذلك اختفى أكثرها. # وهكذا قاست الصحافة في عهد ملكية يوليو عنتا وإرهاقا يشبهان ما قاسته في ~~عهد الملكية الراجعة، وشعر الفرنسيون أن الحرية ms0838 الشخصية لم يعد لها وجود في عهد هذه ~~الملكية، فكان استصدار هذه القوانين إذن من عوامل إضعاف ملكية يوليو، ولا يقلل من ~~أهمية هذا الأثر أن الحكومة بفضل هذه القوانين استطاعت أن تشعر بالاطمئنان من ناحية ~~خصومها من جماعتي الشرعيين والجمهوريين، وأنه لم يعد من المعارضين أمامها سوى ~~جماعة البونابرتيين. # ولم يكن لويس فيليب يشعر بأية مخاوف من ناحية البونابرتيين، بل على العكس من ذلك؛ ~~كان لا يرى سببا يمنعه من السير في طريق من المقطوع به أنه طريق محفوف بالمخاطر ~~على عرشه، وذلك عندما طفق يعمل بمحض إرادته على تعزيز «الأسطورة النابليونية» ~~حتى يقيم الدليل في زعمه على أن ملكية يوليو مختلفة عن ملكية البربون السابقة في ~~أنها ملكية وطنية، ولا تسعى لإخماد بقايا العصر النابليوني وإزالة آثاره، بل تعتز ~~بالتراث النابليوني وتعده من المفاخر الوطنية، فأتم لويس فيليب بناء ~~«قوس النصر # Arc de Triomphe ~~» الذي كان بدأه ~~نابليون، وأطلق على بعض الشوارع والجسور أسماء المعارك النابليونية، وزين ~~جدران قصر فرساي بالرسوم التاريخية النابليونية إلى جانب رسوم لويس الرابع عشر، ثم ~~إن حكومته لم تظهر انزعاجا من المحاولات التي كان يقوم بها - من أجل استرداد ~~العرش - لويس نابليون ابن ملك هولندة لويس «شقيق نابليون الأول» وهورتنس ابنة ~~الإمبراطورة جوزفين. # وكان لويس نابليون يطالب بعرش فرنسا منذ وفاة دوق دي رشتاد ابن نابليون، فقد ~~حاول لويس نابليون تحريك الثورة في ستراسبورج في عام 1836، وعندما أخفق قبضت ~~عليه الحكومة، ولكن بدلا من محاكمته، أذنت له بالإبحار إلى الولايات المتحدة ~~الأمريكية، ومع أن لويس نابليون عاد في السنة التالية إلى سويسرة ثم انتقل منها إلى ~~إنجلترة، وظل يعمل دائما لإحياء ذكرى عمه الإمبراطور نابليون، فقد طلب لويس ~~فيليب موافقة الحكومة الإنجليزية على نقل رفات نابليون من سنت هيلانة إلى باريس، ~~حتى يرقد الإمبراطور كما كتب في وصيته على ضفاف السين، وسط الشعب الفرنسي الذي ~~أحبه نابليون حبا عظيما. # وفي ديسمبر 1840 احتفلت الحكومة بنقل رفات الإمبراطور إلى مرقده الأخير تحت قبة ~~الأنفاليد، ms0839 فأذكى هذا العمل «الأسطورة النابليونية»، وكان قد انتهز لويس نابليون ~~الفرصة فجدد محاولته ونزل في ستين من أنصاره بالقرب من «بولوني» على الشاطئ ~~الفرنسي في 6 أغسطس 1840، ولكنه فشل، فقدم إلى المحاكمة في هذه المرة أمام مجلس ~~الأعيان وحكم عليه بالسجن في قلعة «هام» مدة حياته، وبقي بها ست سنوات إلى أن ~~تمكن من الفرار سنة 1846، ولكن خطر البونابرتيين كان قد زال «مؤقتا» قبل ~~ذلك بمدة طويلة. # وكل هذه - ولا شك - كانت عوامل ضعف تنال من كيان ملكية يوليو، ومع ذلك فقد ~~كان عجز الملك عن تأليف حكومة برلمانية ثابتة - وبالتالي عدم الاستقرار الحكومي - ~~من أكبر أسباب ضعف هذه الملكية وزوالها في النهاية. # فقد بلغ عدد الوزارات التي تشكلت خلال عشر سنوات (1830-1840) عشر ~~وزارات، كان رؤساؤها من المحافظين الجموديين الذين انحصرت مهمتهم في دعم مركز ~~الملكية وتأييد سلطانها والقضاء على أعدائها في الداخل، ثم المحافظة على السلام مع ~~الدول في الخارج، وبمجرد أن انتصر المحافظون والجموديون على أعدائهم من شرعيين ~~وجمهوريين وبونابرتيين، انقسموا فيما بينهم إلى جماعتين كبيرتين: حزب الوسط اليساري ~~بزعامة «تيير»، وحزب الوسط اليميني بزعامة «جيزو»، فكان من مبدأ «تيير» وجماعته أن ~~الملك «يتولى ولا يحكم»، أي إن الملك يجب أن يختار وزراءه دائما من بين حزب ~~الأكثرية في المجلس، ولا يتدخل في شئون الحكم، وأما «جيزو» وجماعته فكان مبدأهم «أن ~~العرش ليس مقعدا خاليا»، أي إن الملك - مع احترامه لرأي الأكثرية في المجلس - ليس ~~ملزما باتباع رأي هذه الأكثرية، وليس مكلفا باختيار وزرائه من بين حزب ~~الأكثرية، ومن الواجب أن يكون لسياسة الملك آثار ظاهرة في توجيه الدولة وإدارة ~~شئونها. # وكان لويس فيليب لا يرضى بأن تكون له رياسة الدولة فحسب، كما أراد «تيير»، بل ~~عمل على أن يكون حاكما حقيقيا، أي إنه أراد أن «يتولى ويحكم»، وأصر على ~~أن يكون له رأي مسموع في السياسة الخارجية خصوصا، وأن يتدخل بواسطة وزرائه في شئون ~~الإدارة والحكم. # وانتهز الملك فرصة القضاء على مقاومة أعدائه من شرعيين وجمهوريين ms0840 وبونابرتيين، ثم ~~الانقسام الذي حصل في صفوف الجموديين، وأخذ يشكل الوزارات التي تدين بالطاعة ~~له، ولكن هذا العمل سرعان ما أثار المعارضة القوية ضد «سياسة البلاط «أو القصر» ~~وضد وزارات البلاط»، وكثرت الإشارة إلى ما حدث سابقا للملك شارل العاشر، وعندئذ ~~اضطر الملك إلى استدعاء «تيير» لتشكيل الوزارة مرة أخرى، وكان تيير قد ~~شكلها مرة قبل ذلك، ووزارة تيير هذه الأخيرة هي التي حصلت على أيامها أزمة ~~المسألة الشرقية - بسبب النزاع بين محمود الثاني ومحمد علي - واضطر تيير إلى ~~الاستقالة عندما رفض الملك الانسياق إلى الحرب بسبب هذه الأزمة (ديسمبر 1840)، ~~وطلب الملك من جيزو تأليف الوزارة، فشكلها المارشال سولت الذي ظل يشغل منصب ~~رئيس الوزارة حتى نوفمبر 1847، في حين احتفظ جيزو بوزارة الخارجية، ولو أنه كان ~~المسيطر الحقيقي على الوزارة حتى سنة 1848، وبتشكيل هذه الوزارة تسنى لفرنسا في عهد ~~ملكية يوليو أن تتمتع للمرة الأولى بالاستقرار الحكومي. ~~(8) حكومة جيزو: سياسة الجمود وآثارها # وفي هذه السنوات التي سيطر فيها جيزو، زعيم الجموديين (من الوسط اليميني)، ~~تجمعت الأسباب المباشرة التي أدت إلى إشعال الثورة في فبراير (1848) وزوال ~~ملكية يوليو. # فقد رفض جيزو أن يعترف بحقيقة واضحة؛ هي أن فرنسا تريد تغيير أنظمتها ~~السياسية، بل وكانت في حاجة ملحة لهذا التغيير، فبقي متمسكا بالدستور الصادر ~~في سنة 1814 والمعدل في سنة 1830، وكان برنامجه الاحتفاظ بالنظام في الداخل والسلم ~~في الخارج كخير وسيلة لزيادة ثراء فرنسا ورفعة شأنها، أي «المحافظة - كما قال - على ~~السلام في كل مكان وفي كل وقت.» # واقتضى التمسك بالدستور أن يحتفظ جيزو بالشكل البرلماني للحكومة، أي ضرورة ~~الاستناد إلى أكثرية في مجلس النواب تؤيد الحكومة دائما وتوافق على تصرفاتها، ~~واستطاع جيزو أن يحصل دائما على هذه الأكثرية؛ ولذلك فقد شهدت فرنسا في هذه ~~الفترة (1840-1848) نوعا من الحكم يقوم على الجمود الشديد، أي المحافظة على النظم ~~الموجودة وعدم التغيير، ويعتمد على تأييد مجلس النواب، بينما كان معروفا في طول ~~البلاد وعرضها أن هذا المجلس لا يمثل الرأي العام في شيء، ms0841 ولا يعبر عن عقائد ~~البلاد في مجموعها، وتساءل الفرنسيون عن السبب الذي جعل جيزو يظفر - مع ذلك - بهذه ~~الأكثرية المؤيدة له في مجلس النواب دائما. # ولقد تبين عند البحث أن الرشوة والفساد هما سبب وجود هذه الأكثرية التي ~~أيدت الوزارة دائما في مجلس النواب، وتفسير ذلك أن جزء الأمة القانوني Pays Legal # الذي عرفنا أنه يتألف من ~~الناخبين والنواب، كان جزءا محدودا حيث بلغ عدد الناخبين مائتي ألف فقط، منهم ~~أربعمائة وثلاثون نائبا، وهو عدد يجعل من السهل على الحكومة في دولة ذات نظام ~~مركزي موحد أن تبتاع - إذا شاءت - ضمائر وذمم الناخبين والنواب على السواء، بما ~~يمكن أن تؤديه لهم الحكومة المركزية من خدمات، تفيد منها أقاليمهم - مثل مد خطوط ~~السكة الحديد في عصر انتشار السكة الحديد - أو تعود بالنفع على أشخاصهم وذوي قرباهم ~~... إلخ. # وساعد على هذا الفساد أن القانون لم يحرم النواب من أن يجمعوا بين النيابة ~~والوظائف الحكومية؛ فكان هناك حوالي المائتي نائب يشغلون وظائف حكومية، وفي سلطة ~~الحكومة ترقيتهم ومكافأتهم، ولا شك في أن نظاما من هذا الطراز كان عرضة للامتهان ~~والسخرية، ويؤثر أصحابه مصالحهم الذاتية على مصالح الوطن، ولم يكن هناك مفر من ~~قيام معارضة شديدة ضده في آخر الأمر. # وعلى ذلك فقد تميز تاريخ هذه السنوات السبع من 1841 إلى 1848 بقيام حركة من أجل ~~المطالبة بالإصلاح النيابي في فرنسا على أساس تخفيض مقدار الضرائب التي يدفعها ~~الصالحون للانتخاب والنيابة، وإفساح المجال لهيئات وطبقات معينة لا يستطيع أفرادها ~~دفع أية ضريبة لممارسة حقوق الانتخاب، ثم منع النواب من شغل الوظائف الحكومية؛ ~~فيكثر بذلك عدد المتمتعين بحقوق الانتخاب والنيابة من جهة بدرجة تجعل من المتعذر ~~على الحكومة رشوتهم، كما يصبح النواب بعيدين من جهة أخرى عن تأثير الحكومة ونفاذها، ~~ولكن جيزو كان يقابل هذه المطالب بالرفض دائما، حتى ضج المطالبون بالإصلاح ~~بالطرق الدستورية، وقال لامارتين # Lamartine ~~: «إن ~~فرنسا قد باتت متململة، وتشعر بالسأم والضجر.» # 7 # وفي الوقت الذي تمسكت فيه ملكية يوليو بسياسة المقاومة ms0842 السلبية؛ أي مقاومة ~~الفوضى في الشوارع، مقاومة الشرعيين والجمهوريين، ومقاومة مطالب الأمة لإجراء ~~الإصلاح النيابي في الداخل واتباع سياسة إيجابية في الخارج تحترم مبادئ الحرية، وفي ~~الوقت الذي أغفلت فيه معالجة شئون العمال؛ فلم تهتم بإجابة أو فحص ~~مطالب أخرى جديدة في النواحي الاقتصادية والإصلاح الاجتماعي، كانت عناصر المعارضة ~~تزداد قوة ضد الحكومة، ومن أخطر هذه العناصر جماعة الاشتراكيين الذين بدءوا ~~يظهرون في الميدان، وكانوا أكثر راديكالية من الجمهوريين أنفسهم؛ لأنهم كانوا لا ~~يريدون تغييرا في شكل الحكومة السياسي وحسب، بل ويهدفون كذلك إلى تغيير جارف في ~~شكل المجتمع نفسه، أو بمعنى أدق في طبيعة العلاقات القائمة بين أكثرية الأهلين ~~الذين يكسبون قوتهم بعرق جبينهم، وبين الطبقة الممتلكة من الرأسماليين وأصحاب ~~العمل في فرنسا. # فقد شهد عهد ملكية يوليو دور الانتقال من نظام الصناعات الصغيرة المنزلية إلى ~~نظام المصانع والورش واستخدام الآلات والبخار في الصناعة، وقد قطع هذا الدور ~~شوطا كبيرا، وظهرت نتيجة لهذا الانقلاب الصناعي عدة مشاكل، كان لا بد من ~~استصدار تشريعات جديدة لتسويتها أو حلها من جهة، ولحماية الطبقات العمالية من ~~الأضرار والمساوئ التي اقترنت بحدوث هذا الانقلاب من جهة أخرى، ولكن ملكية يوليو ~~التي هي حكومة البورجوازية والطبقات الغنية والرأسمالية، لم تعر هذه المشاكل ~~أي اهتمام، بل استمر الرأسماليون وأصحاب العمل يستغلون مصانعهم والأيدي العاملة ~~بها أسوأ استغلال، ويجمعون الثروات الطائلة، في حين منعت القوانين الفرنسية ~~هؤلاء العمال من تأليف الاتحادات «والنقابات» التي تدافع عن مصالحهم أو تعمل ~~لتحسين أحوالهم، أضف إلى هذا أن الطبقة العمالية بقيت محرومة من التمثيل ~~النيابي عندما تمسكت الحكومة بالدستور دون تغيير أو تعديل، ورفضت إجراء أي ~~إصلاح نيابي، فكان من أثر هذا كله أن صارت الطبقة العمالية في فرنسا من ألد أعداء ~~النظام القائم بها. # وصار من المنتظر في هذه الظروف أن يتجه المفكرون مثل سان سيمون، ولويس بلان إلى ~~بحث مشاكل العمل والعمال والعلاقة بين العمل ورأس المال، ثم يقومون بالدعوة إلى ~~الاشتراكية، فكان ذلك مبدأ ظهور الحزب الاشتراكي ms0843 في فرنسا، وهو حزب هدد بظهوره ~~وجود الملكية ذاتها، كما هدد النظام الصناعي والتجاري القائم، فقد هدف الاشتراكيون ~~إلى إنشاء الجمهورية على اعتبار أن الجمهورية أفضل الوسائل التي تجعل العناصر ~~الديمقراطية تتمكن من السيطرة على الحكومة. # وهكذا تعددت عوامل التذمر من حكومة جيزو، وكثرت عناصر المعارضة الشديدة ضدها، ومع ~~أنه تعذر أن تتحد هذه العناصر فيما بينها للقيام بعمل إنشائي مشترك ~~لتباين آرائها واختلاف أغراضها، فقد كان من السهل، ومن المنتظر أن تتفق كلمتها عند ~~التصميم على القيام بعمل من نوع آخر، هو هدم النظام السائد وتقويض عروشه. # ولقد كان لسياسة الحكومة الخارجية أثر كبير في زيادة التذمر من ملكية يوليو، ~~التي ظهرت - بسبب جمودها - شديدة الحرص على المحالفة الودية مع إنجلترة لدرجة ~~التفريط أحيانا في حقوق الكرامة الوطنية، وشديدة الرغبة في استمالة الملكيات ~~المطلقة والرجعية في أوروبا، وبعيدة كل البعد عن مؤازرة الأحرار في أي مكان، ~~وحريصة كل الحرص على خدمة مصالح الأسرة المالكة فقط، ولو أدى هذا إلى التضحية ~~بمصالح الأمة. # فقد عابت المعارضة على حكومة جيزو موقفها من المسألة الشرقية، وعقد اتفاقية ~~البوغازات (يوليو 1841)، كما حملت على سياسة الحكومة في إجازة تفتيش السفن الفرنسية ~~في البحار بدعوى مكافحة تجارة الرقيق؛ لأن الاتفاقات التي عقدتها الحكومة في ~~هذه المسألة مع إنجلترة (منذ 1831-1833) ثم مع النمسا وبروسيا وروسيا (1842)، وهذه ~~ليست دولا بحرية، تعطي الأسطول الإنجليزي - وهو المتفوق من حيث العدد على الأسطول ~~الفرنسي - حقا واسعا في التفتيش، من شأنه الإضرار بالتجارة الفرنسية، ثم ~~احتجت المعارضة احتجاجا شديدا على موقف الحكومة المتخاذل من إنجلترة في ~~مسألة أو حادث بريتشارد Pritchard ~~(1844)، وكان ~~بريتشارد قنصلا لإنجلترة لدى بوماري Pomare # ملكة ~~جزيرة تاهيتي # Tahiti ~~(في المحيط الهادي إلى الشرق ~~من أستراليا)، طرده الفرنسيون من الجزيرة وضموا تاهيتي إلى أملاكهم، فساءت العلاقات ~~بين إنجلترة وفرنسا، ولكن لويس فيليب لم يشأ الدخول في حرب مع إنجلترة بسبب ما سماه ~~«حماقات تاهيتي»، وأعلن استنكاره لضم الجزيرة، وحصل القنصل الإنجليزي على تعويض ~~كبير. # وكذلك أثار هذا ms0844 التحالف الودي مع إنجلترة غضب الفرنسيين عندما توترت العلاقات ~~بين فرنسا ومراكش، وقد كان من المنتظر بعد أن احتلت فرنسا بلاد الجزائر أن تبسط ~~نفوذها على مراكش، ولكن إنجلترة لم تلبث أن تدخلت لتحذر فرنسا من مغبة الإقدام على ~~احتلال هذه البلاد، فعدت المعارضة قبول هذا التحذير إهانة لشرف ~~الوطن. # وأخيرا تحطم التحالف الودي بين إنجلترة وفرنسا على صخرة الزواج الإسباني، ~~عندما أراد جيزو أن يتخذ من هذه المسألة وسيلة لتأييد مركز حكومته، فأعلن في أكتوبر ~~1846 أن حكومته قد صح عزمها على عقد زواج ابن الملك لويس فيليب، دوق ~~دي مونبا نسييه # Montpensier # من لويزا فرناندا # Louisa-Fernanda # ابنة ملك إسبانيا فردنند ~~السابع (المتوفى سنة 1833)، وكانت هذه شقيقة لإيزابلا الثانية ملكة إسبانيا، ثم ~~زواج إيزابلا نفسها من فرنسسكو دي أسيز # Asis # دوق ~~قادش، وفي سنة 1845 كان هذا المشروع قد قطع مرحلة كبيرة، وكان معنى هذا الزواج؛ ~~التمهيد لاعتلاء دوق مونبا نسييه عرش إسبانيا؛ لأنه لم يكن متوقعا أن تنجب ~~الملكة إيزابلا وارثا للعرش الإسباني، ولم ترض إنجلترة عن هذا المشروع، فقضى ~~إصرار جيزو على المضي في مشروع هذا الزواج (1846) على التحالف الودي مع إنجلترة، ~~الأمر الذي أدى إلى عزلة فرنسا السياسية. # وزادت مصاعب جيزو الخارجية عندما أخذ بلمرستون - كي ينتقم من السياسة الفرنسية ~~- يعمل لإقناع مترنخ بأن وجود دوق مونبا نسييه في مدريد من شأنه إعادة ذلك الاتحاد ~~القديم بين إسبانيا وفرنسا الذي كان على أيام لويس الرابع عشر وفيليب الخامس، كما ~~صار «بلمرستون» يعمل لتعكير العلاقات بين النسما وفرنسا حول مسألتي إيطاليا ~~وسويسرة، وحاول بكل الطرق تحطيم حكومة جيزو وحكومة لويس فيليب بتهيئة الوسائل ~~التي تستطيع المعارضة وخصومها أن يحطموها بها. # وكأنما لم يكن ذلك كله كافيا لإرهاق الحكومة وإضعافها، بل حدث أن فقدت ~~الحكومة سمعتها بسبب فضيحة لم تكن هي مسئولة عنها؛ وذلك أن أحد كبار النبلاء دوق ~~شوازيل براسلان # Choiseul-Praslin # قتل ~~زوجه إرضاء لعشيقته، وكانت زوجة ابنة المارشال سباستياني، فلما قدم الدوق ~~للمحاكمة انتحر في سجنه ms0845 (في أغسطس 1847)، فكان لهذه الفضيحة أثر كبير في إشعال ~~ثورة فبراير من العام التالي، كما كتب سانت ~~بيف # Sainte-Beuve ~~، يضارع الأثر الذي أحدثه عناد جيزو نفسه ورفضه إجابة ~~مطالب المعارضة أو الوصول إلى اتفاق معها. # وزيادة على ذلك فقد نجم من إمعان الحكومة في اتباع سياسة الحماية الجمركية ~~الصارمة أن اشتدت الأزمة الاقتصادية في البلاد، لا سيما وأن محاصيل سنتي 1845، ~~1846 كانت رديئة، فقاسى الشعب متاعب كثيرة، ومع أن وزارة السير روبرت بيل Peel # بإنجلترة ألغت قوانين الغلال # Corn Laws # في يونيو 1846 واتخذت قبل ذلك ~~إجراءات لتيسير المعيشة - كإنقاص الضرائب الجمركية على المواشي واللحوم المستوردة، ~~وما إلى ذلك - فإن شيئا من هذا لم يحدث في فرنسا، ثم امتدت الأزمة الاقتصادية إلى ~~سنتي 1847-1848، وفي رأي كثيرين أن هذه الأزمة كانت السبب العميق في تحريك الثورة، ~~ولو أن السبب الظاهر والمباشر كان الاصطدام بين الحكومة والمعارضة في مسألة إصلاح ~~قانون الانتخاب. ~~(9) الثورة (1848) # فقد سبق بيان فساد النظام البرلماني في عهد هذه الملكية التي سميت تارة ~~بملكية الطبقات الممتلكة، وتارة أخرى بملكية دافعي الضرائب للحصول على حق الانتخاب والنيابة، # 8 # ومع أن المعارضة ظلت تجدد مطالب الإصلاح النيابي كل عام؛ فقد ~~تمسك جيزو برفض هذه المطالب دائما، معلنا أن المعارضة إنما تبغي مجرد إثارة ~~المشاكل السياسية في حين أنها لا تمثل رأي الأمة الحقيقي في شيء، فما لبثت المعارضة ~~حتى وجدت أن من العبث الاعتماد على الطرق البرلمانية المشروعة للوصول إلى ~~الإصلاح المطلوب، ووجدت أنه صار لزاما عليها أن تقيم البرهان القاطع على أن الأمة ~~إنما تشاركها حقيقة الرغبة في الإصلاح. # وعندئذ أعدت المعارضة ما يعرف باسم «مآدب الإصلاح # Reform Banquets ~~»، وهي اجتماعات يحضرها عدد غفير من الناس، يخطب ~~فيهم زعماء المعارضة الذين يطلبون الإصلاح، وتوزع فيها المنشورات، وكان الغرض ~~من هذه الحركة الضغط على الملك ووزيره جيزو، ومما هو جدير بالذكر أن أصحاب هذه ~~المآدب كانوا من أحزاب المعارضة الموالية للملك والتي أرادت فقط أن تجعل الملكية ~~تغير سياستها، ولكن ms0846 لم تلبث أحزاب المعارضة المعادية للملكية أن أقامت هي ~~الأخرى اجتماعات شبيهة بهذه المآدب، وكثرت هذه «المآدب الإصلاحية» خلال عام 1847، ~~فكانت بمثابة استفتاءات غير رسمية أظهرت بوضوح أن الشعب يريد الإصلاح النيابي ~~حقيقة. # ولكن الملكية بدلا من إجابة هذه المطالب بقيت غير متأثرة بما يجري حولها، ~~بل إن الملك لم يلبث أن حمل في خطاب العرش على ما وصفه بأنه هياج أثارته الشهوات ~~العدائية العمياء، أو أنكر أن للشعب حقا من الناحية القانونية في عقد هذه ~~الاجتماعات، وعندئذ قررت المعارضة عرض قانونية هذه الاجتماعات على القضاء ~~ليفصل في مشروعيتها، وتقرر أن تعقد لهذه الغاية مأدبة كبيرة في باريس يوم 22 ~~فبراير 1848. # وكان من المنتظر أن يحدث بسبب ذلك اصطدام خطير بين الحكومة والشعب، وتوقع ~~الذين راقبوا الحوادث عن كثب قيام الثورة؛ فكتب السفير الإنجليزي في باريس لورد ~~نورمانبي # Normanby # في 7 فبراير 1848 «إن الرأي ~~يكاد يتفق بالإجماع على أن هذه الأحوال لا يمكن أن تستمر طويلا، وإن إصلاح ~~قانون الانتخاب هو مطلب الجميع، حتى إن الناخبين والنواب أنفسهم - أي جزء ~~البلاد القانوني Pays Legal ~~- قد انقلبوا الآن ~~ضد الحكومة، كما أن الحكومة تخسر الانتخابات الفرعية، ولا تستطيع أن تجمع الحرس ~~الأهلي وهو الأداة التي تعتمد عليها في تأييد سلطانها»، ومنذ 10 فبراير توقع ~~نورمانبي حصول اصطدام خطير بين الحكومة وأخصامها. # وزاد الأمر خطورة عندما رفض الملك أن يستمع لنصح أسرته التي خشيت من وقوع ~~الكارثة إذا ظل الملك مستمسكا بوزيره، فظهر للشعب - وعلى حد قول جيزو - أن ~~الأسرة المالكة نفسها قد صارت منقسمة على بعضها بعضا، وفي هذه الظروف أعلن ~~جيزو فجأة أنه لا يرفض أية اقتراحات غرضها الإصلاح حقيقة، فقوبل هذا التصريح ~~باعتدال كبير من جانب المعارضة، وفي 19 فبراير وصل الفريقان إلى حل بخصوص ~~«المأدبة» المنتظرة على أساس أن تعقد المعارضة الاجتماع في اليوم المحدد ~~له، حتى إذا حضر البوليس انفض المجتمعون في سلام، وقدمت القضية للمحاكم للفصل ~~فيها، وكان الغرض من هذا الاتفاق تجنب حدث الثورة، ms0847 ويشبه ذلك ما فعله ~~الملك شارل العاشر عندما سحب المراسيم الأربعة المعروفة في يوليو عام 1830، ولكن في ~~كلا الحالين جاء إجراء الحكومة متأخرا؛ لأن الشعب الباريسي كان قد بدأ الآن يتحرك ~~للثورة فعلا ، وبالأساليب المتبعة - المظاهرات والشغب وإقامة المتاريس في الشوارع - ~~وذلك كله رغم أنوف رجال المعارضة البرلمانية. # وفي 22 فبراير وقعت المشاغبات والمصادمات بين المتظاهرين والبوليس، وحدث ~~نهب وتخريب، وأقيمت المتاريس وزادت الحال خطورة في اليوم التالي؛ حيث رفض ~~الحرس الأهلي - وكان قد أمكن جمع بعض قواته - تفريق الثوار، ثم راح الحرس بدلا ~~من ذلك ينادي بسقوط جيزو، ويهتف بحياة الإصلاح، وعندئذ أعلن جيزو في مجلس النواب ~~استقالته (23 فبراير)، فقابل الشعب سقوط الوزارة بالتهليل والحماس البالغ؛ فارتفعت ~~أسعار الأوراق المالية، وأزيل كثير من المتاريس من الشوارع، وأضيئت بعض أحياء ~~العاصمة، وأقيمت الزينات، واعتقد كثيرون أن الأمور قد هدأت عندما قبل «تيير» ~~و«أوديلون بارو # Odilon Barrot ~~» تشكيل الوزارة ~~الجديدة. # ولكن سرعان ما تبدل الحال فجأة، بسبب أن المتظاهرين أرادوا إضاءة مبنى وزارة ~~الخارجية، فحدث احتكاك مع البوليس، وأطلق البوليس الرصاص على المتظاهرين، فسقط ~~اثنان وخمسون قتيلا، وعندئذ حمل الثوار جثث رفقائهم القتلى وسط المشاعل وطافوا ~~بها في شوارع العاصمة، وأعيدت المتاريس، وبدلا من المناداة بالإصلاح صارت الجماهير ~~تطلب الانتقام وتنادي بحياة الجمهورية. # وفي اليوم التالي (24 فبراير) نصحت الأسرة المالكة لويس فيليب بالتنازل عن ~~العرش، وبعد معارضة شديدة من جانبه، اضطر لويس فيليب إلى التوقيع على وثيقة ~~بالتنازل، وأمر «تيير» الجيش الموجود بالعاصمة أن ينسحب، بدعوى ضرورة إبعاده عن ~~مسرح الثورة، ليبقى محتفظا بنظامه العسكري، فرضخ الجيش وهو كاره، ويقول السفير ~~الإنجليزي نورمانبي: «إن الجيش كان مستعدا للدفاع عن الملكية، ولكنه صدع بما ~~أمر به، ثم لم يلبث أن قبل الحكومة المؤقتة»، وهكذا كان «تيير» على حد قول ~~«نورمانبي»: «مسئولا عن نجاح الثورة.» # كان تنازل لويس فيليب لمصلحة حفيده الكونت دي ~~باري # de Paris ~~، ولكن سرعان ما تألفت في اليوم نفسه (24 فبراير) الحكومة ~~المؤقتة - التي ذكرها نورمانبي - واتخذت ms0848 مبنى أوتيل دي فيل مقرا لها، ولقد كان ~~أعضاؤها عن الجمهوريين: لامارتين، ولدرو ~~رولان # Ledru-Rollin ~~، ولوي (لويس) ~~بلان # Louis Blanc ~~، وغيرهم، وأعلن لامارتين الجمهورية في مساء اليوم نفسه، ~~وفي الأيام الثلاثة التالية بقي الموقف شديد الخطورة، وانتشرت الفوضى في باريس، ~~ولكن الحكومة المؤقتة تمكنت من اجتياز الأزمة بسلام، واشترك لامارتين بنفسه ~~مع قوة الحرس الأهلي في إعادة النظام، وفي 28 فبراير استطاع أن يقول: لقد ~~تغلبنا تماما على الفوضويين، وهكذا طويت صفحة ملكية يوليو، ملكية ~~البورجوازية، والطبقة الممتلكة، أو ملكية أصحاب حقوق الانتخاب والنيابة. # 9 # | الخلاصة # لقد تجمعت الأسباب الكثيرة التي أدت إلى زوال هذه الملكية (ملكية يوليو)، ~~وكلها أسباب ترتد في أصولها إلى رغبة هذه الملكية في تعزيز كيانها، وضمان بقائها ~~واستمرارها، وهي التي اعتبرها أصحاب التيجان في أوروبا «ملكية دخلية»، احتلت مكانها بين ~~سائر الملكيات ذات التقاليد العتيقة الموروثة، دون أن يكون لها من هذه التقاليد شيء ~~تستند إليه، ثم هي كذلك التي اعتبرها فريق من الفرنسيين «غير شرعية»، سواء كان هؤلاء من ~~أنصار البربون، أو من الجمهوريين، أو من البونابرتيين. # ولقد كانت هذه الرغبة في البقاء مبعث سياسة الجمود التي اتبعتها ملكية يوليو، في ~~تدبير شئون الحكم الداخلي، وفي توجيه علاقاتها الخارجية، ثم تشبثت بهذا الجمود لدرجة ~~أنها فقدت في النهاية كل مبرر لوجودها في نظر الفرنسيين، فكان زوالها أمرا ~~مفروغا منه؛ فهي قد اصطدمت في الداخل برغبة الإصلاح النيابي، وكانت تلك هي الصخرة التي ~~تحطمت عليها، بينما كان التحالف الودي مع إنجلترة في علاقاتها الخارجية، النكبة ~~التي جرت عليها الكوارث، فسبق أن أوضحنا كيف أن لويس فيليب أراد الاستفادة من هذا ~~التحالف لتعزيز مركز «الملكية» بين الدول الأوروبية ولتنفيذ مشروع الزواج الإسباني، ~~وتلك أغراض اعتبرها الجمهوريون والاشتراكيون - كما اعتبرها الشعب الفرنسي عموما - ~~أغراضا شخصية فحسب، لا هدف لها إلا خدمة مصلحة البيت المالك على حساب مصالح الأمة ~~ذاتها، حتى إن لامارتين عند تأليف الحكومة المؤقتة، قال - يشرح السبب في سقوط حكومة ~~لويس فيليب؛ إنه مشروع الزواج ms0849 الإسباني: «لقد قلت دائما إن الرغبة في تحقيق هذا الغرض ~~الأناني سوف تكون مبعث هلاك «لويس فيليب»؛ لأن هذا الزواج دفعه لاتباع سياسة كان لا ~~يمكن أن تقبلها البلاد»، وصرح لامارتين بأن الحكومة المؤقتة سوف تعلن في فرصة ~~قريبة ما ينهض دليلا على أن هذه السياسة التي اتبعتها ملكية لويس فيليب في موضوع ~~إسبانيا لم تكن في صالح الوطن، وبالفعل نشرت الحكومة بين شهري مارس وسبتمبر 1848 ~~طائفة من الوثائق السرية التي عثر عليها في قصر التويلري عقب الثورة تؤيد دعواها، ~~وألحقت الأذى البليغ بسمعة لويس فيليب وبملكية يوليو عموما. # وقال المؤرخ ليبسون # Lipson ~~- تعليقا على ثورة 1848: ~~«من الطبيعي أن تستميل هذه الثورة المرء لأن يعقد مقارنة بينها وبين الحركات السابقة ~~ضد لويس السادس عشر، وشارل العاشر، أما الثورة الأولى فيمكن القول إجمالا: بأنها كانت ~~موجهة ضد ملكية استبدادية، بينما كانت الثانية ضد الأرستقراطية ذات الامتيازات، في ~~حين أن الثورة الثالثة كانت ضد حكومة الطبقة المتوسطة»، ويقول آخر: «لقد تأسست ~~المساواة القانونية في سنة 1789، والمساواة الاجتماعية في سنة 1830، والمساواة السياسية ~~في سنة 1848، وتحطم سلطان البورجوازية في حكومة فرنسا بفضل إنشاء حق الانتخاب ~~العام، وقد أصبحت السلطة السياسية الآن من نصيب الشعب، وكانت ملكية يوليو تفخر ~~بأنها تشغل مركزا وسطا بين الرجعية والثورة، بين تطرف الأرستقراطية ومغالاة «إسراف» ~~الديمقراطية، ولكنها وقد اتخذت موضعا غير مستقر في توازنه كان سقوطها من أول الأمر ~~مسألة وقت فقط، حيث تعرضت للهجوم عليها من كل جانب، وتضافرت كل القوى في ~~البلاد لإلحاق الأذى بها. # ولقد كانت الطبقات المتوسطة هي دعامة هذه الملكية، واستندت سلطة هؤلاء على أساس ~~قانوني؛ هو حق الانتخاب، ولكن لم يكن لهم أي سلطان أدبي أو روحي على سائر أفراد ~~المجتمع؛ فهم ليسوا أصحاب حقوق تاريخية لأن يكونوا طبقة حاكمة، وتلك حقوق لو أنها كانت ~~لهم لجعلت ممكنا رضاء الأمة الفرنسية عن ادعاءاتهم، ثم إنهم لما كانوا يمثلون ~~الثروة والغنى والقوة المادية، فقد أثاروا ضدهم عداء أولئك الذين قام في نظرهم ~~النظام ms0850 الاجتماعي والاقتصادي السائد على الظلم وانتفاء العدالة؛ ولذلك فقد صار في ~~نهاية الشوط تأييد البورجوازية مبعث ضعف بدلا من أن يكون سببا لقوة هذه ~~الملكية. # وأخطأ لويس فيليب خطأ جر الوبال عليه، عندما لم يعمل لتوسيع القاعدة التي قام ~~حكمه عليها، ومما زاد في جسامة الآثار المترتبة على هذا الخطأ أن التأييد الذي ~~لقيه من هذه البورجوازية كان فاترا وغير ثابت، فمع أن مصالح البورجوازية كانت تتطلب ~~استقرار الملكية، فقد خيم الخمول والتراخي وعدم المبالاة على أهل هذه الطبقات ~~المتوسطة، فهم قد راضوا أنفسهم مكرهين على قبول سياسة الحكومة السلمية، ولم يلبث ~~أن بطل اهتمامهم بتلك المناقشات الجوفاء التي يثيرها ممثلوهم تحت قبة البرلمان، وكما ~~دلت الأحوال وقتئذ كان الأمل الوحيد في تغلب لويس فيليب على الصعوبات التي أحاطت ~~بموقفه، هو استطاعته أن يصرف ذهن الشعب الفرنسي إلى التفكير في موضوعات أخرى، وذلك ~~ما فشل فيه لويس فيليب فشلا ذريعا؛ فقد قامت سياسته على قاعدة جوهرية هي المحافظة على ~~السلام في أوروبا، ومع أن هذا الغرض قد تحقق دون التضحية بمصالح الأمة أو دون أن ~~يجلب العار عليها، فإن الوصول إلى هذه النتيجة أخفق في إرضاء مشاعر رعاياه ~~وأحاسيسهم، وكان لويس فيليب مكروها من البلاد؛ لأنه بدد آمالها ولم يحقق لها ~~أطماعها. # لقد كانت فرنسا في حاجة ملحة مرة أخرى لأن تتطهر بنيران الحرب؛ حتى يمكن أن تتذوق ~~نعيم السلام مع الشرف. # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # | الصراع بين البورجوازية والإقطاع 1789-1848م (المجلد الثالث) # | الصراع بين البورجوازية والإقطاع 1789-1848م (المجلد الثالث) # تأليف # محمد فؤاد شكري # | الفصل الخامس # هولندة وبلجيكا: الكفاح القومي والدستوري في الأراضي المنخفضة # تمهيد # كان إنشاء مملكة الأراضي المنخفضة التي ضمت بلجيكا وأسقفية لييج إلى هولندة، من ~~صنع مؤتمر فينا كإحدى الدعامات التي قرر السياسيون في هذا المؤتمر أن يقوم عليها ~~التوازن الأوروبي، وذلك بإنشاء دولة حاجزة على حدود فرنسا الشمالية الشرقية، تستطيع ms0851 ~~المحافظة على استقلالها بمواردها وإمكانياتها الخاصة بها، يكون في قدرتها - لذلك - ~~الصمود في وجه أي اعتداء جديد من جانب فرنسا؛ حتى تأتي جيوش الدول الكبيرة لنجدتها، ~~ولدفع الاعتداء الفرنسي عن أوروبا الشمالية الغربية. # ولكن إنشاء مملكة الأراضي المنخفضة، لم يلبث أن صار مبعث اضطراب في هذه المنطقة ~~ذاتها التي حرصت الدول على تقويتها، وذلك عندما أراد البلجيكيون الانفصال عن هولندة ~~والظفر باستقلالهم، فقاموا بالثورة (1830)، وصارت المسألة الهولندية البلجيكية في ~~عداد المسائل التي شغل بها السياسيون في الفترة التي خضعت فيها أوروبا «لنظام ~~مترنخ» الرجعي، ولقد كان من أجل الوصول إلى حل لهذه المسألة أن وضع «الاتحاد ~~الأوروبي» موضع الاختبار مرة أخرى، وعلى غرار ما حصل في أزمتي اليونان ومصر، ولقد ~~تقدم كيف نالت اليونان استقلالها، وحصلت الباشوية المصرية على الحكم الذاتي ~~الوراثي في نطاق الإمبراطورية العثمانية؛ وبسبب التدخل الأوروبي، بالرغم من أن ~~موضوع الإمبراطورية العثمانية لم يكن في عداد المسائل التي بحثت في مؤتمر فينا، ~~وترتب على نجاح الاتحاد الأوروبي في معالجة المسألتين اليونانية والمصرية ~~العثمانية، نقض إحدى القواعد التي كان قد استرشد بها المؤتمرون في فينا وهي قاعدة ~~«الشيوعية»، وهذا إلى جانب هدم المبدأ الإقليمي الذي انبنت عليه تسوية فينا، وهو ~~بقاء الوضع الراهن على الحالة التي أوجدته بها التسوية الإقليمية، ومع ذلك فقد كان ~~من نتائج الثورات التي حصلت في فرنسا في يوليو 1830 وفي فبراير 1848، والتي انتشرت ~~في أوروبا في هذه الحقبة، نقض قاعدة «الشيوعية»، وهدم مبدأ الوضع الراهن الإقليمي، ~~ولو أن هذا قد حدث في حالات معينة ومحدودة، منها طرد البربون والأورليان من الحكم ~~في فرنسا، ثم فصل بلجيكا من هولندة، وهو تغيير إقليمي طرأ على التسوية الإقليمية ~~التي وضعت في فينا، وينطوي على معارضة صريحة «لنظام مترنخ» من حيث الاعتراف فيما ~~نالته بلجيكا من استقلال، بنجاح المذهب القومي، وفي هذه المرحلة المبكرة من مراحل ~~النضال بين القومية والمذهب الحر، وبين قوات الرجعية في أوروبا. # مملكة الأراضي المنخفضة # أما الأراضي المنخفضة (وتشمل هولندة وبلجيكا) فكانت من ms0852 أملاك أسرة برغنديا التي ~~آلت بحكم الوراثة في القرن السادس عشر إلى إسبانيا، ثم قام الهولنديون بثورتهم ~~المعروفة على الحكم الإسباني، وظفروا باستقلالهم الذي لم يتم الاعتراف به رسميا ~~إلا بعد سنوات عديدة من الكفاح المتصل، وذلك في صلح وستفاليا (1648)، ولقد بقيت ~~بلجيكا، وهي القسم الجنوبي من الأراضي المنخفضة في حوزة إسبانيا، إلى أن انتقلت ~~ملكيتها إلى النمسا في صلح يوترخت (1714) التي أنهت حروب الوراثة الإسبانية، ولقد ~~عرف هذا القسم الجنوبي من ذلك الحين باسم الأراضي المنخفضة ~~النمسوية # Austrian ~~Netherlands ~~، ثم بقيت هذه من أملاك النمسا حتى إذا قامت حروب الثورة ~~«الفرنسية» ونابليون، دخلت الأراضي المنخفضة بأكملها (هولندة وبلجيكا) في حوزة ~~فرنسا، سواء بإدماج القسم الجنوبي (بلجيكا)، أو بإنشاء الجمهورية البتافية أو ~~المملكة الهولندية في نطاق الإمبراطورية النابوليونية وتحت سلطات فرنسا. # وكان بعد شهر واحد من هزيمة الإمبراطور نابليون في واقعة ليبزيج، أن قامت الثورة ~~في هولندة ضد الفرنسيين في أمستردام، ولاهاي في نوفمبر 1813، وأعلنت هولندة ~~استقلالها في لاهاي في 21 نوفمبر، وتألفت حكومة مؤقتة باسم أمير أورانج # Orange # الذي عاش في المنفى مدة الثماني عشرة سنة ~~الماضية، والذي جاء إلى البلاد الآن (30 نوفمبر) ليتسلم أزمة الحكم رسميا في ~~أمستردام في اليوم التالي باسم وليم الأول، وبادر من فوره بتشكيل لجنة لوضع ~~القانون الأساسي # Fundamental Law # للدولة ~~الجديدة، وقد دعيت للاجتماع في أمستردام هيئة من الأعيان لبحث هذا القانون بعد ~~إنجازه، فوافقت عليه هذه الهيئة بأكثرية كبيرة يوم 28 مارس 1814. # ويتألف هذا القانون الأساسي من 146 مادة اشتملت على تقرير نظام الحكم الوراثي، ~~وتخويل الملك السلطة التنفيذية، والقسط الأوفر من السلطة التشريعية إلى جانب ~~الإشراف العام على المالية، وإدارة البحرية والجيش، وحق إعلان الحرب، وإبرام الصلح، ~~بينما انتقلت إليه كذلك كل حقوق السيادة التي كانت تمارسها الولايات ومجالس ~~البلديات، فلم تعد تمارس هذه غير شئون الإدارة المحلية وحسب، وتلك التي تمتع بها ~~رئيس الدولة (أو الملك) كانت سلطات واسعة، جعلت الحكم بمقتضى هذا القانون ~~الأساسي حكما أوتوقراطيا، لم تجد ms0853 فيه شيئا كثيرا الضمانات التي أعطيت ~~بمقتضى هذا القانون لحريات أو حقوق الشعب، فقد أنشئت مجالس تمثيلية أو نيابية # States # للولايات، تنتخب بدورها أعضاء عددهم خمسة ~~وخمسين، لمجلس نيابي أو تمثيلي عام # States General # ومدة نيابتهم ثلاث سنوات. # وكان لهذا المجلس مثلما كان «للملك» حق اقتراح القوانين، وحق الاعتراض عليها، ~~كما كان من حقه أن تعرض عليه الحكومة سنويا أبواب النفقات الاستثنائية ، ومع ذلك ~~فلم تكن هناك مسئولية وزارية، ولم يقرر القانون الأساسي حرية الصحافة، ولم ينص على ~~نظام المحلفين، بالرغم من جعل القضاء مستقلا، وفيما عدا ذلك نص القانون على ~~ضمان المساواة لكل المذاهب (أو العقائد) الدينية. # ووافق الحلفاء على إنشاء هذه الدولة الجديدة التي أوحى إليهم إنشاؤها في الوقت ~~نفسه، أن من الأفضل، لوقف أطماع الفرنسيين من الامتداد إلى هذا الجزء من أوروبا ~~الشمالية الغربية، تأسيس دولة تكون أكبر حجما من هذه الدولة الهولندية، وذلك بضم ~~الأراضي المنخفضة جميعها؛ هولندة وبلجيكا، وتوحيدها في دولة واحدة قوية، وكان ~~كاسلريه أول من عالج هذه الفكرة في اجتماع شومونت (فبراير 1814)، حتى إذا أبرمت ~~معاهدة باريس الأولى في 30 مايو 1814، خرجت هذه الفكرة إلى حيز الوجود عمليا، في ~~صورة المادة السادسة من هذه المعاهدة، التي نصت على أن هولندة الموضوعة تحت حكم ~~أسرة أورانج وسلطانها، سوف تنال «زيادة إقليمية» تضاف إلى أراضيها. وأما الغرض من ~~هذه الزيادة الإقليمية، فقد أوضحه الحلفاء في مادة سرية ألحقت بالمعاهدة، كما ~~تحددت في هذه المادة السرية المنطقة التي سوف تشمل هذه «الزيادة الإقليمية». فجاء ~~بها ما نصه: # إن تأسيس توازن صحيح للقوى في أوروبا، الأمر الذي يتطلب أن يتم إنشاء ~~هولندة وتكوينها بصورة تجعلها في مركز تستطيع به المحافظة على استقلالها ~~بمواردها الخاصة بها، يقتضي أن تضم إلى هولندة وتتحد بها اتحادا ~~أبديا، الأقاليم المحصورة بين البحر «الشمالي»، وحدود فرنسا كما ترسمها ~~المعاهدة الحالية، ونهر الموز. # وبذلك يكون قد تقرر ضم بلجيكا إلى هولندة على أساس أن هذا الضم مجرد «زيادة ~~إقليمية» وحسب، ودون أن يقيم ms0854 الحلفاء وزنا لأية اعتبارات أخرى متصلة برغبات ~~البلجيكيين أنفسهم، أو متفقة مع مصالحهم، وذلك كان إجراء أقل ما يوصف به أنه يخلو ~~من الحكمة السياسية، ومن المنتظر أن يكون مبعث تذمر من جانب البلجيكيين، لا داعي ~~له. # وكانت الخطوة التالية في إنشاء مملكة الأراضي المنخفضة، أن حضر ممثلو الحلفاء ~~وممثلو أمير أورانج (في مؤتمر لندن) ليضعوا في 20 يونيو 1814 بروتوكول المواد الثماني Protocol of Eight Articles # الذي ~~عرضه الحلفاء على الأمير، ووافق هذا عليه في 21 يوليو بوصفه الأمير المتمتع بحقوق ~~السيادة العليا، ولم يذع شيء من هذا البروتوكول إلا بعد مضي عام من وضعه. # وأهمية هذا البرتوكول أنه يبين الشروط التي يتحقق بها الاتحاد بين أقاليم ~~الأراضي المنخفضة الشمالية (هولندة) والجنوبية (بلجيكا). فجاء في المادة الأولى؛ أن ~~الاتحاد بين هولندة وبلجيكا سوف يكون كاملا ووثيقا، حتى تتألف من البلدين دولة ~~واحدة، يكون الحكم فيها وفق القانون الأساسي الجاري العمل به الآن في هولندة، على ~~أن يصير تعديل هذا القانون بناء على رغبة البلدين المشتركة، وحسب الظروف التي ~~تنشأ. وقالت المادة الثانية: إنه لن يحدث مع ذلك أي تغيير في مواد القانون الأساسي ~~التي تكفل حماية العقائد الدينية وما لها من حقوق ومزايا حماية متساوية، ثم تلك ~~التي تضمن حق كل المواطنين، مهما كانت عقائدهم الدينية، في الالتحاق بالوظائف ~~العامة، وفي تكريم الدولة لهم. وفي المادة الثالثة تقرر أن يكون للولايات ~~البلجيكية حق التمثيل بطريقة مناسبة في المجلس ~~النيابي # Stales General # الذي سوف يعقد جلساته في أوقات السلام بالتناوب مرة في ~~مدينة هولندية، وأخرى في مدينة بلجيكية وهكذا. وجاء في المادة الرابعة أنه لما كان ~~سكان الأراضي المنخفضة جميعهم يتمتعون بحقوق دستورية متساوية، يتعين أن يكون لهم ~~جميعا حقوق متساوية في التجارة وغير ذلك من الحقوق التي تجيزها لهم ظروفهم، دون أن ~~تثار العقبات والعوائق في طريق أحد ليفيد من ذلك آخرون. وفي المادة الخامسة أعطيت ~~الولايات (المقاطعات) والمدن البلجيكية حق التجارة والملاحة في المستعمرات ~~الهولندية. ثم نصت المادة ms0855 السادسة على أن الديون التي كانت اقترضتها الولايات ~~الهولندية من جانب، والولايات البلجيكية من جانب آخر، تقوم الخزانة العامة «لمملكة» ~~الأراضي المنخفضة بتحملها وتأديتها، وذكرت المادة السابعة أن على الخزانة العامة ~~للدولة الجديدة أن تتولى النفقات اللازمة لبناء الحصون في الحدود وصيانتها؛ حيث إن ~~ذلك متعلق بأمن الولايات وسلامة الأمة جميعها، والمحافظة على استقلال الدولة. وفي ~~المادة الثامنة وقع واجب الاتفاق على إنشاء السدود وصيانتها على عاتق الجهات التي ~~يهمها الأمر مباشرة ، ما عدا الحالات التي تحدث منها كارثة استثنائية. # وهذه المواد الثمان كان يصحبها برتوكول بتاريخ 21 يونيو (1814) أوضح فيه الحلفاء ~~غرضهم من اتخاذ هذا الإجراء، فقالوا: إنهم قد أخذوا فيما فعلوه بعين الاعتبار مصالح ~~كل من هولندة وبلجيكا، وذلك حتى يستطيعوا إدماج هذين الإقليمين في بعضهما بعضا ~~إدماجا # Amalgame # على أعظم درجة من الكمال، ~~وأنهم في تقرير مصير بلجيكا إنما استندوا فيما قر رأيهم عليه إلى حق الفتح الذي ~~لهم. ثم طلبوا من أمير أورانج أن يصدق رسميا على هذا الاتحاد (أو الإدماج)، وأن ~~يعين حاكما عاما (حكمدارا) لحكومة البلجيك بصورة مؤقتة، وأن يتخذ في روح ~~متحررة ومسالمة، الخطوات القمينة بإخراج هذا «الاندماج» المنشود إلى حيز ~~الوجود. # وهكذا تقرر مصير بلجيكا - بإدماجها في هولندة - على أساس أن الولايات البلجيكية ~~بلدان افتتحها الحلفاء بعد أن هزمت جيوشهم الفرنسيين وطردتهم منها، وساعد على تصرف ~~الدول الكبرى في مستقبل البلجيكيين تصرف الفاتحين، أن النمسا لم تكن تريد استرجاع ~~أملاك بعيدة، ومعرضة على الدوام للغزو الأجنبي، ومن ناحية فرنسا خصوصا؛ في حين ~~أنها كانت تبغي «تعويضا» في أماكن أخرى سوف يساعدها على الظفر به الموافقة على أي ~~حل تريده الدول، وأن بريطانيا كانت تعمل في وفاق تام مع هولندة وأميرها وليم ~~أورانج، فأرجعت إليها بعض مستعمراتها التي كانت استولت عليها، واستبقت في حوزتها ~~البعض الآخر، وكان البعض الذي استبقته بريطانيا على جانب كبير من الأهمية؛ ومن ذلك ~~مستعمرة رأس الرجاء الصالح، ومستعمرات هولندة في أمريكا الجنوبية في جويانا وغيرها، ~~(معاهدة لندن في ms0856 13 أغسطس 1814)، وكان تنازل هولندة عن هذه المستعمرات الثمن الذي ~~نالته بريطانيا مقابل جهودها في مسألة «إدماج» بلجيكا في هولندة. # وبعد موافقته على «المواد الثماني»، تسلم وليم أورانج زمام السلطة على رأس الحكومة ~~المؤقتة في أول أغسطس 1814، وذلك إلى أن يتم في فينا تقرير الوضع النهائي للمملكة ~~الجديدة ورسم حدودها، ولكن صادفت المؤتمر «في فينا» صعوبات كثيرة، ولم يكن المؤتمر ~~قد وصل إلى قرار عندما وصلته الأنباء (في 8 مارس 1815) بفرار نابليون من جزيرة ~~إلبا، فاتخذ أمير أورانج لقب الملك، وأصدر باسم وليم الأول ملك الأراضي المنخفضة ~~ودوق لكسمبورج نداء يدعو فيه رعاياه للاتحاد من أجل الدفاع عن وطنهم المشترك ضد ~~الخطر الذي يتهدده، وقوبلت هذه الخطوة بالترحيب في هولندة وبلجيكا، ولم تتوان ~~الدول في الاعتراف بالأمر الواقع، فاعترفت رسميا بالمملكة الجديدة في 23 مايو ~~1815، وسنحت الفرصة لأن يقف الهولنديون والبلجيكيون صفا واحدا في الدفاع عن ~~الوطن، عندما غزت جيوش نابليون البلجيك في 15 يونيو، واشتركوا معا وتحت قيادة ~~الأمير أورانج ولي عهد المملكة الجديدة في المعارك التي دارت رحاها في كاتربرا، ~~وواترلوا (17-18 يونيو)، وأصيب ولي العهد بجرح في واترلوا، وأبلى الهولنديون ~~والبلجيكيون بلاء حسنا في الحرب، وتدعم الاتحاد بفضل الدماء التي بذلها المواطنون ~~في الدفاع عن الوطن المشترك. # مصاعب الدولة الجديدة # ومع أن هذه المشاركة في الحرب، جعلت - ولا شك - الطريق ممهدا بعض الشيء أمام وليم ~~الأول لتسوية المشكلات التي سوف تنجم من عملية «الإدماج» بين الجنوب والشمال، فقد ~~كانت الصعوبات التي صادفتها هذه المحاولة على درجة كبيرة من الخطورة، حينما كان ~~أمرا مفروغا منه أن إدماج بلاد عدد أهلها 3400000 نسمة (هي بلجيكا) في بلاد أخرى ~~(هي هولندة) لا يزيد سكانها على 2000000 نسمة، كمجرد «زيادة إقليمية» لها؛ سوف يثير ~~الشك في نفوس البلجيكيين، والغضب من إجراء يعده هؤلاء - وهم يؤلفون مجتمعا أكبر - ~~إجراء تعسفيا، ولم يكن هناك مناص من تذمر البلجيكيين حتى ولو كان يربط بينهم ~~وبين الهولنديين روابط لغوية أو دينية، أو تقاليد سياسية ومصالح ms0857 مادية ~~مشتركة. # على أن مثل هذه الروابط لا وجود لها بتاتا بين هولندة وبلجيكا، فالأراضي المنخفضة ~~الشمالية؛ أي هولندة كانت تتمتع بالاستقلال الفعلي حوالي قرنين من الزمان، واستطاعت ~~الأمة الهولندية خلالهما أن تسجل نشاطا ملحوظا في ميادين التجارة والتوسع الخارجي ~~(الاستعماري) فيما وراء البحار، وتلعب دورا مرموقا في السياسة الأوروبية، في حين ~~أن الولايات الجنوبية (بلجيكا) طوال هذه المدة لم يكن لها تاريخ خاص بها، فهي تارة ~~من نصيب إسبانيا (معاهدة وستفاليا 1648)، وأخرى من نصيب النمسا (معاهدة يوترخت ~~1713)؛ ليجعل منها الهابسبرج حاجزا يحمي الولايات المتحدة الشمالية (أي هولندة) ضد ~~أي هجوم فرنسي عليها، ثم تارة ثالثة تكون من نصيب فرنسا ذاتها (أيام الثورة ~~ونابليون)، ومن شأن هذا كله أن يضع البلجيكي في نظر الهولندي في مرتبة أدنى. # أضف إلى هذا أن بلجيكا ذاتها لم يكن أهلها ينتمون إلى أصل واحد أو يتكلمون لغة ~~واحدة؛ بل ينقسم سكان الولايات البلجيكية إلى فلمنك # Flemmish # في ولاية فلندرا # Flanders # والجزء الأكبر من ولاية برابانت # Brabant # ويؤلفون حوالي ثلثي عدد سكان البلجيك، وتختلف لغتهم عن ~~الهولندية اختلافا بسيطا، وينحدرون أساسا من نفس الأصول التي ينحدر منها ~~الزيلنديون # Zeelander # والهولنديون # Hollander # مع امتزاج أكثر بالجنس الكلتي، وأما ~~القسم الآخر من السكان؛ فهم من الوالون # Walloon ~~، ~~في ولايات هينولت # Hainault # ونامور # Namour # ولييج # Liége ~~، وهم من الكلت ولغتهم قريبة جدا من الفرنسية، وفي سنة ~~1815 كان هذا الاختلاف بين الفلمنك والوالون، لدرجة كبيرة مختفيا وراء ستار من ~~الثقافة وآداب السلوك الفرنسية، ولم يكن أهل الطبقات العليا والتجارية يتخاطبون ~~بغير اللغة الفرنسية، وبلغ من كراهية البلجيكيين الفلمنك للسيطرة الهولندية - ~~والهولنديون من أصل فلمنكي - أنهم وجدوا في استخدام اللغة الفرنسية ما يرضي ~~كبرياءهم الوطنية، ويشفي غليلهم من الهولنديين المتسلطين عليهم، ولقد كان من ~~المتيسر بمضي الزمن زوال هذه الكراهية بفضل المنافع التي سوف يجنيها الفلمنكيون ~~البلجيكيون أهل فلندرا وبرابانت من فتح نهر الشلد للملاحة الحرة، وأن يتم الاتحاد ~~بينهم وبين «أقربائهم» عبر الحدود الهولندية، لو أنه لم يكن ms0858 يفرق بين هؤلاء ~~والهولنديين اختلاف المذهب والعقيدة. # فقد كانت ولايات الأراضي المنخفضة الجنوبية - بلجيكا - بسبب سياسة الكثلكة التي ~~اتبعتها إسبانيا بالحديد والنار أيام فيليب الثاني، ودوق ألفا # Alva # ولايات يدين أهلها بالكاثوليكية، في حين أن الولايات ~~الشمالية - هولندة - بالرغم من وجود أقلية كاثوليكية، قد بقيت من أيام وليم الصامت ~~يدين أهلها - شعبا وحكومة - بالعقيدة الكلفينية. # زد على ذلك أن النبلاء في الولايات الشمالية (هولندة) من مدة طويلة كانوا قد ~~فقدوا كل سلطة سياسية، وأخذ رجال الدين البروتستنت يفقدون كذلك هذه السلطة رويدا ~~رويدا، وذلك على خلاف ما كان عليه الحال في الولايات الجنوبية (بلجيكا)؛ حيث كان ~~لرجال الدين نفوذ عظيم مارسوه في مهارة متزايدة، ثم إنه كان في وسعهم أن يعتمدوا ~~على مؤازرة طبقة قوية من النبلاء الكنسيين لهم. # واعتمد أهل الولايات الشمالية (هولندة) في تنمية اقتصادهم، وجلب الرخاء لبلادهم ~~على نشاطهم فحسب كأمة من التجار والملاحين؛ لأنهم يعيشون في أرض استنقذوا أكثرها من ~~البحر بإقامة السدود الصناعية، ضعيفة التربة فقيرة الإنتاج، تكاد تنعدم منها ~~المنتجات الطبيعية. واعتمد الهولنديون على الواردات من الخارج لإمدادهم بضروريات ~~الحياة. أما البلجيكيون فلم يكن لهم قبل الاتحاد موانئ بحرية، ولكن بلادهم كانت ~~غنية بأرضها الخصبة، وبمواردها المعدنية، وعاشوا في رخاء لاشتغالهم بالزراعة ~~والصناعة، ولقد كان من المنتظر - ولا شك - أن يفيد البلجيكيون من الاتحاد الذي كان ~~من أثر القواعد التي قام عليها فتح نهر الشلد للملاحة، وإحياء ميناء أنتورب (أنفرس) ~~البلجيكي القديم، والذي يقع عند مصب هذا النهر، ثم إعطاء البلجيكيين حق التجارة ~~والملاحة في المستعمرات الهولندية. # القانون الأساسي # على أن هذه الاختلافات لم تلبث أن صارت مبعث صعوبات عديدة، منذ صدور بيان الملك ~~وليم الأول في 16 مارس 1815، والذي يعتبر أن الاتحاد بين الشمال والجنوب قد بدأ ~~يتنفذ من وقت صدوره، ذلك أن الملك سرعان ما ألف لجنة من اثني عشر عضوا ~~هولنديا، ومثل عددهم من البلجيكيين (في 22 أبريل) لإدخال التعديلات التي ذكرت ~~«المواد الثماني» ضرورة إدخالها على «القانون الأساسي» لهولندة الصادر ms0859 في 28 مارس ~~1814، والذي صار اعتماده للاتحاد أو الدولة الجديدة، وذلك «بناء على رغبة البلدين ~~المشتركة»، وحرص وليم الأول على أن يكون التمثيل في هذه اللجنة متساويا بين ~~الكاثوليك والبروتستنت، وأن يكون أعضاؤها من الذين حنكتهم التجارب، والذين يمثلون ~~كذلك مختلف الاتجاهات والآراء السياسية. # ومع أن مناقشات حامية دارت حول مسائل كثيرة شائكة أثناء العمل، فقد تناول الأعضاء ~~الموضوعات المطروحة على بساط البحث بروح مسالمة، ورغبة خالصة في الوصول إلى نتيجة ~~مرضية، وأما بحوثهم فقد أسفرت عن وضع نظام للحكم، لم يفرض أية قيود تحد من السلطة ~~الواسعة التي كانت للملك في «القانون الأساسي» لسنة 1814، بل على العكس من ذلك ~~تزايد نفوذ الملك في النظام الجديد. فقد تقرر إنشاء «مجلس طبقات» # States General # أو برلمان، يتألف من مجلسين؛ ~~أحدهما ويسمى الغرفة أو المجلس الأول # First ~~Chamber # من ~~ستين عضوا يعينهم الملك لعضويته مدة حياتهم، والآخر ويسمى الغرفة أو ~~المجلس الثاني # Second Chamber # من مائة وعشرة ~~أعضاء تنتخبهم مجالس # States # الولايات، ومدة ~~عضويتهم ثلاث سنوات، نصفهم بلجيكيون، والنصف الآخر هولنديون، ولم تكن الحكومة ~~(الوزارة) مسئولة أمام هذه الهيئات التمثيلية، ولم يكن في وسع أعضاء «الغرفة ~~الأولى» وهم المعينون؛ إلا أن يخضعوا لمشيئة الملك، واقتصر حق أعضاء «الغرفة ~~الثانية» على رفض مشروعات القوانين المعروضة عليهم، وحرموا من حق تعديلها، ثم إنهم ~~كانوا لا يستطيعون مراقبة مالية الدولة والإشراف عليها إلا حين تعرض عليهم ~~الميزانية، وذلك بحكم هذا القانون الأساسي مرة واحدة كل عشر سنوات، وبفضل هذا ~~النظام إذن تركزت السلطة في يد الملك في النهاية. # ولم يجد أعضاء اللجنة مشقة في الوصول إلى اتفاق بصدد القواعد التي أسفر عنها ~~النظام إلا فيما تعلق منها بمسألتين على درجة كبيرة من الأهمية؛ أولاهما: تساوي عدد ~~الأعضاء الهولنديين والبلجيكيين في الغرفة الثانية من «مجلس الطبقات». وثانيتهما: ~~ما أريد للمذاهب والعقائد الدينية من مساواة كاملة أمام القانون. وحول هاتين ~~المسألتين حصل الاصطدام بين فريقي اللجنة من الهولنديين والبلجيكيين، وكان الاختلاف ~~بينهما اختلافا جوهريا، وكان مؤتمر لندن ms0860 الذي صدر عنه بروتوكول المواد الثماني ~~قد قرر مبدأ المساواة بين العقائد الدينية أمام القانون؛ فتصدى البلجيكيون (الآن) ~~لمعارضة هذا المبدأ معارضة شديدة، ويلقون في موقفهم تأييد الطبقات المتسلطة من ~~الكاثوليك؛ فلم تقبل اللجنة تقرير هذا المبدأ إلا بعد مشقة وعناء عظيم. على أن ~~مسألة التمثيل المتساوي كانت أكثر مشقة وعناء من مسألة المساواة الدينية، واكتنفتها ~~الصعاب من كل جانب، حتى إنه تعذر ابتداع حل مرضي لها من الناحية العملية؛ ذلك أن ~~البلجيكيين تمسكوا بضرورة التمثيل النسبي، حسب تعداد السكان في الولايات الشمالية ~~(هولندة) والجنوبية (بلجيكا)، فيكون للبلجيكيين - الذين يبلغ عددهم ثلاثة أخماس ~~سكان المملكة بأسرها - الأكثرية في المجلس (أي الغرفة الثانية )، في حين تشبث ~~الهولنديون بمبدأ المساواة العددية في التمثيل، كأقل ما يجب الأخذ به في هذه ~~المسألة، بدعوى أن الولايات الشمالية من الأراضي المنخفضة، ظلت تؤلف مدة قرنين من ~~الزمان دولة مستقلة ذات سيادة، وأن الولايات الجنوبية (بلجيكا) قد صدر قرار الدول ~~الكبرى بإدماجها في كيان هذه الولايات الشمالية، باعتبار أنها «زيادة إقليمية» وأن ~~لهولندة مستعمرات آهلة بالسكان، وذات موارد غنية فيما وراء البحار، وعبثا حاول كل ~~فريق الظفر باستعلاء نفوذه عن طريق الأكثرية العددية في «الغرفة الثانية»، وتعذر ~~الوصول إلى حل لهذه المشكلة إلا بتقرير مبدأ المساواة. # وفي 18 يوليو 1815، أعلن الملك أن اللجنة قد انتهت من عملها، وأن «القانون ~~الأساسي» سوف يعرض على ممثلي الأمة لينال موافقتهم عليه، وأذيع في الوقت نفسه ~~بروتوكول المواد الثماني الذي كان قد بقي في طي الكتمان حتى هذا الوقت منذ صدوره في ~~العام السابق. وفي 8 أغسطس 1815 وافق «مجلس الطبقات» الهولندي بالإجماع على ~~«الدستور» الجديد، ولكن الحال كان على خلاف ذلك في بلجيكا؛ عندما اجتمع الأعيان ~~البلجيكيون في بروكسل في 18 أغسطس، فحضر 1323 فقط من 1603 كانت وجهت لهم الدعوة ~~للحضور، ورفض الحاضرون القانون الأساسي بأكثرية 269 صوتا، الأمر الذي أثار دهشة ~~الملك، مما جعله يشعر بحروجة مركزه، فلجأ إلى وسيلة جريئة لإنقاذ الموقف، تتلخص في ~~اعتبار أن ms0861 الأفراد الذين وجهت لهم الدعوة وتغيبوا وعددهم (380)، إنما هم موافقون ~~على القانون الأساسي، ثم اعتبار الذين اقترعوا ضد القانون من الحاضرين لمعارضتهم ~~مبدأ المساواة الدينية وعددهم (126)، أنهم قد فقدوا أصواتهم بدعوى أن اقتراعهم جاء ~~مناقضا لقرارات مؤتمر لندن والمواد الثماني، التي صدرت عنه، ويتعين ضم هذه الأصوات ~~التي فقدت إلى جانب تأييد القانون الأساسي، وبذلك أمكن إعلان أن القانون الأساسي ~~قد صار التصديق عليه بأكثرية (263) صوتا (24 أغسطس)، وكان ذلك إجراء تعسفيا، ~~وليس من شأنه استمالة البلجيكيين لتأييد الدستور الجديد، والذي يرجع الفضل في صدوره ~~والتصديق عليه إلى ما سماه هؤلاء «بعلم الحساب الهولندي»، # 1 # وهكذا جاء هذا الدور الجديد يحمل في طياته - ومن مبدأ الأمر - بذور ~~الانحلال السريع. # حكومة وليم الأول # وفي 26 سبتمبر 1815 وصل الملك وليم الأول بروكسل في احتفال رسمي، وفي اليوم التالي ~~حلف الملك اليمين في حضور «مجلس الطبقات» للمحافظة على الدستور، وبهذه الخطوة تنفذ ~~الاتحاد بين هولندة وبلجيكا، وبدأت مملكة الأراضي المنخفضة حياتها إداريا ~~وقانونا (27 سبتمبر 1815)، وخططت حدود الدولة الجديدة نهائيا بالصورة التي كان ~~قد وافق عليها مؤتمر فينا (منذ 31 مايو من السنة نفسها)، فصارت المملكة الجديدة ~~تشمل جمهورية الولايات المتحدة (الهولندية) القديمة والأراضي المنخفضة النمسوية ~~(بلجيكا) وأسقفية لييج، مع عدد من المقاطعات الصغيرة، وتخلى الملك عن أملاك أسرته ~~(أسرة نساو # Nassau # في ألمانيا)، في نظير تعويضه ~~عنها بإعطائه لكسمورج التي جعلت غراندوقية (في 8 يونيو)، ولقد ضمت إلى المملكة ~~الجديدة كذلك دوقية بويلون # Bouillon # وجهات ماريا ~~نبورج # Marionbourg # وفيليبفيل Philippeville ~~، وقد تنازلت فرنسا عن هذه ~~الأقاليم لمملكة الأراضي المنخفضة في معاهدة باريس الثانية في 20 نوفمبر 1815، ثم ~~لم يلبث أن حصل تعديل للحدود الشرقية من ناحية بروسيا الغربية (الراينية) بمقتضى ~~معاهدات تكميلية في 26 يونيو و7 أكتوبر 1816. # وفي الخمس عشرة سنة التالية التي حكم فيها وليم الأول الأراضي المنخفضة، مملكة ~~واحدة متحدة، تتابعت الحوادث التي أظهرت بوضوح أن هذا الاتحاد (أو الاندماج) كان ~~تجربة فاشلة؛ وذلك بسبب الاختلاف العميق بين أهداف ms0862 كل من الشعبين الهولندي ~~والبلجيكي ومصالحهما المادية، مما جعل الاتحاد مقضيا عليه عاجلا أو آجلا. ~~فانفصل البلجيكيون وخرجوا على الاتحاد عندما قاموا بالثورة في سنة 1830، وأنشئت ~~بلجيكا دولة مستقلة في السنة التالية، واضطر وليم الأول الذي صار ملكا لهولندة فقط ~~عند اعتراف الدول باستقلالها - بلجيكا (في 1831) - إلى الاعتراف هو الآخر ~~باستقلالها بعد ذلك بثماني سنوات (1839)، ثم إنه لم يلبث أن تنازل عن العرش في سنة ~~1840. # إلا أنه قبل الكلام عن العوامل التي أدت إلى قيام الثورة في سنة 1830 وقضت على ~~الاتحاد (أو الاندماج)، يجب تقرير أن هذه السنوات الخمس عشرة من وقت إنشاء مملكة ~~الأراضي المنخفضة إلى وقت انفصال بلجيكا وتحطيم الاتحاد، كانت سنوات انتعاش ورخاء ~~بالنسبة لبلجيكا في ظل حكومة الملك وليم الأول. # فقد اعتقد الملك أن النفع المادي؛ أي رعاية مصالح البلجيكيين المادية، وكذلك نشر ~~التعليم، كفيلان وحدهما بكسب رضاء هؤلاء واستمالتهم إلى تأييد الاتحاد، ونجاح هذا ~~الاتحاد في النهاية، فأكثر من المنشآت العامة، مثل: إنشاء الطرق الكبيرة، وبناء ~~القنوات لتحسين وسائل النقل، فبنيت في بلجيكا قناة ماستريخت-بواليدوك # Maastricht-Bois le Duc ~~(1822)، وقناة ~~غنت-ترنوتزن # Ggent-Terneuzen ~~(1827)، وعنى ~~بتنمية موارد البلاد الطبيعية، وأمد المصانع بالمال، فانتعشت صناعة «الحديد، ~~والصوف، والقطن»، وأضحت لييج وغنت وفرفيية # Verviers # وغيرها مراكز صناعية نشيطة، وأفادت تجارة البلجيكيين من ~~فتح أسواق المستعمرات الهولندية لهم إلى جانب الأسواق الأجنبية الأخرى التي ~~للهولنديين علاقات بها؛ لتصريف منتجاتهم في هذه الأسواق وجلب حاجاتهم من الخامات ~~منها. وساعد على زيادة هذا النشاط التجاري كما ترتب عليه أن عنيت حكومة الملك وليم ~~الأول بإصلاح المواني البلجيكية مثل: مينائي أنتورب (أنفرس) وأوستند. أما عنايته ~~بالتعليم في بلجيكا فقد تبدت في إعادته إنشاء جامعة لوفان # Louvin ~~(1817)، وكانت هذه قد ألغيت في سنة 1797، ثم إنه أسس ~~جامعة أخرى في غنت سنة 1826، وسار على خطة التوسع من ناحية أخرى في التعليم ~~الابتدائي. # وتلك كانت منافع مادية، لا شك في أنها كانت تستميل الولايات الجنوبية إلى التمسك ~~بالاتحاد وتأييده لو أن الحكومة القائمة بالأمر اتبعت سياسة ms0863 حكيمة تستهدف المسالمة، ~~وتعمل على كسر حدة الاحتكاكات التي لم يكن هناك مفر من حدوثها في نظام يراد تطبيقه ~~لإدماج شعبين إدماجا كليا بكل وسيلة، وبالرغم من الفوارق العميقة التي كانت تفصل ~~بينهما؛ حتى إذا مضت فترة من الوقت كافية، قلت هذه الاحتكاكات رويدا رويدا إلى ~~أن ينتهي الأمر باعتراف كل فريق منهما بالمزايا الاقتصادية والسياسية التي تعود ~~عليه من هذا الاتحاد أو الاندماج، في نظير تنازله عن بعض الحقوق التي له وتضحيته ~~بها من أجل الصالح العام، ولكن الذي حدث كان على خلاف ذلك؛ لأن الملك وليم الأول ~~اتبع سياسة كان محورها ترجيح مصالح الهولنديين - في نطاق الاتحاد - على كل ما ~~عداها، والمحافظة على هذه المصالح وتأييدها. # وأما المسائل التي أثارت المتاعب، وتجمعت بسببها العوامل التي أدت إلى اشتعال ~~الثورة، فكانت خمسا: عدم المساواة السياسية والإدارية، الخلافات الدينية، اللغة، ~~المالية، والصحافة. # ولقد سبق الحديث عن عدم المساواة السياسية والإدارية، عندما أشرنا إلى احتجاج ~~المندوبين البلجيكيين في اللجنة التي عهد إليها بتعديل القانون الأساسي ~~(الهولندي)، على ما جاء في مادة الدستور التي جعلت عدد النواب البلجيكيين مساويا ~~لزملائهم الهولنديين في «الغرفة الثانية» أو المجلس الثاني في البرلمان، أو «مجلس ~~طبقات» المملكة، بالرغم من أن تعداد البلجيكيين 3400000 نسمة، في حين أن تعداد ~~الهولنديين كان 2000000 نسمة وحسب. فكان الذي حدث بعد إنشاء «الاتحاد» أو المملكة ~~الجديدة ووضع هذا الدستور موضع التنفيذ أن جرى التصويت داخل «البرلمان» في المسائل ~~التي اختلفت بشأنها مصالح الفريقين، من شماليين (هولنديين) وجنوبيين (بلجيكيين) على ~~أساس قومي، وكثيرا ما كان ينضم عدد من الأعضاء البلجيكيين ممن يقومون بأعمال ~~إدارية أو حكومية إلى جانب الهولنديين، لاعتمادهم في البقاء في وظائفهم على إرادة ~~الحكومة، ففاز فريق الهولنديين بالأكثرية في المجلس في معظم الأحايين، وبهذه ~~الطريقة تمكنت الحكومة من فرض ما أرادته من ضرائب كانت مبعث تذمر وسخط شديد بين ~~البلجيكيين؛ من ذلك على وجه الخصوص فرض ضريبتين (في 21 يوليو 1821) بتصديق من ~~«البرلمان» بأكثرية 55 صوتا، منها صوتان ms0864 بلجيكيان، وذلك ضد 51 صوتا (الأقلية ~~البلجيكية)، ثم مثال آخر، هو ما حدث عند عرض الميزانية السنوية على البرلمان في سنة ~~1827، فقد صدق عليها المجلس (28 أبريل) بأكثرية تتألف من 49 صوتا هولنديا ~~وأربعة أصوات بلجيكية. أضف إلى هذا أن القانون الأساسي كان قد نص في مادته ~~الثامنة والتسعين على أن يجتمع مجلس الطبقات (البرلمان) بالتناوب في مدينة شمالية ~~وأخرى جنوبية، ولكن هذه المادة لم توضع موضع التنفيذ إطلاقا، فبقيت الوزارات في ~~لاهاي، وبقي في هولندة مقر المصالح والمؤسسات الإدارية والعسكرية الرئيسية. # أما الوزراء الذين بلغ عددهم سبعة في 1816، فكان واحد منهم فقط بلجيكيا، وفي سنة ~~1830 كان لا يزال هناك ستة وزراء هولنديون من بين سبعة، ومن بين 39 دبلوماسيا كان ~~ثلاثون من الهولنديين، وفي مختلف الإدارات كان عدد الهولنديين في وزارة الداخلية ~~117، والبلجيكيين 11 فقط، وفي المالية 59 هولنديا وخمسة فقط من البلجيكيين، وفي ~~وزارة الحرب 102 هولندي و3 بلجيكيون، وأما الذين شغلوا الوظائف الكبرى في المؤسسات ~~والأسلحة الخاصة بالجيش فكان أكثرهم من الهولنديين، فمن بين 43 ضابط أركان حرب، كان ~~عدد البلجيكيين ثمانية، ومن بين 43 من كبار ضباط المدفعية، وجد ضابط بلجيكي واحد، ~~ومن بين 23 ضابطا في سلاح المهندسين لم يكن هناك ضابط بلجيكي واحد، ويدخل تحت عدم ~~المساواة السياسية والإدارية، جعل مقر محكمة الاستئناف في لاهاي بمقتضى أمر صدر في ~~21 يونيو 1830، بالرغم من أن عدد قضايا البلجيكيين المستأنفة كان يفوق كثيرا قضايا ~~الهولنديين بنسبة خمس إلى واحدة، وكان هذا الإجراء من العوامل التي زادت من حدة ~~التوتر والسخط قبيل انفجار الثورة. # ولقد شاهدنا كيف أن «القانون الأساسي» أو الدستور قد قرر في مواده (190-193) ~~المساواة بين مختلف العقائد الدينية أمام القانون، وجعل لكل رعايا الملك مهما ~~اختلفت عقائدهم الحق في شغل مناصب الحكم والإدارة، وذكرنا أن تقرير هذه القواعد كان ~~قد قوبل بالعداء الشديد من جانب الحزب الكاثوليكي المتطرف في بلجيكا، وكان في مقدمة ~~الناقمين على مبدأ المساواة الدينية أمام القانون أسقف غنت ms0865 (موريس دي بروجلي) # Maurice de Broglie # الذي أعد ~~احتجاجا على لسان رؤساء الأبروشيات للاحتجاج لدى الملك ضد الاعتداءات التي حصلت ~~على حقوق الكنيسة الكاثوليكية في الأراضي المنخفضة الجنوبية (بلجيكا)، وفي 2 أغسطس ~~1815، أصدر أسقف غنت نفسه تعليمات أو توصيات لأهل أبروشيته (أو أسقفيته) يمنع ~~الأعيان في حدود أسقفيته، والذين دعوا للاجتماع في بروكسل من الاقتراع في صالح ~~قانون أساسي يشمل - كما قال - مواد متعارضة مع حقوق الكنيسة الكاثوليكية التي لا ~~يمكن التخلي عنها، ولم يلبث أن أصدر «حكما عقائديا» بعد أن أعلن الملك في 24 ~~أغسطس اعتماد القانون الأساسي، يعتبر أن حلف اليمين لتأييد الدستور الجديد خيانة ~~يرتكبها صاحبها ضد صالح الدين نفسه، ونال موقف «موريس دي بروجلي» كل تأييد من جانب ~~البابا الذي امتنع عن اعتماد تعيين كونت دي ~~ميان # Méan # مطرانا لمطرانية مالين # Maline ~~(مايو 1817) إلا إذا أقر المعين لهذه المطرانية أن ~~حلف اليمين للدستور، إنما يعني في فهمه للمساواة الدينية المذكورة به أنها مساواة ~~في الحماية التي ينالها الأفراد - الذين تنوعت عقائدهم - في كل ما يتصل بالشئون ~~المدنية فقط، ولقد درج الكاثوليك المعارضون للدستور على حلف اليمين له من الآن ~~فصاعدا فيما صار معروفا - بالمعنى الذي حلف به المسيو دي مالين. # أما أسقف غنت، فقد عزمت الحكومة على محاكمته في بروكسل، ولكنه رفض الحضور إلى ~~بروكسل وطعن في صلاحية المحكمة التي عرضت عليها مسألته، ولجأ إلى فرنسا؛ فأدانته ~~هذه المحكمة بدعوى تحقيره لها وتمرده على أوامرها (9 أكتوبر 1817) وحكمت بنفيه، ثم ~~عمدت الحكومة إلى نشر صورة هذا الحكم بتعليقه في السوق العام في غنت بين مشهرين ~~(والمشهر آلة خشبية يدخل فيها رأس المجرم) لاثنين من اللصوص، وكان هذا التشهير ~~إجراء غير حكيم زاد من تعلق البلجيكيين به، كما لم يفد شيئا، حينما ظل أسقف غنت ~~يدير شئون أسقفيته من باريس بواسطة نائبه، ويطيع «المؤمنون» أوامره ونواهيه في ~~رسائله لأبرشيته، وعندما قدم نائبه للمحاكمة في سنة 1821، برأته المحكمة، ~~وتدخل البابا بيوس السابع بنفوذه، وكان صاحب آراء معتدلة في ms0866 صالح السلام، لمنع ~~جماعة الكاثوليك المتطرفين من المضي في عنفهم. # ولكن سياسة الملك التعليمية، لم تلبث أن أدت إلى استئناف الاحتكاك في سنة 1825، ~~فقد نجم من توجيه عنايته للتعليم العالي إنشاء جامعة «لوفان»؛ وذلك منذ 1817 - كما ~~عرفنا - فأراد الآن، تحدوه الرغبة نفسها في تقدم التعليم العالي ونهضته - أن يشترط ~~على كل مرشح للكهنوت أن يدرس مدة سنتين بكلية الفلسفة التي أسسها في جامعة لوفان، ~~وذلك قبل التحاقه بالمدرسة أو الكلية الأكليريكية (أو الكهنوتية)، واستصدر بذلك ~~قرارا في 11 يوليو 1825، ثم أردفه بقرار آخر (في 11 أغسطس) حرم فيه تلقي العلم ~~في الجامعات الأجنبية، وعوقب من يفعل ذلك بحرمانه من الالتحاق بالوظائف مدنية ~~كانت أم دينية، وكان الغرض من هذا القرار الأخير: منع الذين يريدون الكهنوتية من ~~تلقي العلم في كليات اليسوعيين (الجزويت) في الخارج. # وعارض «الحزب الكنسي» هذه الإجراءات معارضة شديدة داخل البرلمان، ولكن الحكومة ~~لقيت أنصارا من البلجيكيين «الأحرار» داخل المجلس، فأيدت هذه القرارات أكثرية ~~كبيرة، بينما قدمت الحكومة للمحاكمة عددا من الذين تطرفوا في معارضة الحكومة ~~وإظهار نقمتهم عليها، وأراد الملك تهدئة النفوس الثائرة بمحاولة التفاهم مع ~~الفاتيكان لعقد اتفاق«كونكردات» من نمط الاتفاق الذي أبرم بين البابا وفرنسا (أيام ~~نابليون)، وفي يونيو 1827، أمكن إبرام «الكونكردات» المنشودة، ونصت المادة ~~الثالثة منها على أن يكون عدد الأسقفيات في الأراضي المنخفضة جميعها ثمانية بدلا ~~من الأسقفيات التي كان عددها خمسا فقط في بلجيكا، ووافق البابا على أن يكون للملك ~~الحق في الاعتراض على أي مرشح لملء منصب الأسقفية لا يرضى عنه، ومن ناحية أخرى ~~جعلت الدراسة لمدة سنتين في «كلية الفلسفة» بجامعة لوفان أمرا اختياريا، ولا ~~جدال في أن هذه الاتفاقية - ولا سيما بسبب ما جاء بالمادة الثالثة منها - تعد ~~نصرا ظاهرا للملك، ولكن البابا عند إعلان إبرام الاتفاقية، أغفل الإشارة إلى ~~تخليه للملك عن حق الاعتراض على تعيين المرشحين لمناصب الأسقفية، كما قال فيما ~~يتعلق بدراسة المرشحين للكهنوت: إن تحديدها منوط الأساقفة الذين يخضعون لما يصدر من ~~قرارات في ms0867 هذا الشأن عن رومة. وحينئذ فقد عمدت الحكومة على الفور إلى إرسال ~~التعليمات السرية لحكام الولايات (المقاطعات) لتأجيل تنفيذ الاتفاقية، وهكذا ذهبت ~~هباء جهود طيبة كان الغرض منها التهدئة وكسر حدة الاحتكاك بين الحكومة والكاثوليك ~~البلجيكيين. # وفيما يتعلق باللغة كان حوالي الثلثين من أهل المقاطعات الجنوبية بالأراضي ~~المنخفضة (أي بلجيكا) يتكلمون - كما عرفنا - لغة تختلف اختلافا يسيرا جدا عن ~~اللغة الهولندية، وكان يريد الملك من أول الأمر تقوية ما أسماه «باللسان الوطني» ~~وتعميم استخدامه، وأيده في هذه الرغبة أكثر سكان الولايات (أو المقاطعات) التي ~~تتكلم الفلمنكية، ولكن الملك وجد عند تأسيس مملكة الأراضي المنخفضة أن الفرنسية ~~كانت لغة التخاطب الرسمية في الولايات البلجيكية مدة السيطرة الفرنسية (أيام الثورة ~~ونابليون)، بل وكانت قبل ذلك بمدة طويلة لغة الحكومة في كل شئونها، حتى إن أكثر أهل ~~الطبقات الثرية في ولايات مثل فلاندرا وبرابانت صارت تجهل لسانها الوطني، وعلى ذلك ~~فقد استصدر وليم الأول قرارا في أكتوبر 1814، يجعل قانونيا استخدام الفرنسية ~~والهولندية، ثم استصدر بعد خمس سنوات (15 سبتمبر 1819) قرارا آخر يجعل معرفة اللغة ~~الهولندية مؤهلا لازما للالتحاق بالوظائف العامة جميعها، وأخيرا صدر قرار في 26 ~~أكتوبر 1822 باعتماد اللغة الهولندية لسان التخاطب الرسمي في الدولة، واعتبارها لغة ~~البلاد الوطنية، وكان معنى ذلك فرض هذه اللغة الهولندية على البلجيكيين فرضا، ~~الأمر الذي جعل هؤلاء ينظرون إلى هذا الإجراء التعسفي كأحد مظاهر السيطرة ~~الهولندية؛ مما أثار تذمر البلجيكيين وغضبهم الشديد منه، ولا سيما الوالون الذين ~~كانت هذه اللغة الوطنية المزعومة بالنسبة لهم لسانا أعجميا. كما عارض هذا القرار ~~المحامون البلجيكيون عموما، وعظم السخط لدرجة أن الحكومة لم تلبث أن اضطرت في سنة ~~1829 إلى التخفيف من حدة هذه القرارات شيئا، ولكن هذه كانت خطوة جاءت متأخرة، ~~فبقيت مشكلة اللغة من العوامل القوية التي أدت إلى قيام ثورة البلجيكيين ضد ~~هولندة. # وكانت مسألة تسوية الدين العام ذات أثر بالغ في تحريك هذه الثورة لا يقل عن آثار ~~العوامل السابقة، فقد عرفنا كيف أن المادة السادسة ms0868 من بروتوكول الاتحاد - أو ~~بروتوكول المواد الثماني - جعلت البلجيكيين يتحملون نصف مقدار الدين الذي كانت ~~هولندة مدينة به قبل الاتحاد، وأما هذا الدين الذي استدانته الولايات الشمالية - ~~أي هولندة - فكان يبلغ في سنة 1815 مليارين من الفلورينات (والفلورين عملة ~~هولندية)، بينما بلغ دين الأراضي المنخفضة النمسوية - أي بلجيكا - 32 مليونا فقط، ~~وكانت هولندة قبل الاتحاد تعاني صعوبات مالية قاسية من أيام السيطرة الفرنسية. وفي ~~سنة 1814 بلغ العجز في ميزانية هولندة ستة عشر مليونا من الفلورينات، وفي سنة ~~1815، ارتفع إلى أربعين مليونا بسبب حملة واترلو. وكان طبيعيا أن يتذمر ~~البلجيكيون من إرغامهم على تحمل أعباء مالية (وديون) لم يكونوا هم مسئولين عنها ولا ~~يد لهم فيها، وكان من المنتظر من ناحية أخرى أن يلقى البلجيكيون في فتح الأسواق ~~الهولندية في المستعمرات الهولندية الغنية فيما وراء البحار ما يعوضهم عن هذه ~~الأعباء المكروهة، ولكن حدث في سنة 1825، أن قامت الثورة في «جاوه»، وكانت ثورة ~~كبيرة كبدت الحكومة نفقات جسيمة، فصارت المستعمرات بابا آخر من أبواب الإنفاق ~~المتزايدة، بدلا من أن تكون مصدر ربح يخفف من أعباء ميزانية الدولة. وأدى استمرار ~~العجز في الميزانية إلى لجوء الحكومة لعقد القروض من ناحية ولزيادة الضرائب من ~~ناحية أخرى، ولما كان القانون الأساسي قد قصر حق «البرلمان» على بحث الميزانية مرة ~~كل عشر سنوات؛ فقد انحصرت كل سلطة في الهيمنة على مالية البلاد في يد الملك وحده، ~~الذي عد لدرجة كبيرة مسئولا عن الحالة السيئة التي وصلت إليها مالية ~~الدولة. # ولقد زاد مركز الملك وليم الأول حرجا وزاد سخط البلجيكيين عليه وعلى الهولنديين ~~بسبب الإجراءات التي اتخذها لمعالجة العجز المزمن في الميزانية. من ذلك أن الحكومة ~~قررت نوعين من الضريبة الجديدة في 1821؛ إحداهما على القمح المطحون # Mouture ~~، والأخرى على الحيوان المذبوح # Abbatage ~~، وبمعنى آخر على الخبز واللحم، فبلغت حصيلة ~~الضريبة الأولى 5500000 فلورين، انتزعت معظمها من الطبقات الفقيرة في المجتمع، ووقع ~~عبؤها على البلجيكيين الذين يعتمدون في غذائهم على الخبز. أما الهولنديون فيتألف ~~استهلاكهم من ms0869 البطاطس والخضروات، ولا يستهلكون من الخبز القدر الذي يستهلكه ~~البلجيكيون، وبلغت حصيلة الضريبة الثانية 2500000 فلورين، ولم يقع عبؤها الثقيل على ~~الفقراء، ولو أن كل الطبقات كرهت هذه الضريبة، والمبدأ الذي قامت عليه. ويتضح مدى ~~سخط الرأي العام في بلجيكا على هاتين الضريبتين من الطريقة التي جرى بها الاقتراع ~~عليهما في «الغرفة الثانية» من «مجلس الطبقات العام» في 21 يوليو 1821، عندما تم ~~التصديق عليهما، فقد بلغت الأكثرية 55 صوتا كان من بينها صوتان بلجيكيان فقط، أما ~~الأقلية - أي المعارضة - فقد بلغت 51 صوتا كانت جميعها بلجيكية. فكان تجاهل استياء ~~البلجيكيين الظاهر للضريبتين عملا بعيدا عن كل حكمة سياسية من جانب الحكومة، ومع ~~ذلك فقد بقيت هذه الضرائب حتى ألغيت أخيرا في سنة 1829، ولكن الاقتراع الذي حدث ~~في يوليو 1821 كان قد ساعد على إحداث هوة عميقة فصلت بين الشمال والجنوب بصورة ~~مستديمة. فقد عمد النواب البلجيكيون من ذلك الحين، وبزعامة خطبائهم وخصوصا ~~دوترنج # Dotrenge # وريفان # Reyphins ~~، إلى معارضة الحكومة «الهولندية» والتذرع ~~بكل وسيلة لتعطيل أعمالها، وقابل النواب الهولنديون هذه المعارضة بالتكتل من ~~ناحيتهم، والوقوف جبهة متحدة (كحزب وزاري) لتأييد كل أعمال الحكومة، واستطاع الملك ~~باستخدام نفوذه وسلطته الأوتقراطية إنقاذ الحكومة كلما تحرج الموقف، وتعادلت أصوات ~~الفريقين، بأن يجذب عددا ضئيلا من النواب البلجيكيين للاقتراع إلى جانب الحكومة، ~~وواضح أن هذا الانقسام الذي كان يتزايد سنة بعد أخرى، قد جعل من المتعذر أن يحدث أي ~~اندماج بين الشمال والجنوب. # وإلى جانب هذا كله لم تقم أية محاولة لتنفيذ المادة 227 من القانون الأساسي، التي ~~كفلت حرية الصحافة، بل على العكس من ذلك فقد طغت إرادة الملك ورغباته الشخصية في ~~هذه المسألة وغيرها، مثل عدم التعرض للقضاء، على كل الحقوق التي نص عليها ~~الدستور، فهو قد استصدر في 20 أبريل 1815 قرارا صارما، كان الغرض منه درء الأخطار ~~التي تهددت الأراضي المنخفضة بسبب فرار نابليون من منفاه في إلبا وعودته إلى الحكم ~~(حكم المائة يوم) في فرنسا، وبمقتضى هذا القرار فرضت عقوبات ms0870 شديدة - منها فقد ~~الحقوق المدنية، والسجن من سنة إلى ست سنوات، والتغريم من مائة إلى عشرة آلاف فرنك، ~~والكي والتعذيب - على كل من تثبت إدانته بأنه يذيع أخبارا أو معلومات تؤذي ~~الدولة أو تنشر الاضطراب بها، ويجري توقيع هذه العقوبات على يد محكمة يختار الملك ~~أعضاءها «التسعة»، ودون أن يكون هناك محلفون، وقد يكون هناك ما يدعو لمثل هذا ~~الإجراء أثناء الأزمة، ولكن بانتهاء أخطار الغزو النابليوني، ووضع القانون الأساسي ~~كان يجب تنفيذ الدستور، ومع ذلك فقد حوكم (في سنة 1817) بناء على قرار 20 أبريل ~~1815، أحد رجال الدين أبيه دي فير # Abbé de Foere # بدعوى أنه نشر عددا من المقالات في صحيفة بلجيكية سبكتاتور بيلج # Spectateur Belge # يؤيد فيها أسقف غنت، ~~فصدر الحكم بحبسه سنتين، وحكم على الطابع بغرامة فادحة، وفي 18 فبراير 1818 صدر ~~قانون بناء على اقتراح الحكومة، نال بفضله قرار 20 أبريل 1815 «المؤقت» تصديق مجلس ~~الطبقات (البرلمان) فأصبح «مستديما»، وبذلك كممت أفواه الصحافة؛ لأن الحكومة صارت ~~تحرص على تنفيذ «القانون» بكل شدة، وغضب الشعب عندما حوكم في سنة 1819، أحد ~~الكتاب فان درستراتن # Van Der Straeten # وغرم ثلاثة آلاف فرنك؛ لأنه نشر كتابا يحوي مطاعن على الحكومة، واكتتب الشعب ~~في دفع هذه الغرامة، ومع أن الحكومة نجحت في إغلاق عدد من الصحف المعارضة، وتوقيع ~~العقوبة على نفر من الناشرين والكتاب، إلا أن المعارضة ضد «الحكومة الهولندية» ~~استمرت عنيفة، وانبرى كثيرون من الكتاب لتوجيه الانتقادات المرة ضدها، ولقيت ~~دائما كتاباتهم بين البلجيكيين رواجا لتعبيرها عن شعور التذمر والسخط المنتشر ~~بينهم. # ولقد كان من أثر النفور المتزايد بين الشمال (هولندة) والجنوب (بلجيكا)، أن اتحد ~~في الجنوب في سنة 1828 البلجيكيون الكاثوليك، والأحرار، وكانا حزبين متنافرين، لم ~~تلبث أن جمعت بينهما المطالبة المشتركة لإزالة المساوئ مصدر الشكوى، والدفاع عن ~~الحريات المدنية والدينية. فمع أن أهل البلجيك كلهم كاثوليك، فقد ظلوا طوال مدة ~~«الاتحاد» مع هولندة منقسمين إلى مجاعتين أو حزبين لا سبيل إلى التوفيق بينهما، هما ~~حزب متطرفي الكاثوليك أو ms0871 الكنسيين # Clericals # وحزب ~~الأحرار الذين اعتنقوا المبادئ التي نادت بها الثورة الفرنسية، ولقد اتحد الحزبان ~~دائما داخل مجلس الطبقات (البرلمان) في تأييد المصالح البلجيكية ضد السيطرة ~~الهولندية، ولكنهما كانت تفرقهما العداوة المتبادلة وعوامل الحسد، وفي وسع الملك ~~إذا اتبع سياسة حكيمة أن يجذب إليه جماعة الأحرار لتأييده في نضاله ضد تعصب ~~«الكنسيين» وتطرفهم، ولكن وليم الأول آثر أن يمضي في طريقه، ويتخذ ما يشاء من ~~إجراءات تعسفية لتنفيذ «سياسته» دون اكتراث بشعور رعاياه البلجيكيين، سواء من ~~الكنسيين أو من الأحرار، إلى أن تألف في سنة 1828 اتحاد # Union # يجمع بين الفريقين على أساس تنسيق جهود الحزبين في الدفاع ~~عن حرية العبادة (العقيدة) والتعليم والصحافة. # المعارضة في بلجيكا # بدأ يشتد القلق ويقوى التذمر في بلجيكا في أواخر سنة 1828 بدرجة تنبئ بتأزم ~~الأمور، وتعرض «الاتحاد» أي المملكة الناشئة للخطر، واتخذ هذا القلق والتذمر شكل ~~إهاجة الخواطر ضد الحكومة، على أساس المطالبة بالإصلاح وإزالة أسباب الشكوى، وأرسلت ~~المجالس الإقليمية في هينولت، ولييج، ونامور عرائض تطلب فيها إلغاء ضريبتي القمح ~~المطحون والحيوان المذبوح، ولما لم تلق هذه العرائض قبولا حسنا بدعوى أن مسألة ~~الضرائب ليست مسألة إقليمية، وإنما يخص الأمة بأكملها، استبدلت بهذه العرائض ~~الإقليمية عرائض عامة يشترك في تقديمها أهل البلاد من كل الطبقات؛ من نبلاء وكنسيين ~~وتجار ومحامين وصناع (في المدن) وفلاحين (في الريف)، فتسلمت «الغرفة الثانية» ~~عرائض عديدة كان من بينها عريضة بلغ عدد الموقعين عليها سبعين ألفا. # وأثارت هذه العرائض ثائرة الحكومة، بدلا من استمالتها إلى إلغاء الضرائب المشكو ~~منها أو إزالة أسباب التذمر، وعمد الملك إلى الطواف في البلاد البلجيكية، فزار ~~موكبه الملكي خلال شهري مايو ويونيو 1829 عددا من المدن، ولما كان لا يزال يكن له ~~الشعب احتراما كبيرا فقد قوبل بالترحيب في كل مكان، الأمر الذي جعله ينخدع بهذه ~~المظاهر الشعبية ويعتقد أن بوسعه إخماد المعارضة، فألقى خطابا في لييج أشار فيه ~~إلى ما سماه «بالشكايات المزعومة» التي تضمنتها العرائض، ووصف مسلك المنظمين ~~لهذه العرائض بأنه ms0872 مسلك مدموغ بالعار والفضيحة، وكان انزلاق الملك في حملته على ~~أصحاب العرائض عملا بعيدا عن الحكمة، ويدل على قصر النظر، وكان لعباراته هذه التي ~~ذكرناها وقع أليم في النفوس. ولقد عبر أهل فلندرا عن مشاعرهم باستعادة ذكرى ~~حادث «الشحاذين» - وهو الوصف الذي أطلقه الإسبان على الثوار في الأراضي المنخفضة ضد ~~حكمهم في سنة 1566 - فهزئوا من هذا الوصف الذي وصف به الملك مسلكهم، وأنشئوا على ~~سبيل السخرية بالحكومة «فريق العار والفضيحة»، وصنعوا له وساما منقوشا عليه ~~شعارهم «خلصاء وأوفياء لدرجة العار والفضيحة». # ولم يقتصر الأمر على تقديم العرائض، بل صحب هذه الحركة معارضة نشيطة من جانب ~~النواب البلجيكيين في «الغرفة الثانية» من جهة، وحملة عنيفة من النقد ومهاجمة أعمال ~~الحكومة في الصحف من جهة ثانية. فقد تقدم أحد النواب البلجيكيين دي بروكير # de Brouckére # باقتراح (في 3 ديسمبر 1829) ~~لإلغاء قرار 20 أبريل 1815، فرفضه النواب الهولنديون بالإجماع وانحاز إليهم سبعة من ~~البلجيكيين. وفي 11 ديسمبر تلقى مجلس الطبقات (البرلمان) رسالة ملكية كان لها دوي ~~غير قليل، إذ وصفت المعارضة ضد الحكومة في بلجيكا بأنها من صنع حفنة من المهيجين ~~السياسيين، وأعلنت عزم الحكومة على استصدار قانون بدلا من قرار 1815، يكبح جماح ~~الصحافة المتطرفة. وفي حين أن هذه الرسالة تضمنت وعدا بالاستجابة لبعض المطالب ~~الخاصة باللغة والتعليم والضرائب، فقد رفضت إقامة وزارة مسئولة ، وتأكد بصورة قاطعة ~~مبدأ الملكية المطلقة، وفي 12 ديسمبر أصدر وزير العدل فان مانين # Van Maanen # منشورا يطلب فيه من جميع الموظفين ~~المدنيين إعلان موافقتهم التامة، خلال أربع وعشرين ساعة على كل المبادئ التي جاءت ~~في الرسالة الملكية، أو يتركوا وظائفهم، ومن هذه اللحظة أصبح «فان مانين» موضع حملة ~~استهجان عظيم من جانب كل الكتاب والناشرين في بلجيكا. # ولم تلبث أن ظهرت آثار موقف الملك، وعلى نحو ما كان متوقعا، عندما عرضت ~~الميزانية على النواب في دورها العشري - وقد عرفنا أنها تعرض بموجب الدستور مرة كل ~~عشر سنوات على الغرفة الثانية - في آخر ديسمبر من السنة نفسها، فتعالت صيحة ms0873 النواب ~~البلجيكيين بمبدئهم الذي تمسكوا به الآن: «لا مال حتى يسبقه إزالة المظالم.» فرفض ~~قسم الميزانية الخاص بالإيرادات بأكثرية 55 صوتا ضد 52، ولو أن المجلس وافق على ~~قسمها الخاص بالنفقات بأكثرية 61 صوتا ضد 46 صوتا، واضطرت الحكومة لتقديم ميزانية ~~جديدة للإيرادات، ولمدة سنة واحدة بدلا من عشر سنوات، وبعد أن حذفت ضريبة القمح ~~المطحون المكروهة، وعندئذ صودق على هذه الميزانية بالإجماع. # وغضب الملك من موقف المعارضة وفشل الحكومة غير المرتقب، وجعله الغضب يتخذ إجراء ~~غير حكيم؛ هو أنه استصدر مرسوما ملكيا في 8 يناير 1830 يحرم به ستة من النواب ~~الذين اقترعوا مع الأكثرية من وظائفهم ومرتباتهم. وكان الغضب قد بدأ يستبد بالملك ~~لدرجة خطيرة، من جراء الحملات المستمرة العنيفة في الصحف البلجيكية ضد سياسة ~~الحكومة، والتي كان غرض هذه الصحف منها؛ إهاجة الخواطر واستفزاز الشعور العام ضد ~~الحكومة. # ولقد بلغ من عنف هذه الحملة الصحفية، وحدة العبارات التي «نقدت» بها أعمال ~~الحكومة، أن صار متعذرا على الملك وحكومته السكوت عليها أو عدم إعارتها الاهتمام ~~اللازم، وكان أكثر الذين يقودون هذه الحملة الصحفية العنيفة من المحامين الشبان، ~~وفي مقدمة هؤلاء؛ لويس دي بوتر Potter # وكان ~~يحرر في جريدة لوبيلج # Le Belge ~~، وكان له زميل ~~من المحامين الأحرار، وصاحب شهرة هو جاند ~~بيان # Gendebien # وقد اشترك «دي بوتر» كذلك مع آخرين، منهم فان دي وير # Weyer # في تحرير جريدة كورييه دي باييه با # Courrier Des Pays-Bas ~~، ثم ~~بارتيل # Barthels ~~، وكان يحرر في جريدة ~~لوكاثوليك # Le Catholique ~~، وهذه الصحف تصدر في ~~غنت. أما في لييج فكان لوبو # Lebeau # وروجيه # Rogier # يحرران صحيفةلوبولتيك # Le Politique ~~. # ولعل أكبر هؤلاء أثرا وأعظمهم نشاطا كان «لويس دي بوتر»، فقد نشر في سنة 1829 ~~مقالا في «كورييه دي باييه با» يحمل فيه على «المستوزرين»، ويحط من قدرهم، ويحذر ~~قراءه من أخطارهم، فحوكم وسجن ثمانية عشر شهرا، كما دفع غرامة مالية كبيرة ~~(1000 فلورين) ولكن هذا الحكم القاسي لم يسكته، بل استمر يكتب في سجنه الكراسات ~~الصغيرة ms0874 والرسالات يملؤها مطاعن على الحكومة، واعتبره مواطنوه «شهيدا»، وقرءوا كل ~~ما دبجه يراعه بنهم وحماس شديدين، وزاد هياج الخواطر بسبب هذا كله حدة على ~~حدته. على أن أشد خطاب وجه للملك أو الحكومة من صنعه كان ذلك الذي نشره «لويس دي ~~بوتر» ردا «على الرسالة الملكية السالفة الذكر في 11 ديسمبر 1829 لمجلس الطبقات». ~~فقد كتب «دي بوتر» مخاطبا الملك: # كلا يا مولاي! أنت لست سيد البلجيكيين كما يريدك الناس أن تعتقد ذلك، ~~وإنما أنت الأول فقط بينهم، وأنت لست سيد الدولة، وإنما أنت تتخذ مكانك ~~على رأسها بوصفك أعلى موظفيها درجة ورتبة. # وفي ذلك تحد صريح للملك ونقض للمبدأ الذي جاء في رسالته الملكية، مبدأ الملكية ~~المطلقة، حينما قال: # ولم يكن من رغبتنا بتاتا ممارسة حقوقنا (في الحكم) بصورة لا حدود لها، ~~بل لقد حرصنا دائما وعن إرادة صادرة منا أنفسنا على أن نحد من سلطة هذه ~~الحقوق (المطلقة) عند ممارستها. # وفي 31 يناير 1830، نشرت سبع عشرة صحيفة معا وفي وقت واحد مشروعا بدأه «دي بوتر» ~~بجمع تبرعات من الأمة البلجيكية لتعويض النواب الستة الذين حرموا من وظائفهم ~~ومرتباتهم لاقتراعهم ضد الميزانية، وعثرت الحكومة على الرسائل المتبادلة بين «دي ~~بوتر» وأحد أصدقائه تيليمان # Thielemans ~~، حين كان ~~يعمل رئيس تحرير لجريدة «لوبيلج» و«لوكورييه دي باييه-با»، واعتبرت ما جاء في هذه ~~الرسائل طعنا عليها، فقدمت الاثنين إلى المحاكمة، كما قدمت «بارتيل» رئيس تحرير ~~«لوكاثوليك»، وطابع هذه الجريدة دي نيف # Nève # إلى ~~المحاكمة، وحكم على الأربعة بالنفي؛ دي بوتر لمدة ثماني سنوات، وتيليمان وبارتيل ~~لسبع سنوات، ودي نيف لخمس. # ثم أرادت الحكومة أن تكون لها صحيفة تنطق بلسانها، وتذود عن سياستها ضد هذه الحملة ~~الصحفية العنيفة، فأصدرت في بروكسل صحيفة دعتها لوناشونال # National ~~، وعينت لرياسة تحريرها ليبري باينانو # Libri-Bagnano ~~، وكان اختيارا جانبه ~~التوفيق؛ لأن «ليبري باينانو» مع مهارته ككاتب ومحدث ومجادل، لكنه كان من أصل ~~إيطالي، وسبق أن حكم عليه بالأشغال الشاقة مرتين في فرنسا لارتكابه جريمة التزوير. ~~أضف إلى هذا أن ms0875 رئاسة تحريره للصحيفة سرعان ما جعلت من «لوناشونال» أداة لزيادة ~~النار اشتعالا، عندما أخذ يعلن على صفحات «لوناشونال» «أن البلجيكيين يجب أن ~~تكمم أفواههم كما تكمم الكلاب.» واعتبر البلجيكيون أن «ليبري باينانو» إنما يعبر ~~في صحيفته عن رأي وزير العدل «فان مانين»، وثارت ثائرة هؤلاء عندما تبين كذلك ~~أن «ليبري باينانو» قد نال من الحكومة ثمنا لخدماته مبلغ 85000 فلورين، أخذت من ~~أموال عامة مخصصة للصناعة. # الثورة # وهكذا انقضت الشهور الستة الأولى من عام 1830، وشعور الشماليين (هولندة) ~~والجنوبيين (بلجيكا) بأن محاولة إدماج الشعبين في مملكة واحدة قد أخفقت، لا يفتأ ~~يتزايد، وأن أحدا صار لا يريد في الحقيقة أن يتم هذا الاندماج، ومع ذلك فمما يجدر ~~ذكره أن أحدا في هذه المرحلة حتى من أشد المناوئين للهولنديين في بلجيكا لم يكن ~~يفكر إطلاقا في فصم عرا هذا الاتحاد. فشعور الولاء نحو الأسرة المالكة كان لا يزال ~~قويا. فقد قطع البلجيكيون شوطا كبيرا في التقدم الصناعي، وانتعشت تجارتهم تحت ~~رعاية الملك وليم الأول الشخصية، وعظم ولاء الطبقات المشتغلة في التجارة والصناعة، ~~ومن الحرفيين، لآل أورانج في بعض المدن الكبيرة، خصوصا أنتورب (أنفرس) وغنت. ولقد ~~كان الهولنديون يحسدون البلجيكيين على الفوائد والمغانم التي جناها هؤلاء من انتعاش ~~صناعتهم وتجارتهم، وانتشار الرخاء في الولايات الجنوبية، ونقموا على نظام الضرائب ~~التي فرضت لحماية الصناعة، رعاية لصالح البلجيكيين، وهم من الصناع، في حين أن ~~هذه الضرائب الجمركية كانت تعطل نشاط الهولنديين الذين اعتمدوا على تجارة النقل مع ~~مستعمراتهم عبر البحار. ونظر أهل أمستردام وروتردام بعين الحسد للنمو والانتعاش ~~الذي أدركته أنتورب، وعلى ذلك فقد كان متيسرا اجتياز الأزمة، واسترضاء البلجيكيين ~~إلى بقاء الاتحاد، لو أن مطالبهم قوبلت بشيء من التسامح، وأزيلت المظالم التي شكوا ~~منها، فإن البلجيكيين لم يكونوا قطعا يريدون - كما ذكرنا - فصم علاقاتهم مع ~~الهولنديين في هذه المرحلة، بل إن كل الذي أرادوه أن تكون لهم إدارة منفصلة عن ~~إدارة هولندة تحت تاج واحد؛ أي التمتع باستقلال إداري داخلي وحسب، فهم كانوا ~~يعترفون ms0876 بما أفادته البلاد من التقدم المادي الذي حصل في عهد وليم الأول، كما كانوا ~~يعرفون عنه هو نفسه اهتمامه بتشجيع العلوم والفنون، وإنشاء المكتبات، وكانت أسرة ~~أورانج على وجه العموم موضع محبة وتقدير طبقة البورجوازي الأحرار، الذين وإن كانت ~~لهم مطالب من أجل إزالة المظالم التي اشتكوا منها، فقد كانوا في الوقت نفسه يشعرون ~~بالولاء الصادق للأسرة المالكة. # وعلى كل حال فقد بدأ من جانب وليم الأول في ربيع 1830، ما يدل على أنه قد بدأ يميل ~~للتسامح والاستجابة - على الأقل - لقدر من المطالب التي ينادي البلجيكيون، وذلك ~~عندما أصدر مراسيم ملكية في 27 مايو و4 يونيو (1830) لتعديل القواعد الخاصة ~~بالتعليم العام واستخدام اللغة الهولندية، في صالح البلجيكيين، إلا أنه سرعان ما ~~ضاع أثر هذا الإجراء الذي جاء كذلك متأخرا، عندما أصدر الملك قرارا في 21 يونيو ~~يجعل مركز محكمة الاستئناف العليا في لاهاي. أضف إلى هذا أن استبقاء «فان مانين» في ~~وزارة العدل، و«ليبري باينانو» في رئاسة تحرير «لوناشونال» نهض دليلا على أن الملك ~~لم يكن ينوي حقيقة الاستجابة لضغط الرأي العام في بلجيكا. # ولكن تلك كانت أوقاتا عصيبة، فالثورة لم تلبث أن اندلعت في باريس يوم 28 يوليو ~~1830، وأطاحت بعرش البربون في فرنسا، واهتاجت الخواطر في بروكسل، ولكن ثورة ما لم ~~تقم في بروكسل أو في غيرها من المدن البلجيكية، والسبب في هذا أن «الكنسيين» في ~~بلجيكا لم يعطفوا على ثورة باريس التي قامت ضد شارل العاشر، وهو ملك كنسي (أو ~~إكليريكي)، وعلى ذلك لم يترتب على هياج الخواطر في بروكسل قيام أية مظاهرات ثورية ~~بها، بل بقيت العاصمة البلجيكية تحتفل احتفالا يشبه الأعياد بمعرض للصناعات ~~الوطنية، كان مقاما بها وقتئذ، وزار الملك والأمراء المعرض زيارة سريعة، ولم يعكر ~~شيء صفو هذه الزيارة، وكان في النية اختتام هذه الاحتفالات بعرض للألعاب النارية ~~يوم 23 أغسطس، يليه في اليوم التالي (24 أغسطس) إيقاد الزينات احتفاء بعيد ميلاد ~~الملك (التاسع والخمسين). # ومع ذلك فقد كان هناك من الدلائل ما يشير إلى ms0877 اقتراب العاصفة، فقد وجدت المنشورات ~~مبعثرة في كل مكان تحمل هذه العبارات: «يوم 23 أغسطس عرض الألعاب النارية، يوم 24 ~~أغسطس عيد ميلاد الملك، يوم 25 أغسطس الثورة»، وخطت على الجدران عبارات مليئة ~~بالمطاعن على الهولنديين وعلى «فان مانين» و«ليبري باينانو»، ولم يكن حاكم الولاية ~~(أو المقاطعة) المدني، البارون فان ~~درفوس # Van Der Fosse ~~، ولا الموظفون المحليون يجهلون أن هناك مهيجين ينشطون بين ~~الأهلين لحضهم على الثورة، ولكن أحدا لم يتخذ أية إجراءات للمحافظة على الهدوء ~~والسلام؛ فالملك بالرغم من التحذيرات العديدة التي بلغته لم يجد ضروريا فعل شيء ~~لتعزيز جانب الحكومة بالبقاء في بروكسل، فبقي (يستريح) في قصره في لو # Loo ~~، ثم رفض طلب حاكم برابانت (الولاية) العسكري ~~الجنرال بيلاندت # Bylandt ~~، الذي أراد تعزيز قواته ~~العسكرية، والتي لم تكن تزيد على (1800) من المشاة، و(260) من الفرسان، وست قطع ~~مدفعية. # وبدت السلطات المسئولة بالمدينة ضعيفة عندما قررت في آخر وقت إلغاء الألعاب ~~النارية والزينات بدعوى رداءة الجو، الأمر الذي زاد من هياج الخواطر، لاسيما وأن ~~السماء كانت صافية. ثم دل على ضعف هذه السلطات وترددها أنها - وكانت قد منعت قبلا ~~تمثيلية معينة، لم تلبث أن عادت الآن تأذن بعرضها على مسرح لامونيه # De ~~Lamonnaie # مساء 25 ~~أغسطس 1830، وهو مسرح كان شيده الملك وليم الأول نفسه؛ أما هذه المسرحية فكانت ~~غنائية من نوع الأوبرا، عنوانها: خرساء ~~بورتيشي # La Muette de Portici ~~- وبورتيشي إحدى مدن نابولي - تتناول حوادث الثورة التي ~~قامت في نابولي بزعامة مسانيللو # Masaniello # ضد ~~الحكم الإسباني في سنة 1647. # وفي الموعد المحدد ازدحم المسرح بالنظارة الذين ألهب حماسهم موضوع المسرحية ~~الثوري؛ فتعالت الصيحات بحياة فرنسا وسقوط هولندة، ثم امتد الحماس إلى خارج المسرح، ~~حيث كانت الشوارع مكتظة بالناس الذين احتشدوا بها بمناسبة الاحتفالات، فحصلت ~~مظاهرات صاخبة والتحامات دموية، وكانت بروكسل في هذا الحين مأوى اللاجئين السياسيين ~~من كل مكان في أوروبا، ولم يكن يرحب أحد بالثورة قدر ترحيب هؤلاء بها، وعلى ذلك فقد ~~انقلب الصخب إلى ثورة عارمة، فاقتحم الثوار ms0878 مكاتب جريدة «لوناشونال» وأحرقوها، ~~وأحرقوا كذلك مسكن «فان مانين»، وهوجمت دور الحاكم الإقليمي ومدير البوليس وعديدين ~~من الموظفين، وكثرت حوادث النهب والتخريب طوال الليل دون أن تفعل السلطات شيئا ~~لوقفها؛ بل أبدى كل من الحاكم العسكري الجنرال «بيلاندت»، وقومندان البوليس الجنرال ~~ووزييه # Wauthiers # تخاذلا، لا سبب ظاهرا له، ~~فقد كان لديهما من القوات والذخيرة ما يكفي لمطاردة الثوار وإخلاء الشوارع منهم، لو ~~أنهما أظهرا شيئا من صدق العزيمة والإرادة القوية، وهكذا انتصرت الثورة في يومها ~~الأول. أما في اليوم الثاني (26 أغسطس) فقد اتخذت الثورة صبغة وطنية قومية، فرفعت ~~راية «برابانت» على مبنى البلدية، ومزق العلم الملكي؛ ولما كان البوليس قد عجز ~~عن إعادة الأمن إلى نصابه، فقد اجتمع المسئولون بالبلدية مع الأعيان والتجار، ~~لاتخاذ الإجراءات الكفيلة بالمحافظة على الأمن العام، فنظموا حرسا أهليا استطاع ~~أن يعيد الأمن والهدوء بعد مصادمات دموية، وفي 28 أغسطس اجتمع مجلس من الأعيان في ~~مبنى البلدية، حيث تقرر تأليف وفد من خمسة - كان من بينهم «جاندبيان»، ~~وفيلكس كونت دي ميرود # Félik de Mérode ~~، يحمل ~~إلى الملك التماسا يرجونه فيه أن يأخذ بعين الاعتبار أسباب شكاواهم العادلة من ~~المظالم التي أثقلتهم، والتي أدت إلى حدوث الأزمة الراهنة، ويرجونه دعوة مجلس ~~الطبقات (البرلمان) إلى الانعقاد. # وتردد الملك في اختيار الطريق الذي وجب عليه أن يسلكه، وكان يمنعه كبرياؤه من طرد ~~«فان مانين» نزولا على إرادة الثوار، ومن الاستجابة لشيء من مطالب هؤلاء، وبالرغم ~~من أن ولي عهده أمير أورانج، كان لا يفتر يلح عليه بوجوب اتباع طريق ~~المسالمة، فقد كان كل ما وافق عليه الملك أن يأذن لولي عهده بزيارة بروكسل، ولكن ~~دون أن يكون مزودا بالسلطات الكاملة لاتخاذ ما قد يراه من إجراءات ضرورية للتهدئة، ~~بل أن يذهب في بعثة فحص وتحقيق فحسب، واصطحب ولي العهد معه في هذه «الزيارة» شقيقه ~~الأصغر الأمير فردريك، فوصل الاثنان أنتورب في 29 أغسطس، ثم فيلفورد # Vilvorde # يوم 31 أغسطس، وكانت تعسكر بهذه الأخيرة ~~قوات كثيرة، تسلم قيادتها الآن ms0879 الأمير فردريك. أما ولي العهد فبعد أن استقبل وفدا ~~من بروكسل، وافق على الذهاب إلى العاصمة من غير قوات عسكرية، ولا يصحبه غير مرافقيه ~~الخصوصيين فقط، فدخل بروكسل يوم أول سبتمبر، واخترق شوارعها وسط صفوف متراصة من ~~الحرس الأهلي، وحشود من الأهلين المعادين له، والذين لم يهتف منهم أحد للترحيب به، ~~بل كانت تعلو صيحاتهم من وقت لآخر بالمناداة بسقوط فان مانين وسقوط ~~الهولنديين. # ولم يفلح ولي العهد في «مهمته» بعد أن أمضى أياما ثلاثة (1-3 سبتمبر) في مباحثات ~~مع «الثوار» في بروكسل. لقد كان ولي العهد نفسه شخصية محبوبة في العاصمة البلجيكية، ~~ولم تكن حتى هذا الوقت قد قامت حركة ظاهرة من أجل تغيير الأسرة الحاكمة، ولكن ولي ~~العهد لم يكن في وسعه إلا أن يعد بعرض رغبات البلجيكيين على الملك، ثم إنه أمر ~~القوات العسكرية الملكية بمغادرة المدينة، وقد كان الغرض من هذا الجلاء إظهار روح ~~المسالمة من جانب الحكومة، ولكن البلجيكيين الذين انتقل إلى أيديهم زمام السلطة ~~لأول مرة في بروكسل، نظروا لهذا الإجراء كدليل على ضعف الحكومة التي عجزت عن مقاومة ~~الثورة ضد سلطات الملك. # ومع أن الملك نفسه لم يلبث أن استجاب إلى بعض المطالب التي كانت قد قدمت إليه ~~في التماس الأعيان البلجيكيين من أيام قلائل مضت، فأقال «فان مانين» من الوزارة يوم ~~3 سبتمبر، ودعا مجلس الطبقات للانعقاد في دورة غير عادية حدد لها يوم 13 ~~سبتمبر، فقد جاءت هذه الخطوة متأخرة؛ وذلك لأن جماعة من المتطرفين من أهل لييج، ~~حوالي أربعمائة ثوري في عدادهم كثيرون من الأقاليم ومن الأجانب، وبزعامة ~~شارل روجيه # Rogier ~~، كانوا قد دخلوا بروكسل ~~عاقدي العزم على السير في طريق الثورة إلى النهاية. فلما نشر قرار الملك (بدعوة ~~مجلس الطبقات) يوم 7 سبتمبر، مزقته الجماهير ، ووقع الاصطدام بين الحزبين؛ المعتدل ~~والمتطرف، داخل المدينة، واستمر النضال بضعة أيام، عندما ألف المعتدلون «لجنة ~~للأمن العام»، عارضها المتطرفون الثوريون الذين استولوا على مبنى البلدية (أوتيل دي ~~فيل)، وأنهوا حياة هذه اللجنة (20 ms0880 سبتمبر). # ولم يتخذ الملك أثناء هذه الحوادث المنذرة بكل الخطر، إجراء حاسما لمجابهة ~~الموقف، وكان في رأي كثيرين أن الملك لو أنه أعلن صراحة عزمه الصحيح على إزالة ~~المظالم التي يشكو منها البلجيكيون، ووعد بإصدار العفو الشامل، لكان استطاع اجتياز ~~الأزمة بسلام، ولكن الملك بدلا من ذلك لم يلبث أن أعلن في خطابه عند اجتماع مجلس ~~الطبقات (البرلمان) في لاهاي، تصميمه القوي على المحافظة على الأمن والنظام، وعدم ~~التسليم بشيء تحت ضغط الشغب والعصيان الحزبي، الأمر الذي زاد من غضب الجماهير ~~ونقمتهم على الملك في بروكسل، حتى إنهم أحرقوا علنا في شوارعها كل النسخ التي وصلت ~~إلى أيديهم من خطابه. أما الملك فقد عرض على «البرلمان» مسألتين لبحثهما: هل دلت ~~التجربة على أن هناك ما يدعو لإدخال تعديل على النقابات الأهلية؟ وهل يجب تغيير ~~العلاقات القائمة بين جزأي المملكة حاليا؟ فكان جواب «الغرفة الثانية» - مجلس ~~النواب - على هذين السؤالين بالإيجاب بأكثرية 50 صوتا ضد 44، و55 صوتا ضد 43، ~~وذلك في 29 سبتمبر. # ولكن بينما كان النواب يتباحثون في لاهاي، كانت حوادث ذات أثر حاسم تقع في بروكسل، ~~فقد سيطر الثوريون المتطرفون على العاصمة البلجيكية، وذلك - كما عرفنا - منذ 20 ~~سبتمبر، وقررت الحكومة الهولندية بمجرد أن بلغها ذلك إرسال التعليمات إلى الأمير ~~فردريك في فيلفورد بالزحف مع جيشه على بروكسل «لحماية الأموال» والأرواح بها، وزحف ~~الأمير بجيشه على المدينة، ودخلها يوم 23 سبتمبر؛ ليلقى مقاومة مسلحة عنيفة كبدت ~~جنده خسائر عظيمة، ولقد استمر الكفاح ثلاثة أيام بطولها ودون توقف، حتى إن فردريك ~~لم يلبث أن ارتد عن المدينة وخرج منسحبا منها في ليل 26 سبتمبر، وكانت هذه هزيمة ~~بالغة، خلفت آثارا عميقة في أذهان الثوار الذين بادروا في اليوم التالي (27 ~~سبتمبر) بتأليف حكومة مؤقتة كان من بين أعضائها: جاندبيان، وروجيه، وفان دي وير، ~~وإمانويل دهوجفورست # D’Hoogvorst ~~، وفيليكس دي ~~ميرود، ثم لم يلبث أن انضم إليهم بعد أيام قلائل، لويس دي بوتر الذي عاد من المنفى ~~ودخل بروكسل وسط مظاهر الحماس الشديد، ms0881 وانضم «المعتدلون» بعد هذا النصر إلى ~~«المتطرفين» (أو الأحرار) ليؤلفوا جماعة واحدة غرضها الآن طرد جيوش الملك من ~~بلجيكا، وإرغامها على التقهقر إلى هولندة. # ودخل الأمير فردريك بجيشه إلى أنتورب (أنفرس) يوم 2 أكتوبر، ولكن لم يمض أكثر من ~~أسبوعين حتى كانت كل البلدان الأخرى في بلجيكا قد انحازت إلى تأييد قضية الوطن، ~~واضطرت الحاميات بها بعد انضمام الفرق البلجيكية إلى مواطنيهم، إلى الانسحاب منها. ~~وفي يوم 4 أكتوبر أعلنت الحكومة المؤقتة في بروكسل، أن الولايات البلجيكية قد تأسست ~~دولة مستقلة، ثم وجهت الدعوة لانعقاد مؤتمر وطني. # واجتمع المؤتمر الوطني في بروكسل يوم 10 نوفمبر، وكان عدد أعضائه مائتين، انتخبهم ~~المواطنون البلجيكيون الذين فوق سن الخامسة والعشرين. وفي 18 نوفمبر أعلن هذا ~~المؤتمر بالإجماع استقلال بلجيكا، ولقد اختلفت الآراء حول نوع الحكم في الدولة ~~الجديدة، ولكن الأكثرية كانت للملكيين في المؤتمر، فتقرر في 22 نوفمبر أن تكون ~~الملكية هي طراز الدولة البلجيكية، ثم تقرر بعد يومين إقصاء بيت أورانج نساو، ~~ومنعه من اعتلاء عرش بلجيكا (24 نوفمبر)، وهكذا اتسم المؤتمر الوطني بطابع ~~الاعتدال، فلم يرض الديمقراطيون المتطرفون (الجمهوريون وعددهم ثلاثة عشر في ~~المجلس) بزعامة «لويس دي بوتر» عن فشل الآراء الجمهورية، وتأسيس النظام الملكي، ~~فاستقال لويس دي بوتر من الحكومة المؤقتة، وغادر الوطن إلى فرنسا مرة أخرى، وانكب ~~المؤتمر على وضع دستور للبلاد استغرق إعداده بضعة شهور، وعند الفراغ منه صدر ~~«القانون الأساسي» الجديد في 7 فبراير 1831، وبمقتضاه وضعت السلطة التنفيذية في يد ~~ملك وراثي، يحكم بطريق وزراء يصدر عنه تعيينهم، وإنما يكونون مسئولين أمام هيئة ~~تشريعية من مجلسين، ثم كفل الدستور استقلال القضاء وحرية الصحافة والعبادة والتعليم ~~والاجتماع، وحق تقديم العرائض - ولقد كان المؤتمر يرغب في الحقيقة في إقامة ملكية ~~دستورية، وذات أنظمة برلمانية، من نمط تلك المعمول بها في إنجلترة. # استقلال بلجيكا # على أنه في الوقت الذي كان المؤتمر الوطني منشغلا فيه باتخاذ الإجراءات لإعلان ~~استقلال بلجيكا وإنشاء الدولة الجديدة، انتقلت المسألة البلجيكية من مسألة داخلية ~~«محلية» بين ms0882 الهولنديين والبلجيكيين، إلى بساط البحث الدولي كمسألة «أوروبية» تثير ~~اهتمام الدول، ومن واجب «الاتحاد الأوروبي» أن يعنى بها، والسبب في ذلك أن الاتحاد ~~بين هولندة وبلجيكا كان من الموضوعات التي عالجها السياسيون في مؤتمر فينا، وكان ~~وجود مملكة الأراضي المنخفضة نفسه نتيجة لاتفاق كلمة الدول: النمسا، وبريطانيا، ~~وبروسيا، وروسيا في سنة 1814، على إقامة دولة حاجزة تقف في وجه الأطماع الفرنسية؛ ~~والدول لذلك من حقها النظر في كل ما يطرأ على هذا الترتيب الإقليمي من تغييرات قد ~~تؤدي إلى زوال الغرض الذي كان في الأصل مرجوا منه، وتلك حقيقة لم يفت الملك وليم ~~الأول إدراكها، فهو منذ 5 أكتوبر 1830 كان قد أبلغ الدولة الموقعة على بروتوكول ~~المواد الثماني في لندن، بحقيقة الحال في الولايات البلجيكية، وطلب إلى الدول ~~معاونته بقواتها المسلحة في إعادة النظام والهدوء إليها. # ولكن الموقف في أوروبا في سنة 1830 كان مغايرا لما كان عليه في سنة 1814، فإن ~~وليم الأول كان يريد استرجاع سلطانه المفقود في بلجيكا عن طريق تدخل مسلح من جانب ~~الدول، وأن يستند في حكومة «مملكة الأراضي المنخفضة» بعد إعادة «الاتحاد» بالقهر ~~والقوة، على ما هو بمثابة الانتداب من دول أوروبا، ولكن التدخل الأوروبي لم يحقق ~~شيئا مما كان يريده الملك الهولندي؛ بل إن الاتحاد الأوروبي، بتناوله المسألة ~~البلجيكية، لم يلبث أن اتخذ من القرارات ما كفل في النهاية نجاح الثورة، واعترف ~~لبلجيكا باستقلالها. # فقد شاهدنا عند الكلام عن عهد المؤتمرات في أوروبا كيف أن إنجلترة وفرنسا قد وصلتا ~~إلى تفاهم بشأن العمل المتحد فيما بينهما لتأمين السلام في أوروبا، ولقد كانت فرنسا ~~تبدي عطفا ظاهرا على قضية البلجيكيين، ولكن سرعان ما امتنع لويس فيليب عن التدخل ~~منفردا في المسألة البلجيكية بالرغم من إلحاح البلجيكيين عليه أن يفعل؛ بل إنه طلب ~~من سفيره في لندن (تاليران) أن يعمل بالاتحاد مع الحكومة الإنجليزية في هذه ~~المسألة، وكانت إنجلترة كذلك تعطف على قضية البلجيكيين، ولكن بشريطة أن لا يترتب ~~على هذا العطف إهمال الحيطة والحذر من ms0883 ناحية التوسع الفرنسي، فكان من رأي الحكومة ~~الإنجليزية «وزارة ولنجتون» أن تحل المسألة البلجيكية على أساس إعطاء بلجيكا «حريات ~~دستورية» ما دام ترتيب ذلك ممكنا (بشكل قانوني ومتفق مع مصالح أوروبا)، وحينئذ ~~تقدمت الدولتان إنجلترة وفرنسا باقتراح باجتماع ممثلي الدول الخمس التي تألف منها ~~الاتحاد الأوروبي منذ انضمام فرنسا إلى النمسا وبروسيا وروسيا وبريطانيا، في مؤتمر ~~ينعقد في لندن لبحث المسألة البلجيكية الهولندية، وكانت روسيا (وقيصرها نيقولا ~~الأول) تريد التدخل المسلح، وخشيت النمسا (ووزيرها مترنخ) - كما خشيت روسيا - شيطان ~~الثورة، ولكن مترنخ والقيصر كانا يشعران كذلك بجسامة الأخطاء المتوقعة من حرب ~~أوروبية عامة قد يتسبب التدخل المسلح في إشعالها، فتنازلت روسيا عن فكرة التدخل ~~المسلح أمام تصميم الدولتين الغربيتين (فرنسا وإنجلترة) على حسم الخلاف بالطرق ~~السلمية، وزيادة على ذلك فإن روسيا والنمسا لم تلبث أن شغلتهما (منذ آخر نوفمبر) ~~الثورة المندلعة في بولندة عن كل رغبة في تدخل مسلح في أي مكان آخر (الأراضي ~~المنخفضة)، وكانت بروسيا مستعدة كذلك لمؤازرة وليم الأول بقوة السلاح، لما كان هناك ~~من وشائج قوية تربط بين الملك الهولندي والبيت المالك في بروسيا، ولكنها لم تستطع ~~فعل شيء أمام تصميم إنجلترة وفرنسا الذي أشرنا إليه. # وعلى ذلك فقد انعقد مؤتمر من ممثلي الدول الخمس التي ذكرناها في لندن يوم ~~4 نوفمبر، ووافق هؤلاء على اقتراح بعدم التدخل «المسلح» تقدم به تاليران، وقرر ~~المؤتمر بعد توسطه بنجاح بين هولندة وبلجيكا، عقد هدنة بين الطرفين، من شرائطها ~~انسحاب العسكر الهولندي إلى ما وراء الحدود البلجيكية الهولندية، وذلك ريثما يتم ~~البت في مصير العلاقات بين بلجيكا وهولندة. # ولقد كان بعد مضي أقل من أسبوع من صدور قرار بالهدنة أن اجتمع في بروكسل المؤتمر ~~الوطني، الذي ذكرنا أنه أعلن استقلال بلجيكا في 18 نوفمبر، ثم قرر الملكية نظاما ~~للدولة الجديدة في 24 نوفمبر، ولا جدال في أن من الأسباب الرئيسية كذلك للإقلاع عن ~~فكرة «التدخل المسلح» في المسألة البلجيكية نهائيا، كان إعلان النظام الملكي في ~~بلجيكا، الأمر الذي جعل ms0884 الدول تطمئن إلى أن الآراء الجمهورية قد باء أصحابها بالفشل ~~في هذه الدولة التي يراد الاعتراف بمولدها. # وعلى ذلك؛ فقد قرر مؤتمر لندن في بروتوكول بتاريخ 20 ديسمبر 1830، الموافقة على ~~مبدأ استقلال بلجيكا وانحلال مملكة الأراضي المنخفضة وانتهائها، لاستحالة«الاتحاد» ~~بين بلجيكا وهولندة، ثم طلب إلى الحكومة البلجيكية المؤقتة أن ترسل مندوبيها إلى ~~لندن حتى يمكن تسوية المسألة البلجيكية في نطاق المعاهدات الأوروبية. فكان بروتوكول ~~20 ديسمبر 1830 بمثابة اعتراف من جانب أوروبا باستقلال بلجيكا، وصار ممكنا القول ~~بأنه قد تأسست نهائيا بفضل هذا البروتوكول مملكة بلجيكا المستقلة. # ولقد تبع هذه الخطوة المبدئية الاتفاق على بروتوكولين آخرين في 20، 27 يناير 1831؛ ~~فاشتمل الأول (بتاريخ 20 يناير) على الشروط التي بمقتضاها يجري فصل بلجيكا من ~~هولندة، فأعيد لهولندة خط الحدود الذي كان لها في سنة 1790، في حين تأسست من بقية ~~الأراضي المنخفضة - فيما عدا غراندوقية لكسمبرج التي أعطيت لبيت نساو الحاكم في ~~هولندة - دولة بلجيكا الحديثة، والتي ضمنت الدول في هذا البروتوكول كذلك حيادها ~~بصورة مستديمة أو أبدية. أما البروتوكول الثاني (بتاريخ 27 يناير) فقد سويت بفضله ~~مشكلة الديون المشتركة بين هولندة وبلجيكا بأن تتحمل بلجيكا ستة عشر جزءا من واحد ~~وثلاثين جزءا منه، وأعلن المؤتمر عدم الاعتراف بأي ملك لبلجيكا إلا إذا وافق على ~~ما جاء في هذين البروتوكولين من شرائط، وكان على العموم مقبولا من الدول. # ولم تكن هذه الشرائط التي اقترنت بتقرير استقلال بلجيكا مما يرضى عنها إطلاقا ~~المؤتمر الوطني في بروكسل، فالبلجيكيون كانوا يريدون أن تشمل دولتهم الجديدة ~~غراندوقية لكسمبورج، وإقليم مايسترخت # Maestricht ~~، ~~ثم فلندر الهولندية، كما أنهم كانوا قد شرعوا يختارون الملك الذي يريدونه لدولتهم ~~دون التشاور مع أحد في ذلك؛ ولذلك فقد قوبل البروتوكولان بامتعاض وغضب، وفي أول ~~فبراير (1831) احتج المؤتمر الوطني على ضم لكسمبورج إلى هولندة، وفي 3 فبراير وقع ~~اختياره على دوق دي نيمور # Nemours # الابن الثاني ~~للويس فيليب ملك فرنسا، ملكا على البلاد، فأعلن البلجيكيون باتخاذ هذا القرار أنهم ~~يؤثرون توثيق صلاتهم بالأسرة الحاكمة ms0885 في فرنسا، بالرغم مما كان معروفا عن ~~الدبلوماسية الأوروبية وقتئذ أنها لن تسمح بأن يعتلي عرش بلجيكا أحد أعضاء الأسر ~~الحاكمة في أوروبا وعلى الخصوص في فرنسا، وكان اختيار الدوق دي نيمور بعد مباحثة ~~طويلة، وتقليب مختلف وجوه الرأي في المؤتمر الوطني، ومنذ نوفمبر من العام السابق ~~كان الاختيار منحصرا بين اثنين من المرشحين أحدهما؛ أغسطس دوق ليختنبرج # Augestus de Leuchtenberg ~~، (وتقع هذه ~~على الحدود بين بفاريا وبوهيميا) وكان ابنا ليوجين بوهارنيه، وهو يمثل التقاليد ~~البونابرتية، وأما الآخر؛ فكان لويس دي نيمور من بيت أورليان، والذي يمثل لذلك ~~المبادئ التي قامت عليها «ملكية يوليو» في فرنسا، ولقد كان هناك إلى جانب هذين ~~مرشحون آخرون تميز من بينهم؛ الأرشيدوق شارل النمساوي، ولكن عند الاقتراع (يوم 4 ~~فبراير 1831)، فاز دوق دي نيمور بسبعة وتسعين صوتا، في حين نال دوق ليختنبرج أربعة ~~وسبعين، والأرشيدوق شارل واحدا وعشرين صوتا فقط. # ولقد كانت هذه نتيجة طيبة ولا شك، يرضى بها لويس فيليب، الذي سره انهزام ممثل ~~التقاليد البونابرتية، ولكنه ما كان ليوافق في الوقت نفسه على قبول التاج لولده، ~~فهو إنما كان يتبع في المسألة البلجيكية سياسة تقوم على العمل المتحد مع إنجلترة، ~~ويؤثر أن يسود السلام أوروبا وبالنسبة لفرنسا خصوصا، ومن أجل استقلال ملكية ~~الأورليان، على كل اعتبار آخر؛ وكان لويس فيليب قد حذر لذلك البلجيكيين من قبل ~~أنه لن يستطيع تعريض تفاهمه مع إنجلترة للخطر، وإثارة المشاكل في أوروبا بالموافقة ~~على ترشيح نيمور لعرش بلجيكا، وعلى ذلك فقد أعلن لويس فيليب رفض التاج البلجيكي، ~~ولم يكن هناك مفر من أن يعقل الملك الفرنسي ذلك، إلا إذا كان قد صح عزمه على تنصيب ~~ولده على عرش بلجيكا، وإنشاء أسرة حاكمة أورليانية في هذه البلاد بالقوة المسلحة. ~~ذلك أن مؤتمر لندن سرعان ما أظهر (في 7 فبراير) أنه لن يستطيع الاعتراف بالدوق دي ~~نيمور ملكا على بلجيكا. # وجاءت فترة بعد الرفض الفرنسي، سادت فيها الاضطرابات بلجيكا عندما شرع أنصار بيت ~~أورانج (الأسرة الحاكمة البولندية) يحيكون ms0886 المؤامرات في أنتورب (أنفرس) وغنت ~~وغيرهما من المدن، ومع أن البلجيكيين بادروا بتعيين وصي على العرش في 24 فبراير ~~وهو البارون سيرلت دي ~~شوكيه # Surlet de Chokier ~~؛ لتعزيز السلطة التنفيذية، وأمكن بفضل ذلك إخماد ~~الاضطرابات وإعادة الأمن والنظام إلى نصابهما، فقد كان واضحا؛ لتأمين استقلال ~~بلجيكا وسلامتها أن يبادر البلجيكيون باختيار ملك بكل سرعة، ترضى عنه الدول، وكان ~~مبعث الخطر العاجل على بلجيكا أن الملك الهولندي وليم الأول لا يفتأ يرقب تطور ~~الحوادث بعين ساهرة، ثم إنه عمد لاستمالة الدول (في مؤتمر لندن) إلى الموافقة على ~~الشرائط التي تضمنها بروتوكولا 20 و27 يناير 1831. # وكان آنئذ أن عرض على بساط البحث بصورة جدية في المؤتمر الوطني ترشيح ليوبولد ~~أمير ساكس كوبرج # Saxe Cobeurg ~~، وكان يؤيد هذا ~~الترشيح وزير الخارجية في الحكومة البلجيكية الجديدة وهو لوبو # Lebeau ~~، ولو أن سلفه في هذه الوزارة فان دي وير # Van de Weir # كان أول من اقترح ترشيح هذا ~~الأمير الألماني، وكان الأمير ليوبولد الابن الأصغر لدوق ساكس كوبرج، إرنست الأول # Ernest ~~، الذي كان قد قبل التاج اليوناني ~~ثم عاد فرفضه، وكان ليوبولد بروتستنتي ويعيش في إنجلترة وينال تأييد الحكومة ~~الإنجليزية، ولما كان البلجيكيون يريدون ملكا كاثوليكي، فقد اتفقت الحكومتان ~~الإنجليزية (وبلمر ستون وزير خارجيتها)، والفرنسية (تاليران وزيرها في لندن) على حل ~~لهذه المشكلة، على أن يتزوج ليوبولد من أميرة فرنسية، وتنشئة أبنائهما على العقيدة ~~الكاثوليكية، ومع ذلك فقد كان هناك مرشح آخر، إلى جانب الأمير ليوبولد، هو الأمير ~~أوتو البافاري الذي صار فيما بعد ملكا على اليونان، فأسرع «لوبو» الآن يجس النبض ~~لمعرفة موقف كل من إنجلترة وفرنسا من ترشيح الأمير ليوبولد، واستطاع إبلاغ الوصي ~~على العرش والمؤتمر الوطني أن هاتين الدولتين لن تعارضا في ترشيح أمير ساكس كوبرج، ~~وحينئذ ذهب وفد من أربعة قومسيريين إلى لندن ليوضح الموقف للأمير ليوبولد، وليعرض ~~عليه التاج مشروطا بتصديق المؤتمر الوطني، كما كانت مهمة الوفد في حالة قبول ~~ليوبولد الترشيح لعرش بلجيكا أن يحصل من مؤتمر لندن على ms0887 تعديلات للبروتوكولين ~~الصادرين في 20 و27 يناير، لا سيما أنه كان قد صدر بروتوكول آخر في 17 أبريل ~~(1831)، يعلن أن البروتوكولين السابقين أساسيان ولا يمكن إبطالهما. # وبعد مباحثات شاقة نجح الوفد في مهمته المزدوجة؛ ففيما يتعلق بمسألة العرش ~~البلجيكي؛ أعلن المؤتمر الوطني اختيار ليوبولد ملكا على بلجيكا بأكثرية 152 صوتا ~~ضد 43، وذلك يوم 4 يونيو 1831، وفيما يتعلق بالمسألة الثانية؛ أسفرت جهود الملك ~~الجديد والقومسيريين الأربعة عن إبرام مقدمات الصلح بين هولندة وبلجيكا فيما يعرف ~~باسم «المواد الثماني عشرة» في 24 يونيو، للاستعاضة بها عن بروتوكولي 20 و27 يناير. ~~وفي المواد الثماني عشرة هذه؛ ظفر البلجيكيون بأهم مطالبهم عندما تقرر أن يعاد ~~البحث في مسألة الحدود المتعلقة بلكسمبورج ومايسترخت؛ لتكون موضع مفاوضات منفصلة، ~~وأن يكون نصيب بلجيكا من الديون، هو مقدار الدين الذي كان عليها فعلا عند حدوث ~~الاتحاد، وعلى أن تتحمل إلى جانب ذلك جزءا من الديون التي جدت بعد سنة 1815. وفي ~~26 يونيو وقع مندوبو الدول الخمس في لندن؛ إنجلترة، فرنسا، روسيا، بروسيا، ~~النمسا، على «معاهدة المواد الثماني عشرة»، وقد تضمنت هذه المعاهدة إلى جانب ما ~~تقدم، الاعتراف بحياد بلجيكا «المادة التاسعة». وفي 9 يوليو 1831 بعد مناقشات ~~عاصفة، صدق المؤتمر الوطني في بروكسل على هذه المعاهدة بأكثرية 126 صوتا ضد ~~سبعين صوتا، ولم يكن المؤتمر الوطني يريد الموافقة على مبدأ حياد بلجيكا، ولم ~~يقبله إلا مرغما. أما الملك الجديد فقد وصل إلى مملكته يوم 17 يوليو، وقوبل في كل ~~مكان بحماس شديد، وفي 21 يوليو حلف ليوبولد الأول يمين الولاء للدستور في احتفال ~~رسمي في بروكسل (في القصر الملكي) بحضور الوصي على العرش والوزراء وحشود من الشعب، ~~وسط مظاهر الابتهاج لنجاح الحركة الوطنية. # على أن البلجيكيين وسط هذه الابتهاجات، أغفلوا احتمال أن الملك الهولندي قد يرفض ~~التنازل عن الأراضي التي يريدها البلجيكيون في لكسمبورج ومايسترخت، واعتمد هؤلاء ~~على أنهم - وعلى نحو ما أعلن ليوبولد أنه فاعل - سوف يرغمون هولندة إرغاما وبطريق ~~الحرب إذا لزم الأمر، على التخلي عن ms0888 لكسمبورج ومايسترخت، ولكن وليم الأول الذي كان ~~واضحا أنه لن يرضى بالتسليم بسهولة، كان قد حشد جيشا قويا على الحدود، ومنذ 12 ~~يونيو أبدى استياءه من أن تتراجع الدول بهذه الصورة عن تصريحها الرسمي (في 17 أبريل ~~سنة 1831) بأن بروتوكولي 20 و27 يناير الذين تضمنا قواعد الصلح بين هولندة وبلجيكا ~~لا يمكن نقضهما وإبطالهما، وأعلن أنه يعتبر عدوا لبلاده أي امرئ يقبل التاج ~~البلجيكي على غير الشروط التي كفلها بروتوكولا 20 و27 يناير. # وحذرت الدول (في 25 يوليو) الملك وليم ضد استئناف العمليات العسكرية والحرب مع ~~بلجيكا، ولكن الملك والشعب الهولندي معا كانا لا يزالان يشعران بالمهانة التي لحقت ~~بهما في نظر أوروبا؛ بسبب نجاح الثورة البلجيكية في سهولة في شهري سبتمبر وأكتوبر ~~من العام السابق (1830)، وقرر الملك متحديا في جرأة تحذير الدول له، إقامة ~~الدليل على أن هولندة في وسعها منفردة ودون أية مساعدة خارجية لها، الذود عن حقوقها ~~وعن سلامة أراضيها، واندفع الشعب الهولندي وراء مليكه يريد الاقتصاص من البلجيكيين ~~على ثورتهم، وتلقينهم درسا قاسيا لن ينسوه أبدا. # وعلى ذلك فقد صدر مرسوم ملكي في 29 يوليو بوضع ولي العهد، أمير أورانج على رأس ~~القوات الهولندية - وقد بلغت هذه 36000 مقاتل و72 مدفعا - وفي 2 أغسطس اجتازت هذه ~~القوات الحدود البلجيكية، ولم يكن البلجيكيون مستعدين تماما لمواجهة هذا الزحف، ~~فلحقت بهم الهزيمة، بالرغم من بسالة الملك ليوبولد الذي اشترك في القتال وعرض ~~نفسه للمخاطرات عدة مرات، فارتد البلجيكيون على «لييج»، وصمد ليوبولد عند ~~لوفان # Louvain # في 12 أغسطس، ولكنه أرغم على ~~إخلائها، وانفتح أمام القوات الهولندية الطريق إلى بروكسل العاصمة، وباتت البلاد ~~بأسرها وبعد عشرة أيام فقط من بدء العمليات العسكرية تحت رحمة الملك الهولندي، وصار ~~واضحا أن حياة الدولة الجديدة ذاتها قد أضحت مهددة بالخطر، لو أن تدخلا سريعا لم ~~يأت لنجدتها من جانب الدول. # وكان ليوبولد قد قرر الاستنجاد بفرنسا، ولو أنه بقي ممتنعا عن تقديم الدعوة لها ~~لنجدته، طالما كان لا يزال لديه الأمل في ms0889 صد الهجوم الهولندي، ولكن بعد هزيمته في ~~«لوفان» لم يتوان لحظة هو ووزراؤه عن طلب هذه المعونة من فرنسا، ووافقت الدول على ~~ذلك. فدخل جيش فرنسي بقيادة المارشال جيرار # Gerard # بلجيكا، واحتل بروكسل، ولكن الهولنديين وقد نالوا بغيتهم - أي هزيمة البلجيكيين ~~وإذلالهم - لم يكونوا إطلاقا يريدون الدخول في حرب مع فرنسا. # وحينئذ أمكن بفضل وساطة الإنجليز إبرام الهدنة، وحصل الاتفاق على أن يخلي أمير ~~أورانج (ولي العهد) الأراضي البلجيكية، فاجتاز الهولنديون الحدود عائدين هذه المرة ~~إلى بلادهم (في 20 أغسطس)، وأسرع الفرنسيون - بدورهم - بالانسحاب بقواتهم من ~~بلجيكا، واجتمع المؤتمر في لندن ثانية للنظر في المسألة. # وعندما شرع المؤتمر يعمل لوضع حل جديد للمشكلة الهولندية البلجيكية، كان واضحا ~~تماما - وعلى حد قول البلجيكيين أنفسهم - «أن المواد الثماني عشرة قد عفت آثارها ~~في لوفان»، وأن بلجيكا يجب أن تدفع ثمن هزيمتها، وبالفعل فإن مؤتمر لندن لم يلبث أن ~~أصدر في 15 أكتوبر 1831 برتوكول أو معاهدة انفصال جديدة (بين هولندة وبلجيكا) من ~~أربع وعشرين مادة، أعطيت بمقتضاها (مايسترخت) لهولندة، بينما حصلت بلجيكا على ~~الجزء الغربي من لكسمبورج، وذلك في نظير أن تنال هولندة بعض أجزاء ليمبورج # Limburg ~~. ثم إن الديون وزعت بطريقة لم تكن في ~~صالح بلجيكا، وعوقت الملاحة في نهر الشلدت، حيث قد طلب من البلجيكيين أن ~~يدفعوا رسوما لهولندة، وتلك كانت شروطا قاسية ولا ريب، ولكن ليوبولد أدرك أنه لا ~~معدى عن قبولها لإنقاذ حياة الدولة الجديدة ذاتها. # وهدد ليوبولد بالاستقالة إذا رفض المؤتمر الوطني قبول معاهدة الانفصال الجديدة، ~~فوافق المؤتمر بالتصديق على المواد الأربع والعشرين في مجلس النواب بأكثرية 59 ضد ~~38 صوتا، وفي مجلس الشيوخ بأكثرية 35 ضد ثمانية أصوات، وعندئذ تم التوقيع على ~~المعاهدة في لندن يوم 15 نوفمبر 1831، وبذلك اعترفت الدول نهائيا ببلجيكا دولة ~~مستقلة ذات سيادة، وضمنت للدولة الجديدة استقلالها. # وتحدثت مقدمة المعاهدة عن الحوادث التي وقعت في شهر سبتمبر 1830؛ أي الثورة التي ~~أفضت إلى ضرورة تعديل التسوية التي وضعت في سنة 1815 من أجل ms0890 المحافظة على السلام ~~في أوروبا، ورسمت المادة الأولى الحدود البلجيكية، بالصورة التي جاءت في بروتوكول ~~15 أكتوبر، فبقيت في حوزة هولندة مقاطعاتها التاريخية القديمة، وقلعة مايسترخت، ثم ~~قسمت بين الدولتين كل من ليمبورج ولكسمبورج، وحصلت هولندة على الجزء الأصغر من ~~لكسمبورج (ثلث مساحتها فقط)، بما في ذلك مدينة لكسمبورج ذاتها، على أن تكون للملك ~~الهولندي السيادة عليها بوصفه غراندوقا لها فقط، وأما مصب نهر الشلدت بضفتيه فقد ~~بقي في حوزة هولندة، كما أن هذا النهر (المادة التاسعة) قد فتح للملاحة الحرة ~~وفق المبادئ التي قررها مؤتمر فينا بشأن الملاحة النهرية، وبمقتضى المادة الثالثة ~~عشرة وزعت الديون العامة القديمة بصورة جعلت نصيب بلجيكا منها ستة عشر جزءا من ~~واحد وثلاثين (وقد أنقص هذا القدر إلى الثلث تقريبا بعد ذلك في سنة 1839)، ونصت ~~المادة الخامسة عشرة على أن يكون ميناء أنتورب (أنفرس) ميناء تجاريا فقط، وامتنع ~~تحصينها. ثم إن المعاهدة اعترفت بحياد بلجيكا الدائم (المادة السابعة)، ومما تجدر ~~ملاحظته أن حكومة بروسيا هي التي أيدت أن تكون بلجيكا دولة محايدة من طراز ~~الحياد السويسري. # ولقد صدقت كل من إنجلترة وفرنسا على هذه المعاهدة في 31 يناير 1832، وصدقت ~~عليها كل من النمسا وبروسيا في 18 أبريل، ثم جاء أخيرا تصديق روسيا عليها في 4 ~~مايو 1832. # إلا أن إبرام الدول لمعاهدة لندن (15 نوفمبر 1831) وتصديقها عليها، لم يكن معناه ~~أن الدول قد وصلت إلى تسوية نهائية مع هولندة، فقد تقدم كيف أن وليم الأول قد رفض ~~(منذ 12 يوليو) وقبل «حرب الأيام العشرة» بروتوكول الثماني عشرة مادة، ولم يكن ~~منتظرا وقد كان النصر حليفه في هذه الحرب الأخيرة أن يبدو أقل تصميما وتعنتا؛ بل ~~إن الأمل كان يحدوه لتوقع الحصول على شروط أفضل من تلك التي تضمنتها معاهدة لندن، ~~فرفض التوقيع على «الأربع والعشرين مادة»، ورفض إخلاء أنتورب (أنفرس) - على مصب ~~الشلدت - وكانت جيوشه لا تزال تحتلها، أو إخلاء أي مكان آخر لا يزال في حوزته ~~فعلا، وإن كانت تدخل - حسب المعاهدة - ضمن الأراضي ms0891 البلجيكية. # وحينئذ لم تر الدول بدا من إرغام الملك الهولندي على الإذعان قسرا لأحكام ~~معاهدة لندن، وعهدت الدول إلى إنجلترة وفرنسا بمهمة طرد الهولنديين من الأراضي ~~البلجيكية، فضربت الأساطيل الإنجليزية والفرنسية المتحدة نطاق الحصار على الساحل ~~الهولندي، وخصوصا على مصب الشلدت، في حين تقدم جيش فرنسي بقيادة المارشال جيرار ~~ثانية في نوفمبر 1832 ليزحف على أنتورب، وليضع الحصار عليها، ولقد استمر الحصار على ~~أنتورب من 30 نوفمبر إلى 22 ديسمبر، حتى اضطرت الحامية الهولندية بعد دفاع مجيد ~~بقيادة الجنرال شاسيه # Chassè # إلى التسليم، ومن ~~ناحية أخرى استمر الحصار البحري مدة أطول وبدرجة ألحقت الأذى الكبير بتجارة هولندة، ~~حتى إن وليم الأول لم يلبث أن وجد نفسه مرغما على طلب الصلح. # وفي وفاق أبرم في لندن في 21 مايو 1833، لحين عقد المعاهدة النهائية، ثم الاتفاق ~~على عدم تجدد الحرب ضد بلجيكا، وعلى أن يبقى نهر الشلدت ونهر الموز # Meuse # مفتوحين دائما للملاحة الحرة، ولكن الملك ~~الهولندي رفض بتاتا الاعتراف باستقلال بلجيكا على أساس الشروط الواردة في «المواد ~~الأربع والعشرين». فلم تعد أهمية وفاق لندن أنه وثيقة تقر استمرار «الوضع الراهن»؛ ~~أي بقاء ليمبورج دون مايسترخت، ولكسمبورج دون قلعتها في حوزة بلجيكا، وأن تستمر ~~بلجيكا تدفع رسوما لهولندة نظير الملاحة في نهر الشلدت. (ولقد نظمت الملاحة في ~~نهر الموز بمقتضى اتفاق خاص أبرم بعد ذلك في زونهوفن # Zonhoven # من أعمال ليمبورج في 18 نوفمبر 1833). # وخلال خمس سنوات لم تتخذ خطوات ما لتغيير الوضع الراهن، أو لتحويل وفاق لندن (21 ~~مايو 1833) إلى معاهدة نهائية، وحاول الملك الهولندي استمالة الحكومة الإنجليزية ~~«بلمر ستون» لاستئناف المفاوضة ولكن دون طائل (أكتوبر 1836)، وصار بمضي الزمن ينظر ~~أهل لكسمبورج وليمبورج إلى انضمام إقليمهم إلى بلجيكا كأنما قد أصبح أمرا مفروغا ~~منه، وساد الاعتقاد في بروكسل أن الأمر كان كذلك فعلا، ولم يعد يزعج المملكة ~~الجديدة أن معاهدة نهائية لما تبرم بعد مع هولندة. # ولكن الهولنديين - على خلاف الحال في بلجيكا - كان يزعجهم أن يشهدوا بلجيكا وقد ~~أخذ يزداد ms0892 رخاؤها سنة بعد أخرى، وأن تبقى في حوزتها أقاليم وافقت الدول على إعطائها ~~لهولندة (في ليمبورج ولكسمبورج)، وأن تزداد أعباؤهم المالية، وأن تثقل الضرائب ~~كاهلهم بسبب الجيش الذي اضطروا إلى تهيئته على قدم الاستعداد دائما لمواجهة ~~الطوارئ، وأخيرا فإن الملك نفسه لم يلبث أن رأى عدم جدوى الاستمرار في تعنته ~~للأسباب نفسها التي ذكرناها، ولأنه صار يرى كذلك من الأفضل لصالحه عدم استئناف ~~المفاوضة على الأسس التي قامت عليها في سنة 1833 (والتي تضمنها وفاق لند المبرم في ~~21 مايو من هذه السنة)، والعودة إلى بروتوكول 15 أكتوبر 1831 بمواده الأربع ~~والعشرين، كأساس للمفاوضة الجديدة، الأمر الذي يكفل إنهاء «الوضع الراهن» الذي كان ~~قرره وفاق لندن، ويجعل ممكنا استخلاص ليمبورج ولكسمبورج من قبضة بلجيكا. # وعلى ذلك أصدر وليم الأول تعليماته في 14 مارس 1838، إلى مبعوثه في لندن ~~ديدل # Dedel # أن يبلغ لورد بلمر ستون أنه قد ~~قرر الموافقة على معاهدة الانفصال (أي بروتوكول 15 أكتوبر 1831)، والالتزام ~~بشرائطه وهي التي أعلنت الدول الخمس أنها نهائية ولا يمكن نقضها، وأنه لذلك متهيئ ~~لتوقيع هذه المعاهدة ذات المواد الأربع والعشرين. # وأثار اتخاذ هذه الخطوة من جانب الملك الهولندي - وعلى نحو ما كان متوقعا - بلبلة ~~في الأفكار كبيرة في بلجيكا، فقد حز في نفوس البلجيكيين أن يطلب إليهم وبعد مضي ~~سبع سنوات التنازل عن أقاليم في حوزتهم لهولندة، كانوا قد أرغموا على وجوب التخلي ~~عنها إرغاما بسبب هزيمتهم في الحرب (في سنة 1831)، وغضب البلجيكيون غضبا شديدا، ~~وراح سياسيوهم يبذلون قصارى جهدهم مع الدول ذات الشأن للوصول إلى شرائط أوفق ~~لمصالحهم، باعتبار أن الملك الهولندي كان رفض التوقيع على معاهدة الانفصال (والمواد ~~الأربع والعشرين) في سنة 1831، وأنه قد اشترك بعد ذلك في المفاوضات التي أجريت في ~~عام 1833 وأسفرت عن «وفاق لندن» في شهر مايو من هذه السنة، وكلاهما أمران يترتب ~~عليهما إلغاء معاهدة الانفصال واعتبارها كأن لم تكن. # وأصر مؤتمر لندن على ضرورة تنفيذ معاهدة الانفصال في القسم الخاص منها بالتسوية ~~الإقليمية، فلم تفد ms0893 محاولات البلجيكيين في تعديل بنود هذه المعاهدة إلا في موضع ~~واحد فقط؛ هو إنقاص نصيب هؤلاء من الديون التي كان عليهم سدادها بموجب هذه ~~المعاهدة. # وفي 19 أبريل 1839 وقعت هولندة معاهدة مع الدول الخمس «في لندن» إنجلترة وفرنسا ~~وروسيا والنمسا وبروسيا، حلت محل معاهدة لندن القديمة المبرمة في 15نوفمبر 1831، ~~والتي لم تكن هولندة مشتركة في التوقيع عليها؛ فاعترفت هولندة رسميا الآن بانحلال ~~الاتحاد مع بلجيكا (المادة الثالثة)، وفي ملحق لهذه المعاهدة من أربع وعشرين مادة ~~رسمت الحدود بين بلجيكا وهولندة، ووضعت تسوية لمسألة الديون، ونظمت شئون الملاحة ~~في نهري الشلدت والموز، وتقرر حياد بلجيكا الذي وضع بفضل ما جاء في صلب المعاهدة ~~وفي ملحقها تحت ضمان الدول الخمس، وفي اليوم نفسه أبرمت معاهدتان أخريان؛ إحداهما ~~مترتبة على المعاهدة السابقة، وبين بلجيكا وهولندة لتقرير صلات الود والسلام ~~بينهما، والأخرى بين الدول الخمس وحدها لتأكيد ضمان حياد بلجيكا مرة ثانية. ثم إن ~~بلجيكا وهولندة أبرمتا معاهدة لتأكيد صلات الود والصداقة على أسس دائمة، وذلك في ~~لاهاي في 5 نوفمبر 1842. # ولقد بقيت معاهدة 19 أبريل 1839 الوثيقة الدولية التي صار يستند عليها الوضع في ~~بلجيكا في كل السنوات التالية، إلى أن ألغيت بمقتضى المادة الواحدة والثلاثين من ~~معاهدة الصلح في فرساي في 28 يونيو 1919. # الأراضي المنخفضة بعد الانفصال # احتفظت الولايات الهولندية باسم مملكة الأراضي المنخفضة، بالرغم من الانفصال الذي ~~حدث باستقلال بلجيكا، وخروج هذه بصورة عملية من الاتحاد منذ ثورة 1830، ولقد شاهدنا ~~كيف أيد الهولنديون ملكهم وليم الأول بكل ما وسعهم من جهد وحيلة في مقاومته ~~الثورة البلجيكية، ولكن لم يلبث الهولنديون منذ سنة 1832 خصوصا أن بدءوا ينفضون من ~~حوله شيئا فشيئا بسبب عناده، والنفقات الطائلة التي اقتضتها عملياته العسكرية ضد ~~البلجيكيين، وطالب الهولنديون بإنهاء الحكومة الشخصية التي جرت عليهم كل هذه ~~المتاعب، ومع أن الملك لم يلبث أن شعر بصدق الحاجة إلى إدخال تعديلات إدارية ~~وسياسية في نظام الحكم السائد، فقد آثر النزول عن العرش عن الاستجابة لرغبات ~~رعاياه، وترك ms0894 وليم الأول العرش (1840) لولده وليم الثاني، وغادر البلاد التي أثارها ~~زواجه من بلجيكية كاثوليكية هي الكونتس ~~دولترمونت # D’Oultremont ~~، وقضى بقية حياته في عزلة في أملاكه الخاصة في سيلزيا، ~~وبعد ثلاث سنوات (1843) توفي في برلين. # ووليم الثاني هو ولي العهد، أمير أورانج الذي شهد الكفاح في مراحله المتعددة ضد ~~البلجيكيين، وأظهر منذ 1815 أنه يدين بمبادئ الأحرار، وحاول أثناء ثورة 1830 كسب ~~ثقة البلجيكيين بفضل سياسة الملاينة التي اتبعها، وكان من واجب الملك الجديد التغلب ~~على المصاعب المالية التي كانت تعانيها البلاد عندما ترك والده العرش ، واستطاع ~~وزيره فان هال # Van Hall # إنقاذ الدولة من الإفلاس ~~بإقناع الأمة بالاكتتاب في قرض أهلي، ساعد على موازنة الميزانية، في حين أن ~~المستعمرات الهولندية في الهند الشرقية لم تلبث أن صارت تدر أرباحا كبيرة على ~~الدولة، كانت عاملا هاما كذلك في موازنة الميزانية. # وشمل تشجيع وليم الثاني غزو المبادئ الحرة الكنيسة، وكان القائمون على هذه الحركة ~~جماعة من رجال الدين الذين أرادوا مقاومة التزمت الصارم الذي عرفت به العقيدة ~~الكلفينية، وبدءوا من سنة 1834 ينفصلون علنا عن الكنيسة الكلفينية (الرسمية)، ولم ~~تفد اضطهادات الحكومة شيئا في وقف هذه الحركة، بل تزايد نجاح «الانفصاليين»، ولم ~~يلبث وليم الثاني أن وافق على الترتيبات التي أجازت لهؤلاء الانفصاليين أن يؤسسوا ~~كنيسة معترفا بها وذات كيان خاص بها. # ولقد كان مرجوا أن يستجيب الملك لرغبة مواطنيه الذين نشدوا التمتع بحرياتهم ~~(حقوقهم) السياسية عن طريق إعادة النظر في الدستور، وعزز هذا الرجاء إقبال ~~الشعب على الاكتتاب في القرض الأهلي لإنقاذ الدولة من الإفلاس، ولكن الملك وليم ~~الأول بالرغم من أنه دأب على المغالاة في إظهار شعور العرفان بالجميل نحو شعبه، فقد ~~كان عاجزا عن اتخاذ قرار حاسم من تلقاء نفسه، وعلى ذلك فقد تقدم في سنة 1844 تسعة ~~أعضاء من «الغرفة الثانية»؛ أي المجلس النيابي، بزعامة ثوربيك # John Rudolf ~~Thorbecke ~~- ~~وكان أستاذا للقانون بجامعة ليدن - باقتراح محدد لمراجعة الدستور وتعديله، ولكن ~~الملك أعلن معارضته للمشروع، فرفضه المجلس، وفي سنة ms0895 1845 تقدم آخر، # Nedermeyer Van Rosenthal # باقتراح مشروع ~~للتعديل، في حدود أضيق بكثير مما جاء في المشروع السابق، ولكن هذا الاقتراح كان ~~نصيبه الرفض كذلك. فإن وليم الثاني - وهو زوج آنا ~~باولوننا # Anna Paulonna # الروسية، شقيقة القيصر نيقولا الأول - لم يكن يريد ~~نظاما برلمانيا في بلاده. # وساد التذمر بسبب موقف الملك من مطالب البلاد الدستورية، وتزايد هذا التذمر وسط ~~الطبقات العاملة؛ بسبب انتشار وباء أصاب محصول البطاطس، غذاء الطبقات الفقيرة ~~الرئيسي، وقد ظل هذا المرض يفتك بالمحصول خلال سنوات 1845-1847؛ حتى وجد أهل هذه ~~الطبقات أنهم صاروا محرومين من أهم عنصر غذائهم، في حين ارتفعت أسعار المأكولات؛ ~~فقامت الاضطرابات والمظاهرات الصاخبة والالتحامات في كل مكان، وعمدت الحكومة إلى ~~استخدام القوات العسكرية لإخماد هذه الاضطرابات، ولقد كانت هذه القلاقل مع ذلك ~~مظهرا من مظاهر رد الفعل العام الذي حدث من مدة طويلة ضد مبدأ الأوتقراطية الذي ~~قامت عليه الحكومة، والذي ظل يقوى شيئا فشيئا، ويتزايد خلال كل السنوات السابقة، ~~حتى بلغ ذروته في سنة 1848. # وسنة 1848 هي التي شهدت حدوث ثورة فبراير المعروفة في باريس (24 فبراير)، وإقصاء ~~لويس فيليب عن العرش، ثم سجلت تجاوب أصداء هذه الثورة في كل عاصمة تقريبا من عواصم ~~الدول في أوروبا، وكان آنئذ أن لمس وليم الثاني الخطر الذي يتهدد عرشه لو أنه بقي ~~مصرا على تجاهل رغبات شعبه، وعلى ذلك فقد تألفت في 17 مارس 1848 لجنة من خمسة ~~أعضاء منهم أربعة من الزعماء الأحرار، أحدهم «ثوربيك»، والخامس يمثل الكاثوليك في ~~برابانت الشمالية # Brabant ~~؛ لتضع برنامجا ~~للإصلاح الدستوري المطلوب، ثم تألفت في 11 مايو وزارة جديدة للاضطلاع بمهمة تعديل ~~الدستور، فوافق مجلسا البرلمان على القانون الأساسي الجديد، الذي أعلن رسميا بعد ~~تصديق الملك عليه في 3 نوفمبر 1848. # وبفضل التعديلات التي أدخلت على الدستور وصدر بها القانون الأساسي الجديد، أنقصت ~~سلطات الملك، بينما زيدت حقوق البرلمان وسلطاته زيادة كبيرة، فلم يعد الملك هو الذي ~~يعين أعضاء «المجلس الأعلى» أو الغرفة الأولى (وعددهم 39 عضوا)، بل ms0896 صارت المجالس ~~(البرلمانات) المحلية في الولايات هي التي تنتخب هؤلاء ممن يدفعون أعلى قدر من ~~الضرائب المباشرة، وصار أعضاء «المجلس الأدنى» أو الغرفة الثانية ينتخبهم مباشرة ~~المواطنون الناخبون الذين يدفعون ضرائب عقارية اختلفت فئاتها باختلاف المكان أو ~~المقاطعة، وتحدد عدد أعضائه بنسبة واحد لكل خمسة وأربعين ألفا من السكان، وفي حين ~~تركت للملك السلطة التنفيذية، وللبرلمان السلطة التشريعية، صار الملك يتولى سلطاته ~~بواسطة وزرائه الذين تقررت مسئوليتهم أمام البرلمان الذي صار من حقه إلى جانب ~~اقتراح القوانين تعديل مشروعات ما يعرض عليه منها، والموافقة على الميزانية أو ~~رفضها، وهي التي تقرر عرضها عليه سنويا، وقد جعلت جلسات البرلمان علنية، وفيما ~~عدا ذلك نص الدستور على حرية العبادة ، وتوسيع سلطات البرلمان لتشمل شئون ~~المستعمرات، ووضع التعليم الابتدائي تحت رقابة الدولة مع منح الحرية التامة للتعليم ~~الخاص، وضرورة إصلاح الإدارة المحلية في المقاطعات والقرى وتنظيمها على أساس العمل ~~بمبدأ الانتخاب. # ولقد تناول الإصلاح فيما بعد «مجالس الطبقات» أو البرلمانات المحلية، فقسمت ~~هولندة إلى إحدى عشرة مقاطعة لكل منها مجلسها، ولكن بعد أن ألغي مبدأ الطبقات ~~القديم الذي قامت عليه هذه المجالس، فصار الناخبون الذين لهم حق انتخاب أعضاء ~~البرلمان الأعلى هم الذين ينتخبون أعضاء هذه المجالس المحلية التي غدت هيئات ~~تشريعية صحيحة وإن احتفظت باسمها القديم: مجلس الطبقات. # ومنذ 1848، أدخل على الدستور تعديلات طفيفة، كان أهمها ما حدث في سنة 1887 من حيث ~~توسيع حقوق الانتخاب، حتى صارت تشمل كل من يملك عقارا للسكنى، أن يدفعوا أجرا ~~لسكنهم - على غرار ما كان يحدث في إنجلترة - فزاد عدد الناخبين بسبب هذا التعديل من ~~مائة وأربعين ألفا إلى حوالي الثلاثمائة ألف. ثم لم يلبث أن زاد عدد الذين صار لهم ~~حق الانتخاب بفضل تعديل آخر في سنة 1896 - أدخل في عداد هؤلاء فئات جديدة من طراز ~~الأولين، فارتفع العدد إلى حوالي سبعمائة ألف ناخب، أو بنسبة واحد لكل سبعة من ~~السكان (وأما حق الانتخاب العام ومبدأ التمثيل النسبي فقد أخذ بهما الدستور في سنة ms0897 ~~1917). # ولقد توفي وليم الثاني فجأة في تيلبورج # Tilburg ~~(من أعمال برابانت الشمالية بهولندة) في 17 مارس 1849، وخلفه ابنه وليم الثالث - من ~~زوجته الروسية - على العرش، وقد بقي هذا في الحكم حتى سنة 1890، فاحتلت العرش ابنته ~~ولهلمينا # Wilhelmina ~~. # بلجيكا بعد الاستقلال # لقد رضخ البلجيكيون للشروط القاسية التي أملتها عليهم الدول في سنة 1839 بشعور ~~مختلط من الحزن والغضب، لإرغامهم - كما عرفنا - على التخلي لهولندة عن أجزاء من ~~لكسمبورج وليمبورج اللتين اعتبروهما أراضي بلجيكية منذ 1831، واللتين شاطر أهلوها ~~هذا الشعور نفسه، وهم الذين صاروا بلجيكيين تماما في عواطفهم ومشاعرهم، ولكن ~~البلجيكيين صاروا الآن ينعمون باستقلالهم، ووجب عليهم أن يصونوا هذا الاستقلال ~~بالتغلب على المصاعب التي تولدت من معاهدة 19 أبريل 1839؛ اضطلاعهم بقسم من ديون ~~هولندة، وتعويق ملاحتهم في نهر الشلدت بسبب القيود التي وضعت عليها. # ولما كان السبب الأكبر في نجاح الثورة البلجيكية، ما حصل من اتحاد وثيق بين جماعتي ~~الكاثوليك والأحرار، فتناسى الفريقان اختلافاتهما في سبيل قضية الوطن، فقد صح عزم ~~الملك ليوبولد الأول على المحافظة على هذا الاتحاد بكل ما وسعه من جهد وحيلة، ونجح ~~ليوبولد فيما أراده. فتألفت وزارة ائتلافية سنة 1834، استمرت في الحكم ست سنوات، ~~وخلفتها وزارة كانت أكثر تجانسا، ولو أنها اتصفت بالاعتدال كذلك (1840)؛ ولكنها ~~عجزت عن الاستمرار طويلا، فتشكلت وزارة ائتلافية أخرى برئاسة نوثومب # Nothomb ~~، صاحب النشاط الكبير في حوادث ~~1830-1831. # وكان من أخطر المسائل التي جابهتها وزارة «نوثومب»، والتي اختلف بشأنها الكاثوليك ~~الأحرار اختلافا عظيما، مسألة التعليم الابتدائي العام، ومع ذلك استطاعت الوزارة ~~استصدار قانون في 23 سبتمبر 1842 لتنظيم شئون هذا التعليم بصورة تنال رضى المعتدلين ~~من الفريقين، أدخل التربية الدينية ضمن برنامج التعليم العام، وألزم المجالس ~~الريفية أو مجالس القرى (القومونات) بنفقات مدرسة ابتدائية على الأقل في كل ~~«قومون»، على أن تقوم الدولة والولاية (أو المقاطعة) بنفقات المدارس التي لا يتوفر ~~لدى هذه المجالس الريفية الموارد اللازمة للإنفاق عليها. # وأبدت وزارة «نوثومب» مهارة واعتدالا في ممارسة شئون الحكم، مكناها من البقاء ~~مدة طويلة، ms0898 إلى أن أجبر «نوثومب» على الاستقالة في يونيو 1845، عندما أتت ~~الانتخابات الجديدة بأكثرية في البرلمان معارضة لحكومته؛ والسبب في ذلك أن البلاد ~~كانت تمر منذ سنة 1843 في أزمة صناعية ومالية خطيرة، وعندما عجزت صناعة النسيج ~~اليدوية في بلجيكا - في فلندرا وبرابانت خصوصا - عن منافسة هذه الصناعة التي ~~استخدمت الآلات في إنتاجها، في إنجلترة؛ فنقصت تجارة الصادر من الكتان البلجيكي إلى ~~النصف في أقل من أربع سنوات، ومن بين حوالي نصف مليون عامل يعتمدون في عيشهم على ~~هذه الصناعة، صار كثيرون متعطلين ويعمد أكثرهم إلى التسول، ويهلك جوعا عديدون ~~منهم. ومثلما حدث في هولندة في سنة 1845، فتك الوباء بمحصول البطاطس، غذاء الطبقات ~~الفقيرة، ثم جاء محصول القمح في سنة 1847 رديئا، وارتفعت أسعار المواد الغذائية ~~ارتفاعا فاحشا؛ فاكتظت الشوارع والقرى بالمتسولين، ولم يمنع وقوع الاضطراب إلا ~~تدخل الحكومة السريع، التي اتخذت من الإجراءات ما كفل تخفيف شدة الأزمة. # فقد ظلت تزدهر في الجنوب والشرق صناعات الفحم والحديد والقطن والأقمشة، فأخذت ~~الحكومة على عاتقها إلحاق المتعطلين في هذه الصناعات، بأن تكفلت الدولة بإنجاز عدد ~~من المشاريع العامة النافعة مثل؛ التوسع في بناء السكة الحديد في فنلندرا وغيرها، ~~وإنشاء قناة تيرنهوت # Turnhout # وتعبيد مئات الأميال ~~من الطرق الجديدة، كما اتخذت الخطوات لاستخدام الآلات في صناعة الكتان لإحياء هذه ~~الصناعة، ثم أنشئت الورش النموذجية والمدارس الفنية الصناعية لتلقين العمال أحدث ~~الأساليب المتبعة في صناعة النسيج خصوصا، وهكذا أمكن اجتياز الأزمة. # إلا أن استقالة وزارة «نوثومب» أوجدت أزمة سياسية لا تقل في خطورتها عن هذه الأزمة ~~الاقتصادية والمالية؛ لأن الملك الذي كان يؤثر دائما الوزارات «المحايدة»، ويريد ~~أن يسود الاعتدال بين الأحرار والكاثوليك (أو الكنسيين) بإقامة الوزارات ~~«الائتلافية» التي ترتكز معالجتها للأمور على حلول وسط، كان يأبى أن تتولى الحكم ~~وزارة من الأحرار؛ فعهد إلى أحد الأحرار المعتدلين (فان دي وير) - وكان موضع احترام ~~الجميع لما أسداه من خدمات للوطن - بتشكيل وزارة ائتلافية (يوليو 1845)، ولكن «فان ~~دي وير» لم يلبث أن استقال في مارس ms0899 من العام التالي للصعوبات التي أحاطت بوزارته، ~~فلم يجد الملك مناصا حينئذ من دعوة أحد زعماء الأحرار المعروفين، هو شارلس روجيه # Rogier ~~- وكان مثل دي وير من الذين ساهموا في ~~حوادث استقلال بلجيكا بنصيب وافر - لتأليف الوزارة، ورفض «روجيه» تشكيل الوزارة قبل ~~أن ينال من الملك موافقته على حل البرلمان؛ فاستدعى ليوبولد أحد زعماء الكاثوليك ~~ثو دي ميلاند # Theux de Meyland # لتأليف وزارة ~~كاثوليكية متجانسة. الأمر الذي أثار معارضة شديدة ضد الحكومة. # فقد دعا حزب الأحرار لمؤتمر عام ينعقد في بروكسل في 14 يونيو 1846، حضره ثلاثمائة ~~وعشرون مندوبا من جميع أنحاء بلجيكا؛ فأقر المؤتمر برنامجا للإصلاح استطاع ~~بفضله الأحرار أن يدخلوا الانتخابات العامة التي أجريت في السنة التالية (1847) في ~~جبهة متحدة، فظفروا بأكثرية كبيرة من الأحرار، فشكل شارلس روجيه الوزارة في هذه ~~المرة، ولم يتردد ليوبولد بوصفه ملكا دستوريا في تأييد وزارته، فكان تصرفه ~~تصرفا حكيما، جعل ممكنا أن تجتاز البلاد بسلام الأزمة التي نجمت من ثورة 24 ~~فبراير 1848 في باريس، والتي أدت إلى طرد لويس فيليب والد زوجه من العرش، وبينما ~~انتشرت القلاقل والثورات في كل مكان تقريبا في أوروبا، بقيت بلجيكا يسودها الهدوء، ~~وأبدى البلجيكيون رضاهم عن الحريات التي حصلوا عليها والتقدم الذي أحرزته بلادهم، ~~في عهد ملك اختاروه هم أنفسهم، نجح في إدارة شئون الحكم بحكمة واعتدال، وصارت الثقة ~~في مستقبل البلاد لذلك كله تملأ نفوسهم. ولقد حاولت بعض عصابات الثوار الفرنسيين ~~غزو بلجيكا، ولكن البلجيكيين سرعان ما تصدوا لهم؛ ليوقعوا بهم الهزيمة بسهولة عند ~~ريسكونز توت # Risquons-Tout # بالقرب من ~~موسكرون # Mouscron # في 30 مارس 1848. # ولقد استطاعت وزارة روجيه بعد انقضاء أزمة 1848، أن توجه عنايتها لإنجاز ما وعدت ~~به وهو تنفيذ برنامج واسع للإصلاح النيابي والبرلماني، فجعل حق الانتخاب للذين ~~يدفعون ضرائب مباشرة قدرها عشرون فلورين فقط، سواء عند الانتخاب للبرلمان أو لمجالس ~~المقاطعات (الإقليمية) أو مجالس القرى (الريفية)، وكان ذلك في صالح الأحرار - ~~الطبقة البورجوازية - حيث قد ضوعف بسببه عدد الناخبين في المدن، في حين ms0900 لم يزد عدد ~~الناخبين في الريف بالنسبة نفسها، وظهر أثر هذا التغيير في نتيجة الانتخابات ~~التالية؛ إذ كان عدد الأحرار خمسة وثمانين، في حين بلغ «الكاثوليك» ثلاثة وعشرين ~~فقط. فاستطاعت الوزارة الاعتماد على أكثرية عظيمة في «الغرفة الثانية»، فتسنى لها ~~اتخاذ عدة إجراءات عادت بالنفع على الطبقات العاملة، والمشتغلة في التجارة؛ من ذلك ~~تأسيس بنك أهلي، وبنك للتوفير والضمان، وإنقاص أو إلغاء ضرائب الوارد على الأغذية ~~والمأكولات، وتمويل الدولة لعدة مشروعات عامة لصالح المتعطلين والفقراء، وعنيت ~~الحكومة ثانية بشئون التعليم. # واستمرت وزارة «روجيه» في الحكم إلى سنة 1853، ومن أهم الحوادث التي وقعت في ~~أثنائها وفاة الملكة لويز ماري ابنة لويس فيليب في 11 أكتوبر 1850 في أوستند، بعد ~~أن أضعفها المرض على أثر حوادث الثورة التي أقصت والدها عن العرش، ثم اضطرار ~~الحكومة إلى زيادة الضرائب، مما أفقد الوزارة قسما كبيرا من أنصارها في انتخابات ~~1852، فاستقال «روجيه» في العام التالي، فألف الوزارة دي بروكير # Brouckére # وكان من المعتدلين، ليستقيل هو الآخر ~~في مارس 1855، حتى تتشكل وزارة من الوسط واليمين، ولكن في سنة 1857 لم يلبث الأحرار ~~أن ظفروا بأكثرية في الانتخابات، فشكل «شارلس روجيه» الوزارة، ولقد بقي روجيه ~~في الحكم مدة طويلة، من سنة 1857 إلى 1870. # أما الملك ليوبولد فقد وافاه أجله في 10 ديسمبر 1865 وهو في سن الخامسة والسبعين ~~بعد حكم استمر أربعا وثلاثين سنة، أظهر خلالها من صفات الحكمة والكياسة في توجيه ~~البلاد، ما ساعد الدولة البلجيكية الحديثة على التغلب على الصعوبات العديدة التي ~~اعترضت طريقها، حتى تدعمت أركانها، ونال الملك بفضل الخدمات الوطنية التي أسداها ~~احترام شعبه له وثقته في شخصه، واحترام أوروبا كذلك. # | الفصل السادس # إسبانيا والبورتغال: الصراع بين المبادئ الحرة والرجعية في إيبريا # تمهيد # كان غرض السياسيين الرئيسي في أوروبا بعد سنة 1815، الحيلولة بكل الوسائل دون حدوث ~~«الثورة» التي تهدد بانهيار أنظمة الحكم الرجعية التي أعادوها في البلدان التي كانت ~~تخلصت منها في عهد «الثورة الفرنسية ونابليون»، والتي دعموها في الأوتوقراطيات التي ~~استمر يسود ms0901 بها «النظام القديم»، وكان خطر الثورة إذا حدثت يشمل تهديد الترتيبات ~~الإقليمية التي رسمها السياسيون على قاعدتي توازن القوى والتعويضات، والتي أخضعت ~~شعوبا بدأ يقوى فيها شعور القومية لسلطان حكومات أجنبية عليها. فكان معنى التدبر ~~لعدم قيام الثورات منع الآراء الحرة الديمقراطية من الاستعلاء مرة أخرى، وهي التي ~~تهدف إلى التحرر الوطني (القومي)، وإثارة الحركات الدستورية ودعمها، ولقد عرفنا كيف ~~أطلق «نظام مترنخ» على عمل التدابير والاحتياطات التي اتخذتها الدول ضد حدوث ~~«الثورة» في أوروبا، وكيف أن هذا «النظام» حاول عن طريق «الاتحاد الأوروبي» الوصول ~~إلى الأغراض التي توخاها أصحابه منه. فعولجت مسائل شتى، كان النجاح نصيب «الاتحاد ~~الأوروبي» تارة، وأخفق «الاتحاد» في علاجها تارة أخرى، لأسباب ذكرت جميعها في ~~مواضعها، ولقد كان السبب الرئيسي في إخفاق «الاتحاد الأوروبي» كأداة لحكم أوروبا، ~~وفرض سيطرة موحدة عليها، غايتها الكبرى منع حدوث «الثورة» - سواء أكانت وطنية قومية ~~أم دستورية - انقسام الدول فريقين بشأن مصير المستعمرات التي لإسبانيا وللبورتغال ~~في أمريكا، وتلك مسألة كبرى، ثم لتحديد شروط «التدخل» في شئون إسبانيا والبورتغال ~~الداخلية. # ومثلما سادت الاضطرابات بقية أوروبا بين عامي 1830 و1840 وتعددت المشكلات التي ~~تحتم على الدول العظمى معالجتها، سواء قبل فشل «الاتحاد الأوروبي» كأداة حكومية ~~وبوليسية، أو بعد فشله عقب مؤتمر فيرونا (1823) - وهي المشكلات التي عرضنا لطائفة ~~منها في الفصول السابقة؛ ولقد تقدم كيف استأثرت المسألتان الإسبانية والبورتغالية ~~باهتمام «الاتحاد الأوروبي». أما المشكلات التي أثارت المتاعب والاضطرابات في شبه ~~جزيرة إيبريا (إسبانيا والبورتغال) ودعت أحداثها لتدخل الدول، فقد لاحظنا أنها في ~~صميمها ترتد إلى أسباب متصلة بالتنازع العائلي (أي بين أعضاء الأسرة المالكة) من ~~أجل اعتلاء العرش، وإن كان لا يخلو من هذا التنازع - وهو عائلي في جوهره - من ~~الاصطباغ لدرجة معينة بصبغة دستورية، ولقد كان من الأيسر كثيرا الوصول إلى تسوية ~~للمشكلة البورتغالية، في حين تطلبت مشكلات إسبانيا جهودا كبيرة لتحقيق هذه ~~الغاية. ~~(1) إسبانيا: نضال الأحرار ضد نظام الحكم المطلق في إسبانيا # وترتد «المشكلة الإسبانية» في أصولها، بالشكل الذي استأثر ms0902 باهتمام «الاتحاد ~~الأوروبي» إلى الحرب الإيبيرية (1808-1814)، التي خاض غمارها الإسبان كل هذه ~~السنوات الطويلة، لاستنقاذ البلاد من السيطرة النابليونية؛ وحق للإسبان أن ينظروا ~~باعتزاز لهذه الحقبة من تاريخ أوطانهم وأن يفخروا بالنصر الذي أحرزوه عندما كان ~~صراعهم المرير لتحرير الوطن أحد العوامل الحاسمة التي عجلت بانهيار الإمبراطورية ~~النابليونية. # على أن جلاء الجيوش النابليونية من إسبانيا، وعودة ملكها فردنند السابع إلى عرشه، ~~لم ينهيا متاعب الشعب الإسباني، بل إن عهدا جديدا من الصراع الداخلي لم يلبث أن ~~بدأ حول نوع الحكم الذي تجب إقامته في البلاد، وكان نضال الأحرار الإسبان من أجل ~~إنشاء الحكومة الدستورية، لا يقل في أهميته وخطورته عن نضال الأمة السابق لتحرير ~~الوطن من السيطرة الأجنبية، وكانت المشكلة التي واجهت الاتحاد الأوروبي هي الفصل ~~فيما إذا كان يجب أن تسود الرجعية إسبانيا، وذلك في عهد الملكيات الراجعة في أوروبا ~~عموما، وتحت نظام مترنخ، أو أن تنتصر المبادئ الحرة المتولدة من الثورة ~~الفرنسية، والتي جاء بها أصلا إلى إسبانيا الفرنسيون الغزاة في عهد السيطرة ~~النابليونية، ولقد شاهدنا كيف أن «التدخل الأوروبي» عندما تقرر من أجل تأييد ~~سلطان الملكية الراجعة في إسبانيا، لم يغفل النظر في مشكلة متفرعة عن الأزمة ~~الإسبانية في إطارها الأوروبي الخالص، ونعني بذلك مصير المستعمرات الإسبانية في ~~أمريكا، ولقد انتهى الأمر بإخفاق الاتحاد الأوروبي بسبب هذه المشكلة خصوصا من جهة، ~~ثم الاعتراف باستقلال هذه المستعمرات الإسبانية في أمريكا، وبالحكومات «الفعلية» ~~التي قامت بها من جهة أخرى، أما فيما يتعلق بإسبانيا ذاتها، فلقد كان تاريخها ~~«الداخلي» بعد سنة 1815 سجلا للكفاح الذي أثاره «الأحرار» من أجل إنشاء الحكومة ~~الدستورية. # ولقد كان متعذرا أن تتغلغل في كيان الأمة الإسبانية لأول وهلة المبادئ الحرة أو ~~تلك القومية (الوطنية) التي جاءت بها جيوش نابليون إلى إيبريا. فالأمة التي نفر ~~أبناؤها للذود عن حياضهم ضد العدوان «الأجنبي» كانت لا تزال بعد انقضاء هذا الخطر ~~(وفي سنة 1815) تفرقها الانقسامات الداخلية، وتقضي على اتحادها النزعة الإقليمية، ~~بدرجة تجعل متعذرا ظهور «رأي عام» ms0903 يعبر عن رغبات واتجاهات مشتركة وموحدة، أو ~~اتباع سياسة وطنية ناجحة ذات أغراض محددة. # دستور 1812 # ومن المسلم به أن مولد المبادئ الحرة في إسبانيا كان في أثناء «الحرب ~~الإيبيرية»، وقت أن كان الملك الشرعي فردنند السابع مبعدا عن عرش بلاده في ~~المنفى، وكان جوزيف بونابرت الملك الذي فرضه نابليون شقيقه على إسبانيا لا ~~يعترف به سواد الأمة الإسبانية، الأمر الذي أجبر الإسبانيين على أن يقوموا ~~بتنظيم أنفسهم تحت قيادة وإرشاد زعمائهم الذين عرفنا - عند دراسة تاريخ الحرب ~~الإيبرية أيام نابليون الأول - أنهم أسسوا مجلسا مركزيا لقيادة الثورة # Junt Central # كان بمثابة حكومة مؤقتة، ~~ولقد مهد هذا المجلس الثوري لدعوة «الكورتيز» الإسباني للانعقاد في صورة ~~برلمان وطني في أشبيلية # Seville # ليضع دستورا ~~للبلاد. فأصدر الكورتيز في 19 مارس 1812 دستورا نقله عن دستور 1791 الذي ~~أصدرته الثورة الفرنسية، فأخذ عنه أسوأ ما جاء به وما كان يتعذر تنفيذه. فنبذ ~~ظهريا «دستور 1812» كل تقاليد النظام الدستوري الإسباني القديم؛ بحيث لم يعد ~~للكنيسة وللأرستقراطية أي صوت في حكومة بلاد كان يستعلي فيها نفوذ رجال الدين ~~والنبلاء، وانتزع الدستور من الملك كل سلطاته، حتى صار «التاج» لا يعدو مجرد ~~«زخرف» في الدولة لا نفوذ ولا سلطان له، وذلك في بلد اشتهر أهله بولائهم ~~المتطرف، ولدرجة التعصب «للملكية»، وزيادة على ذلك، فقد رفض الدستور إعادة ~~انتخاب أعضاء المجلس النيابي أو المجلس التشريعي الذي أوجده الدستور، ثم منع ~~الوزراء من حضور مناقشات المجلس؛ لأنهم ليسوا أعضاء به، وذلك بالرغم من تقرير ~~مبدأ المسئولية الوزارية، كأنما كانت لا تكفي كل نقاط الضعف السابقة لتأكيد ~~فشل هذا الدستور، ومع ذلك فقد ترتب على الرجعية الشديدة التي تميز بها عهد ~~الملك (العائد) فردنند السابع؛ حصول رد فعل عميق صارت بسببه المناداة «بدستور ~~1812» والعمل به، المطلب الذي اجتمعت عليه كلمة كل الأحرار ليس في إسبانيا ~~وحدها، بل وفي بلدان أخرى كذلك، وتلك الحقيقة هي ولا شك مبعث الأهمية الوحيدة ~~التي انفرد بها هذا الدستور. # أما عامة الناس فقد كان ms0904 اهتمامهم بالدستور ضئيلا، وفي رأي كثيرين أنه حتى ~~سنة 1820 من المحتمل أن هؤلاء كانوا لا يدرون شيئا عن هذا الدستور (دستور ~~1812)، ينهض دليلا على ذلك أن «الشعب» الذي احتشد ليرحب بفردنند السابع عند ~~عودته إلى إسبانيا في أوائل سنة 1814، كان ينادي في كل مكان مر به بحياة ~~«الملك المطلق»، وكان هذا «الحماس» الظاهر للملكية المطلقة، من أهم العوامل ~~التي جعلت فردنند السابع يقدم على إلغاء الدستور. # فقد وافق نابليون في معاهدة فالنساي # Valençay ~~(في 11 ديسمبر 1813) على إرجاع فردنند السابع إلى ~~عرشه، واشترط مجلس الكورتيز - وكان مجتمعا آنئذ في مدريد - أن يحلف الملك ~~يمين الولاء للدستور (2 فبراير 1814)، ولكن نابليون أجاز لفردنند العودة (7 ~~مارس) بالرغم من أن السلطات الإسبانية (مجلس الوصاية ومجلس الدولة) لم تشأ ~~الاعتراف بمعاهدة فالنساي، وبالرغم من اشتراط الكورتيز حلف اليمين باحترام ~~الدستور، وفي 22 مارس عبر فردنند السابع الحدود الإسبانية، وعلى الفور ~~اكتشف فردنند أن ليس ثمة سبب يدعوه للتريث والإمهال، وأن الدستور موضع كراهية ~~شعبه وبغضه الشديد، وأن ليس هنالك وسط هذه العاصفة من الحماس الذي قوبل به ما ~~يجبره على «المساومة» مع الكورتيز والعناصر الحرة المؤيدة للدستور في ~~بلاده. # وعلى ذلك فإن فردنند السابع بمجرد أن شعر بقوة موقفه استنادا على تأييد ~~«موظفي» الدولة وقسم كبير من عسكرها، بادر باستصدار منشور من فالنسيا # Valencia # في 4 مايو 1814، يعلن فيه إلغاء ~~الدستور وقرارات مجلس الكورتيز، وحل هذا المجلس، وفي 11 مايو ألقي القبض في ~~مدريد على كل النواب الأحرار، ولقد قوبلت هذه الإجراءات (دون أي تذمر أو ~~تململ) من جانب الشعب؛ بل إن الجماهير «حيت» هذه الإجراءات بإشعال النار ~~لعمل الزينات، وبالرقص حول ما صارت تلقي به من نسخ الدستور ومطبوعات أو نشرات ~~الأحرار إلى النار لتحرقه. # الملكية الراجعة # فلم يمض شهر واحد على هذه الحوادث، حتى كانت قد أعيدت في إسبانيا كل أدوات ~~وأجهزة الحكم الاستبدادي الفاسد، فأقيمت من جديد محاكم التفتيش؛ بالرغم من ~~احتجاج الدول، واسترجعت الطوائف الدينية القديمة كل ما ms0905 كان لها من نفوذ وسلطان ~~سابق، كما استعادت أملاكها وثرواتها الضخمة، ووقع الأحرار في كل مكان فريسة ~~للاضطهاد (المنظم)، ولا جدال في أن الذي ساعد على ذلك كله، ما حصل من تراخ ~~خلقي نتيجة للحرب التي خاضها الشعب الإسباني مدة خمس سنوات بتمامها، وما ~~اقترن بهذه الحرب من أعمال التخريب والحرق والنهب والسلب؛ بسبب الغزو ثم ~~الاحتلال الفرنسي، فصارت «المدن» مسرحا لنشاط الجماهير التي قست لدرجة ~~الوحشية في ثوراتها للانتقام من المحتلين، وشهد «الريف» جموع العصابات التي ~~لاحقت العدو، ودأبت على مطاردته - أو دأب الأخير (الفرنسيون) على مطاردتها من ~~مكان إلى آخر - لتنزل العصابات بالعدو في كل المرات تقريبا أفدح الخسائر، ~~وترتب على اختلال الأمن عموما أن انتشر السارقون واللصوص والمربون في الوديان ~~والجبال، جنبا إلى جنب مع المحاربين من رجال العصابات المقاتلة. # على أن طغيان الملكية الراجعة، واضطهاد الأحرار الذين كان يكفي أمر يصدر من ~~الملك ودون أية محاكمة للإلقاء بهم في السجون، أو لطردهم خارج البلاد إلى ~~المنفى، لم يفلح في القضاء على هؤلاء الأحرار؛ بل إن ضباط الجيش على وجه ~~الخصوص الذين من المحتمل أنهم تأثروا باختلاطهم بزملائهم الإنجليز أثناء الحرب ~~الإيبيرية، فصاروا يعتنقون المبادئ الحرة، أصروا على التمسك بهذه المبادئ ~~بالرغم من العقوبات الشديدة التي كان الملك ووزراؤه يوقعونها على كل الذين ~~يظهرون ميولا «حرة»، وسرعان ما أخذوا يؤلفون جمعيات سرية ويتحينون الفرص ~~المناسبة لتنفيذ آرائهم السياسية، وهكذا دخلت السياسة إلى الجيش. # وزاد الموقف الداخلي صعوبة بسبب الثورات المشتعلة وقتئذ (1819) في المستعمرات ~~الإسبانية في أمريكا؛ وهي التي كانت أعلنت انفصالها عن التاج الإسباني عندما ~~انتزع نابليون العرش في مدريد ليضع عليه أخاه جوزيف بونابرت. فقد رفض فردنند ~~السابع الاعتراف بهذا الانفصال، وعقد مع الولايات المتحدة الأمريكية تلك ~~الصفقة المعروفة التي باعها فيها فلوريدا في نظير خمسة ملايين من الجنيهات، ~~أراد تخصيصها للإنفاق على حملة يعدها لاسترجاع الفتوحات الإسبانية القديمة في ~~أمريكا، وبالفعل لم تلبث أن احتشدت قوة من عشرين ألف مقاتل بجوار قادش تأهبا ~~للإبحار إلى ms0906 أمريكا الجنوبية، ولم تكن هذه «المغامرة» تلقى ترحيبا كبيرا من ~~الشعب؛ بسبب المخاطر المنتظرة، والتعرض الأكيد للإصابة بالحمى، والموت بها، ~~فكان من السهل انتشار روح التمرد والعصيان بين جنود الحملة المزمعة. وفي أول ~~يناير 1820 نادى بالثورة أحد الضباط الذين اشتركوا في الحروب الإيبيرية ~~رفائيل دل رييجو # Riego ~~، وكان من الأحرار ~~المتحمسين وتبعه جنود فرقته، وجذب إليه كذلك ضباطا آخرين منهم؛ الكولونيل ~~كيروجا # Quiroga ~~، وفي مدينة كابيزاس دي سان جوان # Cabezas de San Juan ~~، أعلن ~~رييجو دستور 1812. وفي مساء اليوم نفسه دخل رييجو مدينة أركوس # Arcos # والتي حضر كي ينضم إليه بها جنود ~~أشبيلية الذين كانوا قد أعلنوا تمردهم في نهار هذا اليوم، ولكن «كيروجا» أضاع ~~فرصة ثمينة بتردده وضعفه للزحف على قادش، وعجز رييجو عن تحريك الثورة في أماكن ~~أخرى، ولم ينقذ الموقف غير قيام الثورة في كورونا # Corunna ~~(في 21 فبراير)؛ إذ سرعان ما تبعها اندلاع الثورة ~~في كل جاليسيا # Galicia # وأستورياس # Asturias ~~، وبرشلونة وبامبلونا Pampeluna ~~. # ثورة 1820 # ومع أن هذه الحوادث أفزعت الملك وبطانته في مدريد، فقد كان مثار الدهشة أن ~~الحكومة في المدة من أول يناير تاريخ بداية العصيان، إلى 21 فبراير تاريخ قيام ~~الثورة في كورونا، بقيت مسلوبة النشاط ولا تبدي حراكا، باستثناء بعض ~~الإجراءات «الضعيفة» التي اتخذت دون أية نتيجة ضد الثوار. فاعتمدت الحكومة في ~~محاولة إخماد العصيان والثورة، على بذل الوعود للأخذ بأسباب الإصلاح مثل؛ ~~استصدار قانون جديد للعقوبات، والتخفيف من صرامة الإجراءات المتبعة مع ~~المعتقلين السياسيين والعقوبات الموقعة عليهم، ولم تفد هذه الوعود الهزيلة ~~شيئا في وقف امتداد الثورة، فدعا الملك مجلس الدولة وممثلي القضاء للتشاور ~~معه فيما يجب فعله ليتسنى للملكية أن تنشئ حكما طيبا (4 مارس)، ثم دعا يوم 6 ~~مارس مجلس الكورتيز للانعقاد، وفي 7 مارس أمر الملك باجتماع هذا المجلس فورا، ~~وأعلن «تمشيا مع إرادة الشعب العامة أنه قرر حلف يمين التأييد لدستور 1812» ~~وهكذا انتصرت ثورة 1820. # ولقد قوبل قرار الملك يوم 7 مارس بالترحيب العظيم من جانب طبقة ms0907 النبلاء وطبقة ~~البورجوازي (الطبقة المتوسطة) في مدريد وفي كل مكان، وتتألف هاتان الطبقتان ~~من رجال المال ورجال العلم والفكر، والضباط من جميع الرتب؛ أي من الملاك ~~والمصرفيين والأدباء والمحامين والتجار والأطباء والعلماء ومن إليهم، في ~~حين بقيت طبقات الشعب الدنيا بعيدة عن الترحيب بالحركة الدستورية وغير متحمسة ~~لنجاحها لسببين هامين؛ أولهما: الجهل بمعاني الدستور وإدراك أهمية الحياة ~~الدستورية، وثانيهما: تغلغل تقاليد الملكية المطلقة من أزمان بعيدة في كيان ~~المجتمع الإسباني، وتغلغل هذه التقاليد المبنية على الخضوع الكامل لسلطان ~~الملك المطلق في حياة الطبقات الدنيا خصوصا. # وفي 9 مارس حلف فردنند السابع يمين الولاء للدستور، وفي اليوم التالي أصدر ~~منشورا طلب فيه السير قدما «بصراحة» في طريق الدستور، على أن يتولى هو نفسه ~~قيادة السائرين في هذا الطريق، وقابل أهل مدريد هذه الأنباء بالتهليل ~~والمناداة بحياة «الملك الدستوري»، وعاد إلى البلاد «المنفيون والمبعدون» من ~~سنة 1814، ونشطت «النوادي» (أو الجمعيات الوطنية) التي تألفت على غرار ~~النوادي الفرنسية، فنوقشت فيها الآراء السياسية بحماس كبير، وكان الشباب ~~مسئولا عن إنشاء بعض هذه النوادي لهذا الغرض، في حين أن طائفة من الذين ~~أرادوا من المناقشة السياسية تنوير الأذهان، وإرشاد الجماهير أنشئوا البعض ~~الآخر ، وفي كل هذه النوادي كانت الغلبة للمبادئ الحرة الراديكالية. وعقد ~~الوطنيون الأحرار ندواتهم كذلك في المقاهي وفي المحافل الماسونية، وكان أشهر ~~هذه الجمعيات في مدريد (الجمعية الوطنية لأصدقاء الحرية) في مقهى لورنشيني # Lorencini ~~، ثم جمعية أخرى في مقهى «صليب ~~مالطة» - جران كروتز دي ~~مالطة # Gran Cruz de Malta # وهكذا. # وتألفت حكومة (وزارة) من الأحرار، وفي 9 يوليو اجتمع الكورتيز في غرفة ~~واحدة، وكان يحوي عديدين من الأعضاء الذين حضروا كورتيز عام 1812، ولم يكن ~~النواب جميعهم يحترمون دستور 1812 بدرجة واحدة؛ بل إن منهم من أرادوا إصلاحه ~~أو تغييره تغييرا كليا، وكان الذين أرادوا هذا الإصلاح أو التغيير، ~~المعتدلون الذين لم يعد دستور 1812 في نظرهم يصلح للعمل به، ولا يساير حاجات ~~البلاد الراهنة. ثم لم يلبث أن انقسم المعتدلون إلى فريقي المتطرفين ms0908 # Exaltados # والذين تمسكوا بالاعتدال # Moderados ~~، وأما سائر النواب فقد تمسكوا ~~بدستور 1812 «رمزا لقضية الحرية» ولم يشاءوا أن يعبث بقدسيته أحد، ومع ذلك ~~فلم يؤلف فريق من كل هؤلاء أكثرية ساحقة، تفرض آراءها فرضا في نوع الإصلاح ~~المرجو. ثم إنه لم يكن متيسرا أن يتكتل النواب في فريقين أو حزبين ظاهرين ~~لتبادل الرأي بصدد الإصلاحات الدستورية المطلوبة. # ولقد استمر الكورتيز منعقدا حتى 9 نوفمبر 1820، واستصدر قرارات هامة منها؛ ~~إلغاء «الوقف» والطوائف الدينية، وإرسال الأموال لكنيسة في روما، ثم تنظيم ~~الجمعيات الوطنية لمنع حوادث التطرف في أعمالها، وتوقيع العقوبة على القساوسة ~~الذين يتآمرون ضد الحكومة الدستورية، وإلغاء طائفة اليسوعيين (الجزويت)، ~~ومصادرة أملاك الطوائف الملغاة، وإرغام القساوسة جميعا على الخدمة العسكرية، ~~ولقد اتهم كورتيز 1820، ثم مجالس الكورتيز التالية خلال هذه الحقبة بأنها ~~معادية للكنيسة، وهذا اتهام صحيح، ولكن كان هناك ما يفسر هذه الظاهرة وهو أن ~~رجال الدين كان أكثرهم معادين للدستور، ويؤيدون سلطان الملكية المطلقة، ~~ويحاولون التخلص من دفع الضرائب، بل ومن تحمل أية أعباء عليهم أن يؤدوها كسائر ~~المواطنين للدولة، أضف إلى ذلك أن الكنيسة كانت من أزمان بعيدة موئل التقاليد ~~الاستبدادية (أي الحكومة المطلقة)، حتى إن النضال بين الكنيسة وبين «الوطنيين» ~~الذين ظلوا يطالبون من قرن مضى بتضييق سلطان الكنيسة وتحديد - أي إنقاص - عدد ~~الكنسيين (رجال الأكليروس)، صار تقليدا قويا يتوارثه السياسيون. # ومع ذلك فقد أخفق الكورتيز في مهمته؛ فالراديكاليون (الأحرار المتطرفون) ~~ساءهم أن يكون الكورتيز متحذرا في إصلاحاته أكثر من اللازم، و«المعتدلون»، ~~وكذلك أولئك الذين أفزعتهم عموما أخطار الثورة، وهم كانوا أشد خطرا من ~~«المعتدلين»؛ كان في رأيهم أن هذه الإصلاحات، وخصوصا ما تعلق منها بشئون ~~الكنيسة؛ إجراءات عنيفة؛ لذلك فقد بات متعذرا بسبب هذا الانقسام في صفوف ~~الأحرار وخصوصا بين «متطرفين» و«معتدلين» أن يؤلف هؤلاء جبهة متحدة قوية ~~تقدر على مقاومة الرجعية، بل إن الحكومة بالاتفاق مع المعتدلين بادرت - الآن - ~~بتسريح الجيش الذي تمرد سابقا في إقليم أندلوشيا # Andalucia # وهو «جيش التحرير» كما كان يسمى؛ ولذلك ~~لتخوفها ms0909 منه وتوفيرا لنفقاته، ثم إنها نفت «رييجو»، وغيره من الضباط إلى ~~مقاطعة «أستورياس» في أقصى شبه الجزيرة في الشمال، واتسعت شقة الخلاف بين ~~المعتدلين من الأحرار وبين «المتطرفين» الذين كانوا كذلك من أنصار «رييجو»، ~~وجلب هذا الانقسام على الأحرار مخاطر جسيمة، وهم «الدستوريون» الذين مهما ~~تنوعت آراؤهم حول دستور 1812، فقد كانت تجمعهم الرغبة في أن يكون الحكم ~~دستوريا، وكان ينبغي لذلك أن تكفي هذه الرغبة في الحكم الدستوري لتؤلف ~~بينهم ضد الرجعيين أنصار الحكم المطلق. # وزاد من محنة «الدستوريين» - وهم الأحرار من معتدلين ومتطرفين - أن جماعات أو ~~أحزابا أخرى سريعا ما اشتركت في النزاع القائم حول نوع الحكم المنشود، ومن ~~هؤلاء؛ أولئك الذين ذكرنا أنهم كانوا مبعدين في المنفى بسبب حوادث 1814، ثم ~~عادوا إلى الوطن بعد إعلان الملك عزمه على السير في طريق الحرية والدستور ~~(مارس 1820). فإن هؤلاء المعفى ~~عنهم # Afrancessados # سرعان ما أبدوا جانب الاعتدال بعد عودتهم إلى إسبانيا، ~~لدرجة أنهم صاروا يعارضون «الأحرار» ويقاومونهم، ثم كانت هناك جمعيات ~~الكاربوناري # Carbonari # التي تأسست على ~~غرار جمعيات الكاربوناري الإيطالية، أو أن الإيطاليين الذين لجئوا إلى إسبانيا ~~عقب فشل الثورات التي قامت في إيطاليا وقتئذ في نابولي وبيدمنت هم الذين ~~أسسوها، وكذلك فقد قصد إلى إسبانيا فريق من المغامرين الفرنسيين وأنصار ~~الجمهورية الذين كادوا يحركون الاضطرابات في إسبانيا، زد على هذا أن الأحرار ~~المعتدلين الذين أرادوا «إصلاح» الدستور لم يلبثوا أن ألفوا في آخر سنة 1821 ~~جمعية شبه سرية تحت اسم «أصدقاء الدستور»، وكان غرضهم تقوية الحكومة وتوسيع ~~سلطاتها لمنع البلاد من الوقوع فريسة للفوضى. # وقد تناضلت كل هذه الجماعات والأحزاب مع بعضها بعضا، وكان فردنند السابع ~~وأنصار الحكم المطلق هم وحدهم الذين أفادوا من هذه الانقسامات والخلافات ~~الحزبية، ومن المعروف أن فردنند السابع لم يكن قط قد قبل الدستور مخلصا، أو ~~أنه يرضى إطلاقا عن «الثورة»، وهو الذي دلت حوادث 1814 على عجزه عن إدراك ~~حقائق الموقف، (فألغى الدستور وحل الكورتيز إلخ)، والذي لم يكن منتظرا منه ~~إدراكها في ظروفه ms0910 الراهنة بعد أن جرد من سلطانه المطلق؛ ولذلك لم يكن ~~عجيبا أن يعمد الملك إلى التآمر على الدستور عقب حلفه اليمين الدستورية ~~مباشرة، وأن يقع الصدام بينه وبين الحكومات (الوزارات) المتعاقبة من الأحرار. ~~ومن بداية سنة 1820 تضافرت القرائن في أماكن مختلفة من بينها مدريد؛ على أن من ~~المنتظر حدوث رد فعل رجعي، فلم يوافق فردنند السابع (في أكتوبر) على قانون ~~إلغاء أديرة الراهبات، وإنقاص أديرة الرهاب إلا تحت الضغط والتهديد بالثورة، ~~والموقف الحاسم الذي وقفته الجمعيات الوطنية، وشجع الملك المؤامرات المناوئة ~~للدستور من ناحية، في حين أخذ يتفاوض مع الأحرار الراديكاليين في الوقت نفسه، ~~وأخطأ الأخيرون في قبولهم هذه المحالفة الخطرة وغير المشرفة، اعتقادا ~~منهم أنها سوف تؤدي إلى إسقاط الحكومة (أي الوزارة)، ثم لم تلبث أن ظهرت ~~بالقرب من إسكوريال # Escorial ~~- المكان الذي ~~كان قد ذهب إليه الملك ليحيك مؤامراته منه (25 أكتوبر 1820) - جماعات مسلحة ~~سمت نفسها «بالمدافعين عن الملك المطلق»، وأخيرا ارتكب الملك مخالفة ~~دستورية عندما عين - لدهشة وزارئه - أحد أنصار الملكية المطلقة العنيفين ~~قائدا لمدريد، ولقد اضطر الملك إلى إلغاء هذا التعيين بعد ذلك عندما رفض ~~القائد الفعلي إخلاء منصبه، وقامت الاضطرابات في العاصمة، وبلغ من سخط ~~الجماهير على الملك بسبب خداعه، ونقمة الأحرار عليه خصوصا أن قابله الشعب ~~المهيج عند دخوله إلى مدريد، التي أرغم على العودة إليها، بتوجيه مختلف ~~الإهانات لشخصه، ولم يسع فردنند السابع إلا إخفاء غضبه، حتى تتاح له الفرصة ~~للانتقام من الحكومة (من الأحرار المعتدلين). # وعلى ذلك فإنه عند افتتاح مجلس الكورتيز في أول مارس 1821، أعلن الملك ولاءه ~~للدستور، ولكنه شكا شكوى مرة من الإهانات التي يتعرض لها شخصه في الشوارع، ~~وفي النوادي، ومن تواني الحكومة في وقفها؛ فاستقالت الوزارة، وحقق الملك مأربه ~~وهو الذي أراد إخراج الوزارة من الحكم بعد أن اكتشفت هذه مؤامراته مع الثوار ~~المسلحين من الأحزاب المناصرة للملكية المطلقة. # تآمر الملك ضد الثورة # ولم تكن هذه العصابات المسلحة هي وحدها مصدر الخطر على الدستوريين؛ فإن ~~فردنند الذي ms0911 لم يكن يثق في أنصاره في داخل إسبانيا، كان قد طلب من وقت مبكر من ~~الدول الأجنبية مساعدته على إقصاء الأحزاب والتخلص منهم، وقد تقدم فردنند ~~بطلبه الأول إلى الدول في اليوم نفسه الذي ذهب فيه إلى «أسكوريال» لتدبير ~~مؤامراته التي أشرنا إليها؛ أي منذ 25 أكتوبر 1820، فقد بعث إلى الملك الفرنسي ~~«لويس الثامن عشر» برسالة حملها إليه السياسي البورتغالي «سالدانها» يقول ~~فيها: إنه أسير في قبضة أعدائه، وإن إسبانيا على وشك السقوط في هاوية الفوضى، ~~ويرجو من الملك الفرنسي أن يتوسط في استمالة «الدول المتحالفة» إلى مساعدته. ~~ولم يكن منتظرا أن يذهب هذا «الاستنجاد» بالدول سدى، فقد مر بنا كيف أن ~~القيصر إسكندر الأول قد أزعجه منذ شهر مارس (من السنة نفسها) خبر انتشار ~~الثورة في إسبانيا، حتى إنه لم يلبث من تلقاء نفسه وكإجراء صادر منه مباشرة، ~~أن اقترح على الدول «تدخلا مسلحا» في شئون إسبانيا (مارس 1820)، ولكن اقتراح ~~القيصر لقي معارضة كاملة من جانب النمسا وبروسيا وإنجلترة؛ لأن هذه الدول ~~الثلاث - وعلى نحو ما سبق أن ذكرناه في موضعه - كانت تخشى من امتداد النفوذ ~~الفرنسي أو النفوذ الروسي إلى إسبانيا؛ بل إن الملك لويس الثامن عشر نفسه وقف ~~موقف المعارضة من اقتراح التدخل المسلح؛ لأنه كان مشغولا بشئون مملكته. ومن ~~المعروف أن موضوع التدخل في إسبانيا بقي منزويا في الفترة التي سبقت دعوة ~~مؤتمر «ترباو» للانعقاد، والتي ظل أثناءها مترنخ يعارض في عقد مؤتمر (أوروبي)، ~~حتى تبدل الموقف عند نشوب الثورة في نابولي، واتخاذ الثوار النابوليتان دستور ~~1812 الإسباني دستورا لهم، فكان أن دعي للاجتماع مؤتمر ترباو، الذي تأيد ~~فيه مبدأ «التدخل» في بروتكول ترباو المعروف، وأفضى القيصر لأحد أعضاء الوفد ~~الفرنسي لدى المؤتمر رغبته في أن يرى فرنسا تقوم في إسبانيا بالمهمة التي تقوم ~~بها في النمسا في نابولي (أي إخماد الثورة بها)، ولكن المؤتمر انفض من غير ~~الوصول إلى قرار في المسألة الإسبانية، مما جعل فردنند السابع يطلب مرة أخرى ~~من الملك الفرنسي وساطة الدول ms0912 وتدخلها المسلح في إسبانيا. # وفي هذه المرة عززت الحوادث التي وقعت في إسبانيا مطلب الملك، فقد غضب ~~الأحرار عموما من الملك الذي تبين غدره. وأما المتطرفون منهم فقد ضاعفوا ~~الآن جهودهم لإقصاء «المعتدلين» من الحكم و(الوزارة)، واستصدر الكورتيز (الذي ~~ظل منعقدا لغاية 10 يونيو 1821) عدة قوانين متعلقة بالشئون الداخلية (إدارة ~~القضاء، الإيرادات، التعليم ... إلخ)، ولم يتبين من المناقشات التي دارت في هذا ~~المجلس أن أحدا كان يدرك ما سوف يترتب من أثر على الموقف في إسبانيا ذاتها ~~نتيجة لفشل الثورة في نابولي وبيدمنت بإيطاليا. وشغل الدستوريون في معالجة ~~المسائل الداخلية مشغولية كبيرة، وذلك في حين أنه كانت تتكاثر باستمرار عصابات ~~أنصار الملكية المطلقة المسلحة، ويرفض كبار رجال الدين تنفيذ القوانين ~~المتعلقة بالمسائل الكنسية، ولم تستطع الحكومة (وهي حكومة أحرار) أن تعنف في ~~التنكيل بخصومها، الأمر الذي جعل متطرفي الأحرار يعتبرون ذلك ضعفا من ~~ناحيتها، يشجع أنصار الملكية المطلقة على التآمر ضد الحكومة وإرهاقها بنشاطهم؛ ~~فوقعت الاضطرابات في عدة مدن، وصار الأحرار يعنفون في اضطهاد كل خصومهم، ~~ويتهمون الملك بالتآمر معهم، وانضم معهم في هذا الشعور الجارف، اللاجئون من ~~الأحرار الأجانب، فحاول فرنسي إشعال الثورة في صالح الجمهورية في برشلونة، ~~وأراد فرنسي آخر الحصول على مساعدة «رفائيل دل رييجو» لشن غزو على فرنسا لغرض ~~تأييد الحركة الجمهورية في هذه البلاد الأخيرة، ومع أن «رييجو» رفض الانزلاق ~~في مشروع هذا الغزو المزعوم، لعدم إثارة مشاكل دولية؛ يدرك رييجو أن بلاده لا ~~قدرة لها على مواجهتها، فقد شكت الحكومة الفرنسية للوزارة الإسبانية من نشاطه، ~~واشتراكه في المؤامرات ضد النظام القائم في فرنسا، ومع أن هذا الاهتمام - كما ~~يبدو - لم يكن صحيحا، فقد أيد فردنند السابع الشكوى، وعزل «رييجو» من ~~قيادته العامة في إقليم أرغونه؛ فقامت مظاهرات «المتطرفين» في أماكن عدة ~~لمناصرة «رييجو»، ومع أن البوليس أخمد الثورة التي قامت في مدريد (17 سبتمبر) ~~دون إراقة دماء، فقد استمر هياج الخواطر، واجتمع الكورتيز اجتماعا ~~استثنائيا (من 24 سبتمبر 1821، إلى 14 فبراير 1822)، وسقطت الوزارة، وتزايدت ms0913 ~~مظاهر الفوضى (1822) بسبب تفاقم الانقسام في صفوف الأحرار، ونشاط العصابات ~~المسلحة والمؤلفة من أنصار الملكية المطلقة، والذين وإن كانت الحكومة الفرنسية ~~- وزارة فيليل - لا تجرؤ على إمدادهم بالمساعدات الرسمية، فقد نالوا من هذه ~~الحكومة كل تشجيع في صورة المال والسلاح المرسل إليهم من جهة، وضمان استمرار ~~مؤامرتهم في فرنسا في صالح الملكية المطلقة (في إسبانيا) من جهة أخرى. # تدخل الدول (1823) # وفي بداية 1822 طلب فردنند السابع مرة أخرى، وعن طريق فردنند الأول ملك ~~نابولي (وهو عم له) معاونة الدول، ولكن لم يسفر هذا الطلب عن شيء بالرغم من ~~مناصرة القيصر. حتى حدث أن أحرز «المتطرفون» الأكثرية في الانتخابات التي ~~أجريت لمجلس الكورتيز الجديد، نتيجة للقانون الذي منع انتخاب الأعضاء السابقين ~~للمجلس (أو البرلمان) التالي، فأنذر نجاح «المتطرفين» وفوزهم بالأكثرية ~~الكبيرة بالخطر بالنسبة للظروف التي كانت تمر بها البلاد وقتئذ، ولأن رئيس ~~الحكومة كان من «المعتدلين» هو مارتينز دي لاروزا # Martinez de La Rosa ~~، وبدأت بوادر النضال بين الكورتيز ~~والحكومة عندما اختار الكورتيز رئيسا له (أي للمجلس) رفائيل دل رييجو، وسار ~~هذا النضال البرلماني جنبا إلى جنب مع تحريك الثورة والقيام بالمظاهرات في ~~أماكن عديدة - في أرانجوز # Aranjuez # وفالنسيا، ~~ومدريد - فقام أنصار الملكية المطلقة بالمظاهرات والثورة خلال شهري مايو ~~ويونيو، وثارت فرق الحرس الملكي في مدريد بتشجيع من الملك، والتحموا مع ~~الأهلين (الحرس الأهلي أو القوة العسكرية الأهلية ) الذين تغلبوا عليهم (7 ~~يوليو)؛ فانحلت فرق الحرس الملكي وسقطت الوزارة، وتألفت أخرى من ~~الراديكاليين. # وألح الملك في طلب «تدخل» الدول التي ظل يتصل بها (سرا) لهذا الغرض، وتفاقم ~~الخطر «الدولي» على إسبانيا؛ لأن الحكومة الفرنسية لم تعد تقنع بالمساعدات ~~«غير المباشرة» التي كانت تسديها للملكيين، وللملك الإسباني الذي أمدته بمبلغ ~~كبير من المال عن طريق سفيرها في مدريد لاجارد # La Garde # لتعزيز حركة المقاومة للثورة؛ بل إن «لاجارد» بعد ~~حوادث 7 يوليو، لم يلبث بالاشتراك مع مبعوثي روسيا والنمسا وبروسيا وغير هؤلاء ~~من ممثلي الدول الأخرى، أن بعث بمذكرة إلى الحكومة الإسبانية ms0914 يتحدث فيها عن ~~الموقف (الفظيع) الذي صار يجد فيه الملك نفسه مع الأسرة المالكة والأخطار التي ~~صارت تتهددهم، ويعلن في صراحة أن العلاقات بين إسبانيا وكل أوروبا، إنما تخضع ~~الآن لنوع «المعاملة التي يلقاها جلالته»، ولقد كان هذا تهديدا لم يلبث أن ~~وضعه مؤتمر فيرونا موضع التنفيذ عند اجتماعه. # وعمدت الوزارة الجديدة «من الراديكاليين» إلى تعيين الأحرار في المناصب ~~الهامة في مدريد العاصمة وفي الأقاليم تعزيزا لقضية الأحرار ولمركز الحكومة، ~~وتعقبت عصابات المسلحين من أنصار الملكية المطلقة، وشنت عليهم حربا ~~عوانا، وكان هؤلاء قد استولوا على مدينة أورجيل # La Seo Urgel # في إقليم قطالونيا وأسسوا بها «مجلس وصاية على ~~إسبانيا مدة بقاء فردنند السابع في الأسر»، فبادر مجلس الوصاية - الآن - في ~~15 أغسطس بإصدار منشور أو نداء للأمة يطلب فيه تحرير «الملك الأسير» ثم طلب من ~~مترنخ النجدة، وكان مترنخ لا يزال لا يرتاح للتدخل في شئون إسبانيا خوفا من ~~أن يخدم هذا التدخل مصلحة روسيا، وضاعف الأحرار والدستوريون نشاطهم بعد «منشور ~~أورجيل»، ونجحوا في إرغام «مجلس الوصاية» على الفرار إلى فرنسا، ولكن الموقف ~~لم يلبث أن تغير، وفي غير صالح الأحرار والدستوريين عندما اجتمع ممثلو الدول ~~في «فيرونا» ليتخذوا في هذه المرة قرارا حاسما في المسألة الإسبانية. # حقيقة امتنع مترنخ عن تأييد مطلب «مجلس الوصاية» في أورجيل، ولكن المبعوثين ~~الفرنسيين لدى المؤتمر؛ مونتمورنسي # Montmorency # وشاتو بريان، نظرا لهذا المطلب بعين الارتياح، ~~وأخذا يعملان - وعلى خلاف تعليمات رئيس الوزارة الفرنسية فيليل لهما - لإقناع ~~المؤتمر بتقرير التدخل في المسألة الإسبانية، على أن يعهد بهذا التدخل إلى ~~فرنسا، وعلى ذلك فقد سأل «مونتمورنسي» سائر المندوبين في المؤتمر - يوم 20 ~~أكتوبر - عما إذا كانت الدول المتحالفة على استعداد لأن تسحب سفراءها من مدريد ~~إذا فعلت فرنسا ذلك، وعما إذا كان في استطاعة لويس الثامن عشر أن يعتمد على ~~مؤازرة حلفائه إذا نشبت الحرب بين فرنسا وإسبانيا. فكان جواب القيصر إسكندر ~~بالموافقة، وعرض إرسال جيش كبير إما إلى فرنسا للمحافظة على النظام بها أثناء ms0915 ~~الحرب، وإما إلى إسبانيا، وعارض هذا المشروع كل من المندوب الإنجليزي دوق ~~ولنجتون، ومترنخ، ولو أن هذه المعارضة لم تقض على مشروع التدخل كلية، بل كان ~~واضحا أن فرنسا سوف تكون ولا شك الدولة التي سوف يعهد إليها بالتدخل إذا ~~قرر المؤتمر اتخاذ هذه الخطوة، ولم يفد شيئا امتناع الحكومة الإنجليزية عن ~~الموافقة على سياسة التدخل، أو وقوفها بعيدة عن سياسة الحلف القوي في تقرير ~~المؤتمر التدخل المسلح في إسبانيا (30 أكتوبر)، وتوالي الأحداث التي مر بنا ~~ذكرها عند الكلام عن مؤتمر فيرونا، فعبرت القوات الفرنسية بقيادة الدوق ~~دانجوليم نهر البيدوساو # Bidossoa # واجتازت ~~الحدود الإسبانية في 9 أبريل 1823. # فشل الثورة # ولم يبد من جانب الأحرار الإسبان مقاومة تذكر، ومع أن الملك (المتآمر) ضد ~~الدستور وضد الأحرار دائما كان أثناء هذا الغزو في قبضة هؤلاء؛ فإن أذى ما لم ~~يلحق به، وذلك إلى جانب تخاذل الأحرار في الدفاع عن قضيتهم، إنما ينهض في نظر ~~كثيرين من المؤرخين دليلا على أن «الثورة» ضد سلطان الملكية المطلقة لم تكن ~~تلقى تأييدا كبيرا من الشعب الإسباني، بل إن سلامة الملك بالرغم من استنجاده ~~بالدول الأجنبية وغزو الفرنسيين الأجانب للبلاد، كان معناه أن الملكية لا تزال ~~جذورها قوية، بحيث يستحيل على الشعب الإسباني معاملة مليكه «فردنند السابع» ~~المعاملة التي لقيها لويس السادس عشر في فرنسا، وكان الكورتيز قد قرر ~~الانسحاب من مدريد إلى مكان أقل تعرضا لأخطار الزحف الفرنسي، واستطاع بعد لأي ~~وعناء إرغام فردنند على الانسحاب معه إلى أشبيلية في 20 مارس؛ أي قبل بداية ~~الغزو بثمانية عشر يوما. فسلمت مدريد يوم 19 مايو، وأعلن دوق دانجوليم ~~استعداد الجيش الفرنسي للانسحاب بمجرد أن يصبح الملك طليقا ليحكم رعاياه دون ~~ضغط عليه من أحد. ودخل الفرنسيون مدريد ذاتها في 24 مايو وسط تهليل الجماهير ~~المزدحمة في الشوارع التي علقت بها أكاليل الزهور، وشرع الغزاة يزحفون على ~~أشبيلية، وعندئذ قرر الكورتيز الانتقال إلى قادش، وأرغم الملك على ~~الانتقال معهم (12 يونيو)، وضرب الفرنسيون نطاق الحصار على ms0916 قادش. وقد تولى ~~عملية الحصار دوق دانجوليم بنفسه، واستمر الحصار مدة طويلة، أخذت تنهار في ~~أثنائها مقاومة الأحرار، ومع أن هؤلاء كانوا يعتمدون على قدرة قواتهم النظامية ~~في صد الغزو الفرنسي، فإن هذه القوات إجمالا لم تبد مقاومة تذكر، فسلم ~~المقاتلون في جالسيا (10 يوليو)، ثم في أندالوشيا (في 4 أغسطس)، وتبع ذلك ~~انهزام رفائيل دل رييجو، ووقوعه في الأسر في منتصف سبتمبر، وصمدت فقط القوات ~~الموجودة في قطالونيا، واسترمادورا # Estremadura ~~، وبعض الأقاليم الشرقية، وبدلا من أن تنهض ~~البلاد لمقاومة الزحف الفرنسي، أو حتى مجرد إلقاء الصعوبات في طريق العدو، ~~أقبل الأهلون في كل مكان على تسهيل مهمة الجيش الزاحف، وذلك دليل آخر على أن ~~«النظام الدستوري» لم يكن مرغوبا في البلاد، ولا يلقى تأييدا، وأن سواد ~~الشعب على الأقل لم يكونوا يدركون مزايا الحياة الدستورية وقتئذ. # وتجمعت الأسباب التي جعلت الكورتيز ينهي مقاومته، ويقبل التسليم في قادش. ~~فمنذ أن بدأ حصار قادش الذي وقف عليه دوق دانجوليم - وكان في جيشه شارل ألبرت ~~أمير كارينان # Carignan # الذي سوف يتزعم حركة ~~الوحدة في إيطاليا، بلاده، سنة 1848 - أخذت تسود روح التخاذل رويدا رويدا ~~بين الجنود والأهلين على السواء، وتآمر الملك - جريا على عادته - واتصل بدوق ~~دانجوليم يتفاوض معه، وبذل المال لابتياع الضمائر، وطغت المصالح الذاتية، ~~وانتهى الأمر لهذا كله بأن وافق الكورتيز (في 28 سبتمبر) على تسليم قادش ~~وإطلاق سراح الملك، وفك إساره؛ أي تحريره من سلطان الأحرار، ووعد الملك بإصدار ~~عفو عام، وتشكيل وزارة معتدلة، وفي أول أكتوبر انتقل فردنند السابع إلى معسكر ~~دوق دانجوليم، ولم يكن الملك صادقا في وعوده الأخيرة هذه، ولم يكن ينوي ~~إطلاقا أن يصدق وعده. # وبذلك تكون قد أخفقت ثورة 1820-1823 في إسبانيا، واسترجع فردنند السابع بفضل ~~التدخل «الفرنسي» المسلح سلطاته المطلقة، فأوقف بصورة عملية ودون ضجة العمل ~~بدستور 1812، ومع أن الملك أصدر عفوا عاما تحت ضغط الدول، فقد جاء هذا ~~العفو مقيدا بقيود عديدة أفقدته كل قيمة له، وانتهى هذا الدور الثاني من ~~أدوار ms0917 الحكومة الدستورية في إسبانيا (والدور الأول هو الذي اقترن بصدور دستور ~~1812، واستمر إلى وقت عودة فردنند السابع إلى إسبانيا وإلغائه هذا الدستور في ~~مايو 1814). # طغيان الرجعية # وحكم فردنند السابع البلاد في المدة التالية حكما مطلقا، اضطهد الأحرار في ~~أثنائه اضطهادا عظيما؛ فإنه سرعان ما استبدل بالعفو الذي وعد به في قادش ~~استصدار قرار (في 4 أكتوبر 1823) بتوقيع عقوبة الإعدام على كل مؤيدي الدستور ~~تقريبا حتى أولئك الذين يبدون مجرد الميل للمذهب الحر، وتسلم معرف (معلم ~~اعتراف) الملك رياسة الوزارة، وتشكلت اللجان العسكرية لمحاكمة المسجونين ~~السياسيين، وتأسست مجالس من نمط محاكم التفتيش التي كان من مظاهر التناقض في ~~خلق الملك أنه لم يشأ إعادة تأسيسها، فأعدم الكثيرون وألقي بعديدين في ~~السجون، وكثرت أعمال التعذيب والعنف، وعانى الأحرار والبناءون الأحرار ~~(الماسونيون) عنتا وإرهاقا وشدة عظيمة، وكان من الذين ذهبوا ضحية هذا ~~الاضطهاد «رفائيل دل رييجو» رمز الدستورية الراديكالية، الذي لقي حتفه ~~مشنوقا، ولم تفلح احتجاجات دوق دانجوليم على هذه الاضطهادات والفظائع؛ لأن ~~حكومة فيليل ذات الميول المعتدلة كانت مغلوبة على أمرها أمام تصميم الدول ~~الرجعية؛ النمسا، روسيا، بروسيا التي أيدت عنف أنصار الملكية المطلقة في ~~إسبانيا، وطلبت اقتلاع المبادئ الدستورية من جذورها، وأوضح مترنخ هذه الرغبة ~~في تعليماته إلى سفيره في باريس (23 مارس 1824)، ووصلت دانجوليم التعليمات ~~الصريحة في ذلك، فكان كل ما استطاع دانجوليم أن يفعله هو مساعدة أعضاء ~~الكورتيز وأعضاء الحكومة على الفرار من قادش. # على أن استمرار طغيان الملك وتوقيع العقوبات الدموية على الأحرار في إسبانيا، ~~لم يلبث أن جعل الحكومة الإنجليزية تبعث باحتجاج شديد إلى حكومة فردنند ~~السابع، ثم حذت الحكومة الفرنسية حذوها كذلك، بل لقد عمد الوزير الفرنسي «شاتو ~~بريان» في 17 مارس 1824، إلى تهديد فردنند بسحب ما بقي من العسكر الفرنسيين في ~~إسبانيا، ثم إن السفير الروسي بوزودي ~~برجو Pozzo di Porgo # لم يلبث هو الآخر أن قرر التدخل، ولكن ليسفر تدخله ~~عن عزل معرف الملك من رياسة الوزارة، واستصدار قرار بالعفو العام (أول مايو) ~~كان ms0918 عديم النفع للقيود الكثيرة والاستثناءات التي اشتمل عليها، ومع ذلك فقد ~~أغضب المتطرفين الملكيين صدوره. # والحقيقة أن الاضطهاد - أو قل الإرهاب - بقي على حاله، ثم زالت كل عقبة ~~معطلة له، باستقالة وزارة فيليل (التي كان شاتو بريان أحد أعضائها) في 6 يونيو ~~1824؛ ليعيد تشكيلها من جديد بدونه، ثم وفاة لويس الثامن عشر بعد ذلك بشهور ~~قليلة في 16 سبتمبر، فتزايد اضطهاد المتطرفين للأحرار، ووجد الأولون مسوغا ~~لاستمرار الإرهاب في محاولة للثورة قام بها اللاجئون من الأحرار في جبل طارق ~~(في أغسطس)، ومن هذا التاريخ إلى نهاية سنة 1829 لم يعد تاريخ إسبانيا إلا ~~سلسلة من أعمال الإرهاب تتخللها نوبات من تخفيف حدة البطش بالأحرار، تبعا ~~لدرجة تأثر الملك بآراء المتطرفين أو المعتدلين من أنصار الملكية المطلقة، أو ~~تبعا لرغبته في استمالة حزب أو آخر. # وتلك قصة طويلة، لعل أبرز أحداثها اعتماد المتطرفين على أعضاء البيت المالك، ~~خصوصا شقيق الملك دون كارلوس # Don Carlos # وزوجه ماريا فرانسشكا البورتغالية (من أسرة براجانزا وشقيقة دون بدرو)، ثم ~~تحريك المتطرفين للثورة في 1825، ثم في سنة 1828 (في قطالونيا) لتخليص الملك ~~من «الأحرار المستخفين» الذين وقع تحت تأثيرهم، ثم عدم رضاء الملكيين ~~الخلص الذين عرفوا - الآن - باسم الرسوليين # Apostolicos # بالحالة، ورغبتهم في إقصاء فردنند السابع عن ~~العرش لعدم وثوقهم به، ثم تولية أخيه دون كارلوس مكانه. فانقلبت هذه الجماعة ~~من مجرد «مذهبيين» يعنيهم التمسك بمبدأ الملكية من حيث هو، إلى حزب «شخصي» ~~يريد أن يستبدل شخص الملك الحالي مسلكا آخر؛ ولذلك فقد بدءوا يعرفون باسم ~~الكارليين # Carlist # نسبة إلى دون كارلوس، ~~الذين يريدون اعتلاءه العرش، وقد عظم الأمل في إمكان اعتلاء هذا الأخير العرش، ~~عندما توفيت زوجة الملك (الثالثة) في 17 مايو 1829. كان فردنند السابع قد تزوج ~~من قبل ماريا أنطونيا ابنة فردنند الأول ملك نابولي، ثم إيزابلا البورتغالية، ~~(من أسرة براجانزا)، ثم هذه الزوجة الثالثة ماريا أميليا السكسونية منذ 1819، ~~ولم ينجب الملك وارثا للعرش، ثم إن الملك كان معتل الصحة، ولكن فردنند السابع ~~قرر ms0919 الزواج للمرة الرابعة، واختار زوجا له ماريا كريستينا، وهي أميرة من ~~نابولي، وكانت شقيقة لماريا كارلوتا زوجة شقيق الملك الآخر، دون فرانسشكو، وهي ~~صاحبة نفوذ على فردنند وتتزعم الحزب المناوئ للكارليين، وجاءت إلى مدريد في ~~ديسمبر 1829، وعقد الأحرار عليها آمالا كبيرة في تحطيم حزب «الملكيين ~~الرسوليين» وهم الذين كانوا يعارضون هذا الزواج، وتتزعم نشاطهم زوجة دون ~~كارلوس التي أرادت أن يتزوج الملك أميرة أخرى. # ولقد كان من المنتظر أن يفيد الأحرار من وجود الملكة الجديدة، تستخدم نفوذها ~~بقدر الإمكان وبالدرجة التي قد يرضخ فيها فردنند لهذا النفوذ في صالحهم، ولكن ~~نشوب ثورة يوليو 1830 في باريس التي شمل أثرها أوروبا كلها، لم يلبث أن أدخل ~~عاملا جديدا على الموقف. # فقد انزعج فردنند السابع بسبب الحوادث التي أطاحت بعرش شارل العاشر في فرنسا، ~~ثم تولية لويس فيليب صاحب «المبادئ النظرية الحرة»، فلم يشأ فردنند الاعتراف ~~بملكيته، وكان ذلك - ولا شك - خطأ كبيرا؛ لأن لويس فيليب الذي أراد الانتقام ~~من الإهانة التي لحقت به عمد إلى تشجيع - أو على الأقل عدم تعطيل - المؤامرات ~~التي صار يحيكها اللاجئون في فرنسا من الأحرار الإسبان، والذين جاءوا كذلك ~~إليها من إنجلترة، ولو أن هؤلاء لم يلقوا تأييدا رسميا من جانب الحكومتين ~~الفرنسية والإنجليزية، وبادر فردنند بإصلاح خطئه، فاعترف بلويس فيليب ملكا ~~على الفرنسيين، وعندئذ وقف كل تسامح مع اللاجئين في فرنسا، وكان الفشل نصيب ~~عدد من الحملات العسكرية التي دبرها اللاجئون لغزو إسبانيا خلال 1830-1832، ~~وتلا هذه المحاولات عهد من الإرهاب جعل واضحا أن نفوذ الملكة لم يفد شيئا ~~في منعها أو وقفها، وأشرف على إجراءات القمع الجديدة، كالومارد # Calomarde # وزير العدل الذي بلغ من ضيق ~~الأفق حدا جعله يغلق «الجامعات»، التي اعتبرها موطن المبادئ الحرة المتأثر ~~بها الشباب الإسباني، وتعرض الأحرار والماسونيون لصنوف من الاضطهاد العنيف، ~~حتى إن كثيرا من هؤلاء، ومن «المهرطقين» لقوا حتفهم، ومنع تداول الكتب ~~المشتبه في أنها ذات صبغة حرة، ولو أن هذا المنع لم يحل دون استمرار تداول ~~هذه ms0920 الكتب التي نشرت المبادئ الحرة، وروجت لها بصورة مكنت من تغلغل ~~الآراء الحرة. # على أن الذي شغل أذهان السياسيين أكثر من أي شيء آخر في هذه الآونة؛ كان توقع ~~إنجاب الملك الذي حملت زوجته ماريا كريستينا وارثا للعرش، وكانت حقيقة حمل ~~الملكة مسألة على جانب كبير من الخطورة؛ لأن المولود إذا كان ذكرا صار من حقه ~~وراثة العرش، وفي ذلك ضمان لاستعلاء نفوذ الحزب أو الجماعة في البلاط التي ~~تتزعمها دونا كارلوتا وشقيقتها الملكة ماريا كريستينا، ويقضي على أمل ~~«الكارليين» نهائيا، أو إذا كان المولود بنتا، قوي حزب الكارليين، لاحتمال ~~أن يضيع حق ابنتها في وراثة العرش نظرا لعدم استقرار نظام وراثة العرش تماما ~~في إسبانيا، والسبب في ذلك أن ملك إسبانيا فيليب الخامس، كان صاحب ادعاءات على ~~عرش فرنسا، بوصفه المتزعم لأسرة بربون إذا قدرت للملك الفرنسي لويس الخامس ~~عشر الوفاة؛ بل إنه كان مصمما - إذا حصل هذا - على المطالبة بعرش فرنسا ولو ~~أدى الأمر إلى تنازله عن عرش إسبانيا. ولما كان يهم الدول ألا يجمع فرد ~~واحد (من أسرة بربون) بين تاجي فرنسا وإسبانيا في شخصه، فقد اضطر فيليب الخامس ~~في سنة 1713 إلى إصدار قانون يحكم ترتيب الوراثة يجعلها من حق الذكر فقط، كان ~~الغرض منه الوصول إلى هذه الغاية، فلما أن تبدل الموقف الدولي الذي كان أوجد ~~هذا القانون، عمد شارل الرابع بالاتفاق مع الكورتيز المنعقد في مدريد إلى ~~إلغائه في سنة 1789 والعودة إلى النظام القديم الذي يجيز للإناث وراثة العرش؛ ~~وعلى ذلك فقد أرادت ماريا كريستينا الاحتياط لكل احتمالات الموقف في المستقبل، ~~واستمالت الملك في 19 مايو 1830 لإذاعة قانون 1789، وتزايد سخط دون كارلوس ~~والكارليين وغضبهم من هذا الإجراء عندما ولد للملك ابنة «ماريا إيزابلا» في ~~10 أكتوبر 1830، أعلنت على الفور ولية للعهد؛ أي وريثة لعرش إسبانيا، وانحصر ~~النزاع من الآن فصاعدا بين الكارليين وعلى رأسهم دون كارلوس، وبين الملكة ~~وأنصارها حول ضرورة إلغاء قانون 1789، أو استبقائه والعمل به، وانتهز ~~الكارليون فرصة مرض الملك ms0921 الخطير، ووجود دونا كارلوتا بعيدة في أشبيلية آنئذ، ~~وتهديد الملكة كريستينا بإشعال الحرب الأهلية فجعلوا الملك يلغي قانون 1789 ~~(في 18 سبتمبر 1832)، ليعود ليلغي هذا الإلغاء نفسه، بمجرد أن اجتاز مرحلة ~~الخطر في مرضه، وعادت دونا كارلوتا إلى جانبه. ثم سقطت وزارة كالومارد الذي ~~كان انحاز لخصوم الملكة في هذه الأزمة، وصدر قرار في 6 أكتوبر 1832 يخول ماريا ~~كريستينا إدارة شئون الدولة أثناء مرض الملك، فأعيد قانون 1789، وصار استصداره ~~رسميا للمرة الثانية في 31 ديسمبر 1832، واتجهت سياسة الحكومة اتجاها ~~«حرا» ففتحت الجامعات، وصدر قرار بالعفو (في 15 أكتوبر) استطاع بفضله كثيرون ~~من اللاجئين الذين كانوا غادروا البلاد من 1824، أن يعودوا إلى إسبانيا، وذلك ~~بالرغم من القيود والاستثناءات التي تضمنها القرار نزولا على رغبة ~~الملك. # ولقد التف الأحرار من الآن فصاعدا حول الملكة «ماريا كريستينا» وحول ولية ~~العهد «ماريا إيزابلا» وأخلصوا لهما الولاء، في حين التف أنصار الملكية ~~المطلقة حول دون كارلوس، وشهدت البلاد سلسلة من المؤامرات المضادة، ومحاولات ~~لتحريك الثورة، حتى إن الحكومة رأت أن تبعد دون كارلوس من البلاد في النهاية، ~~فاضطر إلى مغادرة إسبانيا إلى البورتغال في 16 مايو 1833، وفي يونيو اجتمع ~~مجلس الكورتيز وفقا للتقاليد الإسبانية القديمة ليحلف يمين الولاء «لماريا ~~إيزابلا» وليعترف بها وريثة للعرش. # وتوفي الملك فردنند السابع بعد هذه الحوادث بقليل في 29 سبتمبر 1833، ~~فانتهى بوفاته عهد في تاريخ إسبانيا، وصفه المؤرخون بأنه كان مدموغا بالقسوة، ~~جلب العار والشنار على أصحابه الذين أنزلوا بالأحرار صنوف العذاب؛ ليؤسسوا من ~~جديد الحكم الملكي المطلق كما عرفه «النظام القديم»، فاستنجدوا بالجيوش ~~الأجنبية «الفرنسية» التي غزت البلاد، وأتاحت بهذا الغزو نفسه الفرصة لإشاعة ~~الفوضى واختلال الأمن، وتعطيل تقدم البلاد المادي والاقتصادي، وانتشار البؤس ~~بها، وكان الملك فردنند السابع نفسه صورة سقيمة وهزيلة للملك المتردد المخادع، ~~الذي لا مواثيق ولا عهود له، والذي عرف بالتعصب وضيق الأفق، ووقع تحت تأثير ~~النساء في بلاطه، ومن أفراد أسرته، ولو أن ذلك كان دائما بالدرجة التي تتفق ~~مع ميوله وآرائه الرجعية ms0922 الغاشمة. ~~«الوصاية»، والحرب الكارلية # ولقد كان متوقعا بوفاة هذا الملك الذي اشتط في رجعيته أن يبدأ عهد جديد قد ~~تتبسط فيه المشكلة السياسية في إسبانيا، لو أن الملكة كريستينا - التي تولت ~~الوصاية على العرش بسبب صغر ابنتها التي كانت دون سن البلوغ - اعتنقت بإخلاص ~~المبادئ الحرة، وأيدت قضية الأحرار، فيصبح ممكنا حينئذ أن يعين النزاع ~~بين أنصار الملكية المطلقة وبين الدستوريين هؤلاء الأخيرين على إنشاء وتنظيم ~~حزب معترف به قانونا، ومن نمط الأحزاب التي تدين بالمذهب الحر في بقية ~~أوروبا، ولكن الذي حصل كان على خلاف ذلك. # فالملكة الوصية سرعان ما نكصت على عقبيها بعد انتصاراتها الأولى، فلم تشأ ~~السير في سياسة الإصلاح؛ بل صارت تعتمد في الحكم على وزراء من «المعتدلين» ~~المترددين والمتحذرين، وتطلب النصح من أولئك الذين يتنكرون لبرامج الأحرار، ~~وغاب عن إدراكها أن الموقف لم يعد كما كان عليه في سنة 1814، أو في سنة 1823، ~~وأن الآراء والمبادئ الحرة قد صارت الآن متغلغلة بين الجماهير ذاتها التي ~~دأبت فيما مضى على رفضها؛ ولذلك فبدلا من أن يسود الاستقرار البلاد ولتشهد ~~تجربة الحكم الدستوري وعلى غرار ما حدث في هذه الحقبة في البلدان الأوروبية ~~الأخرى، كان النضال السياسي لا يزال مستعرا في إسبانيا، واستطال لدرجة إلحاق ~~الأذى بها. # واتخذ الصراع شكلا مزدوجا؛ فهو من ناحية في صورة الحروب الأهلية ضد مبادئ ~~«الكارلية»؛ أي مبادئ الحكم المطلق الذي يدين به الكارليون أنصار دون كارلوس، ~~ثم من ناحية ثانية في صورة الجهود التي بذلت لاستمالة الملكة الوصية كريستينا ~~وابنتها إيزابلا وأفراد الحاشية؛ للانحياز بصراحة إلى جانب الأحرار، وتأييد ~~برنامج مبني على مبادئهم، وهي جهود بمجرد أن اصطدمت بالمعارضة العنيفة، تسببت ~~في حصول طائفة من الاضطرابات والثورات؛ وعلاوة على ذلك فقد كان لا يزال هناك ~~من العوامل الكثيرة ما ساعد على وجود الانقسام بين الأحرار أنفسهم، الذين ~~صاروا فريقين؛ عرف أحدهما: بالاعتدال، والآخر: بالتطرف. وهذا إلى جانب ما طرأ ~~من تردد على الأحرار بشأن الأهداف التي يبغون تحقيقها عندما أخذت تنتشر بينهم ms0923 ~~آراء جديدة أدت بدورها إلى ظهور اتجاهات سياسية لم تكن معروفة قبل ذلك. # فاللاجئون في فرنسا وإنجلترة خلال سنوات 1824-1833، قد صاروا متأثرين إما ~~بآراء «المذهبيين» و«الراديكاليين» في فرنسا، وإما بأنظمة الحكم والعادات ~~والتقاليد السائدة في إنجلترة، وترتب على ذلك أن أخذ يقل الآن ذلك الاحترام ~~القديم الذي استمر يشعر به الأحرار الإسبان لدستور 1812 سنوات طويلة، ومن ~~ناحية ثانية انتشرت المبادئ الحرة بين أنصار الحكم المطلق، ومع ذلك وبالرغم ~~من النقص الذي حدث في صفوفهم، فقد بقي هؤلاء زمنا طويلا أصحاب الأكثرية في ~~جهات مختلفة وبين أهل الريف خصوصا، حيث اعتبرت قضيتهم مرتبطة بتقاليد ~~الاستقلال المحلي والمصالح الإقليمية الموروثة من العصور الوسطى، فكانوا لذلك ~~خصوصا خطرين، تتطلب هزيمتهم إنفاق أموال طائلة وإراقة دماء غزيرة، وهذه ~~الحقائق التي ذكرناها هي التي تفسر ما وقع من حوادث أو حصل من ترتيبات ~~ومناورات واتخذ من تدابير في السنوات التالية. # ويمر عهد الوصاية - وصاية الملكة الوالدة كريستينا في أدوار ثلاثة؛ أولها ~~ومدته من 1834 إلى 1835: كان عهد إصلاحات متخاذلة، كان الغرض منها استمالة ~~الأحرار لتأييد الوصاية ضد الكارليين، ولم تكن صادرة عن رغبة صحيحة لدى الملكة ~~الوالدة في الإصلاح، وثانيها يمتد إلى سنة 1837: وقد اتبعت الحكومة في أثنائه ~~سياسة إصلاح راديكالية، وصدر في أثنائه دستور 1837، وأما الدور الثالث الذي ~~استمر إلى سنة 1840، فقد شهد عودة «الاعتدال» وانتهى بقيام الثورة واعتزال ~~الوصية «الملكة الوالدة كريستينا» الحكم، وفي أثناء ذلك كله كانت تجري في ~~طريقها الحرب الأهلية التي أثارها الكارليون بعد وفاة الملك فردنند السابع ~~بقليل. # ويتميز الدور الأول (1834-1835) باستدعاء «مارتينز دي لاروزا» - الذي ذكرنا ~~أنه من المعتدلين وهم المحافظون - لتشكيل الوزارة وذلك إرضاء للأحرار الذين ~~كان أغضبهم تنكر الملكة الوالدة للمبادئ الحرة عقب وفاة فردنند السابع، وذلك ~~عندما أعلن زيابر موديز # Zea Bermudez # رئيس ~~الوزارة (السابقة) خبر وفاة الملك فردنند، أنه يعتزم أن يبقى مستمرا نظام ~~الحكم القائم، ثم كانت الاستبدادية ~~المستنيرة # Despotismo illustrado # الوصف الذي نعت به برموديز سياسته، فسقطت وزارته ~~في ms0924 يناير 1834، وكان الوزير الجديد مارتينز دي لاروزا كذلك من الأحرار لتأييد ~~نظام الحكومة البرلمانية، فعمدت الوزارة الجديدة إلى إدخال طائفة من الإصلاحات ~~العاجلة التي منها توسيع أثر العفو العام حتى يشمل اللاجئين، ولقد قبلت هذه ~~الوزارة مقترحات بلمرستون وزير خارجية إنجلترة، فوقعت في 15 أبريل من السنة ~~نفسها على معاهدة ثلاثية بين إسبانيا والبورتغال وإنجلترة، تتكفل إنجلترة ~~بمقتضاها بمساعدة الحكومات في مدريد ولشبونة ضد الثورات المنتشرة وقتئذ، سواء ~~كانت «دستورية» أو مبعثها التنازع العائلي على العرش في إسبانيا والبورتغال، ~~وقد انضمت فرنسا إلى هذه المعاهدة (1822)، وبذلك اكتمل تأسيس ما يعرف باسم ~~«المحالفة الرباعية» وهي محالفة - كما هو واضح - موجهة ضد المطالبين بالعرش في ~~إسبانيا «دون كارلوس»، وفي البورتغال «دون مجويل»، فقويت آمال أنصار الملكة ~~الوالدة، أو الكريستنيين # Cristinos # في ~~إسبانيا، في حين أن هذه المعاهدة أفضت إلى قطع العلاقات الدبلوماسية مع النمسا ~~وروسيا وبروسيا. ولقد كان بفضل هذه المحالفة أن عاونت الجيوش الإسبانية التي ~~أرسلت إلى البورتغال على هزيمة دون مجويل المطالب بالعرش هناك - وعلى نحو ما ~~سيأتي ذكره في موضعه - أما دون كارلوس الذي عرفنا أنه كان قد اضطر إلى مغادرة ~~البلاد إلى البورتغال في مايو من السنة السابقة (1833)، فإنه قد تمكن من ~~الإفلات إلى لندن على ظهر إحدى السفن البريطانية، بمعاونة الأميرال الإنجليزي ~~الذي كان بأسطوله في مياه البورتغال «نهر التاجوس» لأسباب سيأتي ذكرها عند ~~الكلام عن النزاع الحزبي والعائلي في البورتغال، ولقد تمتع دون كارلوس بقدر ~~كبير من الحرية في لندن، لدرجة أنه استطاع العودة بعد أسابيع قليلة إلى ~~إسبانيا (9 يوليو)؛ ليتزعم أنصاره في الحرب التي قرر الكارليون أن يخوضوا ~~غمارها، يعتمدون في نضالهم على الإمدادات من المال والرجال التي صارت تأتيهم ~~من «الشرعيين» الفرنسيين. # ومع أن وزارة مارتينز دي لاروزا طلبت من حكومتي لندن وباريس المساعدة، فقد ~~رفض بلمرستون التدخل أو إجازة هذا التدخل لفرنسا. ثم إن لويس فيليب بالرغم من ~~ارتباطاته «بالمحالفة الرباعية»، فقد أبدى ميولا ظاهرة نحو تأييد دون كارلوس ~~على أمل إرضاء ms0925 روسيا والنمسا وبروسيا، فكان كل ما حصل عليه (ماريتنز دي ~~لاروزا) من فرنسا إعارته فرقة جزائرية، ومن إنجلترة السماح له بتأليف فرقة ~~بريطانية، أسدت فيما بعد مساعدات عسكرية هامة، ولعل أكبر ما نجم من آثار من ~~الناحية الإنسانية بسبب وساطة الإنجليز ما صار يعرف باسم اتفاق لورد إليوت # Eliot # نسبة للمبعوث الإنجليزي الذي ~~جعل الأحرار والكارليين يبرمون في 28 أبريل 1835 اتفاقا لتأمين حياة أسرى ~~الحرب، الذين كان حتى هذا الوقت العذاب والموت نصيبهم. # ولقد حدث في هذا الدور ما حال دون تفاقم خطورة الموقف فترة من الوقت على ~~الأقل، وذلك حينما اشترطت الدول الشرقية؛ روسيا، بروسيا، النمسا، لاعترافها ~~بدون كارلوس ملكا على إسبانيا أن يكون للكارليين قواعد عسكرية؛ أي مدن ومراكز ~~محصنة في داخل البلاد. ومع أن الكارليين كانوا يحتلون كل «نافار» والمقاطعات ~~الباسكية (على خليج بسكاي)، إلا أنه لم يكن في حوزتهم مثل هذه القواعد ~~المحصنة، وكان هذا المطلب نفسه هو ما اشترطه المصرفيون الأجانب الذين أراد ~~الكارليون الاستدانة منهم. ثم إن الكارليين أنفسهم والمحيطين بدون كارلوس ~~أرادوا أن تكون لهم قاعدة عسكرية، وعلى ذلك فقد أمر دون كارلوس قائد قواته ~~بالاستيلاء على بلباؤ # Bilbao ~~. فحاصر ~~الكارليون «بلباؤ»، ولكن لم تنقض أيام قليلة على الحصار حتى أصيب قائدهم ~~زومالا كاريجوي # Zumalacarregui # بجرح ~~قاتل في أواخر يونيو، واضطر الكارليون إلى رفع الحصار عن «بلباؤ» في يوليو ~~1835، وكان يتولى قيادة الأحرار الجنرال إسباراتيرو # Espartero # الذي نال شهرة كبيرة فيما بعد، وكان إرغام ~~الكارليين على رفع الحصار عن بلباؤ أول انتصار هام له، وكان إسباراتيرو ~~جنديا شهد الحرب الإيبيرية أيام السيطرة النابليونية، ثم خدم ضابطا في بيرو ~~(في أمريكا الإسبانية)، ثم تولى الآن قيادة القوات المناصرة للملكة الوصية ~~«كريستينا» ليقودها إلى النصر في الحرب الكارلية في النهاية. # وفي يوليو 1835، استقالت وزارة «مارتينز دي لاروزا» الذي عجز عن تحمل ضغط ~~الراديكاليين والمعتدلين على حكومته، إلى جانب مصاعب الحرب الأهلية ~~(الكارلية)، ولقد امتاز عهد وزارته باستصدار الميثاق والعهد الدستوري المعروف ~~باسم القانون الملكي ms0926 # Estatuto Real # الذي ~~أذيع في أبريل 1834، والذي كان من نمط العهد أو الميثاق الدستوري الفرنسي ~~الصادر في سنة 1814، وهو «العهد» الذي استندت عليه سياسته. وأهم ما يلاحظ في ~~هذا الميثاق تأكيد أنه منحة من الملك (أو الملكة الإسبانية) للشعب، قد أنكر ~~سيادة الأمة، المبدأ الذي قام عليه دستور 1812. على أن هذا الميثاق اشتمل على ~~إعلان لحقوق الإنسان، كما أنشأ نظاما برلمانيا من مجلسين؛ أحدهما: للشيوخ ~~والآخر: للنواب، وكلاهما يرتهن بقاؤه بإرادة التاج ومشيئته، ولا سلطات لهما ~~سوى حق تقديم العرائض على نحو ما جرى العمل به في مجلس الكورتيز القديم، ولم ~~يرض بطبيعة الحال هذا النظام الدستوري الضيق والمحدود الأحرار الحقيقيين، ~~وسرعان ما حصل الاصطدام بين الوزارة والنواب الراديكاليين في مجلس النواب. ثم ~~إن الوزارة لم تفلح في استرضاء أنصار المتطرفين، عندما كانت إصلاحاتها لا تعدو ~~اتخاذ بعض الإجراءات من نوع ما سبق إنجازه من تشريعات «حرة» خلال 1820-1823؛ ~~لمنع تدخل رجال الدين في شئون السياسة، وضد الطوائف الدينية. وكان ~~الراديكاليون المتطرفون قد أفزعهم أن يبلغ عدد الرهبان في المملكة (حسب إحصاء ~~1835) واحدا وثلاثين ألفا، وعدد الراهبات اثنين وعشرين ألفا، وأغضبهم أن ~~تؤيد الطوائف الدينية مبادئ «الكارلية» والحكم المطلق. فصح عزم الراديكاليين ~~(الأحرار) المتطرفين على القضاء عليهم، وساعد انتشار وباء الكوليرا في مدريد ~~وقتئذ على ترويج الاتهام ضد الرهبان بأنهم سمموا مياه الشرب، فثارت الاضطرابات ~~في يوليو 1834، وهاجمت الجماهير الأديرة وقتل عدد من الرهبان، وعجزت الحكومة ~~الضعيفة والمترددة عن وقف هذه الحوادث الدامية، وفي الشهور الأولى من سنة 1835 ~~وبعد سقوط وزارة «مارتينز دي لاروزا» استمر قتل الرهبان في المدن، ولم تبطلها ~~إجراءات الوزارة الجديدة، وزارة تورينو (جوزيه ماريا) # Toreno # التي تألفت في يوليو 1835، ~~والتي بادرت بطرد اليسوعيين (الجزويت) وإغلاق الأديرة الصغيرة (التي يقل عدد ~~الرهبان فيها عن اثني عشر راهبا). # على أن الحركة التي بدأت ضد الرهبان سرعان ما انقلبت إلى ثورة ضد الحكومة ~~ذاتها، وهي التي اتصفت بالعجز - وزارة تورينو - ولم يرض المتطرفون الراديكاليون # Exaltoaos # عن «اعتدال» وزارة ms0927 ~~تورينو مع أنه من التقدميين Progressistas ~~، ~~فامتدت الثورة إلى الأقاليم ولم تقدر الحكومة على إخمادها، وكان أثناء هذه ~~الأزمة أن تولى وزارة المالية أحد أولئك الذين كانوا قد تآمروا (بالتعاون مع ~~الماسونيين) على تحريض حامية قادش على العصيان، وتحريك الثورة بها في سنة ~~1819، وهو منديزا بال # Mendiza bal # الذي كان ~~منفيا في إنجلترة، فوصل إلى مدريد في سبتمبر 1835، وقد صح عزمه على الدفاع ~~عن «النظام الدستوري»، والسير في سياسة أوضح مبادئها في صراحة للملكة وللوزراء ~~معا، وغرضها تهدئة الثورة بتحقيق بعض مطالب الأحزاب الحرة، والعفو والصفح ~~عن العصاة والثوار، وتنظيم بعض فروع الإدارة، وأعلن في برنامجه (14 سبتمبر) ~~عزمه على إعادة الثقة في مالية الحكومة، وإنهاء الحرب بالاعتماد على موارد ~~البلاد وحدها فقط، فنال ثقة البرلمان، واستصدر عددا من القرارات لإصلاح ~~المالية، من أهمها؛ قرار صدر في فبراير 1836 يعرض للبيع أملاك الطوائف الدينية ~~الملغاة، وآخر في مارس يلغي أديرة الرهبان باستثناء عدد قليل منها، ويخفض ~~عدد أديرة الرهبان، ويمكن الحكومة من مصادرة أملاك الأديرة ~~الملغاة. # ولم تلبث أن ظهرت آثار سياسة «منديزا بال» في ناحيتين؛ تطور الحرب الذي أدى ~~إلى تحسن الموقف العسكري في الشمال، بفضل عناية «منديزا بال» بالجيش، وتشجيعه ~~لأنصار الملكة الصغيرة إيزابلا الإيزابليين # Isabelinos ~~، ثم في دعم الرأي القائل بضرورة العمل من أجل ~~المحافظة على عرش إيزابلا، بين الطبقات الموصوفة بأنها طبقات «محافظة»، وهي ~~التي ابتاعت أملاك الأديرة والكنيسة وبشروط انتفع بها هؤلاء المشترون أكثر مما ~~كانت في صالح الدولة، فصارت بغيتهم رعاية مصالحهم هذه الجديدة وتنميتها ~~بالدفاع عن عرش الملكة «إيزابلا»، والمحافظة عليه ضد أطماع دون كارلوس ~~وادعاءاته، وبذلك يكون «منديزا بال» قد استمال المصالح المادية لتأييد العرش، ~~وصاحبة الحقوق الشرعية عليه. # وأما في الميدان الخارجي، فقد آثر «منديزا بال» أن يكون لبريطانيا نفوذ أكبر ~~في السياسة الإسبانية، فخالف بذلك السياسة التي درج عليها «مارتينز دي لاروزا» ~~و«تورينو» من حيث الرغبة دائما في الاعتماد على النفوذ الفرنسي، بالرغم من ~~عدم نجاحهما في إقناع حكومة لويس ms0928 فيليب بالتدخل. فنال «منديزا بال» ثقة ~~الحكومة الإنجليزية، وهو الذي إلى جانب أنه تلقى «تربيته السياسية» ببلادها، ~~كان لا ينفك يقيم الدليل من وقت لآخر على تفضيله لنفوذها. فكان من ثمار هذه ~~الخطة الجديدة أن صارت الوزارة البريطانية مستعدة للعمل السياسي مستقلة عن ~~فرنسا، وتبذل قصارى جهدها، ومهما غلا الثمن لمنع تدخل فرنسا وتنفيذ مشروع معزو ~~إلى لويس فيليب لتزويج أحد أبنائه من الملكة إيزابلا، ولقد طرأ انفصام أو ~~انشقاق مؤقت بين الوزير الفرنسي «تيير» والبرنس دي مترنيخ، كادت تحبط بسببه ~~الخطط الإنجليزية - ولو أن هذا الانشقاق كان في صالح إسبانيا - وذلك أن «تيير» ~~أقنع مليكه لويس فيليب بتعديل موقفه من «الكارليين» وتسامحه السابق معهم، ~~وتقوية الفرقة العسكرية الفرنسية (الجزائرية) التي ذكرنا أنه أعارها إلى ~~إسبانيا (في وزارة مارتينز دي لاروزا)، ثم السماح لجيوش الملكة الوالدة ~~والوصية على العرش كريستينا، بالمرور في الأراضي الفرنسية للقيام بحركة التفاف ~~حول قوات الثوار (الكارليين) في الأقاليم الباسكية الشمالية. # ولقد كان في هذه الظروف أن سقطت وزارة «منديزا بال»، واستعلى مرة أخرى نفوذ ~~المعتدلين الأحرار في الحكومة الجديدة ولدى البلاط (15 مايو 1836)، فحل ~~الكورتيز (البرلمان) الذي تألفت الأكثرية به من التقدميين الأحرار Progressistas ~~، وأصدرت الوصية على ~~العرش «الملكة الوالدة كريستينا» منشورا عنيف اللهجة ضد «منديزا بال» ~~وأنصاره، وتلصق بهم الاتهامات الكثيرة، الأمر الذي أدى إلى نشوب ثورة جديدة لم ~~تلبث أن شملت كل أجزاء إسبانيا (في شهر أغسطس 1836) - تلك الأجزاء التي لم تكن ~~خاضعة لنفوذ «الكارليين»، وأمام استفحال الثورة وتمرد جنود الحرس الملكي في ~~المكان الذي كانت تقيم به وقتئذ الملكة الوالدة على مسافة ليست بالبعيدة من ~~مدريد، وجدت كريستينا نفسها تحت تهديد العسكر وإطلاق الرصاص على زوجها ~~مانزوس # Munzos # ومن رجال الحرس - الذي ~~اقترنت به بعد ترملها من زوجها السابق فردنند السابع، وجدت نفسها مرغمة على ~~التوقيع في 13 أغسطس على دستور 1812 القديم، واستصدار منشور للعمل «بقانون ~~قادش»؛ أي بهذا الدستور، مع إقناع الكثيرين بأن هذا الدستور لا يمكن إدارته؛ ~~أي تنفيذه، ms0929 ولقد عزا المعتدلون (وهم المحافظون) هذه الثورات لمؤامرات السفير ~~الإنجليزي لورد كلارندون. # وأفاد الكارليون من الفوضى التي انتشرت في البلاد منذ شهر مايو 1836؛ ليعوضوا ~~خسائرهم في الحرب التي توالت عليهم الهزائم في أثنائها، وليستطيعوا مواصلة ~~القتال على الأقل في الأقاليم الشمالية. كما استمرت رحى الحرب دائرة في ~~فالنسيا وأرغونة وقشتالة وأندالوشيا، ولكن دون الوصول إلى نتيجة حاسمة، ~~واستطاع «إسباراتيرو» أن يرغم الكارليين مرة ثانية على رفع الحصار عن «بلباؤ» ~~التي كانوا عاودوا حصارها، وأحرز عليهم انتصارا باهرا (ديسمبر 1836) لم ~~يجد نفعا في إنهاء الحرب. ولقيت حكومة الملكة الوالدة الوصية وابنتها كل ~~تأييد من جانب الحكومة الإنجليزية التي أقرضتها ما يزيد على نصف مليون جنيه ~~لتغطية نفقات الحرب، في حين اشترك الجنود الإنجليز (الفرقة البريطانية) في ~~القتال الدائر أمام بلباؤ وغيرها. ولقد تلقى دون كارلوس من ناحية أخرى المعونة ~~المالية من الدول الشرقية. وفي سنة 1837 قام «إسباراتيرو» بحملة ناجحة، استولى ~~في أثنائها على أكثر الحصون التي كانت بيد الكارليين. # التقدميون ودستور 1837 # كانت الحكومة التي خلفت وزارة «منديزا بال» على أثر الثورة التي ذكرناها، ~~حكومة «تقدمية» تشكلت برئاسة جوزيه ماريا ~~كالاترافا # Calatrava ~~، الذي تولى فيما مضى زعامة الراديكاليين ~~المتطرفين، والذي صار الآن من التقدميين (المعتدلين)، ويريد إنقاذ الدولة؛ ~~فاتخذ طائفة من الإجراءات الهامة بعضها ضد الكارليين والمناوئين للمبادئ ~~الحرة، فصودرت أملاكهم، والبعض الآخر من أجل مواصلة الحرب بتجنيد الذكور من ~~سن الثامنة عشرة إلى الأربعين، وإرغام الأهلين على الاكتتاب في قرض داخلي ~~قيمته مليونان من الجنيهات، وطائفة ثالثة ذات صبغة اجتماعية بشأن الأملاك ~~العقارية (والأراضي) التي انتقلت ملكيتها إلى النقابات، وتكاثرت في حوزتها، ~~سواء كانت هذه في الأصل أملاكا (أو أراضي) كنسية أو علمانية مدنية، والعمل ~~على إخراجها من أيدي هذه النقابات. # ولما كانت الثورة قد طالبت بدستور 1812، واضطرت الوصية إلى إعلانه، وكان من ~~المتعذر وضع هذا الدستور موضع التنفيذ، فقد دعا «كالاترافا» إلى انعقاد ~~الكورتيز كهيئة تأسيسية لوضع دستور جديد هو الذي صار معروفا باسم دستور 1837، ~~وقد اتفق هذا ms0930 مع الدستور القديم (1812) في بعض المبادئ التي احتفظ بها مثل ~~الاعتراف بسيادة الأمة، ولكنه اختلف عنه من حيث إنه أنشأ برلمانا من مجلسين؛ ~~أحدهما للنواب والآخر للشيوخ، وكان الغرض من وجود هذا المجلس الأخير أن يكون ~~بمثابة «ضابط» للإشراف على أعمال النواب، وقد تكرر هذا الضمان كذلك في إعطاء ~~التاج حق وقف قرارات السلطة التشريعية وتعطيلها بصورة مطلقة. ثم وضعت بعض ~~القيود لتضييق حقوق الانتخاب، وصار من شروط النيابة في المجلس الشعبي (النواب) ~~دفع ضريبة معينة لم تكن كبيرة القيمة، ومع ذلك فقد كان دستور 1837 يتسم لدرجة ~~ظاهرة بطابع المبادئ الحرة ويبدو فيه التأثر بالآراء «التقدمية»، والدليل ~~على ذلك أن الأعضاء في المجلس الأعلى (مجلس الشيوخ) كانوا بالانتخاب، وأنه كان ~~للكورتيز (بمجلسيه) الحق في الاجتماع من تلقاء نفسه إذا لم يدعه التاج (الملك) ~~للانعقاد قبل أول ديسمبر من كل سنة، وغير ذلك من المبادئ التي استمدها واضعو ~~هذا الدستور من قانون الإصلاح النيابي في إنجلترة لسنة 1832، الأمر الذي يدل ~~على تأثر السياسيين الإسبان بأنظمة الحكم الإنجليزية، وهو تأثر يرجع في أصوله ~~إلى بداية هذا القرن تقريبا؛ وخصوصا عندما لجأ إلى إنجلترة كثيرون من ~~«الأحرار» الذين أرغمتهم الملكية الراجعة في إسبانيا على مغادرة البلاد إلى ~~«المنفى». # ولقي هذا الدستور كل معارضة من جانب المعتدلين (المحافظين)، وكذلك من جانب ~~«المعاندين» الذين أبوا في إصرار الاعتراف به # Doceanistas ~~، ومع ذلك فقد ظل دستور 1837 ~~زمنا طويلا، الوثيقة أو العهد الذي اتحدت صفوف الأحرار التقدميين في الحرب ~~من أجل المحافظة عليه وتأييده. ثم إنه كان لهذا الدستور أهمية مزدوجة كذلك؛ من ~~حيث إنه أتاح الفرصة لاستمرار المبادئ الدستورية ودعمها، بصورة جعلت متعذرا ~~التنكر لها أو إهمالها بعد ذلك، ثم من حيث إنه قضى على العاطفة التي أحاطت ~~دستور 1812 بهالة من التقديس زمنا طويلا. # وعلى نحو ما كان منتظرا بذل المعتدلون قصارى جهدهم لإيذاء «التقدميين» أصحاب ~~هذا الدستور، ونجحوا في إشاعة روح التمرد في الجيش، حتى إن فريقا من الضباط ~~في الفرق التي ms0931 تحت قيادة «إسباراتيرو» في مدريد، لم يلبثوا أن تظاهروا ضد ~~الحكومة، فاستقال «كالاترافا»، وتشكلت وزارة جديدة برئاسة «إسباراتيرو» في ~~18 أغسطس 1837، وكان السبب في وجود جيش إسباراتيرو آنئذ بمدريد، أن جيشين من ~~قوات الكارليين، كانا يزحفان صوب العاصمة. ولقد قامت محاولات من جانب الوصية ~~«كريستينا» للوصول إلى اتفاق مع دون كارلوس على أساس عقد زيجة تجمع فرعي ~~الأسرة المتنازعين على الملك، كانت سببا في وقف دون كارلوس الزحف على مدريد، ~~ثم عندما لم تثمر هذه المفاوضات عن شيء، لم يجد دون كارلوس مناصا من الارتداد ~~إلى المقاطعات الباسكية، يطارده «إسباراتيرو» وغيره من القواد، وكان من أثر ~~هذه الأحداث أن خسر الكارليون قضيتهم من الناحية الأدبية تماما، ومع أن ~~الكارليين استمروا يقومون ببعض عمليات الهجوم المتفرقة في فالنسيا وأرغونة ~~وغيرهما خلال سنة 1838، فقد كان واضحا أن الهزيمة سوف تكون نصيبهم، وفي سنة ~~1839 تزايدت متاعب الكارليين، ودب الخلاف في صفوفهم، وانقسموا إلى فريقين؛ حزب ~~البلاد من المتعصبين الذين لا يريدون تفاهما أو اتفاقا على «حل وسط» مع ~~الحكومة، وحزب العسكريين الذين وإن أرادوا متابعة القتال كانوا يريدون ضرورة ~~الامتناع عن ارتكاب الفظائع التي نفرت الشعب منهم، ويرغبون في الاتفاق مع ~~خصومهم، وكان يتزعم هؤلاء الجنرال ماروتو # Maroto # الذي لم يلبث أن أبرم اتفاقا مع «إسباراتيرو» في ~~آخر أغسطس 1839 لإنهاء الخلافات والحرب، وعندئذ غادر دون كارلوس - الذي رفض ~~هذا الاتفاق - البلاد إلى فرنسا دون إبداء مقاومة، ولم يلبث أن تبعه إلى فرنسا ~~آخر قواده كابريرا # Cabrera # الذي كان أبقى ~~الحرب دائرة بضعة شهور أخرى في أرغونة وفالنسيا، ثم لحقت به الهزائم وأرغم - ~~الآن - على اجتياز الحدود مع عديدين من أتباعه في 6 يونيو 1840، وبذلك أسدل ~~الستار على الحرب الكارلية (الأهلية) التي استمرت سبع سنوات تقريبا. # انتهاء وصاية كريستينا # وحينما كانت تسير الحوادث لتصفية الحرب الكارلية، كان قد أمكن على غير انتظار ~~الوصول إلى حل يحسم النزاع الدائر في صفوف الأحرار بين المعتدلين والتقدميين ~~وفي صالح هؤلاء الأخيرين، فقد استطاع المعتدلون بفضل ms0932 سيطرتهم على الموقف أن ~~ينالوا موافقة الكورتيز في سنة 1840 على مشروع يجرد المجالس البلدية من أكثر ~~اختصاصاتها التي كانت تكفل لها استقلالها سياسيا وإداريا، ويخضعها لإشراف ~~الحكومة المركزية، وكان هذا المشروع يلقى معارضة شديدة من جانب التقدميين، ~~فلما أجازته الأكثرية «المعتدلة» في مجلس الكورتيز، صار ضروريا الحصول على ~~تصديق الوصية على العرش ليصبح قانونا، ولكن هذه كانت تريد استمالة ~~«إسباراتيرو» وتدبر انقلابا لإلغاء دستور 1837، وعجزت كريستينا عن استمالة ~~«إسباراتيرو» الذي كان قد زاد تعلق الجماهير به بعد الاتفاق الذي أبرمه لإنهاء ~~الحرب الكارلية، والذي كان قد أعلن تمسكه بدستور 1837 واحترامه له، ثم تبين ~~للملكة الوصية أن أكثرية الشعب نفسه لا تقبل قانون البلديات، ورفض ~~«إسباراتيرو» أن ينفذ مأرب المعتدلين، فنصح للملكة الوصية بعدم التصديق على ~~هذا القانون، ووعدت هذه بأن لا تقبل ذلك، ولكنها لم تلبث أن صدقت على ~~القانون بعد قليل؛ فقامت الثورة في برشلونة (18 يوليو 1840)، وعمدت كريستينا ~~من أجل تهدئة الشعب وتسكينه، وبموافقة «إسباراتيرو» إلى تشكيل وزارة من ~~التقدميين، ولكنها لم تلبث أن استبدلت بها وزارة أخرى من المعتدلين، بمجرد ~~انتقال البلاط إلى فالنسيا، وعندئذ قامت الثورة من جديد في مدريد، ثم امتدت ~~إلى الأقاليم. واضطرت كريستينا إلى تأليف وزارة جديدة أشرف الثوريون على ~~اختيار أعضائها، وتولى «إسباراتيرو» رياستها. # وهكذا لاحقت الإهانات الملكة الوصية، فهي قد فرض عليها فرضا تأليف هذه ~~الوزارة الأخيرة التي اتخذت لها برنامجا «تقدميا»، وهي قد تعرضت كذلك ~~لحملة عنيفة من التشهير؛ بسبب صدور كتيب من المرجح أن صاحبه صحفي يدعى ~~جونزاليس برافو # Gonzalez Bravo # يشهر ~~بزواج الوصية على العرش من أحد رجال الحرس، وكانت كريستينا قد تكتمت زواجها ~~الثاني حتى لا تفقد الوصاية. فبلغ من دقة الموقف وحروجته أن الملكة الوصية لم ~~تجد مخرجا من الأزمة إلا بالتنازل عن الوصاية. وفي 12 أكتوبر 1840 تنازلت ~~كريستينا عن الوصاية، وعزت هذا التنازل في خطاب - عهدت فيه كذلك إلى الكورتيز ~~بتسمية وصي آخر على العرش - إلى خلاف في الرأي بينها وبين الحكومة ms0933 بشأن عدد من ~~الإصلاحات السياسية المعينة، وخصوصا قانون البلديات. # وبذلك تكون قد انتهت وصاية كريستينا التي بدأ عهدها والآمال الكبيرة معقودة ~~عليها، ثم لم تلبث أن تبددت هذه الآمال بسبب اعتمادها على «المعتدلين» وتقبل ~~النصح منهم من غير تفكير أو روية لثقتها العمياء فيهم، ثم بسبب أنه لم يكن من ~~طبائعها الإخلاص في النية، والابتعاد عن الدس والمؤامرة. # والعهد الذي بدأ الآن، وبعد اعتزال كريستينا الوصاية في أكتوبر 1840، يتميز ~~بأنه عهد «التقدميين» الذي بلغت فيه سياسة هؤلاء ذروتها، وهي تتبع الخطوط ~~الرئيسية التي رسمها أحرار 1820، وأحرار 1836، كما يتميز بأنه العهد الذي تمتع ~~فيه الجنرال إسباراتيرو بشعبية عظيمة، فجاءت حكومته المثل الذي اقتدت به في ~~الأزمنة التالية في إسبانيا كل تلك الحكومات التي من طرازها؛ أي التي صار ~~يتولى إدارتها قواد عسكريون. أضف إلى هذا أنه كان في هذا العهد «التقدمي» أن ~~صارت تبدو بوضوح كل تلك الميول والاتجاهات الجديدة التي كانت قد نبتت، ثم أخذت ~~تتفاعل في الرأي العام من مدة طويلة، إلا أنها لم تكن قوية بالدرجة التي تتشكل ~~بها في صورة مقاومة عنيفة، ونعني بذلك الآراء الجمهورية التي تألف تدريجيا ~~حزب يدين بها، ثم أفضت إلى تحريك ثورة مخيفة في برشلونة في سنة 1842، ولقد ~~كانت هذه الثورة أحد الأخطار التي تعرضت لها حكومة الجنرال «إسباراتيرو»، وفي ~~هذه الثورة اختلطت الأغراض الجمهورية بالمصالح المحلية الإقليمية عندما شعر ~~الصناع بالعنت والإرهاق الشديد بسبب نشاط أحد ضباط الجمارك - من الذين وضع ~~«إسباراتيرو» ثقته فيهم - في تعقب المهربين، والقضاء على التهريب. فلم يمكن ~~القضاء على هذه الثورة إلا بعد حضور «إسباراتيرو» نفسه، وإطلاق المدافع على ~~برشلونة (ديسمبر 1842). # انتهاء سيطرة التقدميين # واستمرت حكومة «إسباراتيرو» من أكتوبر 1840 إلى نهاية يونيو 1843، وكان ~~تاريخها مجرد سجل لكفاح هذه الحكومة «التقدمية» ضد المعتدلين تارة، وضد ~~الوصية السابقة «كريستينا» وأنصارها تارة ثانية، وضد الأحرار عموما الذين لم ~~يرضوا عن حكومة إسباراتيرو، أو حقدوا عليه هو نفسه لاستعلاء نفوذه. أما ~~المعارضة «الكريستينية» فقد تبدت في منشور صدر من ms0934 مرسيليا في 8 نوفمبر 1840 ~~ينحى باللائمة على الحكومة التقدمية، ويحمل احتجاج كريستينا ضد إرغامها على ~~التنازل عن الوصاية، وكان لهذا المنشور أثر كبير في إثارة المعارضة وتقويتها؛ ~~إذ استند عليه كل أعداء «إسباراتيرو» في الإمعان في خصومتهم له، واتخذت منه ~~الحكومات الأوروبية ذريعة لمناصبة حكومة «إسباراتيرو» العداء. فلم يشذ عن ذلك ~~سوى الحكومة الإنجليزية التي ظلت تؤيده على طول الخط، ولما كان ضروريا تعيين ~~وصي على العرش لعدم بلوغ إيزابلا سن الرشد، فقد سماه الكورتيز وصيا على ~~العرش في (8 مايو 1841)، وأفقده هذا التعيين مناصرة أولئك الذين كانوا يريدون ~~وصاية ثلاثية؛ أي من ثلاثة أوصياء، ثم إن الملكة الوالدة كريستينا لم تلبث أن ~~احتجت على تعيين قيم على ابنتها، بدعوى أن استمرار القوامة على ابنتها حق من ~~حقوقها الشرعية، وكانت كريستينا قد جعلت إقامتها في فرنسا، يحيط بها ~~«المعتدلون»، ومن هناك راحت تشجع المؤامرات، وتضع خطط الانقلابات، مما أدى إلى ~~قيام الاضطرابات في بامبيلونا Pampeluna ~~(2 ~~أكتوبر) ومدريد (7 أكتوبر) بزعامة بعض القواد الذين حاولوا القبض على الملكة ~~«إيزابلا» لتحريرها - كما قالوا - من الحبس أو الأسر الذي وضعها فيه ~~«الإسباراتيريون»، وبالرغم من إخفاق هاتين المحاولتين، فقد تجددت الاضطرابات ~~في السنة التالية (1843)، وأيد جماعة من الأحرار المتذمرين الحركة الثورية، ~~كما تمرد قسم من الجيش، وقاد الثورة خصوم الوصي على العرش «إسباراتيرو». ثم لم ~~تلبث أن انتشرت الثورة، وانفض معظم الجنود من حول «إسباراتيرو»، وعندئذ اضطر ~~«إسباراتيرو» إلى الهرب، فأبحر إلى إنجلترة في 30 يونيو 1843. # وبمغادرة إسباراتيرو البلاد وزوال حكومته انتهى عهد «الوصاية»، وانتهى ~~بانتهائها كذلك عهد سيطرة التقدميين. فمع أن فريقا من هؤلاء كانوا قد انضموا ~~إلى الثورة - المضادة - ضد حكومة إسباراتيرو التقدمية، وانتظروا أن يجنوا ~~شيئا من ثمار هذه الثورة المضادة، وعين المعتدلون فعلا أحد هؤلاء ~~التقدميين في وزارتهم الأولى، فإن المعتدلين سرعان ما تخلصوا من التقدميين، ~~وانفردوا بالحكم. # وكان زعيم المعتدلين الجنرال نارفائز # Narvaez # ديكتاتورا بطبعه، يبطش بأعدائه ومخالفيه في الرأي ~~في عنف وقسوة، وعلى ذلك ففي أثناء ms0935 سيطرة المعتدلين (من 1843 إلى 1845) ما عتمت ~~أن ألغيت كل الإصلاحات التي تمت في عهد التقدميين، ثم ألغي دستور 1837، الذي ~~استعيض عنه بدستور آخر في 23 مايو 1845، كان في صميمه ميثاقا يستند من ~~الناحية النظرية إلى المبادئ التي تربط بين الأمة والعرش، ولو أنه ينفي مبدأ ~~سيادة الأمة؛ إذ قد حذف «المقدمة» التي اعترفت في دستور 1837 بهذا المبدأ، في ~~حين أنه جاء يؤيد سلطان الملكية تأييدا كاملا، وذلك أنه جعل من حق التاج ~~تعيين أعضاء مجلس الشيوخ لمدى الحياة وبالعدد الذي يريده، وجرد مجلس ~~الكورتيز (البرلمان) من حق الاجتماع تلقائيا على نحو ما كان يقره دستور ~~1837. أضف إلى هذا أن الدستور الجديد منع اتباع نظام المحلفين في محاكمة ~~الصحفيين على ما قد يرتكبونه من مخالفات أو جرائم، إلى غير ذلك من التفاصيل ~~التي صبغت هذا الدستور بصبغة رجعية. # ولقد بلغت الرجعية - رجعية المعتدلين (أو المحافظين) حدا بعيدا باستصدار ~~«قانون التربية والتعليم» لسنة 1845، وهو قانون ألغى استقلال الجامعات القديم، ~~ولو أنه أبقى بعض الشيء على التقاليد القديمة ضد الكهنوتية، وذلك أنه بالرغم ~~من إلغاء كثير من القوانين الصادرة منذ 1836 ضد الكنيسة واستئناف العلاقات مع ~~البابوية، فقد رفض المعتدلون رفضا باتا إعادة الأديرة. وينهض دليلا على ~~انتشار التسامح في إسبانيا وقتئذ أن ضغطا ما لم يحدث لوقف التبشير ~~للبروتستانتية التي كانت قد نشطت أيام حكومة التقدميين، وذلك بالرغم من انتصار ~~المبادئ «المعتدلة». # مسألة الزواج الإسباني # وهكذا شهد هذا العهد الطويل في تاريخ إسبانيا صراعا عنيفا بين الملكية ~~الراجعة وأنصار الحكم المطلق في جانب، وبين الأحرار الذين استندوا في نضالهم ~~على المبادئ التي جاء بها دستور 1812، ثم دستور 1837، والذين انقسموا فيما ~~بينهم إلى شيع وأحزاب؛ راديكالية متطرفة، وتقدمية، ومعتدلة (محافظة)، ثم رجحت ~~كفة هؤلاء الأخيرين فاستصدروا دستورا «محافظا» - أو رجعيا - في سنة 1845 ~~في جانب آخر، ولم يكن هذا الصراع - كما شاهدنا - «دستوريا» محضا، بل اختلط ~~به صراع من نوع آخر مبعثه التنازع على العرش بين أعضاء البيت المالك (وهم من ms0936 ~~البربون)، ثم تدخلت الدول الأوروبية في أثنائه؛ إما لتأييد الحركات والثورات ~~الرجعية، التي يدين زعماؤها بمبادئ الحكم المطلق، على نحو ما فعلت الدول ~~الشرقية؛ النمسا، وبروسيا، وروسيا، وتارة فرنسا أثناء الحرب الكارلية وقبلها ~~وبعدها، وإما لتأييد الأحرار عموما، الذين يريدون حكما دستوريا على كل ~~الأحوال، سواء كان هؤلاء من التقدميين أو المعتدلين (المحافظين) على نحو ما ~~فعلت إنجلترة ثم فرنسا تارة أخرى. # على أن الذي صار يستلفت النظر في نهاية هذا العهد أن مشكلة التنازع العائلي ~~على وراثة العرش في إسبانيا، لم تلبث أن اتخذت مظهرا جديدا عندما تنازل دون ~~كارلوس عن «حقوقه» أو ادعاءاته على عرش إسبانيا إلى ولده كونت مونتمولان # Montemolin # في 15 مايو 1845، وتحديد مشروع ~~زواج هذا الأخير من الملكة إيزابلا، وهو مشروع الزواج الذي تناولته المفاوضات ~~بين الملكة الوصية كريستينا ودون كارلوس سنة 1837، على نحو ما سبق ذكره. أما ~~دونا إيزابلا، فقد أعلن أنها بلغت سن الرشد (وهي لا تزال في الثالثة عشرة من ~~عمرها) في نوفمبر 1843، بالرغم من مخالفة هذا الإجراء للدستور، ولقد أبرز هذا ~~المشروع مسألة الزواج الإسباني ليس كموضوع عائلي داخلي من شأن الأسرة المالكة ~~الإسبانية الفصل فيه وحدها فقط، بل كمشكلة دولية. # فقد كان زواج الملكة إيزابلا من الموضوعات التي جرى البحث فيها بين حكومتي ~~لندن وباريس من مدة سابقة، وأبدت الملكة الوالدة والوصية على العرش «كريستينا» ~~استعدادها لتزويج ابنتيها دونا إيزابلا (الملكة القاصر) وشقيقتها ماريا لويزا فرنندا # Fernanda # من ولدي الملك الفرنسي ~~لويس فيليب، وهما دوق دومال # D’Aumale # ودوق ~~دي مونتبانسيه # Montpensier ~~، كثمن ~~للمساعدة التي سوف تسديها فرنسا من أجل إسقاط حكومة إسباراتيرو، وفي الوقت ~~نفسه كانت الحكومة الإنجليزية ترشح ليوبولد أمير ساكس كوبرج (الذي صار ملكا ~~للبلجيك) ويمت بصلة القرابة لملكة بريطانيا وزوجها ألبرت # Albert ~~(أمير ساكس كوبرج) - للزواج من إيزابلا الإسبانية، ~~ولكن الحكومة الإنجليزية سحبت هذا الترشيح في نظير تنازل الفرنسيين عن ~~مشروعهم، ولقد تجدد بالرغم من ذلك المشروع الفرنسي في عهد وزارة جيزو بعد ~~إدخال تعديل عليه من ms0937 شأنه إرجاء زواج إيزابلا، والإسراع بعقد زواج ولية العهد ~~ماريا لويزا فرنندا من مونتبانسيه، وعارض بلمرستون هذه الزيجة التي تمهد لتولي ~~مونتبانسيه الحكم إلى جانب زوجه الملكة إذا حدث أن توفيت إيزابلا دون أن يكون ~~لها وارث للعرش، وعندئذ زارت الملكة فكتوريا وزوجها البرنس ألبرت، الملك لويس ~~فيليب في فرنسا في غضون سنة 1842، وتم الاتفاق بين الفريقين على أن تمنع ~~الحكومة الإنجليزية من تأييد أي أمير مرشح للعرش الإسباني ليس من فرع أسرة ~~بربون الإسبانية؛ على أن يكون لدوق دي مونتبانسيه الحق - إذا شاء - في الزواج ~~من ماريا لويزا فرنندا بعد أن يتأكد استقرار نظام وراثة العرش عند انتهاء عهد ~~الوصاية، وكانت حكومة لويس فيليب تبذل قصارى جهدها لاستمالة الحكومة ~~الإنجليزية إلى الامتناع من تأييد قضية الأحرار الإسبانيين، وتلك مهمة سهل ~~أمرها بعد تأليف وزارة السير روبرت بيل Peel ~~(1841-1846) في إنجلترة. ثم جاء زواج دوق دومال من أميرة أخرى في سنة 1844 ~~دليلا على أن الحكومة الفرنسية تعني التمسك بالاتفاق المبرم حديثا. # وبينما كانت تجرى المفاوضات بين الحكومتين الإنجليزية والفرنسية بشأن الزواج ~~الإسباني، كان هذا الزواج قد أصبح مسألة حربية في داخل إسبانيا، ثم إن ترشيح ~~كونت مونتمولان للزواج من إيزابلا لم يلبث أن نال تأييد الحكومتين النمساوية ~~والبروسية، ومنذ أن تنازل دون كارلوس عن حقوقه لولده صار «مونتمولان» زعيم ~~الجماعة «الكارلية» وعرفه الكارليون من الآن فصاعدا باسم «كارلوس السادس». ~~وأما مرشح حزب الأحرار فكان دون إنريك ~~«هنري» # Enrique # دوق إشبيلية والابن الأكبر لكارلوتا شقيقة كريستينا، ~~وترضى الملكة إيزابلا نفسها به زوجا لها، ولو أن فرصة زواجه من الملكة كانت ~~ضئيلة بسبب آرائه الراديكالية. ثم إن هناك مرشحا آخر، أرادته الوصية السابقة ~~«كريستينا» زوجا لابنتها هو الكونت ~~تراباني # Trapani ~~، وكان أبله يبلغ السادسة عشرة من عمره، تعهد ~~«نارفائز» بالموافقة عليه حتى لا يصطدم مع الملكة الوالدة، ولكن كريستينا في ~~أوائل 1846 صارت تشك في أن نارفائز بالرغم من تظاهره إنما كان يتآمر سرا ضد ~~ترشيح «تراباني»، وكانت كريستينا محقة ms0938 في شكوكها، وعلى ذلك فقد تآمرت هي ~~الأخرى على إسقاط وزارته (11 فبراير 1846)، بالرغم من الأكثرية التي كانت لها ~~في الكورتيز، وبالرغم من غضب هؤلاء لإسقاط وزارته. # وتعاقبت الوزارات، وتزايدت الانقسامات الداخلية، وتدخلت الحكومة الفرنسية ~~(وزارة جيزو) لتنفيذ مشروع الزواج الفرنسي ؛ أي ما تبقى منه، بزواج ماريا لويزا ~~فرنندا من دوق دي مونتبانسيه، وتدخلت الحكومة الإنجليزية، ووزيرها في مدريد ~~السير هنري بلور # Bulwer # لتأييد «التقدميين» ~~الذين ناصروا دون أنريك دوق أشبيلية، وأخيرا تنازلت الملكة الوالدة عن ~~ترشيحها للكونت تراباني، واتفقت مع لويس فيليب على إنجاز مشروع الزواج الفرنسي ~~بكل سرعة، فيتزوج دون فرنسيسكو دي ~~أسيس # de Asis # شقيق دوق أشبيلية الأصغر من الملكة إيزابلا، على أن ~~يتزوج ولية العهد «ماريا لويزا فرنندا» من دوق مونتبانسيه في الوقت ~~نفسه. # وواضح أن هذا الاتفاق الذي أبرم بين كريستينا والسفير الفرنسي في مدريد ~~كونت دي بريسون # Bresson # أثناء غيبة ~~الوزير الإنجليزي «بلور» المؤقتة، كان خرقا للاتفاق الذي تم بين لويس فيليب ~~والملكة فيكتوريا وزوجها البرنس ألبرت (سنة 1843)، واعتمد جيزو في دفع ~~احتجاجات واعتراضات الحكومة الإنجليزية، على أن الحكومة الإنجليزية إنما وافقت ~~فقط على ألا تتزوج الملكة أو ولية العهد من غير أعضاء أسرة بربون، وكلا ~~المرشحين للزواج منهما من هذه الأسرة، ثم إن الاتفاق السابق نفسه لم يعد ~~ملزما لفرنسا؛ لأن بلمرستون - أي الحكومة الإنجليزية - قد خرقت نفسها هذا ~~الاتفاق - كما قال جيزو - بمؤازرتها لترشيح ليوبولد أمير ساكس كوبرج، وذلك ~~بالرغم من أن بلمرستون ظل مترددا في الحقيقة بين ترشيح هذا الأمير أو ترشيح ~~دوق أشبيلية، وهكذا تم عقد هذه الزيجة المزدوجة في 10 أكتوبر 1846 (يوم ~~بلوغ الملكة إيزابلا سن السادسة عشرة). # ولما كان فرنسيسكو دي أسيس رجلا ضعيف البنية ومن غير المتوقع أن ينجب وارثا ~~للعرش، وذلك ما جعل ترشيحه مقبولا من لويس فيليب وكريستينا، فقد كان من ~~المنتظر أن ترث العرش ماريا لويزا فرنندا، ويمارس مونتبانسيه سلطات الحكم ~~بوصفه زوجها، وبذلك يستعلي نفوذ فرنسا فيما وراء جبال البرانس، ولقد اعتبر ms0939 ~~هذا الزواج هزيمة دبلوماسية لإنجلترة، وبذلك فقد عمدت الحكومة الإنجليزية إلى ~~الانتقام لهذه الهزيمة بتحريض «المعارضة» في إسبانيا وتقويتها ضد ~~الحكومة. # وشهدت البلاد فترة من الاضطرابات الداخلية التي زاد من حدتها توالي تأليف ~~الوزارات واشتداد النزاعات الحزبية داخل الكورتيز بين المحافظين ~~والراديكاليين، والأحرار المعتدلين، وقيام الثورات - الصغيرة - من وقت لآخر ~~وفي أماكن متفرقة، وتوتر العلاقات بين الملكة وزوجها، والتفاف الرجعيين حول ~~هذا الأخير الذي أراد الاستفادة من العار الذي لحق بزوجته لخيانتها عهود ~~الزوجية، وتدخل الملكة الوالدة «كريستينا» في أثناء ذلك كله لمحاولة تشكيل ~~الوزارات التي ترضى هي عنها، وانتشار التذمر السياسي في البلاد، وانحياز ~~الأحرار إلى جانب إيزابلا، والمحافظين إلى جانب زوجها، وقيام الكارليين ~~بالثورة في قطالونيا. # الموقف سنة 1848 # ومنذ سنة 1846 كانت الثورة قد قامت في البورتغال لأسباب سيأتي ذكرها في ~~موضعها، وطلبت الحكومة البورتغالية تدخل الدول لقمعها، فاشتركت إسبانيا «مع ~~إنجلترة» في محاولة إخضاع هذه الثورة، وزحفت الجيوش الإسبانية بالاشتراك مع ~~قوات بريطانية على «أوبرتو» التي كانت مقر مجلس الثورة البورتغالي، وساعد ~~أسطول إنجليزي وقف على حصارها على إخماد الثورة، فسلمت أوبرتو في يونيو 1847، ~~وعندئذ تفرغت الحكومة الإسبانية لإرسال قواتها لمكافحة الثوار «الكارلين» في ~~قطالونيا. # وكان أثناء هذه الحوادث أن قامت ثورة 24 فبراير 1848 في باريس، التي أطاحت ~~بحكومة لويس فيليب، وأقامت الجمهورية (المؤقتة) في فرنسا؛ فشجع هذا النجاح ~~الثوريين في إسبانيا على القيام بالثورة في مدريد (26 مارس)، ولكن هذه لم تكن ~~ثورة خطيرة قضت عليها الحكومة دون عناء، ثم قامت ثورة أخرى في مدريد (7 مايو) ~~قضت عليها الحكومة كذلك، ثم تبعتها ثورة نشبت في أشبيلية (13 مايو)، واتهمت ~~الحكومة الإسبانية الوزير الإنجليزي «سير هنري بلور»، إما بتدبير هذه الثورات، ~~وإما بتشجيع المحرضين عليها، فطرده «نارفائز» الذي كان وقتئذ يتولى رئاسة ~~الوزارة (منذ أكتوبر 1847)، ومع أن وزارة نارفائز كانت تواجهها صعوبات عديدة، ~~فقد استطاعت القضاء على هذه الحركات الثورية التي ذكرناها، وهكذا مرت ~~العاصفة التي أثارتها ثورة 24 فبراير في باريس، والتي هزت ms0940 عروشا أخرى في ~~أوروبا دون أن يلحق أي أذى بالعرش في إسبانيا. # ولقد تولى نارفائز في السنوات التالية رئاسة الوزارة مرات أربع، من ~~1847-1851، ثم من 1856-1857، من 1864-1865، ومن 1866-1868، ولقد كان رئيس ~~الوزارة في المرات التي غاب فيها نارفائز عن الحكم عسكريا آخر هو القائد ~~ليبولد أودونل # O’Donnell ~~، وكلاهما من ~~جماعة المعتدلين (أي المحافظين الأحرار)، ولو أن الأخير كان يميل إلى ~~التقدمية، وكلاهما كان شديد الولاء للعرش والتاج ولأسرة بربون الحاكمة. فكان ~~بفضل الثورة - المتمثلة في الجيش - وبفضل ولاء هذين القائدين لها أن استطاعت ~~إيزابلا البقاء على العرش كل هذه المدة، ولكن وفاة «نارفائز» في مارس 1868 ~~جاءت نذيرا بدنو ساعتها، فقد نشبت الثورة في قادش، وتمرد بها الأسطول (في 9 ~~سبتمبر 1868)، وعجزت إيزابلا عن قمع هذه الثورة، فعبرت الحدود مع زوجها وابنها ~~وعشيقها إلى فرنسا (حيث عاشت بها إلى أن توفيت سنة 1904). غير أن هذه الحوادث ~~كلها إنما هي جزء من تاريخ العهود التالية. ويكفي القول الآن أن كل هذا الصراع ~~الطويل بين الأحرار ومؤيدي الحكم المطلق قد انتهى في سنة 1848، بتغلب ~~المحافظين (المعتدلين) أنصار الملكية الذين وإن وضعوا للملكية نظاما ~~دستوريا (دستور 1845) فقد أبقوا للتاج سلطات فعلية واسعة، وأنشئوا الحكومات ~~العسكرية التي يتولاها القواد العسكريون، وكانوا بذلك مبتدعي هذا الطراز من ~~الحكومات الذي استمرت تشهده إسبانيا من حوالي منتصف القرن التاسع عشر إلى ~~الوقت الحاضر. ~~(2) البورتغال: الكفاح بين «الرجعية» و«الدستورية» في البورتغال # وكان الذي أوجد أصلا «المشكلة البورتغالية» حصول الاعتداء النابليوني عليها عندما ~~أرسل الإمبراطور الفرنسي جيوشه إلى شبه جزيرة إيبريا لإدخالها مرغمة في نظام الحصار ~~القاري، فزحف الفرنسيون بقيادة الجنرال جونو إلى البورتغال (1807)، وفر الوصي ~~على العرش وهو فيما بعد الملك يوحنا السادس مع أسرته والملكة ماريا الأولى والدته، ~~وكانت مصابة بالجنون؛ من لشبونة إلى ريو دي جانيرو عاصمة البرازيل أكبر المستعمرات ~~البورتغالية (29 نوفمبر 1807)، وفي اليوم التالي دخل جونو إلى لشبونة. # عهد الوصاية في البورتغال # وكان يوحنا قبل مغادرته البورتغال قد أقام مجلسا للوصاية، ms0941 خضع لنفوذ ~~الإنجليز الذين مارسوا بصورة عملية كل سلطات التاج التنفيذية عن طريق هذا ~~المجلس، ومرت البورتغال بتجربة قاسية في عهد هذه الوصاية التي عزا الشعب ~~المتذمر إلى مشورة الدبلوماسي الإنجليزي السير شارلس ستيوارت، و«نفوذ» القائد ~~العام للجيش «المارشال بيرسفور # Beresford ~~» كل ~~المتاعب التي يشكو منها نتيجة لحالة الفقر والبؤس التي تئن البلاد منها ~~عموما، وثقل الضرائب التي أرهقت الأهلين، وكان مجلس الوصاية قد طلب من ~~الإنجليز (في فبراير 1809) إرسال رئيس إنجليزي ليتولى قيادة الجيش العامة في ~~البورتغال، وصار بيرسفورد هو الحاكم الحقيقي للبلاد. # واشتد سخط البورتغاليين لتغيب الملك «يوحنا السادس» في البرازيل، وحز في ~~نفوسهم أن لشبونة لم تعد قصبة المملكة، ومقر بلاط الملك، وأن تكون حكومتهم ~~«وصاية» تتبع قانونا ما يتقرر في مستعمرة من مستعمراتهم، وأن تخضع حكومة ~~هذه «الوصاية» لنفوذ الإنجليز الأجنبي، وذلك وضع لم يتغير بعد انهيار ~~الإمبراطورية النابليونية في أوروبا. الأمر الذي كان يجب أن يجعل ممكنا إقناع ~~الملك يوحنا بالعودة إلى عاصمة ملكه في البورتغال، وكان يوحنا بعد رحيله إلى ~~البرازيل قد اعتلى العرش بعد وفاة والدته الملكة ماري الأولى في ريو دي جانيرو ~~في 16 يناير 1816، فأعلن اعتلاءه عرش البورتغال والبرازيل والغرب # Algarves # في 20 مارس من السنة نفسها باسم ~~الملك يوحنا السادس. وأغضب البورتغاليين رفع البرازيل إلى مرتبة المملكة على ~~هذه الصورة، ولقد صار الملك يوحنا يخشى من ناحية أخرى إذا هو غادر البرازيل، ~~أن يعلن البرازيليون استقلال الدولة الجديدة. # وتضافرت عوامل جديدة على انتشار التذمر والغضب في البورتغال من حكومة ~~«الوصاية» الخاضعة للإنجليز، والسخط عليها. فقد بقي المارشال بيرسفورد بالبلاد ~~بعد سنة 1814، وبنت حكومة الوصاية أو بالأحرى «حكومة» بيرسفورد سياستها على ~~أساس من الاستبدادية الصارمة، وسلك بيرسفورد نفسه وهيئة أركان حربه من الضباط ~~الإنجليز مسلكا يتسم بالعجرفة وعدم الاحترام في علاقاتهم، خصوصا مع ~~العسكريين والضباط البورتغاليين الذين سرعان ما انضم عديدون منهم إلى الجمعيات ~~السرية المتآمرة على النظام القائم، ووجدت هذه المعارضة المتزايدة متنفسا لها ~~في قيام حركة ثورية صغيرة في ms0942 سنة 1818 بقيادة أحد القواد البورتغاليين «أندرادا»، # 1 # كان سبق أن خدم تحت قيادة نابليون، ومعروف بميوله الفرنسية، ولكن ~~بيرسفورد قضى على هذه الحركة في صرامة متناهية، أضافت سببا جديدا من أسباب ~~التذمر ضد الحكومة القائمة. # ثورة 1820 وآثارها # غير أن الفرصة لم تلبث أن سنحت لقيام ثورة جديدة كان لها شأن آخر هذه المرة، ~~وذلك على أثر انتشار الثورة العسكرية في إسبانيا في حامية قادش في يناير 1820، ~~وهي الثورة التي عرفنا - عند الكلام عن الاتحاد الأوروبي - أنها امتدت إلى ~~مقاطعات عدة في إسبانيا، وبصورة سيأتي كذلك الكلام عنها مفصلا في موضعه. ~~فقامت الثورة حينئذ في «أوبرتو» يوم 24 أغسطس 1820 يتزعمها جماعة من كبار ~~الضباط في حاميتها، ثم اشتعلت الثورة في لشبونة يوم 29 أغسطس، وكان مارشال ~~بيرسفورد وقتئذ متغيبا عن البلاد؛ لأنه كان قد أبحر إلى البرازيل قبل ذلك، ~~وفي اللحظة التي كانت الثورة قد نجحت فيها في مدريد بإسبانيا، وذلك - ولا شك - ~~كان خطأ كبيرا من ناحيته. فأسقط في يد مجلس الوصاية الذي عجز عن مقاومة ~~الثوار «العسكريين» الذين ما لبثوا أن اتحدوا فيما بينهم، وأقاموا مجلسا ~~عسكريا لقيادة الثورة جونتا # Junta # فأذعن ~~مجلس الوصاية لمطالبهم: وضع دستور من نمط الدستور الإسباني المشهور لسنة 1812، ~~ومن المعروف أنه لدرجة كبيرة صورة من دستور الثورة الفرنسية الصادر في سنة ~~1791. ثم طرد الضباط الإنجليز وعلى رأسهم لورد بيرسفورد من خدمة الجيش ~~البورتغالي، ودعي مجلس الكورتيز للانعقاد بعد أن ظل معطلا مدة تزيد على قرن ~~من الزمان لوضع الدستور الجديد، أما هذا الدستور عند إنجازه بعد ذلك (1822)، ~~فقد قضى على كل بقايا الإقطاع، كما ألغيت بفضله محكمة التفتيش، وتقررت ~~المساواة لجميع الأفراد أمام القانون، وصار للمواطنين الحق في الالتحاق ~~بالوظائف العمومية دون تمييز، كما أعلنت حرية الصحافة، ثم انحصرت السلطات ~~التشريعية والإدارية (التنفيذية) في مجلس واحد، من أعضاء يختارون بالانتخاب، ~~وأعطي الملك حق الاعتراض المؤقت وحسب على قرارات المجلس. # البرازيل ووصاية دون بدرو # وكان لكل هذه الحوادث وقع عميق الأثر في ms0943 البرازيل؛ حيث أيد البرازيليون ~~والمهاجرون من البورتغال قضية الدستور في «الوطن الأم»، ولو أن الملك «يوحنا ~~السادس» نفسه ظل متحيرا في أمره، أي الطرق يسلك؛ الاعتراف بالدستور، وذلك ما ~~كان يذهب إليه فريق من أفراد أسرته بزعامة دون بدرو ولي العهد، أم مقاومة ~~الدستور والتمسك بأهداب السلطة المطلقة، وذلك ما كان يريده الرجعيون وعلى ~~رأسهم الملكة كارلوثا جواكينا # Joaguina ~~، ~~وكانت هذه سيئة السمعة وصاحبة دسائس، ظلت سنوات طويلة تتآمر ضد زوجها، ويؤيدها ~~في أطماعها ابنها الأصغر دون ميجويل. ولقد انتهى هذا الصراع بين الفريقين ~~بانتصار الفريق الأول، فصدر بيان في 18 فبراير 1821 عن عزم الملك إرسال دون ~~بدرو إلى البورتغال ليتفاوض مع الكورتيز هناك، وكذلك ببعض أجزاء الدستور للعمل ~~بها في البرازيل في الوقت نفسه؛ فثارت ثائرة الرجعيين الذين انضم إليهم ~~العسكريون، وأثاروا القلاقل في ريودي جانيرو، ولكن سرعان ما أخمد دون بدرو هذه ~~الاضطرابات بتدخله الشخصي، وقرأ على الملأ قرارا من الملك يتضمن اعترافه ~~بالدستور الذي يضعه مجلس الكورتيز في البورتغال. فكان بفضل هذا الإعلان أن ~~انتقلت البورتغال التي ظلت حتى هذا التاريخ ملكية مطلقة، إلى دولة يسودها ~~النظام الملكي الدستوري. # ومع ذلك فإن الاعتراف (الذي حصل) من جانب يوحنا السادس، وأعلنه دون بدرو ~~بالدستور في البورتغال، وذلك قبل أن يتم الكورتيز وضعه نهائيا وتتضح المبادئ ~~التي يقوم عليها، كان إجراء أقل ما يوصف به أنه لا يصدر من ملك يحترم نفسه إلا ~~إذا وجد أنه واقع تحت ضغط تهديدات قوية، ولقد وجد البرازيليون بعد ذلك أن هذا ~~الدستور عندما أتمه الكورتيز لم يكن يكفل حقوق البرازيليين ومصالحهم، فلم ~~يرتاحوا إليه أبدا. # وكان في هذه الظروف إذن أن اضطر الملك تحت ضغط الرأي العام الشديد في ~~البورتغال والبرازيل على السواء، وإلحاح الحكومة الإنجليزية؛ إلى تقرير العودة ~~إلى لشبونة، فاستصدر مرسوما في 22 أبريل 1821 بتعيين دون بدرو وصيا ~~وقائممقام في البرازيل، ثم غادر البلاد بعد أربعة أيام، وبصحبة حاشية عديدة من ~~النبلاء البورتغاليين وغيرهم، بلغت حوالي ثلاثة آلاف، ms0944 في حين قويت الإشاعات ~~أنه يحمل معه مبالغ طائلة، وحينئذ اقترن رحيله بقيام المظاهرات الصاخبة التي ~~أمكن تفريقها دون حوادث دامية، وتسلم دون بدرو زمام الحكم في بلد يسود التذمر ~~أهله، ويعاني إفلاسا حقيقيا. # وأخفق مجلس الكورتيز في البورتغال في معالجة الموقف بحكمة؛ بل إنه اتخذ من ~~الخطوات ما مهد لانفصال البرازيل عن البورتغال، وإعلان استقلالها كدولة صاحبة ~~سيادة، إذ لم ينتظر الكورتيز الذي ذكرنا أنه دعي للانعقاد لوضع الدستور، مجيء ~~النواب المنتخبين (بالفتح) في البرازيل؛ لينضموا لإخوانهم في لشبونة، بل إنه ~~كان لا يرضى بأن يكون للبرازيل نواب، وهو الذي يريد عودة النظام الاستعماري ~~السابق بحذافيره إلى هذه المستعمرة البورتغالية القديمة. فاتخذ قرارا في 29 ~~سبتمبر 1821 ألغى به كل ما كان أسسه يوحنا السادس من محاكم وهيئات وما وضعه من ~~أنظمة في البرازيل، وأصدر أمره إلى «الوصي» على العرش هناك ليتخلى عن وظائفه ~~ويعود إلى البورتغال، كما صدرت فيما بعد قرارات أخرى لتقوية الحاميات ~~البورتغالية في ريودي جانيرو وباهيا، ولإرسال حكام للمقاطعات يكونون مسئولين ~~مباشرة أمام السلطات التنفيذية في لشبونة. # انفصال البرازيل واستقلالها # ولقد غمرت البرازيل موجة من الغضب والسخط بسبب هذه الإجراءات كان من آثارها ~~المباشرة أن جماعة أو حزب «الوطنيين» الذي كان يتألف حتى هذا الوقت من أولئك ~~الذين يميلون للأنظمة الجمهورية، تحول الآن إلى حزب قومي، وأن موظفي الدولة ~~الذين فقدوا وظائفهم نتيجة لإلغاء المحاكم قد صاروا - الآن - من أشد أنصار ~~الاستقلال حماسة؛ بل إن «الملكيين» لم يترددوا في إعلان استنكارهم للقرارات ~~التي صدرت عن مجلس كورتيز «ثوري»، كان موضع ازدرائهم لميوله اليعقوبية. ثم ~~سرعان ما قوي الشعور بأن «الوصي» - دون بدرو - لا يجب بحال من الأحوال أن ~~يترك البلاد إلى لشبونة. # ومع أن دون بدرو نفسه كان متحيرا أي الطريقين يسلك: البقاء في البرازيل ~~نزولا عند إرادة البرازيليين الذين في وسعهم - إذا شاءوا - أن يمنعوه من أن ~~يفعل ذلك عنوة، بفضل ما لديهم من حاميات من الجنود النظاميين المدربين في ~~المدن الرئيسية، أم تلبية ms0945 الأمر الذي صدر إليه من لشبونة والإبحار إلى ~~البورتغال، فلا يكون قد خان عهد وطنه أو ظهر بمظهر الثائر على والده، ومهما ~~كان الأمر، فقد كان هناك قطعا تفاهم سرى بين الابن وأبيه، عندما افترق ~~الاثنان في أبريل 1821 (ليعود يوحنا إلى البورتغال)، بأن للدوق بدرو مطلق ~~الحرية في اختيار خطة العمل التي تلائمه إذا اعترضت الصعوبات طريقه، على أساس ~~أن عليه قبل كل اعتبار أن يؤمن مصالح التاج أو العرش الذي هو وارث له، ~~وأعلن دون بدرو في بادئ الأمر أنه ينوي الإذعان لقرارات الكورتيز، ومغادرة ~~البرازيل. # ولكن سرعان ما صار واضحا أن دون بدرو لن يستطيع ترك البلاد؛ بسبب الظروف ~~العصيبة التي كانت البرازيل تمر بها وقتئذ. ففي اللحظة التي عمت فيها ~~الفوضى، وساد التردد، نهض لزعامة الحركة الاستقلالية في البرازيل رجل عركته ~~التجارب، وعرف بالحكمة وبعد النظر، هو جوزيه بونيفاشيو دي ~~اندراوا # José ~~Bonifacio ~~، أصله من سان باولو، وغادر البرازيل إلى البورتغال ~~ليشترك في الحروب الإيبرية دفاعا عن البورتغال ضد الجيوش الفرنسية، ولكن ضعف ~~حكومة الوصاية في لشبونة وفسادها جعلاه يعود إلى بلاده (في سنة 1819)؛ ليقوم ~~فيها بالدعوة للاستقلال والانفصال، باعتبار أنه من المتعذر بقاء البرازيل دولة ~~تابعة للبورتغال، وفي سنة 1821 عين ثانيا لحكومة سان باولو المؤقتة - ~~وسان باولو هي مركز الحركات الانفصالية مع ميناس جيراس # Minas Geras # المقاطعة المجاورة لها، من مدة طويلة. فلعب ~~«جوزيه» دورا كبيرا - الآن - في تنظيم حركة احتجاجات قوية غرضها الضغط على ~~دون بدرو، الذي نبذ ظهريا تردده السابق ووعد بالبقاء ليدافع عن مصالح ~~البرازيل، ليس ضد والده، ولكن ضد مجلس الكورتيز، ولقي هذا القرار ترحيبا ~~عظيما من جانب الملكيين والوطنيين على السواء، وفي 15 فبراير 1822، أقلعت ~~الحامية البورتغالية الموجودة في ريودي جانيرو عائدة إلى البورتغال، فاستقام ~~الأمر لجوزيه بونيفاشيو وأخيه «مارتين فرانسسكو» اللذين كان الملك قد أدخلهما ~~في الوزارة. # فصدر قرار في 16 فبراير بجمع مجلس تمثيلي، من مندوبين من مختلف المقاطعات، ~~وفي 13 مايو قبل دون بدرو لقب «حامي ms0946 البرازيل الدائم والمدافع عنها»، وتلك ~~كانت خطوة أخرى في طريق الانفصال، لم تلبث أن تبعتها أخرى حينما صدر قرار في 3 ~~يونيو بإنشاء «مجلس تشريعي»، ولقد كانت هذه إجراءات سببت وقوع بعض الاضطرابات ~~التي بادرت الحكومة بإخمادها - خصوصا في سان باولو، وميناس، ومن جانب ~~الحاميات البورتغالية الباقية في برنامبكو Pernambuco # وباهيا، ومع أن الحامية البورتغالية في المدينة ~~الأخيرة أمكن الوصول إلى اتفاق معها للعودة إلى البورتغال، فقد بقيت حامية ~~باهيا، التي لم تلبث أن وصلتها النجدات من البورتغال (أغسطس 1822)، الأمر الذي ~~أوجد حالة حرب فعلية بين البرازيل والبورتغال، وصدر قرار في أول أغسطس يعلن ~~اعتبار كل الجنود المقيمين في البرازيل من غير أوامر صادرة من دون بدرو بذلك ~~عصاة ثائرين، وأخيرا تم الانفصال النهائي عندما أعلن دون بدرو في سان ~~باولو استقلال البرازيل في 7 سبتمبر 1822، ثم سرعان ما نودي به إمبراطورا ~~دستوريا على البرازيل في سان باولو يوم 2 أكتوبر 1822. # وكانت الخطوة التالية، تأمين الاعتراف بالإمبراطور بدرو الأول في كل أنحاء ~~البرازيل، وذلك بالقضاء على بقايا المقاومة سواء في «باهيا» التي أرغمت ~~حاميتها البورتغالية على التسليم والإبحار إلى البورتغال (يوليو 1823)، أم في ~~بارا Para ~~، أو مارنهام # Maranham ~~، أو مونتفيدو # Montevido ~~، التي طردت منها الحامية البورتغالية كذلك. فلم ~~يمض عام 1823 حتى كان قد قضي على كل مقاومة «للنظام» الجديد، وصار استقلال ~~البرازيل تحت حكم الإمبراطور بدرو حقيقة واقعة. # الاضطرابات الداخلية في البورتغال # أما في البورتغال ذاتها، أثناء كل هذه الحوادث، فكان قد طرأ تغيير على الموقف ~~السياسي بها؛ بسبب ما وقع بها من اضطرابات داخلية، صرفت الكورتيز والأمة إلى ~~الاهتمام بشئون البلاد الداخلية، وذلك بعد أن كان الكورتيز قد استصدر قرار 19 ~~سبتمبر 1822 المعروف بأمر دون بدرو بالعودة إلى لشبونة في ظرف شهر واحد فقط ~~وإلا فقد حقه في وراثة عرش المملكة، ويعد جميع المدنيين والعسكريين الذين ~~يعترفون بحكومة البرازيل الواقعية # De facto # في عداد الخونة، ثم بعد أن كان الكورتيز نفسه الذي انتخب تحت نظام دستور ~~1822، قد ms0947 أظهر عزمه على إخماد ثورة البرازيل. # وكان مبعث الاضطرابات الداخلية في البورتغال، الانقسام الذي حصل بشأن الدستور ~~عندما تحدد يوم 3 ديسمبر 1822 موعدا يحلف فيه كل موظفي الدولة والشخصيات ~~الرسمية بها يمين الولاء للدستور الجديد، وإلا تعرض من يمتنعون منهم ~~بعقوبة النفي خارج البلاد. فرفضت الملكة «كارلوتا جواكينا» حلف هذه اليمين ~~فحكم عليها بالنفي، وإن أوقف تنفيذ هذا الحكم بسبب سوء صحتها، ثم لم يلبث أن ~~لقي أنصار الحكم الاستبدادي والسلطان المطلق في البورتغال تعزيزا «لقضيتهم»، ~~حينما دخلت الجيوش الفرنسية أرض إسبانيا لتؤيد الملك فردنند السابع ضد حركات ~~الثورة والعصيان بها، ولقد كان ضياع البرازيل - ولا شك - من العوامل التي ~~أثارت المعارضة ضد نظام الحكم اتهمه مناوئوه بأنه السبب في فقد هذه المستعمرة ~~القديمة، وانضم العسكريون إلى المعارضة، وقامت ثورة «رجعية» مبدئية في فبراير ~~1823 قضت عليها الحكومة، ولكن لم يلبث دون مجويل أن وضع نفسه على رأس حركة ~~كانت في صميمها متفقة مع ميوله وأغراضه، وأصدر منشورا طلب فيه من الشعب أن ~~يعيد للملك «يوحنا السادس» سلطاته التي سلبها الدستور منه، ولم يجد الملك ~~الضعيف والمتردد دائما مخرجا من هذا المأزق إلا في مغادرته لشبونة، وعندئذ ~~اضطر الكورتيز الذي لم يجد سندا له إلى إعلان انفضاضه من تلقاء نفسه. # ولكن يوحنا السادس الذي اعتنق تحت تأثير ولده الأكبر دون بدرو - ولا شك - بعض ~~آراء الأحرار، لم يكن يريد أن يخضع لسيطرة أنصار الاستبدادية، فعين لجنة ~~«جونتا» لوضع دستور جديد مقيدة في نظام برلماني، من طراز الدستور الإنجليزي، ~~وذلك في الوقت نفسه الذي أعلن فيه إلغاء دستور 1822. # ولما كان ذلك إجراء لا يرضى عنه دون مجويل، أو والدته الملكة كارلوتا ~~جواكينا، فقد صح عزمهما على القيام بعمل حازم؛ فاستولى دون مجويل على القصر ~~الملكي، وطرد الوزارة القائمة، ونفى رئيسها بالميللا Palmella ~~، وتسلم زمام الحكم ليحكم باسم والده (30 أبريل ~~1824)، الذي ما عتم أن أفلح بعد احتجازه في الفرار من محبسه والالتجاء إلى ~~سفينة حربية بريطانية تقف في نهر التاجة ms0948 (التاجوس)؛ في 9 مايو ليطلب تدخل ~~الدول، فأسفر تدخل سفراء الدول، وخصوصا المبعوث الإنجليزي سير وليام أكورت # A’Court # عن استرجاع الملك لسلطانه وعودة ~~«بالميللا» للوزارة، وإرغام دون مجويل على الانسحاب من البورتغال، (ليقيم في ~~فيينا) تحت رقابة مترنيخ. # ولكن تدخل الدول لتأسيس حكومة برلمانية في البورتغال، لم يلبث أن أسفر عن ~~انتشار الفوضى في بلاد كان ملكها ضعيفا ومترددا، ويعاني آلام المرض، ولم ~~يقدر إلا أن يكون ألعوبة في أيدي الأحزاب المختلفة، وتحت تأثير الإنجليز بادر ~~بالاعتراف باستقلال البرازيل (في 29 أغسطس 1825) وبولده دون بدرو إمبراطورا ~~عليها. ثم لم يلبث يوحنا السادس أن توفي فجأة بعد ذلك بستة شهور. # دستور 1824 في البرازيل # أما كيف اعترفت البورتغال باستقلال البرازيل ؛ فتفصيل ذلك أنه كان قد اجتمع في ~~ريو دي جانيرو مجلس تأسيسي في 3 مايو 1823 لوضع دستور للإمبراطورية ~~«البرازيلية»، فلم يلبث أن تدخل دون بدرو ليحل هذا المجلس، وليدعو «مجلس دولة» ~~من عشرة أشخاص لوضع دستور، يعترف بأن الإمبراطور هو الذي استصدر وثيقته، ويقوم ~~في الوقت نفسه على المبادئ الحرة التي وعد دون بدرو بأن يشملها الدستور ~~المنتظر. فعهد إلى مجلس الدولة (26 نوفمبر) بإعداد مشروع للدستور لم يلبث أن ~~أتمه هذا المجلس في يناير 1824، ثم بدلا من عرضه على مؤتمر وطني كما كان ~~قد سبق الوعد به؛ أرسلت نسخ من المشروع إلى المجالس البلدية، ومختلف ~~المقاطعات لبحثه، ووافقت أكثرية هذه المجالس البلدية عليه، وعندئذ حلف ~~الإمبراطور يمين الولاء له (24 مارس 1824)، وكما وعد دون بدرو، نص الدستور ~~على حرية العبادة وحرية الصحافة والتعبير عن الرأي، والمساواة أمام القانون، ~~والأخذ بالأنظمة التمثيلية (النيابية)، والعمل بمبدأ المسئولية الوزارية ~~واستقلال القضاء، وجعل البرلمان يتألف من مجلسين؛ أحدهما للنواب، والآخر ~~للشيوخ، أعضاؤهما بالانتخاب، وذلك بأن يكون للناخبين في الأقاليم حق انتخاب ~~أعضاء هذين المجلسين، في حين أن الذي ينتخب هؤلاء الناخبين أنفسهم، ناخبون ~~يمارسون حق الانتخاب العام، وينتخب أعضاء مجلس النواب لمدة أربع سنوات، ~~وأما الشيوخ فيعينهم الإمبراطور من بين أسماء انتخب «بالكسر» ms0949 أصحابها، ~~وتضمها قوائم ثلاث تعرض عليه، ويبقون أعضاء في مجلس الشيوخ مدة حياتهم. فإذا ~~اختلف المجلسان في موضوع من الموضوعات كان لكل منهما الحق في دعوة المجلسين في ~~جمعية عمومية لتدارس المسألة، وأما «مفتاح» العمل في هذا الدستور فقد تضمنه ما ~~أعلن أنه السلطة ذات الأثر ~~الاعتدالي # Moderative Power ~~، والمقصود بذلك؛ السلطة الموضوعة في يد صاحب ~~السيادة «الإمبراطور»، والتي تعطيه حق الاعتراض على القوانين، وحق تعيين أعضاء ~~مجلس الشيوخ والوزراء، وحل مجلس النواب، ودعوة الجمعية العمومية، وحق العفو ~~ومراجعة وتعديل الأحكام الصادرة، وتعيين الأساقفة والسفراء وغير ذلك من ~~الحقوق، على أن يمارس الإمبراطور سلطاته التنفيذية بناء على نصيحة وزرائه ~~الذين لا بد من توقيعاتهم ليتخذ أي إجراء الصبغة القانونية، والذين كانوا ~~مسئولين أمام نواب الأمة . # وهكذا صدر هذا الدستور (دستور 1824) يبشر - لو أنه أحسن استخدامه - بمستقبل ~~طيب للأمة البرازيلية؛ لتظفر بفضل هذه الأنظمة الحرة بمزايا الحكومة ~~المستقرة الموطدة، ولكن السبب في أن هذا الدستور لم يأت بالنتائج المتوخاة ~~منه، لم يكن وجود أي نقص في المبادئ المقررة به والقواعد التي نصت عليها ~~مواده؛ بل كان مرده إلى عدم اكتمال نضج الشعب البرازيلي نفسه الذي عاش تحت ~~نظام هذا الدستور، وإلى عجز الإداريين الذين قاموا على تنفيذه. # وفي مارس 1824؛ أي في الشهر نفسه الذي حلف فيه الإمبراطور يمين الولاء ~~للدستور، بدأت المفاوضات بين البورتغال والبرازيل، بفضل توسط الإنجليز من أجل ~~الوصول إلى إبرام الصلح بين البلدين؛ فجرت المفاوضات في لندن، وتدخل «كاننج» ~~ليصل الطرفان إلى حل لمسألة تعارضت بشأنها أراؤهما، حيث كان البرازيليون ~~يطلبون الاستقلال، في حين يطلب البورتغاليون الاعتراف بحقوق سيادتهم على ~~البرازيل. ثم حصلت المساعي - وبواسطة الحكومة الإنجليزية دائما ومبعوثيها - ~~في كل من لشبونة وريو دي جانيرو للوصول إلى اتفاق، اتخذ الملك يوحنا السادس ~~بموجبه لقب إمبراطور البرازيل تمشيا مع الناحية الشكلية الرسمية للمسألة، ~~ولكن ليتنازل عن هذا اللقب لابنه دون بدرو، وليعترف باستقلال البرازيل ~~المستعمرة البورتغالية السابقة، في حين يعد دون بدرو، بأن تتحمل حكومة ~~البرازيل سداد دين ms0950 مقداره مليون وأربعمائة ألف جنيه إنجليزي كانت البورتغال قد ~~اقترضته في سنة 1823 من بريطانيا، وأن تدفع علاوة على ذلك مبلغا آخر (600000 ~~جنيه) للملك يوحنا السادس مقابل سرايه وأملاكه الخاصة الأخرى في البرازيل، وفي ~~29 أغسطس 1825 وقعت المعاهدة في ريو دي جانيرو، ومع أن هذه المعاهدة لم ~~تذكر شيئا عن وراثة عرش البورتغال، فقد أعلن دون بدرو تنازله عن أية حقوق له ~~في وراثة هذا العرش. # النزاع الدستوري في البورتغال # وهكذا اعترفت البورتغال باستقلال البرازيل، ولكن في 6 مارس 1826 مرض الملك ~~يوحنا السادس، ثم توفي بعد أربعة أيام - وهناك من يشكون في أنه مات مسموما ~~- ومنذ 7 مارس صدر قرار بتعيين ابنته «إيزابلا ماريا» وصية على العرش، وبادرت ~~حكومة الوصاية بالاعتراف فورا بدون بدرو ملكا على البورتغال باسم بدرو ~~الرابع، وكان هذا إجراء شكليا أو رسميا فحسب؛ لأن دون بدرو بمقتضى ~~المعاهدة المبرمة حديثا (في 29 أغسطس 1825) محرر من وراثة عرش البورتغال، ~~ويستحيل كذلك أن يجمع شخص واحد بين تاجي إمبراطورية البرازيل ومملكة ~~البورتغال، نزولا على أحكام هذه المعاهدة نفسها التي تقرر الانفصال بين ~~البلدين نهائيا. # ومع أنه كان منتظرا أن يتنازل دون بدرو عن عرش البورتغال لأخيه دون مجويل، ~~وذلك إجراء لم يكن من المتوقع أن يلقى أية معارضة؛ بسبب ضعف الحزب الثوري آنئذ ~~(1826)، والذي كان أقصى ما يصبو إليه تغيير مجلس الكورتيز البورتغالي - من ~~مجلس طبقات ثلاث - إلى مجلس دستوري أو برلمان، فقد آثر دون بدرو على نصح ~~الإنجليز إشباع رغبته بالظهور بمظهر العاهل الدستوري الذي يمنح شعبه من تلقاء ~~نفسه، وكشيء صادر منه شخصيا، الحقوق الدستورية، فاستصدر ميثاقا # Charter ~~(أو دستورا) كمنحة منه لرعاياه ~~البورتغاليين، ثم استصدر مرسوما في 2 مايو 1826 تنازل فيه عن تاج البورتغال ~~لابنته دونا ماريا داجلوريا # Gloria ~~- وتبلغ ~~سنها سبع سنوات - على أن تحلف يمين الولاء للدستور. ثم تبع ذلك الاعتراف بدون ~~مجويل وصيا على العرش، وكان هذا الاعتراف مشروطا بأن يتزوج دون مجويل من ~~ابنة أخيه التي تصغره ms0951 بسبعة عشر عاما. # ولم يكن أحد في البورتغال يتوقع مثل هذا التدخل من جانب البرازيل في شئون ~~المملكة الداخلية، ولم يكن مجلس الوصاية في لشبونة يريد قبول الميثاق (أو ~~الدستور) أو يرضى بنشره، ولكن تحت ضغط تهديد سالدانها # Saldanha # أحد القواد من أنصار الأحرار في حامية (أوبرتو) ~~بالزحف على لشبونة، بادر مجلس الوصاية بالاعتراف بالدستور (12 مايو)، ثم حلفت ~~جميع الهيئات في أوبرتو ولشبونة على السواء يمين الولاء لهذا الدستور في 31 ~~مايو. وتألفت وزارة من الأحرار كانت تبغي حضور دون بدرو من البرازيل لتولي ~~الحكم بنفسه، أو بقاء وصاية دونا ماريا داجلوريا على الأقل، لحرمان دون مجويل ~~من الوصاية، ولكن شيئا من هذه الأغراض لم يتحقق؛ لتدخل الدول التي أيدت ~~وصاية دون مجويل، ولقيام حركات العصيان في عدة أماكن تنادي بدون مجويل ملكا ~~على البلاد، واحتشاد المهاجرين البورتغاليين على الحدود الإسبانية على أهبة ~~الاستعداد للهجوم على البورتغال، وذلك بتشجيع سري من الحكومة ~~الإسبانية. # وكانت روسيا والنمسا تميلان لتأييد دون مجويل، ولكن كاننج أمكنه إقناعهما ~~باتباع سياسة التريث التي تسير عليها الدولتان الغربيتان؛ إنجلترة وفرنسا، ~~وتقوم هذه على أساس «عدم التدخل» وترك الشعب البورتغالي يختار وحده الحكومة ~~التي يريدها. # ومع ذلك فقد سادت الفوضى أنحاء البورتغال جميعها في نهاية السنة نفسها (1826) ~~لدرجة أن قررت الحكومة الإنجليزية إرسال جيش تحت قيادة سير وليام كلينتون # Clinton # لإعادة النظام، كما طلبت في ~~الوقت نفسه من الحكومة الإسبانية فض القوات البورتغالية المحتشدة على حدودها، ~~واعتقالها ونزع أسلحتها. وفي مارس 1827 كان البورتغاليون قد قبلوا الدستور (أو ~~الميثاق) الذي فرضته الحراب الإنجليزية عليهم، وواضح أن «حريات» تدخل الأجنبي ~~تدخلا مسلحا لتأييدها لم تكن عزيزة لدى الشعب الذي أرغم إرغاما على قبول ~~هذه الحريات التي «منحها» لهم دون بدرو. # وأثناء هذا كله كان دون مجويل لا يزال يقيم في فينا تحت رقابة مترنخ، وبعد ~~وفاة أبيه سلك مسلكا حكيما، فاعترف بدون بدرو حاكما شرعيا على البورتغال. ~~وفي 4 أكتوبر 1826 حلف يمين الولاء (للدستور)، وفي 29 ms0952 أكتوبر أعلنت خطبته ~~رسميا لابنة أخيه - وهذه الخطوة الأخيرة اتخذت بناء على نصيحة مترنخ تحت ~~ضغط من إنجلترة - فنفذ دون مجويل كل الشروط التي اشترطها أخوه «دون بدرو» في ~~تنازله عن عرش البورتغال، ولم يعد ثمة شيء يحول دون عودة دون مجويل إلى لشبونة ~~ليتولى «الوصاية» حتى تبلغ «دونا ماريا داجلوريا» سن الرشد، ولا جدال في أن ~~دون مجويل عندما حلف يمين الولاء للدستور كان يعتبر هذا القسم ضرورة سياسية ~~ولا يجب أن تتعطل بسببه حقوقه الشرعية (القانونية)، ومع ذلك فقد اكتفت ~~الحكومات في لندن ولشبونة ومدريد، كما اكتفى دون بدرو نفسه «في البرازيل» ~~بالتأكيدات التي صدرت عن دون مجويل بالتزام الوضع الراهن المتولد من الدستور ~~الذي تعهد بتأييده؛ ليتاح لدون مجويل العودة عن طريق بليموت (بإنجلترة) على ~~ظهر مركب حربي بورتغالي نقله إلى لشبونة، فوصلها في 22 فبراير 1828. # ورحب الشعب البورتغالي بقدوم دون مجويل، وتعالت الهتافات بحياة «الملك ~~المطلق» الذي توقعوا إنقاذ البلاد على يديه، وكانت الملكة الوالدة «كارلوتا ~~جواكينا» لا ترضى أن يكون دون مجويل «وصيا دستوريا»، ولم يشأ هذا الأخير ~~أن يربط نفسه برباط معين في هذه المرحلة، فحلف يمين الولاء للدستور في حضور ~~«البرلمان» في 26 فبراير 1828 بوصفه وصيا على العرش، ولو أن الرأي العام كان ~~يعترف به ملكا على البورتغال، وكان هو نفسه يسلك مسلك الملك. وحل دون ~~مجويل «البرلمان» في 14 مارس دون أن يعترض أحد على حله، وفقد حزب الأحرار ~~الدعامة التي كان يستند عليها، عندما غادرت القوات الإنجليزية البلاد (في 2 ~~أبريل) بناء على استدعاء حكومة دوق ولنجتون في لندن لها، وبذلك لم تعد هناك ~~أية عقبات تحول دون عودة الحكم الرجعي (والملكية المطلقة). # وكان إجراء حاسما في سبيل عودة هذا الحكم الرجعي، عندما دعا الوصي «دون ~~مجويل» مجلس الطبقات القديم (الكورتيز) للانعقاد، فانعقد المجلس يوم 23 يونيو، ~~ونادى بدون مجويل ملكا على البورتغال. وفي 7 يوليو حلف مجويل الأول اليمين ~~القانونية أمام الكورتيز بوصفه ملكا للبلاد، وقوبل هذا الإجراء بحماس ms0953 عظيم في ~~لشبونة وفي كل أنحاء البلاد، ولم تنفرد بالمعارضة غير «أوبرتو» التي كان قد ~~اجتمع فيها زعماء الدستور (الأحرار) مثل: بالميللا وسالدانها وغيرهما، ~~وشكلوا مجلسا ثوريا جونتا # Junta # لتدبير ~~المقاومة المسلحة ضد النظام الجديد، وانضم إليهم المتطوعون من كوامبرا # Coimbra ~~، وكذلك من أماكن أخرى الجنود الذين ~~كانوا قد أعلنوا ولاءهم لابنة دون بدرو، دونا ماريا داجلوريا، ولكن المجلس ~~الثوري «جونتا» لم يكن يجرؤ على مجابهة القوات المجويلية، ففر بالميللا ~~وسالدانها ورفقاؤهما إلى لندن (منذ 3 يوليو) في حين تقهقر جيشهم وعدده حوالي ~~خمسة أو ستة آلاف - من غير نظام - إلى جاليكيا # Galicia ~~، وأبحرت فلولهم (حوالي 2500) إلى بليموث بإنجلترة ~~حيث اعتقلتهم الحكومة الإنجليزية، واعتقد «الأحرار» أن وجود دونا ماريا ~~داجلوريا في لندن باسم الملكة ماريا الثانية، لا يلبث أن يحمل الحكومة ~~الإنجليزية على التدخل، في صالح «المبادئ الحرة»، ولكن وزارة ولنجتون التي ~~استقبلت الملكة ماريا بكل مظاهر الاحترام، أبقت جنود الملكة في المعتقل، ورفضت ~~التدخل فيما أسمته بالنزاعات العائلية حول العرش، وفي الشئون الداخلية «لأمة ~~حرة». # الرجعية في البورتغال # وفي البورتغال طغت موجة من الرجعية الشديدة لتقتلع جذور المبادئ الحرة من ~~البلاد، وشهدت البورتغال عهدا من الإرهاب الحقيقي عندما هلك أو سجن عديدون ~~ممن اتهموا بالاشتراك في الحركات الثورية السابقة، ولا جدال في أن ~~«مجويل الأول» كان مسئولا عن الفظائع التي ارتكبها الرجعيون تحت زعامة الملكة ~~الوالدة «كارلو تاجواكينا» التي صار لها القول الفصل في نظام تسيطر عليه ~~«الكنيسة» وشهوة الانتقام من المبادئ الحرة وأصحابها؛ وذلك لأنه أذعن لإرادة ~~الملكة الوالدة وأنصارها، ومع ذلك وبالرغم من الإرهاب الذي حصل؛ فقد ظل مجويل ~~الأول معبود الشعب البورتغالي حتى آخر أيامه. وزاد مركز المجويليين قوة عندما ~~أسفرت سياسة عدم التدخل الإنجليزية عن اعتراف الإنجليز بالحكومة الفعلية ~~القائمة في البورتغال، وتبع ذلك الاعتراف بهذه الحكومة أيضا من جانب النمسا ~~وفرنسا، ورفضت دعاوى «بالميللا» ورفاقه في لندن أنهم يمثلون بلادهم، في حين ~~صار إبلاغ دون بدرو في البرازيل أن تنازله عن عرش البورتغال قد ms0954 اعتبر ~~نهائيا، ومن شأنه أن يمنعه من التدخل في شئون هذه البلاد، وأما إذا شاء أن ~~يؤيد ادعاءات ابنته «دونا ماريا داجلوريا» على عرش البورتغال تأييدا ~~عمليا نشيطا فليس من سبيل إلى ذلك إلا إعلان الحرب من جانب البرازيل، ومع ~~أن الإنجليز بذلوا جهودا كبيرة لتسوية الخلاف بين الشقيقين: «دون بدرو» و«دون ~~مجويل» على أساس زواج العم من ابنة أخيه، ودون قبول الدستور (الميثاق)، فقد ~~ذهبت هذه الجهود سدى. ثم لم يلبث أن انتهى دور النزاع الأول على عرش ~~البورتغال بين دون مجويل، والملكة ماريا الثانية «ماريا داجلوريا» عندما عادت ~~هذه الأخيرة إلى البرازيل (في 29 أغسطس 1829). # أما الدور الثاني من هذا النزاع فكان قد بدأ فعلا في جزر آزورا (ومن بينها ~~جزيرة ترسيرا # Terceira ~~، حيث قام أهل هذه ~~الجزر في ربيع 1828، يعلنون تأييدهم لقضية دون مجويل، على غرار ما فعل أهل ~~الوطن الأم «البورتغال»، ولم يشذ عن ذلك غير حامية صغيرة في أنجرا # Angra # بقيت تؤيد قضية الأحرار وحدها من مايو ~~إلى أغسطس)، ويحيط بها أعداؤها، حتى حدث في 8 سبتمبر 1828، أن نزلت بالجزيرة ~~قوات من المهاجرين، حملتهم إليها فرقاطة برازيلية، فلم يلبث أن تشكل مجلس ~~ثوري مؤقت (جونتا)، اعترف بملكية «ماريا الثانية»، فرفرف علمها على جزيرة ~~«ترسيرا» التي غدت من الآن فصاعدا مركز المقاومة المسلحة ضد المجويليين، ~~وأهملت حكومة لشبونة إخضاع الجزيرة قبل أن تأتيها النجدات والمؤن، سواء من ~~البورتغال أو من البرازيل، وبالرغم من الحصار الذي ضربه الإنجليز على جزر ~~آزورا لمنع وصول الإمدادات من رجال وعتاد إليها؛ وعلى ذلك فقد فشلت حملة ~~بورتغالية في إخضاع «ترسيرا»، واضطر الأسطول البورتغالي إلى الانسحاب من ~~مياهها (في 11 أغسطس 1829)، فكان لهذه الهزيمة في القضاء على مركز مقاومة ~~الأحرار والدستوريين الوحيد وانتزاعه من أيديهم، أبلغ الأثر في تطور الحوادث ~~التالية، فقد انتقل «بالميللا» من لندن إلى «ترسيرا» في 30 مارس 1829 ليؤسس ~~بها وصاية باسم الملكة ماريا الثانية، وصادفت هذه «الحكومة» الحديثة صعوبات ~~كثيرة؛ منها؛ أن الإمبراطور بدرو، مع اعترافه ms0955 بحكومة ابنته في «ترسيرا» منعته ~~مشاغله العديدة في البرازيل من إسداء أية معاونة فعالة بها، ولو أنه في ~~الوقت نفسه كان يتفاوض - بفضل وساطة الإنجليز كما رأينا - لتسوية الخلاف مع ~~أخيه دون مجويل على أساس زواج الأخير من ابنته. أضف إلى هذا أن الدول التي لم ~~تشأ اتخاذ موقف نهائي من «النزاع العائلي» حول العرش كانت ميولها واضحة نحو ~~الاعتراف بحكومة دون مجويل الواقعية. # آثار ثورات يوليو (1830) # غير أن الحوادث التي حصلت في سنة 1830، سرعان ما أدخلت تغييرا ملحوظا على ~~موقف الدول الغربية. ففي فرنسا؛ أطاحت ثورة يوليو بحكومة شارل العاشر، وملكية ~~البربون، ووضعت على العرش مكانه لويس فيليب من أسرة بربون أورليان، وفي ~~إنجلترة؛ أقصيت وزارة ولنجتون المحافظة التوري # Tory # من الحكم، وشكل الأحرار الويجز # Whigs # وزارة جديدة كان لورد بلمرستون وزير الخارجية بها. ~~زد على ذلك أن الملكة الوالدة «كارلوتا جواكينا» كانت قد توفيت قبل ذلك (في ~~7 يناير 1830)، وهي القوى المسيطرة على حركة الرجعيين مؤيدي الملكية المطلقة ~~الاستبدادية، ولم يكن في استطاعة ملكية أورليان في فرنسا ولا حزب الويجز ~~الإصلاحي (سنة 1830) أن يؤيد الرجعيين في البورتغال، حينما بلغ الحماس لشخص ~~دون مجويل حد الجنون، فصار يعتبره البورتغاليون ما عدا حفنة ضئيلة من الأحرار ~~والدستوريين؛ «المسيح المنتظر». فوقفت ملكية يوليو (الأورليانية) في فرنسا، ~~ووزارة الويجز في إنجلترة موقف المعارضة من هذه المجويلية المتطرفة في ~~رجعيتها، ثم لم تلبث أن انقلبت هذه المعارضة إلى عداء سافر، فقد أساء ~~البورتغاليون معاملة بعض الرعايا البريطانيين في البحر وعلى الأرض على السواء، ~~ونجم من معاملتهم السيئة كذلك لفرنسيين يقيمان في لشبونة؛ أن قطعت أولا ~~العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، ثم تلا ذلك إرسال سفن حربية فرنسية إلى نهر ~~التاجه (التاجوس) في يوليو 1831، ثم لم يلبث أن أرغم وجودها الحكومة ~~البورتغالية على إصلاح ذات البين مع فرنسا بشكل مهين لها، ثم على تسليم ~~أسطولها، ولقيت هذه الإجراءات موافقة بل وتأييدا صامتا من جانب الحكومة ~~الإنجليزية، التي أولت ملكية لويس كل مؤازرتها، ولم تحرك ساكنا ms0956 للدفاع عن ~~حليفتها القديمة البورتغال. # وكانت الأمور في أثناء هذا كله تسير في البرازيل في طريق أفضى إلى تنازل دون ~~بدرو عن العرش في 7 أبريل 1831؛ والسبب في ذلك؛ أن الإمبراطور كان جائر الطباع ~~مستبدا، مسرفا، يعيش في لهو وعبث، ففر البرازيليون منه؛ لأنه أقحمهم في ~~حرب الأرجنتين أصيبوا فيها بالهزيمة، فتنازل دون بدرو لصالح ابنه، وكان طفلا ~~يبلغ الست سنوات من عمره، فأعلن إمبراطورا على البرازيل باسم «بدرو الثاني» ~~تحت وصاية «جوزيه يونيفا سيودي أندرادا» الذي عاد الآن من المنفى، وأبحر دون ~~بدرو إلى أوروبا (13 أبريل). # وأفادت البرازيل - ولا شك - من ذهاب دون بدرو، فقد تقدمت البلاد من الناحية ~~المادية تقدما ملحوظا بالرغم من بعض الحركات الثورية التي قضت عليها الحكومة ~~بسهولة، ولما لم يعد الشعب يؤيد «جوزيه دي أندرادا»، فإنه لم يلبث أن حل ~~محله للوصاية (1833)، وفي السنة التالية أعيد النظر في دستور 1824 على أساس ~~التوسع في الحكومة الذاتية في المقاطعات والبلديات، فكان العمل بمبدأ الحكومة ~~اللامركزية إجراء حكيما - ولا شك - في بلاد واسعة الأطراف، ويختلف تكوينها ~~الطبيعي من مكان لآخر، وقد يكون بفضل هذا التوسع في الحكومة الذاتية وحده أن ~~تسنت المحافظة على وحدة الدولة البرازيلية. وفي 1835 وقع الاختيار على أحد ~~الأساقفة ليكون وصيا منفردا على العرش، ليخلفه بعد عامين وصي آخر هو ~~دي ليما # Lima # الذي استمرت وصايته من ~~1837 إلى 1840؛ حتى إذا بلغ «بدرو الثاني» سن الرشد في سنة 1840 تسلم شئون ~~الدولة، وتم تتويجه في 18 يوليو 1841. # النضال بين المجويليين والدستوريين # وأما دون بدرو فقد قصد إلى لندن، مصطحبا معه ابنته الملكة ماريا الثانية، ~~وقد صح عزمه على الدفاع عن قضية ابنته هذه ضد «المغتصب» لعرش البورتغال (وهو ~~دون مجويل)، ولقي ترحيبا هو والملكة ماريا في لندن من وزارة جراي # Grey ~~- بالمرستون، وفي أغسطس 1831 قصد مع ابنته ~~إلى فرنسا حيث وثق أن سيلقى بها ترحيبا كذلك من لويس فيليب الذي بادر بتهيئة ~~قصره لإقامتهما، وجرت الاستعدادات في فرنسا وإنجلترة بواسطة ms0957 «بالميللا» وغيره ~~لتدبير المال اللازم، ولإعداد أسطول لنقل الحملة المزمعة، فأمكن بمساعدة أحد ~~المصرفيين الإسبان عقد قرض في لندن (في سبتمبر 1831)، وأمكن ابتياع بعض السفن ~~التي أكثر بحارتها من الإنجليز، كما جمعت قوة من المرتزقة، وجرت هذه ~~الاستعدادات تحت سمع الحكومة الفرنسية وبصرها، وهي لم تكن تبالي شيئا في ~~إعلان تعضيدها لدون بدرو، على خلاف الإنجليز الذين حرص وزيرهم «بلمرستون» على ~~الاحتفاظ بموقف الحياد الظاهري بين الفريقين، ونصح «لبالميللا» وأنصار دون ~~بدرو بسرعة الإبحار بسفنهم قبل أن يثير وكلاء دون مجويل صعوبات جديدة، بل إنه ~~تهددهم بالاعتراف رسميا بحكومة دون مجويل إذا وجدت الحكومة الإنجليزية نفسها ~~مضطرة لفعل ذلك بسبب إبطاء أنصار دون بدرو في حركتهم. # وعلى ذلك فقد أبحرت الحملة من جزيرة بل ~~إيل # Belle Ule ~~(الواقعة تجاه ساحل بريتاني الغربي من أعمال فرنسا) في ~~10 فبراير 1832 وكانت تتألف من فرقاطتين، ومركبين ونقالة واحدة، وأبحر على ~~ظهر إحدى السفن أيضا دون بدرو، ويصحبه زعماء الأحرار الدستوريين، ومنهم ~~بالميللا، وإن لم يصحبه سالدانها # Saldanha ~~، ~~القائد الذي أرغم بحد حسامه الأمة البورتغالية على قبول الدستور (الميثاق) في ~~سنة 1826، وكان ذلك بأمر من دون بدرو نفسه؛ لأن «سالدانها» لم يعد يثق في ~~الرجل الذي كثيرا ما تعارضت فعاله مع أقواله وتصريحاته، ووصل الأسطول إلى جزر ~~الآزورا (ترسيرا) في نهاية فبراير، وتشكلت حكومة على الفور، لم تستطع تجهيز ~~جيش قوي يمكن الاعتماد عليه في غزو البورتغال بنجاح، ولكن الإمبراطور «دون ~~بدرو» كان يعتقد أن مجرد نزوله بأرض البورتغال كاف لأن يجذب أهلها لنصرة ~~«محرريهم» ويؤلبهم للقيام بثورة جارفة ضد دون مجويل، حتى إن الأسطول عندما ~~أقلع قاصدا إلى «لشبونة» في 27 يونيو، تطلع الجميع لاحتلال عاصمة البورتغال ~~في ظرف أسبوعين فقط كأمر مفروغ منه قطعا. # ولكن زحف قوات «الدستوريين» سرعان ما قوبل بمقاومة عنيفة، فكانت العمليات ~~العسكرية الوحيدة التي تنفذت بسهولة هي الاستيلاء على أوبرتو (9 يوليو)، ثم ~~دخول الأسطول إلى مينائها في اليوم التالي، والسبب في ذلك؛ أن الحامية التي ~~بها ms0958 قد أخلتها قبل زحف قوات دون بدرو عليها، ولكن خاب أمل الإمبراطور الذي ~~قوبل بجفاء من سكانها، ثم تعددت الالتحامات الدموية بعد ذلك وخصوصا في ~~معركتين كبيرتين في 18 و23 يوليو (1832)، ولم تكن معارك فاصلة، ولو أنها أقنعت ~~الإمبراطور أخيرا بأن البلاد لن تثور ضد دون مجويل ولن تؤيد قضيته، وأحدقت ~~به جيوش المجويليين من كل جانب، فلم يبق أمامه إلا اختيار أحد أمرين؛ إما ~~الفرار بطريق البحر، وإما التحصن في «أوبرتو»، وانتظار تطور الأحداث وهو بها، ~~واختار الإمبراطور التحصن في «أوبرتو»، وضرب المجويليون الحصار عليها، ولكن ~~قائدهم كان لا جدارة ولا كفاءة له، فاستطاع جيش الإمبراطور تحصين مواقعه دون ~~أن يحاول المجويليون منعه من ذلك، حتى إذا تقرر الهجوم على المدينة في 29 ~~سبتمبر، كان نصيب المجويليين الفشل، فردوا على أعقابهم؛ وعندئذ أشرف دون ~~مجويل بنفسه على العمليات العسكرية، وعين قائدا آخر على رأس جيشه ليعاود ~~تضييق الحصار على «أوبرتو»، وفي أكتوبر تسلم من الجانب الآخر الإمبراطور بدرو ~~نفسه زمام عمليات الدفاع عن أوبرتو، وظلت الحرب سجالا، ودون أن يظفر أي فريق ~~بنتيجة حاسمة بالرغم من الخسائر الفادحة التي نزلت بكلا الفريقين على ~~السواء . # ومع أن «بالميللا» أوفد مع آخر في بعثة إلى لندن لطلب وساطة الحكومة ~~الإنجليزية، فقد رفضت هذه أي تدخل من جانب الدول بين الإمبراطور وبين ~~البورتغاليين إلا إذا غادر دون بدرو البورتغال، فصمم دون بدرو على الصمود في ~~موقفه وأجرى عدة تغييرات في حكومته، فاستدعى الزعيم الشعبي «سالدانها» ~~لمعاونته، وتخلى هو عن القيادة لآخر، وتحسن موقف المدافعين (المحاصرين) في ~~أوبرتو (يناير 1833)، ولكن لم تلبث أن انتشرت المجاعة في المدينة، وعندئذ ~~تقرر بعد تردد كبير من ناحية الإمبراطور، وتحت ضغط قائد قواته البحرية ~~الإنجليزي الجديد كابتن نابيير # Napier # الذي ~~خلف في هذا المركز قائدا بحريا سابقا من الإنجليز؛ أن يحاول الأسطول ~~الهجوم على أي مكان في شاطئ البورتغال الجنوبي الغرب # Algarve # للاستيلاء على هذا الشاطئ بدلا من لشبونة. وفي 24 ~~يونيو نزل العسكر في خليج كاسيلاس ms0959 # Cacellas # دون أن يلقوا أية مقاومة، واحتلوا بعض المواقع، ثم زحفوا على فارو عاصمة ~~الإقليم (الغرب) فتقهقر حاكمها المجويلي، وأقام بها «بالميللا» حكومة مؤقتة، ~~ولكن العداء الذي قوبلت به هذه الحملة في الجنوب كان لا يقل في حدته عن العداء ~~الذي قوبلت به كل عمليات دون بدرو في الشمال، وانتظر الأهلون مجيء القوات من ~~لشبونة لسحق قوات العدو. # وخرج نابيير بأسطوله لمقابلة أسطول البورتغاليين (المجويليين) الذي كان قد ~~غادر نهر التاجوس في طريقه إلى الجنوب، فالتحم الأسطولان في معركة بحرية حاسمة ~~عند رأس سانت فنسنت في 5 يوليو 1833، كان هدف نابيير منها؛ إما الانتصار ~~وإنقاذ البورتغال - كما قال - وإما خسارة القضية كلية، وفي مدى ساعتين تقرر ~~النصر في جانب نابيير، وتحطم أسطول المجويليين تماما، بل لم يعد لهم أسطول ~~بعد هذه الواقعة. # ثم توالت انتصارات قوات دون بدرو في الجنوب بعد أن أثار فيهم الحماس نجاح ~~نابيير، وقرر أحد قوادهم دوق ~~تيرسيرا # Terceira # الزحف على لشبونة ذاتها، وكانت تلك مغامرة جريئة لا ~~يبررها غير نجاحها، ولقد تسنى لدوق تيرسيرا أن ينجح فعلا، فقد استمر في زحفه ~~صوب الشمال (الشرقي) حتى بلغ سيتوبال # Setubal ~~(22 يوليو) ليستولي عليها دون عناء بسبب فرار حاميتها في فزع ورعب إلى لشبونة، ~~إذ قد خيل إليهم بسبب جرأة هذه المجازفة من جانب «تيرسيرا» أن قوات لا حصر ~~لها تطاردهم، وأسرع المجويليون بإرسال جيش كبير لوقف «تيرسيرا»، فالتحم ~~الفريقان عند بيداد Piedade # في مكان ضيق ~~محصور بين التلال والنهر «التاجة» مساء 23 يوليو، وحلت الهزيمة بجيش ~~المجويليين الذين فرت فلولهم صوب لشبونة، وقتل قائدهم، وفي صباح اليوم ~~التالي سلمت ألمادا # Almada # على الشاطئ ~~المواجه للعاصمة «لشبونة»، ومع أن موقف «تيرسيرا» كان على جانب كبير من الدقة ~~والخطورة بالرغم من هذه الانتصارات، فقد كفت هذه الانتصارات المفاجئة ذاتها ~~لتحطيم أعصاب الوزراء المجويليين في لشبونة، فقرروا إخلاء لشبونة (في 24 ~~يوليو)، فاستولى عليها «تيرسيرا» دون أن يطلق رصاصة واحدة. وفي صبيحة اليوم ~~التالي دخل نابيير بأسطوله نهر التاجوس ms0960 (25 يوليو)، وألقى مراسيه أمام لشبونة ~~دون أية مقاومة. وفي 28 يوليو دخل دون بدرو العاصمة، بعد غيبة استطالت ستة ~~وعشرين عاما؛ فقوبل بالترحاب من جماعة الأحرار من سكانها، ومن أولئك الذين ~~نزلت بهم المظالم على أيدي المجويليين، أو سئموا الحرب وأرهقهم نفقاتها ~~الباهظة، فتاقت نفوسهم لحصول أي تغيير، ثم لم تلبث أن سلمت «أوبرتو» بعد ~~انسحاب قوات دون مجويل منها، فرفع عنها الحصار بعد أن استمر أحد عشر ~~شهرا. # وحاول المجويليون محاصرة لشبونة، ولكن لم يكن النجاح حليفهم (أغسطس- أكتوبر)، ~~ومع ذلك فلم يكن المجويليون حتى هذا الوقت قد خسروا كل أمل في كسب قضيتهم؛ لأن ~~البلاد بأسرها في الشمال والجنوب إذا استثنينا أوبرتو ولشبونة - إنما كانت ~~تؤيد دون مجويل، وتعترف به ملكا شرعيا عليها، ولم يفلح في الوقت نفسه دون ~~بدرو - الوصي على عرش ابنته ماريا الثانية والإمبراطور السابق - في إقامة ~~حكومة عادلة طيبة في لشبونة، تجذب الأنصار لتأييد قضيته؛ وذلك لأنه على خلاف ~~ما نصحه به «بالميللا» والوزير الإنجليزي لورد ليم ~~راسل # Russell ~~- الذي عين لدى بلاط الملكة ماريا الثانية بعد سقوط ~~لشبونة - من ضرورة التزام جانب الاعتدال، آثر دون بدرو اتباع سياسة تقوم على ~~الانتقام من خصومه ومصادرة أموالهم وأملاكهم؛ فطرد اليسوعيين (الجزويت) من ~~المملكة، وطلب من السفير البابوي (أو القاصد الرسولي) الانسحاب من لشبونة، ~~واعتبر كل الذين خدموا في عهد النظام المطلق السابق أعداء للدولة. # ولقد بلغ الغرور المستولي على دون بدرو إلى درجة أنه دعا مجلس الكورتيز ~~للانعقاد عندما لم تكن سلطته تتجاوز أسوار كل من أوبرتو ولشبونة فقط، في حين ~~أن الالتحامات بين قواته «من الدستوريين» وبين المجويليين استمرت من وقت لآخر ~~طوال المدة الباقية من عام 1833، والشهور الستة الأولى من العام التالي، فقد ~~شهد هذا العام الأخير (1834) عمليات جد نشيطة، فزحف «سالدانها» صوب الشمال ~~واستولى على لييريا # Leiria # في 14 يناير، ثم ~~أحرز انتصارا آخر على المجويليين عند برنيس Pernes # في 30 يناير، ثم أعقبه انتصار آخر كان أكثر أهمية ~~عند الموستر # Almoster ms0961 # في 28 فبراير، وفي شهر ~~مارس نزل «نابيير» بقواته من الإنجليز عند كامينها # Caminha # في أقصى الشاطئ البورتغالي شمالا واستولى على ~~إقليم مينهو # Minho ~~، وفي الوقت نفسه كان جيش ~~آخر بقيادة «ترسييرا» يتغلغل بطريق نهر دورو # Douro # في إقليم تراز أوس ~~مونتيس # Traz os Montes # حيث لقيه إسباني انضم إليه في القتال ضد المجويليين، ~~وكان الإسبان قد دخلوا الأراضي البورتغالية بناء على معاهدة «التحالف ~~الرباعي» المعروفة التي أبرمت بين إنجلترة وإسبانيا والبورتغال وفرنسا في 22 ~~أبريل 1834 لتأييد الملكة البورتغالية «ماريا» ضد دون مجويل من ناحية، والملكة ~~الوصية كريستينا في إسبانيا ضد دون كارلوس من ناحية أخرى، وكان دون مجويل ~~بجيشه في أثناء ذلك كله متحصنا في سنتاريم # Santarem # على نهر التاجة في «الشمال»، ولكن لم يلبث أن تطرق ~~الوهن إلى عزيمته، فتقهقر إلى إيفرورا ~~مونت # Evrora-Monte # إلى الجنوب الشرقي من سنتاريم، وفي 24 مايو 1834 ~~وقع على اتفاق للتسليم بشروط كانت سخية، خالف فيها دون بدرو نصائح ~~مستشاريه، فكان نصيب دون مجويل النفي الدائم خارج شبه جزيرة إيبريا، مع إعطائه ~~معاشا سنويا كبيرا. غير أن دون مجويل منعه كبرياؤه أن يعيش على إحسانات ~~أخيه، فغادر البلاد في 30 مايو، ومن جنوه أصدر احتجاجا (في 20 يونيو) ضد ~~إرغامه على التنازل عنوة عن حقوقه في تاج البورتغال، ورفض قبول المعاش الذي ~~خصص له. # واجتمع الكورتيز في 15 أغسطس 1834، وأبدى دون بدرو رغبته في التخلي عن ~~الوصاية بسبب المرض الذي انتابه من جراء نشاطه المتصل والذي أنهك قواه خلال ~~العامين المنصرمين خصوصا، ولكن الكورتيز قرر أن يستمر دون بدرو وصيا حتى ~~تبلغ الملكة ماريا الثانية (ابنته) سن الرشد، وفي 29 أغسطس حلف دون بدرو ~~اليمين نزولا على أحكام الدستور، وكان ذلك آخر عمل قام به، إذ سرعان ما غادر ~~العاصمة إلى كولوز # Queluz # ينشد الراحة في قصر ~~له هناك، ولكن لم تلبث أن اشتدت وطأة المرض عليه، فقضى بعد أسابيع قليلة في ~~24 سبتمبر 1834، ولم يكن قد بلغ الخامس والثلاثين ربيعا. ms0962 # انتهاء الحرب الأهلية # ولا جدال في أن تلك الديكتاتورية القصيرة الأمد التي أقامها دون بدرو، كانت ~~ذات آثار باقية عندما أمكن بفضل ما صدر من قرارات أثناءها أن يتخذ أحد وزرائه ~~من ذوي الآراء السياسية الإنشائية، ونعني به موزينهودا ~~سيلفيرا # Mousinho da ~~Silveira # إجراءات إصلاحية عديدة، فصار إلغاء العشور، وأزيلت ~~الحقوق والامتيازات الوراثية، وأغلقت أديرة الرهبان والراهبات، وجعلت ~~أملاكها ملكا للدولة، وفصلت أعمال الإدارة عن القضاء، وقضي على الاحتكارات، ~~وصفوة القول أن كل بقايا الإقطاع في البورتغال اختفت في سنة 1834، واستطاعت ~~الملكة ماريا الثانية أن تبدأ حكما في بلاد أزالت رواسب الإقطاع منها، وصارت ~~جديدة في حياتها وتقاليدها. # ولكن افتقار البلاد لليد القوية لتمسك بزمام الحكم والإدارة في بلاد لا زالت ~~فقيرة ومتأخرة، مرت علاوة على ذلك بأدوار متقلبة كثيرة جعلتها نهبا للقلق ~~وعدم الاستقرار، وفريسة للخلافات الحزبية، ولانتشار التذمر بها، وذلك كله ~~بدرجة عطلت تقدمها لمدة طويلة، وجعلت متعذرا أو مستحيلا إقامة صرح الحكومة ~~الرشيدة والموطدة بها. # ولقد تزوجت الملكة ماريا الثانية من أغسطوس دوق لختنبرج # Leuchtenberg # وهو ابن يوجين بوهارنيه، وشقيق ~~زوجة دون بدرو الثانية (أول ديسمبر 1834)، ولكن أغسطوس لم يلبث أن توفي (في ~~25 مارس 1835)، فتزوجت الملكة من فردننذ ساكس كوبرج، قريب ليوبولد الأول ملك ~~بلجيكا (9 أبريل 1836)، ووجد الاثنان أن صعوبات كثيرة تواجههما. # ذلك أن عهد الملكة ماريا الثانية شهد نضالا طويلا ومؤامرات كثيرة بين أحزاب ~~رئيسية ثلاثة؛ أولها: حزب «الدستوريين» أو أنصار «الميثاق» الذين يريدون حكومة ~~دستورية بالصورة التي أتى بها ميثاق أو دستور 1826، الذي أصدره دون بدرو. ~~وثانيها: الحزب الديمقراطي (أو السبتمبريون) الذين أرادوا العودة إلى المبادئ ~~المقررة في دستور 1822. وثالثها: الحزب المجويلي الذين يريدون تأسيس الحكم ~~المطلق، واستعلاء النفوذ الكنسي في البلاد. # وكانت الملكة في السابعة عشرة من عمرها فقط، وتكاد تكون غريبة عن البورتغال، ~~في حين كان زوجها فردننذ يبلغ العشرين، وهو الآخر أجنبي أصلا أو جنسا، ~~وتدريبا وتعليما. فكان طبيعيا في هذه الظروف إذن أن تستمع الملكة الشابة ~~والتي لم تصقلها ms0963 التجارب بعد لنصح حاشية صغيرة أكثر أفرادها من الأجانب، أو أن ~~ترتكب أخطاء معينة أثناء محاولتها المحافظة على سلطة التاج وسط تيارات الحزبية ~~المتضاربة، والمنازعات المستمرة بين زعماء الأحزاب من السياسيين الذين يسعون ~~وراء مصالحهم الذاتية، وهكذا تميزت الحقبة التي تلت حروب الوراثة في ~~البورتغال، بوقوع سلسلة من حركات العصيان والانقلابات الوزارية، والثورات، ~~والثورات المضادة وهكذا؛ من ذلك انقلاب (9-11 سبتمبر 1836) الذي وضع ~~الديمقراطيين أو السبتمبريين على رأس الحكومة، ثم الانقلاب الذي حدث بعد قليل ~~لإقصائهم عن الحكم دون طائل (نوفمبر)، ثم عصيان أو ثورة الدستوريين بقيادة ~~سالدانها وتيرسيرا في سنة 1837 (وقد انتهت هذه الحركة بنفيهما)، ثم تأليف ~~وزارة «معتدلة» في سنة 1839، ونجاح الدستوريين في إحراز أكثرية كبيرة داخل ~~الكورتيز في السنة التالية (1840)؛ مما نهض دليلا على أن استعلاء مبادئ ~~السبتمبريين قد انتهى عهده، ولو أن الثورة المضادة لم تحدث إلا في يناير 1842، ~~وعندئذ صدر قرار في 10 فبراير يعيد العمل بدستور 1826، وتألفت وزارة برئاسة ~~دوق تيرسيرا الاسمية بقيت في دست الأحكام حتى شهر أبريل 1846، وكان ~~كوستا كبرال # Costa Cabral # هو صاحب ~~السلطان الفعلي في هذه الوزارة، والذي حكم حكما ديكتاتوريا ألب ضده ~~المجويليين والسيمتريين والدستوريين المنشقين، فقامت الثورة في مايو 1846، ~~واضطر كوستا كبرال - الذي كان قد نال لقب كونت تومار # Thomar ~~- إلى الاستقالة والذهاب إلى المنفى، وطوال العام ~~التالي (1847) استمرت الثورات تجتاح البلاد، ولم يكن لدى «سالدانها» الذي ~~ألف الوزارة أي أمل في إنقاذ الأسرة المالكة إلا بمعاونة أسطول إنجليزي له ~~في نهر التاجوس، وطلب «سالدانها» تدخل الدول، فزحفت قوات إسبانية وإنجليزية ~~على «أوبرتو» - وكان قد تشكل بها مجلس ثوري (جونتا) من العام السابق (1846) ~~- وحاصر أسطول إنجليزي نهر دورو، وعندئذ سلمت «أوبرتو» الثائرة في 30 يونيو ~~1847. # وأنهى اتفاق عقد في جراميدو # Gramido # في 24 ~~يوليو 1847، الحرب الأهلية في البورتغال، بعد أن نشرت هذه الحرب البؤس والشقاء ~~في طول البلاد وعرضها، فالصناعة معطلة، والدولة في حالة إفلاس، والحكومة ~~القائمة لا اعتبار لها. لقد شهدت الشهور الأخيرة من سنة 1847 ms0964 هدوءا في ~~البورتغال، هو هدوء ناجم عن استنفاد القوى. # الموقف في سنة 1848 # وعندما قامت ثورة فبراير 1848 التي أطاحت بملكية أورليان (ملكية يوليو) وأدت ~~إلى إعلان الجمهورية في فرنسا، انتعشت آمال الثوريين في البورتغال، ولم يمنع ~~تحالف المجويليين والسبتمبريين لتكدير السلام، وإثارة الاضطراب في البلاد؛ غير ~~تدخل «سالدانها» السريع الحاسم، ولكن سالدانها لم يلبث أن استقال (18 يونيو ~~1848) ليتولى كبرال «كونت تومار» الوزارة، وهو الذي كادت في عهده تشتعل الحرب ~~الأهلية (أو الثورة) من جديد؛ بسبب الصراع الحزبي العنيف بين جماعته والأحزاب ~~المعارضة، ولقد انتهى التوتر بأن رفع «سالدانها» علم الثورة أخيرا في ~~كنترا # Cintra # في 7 أبريل 1851 لتخليص ~~العرش والدستور (الميثاق) من طغيان حكومة الكونت تومار، واستجابت أوبرتو لنداء ~~الثورة (في 17 أبريل)، وحذت حذوها مدن أخرى، واضطر تومار مرة أخرى إلى الفرار ~~إلى إسبانيا (في 29 أبريل). وعرضت الوزارة على سالدانها في أول مايو، وتطايرت ~~الإشاعات بأن الغرض من عرض رئاسة الحكومة عليه؛ استدراجه للدخول إلى لشبونة ~~متفردا؛ أي من غير جيشه، ثم اغتياله، ولكن «سالدانها» احتاط للأمر، ودخل ~~بجيشه إلى العاصمة في موكب كبير من النصر (في 15 مايو)، وألف وزارة «إحياء ~~وتجديد» طلبت معاونة كل أصحاب الآراء المستقلة لتأييدها في تنفيذ البرنامج ~~الذي وضعته لتطهير الأداة التنفيذية (الحكومة) وإدخال الإصلاحات الضرورية ~~«المعتدلة». # ومع أن «سالدانها» لم يفلح في تكوين حزب قومي (وطني) فإنه أسدى خدمة جليلة ~~لوطنه باستصدار القانون ~~الإضافي # Acto Addicional ~~(1852)، الذي أضاف فقرات كبيرة إلى الدستور (دستور ~~1826) لإعطائه صبغة ديمقراطية. فكان أهم تغيير (أو إصلاح دستوري) حدث؛ إدخال ~~مبدأ الانتخاب المباشر، ثم تضييق السلطات التي كانت حتى هذا الوقت للأداة ~~التنفيذية المركزية (الحكومة) وإنشاء البلديات (أي المجالس البلدية) ~~التمثيلية، وإلغاء عقوبة الإعدام في الجرائم السياسية. # وهكذا بعد صراع عائلي عنيف على العرش اقترن بنضال الأحزاب التي انقسمت إلى ~~جماعات تؤيد المتنازعين على الحكم من أفراد أسرة براجانزا، ويريد فريق منهم ~~إنشاء الحكومة الرجعية المستندة على مبدأ الملكية المطلقة، والإكليريكية؛ أي ~~التي تعتمد ms0965 على معاونة الكنسيين، وذلك إلى جانب الطبقات الأرستقراطية ~~الإقطاعية، في حين يريد الفريق الآخر إعلان الدستور وتقييد السلطة التنفيذية ~~في نظام برلماني يحل محل مجلس الكورتيز (أو مجلس الطبقات) القديم، استطاعت ~~البورتغال أن تظفر بدستور في سنة 1822 لم يلبث أن استبدل به آخر في سنة 1826، ~~كان أضيق من السابق ثم أدخلت تعديلات (أو إضافات) عليه في 1852، أعطته صبغة ~~ديمقراطية ظاهرة، ولو أنها في رأي كثيرين كانت محدودة؛ حيث لم يتمتع بحق ~~الانتخاب المباشر بمقتضى «القانون الإضافي» الجديد سوى نصف مليون فقط. # أما الملكة ماريادا جلوريا فقد توفيت في 13 نوفمبر 1853، ليخلفها ولدها بدرو ~~الخامس الذي بقي تحت الوصاية حتى بلغ الرشد في سبتمبر 1855، وشهد عهده هدوءا ~~نسبيا في البلاد لرضاء الأحزاب عموما عن «الإضافات» الدستورية الجديدة منذ ~~1852، وخلفه منذ ديسمبر 1861 أخوه دون لويس # Luiz # باسم لويس الأول، وفي عهده أضحت الملكية محبوبة من ~~الشعب البورتغالي أكثر من أي عهد مضى، وكان لزواجه من أميرة إيطالية هي ~~ماريا بيا # Maria Pia # ابنة الملك فيكتور ~~عمانويل الثاني (ملك إيطاليا) في أكتوبر 1862 أبلغ الأثر في شعبه؛ حيث رضي ~~الأحرار عن هذا الزواج وهم الذين رحبوا بماريا بيا بوصفها ابنة الملك الإيطالي ~~(الحر)، وحيث رحب بها المحافظون باعتبار أنها ابنة بالمعمودية للبابا بيوس ~~الحادي عشر، ولقد استمر عهد الملك لويس الأول حتى سنة 1889. # | الفصل السابع # روسيا (1815-1848): استمرار الأوتقراطية في روسيا وإلغاء الحكومة الذاتية في فنلندة ~~وبولندة # تمهيد # في مفتتح القرن التاسع عشر كانت تختلف روسيا في تكوينها السياسي كل الاختلاف عن ~~الدول الواقعة في أوروبا الوسطى والغربية؛ فكان الفستيولا، النهر الذي يمر في ~~بولندة ويخترق بروسيا الغربية قبل أن يصب في بحر البلطيق، يفصل بين روسيا (في ~~الشرق)، والتي بقيت دولة شبه آسيوية، وبين الدول التي تمتعت (في الغرب) بأقدار ~~متفاوتة من الوحدة السياسية، والتي كان من المنتظر أن تزيد وحدتها السياسية توثقا ~~خلال القرن التاسع عشر، نتيجة لانتصار المذاهب القومية والحرة، وهو الانتصار الذي ~~أسفر عن استعلاء نفوذ الطبقة ms0966 البورجوازية، وكان في الوقت نفسه نتيجة له، واستئثار ~~هذه الطبقة بالسيطرة في شئون الدولة. ولقد كانت روسيا وقتئذ بعيدة كل البعد عن هذا ~~النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي السائد في غرب أوروبا. # والعوامل التي أوقفت تطور الشعب الروسي، ومنعت سيره الطبيعي في طريق الرقي كانت ~~كثيرة، لعل أهمها: تأثره برواسب «البربرية» المتخلفة من غارات المغول في القرنين ~~الثالث عشر والرابع عشر، ثم العزلة التي تحتم على شعب روسيا أن يعيش فيها؛ بسبب ~~تكوين البلاد الجغرافي، الذي أوجد منحدرين للمياه لتجري أكثر أنهارها إما صوب ~~الشمال نحو المحيط المتجمد الشمالي، وإما صوب الجنوب إلى بحر قزوين والبحر الأسود، ~~فعاشت روسيا بسبب ذلك في عزلة فعلية عن بقية أوروبا قرونا طويلة، ولا تشبه تضاريس ~~روسيا أو مناخها في شيء تضاريس سائر أوروبا أو مناخها. فروسيا في مجموعها متناسبة ~~التركيب جغرافيا؛ إذ تمتد بها السهول من جبال أورال في الشرق إلى جبال الكربات في ~~الغرب. فكان من أثر هذه العوامل الجغرافية ازدياد عزلة روسيا، ثم اتسامها بذلك ~~الطابع الشخصي الذي اقترن بحياتها الانفرادية، والذي كان أهم خصائصه؛ الركود العميق ~~الذي أصاب بالشلل كل نشاط أو محاولة للسير في ركب الحضارة الأوروبية (الغربية)، ~~وهكذا ظل ملايين الروس بمنأى عن نفوذ الدولة الرومانية الغربية، ولم يتأثروا ~~بالنهضة الأوروبية، ولم تمتد إلى بلادهم حركة الإصلاح الديني، وهذه القوى الثلاث ~~كانت ذات أثر بالغ في تطور أوروبا (الوسطى والغربية) الحضاري، ويرى كثيرون أن هؤلاء ~~الروس الذين يعدون بالملايين، والذين عاشوا بمعزل عن المؤثرات التي ذكرناها، هم ~~الذين تألف منهم ذلك الحاجز، أو «خط الحدود» الذي فصل روسيا عن أوروبا. # وكان بطرس الأكبر (1682-1725) أول قيصر بذل جهودا جبارة لإدخال الحضارة الأوروبية ~~(الغربية) إلى بلاده، ولكن هذه المحاولة لم تتجدد في عهد خلفائه؛ بطرس الثاني، ثم ~~بطرس الثالث، ثم كاترين الثانية (1762-1796). حقيقة أفلحت هذه الأخيرة في أن ترفع ~~شأن روسيا في محيط السياسة الأوروبية، ولكنها لم تفعل شيئا لمعالجة المشكلة ~~الكبرى؛ مشكلة إعادة البناء أو التنظيم الداخلي. ثم ms0967 بقيت الحاجة ملحة للإصلاح ~~الداخلي، وبصورة تعيد بناء المجتمع الروسي؛ سياسيا واقتصاديا واجتماعيا على ~~أسس متفقة مع المبادئ التي نادى بها الأحرار في أوروبا طوال القرن التاسع عشر. ~~فالقيصر بول الأول (1796-1801) ابن كاترين الثانية، والذي كان يكن لوالدته كراهية ~~عظيمة بسبب إرهاقها له في حياتها، كان أوتقراطيا شديد التطرف، ولو أنه حاول كسب ~~محبة الشعب وعطفه عليه، بالسماح لأفراد الشعب مثلا بأن يبعثوا «بعرائضهم» للقيصر؛ ~~ليتولى القيصر نفسه النظر في شكاواهم، والرد عليها، ونشر هذه الردود في صحف العاصمة ~~«بطرسبرج»، ويعترف المؤرخون بأن القيصر بول، كان يبدو صادق الرغبة في إجبار روسيا ~~على التخلي عن حياتها القديمة، والسير في طريق جديد يقود إلى حياة جديدة، ولو أن ~~هؤلاء المؤرخين أنفسهم كانوا يشكون في أن لدى القيصر بول فكرة واضحة عن الغرض الذي ~~يبغي تحقيقه؛ بل إن تصرفات القيصر في إدارة شئون البلاد الداخلية والخارجية معا - ~~وهو الذي أنهى محالفته مع الدولة الغربية ضد نابليون، وتحول ضد إنجلترة والنمسا، ثم ~~أخذ يتأهب لإرسال حملة إلى الهند - نقول: إن هذا التصرف من جانب القيصر بول أفزع ~~رجال البلاط والحاشية الذين عدوه، بالإضافة إلى نوبات الغضب الشديد، والنزعات ~~الشخصية الهوائية «والجنون»، خطرا يتهدد ليس أشخاصهم فحسب، بل والدولة كذلك، ~~فتآمروا على قتله، وقتلوه في 11 مارس 1801. ~~(1) الأمل في «الإصلاح» # وكان الذين تآمروا على حياة القيصر بول هم النبلاء، أصحاب الأراضي الواسعة، ثم ~~كبار الممولين، الذين احتكروا المؤسسات الصناعية، والتجار الذين اعتمدوا في أرباحهم ~~على التجارة مع إنجلترة خصوصا، وكل هؤلاء من أهل الطبقات العليا، وهذا إلى جانب ~~الوزراء وكبار رجال الدولة، والبلاط والحاشية والعسكريين الذين أصابت في الصميم ~~إجراءات القيصر الأوتقراطية مصالحهم «الإقطاعية»، فاعتبروا وفاته «ضرورة» لا غنى ~~عنها لبقاء النظام القائم. وأما سواد الشعب الروسي الذي لم تؤثر شيئا في أسلوب ~~حياته العادية، إجراءات القيصر الأوتقراطية، بل انتظر نتائج طيبة من ذلك العطف الذي ~~بدا نحوه من جانب القيصر، فقد اختلف نظر سواد الشعب لوفاة القيصر بول عن نظر ~~الطبقات العليا ms0968 لهذا الحادث اختلافا بينا، فعقد الروس آمالا كبيرة على خليفة ~~بول وابنه الشاب إسكندر الأول (1801-1825)، سواء كان هؤلاء من أهل الطبقات العليا ~~أو من سواد الشعب. # فقد بدأ مع القرن التاسع عشر عهد ارتبط بالتغيير الذي حدث، من حيث اعتلاء عاهل ~~جديد عرش القيصرية، وهو تغيير أوجد في أذهان الناس صورة لذلك «الإصلاح» الذي ساد ~~الشعور بأنه قد بات ضروريا، سواء سار هذا الإصلاح في طريقه الطبيعي، أو اتخذ ~~اتجاها عكسيا، ومعنى الاتجاه العكسي؛ أن يسترد الذين نالت من سلطاتهم إجراءات ~~القيصر بول الأوتقراطية، كل امتيازاتهم القديمة التقليدية. فيرضى هؤلاء حينئذ عن ~~«الإصلاح» في هذا العهد الجديد المنتظر، ومن شأن ذلك استمرار «الأوتقراطية ~~القيصرية» بكل حذافيرها، وهي التي لم يغير شيئا من جوهرها استئثار القيصرية ~~المركزية بشطر أوفى من السلطة الحكومية الاستبدادية، على نحو ما هدف إليه القيصر ~~بول الأول، ولم يكن من المتوقع أن يضعفها كذلك مشاركة النبلاء والعسكريين وحكام ~~الأقاليم وأهل الطبقات العليا عموما في ممارسة السلطة، على نحو ما كان يريد هؤلاء ~~من «الإصلاح» الذي نشدوه. # أما إذا سار الإصلاح المرجو في طريقه الطبيعي، فمعنى ذلك أن المبادئ الحرة سوف ~~تنتشر في روسيا، وأن انتشار هذه المبادئ سوف يفضي، بعد خطوات قد تكون بطيئة أو ~~سريعة، إلى تغيير الأنظمة الأوتقراطية القائمة، بفضل تأسيس الحكومة الدستورية، ~~وإزالة مساوئ الحياة الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بهذه الأوتقراطية، وشر هذه ~~المساوئ؛ نظام رقيق الأرض # Serfdom # المتغلغل في ~~كيان المجتمع الروسي، ولا جدال في أن الإصلاح المرتقب وقتئذ إذا سلك طريقه الطبيعي ~~في ضوء الآراء الحديثة التي أتت بها الثورة الفرنسية، ونشرتها في أوروبا حروب هذه ~~الثورة والحروب النابليونية، فإنه سوف يؤدي إلى نتائج قريبة أو بعيدة الأثر، لعل ~~أهمها؛ تحرير الفلاحين وهم الذين يتألف منهم رقيق الأرض، وظهور طبقة متوسطة ~~(بورجوازية) ذات كيان واضح في المجتمع، وذلك على أنقاض الطبقة الإقطاعية التي سوف ~~ينجم من زوالها؛ تغيير في نظام الإنتاج ووسائله تتشكل بمقتضاه العلاقات ~~الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في المجتمع الجديد. # ومع ms0969 ذلك، فقد واجهت القيصرية في هذا العهد «الجديد» وهو العهد الذي بدأ باعتلاء ~~القيصر إسكندر الأول العرش، مشكلات عاجلة، تتطلب حلولا حاسمة وسريعة، يمكن إيجازها ~~في ضرورة إنشاء جهاز حكومي لإدارة شئون الحكومة المركزية وفي الأقاليم، يفسح مجال ~~العمل للمديرين الأكفاء، ويقضي على عوامل الرشوة والفساد في الأداة الحكومية، ثم ~~ضرورة إعداد ميزانية متوازنة ولا عجز فيها، وتقدير إيرادات الدولة على أسس سليمة ~~بفضل إعادة النظر في موضوع الضرائب من مباشرة وغير مباشرة، والتدقيق في وجوه إنفاق ~~هذه الإيرادات، وتنظيم الجيش والبحرية، ومعالجة الشئون الدينية على أساس الحد من ~~سلطات القساوسة ومجالسهم الدينية في المجتمع الروسي، والبحث في مسائل الثقافة ~~والتعليم ومعالجة مشكلة رقيق الأرض، وتلك - كما هو واضح - مسائل تتصل جميعها بكيان ~~المجتمع نفسه، ولم يكن القياصرة - من خلفاء بطرس الأكبر، وعلى نحو ما ذكرنا - قد ~~حاولوا معالجتها، واتجهت بسببها الأنظار إذن للعاهل الجديد ليفعل ما عجز عنه ~~أسلافه. # وعقد «المتنورون» - وكانوا من أهل الطبقات العليا خصوصا - على القيصر إسكندر ~~الأول الآمال الكبار في أن الإصلاح على المبادئ الحرة (الغربية) سوف يتم على يد ~~هذا الحاكم الشاب، ولكن هؤلاء «المتنورين» والراغبين في «الإصلاح الطبيعي» لم ~~يكونوا أصحاب الغلبة في هذا العهد أو حتى لسنوات طويلة بعد ذلك في العهود التالية، ~~بل وجدت إلى جانب هؤلاء الطبقة الرجعية، التي أصرت على التمسك «بالأوتقراطية» ~~الصارمة التي يكفل بقاؤها استمرار قواعد المجتمع الإقطاعي الذي تمتعوا في نظامه بكل ~~الامتيازات التي صارت لهم من أقدم الأزمنة، وتوقف لذلك، وإلى حد بعيد إذن، نجاح ~~الإصلاح المنشود أو فشله على رغبة القيصر الشاب وإرادته، ومكانه في الصراع الذي نشب ~~بين «الأحرار» و«الرجعيين». # ولقد مر بنا كيف أن القيصر إسكندر في أول عهده كان يميل للمبادئ الحرة، التي ~~لقنه إياها مربيه السويسري «فردريك سيزار لاهارب»، وكان هذا صاحب تأثير كبير على ~~القيصر. فبقي إسكندر لا يستطيع إلى آخر أيامه أن ينبذ عنه تماما هذه المبادئ ~~الحرة، وظل ذهنه «مفتوحا للآراء الحرة، ولو أنه كان يخضع لموجات ms0970 من التشاؤم»، ~~ولا يجد ما يشجعه على المضي في تعضيد هذه الآراء الحرة، على نحو ما ظهر من مسلكه ~~أثناء الحروب النابليونية، ثم أثناء عهد المؤتمرات الأوروبية في الفترة التالية. ~~فكان القيصر كثير التحول من مبدأ إلى آخر، وكثير التردد بين معسكري الأحرار ~~والرجعيين، فاتسمت سياسة القيصر بطابع التردد، وهو التردد الذي حاول مترنخ أن يجد ~~تفسيرا له فيما عزاه إلى ذلك التقلب الذي لا ينفك يحدث في آراء القيصر منذ أن تبدأ ~~تختمر فكرة غضة في ذهنه، إلى وقت زوال هذه الفكرة لتحل محلها فكرة أخرى. فقال ~~مترنخ: إن فكرة ما قد تشغل ذهن القيصر مدة عامين، قبل أن تخرج إلى عالم الوجود في ~~شكل «نظام» معين، لا يلبث أن يجد القيصر نفسه مشغولا طوال العام الثالث في «تطبيق» ~~هذا النظام وتنفيذه، حتى إذا جاء العام الرابع، أخذت الشكوك تساور القيصر في قيمة ~~النتائج التي يسفر عنها هذا النظام، ثم تقوى هذه الشكوك، حتى إذا جاء العام الخامس ~~شوهد هذا النظام، وقد أخذ يتلاشى لتسود الفوضى مكانه، فلا يكون هناك إذن معدى عن ~~نشوء «فكرة» أخرى جديدة، تتغلب في هذه المراحل ذاتها، وهكذا دواليك. مما جعل مترنخ ~~يصف عقل القيصر بأنه يمر أو يتنقل في دورات، مدة كل واحدة منها خمس سنوات، وواضح أن ~~هذا التبدل الذهني، كان لا يمكن أن تستقر بسببه أية «إصلاحات»، يترتب عليها تعديل ~~أو تغيير جوهري في النظام السياسي القائم؛ أضف إلى هذا أن القيصر إسكندر كان يخضع ~~«لعادة ذهنية» لا يتفق وجودها مع فن السياسة الصحيح؛ أي تدبير شئون الحكم بنجاح في ~~الداخل والخارج معا، ونعني بذلك شعوره بالاحتقار لشعبه، وإن كان لدرجة ~~قليلة. # وينقسم عهد إسكندر إلى قسمين؛ أولهما: من 1801 إلى 1812، وثانيهما: ينتهي عند ~~وفاته سنة 1825. تميزت الفترة الأولى بأن مستشاري القيصر وموضع ثقته كانوا رجالا ~~ممن عرفوا أوروبا الغربية ونالت الحياة الدستورية في إنجلترة تقديرهم، ومن ~~هؤلاء كان الأمير البولندي آدم ~~تزارتورسكي # Adam Czartoryski ~~، والنبيل الروسي كونت نيقولا نوفوسيلتزوف # Novossilzoff ms0971 ~~، وزميله كونت بول ستروجانوف # Stroganoff ~~، ثم كونت ميخائيل سبرانسكي # Speranski ~~(1772-1839)، وكان سبرانسكي أصلا من ~~غير طبقة النبلاء الذين احتكروا في العادة كل المناصب الكبيرة في الدولة، ولكنه كان ~~صاحب كفاءة إدارية، معجبا بالإصلاحات الفرنسية، عينه القيصر وزيرا للداخلية ~~سنة 1806، بالرغم من اصطدام هذا التعيين بالرأي السائد في دوائر النبلاء، وبقي ~~سبرانسكي مستشارا للقيصر حتى سنة 1812، وكان بفضل هذا الوزير أن أدخلت تحسينات ~~كثيرة على القوانين الروسية، فقد كان سبرانسكي معجبا «بقانون نابليون»، ثم إن ~~الآراء الحرة لم تلبث أن راجت رواجا كبيرا بين الأوساط المثقفة في روسيا بعد ~~معاهدة «تلست» سنة 1807 والتحالف مع فرنسا؛ حتى إن القيصر كلف وزيره بإعداد مشروع ~~كامل للإصلاح، فوضع سبرانسكي في سنة 1809 مشروعا لدستور ينشئ برلمانا دوما # Duma # من مجلسين، ويقرر مسئولية الوزراء أمام ~~الهيئة التشريعية، ولكن هذا الدستور لم يصدر بسبب مقاومة الرجعيين العنيفة أنصار ~~«النظام القديم» في بلاد كان لا يزال تكوينها من كل النواحي إقطاعيا. ثم تآمر ضد ~~سبرانسكي أعداؤه وهم الذين أوذيت مصالحهم بسبب إصلاحاته وتخوفوا من مشروعاته، ~~ولما كان ذهن القيصر قد أتم إحدى «دوراته» التي وصفها مترنخ، فقد عمد القيصر فجأة ~~ودون إنذار سابق إلى عزل سبرانسكي (في 17 مارس 1812)، فنفاه إلى الأورال (في ~~برم Perm # بإقليم قازان # Kazan ~~، ومن ذلك الحين وقف «إصلاح» الحكومة في روسيا، ولقد عاش ~~سبرانسكي نفسه ليقوم في عهد القيصر نيقولا الأول، بجمع شتات القوانين الروسية في ~~مجموعة قانونية واحدة، وكانت وفاته في سنة 1839. # وفي القسم الثاني من عهد القيصر إسكندر؛ وقعت حملة نابليون على روسيا (1812)، كما ~~اشترك الروس في «حرب الأمم» بعد ذلك لتحرير ألمانيا من السيطرة النابليونية، وتلك ~~أحداث كان لها أثر عميق في حياة الروس وتفكيرهم، ثم إنها ساعدت بقوة على رواج ~~المبادئ الحرة رواجا عظيما بين طبقتي النبلاء والبورجوازية في روسيا؛ إذ اندفع ~~الشباب في حماس شديد للانخراط في الجندية من أجل الاشتراك في الحرب التحريرية، ثم ~~رجع الضباط من باريس بعد الانتصار على نابليون، وهم يحملون ms0972 إلى أوطانهم الآراء ~~الحرة الغربية لينشروها بها، ومع ذلك فقد أنهت الحروب ذاتها «عهد سبرانسكي»؛ أي ~~عهد الإصلاح الحكومي على الآراء الحرة الغربية، باعتبار أن سبرانسكي كان مشايعا ~~للأساليب والأنظمة الفرنسية، وعلى ذلك ففي حين أدت الحرب إلى رواج المبادئ الحرة ~~في روسيا، فإنها قد أبعدت في الوقت نفسه «الحكومة» ذاتها عن التأثر بها. فمع أن ~~القيصر في السنوات القليلة التي تلت الحروب النابليونية، استمر حتى سنة 1818 يبدي ~~في سياسته الخارجية ميولا ظاهرة نحو تأييد المبادئ الحرة، فقد ظل في داخل بلاده ~~لا يريد إدخال تغيير ما على الأوضاع السائدة عموما، (وإن كان قد أظهر بعض الميول ~~الحرة في معالجة مشكلة رقيق الأرض)، فاستمرت الرجعية على شدتها، وضاع كل أمل في ~~إصلاح شئون البلاد إصلاحا يستند على المبادئ التي ينادي بها الأحرار في أوروبا، ~~عندما تخلى القيصر عن آرائه الحرة كذلك في السنوات الخارجية بعد الحوادث التي ~~وقعت في أوروبا بين سنتي 1817، 1820، خصوصا والتي ذكرناها عند الكلام عن «الاتحاد ~~الأوروبي»، ولعل الاتجاه «الحر» الوحيد في هذه الفترة كان منح غراندوقية فنلندة ~~«حكما ذاتيا» منذ 1809، وإنشاء «مملكة بولندة الدستورية» سنة 1815، ومع ذلك فقد ~~وقعت الاعتداءات على «حقوق» هذه الحكومات الذاتية الدستورية قبل وفاة القيصر إسكندر ~~نفسه، ثم إن شيئا ما لم يتغير في شئون روسيا الداخلية، وبقيت الأوتقراطية القيصرية ~~على حالها، بالرغم من إعطاء بولندة «دستورا»، وفنلندة «حكومة ذاتية». # وروسيا في سنة 1815؛ أي بعد انتهاء الحروب النابليونية، كانت قد بلغت ذروة رقعتها ~~كدولة أوروبية، بفضل ما أظهره أباطرتها من جلد وقدرة على المثابرة أثناء الحروب ~~النابليونية، ثم بفضل ما صار لها من نفوذ أدبي، رفع شأنها كنصير قوي لقضية الحرية ~~بين الأمم الأوروبية، وخرجت روسيا من هذه الحروب التي كفلت لها التمتع بسمعة أدبية ~~عالية، وقد جنت فوائد «مادية» ظاهرة، حيث قد استطاعت أن ترسم بصورة نهائية حدودها ~~الغربية، وأن تتوسع في الوقت نفسه صوب الشرق والجنوب. فالقيصر إسكندر إلى جانب ~~الحرب ضد نابليون، قد خاض في المدة من 1801 ms0973 إلى 1815 حروبا أخرى عديدة مع كل ~~جيرانه - فيما عدا الصين؛ أي مع السويد وبولندة وبروسيا والنمسا وتركيا، وقبائل ~~فنلندة، ومن بولندة؛ غراندوقية وارسو، ومن بروسيا؛ إقليم بياليستوك، ومن فارس: ~~مقاطعات جورجيا وداغستان وإيميريتا # Imeritia # وجوريا # Goria ~~(وتقع كلها في جهات القوقاز)، ~~ثم من النمسا؛ إقليم تارنبول # Tarnopol ~~، ومن تركيا؛ ~~بسارابيا، وبذلك اتسعت رقعة روسيا من خمسة عشر مليونا من الكيلومترات المربعة يقطن ~~بها سكان عددهم (33) مليون نسمة في عهد كاترين الثانية (1762-1796)، إلى عشرين ~~مليونا من الكيلومترات المربعة، وسكان يبلغون (45) مليون نسمة في سنة 1815، ولا ~~جدال في أن هذا الاتساع العريض والذي حصل «فجأة» أي في سنوات معدودات فقط، كان لا ~~مناص من أن يضيف أعباء جديدة وخطيرة، تركت آثارها في كل نواحي الحياة الداخلية في ~~روسيا. ~~(2) بين «الإصلاح» والأوتقراطية # وكان من المشاكل التي نجمت من هذا الاتساع «المفاجئ»، ما تضخم ميزانية الدولة، ~~وتزايد عجز الإيرادات عن سد نفقات الإدارة وشئون الحكم الأخرى، وما صحب ذلك من لجوء ~~الدولة إلى فرض الضرائب الثقيلة، وتضخم النقد وانخفاض قيمة العملة الورقية. # ففي أول عهد القيصر إسكندر، بلغت الإيرادات حسب الميزانية المعدة لسنة 1802؛ ~~سبعة وسبعين مليون روبل (وقيمة الروبل وقتئذ ثلاثة شلنات إنجليزية)، والمصروفات ~~تسعة وسبعين مليون روبل، وفي سنة 1810 حسب تقدير سبرانسكي وزير الداخلية، بلغت ~~الإيرادات 127 مليونا، والمصروفات 193 مليون روبل؛ أي إن العجز بلغ 66 مليون روبل، ~~وبلغت ديون الدولة الداخلية 577 مليونا من الروبلات، والخارجية 100 مليون؛ أي إنها ~~بلغت أجمعها 677 مليون روبل، وكان من أثر الحروب التي خاضتها روسيا ضد نابليون أن ~~ارتفعت الميزانية ارتفاعا عظيما، كما ارتفع العجز كذلك ارتفاعا كبيرا، فقد ~~قدرت الإيرادات في الميزانية لسنة 1814 بنحو ( ~~) مليون روبل، والمصروفات بنحو (405) مليون روبل، بعجز يزيد على ~~(92) مليونا وذلك قيمة العجز في الظاهر فقط؛ لأن العجز كان يزيد على هذا المبلغ ~~كثيرا؛ والسبب في ذلك أن الإيرادات المنتظرة كانت تشمل «موارد» مصطنعة، وفي العام ~~التالي (1815) أمكن وضع ميزانية «متوازنة» في حدود (316) مليون روبل ms0974 لكل من ~~الإيرادات والمصروفات. # وكانت أهم أبواب الإيرادات المنتظرة عند وضع هذه الميزانية المتوازنة؛ ضريبة فردة ~~الروس، والأوبروك # Obrok ~~- وهذه الأخيرة عبارة عن ~~مبالغ معينة يدفعها الرقيق الذي لا يريد المالك استخدامهم في أرضه، ويأذن لهم ~~«بإعارة» عملهم للغير في نظير أجر ينال منه المالك نسبة معينة في شكل جعل يدفعه ~~الرقيق لأسيادهم سنويا، ويدفع هذه الضرائب الفلاحون التابعون للتاج (أي للدولة)، ~~وكذلك الفلاحون الذين يملكهم الأفراد (أي الملاك) العاديون، ثم كان من أبواب ~~الإيرادات؛ الضرائب المحصلة من التجار، وفردة الروس المحصلة من طبقة ~~الملاك في المدن، وأعضاء النقابات، والضرائب التي يدفعها ملاك الأرض، ثم تلك ~~المحصلة على الفودكا والمشروبات الروحية الأخرى، وأخيرا الضرائب ~~الجمركية. # أما أهم أبواب المصروفات فكانت؛ نفقات البلاط، والجيش والبحرية، ووزارات المالية ~~والبوليس، وأقل المصروفات كانت على التربية والتعليم؛ حيث بلغت مليوني روبل فقط، ~~وفي آخر عهد القيصر إسكندر قدرت الإيرادات لميزانية 1825 بمبلغ 393 مليونا من ~~الروبلات. كانت قيمة الضريبة المحصلة على المشروبات الروحية، والفودكا فقط ~~(121) مليونا، في حين ارتفعت الضرائب الجمركية إلى (48) مليون روبل، وكان نصيب ~~التربية والتعليم من المصروفات # مليون. # وساءت مالية الدولة؛ بسبب انخفاض قيمة العملة المتداولة، واختفاء المسكوكات من ~~الذهب والفضة، ونقص قيمة العملة النحاسية، ولم تلبث أن اختفت في السنوات التالية ~~العملة الذهبية والفضية اختفاء كاد يكون تاما، وانخفضت قيمة العملة النحاسية، في ~~حين زادت العملة الورقية حتى بلغت في سنة 1815؛ سبعمائة مليون روبل، وفي أواخر سنة ~~1816؛ ثمانمائة وستة وثلاثين مليونا، وفقد الورق النقدي حوالي ثلاثة أرباع قيمته، ~~مما كان معناه أن الدولة صارت في حالة إفلاس فعلي، وحتى يمكن وقف الهبوط الذي حدث ~~في قيمة الروبل الورق تدخلت الدولة في سنة 1817 لوقف إصدار العملة الورقية، واتخذت ~~الإجراءات لسحب قدر من العملة الورقية من التعامل، فبلغ ما أمكن سحبه منها خلال خمس ~~سنوات: (1817-1822) مائتين وأربعين مليونا. على أنه كان من المتعذر المضي في سحب ~~العملة الورقية؛ بسبب العجز المزمن في الميزانية، والذي ألجأ الدولة إلى عقد ~~القروض، واستصدار ms0975 السندات اللازمة بقيمة هذه القروض، وكانت هذه بفائدة تزيد على 7٪، ~~يصير استهلاكها بدفع العملة الورقية التي هي صكوك دين بدون فائدة (على ~~الدولة). # وابتلع الجيش، أداة السيطرة الفعالة في يد السلطة الحاكمة، وموضع اهتمام الحكومة ~~الرئيسي حوالي ثلث إيرادات الدولة، وكان عبئا ثقيلا، استنفد قوى الأمة، حينما ~~استطالت الخدمة في الجندية، فبلغت خمسة وعشرين عاما، يخضع المجند خلالها لنظام ~~صارم وبخاصة إذا كان جنديا عاديا، ولا يجد غذاء يكفيه حتى من أردأ أنواع ~~الأطعمة، ويعيش عيشة تعسة في ملبسه ومسكنه، وأما عدد الذين فقدهم الجيش الروسي ~~أثناء الحروب المتصلة بين سنتي 1805، 1815، فقد بلغ (1200000) نسمة. كانت نسبة ~~الذين سقطوا منهم في ساحة الوغى - ولا شك - قليلة بجانب أولئك الذين فتك بهم المرض ~~والمشاق التي صادفوها أثناء الحملات العسكرية، وفي نفس هذه المدة بلغ عدد المجندين ~~الجدد مليونا ونصف مليون نسمة، وذلك خلاف فرسان القوازق الذين بلغوا أعدادا ~~عظيمة، واشتطت الحكومة في تجنيد الصالحين للخدمة بين سن الثامنة عشرة والخامسة ~~والثلاثين، فشمل التجنيد المجرمين والمتشردين، وأما إذا تعذر وجود مجند لائق للخدمة ~~في قرية من القرى، فقد كانت تستبدل به السلطات صبيا في سن الثانية عشرة لتدريبه ~~وتهيئته للخدمة العسكرية، وأقفرت بعض الأقاليم (مثل: أستراخان # Astrakhan # من الشبان أو الرجال تماما، فصار لا يوجد بها غير ~~النساء والأطفال والشيوخ والمصابين بالعاهات؛ لأن شباب الإقليم ورجاله الذين لم ~~يجندوا استطاعوا الهرب إلى فارس (إيران)، قبل أخذهم للجيش، وأبدى أهل الريف في ~~حالات كثيرة مقاومة عنيفة ضد سلطات التجنيد، خصوصا في المقاطعات البلطيقية، كما أن ~~اللائقين للخدمة العسكرية كانوا يشوهون أجسامهم فرارا من التجنيد، فبلغت نسبة ~~الذين فعلوا ذلك في إقليم نوفجورود # Novgorod # مثلا: 15٪، وكان اليهود معفيين من الخدمة العسكرية في نظير جعل كبير يدفعونه، ولكن ~~ابتداء من سنة 1827 صار التجنيد يشملهم، ومع أن عقوبات قاسية كانت توقع على الفارين ~~من الجيش، فقد بلغ عدد الهاربين من صفوف الجيش كل سنة حوالي خمسة آلاف ~~«جندي». # وابتدع القيصر إسكندر الأول نظام «المستعمرات العسكرية» تحت ms0976 ستار إنساني يدعو في ~~ضرورة أن يعيش الجند في زمن السلم مع عائلاتهم، وأن يزاولوا حرفهم وأشغالهم ~~العادية. في حين كان الغرض الحقيقي من هذا النظام؛ أن يتكفل الفلاحون بحاجات الجند ~~من الأغذية، وبحاجات خيولهم من العلف، فيعيش الجيش على موارد الفلاحين، ولا تتحمل ~~خزانة الدولة نفقات جنودها، ولقد كان القيصر يريد قبل أي شيء آخر من نظام ~~المستعمرات العسكرية، تأسيس «حرس إمبراطوري»، يلتف حول شخصه ويدين بالطاعة التامة ~~للقيصر مباشرة، ويعيش منفصلا عن الشعب وبعيدا عنه، فيعطي الجنود (مع عائلاتهم) في ~~هذه المستعمرات الأرض لزراعتها والحيوانات لاستخدامها في فلاحتها، ويزودون بالمباني ~~لسكناهم إلخ، وأدخل القيصر هذا النظام لأول مرة سنة 1810 في مقاطعة موهيليف # Mohilev # التي أجبر كل الفلاحين بها على إخلائهم ~~والانتقال مسافة طويلة من روسيا البيضاء، حيث توجد بها موهيليف إلى مديرية أخرى ~~مقاطعة نوفوروسيسك # Novorossisk # في الجنوب على ~~الشاطئ الشمالي الشرقي للبحر الأسود، في جهات القوقاز، وفي سنة 1815 أنشأ القيصر ~~مستعمرة أخرى في ناحية فيزوتسك # Visotsk # من إقليم ~~أو مديرية نوفجرود (في الشمال الغربي)، وفي هذه المرة أبقى الفلاحون، ولكن بعد ~~وضعهم تحت سلطان قائد القوات العسكرية المطلق، وأدخل جميع أهل الناحية، من الإناث ~~والذكور في عداد المعمرين العسكريين، واعتبر الأطفال من وقت ولادتهم ملحقين بالخدمة ~~في هذه المستعمرة العسكرية، واعتبرت البنات الصغيرات زوجات في المستقبل للجنود، ~~وحرم الأهلون في المنطقة من بيوتهم وأسراتهم وعاداتهم وحرياتهم وكل حقوقهم، حتى ~~الأولية منها، وتولى أحد مستشاريه والمقربين منه؛ الجنرال أليكسيس أراكشييف # Arakchieff ~~، تنفيذ هذا البرنامج (الذي لم يكن هو ~~صاحبه أو مقترحه) بكل ما يملك من جهد وحيلة، لإنشاء سلسلة من المستعمرات العسكرية، ~~التي تتألف من «الجنود الفلاحين»، والتي كان المنتظر من وجودها وعند نجاحها، أن ~~تجعل الملكية (أي القيصرية) مستقلة عن طبقة كبار أصحاب الأراضي، ومتحررة من نفوذهم، ~~وأن يتحول بفضلها الجيش الروسي إلى «شعب مسلح»، ولم تكن هذه في ذاتها «فكرة» جديدة، ~~فقد سبق أن عمد إيفان الرابع الفظيع (1533-1584) إلى تأسيس بيروقراطية مؤلفة من ms0977 ~~طبقة من الموظفين الملتحقين بخدمة القيصر مباشرة، تتكفل الدولة بكل حاجاتهم ~~ونفقاتهم، ثم لم يلبث أن نقل إليهم في أواخر أيامه نصف أملاكه مع تخويلهم حق ~~استغلالها، وفرض ضرائب جديدة عليها، وتشغيل أهلها في أعمال السخرة، وذلك للإنفاق من ~~إيرادها على الجيش والبلاد فحسب. # وقد عرف هذا النظام باسم أوبرشنينا # Oprichnina ~~، ~~والموظفون في هذا النظام باسم أوبرشنيك # Oprichniks ~~، وكان غرض القيصر إيفان الرابع من إنشاء هذا النظام حماية ~~سلطانه، وحكومته الأوتقراطية، من طبقة كبار ملاك الأراضي، أو البويار # Boyars ~~، فأراد القيصر إسكندر الأول الآن، بإنشاء ~~هذه «المستعمرات العسكرية» أن يتحرر النظام القيصري من أي نفوذ لهؤلاء الملاك الذين ~~ما فتئوا يتذمرون من حرمانهم ثمرة «جهودهم»، كلما انتزع التجنيد الإجباري «فلاحيهم» ~~من الأرض التي يملكونها، (وبما عليها من فلاحين كذلك)، واعتقد القيصر إسكندر إذن أن ~~تدعيم الأوتقراطية القيصرية سوف يترتب حتما عن إنشاء «المستعمرات العسكرية»، وأن ~~من شأن هذا النظام عند نجاحه أن ينقل «القيصرية الإقطاعية»، التي تأسست أصلا على ~~قاعدة التمثيل الطبقي (عن النبلاء ورجال الكنيسة والمزارعين أو الفلاحين من غير ~~الأقنان، في المجالس التي كانت تدعوها القيصرية للتشاور من وقت لآخر)؛ ينقلها إلى ~~استبدادية عسكرية بحتة، وهو غرض سوف يتمكن القيصر كذلك من تحقيقه، وعلى نحو ما صح ~~عليه عزمه، بفضل فصله الضباط وجعلهم يعيشون بعيدين ومعزولين عن النبلاء في هذه ~~المستعمرات العسكرية. كما كان من المنتظر عزل الضباط النبلاء في آلايات «حرس سان ~~بطرسبرج» على حدة في الجيش الذي سوف يعاد تنظيمه. # ومع أنه كان من المستحيل نجاح مثل هذا النظام، في آخر الأمر، لسبب جوهري واحد، هو ~~اصطدامه مع رغبات «وإرادة» الجنود، والضباط، وملاك الأراضي، والفلاحين (بطبيعة ~~الحال)، وعلى حد سواء. في حين أخفقت السخرة المستخدمة في فلاحة الأرض في إنتاج ~~المحاصيل الطيبة، ولم يسفر «تدريب الجنود» عن نتائج طيبة كذلك، وكان رؤساء هذه ~~المستعمرات العسكرية يجهلون شئون الزراعة، وكثيرا ما هلك «الجنود الفلاحون» من ~~المجاعة، ومع ذلك، وبالرغم مما هو معروف عن تردد القيصر وعدم ثبوته ms0978 طويلا على شيء ~~واحد، فقد ظل إسكندر الأول متشبثا بتنفيذ مشروع «المستعمرات العسكرية»، وتحت إشراف ~~الجنرال «أراكشييف» تقدم تنفيذ هذا المشروع بكل سرعة، حتى صارت هذه المستعمرات ~~العسكرية في خلال عشر سنوات فقط منتشرة في جهات عديدة من روسيا، وحتى صارت تضم في ~~سنة 1825 (وهي آخر سني حكم إسكندر الأول) ثلث قوات الجيش الروسي تقريبا. فكانت هذه ~~المستعمرات العسكرية تؤلف «جيوشا» منفصلة، وموزعة في هذه المراكز المختلفة، ~~فبلغت (90) أورطة في مستعمرة نوفجرود، و(249) كتيبة في مستعمرات خاركوف # Kharkoff # وخرسون # Kherson ~~، إيكاتير ~~ينوسلاف # Ekaterinoslaff ~~، وكلها في إقليم الأوكرين، ويقع عبء «إعالة» كل هذه ~~القوات على عاتق أربعمائة ألف من الفلاحين، وكان القيصر إسكندر يريد تعميم هذا ~~النظام في كل روسيا، ولكن حالت وفاته دون نزول هذه الكارثة «بالفلاحين» خصوصا، ~~ولما كان القيصر بعد سنة 1815 قد أراد بقاء الجيش في الخدمة العاملة دائما، وأن ~~يكون لروسيا جيش يضاهي في عدده قوات النمسا وبروسيا مجتمعة، فقد بلغ عدد الجيش ~~العامل في روسيا في سنة 1825 حوالي؛ خمسمائة قائد وثمانية عشر ألف ضابط من الرتب ~~الأخرى، وسبعمائة وثلاثين ألف جندي. # وكان في عهد القيصر بول الأول أن أعيد تنظيم البحرية (1797)؛ بسبب شغفه بشئون ~~البحر فاتخذ لقب «أمير البحر العام»، وفي عهده تألف الأسطول الروسي من (12) بارجة ~~قوة كل منها (100) مدفع، و(26) أخرى قوة كل واحدة منها (74) مدفعا، ثم (12) تحمل ~~كل منها (66) مدفعا، وهذا إلى جانب (45) فرقاطة، وكان هذا النشاط وقتذاك موجها ضد ~~إنجلترة الدولة البحرية الكبيرة، والتي نقض القيصر تحالف روسيا معها (ومع بروسيا ~~والنمسا) ضد نابليون، ولكن لم يلبث أن تغير الموقف عند اعتلاء القيصر إسكندر العرش ~~وقل الاهتمام بالبحرية، حينما صار إسكندر من بداية عهده، وخلال أكثر سنوات حكمه ~~يطلب مؤازرة إنجلترة من جهة، ويوجه كل عنايته لتعزيز قواته (جيوشه) البرية، وفي عهد ~~هذا القيصر بدأ في سنة 1817 بناء السفن التجارية في روسيا لأول مرة، وعند وفاته ~~(1825) كانت البحرية الروسية تتألف من أسطول بحر البلطيق، من خمس بوارج، وعشر ms0979 ~~فرقاطات، وجميعها في حالة سيئة، ثم حوالي (15-20) سفينة أخرى لا تصلح للخدمة، ثم ~~أسطول البحر الأسود، وذلك كان في حالة أفضل نسبيا، ويشمل عشر بوارج وست فرقاطات ~~واثنتي عشرة سفينة صغيرة، وكلها صالحة للخدمة، ثم أسطول بحر قزوين، من خمس سفن ~~صغيرة وسبع نقالات، وأما أسطول الباسيفيكي (في بحر أوخوتسك) في # Okhotsk # في الطرف الشمالي الشرقي من سيبريا، ~~فكان من سبع نقالات فقط. # ولقد حظي الأسطول بعناية القيصر نيقولا الأول (1827-1855)؛ بسبب أن آراء هذا ~~القيصر السياسية كانت تقوده إلى الاصطدام مع تركيا وإنجلترة، ولأن النصر السهل الذي ~~أحرزته أساطيل الدول المتحالفة (روسيا، فرنسا، إنجلترة) على الأسطول العثماني ~~المصري في مياه نقارين (1827) جعله يتحمس لبناء أسطول روسي كبير. فبلغت قوة أسطول ~~بحر البلطيق في سنة 1830؛ ثماني وعشرين بارجة، وسبع عشرة فرقاطة، وأسطول البحر ~~الأسود؛ إحدى عشرة بارجة وثماني فرقاطات، ومع ذلك فقد كانت دراية رجال هذه الأساطيل ~~وكفاءة ملاحيها دون المستوى المطلوب في فنون البحر والملاحة، كما كانت قدرة الأسطول ~~نفسه الحربية موضع شك كبير. # ولقد كانت تهيمن على إدارة شئون الحكم - هيمنة ظاهرية ولا شك - ثلاث هيئات إدارية ~~هي؛ مجلس الدولة، ومجلس الشيوخ، ولجنة الوزراء، وتأسس مجلس الدولة سنة 1801 ليضطلع ~~أصلا بشئون التشريع والقضاء، ولكن لم يلبث أن جعلت وظائفه في سنة 1804 مقصورة على ~~مسائل التشريع. حتى إذا وضع سبرانسكي مشروعه المعروف للإصلاح بتكليف من القيصر (في ~~سنة 1809)، كان من المنتظر أن يكون لهذا المجلس شأن كبير في الإصلاحات الدستورية ~~وتلك المتعلقة بالملكية (أو القيصرية) في الإمبراطورية، ولكن بسقوط سبرانسكي ~~(1812) بقي مجلس الدولة هيئة مختصة بشئون التشريع، ولو أن نشاطه كان على وجه الخصوص ~~نشاطا علميا (أكاديميا)، حيث عنى بجمع القوانين وتنظيمها في مجموعة قانونية ~~واحدة، وذلك عمل استغرق سنوات عديدة، وتكلف نفقات وجهودا طائلة، ثم تبين في ~~آخر الأمر أنه يكاد يكون عديم القيمة. فقد تشكلت لجنة جمع القوانين في سنة 1804 - ~~وكانت هذه هي العاشرة من نوعها منذ سنة 1700 - واستطاعت بعد سنوات عديدة ms0980 إنجاز ~~ثلاثة أقسام فحسب من مشروع القانون المدني، وهي الخاصة بالأشخاص والأشياء ~~والالتزامات ، ولكن لم يلبث أن توقف هذا العمل عند عرض مشروع هذه القوانين على مجلس ~~الدولة، ثم تعطل العمل نهائيا بعد سنة 1815، وفيما عدا التظاهر بإعداد مجموعة ~~قوانين الدولة هذه، لم يبد من جانب مجلس الدولة في هذا الوقت أي نشاط آخر؛ بل إن ~~هذا المجلس لم يكن له نفوذ ما في توجيه شئون الحكم أو معالجة مشكلات سياسة البلاد ~~الداخلية. # وكانت اختصاصات مجلس الشيوخ الرئيسية إدارية وقضائية معا، وبصورة كان يجب أن تجعل ~~من هذا المجلس «محكمة استئناف عليا» من ناحية، وتخوله الحق كأداة حكومية في الإشراف ~~الرئيسي على الإدارة من ناحية أخرى، ولكن هذا المجلس استمر يفقد تدريجيا ما كان ~~له من سمعة طيبة، وذلك ابتداء من عهد بطرس الأكبر، حتى لم يعد له شأن ما أيام ~~القيصر إسكندر، فأصبح على أيامه خاضعا لرئيسه؛ وزير العدل، الذي كان «عين ~~الإمبراطور»، ولم يعد لمجلس الشيوخ أية أهمية سياسية؛ بل إنه صار عاجزا عن تأدية ~~وظائفه القضائية بصورة مرضية. فكان المجلس يتألف مناصفة من بين القواد العسكريين ~~القدامى الذين تركوا الجيش، ومن بين قدامى الموظفين، الذين تقدمت بهم السن وصاروا ~~لا يصلحون لخدمة الدولة، ولم يكن الشيوخ من الفريقين - إلا في حالات نادرة - حريصين ~~على تأدية واجباتهم، أو يواظبون على الحضور، كما كانوا يجهلون القوانين، ولا خبرة ~~لهم في تصريف الشئون العامة، وكثيرا ما كانت تنظر القضايا في هذا المجلس أمام ~~شيخين، أو أمام شيخ واحد فقط، وأدى جهل الشيوخ بالقانون إلى استئثار موظفي المجلس ~~بالفصل في القضايا، حتى صار هؤلاء هم الذين يقومون بوظائف الشيوخ القضائية؛ فأتيحت ~~الفرصة لانتشار الرشوة، وتراكمت القضايا التي لم يفصل فيها المجلس، من سنة إلى ~~أخرى. ثم إن مجلس الشيوخ لم يقم بتأدية وظيفته الرئيسية، وهي وضع القوانين، فظل ~~يتأجل استصدار القوانين (الأوامر) القيصرية # Ukases # سنوات طويلة، (خمسة عشر عاما في إحدى الحالات)، كما تعطل وضع القوانين التي ~~يستصدرها مجلس الشيوخ موضع ms0981 التنفيذ بسبب سوء التنظيم الإداري، فبلغ عدد القوانين أو ~~الأوامر القيصرية التي أصدرتها المصالح المختلفة إلى جانب مجلس الشيوخ؛ ما يزيد على ~~خمسة آلاف بين سنتي 1805 و1819، لم يكن حتى سنة 1822 قد تنفذ منها قانون واحد، ولقد ~~نشط مجلس الشيوخ في «التفتيش» على الإدارة في المديريات، وذلك في السنوات التي تلت ~~استتباب السلام (بعد الحروب النابليونية) عندما كان القيصر إسكندر لا يزال متحمسا ~~لإصلاح مساوئ الإدارة، ومع ذلك فقد كان الشيوخ المكلفون بهذه الجولات التفتيشية ~~يجهلون الأوضاع المحلية، ولا يحاولون معرفة أسباب هذه المساوئ الإدارية، فكان ~~تفتيشهم «سطحيا»، ولم يكن يسفر عن نتيجة غير استقالة حاكم المقاطعة وتعيين آخر ~~محله كثيرا ما كان أردأ من سابقه، وذلك في الحالات التي قد «تثمر» فيها هذه ~~الجولات التفتيشية. # وأما لجنة الوزراء، فقد تأسست في سنة 1802، ولم تكن هذه هيئة ذات كيان مستقل ~~وخاص بها؛ بل كانت «معبرا» يقدم الوزراء بالاشتراك فيما بينهم تقاريرهم إلى القيصر ~~بطريقه، ولم تلبث هذه اللجنة أن نالت سلطات أوسع عندما خرج القيصر للاشتراك في حملة ~~سنة 1805 (ضد نابليون)، ثم صار لها في سنة 1808 حق الإشراف البوليسي الكامل على ~~شئون الأمن العام، وعندما خرج القيصر في حملة 1812 أعيد تنظيم لجنة الوزراء، ~~وتعين لها رئيس دائم، كما انضم إليها رؤساء المصالح في مجلس الدولة والحاكم ~~العسكري لبطرسبرج، ومع ذلك فإن لجنة الوزراء هذه لم تلبث أن فقدت أهميتها لدرجة ~~كبيرة بعد انتهاء حروب نابليون (1815)، فصار القيصر يطلب من كل وزير تقديم تقريره ~~عن وزارته، على حدة، وعلى نحو ما كان متبعا في الماضي، ولم يعد القيصر يحضر جلسات ~~اللجنة، وهكذا لم تعد لجنة الوزراء، الهيئة التي تتركز بها السلطة العليا في ~~الدولة؛ ولقد كان ذلك هو الغرض الأساسي الذي أنشئت من أجله هذه اللجنة، وصار ~~الوزراء يؤثرون عرض مسائلهم وتقاريرهم على القيصر مباشرة، بدلا من تقديمها للجنة؛ ~~ولقد ترتب على ذلك أن أصبحت لجنة الوزراء مجرد أداة من أدوات البيروقراطية القيصرية ~~تتحمل الدولة بسببها ms0982 نفقات طائلة، ولا تفيد شيئا من وجودها، ومع ذلك فقد بقيت ~~الوزارات التي تأسست منذ 1802، تحتفظ بذلك التنظيم الذي أدخله عليها «سبرانسكي» في ~~سنة 1811. فكان لكل وزارة مجلس وزاري من رؤساء المصالح التابعة لها وكبار موظفي ~~الوزارة، ومهمته التشاور مع الوزير. وبلغ عدد الوزارات ثمانية؛ الخارجية، ~~والداخلية، والحرب، والبحرية، والتعليم، والمالية، والقضاء والبوليس، في حين جعلت ~~مصلحتا الأشغال العامة والمراقبة المالية من درجة هذه الوزارات، وانفردت بمركز خاص ~~كل من إدارة البلاط الإمبراطوري وإدارة الشئون الكنسية. وفي سنة 1820 ضمت وزارة ~~البوليس إلى وزارة الداخلية، وفي سنة 1826؛ تحددت اختصاصات سلطات الوزارات رسميا ~~بالصورة التي بقيت متبعة إلى أوائل القرن التالي، وفي رأي كثيرين، لم يكن يوجد من ~~بين الوزراء الذين شغلوا مناصبهم في عهدي إسكندر الأول ونيقولا الأول، من يمكن ~~وصفه بالذكاء أو قوة الشخصية الحقيقية، وذلك إذا استثنينا «كابوديستريا» الذي تولى ~~وزارة الخارجية حتى سنة 1822. # وفي الأقاليم، كان يرأس «الحكام» أو المديرون الإدارة المحلية في المقاطعات، ~~تعاونهم المجالس والمحاكم، ويشرف مديرو البوليس على أعمال الشرطة في المدن الرئيسية ~~في المديريات، والمأمورون في المراكز، وضباط البوليس ~~الريفيون # Ispravnik # في النقط الريفية، وقد استمر العمل بهذا النظام في عهد ~~إسكندر الأول ابتداء من سنة 1815 إلى نهاية أيامه، وكان إسكندر متأثرا في هذا ~~النظام بفكرته القائلة بضرورة تقسيم إمبراطوريته الواسعة إلى وحدات إدارية ذات ~~استقلال داخلي، وهي نفس الفكرة التي ارتبطت ارتباطا وثيقا بأغراضه من التنظيم ~~«الدستوري» الذي أراده لروسيا ومشروعاته الخاصة بتوسع «مملكته» في بولندة التي أراد ~~أن يضم إليها على الأقل أجزاء من مقاطعات ليتوانيا # Lithuania ~~، وبعد سنة 1815، كانت هناك اثنتا عشرة «حكمدارية» ~~عسكرية من هذا الطراز. على أنه كان كذلك يوجد إلى جانب هذه الحكمداريات العسكرية ~~الاثنتي عشرة، أقاليم ذات إدارات خاصة بها؛ مثل مملكة بولندة، وغراندوقية فنلندة، ~~ثم مقاطعة بيالستوك # Bialystok # التي ضمت في سنة ~~1807، ثم أدمجت بعد سنوات عدة (1842) في مقاطعة جردنو # Grodno ~~، وكذلك الإدارة العسكرية في القوقاز، وإقليم قوزاق نهر ~~دون # Don ~~، وأخيرا الإدارة العسكرية ms0983 المنفصلة ~~في كل من بطرسبرج وموسكو. # والرأي متفق على أن الفساد كان مستشريا في كل فروع الإدارة في هذه الإمبراطورية ~~الواسعة؛ فالوظائف العامة تباع وتشترى، ولا يشغلها غير الذين لهم القدرة على دفع ~~أكبر ثمن لها، أو يعتمدون على توصية من صاحب جاه أو نفوذ، وكانت الرشوة ضاربة ~~أطنابها في كل فروع الإدارة ووظائفها، وتعتبر موردا هاما للرزق لطائفة ضخمة من ~~الموظفين الذين يتناولون المرتبات الضئيلة، ولم يطرأ تغيير على فئات المرتبات، التي ~~حددت منذ سنة 1772 بالرغم من ارتفاع نفقات المعيشة وانخفاض قيمة النقود (قوتها ~~الشرائية)، وانعدمت الرقابة كلية، بل كان الحكام (المديرون)، أصحاب السلطان المطلق ~~في مديرياتهم، والذين لم يكونوا مسئولين إلا أمام القيصر نفسه، يرتكبون كل أنواع ~~المخالفات والجرائم. وأسوأ مثال يحتذي به الموظفون تحت إدارتهم، فهم ينهبون الخزانة ~~العامة في مقاطعاتهم، ويبتزون الأموال من الأهلين، ويرغمونهم على تقديم الرشوة لهم، ~~وضج الأهلون، وكثرت شكاياتهم؛ فقامت لجان للتفتيش على أعمال الحكام، في السنوات ~~القليلة التالية لسنة 1815، فأسفر تفتيشها عن عزل بعض الحكام وتقديمهم للمحاكمة، ~~ومع ذلك فقد خلفهم حكام كانوا أسوأ من سابقيهم وخشي الناس من انتقام الرؤساء، ~~فامتنعوا عن الشكوى، وإن كان الحال قد زاد سوءا، ويذكر المؤرخون مثالا على مبلغ ~~ما وصل إليه الفساد، ما يعرف باسم «إيراد الفودكا» أو الدخل المتحصل من إقبال ~~الأهلين على شربها، فقد صار ملتزمو هذا الشراب الأثرياء يرشون الحكام أو المديرين؛ ~~حتى يتعاونوا معهم على ترويج الفودكا، من جهة، واختلاس قسم كبير من الأموال ~~المتحصلة من بيعها، من جهة أخرى. فلم تلبث الحكومة أن احتكرت في سنة 1819 هذا ~~الشراب في المديريات الرئيسية حتى تعوض خسارتها، ومن ذلك الحين أبدت الحكومة نشاطا ~~كبيرا في جعل الأهلين يشربون ويسكرون، فأنشأت المحال العامة، والحانات، وصالات ~~الرقص والموسيقى، والبلياردو في كل مكان، ولم يعدم الحكام أو المديرون الوسيلة التي ~~جعلتهم يستفيدون من هذا النشاط الحكومي، فكان صنائعهم هم الذين يديرون هذه المحال ~~العامة والحانات إلخ، كما صاروا يتفقون سرا مع ملتزمي «الفودكا» ms0984 السابقين على ~~إدارة هذه المحال، ووقع العبء على كاهل الأهلين، الذين دفعوا عن مشروب الفودكا الذي ~~ارتفع حتى بلغ الضعف، وعندئذ لم تجد الحكومة مناصا من إلغاء احتكار الفودكا (سنة ~~1827) والعودة إلى نظام الالتزام. # وحذا صغار الموظفين ورجال الإدارة حذو كبارهم، فصاروا ينهبون ويسرقون الناس دون ~~شفقة أو رحمة، ولم يكن هناك أي رجاء في أن ينال متقاض حقه إلا إذا دفع رشوة كبيرة ~~للقضاة، سواء في المحاكم الصغيرة، أو أمام المحكمة العليا، واستولى المسئولون عن ~~«السجون» على الأموال المخصصة للإنفاق على المسجونين بها، فعاش هؤلاء الأخيرون في ~~شقاء، حيث كادت تكون أبنية السجون مهدمة خربة تماما، ويعيش نزلاؤها على إحسانات ~~الناس وصدقاتهم، وأما هذه السجون القذرة والمخربة فكانت تضم إليها الرجال ~~والنساء والأطفال، دون تمييز نوع الجرم الذي ارتكبوه، ودون أن تعزل فريقا عن فريق. ~~وحدث في سنة 1818 أن حضر إلى بطرسبرج اثنان من أتباع مذهب الكويكرية، هما ~~وليم ألن # William Allen ~~، جريل دي موبيليه # Grelle de Mobillier # لزيارة سجون روسيا، ~~فاستبد بهما الفزع من حالة السجون لدرجة أنهما أبلغا القيصر نفسه نتيجة مشاهدتهما ~~لعله يفعل شيئا لإدخال الإصلاح اللازم، ومع أن إسكندر أبدى اهتماما زائدا ~~بأقوالهما، إلا أن شيئا لم يحدث لتغير نظام السجون في روسيا. # وفي هذا الوقت، كان أكثر من ثلثي سكان روسيا من أتباع الكنيسة الأرثوذكسية، فبلغ ~~عدد الأهلين الأرثوذكس في سنة 1825 (نهاية عهد إسكندر الأول) حوالي 34 مليونا (عدا ~~الجيش)، أما عدد القساوسة والرهبان فبلغ 115700، عدا الراهبات وعددهن 5300، وبلغ ~~عدد الكنائس 27000 منها 450 كتدرائية، وحوالي 800 معبد صغير. أما الأديرة للرهبان ~~فكانت 377، وللراهبات 99، وبلغ عدد المعاهد العليا الكنسية ثلاثة، والكليات ~~الإكليرية 39، والمدارس الكنسية بمختلف أنواعها 298، وعدد تلاميذها 45000، وبلغت ~~قيمة الأموال التي كانت في يد الكنيسة الأرثوذكسية للإنفاق منها على التعليم: ~~10500000 روبل، في حين بلغ ما تنفقه الكنيسة سنويا حوالي 900000 روبل، وكانت هناك ~~أربع رسالات تبشيرية في أوسيتيان # Ossetian # في ~~القوقاز، وفي ساموييد # Samoyede # في أركانجل # Archangel ~~، وفي سيبريا، ثم ms0985 في بكين في الصين، ~~وكانت الصينية والمنشورية تستخدمان للتعليم في هذه البعثة أو الإرسالية التبشيرية ~~الأخيرة، كما كانت تقوم بدور سياسي كذلك. # وعاشت الغالبية العظمى من هؤلاء القساوسة الأرثوذكس عيشة بؤس وتأخر، من النواحي ~~الخلقية، والذهنية (الثقافية)، والمادية، ولما كان المتزوجون منهم أصحاب أسرات ~~كبيرة ، فقد عاشوا هم وأولادهم في فقر، تخيم عليهم الجهالة، وكانوا في أبرشياتهم ~~موضع ازدراء الناس وتحقيرهم. وكان في سنة 1802 فقط أن صدر أمر قيصري يمنع توقيع ~~العقوبة البدنية على القساوسة، ومنذ 1808 صدر أمر آخر لمنع توقيعها على زوجاتهم، ~~وكان الرهبان على وجه الخصوص، أكثر تنورا من سائر رجال الدين، ثم إنهم كانوا على ~~جانب من القوة، أمكنهم بفضله أن يحموا أموال الأديرة وأملاكها من أن تمتد إليها ~~أيدي السلطات الزمنية، ومع ذلك فقد كان كبار رجال الدين (والكنيسة) الذين نشئوا بين ~~هؤلاء الرهبان، وتولوا الزعامة، من الذين عرفوا بالجشع، والتعصب، والطموح ~~المتطرف. # وكان مجمع الكنيسة # Synod # هو صاحب السلطة الكنسية ~~العليا، ومنذ إنشائه في سنة 1721 بقي هذا المجمع خاضعا - في الظاهر على الأقل - ~~خضوعا كليا للسلطات الزمنية الحكومية، وفي عهدي كاترين الثانية (1762-1796)، ~~وبول الأول (1796-1801) فرضت عليه «الحكومة» رقابة فعالة، ولو أن «المجمع المقدس» ~~كان لا يني يطمح سرا في التحرر من كل سلطان حكومي عليه، والظفر باستقلاله، بل وأن ~~يكون له نفوذ على الحكومة ذاتها، وكان سيرافيم # Seraphim # رئيس أساقفة تفير # Tver ~~(ثم موسكو، وأخيرا بطرسبرج، ورئيسا للسنيود حتى سنة 1843) أبرز من يمثل هذا ~~الاتجاه من رجال «مجمع الكنيسة»، وكان ضيق الأفق، معروفا بشدة التعصب، كما كان ~~«سياسيا» ماهرا، استخدم أداة لتنفيذ أغراضه الأرشمندريتي فوتيوس Photius ~~، من رجال الدين الذين اشتهروا بالعبادة ~~والورع، وكان صاحب أطماع واسعة، عرف بالمكر والدهاء، ومع ذلك فقد ضم «مجمع ~~الكنيسة» رجلا من طراز آخر، هو فيلاريت Philaret ~~، ~~رئيس أساقفة ياروسلاف # Jaroslaff ~~، ثم منذ 1821 ~~موسكو)، وكان صاحب ثقافة عالية ويدين بآراء حرة، ويؤمن بضرورة إصلاح الكنيسة، ~~ولكنه في الوقت نفسه لم يكن له نفوذ، ms0986 ثم لم يلبث «فوتيوس» أن اتهمه بأنه من ~~«الماسونيين»، كما اتهمه «سيرافيم» بأنه خارج على الأرثوذكسية، وصاحب ميول ~~لوثرية. # وأراد إسكندر إصلاح الكنيسة، وإزالة المساوئ التي شكا منها الأهلون، الذين استغلهم ~~القساوسة والرهبان أسوأ استغلال، كما أراد أن يعين لرجال الدين مرتبات ثابتة، ~~وأن تعنى الحكومة برفع مستواهم الروحي والذهني، وبالفعل بدأت الحكومة تدفع المرتبات ~~لهؤلاء منذ سنة 1814، وفي سنة 1812 تأسست بمعاونة القيصر «جميعة للكتاب المقدس» على ~~غرار جمعية «الكتاب المقدس البريطانية»، ونجحت هذه الجمعية في أعمالها، فأخرجت خلال ~~السنوات التسع الأولى من حياتها (129) طبعة للكتاب المقدس، بلغ عدد نسخها (675000)، ~~وحاولت الحكومة إخضاع النظام الإداري الكنسي لرقابتها، فصدر أمر في سنة 1817 لإصلاح ~~هذه الإدارة ووضعها تحت إشراف وزارة التعليم، وهي التي أشرف وزيرها جاليتزين # Galitzin # كذلك مباشرة على «مجمع الكنيسة» بعد ~~أن أعيد تنظيمه، ومما يجدر ذكره أن القيصر إسكندر الذي عرفنا أنه كان متأثرا ~~«بصوفية» مدام دي كرودبز، في ميوله الدينية في هذا الوقت، لم يلبث أن أنشأ صلات مع ~~«روما» وعين سفيرا مقيما لدى الكرسي البابوي، وفي سنة 1818 أبرم اتفاقية دينية ~~(كونكردات) مع البابا «بيوس السابع» تأسست بمقتضاها رياسة أساقفة «كنيسة» وارسو، ~~وصار تنسيق العلاقات بين الكنيستين (الأرثوذكسية والكاثوليكية) في رئاسة أساقفة ~~«موهيليف»، ويبدو أن فكرة اتحاد الكنيستين كانت تجول في ذهن إسكندر - وكانت قد بدأت ~~جديا في عهد القيصر بول - ولو أن إسكندر لم يكن يدرك الصعوبات التي تعترض إخراج ~~هذه الفكرة إلى حيز الوجود، ومع ذلك فإن القيصر لم يلبث أن نبذ ظهريا حتى تلك ~~القرارات «المتواضعة» التي اتخذت لتنظيم شئون الكنيسة الأرثوذكسية. # فقد كان المنتظر أن يلمس «مجمع الكنيسة» في الإجراءات التي سبقت، خطرا يتهدد ~~السلطة الكهنوتية القائمة؛ ولذلك فإنه سرعان ما دخل في نضال عنيف مع الحكومة، وتولى ~~«سيرافيم» قيادة هذا النضال، كما كان أكبر الذين حرضوا عليه، وثابر على استثارة ~~الشعور ضد الإصلاح من سنوات مضت بين أفراد طبقات المجتمع العليا، المعروفين ~~بالرجعية، واستخدم «فوتيوس» للتأثير على القيصر. فما إن ms0987 تغيرت ميول القيصر الحرة، ~~حتى انتهز «فوتيوس» الفرصة لمقابلة القيصر (سنة 1822)، والتنديد ليس بأنصار الإصلاح ~~فحسب، مثل الوزير «جاليتزين»؛ بل وبالحركة المؤيدة لحرية الرأي، وجمعية الكتاب ~~المقدس، والجمعيات السرية عموما، وبالكاثوليك، واللوثريين، والمتصوفين، ووصف ~~كل هؤلاء بالخيانة والعداء «للعرش والمذبح»، ومع أن القيصر لم يشأ أن يرضخ لادعاءات ~~«فوتيوس»، فقد تغلبت طبيعته المترددة، وكان من المتعذر عليه نسيان أنه إنما اعتلى ~~العرش على جثة والده المقتول، وعلى ذلك، فقد عاود «سيرافيم» الهجوم ضد «جاليتزين» ~~في مقابلة مع القيصر في مايو سنة 1824، متهما الوزير بالعداء ضد الأرثوذكسية ~~ومطالبا بطرده، وعبثا حاول القيصر الدفاع عن «جاليتزين» ليس بوصفه أحد رعاياه ~~فحسب؛ بل بوصفه صديقا له. وأصر «سيرافيم» على موقفه، فأخرج القيصر «جاليتزين» ~~من الوزارة، وعين مكانه وزيرا رجعيا هو شيشكوف # Shishkoff ~~، وكان القيصر قبل ذلك قد أصدر أمرا في أغسطس 1822 بحل ~~كل الجمعيات السرية والمحافل الماسونية، وفي 24 مايو 1824 صدرت إرادة قيصرية ~~استعاد «مجمع الكنيسة» بفضلها المركز الذي كان يتمتع به قبل سنة 1817، وذلك حتى يتم ~~إنشاء وزارة للشئون الكنسية، (ولو أن هذه الوزارة لم تنشأ إطلاقا). وأما جمعية ~~الكتاب المقدس، فقد اتهمها «سيرافيم» في ديسمبر 1824 بأنها على صلة بالجمعية ~~البريطانية للكتاب المقدس، فأوقف نشاطها، ثم ألغيت في سنة 1826 بعد وفاة إسكندر، ~~وكان في عهد القيصر نيقولا الأول أن استأنفت الكنيسة الأرثوذكسية، على نطاق واسع، ~~إرغام أتباع الكنائس الأخرى على اعتناق الأرثوذكسية؛ أي استئناف ذلك النشاط ~~«التبشيري» الذي كان قد أوقف منذ وفاة كاترين الثانية، ولقد كان لنجاح الرجعية ~~الكنسية خلال السنوات الأخيرة من عهد إسكندر الأول أكبر الأثر على توجيه السياسة ~~الداخلية في روسيا في المستقبل، كما أنه كان لها بطريقة غير مباشرة أسوأ الأثر على ~~مملكة بولندة، وعلى تشكيل العلاقات البولندية الروسية. ~~(3) المجتمع الروسي «الإقطاعي» # وكانت دعامة المجتمع الإقطاعي في روسيا تتألف من الأقنان (رقيق الأرض) في أحد ~~طرفيه، ومن طبقة النبلاء في الطرف الآخر. # ويقوم نظام رقيق الأرض على الأوامر التي أصدرها بطرس الأكبر سنة ms0988 1719، ثم القيصرة ~~الياصابات سنتي 1842، 1847 (وهي المتعلقة ببيع الأقنان للخدمة في الجندية)، وسنة ~~1760 (بشأن نفي الأقنان إلى سيبريا على يد أسيادهم)، ثم القيصرة كاترين الثانية في ~~سنتي 1765، 1767، ولقد زادت حال الفلاحين الروس سوءا؛ بسبب تقسيم بولندة المعروف ~~في سنوات 1772، 1793، 1795، والذي نجم منه توزيع الأرض بما عليها من أقنان. أضف إلى ~~هذا أن كاترين الثانية والقيصر بول الأول، كانا قد درجا على إعطاء المقربين إليهما ~~وكبار الضباط (والموظفين) هبات من الأرض والأقنان، فبلغ عدد الأقنان الذين «وهبوا» ~~بهذه الصورة حوالي خمسة ملايين نسمة، كان القسم الأكبر منهم من الفلاحين التابعين ~~للتاج، ومع أن هؤلاء كانوا في السابق أحسن حالا نسبيا من سائر الفلاحين ~~(والأقنان) فقد تدهورت حالهم الآن. فتبين أن الفلاحين التابعين للتاج في مقاطعة ~~«قازان» في سنة 1818 قد دفعوا في سنة واحدة ضرائب غير قانونية قيمتها 400000 روبل، ~~إلى جانب 200000 روبل دفعت كرشاوى، وذلك ما عدا ما أخذ منهم عينا، كتسخيرهم في ~~العمل ونقل الأثقال ... إلخ دون أجر. وعاش الفلاحون (والأقنان) الذين في حوزة أصحاب ~~الأرض، عيشة بؤس وتعاسة، عندما كان أكثر الملاك قد أدركهم الإفلاس، وأرادوا تغطية ~~مراكزهم ببيع ما لديهم من أقنان وتسخير ما كان متبقيا منهم في العمل دون أجر، ثم ~~السماح للأقنان الذين يزيدون عن الحاجة بالذهاب إلى أي مكان يشاءون العمل به على ~~شرط أن يدفع له هؤلاء مبلغا معينا سنويا، ويسمى هذا النظام الأخير ~~بالأوبروك # Obrok ~~، وفي بعض الأماكن بلغت قيمة ~~هذا «الأوبروك» - أي المبالغ المدفوعة تبعا لهذا النظام - (135) ألف روبل، وذلك في ~~سنة 1816، وكان الأقنان يباعون حسب مشيئة المالك، فتتوزع أفراد الأسرة الواحدة ~~منهم على عدة مشترين، وهلك سنويا عدد عظيم من الأقنان الذين عملوا في فلاحة ~~الأرض، ثم في المصانع التي تأسست في هذا الحين، نتيجة القسوة والعقوبات الوحشية ~~التي وقعت عليهم، وحبسهم في سجون تحت سطح الأرض، وضربهم بالسياط حتى الموت، وهكذا، ~~ولقد ثبت أن الأقنان الذين في حوزة كبار رجال الحكومة، وأصحاب الشهرة الواسعة من ~~الفلاسفة والمفكرين ms0989 والسياسيين في الدولة، كانوا يلقون من صنوف التعذيب وسوء ~~المعاملة ما كان يلقاه إخوانهم الآخرون عادة، حتى إن تولستوي # Tolstoi # نفسه كان من زمرة الذين أثبت التفتيش الذي حدث بعد سنة ~~1815، أن الأقنان الذين في أملاكهم، يعيشون في شظف وبؤس، وفي تعذيب مستمر. # وكان أقسى هؤلاء الملاك الذين ساموا الأقنان العذاب، محظي القيصر، أراكشييف وتضرب ~~بقسوته الأمثال، ذلك بأنه خول عشيقته نستاسيا منكين # Nastasia Minkin # سلطة التصرف المطلق ليس في المستعمرات العسكرية ~~التي تحت إدارته فحسب ، بل وفي كل أملاكه الواسعة كذلك، فحكمت هذه السيدة الأقنان ~~بيد من حديد، وسامت النساء على وجه الخصوص كل صنوف العذاب، وانتقم منها شقيق إحدى ~~هؤلاء النسوة بأن طعنها بخنجر قضى على حياتها. فأطلق القيصر يد محظيه «أراكشييف» في ~~الانتقام لقتل معشوقته، فأعدم القاتل ثم اثنين وعشرين فلاحا من الأبرياء، بدعوى ~~أنهم شركاء للقاتل، وذلك بدون محاكمة وبعد أن عذبهم جميعا تعذيبا شديدا (1825)، ~~ولقد وصف بزتوزيف # Bestuzheff ~~، وهو أحد الوطنيين ~~الروس الذين اشتركوا في حركة ديسمبر - وسيأتي الكلام عنها في موضعه - الحال التي ~~وصل إليها الأقنان في روسيا في ذلك الحين، فذكر (في سنة 1826) أن الملاك كانوا ~~يرغمون الفلاحات على احتضان الجراء من كلاب الصيد لإرضاعها بألبانهن، وقال: إن ~~الزنوج في المزارع الواسعة في أمريكا كانوا قطعا أكثر سعادة في عيشهم من الأقنان ~~في روسيا. # ولم يكن للإجراءات التي اتخذها القيصر إسكندر الأول، من أجل تحسين أحوال الفلاحين، ~~سوى آثار ضئيلة؛ من ذلك قانون صدر في سنة 1803 يجيز لأصحاب الأملاك تحرير أقنانهم ~~وإعطاءهم الأرض في الوقت نفسه. فقد تبين أن عدد الملاك الذين مارسوا هذا الحق ~~خلال نصف قرن (1805-1855) كانوا حوالي 384 فقط، وعدد الأقنان الذين تحرروا كانوا: ~~(116) ألفا، وكان النبلاء البولنديون هم أول من حاول تنفيذ هذا القانون، بإعطاء ~~الأرض إلى الأقنان، وذلك في سنة 1807 على أثر تسليم مقاطعة بياليستوك لبروسيا، ولكن ~~لم يلبث هذا العمل أن قوبل بالرفض من جانب الحكومة، وفي سنة 1810 أراد «سبرانسكي» ~~وضع قيود على ms0990 الرق، ولكنه لم يتقدم بمقترحات جدية، ولم يصدر قانون لتنفيذها. ~~ولقد اهتم القيصر إسكندر بعد سنة 1815 بمشكلة رقيق الأرض، وخصوصا بعد إنشاء مملكة ~~بولندة، حيث قد صار عليه معالجة موقف نشأ عن وجود «فلاحين» لا يمتلكون أرضا، ~~ولكنهم محررون من الرق فعلا، وكان الأمر القيصري الذي صدر في يونيو 1816، خاصا ~~بإلغاء الرق في مقاطعة إستونيا # Esthonia ~~، لا يشمل ~~تقرير مصير الأرض، بل خول الفلاحين والملاك حق الاتفاق فيما بينهم على تعيين ~~صلاتهم القانونية مع بعضهم بعضا، وفي سنة 1817 انتقل أثر هذا الأمر القيصري إلى ~~مقاطعة كورلاند # Courland ~~، ثم إلى ليفونيا # Livonia # في سنة 1819، ومنذ 1818 صدر أمر إلى ~~الحاكم العام في ليتوانيا ليتبين رأي أصحاب الأراضي بشأن إلغاء رق الأرض، وعمد ~~النبلاء البولنديون بناء على ذلك، في دياط فيلنا # Vilna # في السنة نفسها إلى إعداد خطة لتحرير أقنانهم، وألفوا ~~وفدا لمقابلة القيصر لهذه الغاية، ولكن المسئولين أغفلوا هذه «الخطة»، فلم توضع ~~موضع التنفيذ، ومع ذلك فقد أدت إلى استصدار أمر قيصري في 2 مارس 1818، بشأن «مقاطعة ~~مينسك # Minsk # والمقاطعات الأخرى المأخوذة من ~~بولندة»، والتي نال فيها الفلاحون بفضل هذا الأمر القيصري بعض المزايا، مثل؛ حرية ~~التصرف في محاصيلهم، وبيعها كما يشاءون، وجعل السخرة مقصورة على أيام معينة، وفي ~~الوقت نفسه كلف القيصر، قبل ذهابه لحضور اجتماع الدياط في وارسو في بداية سنة ~~1818 مستشاره الكونت «أراكشييف» أن يضع مشروعا لتحرير الفلاحين من رق الأرض، وذلك ~~بأن تقوم «الخزانة» تدريجيا بشراء هؤلاء الفلاحين «الأقنان» مع الأرض التي يعيشون ~~عليها، وتشكلت لجنة لهذا الغرض، ولكن صعوبات عديدة حالت دون نجاح هذا المشروع، ~~فلم تلبث أن وقفت اللجنة أعمالها. فكان مشروع تحرير رقيق الأرض أحد المشاريع أو ~~الإصلاحات «الحرة» التي عنى بها القيصر إسكندر في هذه السنوات الأربع (1816-1820) ~~التي تميزت بالأوامر والقوانين «الحرة» التي ما يكاد القيصر يصدرها حتى يتخلى ~~عنها، وهكذا لم تسفر كل هذه الإجراءات عن شيء، وسارت الأمور على منوالها القديم؛ أي ~~إن الفلاحين الروس بقوا يرسفون ms0991 في أغلال الرق والعبودية خمسين سنة أخرى، وبقوا ~~يعيشون في بؤس وضنك إلى وقت قيام ثورة أكتوبر 1917. # ومن بين سكان المدن، «والطبقة المتوسطة» الذين بلغ عددهم وقتئذ مليونا ونصف ~~المليون كان حوالي المائة ألف من التجار الذين تضمهم النقابات الروسية، وكانت ~~«الأسواق» الكبيرة هي مراكز التجارة الداخلية في روسيا، مثل سوق ماكارييف # Makarieff ~~، الذي انتقل بعد ذلك إلى نجيني نوفجورود # Nijni-Novgorod ~~، ومثل أسواق رومني # Romny ~~، وإربيت # Irbit ~~، ولقد أمكن تشجيع عدد من الصناعات، على غرار ما حصل في ~~بولندة، وخصوصا صناعة المنسوجات، لسد حاجة الجيش، كما تقدمت بعض الشيء المصنوعات ~~الحديدية، وقامت مصانع للحديد في ديميدوف # Demidoff # وبيرد # Berd ~~، وأبدى حفنة من الوزراء نشاطا ~~ملحوظا في هذا الميدان، كان منهم: وزير الداخلية «كوزو دفليف # Kozodaveff ~~»، ووزير المالية كانكرين # Kankrin ~~، ولكن لم يلبث أن أدى تشجيع الصناعة إلى ~~إضاعة الأموال الطائلة دون مقابل؛ بسبب الفساد والرشوة المنتشرين في أعمال الحكومة، ~~عند توزيع المنح المالية لمعاونة المشتغلين في الصناعة، فلم تستفد الصناعة شيئا من ~~هذه المعاونة الحكومية. أضف إلى هذا أن التجارة الخارجية تأثرت بالحروب المستمرة ~~تأثيرا سيئا. فلم تكن تزيد الواردات في سنة 1812 على ما قيمته 22 مليونا من ~~الروبلات الفضية، والصادرات عن 37 مليونا، وبلغت الواردات في سنة 1814 ما قيمته: # مليونا (بما في ذلك أربعة ملايين روبل أنفقت على الأنبذة ~~المستوردة والغالية الثمن)، وكانت قيمة الصادرات 49 مليونا. على أنه لم تلبث أن ~~لوحظت زيادة مطردة في التجارة الخارجية بعد ذلك، فبلغت قيمة الواردات 42 مليونا، ~~والصادرات 74 مليونا من الروبلات (الريالات) الفضية، وكان نصف الصادرات من ~~القمح. # وأما النبلاء بالوراثة، فكانت طبقتهم في نهاية العهد الذي ندرسه في روسيا تتألف ~~من حوالي (140) ألف أسرة، من بين هؤلاء 1500 من الملاك الذين يملك كل منهم أكثر من ~~ألف من الأقنان، ولما كان الإيراد المتحصل سنويا من كل فرد من هؤلاء الأقنان ~~يقدر في المتوسط بمائة روبل، فقد كان هؤلاء الملاك من كبار الأغنياء الذين بلغ ~~دخل الواحد منهم ms0992 مائة ألف روبل سنويا، وفي حالات كثيرة مليونا من الروبلات أو ~~يزيد، وإلى جانب هؤلاء كان عدد الملاك الذين يملك الواحد منهم خمسمائة قن، أكثر من ~~ألفين، ثم إن الذين يملكون أكثر من مائتي قن كانوا (17) ألفا، وكان يلي هذه الطبقة ~~التي عاش أهلها في ثراء فاحش، طبقة من النبلاء الفقراء من 120 ألف أسرة، لا يمتلك ~~ثلثهم أكثر من ثماني أقنان الفرد الواحد ويعيشون في حالة فقر. زد على ذلك أن ~~الأثرياء الذين تقدمت الإشارة إليهم، كانت ثرواتهم قد نقصت نقصا ملحوظا بسبب ~~التبذير والإسراف من جهة، وسوء إدارة و«اختلاسات» وكلائهم من جهة أخرى، وفي تقدير ~~بعض الكتاب أن تسعة أعشار الثروة التي كانت للنبلاء في هذا الوقت قد ~~تبددت. # وساد الإبهام العلاقات بين الحكومة والنبلاء، فالأخيرون كانوا يعتمدون على رضاء ~~الحكومة عنهم، وهم يشغلون أكثر مناصبها أهمية، ويستطيعون بفضل ذلك حماية مصالحهم، ~~ولكنهم من ناحية أخرى كانوا يشعرون بوطأة «الإشراف» الذي تفرضه عليهم الحكومة عندما ~~أخضعتهم لسلطانها المستبد، ولم يكونوا يرضون عن خطة الحكومة التي عمدت إلى إدخال ~~عناصر جديدة في طبقتهم، أيام بطرس الأكبر، من فئات معينة من موظفي الدولة، وضباطها ~~في الجيش والبحرية، كما أنهم لم يستسيغوا ذلك النفوذ المستعلي الذي صار للموظفين ~~الألمان في مصالح الحكومة والخدمة العامة، وهم الذين استمر يعلو نفوذهم طوال عهود ~~القياصرة الثلاثة، ثم حنقوا على نظام البيروقراطية المركزية، الذي توطدت أقدامه ~~وزادت أهميته بصورة مطردة، ولقد كان التذمر من هذا كله السبب فيما ظهر من عداء ضد ~~البيت القيصري المالك من جانب الأسر الكبيرة، التي كان بعضها من سلالة روريك # Rurik ~~؛ أي أعرق في القدم من أسرة رومانوف الحاكمة ~~ذاتها، ومع ذلك فقد أخفت هذه الأسر عداءها للبيت المالك تحت ستار من الولاء الظاهري ~~له، ولم يكن في مقدور هؤلاء النبلاء نسيان ما وقع من التحامات بينهم وبين البيت ~~المالك، حتى في الأزمنة القريبة، وهي التحامات أسفرت عن إرسال عدد من أفرادهم إلى ~~المنفى في سيبريا، أو إلى الشنق. أما ms0993 أثر هذا العداء فقد كان متجليا في ترحيب ~~هؤلاء النبلاء بكل «ظاهرة» أو حادث موجه ضد النظام القائم. # وساد الإبهام كذلك العلاقات بين النبلاء وسائر طبقات المجتمع، فهم كانوا بلا مراء ~~بفضل وظائفهم الإدارية والمراكز التي شغلوها من أهم العوامل التي سببت شقاء الشعب، ~~ولكنه كان يوجد لدى العناصر المستنيرة من بين هؤلاء النبلاء شعور بمسئوليتهم عن ~~الحالة السيئة التي وصلت إليها بلادهم، وبمسئوليتهم عن الالتزامات التي كانت عليهم ~~نحوها، فاعتبروا أنفسهم ملزمين على العمل من أجل عظمة روسيا ومعالجة الأدواء التي ~~تشكو منها، وشعروا بأن ثمة رباطا متينا يربطهم بأولئك الروس من سواد الناس الذين ~~يعيشون في ضنك وبؤس، ولا جدال أنه كان لاشتراك هؤلاء النبلاء في «حملات» وحروب ~~الغرب، ولاحتكاكهم بأعلام الفكر في الغرب، وبثقافة الغرب عموما، كما كان لاحتلال ~~غراندوقية وارسو العسكري، وهو الاحتلال الذي استمر سنوات عدة، ثم لإقامة النبلاء في ~~فرنسا، أكبر الأثر في خلق هذه الآراء السامية، التي تحدثنا عنها، وفي شعورهم ~~بالمسئوليات العالية الملقاة على عاتقهم، وفي رأي كثيرين أن قول نابليون المأثور: ~~«إن الجيش الذي يرى الخدمة خارج حدود الوطن، إنما هو الدولة بذاتها تقوم برحلة في الخارج.» # 1 ~~- إنما ينطبق كل الانطباق على جماعة أو هيئة الضباط في الجيش الروسي، ~~والتي كانت تتألف بأكملها من بين النبلاء وحدهم، فقد عاد هؤلاء إلى الوطن بعد سنة ~~1815، وقد اتسع أفق تفكيرهم، وصاروا يدينون بآراء ومبادئ أكثر استنارة من تلك التي ~~كانت لديهم قبلا. # ولقد كانت طبقة النبلاء الروس تكاد وحدها تمثل وقتئذ العنصر المثقف في روسيا، ولم ~~تكن روسيا من البلاد التي انتشر فيها التعليم، فلم تتشكل بها وزارة للتربية ~~والتعليم إلا في سنة 1802، بعد أن كان يشرف على التعليم «لجنة للمدارس»، ومنذ 1803 ~~أنشئ في بطرسبرج «ديوان رئيسي للمدارس» ألحق بوزارة التعليم، كان من بين أعضائه ~~عدد من البولنديين الممتازين، مثل «تزارتوريسكي» وبوتوكي Potocki ~~، وبلاتر Plater ~~، وكان ~~لهذا الديوان نشاط حميد الأثر في المقاطعات التي أخذت من بولندة؛ حيث ازدهرت جامعة ~~«فيلنا» ms0994 برئاسة «تزارتوريسكي» مديرها، وحيث أنشئت المدارس بمختلف أنواعها ~~ودرجاتها. على أن حركة التربية والتعليم في روسيا ذاتها، لم تكن تلقى غير الصعاب في ~~طريقها. فمع أن الحكومة وضعت برنامجا في سنة 1802 لإنشاء المدارس الأولية في أراضي ~~الحكومة وفي أملاك السلطات الكنسية، وأراضي الأفراد تحت إشراف معاهد العلم الراقية # Gymnasia ~~، فإن شيئا من هذا البرنامج ~~لم ينفذ، وكذلك لم يسفر استصدار قرار بشأن التعليم الأولي في سنة 1828 عن شيء، ~~وأما المدارس الثانوية، التي لم يكن عددها بأي حال كبيرا، كانت لا تزيد سنوات ~~الدراسة بها على أربع، ولم يكن يزيد عدد المدرسين بكل واحدة منها على ثمانية على ~~الأكثر، وقد زاد عدد سنوات الدراسة بفضل قرار 1728، فصارت سبعا، كما زاد عدد ~~المدرسين بكل مدرسة فصار اثني عشر، ولكن عدد المدارس نفسها بقي على حاله، وكان فيما ~~بعد لسياسة القيصر نيقولا الأول الرجعية أسوأ الأثر على التعليم، وخصوصا على ~~المدارس الثانوية. وفيما يتعلق بالتعليم الجامعي، صدر في سنة 1804 قانون خاص بتنظيم ~~الجامعات كان يقوم على مبادئ حرة نسبيا، بفضل جهود «تزارتيروسكي»، كفل للجامعات ~~إدارة ذاتية، وجعل تعيين المديرين والعمداء بالانتخاب، مع العناية بالبرامج ... إلخ، ~~ولكن الرجعيين في السنوات الأخيرة من حكم القيصر إسكندر عطلوا تماما هذا القانون، ~~عندما صاروا يعتبرون الشباب المثقف والجامعي خطرا على الدولة، فعمدوا إلى التضييق ~~على الجامعات واضطهاد أساتذتها وطلابها، يحذون في ذلك حذو ألمانيا التي ضيقت على ~~الجامعات والتعليم الجامعي بها وقتئذ، ولقد انتهى الأمر بإلغاء قانون 1828، وذلك ~~باستصدار قانون للجامعات جديد «رجعي» على يد القيصر نيقولا الأول في سنة ~~1835. # وأما الكتب المدرسية، بمختلف أنواعها ومستوياتها، فقد صارت خاضعة لرقابة صارمة، ~~بفضل «التعليمات» الرجعية التي أصدرها وزير المعارف «جاليتزن» في سنة 1818، وزيادة ~~على ذلك فقد تحتم أن يصير لكل ما يلقى من محاضرات في الفلسفة وفقه اللغة والتاريخ، ~~والعلوم الطبيعية والطب والرياضيات، غرض رئيسي، هو خدمة أغراض السياسة والدين، ولم ~~يمض زمن طويل، حتى صار استبعاد كل الأساتذة الذين تشككت الحكومة في آرائهم الدينية ms0995 ~~والسياسية، وفي ولائهم للدولة، واتخذت وسائل شاذة لإجراء هذا التطهير في الجامعات؛ ~~من ذلك أن مدير جامعة قازان أمر بمصادرة أدوات التشريح، وقام بدفنها في احتفال مهيب ~~في أرض مقدسة أو مباركة، ولقد حدث هذا التضييق والتطهير في وقت كان التعليم فيه ~~بالجامعات الروسية - مع استثناء جامعتي فيلنا ودروبات # Dropat ~~- يقل في مستواه عن التعليم في الجامعات في أوروبا ~~الغربية. فلم يكن بالجامعات الروسية معامل أو عيادات أو مكتبات، وكان في سنة 1814 ~~فقط أن فتحت للأهلين أبواب المكتبة العامة في بطرسبرج، وتألفت أصلا هذه المكتبة ~~بأسرها من مكتبة بولندية مشهورة - مكتبة زالوسكي # Zaluski ~~- نقلها القائد سوفروف # Suvoroff # من وارسو إلى بطرسبرج في سنة 1795 بعد مصادرتها، وكانت ~~مجلداتها «أكثر من مائة وخمسين ألفا» ومخطوطاتها «خمسمائة» باللغتين اللاتينية ~~والبولندية، وأما جامعة بطرسبرج، فقد كان عدد طلابها عند تأسيسها في سنة 1819 أربعة ~~وعشرين، ولم يزيدوا في سنة 1822 على أربعين طالبا وحسب. # وفي هذه الظروف إذن، لم يكن أكثر العناصر ثقافة واستنارة في المجتمع الروسي من ~~الذين تخرجوا في هذه الجامعات أو المعاهد التي تعرضت لكل أسباب التعنت والضغط ~~والإرهاق، والتي كانت موضع التحقير والازدراء؛ بل كان هؤلاء من بين شباب الطبقة ~~الأرستقراطية الذين تعلموا في المؤسسات الخاصة، أو انخرطوا في سلك المدارس الحربية، ~~أو تلقوا العلم في منازلهم على أيدي المؤدبين والمعلمين الخصوصيين، ولقد ظهر من بين ~~هؤلاء عدد من أنصار الآراء الجديدة، الذين عرفوا بالاستقلال في الرأي والرغبة في ~~التقدم والارتقاء، وكانوا يريدون الإصلاح السياسي والاجتماعي، ويمثلون في نشاطهم ~~الذهني أو العملي في ميادين الأدب والخدمة العامة «روسيا الفتاة» أو روسيا الناهضة، ~~من هؤلاء كان جريبويدوف # Griboyedoff # صاحب ~~التمثيليات الهزلية الاجتماعية التي انتقد فيها عيوب معاصريه دون هوادة، ثم ~~«بزتوزيف» الذي سبقت الإشارة إليه، ثم من الشعراء؛ البرنس فيازمسكي # Viazemski ~~، والبارون ديلفيج # Delvig ~~، وكوخيليكو # Küchelbecker ~~، وريلييف # Ryleieff ~~، ~~وأخيرا نابغة الأدب الروسي؛ بوشكين Pushkin ~~، ولقد ~~تأثر كل هؤلاء بالتيارات الفكرية المنبثقة من الأحداث العظيمة التي وقعت في أوروبا ~~في ms0996 ذلك الحين؛ أحداث الثورة الفرنسية، وإمبراطورية نابليون، والحركات المضادة في ~~فرنسا في السياسة والأدب، في عهد الملكية الراجعة بها، وضجة المطالبين بالتحرر ~~الاجتماعي في ألمانيا، والتي نجمت من النضال الذي خاضت غماره ألمانيا أخيرا ضد ~~السيطرة الفرنسية. أضف إلى هذا تأثر هؤلاء المفكرين والكتاب الروس بكتابات ~~ومنظومات الشاعر اللورد بايرون # Byron ~~، وأخيرا فإن ~~هذه الحركة في روسيا كانت متأثرة بدرجة كبيرة بالروح الوطنية (القومية) التي ظهرت ~~في بولندة، وبالتطور الذي حصل في الأدب البولندي، فهم قد تأثروا بأغاني وكتابات ~~نيمتزيفتش # Niemczevicz ~~، وبآراء الجامعة ~~السلافية التي نادى بها ستانزيك # Staszic ~~، وقبل كل ~~شيء بالحركة الرومانسية لبولندة الفتاة، والتي كان يمثلها أقوى تمثيل مكيفيتش # Mickievicz ~~، الذي استطاع الاتصال بأكبر ممثلي ~~حركة روسيا الفتاة شأنا أثناء إقامته في أوديسا وموسكو وبطرسبرج (بين سنتي ~~1825-1829). # أما الشباب الروسي المثقف، والذي كان ينشد التضحية في سبيل العمل من أجل نهضة ~~روسيا والذي كان ينتمي لطبقة النبلاء، فقد وجد في التنظيم السياسي السري، من وقت ~~مبكر، أفضل الوسائل لبلوغ غايته، وكان بسبب تأثرهم بالتنظيمات السرية السياسية في ~~الجيش الألماني، التي احتكوا بها - وكانت هذه موجهة ضد السيطرة النابليونية في ~~ألمانيا - أن ألف الشباب الروسي منذ 1814 جميعة أعضاؤها من الضباط الروس، خصوصا ~~تحت اسم «جمعية المصباح الأخضر»، # 2 # يتبرع أعضاؤها بعشر دخولهم للإنفاق من الموارد المتحصلة على نشاطها، ~~ولقد أعيد تنظيم هذه الجمعية، كما اتسعت دائرة نشاطها وصارت تدعى «جمعية الخلاص العام»، # 3 # ويبدو أن هذه المحاولة الأولى لإعادة تنظيمها، تم بموافقة القيصر ~~إسكندر الأول وبعلمه، وهو الذي كان لا يزال في هذا الوقت يدين بالمبادئ الحرة، ~~والذي كان انشغاله بمشروعات تحرير الفلاحين، (ورقيق الأرض)، ودعم أركان مملكة ~~بولندة، ومساعدة اليونانيين على الاستقلال، ينبغي الحصول على تأييد مثل هذه العناصر ~~المتحررة من بين شباب «روسيا الفتاة» ضد قوى الرجعية، ولقد كان لهذا السبب نفسه، ~~أن صار القيصر ينظر بعين التسامح لجمعية الإخوان «هيتريا» اليونانية السرية، ~~وللمنظمات الوطنية البولندية، على أن الجمعيات السرية في روسيا لم تلبث ms0997 أن صارت تشق ~~طريقها مستقلة عن كل نفوذ، وعلى نحو ما هو منتظر في مثل هذه الحالات، ولم تلبث أن ~~تزايدت كراهيتها وعداوتها للعرش نفسه. # ولقد حدث كنتيجة للإصلاح أو إعادة التنظيم الذي حصل في الجمعية، أن نشأت في سنة ~~1818 جمعية أخرى باسم «الاتحاد للصالح العام»، # 4 # بلغ أعضاؤها أكثر من المائتين، ولم يلبث فريق من أعضاء هذه الجمعية أن ~~أظهروا استعدادهم للقيام بحركة انقلاب حكومي، بل وقتل القيصر نفسه، وذلك عندما ~~تطايرت الشائعات عن نوايا القيصر إسكندر بأنه يريد توسيع نطاق مملكة بولندة بضم ~~المقاطعات اللتوانية إليها، وفي سنة 1820 انقسم الأعضاء على أنفسهم فتألفت ~~جمعيتان؛ الأولى «الجمعية الشمالية» ومركزها في بطرسبرج، بزعامة نيكيتا مورافييف # Nikita Muravieff ~~، ونيقولا ترجنييف # Turgenieff ~~، ثم ريلييف # Ryleieff ~~، وذلك بعد سنة 1823، ومبدؤها؛ ملكية ~~دستورية، كما كانت تعارض في فصل «ليتوانيا» من الإمبراطورية (روسيا)، والثانية كانت ~~«الجمعية الجنوبية»، ومقرها تولكزين # Tulezyn ~~، ~~بزعامة الضابط بول بستيل Paul Pestel ~~، مؤلف ~~مجموعة القوانين الروسية # Russkaya Pravda ~~، التي ~~كانت عبارة عن برنامج يستند على آراء جمهورية ويحتوي على حقوق ضئيلة للبولنديين، ~~وكان من هذه الجمعية أن انبثقت بعد ذلك جماعة الراديكاليين الروس باسم «السلاف المتحدين»، # 5 # وكان منها كذلك أن ظهرت فكرة التقارب مع الجماعات السرية في المملكة ~~البولندية، في يناير 1824، ويناير 1825، وبفضل هذه الحركات أمكن أن تتشكل وتقوى ~~تدريجيا الآراء الداعية للجامعة السلافية. فكان «بستيل» يريد إنشاء اتحاد سلافي ~~(فدرائي) يمتد من جبال أورال إلى بحر الأدرياتيك، ومع ذلك فقد كان أكثر هؤلاء ~~«الفدرائيين»، خصوصا في موسكو وبطرسبرج، لا يثقون في البولنديين. # ولكن مما تجدر ملاحظته أن أعضاء هذه الجمعيات التي ذكرناها، وإن كانت تحدوهم ~~الرغبة الصادقة في خدمة الوطن، بإخلاص كامل، ويتصفون بالشجاعة ونكران الذات، ويحبون ~~الوطن العزيز عليهم محبة خالصة، فإنهم كانوا في الوقت نفسه، وكما وصفهم أحد ~~البولنديين الذي كاد أن يكون حليفا لهم - وهو إسكندر ~~كرايفسكي # Kraievski ~~: «جيلا لا آباء ولا أبناء لهم»، يسبقون معاصريهم ~~بحوالي قرن من الزمان، فلا يستندون على تأييد ms0998 سواد الناس لهم، ولا أمل لذلك في ~~نجاحهم، ولما لم يكن لديهم أية خطة منطقية ومعقولة للعمل، فقد كان من المتوقع أن ~~يستنفدوا جهودهم ونشاطهم في ثورة واحدة (يتيمة) تعتمد على مواتاة الظروف، والحظ ~~الطيب فحسب، وكان مقضيا عليها بالفشل. ~~(4) غراندوقية فنلندة # كانت فنلندة جزءا من السويد، ثم استولت روسيا عليها في سنة 1808، ثم صدر بإدماجها ~~في الإمبراطورية إعلان إمبراطوري في يونيو في السنة نفسها، وفي 27 مارس 1809 صار ~~انضمامها إلى روسيا «دستوريا» بإعلان من القيصر موجه إلى الشعب الفنلندي وإلى ~~الدياط المجتمع في بورجو # Borgo ~~، وبمقتضى هذا ~~الإعلان الأخير، صار الاعتراف بغراندوقية فنلندة كوحدة سياسية منفصلة، ذات كيان ~~قانوني، ومرتبطة بالإمبراطورية الروسية، ولكن على أن يحتفظ بحقوقها الأساسية ~~وبالدستور الذي كان لها حتى هذا الوقت؛ ليبقى نافذا وكاملا ودون تغيير، ولقد ~~أضيفت مقاطعة فيبورج # Viborg ~~(وكانت قد استولت ~~عليها القيصرة الياصابات من السويد منذ سنة 1741) إلى فنلندة، وذلك في سنة 1811، ~~فبلغت مساحة فنلندة في سنة 1825؛ ثلاثمائة وسبعين ألفا من الكيلومترات المربعة، ~~وصار عدد سكانها؛ مليونا وثلاثمائة ألف نسمة. # وكانت لفنلندة محكمتان للقضاء العالي، لم تلبث أن أضيفت لهما محكمة عليا ثالثة في ~~فيبورج، وكان يقوم بأعباء الإدارة بها «مجلس للحكم» أو الوصاية، # 6 # صدر أمر قيصري في فبراير 1816 باستبدال «مجلس شيوخ فنلندي» به، وتسلم ~~السلطات العليا «حاكم عام»، ولقد قامت (منذ 1810) إلى جانب ذلك «لجنة دائمة» مقرها ~~بطرسبرج، برياسة البارون أرمفلت # Armfelt ~~، خاصة ~~بشئون فنلندة، كانت الهيئة التي يتم بواسطتها الاتصال بين مجلس الشيوخ الفنلندي، ~~والقيصر بوصفه «غراندوق» فنلندة في كل ما يتعلق بشئون الإدارة والتشريع، ويعاون ~~وزير للشئون الفنلندية القيصر في القيام بمهام الحكم، ويتلقى هذا الوزير (حسب ~~التعليمات التي صدرت بها أوامر القيصر في نوفمبر 1810)، من العرش مباشرة كل ~~القرارات الخاصة بفنلندة، وهي التي كان يوقعها القيصر، ثم الوزير، على أن يبلغها ~~الحاكم العام بعدئذ إلى مجلس الشيوخ. وتبعا للتعليمات القيصرية الصادرة في أغسطس ~~1810، كان هذا الوزير كذلك مستقلا عن الحاكم العام، وأما الحاكم العام ms0999 فقد كان ~~مطلوبا منه (حسب تعليمات فبراير 1812) أن يوجه خطابه إلى مجلس الشيوخ الفنلندي ~~بلغتين هما؛ السويدية والروسية، كما كان من واجبه (حسبما صدر إليه من أوامر سرية في ~~سبتمبر 1810) أن يشرف على نشاط مجلس الشيوخ ويراقب أعماله. # وفي فنلندة بقيت العملة السويدية متداولة، ولو أنه تحتم دفع الضرائب بالعملة ~~الروسية (الروبل)، ثم تأسس مصرف (بنك) لفنلندة أمده القيصر إسكندر الأول بمليون ~~من الروبلات في شكل قرض من غير فوائد، مدته عشرون عاما، وكان بفضل الإدارة ~~الفنلندية الطيبة أن انتشر الرخاء سريعا في البلاد، وبذلت (الحكومة) قصارى جهدها ~~لتحسين طرق المواصلات البرية والبحرية، وتجفيف المستنقعات واستصلاح الأراضي، وتنمية ~~الزراعة والتجارة، وإنشاء المصانع للحديد والصلب، وعنى الفنلنديون بالتربية ~~والتعليم، خصوصا في مراحل التعليم الأولية والثانوية، وأنشئت مدرسة للحربية في ~~فردريكشام # Frederikshamn ~~، وعني بأمر ~~الجامعة. ونهض دليلا على ازدهار الثقافة في البلاد وقتئذ؛ اشتهار أعلام في القانون ~~والأدب من طراز المحامي كالونيوس # Calonius ~~، ~~والكاتب الفيلسوف سنيلمان # Snellman ~~، والشاعر ~~الوطني رونبرج # Runeberg ~~، الذي تغنى في منظوماته ~~بفروسية الفنلنديين في نضالهم الطويل ضد روسيا. ولا جدال أنه كان لذلك «الوضع ~~الدستوري» الذي كفل لفلندة كيانها (كغراندوقية) ذات نظام حكومي خاص بها واستقلال ~~إداري داخلي، أكبر الأثر في هذا التقدم الذي حدث، ولكن فنلندة كانت مهددة دائما ~~بتدخل الأوتقراطية الروسية في شئونها، وزوال نظام الحكم الذاتي الذي تمتعت ~~به. # لقد حرص القيصر إسكندر في السنوات الأولى من تأسيس غراندوقية فنلندة على توطيد ~~الحقوق التشريعية التي نالتها فنلندة منذ 1809، بل وزيادة هذه الحقوق بإنشاء ~~«اللجنة الفنلندية» التي سبقت الإشارة إليها. ثم إنه عمل على زيادة مساحة ~~الغراندوقية، بأن أعاد إليها مقاطعة فيبورج (فنلندة القديمة)، وصار يبذل قصارى جهده ~~لاستمالة الشعب الفنلندي إلى روسيا، وكان مبعث هذه السياسة، أن القيصر في نضاله ~~المرير ضد نابليون كان يبغي المحالفة مع السويد، ويستبد به القلق على سلامة العاصمة ~~(بطرسبرج) ذاتها، ولكن ما أن انتهى الصراع مع نابليون؛ حتى طرأ تغيير على هذه ~~السياسة، فنبذ القيصر دور الحاكم (الغرندوق) الدستوري ms1000 ليقوم بدور صاحب السلطان ~~المطلق، ووقع الاعتداء على الدستور. من ذلك أن قانونين من القوانين الرئيسية ~~السويدية المنفذة في فنلندة وقت غزوها، ويؤلفان جزءا من الدستور، كانا ~~معطلين تماما. أما هذان القانونان فأحدهما كان قد صدر منذ 21 أغسطس 1772، والآخر ~~منذ 3 أبريل 1789، وينصان على أن يشغل الوظائف أهل البلاد الذين يتبعون المذهب ~~اللوثري، وإنه من المتعذر على «الملك» اعتماد قانون جديد أو إلغاء قانون قائم دون ~~موافقة «مجلس الطبقات» وعلمه، وأن لمجلس الطبقات الحق في مراقبة استخدام أموال ~~الخزانة لضمان إنفاق هذه الأموال فيما يعود بالنفع على البلاد ولصالحها، ومع ذلك ~~فإن الدياط (مجلس الطبقات) لم يجتمع إطلاقا بعد الفتح. وشغل الوظائف المدنية ~~والعسكرية موظفون من الروس أتباع المذهب الأرثوذوكسي، ولم يكن للدياط (الذي لم ~~يجتمع كما ذكرنا) أي إشراف على المالية، فتولت الحكومة إنفاق الأموال حسب ~~مشيئتها، وزيادة على ذلك، فإن الأوامر المتعلقة بالتشريع (أي ذات الصبغة ~~التشريعية) صارت تصدر دون إشراك «الدياط». من ذلك أن القيصر إسكندر أصدر أمرا في ~~سنة 1823 بضرورة فحص كل الكتب الأجنبية قبل تداولها في فنلندة، ومصادرة الكتب التي ~~تدخل البلاد دون فحص سابق لها، وكان هذا الإجراء مخالفا للقانون السويدي المتعلق ~~بالمطبوعات، والذي كان لا يزال ساريا في فنلندة وقتئذ، والذي منع «الرقابة» على ~~المطبوعات، وفي عهد القيصر نيقولا الأول طلب تنفيذ قوانين 1829 الصارمة الخاصة ~~بالرقابة الروسية في فنلندة وفرضت ضريبة قدرها ~~٪ من قيمة الكتب المستوردة من السويد. # وفي العامين الأخيرين من حكم القيصر إسكندر، زادت الحال سوءا في فنلندة. حقيقة ~~حصل اعتداء على الدستور في الفترة السابقة، أثناء «حكمدارية» أرمفيلت الذي كان ~~فنلنديا، ثم من بعده شتاينهايل # Steinheil # وكان ~~جرماني الأصل، ولكن لم يحدث «هجوم» متعمد على هذا الدستور، لإبطال أثره كلية أو ~~لإلغائه. غير أنه حدث في أغسطس 1823 أن تعين حاكما عاما (حكمدارا) لفنلندة، ~~رجل اشتهر بمعارضته لنظام الغراندوقية القائم والذي يكفل لها حكما ذاتيا منفصلا ~~عن الإمبراطورية، فبدأ هذا الحاكم الجديد - زاكريفسكي # Zakrevski ~~- نشاطه بأن صار ms1001 يعمل لإلغاء الأنظمة الفنلندية ~~ولإدماج البلاد في الإمبراطورية الروسية، وكانت وسيلته إلى ذلك، أن صار منذ صيف ~~1824 يحاول إثارة أهل الريف في أنحاء البلاد ضد الأرستقراطية الفنلندية، وفي مايو ~~1825 بعث مباشرة إلى مجلس الشيوخ «منشورات» باللغة الروسية فقط، تتضمن مبدأ استخدام ~~الروس أتباع المذهب الأرثوذكسي في مختلف الوظائف الرسمية، كحق طبيعي ومقرر لهم، ~~ومبدأ تخويل الحكام سلطة طرد القضاة المحليين ومأموري الضبط، حسبما يتراءى لهم، ~~وبادر مجلس الشيوخ بإرسال شكواه ضد هذا الحاكم العام إلى القيصر إسكندر، وكان هذا ~~الأخير موجودا وقتئذ في «وارسو» لحضور جلسات «الدياط»، ولكن الشيوخ لم يتلقوا ~~ردا على شكايتهم، وعند وفاة إسكندر في ديسمبر 1825، أرغم «زاكريفسكي» مجلس الشيوخ ~~والسلطات الفنلندية على حلف يمين الولاء للعاهل الجديد، وفق الصيغة المتبعة في ~~أنحاء الإمبراطورية الروسية، ودون أي ذكر للحقوق الدستورية «المنفصلة» التي كانت ~~لغراندوقية فنلندة. # على أن القيصر نيقولا الأول، الذي تسلم مقاليد الحكم في ظروف عصيبة، وكان عليه أن ~~يواجه وقتئذ الموقف ليس في فنلندة وحدها، بل وفي بولندة كذلك، لم يلبث أن اضطر في ~~«بيانه الأول» الذي افتتح به عهده الجديد والذي وجهه إلى الغراندوقية في يناير 1826 ~~- اضطر إلى ذكر الضمانات والحقوق التي أعطيت إلى فنلندة في بيان أو منشور 1809 في ~~عهد سلفه. ولكن سرعان ما نهض الدليل على أن هذه «الضمانات والحقوق» لن تكون موضع ~~الاحترام في عهد هذا القيصر؛ ذلك أن نيقولا استصدر أمرا في هذه السنة نفسها (1826) ~~بتطبيق عقوبة النفي إلى سيبريا في فنلندة، ثم استصدر في أغسطس 1827 أمرا أعلن ~~رسميا صلاحية أتباع المذهب الأرثوذكسي لشغل الوظائف في الغراندوقية، ولم يكن ~~الفنلنديون يستطيعون المقاومة إطلاقا. فجيش فنلندة - أو الحرس الأهلي - كان لا ~~يزيد عدده في سنة 1825 على (3600) رجل فحسب، إلى جانب خمسمائة من طلاب المدرسة ~~الحربية، ولم تكن هذه القوات تجتمع للتدريب غير مرة واحدة سنويا، ولمدة ستة ~~أسابيع فقط، وفي عهد نيقولا الأول، لم يكن عدد هذا الجيش يزيد عن (3000). فلم يكن ~~في وسع هذه ms1002 القوة الصغيرة الدفاع عن حريات وحقوق البلاد، بل لقد كانت على العكس من ~~ذلك؛ تستخدم في القضاء على حريات وحقوق شعوب أخرى، عندما اشتركت القوات الفنلندية ~~نزولا على إرادة القيصر نيقولا الأول، في الحملة البولندية سنة 1831، وقتال ~~البولنديين. ~~(5) السنوات الأخيرة من عهد إسكندر الأول # في سنة 1815، كان القيصر إسكندر يبلغ من العمر 38 عاما، ولم يكن حتى هذا الوقت قد ~~أنجب من زوجه الياصابات (وأصلها من بادن # Baden ~~، ~~ولما كان يعيش منفصلا عن زوجه، فقد بعد احتمال أن يولد له وارث للعرش، فكان ~~صاحب الحق في وراثة العرش من بعده؛ أخوه قنسطنطين # Constantine # الذي يصغره بسنتين، وكان هذا الأخير كذلك لا ولد له، ~~ويعيش منفصلا عن زوجه؛ ولذلك فقد صار صاحب الحق في الوراثة بعد هذين الاثنين؛ الأخ ~~الثالث نيقولا، الذي ولد في 6 يوليو 1796، وقد تزوج نيقولا - باقتراح من أخيه ~~القيصر - من أميرة روسية، شارلوت # Charlotte # التي ~~تسمت باسم ألكسندرا فيدوروفنا # Feodorovna ~~، وذلك ~~في بطرسبرج في يوليو 1817، فاستولدها «إسكندر» في 29 أبريل 1818، وهو الذي صار فيما ~~بعد الإمبراطور إسكندر الثاني (1855-1881). # وكان مولد إسكندر «الثاني» حادثا هاما؛ لتأثيره الفاصل على مسألة وراثة العرش ~~من جهة، ولأن العلاقات قد زادت توثقا بفضله بين روسيا وبروسيا ، في القسم الأكبر من ~~القرن التاسع عشر، ولقد حدث بعد ذلك أن حصل قنسطنطين، بموافقة القيصر، على قرار من ~~مجلس الكنيسة (السنيود) في مارس 1820، بالطلاق من زوجه، صدر قرار قيصري بتأكيده في ~~أبريل، فتزوج «قنسطنطين» في شهر مايو وفي مدينة وارسو، من سيدة بولندية الأميرة لوفيتش # Lovicz ~~، ولكنه لم ينجب منها ولدا، ومنذ ~~يوليو 1819 كان القيصر قد أخبر نيقولا بعزمه على نقل حقوق الوراثة إليه، ولكن لم ~~تتخذ أية خطوات جدية لفعل ذلك، حتى طلب القيصر (في 26 يناير 1822) من قنسطنطين ~~التنازل رسميا عن حقوقه، وقد فعل قنسطنطين ذلك، ولكن - على ما يبدو - بشريطة أن ~~يبقى هذا التنازل سرا مكتوما باعتبار أنه إجراء أملته الضرورة فقط، بل إن هناك ~~ما يدل على أن الحافز ms1003 على هذا التنازل كان اقتناع قنسطنطين بأن القيصر إسكندر نفسه ~~يعتزم هو الآخر التنازل عن العرش، وكان إسكندر قد فكر فعلا في السنوات الأخيرة في ~~اتخاذ هذه الخطوة، والواضح أن القيصر إسكندر ما كان يتردد إطلاقا في نشر هذا ~~التنازل الذي حصل من جانب قنسطنطين، لو أنه كان متيقنا من أنه تنازل نهائي، ولا ~~يمكن النكوص عنه، ولأمكنه (أي إسكندر) أن يبلغ نيقولا رسميا انتقال حقوق الوراثة ~~إليه، ولكن الذي حدث أن القيصر دون علم قنسطنطين أعد نسخا من وثيقة التنازل التي ~~اعترف فيها هذا الأخير، أن من أسباب تنازله عن حقوقه: «أنه لا يملك الشجاعة أو ~~الكفاءة، أو القدرة والقوة اللازمة لكل من يضطلع بشئون الحكم.» كما وقع هو نفسه ~~وثيقة في 28 أغسطس 1825 أعلن فيها تنازل قنسطنطين عن حقوقه، وأن صاحب الحق في ~~اعتلاء العرش من بعده هو أخوه نيقولا. ثم أودع أصول هذه الوثائق في كتدرائية ~~أسبنسكي # Uspenski # بموسكو، وصورها لدى مجلس ~~الكنيسة (السنيود)، ومجلس الشيوخ، ومجلس الدولة في بطرسبرج، ولم يكن يعرف أحد ~~محتويات هذه الوثائق سوى ثلاثة هم: «أراكشييف» و«جاليتزن» و«فيلاريت». كما يبدو أن ~~نيقولا نفسه وقف على مضمونها من أحد هؤلاء الثلاثة. في حين لم يكن قنسطنطين - على ~~ما يبدو - يعرف شيئا عنها حتى وفاة إسكندر، ولم يكن يعتبر بالرغم من تنازله، أن ~~الطريق إلى العرش قد صار مغلقا نهائيا أمامه. # أما إسكندر، فإنه عند انتهاء النضال ضد نابليون (سنة 1815)، وتحقيق غايته الكبرى، ~~لم يلبث أن احتضن خلال السنوات الأربع التالية (1815-1819) مشروعات جديدة ضخمة في ~~ميادين النشاط الخارجية والداخلية على السواء، باعتبار أنها قسم من السياسة ~~«الحرة» التي يريد اتباعها، ومن بين هذه المشاريع الكبيرة «الحرة» كان الضغط ~~على الدولة العثمانية وإزعاجها، ومناصرة اليونانيين في حركتهم الوطنية، وتوسيع نطاق ~~مملكة بولندة، بإضافة أقاليم جديدة إليها، ثم إعادة تنظيم روسيا على أسس دستورية ~~وفيدرالية في الوقت نفسه وإصلاح شئونها، وتحرير رقيق الأرض (الأقنان). ولقد كانت ~~هذه الرغبة في الإصلاح وتحرير الأقنان، مبعث تشكيل ms1004 «لجان التفتيش» التي ذكرنا شيئا ~~من نشاطها وآثارها، ثم إنها كانت مبعث كل تلك الإجراءات التي اتخذت والقرارات ~~التي صدرت بشأن الكنيسة والفلاحين. # على أن الرغبة في الإصلاح لم تلبث أن أفضت في النهاية إلى إصدار القيصر وهو في ~~وارسو في سنة 1818، التعليمات اللازمة لوضع دستور لروسيا، وقد صدرت هذه التعليمات ~~إلى «نوفوسيلتزوف»، الوكيل الأمين للقيصر لدى حكومة بولندة، وقد أعد «نوفوسيلتزوف» ~~مشروع دستور للإمبراطورية، يشبه في قسم منه دستور مملكة بولندة، وبمقتضى هذا ~~الدستور تقسم الإمبراطورية إلى عشرة مقاطعات، وبكل إقليم (دياط) من غرفتين (أو ~~مجلسين) ينتخب أعضاؤه مرة كل ثلاث سنوات، على أن ينشأ «دياط مركزي» للإمبراطورية ~~إما في بطرسبرج وإما في موسكو، يدعى للانعقاد كل خمس سنوات. وقد بحث القيصر هذا ~~المشروع مع واضعه في وارسو في أكتوبر 1819، ولم يكن قنسطنطين يدري شيئا مما يحدث. ~~ثم إن القيصر كلف «نوفوسيلتزوف» أن يعد له مقتبسات من القوانين التي صدرت في عهد ~~جاجيلو # Jagiello ~~(1386-1434) ملك بولندة، في ~~سنة 1413، في هورودلو # Horodlo # بشأن الاتحاد ~~البولندي الليتواني، ثم في عهد الملك إسكندر (1501-1506) في بيوتركوف Piotrkof # سنة 1501، ولقد نهض هذا التكليف إلى ~~جانب أشياء أخرى دليلا على أن القيصر يريد ضم ليتوانيا إلى مملكة بولندة، ومن ~~المعروف أن روسيا كانت قد استولت على ليتوانيا في تقسيم 1793 كما استولت بروسيا على ~~قسم منها في هذا التقسيم نفسه، ومع ذلك فقد أعد «نوفوسيلتزوف» في الوقت نفسه ~~مسودة لبيان يعلن إلى جانب إعطاء الإمبراطورية دستورا، إلغاء مملكة بولندة ~~واعتبارها ضمن المقاطعات التي يتولى الحكم فيها (نائب الملك) - أي تجريدها بذلك من ~~دستورها المنفصل - وأن يطلق على جيشها اسم «الجيش الغربي» بدلا من الجيش البولندي، ~~وهكذا كانت تضارب المشاريع المتناقضة في ذهن القيصر إسكندر الذي اشتهر بعدم الثبات ~~على رأي واحد، ولو أن هذه المشاريع لم يتنفذ منها شيء في النهاية. # وتعتبر الفترة القصيرة (1819-20) أخطر الفترات في حكم إسكندر؛ لأنه كان في شهورها ~~القليلة أن حدث ذلك التغيير الذي جعل القيصر يتخلى ms1005 عن مشاريعه «الخيالية» وإن كانت ~~قد استندت هذه المشاريع في الأكثر على آراء «حرة» تقدمية، فيعود إلى أساليب ~~الرجعية، ثم إلى ذلك النوع من التفكير في أسباب مسلكه الشخصي ونوازعه النفسية، ~~والذي جعله مترددا، ومتناقضا في إجراءاته ومشاريعه السياسية، وكان سبب التغيير ~~الذي حدث وقوع طائفة من الحوادث، تقدم ذكر بعضها في فصول أخرى سابقة، منها: مصرع ~~كوتزبيو # Kotzebue # في مارس 1819، كما حدث في ~~أغسطس من السنة نفسها أن ثار «المعمرون العسكريون» في شوجييف # Chuguieff ~~(على نهر الدون)، كما اجتمع بالقيصر في تزاريسكو سيلو # Tsarskoie Selo # في آخر أكتوبر 1719، المؤرخ ~~الروسي كارامزين # Karamzin ~~، وكان عدوا لاستقلال ~~بولندة، وللحكومة الدستورية، ولتحرير الأقنان، فأخذ يحذر القيصر من المضي في الطريق ~~التي اختارها لنفسه، ويطلب إليه العودة إلى اقتفاء أثر القيصرة كاترين الثانية، ثم ~~وقع في فبراير 1820 مصرع الدوق دي بري # Debry # في ~~فرنسا، كما تميزت هذه السنة بقيام الثورات في إسبانيا ونابولي والبورتغال، وأخيرا ~~وقعت ثورة آلاي الحرس الروسي في بطرسبرج في أكتوبر، وهي الثورة التي وصلت القيصر ~~أنباؤها وهو بمؤتمر «ترباو»، ومع أن هذا العصيان لم يكن بدافع سياسي، ونجم من تذمر ~~الجنود بسبب سوء معاملة رئيسهم لهم، ثم أمكن إخماده بكل سرعة، فقد كان مفاجأة أذهلت ~~القيصر وسببت له الألم؛ حيث قد أثار هذا الحادث في ذهن القيصر ذكريات ذلك الدور ~~التقليدي الذي اضطلع به «الحرس الروسي» دائما كأداة للانقلابات السابقة، عندما خلع ~~الحرس الروسي القيصر بطرس الثالث (1762) من على العرش، ثم قتلوه وقتلوا كذلك القيصر ~~بول الأول (1801). # وكان إسكندر الأول يعلم من مدة طويلة، أن هناك جمعيات سرية في روسيا وبولندة، ولقد ~~ذكرنا أنه كان ينظر إلى هذه الجمعيات في أول الأمر بعين التسامح، وحدث بعد عودته ~~إلى بطرسبرج في سنة 1821 بعد غيبة طويلة في أوروبا أن وصلته أخبار هامة عن نشاط ~~أعضاء هذه الجمعيات السرية، والمتآمرين ضده، أولا؛ في شكل تقرير مسهب أعده ~~رئيس أركان الحرس الروسي الجنرال بنكندوروف # Benckendorff # يحوي أسماء المتآمرين، ومعلومات مفصلة عن ms1006 نشاطهم، ~~وثانيا؛ في تقرير آخر أعده الجنرال فازيلشيكوف # Vasilchikoff # رئيس المجلس الإمبراطوري، ولكن القيصر لم يشأ اتخاذ ~~إجراء ما، ولو أنه أخذ من هذا الحين يصغي لمشورة الرجعيين باهتمام أكبر، ويستجيب ~~لمطالب «مجلس الكنيسة» السينود # Synod # ويعمل لتغيير ~~نظام الوراثة، بالصورة التي عرفناها، ويفكر هو نفسه في التنازل عن العرش، وزاد عبوس ~~القيصر وصارت تساوره الشكوك الكبيرة، عندما أخذ يشعر بالعزلة، وأنه يعيش بعيدا عن ~~الناس، لا رفيق ولا صديق له في أرض وطنه وفي أوروبا بأسرها، يفزعه شبح أبيه القيصر ~~بول الأول في نومه وتفزعه ذكراه في صحوه، ولم يكن يقدر نسيان أنه ضالع في قتله، ~~وأفزعه كذلك أنه صار الآن موضع تآمر المتآمرين الذين يريدون قتله هو نفسه، وتزايد ~~يقينه سنة بعد أخرى من أنه عاجز عن فعل شيء في الداخل، ومن أن الفشل حليف سياسته في ~~الخارج. ولقد بلغت القيصر في أغسطس 1825 تفاصيل مثيرة عن مؤامرة جديدة تدبر في ~~الجيش ضده، ولكنه تلقى هذه الأخبار في هدوء، ولم يتخذ أية إجراءات للوقاية منها، ~~وغادر بطرسبرج في الشهر التالي (سبتمبر) إلى تاجنروج # Taganrog # على بحر آزوف، ولكن سرعان ما تدهورت صحته فجأة ورفض ~~تناول أي دواء، فقضى نحبه بهذا المكان في أول ديسمبر 1825. # ووصل الخبر إلى «وارسو» في 7 ديسمبر، فبادر دبيبيتش # Diebitsh # رئيس أركان حرب الجيش الجنوبي، بإبلاغ النبأ إلى ~~«قنسطنطين» بوصفه إمبراطورا على الروس، وكان قنسطنطين يتخذ مقامه بها، ولكن هذا ~~الأخير رفض قبول التاج حتى يتم قبلا إعلان أن رسالته التي تنازل فيها عن حقوقه في ~~العرش قد صارت ملغاة، ولا قيمة قانونية لها. بل إن «قنسطنطين» كتب إلى «نيقولا» ~~يبدي رغبته في تنفيذ ما تعهد به في رسالته، ولو أنه لم يوضح هذه الرغبة في عبارات ~~صريحة قاطعة، ومع أن قنسطنطين رفض أن يتسلم مقاليد الحكم، فقد امتنع في الوقت نفسه ~~عن أن يتقبل من السلطات الرسمية والجيش في بولندا وليتوانيا تأدية يمين الولاء له ~~باسم القيصر نيقولا. # ووصل خبر وفاة إسكندر إلى ms1007 بطرسبرج يوم 9 ديسمبر، ولكن وزير العدل، بوصفه «النائب ~~العام» لمجلس الشيوخ، رفض أن يفض الرسالة التي أودعها القيصر إسكندر بالمجلس، ~~وذكرنا أنها واحدة من عدة صور لوثيقة التنازل الموقعة من «قنسطنطين»، ثم ~~الرسالة أو الوثيقة الأخرى التي كانت بتوقيع إسكندر نفسه في صالح شقيقه نيقولا، ~~وكذلك لم يفض الرسالة المودعة بمجلس الكنيسة (السنيود)، وذلك كله بدعوى «أن الأموات ~~لا إرادة لهم»، وكان حاكم بطرسبرج ميلورادوفيتش # Miloradovich # يقوم في هذا الوقت العصيب بدور رئيسي في المسألة، ~~وقد أعلن أنه مؤيد قطعا لاعتلاء قنسطنطين للعرش؛ بل إن نيقولا نفسه لم يلبث تحت ~~ضغط «ميلورادوفيتش» أن حلف يمين الولاء لأخيه، كما فعل ذلك رجال الحكومة وموظفوها ~~في بطرسبرج والحامية التي كانت بها. # ومع ذلك فقد طالب «جاليتزن» عند اجتماع مجلس الدولة، بضرورة فض الرسائل السالفة ~~الذكر للوقوف على مضمونها، ولا جدال في أن «جاليتزن» كان مدفوعا من نيقولا نفسه ~~للمطالبة بذلك، فقرئت رسالة قنسطنطين كما قرئ إعلان إسكندر، ولكن شيئا لم يترتب ~~عن قراءتها في حينه. # ولقد حذت موسكو حذو بطرسبرج، فلم تفض الرسالة السرية المودعة بكتدرائية «إسبنسكي»، ~~وحلف الجنود ورجال الحكومة يمين الولاء للقيصر قنسطنطين الأول، وفعلت ذلك فنلندة، ~~ثم المقاطعات الغربية بما في ذلك «فيلنا»، ولم يشذ عن ذلك سوى «جرودنو» (في بولندة ~~على نهر النيمن)، وذلك بناء على رغبة قنسطنطين نفسه، فلم يحلف المسئولون أو الجيش ~~بها يمين الولاء له. # وكان قنسطنطين في الوقت نفسه وهو في وارسو، قد بلغه ما حصل في «مجلس الدولة» ~~وقراءة رسالته التي تنازل فيها عن حقوقه في العرش، والأهم من ذلك؛ قراءة وثيقة ~~القيصر إسكندر، الأمر الذي جعل - بعد هذه التعهدات والبيانات - مركزه كقيصر ضعيف من ~~الناحية القانونية، ثم لم يلبث أن وصلته أنباء مزعجة عن اكتشاف مؤامرة جديدة، ~~فقرر على الفور التمسك بتنازله. وفي 20 ديسمبر 1825 بعث بإعلان تنازله من غير قيد ~~أو شرط إلى «نيقولا»، وبعد أربعة أيام (24 ديسمبر) وبمجرد وصول هذا الإعلان إلى ~~بطرسبرج، نودي بنيقولا الأول قيصرا ms1008 على روسيا، وبذلك انتهت «فترة خلو» بقيت البلاد ~~أثناءها بدون عاهل مدة تزيد على ثلاثة أسابيع. ~~(6) حركة الديسمبريين # 7 # على أن وفاة القيصر إسكندر كانت مفاجأة للجمعيات السرية، التي لم يبلغ أعضاءها أية ~~أخبار عن مرض القيصر، كما أن انتقال الوراثة إلى نيقولا الأول، جعلهم يشعرون ~~بالحيرة؛ لأنهم لم تكن لديهم معلومات عن التغييرات التي حصلت في نظام الوراثة، ولكن ~~سرعان ما قررت الجمعيات السرية هذه، انتهاز فرصة التقلقل الذي طرأ على الموقف، ~~للقيام بالثورة، بدعوى تأييد حقوق «قنسطنطين» في الوراثة، وذلك لدرجة كبيرة بزعامة ~~«ريلييف» - زعيم الجمعية الشمالية - أو تحت تأثيره، وأراد مدبرو الحركة إرغام مجلس ~~الشيوخ على استصدار إعلان، يدعو فيه للاجتماع مجلسا يضم ممثلين عن البلاد، لبحث ~~موضوع وراثة العرش ولتشكيل حكومة تتسلم مهام الأمور حتى يتم الفصل في مسألة ~~الوراثة؛ هل يكون العرش من نصيب قنسطنطين أو نيقولا؟ على أن يكون من أعضائها؛ ~~سبرانسكي عضو مجلس الدولة، والجنرال مورد ~~فينوف # Mordvinoff # قائد جيش القوقاز، والجنرال يرمولوف # Yermoloff ~~، كما طلبوا أن يعمل المجلس لتخفيض مدة الخدمة العسكرية ~~للمجندين إلى خمسة عشر عاما، وأن يتخذ الخطوات اللازمة لتحرير رقيق الأرض ~~(الأقنان). # ولقد تضمن برنامج الثورة إلى جانب إزالة الحكومة القائمة، وتشكيل الحكومة المؤقتة ~~التي ذكرناها، إعلان حرية الصحافة، وحرية العبادة، والمساواة أمام القانون (مساواة ~~كل الطبقات)، وإلغاء المحاكم العسكرية واللجان أو الهيئات القضائية الاستثنائية بكل ~~أنواعها، وإعلان حق الأفراد في اختيار المهنة أو الحرفة التي يريدونها دون اعتبار ~~للطبقة الاجتماعية التي ينتمون إليها، ثم الامتناع عن تقدير الضرائب على أساس عدد ~~الذكور في الأسرة، وإلغاء المتأخر من الضرائب التي من هذا النوع ثم إلغاء ~~الاحتكارات، وإلغاء «المستعمرات العسكرية»، والطرق المتبعة في التجنيد، وخفض مدة ~~الخدمة العسكرية - كما ذكرنا - إلى خمس عشرة سنة، ثم تأسيس هيئات إدارية في النقاط ~~الريفية (أو القومونات) وفي النواصي والأقسام # Uzeza ~~، وفي المراكز (أو الحكومات) # Guberniya # ثم في المديريات، على أن يجرى ~~انتخاب أعضاء هذه الهيئات الإدارية بدقة، وأن يحل هؤلاء محل الموظفين الرسميين ms1009 ~~الموجودين حاليا والذين عينتهم السلطات المدنية في وظائفهم. وتضمن البرنامج ~~كذلك أن تكون كل الإجراءات القضائية علنية، وأن يتبع نظام المحلفين في القضايا ~~المدنية والجنائية، وأن تستأنف الأحكام لدى مجلس أعلى لكل مديرية، وأخيرا تشكيل ~~حكومة دائمة، يتقرر فيما بعد نظام الانتخاب الذي يجب أن تجرى بمقتضاه الانتخابات ~~اللازمة لتشكيل هذه الحكومة. # ولقد كان المتآمرون يريدون أن يشمل الإعلان أو المنشور الذي اعتزموا إرغام مجلس ~~الشيوخ على إصداره، كل النقاط التي ذكرناها. ثم إنهم اختاروا لدور «الديكتاتور» ~~المؤقت؛ أي على رأس الحكومة التي تتسلم مهام الأمور عند حصول الانقلاب البرنس ~~سرجيوس تروبتسكوي # Trubetskoy ~~، وينتمي لأسرة عريقة، ~~بل وأعرق في القدم من أسرة رومانوف نفسها، وكان المتآمرون من أعضاء «الجمعية ~~الجنوبية» يريدون اغتيال القيصر أثناء استعراضه الجيش، ثم الزحف بعد ذلك على ~~كييف # Kiev # وموسكو، بعد أن يكونوا قد استحالوا ~~هذا الجيش إليهم، وعندئذ يعلن مجلس الشيوخ قيام الثورة، من عاصمة البلاد القديمة ~~«موسكو». على أن هذه الخطط لم تلبث أن تعطلت بسبب وفاة القيصر إسكندر المفاجئ ~~بعيدا عن بطرسبرج؛ ولذلك فقد وجب على المتآمرين أن ينتهزوا فرصة «الارتباك» الذي ~~صحب حادث تنازل قنسطنطين عن العرش نهائيا في الظروف التي عرفناها؛ ليقوموا ~~بثورتهم دون إبطاء. # وفي ليل (الأحد-الاثنين) 25-26 ديسمبر 1825، انعقد اجتماع في محل إقامة «ريلييف»، ~~تقرر فيه؛ أن تبدأ الثورة في اليوم التالي، وهو اليوم الذي كان محددا ليحلف فيه ~~الجيش (جنود الحرس) يمين الولاء للقيصر نيقولا الأول في بطرسبرج، وعلى ذلك فقد أعلن ~~«آلاي موسكو» العصيان في ثكناته، في صبيحة يوم 26 ديسمبر، ورفض حلف يمين الولاء، ثم ~~خرج الجنود بسلاحهم إلى مكان (ميدان) مجلس الشيوخ، وصاروا يهتفون بحياة قنسطنطين، ~~وهتف بعضهم بحياة الدستور؛ ويؤكد المؤرخون أن عددا من الجنود لم يكن صغيرا، كان ~~يعتقد أن «الدستور» هو اسم زوجة قنسطنطين، وأن الهتاف لهذا الدستور إنما هو هتاف ~~لهذه السيدة! ولم يمض وقت طويل، حتى كان قد انضم إلى الثوار، أحد الآلايات الأخرى، ~~ثم طاقم السفن الحربية الرابضة في ms1010 مياه بطرسبرج. # غير أن نفوذ المتآمرين على الجند لم يكن كبيرا بالدرجة الكافية، فلم تشترك ~~الآلايات التي اعتمد عليها هؤلاء في إشعال الثورة، وخصوصا جنود المدفعية. أضف إلى ~~هذا أن زعماء الثورة لم يظهروا قدرة على تصريف الأمور، فتركوا العسكر المحتشدين في ~~ميدان مجلس الشيوخ ساعات طويلة (سبع ساعات) في البرد القارس دون طعام، ولم تصدر عن ~~«ديكتاتور» الثورة «تروبتسكوي» أية أوامر، ووقف الأهلون موقفا سلبيا من هذه ~~الحركة. # واستطاع القيصر نيقولا، أن يطوق الثوار في الميدان بقواته، وكان أحد المتآمرين ~~قد حذر في اليوم السابق القيصر، ولم يكن عدد الجنود الثوار يزيد على ثلاثة آلاف، ~~في حين جمع القيصر قوات كبيرة من المشاة والفرسان والمدفعية الذين بقوا على ولائهم ~~له، ورفض الثوار التسليم بل أجابوا بإطلاق النار، على النداءات التي تكرر توجيهها ~~لهم، وقتل في أثناء ذلك «فيلورادوفيتش» الذي عرفنا أنه من أكبر أنصار قنسطنطين، ~~وأخيرا أمر نيقولا بإطلاق المدافع على الثوار، فتفرقوا بعد أن أصيب عديدون من ~~الجنود والأهلين الذين شهدوا الموقعة، ثم قتل كثيرون أثناء هربهم، كما غرق عديدون ~~في نهر نيفا # Neva # الذي تقع عليه العاصمة ~~«بطرسبرج»، وفي مساء اليوم نفسه ألقي القبض على معظم زعماء الثورة وألقي بهم في ~~غياهب السجون، وبذلك قضي على حركة أو ثورة «الديسمبريين». # وكما أظهر المتآمرون من أعضاء «الجمعية الشمالية» - وهي التي قامت بهذه الثورة - ~~الافتقار التام للتنظيم، وحسن الاستعداد، والقدرة على تصريف الأمور، فإن أعضاء ~~«الجمعية الجنوبية» كانوا كذلك من هذا الطراز نفسه. فإن هؤلاء الأخيرين عندما ~~وصلتهم أنباء ثورة «الديسمبريين» في بطرسبرج، لم يلبث أن تزعم أخوة ثلاثة من بين ~~أعضاء «الجمعية الجنوبية» حركة إشعال الثورة في الجنوب (الأوكرين)، فاستطاع الضابط ~~سرجيوس مورافييف أبوستول # Apostol # تحريض أحد ~~الآلايات المشاة فيفاسيلكوف # Vasylkoff # على الثورة ~~في 11 يناير 1826، وجعله يزحف من معسكره بهذه الأخيرة إلى بيالوتسركوف # Bialotserkoff ~~، جنوبها، ولكن لم يمض أيام ~~قلائل حتى كانت قد حلت الهزيمة بقواته، وجرح «أبوستول» مع شقيق له، بينما انتحر ~~شقيق آخر، وقضي على ms1011 هذه الحركة كما قضي على سابقتها. # ولقد كان بعد هذه الانتصارات «السريعة» أو «السهلة» إذن ما أن توطد سلطان ~~«نيقولا»، وتم حلف يمين الولاء له دون أية معارضة أو مقاومة، وفي 29 ديسمبر صار ~~تأدية اليمين له في موسكو، بعد أن أخرجت وثائق 1822-1823 المحفوظة بكتدرائية ~~«أوسبنسكي» وقرئت على الملأ. # وبدأ القيصر نيقولا، في التو والساعة، سياسة قمع صارمة، فشكل (في 29 ديسمبر ~~1825) لجنة لاستقصاء أسباب المؤامرة، وثورة الديسمبريين وأسماء جميع المشتركين ~~فيها، وقام القيصر نفسه بسؤال المتهمين والشهود، وأشرف على «الفحص» الذي استخدمت ~~في إجرائه أقسى وسائل التعذيب الروحية والبدنية. وفي 11 يونيو من العام التالي، ~~وضعت اللجنة تقريرها وقد توخت في هذا التقرير؛ إظهار المتآمرين في صورة القتلة ~~والسفاكين لتشويه سمعتهم، والحط من قيمتهم في اعتبار الناس، ولم يذكر التقرير شيئا ~~عن «برنامج» الديسمبريين، الذين أرادوا - كما عرفنا - تقرير المساواة أمام القانون ~~بين المواطنين وتحرير رقيق الأرض، وإصلاح الجيش والكنيسة، وإلغاء المستعمرات ~~العسكرية والاحتكارات، وضمان العدالة ... إلخ، ولقد شرعت المحكمة العليا تنظر «قضية» ~~هؤلاء الديسمبريين في 15 يونيو، واستمرت مداولاتها حتى 23 يونيو في سرية تامة، ودون ~~إخطار المتهمين بهذه المحاكمة، ودون أن يعطى هؤلاء حق الدفاع عن أنفسهم، وكان ~~عددهم: (121) متهما، منهم؛ (61) أعضاء بالجمعية الشمالية، (37) بالجمعية الجنوبية، ~~(23) أعضاء بجمعية «السلاف المتحدين»، ومن بين هؤلاء جميعا كان سبعة من الأمراء، ~~واثنان من الذين يحملون لقب كونت، وثلاثة بارونات، واثنان من الجنرالات، (23) من ~~الضباط، وقد صدر الحكم بإعدام (36) وبنفي الباقين إلى سيبريا، وتنفذ حكم الإعدام في ~~صبيحة يوم 25 يوليو سنة 1826 في خمسة فقط، هم زعماء الحركة؛ بستيل، ريلييف، سرجيوس ~~مورافييف أبوستول، ميشيل بزتوزيف، وكاشفوفسكي # Kachovski ~~، وخفف القيصر عقوبة الإعدام على زملائهم، فصدر ~~الأمر بنفيهم إلى سيبريا. # ويبدو أن القيصر، بالرغم من هذه القسوة البالغة التي عامت بها «الديسمبريين» التي ~~كان الغرض منها إدخال الرعب والفزع إلى قلوب الناس، وإرهاب المجتمع، كان يريد تنفيذ ~~بعض الإصلاحات على الأقل التي نادى بها الديسمبريون، ذلك بأنه طلب إعداد «موجز» ~~لهذه ms1012 الإصلاحات لقراءته، ولم يلبث أن كلف في السنة نفسها (1826) سبرانسكا بعمل ~~مجموعة للقوانين الروسية، وهو العمل الذي تم الفراغ منه في سنة 1839. ثم إن «لجنة ~~سرية» تشكلت في سنة 1826 كذلك؛ لتفحص مسألة الفلاحين ولو أن جهود هذه اللجنة لم ~~تسفر عن شيء، فكان في عهد خلفه القيصر إسكندر الثاني (1855-1881) أن ألغي رقيق ~~الأرض. # على أنه مما لا شك فيه أن نيقولا قد أظهر حماسا أعظم في اتخاذ تدابير القمع ~~السياسي، فهو قد عين في سنة 1826 رئيسا لقوات البوليس، ومديرا للمنظمة ~~البوليسية الجديدة (القسم الثالث) الخاصة بالجاسوسية والقمع السياسي، الرجل الذي ~~كان أول من كشف نشاط الجمعيات السرية الجنرال بنكندورف. # وفي السنوات التالية، تزايد اهتمام نيقولا بشئون السياسة الخارجية، ولقد مر بنا ~~كيف أنه اشتبك في حرب مع فارس (1827-1828)، وهي الحرب التي انتهت بصلح تركومانكي # Turkmanchy # في 10 فبراير 1828، ونالت بفضلها ~~روسيا مقاطعات ناخيشيفان # Nakhichevan Erivan ~~(في ~~جهات قفقاسيا)، كما اشتبك في العام التالي (1828-1829) في حرب مع تركيا، انتهت ~~بمعاهدة أدريانوبل (أدرنة) في 14 سبتمبر 1829، والتي أفضى إبرامها إلى استقلال ~~اليونان، ونالت روسيا بموجبها أملاكا آسيوية بوتي Poti # وأنابا # Anapa # إلخ)، ثم حق ~~الملاحة الحرة في المضايق؛ البسفور والدردنيل، واحتلاله الأفلاق والبغدان، ثم ~~تعويضا ماليا كبيرا، وأخيرا الحرب البولندية (1831) التي أفقدت بولندة ~~استقلالها الذاتي «كمملكة دستورية». # ولكن الروس أنفسهم لم يفيدوا شيئا من هذه الحروب، بل على العكس من ذلك، كانت ~~خسارتهم بسببها كبيرة عندما خيم عليهم الركود من حياتهم الداخلية، وأخذت عوامل ~~الانحلال البطيء تنخر في جسمان الأمة في المستقبل؛ فتعطل نمو البلاد الطبيعي، وصارت ~~مهددة بحدوث الانقلابات الخطيرة ونزول الكوارث بها. ~~(7) مملكة بولندة # تمهيد # لقد شاهدنا عند الكلام عن إمبراطورية نابليون الأول كيف أن البولنديين كانوا ~~يعقدون الآمال العظيمة على نوايا هذا العاهل الفرنسي في استعادة استقلالهم، ~~وحرياتهم المفقودة، بعد أن كانت التقسيمات الثلاث المعروفة في 1772، 1793، ~~1795، قد محت الدولة البولندية القديمة من الوجود، فأنشأ نابليون غراندوقية ~~وارسو من الأراضي التي كانت أصلا في حوزة ms1013 بروسيا والنمسا، ولكن نابليون لم ~~يلبث أن لحقت به الهزيمة، واستولت روسيا على غراندوقية وارسو أثناء «حرب ~~التحرير» بين عامي 1813، 1815، وصار في أيدي روسيا وحدها الآن إيجاد حل ~~للمسألة البولندية، وهي المسألة التي ظلت قائمة بالرغم من الأحداث الماضية ~~جميعها؛ بسبب الحيوية التي تميزت بها «الأمة» البولندية، والتي حفظت لهذه ~~الأمة كيانها بالرغم من تمزيق «الأرض» التي عاشت عليها هذه الأمة شر ~~ممزق. # وكانت روسيا تستولي على ثلاثة أرباع أراضي بولندة بمقتضى التقسيمات الثلاثة ~~السابقة، وعلى أكثر من نصف سكانها، ولما كانت إلى جانب ذلك قد استولت على ~~غراندوقية وارسو، فقد صار في حوزتها الآن (1815) حوالي تسعة أعشار الأراضي ~~البولندية؛ ولذلك فقد أراد القيصر إسكندر الأول إنشاء مملكة بولندية تحت سيطرة ~~روسيا ويضم إليها أكبر جزء من الأراضي البولندية التي كانت في حوزته، وانتعشت ~~آمال البولنديين عندما كان القيصر - في الشطر الأول من حكمه - ظاهر الرغبة - ~~كما شاهدنا - في تأييد المبادئ والأفكار الحرة، ويجمع حول شخصه مستشارين ~~أصحاب الخبرة والدراية بشئون أوروبا الغربية، والذين كانوا من المعجبين بنظام ~~الحكم الدستوري في إنجلترة، في حين كان تزارتوريسكي «البرنس آدام جورج»، من ~~أقرب المقربين هو وزوجته إلى القيصر إسكندر، وقد استطاع هذا الزعيم الوطني ~~البولندي مع زوجته أن يبثا في نفس القيصر شعور الاحترام للأمة البولندية، ~~وعول إسكندر على إعادة مملكة بولندة القديمة إلى الوجود ثانية، منفصلة عن ~~الإمبراطورية الروسية، ويجمع بينها وبين روسيا رباط شخصي فحسب، هو الخضوع لشخص ~~القيصر إسكندر بوصفه ملكا لهذه المملكة الجديدة «بولندة». # على أن إعادة مملكة بولندة القديمة كان يتطلب من بروسيا والنمسا أن تتنازلا ~~كلاهما عن الأقاليم التي في حوزتهما من أيام التقسيمات الثلاثة المعروفة؛ ~~ولذلك سرعان ما صارت المسألة البولندية من أخطر المشاكل التي صادفها مؤتمر ~~فيينا، ولم يكن السياسيون في هذا المؤتمر، و«كاسلريه» على وجه الخصوص، يدركون ~~حقيقة أهمية هذه المسألة البولندية من الناحيتين التاريخية والسياسية، كما ~~أنهم عجزوا عن إدراك حقيقة الصالح الأوروبي، فوضعوا التسوية الأوروبية على ~~الأسس القائمة قبل الفتوحات النابليونية، ms1014 ثم إنهم عارضوا في إحياء بولندة ~~وإنشاء المملكة الكبيرة التي أرادها القيصر، وذلك لخوفهم من روسيا، وعلى ذلك ~~فقد اضطرت هذه الأخيرة إلى الموافقة على أن تأخذ بروسيا حوالي ربع مساحة ~~غراندوقية وارسو، فاسترجعت إقليم بوزن Pozen # وبروسيا الغربية بما في ذلك دانزج وتورن (أي بولندة البروسية)، بينما استرجعت ~~النمسا الجزء الذي كانت فقدته في سنة 1809 من غاليسيا الشرقية واستولت عليه ~~روسيا وقتئذ، وهو مقاطعة «تارنبول»، في حين أعلنت «كركاو» مدينة حرة حماية ~~روسيا والنمسا وبروسيا المشتركة، ومن الأراضي المتبقية إذن تألفت مملكة ~~بولندة الجديدة، التي ارتبطت بموجب «الدستور» الذي منحه لها القيصر، وبفضل ~~نظام الحكم الوراثي الذي صار لها، ارتباطا لا انفصام له بالإمبراطورية ~~الروسية. # وكان القيصر إسكندر قد عرض قبل ذلك بخمس سنوات (1810) على نابليون الأول ~~إبرام اتفاق يحول دون توسع غراندوقية وارسو؛ أي ضم أقاليم جديدة إليها، ولكنه ~~جعل من حقه الآن في معاهدات الصلح، وفي «قرار فيينا النهائي»، إضافة أقاليم ~~جديدة إلى مملكة بولندة الناشئة، حسبما يتراءى له، وكان الغرض من التمسك بهذا ~~الحق أن تتاح له الفرصة لضم قسم على الأقل من إقليم «ليتوانيا» إلا محكمة ~~بولندة، كما كان من المنتظر أن يكون لهذا الإجراء أثر في استمالة أهل المملكة ~~الجديدة، على نحو ما جعل ضم فنلندة القديمة إلى غراندوقية فنلندة من قبل ~~(1811)، ولقد ساعد عدم تحقق هذا الأمل فيما بعد على زيادة التذمر، الذي أدى ~~إلى إشعال ثورة نوفمبر 1830، ولقد حصل كذلك الاتفاق في مؤتمر فيينا على أن ~~تنشأ أنظمة نيابية، وحكومات وطنية في الأراضي البولندية التي أعطيت إلى كل من ~~النمسا وروسيا، وإلى جانب ذلك أعطيت الضمانات لحرية الملاحة والتجارة ~~والمواصلات على الحدود، في كل أراضي الجمهورية السابقة ضمن الحدود القائمة في ~~سنة 1772. # وواضح من هذه الترتيبات التي ذكرناها أنه كان هناك نية صحيحة لإيجاد حل جديد ~~للمسألة البولندية، ولكن الخطأ الأساسي؛ خطأ تقسيم الأراضي البولندية والأمة ~~البولندية، ظل باقيا، فأضعف مملكة بولندة الجديدة نقص مساحتها؛ بحيث صارت لا ~~تقوى على الاحتفاظ ms1015 باستقلالها «الدستوري» في نظام يضمها بصورة من الصور إلى ~~الإمبراطورية الروسية الأوتقراطية الكبيرة. ~~(7-1) دستور 1815 # أما إسكندر فقد زار وارسو في نوفمبر 1815، وكانت هذه أول زيارة رسمية قام بها ~~عاهل روسي للعاصمة البولندية، وكانت مهمة القيصر استصدار دستور لبولندة. ~~واختار القيصر من بين مشروعات الدستور التي قدمت إليه واحدا أعده الأمير ~~البولندي «آدام تزار توريسكي»، وأدخل القيصر بنفسه عدة تعديلات كبيرة على ~~مسودة هذا الدستور لتضييق استقلال المملكة، واقترح عددا من هذه التعديلات ~~كذلك والتي أخذ بها القيصر؛ النبيل الروسي المعروف الكونت «نيقولا ~~نوفوسيلتزوف» - وقد ذكرنا أنه كان من المقربين إلى القيصر - وكان هذا النبيل ~~كذلك من أصدقاء البرنس «آدام تزار توريسكي» ثم لم يلبث أن صار من ألد أعداء ~~بولندة والبولنديين قاطبة. وقد اعتمد القيصر إسكندر الأول وثيقة «الدستور» ~~البولندي في 27 نوفمبر 1815. # ويتألف هذا الدستور من سبعة فصول، ومائة وخمس وستين مادة. نصت على أن ~~يكون تاج المملكة من حق الأسرة القيصرية الروسية، وراثة وعلى الدوام، وبدلا ~~من الاعتراف بالكاثوليكية الدين «القومي» في بولندة وحسبما نص عليه دستور ~~غراندوقية وارسو القديم، وضعت الكاثوليكية على قدم المساواة مع سائر العقائد ~~والمذاهب، بفارق واحد هو أن تلقى الكاثوليكية حماية الحكومة الخاصة، وأما ~~الملك فقد أعلن أن شخصه لا يمس، وأنه المسيطر على شئون الحكم، وأنه صاحب الحق ~~في اعتماد أو إلغاء ما يشاء من القرارات التي تصدر عن «الدياط» أو «البرلمان»، ~~كما أن له الحق في دعوة الدياط إلى الاجتماع أو إعلان فضه وحله أو تأجيله، على ~~أن يقوم بتمثيل الملك أو صاحب السيادة في المملكة في هذه الحكومة نائب ملك # Viceroy # يعمل بالاتفاق مع «مجلس ~~الدولة». # أما «الدياط» فيتألف من مجلسين، يدعى للانعقاد كل سنتين مرة في دورة تستمر ~~ثلاثين يوما، ويمثل السلطة التشريعية أحد المجلسين؛ مجلس للشيوخ # Senate # لا يزيد عدده على نصف عدد أعضاء ~~المجلس الآخر وهو مجلس النواب، ويعين الملك أعضاء مجلس الشيوخ لمدى الحياة، ~~ويتألف مجلس النواب من (77) من النبلاء، (51) من النواب، يجرى انتخابهم ms1016 لمدة ~~ست سنوات، بطريق الانتخاب المباشر، وكان حق الانتخاب مقيدا بقيود من شأنها ~~تخويل هذا الحق فئات معينة، هم أولا؛ ملاك الأرض النبلاء المقيدون بهذا ~~الوصف في المراكز الإقليمية، ولهؤلاء حق التصويت لانتخاب الأعضاء النبلاء ~~الذين سبقت الإشارة إليهم (وعددهم سبعة وسبعون)، وأما النواب الآخرون (وعددهم ~~51) فكان ناخبوهم - أي الذين لهم حق انتخابهم - هم أولا؛ ملاك الأراضي ~~الذين يدفعون ضرائب، وثانيا؛ الصناع والتجار ممن يملكون عقارا يدفعون ~~عنه ضريبة معينة، وثالثا؛ القساوسة في الإبرشيات، والمدرسون، والفنانون، وأهل ~~المهن الحرة ومن إليهم. ونص الدستور على أن تكون جلسات «الدياط» علنية في ~~كلا مجلسيه، وأن يكون التصويت علنيا كذلك، وأن يكفي لإجازة قرارات الدياط ~~موافقة أكثرية عادية، وأن تقوم بمراجعة أعمال الحكومة لجان ثلاث بالدياط ~~للمراجعة، واحدة مختصة بالقانون المدني والجنائي، وأخرى بالقانون الإداري ~~والدستوري، والثالثة للمالية. # وكانت السلطة التنفيذية من اختصاص «مجلس إداري» يتألف من وزراء المالية ~~والحرب والتعليم والعبادة العامة، والعدل، والشئون الداخلية والبوليس، ويرأس ~~هذا المجلس، كما يرأس مجلس الدولة؛ نائب الملك، وأما توجيه السياسة الخارجية ~~فقد جعل من نصيب وزير الخارجية الروسية في بطرسبرج، وأنشئت في الوقت نفسه ~~إدارة دبلوماسية دائمة في وارسو للاتصال رأسا وبطريق المراسلة بالسفارات ~~الروسية في الخارج، وتعين لمملكة بولندة وزير يقيم إلى جانب «الملك» في ~~بطرسبرج، يكون حلقة الاتصال بين حكومة بولندة والتاج، وصار شعار المملكة نسر ~~أبيض على صدر النسر الروسي الأسود ذي الرأسين (وكان شعار غراندوقية وارسو مجرد ~~النسر الأبيض)، واحتفظ الجيش البولندي (والذي صار عدده حوالي ثلاثين ألف ~~مقاتل) بشعاره الوطني وبملابسه الوطنية. وكان للمواطنين أهل المملكة الجديدة ~~وحدهم حق الالتحاق بالوظائف المدنية والعسكرية، كما جعلت اللغة البولندية ~~اللغة المستخدمة وحدها في شئون الإدارة، والقضاء، والجيش، وضمن الدستور حريات ~~الفرد، والعقائد، والصحافة، ولقد امتنع على اليهود ممارسة أية وظائف مدنية، ~~وحرموا من الالتحاق بالوظائف العامة، ومن الانتخاب. # وهكذا جاء الدستور البولندي لسنة 1815، في بعض نواحيه، أكثر دساتير أوروبا ~~تقدما، وأعظمها اتساما بالطابع الحر، ويرى كثيرون أن المبادئ التي قام عليها ms1017 ~~نظام الانتخاب وقوانين هذا النظام كانت تفوق كثيرا تلك التي قام عليها نظام ~~الانتخاب في إنجلترة ذاتها، قبل الإصلاح النيابي المشهور، بل إن نظام الانتخاب ~~البولندي، بمقتضى هذا الدستور، كان يفوق في صيغته «الحرة» العهد أو ~~الميثاق # Charte # المعروف الذي نالته ~~فرنسا في سنة 1814، وهو «العهد» الذي اشترط لممارسة حق الانتخاب دفع فئات أعلى ~~من الضرائب (أو امتلاك عقار ذي قيمة أعلى)، وتطلب سنا أعلى لمن يمارسون ~~حق الانتخاب والنيابة. فقد بلغ عدد الناخبين في فرنسا في عهد الملكية الراجعة ~~أقل من عدد الناخبين في بولندة حوالي سنة 1820، في حين أن عدد سكان بولندة - ~~باستثناء اليهود - كان لا يزيد كثيرا عن عشر سكان فرنسا، ولما كان دستور ~~1815 قد جعل البولندية لغة التخاطب، ومن حق المواطنين البولنديين وحدهم ممارسة ~~الحقوق المدنية العامة؛ فقد ترتب على ذلك إتاحة الفرصة لبقاء «القومية» ~~البولندية. # على أنه من ناحية أخرى، كانت قد أدخلت عمدا على وثيقة الدستور في صيغتها ~~الأخيرة، نصوص وعبارات مبهمة وغامضة، جعلت ممكنا الافتئات على الحقوق التي ~~جاءت في هذا الدستور والاعتداء عليها. من ذلك أنه بدلا من النص صراحة على عدم ~~السجن أو الحبس مدة طويلة دون محاكمة، صيغ هذا المبدأ العام بصورة جعلت السجن ~~أو الحبس الطويل غير القانوني دون محاكمة، من حق الملك ونائبه. من ذلك أيضا ~~أن إعداد «الميزانية الأولى» جعل من حق الملك، دون توضيح ما إذا كان المقصود ~~بذلك ميزانية السنة الأولى فقط - أي التالية لإنشاء المملكة واستصدار الدستور ~~- أم ميزانية السنوات التالية، ولقد ترتب على ذلك أنه لم يقدم لتصديق «الدياط» ~~طوال السنوات الخمس عشرة التي عاشتها «مملكة بولندة» أية ميزانية إطلاقا، ومع ~~أن الدستور نص على انعقاد الدياط كل سنتين مرة، فقد أعطى الدستور للملك حق ~~تأجيل انعقاد هذه المجالس، وعلى ذلك لم يجتمع خلال هذه الخمسة عشر عاما سوى ~~أربع «دياطات» فقط، في حين كان المنتظر اجتماع سبعة. ~~(7-2) الحكومة الجديدة # أضف إلى هذا كله أن «الملك» - إسكندر الأول - لم يكن موفقا ms1018 في اختيار عدد ~~كبير من الذين شغلوا المناصب الهامة؛ من ذلك اختيار الفراندوق قنسطنطين، ~~قائدا أعلى للجيش البولندي، وهو الذي أثار وجوده الحزازات، وأساء إلى ~~العلاقات بين بولندة وروسيا؛ بسبب صرامة طباعه وميله للطغيان بالرغم من إقامته ~~الطويلة في بولندة، وزواجه من أميرة بولندية، وكان نائب الملك، وهو الجنرال ~~زايونيش # Zayonch # رجلا ضعيف الخلق، خضع ~~خضوعا مهينا للفراندوق قنسطنطين، مع أنه كان معروفا بالشجاعة، كما كان ~~محاربا قديما، وأحد الضباط الذين خدموا تحت قيادة نابليون، وذلك كله في حين ~~استبعد «تزار تورسكي» من الحكومة كلية، وهو الذي كان يرشحه الرأي العام لمنصب ~~نائب الملك، وكان سبب استبعاده غضب القيصر إسكندر عليه. كما أغدقت العطايا ~~على «نيقولا نوفوسيلتزوف»، ونال مقعدا في «المجلس الإداري»، وأعطي سلطات ~~واسعة، وهو الرجل كان بمثابة «الروح الشريرة» في المملكة الجديدة. ولقد تدخل ~~«نوفوسيلتزوف» في كل شئون «الدولة» وصار يبعث بالتقارير السرية أسبوعيا من ~~بطرسبرج إلى القيصر إسكندر الأول، ثم من بعده إلى القيصر نيقولا الأول، وكانت ~~هذه تقارير عليها شعور الحقد والكراهية لكل ما هو بولندي، والعداء لكل شعور ~~بالقومية البولندية، ولكل رغبة في التقدم والحرية، وكان تدخل «نوفوسيلتزوف» ~~ونشاطه مبعث كل المصائب التي حلت بالبلاد في هذه الفترة، ووقعت على رءوس آخر ~~رجالها وأبنائها، حتى أصبح اسم «نوفوسيلتزوف» في نظر البولنديين علما على ~~طغيان البيروقراطية الروسية، وظلمها. # وفي المملكة الجديدة، صار رئيس أساقفة وارسو رئيسا لكنيسة Primate # مملكة بولندة، حيث نال هذا اللقب ~~بفضل الاتفاقية «كونكردات»، التي وقعها إسكندر الأول مع البابا بيوس السابع ~~(في روما في 28 يناير 1818)، والأوامر البابوية (بتاريخ مارس ويونيو من السنة ~~نفسها). على أن الحكومة الروسية بعد وفاة الرئيس فورونيتش # Voronicz # في سنة 1829، رفضت الاعتراف بلقب رياسة الكنيسة ~~لرؤساء الأساقفة بعد ذلك. # وعنى البولنديون بشئون التعليم عناية فائقة، فتأسست في وارسو جامعة في سنة ~~1816 لم تلبث أن صارت تضم إليها كليات لعلم اللاهوت، والقانون والطب والفلسفة، ~~والعلوم والآداب، ولما كانت مكتبة «زالوسكي» قد نقلت إلى سان بطرسبرج، (منذ ~~1795) فقد ms1019 أنشئت مكتبة جديدة. ثم تأسست مدارس عالية لدراسة الفنون ~~العسكرية، وشئون الغابات والفنون التطبيقية في وارسو، ومدرسة للتعدين في ~~كليلسي # Kielce # ومدرسة للحربية في ~~كاليشي # Kalisz ~~، ومدرسة للمعلمين في ~~لوفيتشي # Lovicz ~~. كما أنشئت مدرسة ~~إكليريكية، وأخرى لرجال الدين اليهود، وأما التعليم الثانوي فقد بلغ عدد ~~مدارسه (26)، وبلغ عدد المدارس الابتدائية والأولية (900) تقريبا، وعنيت ~~الحكومة كذلك بشئون الصناعة، خصوصا صناعة الغزل والنسج والتعدين، وبذلت ~~الجهود لتحسين مدينة وارسو، وتوسيعها، وأقيمت بها المباني الجديدة، وأصلحت ~~الطرق وعبدت أخرى جديدة، ونشطت الملاحة النهرية في أنهار الفيستولا ~~وبيليشيا Pilica ~~، ونيدا # Nida ~~، وغيرها، ونظمت خدمة البريد، وأعانت ~~الحكومة المسرح القومي، وأنشئت أكاديمية للموسيقى، ولقد صدر في سنة 1817 قرار ~~يجعل سهلا الحصول على ألقاب النبل والشرف، وكان غرض الحكومة من التقريب بين ~~الطبقات في المجتمع، وإزالة الشعور تدريجيا بأن النبلاء يؤلفون طبقة قائمة ~~بذاتها ومنفصلة عن سائر الطبقات في المجتمع البولندي، وعنيت الحكومة بتنظيم ~~مالية البلاد، وكانت بولندة تشكو عجزا في ميزانيتها بسبب الإنفاق على الجيش، ~~وقامت روسيا في العامين الأولين (1815-1817) بسداد هذه النفقات من خزانتها، ~~ولكن لم تلبث أن صارت «مالية» البلاد - أي بولندة - هي التي تتحمل هذه النفقات ~~بعد ذلك، فبلغ العجز في ميزانيتها في سنة 1819 حوالي تسعة عشر مليونا من ~~الفلورينات (والفلورين # Florin # البولندي أو ~~الجلدين # Gulden # كان يساوي وقتذاك حوالي ~~سبعة قروش)، وخشي البولنديون أن يتخذ «نوفوسيلتزوف» من هذا العجز ذريعة لإقناع ~~القيصر إسكندر بضرورة إلغاء دستور الحكم الذاتي بدعوى أن «المملكة» قد عجزت عن ~~سداد نفقات حكومتها الداخلية، وذلك على أمل أن يشمل الدستور الذي كان يعد ~~وقتئذ للإمبراطورية بأسرها، بولندة. # وفي 27 مارس 1818؛ افتتح القيصر إسكندر الأول، في حفل رسمي كبير، مجلس ~~«الدياط» وألقى خطابا بالفرنسية ضمنه وعودا كثيرة. فقال إسكندر: إن ~~البولنديين قد هيأوا له الفرصة ليكشف لبلاده «روسيا» عن الفرص الذي دأب يعمل ~~في سبيله من مدة طويلة، والذي سوف يتحقق بالنسبة لبلاده، بمجرد أن يتم ~~الاستعداد له. ثم امتدح البولنديين الذين أقاموا الدليل على ms1020 أنهم جديرون بما ~~نالوه من حقوق، وقال: إن جهودهم وحدها هي التي سوف تجعله يقرر ما إذا كان - ~~وحسبما تعهد به - في مقدوره أن يزيد الحقوق والحريات التي منحها لهم، ولقد كان ~~لهذه الأموال صدى كبيرا ليس في بولندة وحدها، أو روسيا فحسب؛ بل وفي كل ~~أوروبا، وفهم الناس من هذه الأقوال أن القيصر يريد منح روسيا نفسها دستورا، ~~وأنه يريد أن يضم ليتوانيا إلى المملكة، وفي رأي كثيرين تعتبر هذه الخطبة - ~~خطبة العرش - التي ألقيت في مارس 1818 نهاية ما وصلت إليه آراء القيصر ~~الحرة وبداية المرحلة التي انحدرت فيها آراؤه في طريق الرجعية. # ولقد كان إذن تحت تأثير هذه الأقوال المشجعة أن اتخذ «الدياط» عدة قرارات، ~~على جانب كبير من الأهمية بشأن تعيين حدود (أو مساحة) الأراضي المملوكة ~~للأفراد وتثبيت هذه الحدود، واستصدار قانون خاص برهن العقارات، وإعداد قانون ~~للجنايات، وأبدى «الدياط» إلى جانب ذلك، حكمة واعتدالا في علاقاته مع ~~«الحكومة» ومع الفراندوق قنسطنطين الذي أرغم وزير الحربية (في سنة 1816) على ~~الاستقالة، واضطره بسبب صراحته العسكرية، كثيرون من الضباط البولنديين إلى ~~الانتحار، وأراد «الدياط» أن يقيم الدليل بفضل نشاطه التشريعي ومسلكه المتسم ~~بالرزانة والاعتدال، على أنه يثق في الحكومة، وقبل كل شيء يثق في وعود القيصر ~~التي تضمنها خطاب العرش، ولقد زاد من «ثقة» البولنديين في وعود القيصر، أن ~~إسكندر عندما أعلن فض الدياط في 27 أبريل 1818، ألقى خطابا شكر فيه أعضاء ~~المجلس على نشاطهم ومسلكهم، ووعد بعودته السريعة إلى وارسو، وتعهد بتمسكه ~~بنواياه التي أعلن عنها سابقا والتي يعرفها أعضاء المجلس، وقال: إنه مصمم على ~~تنفيذها، وبالفعل كانت قد اتخذت في سنة 1817، ثم لم تلبث أن اتخذت في سنة ~~1819 كذلك إجراءات تدل على الرغبة في تحقيق هذه النوايا، وذلك عندما صدرت ~~الأوامر في هاتين السنتين (1817-1819) تجعل السلطات العسكرية التي يتمتع بها ~~الفراندوق قنسطنطين، بوصفه قائد الجيش البولندي الأعلى، تشمل كذلك خمس مقاطعات ~~من ليتوانيا. ~~(7-3) عودة الرجعية # ومع ذلك فقد أخذت تظهر، بالرغم من كل ms1021 هذه الوعود، دلائل معينة تشير إلى أن ~~عهدا من الرجعية قد بدأ في الوقت نفسه في بولندة. من ذلك أن نائب الملك أصدر ~~قرارا في مايو 1819 فرض الرقابة على الصحف والمجلات، فلم تلبث هذه أن شملت ~~الكتب في كل أنحاء المملكة (يوليو من العام نفسه)، وكان في ذلك افتئات جسيم ~~على الدستور. وفي ديسمبر 1819؛ وضعت القيود على الحرية الشخصية، بصورة يسرت ~~السبيل لتطبيق الأوتقراطية المتطرفة في كل فروع الحكم والإدارة وإلغاء حريات ~~الأفراد، حسبما عليه إرادة «قنسطنطين» من جهة، ونزوات «نوفوسيلتزوف» من جهة ~~أخرى، ودون حساب لكل الضمانات التي اشتمل عليها الدستور لتأمين حقوق الأفراد ~~وحرياتهم. # وعندما اجتمع مجلس «الدياط» الثاني في خريف 1820، كان القيصر قد تخلى عن ~~«مبادئه الحرة الديمقراطية»؛ بسبب الأحداث التي وقعت في أوروبا آنئذ، بل وفي ~~روسيا كذلك. فجاء خطاب العرش الذي ألقاه (بالدياط) في 13 سبتمبر مليئا ~~بالتحذير من تلك «الروح الخبيثة» التي قال القيصر: # إنها صارت تجتاح أوروبا، ومع ذلك فقد حرص إسكندر على إظهار تمسكه ~~بوعوده السابقة، كما أنه بالرغم من تغلب الرجعية على تفكيره ونشاطه، ~~كان لا يزال يحاول سرا وهو في وارسو إعداد المشروعات الخاصة ~~باتحاد ليتوانيا مع بولندة، وإنشاء دستور لروسيا، ولو أنه لم يكن ~~يعتقد كثيرا أن في الإمكان تنفيذ هذه المشروعات. # ولم يكن مسلك «الدياط» هذه المرة، مما يجلب رضاء القيصر عليه، فرفض ~~الدياط بعض مشروعات القوانين الهامة التي تقدمت بها الحكومة، وكثرت العرائض ~~التي شكا فيها أصحابها من إجراءات الحكومة غير الدستورية، وشن فينسنت نيمويفسكي # Vincent Niemojevski # زعيم المعارضة ~~في المجلس هجوما عنيفا على أعمالها، ولكن الدياط استطاع بالرغم من ذلك أن ~~يسلك على وجه العموم طريقة الاعتدال عند نقده للحكومة، ولم يتعرض لشخص الملك ~~بشيء. وتجاهل القيصر هذا «الاعتدال»، فعمد في خطابه الذي أنهى به أعمال الدياط ~~في هذه الدورة (13 أكتوبر 1820) إلى توجيه اللوم الشديد للمجلس، والإشارة إلى ~~أنه قد يجد نفسه مضطرا إلى إلغاء وعوده السابقة، وحمل القيصر أعضاء ~~الدياط مسئولية «تعطيل تقدم ms1022 بلادهم». # وخلال السنوات الخمس التالية، لم يدع الدياط للانعقاد مرة واحدة، وعانى ~~البولنديون متاعب كثيرة، عندما شدد «نوفوسيلتزوف» الرقابة على الصحف، وخضع ~~التعليم لتيار الرجعية السياسية بتأثيره وتحت نفوذه، ولقد ساعد على ذلك وجود ~~وزير للتربية والتعليم ولشئون الدين والعبادة هو «ستانسيلاوس بوتوكي»، معروف ~~بآرائه الحرة ووطنيته الكبيرة، لم يلبث أن نفر من الحكومة طائفة القساوسة ~~الكاثوليك عندما أغلق عددا من الأديرة للرهبان (45)، والراهبات (3)، وإحدى ~~عشرة مدرسة إكليريكية. (ولقد تبقى بعد ذلك حوالي مائتي دير وألفي راهب)، وعلى ~~ذلك؛ فقد تقدم الأساقفة وعلى رأسهم «فورونيتش» بعرائضهم إلى القيصر يشكون ~~«بوتوكي» الذي كان موضع بغضهم لأسباب عدة منها؛ أنه كان كذلك رئيس الحفل ~~الأعظم الشرقي للبنائيين الأحرار (للماسونية) في مارسو. ومما تجدر ملاحظته أن ~~كنيسة روما في هذا الحين كانت تقف ضد الجمعيات السرية، وعلى الخصوص جمعيات ~~«الكاربوناري» التي أصدر البابا ضدها قرار الحرمان (في سبتمبر 1821)، واستجاب ~~إسكندر لرغبات الأساقفة فاعتمد قانونا جديدا للتعليم والعبادة (أغسطس 1821)، ~~وطرد «بوتوكي» من منصبه، ولكن تولى وزارة التعليم وشئون الدين، رجل سرعان ما ~~صار أداة في يد «نوفوسيلتزوف» فسادت الرجعية هذه الوزارة. ~~(7-4) الجمعيات السرية # وعمدت الحكومة إلى مطاردة الجمعيات السرية وإلغائها، وكانت بعض هذه الجمعيات ~~قد تأسست قبل إنشاء مملكة بولندة ذاتها، فكان عدد منها موجودا في سنة 1814، ~~وترجع أصول هذه الجمعيات السرية إلى وقت تأسيس الماسونية البولندية معتمدة على ~~الحفل الماسوني الأعظم في برلين، وهي التي أعيد تنظيمها أثناء قيام ~~«غراندوقية وارسو»، فأنشئ محفل بولندي أعظم، مرتبط بالمحفل الأعظم الماسوني ~~بباريس. ولقد امتد نشاط الحركة الماسونية في سنة 1814 إلى المقاطعات الغربية ~~في روسيا بفضل جهود بلاتر «لدويج بلاتر»، ونشأت الصلات بين المحفل البولندي ~~ومحفل بطرسبرج الأعظم. # وشجع القيصر إسكندر وأخوه قنسطنطين (والأخير كان من الماسون البنائين ~~الأحرار) تكوين الجمعيات الوطنية السرية، عندما كان متوقعا في سنة 1814 أن ~~تقوم بسبب المسألة البولندية الحرب بين روسيا من جانب، والنمسا وإنجلترة ~~وفرنسا من جانب آخر، وذلك على أمل استخدام البولنديين الوطنيين في جانب روسيا. ms1023 ~~وعقد القيصر آماله على إمكان تأسيس «مملكة بولندة» بهذه الوسيلة، فتألفت في ~~هذه الظروف إذن في سنة 1814 جمعية البولنديين ~~الأصليين # Trve Poles ~~. ثم لم تلبث أن تألفت بعد ذلك جمعية سرية ~~للماسونيين الوطنيين أو ~~القوميين # National ~~، وذلك من بين الماسون البولنديين، وكان مؤسس هذه ~~الجمعية الرئيسي والأستاذ الأعظم: فاليتز ~~لوكاسنسكي # Valez Lukasinsri # أحد الضباط البولنديين، وأيدت هذه الجمعية مبدأ ~~الملكية، وأقامت تمثالا نصفيا للقيصر إسكندر في قاعات محافلها. ثم إنه ~~عندما امتد نشاط الجمعية بعد ذلك إلى غراندوقية «بوزن»، أزيل تمثال الملك ~~البروسي في فردريك وليم الثالث، ووضع مكانه تمثال القيصر إسكندر في كل ~~المحافل الماسونية في بوزن. وفي سنة 1819 وضع «لوكاسنسكي» قانون الجمعية. وفي ~~بداية العام التالي (1820) تحولت الجمعية مرة ثانية من جمعية ماسونية إلى ~~منظمة من طراز «الكاربوناري»، وفصم «لوكاسنسكي» في الوقت نفسه كل علاقة مباشرة ~~مع «بوزن» الإقليم الذي احتفظت به بروسيا، وكان قطع هذه العلاقات بناء على ~~رغبة القيصر إسكندر، ولكن تعذر وقف هذه الحركة، فحدث في أبريل 1821، أن حضر ~~إلى وارسو أحد البنائين الأحرار في «بوزن»، الجنرال أومنسكي # Vminski # وبفضل مساعيه وتحت ضغط الرأي في ~~المحافل المحلية، أمكن تأسيس جمعية سرية جديدة ذات تنظيم قوي، وذلك في مكان ~~بالقرب من وارسو في بيلاني # Bielany # في أول ~~مايو 1821، وكانت هذه الجمعية ذات كيان مستقل عن سائر الجمعيات، وتعمل من أجل ~~تحقيق استقلال بولندة، معتمدة في بلوغ مآربها على سواعد الشعب البولندي نفسه، ~~وتسمت باسم الجمعية ~~الوطنية Patriotic Society ~~، وتمارس السلطة في هذه الجمعية لجنة مركزية برياسة ~~«لوكاسنسكي». ثم وزع أعضاؤها أنفسهم في سبع مقاطعات؛ مملكة بولندة، ~~ليتوانيا، فولهينيا # Volhynia ~~، بوزن، غاليسيا، ~~كراكاو، ثم المقاطعة السابعة وتتألف من الجيش البولندي. وفي سنة 1822 بلغ ~~عدد أعضاء «الجمعية الوطنية» حوالي خمسة آلاف ولو أن هناك من يرون أنه عدد ~~مبالغ فيه كثيرا. # ولم يمض وقت طويل، حتى فطنت الحكومة لحقيقة نشاط هذه الجمعية، وذلك في أبريل ~~1822، عن طريق التحذيرات التي جاءتها من البوليس في برلين، ثم ms1024 بسبب خيانة أحد ~~أعضائها، الضابط كارسكي # Karski ~~، وكان هذا ~~الأخير قد أوفد إلى باريس للوصول إلى تفاهم مع الجمعيات العسكرية الفرنسية، ~~ومع «لفاييت» خصوصا. فأبلغ «كارسكي» كل ما لديه من معلومات إلى السفير الروسي ~~في باريس بوزو دي بورجو Pozzo di Borgo ~~، وكان ~~من ألد أعداء البولنديين، فألقي القبض على «لوكاسنسكي» ورفاقه، وأودع هؤلاء ~~السجون، ثم قدموا للتحقيق بعد أكثر من عامين، في يوليو 1822، أمام «لجنة ~~تحقيق» خاصة، ثم سيقوا للمحاكمة أمام محكمة عسكرية في يناير 1824، وحكمت هذه ~~عليهم بالأشغال الشاقة (في أغسطس)، وخفض إسكندر الحكم بالنسبة لرئيس المنظمة ~~«لوكاسنسكي» لمدة سبع سنوات فقط، ومع ذلك فقد أودع هذا الأخير، عند قيام ثورة ~~نوفمبر 1830، بإحدى زنزانات قلعة شلوسلبرج # Schlüsselrerg # في روسيا، إلى الشرق من بطرسبرج، حيث بقي بها مدة ~~أربعين عاما تقريبا، إلى وقت وفاته سنة 1868، ولم يذع «لوكاسنسكي» شيئا من ~~أسرار الجمعية حتى مماته. # وكان بفضل صمت «لوكاسنسكي» أن استطاعت «الجمعية الوطنية» متابعة نشاطها ~~سرا، برياسة أحد قادة الحرس البولندي كرتزيتزانوفسكي # Krzyzanovski ~~، وصار لهذه الجمعية فروع عديدة في فيلنا، ~~وكولاند، وفي المقاطعات الجنوبية الغربية، خصوصا في فولهينيا، ومن هذه ~~الأخيرة وصلت الأخبار عن وجودها إلى «الجمعية الروسية الجنوبية» التي عرفنا من ~~زعمائها؛ «مورفييف أبوستول» و«بزتوزيف»، وقد اقترح هذان في سنة 1823 الوصول ~~إلى تفاهم وتعاون مع «الجمعية الوطنية». فانعقدت المؤتمرات السرية لهذه الغاية ~~في غضون سنتي 1824، 1825 بينهما وبين «كرتزيتزانوفسكي»، وكان الأخير متحذرا ~~في مفاوضاته، حتى إنه لم يشأ إعطاء أية تفصيلات عن الجمعيات البولندية عندما ~~طلب منه الإدلاء بمعلوماته عن هذه الجمعيات على أساس اشتراك الفريقين؛ الروس ~~والبولنديين في مؤامرة واحدة؛ فرفض إفشاء سر هذه الجمعيات بدعوى أنه لم يكن ~~مفوضا بفعل ذلك، ولأنه لا يهتم هو من ناحيته بمعرفة تفاصيل عن الجمعيات ~~الروسية. وعندما سأله «أبوستول» و«بزتوزيف» عن نوع الحكومة التي تريدها ~~«الجمعية الوطنية» البولندية وأشار بوجوب تفضيل الجمهورية، أجاب ~~«كرتزيترانوفسكي»: أن صالح بلاده يقتضي في اعتقاده قيام الحكومة الملكية، ~~وأشعره المندوبان الروسيان أن في عزم المتآمرين ms1025 الروس إذا دعت الضرورة، القضاء ~~على البيت الروسي المالك، وطلبا من المفاوض البولندي أن يعمل البولنديون من ~~جانبهم كذلك للخلاص من «قنسطنطين»، فكان جواب «كرتزتيزانوفسكي»: «أن ~~البولنديين لم يسبق قط أن تلطخت أيديهم بدماء ملوكهم.» ثم إنه رفض أخيرا أن ~~يوقع على اتفاق مكتوب. ~~(7-5) نهاية عهد # وكان في هذه الظروف الدقيقة، التي بدأت تتجمع فيها النذر، بأن عاصفة هوجاء ~~سوف تهب في سماء المملكة «بولندة»؛ كان في هذه الظروف أن تعين الوزارة ~~المالية؛ البرنس لوبيكي # Lubecki ~~(1821) وكان ~~ذا مقدرة، اتخذ طائفة من الإجراءات التي ترتب عليها زيادة إيرادات الدولة ~~واستطاع التخلص من العجز المزمن في الميزانية، فلم يمض عامان حتى كانت قد ~~استقامت الأمور، وانتعشت اقتصاديات المملكة (وماليتها)، ولكن «لوبيكي» حتى ~~يظفر بهذه النتيجة، لم يتردد في استخدام وسائل كانت تتسم بالعنف والصرامة، ولا ~~يمكن أن يوصف أكثرها بالنزاهة، الأمر الذي نفر منه القلوب، وجعله موضع حملة ~~عنيفة شنتها عليه «المعارضة» في مجلس الدياط، ومع ذلك فالمعترف به أن ~~«لوبيكي» قد أدى خدمات جليلة لوطنه، بفضل نجاح إدارته وسياسته المالية من جهة، ~~ولأنه كان في وسعه بسبب هذا النجاح نفسه أن يقاوم بعناد، طغيان «نوفوسيلتزوف» ~~في «المجلس الإداري»، بل ويقف في وجه القيصر نفسه من أجل الدفاع عن صالح ~~وطنه. # أما آخر زيارات القيصر إسكندر لوارسو، فكانت في ربيع 1825 عندما حضر لافتتاح ~~جلسات الدياط الثالث، وكان عند صدور الدعوة لانعقاد هذا الدياط، أن صدر في 13 ~~فبراير 1825 قانون إضافي، جعل جلسات الدياط سرية باستثناء جلستي الافتتاح ~~والاختتام العامتين، وكان معنى هذا القرار بدرجة كبيرة، إلغاء «الدستور» نفسه، ~~ولقد اتخذت إجراءات أخرى «قمعية» لمنع تكرار ما حدث من معارضة في الدياط ~~الأخير ضد الحكومة، فمنع «نيمويفسكي» زعيم المعارضة السابق من المجيء إلى ~~مارسو، وألغيت الانتخابات في «كاليس»، حيث كان قد أعيد انتخابه نائبا عنها ~~في «الدياط»، وأحيط مقر الدياط - ويشغل قسما من القصر الملكي في وارسو - ~~بالجنود واكتظ المكان بالموظفين الروس وبالجواسيس. # وافتتح القيصر إسكندر جلسات المجلس (في ms1026 13 مايو 1825)، فألقى خطابا جافا، ~~تجنب فيه الكلام في المسائل الهامة، فلم يشر إلا عرضا (للقانون الإضافي)، في ~~حين تحدث عن التقدم المادي الذي بلغته البلاد، والتحسن الذي حصل في ~~اقتصادياتها، وتكلم عن واجب أعضاء المجلس أن يضعوا الثقة الكاملة في الحكومة، ~~وأوصى بقبول كل المشروعات التي تتقدم بها هذه إلى المجلس دون أي تحفظ. وعمل ~~الدياط بهذه «الوصايا»، فلم يشأ الشكاية من «القانون الإضافي» أو من أعمال ~~الحكومة أو الاحتجاج عليها، وكان الدياط قد أعد خطابا خاصا موجها للعرش ~~يطلب فيه إلغاء القانون الإضافي. ثم وافق «الدياط» على كل مشروعات الحكومة، ~~دون استثناء ما، وكان من بين هذه المشروعات؛ تنظيم «بنك للأراضي» كان «لوبيكي» ~~صاحب الفضل في تأسيسه، أمدته الحكومة بمعونة مالية ضخمة من أجل تشجيع الزراعة، ~~ومن ذلك أيضا؛ اعتماد قسم من القانون المدني، وقانون آخر خاص بالملكية ~~العقارية لتنظيم العلاقة بين الملاك والمستأجرين، ثم مواد إضافية مكملة ~~للقانون الجنائي. وهكذا أقام الدياط الدليل على أنه تقديرا منه للمسئوليات ~~الجسيمة الملقاة على عاتقه - وحسبما جاء في خطاب إسكندر نفسه الذي اختتم به ~~دورة سنة 1920 - لم يشأ أن يزود القيصر بأية أعذار أو حجج يستند عليها في ~~إلغاء الوعود التي ارتبط هذا الأخير بها، ولقد كان نجاح الدياط في تحقيق هذا ~~الغرض واضحا، لدرجة أن إسكندر نفسه لم يسعه سوى الاعتراف بذلك، فجاء في خطابه ~~الذي اختتم به هذه الدورة (في 13 يونيو 1825)، ما معناه؛ أن أعضاء هذا المجلس ~~قد حققوا رغائب وطنهم، وبرروا في الوقت نفسه الثقة التي وضعها فيهم القيصر، ~~وأن القيصر يريد لذلك برغبة صادقة أن يتمكن من إقناعهم بأنه سوف يكون لعملهم ~~هذا ومسلكهم أعظم الأثر على مستقبل بلادهم. # ولكن هذه «الوعود» الأخيرة لم تتحقق؛ لأن القيصر غادر وارسو في اليوم التالي ~~(14 يونيو). فلم يشهد بولندة مرة ثانية، فقد وافته منيته - كما عرفنا - في ~~تاجنروج في أول ديسمبر 1825. ~~(7-6) بوادر الثورة # ولقد تقدم كيف اقترن اعتلاء القيصر نيقولا الأول عرش روسيا بالقلاقل ~~والاضطرابات ms1027 التي أثارتها حركة الديسمبريين، والذي لا شك فيه أنه كان لاعتلاء ~~هذا القيصر العرش، وما صحب اعتلاءه من أحداث؛ أثر عظيم في النهاية على مقدمات ~~بولندة. حقيقة بدأ نيقولا حكمه باستصدار بيان (أو منشور) منفصل إلى مملكة ~~بولندة في 25 ديسمبر 1825 يؤكد فيه للبولنديين أن حكومته إنما هي استمرار ~~لحكومة سلفه إسكندر. فتبقى لهؤلاء أنظمتهم الحكومية، وأقسم نيقولا أغلظ ~~الأيمان أنه سيحفظ الدستور ويقوم على تنفيذه بكل ما أوتي من جهد وقدرة، ولكن ~~كان واضحا بالرغم من هذه الأيمان؛ أن الحكم الجديد سوف يأتي حتما بأخطار ~~جديدة. # فقد ساءت العلاقة في التو والساعة بين القيصر نيقولا والفراندوق قنسطنطين، ~~وتزايد شعور الأخير بجسامة المسئوليات الملقاة على عاتقه بعد أن تخلى عن العرش ~~لأخيه الأصغر نيقولا. زد على ذلك أن القيصر الجديد لم يلبث أن نبذ ظهريا ~~مشروع إسكندر لضم المقاطعات الليتوانية الخمس إلى مملكة بولندة، وشرع يعمل ~~تدريجيا لصبغ الإدارة المدنية في هذه المقاطعات الخمس بالصبغة الروسية، ثم ~~تصبغ الفرق العسكرية الليتوانية خصوصا بهذه الصبغة نفسها، مما أثار المناقشات ~~العنيفة بين قنسطنطين القائد الأعلى للجيش البولندي والقيصر نيقولا. # أضف إلى هذا أن قنسطنطين رفض أن يبدأ تحقيقا مع الجمعيات البولندية السرية، ~~بالرغم من أن الديسمبريين كانوا متصلين بها، وذلك لخوفه من أن يسفر هذا ~~التحقيق عن إدانة بعض أقسام الجيش البولندي، وزيادة العلاقات توترا بين ~~بولندة وروسيا، ومع ذلك فقد أصر القيصر على ضرورة إجراء هذا التحقيق، فألقي ~~القبض على عدد عظيم من الناس، كان من بينهم «كرتزيتزانوفسكي»، وشكلت «لجنة ~~التحقيق» لجمع الأدلة، كشفت النقاب عن نشاط «الجمعية الوطنية» وكل ما يتصل ~~بنظامها، ثم قدمت اللجنة تقريرها في 3 يناير 1827، فأدين ثمانية منهم؛ ~~«كرتزيتزانوفسكي» نفسه. ثم تشكلت محكمة من الدياط، عينت من بين أعضائها ~~«لجنة» أخرى للتحقيق، بدأت جلساتها في 10 أبريل 1828، وعلى خلاف ما حدث في ~~محاكمة الديسمبريين الذين حوكموا محاكمة سرية، ودون أن يعطوا حق الدفاع عن ~~أنفسهم، أجريت المحاكمة الآن بطريقة قانونية، ولقي المتهمون التسهيلات ~~اللازمة لتدبير ms1028 دفاعهم، وصدر الحكم أخيرا في 10 يونيو من السنة نفسها، وكان ~~يقضي بسجن «كرتزيتزانوفسكي» ثلاث سنوات، بينما وقعت على الآخرين عقوبات خفيفة، ~~في حين برئ ثلاثة منهم، وصدرت هذه الأحكام ضد رغبة القيصر نيقولا الذي كان ~~يريد توقيع عقوبة الإعدام عليهم، ويذهب المؤرخون إلى أن هذه الأحكام المخففة ~~إنما تنهض دليلا على أن أكثرية المجتمع الروسي كانت تعطف على أغراض الجمعيات ~~السرية. # ولقد قدم رئيس المحكمة الكونت بطرس بيلينسكي # Bielinski # تقريرا إلى القيصر (في 30 يونيو 1828)، أعده ~~«تزارتوريسكي»، يتضمن حيثيات الأحكام التي صدرت، باعتبار أن المتهمين قد بنوا ~~دفاعهم قبل كل شيء على أساس أن نشاطهم إنما يلقى مبررا له فيما جاء (بقرار ~~فينا النهائي) خاصا بإنشاء مملكة بولندة ومنها دستورا يكفل لها حكومة ذاتية ~~- بالشكل الذي يراه القيصر - على أن يربط هذه المملكة بروسيا دائما، وإن لم ~~تندمج بها. كما يستند هذا النشاط فيما يتعلق بتوسيع حدود المملكة، على وعود ~~القيصر إسكندر الخاصة بضم مقاطعات من ليتوانيا إليها، وهي الوعود التي تأكدت ~~بفضل القوانين التي أدخلت الأنظمة البولندية في الإدارة المدنية والعسكرية في ~~قسم كبير من ليتوانيا، وعندئذ أمر القيصر نيقولا (في 29 أغسطس 1828) المجلس ~~الإداري ومجلس الدولة أن يعيدا النظر في هذه الأحكام؛ لتقرير ما إذا كان لا ~~يبدو من جانب «محكمة الدياط» التي أصدرتها: «أنها تميل لغض الطرف عن النوايا ~~الإجرامية.» وعندئذ تصدى «لوبيكي» للدفاع عن المتهمين، وعن المحكمة، وعن ~~البلاد بأسرها، وكان بفضل نفوذه أن أيد المجلس الإداري ومجلس الدولة جوهر ~~القرار الذي أصدرته المحكمة، واضطر نيقولا في آخر الأمر إلى اعتماد هذه ~~الأحكام التي لم تلبث أن نفذت (26 مارس 1829). # وكان هذا الحادث بمثابة المقدمة التي مهدت لاشتعال ثورة نوفمبر 1830، من حيث ~~إنها قد أظهرت عاريا، ذلك العداء الذي كان مستحكما بين القيصر نيقولا والأمة ~~البولندية. # ولقد كان للحرب التي خاض غمارها القيصر مع الأتراك (1828-1829)، أكبر الأثر ~~في جعل نيقولا الأول يتخلى عن موقفه. فقد كانت الحرب في مراحلها الأولى لا ~~تسير في صالح ms1029 روسيا، وكان هناك خوف من تدخل النمسا وإنجلترة ضد روسيا، وأراد ~~القيصر استخدام الجيش البولندي، ولكن قنسطنطين عارض بنجاح في ذلك، وأراد ~~القيصر إزالة الأثر السيئ الذي خلفه موقفه في نفوس البولنديين، فأهدى الجيش ~~البولندي بعض قطع المدفعية التي أخذها من الأتراك، بعد سقوط «فارنا»، وذلك ~~لوضعها في ترسانة وارسو، وإحياء لذكرى «لادسلاوس الثالث» جد ملوك بولندة ~~القدماء (من أسرة جاجللون)، الذي سقط منذ أربعمائة سنة مضت (1444) في الحرب ضد ~~الأتراك، في واقعة «فارنا». كما أمر القيصر بإقامة معبد في مارسو على نفقته ~~الخاصة، يحوي رفات «وقلب» البطل البولنديجون ~~سوبيسكي # Sobieski # الذي انتصر على الأتراك، وأنقذ فينا من خطرهم سنة ~~1683، واعتبر لذلك منقذا للمسيحية. ثم إن القيصر بعث بعد صلح أدريانويل مع ~~الأتراك (1829) بالأعلام التي غنمها منهم في الحرب؛ لتودع بكتدرائية القديس ~~يوحنا في وارسو، ثم لم يلبث أن قرر تنفيذ الدستور، فحضر إلى وارسو للاحتفال ~~بتتويجه بها (17 مايو 1829)، واصطحب معه ابنه: «القيصر إسكندر الثاني فيما ~~بعد»، الذي كان يتقن اللغة البولندية، والذي كان يرتدي لباسا بولنديا ~~عسكريا، وفي 24 مايو توج القيصر نيقولا ملكا على بولندة، وبقي بالعاصمة ~~البولندية أكثر من شهر، يبذل الجهد لاستمالة الموظفين البولنديين والضباط ~~العسكريين خصوصا، ثم وعد قبل مغادرته وارسو بدعوة «الدياط» للاجتماع ~~قريبا. # وبالفعل افتتح نيقولا مجلس «الدياط» الرابع في 28 مايو 1830، وألقى خطابا ~~وديا طويلا، فأشار إلى تنفيذه المادة الخامسة والأربعين من مواد الدستور، ~~وذلك بالاحتفال بتتويجه في وارسو، واعتذر عن تأخره في دعوة «الدياط» للاجتماع ~~بسبب صعوباته الداخلية، ثم ذكر الحرب الأخيرة مع تركيا، فأشاد بقدرة الجيش ~~البولندي وقيمته كقوة يعتد بها في مواجهة أعداء الإمبراطورية (وكان القيصر ~~يقصد النمسا)، ولكن نيقولا لم يذكر شيئا عن «محكمة الدياط»، كما أنه لم يذكر ~~شيئا عن إضافة أقاليم جديدة وتوسيع رقعة المملكة، فأشعر سامعيه بصمته هذا؛ ~~أنه لم يعد هناك أي أمل في ضم أجزاء من ليتوانيا إلى مملكة بولندة. # ومع أن «الدياط» اعتمد مبالغ كبيرة لإقامة تمثال للقيصر إسكندر الأول بوصفه ms1030 ~~باعث مملكة بولندة، فقد وجهت اللجان المختلفة في الدياط النقد الشديد لأعمال ~~الحكومة، سواء الإدارية منها أم الدستورية، وتقدمت للحكومة عرائض كثيرة لإلغاء ~~القانون الإضافي، وللعفو عن «لوكاسنسكي»، ولغير ذلك من المطالب ، وكان واضحا ~~أن موقف «الدياط» ونشاطه لم يصادف قبولا لدى القيصر، الذي لم يلبث أن أظهر ~~عدم رضائه وإن كان ذلك بطريقة غير مباشرة، عندما ألقى خطابه الذي اختتم به ~~الدورة (في 28 يونيو 1830)، فشكر مجلس الشيوخ (السناتو) على المهمة التي ~~أبداها، ولكنه تعمد عدم الإشارة إلى جهود مجلس النواب. # وغادر القيصر وارسو في اليوم التالي (29 يونيو 1830)، وهو لا يزال ملكا ~~دستوريا لبولندة، فلم يعد إليها إلا بعد أن تحطم دستورها على يديه وبوصفه ~~قيصر روسيا الأوتقراطية. ~~(7-7) الثورة (نوفمبر 1830) # ولقد كان بعد انكشاف أمر «الجمعية الوطنية» والتحقيقات التي حصلت، والأحكام ~~التي أصدرتها «محكمة الدياط»، أن تشكلت في التو والساعة جمعية سرية جديدة في ~~وارسو؛ لتدبير مؤامرة عسكرية، وكان أعضاء هذه الجمعية من الشبان المملوئين ~~نشاطا وحماسة، والذين لا يحجمون عن اللجوء إلى وسائل العنف والشدة لتنفيذ ~~خططهم. أما هذه الجمعية الجديدة فقد بدأت تتشكل أولا في سنة 1828 (بمدرسة ~~الإشارة) بزعامة معلم هذه المدرسة بيتزفيسوكي # Vysocki ~~. ثم لم يلبث أن التحق بها بعد ذلك عدد من ~~المدنيين ومن الكتاب والأدباء، والطلاب بجامعة وارسو، وكان في عزم أعضاء ~~هذه الجمعية القيام بالثورة أثناء الحرب الروسية التركية (1828-1829)، باعتبار ~~أن مسئولية روسيا بهذه الحرب يهيئ الفرصة لنجاح الثورة، وأراد فريق من ~~المتحمسين إشعال الثورة أثناء تتويج القيصر في وارسو (مايو 1829)، ثم وضعت ~~خطة للمناداة بالثورة أثناء انعقاد الدياط (مايو 1830)، ولكن لم تكن هناك ~~استعدادات كافية لإشعال الثورة، وافتقر المتآمرون للزعماء القادرين على ~~قيادتها والتنظيمات اللازمة للتكفل بأعبائها، ولم يكن «فيسوكي» وصحبه من أصحاب ~~الكلمة المسموعة في البلاد، بالرغم من اتصافهم بالشجاعة. # ومع ذلك، فقد كان يسود البلاد التذمر، ويستبد بالأهلين شعور خفي بالخوف، وكان ~~هذا التذمر وهذا الخوف هما القوة الدافعة للحركة التي انتهت بالانفجار والثورة ~~بعد شهور ms1031 قليلة. أما التذمر فسببه أنه قد صار واضحا تماما أنه لم يعد هناك ~~أي أمل في تنفيذ الوعود التي أعطاها القيصر إسكندر بشأن ضم ليتوانيا إلى ~~بولندة، وأما الخوف فكان مبعثه تلك الاعتداءات المتكررة على الدستور، وبخاصة ~~عندما صار هذا الدستور مهددا في كيانه ذاته منذ إصدار «القانون الإضافي» ~~وتشكيل «محكمة الدياط». # وكان من العسير على البلاد بالرغم من هذا التذمر والخوف أن تقرر دون إمهال؛ ~~الاشتباك في نضال يائس، يتوقف على نتيجة استمرار حياتها أو فناؤها. فكان ~~يتزايد عدد المتآمرين للثورة بخطى بطيئة، حتى إذا وقعت الثورة المشهورة في ~~باريس بفرنسا في يوليو 1830، قويت روح المتآمرين البولنديين وساعدت هذه الثورة ~~الفرنسية على شحذ هممهم والتصميم على تنفيذ مؤامراتهم، فبلغ عدد الضباط من ~~حامية وارسو وحدها الذين انضموا للحركة في شهر أكتوبر 1830؛ سبعة وسبعين، ولم ~~يمض وقت طويل حتى بلغ عددهم المائتين. ثم إنه كان لثورة يوليو (في باريس) أثر ~~آخر لا يقل في خطورته عن هذا الذي ذكرناه؛ هو أن القيصر نيقولا الأول لم يلبث ~~أن صمم على غزو فرنسا لإخماد الثورة بها، بمجرد أن بلغته أنباؤها، وكان ~~يعول على اشتراك بروسيا معه في الحرب ضد فرنسا، فنجم من الارتباط الذي حصل ~~بين تشجيع المتآمرين على القيام بثورتهم، وقرار القيصر انتهاج سياسة خارجية ~~عدوانية ضد فرنسا، أن تهيأت الأسباب المباشرة لقيام الثورة في ~~بولندة. # فقد أبلغ القيصر (في 8 أغسطس 1830) الفراندوق قنسطنطين عزمه على استخدام ~~الجيش البولندي، والمالية البولندية في الغزو المنتظر، ثم طلب في اليوم نفسه ~~من وزير المالية البرنس «لوبيكي» إعداد الأموال اللازمة لتعبئة الجيش، ~~وللإنفاق على الحملة المزمعة. فأجاب قنسطنطين في 25 أغسطس، يعلن للقيصر ~~معارضته للحرب، ويفصح عن مخاوفه من نتائجها، ولكن «لوبيكي» الذي انزعج كثيرا ~~لمطلب القيصر، والذي لم يكن بوسعه معارضته، اكتفى بتقديم «تقرير» للقيصر في 3 ~~سبتمبر يبين المبالغ التي لديه لسداد النفقات الأولية. # وفي الوقت نفسه: بعث القيصر بالجنرال «ديبتش» إلى الملك فردريك وليم الثالث، ~~(في برلين، 31 أغسطس)، لاستمالته إلى ms1032 الدخول في الحرب، والموافقة على خطة ~~الحملة التي وضعها قائد الحرب الروسي شرينشيف # Chernysheff ~~، وكانت بروسيا تبغي بكل الوسائل تجنب الحرب، لا ~~سيما وأن النمسا وإنجلترة كانتا قد اعترفتا بحكومة لويس فيليب في فرنسا، وكذلك ~~فقد جاء جواب فردريك وليم مبهما، واكتفت بروسيا بحشد قسم من جنودها عند نهر ~~الراين. # وبلغت الثوار البولنديين في وارسو أنباء التعليمات السرية التي بعث بها ~~القيصر إلى كل من «قنسطنطين» و«لوبيكي»، وكان معنى قيام الحرب ذهاب الجيش ~~البولندي إلى الميدان بعيدا عن وارسو، فصمموا على القيام بالثورة، ثم اتصلوا ~~في هذا الشأن بأحد زعماء الفرنسيين الأحرار «لفاييت»، وهو كذلك من المنتمين ~~إلى الجمعيات العسكرية بفرنسا، وأحد الذين ساهموا في ثورة يوليو 1830 في ~~باريس، وكان معروفا بآرائه الجمهورية، وتسلم قيادة «الحرس الوطني»، فشجعهم ~~«لفاييت» على المضي في خطتهم، وعلى ذلك، فقد اتجه المتآمرون إلى الجنرال ~~جوزيف شلوبيكي # Chlopicki # لتولي قيادة ~~الثورة، وكان «شلوبيكي» من القواد القديرين في جيش نابليون، ثم اعتزل الحياة ~~العامة على أثر نزاع بينه وبين «قنسطنطين»، ولكن «شلوبيكي» رفض تزعم الثوار، ~~وعندئذ تردد المتآمرون في أمرهم، ثم آثروا تأجيل الثورة التي كان محددا لها ~~يوم 30 أكتوبر إلى ربيع العام التالي، وكان من أسباب التأجيل أنهم لم يكونوا ~~واثقين من تصميم القيصر على المضي في خطته لتنفيذ نواياه بالوسائل ~~العسكرية. # على أن القيصر لم يلبث أن قرر الاستمرار في خطته، عندما جاءت الأخبار معلنة ~~قيام الثورة في بروكسل (في أغسطس 1830)، وانتشارها في بلجيكا، فأوفد القيصر ~~مرة ثانية إلى برلين الجنرال «ديبتش» في أكتوبر، على أن يعود بمجرد انتهائه من ~~مهمته إلى وارسو؛ حتى يتسلم قيادة الجيش المعد (لحملة فرنسا)، وهي التي ~~حدد القيصر لبدايتها يوم 22 ديسمبر، وتقرر أن تتألف مقدمة قواته من ~~«الجيش البولندي» والفرق الليتوانية، وبلغت هذه الأنباء جميعها المتآمرين في ~~وارسو، وجعلتهم يقررون التعجيل بالثورة، فأدى قيامها إلى خطط القيصر ~~ومشروعاته، فأنقذت فرنسا من الغزو الروسي، وأنقذت بروسيا من ورطة كانت لا ~~تجد لها مخرجا منها، ذلك أن ms1033 المتآمرين سرعان ما قرروا في اجتماع عقدوه في ~~نوفمبر بمنزل أحد الأساتذة المحبوبين المؤرخ جواكيم ليليفيل # Joachim Lelevel # بوارسو، أن تبدأ الثورة يوم 29 ~~نوفمبر 1830. # وفي مساء 29 نوفمبر بدأت الثورة بهجومين؛ أحدهما على القصر الذي يقيم به ~~قنسطنطين، والثاني على ثكنات الفرسان الروس، وفشل الهجومان؛ لأن قنسطنطين ~~استطاع الهرب ، ولأن الذين هاجموا الثكنات الروسية وكانوا بزعامة «فيسوكي» ~~فشلوا أمام جموع الروس الكبيرة، ولم يستطع الثوار تحريك الأهلين على الثورة، ~~وكان في وسع «قنسطنطين» إخماد الثورة بسهولة، في هذه المرحلة؛ بسبب ما ثبت من ~~عدم استعداد الثوار بدرجة كافية، ولأن «الشعب» لم يكن متهيئا للثورة، وكان ~~لدي «قنسطنطين» حوالي سبعة آلاف من الجنود الروس والليتوانيين، مع (28) ~~مدفعا، ولكنه عجز عن اتخاذ قرار حاسم. # واجتمع «المجلس الإداري» في ليل 29-30 نوفمبر، واشترك في مداولات هذا المجلس ~~كل من «تزارتوريسكي» و«لوبيكي»، وكان الأول على علم باستعدادات الثوار. وأوفد ~~المجلس كلا الرجلين إلى الفراندوق قنسطنطين الذي كان معسكرا مع الجنود الروس ~~خارج أبواب المدينة، ولكن قنسطنطين قرر أن يتخذ موقفا سلبيا، وأن يترك ~~تهدئة العاصمة للبولنديين أنفسهم. # وحاول «المجلس الإداري» أول الأمر أن يسلك طريقا دستوريا، فأصدر في 30 ~~نوفمبر نداء (أو خطابا) موجها باسم نيقولا الأول إلى الشعب يطلب التزام ~~الهدوء والسكينة، ثم عهد المجلس الإداري إلى الجنرال «شلوبيكي» بمنصب القائد ~~العام للجيش البولندي، ولكن «شلوبيكي» كان قد اختفى عن الأنظار عند قيام ~~الثورة؛ لأنه لم يشأ تولي زعامتها، وهذا بينما استطاع الثوار الذين لم يكن ~~هناك رقيب على نشاطهم إخضاع وارسو بأسرها لسلطانهم، ومن وارسو انتشرت الثورة ~~بسرعة البرق الخاطف إلى كل أنحاء البلاد. # وتحت ضغط الرأي العام، اضطر المجلس الإداري في اليوم التالي (أول ديسمبر) إلى ~~إقصاء بعض أعضائه ممن كان لا يريدهم الشعب، ثم عمد المجلس إلى تقوية ~~مركزه، بضم أعضاء جدد إليه من النواب المحبوبين في «الدياط». وفي 2 ديسمبر ~~أوفد مرة ثانية لمقابلة الفراندوق قنسطنطين كل من «تزارتوريسكي» و«لوبيكي» ~~ومعهما نائبان من الدياط؛ ليطلب الأولان من قنسطنطين ms1034 العودة إلى وارسو، وأما ~~النائبان فقد طلبا منه الانسحاب كلية من المملكة، مع العسكر الذين معه، ووافق ~~قنسطنطين على الانسحاب مع جنده، ووعد أن يرجو القيصر نيقولا إصدار عفو عن ~~الثوار، كما يعهد بعدم القيام بأية عمليات عسكرية إلا بعد أن يسبق ذلك إنذار ~~مدته ثمان وأربعون ساعة، ولكن قنسطنطين رفض في الوقت نفسه أن يتوسط لدى القيصر ~~في شأن ضم ليتوانيا إلى بولندة. # وفي اليوم التالي (3 ديسمبر) أصدر قنسطنطين بوصفه القائد الأعلى للجيش ~~البولندي منشورا يجيز لجنده مقابلة مواطنيهم والاتصال بهم، وفي اليوم نفسه ~~غادر «قنسطنطين» معسكره (خارج وارسو)، وفي يوم 12 ديسمبر عبر حدود ~~المملكة. # ويرى كثيرون أن الثوار قد ارتكبوا خطأ جسيما، بتركهم «قنسطنطين» يغادر ~~المملكة؛ حيث إنهم قد فقدوا بذلك «رهينة» ثمينة، كما أنهم خسروا وجود «الجيش» ~~الذي كان الليتوانيون يؤلفون قسما كبيرا منه، وكان ممكنا إقناع هؤلاء ~~الليتوانيين من جنود وضباط بالانضمام إلى الجيش البولندي. أما وقد تسنى لهؤلاء ~~الآن مغادرة البلاد، فقد احتفظت باسم روسيا وصارت مقدمة الجيش الروسي الذي زحف ~~على بولندة فيما بعد تتألف منهم. # وفي 4 ديسمبر تشكلت حكومة مؤقتة لمملكة بولندة، وكانت هذه تتألف من ~~«تزارتوريسكي» و«ليليفيل» وغيرهما، وعددهم جميعا سبعة، وسبق تشكيل هذه ~~الحكومة إخراج «لوبيكي» الذي لم يكن محبوبا، ووضعت السيطرة بأكملها على الجيش ~~في يد «شلوبيكي»، الذي خرج من مخبئه ثم أعلن نفسه ديكتاتورا (يوم 5 ديسمبر)، ~~وذلك إلى أن ينعقد الدياط «غير العادي»، وأوفد الديكتاتور مندوبا يحمل ~~تقريرا إلى القيصر نيقولا في سان بطرسبرج، كما أرسلت الحكومة المنحلة ~~«لوبيكي» مع أحد النواب في بعثة مماثلة (10 ديسمبر)، وكان الغرض من إرسال ~~هاتين البعثتين إلى سان بطرسبرج محاولة الوصول إلى اتفاق ودي مع حكومة القيصر، ~~وعقد البولنديون آمالا كبيرة على نجاح هذه المحاولة، فأوقفوا استعداداتهم ~~العسكرية، في حين انتهز الروس الفرصة للفراغ من استعداداتهم. # ولم يكن «شلوبيكي» بالسياسي المحنك، أو الذي يصلح لقيادة الثورة، وذلك بالرغم ~~من أنه كان جنديا شجاعا، خدم في جيش نابليون، بل ms1035 إن هذه الخدمة العسكرية ~~ذاتها في جيش العاهل الفرنسي، جعلته يتقن أساليب الحرب النظامية وحدها فقط، ~~أضف إلى هذا أنه كان يبلغ الستين من عمره، ثم إنه إلى جانب هذا كله؛ لم يكن ~~يثق في «الثورة» ونجاحها، بل يعتقد أن من الجنون كل الجنون؛ أن يجازف ~~البولنديون في حرب ضد «دولة» عظمى مثل روسيا، عجز نابليون نفسه عن إخضاعها؛ ~~ولذلك فقد وضع «شلوبيكي» كل آماله في نجاح المفاوضات مع روسيا، ولم يمكنه أن ~~يدرك إطلاقا أن بولندة قد صارت في حالة حرب مع روسيا. # ورفض «شلوبيكي» خطة جريئة، وضعها أحد ضباط أركان الحرب في الجيش البولندي ~~ممن تعاونوا مع «ديبتش» في الحملة التركية (1829) سابقا، وعرض على ~~«شلوبيكي» الزحف فورا على ليتوانيا، بكل قوة الجيش البولندي، لإنزال الهزيمة ~~العاجلة بها، وضم القوات الليتوانية إلى الجيش البولندي، ثم احتلال «فيلنا» ~~وسحق القوات الروسية الزاحفة، جماعة بعد أخرى، ولكن «شلوبيكي» رفض هذه الخطة، ~~كما رفض خطة أخرى كان قوامها الوقوف موقف المقاومة، باتخاذ طريقي الهجوم ~~والدفاع في الوقت نفسه، وفق الأساليب العسكرية النابليونية، وذلك في المثلث ~~الحصين المؤلف من قلاع وارسو براجا Praga ~~، ~~مودلين # Modlin ~~، وسيروك # Sierock ~~، وأخيرا تقرر أن يقف البولنديون ~~موقف الدفاع، وذلك بانتظار العدو خارج أسوار وارسو، والاشتباك معه في معركة ~~فاصلة ليس للانتصار على الروس - لأن ذلك كان يصعب تحقيقه - وإنما لإنقاذ شرف ~~الجيش البولندي العسكري. # وفي 18 ديسمبر 1830 اجتمع «الدياط غير العادي» الذي لم يلبث أن صدق على ~~ديكتاتورية شلوبيكي (20 ديسمبر)، ولكن هذا الأخير سرعان ما استقال وتخلى عن ~~ديكتاتوريته (17 يناير 1831)، وذلك بعد أيام من عودة الوفود من سان بطرسبرج، ~~تعلن فشلها في مهمتها تشتيت عناد القيصر، فاجتمع الدياط في 19 يناير وعين ~~قائدا آخر لرياسة الجيش هو رادزيفيل # Radzivil ~~، ثم أعلن خلع القيصر نيقولا عن العرش، وإقصاء آل ~~رومانوف وحرمانهم من أية حقوق في السيادة على بولندة (26 يناير 1831)، وكان ~~خلع القيصر خطأ عظيما؛ لأن هذا الحادث جعل الروس يعجلون البدء في ~~عملياتهم العسكرية، ms1036 كما تزايدت به الصعوبات في طريق أي تدخل من جانب الدول ~~بالطرق الدبلوماسية بين بولندة وروسيا، وأخيرا فإن هذا الإجراء لم يحل مشكلة ~~الدفاع المسلح، التي كان على البولنديين أن يخصصوا كل جهودهم لها؛ بل لقد ترتب ~~على هذا الإجراء أن شغل البولنديون بتشكيل «حكومة وطنية» قومية، جديدة، عبارة ~~عن «هيئة أو إدارة تنفيذية»، كما شغلوا بمراجعة مواد الدستور، فأدخلوا ~~تغييرات على الدستور تتلاءم مع الترتيبات الجديدة، فأنشئوا نوعا من «الملكية ~~الدستورية»، على أن يجرى اختيار «ملك» للدولة الجديدة، فيما بعد. # أما الروس، فكان جيشهم أثناء ذلك قد اخترق الحدود البولندية بقيادة «ديبتش» ~~في 5، 6 فبراير 1831، وزحف الروس مباشرة قاصدين إلى وارسو، ومع أن الاشتباكات ~~الكبيرة الأولى في ستوشيك # Stoczek ~~، ~~دوبر # Dobre ~~، في 14 فبراير 1831، كانت في ~~صالح البولنديين، فإن المعركة الأخيرة سرعان ما بدأت في حقول جروشوف # Grochov # بالقرب من وارسو (19 فبراير)، وأفضت ~~الالتحامات الأولى إلى واقعة حامية الوطيس (في 25 فبراير) حول أولسن يانكا # Olszyanka # الذي خسره البولنديون، ثم ~~استرجعوه بأسنة الرماح مرات ثلاثا تحت قيادة «راد زيفيل» الاسمية، وقيادة ~~«شلوبيكي» الذي أشرف فعلا على توجيه العمليات في هذه المعركة. وأمام الجحافل ~~الروسية اضطر البولنديون إلى التقهقر، ولكن بعد أن تكبد الروس (والبولنديون) ~~خسائر فادحة، فلم يكن نصر الروس، «وقائدهم ديبتش» نصرا باهرا، بل على العكس ~~من ذلك، قضت هذه الواقعة على سمعة الجيش الروسي والاعتقاد بتفوقه، وأضعفت أمل ~~«ديبتش» في إمكان الحصول على النصر بسهولة، وقوي لدى البولنديين الشعور ~~بقدرتهم على القتال والمقاومة بسبب البطولة التي أظهروها في المعركة. # ولم يكن في مقدور المسئولين في وارسو أن يدركوا معنى ما حدث في هذه الواقعة ~~في أول الأمر، فغلب عليهم الخوف من تعرض العاصمة نفسها للضياع، وبادر «الدياط» ~~بالموافقة على اقتراح تشكيل «دياط دائم» ينعقد بعدد محدود من الأعضاء في أي ~~مكان خارج وارسو، أو خارج البلاد كلية (19-26 فبراير)، وفي اليوم التالي ~~للمعركة تعين سكريزنسكي # Skrzynecki # قائدا ~~أعلى للجيش، وكان قد أظهر كفاءة نادرة في معارك ms1037 «جروشوف»، وهذا القائد إلى ~~جانب ذلك كان قد خدم مع جيش نابليون في حملات 1807، 1812، 1813، وصاحب شجاعة ~~فائقة، ولكن «سكريزنسكي» لم يكن ذا موهبة عسكرية، بل كان معروفا بالتردد ~~والكسل والخمول، يؤثر حيل الدبلوماسية على الاشتباك في معارك حربية، ومع ذلك ~~فإنه سرعان ما اتضح أن نتيجة معركة «جروشوف» كانت في صالح البولنديين، عندما ~~وجد «ديبتش» نفسه مضطرا إلى الانسحاب صوب الشاطئ الأيمن لنهر الفستيولا؛ ~~ليتخذ معسكره بها أثناء فصل الشتاء، وأتيحت بذلك الفرصة للمسئولين البولنديين ~~حتى يعيدوا تنظيم جيشهم. # ومع أن البولنديين استطاعوا إحراز بعض الانتصارات بعد ذلك فقد ساء موقفهم، ~~فاضطر أحد قوادهم دفيرنيكي # Dvernicki # أمام ~~القوات الروسية الضخمة إلى الفرار إلى النمسا (27 أبريل 1831)، حيث أرغم جنده ~~على تسليم سلاحهم، وفي شهر مايو أخفقت عمليات عسكرية أخرى، فانهزم «سكريزنسكي» ~~في معركة حامية بالقرب من أوسترولينكا # Ostrolenka ~~(في 26 مايو) على يد «ديبتش»، وكانت هذه ~~الهزيمة بداية النهاية، حيث اضطرت قوات بولندية بقيادة جيلجود # Gielgud # كانت قد دخلت الأراضي الليتوانية، ~~إلى الارتداد والتقهقر عبر الحدود البروسية فنزع منها سلاحها (13-15 يوليو)، ~~واستطاع القائد الروسي الجديد باسكيفتش Paskevich # الذي حل محل «ديبتش» - منذ 16 يونيو - أن يكمل ~~استعداداته، بالتعاون الفعال مع بروسيا - من أجل الزحف على وارسو، فعبر ~~«باسكفيتش» نهر الفستيولا (16-21 يوليو)، واستطاع بعد حوالي أسبوعين (أول ~~أغسطس) الوصول إلى لوفيتش # Lovicz # مع قواته ~~(من 51 ألفا من المشاة وثلاثمائة مدفع). # وحاول «الدياط» مواجهة الموقف، وكان «الدياط» قد حاول بعد هزيمة ~~«أوسترولينكا» أن يعيد تنظيم الجيش، وأن يصلح الحكومة، ولما كان «سكريزنسكي» ~~قد أضاع الوقت سدى في مؤامرات أو مفاوضات مع فرنسا والنمسا لا جدوى منها، فقد ~~انتهى الأمر بعزله من القيادة وتعيين القائد دمبنسكي # Dembinski # الذي أظهر براعة أثناء الحملة الليتوانية التي ~~سلفت الإشارة إليها. وشهدت «وارسو» موجة من الاضطرابات (15-16 أغسطس)، وشنق ~~الأهلون في شوارعها عددا من الذين اشتبهوا في أمرهم، واتهموهم بالخيانة، وكان ~~غرض «الثوار» القضاء على الحكومة القائمة: حكومة «الأرستقراطية» التي اتهمها ~~الأحرار عن حق، ms1038 بأنها كانت متخاذلة، خائرة القوى، ثم اتهموها - وفي هذه المرة ~~بدون وجه حق - بأنها قد غدرت بقضية الوطن، وأسفر هذا الهياج والاضطراب عن عزل ~~«تزارتوريسكي» وثلاثة من أعضاء الحكومة (17 أغسطس)، وتسلم الجنرال كروكفيسكي # Krukoviecki # رياسة الحكومة، وكان صاحب ~~أطماع، ومن الذين حرضوا (سرا) على الاضطرابات التي حدثت في شوارع وارسو، ~~وسلم «كروكفيسكي» القيادة إلى مالاشوفوسكي # Malachovski ~~، وكان الأخير رجلا مسنا ولا كفاءة له، ~~قرر انتظار العدو عند التحصينات المقامة حول وارسو، وذلك بعد أن أضعف جيشه ~~بانتزاع قوات كبيرة منه لإرسالها في عمليات خطرة، ناحية برست # Brest ~~(في 20 أغسطس). # أما الروس ، فكان قائدهم «باسكيفتش» قد أتم استعداداته لمهاجمة وارسو ~~بالقوات التي كانت لديه، وقد بلغت هذه (78) ألفا، في حين وقف على الدفاع عن ~~وارسو، جيش بولندي يتألف من (37) ألف مقاتل فقط و(130) مدفعا، وبدأ الهجوم ~~في صبيحة 6 سبتمبر 1831، فاستولى الروس على ضاحية فولا # Vola # وتجدد الهجوم في اليوم التالي، وفي المساء وصل الروس ~~إلى بوابات فولا، وموكوتوف # Mokotov ~~، فعزل ~~الدياط في هذا المساء نفسه «كروكفيسكي» من الرياسة، وفي صباح 8 سبتمبر دخل ~~«باسكيفتش» وارسو. # ومع أنه كان لا يزال لدى البولنديين حوالي خمسين ألف مقاتل بقيادة الجنرال ~~ريبنسكي # Rybinski # القائد العام الجديد، ~~فقد كان واضحا أن «الثورة» قد انتهت فعلا. حقيقة حصلت اشتباكات طوال شهر ~~سبتمبر بين البولنديين والروس، كما دارت مفاوضات «باسكيفتش» بدون جدوى، ولكن ~~بقايا الجيش البولندي سرعان ما صارت تتفكك حتى لم يعد لدى «ريبنسكي» سوى عشرين ~~ألفا فقط اضطر أن يهرب بهم إلى بروسيا، وفي بروسيا نزع من هؤلاء سلاحهم. ثم ~~إن قلعة مودلين # Modlin # لم تلبث أن اضطرت إلى ~~التسليم (8 أكتوبر)، وتبعتها قلعة زاموش # Zamosc ~~(21 أكتوبر)، وبذلك أضحت البلاد بأسرها في قبضة ~~القيصر نيقولا؛ لقد انتهى أجل مملكة بولندة «الدستورية». ~~(7-8) خاتمة مملكة بولندة # وكان الثوريون البولنديون قد طلبوا من أول الأمر تدخل الدول الأوروبية في ~~النزاع بينهم وبين القيصرية، باعتبار أن هذه الدول كانت قد ضمنت كيان أو بقاء ms1039 ~~«المملكة البولندية» في مؤتمر فينا (1815). فأراد الثوريون البولنديون من ~~الدول الآن «التوسط» على الأقل بينهم وبين القيصر، إن لم تستطع هذه الدول ~~التدخل «المسلح»، وأوفد البولنديون بعثات سياسية إلى عواصم الدول في فينا ~~وبرلين ولندن وباريس لهذه الغاية، ولكن دون جدوى. حقيقة قوبلت الوفود ~~البولندية بالعطف ولكنه كان عطفا ظاهريا فحسب، ولم تلق الوفود أي تأييد في ~~العواصم الأوروبية. # فمنذ بداية النضال، اتخذت بروسيا إجراءات صارمة لمنع وصول أية نجدات أو ~~مساعدات للبولنديين من غراندوقية «بوزن». ثم إنها لم تكتف بذلك، بل تخلت عن ~~موقف الحياد تماما عندما صارت تبذل قصارى جهدها لتحول بين الثوريين ~~البولنديين والاتصال مع أوروبا الغربية، وذلك في الوقت الذي أمدت فيه بروسيا ~~من ناحية أخرى العسكر الروس بالذخائر والمؤن، وأذنت لهؤلاء أن يعبروا الأراضي ~~البروسية. بل يبدو محققا كذلك أن بروسيا كانت مصممة على اختراق حدود مملكة ~~بولندة واحتلال كل الأقاليم البولندية الشمالية الغربية، إذا نزلت الهزيمة ~~بالروس، ولقد أعدت بروسيا لهذه الغاية بالفعل قوة كبيرة على حدودها، بل حدث ~~عندما صارت الأمور أولا لصالح البولنديين، طوال شهر أبريل 1831 أن أبدى ~~القيصر نيقولا استعداده «للتنازل» لبروسيا عن القسم الشمالي الغربي من مملكة ~~بولندة. # أما النمسا، فقد لعبت دورا مزدوجا أثناء هذه الأزمة - أزمة الثورة، فصار ~~وزيرها (مترنخ) يعقد المؤتمرات السرية مع المبعوث البولندي، واقتنع البولنديون ~~- خطأ - أن من المنتظر أن يقبل الأرشيدوق شارل شقيق الإمبراطور، فرنسيس ~~الثاني، الترشيح لعرش مملكة بولندة، وفي الوقت نفسه أبلغت النمسا أولا بأول ~~كل نوايا البولنديين وخططهم إلى روسيا. بل أسدى حاكم غاليسيا النمساوي كل ~~معونة للجيش الروسي، وإن لم يكن بالصورة العلنية التي أسدت بها بروسيا معونتها ~~للقوات الروسية من بوزن. # وكان موقف فرنسا كذلك مبهما، وبذل «اللفاييت» في مجلس النواب الفرنسي كل ما ~~وسعه من جهد وحيلة، في جلسات 15، 28 يناير، 18 مارس 1831، لإقناع مواطنيه ~~بضرورة التدخل لمساعدة البولنديين، ولكن دون جدوى. فقد تلقى المبعوث البولندي ~~من الحكومة الفرنسية وبخاصة بعد أن شكل «كازمير برييه» الوزارة (10 ms1040 مارس) ~~إجابات مبهمة، بل إن الحكومة الفرنسية لم تلبث أن صادرت مراسلاته مع حكومته ~~الثورية في بولندة، وأطلعت عليها القيصر نيقولا، على أمل أن تنال بهذه الوسيلة ~~تأييد روسيا للحكم القائم في فرنسا؛ أي لملكية يوليو (وأسرة أورليان). # وفي إنجلترة، كانت حكومة الويجز # Whigs # الجديدة، برياسة لورد جراي # Charles ~~Grey ~~(1764-1845) مهتمة بالإصلاح النيابي، فلم تشأ الانغماس في مشاكل جديدة بين ~~روسيا وبولندة، فكان كل ما حصل عليه البولنديون من هذه الحكومة تمنيات طيبة، ~~وانتهى الأمر بأن صارح لورد بالمرستون وزير الخارجية الإنجليزي، مبعوث ~~البولنديين، بالرفض التام لمطلب هؤلاء بشأن تدخل إنجلترة أو وساطتها. # ولقد كان بعد فشل الثورة البولندية، أن وجدت كلا الحكومتين؛ الإنجليزية ~~والفرنسية من صالحهما «التدخل» لتهدئة الرأي العام في بلادهما لدى حكومة سان ~~بطرسبرج، وذلك بتقديم نوع من «الاعتراضات» أو الاحتجاجات التي لم تكن جدية، ~~والتي أشارت في صورة مجملة إلى الضمانات التي صدرت في مؤتمر فينا، بشأن ~~المحافظة على استقلال مملكة بولندة، وتلك «اعتراضات» جاءت متأخرة، بعد نجاح ~~الروس في القضاء على الثورة، ولم يكن لها وعلى نحو ما كان متوقعا، أي تأثير ~~على مجرى الحوادث، بل إن «نلسرود» وزير الخارجية الروسية لم يلبث أن أجاب على ~~رسالة من «بلمرستون» إلى السفير الإنجليزي في سان بطرسبرج، بخصوص المحافظة على ~~استقلال المملكة «البولندية» الداخلي أو الذاتي. أجاب بأن ليس لإنجلترة أي حق ~~في التدخل في شئون روسية - بولندة. ثم إنه أوضح نوايا القيصر؛ أن ينبذ ظهريا ~~كل ما جاء في مؤتمر فينا متعلقا ببولندة (3 يناير 1832). # وهكذا تأسست في وارسو منذ سبتمبر 1831 حكومة روسية مؤقتة برياسة ~~يتودور إنجل # Engel ~~، وفي فبراير من العام ~~التالي (1832) تعين «باسكفيتش» نائبا للملك بسلطات واسعة، وأعطي في الوقت ~~نفسه لقب أمير وارسو. ثم ألغي الدستور، واستعيض به في 14 فبراير 1832 بقانون ~~أساسي، دل مظهره على أن النية منعقدة على المحافظة على نوع من الاستقلال أو ~~الكيان الذاتي لبولندة، وإن كان في حدود ضيقة. فأكد هذا القانون الأساسي ~~حريات الأفراد ms1041 وحق التملك واحترام اللغة البولندية وحق التشريع، ولكن تلك كانت ~~«وعودا طيبة» الغرض منها؛ استمالة الغرب فقط، فلم ينفذ شيء من النصوص ~~المتعلقة بالاستقلال الذاتي ... إلخ، في حين تم إدماج الجيش البولندي في ~~الجيش الروسي، وألغيت كل الأنظمة الانتخابية، وملئت كل مراكز التعليم العليا ~~ووظائف الحكومة بالروس أنفسهم، وجعلت اللغة الروسية إجبارية في كل فروع ~~الإدارة، ثم أخذ الروس ينتقمون من البولنديين ويضطهدونهم، فأعلنت القوانين ~~العرفية (1833)، ولم يطبق العفو الذي كان أصدره القيصر عن الثوار، فاستثني ~~عديدون منه وصودرت أملاك البولنديين، ثم وزعت هذه الأملاك على الروس وحكمت ~~المحكمة العليا العسكرية بالإعدام شنقا على (249) من المهاجرين، وبالنفي ~~المؤبد على (2590) منهم، وصودرت أملاك كل هؤلاء، ووضعت الحكومة أبناء ~~المدانين والهاربين الموتى، من الذين أسهم آباؤهم في الثورة ، في المدارس ~~الروسية المخصصة لأبناء الجنود، وأغلقت الجامعات في «وارسو» و«فلنا» كما ~~أهملت المدارس والكليات، وفقدت المكتبات العامة ما كان بها من كتب وتراث ~~ثمين، وسلطت المدافع من قلعة وارسو لتهديد المدينة. # وفي أطراف البلاد خارج وارسو ذاتها، سار القمع والإرهاب بالصرامة نفسها، من ~~أجل غرض معين، هو جعل الشعب البولندي يتحول قسرا إلى الروسية. فتشكلت لجان ~~للتحقيق في «كييف» و«فلنا» أمرت بنفي وتشريد آلاف المواطنين إلى سيبريا، وبلغ ~~عدد الأسر التي شردت إلى شواطئ الفولجا، ونهر كوبان # Kuban ~~(والأخير يصب في البحر الأسود عند شاطئه الشمالي ~~الشرقي) - (45) ألفا. # وهكذا استمر العمل من أجل القضاء على كل شعور وطني وقومي يدعو للاستقلال في ~~بولندة طوال ربع قرن من الزمان، هي المدة التي شغل فيها «باسكفيتش» على وجه ~~الخصوص منصب نائب الملك في بولندة. ~~(8) القيصر نيقولا الأول: (روسيا في سنة 1848) # ولقد كان القيصر نيقولا الأول (1825-1855) الذي استطاع القضاء على حركة ~~الديسمبريين، قبل إخماد الثورة البولندية، من الطغاة المعروفين بضيق الأفق، كما أنه ~~معروفا بالجد والنشاط. أخذ على عاتقه منذ البداية إخماد الآراء الناهضة والمبادئ ~~المثالية التي أوحت إلى المتآمرين الأرستقراطيين القيام بحركتهم (الديسمبرية)، ~~والتي مهدت الطريق بعد جهود شاقة بعد ذلك لتزويد طبقات الفلاحين ms1042 والعمال (الصناع) ~~المناضلة والتي لم يكن قد صار لها كيان بعد، بالقادة والزعماء الذين سوف يتولون ~~قيادة هذا النضال وتوجيهه. فحطمت مؤامرة الديسمبريين وحركتهم ثقة القيصرية في طبقة ~~النبلاء، وجعلت القيصرية تميل إلى الاعتماد أكثر من أي وقت مضى على «البيروقراطية»؛ ~~أي هيئة الموظفين والإداريين في الدولة، فتشكل قسم للبوليس السري برئاسة ~~«بنكندورف»، وكان لنشاط هذا القسم «السري» أكبر الأثر في انتشار الفساد والرشوة في ~~فروع الإدارة (البيروقراطية)؛ بسبب عدم خضوع نشاطه السري لأية رقابة خارجية، وفرضت ~~رقابة صارمة على الكتب والصحف، حنقت الفكر الحر وساعدت على أن تصبح «المحاكم» أكثر ~~الهيئات أو المنظمات فسادا في البلاد بأسرها. # واعتمدت هذه (الملكية البيروقراطية) على نوع من «القومية» الروسية، كان أحد ~~الكتاب الروس من المحافظين خير من نادى به وقتئذ، هو المؤرخ «نيقولا ~~ميخائيلوفتشي كارامزين» الذي ذكرنا أنه كان عدوا لاستقلال بولندة وللبولنديين، ~~وضع رسالة عن «روسيا القديمة والحديثة» عزا فيها التذمر السائد إلى إصلاحات القيصر ~~«إسكندر الأول»، من حيث إن هذه الإصلاحات قد استهدفت إضعاف وتحطيم الحكومية ~~الأوتقراطية. وانعقد الرأي على أن «كارامزين»، إنما يعبر عن الرأي المتحفظ أو ~~الرجعي في الإمبراطورية، وأنه إنما يفصح في كتاباته عن عقيدة أو مبدأ الدولة ~~الرسمي، والآراء الروسية التي نفرت من كل تلك المبادئ والآراء التي جاءت بها الثورة ~~الفرنسية ونادت بها، ولو أن «كارامزين» - والدوائر الرسمية - التي عبر عن ~~آرائها وعقيدتها، لم يرفضوا جميعا «الحضارة» أو المدنية الغربية، ووضع «كارامزين» ~~تاريخا «للدولة الروسية»، ونشر «رسائل لسائح روسي»، وقصة بعنوان «ليزا المسكينة» ~~خلفت جميعها آثارا عميقة في نفوس معاصريه الروس، الذين رسخ شعورهم بذاتيتهم كأمة ~~روسية عريقة، ولقد وضعت هذه الفكرة أو العقيدة الرسمية التي أفصح عنها ونادى بها ~~«كارامزين»، روسيا في مرتبة تعلو على كل بلدان أوروبا، على أساس أن روسيا بقيت ~~أمينة على تقاليدها القديمة، تحفظ الولاء لفضائل العبادة والدين، وتدين بالطاعة ~~للملكية. # وكان حينئذ أن استعادت الكنيسة الأرثوذكية مكانتها لدى الدوائر الحكومية، باعتبار ~~أنها المحافظة على القومية أو الوطنية الروسية «المحافظة»، ms1043 وعلى «الفكرة أو المبدأ ~~الروسي»، وهو المبدأ الذي أوجز معانيه القيصر نيقولا الأول نفسه في شعار ~~«الأرثوذكية، والأوتقراطية والقومية.» # واحتل في هذه الظروف النفوذ الألماني مكان النفوذ الفرنسي السابق؛ لأن ألمانيا ~~كانت تمثل لدى القيصر فكرة الحكم المطلق أو الاستبدادية والحياة العسكرية، والأنظمة ~~البيروقراطية، ومع ذلك فقد كانت ألمانيا مرتعا في الوقت نفسه للآراء الفلسفية. ~~الأمر الذي ترتب عليه، ونتيجة للاحتكاك الذي حدث أن نشأ في روسيا مذهبان متعارضان، ~~يدعو أحدهما إلى السلافية # Slavophilism ~~، ويدعو ~~الآخر إلى الغربية # Westernism ~~، وتركز نشاط هاتين ~~الحركتين في جامعة موسكو. # واجتمع الفريقان أنصار السلافية، وأنصار الغربية، على ضرورة المطالبة بإلغاء رق ~~الأرض، وبحرية الصحافة، وإلغاء الرقابة على المطبوعات، وتعديل أو تقييد ~~الأوتقراطية. على أن أنصار السلافية، وكانوا من طبقة النبلاء أصلا، صاروا يمجدون ~~التراث الروسي الثقافي، وينشدون التحرر من الفردية الأوروبية والتعقلية الأوروبية ~~كذلك، ويدعون إلى العودة إلى الحياة في روسيا قبل عهد القيصر بطرس الأكبر، وهي التي ~~قالوا: إن العدل والصدق والحق كان يسود البلاد وقتئذ. # أما أنصار الغربية، فكانوا على النقيض من ذلك؛ يمجدون القيصر بطرس الأكبر، باعتبار ~~أنه قد انتشل روسيا من بربرية أو همجية العهد المسكوفي الأول إلى الحياة التي صارت ~~ينعم فيها بالحضارة والمدنية، وكان في رأيهم أن الملكية الروسية قد خانت عهد بطرس ~~الأكبر، وقضت على آثاره وأعماله وإصلاحاته، وأن القيصر بطرس كان أول «الحكام ~~المستبدين المتنورين» في أوروبا، وأن روسيا استطاعت أن تتخذ من أوروبا القرن الثامن ~~عشر نموذجا لتبني كيانها على غراره، في هذا القرن نفسه، بفضل الإصلاحات التي بدأها ~~بطرس الأكبر، واستمرت عليها القيصرة كاترين الثانية، وكان «الغربيون» أنفسهم هم ~~الذين طالبوا كذلك بأن تتخذ روسيا من أوروبا القرن التاسع عشر نموذجا تبني كيانها ~~على غراره، كذلك في هذا القرن التاسع عشر نفسه أيضا. مع العلم بأن أوروبا قد خضعت ~~منذ أيام بطرس وكاترين لتأثير حدثين عظيمين؛ الثورة الفرنسية، والانقلاب الصناعي. ~~الأمر الذي جعل متعذرا على الطبقة الحاكمة في روسيا قبول هذا النموذج (الأوروبي) ~~الجديد؛ ms1044 لتنسج على منواله في بلادها، ومن المتعذر على كل الأحوال، قبول الأساليب ~~الأوروبية الحديثة في الحكم، وفي الحياة عموما، طالما أن قبولها في روسيا معناه أن ~~يسبقه أو أن يمهد له زوال «النظام القديم»، وطالما أن قبول هذه الأساليب الجديدة ~~متعذر في بلاد لا يزال «رق الأرض» يفرض الجهالة على الطبقة العاملة من الفلاحين ~~وغيرهم، ويرغمهم على العيش في تعاسة وشقاء. # | الفصل الثامن # إيطاليا: النضال «القومي» للتحرر من السيطرة الأجنبية # تمهيد # استمرت المشكلة الإيطالية تشغل أذهان السياسيين في أوروبا طوال القرن التاسع عشر، ~~وذلك على وجه الخصوص بين سنتي 1830، 1860، حيث استأثرت هذه المشكلة في هذه الحقبة ~~بنشاط الدبلوماسية الأوروبية، ولقد وجدت أوروبا نفسها متدخلة في نضال الطليان من ~~أجل الظفر بوحدتهم الوطنية، وتقويض عروش الحكومات المستبدة، حتى إن «المشكلة» لم ~~تعد خاصة بإيطاليا وحدها فحسب، وحتى إن مقدرات هذا البلد السياسية لم تعد منفصلة عن ~~مقدرات سائر الدول الأوروبية، وفي إيطاليا، كأكثر بلدان أوروبا في هذه السنين، كان ~~من المنتظر أن تتاح الفرصة بفضل النضال للتحرر من السيطرة الأجنبية، وتلك كانت في ~~إيطاليا سيطرة نمسوية، وإنشاء الحكومة الدستورية على أنقاض السلطات الاستبدادية، ~~لأن تتسلم «البورجوازية» مقاليد الحكم في الدولة القومية (الوطنية). # ومن الناحية «المثالية» والفكرية، كان لا يجب أن يكون عسيرا تحقيق هذه الغايات ~~الوطنية والديموقرا طية؛ لأن إيطاليا لم تكن «مصطلحا جغرافيا» - وهو التعبير ~~الذي وصف به «مترنخ» هذه البلاد - إلا من ناحية وجهتي النظر السياسية والتاريخية، ~~وفيما عدا ذلك، فلا جدال في أنه كانت هنالك «قومية إيطالية» محددة المعالم، تضافر ~~على إنشائها أن شبه الجزيرة الإيطالية ذات حدود جغرافية معينة، وأن شبه الجزيرة ~~الإيطالية هذه لم تكن تحوي عناصر (أو أجناس) غريبة أو أجنبية عن الإيطالية، وإن كان ~~هذا لا يعني أن اختلافات نفسية (سيكولوجية) عميقة، وأخرى متصلة بمسلك الأفراد، وطرق ~~معالجتهم شئون الحياة، تميز بين أهل نابولي وصقلية وروما، أو بين أهل الشمال وفي ~~ميلان، وبين أهل فلورنسة أو أهل بيدمنت وهكذا. ولكن تلك اختلافات «إقليمية» محلية، ms1045 ~~وليست اختلافات عنصرية؛ أي ناجمة عن اختلاف في الجنس والعنصر، فهناك قطعا «جنس» ~~إيطالي، بمعنى أن التقاليد الجغرافية من جانب، والحركات التاريخية والاقتصادية من ~~جانب آخر، قد أوجدت جماعة متجانسة بعد أن انصهرت في أردمة واحدة كل العناصر التي ~~كانت تقطن أصلا شبه الجزيرة الإيطالية. بل إن هنالك دينا واحدا، ولغة واحدة، ~~يسود كلاهما شبه الجزيرة، والاشتراك في العقيدة واللغة أمر نادر الحصول. ولم تشهد ~~إيطاليا هرطقة، أو خروجا على العقيدة الكاثوليكية، بل بقيت البلاد من أقصاها إلى ~~أقصاها كاثوليكية. كما انعدم من إيطاليا وجود أدب إقليمي ينبئ بأن هناك اختلافات ~~«روحية»، وهكذا فإن أحدا لا يستطيع أن يتشكك في قيام «وحدة إيطالية» من الناحية ~~الذهنية أو الروحية، أضف إلى هذا كله أن أهل البلاد جميعهم كان يربطهم شعور الزهو ~~والافتخار بتراثهم المتخلف من أمجادهم الغابرة، على أيام الإمبراطورية الرومانية في ~~العصور القديمة، والبابوية العتيدة خلال العصور الوسطى، ولقد كانت هذه الأمجاد ~~السابقة الموضوع المفضل لدى دعاة القومية والوحدة الوطنية طوال قرن بأسره - القرن ~~التاسع عشر - يستثيرون به حمية مواطنيهم وليدفعوهم نحو العمل، فلا تجد متخلفا عن ~~الركب، من كل «الدويلات» الإيطالية وشعوبها في الشمال والجنوب على حد سواء. # وهكذا فإنه لا سبيل إلى نكران أن هناك قطعا «قومية إيطالية» وذاتية قومية، ولكن ~~الذي لم يكن له وجود حقا، إنما كانت العزيمة الصادقة، والإرادة القوية، التي تعمل ~~على نقل هذه القومية والذاتية الإيطالية، من عالم الفكر والروح إلى عالم الواقع ~~وميدان السياسة؛ أي إن المشكلة لم تكن البحث عن القومية، أو محاولة خلقها، ~~وابتداعها ابتداعا؛ لأن القومية والذاتية الإيطالية كانت كائنة فعلا، ولكن ~~المشكلة إنما كانت إتاحة الفرصة لهذه القومية والذاتية الإيطالية حتى تبرز إلى عالم ~~الوجود السياسي. # ومن الثابت أنه كان في سنة 1830 فقط أن بدأت تشاهد في إيطاليا حركة تهدف إلى ~~تحقيق الوحدة القومية أو الوطنية، فإنه قبل هذا الوقت كانت الغلبة لقوى التفكك على ~~عوامل الترابط والاندماج في إيطاليا، وذلك بسبب الأحوال الاجتماعية والسياسية ~~السائدة في ms1046 شبه الجزيرة، فلم تستطع قوى الوحدة التغلب على غريمتها إلا بعد سنة ~~1830، وتلك حقيقة تستبين من بحث الصعوبات التي اعترضت طريق الوحدة القومية والتي ~~كان مبعثها: «الترتيب» الذي وضع لإيطاليا في مؤتمر فينا، والسلطان الذي صار للنمسا ~~في إيطاليا بموجب هذا «الترتيب» الإقليمي والسياسي، والظروف الاقتصادية والاجتماعية ~~التي عاشت فيها إيطاليا خلال العشرين سنة التالية على وجه الخصوص، للتسوية التي ~~وضعت في فينا للمشكلة الإيطالية. # إيطاليا سنة 1815 و«النظام النمسوي» # لقد قامت «التسوية» التي وضعت في فينا للمشكلة الإيطالية على قاعدة «تجزئة» ~~إيطاليا، ومع ذلك فقد كانت هذه «التجزئة» التي تمت على أيدي المؤتمر «عملية» ساعدت ~~في حد ذاتها على «تبسيط» الوضع في إيطاليا، إذا قيس النظام الذي أوجدته هذه ~~«العملية» بذلك الذي كان يسود شبه الجزيرة قبل حروب الثورة الفرنسية ~~ونابليون. # فبمقتضى التقسيم الذي حصل في فينا؛ قامت سبع دول، تألف بعضها من حجوم جعلت لها ~~قدرا من الأهمية. من ذلك مملكة الصقليتين وعدد سكانها سبعة ملايين ونصف مليون ~~نسمة، ثم مملكة بيدمنت؛ سردينيا، وعدد سكانها أربعة ملايين، ثم مملكة لمبارديا ~~فينيشيا وعدد أهلها أربعة ملايين وربع مليون نسمة، ثم الولايات البابوية من مليونين ~~ونصف، وفيما عدا ذلك، فإن الدوقيات الثلاث - بارما، ومودينا، وتسكاينا - كانت أقل ~~في حجومها كثيرا. # أضف إلى هذا، أنه كانت هناك «أوضاع» مؤقتة أوجدتها تسوية فينا، زادت من تعقيد ~~«النظام» الناشئ من قيام هذه الدول السبع. من ذلك؛ أن الإمبراطورة ماري لويز - زوجة ~~نابليون - أعطيت مدة حياتها دوقيات جواستالا # Guastalla # وبليزانشي Plaisance ~~، ~~وبارما، في حين نال البربون أصحاب هذه الدوقيات (الشرعيون) كتعويض لهم، إمارة لوقا، ~~على أن تعود لوقا إلى تسكانيا عند وفاة ماري لويز، ويسترد البربون عرش بارما ~~وأملاكهم الأخرى، وتوفيت ماري لويز في سنة 1847، وكان عندئذ فقط أن عادت إمارة ~~لوقا إلى تسكانيا، وعاد البربون إلى بارما وإلى سائر إماراتهم. ومن ذلك أيضا أن ~~ماريا بياتريش # Maria Beatrice # من أسرة ~~إست # Este # ووالدة فرانسو الرابع حاكم «دوق» ~~مودينا، احتفظت بامتلاك دوقية «ماسا-كراري» الصغيرة ms1047 بصفة شخصية حتى سنة ~~1829. # وكذلك فإن التقسيم أو التجزئة السياسية اصطدمت في أحايين كثيرة بالمصالح ~~والاعتبارات الاقتصادية. من ذلك أن إقليم الرومانا في الولايات البابوية كان من ~~الناحية الاقتصادية يتصل بسهل البو أكثر من اتصاله بروما، التي ارتبط بها إقليم ~~الرومانا سياسيا، وكذلك ففي حين كان إقليم أبروزي # Abruzzi # جزءا من نابولي - ويقع هذا الإقليم إلى الشمال الشرقي - ~~وكذلك إمارتا بنيفنتو # Benevento ~~(وتقع وسط ~~نابولي)، وسبوليتو # Spoleto ~~، فقد جعلت هذه مرتبطة ~~بالولايات البابوية وقسما منها، ولم تضم إلى نابولي، ثم إن جزيرة صقلية استدارت ~~بظهرها من الناحية الاقتصادية لنابولي. # ولقد كان إغفال هذه الاعتبارات الاقتصادية، عند وضع «النظام السياسي» وتحديد ~~الترتيبات الإقليمية في شبه الجزيرة الإيطالية، من أهم العوامل التي عطلت مجهود ~~الوحدة القومية (الوطنية) في أول الأمر، ولو أنها في الوقت نفسه وبمضي الوقت قد ~~ساعدت على نجاح الحركة القومية ذاتها، من حيث إنها كانت من أقوى الأسباب التي ساعدت ~~على تفكك هذا النظام السياسي، وانهيار الترتيب الإقليمي الذي وضعه السياسيون في ~~فينا. # ولقد قام هذا «النظام السياسي»، الذي أرسيت قواعده في مؤتمر فينا على حقيقة ~~واحدة؛ هي إخضاع الحكومات التي أنشئت في إيطاليا لسلطان النمسا، سواء أكانت هذه ~~تحكم أجزاء من إيطاليا حكما مباشرا، كما كان الحال في «لمبارديا فينيشيا»، أم أنه ~~كان لها نفوذ وسلطان غير مباشر على سائر الدول والإمارات الإيطالية. ولا شك في أن ~~العمل بمبدأ إرجاع أصحاب الحقوق الشرعية إلى عروشهم في إيطاليا، قد أيد سلطان ~~النمسا وسيطرتها عندما رجعت الأسرات الحاكمة القديمة - قبل عهد الثورة ونابليون ~~مصممة على استئناف سيرة الحكم، كما كان أيام النظام القديم # Ancien Regime ~~، فتناسى الحكام الراجعون قوة المبادئ التي نادت ~~بها الثورة الفرنسية ثم تغلغلت في إيطاليا في عهد الإمبراطورية النابليونية، وبحيث ~~صار أهل شبه الجزيرة الإيطالية، والمفكرون والقادة خصوصا، من الطبقة البورجوازية، ~~ومن فريق المتنورين من النبلاء كذلك، لا ينظرون إلى المبادئ التالية كأنها مجرد ~~أوهام؛ المساواة أمام القانون، حرية الضمير والعبادة، حرية القول والرأي، حرية ~~النشر، ms1048 حق المواطنين في الالتحاق بالوظائف العامة دون تفرقة أو تمييز، وقبل كل شيء ~~حق المواطنين في تأسيس الحكومة الوطنية (القومية)، والتي يساهمون في إدارة شئونها، ~~ولم يكن هناك مناص من أن يرتبط هؤلاء الحكام الراجعون بأوثق الروابط مع النمسا، وأن ~~ينهجوا في الحكم على منوالها، في نظير مؤازرتها لهم، وتعهدها بحماية عروشهم، وحكمت ~~النمسا في إيطاليا حكما رجعيا مستبدا، باعتبار أن هذا النوع من الحكومة ضروري ~~لاستقرار سيطرتها، ولدعم نفوذها في إيطاليا. # ولكن بعد سنة 1815، وبعد عهد الثورة الفرنسية ونابليون، في إيطاليا لم يعد متيسرا ~~إغفال إرادة الشعوب، أو إهانة الشعور القومي، بل إن الاستهانة بمطالب الإيطاليين ~~«وبقوميتهم» سرعان ما حرك الثورات في إيطاليا، فلم تمض ثلاثون سنة على المعاهدات ~~التي أبرمت والتسويات التي حصلت في فينا، حتى كانت قد بدأت في إيطاليا «حركة ~~إصلاح»، كانت متعارضة تماما مع المبادئ التي قامت عليها هذه المعاهدات ذاتها، ~~والتسويات التي تمت في فينا. ولقد كانت هذه «الحركة الإصلاحية» موجهة في صميمها نحو ~~غاية واحدة؛ التحرير من السيطرة النمسوية، وهي الحركة التي أفضت إلى الثورات التي ~~قامت في سنتي 1848، 1849، وكانت هجوما عنيفا على النمسا - الدولة التي كان ~~السياسيون في مؤتمر فينا، قد أرادوا أن يمكنوها من فرض سلطانها فرضا على شبه ~~الجزيرة الإيطالية. # وكان مبعث المعارضة - ثم المقاومة - ضد النمسا، الأساليب التي اتبعتها هذه في ~~الحكم في إيطاليا، عندما اعتقد وزيرها «مترنخ» أنه لا يجب بحال من الأحوال ~~الاستجابة لأي مطلب من مطالب الأحرار؛ لأن من شأن هذه الاستجابة إذا حصلت ولو مرة ~~واحدة، تشجيع هؤلاء على التقدم بمطالب أخرى؛ ولذلك فقد صمم «مترنخ» على أن يسود ~~الحكم المطلق والمستبد إيطاليا، بدعوى أن أية «تنازلات» من جانب النمسا لإرضاء ~~الأحرار سوف تؤدي حتما إلى توحيد إيطاليا في دولة ذات نظام جمهوري، وأن هذه ~~«التنازلات» سوف يترتب عليها كذلك قيام منازعات شديدة بين الجماعات المختلفة التي ~~سوف تتحلل إليها هذه «الدولة»، نتيجة لاختلاف العناصر التي يتألف منها سكانها؛ ~~ولذلك فإن «مترنخ» كان قوي العزم ms1049 منذ مبدأ الأمر وحتى يتجنب هذا الخطر، على إخماد ~~كل مظاهر الحياة المدنية في إيطاليا بحرمان الطليان من أية حقوق مدنية، وعلى وجه ~~الخصوص؛ القضاء قضاء مبرما على أية رغبة في إقامة حكومات ذاتية. # ولقد كانت الظروف مهيأة للوزير النمسوي لتحقيق غايته، وذلك في الأقاليم التي ~~خضعت مباشرة لحكم النمسا «لمبارديا فينيشيا». في حين أنه أقام على عروش الدويلات ~~الأخرى في مودينا، وتسكانيا، حكاما من النمسويين، وفي بارما حاكمة «دوقة» نمساوية، ~~ووعد كل هؤلاء كما وعد سائر الحكام في شبه الجزيرة، بإمدادهم بالعون فورا عند أول ~~بادرة لأية حركة ثورية. وتحت ضغط هذا «النظام» - نظام مترنخ - صار الإرهاق الشديد ~~يشوب الحياة في إيطاليا، بل صار من المتعذر في أحايين كثيرة احتمال الحياة نفسها في ~~ظل هذا النظام. # ففي مملكة لمبارديا فينيشيا، صدر الأمر في 17 أبريل 1815 بوضع «نائب للملك » على ~~رأس المملكة، ولكن لتبسيط شئون الحكم والإدارة قسمت المملكة إلى «دولتين» أو ~~حكومتين يفصل بينهما نهر المنشيو # Mincio ~~، ~~الميلانية (نسبة إلى ميلان) على يمين النهر، والفينيشية (أو البندقية) على يساره. ~~فيحكم كل «دولة» منها حاكم يكون مقر أحدهما في ميلان والآخر في البندقية # Venice ~~، ويتبعان مباشرة مجلس البلاط الملكي # Reichshofrath # 1 ~~- ومن المعروف أن هذا المجلس كان تأسس على يد الإمبراطور مكسمليان ~~الأول سنة 1501 - وعلى ذلك فإن مملكة لمبارديا فينيشيا كانت مملكة واحدة اسما، في ~~حين أنها كانت في الواقع مؤلفة من مقاطعتين أو إقليمين يخضعان مباشرة لعاصمة ~~الإمبراطورية النمسوية فينا. # ولم تجن هذه البلاد فائدة تذكر من ارتباطها بدولة كبيرة كالنمسا؛ بسبب المركزية ~~الصارمة التي جعلت الفصل في شئون الإدارة والحكم من نصيب فينا البعيدة، الأمر الذي ~~أدى إلى تعطيل الأعمال. ثم كان من عوامل اختلال الإدارة؛ جهل النمسويين بشئون ~~الطليان. أضف إلى هذا أن الضرائب التي فرضت على البلاد كانت ثقيلة، مرهقة، حتى إن ~~هذه المملكة التي كانت مساحتها لا تزيد على قسم من ثمانية عشر قسما من مساحة ~~الإمبراطورية النمسوية، ولا يزيد عدد سكانها على ms1050 واحد على ثمانية من عدد سكان ~~الإمبراطورية، كان مطلوبا منها تأدية ربع قيمة الضرائب جميعها المحصلة من ~~أنحاء هذه الإمبراطورية، وأرغمت لمبارديا على تزويد العاصمة «فينا» بعد سداد ~~النفقات المحلية، كل سنة، بمبلغ أربعة وثلاثين مليونا من الليرات، في حين دفعت ~~«فينيشيا» ثلاثة وعشرين مليونا، وكان الغرض من نظام الضرائب الثقيل؛ القضاء على كل ~~الصناعات في لمبارديا فينيشيا، وعلى كل محاولة لإحياء أية صناعات أهلية بها، وذلك ~~حتى تبقى المملكة سوقا مفتوحا لمنتجات ومصنوعات النمسا، وهكذا حتى في شئون ~~التجارة استمرت لمبارديا فينيشيا تخضع لاستغلال النمسا، وتلقى حاملة البلاد ~~المفتوحة قهرا. # ومع أن النمسا أبدت اهتماما بالتربية والتعليم في لمبارديا فينيشيا، زاد كثيرا ~~على اهتمامها في سائر بلدان إيطاليا، فعممت المدارس الأولية للبنين وافتتحت ~~المدارس الثانوية في المدن الرئيسية في المقاطعات، فقد أفسدت الأهواء والغايات ~~السياسية هذا العمل، فلم يثمر الاهتمام بالتعليم الثمرة المرجوة منه ، وذلك عندما ~~أراد المسئولون النمسويون تنشئة رعايا يدينون بالطاعة ولم تكن لهم حاجة «بمواطنين ~~مستنيرين». فقال شيزار كانتو # Cesare Cantù ~~- صاحب ~~تاريخ إيطاليا، وغيره من التواريخ - إن المدارس تحقيقا لهذه الغاية دأبت على إشاعة ~~العجز والقصور الذهني، وخلق جيل من متوسطي الذكاء بمحاربة كل نبوغ بين الناشئة ~~الطليان، وأكد مازيني # Mazzini # فيما بعد أن شعار ~~المسئولين في المدارس الأولية كان «خضوع الرعايا لصاحب السلطان عليهم، يجب أن يكون ~~كخضوع العبيد لأسيادهم.» وقد يكون في هذا القول شيء من المبالغة، ولكن الثابت أن ~~النمسا بذلت قصارى جهدها للقضاء على كل شعور وطني لدى الأطفال، وعلموا هؤلاء في ~~كتبهم المدرسية أن لمبارديا فينيشيا تؤلف جغرافيا جزءا من النمسا. لقد كان ~~يختار لملء كراسي الأستاذية بالجامعات، الناجحون في المسابقات التي تجرى تحت ~~إشراف فينا، وأما هؤلاء الناجحون فكانوا دائما من الأدعياء والمبتدئين. على أن ~~الجدير بالملاحظة أن كليات الطب والرياضة على وجه الخصوص، بالرغم من الإهمال ~~والمعاملة السيئة، كانت تتميز بوجود بعض الأساتذة من العباقرة «الطليان» ~~حقا. # وخضعت «لمبارديا فينيشيا» لنظام صارم من الرقابة على المطبوعات والمنشورات، فكان ms1051 ~~مقر محكمة الرقابة الرئيسية في فينا، وهي التي يتبعها في مختلف الأقاليم «مفتشون» ~~مزودون بسلطات محدودة وضيقة. فكانت ترد إلى فينا أصول الكتب التاريخية الكبيرة ~~وغيرها من المخطوطات ليفحصها الرقباء وهم الذين تعسفوا عند تأدية مهمتهم، فلم ~~يتورعوا عن «تصحيح» كتابات ومآثر «دانتي». كما منعت الرقابة نتاج طائفة من أعلام ~~الفكر المعاصرين الطليان من طراز جيطانو ~~فيلا نجييري # Gaetano Filangieri # فمنعوا كتابه عن «علم التشريع» # 2 # من التداول وشوهوه في أقسام منه، كما صادروا القصائد المفجعة التي ~~ندد بها الشاعر الكونت فكتور ~~ألفييري # Vittorio Alfieri # بالملكية والطغيان على السواء، ولم تكن هناك صحف سياسية ~~ما عدا جريدة «غازيتة» ميلان وجريدة البندقية، وكانت تشرف على إصدارهما الحكومة، ~~وفرض على المملكة «لمبارديا فينيشيا» نظام للبوليس لم تفلت صغيرة ولا كبيرة من ~~حبائله، وكان يتكلف سنويا حوالي خمسة الملايين ليرة، وارتهن مصير الأفراد بما ~~يمكن أن يساور البوليس من سلوك بشأنهم، فلم يكن يتم تعيين أحد أو إسداء خدمة إلا ~~بعد أن يقدم البوليس تقريرا شاملا عنه، فانبث العملاء والجواسيس في كل مكان، ~~وتدخلوا في حياة الأفراد، وقاسى المواطنون هؤلاء من صلف الموظفين وعمال الحكومة ~~وكبريائهم وغطرستهم، وجهلهم وتدخلهم في شئونهم، ولم يكن هؤلاء المواطنون الطليان قد ~~نسوا نوع المعاملة التي لقوها على يد الإدارة الفرنسية، وهي التي اتسمت أعمالها ~~بالسرعة والتسامح، والقدرة على التكيف حسب الظروف والأحوال، حتى لقد اضطر «مترنخ» ~~نفسه إلى تحذير الإمبراطور من مغبة السياسة التي جرت عليها النمسا في لمبارديا ~~فينيشيا، فكتب: «تعلمون يا صاحب الجلالة، أن التباطؤ في تصريف الأمور، وتأجيل الفصل ~~منها، وما يقال عن رغبتنا في جرمنة المقاطعات الإيطالية جرمنة تامة، والطريقة التي ~~يجرى بها تأليف المحاكم، وما يحدث يوميا من تعيين النمسويين لملء وظائف القضاة ~~وغيرها من الوظائف العامة، إنما هي جميعها أسباب لاستفزاز الناس وإثارة غضبهم بصورة ~~مستمرة،؛ حتى إن ذلك ليلغي كل تلك المزايا التي تجنيها هذه البلاد «لمبارديا ~~فينيشيا» من حكومتنا بها، إذا قيست هذه الحكومة بغيرها من حكومات الدول الإيطالية ms1052 ~~الأخرى.» # ولم يكن الحال في دوقية بارما بهذه الدرجة من السوء، فقد كانت الإرشيدوقة ماري ~~لويز صاحبة الحكم بها، ذات كياسة ورقة ولها ميول طيبة، فكان بفضل حكومتها أن ~~استقامت مالية بارما، وأقيمت بالدوقية المباني الفخمة، وتأسس بها نظام واسع ~~للتربية والتعليم، وقويت العدالة. على أن ماري لويز خضعت خضوعا كليا لإرادة ~~النمسا، إما بسبب أنها نمسوية، تدفعها صلات القربى (وهي ابنة الإمبراطور فرنسيس ~~«فرنسوا» الثاني) إلى ذلك، وإما لأنها تريد رعاية مصالحها الخاصة. أضف إلى هذا أنها ~~كانت متكاسلة، لا قدرة لها على المثابرة على العمل، ومنغمسة في الملذات، ووقعت ~~دائما تحت تأثير مبعوثي النمسا إلى بلاطها، ومع أن أحد هؤلاء الكونت ألبرت فون نايبرج # Neipperg # الذي لم يلبث أن تزوج منها، ~~كان ذا أثر طيب على ماري لويز، فقد خلفه رجل ضيق الفكر، لا هم له إلا الغنى السريع، ~~هو البارون وركلاين # Werklein ~~، سرعان ما تلاشت تحت ~~نفوذه كل آثار الحكومة الهادئة والطيبة في السنوات الأولى، وهكذا صار أهل بارما ~~يقاسون الأمرين من طغيان البوليس ومؤامراته على حريات الأفراد والجماعات، ومن جشع ~~موظفي الدولة المرتشين، ثم من مساوئ حكم فاسد يقوم على العسف والظلم والجهل والتعصب ~~الديني. # وفي مودينا، ومن مبدأ الأمر كان الناس أكثر تعاسة، عندما كان حاكمهم فرنسيس الرابع ~~طاغية من طراز «سيزار بورجيا» صاحب السمعة السيئة في تاريخ إيطاليا، ولكن دون أن ~~يكون متمتعا بالشجاعة وقوة الإرادة، والشخصية، وهي الصفات التي كانت لهذا السياسي ~~الداهية، فكان فرنسيس صاحب ذكاء بقدر معين، ولكنه كان صاحب أطماع لا حد لها، ~~وكبرياء شامخة، كما كان صاحب قسوة بالغة، سهل عليه بسبب هذا كله أن يعتبر السلطة ~~طغيانا وحكما استبداديا، ومنذ أن اعتلى العرش لم يتنكب عن السير في غير الطريق ~~الذي رسمه لنفسه، فمنح رجال الدين (الأكليروس) والنبلاء امتيازات عديدة، وهما ~~الطبقتان اللتان يعتمد عليهما العرش، وإنما في نظر «الشرعيين»؛ أي أصحاب الحقوق ~~المشروعة في الملك، الذين أعيدت عروشهم إليهم بعد سقوط نابليون، وألقى فرنسيس ~~الرابع كل القوانين ms1053 والمرسومات التي صدرت بعد سنة 1791، ثم سلك في حكومته طريق ~~السلب والنهب - سلب ونهب رعاياه، فأنفق من هذه الأموال «المنهوبة» قسما كبيرا على ~~الأديرة، ثم إنه عهد بالتعليم إلى اليسوعيين (الجزويت)، وصار يضطهد اليهود، حتى ~~حرم هؤلاء في عهده من حقوق المواطن، وجرد القضاء من كل سلطاته، حتى صار القضاء ~~موضع سخرية كبيرة. ومع أنه قام ببعض المشروعات التي كان يهدف بها إلى إشباع نزواته، ~~مثل حب التظاهر والمباهاة، وذلك بإقامة نظام لبيع الغلال إلى الفقراء بأثمان ~~مخفضة، وعمل الترتيبات للعناية بالصم والبكم والمعتوهين، ثم الانكباب على تشجيع ~~الآداب والعلوم والفنون، فقد كانت هذه كلها مآثر لا تلبث أن تزول قيمتها إذا قيست ~~بالطرائق والوجوه التي كان ينفق فيها فرنسيس الرابع الأموال التي حصلها سنويا ~~من أهل دوقيته، وقد بلغت هذه ثمانية ملايين ليرة، عندما كان القسم الأكبر منها ~~تمتلئ به خزائنه الخاصة، ويجرى الإنفاق مما تبقى منه على البوليس، والجواسيس ~~والسجون؛ ولذلك لم يكن موضع دهشة، أن يكتب من وقت مبكر (1817) القومسيير النمسوي ~~روفيجو # Rovigo # في تقرير بعث به إلى فينا عن ~~الحالة في مودينا، أن بالبلاد موجة من التذمر شديدة، وأن عددا كبيرا من الأهلين ~~يودون رجوع «النظام» السابق؛ أي تحت السيطرة الفرنسية. # وفي تسكانيا قامت حكومة مستبدة ولكن من نوع الحكومات المحبة للخير، وذلك أن الأسرة ~~الحاكمة البائدة، من آل لورين # Lorraine # جريا على ~~تقاليد الحكم الهين في هذا الإقليم، حاولت تعزيز مركزها باتباع سياسة «متساهلة»، ~~تبغي التهدئة والتلطيف بدلا من إهاجة النفوس واستفزاز الشعب، وتعمد إلى وسائل ~~الحيلة والمكر لنيل مآربها بدلا من سلوك طريق الضغط والإرهاب والظلم، وكان غرض ~~الحكومة أن تتحول القوى الذهنية والفكرية من السير في طريق محفوف بالأخطار التي ~~تتهدد الدولة، فتسلك طريقا تفيد منه الدولة، وذلك باستخدام هذه القوى الذهنية ~~والفكرية في مشروعات تعود بالنفع المادي على أهل البلاد، وتساعد على تحسين أحوال ~~معيشتهم، وعلى ذلك، صار العجز الذهني أو القدرة الذهنية المتوسطة طابع الدولة ~~الراجعة. حتى لقد صار يشكو جينو ms1054 ~~كابوني # Gino Capponi ~~- أحد أعلام الفكر المعاصرين - «من تلك الكآبة العميقة ~~التي خيمت على العقل وحكمت عليه بالبطالة والكبح.» وهكذا قام في تسكانيا نوع من ~~الاستبدادية «الأبوية» كان من المتعذر محاولة هدمها؛ فتدخلت في حياة الأفراد، ومن ~~كل نواحيها طبقة كبيرة من الموظفين، الذين اتصفوا بالجهل، والعجرفة، والذين قضوا ~~أوقاتهم دون عمل، وإن عملوا سببوا المتاعب للناس، ولقد عرف هؤلاء الموظفون باسم ~~السادس عشريين # Sedicini ~~، كما لو كان استلامهم ~~لمرتباتهم في اليوم السادس عشر من كل شهر هو أهم الوظائف التي يؤدونها شأنا. ولقد ~~كان الجيش على قدر عظيم من العجز وقلة الكفاءة، مثله في ذلك مثل «البيروقراطية» ~~الحاكمة، فالجيش لم يكن قوة يعتد بها لصغر حجمه من جهة، ولانعدام النظام به، أو أي ~~شعور بالاحترام الذاتي، أو أية روح محاربة. حتى إن الجنود كانوا يتنادون فيما بينهم ~~باسم «الفيران»، وأما رئيس الوزراء في تسكانيا وهو الكونت فيكتور فوسومبروني # Fossombroni ~~، فكان خير من يمثل هذه ~~الحكومة؛ شديد الذكاء، متشككا في قيم الأشياء والحياة، تعمد الكسل والتراخي، حتى ~~صار عاجزا عن الإتيان بأي نشاط ذهني، أو في ميدان العمل؛ فلم يكن له من هدف إلا ~~الحياة الطويلة الناعمة الهينة المرحة. # وفي بيدمنت، بقي الناس على ولائهم للأسرة الحاكمة القديمة، فقوبل آل سافوي عند ~~عودتهم من المنفى بالتهليل والترحيب، وكان انتهاء الحكم الفرنسي من بيدمنت في (20 ~~مايو 1814) وعندئذ شهدت بيدمنت موكب هؤلاء الأمراء القدامى يدخل إلى تورين؛ ~~ليستأنف الحكم بها. فيصف أحد أعلام الفكر الطليان في هذا العهد ماسيمو دازيجليو # Massimo D’azeglio # وكان يبلغ السادسة ~~عشرة وقتئذ، وأحد أفراد الحرس المدني الذي اصطف لتحية الملك الراجع، فيكتور عمانويل ~~الأول؛ يصف عودة هذه الأسرة الحاكمة التي طال انتظار البلاد لها، فيقول: «لقد كنت ~~في الحرس في ميدان كاستللو، # 3 # وإني لأذكر تماما وبكل وضوح منظر الملك وضباطه وحاشيته، لقد كانت ~~ملابسهم من الطراز القديم، ويكاد يبدو غريبا لدرجة تدعو للسخرية؛ لأنهم كانوا ~~يستخدمون المساحيق، وتتدلى من رءوسهم الضفائر، ويرتدون قبعات يرجع عهدها ms1055 إلى أيام ~~فردريك الثاني، ولكن في نظري وفي نظر كل الحاضرين، كانوا يبدون في أجمل بزة، وفي ~~خير ما يمكن أن يطلب منهم ارتداؤه حسب الأصول، ولقد قوبل الأمير الطيب بالتهليل ~~الكبير والطويل، الأمر الذي تأكد بفضله، لدى الأمير مقدار المحبة والعطف اللذين ~~يكنهما له رعاياه في تورين والذين تفيض قلوبهم ولاء له.» ومع ذلك فإنه سرعان ما ~~استبدل بهذا الحماس الفياض، شعورا بالتذمر، بمجرد أن استقر بالملك المقام في عاصمة ~~ملكه القديمة، فقد أعلن فيكتور عمانويل أنه يشعر كمن أفاق من نوم استمر طيلة ~~الخمس عشرة سنة السابقة، وبدأ في التو والساعة يعامل رعاياه معاملة رجل أفاق من هذا ~~السبات الطويل، متناسيا كل ما وقع من أحداث وطرأ من تغييرات تحت السيطرة الفرنسية، ~~أثناء السنوات العديدة التي قضاها فيكتور عمانويل مبعدا عن العرش في المنفى، ~~فاستصدر قرارا في 21 مايو 1814، صارت له شهرة في تاريخ «الحكومات الراجعة» ~~والرجعية إطلاقا في السنوات التي تلت سقوط الإمبراطورية النابليونية. أما هذا ~~القرار فقد نص على ضرورة خضوع رعاياه للقوانين الملكية الصادرة في سنة 1770، وتلك ~~القوانين والمراسيم التي استصدرها أسلافه قبل 23 يونيو 1800، ونبذ كل ما عدا ذلك من ~~القرارات والقوانين، فكان معنى ذلك؛ تجاهل كل تلك الإصلاحات التي ظفرت بها البلاد ~~أيام السيطرة الفرنسية، وإعادة تأسيس نظام الحكم في العصور الوسطى القائم على تمتع ~~الطبقات بالامتيازات الواسعة، وحرمان البعض الآخر منها، والتضييق على الناس، ~~وتجريدهم من حرياتهم وحقوقهم. # ولم يلبث أن انقسم الأهلون إلى طوائف «الأتقياء والمطهرين» الذين لم يتعاونوا مع ~~الفرنسيين، ورفضوا ألقاب الشرف، أو أن يشغلوا الوظائف العامة في عهد سيطرتهم، ثم ~~فريق «الملوثين، وغير المطهرين» الذين تعاونوا مع الفرنسيين، وكان «المطهرون» وحدهم ~~هم الذين وقع عليهم الاختيار الآن لملء الوظائف. ولما كان هؤلاء من طراز لا يبعث ~~على الاحترام، فقد امتلأت الوزارة والمحاكم والجيش، ومختلف المصالح بأناس متوسطي ~~الذكاء، أو من الجهال الذين لا خبرة ولا دراية لهم بتصريف الأمور، والذين كان ~~كثيرون منهم تنقصهم الأمانة والاستقامة، وأما «الملوثون ms1056 أو غير الأتقياء» فإنه وإن ~~لم تتخذ ضدهم إجراءات انتقامية - لأن الانتقام لم يكن من شيمة الملك الطيب - فقد ~~كانوا يعانون قسوة أدبية وذهنية عظيمة، تكاد تقرب على حد قول شيزار بالبو # Cesare ~~Balbo # في ~~شدتها من قسوة الاضطهاد ذاته والتعذيب البدني. على أن أهل بيدمنت بالرغم من أن ~~آمالهم قد تبددت في عهد الملكية الراجعة في بلادهم، قد استمروا على ولائهم لآل ~~سافوي الأسرة الحاكمة القديمة. ولم يمنع هذا الولاء الطبقات المثقفة على وجه الخصوص ~~من إظهار نفورهم واشمئزازهم من «بلاط» بقي نهبا، يتنازع النفوذ بين أرستقراطية ~~«رجعية» متخلفة، وبين أعوان الكنيسة من طبقة رجال الدين الموصوفين بالتعصب وضيق ~~الأفق، ولم يتردد هؤلاء المثقفون في إظهار تبرمهم بهذا النظام، ونفاذ صبرهم من ~~ناحيته، ولقد كان ذلك قمينا باسترعاء انتباه الحكام في بيدمنت، إلا أن رعاياهم قد ~~قطعوا شوطا ملموسا في طريق التقدم؛ بحيث قد صاروا الآن متيقظين تمام التيقظ، ولو ~~أن حكامهم أنفسهم قد أجازوا لأنفسهم أن يناموا في سبات عميق. # ولقد كانت أسوأ الحكومات الراجعة إطلاقا في إيطاليا، حكومة الولايات البابوية، ~~ومملكة نابولي (الصقليتين). أما عن الولايات البابوية فقد اتفق الرأي، حتى بين ~~الذين لم يكونوا معادين للبابوية، على أن حكومتها كانت في أساليبها ونتائجها أشد ~~تعسفا وسوءا من حكومة النمسا ذاتها في لمبارديا فينيشيا. لقد أقامت النمسا حكما ~~استبداديا، صارما وعنيفا لدرجة القسوة البالغة، ولكن هذا الحكم كانت تنظمه ~~طائفة من القوانين الثابتة، ويستند على نظام مالي لم يصعب على الأهلين احتماله في ~~لمبارديا فينيشيا بسبب رخائهم، ولكن الحال كان على خلاف ذلك في الولايات البابوية، ~~حيث أقامت الكنيسة حكومة أشد طغيانا، وأفتك شرا من غيرها عندما كانت تسودها ~~الفوضى، وتغشى الشراهة الضارية أبصارها، فيبتدع نظاما تعسفيا للضرائب ينوء تحت ~~عبئه الأهلون الذين عاش سوادهم الأعظم في عوز وفاقة، وبين عامي 1818 و1848 حسب ~~شهادة أحد المعاصرين آتو فانوتشي # Atto Vannucci # انعدم كل أثر للعدالة في روما، فكان القضاة فاسدين مرتشين، ولم يكن المرء يأمن على ~~حياته ms1057 أو ماله، تكفي إيماءة من أحد الأساقفة للقبض على الأفراد، وتتجسس ثلاث قوات ~~من البوليس على حياة الناس، في حين يجري العمل بنحو ثمانين قانونا، كانت جميعها ~~متضاربة ومتناقضة وتتسم بالوحشية، وبقيت الإدارة مزيجا من المصالح والمنظمات التي ~~ينقصها التجانس والتنسيق، والتي تسود بها الفوضى، ولقد وصف روما كذلك «ماسيمو ~~دازيجليو» في سجل ذكرياته # 4 # بأنها خليط من الغش والخداع والانتهازية، ومراعاة الخواطر والجبن. حتى ~~إن «دازيجليو» كما قال: كان يحمر وجهه خجلا أمام أصدقائه الأجانب كلما فكر أنه ~~إيطالي. لقد كانت عودة الحكم البابوي إلى هذه الولايات سببا في تقوية سلطان ~~البابا، وزيادة تمتع رجال الدين بالإعفاءات العديدة وإعادة حبس الأملاك ووقفها على ~~الكنيسة، ثم استئناف أساليب التعذيب الوحشية القديمة. بل لقد بلغت حال الأهلين في ~~هذه الولايات البابوية درجة من السوء، جعلت مبعوث بيدمنت لدى الحكومة في روما، يكتب ~~إلى رئيسه في تورين: إن من المنتظر حدوث أزمة أساسية وحادة إذا استمرت الأمور على ~~ما هي عليه في روما، إن النتيجة الأكثر احتمالا لهذه الأزمة التي من المعقول توقع ~~حدوثها، هي أن المدينة العظيمة سوف تصبح عاصمة كنسية وحسب، فلا تحتفظ بغير صورة أو ~~شبح سلطانها الزمني السابق. # أما في نابولي فقد اعتلى ملكها فردنند الرابع العرش مرة ثانية، وتملأ فمه - على حد ~~قول بعض المؤرخين - الوعود الكاذبة، والأقوال الباطلة التي كان لا ينوي بتاتا ~~الارتباط بها. فهو كان قد أصدر من مسينا في 20 مايو سنة 1815 - بمناسبة عودته إلى ~~العرش، بعد هزيمة «مورا» في «تولينتينو» في 2-3 مايو - أصدر فردنند منشورا وعد فيه ~~بالعفو العام، والإبقاء على الإصلاحات التي حصلت في عهد الملكيين الفرنسيين ~~السابقين؛ جوزيف بونابرت، ويواكيم مورا، واحترام حريات الأفراد وحقوقهم المدنية، ~~وتأييد حق الملكية، واستقلال القضاء، وفتح باب التوظف للجميع، ولكن فردنند الرابع ~~(الأول) الذي لم يكن من شيمته احترام وعوده، كان يتفاوض في الوقت نفسه مع ~~الإمبراطور النمسوي لإبرام معاهدة تحالف، اشتملت على مادة سرية تنص على أنه: لما ~~كانت هذه الارتباطات ms1058 من أجل السلام الداخلي في إيطاليا، والتي أبرم بسببها الطرفان ~~المتعاقدان هذه المعاهدة، تحتم على كل منهما أن يحفظ دولته ورعاياه من وقوع رد فعل ~~أو حصول مستحدثات سريعة وبدع محفوفة بالمخاطر، قد يترتب عليها قيام اضطرابات جديدة؛ ~~لذلك تم الاتفاق بين الطرفين المتعاقدين على أن ملك الصقليتين عند إرجاع حكومته ~~في مملكته، سوف لا يجيز أي تغيير لا يكون متفقا مع أنظمة الملكية القديمة، ومع ~~المبادئ التي قررها «الإمبراطور النمسوي» لإدارة شئون الحكم في مقاطعاته ~~الإيطالية. وقد أبرمت هذه المعاهدة على نحو ما مر بنا في موضعه في 12 يونيو ~~1815، وعلى ذلك فقد نفذت في مملكة نابولي المبادئ التي قامت عليها الحكومة في ~~أملاك النمسا، وأما الأداة التي استخدمت في تنفيذ هذه المبادئ فكان الأمير ~~كانوسا # Canosa # أحد وكلاء الملكة كارولين ~~(زوجة الملك فردنند) سابقا، ومن الذين أولوا رعايتهم اللصوص وقطاع الطريق، والعدو ~~اللدود لكل تقدم ولكل الآراء الحرة، ومع ذلك فقد أمكن حتى في هذا الوقت أن يشغل ~~وظائف الدولة الهامة حفنة من الأكفاء المقتدرين، الذين يعزى إليهم الفضل في صدور ~~طائفة من القوانين الجديدة، والتي تدل على مهارة كبيرة في علوم التشريع والقانون، ~~ولكن لم تكن هذه القوانين تفيد شيئا في دولة يوصم موظفوها الموكول إليهم تنفيذ هذه ~~القوانين الحكيمة بالرشوة والفساد، وبصورة أثارت اشمئزاز مبعوثي الدول وممثليها لدى ~~البلاط النابوليتاني، فكان المسئولون عن الأمن يحمون قطاع الطرق واللصوص من ~~طائلة القانون، وكان هؤلاء الأخيرون يبسطون كذلك حمايتهم الشخصية على هؤلاء ~~المسئولين، وتأثر القضاة في أحكامهم بالخوف من ممثلي السلطة التنفيذية من جهة، ~~وبمقدار الرشاوى التي كانوا يأخذونها من المتقاضين، وصفوة القول: أن الانحلال كان ~~يسود الحياة «الحكومية» في مملكة نابولي، وينتشر فيها الفساد بالدرجة التي جعلت بعد ~~جيل من الزمان رجلا مثل جلادستون # Gladstone # الوزير الإنجليزي المشهور، يصف حكومة البربون في نابولي بأنها كانت إنكارا لكل ما ~~هو قدسي. # 5 # صعوبات الحركة القومية # ولم تكن السيطرة النمسوية وحدها العقبة الكأداء في طريق الحركة القومية والوحدة ~~الوطنية، ms1059 التي ما كان يمكن أن يظفر بها الإيطاليون إلا إذا قضوا على هذه السيطرة ~~النمسوية، وطردوا النمسا بقضها وقضيضها من إيطاليا. فلم تكن قوى الترابط والتماسك ~~بين «الوحدات السياسية» التي جزئت إليها إيطاليا، ذات أثر كاف لخلق حياة عامة في ~~شبه الجزيرة الإيطالية. # فلم تكن هناك أولا، حياة اقتصادية مشتركة عندما ارتكزت في جوهرها الحياة ~~الاقتصادية في إيطاليا على الزراعة؛ أي على النشاط «الريفي» الذي كان معناه تدعيم ~~الحياة المحلية وتقوية أركانها في الأقاليم المختلفة. فكان لكل جهة سوقها الخاص ~~بها، منعزلا عن الأسواق الأخرى، ويفصل كل إقليم عن الآخر حاجز من الضرائب الجمركية ~~المفروضة لحماية المصالح المحلية، أو التي كان الغرض منها كذلك؛ منع دخول منتجات ~~الأقاليم الأخرى إطلاقا، ولم تكن بإيطاليا «عملة» أو نقد مشترك، أو موازين ومقاييس ~~واحدة معمول بها في كل «الدويلات» والإمارات. وتعطيل نشاط المصارف في كل مكان نتيجة ~~للقيود الثقيلة التي فرضتها القوانين عليها. فانعدم بسبب ذلك كله وجود الصناعات، ~~اللهم إلا إذا استثنيت بعض صناعات نسج الحرير في لمبارديا وبيدمنت، ولم يوجد أي ~~نشاط تجاري كبير خارج جنوه وليقورنة وميلان، ولم يكن لدى إيطاليا ما تصدره إلى ~~الخارج سوى الحرير الخام من الشمال، وزيت الزيتون من جنوه ولوقا ونابولي، والكبريت ~~من صقلية. أما مجموع الصادرات من كل «الدول» والإمارات الإيطالية وقتئذ، فلم تكن ~~تزيد قيمتها عن حوالي 450 مليون ليرة، وأخيرا لم يوجد بإيطاليا بطبيعة الحال أي ~~جهاز حديث للاقتصاد. فلم يكن حينئذ في مقدور هذه الحياة الاقتصادية المحدودة ~~والقاصرة، أن تنشئ علاقات قوية تقوم على مصالح مشتركة بين مختلف الأقاليم، كما أنه ~~لم يكن من طبيعة هذه الحياة الاقتصادية إتاحة الفرصة ليجد المتعلمون والمجتهدون ~~الذين يريدون العمل المثمر منفذا لنشاطهم. # وكما كانت هذه الحياة الاقتصادية من عوامل التفكك والعزلة الإقليمية في إيطاليا، ~~فقد كان للحياة الاجتماعية أثر في هذه الناحية لا يقل عن ذلك شأنا، عندما كان سواد ~~الأهلين في إيطاليا من «الفلاحين»، أو كان حوالي 60٪ على الأقل من الطليان يعملون ~~في ms1060 الزراعة، ويعيش هؤلاء في تأخر ملحوظ؛ لتضافر عوامل عديدة على النيل من هذه ~~الطبقة وإضعافها. فهناك مرض الملاريا منتشر في بعض السهول الساحلية، وبحيث صارت هذه ~~الجهات إما صحراوية أو قليلة السكان جدا. ثم استمر العمل منذ قرون لإزالة الغابات ~~وهدمها، وقلع الأشجار من الجبال، وتعرضت تربة الأرض لفعل عوامل التعرية، ولم يتبع ~~الطليان نظاما زراعيا مدروسا (أو فنيا)، فكان محصول الحبوب متوسطا أو ~~ضعيفا، وبقيت الأساليب البدائية متبعة في زراعة الكروم وصنع الأنبذة، ولم يعرف ~~المزارعون المحاريث الكبيرة، بل استمروا يستخدمون المحاريث الرومانية القديمة، ~~وصفوة القول أن أقاليم قليلة زراعية فقط كانت على جانب من الثراء (القليل)، وتعرف ~~شيئا عن أساليب الزراعة الحديثة، وذلك في المراعي الجميلة، وحقول الأرز في ~~لمبارديا وفي بيدمنت، وبعض الزراعات الصغيرة في حوض أرنو # Arno ~~(في فلورنسة)، كما كانت زراعة الزيتون وأشجار البرتقال ~~متقدمة في عدد من الجهات، وكان في لمبارديا ومملكة نابولي وفي بيدمنت أن انتشرت ~~الملكيات الصغيرة، وكانت هذه أصحابها من التجار في المدن، أو أنها كانت بقدر من ~~الضآلة يجعلها عاجزة عن إعاشة أصحابها، وأما الفلاحون سواء كانوا ملاكا أو ~~مستأجرين، فقد عاشوا على وجه العموم عيشة مناسبة وإن كانت رتيبة؛ أي تسير على نهج ~~مألوف لا يتغير، ولكن السواد الأعظم - أي من غير هذه الطبقة بذاتها - قد عاشوا في ~~بؤس وضنك، فهم العمال الزراعيون الذين قام أودهم على الإحسانات وصدقات الجمعيات ~~التي عرفت باسم «جمعيات المحبة والإحسان» لإسداء المعونة، والتي كانت جميعات ~~«كنسية»؛ أي مؤلفة من القساوسة ورجال الدين، كما تكفلت «المستشفيات» بهذا الواجب ~~أيضا، ولم تزد نسبة العمال الصناعيين على 15٪ من عدد السكان في إيطاليا، وكانت لا ~~تزال «الصناعة» في إيطاليا عبارة؛ إما حرفية أو مهنية، في المصانع والورش، وإما ~~منزلية، وكانت حياة هؤلاء «الصناع» محتملة بفضل اعتدال المناخ، ولقلة مطالب السكان ~~وحاجاتهم عموما، ولتعودهم على العيش في اعتدال في المأكل والمشرب إلخ، وكان هؤلاء ~~«العمال الصناعيون» من الذين تمتعوا بقسط كبير من الذكاء، ونال أكثرهم قدرا لا بأس ms1061 ~~به من المعرفة، ولكن انعدم من بينهم أي شعور «طبقي»؛ أي بأنهم يؤلفون طبقة قائمة ~~بذاتها منفصلة في كيانها عن سائر الطبقات في المجتمع، ولقد تعذر كسبهم إلى جانب ~~النشاط السياسي إلا بعد سنة 1830، وذلك على يد جمعية «إيطاليا الفتاة» التي سيأتي ~~الكلام عنها في موضعه. # وفي إيطاليا لم ينشأ بين الطبقات الأخرى أي شعور بأن هناك «واجبا اجتماعيا» نحو ~~سواد الشعب، الذي عرفنا أنه يتألف من الفلاحين بنسبة 60٪ والصناع بنسبة 15٪، فلم ~~تسترع الأحوال التي عاش فيها هؤلاء انتباه أهل الطبقات الأخرى إلى إدراك أن هناك ~~«مشكلة اجتماعية» تتطلب معالجة وحلا. فلم يكن «للمسألة الاجتماعية» مكان في تفكير ~~قادة الرأي الأحرار، الذين قامت مبادئهم على الحرية الكاملة في شئون الاقتصاد، ~~ولكنهم أداروا ظهورهم لهذه المسألة، فبقي سواد الشعب بعيدا عن مسرح السياسة، ولم ~~يقم بدور سياسي إلا في الحالات التي غلبه البؤس فيها، فاستفزه اليأس إلى الثورة ~~«الوحشية». # وإلى جانب هذه الكتلة الشعبية (الراكدة)، أو التي رضيت بالعيش في الظروف التي ~~ذكرناها دون أن تحرك ساكنا، ضم إليه المجتمع الإيطالي كتلة ضخمة من القساوسة ورجال ~~الدين، بلغ عددهم (150) ألفا، وتمتعوا بنفوذ عظيم على الأهلين، الذين عرفوا ~~بالتمسك بأهداب الدين، واشتهروا بالتعلق بالمعتقدات الباطلة والأوهام، وانتمى ~~القساوسة وصغار رجال الدين إلى طبقات الشعب العادية، ولكن كبارهم والذين تألفت ~~منهم الهيئات الحاكمة والإدارية في الكنيسة، كانوا من بين الطبقات العليا في ~~المجتمع، ويفسر انتماء القساوسة إلى الطبقات الشعبية، لماذا صار كثيرون من هؤلاء من ~~عداد الوطنيين والأحرار في إيطاليا، وهم سوف يساهمون في الحركات الثورية، وعلى وجه ~~الخصوص في لمبارديا وفي صقلية، وكذلك فقد صار لموقف «الكنيسة» من الحركة القومية ~~والوطنية، ولموقف القساوسة ورجال الدين أثر بالغ في تطور هذه الحركة، ومع ذلك فقد ~~تمتع الأكيروس في إيطاليا بكل الامتيازات، ونجم من وجود هذه الطبقة الكنسية كل ~~المساوئ المرتبطة في كلا الحالين «بالنظام القديم»، وكان ضروريا لذلك أن يتجه ~~النشاط السياسي في الولايات البابوية، وأن يتبع الكرسي البابوي سياسة «رجعية» ~~تماما، تهدف ms1062 إلى دعم الامتيازات التي تتمتع بها «الكنيسة»، وتأييد النفوذ الذي ~~لرجال الدين في إيطاليا، وكان هذا النفوذ على وجه العموم ضد كل الآراء والمبادئ ~~الحرة والقومية، واستمر الحال على ذلك حتى حدث «الانقلاب» الخطير الذي تسبب من ~~اعتلاء عرش البابوية، البابا بيوس التاسع، وهو البابا الذي أدار دفة السياسة ~~الكنسية في طريق الآراء الجديدة، فكان هذا التوجيه من العوامل الحاسمة التي ساعدت ~~ولا شك على تقوية الحركة القومية «والدستورية» الحرة في إيطاليا بعد سنة ~~1846. # ولم يكن بإيطاليا «أرستقراطية عقارية» تستطيع الهيمنة على سواد الشعب وتوجيهه، فقد ~~وجدت فقط الممتلكات الشاسعة التي تملكها أسرات معينة في كلابريا (بالطرف الغربي من ~~الحذاء الإيطالي) وفي صقلية، ولكن الملاك لم يقيموا في أملاكهم، فلم يكن لهم أي ~~نفوذ على الأهلين بهذه الجهات، ومع ذلك فقد شهدت إيطاليا عددا عظيما من النبلاء ~~موزعين في أنحائها؛ الكونتات خصوصا في الشمال، والأدواق والأمراء في الجنوب، وحتى ~~إن ألقاب النبل هذه فقدت قيمتها كثيرا بسبب الأعداد الضخمة من أولئك الذين تمتعوا ~~بها، ولقد كان في ميلان وحدها تقريبا أن عاشت أرستقراطية على درجة من المقدرة، ~~سرعان ما صار لها نفوذ ملموس في كل أنحاء لمبارديا، كما وجدت في بيدمنت أرستقراطية ~~إقطاعية وعسكرية كان لها كذلك أثر معين في حياتها، ولكن هذه الأرستقراطية ~~البيدمنتية بقيت على «خشونتها»، فلم يتهذب أعضاؤها أو تنتشر المعرفة والتنور ~~بينهم بدرجة كافية، ولقد كان في فلورنسة أن عاشت أكثر الأرستقراطية تهذيبا في ~~إيطاليا. أما هؤلاء الأرستقراطيون عموما فقد عاشوا في المدن عيشة «ضيقة»؛ إذ لم ~~يكونوا أثرياء بالدرجة التي يتطلبها العيش في أسلوب متفق مع مراتبهم النبيلة، فلم ~~تختلف حياتهم عن حياة أهل الطبقة المتوسطة (البورجوازية) العالية. على أن هؤلاء ~~الأرستقراطيين كانوا شديدي التمسك بالامتيازات التي لهم، وذلك لسبب جوهري هو أن ~~كيانهم نفسه - أي قدرتهم على العيش والحياة - كان رهنا ببقاء هذه الامتيازات، وعلى ~~وجه الخصوص؛ ذلك الامتياز الذي أعطاهم الحق في شغل وظائف الحكومة، واستشرى الفساد ~~بينهم، وتطرق الانحلال إلى صفوفهم، خصوصا ms1063 في روما والبندقية ونابولي. ولم يكن ~~مستغربا لذلك أن يبرز من بين هذه الطبقة الأرستقراطية جماعة من النبلاء الذين ~~امتزجوا مع البورجوازية في حركات التحرير القومي وتأييد المذاهب الحرة. من هؤلاء: ~~سانتا روزا # Santa-Rosa ~~، وباندييرا # Bandiera ~~، ودازيجليو، وكافور، وغيرهم ~~كثيرون. # على أن أهم الطبقات إطلاقا التي تألف منها المجتمع الإيطالي، والتي كانت بمثابة ~~«القوى الاحتياطية» التي اعتمدت عليها إيطاليا في تحقيق وحدتها القومية والوطنية ~~وتأييد المبادئ الحرة (الديموقراطية)، كانت الطبقة المتوسطة ~~(البورجوازية). # ولقد كان في عهد السيطرة الفرنسية، أن بلغت هذه الطبقة «البورجوازية» ذروة رفعتها، ~~عندما أمدوا «الحكومة» بالموظفين والضباط والمهندسين، وكان من بينهم الكتاب ~~والمفكرون، ولقد غذت الجامعات من الناحية الذهنية هذه الطبقة، حيث زخرت إيطاليا ~~بالجامعات التي بلغ عددها وقتئذ أربعا وعشرين، يؤمها حوالي الأربعة أو الخمسة عشر ~~ألف طالب. أما أكبر هذه الجامعات، فكانتا اثنتين؛ إحداهما: في بولونا، والثانية: في ~~نابولي، وتليهما في المرتبة الثانية: الجامعات في تورين، وبادوا، وبافيا، وروما ... ~~إلخ وأمسحت الفوارق الطبقية من هذه الجامعات، فجلس شباب النبلاء مع شباب ~~البورجوازية جنبا إلى جنب، وتألف من مجموع الأساتذة والطلاب طائفة من الناس ~~كثيرا ما خضعت لنزوات أهوائها، تهزها الأحداث سريعا، وتعمد إلى العمل والنشاط عند ~~أول بادرة، واستمتع الأساتذة بنفوذ عظيم على طلابهم، وأمد الأساتذة والطلاب ~~جميعا الحركة القومية والوطنية بالعناصر والقوى اللازمة لقيامها ولبقائها. فكانت ~~جامعة بولونا مركز الحركة الثورية في سنة 1831، وكان الأساتذة والطلاب في جامعة ~~بيزا Pisa # وجنوه وبافيا أول المتطوعين في ~~ثورات سنة 1848. # ولقد اضطر هؤلاء الطلاب عند تخرجهم إلى الاشتغال بالطب أو بالقضاء؛ ليحصلوا على ~~لقمة العيش في مجتمع لم تتوفر فيه أسباب النشاط الاقتصادي، وجعل الالتحاق بوظائف ~~الحكم والإدارة مقصورا على أهل الطبقة الأرستقراطية، كما كان الجيش مغلقا في ~~وجوههم بسبب قصر الترقيات فيه على أبناء الأرستقراطيين؛ أي النبلاء وحدهم. أما ~~الباب الآخر لكسب العيش، فكان الاشتغال بالأدب، وعلى وجه الخصوص «بالصحافة»، ومع ~~ذلك فقد اعترضت صعوبات كثيرة هذه الصحافة؛ بسبب الاصطدام المستمر مع «الرقابة»، ~~ولقد كانت الرقابة ms1064 صارمة وقاسية لدرجة تأثرت بها حياة الطباعة والنشر (والحياة ~~الذهنية تبعا لذلك) في إيطاليا، فلم يصدر خلال أربع سنوات بتمامها بين 1831، 1835 ~~سوى (2831) مطبوعا فقط في كل أنحاء البلاد، كانت أكثرها مع ذلك مجرد «طبعات» ~~معادة. # ولقد قاسى أهل هذه الطبقة المتوسطة، التي تألفت داخل جدران الجامعات من ظروف ~~الحياة السياسية السائدة والأحوال الاجتماعية، فكان عناؤهم شديدا من «أنظمة» عملت ~~الحكومات الراجعة على دعمها؛ فشعروا بالمرارة، واحتدم في نفوسهم الغيظ من نوع ~~الحياة التي أوجدتها هذه «الأنظمة»، فكان من المنتظر أن تقوم «الثورة» عند حدوثها ~~على أكتافهم؛ الثورة التي أرادوا منها إزالة هذه الأنظمة التي ضمنت «السيطرة ~~النمسوية» بقاءها، طالما بقي النمسويون أصحاب السلطان ويفرضون حكما استبداديا ~~على الأهلين في كل أنحاء إيطاليا. # وهكذا لم يكن المجتمع الإيطالي يضم إليه العوامل أو القوى التي تجعل منه مجتمعا ~~واحدا ذا أغراض مشتركة موحدة، ولكن هذا المجتمع - كما رأينا - كان يحتوي على ~~عناصر وقوى متفرقة، مستمدة من الأحوال السائدة في مختلف جهات شبه الجزيرة ~~الإيطالية، وهي أحوال الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتشابهة، بالرغم ~~من «ظاهرة المحلية» التي كانت لها، والتي كان ممكنا أن تزود هذا المجتمع، بمجرد أن ~~يكتمل الشعور بوجود هذا التشابه نفسه، بنخبة من المفكرين والزعماء الذين يتولون ~~قيادة «الحركة القومية» الوطنية (والدستورية) وتوجيهها. # على أنه مما يجدر ذكره هنا؛ أن المساهمة في «المجالس البلدية» كان فيما مضى الشكل ~~الوحيد الذي اتخذته المشاركة في الحياة العامة بإيطاليا، حتى إذا خضعت شبه الجزيرة ~~لسيطرة الفرنسيين، ألغى نابليون هذه المجالس. ثم حرصت الحكومات الراجعة بعد نابليون ~~على عدم إحيائها، وإعادة تشكيلها، وعلى ذلك فقد تعذر على كل ذلك «الرأي» الذي بدأ ~~يتكون، وكل ذلك النشاط الذهني الذي أخذ يبحث عن منفذ له، أن يجد الأداة التي ~~تمكنه من فعل ذلك، وكان ضروريا أن يقترن هذا البحث ويسفر في الوقت نفسه عن ~~تحطيم النظام القائم، الأمر الذي تسنى حدوثه عند اشتعال الثورات الوطنية لنصرة ~~المبدأ القومي والمذهب الحر. # ولقد كان من الطبيعي أن ms1065 تستأثر الاعتبارات المحلية باهتمام الأهلين في مجتمع مثل ~~الذي شهدناه، كان موزعا في «جماعات» منعزلة عن بعضها بعضا، ولم يكن يهتم بما يمكن ~~تسميته بالمسائل العامة، والتي كان من المتعذر تولد الشعور بها؛ أي بأن هناك ~~اعتبارات «عامة» تربطها تيارات عامة. # ومع ذلك فقد وجد الإيطاليون في مختلف الدويلات أو الإمارات القائمة بشبه الجزيرة ~~الإيطالية، أنهم إنما يصطدمون بنظام واحد، نظام الحكومة المستبدة، والتي تفاوتت ~~درجات استبدادها، والمساوئ المتولدة منها، بين مكان وآخر فقط، فلم يوجد لدى هذه ~~الحكومات المستبدة رقابة على الطريقة التي تفرض أو تجبى بها الضرائب، ولم يكن ~~الحكام في هذه الدويلات والإمارات مسئولين أمام أي إنسان عن السلطات التي ~~يمارسونها، ولم يكن للأهلين (أو الشعوب) أي صوت «استشاري» فيما يصدر من قوانين ~~ويوضع من تشريعات. وجرد هؤلاء من أية حقوق تكفل لهم حرية الاجتماع، وتشكيل ~~الجمعيات، حتى تلك العلمية أو الزراعية، ولم تكن هناك إدارة أو حكومة «منظمة» إلا ~~في مملكة لمبارديا فينيشيا، وفي بيدمنت، وكان يوجد بهاتين «مجالس إقليمية»، ولو أن ~~هذه لم تكن ذات نشاط وكانت محرومة من كل سلطة حقيقية، وفي كل هذه الدويلات منع نظام ~~الرقابة الصارم الأهلين من المشاركة في أي نشاط سياسي، وتحتم عند الرغبة في نشر ~~كتاب من الكتب أن يحصل الناشر على تصريح أو إذن بالنشر من الرقابة. وتحتم في بعض ~~جهات إيطاليا أن «يأذن» السلطات الكنسية بالطبع، مهما كان نوع الكتب المراد طبعها، ~~حتى ولو كانت هذه تتناول موضوعات اقتصادية. وكان طبع الكتب ونشرها عملية ذات تكاليف ~~باهظة، ويستغرق الحصول على موافقة «الرقابة» على الطبع والنشر زمنا طويلا، وفي ~~حالات كثيرة كان يتعذر «خروج» كتاب من دويلة أو إمارة إلى أخرى، واجتياز فواصل ~~الحدود المحلية. ولم توجد صحافة بالمعنى الصحيح في إيطاليا، وفي سنة 1833 لم يكن في ~~كل إيطاليا متداولا أكثر من مائة مجلة أو جريدة دورية من مختلف الأنواع، ولعل أخطر ~~المثالب والعيوب في الأنظمة والهيئات «الحكومية» في إيطاليا وقتئذ، كانت تلك ~~المشاهدة في نظام ms1066 القضاء. فانفردت تسكانيا وحدها من بين كل الدويلات الإيطالية ~~بأنها يمكن اعتبارها دولة «حديثة» من هذه الناحية «القضائية»؛ ففي تسكانيا وحدها، ~~كان هناك قانون جنائي مستند على قواعد مستنيرة، وفيما عدا «تسكانيا»، ثم «لمبارديا ~~فينيشيا» لم يكن يوجد بأية دويلة أخرى محاكم على درجة معقولة من التنظيم والكفاية، ~~وقامت المحاكم الاستثنائية في كل مكان، وفي الولايات البابوية على وجه الخصوص، ثم ~~في بيدمنت لحماية مصالح «الكنيسة». ولم يكن يوجد نظام المحلفين إلا في تسكانيا وفي ~~نابولي، وفي تسكانيا وفي بارما وحدهما؛ كانت جلسات المحاكم والإجراءات القضائية ~~علنية، وأما القوانين المعمول بها في كل هذه الحكومات، وخصوصا في الولايات ~~البابوية وفي دوقية بارما ومملكة بيدمنت، فكانت على درجة كبيرة من الخلط والتشويش ~~والتضارب، وأخيرا انتشرت المحاكم السرية في كل مكان لمراقبة أية يقظة سياسية، ~~واستخدمت في هذه المحاكم السرية وسائل التعذيب البدني والأدبي، وكان من أجل اجتثاث ~~كل عناصر الحياة السياسية المحرمة على الشعب، أن اعتمدت الحكومات على جيش كبير ~~من العسس والشرطة والأعوان، الذين اكتظت بهم إيطاليا في هذا العصر، وانتشرت ~~الجاسوسية في المقاهي والمسارح وما إليها، وفي البيوت، وحتى في أماكن العبادة ~~و«الاعتراف». # الجمعيات السرية والكاربوناري # Carboneria # ولقد كان من المتوقع أن يسفر هذا «النظام» المتسم بالرجعية والاستبداد عن نتيجة ~~واحدة؛ النضال ضد المساوئ والشرور المقترنة به، والتي عانى منها الأهلون عناء ~~شديدا، وكان هذا الكفاح هو المسألة الرئيسية التي شغلت الإيطاليين في عهد هذه ~~الحكومات الرجعية، بعد 1815. # ومما تجدر ملاحظته أنه كان كفاحا «محليا»، فلم يكن هناك كفاح في مجهود عام ~~مشترك، ومن أجل إنقاذ إيطاليا من هذه الكوارث التي حلت بها بسبب «النظام» القائم؛ ~~بل كان الغرض من هذا الكفاح إزاحة المظالم «المحلية» التي ناء تحت أعبائها الأهلون ~~في كل إقليم. مما كان معناه أن الفكرة الحرة - بمعنى إنهاء الطغيان المحلي، مبعث ~~الشرور التي نزلت بالأهلين - كانت المتغلبة على أية فكرة «قومية»، وجاءت هذه الفكرة ~~«الحرة» في ترتيب ظهورها قبل الفكرة الوطنية القومية. # ثم إن هذا الكفاح ms1067 أو النضال «المحلي» حدث متفرقا؛ أي في كل بلد أو جهة منعزلا ~~عنه في البلدان والأقاليم الأخرى. فالمناضلون في دويلة أو إمارة من الإمارات يعملون ~~بمعزل عن نظرائهم في الدويلات الأخرى، ويقصرون جهودهم على العمل في داخل حدود ~~بلادهم؛ أي إنه كان نضالا مجزءا وموزعا، ولم يكن مستطاعا القيام بهذا ~~النضال إلا بواسطة الجمعيات السرية؛ لأنه كان ممنوعا اللجوء لغير ذلك من وسائل، ~~وتعذر اتصال هذه الجمعيات السرية بعضها ببعض، فكان ذلك من أسباب بقاء النضال ~~«محليا»، ولم يمكن إطلاقا تنسيق جهود هذه الجمعيات، وانعدم وجود هذا التنسيق ~~فعلا. # على أن أعضاء هذه الجمعيات السرية كانوا متشابهين في كل مكان قامت به هذه، فهم ~~دائما من البورجوازيين (أهل الطبقة المتوسطة) الأحرار، ومن المثقفين، ومن الضباط، ~~كما كان من بينهم كذلك عدد من النبلاء الذين تأثروا بالآراء التي جاءت بها السيطرة ~~الفرنسية السابقة، أضف إلى هذا أنه كان لهذه الجمعيات السرية أهداف وأماني واحدة، ~~ولو أنه انعدم وجود حركة عامة جماعية لتحقيق هذه الأهداف والأماني. # ولما كان الغرض المباشر (وهو ما كان يتمثل في هذه الأهداف والأماني) ينحصر في ~~مكافحة المساوئ والشرور «المحلية»؛ أي تلك التي تمخض عنها نظام «لحكم القائم في كل ~~إقليم على حدة»، فقد ضمت إليها هذه الجمعيات السرية عناصر «محلية»، وصار من ~~المتوقع، وعلى نحو ما حدث فعلا أن يسبق العمل المادي أي تفكير نظري، أو وجود غايات ~~ومثل عليا. فتألف نضال الجمعيات السرية من سلسلة من حركات التمرد والعصيان وحبك ~~خيوط المؤامرات، ومحاولة تحريك الأهلين على الثورة، وكان الغرض من كل هذا «النشاط» ~~تحقيق غايات عاجلة، بإزالة المساوئ موضع الشكوى، فلم يشغل الجمعيات السرية التفكير ~~في ابتداع مبدأ عام، أو بث الدعوة لعقيدة سياسية أو وطنية معينة. # وعمدت الحكومات إلى مقابلة حركات «النضال» المتفرقة هذه على أيدي الجمعيات السرية، ~~بحركات مضادة للمقاومة المتفرقة كذلك؛ أي تأسيس الجمعيات المناهضة، مما جعل ~~الجمعيات السرية - من جانب الأهلين المتآمرين على الحكومات، ثم من جانب هذه ~~الحكومات ذاتها ضد هؤلاء ms1068 المتآمرين عليها - تنتشر في كل أنحاء إيطاليا، وتزيد ~~«النضال» تعقيدا. # ولا جدال في أن تغلغل روح الحزبية بين الطليان، كان من أهم الأسباب التي ساعدت على ~~انتشار الجمعيات السرية، وسهل استمالتهم إلى هذا النوع من النشاط «السري» بفضل ~~الأثر الذي تركه في نفوسهم وفي حياتهم دائما، الانخراط في المنظمات السرية، ولأنهم ~~وجدوا في العمل السري نفسه إرضاء لغريزتهم الثائرة والمكبوتة، والتي تولدت من ~~الخضوع سنوات طويلة لحكم استبدادي ثقيل، ولقد أخذت تنتشر الجمعيات السرية في ~~إيطاليا، عندما بدأت تنهار السيطرة النابليونية في شبه الجزيرة، وانتهت أمجاد تلك ~~الانتصارات العسكرية التي بهرت الإيطاليين، وبعثت الآمال من جديد في إمكان التحرر ~~من هذه السيطرة الأجنبية، فكان قبل سقوط نابليون حينئذ؛ أن تألفت في بولونا جمعية ~~راهدجي # Raggi ~~، وفي مانتوا # Mantua # جمعية شينتري # Centrl ~~، ~~وفي ميلان: الجمعية المناوئة لأوجين بوهارنيه # Anti-Eugeniani ~~، وفي إيطاليا العليا الجمعية الماسونية # Massoneria ~~، وفي نابولي جمعية الكاربوناري، ~~وصارت هذه الجمعيات تزاول نشاطها سرا، وكان لكل واحدة من هذه الجمعيات أمانيها ~~وغاياتها الخاصة بها، ولكنها كانت متفقة على شيء واحد هو مقاومة السلطات الحكومية ~~التي أقامها الفرنسيون في شبه الجزيرة. ثم ما لبثت هذه الجمعيات السرية أن تكاثرت ~~بعد تسوية فينا (1815)، عندما قضى «النظام» الذي أوجدته هذه التسوية للحكم في ~~إيطاليا على كل أمل في إمكان تأسيس الحكومات الحرة، وتزايد نشاط الجمعيات السرية، ~~كما صارت أكثر جرأة. # وينعقد الرأي على أن هذه الجمعيات السرية كانت متفقة في مسألة واحدة، هي تحقيق ~~الاستقلال القومي وإنهاء السيطرة الأجنبية، وفيما عدا ذلك لم يكن هناك أي تنسيق - ~~كما ذكرنا - لنشاطها، ولم يكن لدى الجمعيات برامج معينة للمستقبل بعد نيل ~~الاستقلال. # وأما الجمعيات المضادة التي أنشأتها الحكومات لمقاومة هذه الجمعيات السرية فكانت ~~متعددة؛ ففي نابولي قامت جمعية كالديراري # Calderari ~~، التي أعاد وزير البوليس في نابولي تنظيمها في سنة ~~1816، أو شودرونييه # Chaudrenniers ~~؛ أي النحاسين ضد ~~«الكاربوناري»، أو شاربونييه # Charbonniers ~~؛ أي ~~الغمامين، وفي الولايات البابوية سمي أعضاء الجمعيات الرجعية، الكنسية، بأصحاب ~~الإيمان المقدس # San-Fedistes ~~، # 6 # وفي ms1069 بيدمنت سمي هؤلاء بالفدرائيين # Federati # أو بالأدلفيين # Adelfi ~~، الذين تألفت منهم جمعيات كاثوليكية مناوئة ~~للجمعيات السرية التي للأحرار، ولقد وجد في إيطاليا الوسطى نوع من التفاهم بين ~~حكومات الدوقيات المختلفة والأمراء، حكام هذه الدوقيات في تلك المنظمات أو الجمعيات ~~التي عرفت باسم كونسيستوريو # Consistorio ~~، وكان ~~ينتمي إلى هذه الجمعيات عدد عظيم من الناس، مثال ذلك؛ أن عدد المنتسبين لجمعيات ~~«الأدلفي» وغيرها، بلغ في مدينة ليشي # Lecce # في كعب ~~الحذاء الإيطالي (في مملكة نابولي) حوالي أربعين ألفا، أكثرهم من المسلمين. # ومع ذلك فقد كانت أهم هذه الجمعيات وأوسعها انتشارا جمعية الكاربوناري، التي كان ~~مقرها الرئيسي في مملكة نابولي، ويبدو أنها تأسست حوالي عام 1807 في جبال هذه ~~البلاد، وتألفت من المشتغلين بحرق الخشب لإنتاج الفحم في غابات كلابريا، وكان ~~الغرض من تشكيلها طرد الفرنسيين من البلاد، ولقد نظمت «الكاربوناري» في محافل ~~ويلتحق بها الأعضاء بعد تأدية طقوس معينة، فيحلفون اليمين لطاعة أوامر رؤسائهم، ~~وتخضع هذه المحافل لتوجيه «محفل أعلى»، وبلغ عدد أعضاء الكاربوناري في مملكة نابولي ~~حوالي ستين ألفا في سنة 1816، كان من بينهم كثيرون من اللصوص وقطاع الطريق ~~الذين أذوا سمعة الجمعية بارتكابهم مختلف الجرائم، وكثر عدد الكاربوناري كذلك في ~~الولايات البابوية، خصوصا في إقليم «رومانا»، ثم في الإمارات الخاضعة لسلطات ~~النمسا، وخصوصا في لمبارديا، وكان بعد انتهاء السيطرة الفرنسية من إيطاليا أن صار ~~غرض «الكاربوناري» طرد النمسويين من شبه الجزيرة، والعمل من أجل توحيد إيطاليا ~~وتأسيس الحكومة الدستورية بها، ولم يعد الفرنسيون أعداء الكاربوناري، بل صار هؤلاء ~~أصدقاءهم الآن وتحالفوا معهم. # وإلى جانب «الكاربوناري» تزايدت أهمية الجمعيات الماسونية (أي البنائين الأحرار)، ~~ولو أن أغراض كل منهما اختلفت عن الأخرى عندما كان الكاربوناري من المتآمرين ~~والمستعدين دائما لقيادة الثورة المسلحة ضد النظام القائم، في حين استهدفت ~~الماسونية أغراضا إنسانية، ومع ذلك فقد انتمى أعضاء الجمعيتين إلى الطبقة المتوسطة ~~(البورجوازية) التي كانت تدين بالمبادئ الحرة، والتي وقفت موقف المعارضة الشديدة ~~ضد سلطة رجال الدين (والقساوسة)، ثم ضمت الجمعيتان إليها الضباط والعسكريين ms1070 ~~المتذمرين من الحكومات الراجعة، ويبدو أنه كانت هناك صلات سرية تربط بين هاتين ~~الجمعيتين عن طريق بعض رؤسائهما وزعمائهما الذين انتموا للجمعيتين معا وفي وقت ~~واحد. # أما هؤلاء الإيطاليون الثوريون، أعضاء الجمعيات السرية التي ذكرناها فقد عجزوا عن ~~تنظيم حركة ثورية أصيلة؛ بل كان كل ما فعلوه أنهم حركوا الأهلين للقيام «بثورات ~~مقلدة» وحسب، محتذين في حركتهم حذو الثورات التي حدثت خارج بلادهم، والتي ~~شجعتهم على القيام بحركتهم، وأعدوا لثورتهم برامج مستوحاة كذلك من الخارج - أي من ~~البلاد الأجنبية - فأسفرت جهود هذه الجمعيات السرية «والكاربوناري» عن ثورتين؛ ~~الأولى: في سنة 1820، 1821، وكانوا يقلدون في ذلك الثورة التي قامت في إسبانيا سنة ~~1820، والثانية: بين سنتي 1830، 1832، وتعتبر هذه «امتدادا» إذا صح هذا القول، أو ~~من «نتائج» ثورة يوليو في فرنسا. # ثورات 1820 و1821 # أما ثورة 1820، فقد بدأت في نابولي، حيث غضب الضباط والعسكريون الذين خدموا في جيش ~~«مورا»، والذين عرفوا كذلك باسم الموراتيين # Muratists ~~- من حرمانهم من الترقية في عهد الحكومة الراجعة، ~~وصاروا كذلك يطالبون بالدستور، ومع أن أكثر هؤلاء الضباط كانوا من «الكاربوناري» ~~فإنهم لم يتآمروا على الحكومة، ولم يجرؤ زعماؤهم على المجازفة بتحريك الثورة، فكان ~~على أيدي اثنين من صغار الضباط في سلاح الفرسان هما؛ موريللي # Morelli # وسلفاتي # Salvati ~~، أن ~~بدأت الثورة في مقر معسكرهم في بلدة نولا # Nola ~~، ~~يوم 2 يوليو 1820، بالمناداة بحياة الملك والدستور! وغادرا مع فرسانهم (127) نولا ~~إلى أفللينو # Avellino ~~، يرفعون علم الكاربوناري ~~المثلث الألوان - الأسود والأحمر والأزرق - فانضم إليهم حاكم هذا المكان الأخير، ~~وعدد من الناس، واستأنفوا السير قاصدين إلى العاصمة «نابولي». # ولم تكن أعداد هؤلاء الزاحفين كبيرة، فلم تتألف منهم سوى «مظاهرة» قوامها بعض ~~عناصر الجيش، والجمعيات الثورية، ويسهل القضاء عليها لو أن الحكومة سيرت ضدها ~~قواتها، ولكن الوزراء كانوا ضعافا ومترددين، وأما الملك «فردنند الرابع» - أو الأول # 7 ~~- فكان جبانا استبد به الرعب والهلع عندما بلغه النبأ، فانتهز ~~«الثوار» فرصة التردد الذي ظهر من جانب الحكومة، فتشجعوا على المضي في حركتهم، ~~وتزايد عددهم، وأخذوا ينشئون ms1071 الصلات مع «مراكز» الثورة الأخرى. وفي ليل 4-5 يوليو؛ ~~استطاع الجنرال جوجليلمو بيبي # Guglielmo Pepe ~~، ~~وكان من الكاربوناري، الفرار من نابولي، بمجرد أن حامت حوله الشبهات، فصار يحرض ~~الأهلين على الثورة، وتزعم الحركة، وأشار الوزراء المرعوبون على الملك بالتسليم ~~والتظاهر بتأييد الثورة، حيث إنهم لا يقدرون على كبح جماحها، وعلى ذلك فقد حضر خمسة ~~من الكاربوناري صبيحة يوم 6 يوليو إلى بلاط الملك، وباسم الشعب الذي قالوا: إنه قد ~~صار مسلحا عن بكرة أبيه، أرغموا الملك على قبول الدستور الإسباني الصادر في سنة ~~1812؛ وهو الدستور الذي سبق الحديث عنه، عند ذكر نضال الأحرار ضد نظام الحكم المطلق ~~في إسبانيا. # وبمجرد ذيوع الخبر بقبول الدستور، وحصول تغيير في الحكومة ينهي الظلم والاستبداد، ~~اعتقد أهل نابولي أن عهدا جديدا قد بدأ، ولكنه قد فات هؤلاء الذين رحبوا ببداية ~~هذا العهد الجديد، أن هنالك النمسا تقف بالمرصاد للقضاء على هذه الأماني الوطنية، ~~ولم يدخل في حسابهم أن مليكهم سوف يغدر بهم سريعا؛ لأن الخيانة والغدر كانا من ~~شيمة الملك فردنند. # ولقد أضعف النظام «الدستوري» الجديد استقرار الاضطرابات الداخلية وإثارة الخواطر، ~~من ناحية، وإصرار «الكاربوناري» على الاستئثار بكل سلطة، ثم تطرف الأحرار، الذين ~~دل مسلكهم على أنهم لم يكونوا محنكين، وتعوزهم الخبرة، ومع ذلك فقد كان من ~~المستطاع بقاء «الدستور»، ودعم الحكم الدستوري تدريجيا لو أن النمسا لم تتدخل ~~لتقضي سريعا على كل فرصة قد تساعد على ذلك. فقد بدأ «مترنخ» ينشط من وقت مبكر، ~~فأرسل منذ 25 يوليو إلى مختلف الحكومات في ألمانيا منشورا يبلغها أن النمسا لا ~~تستطيع السكوت على ثورة نابولي، وأنها سوف تبعث بجيشها إذا لزم الأمر لإخضاع هذه ~~الثورة، وأراد مترنخ الحصول على موافقة الدول العظمى قبل بدء التدخل. فكان في مؤتمر ~~«ترباو» أن استطاع مترنخ أن يظفر في الظروف التي عرفناها عند الكلام عن «الاتحاد ~~الأوروبي»، ببروتوكول «ترباو» المشهور في 19 نوفمبر 1820، الذي يقرر مبدأ ~~«التدخل» لإخضاع الثورات الداخلية التي تقلب نظام الحكم في دولة من الدول، والتي ms1072 ~~يخشى من أخطارها على الدول الأخرى، وحضر الملك فردنند المؤتمر الذي انعقد بعدئذ في ~~«ليباخ» فتنكر للدستور، ولشعبه بعد أن كان قد أقسم اليمين المغلظة لصيانة الدستور ~~والمحافظة عليه، ومما كان قد جعل البرلمان في نابولي يوافق على ذهابه إلى المؤتمر، ~~ووافق المؤتمرون في «ليباخ» على أن يذهب جيش من النمسا لإعادة النظام في نابولي (8 ~~يناير-12 مارس 1821)، وعلى ذلك فقد أعلن برلمان نابولي الحرب التي أرادها الجنرال ~~«بيبي» وأرادها الشعب النابوليتاني، الذي اعتقد أن مليكه إنما تخلى عن الدستور وحنث ~~في يمينه، تحت ضغط الدول فقط، وطلب الكاربوناري الحرب كذلك، ولكن هذه الرغبة العامة ~~في الحرب ضد النمسا لم يكن مبعثها تصميما قويا من جانب الشعب، أو التطلع لكسب ~~انتصارات مجيدة؛ بل صدرت عن حماس مستند على التهوين بشأن الجيوش النمسوية التي سوف ~~تصطدم بها القوات النابوليتانية، وتولى «بيبي» قيادة هذه القوات الأخيرة التي لم ~~تلبث أن انهزمت على أيدي النمسا بالقرب من ريتي # Rieti # في 27 مارس 1821، وكانت هذه الهزيمة ضربة قاصمة، قضت على ~~كل مقاومة، فلم يجرؤ سوى ستة وعشرين نائبا من أعضاء البرلمان على الموافقة على ~~احتجاج ضد النمسا، وفي 23 مارس؛ دخلت القوات النمسوية نابولي؛ لتعيد الحكومة ~~المطلقة، ورجع الملك فردنند إلى عاصمة ملكه، وقضي على ثورة نابولي. ومع ذلك فقد ~~بقيت جذوة الوطنية مشتعلة ولم تنطفئ بالرغم من اعتقاد المنتصرين أنهم قد أخمدوها؛ ~~وذلك لأن هؤلاء راحوا في صلابة وعناد يحكمون البلاد حكما تعسفيا، يقوم على ~~الاضطهاد والعنف والقسوة الباطشة. # وعلى أنه في حين كانت تتعاون مؤامرات البربون الغادرة من ناحية وتهور الثوار من ~~ناحية أخرى على فشل هذه الثورات في نابولي، كانت الثورة تقوم في أقصى الشمال ~~الإيطالي في بيدمنت، ولقد كان حتى في هذه الجهات ينتمي كثيرون لجمعية الكاربوناري، ~~خصوصا من الجيش، وهذا إلى جانب الجمعيات السرية الأخرى التي كان أعضاؤها من ~~الطبقات الأحسن حالا في المجتمع البيدمونتي، وأما هذه الجمعيات جميعها، وسواء كانت ~~برامجها متفاوتة في الجرأة، فقد كانت تهدف إلى ms1073 غرض واحد؛ هو طرد النمسويين من ~~إيطاليا، وتشترك في صيحة واحدة هي المناداة بالدستور. ولقد كان مما شجع الناس على ~~الاعتقاد بأن ملك بيدمونت فيكتور عمانويل سوف ينتهي به الأمر إلى الانضمام إلى ~~الحركة بمجرد إعلانها، أن الملك كان كريم الخلق، طيب النفس، ثم إن القائمين على ~~الحركة كانوا من الأسرات المحترمة، ورجالا معروفين بالقدرة والكفاءة، وفي وسع ~~الملك أن يضع فيهم ثقته. من هؤلاء كان الكونت كارلو دي سان مرزانو # Marzano # ياور الملك، وجياشينتو دي كوللينو # Giacinto di Collegno # قائد المدفعية، ~~والأمير ديللا شيسترنا # Cisterna ~~، والكولونيل ~~ريجيس # Regis ~~، والكونت سانتوري دي سانتا روزا # Santorre de Santa Rosa ~~، وغير ~~هؤلاء كثيرون، من الذين كانوا مقربين في بلاط الملك، أو يشغلون الوظائف الهامة في ~~الحكومة. # وأثارت أنباء الثورة التي وقعت في نابولي الشعور في هذه الدوائر، ولدى كل أولئك ~~الذين تاقت نفوسهم لحصول تغيير في الحكم، وفي 29 يوليو سنة 1820، كتب أحد الذين ~~عاصروا هذه الحوادث، سيلفانا كوستادي ~~بوريجار # Beauregard ~~: «نحن واقفون على حافة هاوية سحيقة؛ فاللافتات التي لا ~~عدد لها ولا حصر لها تطالب بدستور شبيه بدستور الكورتيز الإسباني (أي دستور 1812)، ~~وتتساقط على الملك العرائض من غير توقيع، يطالب فيها أصحابها بالدستور، وإن القلم ~~ليعجز عن وصف حمى هياج الشعور التي انتابت جميع الناس. لقد قلبت الحوادث التي وقعت ~~في نابولي رءوسنا وأصابتنا بالدوار.» # وكانت خطة المتآمرين؛ إشعال الثورة في اللحظة التي يكون فيها الجيش النمسوي ~~مشتبكا مع الثوار في نابولي. إلا أن استعدادات جدية لم تتخذ، بالرغم من أن الحماس ~~كان عظيما للثورة. ثم انعقدت الآمال على ولي العهد شارل ألبرت، برنس (أمير) ~~دي كارينانو # Carignano ~~، الذي اعتقد المتآمرون ~~أنه زعيمهم، واعتقدوا أن الجيش سوف يتبعه عندما يحين موعد العمل، وأن الملك سوف ~~يتبع الجيش بالضرورة في تأييد الثورة. ولم يستجب شارل ألبرت لدعوة الثوار؛ بل إن ~~شارل ألبرت لم يلبث أن قضى بكل شدة على الثورة «الثانية»، حتى قامت بعد ذلك في سنة ~~1833، ومع ذلك فقد ضحى شارل ms1074 ألبرت بعرشه عندما تنازل لابنه «فيكتور عمانويل ~~الثاني»، ورضي بالمنفى بعد اشتباكه في الحرب مع النمسا (1848-1849) وهزيمته في ~~الحرب؛ الأمر الذي أثار جدلا طويلا حول موقفه من قضية القومية في إيطاليا، ولقد ~~لقي مسلكه أثناء ثورة 1821، وعدم استجابته للثوار، مؤيدين كثيرين، تطرف فريق منهم، ~~فوصف هذه «الخطوة» بأنها كانت تدل على شجاعة وجرأة سياسية عظيمة، في حين كانت هذه ~~الخطوة مبعث اتهامات عنيفة من جانب سواد الناس، الذي عبر أحد الشعراء المعاصرون عن ~~شعورهم؛ جيوفاني بيركيت # Berchet # في قصيدة يلعن ~~فيها أمير دي كارينانو «شارل ألبرت» باسم الأمم جميعها. # وكان التناقض يبدو في مسلك شارل ألبرت، ولكنه كان تناقضا في الظاهر فقط. فقد قال ~~متهموه: إنه غدر بأصدقائه في ثورة 1821 بعد أن كان قد وعدهم بتأييد «حركتهم»، وأنه ~~تعقب بالتشريد والنفي والموت، الأحرار الذين قاموا بثورة 1833، ولكن لم يمكن، بعد ~~دراسة وبحث اتصلا سنوات، التأكد من حقيقة الوعود التي بذلت «للثوار»، بل كانت مجرد ~~«رغبة» فسرها الثوريون بأنها نوايا محددة، أو كانت نية مبيتة لتأييد الحركة، ~~تحولت بسبب الظروف القهرية إلى «رغبات» لم تتحقق، على أنه من الثابت أن شارل ~~ألبرت بسبب التريبة التي نالها والصدقات التي عقدها وبسبب ميوله الذهنية، وطرائق ~~التفكير التي اعتادها كان يعطف على الآراء والمبادئ التي نادى بها «سيزار بالبو»، ~~وكونت كارلو دي سان مرزانو، وجياشينو دي كوللينو. ولكن من الثابت كذلك أنه أجابهم ~~عندما اتصلوا به، بأن مسلكه سوف يخضع لما يمليه عليه واجبه وولاؤه لشخص الملك، ولقد ~~كان هذا الواجب نحو شخص الملك، ونحو تقاليد الأسرة المالكة وفهمه للولاء لصالح آل ~~سافوي، هو الذي منعه من المساهمة في حركة 1821، ويرى كثيرون أن الامتناع عن تأييد ~~هذه الحركة كان عملا حكيما من جانبه؛ لأن غرض الإصلاح الذي قامت من أجل تحقيقه لم ~~يلبث أن انقلب إلى محاولة لطرد النمسا، لم يكن قادة الثورة والمشرفون على تحريكها ~~على استعداد للسير فيها. ثم إن اشتراك «شارل ألبرت» في هذه الحركة بأغراضها التي لم ~~تكن ms1075 لها أصلا، كان معناه؛ انخراطه في زمرة الثوريين، ومن شأن ذلك إنهاء حياته ~~«السياسية» وحرمان البلاد من الزعامة التي أفادت منها كثيرا. وفيما يتعلق بموقفه ~~من حوادث 1833، فلا شك في أنه كان قاسيا كل القسوة في معاملة الثوار، ومعاقبتهم، ~~ولكن لا ينبغي نسيان أن هذه الثورة حدثت في بداية ملكه، وحينما كان الملك «شارل ~~ألبرت» موضع شبهات النمسا، وهي الدولة التي لا شك في أنها لن تتردد في إقصاء أي ~~أمير إيطالي يبدو أنه يميل لمؤازرة الأحرار والآراء الحرة. أضف إلى هذا أن شارل ~~ألبرت كان يعتقد بأن هذه الحركات الثورية سوف تفضي إلى نتيجة واحدة هي إضعاف أسرته ~~«آل سافوي» وتحطيم سمعتها، وإضعاف الجيش البيدمنتي، أو القوة التي اعتقد شارل ألبرت ~~من الواجب إدخارها لتأدية خدمة وطنية كبرى في الوقت المناسب. ويتفق رأي المؤرخين ~~على أن عاطفة عارمة كانت يتأجج لهيبها في صدره هي الكراهية للنمسا، وهو شعور، في ~~الظروف السائدة وقتئذ بإيطاليا لا جدال في أنه كان «وطنيا» وله ما يسوغه، ولقد ~~بقي هذا الشعور بالكراهية للنمسا تفيض به نفسه في كل أدوار حياته، منذ أن كان ~~صبيا يريد أن يمحو العار بطرد النمسويين من إيطاليا، إلى وقت ذهابه إلى المنفى ~~بعد هزيمة نوفارا # Novara # في سنة 1849، عندما أعلن ~~وهو في «نيس» إلى «سانتا روزا»: أن النمسويين سوف يجدونه - من غير شك - في صفوف ~~الجيش المحارب ضدهم، جنديا نشيطا، في أي وقت، وفي أي مكان يمكن فيه إنشاء حكومة ~~تعمل لإنزال جيش في الميدان ضد النمسا. فيقول الأستاذ كارلو سيرجي # Sergé ~~- أحد المؤرخين الطليان: إن هذه الكراهية للنمسا، ~~والاعتقاد بأنها يجب أن تخرج إلى حيز الوجود في صورة أعمال البطولة العسكرية ~~والحروب، حتى تصبح ذات أثر فعال، كان يتألف منهما المبدأ الوحيد الذي آمن به ~~شارل ألبرت طوال حياته، والبرنامج الذي التزم به طوال عمله كملك، وهو إيمان لم يضع ~~نهاية له سوى وفاة صاحبه في المنفى في «أوبرتو» بالبورتغال (في 28 يوليو 1849). ~~وأما البرنامج فقد حالت الهزيمة ms1076 دون تنفيذه فكان «التراث» الذي خلفه لولده فيكتور ~~عمانويل الثاني، وكان هذا أسعد حظا من أبيه. # أما الثورة التي اشتعلت في بيدمنت، فقد بقي شعارها فترة من الوقت: «يحيا الملك»! ~~فقد رفعت حامية ألسندرا # Alessandria # علم الثورة ~~المثلث الألوان، وهو علم مملكة إيطاليا القديمة، من الأخضر والأبيض والأحمر، وذلك ~~في 10 مارس 1821 قبل أن تصلهم أنباء هزيمة «ريتي» في 7 مارس، وطالب الثوار بالدستور ~~الإسباني وبالحرب ضد النمسا، التي لا يجد الملك طريقا للانفكاك من قبضتها. وامتدت ~~الثورة بكل سرعة فحذت حامية «تورين» حذو حامية «ألسندرا» في 12 مارس، وتردد ~~المسئولون وجبنوا عن اتخاذ إجراءات حاسمة ضد الثورة، فرفض الملك فيكتور عمانويل ~~الأول نصيحة أولئك الذين أشاروا عليه بالنزول على رأس الجند الموالين له للقضاء على ~~الثورة بضربة واحدة فاصلة، ولقد كان الملك لا يريد التخلي عن وعوده للنمسا، وهي ~~الدولة التي أبلغه «سان مرزانو» مندوبه لدى مؤتمر «ليباخ» وعند عودته من هذا ~~المؤتمر، بأنها مصممة على التمسك بالحكومة الاستبدادية في إيطاليا، ثم إنه كان لا ~~يريد في الوقت نفسه أن يتحمل مسئولية سفك دماء رعاياه في حرب أهلية؛ ولذلك فقد قر ~~رأي الملك على التنازل عن العرش لأخيه شارل ~~فيلكس # Félix # كارلو ~~فيليتشي # Carlo Felice ~~. # ولكن «كارلو فيليتشي» كان وقتئذ متغيبا في «مودينا»، فعهد بالوصاية إلى شارل ~~ألبرت، أمير كارنيانو، الذي وجد نفسه مضطرا تحت ضغط الثوار الذين كانوا يطالبون ~~«بالدستور» إلى الاستجابة لمطلبهم، وقد كتب كارلو فيليتشي يفسر مسلكه: أنه أبلغ ~~الثوار؛ أن ليس في مقدروه إدخال أي تغيير على قوانين الدولة الأساسية، والتي يجب أن ~~تنتظر صدور القرارات والمراسيم من الملك الجديد، وأن أي شيء يجريه هو سوف يكون ملغى ~~ولا وجود له، ولكنه سوف يجيز لهم إعلان الدستور الإسباني، معلقا بموافقة مليكهم، ~~وذلك تفاديا لحصول مذبحة ووقوع الاضطرابات التي كانت تتهدد البلاد. # وهكذا صدر الدستور، وطربت تورين لإعلانه طربا عظيما، ولكن لم تمض أيام خمسة ~~وحسب، حتى كان قد جاء من مودينا قرار أصدره «كارلو ms1077 فيليتشي» يلغي إجراءات اتخذت ~~من غير موافقته، ويأمر شارل ألبرت بمغادرة تورين فورا. فكان أمام الأخير أن يختار ~~بين أمرين؛ إما أن يتخلى عن الثوار، وإما أن ينحاز إليهم، فيعلن الثورة على الملك، ~~وعلى رئيس الأسرة «آل سافوي». فاختار التخلي عن الثوار وإطاعة أمر الملك. # وأشاع ذهاب شارل ألبرت الفوضى في صفوف الثوار، بالرغم من الجهود الخارقة التي صار ~~يبذلها أنصار هذه الثورة، خصوصا «سانتوري دي سانتا روزا»، الذي كان يشغل منصب وزير ~~الحربية، وازداد نشاط الرجعيين أنصار الحكم المطلق، ولقوا كل تشجيع من جانب الملك ~~«كارلو فيليتشي»، الذي طلب من «سانتا روزا» الاستقالة، وطلب من القيصر إسكندر العون ~~والمساعدة، وحشد هذا الأخير مائة ألف، في حين كان الجيش النمسوي قد بلغ الحدود، ~~وأعلن «سانتا روزا» أن الملك أسير النمسويين، وحاول أن يسير بجيش يؤلف الطلاب ~~قسما منه لمهاجمة لمبارديا، فلم يلبث أن وقع الاصطدام بين فريق من البيدمنتيين ~~بقيادة الجنرال دي لاتور # La tour # تؤازرهم القوات ~~النمسوية التي عبرت نهر التشينو # Ticino ~~، وبين فريق ~~البيدمنتيين الثوار بقيادة الكولونيل ريجيز # Regis ~~، ~~وذلك في واقعة نوفارا في 8 أبريل 1821، فانهزم «الثوار» وتلاشى الأمل في الظفر ~~بالحرية. # وكان بعد هزيمة «نوفارا» أن قصد أكثر زعماء الثورة وقادتها إلى «جنوه»، يريدون ~~الذهاب منها بحرا إلى إسبانيا؛ طلبا للنجاة بأنفسهم، وحيث كانت لا تزال الثورة ~~ناجحة هناك، وكان في «جنوه» أن شهد «جويزبي مازيني» وهو لا يزال شابا يافعا (في ~~السادسة عشرة من عمره)، هؤلاء المحاربين الذين يبدو عليهم الفقر، وتعلو وجوههم مسحة ~~من الحزن والكآبة، بل ويتقدم أحد هؤلاء من والدة البطل المكافح فيما بعد يمد إليها ~~يده، ويطلب إحسانا باسم «أولئك الذين شردوا ونفوا من إيطاليا.» وشهد «مازيني» ~~والدته والدموع تسيل من عينيها تضع في يد هذا السائل عطيتها. فيكتب «مازيني»: أنه ~~كان في ذلك اليوم أن مثلت في ذهنه، بصورة مبهمة، لأول مرة، ليس فكرة الوطن والحرية، ~~ولكن فكرة أن «من الممكن، وكذلك من الواجب؛ النضال والكفاح من أجل أن يظفر ms1078 المرء ~~بالحرية لبلده.» # وخلال سنتي 1820، 1821، لم تقم حركات ثورية في بقية إيطاليا، ولو أن «مؤامرات» ~~كثيرة كانت تحاك خيوطها، الأمر الذي أزعج الحكومات المختلفة، وخصوصا في لمبارديا ~~فينيشيا، حيث كشف البوليس عن عدد كبير منها، لا شك أنه قد غالى كثيرا في وصف ~~خطورتها، حتى تأتي إجراءات القمع أكثر شدة وصرامة، وكان من بين الذين قبض عليهم ~~البوليس، طائفة من الأعلام، ومن أهم هؤلاء؛ الكونت فردريجو ~~كونفالونييري # Frederigo ~~Confalonieri ~~. # وكان «كونفالونييري» زعيما للأحرار في لمبارديا، ويتراسل مع أنصار الحركة والعمل ~~في بيدمنت، ولكن لم يوجد دليل يثبت مدى نشاطه في تنظيم صفوف الأحرار في لمبارديا، ~~أو ربطهم بالعمل وفق برنامج معين؛ بل الثابت أن مبعث إدانة «كونفالونييري» كانت ~~الرغبة في العثور على «متهمين» بأية وسيلة، وليس نتيجة الاستناد على اتهامات صحيحة. ~~ولم يقبض على «كونفالونييري» إلا في 13 ديسمبر 1821 بعد إخماد ثورة بيدمنت، وعودة ~~الهدوء القائم على الإرهاب إلى نصابه في كل مكان. ولما كان «كونفالونييري» لا يشعر ~~بأنه قد ارتكب إثما في حق النمسا، فقد بقي ينظر بعدم المبالاة إلى سحب الشك ~~والشبهات تتجمع حوله، حتى إنه لم يستمع لتحذيرات نفر من المسئولين أصدقائه الذين ~~أرادوا إنقاذه وأشاروا عليه بالفرار إلى سويسرة. فقدم إلى المحاكمة بتهمة ~~الخيانة، وطلب «مترنخ» من المشرفين على هذه المحاكمة في ميلان، أن يصدروا حكما لا ~~يجعل ممكنا في وسع هذا الكونت زعيم الأحرار، أن يظهر مرة أخرى على مسرح الحوادث، ~~في صورة من صار ضحية لطغيان السلطة الاستبدادية، وعلى ذلك فقد تفنن قضاة ~~«كونفالونييري» ومتهمون في تلفيق التهم وابتكار البراهين والأدلة المزيفة للصق هذه ~~التهم به، وانتهى الأمر وكما كان متوقعا ، بإصدار حكم الإعدام عليه، وتوسطت أسرة ~~«كونفالونييري» تطلب الرحمة من الإمبراطور النمسوي نفسه في «فينا»، فكان بعد لأي ~~وعناء أن استبدل السجن المؤبد بالإعدام، وصدر الأمر بإرسال الكونت إلى ~~سبيلبرج # Spielberg # في مورافيا # Moravia # ليسجن بقلعتها. وعبثا حاول «مترنخ» ~~أثناء رحلة الكونت إلى محبسه أن ينتزع منه معلومات تكشف عن حقيقة العلاقات ms1079 بين ~~المتآمرين في لمبارديا وبين شارل ألبرت. وكان من الذين سجنوا مع «كونفالونييري» ~~جماعة من الذين أدينوا بنفس التهمة وهم كثيرون. # 8 # على أن تدابير القمع التي اتخذتها الحكومات بعد ثورات 1820-1821، لم تفلح مع ~~صرامتها، خصوصا في لمبارديا، في إطفاء جذوة الثورة فقد بقيت هذه متقدة تحت سطع ~~الهدوء الذي ظهر كأنما صار يسود كل إيطاليا، ومن وقت لآخر، بقيت الثورة تطل برأسها، ~~وسببت هذه «الحركات» إزعاجا كبيرا للبوليس، الذي اشتدت أساليبه في مطاردة الثوار، ~~قسوة قسوتها على وكان في 1828 أن قامت ثورة في شيلنتو # Cilento # بمقاطعة ساليرنو # Salerno # بمملكة نابولي، نتيجة للظلم الذي أرهق به الأهلين ~~فرانسوا الأول - الذي خلف الملك فرنند أو فرانتي على العرش. فأرسل الملك أحد قواده ~~ديل كاريتو # Del Carretto # لإخماد الثورة، ~~وارتكب الأخير الفظائع أثناء تأدية هذه المهمة، فصار ينقل رءوس القتلى في أقفاص من ~~الحديد، تتبعه في جولته من قرية إلى أخرى. # ومع ذلك فإن هذه «الحركات» جميعها لم يكن لها من أثر سوى استثارة رد الفعل الغريزي ~~ضد الظلم الذي حل بالناس أو الضنك الذي أخذ بتلابيبهم. وكان واضحا في كل هذه ~~الحركات التي ذكرناها أن العنصر العسكري، كان هو الذي قامت أهم هذه الثورات في ~~1820، 1821 على أكتافه، ولم يكن «الثوار» يتمتعون بأية تربية سياسية، وانعدم لذلك ~~وجود أي برنامج لديهم، وسهل عليهم لذلك أن «يستعيروا» دستور 1812 الإسباني؛ ~~ليصبح شعارهم المطالبة به، ثم إن أعضاء البرلمان سواء في نابولي أو تورين، والذين ~~كان عليهم مواجهة الموقف ومحاولة معالجته كانوا من طراز متوسطي القدرة على التفكير ~~الناضج والعمل المثمر وتعوزهم الكفاءة ونشاط الذهن. # ولا جدال في أن هذه الثورات في سنتي 1820، 1821 لم تكن تستهدف أغراضا وطنية أو ~~قومية ؛ لأن مبعثها لم يكن العمل على طرد النمسا من إيطاليا، أو تحقيق الوحدة ~~الوطنية، كما افتقرت كل هذه الثورات إلى التنظيم والتنسيق، فكان من السهل إخمادها. ~~فكفت واقعة «ريتي» في 7 مارس لتصفية الثورة في نابولي، وواقعة «نوفارا» في 8 ms1080 أبريل ~~1821 لتصفية الثورة في بيدمنت، وفي كلا الحالين كان للتدخل النمسوي أقوى الأثر في ~~تصفية هذه الثورات. # ولقد كانت تدابير القمع التي أوجبت هذه الثورات على الحكومات اتخاذها على درجة ~~شديدة من العنف والقسوة، فعمدت هذه الحكومات إلى «تطهير» الجيش ودواوين الحكومة من ~~العناصر المشتبه في ولائها للنظام الرجعي القائم، ومن جهة ثانية استطاع أكثر قادة ~~الثورة سواء في نابولي أو في بيدمنت الهرب إلى الخارج ليتألف منهم الرعيل الأول ~~من المهاجرين الطليان في سويسرة وفي إنجلترة، وبعد حين في فرنسا كذلك. # ولكن مما يجدر ذكره أن هذه الحركات لم تستثر سواد الشعب «للعمل»، فبقي الأهلون ~~يقفون موقفا سلبيا، بكل معنى السلبية، من ثورات 1820، 1821. # ثورات 1830، 1831 # ولقد كانت الثورات التالية التي قامت في إيطاليا في غضون 1830، 1831 إحدى نتائج ~~الثورة التي قامت في فرنسا في يوليو 1830 - إذا صح هذا القول - وحلقة لاحقة من ~~حلقات هذه الثورة. # فقد حدث بعد فشل الثورات الأولى (1820-1821)، أن صارت الحكومات تتعقب الجمعيات ~~الثورية، وثقلت وطأة الرقابة البوليسية عن ذي قبل، وقوي سلطان النمسا في إيطاليا ~~أكثر من أي وقت مضى، فجنودها يحتلون نابولي وأنكونا، ولسنوات طويلة مقبلة، وكذلك ~~قلعة فراره # Ferrara ~~، ووقع على كاهل النمسا عبء ~~إخماد الثورات في إيطالية، وصارت النمسا بفضل هذا المركز القوي تطمع كذلك في امتلاك ~~تسكانيا ورومانا، وانبث عملاؤها وجواسيسها في كل أنحاء إيطاليا. # وكان لهذه السيطرة النمسوية من الناحية القانونية أثر طيب، من حيث إنها جعلت شعور ~~البغض والكراهية ضد النمسا يسود كل إيطاليا، وهو الشعور الذي كانت قد ظلت تشعر به ~~إيطاليا الشمالية وحدها. فأثارت أطماع النمسا الآن وقوتها مخاوف الأمراء في أجزاء ~~إيطاليا الأخرى، وهم الذين صاروا الآن يتحدون سلطانها، فاستطاعت بيدمنت والولايات ~~البابوية أن تلحقا الفشل بكل الآراء والمشروعات النمسوية التي أرادت إنشاء علاقات ~~مشتركة، أو اتحادات فدرائية بينها وبين الدويلات الإيطالية، فرفضت بيدمنت والولايات ~~البابوية مجرد الدخول في اتحاد للبريد مع النمسا. بل إنه كان لهذه السطوة التي ~~تمتعت بها النمسا رد ms1081 فعل كذلك من نوع آخر، ظهر في أطماع بعض الدويلات الإيطالية مثل ~~دوقية مودينا التي أراد أميرها «فرنسوا الرابع» توسيع أملاكه على حساب «لمبارديا ~~فينيشيا» التي تملكها النمسا، وعلى حساب الولايات البابوية، وقد شجعت هذه الرغبة ~~التوسعية الأحرار في مودينا على بلوغ مآربهم، إذا هم أيدوا أطماع الملك، وكان ~~زعيم الأحرار شيرو مينوتي # Ciro Menotti # وهو من ~~التجار - ولا يثق في الثورات ذات الأهداف «الجمهورية» - قد استطاع إقناع الدوق ~~فرنسوا الرابع بأن الثورة الفرنسية، ثورة يوليو 1830، سوف تجدد عهد الاضطرابات في ~~إيطاليا، وأن الدوق سوف يعثر في هذه الاضطرابات على الفرصة التي تمكنه من توسيع ~~حدود إمارته، وبالفعل أنشأ الدوق صلات قوية مع زعيم الأحرار في مودينا، بالرغم من ~~عداء هؤلاء الأحرار لحكومته. # أما هذه الحركات الثورية فقد انتقلت من الجنوب (نابولي) أو من «بيدمنت» - مسرح ~~الحوادث في سنتي 1820، 1821 - إلى إقليم الرومانا القسم الشمالي من الولايات ~~البابوية، والسبب في ذلك أن البابا بيوس السابع ووزيره كونزالفي # Consalvi ~~، كانا يتبعان سياسة هدوء وسلام في هذه الأصقاع، لم ~~تلبث أن حلت محلها لوفاة البابا (1823) ثم وزيره (1824) سياسة قائمة على الرجعية ~~والحكم الاستبدادي الشديد على أيدي البابا التالي؛ «ليو الثاني عشر 1824-1829» ~~ووزيره الكاردينال ريفارولا # Rivarola # في 1825 ~~خصوصا. فقد تعقب البابا ووزيره الكاردينال (الكاربوناري)، وألقيا بالكثيرين في ~~السجون، وحكما على عديدين بالنفي والتشريد، والاعتقال والحجر السياسي Precetto Politico ~~، فلا يغادرون مدنهم، ولا ~~يخرجون من بيوتهم بعد غروب الشمس، ويبلغون البوليس عن وجودهم كل أسبوعين، ويتقدمون ~~«للاعتراف» كل شهر. كما طلب من كل فرد التبليغ عن أعضاء الجمعيات السرية، فإذا ~~قصر أحد الناس في ذلك كان الليمان عقوبته. # وعلى ذلك فإنه سرعان ما صارت «رومانا»، و«بارما»، و«مودينا» مراكز للحركة الثورية ~~الجديدة، وفي هذه المرة اتخذت الحركة طابعا مختلفا عن طابعها السابق في ~~1820-1821، فقد صارت تضم إليها عناصر من الطبقة المتوسطة (البورجوازية) أكثر من ~~العناصر العسكرية؛ أي صارت تضم إليها البورجوازيين الأحرار الذين ناصبوا حكومة ~~القساوسة وأصحاب الامتيازات، أو الطبقات الممتازة العداء، ms1082 وثمة فارق آخر هو أن ~~الثورة في هذه المرة كانت تعتمد على عامل «خارجي» هو قيام ثورة يوليو المعروفة في ~~باريس، وإعلان حكومة باريس تمسكها بمبدأ «عدم التدخل»، فقد أعلن الماريشال ~~سباستياني # Sebastiani # وزير خارجية لويس ~~فيليب: لقد قام الحلف المقدس على مبدأ التدخل الذي قضى على استقلال كل الدول ~~الصغيرة، ولكن المبدأ المضاد لهذا المبدأ - أي عدم التدخل - والذي أقرته الحكومة ~~الفرنسية، وتعد بأنها سوف تعمل لتأييده. يكفل أن يتمتع العالم قاطبة بالحرية ~~والاستقلال، واعتقد الأحرار اللاجئون في باريس أنهم سوف يلقون كل تعضيد من حكومة ~~لويس فيليب. وكان المسئول عن ذيوع هذا الاعتقاد الجنرال «جوجليلمو بيبي» السابق ~~الذكر، الذي استطاع أن ينال من الجنرال «لفاييت» وعدا بإمداد الثوار بالمال ~~والأسلحة، ومن فرنسا بذل اللاجئون الطليان - في باريس خصوصا - قصارى جهدهم لتحريك ~~الثورة في وطنهم، وفي باريس تألفت «لجنة لتحرير إيطاليا»، أعدت النشرات ~~والكتيبات لتوزيعها في أنحاء إيطاليا، وبذلت المحافل الماسونية جهودها كذلك لتأييد ~~هذه «الدعاية»، وأراد المهاجرون الطليان في باريس تحريك الثورة في الولايات ~~البابوية، منتهزين فرصة وفاة البابا بيوس الثامن (1830) وخلو الكرسي البابوي فترة ~~من الوقت ممن يشغله، وكان بعض هؤلاء اللاجئين يريدون تنصيب جيروم بونابرت، أو ~~ولدا لاوجين بوهارنيه ملكا على روما - ولقد كان لويس نابليون مشتركا في هذه ~~المؤامرة، ولكنهم جميعا كانوا يريدون إنهاء حكومة القساوسة «ألسان فيدبست» أصحاب ~~الإيمان المقدس، وهكذا تهيأت الأسباب لقيام حركة ثورية. # وكان السبب المباشر في اشتعال الثورة حادث خيانة دوق فرنسوا الرابع في مودينا، ~~وتنكره للأحرار، بعد أن تبين له أنه لن يلقى تأييدا في مشروعاته التوسعية من ~~ناحية الملك الفرنسي لويس فيليب، ولما كان يخشى من انكشاف مضالعته مع الثوار أمام ~~النمسا، وصار يريد إقامة الدليل القاطع لحكومة فينا على ولائه لها، فقد نكص على ~~عقبيه تماما ودبر مكيدة لزعماء الأحرار، فألقى القبض على هؤلاء وهم مجتمعون ~~بمنزل «مينوتي» في 3 فبراير 1830، وكان من بين المقبوض عليهم «مينوتي» نفسه، وبعث ~~«فرنسوا» في طلب الجلاد لإعدامهم بعد أن اتهمهم ms1083 بالتآمر على خلعه من العرش، ولم ~~يمنع فرنسوا من إعدام «مينوتي» في التو والساعة سوى ذيوع النبأ وقت وصول الجلاد إلى ~~مودينا، عن قيام الثورة في «بولونا»، مما جعل الدوق الذي استبد به الخوف والهلع مما ~~قد يخبئه له المستقبل إذا نجحت الثورة، يلجأ إلى «مانتوا» للتحصن بقلعتها، ويجر معه ~~إليها «مينوتي» وهو مصفد بالأغلال؛ لينفذ فيه حكم الإعدام بعد أيام ~~قليلة. # وهذه الخيانة استثارت جمعيات «الكاربوناري» على القيام بالثورة في مودينا وفي ~~بولونا في 4، 5 فبراير، ولم تلبث أن امتدت الثورة من هذين المكانين، فصارت في بحر ~~أسابيع ثلاثة فقط تشمل كل وسط إيطاليا، ووصلت الثورة إلى أمبريا # Umbria # في قلب الولايات البابوية. # وفي 9 فبراير 1831 تألفت حكومة مؤقتة في بولونا أعلنت سقوط الحكومة البابوية، ~~ودعت للاجتماع «مؤتمرا وطنيا» وانعقد هذا المؤتمر يوم 25 فبراير، وسمى نفسه: ~~«مجلس نواب المقاطعات أو الأقاليم الحرة في إيطاليا»، وسمى الدولة التي شرع ~~في تأسيسها «المقاطعات أو الأقاليم المتحدة». على أن الحركة بقيت «محلية» وحسب، ~~وذلك بالرغم من العبارات التي وصف بها الثوريون المؤتمر «الوطني» الذي دعوا إليه، ~~أو الدولة «الإيطالية» التي أرادوا تأسيسها من المقاطعات أو الأقاليم «المتحدة». ثم ~~تألفت حكومة مؤقتة كذلك في كل من «مودينا» و«بارما» فاستأثر بالسلطة في كل من ~~منهما «ديكتاتور» يعاونه ثلاثة قناصل. # وسيرت النمسا جيوشها على بارما وعلى مودينا، وأوقعت الهزيمة بالأحرار والحكومة ~~المؤقتة في كل منهما في 25 فبراير، 6 مارس على التوالي، وسرعان ما نهض الدليل ~~القاطع على أن هذه كانت حركات محلية وليست وطنية أو «متحدة»، أو «إيطالية»، عندما ~~أراد جيش الأحرار من بارما ومودينا بعد الهزيمة الالتجاء إلى «رومانا»؛ ليعيد تنظيم ~~قواته، فعمدت الحكومة المؤقتة في رومانا إلى تجريده من السلاح بموجب القاعدة ~~المعمول بها وقتئذ بالنسبة للقوات المتحاربة «الأجنبية» التي لا تأتي لاجئة إلى أي ~~مكان غير موطنها، وأعلنت الحكومة في رومانا قرارها: «بأنه لا يجب لأحد منا التدخل ~~في المنازعات التي تحصل بين جيراننا.» ودل هذا الموقف على مقدار ms1084 ما كان ينقص ~~الأحرار «الثوريين» من تضامن واتحاد، بالرغم من أن هذه الحركات الثورية لم تكن ~~تفصلها مسافات بعيدة عن بعضها بعضا. # بل توفرت الأدلة على ضعف هذه الحكومة المؤقتة في «رومانا»، عندما جعل الخوف من ~~«الارتباكات» هؤلاء الثوريين يبادرون بكل سرعة إلى وقف حركة حاول بها جيش صغير من ~~الأحرار بقيادة الجنرال سيركو جناني # Sercognani # مهاجمة روما - وكان يعمل بهذا الجيش ابنا لويس بونابرت «وهما شارل ولويس نابليون» - ~~في 19 فبراير 1831، وبمجرد أن زحف النمسويون الحدود يوم 21 مارس، وتجنبوا الاشتباك ~~مع جيش الثوار عند ريميني # Rimini ~~، وكان هؤلاء ~~بقيادة الجنرال تزوكي # Zucchi ~~. فعمدت الحكومة إلى ~~الهرب إلى «أنكونا»، وهناك سلمت يوم 27 مارس مقابل وعد بالعفو العام. أما «سيركو ~~جنالي» وجماعته، فقد قصدوا إلى سبوليتو # Sboleto ~~، ~~وهناك استمع «سيركو جناني» لنصيحة رئيس الأساقفة ماستائي # Mastai ~~(وهو البابا بيوس التاسع فيما بعد)، وسرح ~~قواته. # وهكذا أرجع النمسويون حكومة البابا في الولايات البابوية، وقصر الأحرار مطالبهم ~~على إنشاء «حرس مدني»، وإدخال بعض الإصلاحات التي كانت «مدنية» متعلقة بالحقوق ~~المدنية أكثر منها «سياسية». من ذلك؛ رفض هيئة المحامين العمل بقانون جديد من صنع ~~حكومة البابا، ثم إنهم حتى يتسنى لهم مقاومة القوانين الجديدة طلبوا اجتماع ~~البرلمان، ولكن البرلمان لم يكن يحوي إلا أعضاء عن قسم فقط من الولايات البابوية. ~~بل إن الأهلين، والأحرار أنفسهم، لم يلبثوا أن رحبوا بالقوات البابوية التي حضرت ~~من روما لاحتلال «رومانا»، فاستولت في طريقها إلى هذه الأخيرة على فورلي # وشيسينا # Cesena ~~، ~~ورحب أهل البلاد بالجيوش النمسوية التي جاءت لاحتلال هذه الأماكن «كمنقذين» ~~لهم. # وأسفرت الثورة التي قامت في إيطاليا الوسطى (1830-1831) عن نتيجة هامة من حيث إنها ~~جعلت من الثورة الإيطالية مسألة سياسية؛ بمعنى أن الدول عمدت إلى التدخل كخطوة ~~مقابلة للتدخل النمسوي ضد الثورة، ولما كان فيما ظهر من تصميم من جانب فرنسا - لم ~~يثمر شيئا بسبب خوف لويس فيليب من الحرب - لتأييد مبدأ عدم التدخل. فاجتمعت الدول ~~في مؤتمر، ورأى مندوبوها تقديم مذكرة # Memorandum ms1085 # إلى البابا جريجوري السادس عشر، الذي خلف بيوس الثامن، يوصون باتخاذ بعض الإصلاحات ~~«الوقائية»؛ أي التي تحول في نظرهم دون قيام ثورات في المستقبل، ولكن بالرغم من ~~رغبة البابا في الإصلاح عارض الكراولة التنازل عن سلطتهم. # على أن الجديد في ثورة 1830-1831 هذه، والذي يميزها من الثورات السابقة، وذلك عدا ~~«الشعارات» والعبارات التي أتت بها والتي لم تكن ذات أهمية كبيرة، كانت العناصر ~~التي تألفت منها هذه الحركة، فقد كان هناك إلى جانب المشتغلين بالقانون، فئات من ~~التجار، الأمر الذي يدل على زيادة انتشار المبادئ الحرة، وتغلغلها في أوساط جديدة ~~في المجتمع، وزيادة على ذلك فإن هذه الثورة في سنتي 1830، 1831 كانت على ما يبدو ~~متحررة من المصالح الذاتية والأغراض أو الأطماع الشخصية، أكثر من الثورة السابقة في ~~سنتي 1820، 1821. فلم تكن العناصر العسكرية الدعامة التي قامت عليها الحركة، ولم ~~يكن تحقيق النفع الشخصي الغرض الذي أرادت تحقيقه، ومع ذلك فالذي يجب ذكره أن هذه ~~الثورات في 1830، 1831 - ومثلها في ذلك مثل الثورات السابقة في 1820، 1821 لم يفكر ~~أصحابها إطلاقا في التوجه بالدعوى إلى صفوف الشعب للاشتراك في الحركة، بل على ~~العكس من ذلك أزعجت هذه الثورات أهل القرى والمدن الصغيرة الذين شعروا بالخزي ~~والعار من حركة أعلنت سقوط السلطة البابوية، ودلت هذه الحقيقة ذاتها على أنهم ~~كانوا معادين للثورة - وبالرغم من النداءات المتكررة التي صدرت عن القائمين ~~بالثورة، فقد ظلت بقية إيطاليا دون حراك، فلم يسهم أحد في الثورة المشتعلة في إقليم ~~«رومانا». # وتعددت أسباب فشل هذه الثورات، ثم الثورات السابقة في 1820، 1821، ولعل أهم هذه ~~الأسباب، وكما شاهدنا، أنها كانت حركات «محلية» بحتة في تنظيمها، فلم يكن يتعدى ~~نشاط المتآمرين، أو تتجاوز الأغراض التي أرادوا تحقيقها حدود مقاطعتهم، ولم يكن ~~سواد الشعب الإيطالي يدرك أن جهودا يبذلها أهل الشمال في بيدمنت، قد يفيد منها ~~المناضلون في إقليم «كلابريا» في الجنوب، أو أن أسباب التذمر والسخط واحدة في كل ~~أنحاء إيطاليا، أو أن الأهلين في الشمال يجب أن يتحدوا مع الأهلين ms1086 في الجنوب، وهكذا ~~فكان الذين فطنوا إلى ذلك حفنة من الأفراد فقط، ولقد أشرنا سابقا إلى أن التنسيق ~~كان منعدما بين كل الثورات التي حدثت. ففي سنة 1821 قامت الثورة في نابولي وفي ~~بيدمنت (على خطوط متوازية)، إذا صح هذا التعبير؛ أي جنبا إلى جنب، ومع ذلك لم ~~تتوحد جهود الفريقين، وإذا كان أهل بيدمنت أبدوا اهتماما بالثورة في نابولي، ~~والنضال بين نابولي والنمسا، فهم قد فعلوا ذلك على أمل أن ينتهزوا الفرصة حتى ~~يفيدوا من الضعف الذي قد يلحق خصومهم «النمسويين» بسبب هذا النضال في الجنوب، وكتب ~~الجنرال «بيبي» في مذكراته، وهو الذي أدرك قيمة قيام الثورتين معا في الشمال ~~والجنوب وفي وقت واحد؛ لو أن البيدمونتيين قد قاموا بثورتهم يوم أول مارس، بدلا من ~~عاشره، أو لو أنهم أبلغوني خططهم، لكانت الأمور سارت في إيطاليا في طريق يفضي إلى ~~نتائج أسعد كثيرا مما يسود الاعتقاد به. # ومع ذلك فإن فشل الثورات التي حدثت في سنوات 1820، 1821، ثم 1830، 1831 لم يكن ~~معناه القضاء على الحركة الثورية وانتهاؤها، بل بقيت هذه الحركة ولم يقض عليها، ~~والسبب في ذلك؛ أنها أحد جوانب مظاهر الخلق أو المزاج الإيطالي المعروف بميله إلى ~~النشاط السري والمؤامرة، والتمرد، والعصيان، ولو أنه من المتعذر خلق حركة قومية أو ~~وطنية من الحركات المنبعثة من هذه الميول وحسب. # النشاط الذهني: الرومانسية «أو الحركة الابتداعية التصورية» # 9 # ولقد كانت الحركة «الرومانسية» أو الرومانتيكية التي بدأت في هذا الحين، من أهم ~~العوامل إلى جانب الحركات الثورية التي ذكرناها في تشكيل الحوادث، وأعمق أثرا، ~~بفضل نتائجها الثقافية والذهنية في مستقبل شبه الجزيرة الإيطالية، لقد سبق أن ~~ذكرنا كيف أن الصعوبات والعقبات كانت تعترض الشباب الذي تخرج في الجامعات ~~الإيطالية، وذلك بسبب النظام السياسي والاجتماعي السائد، والذي جعل هؤلاء الشباب ~~المثقفين لا يجدون منفذا لنشاطهم ولحيويتهم المتدفقة، أضف إلى هذا أن الضغط ~~السياسي، كان شديدا بدرجة أثقلت كاهل جميع الناس، حتى أولئك الذين لم يكونوا من ~~طراز «العمليين»، ولم يكونوا يميلون للثورة أو ms1087 على استعداد للانخراط في جماعة ~~الثوريين، ولقد انصرف هؤلاء الناس من شباب الجامعات، ومن غير «الثوريين» إلى الحياة ~~الذهنية، يبحثون فيها عن منفذ أو متنفس لنشاطهم، ثم ساعد على ذلك، فشل الثورات ~~السالفة الذكر، فكان هذا الفشل من الحجج التي استند عليها الاتجاه نحو النشاط ~~الذهني، فكان حينئذ أن أخذ الشعور باليقظة القومية، يتجه اتجاها «روحيا»؛ أي ~~يحاول التعبير عن وجوده في ميدان الأدب، والحياة الذهنية، أكثر من الاتجاه نحو ~~ميدان العمل، وكانت «الرومانسية» - الحركة الابتداعية التصورية - في الأدب أعمق ~~هذه الحركات الذهنية أثرا في هذا العصر في شبه الجزيرة الإيطالية، وقامت المدرسة ~~الرومانسية - على أثر سقوط مملكة إيطالية وانتهاء السيطرة الفرنسية - كحركة ~~احتجاج ضد الأنظمة القديمة، وطغيان التقاليد، وكرمز للتعاطف بين «الأدب» وروح ~~المجتمع العصري، وبهذا المعنى، عظم النضال بين هذه «الرومانسية» وبين المدرسة ~~«الكلاسيكية»، التي بلغت أوجها ضد السيطرة النمسوية في إيطاليا، فانحاز الأحرار إلى ~~«الرومانسية»، في حين كان الرجعيون أنصار «الكلاسيكيين». ولقد اعتبر الرومانسيون ~~الأدب السلاح المشرع في وجه الطغيان، والوسيلة التي يمكن بها إذاعة المبادئ ~~الوطنية. # وبدأت الحركة الرومانسية في إيطاليا في سنة 1816، عندما أصدر الشاعر «جيوفاني ~~بيركيت» 1783-1851 منشوره عن المبادئ الرومانسية التي صار يدعو لها، والتف حول ~~«برشيت» طائفة من الكتاب، كان منهم الشاعر جبراييلي ~~روسيتي # Gabriele ~~Rossetti ~~، الذي وصف في قصائده ثورة نابولي في سنة 1820. كما التف ~~حول «برشيت» عدد من نبلاء «ميلان» المثقفين والأدباء، ولقد دافع هؤلاء الكتاب ~~عن «أدبهم» الرومانسي الجديد، ضد المدرسة الكلاسيكية، وصاروا يحملون على أنصار هذه ~~المدرسة الأخيرة، حملة من النقد اللاذع، وذلك على وجه الخصوص في مجلة الموفق أو المصالح # Il Conciliatore ~~، وهي المجلة التي ظهرت ~~في سنة 1818 واستطاعت خلال هذه السنة والسنة التالية (1819) أن تصدر (118) عددا، ~~بالرغم من الرقابة الصارمة، وشكوك البوليس وعدائه الشديد. # ولقد نشب نضال عنيف بين هذه المجلة، ومجلة الكلاسيكيين والرجعيين، والتي كانت تلقى ~~التأييد من النمسا، ونعني بذلك مجلة ~~«المكتبة الإيطالية # Biblioteca Iitaliana ~~، وكان مطلب هؤلاء الرومانسيين نظم مقطوعات من ~~الشعر، ms1088 تنبض بالحياة، وتتفق مع روح الشعب وعقائده وآماله، في الوقت الذي تكون فيه ~~كذلك أكثر سهولة وسلاسة من الشعر الكلاسيكي، ومن ميلان، امتدت الحركة الرومانسية ~~حتى شملت أقاليم إيطاليا الأخرى، ومع ذلك فقد كانت الرومانسية في إيطاليا أقل ~~تطرفا وأقل من نظيراتها في بقية أوروبا؛ وذلك لأن إيطاليا احتفظت، وكما كان ~~متوقعا، بالأصول الكلاسيكية. # ومن وجهة النظر، المتعلقة بيقظة الروح الإيطالية القومية، تتميز هذه الحركة ~~الرومانسية، بأنها تعمد إلى التنقيب عن الموضوعات التي تثير انتباه واهتمام أناس ~~من غير المشتغلين بالأدب والمثقفين، الأمر الذي جعل هذه الحركة تحتك بأماني سواد ~~الشعب، وبمشاعر الجماهير وأحاسيسهم ومعتقداتهم، وبما في ذلك فئة المتعصبين لآرائهم ~~ومعتقداتهم، ولقد جعل هذا الاحتكاك «الرومانسيين» يستمدون من الذكريات التاريخية ~~وتقاليد الماضي وأمجاد الطليان الغابرة، مادة وافرة لكتابتهم، وكان هذا الماضي الذي ~~أراد الرومانسيون إحياءه في كتابتهم؛ عهد النهضة الأدبية والفنية في إيطاليا، ~~الذي تميز بالنضال من أجل الحرية، والذي ازدهرت فيه الجمهوريات الإيطالية، وكان ~~المؤرخ الإيطالي سيموندي # Simond # قد فرغ من كتابة تاريخها. # 10 # وثمة ميزة أخرى لهذه الحركة، هي أن أصحاب المدرسة الرومانسية الجديدة قد طوعوا ~~العاطفة، والروعة الأدبية والفنية لخدمة التربية الوطنية، فتخلوا عن الفكرة ~~الكلاسيكية بشأن الثقافة الأدبية الخالصة والمفرغة في قوالبها المحددة، بل ~~إنهم تخلوا كذلك أو إنهم لم يقروا نظرية «الفن من أجل الفن»، التي نادت بها مدارس ~~الأدب والفن الأوروبية الأخرى المعاصرة، فلم يكن الأدب في نظر أكثر هؤلاء ~~الكتاب الرومانسيين إلا وسيلة لتأكيد وتدعيم الآراء الحرة السياسية، ولقد ~~كان المحررون الرئيسيون في مجلة «إيلكو نشيلياتوري» من الذين اشتركوا في حوادث 1821 ~~السياسية، ومن هؤلاء: «كونفالو نييري» الذي عرفنا أنه ترأس الحركة في ميلان، في حين ~~كان سيلفيوبيلليكو # Silviopellico # رئيس تحرير ~~المجلة، من الذين قبض عليهم كذلك، وسجن مع «كونفالونييري» في قلعة «سبيلبرج»، ~~ولقد تحدث سيلفيوبيلليكو عن محبسه عندما نشر بعد خروجه من السجن (1830) كتابا ~~بعنوان «محابسي»، # 11 # نال شهرة واسعة في أوروبا، كان أول ظهوره في سنة 1832، وقد قص فيه ~~صاحبه ms1089 قصة حبسه، وكان لهذا الكتاب رد فعل أدبي وروحي عميق في إيطاليا، وذلك بسبب ~~البساطة التي عرض بها «بيلليكو» شكاواه، والروح «الدينية» التي تخللت صفحات الكتاب، ~~روح التسليم والاعتماد على رحمة الله في تخفيف البلوى التي نزلت بساحة صاحبه، ولو ~~أن الكتاب كان يعرض إلى جانب ذلك المطالب الوطنية ويسوق الدعاوى لتأييدها، على ~~طريقة الثوريين القدامى، ثم كان «جيوفاني برشيت» أحد الذين تعرضوا للاضطهاد، حتى ~~إنه اضطر للهرب والالتجاء إلى إنجلترة التي عاش بها حتى سنة 1829، والتي أخذ ينظم ~~وهو بها ابتداء من سنة 1824 القصائد الوطنية المليئة بالحيوية والحماس، ثم إن ~~«جبرائيلي روسيتي» لم يلبث أن اضطر هو الآخر إلى الفرار، كما اضطر آخرون من ~~الكتاب الرومانسيين إلى الهرب، ولو أنهم لم يكونوا «ثوريين»، مثل كارلو بورتا Porta ~~، أو توماسو جروسي # Tommaso Grossi ~~. وهكذا صار الامتزاج تاما، بين الرومانسية ~~والمبادئ الحرة، وبين الرومانسية والوطنية الإيطالية. # وكان في تسكانيا أن ازدهر مركز هام لهذه الحركة الأدبية والمؤيدة للمبادئ ~~الحرة، فتأسست في فلورنسة على يد أحد الأدباء؛ بيترو فيوسو Pietro ~~Vieusseu # شبه دائرة أدبية، أو ندوة يجتمع فيها الكتاب من كل أنحاء إيطاليا، وتقرأ ~~فيها كتابات المؤلفين. وكان «فيوسو» من أصل سويسري، وكان يشتغل بالتجارة في ~~أونيليا # Oneglia ~~(على الساحل البيدمنتي) قبل ~~أن يستقر به المقام في فلورنسة، وقد أسس «فيوسو» في سنة 1820 بالاشتراك مع نبيل ~~من الأحرار، هو الماركيز «جينو كابوني» سبقت الإشارة إليه، وقد سميت هذه المجلة ~~أنتولوجيا # Antologia # المنتخبات من الشعر ~~والنثر، وقد أمدها بالمقالات كبار الكتاب مثل؛ كارلو ترويا # Troya ~~، و«توماسو جروسي»، والكونت جياكومو ليوباردي # Leopardi ~~، ثم جوزيبي «يوسف» مازيني ~~وغيرهم، ولقد كان برنامج هذه المجلة، وكما جاء في تصريحات هؤلاء الكتاب أنفسهم؛ ~~تقديم أو وصف إيطاليا، وبيان ما هي في حاجة إليه في الميدان الخلقي، وفي الآداب، ~~ومعاونة إيطاليا لتصبح قادرة على التعرف إلى ذاتها، ولبناء مثل أعلى يتوجه إليه ~~الطليان بأنظارهم، لا يكون محليا متعلقا بالبلديات، ولكن وطنيا (قوميا). ~~ولم تنتشر هذه المجلة «أنتولوجيا» ms1090 انتشارا واسعا، فلم يزد عدد المشتركين فيها على ~~خمسمائة وثلاثين وحسب، ولكن نفوذها وتأثيرها كان عظيما، فقد تألفت حول هذه ~~المجلة أو بواسطتها «مدرسة» تخصصت في دراسة دانتي # Dante ~~، الشاعر الوطني - الإيطالي - العظيم، كما نشأت من جهة ~~أخرى «مدرسة» تاريخية؛ أي من المؤرخين الذين كان من أعلامهم؛ «كارلو ترديا» في ~~نابولي، و«سيزار بالبو» في تورين، و«جينو كابوني» في فلورنسة. # تلك إذن كانت ملامح الحركة الرومانسية، فهي تمثل - كما شاهدنا - ثورة ذهنية في ~~إيطاليا، ويقظة الروح الإيطالي، الذي يجب أن نذكر دائما، أنه قد ارتبط دائما ومن ~~أول الأمر بالمبدأ الحر، والفكرة الوطنية، ولم يكن الكاتبان البارزان، من أعلام ~~هذه المدرسة الرومانسية من المشتغلين بالسياسة، ومع ذلك فقد كان لهما أثر هام في ~~بناء «الروح الإيطالية»، وأما هذان الكاتبان فكانا: أليساند ومانزوني # Manzoni ~~، و«جياكومو ليوباردي». # وينتمي «مانزوني» الذي عاش بين 1785، 1873 إلى أسرة نبيلة من ميلان، ولو أنه تخلى ~~عن لقب الكونتية الذي يحمله، وبدأ «مانزوني» حياته الأدبية والفكرية كأحد ~~تلاميذ المدرسة الكلاسيكية، وذلك في اتجاهاته الذهنية، وفي الموضوعات التي عالجها، ~~كما استمد آراءه الفلسفية في الوقت نفسه من «الفلسفة» السائدة في القرن الثامن عشر، ~~ولكن «مانزوني» لم يلبث أن استرجع إيمانه وعقيدته الدينية المسيحية عند زواجه. ~~ومنذ سنة 1812 بدأ نتاجه الجدي في الأدب، حينما نشر سلسلة من «التسابيح المقدسة» # 12 # استمرت حتى سنة 1822، وأيد «مانزوني» المنشور الذي أذاعه «بيركيت» عن ~~الميادين الرومانسية في الأدب، كما أيد في الوقت نفسه المبادئ الحرة، وفي مارس ~~1821 نظم «مانزوني» لتحية الثورة التي حصلت في بيدمنت قصيدة بعنوان (مارس 1821) لم ~~ينشرها صاحبها مع ذلك إلا في سنة 1848، كما كتب بعد شهور قصيدة أخرى بمناسبة وفاة ~~نابليون، الذي قضي في منفاه، في سانت هلانه يوم 5 مايو 1821. والتفت «مانزوني» إلى ~~الأدب المسرحي، فكتب تمثيليتين من النوع التراجيدي، استمد حوادثهما من وقائع ~~التاريخ الإيطالي؛ الأولى بعنوان «الكونت دي كارمانولا» # 13 # في سنة 1820، والأخرى بعنوان أديلكي # Adelchi ~~، وذلك في سنة 1822. وقد عنى «مانزوني» بسرد حوادث هاتين ms1091 ~~المسرحيتين التاريخيتين في مقطوعات من الشعر المنغم، أكثر من عنايته بأمر ~~الحبكة المسرحية، أما في «كونت دي كارمانولا» فقد أظهر المؤلف عواقب النزاعات ~~الداخلية السيئة، وكيف أن الأجانب فقط هم الذين يفيدون منها، وصار يحذر النظارة ~~من مغبة الخلافات والحروب الأهلية، ويوجه اللوم والتأنيب العنيف لكل من يثير هذه ~~المنازعات أو يشترك بها، ويلح في ضرورة التكتل في وجه العدو الأجنبي. وكان الشعر ~~الذي صاغ به «مانزوني» هذه المعاني، يفيض بالحماسة التي ملأت صدور صاحبه، حتى إن ~~بعض هذه المقطوعات سرعان ما صارت «أغنيات» وأناشيد وطنية، يرددها الطليان ويتغنون ~~بها، ولقد تضمنت المسرحية الأخرى «أديلكي» إشارات للموقف السائد وقتئذ في إيطاليا ~~كانت بدرجة من الوضوح، جعلت «الرقباء» يحذفون منها عبارات (أو مقطوعات من الشعر) ~~كثيرة، ولم يسع أحد هؤلاء إلا أن يكتب في هامش إحدى الصفحات: ماذا يظن بنا السيد ~~مانزوني! هل يعتقد أننا لا نفهم المعاني التي يريدها؟ # على أن «مانزوني» لم يلبث أن ترك جانبا الأدب المسرحي؛ لينشر بعد سنة 1825 ~~القصة التي خلدت اسمه، وكانت عن الذين عقدوا خطوبة الزواج، وكانت «رواية» تاريخية ~~ورمزية في الوقت نفسه، وقد نشرت هذه في سنة 1827، # 14 # ولكن ذلك كان نتاجه في ميدان القصص؛ لأنه سرعان ما انكب بعد ذلك على ~~دراسات نقد الأدب، والفلسفة، واللغويات، وكان واضحا في كل كتابات «مانزوني» ~~وتفكيره أنه «مسيحي» قبل أي اعتبار آخر. # فالعاطفة الدينية في اعتباره هي منبع القوة والشجاعة، والدين هو المحبة بين البشر، ~~ثم هو الذي يقدم المثل الأعلى للمساواة والعدالة، ومبعث الأصل والرجاء لدى الذين ~~وقع عليهم الظلم، ولقد اعتقد «مانزوني» أن الأدب يجب أن يخدم أغراضا نافعة، ~~وأن يساعد على إحياء إيطاليا خلقيا (روحيا) واجتماعيا. وفي رأي «مانزوني» ~~أن من الواجب إعادة تربية الأمة خلقيا وروحيا قبل المطالبة بالحرية السياسية ~~لها، فصار ينصح بالتريث والاعتدال، وطول الأناة، ولكن دون التخلي عن الأماني ~~والمطالب المراد تحقيقها. ولما كان «مانزوني» بطبعه متفائلا فقد آمن بانتصار مثله ~~الأعلى عن الخير والعدالة، وذلك في ms1092 وقت قريب. # وهكذا لم يكن «مانزوني» بحال من الأحوال «ثوريا»، بل كان على العكس من ذلك ~~«مربيا» يريد تربية الأمة، خلقيا وروحيا واجتماعيا، ولقد كان له أعظم ~~النفوذ وأعمقه في بناء إيطاليا من هذه الناحية الخلقية والروحية، وفي صنع الشعور ~~القومي، وهو نفوذ من نوع النفوذ الذي كان «لسيلفيوبيلليكو»؛ أي إنه كان نفوذا ~~تربويا وخلقيا، وليس سياسيا بصورة مباشرة. # أما «جياكومو ليوباردي»، فقد عاش بين 1798، 1837، أي إن حياته كانت قصيرة، ~~والحديث عن نشاطه وحياته يجب أن يكون أكثر سهولة من الحديث عن حياة ونشاط ~~«مانزوني». ففي تاريخ الأدب، يعتبر «ليوباردي» من عداد المدرسة الكلاسيكية، في ~~حين كان في حياته وشخصه يمثل الرومانسية بسبب الحياة المليئة بالآلام التي كان ~~يعيشها، ولأنه كان «متشائما»، ومن وجهة النظر القومية، يسهل كذلك تحديد موقف ~~«ليوباردي»، من حيث إنه كان متأثرا ولا شك بالروح الوطنية (القومية)، فحز في ~~نفسه حزا عميقا أن يرى إيطاليا وقد نزلت بها المذلة والمهانة، وأنها قد صارت ~~تسير في طريق التدهور منذ سنة 1815، ولكنه في الوقت نفسه كان يحمل حملة شديدة على ~~حركة الأحرار، وينقد هؤلاء نقدا عنيفا. وينتمي «ليوباردي» إلى عام الفكر الجديد ~~والدراسات الجديدة، بفضل نتاجه الأدبي واللغوي الأول، ولقد كان في سنة 1818 أن نشر ~~«ليوباردي» أغنيتيه الوطنيتين عن «إيطاليا» وعن «التعصب المزمع إقامته في فلورنسة ~~لدانتي»، ثم لم يلبث أن نشر في سنة 1820 قصيدة لتحية أحد أمناء المكتبات ~~أنجيلو مائي # Mai ~~- كان قد وفق في الكشف ~~عن بعض المخطوطات القديمة «الكلاسيكية»، وهذا النتاج كان القدر الذي ساهم به ~~«ليوباردي» في الأدب الوطني، فهو يعرض على إيطاليا المهانة والذليلة حالا، ~~صورا من عظماء الرجال في الزمن الغابر، والذين طلب من أبناء البلاد أن يترسموا ~~خطواتهم، ويعرض دروسا من البطولة والشجاعة، تضافرت على كتابتها أقلام كبار ~~المؤلفين أو عظماء الرجال في الماضي، ويريد أن يتلقنها الإيطاليون في عصره، وعقد ~~«ليوباردي» آمالا واسعة على الشباب فهو يوجه حديثه لهم دائما، وهو يعتمد عليهم في ~~إمداد الوطن بأجيال من ms1093 الفتوة المتينة والوثيقة التي كانت إيطاليا في حاجة لها، ~~يقابل ذلك أن «ليوباردي» في أخريات أيامه، عمد إلى تناول جماعة الأحرار الإيطالية ~~بالنقد، فهو ينقد شدة ثقتهم في أنفسهم، والتي لا مبرر لها في نظره، ويعيب عليهم عدم ~~كفايتهم وعجزهم، ولا يرى خيرا في برامج الإصلاحات الحرة، وتهكم بأشخاص الأحرار ~~والوطنيين القوميين، وأظهرهم في صور تبعث على الزراية بهم، فسرد في آخر قصائده ~~المعروفة (1837)؛ قصة النضال بين الجرذان والضفادع، وهي القصة التي نسبت خطأ ~~لهومر # Homer # صاحب «الإلياذة» المشهورة؛ فكان ~~الجرذان في قصيدته هم أهل نابولي، والضفادع هم القساوسة، والسراطين - جمع سرطان - ~~هم النمسويين. # ذلك إذا كان القدر الذي ساهم به كل من «أليساندرو مانزوني» و«جياكومو ليوباردي» في ~~الحركة القومية (الوطنية)، وحركة التحرير الإيطالية، وهو قدر في حد ذاته كان ~~ضئيلا، ولكنه كان على جانب كبير من الأهمية، إذا قيس بالأثر الذي خلفه كجزء من ~~التراث الأدبي والروحي (والخلقي) الذي صار لإيطاليا. # هذا، ولقد كان بعد سنة 1830 أن زاد تشكيل وبروز الطابع أو الظاهرة السياسية التي ~~بدأت بقيام الحركة الرومانسية، حتى إنه ليصح القول بأن الأدب الإيطالي بعد هذا ~~التاريخ يكاد يكون صورة لحركة المبادئ الحرة، يكاد يكون بأكمله مكرسا لشئون ~~السياسة؛ (أي أدبا سياسيا)، ويضع الفن تحت حكم الاعتبارات السياسية، بل لقد بدأ ~~الكتاب يزجون بأنفسهم في ميدان العمل والنشاط الإيجابي، وصار كثيرون منهم ~~«ضحايا» لقضية الحرية - قضية المبادئ الحرة - مثلهم في ذلك مثل «سيلفيوبيلليكو» ~~الذي مر بنا ذكره، من الذين اشتركوا في حوادث 1821، واتخذت هذه الحركة، صورة ~~الانكباب على التراث الأدبي القديم، وخصوصا على آثار «دانتي»، فبلغ عدد المرات ~~التي أعيد فيها نشر «الكوميديا الإلهية» المشهورة أكثر من مائتين، وذلك فيما بين ~~سنتي 1830، 1870 فحسب، كما ظهرت دراسات عديدة عن هذا الشاعر، لعل من أهمها كانت ~~الدراسة التي نشرها في سنة 1830 عن «حياة دانتي» الكاتب الإيطالي إريفابيني # Arrivabene # ثم تلك التي نشرها «سيزار بالبو» في ~~سنة 1839. # وفي الوقت نفسه بدأ الإيطاليون يهتمون بالأقاصيص والأساطير، ومجموع العادات ms1094 ~~والتقاليد المورثة، والمعتقدات وما إليها، مما يعرف باسم الفلكور # Folklore ~~. كما أخذوا يهتمون بدراسة اللغة، فنشر ~~نيقولو توماسيو # Niccolo Tommaseo # في سنة 1830 ~~«معجما للمترادفات»، وكان «توماسيو» إيطاليا ولد في دلماشيا، ثم استقر به ~~المقام في فلورنسة، ثم اهتم «توماسيو» بالأدب، فنشر في سنة 1837 رواية تاريخية ~~بعنوان «دوق أثينا»، ثم نشر في سنة 1841 مجموعة (أو ديوانا) من الأغاني الشعبية ~~جمعها من تسكانيا وكورسيكا، والأقاليم الأليرية (دلماشيا وساحل الأدرياتيك الشرقي)، ~~ثم شرع في إعداد «معجم للغة الإيطالية» لم ينته منه ولم ينشره إلا في سنة ~~1855. # وإلى جانب الدراسات اللغوية والفولكور عنيت المدرسة الرومانسية بالدراسات ~~التاريخية، فتأسست في تورين في سنة 1833 جمعية للتاريخ الوطني؛ أي لدراسة تاريخ ~~البلاد، وفي سنة 1842 تأسست في فلورنسة جمعية «المحفوظات التاريخية الإيطالية» ~~والتي كان أهم المساهمين في نشاطها المؤرخ «جينو كابوني» صاحب تاريخ «جمهورية ~~فلورنسة»، وكان من بين المؤرخين الآخرين؛ «كارلو ترويا» - وقد سبقت الإشارة إليه - ~~وهو من نابولي، نشر في سنة 1839 تاريخا لإيطاليا في العصور الوسطى، ثم نذكر من ~~هؤلاء؛ ميسكيلي آماري # Michele Amari # الذي نشر في ~~سنة 1842 تاريخا لمذابح صقلية أو سيشليا التي وقعت في سنة 1282، وذهب ضحيتها ~~الفرنسيون بهذه الجزيرة، خصوصا في باليرمو Palermo # على أيدي السيشليان، ثم إنه نشر بعد ثلاث سنوات (1845) ~~تاريخا للمسلمين في صقلية، ولقد سبقت الإشارة إلى «سيزار كانتو» وهو المؤرخ الذي ~~نشر في سنة 1832 «تاريخ لمبارديا في القرن السابع عشر»، ثم أخذ ينشر ابتداء من سنة ~~1845 «تاريخا للعالم»، ولقد استرعت دراسة القانون القديم انتباه العلماء ~~والمثقفين، فنشر كاتانيو # Cataneo # في سنة 1844 ~~بحوثه في «القانون المدني والطبيعي في لمبارديا»، وكانت هذه دراسة على جانب عظيم من ~~الأهمية. # وكان إلى جانب هذه الكوكبة من العلماء والمؤرخين والأدباء والكتاب إلخ؛ أن ~~نمت واتسعت حركة النشر وإصدار المطبوعات الدورية، حقيقة تعطلت مجلة «أنتولوجيا» ~~في سنة 1833، ولكن مجلات أخرى لم تلبث أن ظهرت إلى الوجود، وكان عددها كبيرا، ~~منها واحدة باسم «المرشد في التربية»، ظلت ms1095 تظهر من 1835-1845، وأخرى باسم ~~«إيطاليا»، وهكذا. # ولقد كان طبيعيا أن يتجه هذا الأدب الهادف إلى التربية والتهذيب نحو السياسة، ~~ولكن هذا الاتجاه نفسه يمكن ملاحظته كذلك، في الأدب الروائي، ومع أن الفكرة أو ~~الموضوعات التي تعرضها الروايات أو القصص في هذا العصر، لم تكن مستوحاة من الأحداث ~~أو التطورات السياسية مباشرة، فمن الثابت أنه كان لهذا النوع من الأدب، أثر بالغ من ~~الناحية السياسية ذاتها، في نفوس المعاصرين، وعلى الخصوص قصص (أو روايات) - ~~فرنسيسكو جويراتزي # Guerrazzi ~~(1804-1873) وهو ~~من ليفورنة، كان عنيفا في كتاباته، ملتهب العواطف والمشاعر، بدأ حياته الأدبية ~~في سن العشرين، وفي سنة 1836 ظهرت قصته المشهورة عن «حصار فلورنسة»، # 15 # وهو الحصار الذي انتهى في سنة 1530 بخضوع فلورنسة بعد دفاع عنيد لآل ~~مديشي، الذين كان انتزعها منهم الفرنسيون أثناء «الحروب الإيطالية» المعروفة في ~~القرن السادس عشر، فاستردها ألسندرودي ~~مديشي # Medici ~~، وقد ألهبت هذه القصة (الرواية) شعور الشباب الإيطالي، ~~وكانت أسمى تصانيف «جويراتزي» إطلاقا، كتب صاحبها إلى «مازيني» يقول: إنه إنما كتب ~~هذا الكتاب (أو القصة)؛ لأنه كان يعجز عن امتشاق الحسام في معركة فعلية، ولقد ~~راحت إحدى الصحف السرية التي يصدرها الأحرار وقتئذ باسم الرائد أو المبشر Percursore # توصي بقراءة هذه القصة «كل الإيطاليين ~~الذين تعمر قلوبهم بالولاء لبلادهم، والذين يريدون الوقوف على مدى الخزي والعار، ~~ودرجة الطغيان الكريه والبغيض، اللذين حلا بالبلاد سنوات طويلة بسبب سفه الأجانب ~~الجنوني، أو ما كانت تنفثه في صدورهم الأطماع الخبيثة.» ولقد استمرت هذه الصحيفة ~~تقول: إن هذا الكتاب (أو القصة) قد جعل الرعب والهلع يستبد برجال البوليس، الذين ~~شبهتهم الصحيفة بذلك الابن أرغوس # Argus # الذي كان ~~لأحد آلهة اليونان في أساطيرهم القديمة، له مائة عين ولا ينام إلا باثنين منها ~~فقط، فصار البوليس المرعوب يفتش الدور والأبنية تفتيشا دقيقا؛ ليصادر ما قد يعثر ~~عليه من نسخ من هذا الكتاب لإتلافها، ولم تكن «حصار فلورنسة» القصة الوحيدة من هذا ~~النوع التي كتبها «جويراتزي»، بل كانت له قصص (روايات) أخرى ms1096 تاريخية من هذا ~~الطراز نفسه. # ولقد صار الشعراء كذلك يرقون في قصائدهم بالعاطفة الوطنية أو السياسية إلى القمة، ~~ومن هؤلاء: ترنتزيو مامياني # Terenzio Mamiani # كونت، ديللا روفيري # Rovere ~~، وكان من رجال السياسة ~~في الولايات البابوية، وقد أخذ ينشر ابتداء من سنة 1829 طائفة من الترانيم ~~والتسابيح والقصائد، ثم كان من هؤلاء الشعراء كذلك: جيوفاني نيكوليني # Niccolini # أحد الأساتذة من فلورنسة، ومؤلف عدد من ~~«الدرامات» المنظومة شعرا مثل: «أنطونيو فوسكاريني» # 16 ~~(في سنة 1827)، التي نقد فيها الحكومات المطلقة، ثم «لودوفيكو سفورزا» # 17 # التي رسم فيها صورة لملكية تقوم على المبادئ الحرة، قال «نيكوليتي»: ~~إنها ضرورية لإحياء إيطاليا وبعثها من جديد (1837)، وفي إحدى دراماته: «جيوناني دي بروشيدا» # 18 # هاجم مساوئ الحكم النمسوي والمظالم التي يوقعها النمسويون بالشعب، ~~وأما أهم مسرحياته - المنظومة شعرا - فكانت «أرنالدو دا بريزبا» # 19 ~~(في سنة 1847)، والتي أبان فيها: كيف أن البابا والإمبراطور كانا ~~متحدين في الماضي والحاضر في إذلال إيطاليا، وتصفيدها بأغلال العبودية، وإلى جانب ~~«مامياني» و«نيكوليتي» يحتل نفس المكانة: جوبرتي ~~جويستي # Giusti # صاحب القصائد التهكمية اللاذعة ضد الحكومة، والتي لم يكن ~~يجرؤ أحد على طبعها، والتي صار يتداولها الناس سرا، وكانت قصائده تفيض بالكراهية ~~ضد النمسويين، ثم ضد الديماجوجيين؛ أي الزعماء الذين يعتمدون في زعامتهم على تحريك ~~عواطف الطبقات الدنيا الجامحة. وأخيرا، فقد أخذ كاتب وشاعر آخر هو: أنجيلو بروفيريو # Brofferio # ينشر ابتداء من سنة 1831 ~~أغنيات باللهجة البيدمنتية، كلها كذلك مليئة بالتهكم اللاذع ضد الحكومات ~~القائمة. # وهكذا أصبح الأدب في إيطاليا، أدبا سياسيا، ومما يجب ذكره؛ أن أكثر هؤلاء ~~الكتاب والمؤلفين والشعراء الذين ذكرناهم، سوف يكونون من بين المشتركين في ~~حركات ثورة 1848؛ وعلى ذلك ففي وسعنا القول: أنه بين 1815-1848، وعلى الخصوص ابتداء ~~من سنة 1830، قد أخذ يحدث اندماج كامل بين الحياة الذهنية في إيطاليا، والأماني ~~القومية الوطنية، ولقد كان الدور الرئيسي الذي قام به «الأدب» الذي استعرضنا خصائصه ~~في هذا العصر، هو تربية الشعب الإيطالي، وتشكيل روح إيطالية وطنية عامة بصورة ~~مطردة، لا يلبث أن ms1097 يشتعل لهيبها، فيشمل إيطاليا بأسرها. # على أنه قبل الانتقال إلى دور العمل والنشاط الثوري في سنة 1848، كانت هذه «الحركة ~~الأدبية» قد أفضت إلى نتيجة هامة معينة، هي تطهير وتنقية الحركة الثورية، والارتفاع ~~بها إلى مثل وأهداف أسمى من مجرد محاولات «محلية» إلى جهد أوسع ينشد غايات ~~«وطنية»، أو قومية أوسع مدى وأعمق أثرا في نتائجها، ولقد بدأت الحركة الثورية تتخذ ~~منذ 1830 شكلا مختلفا عما كان لها سابقا، وذلك تحت زعامة وإرشاد «مازيني»، وبفضل ~~تأسيس جمعية «إيطاليا الفتاة» على يد «مازيني» نفسه. # مازيني وجمعية إيطاليا الفتاة # 20 # ولقد كان من أسباب تحول الحركة الثورية، من المحلية إلى الإقليمية إلى الوطنية ~~الإيطالية؛ أي التي تشمل كل إيطاليا، ذلك الهوان الذي شعر به الطليان من جراء إخفاق ~~جمعيات «الكاربوناري»، وكان طبيعيا أن يجعلهم الفشل الذي أصاب «الكاربوناري» ~~والهوان الذي شعر به الإيطاليون، يتحولون إلى الحياة الذهنية والفكرية؛ ليجدوا في ~~هذا الحقل النظري منفذا لنشاطهم، ولقد كان للتأثير التربوي الذي أحدثته الحركة ~~الرومانسية في الأدب نفس النتيجة، من حيث إنه أضفى أهمية جوهرية على العامل أو ~~العنصر الروحي والخلقي، وتحت هذين التأثيرين إذن الشعور بأنهم كانوا مخدوعين ~~بجدوى العمل المادي؛ (أي الثوري)، ثم الخضوع لنفوذ التوجيه التربوي الذي كان للحركة ~~الرومانسية، نقول: إنه كان تحت هذين التأثيرين إذن أن صار الأحرار الإيطاليون ~~يدركون ضرورة العمل من أجل تطهير الحركة الثورية، وإعطائها معنى روحيا يسمو بها ~~عن مستواها النفعي والإقليمي المحدود، وأما الحركة الثورية في ثوبها هذا الجديد، ~~فقد تجسمت في شخص يوسف «جوزيبي» مازيني. # ويوسف مازيني كان من أسرة بورجوازية، ولد في جنوه في 22 يونيو 1805، لأب نال بعض ~~الشهرة كطبيب وكأستاذ للتشريح بجامعة جنوه، ويدين بالمبادئ الديموقراطية طول حياته، ~~ولأم عظيمة النشاط ومتدينة، ويعزى لانحدار مازيني من هذا الأصل الجنوي، تلك ~~الكراهية التي شعر بها ضد ملكيته بيدمنت التي حطمت أو منعت في 1815 إعادة استقلال ~~جنوه، وضمت هذه الأخيرة إلى أملاكها. وتلقى مازيني تعليمه أولا في أحضان أسرته، ~~ثم التحق بجامعة ms1098 جنوه فحصل منها على إجازة الدكتوراه في القانون، وهكذا نشأ مازيني ~~وأتم تربيته في بيئة علم وثقافة، وتسود بها المبادئ المثالية. ولقد بدأ حياته ~~الأدبية (سنة 1828)؛ أي وهو في سن الثالثة والعشرين بكتابة سلسلة من المقالات ~~التي نشرتها صحيفة تجارية كانت تصدر في جنوه (دليل جنوه)، # 21 # كان محررها قد وافق على نشر إعلانات أو تعليقات بسيطة على بعض الكتب ~~المطبوعة حديثا، لم تلبث أن استحالت تدريجيا إلى مقالات كاملة في الأدب، وقد ~~نفذ «مازيني» في مقالاته هذه الحركة الرومانسية وجهة نظر العمل السياسي؛ أي إنه ~~أعاب عليها الاقتصار على التفكير النظري وحسب، ولكن لم تنته سنة 1828 حتى كان ~~البوليس قد عطل هذه الصحيفة، فوجد «مازيني» منفذا آخر لنشاطه في صحيفة «دليل ليفورنة» # 22 # التي أسسها «فرنسسكو جويراتزي» في ليجهورن # Leghorn ~~«في تسكانيا» من طراز الصحيفة السابقة. وطلب «جويراتزي» ~~من «مازيني» أن يمد صحيفته بالمقالات، وفي مقالاته الجديدة حمل «مازيني» مرة أخرى ~~على الحركة الرومانسية، ومع أن الرقابة لم تكن في تسكانيا صارمة بالدرجة التي ~~كانت بها مثيلاتها في الحكومات الأخرى، فقد استرعت جرأة الصحيفة المتزايدة، وعلى ~~الخصوص العنف الشديد الذي اتسمت به إحدى مقالات «مازيني» الأخيرة، انتباه الرقابة ~~التي بادرت بتعطيل الصحيفة. وعندما حدثت ثورة يوليو 1830 المعروفة في باريس، وقامت ~~الاضطرابات والثورات في إيطاليا الوسطى، حامت الشبهات حول «مازيني» بسبب انضمامه ~~إلى جمعية الكاربوناري - وذلك منذ الوقت الذي بدأ يكتب فيه مقالاته «بدليل جنوه» - ~~فقبض عليه البوليس وألقى به في السجن في سافونا # Savona # بتهمة التحريض على إحدى حركات العصيان والثورة، فبقي ~~بالسجن ستة شهور، ومنع من الإقامة بجنوه، ووضع تحت المراقبة، ففر إلى كورسيكا ~~(فبراير 1831) ومنها إلى مرسيليا. # وكان أثناء سجنه في «سافونا» بإقليم جنوه، أن استطاع «مازيني» تحديد العناصر التي ~~تألفت منها عقيدته السياسية. # ولما كان «مازيني» قد وصل إلى مرسيليا في اللحظة تقريبا التي اعتلى فيها شارل ~~ألبرت عرش بيدمنت في 27 أبريل 1831، فقد بادر «مازيني» بإرسال كتاب باسم ~~«الإيطاليين»، يذكر فيه الملك الجديد ms1099 أنه وهو ولي للعهد، كأمير «كارنيان» كان ~~مقتنعا بفكرة تحرير إيطاليا، ويهيب به أن يصغي لصوت إيطاليا الذي لا ينتظر غير ~~كلمة واحدة، كما قال مازيني: «حتى يصبح صوتك أنت.» ثم استطرد يقول: «هلم ضع نفسك ~~على رأس الأمة، واكتب على رايتك: الاتحاد والحرية والاستقلال! هلم وأنقذ إيطاليا من ~~البرابرة!» ولكن مازيني لم يظفر بجواب على رسالته إلى شارل ألبرت، بل كان من أثر ~~هذه الرسالة أن صدر الأمر بإلقاء القبض عليه، إذا هو حاول العودة إلى إيطاليا، ~~فكان في ذلك انفصام كل علاقة بين ملكية بيدمنت ومازيني. # وأقام مازيني في مرسيليا، وأسس بها جمعية وصحيفة باسم «إيطاليا الفتاة» في سنة ~~1832، واشترط «مازيني» أن يلتحق بجمعيته الشباب والرجال دون الأربعين فقط، وتألف ~~أعضاؤها من رجال القانون والأطباء، والأساتذة من أهل الطبقة المتوسطة (البورجوازية) ~~بصفة عامة، والذين كان من بينهم: جوزيني ~~جاريبالدي # Garibaldi # أحد ضباط البحرية التجارية، وأما أهم الذين تعاونوا ~~مع مازيني في هذه الجمعية، فكان الأشقاء رافيني # Ruffini ~~«جاكوبو» و«أجوستينو» و«جيوفاني»، # 23 # ثم ميليجاري # Melegari ~~، ثم ميشيل بوناروتي # Buonarotti ~~، وهذا الأخير كان من الذين ~~انضموا «بابيف» وحركته الاشتراكية في عهد حكومة الإدارة في فرنسا، كما كان أحد ~~الذين حرضوا على الاضطرابات التي أثارها الحزب الجمهوري في باريس (يونيو 1832)، ~~وكانت إيطاليا الفتاة جمعية سرية ترمي إلى العمل الثوري، وتهدف في الوقت نفسه إلى ~~«تربية» الشعب، وتلقينه المبادئ الحرة والوطنية (القومية)، وعلى ذلك فإنه لم تمض ~~سنة واحدة على تأسيسها حتى كانت قد بدأت حياتها (1833)، بالنزول إلى ميدان العمل ~~وتدبير المؤامرات في إيطاليا استعدادا للثورة، وفي العام التالي وسع «مازيني» ~~نطاق جمعيته كما وسع برنامجها، وأسس في «برن» بسويسرة في 19 أبريل 1834: ~~«أوروبا الفتاة»، # 24 # وكان «مازيني» قد تآمر على إشعال الثورة في بيدمنت، ولكن هذه المؤامرة ~~أخفقت، وكان «جاكوبو رافيني» من بين الذين قبضت عليهم حكومة شارل ألبرت، وخيرته ~~هذه بين الإعدام أو إفشاء سر المتآمرين والكشف عن أشخاصهم، فآثر «رافيني» الانتحار، ~~ولما كانت الحكومة الفرنسية قد أمرت بنفيه وعطلت ms1100 صحيفته في مرسيليا، فقد اضطر ~~«مازيني» أخيرا إلى الذهاب إلى سويسرة، فبلغ جنيف في شهر يوليو 1833، وحاول تجهيز ~~حملة من البولنديين والألمان والفرنسيين، الذين كانوا يعيشون في المنفى خارج ~~أوطانهم، بالإضافة إلى المنفيين في سويسرة، وكان غرضه الزحف على بيدمنت، ولكن هذه ~~الحملة فشلت لأسباب كثيرة، بعد أن تجمع أفرادها (القليلون) عند الحدود بالقرب من ~~«سان جوليان»، فتفرقت يوم 4 فبراير 1834، ولم تكن تطلق رصاصة واحدة، وفي بداية سنة ~~1837 وصل مازيني إلى لندن وبصحبته الأخوان: أجوستينو وجيوفاني رافيني، ومن لندن ~~انكب «مازيني» على توجيه الحركة الإيطالية، ثم أسس بها في سنة 1842 مجلة جديدة ~~بعنوان الرسولية أو الحوارية ~~الشعبية # L’Apostolato Populare ~~. # وكان «مازيني» أثناء هذا كله موضوعا تحت رقابة شديدة من جانب البوليسين ~~الإنجليزي والفرنسي، يحصيان عليه كل حركاته وسكناته. # ولا جدال في أنه كان لمازيني تأثير عظيم على المحيطين به، والذين يقرءون كتاباته ~~لمظهره الجذاب من ناحية، ولتعصبه لآرائه وتمسكه بالمثل العليا من ناحية أخرى، فهو ~~لا أطماع ذاتية له، ويعيش عيشة جد وتقشف. ويعترف المتصلون به أنه يتمتع بشخصية ~~ساحرة، وهو صاحب بلاغة وطلاقة، ويكتب بأسلوب باهر ومفعم بالحماسة، ويجعل كل كتاباته ~~ونشراته وكراساته ورسائله مع الذين يكاتبونه من مختلف البلدان، تنبض بالحياة، ظفر ~~بمحبة الأحرار الطليان - وذلك أمر طبيعي، ولكنه ظفر كذلك بمحبة الجمهوريين أو ~~الأحرار الفرنسيين، وأعجب به عدد من النساء اللواتي اتصلن به مثل؛ الكاتبة الفرنسية ~~جورج صاند # George sand ~~، والكونتيسداجول # D’agoult ~~، والبرنسيس بلجيو جوسو # Belgiojoso # وهكذا، ولقد كان بفضل هذا كله أن صار «مازيني» ~~شخصية رومانسية تحيط بها هالة من البطولة؛ ولهذا السبب نفسه وطوال السنوات التي بقي ~~فيها على مسرح السياسة، استمر «مازيني» صاحب نشاط عظيم الأثر، فهو قد صار زعيما ~~للحركة الثورية في إيطاليا، ولكنه قد صار كذلك مشجعا للحركة الثورية الدولية ~~وراعيا لها، وهو الذي راد الحركة الثورية، التي بقيت حتى هذا الوقت متخبطة في ~~أغراضها، وعاجزة عن تعيين أهدافها؛ راد هذه الحركة الثورية ليس ببرنامج كامل فحسب، ~~بل وبعقيدة ms1101 سياسية ووطنية ينبع منها نشاطها. # فقد شاهدنا كيف نقد «مازيني» الحركة الرومانسية، وعاب «مازيني» على الرومانسية ~~إنها كانت مدرسة تؤيد النزعة الفردية، ولا رسالة سياسية ووطنية قومية لها. وعلى ~~خلاف ما كان يأخذ به «مانزوني» أحد أعلام هذه المدرسة؛ اعتقد «مازيني» أن إصلاح ~~الفرد لا يأتي إلا كنتيجة من النتائج المترتبة على إجراء الإصلاحات السياسية؛ ~~ولذلك فالواجب أن يكون العمل السياسي هو موضوع الأدب، «فالرومانسية - كما يقول - ~~ينبغي أن يكون غرضها تزويد إيطاليا بأدب قومي (أهلي) أصيل؛ لتدافع ببلاغة عن ~~الآراء التي تعتمد عليها الحركة القومية والمطالب التي هي ضرورية لها.» # ولقد نقد «مازيني» كذلك جمعيات «الكاربوناري» والمبادئ والتعاليم المستندة عليها، ~~فعاب على «الكاربونارية» # 25 # افتقارها إلى العقيدة الثابتة، والقوى الروحية (الأدبية)، وقبل كل ~~شيء أنه لم تكن لها أهداف اجتماعية، فلم تعد برنامجا للإصلاحات اللازمة في التشريع ~~(القانون) وفي التربية والتعليم، وصمم «مازيني» على استبعاد أعضاء «الكاربوناري» ~~من جمعياته، وأخذ يوجه لهم النصح والإرشاد حتى «يضعوا الشباب على رأس الثورة!» ~~ويطلب منهم: «أن يشعروا الشباب بأن دورا نبيلا في انتظارهم ليقوموا به، وأن ~~يشعلوا في صدورهم نار الحماس، بإطرائهم وتأكيد ثقتهم في قدرتهم وقوتهم، ثم عليهم ~~أن يطلقوهم بعد ذلك على النمسويين.» وكان واضحا أن تحرير الشعب ذهنيا وتربيته ~~اجتماعيا وخلقيا، أمران لا غنى عنهما لإمكان تحرير إيطاليا وبعثها، وذلك نفسه ~~ما لم يكن يدخل في تفكير «الكاربوناري» وحسابهم. # ومع ذلك فقد اتفق مازيني مع «الكاربوناريين» في ضرورة العمل بطريق الجماهير؛ أي ~~الاعتماد على سواد الشعب في القيام بالحركات الثورية؛ لأن الحركة الثورية التي لا ~~تقوم على أكتاف الشعب سوف تتعرض للفشل دائما، فلا يعود الشعب حينئذ ينظر إلى ~~الحركات الثورية إلا بعين الزراية، وكعمل مبعثه الغرور والطيش أو الغواية؛ ولذلك ~~فقد وجب أن يجذب الشعب إلى الثورة الأمر الذي لا يحصل إلا إذا صار لهذا الشعب ~~«مثل أعلى» يسترشد به ويريد تحقيقه؛ وعلى ذلك فقد طلب مازيني من الكاربوناريين أن ~~«يذكروا للشعب أنهم يريدون تحريره من طغيان الأمراء ms1102 الحاكمين، ودفع الإهانات التي ~~تأتيه من الموظفين، والظلم الذي يقع عليه من الأغنياء وأصحاب الامتيازات، وعليهم ~~عندما تبدأ الجماهير تتحرك نحو الثورة، وعندئذ فقط أن يتجهوا إلى لمبارديا، يدعون ~~لإشعال الحرب ضد النمسويين.» وواضح أن «مازيني» كان يستنكر كل تلك الثورات ~~المرتجلة التي أثارها الكاربوناريون دون الاستناد إلى برامج معينة، والتي كانت ~~حركات محلية، ومع ذلك فقد عمد «مازيني» إلى تحريك عدد من الثورات المشابهة لهذه ~~الثورات المحلية (والكاربونارية) ذاتها. # ولقد كانت ثورة الشعب الإسباني ضد نابليون ونجاحه في طرد الغزاة الأجانب، هي المثل ~~الظاهر أمام عينيه دائما، ووصل «مازيني» من دراسته لهذه الثورة إلى نتائج محددة، ~~أهمها أن المتطوعين الذين تعمر قلوبهم بالإيمان أعلى مرتبة، وأعظم مقدرة في الحرب ~~من الجيوش النظامية، وأن الجنود النظاميين إنما يكون نصيبهم دائما الهزيمة أمام ~~الحركات الشعبية، ولكن حتى تتسنى استثارة الجماهير أو الكتل الشعبية، كان ~~ضروريا أن يزود هؤلاء بمثل أعلى هو «الوطن» تعمل الكتل الشعبية حينئذ لإنقاذه ~~من السلطان الأجنبي. ولقد كان «مازيني» أول من زود الحركة الثورية الإيطالية ~~ببرنامج وطني أو قومي، عندما كانت الحركة الثورية قبل هذا الوقت قبل كل شيء حركة ~~محلية ومبعثها المبادئ الحرة وحسب، فصارت الآن بفضل مازيني حركة قومية، وفكرة ~~القومية عند مازيني نقية صافية، تسمو عن العناصر الروحية المجردة، فهو يقول عن ~~الأمة: إنها تعني مجموع المواطنين الذين يتكلمون لغة واحدة ويمارسون مشتركين وعلى ~~قدم المساواة؛ الحقوق السياسية والمدنية؛ وذلك من أجل تحقيق غرض مشترك هو تنبيه ~~وإيقاظ القوى الاجتماعية واستكمالها بصورة مطردة. ثم هو يعرف كذلك القومية ~~بأنها: «الفكر المشترك، والمبدأ المشترك، والهدف المشترك.» فالأمة هي «اجتماع كل ~~الناس الذين تربطهم اللغة والاعتبارات الجغرافية المعينة، والدور الذي عهد به ~~التاريخ إليهم ليقوموا به، فيعرف هؤلاء أن لهم مبدأ واحدا، ويسيرون بحكم قانون ~~موحد نحو تحقيق غرض واحد ومعين، وتتألف الحياة القومية «الأهلية» من ذلك ~~النشاط المتسق، الناجم من استخدام كل القوى الفردية التي يحتويها المجتمع أو اجتماع ~~هؤلاء الناس؛ لتحقيق هذا الغرض الفرد.» ms1103 وواضح أن هذه العبارات التي عرف بها ~~«مازيني» القومية، إنما كانت تفسر معنى وفكرة يقظة الشعور القومي، وبداية ظهور ~~المبدأ القومي، والأسباب والعوامل التي وراء هذه اليقظة والبداية. # ولقد ارتفع «مازيني» بهذه المعاني أو المدركات التي أتى بها لمدلول القومية، إلى ~~أقصى درجات المثالية عندما قال: «إن الوطن قبل كل شيء إنما هو شعور المرء بأن ~~هناك وطنا، فليست الأرض التي تمشي عليها، وليست الحدود التي تقيمها الطبيعة بين ~~أرضك وأرض الآخرين، واللغة العذبة التي تتجاوب أصداؤها فيها، إلا الشكل الظاهر ~~للوطن، أما إذا لم تكن روح الوطن تقطن في محراب حياتك المقدس الذي اسمه الضمير، ~~فإن هذا الشكل الظاهر يشبه حينئذ جنة جامدة لا نفس فيها ولا حياة لها، وتكونون ~~أنتم قبرا لا اسم له، كتلة أو جمهرة من الأفراد، ولكن ليس شعبا، فالوطن هو ~~الإيمان به، فإذا كان كل واحد منهم له هذا الإيمان، ويصبح مستعدا لإراقة دمه في ~~سبيل الوطن، فعندئذ فقط أنتم تملكون وطنا وليس قبل ذلك بتاتا!» ولا جدال في أن ~~هذه المعاني التي أتى بها مازيني للوطن وللقومية، كانت تسمو كثيرا على كل تلك ~~المعاني والمدركات المحدودة والإقليمية، وذات الطابع النفعي التي اقترنت بفكرة ~~العمل الثوري، والتي أتت بها «الكاربونارية». # بل إن «مازيني» قد ارتقى بفكرة القومية، بدرجة تجاوز بها المعنى القومي أو ~~الأهلي؛ ليسمو بها إلى المعنى «الإنساني»، فقال: «إن القومية شيء آخر كذلك، ~~فالقومية هي نصيب الشعب المعطى له من فعل الله؛ ليساهم به في كد الإنسانية ~~واجتهادها، هي رسالة الشعب والواجب الذي عليه تأديته على الأرض، حتى يمكن أن تتحقق ~~فكرة الله على هذه الأرض، ثم هي العمل أو الفعل الذي يعطي الشعب حق ذكره في عالم ~~الإنسانية، وهي التعميد الذي يعطي الشعب طابعه الخلقي وعلامته، ويقدر له ~~المكان الذي ينزل به بين الشعوب التي هي إخوته.» فلا يقف الجهد أو الفعل القومي إذن ~~عند حدود أمة واحدة فقط، أو أنه يستنفد قوته بمجرد خروج أمة واحدة إلى عالم الوجود، ~~فالواجب ms1104 الملقى على عاتق الجهد أو الفعل القومي، إنما هو واجب أكثر اتساعا وضخامة، ~~وذلك عندما عرف «مازيني» الإنسانية بأنها اتحاد أو اجتماع الأوطان وارتباطها ~~ببعضها بعضا، وأنها تحالف الأمم من أجل تأدية رسالتها على الأرض. # وفي ضوء هذه المعاني إذن للوطن والقومية والإنسانية، يصبح سهلا إدراك الغاية من ~~تأسيس «جمعية إيطاليا الفتاة»، والفكرة المنبثق إنشاؤها منها، ومدى ارتباط «إيطاليا ~~الفتاة» بهذه الفكرة ذاتها، فكرة القومية؛ بل إن محبة مازيني للبولالنديين - الذي ~~عرفنا أنهم قاموا بثورتهم الأهلية ضد روسيا سنة 1831 - ورغبته في حدوث الاتفاق ~~والتفاهم و«الصلح» بين هؤلاء البولنديين والديمقراطيين الروس، إنما يفسرها نفس هذا ~~«الواجب» الذي يشعر «القوميون» أنهم مقيدون به نحو الإنسانية قاطبة، ونحو هذه ~~الإنسانية اعتبر «مازيني» أن لكل شعب من الشعوب رسالة خاصة به عليه تأديتها، ~~أما رسالة الشعب الإيطالي، رسالة إيطاليا، فقد عظمها مازيني وفخمها ~~تفخيما، على غرار ما فعل «جويزبي الفييري» من قبل، أو ما كان يفعله الرومانسيون ~~الآن الذين يعظمون روما القياصرة وروما البابوات - القياصرة والبابوات الذين ~~فرضوا سلطانهم على العالم، والذين وحدوا هذا العالم وبسطوا عليه ألوية السلام - ~~وعقد مازيني آمالا كثيرة على «إيطاليا الثالثة» إيطاليا في العهد الجديد، الذي ~~يعيد ذكرى إيطاليا في عهدي المجد والفخار السابقين، إيطاليا الثالثة التي سوف تقوم ~~بنفس الدور، وتضطلع بنفس المهمة، ولم يعترف «مازيني» بأمة أو دولة أخرى إلى جانب ~~إيطاليا في استطاعتها أن تقوم بدور المرشد للحضارة والمدنية، وبما في ذلك فرنسا ~~التي يعترف لها الأوروبيون في مجموعهم بالقدرة على القيام بهذا الدور. # وهكذا يستبين أن مازيني كان صاحب عقيدة مؤسسة على فلسفة سامية لفكرة القومية ~~وللمبدأ القومي، فقد كان في إدراكه لمعنى القومية يرقى بها إلى أسمى مظاهرها ~~وأشكالها، وبالنسبة لإيطاليا كانت الفكرة القومية عند وضعها موضع التنفيذ، هي ~~انقطاع كل صلة بعمل الثوريين الإيطاليين في الماضي، فاختلف الأثر الذي حدث في نفسه ~~نتيجة لرد الفعل الذي كان لهذه الحركات الثورية الأولى، عن الأثر الذي خلفته هذه ~~في نفس «سيسموندي» المؤرخ الإيطالي مثلا، ms1105 الذي كتب في نوفمبر 1830: # أنه ينحاز إلى صفوف الملكية إذا حصل - وذلك أمر محتمل الوقوع جدا - ~~أن ملكا من بيدمنت أو من نابولي أمد الإيطاليين بهذا الثمن، بنواة ~~جيش، وبمخازن للأسلحة والذخائر.» ثم استمر يقول: «إنه يريد الاستقلال ~~ومتمسك به؛ ولذلك فهو يريد القوة ويعتمد عليها أكثر من رغبته في الحرية ~~والتمسك بها. # ولقد وافق مازيني على أن الأمراء والملوك في وسعهم نجدة القضية الوطنية أو ~~القومية، بفضل القوة الفعلية التي يأتون بها لخدمة هذه القضية، ولكن هذه الفائدة لا ~~يلبث أن تزول قيمتها أمام طائفة كبيرة من المحاذير، وبسبب كل تلك الغيرة التي يشعر ~~بها الملوك نحو بعضهم بعضا، حتى إنه لا يحسن كثيرا رفض هذه النجدة، ثم إن ~~مازيني حمل حملة عنيفة في تصنيف صغير نشره في سنة 1833 على الفكرة الفدرائية «اتحاد ~~إيطاليا اتحادا فدرائيا»؛ لأن هذا النوع من الاتحاد إنما هو تأييد لنظام ~~البلديات (أو حكومة المجالس البلدية) المحلية الإقليمية، وليس مبعثه سوى الأهواء ~~الوضيعة التي سوف تنهش أرض شبه الجزيرة كما تنهش الديدان الجيف. ولم يكن في وسع ~~مازيني أن يظن خيرا في الأمراء أو الملوك الإيطاليين، أو يرجو منهم نفعا كقوة ~~تعيد الحياة إلى إيطاليا وتبعثها بعثا جديدا، فليس هناك سوى وسيلة واحدة في رأيه ~~لخلق الأمة والارتقاء بإيطاليا إلى ذلك السمو الروحي المتفق مع رسالتها، تلك هي ~~الوحدة، والوحدة وحدها فقط، وبطبيعة الحال على شريطة أن تقترن هذه الوحدة بالحرية ~~التي هي في الوقت نفسه شرطا لهذه الوحدة، ثم تصبح كذلك نتيجة لها، ومعنى اقتران ~~الوحدة بالحرية؛ أن تتخذ بالضرورة شكل هذه الوحدة السامية النظام الجمهوري، فالمثل ~~الأعلى الذي يدين به مازيني إذن هو أن تتوحد إيطاليا، وأن تسود بها المبادئ ~~الجمهورية، وأن يجري الحكم فيها لصالح الشعب نفسه. # ولقد افترق مازيني عن المسيحية، ثم عن الكنيسة التي اعتبرها العقبة الكأداء في ~~طريق الوحدة الأهلية، ولكن هذا لا يعني أن مازيني لم يكن مع ذلك مؤمنا بوجود ~~الله، فهو قد جعل شعار عقيدته: ms1106 «الله والشعب والإنسانية»، وكانت عقيدته السياسية ~~درسا في الأدب والتهذيب في الوقت نفسه، فيقول: «إن الحياة رسالة، والفضيلة هي ~~التضحية، والتضحية وحدها هي القدسية والطهارة.» ولقد كان بطريق التعظيم «لدين» ~~القومية والتعظيم للحرية، أن صار لمازيني نفوذ عظيم، يفوق كثيرا أي نفوذ قد يتمتع ~~به زعيم حزب من الأحزاب، أو هيئة مسلحة معينة، أو رئيس إحدى الجمعيات السرية، ~~فجمعيات «إيطاليا الفتاة» كانت تقدس مازيني تقديسا فهي تؤمن به، وتخضع خضوعا ~~مطلقا لتوجيهه وإرشاده، ثم إن مازيني بسبب هذا المظهر «الديني» الذي كان لقيادته ~~وتوجيهاته، لم يكن يقبل المناقشة في أية آراء يبديها، أو أية أحكام يصدرها، بل كان ~~يثق ثقة مطلقة في صدق آرائه وأحكامه ، وأنه على صواب، ويسير في طريق الحق دائما، ~~الأمر الذي جعله نتيجة لهذا كله يرتكب أخطاء كثيرة، ويكلف الإيطاليين تضحيات لا ~~فائدة منها ولا طائل تحتها، ولكن من الواجب الاعتراف أيضا بأن هذه «المثالية» هي ~~مبعث عظمة مازيني، والسبب الذي جعله يختلف عن كل الثوريين الذين ظهروا على مسرح ~~النضال الأول. # الثورات «المازينية» # ولقد كان من المنتظر أن بتجنب «مازيني» السير في الطريق الذي سارت فيه ~~«الكاربونارية»من قبل، وهو الذي نقدها وعاب عليها «عملها الثوري» للأسباب التي ~~عرفناها، ولكن مازيني لم يلبث أن سلك نفس الطريق، فهو ذو طبع حاد، وصاحب نشاط مفرط ~~مع اشتياق عظيم للعمل، وهو «مثالي» لا يقيم وزنا للتضحية مهما عظمت في سبيل مثله ~~العليا، بل يرى التضحية ضرورية، وسببا للزهو والافتخار، فكان ذلك منشأ تلك ~~المحاولات الثورية التي قام بها «مازيني» وأعوانه أعضاء «إيطاليا الفتاة» في ~~السنوات التالية، وهي المحاولات التي كانت تنتهي بالفشل بعد أن تتكبد خسائر في ~~الأرواح فادحة، ولم يفد شيئا أن العقيدة التي أتى بها مازيني كانت مطهرة من ~~الشوائب التي التصقت بالكاربونارية، فقد عمد مازيني إلى اتخاذ نفس الأساليب، بل ~~وصار يسوغ ذلك بقوله: إن الظروف وحدها قد فرضت هذه فرضا، وهي الظروف الناشئة من ~~طبيعة تكوين هذه الجمعيات السرية (جمعيات إيطاليا الفتاة) ومن المؤامرة. ms1107 # فلم يمض عام واحد من تشكيل «إيطاليا الفتاة» حتى شرعت هذه الجمعية في سنة 1833 ~~تهيئ لتحريك الثورة في مودينا، وفي مملكة سردينيا «بيدمنت»، ولكن سرعان ما ~~اكتشفت المؤامرة، وألقي القبض على عديدين، ونفذ حكم الإعدام في طائفة منهم في ~~جنوه وفي ألسندريا. وقد سبق أن رأينا كيف آثر «جاكومو رافيني» الانتحار على الموت ~~شنقا، أو إفشاء سر الجماعة، وقد صدر الحكم بإعدام مازيني لرفضه الحضور أمام ~~المحكمة، وكان «مازيني» قد فر إلى سويسرة، وفي سويسرة أسس مازيني - كما عرفنا - ~~«أورو بالفتاة»، وصار يجهز في الوقت نفسه (1834) حملة ضد بيدمنت، هي التي كنا أشرنا ~~إليها عند ذكر سيرته. وكان «مازيني» يهيئ حملة مزدوجة بقيادة أحد المغامرين ~~الجنرال رامورينو # Ramorino ~~، كان مولده في سافوي، ~~وخدم في جيش نابليون، وشغل أحد مناصب القيادة في الثورة البولندية سنة 1831، وكان ~~غرض هذه الحملة الوصول إلى شامبري # Chambery ~~(في ~~سافوي)، على أن يخرج قسم من قواتها من سويسرة، بينما يخرج القسم الآخر من ~~جرينوبل # Grenoble ~~(في فرنسا بالقرب من حدود ~~سافوي)، وفي الوقت نفسه تشتعل الثورة في جنوه وفي غيرها من المدن «في بيدمنت»، ~~وتنفذت هذه الحركة في فبراير 1834 ولكنها فشلت، واستطاع غاريبا لدى الذي كان يقود ~~الحركة في جنوه، الفرار في الوقت المناسب إلى أمريكا الجنوبية، ونجح مازيني في ~~العودة سالما إلى سويسرة، ثم في الذهاب منها بعد ذلك إلى إنجلترة (1836). # وفي الوقت الذي حصلت فيه هذه المحاولة ضد بيدمنت، وكانت تحاك في مملكة نابولي ~~خيوط مؤامرة عسكرية، لم تلبث أن ظهرت آثارها في نولا # Nola # وفي غيرها من الجهات، ولكن قضي على هذه الحركة كما قضي ~~على الحركة الشمالية، ووضع نتيجة لذلك كل الثوريين تحت الرقابة الصارمة، وضاعف ~~الجواسيس نشاطهم، وتشددت المحاكم في العقوبات التي أصدرتها على الثوريين المقبوض ~~عليهم، ثم كان بعد ثلاث سنوات من هذه الحوادث أن قامت حركة ثانية (1837)، حينما ~~انتهز مازيني وأنصاره فرصة انتشار وباء الكوليرا في صقلية، والهلع الذي استبد ~~بالأهلين الذين اتهموا الحكومة بتسميم الآبار لإفناء ms1108 الشعب وإبادته، مما جعل ~~الاضطرابات تسود الجزيرة، كما انتهز «مازيني» فرصة حصول المجاعة في إقليم ~~أبروتزي # Abruzzi # الشمالية الشرقية في نابولي ~~لتحريك الاضطرابات في المملكة، ولكن سرعان ما صارت «اللجان العسكرية» تتعقب ~~الثوريين وتطاردهم، وتقبض على المشبوهين، واتخذ الملك فردنند الثاني (1830-1859) من ~~هذه الاضطرابات ذريعة لإلغاء ما كان متبقيا من حقوق وحريات لأهل صقلية، وبحثت ~~الحكومة عن الصلات التي ربطت هذه الحركات «بإيطاليا الفتاة»، فبدأت من ثم محاكمة ~~كبيرة لم تنته إلا في سنة 1841، وذلك عقب قيام محاولة على أيدي الأحرار في ~~أكويلا # Aquila ~~«بإقليم أبروتزي» أثبتت الصلة ~~بين الجمعيات المازينية وبين هذه الثورات الجنوبية. # وحوالي سنة 1843 قامت محاولة ثالثة، وكان الغرض تهيئة اشتعال الثورة في وقت واحد ~~في كل من مملكة نابولي، وفي رومانا (بالولايات البابوية)، وفي تسكانيا. ولكن الذي ~~حدث أن المتآمرين على الثورة في كل واحدة من هذه الجهات، كانوا ينتظرون أن تبدأ ~~الحركة على أيدي إخوانهم في الجهة الأخرى؛ حتى إن ثورة ما لم تشتعل في أي واحدة ~~منها، بل انكشف ستر المؤامرة، وقبضت الحكومة على المشبوهين، خصوصا في رافينا # Ravenna ~~، وفي بولونا - بالولايات البابوية - ~~واستطاع بعض المشبوهين الهرب؛ للقيام بحرب العصابات في جبال «الأبناين» بقيادة ~~الآخرين موراتوري # Muratori ~~، اللذين اضطرا بعد فترة ~~من الوقت إلى الفرار إلى تسكانيا ملتجئين بها. # أما هذه المحاولات الفاشلة، فقد أثارت شيئا من خيبة الأمل، حتى إن «مازيني» ~~لم يلبث أن اعترف أن هذه الحركات العسكرية المنعزلة عن بعضها بعضا، والتي ~~يراد بها محاربة الحكومات القائمة، إنما هي جهود عديمة الفائدة، وأن من الواجب ~~الانتظار؛ حتى يتم امتزاج أكبر بين مختلف الجماعات في كل الأقاليم الإيطالية، ~~لمحاولة القيام حينئذ بحركة واسعة وعظيمة، على أن ترويض النفس على الصبر كان ~~مهمة شاقة على الشباب من أعضاء «إيطاليا الفتاة» الذين ملأتهم حماسا دعاية مازيني ~~نفسه، وجعلتهم تواقين للعمل الثوري، خصوصا الأخوان أيتليو # Attilio # وإميليو # Emilio # باندييرا # Bandiera ~~، ~~وهما نبيلان من البندقية، ويعملان ضابطين بالبحرية النمسوية، (التي يقوم بالخدمة ~~فيها الطليان ms1109 وأهل دلماشيا خصوصا)، وتأثرا بالتعاليم المازينية تأثرا عظيما، ~~وكان مازيني يريد الاعتماد عليهما في تحريك الثورة في إيطاليا الوسطى، ولكن سرعان ~~ما وقف البوليس في نابولي على أمرهما، كما فتحت الحكومة الإنجليزية الرسائل ~~المتبادلة بينهما وبين مازيني الذي كان يقيم بإنجلترة. ثم اطلعت حكومة نابولي على ~~المؤامرة، فدست نابولي عليهما الجواسيس الذين هيئوا لهما إمكان تزعم ثورة ~~وهمية في كلابريا، واعتقد الشقيقان أن بوسعهما قيادة حرب العصابات في جنوب شبه ~~الجزيرة بسهولة أكثر، مما لو دارت هذه الحرب في الشمال. وفي مايو 1844 ترك الشقيقان ~~الخدمة، فهربا من الأسطول حين وقوفه عند جزيرة «كرفو»، فنزلا مع أتباعهما وكانوا ~~عددا صغيرا في كلابريا في 16 يوليو؛ ليجدوا كمينا في انتظارهم، فكان مصير زعيمي ~~الحملة «باندييرا» مع سبعة آخرين الإعدام رميا بالرصاص، وسقطوا وهم يهتفون: «لتحيا ~~إيطاليا»! # لقد أثار مقتل أيتليو وإميليو باندييرا موجة من الألم في كل إيطاليا، الألم وهياج ~~الشعور الذي يفسرهما أن الشقيقين كانا حديثي السن، ومن أسرة عريقة بالبندقية، كما ~~أنهما أبديا شجاعة خلقية كبيرة، ولقد دل هذا الحادث على مدى التغلغل الذي بدأ ~~يصير للحركة القومية (الوطنية) في الجنوب. # على أن فشل حركة الشقيقين «باندييرا» كانت بمثابة ضربة قاتلة أصابت جمعية ~~«إيطاليا الفتاة»، لقد نصحهما «مازيني» بعدم القيام بهذه الحركة كعمل بعيد كل البعد ~~عن عين الحكمة والصواب، ولكن مسئولية فشل «الثورة» في كلابريا سرعان ما ألقيت على ~~كاهل «مازيني» و«إيطاليا الفتاة»، ومع ذلك فقد حدثت حركة صغيرة أخرى في إقليم ~~«رومانا» في السنة التالية (1845)، بدأت في ريميني # Rimini # وكان نصيبها الفشل كذلك. # أما ما أسفرت عنه الدعاية (البروباجندا) المازينية وهذه المحاولات «للعمل» ~~وتحريك الثورة، فهو أن بعض الأقاليم بشبه الجزيرة الإيطالية صار عدم الاستقرار ~~يسود به عشية الثورة الكبرى «ثورة 1848»، وخصوصا الولايات البابوية التي أضافت ~~فوضى الإدارة بها سببا آخر لزيادة عدم الأمن والاضطراب، والتي تكاثرت بها خلايا ~~الجمعيات السرية، والتي شهدت إلى جانب هذا كله - وكما كان الحال في مملكة نابولي - ~~عصابات اللصوص المسلحين يقطعون ms1110 الطرق الرئيسية. # ولكن كل هذه القلقلة وهذا الهياج والاضطراب لم يسفرا عن نتيجة، فقد فشلت هذه ~~الحركات الثورية جميعها، وكانت بمثابة قوى بددها أصحابها سدى، فلم يجن النشاط ~~الثوري من كل «المؤامرات» المازينية سوى فائدة واحدة، هي ازدياد قائمة «المستشهدين» ~~من الأحرار الطليان، ولقد كان تفضل الذكريات التي بقيت حية عن هؤلاء المستشهدين، أن ~~قوي الإيمان بالوطن، وذلك أثر «روحي»، وأما من الناحية العملية و«المادية» ~~المباشرة، فلم يكن لهذه المؤامرات والحركات المازينية أي أثر. # ومنذ 1840 طرأ «تعديل» على الأفكار وأسلوب العمل في إيطاليا، وجرى هذا «التعديل» ~~بمحاذاة الحركة الثورية المازينية، ثم اتخذ الشكل الذي صارت تعرف به الحركة ~~القومية بعد ذلك، وهو «البعث» أو «الإحياء». # حركة البعث أو الإحياء # Risorgimento # بدأ هذا «التعديل» الهام الذي حدث في إيطاليا منذ سنة 1840 كما ذكرنا، وكان ~~تغييرا طرأ على الذهن وعالم الفكر، وعلى الفعل أو عالم الواقع، من حيث إن ~~الحوادث التي شاهدناها قد أدت إلى استنكار «المبادئ» أو المثل التي أتت بها ~~الكاربونارية ورفضها، هذا من ناحية، ثم حصل من ناحية أخرى أن صارت مخترقة الحدود ~~التي كانت تفصل فصلا تاما في الماضي بين كل «دولة» وأخرى في شبه الجزيرة ~~الإيطالية، مما نجم منه جميعه، أن أصبح مستطاعا تشكيل حركات لم تعد منعزلة عن ~~بعضها بعضا، كما كان الحال حتى هذا الوقت، بل صار ممكنا أن تقوم حياة قومية ~~وطنية (أو أهلية)، وأن يبحث المفكرون والعاملون في شرائط هذه الحياة الوطنية ~~القومية، وهذه الحركة الجديدة (الأهلية) صار يطلق عليها اسم الإحياء أو البعث # Risorgimento ~~، وقع أن «البعث» كان ~~اسما لصحيفة تأسست فقط في سنة 1847، فقد صار يستخدم هذا «المصطلح» في معناه ~~العام لوصف هذه الحركة. # والذي يجب ملاحظته أولا؛ أن شرائط الحياة الاجتماعية في إيطاليا، وإن كانت ~~قد تبدلت، فإن هذا التبدل لم يكن كاملا ولم يحدث في كل أنحاء إيطاليا، أو ~~بدرجة واحدة، بل كان في مجموعه يدل على أن إيطاليا التي كانت متأخرة ومتخلفة حتى ~~هذا الوقت، قد ms1111 بدأت تسير في طريق الجدة والحداثة؛ أي شرعت تأخذ بأساليب جديدة في كل ~~نواحي حياتها. # فمن ناحية التقدم المادي، تأثرت حياتها الزراعية بوجه الخصوص، وهي التي استمرت ~~أساس الحياة الإيطالية، وأفادت إيطاليا الشمالية من نظام إداري كان يفضل غيره ~~كثيرا في الأقاليم الأخرى، وذلك تحت السيطرة الفرنسية أولا، ثم السيطرة ~~النمسوية أخيرا في لمبارديا وبيدمنت - وكان كافور # Cavour # أحد هؤلاء النبلاء الذين اشتهروا في بيدمنت بحسن إدارة ~~أملاكهم واستغلال أراضيهم؛ ثم أسس النبلاء في تسكانيا جمعية زراعية، ولقد عنى ~~النبلاء بإذاعة التعليم الفني الزراعي، وجمعوا المجالس الزراعية من الملاك، ~~ومستأجري الأرض أو الملتزمين بها، وافتتحوا المدارس الزراعية، وأنشئوا نوعا من ~~البنوك الريفية لتنمية رءوس الأموال المستخدمة في الزراعة، وفي كل مكان تشكلت ~~الجمعيات الزراعية لنشر الأساليب الجديدة المتبعة في الزراعة، ثم نمت وتقدمت ~~الزراعات الرئيسية ؛ زراعة الأرز والذرة، وبدأت تربية المواشي بطرق يمكن القول بأنها ~~كانت علمية بعض الشيء لإنتاج اللبن وصنع الجبن، ونمت صناعة تكرير السكر إلى جانب ~~صناعة النسيج، خصوصا لنسج الحرير والأقطان. وفي تسكانيا بدأ العمل لتجفيف ~~المستنقعات واستصلاح أرضها للزراعة؛ أي في المناطق المغمورة بالماء والموبوءة ~~بالملاريا على طول ساحل البحر، ولقد بدأت قبل ذلك تنمو بعض المدن ويتزايد حجمها، ~~فصار عدد سكان ميلان، يتجاوز من مدة طويلة مائة ألف نسمة، وسبقها الآن في هذا ~~المغمار كل من جنوه وتورين. وفي الجنوب؛ شهدت مدينتا نابولي عهدا من البذخ ~~والفخامة، على أن الذي يجب ذكره كذلك؛ أن هذا النمو والتقدم المادي وجد في ~~إيطاليا الشمالية سببا معطلا له، وذلك في صورة المصنوعات الألمانية التي أقيم ~~نظام الضرائب الجمركية في النمسا وفي لمبارديا فينيشيا لتشجيعها وترويجها. أما في ~~الجنوب، فقد كان ظاهرا أن حياة البذخ والفخامة التي عاشتها مدينة نابولي، إنما ~~كانت على حساب الريف الذي أثقل كاهله بسبب الضرائب الثقيلة التي حصلها الملاك ~~من الفلاحين المشتغلين في أراضيهم. # وإلى جانب الزراعة نمت وتطورت أساليب الحياة المادية، عندما أنزلت إلى البحر في ~~نابولي في سنة 1818 أول مركب ms1112 تسير بالبخار، وعندما تأسست في نابولي كذلك أول شركة ~~للملاحة في سنة 1823، لم تكن مع ذلك ذات أهمية فريدة في إيطاليا، حيث قد تأسست في ~~جنوه شركة بوباطينو # Bubattino # للملاحة، وقد أدركت ~~هذه الشركة شهرة كبيرة، ولقد مدت خطوط السكك الحديدية في إيطاليا، فنالت الشركات ~~امتياز مد هذه الخطوط منذ 1836 في نابولي، وفي سنة 1837 في لمبارديا، وفي سنة ~~1838 في تسكانيا، وبدأت هذه الشركات نشاطها دون إمهال، فافتتح أول خط للسكة الحديد ~~بين نابولي وبورتيشي Portici # سنة 1839، ثم افتتح ~~الخط الثاني بين ميلان ومونتزا # Monza # في العام ~~التالي (1840)، وكان هذان الخطان يصل أحدهما بين العاصمة ومقر الملك الصيفي في ~~نابولي، والثاني يربط بين العاصمة ومقر الحاكم الصيفي في لمبارديا فينيشيا، ومع ذلك ~~فقد بدأ مد خط للسكة الحديد بين ميلان والبندقية في سنة 1840؛ ولهذا الخط - كما هو ~~ظاهر - أهمية اقتصادية محققة، وفي سنة 1842 افتتح القسم الأول من هذا الخط بين ~~بادوا Padua ~~، وميستر # Mestre ~~(الواقعة غربي مدينة البندقية)، في حين صار تشغيل الخط ~~بين ليقورنه (ليجهورن) وبيزا (في تسكانيا) في سنة 1844، وبدأ العمل في شبكة الخطوط ~~الحديدية في بيدمنت في سنة 1845. # ولقد بقيت «الولايات البابوية دولة متخلفة، لم تتذوق طعم هذه الحياة الجديدة، ولو ~~أنها كانت لا تزال في الوقت نفسه نهبا للفوضى الناجمة من اختلال الإدارة وسوء ~~الحكم من جهة، وانتشار السلب والنهب على أيدي عصابات قطاع الطرق من جهة ~~أخرى. # أما التقدم الذي شهدناه، فلم يكن مقصورا على نواحي الحياة المادية ~~«والعملية» فحسب، بل شمل كذلك ميدان الفكر، عندما دار البحث حول الأسس التي قام ~~عليها هذا التقدم المادي، وفي الآراء التي انبعث منها، مما جعل متيسرا تطور ~~التفكير في مبادئ الاقتصاد السياسي وقواعده، وإفساح المجال لقبول آراء ريشارد كوبدن # Cobden # الاقتصادي الإنجليزي (1804-1865) ~~الذي نادى بحرية التجارة، وناقش أهل الفكر والرأي هذه المبادئ الاقتصادية الجديدة، ~~وتحدثوا عن وجوب خفض الضرائب الجمركية بين الإمارات والدويلات الإيطالية، ولقد ~~بدأت تظهر معالم الحركة العلمية عدا ذلك، في ms1113 المناقشات التي اشترك فيها العلماء من ~~البلاد المختلفة وفي عقد المؤتمرات العلمية التي قام على تنظيمها كل من «شارل ~~بونابرت» أحد أبناء «لوسيان» - شقيق الإمبراطور نابليون - ثم السير جون باورنج # Bowring # أحد الأحرار الإنجليز المعروفين، وكان ~~وقتئذ مقيما بإيطاليا، وكانت هذه أول الأمر مؤتمرات من العلماء الطبيعيين، فلم ~~تلبث حتى صارت تبحث كل العلوم، فاجتمع المؤتمر الأول بمدينة «بيزا» سنة 1839، ثم ~~انعقد المؤتمر الثاني في تورين سنة 1840، وصارت هذه المؤتمرات تعقد بعد ذلك ~~سنويا في فلورنسة (1841)، وبادوا (1842)، ولوقا (1843)، وميلان (1844)، ونابولي ~~(1845)، وجنوه (1846)، والبندقية (1847)؛ أي إن هذه المؤتمرات انعقدت في أماكن ~~متفرقة في إيطاليا في طول البلاد وعرضها، باستثناء ولايتين أو إمارتين فقط، ~~الولايات البابوية ودوقية مودينا، ولقد منع حكام هاتين «الدولتين» رعاياهما من حضور ~~هذه المؤتمرات العلمية، ومع أن هذه المؤتمرات كانت أصلا ومن حيث المبدأ علمية ~~وفنية، فقد كان ظاهرا أن من المتيسر، وعلى نحو ما حصل، أن تتجاوز المسائل ~~موضع البحث والمناقشة، النطاق الفني والعلمي المعين لها في البرامج ~~المعدة لأعمال هذه المؤتمرات، وأن تتناول المناقشة مسائل ذات صبغة عامة؛ أي ~~تثير اهتماما عاما، فلا تختص بعنايتها مسائل وموضوعات «محلية»، أو مما قد يثير ~~اهتماما إقليميا وحسب؛ وذلك لأنه يستميل فرض نطاق معين على العلم يجعله محصورا ~~في دائرة إقليمية أو محلية ضيقة، وكذلك من المتعذر مناقشة مبادئ الاقتصاد السياسي ~~في نطاق إمارة أو دويلة معينة، بل إن البحث في هذه المؤتمرات لا بد أن يتناول ~~الموضوعات التي تهم إيطاليا في مجموعها كله. أضف إلى هذا أنه صار يتقابل في هذه ~~المؤتمرات العلمية أناس من مختلف الأقاليم والإمارات (والحكومات) الإيطالية، بشكل ~~جعل ممكنا أن ينمو نوع من الفكر المشترك أو الروح العامة، مثال ذلك أن البحث في ~~موضوع تنظيم السكك الحديدية أو الدور الذي سوف تقوم به هذه الخطوط الحديدية ~~للمواصلات السريعة، تناولت المناقشة في هذه المؤتمرات ليس مشاكل النقل وحسب، ولكن ~~ما يمكن أن تؤديه هذه السكك الحديدية من خدمات كذلك، كأحد العوامل المساعدة على ~~ربط مختلف الأقاليم ms1114 بعضها ببعض، وكعنصر لذلك من عناصر الوحدة والاتحاد بين الناس ~~والإمارات (الحكومات) المتعددة في إيطاليا، فيدور التفكير حول إنشاء خطوط للمواصلات ~~الحديدية تستهدف الصالح العام أو المشترك لكل إيطاليا، فتبحث هذه المؤتمرات العلمية ~~إنشاء خط للسكة الحديد يمتد على طول الساحل، مبتدئا من جنوه؛ ليمر بليفورنه ~~(ليجهورن) وسيفيتا فيكيا # Civita-Vecchia # حتى يصل ~~إلى نابولي، ومعنى ذلك - على حد تعبير دازيجليو - تزويد الحذاء الإيطالي بالرباط ~~اللازم له، وهكذا أخذت تتحدد في إيطاليا معالم اقتصاد أهلي (أو قومي)؛ ليحل محل ذلك ~~الاقتصاد «الانعزالي» الذي توزع بين الدويلات والإمارات المتعددة في نشاطه وأهدافه ~~الإقليمية والمحلية في الماضي. # والذي يجب ذكره أن هذا التقدم الذي حصل في الميدان العلمي والفني، كان من أثره ~~زيادة تأييد مركز الطبقة المتوسطة (البورجوازية)، ودعمه من الناحيتين الاجتماعية ~~والسياسية، وذلك على وجه الخصوص في إيطاليا الشمالية؛ أي في لمبارديا، وبيدمنت، ~~وتسكانيا. # ولقد كانت نتيجة هذا التقدم الفني والعلمي ، ثم ابتداء اقتصاد سياسي ذي أهداف ~~وغايات قومية ووطنية أهلية عامة - كما كان من نتائج الشعور بخيبة الأمل الذي أوجده ~~انهزام «الكاربونارية» وفشلها - ثم إخفاق «المازينية» في «الحقل المادي» - أي ~~الحركة الثورية المباشرة - نقول: كان من أثر هذا كله أن اتسع أفق التفكير السياسي، ~~واتسعت القواعد التي قامت عليها المثل العليا السياسية بالصورة التي سوف نعرضها في ~~هذه الدراسة، ذلك أن أساليب جديدة قد تقررت الآن، مغايرة لأساليب الكاربونارية ~~والثورات المحلية، وأن صارت الفكرة القومية تسمو على الفكرة الثورية، وجذبت الحركة ~~السياسية اهتمام أناس آخرين غير الديمقراطيين، فصارت الفكرة السياسية تضم المجتمع ~~بأسره، بمعنى أنه لم يعد يعتنق فكرة العمل السياسي حفنة من العسكريين المتذمرين، أو ~~من البورجوازيين - أهل الطبقة المتوسطة - الذين حرموا من المناصب، كما لم تعد ~~الفكرة القومية مشدودة إلى برامج الأحرار وحسب ومرتبطة بها. # واتخذت الآراء «القومية» الجديدة وسائل عدة للإفصاح عن وجودها، وعرف الداعون لها ~~باسم المعتدلين # Moderati ~~. # وكان المهاجرون الطليان هم الذين بدءوا الدعوة لهذه الآراء الجديدة، عندما نشر في ~~باريس في سنة 1836 «نيقولو توماسيو»، ms1115 وقد سبق الكلام عنه، كراسة صغيرة بعنوان: ~~«آمال إيطاليا الجديدة»: # 26 # عبارة عن نداء موجه للقساوسة - رجال الدين - وللأمراء؛ ليتعاونوا ~~في العمل من أجل إحياء إيطاليا، وكان في هذه الكراسة أن ظهرت للمرة الأولى فكرة ~~أن يتولى زعامة حركة البعث والإحياء هذه «بابا» مصلح، فيغدو هذا البابا المصلح ~~المحور الذي تدور حوله حركة البعث، ثم كان من هؤلاء مهاجر آخر - مر بنا ذكره - ~~هو «مامياني»، وكان من المشتغلين بالقانون والفلسفة، نشر في باريس منذ 1835-1836 ~~كتابا في الفلسفة عن «تجديد الفلسفة الإيطالية القديمة». كما نشر ابتداء من سنة ~~1842 «تاريخا للأدب»، كان دراسة للشعراء الإيطاليين في العصور الوسطى، أما ما ~~يهمنا من أمر «مامياني» الآن، فهو أنه نشر في سنة 1841 في باريس كراسة بعنوان؛ ~~«رأينا عن الشئون الإيطالية»، وفي هذه الكراسة تكلم صاحبها قبل كل شيء عن استقلال ~~إيطاليا كحقيقة ثابتة، سواء حدث ذلك عاجلا أو آجلا بأن تخوض إيطاليا غمار الحرب ~~بزعامة أحد أمرائها الطليان، ولكن «مامياني» كان يرى ضروريا توفر شرائط معينة ~~للظفر بهذا الاستقلال، أهمها أن تشغل الارتباكات والأزمات السياسية النمسا، بصورة ~~تمنعها من الدفاع جديا عن مملكتها في لمبارديا فينيشيا، كما يجب أن يتربى الشعب ~~تربية سياسية كان لا يزال مفتقرا إليها، كما أن انضمام الطبقات العليا إلى صفوف ~~المطالبين بالاستقلال ضروري. وزيادة على ذلك أعد «مامياني» برنامجا واسعا ~~للإصلاح الاجتماعي، يعيد للشعب كرامته وطمأنينته، وحتى يعيش في أمن وسلام، وهو ~~برنامج يميل للاشتراكية المخففة؛ لرفع مستوى الشعب قليلا، ولضمان تعاونه مع ~~العاملين من أجل الإصلاح والاستقلال معا، وسوف يشترك «مامياني» في ثورات 1848، ~~ولكن كراستي «توماسيو» و«مامياني» لم يتلقيا الذيوع والانتشار الواسع، وتنحصر ~~أهميتها في أنهما ينهضان دليلا على ذلك التغيير الذي طرأ على الفكر، وتلك حقيقة ~~لها خطرها في المجتمع الذي سبق أن ذكرنا أنه عالم كاثوليكي، تتغير به الآراء ~~وتتشكل تحت تأثير الكاثولكية الديمقراطية التي تربط نفسها بشخص الفيلسوف الإيطالي ~~روزميني # A. A. Rosmini ~~(1797-1855)، ولقد كان ~~المؤرخ «سيزار كانتو» - وسبقت الإشارة إليه ms1116 - من بين هؤلاء الكاثوليك ~~الديموقراطيين، كما كان منهم: روماجنوسي # G. D. Romagnosi ~~، أحد أساتذة جامعة بادوا، ولا جدال أن عوامل معينة ~~ساعدت على حصول هذا التغيير في الآراء التي انتشرت وقتئذ في العالم الكاثوليكي في ~~إيطاليا، وأهم هذه العوامل؛ الأثر الذي كان لكتابات «مانزوني» و«سيلفيوبيلليكو»، ثم ~~استرجاع البابوية سمعتها الغابرة بفضل التواريخ التي نشرها «كارلو برويا» و«جينو ~~كابوني»، أو بفضل برنامج الإصلاح الذي أعده للكنيسة «رفائيل لامبروسكيني» ~~(1788-1774) # Lambruschini Raffaello ~~، وبذلك تهيأ ~~الرأي العام بسبب هذه الحركات، أو التيارات الفكرية التي كانت سباقة في ظهورها؛ ~~لقبول البرنامج الذي أتى به «جيوبرتي»، والتحمس للآراء التي احتواها كتابه عن ~~المكانة الرفيعة التي يتمتع بها الطليان خلقيا وحضاريا بين شعوب العالم. # جيوبرتي # Gioberti # 27 # أما «جيوبرتي» - الذي عاش من (1801-1852) - فكان من رجال الدين البيدمنتيين من ~~تورين، ملتحقا بخدمة البلاط كاهنا، لم يلبث أن اتهم بالاتصال بجمعية إيطاليا ~~الفتاة، فألقي القبض عليه، ونفي من تورين في سنة 1833، فأقام لاجئا في باريس في ~~مبدأ الأمر ثم انتقل إلى بروكسل . وكان جيوبرتي يشتغل أصلا بالفلسفة، ويعمل لوضع ~~نظام ميتافيزيقي (مختص بالتفكير فيما وراء المادة)، ومع ذلك فقد كان «جيوبرتي» صاحب ~~فلسفة كاثوليكية واسعة، وصفها ذات يوم «لمازيني» بقوله: إن كاثوليكيته «مطاطة» ~~بدرجة تجعلها تتسع لإدخال كل العالم في حظيرتها، وكانت هذه النشأة الفلسفية هي مبعث ~~الآراء التي آمن بها جيوبرتي؛ أي اعتقاده بقوة الفكرة والرأي، وبأن المحبة يجب أن ~~تسود علاقات الناس، كما أن هذه التنشئة الفلسفية هي سبب استنكاره للعمل الثوري، ~~ومع ذلك فلم يكن «جيوبرتي» ثابتا على رأي واحد، فهو متقلب النشاط ويطرق ميادين من ~~العمل والرأي متعددة ومختلفة عن بعضها بعضا، فهو بعد اشتراكه في حركات «إيطاليا ~~الفتاة» الثورية، ثم انكبابه بعد ذلك على دراسة الفلسفة، لا يلبث أن يعتنق الفكرة ~~القومية، فينشر في سنة 1843 مؤلفه الذي نال شهرة مثيرة، وهو الكتاب الذي نشره في ~~بروكسل بالعنوان الذي سبقت الإشارة إليه: «تصدر أو زعامة الإيطاليين الخلقية والمدنية». # 28 # ولم تكن فلسفة ms1117 «جيوبرتي» إلا سلسلة من الأقيسة والبراهين للتدليل على صحة آرائه ~~السياسية، عندما ارتكزت عقيدته على أساس واحد واستغرق نشاطه الذهني التفكير في ~~موضوع جوهري، هو «وطنيته» الصادقة التي يغذيها كبرياؤه الإيطالي، في حين كان لا ~~يستطيع إغفال أنه في الوقت نفسه من القساوسة، وأنه «محافظ» في مذهبه، وتلك جميعها ~~اعتبارات يستبين منها الاتجاه الذي تحتم أن تسير منه آراؤه، وتتشكل بفضلها ~~عقيدته ومبادئه، فمحبة الوطن، محبة إيطاليا، والعمل من أجل رفعة شأنها القاعدة ~~الأساسية لكل تفكيره ونشاطه، ومع أنه حاول أن يستمد من «التاريخ» الأدلة والبراهين ~~على عظمة إيطاليا، وتبوئها مكان الصدارة بين الأمم في الماضي والحاضر، فقد كان ~~واضحا أن محبته لإيطاليا ورغبته في تمجيدها، كانا المعين الذي استخلص منه كل ~~الأدلة «المنطقية» التي راح يسوقها في أثر بعضها بعضا لتشكيل صورة - كانت خيالية ~~أكثر منها تاريخية - لبلاده إيطاليا، التي أراد لها الزعامة على كل الأمم، ولقد ~~أثبت «جيوبرتي» نفسه نوع الفلسفة التي يسوغ بها هذه المحاولة عندما قال: «إن من ~~المتعذر على أمة أن تحتل المكان اللائق بها بين أمم العالم، إلا إذا اعتقدت أنها ~~أهل لملء هذا المكان.» ولقد كان طبيعيا أن يدور البحث حينئذ حول تلك «الرسالة» ~~التي كان على إيطاليا تأديتها في الماضي والحاضر، والتي يحق لها أن تفخر بها، ~~فأقام «جيوبرتي» الحجة في كتابه - وبوسائله - على أن الرومان هم الذين نشروا ~~مبادئ العدالة في العالم، وأقاموا صرح القانون، وأن «المسيحية» قد لقنت العالم ~~دروس السلام والمحبة؛ أي إن إيطاليا في عهدين من عهود التاريخ هي التي وضعت أسس ~~الحضارة في العالم، فهي صاحبة الفضل على البشر، ثم راح «جيوبرتي» يبين لماذا ~~كانت أوروبا مركز العالم، ولماذا كانت إيطاليا مركز أوروبا، ففسر «الحقيقة» ~~الأخيرة بقوله: إن إيطاليا هي مهد «الرجال ذوي القوى الحيوية الكبيرة» - أو ~~الدينامية - فالطليان في رأيه هم سلالة شعوب ما قبل التاريخ الذين قطنوا باليونان، ~~وجزر الأرخبيل، وسواحل آسيا الصغرى وإيطاليا، وهم - أي هذه الشعوب - الذين ينحدرون ~~مباشرة من صلب «يافث» الابن ms1118 الثالث لنوح - عليه السلام - وكانت هذه الأرومة العريقة ~~هي منشأ الصدارة والزعامة التي صارت لإيطاليا، والتي تتمثل فيما ظهر من «شخصيات» ~~عظيمة، كان لنشاطها أثر بارز في مقدرات العالم، ويسوق «جيوبرتي» الدليل على صحة ~~قوله، فيذكر: «ميرابو» رجل الثورة الفرنسية المعروف، ثم «نابليون بونابرت»، باعتبار ~~أنهما من أصل إيطالي، وهما من رجال العمل، ثم يذكر في ميدان الفكر والفلسفة: القديس ~~أنسليم # Anselme ~~(1023-1109) رئيس أساقفة ~~كانتربري، وتوما الأكويني # Aguinas ~~(1226-1274)، ~~باعتبار أنهما كذلك من أصل إيطالي، ثم القديس بونافنتور # Bonaventure ~~(1221-1274) وكان مولده في تسكانيا، ثم يذكر في ميدان ~~العلوم: «أرشميدس» و«جاليليو» وهكذا، وذلك كله إلى جانب أعلام الشعراء والفنانين ~~والكتاب الذين ظهروا في عصر النهضة الأدبية والفنية في إيطاليا. # ويرى «جيوبرتي» أنه يجب أن توحي بالتفاؤل، وتبعث على الرجاء هذه العظمة التي كانت ~~لإيطاليا في الماضي، وهذه الصدارة أو الزعامة التي كانت تتمتع بها، ولكن حتى يتسنى ~~لإيطاليا أن تسترجع في هذا العالم الحديث مكان الصدارة الذي كان لها، يجب أن يتحد ~~الإيطاليون، ولكن ليس بطريق القوة، بل يكون اتحادا سلميا ، ويجب أن يظفر ~~الإيطاليون بالاستقلال، وأما هذا الاتحاد فيكون مؤسسا على التقاليد الإيطالية، ~~كما يقول «جيوبرتي» هي الاتحاد بين إيطاليا الزمنية أو العلمانية وبين البابوية؛ ~~لأن الإيطالي لن يكون إيطاليا صحيحا إلا إذا كان كاثوليكيا، ولصنع هذا ~~الاتحاد؛ يتحتم على كل الطبقات في المجتمع خدمة «الدولة»، وهو يدعوها لتأدية هذه ~~الخدمة، فالنبلاء عليهم أن يسوغوا ألقاب الشرف والنبل التي لهم، بإظهار ضروب ~~البسالة والتنازل عن امتيازاتهم، واحترام من هم أدنى مرتبة منهم، والقساوسة ورجال ~~الدين عليهم أن يسوغوا المكانة التي بلغوها، بأن يعلموا أنفسهم، وأن يتحرروا ~~من «مشاغل الدنيا»، وأن يكونوا متسامحين. بل ويدعو «جيوبرتي» جماعة اليسوعيين ~~للاشتراك في هذا الجهد القومي، صنع الاتحاد، اتحاد إيطاليا، وأما الأمراء ~~الحاكمون، فالواجب عليهم؛ القيام بالإصلاح في كل النواحي، وأن يمنحوا رعاياهم ~~المجالس الانتخابية، وأن يمنحوا الصحافة الحرية، وأن يلغوا القيود المفروضة على ~~الطباعة، ومن بين هؤلاء الأمراء الحاكمين وجه «جيوبرتي» ms1119 دعوة خاصة لملك ~~بيدمنت. # وهكذا إذا اتحد الإيطاليون، وإذا تعاونت كل الطبقات، يصبح متيسرا إنشاء إيطاليا ~~المتحدة، والتي تتخذ حينئذ شكل اتحاد كونفدرائي من عدد من «الدول» تحت سلطان ~~البابا وتوجيهه، فلم يكن «جيوبرتي» يعتقد بإنشاء إيطاليا «موحدة» - فهو لا يدين ~~بمبدأ «الوحدة» الإيطالية، هذا من ناحية، ثم إنه أراد من ناحية أخرى أن يكون ~~البابا على رأس هذا الاتحاد الكونفدرائي؛ لأن «الكنيسة» كما قال، هي التي تولت ~~دائما - وعلى نحو ما جرت به التقاليد - توجيه إيطاليا وقيادتها. وفي رأي «جيوبرتي» ~~أن هذا النوع من الاتحاد الكونفدرائي يلائم العبقرية الإيطالية، ويتيح الفرصة ~~لهذه العبقرية حتى تكشف عن نفسها وتتحقق، وهي عبقرية تلائمها الملكية، ~~والأرستقراطية، والفدرائية معا وفي وقت واحد، وذلك الاتحاد الكونفدرائي بزعامة ~~البابا هو الذي يمكن إيطاليا عند حدوثه من العثور مرة أخرى على ذلك الدور الذي ~~اضطلعت به في الماضي، والذي ينتظرها في الحاضر، ونعني بذلك تزعم الإنسانية لقيادتها ~~وإرشادها، حتى تبعث إيطاليا العالم من جديد، وعلى غرار ما فعلت في الزمن ~~الغابر. # تلك كانت الآراء التي عرضها «جيوبرتي» في كتابه عن الزعامة أو الصدارة الإيطالية، ~~ومما هو جدير بالملاحظة، أن «جيوبرتي» مع رغبته في حصول تغيير بعيد الأثر في ~~إيطاليا، فقد كان في تفكيره أو في آرائه السياسية والاجتماعية «محافظا» لدرجة ~~كبيرة، وذلك عندما كان يبذل قصارى جهده للتمسك بكل قوة بما هو قائم فعلا، فهو لا ~~يفكر في «وحدة» إيطالية، ولكنه يبغى «اتحادا» بين الإيطاليين، وهو اتحاد يعترض ~~وجوده أو إنشاؤه إجراء إصلاح خلقي أو أدبي (روحي)، ورضاء الجميع عنه، وتعاونهم ~~بنية طيبة لتحقيق هذا الاتحاد وإنجاحه، ولم يشأ «جيوبرتي» أن يتناول معول الهدم ~~لتحطيم شيء من البناء (أو النظام) القائم. # ولقد كان هناك تقارب بين النظريات التي أتى بها «جيوبرتي»، وتلك التي قال بها ~~«مازيني»، وذلك من ناحية التفاؤل بالخير، والأمل والرجاء الذي أحيته في النفوس، ~~والشجاعة التي بعثها في الصدور؛ من أجل العمل على رفعته شأن إيطاليا، والاستناد إلى ~~ذكريات المجد التالد، والتنبؤ بالمستقبل ms1120 العظيم الذي ينتظر إيطاليا، ثم إنها تقترب ~~كذلك من «نظريات» مازيني من ناحية الاتفاق على أن لإيطاليا «رسالة» تؤديها، وأن ~~هناك استقلالا يجب عليها أن تظفر به، وفيما عدا ذلك، اختلف «جيوبرتي» عن «مازيني» ~~في عدة مسائل: أولها: «كنسيته»، وهي التي جعلت النظام الذي جاء به «جيوبرتي» ~~يستند على الكنيسة، في حين كان «مازيني» ضد «الكنيسة». # وثانيها: أن «جيوبرتي» استنكر الثورة ورفضها كإجراء يتخذ لبناء النظام الاتحادي ~~الذي أراده، في حين أن «مازيني» جعل الثورة العنصر الجوهري في برنامج ~~عمله. # وثالثها: أن «جيوبرتي» هدف لإنشاء اتحاد كونفدرائي بين الإيطاليين، ولم يستهدف ~~قيام وحدة إيطالية، فرفض تبعا لذلك «الجمهورية» التي أراد «مازيني» تأسيسها، ~~الجمهورية التي تقصي عنها الأمراء الحاكمين، والحكومات والدول القائمة فعلا في ~~إيطاليا؛ أي الجمهورية التي لم يكن يتسنى إنشاؤها إلا على أشلاء هؤلاء الأمراء ~~والحكومات الموجودة فعلا، والتي تمسك «جيوبرتي» قدر استطاعته ببقائها. # ونحن إذا تمعنا الآراء والنظريات التي أتى بها «جيوبرتي» لوجدنا عددا من المسائل ~~يتفق فيها رأيه، مع الآراء والنظريات التي نادى بها الفيلسوف الألماني «فيشته» - من ~~حيث ابتداع فكرة «الوطن الأم» والدور الحضاري الذي قامت به الأمة - في الوطن الأم - ~~في الماضي، والذي ينتظر منها تأديته في المستقبل، وهو الدور الذي أسنده «فيشته» إلى ~~ألمانيا، على نحو ما أسنده «جيوبرتي» إلى إيطاليا. ولقد اتفق «جيوبرتي» و«فيشته» في ~~شعور الكراهية ضد فرنسا والفرنسيين، وإن اختلفت أسباب هذه الكراهية لدى «جيوبرتي»؛ ~~لأن «فيشته» كان يكتب في الوقت الذي خضعت فيه ألمانيا وبروسيا لسيطرة الفرنسيين، ~~وكان «يدوس عليهما نابليون بحذائه.» فقد كان الفرنسيون في نظر «جيوبرتي» لا يصلحون ~~إلا لأحد الأمرين؛ إما للعمل على نشر الفوضى الفلسفية، وإما لإقامة صرح ~~الاستبدادية. وقد حمل «جيوبرتي» حملة عنيفة على السياسة الفرنسية في إيطاليا بين ~~سنتي 1796 و1814، ونقد نقدا لاذعا النتائج التي أسفرت عنها هذه السياسة. # أما الأثر الذي أحدثه نشاط «جيوبرتي» فكان عظيما، فنال كتابه شهرة واسعة، ~~واستأثر فور صدوره باهتمام الإيطاليين، سمحت الرقابة في تسكانيا وبيدمنت بدخوله إلى ms1121 ~~البلاد، وقد ذكرنا أن كتاب «الرياسة أو الصدارة» كان قد نشر في بروكسل - كما ~~أجازت تداوله بين رعاياها الولايات البابوية بسبب ميوله واتجاهاته الكنسية، وعلى ~~ذلك فإنه سرعان ما نفدت طبعة الكتاب الأولى - من 1400نسخة؛ حيث قد أقبل على قراءته ~~«المحافظون»، كما اطمأن إليه المتخوفون بطبعهم من كل غير مألوف، والذين يجتنبون ~~العمل المتسم بالقوة والعنف؛ لأن «جيوبرتي» لم يكن يدعو في كتابه إلى «العمل» ~~المباشر، وعلاوة على ذلك فقد كان من المتيسر أن يجد كل فريق من القراء ما يناسب ~~طاقته وقدرته على العمل، ويتلائم مع المكان المعين له في المجتمع، وذلك في «الدعوة» ~~التي وجهها «جيوبرتي» لكل الطبقات الإيطالية من أجل توحيد جهودها لإنشاء أو صنع ~~إيطاليا (المتحدة)؛ فرحب القساوسة ورجال الدين بكتاب «الصدارة»؛ بسبب الدور الذي ~~هيأه «جيوبرتي» لهم، واعتنق الآباء الفرنشسكان والدومينكان خصوصا الآراء ذات ~~الانعطافات الشعبية، في حين هاجم اليسوعيون هذه الآراء، وبرز إلى عالم الوجود بفضل ~~هذا كله حزب جديد هم جماعة نيو جلف أو الجلف ~~الجديد # Neo-Guelfs ~~، والمعروف أن الجلفيين في العصور الوسطى كانوا أنصار ~~البابا ضد الإمبراطور ، الذي سمي أنصاره بالغبللين # Ghibellins ~~- وكان النيوجلفيون السلالة المباشرة للرومانسيين من ~~مدرسة «مانزوني»، وهم العاطفيون الذين يعظمون تراث الماضي وذكرياته، ويقدسون ~~الكاثوليكية، ويجلون البابوية باعتبار أن الكاثوليكية ذاتها متجسدة بها مكانا ~~رفيعا. # على أن الآراء والنظريات التي أذاعها «جيوبرتي» استثارت كذلك طائفة من النقاد ~~ضدها؛ النقاد من أعداء النمسا، الذين وجدوا أن «جيوبرتي» أغفل الكلام عنها في ~~كتابه، ثم النقاد من أعداء حكومة البابوات الزمنية (أو العلمانية)، فلقد اصطدمت ~~نظريات «جيوبرتي» مع الوقائع عندما كانت الولايات البابوية - وعلى نحو ما عرفنا - ~~مسرحا لأشد أنواع الفوضى الحكومية في إيطاليا، وعلى وجه الخصوص في إقليم رومانا، ~~(من الأملاك البابوية)، وكان من الحقائق التي يتعذر إخفاؤها أو تجاهلها؛ أن ~~الفساد منتشر في حكومة البابا الرومانية بدرجة خطيرة، وتلا في الترتيب من ناحية ~~الفساد هذه حكومة نابولي وحدها فقط، واعترض على «جيوبرتي» ناشر آخر - سبقت الإشارة ~~إليه - هو: «جيوفاني ms1122 نيكوليني» فقال: إنه كان يجدر «بجيوبرتي» بدلا من انتظار ~~إحياء إيطاليا وإنعاشها على يد البابا، أن يبدأ قبل كل شيء بتخليص إيطاليا من نفوذ ~~البابوية. # سيزار بالبو # ولقد كان أكبر هؤلاء النقاد إطلاقا الذين حملوا على الآراء والنظريات التي ~~احتواها كتاب «جيوبرتي»، الكاتب الإيطالي، والذي سبقت الإشارة إليه كثيرا، «سيزار ~~بالبو» الذي عاش من سنة 1789 إلى سنة 1853، وكان «بالبو» ابنا لأحد وزراء فيكتور ~~عمانويل ملك بيدمنت، خدم بعض الوقت ضابطا في الجيش، وانتهى به الأمر بعد حياة ~~متقلبة إلى الانكباب على دراسة التاريخ، فبدأ ينشر في سنة 1830 «تاريخا لإيطاليا ~~تحت سلطان البرابرة»، وكان «بالبو» أكثر كلمة من «جيوبرتي»، فمع أنه كان من ~~المعجبين بهذا الأخير، إلا أنه لم يعقد الأمل على البابوية مثلما فعل «جيوبرتي» ~~وجماعة «النيو جلف»، بل عقد «بالبو» كل آماله على تورين وملكية بيدمنت، والتف ~~البيدمنتيون أنصار بيت سافوي حول «البيان» الذي تضمنه كتابه عن «أماني إيطاليا وآمالها». # 29 # أما هذا الكتاب فقد صدر في باريس في سنة 1843 بعد شهور قليلة من صدور كتاب ~~«الصدارة أو الزعامة» لجيوبرتي، وقد أهدى «بالبو» كتابه له، وفي «أماني إيطاليا ~~وآمالها» «بالبو» بما ظهر في كتابات «جيوبرتي» من كراهية شديدة لكل ما هو أجنبي، ثم ~~تهكم من مطالبه التي تغالى فيها كثيرا، كدعوته لاسترداد كورسيكا من فرنسا، فتساءل ~~«بالبو» ساخرا؛ إذا كان الطليان لا يريدون كذلك استرداد وتحرير فيومي # Fiume ~~، أو راجوزا # Ragusa ~~(على شاطئ الإدرياتيك المقابل)، أو جزيرة مالطة أو غيرها ~~من الأماكن التي فقدتها إيطاليا؟ وعلاوة على ذلك خالف «بالبو» صاحبه في الرأي ~~القائل بأن إيطاليا كانت صاحبة الصدارة والزعامة في الماضي، أو في الحاضر، وقبل كل ~~شيء أخذ على «جيوبرتي» أنه لم يعين الشرط الأساسي، والذي يجب أن يمهد لانتقال ~~إيطاليا من الحال التي هي عليها لتحتل المكان المرموق لها، ويقصد «بالبو» بذلك؛ ~~الاستقلال. فيقول: «وبدون استقلال الوطن لن يكون لكل الأشياء الطيبة الأخرى أي نفع ~~أو قيمة، بل تكون في حكم العدم والفناء.» ومعنى ms1123 الاستقلال المنشود هو طرد النمسويين ~~من إيطاليا. # على أن «بالبو» كان يرى أن الإيطاليين عاجزون في الوقت الحاضر، وفي هذه اللحظة ~~بذاتها عن طرد النمسويين؛ لأنه كانت تعوزهم القوة اللازمة لفعل ذلك، سواء كان ~~الأمراء الحاكمون، أو كان الشعب الإيطالي؛ هو مصدر هذه القوة، في حين تعذر في الوقت ~~نفسه الاعتماد على مساعدة تأتي من الخارج من أي دولة أجنبية، على نحو ما ثبت لديه ~~من موقف الملك الفرنسي «لويس فيليب» وحكومته من ثورات 1830، 1831. # وفي هذه الظروف إذن تقدم «بالبو» برأي جديد عندما قال: إن من الواجب انتظار سنوح ~~الفرصة بوقوع حادث خارجي لزحزحة النمسويين وطردهم من إيطاليا، وسوف تسنح هذه الفرصة ~~قريبا؛ بسبب انحلال الإمبراطورية العثمانية وتوقع انهيارها، وخسارة أملاكها، ~~وانشغال النمسا بموضوع تصفية هذه الإمبراطورية، لرغبتها أن تنال أملاك العثمانيين ~~في البلقان نصيبا لها من «التركة» العثمانية، وعندئذ قد يتسنى إقناع النمسويين ~~بالتنازل عن لمبارديا فينيشيا. # على أن بالبو كان يتفق مع جيوبرتي، من حيث إن الاتحاد الكونفدرائي هو الشكل ~~الذي يجب أن يتخذه اتحاد إيطاليا، ومن حيث إن الإصلاح الروحي أو الخلقي ضروري ~~بين الطليان، ثم إنه كان كذلك متفائلا في إمكان إنعاش الروح الإيطالي، والارتقاء ~~بأخلاق الإيطاليين، وفي رأيه: أن أمة من عشرين مليون نسمة، إنما هي أمة لا يقدر ~~على قهرها أحد، إذا هي كانت متحدة وكان أهلها على خلق عظيم. ووصل بالبو إلى نفس ~~النتيجة التي وصل إليها «جيوبرتي»، وهي؛ «أن كل فرد عليه أن يؤدي واجبه المسند ~~إليه في عمله، والله تعالى سوف يتولى عندئذ أمر كل ما يكون متبقيا بعد ~~ذلك.» # ولكن بالبو على خلاف ما فعل جيوبرتي، لم يضع البابا على رأس الاتحاد المنشود، بل ~~خرج بحل جديد للمشكلة، هو التطلع إلى البيت المالك في بيدمنت لقيادة الحركة وزعامة ~~الاتحاد، على أساس طرد النمسويين من إيطاليا، ومع ذلك فقد كان هذا التطلع إلى ~~الملكية في بيدمنت، بمثابة «البداية» أو الإشارة للحل الذي ارتآه «بالبو»، والذي ~~سوف يتطور فيما بعد بطريقة أخرى. ms1124 # بل إن «جيوبرتي» نفسه لم يلبث بعد قليل أن أدخل عددا «من التحفظات» على ~~نظرياته، فأصدر في سنة (1845-1846) مؤلفا جديدا بعنوان: «المقدمة» # 30 # لكتاب «الرياسة أو الصدارة» السابق، تجنب فيه اليسوعيين الذي كان ~~وجه إليهم الدعوة في كتابه الأول، كما أسقط من دعوته ملوك البربون في نابولي، بل ~~إن «جيوبرتي» لم يلبث بعد مضي بعض الوقت أن تخلى كذلك عن مبدأ تحويل البابا سلطات ~~«زمنية» «علمانية». # ملكية بيدمنت ودور شارل ألبرت # وهذا التوجيه الفكري الجديد نحو الملكية البيدمنتية، والذي بدأه بالبو سرعان ما ~~وجد تربة خصبة في إيطاليا الشمالية، حتى إنه لم تلبث أن تشكلت «عقيدة» جديدة سوف ~~يكون لها أثرها البالغ في المستقبل حول الزعامة التي سوف تقوم بها الملكية ~~البيدمنتية؛ لتحرير إيطاليا، وبناء وحدتها القومية. # والملك البيدمنتي وقتئذ هو شارل ألبرت، أمير كارنيان المعروف، والذي اعتلى العرش ~~في شهر أبريل 1831، والذي تحدثنا عن مواقفه من الحركات الثورية في السنوات العشرين ~~والثلاثين السابقة، والذي كان وهو لا يزال أميرا يعتنق مبادئ الأحرار، فلم يلبث ~~أن تنكر لها عند اعتلائه العرش، وربط نفسه بسياسة القمع العنيفة التي اتبعتها ~~النمسا لإخماد الحركات الثورية في إيطاليا، فتعقب بالقسوة البالغة على وجه الخصوص ~~جماعات «إيطاليا الفتاة» في سنة 1833، وتخلى من ذلك الحين عن المبادئ الحرة التي ~~كان يدين بها، فصار يتملكه الرعب والهلع من ذكر «الدستور»، واشتهر بالتردد حتى عرف ~~«بالملك المذبذب»، والذي يدور مع الأهواء كدوارة الريح، # 31 # ومع ذلك فقد كان يشعر بتأنيب الضمير؛ بسبب أعمال القسوة التي ارتكبها ~~بسبب سياسة القمع والتشريد التي اتبعها، وتحركت في نفسه الرغبة في نيل محبة الشعب، ~~وكانت تساوره هو نفسه بعض المخاوف عندما قيل: إنه «معرض إما لطعنة خنجر يسددها له ~~الكاربوناريون، وإما الموت بقطعة من الحلوى «الشيكولاتة» المحشوة بالسم يقدمها له ~~اليسوعيون.» فهو متشكك دائما في نوايا المحيطين به، ولا يريد الوقوع تحت تأثير ~~نفوذ معين، وهو جد حريص على سلطاته ويغار عليها غيرة عظيمة، ويحول دون الاعتداء ~~عليها من جانب أحد، ms1125 الأمر الذي جعله يقاوم نفوذ اليسوعيين ونفوذ الكنسيين، وذلك ~~نفسه من الأسباب التي أوحت إليه آراء «الجاليكانية» أي الاستقلالية عن كنيسة روما، ~~والتي جعلته عندما تهيأت الفرصة يدخل في نضال مع رئيس أساقفة تورين، الذي أراد ~~إخضاع مدارس المعلمين لنفوذ الكنسيين. وأخيرا فإن شارل ألبرت كان نحيلا ضعيفا لا ~~يتمتع بصحة طيبة، وتلك كلها أسباب صار يتعذر على شارل ألبرت معها أن ينهج سياسة ~~صريحة لا لبس فيها ولا إبهام، والثابت أن شارل ألبرت قد عمد إلى التخلص تدريجيا ~~من الأحرار في حاشيته؛ حيث إنه لم يعد يحتفظ منهم في مراكز الحكم سوى رجل واحد هو ~~الكونت دللا مرجريتا # Della Margherita ~~، وكان ~~«يمينيا»؛ أي من المحافظين، ومع ذلك فقد عين في إحدى الوزارات إلى جانبه أحد ~~«أنصاف الأحرار»: المركيز عمانويل دي ~~فيلامارينا # Villamarina # الذي عرف بكراهيته للكنسيين وإن لم يكن معدودا من ~~الأحرار. # ولا يعتبر شارل ألبرت ملكا دستوريا، بل ويتعذر اعتباره كذلك - باستثناء بعض ~~اللحظات القصيرة - من الأحرار، ولكن بالرغم من تردده و«الإبهام» الذي يحيط عموما ~~بسياسته، فإن هذه السياسة كانت ترتكز على دعامتين، مستمدتين من واقع أنه أمير ~~(حاكم) إيطالي، ومن شأنهما جلب محبة الشعب ؛ أولاهما: إصلاحاته، وثانيتهما: موقفه ~~المعادي للنمسا. حقيقة حرص شارل ألبرت كل الحرص على سلطاته، ولكن في رأيه يجب أن ~~تكون الملكية ذات ضمير، وأن تعمل لإسعاد رعاياها، وأن تعتمد في تأدية مهمتها على ~~أرستقراطية متنورة ومتقدمة، وحقيقة لم يكن لديه في سياسته برنامج لإصلاحات معينة صح ~~العزم على إجرائها، ولكنه آمن بضرورة إقامة حكومة نظامية وعادلة، فنشرت اللجان ~~القانونية التي شكلها «مجموعات القوانين» المعروفة باسم «الألبرتية» # Codes Albertiens ~~(1837-1847)، وهي التي ~~تأسس عليها فيما بعد القانون الإيطالي، وكانت هذه من أعظم القوانين تقدما ~~واستنارة، إذا استثنى التشريع الخاص بالزواج الذي ترك الزيجات الكاثولكية خاضعة ~~لقوانين الكنيسة، وإذا استثنى كذلك عدم التعرض لامتيازات الكنسيين، ولقد ألغت السنن ~~الإقطاعية في سردينيا، وهي البلاد الوحيدة في إيطاليا التي ظل القانون يؤيد هذه ~~السنن الإقطاعية بها، وشجع ms1126 شارل ألبرت عمل الخير لخدمة الإنسانية، فأنشأ صناديق ~~للتوفير، وملاجئ للعجزة، ومستشفيات للولادة ... ثم شجع الحياة الثقافية في بلاده ~~بمنح الإعانات المالية للهيئات العلمية، وإصلاح التعليم الأولي أو الابتدائي، ~~وتشجيع جامعة تورين على الأخذ بالأساليب الحديثة في البحث والدراسة، وكان وزير ~~معارفه - سيزار الفييري - معدودا من الأحرار بدرجة كافية، ثم إنه اهتم بالمسائل ~~الاقتصادية، فمنح المساعدات المالية للنهوض بالصناعة، وألغى النقابات، وبدأ يمد ~~السكك الحديدية، وفي سنة 1833؛ قام مشروع بمد خط من جنوه إلى بحيرة «ماجيوري» لقي ~~معارضة من جانب الممولين النمسويين في لمبارديا فينيشيا، الذين أرادوا إنشاء خط آخر ~~يجري بين ليفورنة «ليجهورن» وتريستا، فلا يجعل تجارة البحر المتوسط تصل إلى جنوه ~~وبيدمنت، بل تتحول إلى النمسا، ثم إن هذا الخط «ليفورنة - تريستا» سوف يجعل ~~ممكنا بانتهائه عند تريستا؛ الاتصال بخط أوروبي آخر، يربط بين هذه الأخيرة ~~وأوستند # Ostend # عبر ممر برنر # Brenner ~~. # ولقد أظهرت هذه الإصلاحات بيدمنت بمظهر الدولة «الحديثة» لدرجة معينة، كما أضفت ~~على سياسة الملك مظهر السياسة «الحرة»، ولقد أجاز شارل ألبرت للشاعر وصاحب ~~الأغاني من الأحرار أنجيلو بروفيرو Profferio ~~(1802-1866)، أن يستأثر بتوجيه صحيفة «ساعي بريد تورين»، # 32 # بصورة أكثر جرأة نحو المبادئ الحرة، وأجازت الرقابة في بيدمنت تداول ~~كتاب «جيوبرتي» عن «الرياسة أو الزعامة» المعروف، وأجاز شارل ألبرت عقد المؤتمر ~~العلمي الثاني في تورين سنة 1840. وفي سنة 1842 أسس جمعية زراعية قومية أو أهلية، ~~حيث اشترك بها البيدمنتيون مع الذين حضروا من لمبارديا فينيشيا في مناقشة الموضوعات ~~المطروحة للبحث، مما ينهض جميعه دليلا على أنه كان هناك بدرجة ملموسة تقدم في طريق ~~الحياة العصرية أو «الحديثة»، وعدول عن القديم في بيدمنت. # وأصاب شارل ألبرت في ميدان آخر، قدرا أوفى من المحبة الشعبية، وذلك في علاقاته مع ~~النمسا، فلم تكن يوما صلاته طيبة مع هذه الدولة، ولم تلبث أن ساءت ثم زادت ~~توترا، وحدث أول اصطدام بين هاتين الدولتين حول مسألة السكة الحديد في سنة 1833، ~~التي أرادت بيدمنت مدها من جنوه إلى بحيرة «ماجيوري»، وحمل ms1127 شارل ألبرت للوزير ~~النمسوي (مترنخ) كراهية كبيرة، واتهمه بأن حاول منعه من إعلاء العرش وأحاطه ~~بالعملاء والجواسيس، ولقد حاول وزيره «دللامرجريتا» أن يثنيه عن هذا العداء في سنة ~~1835، ولكن دون طائل. وفي سنة 1839 كان الملك يتحدث عن «حمل البندقية على كتفه ~~للخوض في حرب ثانية ضد النمسا»، ثم وضع اصطدام «اقتصادي» بين بيدمنت ومملكة ~~لمبارديا فينيشيا في سنة 1843، حول مسألة بيع الملح للمقاطعة «الكانتون» السويسرية ~~تشينو # Ticino ~~، وكانت هذه تتزود بحاجتها من ~~الملح من لمبارديا، وكان قد أبرم اتفاق بين لمبارديا وبيدمنت، تخلت بموجبه هذه ~~الأخيرة عن المعاملة مع «تشينو»، ولكن حدث في سنة 1843؛ أن اتجه أهل «تشينو» إلى ~~بيدمنت يطلبون حاجتهم منها، عندما لم يأتهم الملح من لمبارديا، ووافقت بيدمنت على ~~بيع الملح لهم، ولكن الدولة في بيدمنت كانت تحتكر الملح؛ ولذلك فقد اتهمت النمسا ~~بيدمنت بأنها خرقت الاتفاق السابق بين الدولتين. وإلى جانب هذا الحادث وقعت ~~«اشتباكات» بين حراس ودوريات الحدود بين بيدمنت ولمبارديا خلال سنة 1843 كذلك، فصار ~~الملك يهدد بأن تتولى بيدمنت الدفاع عن «تشينو» والنضال إلى جانبها ضد النمسا، ~~وإرسال صرخة الحرب المدوية من أجل استقلال لمبارديا. وفي أكتوبر 1844؛ أبرمت النمسا ~~مع تسكانيا وبارما معاهدة «فلورنسة» للتجارة، ومن غير السماح لبيدمنت بالانضمام ~~إليها . وفي سنة 1846؛ احتج الملك على الضرائب الجمركية العالية التي فرضتها النمسا ~~على الأنبذة المستوردة من بيدمنت (أبريل)، وعندما أخذ عليه أنه بسياسته سوف يجعل ~~بيدمنت تفقد أسواق النمسا، كان جوابه: «أن بيدمنت إذا خسرت النمسا فهي سوف تكسب ~~إيطاليا، وفي وسع إيطاليا حينئذ أن تعمل بنفسها.» وعندما يذهب «دازيجليو» إلى ~~رومانا، في ظروف سيأتي ذكرها، وعد الملك بإعطاء إيطاليا - عندما يحين الوقت المناسب ~~- السلاح الذي لديه والمال الذي في خزائنه، ومع ذلك وبالرغم من كل ما حدث، فلا يجب ~~المغالاة في تقدير قيمة هذه التصريحات والوعود المتتابعة؛ لأن شارل ألبرت ظل ~~أمينا على مبدأ الملكية - بالمعنى الذي ذكرناه - ولم يمنعه عداؤه للنمسا من عقد ~~قران ولي عهده دوق سافوي (فيكتور عمانويل ms1128 الثاني فيما بعد) من أميرة نمسوية، إلا ~~أن تصريحات الملك والتي كانت تتميز نغمتها بالإخلاص، ثم احتكاكاته المتكررة ~~بالنمسا، جعلته يمثل في نظر الإيطاليين المعارضة والعداء ضد النمسا، وأكسبته لذلك ~~قدرا معينا من عطف الشعب ومحبته. # ولقد شجع هذا الوضع المزدوج في إيطاليا وفي بيدمنت على تأليف حزب بيدمنتي ~~إيطالي، قوامه طبقة النبلاء في بيدمنت، حيث كان النبلاء على رأس الحكومة بها: ~~النبلاء الذين يفخرون بأمجاد تاريخ بلادهم الماضية، وتقاليدهم العريقة المتمثلة في ~~كراهيتهم وعدائهم للنمسا، وهم الذين يضطلعون بالعبء الأكبر من شئون الإدارة والحكم ~~في بيدمنت، فكان اضطلاعهم بهذه الأعباء مبعث رغبتهم في إنشاء الحكومة الطيبة ~~دائما، وبغضهم للأساليب المستحدثة و«للبدع» في الحكومة واحتقارهم «للنظريات». وكان ~~بعض هؤلاء النبلاء متأثرين لدرجة معينة بالآراء الحرة؛ نتيجة اختلاطهم «بالأجانب» ~~ومعرفتهم لهم أثناء أسفارهم في فرنسا وإنجلترة، (ويمثل الكونت كافور هذه الفئة خير ~~تمثيل)، وهم يريدون أنظمة للحكم أكثر اتفاقا مع ميول الشعب؛ أي أكثر مجلبة لرضائه، ~~ولكنهم لم يكونوا ولن يصبحوا إطلاقا «ديمقراطيين»، ولقد كان هؤلاء النبلاء ~~البيدمنتيون كذلك أعداء للسلطة البابوية، ولا تشدهم إلى الكنيسة روابط قوية، ~~واستهدفوا دائما عظمة بيدمنت، واتساع رقعتها، ورفعة شأنها، ولكن على حساب ~~لمبارديا، ولو أنهم كانوا يخشون في الوقت نفسه من الدخول في نضال مسلح لتحقيق هذه ~~الرغبة؛ لاعتقادهم أن الحرب إذا وقعت لن تكون من قوات متكافئة، وهؤلاء النبلاء ~~البيدمنتيون كذلك صاروا يميلون لأن تتحد إيطاليا اتحادا «كونفدرائيا»، يتيح ~~الفرصة لتنظيم «دفاع مشترك» عن كل البلاد، ولإنشاء اتحاد جمركي بها، ولكنهم كانوا ~~كذلك يخشون في الوقت نفسه من أن تنتزع «ميلان» أو روما من «تورين» الدور الرئيسي ~~الذي يريدونه لها في هذا الاتحاد. # وهكذا كان تفكير هؤلاء النبلاء البيدمنتيون، يتميز لدرجة معينة «بالصبغة» القومية ~~(أو الأهلية) الإيطالية، بل إن بعض هؤلاء النبلاء وإن كان عددهم ضئيلا، قد ~~ارتقى تفكيرهم إلى مستوى المناداة بالوحدة الإيطالية، من طراز يقرب قليلا من ~~الفكرة التي أتى بها «جيوبرتي»، ولو أنهم اتجهوا بفكرتهم اتجاها آخر، خالفوا فيه ~~صاحب ms1129 كتاب «الرياسة أو الزعامة» الإيطالية، من حيث إنهم أرادوا بيدمنت وليس ~~البابوية أن تقود الحركة القومية، وأن تتزعم الاتحاد الإيطالي، فكانوا «علمانيين» ~~في اتجاهاتهم الفكرية والسياسية، وليسوا «كنسيين»، وكان «ماسيمو دازيجليو» أهم ~~هؤلاء النبلاء الذين نادوا بزعامة بيدمنت. # دازيجليو # Massimo D’azeglio # وكان دازيجليو (1798-1866) صهرا «لمانزوني»، وصديقا «لسيزار بالبو»، وذا ولع ~~بالفنون، فهو مصور يرسم اللوحات، وهو روائي يكتب القصص، ونشر بعض الروايات في سنة ~~1833، ثم في سنة 1841 أحدثت شيئا من الدوي، ثم إنه كان في حياته إيطاليا أكثر ~~منه بيدمنتيا، فعاش في روما، وفي فلورنسة، بقدر الوقت الذي عاشه في تورين، ثم لم ~~يلبث أن انغمس في السياسة، فدبج يراعه العدد الوفير من الكراسات والمقالات، وظهر ~~في كتاباته أنه يعطف على الآراء الجديدة، والتي تدعو إلى التقدم والارتقاء، ولكنه ~~كان في ذاته فاتر الهمة، لا يفكر في أن يصبح في حياته أو نشاطه قدوة ~~للآخرين. # وفي خريف سنة 1845؛ اضطلع دازيجليو «بمهمة» في إقليم «رومانا» من الأملاك ~~البابوية، لا يزال مصدرها مجهولا، أو غير متفق عليه؛ هل كان «دازيجليو» هو الذي ~~ابتكر هذه «المهمة» لنفسه، أو أن الدعوة جاءته من «رومانا»؟ من أهل هذا الإقليم ~~أو من الوكلاء البيدمنتيين الذين ينشطون هناك للدعوة لزعامة بيدمنت؛ لأن المهمة ~~التي أخذها «دازيجليو» على عاتقه كانت ترويج الدعوة لبيدمنت، وإذاعة الآراء التي ~~اعتنقها «النبلاء» البيدمنتيون، الذين أرادوا «اتحادا» إيطاليا تتزعمه بيدمنت ~~وآل سافوي - البيت الحاكم بها - ولقد كان أهل «رومانا» يخشون أن يقضي البابا ~~«جريجوري السادس عشر» نحبه في أي وقت، وأن يتبع هذه الوفاة ثورة تحركها «إيطاليا ~~الفتاة» واحتلال نمسوي لإخماد الثورة. # وقصد «دازيجليو» إلى رومانا حينئذ يبشر بزعامة بيدمنت واتحاد إيطاليا، ويدعو أهل ~~رومانا لأن يضعوا ثقتهم في شارل ألبرت وفي زعامته، واستطاع «دازيجليو» أن يكسب ~~أنصارا كثيرين، بالرغم من الذكريات السيئة عن شارل ألبرت التي كانت لا تزال عالقة ~~في أذهان «الرومانيين»، وبالرغم من أن شباب الأحرار في رومانا كانوا يؤثرون ~~الاعتماد على جهودهم «الجمهورية»، ولكن «دازيجليو» فشل في ms1130 إخماد النزعة لإشعال ~~الثورات المحلية، وعلى ذلك فإنه لم يكد يغادر «رومانا»، حتى قام «الكاربوناري» ~~بحركة إرهابية عنيفة في «ريميني»؛ وذلك للانتقام من الاضطهاد، والقمع الشديد الذي ~~عمدت إليه الحكومة البابوية عقب ثورة الشقيقين «موراتوري»، ولقد سبق أن ذكرنا كيف ~~اضطر الثوار في «ريميني» بعد ذلك إلى الفرار عبر الحدود إلى «تسكانيا» لاجئين ~~بها. # أما هؤلاء الثوار في «ريميني» فكانوا قد أصدروا منها نداء موجها إلى ~~«الأمراء والشعوب في أوروبا»، صاغ عبارته المؤرخ الإيطالي فاريني # Farini ~~، # 33 # حمل الثوار فيه على الحكومة البابوية، وطالبوا بالإصلاح، وكان الإصلاح ~~الذي طالبوا به ضئيل القيمة، ومن طراز الإصلاحات الوقائية التي كانت قدمت للبابا ~~في سنة 1831، وقد سبقت الإشارة إليها في موضعه. # وهيأت هذه الثورة في «ريميني» الفرصة لدازيجليو؛ حتى ينشر سرا في فلورنسة في ~~سنة 1845 كتيبا عن «الحوادث الأخيرة في رومانا»، # 34 # تناول فيه بالشرح والتعليق أسباب وطبيعة الثورة الفاشلة، وحمل فيه حملة ~~عنيفة على حكومة البابوية وعلى سياستها، بصورة تحطم آمال كل أولئك الذين خيل ~~إليهم أن البابوية في وسعها النهوض بإيطاليا وبعثها وإحيائها، ولو أن ~~«دازيجليو» أكد احترامه العميق لرأس الكنيسة الكاثوليكية؛ لأنه يخشى من حدوث انقسام ~~يقضي على الرابطة الوحيدة التي كانت لا تزال من الناحية الشكلية «والرسمية» ~~تجمع بين الإيطاليين في نوع من الاتحاد المرموق، فأوضح وجوه الاختلاف بين المبادئ ~~السليمة والحكيمة التي يجب أن يقوم عليها صرح الحكومة البابوية، والتي ادعت هذه ~~تمسكها بها، وبين الطريقة أو الأساليب الفعلية التي يجرى بها تنفيذ هذه المبادئ، ~~وفي رأيه أن البابا كان لا يجهل أن البلاد تخضع لنوع من الاضطهاد والاستبداد ~~الحكومي يطمس معالم الفكر، ويقضي على العدالة، ويذيع الفوضى في الإدارة الحكومية ~~والاضطراب في شئون الاقتصاد والمال، ولا يمكن أن يجهل البابا وجود الاحتكارات ~~الحكومية التي تخنق التجارة، ولا وجود العسكر من السويسريين المرتزقة الذين تعتمد ~~عليهم حكومة البابوية في تأييد سلطتها الاستبدادية، ولا وجود القتلة وسفاكي الدماء ~~من جمعيات «أصحاب الإيمان المقدس». # San-Fedistes # الذين سبقت الإشارة إليهم، ms1131 أنصار ~~الكنيسة الرجعيين، ولا يمكن أن يجهل البابا أن هناك مقاومة عنيفة لكل ما هو جديد ~~أو يشتم منه أنه جديد، ولكل نشاط في ميدان التربية والتعليم، ومقاومة ضد السكة ~~الحديدية، وضد المصارف، وضد الجمعيات الزراعية، وضد المؤتمرات العلمية، ولقد أصر ~~«دازيجليو» لهذا كله على اعتبار البابوية المسئولة عن هذه الحال السيئة في ~~«أملاكها»، وأصر على ضرورة أن تتخلى البابوية عن «قيادة السفينة التي ما عادت ~~تسير في الطريق الذي يرسمه لها سكانها»، بل يقتضي الواجب البابوية إنهاء السلطات ~~الاستبدادية التي لرجال الإدارة في أملاكها، ويتحتم عليها أن تؤمن رعاياها على ~~استقرار «العدالة المدنية» على الأقل، على نحو ما تفعله النمسا ذاتها مع رعاياها، ~~وقال «دازيجليو»: إن من المتعذر استناد الحكومة البابوية على الضغط والبطش؛ لأن ~~السلطة اليوم إنما تستند على الرأي العام، وعلى إرادة وموافقة المحكومين وحسب، ~~وواجب على البابا لذلك أن يرضخ لهذه «السلطة» الأخيرة، ولا يصطدم بها. # ولقد توجه «دازيجليو» بعد ذلك بطائفة من النصائح إلى الأحرار فامتدح شجاعتهم، ~~وهم الذين حركوا الثورات الإقليمية المحلية، واستعدادهم للتضحية، ولكنه عاب عليهم ~~إثارة هذه الاضطرابات «الضئيلة القيمة»، والتي ليست بحال من الأحوال هي الطريق ~~الصحيح إلى الاستقلال، والأحرار في رأي «دازيجليو» لا يزالون أقلية في الأمة، وفي ~~رأيه لا يصح لهذه الأقلية أن تعمم الأمة في معارك، أو ثورات لا تعرف نتائجها، ~~شبهها «دازيجليو» بلعب الحظ عندما يرمي أحد الأفراد قطعة نقود في الهواء ليقبضها ~~باليد بعد سقوطها، ثم يتقدم فرد آخر لمعرفة وجهها، فإن جاء تخمينه صحيحا؛ كسب ~~الرهان، فيعرض الأحرار بهذه الطريقة مستقبل الأمة للخطر، وينحدرون بالبلاد إلى ~~هوة المنازعات الداخلية أو الحروب الأهلية المحطمة لكيانها، أضف إلى هذا أن هذه ~~الثورات المحلية إذا استمرت سوف تنقل النضال أو الجهاد القومي ذي الأهداف والغايات ~~الكبرى، إلى فورات أو انتفاضات محلية ذات آثار محدودة، فتستنفد هذه الثورات ~~الإقليمية «الصغيرة» جهود الأمة، وتصرفها عن الجهاد الأعظم، وتشتت جهود أبنائها ~~سدى، ونصح «دازيجليو» بأن الوقت لم يحن بعد للثورة المسلحة ms1132 التي يجب أن يشترك ~~فيها الإيطاليون جميعهم، طالما أن النمسا كانت مهيأة دائما لسحق هذه الثورة ~~بقوة السلاح، بل يجب على إيطاليا أن تتذرع بالصبر، قبل الدعوة للمقاومة المسلحة ~~والثورة، وأن تبذل التضحيات، وذلك برفض كل إذلال «روحي» يراد فرضه عليها. ولما كان ~~التذرع بالصبر عملا شاقا على الشعوب الواقعة تحت نير الظلم والطغيان، فالطريق ~~الآخر غير طريق الثورة والاصطدام المسلح إنما هو الاحتجاج - احتجاج الرأي العام ~~الشديد بقوة، وبصورة دائمة، والجدير بالملاحظة هنا أن «دازيجليو» كان مؤمنا بقوة ~~الرأي العام، وبقدرته على انتزاع الشيء الكثير - لصالح المحكومين - من الحكومات ~~المستبدة الغاشمة، ثم نصح «دازيجليو» الأحرار، وطلب منهم أن يولوا وجوههم شطر ~~بيدمنت باعتبار أن بيدمنت هي القوة الوحيدة التي في استطاعتها «صنع» ~~إيطاليا. # ولقد أدرك هذا الكتيب نجاحا عظيما، وسرعان ما أفضى ذيوعه إلى إنشاء حزب جديد، هو ~~حزب الأليبرتيين # Albertiste # أنصار بيدمنت وأنصار ~~ملكها شارل ألبرت، وانضم كثيرون من شباب الجمهوريين إلى هذا الحزب الجديد، وهؤلاء ~~الجمهوريون هم الذين صدموا في آمالهم بسبب إخفاق الثورات المحلية السابقة، وانضم ~~إلى «الألبرتيين» كذلك كل أولئك الذين لم يؤمنوا بقدرة البابوية على إحياء إيطاليا ~~وبعثها، ثم أولئك الذين انصرفوا عن «إيطاليا الفتاة»، بل لقد تزايدت أهمية هذا ~~الحزب الجديد سريعا، حتى إن «مازيني» لم يلبث أن رأى ضروريا التفاوض مع ~~أعضائه، وحاول الاتفاق مع «الألبرتيين» على أساس أن يتخلى «مازيني» عن الدعوة ~~للجمهورية، في نظير أن يتخلى «الألبرتيون» بدورهم عن فكرة الاتحادية الكونفدرائية، ~~وأن يؤيدوا «الوحدة» الأهلية الإيطالية. # وفي بيدمنت كان للحزب تنظيم قوي على رأسه «دازيجليو»، كما كان من أعضائه؛ ~~«مامياني» و«كافور»، وإن بقي «سيزار بالبو» بعيدا عنه، وتضافرت أقلام رؤساء الحزب ~~للكتابة في «المجلة الجديدة»، # 35 # التي نقلوا إليها طائفة من المقالات من الصحف والمجلات الفرنسية مثل ~~«جورنال دي ديبا»، ومجلة العالمين المشهورة، # 36 # كما نقلوا إليها المقالات من الصحف والمجلات الإنجليزية، وهم الذين ~~أسسوا في سنة 1847 الصحيفة الجديدة البعث # Ilrisorgimento ~~، ولقد وجهوا الدعوة صريحة إلى شارل ألبرت، ms1133 وطلبوا منه ~~أن يتزعم الحركة القومية، فكتب كافور: «لقد دقت الساعة؛ لتتسلم ملكية سافوي زمام ~~الزعامة»، فكان على يد هذه المدرسة البيدمنتية إن أمكن أن يتشكل مستقبل ~~إيطاليا، ولكن بعد سنوات كثيرة، وبعد الثورة التي قامت في سنة 1848. # وعشية هذه الثورة (1848)، لنا أن نتساءل إذن بعد كل الأحداث (والوقائع) التي ~~مرت، والتيارات الذهنية المقترنة بحركتي «الرومانسية أو الرومانتيكية والبعث ~~والإحياء»، وظهور جماعة «المعتدلين» أصحاب المذاهب السياسية، التي نادى بها رجال من ~~طراز جيوبرتي، أو «دازيجيليو» و«بالبو»، ثم حركة «الإصلاح» في بيدمنت خصوصا - ~~نقول: يحق لنا أن نتساءل ماذا كان الموقف في إيطاليا عشية ثورة 1848. # من الناحية السياسية؛ لم يطرأ تغيير على هذا الموقف؛ فهناك مجموعة من الدول ~~والإمارات إلخ، منفصلة عن بعضها بعضا، والنمسا لا تزال صاحبة الحول والطول في ~~إيطاليا، والحكومات المستبدة تنشر طغيانها في كل أنحاء البلاد، ولكن على العكس من ~~ذلك من الناحية الخلقية الأدبية والروحية، كان قد طرأ تغيير شامل على الموقف، ~~فالمثقفون جميعهم من الآن فصاعدا قد صاروا يعتنقون الفكرة القائلة بضرورة إزالة ~~الحدود التي تفصل بين الدويلات المتعددة؛ ليتسنى إنشاء دولة إيطالية واحدة ووطن ~~إيطالي واحد، ولقد اختلفت رغبات الإيطالية بشأن «الشكل» الذي يجب أن تتخذه هذه ~~الدولة الواحدة، الوحدة والجمهورية؛ شعار الثوريين الذين حركوا الثورات المحلية ~~الأولى، والذين بدأ نشاطهم، كما شاهدنا سنة 1830، ويمثل هؤلاء «المازينيون»، واستمر ~~نشاطهم في سلسلة من الثورات الصغيرة والفاشلة بعد ذلك، ثم كان هناك «المعتدلون» منذ ~~1840 وهم الذين لم يربطوا الفكرة الإيطالية، وإنشاء الوطن القومي الإيطالي بالفكرة ~~الثورية، وصاروا يشكلون بفضل ذلك عنصرا «محافظا» في تاريخ الحركة القومية، ومع ~~ذلك فقد تنوعت الحلول التي ارتآها هؤلاء «المعتدلون» للمشكلة الإيطالية، فهناك ~~أنصار البابوية مثل؛ «جيوبرتي» و«الجلفيين الجدد»، ثم هناك خصوم الحكومة البابوية ~~الذين أرادوا تجريدها من كل سلطة، مثل: جياكومو ~~دوارندو # Giacomo Durando ~~(1807-1894)، صاحب «القومية الإيطالية»، # 37 # ثم لويجي توريللي # Luigi Torelli # صاحب ~~«أفكار عن إيطاليا»، # 38 # ثم هناك الذين أرادوا الاستقلال قبل كل شيء، ولم يكونوا ms1134 يهتمون بالحقوق ~~الدستورية مثل: «بالبو»، ويقابل هؤلاء من الطرف الآخر أولئك الذين يضعون الحقوق ~~الدستورية، والحريات في مرتبة أعلى من الاستقلال «من النمسا». وأخيرا كان هناك ~~الذين يؤيدون «توسع» بيدمنت، ويريدون لها الزعامة حتى تصنع لإيطاليا كيانا ~~سياسيا واحدا، وهؤلاء هم الذين سوف تتزايد أعدادهم تباعا. # وهكذا كانت الحركة القومية عشية أحداث ثورة 1848، مزيجا من الأهداف والتيارات ~~المختلفة والمتضاربة، ولكن الذي لا شك فيه أن الشعور القومي أو الروح القومي قد ~~صار متيقظا، ويعم كل إيطاليا ويتغلغل في كل الأوساط والطبقات. # ولكن هذا الشعور أو الروح القومي لم يكن هناك مناص من «تجسده» في شكل الدولة ~~القومية والوحدة الأهلية، وبجانب «الثوريين» الذين فقدوا اعتبارهم بسبب الفشل الذي ~~أصابهم كل مرة حاولوا فيها الثورة، كان أكثر الإيطاليين يعتقدون أن العمل لتحقيق ~~هذه الوحدة الأهلية قد بات قريبا، ولما كانت قد تبددت آمالهم في الحصول على أية ~~معاونة من الخارج؛ بسبب تخلي فرنسا عنهم، فقد صاروا يعتمدون على أنفسهم هم وحدهم في ~~تحقيق آمالهم، وصار شعارهم مقالة شارل ألبرت نفسه: «ستعمل إيطاليا وحدها». # 39 # البابوية «المصلحة» بيوس التاسع # ولقد كان ذلك هو الموقف في إيطاليا، عندما حدث في (أول يونيو 1846) أن توفي ~~البابا جريجوري السادس عشر، ووقع اختيار مجلس ~~الكرادلة # Conclave ~~؛ على الكاردينال جيوفا في ماريا ماستا في فيريني # 40 # ليعتلي كرسي البابوية باسم البابا بيوس التاسع (14 يونيو)، وكان ~~«ماستائي» البابا الجديد ينحدر من أسرة نبيلة ريفية من سينيجاليا # Sinigalgia # من الأملاك البابوية، ولد سنة 1792 ~~وبدت عليه عوارض داء الصرع؛ مما أجبره على مغادرة الكلية التي كان يتعلم بها في ~~فوليترا # Volterra # بتسكانيا، كما أن نوبات ~~الصرع هذه استمرت تنتابه تارة في شكل هياج عصبي، وأخرى في صورة اندفاع متهور، هي ~~التي تفسر كثيرا من الأحداث التي وقعت خلال بابويته. ولقد عاد «ماستائي» إلى ~~سينجاليا في سنة 1809، وبقي بها حتى عودة البابا بيوس السابع إلى روما (سنة 1814)، ~~عند انتهاء عهد السيطرة الفرنسية في إيطاليا. وفي هذه الفترة (1809-1814) قيل عن ms1135 ~~«ماستائي»: إنه كان متصلا بالبنائين الأحرار «الماسون»، وبالكاربوناري. ولو أنه لا ~~يوجد أي إثبات على أنه كان متصلا فعلا بجماعة الثوريين، أو أنه انحرف في شيء عن ~~تقاليد أسرته التي كانت تقاليد «كنسية» بحتة. # وقصد «ماستائي» إلى روما في سنة 1814، يبغي الظفر بمركز في وظائف الحكومة ~~البابوية، ولما لم تسعفه صحته الضعيفة في الالتحاق «بالحرس البابوي»، ما حصل على ~~وظيفة صغيرة بإحدى ملاجئ الأيتام (1816)، ثم لم يلبث أن انخرط في سلك الكهنوت، ~~وعهد إليه بمهمة دينية وسياسية معا في سنة 1817 إلى «شيلي» بأمريكا الجنوبية، ~~فلم يعد منها إلا سنة 1825، فعينه البابا ليتو الثاني عشر رئيسا لمستشفى ~~القديس ميخائيل، ثم رقاه بعد عامين رئيسا لأسقفية «سبوليتو». # وفي هذا المكان الأخير، ومع أول احتكاك بين «ماستائي» والثوريين الطليان في سنة ~~1831، وذلك عندما اضطر الجنرال «سيركو جناني» بعد إخفاقه في محاولة مهاجمة روما إلى ~~الانسحاب إلى «سبوليتو»، وتسريح قواته بناء على نصيحة «ماستائي» في الظروف التي ~~سبق أن عرفناها. # وفي سنة 1832 نقل «ماستائي» إلى مطرانية إيمولا # Imola ~~، وفي 1840 رقي كاردينال وبقي يحتفظ بمطرانيته، وشهد ~~وهو في «إيمولا» سلسلة من المؤامرات، والثورات، وإجراءات القمع، والتدخل النمسوي، ~~وإلقاء القبض على الناس وحبسهم، والحكم بالنفي والتشريد على طائفة منهم، وإعدام ~~طائفة أخرى، فأغضبته هذه «التجربة» وأزعجته، وصار يحتج عليها لدى الحكومة البابوية ~~الرئيسية، فعدته هذه من طراز أبيه جريجوار # Grégoire # صاحب الشهرة المعروفة في تاريخ الثورة الفرنسية، # 41 # وقد أغضب عمل البلاط البابوي «ماستائي »، وكان «ماستائي» في هذا الوقت ~~على صلات ودية وثيقة بأحد شباب الأحرار المثقفين: الكونت جويزيبي باسوليني Pasolini ~~، وتربطه روابط الصداقة كذلك ~~بزوجه أنطوانيتا باسي # Bassi ~~، وكانا يقطنان بالقرب ~~من «إيمولا»، وقد تأثر بابا المستقبل بهذه الصداقة تأثرا عميقا، سواء من حيث ~~انجذابه إلى أسلوب المعيشة الهادئة، والرجعية في هذا الوسط، ومن حيث اطمئنانه إلى ~~ولاء «باسوليني» وزوجه وصدق نواياها، حتى صار يثق بها ثقة كبيرة، ولقد تناقش ~~ثلاثتهم كثيرا في إمكان التوفيق بين «الدين» و«التقدم»، بين العقيدة الكاثوليكية ~~والمبادئ ms1136 الحرة، التوفيق بينهما من الناحيتين المنطقية والعملية، كما بحثوا ~~التباين والاختلاف العظيم بين الأماني الإيطالية، وما يجب إنجازه من وسائل ~~لتحقيقها، وبين الطرائق والأساليب التي تتبعها البابوية والحكومة النمسوية في ~~الحكم، والتي يتعذر معها تحقيق هذه الأماني، ولقد ساعدت هذه المناقشات على أن ~~يعتنق «ماستائي» بصورة من الصور الآراء التي نادى بها «المعتدلون» المصلحون، وأن ~~يقف بوقف المعارضة من أنصار الرجعية والحكومة المستبدة من جهة، وأنصار الحركات ~~الثورية المازينية من جهة أخرى. # ومن المحتمل أن «ماستائي» ما كان يعير هذه الموضوعات ذاتها انتباها خاصا، أو ~~أنه كان يعني تتبع الطريق الذي سلكته الآراء الداعية للمسالمة بين العقيدة ~~الكاثوليكية والمبادئ الحرة، وهي التي صارت جزءا من برنامج الحركة ~~الرومانتيكية الحرة في سنة 1830، والتي جعل تحددها الآن شباب القساوسة، ورجال ~~الدين ينجذبون دون شعور منهم إلى مقاومة الرجعيين الذين يريدون طمس الفكر، وإلى ~~مقاومة اليسوعيين، ومع ذلك فالثابت أن «ماستائي» كان في قرارة نفسه يعطف على هذه ~~الحركة، التي اتسع نطاقها بفضل «أدب الإصلاح»، مما دبجه يراع المصلحين ~~المعتدلين، فصارت تشمل كل المشكلات السياسية في إيطاليا، ولقد شاهدنا كيف أن ~~هؤلاء المعتدلين مثل: «جيوبرتي» و«بالبو»، وكتاب الإصلاح الآخرين قد بنوا كل ~~خططهم لتحرير إيطاليا، وإنقاذها من وهدتها على فكرة «المسالمة» هذه؛ ولذلك فقد سهل ~~على «باسوليني» وزوجته أن يستثيرا اهتمام «ماستائي» بالمشكلات السياسية، وأن ~~يجعلاه في آخر الأمر يأسف أشد الأسف لسوء الأحوال السائدة، ويتطلع إلى مستقبل أفضل، ~~اعتقد «ماستائي» أن قليلا من الرفق والتسامح، وشيئا من الروح المسيحية الصحيحة، ~~كلاهما قمين بفعل ذلك، وكان بفضل أصدقائه «آل باسوليني» أن تسنى «لمستائي» قراءة ~~كتاب «جيوبرتي» عن رياسة أو زعامة إيطاليا، وكتاب «بالبو» عن آمال إيطاليا، ثم ~~مؤلف «دازيجليو» عن حوادث رومانا وثورتها الأخيرة، وهكذا نتيجة لهذه الدراسة ~~التي تناولت آراء المصلحين المعتدلين من ناحية، ولمشاهداته من ناحية أخرى، وهي التي ~~وقفته عن فظائع وسائل القمع والإرهاب الرجعي، صار من الممكن بناء تلك «الشخصية» ~~التي احتلت مكان الصدارة في تاريخ الحركة القومية الإيطالية، ms1137 باسم البابا بيوس ~~التاسع، الثلاث السنوات التالية قبل حوادث 1848. # وكان عند ذهاب «ماستائي» لحضور مجمع الكرادلة عقب وفاة جريجوري السادس عشر في سنة ~~1846، أن أفصح الكونت «باسوليني» عما كان يجول بخاطره، من حيث استطاعة ~~«ماستائي» إذا صار انتخابه لكرسي البابوية، أن يضع موضع التنفيذ تلك الآراء ~~والمبادئ التي بحثها في «إيمولا»، ومع ذلك فقد كان واضحا أن الأحوال في أوروبا ~~في اللحظة التي حصل فيها انتخاب «ماستائي» للبابوية (يونيو 1846)، لم تكن ملائمة ~~لتطبيق مبادئ الإصلاح الحر؛ بسبب تلك الموجة من الرجعية التي كانت تجتاح أوروبا ~~وقتئذ، والتي لا معدى عن إثارتها الصعوبات في طريق البابا إذا شاء الظهور بمظهر ~~المحب للإصلاح، وتنفيذ نواياه الطيبة. # فقد كان في هذه الآونة، أن انفصمت عرا «التحالف الودي» بين إنجلترة وفرنسا؛ بسبب ~~الزواج الإسباني، ووجد لويس فيليب الملك الفرنسي نفسه مرغما على الارتماء في أحضان النمسا، # 42 # وكانت سياسة النمسا في كل مكان مؤسسة على الرجعية، ومقاومة الآراء ~~والمبادئ الحرة. # وبدأ «بيوس التاسع» في هذه الظروف بأبويته، كمن لا يدري ما الطرق التي يجب ~~اتباعها للبدء في تنفيذ برامج إصلاحاته، ولكنه لم يلبث أن لقي كل معاونة من جانب ~~اثنين من رجال الدين: جراتزيوس # Graziosi ~~، وكان ~~«كنسيا» مثقفا متنورا، ثم كوربولي ~~بوسي # Corpoli Bussi ~~- وهو سكرتير - البابا. # وكان صاحب ميول يمكن اعتباره بفضلها اليوم في عداد «الكاثوليك ~~الاشتراكيين». # ولقد انضم إلى هذين الكونت بلليجرينو ~~روسي Pellegrino rossi # مستشار البابا، والذي اشتهر بفلسفته «الحرة»، وكراهيته ~~لليسوعيين، وكان هؤلاء الثلاثة هم المسئولين عن أول إجراء سياسي عظيم الأهمية، صدر ~~عن البابا الجديد؛ إعلان العفو العام في 16 يوليو 1846، وشمل هذا العفو كل المذنبين ~~سياسيا والمشبوهين، ولقد كان ذلك إجراء جعل من الناحية السياسية البابا بيوس ~~التاسع، باعث النهضة السياسية في إيطاليا. # وكان لإعلان العفو العام أعمق الأثر، ليس في روما وحدها أو في سائر الأملاك ~~البابوية وحسب، أو حتى في إيطاليا بأجمعها، بل لقد تعدى أثره حدود إيطاليا حتى تشعر ~~به أوروبا، بل العالم بأسره، والحقيقة ms1138 أن صدور «العفو العام» على يد أحد ~~البابويات، كان بمثابة عود الثقاب الذي ألقي على كومة من المواد القابلة للاحتراق، ~~ولم يكن يدور في خلد بيوس التاسع أن الأمر سوف يكون على هذه الدرجة من الخطورة ~~عندما استجاب لعاطفته ولنصح مستشاريه، فسواد الناس في كل أنحاء إيطاليا وأوروبا ~~يتوقون لتغيير يحدث، ومنذ سنة 1815 كانت تتزايد الرغبة تدريجيا في إجراء ~~الإصلاحات الاجتماعية والسياسية، وهو شعور «تفاقم» منذ سنة 1830 وصار لا يمكن دفعه، ~~وفي إيطاليا حيث كانت الحاجة أشد لهذا التغيير ولهذه الإصلاحات، كانت النمسا القوة ~~التي اعتمد عليها الرجعيون في محاربتهم لأماني الأحرار، وإخماد حركتهم، وكان لذلك ~~طبيعيا أن يعتبر موجها ضد النمسا كل إجراء «مستحدث» يصدر لتأييد المبادئ ~~الحرة، وكان أدعى لاستثارة حفيظة النمسا، صدور «العفو العام» على يد بيوس التاسع؛ ~~لأن هذا الإجراء لم يكن إجراء «صغيرا» أو ضئيل القيمة، بل إنه كان في جوهره إجراء ~~أعاد الكرامة للوطنية الإيطالية، وذلك بالرغم من كل تلك «التحفظات» التي أحيط بها، ~~وكان صدوره على يد البابا - رئيس الكنيسة وزعيم العالم الكاثوليكي الروحي - بمثابة ~~الاعتراف بأن الأعمال التي كانت تعد إجرامية إن هي إلا فضائل، يجب تكريم ~~أصحابها، وذلك في وقت اشتد فيه النضال في طول أوروبا وعرضها بين الرجعيين ~~والأحرار. # على أن الذي يجب ذكره كحقيقة تفسر تطور التاريخ الإيطالي في السنوات ~~التالية، أن بيوس التاسع على خلاف الوزير النمسوي «مترنخ»، لم يكن يتوقع، أو أنه ~~كان يدور في ذهنه إطلاقا؛ أن «إعلان العفو العام» هذا معناه الحرب مع النمسا، ~~ومؤداه استقلال إيطاليا، والحقيقة أن «إعلان العفو العام» كان إجراء «مبهما» ~~يحتمل تأسيس ترتيبين اثنين عليه؛ إما الرغبة في «المسالمة» والتوفيق بين «العقيدة ~~الكاثوليكية» والمبادئ الحرة، وإما الانحياز الصريح إلى جانب الأحرار ضد ~~الرجعيين، ولقد تكفل منطق الحوادث وحده بعد ذلك بإظهار هذا «الإبهام» وفضحه، ثم ~~بإزالته، وكان بهذا المعنى إذن أن حرك الثورة وبدأها في إيطاليا «إعلان العفو ~~العام» هذا الذي أصدره البابا بيوس التاسع. # ولقد كانت الإصلاحات ms1139 التي تمت على يد البابا بعد «إعلان العفو» بطيئة وقليلة وغير ~~كافية، وفي كثير من الحالات متضاربة وغير مترابطة، بل إن العمل على «علمانية» ~~الحكومة؛ أي تحريرها من النفوذ الكنسي استمر أملا أو حلما تهفو له الأفئدة، ~~بالرغم من الحاجة الملحة إليه، ومع ذلك فقد بقي البابا يتمتع بمحبة شعبية، عندما ~~صار الجميع - ما عدا اليهود - يتمتعون بقسط من الحريات الفردية. وقدر «بلليجرنو ~~روس» قيمة الإصلاحات التي تمت على يد البابا، عندما كتب يصف حكومة البابوية ~~بأنها «ليست مثالية»، وأنها لا تعدو أن تكون «مجرد فكرة»؛ أي ليست حكومة بالمعنى ~~الصحيح، والحقيقة أن البابا ما كان يفعل شيئا إلا تحت ضغط المظاهرات الشعبية، ~~وتكرر ذلك حتى صار معروفا عنه ذلك للجماهير، وللزعماء الشعبيين، خصوصا ~~أنجيلو برونتي # Brunetti ~~، الملقب ~~بشيشيروكيو # Ciceruacchio # تدليل شيشرون # Cicero ~~، والذي كان يبدو صديقا للبابا، وصارت ~~المظاهرات «نظاما» ثابتا في روما، وعلى ذلك كانت الحكومة منزلقة في منحدر قد ~~يقودها إلى كارثة محققة عند أول بادرة اختلاف بين رئيس هذه الحكومة، وبين الشعب ~~الخاضع لها، ومع ذلك فقد صار الرجعيون ينددون بالبابا ويصفونه «بالماسونية» ~~والكاربونارية، بل لقد صاروا يطعنون في شرعية أو قانونية انتخابه للبابوية، مما ~~يدل على مقدار الكراهية لشخصه التي صار يشعر بها هؤلاء، وبلغ مخاوفهم منه، ولقد ~~عبر عن هذه المشاعر «مترنخ» نفسه، عندما قال في حديث له مع الماركيز ~~سولي # Sauli ~~، ممثل مملكة بيدمنت لدى بلاط ~~فينا: «لقد كنا مستعدين لوقوع أي شيء، ما عدا اعتلاء بابا من الأحرار كرسي ~~البابوية، أما وقد صار لنا الآن بابا من الأحرار، فلن يدري إنسان ماذا يقع بعد ~~ذلك.» # وحوالي نهاية العام نفسه (1846)، لم تلبث أن بدأت تشير الدلائل إلى صدق نبوءة ~~«مترنخ»، كما بدأ ينكشف المعنى الذي كان «لإعلان العفو العام»، ويزول عنه الإبهام ~~الذي لابسه، وذلك عندما أخذ أثره يمتد إلى خارج حدود الولايات البابوية، فاحتفلت ~~جنوه بذكرى مرور مائة عام على طرد النمسويين منها (1746)، وفي ميلان أقيم الحداد ~~العام حزنا على وفاة «فردريجو ms1140 كونفالو نييري» - أحد شهداء قلعة «سبيلبرج» # 43 ~~- الذي توفي في قرية عند سفح «سان جوتارد» أثناء عودته إلى إيطاليا؛ ~~ليشهد بزوغ فجر العهد الجديد، «على كنيسة القديس بطرس في روما»، بل إن المؤتمر ~~العلمي الذي انعقد في جنوه في هذه السنة (1846)، سرعان ما اتخذ نشاطه مظهرا ~~سياسيا لدرجة أن سمي «مؤتمرا وطنيا»، وكان عن هذا «المؤتمر» أن صدر ~~الاقتراح بالاحتفال بمرور الذكرى المئوية لطرد النمسويين من جنوه، وقد وجهت ~~الدعوة لكل «إيطاليا» حتى تشترك في هذا الاحتفال، فأوقدت النيران في الأكوام ~~المنثورة على طول جبال «الإبنين»، فكان معنى هذا كله تأكيد تلك الحقيقة التي كانت ~~روما لا تزال تحاول إغماض عينيها عنها، وهي وجود العلاقة المباشرة بين الإصلاحات ~~«الحرة»، والرغبة الملحة في الاستقلال القومي، ولم يخطئ الوزير البيدمنتي «ديللا ~~مرجيتا» عندما كتب من روما - وكان قد ذهب يستطلع الأحوال بها - إلى شارل ألبرت؛ ~~ليست الثورة في حاجة لأن تصنع، فإنما هي قد تم صنعها فعلا! # وفي الدويلات الإيطالية الأخرى، مثل؛ تسكانيا ولوقا ومودينا وبارما، ظهر التأثر ~~بموقف البابوية «المصلحة» في ذلك الحماس الشعبي الذي أخذ يتزايد حماسا لمجرد ~~الإصلاح وحسب، وحرك هذا الحماس المشاعر خصوصا في نابولي وصقلية، وقامت ~~المظاهرات الوطنية في بيدمنت في كل مناسبة، وخصوصا عند انعقاد «المؤتمر الزراعي» ~~في مورتارا # Mortara ~~، وهي هيئة علمية خدمت نفس ~~الأغراض فيما يتعلق بمملكة بيدمنت، التي خدمتها «المؤتمرات العلمية» بالنسبة ~~لإيطاليا. # وتوقع شارل ألبرت أن تعمد النمسا إلى وضع كل أنواع الصعوبات في طريق البابا المصلح ~~لعرقلة نشاطه، وتوقع أن يؤدي ذلك إلى نشوب الحرب، وتطلع شارل ألبرت إلى خوض غمار ~~هذه الحرب المنتظرة إلى جانب «البابا» وللدفاع عنه، حيث إن الاشتباك في حرب مع ~~النمسا دفاعا عن رئيس الكنيسة الكاثوليكية، كان يتفق مع مبادئ الملك البيدمنتي، ~~واتجاهاته السياسية والدينية، ثم إن شارل ألبرت استمر في الوقت نفسه ينفذ ~~برامج الإصلاح في مملكته، ولم يلبث أن نحى وزيره «المحافظ» أو اليميني «ديللا ~~مرجريتا»، وخفف من وطأته على المنفيين السياسيين، فبدأ هؤلاء ms1141 يعودون إلى الوطن، ~~وخفف شيئا من صرامته مع الصحافة، ثم إنه عين وزيرا للتربية والتعليم، ~~الماركيز سيزار الغييري دي سوستيجنو # Di Sostegno # من المعروفين بميولهم المتحررة، والذي قيل عنه إنه كان على صلات سرية بالأحرار في ~~لمبارديا. # ولم يكن غريبا أن يوجد «أحرار» بمملكة لمبارديا فينيشيا، الواقعة تحت الضغط ~~والاستبداد النمسوي، فقد صار منتهيا ذلك العهد الذي تميز برضى الأهلين النسبي أو ~~على الأقل تسليمهم بما شاءته الأقدار لهم، ومن المحتمل أن سكان الريف كانوا قليلي ~~المبالاة بما يجري حولهم، ولكن الثابت أن الطبقة المتوسطة (البورجوازية) في ~~المدن، كانت تضمر عداء شديدا للنمسا، وصار النبلاء ورجال الدين، وهم الطبقات ~~الممتازة يترسمون خطى هؤلاء البورجوازيين تدريجيا، فانقسم حزب الأحرار إلى ~~فريقين: «المازينيين»، وأنصار شارل ألبرت، والذين كانوا أعداء للنمسا ولا غاية لهم ~~إلا طرد النمسا وحسب، ولقد تبدى الشعور الشعبي بوضوح في ميلان عند الاحتفال ~~بجنازة «كونفالو نييري»، ثم في فينيشيا عندما حصل الاحتجاج الشديد ضد مشروع ~~الحكومة؛ لمد السكة الحديد بين ميلان والبندقية، ولقد كان من بين الذين وقعوا ~~على احتجاج شديد اللهجة، قدم للحكومة بهذه ~~المناسبة كل من؛ دانييل مانين # Daniele Manin ~~، ~~وبيترو باليوكابا Paleocapa ~~، وفالنتينو باسيني Pasini ~~، وثلاثتهم سوف يصبحون من قادة ~~الثورة المقبلة، ولقيت كتب «جيوبرتي» ومؤلفات سائر «المصلحين» رواجا عظيما، ~~وسبب تداولها المتزايد متاعب كثيرة للسلطات في لمبارديا فينيشيا، ومبعث هذه ~~المتاعب؛ أن المسألة في هذه «المملكة» لم تكن مسألة إصلاح وحسب، بل كانت كذلك ~~مسألة قومية؛ رغبة أهل هذه المملكة الإيطاليين في التحرر من سيطرة النمسويين وإنهاء ~~حكومتهم، فلم يحمل رواج هذه المؤلفات إذن غير معنى واحد فقط؛ إثبات القومية وطرد ~~النمسا، كما أن كل مظاهرة في صالح البابا ليو التاسع، أو لتأييد النظام الذي ~~اقترن باسمه كان معناه زيادة الخرق اتساعا مع النمسا. ولقد استمرت هذه الحركات دون ~~انقطاع إلى الوقت الذي عقد فيه تاسع المؤتمرات العلمية، وآخرها في مدينة البندقية ~~في سنة 1847، والذي كان من نتيجة الخطب النارية التي ألقيت به، أن قبضت ms1142 السلطات ~~على اثنين من خطبائه؛ «دانييل مانين» و«نيقولو توماسيو». # وصارت في روما الإصلاحات، سيرا بطيئا - كما ~~سبق أن ذكرنا - ثم إنها لم تكن كافية، فلم تلبث أن عزي السبب في ذلك إلى ما كان ~~لليسوعيين وللحزب الرجعي من نفوذ «سري»، استخدموه لعرقلة الإصلاح وإبطاله؛ ولذلك ~~فقد علت الهتافات لأول مرة في 10 مارس 1847؛ للمناداة بحياة البابا ليو التاسع ~~«وحده!» وعلى نحو ما جرت به العادة، ترتب على هذه «المظاهرة»، أن وافق البابا في ~~21 أبريل على تشكيل «مجلس استشاري». # 44 # ومن المعروف أن «جيوبرتي» في كتابه «الرياسة أو الزعامة» يميل لإنشاء المجالس ~~الشورية؛ للحد من غلواء الحكومات الأوتقراطية، ولكن «جيوبرتي» أراد في الوقت نفسه ~~أن تكون هذه المجالس الشورية الخطوة الأولى نحو إقامة الحكومة الدستورية، أما ~~البابا فقد شاء أن يكون إنشاء المجلس الاستشاري أقصى ما يستطيع الذهاب إليه في ~~إصلاحاته، وعلى ذلك فقد استمرت تشتد موجة التذمر، والسخط يوما بعد يوم، وصار من ~~المتعذر وقفها. # نهاية عهد «الإصلاحات» وبوادر الثورة # ومن الأخطاء التي ارتكبتها حكومة البابوية، أنها وافقت على تشكيل «حرس مدني» في ~~30 يونيو 1847، تحت تأثير «المعتدلين» بزعامة «دازيجليو»، وبمشورة «روسي» مستشار ~~البابا الذي أراد كسب «المعتدلين»، وذلك بالرغم من احتجاج الوزير كردينال جيتزي # Cizzi ~~، الذي كان معتبرا زعيم الكنسيين ~~الأحرار، والذي كان أحد المرشحين (المحبوبين من الشعب) لكرسي البابوية. # ولما كان قد قرب موعد الذكرى الأولى «لإعلان العفو العام»، فقد استعد الأهلون ~~لإحيائها بحماس عظيم، حتى حدث فجأة أن تطايرت الشائعات عن وجود اتفاق سري بين ~~النمسا، والكرادلة المعارضين واليسوعيين، وبعض سفاكي الدماء من رجال الشرطة القدامي ~~أيام البابا السابق جريجوري السادس عشر ؛ لإثارة الاضطرابات في إيطاليا الوسطى، وذلك ~~حتى تتذرع النمسا بهذه الاضطرابات؛ للتدخل والقضاء بضربة قاصمة على «نظام الإصلاح» ~~الذي اعتبرته «ثورة» جامحة. # وبمجرد أن بلغت الشائعات الزعيم الشعبي «شيشيروكيو» - أنجليو برونتي - بادر بوقف ~~استعدادات الاحتفال، وألقى القبض على كبار رجال «المعارضة»، وبقدر استطاعته زود ~~«الحرس المدني» بالأسلحة، وأصر على طرد حاكم روما، وإنشاء هيئة ms1143 قضائية للتحقيق، ~~وكتب «جيوبرتي» في كراسة عن هذا الموضوع: «وإذا ازدهت روما القديمة بخطيبها ~~شيشيرون، فإنه ليحق لروما الحديثة أن تفخر هي الأخرى بخطيبها شيشيروكيو!» ومع أن ~~كثيرين يعتقدون أن «شيشيروكيو» استطاع إنقاذ روما من هذه المؤامرة، فإن المؤرخين ~~الكنسيين ينفون هذا الزعم نفيا قاطعا، وفي رأي فريق من هؤلاء أن «المؤامرة» لم ~~يكن لها وجود إلا في أخيلة الجماهير، ويعزو فريق آخر السبب إلى مجرد الرغبة في ~~مهاجمة «الرجعيين» وهكذا، ومع ذلك فهناك حقيقتان تدعمان وجود المؤامرة؛ الأولى: ~~قيام حركات رجعية في وقت واحد في عدد من المدن الإيطالية لا تقل عن عشرة، والثانية: ~~احتلال قسم من «فرارة» فجأة بقوات نمسوية يوم 17 يوليو 1847. ولقد سبق هذا ~~الاحتلال أن تقدمت النمسا على لسان وزيرها «مترنخ» بغرض تدخلها المسلح. وقد أبلغ ~~«مترنخ» هذا العرض إلى السفير البابوي في فينا، ثم أبلغه ثانية الوزير النمسوي لدى ~~روما؛ الكونت لوتزو # Lutzow # إلى الكردينال «جيتزي»، ~~فلما رفضت روما هذه العروض عمد «مترنخ» إلى تحريك الفتن والاضطرابات في إيطاليا ~~الوسطى؛ كي يجد بسببها ذريعة للتدخل المسلح، وإذا قامت الاضطرابات، صار من المنتظر ~~إما أن يطلب البابا نفسه «تدخل» النمسا، ومن المحتمل أن يقضي التدخل عندئذ إلى ~~القضاء نهائيا على الحركة برمتها، بدعوى ضرورة إعادة النظام إلى الأملاك البابوية ~~وإيطاليا، وإما أن يتعذر استمالة البابا لدعوة النمسويين للتدخل، وعندئذ يكفي ~~غزو واحتلال «فرارة»؛ لاستثارة الشعور في إيطاليا، ولجعل وقوع الحرب في النهاية ~~أمرا لا مفر منه؛ ولذلك يرى كثيرون أن هناك ما يدعو للاعتقاد بوجود هذه المؤامرة ~~الرومانية «العظيمة»، ولو أنها لم تكن تتعدى مرحلة التشكيل الأولى. # وأيا ما كان الأمر، فقد نجح «مترنخ» نجاحا تاما في إدراك غايته الثانية، من ~~حيث إن احتلاله المفاجئ «لفرارة» في 17 يوليو 1847 قد أجبر إيطاليا ولما تستكمل ~~استعدادتها على «بدء العمل»، أما احتلال «فرارة»، إلى جانب الثورة التي حدثت في ~~«بلرمو» في صقلية بعد ذلك (في 12 يناير 1848)، وهي الثورة التي اختتم بها «عهد ~~الإصلاحات» في إيطاليا، ms1144 وافتتح بها «عهد الدساتير»؛ أي استصدار الدساتير في ~~الدويلات والإمارات المختلفة؛ فإنهما يحددان بداية الثورة التي اشتعلت سنة 1848 في ~~إيطاليا. # ويؤكد المؤرخون من الأحرار والجمهوريين أن البابا بيوس التاسع كان على اتفاق خفي ~~مع «مترنخ» في هذه الآونة، وذلك «تأكيد» تعوزه الأدلة، بل إن هناك ما يدعو إلى ~~الجزم بأن العكس كان صحيحا، فالثابت أن بيوس التاسع احتج لدى فينا على احتلال ~~فرارة، وهي من الأملاك البابوية (على الحدود بين فينيشيا ورومانا)، واضطر «مترنخ» ~~إلى التسليم بحق البابا في هذا الاحتجاج، ولو كان هناك اتفاق سري بين الرجلين، لما ~~تردد «مترنخ» لحظة واحدة في إذاعته لتبرير الاحتلال، بل إن «مترنخ» لم يلبث أن ~~كرر مظاهراته العسكرية ضد «فرارة» يوم 17 أغسطس 1847، وعاد بيوس التاسع فكرر ~~هو الآخر احتجاجاته مرة ثانية، ومع أن النمسا احتفظت بحقها في بحث المسألة من ~~الناحية القانونية، فقد اضطرت إلى إخلاء المدينة وبقيت تحتل قلعة فرارة وحسب، (وفق ~~نصوص معاهدات سنة 1815)، ثم إن «مترنخ» بدلا من أن يعقد تفاهما أو تحالفا ~~سريا مع البابا وقتئذ راح يصفه في رسائله الخاصة، بأنه من الماسونيين (البنائين ~~الأحرار) ومن الكاربوناريين، والرجل الذي لا يدري غير السماء كيف أمكن انتخابه ~~لكرسي البابوية؟! # لقد وضع «مترنخ» خططه لمواجهة الثورة والحرب في إيطاليا، وأينعت هذه الخطط ثمارها، ~~وتهيأ «مترنخ» للتدخل وهو مطمئن إلى تفوقه العسكري، وإلى أن الموقف السياسي في ~~أوروبا سوف يطلق يده في إيطاليا، فقد سبق أن أشرنا إلى انقطاع العلاقات بين فرنسا ~~وإنجلترة، وانضمام الأولى إلى النمسا؛ خوفا من العزلة وعجزها لذلك عن المضي في ~~تشجيع حركة الإصلاح في إيطاليا حتى لا تغضب حليفتها الجديدة، ومع أن إنجلترة ~~شجعت الإصلاح، حيث قد اضطرها قطع الصلات مع فرنسا إلى القيام بدور «الدفاع عن ~~الحرية»، الذي كانت فرنسا قد ورثته عن الثورة الفرنسية، وصارت لذلك تشجع البابا ~~وسائر الحكام الطليان على المضي في طريق الإصلاح، وتتفاوض مع الحكومة البابوية، ~~وأوفدت إليها أحد رجالها؛ لورد مينتو # Minto # لهذه ~~الغاية، فقد أوضح ms1145 «مينتو» للبابا أن إنجلترة لن تحرك إصبعا لمساعدة البابا أو ~~غيره من الحكام والأمراء، إذا تدهورت «الإصلاحات» إلى حركة ثورية ضد النمسا، أما ~~عن بروسيا والروسيا، فقد كانتا وعلى نحو ما هو منتظر منهما إلى جانب النمسا، وسرهما ~~كثيرا أن تريا الاستعدادات تجري في النمسا؛ لإخماد الثورة التي يوشك بركانها على ~~الانفجار في إيطاليا، وهكذا أطلقت يدا مترنخ وصار في صالحه العمل بكل سرعة وعدم ~~تفويت الفرصة، فكان ذلك منشأ «المؤامرة الرومانية»، واحتلال فرارة المفاجئ. # ولا جدال في أن هذين الحدثين؛ المؤامرة واحتلال فرارة، قد زادا من محبة الشعب ~~للبابا بيوس التاسع، ولا جدال كذلك في أنهما قد زادا من كراهية هذا الشعب وعدائه ~~للنمسا، فوجه «مازيني» في 8 سبتمبر 1847 إلى البابا دعوة فريدة من نوعها، تعيد ~~للأذهان رسالته إلى شارل ألبرت في سنة 1831، فطلب من البابا الآن أن يتولى صنع ~~وحدة إيطاليا، وأن يتولى كذلك إصلاح الكنيسة. وفي فلورنسة؛ ظهرت الرغبة في إنشاء ~~«حرس مدني»، وقوبلت بالرفض من جانب حكومتها تحت ضغط من النمسا، فقامت الاضطرابات في ~~ليقورنة (ليجهورن) - اشترك فيها الكاتب الروائي «جويراتزي» - وأرغمت الحكومة على ~~إجابة هذا الطلب، ثم لم يلبث الأحرار في ليقورنة أن راحوا يطالبون بالدستور، ~~وتشكلت في هذا الوقت أول وزارة من الأحرار في تسكانيا برياسة الماركيز ~~كوزيمو ريدولفي # Cosimo Ridolfi ~~، وفي بيدمنت ~~نشطت الرغبة في العمل الإيجابي داخل «المؤتمر الزراعي»، وقرأ سكرتير الملك الخاص في ~~اجتماع حصل في بلدة كاسال # Casale # من أعمال ~~مونتفرات # Montferrat # رسالة من الملك بشأن ~~احتلال «فرارة» كانت بمثابة النداء للحرب، ولقيت الرسالة بهذا المعنى كل ترحيب في ~~حماس وطني شديد في «تورين» و«جنوه»، وفي كل مكان في بيدمنت، ووجد الملك شارل ألبرت ~~- «الملك المذبذب» والذي يدور مع الأهواء «كدوارة الريح» - نفسه في إحدى دوامات ~~التردد الملازم له، فهو مصمم ولا شك على الحرب، ولكنه يدرك أن دعوة مجلس نيابي ~~(دستوري) يجب أن يسبق هذه الحرب، وأن يمهد لدخولها، وخشي أن تؤدي هذه الخطوة ~~«الدستورية» إلى ذيوع الفوضى، ms1146 وانتشار الاضطرابات في المملكة، وعلى ذلك فقد صار ~~يجنح للسلام في اللحظة التي تهيأت فيها جميع الأسباب لنشوب الحرب مع النمسا، ولكن ~~كان قد سبق السيف العزل، ولم يعد هناك من الآن فصاعدا أي مجال للتراجع، أما ~~السبب في ذلك فقد كان السخط، وشعور الناس الذين سيطروا على نفوس الناس في لمبارديا ~~فينيشيا من جراء سياسة القمع، والبطش المتطرفة التي اتبعتها النمسا في هذه المملكة. ~~ولقد كانت هذه سياسة في رأي كثير من المؤرخين، أرغمت النمسا عليها إرغاما، حيث ~~وجد النمسويون أنفسهم منساقين انسياقا إلى اتباعها، مثلما وجدت الدويلات والإمارات ~~الإيطالية أنها منساقة انسياقا كذلك إلى الزج بأنفسها في «دوامة» الإصلاحات على ~~المبادئ الحرة، مع ما يترتب حتما على هذه الإصلاحات من نتائج خطيرة، هي الثورة ~~والحرب. # ذلك بأن الحركة - حركة الإصلاح - التي كان بدأها البابا سرعان ما صارت أصداؤها ~~تتجاوب في كل أنحاء إيطاليا، ثم أفضت إلى نتائج ذات أهمية بالغة في عدد من الحالات ~~المعينة، وخصوصا في «مملكة الصقليتين» - أو نابولي - حيث كانت «الثورات الماضية» ~~وثورات 1820 بنوع خاص، قد خلفت آثارها في صورة سلسلة غير منقطعة من المؤامرات ~~والثورات، وتعود أهل «الصقليتين» على حياة المؤامرة والتمرد والعصيان هذه، ولا شك ~~أن سوء الحكم والإدارة البالغ في مملكة نابولي، كان السبب المباشر والرئيسي لها، ~~ولقد حدث في شهر يوليو 1847 أن نشر أحد شباب المحامين لويجي ستمبريني # Settembrini # ما أسماه «احتجاج شعب الصقليتين» # 45 # وكان اتهاما فضح صاحبه فظائع حكم «آل بربون» في نابولي وصقلية، كما ~~دل على أن أهل «الصقليتين» مصممون على العمل كقسم من الحركة العامة في إيطاليا ~~وفي نطاقها، وفي «احتجاجه» دعا «ستمبريني» إلى «حمل السلاح» كالعلاج الوحيد لإنهاء ~~الفوضى وسوء الحكم من البلاد. وعبثا حاولت الحكومة وقف خطر الثورة الداهم بتخفيف ~~الضرائب، وبذل الوعود إلخ؛ لأن «الاحتجاج» الذي نشره «ستمبريني» إنما كان يعبر عن ~~شعور عام بالسخط والتذمر والغضب، بل إن دعوته للثورة لم تلبث أن وجدت صدى في ~~جهات عدة، فقامت الثورة في ms1147 أغسطس 1847 في «مسينا» بصقلية، وفي «ريجيو» بإقليم ~~كلابريا ثم في نابول، ولكن قضي على هذه الثورات سريعا، ونظمت بدلا منها ~~«المظاهرات» الصاخبة المستمرة من نمط المظاهرات التي أرغمت في روما البابا بيوس، ~~وفي فلورنسة حاكمها ليوبولد الثاني، على قبول الإصلاح والتي كان من المتوقع كذلك أن ~~تخيف فردنند الثاني ملك نابولي وترغمه هو الآخر على الإصلاح. # وبدا كأنما الخوف قد صار يملك على الملك لبه فعلا، وبخاصة عندما انهالت عليه ~~الاحتجاجات التي نشرتها الصحف ضده في تسكانيا وروما، ثم بعث إليه أحرار بيدمنت ~~وروما «عريضة» يطالبونه فيها بأن يحذو حذو الحكام الإيطاليين الآخرين، والذين أخذوا ~~بمبادئ الإصلاح، وقد وقع على هذه «العريضة» كوكبة من الزعماء الأحرار؛ كاميلو دي ~~كافور، وسيلفيوبيلليكو، وكارلو الفييري دي سوستجنو، وميشيل أنجلو قاطاني ~~دي سيرمونيتا # Caetani Di Sermoneta ~~، ومع ذلك ~~فقد أسفرت هذه العريضة عن شيء واحد فقط؛ طرد أسوأ وزراء الملك، وتعيين نفر من ذوي ~~السمعة الحسنة في مكانهم. # ولقد اختار الصقليون هذا الوقت للانفصال كلية عن الثوريين في نابولي، وقرروا ~~الاستقلال بحركتهم، ومن الغريب أنهم بدءوا «ثورتهم» بإعلان أنهم قد حددوا يوم ~~12 يناير 1848 لقيام هذه الثورة. # وإزاء هذه الاضطرابات المتزايدة والانحدار السريع في طريق الثورة، كان لا مناص من ~~أن يحدد البابا موقفه من هذه الأحداث في وضوح، ولقد فعل بيوس التاسع ذلك عندما صار ~~يحتج بكل شدة ضد الحرب التي لا يريدها بحال من الأحوال ضد النمسا، ويؤكد أن ~~إنشاء «المجلس الاستشاري» هو أقصى ما يمكن أن تبلغه إصلاحاته الداخلية، ولكن ~~احتجاجاته وتأكيداته ذهبت سدى؛ لذيوع الاعتقاد أن البابا سوف يرضخ دائما لمنطق ~~الإقناع، مهما تنوعت وسائله، ولضغط الظروف والحوادث، ولقد افتتح فعلا «المجلس ~~الاستشاري» قبل نهاية العام (1847)، ونال هذا المجلس من ضروب الدعاية والإعلان ~~شيئا كثيرا؛ لإقناع الناس بأنه «الحكومة» الفعلية، وبأنه «برلمان» حقيقي، وتأسيس ~~«مجلس البلدية» في روما على قاعدة انتخابية واسعة، وانبرى هذا المجلس يطالب ~~«بالدستور» وقامت المظاهرات، وأعدت برامج الإصلاح، والتي كان من بين المطالب ~~التي ms1148 نادت بها؛ طرد اليسوعيين الذين تزايد السخط عليهم، وتحير البابا أي الطرق ~~يسلكها؛ الاستجابة لمطالب الشعب، أو الاستماع لنصح الرجعيين، وتحذيرهم له من ~~الأخطار التي قد تتهدد العقيدة والدين؛ نتيجة المضي في «الإصلاحات» التي يريدها ~~الشعب والأحرار. # وكان عندئذ أن تمكنت النمسا يومي 2، 3 يناير 1848 من إخماد الاضطرابات التي كانت ~~حصلت في ميلان وغيرها من المدن في لمبارديا، وذلك بأن أوقفت مذبحة فظيعة بالمواطنين ~~العزل من السلاح، الحدث الذي أثار موجة من الغضب عارمة اجتاحت كل أنحاء إيطاليا، ~~ولقد سجل «دازيجليو» هذا الشعور المليء بالألم والحزن والغضب في كتيبه عن «النضال ~~والكفاح في لمبارديا»، # 46 # أما في روما فقد أقيم «مأتم» لضحايا البطش النمسوي زاد النار ~~المشتعلة في النفوس ضد النمسا تأججا وضراما. # ثورة 1848 # وتعين الثورة التي حدد لقيامها في «بليرمو» بصقلية يوم 12 يناير 1848 نهاية عهد ~~«الإصلاحات»، كما أنها تعين - كما ذكرنا - بداية عهد الثورة في إيطاليا، وفي بليرمو ~~بدأت الثورة فعلا يوم 12 يناير، ولم يأت يوم 27 يناير حتى كانت قد نجحت نجاحا ~~كاملا، وهزم الثوار القوات المرسلة من نابولي، وتحررت الجزيرة بأجمعها ما عدا ~~قلعة مسينا، وقبل الملك المفاوضة مع الثوار الذين أعلنوا «دستور سنة 1812» # 47 # وشكلوا حكومة مؤقتة، وشرع البرلمان في 18 أبريل يبحث قرارا بخلع ~~أسرة بربون من الحكم في صقلية. # وكانت «العروض» التي قدمها الملك إلى شعبه في صقلية؛ أي منحهم دستورا، كان قد ~~اضطر قبل ذلك «لتقديمها» إلى شعبه في نابولي، تحت ضغط حوادث الثورة ذاتها في صقلية، ~~والمظاهرات المستمرة في نابولي، فأصدر قرارا في 29 يناير 1848 بالقواعد التي يقوم ~~عليها «الدستور»، فكان فردنند الثاني أول حاكم في إيطاليا تنازل عن حقوق دستورية ~~لشعبه. # ويبدو أن ملك نابولي أراد بهذه الخطوة أن يدفع دفعا «حركة الإصلاح»، التي لم ~~يكن يستهدف الملوك والأمراء منها سوى مجرد الإصلاح المادي والاجتماعي وحسب ، كما ~~أراد أن يعاقب البابا بيوس التاسع على «الارتباك» الذي سببه بمشروعاته الإصلاحية، ~~فسوف يجد البابا نفسه مضطرا لأن ms1149 يحذو الآن حذو ملك نابولي، فيمنح هو الآخر شعبه ~~«دستورا». وسوف يجد الحكام الإيطاليون الآخرون أنهم مرغمون أيضا على فعل ذلك، حتى ~~أولئك الذين يستندون على مظاهرة النمسا لهم. ولقد أسفرت التجربة الدستورية في ~~نابولي عن نتيجة عجيبة، عندما أدى منح الحقوق الدستورية الواسعة الأهلين الذين ~~عاشوا أجيالا طويلة في ظل الضغط والاستبداد الحكومي، أدى إلى دفع البلاد فجأة ودون ~~سابق إنذار إلى هوة سحيقة من الفوضى، عجزت عن انتشال البلاد منها وزارات الأحرار ~~الثلاث التي تشكلت في أثر بعضها بعضا، خلال المائة يوم التي تلت استعداد هذا ~~الدستور في نابولي. # وصح ما توقعه ملك نابولي، من حيث إن منحه الدستور لشعبه سوف يضغط على أيدي غراندوق ~~تسكانيا «ليوبولد الثاني»، والبابا بيوس التاسع، ولكن في بيدمنت؛ وصل شارل ألبرت ~~بعد تردد طويل إلى قرار مستقل، فهو قد أدرك أن الحرب لا محالة واقعة مع النمسا، ~~واعتقد أنه لن ينج منها إلا إذا استمال إليه الأحرار في بيدمنت، وكان هؤلاء ~~بمبادئهم الحرة قوة يعتد بها، فأذاع بيانا بتاريخ 8 فبراير 1848، يعلن فيه قواعد ~~الدستور # Statuto # الذي أراده لشعبه، ثم شكل ~~وزارة جديدة برياسة «سيزار بالبو»، ولم ينشر البيان رسميا إلا يوم 5 مارس. وفي ~~17 فبراير، أذيع دستور # Statuto # كذلك في تسكانيا، ~~وحاول البابا التهرب من إعلان الدستور في أملاكه، فوجه خطابا بابويا لأتباعه ~~في 10 فبراير، يطلب فيه من الله أن «يبارك إيطاليا»، ثم خطب في اليوم التالي ~~الجماهير من شرفة قصر الكويرينال في روما # Quirinal ~~، ~~ومع أنه في كل مرة، قد أوضح تماما أنه لن يمنح شعبه دستورا، ولن يطرد اليسوعيين، ~~ولن يدخل في حرب مع النمسا، فقد تناسى الناس كل ما ذكره البابا ما عدا «مباركة ~~إيطاليا»، وصار يتنازع البابا الحذر من خطورة الأحداث التي تكاد تعصف بالبلاد ~~وقتئذ، هذا من ناحية، ثم من ناحية أخرى؛ التأثر بالحماس الشعبي الذي كان له فعل ~~السحر في نفسه . وأخيرا لم يلبث أن وافق في 10 مارس على تشكيل وزارة كل ms1150 أعضائها ~~تقريبا من العلمانيين، كان منهم: ماركو ~~مينجيتي # Minchetti ~~، أحد متطرفي المعتدلين من إقليم رومانا، والكونت «جوزيبي ~~باسوليني» صديق البابا الذي عرفنا الكثير عنه، ثم جوزيبي جاليتي # Galletti # من رجال السياسة، وفي 14 مارس أصدر البابا ~~«الدستور». # غير أن الذين وضعوا هذا الدستور كونوا لجنة من الكنسيين، قاموا بهذا العمل تحت ~~ستار من الكتمان والسرية، فلم تعلم شيئا عنه الوزارة التي كان واجبها تنفيذ هذا ~~الدستور، الذي كان عبارة عن مجموعة متضاربة ومختلطة من السلطات التنفيذية ~~والتشريعية، وتلقي بعضها بعضا، لم يسع مستشار البابا «بلليجر ينوروسي» عندما وقعت ~~عيناه على هذا الدستور إلا أن يصارح بيوس التاسع برأيه فيه، فوصفه بأنه تقرير ~~«للحرب بين صاحب السلطات وبين الشعب في أشكال قانونية»، وكان نقدا صريحا وجديرا ~~بصاحبه ذلك الذي أظهر خطر هذا الدستور وعجزه، ولكن أحدا وسط الحماس العظيم الذي ~~رحب به الشعب صدور الدستور، لم يلق بالا لذلك. # ولقد كان في أثناء ذلك كله أن ذاع نبأ الثورة التي طوحت بعرش لويس فيليب في فرنسا ~~(24 فبراير 1848)، فقوبل هذا النبأ بفرح وحماس عظيمين في إيطاليا، وفي وسط هذا ~~الحماس العظيم كذلك الذي رحب به الإيطاليون بهذه الأخبار، لم ينتبه أحد للحقيقة ~~التي كان يجب تمعنها، وهي أن الدساتير الإيطالية الأربعة بما في ذلك الدستور الذي ~~أصدره البابا، كانت جميعها بدرجات قد تكبر أو تقل صورا دقيقة للدستور الفرنسي ~~الصادر في سنة 1830، والذي قامت عليه «ملكية بوكيو» في فرنسا، وهي الملكية التي ~~تقوضت عروشها الآن، ولم يستطع «دستورها» الصمود في وجه «الثورة»، ولم يكن للناحية ~~الاشتراكية في ثورة فبراير 1848 في فرنسا، ما يقابلها في الثورة التي قامت في ~~إيطاليا، أو أن نظيرتها في الثورة الإيطالية كانت ضئيلة، ولكن الذي لا شك فيه أن ~~الناحية السياسية لثورة باريس، كان أثرها عظيما في تقوية آمال الإيطاليين ~~الراديكاليين المتطرفين، وتشجعيهم على المضي في نشاطهم، والحقيقة أن الثورة ~~الباريسية كانت ذات أثر مباشر، أقرب في كل من ألمانيا والنمسا، فلم تمض أيام ~~معدودات حتى ms1151 قامت يوم 13 مارس 1848 في «فينا» نفسها (المدينة الأمينة)، التي اشتهرت ~~بولائها دائما للإمبراطورية ولآل هابسبرج! وهكذا صارت تترى في أثر بعضها بعضا على ~~ميلان والبندقية؛ أنباء الثورة في صقلية، وأنباء إعلان الدستور في أربع دويلات ~~إيطاليا، وأنباء الثورة «الجمهورية» في باريس، وأخيرا في يوم 17 مارس أنباء الثورة ~~في فينا وسقوط «مترنخ»، وفراره من النمسا. # أما نبأ سقوط مترنخ وفراره، فقد كان الشرارة التي أوقدت العاصفة، فقد تهيأ ~~الإيطاليون من مدة طويلة لإشعال هذه العاصفة واستقبالها، فما لبثوا حتى هبوا الآن ~~هبة واحدة، مدفوعين بشعور وطني متحد، أدهش ليس النمسا وحدها وحسب، بل وكذلك ~~الثوريين الذي رسخ في نفوسهم إيمانهم بالثورة. وأمام هذا الخطر المفاجئ عجزت ~~الحكومة في لمبارديا فينيشيا عن فعل شيء، فقامت الثورة في ميلان في 18 مارس، وفي ~~مساء 22 منه؛ اضطر الماريشال فون رادتزكي # Radetzky ~~(1766-1858) قائد القوات النمسوية، الذي يبلغ الثمانين من عمره، وخير ممثل للصرامة ~~المتوحشة التي تطغى على الروح العسكرية في الجنس النمسوي وقتئذ، اضطر إلى مغادرة ~~المدينة، وذلك بعد قتال عنيف استمر طيلة خمسة أيام في الشوارع التي أقيمت فيها ~~المتاريس؛ لمقاومة حوالي 18-20 ألفا من العسكر النمسوي الذين أصمهم دق النواقيس، ~~وأعياهم التعب والجوع، وأفقدهم الثقة في نفوسهم؛ صمود خصومهم وعنادهم، فاستولى ~~اليأس على قلوبهم. وأثناء هذه الأيام الخمسة ~~المجيدة # Cinque Giorante ~~، لم يكن الجيش النمسوي يواجه مجرد جمهور من الجماهير، بل ~~إن «أمة» بأسرها قد انبرت لنزاله، فكل طبقات المجتمع كانت هناك تقاتل النمسويين، ~~وقد اتحدت قلوبهم على تحقيق غرض واحد؛ إما تحرير الوطن، وإما الموت فداء له. ~~ولقد كان هذا العزم الثابت هو الذي كفل لهم النجاح في هذه المعركة، ولقد خشي ~~النمسويون أن تمتد الثورة إلى الريف، فتنتشر في أرجاء المملكة، ثم إنهم خشوا أن ~~تعمد بيدمنت إلى معاونة الثوار في ميلان، ولما كانوا لا يعلمون عن يقين تطور ~~الأحداث في فينا، فقد آثر «رادتزكي» الانسحاب إلى قاعدته الاستراتيجية، والمعروفة ~~باسم المسطح ذي الأضلاع الأربعة # Quadrilateral ms1152 ~~، ~~وتلك منطقة تقع بين الجبل والبحر، فيحدها من جانب نهر الأديج، وقلعتاه في ~~فيرونا # Verona ~~، وليجنانو # Legnano ~~، ويحدها من الجانب الآخر نهر المنشيو # Mincio ~~(أحد فروع ألبو)، وقلعتاه مانتوا # Mantua ~~، وبسكييرا Pescbiera ~~، ~~وعزم «رادتزكي» على التحصن في «المربع». # وفي 22 مارس ثارت البندقية، وكانت قد وصلتها منذ 17 مارس أنباء ثورة فينا، فتأخرت ~~الثورة بالبندقية حوالي خمسة أيام، ومع ذلك فقد انتهز الأهلون فرصة الفزع الذي أصاب ~~الحكومة، والشغل الذي أدرك السلطات العسكرية والمدنية عند ذيوع أخبار الثورة في ~~العاصمة النمسوية «فينا»، فهاجم الأهلون السجون؛ ليفكوا أسار «دانييل مانين» ~~و«نيكولو توماسيو»، وقد نصحهم هذان «بالاعتدال والحكمة»، ولكن اشتدت فورة الشعور ~~العام في اليوم التالي (18 مارس)، ورغبت «الحكومة» في مجاراة الأهلين؛ بسبب الأحداث ~~الأخيرة في فينا، فأجازت إنشاء نوع من «الحرس المدني» للمحافظة على النظام، وانخرط ~~المتطوعون بأعداد عظيمة في سلك هذا الحرس المدني في يومي 20، 21 مارس، وكانت قد ~~وصلت الأخبار الكاملة منذ 19 مارس عن إذعان حكومة فينا وتسلمها لمطالب الثوار، ~~وقوبلت هذه الأنباء بالمظاهرات في البندقية، ومحاولة إعادة النظام على أساس ~~الاستجابة لمطالب الثوار المشابهة لمطالب زملائهم في فينا، فاعتقدت خطأ السلطات ~~العسكرية والمدنية أن من الممكن استرضاء البنادقة، والوصول إلى حل سلمي معهم، ~~على أن «الصلح والتسوية السلمية»، كانا بعيدين كل البعد عن تفكير «مانين» والثوار ~~في البندقية، الذين كان غرضهم الاستحواذ على ترسانة أو مخزن الأسلحة والبارود، ~~وإعلان الجمهورية: جمهورية القديس ~~مرقس # Saint-Mark ~~، وبالفعل استولى «مانين» على رأس الثوار و«الحرس المدني» على ~~«الترسانة» يوم 22 مارس، واضطر حاكم البندقية وقائد القوات النمسوية بها إلى ~~المفاوضة مع زعيم الثورة، وأخليت المدينة والقلاع المجاورة من النمسويين، ومرة ~~أخرى أعلن تأسيس «جمهورية سان مارك» أو القديس مرقس. # ومع أن مبعوثي الحكومة المؤقتة في ميلان، وهي التي تأسست - كما عرفنا - أثناء ~~«الأيام الخمسة المجيدة»، كانوا ألحوا على شارل ألبرت بالتدخل في لمبارديا فورا ~~ودون أي إمهال، فقد كان في يوم 22 مارس فقط أن قرر شارل ألبرت - وبناء على ms1153 نصح ~~وزرائه له - التدخل والحرب مع النمسا، فعبرت طلائع جيشه (خمسة آلاف مقاتل) نهر ~~«تيشينو» يوم 25 مارس متجهة صوب ميلان، ولكن الملك لم يصل بافيا Pavia # إلا يوم 29 مارس؛ أي بعد انقضاء ستة أيام من تاريخ ~~انسحاب «رادتزكي» من ميلان، الأمر الذي جعل ممكنا أن يعيد القائد النمسوي تنظيم ~~جيشه، وبلغت قوات شارل ألبرت (23 ألفا)، فلم يكن يفسر بطء حركته سوى نقص استعدادته ~~لدرجة ما، والتأخير الذي صحب عملياته، ثم قبل كل شيء «تردد» الملك نفسه، وعجزه عن ~~اتخاذ قرارات سريعة حاسمة، وذلك بالإضافة إلى مفاجأة الأحداث المتتابعة له، وواضح ~~أنه كان يواجه النمسا بمفرده، في حين أن النمسا بالرغم من عجزها الداخلي، لم تكن ~~بحال من الأحوال منفردة أو «معزولة» في أوروبا. # فقد أشارت إنجلترة وفرنسا على شارل ألبرت بتجنب التدخل في شئون لمبارديا فينيشيا، ~~والتزام موقف الحياد، ولكن عدم التدخل أو التزام الحياد كانا كلاهما أمرا عسيرا ~~من المتعذر قبوله، في وقت «تحركت» فيه بيدمنت بأجمعها، فكان يتدفق المتطوعون من كل ~~حدب وصوب، يقصدون خط القتال زرافات ووحدانا، ونشر وقتئذ «كاميلو دي كافور» في ~~صحيفته البعث # Risor Gimento # مقاله المشهور الذي ~~افتتحه بقوله: «لقد دقت ساعة القدر لملكية سردينيا «بيدمنت»، فطريق واحد فقط ذلك ~~الذي بقي مفتوحا أمامها، هو طريق الحرب فورا.» ومما لا شك فيه أن تردد شارل ~~ألبرت والأيام التي انقضت منذ قيام الثورة في ميلان، قبل أن يقرر الحرب، ثم ~~التأخير الذي لازم تحركات قواته، كل ذلك من الناحيتين العسكرية والسياسية كان ~~خطأ جسيما. # فقد ترتب على امتناع شارل ألبرت عن التدخل؛ حتى يتأكد لديه انتصار الثورة في ~~ميلان، وانقضاء «خمسة الأيام» المجيدة، أن ساور الشك الثوار في قيمة الاعتماد على ~~معونة خارجية مسلحة، فلم يعودوا يفرقون بين ما كان عليهم من واجبات أو لهم من حقوق ~~إزاء ملكية بيدمنت، أو ما كان على هذه من واجبات ولها من حقوق إزاءهم، ثم إنهم لم ~~يعودوا يعتقدون أن مجيء بيدمنت لنصرتهم أمر ضروري، ms1154 بعد أن ثبت لديهم بفضل هذه ~~«الأيام الخمسة» المظفرة أن بوسعهم الاعتماد على أنفسهم وحدهم فقط، ولقد كان هذا ~~الاعتقاد الأخير توهما باطلا، ثم إن الاختلاف القائم بين الأحزاب في ميلان، من ~~معتدلة وراديكالية متطرفة لم يلبث أن زادت حدته، أما الطبقات العليا الفنية ~~والمثقفة فكانت لا تزال متشبثة بالاتحاد مع بيدمنت، في حين أن الطبقات الأخرى وهي ~~أكثر عددا وجعجعة، فكانت تريد الجمهورية، وتعادل الفريقان في قوتهما، وجلس ممثلون ~~لهما أعضاء في الحكومة المؤقتة، فاتفق الفريقان على حل وسط، هو أن يترك تقرير شكل ~~الحكومة الجديدة إلى ما بعد الانتهاء من النضال ضد النمسا، وذلك كان قرارا خاطئا، ~~وحلا لا جدوى منه؛ لأن تأجيل الفصل في شكل الحكومة بعد انتهاء النضال كان معناه ~~الإبقاء على الوضع الراهن، مع كل أسباب الضعف التي تعجزه عن مجابهة الموقف، أضف إلى ~~هذا أن النضال سوف يؤدي عند انتهائه إلى إحدى نتيجتين؛ إما عودة لمبارديا إلى ~~النمسا، إذا انتصرت هذه الأخيرة في الحرب، وإما انتصار الملكية بزعامة شارل ~~ألبرت، إذا انهزمت النمسا. وكانت بيدمنت هي الدولة الرئيسية في إيطاليا العليا - أو ~~الشمالية - على أن المسألة سرعان ما زادت تعقدا عندما أعلن تأسيس «جمهورية سان ~~مارك» في البندقية، فأضاف إعلانها عاملا جديدا للتفرقة والانقسام حتى تعددت ~~الأحزاب وتنوعت، فهناك في ميلان؛ الجمهوريون المازينيون، وفي البندقية كان «مانين» ~~و«نيقولا توماسيو» من الجمهوريين الفدرائيين، وعمل كلا الفريقين لتنفيذ برامجهما في ~~حين كان الملك شارل ألبرت المجازف بكل ما لديه في سبيل إيطاليا، هو وحده الذي يملك ~~القوة التي في وسعها القتال ضد النمسا، وكان كثيرا جدا أن يطلب إليه عدم ~~التفكير في مصالح أسرته مهما قويت رغبته في النضال من أجل استقلال الوطن الإيطالي، ~~وأن يخوض غمار الحرب مع النمسا لمجرد تأسيس جمهورية في ميلان، وأخرى في ~~البندقية. # ولا شك في أن هذه الانقسامات جعلت الموقف قبل بداية الحرب يبدو قاتما، ومع أن ~~بارما ومودينا، لم تلبثا أن اتحدتا مع بيدمنت في التو والساعة ودون أية ms1155 مقاومة ~~تقريبا، فإن هذا الاتحاد لم يكن كافيا لتعويض بيدمنت عن الضعف الذي يتهددها؛ بسبب ~~الانقسامات والاتجاهات التي ذكرناها في ميلان والبندقية. # وعندما بدأت الحرب، عظم في تسكانيا حماس الشعب الذي أراد أن يخوض غمارها، ووجد ~~غراندوقها ليوبولد الثاني من المتعذر عليه تجنبها، فاضطر إلى إعلان الحرب يوم 5 ~~أبريل 1847، وأرسل إلى لمبارديا جيشا من ثلاثة آلاف جندي من النظاميين، ومثلهم من ~~المتطوعين عبروا نهر البو إلى لمبارديا يوم 17 أبريل. # وفي روما كان الموقف فريدا، من حيث إن الشعب والحكومة يريدان الحرب ضد النمسا، ~~في حين يقاوم «البابا» هذه الرغبة، وبالرغم من هذه المعارضة، غادر الجنود المتطوعون ~~روما بين 23، 30 مارس في أعداد عظيمة، صار ينضم إليهم آخرون في طريقهم عبر الولايات ~~البابوية، صوب نهر البو، ولم تكن الحرب قد أعلنت رسميا، مع أن العمليات كانت ~~قد بدأت فعلا، وبقي السفير النمسوي في روما، ولم يغادر مكانه بها، وأمر البابا ~~الجيش بعدم اجتياز الحدود، وصدر خطاب بابوي في 30 مارس 1848، ظهر منه أن البابا ~~لا يزال يرجو الوصول إلى حل سلمي للمسألة على أساس إنشاء تحالف أو اتحاد من الدول الإيطالية، # 48 # وكان أخشى ما يخشاه أن تؤدي الحرب مع النمسا إلى حدوث انقسام في ~~ألمانيا ضد الكنيسة الكاثوليكية، وذلك ما كان لا يفتأ يهدد بحدوثه السياسيون، ~~والكرادلة واليسوعيون ويخيفون البابا منه، فأراد بيوس التاسع أن ينفض عن كاهله ~~مسئولية الحرب، ولكن قائد قواته الجنرال جيوفاني دوراندوا # Giovanni Durando ~~، لم يلبث أن أكره البابا على قبول الحرب، ~~عندما أصدر منشورا في 5 أبريل 1848، دبجه يراع «دازيجليو»، أعلن فيه حربا ~~صليبية ضد العدو الأجنبي «النمسا»، واستشاط البابا غضبا، ولا شك في أن وزراءه ~~كانوا متهيئين لاستنكار فعلة «دوراندو»، ولكنهم لم يكن يسعهم تحت ضغط الحماس الشعبي ~~والرغبة في الحرب مع النمسا، إلا أن يطلبوا من «دوراندو» أن يضع نفسه بقواته ~~تحت تصرف ملك بيدمنت - شارل ألبرت - أما المتطوعون فكانوا قد بدءوا فعلا يجتازون ~~الحدود من تلقاء أنفسهم ودون انتظار لأية ms1156 أوامر، وفي 25 أبريل عبر «دوراندو» أخيرا ~~نهر البو، فوقف بقواته بين أوستيجليا # Ostiglia # وجوفرنولو # Governolo ~~، «وكلاهما على نهر ~~البو»، وتشكل بموقفه هذا، مع القوات التسكانية، ميمنة الجيش الواقف على حصار ~~«مانتوا »، ولم يطل بالجنرال «دوراندو» المقام بهذا المكان. # فإن النمسا بالرغم من الثورة الداخلية بها، بقيت مصرة في عناد على إخماد الثورة ~~في أملاكها الإيطالية، فأرسلت جيشا بقيادة نوجنت # Nugent ~~؛ لإمداد «رادتزكي» الذي كان محجوزا بقواته داخل ذلك ~~«المربع»، الذي كانت «مانتوا» إحدى قلاعه، وعندئذ استنجد «مانين» البيدمنتيين، ~~فأمر شارل ألبرت (30 أبريل) القوات البابوية أن تحول دون اتصال جيش «نوجيت» بقوات ~~«رادتزكي»، ولكن «نوجيت» كان قد استطاع الدخول إلى فينيشيا، والدخول إلى ~~«أودين» # Udine ~~- القريبة من الحدود الشرقية - ~~وذلك منذ 22 أبريل، ومع أن مقاطعات «فينيشيا» صارت عندئذ، وبسبب زحف هذه ~~الامتدادات النمسوية داخل بلادهم، تؤيد الاتحاد مع بيدمنت، فقد اقترح «مانين» ~~بالرغم من استنجاده بجيش بيدمنت، والاحتفاظ بمسألة تعيين شكل الحكومة، إلى ما بعد ~~انتهاء الحرب، مثله في ذلك مثل الجمهوريين المازينيين في ميلان، وأضاف هذا الاقتراح ~~سببا جديدا للتفرقة والانقسام في فينيشيا، وذلك مع العلم بأن هذا الاقتراح ذاته - ~~كحل وسط - كان قد سبق رفضه في لمبارديا «ميلان» - ومع العلم بأنه كان متعارضا مع ~~الرغبة العامة في دوقيات پارما ولوقا ومودينا التي أرادت الاتحاد مع بيدمنت، ~~ومتعارضا كذلك مع مطلب الأهلين في تسكانيا والولايات البابوية، ثم إنه كان يتعارض ~~أخيرا مع الميول الغريزية نحو الملكية في نابولي، والتي جعلت النابوليتان يتعاركون ~~مع أهل صقلية «السشليان» بسبب هذه المسألة «الانفصالية» ذاتها. # ولقد كانت النتيجة الواضحة لهذه الخلافات، أن فقدت الجماعة المؤيدة للاستقلال ~~القومي قدرا كبيرا من القوة، التي كانت هي بلا شك في مسيس الحاجة إليها ~~وقتئذ. # وفي نابولي تفاقمت الفوضى الضاربة أطنابها بها، والتي تشكلت خلالها ثلاث وزارات من ~~الأحرار، كانت آخرها برياسة الكونت كارلو ~~ترويا # Carlo troya ~~، وكان «ترويا» يؤيد الاشتراك والتعاون في حرب الاستقلال، ~~ومنذ 29 مارس 1848 كان قد ذهب حوالي المائتين متطوعا ms1157 إلى خط القتال؛ أشرفت على ~~جمعهم وتهيأتهم إحدى الأميرات؛ كرستينا ~~بيلجيويوزو # Belgioioso # من سيدات ميلان. وفي أبريل؛ أرسل أسطول إلى بحر ~~الإدرياتيك، أطلق عليه السيشليان (أهل صقلية) مدافعهم، الأمر الذي عده كثير من ~~المؤرخين مدعاة خزي وعار لهؤلاء، ولو أن عدد السيشليان الذين اشتركوا كمتطوعين في ~~حرب التحرير، كان لا يزيد على مائة مقاتل فحسب، أما النابوليتان الذين تهيئوا ~~أصلا للقتال في شمال إيطاليا، فقد بلغوا (40) ألفا، لم تلبث أن نقصت أعدادهم حتى ~~صاروا لا يزيدون على (14) ألف مقاتل بقيادة السائر القديم الجنرال «جوجليلمو بيبي»، ~~وفي رأي كثيرين؛ أن هؤلاء بأعدادهم القليلة هذه تعمدوا كذلك التباطؤ بدرجة أن ~~طلائع صفوفهم لم تصل إلى «بولونا» إلا يوم 14 مايو. # ولكن في هذه الأنباء؛ كان شارل ألبرت قد زحف يقصد إلى «المربع» الذي احتمى فيه ~~«رادتزكي»، فمر ببلدتي «بافيا» وكريمونا # Cremona ~~، وتجنب المرور بميلان التي يشأ دخولها إلا مظفرا؛ أي بعد ~~انتصاره في الحرب، وأبدى النمسويون مقاومة ضعيفة على نهر المنشيو، فاتخذ موقعه على ~~شاطئ النهر الأيسر، حتى إذا حلت به الهزيمة استطاع تغطية لمبارديا، وحتى يكون ~~متصلا بالقوات النابولتانية والبابوية، والذي كان عليها الزحف صوب نهر البو ~~الأسفل، فوقف إذن بين قلعتي «مانتوا» «بسكييرا». وفي 20 أبريل وبعد مناوشات بسيطة ~~شن «رادتزكي» هجوما على مرتفعات باسترنجو Pastrengo ~~(30 أبريل) ليعيد خط موصلاته مع «بسكييرا»، فحاقت به ~~الهزيمة، ولكن لم يتعقبه أحد أثناء انسحابه، وفي 6 مايو زحف من جانبه شارل ألبرت ~~جنوب «فيرونا»؛ على أمل أن يثور أهل فيرونا بمجرد مشاهدتهم الجنود البيدمنيين، ~~فوصل إلى سانتالوشيا # Santalucia # على مرأى من ~~فيرونا، ولكنه صد عن هذه الأخيرة، ولم تثر فيرونا، وأخذ يركز اهتمامه على محاصرة ~~«بسكييرا». # ولم يكن متطوعو لمبارديا أسعد حالا من البيدمنتيين في عملياتهم، فقد كانوا قليلي ~~العدد، وينقصهم النظام، وتعوزهم القيادة الماهرة، وفي مبدأ الأمر كلفوا بالعمل ~~على نهر المنشيو، على مسيرة البيدمنتيين، ثم ما لبثوا حتى بعث بهم إلى التيرول؛ ~~ليمولوا دون وصول الإمدادات من النمسا إلى «رادتزكي» ms1158 في فيرونا، ثم لم يلبثوا أن ~~استقدموا من هناك إلى برشيا # Brescia # لإعادة ~~تنظيمهم من جهة، وللخوف من أن يستثير وجودهم في التيرول (الاتحاد الألماني) إلى ~~التدخل، أما لماذا كان تعاون لمبارديا ضئيل القيمة؛ فسببه الرئيسي أن الاعتقاد ~~كان يسود ميلان بأن الحرب قد اختتمت فعلا بانتصارات «الأيام الخمسة » المجيدة، ~~وثمة سبب آخر هو الشلل الذي انتاب المسئولين عن جهود الحرب عندما لم يكن معروفا ~~بصورة قاطعة الشكل الذي سوف يكون للحكومة في النهاية، وكان الذين عطلوا الوصول إلى ~~قرار في هذه المسألة هم «المازينيون» و«الجمهوريون» خصوصا، ولقد قررت الحكومة ~~المؤقتة في ميلان؛ إزالة هذه العقبة الكأداء من طريق الجهد القومي بأي ثمن، فجمعت ~~مجلسا للشعب، عرضت عليه (في 12 مايو) مشروع قرار بالاتحاد مع بيدمنت، وافق عليه ~~هذا المجلس في النهاية في شهر يونيو. # ثم إن البندقية ما لبثت حتى حذت حذو لمبارديا، ولكن بعد صعوبة كبيرة وإضاعة وقت ~~ثمين؛ بسبب الخطأ الذي ارتكبه «مانين»، فلم تقدم البندقية المعونة الكافية لكسب ~~الحرب، باعتبار أن القوات البابوية بقيادة «دوراندو» بالاشتراك مع القوات ~~النابوليتانية، كافية وحدها لهذه المهمة، وذلك في وقت لم تكن قوات نابولي قد اجتازت ~~بعد نهر البو، وفي حين كان «نوجيت» يزحف صوب نهر تاجليامنتو # Tagliamento ~~، واستطاع بعد مقاومة ضئيلة من جانب الأهلين ومتطوعي ~~البنادقة، احتلال بللونو # Belluno # يوم 5 مايو، ثم ~~إن «نوجيت» أوقع الهزيمة بقوات البابوية وقائدهم «دوراندو» في واقعةكورنودا # Cornuda # يوم 9 مايو، ولم يلبث تورن # Thurn ~~، وهو القائد الذي خلف «توجنت» أن تمكن من ~~الاتصال بجيش «رادتزكي» عند سان ~~بونيفازيو # San Bonifazio # بالقرب من «فيرونا» في 22 مايو. # واعتمد «رادتزكي» على تباطؤ قوات نابولي، وعدم تحركهم لعبور البو، والاتصال ~~بالقوات البابوية بقيادة «دوراندو» وبجيش بيدمنت، فقرر اختراق ميمنة البيدمنتيين ~~المؤلفة من قوات تسكانيا، ثم عبور نهر المنشيو؛ للالتفاف حول البيدمنتيين، ~~ومهاجمتهم من الخلف، ولكن «رادتزكي» سرعان ما صادف مقاومة شديدة من جانب ~~التسكانيين، فتعطل زحفه مدة كانت كافية لأن تمكن البيدمنتيون من العبور إلى ms1159 ~~الشاطئ الأيمن لنهر المنشيو، والانتصار على النمسويين في واقعة جوتو # Goito # في 30 مايو، وكان في هذا اليوم نفسه أيضا، ~~أن جاءت الأنباء عن سقوط «بسكييرا»، فكان (30 مايو) أمجد أيام الحرب ~~القومية. # ولكن «رادتزكي» أفاد من انهزاماته أكثر مما أفاد شارل ألبرت من انتصاراته، ففي حين ~~توقف الأخير، تابع «رادتزكي» عملياته بكل نشاط وهمة، فاستولى على فيشنزا # Vicenza # في 10 يونيو، وفي 14 يونيو؛ سقطت ~~تريفيزو # Treviso ~~، وتبعتها «بادوا» في 15 منه، ~~ثم روفيجو # Rovigo # بعد قليل، وبقيت مدينة البندقية ~~وحدها ممتنعة على النمسويين في كل فينيشيا. # ولقد تشتتت قوات متطوعي البابوية بعد واقعة «كورنودا»؛ وذلك بسبب هزيمتهم من جهة، ~~ولأن الفوضى كانت تسود صفوفهم؛ لسوء تنظيمهم ولافتقارهم إلى الروح العسكرية ~~وللاختلافات الناشبة بين قوادهم ورؤسائهم، وثمة سبب أكبر أهمية لتفرقهم؛ هو أن ~~البابا بيوس التاسع أذاع منذ 29 أبريل 1848 «منشورا بابويا»، # 49 # ضمنه جوابه على سؤال تقدمت به «وزارته» إليه بشأن آرائه عن الحرب، ~~فندد البابا بالحرب، وأعلن استنكاره لها رسميا، وأعلن أنه قد صار متخليا من ~~الآن فصاعدا عن كل عمل من أجل إيطاليا، فكان لهذا «المنشور» أثر مشئوم ليس في روما ~~وحدها أو في إيطاليا، بل وفي أوروبا عامة، وبدرجة لم يكن البابا نفسه يريدها، ~~وذاع بين صفوف المتطوعين والجنود النظاميين في الجيش البابوي؛ أن استنكار البابا ~~للحرب قد حرمهم من حقوق الحرب العادية، وأجاز للنمسا معاملتهم معاملة اللصوص ~~وقطاع الطرق الذين يجب إبادتهم، ففقدوا كل شجاعتهم واختل نظام قواتهم، ومع أن ~~انتصارا مؤقتا حصل في «فيشنزا»، ثم انضمام قواتهم إلى جيش شارل ألبرت؛ بسبب إصدار ~~الوزارة الرومانية قد ساعد على إنعاش روح هؤلاء المعنوية، فقد منع تسليم «فيشنزا» ~~أخيرا - كما رأينا - في 10 يونيو، أكثر هؤلاء المتطوعين والجنود في الجيش البابوي ~~من الاشتراك في الحرب بعد ذلك، في حين قصد الباقون إلى مدينة البندقية لاجئين بها، ~~وكانت البندقية المكان الوحيد في كل فينيشيا الذي لم يسترجع النمسويين سلطاتهم ~~به. # وفي نابولي شهد يوم 15 ms1160 مايو وهو يوم اجتماع «البرلمان»، بداية الحياة الدستورية في ~~نابولي ونهايتها معا، بل ونهاية مساهمتها في «حرب الاستقلال»، ذلك أن الملك كان ~~قد اعترض على اقتراح باجتماع البرلمان دون أن يحلف الأعضاء أي يمين للولاء ~~للملكية، وأن يتخذ «الحرس الأهلي» ثكناته في قلاع نابولي، فقامت المظاهرات وأقيمت ~~المتاريس في الشوارع، واصطدمت بالثوار «الآليات السويسرية» التي عهد إليها بحفظ ~~النظام، فحصل بين الفريقين اشتباك أدى إلى حدوث مذبحة مروعة، فقرر الملك «فردنند ~~الثاني » تأجيل البرلمان، ثم أمر بحله. وفي 22 مايو؛ صدر الأمر إلى «الجنرال بيبي» - ~~وكان في بولونا - بالعودة مع جنده إلى نابولي، وطلب من الأميرال دي كوسا # Cosa ~~- وكان قد وصل بقواته البحرية ليقف بجوار ~~أسطول سردينيا أمام تريستا - بمغادرة الإدرياتيك، ولكن «بيبي» وآخرين رفضوا تلبية ~~هذه الأوامر، واجتازوا - بدلا من العودة - نهر البو، ودخلوا إلى مدينة البندقية ~~يوم 13 يونيو، ولم يلغ الملك الدستور مباشرة، ولكنه عطله ولم ينفذه، مما جعله ~~في الواقع ملغى. # وسرعان ما تولدت «أسطورة» حول حادث 15 مايو، فحواها أن الملك وبطانته كانا ~~المسئولين عن الحوادث التي وقعت في هذا اليوم، من حيث إنهما دبرا «إغراق الدستور ~~حديث الولادة في حمام من الدم»، وتهيئة الظروف لانتحال المعاذير من أجل استدعاء ~~القوات المحاربة من خطوط القتال، والتي كانت تشترك في الحرب ضد رغبات الملك ~~وبطانته، ومع ذلك ففي رأي كثيرون أن المسئول عن هذه الحوادث كانوا؛ الملك، ~~والشعب، والأحرار، وأنصار الحكم المطلق، والجمعيات السرية، والجنود النظاميين، ~~والحرس الأهلي، والبلاط، والنواب، وخصوصا هؤلاء الأخيرين الذين هيئوا للملك ~~الفرصة لتحقيق مآربه؛ بسبب هذرهم وشقشقة لسانهم، وسوء ظنونهم غير المعقولة، ~~ومناقشاتهم الجوفاء الفارغة، والعنف الذي اتسم به مسلكهم، وذلك كله إلى جانب العجز ~~عن قمع الثورة في صقلية الذي يكفي وحده سببا لتمكين الملك من تنفيذ غرضه. # ولقد وجد شارل ألبرت أنه صار يواجه النمسا وحده ومنفردا، على أثر مروق البابا ~~بيوس التاسع، وخسارة «فيشنزا»، وتقهقر النابوليتان وهزيمة التسكانيين، وكان معنى ~~ذلك أن «الاتحاد» أو الفدرائية قد صارت ms1161 فكرة يستميل تحقيقها بأية صورة من الصور، ~~ولم يكن للثورة التي قامت في فينا، والتي شجعت قيام الثورة في كل مكان من ميلان ~~والبندقية، أي تأثير على النتيجة النهائية، ولم تبعث المفاوضات التي دارت أثناء ~~الحرب على الأقل في إمكان الوصول إلى أية نتيجة طيبة، فقد اقترحت النمسا ووزير ~~خارجيتها وزنبرج # Wessenberg # في 13 يونيو على ~~الحكومة المؤقتة في ميلان ابتياع لمبارديا منفصلة عن فينيشيا، ولكن هذا العرض لم ~~يقبل؛ لأن الاتحاد مع بيدمنت كان قد أعلن وقتئذ رسميا، ثم كررت النمسا المحاولة ~~لحسم المشكلة على أساس إنشاء مملكة تتألف من لمبارديا فينيشيا، ودوقيات بارما ~~ولوقا ومودينا متحدة مع النمسا برباط التاج الشخصي وحده فقط، ووسطت النمسا إنجلترة ~~في المسألة، وقبل الإنجليز الوساطة، ولكن لم يسفر هذا المشروع عن شيء؛ لأن البحث ~~فيه لم يبدأ في فينا إلا في الوقت الذي كان «رادتزكي» يعد العدة لهجومه الثاني ~~على شارل ألبرت، وتغلبت في فينا جماعة العسكريين الذين أرادوا الحرب، والذين صمموا ~~على إزالة العقبة التي بدا أنها تقف في طريقهم، وذلك بإجبار الإمبراطور «الطيب» ~~فردنند على التنازل عن العرش (2 ديسمبر 1848)، لصالح الإمبراطور فرنسوا جوزيف، الذي ~~تلقى دروسه السياسية والعسكرية الأولى في تجربة الحملة الإيطالية، ثم تدخلت فرنسا - ~~وإن كان تدخلا فاترا - في هذه المباحثات، وغرضها الحيلولة دون تشكيل ملكية قوية ~~في إيطاليا العليا (الشمالية)، وأن تنال تعويضا إذا حصل ذلك باستيلائها على نيس ~~وسافوي، من الدولة الجديدة. # تصفية الثورة # ومن المحتمل أنه لم يكن لكل هذه المفاوضات ومحاولات الوصول إلى تسوية سلمية، سوى ~~غرض واحد، هو كسب الوقت حتى يتم استعداد «رادتزكي» ووصول الإمدادات الكافية ~~إليه. # وأيا ما كان الأمر، فقد قرر شارل ألبرت مهاجمة «مانتوا»؛ ليجبر الماريشال ~~رادتزكي على إخلاء «فيرونا»، فبدأ الملك زحفه يوم 13 يوليو واستولى على «جوفر نولو» ~~يوم 18 يوليو، ولكن «رادتزكي» الذي بلغت قواته ثمانين ألفا (22 يوليو) شن هجوما ~~عنيفا على البيدمنتيين، الذين نزلت بهم الهزيمة البالغة عند كاستوتزا # Custozza # يوم 25 يوليو، ms1162 وأرغموا على عبور ~~المنشيو في طريق تقهقرهم، وعندما حاول شارل ألبرت تغطية ميلان بدلا من القهقرى ~~بطريق البو، نزلت به الهزيمة ثانية أمام ميلان يوم 4 أغسطس، وثار الشعب عند دخوله ~~المدينة، وأفلت من حصارهم بكل صعوبة في اليوم التالي، فأخلى البيدمنتيون ميلان، ~~وعبروا نهر «تشينو» ثانية، فدخلها «رادتزكي» واستعادها النمسويون. وفي 9 أغسطس ~~عقدت الهدنة عند فيجيفانو # Vigevano ~~، وهي المشهورة ~~باسم هدنة سالاسكو # Salasco # نسبة إلى الجنرال ~~البيدمنتي «سالاسكو»، الذي كلفه شارل ألبرت بتوقيعها، وكانت شروط هذه الهدنة ~~قاسية، حيث إنها أرجعت الحال إلى ما كانت عليه قبل الحرب، باستثناء مدينة البندقية ~~التي كانت لا تزال تقاوم، وكان بعد هذه الكارثة أن انسحب شارل ألبرت إلى بيدمنت، ~~وصار واضحا أن الموقف قد تغير في إيطاليا بأجمعها. # ولقد زحف النمسويون بعد ذلك مباشرة على الدوقيات، في حين دخل قسم من قواتهم ~~الولايات البابوية زاحفا على «بولونا»، وكانت الوزارة العلمانية - وزارة مينجيتي - ~~قد استقالت منذ 4 مايو؛ نتيجة «للمنشور البابوي» الذي ذكرنا أنه صدر في 29 أبريل، ~~وتألفت وزارة برياسة «مامياني» لم تمكث في الحكم لضعفها سوى شهور ~~معدودة (4 مايو-6 أغسطس)، فخلفتها وزارة برياسة ~~الكونت إدواردو فابري # Fabbri ~~، وكان مسنا ~~ضعيفا، تزايد انحلال الدولة في عهده، حتى خلفه في الحكم في 16 سبتمبر 1848 الكونت ~~«بلليجرينو روسي»، صاحب السمعة الطيبة والشهرة الكبيرة، والذي سوف يدفع حياته ~~المجيدة ثمنا لآخر محاولة يائسة من أجل المحافظة على الاتحاد بين البابا بيوس ~~التاسع وشعبه، وبين البابوية الكاثوليكية وبين إيطاليا الحرة المستقلة. # وبذل «روسي» قصارى جهده للقضاء على الفوضى السائدة، وبعث الحياة من جديد في هيكل ~~«الإدارة» المتهالكة، وجابه بصراحة عداء «الكنسيين» ومهيجي الجماهير الديماجوجيين، ~~وتعرض لكراهيتهم علنا ولم يأبه لها، بل كشف عن مشروعاته وتمسك بها، ولم يشأ أن ~~يفلت شيء من رقابته، ووعد بالإصلاح الشامل، وذلك كله دون أن يهدد الحريات الفردية، ~~أو يكمم أفواه الصحافة، بل لم يحجم عن الاشتراك في المناقشات التي كانت تثيرها ~~للحملة عليه وعلى مشروعاته الإصلاحية، وبمجرد ms1163 تعيينه للوزارة، أعلن «روسي» دعوة ~~البرلمان للانعقاد، وحدد لذلك يوم 15 نوفمبر. # وفي حقل السياسة الخارجية، يمكن القول بإيجاز: إن موقف «روسي» من مسألة الاتحاد ~~الفدرائي الإيطالي، هو الذي يعين اتجاه سياسته الخارجية، ولقد عرفنا كيف أن ~~البابا بيوس التاسع كان لا ينقطع عن تأييد هذا الاتحاد الفدرائي، وكان يلي البابا ~~تحمسا لهذا الاتحاد الفدرائي؛ غراندوق تسكانيا ليوبولد الثاني، الذي رأى في هذا ~~الاتحاد الوسيلة التي توفق بين واجباته كأمير نمسوي وكحاكم إيطالي، وهو حفيد ~~الإمبراطور ليوبولد الثاني الذي كان غراندوقا لتسكانيا (1745-1790)، ثم إمبراطورا ~~للإمبراطورية الرومانية (الجرمانية) المقدسة مدة عامين (1790-1792) فقط، ولقد ~~أيدت نابولي الاتجاه الفدرائي كذلك؛ لأنها توقعت أن يساعد على إخضاع صقلية من ~~جهة، ويكون قوة موازنة لأطماع ملكية بيدمنت، أما بيدمنت فقد عارضت الفدرائية، ~~وبسبب هذه الاختلافات بشأن الفدرائية، وما كان يتوقعه كل فريق منها. لم تكن ~~الفدرائية مشروعا عمليا، ولما كان «الاتحاد» أو الوحدة من جهة أخرى، هي الفكرة ~~التي يحتكرها الجمهوريون، فإن الاتحاد كحل عملي لم يكن قد استكمل نضجه بعد. # وعندما انكب «روسي» على معالجة هذه المسألة، الاتحاد الفدرائي، كانت الحرب على وشك ~~أن تضع أوزارها، ومنذ 15 أغسطس 1848 كانت الحكومة في بيدمنت قد أوفدت إلى روما ~~الفيلسوف أنطونيو روزميني # Rosmini ~~، الذي اشتهر ~~بمعارضته لآراء «جيوبرتي» الفلسفية، الذي كان بنفوذ هذا الأخير أن بعثت به الوزارة؛ ~~لبحث موضوع «الفدرائية» أو الاتحاد ~~الفدرائي # Federazione # في روما، واستهدف مشروع «روزميني» تنظيما فدرائيا ~~كاملا لإيطاليا، ولكن سرعان ما تألفت وزارة جديدة في بيدمنت برياسة «الفييري دي ~~سوستجنو»، وذلك عقب هدنة سالاسكو، فلم يقر هذا الأخير مشروع «روزميني»، واكتفى بطلب ~~المساعدة في الحرب المعتقد أنها سوف تستأنف سريعا، ولم يلق اقتراح أو توقع ~~استئناف الحرب قبولا من «روسي»، الذي عارض في حرب سوف يترتب عليها أن يتأسس اتحاد ~~بدون نابولي أقوى الدول الإيطالية وقتئذ من الناحية العسكرية، ولأن من المستحيل ~~تلقي أية مساعدات من الولايات البابوية، وتقدم «روسي» بمشروع مقابل عن تحالف أو ~~اتحاد بين ms1164 الأمراء، ليس ضروريا أن يكون مناقضا لمشروع «روزميني»، ولكن هذا ~~المشروع الذي اقترحه «روسي» جاء متأخرا؛ لأن أي تنظيم فدرائي كان متعذرا طالما ~~أن مشروع مملكة إيطاليا العليا أو الشمالية، الذي استأثر بتفكير شارل ألبرت قد ~~باء بالفشل، فقد استمرت «مملكة إيطاليا العليا» أسبوعين فقط، منذ أن تمت عملية ~~الاتحاد التي ربطت الدوقيات بارما ومودينا ولوقا، ثم لمبارديا، ومدينة البندقية ~~بمملكة بيدمنت، وذلك يوم 27 يوليو 1848 إلى الوقت الذي انتهى فيه الحكم «الشبه ~~بيدمنتي» من مدينة البندقية، عقب هدنة «سالاسكو» بيومين وحسب، وذلك عندما أرغم ~~الشعب المتهيج المندوبين أو القومسييرين البيدمنتيين على مغادرة البندقية. وكان ~~هؤلاء تسلموا الحكم فقط منذ 6 أغسطس، فاستدعى الشعب من عزلته؛ «دانييل مانين»، ~~ونصبه دكتاتورا على البندقية (في 11 أغسطس 1848)، وباختفاء مملكة «إيطاليا ~~العليا» إذن، اختفت كل فكرة عن إنشاء اتحاد فدرائي في إيطاليا. # ومن الآن فصاعدا صارت السيطرة من نصيب فكرة توحيد إيطاليا ديمقراطيا، فتشكلت ~~منذ 18 أغسطس 1848 وزارة برياسة «جينو كابوني» في تسكانيا، وقامت الثورة في ليقورنة ~~(ليجهورن) فأعلنت الحكومة هناك تأسيس جمعية تأسيسية # Assemblea Constituente # لكل إيطاليا، وفي 27 أكتوبر تألفت وزارة جديدة ~~«ديمقراطية» برياسة «جويراتزي» وجويزني ~~مونتانللي # Montanelli ~~. # وفي روما قاوم «روسي» تيار الديماجوجية الذي اكتسح تسكانيا، ومع ذلك فقد كان ~~«روسي» يعتمد على جهده هو وحده في مقاومة «الحزب الديمقراطي»، الذي كان يتهيأ ~~لانتهاز فرصة افتتاح البرلمان ليضرب ضربته القاصمة، فأخطأ «روسي» وزن الموقف حق ~~وزنه، وعلى ذلك فإنه لم يلبث أن لقي حتفه على سلم البرلمان الذي ذهب لافتتاحه يوم ~~15 نوفمبر 1848. وقامت المظاهرات في اليوم التالي؛ لإرغام البابا على تشكيل وزارة ~~من الديمقراطيين، فتألفت الوزارة الجديدة وكان من بين أعضائها أحد الذين حرضوا ~~على اغتيال «روسي»، فهرب البابا إلى جيتا # Gaeta # ملتجئا بها (25 نوفمبر)، وأنشأ لجنة للوصاية لم تستطع فعل شيء أو حتى الاجتماع، ~~وذلك في حين أقام الآخرون «لجنة عليا حكومية»، قررت إجراء الانتخابات على قاعدة ~~الاقتراح العام، لانتخاب «مجلس أو جمعية تأسيسية»، واجتمع ms1165 هذا المجلس بالفعل في 5 ~~فبراير 1949 وأعلن الجمهورية في 9 منه. # ولم تسر الأمور بهذه السهولة في «تسكانيا»؛ بسبب موقف «جويراتزي»، وكان هذا ~~الأخير مع «مونتانللي» يرحبان بالتعاون مع أمير تسكانيا، الذي لم يبد منه في أول ~~الأمر أنه معارض لأي إجراء قد يتخذاه، بما في ذلك دعوة جمعية تأسيسية، ولكن ~~الغراندوق ليوبولد لم يلبث أن انسحب إلى سنا # Siena # في 20 يناير 1849، ثم إلى «بورتو سان ستفانو» في 7 فبراير، ~~فحضر «مازيني» في اليوم التالي إلى فلورنسة ليجد الظروف غير مناسبة، فقد تألفت ~~«ثلاثية حكومية» من جويراتزي، ومونتانللي، وماتزوني # Mazzoni ~~، وأعلنت الدعوة «لجمعية تأسيسية» في تسكانيا، وفي 21 ~~فبراير حذا «ليوبولد» حذو البابا، فقصد إلى «جيتا» لاجئا بها، ولم تعلن الجمهورية ~~في فلورنسة، ولكن «جويراتزي» كان يجمع في يديه كل أسباب السلطة، وأخيرا تعين ~~ديكتاتورا في 28 مارس 1849. # وفي نابولي وجد ملكها فردنند الثاني في الاضطرابات السائدة بالعاصمة، وفي رفض ثوار ~~صقلية المفاوضة، والثورات التي اجتاحت البلاد بعد 15 مايو 1848، الأسباب التي في ~~وسعه التذرع بها لتسويغ إجراءاته الرجعية، فحل البرلمان أخيرا في 13 مارس 1849، ~~ومع أنه كان من المنتظر أن تنجح الثورات التي قامت في نابولي لو أن السيشليان ~~تقدموا لمساعدتها، فقد امتنع هؤلاء عن فعل ذلك، الأمر الذي عاد بالوبال على الثوار ~~أنفسهم في صقلية كذلك. وكان هؤلاء قد اعتمدوا على حماية الأسطول الإنجليزي لهم، ~~فأهملوا تسليح أنفسهم، واكتفوا بأن أدخلوا تعديلات على دستورهم (دستور 1812)، وذلك ~~يوم 10 يوليو 1849 بشكل قضى تقريبا على كل سلطات للملك بفضل القيود التي فرضت ~~عليها، والتحفظات العديدة التي أبديت، ثم إنهم عرضوا تاج بلادهم على دوق جنوه ~~الابن الثاني لشارل ألبرت، فرفض هذا الأخير عروضهم. # وكان الملك البربوني بعد أن انهزمت بيدمنت، وقبلت هدنة «سالاسكو» منذ 9 أغسطس ~~1848، قد قرر التدخل في صقلية، فأرسل في أواخر أغسطس 1848، جيشا بقيادة ~~كارلو # Carlo # فيلا نجبيري ضد الثوار بها؛ ~~فسقطت «مسينا» بعد أن ارتكب الغزاة فظائع تقشعر من هولها الأبدان، حتى إن ms1166 قائدي ~~الأساطيل الإنجليزية والفرنسية الرابضة في مياه صقلية بادرا بالتدخل لاقتراح حلول ~~سلمية للمشكلة، فاضطر الملك البربوني إلى قبول الهدنة في 11 سبتمبر 1848، ولكن هذه ~~الوساطة شجعت الثوار على الاستمرار في المقاومة، فرفض البرلمان السيشلياني مشروعا ~~للتسوية في 24 مارس 1849، يعرف باسم «إنذار جيتا»، وعندئذ أعلن انقضاء الهدنة، ~~فسقطت تاورمينا # Taromina # في يد «فيلا نجييري» في ~~أبريل، ثمقطانيا # Catania # يوم 7 منه، وسلمت المدن ~~الأخرى دون قتال. وفي يوم 15 مايو دخل «فيلا نجييري» بليرمو، وبذلك تكون قد انتهت ~~الثورة في صقلية، وهي الثورة التي عرقلت جهود «حرب الاستقلال»، وأوذيت بسببها قضية ~~القومية الإيطالية أذى بليغا. # وفي بيدمنت كانت تبذل الجهود الكبيرة حتى تسترد البلاد قوتها بعد الكوارث التي ~~نزلت بها، فقبلت وزارة «سوستجنو» التي عرفنا أنها تشكلت عقب هدنة سالاسكو ومنذ 19 ~~أغسطس 1848، وساطة إنجلترة وفرنسا للوصول إلى تسوية مع النمسا. وكانت هاتان ~~الدولتان قد اقترحتا استئناف المفاوضة على أساس المقترحات التي كانت قد تقدمت بها ~~قبل ذلك - في الظروف التي مرت بنا - لإنشاء مملكة من لمبارديا فينيشيا، والدوقيات ~~الثلاث متحدة مع النمسا تحت التاج النمسوي، وتلك مقترحات لم يكن منتظرا أن تقبلها ~~النمسا الآن؛ بسبب انتصار جيوشها، ولأنها استرجعت لمبارديا، ولم يبق صامدا أمامها ~~غير مدينة البندقية، فاقترحت النمسا أساسا جديدا للمفاوضة هو منح لمبارديا ~~فينيشيا أنظمة تقوم على المبادئ الحرة، ومن طراز الأنظمة التي نالتها ~~الإمبراطورية النمسوية بعد «ثورة 17 مارس 1848 في فينا.» ثم رفضت النمسا الاشتراك ~~في أي مؤتمر لبحث التسوية المنشودة، وأخيرا فإنه بمجرد أن جاء إلى وزارة الخارجية ~~البرنس شوارزنبرج # Schwarzenberg # وكان أشد صلابة من ~~سلفه «وزنبرج»، أعلنت النمسا أنها مستندة في موقفها من المسألة برمتها، على الحقوق ~~التي لها بموجب معاهدات 1815. # وفي رأي كثيرين أن دور الوساطة الذي قامت به فرنسا، لم يكن مشرفا لها، على خلاف ~~الدور الذي قامت به إنجلترة، وإن لم يسفر عن نتيجة، فقد عمد الوزير الإنجليزي ~~«بلمر ستون» في رسالة مسهبة بتاريخ 11 سبتمبر 1848 إلى حكومة ms1167 فينا، إلى إحصاء ~~الأخطاء والمساوئ التي ارتكبتها النمسا في سياستها الإيطالية، وتنبأ بأن ~~«بونابرتيا» سوف - ولا شك - يعتلي عرش فرنسا كإحدى النتائج المتوقعة من تحرير ~~إيطاليا، وإنهاء السيطرة النمسوية بها، بفضل المساعدة الفرنسية. # ولقد ترتب على فشل الوساطة الإنجليزية الفرنسية؛ ازدياد العداء للوزارة في بيدمنت ~~والمعارضة ضدها، بالرغم من جهودها لإعادة تنظيم الجيش وتقويته، ورأت «المعارضة» في ~~بيدمنت الفرصة سانحة لنبذ هدنة سالاسكو ظهريا واستئناف الحرب، عندما تجددت الثورة ~~في فينا في 6 أكتوبر 1848، والتي شجعت بدورها على ازدياد خطورة الثورة الناشبة ~~وقتئذ - ومنذ شهور - في هنغاريا (المجر)، وعندئذ راح «جيوبرتي» متزعم الحزب ~~الديمقراطي، يتهم وزارة «سوستجنو» بأنها تخفي مشروعا للصلح مع النمسا بأي ثمن، ~~وشكل «جيوبرتي» وزارة جديدة عرفت باسم «الوزارة الديمقراطية» (2 ديسمبر 1848). ~~وسرعان ما اكتشفت هذه الوزارة الجديدة أن من خطر الرأي والجنون الدخول في حرب مع ~~النمسا في هذه الآونة، فأخذت من ثم تعمل لإحياء فكرة تأليف اتحاد فدرائي من ~~الدول الإيطالية، واقترحت أن تتدخل بيدمنت من أجل إرجاع كل من البابا وغراندوق ~~تسكانيا إلى عرشه وكلاهما - كما نذكر - كانا ملتجئين في «جيتا»؛ الأول: منذ 25 ~~نوفمبر 1848، والثاني: منذ 21 فبراير 1849، ولكن لم يعد الوقت ملائما لمثل هذه ~~المشروعات، ويخشى أن تطغى موجة الرجعية التي أخذت تسود شبه الجزيرة على بيدمنت ~~ذاتها؛ ولذلك فقد تخلى عن «جيوبرتي» زملاؤه واضطر إلى الاستقالة، على أنه لما كانت ~~قد فشلت الوساطة الإنجليزية الفرنسية، فقد صار واضحا أن الحرب وحدها هي السبيل ~~الوحيد لحسم مشكلة العلاقات مع النمسا وتقرير مستقبل بيدمنت ذاتها، وسائر الدويلات ~~والإمارات الإيطالية. # وفي 12 مارس 1849 أعلن حينئذ انتهاء الهدنة، وتسلم أحد القواد البولنديين ~~كراتزا نوسكي # Chrzanowsky ~~، قيادة الجيش ~~البيدمنتي في الميدان، ولكن سرعان ما حلت بهؤلاء الهزيمة في واقعة «نوفارا» يوم ~~23 مارس 1849، وكان انتصار «رادتزكي» في هذه الواقعة انتصارا حاسما، قضى على ~~الجيش الوحيد في كل شبه الجزيرة الإيطالية الذي كان في وسعه إطلاقا الصمود أمام ~~النمسا، وبذلك صارت الحرب منتهية بالنسبة لبيدمنت. # وتنازل ms1168 شارل ألبرت عن العرش لولده «فيكتور عمانويل الثاني»، يحاول بهذا التنازل ~~إزالة العقبة المتمثلة في شخصه، والتي قد تعترض إبرام الصلح، ثم غادر البلاد إلى ~~المنفى «الاختياري» فيأبورتو # Oporto # بالبورتغال، ~~حيث وافته بها منيته بعد قليل في 28 يوليو 1849. وفي 6 أغسطس من السنة نفسها؛ عقد ~~فيكتور عمانويل الصلح مع النمسا، بأن دفع تعويضا لها قدره 75 مليونا من الفرنكات ~~في نظير احتفاظ بيدمنت بكل أراضيها، وذلك في معاهدة ميلان. # وهكذا بدأت تحل الكارثة بكل مكان لإنهاء هذا العهد «الثوري» في تاريخ الحركة ~~القومية الاستقلالية في إيطاليا، فطلب البابا والكرادلة تدخل الدول الكاثوليكية (6 ~~فبراير 1849)، في حين قصد مازيني والثوريون إلى روما، وكذلك غاريبالدي. وأسس ~~هؤلاء جمهورية برياسة مازيني الفعلية، ولكن فرنسا التي خشيت من استرجاع النمسا ~~لمكانتها السابقة، وسيطرتها الكاملة في إيطاليا بعد انتصارها في واقعة نوفارا، لم ~~تلبث أن قررت التدخل لنجدة إيطاليا، كما كان يعنيها كسب عطف الكاثوليك في فرنسا، ~~والمحافظة على بيدمنت المهددة بالخطر من جانب النمسا، إذا تدخلت هذه لإرجاع البابا ~~إلى عرشه، واسترداد نفوذها في كل أنحاء إيطاليا، فدخلت القوات الفرنسية بقيادة ~~أودينو # Oudino # ابن أحد مريشالات نابليون ~~القدامى، إلى روما وسقطت الجمهورية بعد دفاع مجيد على أيدي مازيني وغاريبالدي (30 ~~يونيو 1849)، وهرب هذان إلى الجبال (جبال الأبنين). # وفي اليوم الذي سقطت فيه روما، كان النمسويون قد بدءوا غزوهم لتسكانيا، وفي 25 ~~مايو دخلوا فلورنسة، ثم أتى دور «بريشيا» المدينة الوحيدة في لمبارديا التي هبت ~~لنصرة بيدمنت عند استئنافها الحرب في مارس (1849)، فدخلها النمسويون الآن بعد أن ~~قضوا على كل مقاومة بها، ثم جاء دور مدينة البندقية التي قررت المقاومة بقيادة ~~«دانييل مانين» حتى النهاية، فاستولى النمسويون في 26 مايو على قلعة مالجيرا # Malghera ~~. ومنذ 30 يوليو تعرضت المدينة للضرب ~~بالمدافع دون انقطاع، ثم انتشرت المجاعة والكوليرا (الطاعون)، وفي 21 أغسطس بدأ ~~«مانين» يتفاوض في شروط التسليم مع النمسا، وفي 24 أغسطس سلمت البندقية، ثم ذهب ~~«مانين» إلى المنفى (27 أغسطس). # وبسقوط البندقية انتهت ms1169 الحرب والثورة من كل إيطاليا، فقد أعيد البابا إلى عاصمته ~~بالولايات البابوية، واستعاد الملك فردنند سلطانه الكامل في نابولي وصقلية، واسترجع ~~الأمراء عروشهم في الدوقيات الإيطالية واحتلت فرنسا روما، وصارت النمسا صاحبة ~~السيطرة في إيطاليا الشمالية، وانتصرت في كل مكان قوى الرجعية. # وأما فشل هذه الحرب الاستقلالية «القومية» الأولى، المتمثلة في ثورات 1848-1849، ~~فيمكن إيجاز أسبابها في أن الإيطاليين لم يكن لديهم القوة الكافية لطرد النمسويين ~~من إيطاليا، دون مساعدة تأتيهم من دولة أجنبية، وكانت بيدمنت وحدها صاحبة القوة ~~العسكرية الصالحة للقتال، ومع ذلك فقد بلغ جيشها ستين ألفا، كان ثلثاهم من القوات ~~الاحتياطية، أضف إلى هذا أن الإيطاليين لم يكونوا على اتفاق بشأن الدولة التي ~~يريدون تأسيسها على أنقاض السيطرة النمسوية، فهناك أشياع الحكم المطلق وهناك ~~الأحرار، وهؤلاء كانوا منقسمين إلى أحزاب وفرق، فمنهم الملكيون الدستوريون، الذين ~~التفوا حول ملكية بيدمنت، ومنهم أنصار الدولة الاتحادية الفدرائية، ثم الجمهوريون ~~المازينيون وهكذا، وكان الملكيون الدستوريون يتخذون معاقلهم في الشمال، في حين صار ~~الوسط مركز الجمهوريين، وبقي أشياع الحكومة المطلقة في الجنوب خصوصا. # على أنه فيما يتعلق بمسألة الوحدة القومية، أسفرت هذه الثورات والحروب في سنتي ~~1848، 1849 عن نتيجتين هامتين؛ أولاهما: أن البابا بيوس التاسع عندما تخلى عن ~~مؤازرة الثورة والحرب ضد النمسا قد مضى نهائيا على فكرة «جيوبرتي»، التي تدعو ~~لزعامة البابوية، فتحولت عنها الأنظار للبحث عن زعامة غيرها لحركة الاستقلال ~~والوحدة القومية. # وثانيتهما: أن بيدمنت صارت معقد الآمال من الآن فصاعدا؛ لتولي زعامة وتوجيه ~~النضال القومي؛ لأن بيدمنت هي التي اضطلعت وحدها بعبء الحرب والمقاومة ضد النمسا ~~دون سائر الدويلات والإمارات الإيطالية، ثم إنها لم تصبح بعد الهزيمة التي نزلت بها ~~مرتعا للمبادئ الرجعية، مما مهد لها الطريق أكثر من ذي قبل؛ لتولي زعامة النضال في ~~آخر الأمر من أجل تأسيس الوحدة الإيطالية، وإنشاء الحكومة الدستورية، وإتاحة الفرصة ~~لانتصار الأحرار من العناصر المثقفة الأرستقراطية ومن البورجوازية. # | الفصل التاسع # ألمانيا بين (1815-1848): النضال بين الثورة والرجعية في ~~بروسيا والنمسا ~~(1) تمهيد: ألمانيا ms1170 بعد 1815 # شهدت السنوات بعد 1815 تصفية الجماعة الوطنية في ألمانيا، والتي عرفنا أنها كانت ~~قد نشأت منذ 1813؛ لمقاومة السيطرة الفرنسية «النابليونية»، وخوض غمار الحرب لتحرير ~~ألمانيا، وهناك أسباب عدة لتصفية هذه الجماعة الوطنية؛ لعل أهمها الشعور بخيبة ~~الأمل عندما صدم الوطنيون في معاهدات الصلح، التي أنهت الصراع في أوروبا ضد ~~نابليون، فأضفت معاهدة باريس (30 مايو 1814) الجماعة أو الحزب الوطني في ألمانيا؛ ~~لأنها «بتساهلها» في نظرهم قد جعلت فرنسا تخرج من الحرب، بشروط أفضل كثيرا مما كان ~~ينبغي أن يكون نصيبها الحق. وندد هؤلاء الوطنيون الألمان بأنانية الدول العظمى، ~~خصوصا روسيا المتعجرفة، والتي ادعت لنفسها زعامة العالم وإرشاده، والتي تدخلت في ~~شئون ألمانيا الداخلية، ونددوا كذلك بإنجلترة، التي أساءت استخدام ما تمتعت به من ~~ضروب التفوق في الحقل الاقتصادي؛ لإلحاق الأذى لألمانيا ووقف نهضتها، وفسر ~~الوطنيون الألمان كل الذي وقع بأن بلادهم كانت ضعيفة لدرجة إغراء الغير بها، فلو ~~أن ألمانيا كانت «دولة» موحدة بدلا من كل تلك الإمارات والدويلات المتفرقة، ~~لسارت الأحداث في طريق آخر، وقضت خيبة الأمل هذه على «المواطنية العالمية»، التي ~~كنا تحدثنا عنها في فصول «أوروبا والإمبراطورية»، وساد الاعتقاد الآن بين هؤلاء ~~الوطنيين الألمان بأنهم كانوا مخدوعين بمثل «الإنسانية»، تلك «المثل» العليا التي ~~اختفت أمام مخاوف الألمان على الحقوق التي لألمانيا، والتي يجب في نظرهم الآن ~~ضمانها والمحافظة عليها قبل أي اعتبار آخر، أما الوسيلة إلى ذلك، فهي بمنع أي ~~تدخل «أجنبي» في شئون بلادهم الداخلية. # وثمة خيبة أمل كبيرة أخرى، هي أن الوطنيين الألمان لم يظفروا بإعادة ~~«الإمبراطورية الألمانية»، لقد كان حلمهم الكبير أن تتأسس وحدة بألمانيا مرة ~~ثانية، باعتبار أن هذه الوحدة كانت موجودة في القرن العاشر الميلادي في عهد ~~الإمبراطور أوتو الأول، وعقد الوطنيون الألمان آمالا كبيرة على إنشاء هذه الوحدة ~~بعد الحروب النابليونية، فكتب «آرندت»: «الوحدة في أقوى صورها وأعظم درجات نشاطها، ~~ذلك ما تريده ألمانيا، وذلك ما هو ضروري لأمنها الخارجي، ولرخائها الداخلي، ويا ~~لسوء طالع السياسيين في المؤتمر (مؤتمر ms1171 فينا) إذا هم لم يفهموا ذلك.» ونشرت إحدى ~~المجلات - # Nemesis # أو آلهة الانتقام - مقالا جاء ~~فيه: «يجب علينا قبل كل شيء المطالبة بأن يكون لنا إمبراطور ... فلنحصل فقط على ~~إمبراطور، وما نحصل عليه بعد ذلك فهو زيادة وفضل، وحينئذ تستعيد ألمانيا مكانتها ~~وهي المرتبة الأولى بين أمم العالم، وحينئذ تتمتع ألمانيا بالحرية المطلقة.» وفي ~~بداية سنة 1815 نشر جوريز # Goerres # 1 # محاورة بعنوان «إمبراطورية وإمبراطور» اشترك فيها «نمسوي وسكسوني» ~~و«بروس وكاثوليكي ... إلخ»، يعرض فيها كل واحد منهم نظرية جماعته وعقيدة حزبه، وقد ~~اتفقت كلمة هؤلاء على ضرورة إنهاء الوضع السائد بألمانيا؛ وذلك لأن «الأوضاع ~~القديمة لا يمكن أن تبقى إلى الأبد، بل يجب أن تبرز إلى عالم الوجود أشكال وصور ~~جديدة، فتقوم دول ألمانية كبيرة وقوية، ولا غضاضة في شيء إذا صحب هذا الحادث بعض ~~الظلم، فسوف يمحو الزمن أثره، فحينئذ سوف تنبت النباتات وتنمو.» واستطاع «جوريز» ~~أن يدرك أنه إذا تعذر إعادة تنظيم ألمانيا بالطرق السياسية، فلن يكون بعيدا اليوم ~~الذي سوف يتم فيه هذا التنظيم بطرق الحرب والقوة، فهو يقول: «إن ما يتنبأ به ~~القدماء في قولهم: إن الغلبة والزعامة من نصيب القوة، لا يزال غير متحقق، ولكن ~~عند تحقيق هذه النبوءة سيكون خلاصنا، فزعامة أو غلبة القوة هي التي سوف تحسم ~~المسائل بضربة سيف، وهي التي سوف تعمل بالدم والحديد، وهي التي سوف تمحو كل شيء ~~لتجعل ألمانيا مسطحا أملس، تستطيع أخيرا أن تسجل عليه الثورة آثارها، ومع أنه لا ~~يزال هناك متسع من الوقت فإن أحدا لا يريد تأسيس دستور صحيح، فلا معدى إذن عن ~~القوة لتحقيق ما عجز الناس عن فعله بمحض إرادتهم.» # على أن الذي حصل في تسويات الصلح في فينا، لم يكن ما أراده هؤلاء الوطنيون ~~الألمان، فتعذر تأسيس الإمبراطورية الألمانية من جديد، عندما لم تشأ النمسا أن ~~يكون تاج الإمبراطورية الألماني من نصيبها. ورفضت بروسيا أن تقوم سلطة أعلى تدين ~~لها المملكة «البروسية» بالطاعة، ووجد المؤتمر لذلك أنه بدلا من إعادة تأسيس ms1172 ~~الوحدة أو الإمبراطورية الألمانية، قد أخرج إلى عالم الوجود ذلك «الاتحاد ~~الألماني» - الكونفدرائي - الذي عرفنا أنه لم يكن حتى دولة اتحادية فدرائية، بل ~~أنشأ نوعا من «الدولة المتوازنة»؛ أي التي تقوم في الاعتبار الأول على توزيع القوى ~~بين وحدات سياسية متعددة بها، بصورة تحفظ التوازن بين هذه القوى المجزأة ~~جميعها؛ وذلك لضمان أن يسود السلم ألمانيا، فلا تكون مصدر أخطار على جيرانها في ~~أوروبا. ولقد ساد السلم حقيقة ألمانيا، فلم تكن في السنوات التالية حتى منتصف هذا ~~القرن «التاسع عشر» مصدر أخطار على جيرانها، ولكن السبب الرئيسي في ذلك كان الجمود ~~الذي أصاب ألمانيا، وعدم الحركة الذي أفقدها نشاطها عقب تسويات الصلح في ~~فينا. # وإزاء هذا الفشل في إعادة الوحدة، أو الإمبراطورية الألمانية لم يحرك سواد الشعب ~~الألماني ساكنا، ذلك بأن المحلية أو الإقليمية كانت لا تزال متسلطة على أفكار ~~الناس عموما، ولا تزال الشعوب متعلقة بحكامها وأمرائها القدامى في شتى الدويلات ~~والإمارات التي تألفت منها ألمانيا، فيروي المؤرخون للتدليل على مبلغ هذه المحبة، ~~قصة حاكم هس كاسل الذي فر من البلاد وقت الخطر حاملا معه كل ثروته، حتى إذا ~~انقضى الخطر ، وحلت الهزيمة «بنابليون» رجع إلى بلاده، فقال أحد الفلاحين: «حقا، ~~إنه حمار كبير، ولكنه الرجل الذي نريده بالرغم من كل ذلك!» وزيادة على ذلك فقد شغل ~~الألمان بمحاولة التغلب على الصعوبات المادية التي صارت تعترض حياتهم الآن، بعد أن ~~أنهكت الحروب الطويلة البلاد، ولم تلبث أن أغرقت الأمطار الزراعات في سنة 1816، ~~فلم يكد يكون هناك أي محصول، وانتشرت المجاعة في شتاء وربيع العام التالي (1817)، ~~وصار الشحاذون يطوفون البلاد في جماعات، في حين قضي على الصناعة عندما تدفقت ~~المصنوعات الإنجليزية على ألمانيا، وعجزت هذه الأخيرة عن تصدير سلعها إلى الخارج؛ ~~بسبب الضرائب الجمركية المانعة التي أقامتها كل من فرنسا من ناحية، وروسيا من ناحية ~~أخرى على حدودهما، واستغرق الاهتمام لذلك بشئون الحياة المادية كل نشاط الطبقة ~~البورجوازية، وطبقة الفلاحين على حد سواء، فلم يعد أحد يفكر في شيء أسمى ms1173 من مطالب ~~الحياة الضرورية والمباشرة. # وتبددت آمال الوطنيين الألمان عندما لم يظفروا بالحرية الداخلية التي أرادوها، ~~والتي بذل المسئولون مثل: «ستين» و«فردريك وليم» الوعود بتحقيقها في النداءات ~~العديدة التي وجهها هؤلاء للشعب أثناء النضال ضد نابليون والسيطرة الفرنسية، ولقد ~~كان أقرب هذه الوعود ما صدر عن فردريك وليم الثالث عشية استئناف الحرب في سنة 1815، ~~فقد أصدر الملك البروسي نداء لشعبه في 22 مايو 1815، يعد فيه بمنح الدستور ~~ويقول: «إن تمثيلا أهليا سوف يجري تنظيمه، وإن نشاط الجمعية الأهلية (أو ~~الوطنية) سوف يمتد ليشمل كل ما يتعلق بالتشريع «واستصدار القوانين»، بما في ذلك ~~الضرائب.» ومع ذلك فقد ساور الشك وقتئذ بعض الوطنيين الألمان في قيمة هذه الوعود، ~~فقد كان «فيشته» الذي توفي في سنة 1814، يخشى أن يتخلى الملك البروسي عن وعوده، ~~فقال: «إذا أصدر أمير أخضعه نابليون لسلطانه نداء لشعبه، فمعنى ذلك أن هذا ~~الأمير إنما يريد من شعبه أن يقوم بالثورة، حتى يصبح الناس عبيدا له، بدلا من ~~أن يكونوا عبيدا لحاكم أجنبي، وتلك حماقة كبيرة، وليست وعود الأمراء إلا وسيلة ~~يلجأ إليها هؤلاء عندما يتيقنون من فشل كل الوسائل الأخرى وعدم جدواها، ولا يجب أن ~~يراق الدم الألماني من أجل تأسيس امتيازات ينعم بها هؤلاء الأمراء على حساب ~~شعوبهم.» # ولقد ساور هذا الشك نفسه «جوريز» الذي نشر في «كوبلتر»، ابتداء من سنة 1814 ~~جريدته المعروفة: عطارد الراين # Rheinische Merkur ~~، ~~والتي ظهر آخر أعدادها بتاريخ 10 يناير 1816، فقد كتب في جريدته هذه: # إن المرء لا يجب عليه الاعتقاد أن بوسعه الاعتماد في الخلاص على ~~المعاهدات، وعلى الكلمات أو الوعود الطيبة، لقد ضحى الشعب بخير ما لديه ~~وهو يريد تعويضا عن هذه التضحية. # وبحث السياسيون في مؤتمر فينا المشكلة الألمانية، وصادفوا أول ما صادفوا مشروعا ~~يقوم على قاعدة دستورية؛ «وذلك عندما نص هذا المشروع على وجوب أن تغدو المجالس ~~الحكومية في كل بلاد الاتحاد الكونفدرائي مجالس دستورية.» وهو مشروع لم يلبث أن ~~اقترح أحد المندوبين «عن لكسمبرج» إدخال تعديل عليه، جاء ms1174 فيه: «أن أعضاء الاتحاد ~~الكونفدرائي «الألماني»، يوافقون على استصدار دساتير تمثيلية - أي تكفل قيام أنظمة ~~نيابية - في كل الحكومات الألمانية، وإنشاء مجالس (دياطات) بها لضمان هذه الدساتير، ~~على أن يكون مكفولا حق هذه الدياطات في إبداء الرأي والمشورة في كل ما يتعلق ~~بالتشريعات والقوانين، وفي الموافقة على الضرائب، وفي رفع شكاياتهم إلى الحكام.» ~~ولكن لم تلبث أن أسفرت المناقشة عن تضييق هذا المعنى شيئا فشيئا، حتى انتهى ~~الأمر بوضع المادة الثالثة عشرة (من قانون الاتحاد الألماني الكونفدرائي) # 2 # بالصيغة المبهمة التالية: «سوف تكون هناك مجالس حكومية في كل بلاد ~~الاتحاد الكونفدرائي.» وواضح أن «المجالس الحكومية» عبارة مبهمة، وهي ليست «مجالس ~~دستورية»، وقد يكون معناها؛ إعادة تأسيس مجالس الطبقات الإقليمية، من طراز المجالس ~~التي وجدت سنة 1807، والتي كانت محرومة من كل سلطة، ثم إن عبارة «سوف تكون هناك ~~مجالس حكومية» لا تعني الإلزام، على خلاف ما لو كانت هذه العبارة بالصيغة التالية: ~~يجب أن يكون هناك ... إلخ، فكان طبيعيا أن يتندر الوطنيون الألمان بهذه المادة ~~فيقولون: إنها نبوءة تعد بإنشاء المجالس وحسب، ولا يقصد منها تقرير حقيقة واقعة، ثم ~~إن الحكومات بمجرد أن صارت تصادفها المتاعب، لم تلبث أن تنكرت لوعودها، وكان ~~فقط في ألمانيا الجنوبية، أن عمدت الحكومات إلى تنفيذ وعودها؛ لأنها لم تكن مطمئنة ~~إلى قوتها، وصارت تعتقد بضرورة الاعتماد على تأييد الشعب لها. # وعلى ذلك فقد منح مكسمليان الأول ملك بفاريا شعبه دستورا في 26 مايو 1818، ثم حذا ~~حذوه غراندوق بادن في شهر أغسطس، ثم إن غليوم الأول ملك ورتمبرج منح شعبه دستورا ~~في ديسمبر من السنة نفسها، بعد مفاوضات طويلة مع مندوبي الشعب، وكان غليوم يريد أن ~~يجمع حول ورتمبرج جماعة الوطنيين الألمان، ويلقى في هذه الرغبة تأييدا من جانب ~~القيصر إسكندر شقيق زوجته، وكان القيصر الروسي لا يزال متأثرا بالآراء الحرة، ~~ولقد نسج على منوال غليوم الأول كل من غراندوق دارمستاد # Darmstadt ~~، وغراندوق «نساو» وفي هانوفر - وملكها جورج الثالث ملك ~~إنجلترة - تحول الدياط القديم إلى مجلس ms1175 من غرفتين، على أن الجدير بالملاحظة في كل ~~هذه الدول أو الإمارات التي استصدرت الدساتير لشعوبها، كان للمجالس صوت استشاري فقط ~~وفي أضيق الحدود، ولم يكن لها مناقشة القوانين أو اقتراحها، بل كان القلق يستبد ~~«بالحكام» في هذه الإمارات والممالك إذا أرادت المجالس بحث أعمال الحكومة، ويجأرون ~~بالشكوى من نشاط هذه المجالس «التمثيلية» للبرنس مترنخ، ممثل الرجعية في أوروبا في ~~ذلك الحين. # أما في الدويلات والحكومات الأخرى - أي في غير تلك التي صدرت بها الدساتير - فقد ~~أعيد بها، دون تحوير أو تعديل «النظام القديم»، فأقيمت بها المجالس (أو الدياطات) ~~القديمة، التي لم يكن لها أي سلطات أو نفوذ. # وفي بروسيا وهي التي بذل ملكها الوعود بالحريات لشعبها، وفي عبارات أكثر دقة ~~وصراحة، حدث رد الفعل بصورة أسرع وأكثر مباشرة مما حصل في غيرها من الإمارات ~~والحكومات الألمانية؛ وذلك لأن الملك فردريك وليم قد أحاط نفسه بمستشارين من طراز «شمالز» # 3 # Schmalz # وويتجنستاين # Wittgenstein # 4 # من الرجعيين، وكان «شمالز» نسيبا «لشارنهورست»، ويشغل مركزا قضائيا ~~كبيرا في برلين، كما كان أستاذا للقانون بجامعتها، وعينه الملك أول مدير لهذه ~~الجامعة، وقد أصدر «شمالز» في سنة 1815 كراسة يقيم فيها الحجة على أن الشعور ~~الثوري السائد في ألمانيا ، إنما مرده إلى نشاط جماعات سرية، تألفت على غرار ~~حلف الفضيلة # Tugenbund # القديم المناوئ ~~للسيطرة الفرنسية، وأثار هذا «الادعاء» سخط الكثيرين واحتجاجاتهم، وكان «نيبور» ~~و«شلير ماجر» من بين الذين احتجوا على ادعاءات «شمالز» واتهاماته، أما ~~«ويتجنستاين»، فكان موضع ثقة ملك بروسيا فردريك وليم الثالث وزوجه الملكة، ومنذ ~~1806 كان له تأثير ظاهر على مجرى الحوادث في بروسيا، ثم إنه تعين كبيرا للأمناء ~~عند عودة الملك إلى برلين في سنة 1810، وعمل بنشاط لتقليد «هاردنبرج» منصب ~~المستشارية وكسب ثقته، حتى إذا تعين رئيسا للبوليس سنة 1812، أخذ يتعقب أنصار ~~«حلف الفضيلة» الذين يسيئون للعلاقات بين فرنسا وبروسيا. ولقد بقي «ويتجنستاين» ~~يشغل منصب وزير البوليس حتى بعد انتهاء المحالفة الفرنسية البروسية، وفي هذه الفترة ~~التي نحن بصدد دراستها تعاون «ويتجنستان» ms1176 تعاونا وثيقا مع «مترنخ»، أما ~~«هاردنبرج» فقد اضطر حتى يحتفظ بمكانته إلى مسايرة «الرجعيين»، وعلى ذلك فقد كان ~~الطرد من الخدمة والانزواء على الأقل، ثم السجن أو المنفى لفريق منهم، نصيب ~~الوطنيين الذين كان لهم الفضل في إحياء بروسيا، ومنعت الحكومة طبع محاضرات «فيشته» ~~وتداولها، وعطلت السلطات صحيفة «جويرز» المعروفة؛ عطارد الراين (يناير 1816)، ولقد ~~اضطر «جويرز» إلى الفرار إلى سويسرة، عندما أصدر في سنة 1819 كراسة بعنوان «ألمانيا ~~والثورة»، وأما «أرندت» و«ستين» ومن كانوا من طرازهما، فقد اضطروا جميعا إلى ~~الانزواء أو الصمت، بل لقد فقد «همبولدت» نفسه كل نفوذ. وفي (29 مايو 1816) صدر ~~قرار هدم الإصلاح الاجتماعي الذي حدث سنة 1811. # وهكذا فقد اختفت في ألمانيا في شهور معدودة فقط الجماعة الوطنية بأسرها، حيث قد ~~تشتت أفرادها أو لزموا الصمت، وأمكن بذلك تصفية «حركة 1813» بعد سنتين أو ثلاث ~~سنوات فحسب تصفية تامة، واستطاع «مترنخ» أن يقطع ألمانيا في طريقه إلى مؤتمر «إكس ~~لاشابل» في سنة 1818 في موكب من النصر، عندما استقبله الملوك والأمراء في كل مكان، ~~بمظاهر الخضوع والطاعة. ~~(2) الجامعات الألمانية و«البورشنشافت» # ومع ذلك فقد أمكن أن تعيش الحركة القومية بين شباب الجامعات، فلقد كان من بين ~~الطلاب أن جاءت العناصر الوطنية الأولى التي حملت السلاح في سنة 1813، وبين شباب ~~الجامعات هؤلاء أمكن الاحتفاظ بروح النضال القديمة، ووجد شباب الجامعات في بعض ~~الأحايين زعماء يقودونهم، مثل: جاهن # Jahn # 5 # الذي نشر التربية البدنية، وأنشأ في ألمانيا جمعيات الرياضة، وكان ~~«جاهن» قد تلقى فنون الرياضة في الدانمرك، ثم لم يلبث أن صاغ لطلابه والملتفين ~~حوله شعارا: «أن يكونوا نشيطين متيقظين وأحرارا، مستبشرين وسعداء، وأتقياء متورعين.» # 6 # وكره جاهن فرنسا، وكل ما هو فرنسي أو يمت بصلة لفرنسا كراهية شديدة، ~~فهو حتى لا يستخدم كلمات تشبه في نطقها كلمات فرنسية، قد استعاض عن كلمة # Universtat # أي جامعة الألمانية، بتسمية ~~الجامعة «بدار رياضة العقل»، # 7 # وكان «جاهن» صاحب آراء طريفة، فهو يشير بإقامة شريط من الصحراء، التي ~~تقطنها الوحوش المفترسة بين فرنسا ms1177 وألمانيا؛ وذلك لمنع الحروب بين البلدين، ولمنع ~~غزو الفرنسيين لألمانيا، وأما هؤلاء الشبان الذين التفوا حول «جاهن»، والذين ظلوا ~~متأثرين بروح النضال التي ظهرت في سنة 1813، فإنهم قد أخذوا يدللون على وجودهم ~~بارتداء لباس خاص - سمي «بالزي الألماني» - يتألف من سترة طويلة «ردنجوت» ضيقة ~~عند الوسط تعلوها بنيقة (ياقة) كبيرة، وينتعلون أحذية الفرسان الطويلة، ويتركون ~~شعورهم مسترسلة وراء ظهورهم، في حين تغطي رءوسهم قلنسوة مزينة بريش من مختلف ~~الألوان، وكان هؤلاء الشباب من أتباع «جاهن» سيئي التربية، شديدي الصخب، يشربون ~~«الجعة» دون انقطاع، وذلك نخب «الروح المسيحية العسكرية» المتمثلة في جمعياتهم، وقد ~~أسس هؤلاء في الجامعات الألمانية «جمعيات ألمانية»، بمجرد انتهاء الحرب التي أنهت ~~السيطرة الفرنسية في ألمانيا، ولم يكن لدى هؤلاء فكرات أو نظريات سياسية معينة، بل ~~إن كل ما أرادوه كان لا يعدو تأمين عظمة ألمانيا، وذلك بتحررها من كل نفوذ أجنبي، ~~وإعطائها فرصة الانطلاق الكامل على حد قولهم: «نحو الحياة الشعبية»، وبمعنى آخر: ~~كان تفكيرهم ثم غرضهم الذي يسعون لتحقيقه، لا يزيدان على مجرد «تفسير» من درجة أدنى ~~لبعض الآراء التي نادى بها «هردر». # على أن نوعا من عمليات «التطهير»، لم يلبث أن حدث في هذا الوسط الشديد الغليان ~~تحت نفوذ المؤرخ هاينريش لودن # Luden # أحد أساتذة ~~جامعة «يينا »، وكانت جامعة «يينا» وقتئذ أكبر الجامعات انتصارا للمبادئ الحرة؛ ~~لوجودها في غراندوقية ساكس فايمر، التي كان «جيته» وزيرا بها، ولقد تألفت في هذه ~~الجامعة بفضل «لودن» جمعية من الطلاب؛ لانتزاع زملائهم من نقاباتهم القديمة ~~المسماة بالفرق # Korps ~~، والتي يرجع تاريخها ~~إلى العصور الوسطى، ثم لجمع هؤلاء الطلاب في اتحاد فدرائي يسمى بور شنشافت # Burchenschaft ~~؛ أي اتحاد الرفقاء # 8 # تسوده روح أسمى وأكثر وطنية وقومية، واتخذ هؤلاء راية لهم أعلام ~~المتطوعين في حملة 1813، وكانت من ألوان ثلاثة؛ الأحمر والأسود والذهبي، وكان أعضاء ~~«البور شنشافت» من أكثر الطلاب ميلا للعنف وللصخب، كما اتصف فريق منهم بالرزانة، ~~وبالولاء الشديد، بل ووجد من بينهم أتقياء كثيرون، وقد نظموا أنفسهم في فروع في ms1178 كل ~~الجهات في أنحاء ألمانيا. # والبورشنشافت هم الذين أقاموا احتفال 18 أكتوبر 1817 في قصر «ورتبرج»؛ لإحياء ذكرى ~~مرور مائة عام على احتجاج مارتن لوثر على صكوك الغفران الذي علقه على باب كنيسة ~~«وتنبرج»؛ وكذلك للاحتفال بذكرى موقعة «ليبزج»، أو معركة الأمم التي انهزم فيها ~~نابليون قبل ذلك بأربع سنوات (18 أكتوبر 1813). # ولقد كان عند نهاية الاحتفال مساء هذا اليوم، أن أشعل الطلاب النار في كومات من ~~الكتب من مؤلفات الكتاب الرجعيين، مثل؛ البرخت فون ~~هالر # Haller # الذي نشر في سنة 1816 كتابا عن عود أو رد العلوم السياسية ~~إلى أصلها، كان عبارة عن نقص لنظرية جان جاك روسو عن العقد الاجتماعي، فرفض «هالر» ~~الحقوق الطبيعية، والعقد الاجتماعي وسيادة الشعب، باعتبار أنها جميعها مناقضة ~~لحقائق التاريخ، ثم لقيت نفس المصير كتابات فردريك ~~أنسيلون # Ancillon ~~، وكان أحد أساتذة التاريخ في برلين، التحق بالبلاط منذ ~~وقت مبكر، وصار مدرسا لأفراد الأسرة المالكة، ومنذ 1810 صار مدرسا لولي عهد ~~بروسيا، «لسوء حظ بروسيا وألمانيا معا»، ثم ضمه «هاردنبرج» إلى الحكومة سنة ~~1814، ولم يلبث أن عرف بميوله الرجعية و«الإقطاعية»، ومن الذين حرقت كتاباتهم ~~كذلك، كان فون كامبتز # Kamptz # مدير البوليس في ~~بروسيا، وأعدى أعداء الأحرار والقوميين، ورجال العلم والمعرفة، ثم «شمالر» - وقد ~~سبق الكلام عنه - ثم كارل ليبريخت ~~إيمرمان # Immermann ~~، الذي اشتهر فيما بعد كمؤلف ناجح، والذي كان قد دافع ~~بحماس عن قضية أحد الطلاب الذي أساءت جمعية الطلبة في هال # Halle # معاملته، وكانت هذه جمعية تيوتونيا # Teutonia ~~، وقد حلت السلطات هذه الجمعية في العام السابق ~~(1817)، ثم أخيرا: أوجست فون كوتزبيو # Kotezebue ~~، ~~وقد عرفنا كيف كان يراسل القيصر إسكندر الأول من فايمر، ويعمل جاسوسا له في ~~ألمانيا. # وإلى جانب هذه الكتب من نتاج الرجعيين الذين ذكرناهم، التهمت الحرائق في ذلك اليوم ~~عصا أحد الأونباشية، وهي ترمز للجندية القديمة، ثم قلنسوة من الشعر الاصطناعي يضعها ~~السادة على رءوسهم في «النظام القديم»، وترمز لهذا العهد البائد، ثم مشدا مما ~~تصنعه النساء حول خصورهن كرمز للتخنث الذي ms1179 يريدون القضاء عليه. # ومنذ شهر مايو 1818 اجتمع مندوبو أربع عشرة جامعة ألمانية لإنشاء اتحاد فدرائي ~~«للبورشنشافت» لكل ألمانيا، وتزايد عدد هؤلاء المندوبين في الشهور التالية، وبين 10 ~~و18 أكتوبر أمكن انعقاد اجتماع عام في «يينا» لما صار يعرف باسم الاتحاد العام ~~الألماني للبورشنشافت. # 9 # ولقد تميزت جامعة جيسين # Giessen # الصغيرة على وجه ~~الخصوص في هس كاسل، بروح العنف التي كانت سائدة بها، والتي كان مبعثها تأثر الطلاب ~~بنشاط كارل فولن # Follon ~~، أحد إخوة ثلاثة بذلوا ~~قصارى جهدهم لنقل جمعيات الطلاب في الجامعات الألمانية إلى منظمات قومية. وجمع ~~«كارل فولن» حوله الطلاب الذين صاروا هم وأتباع «فولن» عموما يسمون ~~«بالمتصلبين» الذين لا يقبلون اتفاقا أو تفاهما، وهم من الشبان المتطرفين ~~والمتعصبين لمبادئهم، والذين استثارتهم بلاغة «فولن» وشعروا بالكراهية الشديدة ~~للشاعر والروائي «كوتزبيو» صديق القيصر، والذي كان يبعث إليه بتقرير كل شهر عن ~~التيارات الذهنية والحوادث في ألمانيا، ولقد نشرت مجلة الانتقام # Nemesis # أحد هذه التقارير، وكان قد عثر به الطلاب، وأقام ~~«كوتزبيو» دعوى على «فولن»، الأمر الذي أثار حفيظة الطلاب وسخطهم، لدرجة أن أحد ~~هؤلاء «كارل ساند»، وكان ذا نزعة صوفية مع شيء من ضيق الذهن والفكر، لم يلبث أن ~~أخذ على عاتقه - كما اعتقد - تحرير ألمانيا بالخلاص من كوتزبيو، فأقدم على قتله في ~~23 مارس 1819، ومع أن كارل ساند حاول الانتحار، إلا أنه قبض عليه ثم أعدم في ~~20 مايو 1820. # ولقد أثار مقتل «كوتزبيو » عاصفة عاتية من الشعور الجامح لدى فريقي «الثوريين» ~~و«المحافظين» على السواء، وبخاصة عندما وقع اعتداء آخر يوم أول يوليو 1819 على ~~إيبيل # Ibell # أحد وزراء «نساو»، وذلك على يد ~~صيدلي يدعى لوننج # Loening ~~، اعتقد أن الوزير من ~~الرجعيين، وقد نجا «إيبيل»، أما «لوننج» فقد انتحر؛ وعلى ذلك فقد اقترحت ساكس ~~فايمر وبروسيا أن يتخذ الدياط المنعقد في فرانكفورت الإجراءات الكفيلة بوقف هذه ~~الحركات في الجامعات. وقابل ملك بروسيا فردريك وليم الثالث البرنس مترنخ في ~~توبلتز # Toeplitz # في غضون شهر يوليو، ثم اجتمع ~~في «كارلسباد» برياسة ms1180 مترنخ ممثلو تسع حكومات، في مؤتمر تقدم ذكره عند الكلام عن ~~«الاتحاد الأوروبي»، إنها كانت بروسيا، النمسا، بفاريا، بادن، نساو، رتمبرج، ~~مكاسنبرج، وهس، وساكس فايمر، فاتخذوا طائفة من القرارات الرجعية التي عرفنا أنها ~~سميت «بمرسومات كارلسباد»، أجازها دياط الاتحاد الألماني في فرانكفورت في 20 ~~سبتمبر 1819. # أما هذه القرارات فقد اختص قسم منها بتفسير المادة الثالثة عشرة المشهورة من ~~دستور الاتحاد الكونفدرائي، وهي المادة التي وعدت بقيام «المجالس الحكومية» في ~~أنحاء الاتحاد الفدرائي، فقد فسرت هذه المادة الآن في صالح الملوك والأمراء، ~~وتضييق احتمال استصدار الدساتير في الدويلات المختلفة، وإلى جانب ذلك نص قسم آخر ~~على ضرورة استخدام القوة لتنفيذ قرارات الدياط في الحكومات الألمانية، وبجوار هذه ~~القرارات «العامة»، كانت هناك أخرى أكثر تحديدا لفرض إخماد حركات المعارضة ~~والمقاومة في الجامعات، فألغيت جمعيات أو اتحادات الطلبة، وحلت جمعيات ~~«البورشنشافت»، وأنشئت في كل جامعة «لجنة» لم تكن مهمتها مقصورة وحسب على مراقبة ~~نشاط الأساتذة ومحاضراتهم، بل كان من حق «اللجنة» إبطال محاضرات الأساتذة، وإبعاد ~~هؤلاء عند الضرورة من الكليات التي يعملون بها، وخضع الطلاب لنفس الرقابة. وزيادة ~~على ذلك فقد أنشئت الرقابة على الصحف لمدة خمس سنوات، وأقيمت لجنة تحقيق في ~~«ماينز»؛ للبحث عن أصول الحركات الثورية ومبلغ نشاطها. # ولقد سبقت الإشارة إلى هذه القرارات في الفصل المنعقد عن «الاتحاد الأوروبي»، وكنا ~~قد ذكرنا أن مؤتمرا لم يلبث أن انعقد في بداية العام التالي مترنخ أيضا، وحضره ~~في فينا مندوبو كل الحكومات الألمانية، أيد هذه القرارات واستصدر بها «قرار مؤتمر ~~فينا النهائي» في 15 مايو 1820، وفي هذا «القرار النهائي» الذي أذيع يوم 8 يونيو، ~~تأكد سلطان الأمراء - أي حقوق سيادتهم القانونية - ولكنهم منعوا في الوقت نفسه من ~~أن يمنحوا شعوبهم حريات أوسع (أو مفرطة في الزيادة)، ثم ضيقت اختصاصات أو سلطات ~~المجالس الدستورية، ومنع نشر محاضر جلساتها. # أما «لجنة التحقيق» في ماينز فقد قامت بمهمتها بكل دقة، وكذلك طبقت الإجراءات ~~المتخذة ضد الطلاب بكل صرامة، فألغي القبض في بروسيا مثلا على عدد ms1181 كبير من ~~الطلاب، ووقعت عليهم عقوبة السجن مددا تتراوح بين اثنتي عشرة وخمس عشرة سنة، ~~وأودع «جاهن» السجن، ونزع من «آرندت» كرسي الأستاذية بجامعة بون، وأجبر «جوريز» ~~الذي كان قد عاد من سويسرة على الذهاب إلى «ستراسبورج» والعيش بها، واضطر عديدون من ~~جماعة الحزب الوطني الذين بقوا على قيد الحياة إلى مغادرة ألمانيا للعيش في الخارج، ~~وأذعن الباقون لسلطان الرجعية، وهكذا كان الخمود نصيب هذه الحركة الوطنية القومية ~~في الجامعات، فلم يختلف مصيرها عن مصير غيرها. # وواضح إذن أنه كان ممكنا تحطيم الحركة الوطنية (القومية) في ألمانيا بكل سرعة، ~~ونهض الدليل بفضل الحوادث التي وقعت في ألمانيا بعد سنة 1815، على أنه من الواجب ~~قبل إعادة تشكيل ألمانيا على أساس «قومي» أن تتقرر الحريات السياسية، كما نهض ~~الدليل على أنه من المتعذر قيام «حركة قومية» في ألمانيا، من غير أن يسبق ذلك ~~الظفر بالحريات السياسية؛ أي إن العمل من أجل تقرير المبدأ الحر سوف يتقدم من ~~الآن فصاعدا على الحركة القومية، أو أن الفكرة «الحرة» والفكرة «القومية»، سوف ~~تختلطان ببعضهما بعضا. ~~(3) نضال الحكومات ضد المبادئ الحرة «نظام مترنخ» # تكشف دراسة الآراء الحرة والقومية في ألمانيا عن مشكلات أكثر تعقيدا مما ~~صادفناه في إيطاليا، ولو أنه قد يبدو للوهلة الأولى أن ألمانيا تتمتع بمركز أفضل ~~كثيرا مما كان لإيطاليا، من حيث إن «دولة» ألمانية كانت قائمة فعلا في ألمانيا، ~~في شكل «الاتجاه الكونفدرائي» الذي صدر به القرار النهائي لمؤتمر الصلح في فينا في ~~سنة 1815، وهذه المشكلات أكثر تعقيدا كذلك، ولو أن المطالب الألمانية كانت تشبه ~~تلك الإيطالية من حيث إنها في صورتها النهائية، إنما ترتكز على المبادئ الحرة ~~والقومية؛ والسبب في هذا التعقيد أن «النظريات» التي تفسر هذه المطالب كانت ~~أقل سهولة من شبيهاتها في إيطاليا. ومن المسلم به أن الألمان قد عرفوا وقبلوا ~~النظريات الفرنسية المتعلقة بالقومية، بل وتأثروا بها، مثلهم في ذلك مثل الطليان ~~أنفسهم. ومن المسلم به أن الألمان بعد سنة 1815، ومثلهم في ذلك أيضا مثل ~~الطليان، قد تأثروا ms1182 بالحوادث التي وقعت في فرنسا، وأنهم قد استرشدوا بها في نشاطهم، ~~ولكن في ألمانيا وقبل هذه الحوادث، كانت هناك اتجاهات مثالية معينة بشأن القومية، ~~يكشفها تفكير قادة الرأي الألمان من طراز «هردر» و«فيشته» خصوصا، و«هردر» و«فيشته» ~~هما اللذان أسسا نظريتهما في القومية - كما شهدنا - على فكرة «الجنس» أو العنصرية، ~~أو بقول آخر على اشتراك الأصول، وتوارث الخصائص الجسمية والذهنية «والخلقية»، وهي ~~الخصائص التي تبرز في «اللغة» حتما. ولقد كان بتطبيق هذه النظرية على ألمانيا أن ~~تولدت الفكرة المتعجرفة التي تزعم في نظر أصحابها تفوق الجنس الجرماني على سائر ~~أجناس البشر، أو أنه أعظم هذه الأجناس نقاوة، وتلك فكرة كان من المتعذر إقامة الحجة ~~على صحتها من الناحية التاريخية، فلم تلبث أن تبدلت إلى أخرى مفادها؛ أن ~~لألمانيا «رسالة» هي إرشاد البشر وقيادته وتوجيهه إلى حياة أفضل في هذا العصر ~~الحديث. # وإلى جانب هذه النظرية، سرعان ما نشأت في الفترة التي ندرسها نظرية أخرى عن ~~«الحقوق التاريخية»، نادت بها مدرسة المثقفين الذين تأثروا بكتابات «هردر» وآرائه. ~~وكان من أعلام هذه المدرسة أولا؛ المؤرخ هنريك فون ~~سيبل # Sybel ~~، ثم من بعد سنة 1848 المؤرخ والسياسي هنريك ترايتشكه # Treitschke ~~، وإلى جانب هذا كله كانت هناك ~~فلسفة ولهلم هيجل # Hegel # الخاصة، وقد تضافرت كل هذه ~~العناصر على تزويد نظرية الوطنية أو القومية في ألمانيا بتلك الإرادة «القاهرة» ~~والرغبة في بسط السلطان، حتى لقد صارت «القومية الألمانية» إرادة تسلطية، تبغي ~~دائما الانطلاق إلى ما وراء حدود ألمانيا الصحيحة، وزيادة على ذلك فإن هذه ~~النظريات التي نادى بها «هردر» و«سيبل» و«ترايتشكه» و«هيجل»، وأضرابهم قد ساعدت على ~~أن تجعل من الفرد مجرد «أداة» تتلاشى في كيان المجتمع، وأداة في يد الدولة، التي ~~هي في حد ذاتها «كائن عنصري» وقوة منظمة تتولى تنظيم هذا المجتمع. # تلك إذن كانت الأسباب التي جعلت المسألة الألمانية أكثر تعقيدا من المسألة ~~الإيطالية، وتلك أسباب يضاف إليها كذلك تأثير التطورات التاريخية، والأحوال ~~السياسية السائدة في ألمانيا، من ذلك أن العظمة والسلطان اللذين كانا ms1183 لألمانيا ~~إنما مبعثهما فكرة الإمبراطورية المجردة، ولا تستندان على أسس إقليمية محددة، كما ~~هو الحال في فرنسا وإيطاليا، ولقد شاهدنا إلى جانب ذلك كيف أن التطور السياسي في ~~ألمانيا قد فصل بين الحياة السياسية، والحركة الذهنية أو الفكرية بها، خصوصا أثناء ~~القرن الثامن عشر وفي بداية القرن التاسع عشر. ثم إنه كان يوجد بألمانيا عنصر أو ~~عامل لم يكن له نظير في إيطاليا، ونعني بذلك دولة بروسيا، وزيادة على ذلك فإن حركة ~~التحرير في ألمانيا كانت حركة وطنية موجهة ضد فرنسا، فلم يكن إذن ممكنا؛ بسبب هذه ~~الحقائق التاريخية والسياسية أن ينشأ في ألمانيا ذلك الاتحاد في الجوهر بين الفكرة ~~«الحرة» - الظفر بالحريات، والفكرة القومية أو الأهلية - إنهاء السلطان الأجنبي، ~~أو اتباع سياسة تهدف لتحقيق مطالب وطنية (وقومية)، وهو الاتحاد الذي شاهدناه في ~~إيطاليا، والذي كان يتمثل كذلك في «نظام» فرنسا، ولقد نجم من ذلك كله أن صار ~~محتملا في ألمانيا ظهور آراء أو فكرات عن الوحدة أو الاتحاد مرتبطة بآراء أو فكرات ~~«محافظة» في السياسة، وليس فقط بالمثل العليا «الثورية». # والنتيجة أن الفكرة القومية الألمانية قد ~~صارت يتنازعها تيارات عديدة مختلفة، بل ومتناقضة في أحايين كثيرة، منشؤها لدرجة ~~معينة ما طرأ من تبدل كثير على علاقتها بالآراء الفرنسية، وكذلك موقف «القومية» ~~الألمانية من فرنسا عموما، ثم إن عناصر معينة في حياة ألمانيا لم يكن لها من ~~ناحية المبدأ أية صلة بالفكرة القومية كالمسائل الاقتصادية، بل لقد ناضلت ضد الفكرة ~~القومية ذاتها، وعلى نحو ما فعلت السياسة البروسية لم تلبث مع ذلك، وفي نهاية ~~الشوط؛ أن وجدت أنها قد صارت متفقة مع الفكرة القومية، ثم اتضح أن هذه «العناصر» ~~أو العوامل قد أسدت كذلك خدمة جليلة لفكرة القومية، وعلى ذلك فقد تعددت التيارات ~~الذهنية والنظريات في ألمانيا، واختلفت هذه التيارات (والنظريات) عن بعضها بعضا، ~~وكادت تكون أكثرها متناقضة، وذلك بصورة أكبر مما شهدناه في إيطاليا. # وفي ألمانيا - وكما حدث في كل مكان تقريبا وقتئذ - قام النضال بين السلطات ~~المستبدة وبين ms1184 أقسام المجتمع الألماني، التي نشد أهلها الحرية وعملوا من أجل الظفر ~~بها، ولو أن النضال في ألمانيا كان عديم الجدوى بسبب التباين العظيم بين القوتين، ~~عندما كانت الحكومات أكثر استعدادا وأوفر «تسلحا» لمجابهة أنصار الحرية، من ~~الحكومات التي شهدنا مثلا نضالها ضد الأحرار والقوميين (أو الوطنيين) في إيطاليا، ~~ثم إن هذه الحكومات الألمانية كانت تتلقى المساعدة من الخارج بفضل تأييد النمسا ~~وروسيا لها، وذلك في حين أن «المزاج» الألماني كان أقل ميلا للنشاط والكفاح ~~للظفر بمطالبه من «المزاج» الإيطالي، فمن المعروف عن الأحرار الألمان؛ أنهم لم ~~يكونوا رجال فعل وعمل، بل كانوا رجال فكر ورأي؛ ولذلك فقد انعدم في ألمانيا ذلك ~~الاندفاع نحو العمل الثوري الذي شاهدناه في إيطاليا، منفصلا كذلك أو مستقلا حتى ~~عن الفكرة أو العقيدة السياسية ذاتها، ولقد بقي سواد الشعب في ألمانيا بعيدا كل ~~البعد عن الحركات القليلة التي سوف نعرض لها، ولا يبدي حراكا، كما أضعف نضال ~~الأحرار في المجتمع الألماني ضد الحكومات، وكان يسود هذا المجتمع من مصالح متضاربة ~~ومنافسات شديدة، من ذلك مثلا؛ الانقسام القائم بسبب اختلاف المصالح والعقائد بين ~~البروتستنت والكاثوليك. # فلم يكن لدى الحكومات الألمانية أية فكرة قومية، فيقول الوزير البروسي ~~«ويتجنستاين» عن جمعيات «البورشنشافت»: إنها تريد تحقيق غرض واحد، هو «قتل الوطنية ~~الصحيحة؛ للاستعاضة عنها بدولة ألمانية واحدة وغير مجزءة، ثم القضاء على الدول ~~الألمانية المختلفة؛ لتسود مكانها الفوضى الثورية.» وتلك أقوال يتضح منها أن ~~«الوطنية» في تفكير هذا الوزير البروسي، إنما هي متعارضة مع الوحدة الألمانية، أو ~~أن الوحدة الألمانية لا يمكن أن تتفق مع الوطنية الصحيحة. ويعلن من ناحية ثانية ~~مدير البوليس النمسوي سيد لنتزكي # Sed Lnitzky # أن ~~فكرة «الألمانية» أو الجرمانية # Deutschtùm # فكرة ~~شاذة، ولقد شاهدنا كيف أن الحكومات في السنوات التالية بعد 1815، عمدت إلى ~~«تصفية» العنصر «الوطني» الذي أمد ألمانيا بالمحاربين القدامى، الذين تحررت ~~البلاد بفضل جهادهم، وتحت هذه «التصفية» بكل سرعة، وفي خلال أربع أو خمس سنوات ~~وحسب؛ وذلك لأن الحكومات في ألمانيا قد تخلت ms1185 عن الروح الوطنية التي ظهرت في سنة ~~1813، وذلك بمجرد انتهاء حروب الخلاص والتحرير مباشرة. # وكان بفضل «مرسومات كارلسباد» في سنة 1819، والقرار النهائي للمؤتمر الذي انعقد في ~~فينا، وصدر في 8 يونيو 1820، أن حصلت الحكومات على سلطات استثنائية تجعل في ~~مقدورها إحكام رقابتها على نشاط الأحرار وتعقب هؤلاء الأخيرين ومطاردتهم، وتلك كانت ~~قرارات اعتمد عليها البرنس «مترنخ» في فرض «نظامه» على ألمانيا، ولقد كان صارما ~~حقا «نظام الرقابة» الذي فرضه «مترنخ» على كل ألمانيا، فالأمراء والملوك ~~والحكومات بما في ذلك حكومة بروسيا، يطأطئون جميعا رءوسهم أمامه، ومن المحتمل أنه ~~لم يكن يشذ عن ذلك، ومن وقت لآخر سوى إمارة أو دويلة واحدة، هي دوقية «ورتمبرج». ~~فالحكومات إذن كانت في ظل هذا النظام تتمتع بقوة كبيرة لمحاربة الأحرار، والقضاء ~~على حركاتهم، ونال مجلس الاتحاد (أو الدياط) سلطات استثنائية؛ حتى يتسنى له الإشراف ~~الكامل على الموقف في بعض الإمارات أو الدويلات في هذا الاتحاد الألماني. # ولقد كان ممكنا بسبب هذا النظام أن يوجد ما يصح تسميته بمبدأ سياسة مشتركة أو ~~عامة لهذا الاتحاد الكونفدرائي، أو أن يكون هناك على الأقل تنسيق لسياسة الحكومات ~~المختلفة الألمانية بداخله، ولقد كان ممكنا الاعتقاد بأن اتساع السلطات التي ~~أعطيت لمجلس الاتحاد (الدياط)، سوف ينتهي إلى إنشاء حكومة مركزية في ألمانيا، فلقد ~~شوهد مندوبو الأمراء والملوك الألمان يجتمعون بالبرنس «مترنخ» في قصره القريب من ~~جوهانسبرج # Johnnisberg # في مايو 1824؛ لوضع ~~القرارات التي سوف يستصدرها «الدياط» للعمل بها في كل ألمانيا، ونصت هذه ~~القرارات على سريان «مرسومات كارلسباد» مدة أطول، وعلى مطالبة الحكومات بمراقبة ~~«المجالس» لمنعها من اتخاذ أي إجراء قد يلحق ضعفا بمبدأ الملكية، كما نصت على ~~ضرورة اجتماع «الدياط» مدة أربعة شهور كل دورة، وحرمان الأهلين من الاشتغال ~~بالسياسة. # على أن «التطور» الذي كان منتظرا حدوثه في هذه الناحية نحو إنشاء سياسة مشتركة ~~هامة، وتنسيق نشاط وسياسة الحكومات المختلفة، وإقامة حكومة مركزية في ألمانيا، ~~سرعان ما توقف؛ لسبب هام، هو أن القيصر إسكندر الأول لم يلبث أن توفي ms1186 في ~~ديسمبر 1825، وكان «مترنخ» قد استماله في أيامه الأخيرة لتأييده، فأضعفت وفاة ~~القيصر مركز «مترنخ» وأنقصت من سمعته الخارجية، كما قللت من قدرته على العمل في ~~الميدان الأوروبي؛ الأمر الذي جعل الحكومات الألمانية تتمسك «بمحليتها» بصورة صار ~~يتعذر على «مترنخ» مقاومتها - وخصوصا في الجنوب - واعتمدت من الآن فصاعدا العناصر ~~الرجعية على تأييد قيصر روسيا الجديد نيقولا الأول، أكثر من اعتمادها على «مترنخ»، ~~ومع ذلك فقد كانت الحكومات عند عودة الخطر الثوري إلى الظهور مرة ثانية، متهيئة ~~لقبول اعتداءات «السلطة المركزية» المتمثلة في الدياط أو مجلس الاتحاد، وذلك غداة ~~الحركات الثورية التي قامت في كل أنحاء ألمانيا تقريبا في سنتي 1832، 1833، فكان ~~الهجوم على الأحرار ومقاومة المبادئ الحرة، الفرصة المناسبة لتزويد عناصر التنسيق ~~السياسي بنجدة أو قوة جديدة. وهكذا مرت ألمانيا وإن كان في نطاق ضيق، بنفس ~~التجربة التي مرت بها أوروبا في سنة 1815، فقد تولدت فكرة العمل الأوروبي المشترك ~~لمجابهة الخطر النابليوني - أي لمحاربة نابليون والقضاء عليه كلية - ولقد كان في ~~ألمانيا أن تولدت فكرة العمل المشترك، ومثلما حدث في أوروبا؛ وذلك لمجابهة الخطر ~~الثوري حين شعرت الحكومات الألمانية أنها بحاجة إلى التعاضد والتكاتف للوقوف في وجه ~~هذا الخطر، وهكذا لم تكن فكرة تنسيق الجهود الألمانية، كما لم تكن فكرة العمل ~~الأوروبي المشترك مرتبطة ارتباطا وثيقا بالنظرية أو المبادئ الحرة، بل كان مبعث ~~تنسيق الجهود في ألمانيا وقتئذ هو محاربة هذه المبادئ الحرة. # وأيا كان الأمر، فإن هذه الحكومات لم تتوان لحظة في استقلال السلطات التي ~~نالتها بفضل مرسومات كارلسباد (1819)، وقرار مؤتمر فينا (1820)، ففي ألمانيا ~~الشمالية قام الحكم المطلق على غرار الحكم في كل من النمسا وبروسيا، بإنشاء نظام ~~يعتمد على أساليب «السرية»، ووجود إدارة تفرض رقابة صارمة على موظفيها، في حين قامت ~~في مجموعة أخرى من «الدول» في مواجهة الحكومة المجالس الإقليمية، وذلك في هانوفر ~~سنة 1819، وفي مكلنبرج، وفي ساكس فاپمر، وفي أولد نبرج، وهذه المجالس الإقليمية الطبقية # Landstande # أو مجالس الحكومة، ~~كانت تتألف من النبلاء الذين عليهم الموافقة على ms1187 الضرائب، وضمان قروض الدولة، ~~وكما هو واضح كانت هذه المجالس منظمة إقطاعيا، ولا تمت للمبادئ الحرة بصلة، ~~فكان ممنوعا منعا باتا إذاعة ما يدور بداخل المجلس في هانوفر، واقتصر الأمر على ~~نشر محاضر موجزة للجلسات، لم يكن يشتريها أو يقرؤها أحد لتفاهتها، وفي مكلنبرج ~~احتفظ النبلاء في المجلس بسلطاتهم البوليسية والقضائية على الأهلين، وفي ساكس-فاپمر ~~رفضت الحكومة الإدلاء بأية معلومات عن ماليتها أمام المجلس، وفي هس كاسل أعاد دوقها ~~قوانين «النظام القديم»، كما أعاد موظفي الدولة وضباطها إلى الوظائف التي كانوا ~~يشغلونها، والمراتب التي كانوا بها يوم طرده نابليون من دوقيته. وفي الجنوب في ~~البلاد التي استصدرت الدساتير، لم يكن الدستور يحد من سلطان الحاكم شيئا، فيطيب ~~غراندوق هس، درمستاد خاطر وزيره فرايهر فون ~~دي تيل # Freiher Von du Thil ~~، الذي كان قد أزعجته مناقشات المجلس، فيتساءل عن أهمية ~~هذه المناقشات «عندما كان لا يحدث شيء على غير إرادته هو»، ويتساءل عما يستطيع ~~المجلس أن يفعله بالوزير «بغير موافقته هو»، في حين يؤكد الغراندوق لوزيره أنه لن ~~يتخلى عنه أبدا! ولقد استمر غراندوق هس درمستاد يحكم حتى سنة 1830، وفي «بادن» كان ~~الغراندوق لويس الأول الذي حكم كذلك حتى سنة 1830 ضابطا بروسيا، لا يعرف غير ~~النظام العسكري، فلم يسمح - وعلى نحو ما كان متوقعا - أن يكون «للمجلس» أي إشراف ~~أو نشاط جدي في إمارته. وفي نساو وكان حاكمها غليوم الأول، الذي استمر يحكم حتى سنة ~~1839، رجلا عنيدا، سلم زمامه مع ذلك لوزير لا ضمير له، هو وانجنهايم # Wangenheim ~~، ثم أقام حكما مركزيا ثقيل ~~الوطأة في بلاده، وانطلق منذ اللحظة الأولى يناضل بعنف ضد النواب في المجلس، وفي ~~«ورتمبرج» استمر وليم الأول يحكم من 1816 حتى سنة 1861، وكان مثقفا مستنيرا، يريد ~~أن يلعب دورا ملحوظا في ألمانيا، دون أن تكون لديه العزيمة الصحيحة لفعل ذلك، ~~وعول على الاستفادة من حقيقة أن زوجه الثانية كاترين كانت شقيقة القيصر إسكندر ~~الأول. # ومع ذلك فقد كان وليم أفضل الحكام الآخرين من حيث القدرة على ms1188 إدارة شئون الحكم، ثم ~~إنه عرض في سنة 1820 تحت عنوان «مخطوط من ألمانيا الجنوبية» # 10 # نظرية تهدف إلى إخراج - استبعاد - كل من بروسيا والنمسا من نطاق القوى ~~الألمانية الصحيحة، فقال: إن ألمانيا الصميمة إنما تتألف من الدوقيات القديمة ~~الواقعة إلى الغرب من نهر الألب وحسب، وأن بروسيا والنمسا إنما هما دولتان أجنبيتان ~~عن ألمانيا، وأن من الواجب أن تنال الدول أو الحكومات «القديمة»؛ الواقعة إلى ~~الغرب من نهر الألب سلطات مساوية لما تتمتع به بروسيا والنمسا داخل الاتحاد ~~الألماني، فنحفظ التوازن بين القوى في ألمانيا، ويتسنى بفضل ذلك «تثليث» ألمانيا؛ ~~أي إنشاء دولة من ثلاث وحدات سياسية بها # La triade ~~، ~~ولقد ظهرت آراء مشابهة لهذه بعد حوادث الثورة التي قامت في سنة 1848، بل إن وليم ~~الأول لم يلبث أن استطاع بفضل اعتماده على تأييد الحكومات الألمانية في الدول ~~الصغيرة، أن يجعل «الدياط» في سنتي 1820، 1821 يتخذ قرارات بترتيبات كفلت استقلال ~~جيش الاتحاد عن نفوذ الدولتين الكبيرتين؛ النمسا وبروسيا، ولكن هذه الرغبة في ~~القيام بدور ملحوظ في سياسة ألمانيا، سرعان ما وقفت عندما أظهرت بروسيا والنمسا ~~كدرهما وأرغمتا الملك (1823) على طرد وزيره «وانجنهايم»، وتغيير قانون المطبوعات في ~~مملكته. وأما في بفاريا فقد كان لويس الأول صاحب الحكم بها منذ 1815 حتى سنة ~~1848، وكان لويس يتظاهر بأنه ملك حر، وألماني صميم، وكان معنى الألمانية الصميمة ~~والخالصة في نظره؛ أن تكون البلاد - ألمانيا - مطهرة من اللوثرية، ومن آثار حركة ~~«التعقلية»، وأن تعود إلى ما كانت عليه خلال العصور الوسطى؛ أي مفعمة بفكرة الوطن ~~المشترك، ويملأها شعور الاحتقار والكراهية لكل من النمسا وبروسيا، ومع ذلك فقد كان ~~لويس صاحب آراء مبهمة وغير محددة، ولم يكن مستقر الرأي بالرغم من نواياه الطيبة، بل ~~إنه كان به بعض الجنون الذي أخذ يتفاقم كلما تقدمت به السن. ولقد حكم لويس بفاريا ~~حكما أوتقراطيا صارما إلى الوقت الذي ادعى فيه أنه يدين بمبادئ الأحرار. ~~وشهدت بفاريا بعد سنة 1832 خصوصا أقسى أنواع القمع والإرهاب، وكان المبدأ الذي ms1189 ~~استرشد به الملك «أنه لمن الأفضل كثيرا أن يحول المرء دون وقوع الجريمة، بدلا من ~~أن يترك الناس يلقون بأنفسهم في مهاوي التهلكة.» وفرض لويس لذلك رقابة شديدة على ~~رعاياه؛ ليمنعهم من الإثم، ومن الصفات التي تميز بها هذا الملك اعتقاده أنه فنان ~~ملهم، فلم يكن يريد حوله غير أصحاب الوجوه الجميلة، وقد وجد هؤلاء من بين ممثلات ~~ومغنيات دار الأوبرا في «ميونخ» عاصمة ملكه، وأراد أن تصبح «ميونخ» ذات جمال فني ~~عظيم، فشيد بها المباني الكثيرة، ومن هذه مدرسته للهندسة والرسم، وغيرت هذه ~~المباني مظهر العاصمة. # أما سياسة هؤلاء الأمراء الألمان، فإنها قد جعلت الشعور المحلي يزداد قوة على ~~قوته، وفصلت «الإقليمية» بين كل حكومة أو دولة وأخرى، حتى باتت كل واحدة من هذه ~~الحكومات تعيش فيما يشبه العزلة التامة عن أخواتها، ثم إن سياسة هؤلاء الحكام ~~«المحليين» عمدت إلى استبعاد كل السكان، حتى النخبة المثقفة من بينهم من الحياة ~~السياسية بكافة مظاهرها. ~~(4) أيدولوجية # 11 # الرجعية ~~(4-1) مدرسة التقاليد # ولقد كان مما جعل هذه الحكومات «المحلية» والرجعية في ألمانيا، أشد قوة ~~وتصميما على المضي في طريقها، في مكافحة الحركات الدستورية والقومية، أنها ~~صارت تستند الآن كذلك على نوع من «الأيدولوجية»، أو التصوير الفكري لمثل عليا ~~معينة تستهدف تحقيقها، كانت من نتاج المدرسة الرومانسية (الرومانتيكية)، ثم ~~صار يقوم في اتجاهين، كفلت أحدهما المدرسة التقليدية من ناحية، ثم كفلت الآخر ~~الفلسفة الهيجلية من ناحية ثانية. # أما مدرسة التقاليد # 12 # في ألمانيا، فقد كانت تشبه كثيرا المدرسة التي كان من أعلامها في ~~فرنسا؛ الفيلسوف الديني جوزيف دي ~~ميستر # Maistre ~~(1753-1821) مؤيد العلاقات مع كنيسة روما ، ثم ~~الفيلسوف الآخر الماركيز لويس دي ~~بونالد # Bonald ~~(1754-1845) مؤيد مبادئ الملكية والدين، كما ~~استوحت مدرسة التقاليد في ألمانيا بعض آرائها من تعاليم هذه المدرسة ~~الفرنسية. # سافيني # Savigny # ولقد زودت النظريات التي أتى بها عالم القانون الألماني فردريك كارل فون ~~سافيني (1779-1861)، وأستاذ تاريخ القانون بجامعة برلين، هذه المدرسة ~~التقليدية الألمانية بالأساس القانون الذي استند عليه تفكيرها، ms1190 عندما جعل ~~«سافيني» القانون يعتمد على التاريخ، ولا يستمد أحكامه من الفعل والفكر ~~وظواهر «وقوانين» الطبيعة. وفي سنة 1815 أسس «سافيني» بالاشتراك مع ~~قانوني آخر: إيشهورن # Eichhorn # مجلة لعلم ~~تاريخ القانون، وكان في رأي «سافيني» أن روح الشعب # Volksgeist # هي العنصر المبدع في القانون - أي مبدع ~~القوانين - كما أنها - أي روح الشعب - هي العنصر المبدع الذي أوجد اللغة ~~والعادات والتقاليد، وتتجسد «روح الشعب» هذه في شكل الدولة؛ أي إن ~~الدولة هي الشكل الخارجي والظاهري الذي تتخذه «روح الشعب»، وفي الدولة ~~فقط أي عند تكوينها، يكون الشعب قد بلغ شخصيته الصحيحة، أي صار يحققها، ~~ثم بلغ القدرة على العمل؛ ولذلك «فالدولة» هي التي تؤمن بقاء ~~«الجنس»؛ أي الأقوام الذين تتألف هي منهم، والدولة تختلط بالتقاليد؛ أي ~~لا يمكن فصلهما بعضهما عن بعض، من حيث إن التقاليد لها القدرة على ~~الخلق والإبداع، ومن الواجب تسليم الدولة لهدم القوى «الفردية»، وهي قوى ~~«تشتيتية» متعارضة مع حاجات التنظيم الاجتماعي؛ وذلك لأن مبعثهما الصالح ~~الفردي، والكبرياء والتفكير الفردي كذلك، ولقد وضع «سافيني» مؤلفا في ~~سنة 1814 بعنوان؛ نداء أو دعوة العصر الذي نعيش فيه للتقنين والتشريع، # 13 # يرد فيه على المتفقهين «التعقليين»، وعلى الخصوص؛ القانوني ~~العظيم ثيبو # Thipaut ~~- من هيدلبرج - ~~الذي دعا لجمع القوانين الألمانية، واستصدار مجموعة للقوانين المدنية على ~~غرار «القانون الفرنسي» - وعلى أن يقوم هذا «القانون المدني» الألماني ~~على مبادئ القانون الطبيعي، وكان غرض «ثيبو» استصدار مجموعة للقوانين؛ ~~ألمانية، وطنية، تنصهر فيها كل مجموعات القوانين الخاصة في ألمانيا، ولما ~~كانت قد طرحت بالفعل للمناقشة والبحث مشروعات لجمع القوانين ~~وتوحيدها. # فقد انبرى «سافيني» في مؤلفه السالف الذكر، يدحض حجة القائلين بتوحيد ~~القوانين عموما، ووضع مجموعة «وطنية» لها في ألمانيا، أو في غيرها من ~~البلدان، باعتبار أنه لا ينبغي الحكم على أية أنظمة من غير البحث قبلا ~~في أصولها - وفي ذلك كان «سافيني» متفقا مع «مونتسكيو» صاحب «روح التشريع»، # 14 # وباعتبار أن تاريخ «وطبيعة» أي شعب من الشعوب يرفضان حدوث ~~التغييرات المناخية والعنيفة، وفي ذلك ms1191 كان «سافيني» متفقا مع الفيلسوف ~~الإنجليزي إدموند بيرك # Burke ~~، # 15 # فطفق «سافيني» يدلل على أن القانون إنما هو شيء حي، مثله ~~في ذلك تماما مثل اللغة، فالقانون يبرز إلى عالم الوجود من حياة الشعوب ~~أنفسها، ثم إنه ينمو بنموها، ولا يلبث حتى يفصح عن أثره تلقائيا في ~~إيجاد نوع «الأنظمة» السائدة في بلد من البلاد، والتي ليست من فعل وترتيب ~~القوانين والتشريعات المستصدرة، فالعادات والتقاليد هي أصل القانون، وتلك ~~العادات والتقاليد إنما تنشأ من الغرائز الأساسية للأمة وتنمو لا ~~شعوريا، ودون مجهود ما؛ أي إن القانون في نظر «سافيني» علم تاريخي، ~~وليس من علوم الفلسفة. # ولقد ترتب على نشر آراء «سافيني» هذه أن تأجل مشروع توحيد القوانين ~~واستصدار مجموعة واحدة لها «وطنية» في ألمانيا، على أن كتاب «سافيني» ~~قد أحدث أثرا باقيا - وسواء كان هذا نافعا أم مؤذيا - يفوق في ~~أهميته ما أدركه من نجاح مباشر، فلقد ضحى «سافيني» حريات الأجيال الحاضرة ~~على مذبح تقاليد الأجيال الغابرة، وفاته أن الأمم المتحضرة لا تنفك ~~تدخر محصولا أوفى من الآراء والفكرات التي يأخذ بها المجتمع عامة، وأن ~~هذا المحصول من الآراء والفكرات العامة لا ينفك هو الآخر يزيد زيادة ~~مستمرة، ثم فاته كذلك أن هناك فائدة عملية في التخلص من وقت لآخر، ~~بطائفة من القوانين التي تكون تافهة أو مهوشة ... إلخ، ثم في تبسيط وتحديد ~~وتنسيق طائفة أخرى، ثم إن «سافيني» في نظريته عن القانون - كشيء أو ~~كائن حي - قد جرد الشعوب من استصدار القوانين، في نفس الوقت الذي أعلن ~~فيه أن الشعوب هي وحدها مشرعة هذه القوانين، وفاته أن القانون في ~~مراحل حياة الأمة الأولى لا يعدو أن يكون نموا لا شعوريا، ولكن مما ~~لا شك فيه أن الشعوب عند نضجها هي التي تسن القوانين بمحض اختيارها ~~وملء إرادتها، ومع ذلك وبالرغم من أن «سافيني» كان عدوا للحرية ~~السياسية، فقد كان للآراء التي نادى بها أكبر الأثر في دفع دراسة التاريخ ~~خطوات كبيرة، ذلك من جهة، بتقريب فكرة النمو والتطور العضوي ms1192 - في قوله: ~~إن القانون كائن حي - إلى أذهان الناس، ومن جهة أخرى بتأكيد اضطراد ~~حوادث التاريخ في سلسلة متصلة مستمرة. وأخيرا؛ يجعل انتباه الناس ينتقل ~~من تتبع الأدوار التي تلقيها الحوادث في الظاهر، إلى استقصاء العوامل ~~الأدبية الروحية والعقلية الذهنية، ثم «الأنظمة» القائمة عليها الحياة ~~الأهلية - حياة الشعوب ذاتها - والتي تشكلت بسببها جميعا هذه الحوادث، ~~وارتدت في أصولها إليها، ولقد كانت مرحلة جديدة في تاريخ الفكر في ~~أوروبا، تلك التي بدأها «سافيني»، عندما أقام الحجة على أن «القانون ~~الروماني» كان نتاج نمو وتطور اقتضى قرونا عديدة، ويحمل في كل جنباته ~~طابع الأنظمة الحكومية والتقاليد الرومانية، ولم يكن مجرد تطبيق نظرية ~~«الحق الطبيعي» تطبيقا «عمليا» أي على شئون الحياة اليومية ~~العادية. # هالر # Haller # وإلى جانب «سافيني» كان المفكر والمؤرخ الألماني السويسري «كارل لدويج ~~فون هالر» أحد أعلام المدرسة التقليدية، بل كانت هذه المدرسة تعتمد عليه ~~أكثر من اعتمادها على «سافيني» في التعبير عن آرائها ومعتقداتها، كان قد ~~اضطر إلى مغادرة موطنه برن # Berne # بسبب ~~ثورة جامحة قامت بها، فعاش في المنفى إلى أن عاد إلى «برن» ثانية في سنة ~~1806؛ ليصبح أستاذ القانون العام في جامعتها، ولقد أخذ هو في المنفى يفكر ~~في المشكلات السياسية السائدة في وقته، والتي أوجدت التجارب التي مر ~~بها هو نفسه، فلم يلبث أن استكشف قبل عودته من المنفى، الأسباب العميقة ~~المسئولة على الاضطرابات والقلائل السائدة، وكانت تلك في رأيه مردها إلى ~~قبول الفكرة الذائعة بين الشعوب المتحضرة، بأن منشأ السلطة التي يمارسها ~~فرد على فرد آخر، إنما هو رضاء الفرد الخاضع الذي يمنح هذه السلطة بمحض ~~اختياره وإرادته ذلك الذي يمارسها عليه، وتلك فكرة خاطئة أو خطيرة، تبدو ~~بكل أشكالها في نظرية «العقد الاجتماعي » المعروفة، رأى «هالر» من واجبه ~~أن يهدمها؛ حتى لا يعود يأخذ بها أصحاب الفكر السليم، فبدأ لتحقيق هذه ~~الغاية ينشر مؤلفه الضخم عن «رد العلوم السياسية إلى أصولها، أو نظرية ~~الدولة الاجتماعية الطبيعية في معارضة أوهام الدولة المدنية الاصطناعية»، # 16 # وهو من ms1193 ستة أجزاء كبار، ظهر أولها في سنة 1816، ثم ظهر آخرها ~~بعد ثماني عشر سنة (1834). # وفي رأي «هالر» كانت القوة هي منبع القانون وليس «القانون» في حقيقة ~~أمره، سوى الحماية التي ينشدها الضعفاء من الأقوياء الذين يسلمونهم - أي ~~لهؤلاء الأقوياء - حق التصرف في مصيرهم على نحو ما يحدث في الأسرة، ~~والمحلة أو القرية، ثم على نحو ما يحدث في «الدولة» تقليدا كما هو واقع ~~في الأسرة والمحلة، ومن نمطه. ولقد وجد «هالر» شبها كاملا بين التملك ~~وممارسة السلطة، ثم عمل لإقامة الحجة على وجود هذا التشابه - فقال: إن ~~التملك أو الملك والسلطة كليهما - صاحبه مزود بالقدرة على استخدامها في ~~وجوه صالحة، أو إساءة استخدامها، ولا يحد من سلطة الأمير سوى شيء واحد ~~فقط هو الاحترام الذي يجب أن يشعر به نحو أصحاب السلطة الآخرين، وهؤلاء ~~هم النبلاء و«النقابات»، وليس «الرعية» سوى مستأجرين عابرين، وفي مقدور ~~«الدولة» البقاء بدونهم، ولا تعدو مهمتها ملء الفراغ الذي يحصل بذهاب ~~هؤلاء الرعايا الذين لا حول ولا قوة لهم بأناس غيرهم، فالأفراد في نظر ~~«هالر» ليسوا مواطنين، ولا يحق لهم بحال من الأحوال التدخل في شئون ~~الدولة، الدولة التي هي ملك يمين الأمير، والتي يدبر الأمير شئونها ~~بواسطة «خدمه». فجاء مؤلف «هالر» بمثابة «الاعتداء» الذي يحاول به ~~صاحبه تسويغ وجود أرستقراطية غبية وذات كبرياء، يعتقد أنها فعالة ~~للخير، وفي وسعها فعل هذا الخير للطبقات الدنيا، والتي هي أقل منها مرتبة ~~في السلم الاجتماعي، على أن «هالر» بإظهاره أن السلطة شيء طبيعي ~~وليست اصطناعية، إنما قد زود في رأي كثيرين في آخر الأمر «بالمسوغ» الذي ~~وجد فيه الثوريون أنفسهم بعد ذلك ضالتهم؛ لتبرير نشاطهم استنادا على ~~المبادئ ذاتها التي جاء بها «هالر»؛ والتي لم يكن في وسعه أو في وسع ~~معاصريه إدراك مدى تشعب آثارها. ونعني بذلك أن النتيجة الخالصة لكل ~~التغييرات التي حصلت في أوروبا، كانت استيلاء طبقات معينة في المجتمع - ~~ومنذ منتصف القرن التاسع عشر خصوصا، الطبقة المتوسطة (البورجوازية) - ~~على كل أسباب السلطة، وهي التي ms1194 لم يكن هناك معدى أن تكون من نصيب هذه ~~الطبقات ذاتها، باعتبار أن السلطة - حسبما نادى به «هالر» - كانت حقا ~~«طبيعيا» لهم؛ بسبب أنهم متفوقون في كل نواحي القوى الخلقية والذهنية ~~والاقتصادية على أهل الطبقات الأخرى. # ولقد كانت هناك «نظريات» أقل صرامة وضيقا في الأفق، وأقل رجعية من ~~النظريات التي نادى بها «هالر»، أما أصحابها فيعرفون باسم أنصار ~~«الحقوق التاريخية»، وهم الذين يعترفون فقط بالحقوق السياسية والمؤسسة ~~على العادات؛ أي تلك التي جرى بها العرف، وأقرت التقاليد ممارستها، ثم ~~هم الذين ينتهون لذلك إلى ضرورة إعادة إنشاء مجالس الدولة، التي يرجع ~~تاريخها إلى العصور الوسطى أو تأييد القائم منها فعلا، وكان «نيوبور» - ~~بارتولد جورج نيوبور - الذي ذكرناه مرارا، والأستاذ بجامعة بون، وصاحب ~~تاريخ روما، # 17 # أهم أعلام هذه المدرسة - مدرسة الحقوق التاريخية - ~~إطلاقا. # وهكذا يستبين مما ذكرناه عن هذه النظريات؛ أن أصحابها من أعلام ~~«المدرسة التقليدية»، قد أضفوا صفة الشرعية القانونية، على موقف ~~«الأمراء» والحكام الرجعيين؛ من أجل المحافظة على سلطات هؤلاء الكاملة، ~~والحد بصورة صارمة من حريات أو حقوق وامتيازات طبقة النبلاء، في حين لم ~~يكن للفرد العادي في نطاق هذه النظريات أية حقوق أو حريات. ~~(5) إيدولوجية الرجعية ~~(5-1) فلسفة هيجل # على أن الفلسفة الهيجلية كانت أبلغ أثرا وأكبر أهمية في هذه الناحية ~~«الإيدولوجية» من نظريات مدرسة التقليديين التي شاهدناها. # وعاش جورج فلهلم فردريشي هيجل من سنة 1770 إلى سنة 1831، كان مولده في مدينة ~~شتوتجارت # Stuttgart ~~(في 27 أغسطس)، درس ~~اللاهوت بجامعة توبنجن # Tubingen ~~، كما تابع ~~دراساته وبحوثه في سويسرة «برن»، ثم في ألمانيا ثانية «فرانكفورت»، وذلك بعد ~~تخرجه من الجامعة (منذ سنة 1793)، فدرس الفلسفة - فلسفة شيلنج # Schelling ~~- التي سرعان ما انتقل إلى غيرها؛ ~~ليبني فلسفته الخاصة «الهيجلية» في النهاية، وشغف بدراسة التاريخ والسياسة . ~~وفي سنة 1801 تعين مساعد أستاذ بجامعة «يينا»، ثم صار مديرا لثانوية ~~نور مبرج # Nuremberg # منذ نوفمبر 1808، ~~وبقي يشغل هذا المنصب حتى تعين أستاذا بجامعة هيولبرج في سنة 1816، ثم ما ~~لبث حتى شغل كرسي «فيشته» ms1195 بجامعة برلين سنة 1818، وظل يحاضر في هذه الجامعة ~~حتى أدركه الموت بعد ثلاثة عشر عاما (14 نوفمبر 1832). # وأثناء اشتغاله بالتدريس، عمل «هيجل» رئيس تحرير «لجريدة بامبزج» # 18 # من مارس 1807 إلى نوفمبر من العام التالي. وكان «هيجل» يعجب ~~إعجابا كثيرا بالإمبراطور نابليون، الذي خضعت آنئذ ألمانيا لسلطانه، وطوال ~~هذه السيطرة النابليونية في ألمانيا، استمر «هيجل» متعاونا معها، حتى إذا ~~قامت حرب التحرير في سنة 1813 وقف «هيجل» منها موقف المزدري لها والساخر بها. ~~وفي سنتي 1814، 1815 صار «هيجل» يدعو لتأييد الحكم المطلق، فهو عندما يتكلم عن ~~«خلاص الوطن»، إنما يعني تحرير «سيادة» الأمراء، وخلاص هؤلاء من السيطرة ~~الأجنبية، واستمتاعهم بكامل حقوق السيادة العليا. وانحاز «هيجل» - وعلى نحو ما ~~كان منتظرا - إلى مقاومة كل النظريات «الحرة» و«الثورية»، فنشر في سنة 1817 ~~كراسة يدافع فيها عن سياسة فروريك الأول ملك ورغيرج (من 1801-1816)، الذي كان ~~قد دخل في نضال عنيف مع «مجلس الطبقات» في بلاده، ثم إن «هيجل» لم يلبث بعد ~~قليل أن تصدى للدفاع عن «مرسومات كارلسباد»، ولقد كان بسبب آرائه هذه ~~«المحافظة» أن دعته الحكومة الروسية ووزيرها ألتنشتاين # Altenstein # لشغل كرسي «فيشته» بجامعة برلين، على نحو ما سبق ~~ذكره. وقد بدأ «هيجل» يلقي محاضراته بها منذ أكتوبر سنة 1818. # وعندما التحق «هيجل» بجامعة برلين، كان قد نشر طائفة من المؤلفات التي تعتبر ~~أساسية في وضع أركان فلسفته، ولفهم هذه الفلسفة، فنشر في سنة 1807 «ظواهرية الروح»، # 19 # وفي سنة 1812 «علم المنطق»، # 20 # أو المنطق الكبير، وفي سنة 1817 «موسوعة العلوم الفلسفية»، # 21 # ثم في سنة 1820 «مبادئ فلسفة القانون»، # 22 # ولقد نشر تلاميذ «هيجل» بعد وفاته عددا من الدروس التي ألقاها ~~بجامعة برلين. # وكان «هيجل» في جوهر تفكيره ميتافيزيقيا، بل يعتبر من أعظم أعلام ~~الميتافيزيقية - المختصين بعلم «وراء المادة»، أو إدراك الأشياء بشكل أفكار - ~~ليس في ألمانيا وحدها، بل في العالم أجمع ، ونحن وإن كنا لا نستطيع بحث الفلسفة ~~الهيجلية في هذه الدراسة، فقد كان لا يكون هناك معدى عن ms1196 تناول بعض نقاط متصلة ~~بالتاريخ الذي ندرسه؛ أولها: أن «هيجل» كان في معرفته «موسوعيا»، ~~«نظاميا» في آن واحد، فهو واسع المعرفة بكل تطورات العلوم - كل العلوم - ~~في عصره، وبكل ما أنتجه الفكر في الماضي والحاضر على السواء، وهو يهتم بتركيز ~~حاصل هذه المعرفة من نتاج العلم والفكر؛ ولذلك فقد كان «هيجل» مرتبطا ~~بالواقعية الوضعية، ولم يقم نظامه الفلسفي على الفكرات أو المعاني المجردة، ~~وفضلا عن ذلك فقد كان «هيجل» جيد الإلمام بمختلف التيارات والأحداث السياسية ~~في عصره؛ ولكن «هيجل» - كما ذكرنا - كان قبل كل شيء «ميتافيزيقيا»، ينقل ~~الواقعية الوضعية إلى عالم الفكر والتصور الذهني، ثم إنه بتبديل موضعها أو ~~تغييرها، لا يلبث أن يدخلها في نظام تحتل بمقتضاه هذه الواقعية الوضعية ~~مكانها في عالم وراء المادة أو الفكر المجرد. # وأما الذي يعنينا من فلسفة «هيجل» وتفكيره، فهو شيئان؛ فلسفته للتاريخ، # 23 # ثم فكرته عن العلوم الاجتماعية ونظريته عن الدولة. وفيما يتعلق ~~بفلسفة التاريخ، لم يكن «هيجل» يبغي نضالا ضد الحقائق الواقعة والأحداث، بل ~~كان للفلسفة في نظره مهمة معينة، هي تفسير «الواقع» فعلا تفسيرا يقبله العقل ~~والفهم؛ لأن «الواقع» فعلا إنما هو «العقل» المتحقق؛ بمعنى أن كل شيء في ~~الوجود، سواء كان حادثة جرت أو جزءا من أجزاء الكون نفسه، قابل لأن يفسر ~~بالعقل المفكر؛ أي إن له سببا وله غاية، ولا يمكن أن يكون «للمصادفة» أثر ~~في حصوله أو وجوده، وليس «التاريخ» إلا «الضمير العالمي والحكم»، الذي لا معدى ~~عن صدوره في صالح أو في غير صالح شعب من الشعوب أو فرد من الأفراد، فلا يسجل ~~«التاريخ» نجاحا ونصرا إلا لأولئك الذين يحق لهم هذا النجاح والنصر، فلقد ~~تخلى النصر عن نابليون، وهو الذي كان موضع إعجاب «هيجل» الشديد، كما تخلى عن ~~تأييد الآراء الفرنسية، فوجب لذلك عدم الارتباط بهذه الآراء؛ لأنها قد انتهت ~~وفنيت، ولم يحرز المنتصرون النصر الذي نالوه مصادفة ، بل إنهم يستحقون لهذا ~~النصر من واقع أنهم أحرزوه فعلا، «فالشعب الذي يمثل ويغير «في حياته ونشاطه» ms1197 ~~عن نمو أو تطور الفكر في لحظة أو مرحلة معينة، يملك ضد الشعوب الأخرى حقا ~~مطلقا (في الغلبة عليها)، في حين لا يكون لهذه الشعوب الأخرى أية حقوق ضده، ~~أما الشعوب التي مضى وقتها، فلا مكان لها بعدئذ في تاريخ العالم.» # وواضح أن هذه النظرية مضادة للنظرية العلمانية للتاريخ التي ظهرت في القرن ~~الثامن عشر، ثم هي مضادة في الوقت نفسه للنظرية المسيحية؛ أي إنها بمثابة رد ~~الفعل ضد الصورة التي فهم بها القرن الثامن عشر التاريخ كأنه من شئون الدنيا، ~~باعتبار أن قابلية الإنسان غير المحدودة للكمال هي القوى المحركة للتاريخ. ~~ثم هي - أي النظرية الهيجلية - بمثابة رد الفعل كذلك ضد التاريخ، في معناه ~~الديني؛ أي ارتهان الحوادث بمشيئة الإله لأسباب وغايات قدسية محضة، على نحو ما ~~قال به القديس أوغسطين من آباء الكنيسة، وأكثرهم شهرة (354-430)، والأب ~~بوسويه # Bossuet # الواعظ الديني الفرنسي ~~المعروف (1627-1704). # وقد افترض هذان وأضرابهما أن الإنسان لا يمكن أن يسفر نشاطه إلا عن الهدم ~~والعدم، وكلا هاتين النظريتين؛ نظرية فلاسفة القرن الثامن عشر، «المتفائلين» ~~الذين وضعوا ثقتهم في قدرة الإنسان على بلوغ الكمال لإمكان تقدم البشرية، ~~ونظرية فقهاء الدين المتشائمين الذين ذكرناهم، والذين رأوا في نشاط الإنسان ~~المعول الذي يهدم البشرية ويفسدها - نقول: إن هاتين النظريتين كلتيهما، لم ~~تكونا النظريات التي أتى بها «هيجل»؛ لأن «هيجل» لم يقسم التاريخ إلى تاريخ ~~«دنيوي» وتاريخ «مسيحي»، بل كان يرى في التاريخ السياسي تأريخا لمراحل تقدم ~~الروح # Geist # وهي تجاهد للارتقاء إلى ~~معرفة الشيء في ذاته، فالتطور والنمو - وذلك هو التعبير الذي يستعيض به «هيجل» ~~عن القابلية للكمال - إن هو إلا تطور أو نمو الروح، والروح تشمل العام ~~والخاص المتفرد متحدين مع بعضهما بعضا، وأما آثار هذا النمو أو التطور ~~الأولى، فهي التي تتضمن قسرا، وبحكم جوهرها كل التاريخ، وذلك عندما كان تتابع ~~الأحداث في نظر «هيجل» ليس إلا كشفا عن «الروح» العامة أو الشاملة، فيقول: ~~«إن شيئا لم يفقد في الماضي؛ لأن الفكرة موجودة أو قائمة ms1198 والروح ~~خالدة.» # وأما العناصر التي يتألف منها التاريخ، فهي الدولة # der Staat # المظهر الأرضي أو الدنيوي للفكرة الاجتماعية ~~الخلقية، وهي - أي الدولة - التي تقوم على مبدأ روحي، يعبر عن أعلى درجات ~~الرقي التي بلغها في كل أوقات التاريخ، هذا الروح المقدس والمتغلغل في العالم، ~~ولو أن الدولة «لم تكن تعبر تعبيرا كاملا عن هذا الروح المقدس»، فكان هذا ~~«النقص» إذن هو سبب سقوطها، ومهمة التاريخ الجوهرية حينئذ، ليست سوى تمييز ~~المبدأ الروحي المحرك لحياة الدول، التي استطاعت في أوقات معينة السيطرة ~~على العالم. # وهذه الآراء ترفض التسليم بنظريات القائلين بوجود المجتمعات «البدائية التي ~~فطر فيها الإنسان على فعل الخير، ولكن لم تلبث الحضارة أن أفسدته»؛ وذلك كما ~~جاء في تفكير «روسو» وفلاسفة القرن الثامن عشر، كما أنها ترفض النظرية ~~الكاثوليكية التي قالت بأن طهارة الإنسان وانفطاره على الخير عند مولد الجنس ~~البشري يسبقان الإثم والخطيئة الأولى، وهذه الآراء التي جاء بها «هيجل» ترفض ~~كذلك تفسير التاريخ «بالمصادفات»، فإن الأحداث التي تقع مصادفة، لا تلبث في ~~رأيه أن يزيل كل منها أثر الآخر، ثم إن «هيجل» يرفض كذلك الاعتراف بأن ~~«إرادة» البشر عامل محرك لأحداث التاريخ؛ لأن الفعل الإنساني إنما هو ~~بمثابة نقطة البداية لنتائج متمثلة في أحداث متوالية لا عدد ولا حصر لها، ولا ~~يمكن بحال أن يعتبر أصحاب هذا الفعل الإنساني الأصليون مسئولين عنها، وعلى ~~ذلك فقد وجدت نظرية «هيجل» مسوغا «للماضي»، باعتبار أن العالم الواقعي إنما ~~هو قائم بمقتضى ما يجب أن يكونه، وأن الروح العام القدس يجب أن يحقق ذاته، ~~وواضح أن هذا المدرك الذي يسوغ الأوضاع - كما قامت في الماضي أو كما هي ~~قائمة في الحاضر - لا يرفض احتمال وجود «الحركة»، فالنمو والتطور مستمران؛ لأن ~~«الروح» تسعى بجد دائما للانتصار على ماضيها. # وفي رأي «هيجل» أن تاريخ العالم يمر في أدوار عظيمة ثلاثة، تمثل درجات ~~ثلاثة من «الحرية»، التي يقصد بها هنا قدرة الروح على تقرير الإرادة الداخلية ~~لفعل شيء، وليس الحرية «الخارجية» الظاهرية «والمادية». أما ms1199 الدور الأول فهو ~~الذي تميز بوجود الدولة أو الحكومة الاستبدادية في العالم الشرقي القديم، حيث ~~لم يكن يتسنى أن يقوم بها غير نوع واحد من الحرية، حرية الطغاة الذاتية ~~والمؤسسة على خضوع كل الآخرين له، وأما الدور الثاني، فهو العهد اليوناني ~~الروماني الذي تسود فيه الحرية الخارجية أو الظاهرية التي «للمواطن»، وهي حرية ~~مستندة على القانون، ولكنها لا تعدو أن تكون نتاج عملية استخلاص من «الروح»، ~~منفصلة من الطبيعة؛ ولذلك فهي شكل غير كامل للحضارة؛ أي يعوزه الكمال. وفي ~~الدور الثالث، الذي سماه «هيجل» بدور «الحضارة الجرمانية المسيحية»، تنبت ~~«الحرية الداخلية أو الباطنية»، التي يتمتع بها الأفراد «المسيحيون»، والتي ~~كان دور «الجرمانية» بها نقل مبدأ هذه الحرية الداخلية إلى عالم الحقيقة ~~السياسية؛ وذلك لأن الجنس الجرماني بسبب تقاربه من الروح المسيحية أو اتحاده ~~بها، ينبغي اعتباره شعب الله المختار من بين شعوب العالم قاطبة، وأما الأجناس ~~أو الشعوب اللاتينية، والديانة الكاثوليكية، فقد ارتكبت خطأ عندما جعلت الضمير ~~مزدوجا، وأوجدت جماعتين أو حزبين؛ أحدهما يتألف من العناصر الدينية وأهل ~~التقوى والورع، والآخر من دعاة القانون، الذين يمثلون بمعنى آخر المصالح ~~الدنيوية (العلمانية)، فكان مارتن لوثر، والترودتستنتية هما وحدهما اللذين ~~مزجا هذين المدركين؛ الروحي والعلماني في بعضهما بعضا؛ للظفر بمدرك واحد، ~~ولقد تسنى «لهيجل» - لاعتقاده بصفاء ونقاوة الطبيعة الجرمانية الداخلية - أن ~~يسلب أو يذيب في مزيج واحد الموضوع الفردي الشخصي، والروح المطلق، الدين ~~والقانون، الجماعة الدينية والجماعة السياسية؛ فالجنس الجرماني هو الجنس الذي ~~يملك كل الصفات الطبيعية التي تجعل في مقدوره تلقي كل إلهامات أو إيحاءات ~~«الروح» في أعلى مراتبها. # وعندما أوضح «هيجل» مفهومه الذي ذكرناه عن التاريخ وعن الحضارة، جاءت «فلسفته ~~للتاريخ» هذه بمثابة المسوغ، الذي يضفي صيغة الشرعية على «السياسات» - الرجعية ~~- السائدة و«الناجحة» وقتئذ في ألمانيا وفي غيرها من البلدان، على أن الذي ~~يجب ذكره أن هذه «الفلسفة» كذلك قد زودت بالأمل - من ناحية ثانية - أولئك ~~الذين لم يكونوا راضين عن الأوضاع القائمة، وينشدون التغيير السياسي بكل ~~الوسائل. # وفي ميدان ms1200 العلوم الاجتماعية، كانت آراء «هيجل» تختلف اختلافا شديدا عن ~~الآراء التي كانت سائدة في أوروبا حتى هذا الوقت، فمن المعروف أن العصر الذي ~~عاش فيه «هيجل» قد شهد رواج العلوم الدينية، وتاريخ القانون، وتاريخ الفن، ولو ~~أن هذه جميعها عند تشكيلها كانت تعنى بدراسة «وقائع» هذه المواد وحسب، ولقد ~~كان في هذا العصر أيضا أن تقدمت دراسة علم النفس الذي أسسه ~~«الإيدولوجيون»، وصار يعتبر عاملا جوهريا في دراسة الفلسفة، وأضحى كالفلسفة ~~نفسها «علما» بذاته، وكانت كل هذه العلوم منفصلة عن الأخلاق والدين والفلسفة، ~~باعتبار أن هذه علوم قياسية تقرر معايير معينة، أما هيجل فإنه لم يفرق ~~بين علوم اجتماعية وأخرى معيارية أو قياسية، فكان يرى في كل هذه العلوم ~~أشكالا ضرورية، تبرز فيها حياة الروح، ويبذل قصارى جهده للوقوف على معاني هذه ~~الحقائق الروحية؛ ولذلك فقد اتخذ «هيجل» موقفا معارضا من مختلف النظريات ~~التي ظهرت في القرن الثامن عشر، والتي كان يرى دعاتها في «القانون الطبيعي» ~~ترجمة أو تفسيرا لكل ميول الإنسان الفطرية أو الغريزية، والذين أسسوا ~~«الأخلاق» على قواعد المصلحة الذاتية، والذين اعتبروا «الدولة» نتائج اتحاد ~~النزعات الأنانية المختلفة، فعمد «هيجل» إلى رد أسس القانون إلى حقائق ~~روحية، فلم يكن يعتبر التملك مجرد اغتصاب مادي، كما كان يرى «روسو»، بل كان ~~يعتبر التملك تأكيدا لشخصية الفرد الذي يستولي على شيء خارجي لا إرادة له؛ ~~ليصبح هذا الشيء ملكا له وليدخل به إرادته، وفي هذا التأكيد إنما يجعل الفرد ~~غيره من الناس أو الأفراد يعترفون به، والاعتراف بالإرادة الداخلة في الشيء ~~المملوك والذي صار لذلك مطبوعا بها، وهو الاعتراف الذي صدر من جانب الآخرين، ~~ومن جانب «الإرادات» الأخرى، إنما يشكل نوعا من العقود، عقود المبادلة بين ~~هذه الإرادات، سواء في حالتي الإثبات لتقرير حق التملك أو النكران لنقضه، ~~و«عقد المبادلة» هذا هو الأساس الذي يقوم عليه القانون، وقد يكون هناك شجار أو ~~مصادمة بين هذه «الإيرادات»، ولكن مبعث هذا الشجار إنما يكون خلق الفرد ~~الشخصي؛ ولذلك فهو عرض بالنسبة لإرادات ms1201 المتعاقدين، ولإنهاء هذه المشاجرات ~~والمصادمات يجب أن تكون هناك قوة لها القدرة من الخارج على إصدار الأحكام؛ ~~لتعلن ما هو حق وقانوني في ذاته - وذلك هو القانون المدني، والتي تعيد الحق أو ~~ترده إلى حاله إذا وقع اعتداء عليه، وذلك بتوقع العقوبة التي يصدر بها حكم هذه ~~القوة؛ وذلك هو القانون الجنائي. # وهذا هو القانون الذي يصوره «هيجل» في ذهنه، إنما هو قانون خاص دون أي شيء ~~آخر، فلا تشكل الحياة السياسية، وحياة «المدنية» - والأخيرة في النظم ~~اليونانية الرومانية - حدثا أو حالة خاصة من حياة «القانون»، كما يأخذ بذلك ~~فقهاء القرن الثامن عشر، بل لقد فصل هيجل بين السياسة والتشريع فصلا جذريا؛ ~~ولذلك فمفهوم «هيجل» عن القانون يفترض وجود قوة أو سلطة يصدر عنها تعريف ~~القانون وتحديده، وتقوم بإصدار الأحكام وفقا لمقتضيات القانون، وواضح أن ~~هذا «المفهوم» من شأنه القضاء على القول بأن الفرد هو مصدر أو منبع القانون، ~~فيقضي «هيجل» إرادة المواطن الفردية من صنع وخلق القانون، ولن تعدو القوانين ~~التي يسنها المواطنون أن تكون في نظره مجرد تلفيقات مصطنعة ولا قيمة لها، ~~والذي يجدر ذكره أن هذا «المفهوم» أو المدرك الروحي للقانون، والذي يهدم ~~الفردية (أو الفردانية)، # 24 # هو بنفسه الأساس الذي تقوم عليه نظرية «هيجل» الأخلاقية، والتي ~~ترتكز على عجز الإنسان عن بلوغ تلك «العمومية» التي ينشدها، فلا يجد المرء ~~الحرية الأخلاقية إلا في هيراركية الجماعات؛ أي في التنظيمات التي يمارس ~~رؤساؤها السلطات العليا، والتي تشكل (أي هذه الجماعات) مراحل مختلفة في طريق ~~السير نحو «المطلق» - أما هذه الجماعات الهيراركية فهي الأسرة، والمجتمع المدني # 25 ~~- أي ذلك الذي تقوم العلاقات فيه بين الأفراد على سد المطالب ~~الاقتصادية وحماية التملك بتطبيق العدالة، ورعاية الصالح العام بواسطة ~~البوليس والنقابات - ثم الدولة. # ولننتقل الآن لبحث مفهوم «الدولة» عند «هيجل»؛ وهذا القسم الخاص بالدولة من ~~فلسفة «هيجل»، هو الذي أسفر عن نتائج سياسية أكثر مباشرة مما عداها - سواء في ~~وقوعها وحدوثها، أم في الآثار المترتبة عليها، ففي حين يعمد «التاريخ» إلى ms1202 ~~بيان أحداث الماضي، تتوفر «الفلسفة» على استكشاف واستنتاج ما هو عقلي ~~و(صوابي)؛ أي مبني على العقل. ويقول آخر: فإن مهمة «الفلسفة» هي فهم ومعرفة ما ~~هو قائم وحقيقة واقعية. وعمد «هيجل» إلى تعريف «الدولة» بوصف أنها «كائن ~~متعقل» في ذاته. ومع أن «روسو» كان قد اتخذ مبدئيا وجهة النظر هذه عند ~~تناول علوم السياسة، فإنه كان مخدوعا عندما اعتقد أن المواطنين قد سبقوا في ~~وجودهم الدولة مدينة للمواطنين بوجودها، ففي رأي «هيجل» أنه مما لا يصلح ~~اتخاذه أساسا للدولة الاعتقاد بأن هذه إنما قامت من أجل ضمان بقاء الأشخاص ~~والمحافظة على الحقوق الفردية، حيث إنه يكون مباحا وقتئذ للأفراد «الانسحاب» ~~من الدولة؛ أي أن يكونوا أو لا يكونوا أعضاء في الدولة، في حين على العكس من ~~ذلك - وكما يقول «هيجل» - كانت الدولة هي «الحقيقة المطلقة»، ولن يكون للفرد ~~وعي عن نفسه، ووجود واقعي وكيان خلقي إلا في نطاق الدولة؛ أي إذا كان عضوا ~~بها، وهو يقول كذلك: إن الدولة هي التعقلي # Le Rationnel # في ذاته ومن أجل ذاته، وهي تحقق في ذاتها صيرورة ~~أو نهاية «مطلقة»، فالدولة إرادة ميتافيزيقية، لا يمكن تمييزها من العقل ~~المطلق، والفكرة المطلقة، وبالاختصار لا يمكن تمييزها من «الله»، فهو يقول: ~~إن الدولة هي الروح، ما دام هذا الروح يتحقق في العالم تحققا واعيا، في ~~حين أن الطبيعة هي الروح، ما دام هذا الروح لا يتحقق تحققا واعيا؛ ولذلك ~~فكل دولة إنما تشترك في هذا الجوهر المقدس أو أن لها نصيبا منه، وواضح إذن ~~أن «هيجل» يرى في الدولة شيئا يختلف كل الاختلاف في مفهومه عن الهيئة ~~الاجتماعية - أي المجتمع المدني - وشيئا يختلف كذلك كل الاختلاف عن هيئة أو ~~تنظيم قانوني لجماعة أو مجموعة بشرية. # ولقد كان هذا «المفهوم» عن الدولة، أو المدرك ~~الذهني # Begriff ~~، هو الذي استخلص منه «هيجل» التنظيم الذي يجب أن ~~يقوم في الدولة، وفي هذا التنظيم لم يكن هناك موضع لفكرة فصل السلطات ، أو ~~لفكرة الدستور، فكل تلك فكرات باطلة، أسقطها «هيجل» ms1203 من النظم التي ارتآها ~~للدولة، فهناك ثلاثة أشكال للدولة؛ أولها: الشكل الاستبدادي، وقد تحدثنا عنه، ~~وثانيها: الشكل الديموقراطي، إما في صورة ديموقراطية تامة، وإما في صورة ~~جمهورية أرستقراطية، فلا يتمتع «بالحرية» في كلا الحالتين إلا نفر محدود من ~~الأفراد، في حين يخضع الباقون لاستبدادية صارمة. وثالثها: الشكل الملكي، وهذا ~~الشكل الأخير هو أعلى أشكال الدولة في نظر «هيجل»، وفي الشكل الملكي أو ~~الملكية تتألف الدولة من عناصر ثلاثة، تعتبر الملكية؛ أي وجود الملك أو ~~الأمير العنصر الأول والأساسي من بينها، فمن غير «الملك» لا يعدو الشعب أن ~~يكون سوى كتلة غير عضوية؛ أي لا حياة فيها ولا قدرة لها على النمو والتطور، ~~فللملكية نوع من الطابع القدسي، ولكن هذه القدسية ليست مستمدة من «الحق ~~المقدس» أو الإلهي في الحكم على نحو ما يقول به أصحاب هذا الرأي؛ ولكن سبب هذه ~~القدسية أن الملك يتجسد الدولة، وأن الدولة تتجسد «الفكرة» - المطلقة - ~~والفكرة هي الله، فالملك حينئذ متسربل بجلاله، أي مزود بسلطات ممتنع ~~التخلي عنها أو انتقالها إلى غيره، والملك هو الذي يدير شئون الدولة، ~~وخصوصا شئونها الخارجية، وهو الذي يحكم «دولته» حكما يقوم على السلطة ~~الكاملة والمركزية. وأبدى «هيجل» إعجابه الشديد باثنين من حكام هذا الطراز ~~هما؛ «ريشليو» و«نابليون»، ومع ذلك فواجب هذا الملك (أو الأمير) أن يستند ~~في حكمه على العنصر الشعبي الممثل في مجالس بلديات المدن أو هيئاتها الإدارية، ~~باعتبار أن الملك سوف يجد ممثله في هذه المجالس المصالح المشروعة، وهي ~~مصالح جديرة بالاحترام، ومن واجب الملك رعايتها. # وأما العامل الثاني فهو عنصر الأرستقراطية، الممثل في «المجالس» مستشاري ~~الملك، وفي كبار موظفي الدولة. وأخيرا يأتي العنصر الديموقراطي وهو البرلمان، ~~الذي يكفل وجوده الصالح العام والحريات العامة؛ لأن البرلمان يسدي النصيحة ~~للأمير، ولأنه كذلك أداة للنشر والدعاية، وبدون البرلمان تبقى كتلة الشعب غير ~~عضوية ولا حياة بها، على أن الذي يجدر ذكره أن «هيجل» لم يكن ينظر لهذا ~~البرلمان كهيئة لتمثيل الأفراد، بل إن البرلمان # Landtag # في رأيه جهاز يشمل ms1204 «مجلسا للسادة»، يمثل مصالح ~~ممتلكي العقار و«الأرض»؛ أي الممتلكات الثابتة بطريق الوراثة، و«مجلسا ~~للنواب» يمثل مصالح المجتمع الأخرى الكبيرة؛ الثروة المنقولة، الزراعة، ~~التجارة، الصناعة، إلخ. وعلى نحو ما هو متوقع لم يكن لهذا البرلمان السلطة ~~التشريعية، بل إن هذه من حق الملك وحده، يعاونه في ممارستها العنصران أو ~~العاملان الآخران اللذان تتألف منهما الدولة، ولكن هذا البرلمان إنما هو ~~جهاز لمساعدة الملك بتنوير الحكومة، ثم هو جهاز لتربية الشعب، بما ينشره عن ~~الطريقة التي تؤدي بها الدولة وظائفها، وذلك في الصحف، التي يجب أن تكون ~~حرة، في اللحظة التي لا يتوقع أحد فيها خطرا على الدولة، أو توجيه الإهانة ~~لها. # وهذا «المفهوم» أو المدرك الذهني نفسه، الذي شاهدناه في فلسفة «هيجل» عن ~~الدولة، هو الذي يحدد كذلك علاقة الدول بعضها ببعض، فليس مطلوبا من الدولة ~~أن تسترشد بمبادئ الأخلاق في نشاطها، ومن الواجب؛ الاعتراف بأن الحرب ضرورة ~~قائمة، ولا معدى عنها بمقتضى الأشياء، فالحرب مقبولة عقلا، وهي مقدسة، وضرورة ~~ملحة لتقويم عافية الشعوب وإبعاد المرض عنها، مثل الحرب في ذلك مثل الأمواج ~~التي تمنع الماء من أن يأسن أو ينقع، وفي أحايين تكون الحرب الوسيلة الوحيدة ~~التي تتحقق بها الدولة؛ ولذلك اعتبر «هيجل» الحرب عاملا ضروريا في تطور ~~الدولة، وواضح أن «هيجل» في هذا القول، قد انفصل تماما عن دعاة السلام - ~~والسلام الدائم - من الفلاسفة والمفكرين في القرن الثامن عشر الذين كان السلم ~~مثلهم الأعلى. # تلك إذن هي الخطوط العريضة لفلسفة «هيجل» السياسية، تلك الفلسفة التي أحدثت ~~آثارا بالغة في عالمه المعاصر، فلقد كانت التعاليم السياسية التي ذكرناها، ~~تصدر عن «نظام» يختلف اختلافا كليا عن «إيدولوجية» القرن الثامن عشر؛ أي ~~المثل العليا التي نادى بها فلاسفة ومفكرو هذا القرن، وكذلك عن «إيدولوجية» ~~الثورة الفرنسية، والمذهب الحر والمعاصر، فتنكرت الهيجلية لذلك كله، ولقد ~~اعترف بها المعاصرون على أساس أنها مختلفة تماما عن «الإيدولوجيات» التي ~~أشرنا إليها. حقيقة خضعت «الفلسفة الهيجلية » فيما بعد لتفسيرات أخرى، مؤسسة ~~على مبادئ متحررة، وذلك على أيدي ms1205 تلاميذ «هيجل» نفسه، ومن هؤلاء؛ ~~كارل ماركس # Karl Marx ~~. # ولكن وقت أن نادى «هيجل» بآرائه، وبين معاصريه، كانت تعتبر «الفلسفة ~~الهيجيلية» السياسية، فصما لكل علاقة مع المبادئ الحرة، وكأنما لم يكن ~~الغرض الذي تريده سوى تسويغ سياسة الحكم المطلق التي صارت تطغى على أوروبا منذ ~~سنة 1815، ولقد كان بهذا المعنى أن رحب الملك البروسي؛ فردريك وليم ~~الثالث، ووزير التعليم في بروسيا؛ «ألنشتاين» بهذه «الفلسفة»، والآراء التي ~~أتى بها «هيجل»، فلم يلبثا أن دعيا «هيجل» منذ ديسمبر 1817 ليشغل كرسي ~~الأستاذية بجامعة برلين؛ وذلك لأن فلسفة هيجل بفضل المبادئ أو العقيدة ~~السياسية التي جاءت بها، قد أمدت بالقوة العظيمة سياسة الحكومات الألمانية ~~القائمة على الاستبداد بالسلطة، والتي لم تكن تستند على «إيدولوجية» ما في ~~نشاطها. # وإلى جانب تسويغ سيطرة الدولة، وفناء الفرد في الدولة، وتسويغ الحكم المطلق، ~~أو استئثار الملك (والزعيم) بكل أسباب السلطة في الدولة، كانت الفلسفة ~~السياسية «الهيجلية»، تتميز بقابلية أن تتولد منها نظرية «التوسع القومي»، أو ~~أن تصبح هي ذاتها مسوغا لهذه النظرية، التي تدعو لتسلط الدولة، ولإشباع ~~كبرياء الشعب الألماني، فقد تفرعت عن الفلسفة الهيجلية نظريات تستند في ~~الوقت نفسه على التاريخ، وعلى فلسفة هيجل، وهي النظريات التي سوف تظهر فيما ~~بعد، إما في تفكير بسمارك، وإما في تفكير أدولف هتلر. # 26 # ومما يجدر ذكره أخيرا أن المرء لا يلبث أن يجد في الفلسفة الهيجلية، ~~التفسير الذي يسوغ به تطور تاريخ بروسيا، والسياسة التي استرشدت بها بروسيا، ~~حتى تصل إلى مكان الصدارة كدولة حديثة النشأة، سوف تتزعم الاتحاد الألماني، بل ~~إن هيجل نفسه كان يشعر بهذا «الطابع» الذي تتميز به فلسفته وتفكيره السياسي، ~~وذلك عندما تناول كأحد دروسه موضوع «القرابة الأصلية بين الدولة البروسية ~~والفلسفة الهيجلية». ولقد اتخذت السياسة البروسية من هذه الفلسفة الهيجلية ~~إنجيلا لها، ومصدرا تستمد منه عددا لا يحصى من الحجج والدعاوى التي تؤيد ~~بها «سياستها»، وتجد فيها «المسوغ» الكافي لهذه السياسة، على أن «هيجل» قد ~~استرعى كذلك الانتباه بضرورة تنظيم «الدولة»، وهي الفكرة ms1206 التي كان الناشرون ~~الألمان قد غفلوا عنها، عندما انحصر تفكيرهم في موضوع «الأمة»، فالآراء التي ~~نادى بها «هيجل»، كان لها الفضل في إقناع الناس بألمانيا، بأنه حتى تتم وحدة ~~ألمانيا، وحتى يصبح الألمانيون «أمة»، لا مناص من أن تتشكل ألمانيا كدولة، ومن ~~أن تصبح أولا «دولة»، ولم يكن بألمانيا في الوقت الذي نادى فيه «هيجل» ~~بآرائه سوى حكومة واحدة، يمكن أن ينطبق عليها تعريف «الدولة» كما قال به هيجل، ~~وتلك كانت «بروسيا»، بروسيا التي عرفت وقتئذ كيف تبلغ في تكوينها وتطورها ~~المعنى المقصود من فكرة الدولة، وتنظيم الدولة. # ولا جدال في أن الأثر الذي خلفته «فلسفة هيجل» كان عميقا إلى أقصى درجات ~~العمق، فكان نجاح «فلسفته» سريعا ومباشرا، وكان تأثر معاصريه في ألمانيا ~~خصوصا جارفا، حتى لقد تركت هذه «الفلسفة الهيجلية» طابعها الذي لا يمحى على ~~الفكر الألماني بعد ذلك، ومن هذه الناحية إذن؛ يحق لنا القول بأن من الممكن ~~اعتبار «الفلسفة الهيجلية» أحد العوامل الفاصلة في التاريخ، ليس فقط تاريخ ~~ألمانيا، ولكن - بفضل نتائجها وآثارها - تاريخ العالم كله. ~~(6) السياسة البروسية # ولقد احتلت بروسيا في ألمانيا هذه مكانا خاصا، كما استطاعت أن تقوم بدور ذي شأن ~~في تاريخ هذه البلاد، ولقد زود «هيجل» بروسيا - كما ذكرنا - بفلسفة المثل ~~العليا التي بنت عليها حياتها، أو بتلك الإيدولوجية التي قامت عليها السياسة ~~البروسية، وهي السياسة التي نعلم أنها قد أفضت إلى إنشاء الوحدة - أو الاتحاد ~~الألماني، بعد الحوادث التي نحن بصددها بنيف وخمسين عاما، ولو أنه مما يجب ~~الانتباه إليه، أن الاتحاد أو الوحدة الألمانية في السنوات التي تلت إنشاء النظام ~~الألماني - في صورة ذلك الاتحاد الكونفدرائي الذي أقره مؤتمر فينا في سنة 1815، ~~كان لا يزال أمرا بعيدا، ولما يتطلع أحد بعد إلى تحقيقه. # وفي سنوات 1813-1815 تمتعت بروسيا بخطوة كبيرة لدى الشعب الألماني؛ بسبب أن ~~بروسيا هي التي تزعمت حركة إنقاذ ألمانيا وتحريرها من السيطرة الأجنبية الفرنسية، ~~ولكن سرعان ما خابت الآمال التي عقدت على بروسيا، عندما انحازت بروسيا إلى تأييد ms1207 ~~سياسة «مترنخ» الرجعية، وعملت على «تصفية» الوطنيين من الأحرار وقدماء المحاربين. ~~ومع ذلك فهناك حقيقتان هامتان تجب ملاحظتها في تاريخ بروسيا في هذه الفترة من وجهة ~~نظر القومية - موضع اهتمامنا دائما - أولاهما؛ استعادة بروسيا لنشاطها وانتعاشها، ~~وذلك ما كانت بروسيا في حاجة ملحة إليه عقب انتهاء السيطرة الفرنسية مباشرة، ولقد ~~عمدت الملكية البروسية، حتى يتسنى إصلاح ما فسد، إلى إحياء تقاليدها القديمة؛ أي ~~تقاليد الحكومة ذات السلطة المستبدة أو المطلقة، والتي كانت مع ذلك، متسمة بالخير ~~إلى جانب «الفاعلية» والنفوذ، فأحاط بالملك وزراء من الرجعيين، مثل: «فردريك ~~أنسيلون»، الذي جعل الحكومة تتجنب فكرة التمثيل القومي أو الأهلي، ثم «ألتنشتاين» ~~وزير التربية والتعليم، ثم «شمالز» و«كامبتز»، وقد سبق الكلام عن كل هؤلاء، فتخلى ~~الملك ووزرائه الآن عن السياسة المتبعة سابقا أيام السيطرة الفرنسية، وهي ~~«السياسة» التي قامت وقتذاك على تقوية السلطة الملكية بتأييد الشعب لها تأييدا ~~«روحيا»، والتفاف الشعب حول الحكومة، واستأنفت الملكية البروسية سيرتها القديمة - ~~قبل السيطرة النابليونية في ألمانيا - من حيث استعادة نظام الحكم القائم على فرض ~~الرقابة البوليسية الصارمة، وتطبيق أساليب السلطة المطلقة والتعسفية. # ومن أمثلة ما حدث في ظل هذا النظام البوليسي والتعسفي، أن الحكومة في سنة 1823 ~~ألقت القبض على مائة وعشرين طالبا بتهمة إثارة الاضطرابات، فألقتهم في السجون مدة ~~ثلاثة أعوام قبل محاكمتهم، ثم إن الرقابة على الصحف لم تلبث أن ثقلت وطأتها، ~~فألغت الرقابة كل الصحف السياسية، وصادرت المطبوعات السياسية، ووضعت الرسائل ~~الخاصة (الخطابات) تحت رقابة الدولة، وفتح «الرقيب» خطابات العظماء أنفسهم مثل؛ ~~«ستين»، «نيوبور»، وشليجل # Schelegel # إلخ، ومنعت ~~«الرقابة» نشر أو إعادة طبع طائفة من الكتب لم تكن بحال من الأحوال من طراز ~~المطبوعات المثيرة للخواطر، من ذلك الكراسات التي ظهرت في القرن السادس عشر لأحد ~~الفرسان (صغار النبلاء) الألمان؛ ألريك فون ~~هتن # Hütten ~~، # 27 # ثم محاضرات «فيشته» المشهورة والموجهة «للأمة الألمانية»، ومنعت ~~الرقابة تمثيل مسرحيتي أجمونت # Egmont ~~، ل «جيته» ~~ووليم تل # Teel # ل «شيلر»، وعينت طائفة من ~~المفتشين «لتطهير» القاعات العامة المخصصة ms1208 للقراءة والمطالعة. # ولقد تعاونت مع سياسة الضغط على الأذهان هذه، سياسة دينية غرضها إخضاع الروح ~~وترويضها على طاعة الحكومة، فاتبع الملك البروسي مع شعبه من البروتستنت سياسة تفرض ~~اتحادا بالقوة بين الكنيسة اللوثرية والكنيسة المصلحة، ولم يلبث أن نشأ نوع ~~من الأرثوذكية «المتورعة»، تتسم بالتطرف والتعصب، كان أهم الدعاة إليها؛ ~~فردريك جوليوس ستاهل # Stahl # الذي أنشأ «صحيفة الصليب» # 28 # لسان حال هذه الجماعة من «المتورعين»، ومع ذلك فقد كان «ستاهل» ~~يهوديا اعتنق البروتستنتية، ثم ما لبث حتى أضاف إلى مبادئ «التقليديين» أو ~~المتمسكين بالتقاليد التي نادى بها «هالر» صوفية جديدة، وأما الكاثوليك، فقد بقي ~~أساقفتهم في السنوات الأولى يخضعون لتوجيهات الحكومة، وعلى نحو ما كانوا يفعلون ~~أثناء السيطرة النابليونية. واستمر الحال على ذلك حتى بدأت الحكومة تعمل لتحويل أهل ~~المذاهب الأخرى إلى البروتستنتية، فأخذ الأساقفة الكاثوليك يتقلبون عليها، وسرعان ~~ما قام النضال بينهم وبين الحكومة في صورة علنية، حول مسألة الزواج المختلط بين ~~الكاثوليك وأصحاب العقائد الأخرى، وتفاقم الخطب لدرجة أن عمدت الحكومة إلى سجن كل ~~من رئيس أساقفة كولونيا وبوزن. # ولقد كان بسبب هذه السياسة إذن، أن انقطع ذلك التيار الذي كان من المنتظر أن ~~يحمل معه أصحاب الآراء الحرة والمجددين، وكل أولئك الذين شعروا بالكراهية للنمسا ~~نحو تأييد بروسيا المتمذهبة بالمبادئ «الحرة»، وبمعنى آخر، من الحركة ~~القومية. # فشهدت بروسيا الإدارة (والحكومة) تسيطر سيطرة كاملة على «الدولة»، ولم تلبث أن ~~انكمشت إلى مجرد إصلاحات إدارية بسيطة، كل تلك الوعود السخية بالإصلاح الواسع ~~الشامل التي كان المسئولون في بروسيا قد بذلوها أيام «المحنة» الوطنية، ففي 15 ~~يونيو 1823 صدر قرار أنشأ وأدخل إصلاحات على المجالس الإقليمية (الدياط)؛ أي تلك ~~المجالس التي يرجع تاريخها إلى العصور الوسطى، والتي تألفت من نواب عن ثلاث ~~هيئات أو طبقات # Curia ~~، ينتخبهم أصحاب الأملاك ~~العقارية وحدهم فقط، فهيئة أو طبقة النبلاء لهم وحدهم حق انتخاب نوابهم مباشرة، ~~أما الطبقتان أو الهيئتان الأخريان، فهما طبقة أو هيئة البرجوازي (الطبقة ~~المتوسطة)، وطبقة أهل الريف (من المزارعين إلخ)، ms1209 وليس لأهل هاتين الطبقتين حق ~~الانتخاب المباشر، بل يجري انتخاب نوابهم على درجتين، وكان عدد المجالس (الدياط) ~~الإقليمية ثمانية، لكل إقليم «دياط» واحد، وقد أنشئ كل منهما بمقتضى قرار خاص ~~منفصل، وذلك لإقامة الدليل على أن إنشاءها لم يكن مبعثه الرغبة في استصدار ~~«دستور» للدولة، وأما سلطات هذه المجالس (الدياط) الإقليمية فكانت ضئيلة ولا قيمة ~~لها، فهي إنما تدعى للانعقاد فقط حتى تستشيرها الحكومة فيما تريده هذه من قوانين ~~تراها «الحكومة» ضرورية، وحتى تنظر هذه المجالس الشئون المحلية، مثل مد الطرق ~~وتعبيدها، أو تقديم العرائض بشأن المطالب التي تريدها، وحتى فيما يتعلق بهذه ~~العرائض، لم تكن الحكومة ملزمة بالإجابة عليها إلا بعد أن تصل إلى «برلين» العرائض ~~التي من هذا القبيل من المجالس الثمانية بأجمعها، فلم يكن والحالة هذه للمجالس ~~(الدياط) الإقليمية أي طابع تمثيلي، أو أي سلطة سياسية. # وفي الحقيقة قامت الإدارة في بروسيا على قاعدة المركزية الكاملة، فالدولة مقسمة ~~إلى ثمانية أقاليم، على رأس كل منها «مدير» أو رئيس أعلى، # 29 # وهذه الأقاليم مقسمة إلى (25) مديرية # Bezirke ~~، على رأسها حكومة إدارة مشتركة أو متضامة # Recierung ~~، وأما هذه المديريات فكانت مقسمة ~~إلى نواح أو دوائر # Kreise # بلغ عددها ثلاثمائة، ~~يقوم على إدارتها رئيس ناحية أو مأمور # Landrat ~~، ~~إلى جانب مجلس الناحية أو الدائرة، وقد أنشئ هذا المجلس في سنة 1825 ليزود ~~بالمرشحين منصب المأمور، وهكذا وجد في بروسيا نظام خاص بها للحكم والإدارة، كان ~~بمثابة الحل الوسط الذي ينال موافقة الحكومة من ناحية وطبقة النبلاء من ناحية أخرى، ~~ولقد تركت الحكومة النبلاء يتمتعون بنفوذ عظيم في إدارة شئون الحكم المحلية، عندما ~~كان للنبلاء السيطرة في المجالس الإقليمية، ولأن المأمورين # Landrate # كانوا يختارون من بين هؤلاء النبلاء، ويقترحهم مجلس ~~الناحية أو الدائرة. فشبه المؤرخون هؤلاء النبلاء «بالمستنبت» الذي يمد بروسيا ~~برجال الحكم والإدارة، وزيادة على ذلك فقد تركت الحكومة هؤلاء النبلاء يتمتعون ~~بسلطة مطلقة على «فلاحيهم»، وفي نظير ذلك احتفظت الحكومة لنفسها بالهيمنة على كل ~~المرافق العامة. # وهكذا أوجد هذا ms1210 النظام البروسي جنبا إلى جنب، وفي الوقت نفسه طبقة إقطاعية وطبقة ~~«وظيفية» أي من الموظفين، فاقتسم الدولة حينئذ نوعان من الأرستقراطية؛ أرستقراطية ~~النبلاء، وأرستقراطية البيروقراطية، ومن الواضح أن تنظيم الدولة بهذه الصورة، إنما ~~يتفق مع النظريات والآراء التي أتى بها «هيجل»، وحرصنا على تحليلها وتوضيحها في ~~الصفحات السابقة. # ومع ذلك فقد كانت هذه الإدارة أو هذه البيروقراطية من النوع الجيد، ويرجع الفضل في ~~ذلك إلى عملية «الاختيار» الطويلة التي يتم بها ترشيح الموظفين لمناصبهم في الدولة، ~~وعقد امتحانات المسابقة، ووضع اللوائح التي تؤمن هؤلاء على معاشهم أثناء الخدمة ~~وعند تقاعدهم، وتمتع رؤساء المصالح أو الإدارات بحق واسع في تصريف شئون مصالحهم، ~~مما تضافر جميعه على إنشاء «إدارة» امتازت بكفاية أعضائها وأمانتهم، الأمر الذي ~~أوجد إدارة نشيطة وحازمة كذلك، ولكن هذه «الإدارة» لم تكن محبوبة من الشعب؛ بسبب ~~«استقلاء» أفرادها، ومعاملتهم سواد الناس بالغلظة والخشونة. # وهذه «الإدارة» استطاعت مع ذلك تأدية خدمات جليلة لبروسيا، من ذلك تنظيم شئون ~~المالية، وحل مشكلة الأراضي - وإن كان ذلك في صالح النبلاء - وإعادة إنشاء الجيش ~~وتنظيمه، ووضع الترتيب الذي أمكن به إدماج المقاطعات الجديدة التي أعطيت إلى ~~بروسيا في سنة 1815، وهي بروسيا الراينية، ووستفاليا، ولقد أمكن أن يبقى كل هذا ~~العمل الذي تم على يد هذه «الإدارة» النشيطة - وخصوصا خلال السنوات الأولى من ~~قيام هذا النظام - أمكن أن يبقى حتى وفاة فردريك وليم الثالث سنة 1840، بل وفي ~~وسعنا القول: أنه ظل باقيا في الحقيقة حتى سنة 1848؛ لأن الثورات التي قامت في هذه ~~السنة الأخيرة، هي وحدها التي كان في وسعها هدم هذا النظام، وتقويض أركانه ~~فعلا. # وعلى ذلك فقد كانت تبدو بروسيا في ألمانيا وقتئذ دولة لا تدين بالمبادئ الحرة، ~~ولكن دولة تقوم على «نظام» محكم، ويصح لذلك اتخاذها نموذجا لما يجب أن تكون عليه ~~«الحكومة» والإدارة في سائر أنحاء ألمانيا، وثمة ملاحظة أخرى، هي أن بروسيا مع أنها ~~النموذج الذي تحتذيه الدول والحكومات الألمانية، فلا يجب أن يغيب عنا أن الشعور ~~العارم بالمحلية والإقليمية ms1211 البحتة كان يسودها، فكانت دولة «بروسية» لحما ودما، ~~ولا يمكن بحال اعتبارها «ألمانية». # بيد أن هذه «الإدارة البروسية» كانت صاحبة الفضل في خلق أو صنع ذلك الاتحاد ~~الجمركي، الذي انتهى الأمر بامتداده حتى شمل القسم الأعظم من ألمانيا، ونعني بذلك ~~«الزولفرين»، و«الزولفرين» هو الحادث الثاني إلى جانب إعادة تنظيم بروسيا، الذي كان ~~له أكبر الأثر في مصنع الاتحاد الألماني في النهاية، وبزعامة بروسيا نفسها كذلك، ~~وبالتالي تطور فكرة القومية الألمانية. ~~(7) الزولفرين # Zollverein # لقد ساد الاعتقاد طويلا، بأن إنشاء «الزولفرين» - الاتحاد الجمركي - كان نتيجة ~~حركة تلقائية نبتت في الأوساط الاقتصادية في ألمانيا، تستهدف وحدة البلاد، ويدفعها ~~الرأي العام بشكل أجبر الحكومة على السير في الطريق الذي أرادته هذه الحركة؛ أي ~~إن مبعث «الزولفرين» كان قيام حركة قومية مستندة على شعور قومي يسود ألمانيا ~~وقتئذ، ومع ذلك فقد اتفق رأي المؤرخين بعد البحوث المستفيضة في هذا الموضوع في ~~السنوات الأخيرة، على أن القول بأن الزولفرين كان نتيجة «حركة قومية»، إنما هو ~~قول خاطئ، لقد استندت هذه الأسطورة على بعض الكتابات والمشروعات التي تقدم بها ~~على وجه الخصوص اثنان من الناشرين من أهل ألمانيا الجنوبية هما؛ فردريك ليست # List ~~، وكارل فردريك نبنيوس # Nebenius ~~. # وكان فردريك ليست (1789-1846) أستاذا للاقتصاد السياسي بجامعة «توبنجن»، وصاحب ~~شهرة كصحفي نابه، روج لفكرة إنشاء اتحاد كونفدرائي لإزالة الحواجز الجمركية بين ~~مختلف الإمارات الألمانية، ووضع تعريفة موحدة، وإنشاء الوحدة الاقتصادية، وقد ~~تأسست بالفعل في غضون سنة 1819 في فرانكفورت جمعية من التجار ورجال الصناعة ~~الألمان؛ لحث الحكومة على قبول الاتحاد الكونفدرائي، وقد اختير فردريك ليست أمينا ~~عاما لهذه الجمعية، وسرعان ما صار هو روحها وقوتها الدافعة، وأعد بلسان هذه ~~الجمعية «عريضة» في 24 مايو من السنة نفسها، قدمت «الدياط» تطلب اتحادا جمركيا، ~~وإنشاء برلمان مشترك لألمانيا، ووضع دستور مشترك للإمارات الألمانية. ولقد بقي ~~«ليست» خلال السنوات التالية يقوم بحملة واسعة من أجل إلغاء الضرائب الجمركية ~~الداخلية، وأشرف على إصدار مجلة بعنوان «لسان حال التجارة والصناعة الألمانية» ~~لترويج هذه الآراء ms1212 ذاتها. # على أن مشروعات فردريك ليست وكتاباته كان يغلب عليها الخيال، ولم يعن «ليست» ~~بتحري الدقة في بيان ما يريد تصويره، كما أن مشروعاته لم تستند في رأي كثيرين على ~~نظام تجاري معين، فرفض «الدياط» العريضة المقدمة إليه، ولم يلبث أن شغل «ليست» ~~بمسألة أخرى، فسمى مندوبا أو نائبا عن بلدته روتلنجن # Reutlingen # في ورتمبرج سنة 1820، ولكنه سرعان ما طرد من المجلس، ~~وحكم عليه بالسجن عشرة شهور عندما شرع ينقد نظام البيروقراطية في هذه «الدولة»، ~~ثم لجأ إلى فرنسا للعيش بها، وزار إنجلترة وسويسرة، ثم قفل عائدا إلى ألمانيا بعد ~~سنوات قليلة، ولكنه لم يلبث أن سجن ثانية في «ورتمبرج»، فقرر عند الإفراج عنه ~~الهجرة إلى أمريكا (1825)، وكان «لفاييت» الذي قابل «ليست» قبل ذلك في باريس قد ~~وعد بالترحيب بهذا الأخير عند ذهابه إلى أمريكا. ولم يعد «ليست» إلى ألمانيا إلا ~~في سنة 1832، وكان «ليست» عندئذ قد صار صاحب ثروة كبيرة، وله أصدقاء عديدون، ووجد ~~أن الحركة التي كان قد قادها منذ ثلاث عشر سنة من أجل الإصلاح الجمركي قد بلغت ~~ذروتها، ولكن بغير الصورة التي كان ينتظرها، من حيث إن هذه الحركة لم تكن تستهدف ~~إصلاحا جمركيا عاما كما كان يريد «ليست»، ثم من حيث إن النمسا لم تكن هي ~~المتزعمة لها، وعلى نحو ما كان «ليست» يريد في الحالتين، بل إن بروسيا كانت هي ~~المحور الذي دارت حوله حركة الاتحاد الجمركي، كما أن هذا الاتحاد كان قد أخذ يتم ~~على مراحل بطريق اتفاقات عامة بين مختلف «الدول». # أما كارل فردريك نبينوس، فكان صاحب فضل كبير حقيقة في قيام «الزولفرين»، وكان ~~«نبينوس» من رجال الاقتصاد، نجح كوزير في تنظيم مالية «بادن»، وكان صاحب نشاط ظاهر ~~في المؤتمرات «الوزارية» التي عقدت في فينا في شتاء 1819-1820، من أجل الاستماع ~~لآراء «جمعية التجار ورجال الصناعة الألمان»، وكان «فردريك ليست» من بين الذين ~~أدلوا بوجهات نظرهم، وطالب بضرورة إنشاء الوحدة التجارية؛ أي اتحاد الأمة الألمانية ~~اقتصاديا، وفي هذه المؤتمرات أعد «نبينوس» مذكرة ms1213 قوية، وفي عبارات دقيقة واضحة؛ ~~لإنشاء نظام لاتحاد جمركي فدرائي، ويقترح عدة مقترحات لتنفيذ هذا النظام، تشبه لحد ~~كبير الخطوات التي اتخذت فيما بعد لإقامة «الزولفرين»، ولو أن أسلوب العمل الذي ~~أوصت به هذه المذكرة، كان يختلف اختلافا جوهريا عن ذلك الذي اتبع فعلا في إنشاء ~~الزولفرين، أضف إلى هذا أن أحدا من المسئولين البروسيين الذين أشرفوا على ~~تنفيذ السياسة التي أسفرت عن وجود «الزولفرين» لم يكن يعرف شيئا - على ما يبدو - ~~عن هذه المذكرة طوال الأربعة عشر عاما التالية؛ أي إلى الوقت الذي نشر فيه ~~«نبينوس» مذكرته في سنة 1835، # 30 # مما جعل جميعه متعذرا القول بأن «نبينوس» كان نفسه مبتدع ~~«الزولفرين». # والحقيقة في رأي كثيرين أن «الزولفرين» لم يكن في فكرته الأساسية وبالطريقة التي ~~تم صنعه بها، من «خلق» فردريك ليست، أو كارل بنينوس، فقد كان كلاهما يدين بوجهة نظر ~~«ألمانية»، وليس بوجهة نظر «بروسية»، بل إن مشروعاتهما كانت «ترتيبات» مبعثها ~~المعارضة ضد بروسيا، وكرد فعل لنشاط بروسيا ومحاولاتها من أجل إصلاح نظمها ~~الجمركية. # والجدير بالذكر - بعد هذه الحقيقة الأولى - أن «الزولفرين» كان إجراء ~~اقتصاديا، وليس عملا سياسيا، ولم يكن من صنع رجال السياسة القوميين، بل كان من ~~تنفيذ الإداريين البروسيين؛ فون ماسن «كارل جورج» # Maassen ~~، من رجال الاقتصاد المعدودين، ومن ~~أنصار حرية التجارة، والذي شغل منصب وزير المالية من 1825 إلى 1830، ثم فون موتز ~~«كريستيان أدولف» # Motz ~~، أحد الذين شغلوا هذا المنصب ~~كذلك، وأخيرا آيشهورن (جوهان ألبرت فردريك) # Eichhorn # وزير الخارجية، وقد سبقت الإشارة ~~إليه. # فقد حدث في سنة 1815، عندما أعيد «النظام القديم» إلى ألمانيا، استرجعت ألمانيا ~~كذلك نظامها الجمركي، فصارت الحواجز الجمركية تحيط بأعضاء «الاتحاد الكونفدرائي ~~الألماني الثماني والثلاثين» بوصف هؤلاء حكومات مستقلة، ثم في داخل هذه الدول ~~أعيدت رسوم المرور (المكوس) الداخلية، والرسوم الجمركية على البضائع، وضرائب عبور ~~الحدود على البضائع المنقولة من دولة إلى أخرى، ثم الاحتكارات الحكومية، إلى غير ~~ذلك، على أنه كانت هناك ثغرات معينة في نظام هذه الضرائب الداخلية، والحواجز ~~الجمركية، منشؤها ms1214 وجود «هانوفر»، والمدن الألمانية الحرة من ناحية، ثم تقرير حرية ~~الملاحة في الأنهار الألمانية، على نحو ما جاء في قرار مؤتمر فينا النهائي سنة 1815 ~~من ناحية أخرى؛ لأنه صار ممكنا بهذين الطريقين أن تتدفق المتاجر من منتجات المصانع ~~الإنجليزية على ألمانيا، بالرغم من النظام الجمركي القائم، وزاحمت هذه المتاجر ~~الإنجليزية منتجات الصناعة الألمانية الحديثة العهد. # وتضافر عاملان على إخراج «الزولفرين» إلى عالم الوجود، أحدهما تلك الشكايات التي ~~كان يرددها التجار ورجال الصناعة في البلاد الراينية، وهم الذين كادت تحطمهم ~~المزاحمة الإنجليزية تماما؛ لأن «وضع» هؤلاء من الناحية الإدارية لم يكن قد ~~تعين بعد، فطلب التجار ورجال الصناعة الراينيون منذ سنتي 1816 و1818 من الحكومة ~~البروسية، التي صاروا الآن مرتبطين بها (منذ تسوية فينا سنة 1815)، أن تضع حلا ~~لمسألة الضرائب الجمركية مستندا على المبادئ الحرة. وأما العامل الآخر، فقد كان ~~ذلك الارتباك الضريبي الذي انغمست فيه بروسيا، عندما كانت تتألف من أربعة أجزاء ~~مختلفة، تسود في داخلها كل أنواع الأنظمة والقواعد القديمة، لدرجة أنه صار يوجد في ~~بروسيا سبع وستون تعريفة جمركية مختلفة، ولو أنها مرتبطة بضريبة «غير مباشرة» معينة ~~تدفعها المدن على السلع المستهلكة داخليا، هي: «ضريبة الإنتاج»، # 31 # فكانت الضريبة الجمركية ممتزجة بهذه الضريبة الإنتاجية، وكان من أجل ~~الخروج من هذا التشويش والارتباك، أن صدر أول قانون لهذه الغاية في 11 يونيو 1816، ~~ألغى المكوس النهرية؛ أي رسوم المرور والملاحة في الأنهار، كما ألغى الضرائب ~~الجمركية الداخلية والإقليمية، وجعل تحصيلها عند حدود المقاطعة؛ أي حدود كل إقليم ~~من الأقاليم البروسية، ثم صدر قانون ثان في 26 مايو 1818 أوجد «تعريفة» موحدة لكل ~~بروسيا، وقد كانت هذه التعريفة معتدلة لدرجة لا تشجع «التهريب»، فكان الغرض من هذين ~~القانونين: «تبسيط» النظام الضريبي، وتوحيد الضرائب الجمركية في الأراضي البروسية ~~ذاتها، على أنه كانت توجد في داخل الأراضي البروسية جيوب # Enclaves ~~؛ أي مساحات معينة من الأراضي التابعة لدول أخرى ألمانية ~~غير بروسيا، فكان حوالي الاثنتي عشرة من هذه الدول الألمانية الخارجية، تملك عددا ms1215 ~~من هذه «الجيوب»، بلغ سبعة وعشرين في داخل الأراضي البروسية، وكان كل واحد من هذه ~~«الجيوب» - وعلى نحو ما هو متوقع - تحيط به الجمارك البروسية من كل جانب، ومن ناحية ~~أخرى ، فإن هذا النظام الضريبي - كما ذكرنا - كان يشمل الضرائب غير المباشرة ~~المحصلة على السلع المستهلكة «ضريبة الإنتاج» إلى جانب الضرائب الجمركية ~~ذاتها، وكانت هذه الضرائب بنوعيها تحصل معا، ثم كانت هناك تعريفة مرور للمتاجر ~~الخارجية التي تمر عبر الأراضي البروسية في أي قسم من أقسامها، وكانت «ضريبة ~~المرور» هذه مصدر ربح للحكومة في الوقت نفسه، بالأداة التي تستطيع أن تضغط بها ~~اقتصاديا على الحكومات (والدول) المجاورة لها، ولقد كانت كل الطرق تقريبا ~~الذاهبة من شمال ألمانيا إلى جنوبها، تخترق الأراضي البروسية في جزء من أجزائها؛ ~~وذلك بسبب «موقع» بروسيا وامتداد أراضيها شرقا وغربا في وسط ألمانيا، فلم يشذ عن ~~ذلك غير طريقين؛ الخط من همبورج إلى هانوفر وكاسل في الغرب، ثم طريق «ليبزج» ~~التجاري مع بولندة وروسيا؛ ولذلك فقد أثارت الضرائب الجمركية البروسية تذمر «الدول» ~~الألمانية الأخرى وغضبها. # وعندما أنشأت بروسيا نظام التعريفة الجمركية الموحدة، وهي التي صارت مطابقة لفرض ~~ضريبة مرور # Transit # موحدة، اشتدت نقمة ~~الحكومات التي لحق بها الأذى، وتزايد صخبها، فأعلنت هذه أن بروسيا قد صارت ~~اللصوصية الحقيقية سياستها، وأنها تريد نهب سائر الألمانيين، وتعتدي على حقوق ~~السيادة التي للدول الأخرى، وأنها خرقت بعملها هذا على وجه الخصوص المادة التاسعة ~~عشرة من وثيقة الاتحاد الكونفدرائي، التي أعلنت وجوب إنشاء نظام للضرائب الجمركية، ~~بالاشتراك فيما بين الدول أعضاء هذا الاتحاد، واحتجت هذه الحكومات على بروسيا في ~~المؤتمرات التي عقدت في كارلسباد وفينا (1818-1820)، ولكن الحكومة البروسية لم ~~تعر هذه الاحتجاجات أي التفات، وصممت على التمسك بتعريفتها الجمركية، وأمام هذا ~~التصميم إذن، لم تجد بعض الحكومات مناصا من الدخول في مفاوضات فيما بينها؛ لتدبير ~~خطة للدفاع عن نفسها ضد التعريفة البروسية، وكان بفضل جهود وزير هس دارمستاد، ~~دي تيل # du Thil ~~؛ أن أسفرت هذه المفاوضات ~~مؤقتا عن إنشاء ms1216 مجموعتين في سنة 1824؛ مجموعة من دول أو حكومات الراين، وأخرى ~~مؤلفة من يفاريا وورتمبرج. # ولقد نشأ عن وجود «الجيوب» التي ذكرناها في الأراضي البروسية متاعب وإزعاجات كثيرة ~~لحكومة بروسيا، فقد كانت هذه الجيوب تشجع «التهريب » كما كانت هي ذاتها، تعاني ~~مضايقات كثيرة بسبب «الجمركية» التي فرضتها بروسيا حولها، والتي حرمت أهل هذه ~~«الجيوب» حرية الحركة والانتقال من الدول (أو الجيوب)، التي ينتمون إليها إلى أماكن ~~أخرى، ولقد نجم من هذه المتاعب المتزايدة التي صارت تعانيها هذه الدول (الجيوب)؛ أن ~~عمدت إحداها «شوارز بورج - سوند هاوسن» # 32 # إلى التفاهم مع الحكومة البروسية، وطلبت من هذه الأخيرة إدماجها في ~~نظام التعريفة البروسية، ووافقت بروسيا على ذلك في 25 أكتوبر 1819، ولم تمض ثلاث ~~سنوات حتى حذت (في سنة 1822) ثلاثة «جيوب» أخرى حذوها، فألغيت الضرائب الجمركية في ~~هذه «الدول» الصغيرة التي صارت تشملها التعريفة البروسية، وصارت تدفع لها الحكومة ~~البروسية، نصيبها من حصيلة الجمارك العامة، كل واحدة بنسبة سكانها. ثم إن بروسيا ~~بقيت تحترم حقوق السيادة العليا التي لهذه الدول الصغيرة، من حيث إن حكومة هذه ~~الدول استمرت تنظر المسائل الخاصة بالتفتيش، ومراقبة تجارة التهريب ومصادرة ~~المتاجر، واستصدار الأحكام في هذه القضايا. # وواضح أن هذا «الترتيب» الذي أدخل عددا من الدول الصغيرة في نطاق التعريفة ~~الجمركية البروسية، بالشروط التي رأيناها، لم يكن شيئا مذكورا، فلم يكن يتعدى هذا ~~الدور الأول في تاريخ الزولفرين، مجرد إنشاء تعريفة مشتركة أو موحدة يسري ~~تطبيقها على الأرض البروسية جميعها، وعلى عدد من «الجيوب» التي كانت تحيط بها هذه ~~الأراضي البروسية ذاتها، والذي يجدر ذكره أنه لم يكن من المستطاع خلال عشر السنوات ~~التالية، التقدم بهذا التنظيم أو الترتيب خطوات أكثر أو أوسع مدى. # على أن مرحلة جديدة لم تلبث أن بدأت عندما تقلد «فون موتز» منصب وزير المالية ~~في بروسيا في سنة 1825، ذلك أن «فون موتز» لم يلبث أن افتتح هذا الدور الثاني في ~~تاريخ الزولفرين باتباعه «سياسة جمركية هجومية» - إذا صح هذا التعبير - ضد ~~الحكومات (الدول) الألمانية ms1217 الأخرى، فقد بدأ «فون موتز» بإصلاح الإدارة المالية في ~~بروسيا، وإعادة النظام إلى مالية الدولة، ووضع «ميزانية» صحيحة وقويمة، كما عمل ~~جميع كل فروع الإدارة الاقتصادية في مملكة بروسيا في يد وزير المالية، حتى إذا ~~انتهى من هذا التنظيم الداخلي، شرع يعمل لإدخال «الجيوب»، التي بقيت تقاوم النظام ~~الجمركي البروسي ضمن هذا النظام نفسه، وهكذا أمكن بين عامي 1826، 1828 أن «تندمج» ~~هذه الجيوب الواحد بعد الآخر في نظام «التعريفة» البروسية، فاختفت تجارة «التهريب»، ~~وأسفرت إصلاحات «فون موتز» عن اقتصاد ملحوظ في نفقات الإدارة، وتبسيط الإجراءات ~~الإدارية المالية. # وأما هذا النجاح الذي أدركته بروسيا، بفضل إصلاحات «فون موتز»، من حيث إنشاء ~~الإدارة المبسطة، والتعريفة الموحدة الظاهرة، ومن حيث الاقتصاد في نفقات ~~الإدارة، فإنه لم يلبث أن صار مثالا يجب أن تحتذيه الحكومات المجاورة، وذلك في ~~الوقت الذي كانت فيه هذه الحكومات المجاورة ذاتها لا تزال تتجادل فيها بينها حول ~~خير الطرق لإنهاء صعوباتها المالية، وكانت غراندوقية هي درمستاد - إحدى الدول ~~المجاورة لبروسيا - تعاني آنئذ على وجه الخصوص أزمة مالية قاسية، فبادرت بطلب ~~المفاوضة مع بروسيا. # وكانت هي درمستاد تتألف من جزءين مفصولين عن بعضهما بعضا، وتقع علاوة على ذلك ~~بين قسمي بروسيا، بروسيا الراينية والوستفالية في الجانب الغربي، والأقاليم ~~البروسية الوسطى من الجانب الشرقي، مما خنق نشاطها «هس درمستاد» الاقتصادي والصناعي ~~بفضل الحواجز (أو الضرائب) الجمركية البروسية المقامة على جانبيها، وعلى ذلك فقد ~~اقترحت «هس درمستاد» في يوليو 1827 على بروسيا المفاوضة لعقد معاهدة تجارية معها، ~~واستغرقت المفاوضات بعض الوقت، ودارت في جو من السرية والكتمان، إلى أن انتهت ~~أخيرا بإبرام معاهدة في 14 فبراير 1828، ومع ذلك فإن هذه لم تكن معاهدة تجارية، بل ~~كانت متعلقة بانضمام «هس درمستاد» إلى النظام الجمركي البروسي، في صورة اتحاد جمركي ~~بين الدولتين، وعلى أن يكون القانون الجمركي البروسي الصادر في سنة 1818 (26 ~~مايو)، هو أساس التعريفة الجمركية بين الدولتين، والذي تجدر ملاحظته أن هس ~~درمستاد قد تفاوضت مع بروسيا مفاوضة الند للند، واحتفظت ms1218 كل «دولة» منهما ~~باستقلالها الإداري الداخلي، وصار لكل منهما حق ~~الاعتراض # Veto # والمناقشة بشأن كل ما يتعلق بتعديل التعريفة الجمركية، ~~وأما مدة هذه المعاهدة فكانت ست سنوات، وهكذا نرى أن تحولا قد حدث، انتقل بفضله ~~الاهتمام من مجرد وضع تعريفة جمركية بروسية موحدة ، إلى إنشاء اتحاد جمركي بين ~~دولتين معنيتين، أدى إلى إنشاء «الزولفرين». # ولقد أثارت هذه المفاوضة بين بروسيا وهس درمستاد، عاصفة من التذمر والاحتجاج ~~الشديدين في بقية ألمانيا، فلم يلبث أن أسفر هذا التذمر عن إنشاء اتحاد جمركي بين ~~بفاريا وورتمبرج، كانت قد بدأت المفاوضة من أجله من مدة سابقة، ثم صار التوقيع على ~~معاهدته في 18 يناير 1828، ثم سرعان ما برزت إلى الوجود، نتيجة لهذا التذمر كذلك، ~~كتلة جمركية ثالثة و«وسطى» بمقتضى معاهدة وقعت في فرانكفورت في 21 مايو 1828؛ ~~وكانت هذه الكتلة تتألف من سبع عشرة «دولة» أهمها؛ هانوفر، وسكونيا، وهس كاسل، ~~وكانت مدة هذا الاتفاق ست سنوات. # وأشارت هذه التكتلات غضب «فون موتز»، الذي أعلن أنه سوف يقوم ضد هذه الاتحادات ~~الجمركية «بحرب جمركية» دون رحمة أو شفقة، وهدد بإغلاق الطرق التجارية في وجهها، ~~على أن الدول (الحكومات) الجنوبية سرعان ما وجدت أن الاتحاد الذي حصل بينها، لا ~~يمكن أن يدر عليها ربحا ملحوظا، فاقتصاديات «بفاريا» تشبه شبها كبيرا ~~اقتصاديات «وربمترج»، حتى إنه ليتعذر على إحداهما أن تجني أية فائدة من هذا الاتحاد ~~الجمركي، فكانت متحصلات الجمارك ضئيلة، حتى تكلف جباية الضرائب الجمركية (44٪) من ~~قيمة هذه المتحصلات، أضف إلى هذا أن إحدى مقاطعات بفاريا - البلاتينات البفارية - ~~كانت معزولة عن سائر أقاليم المملكة؛ لوقوعها على الضفة الأخرى من الداين، في حين ~~تفصلها هس درمستاد وبادن عن بقية المقاطعات، وعلى ذلك لم تلبث بفاريا وورتمبرج أن ~~رأتا ضرورة المفاوضة مع بروسيا، فبدأت المفاوضات في يناير 1829، من أجل إبرام ~~معاهدة تجارية، وأسفرت عن عقد هذه المعاهدة في 27 مايو 1829، ولم تكن هذه تستهدف ~~اتحادا جمركيا، بل كانت متعلقة بتخفيض الضرائب الجمركية بصورة تدريجية بين ~~الكتلتين أو الاتحادين، على أن ms1219 يكون مفهوما أن إلغاء الضرائب الجمركية كلية بين ~~هذين الاتحادين، هو ما يجب الوصول إليه في النهاية. # ولقد حاولت بروسيا كذلك التغلب على الصعوبة التي أوجدها اتحاد الوسط الجمركي، ~~باختراق الحواجز الجمركية التي امتدت من هذا الجانب صوب ألمانيا الجنوبية، فبدأت ~~بروسيا بالتفاهم مع «دولتين » من صغرى الدول الواقعة خارج بروسيا، والتي كان يوجد ~~بينهما مع ذلك «جيب» بروسي، واللتان كان يهمهما الانضمام إلى الاتحاد البروسي؛ ~~لتسهيل التجارة، أما هاتان الدولتان، فكانتا؛ ساكس ~~كوبرج # Saxe-Coburg ~~، ساكس ~~ماييننجن # Saxe Meiningen ~~، فتم الاتفاق على إنشاء طريق تجاري، يتحمل نفقاته ~~الأطراف الثلاثة، يصل إلى بروسيا وهاتين الدولتين، ويبدأ من لانجنسالزا # Langensalza # في بروسيا، فيمر من ساكس كوبرج، ~~وساكس ماينتجش، ومن «الجيب» البروسي، حتى ينتهي من جانب عند ورتزبرج # Wurtzburg # في بفاريا، ومن جانب آخر عند ~~بامبرج # Bamberg # في ورتمبرج؛ أي إن هذا ~~الطريق الذي يمر عبر الاتحاد الأوسط، صار يربط الأراضي البروسية بالأقاليم ~~الجنوبية. # ثم إن بروسيا قد عمدت كذلك إلى الاتفاق مع غراندوقية مكلنبرج # Mecklenberg # في شمال ألمانيا، والواقعة على ضفة ~~نهر الألب اليمنى، لإنشاء طريق يمتد بطول نهر الألب على ضفته اليمنى، ويصل إلى ~~«همبورج». # وبفضل هذين الطريقين إذن صوب الجنوب إلى بفاريا وورتمبرج، وصوب الشمال إلى همبرج، ~~ظفرت بروسيا بطريق للمواصلات التجارية مستقل عن «اتحاد الوسط» الجمركي، وبذلك تكون ~~بروسيا قد تغلبت على الصعوبة التي أوجدها تشكيل «اتحاد الوسط»، وهو الذي اعترض طريق ~~مواصلاتها مع البحر في الشمال من ناحية، ومع دول الجنوب من ناحية أخرى، ولا جدال في ~~أن مركز بروسيا الاقتصادي قد ازداد قوة بفضل هذه الجهود التي قام بها «فون ~~موتز». # ولم تلبث أن بدأت بعد ذلك المرحلة الثالثة والأخيرة في تاريخ الزولفرين، وهي ~~المرحلة التي انتهت بإنشاء هذا الاتحاد الجمركي في صورته الكبرى، فالمعروف أن ~~«الزولفرين» - كما رأينا - كانت حتى هذه اللحظة تشمل دولتين فقط، هما؛ بروسيا، وهس ~~درمستاد، أما في هذه المرحلة الثالثة، فإن «الزولفرين» سوف يشمل عددا آخر من الدول ~~الألمانية. # ففي سكسونيا كان ms1220 يشكو الأهلون من أزمة اقتصادية مستحكمة، ثم إن الحركات التي ~~قامت في ألمانيا متأثرة بثورة يوليو 1830 في باريس، قد أزالت من ناحية أخرى عددا ~~من الحكومات (الوزارات) الرجعية في ألمانيا، والتي عرفت بعدائها الشديد لكل نظام ~~جديد، وفي حين كان الاتحادان البروسي والجنوبي يصلان إلى اتفاق بشأن تخفيض الضرائب ~~الجمركية بينهما (معاهدة 27 مايو 1829 التي سبقت الإشارة إليها)، وكانت دول اتحاد ~~الوسط الصغيرة، والواقعة خصوصا بين الاتحادين الكبيرين، قد أخذت تشعر بحدة الأزمة ~~الاقتصادية، وتبدي رغبتها في الانضمام إلى الاتحاد الجمركي البروسي، فتم انضمام ~~ساكس فايمر في 11 فبراير 1831، ثم هس كاسل في 25 أغسطس من السنة نفسها، وكان انضمام ~~ساكس فايمر وهس كاسل إلى الاتحاد الجمركي البروسي خطوة كبيرة الأهمية؛ لأن هس كاسل ~~تتاخم الأراضي البروسية من كل جانب، فهي تتاخم المقاطعات الداينية في الغرب، ثم ~~المقاطعات الوسطى؛ وهي لذلك بمثابة الحلقة التي تربط بين قسمي الدولة البروسية، وقد ~~اضطرت سكسونيا إلى التسليم في النهاية (في مايو 1834). # أما المفاوضات مع دول الجنوب، فقد استطالت قرابة ثلاث سنوات، ولكنها انتهت إلى ~~إبرام معاهدة في 22 مارس 1833، دخلت بفضلها بفاريا وورتمبرج في اتحاد جمركي مع ~~«الزولفرين» لمدة ثماني سنوات، ثم لم تلبث أن انضمت سكسونيا إلى الزولفرين في ~~30مارس 1833، ثم ثورينجيا # Thuringia # في 10 مايو، ~~(على أن يبدأ تنفيذ الاتحاد في أول يناير من العام التالي)، ثم انضمت إلى الزولفرين ~~في السنوات التالية كل من غراندوقية بادن (12 مايو 1835)، ودوقية هس نساو # Hesse-Nassau ~~(10 ديسمبر 1835)، وأخيرا مدينة ~~فرانكفورت الحرة في 2 يناير 1836، وبذلك صار الزولفرين يشمل وقتئذ (25) دولة، ~~يبلغ عدد سكانها ستا وعشرين مليون نسمة. كان عدد سكان بروسيا وحدها ثلاثة عشر ~~مليونا، أما هذه الكتلة الكبيرة فقد تمتعت بنظام جمركي موحد، قام على أساس التجارة ~~الحرة بين أعضاء هذا الاتحاد، ثم المشاركة في حصيلة الضرائب الجمركية بنسبة عدد ~~سكان كل عضو من الاتحاد، ومما تجدر ملاحظته أنه في حين كانت حدود بروسيا الجمركية ~~في سنة 1819 تبلغ 1073 ms1221 ميلا، صارت حدود الزولفرين الجمركية الآن - أي في سنة 1835 ~~- تبلغ 1064 ميلا؛ أي أقل مما كانت تبلغه الحدود الجمركية التي لبروسيا وحدها قبل ~~الزولفرين. # على أن الذي يعنينا على وجه الخصوص في تاريخ الزولفرين في هذه الدراسة، إنما هو ~~معرفة الصلة بين هذا الاتحاد الجمركي وفكرة القومية الألمانية، أو بقول آخر؛ مدى ~~تجاوب الزولفرين مع القومية الألمانية، والوقوف على مبلغ تشجيع الزولفرين للحركة ~~القومية في ألمانيا. # والذي تجدر ملاحظته في هذه المسألة، أولا؛ أن الزولفرين لم يكن يشمل كل ~~ألمانيا، بل بقيت خارجة عن هذا الاتحاد الجمركي ثلاث عشرة «دولة»، كانت على نوعين ~~مختلفين، أنشأت جماعة منها نوعا من الاتحاد الجمركي كذلك، عرف باسم ستورفرين # Steuerverein # أي الاتحاد الضريبي، أعضاؤه؛ ~~هانوفر، وبرنسويك، وأولد نبرج، وبرمن، وهمبورج، مما يدل على أن هذا الاتحاد ~~«ستورفرين» كان يتألف من الأقاليم البحرية المطلة على بحر الشمال، والتي تقوم ~~العلاقات التجارية الوثيقة بينها وبين إنجلترة، وأما بقية الدول (الثمان) فقد ~~احتفظت بوضعها المستقل عن كلا الاتحادين «الزولفرين» و«الستورفرين». # وفيما يتعلق بالدول أو الحكومات التي يتألف منها الزولفرين، فمع أنه كان يربط ~~بينها جميعا الاتحاد الجمركي، فقد احتفظت كل منها بأنظمتها الخاصة في مسائل ~~الضرائب غير المباشرة والموازين والمقاييس، والعملة المتداولة، والمكوس الداخلية، ~~وغير ذلك. # وهكذا لم يكن يتشكل من كل ألمانيا، ولا من الزولفرين نفسه ما يمكن تسميته من وجهة ~~النظر الاقتصادية والتجارية بدولة موحدة، وتلك حقيقة لا جدال في أنها كانت تجد ~~بصورة من الصور قيمة هذا الاتحاد الجمركي (الزولفرين) من الناحية القومية. # وثمة حقيقة ثانية تبدو أهميتها الجوهرية بالنسبة لعلاقة الزولفرين بالحركة القومية ~~في ألمانيا، وتلك هي أن الزولفرين لم يكن يلقى تأييدا من جانب حركة معينة تعتمد ~~على تغذية الرأي العام لها، ودفعها للمطالبة بالاتحاد الجمركي وتشجيعه، أو حتى ~~للترحيب به بعد إنشائه، بل إن الزولفرين على العكس من ذلك، لم يلبث أن قوبل ~~بالعداء الشديد في كل «الدول الألمانية»، فاقتضى الأمر في هس درمستاد تأجيل المجلس ~~التمثيلي بها؛ لأنه كان ms1222 من المحقق أن يرفض المجلس المعاهدة المبرمة مع بروسيا ~~(1828)، ومع أن المجلس قبل المعاهدة في العام التالي، فقد كان واضحا أنه إنما ~~فعل ذلك على غير إرادته، أما في بفاريا وورتمبرج، فقد أبدت الأوساط الوطنية الرجعية ~~من جانب، والأوساط التجارية من جانب آخر عداءها الشديد ضد الاتحاد (1829)، وفي هس ~~الانتخابية (هس كاسل)؛ أثار توقيع معاهدة الاتحاد متاعب خطيرة (1831)، وحاولت ~~الجماهير المتهيجة شنق رجال الجمرك البروسيين، وفي سكسونيا أثار قبولها الاتحاد، ~~احتجاجات الصناع، واحتجاجات التجار في «درسدن» و«ليبزج»، ثم في مدن نهر الألب، ~~وكذلك احتجاجات أصحاب العقارات، وفي غراندوقية بادن كان ثلاثة أرباع أهلها يعادون ~~الاتحاد، ومع أن المجلس التمثيلي وافق على المعاهدة، فقد أظهر مجلس من الأعيان ~~جمعته الحكومة عدم رضائه عنها، فوافق على المعاهدة ستة وثلاثون عضوا من بين خمسة ~~وستين، وأخيرا فإن فرانكفورت لم تنضم إلى الاتحاد إلا بعد تردد طويل وعلى أسف ~~منها، ولاقتناعها بأن الامتناع عن قبول الاتحاد، سوف يعزلها عن جيرانها المحيطين ~~بها، ولقد كان من الواضح أن «الحكومات» هي التي اضطرت لأسباب سياسية، إلى الضغط ~~على الطبقة المتوسطة (البورجوازية)، وهي «الطبقات الاقتصادية» - أي ذات الأثر في ~~حياة البلاد الاقتصادية - حتى ترضى بالمعاهدات التي قام بفضلها «الزولفرين» كحقيقة ~~واقعة. # وهكذا لم يظهر الزولفرين إلى عالم الوجود؛ نتيجة «لحركة» مبعثها يقظة الشعور أو ~~الضمير العام الألماني إلى الحاجة له، بل كان الشعور بالمحلية والإقليمية لا يزال ~~قائما، بالرغم من تأسيس هذا الاتحاد الجمركي، ولا يزال العداء مستعرا ضد ~~الزولفرين في طول البلاد وعرضها، ولقد كان بعد مضي وقت طويل، وعندما أفضى هذا ~~الاتحاد الجمركي إلى نتائج اقتصادية طيبة، أن بدأ الرأي يتحول عن العداء ضد ~~الزولفرين إلى الرضى به، ثم إلى مناصرته وتأييده أخيرا. # وثمة مسألة أخرى يجب بحثها، هي تحديد الأثر الذي كان للزولفرين في إنشاء وحدة ~~ألمانيا السياسية، فمن الآراء المسلم بها عند جمهرة الكتاب والمؤرخين؛ أن ~~«الزولفرين» قد مهد للوحدة الألمانية، وأن الألمان منذ أن تسنى لهم تحقيق هذا ~~الاتحاد الجمركي، قد بدءوا ms1223 يعملون لتأسيس وحدتهم السياسية. # حقيقة أن عددا من الألمان عقدوا آمالا ~~كبيرة على الاتحاد الجمركي كوسيلة مؤدية للاتحاد السياسي، فيكتب «فون موتز» نفسه - ~~صاحب مشروع الاتحاد الجمركي - غداة إبرام المعاهدة مع هس درمستاد في سنة 1828؛ «أن ~~من الواضح كحقيقة فعلية أن وجود الجمارك إنما هو نتيجة لذلك الانفصال القائم ~~سياسيا بين الدول المختلفة، ويجب أن يكون صحيحا كذلك؛ أن اتحاد هذه الدول (أو ~~الحكومات) في مجموعة جمركية واحدة ، ينبغي أن يفضي إلى اتحادها في نظام سياسي واحد ~~فقط.» ثم أضاف: «ويقتضي الواجب بروسيا أن تنشئ اتفاقا وثيقا مع الإمارات التي ~~تتمثل فيها المصالح الألمانية فعلا، فإذا حدث أن انحل الاتحاد الكونفدرائي ~~الألماني؛ ليعاد تأليفه ثانية بعد استبعاد العناصر الخليطة، فسوف يكون حينئذ لنظام ~~«بروسيا» التجاري أهمية بالغة. فإن «دولة ألمانية» حرة وقوية، في الداخل والخارج ~~معا، سوف تتولد من هذا الاتحاد المؤسس على المصالح التي هي طبيعية لأقصى ~~درجة، والذي يجب بالضرورة أن يمتد ليشمل الدول (أو الحكومات) الوسطى.» # وهكذا يكون «موتز» قد توقع أن يسفر الاتحاد الجمركي «فيما بعد» عن نتائج سياسية، ~~ومع ذلك فهناك تحفظان ظاهران في كلام «موتز» الذي نقلناه؛ أولهما: حديثه عن ~~استبعاد العناصر الخليطة، أنه يشترط أن يقوم الاتحاد الألماني السياسي عند إعادة ~~تأسيسه على عناصر ألمانية صحيحة، ومعنى ذلك أن «موتز» إنما يريد استبعاد النمسا ~~من هذا الاتحاد، وثانيهما: توقعه أن يسفر الزولفرين «فيما بعد» عن نتائج سياسية، ~~وذلك عند تحقق الحادث الذي تكلم عنه؛ أي عند انحلال الاتحاد الألماني الكونفدرائي ~~وإعادة تشكيله في «دولة» جديدة؛ أي مغايرة لهذا الاتحاد الكونفدرائي القائم، فلم ~~يكن «موتز» نفسه يتوقع إذن أية نتائج سياسية من وجود الزولفرين إلا بعد مضي زمن ~~طويل، أو «فيما بعد» كما قال. ثم إنه لم يكن واضحا في تحديد هذه النتائج السياسية ~~والبعيدة ذاتها. # ولقد أثار مخاوف آخرين، هذا الاحتمال نفسه أن يسفر الزولفرين عن نتائج سياسية ~~معينة، فكان غداة إنشاء الزولفرين الأول، أن كتب دي ~~روميني # Rumigny # القائم بالأعمال، الفرنسي، في ms1224 «ميونخ» إلى حكومته في 4 ~~أبريل 1829 أن هذا الاتحاد «الجمركي» هو أكبر حادث شهدته ألمانيا منذ حركة ~~الإصلاح الديني، وأوضح «دي روميني» مخاوفه من هذا الحادث، فقال: إن الاتحاد ~~الجمركي الذي حصل سوف يزيد من أهمية بروسيا بدرجة عظيمة، حيث إن هذه الدولة «سوف ~~تصبح في مقدورها أن تحتل بين أترابها مكانا رفيعا، فيعلو نفوذها على الدول ~~المشتركة معها، بصورة لم يسبق لها نظير في هذه الناحية، حتى أيامنا هذه ، ويفوق كل ~~ما يمكن أن يتخيله المرء.» بيد أن الحكومة البفارية بادرت بتهدئة خواطر حكومة ~~باريس، فأكدت لهذه الأخيرة أن مشروع الاتحاد الجمركي المنتظر لا ينطوي على شيء قد ~~يتسبب في إزعاج الخواطر من وجهة النظر السياسية، وأنه إنما يعني فقط بتقديم تسهيلات ~~تجارية، وأن الحكومة البفارية جد حريصة على استمرار العلاقات الطيبة مع الحكومة ~~الفرنسية، وعلى ذلك فقد عادت الطمأنينة إلى نفس «دي روميني»، فكتب إلى حكومته ثانية ~~في يناير 1830 ينفي أية أهمية كبيرة لهذا الاتحاد الجمركي، وذلك يدل على أن أحدا ~~في ذلك الوقت لم يكن يتوقع أن ينجلي الاتحاد الجمركي (الزولفرين) عن أية أخطار ~~سياسية، ولم تكن على وجه الخصوص الدول الثلاث؛ إنجلترة وفرنسا والنمسا، وهي التي ~~يعنيها مباشرة أن تبقى ألمانيا دون حدوث أي تحول أو تغيير سياسي بها، لم تكن واحدة ~~من هذه الدول، تشعر أن هناك أية أخطار سياسية من هذا الاتحاد الجمركي، بدرجة تحمل ~~هذه الدول الثلاث على اتخاذ أية إجراءات وقائية من جانبها، في شكل تعديل أو تخفيف ~~أنظمتها الجمركية، وتغيير سياستها الجمركية. # أما النتائج السياسية التي انجلى عنها الزولفرين، من ناحية صنع وإتمام الوحدة ~~الألمانية، فقد اقتضى مرور زمن طويل قبل تحققها، حيث إنه كان في سنة 1867 فقط؛ أي ~~بعد مضي ثلاثين سنة ونيف، أن تأسس الاتحاد الألماني الكونفدرائي الجديد بزعامة ~~بروسيا، وخلال هذه السنوات الثلاثين لم يخمد الزولفرين شعور الإقليمية أو المحلية، ~~ولم يكن للزولفرين أي أثر إيجابي في ثورة 1848، ثم إن الزولفرين لم يستطع منع ~~الدول ms1225 الألمانية في سنة 1866 من إعلان انضمامها إلى النمسا، في الحرب الدائرة بين ~~هذه الأخيرة وبين بروسيا، والانحياز إلى جانب النمسا ضد بروسيا، وتلك جميعها ~~«حقائق» تنهض دليلا في نظر الكثيرين، على أن الزولفرين، لم يمهد للوحدة السياسية ~~في ألمانيا، ولم يكن الأداة التي جعلت ألمانيا تسير مسرعة في طريقها، وذلك مثلما لم ~~يكن أصلا الزولفرين في الوقت نفسه منشئ الحركة القومية الألمانية أو ~~وليدها. ~~(8) الأحرار «ورد الفعل» ضد بروسيا # وفي وجه هذه الحكومات الألمانية القوية، وذات السلطات المطلقة والتي استندت على ~~ذلك النوع من «الأيديولوجية» القائم على تمجيد الدولة وتبرير سلطان الأمراء المطلق، ~~وفي وجه الحكومة البروسية الذي تزايد تعزيز مركزها السياسي والاقتصادي بفضل إنشاء ~~الزولفرين، لم يكن في وسع «الأحرار»، فعل شيء ذي قيمة لمقاومة الآثار «الرجعية» ~~المترتبة على هذا كله، ومهما يكن من أمر النتائج التي سوف ينجلي عنها الزولفرين في ~~المستقبل، فقد كان الأثر الظاهر مباشرة الآن، هو تدعيم الشعور بالإقليمية والمحلية، ~~فقد اعتبر الألمان الزولفرين مشروعا بروسيا موجها ضد ألمانيا الفدرائية، ودعم ~~الزولفرين النزعة الإقليمية المحلية من حيث إنه كان سببا في تدعيم قوة بروسيا ~~الداخلية، ومن حيث إنه دعم كذلك بسبب رد الفعل الذي حدث روح الإقليمية والمحلية ~~في الدول (أو الحكومات) الألمانية الأخرى، ولقد كان من أثر ذلك إذن، أن أخذ الأحرار ~~الألمان ينفصلون عن بروسيا، وهؤلاء الأحرار هم الذين اعتبروا أنفسهم مخدوعين، بكل ~~تلك الوعود «الحرة» التي صدرت عن المسئولين في بروسيا أثناء حرب الإنقاذ للتحرر من ~~السيطرة النابليونية والتي ظهر لهم الآن أنها كانت وعودا مزيفة، عندما نكصت ~~بروسيا عقبيها فتجاهلت هذه الوعود، وتخلت الآن - في نظرهم - عن «الرسالة» التي كانت ~~لها أثناء الحرب التحريرية (1813-1815). # ولقد وضح تخلي الرأي الألماني العام عن بروسيا، في ذلك التدهور الذي أخذت جامعة ~~برلين تسير في طريقه، فقد انطفأت الجذوة التي كانت قد أوقدت نار الحماس في نفوس ~~أساتذة هذه الجامعة أثناء حرب التحرير (1813-1815)، فلم يعد لهؤلاء الأساتذة الآن ~~عمل أو نشاط، ولم ms1226 يعد لعلمائها اللاهوتيين النفوذ الذي تمتعوا به قديما، فصار الآن ~~«شلاير ماخر» - وقد سبق الكلام عنه - رجلا مسنا، ولا نفوذ له وتخلف زملاؤه، مثل ~~أوجست نياندر # Neander # مؤرخ الكنيسة، فعجزوا ~~عن اللحاق بالحركة الفكرية، وأما اللغويون فقد وجد من بينهم بعض المشهورين، مثل ~~أوجست بوخ # Bockh # وكارل لاشمان # Lachmann ~~، ولكن هؤلاء المشهورين كانوا من ~~المتخصصين في دراساتهم، ولم يقوموا بأي عمل سياسي، أضف إلى هذا أن المؤرخين، ~~فردريك راومر # Raumer ~~، ليوبولد فون رانكه # Ranke # لم يكونا من الأحرار، وفيما عدا ~~«فردريك هيجل» الذي كان صاحب نشاط إيجابي، فقد أساتذة جامعة برلين، النفوذ ~~الذي كان لهم سابقا في ألمانيا، فاختفت تلك الصلة التي كانت أوجدتها جامعة برلين ~~مع الروح أو العبقرية الألمانية، كما اختفت القوة الإنسانية المحركة لهذه الروح، ~~والتي كانت لها سابقا. # على أن هناك حقيقة على جانب كبير من الأهمية، هي أن «المذهب الحر» لم يلبث أن ~~وجد موئلا يلجأ إليه، أمام الحواجز السياسية التي حالت دون قيام حياة مشتركة في ~~ألمانيا، هذا الموئل كان عالم الفكر، فقد استمر الاتجاه نحو الرومانتيكية، وهو ~~اتجاه قومي وحر، ونفس الاتجاه الذي كان قائما في سنة 1813، وصار يمثل هذا الاتجاه، ~~الآن، الكاتب والناشر وولفجانج ~~منزل # Wolfgang Menzel ~~. # و«منزل» كان أحد الذين ساهموا في تأسيس «اتحاد الرفقاء» (أو البورشنشافت)، ~~فطرد لذلك من «ألمانيا»؛ ليعيش لاجئا في سويسرة، فأسس هناك في سنة 1824 جريدة ~~بعنوان صفحات (أوراق) أوروبية # 33 # ثم صدر عنه العفو بعد بضع سنوات، فعاد إلى «شتوتجارت»، وكانت ~~«شتوتجارت» قد صارت وقتئذ مركز الفكر والثقافة الرئيسي في ألمانيا، ويعيش بها على ~~وجه الخصوص البارون كوطا # Cotta ~~«جوهان فردريك ~~كوطا» وهو ناشر كبير أشرف على نشر أعمال «جيته» و«شيلر»، وجمع حول شخصه كل أنواع ~~الكتاب الألمان ذوي الميول المختلفة، بما في ذلك الكتاب المتقدمين في آرائهم، ~~ولقد أسس «كوطا» وتولى إدارة طائفة من المجلات مثل «الفازيتة العامة» # 34 # التي ظهرت في أوجسبرج، والتي صارت تسمى في فرنسا «بفازيتة ~~أوجسبرج»، ثم «الحوليات السياسية»، # 35 ms1227 # وكلتاهما كانتا مجلتين سياسيتين، ثم «صحيفة الصباح»، # 36 # وكانت أدبية يشرف على تحريرها أحد الشعراء، سرعان ما صارت ميدانا ~~مفتوحا لأقلام الكتاب من ألمانيا الجنوبية خصوصا، ثم مجلة اقتصادية سياسية ~~بعنوان # Hesperus # يشرف عليها أحد رجال الاقتصاد من ~~الأحرار فرانز شولتز # Schulze ~~، ولقد عهد «كوطا» إلى ~~«منزل» في يوليو 1825، بإدارة «ملحق أدبي» لصحيفة الصباح بعنوان صحيفة الأدب، # 37 # سرعان ما صارت تحت إشراف «منزل»، لم يلبث أن نشر في سنة 1828 مؤلفا ~~أحدث ضجة كبيرة، باعتبار أنه تناول تحت عنوان «الأدب الألماني» # 38 # دراسة شاملة للأدب الألماني المعاصر، وأدرك هذا الكتاب نجاحا ~~عظيما؛ لأنه جاء متجاوبا مع الروح الجديدة، وعرض الاتجاهات الحرة، التي كانت تدين ~~بها المدرسة الفكرية التي نشأت حديثا. أما بين هذه الجماعة التي التفت حول ~~«منزل»، فقد كانت تسودها نفس الروح التي سادت جماعات «البورشنشافت»؛ أي الأخذ ~~بالمبادئ الحرة والاعتقاد بالوطنية، والتمسك بالروح الدينية. وهدف «منزل» إلى ~~إنشاء علاقة قوية بين الحياة والكتب، وإلى اتحاد الأدب بالسياسة؛ وذلك كما قال لأن ~~الآراء والفكرات اليوم، تأخذ مكان الرجال، فلم يعد الناس يناضلون من أجل سيد من ~~الأسياد، ولكن في سبيل مبدأ معين، ومن أجل نصر هذا المبدأ وتقريره، فالحرية وحدها ~~مخصبة ومثمرة، في حين تبقى العبودية مجدبة وعقيمة، والنضال من أجل الحرية، إنما هو ~~واجب حتمي، كما أنه حق لكل إنسان. # ولقد خضعت الحياة الأدبية في ألمانيا لقيود قاسية حقا - سبق أن ذكرنا أسبابها - ~~منشؤها الرقابة الصارمة التي فرضتها السلطات أو الحكومات على الحركة الفكرية ~~والثقافية في البلاد، ومع ذلك، فقد كان من أثر هذه الرقابة الشديدة أن صارت الأفكار ~~تتجه نحو المبادئ الحرة، ولعل أصدق مثال لذلك كان ما حدث للكاتب لودفيج بورن # Borne ~~(1786-1837). # كان «بورن» ناشرا يتقن الهجو والتقريع في كتابته، استولده مصرفي يهودي من ~~فرانكفورت في سنة 1786، درس الطب، ثم القانون، والتحق بخدمة الحكومة؛ وكانت بلاده ~~وقتئذ تحت الإدارة الفرنسية، ثم لم يلبث أن أعفي من الخدمة في سنة 1813 عندما تسلمت ~~السلطات الألمانية ms1228 الجديدة شئون الحكم؛ وذلك لأنه يهودي، فأخذ «بورن» على عاتقه من ~~هذا الحين الدفاع عن حقوق «مواطنيه»، وانبرى يطالب على وجه الخصوص بحرية الصحافة، ~~ثم إنه اعتنق المسيحية في سنة 1818؛ ليستطيع الظفر بأحد المناصب، ولكنه ظل مبعدا، ~~فاستمرت حملته من أجل حرية الصحافة، ونشر في سنة 1819 كراسة ضد نظام الرقابة، وعطلت ~~السلطات جريدتين اشترك «بورن» في تحريرهما أو تأسيسهما، واحدة بعد الأخرى، فقرر ~~السفر، وزار «هايدلبرج» و«باريس» و«همبورج» و«فينا»، وعرض عليه «مترنخ» في فينا ~~منصبا، في نظير أن يغلق فمه، ولكنه رفض، وذهب إلى باريس، ولقد نشر «بورن» مؤلفا ~~عن رحلته الأولى إلى باريس بعنوان «صور من باريس»، # 39 # يصف فيه الحياة السياسية والأدبية ... إلخ في العاصمة الفرنسية أثناء ~~سنوات 1822-1825، وأسس «بورن» جريدة بعنوان «الميزان»، # 40 # ثم إنه لم يلبث أن جعل إقامته مستقرة في باريس منذ بداية عام 1830، ~~واستمر «بورن» يناضل من أجل الحرية الألمانية بحماس وعنف، وذلك في أسلوب من ~~التهكم اللاذع بكل «الرجعيين» الألمان. # ولكن هؤلاء المفكرين الألمان، من الأحرار، كانوا قليلي العدد جدا، فهم على قلتهم ~~مبعثرون في أنحاء ألمانيا، وألمانيا آنئذ لا زالت بلادا زراعية وفقيرة، و«الطبقة ~~المتوسطة» بها قليلة العدد كذلك، ولم يكن لحركة المفكرين أو المثقفين الأحرار لهذا ~~السبب أثر عظيم. # ولقد تسلم السياسيون الأحرار من ألمانيا الجنوبية زمام هذه الحركة لإنعاشها ~~وترويجها، ولكن أحرار ألمانيا الجنوبية كانوا يقفون دائما تحت تأثير الآراء ~~الفرنسية؛ ولذلك فقد أنشأ هؤلاء ما يمكن تسميته «بمدرسة دستورية» لمواجهة «المدرسة ~~التقليدية»، و«مدرسة الحقوق التاريخية» اللتين سبق الحديث عنهما، ويعتبر ~~روتيك # Rotteck # وويلكر # Weleker ~~- وهما من غراندوقية بادن - أهم من يمثلون هذه المدرسة ~~الدستورية. أما «كارل فون روتيك»، فقد كان أستاذا بجامعة «فريبورج»، نشر في عام ~~1819 كراسة بعنوان «آراء عن مجالس (طبقات) الدولة»، وتحوي هذه الآراء أن «مجالس ~~الطبقات» تمثل الشعب، وأن الحكومة لا تعدو أن تكون منوبة عن الشعب؛ ولذلك صار ~~الواجب أن يكون لدى المجالس (مجالس الطبقات) كل سلطات الشعب حتى تهيمن على عمل ms1229 ~~الحكومة. وابتداء من سنة 1834 نشر «روتيك» بالاشتراك مع «ويلكر»، «معجما سياسيا»، # 41 # صار إنجيل الأحزاب الدستورية في ألمانيا، أما «كارل تيودور ويلكر» فكان ~~مؤرخا ومن علماء الآثار القديمة، كما كان أستاذا بجامعة بون، ثم صار أحد نواب ~~«الفرقة الثانية» في مجلس غرندوقية بادن، وكتب «تاريخا عاما» # 42 # ظهر في تسع مجلدات بين عامي 1812، 1827، كان له تأثير كبير على القارئ ~~الألماني العادي خصوصا، ولقد طالبت هذه الجماعة، بدستور يكفل للمواطنين الحرية ~~والمساواة، ويمنع الحكومة، وكذلك طبقتي النبلاء والأكليروس من إساءة استخدام ~~سلطاتها، ومما يجب ذكره أنه لم يكن مستطاعا في هذا العصر إقامة صرح الحرية في أي ~~مكان في ألمانيا غير الحكومات أو الدول الصغيرة، مع ملاحظة أن هذه الحكومات أو ~~الدول الصغيرة، هي التي كان يسود بها شعور المحلية الإقليمية في أعنف ~~مظاهرة. # ولقد قام بترويج الآراء التي تمسك بها هذا الحزب الدستوري، ونشط لتنفيذها، النواب ~~من أعضاء «الفرقة الثانية» في مجالس الدولة (مجالس الطبقات)، في الدول التي يقوم ~~بها الدستور في ألمانيا الجنوبية، وكان هؤلاء النواب فخورين بالتقدم والرقي الذي ~~بلغته الحياة الاجتماعية في دولهم، والحريات التي كانت لهم، وذلك كان تقدما ~~اجتماعيا، وتلك حريات، لم يظفر بها الألمانيون في الشمال أو يبلغوها، وأما هذه ~~المجالس «التمثيلية» فكانت قائمة في كل من كارلسروه # Karlsruhe # وشتوتجارت، وميونخ، وفيزبادن. # وكان هؤلاء النواب من أعضاء «الفرقة الثانية» في هذه المجالس التمثيلية في ألمانيا ~~الجنوبية، من الذين عرفوا بالتواضع والخلق المتين، واتصفوا بالأمانة وحب السلام، ~~والذين عنوا بالتفاضل، واشتهر عنهم العناد والتصلب في الرأي، والذين كانوا - وكما ~~هو واضح - أناسا يعوزهم اتساع الأفق، ولا يتقيدون بمبدأ نظري معين، والحقيقة أنه ~~لم يكن يوجد وقتئذ بألمانيا الجنوبية طبقات اجتماعية على درجة كافية من الثقافة، ~~يمكن أن تمتد الحياة السياسية بالعناصر اللازمة لها؛ أي برجال السياسة أو النواب ~~الذين يفقهون واجبات المواطن السياسية ويقدرون على الاضطلاع بها، وعلى ذلك فقد كانت ~~أكثر المجالس التمثيلية في ألمانيا الجنوبية، تأتي بمعظم نوابها من بين موظفي ~~الدولة، ms1230 الأمر الذي جرد هذه المجالس التمثيلية من استقلالها، ومع ذلك فقد أسدى ~~هؤلاء الرجال السياسيون خدمة طيبة، من حيث إنهم ناضلوا دائما من أجل الكرامة ~~الإنسانية، وحرصوا دائما على صيانة حرية الضمير، وعملوا كثيرا على تطويع الحياة ~~السياسية للمبادئ الأخلاقية، وهؤلاء «النواب» - من الدستوريين في الجنوب - هم الذين ~~جعلوا ممكنا - بفضل الرقابة التي فرضوها على نشاط الحكومة والتوجيهات التي قدموها ~~لها - قيام إدارة مالية، وتطبيق القوانين بالعدل والقسطاس، والتقدم خطوات ملحوظة في ~~طريق الإصلاح الاجتماعي، مثل إلغاء أعمال السخرة، وإلغاء ضرائب العشور المستديمة، ~~وتشجيع وتنمية الملكيات الصغيرة. # ولقد كان أعظم ما فعلته هذه الجماعة الدستورية، من «النواب» ورجال السياسة ~~الدستورية في ألمانيا الجنوبية، وأعمق أثرا في نتائجه المباشرة والبعيدة، هو ~~«المحافظة» على الحرية، والحيلولة دون اضطهاد المبادئ الحرة وأصحابها، فمع أن ~~هؤلاء «الدستوريين» لم يكن في مقدورهم التقدم بمطالب سياسية جدية لعجزهم عن معرفة ~~هذه المطالب، فإنهم من ناحية أخرى، قد أفحلوا في تأييد مفهوم «الحرية» أي تدعيم ~~المبادئ الحرة ونظرتها، على أن الذي يجب ملاحظته هو أن الفكرة «القومية» لم تكن ~~ضمن الأهداف التي أرادوها، ولم يكن يرقى إليها تفكيرهم، فهم كانوا يعتبرون «الحرية» ~~الفرض الجوهري والأساس من حياتهم، ويؤمنون بتقدم الحرية على الفكرة الوطنية، ~~والفكرة القومية، وواضح أن هذا «الترتيب» في تفكير هؤلاء «الدستورية» الآن، الذي ~~وضع الحرية في مرتبة متقدمة على الوطنية - وعلى القومية - إنما كان ترتيبا جاء ~~بعكس ما كان عليه الحال أثناء حرب التحرير بين سنتي 1813-1815 في ألمانيا. ~~(9) ثورة (1830) # ولقد كان للثورة التي قامت في باريس في يوليو 1830 نفس الصدى في ألمانيا، الذي كان ~~لها في كل مكان آخر، من حيث تأييد حركة التفكير السياسي، وذيوع الآراء السياسية، ~~ولم تكن تهتم بألمانيا الدولتان الرئيسيتان اللتان تزعمتا الرجعية في أوروبا، ~~وأخذتا على عاتقهما منع «الثورة» من الانتشار، إلى جانب العمل على إخمادها بكل ~~قسوة، وهاتان الدولتان - كما عرفنا - كانتا روسيا والنمسا، فعمدتا بسبب انشغالهما ~~إلى ترك الحكومات المحلية (الإقليمية) في ألمانيا وشأنها، الأمر الذي ms1231 أعطى الأحرار ~~في ألمانيا الفرصة للعمل مباشرة. # ومع ذلك، فإنه مما سوف يستبين من أحداث هذه الثورة (1830) أن الشعب الألماني ~~كانت تعوزه التربية السياسية، وأن الروح القومية كانت محدودة، وضئيلة الأهمية، وأن ~~الألمان لا نشاط لهم لا آراء أو فكرات معينة لديهم يسترشدون بها؛ لتحقيق أغراض أسمى ~~مما اصطلحت عليه وقتئذ واصطنعته حياتهم العادية، فلم تعد هذه «الثورة» مجرد القيام ~~بمظاهرات، ذات صخب وضوضاء وحسب، ولم تكن ترقى بحال حتى إلى مرتبة محاولة ثورية، على ~~خلاف ما شهدناه تماما في «ثورات» 1830 التي حدثت في إيطاليا. # ولقد رحب الأحرار جميعهم - وعلى نحو ما كان منتظرا - «بالثورة». بل لقد قامت ~~المظاهرات الصاخبة في بعض المدن ، من ذلك ما حدث في همبورج مثلا، التي صارت ترفرف ~~عليها الأعلام الفرنسية، وضعت النساء شارة «الجوكارد» على ملابسهن، وفي الدول ~~الشمالية، وفي سكسونيا وهانوفر، وهس كاسل، وبرنسويك، تزعم المظاهرات أساتذة ~~الجامعات، وتألفت مواكبها من الطلبة والموظفين، وينضم إلى هؤلاء بعض رجال القضاء ~~المحليين من المدن المجاورة الصغيرة، وقد استطاع هؤلاء الظفر من حكوماتهم ببعض ~~الحقوق، كما حصلوا أحيانا على الدستور في هانوفر وسكسونيا، وذلك دون مقاومة كبيرة، ~~أو أنهم تمكنوا من تغيير الوزارة واستبدال وزارات أقل رجعية، بتلك التي عرفت ~~برجعيتها الشديدة. # على أن الدهشة التي أثارتها هذه «الثورات» - أو المظاهرات - لم تلبث أن تبددت، ~~فاستعادت الحكومات جأشها، وطفقت تسترجع تلك «الحقوق» التي كانت تنازلت عنها؛ أي ~~منحتها الثوار والأحرار وقت محنتها، واستبعاد الخوف بها، فاستأنف سياسة الضغط ~~والتضييق. # والجدير بالذكر، أن هذا الضغط والتضييق لم يشمل إلغاء بعض «الحقوق» التي كان ~~الثوار والأحرار قد حصلوا عليها، كما أنه لم يمح بعض النتائج التي انجلت عنها هذه ~~«الثورة»، فاختفت عموما أخطر المساوئ المرتبطة بالنظام الإقطاعي القديم، وتزايد ~~نشاط الحياة الذهنية لدرجة كبيرة، وأخذت الحكومات بأساليب اقتصادية جديدة، وكانت ~~تلك جميعها إصلاحات، انكمشت بفضلها الفوارق بين «الدول» الألمانية الشمالية التي ~~حدثت فيها «الثورة»، وبين دول ألمانيا الجنوبية. # وكان طبيعيا - مع ذلك - أن تكون الحياة السياسية في ms1232 هذه الدول الجنوبية أكثر ~~نشاطا منها في الدول الشمالية، فقد أسفرت الانتخابات التي أجريت خلال سنوات ~~الثورة هذه - في الدول الجنوبية - عن دخول كثيرين من الأحرار مجلس «البرلمان»، وكان ~~هؤلاء أكثر تحمسا بالمبادئ الحرة من أسلافهم، بل واعتنق فريق منهم المبادئ ~~الحرة المتطرفة (أو الراديكالية)، وتجاوبت الصحف مع هذا الحماس «الثوري»، بالرغم ~~من وجود الرقابة الشديدة، حتى عمدت الحكومات إلى محاكمة محرريها وإلغائها، فعاشت ~~الطبقة الوسطى (البورجوازية) في ألمانيا الجنوبية عددا من الأسابيع، وربما بضعة ~~شهور، في حالة من «الانهيار»، وصفها أحد الكتاب بأنها كانت تشبه «حلم اليقظة»، ~~أو حال السائر في نومه كما يسير المستيقظ. فاستصدر «البورجوازيون» في مختلف المجالس ~~التمثيلية في الجنوب قرارات التأييد لبولندة وثورتها (1831)، ووضعت الأناشيد لتحية ~~البولنديين، ونادى الأحرار «بأخوة الشعب»، وذلك كله بالرغم من وجود «الرقابة»، ~~وبالرغم من قرار كان قد اتخذه «الدياط» في فرانكفورت منذ 30 أكتوبر 1830 لمنع ~~العرائض أو المطالب الجماعية. # وهكذا دل هذا كله على وجود يقظة في الحياة السياسية، لم يكن مستطاعا إخمادها ~~في السنوات التالية، بالرغم من تدخل الحكومات للقضاء عليها، ولقد أمكن تأسيس اتحاد ~~للصحف، أعان الأحرار على تحمل نفقات القضايا والمحاكمات التي تعرضت لها صحفهم، بل ~~لقد وقعت مظاهرات على نطاق أوسع من الاضطرابات المحلية العادية، فقد نظم احتفال ~~سياسي عظيم في هامباك # Hambach ~~، إحدى بلدان بفاريا ~~الراينية أو «البلاتينات البفارية» يوم 27 مايو 1832، سرعان ما انقلب إلى مظاهرة ~~عنيفة اشترك فيها خمسة وعشرون ألف ألماني، ورفع المتظاهرون على أبراج «قصر هامباك» ~~علم البور شنشافت المثلث الألوان «الأسود والأحمر والذهبي»، وألقيت الخطب الحماسية ~~ضد «الحلف المقدس»، ولتأييد سيادة الشعب، كما طالب المحتفلون والمتظاهرون، باتحاد ~~الدول الحرة الألمانية، وباتحاد الدول الحرة في أوروبا، والحقيقة الجديرة ~~بالملاحظة هنا؛ أن فرنسيين وبولنديين وتشيكيين، كانوا يشتركون في هذه المظاهرات إلى ~~جانب الألمانيين، ولكن قوات الحكومة «البفارية» بقيادة المارشال فون فريد # Wrede ~~، لم تلبث أن شتتت هذه المظاهرات بكل ~~سهولة، وألقي القبض على نفر من المتظاهرين، واضطر الأحرار بسبب إجراءات القمع ms1233 التي ~~اتخذتها الحكومات، أن يؤلفوا الجمعيات السرية لتستمر حركتهم، وحاول المتطرفون ~~منهم في حماسهم، وكانوا عموما من الطلاب، ويختلط بهم فريق من البولنديين، أن يشنوا ~~هجوما على «فرانكفورت» - أي يحدثوا «انقلابا» يستولون بفضله على الحكومية بها، ~~ووقعت هذه المحاولة الانقلابية Pustch # يوم 3 أبريل ~~1823، ولكن سرعان ما أخفقت هذه الحركة، التي انجلت عن قتل تسعة وجرح ثمانين شخصا، ~~والواضح من كل ما تقدم أن هذه الحركات «الثورية» - أو المظاهرات، لم تكن بحال من ~~الأحوال، حركات جدية، ومما يجدر ذكره كذلك أن الأقاليم البروسية، بقيت ساكنة هادئة، ~~بالرغم من كل هذه الاضطرابات المنتشرة في أنحاء ألمانيا. # وثمة حقيقة أخرى، هي أنه لم يكن لفكرة القومية وسط هذا الهياج كله سوى أهمية ~~ضئيلة ، بل تكاد تكون معدومة، فيمكن إيجاز ما حدث، من أجل تأييد القومية، أو باعتبار ~~أنه دليل على وجودها، في أن نائب هس كاسل، هنري «هاينريسن» فون جاجرن قد طالب ~~المجلس التمثيلي في «هس» أن يعمل من أجل اتحاد يجمع في إطار الحرية بين المصالح ~~المادية والروحية - أو الذهنية في ألمانيا، ومع ذلك فقد طالب «جاجرن» بهذا الاتحاد ~~بين المصالح الألمانية، كخطوة ضرورية لمقاومة أطماع فرنسا، ولدعم مركز ألمانيا أمام ~~روسيا القوية، وفي «كارلسروه» طالب «كارل ويلكر»، نائب بادن، الذي سبق الحديث عنه ~~إنشاء مجلس كونفدرائي، وفي مظاهرات هامباك كان الصحفي البفاري الدكتور فيرت # Wirth ~~- على ما يبدو - أنه بمفرده من بين المتظاهرين ~~الذي يستطيع تقديم بعض الآراء المحددة، وذلك عندما صار يدعو لاتحاد ألمانيا في شكل ~~فدرائي، وفي سنة 1832 نشر ماندت # Mundt # وهو كاتب من ~~أصل بروسي استقر به المقام في سكسونيا كراسة عن «وحدة ألمانيا» عن طريق نموها ~~السياسي والروحي، وكان تفكيره يدور حول إنشاء وحدة سياسية، تفسح المجال لإقامة ~~الأنظمة الدستورية، ويكون من واجبه المحافظة على طابع الشعوب وخصائصها المميزة لها، ~~الأمر الذي يتضح منه كيف أن «ماندت» كان ينشد وحدة قومية، ولكنه يريد في الوقت ~~نفسه، وجنبا إلى جنب، مع هذه الوحدة القومية الإبقاء على ms1234 النزعات المحلية والخصائص ~~الإقليمية وتأييدها. # وهكذا في وسعنا القول إجمالا أن الفكرة الحرة في حركة 1830 هذه، إنما كانت ~~تفوق كثيرا الفكرة القومية، وتعلو عليها، يؤيد هذا القول كذلك أن «كارل فون ~~روتيك» زعيم الأحرار في جنوب ألمانيا، ذكر في خطاب له في سنة 1832؛ أنه منحاز لوحدة ~~ألمانيا، ويرجوها، ويريدها، ويتمناها، ويطالب بها ويصر عليها؛ لأن الوحدة وحدها فقط ~~في حقل الشئون أو العلاقات الخارجية هي التي تجعل من ألمانيا دولة قوية، توحي ~~بالاحترام، ولأن الوحدة وحدها فقط هي التي تمنع عن ألمانيا وقاحة الأجانب أي «الدول ~~الأجنبية»، وتحول دون اعتدائهم على حقوق الألمان القومية أو «الأهلية»، وواضح أن ~~«روتيك» كان في تفكيره يربط ربطا وثيقا بين مطلب الوحدة الألمانية وبين عظمة ~~ألمانيا الخارجية، أكثر مما كان يدعو لحصول تغيير جوهري يشمل بلاده، ولقد استمر ~~«روتيك» يقول: «ولكني لا أريد إطلاقا وحدة من شأنها استدراجنا إلى الدخول في حرب ~~ضد مصالحنا العزيزة علينا وضد عواطفنا الخالصة، أو وحدة ترغمنا، فيما يتعلق بشئوننا ~~الداخلية، نحن سكان الراين، بالرضاء بذلك القدر من الحرية الذي تكتفي به بوميراتيا ~~أو النمسا، إني أريد الوحدة، ولكن على أن تتم هذه الوحدة، مقترنة بالحرية، بل إني ~~أؤثر كثيرا الحرية بدون الوحدة، على مجرد الظفر بالوحدة من غير الحرية، وإني لا ~~أريد إطلاقا وحدة تأتي تحت جناح النسر النمسوي، أو النسر البروسي.» ومما يجدر ذكره ~~أن هنريسن هايني # Heine ~~- وقد سبقت الإشارة إليه ~~كثيرا - كان شديد الكراهية لغلاة المتطرفين في وطنيتهم، وخصوصا الرجعيين منهم، ~~و«هايني» هو الذي يقول: «أما بالنسبة لهؤلاء الفرنسيين Pharisiens ~~؛ أي المرائين المتطرفين في وطنيتهم، والذين يتآخرن ~~اليوم مع الحكومات ضد كل ما صار يثير غضب واشمئزاز هذه الحكومات، الذين يتمتعون ~~بمحبة واحترام الرقابة المفروضة على الصحف والمطبوعات والآراء الحرة، فإني أحتقر ~~البطولة المكرية التي يدعيها هؤلاء الخدم المتشحين بأزيائهم الرسمية، السوداء ~~والحمراء، والمذهبة.» # وكل هؤلاء الأحرار، فصموا كل علاقة لهم مع بروسيا، وصاروا جميعا الآن أعداء لها، ~~عندما صارت بروسيا دولة «رجعية»، وتتبع ms1235 سياسة متسمة بالأنانية وحب الذات، فقطع ~~أحرار الجنوب كل صلة لهم ببروسيا، ولو أن «روتيك» من ناحية «كان لا يزال يرى ~~محتملا أن تغدو بروسيا دولة دستورية، وفعل ذلك أيضا كل أولئك الكتاب الذين ~~تألفت منهم فيما بعد مدرسة «ألمانيا الفتاة» # 43 # ثم «فرانز شولتز» مدير صحيفة «هيسبيروس»، التي سبقت الإشارة إليها، ~~والذي نشر في سنة 1832 كراسة عن وحدة ألمانيا بإنشاء تمثيل قومي، فأعلن أن من ~~المتعذر بقاء بروسيا الدولة الرئيسية في الوحدة الألمانية، طالما بقيت هذه مكروهة ~~من سائر ألمانيا، وهكذا أدار الجميع ظهورهم لبروسيا، ولم يكد يشذ عن هذا الإجماع ~~غير أحد الكتاب والساسة الأحرار بول ~~پفيتزر Pfizer ~~، من ورتمبرج، الذي نشر في سنة 1831 كراسة بعنوان «تبادل ~~خطابات بين ألمانيين»، # 44 # موضوعها: مراسلات في موضوعات فلسفية بين «پفيتزر» وأحد الشعراء ~~المعاصرين من ورتمبرج، كذلك فردريك نوتر # Notter ~~، ~~ففي هذه الكراسة طالب «پفيتزر» بانفصال ألمانيا عن النمسا، وتنبأ بالهيمنة التي ~~صارت لبروسيا فيما بعد على ألمانيا، وراح يؤيد السيطرة البروسية. # وموجز القول: إن حركة الأحرار هذه قد تنكرت إجمالا لبروسيا الرجعية، وأدارت لها ~~ظهرها بصورة ظاهرة مقصودة، واستمر لذلك الامتزاج بين الفكرة الحرة والفكرة ~~القومية مبهما ومشوشا بدرجة كبيرة، وانتهى الأمر بالحركة المناصرة للمبادئ ~~الحرة - حركة الأحرار - بإبعاد الألمان عن الدولتين الرئيسيتين في ألمانيا: ~~بروسيا والنمسا، ولكن انفصال ألمانيا عن النمسا وبروسيا، واستبعاد هاتين الحكومتين ~~الرئيسيتين، واللتين كان لا معدى عن وجودهما يجعل متعذرا معرفة «العامل» الذي سوف ~~يصنع ألمانيا، أو الطريقة التي يمكن صنع ألمانيا بها. ~~(10) إخماد الثورة # أما نتيجة حركة الأحرار هذه وثورة (1830)، فلم تكن إلا انتصار الرجعية، ودعم أركان ~~الحكم التسعفي، فقد اتخذ «الدياط» إجراءات «فدرائية» في 28 يونيو سنة 1832، عرفت ~~باسم «المواد الست»، كان المسئول عنها الوزير النمسوي «مترنخ»، صدر بها قرار ~~«الدياط» بعد شهر واحد من مظاهرات «هامباك»، فوافق «الدياط» بالإجماع على بروتوكول ~~بهذه المواد، وقد أراد «مترنخ» الذي كان قد حرم «الدياط» أي حق في الحد من سلطة ~~الأمراء، أن يحرم ms1236 «المجالس التمثيلية» أو البرلمانات «المحلية» في مختلف الدول أي ~~حق في الاعتداء على المبادئ التي يقوم عليها «الدياط»، وعلى ذلك فقد فرضت المادة ~~الأولى على كل أمير ألماني (أي كل صاحب سيادة) في حكومته واجب أن يرفض كل مطلب ~~يتقدم به إليه «مجلس الطبقات» - المجلس التمثيلي أو البرلمان في إمارته أو مملكته - ~~ينتقص من حقوق سيادته، التي ضمن بقاءها قرار الاتحاد الكونفدرائي نفسه (1815). ونفت ~~المادة الثانية أن لمجلس الطبقات الحق في أن يرفض تقديم الأموال التي قد يطلبها ~~الأمير للقيام بأعباء الحكومة، أو أن يستخدم مجلس الطبقات حاجة الأمير لهذه ~~الموارد، للحصول على حقوق دستورية بطريق التهديد يمنعها عنه، وخولت هذه المادة ~~نفسها «الدياط» حق التدخل إذا حدث ذلك، ولقد منعت المادة الثالثة حكومات الاتحاد من ~~استصدار التشريعات المناقضة أو المعطلة للأغراض التي يريدها «الدياط» في ضوء ~~التفسيرات التي يراها «مترنخ» لهذه الأغراض والغايات. وبفضل المادة الرابعة تأسست ~~لجنة فدرائية دائمة لفحص التشريعات المقترحة في مختلف «الدول» التي يتألف منها ~~الاتحاد الكونفدرائي، وتقديم تقرير عن كل التشريعات التي يتضح أنها مؤذية، أو مهددة ~~لحقوق ومصالح رؤساء هذه الدول أنفسهم، وتقرر في المادة الخامسة أن تعمل كل دولة ~~على الدفاع عن «الاتحاد الكونفدرائي»، وحمايته من أي هجوم قد يتعرض له من جانب ~~المجالس التمثيلية (البرلمانات المحلية أو مجالس الطبقات). وأيدت المادة السادسة ~~والأخيرة حق الدياط الفدرائي، أن يفصل فيما إذا كانت القوانين التي تستصدرها ~~«الدول» المختلفة، أعضاء الاتحاد، مناقضة للمبادئ التي يقوم عليها «الاتحاد» ~~ومتعارضة معها. # حقيقة استندت هذه المواد - من الناحية النظرية - مبادئ فدرائية سليمة، ولكن أفسدها ~~وعطل قيمتها - كان - الغرض المقصود منها، وواضح أن بروتوكول 28 يونيو سنة 1832 ~~«المواد الست»، إنما قد زود «الدياط» بالوسيلة المواتية للتدخل المستمر في شئون ~~الحكومات الداخلية، ثم إن الدياط لم يلبث أن اتخذ قرارات أخرى (في يوليو) لمنع ~~الاجتماعات العامة، وحمل الشعارات الثورية، ولوضع المشتبه في أمرهم تحت المراقبة، ~~كما تجددت القوانين الصادرة ضد الجامعات، وفرضت القيود على تداول الكتب الألمانية ~~المطبوعة ms1237 في الخارج، وأعطيت الضمانات لنجدة الأمراء أو الحكام بكل سرعة عندما ~~يطلبون النجدة، ولقد أرغمت «بادن» على وقف القوانين الحرة التي كانت مطبقة على ~~الصحافة بها. # ولقد استثارت هذه الإجراءات حفيظة الأحرار والثوريين، الذين صمموا على القيام ~~«بانقلاب» ينالون به الحرية، فتآمر هؤلاء على أن يزحف حشد من البولنديين من بلدة ~~بيزانسون # Besançon # في الجنوب الغربي خارج ~~الحدود الألمانية؛ لمهاجمة «فرانكفورت» وحل مجلس الدياط، والاستيلاء على الخزانة ~~الفدرائية، وكانت خطة الثوار إرغام ملك ورتمبرج على زعامة الحركة القومية (الأهلية) ~~بالقوة، وتأليف حكومة مؤقتة من «روتيك»، و«ديلكر»، وسيلفستر جوردان # Sylvestre Gordan # زعيم الأحرار في هس ~~كاسل، وغير هؤلاء من القادة الأحرار، ودلت هذه المؤامرة على خرق الرأي، وأفشي ~~سرها قبل تنفيذها، ولكن المسئولين آثروا الانتظار، وحصلت محاولة الهجوم على ~~فرانكفورت فعلا في 13 أبريل 1833، وقضي عليها بكل سهولة، وبعد أن قتل عدد من ~~المتآمرين، وأفاد «مترنخ» من هذا الحادث في تقرير سياسته الرجعية. # لقد كانت تأسست - كما عرفنا - «لجنة تحقيق» في ماينز منذ صدور مرسومات كارلسباد ~~في سبتمبر 1819؛ للبحث عن أصول الحركات الثورية، ودلت محاولة الهجوم على ~~فرانكفورت على أن لجنة ماينز بعد هذه السنين الطويلة (من 1819 إلى 1833)، قد عجزت ~~عن معرفة أو كشف أصول المؤامرة العامة، التي ظهرت نتائجها في هذه المحاولة السقيمة، ~~على أثر الإجراءات الصارمة التي اتخذتها الحكومة ضد الصحف والجامعات والأحرار ~~عموما، وكان في رأي كثيرين، أنه يحتمل أن يكون هؤلاء المتآمرون في فرانكفورت من ~~أعضاء الجمعيات السرية، التي كان «جويزبي مازيني» الإيطالي الروح المسيطرة عليها؛ ~~أي إن مؤامرة فرانكفورت كانت جزءا من مؤامرة عامة كبرى، فكان على هذا الأساس إذن ~~أن طلب «مترنخ» من الدياط في فرانكفورت إنشاء نظام بوليسي على أوسع نطاق ممكن؛ ~~لمواجهة هذه المؤامرة العامة. # فكان بسبب إصرار «مترنخ» إذن أن أنشأ الدياط لجنة مركزية للإشراف على الإجراءات ~~الوقائية التي تتخذها الدول (الحكومات) من أعضاء الاتحاد، ولتدبير الوسائل الكفيلة ~~بإحباط المؤامرات والانقلابات ... إلخ، في ضوء النتائج التي تصل إليها هذه اللجنة في ms1238 ~~فرانكفورت (في يونيو 1833). # وفي ربيع 1834 دار البحث من جديد في فينا لرسم خطوط سياسة القمع التي يجب السير ~~عليها، ولقد بقيت القرارات الجديدة في طي الكتمان نحو عشر سنوات، خوفا من أن تثير ~~إذاعتها غضب إنجلترة وفرنسا، ويبدو أن أهم المقترحات التي عرضت خلال البحث كان بشأن ~~تعيين خمس لجان تعمل كهيئات استشارية للدياط، ثم بشأن محاكم للتحكيم يختار الملوك ~~(رؤساء الدول) أعضاءها، ومهمتها الفصل في الخلافات التشريعية والمالية التي قد تنشب ~~بين هؤلاء الملوك والأمراء ... إلخ، ومجالس الطبقات (أو البرلمانات) في دولهم، ولقد ~~توفي الإمبراطور فرنسيس الثاني في 2 مارس 1835، وخلفه الإمبراطور فردنند (الذي ~~تنازل عن عرش الإمبراطورية في سنة 1848)، ولم يترتب على وفاة الإمبراطور أي تغيير ~~في سياسة النمسا، ولو أن «مترنخ» لم يعد وحده المشرف على سياسة النمسا، بل صار ~~يشترك معه في توجيهها كل من فردنند الإمبراطور الجديد، والأرشيدوق لودفيج # Ludwig ~~، والكونت كولورات # Kolowrat ~~. # وفي الوقت نفسه اتخذت «مجالس الطبقات» المحلية طائفة من الإجراءات الصارمة ضد ~~الأحرار، ثم بقيت اللجنة الفدرائية في فرانكفورت تعمل حتى سنة 1836، فبلغ عدد الذين ~~قدمتهم للمحاكمة ألفا وثمانمائة، أدين من بينهم (203) طلاب، وألقي القبض في ~~درمستاد على «شولتز» صاحب مجلة «هبسبيروس»، وحكم عليه بالسجن خمس سنوات، واستطاع ~~«شولتز» الفرار من السجن، ومات بعد ذلك في المنفى، كما لقي نفس المصير - الوفاة في ~~المنفى - الصحفي «فيرت». وفي غراندوقية «بادن» أجبر على الانزواء كل من «روتيك» ~~و«ويلكر»، وهما - كما عرفنا - من الأساتذة الأحرار، وقد ذكرنا إلغاء القوانين الحرة ~~التي كانت للصحافة بها، وفي هس كاسل ألقي القبض على «سيلفستر جوردان» من زعماء ~~الأحرار، والذي اشترك في وضع دستورها، فاعتبر الآن من المشبوهين، وبعد محاكمة دامت ~~أربع سنوات حكم عليه بالسجن خمس سنوات، ثم ألقي القبض على فريتز رويتر # Fritz ~~Reuter ~~- أحد ~~الكتاب والشعراء الحديثين - بتهمة أنه كان في شبابه ووقت أن كان طالبا؛ متصلا ~~بإحدى الجمعيات السرية، ولقد قدم «رويتر» إلى المحاكمة، كما قدم 204 من ~~الشباب للمحاكمة التي استمرت ثلاث سنوات. ms1239 ثم حكم على «رويتر» بالإعدام، واستبدل ~~به السجن ثلاثين عاما، ولقد نشر «رويتر» بعد ذلك، وعلى نحو ما فعل سيلفيوبلليكو # Silvio Pellico # قصة محبسه، وفي كل مكان تولى ~~رئاسة الحكومة وزراء رجعيون عرفوا بالشدة والصرامة، فسيطر على الحكومة في بفاريا؛ ~~فالر ستاين # Wallerstein ~~، وزميله كارل فون آبل # Abel ~~، وفي هس كاسل؛ سيطر الوزير هسينفلوج # Hessenpflug ~~، وفي بادن كان فرايهر فون بليتر سدورف # Blittersdorff ~~، ثم في بروسيا ~~مجموعة من الرجعيين، مثل كامبتز # Kamptz ~~، ~~وتشوب # Tschoppe # وغيرهما، وفي سنة 1833 تعطل ~~دستور هانوفر. # وهكذا ساد الركود ألمانيا، وخيم عليها الفتور سريعا، بعد الحركة أو الاضطراب، ~~الذي أثاره حادث الثورة في فرنسا في يوليو 1830. # وأما هذا الخمول، الفتور، فقد استطال عدة سنوات، فلم تنفض ألمانيا عنها هذا الركود ~~إلا عشية سنة 1848. فلم يقع خلال هذه السنوات أي حادث، من وجهة النظر السياسية، أي ~~أهمية، فبقيت ألمانيا حتى سنة 1847، تخضع لنفس النظام، وتسود بها الحال التي كانت ~~عليها في سنة 1815 وتلك الحياة السياسية التي عاشتها ألمانيا طوال هذه المدة كانت، ~~وعلى نحو ما شهدنا، في الشطر الأكبر منها، على غاية من التواضع والقصور. # ولكن ألمانيا «الحية» لم تكن تعيش في الحقيقة، خلال هذه السنوات (1815-1847) في ~~عالم السياسة، وإنما كانت تعيش في عالم الفكر والثقافة، وهذه الحياة الذهنية التي ~~عاشتها ألمانيا، هي العامل الجوهري في تطور الكيان الألماني، من ناحية الشعور ~~بالقومية؛ ولذلك فقد صار ضروريا بحث هذه الحياة الذهنية؛ للوقوف على مدى ~~اتجاهاتها القومية في ألمانيا. ~~(11) الحياة الذهنية واتجاهاتها القومية # أما هذه الحياة الذهنية فقد كانت قوية عارمة، ثم إنها كانت خليطا مبعثرا من ~~الاتجاهات والآراء في الوقت نفسه، فقد سادت بها الاتجاهات المناقضة لبعضها بعضا، ~~وتعددت بها أنظمة التفكير، فكان بعض هذه الاتجاهات والأنظمة، منفصلا تماما عن كل ~~حركة سياسية في حين كان البعض الآخر ذا صلة وثيقة بموجات الفكر الرجعية. # ومع أن هذه الحياة الذهنية لم تكن متصلة بالحياة السياسية، فقد كانت مصطبغة ~~بالسياسة، وكان لها نتائج سياسية، مما جعلها ms1240 متباينة في نشاطها مع حياة الخمول ~~والركود في العالم السياسي، وذلك إلى جانب أن الضغط السياسي الذي سار عليه النظام ~~القائم للحد من هذه الحياة الذهنية ذاتها، قد أجبر «العلماء» ورجال الفكر على ~~الاتجاه نحو حلول جديدة، ترفع هذا الضغط الحكومي السياسي، وهكذا فإن الحياة الذهنية ~~الألمانية التي لم تكن مؤسسة على مسطح سياسي، سرعان ما صار لها نتائج، ظهرت آثارها ~~في خلق روح قومي، وفي حمل الألمان على الانصراف عن تأييد، بل ومقاومة ذلك النظام ~~القائم، والذي عطل في كل مكان نمو حياتهم الروحية. ~~(11-1) الجامعات # وفي ألمانيا، كانت الجامعات هي المتمتعة بالعيش الحقيقي بفضل «الوظائف ~~القومية» التي تؤديها للمجتمع الألماني، وفي هذا المجتمع كان لأساتذة الجامعات ~~نفوذ يفوق كثيرا ما كان لرجال الصحافة والسياسة، وشهدت ألمانيا دائما وجود ~~عدد كبير من الجامعات بها، سواء تحت «النظام القديم» أو في عصر الثورة ~~والسيطرة النابليونية. لقد اختفت فعلا بعض الجامعات أثناء «الثورة» والسيطرة ~~الفرنسية، ولكن عددا من الجامعات قد تأسس كذلك بعد «الثورة»، من ذلك تأسيس ~~جامعة «بون» في سنة 1818، والغرض من إنشائها صبغ المقاطعات الجديدة التي ضمت ~~إلى بروسيا في مؤتمر فينا بالصبغة البروسية، ثم تأسيس جامعة في «ميونخ» لتحل ~~محل جامعة لاندشهوت # Landshut # القديمة، التي ~~كانت بدورها قد خلفت جامعة اليسوعية الكبيرة في إنجولشتاد # Ingolstadt ~~، ولقد أنشئت كذلك جامعتان في سويسرة، أحدهما في ~~«زيورخ» في سنة 1833، والأخرى في «برن» سنة 1834، وذلك إلى جانب جامعة «بال» ~~القديمة، ولم تكن هذه جامعات ألمانية، ولكن الألمانية كانت لغة التدريس بها، ~~فصارت لذلك ملاذ الأساتذة الألمان من الأحرار، الذين يطردون من ألمانيا، أو ~~يضطرون إلى مغادرتها، وكان بهذه الجامعات السويسرية أثر ونفوذ عظيمان في ~~ألمانيا الجنوبية. # ولقد استأثرت الحياة الجامعية، بكل اهتمام الألمان، فهم لا يفوتهم حادث قد ~~يقع في هذه الحياة الجامعية، أو تغيير يطرأ، ويسترعى نشاط هذه بعناية فائقة، ~~المناقشات الدائرة والنزاعات الحادة بين مدرستي شلاير ماخر # Schleiermacher # و«هيجل» الفلسفيتين، أو ~~محاورات علماء اللاهوت الكاثوليك؛ العقليون، أتباع مدرسة جورج هرميس ms1241 # Hermes ~~، والذين عرفوا بالاعتدال، فصاروا ~~يعرفون «بالهرميسيين»، من جانب، و«القوميين» - الأرثوذكسيون الذين صاروا ~~مؤيدين لسلطان كنيسة روما تحت تأثير الرومانتيكية، ثم بفضل نشاط البابوية - ~~من جانب آخر، وتلك مشاحنات كانت ذات صبغة جامعية بحتة، وعلى مستوى روحي، مست ~~مشاعر الألمانيين، وتجاوبت أصداؤها في كل أنحاء ألمانيا. # ويذكر الكتاب حادثا، وقع في سنة 1837، للتدليل على نوع «المناقشات» ~~الجامعية التي كان يهتم بها الرأي في ألمانيا وقتئذ، هو أن ملك هانوفر الجديد ~~إرنست أوجستس # Augustus ~~(1837-1851) عمد ~~إلى إلغاء الدستور الذي كان قد أصدره والده «جورج الثالث ملك إنجلترا»، وكان ~~هذا الدستور معطلا قبل إلغائه، ومع ذلك احتج سبعة أساتذة من جامعة «جوتنجن» ~~ضد هذا الإلغاء غير القانوني. فجردهم الملك من وظائفهم؛ وهؤلاء الأساتذة ~~كانوا الأخوين «جاكوب» وولهلم جريم # Grimm ~~، ~~وعالم الفلسفة الطبيعية أو الفيزياء ولهلم ~~ويبر # Weber ~~، والمستشرق هاينريسن ~~إيوالد # Ewald ~~، ثم اثنين من أساتذة التاريخ والعلوم السياسية؛ ~~جورج جرفينوس # Gervinus # وفردريك داهلمان # Dahlmann ~~، ولقد أثار إقصاء هؤلاء ~~الأساتذة موجة من الاستياء، طغت على كل ألمانيا باستثناء «الحكومات» ذاتها ~~بطبيعة الحال، فقد رفض «الدياط» مطلبا تقدم به هؤلاء الأساتذة ينشدون تدخل ~~الدياط في مسألتهم، وعلى ذلك فقد تأسست هيئة في «ليبزج» لجمع أموال واتخاذ ~~الخطوات اللازمة لمساعدة الأساتذة، وأخذت تترى عليهم رسائل التحية والتكريم من ~~كل مكان، وعرضت عليهم الجامعات الأخرى «كراسي» الأستاذية بها، كما منحوا ~~الدكتوراه الفخرية. # لقد أخمدت تماما إجراءات القمع في الحياة السياسية في الجامعات، سواء بسبب ~~إقصاء الأساتذة، أو بسبب فرض الرقابة على الطلاب، وقد منع الطلاب من جماعات ~~«البورشنشافت» من الالتحاق بخدمة الحكومة، أو الكنيسة، أو التعليم والمدارس، ~~وصار محرما عليهم امتهان الطب أو المحاماة، ولكن لم يكن لهذه الإجراءات أهمية ~~كبيرة؛ لأن الحياة السياسية ذاتها بالجامعات، لم تكن - كما ذكرنا - لها قيمة ~~ملحوظة. # وإذا كانت الحياة السياسية ضئيلة القيمة، في هذه الجامعات، فقد توافرت ~~الأسباب التي جعلت الجامعات تنعم بأنواع أخرى من الحياة المليئة بالنشاط، ~~والتي كانت موضع فخر لها، ومبعث شعور بكبرياء عظيم، من ms1242 ذلك أن الحركة ~~العلمية في الجامعات كانت عظيمة حقا، يكفي للتدليل على تعدد نواحيها ذكر بعض ~~الأساتذة الذين اشتهروا في الرياضيات مثل: هس # Hssse # ولوجون ~~ديريشلت # Lejeune Dirichlet ~~، وفي الكيمياء ليبيج # Liebig ~~، فوهلر # Wohler # والأخير هو مكتشف الألمونيوم، وفي البيولوجيا أو علم الحياة - «ولهلم ويبر» ~~الذي سبقت الإشارة إليه، وهرمان ~~هلمهولتز # Helmoltz ~~، ولقد قامت إلى جانب هؤلاء العلماء، مدرسة من ~~أصحاب الثقافة العالية والمتأدبين، من المؤرخين مثل؛ جوهان جوستاف درويزن # Droysen ~~(1808-1884)، أستاذ ~~التاريخ القديم الذي كتب تاريخ مقدونيا، وقد تحدث «درويزن» في مؤلفه هذا عن ~~فيليب المقدوني، ومحاولاته لتوحيد بلاد اليونان؛ ولذلك فقد حوى هذا الكتاب ~~إشارات للتاريخ الألماني وللحالة القائمة في ألمانيا وقتذاك. وكان في برلين ~~مؤرخ عظيم آخر، هو ليوبولد فون رانكه # Ranke ~~(1795-1886) صاحب مدرسة البحث التاريخي التي كان لها أكبر الأثر على تطور ~~الدراسات والبحوث التاريخية بعد ذلك، والذي نشر في سنة 1834 تاريخا للشعوب ~~الرومانية والجرمانية، ومع أن «رانكه» كان مؤرخا، منصرفا للبحث والدراسة، ~~فلم يشتغل بالسياسة، فقد بدأ قبل ذلك بعامين (1832) بنشر مجلة تاريخية سياسية، # 45 # غرضها إيقاظ الروح الوطنية في بروسيا، الأمر الذي جعل الحكومة ~~تصدر مجلة معارضة يتولى تحريرها أعلام الرجعيين، ممن سبق ذكرهم، مثل؛ ~~«ويتجنستين» و«كامنتز» وغيرهما من رجال الحكومة، وكان بفضل ثقافة «رانكه» ~~الواقعية، أن صار تلاميذه متأثرين بالواقعية في تفكيرهم وكتاباتهم، وكان من ~~هؤلاء المؤرخ هليزيسن فون سيبل # Sybel # الذي ~~طالب في سنة 1838 بأن يكون من حق المؤرخ، التعبير عن المشاعر والعواطف التي ~~يتأثر بها والذي طالب بضرورة تشبع الجامعات بروح العصر السائدة، ولقد تميز من ~~بين فقهاء اللغة كارل لاشمان # Lachmann # الذي ~~بدأ حياته في سنة 1816 بعقد البحوث التحليلية الناقدة لأصول الأساطير ~~الجرمانية، في القصة أو الملحمة المسماة نيبلؤو ~~نجنليد # Nipelu ~~Ngenliea # التي يرجع تاريخها إلى حوالي 1190-1210 ميلادية، ~~والتي تقص أسطورة جنس جرماني فوق الطبيعي أو خارق للعادة يقوم على حراسة كنز ~~انتزعه منهم بطل هذه القصة، واسمه نيبلؤو ~~نجن # Nipelu Ngen # ونشر «جاكوب ms1243 جريم» قواعد للغة الألمانية سنة 1819، ثم ~~نشر بعد تسع سنوات (1828) مؤلفه عن القوانين القديمة أو القضاء الألماني في ~~الأزمات المالية، كما نشر في 1837 كتابه عن الميثولوجيا الألمانية. # 46 # وإلى جانب هؤلاء اللغويين والمؤرخين، برز علماء متخصصون في الدراسات المتعلقة ~~بالكتاب المقدس، وتفسير عباراته لغويا وتاريخيا وقانونيا ... إلخ، في ~~الميدان الذي اشتهرت به ألمانيا من قديم، فقامت في هذه البلاد «مدرسة» بذاتها ~~متفرغة لهذه الدراسة، توفرت على دراسة النصوص الأصلية الأولية، والبحث في ~~تاريخ الكنيسة في عهودها المتقدمة. ولقد قامت هذه المدرسة في «توبنجن»، حيث ~~التف التلاميذ حول كريستان بور # Baur # الذي ~~أكسب جامعة «توبنجن» شهرة ذائعة بفضل دراساته العميقة عن الصفات الخلقية ~~والاتجاهات التي كانت للقديسين الأربعة؛ متى ومرقص ولوقا ويوحنا، ثم بفضل ~~بحوثه عن رسائل بولس الرسول. # وأما هذه «المدرسة» فقد كان من خير نتاجها مؤلف - أحدث ضجة عظيمة عن حياة ~~السيد المسيح - للعالم اللاهوتي دافيد فرديك ~~ستراوس # Strauss ~~(1808-1874)، واتبع «ستراوس» في كتابة هذا التاريخ ~~الأسلوب النقدي والتاريخي؛ كي يتمكن من استخلاص الحقائق التاريخية، وعزلها عن ~~الأحداث التي تشكلت منها كل تلك الأساطير التي أحاطت حياة السيد المسيح في ~~نظره بقصص من نسج الخيال وحسب، ولكن «ستراوس» عندما فرغ من تحليل هذه الحقائق ~~والأساطير التي تألفت منها سيرة السيد المسيح، كان قد انتهى إلى اعتبار أنه ~~لم تكن هناك وقائع تاريخية صحيحة تستند عليها حياة السيد المسيح. وراح ~~«ستراوس» يفسر هذه «الحياة»، إذن كمجموعة من الأساطير، ولا شيء غير ذلك، ونشر ~~«ستراوس» كتابه في سنة 1835، وانعقد رأي المؤرخين على أن هذا الكتاب كان ~~أجرأ محاولة قام بها أحد الفقهاء حتى هذا الوقت؛ للتخلي عن كل تلك الجهود التي ~~كانت تبذل من أجل التوفيق بين المعتقدات القائمة على قوة الإيمان وحسب، وبين ~~تلك التي يجب أن تقوم على الحقيقة المدعمة بالأدلة والبراهين، ثم محاولة تطبيق ~~أساليب البحث الناقد على الأسس التي شيدت عليها صروح المسيحية. # ولقد كان من أثر وجود هذه «المدرسة التأويلية» المختصة بتفسير الكتاب المقدس ~~أن ms1244 انطلقت الآن الحملة التي كانت وقتئذ موجهة ضد الدين، والتي تزعمها كتاب ~~من طراز «أرنولد روج» # Ruge # 1802-1880 الفيلسوف ~~والناشر - وأصله من بوميرانيا - والذي أخذ ينشر ابتداء من سنة 1837 صحيفة ~~حوليات هال # Halle ~~- وسوف يأتي الكلام ~~عنها في موضعه - أو آنسلم ~~فويرباخ # Anslem Feuerpach ~~، من تلامذة «هيجل» اليساريين، الذي أثار الأوساط ~~المثقفة في ألمانيا بمؤلفه عن «جوهر المسيحية» # 47 # في سنة 1841، عندما أراد أن يقيم الحجة على أن «الدين» أو ~~العقائد الموحى بها من عند الله لا تعدو أن تكون «تأليها» للإنسانية، وأنكر ~~«فويرباخ» أن الميتافيزيقا (علم المعقولات أو ما فوق الطبيعة) صحيح أو موافق ~~للعقل، ورجع بالفلسفة إلى المشاهدات العينية، ولقد انتهى الأمر بهؤلاء ~~الهيجليين اليساريين - أرنولد روج، وآنسلم فويرباخ وإضرابهما - إلى نكران ~~الدين كلية، وكان من أشد هؤلاء عنفا برونو ~~باور # Bruno Bauer ~~(1809-1882) الذي نشر في سنة 1843 مؤلفه عن ~~«المسيحية بعد إزاحة الستار عنها». # 48 # وأمكن توثيق الصلة بين العلماء عن طريق المؤتمرات التي صار يعقدها هؤلاء، ~~فابتداء من سنة 1822 صارت تنعقد مؤتمرات المتخصصين في العلوم الطبيعية وفي ~~الطب، ثم من سنة 1828 مؤتمرات الفقهاء اللغويين، وفي الأيام التي سبقت «ثورة ~~1848» أصبحت هذه المؤتمرات - وكما كان الحال في إيطاليا - الأداة الأساسية ~~التي أمكن بها إذاعة الفكرة القومية، حيث قد بدأ «الجرمانيون» أنفسهم يجتمعون ~~في مؤتمرات خاصة بهم في سنة 1846. # ومع أن هؤلاء العلماء لم يكونوا بحال من الأحوال من رجال السياسة، فإن ~~نشاطهم والمؤتمرات التي عقدوها، كان عملا على جانب كبير من الخطورة، من حيث ~~إنه قد ساعد على نمو روح البحث والتنقيب العلمي وراء الحقائق، والمناقشة ~~الناقدة، وهي الروح التي اصطدمت بنظام المراقبة السياسية، والتي أدت بسبب هذا ~~الاصطدام إلى زيادة التذمر والغضب من هذا النظام نفسه، وعلى خلاف الحياة ~~السياسية التي اتسمت بالخمول والركود، لم تلبث أن صارت هذه الحياة الثقافية ~~أو الذهنية ذات النشاط العظيم، مبعث فكرة ثانية للمقاومة من أجل الدفاع عن ~~كيانها ذاته ضد إجراءات الضغط والقمع المتبعة معها. ms1245 # ومن ناحية أخرى، فإن هؤلاء العلماء والمؤرخين والفلاسفة ... إلخ، بالرغم من أن ~~كل واحد منهم كان ينشط في ميدان تخصصه، متفرقين عن بعضهم بعضا، فإنهم قد ~~أفلحوا في خلق روح تماسك وارتباط قومي، فيقول «جاكوب جريم» في كلام له فيما ~~بعد وهو يذكر بحوثه اللغوية: «إنه كان يعتبر هذه البحوث اللغوية دائما كواجب ~~جدي ولازم الأداء، والغرض المعين منه خدمة الوطن المشترك، والاحتفاظ بمحبة هذا ~~الوطن.» # وهكذا، فإنه يصح لنا القول بأن هذه الحياة الذهنية (الثقافية) والجامعية كانت ~~ترعى الفكرة القومية، وتحفظها، ولكن في المعنى الذي كان يتصوره «جوهان هردر» # 49 # أكثر مما كان يدور في ذهن «العقليين» الفرنسيين، على أن العمل ~~الذي قام به هؤلاء العلماء الألمان، لم يكن من المنتظر على كل الأحوال أن تظهر ~~آثاره في هذه الناحية القومية خصوصا، إلا بعد مضي زمن طويل. ~~(11-2) الحركة الأدبية «السانسيمونية» # 50 # ولقد كان طبيعيا أن تسترعى الحركة الأدبية قدرا أكبر من انتباه الناس، مما ~~فعلته الحركة العلمية. فالمشتغلون «بالأدب» أكثر عددا، وجمهور المهتمين ~~«بالأدب» وتتبع الحركة الأدبية، أكبر الجماهير المثقفة. وفي ألمانيا نشطت هذه ~~الحركة الأدبية نشاطا عظيما في ذلك الوقت، ولكن دون أن تكون لها قيمة ~~مرموقة. فهناك مدرسة للشعر، من أعلامها؛ فردريك ~~روكيرت # Ruckert ~~، وبلاتن Platen ~~، ~~وعلى الخصوص: لودفيج أوهلاند # Uhland ~~، وهناك ~~كتاب القصة أو الروائيون، مثل ؛ «إيمرمان» الذي سبقت الإشارة إليه، ~~وبرتولد أورباخ # Auerbach # الذي علم ~~«الفلاحين» تذوق الأدب، وأثار اهتمام «البلاط» به. ثم كان هناك كتاب ~~المسرحيات (الدراما)، مثل؛ جراب # Grappe # الذي ~~تخصص في المسرحيات التاريخية، وهيبل # Heppel # 51 # الذي بدأ حياته الأدبية في هذا العهد وبلغ نتاجه ذورته في العهد ~~التالي. # والذي تجدر ملاحظته أن هذه المدرسة الأدبية، قد قطعت كل صلة الرومانتيكية ~~ووجهت عنايتها لملاحظة الحياة الواقعية الطبيعية. # ولقد وجد من بين هؤلاء الكتاب ورجال الأدب جماعة قصرت اهتمامها على ~~السياسة، واتخذت لنفسها اسم «ألمانيا الفتاة»، وصارت تعرف به، وهي الجماعة ~~التي تألفت على هامش حوادث 1830، وغداتها، وهؤلاء الجماعة - ألمانيا الفتاة ~~- هم ms1246 الذين صاروا يشتركون الآن في حركة تقوم على المبادئ الحرة والقومية، ~~وتختلف اختلافا شديدا عن حركة سنة 1813، وذلك من حيث إن الحركة الحالية ~~كانت روحية وحسب، وليست حركة «عمل» أو فعل «مادي»، ثم إنها كانت كذلك، وعلى ~~نحو ما كان عليه الحال في القرن الثامن عشر، حركة «أممية» أي مختصة بكل أمم ~~العالم، وليست قاصرة على ألمانيا وحدها، كما لم تكن موجهة ضد فرنسا؛ أي ~~مصطبغة بشعور العداء ضد هذه الأخيرة، على خلاف ما كان عليه الحال في حركة ~~1813. # أما هذا «العالم المثقف» في ألمانيا، فقد وجد أنه صار يعيش في اضطراب وقلق ~~عظيمين، وتطفى عليه موجة من القنوط وعدم التشجيع، وذلك غداة إجراءات القمع ~~والضغط التي ذكرناها في سنة 1832، ولقد بقي هؤلاء «المثقفون» يمرون بهذه ~~التجربة في السنوات من 1832 إلى 1835، ولقد ظهر كأنما قد قضى خضوع ألمانيا ~~لسلطان الحكومات القائمة في شتى دولها؛ على كل نزعات الحرية، قضاء مبرما، حتى ~~إن أقصى ما قد يحق وقتئذ للمرء أن يطمع في الظفر به، لم يكن يعدو - على ما ~~يبدو في هذه الظروف - مجرد إنقاذ البقية الباقية من الحريات، التي تسنى لها ~~البقاء في ألمانيا الجنوبية، كما كان يبدو كذلك أن من الواجب أن يطرأ تغيير ~~روحي (أخلاقي) واجتماعي على ألمانيا، قبل أن يتمكن أحد من الوصول إلى «نتائج» ~~- أو إحداث تغييرات - سياسية؛ وذلك لأن «التحول » الأخلاقي والاجتماعي، كان ~~شرطا أساسيا لا مندوحة من توفره سلفا، وذلك تمهيدا «للتحول» السياسي ~~المنشود. # على أنه حتى يمكن «تنفيذ» هذه «الثورة» الخلقية والاجتماعية، لم يكن هناك بد ~~من أن يستعين هؤلاء «المثقفون» من الشباب الألماني «بالنفوذ» الأجنبي؛ المتمثل ~~في المذهب الحر الفرنسي، أو في مذهب السانسيمونيين الجديد. وهؤلاء الأخيرون ~~ينتسبون لمؤسس جماعتهم؛ كلود هنري كونت دي سان ~~سيمون # St Simon ~~(1760-1825)، وهو من أعلام الاشتراكيين في فرنسا ~~الذين أرادوا بناء العوالم المثالية. ومن المعروف أن سان سيمون كان يرى هذا ~~العالم المثالي في إنشاء الدولة الصناعية التي يدبرها العلم الحديث، نشر أول ~~مؤلف ms1247 له في سنة 1803 بعنوان «رسائل أحد المقيمين في جنيف أو سكانها» # 52 # كان بمثابة الإنذار بالخطر الذي يتهدد أصحاب الأملاك بالثورة من ~~جانب الذين لا أملاك لهم، ثم لم يلبث أن نشر طائفة من «الكراسات» يؤيد ~~فيها فكرته القائلة بأن عهد طبقة النبلاء قد ولى وانقضى، وأن الوقت قد حان كي ~~يتولى «الصناعيون» توجيه المجتمع. فيعمل هؤلاء على إسعاد المجتمع وتنمية ~~ثروته، وتنظيمه وإشاعة الهدوء والسكينة فيه، وذلك بأن يسترشدوا في نشاطهم ~~لبلوغ هذه الغاية بعبادة محبة الناس، والبشرية، وضرورة التعاضد والتكافل، وهي ~~العبادة التي سوف تصبح «المسيحية الجديدة». # ولقد تأسست «مدرسة السانسيمونيين» في فرنسا، بعد وفاة سان سيمون نفسه، تحت ~~زعامة اثنين من تلاميذه؛ أرمان ~~بازارد # Armand Bazard # وبروسبر ~~إنفانتان Prosper Enfantin ~~، وقد ألقى «بازارد» خصوصا سلسلة من الدروس العامة ~~في باريس في سنتي 1828 و1829، أوضحت الأفكار والمبادئ الأساسية التي قام عليها ~~مذهب السانسيمونيين وعقيدتهم، وفي رأي السانسيمونيين أن الإنسانية (البشرية) ~~تمر في أدوار أو عهود تنظيمية (عضوية) تخضع البشرية أثناءها لنظام اجتماعي ~~مقبول من الشعوب، ويقره الدين، كما تمر في عهود أو أدوار يتعرض فيها هذا ~~النظام الاجتماعي للنقد، وتبحث الإنسانية أثناءها عن نظام جديد، ودور «النقد» ~~هو ذلك الذي تعانيه الإنسانية أو البشرية الآن، وقد بدأ منذ أن بدأ انحلال ~~المسيحية في القرن الثامن عشر، وسوف يخلفه عهد تنظيمي (عضوي)، تسوده الديانة ~~الجديدة القائمة على المحبة، ولقد استند تاريخ البشرية حتى الوقت الحاضر على ~~استغلال الإنسان لأخيه الإنسان، ولقد اتخذ هذا الاستغلال صورا مختلفة ~~متلاحقة، بدا فيها «مخففا» في كل واحدة منها عن سابقتها، فكانت العبودية # Esclavage ~~، ثم الاسترقاق (المتعلق برق ~~الأرض) # Servage ~~، ثم الاستخدام نظير أجر معين، ~~أو التوظف # Salariat ~~. ويرى السانسيمونيون أن ~~من الواجب الاستعاضة عن العداء الناشب بين «الممتلكين» - أصحاب الأملاك و«غير ~~الممتلكين» بمبدأ المشاركة، وأن يقوم مجتمع شيوعي، مكان المجتمع القائم على ~~الملكية الفردية، ولم تكن الشيوعية التي أرادها السانسيمونيون تسوي بين الناس ~~- بل كانت تضع الناس في مراتب متفاوتة، بحيث ms1248 لم يكن ينال المرء في نظام هذه ~~الشيوعية إلا قدر الجزاء الذي تستحقه، عملا بالقاعدة القائلة: «ليأخذ كل فرد ~~حسب طاقته، وليأخذ صاحب هذه الطاقة حسب العمل الذي تؤديه طاقته.» # 53 # والعداء الناشب اليوم بين الطبقات، صار يصحبه عداء بين الشعوب، ~~وذلك عداء سوف يختفي كذلك بفضل «المشاركة العامة» التي سوف تعم الدنيا بأسرها ~~والمؤسسة على العاطفة الدينية. # وابتداء من يناير 1831 قامت «مدرسة السانسيمونيين» بدعاية كبيرة في ~~«ألمانيا»، وذلك بفضل الكراسات والنشرات العديدة التي صارت تأتي من فرنسا، ~~وأيدت جريدة لوجلوب # Le Globe ~~، وهي التي ~~صارت صحيفة السانسيمونيين، اهتماما فائقا بشئون ألمانيا، وسرعان ما ظهر «أدب ~~سانسيموني» في ألمانيا ذاتها، إما لبيان المبادئ السانيسمونية وتأييدها، وإما ~~للطعن على هذه المبادئ ومحاولة دحضها. ونشر بوشهولتز # Bucholtz # موجزا لآراء السانسيمونيين ومذهبهم، كما توفر ~~موريس فايت # Veit # خصوصا على إصدار ~~البحوث العظيمة لتوضيح «السانسيمونية»، وذلك في عامي 1832 و1834، ونشرت الصحف ~~في هذه الفترة ذاتها مقالات عديدة، تناولت بالقدح أو المديح هذه ~~«السانسيمونية»، إلى جانب معالجة مسائلها معالجة مستفيضة، بل ومما ينهض دليلا ~~على مبلغ الدعاية النشيطة التي لقيتها السانسيمونية في ألمانيا، ومبلغ خطورة ~~هذه الدعاية في الوقت نفسه، أن الأساقفة صاروا يصدرون المنشورات والتنبيهات ~~لتحذير الناس من السانسيمونية. # ولقد استمسك الألمان - وبالأقل فريق معين منهم - بطائفة من الأفكار والآراء ~~التي نادت بها «المدرسة السانسيمونية»، فاستمسك الألمان بفكرة التناقض القائم ~~بين الغنى والفقر، والمقاومة الناشئة بين الطبقات الغنية والفقيرة، وهي ~~«الفكرة» التي أفضت إلى قيام حركة ديمقراطية جديدة في ألمانيا، تنشد أهدافا ~~ديمقراطية واشتراكية معا وفي الوقت نفسه. وأما الذي صار يمثل هذه الحركة، ~~فكان الكاتب الشاب جورج بوشنر # Buchner ~~«الديمقراطي» المتحمس، الذي شكل جمعيات سرية في هس كاسل، ونشر كراسة بعنوان ~~«الفلاح الهيسي»، # 54 # وجه فيها حملة عنيفة ضد الأغنياء وضد الأمراء، ثم نادى بالثورة ~~الاجتماعية، وقال «بوشنر»: إن الذي يسيطر على مقدرات العالم المعاصر، إنما ~~هو «المعدة ومسألتها الكبيرة»، # 55 # وأنشأ «بوشنر» جمعية لحقوق الإنسان في «هس» على غرار جمعية ms1249 حقوق ~~الإنسان في فرنسا، وبلغ عدد أعضاء جمعيته الأربعين، وفي سنة 1834 نشر مسرحية ~~عاطفية مثيرة بعنوان «موت دانتون»، # 56 # واستطاع أن يفلت من المحاكمة والسجن في الوقت المناسب، فغادر ~~جيسين # Giessen # لاجئا إلى ~~ستراسبورج. # ومن الآراء الأخرى الذائعة وقتئذ، كان الاعتقاد بأن الحياة الاجتماعية تفوق ~~كثيرا في أهميتها الحياة السياسية البرلمانية، كما كان يسود الاعتقاد بقوة ~~الحركة الصناعية وبضرورة تحديد الغاية، التي يجب توجيه هذا النوع من النشاط ~~البشري إليها لتحقيق المصلحة المقصودة، وإلى جانب هذا فقد ذاع كذلك الرأي ~~القائل «بالأممية»، # 57 # أي شعور الانتماء إلى كل الأمم، وعدم الارتباط بوطن أو بلد معين، ~~ثم تآخي الشعوب التي يجب أن تتحد في ائتلاف عظيم من أجل استقلال موارد ~~العالم. # ولقد استخلص الألمان من هذه الآراء والفكرات نوعا من الصوفية، كما استخلصوا ~~منها أفكارا بشأن تحرير المرأة، وسرعان ما قامت حركة واسعة تحت تأثير ~~«السانسيمونية» لتحرير المرأة في ألمانيا وقتئذ، واعتمدت هذه الحركة النسائية ~~خصوصا على جهود سيدتين كاتبتين؛ راهيل ~~ليفن # Rahel Levin # التي نشرت «جورنالها» و«رسائلها» في سنة 1833، وكانت ~~«راهيل ليفن» من أعلام الحياة الثقافية في برلين مدة طويلة، أما «الكاتبة ~~الأخرى»، فكانت بتينا فون ~~آرنيم # Bettina Von Arnim # صديقة «جيته» المشهورة، والتي نشرت في سنة 1834، وبعد ~~وفاة «جيته» الرسائل التي تبادلتها مع هذا الكاتب العظيم، ولقد صادفت كتابات ~~هاتين السيدتين نجاحا كبيرا في ألمانيا، وانكب الناس على قراءة ما صارتا ~~تنشرانه بشغف وحماس، ولا جدال في أنهما قد تسببتا بجهودهما الأدبية تقوية ~~الحركة النسائية في صالح إعطاء المرأة حقوقها، وتحريرها من سلطان ~~الرجل. # وهكذا عاونت «السانسيمونية» على صنع أيديولوجية جديدة في ألمانيا، كما أنها ~~ساعدت - من ناحية أخرى - على أن يحقق الألمان من حياتهم الصناعية نتائج مادية ~~لنباء مجتمع أفضل. ~~(11-3) الحركة الأدبية «ألمانيا الفتاة» # 58 # أما هذه الروح الجديدة - أو هذه المدرسة الجديدة - فقد ظهرت أثرها في حركتين ~~معينتين؛ حركة نشاطها موزع أو مشتت في أنحاء ألمانيا عموما وتعرف هذه بحركة ~~أو مدرسة «ألمانيا الفتاة»، وأخرى ms1250 أكثر تحديدا، ينحصر نشاطها في الغرب، في ~~الأقاليم الراينية، وتعرف باسم «المذهب الرايني الحر». # 59 # والذي يجب ملاحظته من مبدأ الأمر، أنه يجب التفريق بين «ألمانيا الفتاة» التي ~~هي موضع دراستنا الآن وبين «ألمانيا الفتاة» التي كانت قسما من «أوروبا ~~الفتاة»، التي أنشأها «مازيني» في سويسرة في الظروف التي سبق أن مرت بنا عند ~~الكلام عن الحركة القومية وحركة الأحرار في إيطاليا. لقد أساء الخلط بين ~~«مدرسة ألمانيا الفتاة» وهذه «الجمعية» المازينية إلى الكتاب الشبان ~~الألمان، الذين لم يكن لواحد منهم في الحقيقة أي اتصال بأولئك المتآمرين الذين ~~تألفت منهم «ألمانيا الفتاة» - المازينية - في سويسرة، وثمة ملاحظة أخرى، هي ~~أن الكتاب المنتمين «لألمانيا الفتاة» في ألمانيا، والذين اشتغلوا بالسياسة ~~أصلا، أو كانت لهم ميول نحو النشاط السياسي، لم يلبثوا أن نفضوا أيديهم من ~~السياسة قطعا في سنة 1832، وذلك غداة حادث المظاهرات والصخب السياسي المعروف ~~في «هامباك»، فكانت حركة «ألمانيا الفتاة» إذن حركة فكر وأدب في ~~جوهرها. # ومن وجهة نظر الأدب، تعتبر حركة ألمانيا الفتاة خصما لكل علاقة ~~بالرومانتيكية الصوفية والمثالية، من أجل العودة إلى عالم الحقيقة والواقع؛ ~~العودة إلى «العقل» والعودة إلى الشعب، ثم إن هذه الحركة - ألمانيا الفتاة - ~~من ناحية وجهة النظر السياسية، فكانت تعمل لتحرير الفكر، ولتحرير الأفراد، ~~وحركة تريد انطلاق العاطفة والشعور وظفر الأمم بحقوقها وبحرياتها، وتحقيق ~~السعادة، ونشر ألوية السلام. # وأما الكتاب الذين تألفت منهم «ألمانيا الفتاة» فقد جاءوا من نواح ~~مختلفة، فمنهم الوطنيون والأحرار الذين التفوا حول «وولفجانج منزل»، ~~وجريدة الصباح # Morgenblatt ~~، والذين كان ~~من بينهم على وجه الخصوص؛ الروائي والكاتب المسرحي كارل فردنند جوتزكوف # Gutzkow ~~(1811-1878)، وكان مولد هذا الأخير في ~~برلين، بدأ حياته صحفيا، ثم سرعان ما انصرف عن فلسفة «هيجل»، وأدار ظهره ~~لها، كما أدار ظهره للعصور الوسطى، وللرجعية، بتفكيرهما وأساليبهما، ويكاد ~~يكون «جوتزكوف» جمهوريا في تفكيره، وكان من بين مؤلفاتها الأولى «رسائل ~~مجنون إلى مجنونة»، وذلك في سنة 1831، وهؤلاء الكتاب الشباب اعتقدوا بضرورة ~~معالجة أدب الشعب. # وغير هؤلاء، كان جماعة من ms1251 الكتاب الذين ظهروا فرادى، ولم تجمعهم رابطة ~~معينة، وكانوا يمثلون اتجاهات متعددة ومختلفة في عالم الفكر، نذكر منهم الشاعر ~~الصحفي هاينريش لوب # Laube ~~، والذي كان برليني ~~المولد كذلك (1806)، عمل في أول حياته مؤدبا أو معلما لأبناء الأسرة ~~الكبيرة، تأثر منذ سنة 1831 «بالسانسيمونية»، فاعتنق المبادئ الاجتماعية ~~الحرة، كما وقع تحت تأثير «فردريك ليست» عند عودة هذا الأخير من أمريكا ~~(1832). وإلى جانب «لوب» نذكر ماندت # Mundt # وهو بروسي المولد كذلك (1808)، وقد عرفنا أنه كان يعيش في سكسونيا، ولم يلبث ~~أن تحول إلى تأييد الملكية الدستورية، وفي رأيه كانت سكسونيا تمثل الدولة ~~والدين، وذلك على خلاف الكتاب الآخرين، والذين كانوا عموما لا يؤيدون ~~بروسيا، وكان «ماندت» نفسه ناقدا أدبيا. # وثمة مجموعة أخرى من الكتاب المنتمين لهذه المدرسة (ألمانيا الفتاة)، ~~وهؤلاء كانوا من المشتغلين بالجامعات، نذكر منهم وينبارج # Wienbarg ~~(ولد في سنة 1802)، والتحق بجامعة كييل # Kiel # أستاذا من غير مرتب، ولكن معترفا به # 60 # نشر مؤلفا عن «هولندة خلال سنتي 1831، 1832»، ثم نشر في 1834، ~~مؤلفا بعنوان «الحقول النضرة أو الجميلة» أهداه «لألمانيا الفتاة»، والذي كان ~~بعد هذا الإهداء، أن صارت هذه الجماعة من الأدباء تعرف باسم «ألمانيا ~~الفتاة». # وأخيرا، ضمت إليها «ألمانيا الفتاة» فريقا من الكتاب، يعتبرون طرازا ~~بذاته؛ بسبب ظروفهم العائلية، أو أصولهم التي نبتوا منها، مثل «لودفيج بورن» ~~اليهودي الأصل، وقد سبق الكلام عنه، ومثل «هنريش هايني» 1797-1856، الذي كان ~~يهوديا كذلك، وقد سبقت الإشارة إليه في مواضع متعددة، وحان الوقت لذكر طرف ~~من سيرته. # فقد ولد «هايني» سنة 1797 في «دسلدورف» في أسرة يهودية تشتغل بالتجارة، وتملك ~~بيوتا تجارية هامة، ومصرفا كبيرا، كان أحد هذه المؤسسات في همبورج، وحاولت ~~الأسرة أن تزج به في هذه الحياة التجارية والمصرفية، ودرس القانون في جامعة ~~«بون»، ثم من جامعتي «جوتنجن» و«برلين»، ولكن لم يكن القانون هو الذي يستأثر ~~باهتمامه، فصار «هايني» يقصد كليات الآداب، وكان في سنة 1825 أن أتم «هايني» ~~دراسته القانونية، وحصل على دكتوراه القانون، ولكن تعذر عليه الالتحاق بخدمة ~~الحكومة؛ بسبب ms1252 يهوديته، فاعتنق المسيحية، التي بقي مع ذلك لا يؤمن بها أو ~~بغيرها من الأديان، كما لم يفده شيئا اعتناقه المسيحية؛ لأنه ظل معبدا، ~~ويعتبره الوسط الألماني منبوذا، فكان ذلك أحد بواعث اعتناقه للمذهب الحر، ~~مثله في ذلك مثل «لودفيج بورن». # وانكب «هايني» على الحياة التي آثرها على غيرها؛ حياة الأدب، التي استغرقت كل ~~نشاطه، فنشر في سنة 1822 أول مجموعة لقصائده، ثم كان في سنة 1826 أن نشر ~~مؤلفه الهام صور لأسفار # Reisebilder # وقد ~~أقنع النجاح الذي صادفه «هايني» بالتفرغ للأدب تماما، ثم ظهر له في سنة 1827 ~~كتاب أغان # Buchder lieder ~~، وشرع ~~«هايني» بعد ذلك، يقوم بعدد من الرحلات لزيارة لندن، وميونخ، وإيطاليا العليا، ~~وعندما قامت «ثورة 1830» كان «هايني» موجودا في همبورج، وقد تحمس الشاعر ~~حماسا عظيما للثورة ولمناصرة الفرنسيين، ولكن سرعان ما أخمدت الثورة، واستتب ~~الأمر «للرجعية» في همبورج، وطرد اليهود منها، وأنقذ الناشر المعروف «كوطا»، ~~هايني، عندما عرض عليه أن يعمل، ممثلا في باريس لجريدة الفازيتة العامة # Allegemeine zeitung # فاستقر به ~~المقام في باريس سنة 1831 مندوبا لهذه الجريدة بها. # ولقد كان وجود علمين من أعلام كتاب «ألمانيا الفتاة» يعيشان خارج ألمانيا، ~~حقيقة على جانب عظيم من الأهمية، فقد سبق أن عرضنا كيف استقر «لودفيج بورن» في ~~باريس منذ بداية سنة 1830، وقد لحقه الآن للاستقرار بالعاصمة الفرنسية كذلك ~~«هنريش هايني»، وكلاهما يعتبران من زعماء حركة «ألمانيا الفتاة»، وهما يعيشان ~~الآن بعيدا عن ألمانيا، وفي بلاد أجنبية؛ ولذلك فقد بقي من أعلام هذه الحركة، ~~في ألمانيا ذاتها، «كارل جوتزكوف»، وبذل «جوتزكوف» الآن قصارى جهده في صيف ~~1835؛ ليجمع أنصار «ألمانيا الفتاة» حول مجلة أسسها لهذه الغاية باسم ~~المجلة الألمانية # Deutsche Revue # فالتف ~~حوله لفيف من الناشرين والأدباء، والقصصيين، ومؤلفي المسرحيات، وكذلك أساتذة ~~الجامعات. # وكانت هذه الحركة (حركة ألمانيا الفتاة) تخضع في الميدان السياسي لنفوذ ~~«لودفيج بورن»، الذي يقوم على توجيهها، ولقد بقيت هذه الحركة مختلطة بحركة ~~المذهب الحر (أو المبادئ الحرة) عموما إلى وقت حادث «هامباك» الذي عرفناه، ~~فانفصلت ms1253 من ذلك الحين حركة ألمانيا الفتاة عن السياسة. # وأخيرا فقد خضعت حركة ألمانيا الفتاة، كذلك لنفوذ «هايني» وتوجيهه، وكان ~~«هايني» حينئذ قد اعتنق «السانسيمونية»، ولو أنه لم يكن بحال من الأحوال ~~ديموقراطيا. # أما برنامج هؤلاء الأعلام السياسي، فقد كان برنامج الأحرار العاديين، ولم ~~يكن مع ذلك برنامجا متقدما، ويتميز على وجه الخصوص، وقبل كل شيء ما بالطابع ~~الجدلي والروح الناقد، وهو طابع أشد بروزا، ويقود إلى نشاط أعظم كثيرا في كل ~~الميادين الأخرى خلاف ميدان السياسة. ~~••• # أما وقد تعرفنا إلى مدرسة «ألمانيا الفتاة» وإلى أعلامها، فإنه يجدر بنا ~~التساؤل الآن عن قيمة هذه المدرسة أو الحركة، من ناحية وجهة النظر القومية، ~~ولعل أول ما نلاحظه على هؤلاء الجماعة من الأدباء والمفكرين إلخ، أنهم قد ~~تخلوا تماما عن شعور الكراهية لفرنسا، وأنهم يدينون «بالأممية» # 61 # التي عرفناها بأنها الشعور بالانتماء إلى كل الأمم، وعدم ~~التقيد بوطن واحد، فقد عاد هؤلاء إلى اعتناق «الأممية»، وصاروا الآن يصوغون ~~قلائد المديح لفرنسا، فينشر «لودفيج بورن» مجموعته الأولى «رسائل من باريس» # 62 # في سنة 1832، وعددها ثمانية وأربعون خطابا، وتفيض بالمديح لفرنسا ~~بدرجة من الحماس، أثارت السخط، و«الفضيحة» في ألمانيا، ومع ذلك فقد نشر «بورن» ~~مجموعته الثانية من هذه الرسائل في سنة 1833، ثم مجموعته الثالثة منها في سنة ~~1834، ولقد نشر «هايني» مؤلفه: «صور من باريس» # 63 # في فصول ظهرت تباعا في جريدة «الفازيتة العامة» في باريس ابتداء ~~من 28 ديسمبر 1831، وأعلن «هايني» أنه صديق للفرنسيين؛ «لأنه كذلك صديق الناس ~~جميعهم طالما أن هؤلاء معقولون وطيبون.» و«هايني» يقول فيما بعد: «إن عمل ~~حياتي العظيم، كان بذل قصاري جهدي حتى يسود التحالف الودي بين ألمانيا وفرنسا، ~~وحتى يتلف لصالحهما الأوهام الباطلة والعداوات الدولية.» # ولقد حدث في ألمانيا رد فعل ضد هؤلاء الأنصار والمؤيدين لفرنسا، وذلك من جانب ~~أولئك الذين بقوا محتفظين بالروح التي سادت الكفاح الوطني في سنة 1813، خصوصا ~~«ولفجانج منزل»، الذي تعرض بسبب ذلك لهجوم عنيف وقاس من ناحية «ألمانيا ~~الفتاة»، فأصدر «لودفيج بورن» ضده كراسة بعنوان ms1254 «منزل آكل الفرنسيين منهم ~~وشراهة»، وذلك في سنة 1836، ثم حمل «دافيد فردريك ستراوس» حملة عنيفة على ~~«منزل»، عندما قال عن هذا الأخير: إنه إنما يريد أن يجعل مقبولا من وجهة ~~النظر الألمانية آراءه التي هي ذاتها لا يمكن أن تقضي من وجهة النظر الألمانية ~~ذاتها إلا إلى الحماقات، أو إلى ما يستحيل قوله إطلاقا، من ذلك أن من الحمق ~~«مطاردة» نابليون، واضطهاد «ذكراه»؛ لأنه ذات يوم كان قد ألحق الأذى بألمانيا ~~وعسف بها، فإن نابليون لم يعد له وجود الآن، ولن يستطيع إلحاق الأذى أو العسف ~~بألمانيا ثانية. ثم قال «ستراوس»: ونحن إذا شئنا العودة إلى التفكير فيما هو ~~جدي، يصح لنا أن نسأل كيف أجاز «منزل» لنفسه أن يكتب: إن نابليون قد أوقع ~~بنا الكوارث والنكبات، حتى إنه ليحق لنا نحن الألمانيين أن نغتسل مرة أخرى في ~~نهر من دماء الفرنسيين؛ لأنه حتى هذه اللحظة لا تزال الراية الفرنسية تخفق من ~~قمة كتدرائية (ستراسبورج)، ولم يحدث شيء حتى الآن لتحرير ألمانيا من النفوذ ~~الفرنسي، وفي رأي «ستراوس» أن عبارات مثل هذه تصدر بعد ثمان وعشرين سنة من ~~عقد الصلح، وفي وقت لم تعد فيه فرنسا تهدد ألمانيا - إنما تبعث على السخرية ~~والهزؤ بكاتبها. وقال «ستراوس»: إن أناشيد الحرب، كانت ذات قيمة، وقت الحاجة ~~إليها، وقت الحرب والكفاح، ولكن محاولة الاحتفاظ بها كأغنيات شعبية وقت السلام ~~والهدوء، لمما يعتبر كذلك عبثا وسخرية. # ولم يسكت «منزل» عن هذه الحملات القاسية الموجهة ضده، بل إنه قد حمل هو ~~الآخر حملات عنيفة مشابهة لها ضد كتاب وأدباء «ألمانيا الفتاة»، وصار على ~~وجه الخصوص يستثير ضدهم السلطات الحكومية. # وكان من المتوقع أن تبدي «الحكومات» سريعا تذمرها من الروح الناقدة التي ~~اتسم بها نشاط «ألمانيا الفتاة»، ومن ذلك الهياج في الخواطر الذي أثاره ~~كتاب «ألمانيا الفتاة» في عالم الفكر والثقافة في ألمانيا، ولقد خلطت ~~الحكومات عامدة - خصوصا الحكومة البروسية، حكومة فردريك وليم الثالث، وحكومة ~~النمسا، البرنس مترنخ؛ بين الفكرات القومية، والمبادئ الحرة، فصارت هذه ~~الحكومات ms1255 تعتبر هذه المبادئ القومية والحرة، مبادئ ثورية، ثم إنها خلطت كذلك ~~- وعن عمد - بين «ألمانيا الفتاة»، جماعة الأدب والفكر، وبين «ألمانيا الفتاة» ~~الجمعية السياسية في «برن» بسويسرة، وكان تأثير «مترنخ» وفردريك وليم الثالث ~~أن اتخذ الدياط قرارا في 10 ديسمبر 1835 ضد «مدرسة يعمل أفرادها الذين لا ~~تخفى رغباتهم الحقيقة لمهاجمة الديانة المسيحية، والاعتداء على النظام ~~الاجتماعي، وهدم الأخلاق»، ثم منعت من الصدور مجلة ألمانيا الفتاة - «المجلة ~~الألمانية» - التي سبق ذكرها، وكل كتابات المؤلفين الخمسة الذين يعتبرون ~~مسئولين عن حركة «ألمانيا الفتاة»، وكذلك كل ما قد يكتبونه في المستقبل، ~~وهؤلاء هم؛ مايني، وجوتزكوف، ولوب، ووينبارج، وماندت، ولقد طلب كذلك من ~~الحكومات في مختلف «الدول» الألمانية أن تقيم الدعوى ضد هؤلاء ~~الكتاب. # وأسفرت هذه الإجراءات عن نتائج سريعة، فقد تخلى عن الحركة الجامعيون ~~والصحفيون من المشتركين فيها، من هؤلاء؛ «ماندت» و«لوب»، وكان الأخير قد سجن ~~مرة، فلم يعد يريد استئناف التجربة، فقام كلاهما بمساع في برلين، حتى لا ~~تقام الدعوى، وتصدر الأحكام ضدهما، أما «جوتزكوف» فقد سجن في مانهايم # Mannheim ~~، ثم انتهى الأمر بصدور حكم عليه ~~بالسجن أربعة أسابيع، وترك «جوتزكوف» الاشتغال بالسياسة. # وفي خارج ألمانيا، كان «بورن» و«هايني»، ومعهما الشاعر الفيلسوف والمؤرخ ~~الفرنسي إدجار كينيه # Quinet ~~(1803-1875) - ~~وصاحب تاريخ الثورة الفرنسية المشهور؛ يقول: إن هؤلاء الثلاثة قد نصبوا ~~أنفسهم الآن للدفاع عن «ألمانيا الفتاة» والمنتمين إليها. # وكان بعد بعض الوقت، أن رضيت الحكومات بجعل «الرقابة» مقصورة على الكتب ~~والمؤلفات التي تم صدورها ونشرها حتى هذا الحين، فتركت لهؤلاء الكتاب الحق ~~في الكتابة في المستقبل، ولكن لم يلبث أن أنشئت في بروسيا (برلين) لجنة خاصة، ~~مهمتها الإشراف أو مراقبة مؤلفاتهم وكتاباتهم، وبقيت هذه اللجنة تؤدي وظيفتها ~~حتى سنة 1848. # أما هذه الإجراءات التي اتخذت ضد هؤلاء الكتاب قبل المحاكمة والسجن ~~إلخ، فإنها لم تلبث أن أظهرت أعلام «ألمانيا الفتاة»، في صورة «الشهداء»، ~~فتزايدت شهرتهم لدرجة أن الأوامر التي صدرت للحد من نشاطهم، لم يكن لها أثر ~~يذكر من وجهة النظر الثقافية والذهنية، ms1256 ولو أن إجراءات المنع والتحريم هذه، ~~كانت على جانب كبير من الخطورة؛ لأنها دون شك قد ساعدت من الناحية المادية على ~~وقف ذلك الحماس أو الاندفاع الذي كان يصحب هذه الحركة. # وواضح أن كل هذه الأحداث التي ذكرناها مرتبطة «بألمانيا الفتاة» وتاريخها ~~ونشاطها في هذه الفترة، إنما ينهض دليلا على النشاط الذهني في ألمانيا، أو ~~الحياة الفكرية الألمانية، كان نشاطا محدودا، إن لم يكن ضئيلا؛ وذلك لأن ~~هذه الحياة الذهنية، لم تكن تقوى على الصمود أمام السلطات الحكومية، بل كانت ~~تخافها وتخشاها، الأمر الذي ترتب عليه أن «ألمانيا الفتاة» قد استمرت ~~إجمالا حركة جد سطحية، وبقي أعضاء «ألمانيا الفتاة» من الكتاب والناشرين ~~أقلية ضئيلة، لم يكن في وسعهم أن يؤلفوا في الحقيقة ما يصح تسميته بالمدرسة ~~التي تستند إلى تنظيم طيب. # ومع ذلك فقد كانت حركة «ألمانيا الفتاة» تنقسم إلى قسمين؛ يسود أحدهما الميول ~~أو الاتجاهات «الراديكالية» وأصحاب هذه الميول هم الذين اتهموا بالاشتراك في ~~المحاولة الانقلابية الفاشلة في فرانكفورت (3 أبريل 1833)، وقد مر بنا هذا ~~الحادث، وهم الذين وقع عليهم ضغط الحكومة، وصاروا ضحايا لاضطهادها. وأما القسم ~~الآخر من الحركة، فكان يتميز القائمون به بميول أو اتجاهات أكثر اعتدالا، لم ~~تلبث إجراءات القمع التي اتخذها «الدياط» في سنتي 1835، 1836 أن ألزمتهم ~~الصمت. # ولقد كان سبب الضرر الذي نزل بأعضاء «ألمانيا الفتاة» ميولهم الفرنسية، التي ~~عمدوا إلى إذاعتها، حتى صارت معروفة ومشهورة عنهم، وذلك في وقت كانت تبذل فيه ~~«ألمانيا» قصارى جهدها؛ لتخلق الثقة في قدرتها، والاعتقاد في ذاتها، والعثور ~~على «رسالتها» مرة ثانية، ومع ذلك فقد انجلت حركة «ألمانيا الفتاة» عن ~~اختفاء النعرة الوطنية المتطرفة، والمغالاة في الشعور الوطني، وكانت «نعرة» ~~صبيانية ولا مكان لها متخلفة من أحداث سنة 1813. ثم إنه لم تلبث أن أكملت ~~الحركة الوطنية في سنة 1840، تشتيت «ألمانيا الفتاة»، وأدت إلى محوها ~~تماما. ~~(11-4) الأحرار الراينيون # ومع حركة «ألمانيا الفتاة»، سارت موازية لها - وجنبا إلى جنب - حركة أخرى، ~~كانت ذات نتائج أعظم أثرا، ونعني بذلك حركة ms1257 الأحرار الراينين. # فقد ترتب على إجراءات القمع التي تلت حوادثها سنة 1832، أنه لم يعد يوجد في ~~ألمانيا سوى مركزين للنشر وإصدار المطبوعات المستندة على المبادئ الحرة، ~~أحدهما في «شتو تجارت»، حيث يقيم الناشر البارون «كوطا»، والآخر في «همبورج»، ~~حيث مقر الناشر الكاتب والتربوي يواقيم هاينريش ~~كامب # Campe ~~، # 64 # وعلى أنه إلى جانب هذين، كان يوجد مركز ثالث لنشاط الأحرار في ~~إقليم الراين، وهو الإقليم الذي كان يؤلف دائما وحدة قائمة بذاتها من مجموع ~~البلاد الألمانية. # والحقيقة أنه كانت فوارق عدة - بفضل إقليم الراين - عن سائر ألمانيا، مبعثها ~~أن هذا الإقليم بقي منفصلا عن ألمانيا مدة العشرين عاما ليؤلف قسما من ~~الإمبراطورية النابوليونية (الفرنسية) متأثر كيانه تأثيرا عميقا بسبب خضوعه ~~للإدارة الفرنسية كل هذه السنوات الطويلة، ولقد نشأت في إقليم الراين صناعة ~~نشيطة، لم تلبث أن تولدت منها طبقة متوسطة (بورجوازية) غنية ومتنورة أو مثقفة، ~~ثم كان من أثر تطبيق الفرنسي، أن محيت «الامتيازات» نهائيا، وأخذ الراينيون ~~بقاعدة توزيع الميراث على الورثة بالتساوي، وتغلغل مبدأ المساواة في إقليم ~~الراين، وأعطيت الضمانات لصون حريات الأفراد وحقوقهم. وأخيرا؛ فإن الراينيين ~~لم يكونوا يأبهون لنوع التنظيم السياسي العام القائم في ألمانيا؛ لأن الذي ~~استأثر باهتمامهم كان التنظيم السياسي الخاص ببلادهم، ووجهوا عناية خاصة لكل ~~ما هو متعلق بحرية الصحافة والنشر. # واعترف الراينيون بالمكانة الرفيعة التي تمتعت بها في سنة 1815 بروسيا، التي ~~تولى زعامتها وقتئذ رجال من طراز «هاردنبرج» و«شتيني»، فطالب أحد الناشرين ~~والممتلكين الراينيين، بنزنبرج # Bezeberg # بإدماج إقليم الراين في دولة بروسيا، باستصدار دستور على المبادئ الحرة، يمتد ~~أثره إلى هذا الأقليم أيضا، ولكن سرعان ما وجد الراينيون أنفسهم الآن تجاه ~~دولة بروسية، تختلف تماما عن تلك التي كان يبدو من وعود ومنشورات وتصريحات ~~«هاردنبرج» و«شتيني» أنها سوف تنهض على دعائم من الحياة الدستورية الطليقة، ~~فواجه الراينيون، بدلا من ذلك دولة بروسية متمسكة بالتقاليد، والعادات ~~الشخصية الموروثة؛ أي صاروا يواجهون دولة، تنعدم منها الحرية إطلاقا؛ لتحل ~~محلها الأنظمة البوليسية الصارمة، دولة تبذل حكومتها ms1258 قصارى جهدها لتأسيس ~~امتيازات النبلاء من جديد، على نحو ما كان عليه الحال أيام فردريك الثاني، ~~وتحاول على وجه الخصوص أن تعيد مرة أخرى في إقليم الراين، تأسيس ما كان يعرف ~~باسم «الأملاك الخاصة بالفرسان راكبي الخيول»، # 65 # وهي بقول آخر؛ الأراضي أو الأملاك «النبيلة» التي لا يمكن التنازل ~~عنها، أو نقل حقوق ملكيتها إلى آخرين، بل تؤول إلى ملاكها بالوراثة كاملة، ~~وكان هذا النوع من «الأملاك النبيلة» قد اختفى تماما في الأقاليم الراينية ~~منذ عهد «الثورة الفرنسية». # وأرادت بروسيا أن تقيد نظام الطبقات القديم في إقليم الراين، ولم تكن لمجالس ~~الطبقات الإقليمية التي تأسست في هذا الإقليم في سنة 1824، كما قد تأسست قبل ~~ذلك، ومنذ 1823 في سائر بروسيا، غير صورة عابثة ومزيفة للتمثيل الشعبي، في حين ~~استأثرت طبقة النبلاء بكل أسباب السلطة، ثم إن روسيا أضافت إلى سياسة إرجاع ~~الامتيازات القديمة إلى النبلاء سياسة تبغي منها نشر البروتستنتية وتدعيمها في ~~إقليم الراين، فصارت تشجع الزيجات المختلطة بين البروتستنت والكاثوليك، على أن ~~يعتنق الأطفال دين آبائهم، وديانة الآباء كانت عموما البروتستنتية، وأجبرت ~~الحكومة العسكر، حتى الكاثوليك منهم أن يحضروا كل العبادات اللوثرية أيام ~~الآحاد. # وثمة سبب أخير لتذمر أهل الراين؛ هو الأزمة الصناعية التي جاءت في أعقاب سنة ~~1815، واستمرت طوال السنوات التالية، وكان مبعث هذه الأزمة التي عطلت الصناعة ~~في إقليم الراين، منافسة البضائع والمنتجات الإنجليزية التي صارت تدخل الإقليم ~~عن طريق نهر الراين ومانوفر. # ولكل هذه الأسباب إذن، سرعان ما تحول الرأي بين الراينيين ضد حكومة بروسيا؛ ~~أي ضد الدولة التي صاروا جزءا منها، بحكم التسوية التي حصلت في فينا ~~(1815). # وأما الراينيون، فقد بنوا مقاومتهم على أسس متعددة؛ أولها الأساس القانوني، ~~وذلك عندما طالبوا بالقانون ~~الرايني # Droit rhénan # تجاه حكومتهم، وبالتالي تجاه سائر المقاطعات ~~البروسية، وهذا القانون الرايني، مؤسس على الإجراءات أو القوانين الفرنسية، ~~وعلى وجه الخصوص فيما يتعلق بالموضوعات الجنائية، ومعنى هذه الإجراءات، حصول ~~المرافعة والمناقشات الشفوية أثناء المحاكمة، ونشر قرارات الاتهام إلخ. وقاوم ~~رجال القضاء في ms1259 إقليم الراين، وسعهم الجهد، إدخال القانون البروسي، وتسببوا في ~~تعطيل أعمال الحكومة في سنوات 1816، 1824، 1825، وأفلحوا في النهاية في التمسك ~~بمبادئ المحاكمات أو الإجراءات التي جاءت بها الإدارة الفرنسية. # وكان تنظيم مجالسهم البلدية، المسألة الثانية التي أثارت المقاومة الراينية ~~ضد حكومة بروسيا، ولقد أراد الراينيون في هذه المسألة كذلك التمسك بالمجالس ~~البلدية التي تأسست أيام الإدارة (أو الحكم) الفرنسي، والتي يقوم نظامها على ~~قانون يكفل المساواة في الحقوق بين كل القومونات، أو الوحدات التمثيلية ~~الأهلية في الريف والمدن، على حد سواء، وذلك في حين أرادت بروسيا إدخال ~~تشريعاتها المستصدرة منذ 1808 بشأن التفريق بين القومونات الريفية والمدن، ~~والتي لم يكن يسري بها جميعا نظام إداري واحد، وكان الموظفون المحليون هذه ~~المرة هم الذين أثاروا المقاومة، كما فعلت الهيئة القضائية في موضوع «القانون ~~الرايني»، ففي سنة 1816 قاوموا بعناد إدخال التشريعات البروسية الصادرة في سنة ~~1808، وفي سنة 1831 أرغم ممثلوا «المدن» الحكومة على سحب مشروع كانت قد أفحلت ~~في نيل موافقة الدياط عليه، للعمل بالتشريعات البروسية السالفة الذكر، ~~واستطاعت «البورجوازية» إرغام الحكومة «البروسية» نهائيا على تأييد ~~التشريعات الفرنسية الخاصة بالمجالس البلدية، وذلك في سنة 1833. # ولقد كانت أوساط رجال الأعمال - في أول الأمر - أكثر ميلا لتأييد بروسيا ~~والانضمام إليها من الأوساط المثقفة والمؤلفة من الكتاب والمفكرين ~~والأدباء ومن إليهم، ثم الأوساط القضائية، فقد رضي رجال الأعمال عن ~~«الزولفرين»، وهو الاتحاد الجمركي الذي فتح سوقا كبيرة لمنتجاتهم الصناعية ~~وغيرها في مجموع المقاطعات البروسية، وكانوا على استعداد لقبول الاندماج - ~~اندماج إقليم الراين - في بروسيا، ونتيجة لذلك، الاعتراف بأن لبروسيا «رسالة ~~ألمانية»، على أن هذا القبول كان مشروطا بضرورة أن تتجه الحكومة البروسية ~~اتجاها «حرا»؛ أي تقوم سياستها على المبادئ الحرة، وكان ذلك هو موقف ~~رؤساء «الغرف التجارية» في إقليم الراين، وعلى الخصوص: هانسيمان # Hansemann # رئيس الغرفة التجارية في «إكس ~~لاشابل»، ثم كامبهاوسن # Camphausen # رئيس غرفة ~~كولون، وقد رفع «هانسيمان» في سبتمبر 1831 مذكرة إلى الملك فردريك وليم ~~الثالث، اقترح فيها تعاون أوساط رجال الأعمال الراينية ms1260 مع الحكومة على أساس ~~المصالح المادية، ولكن بشرط صدور دستور، يعطي دافعي الضرائب حق الانتخاب، ~~ويكفل للطبقة المتوسطة (البورجوازية) الاستيلاء على السلطة، ويؤدي إلى تعاون ~~هذه الطبقة مع الحكومة. ولقد تمسك الراينيون من رجال الأعمال بهذا المطلب، ~~الذي يقسم بالطابع القومي، وذلك من ناحية العلاقة مع بروسيا، ويريد الراينيون ~~- كما شهدنا - التمسك بأنظمتهم الخاصة بهم، والذي يستند على المبادئ الحرة، ~~من ناحية موقفهم من المسألة التي أثيرت في سنة 1833 بشأن مد السكك الحديدية ~~في بلادهم. # وأيد رجال الأعمال الراينيون إنشاء السكك الحديدية في إقليمهم، وأن تكون ~~الدولة أو الحكومة هي التي تعهد إليها بذلك، ولكنهم فعلوا ذلك باعتبار أن ~~السكك الحديدية إنما هي «أداة» لخدمة الصالح العام، ولجمع شتات الدولة ~~واتحادها، وفي ضوء هذا الرأي «إذن» قدم كل من «كامبهاوسن» في سنة 1837، ~~و«هانسيمان» في سنة 1838 مذكرات لحكومة برلين في هذه المسألة، ولكن ~~البيروقراطية البروسية رفضت كل المشروعات المقدمة إليها؛ لأنه حتى يتسنى تنفيذ ~~إحداها، وكان لا بد من المال للإنفاق منه، ولم يكن لدى الحكومة البروسية المال ~~اللازم، ووجب لذلك اللجوء إلى عقد قرض، وذلك ما كانت لا تريده الحكومة ~~البروسية؛ لأنها سوف تكون مضطرة لدعوة مجلس تمثيلي (برلمان) للانعقاد؛ لتحصل ~~على تقرير القرض المطلوب، ولم تكن تفكر أو ترغب البيروقراطية والحكومة ~~البروسية إطلاقا، وبحال من الأحوال دعوة مجلس نيابي للانعقاد. # وأخذت البيروقراطية البروسية - وبقول آخر الموظفين الحكوميين - على عتاقهم ~~النضال بنشاط وغيرة، ضد أوساط الأحرار الذين كان رجال الأعمال منهم، ونجحت ~~البيروقراطية البروسية في تحطيم كل جهود هؤلاء ومشروعاتهم، فلم يكن لهذا ~~«النجاح» سوى نتيجة واحدة، هي زيادة تعلق رجال الأعمال وتمسكهم بالمبادئ ~~الحرة، ومنذ سنة 1833 كان «هانسيمان» قد نشر كراسة بعنوان: «بروسيا وفرنسا» ~~أكد فيها ولاءه الصادق للحكومة البروسية، ولكنه حمل حملة عنيفة ضد النظام ~~المالي والضريبي في بروسيا ونظام الحكم المطلق بها، وقارن بين هذه الأنظمة ~~القائمة على السلطة الحكومية المستبدة، وبين النظام المؤسس على المبادئ ~~الحرة، والذي كان يسود إقليم الراين في العهد ms1261 الفرنسي. # وأما النتيجة الهامة لهذا النضال ضد الحكومة المستبدة، والبيروقراطية ~~المتسلطة، فكانت أن تولد شعور قوي بالمحلية أو الإقليمية الراينية، صار يقاوم ~~بكل شدة كل محاولة للاندماج في بروسيا، فحرص الراينيون على الاحتفاظ بملامح ~~ذاتيتهم وكيانهم، وتخلوا عن فكرة «الدستور الحر» الذي يصدر لبروسيا، ويمتد ~~أثره إلى إقليم الراين، ولم يعودوا يأبهون لعدم تحقيق الوعود السخية التي كانت ~~بذلت في سنة 1815 (على لسان هاردنبرج، وشتيني وأمثالهما)، وغدت وجهة النظر ~~البروسية شيئا أجنبيا عنهم، لا يدركونه ولا يعنون به. # وكان المتحدث بلسان الراينيون، أحد نوابهم في مجلس الدياط الإقليمي # Landtag ~~، هو نائب كولون، مركنز # Merkens # الذي طالب في يناير 1831 أن يكون ~~لإقليم الراين بشقيه؛ «المقاطعة الراينية» # 66 # في الجنوب، و«وستفاليا» في الشمال، تشريع وإدارة (حكومة)، ومجلس ~~تمثيلي خاص به. باعتبار أن هاتين المقاطعتين إنما تؤلفان مجموعة، أو وحدة ~~خاصة داخل الدولة البروسية، ولم يكن هذا المطلب «غريبا»، فقد سبق أن جمعت ~~الحكومة البروسية هاتين المقاطعتين تحت حكومة عسكرية واحدة، وذلك غداة ثورة ~~1830، كي تتمكن من اتخاذ الإجراءات الضرورية ضد «الثورة الفرنسية - ثورة يوليو ~~المعروفة في فرنسا»، وكانت هذه الحكومة برياسة البرنس غليوم، شقيق ولي العهد ~~البروسي، وفي 18 أبريل 1831 ألقى «مركنز» خطابا في اجتماع حضره في «دسلدورف» ~~مندوبون عن المدن الراينية، يمثلون الطبقة المتوسطة (البورجوازية)، وشرح ~~«مركنز» في هذا الخطاب «العظيم» وجهة النظر التي استند عليها مطلب توحيد ~~البلاد الراينية تحت حكومة واحدة، والاحتفاظ لإقليم الراين بكيان خاص ضمن ~~الدولة البروسية، والتفت حول «مركنز» جماعة من أعضاء مجلس الراين الإقليمي ~~«لاندتاج»، كان من بينهم؛ جورج هرويج # Herwegh ~~- من كولون، وهو شاعر كذلك - ثم كوخ # Koch ~~، ~~وكامبف # Kampf ~~، وديلبرفيلد # D’elberfeld ~~، ولقد حاول هؤلاء إعداد عرائض ~~لتقديمها إلى الحكومة في سنتي 1832، 1833، ولكن دون طائل، فقد استطاعت الإدارة ~~كل مرة وقف هذه الحركة. # ولقد عبر عن هذا الشعور بالإقليمية أو المحلية الراينية طائفة من الكتاب ~~نذكر منهم على وجه الخصوص الصحفي والناشر والرايني جاكوب فينيدي # Venedey # الذي اضطر إلى الالتجاء إلى ms1262 فرنسا بعد حوادث ~~القمع الذي حصل في سنة 1832، فنشر كراسة في سنة 1839 بعنوان؛ «بروسيا والبروسيانية»، # 67 # وكان «فينيدي» على صلة - وكما هو منتظر - بكل أوساط اللاجئين ~~الألمان في باريس، والذين كانوا من الثوريين بدرجات متفاوتة، وأنشئوا في باريس ~~ما أسموه «بحلف العدول»، # 68 # وكان إنشاء جمهورية ألمانيا هو الفكرة التي اعتنقها «فينيدي»، ~~وراح يؤيدها ويدافع عنها، فجاءت كراسته عن «بروسيا والبروسيانية» اتهاما ~~قاسيا وعنيفا موجها ضد بروسيا، فأعلن أن بروسيا الدولة الرجعية، لا يمكن ~~بحال أن تكون «وطن» الراينيين. # وسرعان ما ظهرت كراسة أخرى، من طراز كراسة «فينيدي»، ومن نفس المعدن، وذلك في ~~فرنسا كذلك، ولو أن الكراسة الجديدة لم تكن من صنع أو وحي أوساط اللاجئين ~~الألمان، بل كانت من وحي الأوساط الراينية الخالصة، حيث كان مسئولا عن صدور ~~هذه الكراسة أخوان من كولون هما؛ أوجست، وبيير # Bierre # رايشنسبرجر # Reichensperger ~~، واللذان كانا أصلا ينتميان للحزب الكاثوليكي ~~الرايني، فقد أوحيا إلى كاتب فرنسي، يدعى دي ~~فايلي # De Failly # بالآراء والفكرات التي ضمنها هذا الأخير كراسة ~~نشرها في سنة 1840 «عن بروسيا وسيطرتها من وجهتي النظر السياسية والدينية، ~~وعلى الخصوص في المقاطعات الجديدة.» # 69 # وتضمنت كراسة «دي فايلي» هذه عرضا للآراء والنظريات الراينية، القائلة بجودة ~~وتفوق الأنظمة الفرنسية، و«القانون الرايني» على الأنظمة البروسية، وأكدت ~~هذه الكراسة وجود حياة محلية مستندة على المبادئ الحرة، وحياة إقليمية ذات ~~كيان «حر» خاص بها، ومنفصلة عن بروسيا، وراح «دي فايلي» يسوغ هذا الكيان ~~«الحر» لإقليم الراين تجاه بروسيا بقوله: «هناك فعلا سيطرة بروسية، ولكن لا ~~يوجد إطلاقا أمة بروسية!» ومما يجب ذكره أن الراينيين لم يكونوا يعتبرون ~~بروسيا دولة ألمانية فعلا، بل دولة سلافية، والبروسيون لذلك ليسوا من جنس نقي ~~ألماني، ولا يمكن أن يتساووا مع الألمان الخلص والأنقياء الذين يعيشون على ~~شاطئ الراين. # وكان من أثر هذه الإقليمية أو الشعور بالمحلية في إقليم الراين اختفاء تلك ~~الوطنية العنيفة، التي شهدناها موجهة ضد الفرنسيين في سنة 1815، ويذكر ~~القارئ كيف اضطر «جوريز» صاحب عطارد الراين ms1263 إلى الفرار إلى سويسرة بسبب ~~إقليميته ومعارضته لبروسيا الرجعية، وفي إقليم الراين اختفت منذ 1820 الحركة ~~الموجهة ضد فرنسا، ولقد حدث ذلك في وقت كانت حكومة شارل العاشر في فرنسا، ~~تسير في سياسة رجعية جعلت المركزية الكاملة أساس النظام الإداري الفرنسي، ~~الأمر الذي لم يكن يتفق بتاتا مع أغراض الأحرار الراينيين، واللامركزيين في ~~إقليم الراين، على أن انتصار المبادئ الحرة في فرنسا بفضل ثورة يوليو 1830، ~~سرعان ما أزال مخاوف الرانيين من هذه الناحية، أضف إلى هذا أن إقليم الراين - ~~كسائر الأقاليم الفرنسية - لم يلبث أن شهد ذيوع الأسطورة النابليونية، وتلك ~~أسطورة ترسم صورة لحكم؛ تقوم على المبادئ الحرة على يد «لويس نابليون» - ~~نابليون الثالث فيما بعد - وهو ابن شقيق الإمبراطور نابليون الأول، والذي قالت ~~هذه الأسطورة: إن «الثورة» الفرنسية متجسدة في شخصه، ولقد بقي الإمبراطور ~~نابليون الأول، يتمتع بذكرى عاطرة بين أهل الراين، حتى إن أحد الناشرين ~~ليهن # Lehne ~~، كتب سلسلة من المقالات في ~~«غازيتة مايتر» # 70 # في تاريخ نابليون، ونشر أحد الرهبان العلمانيين من أكس لاشابل ~~ويدعى سمتز # Smets # مجلدا من القصائد التي ~~نظمت في مديح الإمبراطور، واحتفل الراينيون بحادث نقل رفاة الإمبراطور في سنة ~~1840 إلى فرنسا، فصدرت طائفة من التعليقات؛ لتكريم ذكرى الإمبراطور، أظهرت ~~مبلغ محبتهم له، بل إن الكاتب والشاعر الفرنسي فيكتور هوجو # Victor Hogo # عندما قام برحلته المعروفة في نهر الراين بعد ~~بضع سنوات، لم يلبث أن فوجئ بقوة العواطف التي بدت من جانب الراينيين نحو ~~فرنسا، ومحبتهم لها، كما دهش لتعلق هؤلاء بالذكريات النابليونية. # ولقد كان تحت تأثير هذه الذكريات النابليونية، والآمال التي أحياها قيام ~~ملكية يوليو في فرنسا، وهي الملكية المستندة على المبادئ الحرة، أن استيقظ ~~شعور العطف نحو فرنسا في أقاليم الراين بعد سنة 1830، وخصوصا في وادي ~~الموزيل، ووادي السار # Saare ~~، فكان أن قامت في ~~تريف # Treves # في 12، 25 يناير 1834 ~~المظاهرات العدائية ضد بروسيا ولتأييد فرنسا، وصار الفرنسيون يغالون في تقدير ~~هذه العواطف الطيبة نحوهم، وشجعت المظاهرات أطماع الفرنسيين الأحرار ~~القومية، ms1264 واعتقد «إدجار كينيه» الذي جاب أنحاء إقليم الراين وقتئذ، أن ~~الراينيين مستعدون للانضمام إلى فرنسا ، وفي 14 أكتوبر 1840 كتبت الصحيفة ~~الفرنسية لوناشونال # Le Nationnal ~~: # إن القلوب في كل البلدان على ضفتي الراين، إنما هي قلوب ~~فرنسية. # ولكن الحقيقة هي أن «الفرنسيين» كانوا مخدوعين في آمالهم وفي آرائهم؛ لأن عطف ~~الراينيين على فرنسا ومحبتهم لها، لم يكن معناه أنهم لم يعودوا يشعرون ~~بألمانيتهم، ولم يلبث أن اتضحت حقيقة شعورهم، عندما حدثت أزمة المسألة الشرقية ~~في سنة 1840 - وعلى نحو ما سيأتي ذكره - بل إن «فينيدي»، قد نشر في بداية هذه ~~السنة نفسها (1840) كراسة بعنوان «فرنسا وألمانيا والمقاطعات الراينية»، وفي ~~هذه الكراسة عمد «فينيدي» إلى توضيح أن الراينيين، إنما هم ألمانيون بشعورهم، ~~في حين أنه راح يؤكد في الوقت نفسه وجود الإقليمية أو المحلية الراينية من ~~جهة، ثم العطف على فرنسا من جهة أخرى، وإلى جانب هذا، فقد تأسست في إقليم ~~الراين مجلة بعنوان «الحوليات الراينية» # 71 # غرضها جمع المذكرات والوثائق الخاصة بالحضارة الراينية. ~~••• # وهكذا دل تطور الفكر في ألمانيا على أن الشعور بالقومية قد استمر بقاؤه، ~~وهو شعور لدى أعداد قليلة جدا من الألمان، ظل يحتفظ بالروح الوطنية التي ~~سيطرت على حوادث 1813-1815 (أي أثناء حرب التحرير والخلاص)، ولكن هذه الحركة ~~القومية عموما، كان يعلوها الشعور الحر، ويتقدم عليها حركة المطالبة بالحريات ~~والحقوق المشروعة، لدرجة أن المذهب الحر لدى الألمان؛ أي اعتناق هؤلاء ~~للمبادئ الحرة، قد جعلهم يعودون للأخذ بالآراء الفرنسية. # وأدت سياسة الحكومات الرجعية، خصوصا حكومة بروسيا، إلى تقوية النزعات ~~الإقليمية (المحلية)، حتى لدى هذه الحكومات الرجعية ذاتها، وكانت الكراهية ~~التي أثارتها بروسيا والسياسة البروسية، ضد هذه الدولة من العوامل الجوهرية في ~~تقوية هذه الإقليمية (والمحلية)، كما كان من بين هذه العوامل، ضرورة العمل من ~~أجل الظفر بالحريات والحقوق المنشودة، ووجه الأهمية في هذا كله تقرير أن ~~المطالبة بالحريات كانت تأتي دائما قبل المطالب القومية، ولم يكن مستطاعا ~~الحصول على هذه الحقوق والحريات إلا في نطاق المحلية أو الإقليمية؛ ms1265 ولذلك فقد ~~كانت القومية الألمانية بين سنتي 1830، 1840 تجنح نحو استرجاع الشكل القديم ~~الذي كان لها؛ أي الشعور بأن هناك أدبا وثقافة مشتركة ، تسهم فيها ألمانيا ~~بأسرها دون شك، ولكن من غير أن يتطلب ذلك حتما أن يتجسد هذا الشعور بالمساهمة ~~المشتركة في الصعيد السياسي في صورة وحدة أهلية (أو قومية). # بل لقد أخذت تتشكل - على العكس من ذلك - عناصر جديدة لشعور قومي بعد سنة ~~1840، فحدث في ألمانيا تطور سار على نفس الخطوط التي سار عليها تطور الشعور ~~القومي في إيطاليا، فطرأ تغيير أو تعديل على الأفكار السائدة، ثم تتابعت ~~الحوادث إثر بعضها بعضا وبسرعة زائدة، حتى إن مشكلة القومية لم تعد قائمة ~~كمسألة خاصة بألمانيا وحدها وحسب، بل صارت معضلة أوروبية، تحتم على إيطاليا ~~مواجهتها، كما تحتم على مختلف الأقطار التي تألفت منها النمسا مواجهتها ~~أيضا، فقد حدث تحول في «الجو» الخلقي أو الروحي، وطرأ تغيير على اتجاهات ~~الرأي، خلف ذلك الستار من شبه الجمود الذي أقامه النظام السياسي. ~~(12) عناصر الشعور القومي الجديد (1840-1847) ~~(12-1) العامل الخارجي: أزمة المسألة الشرقية 1840 # وبعد سنة 1840، كان العامل الخارجي هو أول العناصر التي أحدثت هذا التعديل أو ~~التغيير الذي طرأ على شعور القومية، ونعني بالعامل الخارجي، أزمة المسألة ~~الشرقية في سنة 1840، وهي الأزمة السياسية التي كانت تزج بأوروبا في حرب عامة ~~بسبب الصراع الذي شهدناه بين محمد علي باشا مصر والسلطان العثماني. # 72 # وتجاه هذه المسألة الشرقية، لزمت ألمانيا الهدوء التام، ولم تثر الأزمة ~~اهتمامها، ولم يكن هناك عداء بينها وبين فرنسا، بل لم تكن لديها أية نوايا غير ~~طيبة نحوها، وعمدت الحكومتان البروسية والنمسوية إلى التوسط بين الوزير ~~الإنجليزي «بلمرستون» والحكومة الفرنسية، وأوضحت الحكومة البروسية على وجه ~~الخصوص أنها لا تريد التورط في النضال، أو أية حرب أوروبية، بل واشترطت ~~لتعاونها مع الحكومة الإنجليزية في المسألة الشرقية التمسك بالحياد في سياستها ~~العامة. # غير أن أزمة المسألة الشرقية سرعان ما أثارت شعور الفرنسيين، فاحتاج الرأي ~~العام الفرنسي ذلك الاهتياج، الذي عرفنا كيف ms1266 كاد يفضي إلى دخول فرنسا الحرب، ~~تحت حكومة تيير # Thiers # لمؤازرة محمد علي ضد ~~الدولة العثمانية. # وهو التهديد الذي لم يلبث أن تبدد عند سقوط وزارة «تيير» في أكتوبر 1840، ~~لرفض «لوي فيليب» الدخول في حرب ضد أوروبا، وعلى نحو ما كان منتظرا، اقترن ~~بفورة وطنية تسودها روح عسكرية عنيفة، سرعان ما وجدت لها منفذا في المطالبة ~~بضم شاطئ الراين الأيسر إلى فرنسا، وانبرت على وجه الخصوص صحيفة «لوناشونال» - ~~التي سبق ذكرها - تؤيد هذا المطلب بكل شدة. # ولقد قوبلت حركة الرأي العام الفرنسي هذه للمطالبة بشاطئ الراين الأيسر بحدوث ~~رد فعل عنيف كذلك في ألمانيا، فقد أذهلت المفاجأة الألمان في أول الأمر، ~~ولكن لم تلبث أن استيقظت روح الكفاح القديمة في سنة 1813. ولما كان القسم ~~الغربي من ألمانيا، مجردا من السلاح، ولم يكن بهذا القسم أية قلاع فدرائية، ~~فقد استبد القلق بالألمان في هذه الجهات خصوصا من الناحية العسكرية، وكذلك ~~كانت ألمانيا الجنوبية مفتوحة لأي غزو قد يأتيها من الخارج، فلم يكن هناك جيش ~~حقيقي في «ورتمبرج»، ولا تكاد بفاريا تستطيع الدفاع عن «البلاتينات»، وكانت ~~بروسيا وحدها في أقاليمها الشمالية؛ المقاطعة الراينية، ووستفاليا، هي التي ~~يسعها اتخاذ الإجراءات الوقائية العسكرية، وقد فعلت ذلك. # وتولد من هذا القلق، ومن رد الفعل الذي حصل ضد المطالب الفرنسية، هياج ~~الخواطر في ألمانيا، وانطلاق حركة فكر ورأي عنيفة لدرجة بعيدة، فوصف هذه ~~الحركة الفكرية العنيفة أحد الكتاب الفرنسيين سان رينيه تايلاندييه # Taillandier # في كتاب «ذكرياته ~~عن الراين»، # 73 # وكان يقيم وقتئذ في «هايدلبرج» فقال: «تجيء كل يوم الصحف من جميع ~~المدن في ألمانيا، تحمل إلينا السباب والشتائم، وتستفزنا للمبارزة، وتكيل لنا ~~الإهانات، وتوجه إلينا الافتراءات، ينزل علينا ذلك كله بشكل متلاحق، كسقوط ~~الرصاص الذي يطلقه طابور من العسكر ...» # واستعاد العسكريون «روح 1815»، وصاروا يرددون المطالب التي سبق أن نادوا بها ~~وقتذاك، فأخذ «شارنهورست» يؤكد أن الحرب مقدر وقوعها بين فرنسا وألمانيا، وأن ~~الحرب سوف تنتهي بتقسيم فرنسا، وفي رأيه؛ أن الواجب يقتضي إفناء فرنسا، ~~وإزالتها من ms1267 الوجود، «وبدون ذلك لا يمكن أن يكون هناك إله في السماء!» ~~وانبرى فون مولتكه # Moltke # وهو أحد ~~العسكريين الذين سوف يكون لهم شأن بعد ذلك يطالب بالألزاس، ومن قوله: «إن ~~فرنسا قد عمدت إلى أعمال اللصوصية ضد ألمانيا؛ لتظفر بكل تلك الأراضي التي ~~ضمتها داخل حدودها الشرقية، وذلك منذ القرن الثالث عشر.» # ثم إنه سرعان ما ظهر «أدب وطني» يعيد إلى الأذهان، أناشيد الحرب لسنة 1813، ~~وكانت أشهر المقطوعات قصيدة من نظم نيكلاس ~~بيكر # Niklas Becker # بعنوان «الراين الألماني»، # 74 # وقد ألقيت هذه القصيدة في مسرح فرانكفورت يوم 15 أكتوبر 1840، ~~وقوبلت بحماس منقطع النظير، وقد اجتمع مائتان من الملحنين في التو والساعة ~~لتلحين قصيدة «بيكر» ووضع موسيقاها، ولقد اشتهرت أغنية أخرى في الوقت نفسه، هي ~~أنشودة «حراسة الراين» # 75 # لصاحبها ماكس ~~شنكنبرجر # Schenckenburger ~~، وقد صارت هذه النشيد الوطني (القومي) الألماني في ~~سنة 1870، وسرعان ما وضعت الموسيقى لهذه الأنشودة كذلك، وكان واضعها «كارل ~~ويلهكم»، وأما أنشودة الحرب الثالثة وقتئذ، فقد كانت بعنوان «ألمانيا فوق الجميع» # 76 # لصاحبها هوفمان فون ~~فالرسليبن # Hoffmann Von Fallersleben # الشاعر والسياسي وأستاذ فقه اللغة الألمانية ~~بجامعة برسلاو، (والذي أقصته الحكومة من كرسي الأستاذية لغضبها عليه في سنة ~~1844)، أما هذه الأنشودة (ألمانيا فوق الجميع)، فقد صارت فيما بعد أنشودة ~~الحرب، التي تغنى بها الألمان أثناء الحرب العالمية الأولى (1914)، ولقد حدث ~~في سنة 1842 أن تم بناء كتدرائية كولون، فكان الاحتفال بالفراغ من بنائها ~~عظيما، ولم يكن الاحتفال في هذه المناسبة «راينيا» وحسب، بل كان عيدا ~~قوميا شرب في أثنائه ملك بروسيا، وملك ورتمبرج الأنخاب لتمجيد «الوطن العام ~~المشترك». # ومما يجب ذكره أن أبرز ملامح هذه اليقظة القومية، وعودة الروح الوطنية التي ~~شوهدت في حروب التحرير (1813-1815)، وقد تجلت فيما حدث، من اتجاهات ذهنية ~~وعاطفية في الأقاليم الراينية؛ أي في تلك الأقاليم التي تأصلت فيها المشاعر ~~الطيبة نحو فرنسا في السنوات السابقة، فإن «بيكر» صاحب أنشودة «الراين ~~الألماني» من بلاد الراين، ويعمل مسجلا بمحكمة كولون، ونشر رهفوس # Rehfus # وكيل جامعة ms1268 بون «رسالة من أحد ~~البروسيين الراينيين إلى السيد موجوان»، # 77 # وكان موجوان # Mauguiu # أحد زعماء ~~اليساريين الفرنسيين، وأحد الوطنيين الذين يطالبون بضم شاطئ الراين الأيسر إلى ~~فرنسا، فسأله «رهفوس» في الخطاب الذي وجهه إليه، إذا كان ممكنا أنه يعتقد ~~بأن تلك المحبة التي ربطت أهل المقاطعة الراينية بفرنسا، لا تزال قائمة، أو أن ~~الراينيين لا يزالون يريدون أن تبسط عليهم فرنسا مرة أخرى سلطانها، وقال ~~«رهفوس»: إن شعور الود نحو فرنسا موجود منذ عشر سنوات في إقليم الراين، ولكن ~~هذه العواطف أو الميول الفرنسية لا تمنع أن يكون الراينيون ألمانا، وأن ~~يشعروا بشعور الألمانيين، وتساءل «رهفوس»: «كيف يصيب العمى بصائرنا، فلا نرى ~~الطريق لصون شرفنا القومي، ولا نعرف مكان مصالحنا المادية والروحية، فنرغب في ~~الانفصال عن أمة نقتسم معها ذكريات قرون عديدة؟» # وثمة «شهادات» أخرى كثيرة، تؤكد هذا الشعور «القومي» في إقليم الراين، نحو ~~البقاء «ألمانيا»، ورفض الانضمام إلى فرنسا، بالرغم من شعور العطف على هذه ~~الأخيرة فتلك حقيقة قد أكدتها كل تقارير الحكام والمديرين في كولون، ~~ودسلدروف وتريف، وتقع جميعها في الأقاليم الراينية، أكدتها حملات الصحف ~~الراينية وقتئذ، أضف إلى هذا أن «فينيدي» لم يلبث أن أصدر كراسة ثانية بعنوان ~~«فرنسا وألمانيا وحلف الشعوب المقدس»، # 78 # لبيان أن الأطماع الفرنسية لامتلاك الراين، إنما هي عقبة كأداء في ~~طريق السلام بين الشعوب، وذلك في حين أن هذه الأطماع وهمية خيالية؛ لأن ~~المقاطعات الراينية بلاد ألمانية، بفضل اللغة التي يتخاطب بها أهلها، وعادات ~~هؤلاء وتقاليدهم، والأفكار التي تدور في أذهانهم، والعواطف التي تجيش في ~~صدورهم. # وعلى ذلك فقد كان هذا العامل الخارجي - الماثل في أزمة المسألة الشرقية سنة ~~1840 - بمثابة نقطة التحول في إقليم الراين والاتجاه صوب بروسيا، الأمر الذي ~~تبعه كذلك تحول في حركة الأحرار الراينية التي شاهدناها بعد سنة 1830، فصارت ~~هي الأخرى تتخذ اتجاها مخالفا لما كانت قد درجت عليه. # ومع أن هذه الوطنية الألمانية «المشتعلة» لم تستمر طويلا، فقد كانت على جانب ~~كبير من الأهمية؛ لأن الأزمة - أزمة ms1269 المسألة الشرقية سنة 1840 - قد أيقظت تلك ~~«الوطنية» التي كان يبدو أنها قد خمدت تماما، ولأنها أظهرت أن شعور الكراهية ~~ضد فرنسا متغلغل دائما في قلوب الألمانيين، ومسيطر - وإن كان ذلك بصورة غامضة ~~- على أذهانهم، وتلك حقيقة كان «هنريش هايني» قد رددها من قبل، وأعلن بها ~~الفرنسيين، ولقد كانت هذه الوطنية المتسمة بالكرامة لفرنسا هي السند الصحيح ~~للعاطفة القومية في ألمانيا، وعلى ذلك فقد قضت أزمة 1840 قضاء مبرما على ~~شعور الأممية # Cosmopolotisme ~~؛ أي شعور ~~الانتماء إلى كل الأمم، وعدم التقيد بوطن واحد، وهو الذي كان قد ظهر مرة ثانية ~~في ألمانيا في العقد الثالث خصوصا، ولقد صفيت بفضل هذه الأزمة حركة «ألمانيا ~~الفتاة» تصفية نهائية. ~~(12-2) عامل «القومية الاقتصادية» # وثمة عنصر آخر جديد أحدث هذا التحول الملحوظ في الأفكار بعد سنة 1840؛ ونعني ~~بذلك ظهور «شيء» جديد في تاريخ ألمانيا، وهو ما صار يعرف باسم «القومية ~~الاقتصادية» فقد شهد العصر الذي ندرسه قيام نهضة اقتصادية في ألمانيا وفي ~~الأقاليم الراينية خصوصا، فبدأ استخدام الآلات في الصناعة، فزاد عدد أنوال ~~نسيج الأقمشة من (3,500) في سنة 1816 إلى عشرة آلاف في سنة 1837، وكان عدد ~~«الماكينات» التي تدار بالبخار في سنة 1836؛ أي عند بداية استخدامها (421) ~~فقط، فبلغت في سنة 1846 (1,139)، ثم بدأ التعدين على نطاق واسع، وبني أول ~~«فرن» بفحم الكوك في سنة 1840، كما بدأ استغلال حوض الرور، ثم تزايد عدد ~~السكان بسرعة عجيبة، ففي إقليم الراين، سرعان ما نمت القرى حتى صدرت مدنا ~~كبيرة، وفي «كولون» بلغ عدد السكان في سنة 1815 تسعة وأربعين ألفا، فصاروا في ~~سنة 1848 اثنين وتسعين ألفا، وفي البرفيلد # El Berfeld # وهي مدينة صناعية، ومركز لنسج الأقمشة، كان عدد ~~سكانها سنة 1815 واحدا وعشرين ألفا، فبلغوا في سنة 1848 خمسة وأربعين ألفا، ~~وفي هذه الأقاليم الغربية من ألمانيا بلغ في سنة 1846 طول السكك الحديدية ~~ثلاثة آلاف كيلومتر؛ أي بما يزيد بنحو الثلث على مجموعها في فرنسا وقتئذ، ومع ~~ذلك فقد كانت لا تزال في ms1270 بدايتها هذه الحركة التي أخذت بالأساليب الحديثة في ~~الصناعة، وفي بناء النظام الاقتصادي في ألمانيا، وكان النظام المصرفي - خصوصا ~~- لا يزال يعجز عن مسايرة هذه النهضة الصناعية الاقتصادية. # والذي يجدر ذكره أن هذا التطور الصناعي لم يكن مقصورا على المقاطعات ~~الراينية وحدها فقط، بل كان يحدث كذلك في سكسونيا، التي نمت فيها صناعة نسج ~~الأقمشة من الجوخ والقطن إلخ، ثم صناعة اختصت بها سكسونيا، هي إنتاج الآلات ~~الموسيقية، وسرعان ما صارت «ليبزج» أحد مراكز التجارة الهامة في أوروبا، كما ~~صارت شمنتز # Chemnitz ~~، وتزفيكاو # Zwickaw ~~، مدنا كبيرة ومراكز رئيسية لصناعة ~~المنسوجات وللتعدين، وحدث هذا التطور الصناعي كذلك في كل من إقليمي ~~«ثورينجيا»، و«فرانكونيا»، وبدأت «برلين» ذاتها تنمو كمركز للصناعة، فتأسست ~~بها في سنة 1837 المصانع العظيمة للمنشآت الميكانيكية (الآلية)، وعلى وجه ~~الخصوص لبناء القاطرات، كما أنشئت في ضواحي برلين «المسابك» العظيمة. # ولقد ازدهى الألمان بهذا التطور الصناعي، والنمو الاقتصادي، واعتقدوا أن ما ~~فعلوه في هذا الميدان، إنما يجب أن يكون مضرب الأمثال في كل أنحاء العالم. ~~فيتحدث بانسن # Bansen # أحد وزراء بروسيا عن ~~«ذلك الكشف العظيم الذي حدث في هذا القرن، وهو أن هناك قومية ألمانية، وأن ~~اتحادا «كونفدرائي» من الشعوب، مؤسس عليها.» وذلك زهو وافتخار، كان لكل ~~أمير أو حاكم صغير في ألمانيا نصيب منه، لم يلبث أن أفضى إلى نتيجة عجيبة، حتى ~~من وجهة النظر الاقتصادية ذاتها؛ وذلك لأن هذا الزهو والافتخار سرعان ما أخذ ~~يتجسد مباشرة في رغبة ملحة في التوسع الخارجي، وعلى وجه الخصوص صوب ~~بلجيكا. # وكان «مفلسف» القومية في شكلها التوسعي الجديد، وواضع «نظريتها» هو «فردريك ~~ليست»، الرجل الذي اقترن اسمه كثيرا بتاريخ الزولفرين، وكان «ليست» - كما ~~عرفنا - نائبا في «ورتمبرج»، جرد من النيابة في سنة 1820 لاتهامه بتأييد ~~المبادئ الحرة، ثم سجن، ثم رحل إلى أمريكا، ثم عاد إلى ألمانيا سنة 1832؛ ~~أي في الوقت الذي حصل فيه ذلك الاتحاد الجمركي (الزولفرين) الذي كان قد أيد ~~قضيته، والذي تحقق الآن بصورة تختلف تماما عما كان يريده ms1271 «ليست» نفسه، من ~~حيث إن هذا الزولفرين لم يكن كاملا، وأن بروسيا هي التي صنعته، كخطوات ~~موجهة ضد النمسا، في حين أن «ليست» كان يريد أن يشمل هذا التنظيم الجمركي ~~كل ألمانيا، وبما في ذلك النمسا. # ولم يكن «الزولفرين» سوى تعريفة جمركية مخفضة، بلغت 10٪ في المتوسط، ولدرجة ~~أن الأوساط الصناعية أخذت تطالب بفرض ضرائب لحماية الصناعة تتيح الفرصة لنموها ~~وتقدمها، وقام رجال الصناعة بحملة كبيرة يطالبون فيها بالحماية الجمركية، وذلك ~~على وجه الخصوص في الوقت الذي ظهرت فيه الرغبة لتجديد «الزولفرين» بين الدول ~~الأعضاء في هذا الاتحاد الجمركي، ومن المعروف «تجديد» الزولفرين قد تم ~~فعلا في سنة 1842، وكان قبل ذلك قد أخذ يتحطم ذلك «الاتحاد الضريبي» ~~(ستورفرين)، الذي ذكرنا أنه يتألف من هانوفر، وبرنسويك، وأولد نبرج، وبرمن، ~~وهمبورج، فقد طلبت «برنسويك» منذ سنة 1841 الانضمام إلى الزولفرين، كما لبثت ~~أن انضمت إلى الزولفرين ليب-ديتمولد # Lippe-Detmold # وشاومبرج # Schaumburg ~~، و«لكسمبرج» في سنة 1842، وكان بعد ذلك بسنين أن ~~أمكن الاعتراف بالزولفرين دوليا، عندما وقع «الزولفرين» معاهدة مع بلجيكا ~~في سنة 1844 بعد حرب جمركية عنيفة بين الطرفين. # وعندما كان لا يزال البحث جاريا بشأن تحديد الزولفرين في سنة 1841، بين ~~أنصار التمسك بالوضع الراهن، الذين يميلون للتجارة الحرة، (والضرائب ~~المخفضة) من جانب، وبين الذين يريدون سياسة أنشط تقوم على حماية التجارة (أي ~~فرض ضرائب مرتفعة) من جانب آخر، دخل «فردريك ليست» المعركة، بإصدار مؤلفه ~~المشهور عن «النظام القومي للاقتصاد السياسي»، # 79 # وقد عرض «ليست» في كتابه هذا نظرية «الحماية الجمركية» الجديدة، ~~ومع ذلك فإن «النظام القومي» لم يكن مؤلفا لبيان نظرية أو مبدأ معين، أو ~~فلسفة خاصة بالاقتصاد السياسي، بل كان مؤلفا موجها للجماهير، يعرض على ~~القارئ العام القضية التي انبرى «ليست» لتأييدها ضرورة الحماية الجمركية، كما ~~كان «النظام القومي» ثمرة تجارب واقعية واعتبارات عملية. لقد لاحظ «ليست» نفسه ~~في مقدمة مؤلفه «إن تاريخ كتابه إنما هو تاريخ لنصف الحياة التي عاشها»، ~~وكان في وسعه أيضا أن يضيف إلى قوله هذا؛ أن كتابه كذلك ms1272 تاريخ لألمانيا في ~~أربعين سنة، من 1800 إلى 1840، فلم يكن بمحض الصدفة أن يبني «ليست» نظامه ~~الاقتصادي على قاعدة من القومية وحسب في ألمانيا، عندما توفرت العوامل، وعلى ~~نحو ما شاهدنا؛ لوجود «شعور قومي»، في ميدان الفكر والأدب، الجانب الروحي ~~للأمة الألمانية، ولحدوث يقظة قومية في الميدان السياسي، هي التي نحاول معالجة ~~مظاهرها وآثارها في هذه الدراسة، والصحيح هو أن مؤلف «ليست» كان نتاج ~~الظروف التي مرت بها ألمانيا فعلا. # وبدأ «ليست» موضوع «النظام القومي» ببحث الشروط التي يجب توفرها من وجهة ~~النظر الاقتصادية، في دولة حديثة النشأة، ولا تزال تعمل لتأسيس صناعتها، الأمر ~~الذي لا غنى عنه إذا أرادت أن تكون ذات شأن في المستقبل، ودولة كبرى - وذلك ~~حتى تتمكن هذه الدولة الناشئة من الصمود في وجه منافسة قاسية من جانب دولة ~~أخرى تهدم كيانها بفضل ما لهذه الأخيرة من تفوق في آلاتها ومصانعها، وما تتمتع ~~به من سيطرة اقتصادية - وهي إنجلترة، وكان في رأي «ليست» أن الواجب يقتضي ~~الألمان أن يفيدوا من التجارب الاقتصادية التي مرت بها فرنسا والولايات ~~المتحدة الأمريكية في هذا الميدان، وأن ينتفع الألمان على وجه الخصوص «بالحل» ~~الذي وصلت إليه فرنسا و«الولايات المتحدة»؛ لتنمية الصناعة الناشئة بهما ~~وتقويتها، ذلك «الحل» كان الحماية التجارية أو الجمركية، فقد أراد «ليست» أن ~~تفيد ألمانيا من نتيجة التجارب التي شاهد «ليست» نفسه الولايات المتحدة تفيد ~~منها وتجني ثمرتها. # وحمل «ليست» على مدرسة الاقتصاديين الأحرار، وبنى نقده لهؤلاء الأخيرين على ~~أنهم لا يرون في عالم الاقتصاد سوى شيئين اثنين وحسب أساسا للاقتصاد السياسي؛ ~~الفرد، والمصلحة الفردية، باعتبار أن الاقتصاد السياسي إنما يستهدف توفير ~~الغنى والسعادة للأفراد في طرف، ثم في أقصى الطرف المقابل للجماعة البشرية في ~~العالم، فينظر هؤلاء الاقتصاديون الأحرار إلى مجموع العالم الاقتصادي، ~~باعتباره كلا واحدا، تسوسه الحرية والمصلحة الاقتصادية المشتركة، بما هو ~~مفروض أن ينطوي عليه ذلك من دعم أركان الحرية، ونشر ألوية السلام. # وبنى «ليست» نقده لهذه الآراء على أن نتيجة هذا «الاقتصاد الحر»، لا ms1273 تعدو أن ~~تكون التضحية بكل شيء لخدمة مصالح الدولة والبلاد المتقدمة عن غيرها في حياتها ~~الاقتصادية، والتي يغزو اقتصادها اقتصاد الدول أو البلاد الأخرى؛ ولذلك فقد ~~صار ضروريا في رأي «ليست» أن يوجد طرف متوسط أو وسيط من الناحية الاقتصادية، ~~بين «الفرد» و«الجماعة البشرية»، وأما ذلك «الطرف الوسيط» فهو «الأمة»، التي ~~أسقطها الاقتصاديون الأحرار من حسابهم، بالرغم من أن كل «فرد» إنما يؤلف ~~جزءا من هذه «الأمة»، ويتوقف رخاء الفرد على القوة السياسية والاقتصادية التي ~~تكون للأمة. # وهكذا جعل «ليست» تحقيق الرخاء والسعادة «للأمة» غرض الاقتصاد السياسي، وليس ~~توفير الرخاء والسعادة للأفراد أو للعالم (الجماعة البشرية عموما)، على نحو ~~ما أراد الاقتصاديون الأحرار، ولم تكن الأمة أو الدولة في رأي «ليست» جمعية أو ~~ارتباطا سياسيا وروحيا، أو خلقيا وأدبيا، يؤلف التاريخ وحدتها ~~وحسب، بل إن الأمة والدولة كما يراها «ليست»، إنما هي ارتباط اقتصادي كذلك، ~~ويعتبر «ليست» أن هذا الارتباط أو الائتلاف في جماعة اقتصادية، هو الذي ~~يقرر مبلغ القوة التي يجب أن تكون للدولة، وهو الذي يعين كذلك نوع ~~السياسة التي يتحتم على الدولة أن تتبعها. # وتتفاوت درجات القوة التي تبلغها الأمم والدول، ويتفاوت مستوى سياساتها، ولا ~~تستطيع أن تقف جميعها من الناحية الاقتصادية في صعيد واحد؛ ولذلك فقد تصور ~~«ليست» سلسلة من المراتب والدرجات السياسية؛ أي من ناحية الحكم، ومراحل تلي ~~بعضها بعضا من الناحية الاقتصادية، فهناك أولا المرحلة البدائية المتوحشة، ~~يأتي بعدها دور الرعي، ثم دور الزراعة، ومن بعده المرحلة الزراعية الصناعية، ~~ثم ليتوج هذه المراحل جميعا، ويقف على رأس الهيراركية الاقتصادية الدور ~~الزراعي الصناعي التجاري، وهي المرحلة التي يجب أن ينتهي إليها كل التاريخ ~~الاقتصادي. ويرى «ليست» أن من الواجب أن تخدم السياسة الاقتصادية والتجارية ~~في أي بلد من البلاد، المثل الأعلى التاريخي والاقتصادي، وهو الذي يحتم كضرورة ~~أساسية قيام المصانع، وتقدم الصناعة، فلا يجب أن يكون غرض «الدولة» والحكومات ~~حينئذ مجرد توفير أسباب الرخاء والسعادة للأفراد، وزيادة ثراء هؤلاء الأفراد، ~~بل يجب على «الدولة» أن ms1274 ترسم خططا للمستقبل، وأن تبذل قصارى الجهد لدفع ~~التنمية الاقتصادية دفعا، واستغلال «القوى الإنتاجية» لأقصى درجة، الأمر الذي ~~قد يتطلب تضحيات في الوقت الحاضر، ولا يجب التردد في تحمل هذه التضحيات في ~~الوقت الحاضر، إذا ترتب على هذه التضحية زيادة النمو الاقتصادي في ~~المستقبل. # وفي رأي «ليست» أن هذه القوى الإنتاجية في بلد من البلاد، إنما هي من أنواع ~~مختلفة، فهناك قبل كل شيء الأنظمة الحرة، الأخلاقية والسياسية، وهي التي قرن ~~بها «ليست» برنامج الأحرار، وجعل هذا البرنامج والنظريات القائمة على المبادئ ~~الحرة، جزءا لا يتجزأ منها، ولكن إلى جانب مجموع هذه الأنظمة الأخلاقية ~~الحرة كانت الصناعة - دون شك - هي القوة الأساسية من بين «القوى الإنتاجية»؛ ~~لأن الإنتاج الصناعي لا يقف أثره عند خلق الثروة والغنى، بل إن للصناعة آثارا ~~خلقية معينة، «فالصناعة» تنمي في الفرد الرغبة في أن تستمر ثروته في ازدياد، ~~وهي التي تحفز الأفراد على المباراة لبلوغ هذه الغاية، وتدعو إلى التشبث ~~بالحرية، في حين أن «الزراعة» إنما تسبب الخمول الذهني والكسل، تتولد منها ~~عادة السير في شئون الحياة على وتيرة واحدة؛ أي عدم إعمال الفكر لابتكار وسائل ~~أو طرائق جديدة في الحياة، وأخيرا فإن الصناعة «قوة» منتجة لرأس المال وللعمل ~~معا؛ ولذلك فإن الواجب على الأمة أن تبذل كل ما ملكت من جهد للوصول إلى هذا ~~الغرض بتنمية حرياتها الداخلية من خلقية وسياسية، ومثل كل شيء تنمية ~~صناعتها. # وتناول «ليست» الوسائل التي يمكن بها تنمية هذه الحريات الداخلية، وتنمية ~~الصناعة، فقال: إن الطريق لذلك إنما يكون بفرض نظام الحماية التجارية أو ~~الجمركية، والذي تجدر ملاحظته أن «الحماية» التي طالب بها «فردريك ليست» لم ~~تكن من نوع الحماية المطلقة الصارمة (أو المانعة)، التي أخذ بها في فرنسا في ~~القرن السابع عشر وزيرها المشهور جان بابتيست ~~كولبير # Colbert ~~(1619-1683)؛ و«كولبير» من زعماء «النظام التجاري» # 80 # السائد في عالم الاقتصاد وقتذاك، فكان غرض الحماية التجارية في ~~نظر «ليست» هو تلقين الأمة وتربيتها تربية صناعية، كما قد يكون غرضها كذلك ms1275 ~~الدفاع عن أمة متأخرة ضد منافسة أمة أكثر تقدما وقوة منها. و«الحماية ~~التجارية» كما يراها «ليست»، هي الوسيلة التي يمكن بها الدفاع عن ألمانيا ضد ~~إنجلترة، على أن هذه «الحماية التجارية» يجب أن تقف في اللحظة التي يبدو ~~فيها أن النمو الضروري والذي تتطلبه الصناعة في هذه الأمة المتأخرة قد وصل ~~إلى الدرجة المنشودة، فلم تكن «الحماية التجارية» إذن قاعدة «جديدة» يتعذر ~~التخلي عنها، بل يجب أن تمتنع هذه الحماية التجارية بمجرد أن تقف الصناعة على ~~قدميها، ويبدو أنه قد تدعمت أركانها. وأخيرا فلا يجب بحال من الأحوال تطبيق ~~هذه «الحماية التجارية» أو الجمركية على الزراعة، وإنتاج المواد أو السلع ~~الضرورية، والتي تقوم بها أود الحياة. # وتابع «ليست» الحملة، التي كان قد بدأها كتابه «النظام القومي» في صالح حماية ~~التجارة والاتحاد الجمركي، فأصدر كراسات عديدة خلال السنوات التالية، وأسس ~~في سنة 1843 جورنال أو جريدة للاتحاد الجمركي # 81 # لتقوية هذه الحملة، ومما يجب ذكره أن الضرائب الجمركية العالية ~~لحماية التجارة، لم تكن عند «ليست» سوى إحدى الوسائل التي تتحقق بها التنمية ~~الصناعية، فهو قد فكر في وسيلة أخرى؛ إنشاء السكك الحديدية. # وواضح أن «ليست» كان يعهد - لذلك كله - إلى «الدولة» بدور هام في الحركة ~~الصناعية، فكما أن الدولة مكلفة بتحقيق وحدة البلاد السياسية والمحافظة ~~على هذه الوحدة، فإنها كذلك - في رأي «ليست» - مكلفة بخلق وحدتها ~~الاقتصادية والمحافظة عليها، فالدولة يجب أن تعمل لتطويع المصالح المحلية، ~~وإخضاعها للمصلحة العامة، والدولة هي التي يجب أن تنشئ حركة التبادل الداخلي، ~~والدولة هي التي يجب أن تشرف على مد السكك الحديدية وفق خطة قومية؛ لتبني ~~شبكة من المواصلات داخلها، والدولة هي كذلك التي يعهد إليها بشئون تداول ~~العملة بإنشاء المصارف (البنوك) الحكومية (بنك الدولة)، والدولة أخيرا هي ~~التي يجب أن تعمل لتوحيد التشريعات الاقتصادية. # وعلى ذلك، فإن «ليست» - بخلاف ما فعله الاقتصاديون الأحرار - قد أعطى الدولة ~~سلطة كبيرة للتدخل في الحياة الاقتصادية، فهو يرى الدولة قوة (قوية) دائبة على ~~التحرك والنشاط «ديناميكية»، وذات دور ms1276 عملي في ميدان الاقتصاد، ولا تقف موقفا ~~ساكنا كمتفرجة وحسب على سير الحياة الاقتصادية؛ أي غير متحركة. # ولقد كان من المنتظر أن تكون ألمانيا ذاتها الميدان الذي يجري فيه تطبيق هذه ~~النظريات التي نادى بها «ليست»، والحقيقة أن «ليست» كان يعتقد أن ألمانيا قد ~~جمعت في داخلها كل عناصر القوة الاقتصادية في أعلى مراتبها، وفي رأي «ليست» ~~أن الذي كان ينقص ألمانيا لتحقيق هذه القوة الاقتصادية، إنما هو افتقارها ~~للاتحاد والقدرة على الدفاع عن نفسها ضد الأجنبي، وللوصول إلى هذه الغاية، في ~~وسع ألمانيا - ولذلك صار من واجبها - أن تزيد في رقعة سلطانها الاقتصادي، ~~فيقول «ليست»: «إن هولندة وبلجيكا والدانمرك، بلاد يجب إقناعها بتأليف دولة ~~واحدة بحرية، وأن هذه البلدان يجب أن ينتهي بها الأمر إلى النظر في انضمامها ~~هي ذاتها أو اندماجها في «قومية» أكبر حجما منها، كشيء مرغوب فيه ولا ندحة ~~عنه»؛ أي إن «ليست» كان يبغي أن تضم ألمانيا إليها في كيان اقتصادي واحد، ~~وفي دولة واحدة، كلا من هولندة وبلجيكا والدانمرك، وذلك الاتساع أو التوسع ~~الذي طلبه «ليست» كان - كما هو ظاهر - من ناحية الغرب. # ولكن «ليست» أراد اتساعا أو توسعا ألمانيا من ناحية الشرق كذلك؛ فقد ~~اعتقد أن المجر (هنغاريا) قطر ضروري لألمانيا؛ لأنها بالنسبة لألمانيا بمثابة ~~«المفتاح» الذي يفتح أمامها الباب للامتداد إلى تركيا، وبلاد الليفانت (البحر ~~المتوسط الشرقي)، وعلاوة على ذلك، وكما قال «ليست»: «لأن النار الاستعمارية، ~~سوف تذيب البرودة الألمانية.» # ولذلك فقد استطاع «ليست» من وجهة النظر الاقتصادية أن يزود ألمانيا «برسالة» ~~معينة، عندما راح يقول: «إن الجنس الجرماني - وذلك أمر لا شك فيه إطلاقا - قد ~~هيأه المولى واصطفاه؛ بسبب طبعه الفطري، وخلقه وسجيته ذاتها؛ ليجد حلا ~~لهذه المعضلة الجسيمة؛ توجيه وإدارة شئون العالم قاطبة، وتمدين البلاد ~~المتبربرة والمتوحشة، وتعمير تلك التي لا زالت خالية ولا يسكنها أحد.» # وواضح أن هذه النظريات التي نادى بها «ليست» كانت تستند على تفكير أصيل ~~قطعا، من حيث إنه تناول الاقتصاد باعتبار أنه قوة فعالة، وأراد ms1277 أن يؤسس ~~وحدة ألمانيا على اقتصاد صناعي، وذلك شيء جديد، ولكن «ليست» لا يلبث حتى يرتد ~~في تفكيره خطوة إلى الوراء، تجعله في مستوى الفلاسفة والأدباء ورجال السياسة ~~في عصره، من الذين مر بنا ذكرهم، وذلك عندما راح يقول: إن لألمانيا ~~«رسالة» مسندة إليها من قبل الإله! وعلى ذلك فقد صار يبدو اتحاد ألمانيا ~~الاقتصادي، كما ارتسمت صورته في ذهن «ليست» في أساسه فكرة تسلطية «إمبيرالية»، ~~والذي يدعو للعجب فعلا أنه في هذا الوقت الذي كان يبدو فيه حقيقة واقعة - من ~~وجهة النظر السياسية الاقتصادية - أنه لم يكن هناك وجود لألمانيا، وأن هذه ~~البلاد تحتفل على الأكثر مكانا متواضعا في الميدان السياسي الاقتصادي، نقول: ~~كان مثار العجب حقا، أن تسيطر على أذهان الألمان أحلام الوحدة الكاملة ~~والقوية، والسيطرة السياسية والاقتصادية على العالم بأسره. ~~(12-3) نشاط «الجامعيين» # لقد لاحظنا كيف أن اليقظة أو الانتفاضة القومية التي حصلت في سنة 1840، قد ~~جعلت الفكرة القومية أو المذهب القومي يؤلف قسما من برنامج الأحرار في ~~ألمانيا؛ على أن الذي يجب ذكره أن هذه الحركة لم تكن تختص بها ألمانيا وحدها، ~~بل إن الشعور القومي قد أخذ ينمو كذلك في إيطاليا - وعلى نحو ما شهدنا - كما ~~لم يلبث أن تولد في الأملاك النمسوية - وذلك موضع دراسة مقبلة، ولم يكن في هذه ~~المرة جماعة «ألمانيا الفتاة» أو الداعون للأممية # Cosmopolitisme ~~، هم الذين أدخلوا هذا الاتجاه الجديد في برنامج ~~الأحرار؛ أي نحو القومية، بل إن الذي فعل ذلك كان الجامعيون - أساتذة الجامعات ~~- الذين تسلموا زعامة الحركة الألمانية. فقد انطلق الجامعيون كافتهم، ينشرون ~~الآن القومية، وكان المؤرخون والقانونيون في طليعة هؤلاء الجامعيين، ولقد تميز ~~من بين هؤلاء الأساتذة اثنان، تزعما الحركة القومية وأوضحا أهدافها، هما: ~~«داهلمان» و«جرفينوس»، وفردريك كريستوف ~~داهلمان # Dahlmann ~~(1785-1860)، كان أصلا من «مكلنبورج» بألمانيا، ~~قضى شبابه في الدانمرك، حيث درس بجامعة كوبنهاجن، واشتغل بعض الوقت أستاذا ~~بجامعة كييل # Kiel # في ألمانيا، ثم لم يلبث أن ~~رجع ثانية إلى الدانمرك في سنة 1812، وفي سنة 1815 صار ms1278 سكرتيرا لوفد شلزويج ~~هولشتين لدى دياط فرانكفورت، وكانت الدانمرك تعتبر دوقية شلزويج جزءا لا ~~يتجزأ من مملكة الدانمرك، في حين أرادت الدوقيتان شلزويج-هولشتين # Schleswig-Holstein # استمرار الاتحاد ~~بينهما، وعدم انفصال الأولى «شلزويج». وكان «داهلمان» أحد الذين أيدوا هذه ~~القضية إلى جانب أستاذ آخر بجامعة كييل، هو نيقولاس ~~فالك # Flack ~~، وأصله من شلزويج الشمالية، فقد كانت «هولشتين» ضمن ~~الاتحاد الألماني الكونفدرائي، في حين اعتبر الدانمركيون «شلزويج» من أملاكهم. ~~وقامت حركة كبيرة في الدوقيتين تطالب الانضمام بعد ذلك بسنوات عدة (1848) إلى ~~الاتحاد الألماني، وكان أثناء السنوات التي قضاها «داهلمان» في فرانكفورت، أن ~~ظهرت «وطنية ألمانية»، وذلك فيما صار يقوم به من دعاية واسعة، أهاجت خواطر ~~الأهلين الألمان في هاتين الدوقيتين ضد الحكومة الدانمركية، وكان أهل شلزويج ~~هولشتين خليطا من الألمان والدانمركيين، وكان الألمان في هولشتين أشد تأثرا، ~~وكادت هذه الأخيرة تكون «ألمانية» بحتة. # وعندما كان «داهلمان» يشغل منصب الأستاذية في «كييل»، أنشأ صحيفة نالت شهرة ~~واسعة، وإن لم تعمر طويلا، هي صحيفة ~~كييل # Kieler Blatter # لترويج آراءه ولإثارة الخواطر ضد الدانمرك، ثم حدث في ~~سنة 1822 أن تقدم ممثلو طبقتي الفرسان، ورجال الدين في الدوقيتين بعريضة إلى ~~مجلس الدياط في فرانكفورت، يشكون من الخطر الذي يتهدد حقوق الدوقيتين، ويطلبون ~~وساطة الدياط، وكان «داهلمان» هو واضع هذه العريضة، وأهل الدياط هذه العريضة، ~~الأمر الذي أقنع الدانمرك وقتئذ أن «شلزويج هولشتين» لن تجد مساندة وتأييدا ~~من جانب ألمانيا، أما «داهلمان» فقد تعين بعد بضعة سنوات (1829) أستاذا ~~للتاريخ والعلوم السياسية بجامعة «جوتنجن»، وكان «داهلمان» أحد الأساتذة - مع ~~رفيقة «جورج جريفوس» - اللذين جردهما ملك هانوفر من وظائفهما في الحادث، الذي ~~مر بنا ذكره عند الكلام عن أثر الجامعات في «الحياة الذهنية واتجاهاتها ~~القومية» - وهو الاحتجاج ضد تعطيل الدستور في هانوفر على يد الملك الجديد ~~«إرنست أوجستس» - وذلك في سنة 1837، ولقد ذكرنا كيف أن الجامعات الأخرى عرضت ~~على هؤلاء العمل بها، فرحبت جامعة «بون» بفردريك داهلمان، الذي صار ~~أستاذا للعلوم السياسية بها. # أما سمعة «داهلمان» العلمية، فقد بدأت ms1279 تذيع منذ أن أخذ ينشر في سنتي 1822، ~~1823 «بحوثه» # 82 # في تاريخ ألمانيا، وفي هذه البحوث حاول «داهلمان» تحديد مدى ~~التوسع - الذي كان إقليميا - والذي حدث من جانب ألمانيا على ممر العصور، ثم ~~إنه (أي داهلمان) لم يلبث أن أكد نوع هذا التوسع وحدوثه في بحث مستفيض ظهر ~~في سنة 1830 ونال شهرة كبيرة، عالج فيه «داهلمان» مصادر التاريخ الألماني، وفي ~~مؤلفه هذا أظهر «داهلمان» ازدراءه للطريقة التي يعمد بها نفر من الكتاب ~~إلى التدليل في بحوثهم على فكرات أو آراء معينة، كانت راسخة في أذهانهم سلفا، ~~وقبل أن يبدءوا بحوثهم، وقال: إنه إنما يعتمد في «تاريخه» وكتاباته على معرفة ~~الوقائع التاريخية الصحيحة، وتبنى دراساته على الوثائق والأسانيد، فهو إذن لا ~~يسمي نفسه باحثا نظريا، ولا يرضى أن يشغل فكره في المعاني المجردة ~~وحسب، دون التنقيب عن حقيقة الواقع، ومع ذلك فالرأي منعقد على أن آراءه ~~التاريخية إنما تشبه بعضها آراء غيره من المؤرخين، الذين شاء «داهلمان» ~~تقليدهم في تفكيرهم أو نسخ آراءه من آرائهم، في حين أن بعضها الآخر قد استوحاه ~~«داهلمان» من آراء معينة لكتاب ومؤرخين معروفين، مثل المؤرخ الفرنسي ~~أوجستان تييري # Thierry ~~(1795-1856)، ~~وزميله الفرنسي «فرانسوا جيزو» - (1787-1874)، وقد عرفناه في أزمة المسألة ~~الشرقية خصوصا، وكلاهما قد سجلا في مؤلفاتهما آراء معينة لإظهار تفوق ونفوذ ~~الطبقة المتوسطة (البورجوازية). # ومع أن «داهلمان» كان كما قال «واقعيا» ومؤرخا، يعتمد على الحقائق ~~والوثائق والأسانيد في بحوثه، فقد كان في الوقت نفسه «مذهبيا»؛ أي يدين ~~بمبادئ معينة؛ لأنه كان يؤمن بأن من الخير أن تكون هناك «نظريات» مقبولة، ~~ويؤمن بأنه صاحب رسالة، وقد جعله هذا الإيمان متعصبا لآرائه «ومذهبيا» لا ~~يحيد عن المبادئ التي اعتقد صحتها، ولقد ظهرت هذه «المذهبية» على الخصوص في ~~شئون السياسة التي لم يكن «داهلمان» يرضى فيها إطلاقا بأية حلول وسط، وفي سنة ~~1835 نشر «داهلمان» مؤلفا نال كذلك شهرة ذائعة، عن السياسة التي يجب أن ~~تكون الظروف القائمة فعلا، القاعدة التي ترتكز عليها، والعامل الذي يوجهها، ms1280 # 83 # وواضح من عنوان هذا الكتاب أنه يتناول «مذهبا» معينا، هو مذهب ~~السياسة التجريبية، وفي هذا المؤلف شرح «داهلمان» فكرته القائلة بأن الواجب ~~يقتضي الدول الألمانية أن يكون المبدأ الذي يسترشدونه، هو التجمع حول بروسيا ~~عند تحول هذه إلى دولة مؤسسة على المبادئ الحرة. # على أن إنتاج «داهلمان» ابتداء من سنة 1840، كان سياسيا بقدر ما كان ~~تاريخيا، فنشر بين عامي 1840، 1843 ثلاثة مجلدات في تاريخ الدانمرك، تشيع ~~منه الروح القومية الألمانية، ثم إنه نشر «تاريخا لثورة إنجلترة» في القرن ~~السابع عشر في سنة 1844، كما نشر في العام التالي (1845) تاريخا للثورة ~~الفرنسية، وكان الغرض من هذين المؤلفين تقريب هذه الحوادث، والمعنى الذي ~~انطوت عليه من أذهان القراء العاديين. # وكان جوج جرفينوس # Gervinus ~~(1805-1871) ~~الزعيم الآخر الذي تزعم - إلى جانب «داهلمان» - هذه الحركة الجديدة القومية، ~~وهو من «هس درمستاد»، ولا ينتمي للأوساط البورجوازية - كما هو حال «داهلمان» - ~~بل كان من الطبقات الشعبية، اشتغل أولا في التجارة، واستطاع أن يعلم نفسه ~~بنفسه، فترك حانوت التجارة ليلتحق بالجامعة، وحصل على درجة الدكتوراه في سنة ~~1830، وانتهى به الأمر ليصبح أستاذا بجامعة «هايدلبرج»، ثم صار أستاذا ~~بجامعة «جوتنجن»، وكان أحد الذين أقصوا - مع زميله «داهلمان» - من هذه ~~الجامعة في حادث 1837 المعروف. # ولقد كانت المحاضرات التي ألقاها «جرفينوس» بجامعة «هايدلبرج»، هي الأساس ~~الذي قامت عليه دراسته الرئيسية والكبيرة، والتي بدأت في سنة 1835، وذلك عندما ~~اقترح «جرفينوس» على ناشره أن يختار بين أن يكتب «جرفينوس» تاريخ الشعر الألماني # 84 # في خمسة أجزاء (من 1835 إلى 1842)، ومع ذلك فقد كان هذا التاريخ ~~في حقيقة الأمر دراسة سياسية جدلية، مقدمة من صاحبها إلى الشباب الألماني، ~~وتهدف إلى توجيه الشباب نحو الواقعية، والاهتمام بشئون السياسة، باعتبار أن ~~«الأدب» الخالص - كما قال «جرفينوس» - قد انتهى وقته، وكان لهذا التاريخ الضخم ~~غرض آخر، هو إقامة الحجة على أن ألمانيا تحتل مكانا رفيعا وهاما في عالم ~~الفكر، وأن من الواجب أن تكون لها نفس المكانة في عالم السياسة كذلك، وفي سنة ~~1842 نشر ms1281 «جرفينوس» موجزا لهذا التاريخ، كي يتسنى للجمهور قراءته، ومع ذلك ~~فقد عنى «جرفينوس» بعد سنة 1845 عناية خاصة بكتابة ونشر الكراسات في شتى ~~الموضوعات السياسية، ولم يكن «جرفينوس» رجلا موهوبا، أو صاحب أسلوب يفيض ~~بالحماسة، ولكنه كان يوحي بالثقة في تفكيره، ولقد كان شديد الإعجاب بقدرته ~~العلمية، محبا للتفاخر بها، متصلبا في آرائه ونظرياته بدرجة تفوق كثيرا ~~عناء «داهلمان» وتعصبه، كما كان أقل اندفاعا في الفكر منه، ولكن «جرفينوس» ~~كان أكثر تأييدا للحرية من «داهلمان»، ولقد رفض «جرفينوس» فيما بعد، تأييد ~~سياسة بسمارك، ورفض تضحية الحرية من أجل الوحدة، حقيقة قبل «جرفينوس» أن ~~تتولى بروسيا «صنع» ألمانيا ، ولكن بشريطة أن تكون بروسيا ذاتها دولة تدين ~~بالمبادئ الحرة. # وأما هذه الدعاية التي قام بها أساتذة الجامعات، والتي استندت على «حقائق» ~~التاريخ الألماني بالصورة التي رسمها هؤلاء الأساتذة والناشرون، فقد خلفت في ~~ألمانيا آثارا تفوق في قيمتها ما قد تسفر عنه مثل هذه الدعاية من آثار في ~~بلاد أخرى، فالألمانيون يميلون بسهولة لتصديق ما يذكره التاريخ، سواء أكان ~~تاريخا صحيحا أم مصطنعا؛ ولذلك فقد انتعشت انتعاشا عظيما هذه الدعاية ~~«البروبجندا» السياسية المستندة على التاريخ في السنوات التالية، من ذلك أن ~~المؤرخ درويزن # Droysen ~~- وقد سبق الحديث عنه، ~~وكان أستاذا بجامعة «كييل» - ألقى خطابا عظيما بمناسبة مرور ألف سنة على ~~معاهدة التقسيم المشهورة في فردان (1843)، فعقد مقارنة مخزية بين ما كانت عليه ~~«ألمانيا» من عظمة ورفعة شأن، وقت توقيع هذه المعاهدة بين أبناء لويس، التقى ~~الثلاثة لاقتسام إمبراطورية شارلمان، وبين ما انتقل إليه الحال في السنوات ~~التالية، ثم ما صار عليه الوضع في الوقت الحاضر (1843)، فقال «درويزن»: إن ~~أشقاءنا في الألزاس، يتنكرون لنا ويرفضوننا، وإن أشقاءنا في بلاد فرسان ~~التيتون ليسوا جزءا من الاتحاد الكونفدرائي الألماني، وأشقاءنا الألمان في ~~الأقاليم الشرقية البعيدة مهددون في صميم حياتهم «القومية»، ولكن «درويزن» لم ~~يفقد الأمل، بل وجه في خطابه نداء للألمان جميعا، كي يبذل كل فرد منهم كل ~~ما يملك من جهد ضروري «ليصنعوا» مرة ثانية ms1282 ألمانيا موحدة. # وواضح مما تقدم أن هؤلاء «الدعاة» المثقفون كانوا يختصون «القومية ~~الألمانية» بعناية أكبر في تفكيرهم و«دعايتهم» من اهتمامهم «بالحرية»، ولا شك ~~أن البون كان شاسعا بين هذا الموقف، وبين موقف أولئك الأحرار الذين ذكرنا ~~طائفة منهم في بداية هذه الدراسة من طراز «منزل» و«بورن» و«ورتيك» و«ويلكر» ~~وغيرهم، وكذلك «هايني»، و«هايني» هو الذي كتب، حتى في بداية سنة 1840: # أن الأداة (أو العتلة) الضخمة التي عرف كيف يحركها ويستخدمها في ~~الزمن السابق، كل أولئك الأمراء الأذكياء، والذين كانت لهم أطماع ~~كبيرة، قد أضحت عالية، وقليلة الآن، وتلك الأداة كانت القومية ~~بأباطيلها وأحقادها، لقد حطم فعل الحضارة الأوروبية العامة، كل تلك ~~الخصائص الخشنة التي انفرد بها كل شعب من الشعوب، فلم يعد هناك وجود ~~لأمم في أوروبا، بل إن ما يوجد اليوم لا يعدو أن يكون فرقا أو ~~أحزابا وحسب. # على أنه لم تمض سنوات قليلة، حتى كانت الأحداث في ألمانيا، قد كذبت أقوال ~~«هايني» هذه تكذيبا تاما. # فإنه لم يلبث أن التف حول الأساتذة الجامعيين جماعة من الكتاب من كل ~~الفرق والأحزاب في ألمانيا؛ ليتعاونوا جميعا في خدمة الفرض المشترك، نذكر من ~~هؤلاء على سبيل المثال؛ الشاعر الهسي - نسبة إلى هس - فرانز دينجلشتد # Dingelstedt ~~، ثم الشاعر الهانوفري، ~~«هوفمان فون فالرسليبين» صاحب أنشودة «ألمانيا فوق الجميع»، والذي سيكون له ~~دور ملحوظ في حوادث ثورة 1848 على رأس حركة اجتماعية، ثم «جورج هيرويج» الشاعر ~~السوابي - نسبة إلى سوابيا - وقد سبق ذكر هذين الأخيرين، وهكذا غيرهم كثيرون، ~~ولقد جمع بين هؤلاء جميعا عاملان؛ شعور الكراهية للاستبداد، والعاطفة المتقدة ~~للقومية. # وأما «هايني» وقد عرفنا أنه يعيش في فرنسا، فقد انضم إلى هذه الحركة في ذلك ~~القسم من نشاطها الموجه للكفاح عن المبادئ الحرة، وبقي «هايني» يناضل من ~~أجل الحرية، وهكذا تدفق من كل أنحاء ألمانيا سيل من الكراسات والمنشورات، ~~والقصائد والأناشيد، وبصورة متزايدة بقدر تقدم الحركة القومية و«الحرة» ~~ذاتها، وبالرغم من الرقابة الصارمة المفروضة على المطبوعات، وأخيرا لم يلبث ~~«جرفينوس» أن أنشأ في «هايدلبرج» ms1283 في يوليو 1847 «الفازيتة أو الصحيفة الألمانية» # 85 # لعرض آراء جماعته وترويجها. وتولى «جرفينوس» إدارة هذه الجريدة ~~بمعاونة ثلاثة من الكتاب؛ المؤرخ لودفيج ~~هاوسر # Hausser ~~، والكاتب السياسي كارل ~~ماتي # Matty ~~، ثم القانوني والسياسي كارل ميترماير # Mittermaier ~~، وقد رسم هؤلاء الكتاب مع «الفازيتة ~~الألمانية» صورة اتحاد كونفدرائي يضم إليه كل ألمانيا، على أن تقوم في نفس ~~الوقت حكومة دستورية في داخل كل «دولة» يتألف منها هذا الاتحاد، ويتضح من ~~إنشاء هذه الجريدة والآراء التي راح هؤلاء الكتاب يروجونها، كيف صارت ~~«الحرية» و«القومية» تمتزجان مع بعضهما بعضا. # ولقد تشكلت إلى جانب هذه الحركة، وبالأصح إلى يسارها، حركة راديكالية، وصلت ~~في سيرها في هذا الطريق إلى «الاشتراكية» ذاتها، أما هذه الحركة الراديكالية، ~~فقد خرجت من جناح «الهيجلية» اليساري، وكان لسان حالها «حوليات هال للعلوم ~~والفنون الألمانية»، # 86 # ويشرف على تحريرها الفيلسوف «الهيجيلي اليساري» والناشر ~~أرنولد روج # Ruge ~~، الذي سبق أن تحدثنا ~~عنه، كما تأسست «الفازيتة الراينية للسياسة والتجارة والصناعة» # 87 # في كولون؛ لتؤدي في الغرب نفس المهمة التي تؤديها في «الشرق» ~~الصحيفة الأولى «حوليات هال»، وكان يشرف على إدارة الفازيتة الراينية الناشر ~~و«الهيجيلي اليساري» كذلك أرنست ~~يونجنتز # Jungnitz ~~، # 88 # ولم تعمر هذه الصحيفة سوى شهور ثلاثة، فقد ظهر أول أعدادها في أول ~~يناير 1843، وخرج آخر أعدادها في أول أبريل من السنة نفسها، حيث عطلتها ~~الحكومة، ولقد تعاون مع «يونجنتز» في تحريرها «برونو باور» والذي عرفنا أنه ~~كان من تلاميذ «ستراوس». # وكان لهؤلاء الراديكاليين، أحد الأندية في برلين، باسم «نادي الرجال ~~الأحرار»، وربطوا أنفسهم بالفلسفة التي كان علماها؛ «فردريك ستراوس» و«آنسلم ~~فويرباخ»، وهما - كما عرفنا - من تلامذة «هيجل» اليساريين، فكان هؤلاء ~~الراديكاليون من أعداء المسيحية، وتنكروا لدينها، وعلى النقيض مما عرف به ~~المؤرخون الذين ذكرناهم - مثل «درويزن» وغيره - كانت هذه الجماعة الراديكالية ~~من «النظريين» كثيري الخيال، الذين أرادوا إصلاحا للدولة وللمجتمع على ~~المبادئ الهيجلية. # واستمدت هذه الحركة الراديكالية قوتها الفعلية من الخارج، أكثر مما ~~استمدته من قوة من داخل ألمانيا ذاتها؛ وذلك لأن اللاجئين ms1284 الألمان في الخارج، ~~وفي فرنسا على وجه الخصوص، هم الذين كانوا يغذونها. فاللاجئون في باريس هم ~~الذين صاروا يصدرون صحيفة بعنوان إلى ~~الأمام # Worwarts # لنشر دعوتهم، وهم الذين أسسوا النوادي، التي كان ~~منها «نادي العدول» في سنة 1836 - وقد تقدم ذكره، ثم إنهم صاروا مشغولين عشية ~~ثورة 1848، بتأسيس «حلف الشيوعيين»، # 89 # وكان يتولى قيادة هذه الحركة على وجه الخصوص ثلاثة من الرجال هم: ~~ولهلهم وايتلنج # Weitling ~~(1808-1871)، ~~وكان شيوعيا «مذهبيا»، قال عنه «إنجلز» وعن زملائه: إن رءوسهم محشوة ~~بالعبارات المبهمة التي يرددها الأدباء من صغار البورجوازية، # 90 # ثم فردريك إنجلز # Englez ~~(1820-1895) صديق كارل ماركس، والمتعاون الأمين معه، وأخيرا «كارل ماركس» ~~نفسه (1818-1883)، ولو أن «كارل ماركس» لم يكن صاحب شهرة وقتئذ، وقد نشر ~~«إنجلز» في سنة 1845 مؤلفه عن «الحال التي عليها الطبقة العاملة في إنجلترة ~~في سنة 1844»، # 91 # وكان المركز الثاني لهذه الحركة الراديكالية إلى جانب باريس ~~«بروكسل» العاصمة البلجيكية. # ويذهب المؤرخون الفرنسيون إلى أن هؤلاء الراديكاليين، قد اتخذوا المبادئ ~~الحرة والقومية التي سادت فرنسا وقتئذ «إنجيل» لحركتهم، وذلك بالرغم من أنهم ~~كانوا أعداء ألداء لفرنسا، وأن حركتهم إنما ترتد في أصولها إلى تلك الكراهية ~~لفرنسا التي انبعثت من جديد في سنة 1840 في الظروف التي ذكرناها، ويستند هؤلاء ~~المؤرخون في هذا الرأي إلى ما كتبه في مذكرات «إرنست» دون ساكس كوبورج # Zaxe-Coupourg ~~، وهي مذكرات تتناول هذه ~~الفترة، وتلقي ضوءا هاما على وجه الخصوص على أصول الوحدة الألمانية، ~~وسياسة البرنس بسمارك، وفي هذه المذكرات يقول «إرنست دون ساكس - كوبورج»: «لقد ~~كان لفرنسا نفوذ عظيم وسيطرة كبيرة على الحياة السياسية في ألمانيا قبل سنة ~~1848، لقد وجدت كتابات لوي بلان # Louis Planc # جمهرة كبيرة من القراء في ألمانيا، من المحتمل أنها كانت تضارع جمهرة قارئيه ~~في فرنسا ذاتها، # 92 # لقد تغلغلت الكتابات الأكثر راديكالية في الأوساط الألمانية حتى ~~نفذت إلى طبقات الأهلين الدنيا، وإني لا أزال أذكر جيدا، كيف كان يثير دهشتي ~~كثيرا أثناء رحلة قمت بها في شبابي، تأكدي ms1285 من العثور على الكتب والكراسات، ~~التي يزعج وجودها البوليس في كل مكان، حتى في أقصى القرى، وذلك بالرغم من أن ~~وسائل المواصلات لم تكن وقتئذ متقدمة.» # أما هذه الحركة الراديكالية والاشتراكية في ألمانيا، فقد تزايدت قوتها بسبب ~~الأزمة الاقتصادية، التي ظهرت بوادرها في سنة 1846 في صورة إضراب حصل في ~~سيليزيا بين النساجين، كان له دوي عظيم، ومما ترتب عليه أن صارت تبرز ~~الآن المسألة الاجتماعية؛ أي مشاكل العمل والعمال وآثارها في المجتمع ~~الألماني. # والذي تجدر ملاحظته أن حركة الآراء هذه الداعية للتجديد، لم تكن مقصورة على ~~أهل الفكر والمثقفين وحدهم فحسب، بل ضمت إليها كذلك رجال السياسة، ولو أنها في ~~هذه الأوساط السياسية، قد صارت تفتقر إلى كثير من تلك الشجاعة التي تميزت بها ~~هذه الحركة في أوساط المثقفين وأهل الرأي والفكر؛ وذلك لأن آراء هؤلاء ~~السياسيين الأحرار القوميين وبرامجهم، لم تكن تعدو المطالبة «بإصلاح» الاتحاد ~~الكونفدرائي القائم في ألمانيا منذ 1815، فهم يريدون أن يستبدلوا بالاتحاد الكونفدرائي # Staatenbund ~~، دولة فدرالية ~~اتحادا فدرائي # Bundesstaat ~~، وكان زعيم ~~هؤلاء الجماعة، «هاينريش فون جاجرن» النائب الهسي - الذي سبقت الإشارة إليه ~~- وكان نائبا بمجلس هس تاسل، من 1832 إلى 1836، ثم انسحب من السياسة ليتفرغ ~~لأعماله الزراعية، فلم يعد إلى ميدان السياسة إلا في عام 1846، وذلك ليشن حملة ~~معارضة عنيفة ضد «قانون مدني» لا يستند على المبادئ الحرة، أرادت الحكومة ~~الهسية استصداره، فانتخب نائبا مرة ثانية في سنة 1847، وسرعان ما أصبح ~~أحد زعماء حركة 1848. # ولقد كانت فكرة إصلاح الاتحاد الكونفدرائي الألماني هذه بإنشاء دولة فدرالية ~~«الحل»، أو الفكرة التي كانت أوسع انتشارا على وجه الخصوص بين السياسيين ~~والمهتمين بالسياسة في ألمانيا الجنوبية. # ومن جانب آخر، فإنه كان لا يزال هناك تيار من القومية، جعله مستمرا نشاط ~~المدرسة التقليدية - أو التمسك بالتقاليد - التي عرفنا أن «فون هالر» كان ~~«أقوى» زعمائها، والتي اعتمدت على دروس «فون رانكه» التاريخية - الأستاذ ~~بجامعة برلين - وهؤلاء «التقليديون» كانوا من المحافظين القوميين، ومن المعروف ~~أن «هالر» و«رانكه» لم يكونا من الأحرار، وكان ms1286 في رأيهم أن في وسع ألمانيا ~~أن تتوحد دون حاجة للأخذ بالأيدولوجية الثورية وبالمذهب الحر، وذلك بالاعتماد ~~على طبقة النبلاء وعلى الإدارة أو الحكومة وحسب، وعلى ذلك فقد صاروا يمزجون ~~بين فكرة القومية الألمانية - وذلك في الوحدة التي ينشدونها، وبين ما صاروا ~~يسمونه بفكرة القومية البروسية - لضرورة استناد هذه الوحدة على «نبلاء» ~~و«حكومة»، وهما عنصران متوافران في بروسيا، الدولة التي أنشأتها «التقاليد» في ~~عرفهم. # وواضح أن المزج بين هاتين الفكرتين؛ القومية الألمانية، والقومية البروسية، ~~لا يعدو أن يكون ذلك «التقليد» نفسه الذي تمسك به، وسار عليه العسكريون ~~والنبلاء في بروسيا في عهد نابليون، وكان طبيعيا أن يتلقن هذه التقاليد، ~~ويتمسك بها الإداريون «والموظفون» والعسكريون الجدد في حكومة بروسيا، فكان ~~معنى «القومية» حينئذ لدى هؤلاء جميعا، أن تتسع بروسيا حتى يشمل سلطانها ~~ألمانيا، وأن تصبح بروسيا هي ألمانيا، بقدر ما كان معناها تأسيس الوحدة ~~الألمانية، مثال ذلك ما ذكره «رادويتز» # 93 # أحد مستشاري ملك بروسيا فردريك وليم الرابع، والذي صار زعيما ~~للحزب الكاثوليكي البروسي في سنة 1848 فقد كتب في رسالة له إلى الملك في 20 ~~نوفمبر 1847: # لقد تركنا في أيدي أعداء النظام أقوى سلاح في الوقت الحاضر، وأعني ~~بذلك القومية، فكل النفوس مريضة بذلك الداء المتولد من الحنين إلى ~~الوطن، والذي يبدو الآن كرغبة في رؤية ألمانيا أكثر اتحادا وقوة، ~~وموضع احترام أكبر في العالم الخارجي، وذلك الرأي أشد شعبية وقوة من ~~أي رأي آخر، والوحيد الذي يسيطر على أذهان الأحزاب، والذي يمثل ~~موضعا دونه كل الخلافات الإقليمية والسياسية والدينية، وأشار ~~«رادويتز» على الملك أن يتزعم هو - أي فردريك وليم الرابع - هذه ~~الحركة القومية كي تجمع حول بروسيا كل الألمانيين. # وواضح أن اتباع هذه الخطة، يفترض تسوية للخلاف الناشب بين الرأي القومي في ~~ألمانيا وبين بروسيا، وإعادة العلاقات أو الروابط التي كانت قد انفصمت بسبب ~~السياسة الرجعية التي سارت عليها بروسيا. # وكان مما أتاح الفرصة لتسوية هذا الخلاف، والوصول إلى صلح بين الرأي ~~القومي في ألمانيا وبين بروسيا، أن دخل ms1287 المسألة عنصر جديد، هو اعتلاء فردريك ~~وليم الرابع عرش بروسيا. ~~(12-4) حكومة فردريك وليم الرابع # فقد اعتلى هذا الملك عرش بروسيا في 7 يونيو 1840؛ أي في اللحظة التي انفجرت ~~فيها أزمة سنة 1940 التي هددت بالحرب الأوروبية، وأفصح الفرنسيون عن مطالبهم ~~«القومية» التوسعية تجاه الراين وألمانيا الغربية، وفي هذه الأزمة تجاوب الملك ~~البروسي في التو والساعة مع الآراء والعواطف الألمانية، فهو كان يكره حقيقة ~~فرنسا، وفي رأيه «لم يكن يوجد في فرنسا دين، ولا أخلاق، وأنها دولة متعفنة، ~~مثلها في ذلك روما قبل سقوط الإمبراطورية «الرومانية»، وأن فرنسا - حسب ~~اعتقاده - سوف تنهار بالطريقة نفسها»، وانضم فردريك وليم مباشرة إلى الحركة ~~المؤيدة للحرب وقتئذ (1840)، فمنح «بيكر» صاحب أنشودة «الراين الألماني» ~~معاشا مكافأة له على هذه الأنشودة، وفي سنة 1842 شرب الملك نخب «الوطن ~~الألماني»، وذلك في الاحتفال الذي أقيم بمناسبته الفراغ من بناء كتدرائية ~~كولون؛ وقد سبقت الإشارة إلى هذا الاحتفال، ولقد حرص فردريك وليم بشتى الطرق ~~على إظهار احترامه وتعلقه بكل تقاليد العصور الوسطى، وبفكرة الإمبراطورية ~~الرومانية الجرمانية المقدسة، وإلى جانب هذا أقام فردريك وليم عندما كان ~~وليا للعهد وقتا كافيا في الأقاليم الراينية، جعله يحتك بالمجتمع الجديد ~~هناك، وساعدت الإجراءات التي اتخذها الملك في بداية عهده على الاعتقاد بأن ~~حكما مستندا على المبادئ الحرة، سوف يسود بروسيا، فهو قد أنهى النزاع بين ~~أسقف كولون وبين الحكومة البروسية، وأصدر عفوا عن الأحرار الذين كانوا في ~~السجن، أو ظلوا موضع اضطهاد من مدة طويلة منذ حركات القمع المعروفة في سنتي ~~1819، 1830، فاستطاع الشاعر «آرندت» # 94 # العودة من منفاه إلى بروسيا، وخفف فردريك وليم من صرامة الرقابة ~~(سبتمبر 1841)، وجعل جلسات المجالس (الدياطات) الإقليمية علنية، فأعدت هذه من ~~الآن فصاعدا محضرا لجلساتها، يوزع على الصحف لنشره، الأمر الذي أوقف الأهلين ~~على حقيقة ما يجري في هذه المجالس، والموضوعات التي تدور فيها المناقشة، فتسنى ~~لهؤلاء تأييد ما يريدونه منها أو إبداء معارضتهم لها، كما أتيحت الفرصة لقيام ~~حركة تكتل حول الأحرار لتأييدهم، ثم إن الملك ms1288 وعد بدعوة مجالس الدياط للاجتماع ~~بانتظام كل سنتين مرة، وأراد أن تبعث المجالس الإقليمية عند كل دورة؛ أي كل ~~سنتين مرة، مندوبين عنها إلى برلين، يعرضون على الملك رغبات وآراء الأهلين في ~~الأقاليم المختلفة، وهكذا تولد في صدور الألمان والبروسيين الأمل في أن بروسيا ~~سوف تتبع سياسة مستندة على المبادئ الحرة، وموجهة نحو تأييد القومية ~~الألمانية، وذلك بفضل كل هذه الإجراءات الحرة، التي بدأ بها فردريك وليم ~~الرابع حكمه. # ولقد كان تحت تأثير هذا الأمل، أن تشكلت حركة جديدة على المبادئ الحرة في ~~إقليم الراين، مستندة على فكرة أن من الممكن أن تصبح بروسيا دولة تدين بالمذهب ~~الحر. # ذلك أن الفكرة المحلية أو الإقليمية لم تلبث أن محيت تماما في إقليم ~~الراين، عقب أزمة 1840 المعروفة، فقد بقي حتى هذا الوقت الراينيون يصرون - كما ~~عرفنا - على التمسك بأنظمتهم الفرنسية الحكومية، وبقوانينهم الفرنسية، فصار ~~النمط المألوف الآن - على العكس من ذلك - هو إبراز الخصائص الألمانية الكامنة ~~في الأنظمة الحكومية والاجتماعية، وحتى هذا الوقت تمسك الراينيون «بملامح» ~~إقليمهم؛ أي «محليتهم» وعارضوا الاندماج في دولة بروسيا، فصاروا على العكس من ~~ذلك، من الآن فصاعدا يريدون نمو إقليمهم وتقدمه في نطاق الدولة البروسية، لقد ~~كانوا يعيشون في عزلة سابقا، ولكنهم صاروا الآن ينشئون صلات وروابط ذهنية ~~وفكرية مع سائر الأقاليم البروسية، فهم يتتبعون ما يدور من مناقشات في المجالس ~~الإقليمية (الدياطات) في سائر الأقاليم الألمانية، وهم يقرءون بنهم وشغف كل ما ~~تقع عليه أيديهم من كراسات ومطبوعات يصدرها الأحرار في سائر مقاطعات بروسيا، ~~وخصوصا كراسة لطبيب يهودي من «كونجزبرج» يدعى جوهان جاكوبي # Johann Jacoby ~~، # 95 # سرعان ما تزعم الأحرار هناك، عندما تألفت مجموعة من الشبان - ~~أكثرهم من اليهود - من المشتغلين بالأدب، وأصحاب الآراء المتحررة من القيود، ~~والذين بدءوا نشاطهم في «كونجزبرج»، ولقوا هناك تأييدا، حتى من بين الطبقة ~~المسالمة المشتغلة بالتجارة، وفي سنة 1841 نشر «جاكوبي» كراسة بعنوان «أسئلة ~~أربعة يجيب عليها بروسي من الشرق»، # 96 # وقد ذاع تداول هذه الكراسة بين المجالس الإقليمية ms1289 التمثيلية ~~(الدياطات)، وفي إقليم الراين، وفي هذه الكراسة كانت الفكرة البارزة هي ~~المطالبة بتأسيس تمثيل نيابي صحيح، بدعوى أن الملك مقيد بفعل ذلك، بوعد كان قد ~~صدر عن أبيه في سنة 1815. # ونالت كراسة أخرى من هذا الطراز رواجا عظيما في إقليم الراين، ظهرت حوالي ~~هذا الوقت (1840 دون ذكر اسم المؤلف ثم 1841) بعنوان «من أين وإلى أين؟» # 97 # لصاحبها هنريش تيودور فون ~~شون # Schon ~~، وقد بعث بهذه الكراسة صاحبها، وكان يقيم وقتئذ في ~~كونجزبرج، كذلك إلى الملك، لاعتقاده أن فردريك وليم الرابع يدين بالمذهب الحر، ~~لدرجة أكبر مما يفعل شون نفسه، ويريد أن «ينبه» الملك الجديد إلى حقيقة ~~الموقف وخطورته من وجهة نظر الأحرار، وحسب تقديرهم، فجأر «شون» بالشكوى من ~~العبودية البيروقراطية، وطلب بدعوة مجلس طبقات عام للمملكة بأكملها. # ولقيت هاتان الكراستان نجاحا عظيما في بروسيا الشرقية، كما تلقفها ~~الراينيون بحماس شديد، وكانت الفكرة التي عرضتها هاتان الكراستان، تدور حول ~~تأسيس «برلمان» بروسي باسم حقوق الأمة، والتنبؤ بما ينتظر بروسيا من مجد عظيم ~~عند أخذها بالمبادئ الحرة. # وهكذا بدأ يشعر الراينيون أنهم متكتلون في الرأي مع سائر بروسيا، وانكبوا ~~الآن يقرءون الصحف الصادرة في بروسيا الشرقية، خصوصا «صحيفة كونجزبرج»، # 98 # وذلك بعد أن كانوا يزدرون بها، وعلى ذلك فقد شرع يندمج الآن ~~الراينيون حتى «المحليون» منهم في الدولة البروسية، ولم يعودوا يفكرون في ~~العيش في عزلة في هذا القسم الغربي من ألمانيا الذي تقع فيه بلادهم. # وفي سنة 1841 كتب «هانسيمان» رئيس الغرفة التجارية في «إكس لاشابل» - وقد ~~مر بنا ذكره - «مذكرة للملك» يريد فيها «توجيه» الملك الجديد، وعلى نحو ما ~~فعل مع سلفه «فردريك وليم الثالث» منذ حوالي عشر سنوات، وراح يوضح في هذه ~~المذكرة أن الأخذ بمبدأ الحرية ضرورة حتمية من النواحي السياسية والاجتماعية ~~والاقتصادية، وكأحد رجال الأعمال والإدارة في إقليم الراين، بذل «هانسيمان» كل ~~ما يملك من جهد ونشاط في خدمة الدولة، سواء لمعالجة مسألة الضرائب الجمركية، ~~أو في مفاوضات المعاهدة التجارية مع بلجيكا سنة 1844، أو عند ms1290 بحث موضوع الرسوم ~~الجمركية التفصيلية التي ينتظر منها تشجيع الصناعة البروسية، وحمايتها من ~~منافسة الصناعة الأجنبية، ولقد هدف «هانسيمان» إلى ربط البورجوازية الرأسمالية ~~بالدولة، وأخذ يضع برنامجا للتعاون بين الأحرار (من هذه البورجوازية ~~الرأسمالية) والحكومة، ويوضح قواعد هذا البرنامج في جريدة آشن # Aachen ~~(أي إكس لاشابل)، وكانت هذه صحيفة ~~وطنية و«حرة» عظيمة. # ولقد كانت هناك مدرسة أخرى، منبعثة من الجناح الهيجيلي اليساري، ومن ~~السانسيمونية في الوقت نفسه، وكان يتزعم هذه المدرسة أحد الراينيين الأحرار من ~~وستفاليا، جوستاف مفيسين # Mevissen ~~، وكانت ~~المشكلات الاجتماعية، بفضل توجيه «مفيسين» الموضوع الذي استأثر على وجه الخصوص ~~باهتمام هؤلاء الجماعة، وأنشأ «مفيسين» من البداية الصلات «بكارل ماركس»، ~~وأسس «جمعية لرعاية الطبقات العاملة»، وصار يدعو لإنشاء النقابات العمالية، ~~ومع أن الأحرار كانوا حتى هذا الوقت يقاومون تدخل الدولة في الشئون العامة ~~ويكرهونه، فقد صاروا الآن يلتفون حول الدولة، ويدعونها للتدخل، وطلب «مفيسين» ~~أن تقوم الدولة بتنظيم عام للاقتصاد السياسي في البلاد، ثم إن «مفيسين» كان ~~مبتكرا، صار يعرف اليوم باسم «الاقتصاد الموجه»، وهكذا صار «مفيسين» يحارب ~~ميول الأحرار الإقليمية القديمة، وكانت صحيفة الراين # Rheinische zeitung # هي لسان حال هؤلاء الجماعة؛ حزب الاقتصاد ~~الموجه، وقد تأسست هذه الصحيفة في سنة 1842 في كولون، وكان كارل ماركس أحد ~~المحررين بها، ولكن لم تلبث الحكومة أن عطلتها في سنة 1843 بعد حياة قصيرة، ~~أما هؤلاء الاقتصاديون فقد ظلوا يطالبون «الدولة» بأن تبسط سلطان العقل، ~~والأخلاق العامة في بروسيا؛ لتحقيق الصالح العام. # وثمة تفكير ثالث، ظهر أثره في الأوساط التجارية والملاحية في إقليم الراين، ~~كان تفكيرا حرا وعمليا في الوقت نفسه، يستند على المبادئ الحرة في شئون ~~السياسة وعلى التبادل «التجاري» الحر في عالم الاقتصاد، وكان زعيم هذه الجماعة ~~من الأحرار الاقتصاديين هو «لودولف كامبهاوسن»، الذي عرفنا أنه كان رئيس ~~الغرفة التجارية في كولون، وقد صار هؤلاء الجماعة يمثلون مصالح التجار وأصحاب ~~السفن في إقليم الراين، والذين شعروا بحاجتهم الملحة لفتح طريق الراين - ~~الطريق النهري العظيم - للتجارة وحرية التبادل، وعلى ذلك ms1291 فقد انبرى ~~«كامبهاوسن» يحمل بعنف على مبادئ الجماعة التجارية التي نادى بها «فردريك ~~ليست»، ومع ذلك فإن معارضته لهذه الجماعة التجارية لم تمنع «كامبهاوسن» من ~~إدراك قيمة الأثر الذي تحدثه المسائل الاقتصادية في الناحية القومية، مثله في ~~ذلك مثل «فردريك ليست» نفسه، من حيث ضرورة أن تحرز ألمانيا توسعا اقتصاديا، ~~وأن تقوم وحدتها الداخلية على أساس اقتصادي، فيكتب «كامبهاوسن» إلى صديقه ~~كوهن # Kühne ~~- وكان من رجال حكومة برلين ~~البارزين، وكان قد أسدى خدمات جليلة في مفاوضات «الزولفرين» - كتب إليه ~~«كامبهاوسن» في 26 ديسمبر 1846: # أن ألمانيا هي ميدان الحرب الذي تتقاتل فيه الأمم الأوروبية منذ ~~القرن السابع عشر، ولا يمكن وضع حد لهذا الوضع، إلا إذا حصل اتحاد ~~البلاد الألمانية، ولكن على أن يكون هذا الاتحاد في شكل آخر غير ~~«الاتحاد الكونفدرائي الألماني»، وهو الذي تأكد عجزه، ولا بد من ~~تشجيع الزولفرين، حتى يكون لديه الوسيلة لتحقيق الوحدة الألمانية، ~~وذلك بطريقين؛ أن يكون لدى «الزولفرين» أولا ؛ حدود بحرية، ~~وأسطول تجاري، وثانيا؛ تدعيم وتقوية الروابط التي تجمع بين البلاد ~~في داخل هذا الاتحاد الجمركي (الزولفرين) نفسه، وعليك - يا صديقي ~~القادر - أن تعمل بجد، ويقتضيك الواجب أن تكرس كل حياتك؛ ليتسنى ~~للراية الألمانية أن تخفق في كل البحار، ولن تصبح عاجزة كل من ~~إنجلترة وفرنسا عن التلويح بأية ادعاءات لهما على أية بقعة من ~~الأراضي الألمانية، وحتى يبقى الاتحاد الجمركي قويا دائما وبصورة ~~مطردة، وحتى تسترد الإمبراطورية الألمانية مكانها المرموق في ~~أوروبا، الأمر الذي يجعلها قادرة على مواجهة البربرية الزاحفة من ~~«الشرق»، ودفعها ومواجهة تسلطية «الغرب»، وجشع البلاد الغربية ~~وشراهتها التوسعية ووقفها. # وواضح أن فكرة القومية - كما يبسطها «كامبهاوسن» في خطابه، وكما شاهدناها ~~دائما لدى هؤلاء «القوميين» الألمان - كانت دائما مرتبطة بفكرة التوسع ~~والتسلطية (أو الإمبريالية)، وفي الوقت الذي لم يكن فيه وجود لراية «ألمانية»، ~~كان هؤلاء يريدون مشاهدة الراية الألمانية تخفق فوق كل أوروبا، وهكذا كانت ~~فكرة القومية الألمانية ترسم في أذهانهم صورة لألمانيا كدولة عظمى يمتد ~~سلطانها إلى خارج حدودها، فالقومية ms1292 الألمانية في تفكيرهم هي العظمة الألمانية ~~الخارجية، وفكرة العظمة الخارجية هذه، هي التي أوحت إلى الألمان بفكرة الوحدة ~~الوطنية والسياسية، أما لسان حال هذه القومية البروسية المستندة على المذهب ~~الحر، فكانت صحيفة كولون # Kolnische zeitung ~~، ~~وهي صحيفة قديمة، كانت بعنوان آخر عند صدورها في سنة 1794 # 99 # خلفا لجريدة رسمية، وسرعان ما صارت تسمى «بصحيفة كولون»، ~~وابتداء من سنة 1845 انضمت إلى هذه الحركة. # وعلى ذلك يكون قد تغير موقف الراينيين السياسي تماما، ففي مجلس الراين ~~الإقليمي # Landtag # في سنة 1841 لم يعد اهتمام ~~أعضاء هذا المجلس مقصورا على الشئون المحلية الإقليمية وحسب، بل لم يلبث أن ~~تشكل رويدا رويدا حزب قومي، كان أعضاؤه ممن ينتمون لغير طبقة النبلاء ~~ومن غير الكاثوليك، ومنذ أن أمكن حل مسألة المجالس البلدية في سنة 1843 - وقد ~~سبقت الإشارة إليها - اختفت الإقليمية، كما اختفت الفوارق المذهبية (الدينية)، ~~وفي سنة 1845 طالب «كامبهاوسن» بدعوة برلمان بروسي للاجتماع، وفي سنة 1847 كان ~~أهل الراين جميعا مستعدين للاشتراك في الحياة العامة مع بروسيا «الدستورية» ~~جنبا إلى جنب مع سائر مقاطعات الدولة، وفي فبراير 1848 كتب المصرفي ~~هرمان فون بيكرات # Beckerath ~~- وكان من ~~كبار الأحرار في كريفيلد # Crefeld # إحدى مدن ~~الراين في «صحيفة كولون» - لقد أصبح شعور الأمة البروسية الوطني قويا ~~وجياشا، لدرجة أن صار كل عنصر من عناصر الإقليمية موضع تحقير وزراية وتتضافر ~~جميع المقاطعات على التعاون فيما بينها، يحدوها لفعل ذلك الأمل في بلوغ مرتبة ~~عالية من مراتب القومية السياسية، وهكذا أضحى الأحرار الألمان - وعلى الخصوص ~~الأحرار الراينيون - على قدم الاستعداد الآن؛ لأن يسيروا جنبا إلى جنب مع ~~«بروسيا» كي «يصنعوا» ألمانيا. # على أن هذا المثل الأعلى الذي استرشد به هؤلاء الأحرار القوميون، لم يلبث ~~أن اتضح أنه كان آمالا كاذبة، وذلك لأسباب منها أن الملك فردريك وليم الرابع ~~لم يكن الرجل الذي تخيله الراينيون، وبنوا عليه آمالهم، فهو لم يكن واضحا في ~~آرائه، وتعذر على المتحدثين معه أن يفهموا ما يريده من أقواله، ولم يعتبر ms1293 ~~الملك غموض آرائه أو اختلاط أقواله عجزا منه أو مقصورا عن التعبير، بل اعتقد ~~أن ذلك من دلائل التفوق الذهني؛ لأن الفكرة العالية - كما اعتقد - يجب أن ~~يتعذر على الناس فهمها، ومن ناحية أخرى كان فردريك وليم الرابع ~~«رومانتيكيا»، فهو خطيب بطبعه، ويعمد لذلك عند كل مناسبة يتحدث فيها إلى ~~إلقاء الخطب، ويتحمس عندئذ لدرجة التفوه بعبارات، قد ينساق إلى التفوه بها من ~~باب البلاغة وحسن البيان، ولكنه لم يكن في حقيقة الأمر يقصد شيئا من المعاني ~~التي تفيض هذه العبارات الرنانة بها؛ ولذلك فقد نشأ سريعا «سوء تفاهم» كبير ~~بينه وبين الرأي العام، وكان من المتوقع أن يحدث ذلك؛ لأن الملك لم يكن من ~~الأحرار، بل كان من تلامذة زعيم «التقليديين» كارل فون هالر، فهو يرد كل شيء ~~إلى أصله التاريخي، ويرعبه التفكير في الدساتير النظرية؛ لأنه - كما قال - لا ~~يريد أن «يترك قصاصة من الورق تنسل بينه وبين شعبه»، ولأنه كان شديد الحساسية ~~أو التأثر في كل ما يتصل بسلطاته كملك. # وفي الوقت نفسه كان فردريك وليم الرابع يدين بالمذهب القومي، ولكن كانت ترتسم ~~في ذهنه صورة خاصة لألمانيا، تختلف عن تلك المرتسمة في أذهان الأحرار، لقد ~~أظهر حماسا وطنيا ملحوظا، ولا جدال في أنه كان مقتنعا تماما بقصور ~~«الاتحاد الكونفدرائي الألماني» وعجزه، ولكن الدولة أو المملكة التي أرادها ~~كانت غير تلك التي أرادها الأحرار تماما، فالرايخ # Reich ~~- أو الإمبراطورية التي تخيلها فردريك وليم - يجب ~~أن تستمد وجودها من «التاريخ»، وتقوم على قاعدة تاريخية، وهو لذلك يريد ~~الاحتفاظ بالنمسا على رأس «الرايخ» الألماني؛ لأن النمسا استندت على حق تاريخي ~~في قيامها بدور الزعامة والقيادة في ألمانيا دائما، فهو يشعر بالاحترام ~~للنمسا دائما، وإن كان احتراما ممزوجا بالخوف منها، وهو شعور سوف يحمله في ~~سنتي 1848 و1850 خصوصا على تعطيل الإجراءات المتخذة ضد النمسا، ومن ناحية ~~أخرى كان يصعب عليه الابتعاد عن الأساليب القديمة، والتخلي عن الآراء ~~التقليدية - أي نبذ التمسك بالتقاليد - وأما في هذا «الرايخ» الجديد، فإنه لم ms1294 ~~يكن يرى لبروسيا أي عمل غير تأدية رسالة عسكرية، وفي رأيه كان يتوقف حل مشكلة ~~إنشاء هذا «الرايخ» بقيام الاتحاد بين بروسيا والنمسا، وأن هذا الاتحاد بين ~~بروسيا والنمسا هو الذي يضمن الوحدة الألمانية، وهو الذي يحقق لألمانيا العظمة ~~المنشودة. وصفوة القول أن فردريك وليم الرابع كان شديد الارتباط بالماضي، فهو ~~لا يشاء هدم الصرح التاريخي الذي شيدته بروسيا، ثم هو لا يشاء كذلك هدم ~~الصرح التاريخي الذي شيدته النمسا. # وهكذا لم يلبث أن تبين للأحرار في ألمانيا أنهم مخدوعون خديعة كبرى في ~~ملك بروسيا، وكان طبيعيا أن يمر بعض الوقت قبل أن يتأكد هؤلاء من هذه ~~الحقيقة، فكان في ميدان السياسة الداخلية البروسية أن تبددت الآمال التي ~~عقدوها على الملك، كما حدث ذلك أيضا في ميدان النشاط القومي في حوادث سنة ~~1848، فقد قاوم فردريك وليم الرابع بصلابة وعناد إصدار دستور لشعبه بدعوى «أن ~~الملك في بروسيا يجب أن يكون - كما قال - القائد في وقت السلم، كما هو القائد ~~في وقت الحرب»، وعهد إلى المختصين دائما ببحث مشروعات الإصلاح، الذي يرضي ~~الرأي العام، ويحفظ في الوقت نفسه حقوق الملك، ولم يكن من السهل تحقيق هذه ~~الغاية، وأسفرت كل هذه المشروعات التي يقبلها تارة ويرفضها تارة أخرى بسبب ~~تردده المستمر، على إشاعة الفوضى في الإدارة البروسية، وإلحاق الأذى والضعف ~~بتلك الحكومة، التي بقيت حتى هذا الوقت تقوم بوظائفها خير قيام، الأمر الذي ~~نجم منه زيادة التذمر، ثم ازدياد المطالبة بالإصلاح، وإتاحة الفرصة لتآمر ~~أعدائه، وانتهى الأمر بأن أصدر فردريك وليم قرارا في 3 فبراير 1847 بإنشاء ~~دياط لاندتاج # Landtag # موحد ~~لبروسيا. # وهذا الدياط الموحد (لاندتاج)، سوف يكون بمقتضى قرار إنشائه مجلسا يجتمع ~~في برلين، ويضم إليه كل الدياطات الإقليمية، التي تنعقد معا لبحث المسائل ~~المالية، والتي تتوزع في هيئتين أو طبقتين # Curia # هيئة أو مجلس السادة، ثم مجلس الطبقات الثلاث ~~الأخرى؛ النبلاء، والطبقة المتوسطة (البورجوازية) في المدن، وطبقة أهل الريف - ~~المزارعين - وواضح أن طبقة النبلاء كانت صاحبة الغلبة أو الأكثرية في ms1295 هذا ~~الدياط الموحد (لاندتاج)، الذي تألف من «دياطات» الأقاليم مجتمعة، وكان ~~النبلاء أصحاب الغلبة والأكثرية كذلك في هذه الدياطات الإقليمية، ويملك هؤلاء ~~النبلاء في هذا (اللاندتاج) ثلاثمائة صوت، في حين أنهم يبلغون حوالي عشرة ~~آلاف، يملكون عقارا؛ ومن المعروف أن أصحاب الأملاك العقارية (والأرض)، هم ~~الذين كان لهم وحدهم من قديم الزمان حق الانتخاب، # 100 # وأما سائر الطبقات، فلم يزد عدد الأصوات لها على واحد وثمانين ~~صوتا، في حين بلغ عدد أفرادها أربعة ملايين، ثم إنه لم تكن لهذا الدياط ~~الموحد (لاندتاج) غير سلطات أو اختصاصات محدودة وضيقة، لا تعدو الاقتراع ~~على الضرائب الجديدة وتقديم العرائض، في حين احتفظ الملك لنفسه بحق مشاورة ~~«اللاندتاج» في القوانين التي يبغي استصدارها، وزيادة على ذلك، لم يكن ينعقد ~~هذا الدياط الموحد في دورات معينة، ولكن الذي ينعقد كل سنة، حسب قرار ~~إنشائه، كان لجنة مؤلفة من ثمانية أعضاء، كل واحد منهم يمثل مقاطعة معينة، ~~ومهمة هؤلاء الاستماع للتقارير التي تعرضها الحكومة. # وواضح أن هذا الإصلاح كان إصلاحا وهميا ولا قيمة له، زاد من وهميته أن ~~الملك في خطاب افتتاح «اللاندتاج» في 11 أبريل 1847، حرص على تأكيد مفهومه عن ~~سلطاته وحقوقه الملكية، كما كان يمارس الملوك والأمراء هذا السلطان وهذه ~~الحقوق طوال العصور الوسطى، وأنكر أن للشعب أية حقوق أو أي سلطان. # ولقد قوبل هذا الإصلاح البروسي - إذن - بشعور عميق بخيبة الأمل، حتى إنه ~~سرعان ما أخذت تظهر في داخل المجلس الجديد (لاندتاج) مقاومة من العناصر ~~الحرة، غرضها حمل الملك على زيادة السلطات أو الحقوق التي «تنازل» عنها ~~للمجلس، وأيا كان الأمر فقد دل اجتماع الدياط الموحد (لاندتاج) ~~كهيئة ذات كيان معترف به في الدولة مع وجود «الملك»، على أن بروسيا القديمة، ~~الدولة التي تهيمن عليها الملكية والأرستقراطية النبيلة، والتي لم يكن قط يخطر ~~ببال المسئولين منها أن ثمة تعاون قد يقوم بين أهل البلاد والحكومة؛ نقول: ~~دل اجتماع «اللاندتاج» على أن هذه الدولة قد ماتت وانقضت أيامها فعلا، ~~وراح البرنس وليم «غليوم» شقيق ms1296 الملك - والإمبراطور غليوم الأول فيما بعد - ~~يندب - والأساسي يمزق أحشاءه - اختفاء بروسيا التي عرفها من زمن بعيد بروسيا ~~«القديمة». ~~(13) مسألة شلزويج هولشتين # وفي الوقت الذي قامت فيه حركة الإصلاح الذي أوضحنا معالمه في بروسيا، أثيرت في ~~ألمانيا في سنة 1846 مسألة «شلزويج هولشتين»، الدوقيتين اللتين تملكهما الدانمرك، ~~وتلك مشكلة سبقت الإشارة إليها عند الكلام عن «فردريك داهلمان»، وذات أهمية فردية ~~من حيث إنها تكشف عن «أطماع» الحزب القومي الألماني، والأساليب التي عمد إليها في ~~تحقيقها، ولقد سبق أن تكلمنا عن الحركة التي قامت في هاتين الدوقيتين من أجل ~~الانضمام إلى الاتحاد الألماني، أما المسئولون عن إثارة الكراهية في الدوقيتين، ~~وخصوصا في هولشتين ضد الحكومة الدانمركية، فكان أساتذة جامعة «كييل» وهم الذين ~~استثاروا الأهلين للمطالبة بالانضمام إلى ألمانيا، وكان «داهلمان» هو محرك هذه ~~الحملة من مدة سابقة في العقدين الثاني والثالث من هذا القرن (التاسع عشر). ولقد ~~حدث ابتداء من سنة 1840 أن قويت هذه الدعاية «البروبجندا» الألمانية في الدوقيتين، ~~بفضل مساهمة أساتذة آخرين في الحركة، ومن نفس جامعة «كييل» أيضا، نذكر على الخصوص ~~«جوهان درويزن» - وقد سبق الكلام عنه - ثم نيقولاس ~~فالك # Falck ~~، وكان الأخير شلزويجي المولد، تزعم الوطنيين بالدوقيتين بعد ~~رحيل «درويزن» في سنة 1829، عندما تعين أستاذا بجامعة «جوتنجن». # وقد أثار هؤلاء الفقهاء والمؤرخون الألمان مسألة متعلقة بحقوق وراثة الحكم في ~~الدوقيتين، وذلك أنه كان لملك الدانمرك «كريستيان الثامن» ولد واحد، ولم يكن لهذا ~~الابن وارث للعرش، فأثار الألمان ترشيح فردريك من أسرة أوجستنبرج # Augustenburg ~~، وبسبب هذه «المطالب» الألمانية ~~إذن، وقع الملك في كوبنهاجن تحت تأثير الحزب الوطني الدانمركي إيدر دانسك # Eider-Dansk ~~- نسبة لنهر «الإيدر» الصغير الذي ~~يفصل الدوقيتين عن سائر الدانمرك، فأعلن كريستيان الثامن في «خطاب مفتوح» في 8 ~~يوليو 1846 حلا لموضوع الوراثة، توثقت بفضله الروابط بين شلزويج، ولونبرج # Launberg ~~- والأخيرة دوقية تتألف منها مملكة ~~الدانمرك كذلك - وبين الدانمرك، في حين أعلن الملك استعداده للتخلي عن هولشتين، ~~وأن يجعل منها تبعا لذلك شخصية منفردة سياسية، من الواضح ms1297 أنها سوف تكون ~~«ألمانية»، وذلك في نطاق الدولة الدانمركية. # وكان معنى هذا «الحل» الذي أعلنه الملك؛ اقتسام الدوقيتين بصورة تؤدي إلى إدماج ~~«شلزويج» في الدانمرك، وترغم الوطنيين الألمان إذا تنفذ هذا «الحل» على التخلي ~~عنها، فكان رد الفعل الذي حدث عظيما، وثارت ثائرة الألمان ليس في «هولشتين» وحدها ~~فحسب، بل وفي كل أنحاء الاتحاد الكونفدرائي الألماني، وكانت عاصفة هوجاء، فأصبح ~~الأساتذة في جامعة «كييل» ضد هذا الخطاب المفتوح، وانهالت العرائض من كل الجامعات ~~الألمانية تؤيد هذا الاحتجاج، وتناصر «قضية» الألمان في هاتين الدوقيتين، وأصدر ~~«داهلمان» كراسة في هذا الموضوع للدعاية، وكتب الشاعر المسن «آرندت»؛ كي يذكر ~~الناس أن بحري الشمال والبلطيق بقيا خلال ثلاثمائة سنة مياها ألمانية، وحتى ~~يذكروا أن الإنجليز والبلجيكيين والهولنديين قد أعتقوا بحر الشمال من الألمان، ~~وأن هؤلاء الأخيرين (الألمان) سوف يفقدون حتما بحر البلطيق كذلك، إذا هم تخلوا ~~عن دوقية «هولشتين»، ثم سرعان ما ظهرت الأناشيد والأغاني الشعبية على نحو ما حدث ~~أثناء أزمة سنة 1840، وحتى يقيموا الدليل على اعتبار الألمان الدوقيتين أجزاء من ~~ألمانيا، عقد في سنة 1847 العلماء وفقهاء اللغة الألمانية، والمؤرخون ... إلخ مؤتمرا ~~في لوبك # Lubeck ~~، وفي هذا المؤتمر انبرى الأخوان ~~جاكوب وويلهلم جريم # Grimm ~~، والمؤرخ «داهلمان» ~~يطالبون بضم شلزويج هولشتين إلى ألمانيا. # ولقد كانت هذه المسألة التي ظهرت في سنتي 1846، 1847، بمثابة تمهيد لحركة الجامعة ~~الجرمانية Pangermanisme # التي اضطلع بها ~~«برلمان فرانكفورت»، وأكدها بعنف في العام التالي (1848). ~~(14) ثورة 1848 # وهكذا كان هياج الخواطر قد صار عاما، وبلغ ذروته عشية «ثورة 1848» في بروسيا؛ ~~بسبب الرغبة الملحة في الحصول على إصلاحات سياسية ذات قيمة، وفي ألمانيا في صالح ~~الوحدة الألمانية، فجمعت الأحزاب المختلفة صفوفها، واستطاع الراديكاليون الأحرار ~~عقد اجتماع في أوفنبرج # Offenburg # في 12 سبتمبر ~~1847، في حين عقد (الاتحاديون) - المطالبون بالوحدة القومية - مؤتمرا آخر في ~~هيبنهايم # Heppenheim # في 10 أكتوبر من السنة ~~نفسها، ولقد وضع هؤلاء المعتدلون برنامجهم، على أساس المطالبة بالوحدة، وامتزجت ~~لذلك المطالب القومية بالمطالب الدستورية (الحرة)، ولو أن المطالب القومية كانت ~~أكثر ms1298 تعقيدا من مثيلتها في إيطاليا؛ لأن معاني أو مدلولات «القومية» كانت - كما ~~رأينا - متعددة في ألمانيا، بل لقد شاهدنا في ألمانيا الفكرة القومية مرتبطة كذلك ~~بفكرات من عناصر رجعية، فيرى كثيرون أن أيديولوجية القومية الألمانية، أكثر ~~اختلاطا وتنوعا من أيديولوجية القومية الإيطالية، ثم إن الحياة الاجتماعية في ~~ألمانيا، كانت أكثر تعقيدا منها في إيطاليا، ففي ألمانيا تركيب من الطبقات لا ~~يصادفه المرء في إيطاليا، فهناك في أسفل السلم كتلة الشعب الراكد أو الخامل الذي لا ~~يهتم بالمطالب القومية والدستورية، ولا يشترك في الهياج الذي يصحب هذه المطالب، ~~وذلك في ألمانيا وإيطاليا على السواء، وهناك في أعلى السلم طبقة متوسطة (أو ~~بورجوازية) مستنيرة بدرجة فائقة، استطاعت أن تثري ثراء عريضا؛ بسبب نشاطها ~~الاقتصادي، وشرعت تعمل «لتصنيع» البلاد وخصوصا في الغرب، وفي سكسونيا وسيلزيا، ~~الأمر الذي لم يكن له وجود في إيطاليا، وهناك طبقة النبلاء، وكان هؤلاء - فيما عدا ~~نبلاء الغرب - لا يزالون يتمتعون بالامتيازات الإقطاعية، وهم على كل الأحوال قد ~~كانوا جميعا، وفي كل مكان أصحاب أملاك وعقارات. # وواضح أنه قد وجد في ألمانيا إذن ثلاث طبقات، تتميز كل واحدة منها عن الأخرى؛ ~~النبلاء، والبورجوازي، والطبقة العامة أو الدنيا على أن الذي يجب ذكره؛ أنه كانت ~~هناك رابعة بين طبقتي النبلاء والبورجوازي، لا وجود لها في إيطاليا، ولا في فرنسا، ~~ونعني بذلك ما يمكن تسميته بطبقة «الأشراف الملقبين»، وهذه تتألف من أساتذة ~~الجامعات، وكبار الموظفين، والقضاة المحليين، إن من أولئك الذين تشدهم الحكومة ~~إليها، وينالون منها مرتباتهم، وألقابهم ووظائفهم ... إلخ، والذين يطمحون إلى ~~الاختلاط بالأوساط النبيلة، ويشكلون عنصر انتقال من البورجوازية، التي كانوا ينتمون ~~إليها أصلا، إلى الأرستقراطية التي يتطلعون للاندماج فيها. # ومما يجدر ذكره أن الشعور بالإقليمية والمحلية بقي قويا في ألمانيا أولا؛ ~~لأن الحكومات المحلية - أي الهيئات الإدارية والموظفين في الأقاليم - تشبثت ~~«بالمحلية»؛ خوفا من الاندثار، ولأن شعور المحلية استمر قويا لدى أقسام من ~~الأهلين الذين في كل «دولة» أو حكومة محلية، كانوا يتميزون «بوطنيتهم» الإقليمية ~~المتطرفة، «فالوطنيون» البروسيون، ms1299 لا تزال وطنيتهم بروسية، والذين في بفاريا بقيت ~~«وطنيتهم» بفارية، ولم يكن معنى «الوطنية» أنه قد صارت هناك «وطنية عامة» ألمانية، ~~أي لكل ألمانيا، ثم إنه كان هناك نوع من «اللامركزية» الذهنية أو الفكرية في ~~ألمانيا - إلى جانب هذه المحلية الحكومية والسياسية - وهي لا مركزية ذهنية، لم يكن ~~لها نظير في فرنسا مثلا، فكان من شأن ذلك؛ أن أضحت ألمانيا مفتقرة إلى «الرأس» ~~المدبرة والمنسقة؛ أي ذلك «الذهن» الواحد الذي في مقدرته أن يفرض ما يصدر عنه من ~~نشاط على البلاد بأجمعها، وعلى نحو ما تفعله «باريس» مثلا في فرنسا. # وأخيرا، فقد كان يقبع وراء كل هذه العناصر المختلطة التي تألف منها المجتمع ~~الألماني، بتياراته الفكرية المختلفة، وبنزعاته المحلية والإقليمية التي تعذر ~~اندثارها ومحوها كلية، ثم بيقظة الشعور القومي ونموه به، وزيادة التمسك بالمبادئ ~~الحرة والمطالبة بالحياة الدستورية، كان يقبع وراء هذا كله دولتان «أوروبيتان» ~~عظيمتان، هما؛ بروسيا والنمسا (أوروبيتان)؛ لأن نشاطهما السياسي والدبلوماسي كان ~~منذ بدايته على الصعيد الإداري، ولقد صار هذا النشاط ممتزجا الآن وجزءا لا يتجزأ ~~من «النشاط» السياسي والدبلوماسي العام في ألمانيا. # وعندما تحين الفرصة لانتقال الألمان من دور «التفكير» في الوحدة الأهلية (القومية) ~~إلى دور تنفيذ هذه الوحدة التي صاروا يطالبون بها بحمية - وبقول آخر؛ عندما يحين ~~وقت الثورة في سنة 1848 - فإن كل المصالح، وكل النظريات المتعارضة التي شاهدناها، ~~سوف تنطلق متخلصة من قيودها؛ لينتقض فعل كل واحد منها أثر فعل الآخر، وبدرجة أن ~~العمل من أجل تحقق الوحدة القومية قد أدى إلى انبعاث أو تولد كل قوى التفكك في ~~ألمانيا؛ الأمر الذي يثير الدهشة حقا. ~~••• # ومع أن دراسة الثورة التي قامت في ألمانيا (وفي بروسيا والنمسا خصوصا) في غضون ~~سنة 1848 - عام الثورات في أوروبا - ضرورية لإدراك حقيقة القوى «المتضاربة» التي ~~تحدثنا عنها، والتي انفكت عن عقالها الآن؛ نتيجة لكل التطور الاجتماعي والاقتصادي ~~والسياسي الذي حصل في ألمانيا، ونتيجة ليقظة الشعور القومي ونمو «القومية» بها، ~~وذيوع المبادئ الحرة في السياسة؛ أي قيام الحركة ms1300 الدستورية، ثم إنشاء الزولفرين، ~~نقول: إن هذه «الثورة» متصلة كذلك بالإجراءات التي اتخذتها الحكومات «الرجعية» في ~~ألمانيا وفي بروسيا والنمسا خصوصا؛ لإخماد الثورة في السنوات القليلة التالية ~~(1849-1851)، بل إن روسيا - الدولة الأوتقراطية الكبرى الثالثة في أوروبا - قد ~~تدخلت لمساعدة النمسا في القضاء على الثورة الناشبة في المجر (هنغاريا)، وانتصرت ~~القوات الروسية على الجيش الهنغاري في فيلاجوس # Vilagos # في 13 أغسطس 1849. # ولذلك فإن ثورة 1848 في ألمانيا (وفي بروسيا والنمسا وأملاكها)، إنما تؤلف قسما ~~من دراسة تاريخ وسط أوروبا في الفترة التالية؛ أي في النصف الثاني من القرن التاسع ~~عشر. # على أنه لا يجب الانتهاء من هذه الدراسة دون الإشارة على وجه الخصوص إلى الثورة ~~التي قامت في فينا، ابتداء من يوم 14 مارس 1848، والتي قامت على أكتاف الطبقة ~~المتوسطة (البورجوازية)، مثلها في ذلك مثل الثورات التي قامت في أنحاء ألمانيا؛ في ~~بروسيا وفي سائر المقاطعات النمسوية، وفي هنغاريا، فإنه لم تمض أيام ثلاثة على ~~قيام الثورة في فينا حتى سقط «مترنخ»، واضطر إلى الفرار من فينا في 17 مارس ~~1848. # حقيقة لم ينه سقوط «مترنخ» عهد الرجعية في أوروبا، وبمعنى آخر ذلك «النظام» الذي ~~عرفه باسمه؛ لأن الحكومات في ألمانيا والنمسا «وفي إيطاليا» خصوصا قد نجحت في قمع ~~هذه الثورات واسترجاع سلطانها ، ولكن الذي لا شك فيه أنه كان لكل هذه الثورات ~~والاضطرابات التي تولدت لدرجة كبيرة، كرد فعل لهذا «النظام المترنخي» نفسه، أثر لا ~~يمكن نكرانه، هو قيام الطبقة المتوسطة (البورجوازية)، وازدياد قوتها، والتي صارت ~~تعتمد في حياتها على مطلبين يفوقان في أهميتها المباشرة كل مطلب آخر، ونعني بذلك ~~مطلب إنشاء الحكومة الدستورية؛ أي المستندة على المبادئ الحرة، ومطلب تحقيق ~~الوحدة الأهلية (القومية)، وكان معنى الظفر بهذين المطلبين وصول الطبقة المتوسطة ~~(البرجوازية) إلى السلطة والحكم، «نظام» الدولة الوطنية القومية، وبذلك يكون انتهى ~~الصراع بين البورجوازية والإقطاع في أوروبا إلى تمكين هذه البورجوازية من فرص ~~سيطرتها على أوروبا، وحول هذه الحقيقة - سيطرة البورجوازية - يدور تاريخ أوروبا في ~~النصف الثاني من ms1301 القرن التاسع عشر. ms1302