######OpenITI# #META# URI: 1392TahaHusayn.Adib.Hindawi63728685 #META# Tags: novels #META# ID: 63728685 #META# Title: أديب #META# AuthorID: 59624258 #META# Author: طه حسين #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # أديب‏ # أديب‏ # | أديب # | أديب # تأليف # طه حسين # أخي العزيز # وددت لو أسميك، ولكنك تعلم لماذا لا أسميك، وحسب الذين ينظرون في هذا ~~الكتاب أن يعلموا أنك كنت أول المعزين لي حين أخرجني الجور من الجامعة، وأول ~~المهنئين لي حين ردني العدل إليها. وكنت بين ذلك أصدق الناس لي ودا في السر ~~والجهر، وأحسنهم عندي بلاء في الشدة واللين. # فتقبل مني هذا العمل الضئيل تحية خالصة صادقة لإخائك الصادق الخالص. # طه حسين # | أديب # 1 # زعموا أن من أظهر خصائص الأديب حرصه على أن يصل بين نفسه وبين الناس، فهو لا يحس ~~شيئا إلا أذاعه ولا يشعر بشيء إلا أعلنه، وهو إذا نظر في كتاب أو خرج للتروض، أو ~~تحدث إلى الناس، فأثار شيء من هذا في نفسه خاطرا من الخواطر، أو بعث في قلبه عاطفة من ~~العواطف، أو حث عقله على الروية والتفكير، لم يسترح ولم يطمئن حتى يقيد هذا الرأي، أو ~~تلك العاطفة أو ذلك الخاطر في دفتر من الدفاتر أو على قطعة من القرطاس. # ذلك لأنه مريض بهذه العلة التي يسمونها الأدب، فهو لا يحس لنفسه، وإنما يحس للناس، ~~وهو لا يشعر لنفسه وإنما يشعر للناس، وهو لا يفكر لنفسه وإنما يفكر للناس. وهو بعبارة ~~واضحة لا يعيش لنفسه وإنما يعيش للناس، وهو حين يأتي من الأمر هذا كله يخادع نفسه أشد ~~الخداع، ويضللها أقبح التضليل، فيزعم أنه مؤثر لا يريد أن يستمتع وحده بنعمة الإحساس ~~والشعور والتفكير، وإنما يريد أن يشرك الناس في هذا الخير الذي أنتجته طبيعته الدقيقة ~~الخصبة الغنية، فإذا كان متواضعا، معتدل الرأي في نفسه فهو شقي تعس محزون، يحب أن يعلن ~~إلى الناس ما يجد من شقاء وتعس وحزن، لعلهم يرثون له أو يرأفون به أو يشفقون عليه. ~~وربما لم ير في نفسه إيثارا، ولم يحس أنه شقي، وإنما آثر نفسه بالخير، وأحبها قليلا ~~أو كثيرا، فهو يسجل ما يحس وما يشعر وما يفكر ليحفظه من الضياع، وليستطيع العودة إليه ~~من حين إلى حين ms001 كلما خطر له أن يستعرض حياته الماضية، وكثيرا ما تعرض له الفرص التي ~~تحمله على أن يستعرض حياته الماضية، والذاكرة قصيرة ضعيفة، فلم لا يسجل خواطره ~~وعواطفه وآراءه التي يتكون منها تاريخه الفردي الخاص؛ ليعود إليه كلما دعاه إلى ذلك جد ~~الحياة أو هزلها؟ وما أكثر ما يدعو جد الحياة وهزلها إلى أن يستعرض الإنسان حياته ~~الماضية وما اختلف عليه فيها من الأحداث. # يخدع الأديب نفسه هذه الضروب من الخداع، ويعللها بهذه الألوان من التعلات، ~~وحقيقة الأمر أنه يكتب لأنه أديب، لا يستطيع أن يعيش إلا إذا كتب، يكتب لأنه محتاج إلى ~~الكتابة كما يأكل ويشرب ويدخن لأنه محتاج إلى الطعام والشراب والتدخين، وهو حين يكتب ~~قلما يفكر فيما يحسن أن يكتب، وما ينبغي ألا يعرفه القرطاس أو يجري به القلم، كما أنه ~~حين يأكل ويشرب قلما يفكر فيما يلائم صحته وطبيعته ومزاجه من ألوان الطعام والشراب ~~وأصناف التبغ، إنما هي حاجة تضطره إلى الحركة، فيتحرك وتدفعه إلى العمل فيعمل، فأما ~~عواقب هذه الحركة ونتائج هذا العمل فأشياء قد يتاح الوقت للتفكير فيها في يوم من ~~الأيام حين تصبح أمرا مقضيا لا منصرف عنه ولا سبيل إلى التخلص منه. # إذا كان هذا كله صحيحا، وأكبر الظن أنه صحيح، فيجب أن يكون صاحبي الذي أريد أن أتحدث ~~إليك عنه أديبا، فلست أعرف من الناس الذين لقيتهم وتحدثت إليهم رجلا أضنته علة ~~الأدب، واستأثرت بقلبه ولبه ونفسه كصاحبي هذا؛ كان لا يحسن شيئا، ولا يشعر بشيء، ~~ولا يقرأ شيئا، ولا يرى شيئا، ولا يسمع شيئا إلا فكر في الصورة الكلامية، أو بعبارة ~~أدق في الصورة الأدبية التي يظهر فيها ما أحس وما شعر وما قرأ وما رأى وما سمع. وكان ~~يجد مشقة شديدة في إخفاء تفكيره هذا على الناس، فكثيرا ما كان يقول لأصحابه إذا رأى ~~شيئا أسخطه أو أرضاه: ما أخلق هذا الشيء أن ينشئ صورة أدبية ممتعة للسخط أو للرضاء! ~~وكان يقضي نهاره في السعي والعمل والحديث حتى إذا انقضى ms002 النهار ، وتقدم الليل وفرغ من ~~أهله ومن الناس وخلا إلى نفسه، أسرع إلى قلمه وقرطاسه وأخذ يكتب ويكتب ويكتب حتى يبلغ ~~منه الإعياء وتضطرب يده على القرطاس بما لا يعلم ولا يفهم، وتختلط الحروف أمام عينيه ~~الزائغتين، ويأخذه دوار، فإذا القلم قد سقط من يده، وإذا هو مضطر إلى أن يأوي إلى مضجعه ~~ليستريح. ولم يكن نومه بأهدأ من يقظته، فقد كان يكتب نائما كما كان يكتب يقظا، وما ~~كانت أحلامه في الليل إلا فصولا ومقالات، وخطبا ومحاضرات؛ ينمق هذه ويدبج تلك، كما ~~كان يفعل حين كانت تجتمع له قواه العاملة كلها، وكثيرا ما كان يحدث أصدقاءه بأطراف ~~غريبة قيمة من هذه الفصول والمقالات التي كانت تمليها عليه أحلامه فيجدون فيها لذة ~~ومتاعا. # وكثيرا ما كان يقرأ عليهم فصولا من النثر ومقطوعات من الشعر أملتها عليه يقظته، ~~وسجلتها يده حين كان يخلو إلى نفسه بعد أن يكون قد ملأ عينيه وأذنيه وحسه وشعوره وقلبه ~~وعقله بما يحيط به من الأشياء وبما يحسه من الناس ومن الحياة. # وكان أصدقاؤه إذا سمعوا منه هواجس الأحلام أو خواطر اليقظة ألحوا عليه في أن يذيع ~~ذلك وينشره، فيبتسم ثم يهزأ، ثم يمتنع عليهم ويلح في الامتناع؛ لأنه كان يؤمن بأن ما ~~يكتبه لم يصل بعد إلى أن يكون خليقا بأن يقدم إلى المطبعة، فهو كان يخاف المطبعة ~~ويكبرها ويحيطها بشيء من التقديس غريب، وكان يتحدث بأن ما يقدم إلى المطبعة من ~~الآثار المكتوبة أشبه شيء بما كان يقدمه الوثنيون القدماء إلى آلهتهم من الضحية ~~والقربان، وبما يتقدم به الآن المؤمنون المترفون إلى إلههم من الصلاة والدعاء، فمن الحق ~~أن تصطفى الضحية وأن يتخير القربان، وأن تكون الصلاة قطعة من النفس وأن يكون الدعاء ~~صورة للقلب والعقل جميعا. # وكان صاحبنا يرى أن ليس فيما كتب ضحية تصطفى ولا قربان يختار، وأنه لم يوفق إلى أن ~~يودع القرطاس من نفسه، أو يسطر عليه صورة قلبه وعقله. فما زالت الآماد بينه وبين ~~المطبعة بعيدة، وما زالت الأستار ms003 والسجف دونه مسدلة. # فليكتب إذن لنفسه لا للمطبعة، فإذا ضاق بنفسه وبما تملي فليظهر أصدقاءه على شيء منه ~~وليرض هذه الحاجة القوية التي نحسها جميعا إلى أن نشرك الناس فيما نجد من حس أو ~~شعور. والحق أن صاحبي لم يكن يقدم على هذا إلا كارها مضطرا حين لا يجد بدا من ~~الإقدام، أو حين يسأله أصدقاؤه عما أحدث بعدهم، وكان حياؤه يمنعه من إظهار عقله وقلبه، ~~كما يمنعه من عرض جسمه عاريا على الناس. ولكن أصدقاءه لم يكونوا في حاجة إلى أن يروا ~~شخصه عاريا، وكانت حاجتهم شديدة إلى أن يروا نفسه كما هي؛ لأنها كانت جميلة خلابة ~~تروعهم حينا، وتثير في نفوسهم الحب والمودة دائما. # كان قبيح الشكل نابي الصورة تقتحمه العين ولا تكاد تثبت فيه، وكان إلى القصر أقرب ~~منه إلى الطول. وكان على قصره عريضا ضخم الأطراف مرتبكها كأنما سوي على عجل، ~~فزادت بعض أطرافه حيث كان يجب أن تنقص، ونقصت حيث كان يحسن أن تزيد، وكان وجهه جهما ~~غليظا يخيل إلى من رآه أن في خديه ورما فاحشا، وكان له على ذلك أنف دقيق مسرف في ~~الدقة، منبطح غال في الانبطاح، قد اتصل بجبهة دقيقة ضيقة لا يكاد يبين عنها شعره الغزير ~~الجعد الفاحم. # لم تكن قد تقدمت به السن، بل لم يكن جاوز الثلاثين، ولكن علامات الكبر كانت بادية على ~~وجهه وقده لا يخدع عنها أحد. كان على قصره مقوس الظهر إذا قام، منحنيا إذا جلس، ~~ولعل إدمانه على الكتابة والقراءة، وإسرافه في الانحناء على الكتاب أو القرطاس هما ~~اللذان شوها قده هذا التشويه، وقلما كان وجهه يستقيم أمامه، إنما كان منحرف العنق ~~دائما إلى اليمين أو إلى الشمال، وقلما كانت عيناه الصغيرتان تستقران بين جفونه ~~الضيقة. إنما كانتا مضطربتين دائما لا تكادان تستقران على شيء حتى تدعاه مصعدتين في ~~السماء، أو تنحرفا عنه إلى ما يليه من إحدى نواحيه. # ولم يكن صوته عذبا ولا مقبولا، وإنما كان غليظا فجا، ولكنه مع ذلك لم يكن ms004 يخلو ~~من نبرات حلوة تجري عليه إذا قرأ شيئا فيه تأثر وانفعال، وكان له ضحك غليظ مخيف ~~يسمع من بعيد، بل كان كل ما يصدر عن صوته غليظا مخيفا يسمع من بعيد، ولم يكن للنجوى ~~معه سبيل، وكثيرا ما ضايقه ذلك حين كان في باريس، وكثيرا ما حمل ذلك الناس عامة، ~~وأصدقاءه خاصة، على أن يضيقوا به ويجتنبوه إذا لقوه في قهوة أو ناد أو ملعب من ملاعب ~~التمثيل. # وهو على رغم هذا كله كان أحب الناس إلي، وأكرمهم علي، وآثرهم عندي، وأحسنهم ~~مسلكا إلى نفسي، ومنزلا من قلبي؛ كان يزورني فأنصرف إليه عن كل شيء وأقضي معه ~~الساعات، فإذا تركني خيل إلي أني لم أقض معه إلا اللحظات القصار. وكنت إذا أعياني ~~الدرس واحتجت إلى الرياضة أو الراحة آثرت زيارته والتحدث إليه والاستماع له على كل ما ~~كانت تقدم إلي القاهرة أو باريس من أنواع الرياضة والراحة. # 2 # فقد عرفته في القاهرة قبل أن يذهب إلى باريس، ثم أدركته في باريس بعد أن سبقني إليها، ~~عرفته مصادفة وكرهته كرها شديدا حين لقيته لأول مرة، كنا في الجامعة المصرية القديمة ~~في الأسبوع الأول لافتتاحها، وكنت أختلف إلى ما كان يلقى فيها من المحاضرات، حريصا ~~عليها مشغوفا بها معتزما ألا أضيع حرفا مما يقول المحاضرون، وكان مجلسي لهذا دائما ~~قريبا من الأستاذ، فإني لمصغ ذات ليلة إلى الأستاذ وإذا بصوت من ورائي ينطلق بالحديث ~~هادئا، ولكنه على هدوئه يغمر أذني جميعا، ويكاد يخفي علي صوت الأستاذ فأجد في ~~التخلص منه فلا أفلح، وأضيق بهذا الصوت ويضيق به صاحباي اللذان يكتنفاني. # فنلتفت إلى صاحب الصوت نطلب إليه الصمت فلا يسكت إلا ريثما يستأنف الحديث، ونراجعه ~~مرة أخرى فلا يحفل بنا، فنشكوه إلى الأستاذ فيضطره الأستاذ إلى الصمت، حتى إذا انتهت ~~المحاضرة وخرجنا من غرفة الدرس رأيناه قد وقف لنا ينتظرنا، فيعرض لنا في غلظة، فإذا ~~زعمنا له أن من حقنا أن نسمع الأستاذ، وأن ليس له أن يصرفنا عنه، قهقه قهقهة مخيفة، ms005 ~~وقال في صوت ما نشك أن الأستاذ قد سمعه: «وماذا تريدون أن تسمعوا؟ ولكنكم معذورون، ~~جئتم من الأزهر، فكل شيء عندكم قيم، وكل شيء عندكم جديد.» # واجتهدنا بعد ذلك في أن نجتنب مكانه من غرفة المحاضرات وأن نختار لأنفسنا مجلسا ~~بعيدا منه أقصى غاية البعد، تركناه ولكنه لم يتركنا، وكأنما عمائمنا كانت تغريه بنا ~~وتحرضه علينا، فلم نكن نخرج من محاضرة حتى يعرض لنا ويأخذ بجبتي أو قفطاني وهو يسألني: ~~«أأعجبتك المحاضرة؟» فإن قلت: «نعم» قال: «وماذا أعجبك منها؟ وهل فهمتها على وجهها؟» ~~وكان يقول لي: «هون عليك من هذا الحرص على المحاضرات ولا تتهالك عليها هذا التهالك، فهي ~~أقل غناء مما تظن، وخير لك أن تقرأ من أن تسمع.» # فلما ألح علي في ذلك سألته: وإذا كنت ترى هذا الرأي فما اختلافك إلى الجامعة؟ وما ~~استماعك للمحاضرات؟ وما تهويشك علينا بصوتك العالي وحديثك الذي لا ينقطع؟ فضحك وقال: ~~الجامعة شيء جديد أحب أن أراه، وقد سئمت القهوة، ولو لم يكن في الجامعة إلا أنت وأصحابك ~~هؤلاء الذين تتفتح عقولهم للعلم الحديث فيتلقون ما يسمعون في كلف ونهم مصدرهما الجهل ~~العميق، لكان هذا كافيا لأن أختلف إلى الجامعة وأستمع للمحاضرات، ثم سألني ذات يوم: ~~أين تقيم؟ أجبته: أقيم في حي كذا، قال: ومع من تقيم؟ قلت: مع جماعة من الأهل والأصدقاء ~~كلهم يطلب العلم في الأزهر أو في المدارس المدنية، قال: إن منزلك بعيد وليست بيئتك ~~بالتي تحب، فأنا لا أحب مجالس الطلبة، وأنا مع ذلك حريص على أن أجلس معك وأتحدث إليك ~~فأطيل الحديث، بل أنا حريص على أن أقرأ معك بعض الكتب، فلا بد إذا من أن نلتقي، ومن أن ~~نلتقي في نظام وإطراد، فليكن ذلك عندي، ولك علي أن أردك إلى أهلك وأصدقائك قبل أن ~~يتقدم الليل، دون أن تجد في ذلك مشقة أو تحتمل فيه عناء. # وكان يقول هذا بصوته الغليظ العريض في لهجة الحازم الواثق بأن أمره سيطاع، وقد هممت ~~أن أرد عليه معتذرا، وما ms006 كان أكثر المعاذير. # فلم أكن أستطيع أن أسهر ولا أتعرف إلى أحد دون إذن من أخي، وكان علي أن أغدو مع ~~الفجر إلى درس الأصول، ولم يكن بد من أن أستعد لهذا الدرس وغيره من دروس الأزهر، وأن ~~أعوض هذا الوقت الذي أضيعه كل مساء في الجامعة على كره من أخي في القاهرة، وأسرتي في ~~الريف. # هممت أن أعتذر، ولكنه لم يمهلني ولم يتح لي أن أقول حرفا، وإنما استوقف عربة ودفعني ~~فيها دفعا، وأمر خادمي الأسود الصغير أن يجلس إلى جانب السائق، وجلس هو إلى جانبي وقال ~~للسائق بصوته الغليظ العريض: إلى القلعة، وكنت أسكن في أقصى الجمالية، فلما أخذت أقدر ~~بعد الأمد بين داره وداري، وهممت أن أتكلم، وضع يده على كتفي وقال: ألم أقل إني سأردك ~~إلى حيث تقيم؟! # 3 # وقطعت بنا العربة أحياء مختلفة، ومضت بنا في أجواء متباينة، وكنت أحس اختلاف الأحياء، ~~وتباين الأجواء فيما يصل إلي من أصوات الناس وحركاتهم ومن اضطراب الأشياء من حولنا، ~~كما كنت أحس ذلك في سير العربة نفسها وفي لهجة السائق وهو يدفع الناس أمامه ويطلب إليهم ~~أن يتنحوا له عن الطريق أو أن يجنبوا أنفسهم خيله وعربته. # كان الحي رشيقا أنيقا، وكان الجو سمحا طليقا، وكانت الحركات والأصوات من حولي لا ~~تخلو من شدة وعنف، ولكن فيها ظرفا وتأنقا، حتى إذا بلغنا شارع محمد علي ضاقت الطريق، ~~واشتد أمامنا الزحام، وكثر من حولنا الصياح، وأخذت أصوات الأطفال ونساء الشعب تختلط ~~بأصوات الرجال من العمال وسائقي عربات النقل، وانتشرت في الجو روائح ثقيلة تمتاز منها ~~روائح البصل والثوم وقد أخذت تعمل فيهما النار، وارتفع صوت السائق واتصل، وكثر نذيره ~~وتحذيره، وكثر حوله لوم الناس له وتأنيبهم إياه، وتردد في الهواء هذا الصوت المعروف ~~الذي يحدثه السائقون بأسواطهم حين يأتون بها هذه الحركة التي يردعون بها الخيل وينبهون ~~بها المارة، ثم تنفسح الطريق وتتسع ويصفو الجو، ويخف الهواء وتهدأ الحركة، ويتنفس ~~السائق مطمئنا، وتمشي الخيل رفيقة. ولكن ذلك لا يطول ms007 إلا ريثما تنعطف العربة ذات ~~اليمين، وإذا نحن في حارة ضيقة هادئة قد ثقل فيها الهواء وفسد فيها الجو وكثرت في ~~أرضيها الأخاديد. فالعربة تقفز بنا قفزا، والسائق يهز سوطه في الهواء، ويحذر وينذر في ~~هدوء ورضى، ويدعو ذلك بعض النوافذ إلى أن تفتح، ويثير ذلك بعض الصبيان فيخرجون من ~~بيوتهم أو من أوكارهم يعبثون بالسائق، ومنهم من يتعلق بالعربة ثم ينصرف عنها، ونحن نضحك ~~من هذا كله، ونضحك من السائق خاصة، وهو ينظر أمامه ويلتفت وراءه، ويضرب الهواء بسوطه، ~~ويطلق لسانه بألفاظ ترق حتى تبلغ المداعبة الحلوة، وتغلظ حتى تصل إلى الشتم القبيح، وكل ~~ذلك يصل إلى نفسي فيحدث فيها آثارا مختلفة، ولكنها على اختلافها تتفق في شيء واحد وهو ~~الطرافة؛ لأني لم أكن تعودت ركوب العربات، ثم يقف السائق فجأة وننزل من العربة، وإذا ~~صاحبي يقول لي: لم نبلغ البيت بعد، ولكننا انتهينا إلى حيث لا تستطيع العربة أن تمضي، ~~فهل تعودت التصعيد والرقي في الجبل، فأنا لا أحب أن أسكن في السهل المنبطح فأكون كغيري ~~من الناس. وإنما أحب أن أشرف على القاهرة، وأن أخيل إلى نفسي أني لست منغمسا فيها، ~~وأني أدخلها إذا غدوت إلى عملي مع الصبح وأخرج منها إذا رحت إلى بيتي مع الليل، ولست ~~أخفي عليك أني أجد لذة قوية حين أدخل المدينة مع النهار هابطا إليها من هذه الربوة ~~كأني أغزوها وأسقط عليها سقوط النسر على فريسته، وأجد لذة أخرى ليست أقل من تلك اللذة ~~قوة حين أمضي النهار كله في المدينة مضطربا مع الناس فيما يضطربون فيه من عمل، خائضا ~~مع الناس فيما يخوضون فيه من حديث، مشاركا للناس فيما يأتون من خير وشر، نافعا ~~ضارا، منتفعا محتملا للضرر، حتى إذا كان المساء ضقت بهم وضاقوا بي، وأويت إلى ~~جامعتكم هذه الجديدة أريح نفسي بما أسمع من كلام فيه الممتع وفيه السخيف، ولكنه على كل ~~حال ليس بذي غناء، حتى إذا أخذت بحظي من هذه الراحة الأولى، رحت إلى بيتي، فلا ms008 تسل ~~عن هذا الشعور العذب الذي يغمر قلبي شيئا فشيئا كلما دنوت من هذا المكان؛ أحس كأني ~~أنسل من المدينة، وأتخفف من أثقالها، وألقي آثامها من ورائي، وأطهر جسمي ونفسي من ~~أوضارها وأدرانها، حتى إذا رقيت هذه الربوة وبلغت قمتها هذه - وكنت قد أحسست الجهد من ~~التصعيد في طريق عالية ملتوية - وقفت وقفة من كان في مكروه فخلص منه. وأرسلت زفرة ~~يخيل إلي أنها تحمل بقية ما علق بنفسي من شر المدينة، ثم تنفست ملء رئتي مرة ومرة، ثم ~~أقبلت هادئا مطمئنا قصير الخطى إلى هذا الباب. وهنا وقف ودق الباب دقتين ففتح لنا ثم ~~أغلق من دوننا. # 4 # وانعطف بنا إلى اليمين فمشينا خطوات، ثم انتهى بنا إلى دهليز، فرقينا درجات، وخادم ~~صبية تسعى بين أيدينا وقد حملت في يدها اللطيفة سراجا صغيرا يضطرب منه ضوء ضئيل، حتى ~~إذا بلغنا أعلى السلم وقف يبحث في جيبه عن بعض الشيء، ثم أخرج مفتاحا فأداره في قفل ~~أمامه حتى إذا فتح له الباب صاح صيحة عريضة أن اخلع نعليك فقد بلغت الغرفة ~~الحرام. # ولم أكد أسمع هذه الجملة حتى انحنيت إلى حذائي أريد أن أخلعه حقا، وأي غرابة في ~~ذلك؟ فقد تعودت خلع الحذاء مرات في كل يوم، حين كنت أختلف إلى الدروس في الأزهر أو في ~~جامع محمد بك، أو في جامع العدوي، أو في جامع الأشرف. هناك حيث كنت أستمع لدروس الأصول ~~والفقه والنحو والمنطق والتوحيد، وتعودت خلع الحذاء حين كنت أزور بعض الدور، ولا سيما ~~دور شيوخنا من العلماء، ولا سيما هذا الشيخ الذي كان الخديو قد نفاه من الأزهر نفيا ~~وحظر عليه التعليم فيه. فتبعناه إلى داره وألححنا عليه في أن يمضي في إلقاء ما كان يلقي ~~علينا من الدروس لا حبا في علمه ولا تهالكا على شخصه، ولكن تحديا لذلك السلطان الذي ~~كنا نراه جائرا متحكما، ولا نريد أن نذعن لجوره، ولا لتحكمه، وآية ذلك أننا نشرنا في ~~الصحف خبر إلحاحنا على الأستاذ، واستجابة الأستاذ لنا، ms009 واختلافنا إلى داره في الضحى من ~~كل يوم نسمع منه الأصول في بعض الأيام، والمنطق في بعضها الآخر. # هنالك في الدرب الأحمر كنا نبلغ الدار مختلفين، فبعضنا يتخذ أحذية الشيوخ، وبعضنا ~~يتخذ أحذية الأفندية، وكلنا كان يخلع حذاءه، إذا بلغ المنظرة، فلم أجد غرابة إذا في ~~أن يطلب إلي صاحبي أن أخلع نعلي حين بلغنا غرفته هذه، فلعل ما كان يغطي أرضها من ~~بساط أو حصير كانت تقام عليه الصلاة، كما كانت تقام على ما يغطي أرض المساجد وأرض ~~منظرة الشيخ من بساط أو حصير. ولكني لم أكد أنحني على حذائي لأخلعه حتى امتلأ الجو ~~بضحك عريض رائع مخيف، ثم امتدت إلي يد صاحبي الغليظة فردتني إلى اعتدال القامة، ~~وصاحبي يقول: ماذا تفعل؟ أفتظن أنك في الأزهر؟ أوهذا كل ما علمته من البيان؟ قلت في ~~شيء من الدهش عظيم: وأي غرابة أن تخلع النعال عند أبواب الغرف؟ وأين يكون البيان ~~وأبوابه من خلع النعال؟ قال: يا سيدي إنهم يدرسون لكم في الأزهر التشبيه والاستعارة ~~والمجاز والكناية. وما أشك في أنك تستطيع أن تعيد علي كل ما سمعته من هذا، ولكنك تملأ ~~صدرك بما لا تفهمه ولا تحسن الانتفاع به، فإني لم أرد أن تخلع نعليك، وإنما أردت أن ~~تكبر هذه الغرفة التي بلغتها والتي ستدخلها؛ لأنها غرفة العلم والأدب، ومستقر الأسفار ~~والكتب، ومهبط الوحي إن كان ما يقع في نفس رجل مثلي يريد أن يكون أديبا شيئا يمكن أن ~~يسمى وحيا. فلو أنك تدرس علم البيان درس فهم وانتفاع حقا، لما أعياك أن تفهم عني ما ~~كنت أريد. قال ذلك في صوت غليظ يقطعه هذا الضحك الذي يصور السذاجة والمكر وحب السخرية ~~في وقت واحد، ثم أخذ بيدي ومضى معي حتى أجلسني على كرسي أمام مائدة لم أكد أضع عليها ~~يدي حتى لمست كتابا. # وكانت الخادم في أثناء ذلك ما زالت قائمة وفي يدها اللطيفة سراجها الصغير. فالتفت ~~إليها مغضبا ضاحكا معا، وهو يقول: وما وقوفك أنت هنا كالصنم؟ ثم ms010 خفض صوته قليلا ~~وقال : ومع ذلك فإن منظرها جميل يصور بعض ما تركه لنا القدماء من آثار الفن. # ولم تنصرف الصبية بسراجها، وإنما ظلت في مكانها حتى مد يده إلى سلسلة تضطرب في الجو ~~فجذبها إليه في شيء من العنف، حتى إذا هبط إليه المصباح المعلق في السقف أضاءه ورفعه، ~~وقال للصبية: انصرفي الآن وعشينا إن كان عندك طعام. # ثم جلس مني غير بعيد وأشار إلى غلامي الأسود الصغير أن استرح حيث تشاء، وبدأ حديثه ~~معي في لهجة الحازم الجاد، فقال: والآن يا سيدي يجب أن ندع اللغو فما جئنا هنا لنلغو ~~ولا لنلهو، وأن نأخذ في الجد فللجد وحده أقبلنا، فحدثني من أنت، وسأحدثك من أنا، حتى ~~إذا عرف كل منا صاحبه وأخذنا فيما ينبغي أن نأخذ فيه قلت: فإنك تنظم الأمر كما تحب، ~~تتحكم في ذلك تحكما غريبا؛ لا تسألني عن شيء، ولا تستشيرني في شيء! فإني لم أطلب إليك ~~أن أجيء إلى هذا المكان ولا أن آخذ معك في لغو أو جد. قال مقاطعا: فأنت لا تريد إذا ~~أن تحدثني عن نفسك حتى أحدثك عن نفسي، فسأحدثك عن نفسي ولكن بعد أن أنبئك أني أعرفك حق ~~المعرفة، وكنت خليقا أن تعرفني لولا أنك حديث السن. # ثم قص علي من أمري ما كنت أظن أنه أبعد الناس عن العلم به، ولكني لم أدهش لذلك حين ~~ذكر لي اسمه وتحدث إلي عن أسرته، وأنبأني بأنه من هذه القرية التي ليس بينها وبين ~~مدينتنا إلا ساعة أو بعض ساعة للذين يمشون على الأقدام، وأنه قد نشأ في مدينتنا، أو ~~أكثر التردد عليها حتى كأنه نشأ فيها، وأنه قد تعلم القراءة والكتابة في نفس الكتاب ~~الذي تعلمت فيه، وقد عرف إخوتي الذين سبقوني إليه، وقد ظلت المودة متصلة بينه وبين ~~بعضهم حتى تركت أسرتنا هذه المدينة إلى أقصى الصعيد، وحتى هبطنا نحن إلى القاهرة نطلب ~~العلم في مدارسها المختلفة. # منذ ذلك الوقت تقطعت الأسباب أو رثت بينه وبين من كان يود ms011 من إخوتي، يسألني عنهم ~~واحدا واحدا، وأنا أجيبه، ثم أسأله عن نفسه كيف تعلم وماذا يعمل الآن؟ فينبئني بأنه ~~أتم درسه الثانوي منذ أعوام، واتصل بوزارة الأشغال يعمل فيها كاتبا في بعض الدواوين ~~يختلف إليها وجه النهار، ويعكف آخر النهار وجزءا غير قليل من الليل على القراءة والدرس ~~حتى كلف بهما أشد الكلف، وأصبح عمله في الوزارة وسيلة آلية، على حين هو عند أترابه من ~~الشبان غاية لا يلتمسون غيرها غرضا من أغراض الحياة. # ولم يكد يتقدم الحديث بيننا في هذه الشئون حتى أقبلت الخادم تزيل ما على المائدة من ~~كتب لتهيئها للأطباق وآنية العشاء، وقد زالت الكلفة بيننا، وأخذت أسمع منه وأتحدث إليه ~~كما يكون الأمر بين إلفين قد بعد العهد بما بينهما من المودة والحب والمخالطة، فليس ~~بينهما تصنع ولا تكلف ولا عناية بما يقولان. # وما هي إلا لحظات حتى كنا نلهو ونضحك من ذكريات لم نلبث أن وجدناها مشتركة بيننا، ~~وكلها متصل بحياتنا في الريف. # 5 # قال لي في بعض ما كان يقول، وقد هدأ نشاطه وانخفض صوته، ورقت لهجته، وجعل يتحدث ~~إلي كأنما يهمس همسا وكأنما يصدر صوته عن نفس متأثرة أشد التأثر، وقلب يملؤه الود ~~والحنان، ولو أني استطعت أن أرى وجهه في تلك الساعة لما شككت في أني كنت خليقا أن ~~أتبين فيه مظاهر التأثر وآيات الحنان. # قال لي في هذا الصوت العذب: «هبني في القرية، وهبك في المدينة، وهبني أريد أن أزورك ~~لأقضي معك شطرا من النهار، فأين ألقاك؟» # قلت: «إنما يزار الناس في دورهم.» قال: فإني لا أريد أن أزورك لأني لا أريد كلفة ولا ~~حرجا، ولا تقيدا بهذه الأوضاع التي يتقيد بها الناس، ولا سيما الشباب والصبية، حين ~~يتزاورون في الدور، حيث الآباء والإخوة الكبار، إنما أريد أن ألقاك حرا، طلقا، لا ~~تحسب حسابا لشيء ولا لأحد، وأحب أن تلقي عن رأسك هذه العمة الثقيلة التي تضطرك إلى ~~وقار لا أحبه لك، ولا أرضاه منك، وأن تخرج من هذه الثياب التي ms012 لا يلبسها إلا الشبان ~~الذين تقدمت بهم السن إلى ضحوة الشباب، فأنت في آخر ليل الطفولة، وفي أول فجر الشباب. ~~قد أخذت نفسك تتفتح للحياة وتبسم لها، وتخرج من غفلة الطفولة، وتحاول أن تقدر الأشياء، ~~وأن تزنها وأن تحكم عليها في هذا الغرور الجميل اللذيذ، الذي يخيل إلى الغلمان أنهم ~~رجال، ويلقي في روعهم أن آراءهم موفقة دائما، وأن أحكامهم صائبة دائما، وأن الكبار من ~~الرجال يخطئون حين يسيئون الظن بهم ويرونهم صغارا ولا يشركونهم معهم في كبار ~~الأمور. # ألق إذا هذه العمة، واخرج إذا من هذه الجبة، ومن هذا القفطان، وعد إلى ثوبك ~~الفضفاض، الذي كنت تلبسه قبل أن تهبط إلى القاهرة، والذي كان يمتاز من ثياب أترابك من ~~أهل الريف بضيق كميه وتكسرهما بعض الشيء عند آخرهما، وبهذا التكسر المنظم على الصدر، ~~وفي أعلى الظهر، وبهذا الحزام العريض الذي كان يتصل به عند الخصر، ولكنه لا يحيط بالجسم ~~كله، وإنما هو قطعتان قد خيطتا على جانبي الثوب من يمين وشمال، ثم وصلت إحداهما بالأخرى ~~أزرار من الصدف. عد إلى هذا الثوب وضع على رأسك ذلك الغطاء الرقيق الأبيض الذي يسمونه ~~الطاقية وما هو بالطاقية، وإنما هو شيء يصطنعه المترفون من أهل المدن في الأقاليم ~~يقلدون به بعض قلانس الفرنجة ويسمونه الطاقية الإفرنجية. # عد إلى هذا الزي، وسأخرج أنا من هذا الزي الأوربي وأعود إلى الزي الذي كنت أصطنعه في ~~الريف حين لم أكن أذهب إلى المدرسة فأدخل في ثوب من الصوف، مفتوح الصدر، وأتخذ على ~~رأسي الطربوش، كما يفعل المترفون من أبناء العمد، فأنت تعرف أني ابن عمدة، وسأزورك ~~ماشيا لا أركب لهذه الزيارة فرسا ولا حمارا؛ لأني أريد أن أكون حرا طليقا، وأن ~~أقضي معك وقتا لا يشغلني فيه التفكير في فرس أو حمار. # عد إلى زيك القديم وسأعود إلى زيي القديم وانتظر أن أزورك، وحدثني أين ألقاك، على ألا ~~يكون اللقاء في بيتك فأنا أعرفه حق المعرفة، ولا أريد أن أجلس في المنظرة، ولا أريد أن ms013 ~~أجلس في ظل هذه العنبات التي تقوم إلى جانبها، ولا أريد أن ألعب في هذا الفناء الذي ~~ينبسط أمامها والذي يرونه واسعا وأراه ضيقا، والذي يحب أبوك أن يجلس فيه إذا كان ~~العصر، والذي يؤثر سيدنا أن يقرأ فيه القرآن كل يوم قبل أن تطلع الشمس. # إنما أريد لقاء حرا، في مكان حر، ليس فيه رقيب يسمع لنا إذا تحدثنا، أو يسألنا أين ~~تذهبان إذا أردنا أن نمضي أمامنا وألا نلزم مكانا بعينه. # قلت وقد أثر في نفسي حديثه وصوته ولهجته وما أثار من الذكرى، فرجعت إلى ذلك الطور ~~الذي كنت فيه حين فارقت المدينة لأهبط إلى القاهرة، ورجعت إلى ذلك الزي الذي وصفه والذي ~~كنت أعود إليه كلما عدت إلى الأقاليم. # قلت: فستلقاني إذا في طريقك جالسا أمام دكان الشيخ محمد عبد الواحد، على أحد هذين ~~الصندوقين اللذين يكتنفان الدكان عن يمين وشمال، واللذين يجلس عليهما الناس لينفقوا بعض ~~الوقت في الحديث وفي النظر إلى من يأتي ومن يغرب، أو من يذهب إليه، وإلى النساء وهن ~~يذهبن إلى الإبراهيمية ليملأن جرارهن، ويعدن منها وقد أثقلت رءوسهن هذه الجرار، وهن ~~يتحدثن همسا بينهن أثناء النهار، كما يتغنين جماعة حين يغدون مع الصبح، أو في الاستماع ~~إلى حديث هاتين المرأتين اللتين تكتنفان الدكان عن يمين وشمال، إلا أن إحداهما تلاصقه ~~والأخرى قد أقامت دارها في الناحية الأخرى من الشارع، أتعرفهما؟ قال: كما تعرفهما؛ فأما ~~الأولى فزنوبة، وأما الأخرى فأم محمود، كلتاهما تجلس على باب دارها وتتحدث إلى صاحبتها ~~ألوان الحديث، في صوت مرتفع، فيه عبث ودعابة ولين، وشباب المدينة يكلفون بالجلوس عند ~~الدكان ليسمعوا لحديثهما وليدخلوا فيه من حين إلى حين، حين يكون الحديث دعابة، وما ~~أكثر ما يكون الحديث دعابة بينهما، فهما لا تحسنان في الحياة إلا الدعابة وكسب المال. ~~قلت: فستلقاني جالسا على أحد هذين الصندوقين، فقد تعودت أن أقضي وجه النهار مع صاحب ~~الدكان وأخيه، أتحدث مع أولهما في أخبار الشيخ ماضيه وآثاره وكراماته ومقاماته، وأسمع ~~من ثانيهما ms014 ما يقرأ علي من كتب القصص والوعظ، لا ينقطع حديثنا، ولا تنقطع قراءتنا إلا ~~حين تأتي امرأة أو فتاة لتشتري بعض الملح أو الفلفل أو الخيط، أو ما يباع عندهما من ~~سقط المتاع. # قال: فقد انحدرت إليك من المغرب، ولم أكد أهبط من الجسر حتى مررت بهذه الدور التي ~~تعرفها فحييت حسن كوزو وهو جالس أمام داره ومن حوله امرأته وبناته وأبناؤه، وهم يلغطون ~~لغطهم المتصل، ثم مررت بدار عم حسنين، ولم ألقه من حسن الحظ، فلو قد لقيته لاستوقفني ~~ولسألني: فيم أقبلت؟ وكيف تركت أبي؟ وما بال أبي لا ينحدر إلى المدينة؟ وما أشك في أنه ~~كان سيستبقيني، ولعله كان يلح علي في أن أتغدى عنده فهو حريص على أن تتصل المودة بينه ~~وبيننا، ولكني جزت الدار سالما لم ألق أحدا ولم أتعرض لهذا الإكرام الذي كنت أخشاه، ~~وقد رأيتك من بعيد وتبينت أنك لم تكن تتحدث إلى صاحب الدكان ولا تسمع لقراءة أخيه، إنما ~~كنت معتزلا على صندوقك، قد انثنى أعلاك على أسفلك، وقد وضعت رأسك بين يديك، والناس من ~~حولك قائمون، منهم من يشتري، ومنهم من ينظر، ومنهم من يمنح طرفه زنوبة، ومنهم من يمنح ~~طرفه أم محمود، وهذا الشيطان المارد ابن العمدة، يذهب في الشارع ويجيء، متحدثا ~~متغنيا، يلقي نظره خلسة إلى هذه الحارة عن يمين الدكان، حيث يقيم سيدنا وامرأته الشابة ~~وحماته العجوز، وحيث تقيم عالية أم غريب. # وهأنذا أنتهي إليك فأضع يدي على كتفك، وها أنت ذا تذعر لمكاني منك، ولكنك لا تكاد ~~تسمعني أحييك حتى تطمئن إلي وتبتسم لي، وتدعوني إلى الجلوس، ولكني آبى ذلك عليك، ~~وأنهضك وآخذ بذراعك ثم نندفع في هذا الشارع الذي يكاد يواجه بيت زنوبة ونمضي معا إلى ~~القناة. # انظر ها نحن هذان قد بلغنا القناة، فأما عن يميننا فحديقة جرجس أفندي ثم المنحدر إلى ~~بيتكم، وأما عن شمالنا فخيام العرب، الذين اختاروا هذا المكان مضربا لخيامهم، والذين ~~يخفرون هذا الطرف من أطراف المدينة إلى أي الوجهين تريد أن ms015 نمضي؟ أتريد أن نمضي إلى ~~يمين لنبلغ المدينة؟ أم تريد أن نمضي إلى شمال نحو العرب لنبلغ الإبراهيمية، فنأوي إلى ~~ظل شجرات التوت؟ أو نمضي أمامنا في هذه الحقول التي لا تكاد تنتهي؟ أم تريد أن نعبر ~~القناة؟ فليس عبورها شاقا ولا عسيرا، فهي جافة في هذه الأيام، ألست تحس من حولك ~~هؤلاء الصبية، وهم يلعبون فيها، ويلتمسون ما تخلف في طينها من صغار السمك؟ إلى أين تريد ~~أن نمضي؟ إننا إن عبرنا القناة لم نمض غير قليل في هذا الفضاء الواسع الطلق حتى نبلغ ~~الخط الحديدي، فإذا عدونا فقد انتهينا إلى المدينة من طريق قريبة، إلى أين تريد أن ~~نمضي؟ # وما أراني محتاجا إلى أن أسمع منك جوابا، فأنت تريد من غير شك وأنا أيضا أريد أن ~~نأخذ طريقنا عن يمين فإنها يسيرة مألوفة، وهي طريق الناس حين يأتون من المدينة أو ~~يذهبون إليها، وهي خليقة أن تقدم لنا من ضروب اللهو وألوان العبث والمتاع ما نبتغي، ~~فليس بيننا وبين حديقة المعلم إلا خطوات. ها نحن هذان قد بلغناها، وآثرنا أن نميل إليها ~~فنجني من ريحانها، ونقتطف من أثمارها، ونستظل بأشجارها ساعة لنتحدث فيما تعودنا أن ~~نتحدث فيه، إنها لجميلة هذه الحديقة؛ لم تتخذ زينة، ولم يعمل فيها المنسقون، وإنما هي ~~حرة مطلقة! ينبت فيها الزهر والشجر كما يريدان في غير قيد ولا نظام، وإنها لجميلة حين ~~تقدم في رشاقة وخفة بما تحمل من زهر وثمر، وورق نضر وأغصان لدنة إلى القناة، كأنها تريد ~~أن تهدي هذا كله إلى هذا الماء حين يجري فيها قويا هادئا موفور النشاط مع ذلك كأنه ~~إله شاب من آلهة الأساطير. # أنا أعلم أنك تحب هذه الحديقة وتجد لذة في أن تخلو فيها إلى نفسك فتقص عليها ما تتصور ~~من الأحداث والخطوب، أو تعيد عليها ما تسمع من القصص والأحاديث، وما ملت بك إليها إلا ~~لأني أعلم أنك تحبها وتؤثر أن تقضي فيها ساعات بعيدا عن الناس، قريبا منهم في وقت ~~واحد، أنا أعلم ms016 أنك لا تحب العزلة الخالصة ، ولا تحب الخلطة الخالصة، ولكني أحس الآن كأن ~~مكانك ينبو بك، وكأنك لا تطمئن إلى الحديقة أو كأن الحديقة لا تريد أن تتلقاك بما تعودت ~~أن تتلقاك به من البشر والأنس والحنان. # أحس أن جسمك كله يضطرب كأنه يكره السكون، ويدفع إلى الحركة دفعا، ماذا تنكر من هذه ~~الحديقة؟ أو ماذا تنكر منك هذه الحديقة؟ لم لا تريد أن تخلو إلي كما تخلو إلى نفسك، ~~وأن تقص علي كما تقص على نفسك ما تعيده عليك الذاكرة أو ما يخلقه لك الخيال. # ها أنت ذا أشبه شيء بالجواد الجموح الذي يعض شكيمته، ويضرب الأرض بسنابكه، ويكاد يخرج ~~من جلده مرحا وشوقا إلى العدو، إلى أين تريد أن نمضي؟ # وهو يقول هذا كله في لهجة جد واقتناع ويقين حتى ينسيني مكاني منه، ومكانه مني، ~~ومكاننا من القاهرة، وحتى يقنعني بأننا صبيان، أو شابان نقصد إلى النزهة في ريفنا ذلك ~~البعيد، وقد سمعت منه، وآمنت له، وهممت أن أجيبه، ولكنه منطلق لا يريد أن يقف، متدفق لا ~~يريد أن يهدأ، يسأل ولا ينتظر الجواب، وإنما يجيب وهو يمضي في حديثه لا يلوي على شيء، ~~وأنا أسمعه وأتبعه، وهو يسرع في الحديث، وكأنه يسرع في الحركة، حتى يعييني سماعه، ~~ويعجزني اتباعه، ولكنه ماض في حديثه، ماض في حلمه، لا يقف عند شيء ولا يلوي على شيء، ~~والغريب أنه كان يتحدث فيثير في نفسي مثل ما يثير في نفسه من الذكرى، ثم يتحدث عني وعما ~~أحب فكأنما أنا أتحدث عن نفسي. # قال: فإنك لا تريد البقاء في هذه الحديقة لأن نفسك لا تتهيأ للخلوة ولا للحديث الهادئ ~~المطمئن، وإنما أنت اليوم مهيأ للحركة والنشاط الجسمي، وما أرى أنك تستريح حتى تكلف ~~نفسك بالمشي جهدا ثقيلا، ولولا أنك شديد الحياء، وأنك تخشى المصاعب والعقبات، لآثرت ~~العدو ولكلفت بالجري السريع. فهلم إلى الطريق العامة فليس لك في هذه الحديقة أرب منذ ~~اليوم. # هلم وليكن مشينا سريعا يشبه العدو، ولكنك لم تطاوعني إلا ms017 قليلا، وهأنذا أحس أن ~~قدميك تثقلان وأن نشاطك ينال منه الفتور، وأنك تؤثر مشيا رزينا هو إلى التلكؤ أدنى ~~منه إلى الجد والسرعة، لقد فهمت أن مكانك من هذه البيوت الأربعة التي تنتظم على شاطئ ~~القناة في نسق بديع وقد امتدت أمامها حدائقها الواسعة ذات الشجر الملتف والأغصان ~~المتدلية على الأسوار، وأنت تريد أن تسعى سعيا هينا إلى جانب هذه الأسوار وأن تداعب ~~بيدك هذه الأوراق الخضر النضر لأنك تجد في مسها راحة ولذة ونعيما لنفسك وهدوءا لقلبك ~~الذي قلما يظفر بالهدوء. # تريد أن تقف وأن تعبث بهذا اللبلاب الذي يتلوى على سور المأمور، تريد أن تداعبه ~~وتلاعبه وتقوم اعوجاجه وتصلح التواءه، ولكنك تعلم أنه لا يستقيم، ولا يحب الاعتدال. ثم ~~أنت تريد أن تطيل الوقوف عند بيت الملاحظ، وما أظن إلا أن نفسك تنازعك إلى أن تطرق ~~الباب، وتدعو عثمان أو محمودا، فمن يدري! لعل أحدهما أن يستجيب لك وأن يدعوك إلى ~~الدخول لتتحدث إليه، أو إليه وإلى أخيه ساعة من نهار. إنك لشديد المكر، وإن نفسك لشديدة ~~الالتواء، لم تكذب على نفسك؟ وتكذب علي؟ إنك لا تريد عثمان، ولا تحب الحديث إلى ~~محمود، وإنما تريد أن تدخل الدار وتقطع إليها هذه الحديقة العريضة متلكئا بعض الشيء، ~~متكلفا بعض الأناة والمهل، حتى إذا بلغت الدار وأجلست في هذه الحجرة المتواضعة التي لا ~~تمس القدم فيها أرضا عارية كالتي تمسها حيث تلعب في بيتك أو حيث تجلس عند الدكان، ~~وإنما تمس أرضا قد رصفت بالحجارة وفرشت عليها البسط، وهناك في هذه الحجرة لا تلقي إلى ~~صاحبيك إلا إحدى أذنيك، أو بعض ما تستطيع أن تلقيه منها، فأما أذنك الأخرى فمرسلة إلى ~~آخر الدار، ومعها نفسك كلها، قل الحق. إنك لا تريد عثمان ولا تبتغي الحديث إلى محمود، ~~وإنما تريد أن تسمع أحد هذين الصوتين اللذين تشيع فيهما العذوبة كما تشيع النضرة في ~~الغصن المورق اللدن، بل أنت أسعد الناس إن أتيح لك الاستماع إلى الصوتين جميعا. # أيهما آثر عندك وأحب ms018 إليك؟ صوت هذه الفتاة الناهد التي تسمى عزيزة والتي توشك أن تلعب ~~معك ومع أخويها لولا ما تأخذها به أمها التركية وأبوها الألباني من تكلف الوقار ~~والاحتشام، فهي تجلس إليكم وتسمع منكم وقد تشارككم في الحديث، وقد يضحكها ما تخوضون ~~فيه، فإذا ضحكها يضطرب في الحجرة مشرقا صافيا مضيئا كأنه البلور، أم صوت أختها أمينة ~~هذه التي نيفت على العشرين، وجاوزت طور اللعب، وتزوجت ثم طلقها زوجها فعادت إلى أسرتها ~~كئيبة محزونة هادئة الصوت، ولكن صوتها الهادئ يثير في قلبك وجلا، وفي نفسك اضطرابا، ~~وفي أعماق ضميرك قلقا لا تتبين أصله، ولا سره، ولكنك تخافه وتحبه معا. أي الصوتين آثر ~~عندك وأحب إليك؟ إني لأخشى أن تكون فاجر النفس ماجن القلب، مسرفا فيما تتيح لضميرك من ~~حرية. إنك لتحب الصوتين جميعا، وتألف الأختين جميعا، وتحب أن تنعم ما وسعك من النعيم ~~بما تثيران في نفسك من هذه العواطف الحادة المبهمة الغامضة، وإنك لتسمع لهما إذا تحدثتا ~~أو ضحكتا أو جاءتا بشيء من الحركة فتعي عنهما هذا كله، وتسجله في نفسك تسجيلا حتى إذا ~~عدت إلى دارك، وأويت إلى مكانك الذي تعودت أن تعتزل فيه، أخذت تعيد في نفسك ما سمعت من ~~كلام، ومن ضحك، ومن غناء، وأخذت تتخيل ما أحسست به من حركة، وأخذت تتعمق هذا كله، ~~وتستخرج منه صورا ومعاني وعواطف وخواطر لا تحصى ولا تستقصى، ولكنها تنسيك نفسك وأهلك ~~ودارك، وتنتهي بك إلى عالم غريب هو أحب إليك ألف مرة من هذا العالم الذي تعيش فيه، قل ~~الحق! ألست أصور ما تجد، وأقص ما تحس، وأحدثك بما تحب أن أتحدث إليك فيه؟ ولكنك قد ~~أطلت الجلوس بين عثمان ومحمود، والاستماع لعزيزة وأمينة، وهذا صوت المؤذن ينتهي إلينا ~~داعيا إلى صلاة الظهر، وسيقبل الملاحظ بعد وقت قصير، ولئن بقينا لندعين إلى ~~الغداء، وأنا أعرف أن حياءك وأدبك يأبيان عليك أن تستجيب لهذا الدعاء، وأن نفسك تنازعك ~~إلى البقاء. وما أظن إلا أنك لو أرسلت نفسك على سجيتها لأقمت، ولاحتملت ms019 ساعة الغداء هذه ~~الثقيلة لتستمتع بعدها بساعات طوال، تنعم فيها بهذين الصوتين وما فيهما من فتنة وروعة ~~وحنان، ولكن لا سبيل إلى الإقامة، وماذا نصنع بحيائنا؟ وماذا نصنع بأدبنا، وكيف تلقى ~~أمك؟ وكيف تجيبها؟ وكيف تثبت للومها العنيف حين تصور لك أن الفتيان الذين يحسن أدبهم لا ~~يبقون في الزيارة إلى أن يدركهم الغداء، ولا يستجيبون إلى الطعام، إذا لم تسبق دعوتهم ~~إليه. # هلم أيها الصديق البائس الحزين ودع أمينة وعزيزة، فقد يتاح لك أن تراهما إذا كان ~~الغد أو إذا كان المساء، فأما الآن فصدقني ليس لنا في هذه الدار مقام. # أما الآن وقد تجاوزنا عتبة الدار، وأغلق من دوننا الباب، ورجع عثمان ومحمود أدراجهما ~~في الحديقة واستقبلنا القناة، فوقفنا على شاطئها لحظة مترددين، أنعود إلى حيث كنا بعد ~~أن تقدم النهار؟ أم نمضي عن يمين إلى المدينة وإن عرضنا ذلك لشيء غير قليل من ~~اللوم. # ثم آثرنا اللهو والعبث فأخذنا طريقنا عن يمين نحو الخط الحديدي نسعى هادئين. أما الآن ~~فإني أحمد جدك وحزمك وشجاعتك وإصرارك على أن تنصرف حين هممنا بالانصراف، وإباءك على ~~عثمان ومحمود، وإباءك بنوع خاص على عزيزة وأمينة، وقد كانوا جميعا يلحون علينا في أن ~~نبقى ويرغبوننا في البقاء، يعرض عثمان ومحمود علينا أن يظهرانا على ما عندهما من ~~أعاجيب القاهرة، هذه اللعب التي لا تنتشر في الريف، ولا يألفها أهل الأقاليم، وتعرض ~~علينا عزيزة العزف على البيانو. وتعرض علينا أمينة القراءة في بعض القصص، وأنت مصمم على ~~الانصراف برغم نفسك التي كانت تنازعك إلى البقاء نزاعا شديدا. # على أني لا أفهم كلفك بالاستماع لعزيزة وأمينة، وافتتانك بأحاديثهما هذه التي يلتوي ~~فيها لسانهما بلهجة أهل القاهرة في تأنق وتكلف وتعمد للفتنة، كأنما تريد كل واحدة ~~منهما أن تدل على نفسها، وتنبهنا إلى أنها ليست منا، وإلى أننا لسنا منها في شيء، إنما ~~هي من هذا العنصر الممتاز الذي لا ينطق الجيم كما ننطقها، ولا يحول القاف كما نحولها ~~إلى جيم غليظة وإنما يحيلها إلى ms020 همزة رقيقة خفيفة حسنة الموقع في الأسماع، ولا يمتلئ ~~فمه بالكلام يهدر به كما تهدر الإبل، وإنما يضيق به ويتلطف في إرساله ويجريه هادئا ~~حلوا رقيقا، فيخرجه أحسن مخرج، ولا يلقيه كما نلقيه نحن إلقاء الجنادل والصخور. لا ~~يعجبني شيء من هذا لأني أراه تكلفا وتصنعا، ومن يدري لعلنا إن رأيناهما في ~~القاهرة، واستمعنا لهما في بيئتهما الطبيعية أن نجدهما أقل تكلفا وأدنى إلى الفطرة، ~~ولعلهما يومئذ أن تجدا إلى نفسي الغليظة سبيلا، أما الآن فإن قلبي مغلق دونهما ~~إغلاقا، وإني لأوثر ألف مرة عليهم فتياتنا الريفيات، وما يمتزن به من حياء حلو وخفر ~~ناعم، وحديث عذب على غلظته، وصوت محبب إلى النفوس على ما يضطرب فيه من بعض الجفاء، ~~ستغضب وستثور وستنكر ذوقي أشد الإنكار، ولكني لا أتردد مع ذلك في أن أعلن إليك أني أوثر ~~كلمة بنت عالية وأخت غريب، على عزيزتك هذه المتكلفة المتصنعة. وأوثر خديجة بنت محبوبة ~~وأخت علي، على أمينتك هذه التي ترى أن ليس على الأرض امرأة تعدلها أو تداني حظها من ~~الرقة والجمال. # إني من أنصار الحسن الطبيعي الذي لا يجتلب، ولا يشترى، وإنما تخلعه الطبيعة وتفيضه ~~على الوجوه والنفوس، هذا الحسن الذي تحدث عنه المتنبي، أتذكر بيته؟ إنه مشهور: # حسن الحضارة مجلوب بتطرية # وفي البداوة حسن غير مجلوب # 6 # وكأن هذا البيت من شعر المتنبي قد أيقظ صاحبي من نوم عميق، ورده من هيام بعيد، ~~ونبهني أنا إلى مكاني منه، وإلى مكانه مني. فما كان لشابين جاهلين من شباب الريف أن ~~يديرا بينهما مثل هذا الحديث أو يذكرا مثل هذا الشعر، وأين حديث الريف الساذج اليسير ~~الذي لا فلسفة فيه ولا تعمق من هذا الحديث الطويل الذي اندفع فيه صاحبي كأنه السيل لا ~~يرده شيء، والذي أخذ يتكلف فيه ما تكلف، ويصطنع فيه ما اصطنع على غير شعور من الفلسفة ~~والتعمق والدقة في التفكير والتعبير. فلما سمع صوته ينشد هذا البيت ثاب إلى نفسه، ~~وثبت أنا إلى نفسي وإليه، فلبث دقائق صامتا ms021 لا يقول شيئا كأنما كان يستجمع قواه ~~المفرقة، ويدعو إليه نفسه الشاردة، وينتظر أن يعود إليه عقله وقلبه من مدينتنا تلك في ~~الريف، فلما استجمع من ذلك كله ما كان يريد قال في صوت هادئ عميق: أين أنا؟ وماذا كنت ~~أقول؟ ثم أرسل ضحكته العريضة المخيفة، ونهض قائما وهو يقول: أما إننا قد طعمنا حتى ~~اكتفينا! هذه الصبية البلهاء قد أقبلت فوضعت طعامنا على المائدة ولم يخطر لها أن تدعونا ~~إليه، كأنما ظنت الحمقاء أني رأيتها أو سمعتها أو أحسست مقدمها، وكأنما لم تشعر أنا كنا ~~غائبين نسعى في مدينة من مدن الريف، وهذا خادمك الأحمق قد جلس على كرسيه عند باب الغرفة ~~وهو يغط معنا في نومه العميق كأن أحاديثنا لم تعجبه ولم ترقه ولم تصل إلى نفسه الغليظة ~~المحجبة بحجب الجهل والجفوة والغفلة، ثم ثاب إلي ووضع يده على كتفي وهو يقول: وأنت ~~ماذا أحسست من هذا الحديث؟ ولم يمهلني، ولم ينتظر مني جوابا، وإنما اندفع يقول: ما أرى ~~إلا أنك ظننت بي الجنون وأخذت تسأل نفسك أين أنت؟ وتمقت الساعة التي لقيتك فيها وتلوم ~~نفسك لأنك طاوعتني واستجبت لدعائي، وتشفق ألا تتاح لك العودة إلى أخيك. ومن يدري! لعل ~~المتنبي قد أنقذك حين جرى هذا البيت من شعره على لساني فردني إلى نفسي وإليك، ولعلك إن ~~بقيت تسمع لي وأنا أمضي في هذا الهذيان كنت مضطرا إلى أن تنتهي آخر الأمر إلى الهلع ~~والجزع ثم إلى الاستغاثة والصياح، ومع ذلك فثب إلى نفسك وامنحني بعض عنايتك وحدثني: ~~أليس هذا فنا من الشعر ونحوا من أنحائه؟ لا تظن أن القدماء من الشعراء كانوا يصنعون ~~شيئا غير هذا حين كانوا يقفون ويستوقفون على الأطلال والديار، وحين كانوا يذكرون ~~ويذكرون بمن كان يقيم فيها ثم ارتحل عنها من الأحبة والأخلاء، وحين كانوا يتبعون ~~الظاعنين ويصفون ما سلكوا من طريق، وما عرض لهم في سفرهم من خطوب، وما أنضوا من إبل وما ~~وردوا من ماء آجن وما انتهوا إليه من مرعى، ms022 إنما كانوا يصنعون مثل ما صنعت ويهيمون مثل ~~ما همت، وينسون أنفسهم كما نسيت نفسي، ويرسلون قلوبهم كما أرسلت قلبي على جناحي هذا ~~الطائر الخفيف الرشيق الذي يحسن الإسراع، ويحسن الإبطاء، ويحسن المضي، ويحسن الوقوف، ~~وهو الذكرى. # وحدثني أفهمت شيئا من حنين القدماء على وجهه حين قرأت ما قرأت من شعر امرئ القيس، ~~وغير امرئ القيس من هؤلاء الذين كانوا يحسنون الذكرى ويجيدون تصوير الوفاء؟ إنما هي ~~عندك ألفاظ تقع في أذنيك كما يقع غيرها من ألفاظ، تفهم الظاهر من معانيها، فإن أعجزك ~~الفهم سألت كتابا من كتب اللغة فلا ينبئك إلا بظاهر من معانيها، لا تكاد هذه الألفاظ ~~تتجاوز أذنيك إلى عقلك فضلا عن أن تتجاوزها إلى قلبك وإلى ضميرك فتثير فيهما عاطفة أو ~~هوى أو ميلا، وتدعوك إلى أن تقدر الحياة كما ينبغي أن تقدر الحياة؛ صدقني إنكم لا ~~تدرسون الشعر ولا تدرسون الأدب، وإنما تدرسون ألفاظا ومعاني وصورا ليست من الشعر ولا ~~من الأدب في شيء. # قلت وقد أعجبني حديثه وأرضتني آراؤه، ولكني على ذلك ضقت بهذا السيل الذي لا يقف، ~~وأشفقت من أن يمضي فيه كما مضى في الذكرى آنفا، ومن أن ننفق بقية الليل كما أنفقنا ~~أوله، وأشفقت بنوع خاص من أن يلهينا هذا الحديث المتصل والسيل المتدفق عما نحن في ~~حاجة إليه من التفكير في العودة إلى بيتي، فما أشك في أن غيبتي قد طالت، وفي أنها ~~ستطول، وفي أنها ستلحظ، وفي أني سأسأل عنها إذا كان الغد. # قلت ضاحكا: فما يمنعك أن تعلن آراءك هذه إلى الناس في صحيفة من الصحف، أو في ~~محاضرة من المحاضرات، بل ما يمنعك أن تلقي على الناس دروسا في الأدب، فيسمع لك ~~الشباب، وسينتفعون بما تلقي إليهم من حديث؟ ثم ما يمنعك أن تمضي معي في هذا الحديث ~~أثناء العشاء وبعده وأثناء الطريق ما دمت قد ضمنت لي أن تصاحبني إلى بيتي البعيد! قال ~~وهو يضحك ضحكا غليظا: قل ما يمنعك أن تكف عن هذا اللغو وأن ms023 تأخذ في الجد، فقد زعمت لي ~~أننا لم نجتمع هنا لنلغو وإنما اجتمعنا لنجد. # وهذا حق، فما في شيء من هذا كنت أريد أن أتحدث إليك، وما إلى شيء من هذا دعوتك ~~الليلة، وإنما هو تعارفنا وتحدثنا عن الريف قد شط بي ودفعني إلى الاستطراد، فلنعد إذا ~~إلى ما كنا نريد أن نأخذ فيه ولنقبل على طعامنا قبل كل شيء. # وأخذنا في حديث جديد لم يصرفنا عن الطعام، ولكنه لم يعجل عودتي إلى بيتي، فقد كان ~~الجد الذي يريده صاحبي أنه يجب أن يكون بينه وبيني تعاون في الدرس، يعلمني بعض ما عنده، ~~وأعلمه بعض ما عندي، فهو يرى أن أمري في الجامعة لا يستقيم إلا إذا تعلمت لغة أجنبية ~~وألممت ببعض هذه العلوم التي كنا نجهلها في الأزهر جهلا تاما، والتي كان جهلنا إياها ~~يخيل إلي وإلى أصحابي أننا نسمع من المحاضرين في الجامعة الأعاجيب مع أننا لم نكن ~~نسمع منهم إلا أيسر الأشياء وأهونها. # وهو كان يريد أن يمنحني من ذلك ما ينقصني، لا يسألني على ذلك أجرا إلا أن أعوده ~~معاشرة كتب الأزهر، والتصرف في علم الأزهريين، وكانت علوم ثلاثة من علوم الأزهر تخلبه ~~وتشوقه بنوع خاص، وهي المنطق والفقه والأصول. فأما المنطق فقد كان أمره يسيرا، وكنت ~~أرى أني أستطيع أن أقرأ معه كتابا من كتبه المختصرة. وأما الفقه والأصول فقد كان ~~أمرهما أعسر من ذلك وأشق، وأنى لي أن أعلمه علما لا أحسنه، وما أظن أني سأحسنه في ~~يوم من الأيام؟ وهو مع ذلك مصمم على أن يدرس المنطق والفقه والأصول على أن يعلمني ~~الفرنسية، ويقرأ معي ما أحب من التاريخ وما أشاء من هذه الكتب التي لا بد من قراءتها ~~لمن يريد أن يعيش في هذا العصر الحديث عيشة لا غرابة فيها. وكان حوارنا طويلا شاقا ~~ملتويا فيه كثير من الاستطراد حتى لقد انصرفنا من داره وقد كاد يسفر الصبح، وما كدنا ~~نبلغ حينا في أقصى الجمالية حتى سمعنا المؤذن ينبئ الناس بأن «الصلاة ms024 خير من ~~النوم»، وكنا لم ننم فعدنا أدراجنا، وفي ذلك اليوم جلس معي إلى أستاذ الأصول رجل ليس ~~على رأسه عمامة بل على رأسه طربوش. # وافترقنا بعد الدرس على أن نلتقي في الجامعة كل يوم إذا كان المساء على أن نرتب أمرنا ~~بيننا، يعلمني الفرنسية وأعلمه المنطق، ومن ذلك اليوم لم نفترق حتى أتيح له أن يسبقني ~~إلى باريس. # كنا نلتقي في قهوة بشارع قصر النيل قريبة من الجامعة قبل أن تبدأ المحاضرات بساعة أو ~~أكثر من ساعة، فنأخذ في أحاديث مختلفة، وكثيرا ما كان يشاركنا في أحاديثنا بعض الطلاب ~~حتى إذا أقبلت ساعة الدرس نهضنا إليه. أما هو فكان ينهض متثاقلا دائما، وأما أنا فكنت ~~أنهض خفيفا شديد النشاط، وكان يضحك من خفتي، وكنت أضيق بتثاقله، وكان يقول لي هون عليك ~~فليأتين يوم تنصرف فيه عن هذه الدروس انصرافا. # ولم أكن إذا دخلنا غرفة الدرس أفر من مجلسه، ولم يكن ينغص علي الاستماع للأستاذ، ~~حتى إذا انتهينا من الاستماع انصرفنا إلى داره أو إلى شارع كوبري قصر النيل فزعم لي أنه ~~يعلمني الفرنسية، وزعمت له أني أعلمه المنطق، والحق أننا لم نكن نصنع من هذا شيئا، ~~وإنما كنا نمضي في لغو مختلف متصل كهذا الذي صورت بعضه آنفا، وكنا ننفق في هذا اللغو ~~خير أجزاء الليل، ثم نفترق، فأما هو فكان ينفق بقية الليل في القراءة أو الكتابة ثم في ~~نوم قليل، ثم يصبح فيغدو على ديوانه، وأما أنا فكنت أنفق بقية الليل في تفكير طويل ~~مضطرب لا يكاد يذيقني النوم إلا غرارا، فإذا دعا المؤذن إلى الصلاة أسرعت إلى الأزهر، ~~ومضيت وجه النهار مستمعا للأساتذة أو دارسا مع الطلاب حتى إذا أقبل المساء التقينا ~~كدأبنا في كل يوم. # وانقضى العام الأول والثاني والثالث من حياتنا في الجامعة على هذا النحو، لم يتقدم هو ~~في درس المنطق ولم أتقدم أنا في درس الفرنسية، ولكننا تقدمنا في إدارة هذه الأحاديث ~~الطويلة المختلفة التي تلم بكل شيء ولا تكاد تتقن شيئا، ms025 ولكنها تفتح القلوب ~~لألوان من العواطف وتهيئ النفوس لضروب من الخواطر، وتغير الطريق التي كان كل واحد منا ~~قد رسمها لنفسه في الحياة. # كان يريد أن ينفق حياته موظفا يثقف نفسه ثقافة جديدة في كل يوم ويلتمس لذته في ~~القراءة والكتابة والحديث، فأصبح أشد الناس بغضا لديوانه، وزهدا في عمله، ورغبة في أن ~~يهجر مصر ويعبر البحر إلى بلد من هذه البلاد التي يطلب فيها العلم الواسع والأدب ~~الراقي، وتتغير فيها الحياة من جميع الوجوه. وكنت أريد أن أكون شيخا من شيوخ الأزهر ~~مجددا في التفكير والحياة على نحو ما كان يريد المتأثرون للشيخ محمد عبده، أستعين على ~~ذلك بما أسمع في الجامعة، وما أقرأ من الكتب المترجمة، وما أجد في الصحف، وما أتلقط من ~~أحاديث المثقفين، فأصبحت وأنا أشد انصرافا عن الأزهر، ونفورا من دروسه وشيوخه، وحرصا ~~على أن أهجر مصر وأعبر البحر إلى بلد من هذه البلاد التي يطلب فيها العلم الواسع ~~والأدب الراقي وتتغير فيها الحياة من جميع الوجوه، ولم يكن لصاحبي ولا لي إذا التقينا ~~حديث إلا هذه الهجرة وأسبابها، وإلا هذه الأحلام العريضة البعيدة التي لا حد لها، والتي ~~تستأثر بنفوس الشباب حين يفرضون على أنفسهم بلوغ غاية بعيدة شاقة، وحين تخيل إليهم ~~آمالهم أن بلوغ هذه الغاية أمر يسير. # ثم أصبحت ذات يوم مشغول النفس بما كنا نتحدث فيه أمس، وإني لجالس في بيتي لم أذهب ~~إلى الأزهر، وما كان أكثر تخلفي عن الأزهر في هذه الأيام، وانقطاعي إلى خادمي الأسود ~~الصغير، يقرأ لي قراءة محطمة أقيمها أنا، وأصلح معوجها في نفسي. يقرأ لي مرة في ديوان ~~من الشعر، ومرة في كتاب من كتب التاريخ، وحينا في قصة من قصص العامة، وإني لجالس ذات ~~يوم إلى خادمي الأسود وهو يقرأ علي ديوان البحتري، وإذا الباب يطرق طرقا عنيفا، ~~وإذا صاحبي يدخل وكأنه العاصفة، وإذا هو يدعوني في صوت سريع إلى أن أنهض فألبس ثيابي ~~وأخرج معه، وأن أسرع، فإن العربة تنتظرنا، وأحاول أن أسأله ms026 كيف خرج من ديوانه؟ وما هذه ~~العربة التي تنتظرنا؟ وإلى أين يريد أن يذهب بنا؟ ولكنه لا يجيب، وإنما يستعجلني ويلح ~~في الاستعجال، حتى إذا تركته وذهبت لألبس ثيابي سمعته وهو يذهب ويجيء كالمجنون، ويتغنى ~~في صوته الغليظ بما يحضره من الشعر، ثم أخرج له فيخطفني خطفا، ويعدو بي عدوا حتى ~~يلقيني في العربة إلقاء، ثم يأمر السائق أن يمضي إلى مكان كذا حيث يقيم فلان. # ثم يهدأ بعض الشيء، وينبئني بأن الجامعة قد أعلنت في الصحف أنها سترسل طلابا إلى ~~أوربا، وقد حددت موعد الامتحان وأنه قد أقبل إلي، لألقى فلانا وفلانا، وكلهم من ~~أعضاء مجلس الجامعة، ويجب أن أوصيهم به خيرا. فهو واثق بأنه سيجوز الامتحان على أحسن ~~حال، ولكنه يخشى أن يغلبه على الفوز بالبعثة أولئك الشبان الذين يتوسط لهم أصحاب ~~الجاه. # وما دمت يا سيدي تعرف فلانا وفلانا وفلانا من أصحاب الجاه وأعضاء الجامعة فليس لك ~~بد من أن تتحدث إليهم، ومن أن تتحدث إليهم اليوم، ومن أن تتحدث إليهم أمامي، لهذا كله ~~تركت عملي، ولهذا كله استأجرت هذه العربة، ولهذا كله استعجلتك هذا الاستعجال. وما هي ~~إلا أسابيع حتى تم لصاحبي ما كان يريد، وأصبح عضوا في بعثة الجامعة وأخذ يتهيأ للرحلة ~~إلى باريس. # 7 # يونيو في ... # ليتني لم أسمع لك أيها الصديق، فقد كنت أوثر أن أرتحل إلى فرنسا دون أن أذهب إلى ~~ريفنا الحزين لأرى أبوي وأسرتي ولأرى قريتنا، ولأملأ نفسي من هذه المشاهد الجميلة التي ~~نشأت فيها، وكنت أرى أني سأجد في هذه الرحلة القصيرة إلى الريف آلاما يحسن أن أتجنبها ~~وأن أستقبل الحياة الجديدة بنفس مشرقة وقلب لا يجد حزنا، ولا يحس لوعة، ولا يأسى على ~~شيء، وأنا أكره الوداع وأرى في السفر كما يقول بعض الشعراء الفرنج نوعا من الموت، ولا ~~أحب أن أتلقى الموت مهما يكن يسيرا، على علم به، وانتظارا له، وإشفاق منه. وإنما ~~أوثر أن يفاجئني مفاجأة، وأن يختطفني اختطافا، وأن أخرج من الحياة جاهلا بخروجي منها ms027 ~~كما أقبلت على الحياة جاهلا بإقبالي عليها . # لقد كنت شديد التردد في الذهاب إلى الريف، أحس من نفسي ضعفا شديدا على احتمال هذا ~~الوداع المؤلم، وداع هذين الشيخين اللذين لم يكونا يحتملان إقامتي في القاهرة بعيدا ~~عنهما إلا كارهين، فكيف بهما إذا علما أني لن أقيم في القاهرة، ولن تكون بينهما وبيني ~~ساعات، ولكني سأعبر البحر الملح العريض إلى بلاد نائية لا تحسب المسافة بيننا وبينها ~~بالساعات، وإنما تحسب بالأيام. لقد كانا يكرهان أشد الكره إقامتي في القاهرة، هذه ~~المدينة التي لا يتكلم أهلها كما نتكلم، ولا يعيش أهلها كما نعيش، والتي يملؤها الفساد ~~ويملؤها الصلاح في وقت واحد، والتي يجري في شوارعها الترام والتي يكثر بين أهلها ~~المحتالون والسراق، والتي يخرج الرجل من بيته فيها فلعله لا يعود إليه. فكيف بهما حين ~~يعلمان أني سأقيم في ذلك البلد البعيد الغريب الذي لا صلة بينه وبيننا في لون من ألوان ~~حياتنا المعروفة، والذي لا يعلمان من أمره إلا أنه بلد الفتنة والعبث وموطن اللهو ~~والمجون، أليس إليه يقصد السراة وكبار الأغنياء والمترفين من سادات الريف إذا اجتمعت ~~لهم المقادير الضخمة من الذهب، فلا يكادون يقضون فيه الصيف حتى يعودوا وقد صفرت أيديهم ~~من كل شيء، وهم يقصون من أنبائه وأحاديث العبث والفسوق فيه ما تشيب له الأطفال، ~~وترتاع له نفوس الرجال. لقد كنت أقدر هذا كله حين كنت تجادلني في زيارة الريف قبل أن ~~أبرح الأرض، ولكنك ما زلت تلح علي وتذكرني وتثير في نفسي العواطف والذكريات، حتى ~~استحييت منك ومن أبوي ومن الناس ومن نفسي أيضا، ورأيت أني لا أستطيع أن أفارق مصر، دون ~~أن أرى هذين الشيخين، فمن يدري؟! لعلي أذهب فلا أعود، ومن يدري؟! لعلي أعود فلا ~~ألقاهما. # هنالك رحلت إلى الريف وليتني لم أفعل، فلم أكن أظن أني سألقى في هذا الريف ما لقيت في ~~حزن لاذع وألم ممض ويأس لا صبر معه ولا احتمال له. # لا أصف لك جزع أمي ولا سخط أبي، فحسبك أن ms028 تعلم أن أمي لا تصيب من الطعام إلا ما يقيم ~~الأود، وهي لا تصيبه إلا بعد إلحاح متصل، وأنها لا تذوق النوم إلا غرارا وأنها لا ~~تمسك الدموع، وإنما ترسلها إرسالا حتى تنقطع، وأنها تعتقد اعتقاد يقين أنها قد فقدت ~~ابنها الذي كانت تحبه وتؤثره وتدخره للحوادث والنائبات، وهي تمقت الجامعة وأيام الجامعة ~~والذين فكروا في الجامعة، وهي تمقت العلم والذين يحبون العلم ويدعون إليه، وهي تلعن ~~المدارس وهذا التمدن الذي علم مصر فتح المدارس، وهي تأسف أشد الأسف وتندم أقسى الندم ~~كلما ذكرت ذلك اليوم الذي أراد فيه أبي أن يقلد أباك، فأخرجني من الكتاب كما أخرج أبوك ~~من أخرج من إخوتك، وأرسلني معهم إلى المدرسة الابتدائية في عاصمة الإقليم، هنالك حيث ~~طرحت زي الريف واتخذت هذا الزي الأوربي، ووضعت على رأسي هذا الغطاء البغيض. # ولست أخفي عليك أنها تنال أسرتك بكثير من لاذع القول، فهي التي ألقت في روعنا أن من ~~الخير أن يتعلم الأطفال في هذه المدارس، وأن يلبسوا الطربوش، وأن يلووا ألسنتهم ~~بالرطانة الأجنبية، وأن يصبحوا موظفين. وهي لا تفهم كيف استطعنا أن نعدل بما تعودت ~~أسرتنا منذ الزمن البعيد من الاختلاف إلى الكتاب حتى نحفظ القرآن، ونحسن القراءة ~~والكتابة، ومن الاختلاف إلى الأزهر حتى نحصل شيئا من علوم الدين، ثم نعود إلى القرية ~~حيث الجد والعمل، وحيث الغنى والثروة، وحيث الجاه وبعد الصيت. # لا أطيل عليك فأمي ثائرة إذا أصبحت، ثائرة إذا أضحت، ثائرة إذا قبل المساء، ثائرة إذا ~~جنها الليل، ثائرة حتى امتلأ البيت حزنا وسخطا وبكاء، فأما أبي فمتنكر متنمر، ينذر ~~فيلح في النذير، ويتلطف فيلح في التلطف، فإذا أعياه النذير ولم يسعد الاستعطاف، خرج عن ~~طوره فأسخط من حوله جميعا، وجعل حياتهم لا تطاق، وأقسم جهد أيمانه ليقطعن ما بينه ~~وبيني من سبب وليعيشن منذ الآن كأني لم أكن له ابنا، ولو أني استمعت لنفسي أيها الصديق ~~لما أقمت في هذا الجحيم إلا يوما أو يومين، ولأسرعت إلى القاهرة فانتظرت فيها معك ms029 ومع ~~أصدقائنا هذا اليوم السعيد الذي تتملع فيه السفينة بنا إلى هذا العالم الجديد الذي ملك ~~علي نفسي كلها وقلبي كله. # ولكن كيف أستطيع أن أدع هذين الشيخين فيما هما فيه، ولما أبذل ما أقدر عليه من الجهد ~~لأهون عليهما الأمر بعض الشيء، ولأردهما إلى بعض الطمأنينة ولأرحل عنهما وهما راضيان ~~غير ساخطين. وإني لأجد في ذلك ما وسعني الجد، وأحتال لذلك ما واتتني الحيلة، وأستعين ~~على ذلك ببعض من له حظ من فهم، ونصيب من ذكاء وعلم بحياتنا وما تقتضيه من تطور، وبما ~~بين حياتنا في هذا العصر وحياة آبائنا قبل أن نولد أو حين كنا أطفالا، وما أظن أني ~~سأبلغ وحدي أو بمعونة هؤلاء الناس شيئا، فأمي مستيقنة بأني إذا سافرت فقد فقدتني، وأبي ~~مقتنع بأني إن سافرت فقد قطعت بينه وبيني كل سبب. # في ذات يوم أصبحت ضيق الصدر كئيب النفس، شديد الحرج، ممتلئا بهذا العجز الموئس عن ~~رضاء هذين الشيخين، كارها أشد الكره للدار والقرية ومن فيهما، فخرجت أهيم في الريف ~~ألتمس راحة النفس في تعب الجسم، ولست أزعم أني خرجت أريد وجهة بعينها، أو أسعى إلى غاية ~~معروفة، وإنما هو المشي، والإبعاد فيه، والخلوة إلى النفس، والفرار من لوم اللائمين، ~~وعذل العاذلين، وإلحاح الملحين. وإني لأمضي أمامي لا أحفل بشيء ولا أقف عند شيء، وأكبر ~~الظن أن كثيرا من الناس الذين أعرفهم والذين لا أعرفهم قد لقوني فحيوني، وما أشك في ~~أنهم قد أنكروني لأني لم أسمع منهم، ولم أرد عليهم تحيتهم، ولعل كثيرا منهم قد تحدث ~~إلى نفسه بأن هذا أول الشر، وبادرة الفساد، إنه ليعرض عنا، ويكبر علينا، ولم يذهب إلى ~~بلاد الفرنج بعد، فكيف به إذا ذهب إليها وعاد منها. # والله يشهد ما رأيتهم ولا سمعتهم، ولا أحسست مكانهم مني، إنما كنت مشغولا بنفسي عنهم ~~وعن كل شيء، وإنك لتعلم أني كثيرا ما حدثتك عن كلفي بالخروج إلى الريف، والتروض في ~~الحقول أثناء هذا الفصل من العام، حين يكون الحصاد، وحين يشتد ms030 النشاط، وحين تنتشر في ~~ريفنا هؤلاء الفتيات الفقيرات الحسان متبذلات بحكم الفقر، يطوفن بالحقول ويلتمسن ~~أقواتهن في التقاط ما يسقط من الحب. إنك لتعلم كلفي بالخروج في هذا الفصل، وإني أجد لذة ~~حارة حادة في الاستمتاع بهذا الجمال الطبيعي الذي تسبغه الحياة العاملة الجادة على أهل ~~الريف حين يخرجون من أطوار الخمود والجمود، ويفنون في طبيعتهم هذه ويصبحون وكأنهم أدوات ~~للعمل والإنتاج، لهم جد الأداة وصدقها واستقامتها وصبرها وإعراضها عن الشكوى، وبعدها عن ~~الملل والسأم. فما رأيك في أن هذا الجمال الذي يفتنني ويملك على قلبي ويحملني على ~~الرحلة إلى الريف إذا كان هذا الفصل من كل عام، لم يصل إلى قلبي، ولم ينته إلى نفسي في ~~هذا اليوم. فلم أقف عند الأجران ولم أتحدث إلى المصيفات، ولم أداعب فتى ولا فتاة من ~~هؤلاء الشباب الذين يملؤهم العمل نشاطا ومرحا ويقينا وثقة وإيمانا، إنما مضيت أمامي ~~لا ألوي على شيء كأنما تدفعني قوة خفية إلى غاية خفية لم أتبينها ولم أتنبه إليها، إلا ~~فجأة حين رأيتني واقفا جامدا وحين أنكرت من نفسي هذا الوقوف وهذا الجمود ونظرت من ~~حولي كأني أفقت من نوم عميق، فما يروعني إلا أن أراني واقفا أستظل بشجرات التوت عند ~~الإبراهيمية، هناك حيث مدخل المدينة لمن أقبل عليها من الغرب. # تبارك الله فلم أكن إذا قد خرجت من دارنا ضيقا بها وبمن فيها، ولم أكن إذا قد خرجت ~~من قريتنا فرارا منها ومن أهلها، ولم أكن إذا قد همت في الريف التماسا للخلوة إلى ~~نفسي والراحة مما كنت أظن من عناء، وإنما خرجت من الدار وخرجت من القرية ومضيت في الريف ~~أمامي لأني لم أكن أجد بدا من أن أزور هذه المدينة التي أنفقت فيها أحسن أيام الصبى، ~~ومن أن ألم بهذه الربوع التي ذقت فيها أطيب ما ذقت في الحياة من لذة قوية طاهرة بريئة ~~من كل إثم. # إذا فلتعد إلي نفسي النافرة، وليثب إلي قلبي الجامح، وليراجعني هذا العقل ~~المضطرب المشرد لأستجمع كل ما ms031 أستطيع أن أستجمعه من قوة الحس والعقل والشعور، لأستمتع ~~بالحياة القوية الخصبة في هذه المدينة الحبيبة إلى نفسي، الكريمة على قلبي، ولآخذ منها ~~بأعظم حظ ممكن من المتاع، أجعله زادا لي في هذه الرحلة البعيدة التي أنا مقبل عليها ~~وأجعله ذخرا لي في هذه الإقامة الطويلة التي سأقيمها في ذلك البلد الغريب. # لأملأ إذا عيني مما سأرى، ولأملأ إذا أذني مما سأسمع، ولأملأ إذا نفسي وقلبي مما ~~سأجد، وإني لأنظر فلا أكاد أرى إلا الإبراهيمية تمتد أمامي، ويسعى فيها الماء هادئا ~~حلو السعي، إلا هؤلاء الناس يسعون متفرقين، منهم المقبل من الغرب يحمل إلى المدينة ما ~~يبعث إليها الريف من العروض، ومنهم الذاهب إلى الغرب يحمل إلى الريف ما تذيع المدينة ~~فيه من التجارة، بعضهم راجل، وبعضهم راكب، وقليل منهم يتحدث إلى رفيق، وكثير منهم ~~يغرق في الصمت كأنما يفكر فيما وراءه أو فيما أمامه. وقليل منهم يتغنى كأنه يستعين ~~بالغناء أو يعين به دابته على احتمال السفر البعيد، وامرأة أو فتاة تأتي من حين إلى ~~حين، فتغمس جرتها في الماء حتى إذا امتلأت رفعتها إلى رأسها ونهضت تسعى بها رشيقة رائعة ~~الجمال غامضة في هذا الصمت الذي يحجب نفوس النساء، ويستر ما يجول فيها من خواطر يود ~~الرجل لو يعرف منها بعض الشيء. وإني لأمد سمعي فلا أسمع إلا هذه الأصوات المختلفة التي ~~تأتيني من هذه الحركات كلها، وهذا اللحن الحلو المتصل المتشابه الذي يأتيني من هذه ~~الأطيار وقد استقرت على الغصون، وكأنها وجدت لذة الراحة وأحست رقة النسيم واستمتعت بخفض ~~العيش بين هذه الأوراق النضرة، فهي تتغنى بالجمال واللذة والأمل وحب الحياة. وإني لأمد ~~نفسي كلها فلا أحس إلا حياة هادئة قوية نقية تأتيني من كل وجه، من الحركات التي أرى، ~~ومن الأصوات التي أسمع، ومن هذا النسيم الخفيف الذي يمسني مسا رقيقا فيرد إلي ~~النشاط ويحيي في نفسي الأمل، ويلقي عني كل ثقل ويكاد يهبني جناحين ويكاد يجعلني طائرا ~~بين هذه الطير، ويكاد يرسل صوتي كما أرسل ms032 صوتها بالغناء، وأنا أقيم هنا في ظل شجرات ~~التوت ساعة أنعم فيها بالراحة وأستمتع فيها بالحياة وأذكرك أيها الصديق، ثم أتهيأ للمضي ~~أمامي ولأنقض على المدينة من هذا المنحدر، فرحا مرحا نشيطا طروبا، كما ينقض النسر. ~~وهأنذا أمضي وأقدر ما سألقى من المناظر وأريد أن أبلغ أول القناة، قناتنا أتذكرها؟ أريد ~~أن أبلغ أولها وأن أتبع مجراها أسايره على الشاطئ الجنوبي حتى إذا بلغت ذلك المنحدر ~~الذي تعرفه، ودعتها لحظة وانحدرت إلى المدينة لأمر بهذه الأماكن التي كنا نألفها، ~~بالدكان وبيت أم محمود وبيت زنوبة. ثم أمضي حتى أبلغ شارعكم ولعلي أقف لحظة عند أوله ~~فأتحدث إلى بمبة، أتذكر بمبة؟ تلك التي كانت تسرف في النوم وتسرف في الغطيط ويسمع الناس ~~غطيطها في أكثر ساعات النهار، وفي كل ساعات الليل، إذا مروا أمام بيتها الصغير. من ~~يدري! لعلي كنت أقف لحظة عند هذا البيت فأعبث بصاحبته وأسألها عن أصناف الجبن الذي ~~تبيعه وجه النهار، ثم ألهو لحظة بابنها الأبله ذي الرأس الغريب، أتذكره؟ لقد كنا نسميه ~~أبا الرءوس. إنه لا يتكلم ولا يسمع، ولا يكاد يعقل، من يدري! لعلي كنت ألهو به لحظة ثم ~~ألقي في يده أو في يد أمه بعض النقد. # ثم أمضي في شارعكم نحو الشمال فأمر بهذه البيوت التي كثيرا ما نعمت فيها بالجد ~~والهزل، وأقف عند بيتكم في هذا المنعطف الصغير أمام الباب حيث تتدلى أغصان هذه العنبات ~~التي كثيرا ما لعبنا في ظلها وأكلنا من ثمرها واتخذنا بينها الحدائق والحقول، ومن ~~يدري! لعلي أجلس على هذه المصطبة الصغيرة عن يمين الباب إذا خرجت من البيت وأذكرك أو ~~أذكر إخوتك، فكثيرا ما جلسنا عليها وكثيرا ما لعبنا الطاب، ومن يدري! لعل الذكرى أن ~~تملأ نفسي وقلبي، وأن تنسيني نفسها وأن تخيل إلي أنها حاضرة لم تمض ولم تنقض أيامها، ~~ولعلي أعتقد أني قد أقبلت لأزوركم، ولعلي أطرق الباب وأنتظر أن أسمع من ورائه صوتا ~~معروفا مألوفا يسأل عن الطارق، وأنتظر أن يفتح وأن أرى من ms033 دونه شخصا معروفا ~~مألوفا يرحب بي ويدعوني إلى الدخول، ثم أنظر فأرى شخصا لم أعرفه ولم آلفه يسألني من ~~أنا وماذا أريد، فأثوب إلى نفسي وأستأنف رحلتي وقد مثلت فصلا من حياتي الأولى ووجدت في ~~التمثيل مثل ما كنت أجد من اللذة حين كانت الحياة حقيقة واقعة. # ثم أستأنف رحلتي فأمضي نحو الشمال حتى أبلغ هذا المنحدر الذي كنا ننحدر منه بعد أن ~~كنا نقضي ساعات على شاطئ القناة أو في حديقة جرجس أفندي عن شمالنا، أو في حديقة المعلم ~~عن يميننا، فأرقى في هذا المنحدر حتى ألقى القناة فأتابع شاطئها في طريقي إلى ~~المدينة. # وكنت أقدر هذا كله وأقدم لنفسي المتاع بهذا كله وأنا أمضي أمامي ملتمسا مخرج القناة ~~من الإبراهيمية، ولكن ماذا أرى؟ وأين أنا؟ وأين القناة؟ إني لأنظر فإذا الإبراهيمية ~~تمتد وتمتد ويجري فيها الماء هادئا يحمل الحياة والخصب، ولكن شاطئها من ناحية المدينة ~~قد اعتدل واستقام، فليس فيه عوج وليست فيه فرجة يخرج منها الماء، أين القناة؟ لقد كانت ~~تخرج من نحو هذا المكان وكانت تمضي غير بعيد ثم يقام عليها جسر صغير تمر عليه بعض ~~القطارات، ثم تمضي غير بعيد ونمضي معها فنبلغ هذا المنحدر الذي كان ينتهي بنا إلى ~~المدينة، أين القناة؟ إني لا أراها ولا أجد لها أثرا، وإنما أرى شوارع وأرى دورا تقوم ~~في هذه الشوارع، وأرى معالم لم آلفها. ومناظر لم أرها من قبل، أتراني أخطأت المدينة؟ ~~ومع ذلك فأنا أعرفها كما أعرف نفسي، وأستطيع أن أمشي فيها وأهتدي إلى مسالكها المختلفة ~~دون أن أفتح عيني كما كنت تمشي فيها أنت أيها الصديق لا تحتاج إلى أن ترى ولا إلى من ~~يهديك الطريق، أين القناة؟ لقد سلكت إلى المدينة الطريق التي سلكتها ألف مرة ومرة، فلست ~~أشك في أني قد بلغتها وبلغتها هي دون غيرها من المدن، فماذا أصابها بعدنا، وأين ذهبت ~~القناة؟ إني لأريد أن أسأل فأجد حياء في نفسي من السؤال، ولكني أطيل الوقوف وأطيل النظر ~~عن يمين وشمال، ms034 وأطيل النظر من أمام ومن وراء حتى يخيل إلي وإلى من كان يراني من ~~الناس أني أبله قد فقدت الصواب، ثم لا أملك نفسي، وإذا أنا أسأل عن المدينة وعن القناة ~~وإذا أنا أسمع، ويا شر ما أسمع! إني قد بلغت المدينة وإن القناة قد ماتت منذ زمن بعيد ~~وإن معالم المدينة قد تغيرت منذ هدم معمل السكر، ماذا أسمع! معمل السكر قد هدم، وماذا ~~بقي إذا في المدينة؟ أو ماذا جئت أرى في المدينة! ماتت القناة، وهدم معمل السكر! وغيرت ~~المعالم! وانتقل أكثر من كنا نعرف في المدينة من الناس. # يا للحزن والأسى يا للوعة والحسرة! يا لليأس والقنوط! أيبلغ العنف بالزمان أن يمحو ~~هذا المقدار الضخم من حياة الناس في أعوام قصار، لقد جد جيل وجيل في إقامة معمل السكر ~~وإقامة ما حوله من الدور، بل من القرى، لقد عاش جيل وجيل، بهذا المعمل ولهذا المعمل، ~~لقد عاش جيل وجيل بهذه القناة ومن هذه القناة، فكل هذا الجهد، وكل هذا العناء، وكل هذه ~~الحياة، وكل هذه الذكرى، وكل ما كان على شاطئ القناة وحول معمل السكر من جد وهزل ومن ~~لذة وألم، ومن حب وبغض، ومن أمل ويأس، ومن مكر ونصح، ومن خداع وإخلاص، كل هذا ~~يذهب في أعوام قصار لا تكاد تبلغ عدد أصابع اليد الواحدة، كأن شيئا من هذا لم يكن، ~~وكأن نفسا لم تتأثر بما أثارته الحياة في هذه الأرض من العواطف، وكأن شفة لم تبتسم لما ~~أنبتته هذه الأرض من مناظر الجمال، وكأن عينا لم تبك لما شهدته هذه الأرض من أسباب ~~الحزن والأسى، يا للحزن اللاذع! ويا للألم الممض! ويا لليأس المهلك للنفوس! لقد ماتت ~~قناتنا أيها الصديق، ماتت ودفن فيها أو صرف عنها ذلك الإله الشاب من آلهة الأساطير ~~الذي كان ينطلق فيها فرحا مرحا هادئا وادعا مستبشرا يرسل البشر من حوله جميلا ~~يثير الجمال على جانبيه، مات هذا الإله الشاب فدفن في مجراه أو طرد هذا الإله الشاب ~~ورد عن مجراه ms035 وفني في الإبراهيمية، فأصبح ماء من الماء وجرى لا يتميز من غيره، لا ~~يعرفه أحد ولا يعرف هو أحدا، لا يثير في نفوس الناس حزنا ولا فرحا ولا يجري ألسنتهم ~~بالحديث، نسيه الناس، ونسي هو الناس، بل نسي نفسه أيضا. # إنك لتعرف أن آلهة الأساطير لا حياة لهم إلا إذا أقيمت لهم المعابد وأقاموا هم في ~~المعابد، فإذا هدمت معابدهم فقد ماتوا أو طردوا من الأرض طردا، فقد هدم معبد هذا الإله ~~الشاب. وماتت القناة فمات هو أو نفي من الأرض وأصبح حديثا كغيره من الآلهة الذين ~~أصبحوا أحاديث. أتدري أين أكتب إليك؟ إني أكتب إليك في مكان لم يتغير لأن الحضارة لم ~~تدع إلى تغييره، ولم يتبدل لأن المنفعة لم تأمر بتبديله، ولأن يد الإنسان لا تكاد تجرؤ ~~على أن تمتد إليه، إني أكتب إليك عند المسجد، عند بابه البحري، أتذكر هذا الباب؟ هو ~~الذي يدخل منه المترفون الذين لا يحتاجون إلى أن يمروا بالميضأة لأنهم يتوضأون في ~~بيوتهم، ولا أن يمروا بالمغطس لأنهم يستحمون في بيوتهم، أتذكر هذا الباب؟ إنه ينتهي بك ~~إلى قلب المسجد لا إلى فنائه ولا إلى الصحن المنبسط أمامه، إنك إذا دخلت منه لم تكد ~~تخطو خطوات حتى تجد عن يمينك قبر ذلك الغني الذي بناه، أتذكر هذا الباب؟ إنك إذا أقبلت ~~عليه وجدت مقعدين من الحجر يكتنفانه عن يمين وشمال، فأنا أكتب إليك عند هذا الباب، ~~وأكتب إليك قائما لا قاعدا، وأكتب إليك وقد وضعت القرطاس على أحد هذين المقعدين ~~المرتفعين وقمت أمامه أجري يدي بما تلقيه هذه النفس الحزينة على هذا القلم ~~الشقي. # لقد أطلت ولكني لم أحدثك إلا بأيسر الحديث، لقد أطلت ولكني لم أحدثك عما رأيت، بل لم ~~أحدثك عما لم أر، فإن ما رأيته لا يستحق الحديث، وإنما الذي يستحق الحديث هو هذه ~~المعالم التي أقبلت زائرا لها. فلم أر منها عينا ولا أثرا، وسألت عن بعضها فلم أجد ~~بين الناس الذين سألتهم من يعرف لها نبأ أو يروي ms036 عنها خبرا، هذه المعالم التي جئت ~~لأراها والتي لم أرها، هي التي تستحق الحديث. لن أرسل إليك هذا الكتاب حتى أتمه، ولن ~~أتمه الآن، فقد آن لي أن أروح إلى قريتنا حيث ينتظرني الحزن والسخط والبؤس ~~والشقاء. # نعم لن أرسل إليك هذا الكتاب حتى أتمه، فما ينبغي أن أحتمل وحدي ثقل هذا الحزن وما ~~أظن أن غيرك وغيري من الذين نشئوا في المدينة يحزنهم أن يعلموا بموت القناة أو بتغير ما ~~ألفوا من المعالم أو بتفرق من ألفوا من الناس. # وأكتب إليك الآن من قريتنا وقد بلغتها مع الليل فألهاني ما شهدت فيها بعض الوقت عما ~~كان يملأ نفسي من الحزن والحسرة، ولو أنك رأيت للهوت كما لهوت، ولما استطعت أن تمنع ~~نفسك من ضحك ينفذ إليه حزن غير قليل، فقد رأيت أهل الدار وقد ملكهم جزع غريب لم ~~يحكموا فيه عقلا ولا روية، وإنما اندفعوا فيه اندفاعا، افتقدوني وجه النهار فلم ~~يجدوني وانتظروني حتى انتصف النهار، وهم يظنون أني قد خرجت لبعض ما يخرج له الشباب من ~~النزهة والتماس التروض والعبث في الحقول، ولكني لم أعد مع الظهر، ولم أعد مع العصر، فلم ~~يشك أحد في أني لم أخرج لنزهة ولا لتروض وإنما فررت منهم فرارا، وعدت إلى القاهرة ~~أنتظر فيها يوم الرحيل. # وتستطيع أن تصور لنفسك ما ملأ نفس الشيخين من هذا الحزن العنيف الذي يملؤه السخط ~~والغضب، وتملؤه الرقة والرحمة في وقت واحد، لقد كنت ابنا عاقا يرتحل دون أن يودع ~~أبويه، فكنت خليقا أن أثير السخط والغضب والموجدة، ولكني كنت ابنا يرتحل إلى بلد ~~نازح، فكنت أثير الرحمة والحب والحنان، وكانت غريبة هذه الدموع التي كانت تنحدر من عيني ~~أمي، لا يعرف الناس أهي دموع الغيظ والحنق أم هي دموع الوجد والحنين، وكانت غريبة هذه ~~الألفاظ التي كانت تنطلق متصلة على لسان أبي، لا يعرف الناس أصدرت عن أب ينكر على ابنه ~~عقوقه وجحوده وقسوة قلبه الغليظ أم صدرت عن أب ينفطر قلبه حزنا لأن ابنه ms037 قد سافر إلى ~~بلد مجهول، وهو لا يعرف متى يعود ولا كيف يعود. # ثم كانت غريبة هذه العواطف التي ثارت في نفسي حين بلغت الدار فرأيت الشيخين راضيين ~~يظهران السخط، ومسرورين يتكلفان الحزن، ومبتهجين يتصنعان الاكتئاب، ففي قلبهما إذا عطف ~~علي، هذا الغضب الذي أراه وأتأذى له ليس إلا مظهرا من مظاهر هذا العطف، ولونا من ~~ألوان هذا الحب، وصورة من صور هذا الحنان، وإذا فسأسافر إلى هذا البلد الغريب وأنا ~~واثق بأن الذي سيصحبني في هذا السفر هو الحب والعطف والحنان لا السخط والغضب والموجدة. ~~ولعل خروجي إلى المدينة لم يكن شرا كله وإنما كان فيه بعض الخير، على كثرة ما أثار في ~~نفسي من الآلام الملحة الباقية، فلأول مرة عدت إلى القرية استطعت أن أظفر من أبوي ~~بساعات فيها هدوء وطمأنينة وحديث متصل مختلف، كأن عودتي إليهما من الرحلة القصيرة التي ~~انقضت قد ألهتهما عن تلك الرحلة الطويلة التي لم تبتدئ بعد، وكان أكثر حديثنا عن ~~المدينة التي زرتها، وعما تغير من معالمها ومن تفرق من أهلها، وكان الشيخان يتحدثان ~~إلي في ذلك كله حديثا هادئا مطمئنا يغشاه حزن خفيف، وتتردد فيه ذكريات مؤثرة، ~~ولكن قوامه الرضى بما كان والسخط على ما هو كائن والأمل فيما سيكون، وكانت أحاديثهما ~~متممة لما رأيت وما علمت، ومتممة في الوقت نفسه لتشييد هذا المعبد الحزين الذي أقمته في ~~نفسي لهذه الحياة المنقضية وهذه العهود الماضية ولهذه الذكريات التي ستبقى ما ~~بقيت. # نعم كانت أحاديثهما متممة لتشييد هذا المعبد الحزين الذي أقمته في نفسي والذي يجب أن ~~تقيم مثله في نفسك لذلك العهد الذي مضى إلى غير رجعة ومات إلى غير نشور، ولا بد من أن ~~أتم لك ما تم في نفسي من تشييد هذا البناء المظلم الحزين الذي ستتردد فيه الذكريات ~~حائرة مضطربة كما تتردد هذه الطير التي تألف الظلمة في البيت المظلم الحزين. # وماذا تريد أن أقص عليك من أمر المدينة؟ لم يبق فيها شيء مما كنت تعرفه وتألفه، ماتت ms038 ~~القناة فمات من حولها كل شيء، فأما حديقة المعلم فتستطيع أن تلتمسها في نفسك، واجتهد إن ~~استطعت أن تستحضر ما بقي من صورتها وأن تثبته، فإني أخشى أن يعبث الزمان بالصورة كما ~~عبث بالأصل، وأما بيتكم فلن تراه إلا في الخيال يقظان أو في الحلم نائما، وكذلك هذه ~~البيوت الحسان التي كانت تقوم على شاطئ القناة والتي كنت تحب أن تدخل بعضها لتتحدث إلى ~~محمود وعثمان، ولتسمع لعزيزة وأمينة، وقد مضى أهلك إلى أقصى الصعيد، وهبط أهل عزيزة ~~وأمينة إلى القاهرة، فتستطيع أن تلقاهم إن شئت فقد كنا نسمع أنهم كانوا يقيمون في بولاق ~~قبل أن ينقلهم العمل إلى مدينتنا. # وأنت تعلم من غير شك أن عم حسنين قد انتقل إلى السودان بعد أن عصف الموت ببيته ~~فأذوى منه غصونا وأذبل زهرات، لكنك تجهل أن «حسن كوزو» قد رحل إلى عزبة «المكسرين» ~~وأنت لا تعرف عزبة «المكسرين» فهي قطعة من الأرض منحتها الحكومة لعمال الدائرة السنية ~~الذين عجزوا عن العمل، فهم يقضون فيها ما بقي لهم من حياة. # فأما سيدنا فقد ارتحل إلى حيث لا يئوب المرتحلون وسبقته حماته الشمطاء ذات اللسان ~~الحاد الذي لم يكن يعرف السكون، واستأنفت زوجه الشابة حياتها سعيدة مع ذلك الذي كان ~~يدور حول بيتها كما كان يدور الأحوص حول بيت أم جعفر، وفقدت عالية أم غريب زوجها ~~الضرير، ثم انتقلت مع أبنائها إلى حيث لا يعلم أحد، وطارت أم محمود مع غوي من أهل ~~المدينة، ذهب بها إلى حيث لا ينكر الناس عليه غوايته، ولقيت زنوبة من دهرها شرا ~~ونكرا، فخانها زوجها جهرة بعد أن كان يخونها سرا، وآثر عليها بنت أخيها الفتاة. ثم ~~مضى الدهر في تنكره لها ومكره بها ففقدت بصرها، وعاشت أعواما لا ترى النور، ثم رأفت ~~بها الأيام فأخرجتها من هذا العالم الذي لا يكمل الصفو فيه. # أتريد أن تعلم أكثر مما علمت وأن تحزن أكثر مما حزنت؟ فقد هدم الكتاب هدما، وذهب ~~ما كان حوله من الأشياء ومن كان ms039 حوله من الناس. # نعم هدم الكتاب هدما ، وما أعرف أن شيئا مما رأيت أو شيئا مما لم أر ترك في ~~نفسي من الآثار المؤلمة والندوب التي ستبقى ما بقيت مثل ما تركه فيها منظر الكتاب ~~المتهدم. فما تزال معالم الكتاب باقية، على نحو ما كانت تبقى معالم الديار لقدماء ~~الشعراء. فالكتاب الآن طلل تمحوه الأيام شيئا فشيئا وتبقي من آثاره إلى الآن بقية ~~مؤذية حقا، لقد ماتت القناة عن شماله وسويت الطريق عن يمينه، ونزع منها ذلك الخط ~~الحديدي الضئيل الذي كانت تمضي عليه تلك القطارات الزراعية الصغيرة تحمل القصب إلى معمل ~~السكر أثناء العمل وتحمل التراب والحصى، إذا كان الفيضان، لردم هذا المستنقع العظيم ~~الذي كان يؤذي المدينة في كل عام. # نزع هذا الخط وسويت هذه الطريق وقلت الحركة عن يمين الكتاب وشماله، وعملت معاول الهدم ~~في الكتاب نفسه وفيما كان يجاوره ويوازيه من البناء حول دار المأمور، فالمنظرة التي ~~كانت أمام الكتاب والتي كان ينزل فيها أضياف المأمور قد هدمت كما هدم الكتاب، وأصبحت ~~طللا مثله. والبيت الذي كان يقوم وراء الكتاب وتعيش فيه أسرة عم نوح قد هدم كما هدم ~~الكتاب وانتثرت هذه الأطلال في هذا الفضاء انتثارا محزنا موئسا، ولكن مكان الكتاب ~~بينها يثير في النفوس أسى غريبا ولوعة محرقة حقا، إن أرضه ما زالت مرصوفة بهذه ~~الأحجار التي كان يغسلها التلاميذ مساء الأربعاء من كل أسبوع بعد أن يقرءوا الحزب، وإن ~~عتبته ما زالت قائمة، ولم تمح جدرانه كلها محوا، وإنما بقي منها شيء يرتفع هنا وينخفض ~~هناك، وتستطيع أن تتبين مواضع المقاعد الخشبية التي كانت مسندة إلى هذه الجدران والتي ~~كان يجلس سيدنا على أحدها عن يمينك إذا دخلت ويجلس العريف على أحدها الآخر عن شمالك إذا ~~دخلت، ويجلس المترفون من التلاميذ على سائرها ثم يختلط بينها الفقراء وأبناء الشعب، على ~~حصر ممزقة تستر بعض الأرض وتبين عن بعضها الآخر، ولا تكاد تجدد إلا حين تستحيل إلى قش ~~لا يكاد يتصل، وحين يجود بعض ms040 الأغنياء بما يقوم مقامها. # قل ما شئت ، واعجب بالشعر ما أحببت، واحفظ من وقوف الشعراء على الأطلال وبكائهم على ~~الديار وذكرهم للظاعنين ما استطعت أن تحفظ، فسيظل هذا كله في نفسك كلاما أجوف لا يحتوي ~~شيئا ولا يدل على شيء، حتى تقف موقفا منذ حين كالذي وقفته بين هذه الأطلال عن يمين ~~وشمال، وحتى تذكر ما ذكرت من هذه الحياة القوية الغنية الخصبة التي كانت تملؤها الحركة ~~والنشاط، وتضطرب فيها الأماني والآمال، وتختصر جيلا مضى وتنبئ عن جيل مقبل، فذهبت ~~هباء وتفرقت في الأرض، ولم يبق منها في هذا المكان إلا صدى لا يحسه الناس جميعا، ولا ~~يقدرون وجوده، وإنما يحسه مثلك ومثلي من الذين اشتركوا في هذه الحياة وتأثروا بها ~~وملئوا من صورها النفوس والقلوب، لقد وقفت على الكتاب وقفة طويلة وجعلت أنظر حولي فلا ~~أرى إلا هذه الأحجار المتناثرة وأمد أذني فلا أسمع إلا هذا الصدى الذي كان يضطرب في ~~الفضاء، ولكني مع ذلك كنت أرى رفاقنا جميعا، وقد أخذوا مجالسهم في الكتاب، هذا يقرأ، ~~وهذا يسمع، وهذا يغلو، وهذا يكتب، وهذا يلعب، وكنت أحلل هذا الصدى المتردد فأجد فيه هذا ~~اللغط الذي كان يسمع من مكان بعيد فيدل سامعه على مكان الكتاب، ولولا أني ما زلت ~~محتفظا ببقية إرادة، وفضل من القدرة على ضبط النفس لجننت ولتحدثت إلى هؤلاء الأشخاص ~~الذين كنت أراهم يجرون ويلعبون، ولشاركتهم في الجري واللعب، لا أخفي عليك أني ملكت نفسي ~~فلم يذهب بها الجنون، ولكني لم أملك عيني، ففاضت الدموع. هممت أن أمضي ولكني لم أسلك ~~الطريق العامة حيث كان يمتد الخط الحديدي، وإنما هممت أن أمضي نحو بيت المأمور، فما ~~راعني إلا النخلتان اللتان كانتا تقومان بين الكتاب وبيت نوح، وإذا هما قائمتان ~~كعهدهما تبسطان ما كانتا تبسطانه من الظل، وتحملان ما تعودتا حمله من التمر الذي لم يتم ~~نضجه بعد، وتلقيان ما كانتا تلقيان من بعض هذا التمر الذي كنا نلتقطه فنعبث به، ثم كنا ~~نلتقطه فنأكله إذا قارب النضج، ms041 ثم كنا نزدحم عليه ونتنافس فيه إذا تم نضجه، وما زالت ~~النخلتان قائمتين بين هذه الأطلال المتهدمة ولكنهما قد فقدتا ما كانتا تبعثان من بهجة، ~~وظهرت عليهما كآبة عميقة حزينة مثيرة لليأس كأنهما تجدان الوحشة في هذا المكان الذي خلا ~~بعد عمران، ومات بعد حياة. # ولقد وقفت عند هاتين النخلتين لحظة ما أعرف أني قضيت مثلها، ولقد ذقت في هذه اللحظة ~~من لذة الذكرى وألم الحسرة ما لا أعرف أني ذقت مثله قط، وإني لأذكر الآن هاتين النخلتين ~~فأمنحهما حبا ومودة وأهزأ بهذا الامتحان الذي أخضعكم له ذات يوم أستاذ من أساتذتكم في ~~الجامعة حتى ذكر حلوان ثم استطرد إلى نخلتي حلوان ثم كلفكم أن تبحثوا عن هاتين أين ~~كانتا وماذا قيل فيهما من الشعر ومن ذا تغنى بهما من الشعراء! لقد أجهدت نفسك في البحث، ~~ولقد كنت تعجب بشعر مطيع في هاتين النخلتين، ولقد كتبت كلاما كثيرا عما عرفت من أمر ~~هاتين النخلتين، ولقد كنت راضيا عن نفسك لأن الأستاذ كان راضيا عنك، ولكن ماذا تركت ~~نخلتا مطيع في نفسك من أثر، وماذا بعثتا في قلبك من عاطفة؟ إنما هو كلام يروى ثم يثير ~~في أنفسكم العجب والتيه والغرور أكثر مما يثير فيها الشعور الصادق بالجمال الصادق. أسرع ~~أيها الصديق إلى مدينتنا فألمم بها يوما أو بعض يوم قبل أن تمحى معالم الكتاب محوا، ~~وقبل أن تجتث النخلتان اجتثاثا، وقبل أن تتم الحضارة عماراتها الشاهقة، على هذه القبور ~~العزيزة التي دفنا فيها الصبي، وما كان يملؤه من الفرح والمرح ومن الحياة والنشاط، أسرع ~~إلى النخلتين فاجلس إليهما واستظل بظلهما ثم أنشد شعر مطيع، فستفهمه وستتذوقه وستشعر ~~بما يصور من الحزن كما شعر به مطيع نفسه. # ليت الأيام تتيح لي أن أحقق أمنية تضطرب في نفسي فأجمع نفرا من رفاقنا ونقصد إلى ~~الكتاب وإلى ما حوله من الأطلال وإلى النخلتين فننظر ونسمع ونجلس ونتحدث ونحيي عهدنا ~~القديم ساعة أو بعض ساعة. # لست أدري أتقرأ هذا الكتاب الطويل أم تضيق به، ms042 وتشفق من طوله، وتكره أن تنفق في ~~قراءته من وقتك ما أنت في حاجة إليه، لتستعد لدرس من الدروس، أو لتقرأ في كتاب من ~~الكتب، أو لتحفظ من بعض الدواوين، ولكني لم أكن أستسيغ أن أكتب إليك أقصر مما كتبت، ~~ولولا إشفاقي عليك ورثائي لك لكتبت إليك أطول مما كتبت، فقد تقدم الليل حتى تجاوز نصفه، ~~فكل شيء ساكن من حولي إلا هذه الأصوات التي تبلغني من حين إلى حين، أصوات الخفراء حين ~~يتنادون أو أصوات الديكة، فتحسب أن الفجر قد لاح، فتصدح بندائها العذب لتلقاه بالتحية ~~ولتنبئ الناس بمطلعه، ثم تعلم بعد ذلك أنها قد خدعت، أو هي لا تعلم شيئا وإنما يمضي ~~بها النوم في أمواجه المتصلة المتلاطمة فتعود إلى الصمت وتغرق فيه. ولعلي أجرد نفسي من ~~خواطرها، وأسلها مما حولها سلا، وأعلقها في هذا السكون تعليقا، فأسمع أصداء تتردد ~~ويدعو بعضها بعضا ويجيب بعضها بعضا، وتصور لي ذلك الصدى الذي كنت أسمعه في الكتاب ثم ~~أريد أن أحلل هذه الأصداء وأردها إلى أصولها، وأتخذ لها أشخاصا أحياء، فيخيل إلي ~~أنها نفوس الأجيال التي سكنت قريتنا على اتصال الزمن، ويخيل إلي أن أجسام الناس ~~والحيوان والأشياء هي وحدها التي تزول، وهي وحدها التي تتغير، وهي وحدها التي تبرح ~~الأرض. فأما نفوس الناس والحيوان والأشياء فمتصلة بالأرض لا تبرحها، مضطربة في الجو لا ~~تفارقه ولا تزول عنه، وإنما هي تملؤه حياة لا يشعر بها الأحياء إلا إذا سلوا أنفسهم من ~~المادة سلا، وعلقوها في سكون الليل تعليقا، لقد تقدم الليل حتى جاوز نصفه وكاد يبلغ ~~ثلثيه، ولقد سكن من حولي كل شيء، وأنا لا أسمع دعوة النوم ولا أحس مقدمه، ولا أرغب فيه، ~~وإنما أنا حريص كل الحرص على أن أبقى مع هذه الذكريات أتحدث إليها، وأسمع منها حين ~~أتخذها موضوعا لما أحمل هذا الكتاب إليك من حديث، وما أظن أن الفجر سيلقاني نائما بل ~~أنا واثق بأنه سيلقاني يقظان، ولولا أن يراع أهل الدار وأن تظن بي الظنون ms043 لخرجت ~~لاستقباله في الفضاء فأنا أكره أن يدخل علي نوره من النافذة، كأنه اللص، وأحب أن ~~ألقاه في الفضاء الطلق، فأملأ به نفسي وقلبي، وألتمس في ضوئه الهادئ الحلو هدوءا لهذه ~~الثورة التي لا أستطيع أن أكبح جماحها، ولا أن أنتهي بها إلى السكون. # يا للحزن ويا للأسى! ويا للوعة ويا للحسرة! ويا لليأس ويا للقنوط! لقد أقبلت على ~~الريف وكنت أظن أني سأملأ عيني وأذني ونفسي وقلبي بما أحببت وبما ألفت، وأني سأحمل هذا ~~كله إلى حيث أريد أن أقيم وراء البحر، فلم أجد شيئا، وهأنذا سأعود إليك بعد أيام، ثم ~~أرحل إلى مصر بعد أسابيع لا لا أحمل في نفسي إلا أطلالا متهدمة، ونخلتين قائمتين ~~صامتتين تجدان الوحشة، وتبعثانها من حولهما، ما أكثر ما كنت أريد! وما أقل ما وجدت! وما ~~أكثر ما يعبث بنا من الآمال! # تقبل تحية صديقك اليائس. ~~••• # وأنا أعترف أني تلقيت هذا الذي هو أشبه بالسفر منه بالرسالة في شيء من الخوف ~~والإشفاق من طوله، ولكني تعودت من صديقي طول الحديث واختلافه وكثرة الافتنان فيه، ~~فأبقيته يوما كاملا لم أقرأه، ولم أعرف ما فيه حتى فرغت له آخر النهار فقرأته، ولكني ~~لم أحس له من الأثر مثل ما أحسست له حين أعدت قراءته في هذه الأيام، وكأن الأمد بين ~~صديقي وبيني كان بعيدا أشد البعد، فقد كنت أقدر الذكرى وآنس إليها وأحب التحدث عن ~~العهود القديمة، ولكني لم أكن أكلف بهذه العهود ولا أحفل ولا آسى عليها. # ولعلي كنت مدفوعا إلى أن أسخر منها سخرا غير قليل، فقد كنت مفتونا بحياتي في ~~القاهرة راضيا عما كنت أتلقاه كل يوم من جديد الأمر، مبتهجا بما كانت تتفتح له نفسي ~~كل ساعة من العلم، وكان هذا النشاط العقلي يبهرني، ويسحرني ويدفعني إلى طور من أطوار ~~الحياة يشبه أن يكون سكرا متصلا، وكان تذكر العهود القديمة يؤذيني؛ لأنه يخرجني من ~~هذه الحياة اللذيذة بعض الشيء، ويردني إلى تلك الحياة التي طالما ضقت بها أيام كنت ~~صبيا ناشئا ms044 في الريف، فلم أحفل بالقناة ولا بموتها ، ولم أحفل بالخط الحديدي ولا ~~بانتزاعه، ولم أكترث للكتاب ولم أعرف للنخلتين خطرا، وما قيمة الكتاب وما قيمة ~~النخلتين ولم يقل أحد في الكتاب ولا في النخلتين شعرا، ولم يتحدث كتاب قديم عن الكتاب ~~ولا عن النخلتين ولا عن القناة ولا عن الخط الحديدي، ولا عن معمل السكر. والله عز وجل ~~قادر على أن يغفر لي الخطيئة ويعفو لي عن الذنب، ويتجاوز لي عن السيئة، فقد لقيت ما ~~أنبأني به صديقي من موت سيدنا بشيء من الابتسام وهز الكتفين. أما الآن فأراني مع صديقي ~~متلمسا أصل القناة باحثا عما ألفنا من الأحياء والأشياء، حزينا ملتاعا يائسا ~~قانطا، أما الآن فإني أقرأ هذا الكتاب فأسأل نفسي: أين ذهب الكتاب والنخلتان؟ وماذا ~~قام في ذلك المكان، الذي قضينا فيه شطرا من حياتنا لعله خير ما أتيح لنا أن ~~نحيا. # 8 # إذا لم يكن إلا الأسنة مركب # فلا رأي للمضطر إلا ركوبها # ألقى هذا البيت بصوته الغليظ ومد قافيته مدا طويلا، وهو يضرب الأرض بعصاه، ويلقي ~~طربوشه على مائدة كانت أمامي، ثم جلس لم يبدأني بتحية، ولم ينتظر أن أردها عليه، وكأنه ~~اعتقد أن هذا البيت الذي ألقاه على هذا النحو خير تحية يمكنه أن يهديها إلي، وأن ~~دهشتي لمقدمه، وانتظاري لتفسير هذا البيت، والإبانة عما أراد به، خير رد عليه. وأكبر ~~الظن أنه لم يكن يرى التحية والرد عليها إلا لونا من تنبيه القادم إلى مقدمه وتنبيه ~~المقيم إلى أن أحدا قد أقبل عليه، وما دام هو قد بلغ من ذلك ما كان يريد فليس عليه بأس ~~من أن يسند عصاه ويتخفف من طربوشه ويجلس إلى المائدة التي كنت أجلس إليها مالئا الجو ~~بضحكه العريض كما تعود أن يفعل كلما أتى شيئا غريبا، ثم يرفع صوته بهذه الجملة التي ~~يمتلئ بها بيتنا الصغير كله «هات الشاي يا غلام.» # ثم يستريح قليلا من الحركة ومن الكلام ثم يستأنف حديثه من حيث انتهى وهو إنما انتهى ~~عند ms045 إنشاد البيت، فيقول: والأسنة هنا يا سيدي هي هذه الزيارات التي سننفق فيها آخر ~~النهار، وأول الليل، حتى إذا ملأنا آذاننا من لغو الناس، وملأنا آذانهم من لغونا. وقلنا ~~ما لا نعتقد، وسمعنا من الناس ما لا يعتقدون، وشبع بعضنا من الكذب على بعض، انصرفنا إلى ~~خلوتنا تلك في أعلى الربوة ففرغنا لجدنا الذي خلقنا له، وأخذنا منه بحظ موفور قبل ~~أن يفرق بيننا الرحيل، وأظن أنك لن تمانعني في أن نبدأ زياراتنا بشيخك الأديب، فإني قد ~~أحببته منذ عرفته، ولست أدري أيحبني أم يبغضني، ولكن ذلك لا يعنيني فحسبي أني أحبه، ~~وأني أريد أن أراه وأن أستمع إليه، وأني أريد أن يكون ذلك في هذا المساء؛ لأني سأشغل ~~منذ غد بما يصرفني عن الزيارات. والخير أن توطن نفسك على أنك ستخرج معي الآن فلا تعود ~~إلى بيتك إلا إذا أسفر الصبح، وغمرت الشمس مدينة القاهرة بضوئها الحار المحرق، وإن لم ~~يرتفع النهار. وما أحب أن تجادلني في ذلك أو أن تنكره علي، أو أن تتعلل بهذه ~~التعلات التي لا تغني فإني مصمم على أن يتم ما أريد مهما تكن المصاعب، ومهما ~~تخترع من التعلات. ولولا أني نهضت وأتيت حركة الذي يريد أن ينصرف ويترك له الغرفة ~~وما فيها لما انقطع هذا السيل المندفع عن التدفق، ولما كف هذا الغيث المنصب عن ~~الانهمار. ولكنه رآني قائما أتحول إلى باب الغرفة وقد رفعت يدي كأنما أريد أن أضعهما ~~على أذني، فأغرق في الضحك، ثم ردني إلى مكاني هو يقول: «لك ما تريد سأبلعك ريقك، فقد ~~يخيل إلي أني منذ أقبلت لم أرحك، ولم أرح نفسي من الكلام، ولكن لا تلمني في هذا ~~ولم غلامك هذا الأسود الصغير، فلو أنه أسرع بالشاي وشغلني به وببعض ما يصحبه من ~~الطعام، لانصرفت إليه بعض الشيء عن هذا الكلام المتصل.» # ثم صمت متكرها وتعجلت خادمي فجاءه بما كان يريد، واستطعت أن أتحدث إليه، وأن أسمع ~~منه كما يتحدث بعض الناس إلى بعض في هدوء واطمئنان ms046 وشيء من الرزانة والتفكير. # ولم أشك مع ذلك في أنه كان مضطرب النفس، شديد الاضطراب مدفوع القلب إلى ثورة عنيفة ~~لا يعرف منها مخرجا ولا ينتهي منها إلى قرار. فقد أخذت أتعلل عليه وأظهر كراهة الخروج، ~~ثم أقيم الدليل إثر الدليل على أني إن خرجت فلا بد من أن أسرع إلى العودة؛ لأني لا ~~أستطيع السهر. # في هذه الليلة كان كلما سمع مني تعلة محاها محوا، وكلما سمع مني دليلا نقضه ~~نقضا، حتى إذا أعياه ذلك وضاق بهذا التمنع الطويل نهض كالمغضب وخرج من الغرفة واندفع ~~إلى الغرفة التي كان أخي قد خلا فيها إلى بعض كتبه، فدفع بابها دفعا، ولم يكد يجد أخي ~~حتى أنبأه بأنه سيصطحبني في بعض الزيارات ثم سيقضي معي أكثر الليل أو كله في حديث طويل ~~ذي بال. وخيره ضاحكا صاخبا بين أن يكون هذا الحديث الطويل الخطير هنا في هذه الغرفة ~~أمام غرفته أو هناك في بيته البعيد على تلك الربوة مما يلي القلعة. # وكان أخي أشد الناس ضيقا بالناس، وأكثرهم نفورا من الزيارة والزائرين، وأشدهم بغضا ~~لهذا النوع من الحديث الطويل ذي البال، الذي يظن أصحابه أن له خطرا، وإنما هو وسيلة من ~~وسائل قتل الوقت، والانصراف عما ينبغي للطالب الجاد من درس وتحصيل. فلم يكد يسمع حديث ~~صاحبي حتى أجابه متعجلا أن أخرجه معك متى شئت وأعده متى أحببت، فلست أطلب إليك ولا ~~إليه أن تريحاني من لغوكما الذي لا حد له، فأخي يعلم، ولعلك تعلم أيضا، أني غارق في ~~الاستعداد للامتحان. # قال ذلك وأعرض عنه إلى كتبه فعاد إلي جذلان مبتهجا وهو يقول: لم تبق لك حجة، ~~وإنما أنت منذ الآن ملك لي، فلا بد مما ليس منه بد. # ولم يكن بد من أن أذعن له، وأنزل على حكمه وأطوف معه في بعض أحياء القاهرة نزور هذا ~~لماما ونزور ذاك فنطيل عنده الإقامة، وهو في أثناء هذه الزيارات وفي أثناء الطريق التي ~~كنا نقطعها من بيت إلى بيت، مندفع في مزاح ms047 لا ينقطع بصوت مرتفع كثيرا ما كان يلفت ~~إلينا الناس، وكثيرا ما كان يحملني على أن ألح عليه في أن يخفض منه بعض الشيء وعلى أن ~~أقسم له أني لست أصم وأني أسمع همسه فضلا عن حديثه المعتدل. وأن أحتج له على أن الناس ~~ليسوا في حاجة ولسنا نحن في حاجة إلى أن يشاركونا فيما نأخذ فيه من عبث وجد، ~~وكثيرا ما اضطر أصدقاؤنا الذين زرناهم إلى أن يظهروا الضيق بصوته المرتفع الذي لا يخفي ~~شيئا، ولا سيما هذا المزاح الغليظ المسرف في الحرية الذي يرتفع به صوته حتى يخشى أصحاب ~~الدور أن يبلغ النوافذ وأن ينتهي إلى آذان لا ينبغي أن ينتهي إليها. # ومهما يكن من شيء فقد كانت صحبتي له هذا المساء لذيذة حقا متعبة حقا، كانت لذيذة ~~لهذه الفنون المختلفة التي كان يطرقها في أحاديثه المتصلة، ينتقل من بعضها إلى بعض في ~~غير تمهيد، ولا تنبيه، ولا مناسبة، وإنما هو الاستطراد كما يفهمه هو لا كما تفهمه أنت، ~~ولا كما أفهمه أنا، معتمدا على هذه المناسبات الظاهرة التي تدعو إلى الشرح والتفسير، ~~وتبيح الانتقال من موضوع إلى موضوع، وإنما هي مناسبات خفية كان يجدها هو ولم نكن نجدها ~~نحن. فكان استطراده من موضوع إلى موضوع، أشبه شيء بالوثوب والقفز من شاطئ القناة إلى ~~شاطئها الآخر دون اصطناع جسر أو شيء يشبه الجسر، وكنا نجد في استطراده هذا ما يلهي ~~ويضحك ويعجب، وكنا نقدر دائما أنه إذا وثب من موضوع إلى موضوع أو قفز من حديث إلى ~~حديث، فلن يعود إلى الموضوع الذي وثب منه ولا إلى الحديث الذي تجاوزه، ولكنه كان يقهرنا ~~فلا ينسيه موضوع موضوعا ولا يشغله حديث عن حديث، ومن أجل هذا استحالت اللذة التي كنا ~~نجدها في الاستماع له إلى تعب مضن للعقل، منهك للقوى، ويكفي أن تتصور رجلا يسير بك أو ~~يعدو بك في طريق ثم لا يلبث أن يعدل بك إلى طريق أخرى ثم لا يلبث أن يردك إلى الطريق ~~الأولى فيعدل ms048 بك إلى طريق ثالثة، وهو يمضي في ذلك جاهدا متصل الجهد، لا يريح ولا ~~يستريح. فأنت واجد في هذا لذة، وأنت مستقبله بالنشاط والمرح، ولكنك لا تلبث أن يدركك ~~الإعياء والسأم وأنت تتمنى على صاحبك أن يعفيك من هذا الاضطراب أو يمضي بك على صراط ~~مستقيم. # وكم تمنينا وكم ألححنا في التمني، لكن عقل صاحبي كان قد ركب على هذا النحو، فلم يكن ~~يستطيع أن يمضي في تفكير أو روية أو حديث دون أن ينحرف يمينا أو شمالا ثم يعود إلى ~~طريقه الأولى ليعود إلى الانحراف عنها، ومن يدري! لعل الحياة الواقعة ولعل الحقائق أو ~~الأمور المعقولة التي تعمل فيها عقول الناس لا تستقيم ولا تسمح بأن يستقيم التفكير ~~فيها، وإنما هي تنحرف وتعوج وتلتوي وتكره العقول على أن تسايرها في الانحراف والاعوجاج ~~والالتواء، ولعل عقولنا نحن أوساط الناس يسيرة ساذجة ليست تامة التكوين ولا كاملة ~~الأداة، فهي ترى الأشياء سهلة ميسرة، وتسلك في التفكير طرقا معتدلة مستقيمة وتتعب من ~~الانحراف والالتواء، أي من التفكير الصحيح. ومهما يكن من شيء فقد كان هذا الاستطراد ~~المتعب لازمة من لوازم صاحبي إذا فكر أو كتب أو تحدث، فإذا أضفت إلى هذا صوته الذي لم ~~يكن يعرف الخفوت ولا يحب الهمس، وإذا أضفت إلى هذا أنه صمم في هذا المساء على ألا نركب ~~عربة ولا نتخذ تراما ولا نستعين بأداة من أدوات الانتقال مهما تبعد بنا الطريق؛ لأنه ~~قد أزمع أن نجن في هذا المساء، وكان الجنون عنده أن نهيم في الأرض حتى إذا أجهدنا ~~المشي، استرحنا لحظة ثم استأنفنا الهيام حتى ينتهي بنا الإعياء إلى أقصاه، أقول إذا ~~لاحظت هذا كله، وأضفت بعضه إلى بعض لم تشك في أني كنت متعبا مكدودا حين بلغنا منزله ~~في أعلى الربوة مما يلي القلعة وقد تقدم الليل، وليس من جدال في أني لو ملكت يدي ونفسي ~~- كما يقول الفرزدق - لتخلفت عن مرافقته، ولتركته في بعض الطريق، ولكنه قد احتاط لذلك ~~عامدا أو غير عامد، فأبى ms049 علي أن أصطحب غلامي الأسود الصغير، وقال: ارفق به ودعه ~~يسترح، ولعل أخاك أن يحتاج إليه، وما دمت ستنفق الليل معي، وما دمت سأردك إلى بيتك مع ~~الضحى فلسنا في حاجة إلى رقيب يسمع ما نقول، أو يحصي ما نهذي به، وقد لا نكون في ~~حاجة إلى أن نسمع غطيطه حين يطول عليه حديثنا، ويثقل عليه سهرنا فيأخذه نومه العميق، ~~ويهوي به عن كرسيه إلى الأرض كما كان ذلك ليلة كنا نطيل الحوار في بعض قضايا المنطق ~~التي كنت تراها واضحة كل الوضوح، وكنت أراها أنا غامضة كل الغموض. # واستطاع على هذا النحو أن يخرجني من غير خادمي، وأن يتحكم في أذني وفي رأسي وفي رجلي ~~كما أراد، حتى إذا انتهى بي إلى داره نحو منتصف الليل كنت محطما أو كالمحطم، وكنت لا ~~أتمنى إلا مجلسا أستريح إليه من هذا العناء، وكنت واثقا أني لن أبلغ غرفته الحرام ولن ~~أجلس على ذلك المجلس من الخشب تغطيه الوسائد، حتى أنثني على أحد جنبي وأستسلم ~~للنوم. # ولكنه لم يمكني حتى من هذا، فما كاد بابه يفتح لنا، وما كادت خادمته تهدينا بمصباحها ~~الضئيل إلى غرفته الحرام حتى أقبلت بما عندها، وليتها لم تفعل، فقد أقبلت بإبريق الشاي ~~ومن حوله قطع من فطير الريف، وأقبل هو على الشاي يصبه في الأكواب وهو يقول في صوت ~~ماكر: هذا هو الشاي الذي تعتمدون عليه في إنفاق الليالي البيض حين يطلب إليكم الدرس ألا ~~تناموا والدرس يا سيدي يطلب إلينا في هذه الليلة ألا ننام، فاشرب من هذا الشاي واستعن ~~عليه بهذا الفطير حتى إذا أخذت من الراحة والغذاء والري بنصيب أخذنا في درسنا المعضل ~~العويص. # وقد كنت متعبا مكدودا ولكني جائعا ظمآن أيضا، فلم أجد قدرة على الامتناع عن أخذ ~~ما كان يقدم إلي من طعامه الثقيل، وشرابه الذائد للنوم، وأقبل هو على ما حملت الفتاة، ~~فأصاب منه في غير رفق ولا اقتصاد، حتى إذا أحس أن معدته قد استقرت في جوفه، وأن أعصابه ~~قد ms050 تنبهت بعد الخمود، أخذ في حديثه الذي كان يقدم بين يديه بهذه المقدمات الطوال الثقال ~~التي كانت تلتوي بنا وتحملنا ألوان العناء منذ العصر. وكان انتهاؤه إلى الأخذ في هذا ~~الحديث بعد الجهد الذي لقينا، والمشقة التي احتملنا ساعات متصلة، أشبه شيء بخلاص الأم ~~بعد أن ثقل عليها الوضع، وابتلاها بالآلام المضنية المنهكة. وكان صوته وهو يأخذ في هذا ~~الحديث هادئا يحاول الرقة وتجري فيه عذوبة مؤلمة بعض الشيء كأنه صوت المريض وهو يخرج ~~من المرض أو يدخل فيه، قال: أتعلم فيم أرقتك الليلة وكلفتك ما كلفتك من هذه الأهوال ~~التي لم تكن تنتظرها ولا تحب أن تلقاها؟ قلت: لا، وإني لأنتظر أن أعلم ذلك منذ عزمت ~~علي في الخروج معك، ولو أنك استمعت لي وأردت بي الراحة، لألقيت إلي حديثك منذ خرجنا ~~ولأرحت نفسك وأرحتني من هذا العناء الطويل. قال: لم يكن ذلك يستقيم يا سيدي فلكل شيء ~~موعده وإبانه، وهذا الحديث لا يصلح له إلا الليل إذا تقدم وتجاوز نصفه وغمر كل شيء ~~بهدوئه العميق، على أن جهدك لن يذهب عبثا، فإني أعرفك تحب المسائل المعضلة، وتجد في حل ~~المشكلات لذة، فإليك مسألة معضلة فواجهها كما تعودت أن تواجه مسائل المنطق والفلسفة ~~والأصول. أيهما أهون أن يحتمل: الظلم أم الكذب؟ ولست أخفي عليك أيها القارئ أني وجمت ~~حين سمعت هذه المسألة، ولم أستطع أن أسرع إلى الإجابة عنها. وظن هو أني أفكر فأمهلني ~~لحظة ثم سألني عن رأيي فقلت: لا أدري لأني لا أفهم معنى للسؤال، فالظلم قبيح، والكذب ~~قبيح، والخير للرجل الكريم الفاضل أن يتجنبهما معا. # قال: فإن لم يكن له بد من إحداهما قلت: دعني من الأمور العامة، وألق إلي حديثك في ~~صراحة ووضوح فعلي أفهم عنك ولعلي أستطيع أن أرد عليك، قال في ضحك هادئ: يظهر أنك ~~فاتر عن الفلسفة منذ الليلة، فلنواجه مشكلتنا من طريق غير طريق الفلسفة، ولأنبئك قبل ~~كل شيء بأني إنما أرقت وأرقتك معي هذه الليلة لأني سأصبح بطلا قبل أن ms051 ينتصف نهار الغد، ~~وأنا لا أريد أن أنتظر البطولة نائما ولا غافلا، وإنما أريد أن أنتظرها يقظان، وأن ~~آخذ لها أهبتها وأستعد لها كما يستعد الناس لعظام الأمور، وأنا أعلم أنك ضيق بي وبهذا ~~الكلام الذي لا ينقضي والذي لا يفصح عن معناه، ولكني أقسم لك جاهدا إني لا أمزح ولا ~~أهذي ولا أريد العبث، وإنما أسوق إليك حديثا كله حق وصدق وصواب، فلن ينتصف نهار الغد ~~حتى أكون قد بدأت بطولتي وأقدمت على عمل ذي بال، ولست أزعم أني سأكون قد بدأت بطلا من ~~طراز الإسكندر أو قيصر، ولكني سأكون بطلا على كل حال، سأكون بطلا لقصة من القصص لتكن ~~تمثيلا أو لتكن قصصا مرسلا، ولكني سأكتب الصفحة الأولى منها قبل أن ينتصف النهار ~~غدا. # وكان يمضي في حديثه هذا مستأنيا مستثنيا حتى أخذت أسأل نفسي أمجنون هو، ولكنه أسرع ~~فردني إلى شيء من الاطمئنان، قال: أتعرف أن نظام الجامعة يقضي على أعضائها ألا يتزوجوا ~~حتى يعودوا من أوربا؟ قلت: نعم، قال: ألم يخطر لك أن هذه القاعدة قد تؤذيني وتضطرني إلى ~~بعض الحرج؟ قلت: وما أنت وهذه القاعدة، قال: فأنت تجهل إذا أنني زوج، وهنا ظهر علي ~~دهش صادق لأني كنت أجهل أن لصاحبي زوجا، وما كان يخطر لي أن امرأة تستطيع أن تحتمل ~~الحياة معه مهما يكن حظها من الصبر والحلم ومن العفو والقدرة على الاحتمال، وما كنت ~~أستطيع أن أتصوره إلا رجلا مضطرب الحياة ظاهر اضطراب التفكير، ولكن قوة عقله وسعة علمه ~~وذكاء قلبه هي التي تضطره إلى هذا الاضطراب، وتظهره في هذا الاختلاط، وكنت أرى أنه يقضي ~~نهاره كما رأيته يقضيه يعمل في ديوانه قليلا ويلغو مع الناس كثيرا، ويحيا حياة خفيفة ~~قوية متصلة قيمة الإنتاج وينفق الليل بين القراءة والنوم. # فلما رأى ما ظهر علي من الدهش والإنكار أغرق في الضحك. وقال: لقد كنت تظنني طالبا ~~مثلك أحيا حياة الطلاب، ولكنك تعلم أني موظف وأن لي بيتا كبيرا وأني من أسرة غنية من ~~أسر ms052 الريف، فكيف لم يخطر لك أني لم أكن أستطيع أن أستكمل ما ينبغي لمثلي من الحياة إلا ~~إذا اتخذت لي زوجا، مهما يكن من شيء يا سيدي فأنا متزوج وقد ظفرت بالنجاح في امتحان ~~الجامعة ولا بد من أن أمضي العقد إذا كان النهار، ومن أصول هذا العقد ألا أكون متزوجا، ~~وألا أتزوج حتى أعود، فأنا إذا مضطر إلى إحدى اثنتين، إما أن أكذب على الجامعة وأتورط ~~في التزوير وأتعرض لما يقتضيه الكذب والتزوير من الشر إن ظهر أمرهما، وإما أن أظلم ~~امرأتي فأطلقها، فماذا ترى؟ وكيف المخرج من هذه المشكلة؟ وأحب أن تعترف قبل كل شيء ~~بأنها مشكلة معضلة حقا، وبأنها خليقة أن تكلفك ما كلفتك من الجهد، وتحملك ما حملتك من ~~العناء، وتؤرقك مع صديقك ليلة كاملة، قلت: فدعنا من الهزل ومن لغو الحديث واستقبل هذه ~~المشكلة العنيفة بما ينبغي لها من الحزم والعزم ومن الروية والأناة، قال: فإني أنفقت ~~وقتا غير قصير في الروية والأناة، وأنفقت جهدا غير يسير في التماس الحزم والعزم. وقد ~~كاد ينتهي ما أملك من الوقت، وقد انتهى ما كنت أملك من الجهد، ومن أجل هذا دعوتك ~~لأستعين بك على الخروج من هذا الحرج الذي لا أدري كيف يكون الخروج منه، إن من اليسير أن ~~أزعم للجامعة إذا كان الصباح أني أعزب، وأن أرسل امرأتي إلى الريف لتقيم فيه حتى أعود ~~إليها إن أتيحت لي العودة. وما أظن أن هذا الكذب سيظهر، وما أحسب أنه إن ظهر استتبع ~~عواقب ذات خطر، فماذا يعني الجامعة من أمري إن عرفت أني متزوج وأني قد كذبت عليها ما ~~دمت لا أصطحب زوجي إلى حيث يجب أن أفرغ للدرس، وما دمت سأجعل بينها وبيني هذه الآماد ~~البعيدة في البر والبحر. وقد يكون هذا الكذب مرذولا، وقد يكون منافيا لأخلاق الذين ~~يريدون أن يحيوا حياة العلماء، ولكني لن أكذب رغبة في الكذب، ولا تعلقا به، ولا حرصا ~~عليه، ولا إيثارا لغش الجامعة وتضليلها، وإنما أكذب إن كذبت رغبة ms053 في العلم، وتهالكا ~~عليه وحرصا على أن أغير حياتي وأجعل لها معنى وقيمة وخطرا وأثرا في منفعة الوطن. ~~والكذب مرذول إلا أن ينتهي إلى نفع وإلى نفع صحيح، وأن يحقق مصلحة ومصلحة قيمة، فماذا ~~ترى؟ أليس هذا الكذب خيرا من الظلم الذي أقدم عليه إن طلقت امرأتي مع أنها لم تأت ~~ذنبا ولم تقترف إثما ولم تدفعني إلى هذه الرحلة بل كرهتها أشد الكره، ولكنها لم ~~تصرفني عنها لأنها تؤمن بأني لا أعزم إلا بعد تفكير صادق، وانتهاء إلى رأي مصيب، وما ~~أظنك أن تقترح علي أن أصدق الجامعة وأظهرها على جلية الأمر، فإني إن فعلت لم يكن لهذا ~~من أثر إلا أن تخيب آمالي كلها، وأن أستيئس من رحلتي، وأطمئن إلى هذه الحياة الخاملة ~~الذابلة التي لا نفع فيها ولا غناء، وأنا أعلم حق العلم أني لا أملك هذه الشجاعة ولا ~~أحتمل هذه الحياة، وأني إن صرفت عن هذه الرحلة بعد أن مدت لي أسبابها وهيئت لي وسائلها ~~ميت من غير شك، ميت بالمعنى الصحيح الواضح لهذه الكلمة، سأقتل نفسي إن ملكني الغضب، ~~وسيقتلني الحزن واليأس إن أتيح لي الصبر والاحتمال، فألغ هذا الفرض إلغاء وامحه ~~محوا فليس لي بد من أن أكذب على الجامعة أو من أن أطلق امرأتي لأكون صادقا، فاختر لي ~~وأشر علي. # قلت وقد أنسيت كل ما كنت أجد من تعب وجهد، وأنسيت الوقت وأنسيت المكان الذي أنا فيه، ~~وشاقني علاج هذه المشكلة حتى ملك علي أمري كله، وحتى أحسست كلفا بالأخذ والرد ~~والحوار ما أحسسته قط في درس من دروس العلم، وقد لا يحسه شباب هذا الجيل الذي تعود ~~الاستماع لمثل هذه المحاورات، والاطلاع على مثل هذه المشكلات بعد أن اتسعت حياتنا وبعدت ~~آفاقنا العقلية واشتد اتصالنا بالحضارة الغربية وقرأنا من أدبها وفلسفتها الشيء الكثير، ~~قلت: فإني لا أرى لك الظلم بحال من الأحوال ولا أفهم أن تحمل امرأتك ذنبا لم تجنه ولا ~~أن تحمل نفسك هذا الإثم الثقيل، ومع ذلك فإني لا أرضى ms054 لك الكذب ولا أعينك عليه ولا آمن ~~عليك شره وآثاره السيئة. قال متضاحكا: فأنت إذا ترضى لي أن أموت، قلت: بل أرضى لك أن ~~تكون رجلا وأن تؤمن بما تلح في الدعوة إلى الإيمان به، من أن ظروف الحياة أقوى من ~~إرادة الإنسان ومن أن المثل القديم لم يعد الحق حين قال: «لا بد مما ليس منه بد.» ومن ~~يدري، لعلك تستطيع أن تصور للجامعة أمرك كما هو وأن تحملها على أن ترضى منك هذا الزواج ~~الذي لن يكون له في حياتك الدراسية أثر كما قلت آنفا، قال: فإنك تعلم حق العلم أن ~~الجامعة لن تغير نظامها من أجلي، وأني لم أنجح وحدي في الامتحان، وأن من ورائي اثنين ~~يودان لو تقطعت بي الأسباب عن هذه الرحلة ليفوز بها أحدهما من دوني، فأنا إن صدقت ~~الجامعة، مضح برحلتي من غير شك، وإذا حيل بيني وبين هذه الرحلة فقد حيل بيني وبين ~~الحياة واتصلت بي أسباب الموت فليس إلى هذا الصدق من سبيل. # وأنت تخطئ إن ظننت أنه تحمس الشباب أو أنه التعجل والتقصير في التفكير، فأنا أعرف ~~نظام الجامعة هذا قبل أن أقدم على الامتحان، وأنا أفكر فيه منذ أعلنت الجامعة إلى هذه ~~البعثة، ومنذ ظهرت نتيجة الامتحان خاصة، فليس إلى هذا الصدق الذي تطلبه من سبيل، لن ~~أعدل عن الرحلة ولن أصارح الجامعة بجلية الأمر، قلت: وإذا؛ ففيم تستشيرني وقد أجمعت ~~أمرك ووطنت نفسك على الكذب؟ قال: كلا يا سيدي، لم أوطن نفسي على الكذب، ولو قد وطنت ~~نفسي عليه لأمعنت فيه ولأخفيت جلية الأمر عليك ولاجتهدت في إخفائها على نفسي، ولكني قد ~~وطنت نفسي على الظلم، فأنا أريد أن أكون صادقا، حين أتحدث إلى الجامعة، إذا كان ~~الصباح، وأن أكون ظالما لنفسي ولامرأتي، قلت: فإني أرى في هذا إثما بشعا واستباحة ~~قبيحة للشر، واعتداء على حق من لا تملك الاعتداء عليه، قال وهو يضحك حزينا: وأنت مع ~~هذا أزهري تدرس الفقه وتعرف أن الطلاق مباح وأنه أبغض الحلال ms055 إلى الله، ولكنه مع ذلك ~~حلال لا خطيئة فيه، ولا إثم على الذين يقدمون عليه، فأمر الزواج عندنا ليس إلى امرأتي ~~بعد أن قبلته وهو ليس إليها وإلي، وإنما هو إلي وحدي، فأنا أستطيع أن أمسكه إن شئت ~~وأستطيع أن أحل عقدته إن أردت، وأنا أريد أن أحل هذه العقدة، لا إيثارا للطلاق ولا ~~رغبة عن امرأتي ولكن إيثارا لما هو خير من الزواج ولما هو خير من الزوج وإن كانت خليقة ~~بالحب والمودة والعطف، إيثارا للعلم ورغبة في رقي النفس والعقل، قلت: فإني أخشى أن ~~يكون هذا كله غرورا ووحيا من وحي الأماني، وما أدري أيهما خير: هذا العلم الذي تتحدث ~~عنه كأنه شيء لا يدرك إلا إذا تكلفت له ما ستتكلف من الشر، أم هذه الزوج التي أصفتك ~~ودها ومنحتك حبها، ووقفت حياتها عليك، وجعلها الله رحما لك وسكنا، ومن يدري! لعل ~~تحصيل هذا العلم الذي تتهالك عليه وتستبيح في سبيله الظلم، أن يكون ميسرا لك وأنت مقيم ~~في مصر بين أهلك لا تفارقهم ولا تتكلف لهم ظلما، ولن تكون أول من حصل العلم دون أن ~~يرحل إليه، والعلم يعبر إلينا البحر من أوربا، وهو يسعى إلينا في دورنا، ونحن نستطيع أن ~~نلتمسه فيما يلقى من الدروس وفيما يؤلف من الكتب، وإني لأخشى ألا يكون حب العلم الخالص ~~هو الذي يغريك بهذه الرحلة التي لن أتحرج من أن أراها آثمة، وإنما يغريك بها سأم الأديب ~~والحرص على تغيير الحياة، والطموح إلى منصب الأستاذ، وهذا كله يغري، ولكنه يجب أن يكون ~~أهون على الرجل الكريم من أن يدفعه إلى الظلم والإثم والعدوان. # قال: يا سيدي إنك تضيع وقتك ووقتي، فلن تقنعني بالعدول عن الرحيل، ولا بإظهار الجامعة ~~على جلية الأمر. وليس إلى اقتناعي بالكذب على الجامعة سبيل، أتدري لماذا أهون عليك؟ ~~فإني أرى هذا الكذب مباحا وما أكثر ما أبيح لنفسي أشياء تحرمونها أنتم على أنفسكم، ~~ويحرمها عليكم الدين وما تواضعتم عليه من الأخلاق، أنا لا أكره هذا الكذب ms056 لأني أراه ~~إثما، وإنما أكرهه لأنه سيدفعني إلى آثام أمقتها حقا، وإلى ظلم أرى أن ظلم الطلاق ~~أهون منه، إني لأعرف من أمر أوربا شيئا كثيرا، وقد قرأت غير قليل مما ترسل إلينا من ~~القصص، وسمعت غير قليل من أنباء الذين يرحلون إليها ويقيمون فيها، وكل هذا ينبئني بأني ~~لن أقاوم الحياة الأوربية وآثارها في نفسي كما ينبغي للرجل الوفي لزوجه أن يقاومها، ~~فأنا واثق يا سيدي بأني سآثم وسأنغمس في الخطايا وأنا أريد أن أحتمل وحدي هذا الإثم ~~وأنغمس وحدي في شر هذه الخطايا، وأنا أبيح لنفسي أن أكذب على الجامعة، ولكني لا أبيح ~~لنفسي أن أكذب على امرأتي كذبا متصلا، فأزعم لها أني وفي أمين، على حين أني قد غرقت ~~في الخيانة إلى أذني، قلت وقد اقشعر جلدي واضطرب قلبي وأخذني غضب عميق لا أكاد أجهر به، ~~ولا أكاد أخفيه: فهل تعلم أنك تقول منكرا من القول، وأنك تقدم على أمر بشع شنيع، وأن ~~حبي لك يحملني على أن أتمنى ما استطعت أن تصرف عن رحلتك هذه صرفا، وأن تكره على ~~الإقامة في مصر إكراها. أنت تعلم أنك ستأثم في أوربا ثم تقدم مع ذلك على السفر إليها، ~~وتشتد في السفر، فأنت إذا تريد الإثم وتتعمد الخطيئة وتصر على المعصية، ولكن كلمة ~~المعصية هذه لم تكد تبلغ أذنيه حتى جن جنونه، واندفع في ضحك عريض، عال متصل، أخرجه عن ~~طوره وكاد ينتهي به إلى الشر في جسمه وفي عقله أيضا، وكان هو يضحك ويضطرب اضطرابا ~~عنيفا من شدة الضحك وأنا واجم ذاهل مبهوت أسأل نفسي أول الأمر عن هذا الخبل الذي مسه، ~~ثم تثوب إلي نفسي قليلا قليلا وإذا أنا أحس العمامة التي على رأسي وأحس الجبة ~~والقفطان اللذين أسبغا على جسمي إسباغا، وأذكر أني شيخ وأني أزهري، وأني تحدثت إلى ~~صاحبي حديث رجل الدين، وأن صاحبي يسخر مني ويهزأ بي ويردني إلى مكاني الأول، ويرى أن ~~أمله في قد خاب وأن اختلافي إلى الجامعة واستماعي للأساتذة الأوربيين ms057 وتحدثي إليه ~~واستماعي منه، وما قرأنا من كتب أوربية، وما كنت أتكلف من التجديد والخروج على الأزهر ~~والأزهريين والتنكر له ولهم، وما كنت أرمي به من المروق وإيثار البدعة، وما كنت أجد من ~~اللذة حين أحس أن الناس يرون في المروق وحب البدع جديدا، كل هذا لم يكن إلا غشاء ~~رقيقا وطلاء يسيرا لا يكاد يثبت للتجربة الأولى، فإذا جد الجد، وكان أول درس من دروس ~~الحياة العاملة التي ليست كلاما ولا غرورا، فأنا الشيخ الأزهري القح الذي حفظ ما حفظ ~~من كتب الدين وورث ما ورث من آثار القرون، واحتمل في قلبه الضئيل وعلى كتفيه الصغيرتين، ~~ثقل السنين التي توارثها الأجيال أثناء ثلاثة عشر قرنا. # أأقول الحق أم أخفيه؟ وما لي لا أصطنع الشجاعة ولا أحمل نفسي على بعض ما تكره، وإن ~~الحياة لتحملها على ما تكره في أكثر الأحيان، لقد استحييت من صاحبي، واستحييت حتى ~~انتهيت إلى الخزي، وأحسست كأن رأسي ذاب في عمامتي، وكأن هذه العمامة لم تكن تستقر على ~~شيء. وأخذت أتضاءل في جبتي وقفطاني، حتى خيل إلي أنهما يستقران على هذا الكرسي لا ~~يملؤهما شيء، وأخذت قطرات من العرق تسيل على جبهتي فتبلها، وكادت الرعشة أن تجري في ~~جسمي المتضائل المضطرب، كل هذا لأن صاحبي ظهر على جلية أمري، وعرف أني ما زلت أزهري ~~النفس والقلب والعقل، أرى الانغماس في الحياة الأوربية إثما وأشفق على صاحبي منه، وأرى ~~الإصرار على الخطيئة وتعمد الإقدام عليها كفرا، وأخاف على صاحبي عواقبه. وإذا فأي فرق ~~بيني وبين هذا الشيخ العتيق الذي كان يعرض بالأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده فيتغنى في ~~بعض دروسه بهذه الجملة التي شاعت والتي كنا نتندر بها، ونضحك منها. وكنت أنا أشد الناس ~~تندرا بها وضحكا منها، «ومن ذهب إلى فرنسا فهو كافر أو على الأقل زنديق.» # كذلك قال الشيخ، وبذلك كنا نتندر في الأزهر، ومن ذلك كنا نضحك في أنديتنا الحرة التي ~~كان الأزهريون يرونها أندية ابتداع وضلال، فقد أصبحت أنا كهذا الشيخ أرى ms058 أن من ذهب إلى ~~فرنسا فهو كافر أو على الأقل زنديق، ومع ذلك فإن أساتذتي من الفرنجة في الجامعة يرون ~~أني حر الرأي ويشفقون علي من حرية الرأي هذه، وكنت أنا أرى أني حر الرأي وأغتبط بما ~~يصيبني في سبيل هذه الحرية، فقد كنت إذا أكذب على نفسي، وكنت إذا أخدع أساتذتي، ولم ~~أكن إلا شيخا أزهريا قحا يرى أن من ذهب إلى فرنسا فهو كافر أو على الأقل ~~زنديق. # كذلك كنت أفكر مستخذيا متضائلا من الخزي بينما كان صاحبي يغرق في الضحك، حتى إذا ~~أعياه اضطراب جسمه هدأ بعض الوقت يتكلف الهدوء، ثم لا يلبث أن يعود إليه الضحك العنيف ~~فيهزه هزا عنيفا وهو يردد كلمة المعصية هذه ويقول ما زلت تؤمن بالطاعة والمعصية ~~وتردد هاتين الكلمتين، وما زلت تفكر في الكفر والإيمان. # ثم يمضي في الضحك وأمضي أنا في الخجل والاستخذاء، ومع ذلك فلو أني كنت أتحدث إلى رجل ~~هادئ عادي غير غريب الأطوار، لما أنكرت من حديثي شيئا ولما رأيت على نفسي منه بأسا، ~~فلم أكن أرى الذهاب إلى فرنسا كفرا ولا زندقة وإنما كانت طبيعتي كلها تثور لهذه الجرأة ~~الوقحة، التي كان يقدم عليها صاحبي في غير تكلف، وهو يتحدث عن الخطايا والآثام ~~وانغماسه فيها وتهيئه للانغماس فيها. # ولقد مضت أعوام وأعوام وذهبت إلى أوربا مرات ومرات وأقمت فيها، فأطلت الإقامة، وما ~~زلت اليوم كما كنت في تلك الليلة تثور طبيعتي كلها إذا سمعت من يتحدث في هذه الجرأة ~~الوقحة عن الخطايا والآثام والتهيؤ للانغماس فيها. ولا بد من أن أمضي في قول الحق إلى ~~أقصاه، فقد وادعت صاحبي وصانعته واجتهدت في أن أقنعه بأني لست شيخا أزهريا قحا، لم ~~أحبب إليه فراق امرأته ولم أعنه على التهيؤ للانغماس في الخطايا والآثام، ولكني فقدت ~~القدرة على مقاومته، وعجزت عن محاولة إقناعه بما كنت أرى، لا لأني ملت إلى رأيه، بل ~~لأني كرهت أن يراني شيخا أزهريا قحا يؤمن بأن من ذهب إلى فرنسا فهو كافر أو ms059 على ~~الأقل زنديق. # وكذلك يسيطر الغرور على أنفس الشباب فإذا هم يتكلفون ما لا يحسنون ويحملون أنفسهم ما ~~لا يطيقون، ويتكلفون هذا النفاق الغريب يخفون به ما في نفوسهم من أصول الخير ويظهرون به ~~ما يرغبون فيه من مظاهر التجديد. # ثم يرتفع الضحى وإذا صاحبي يردني إلى بيتي ويفارقني ليذهب إلى الجامعة ويقول في لهجة ~~ساخرة لاذعة: سألقاك في المساء، فلا بد من أن نستأنف حديث الطاعة والمعصية، فإذا لقيني ~~في آخر النهار علمت منه أن الجامعة قد احتجزت له مكانه على إحدى السفن، وأنه مرتحل بعد ~~أسبوع، وأن زوجه قد ارتحلت ظهر اليوم إلى الريف، وأن طلاقها سيبلغها إذا كان ~~الغد. # 9 # يونيو في ... # بينك وبيني أيها الصديق العزيز فتور أحسسته أمس حين التقينا في قهوتكم هذه التي تزدحم ~~بالشيوخ، ويشتد فيها لغطهم بالفقه والنحو والأدب، وتختلط أصواتهم بهذه الضوضاء العنيفة ~~التي تصدر عن الناس وعن الترام وعن هذه العربات التي تخرج مع المساء من درب الجماميز ~~إلى شارع محمد علي، لتنبث في أحياء القاهرة موزعة عليه ما يحتاج أهلها من اللحم، وقد ~~كان هذا الضجيج المختلط خليقا أن يحول بيني وبين الشعور بهذا الفتور، حتى يطول الحديث ~~بيننا، ولكني لم أكد أصافحك حتى أحسست الفتور في يدك، وتأكدت أنه صورة للفتور في نفسك، ~~فلما تحدثنا فصل لي صوتك الهادئ ما أجملت يدك، واستيقنت أن بينك وبيني شيئا. # ولولا أصحابك من الشيوخ هؤلاء الذين أحب أن أراهم من بعد، وأكره أن أجلس إليهم، وأن ~~يتصل بيني وبينهم الحديث، لولا أصحابك الشيوخ هؤلاء، وما كانوا يشغلوننا به من أحاديثهم ~~عن الأزهر ومدرسة القضاء ودار العلوم، وما كانوا يشغلوننا به من تهالكهم على أصحاب ~~الطعام حين كانوا يمرون بما يحملون من الفطير والشواء وما يشبهها من هذه الأطعمة ~~الرخيصة، لولا أصحابك الشيوخ هؤلاء لما اتصل الحديث بينك وبيني أمس إلا في هذا الفتور ~~الذي تبينته في يدك وفي صوتك، وفي وجهك، ولما انصرفت عنك إلا وقد رددت الأمر إلى ما كان ms060 ~~عليه، من هذا الصفاء القوي الذي لا تكلف فيه ، ولا احتياط. ولكني جعلت أنتهز الفرصة ~~لأخلو بك ولتفرغ لي فلا تسنح، ولم يكن من اليسير أن أطلب إليك النهوض معي لبعض الشئون ~~كما تعودنا أن نفعل: فقد كنت على ثقة بأنك ستعتذر، وستتعلل بأنك متعب مكدود من ليلتك ~~البيضاء، التي قضيتها معي أمس. # على أني لم ألبث أن تبينت أني لم أكن مخطئا فيما كنت أقدر حين رأيتك تتعجل العودة ~~إلى بيتك ولا تحفل بإلحاحي عليك وإلحاح أصحابك في أن تبقى معنا كما تعودت أن تبقى حتى ~~يتقدم الليل، وتقل الضوضاء في الشارع، ويطيب الحديث في هذه القهوة الجميلة. # ولقد هممت أن أنهض لأرافقك إلى بيتك، وكنت أظن أن في مرافقتك هذه الدقائق ما يتيح لي ~~أن أدير الحديث بيننا حتى أبلغ هذا الفتور، وكنت واثقا بأني إن بلغته فلن أدعه حتى ~~أمحوه محوا، وإن أرقتك ليلة أخرى، ولكن الله لم يرد ذلك، أو لم يرده أصحابك الشيوخ، ~~فقد نهض صاحباك هذان اللذان طالما نغصا علي مجلسي معك فرافقاك، واضطررت أنا إلى ~~التخلف، والله يعلم إلى أين ذهبتم، فلست أشك في أنهما لم ينصرفا عنك حين انتهيت إلى ~~بيتك، وأكاد أعتقد أنك إنما تكلفت الانصراف وتعجلت العودة لتخلص مني وممن كان من ~~أصحابك، ولتفرغ لصديقيك هذين فتقضي معهما شطرا من الليل غير قليل، فيما تعودتم أن ~~تنفقوا ليلكم فيه من عبث وحديث. # ولولا أني كرهت أن أثقل عليك وعليهما وأن أوصف بالإلحاح، لتبعتكم لأعلم علمكم، ولأسقط ~~عليكم بعد أن يستقر بكم المجلس، ولأتخذ موضوعا للصراع بينهما وبيني، فلا أنصرف عنك، ~~حتى أصرفهما، وما أوسع حيلتي حين أريد أن أصرفهما عنك، وأي شيء أيسر من أن آخذ معك في ~~بعض الحديث الذي لا يحبانه، ولا يسيغانه، ولا يفهمانه، فإذا أنت تجيب وإذا أنا أمضي في ~~الحديث، وإذا هما يظهران الضجر، ثم يظهران الضجر الشديد، ثم يتثاءبان، ثم يؤذنان ~~بعزمهما على الانصراف ثم ينصرفان، ولكني لم أنشط لشيء من هذا لأني لم ms061 أجد منك ما ~~يعينني على النشاط إليه، ولأني لم أجد من نفسي ما يدفعني إلى هذا النشاط، فقد كنت أنت ~~فاترا، وكنت أنا مثقل النفس بالهم، مملوء القلب بالحزن، والله يعلم ما احتجت إليك في ~~يوم أو ليل كما احتجت إليك أمس، وما افتقدتك في يوم أو ليل كما افتقدتك مساء أمس، لقد ~~رأيتكم تنهضون، وأتبعتكم بصري وأنتم تسعون إلى درب الجماميز. حتى إذا انعطفت بكم ~~الطريق، أثبت بصري في الفضاء أمامه كأنما كنت أريد أن ينعطف معكم وأن يبلغكم وأن يدعوكم ~~إلي وأن يردكم علي، ولكن بصري لبث ثابتا في الفضاء، لم يستطع أن يتبعكم ولا أن ~~يبلغكم ولا أن يؤدي إلى أنفسكم ولا إلى نفسك أنت خاصة رسالة نفسي، فرددته إلي خائبا ~~محزونا، ومكثت في قهوتكم هذه أنظر ولا أكاد أرى، وألقي السمع ولا أكاد أسمع، ويتحدث ~~إلي من حولي فأجيب حينا، وأذهل أحيانا عن الجواب. وقد تفرق الناس من حولي كما ~~تعودوا أن يتفرقوا حين كاد الليل أن ينتصف، وخلت القهوة لي ولجماعات ضئيلة تفرقت فيها ~~حول بعض اللعب، فأنفقت فيها ما استطعت أن أنفقه من الوقت، وأستطيع أن أنبئك صادقا بأني ~~دهشت حين سمعت الخادم ينبهني إلى أن قد آن أوان الإغلاق، فنهضت كارها متثاقلا، وأخذت ~~الطريق التي أخذتموها، في درب الجماميز، أسعى أمامي وكأني كنت أقدر أنني سألقاك عائدا ~~إلى بيتك مع أحد صاحبيك، فآخذك منه قهرا أو أنفق معك بقية الليل هائمين في القاهرة، أو ~~لاجئين إلى داري أو إلى هذا السطح الجميل الهادئ الذي ينبسط أمام بيتكم الصغير، وكنت ~~كالمستيقن بأنكم إنما ذهبتم عند أحدكم في هذا البيت الذي يسكنه غير بعيد عن بيتي، عند ~~جامع ابن طولون، فسمرتم ما شاء الله أن تسمروا وهزأتم بشيوخكم في الأزهر ما شاء الله أن ~~تهزءوا، وذكرتم من أنباء صحبكم ما شاء الله أن تذكروا، وتناشدتم الشعر وهجا بعضكم ~~بعضا، وأثنى بعضكم على بعض، ثم آن لكم أن تتفرقوا فبقي أحدكم في بيته وخرجت أنت مع ms062 ~~صاحبك تسعيان في هدوء الليل الساكن وتمضيان فيما كنتم فيه من لغو، وتضحكان من هؤلاء ~~السكارى الذين يتخبطون في هذه الأحياء الوطنية حين يعودون إلى بيوتهم آخر الليل، حتى ~~إذا بلغتما بيتك آويت إليه، ومضى صاحبك وحيدا، يسرع في هدوء الليل كأنه السهم، حتى ~~يبلغ داره في أقصى الظاهر. # كنت أقدر هذا كله وأكاد أثق به، وأكاد لا أشك في أني سألقاك مع صاحبك في بعض الطريق، ~~والله يعلم ما سمعت وقع أقدام من بعد، إلا خيل إلي أنها أقدامكما، ولكني قطعت درب ~~الجماميز حتى انتهيت إلى السيدة دون أن ألقاكما، ثم مضيت نحو جامع ابن طولون، فلم ~~ألقكما، ثم انعطفت حتى مررت ببيت صاحبك، فلم ألقكما، ولم أر في البيت ما يدل على يقظة، ~~ولم أسمع منه ما ينبئني باتصال السمر والحديث. # فمضيت في طريقي يائسا من لقائك محزونا لهذا الفتور الذي لم أستطع أن أمحوه حتى ~~انتهيت إلى بيتي، وليتني لم أنته إليه، لقد كنت ذاهلا حين بلغت البيت فدققت الباب كما ~~تعودت أن أفعل وانتظرت، ثم دققته مرة أخرى ومرة ثالثة، وكان الصوت يتردد في هذه الدار ~~ثم يعود إلي فينبئني بشيء لا أكاد أفهمه، حتى إذا كانت الطرقة الثالثة عاد الصوت ~~إلي ينبئني بما فهمته وارتعت له، عاد الصوت إلي يقول لي: إنك لأحمق، فيم تطرق الباب ~~وليس من ورائه من يسمع لك، ولا من يسرع إليك؟ لقد تحمل من كان في البيت وأصبح البيت ~~خاليا فارغا هادئا ينتظر مقدمك لتملأه وتعمره وتذيع فيه الحركة، لا تعد طرق الباب، ~~فلن يستجيب لك أحد، ولكن أخرج المفتاح وأدره في القفل أمامك، فإذا انفتح لك الباب، ~~فادخل وأغلقه من دونك أو لا تغلقه، فمن يدري! لعلك لا تستطيع مصاحبة لهذه الوحدة ~~المروعة في هذا البيت الذي لم يتعود الفراغ، لن تهديك الخادم الصغيرة بمصباحها الضئيل ~~كما تعودت أن تفعل، فأنت تعلم أنها سافرت مع سيدتها، فأخرج من جيبك علبة الثقاب وأضئ ~~لنفسك ظلمة الطريق واذهب إلى أي الوجهين ms063 شئت، اذهب إلى غرفتك الحرام، فلا بأس عليك من ~~الالتجاء إليها، لن يبلغك فيها صوت، ولن تنتهي إليك فيها حركة. ولن تتحدث فيها إلى ~~صديقك، ولن تلقى فيها إلا كتبك التي لا تحصى، ومن يدري! لعل نفوس المؤلفين لهذه الكتب ~~قد أقبلت جماعات من أعماق الزمان ومن أقطار الأرض، لتؤنس وحشتك في هذه الغرفة الخالية، ~~واذهب إن شئت إلى غرفة نومك فلن ترى في السلم سراجا مضيئا ولن ترى إذا انتهيت إلى ~~أعلى السلم خادمتك الصغيرة مستلقية تغالب النوم وتنتظر مقدمك، ولن ترى في غرفتك امرأتك ~~في سريرها تتكلف النوم وهي مستيقظة، ولكنها لا تريد أن تؤذيك، ولا أن تشق عليك ولا أن ~~تلقي في روعك أنها تأرق حتى تعود إلى غرفتك، فالله يعلم أنها لا تأرق إلا انتظارا لك، ~~وشوقا إليك، ولكنك خليق أن تسيء الظن وأن تقدر أنها إنما تأرق لتحصي عليك الساعات، ~~تستطيع الآن أن تدخل هذه الغرفة لا مترفقا ولا محتاطا فلن توقظ أحدا، ولن يحس مقدمك ~~أحد، ومن يدري! لعل ظلا من امرأتك قد أقام في هذه الغرفة ينتظر مقدمك ويأبى أن يفارق ~~هذا البيت حتى تفارقه أنت لتعبر البحر. # نعم عاد إلي صوت الطرقة الثالثة بهذا الحديث الطويل، في لحظات لا أدري أكن طوالا ~~أم قصارا، ولكن الذي أعلمه هو أني لم أخرج المفتاح ولم أدره في القفل أمامي، ولم يفتح ~~لي الباب، وإنما لبثت قائما أمام البيت بعد أن تردد هذا الحديث في أعماق نفسي، فملأها ~~حزنا ووحشة ورعبا، وأكاد أكتب وندما، ولكني لا أريد أن أعترف بأني أحسست ~~الندم. # لبثت قائما أمام البيت أسأل نفسي أأقدم أم أحجم، أأدخل الدار أم أنصرف عنها، ثم لا ~~أخفي عليك لقد عجزت عن الإقدام وكرهت أن أفتح الباب، ولم أحس شوقا إلى لقاء الظلال، ~~ظلال العلماء والأدباء والفلاسفة، قد أقبلوا يؤنسون وحشتي في الغرفة الحرام. ولم أجد ~~جلدا عن أن ألقى ظل امرأتي في غرفة نومي، وإنما استحييت منه أشد الاستحياء، لم أدخل ~~الدار وإنما ms064 انصرفت راجعا أدراجي، ومضيت أهيم في الطريق أمامي، أخرج من شارع لأدفع إلى ~~شارع آخر، لا أحفل بما قد يظنه بي هؤلاء الخفراء والشرطيون الذين لا أشك في أنهم كانوا ~~ينكرون شخصي الهائم، في مثل هذه الساعات المتأخرة من الليل، ولعل منهم من هم أن يسألني ~~عن أمري، ولكنه لم يجد علي من مظاهر الريبة ما يغريه بهذا السؤال، فخلى بيني وبين ~~الطريق. # وما زلت أهيم وأهيم في غير وجه حتى أحسست يقظة الناس من حولي، وسمعت أصوات المؤذنين ~~تتجاوب بالدعاء إلى الله، فثابت إلي نفسي بعض الشيء مع ضوء النهار، وتكلفت في مشيي ~~ومظهري ما يصرف عني كل ريبة أو شك ومضيت في هيامي، ساعة وبعض ساعة، ثم أنظر فإذا أنا ~~عند قهوتكم هذه التي التقينا فيها مساء أمس، من أين جئتها، وكيف انتهيت إليها، لا أدري، ~~ولكني قد بلغتها وبلغتها متعبا مكدودا، وما كدت أرى هذه الكراسي ينسقها الخادم في ~~شيء من الكسل والفتور حتى أحسست كأن هذه الكراسي تدعوني إلى الراحة، وحتى رأيتني ~~أستجيب لدعائها، وأسرع إلى الجلوس، وأطلب إلى الخادم أن يحمل إلي الشاي، ومن قهوتكم ~~هذه أكتب إليك الآن أيها الصديق، وكنت أريد أن أتحدث إليك عن هذا الفتور الذي أحسسته ~~منك أمس لأمحوه ولأتم معك الحديث الذي كنا فيه والذي قطعته أنا بهذا الضحك المفاجئ ~~السخيف الذي دفعت إليه دفعا والذي أفسد الأمر بينك وبيني، ولكني لم أحدثك إلى الآن إلا ~~عن نفسي وعن ليلتي البيضاء الثانية التي قضيتها في غير راحة ولا أمن ولا هدوء، على حين ~~لهوت أنت مع صاحبيك ثم استمتعت بالراحة والنوم، وها أنت ذا الآن تستقبل النهار نشيطا ~~مستريحا مبتسما للحياة، تريد أن تمضي فيما تعودت أن تمضي فيه من القراءة أو الدرس، أو ~~تريد أن تخرج للقاء صاحبيك أحدهما أو كليهما. أو تريد أن تنتظرهما فلعلهما أن يزوراك ~~ليخرجاك أو ليبقيا معك. ألست ترى أنك أثر مسرف في الأثرة وأنك تترك صديقك يحتمل وحده ~~أثقال الشقاء؟ ألست ترى ms065 أن من حق صديقك عليك أن تسرع إليه فتسمع منه، وتقول له، وتسليه ~~وتواسيه، فإنه سيشقى وحده دهرا طويلا حين يعبر البحر إلى تلك البلاد التي ليس له فيها ~~صديق؟ # سأرسل إليك هذا الكتاب مع خادم القهوة، وسأنتظر بعد إرساله ساعة فمن يدري لعلي أراك ~~مقبلا مع غلامك الأسود الصغير ... # دخل علي بهذا الكتاب غلامي الأسود الصغير هذا وأنا أتهيأ للخروج، وكنت كما قدر ~~صاحبي على موعد من صديقي لنذهب إلى دار الكتب، ولكن الغلام لم يكد يفرغ من قراءة هذا ~~الكتاب علي في لهجته الأسوانية التي كانت تضحكني عادة لأنها تجعل القاف غينا والغين ~~قافا والتي لم تضحكني اليوم وإنما آذتني وملأت صدري حرجا، لم يكد يفرغ من قراءة ~~الكتاب حتى خرجت معه ولكن لا إلى قهوة دار الكتب حيث كان ينتظرني صديقاي، بل إلى قهوة ~~الزاوية حيث كان ينتظرني صاحبي هذا الشقي. # 10 # ألم أقل لك أول أمس إني سأصبح بطلا قبل أن ينتصف النهار من غد؟ فإني قد صرت بطلا ~~منذ أمس وما أظنك تماري في ذلك بعد أن قرأت الكتاب الذي أرسلته إليك منذ حين، قال ذلك ~~وضرب المائدة أمامه بعصاه ضربا خفيفا، فلما أقبل الخادم طلب إليه إبريقا من الشاي، ~~ثم استأنف حديثه متعبا مكدودا وفي صوته شيء غير قليل من التكسر والفتور، قال: نعم لقد ~~صرت بطلا منذ أمس، بطلا لقصة قد تكون كلها جدا وقد تكون كلها هزلا وقد تكون مزاجا ~~من هذا وذاك ولكنها قصة لا بد لها من بطل على كل حال، وقد أردت أو أرادت الظروف أو أراد ~~القضاء الخفي أن أكون هذا البطل، فليس من الأشياء الهينة أن يقدم الرجل على طلاق امرأة ~~يحبها ويؤثرها ويعرف لها جميلا لا يستطيع أن يقدره ولا أن يكافئها عليه، ليس هذا من ~~الأشياء الهينة ولا سيما حين تكون هذه المرأة كريمة النفس رضية الخلق طاهرة القلب نقية ~~الضمير لا يأخذها زوجها بخطيئة ولا يتعلق عليها بسيئة ولا يلقى منها إلا ما يسره ms066 ويبره ~~ويرضيه، ومع ذلك فقد أقدمت على هذا الشيء الخطير إيثارا للعلم وإن شئت فقل إيثارا ~~للرقي وارتفاع المنزلة، وإن شئت فقل اجتنابا للكذب على الجامعة وفرارا من الخيانة ~~الممكنة، بل الراجحة، بل المحققة. وأنا أعلم أنك قد أنكرت علي هذا وأنك كنت تجادلني ~~فيه، ولكن تلك الضحكة التي لقيتك بها حين انتهيت إلى بعض الحديث قد قطعت علي وعليك ~~هذا الجدال وكادت تفسد ما بينك وبيني من الأمر. # فالآن وقد قرأت كتابي وعرفت من أمري ما عرفت وزال من نفسك هذا النفور الذي كنت أحسه ~~أمس فقد نستطيع أن نعود إلى هذا الحديث لتعلم أني لم أكن مخطئا فيما كنت أعتزم وأني ~~لست مخطئا فيما تممت عليه من فراق امرأتي قبل أن أرحل إلى أوربا، وأقبل الخادم يحمل ~~الشاي فملأ منه قدحا لي وقدحا له وهو يقول هذا خامس أقداح الشاي التي شربتها منذ بلغت ~~هذا المكان في أول النهار. # ثم عاد إلى حديثه من حيث انقطع حين كنا نتحاور في داره، قال: لقد كنت تلومني على أني ~~أقدر الإثم وأفكر فيه وأعلم منذ الآن أني سأقترفه وأتهيأ لفراق امرأتي لاقترافه، وكنت ~~ترى الإصرار على هذا كله خطيئة بل كفرا وخروجا من الدين، وكان حديث الكفر يدهشني لأني ~~لم أكن أنتظره منك بعد أن عرفتك حر الرأي غاليا في التجديد، فلا تغضب إن أظهرت هذا ~~الدهش، وعد بنا إلى خلاصة الحديث فأيهما خير؟ أن يعرف الإنسان مكانه من القوة والضعف ~~ونصيبه من القدرة والعجز، وأن يحتاط لما يعرف من ذلك فلا يقترف من الآثام ولا يجترح من ~~السيئات إلا ما لا يجد منه بدا ولا عنه منصرفا، أم أن يخدع الإنسان نفسه ويغره بها ~~الغرور فيضيف إليها الخير وليست بخيرة ويثبت لها الفضيلة وليست بفاضلة ويحملها ما تطيق ~~وما لا تطيق، ويقترف من الآثام ما يستطيع أن يجتنبه ويتقي التورط فيه، وما رأيك في أني ~~أعرف من نفسي مواطن الضعف وأقدر أن الحياة الجديدة في ذلك الذي أنا راحل ms067 إليه ستمحو ~~منها هذا المقدار اليسير الذي بقي لها من رعاية العادات والاحتفاظ بالتقاليد والحرص على ~~ما تواضع الناس على أنه الخير، وستغمرني أمواجها الزاخرة المصطخبة فلا أقوى على دفعها ~~ولا مقاومتها وإنما أعيش كما يعيش الناس وآتي من الخير القليل والشر الكثير ما يأتون، ~~أفإن صارحت نفسي بالحق وأخذتها بأن تحتمل وحدها أوزار أعمالها كنت خاطئا ممعنا في ~~الخطيئة وكافرا مسرفا في الكفر، فإذا ضللت نفسي تضليلا وغررتها تغريرا وزينت لها ~~وللناس أني سأكون في فرنسا خيرا مما أنا في مصر تقيا نقيا وبرا طاهر القلب، وأنا ~~أعلم أن ذلك لن يكون مهما أحاوله وأعلم قبل ذلك أني لن أحاوله لأني لن أستطيع التفكير ~~في محاولته، أفإن عمدت إلى هذا التضليل والتغرير برئت من الخطيئة ونجوت من إثم الكفر ~~والمروق، ألست ترى في هذا النحو من التفكير والفهم والحكم عوجا والتواء؟ قلت: لا أدري ~~ولكني أوثر الرجل أن يقع في الخطيئة إن لم يكن له بد من الوقوع فيها على غير علم بذلك ~~ولا تهيؤ ولا تفكير فيه، وأرى في هذا الاستعداد للإثم بدءا في اقترافه وفي هذا التهيؤ ~~للإساءة شروعا في الإساة وفي هذا التفكير في الشر قبل أن يقع مع أن من الممكن ألا يقع ~~استعدادا رديئا للشر وإلحاحا آثما في دعائه، وقد كان يحسن ألا تدعوه. والأمر لا يقف ~~في رأيي عند الدين ولا عند الكفر والإيمان ولا عند رعاية العادات والاحتفاظ بالتقاليد ~~والأخلاق، وإنما هو يتجاوز هذا كله إلى شيء لا أدري كيف أصفه، ولكن صورته تقع من نفسي ~~موقعا سيئا، فقد يخيل إلي أن الإنسان المتحضر المثقف خليق ألا يتجرد ولا يعرى حتى ~~أمام نفسه إن وجد إلى ذلك سبيلا، وقد يخيل إلي أن حياء الرجل المثقف من نفسه هو خير ~~أنواع الحياء وأرقى منازله، وقد يخيل إلي أن في مواجهتك لهذا الشر الذي لم تعرفه ولم ~~تدفع إليه بعد وفي تأهبك له، شيئا من الخروج عن هذا الحياء الذي لا ينبغي للرجل ~~المتحضر ms068 المثقف أن يبرأ منه. # قال: فأنت تريد أن تقول إني وقح أمام نفسي، فليس غريبا أن أكون وقحا أمام الناس! ~~قلت في شيء من التحفظ: هو ذلك، بل إن في الأمر ما هو أغرب من هذا، فإنك لا تظهر وقحا ~~أمام الناس، وما أعرف أن أحدا أساء الظن بك أو شك في سيرتك أو رماك بالخلاعة أو اتهمك ~~بالمجون، فأنت إذا تظهر للناس غير ما تضمر، وأنت إذا تكاشف الناس بما لا تكاشف به ~~نفسك، وأنت إذا خليع ماجن، ولكنك تظهر للناس أنك صاحب جد واحتشام. قال وقد عاد إليه ~~نشاطه واستأنف ضحكه العريض: فإني يا سيدي خليع ماجن، ما أرى في ذلك عيبا وما أشك في ~~أني عظيم الحظ منه، وإذا أخفيت على الناس فما أخفيه إلا اتقاء لشر الناس وإيثارا ~~لمنفعتي ليس غير، فقل إني وقح في السر، وقل إني رجل لا حظ له من الحياء، فأنت إن قلت ~~ذلك لم تعد الحق ولم تؤذني؛ لأنك لست كغيرك من الناس، ولأنك لا تملك أو لا تستطيع أن ~~تؤذيني وأن تفوت علي حظي من الخلاعة والمجون، وأنا على هذا كله أرى أني أقرب إلى ~~الخير من قوم لا يظهرون خلاعة ولا مجونا، ولا يكشفون للناس ولا لأنفسهم عما يطوون من ~~سرائر بغيضة ونيات آثمة خبيثة، فأنا أريد أن أحتمل وحدي وزر خلاعتي وثقل مجوني، وأنا ~~أعلم أن حساب ذلك بيني وبين ضميري أو بيني وبين الله، ولكني لا أحب أن أمسك امرأتي، ~~فأحملها ثقل ما أقترف من الآثام والسيئات، وأخونها وأنا أزعم لها أني وفي، إني لا ~~أعلم أني ما خنتها منذ اتخذتها زوجا على كثرة ما نازعتني نفسي إلى الخيانة، ومن يدري! ~~لعل حظي من الحياء أمام نفسي أكثر مما تظن، ومن يدري! لعل حظي من هذه الأخلاق الأخرى ~~التي تعصم الرجل من الخلاعة والمجون أكثر مما تظن أيضا، وإني لأقيس نفسي إلى صاحبك هذا ~~الشيخ ما كاد يظفر بالإجازة التي تجعله من علماء الدين وتضمن له أجرا ms069 يوسع عليه في ~~الحياة ويمكنه من الترفيه على نفسه، حتى أقدم على ما تعلم وما لا تعلم من الآثام ~~والخطايا والخصال التي لا تلائم علما ولا دينا ولا خلقا. فهو يغرق في المجون والإثم ~~إلى أذنيه حين تمكنه الفرصة، فإن لم تواته دعاها واتخذ إليها الوسائل والأسباب، وهو في ~~الوقت نفسه يخطب فتاة كريمة من أسرة كريمة ويظهر لهذه الفتاة البريئة وأسرتها أنه أطهر ~~الناس سيرة وأعفهم لسانا وقلبا ويدا، وهو في الوقت نفسه يتكلف الوقار والاحتشام ~~ويظهر الإيمان والنسك، ولا يكاد المؤذن يتم أذانه حتى يكون في المسجد قد سبق إلى الصف ~~الأول، ولا تراه في مجلس من مجالس العامة ولا في ناد من الأندية إلا وفي يده سبحة ~~يعبث بها، أو كتاب من كتب العلم أو الدين ينظر فيه أو ينصرف من النظر فيه وكأنه قد أكره ~~على هذا الانصراف إكراها، أنا يا سيدي خير من هذا الشيخ في نفسي، وخير منه في نفسك، ~~وخير منه عند الله. # قلت ضاحكا: أما أنك خير من هذا الشيخ في نفسك وفي نفسي فهذا شيء ليس فيه شك، وأما ~~أنك خير منه عند الله فالله وحده يعلم هذا، وما أرى إلا أن كليكما شر من صاحبه، وما أرى ~~أن الوقاحة في الإثم خير من النفاق، ولا أن النفاق في الإثم خير من الوقاحة، إنما ~~أمركما كحماري العبادي قيل له أيهما شر؟ فقال: هذا ثم هذا. # قال وقد أرسل من فمه ضحكة ملأت القهوة، وما أشك في أنها لفتت إلينا من كان فيها من ~~الناس: ليس هذان الحماران سواء يا سيدي، بل إن بينهما شيئا من الاختلاف، فأما أحدهما ~~فقد ينفق النهار لا يذوق طعاما وقد يأرق الليل لا يذوق نوما، حتى إذا استقبل الصبح ~~وأدركه الضعف وأضناه الأرق والتفكير استعان على الضعف والضنى بأكواب من الشاي يحسوها ~~هادئا رفيقا، ثم يخوض معك في أحاديث العلم والدين، ويجادلك في الأخلاق وفلسفة ~~الأخلاق؛ فهو حمار مثقف متحضر، إن جاز للحمير أن تأخذ بحظ ms070 من ثقافة أو حضارة، وأما ~~الآخر فهو الحمار الذي ذكره القرآن، يحمل الأسفار ويشقى بثقلها ولا يعي ولا يفقه مما ~~فيها شيئا، لو قد رأيته منذ حين في هذا المكان الذي لم يبرحه بعد لوليت منه فرارا ~~ولملئت منه رعبا، إذا لرأيت حيوانا قد أقبل على طعامه من الفول والبصل كما يقبل ~~الحمار على طعامه من اليابس والأخضر، وهو يلتهم الفول التهاما، ويقضم البصل قضما، ~~وبين يديه هذا الغلام الذي لا يزال معه إلى الآن يأكل متحفظا مستخذيا من نفسه ومن ~~مكانه بين يدي هذا الشيخ أمام الناس، ثم يفرغان من الالتهام والقضم، ومن الازدراد ~~والخضم، ويحمل إليهما الشاي فإذا الغلام يتناوله في أناة ومهل، وإذا شيخك الحمار أو ~~حمارك الشيخ لا يكاد يملأ القدح حتى يلقيه في جوفه إلقاء كما يصب الماء من النوافذ على ~~الأرض صبا، وأقسم لقد رأيته منذ حين يقبل على هذه القهوة ضعيفا مكدودا ويسعى إلى ~~مجلسه منها بطيئا متهالكا، ثم يلقي نفسه على كرسيه إلقاء، كأنه عجز عن أن يمسك جسمه ~~على ما ينبغي له من اعتدال القامة، فخر على كرسيه كما ينقض البناء، أقسم لقد رأيته يقبل ~~ثم يسعى ثم ينهار على هذه الحال، فما شككت في أنه أنفق ليله أو أكثر ليله في غير النوم ~~وفي غير ما يأرق له النساك والصالحون، وفي غير ما يسهر له العلماء والمفكرون، وفي غير ~~ما أنفقت فيه ليلي من ألم وندم ومن هيام واضطراب في الأرض، ثم لم يكد يستقر ويستقر ~~غلامه هذا بين يديه، حتى أقبل الخادم فسمع منهما كلاما ثم انصرف، وأقبل صاحب الفول ~~يحمل آنيته وطعامه وحزما من البصل، وانكب الشيخ على ما قدم إليه لا يعقل ولا يعي ولا ~~يستأني ولا يكاد يمضغ أو يذوق، إنما هي يد تنقل الطعام من مكانه على المائدة لتلقيه في ~~مكانه الآخر من جوفه، حتى إذا امتلأ واكتظ وحاول أن يطفئ نار الهضم بهذه الأقداح من ~~الشاي التي ألقاها في حلقه إلقاء، تهالك على كرسيه ms071 كما أراه الآن لا نائما ولا يقظان، ~~وإنما هو شيء بين ذلك، وغلامه جالس بين يديه يرمقه في خزي وازدراء، ثم ينظر في صحيفته ~~ويشغل نفسه عنه بالقراءة، والله يعلم إلى أين يذهبان إذا قاما، والله يعلم فيم ينفق ~~شيخك الحمار أو حمارك الشيخ نهاره، وأكبر الظن أنه سيكذب ويمكر ويكيد، ويسعى بين الناس ~~بالشر، ويظهر الطاعة والعبادة بين ذلك، فيؤدي الصلوات في أوقاتها، ويضع جبهته حيث يريد ~~الله لها أن توضع في هذا المسجد أو ذاك من المساجد التي تلقاه في بعض الطريق كلا! ليس ~~الحماران سواء يا سيدي، أحدهما حمار متحضر مثقف، والآخر حمار وحشي غليظ. # قلت وقد أغرقت في الضحك: هما حماران على كل حال، ولكن صورة الحمار الوحشي تعجبني من ~~الناحية الفنية. # قال: كل يصف حماره الوحشي كما يستطيع، فما أظنك تريدني على أن أصفه كما كان الشعراء ~~الأقدمون يصفون حمرهم الوحشية، وإنك لتعلم أن أولئك الشعراء كانوا يرون حمرا تمشي على ~~أربع، أما نحن فنرى حمرا تمشي على رجلين، ثم صب لنفسه قدحا من الشاي وأخذ يدير ~~الملعقة فيه مستأنيا بطيئا، كأنما يأتي عملا آليا على حين قد شردت نفسه وفارقته ~~إلى مكان بعيد، وسكت عنه حينا فلم يتحدث، ومضيت في الصمت فمضى فيه ومضت يده تدير ~~الملعقة في القدح، حتى إذا أنكرت منه ذلك قلت له: ويحك! ماذا تصنع وفيم تفكر؟ قال: يا ~~سيدي إن الحمر لا تفكر، ثم ألقى الملعقة من يده وأخذ يحسو الشاي مصمما على الصمت ~~وماضيا فيه، قلت: فإني أغضبتك حين شبهتك مع صاحبك بحماري العبادي، فلا بأس عليك، ~~فواحدة بواحدة. لقد أغضبتني أول من أمس ثم اعتذرت إلي، وقد أغضبتك الآن وأنا أعتذر ~~إليك، فعد إلى مثل ما كنا فيه من الحديث. # قال: ما أغضبتني وما أكره أن أكون حمارا ما دمت أعرف أني حمار مثقف متحضر، فارتفاع ~~القامة في السماء وانحناء الجسم إلى الأرض والمشي على رجلين أو على أربع، كل ذلك لا ~~يعنيني ما دمت أجد اللذة ms072 والألم في الحس والشعور والتفكير، أتدري ماذا كنت أصنع حين ~~أقبلت علي آنفا؟ قلت: لا. قال: فإني كنت أتحدث إلى امرأتي فأطلت الحديث، ثم أحسست ~~أنها لن تفهم من حديثي شيئا، فطويت كتابي وتحدثت إلى أبي في الأسطر القصيرة التي ~~أقرؤها عليك، ثم أخذ يقرأ: # والدي العزيز ... # إذا انتهى إليك كتابي هذا، فستجد معه صك الطلاق، فإني قد طلقت حميدة أمس على ~~كره مني؛ لأني لا أدري كم يطول مقامي في أوربا، وما أحب أن أفرض عليها حياة ~~معلقة مع أنها لم تجن ذنبا ولم تقترف إثما، وما لها تتعذب لأني أريد أن ~~أتعلم، وتشقى لأني أكلف بالاغتراب! وإني لمحزون لهذا الطلاق الذي أقدمت عليه، ~~ولكن لا بد مما ليس منه بد. فاقرأ عليها تحيتي وعذري واستوص بها وبأهلها خيرا، ~~والسلام عليك ورحمة الله. # ثم قال: وكذلك يا سيدي أديت في هذا اللفظ القصير السخيف معان لا تتسع لها الكتب ~~الطوال؛ لأن الله قد أراد ألا يفهم الناس عن الناس، وأن تظل بينهم الحجب الصفاق، فهم ~~يعيشون ويتعاملون ويعتقدون أنهم يعيشون معا وأنهم يتعاونون على الحياة، وإن لكل واحد ~~منهم لبرجا من العاج يعيش فيه لا يظهر عليه أحد ولا يظهر هو منه على إنسان. # قلت: وكتابك إلى امرأتك ماذا صنعت به؟ قال: طويته، وماذا تريد أن أصنع به إلا أن ~~أمزقه وأرميه في النار؟ قلت: فألقه إلي إن لم تجد بذلك بأسا. قال: وأي بأس أن تلتهمه ~~أنت أو أن تلتهمه النار! سواء علي، ولكن لا تطلب إلي أن أقرأ عليك هذا الكتاب، فخذه ~~وليقرأه عليك غلامك الأسود متى شئت، أما أنا فإني متعب مكدود، وأظن أن قد آن لي أن ~~أنصرف عنك، فليس بد أن يخلو هذا البيت مما فيه من الأثاث، قلت: ستنصرف عني، وستخلي بيتك ~~من أثاثه ولكن بعد أن تستريح، فأنفق معي بقية اليوم وافرغ لأمرك إذا كان الغد وقم ~~فلننصرف إلى بيتي؛ فلعلك تظفر فيه ببعض الراحة. # ثم نهضنا متثاقلين، وخرجنا متباطئين، فلما جاوزنا ms073 الباب قال في ضحك خفيف: ما زال ~~حمارك الشيخ أو شيخك الحمار في ركنه يقظان كالنائم، ونائما كاليقظان! # 11 # يونيو في ... # لم يئوني البيت منذ فارقتك ظهر أمس يا حميدتي العزيزة، ومع ذلك فقد قضيت فيه وقتي كله ~~منذ انصرف بك القطار عن القاهرة إلى هذا الوقت الذي أكتب إليك فيه وقد كاد يرتفع الضحى، ~~ذلك أن في نفسي صورة لا تريد ولا أريد أنا أن تفارقني، وهي صورتك قبل الرحيل وقد انتحيت ~~ناحية من غرفتنا ووقفت واجمة لا تنطقين، ثم لم أكد أقبل عليك وأدعو باسمك حتى رفعت ~~إلي عينا مثقلة لا تريد أن ترتفع، ثم انهمرت دموعك انهمارا صامتا لا يتبعه ما يتبع ~~دموع النساء عادة من زفير وشهيق. وقد نظرت إليك وأنت في هذه الحال ساعة لم أقل لك ~~شيئا ولم أقل لنفسي شيئا، وإنما وجمت كما كنت واجمة، ثم انهمرت دموعي كما انهمرت ~~دموعك، ثم قام كل منا في مكانه لحظات لا أدري أكانت طوالا أم قصارا، ولكنها كانت ~~لحظات صمت عميق يغمره دمع غزير. ثم سعيت إليك في رفق فضممتك إلي وطوقتك بذراعي، فلم ~~تقولي شيئا وإنما أسندت رأسك إلى كتفي وظل دمعك ينهمر سخينا غزيرا ثم أخذت رأسك بين ~~يدي، ولثمت عينيك كأنما أريد أن أشرب دمعك شربا، ثم قبلت جبهتك وخديك، ثم ضممتك إلي ~~مرة أخرى فقبلتني ثم افترقنا ومضى كل منا في الاستعداد للرحيل. # لم تفارقني هذه الصورة أو هذه الصور ولا أريد أن تفارقني، فما زلت منذ أمس أنظر إليك ~~واجمة وأرى دموعك تنهمر ثم أراك بين ذراعي تذرفين دموعك على كتفي، ثم أراني أقبلك وأراك ~~تقبلينني، ثم أراك تسعين في الغرفة ذاهبة جائية تهيئين متاعك في صمت متصل لا يقطعه شيء ~~حتى ولا زفرة من الزفرات، ولقد اضطربت في المدينة بقية النهار وشطرا من الليل ولقيت ~~كثيرا من الناس فتحدثت إليهم وسمعت منهم، وخيل إلي أنهم يفهمونني وخيل إلي أني ~~أفهمهم، وخيل إليهم في أكبر الظن أني كنت كما تعودوا ms074 أن يروني دائما ثرثارا ساخرا ~~متصل العبث والمزاح ولكن الله يشهد ما خلصت لواحد منهم ولا خلص لي واحد منهم، وإنما ~~كنت أمنحهم بعض نفسي أو كنت أمنحهم أيسر ما يستطيع الرجل أن يمنح من نفسه. وكنت أرى أن ~~هذا يكفي لأفهم عنهم وليفهموا عني، وكانت خلاصة نفسي مملوءة بك منصرفة إليك تملؤها هذه ~~الصورة وتمتزج بها امتزاجا حتى لكأنها هي، ولست أدري: أتعرفين أني كثير التفكير ~~والتحليل، وأني لا أحس شيئا ولا أجده إلا فكرت فيه وحاولت تحليله وتعليله! ولكن كيف ~~تعرفين ذلك أو تقدرينه ولم يكن بينك وبيني إلا أيسر ما يكون من الصلات بين الأزواج، ~~فأنت لا تعرفين من أمري إلا أقله وأيسره، وأنا لا يفوتني من أمرك إلا أقله وأيسره، لست ~~أدري أتعرفين أني كثير التفكير والتحليل؟! ولكن حين رأيت إلحاح هذه الصورة علي ~~ولزومها لنفسي وامتلاكها لقلبي وامتلاء خواطري بها وأحسست ما كان بينها وبين نفسي من ~~الامتزاج، أخذت أفكر فيم يقوله بعض الناس من أصحاب التصوف حين يتحدثون عن امتزاج الظرف ~~بالمظروف والعقل بالمعقول والفكر بموضوع التفكير، ولكن فيما أتحدث إليك يا حميدة ~~البائسة؟ إني لأقص عليك سخفا لا يغني ولا يستطيع أن يبلغ سمعك ولا أن يستقر فيه ولا أن ~~يتجاوزه إلى قلبك الحزين، وما أنت وما هذا الكلام؟ وما أنا والتحدث به إليك؟ وإنما أريد ~~أن أرسل إليك كتابا كله حب وكله بر وكله حنان. فأين هذا مما أخذت أهذي به وأخوض فيه؟! ~~أفكتب علينا ألا تلتقي نفسانا فيطول بينهما اللقاء؟ أفكتب علينا ألا يكون بيننا ~~الامتزاج الحلو الذي لا يخفى معه من أحدنا شيء على صاحبه، لا من حسه حين يحس، ولا من ~~شعوره حين يشعر، ولا من تفكيره حين يفكر؟! أفكتب علينا أن تلتقي أجسامنا وألا تلتقي ~~نفوسنا إلا لحظات قصارا في نظرات قصار سراع كأنما نختلسها اختلاسا؟ ولكن أتفهمين عني ~~ما أقول؟ أتحسين ما أحس؟ أتجدين ما أجد؟ إني لم أتعود أن أتحدث إليك مثل هذا الحديث ~~وإنما تعودت ms075 ألا أتحدث إليك إلا قليلا، ولا أتحدث إليك إلا في أيسر الأشياء وأدناها ~~إلى السخف وأشدها اتصالا بشئون حياتنا المادية مما يمس شئون البيت، ما أذكر أني تحدثت ~~إليك في الحب، وما أعلم أنك تحدثت إلي فيه. كنت أرى أنك لن تفهمي عني إذا تحدثت إليك ~~بما أجد، وكان الحياء يمنعك من أن تتحدثي إلي ببعض ما تجدين، وكنا نكتفي بالنظرات ~~الحلوة القصيرة يملؤها الحنان، وكنا نكتفي بحلاوة الصوت ولين الألفاظ وعذوبة النبرات ~~حين نتحدث في أي شأن من الشئون ليشعر كل منا بما يجب من الحب والعطف ومن الحنو ~~والإخلاص وكانت حياتنا على هذا النحو صريحة واضحة في شئونها المادية، وكانت رمزا أو ~~شيئا أشد غموضا من الرمز فيما يمس شئون القلب والنفس والضمير؛ ولعلنا لم نشعر قط بأن ~~لنا شيئا من حياة القلب والنفس والضمير، فلم نفكر قط في تحليل ما بيننا من صلة أو في ~~تأويله وتعليله. ومتى كنا نستطيع أن نفكر في ذلك وقد كنت مشغولا عنك بالعمل والكتاب، ~~وكنت مشغولة عني بالبيت، وكنا لا نلتقي إلا لنتحدث فيما يتحدث فيه الأزواج من الأمور ~~غير ذات الخطر التي لا تمس قلبا ولا نفسا ولا ضميرا، ماذا أقول! وإلى من أكتب؟ وإلى ~~من أسوق هذا الحديث؟ أترين أنك تفهمين عني هذا الكلام؟ وما أظن! فكيف تفهمينه وأنت ~~تسمعينه لأول مرة؟ ومع ذلك فإني شديد الحاجة إلى أن أتحدث إليك كما تعودت أن أتحدث إلى ~~نفسي بهذا الأسلوب العسير الدقيق، وعلى هذا النحو الذي لا ينقصه العوج ولا ~~الالتواء. # ومع ذلك فقد كان يسيرا كل اليسر هذا المعنى الذي أردت أن أتحدث به إليك حين بدأت هذا ~~الكتاب، فقد كنت أريد أن أنبئك بأني لم أستطع أن أستقر في بيتنا بعد فراقك؛ لأني وجدت ~~فيه وحشة نفتني عنه وجعلت مقامي فيه مستحيلا، فهمت في المدينة وتلمست السلوة عند ~~الأصدقاء بقية النهار وطول الليل. ولم أستطع مع هذا أن أنسى البيت أو أنسى غرفتنا فيه ~~أو أنسى صورتك في ms076 هذه الغرفة طول هذا الوقت برغم الاضطراب في الأرض والاختلاف إلى ~~الأندية والاتصال بالأصدقاء. # هذا ما كنت أريد أن أتحدث به إليك حين أخذت أسطر هذا الكتاب؛ فهو يسير سهل كما ترين، ~~ولكني مع ذلك لم أكن آخذ فيه حتى تعقد والتوى بي أو التوى علي، ودفعني إلى أنحاء من ~~التفكير ومذاهب من القول بعدت بي عن الغاية ولم أخلص منها، ولم أعد إلى ما كنت أريد إلا ~~بعد مشقة وعناء. وكذلك أنا في حياتي الشاعرة مضطرب ملتو كثير الاستطراد، لا أفكر في ~~شيء إلا أثار لي أشياء، ولا آخذ في مذهب إلا التوى بي إلى مذاهب تشق شقا من نواحيه، ~~فأنا أيامن مرة وأياسر أخرى، وربما نسيت الطريق التي أخذت فيها أول الأمر، ومضيت في ~~الاستطراد إلى غير أمد. # وكذلك أنا في حياتي العملية لا آتي أمرا إلا أثار لي أمورا وفتح لي أبوابا من ~~النشاط مختلفة الجهات بابا بابا. ولعلي ألج واحدا منها فلا أخرج منه، وإنما تفتح لي ~~أبواب أخرى، فأنا مضطرب حين أفكر، وأنا مضطرب حين أعمل، وأنا مضطرب حين أقول. والغريب ~~أني أستطيع مع هذا الاضطراب كله أن أعرف لحياتي وحدة وأن أتبين لها طريقا متشابهة ~~تنتهي أو تريد أن تنتهي إلى غاية مقاربة. ماذا أقول؟ هأنذا قد بعدت عنك وعما أكتب إليك ~~من أجله، وفرغت لنفسي أو شغلت بها، فأنا أدرسها وأسرف في درسها وتحليلها، وإن كنت أعلم ~~أن لدي من الوقت ما يكفي للنظر في المرآة ولأرى هذه النفس التي أحب وأكره أن أراها، ~~وليس لدي من الوقت ما يسمح لي بالتحدث إليك فيما أريد إلا القليل. ومن يدري! لعل نفسي ~~غير الشاعرة التي تجور بي عن القصد وتنحرف بي عن الطريق المستقيمة لأنها تشفق من المضي ~~إلى الغاية التي من أجلها أكتب، تشفق عليك وتشفق علي أيضا. فإن الأمر الذي أريد أن ~~أتحدث إليك فيه ثقيل خطير، ما أحسب أنك تقوين على استماع حديثي فيه، وما أشك في أني ~~محتاج إلى شيء ms077 كثير جدا من الشجاعة والجلد لأمضي في هذا الحديث. وكذلك ترفق نفسي غير ~~الشاعرة بنفسي الشاعرة، وتحميها من بعض ما تكره، وتريد أن تؤخر عنها العذاب. فما أشد ~~سلطان الأثرة علينا! وما أشد استئثار الضعف بنفوسنا! وما أشد امتلاك الخوف لقلوبنا ولا ~~سيما حين نزعم أننا أقوياء وحين نريد أن نظهر الناس على أننا أقوياء! ولولا ذلك لما ~~تكلفت هذا الكلام الطويل، ولما دفعت إلى هذا القول الملتوي حين أحاول أن أنبئك بنبأ ~~مهما يكن ثقيلا خطيرا فهو واضح لا غموض فيه، ولكن أستحي منك وأستحي من نفسي وأشفق من ~~الصراحة فأتقيها بالفلسفة والتواء الكلام، فلأتشجع إذا ولتتشجعي أنت أيضا، ولأقل إذا ~~ولتسمعي أنت ما أريد أن أقول! إن القلم ليضطرب في يدي، وإن يدي لتجمد فلا تكاد تتحرك، ~~وإني لمحتاج إلى أن أكف عن الكتابة حينا لأسترد القوة والجرأة والنشاط. وهأنذا أستأنف ~~الكتابة وأدافع عن نفسي دفاعا شديدا لأحول بينها وبين الاستطراد، ولأكرهها على المضي ~~فيما تلتمس الفراغ منه، ولأحملها على أن تقسو عليك وعلي فنلقي إليك بهذا النبأ وهو ~~أننا لن نلتقي بعد اليوم. # أف! لقد ألقيت العبء وتخففت من الثقل، واستطعت أن أتنفس في غير حرج ولا ضيق، وأحسست ~~كأني أصبحت طليقا حرا وقد كنت مقيدا مغلولا؛ لا لشيء إلا لأني ألقيتك إليك هذا ~~النبأ بعد أن كنت أتحرج من إلقائه، وأصبحت ملزما أن أعلله لك وأن أفسره وأن أرد عن ~~نفسي ما سيثور في قلبك من الشبهات. وأنا أعلم أنك لن تصدقيني ولن تؤمني لي ولن تقبلي ~~شيئا مما أقول، ولكن أقسم مع ذلك ما طلقتك عن قلى ولا فارقتك عن زهد فيه أو رغبة عنك ~~أو نفور منك. وإني أقسم ما أحببتك قط كما أحبك الآن، وما آثرتك قط كما أوثرك الآن، وما ~~عرفت سلطانك علي ويدك عندي كما عرفتهما الآن. بل أقسم إني لأحس كأنما أشطر قلبي ~~شطرين، فأحفظ شطره في صدري وأرسل شطره الآخر إلى مكان بعيد في أعماق الريف حيث لا يتاح ms078 ~~لي أن ألقاه، بل أقسم ما طلقتك إلا حبا فيك وإيثارا لك وضنا بك على ما أكره. ولأكن ~~صادقا كل الصدق؛ فإن الضعف والعجز والخور، كل هذه العيوب هي التي تدفعني إلى أن ~~أفارقك أشد ما أكون لك حبا وأعظم ما أكون لك حبا وأعظم ما أكون عليك حرصا. لم ~~أستطع أن أوثرك على أوربا فأبقى معك، ولم أستطع أن أطمئن إلى أني سأكون وفيا إذا عبرت ~~البحر فأحتفظ بما بيننا من صلة الزواج. ولست أريد هذا الوفاء الخلقي الذي يتصل بالنفس، ~~فأنا واثق بأني قادر عليه، بل أنا واثق بأنه سيعذبني وسيكلفني آلاما وأسقاما، إنما ~~أريد الوفاء الكامل الشامل الذي يملك النفس كلها والقلب كله والضمير كله والجسم أيضا، ~~أريد هذا الوفاء الذي لا يبيح شركة ولا توهمه للشركة ولا تفكيرا فيها، وأنا آسف أشد ~~الأسف محزون أشد الحزن؛ لأني أعلم أني سأتعرض للفتنة إذا عبرت البحر، وأن بعض اللحظ ~~سيمس قلبي، وأن بعض الجمال سيستهويني، وأن بعض الشر سيدفعني إلى شيء من الغي. وما أحب ~~أن أعرض حبك، أستغفر الله، بل ما أحب أن أعرض زواجنا للإثم والفساد، لا أستطيع أن أخفي ~~عليك ما قد أقترف من إثم؛ لأني لم أعودك ولم أعود نفسي الكذب، ولا أستطيع أن أعترف لك ~~بما قد أقترف من إثم؛ لأني إن فعلت آذيتك في غير حق وفي غير جدوى، وعرضت ما بيننا ~~للفساد. وأنا إن كذبت عليك أهنت نفسي بالكذب، وإن اعترفت لك أهنت نفسي بالاعتراف، وإذا ~~فما لي لا أستقبل الحياة شجاعا جريئا مستمتعا بلذاتها محتملا لتبعاتها! كم كنت أريد ~~أن أكون قويا قادرا على أن أقاوم الشر وأعاف الإثم، وأحتفظ بقلبي طاهرا نقيا، ~~وبجسمي عفيفا نظيفا، وأردهما إليك بعد العودة كما ارتحلت بهما عنك أول الرحيل، ولكني ~~عاجز عن ذلك، أو عاجز عن الاطمئنان إلى ذلك. والغريب أن من الممكن أن أعبر بحر الغواية ~~ولا أغوى، وأن أقضي أعوام الغواية نقيا طاهر القلب، وأن أكون قد شققت على نفسي بهذا ms079 ~~الحرج وحملتها ما كنت أستطيع ألا أحملها، هذا ممكن ولعله أن يكون، ولكني لا أكتفي ~~بالممكن ولا أطمئن إلى الظن، إنما أريد الثقة ولا سبيل إليها، وأطمع في اليقين ولا أمل ~~فيه، ولهذا أتكلف ما أتكلف وأقدم على هذا الأمر العظيم. # أترين أنك فهمت عني؟ ما أظن! ومتى فهم العقلاء عن المجانين؟ أترين أنك صدقتني؟ وما ~~أظن! ومتى صدق الناس مثل هذا الهذيان؟ يا للحزن ويا للأسى! لمن أكتب هذا الكتاب وإلى من ~~أسوق هذا الحديث، إنك إن قرأته فلن تفهميه، وإن فهمته فلن تقبليه، فكيف وأنت لن ~~تقرئيه؟! إني لغافل ذاهل، إني لمدله مجنون. لقد أنسيت أنك لا تقرئين ولا تكتبين فمن ~~الذي سيقرأ عليك هذا الكتاب ويفسره لك من أهل الريف؟ كلا لن أتمه ولن أرسله إليك، ولن ~~تعلمي من أمري إلا أني رجل قاس غليظ مسرف في كفر النعمة وجحود الجميل! متتبع للأهواء ~~والشهوات، لا أتحرج من شيء ولا أعرف لجموح نفسي غاية تنتهي إليها أو حدا تقف عنده. ~~سيسقط النبأ في أسرتنا كما تسقط الصاعقة، وسيلقونه إليك في عنف أو في لين، وستجزعين ~~وتظهرين التجلد، وسيبكي قلبك وتتكلف عيناك الجمود. ثم ستمر الأيام، وستحرصين على أن يصل ~~إليك بعض أنبائي دون أن يعرف منك هذا الحرص، ثم سيأتي الخاطبون، كلا! لا أريد أن أمضي ~~إلى أبعد من هذا الحد في التفكير، فما أرى أني أقوى على المضي، لقد أبطأ علي صاحبي ~~وكلفني انتظارا طويلا، ليته يقبل فيخرجني من هذا العناء ... # قرأ غلامي الأسود الصغير هذا الكتاب بعد أن انصرف عني صاحبي فلم أكد أفرغ من قراءته ~~حتى رثيت له، وسألت نفسي كيف يكون موقع هذا الكتاب من حميدة البائسة لو أنها استطاعت أن ~~تقرأه وتظهر على ما فيه! # 12 # يوليو في ... # لم تفارقني صورتها بعد أيها الصديق العزيز، ومع ذلك فقد مضت أيام وأيام منذ انصرف بها ~~القطار إلى قريتها في الريف، وحدثت بعد ذلك أحداث واختلفت شئون، فلقيت من لقيت وتحدثت ~~إلى من تحدثت إليه، ms080 وأقدمت من الأمر على اليسير والخطير، ثم كان محرجة وهبط بي القطار ~~إلى البحر ومضت بي السفينة إلى ما وراء البحر، وهأنذا أكتب إليك في غرفة من غرفاتها، ~~وشهد الله ما فارقتني صورتها أثناء هذا كله في يقظة ولا في نوم. # ولقد سألت نفسي منذ عهد بعيد عن خير ما يستطيع الصديق أن يتمناه للصديق، وسألت نفسي ~~حين عرفتك فأحببتك، وحين فارقتك فجزعت لفراقك، عن خير ما أستطيع أن أتمناه لك، وعرضت ~~علي نفسي أجوبة مختلفة لهذا السؤال كنت أطمئن إلى بعضها حينا ثم أدعه، وكنت أنصرف عن ~~بعضها الآخر حينا ثم أعود إليه، ولكن الحياة نفسها قد أجابت عن هذا السؤال جوابا ما ~~أحسب أني سأتحول عنه. فخير ما أتمناه لك وخير ما أتمناه للصديق وخير ما أتمناه للعدو إن ~~طابت نفسي وأحببت للعدو خيرا، هو أن يجنبك الله أسباب الندم، ويعصمك من الاضطرار إليه ~~والإيغال فيه. فلست أعرف ألما أشد ولا حزنا ألذع ولا عذابا أمض ولا شقاء مفسدا ~~للحياة كهذا الذي يثيره الندم في نفس الرجل الذي يقدر من الأمر ما يأتي وما يدع. # وإني لأقول لك هذا عن علم، وأتحدث به إليك عن تجربة. وأي تجربة! تجربة وددت لو أني ~~تحملت كل ما ذقت من الألم منذ عرفت الألم مرة واحدة ولم أدفع إليها، فيا لها من منغص ~~ماكر قادر يعرف كيف يلقاك جهرة فيقطع عليك كل أمل، ويأخذ عليك كل طريق ويردك إلى حزن ~~مظلم متكاثف الظلمة لا منفذ للنور منه، فإذا ألح عليك بالهم والحزن وبالتنغيص المتصل ~~والكدر المتقطع حتى انتهى بك أو كاد ينتهي بك إلى اليأس المهلك، جلا عنك غمراته، ونفس ~~عن قلبك وعقلك بعض الشيء، وخيل إليك أنك قد رددت إلى الفضاء الواسع والهواء الطلق ~~والضوء المشرق. ولكنك لا تكاد تذوق الراحة وتطمئن إلى بعض الأمن، حتى يمسك هذا الشيطان ~~الخفي مسا رفيقا ولكنه عنيف، لينا ولكنه يبلغ غاية القسوة. يخز نفسك بين حين وحين ~~وخزا يسيرا ضئيلا خفيفا لا يكاد ms081 يحس، ولكنه يذكرك بمكانه وينبهك إلى أن في هذا ~~الهواء الطلق راحة لجسمك إن تنسمته مطمئنا فارغ البال. ولكن يجب عليك ألا تطمئن وألا ~~يفرغ بالك، فهو هنا قريب وإن ظننته بعيدا، وإنه دان منك كل الدنو وإن حسبته نائبا عنك ~~كل النأي، فإن كنت في شك من ذلك فانظر واشعر وسل نفسك عن هذا الوخز الخفيف الذي تجده، ~~ما هو أو من أين يأتيك؟ فستعلم أنه مس هذا الشيطان وألم هذا الندم الذي إن رفه عليك ~~فإنه لم ينسك، ولا ينبغي له ولا ينبغي لك أن تظن أنه سينساك. # نعم، وينبهك إلى أنك قد تجد اللذة في الحديث مع من يحسن معه الحديث، وفي التفكير فيما ~~يحسن فيه التفكير، ولكنه كفيل أن ينغص عليك لذة الحديث والتفكير بوخزة من هذه الوخزات ~~الرفيقة الضئيلة التي يمسك بها في ناحية من نفسك، فإذا أنت تقطع الحديث فجأة وتنصرف عن ~~التفكير فجأة، كأنما ذكرت شيئا كنت تنساه. # نعم، وينبهك إلى أنك قد تجد اللذة والمتاع في قراءة الكتاب القيم الذي يغذى عقلك وحسك ~~وشعورك بما شئت من علم وأدب وفن، والذي تود لو تفنى فيه فناء وتمتزج به امتزاجا وتنسى ~~لقراءته الزمان والمكان وما يشتمل عليه الزمان والمكان، ولكنه خليق أن يحول بينك وبين ~~ما تريد من هذا، وأن يفسد ما تجد من لذة ومتاع بوخزة من هذه الوخزات التي يمس بها نفسك ~~في ناحية من نواحيها، فإذا يدك تتحرك حركة آلية تتضع الكتاب، وإذا رأسك يتحرك حركة ~~آلية فيرتفع إلى السماء، وإذا أنت واجم قد أنسيت ما كنت فيه، واشتمل عليك ذهول غامض ~~واضح معا، فيه انصراف عن كل شيء، وفيه شعور بهذا الشيطان الذي يفسد عليك كل شيء، وقد ~~يكون هذا الشيطان أخفى من ذلك مكرا وأدق حيلة؛ فهو لا يصرفك عن الكتاب ولا يلقيه من ~~يدك ولا يحول عنه عينيك، ولكنه يسايرك في القراءة كأنه الرفيق، ويلقي أثناء ذلك كلمات ~~وخواطر لا صلة بينها وبين ما تقرأ، فإذا هي ms082 تختلط بما تقرأ، وإذا هي تحول نفسك عما في ~~الكتاب، وإذا أنت تقرأ بعينيك دون أن يصل شيء مما تقرؤه إلى نفسك. # وقد يغلو هذا الشيطان في المكر والكيد لك، فلا يسايرك في القراءة، ولا يلقي في نفسك ~~كلمات ولا خواطر، ولا يصرفك عن الكتاب وإنما يصرف الكتاب عنك صرفا، يثير بين الحروف ~~والكلمات والسطور صورا ومظاهر وألوانا من الخيال، تراها وأنت كاره لرؤيتها، وتحاول أن ~~تخلص منها إلى هذه الحروف والكلمات والسطور فلا تجد إلى ذلك سبيلا. فالكتاب بين يديك ~~ولكنه بعيد عنك، والكلمات أمام عينيك ولكنها تفر منك، هي تفر وأنت تطلبها، وهذا الشيطان ~~يلقي بينها وبينك غبارا من هذه الصور والمظاهر والخيالات، وقد يزدريك هذا الشيطان فلا ~~يتكلف في تعذيبك جهدا ولا عناء، وإنما يداعبك في رفق ويلاعبك في استهزاء، فأنت في ~~حديثك أو في تفكيرك أو في قراءتك، وإذا صورة ضئيلة يسيرة رقيقة تتراءى لك، فتمر بين ~~نفسك وبين ما تريد أن تقول أو تفكر أو تقرأ، ثم لا تلبث أن تنجلي عنك في سرعة البرق ~~الخاطف، فإذا أنت تعود إلى ما كنت تقول وما كنت تفكر وما كنت تقرأ، ثم ما تزال بك مقبلة ~~مدبرة، وسانحة بارحة، وملمة منصرفة، حتى يجهدك الشيطان ولم يصبه الجهد، ويشق عليك ولم ~~تدركه المشقة، ويوئسك من الحديث والتفكير والقراءة وهو جالس غير بعيد، ينظر إليك في ~~احتقار وازدراء، وفي سخرية واستهزاء. # كل هذا وجدته أيها الصديق العزيز منذ مضى بها القطار إلى قريتها في الريف، وما زلت ~~أجده الآن والسفينة تمضي بي إلى فرنسا متكلفة مع البحر فنونا من التفكير، تجاهده ~~جهادا عنيفا حين يهيج وتضطرب به أمواجه وتعصف به الريح، وتداعبه دعابة حلوة حين يهدأ ~~ويستقر ويعبث على سطحه النسيم، وكم منيت نفسي منذ أخذت أتهيأ لهذه الرحلة أن أجد هذه ~~اللذات المتباينة التي يجدها المسافرون فيما يكون بين السفينة والبحر من جد وهزل، ومن ~~خصام ووئام. ولكن هذا الشيطان قد حال بيني وبين ما كنت أتمنى من ms083 ذلك، فأفسده علي ~~إفسادا ونغصه علي تنغيصا، ولو أنه قد ألقى بيني وبين ما أريد من ذلك حجبا صفاقا ~~وأستارا كثافا لهان الأمر ولكان اليأس منه مريحا، ولكنه يشرف بي على اللذة إشرافا ~~ويمعن بي فيها إمعانا، ثم يقطع أسبابها قطعا، ويصدني عنها أو يصدها عني أشد ما أكون ~~كلفا بها واندفاعا إليها واستعدادا لاجتناب ما هيأت لي من ثمرات. # جنبك الله الندم أيها الصديق، وعصمك من أثقاله فإنها لا تحتمل، ومن آلامه فإنها لا ~~تطاق. # ولست مع هذا كله مبغضا لشيطان الندم، هذا الذي يعذبني، ولا منكرا عليه، فأنا أعطي ~~الحق من نفسي وأقبل راضيا أو كارها ما ليس من قبوله بد، فأنا قد اقترفت الإثم، ولا بد ~~من أن أحتمل أثقاله وأتجرع آلامه، والإثم عندي شجرة لا بد من أن تؤتي ثمرها إذا صادفت ~~من الخصب ما يمكنها من النمو والإثمار، وإنما تصادف الخصب وأسباب النمو والإثمار حين ~~تصادف نفسا كريمة حرة دقيقة الحس قوية الشعور. والندم عندي آية من آيات الكرم، وعلامة ~~من علامات السمو، ومظهر من مظاهر الارتفاع عن الدنيات، ودليل من أدلة خصب النفس وجودة ~~أصلها واستعدادها للخير وحسن البلاء فيه، وإني لأبغض النفوس المجدبة التي لا تعرف ألما ~~ولا ندما، والتي تموت فيها أشجار الآثام والخطايا، كما يموت النبات في الصحراء ~~المحرقة المهلكة. # وإني لأبغض هذه النفوس ذات الخصب السيئ الرديء، التي تغرس فيها أشجار الخطيئة والإثم، ~~فلا تموت ولا تجف أعوادها، وإنما تثمر خطايا وآثاما. # أترى أيها الصديق أني مغرور مسرف في الغرور! أتعزى عن الألم والندم بتزكية نفسي، ~~وأكاد لا أكره ما أقترف من الآثام لأنه يشعرني بأني كريم النفس نبيل الطبع نقي الضمير، ~~ولكن لا تنكر علي هذا الغرور، ولا تلمني فيما ألتمس لنفسي البائسة من ضروب التسلية ~~وألوان العزاء. فلولا هذا الغرور لأهلكني ما أجد من الحزن، ولقضى علي ما أحس من ~~الندم، ولدفعت إلى اليأس المهلك دفعا. # وإني لأعجب كيف انجلت عني غمرة الأمل وصرفت صرفا عن هذه الخيالات ms084 الحارة التي كنت ~~أخلقها لنفسي خلقا، وأستعين بها على ما كنت مقدما عليه من الطلاق حين كنت أصور الحياة ~~الجديدة في فرنسا، وما تدخر لي من لذات مختلفة لا تفنى. فأنا أحاول الآن أن أتصور هذا ~~البلد الذي أنا مقبل عليه، فلا أرى إلا هذا البلد الذي أنا منصرف عنه. # أحاول أن أتمثل السربون فلا أرى إلا جامعتكم المصرية، وأحاول أن أتمثل رفاقي من ~~الفرنسيين فلا أرى غيرك وغير أصحابك الشيوخ، ثم أحاول أن أتمثل جمال باريس فلا أرى إلا ~~القاهرة وأحاول آخر الأمر أن أضلل نفسي وأعللها وأمنيها الأماني الآثمة، أحاول أن أتمثل ~~المرأة الباريسية فلا أرى إلا حميدة قائمة أمامي كهيئتها يوم كانت تستعد للرحيل في ~~بكاء متصل وصمت عميق. # مهما أفعل لأنظر إلى أمام فأنا مكره على أن أنظر إلى وراء، فلا تلمني إذا حين أعجز ~~عن أن أخرج من نفسي، وعن أن ألتمس العزاء إلا فيها، فأنا أتلهى بهذا الغرور عن هذه ~~الأهوال المنكرة التي تأخذني من كل مكان وتسعى إلي من كل صوب، وما لي لا آلم ولا أندم ~~ولا أتجشم من ذلك أهوالا وقد اقترفت إثما عظيما حقا، لقد كنت أخافك أيها الصديق ~~فلم أصور لك من هذا الإثم: إثم الطلاق، إلا أيسره وأهونه، لم أصور إلا ما فيه من ظلم ~~البريء والاعتداء على من لم يستحق الاعتداء، وقد لقيت منك مع ذلك لوما شديدا وإنكارا ~~عنيفا، ونبوا كاد يفسد ما بيننا من الود، فكيف لو صورت لك حقيقة الإثم الذي اقترفته! ~~وكيف لو كشفت لك عن وجهه الذي أخفيته عليك. # لقد أفلت منك أيها الصديق، ولقد بلغ الكتاب أجله، وقطعت الأسباب بين حميدة وبيني، ~~وبعدت بي الدار، فلا أمل الآن في إصلاح ما فسد، ولا خوف الآن من أن تصدني عن الرحيل. ~~الآن أستطيع أن أظهرك على نفسي كلها ... والآن أستطيع أن أنبئك بإثمي كله، وأنا أعلم أنك ~~ستحتقرني وستزدريني، وما يعنيني من ذلك وأنا أحتقر نفسي وأزدريها! فلن يصرفني احتقارك ~~إياي وازدراؤك ms085 لي، ولن يصرفني احتقاري لنفسي وازدرائي إياها عن أن أتمثل هذا الإثم ~~القبيح وأملأ به خلوتي، وأتغنى بآلامه فيما بيني وبين نفسي غناء قبيحا منكرا بشعا ~~أكرهه الكره ولكن أمعن فيه أشد الإمعان. # لن يصرفني ازدراؤك لي وازدرائي لنفسي عن هذا كله، وعن أن أسجل نغمات هذا الغناء البشع ~~في هذا الكتاب الذي أرسله إليك ... # لست ظالما فحسب أيها الصديق، ولكني كافر للنعمة منكر للجميل. فلم تكن حميدة زوجي ~~فحسب، ولكنها كانت منعمة علي منقذة لي، ورضيت بي بعد أن نبذني غيرها، ومنحتني ودها ~~وحبها بعد أن أعلن غيرها أني لست أهلا لود ولا حب. # إن لهذا قصة لم أنسها ولن أنساها؛ لأنها مزقت نفسي تمزيقا، وعذبت قلبي تعذيبا، ~~وآذتني في أعز شيء علي وهو الغرور والاعتداد بالنفس. # لقد كان أبواي كغيرهما من أهل الريف يعدانني لعروس غير حميدة، وكان أهل هذه العروس ~~يعدون ابنتهم لي منذ نشأنا صبيين وكانت الفتاة ابنة عمي، ولم تكن جميلة ولا وسيمة، ~~ولكنها على ذلك كانت محببة إلي أثيرة عندي، لكثرة ما سمعت منذ الطفولة من حديث ~~الزواج. # ولكنك لم تر وجهي ولا شكلي أيها الصديق، وأكبر الظن أنك عرفت من صوتي أني قبيح الشكل ~~دميم الوجه بعيد كل البعد عن أن أروق العذارى، وأرضي أهواء النساء. ولم أكن أرى ذلك في ~~نفسي ولا أعترف به عليها، ومتى رأيت رجلا قبيحا دميما يؤمن بأنه قبيح دميم! ولكن ~~فهيمة كانت ترى ذلك وتتأذى به وتنفر منه أشد النفور، وكانت تكره أن يتحدث إليها أهلها ~~وأترابها بأمر الزواج، ولكنها لم تكن تظهر الكره وتعلن الإنكار، حتى إذا جد الجد وتقدمت ~~بها وبي السن، وأخذ أهلنا يفكرون ثم يتحدثون في أمر الخطبة، جهرت بالرفض جهرا وأعلنت ~~الإباء إعلانا، وخرجت في ذلك عما هو مألوف من أمثالها من فتيات الأسر في الريف، فنبت ~~على أمها نبوا وامتنعت على أبيها امتناعا، وأعلنت أنها تؤثر الموت على أن تكون زوجا ~~لهذا الشاب الدميم. # وتصور أنت موقع هذا الرفض من نفسي ms086 وأثره من قلبي وفيما كان يملأ نفسي وقلبي من غرور، ~~ثم تصور أن حميدة كانت أبرع من ابنة عمي جمالا وأكثر منها مالا، وأذكى منها قلبا، ~~وأحسن منها مستقبلا، وأنها مع ذلك سمعت رفض فهيمة فأنكرته وأظهرت إنكارها، وتعمدت أن ~~يصل حديث هذا الإنكار إلى أهلي ثم إلي، وكان هذا الإنكار وما أظهرت من أمره وسيلة ~~المودة ثم وسيلة الخطبة ثم وسيلة الزواج، وما زالت فهيمة تنتظر الزواج إلى الآن، ولكن ~~حميدة قد طلقت. فانظر إلى الإحسان يكافأ بالإساءة، وإلى النعمة كيف تكافأ بالكفر، وإلى ~~الجميل كيف يكافأ بالعقوق! ومع ذلك فإني لأنظر الآن في المرآة أمامي فأستكشف في وجهي ~~وخلقي من الدمامة والقبح ما ينهض بألف عذر وعذر لابنة عمي، وما يثقلني بألوان الندم حين ~~أفكر فيما جزيت حميدة به من العقوق. # أتعرف أني أسافر على سفينة إنجليزية؟ فقد تهيأت لهذه السفينة وأنبأني المنبئون بأن ~~المسافرين على السفن الإنجليزية إذا استقبلوا المساء لبسوا له لباسا خاصا لا يقبلون ~~في غرفة المائدة بدونه، فاتخذت لنفسي هذا اللباس واتخذته على أحسن ما يتخذه المترفون، ~~فلما أقلعت السفينة وأقبل المساء عمدت إلى هذا اللباس فدخلت فيه، واتخذت ما يتصل به من ~~زينة، وكانت صورة حميدة لا تفارقني، وكانت صورة فهيمة تعرض لي من حين إلى حين فلما ~~تهيأت للخروج من غرفتي سمعت فهيمة تنكر قبحي ودمامتي، ورأيت حميدة تبسم لي وتشير إلي. ~~هنالك نظرت في المرآة فرأيت، ثم استحييت ثم بكيت، ثم نزعت هذا اللباس نزعا، ولم أخرج ~~إلى غرفة المائدة هذا المساء، ثم أصبحت فتكلفت المرض وأخذت نفسي بأن آكل في غرفتي، ~~وأقسمت لا أغشى غرفة المائدة ولا مجالس السفينة؛ اجتنابا لسخرية النساء، فما أرى منذ ~~الآن إلا أنهن جميعا فهيمة. # أترى إلى أي حد انتهى الاضطراب بعقل صديقك وبما له من حس وشعور؟ ولن تعلم حميدة من ~~هذا شيئا، ولن تعرف حميدة أني أجد من الندم على فراقها ما يفسد علي حياتي إفسادا، ~~ويوشك أن ينتهي بي إلى شر ما ms087 ينتهي إليه الأحياء. # ليتني سمعت لك! وليتني قنعت بما كنت أنعم به في مصر! فما أظن إلا أني مقدم على سراب ~~أحسبه ماء، حتى إذا بلغته لم أجده شيئا. # وأخرى لم تعرفها أيها الصديق، ولا بد لك من أن تعرفها لتعلم أنا مكرهون على أكثر ما ~~نأتي من الأمر، وأن اختيارنا لعب كله وغرور كله. فقد كنت أحسب أن الناس لا يعلمون من ~~أمري إلا ما أريد أن يعلموا فأنبئهم به وأظهرهم عليه، وكنت أظن أن أكثر من عرفتهم في ~~القاهرة وعرفوني يجهلون أمر زواجي جهلا تاما، وكنت واثقا بأني أستطيع أن أكذب على ~~الجامعة إن أردت، وأن أزعم لها أني أعزب وأن أمسك علي زوجي وأسافر إلى أوربا لا ~~أصطحبها. وكنت مع ذلك حريصا أشد الحرص على ألا أكذب على الجامعة ولم يكن يدفعني إلى ~~هذا إلا حب الصدق وإيثار الخلق والضن بكرامة العلم وطلابه على الكذب الظاهر الخفي، وكنت ~~أحمد من نفسي هذا الإقدام على التضحية، وهذا النصح للجامعة، وهذا الإلحاح في أن أكون ~~صادقا معها في السر والعلانية معا. # وكثيرا ما وجدت في هذه التضحية التي كنت أحبها وأرضى عنها مظهرا من مظاهر الغرور، ~~ومصدرا من مصادر العجب والتيه والإكبار للنفس، وكنت أقول لنفسي إذا خلوت إليها: ليس كل ~~الناس قادرا على أن يبلغ من حب الصدق وإيثاره هذا الحد، فأنا إذا شخص نادر وفرد ~~ممتاز، ومن حق الجامعة أن تفخر منذ الآن بخلقي، كما أنها ستفخر بعد قليل بجدي واجتهادي ~~وكفايتي في البحث وقدرتي على الدرس والتحصيل. # وكان هذا الخاطر الجميل يملؤني ثقة بنفسي وإكبارا لها ورضى عنها، ولعل ذلك كان يظهر ~~فيما كنت آتي من حركة وما كنت ألقي من جمل. بل لعل هذا كان يظهر فيما كان وجهي يأخذ ~~أحيانا من الصور والأشكال، ولكن لا تسل عما أدركني من الدهش، وما أصابني من خيبة ~~الأمل، وما ملأ قلبي ذات يوم من الحيرة والاضطراب حين دعاني سكرتير الجامعة لأزوره، ~~فلما لقيته لم يظهر الراحة للقائي، ms088 ولم يتكلف الأنس بمقدمي، كما كان قد تعود من قبل، ~~وإنما لقيني فاترا وحدثني بصوت متكسر؛ ثم لم يلبث أن أظهر من التجهم والتكبر ~~والاستطالة ما أنكرت، ثم لم يلبث أن أن ألقى علي حديثه قصيرا متقطعا سريعا كأنه ~~الصواعق يتلو بعضها بعضا، وقد اتخذ صورة الأستاذ ولهجته، وصوت الواعظ الغالي في ~~التأنيب، فما ينبغي لطالب العلم أن يكذب وهو القدوة، وما ينبغي له أن يغش وهو الأسوة، ~~وقد كانت الجامعة مخدوعة لي. فالآن وقد تبين لها الحق وانكشف لها السر تستطيع الجامعة ~~أن تزهد في زهدا، وأن تنصرف عني انصرافا، بين الذين تقدموا للامتحان ونجحوا فيه من ~~يستطيعون أن يشغلوا مكاني في البعثة، وأن يطلبوا العلم صادقين غير كاذبين، ومخلصين غير ~~متورطين في الغش ولا متكلفين للخداع، والجامعة تؤثر ألف مرة ومرة أن تعدل عن إرسال ~~البعوث، وأن تغلق أبوابها إغلاقا في وجه الطلاب الذين يختلفون إليها على أن تهيئ للأمة ~~أساتذة يقيمون حياتهم العملية على الكذب والغش، وعلى الخداع والنفاق. # ولست أخفي عليك أني ضقت بهذا الواعظ الثرثار، وتعجلته إتمام الحديث والانتهاء إلى ما ~~يريد. فلم يتردد في أن يلقي إلي ما عنده إلقاء فيه كثير من الازدراء، قال: زعموا أنك ~~متزوج يا سيدي، وقد زعمت لنا أنك حر طليق. # هنا أريد أن أستغفرك أيها الصديق، وما أدري أتغفر لي؟ فقد أسأت بك الظن واتهمتك بأنك ~~أقدمت على الوشاية بي مخلصا حسن النية تريد أن تحول بيني وبين الظلم، كما أقدمت أنا ~~على تطليق حميدة مخلصا حسن النية أريد أن أفرغ للعلم وأن أتجنب الخيانة والإثم. # نعم، أسأت بك الظن واتهمتك، ورأيت ما بيننا من الصلات وقد تصرم وتقطعت أسبابه، وأحسست ~~شيئا من الحزن لكذب ظني بك وخيبة أملي فيك. وكان هذا كله سريعا مسرفا في الإسراع لم ~~أكد أتنبه إليه، ولم يتنبه سكرتير الجامعة إلى أن شيئا غيره وغير حديثه كان يشغلني، ~~فقد أخذت أسأله من زعم لك هذا السخف؟ ومن ألقى إليك هذا الهذيان؟ وكيف تسمع ms089 الجامعة لكل ~~ما يلقى من القول إليها! وكيف تصدق كل ما يرفع إليها من الحديث! وما ينبغي لك أن تلومني ~~هذا اللوم، وتؤنبني هذا التأنيب، قبل أن تتحقق أنك تتهمني بما لا أستطيع له دفعا، ~~وتأخذني بما لا أجد منه مخرجا! # قال الرجل: مهلا يا سيدي، فليس يغني عنك ما أنت فيه منذ الآن من التجاء إلى الجدال ~~وشغف بالمراء، فقد ألقي إلينا أنك متزوج، ثم ألقي إلينا اسم الأسرة التي أنت مصهر ~~إليها، فلم نأخذ بالظنة ولم نطمئن إلى الريبة، وإنما بحثنا واستقصينا وسألنا حتى تبين ~~لنا الحق وعرفنا أنك قد خدعتنا وضللتنا تضليلا، وما دعوناك اليوم إلا لنقطع ما بينك ~~وبيننا من صلة فنرد إليك ما أخذنا منك، ونسترد ما أخذت منا. # قلت وقد ثاب إلي عقلي كله، وحرصي على البعثة: قد كان ذلك ممكنا منذ أيام، أما الآن ~~فلا. ثم قدمت إليه صك الطلاق، فلم يكد ينظر فيه حتى تغيرت حاله معي تغيرا تاما، وإذا ~~هو يصافحني مكبرا لي معجبا بي، ألم أقدم على عمل خطير! ... ثم تبسط معي في الحديث وقد ~~ضم الصك الذي دفعته إليه إلى ما ينبغي أن يحفظ من أوراقي عنده، وما زلت أتلطف له وأمكر ~~به، حتى أطلعني على ذلك الكتاب الذي ارتفع إليه بالنميمة وأنبأه بزواجي، فقرأت ويا شر ~~ما قرأت! وعلمت ويا شر ما علمت! علمت أن صاحب هذا الكتاب صديق متصل بي، يتكلف المودة ~~ويظهر النصيحة والإخلاص، ولكني علمت أنك لست صاحب هذا الكتاب ولا مقترف هذه ~~الوشاية. # وخرجت من الجامعة راضيا ساخطا ومسرورا محزونا، راضيا لأن البعثة لم تفلت مني، ~~وراضيا لأنك أنت لست الواشي بي، وساخطا لما انطوت عليه جنوب الناس من المكر والخداع، ~~ومن الكذب والنفاق، ومن الحسد الذي يفسد عليهم كل شيء. # فلم يكن لهذا الصديق الذي وشى بي طمع في البعثة ولا طموح إليها، وإنما هو الحسد وحده. ~~رأى أني سأسافر إلى حيث لا يستطيع ولا يأمل أن يسافر، ورأى أن حالي قد تتغير ms090 وأن حياتي ~~قد تصلح، وأني قد أرقى إلى منزلة لا يستطيع أن يطمع فيها ولا أن يسمو إليها، فكره ذلك ~~وضاق به، ثم جد في أن يحول بيني وبين ذلك، وأن يمسكني في المنزلة التي أمسكته فيها ~~الظروف، فأبقى مثله خاملا متواضعا محدود الأفق من البيت إلى الديوان، ومن الديوان إلى ~~البيت، والقهوة بين ذلك أحيانا. # نعم أيها الصديق! خرجت راضيا ساخطا، وأنا لا أفكر حين كنت أحس الرضى أو أجد السخط ~~إلا في شيء واحد، وهو أن كيدا كان يكاد لي فخلصت منه، وأن مكرا كان يمكر بي ~~فانتصرت على أصحابه ورددت سهومهم في نحورهم. ثم هبط بي القطار إلى البحر، وأخذت السفينة ~~تمضي بي إلى ما وراء البحر، وأخذت صورة حميدة تلزمني وتلح علي، وأخذ يثير في نفسي من ~~الخواطر ما يثير، وإذا أنا الآن أسأل نفسي عن هذه الوشاية التي أنكرتها: ألم تكن خيرا ~~قد صرف عني وحيل بيني وبين الانتفاع به؟ فلو قد نجحت هذه الوشاية وحيل بيني وبين البعثة ~~لكان هذا الإخفاق أول العقاب على ما جنيت من ذنب، ولكان نذيرا بما كان ينتظرني من الشر ~~إن تممت على ما بدأت من الظلم، ولكان خليقا أن يردني إلى حميدة أو أن يرد حميدة إلي، ~~ولكن الله لم يرد إلا أن يقدم بين يدي هذه الرحلة نذيرا بما ينتظرني فيها من آلام، ~~وطليعة لما ينتظرني وراء البحر من الشر. # وصدقني أيها الأخ العزيز، إني لأدنو الآن من فرنسا خائفا وجلا شديد التشاؤم، لا ~~أنتظر خيرا ولا نجحا، وإنما أنتظر شرا كثيرا وإخفاقا شنيعا. ولو طاوعت نفسي لما ~~استقررت في مرسيليا إلا ريثما آخذ السفينة التي تردني إلى مصر، ولكن ماذا يقول الناس؟ ~~وماذا أقول لنفسي؟ وكيف ألقى غيرك من الأصدقاء المخلصين ومن الأعداء الشامتين؟ وماذا ~~أقول لأهلي وماذا أقول لحميدة؟ أأمضي في فراقها؟ ولماذا أنا لم أفارقها عن قلى ولا عن ~~بغض؟ أم أعود إليها نادما بائسا معتذرا مستغفرا؟ ولكن أتسمع لي؟ أتعطف علي؟ ثم ما ms091 ~~نفع هذا الحديث الذي هو بالهذيان أشبه منه بالجد؟ إن السفينة لتمضي أمامها لا تلوي على ~~شيء، ولن تقف حتى تبلغ مرسيليا، ولو أردت أن أقفها لما بلغت من ذلك شيئا مهما يكن ~~إلحاحي وصياحي، ومهما أتخذ من وسيلة عند القبطان، وإنما حياتنا كهذه السفينة تمضي بنا ~~إلى حيث يريد القضاء لا إلى حيث نريد. ومهما نلح، ومهما نصح، ومهما نتخذ من وسيلة، فلن ~~نقف حركتها ولن نردها إلى وراء، ولن نتقي الانتهاء إلى هذه الغاية التي رسمها لنا ~~القضاء. # فلأمض إذا إلى حيث تريد السفينة أن تنتهي بي، ومن يدري! لعلي أعود إليك بعد حين ولم ~~أر باريس، ولم أختلف إلى السربون، ولم أشهد أندية اللهو والمتاع، ومن يدري! لعلي لا ~~أعود إليك حتى آخذ من هذا كله بحظ. وكل ما أستطيع أن أقطع به الآن هو أن هذه السفينة ~~التي تعبر بي بحر الروم، ستوفي بي من بعد بحر إلى بحر، كما يقول مسلم بن الوليد، ولكن ~~البحر الذي ستوفى بي إليه ليس هذا ولا ذاك من أولئك الأجواد الذين كانوا يغنون الشعراء، ~~وإنما هو بحر آخر عريض لا حد لعرضه، عميق لا آخر لعمقه. هو بحر هذه الحياة الأوربية ~~المملوءة باللذة والألم، المفعمة بالخير والشر. فليت شعري أأرسب فيه أم أطفو ~~عليه؟ # الآن أحس أني قد أطلت عليك، وإنما يذكرني بك ويثير في نفسي الإشفاق عليك من الإطالة ~~هذه الحركات التي أسمعها تكثر من حولي في الغرف المجاورة وفي الطريق أمام هذه الغرف، ~~فقد فرغ السفر من لهوهم ورقصهم وعادوا إلى غرفهم يقضون فيها ما بقي لهم من ~~الليل. # وداعا يملؤه الحب والود والحزن أيها الصديق! فما أدري! لعلي لا أكتب إليك بعد هذا ~~الكتاب. # 13 # أغسطس في ... # أحسست كأني أسمع صوتا يناديني من بعيد، كأني أدنو من هذا الصوت، أو كأنه يدنو مني ~~شيئا فشيئا. واستمر هذا الحس لحظة لست أدري أطالت أم قصرت، ولكني وجدتني قد قربت من ~~الصوت أو قد قرب الصوت مني، فإذا ms092 هو بين يدي، وإذا أنا أسمع طرقا على الباب، وإذا أنا ~~أصيح دهشا أو كالدهش بلغتي العربية الشعبية: «مين؟» وإذا الباب يفتح، وإذا شخص يدخل ~~خفيفا رشيقا سريع الحركة، سريع الكلام، وإذا هو يقول في صوت امرأة: لقد أشفقت عليك، ~~ولقد حسبت أنك لا تفيق، وإذا هو يسرع إلى النافذة فيجذب عنها الأستار ويفتحها ويأذن ~~للشمس بالدخول. وأنا دهش ذاهل، أدعو لنفسي وأجمعها فتجتمع لي، وأنظر وأشعر فإذا أنا في ~~غرفة الفندق التي أويت إليها أمس حين تقدم الليل، وإذا الخادم قد أقبلت تحمل إلي طعام ~~الإفطار، وإذا النهار قد تقدم حتى بلغ النصف أو كاد يبلغه، وإذا أنا أثوب إلى نفسي ~~وأذكر من أمري ما كان قد ذاده النوم عني، فأعلم أني قد بلغت مرسيليا أثناء الليل أمس، ~~وأني كنت متعبا مكدودا لكثرة ما أرقت، وأني ذهبت إلى أول فندق دلني عليه ذلك الذي حمل ~~أمتعتي ووضعها ووضعني معها في عربة وأخذ مني ما أعطيته من نقد وقال للسائق: إلى فندق ~~جنيف. وقد بلغت الفندق بعد الساعة العاشرة، فلم أقبل طعاما ولا شرابا، ولم أزد على أن ~~أجبت على ما وجه إلي من أسئلة لم يكن منها بد، وطلبت غرفة آوي إليها، وأنبأت أني ~~سأسافر من الغد إلى باريس، ثم لم أكد أبلغ الغرفة حتى خرجت من ثياب ودخلت في ثياب، ~~وأويت إلى السرير مسرعا أتمنى لقاء النوم وأشفق كل الإشفاق ألا ألقاه، ولكني لم أكد ~~أنزلق في هذا السرير الوثير حتى أحسست راحة وهدوءا ودعة لم أعهدها قط، فأين هذا السرير ~~الوثير الذي أتقنت تسويته مما ألفت في دارنا في ريف مصر، أو في بيتي في القاهرة، من هذا ~~الفراش الخشن الغليظ. لقد خيل إلي أني لا أنام على شيء أو أني أنام على فراش من ~~الزئبق، كان جسمي يضطرب في هذا السرير فلا يجد شيئا يقاومه أو يثبت له، إنما كان يغوص ~~في الفراش غوصا، ولم أكد أطيل التفكير في هذا، ولم أفرغ للتفكير في غير هذا ms093 مما شغلني ~~آخر أيامي في القاهرة وأكثر أيامي وليالي في السفينة، وإنما أخذت أفقد نفسي قليلا ~~قليلا، ثم لم أشعر إلا بهذا الصوت الذي كان يدعوني من بعيد والذي لم أكد أرد عليه حتى ~~فتح له الباب، وإذا أنا أرى هذا الشخص الرشيق. # والآن قد دخلت الشمس هذه الغرفة فغمرتها، وردت علي اليقظة حسي كله وشعوري كله، ~~وذكرت في لحظة قصيرة جدا كل ما أنبأتك به أيها الصديق، أنظر فأرى الخادم ذاهبة ~~جائية، تهيئ طعامي على المائدة وتدني هذه المائدة من السرير، فأخرج من غفلة النوم لأدخل ~~في غفلة الذهول، فأين أنا؟ وما هذا الحرص على تيسير الأمور كلها لي؟ من زعم لهؤلاء ~~الناس أني في حاجة إلى عنايتهم هذه الدقيقة، وإلى رفقهم هذا الغريب؟ هذا السرير ~~الوثير، وهذه الخادم تحمل الطعام إلي وتفتح النافذة وتدني مني المائدة لأفطر في ~~سريري، أتراهم ظنوا أني مريض! فما أحسب أنهم ظنوني غنيا من كبار الأغنياء، فما كان ~~وجهي لينبئ بذلك، وما كان شكلي ليدل عليه. # والفتاة تتحدث، وتتحدث والحديث ينبعث من فمها حلوا عذبا رقيقا، أحاول الآن أن ~~ألتمس له تشبيها فلا أظفر بما ألتمس، وإنما أصور لك الشعور الذي وجدته حين كان يصل هذا ~~الحديث إلي ويغمرني فيملؤني دعة وراحة ولذة وهدوءا، كنت أشعر كأن نسانا يرسل إلي ~~نفحات متصلة من الطيب تأخذني من كل مكان، وكنت أحاول أن أرد عليها بعض الحديث فلا أجد ~~إلى ذلك سبيلا؛ لأنها لم تكن تمكنني من ذلك من جهة، ولأني لم أكن أريد أن أقطع هذه ~~اللذة من جهة أخرى. حتى إذا هيأت لي كل شيء ودعتني إلى الطعام همت أن تنصرف، فرد ~~إلي الرشد، وثبت إلى نفسي وسألتها مترددا متلهفا: أين تذهبين؟ قالت ضاحكة: أذهب ~~إلى عملي، قلت: وما عملك ومن تكونين؟ أوليس من عملك أن تمكثي معي حتى أفرغ من طعامي؟ ~~قالت وهي تغرق في الضحك: وأما عملي فهو هذا الذي رأيت والذي ترى، أما أن أمكث معك حتى ~~تفرغ من طعامك ms094 فليس من عملي وليس إليه من سبيل، وماذا تكون الحال لو أني مكثت مع كل من ~~أحمل إليه الطعام من أهل الفندق حتى يفرغ من طعامه؟ ثم أرسلت إلي نظرة فيها دعابة ~~وابتسامة يملؤها الظرف، ومضت مسرعة لا تمشي على الأرض وإنما تمشي في الهواء، ثم أغلقت ~~من دونها الباب وتركتني ذاهلا كالأبله أمام هذا الإفطار الذي تركته وقتا غير قصير ~~معرضا عنه إعراضا، ثم ناظرا إليه دون أن أقدم عليه. # وإني لفي ذلك وإذا الباب يطرق، فآذن، فتدخل الفتاة نفسها قد أقبلت تحمل آنية ~~الطعام. فإذا رأت كل شيء كما تركته منذ حين سألتني دهشة عن أمري، فأسرع إلى الطعام ~~ضاحكا وأنا أقول: ألم أطلب إليك أن تمكثي معي حتى أفرغ من الإفطار؟ لقد أبيت فلم ~~أفطر، وها أنت ذي تعودين، فانظري كيف أسرع إلى الطعام. # وكنت مزمعا أن أسافر مع المساء إلى باريس، ولكني لا أدري لم غيرت رأيي، أو لعلي أدري ~~لم غيرت رأيي! فقد قضيت في القاهرة أياما ثقالا وأجهدني عبور البحر لكثرة ما فكرت ~~وقدرت ولكثرة ما أرقت، وليس ما يدعوني إلى أن أسرع إلى باريس، فليس الفصل فصل درس، ~~واللغة الفرنسية موجودة مسموعة حيثما وجهت من أرض فرنسا، فما يمنعني أن أقيم في هذا ~~الفندق الجميل المترف أياما أعود نفسي فيه حياة الفرنسيين، وآخذ نفسي بما لا بد من ~~أن آخذها به من العادات والتقاليد حتى لا أظهر غريبا مضطربا حين أصل إلى العاصمة؟ وما ~~يمنعني أن أعود نفسي العبث في مياه البحر على الساحل قبل أن أبعد في السباحة وقبل أن ~~أضطر إلى مصارعة الأمواج الضخام! لأمكث إذا في هذه المدينة أياما أستمتع فيها بالراحة ~~وأتمرن فيها على الحياة الجديدة، وأنعم فيها بدخول هذه الفتاة علي تحمل الإفطار إلي ~~إذا أصبحت، فمن يدري أين يكون مستقري في باريس! أأجد غرفة كهذه الغرفة، وسريرا كهذا ~~السرير، وفتاة كهذه الفتاة تحمل إلي الطعام في كل صباح؟ وهذه المدينة وسط بين الجو ~~الأوربي الخالص والجو الإفريقي ms095 الخالص، فهي على البحر الأبيض المتوسط، وفي الانتقال ~~المفاجئ من جو إلى جو خطر على صحة الجسم، وقد يكون فيه خطر على صحة النفس أيضا. ~~فلأصطنع الأناة، ولأدع هذه العجلة فإنها لا شك من الشيطان، وما يمنعني أن أستأني وقد ~~تركت مصر وجعلت من بينها وبيني بحرا عريضا، فلست أخاف على البعثة، ولست أخشى أن أرد ~~عن باريس. # وكذلك خلقت لنفسي أيها الصديق من التعلات والمعاذير ما أقنعني بأن الإسراع إلى ~~باريس خطل وحمق، وما حملني على أن أنبئ أصحاب الفندق بأني سأقيم أياما، وعلى أن أقدم ~~على الكذبة الأولى في حياتي الجديدة فأكتب إلى مراقب البعثة بأني متعب محتاج إلى ~~الراحة، وبأني سأبلغ باريس بعد أسبوع. # والغريب أني قضيت النهار هادئا مستريحا، لا أكاد أفكر فيما تركت ولا فيمن تركت ~~ورائي قبل أن أعبر البحر، ولا أكاد أشعر بشيء من هذا الألم أو هذا الندم اللذين كانا ~~يثقلان علي في السفينة، واللذين صورتهما لك تصويرا مخيفا في آخر كتبي إليك، واللذين ~~كنت أظن أنهما سيلزمانني لزوم الظل. لم أكد أشعر بشيء منهما، ماذا أقول! بل لم تتراء ~~لي صورة حميدة إلا مرتين أو مرات قليلة، وكانت تتراءى لي من بعيد شاحبة الوجه كاسفة ~~البال بادية الحزن، ولكني كنت أراها مسرعة كأنها لا تريد أن تقف عندي ولا أن تثبت ~~لي. # وهأنذا أكتب إليك بعد أن عدت إلى غرفتي وقد كاد يبلغ الليل نصفه، ونظرت فإذا الغرفة ~~قد هيئت لاستقبالي، وإذا السرير قد هيئ لإيوائي، وإذا دورق من الماء وكوب قد وضعا على ~~هذه المائدة الصغيرة التي تلي السرير، ما شاء الله! ما تعودت مثل هذه العناية. ولقد كان ~~الظمأ يوقظني في الريف، ولقد كان الظمأ يوقظني في القاهرة، فما كنت أجد إلى اتقائه ~~سبيلا إلا أن أتكلف النهوض والسعي إلى حيث وضعت هذه الجرار الصغيرة التي كانت تبرد لنا ~~الماء، فأما الآن فإن الظمأ يستطيع أن يهجم علي وأن يوقظني، فسأعرف كيف أرده ردا، ~~وكيف أعود إلى النوم كما ms096 خرجت منه لا أجد في ذلك جهدا ولا عناء. # على أني لم أكد أرى هذا الدورق وأفكر فيما كان يعتادني من الظمأ في مصر حتى أحسست ~~الظمأ، فأصب شيئا من الماء أحسوه في هدوء، ولكن ماذا! إنه لا يرد عني ظمأ ولا ينقع لي ~~غلة، وإني لا أجد له لذة حين أحسوه، ولكني أذكر قصة الأخطل وحديثه حين عرض عليه الماء ~~في مجلس عبد الملك فقال: شراب الحمار. # ولست حمارا يا سيدي مهما يكن رأيك في وفي ذلك الشيخ، أو قل كنت حمارا قبل أن أعبر ~~البحر، فلما دخلت هذا الفندق، وصعدت إلى هذه الغرفة وأويت إلى هذا السرير، وانغمست في ~~فراشه الوثير، وأدركني ما أدركني من النوم العميق، وأيقظتني هذه الفتاة ذات الوجه ~~المشرق والثغر المضيء والحديث الحلو والروح الخفيف، نظرت فإذا أنا لم أبق حمارا، وإذا ~~أنا قد مسخت إنسانا أو قل صورت إنسانا إن كانت كلمة المسخ لا ترضيك، ولكني على كل حال ~~قد دخلت النوم حمارا وخرجت منه إنسانا يحس ويشعر ويعقل ويذوق لذة الجمال ويعرف كيف ~~يستمتع بسحر العيون. أصبحت إنسانا، وذكرت قصة الأخطل، فعفت شراب الحمار، وآليت لا أرد ~~الظمأ إلا بمثل ما رده به الأخطل، ولا تغضب يا سيدي ولا تثر، فأنا في بلد قلما يشرب ~~أهله الماء، ولقد شهدت غداء الناس وعشاءهم ودهشت حين سألني الخادم ماذا أريد أن أشرب، ~~فلما طلبت إليه الماء أظهر دهشا لم يكن أقل من دهشتي حين ألقى علي سؤاله، ثم أقبل ~~علي بالماء، وبعد لحظة حدق النظر في، ثم قال: ألا يريد سيدي شيئا من النبيذ؟ فلما ~~أبيت قال متبسطا في لغة أهل الجنوب ولهجتهم: «سيدي مخطئ فالماء لا ينقع الغليل هنا»، ~~ثم انطلق وعاد إلي بعد لحظة ومعه دورق وفيه نبيذ، ونظرت فلم أر الماء في حجرة الطعام ~~كلها إلا على مائدتي، فاستحييت وشربت كما يشرب الناس، وكنت أحسب أن الخادم إنما يرغبني ~~في النبيذ ترويجا لتجارة الفندق، فلما فرغت من طعامي عرفت أن الناس ms097 يشربون النبيذ في ~~هذا الفندق كما يشربون الماء لا يدفعون له ثمنا، أو هم يؤدون ثمنه فيما يؤدون من ثمن ~~الغداء والعشاء، آليت إذا يا سيدي ألا أرد الظمأ بشراب الحمار، وأزمعت أن أدفعه بهذا ~~الشراب الذي لم أنتظر قدومي إلى فرنسا لأعرفه وهو الجعة، فأدق الجرس وأنتظر أن يطرق ~~الباب وأن يفتح وأن تدخل علي هذه الفتاة. ومن يدري! لعلي لم أزدر الماء ولم أفكر في ~~قصة الأخطل ولم أبتغ هذا الشراب الحرام إلا تعلة لأدق هذا الجرس، ولتدخل علي هذه ~~الفتاة، وليكون بينها وبيني طرف من حديث يقصر أو يطول، فقد جعلت أتهم نفسي في كل ما ~~آتي وفي كل ما أريد منذ استيقظت ظهر اليوم، وإني لأتبين أن منظر هذه الفتاة وعذوبة ~~حديثها وخفة روحها وحسن خدمتها ودخولها علي مع الصبح وإذنها للشمس أن تغمر غرفتي، كل ~~هذا هو الذي بطأني عن باريس وحبب إلي المقام في هذا الفندق، فأنا إذا فكرت أو قدرت أو ~~هممت أو فعلت، أسأل نفسي لعل من وراء هذا التفكير والتقدير، ولعل من وراء هذا الهم ~~والفعل غرضا خفيا غير ما توخيت من الأغراض الظاهرة، والباب يطرق وأنا أعلن الإذن ~~بصوت مرتفع تظهر فيه اللهفة وقليل من الاضطراب، والباب يفتح، ولكن ماذا أرى! أرى رجلا ~~شابا قد أقبل فاترا متثاقلا وقال في صوت خافت يملؤه الكسل والسأم والضيق: سيدي ~~يريد؟ قلت وأنا أتكلف كظم ما يملؤني من الغيظ وإخفاء ما لا أشك في أنه ظهر على وجهي وفي ~~عيني من خيبة الأمل، قلت وكأني ألقيت في وجهه ما قلت إلقاء: أريد زجاجة من الجعة، قال: ~~نعم، صغيرة أم كبيرة؟ قلت مغضبا: أكبر ما عندك، ثم انصرف عني وعاد إلي بزجاجته ~~وقدحه، فلما هم أن ينصرف قلت: فقد أحتاج إلى أخرى، وما أحب أن أشق عليك حين يتقدم ~~الليل. قال مبتسما: إن سيدي لظريف، ولكن عندي ما يريد سيدي، ثم مضى وعاد بإناء فيه ~~الثلج وفيه زجاجة أخرى من الجعة، وتمنى لي ليلا ms098 سعيدا، وأغلق من دونه الباب. # ولعلك تنكر أيها الصديق إقبالي على الشراب، وعلى الشراب خاليا، وعلى الشراب بعد أن ~~كذب الظن وخاب الأمل. ولكن ما رأيك في أن كذب الظن وخيبة الأمل هما اللذان دفعاني إلى ~~الشراب دفعا، فقد وجدت على الحظ وسخطت على الزمان، وأبيت أن أذعن لمكر الأقدار وغدر ~~الظروف، وأقسمت ألا أذوق النوم حتى أرى وجه هذه الفتاة المشرق وثغرها المضيء وأسمع ~~حديثها الحلو وأستمتع بروحها الخفيف. وأي شيء أعون على السهر من الشراب والتفكير فيها ~~والكتابة إليك! لا تغضب، فما كنت لأكتب إليك لولا أن أخلف الحظ ظني وكذب أملي، واضطرني ~~إلى أن أستعين بك على الليل في مرسيليا، كما كنت أستعين بك على الليل في القاهرة. لا ~~تغضب، فقد عرفتني أوثر الصدق على الكذب، وأكره أن أغشك أو أخفي عليك ما أجد، ولو خيرني ~~الحظ بين زيارة هذه الفتاة لحظة قصيرة تهدأ لها نفسي الثائرة وتستقر لها خواطري ~~المضطربة، ثم آوي إلى السرير لأنام، وبين لقائك أو الكتابة إليك، لما ترددت في أن أرجئ ~~لقاءك والكتابة إليك إلى غد حين يشرق النهار وتملك النفس صوابها كله وأمنها كله، ويفكر ~~العقل في غير فتور ولا قلق ولا اضطراب. ما أظن أنك سترضى عن هذا الكتاب، فليس فيه شيء ~~يرضيك، وليس فيه شيء يرضيني. وما كتبت إليك لأرضيك ولا لأرضي نفسي، وإنما كتبت إليك ~~انتظارا لمطلع الشمس. # ما أسرع ما تتغير نفس الإنسان! بل ما أسرع ما تغيرت نفسي! فصدقني أني أنكرها أشد ~~الإنكار، ولا أكاد أصدق أن هذه النفس التي كانت هائمة بحميدة، محزونة بل جزعة لفراقها، ~~نادمة أشنع الندم وأبشعه على ما قدمت إليها من مساءة واقترفت في ذاتها من إثم - لا أكاد ~~أصدق أن هذه النفس التي لم تكن تذوق النوم إلا غرارا «مثل حسو الطير ماء الثماد» كما ~~يقول شاعرك القديم، قد نسيت أو كادت تنسى حميدة وفراقها وطلاقها، ومحيت منها أو كادت ~~تمحى صورة حميدة قائمة في غرفتنا تلك تنهل دموعها الصامتة. ms099 لقد كانت هذه الصورة تؤرقني ~~الليل، وتنغص علي النهار، ويملأ سنوحها لي قلبي فرقا وذعرا، فأنا الآن أنتظرها فلا ~~تسنح لي، وأدعوها فلا تستجيب لي، وألح في الدعاء وفي الاستحضار فأتمثلها شاحبة واجمة، ~~وكأني أستحضر روحا من أرواح الموتى. وهي لا تثبت بعد أن أجهد نفسي في دعائها ~~واستحضارها، وإنما تمر بي مرا سريعا كأنها الطيف. # كيف انتقلت من طور إلى طور، وكيف تغيرت من حال إلى حال! أكنت خيرا فأصبحت شريرا ~~أم كنت شريرا أتكلف الخير، فلما بلغت هذا البلد ألقيت عن نفسي أعباء التكلف وأثقاله ~~وظهرت لنفسي كما أنا، لا متحفظا ولا منافقا؟ أم ماذا؟ إني لفي حيرة لا أعرف لها ~~حدا، ولكني على ذلك كله راض عن نفسي بعض الرضا، بل كل الرضا. أترى أني أسأت حين قطعت ~~ما بيني وبين حميدة من الأسباب؟ هبني لم أفعل، أفكان ما بيني وبين حميدة من الصلة ~~يعصمني من الشر الذي أنا مدفوع إليه، أم كنت أدفع إلى الشر دفعا وأقترف الإثم اقترافا ~~لا أحفل بحميدة ولا بحبها ولا بهذا العهد المؤكد الذي قطعته لها بالوفاء؟ فأنا مدفوع ~~إلى الشر ما في ذلك شك، وأنا عاجز عن المقاومة، وأنا أسأل نفسي دون أن ألح عليها في ~~السؤال: أليس يمكن أن تكون هناك قوة خفية ماكرة قد دفعتني إلى ما وراء البحر لألقى في ~~هذه الأرض الغريبة كيدا يدبر وأمرا يراد، ولأكون نهبا لشياطين الإثم والغواية ~~والفساد؟ أنا ألقي على نفسي هذا السؤال منذ رأيت وأن أرد إلى الصواب من أمري، وأن أتبين ~~ما أنا مقدم عليه. ولست أريد أن أتبين ما أنا مقدم عليه الآن، وإنما أريد أن أتبين الشر ~~إن كان هناك شر بعد أن أتورط فيه، لماذا؟ لست أدري. ولكني لست أستطيع أن أقف ولا أن ~~أتأخر، إنما أنا شيء قذفت به قوة عنيفة من قمة الجبل فهو يتدحرج على السفح لا يستطيع أن ~~يمسك نفسه ولن يستطيع أن يمسك نفسه، حتى يبلغ الحضيض فتمسكه الأرض السهلة المستوية، ms100 ~~أكنت ملحا في طلب البعثة رغبة في العلم الذي كنت أزينه لنفسي، أم رغبة في هذه الأبواب ~~من الفتنة التي لم أكن أستطيع أن أستفتحها في مصر، والتي لست أحتاج أن أستفتحها في ~~فرنسا لأنها تفتح لي وحدها؟ # ماذا أقول أيها الصديق! أتراني جننت أم تراني ~~سكرت؟ كلا! لست مجنونا ولا سكران، وهاتان الزجاجتان لم أمسهما، وإني لأتبين كل ما ~~حولي، وإني لأعرف أني أكتب إليك، وإني لأستطيع أن أنبئك من أمرنا بما لا يحسن المجانين ~~أن ينبئوا به. ولست مجنونا ولا سكران، ولكني عاقل محكم العقل واضح الرأي صافي الذهن، ~~أنظر في المرآة فأرى نفسي منكرة بشعة، وأخجل منها حين أنظر إليها أكثر من خجلي منك حين ~~أكتب إليك. نعم لست مجنونا ولا سكران، ولكني رجل يزدري نفسه أشد الازدراء ويمقتها أبشع ~~المقت. وكيف تريدني ألا أزدري نفسي وأنا لا أكاد أرى خادما مبتذلة تحمل إلي الطعام ~~وتبسم لي وتتحدث إلي، كما تحمل الطعام لعشرات من أمثالي وتبسم لهم وتتحدث إليهم، ~~بالصوت نفسه وباللهجة نفسها وبالدعابة نفسها، لا أكاد أراها مع هذا كله حتى يجن بها ~~جنوني ويفتن بها قلبي، وأرجئ من أجلها الرحلة إلى باريس، وأقضي من أجلها الليل مسهدا ~~أرقا، أستعين على انتظارها وعلى انتظار الصبح بالكتابة والشراب! # لست مجنونا ولا سكران، بل لست أدري من أنا ولا ما عسى أن أكون، لقد زعمت لك منذ حين ~~أني كنت حمارا قبل أن أعبر البحر فردتني هذه الفتاة إنسانا، فصدقني! إني لا أرى نفسي ~~إنسانا! ولا أعرف من أي نوع أنا بين الأنواع الخسيسة الدنيئة من الحيوان. # إلى اللقاء أيها الصديق! لا أحب أن أطيل في هذا الحديث فإني أخشى أن أخرج من طوري، ~~وأن أدفع إلى هذا الجنون الذي أنكره وأبرأ منه. # إلى اللقاء! لو أني عقلت وأحكمت أمري لانصرفت عنك إلى هذا السرير الذي يدعوني إلى ~~الراحة والنوم، ولكني أعلم حق العلم أني لن أستريح ولن أنام، وأني سأقضي الليل إن أويت ~~إلى فراشي لعبة لصورتين ms101 مختلفتين أشد الاختلاف، إحداهما تخيفني حتى تبلغ بي أقصى الخوف، ~~والأخرى تغريني حتى تنتهي بي إلى غاية الإغراء. إحداهما حميدة البائسة، والأخرى هذه ~~الفتاة الخادم التي لا أعرف من أمرها شيئا إلا أنها جميلة رشيقة حلوة الحديث خفيفة ~~الروح، تحمل الطعام وتبسم للأضياف، كلا! كلا! إني لأكذب عليك وأكذب على نفسي، إني لأعرف ~~من أمرها أكثر من هذا قليلا: إن اسمها «فرنند». # إلى اللقاء أيها الصديق! لأشغلن نفسي عنك وعن هاتين الصورتين بمصارعة هاتين ~~الزجاجتين، فإما أن تصرعاني فأستريح حتى توقظني هذه الفتاة من الغد، وإما أن أصرعهما ~~فليس الجرس ببعيد. وما علي إذا أزعجت الخادم وكلفته أن يحمل إلي زجاجة أو ~~زجاجتين! # إلى اللقاء! # أكتوبر في ... # ليست الحياة لعبا أيها الصديق، أو قل ليست الحياة كلها لعبا، والجنون مباح على أن ~~يكون قليلا، فإن طال فمصير صاحبه إلى مستشفى المجانين، وقد أشفقت أن يطول جنوني، وقد ~~أشفقت أن أدفع إلى هذا المستشفى، ولكني أفقت بعد لأي ورشدت بعد غي، وكان أول ما لقيته ~~في فرنسا شرا، ولكني أرجو ألا أستقبل فيها منذ اليوم إلا خيرا متصلا. # أنا أكتب إليك من باريس بعد أن أقمت فيها إقامة المستقر لا إقامة الزائر الملم. ~~فستبدأ الحياة الجامعية بعد أيام، ولا بد من الانتساب إلى الجامعة والاختلاف إلى ~~الدروس، وإلا رددت إلى القاهرة أشنع رد، وكيف ألقاك! وكيف ألقى أصحابنا! وكيف ألقى أهلي ~~وأصحابي في الريف! وماذا أقول للناس! وماذا أقول لصورة حميدة إن عرضت لي فسألتني ماذا ~~أفدت من المكث في باريس أو في غير باريس من مدن فرنسا! وماذا أقول لصورة حميدة إن ~~سألتني ماذا جنيت من هذا الطلاق الذي أقدمت عليه في غير أناة ولا رشد ولا تفكير! # نعم، لا بد من الانتساب إلى الجامعة والاختلاف إلى الدروس وإرضاء الأساتذة الذين لا ~~أعرفهم، وإرضاء مراقب البعثة الذي أعرفه وأحبه أصدق الحب وأقواه، وإرضاء نفسي التي لا ~~أدري أأوفق إلى إرضائها أم أعجز عنه! فإنها بعيدة الطمع شديدة السخط علي منذ ms102 عبرت ~~البحر. # لا بد من الانتساب إلى الجامعة، والاختلاف إلى الدروس، وإرضاء مراقب البعثة لأظفر ~~بثقته واحترامه! فأنا في حاجة شديدة إليهما، وأنا لم أظفر منه إلى الآن إلا بالعطف ~~والبر والإشفاق بعد السخط الذي ليس فوقه سخط والغضب الذي لا يشبهه غضب، فقد كلفته من ~~المشقة ما لم يكلفه أحد من قبلي، وقد حملته من الجهد ما لم أحمله أحدا من قبله، فلم ~~تكن هذه الأسابيع التي أنفقتها في فرنسا ناعمة ولا راضية، ولم يكن يملؤها الهدوء ~~والاطمئنان، وإنما كانت أسابيع بؤس وجنون وشقاء ومرض أيضا، واكتم علي! فإن أحدا من ~~المصريين في باريس لم يعرف مما أصابني شيئا، وأنت أول من يعرف قليلا من أمري بعد ~~مراقب البعثة، هذا الصديق الفرنسي الذي يعرف من أمري كل شيء، ويكتم من أمري كل شيء، ~~ويعنى بأمري عناية الأخ المحب الرفيق، والذي استطاع أن ينقلني من فساد لا حد له إلى ~~صلاح أرجو ألا يكون له حد. # أنا أكتب لك من باريس بعد أن أقمت فيها إقامة الساكن المستقر لا إقامة الزائر الملم، ~~فقد زرت باريس في الصيف، ولكني لم أقم فيها إلا يومين اثنين لقيت فيهما مراقب البعثة ~~وعرفته بنفسي، وقلت له وسمعت منه، ثم استأذنته في أن أترك باريس حتى ينقضي الصيف، ولم ~~ير بذلك بأسا، ولعله رأى فيه خيرا! فقد كان يحب ألا ألقى المصريين لأول عهدي بفرنسا ~~ليصح تمريني على اللغة ويحسن حديثي إلى أهلها وفهمي عنهم، وقد زعمت له أني أحب أن أعود ~~إلى ساحل البحر الأبيض المتوسط لأن جوه قريب من جو مصر، فلم ينكر ذلك ولم ير به بأسا، ~~ولكنه نهاني عن مرسيليا وزين لي مدينة قريبة منها على ساحل البحر أيضا هي مدينة «كان»، ~~فأظهرت الطاعة له والقبول لرأيه. والغريب أنه منحني أجر السفر على حساب الجامعة للذهاب ~~والإياب، وتركته وتركت باريس، ولكني لم أذهب إلى «كان» ولم أنزل في الفندق الذي سماه لي ~~من فنادقها إلا بعد أن مررت بمرسيليا ... وأقمت في ms103 فندق جنيف أياما، واستوثقت من أني لن ~~أكون وحيدا في «كان». # ولم لا ؟ إن لفرنند وإن كانت خادما الحق في أن تستريح وتصطاف كما يستريح السادة ~~ويصطافون، وما يمنعها أن تستريح وتصطاف أسبوعين حيث أستريح أنا وأصطاف! # وكذلك لم أسافر من مرسيليا إلا بعد أن قدمتها بين يدي إلى «كان» في قطار الصباح، ~~ولحقت بها في قطار من قطارات المساء، ولا تسل بعد ذلك عن هذه الأيام الحلوة المرة، ~~المشرقة المظلمة، التي قضيتها في هذه المدينة مع فرنند في أول الأمر، ثم وحيدا بعد أن ~~آن لفرنند أن تعود، ولا تسل عما جنته علي هذه الوحدة من السيئات والآثام! فأنت أكرم ~~علي وأحب إلي من أن أقص عليك تفصيلها المنكر البشع، وأنت لا تقرأ كتبي بنفسك، وإنما ~~يقرؤها عليك غلامك الأسود الصغير. وحسبك أن تعلم أني رجعت إلى باريس متعبا مكدودا، ~~أستغفر الله! بل مريضا مشرفا على أعظم الخطر وأشده نكرا، ولولا مراقب البعثة لما ~~برئت، وإن له عندي ليدا ما أعرف أني أستطيع مكافأتها إلا بالجد الذي يرضيه، ولأبلغن من ~~هذا الجد ما أريد وأكثر مما أريد. # لا تغضب إن انقطعت عنك كتبي! فما أظن أني سأفرغ للكتابة إليك قبل أن يمضي وقت ~~طويل. # 14 # وكان طويلا حقا هذا الوقت الذي انقطعت عني فيه رسائل صاحبي، وقد كنت أقدر أنه ~~سيتركني شهرا أو شهرين، وكنت أظن أنه لن يستطيع أن يبلغ هذا الأمر دون أن تثور به ~~خواطره هذه الغريبة فترده إلي يلتمس عندي شيئا من الأمن وراحة النفس واستقرار ~~الضمير. ولكن الأسابيع مضت في إثر الأسابيع، وانقضت الأشهر في أعقاب الأشهر، دون أن ~~أتلقى من صاحبي كتابا أو شيئا يشبه الكتاب، والغريب أنه لم يعرض عن الكتابة إلي ~~وحدي، وإنما انقطعت عن أصحابنا هذه الجمل القصار التي كان يرسلها إليهم على بطاقات ~~البريد، وانقطعت أخباره حتى عن أهله في الريف، فكثيرا ما كتب إلي أبوه الشيخ يسألني ~~أوصل إلي من أنباء ابنه شيء، فكنت أرد عليه بأن ابنه ms104 في باريس على خير حال، يختلف إلى ~~السربون، ويرضي أساتذته، ويرضي مراقب البعثة، ويرضي الجامعة عنه أحسن الرضا. ولم أكن ~~أعلله بالأماني ولا أقول له غير الحق، وإنما كنت أسأل عن صاحبي في إدارة الجامعة، وأعرف ~~منها أنه بخير وأنه يجد في الدرس جدا غير مألوف، ويظهر من التفوق ما لم يألفه ~~الأساتذة الفرنسيون من الطلاب المصريين. ولم أكن أجد في هذا غرابة! فقد كنت أعرف من ~~ذكاء صاحبي الشاذ واستعداده النادر ما لم يكن يعرف غيري من الذين اتصلوا به وخالطوه، ~~وكانت هذه الأنباء تكفيني وترضيني، وتقوم له بالعذر عندي عن انقطاع رسائله عني، وتملأ ~~نفسي حبا له وإعجابا به وشوقا إليه وحرصا على أن يتاح لي ما أتيح له من الحظ فأعبر ~~البحر كما عبره، ولكني كنت أقسم لئن بلغت مرسيليا لأجتنبن المقام فيها إلا ريثما يحملني ~~القطار إلى باريس، وكثيرا ما كنت أسخر من نفسي حين كان يخطر لي هذا الخاطر، لماذا أخاف ~~من مرسيليا! وماذا أخاف من فندق جنيف! وماذا أخاف من فرنند وأمثال فرنند! وما أنا وهذه ~~الفتن التي لم تصل الأيام بيني وبينها سببا، ولم تجعل الأيام لها على نفسي سبيلا، وما ~~أنا وهذه الفتن وقد كنت غارقا في الدرس والتحصيل أتأهب لامتحان الأزهر الذي أخفقت فيه ~~إخفاقا بشعا، وأتهيأ لامتحان الجامعة الذي نجحت فيه نجاحا حسنا! ثم ما أنا وهذه ~~الفتن وقد كنت غارقا في أدب أبي العلاء وفلسفته، متمثلا لهذه الفلسفة، متكلفا لتشاؤم ~~شيخ المعرة! وكثيرا ما كنت أخدع نفسي وأغرها، وأزعم لها أني سأذهب إلى باريس كما ذهب ~~أبو العلاء إلى بغداد، ومن يدري! لعلي أعود من باريس، كما عاد أبو العلاء من بغداد، ~~فألزم قرية من القرى وأقيم فيها لا أريم. ولم أكن في حاجة إلى أن أطلب إلى أهل هذه ~~القرية كما طلب أبو العلاء إلى أهل المعرة ألا يكلفوه أن ينفر معهم من القرية إذا ~~أغار عليها الروم! فلم أكن أخشى أن يغير الروم على قريتي في أدنى ms105 الصعيد أو أقصاه، ~~وكذلك كنت مشغولا بجد الدرس وغرور الشباب عن هذه الفتن التي تعرض لها صاحبي، فأفسدت ~~عليه خلقه ودينه وصحته، وكادت تنتهي به إلى الموت. # ثم ينقضي العام ويتقدم الصيف، وإذا الأنباء تأتي من باريس بأن صاحبي قد فعل الأعاجيب، ~~فأتم في عام واحد ما لا يتمه غيره في أعوام، وتقدم إلى امتحان ذي بال ففاز فيه وفاز ~~بتهنئة الأساتذة أيضا، وهو مع ذلك لا يكتب إلي ولا يفكر في، وقد كنت أظن أن فوزه في ~~الامتحان وفراغه للراحة سيردانه إلى صديقه لحظات قصارا أو طوالا. # ولكن الصيف كله ينقضي وأنا ألح عليه بالكتب فلا أظفر منه بشيء، حتى إذا كان شهر ~~أكتوبر تلقيت منه هذه الأسطر: # أكتوبر في ... # إنك تنتظر أن أكتب إليك لأصف لك حياتي في باريس، وما كان أحب إلي أن أفعل! ولكن ~~حياة باريس لا توصف في الكتب والرسائل، ولا سبيل لك إلى أن تعرفها إلا إذا حييتها، على ~~أني أحب أن أصور لك شعوري في باريس تصويرا مقاربا غير دقيق. ولن يكون هذا التصوير ~~بكلام أكتبه إليك، فالكلام كما قلت لا يغني في باريس شيئا، ولكن اذهب إلى الأهرام، ~~فما أظن أنك ذهبت إليها قط، وانفذ إلى أعماق الهرم الكبير، فستضيق فيه بالحياة وستضيق ~~بك الحياة، وستحس اختناقا وسيتصبب جسمك عرقا، وسيخيل إليك أنك تحمل ثقل هذا البناء ~~العظيم، وأنه يكاد يهلكك، ثم اخرج من أعماق هذا الهرم واستقبل الهواء الطلق الخفيف، ~~واعلم بعد ذلك أن الحية في مصر هي الحياة في أعماق الهرم، وأن الحياة في باريس هي ~~الحياة بعد أن تخرج من هذه الأعماق، واجتهد في أن تتم ما بقي لك من درس في القاهرة، ~~وتؤدي ما بقي لك من امتحان، واجتهد أيضا في أن تستبقي رضا الذين يحبونك ويشجعونك ~~ويريدون أن تتم درسك في باريس، وأسرع إلى باريس متى استطعت فإني أنتظرك فيها، وما أكثر ~~ما سيكون بينك وبيني من الأحاديث! # 15 # وتنقضي السنة الدراسية كلها لا يصل إلي فيها ms106 من صاحبي كتاب ولا نبأ، وإنما أسأل عنه ~~في الجامعة كما كنت أسأل في العام الماضي، فأعرف من أنبائه كما كنت أعرف في العام ~~الماضي أنه مقبل على الدرس في نشاط وتفوق، وقد أخذ يدرس اللاتينية بعد أن أحسن ~~الفرنسية إحسانا لا بأس به. وأنا أكتب إلى أبيه الشيخ بما أعرف من أنبائه وأتحدث بها ~~إلى أصحابنا، حتى أصبح اسمه بيننا رمزا للجد في العمل وللتوفيق في الحياة. # وقد تهيأت لي أسباب الرحلة إلى فرنسا على خير ما كنت أحب، وإني لأستعد للرحيل لذلك ~~بين القاهرة والصعيد، وإذا الحرب الكبرى تعلن، وإذا كل شيء يتغير في حياة الأفراد ~~والجماعات، وإذا رحلتي تؤجل، وإذا أنا مضطر إلى أن أقيم في القاهرة بائسا محزونا ~~سيئ الحظ خائب الأمل وتأتي الأنباء بأن الطلاب المصريين قد هجروا باريس كما هجرها كثير ~~من الفرنسيين، وكما هجرتها الحكومة الفرنسية نفسها حين دنت منها جيوش العدو، ولكني ~~أتلقى من صاحبي هذا الكتاب: # أغسطس في ... # لقد زلزلت الأرض زلزالها، واضطرب فيها كل شيء وكل إنسان أيها الصديق، وما أحاول أن ~~أصف لك من أمر الحرب شيئا، فأنت تقرأ من ذلك في الصحف المصرية والأجنبية ما لا أستطيع ~~أن أبلغه ولا أن أقاربه، وإنما أكتب محزونا لأن الظروف لم تهيئ لك الرحلة التي كنت ~~ترجوها وتعقد بها الآمال، والتي كنت أرجوها وأنتظر منها خيرا كثيرا، فليس لي بين ~~المصريين المقيمين في باريس صديق آنس إليه إن سرتني الحياة، أو أستعين به إن ساءتني. ~~وإنما نحن قوم متخاذلون متنافسون، يبغض بعضنا بعضا، ويمكر بعضنا ببعض، ويكيد بعضنا ~~لبعض في كل شيء ولسبب ولغير سبب. قد طوى كل واحد منا نفسه على أصحابه، فجهل كل واحد ~~منا من أمر أصحابه كل شيء إلا هذه الأمور الظاهرة التي ليس إلى جهلها من سبيل. # فنحن نعرف من يختلف إلى السوربون في مواظبة، ومن يزورها لماما، ومن ينفق يومه في ~~البيت وليله في القهوة، ونحن نعرف من يعبث مع هذه الفتاة من بنات الغي، ms107 ومن يدور حول ~~هذه الفتاة من طالبات العلم، ونحن نعرف من تفسد عليه الغواية حياته كلها، ونعرف من ~~يلهيه تتبع الطالبات في غير نفع عن الدرس والتحصيل، ونحن نعرف من يكتب إلى أهله ~~بالأكاذيب ويخدعهم بالأماني، ويستخلص منهم المال بالحق والباطل، وينفق حياته كلها في ~~اللهو واللعب، ونحن إذا لقي بعضنا بعضا لم نتحدث إلا في هذا، ولم نستعن بأنفسنا إلا ~~بهذا. وأظنك تعلم أن ليس لي في شيء من هذا أرب ولا لذة، فأنا وحيد بين المصريين في ~~باريس وإن لم أكن وحيدا بين الفرنسيين، فقد اتخذت لي منهم أصدقاء أحبهم ويحبونني وآمن ~~لهم ويأمنون لي، ولكني ألاحظ أن لي نفسين: نفسا تأنس إلى الفرنسيين، وتجد اللذة في ~~عشرتهم وأحاديثهم ومشاركتهم فيما يأخذون فيه من الجد واللهو، ونفسا أخرى مشوقة أبدا، ~~ملتاعة أبدا، تحب أن تسمع صوتا مصريا صادقا، وأن تأمن إلى قلب مصري صادق، على أني ~~قد حرمت لقاء المصريين والفرنسيين جميعا. # فأما أولئك فقد فروا بأنفسهم من الموت الذي يقال إنه يغزو باريس، وأما هؤلاء فقد ~~دفعوا أنفسهم دفعا إلى لقاء الموت ليردوه عن باريس، وقد أنفت أن أفر مع أولئك، وضعفت ~~أن أنفر مع هؤلاء، وآثرت موقفا لا أحمده لنفسي ولا ألومها عليه وهو موقف الانتظار. وما ~~أرى إلا أني سأخرج من هذا الموقف كارها إن استطاع الموت أن يقتحم ما أعد له الفرنسيون ~~ليردوه عن هذه المدينة الخالدة، فما أملك حياتي حين يقدم الموت على باريس، على أني أجد ~~في هذه المدينة الخالية التي فر الناس منها ذعرا أو نفر الناس منها حفاظا ونجدة، ~~شيئا من الشعر الرائع لا أستطيع تصويره، وإنما أستطيع أن أقول إنه يملك علي نفسي ~~ويفعم قلبي إفعاما، ويحبب إلي هذه الأرض كما لم أحب أرضا قط. # نعم، وأجد في مقامي في هذه المدينة الخالية لذة لا أدري كيف أصورها، وفخرا لا أعرف ~~كيف أصفه، ومع أني لم أنفر مع الناس فقد يخيل إلي أني شجاع، فليس جبانا ولا ضعيف ~~القلب ms108 هذا الذي لم يفر مع من فر، ولم يعد إلى مصر فيمن عاد من الطلاب ، ولم يغير من أمره ~~شيئا مع أن كل شيء من حوله قد تغير، وما زال يتغير، وإنما ظل في مكانه هادئ النفس ~~مطمئن القلب ينتظر الأحداث والخطوب لا خائفا ولا وجلا ولا مذعورا. # ولقد أخذت على نفسي عهدا ألا أبرح باريس مهما تكن الظروف، وستعلم أني سأفي بهذا ~~العهد مهما يكلفني ذلك وإن انتهى بي إلى الموت، وأي شيء يكون الموت في سبيل باريس! لقد ~~أبيت أن أكتب إليك في وصفها وفي وصف الحياة فيها؛ لأن ذلك لم يكن ميسورا، ولأني كنت ~~أرجو أن تقدم على باريس فأظهرك على ما تستطيع أن تظهر عليه من أمرها. وقد تأخر قدومك، ~~وكنت أحب أن أعلك بالحديث عن باريس، ولكني عاجز حتى عن هذا، مشغول بالحديث إلى نفسي ~~عن الحديث إليك، فكم لي من ساعات أخلو فيها إلى نفسي حتى تنقطع الأسباب بيني وبين كل ~~شيء، وبيني وبين كل إنسان، والناس مع ذلك حولي يذهبون ويجيئون ويموج بعضهم في بعض، وأنا ~~لا أخلو إلى نفسي هذه الخلوة في بيتي وإنما أخلو إلى نفسي في الحدائق والمتاحف والقهوات ~~حيث يجتمع الناس ويزدحمون، أخلو إلى نفسي أمام تمثال من هذه التماثيل، أو عمارة من هذه ~~العمارات، أو معهد من هذه المعاهد التي يستقر فيها الجد خصبا حافلا بالنفع والأمل، لا ~~لأهل باريس، ولا لأهل فرنسا، بل للناس جميعا، ومنهم هؤلاء العدو الذين يقدمون على ~~باريس ومعهم الموت يريدون أن يصبوه عليها صبا. # نعم، وأخلو إلى نفسي أمام معهد من معاهد اللهو، هذه التي تستنفر فيها الدعابة فتبعث ~~الفرح في القلوب جميعا، وتبعث الابتسام على الثغور جميعا، وتجدد النشاط للعمل وتحبب ~~الحياة إلى الذين زهدوا في الحياة. # أخلو إلى نفسي أمام هذه الأشياء التي أراها كنوزا للإنسانية قد حوت خير ما عند ~~الإنسانية من فن وأدب، ومن فلسفة وعلم، ومن عمل وأمل، ومن تفكير وتدبر، وروية ~~ونشاط. # أخلو إلى نفسي أمام ms109 هذه الأشياء، وأفكر في أن قوما يزحفون عليها يريدون بها السوء، ~~ولا يكرهون، ولعلهم يحبون أن يمحقوها محقا، ويسحقوها سحقا، ليغضوا من أمر باريس، ~~وليغضوا من أمر فرنسا، دون أن يحفلوا بأنهم إن فعلوا فسيغضون من أمر الحضارة كلها، ~~وسيعلنون في القرن المتم العشرين كما أعلن آباؤهم في أول التاريخ المسيحي أن عهد ~~الحضارة والعلم والفلسفة والتفكير والفن قد آذن بزوال، وأن الإنسانية قد آن لها أن ~~تستريح من جهدها الخصب العنيف، وأن تعود إلى هذه الراحة المجدبة التي يملؤها الذل ~~والعقم والهوان. # أخلو إلى نفسي أمام هذه الأشياء، وأراها قائمة باسمة نضرة يملؤها الفخر والتيه ~~ويزدهيها الأمن، فأراها وقد مستها لفحة من لفحات العدو فاستحال ابتسامها عبوسا ~~ونضرتها ذبولا وكبرياؤها ذلا وخنوعا، وإذا أنا مدفوع إليها متصل بها، فأنا فيها ~~أنعم لأنها ناعمة، وأبسم لأنها باسمة، وأبتئس لأنها مبتئسة، ويدركني الموت لأنه ~~أدركها. # حرام علي فراق باريس حتى أصير إلى مثل ما تصير إليه، وأخرج معها من الأهوال بما ~~تخرج به منها، ولتغضب الجامعة إن شاءت أن تغضب، ولترض الجامعة إن أحبت أن ترضى؛ فقد ~~دعت طلابها إلى مصر فعادوا سراعا. وأكبر الظن أنها ستردهم إلى فرنسا بعد أن تستقر ~~الأمور شيئا، ولكنها ستحول بينهم وبين باريس؛ لأن باريس قريبة من الخطر معرضة له ~~دائما، وسيعود هؤلاء الطلاب وقد تقدم أنت معهم، وسيتفرقون من أرض فرنسا في حيث يستقر ~~الأمن والسلم، وفي حيث لا تصل إليكم يد العدو ولا تبلغكم قذائفه. أما أنا فمقيم هنا لا ~~أريم، منتظر هنا مع المنتظرين، ومن يدري! لعلي أخرج من هذا الانتظار إلى العمل، فما ~~ينبغي للرجل الكريم ذي المروءة أن يعيش مع الناس ضيفا عليهم مستمتعا بما يمنحونه من ~~الأمن آخذا بأوفر حظه مما يبيحون له من لذة العقل والقلب والجسم، حتى إذا ألمت بهم ~~الخطوب أو هجمت عليهم الأحداث، فر عنهم مسرعا لا يلوي على شيء، أو أقام فيهم جبانا ~~أثرا خانعا لا يبتغي إلا أن يعيش. # نعم، ما ينبغي للرجل ms110 الكريم ذي المروءة والنجدة أن يسير هذه السيرة، وما كنت أحب ~~للجامعة أن تلقي على طلابها هذا الدرس أو تدعوهم إلى هذه السيرة، وإنما كنت أحب منها ~~شيئا آخر. وأنا أعلم أن الجامعة أمينة على حياة طلابها مسئولة إلى حد ما أمام أهل ~~هؤلاء الطلاب، ولكني أعلم أيضا أن الجامعة لا تجير من الموت، وأن أهل الطلاب لن ~~يستطيعوا أن يرجعوا إليها إن ألمت بطالب من طلابها علة مهلكة أو عدت عليه عادية لا مرد ~~لها، وهل الحرب إلا بعض هذه العلل والعوادي! وماذا تقدم الجامعة إلى الناس حين تقدم ~~إليهم هؤلاء الطلاب أساتذة قد فروا حين أقبل الخطر، وآثروا الحياة على الموت حين كان ~~الكرم والشهامة والنجدة وعرفان الجميل، حين كان هذا كله يريدهم على أن يسعوا إلى رد ~~الخطر كما سعى الفرنسيون، أو يثبتوا لانتظار الخطر كما ثبت أنا! إنما تقدم إليهم أساتذة ~~قد فروا من الخير إلى الشر، ومن الإيثار إلى الأثرة ومن الكرم والنبل إلى الذلة ~~والهوان. # وأنا أعلم أنك أيها الصديق تنكر هذا مني، وتراه جنونا أو تراه إسرافا، ولكن ما رأيك ~~في أني أرى هذا طبيعيا، وأصدر عنه حين أفكر وحين أعمل، وفي أني رفضت العودة حين عاد ~~الطلاب الجامعيون، ورفضت الهجرة حين هاجر الطلاب غير الجامعيين إلى الأقاليم النائية، ~~وآثرت البقاء لم أجد فيه مشقة ولم أتكلف له جهدا، وسينقطع عني من غير شك راتب ~~الجامعة، ولن أطلب العون من أهلي، وما أحب أن تنبئهم من ذلك بشيء. وقد أتعرض للضر، وقد ~~أذوق لذة الجوع، وما أرى بذلك بأسا، فإن معي ملايين سيتعرضون لهذا الضر، وسيذوقون هذه ~~اللذة، وما أحب أن أسعد وهم أشقياء، ولا أن أشبع وهم جياع، على أني لا أريد أن أغلو ولا ~~أصور لك نفسي في صورة البطل، فلئن نجت باريس من هذا الشر المحدق، لأعودن إلى ما أنا فيه ~~من حياة هادئة وادعة. ولئن ألمت بها الكارثة لأكونن واحدا من هذه الملايين التي تشقى، ~~ولكنها لا تصور شقاءها ms111 في الكتب ولا تتحدث به إلى الأصدقاء من وراء البحر، وإنما تلقاه ~~ثابتة له مطمئنة إليه، حتى تنفرج عنها الكربة، وتزول عنها الغمة، وتنجاب عنها ظلمة ~~الليل. ولعل أظهر ما تترك الحرب في نفوسنا من الآثار أنها تهون عليها الحياة، وتزيل ~~عنها هذه الأغشية التي نسجتها الحضارة لها نسجا من الأثرة وحب اللذة والتهالك عليها، ~~والطموح إلى الترف، والحرص على الأمن والاستمتاع بما يبيح من نعيم، فكل هذا شيء مصنوع ~~متكلف أنتجته الحضارة إنتاجا، وليس هو في طبيعة الحياة، وإنما طبيعة الحياة أيسر من ~~هذا وأدنى إلى السذاجة، إنما هي حركة ونشاط يعقبهما سكون وخمود، إنما هي هذا الذي نراه ~~في غيرنا من الحيوان الذي يتبع غرائزه آخذا من نشاطه بأعظم حظ يستطيعه، حتى إذا ألمت ~~به الكارثة أو تلقاه الموت لم ينظم شعرا ولم يكتب نثرا، وإنما انتظر الموت مذعنا له، ~~ودخل في الفناء كما خرج منه، لم يرد الدخول فيه كما لم يرد الخروج منه. # نعم، هذا أظهر ما تترك الحرب في نفوسنا من الآثار، فنحن نتبع غرائزنا أكثر مما نتبع ~~عقولنا، نحن شجعان دون أن يكون لنا فضل في الشجاعة. ونحن مؤثرون دون أن يكون لنا فضل في ~~الإيثار، ونحن جبناء وأثرون أيضا دون أن يكون علينا في الجبن والأثرة لوم، إنما نقدم ~~أو نحجم لأنا ندفع إلى الإقدام أو نرد إلى الإحجام، لا نرى من هذا ولا ذاك بدا. ذهبت ~~بالقياس إلينا كل فلسفة، وانحلت بالقياس إلينا كل قاعدة، وأرسلت نفوسنا على سجيتها ~~إرسالا، فنحن ننتهز الفرص حين نظفر بها، ونستمتع باللذة إلى أبعد غاية الاستمتاع حين ~~تتاح لنا، لا نحاسب أنفسنا ولا نسألها، وفيم الحساب والسؤال ونحن لا نفكر في العاقبة ~~لأن فكرة العاقبة قد محيت من نفوسنا محوا، وما التفكير في العاقبة وما السؤال عنها، ~~ونحن نراها ساعية إلينا مشرفة علينا، قد زلزلت الأرض من حولنا زلزالا، أليست هي في هذا ~~الموت الذي يسعى إلى باريس ويوشك أن يبلغها غدا أو بعد غد! # لست ms112 أدري إلى أي عاقبة تنتهي هذه الحرب، ولست أدري لمن سيتاح النصر، وعلى من ستدور ~~الهزيمة، ولكن الذي لا أشك فيه هو أن الناس سيقضون أيام الحرب والأعوام التي تليها ~~متأثرين بالغرائز أكثر مما يتأثرون بأي شيء آخر، مهدرين لما عرفوا من قيم الأشياء ~~إهدارا، مزدرين لما ألفوا من المثل العليا، وما أرى إلا أنهم سينفقون دهرا متمردين ~~على العقل والخلق، واجدين في هذا التمرد أقصى اللذة وأقصى الألم. # لست أدري أتفهم عني! فقد ألقت الظروف بينك وبيني حجبا كثافا صفاقا، لعل الكلام لا ~~ينفذ منها، ولعل العقول لا تتصل من دونها، أنت آمن وأنا خائف، أنت هادئ وأنا مضطرب، أنت ~~لا تخشى الموت وأنا أراه يسرع إلي وإلى ما حولي ومن حولي في غير ريث ولا أناة، كم ~~أحب لك أن تعبر البحر لتقرب من ميدان الخطر أو لتسمع حديث الذين دنوا من هذا الميدان، ~~أو ألموا به ثم ردوا عنه. فمهما تكن المدينة التي سترسل إليها بعد أشهر فستكون فيها ~~قريبا من المئات والآلاف من هؤلاء الجرحى الذين يوزعون توزيعا على ما أقيم في فرنسا ~~من المستشفيات، وستسمع من هؤلاء أو من الذين يتصلون بهؤلاء أنباء الموت وأحاديث الحرب، ~~وستفهم أنها خليقة أن تغير في الحياة رأي الأحياء. أين أنا؟ وماذا كنت أريد أن أقول لك ~~حين بدأت هذا الكتاب؟ لقد أنسيت مكاني وأنسيت بدء الحديث، وهأنذا ألتفت عن يمين وشمال ~~فأعرف المكان الذي أنا فيه والذي أكتب إليك منه، إنها هذه القهوة التي يألفها الأدباء ~~في حي مونبرناس، والتي تعودت أن أختلف إليها، وأجلس غير بعيد من أنديتهم ومجالسهم، ~~لأراهم حين يقبلون وحين ينصرفون، ولأسمعهم حين يديرون بينهم هذه الدعابة الحلوة، وهذه ~~الفكاهة ذات الأجنحة، وحين يتناشدون الشعر، ويتبادلون الرأي فيه حول أقداح الأبسنت إذا ~~دنا الظهر أو أقبل الليل، وحول كئوس الكونياك وأقداح القهوة بعد الغداء وبعد العشاء. ~~إني لأعرف نفسي في هذه القهوة التي كانت وقفا أو كالوقف على أدباء الحي اللاتيني، ~~ولكني أختلف منذ ms113 أيام فلا أرى فيها حلق الأدباء ولا أنديتهم، وإنما هي مزدحمة دائما ~~تكتظ بالمقبلين عليها من كل صوب، قد اختلطوا أشد الاختلاط، وتباينت طبقاتهم أشد ~~التباين. وهم يلمون بالقهوة لا يطيلون فيها المقام، إنما يلتقون ويفترقون، ويصيبون بعض ~~ما يحتاجون إليه من شراب بارد أو حار، ثم يمضي كل منهم لوجهه. ومن يدري! لعلهم لا ~~يعودون إلى هذه القهوة أبدا، ومن يدري! لعل الذين يلتقون فيها لا يلتقون بعد هذا اليوم ~~أبدا، وباريس كلها في هذه الأيام تشبه القهوة، يلتقي فيها الناس سراعا ويفترقون ~~سراعا، كلهم معجل، وكلهم قلق، وكلهم يستقبل الساعة التي هو مقبل عليها غير حاسب للساعة ~~التي تليها حسابا؛ لأن حساب الساعات لم يبق في أيدي الناس وإنما صار إلى يد «أم ~~قشعم»، ألستم تزعمون أن أم قشعم هي الحرب؟! تعال أيها الصديق فانظر إليها وابل سلطانها ~~على النفوس، فسترى وستسمع وستحس أشياء لا صلة بينها وبين ما تقرأ في شعر زهير. # وداعا أيها الصديق! لقد ذكرت الآن فيم أقبلت إلى هذه القهوة، فهذه «إلين» تقبل علي ~~مبتسمة في هذه الأيام التي لا يفهم معنى الابتسام، وأنا أبسم لها، ولا تسلني عن إلين، ~~فالله قد نهاكم أن تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم، وما أحب أن أسوءك بحديث إلين، ~~فيكفي أن تعلم أن صديقك الذي كان جادا كل الجد، منصرفا كل الانصراف، قد فارق اللذة ~~وطلق الحب وقطع الأسباب كلها بينه وبين حميدة وفرنند. يكفي أن تعلم أن صديقك هذا قد ~~فارق الجد وقطع الأسباب بينه وبين الدرس، ووصل الأسباب بينه وبين إلين، ولن أحدثك عنها ~~ما دامت هذه الأسباب موصولة، فإذا انقطعت فسيطول بينك وبيني الحديث، فأنت تعلم أني لا ~~أحدثك عن رضاي حين أرضى، وإنما أحدثك عن شقائي حين أشقى، فتمن لي الشقاء إن حرصت على أن ~~أتحدث إليك. # وداعا أيها الصديق! إن إلين تضيق بانصرافي عنها إليك، ولئن مضيت في هذا الحديث ~~لتمزقن كتابي إليك تمزيقا، فلأنصرف عنك إليها، ولأستقبل معها حياة المساء ms114 في باريس ~~المضطربة، فمن يدري عم يسفر لنا الصباح؟! # 16 # ديسمبر في ... # وكذلك عبرت البحر في أيام الحرب وفي فصل الشتاء، ولقيت من عبوره هذا الشر العنيف الذي ~~خلقته لنفسك خلقا، وخيلته إليها تخييلا أيها الصديق، فما كانت سفينتك معرضة لخطر ~~الغواصات، ولو عرفت الجامعة أنكم تتعرضون لهذا الخطر ما أرسلتكم إلى فرنسا، فهي حريصة ~~على حياتكم حرصا شديدا، وما كانت سفينتك على صغرها وطول العهد عليها معرضة للغرق ولا ~~لأن تحطمها الأمواج. فلو كانت تعرض لشيء من ذلك لما أذن لها بالعمل في البحر، وإنما ~~أنت رجل من أبناء الريف لا تعرف المخاطرة ولا المغامرة، فكل جديد عندك خطير، وكل مشقة ~~عندك مشرفة بك على التهلكة. وها أنت ذا قد نجوت من الغرق، فلم تنسفك غواصة ولم يطغ ~~الموج على سفينتك، فانعم بهذه النجاة، وانعم بالوصول إلى فرنسا والاستقرار فيها ~~والاختلاف إلى جامعة مونبلييه، وانعم بما قدر لك من أمن وهدوء، فلن يبلغ الألمان ~~مونبلييه، وأنى لهم أن يبلغوها وهم قد ردوا عن باريس كما علمت ردا عنيفا، وهم قد ~~اضطروا إلى هذه الحياة التي يحيونها في الخنادق ينتظرون أن ينحسر الشتاء ليستأنفوا ~~الهجوم، وينتظر عدوهم من الفرنسيين أن ينحسر الشتاء ليستأنفوا الدفاع العنيف وليخرجوهم ~~من أرض الوطن إخراجا! # اهنأ بهذا الأمن في مونبلييه وإن كنت لا أفهم لم وجهتكم الجامعة إليها وصرفتكم عن ~~باريس، فليست باريس أقل أمنا من مونبلييه بعد أن رد الألمانيون عنها ردا وقد كسرت ~~حدتهم وفلت عزائمهم، فلن يبلغوها بعد اليوم مهما تتح لهم القوة ومهما يواتهم الحظ، ~~ولكنكم قوم تحسنون الاحتياط وتغلون فيه وتتجنبون حتى مظنة الخطر. فلتنعموا بما أتيح لكم ~~من هذا الحذر الذي لن يغني عنكم من الله شيئا، ولكني أحب لك ألا تخدع نفسك بالأماني ~~ولا ترسلها مع الغرور، ولا تخيل إليها أنك تعيش في فرنسا تلك التي عرفناها قبل الحرب، ~~فإن فرنسا تلك ليست في المدن ولا في الأقاليم ولا في باريس، وإنما هي في ميدان القتال، ~~تواجه الموت ms115 وتبسم له بعد أن كانت من قبل تواجه الحياة وتبسم لها. ستسمع العلم ولكن من ~~أساتذة شيوخ عجزوا عن حمل السلاح إلى الحرب فأقاموا في الجامعة يعلمون، وستختلف إلى ~~الدروس ولكن مع طلاب من الغرباء لا حظ لهم مما كان يملأ نفوس الفرنسيين من فرح ومرح ~~ونشاط، ستعيش في بيئة مظلمة مكفهرة، فيها أمل ولكنه بعيد، وفيها خوف ولكنه قريب، فيها ~~أمل في فوز فرنسا، وفيها خوف على أبناء فرنسا، وفيها يأس لاذع يتردد بين ذلك الأمل وهذا ~~الخوف، والحياة في هذه البيئة لا تخلو من لذة وعبرة ومتاع، ولكنك لا تستطيع أن تبلوها ~~كما ينبغي؛ لأنك لم تر فرنسا الفرحة المبتهجة الآمنة لتقيس إليها فرنسا المحزونة ~~المكتئبة الخائفة. افرغ إذا لعلمك ودرسك، وامنح أكثر وقتك للكتب، وأجل معرفة فرنسا ~~إلى حين، فإنك لن تعرفها حق المعرفة إلا بعد أن تضع الحرب أوزارها، ومتى تضع الحرب ~~أوزارها؟ # ما كنت أظن أن حب الاستطلاع يسيطر عليك إلى هذا الحد فقد ذهبت فيما زعمت لي إلى فندق ~~جنيف حين انتهيت إلى مرسيليا، وكنت تظن أنك ستلقى فيه فرنند. ويحك! وهل تبقى فرنند في ~~فندق واحد كل هذا الأمد البعيد، ومن يدري! أين فرنند بعد ما مضى من الزمن، وبعد ما ~~اضطربت شئون فرنسا وشئون الأرض كلها هذا الاضطراب، وماذا كنت تريد إلى فرنند؟ وعم كنت ~~تريد أن تسألها؟ لقد أنبأتك بما وسعني أن أنبئك به من أنبائها، فهل كنت تريد أن تمتحن ~~ذوقي، أو هل كنت تريد أن تعرض نفسك لمثل ما عرضت نفسي له من المحنة؟ إنك لست في حاجة ~~إلى فرنند إن كنت تريد أن تبلو مثل ما بلوت، فأمثال فرنند كثيرات في كل فندق وفي كل ~~مدينة وفي كل بيئة، فاحذر أن تتعرض لمكرهن، وارفع نفسك عن هذا الشيء الذي غمست نفسي ~~فيه، والذي لا أستطيع أن أخلص منه مهما أبذل من جهد وأتكلف من عناء. # لقد صدق «موسيه» حين شبه قلب الرجل النقي بالإناء العميق، إذا استقر الدنس ms116 في قاعه ~~فليس إلى تطهيره من سبيل، ولو مر به ماء البحر كله، إن قلبي هو هذا الإناء، وقد استقر ~~في قاعه الدنس، ولقد حاولت تطهيره ما استطعت إلى ذلك سبيلا: بالتفكير والتدبر، ~~بالقراءة والدرس، بالجد والنشاط، بهذه المثل العليا التي كنت اتخذتها وأجد في السعي ~~إليها، وأوفق أحيانا في هذا السعي بما حاولت من إرضاء الأساتذة، وبما حاولت من إرضاء ~~مراقب البعثة، وبما حاولت من إرضاء الجامعة، وبما بلغت من هذا كله، ولكني مع ذلك لم ~~أستطع أن أمحو من قرارة نفسي هذا الدنس الذي استقر فيها فلزمها لزوما، واتصل بها ~~اتصالا لا انقطاع له. # لقد خيل إلي في بعض الأوقات أني قد خلصت من الشر وبرئت من الإثم، وارتفعت عن ~~النقيصة، وأني قد كفرت بالمرض الطويل الثقيل المهلك عما اقترفت من السيئات، وأني قد ~~طهرت نفسي بالعلم تطهيرا، وكرمتها بالدرس عن كل ما يفسدها ويشينها، وأخذت أكبر نفسي ~~وأغالي بها، ولكني تبينت بعد ذلك أن الحياة غرور كلها، وأن القضاء نافذ بالغ أجله مهما ~~نفعل ومهما نحاول، وقد عرفت قضاء الله في أمري، فأنا رجل موكل بالجد واللهو معا، أبلو ~~اللذة حتى أصل إلى أقصاها، وأبلو الألم حتى أنتهي إلى غايته، أقبل على العلم حتى كأني ~~لم أخلق إلا للعلم، ثم أقبل على اللهو حتى كأني لم أخلق إلا للهو، أقبل على العلم فلا ~~يصرفني عنه صارف مهما يكن، وأقبل على اللهو فلا يشغلني عنه شاغل مهما يكن. يتاح لي ~~الغنى ويلم بي الفقر، فلا يمنعني هذا ولا ذاك من المضي في العلم إن كنت مقبلا عليه، ~~ولا من المضي في اللهو إنت كنت منصرفا إليه، وقد عرفت إلين - إن كنت تذكر إلين - من ~~أمري هذا كله، فقبلته مني وجارتني فيه، وأخذت إن رأتني مقبلا على العلم تهملني حتى ~~كأنها لم تعرفني قط، وإن رأتني مقبلا على اللهو تعنى بي حتى كأنها لم تعرف غيري قط. ~~وأنا يا سيدي كما ترى لعبة تتقاذفها معاهد العلم ومنازل اللهو، وقد ms117 بقي لي شيء من ~~إرادة، فأنا أنفقه في تنظيم أمري على وجه ما، وأود لو استطعت أن ألائم بين هذين اللذين ~~يختصمان في اختصاما، وأود لو استطعت أن أقسم وقتي وجهدي بينهما قسمة عادلة، فللعلم ~~شطر منهما وللهو شطر آخر. فمن يدري! لعلي إن وفقت لهذه القسمة أن أصلح مزاجي بعض ~~الإصلاح، وأن أنظم أمري بعض التنظيم، وأن أنتهي إلى نتيجة أرضاها وأرضي بها من لا بد ~~من أن أرضيهم من الناس. وقد أخذت في هذه التجربة منذ أسابيع، وأنا أبذل فيها جهدا ~~عنيفا وألقى فيها شططا شديدا، وأخشى كل الخشية ألا أوفق لشيء، لقد أخذت أدرس ~~اللاتينية، ورتبت نظام الدرس مع الأستاذ ترتيبا رضيه وأقره، فلما أخذنا في تنفيذ ما ~~اتفقنا عليه لم نجد إلى ذلك سبيلا، ولو أنك سألته عني لأنبأك في يأس وحزن بأني أكسل ~~الناس وأنشط الناس، وبأني أقدر الناس على العمل وأعظمهم حظا من التوفيق، وبأني أعجز ~~الناس عن الجد وأعظمهم نصيبا من الخيبة. أما في أول أمرنا فقد كان لا يزورني إلا وجدني ~~مستعدا للقائه متهيئا لدروسه، وكان يزعم لي أني سأتقدم للامتحان في وقت قريب وسأفوز ~~فيه فوزا مبينا، ثم تمضي أسابيع، وإذا أنا قد صرفت عن العلم ودفعت إلى اللذة، وأفلت ~~من السوربون ولزمت ذراعي إلين، ويزورني الأستاذ للدرس مع الظهر فيجدني مغرقا في النوم ~~لأني أفنيت الليل ووجه النهار في اللهو والعبث والمجون، فيستيئس إذ تكررت زيارته في غير ~~جدوى. # ولكني أفرغ له بعد حين، فأسعى إليه وألح عليه، وأعوض ما فسد، وأرضيه بعد سخط. وعلى ~~هذا النحو تمضي حياتي منذ حين، ولم يزدها شبوب الحرب إلا مضيا في هذا النحو من الفساد ~~والاضطراب، فقد محت الحرب من نفسي كل ثقة، وذادت عنها كل يقين، وأهدرت فيها كل قيمة ~~للعمل والأمل والحياة، فأنا أحيا لغير شيء، أو قل إني لا أحيا، وإنما أنتظر شيئا ~~مجهولا لا أعرفه ولا أريد أن أعرفه، ولو قد أردت لما استطعت. وأنا أنتظر هذا الشيء ~~المجهول ms118 كما أستطيع أن أنتظره، مستعينا عليه بالعلم والجد حين أفرغ للعلم والجد، ~~وباللهو والعبث حين أنقطع للهو والعبث. وقد يتاح لي أن أفكر في ذلك، وأن أمتحنه وأحاول ~~أن أتعرف أسبابه، فأشعر بأن نشأتي في مصر هي التي دفعتني إلى هذا كله دفعا وفرضت هذا ~~كله علي فرضا؛ لأني لم أنشأ نشأة منظمة، ولم تسيطر على تربيتي وتعليمي أصول مستقيمة ~~مقررة، وإنما كانت حياتي مضطربة كلها أشد الاضطراب، تدفعني إلى يمين وتدفعني إلى شمال، ~~وتقف بي أحيانا بين ذلك، ولو أني بقيت في مصر لأنفقت حياتي كلها كما بدأتها في هذا ~~الاضطراب المتصل في غير نظام وإلى غير غاية، ولكني عبرت البحر إلى بيئة لا يصلح فيها ~~الاضطراب، ولا تقوى على الحياة فيها نفوسنا الضعيفة المضطربة، فلم أحسن لقاءها ولم أحسن ~~احتمال الأثقال فيها، ولم أحسن الخضوع لما تفرضه من نظام وإطراد. # ثم كانت الحرب واضطربت الدنيا، وأضيف في نفسي فساد إلى فساد واضطراب إلى اضطراب، ~~ففقدت نفسي محورها - إن صح هذا التعبير - وأصبحت لعبة تتقاذفها الأهواء. # ما أشد حاجتي إلى قربك أيها الصديق، فقد تقدر على أن تنفعني، ولكني لا أستطيع أن أفر ~~إليك من باريس، فالموت أهون علي من ترك باريس، ولا أستطيع أن أنقلك إلى حيث أنا، ~~فالجامعة تحول بينك وبين هذا الانتقال، وإني مع ذلك لأخشى على نفسي كل شيء، وإني مع ذلك ~~لأظن أني لن أعود إلى مصر - إن عدت إليها - سالما موفور العقل مستقيم الملكات قادرا ~~على النفع والإنتاج. # فلينفذ القضاء إذا، ولتتم كلمته، فلئن ذهبت في غير نفع فما أكثر الشبان الذين يذهبون ~~في غير نفع هذه الأيام! # 17 # يناير في ... # إن ظننت أيها الصديق أن في بقية من عقل أو فضلا من إرادة، فانف عن نفسك هذا الظن ~~نفيا، فالبرهان يقول لي على أني أسعى إلى الجنون في سرعة تزداد بين حين وحين، كما ~~تزداد سرعة السقوط بالجسم الذي يهوي إلى الأرض بين ثانية وثانية، فإن كنت في شك من ~~ذلك فاعلم ms119 أني أنفقت في القراءة وفي القراءة وحدها إجازة عيد الميلاد ورأس السنة على ~~حين كان الناس ينصرفون إلى ما ينصرفون إليه في هذه الأيام التي هي أيام بهجة وعيد عادة، ~~والتي يشوبها الحزن والألم هذه المرة. كنت أنا عاكفا على «سيسيرون» و«تاسيت» قراءة ~~وفهما وترجمة، وكنت أجد لذة في هذه الليالي التي أنفقها من وراء الباب مع الكتاب ~~القدماء والشعراء القدماء، على حين يحيا الناس حياتهم ويجدون فيها ما يجدون من اللذات ~~والآلام، وقد أنسيت كل شيء وأنسيت كل إنسان، ولولا أن الخادم كانت تحمل إلي الطعام ~~أو تدعوني إليه لأنسيته أيضا، وقد انقطعت الصلة بيني وبين إلين في هذه الأيام التي كان ~~يجب أن تقوى فيها الصلة وتكون بمأمن من الضعف والفتور. # ثم انقضت الإجازة، وجعلت أختلف إلى السربون، فسمعت درس اللاتينية وظفرت بثناء ~~الأستاذ، وخرجت. ولكني لم أذهب إلى بيتي، وإنما ذهبت إلى حيث ألقى إلين، وقد لقيتها، ~~وأنفقت معها اليوم بعيدا عن باريس في غابة من هذه الغابات الجميلة القريبة، ثم عدنا ~~ولم نفترق إلا لنلتقي بعد قليل، وأنا أختلس هذه الدقائق لأكتب إليك، ولأظهرك من أمري ~~على أطوار هذا المرض الذي يسعى إلي، أو يسعى في سعيا حثيثا، وثق بأن السربون لن ~~تراني غدا ولا بعد غد، بل ثق بأني لا أعلم متى تراني السربون. # وداعا يا سيدي، إني لأرى شبح الجنون بغيضا مزعجا، ولكني مع ذلك لا أهابه ولا أتأخر ~~عنه، وإنما أقدم عليه إقدام المحب الجريء، وكيف أحجم عن الجنون وقد اتخذ لنفسه صورة ~~إلين! # 18 # يوليو في ... # لم يكن الامتحان عسيرا، ومع ذلك فقد أخفقت فيه أجمل إخفاق وأروعه، هذا الإخفاق الذي ~~لا يظفر الطالب فيه بدرجة أو بعض درجة، وإنما يظفر فيه بالصفر المريح، ولن تعلم ~~الجامعة من أمر هذا الامتحان شيئا؛ فقد تقدمت إليه سرا، فلن أؤدي لها حسابا عن مال ~~لم تنفقه وأمر لم تحط به علما. لم أكن أشك في الفوز؛ فقد وعدني به أستاذي الخاص الذي ~~أتعلم عليه ms120 اللاتينية، ووعدت نفسي به وتهيأت له كأحسن ما يتهيأ طالب للامتحان، ولكن ~~أدركتني نوبة المرض أو نوبة اللهو - إن أردت الدقة في التعبير - قبل موعد الامتحان ~~بأسبوعين، فقضيت هذين الأسبوعين مع إلين، نهيم في الغابات إذا كان النهار، ونطوف على ~~الحانات إذا كان الليل، ولا نلم بالبيت إلا مطلع الفجر. # كانت إلين تذكرني بموعد الامتحان، وتحذرني عاقبة هذا الجنون، وتصور لي جمال الفوز، ~~وتمنيني تلك الأيام الجميلة التي سننفقها بعيدا عن باريس إذا كان الصيف، ولكني كنت ~~أعرض عنها أشد الإعراض، وأزجرها أشد الزجر. فقد كان شيطان اللهو قد ملأ قلبي ونفسي وركب ~~كتفي. # ثم أصبح يوم الامتحان فلا أتردد في الذهاب إلى السربون ولا في دخول حجرة الامتحان، ~~وآخذ النص اللاتيني فأقرؤه وأقرؤه، ثم أقرؤه وأقرؤه، فلا أفهم شيئا ولا أصنع شيئا. ~~وأنا أبذل جهدا عقليا عنيفا لعلي أوفق لفهم جملة أو بعض جملة، فإذا لم أظفر بشيء ~~رددت النص كما أخذته، وانصرفت إلى بيتي راضيا محزونا معا. ثم لا أكاد أخلو إلى هذا ~~النص بعد ذلك بساعة أو ساعتين حتى أفهمه في غير مشقة وأترجمه في غير جهد، وأستوثق من ~~أني كنت خليقا أن أفوز، وإذا قلبي يمتلئ سرورا وبهجة، وإذا أنا أسرع إلى إلين فأنبئها ~~بأني جمعت بين الفوز والإخفاق معا. # وداعا يا سيدي! سأنجح في نوفمبر إذا لم يدركني الشيطان، فأما الآن فإلى اللهو، إلى ~~اللهو المجنون الذي لا يعرف رفقا ولا مهلا ولا تفكيرا، إلى اللهو حتى يضعف العقل ~~والجسم معا، وحتى أضطر إلى الراحة ثم إلى الجد اضطرارا. # 19 # سبتمبر ... # وإذا فقد زرت فرنسا وأقمت فيها، وستعود إلى مصر ولم يكن بينك وبيني هذا اللقاء الذي ~~كنا نرجوه، ولست أدري أيسوءك هذا أم لا يسوءك، ولكني أعلم أنه يسوءني حقا؛ فقد كنت ~~حريصا على لقائك لأراك بعد أن طال افتراقنا، وقد كنت حريصا على لقائك لأستعين بك على ~~نفسي وعلى ما يدهمها من الأحداث والخطوب. ولكن الجامعة أبت أن نلتقي، وأبت أن تطول ~~إقامتك ms121 في هذا البلد حتى تتاح لنا فرصة اللقاء، وإني لأرجو أن تتاح لك عودة قريبة، فما ~~أرى أنك قد زرت فرنسا ولا انتفعت بزيارتها، وما أظن إلا أنك ستعود وفي نفسك حسرات لا ~~تنقضي، فليس من الهين أن تدنو من الغاية ثم ترد عنها ردا، وأن تشارف الأمل ثم تقطع ~~بينك وبينه الأسباب، ولست في حاجة إلى أن أنبئك بأني قد رفضت الإذعان لأمر الجامعة، ~~وأبيت أن أعود في هذه المرة كما أبيت ذلك في العام الماضي. وكيف تريدني على أن أعود وقد ~~أنفقت أعواما في فرنسا، ثم لم أصنع شيئا تحسن العودة والاطمئنان إليه، وإنما كان حظي ~~من الفساد والشر أكثر من حظي من الصلاح والخير! وماذا تريد أن أقول حين أعود إلى مصر ~~فأسأل عما صنعت؟ أأحدث الناس عن فرنند وإلين وما لقيت عندهما مما أحب وما لا أحب؟ أم ~~أحدث الناس بذلك المرض الذي ألح على جسمي حتى أشرف بي على الموت؟ أم أحدثهم بهذا المرض ~~الذي ألح على عقلي حتى أشرف بي على الجنون؟ # لا يا سيدي! إن العودة إلى مصر شيء لم يقدر لي بعد، ولو أني بلغت من مقامي في فرنسا ~~كل ما أريد ما رضيت هذه العودة ولا أجبت إليها، فأنت تعلم أني قد نذرت ألا أترك باريس ~~حتى أصير إلى ما تصير إليه، وحتى أرى مخرجها من هذه الحرب كيف يكون، وما أبعد الأمد ~~بيننا وبين آخر الحرب كما ترى! فالأسباب مقطوعة بيني وبين مصر حتى تنكشف هذه الغمة، وهب ~~كل شيء يجري كما أحب، فكيف أعود إلى مصر دون أن أصطحب إلين وليس لي إلى الحياة سبيل إذا ~~لم أكن قريبا من إلين، أراها متى شئت وتراني متى أحبت، وأفرغ إليها حين أضيق بحياة ~~العمل والجد، وإلين فرنسية لا تريد أن تهجر وطنها، ولا أن تفارق باريس، وإن أعطيت ملء ~~الأرض ذهبا، فإقامتي في فرنسا قضاء محتوم لا مندوحة لي عنه، وشهد الله ما أجد لذلك ~~ألما، وإنما أجد فيه اللذة ms122 كل اللذة. فاقرأ تحيتي على مصر إن شئت، ولا تحدث أصحابنا ~~بشيء من أمري، وإن سألك أهلي عن بعض أمري فقل لهم ما يخطر لك، ولكن احذر أن تنبئهم من ~~حقيقة أمري بشيء؛ فما ينبغي أن نشق على هذين الشيخين، وما ينبغي أن نشمت بنا ~~الشامتين. # وبعد فإن أمور مصر محزنة حقا، أليس مما يسوء ويحزن أن يعجز هذا البلد السعيد الناعم ~~بالسلم ومنافعها عن أن يمد الجامعة من المال بما يمكنها من استبقاء بعوثها في أوربا حتى ~~تتم ما أرسلت من أجله؟ # أو ليس مما يحزن ويسوء أن نرى هذه الجهود الضخمة الشاقة التي تبذلها الشعوب الصغيرة ~~لتثبت للحرب ولتحتمل أثقالها ونفقاتها، وتضحي فيها بما تضحي به من الأنفس والأموال، وأن ~~نرى مصر عاجزة أو بخيلة لا تستطيع أو لا تريد أن تنفق على عشرة من أبنائها يدرسون العلم ~~فيما وراء البحر؟ ولكن ماذا ينفع الحزن والأسى، وماذا يجدي اللوم والتقريع؟ لا بد مما ~~ليس منه بد. عد إلى مصر فأنت مضطر إلى أن تعود، ولأبق أنا في فرنسا، فأنا مكره على أن ~~أبقى، وسنرى أيتاح لنا أن نلتقي، وأين يتاح لنا أن نلتقي! # وداعا أيها الصديق وإن لم يكن بيننا لقاء. # 20 # وأعود إلى باريس بعد ثلاثة أشهر قضيتها في القاهرة فأرى صاحبي، ولكني لا أكاد أعرفه ~~لولا صوته الذي لم يتغير ولولا ضحكاته العراض التي لم تهذبها الإقامة في باريس، فأما ~~غير ذلك من أطوار نفسه فقد تغير حتى أنكرته أشد الإنكار، فصاحبي محزون مغرق في الحزن، ~~حتى ليفسد عليك رأيك في الحياة إن لقيته في هذا الطور. وصاحبي مسرور مغرق في السرور، ~~حتى ليثير في نفسك الإشفاق عليه من هذا الإغراق في السرور إن لقيته في هذا الطور أيضا، ~~وصاحبي ينتقل من الحزن إلى السرور ومن السرور إلى الحزن فجأة في غير تهيؤ ولا تدرج ولا ~~انتظار لهذا الانتقال. وإنما أنت مع رجل بائس يائس، سيئ الرأي في الحياة والأحياء، قد ~~أظلم كل شيء في وجهه ms123 وفي نفسه، فلست تسمع منه إلا شرا ونكرا. وإذا أنت ترى هذا الرجل ~~قد وثب فجأة من نقيض إلى نقيض وأصبح فرحا مرحا، منطلق اللسان بالثناء على كل أحد ~~وعلى كل شيء، ممتلئ الفم بهذا الضحك المزعج العريض، لا يتكلم هادئا ولا يتحرك هادئا، ~~وإنما هو عنيف في لفظه، عنيف في حركته، عنيف في كل شيء، حتى إنه ليلفت إليه وإليك ~~الناس، وحتى إنه ليخيفك من أن ينكروا مكانكما ويدعوكما إلى الصمت وإلى إيثار ~~الهدوء. # وصاحبي إن حزن لا يعدل بالكتاب شيئا، وصاحبي إن سر لا يعدل بالشراب شيئا. وهو مسرف ~~في صحبة الكتاب يأخذ المجلد الضخم فلا يكاد ينصرف عنه حتى يزدرده ازدرادا، وصاحبي ~~مسرف في الشراب إذا أقبل الليل عليه لم تكفه الزجاجة ولا الزجاجتان من معتق النبيذ، ~~وإنما يشرب حتى يعجز عن الشرب. وهو لا يعجز عن الشرب إلا حين تعجز يده عن تناول الزجاجة ~~وصب شيء من روحها في القدح، وإذا انتهى العجز بصاحبي إلى هذا الحد لبث مكانه لا يريم، ~~نائما كالمستيقظ، ومستيقظا كالنائم حتى تنجلي عنه الغمرة بعد ساعات. وصاحبي يختلف إلى ~~السوربون قليلا ولا يكاد يختلف إلى القهوة، ولكنه يلزم بيته في أكبر الوقت، وقد يستخفي ~~اليوم أو الأيام لا نعلم أين هو، ثم نلقاه فنسأله فينبئنا بأنه كان مع إلين. ولم يتح ~~لأحد أصحابه ولم يتح لي بالطبع أن نرى إلين هذه أو نسمع منها أو نتحدث إليها، حتى لقد ~~كان يخيل إلينا أنها شخص من أشخاص الأساطير قد خلقه صاحبنا لنفسه خلقا في وقت من ~~أوقات سكره ولهوه، ولكنه كان يحدثنا عنها فيطيل الحديث، وكانت أحاديثه لا تصور شخصا ~~مخترعا، وإنما تصور شخصا حيا يذهب ويجيء، ويعبث ويلهو ويعين على العبث واللهو، ~~ويدفع إليهما أحيانا. وكثيرا ما ألححنا على صاحبنا في أن يعرفنا إلى إلين أو يعرفها ~~إلينا، فلم نكن نلقى منه إلا إباء وإعراضا، وكان يقول: إن حب الاستطلاع إثم، فما ~~تريدون من إلين؟ إني أحدثكم من أمرها بما يعنيكم ms124 وما لا يعنيكم، وإلين صاحبتي أنا لا ~~صاحبتكم أنتم، ولن يكون لكم منها إلا هذا الذي تسمعون عنها، وإنه لكثير أكثر مما ~~ينبغي، وكثيرا ما جد بعض أصحابنا في تتبعه والبحث عن إلين فلم يظفر بطائل، ولولا أني ~~رأيت إلين بعد ذلك لما شككت في أنها كانت شخصا من أشخاص الخيال. # وقد أنفقنا عاما دراسيا كاملا على هذا النحو، ~~ألقى صاحبي بين حين وحين فأنكر من أمره أكثر مما أعرف، ولا تتصل بينه وبيني تلك ~~الأحاديث التي كانت تتصل بيننا في القاهرة والتي كانت لا تنقضي، وإنما تلتوي وتعوج، ~~وتخرج بنا من موضوع إلى موضوع ومن رأي إلى رأي، حتى أضرع إليه في أن يقفها لأنه ~~أعياني وأجهدني حقا. # لم تكن تتصل بيننا هذه الأحاديث في باريس، إنما كان يلم بحديث عن السوربون قليلا ~~ويطيل الحديث عن إلين، مثنيا عليها حينا، شاكيا منها حينا آخر، واصفا محاسن جسمها ~~ومحاسن نفسها دائما. # ثم يفرق الصيف بيننا، فأذهب أنا إلى الجبل، ويقيم هو في باريس لا يكاد يفارقها إلا ~~إلى ضاحية من الضواحي أو غابة من الغابات ينفق فيها النهار أو بعض النهار مع ~~إلين. # ثم أعود إلى باريس آخر الصيف وقد قدمت إليه النبأ بعودتي فإذا بلغتها لم ألقه، فإذا ~~انتظرته لم يسع لي، ولكن صاحبة الباب تصعد إلي ذات صباح وتدفع إلي قطعة من الورق ما ~~أشك في أنها قد اقتطعت من علبة من علب السجائر وقد كتب عليها بخط مضطرب هذه الكلمات: ~~«صديقك مريض ينتظر عيادتك.» # فأسرع إليه فأراه، ويا شر ما أراه! أرى صاحبي مريضا لا تظهر عليه آثار المرض، ولكنه ~~مؤمن كل الإيمان بأنه مريض، لا يشكو شيئا، ولكنه واثق كل الثقة بأنه مريض. قد عرض على ~~الأطباء فلم ينكروا من صحته شيئا، ولكنه مقتنع كل الاقتناع بأنه مريض وبأن الأطباء ~~مخطئون، ولا أكاد أتحدث إليه وأتبسط معه في الحديث حتى أستيقن أنا أيضا أنه مريض وأن ~~مرضه أخطر جدا مما يظن ومما كنت أقدر، فقد انتهى ms125 إلى الجنون الذي كان يخشاه أو إلى ~~شيء قريب جدا من هذا الجنون. # كان يتحدث إلي في أمر السوربون أو في أمر إلين فيستقيم الحديث استقامة حسنة، ولكنه ~~لا يكاد يسمع في الجو أزيز الطيارة - وما كان أكثر ما يسمع أزيز الطيارات في باريس - ~~حتى ينهض بل يثب ويهم بالخروج، سألته ما خطبه؟ فأجاب: ألست تسمع أزيز هذه الطيارة فإنه ~~دعاء لي إلى الخروج. # وكان قد استقر في نفسه أن الصحف الفرنسية كلها مجمعة على مقته وبغضه والكيد له، وكان ~~يشتري منها أكثر ما يستطيع شراءه، وينفق في قراءتها أكثر وقته ليتبين هذا الكيد الذي ~~تكيده له، وهذا المكر الخبيث الذي تمكره به، ولم يكن يلقى في ذلك كبير جهد، فقد كان هو ~~ألمانيا، وكان كل ما تذكره الصحف عن ألمانيا موجها إليه ومنصبا عليه انصبابا، ~~وكان يؤذيه من أمر هذه الصحف أنها لا تعرف له حبه لفرنسا ووفاءه لباريس وإقامته فيها ~~حين تفرق عنها الناس، وما أشد جحود الفرنسيين للجميل وكفرهم لصداقة الصديق! # ثم يعظم الأمر قليلا قليلا، وإذا الحلفاء جميعا يمكرون به ويكيدون له ويدبرون له ~~السوء، ولم لا؟ أليس الحلفاء يحاربون ألمانيا وهو ألمانيا! وأصبح ذات يوم مرتاعا ~~حقا، فقد جاءه النبأ - ولست أدري كيف جاءه ولا من أين جاءه - بأن الحلفاء يأتمرون به ~~لينفوه إلى المغرب الأقصى، وهو ينبئني بأنه قد جد في السعي لصرف الحلفاء عن هذا الإثم ~~العظيم والظلم القبيح، فكتب إلى جماعة من أساتذة السوربون وإلى جماعة من كبار الساسة في ~~مجلس النواب والشيوخ يقص عليهم القصة ويستعينهم على اتقاء هذه الكارثة، وهو ينتظر ردهم ~~عليه، ولكنه ضيق بباريس هذه الخائنة الماكرة التي لا تعرف جميلا، ولا ترعى حقا، ولا ~~تحفظ ود الصديق، والتي هي في حقيقة الأمر صورة صادقة لهذه الفتاة الخائنة التي كانت ~~تسمى إلين والتي قد جحدت حقه ونسيت مودته وأعرضت عن حبه إعراضا، وأخذت تكيد له مع ~~الكائدين وتمكر مع الماكرين. وهو يلح علي في أن يفارق باريس وينتظر ms126 الرد على كتبه في ~~مدينة أخرى أقل خيانة وغدرا من هذه المدينة الخائنة الغادرة التي يسكنها الخونة ~~الغادرون، والطبيب الذي يعوده لا يرى بأسا بأن يفارق باريس ويقيم في مكان معتدل ~~الهواء كثير الشجر، وما هي إلا أن يستقر صاحبي في أحد الفنادق غير بعيد من باريس في طرف ~~غابة من الغابات، ومن هذا الفندق تصدر رسائله التي لا تنقضي إلى أساتذة السوربون وإلى ~~رجال وزارة الخارجية وإلي أنا. ويا لها من كتب تلك التي كانت تنتهي إلي في الصباح ~~والمساء من كل يوم! حسبي أن أثبت منها هذا الكتاب القصير: # نوفمبر في ... # لم يبق لي أمل ولا شيء يشبه الأمل أيها الصديق، فقد أجمع الحلفاء أمرهم وأمضوا ~~عزيمتهم لا يقبلون في ذلك مراجعة ولا شفاعة، بل هم قطعوا على الشفاعة كل طريق، فأفسدوا ~~علي حتى أساتذة السوربون الذين كانوا يحبونني ويؤثرونني أشد الإيثار، فهؤلاء الأساتذة ~~يتلقون رسائلي فلا يردون عليها، وأكبر الظن أنهم قد عرفوا خطي فهم لا يقرأون كتبي إذا ~~انتهت إليهم، والغريب أن أحدهم فلانا ... كان قد امتلأ قلبه حبا لي وإعجابا بي حتى ~~قبل ما عرضت عليه حين خطبت إليه ابنته، وهذه الخطبة هي التي غاظت إلين فصرفتها عني ولست ~~أدري من أبلغها أمر هذه الخطبة التي كانت سرا، إلا أن يكون هذا الصديق الماكر الذي ~~تعرفه، فقد شربت معه ذات ليلة وتبسطت في الحديث، فلما أصبحت انتهت إلي رسالة القطيعة ~~من إلين. # وإلين من غير شك هي التي أفسدت علي قلوب الحلفاء وصورتني لهم في صورة العدو المخيف، ~~وهي التي زينت لهم نفيي إلى المغرب الأقصى، يا لغيرة النساء! ويا لكيد النساء! ويا لضعف ~~الرجال! ويا لسذاجة الرجال! وإن كانوا أساتذة في السوربون أو ساسة محنكين. لم يبق لي ~~أمل في عفو الحلفاء، عفوهم عن ماذا؟ وهل جنيت عليهم ذنبا أو اقترفت في ذاتهم إثما؟ ~~لقد كنت أدافع عنهم في كل فرصة وأذود عن حقوقهم بالقلم واللسان، ولكنهم قد أجمعوا أمرهم ~~على نفيي، وأنت وحدك ms127 القادر على حمايتي ووقايتي من هذا النفي، وماذا تريد أن أصنع في ~~المغرب الأقصى، أليست مصر أولى بي؟! أولست أنا أولى بمصر؟! إن في مصر حميدة وإن في ~~فرنسا إلين، وجوار حميدة على بغضها لي أهون من جوار إلين، فإن حميدة لم تؤلب علي، ولم ~~تكد لي، وإنما تلقت إساءتي إليها بالصبر والعفو، أما إلين فقد تلقت إحساني إليها ~~بالجحود والعقوق، فلا مقام لي في هذا البلد، ولا سبيل إلى الرحيل إلا أن تعينني عليه ~~وأن تحكم تدبيره إحكاما، فعيون الحلفاء يقظة لا تنام، وجواسيسهم منبثة في المحطات ~~والثغور. ولست أدري كيف تريد أن تدبر الأمر، ولكني معتمد عليك في إخراجي من هذه الأرض، ~~وأنا مستعد للتنكر فيما شئت من الاشكال والأزياء حتى أبلغ مصر، فإذا وضعت الحرب أوزارها ~~وتبين للحلفاء أنهم قد ظلموني حين أساءوا الظن بي وسمعوا في وشاية الوشاة، فمن يدري! ~~لعلي أعود إلى فرنسا فأتم درسي في السوربون وأقترن إلى هذه الفتاة التي أحبها حبا لا ~~حد له، والتي قد رضيني أبوها لها زوجا، والتي كنت أسعد بزواجها لولا إلين ولولا وشاية ~~هذا الصديق الخائن. صدقني إن من ضعف الرأي وفساد العقل أن تطمئن إلى هؤلاء الذين يسمون ~~أنفسهم أصدقاء. # 21 # وتحمل إلي صاحبة الباب ذات مساء حقيبة ضخمة ومعها هذا الكتاب: # سيدي # أنت تعرفني من غير شك، فكثيرا ما حدثك عني صديقك ... وكثيرا ما حدثني عنك، وقد صورك ~~لي دائما على أنك أحب أصدقائه إليه، وأوفاهم له، وأحفظهم لسره، فأنا أحمل إليك هذه ~~الحقيبة بعد أن احتفظت بها عاما كاملا، لا لأني كنت أنتظر أن يعود صاحبها إلي، فقد ~~أيأسني الأطباء من شفائه، بل لأني كنت أجد الجهد كل الجهد في فراقها، وفي فراق ما يتصل ~~به من الكتب والمتاع، ولكن هذه الأعوام التي نحياها قد علمتنا الإذعان للقضاء والخضوع ~~لما ليس منه بد، فإليك هذه الحقيبة يا سيدي، فإن لصاحبها من أبناء وطنه أهلا وأصدقاء ~~هم أحق مني بما فيها وأجدر أن يفهموه ويقدروه. ms128 # وفي بيتي غرفة مغلقة منذ عام فيها كتب كثيرة جدا ومتاع ليس بذي بال، فهذه الغرفة ~~طوع أمرك متى شئت أقبلت فأخذت ما فيها ووجهته حيث أحببت. # ولك يا سيدي تحية ملؤها الحزن الذي ما أظن أنه سينقضي أو تهدأ لوعته قبل زمن ~~طويل. # وقد حفظت هذه الحقيبة بضعة عشر عاما لا أعرف من أمرها إلا أنها مملوءة بالأوراق، ~~فلما أتاح الظالمون لي شيئا من فراغ، نظرت في هذه الأوراق فإذا أدب رائع حزين صريح، لا ~~عهد للغتنا بمثله فيما يكتب أدباؤها المحدثون، وقد هممت بنشره وقدمت بين يديه هذا ~~الكتاب، ولكن هل تسمح ظروف الحياة الأدبية المصرية بإذاعة هذه الآثار يوما ما. ms129