######OpenITI# #META# URI: 1392TahaHusayn.Ahadith.Hindawi84172852 #META# Tags: literature #META# ID: 84172852 #META# Title: أحاديث #META# AuthorID: 59624258 #META# Author: طه حسين #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # بعد الصيف‏ # بين كأسين‏ # صريع الحب والبغض‏ # فجاءة فاجعة‏ # الذوق‏ # من عمل الشيطان‏ # الفأل‏ # يأس‏ # ربع مية‏ # من وحي الريف‏ # رحلة‏ # في الثقافة‏ # ذات القفاز الأخضر‏ # سن جولييت‏ # مدام خمسة عشر‏ # بعد الصيف‏ # بين كأسين‏ # صريع الحب والبغض‏ # فجاءة فاجعة‏ # الذوق‏ # من عمل الشيطان‏ # الفأل‏ # يأس‏ # ربع مية‏ # من وحي الريف‏ # رحلة‏ # في الثقافة‏ # ذات القفاز الأخضر‏ # سن جولييت‏ # مدام خمسة عشر‏ # | أحاديث # | أحاديث # تأليف # طه حسين # | بعد الصيف # ربوة تلقى حين ترقى إليها جهدا عظيما؛ لأنها لم ترتفع في الجو رويدا رويدا، ولم ~~تدبر صعودها فيه تدبيرا، وإنما وثبت إليه وثوبا مفاجئا، فقامت أمامك كما يقوم الجدار، ~~فأنت لا تصعد فيها تصعيدا هينا لينا، وإنما تصعد تصعيدا شاقا عسيرا، فإذا ~~انتهيت إلى قمتها وجدت الأرض قد انبسطت لك واستوت، فليس فيها عوج ولا التواء، وأحسست كأنك ~~ارتفعت فوق هذه الحياة المضطربة المختلة التي يجري نهرها في القرية تحت قدميك، يملؤها الكدر ~~والغثاء، وأحسست كأن الشركة بينك وبين هذه الأحياء التي يزدحم بها النهر قد انقطعت، وكأنك ~~من جوهر مصفى لا يشارك هذه الجواهر الكدرة في شيء، ثم أحسست كأن ضغط الهواء قد خف وكأن ~~في نفسك وجسمك ميلا شديدا إلى الارتفاع والعلو، وكأنك تريد - لو خلي بينك وبين ما تريد ~~- أن تطير في الجو، وتعيش مع هذه الأحياء الأخرى التي تتخذ الهواء ميدانا لما تأتي من حركة ~~وما تنفق من حياة. # ثم تنظر فإذا صدق لا ترف فيه ولا تأنق، قد قام في ناحية من هذه الربوة، يدعوك إلى الراحة ~~والحياة المطمئنة، حين تود لو تظفر بالراحة والحياة المطمئنة، بعد أن تشارك هذه الطبيعة ~~القوية فيما هي فيه من حياة ونشاط، وقد انبسطت أمام هذا الفندق مروج لا تكاد تنتهي، وقامت ~~في هذه المروج هنا وهناك أشجار تنفرد حينا وتجتمع حينا آخر، وتختلف فيما بينها اختلافا ~~غير قليل؛ فمنها ما يثمر للإنسان ألوان الفاكهة، ومنها ما يمنحه الظل والجمال. وقد انتشرت ~~في الجو المرتفع لهذه المروج ضروب من الطير ms001 مختلفة الأصوات والنغم، متباينة الألوان ~~والأحجام، ولكنها تشترك كلها في الغناء والنشاط، وانتشرت في الجو المنخفض لهذه المروج ضروب ~~من الحشرات الصغار الدقاق، تريد أن ترتفع فلا تواتيها القوة، فتظل قريبة من هذه الأرض ~~الخضراء، واستخفت بين هذه الأعشاب الكثيفة الصفيقة حشرات أخرى مختلفة متباينة لا تكاد ~~ترى ولا تكاد تحس، لولا أنها تستلذ الحياة في هذه المخابئ الوثيرة، وتستلذ ما يصل ~~إليها من هذا النسيم الخفيف الأرج، وتستلذ حياتها الضئيلة اليسيرة كلها، فتندفع إلى غناء ~~مختلف مؤتلف، ولكنه متصل على كل حال، وقد نجمت من بين هذه الأعشاب الكثيفة الصفيقة، وحول ~~هذه الأشجار القائمة الشاهقة في الجو، نجوم تحمل ألوانا مختلفة من الزهر، وتنشر ضروبا ~~متباينة من الورق النضر، ثم غمر هذا كله عرف لذيذ حلو حاد يبعث في الأنف لذة وفي النفس ~~نشوة، وفي الجسم قوة ونشاطا، واستزادة من الحياة. # وهذا كله يختلف من حين إلى حين، حين تبسم له الشمس، فتلقي عليه أشعتها الحارة الهادئة، ~~وحين تعرض عنه الشمس، فتنشر بينها وبينه سحابا رقيقا، وحين تغضب منه الشمس، فتحتجب عنه ~~احتجابا، وتنشر بينها وبينه سحبا كثافا، وحين تسخط عليه الشمس، فتقطع ما بينها وبينه من ~~صلات المودة والحب، وتخلي بينه وبين هذه السحب الكثاف، فإذا هي تصب عليه الماء صبا، أو ~~تحصبه بالبرد حصبا، وأنت تشهد هذا كله مستمتعا به منغمسا فيه حين ترضى الشمس، ومتحفظا ~~حين تسخط، ومترددا بين هذا وذاك حين تعرض إعراضا يسيرا أو عسيرا، فأنت تحيا في المرج ~~حينا منقطعا له، ممتزجا به، أو منصرفا عنه بعض الانصراف إلى حديث عذب، أو كتاب ممتع، ~~وأنت تهيم في المرج حينا آخر صارفا نفسك مرة إلى السماء من فوقك، ومرة إلى هذه الأرض ~~الخضراء تحت قدميك، ومرة إلى ما بينهما من الشجر والزهر، تمتع بهذا كله نفسك وحسك وقلبك ~~وعقلك، وتستمتع بهذا كله استمتاع الرجل الذي قد استكمل الحياة، فلم يجد فيها نقصا ولا ~~ضعفا، حتى إذا أدركك المساء وتقدم بك الليل وعرفت أن هذه ms002 المروج لن تحسن ضيافتك ولا ~~مؤانستك، وأن هذه القرية التي تضطرب في الحضيض بما يملؤها من سخف الحياة وباطلها لن تقدم ~~إليك ما تقدمه إليك المدن من هذا اللهو الراقي الممتاز الذي هيأته الحضارة للمتحضرين؛ ~~آويت إلى غرفتك وسمرت فيها مع كتاب ممتع من هذه الكتب، التي يحول العمل بينك وبينها أثناء ~~العام، ولا تستطيع أن تفرغ لها إلا في الصيف، وما تزال في ذلك حتى تحس الحاجة إلى النوم، ~~فتأوي إلى مضجعك وتستسلم فيه لراحة هادئة حلوة مطمئنة، حتى يوقظك غناء الطير، فتستأنف ~~الحياة كما بدأتها أمس، وكما ستستأنفها غدا وبعد غد، حتى تدعوك ضرورة الحياة إلى أن تهبط ~~من هذه الربوة وتخرج من هذه العزلة وتنغمس في هذا النهر الكدر الذي نسميه حياتنا ~~اليومية. # على هذا النحو قضيت الصيف بعد أن أنفقت في مصر أعواما لم أذق فيها للراحة طعما، ولم ~~أعرف فيها للهدوء والطمأنينة ذوقا، وكم كنت قد دبرت من خطة، وهيأت من عمل لهذا الصيف، وقد ~~كنت أحدث نفسي بأني سأستريح بعد جهد وجد، وسأخلص من هذه المشاغل السخيفة التي تملأ الحياة ~~في مصر، وسأوفق بين راحة الجسم ونشاط العقل، وبين التروض والإنتاج، فأكتب الرسائل وأفرغ ~~للدرس، وقد أتم كتابا ما زال ينتظر أن يتم، وقد أعود إلى مصر وقد أخذت من القوة أعظم ~~حظ ممكن، وجنيت من هذه المروج والرياض زهرات أنسقها تنسيقا، ثم أقدمها إلى الناس في كتاب ~~أو كتب. # نعم، وكم فكرت فيما يمكن أن أكتب، وكم فكرت فيما يمكن أن أدرس، ولكني أعود إلى القاهرة ~~بعد هذه الرحلة الطويلة، بعد هذه الأشهر الثلاثة التي أنفقتها على تلك الربوة، وفي تلك ~~المروج، أو على ربوة ومروج تشبهها من قريب أو بعيد، أعود ولم أكتب فصلا، ولم أتم كتابا ~~كان ينتظر أن يتم، ولم أبدأ كتابا كنت أحب أن آخذ فيه. # أعود فارغ اليدين كما سافرت فارغ اليدين، والغريب أني لا أحس حزنا ولا ألما ولا أسفا، ~~ولا ألوم نفسي على شيء، ولا أكره ms003 ما قد يتحدث به إلي الشيطان من أني قد أضعت الوقت في هذه ~~الأشهر الطوال. # ذلك أن إضاعة الوقت شيء إضافي يختلف باختلاف الظروف وباختلاف التقدير، فلعلي أضعت الوقت ~~بالقياس إلى الصحف التي كانت تريدني على أن أكتب لها الرسائل، وبالقياس إلى الناشرين الذين ~~كانوا يريدونني على أن أتم لهم كتابا، أو أبدأ لهم كتابا، وبالقياس إلى بعض القراء ~~القليلين الذين كانوا يحبون أن يقرءوني من حين إلى حين. # لعلي قد أضعت الوقت بالقياس إلى هؤلاء، ولكني واثق بأني لم أضع الوقت بالقياس إلى نفسي، ~~فقد حييت في هذه الأشهر الحياة التي أرضاها: حياة الراحة النقية والقراءة الخصبة المتصلة ~~المختلفة، ولو أني خيرت لما عدلت بهذه الحياة حياة أخرى، مهما تكن ظروفها، ومهما تكن ~~ألوان الإغراء بها والترغيب فيها، بل من يدري؟ لعلي لم أضع الوقت على هؤلاء، فقد أنفقت ~~أربعة أعوام لا تكاد تنقطع فيها كتابتي إلى الصحف وأحاديثي إلى القراء، فمن يدري؟ لعل ~~الصحف كانت في حاجة إلى أن أريحها، ولعل القراء كانوا في حاجة إلى أن أرفه عليهم، فقد ~~يكون من حق الكاتب نفسه أن يستريح، ولكن من حق الكاتب على نفسه أن يريح أيضا، وقد أرحت ~~القراء وأرحت نفسي أشهرا من هذه الثرثرة المتصلة الفارغة، ولكن الصيف قد انقضى مع الأسف ~~الشديد وعدت إلى مصر مع العائدين، واستأنفت العمل مع المستأنفين، ولا بد من استئناف الكتابة ~~والحديث فيما أستأنف من الأعمال. # ولست أدري أيستقبل القراء كتابتي وأحاديثي باسمين راضين، أم مبتسمين ساخرين، أم عابسين ~~ساخطين؟ أما أنا فأعلم حق العلم أني لا أستقبل الكتابة باسما ولا راضيا، وأني قد أكتب ~~ساخرا من نفسي ومما أكتب، وقد أكتب خطا على نفسي وعلى ما أكتب، ولو خيرت لما اخترت ~~كتابة ولا حديثا، ولكن من للكاتب بهذه الحياة التي لا يكتب فيها، فهو مدفوع إلى الكتابة ~~بطبعه، فإن أدركه الملل أو التقصير أو القصور، دفعه الذين يريدون الكتابة إلى أن يكتب، دفعه ~~أصحاب الصحف الذين يريدون أن يملئوا صحفهم ms004 ، والناشرون الذين يريدون أن يملئوا مكاتبهم، ~~والقراء الذين يريدون أن يملئوا أوقات الفراغ، وما أكثر أوقات الفراغ في مصر! وما أطولها ~~على المصريين! # وقد تسألني لم أكره الكتابة أو أضيق بها؟ ولم أزهد في الحديث أو أنفر منه؟ فانظر حولك ~~تجد الجواب؛ فليس مما يرضي ولا مما يلذ أن تكتب فإذا أنت مضطر إلى النقد المتصل واللوم ~~المستمر، وأن تتحدث فإذا أنت مكره على أن تسجل في حديثك ما يحزنك أو يسوء، فقد يجد الإنسان ~~في النقد لذة أحيانا، ولكن النقد إذا اتصل ثقل على الناقدين أنفسهم، فكيف إذا لم يجد منه ~~الكاتب بدا، ولم يجد عنه منصرفا؟! ولست أدري في حقيقة الأمر كيف يستطيع الكاتب الأمين أن ~~يكتب فيرضى ويرضي القراء، وكيف يستطيع المتحدث النزيه أن يتحدث فيرضى ويرضي المستمعين له، ~~وليس في مصر ما يرضي أحدا، وليس بين المصريين من يرضى عن شيء، وإنما كل شيء في مصر يحزن ~~ويسوء، وكل إنسان من المصريين ساخط محزون. # ما أعظم الفرق بين تلك الربى الباسمة المشرقة التي قضيت فيها الصيف، وبين هذه الوهاد ~~العابسة المظلمة التي أستقبل فيها الشتاء! ومع ذلك فما زالت سماء مصر مشرقة ونجومها متألقة، ~~وما زال جوها صحوا وماؤها صفوا، وما زال النيل يشق طريقه فيها، يحمل إليها الخصب والأمن ~~والدعة والخلود، ولكن اعتدال الطبيعة وحدها ليس يكفي فيما يظهر لاستقامة الأمور، واعتدال ~~الحياة، وإنما يجب مع ذلك أن تعتدل أمزجة الناس وتستقيم أخلاقهم، وما أبعد الأمل بيننا وبين ~~اعتدال الأمزجة واستقامة الأخلاق! فإلى أن يتم الوفاق بين الطبيعة المصرية والشعب المصري، ~~وإلى أن يعتدل الناس كما اعتدلت الطبيعة، لا بد للمصري المستنير الذي يحسن الحس والشعور ~~والتقدير من أن يألم ويحتمل المكروه ويستقبل الصبح إذا أصبح والليل إذا جن بكذب الأماني ~~وخيبة الآمال، وهو قد يعلن ألمه هذا من حين إلى حين فيكون ناقدا، ولكنه إذا أعلن ألمه هذا ~~إعلانا متصلا كان شاكيا، وقليل من الناس يحب أن يشكو، وقليل منهم يحب أن يسمع ~~الشكاة ms005 . # لا تستكثر إذن على الكاتب المصري أن ينفق الصيف من حين إلى حين على ربوة باسمة، وأن ينصرف ~~عن النقد والشكوى إلى الامتزاج بالطبيعة وتنقية نفسه من أوضار الحياة. # نوفمبر 1935 # | بين كأسين # مدت إلى القدح يدا مترددة فتناولته على كره، ورفعته في بطء، ثم لم تبلغ به فمها الصغير، ~~وإنما أمسكته في الفضاء لحظة كأنما كانت تدعو ما بقي لها من قوة وتجمع ما ند عنها من ~~صواب. # ثم أدنت القدح من شفتيها الورديتين الرقيقتين فمنحته قبلة طويلة لم تبق فيه راحا ولا ~~روحا، ثم ردته مسرعة حازمة إلى موضعه من المائدة كأنها قد أعرضت عنه ونفرت منه وضاقت به ~~ولم يبق لها فيه أرب، فهي تنبذه نبذا وتلقيه إلقاء. # وكانت - فيما علمت - أهوى الناس للهو وأصباهم إلى اللذة وأنشطهم للشراب، وكانت - فيما ~~علمت - إذا صحت أحرص الناس على الصمت وألزمهم للهدوء، وإذا انتشت أرغب الناس في الحركة ~~وأقدرهم على الكلام، وكانت تصحو ما رأت الشمس، فإذا أقبلت ظلمة الليل فزعت إلى الشراب تلتمس ~~عنده الأمن والأنس وتفر إليه من نفسها ومن الناس، كأنما كانت شمس النهار تؤنسها وتبعث فيها ~~الدعة والطمأنينة فلا تشفق من شيء ولا تخاف شيئا، فإذا انحدرت الشمس إلى مبيتها وبسط ~~الليل رداءه المظلم، أحست وحشة لا تزيلها إلا هذه الشمس التي تصب من الزجاجة في ~~الكئوس والأقداح والتي لا تكاد تبلغ الشفاه حتى تجري مع الدم وتسري إلى النفس، فإذا كل شيء ~~نور ودعة وأمن واطمئنان. # ولم يكن القدح الأول قادرا على أن يخرجها من هذه الوحشة التي تلم بها مع الليل، وإنما ~~كان يعدها للخروج منها إعدادا، ويهيئها للمرح تهيئة، كان يحل عقدة لسانها ولكنه لا يطلق ~~هذا اللسان، وكان يلقي على وجهها رداء رقيقا ولكنه قوي من الحياة والنشاط، وكان يبعث في ~~نظراتها قوة وسحرا، وكان الناظر إليها يحس كأن قوة حلوة ولكنها عنيفة تريد أن تنبعث من ~~هذا الوجه الجميل ومن هاتين العينين الساحرتين ومن هذا الفم العذب، ولكنها في حاجة ms006 إلى حركة ~~رشيقة يسيرة أشبه بحركة الأصبع حين تمس زرا من أزرار الكهرباء فتبعث الحرارة والضوء، ولم ~~تكن هذه الحركة الرشيقة إلا أن تمتد يدها اللطيفة إلى القدح الثاني وقد هيأه لها الساقي ~~فترفعه إلى شفتيها وتحسو منه حسوة واحدة. # هنالك يلقى الستار، وهنالك تتجلى نفسها من ورائه كأكمل ما تكون قوة ونشاطا ~~وجمالا. # وكانت قوتها منذ هذه الحسوة الأولى من القدح الثاني حرية كلها: حرية في اللحظ واللفظ، ~~حرية في هذه الخواطر الشاذة الجامحة التي لم تكن تعلن نفسها في صراحة أول الأمر، وإنما كانت ~~ترتسم على وجهها صورا متعاقبة مسرعة يراها الناظرون إليها فتثير في نفوسهم شكوكا وأوهاما ~~وأحلاما أيضا. # حرية في حركاتها التي تظهر وقد تجاوزت نفسها إلى جسمها كله، فإذا هي تلتفت إلى جلسائها عن ~~يمين وعن شمال، ترمق هذا بنظرة وتلقي إلى هذا جملة، وإذا يدها بل يداها تمتدان عن يمين ~~وشمال وإلى أمام تمسان هذا وتداعبان هذا، وإذا هذه الحركة تنبعث في جسمها كله، وإذا هي تنهض ~~متهيئة للرقص، ترقص وحدها وتدعو من أحبت ليراقصها، حتى إذا أعيتها الحركة وأجهدها ~~الاضطراب عادت إلى مكانها وأسرعت إلى قدحها فاحتست منه ما شاءت أن تحتسي، واستعارت من روحه ~~روحا ومن قوته قوة ومن حياته حياة. # ولم يكن هذا الجمال الذي يرفع عنه الستار أقل انبعاثا في نفسها وجسمها من تلك القوة ~~وهذا النشاط، ولكنه كان جمالا حرا كتلك القوة الحرة، جمالا سهلا سمحا لا يتحرج ولا ~~يلتزم حدا ولا قيدا، جمالا كريما جوادا لا يحتشم ولا يحب البخل، وإنما هو دعاء إلى ~~الفرح والمرح ودعاء إلى اللذة والبهجة والنعيم. # دعاء ينبعث من عينيها المتوقدتين اللتين تنفذان إلى أعماق القلوب فتضعان فيها جذوة ضئيلة ~~لا تلبث أن تلتهب وتضطرم. # دعاء من هذين الخدين المتوردين اللذين يكادان يفيضان الحياة، واللذين لا تقع عليهما ~~الأعين إلا أغرت بهما الشفاه. # دعاء من هذا الفم الضيق الجميل الذي يسحر الآذان بما يساقط من لؤلؤ الحديث كما يقول ~~الشعراء، ويسحر العيون بما ms007 يحيط به من هذا الإطار الوردي الخلاب. والذي يمتزج فيه هذا ~~الجمال الذي يبلغ النفس من طريق السمع، وهذا الجمال الذي يبلغ النفس من طريق العين، فإذا هو ~~ينبوع لا يرقى إليه الوصف، ينبوع تصدر عنه موسيقى عذبة سهلة معقدة مع ذلك تسحر الأذن والعين ~~والقلب والنفس جميعا. # دعاء من هذا الصدر المشرق، دعاء من هاتين الذراعين الرخصتين الممتلئتين، دعاء من هذا القد ~~الرشيق، دعاء إلى كل شيء، دعاء إلى غير شيء، دعاء إلى هذا الهيام الذي يستبي النفوس، ويصرف ~~عنها ما أبقى الشراب لها من رشد وصواب. # ولم ينته صاحبي من هذا الوصف الجميل المغري حتى كان قد بلغ منه الإعياء، وأخذه الذهول، ~~كأنه تمثلها أمامه منصرفة إلى قدحها تأخذه في رفق وترده في عنف، ماضية في عبثها، مغرقة في ~~دعابتها، مندفعة في مرحها الذي لا حد له. # تراها نفسه فتغريه بالمشاركة في اللهو والاندفاع إلى اللذة، ويفقدها طرفه فيرده إلى ~~الأناة ويضطره إلى الاحتشام. # وظل كذلك مضطربا بين نفسه وطرفه حينا، وأنا أريد أن أسأله عن أمره فلا أجد إلى ذلك ~~سبيلا، فلما طال بي ذهوله وشرود نفسه أقبلت عليه أسأله عن صاحبته هذه ما اسمها ومن عسى أن ~~تكون؟ ولست أخفي أني رددت عليه السؤال مرات، وعرضته عليه في ألوان من الكلام أرفق به مرة ~~وأعنف عليه مرة أخرى، وما أشك في أن إلحاحي عليه هو الذي اضطره إلى أن يجيبني، وأخرجه من ~~ذهوله الذي كان يكلف به ويحرص أشد الحرص على الإمعان فيه. # فلما أطلت عليه في القول وألححت عليه في السؤال قال: ما أنت وذاك؟! وما تعرضك لما لا ~~تحسن؟! وما سؤالك عما ليس بينك وبينه سبب؟! لو أنك شربت بالكأس التي أشرب بها، وأحسست ~~النشوة التي أحسها لاستطعت أن تعرف هذه الصورة الرائعة الخالدة من الجمال، ولكان الحديث ~~بينك وبيني ميسورا. قلت: وما هذه الكأس التي تشرب بها أنت ولا أشرب بها أنا؟ قال: هون ~~عليك فليست كأسا محظورة، وليست كأسا فيها لغو أو ms008 تأثيم ، وإنما هي كأس مباحة، ولكنها لا ~~تتاح إلا للمصطفين الأخيار، هي كأس الشعر يا سيدي، ثم انصرف عني حينا وعاد إلى ذهوله ~~وتركني واجما لا أفهم عنه أو لا أكاد أفهم عنه. # ثم عاد إلي بعد صمت طويل كأنه كان قد أنسي مكاني منه ثم ذكره بعد لأي، عاد إلي ~~فقال في صوت كان يأتي من بعيد، كأنما كان يحدث عن نفسه الشاردة النائية: تسألني عن ~~اسمها، فإن أسماءها لا تحصى، وتسألني عن شخصها، فإن شخصها لا يدرك ولا يكاد يبلغه ~~الوصف، هي هيلانة هوميروس، وهي نعم عمر بن أبي ربيعة، وهي بثينة جميل، وهي عزة كثير، ~~وهي ليلى قيس، وهي ألفير لمارتين، وهي شارلوت غوت، وهي رآي موسيه، وهي هذه التي عنت ~~المحبين وأذاقتهم لذع الألم أثناء النهار، ومرارة الألم أثناء الليل، وهي التي أسعدت ~~المحبين فجعلت حياتهم نعيما كلها وجمالا كلها، ثم ردتهم إلى الشقاء فجعلت حياتهم بؤسا ~~وجحيما، وهي التي ألهمت الشعراء فاستوحوا منها شعرهم الذي غنوا فيه اللذة والألم، والنعيم ~~والبؤس، والسعادة والشقاء، وهي التي جعلت الإنسان المترف إنسانا مترفا، وجعلت الشاعر ~~المجيد شاعرا مجيدا، وهي التي جعلت للحياة الإنسانية معنى يدركه الفلاسفة ويتفكرون ~~فيه، فإذا هم بين رجل متفائل يرى الحياة ابتساما فيبتسم، وآخر متشائم يرى الحياة عبوسا ~~فيعبس، وينشر على نفسه وعلى الناس والأشياء من حوله رداء قاتما من اليأس والقنوط. # وأعترف أني لم أكد أسمع هذا الكلام من صاحبي حتى أغرقت في الضحك، ومضيت أعبث به وأسخر ~~منه، ورأيت أنه لا يتجاوز أن يكون قد خضع لهذه النوبة التي كانت تعرض له بين حين وحين من ~~الجنون حين كانت تطول قراءته ويتصل عهده بدواوين الشعراء، ولكنه في هذه المرة كان هائما ~~حقا قد اشتد عليه الهيام حتى أخرجه من طوره، وإذا هو يستأنف حديثه عن صاحبته هذه التي لا ~~تحصى أسماؤها، ولا تحصر أوصافها، ولا يحد لها مكان من الأمكنة، ولا عصر من العصور، ~~وإنما هي فكرة من الجمال المطلق تصور المثل ms009 الأعلى لهذه الأنوثة التي تغري بالسعادة وتدعو ~~إليها، وتحبب اللذة إلى النفوس، وتسلط الألم والشوق على القلوب، وتطلق ألسنة الشعراء ~~بالشعر، وتشكل أصوات المغنين بأشكال الغناء، وهو يستأنف الحديث عنها واصفا من شخصها ما لم ~~يصف في حديثه الأول، يحلل من صوتها ومن حركاتها، ومن لحظها ومن خواطرها، ومن نشاطها ومن ~~كسلها ما لم يخطر لي على بال، وأنا أسمع له معجبا بهذه الفصاحة التي لا تنضب، وبهذا البيان ~~الذي لا يدركه عجز ولا قصور، وبهذا الخيال الذي أفلت منه عنانه فاندفع أمامه لا يعرف لنفسه ~~حدا ينتهي إليه. # وقد استيأست من أن أرده إلى بعض الوقار، أو آخذ معه في شيء من حوار، أو أجاذبه أطرافا من ~~حديث، فلم أر بدا من أن أخلي بينه وبين ما هو فيه من هيام، وأنا أستمع لحديثه الغرامي ~~أو لغنائه هذا الذي كانت تملؤه الفتنة، وما لي أخفي الحق، ولا أقول إني كنت أجد في الاستماع ~~له لذة ومتاعا كهذه اللذة التي أجدها حين أقرأ الشعراء، أو أسمع لهم؟! وهل كان صاحبي إلا ~~شاعرا قد أرسل نفسه على سجيتها إرسالا فتغنت بخير ما فيها من حب الجمال والطموح إلى مثله ~~الأعلى؟! # لم يكن صاحبي إلا شاعرا في ذلك الوقت، ولكني كنت أحب أن أعرف مصدر هذا الشعر الذي دفع ~~إليه دفعا وهام به هياما، وقد عرفته آخر الأمر وبعد كثير من الجهد، فهو كان قد قرأ أول ~~النهار مقالا لصديقنا الأستاذ محمد عوض في مجلة الهلال موضوعه مضايق البحار أو عنق ~~الإمبراطورية البريطانية، ولست أشك في أنك ستغرق في الضحك حين تنتهي إلى هذا الموضع من هذا ~~الفصل، كما أغرقت أنا في الضحك حين أخذ صاحبي يقص علي قصته بعد أن أفاق من هيامه الغريب، ~~فأين مضايق البحار وعنق الإمبراطورية البريطانية من هذه الغادة الحسناء التي وصفها صاحبي ~~فأبدع في وصفها ما شاء له الشعر، وهام بها صاحبي فأمعن في الهيام بها ما شاء له قلبه ~~الرقيق، وشعوره الدقيق، وخياله الرشيق؟ وأين ms010 مضيق جبل طارق وقناة السويس ومضيق باب المندب ~~ومضيق سنغافورة من هيلانة هوميروس، ونعم ابن أبي ربيعة، وبثينة جميل، وليلى قيس؟! # نعم، أين مضايق البحار وتاريخ الاستعمار من هذه المثل العليا للجمال واستهوائها لأحلام ~~الرجال؟ ولكن اقرأ مقال صديقنا الجغرافي الأديب وانته منه إلى آخره، فسترى أنه اعتدى على ~~الشعر، وبغى على الفن، وأهان الجمال، وأساء إلى الخيال، وبعض هذا يكفي لإثارة شاعر رقيق ~~القلب، دقيق الحس، ملتهب العاطفة كصاحبي هذا، فقد شرب صديقنا الأستاذ محمد عوض بكأس العلماء ~~الجغرافيين قبل أن يكتب فصله هذا، فزعم أن الذي أثار الحرب بين اليونانيين والطرواديين لم ~~يكن جمال هيلانة البارع، ولا لحظها الساحر، ولا طرفها الفاتر، ولا صوتها العذب، ولا حديثها ~~الذي كان يحيي القلوب كما يحيا الزهر لقطرات الندى. لم يكن شيئا من هذا، وإنما كان ~~الاستعمار وحب الاستيلاء على مضايق البحار، وحسد اليونانيين للطرواديين لأنهم كانوا يتسلطون ~~على طريق من طرق التجارة. يا للهول! يا للإثم! يا لعدوان العلم على الفن! يا لطغيان العقل ~~على الخيال! يا لجناية المادة على الروح! ماذا؟ وإذن فقد كان كل ما نظم هوميروس من الشعر، ~~وكل ما نظم الشعراء قبل هوميروس وبعد هوميروس من القصص حول هيلانة وأحاديثها، وقد كان غناء ~~اليونان كله، وقد كان كثير من تمثيل اليونان، وقد كان كثير من فن اليونان، وقد كان إيمان ~~اليونان بهذا الجمال البارع الخالد؛ لغوا من اللغو، وعبثا من العبث، وأسطورة من ~~الأساطير، وكان الأمر ينتهي عند البحث والتحقيق، وعند التمحيص والتدقيق، إلى هذا الشيء ~~التافه الحقير الغليظ الفج الذي يسمونه المال والتجارة والربح، وتريد بعد هذا أن يكون العلم ~~محسنا إلى الناس لا مسيئا، ومسعدا للناس لا مشقيا، ومنعما على الناس لا ممتحنا لهم ~~بألوان البؤس والضراء؟ # كلا، لقد عذرت صاحبي حين أثاره ما قرأ في مقال الأستاذ الدكتور عوض فأبغض العلم ونفر منه ~~وكره العلماء، وضاق بهم، وأسرع إلى الشعر فغرق فيه إلى أذنيه، ثم خرج منه بهيلانته هذه التي ~~رويت حديثها في ms011 أول هذا الفصل. # العجب لهؤلاء العلماء! يكبر العلم في نفوسهم فيفسد عليهم كل شيء، وإذا هم يزينون الباطل ~~ثم يعرضونه على أنه الحق، وإذا هم يفتنون بما زينوا، ويفنون فيما اخترعوا، ويخدعون أنفسهم ~~عن أنفسهم. يحدثنا اليونان جميعا أثناء العصور الطويلة والقرون المترامية وفي الآثار ~~الأدبية والفنية الخالدة التي لا تكاد تحصى، بأن حرب طروادة إنما أثارها جمال هيلانة، ~~فنأبى إلا أن يكون اليونان كاذبين مخدوعين مضللين، بفتح اللام وبكسرها، وإلا أن يكون مصدر ~~الحرب حاجة الاستعمار إلى مضايق البحار. يجب أن يكون اليونان ساسة مهرة كالإنجليز، لماذا؟ ~~لأن طروادة تقوم غير بعيد من مضيق الدردنيل، ويجمع الرومان على مثل ما أجمع عليه اليونان من ~~قبلهم، وتجمع أوروبا المتحضرة أثناء القرون الوسطى على مثل ما أجمع عليه اليونان والرومان، ~~ويجمع الأدباء والشعراء وأصحاب الفن في أوروبا الحديثة، وفيهم شكسبير وغوت، على مثل ما أجمع ~~عليه الذين من قبلهم، يتفق هؤلاء جميعا على أن اليونان غضبوا لجمال هيلانة فأثاروا ما ~~أثاروا من هذه الحرب، واحتملوا ما احتملوا من المحن، وخاضوا ما خاضوا من المكاره، وأنشئوا ~~ما أنشئوا من الآثار الخالدة في الأدب والفن، ثم يأتي عالم من أصحاب الجغرافيا فيلقي نظرة ~~سريعة على الخريطة، ويرى أطلال طروادة قريبة من الدردنيل فيهدم في أقصر لحظة وبأيسر حركة من ~~عقله ويده هذا البناء الإنساني الشامخ الذي أقامته الأمم والأجيال، واشتركت فيه عبقريات ~~الأدب والفن تمجيدا لجمال هيلانة، وتخليدا لحسنها الذي كان يسحر النفوس. # هذا كثير وأكثر منه أن العقل لا يستطيع أن يخلص من هذا الرق الذي يفرضه عليه العلماء، فهو ~~مضطر إلى أن يرفض وحي الأدب والفن ويذعن لنتائج هذا البحث العلمي الجاف. # الآن، والآن فحسب، فهمت لماذا يتردد صديقنا عوض في ترجمة فوست الثاني بعد أن ترجم فوست ~~الأول، فقد كان غوت يؤمن بهيلانة وبخلودها، وهو قد زوجها من فوست، ولم يكن يرى رأي ~~الجغرافيين أن حرب طروادة كانت للاستعمار، فكيف بصديقنا الجغرافي أن يترجم هذا الأثر الأدبي ~~الخالد الذي ينقض ms012 علمه نقضا ويرفضه رفضا؟ آمنت بأن صاحبي لم يكن مخطئا ولا غاليا حين ~~طلب إلي أن أشرب بكأس الشعر لأتعرف هيلانة، فإن هذه الكأس الأخرى التي يسقينا بها العلماء ~~مرة المذاق، قصيرة المدى، ضيقة الأمد، لا تفتح للنفوس أملا، وإنما تقيم أمامها أسوارا ~~شاهقة من اليأس والقنوط، وأين كأس الشعر التي تجلو لنا بهجة الجمال الخالد من كأس العلم ~~التي تفرض علينا سماجة المال الوضيع؟! # ما أعظم الفرق بين هاتين الكأسين! وما أشد حاجتنا حين يلح علينا العلماء بكأسهم المرة ~~إلى أن نسلي عن أنفسنا بهذه الكأس الحلوة الخالدة التي يديرها علينا الشعراء! # اللهم اشهد أني أنكر العقل، وأجحد العلم، وأرفض أن تكون حرب طروادة قد ثارت لشيء غير جمال ~~هيلانة الخالدة! # فبراير 1936 # | صريع الحب والبغض # ضاق بالحياة فخرج منها، أو ضاقت به الحياة فنفته من جوها نفيا، وكان الذي بغض إليه ~~الحياة وزهده فيها وأخرجه منها مخرجا عنيفا حبه للناس ورفقه بهم وعطفه عليهم، وكان ~~الذي حبب إليه الموت وزينه في قلبه ودفعه إليه دفعا شديدا بغض الناس له، وحقدهم عليه، ~~وإسرافهم في إيذاء نفسه، وإهانتهم إياه في ضميره وكرامته وشرفه الوطني. # نهض بواجبه شابا فجاهد ذائدا عن وطنه، متحملا في ذلك ما يحتمله المحاربون من ألوان ~~البأس وفنون الشقاء، ثم أسره العدو فكلفه ضروبا من الجهد، وثبت هو لما كلفه العدو أبيا ~~كريما ذائدا عن وطنه في سجن الإسار كما كان يذود عنه في ميادين الحرب، ثم رد الناس إلى ~~السلم واستقرت بهم علاقات الإلف والمودة، واستأنف المحاربون القدماء حياة العمل اليومي، ~~كل ميسر لما خلق له، وكان هذا الرجل قد خلق للنضال السياسي فأقبل عليه وجد فيه ~~وظفر بكثير من التوفيق، وإذا هو نائب اشتراكي، ثم وزير اشتراكي، وإذا هو ينهض بأعباء الحكم ~~ويحتمل أثقال الإدارة في وزارة الداخلية الفرنسية، وإذا هو يصل الليل بالنهار عاملا في ~~ديوانه، وعاملا في بيته، وعاملا في حزبه، وعاملا في مجلس البرلمان، وعاملا في مجلس ~~الوزراء، ووسيطا بين العمل ورأس ms013 المال، ومتنقلا بخطبه في مدن فرنسا وقراها لا يستريح ولا ~~يحب الراحة، ولا يطمئن ولا يميل إلى الاطمئنان، قد امتلأ قلبه بحب المستضعفين وامتلأت نفسه ~~بمذهبه السياسي؛ فأنفق ما يملك وما لا يملك من القوة والجهد في تقوية الضعفاء حتى ينتصف لهم ~~من الأقوياء، وفي الذود عن مذهبه السياسي الاشتراكي حتى يحقق من أغراضه أقصى ما يستطيع ~~تحقيقه في غير ثورة ولا عنف ولا تغيير أساسي للنظام الديمقراطي المستقر. # وإنه لفي ذلك يمضي أمامه مضاء السهم لا يبطئ ولا يني ولا يحجم ولا يتردد، وإذا خصومه ~~السياسيون يرمونه بسهم مسموم يتلقاه الرجل أول الأمر فيثبت له ويمتنع عليه، ولكن السهام ~~يتلو بعضها بعضا، وكلها مسمومة مهلكة، والرجل يثبت لها ويقاومها ما استطاع، يردها عن ~~نفسه بماضيه النقي، ويردها عن نفسه ببلائه الحسن في الحرب، ويردها عن نفسه بسيرته الكريمة ~~في الإيثار، ثم ينهض لمعونته وزير الدفاع فيعلن إلى الناس جادا جاهدا ومصمما ملحا ~~أنه كان محاربا كريما وأسيرا كريما، وأنه قد أدى واجبه الوطني في أيام المحنة الوطنية ~~الكبرى كأحسن ما تؤدى الواجبات، ولكن مقاومة الرجل لا تغني عنه شيئا، ومعونة وزير ~~الدفاع لا تغني عنه شيئا، واجتماع قلوب العمال والضعفاء حوله لا يغني عنه شيئا، فهذه ~~السهام المسمومة ترسل إليه مجتمعة متصلة لا تفتر ولا تني ولا تحيد. # وإذا هو قد استيأس من قدرته على المقاومة، واستيأس من قدرة أعوانه على الدفاع عنه، ~~واستيأس من قدرة هذا الحب الشعبي الذي كان يحوطه ويكلؤه على أن يحميه من هذا البغض السياسي ~~الذي كان يصب عليه الشر متصلا في غير رفق ولا أناة. # وقد أنهك الجهد قوته الجسمية وأنهك الحزن قوته المعنوية، وإذا هو ينظر فلا يرى إلا ضميره ~~قد أفعمته الحياة واستأثرت به الكرامة والغضب للشرف، فهو يثور في غير جدوى، وهو يضطرب في ~~غير غناء، وهو يدمى مصبحا ويدمى ممسيا، وهو يدمى عاملا ويدمى مطمئنا، وهو لا ~~يجني من وراء هذا كله إلا اتصال هذه السهام التي ترسل إليه ms014 إرسالا لا يعرف المهل ولا ~~الريث، وإذا نفسه تمتلئ باحتقار الناس والحياة، وتمتلئ باحتقار هؤلاء الذين يقذفونه ويكذبون ~~عليه مستمسكين بأهداب الباطل، معرضين عن أسباب الحق، مستجيبين لداعي الشهوة، معرضين عن داعي ~~الإنصاف، يريدون أن يسوءوه وأن يسوءوا أنصاره فيه، لا يسألون أنفسهم أيسوءون معه الحق ~~والفضيلة والعدل والإنصاف. # نعم، وتمتلئ نفسه بهذا الاحتقار الرفيق الذي تملؤه الرأفة، وتشيع فيه الرحمة لهؤلاء الذين ~~يحبونه فلا يغني عنه حبهم شيئا، ولهؤلاء الذين يدافعون عنه فلا يغني عنه دفاعهم ~~شيئا. # نعم، وتمتلئ نفسه احتقارا لهذه الحياة التي تجمع بين أولئك وهؤلاء، ولا تميز بين الجور ~~والعدل، ولا بين الخير والشر، وإنما تدور على غير بصيرة ولا هدى فتمد للطغاة أسباب الطغيان، ~~وتقصر بأهل الخير حتى عن حماية أنفسهم، تمتلئ نفسه بالاحتقار للحياة والأحياء، وبالزهد في ~~الحياة والأحياء، فلا يرى لنفسه مخرجا إلا الموت فيقبل عليه مسرعا إليه، ثم يكتب إلى ذوي ~~قرباه قبل أن يخطو خطوته الأخيرة إلى القبر أنه جاهد ما استطاع الجهاد، ولكنه انهزم فآثر ~~الموت، وأن الذي دفعه إلى الموت إنما هو ما ألح عليه من تعب جسمه وتعب نفسه. # وكذلك قضى هذا الوزير الفرنسي صريع حبه للناس وبغض الناس له، فكان موته عبرة تدعو إلى ~~كثير من التدبر والتفكير، وما أكثر العبر التي تدعونا إلى أن نتدبر ونتفكر! فالحياة تعرض ~~علينا منها ألوانا مختلفة في كل يوم، ولكننا لاهون عنها بأنفسنا وهمومنا المتصلة ومنافعنا ~~العاجلة، إلا أن تكون العبرة متصلة بشخص ممتاز أو بحادث فذ، هنالك نقف عندها قليلا ونفكر ~~فيها قليلا ثم نستأنف ما كنا فيه من اشتغال بأنفسنا وهمومنا ومنافعنا، وكأن الحياة لم ~~تدعنا إلى الاعتبار، وكأن الأيام لم تضطرنا إلى التفكير. # ذاد هذا الوزير عن وطنه في الحرب العظمى ذيادا كريما، ثم أسره العدو، فإذا خصومه يزعمون ~~أن هذا الأسر لم يكن إلا فرارا، وإذا هم يعظمون أمر هذا الفرار ويسرفون في التشنيع به ~~ويكبرون أن يصل الفار من ميدان القتال إلى أن يكون نائبا، ms015 ثم إلى أن يكون وزيرا، وقد ~~كذب الرجل خصومه ونفى عن نفسه هذا الإثم، وأيدته وزارة الدفاع ما وجدت إلى تأييده سبيلا، ~~فحققت واستوثقت وأعلنت إلى الناس أن الرجل لم يفر ولم يقض عليه ولم يؤخذ بظنة ولم تلحق ~~به ريبة، ولكن خصومه لجوا في الخصومة وأبوا إلا أن يجادلوا ويمعنوا في الجدال، وأكبر الرجل ~~نفسه وأكبر حرية الرأي وأكبر حق المعارضة في نقد الوزراء فلم يحاكم خصومه ولم يقف معهم أمام ~~القضاء، وكانوا خليقين أن يقدروا هذا وأن يرعوا حرمة هذا الرجل الذي وسع عليهم وكان ~~يستطيع التضييق، وأقصر عنهم وكان يستطيع أن يأخذهم بالبطش دون أن يخالف القانون أو يتجاوز ~~حدوده ولكنهم لم يعرفوا لهذا الرجل حقا ولم يرعوا له حرمة، كما أنهم لم يعرفوا للعدل ~~حقا ولم يراعوا له حرمة؛ لأنهم لا يخاصمون كما تعود الناس أن يخاصموا وإنما هم يخاصمون ~~خصام المستميت، يحاربون بكل سلاح وينتفعون بكل وسيلة، ويأخذون على عدوهم كل طريق. # وكذلك انتهى الأمر إلى هذه المسألة التي ذهب فيها رجل ضحية حرية الرأي أو ضحية الإسراف في ~~حرية الرأي أو ضحية العدوان على حرية الرأي، فليس عدو الحرية من ينصب لها الحرب ويفرض عليها ~~الأغلال والقيود وحده، ولكن للحرية عدوا آخر ليس أقل شرا ولا أهون شأنا من هذا ~~الطاغية المستبد، وهو هذا الذي يتجاوز بها الحدود ويخرجها عن طورها المعقول ويحولها أداة ~~للشر وسبيلا إلى الفساد. # وكذلك تشهد أوروبا في هذه الأيام ويشهد العالم كله معها هذه الحرية البائسة يعذبها ~~أعداؤها ألوانا من العذاب، أولئك يغلونها ويقيدونها ويقيمون الأسوار الصفيقة بينها وبين ~~الملايين من الناس في شعوب كثيرة وأقطار مختلفة من الأرض، وهؤلاء يستغلونها ويسرفون في ~~استغلالها، فيحررونها من كل قانون ويطلقونها من كل عقال ويشيعون فيها جنونا ينتهي بها إلى ~~الإجرام واقتراف الآثام، أولئك يقتلون الناس لأنهم يحرمونهم الحرية ويقطعون بينها وبينهم ~~الأسباب ويضطرونهم إلى هذا الصمت المهلك والكظم المضني، وهؤلاء يقتلون الناس لأنهم يسلطون ~~عليهم الحرية الجامحة التي لا تعرف ms016 لجموحها حدا تقف عنده أو غاية تنتهي إليها، فهؤلاء ~~الصرعى الذين يسقطون في أقطار أوروبا على اختلافها إنما هم ضحايا الحرية المعذبة بالسجن ~~حينا وبالإطلاق حينا آخر. # وكذلك تشهد أوروبا ويشهد العالم معها هذا التطور الغريب الذي ينتهي بالإنسانية إما إلى ~~الجنون وإما إلى المذلة والهوان، وكذلك تشهد أوروبا ويشهد العالم معها هذا التطور الذي ~~ينتهي بالحضارة الحديثة إلى الكارثة تأتيها لأن أفرادا يضيقون بالحرية فيهدرونها، ولأن ~~أفرادا آخرين يهيمون بالحرية فيذهبون بها إلى غير مدى. # والأمر لا يقف عند هذا الحد، فهذا كاتب فرنسي من كبار الكتاب يحرض على القتل ويستمع له ~~أنصاره ويستجيبون له ويهمون بسفك الدماء، فيؤخذ هذا الكاتب ويقضى عليه بالسجن قضاء لا ~~مرد له، ولكن الناس لا يعتبرون ولا يزدجرون وإنما تمضي الصحافة في إذاعة البغض وإثارة الحقد ~~وإفساد ما بين الناس من صلات حتى تنتهي إلى هذه المأساة التي دفعت الوزير الفرنسي إلى ~~الموت، فأيهما خير: نظام يغل الصحافة ويعقل الأقلام ويعقد الألسنة ويكبح المعارضة كبحا ~~ويميت الناس غيظا بما يضطرب في صدورهم من الآراء وما يغلي في رءوسهم من الخواطر، أم نظام ~~يرسل الصحافة على حريتها والأقلام على سجيتها والألسنة على طبيعتها فيكتب الناس في غير ~~حساب، ويقول الناس في غير رعاية للحق والعدل؟ أيهما خير: نظام السلطان العنيف الذي يرد ~~الناس إلى ذلة كانوا يظنون أن عصرها قد انقضى، أم نظام الحرية المطلقة الذي يرد الناس إلى ~~فوضى كانوا يظنون أن عصرها قد انقضى أيضا؟ # كلا النظامين شر من غير شك، وما أظن إلا أن الناس جميعا يعرفون ذلك، وما أظن إلا أن كل ~~فرد واحد فيما بينه وبين نفسه يود لو استطاعت الإنسانية أن تصل إلى نظام وسط لا يلغي الحرية ~~فيلغي معها كرامة الإنسان، ولا يطغي الحرية فيطغي معها الأهواء والشهوات، ولكن كيف تستطيع ~~الإنسانية أن تصل إلى هذا النظام وقد فسد عليها أمرها واختل التوازن بين قواها المختلفة، ~~وأفلت عنان النظام فيها من يد العقل، واستأثرت به الشهوة فهي ms017 تصرفه تصريفا لا حظ فيه ~~للروية ولا للتدبير. # مهما يكن من شيء فهذه حرية الصحافة، أو قل هذا الإسراف في حرية الصحافة قد استحدث فنا ~~جديدا من الإجرام، فن القتل المعنوي كما يسميه بول نور، هذا الذي يأتي من الإسراف في القذف ~~وإذاعة السوء حتى يحمل الناس على أن يقتلوا أنفسهم، وهو يستحدث في الوقت نفسه فنا جديدا ~~من العقاب، فهؤلاء الفرنسيون أو المفكرون من الفرنسيين يريدون الحكومة على أن تشرع ~~القوانين لتردع مثل هذا النوع من الإجرام، ومهما يكن من شيء فهذه الديمقراطية الأوروبية ~~تلقى حربين مختلفتين: حربا تأتيها من الخارج من هؤلاء الذين ينظمون السلطان العنيف، وحربا ~~تأتيها من الداخل من هؤلاء الذين يستمتعون بالحرية الديمقراطية إلى غير حد، أفتراها تسلم من ~~هاتين الحربين؟ أفترى تخرج ظافرة من هذا العداء المزدوج؟ لا أدري، ولكن هل يتاح لنا - نحن ~~الشرقيين الناشئين في الديمقراطية - أن ننتفع بمحنة الديمقراطية الأوروبية وأن نسلك ~~بديمقراطيتنا الجديدة طريقا وسطا آمنة تعصمها من الطغيان كما تعصمها من الفوضى، تعصمها من ~~أولئك الذين يصبون العذاب على الناس لأنهم يريدون أن يكونوا أحرارا، وتعصمها من أولئك ~~الذين يسرفون في حقهم من حرية القول فيدفعون الناس إلى اليأس ثم إلى الموت؟ # ديسمبر 1936 # | فجاءة فاجعة # أشرقت الشمس بنور ربها فملأت الأرض بهجة وجمالا، وملأت النفوس قوة ويقينا، وبثت في ~~الأجسام حياة ونشاطا، وغمرت قلب تلك الفتاة بنور من الأمل حلو حار مطمئن طموح معا، أرسل ~~على وجهها الجميل دعة ولينا وأمنا وحنانا، وكانت قد أنفقت ليلة هادئة مطمئنة بعد أن ~~أنفقت يوما هادئا مطمئنا. عملت بياض النهار وشطرا من الليل في تمريض هؤلاء البائسين ~~الذين تضطرهم الآلام والأدواء والفقر إلى المستشفى، فيلقون فيه من عناية الأطباء ورفق ~~الممرضات والممرضين ما يرد عنهم عوادي العلل، أو يسلك بهم طريقهم إلى آخر الحياة في لين ~~ورفق وعزاء. وكانت هذه الفتاة حلوة الروح، كريمة النفس، رقيقة القلب، تقبل على عملها محبة ~~له، مؤمنة به، موقوفة النشاط عليه، كأنما تؤدي حين تؤديه ms018 واجبا دينيا مقدسا قد امتلأ به ~~قلب صادق الإيمان. # فكان ابتسامها وحديثها وحركاتها حين تذهب وتجيء، وعنايتها بهؤلاء المرضى حين تختصهم ~~بعنايتها، كان هذا كله يقع من هؤلاء الضيوف البائسين في المستشفى موقع الرحمة على القلب ~~الشقي، وموقع الماء من الظمآن الذي يحرقه الظمأ ويضنيه الصدى، وموقع العزاء من المكروب، ~~والغنى من المحروب، وموقع الأمل من اليائس الذي اشتملت عليه ظلمات اليأس، والقانط الذي كاد ~~يهلك نفسه القنوط. كانت حياتها في المستشفى نورا يذود عنه الظلمة، ونعيما يرد عنه البؤس، ~~وبهجة لقوم قد استيأسوا من بهجة الحياة. وكانت تتنقل بين غرفات المستشفى وحجراته مشرقة ~~الوجه، باسمة الثغر، مطمئنة النفس، محزونة القلب مع هذا كله لما تشهد من ألم وما ترى من شر، ~~فلا تكاد تدخل غرفة أو حجرة إلا أدخلت معها الرحمة والحب، ولا تخرج من غرفة أو حجرة إلا ~~تركت فيها قسطا من أمل وحظا من عزاء. # وكانت إذا أنفقت يومها هذا في توزيع العناية والرحمة والحنان على المرضى والبائسين آوت ~~إلى مضجعها حين يتقدم الليل ناعمة النفس، رضية البال، مطمئنة القلب، والتمست هذه الراحة ~~التي ترد إلى الجسم قوته وإلى العقل نشاطه، وإلى القلب ذكاءه وشجاعته وحبه للخير وحرصه ~~على البر واحتماله للمكروه. # وكانت تنفق ليلها في نوم هادئ ربما روعته من حين إلى حين أحلام سود تمثل لها آلام ~~المرضى وعواقب هذه الآلام، وربما ابتسمت فيه أحلام بيض تمثل لها شفاء بعض هؤلاء المرضى ~~واستئنافهم لحياة حلوة باسمة، وربما أشرقت فيه أحلام أخرى لا تتصل بالمرض ولا بالمرضى ولا ~~بأهل هذا المستشفى، وإنما تتصل بأسرتها المتواضعة النائية عن المدينة التي تنفق حياتها في ~~كد وجد، وفي أمن وأمل، وفي حزن غير قليل مصدره أثقال الحياة، وبعد الولد، وضيق ذات اليد، ~~أو تتصل بهذا الأخ الشاب الذي لم يكد يتجاوز العشرين، والذي يقيم في المدينة غير بعيد منها ~~ولكنه لا يكاد يلقاها إلا مرة في الأسبوع، حين يتيح لها العمل ويتيح له الدرس ساعات يلتقيان ~~فيها فيتحدثان، وربما ms019 خرجا للتروض إلى ضاحية من ضواحي المدينة سعيدين بهذا اللقاء ناعمين ~~بهذه النزهة المشتركة، ثم عادا مع المساء فصحبها أخوها حتى يبلغها المستشفى ويودعها وقد ~~ضربا موعدا للقاء بعد أسبوع. # ولعلها كانت ترى في بعض ما ترى أثناء هذا النوم الهادئ صورا أخرى من الأحلام لا تتصل ~~بالمستشفى ولا تتصل بالأسرة النائية ولا تتصل بالأخ القريب، وإنما تصور زاوية من زوايا هذا ~~القلب المتواضع الكبير لا يعرفها أحد غيرها، وقلما تفكر فيها يقظة وقلما تحلم بها نائمة، ~~ولكنها تعرض لها من حين إلى حين، لحظات قصارا في اليقظة أو لحظات قصارا في النوم، تعرض ~~لها لأسباب نادرة طارئة غير منتظرة ولا مقدرة، إنما هي نظرة إلى بعض الوجوه أو تأثر ببعض ~~الأصوات أو ابتهاج لبعض الابتسامات، وإذا الستار يرفع عن هذه الزاوية المستورة في قلب كل ~~فتاة، وإذا هذه الصور تسنح شاحبة حينا، ومشرقة حينا آخر، تمثل آمالا ضيقة طورا وواسعة ~~طورا آخر ولكنها تملأ حياة الفتيات نعمة وثقة وإيمانا بالحياة. ولم تخل ليلتها هذه من ~~أحلام مروعة بعض الروع وأخرى مهدئة بعض الهدوء، ولم تخل ليلتها من حزن وأمل معا فقد كثر ~~الذين حملوا إلى المستشفى من جرحى الفتنة، وكثر حولهم نشاط الأطباء والممرضين، وعظم بفضلهم ~~إيمان هذه الفتاة بعملها وحرص هذه الفتاة على أن تفيض من رحمتها وحنانها وبرها أكثر مما ~~أفاضت إلى الآن. # فكرت في هذا كله قبل أن يغلبها النوم، وحلمت بهذا كله بعد أن اشتملها النوم، ثم أفاقت من ~~نومها وانسلت من غرفتها وذهبت إلى رئيستها لعلها أن تكون في حاجة إلى بعض العون، ولكن ~~الرئيسة لقيتها باسمة وردتها رفيقة وألحت عليها في حزم أن تستكمل حظها من الراحة ونصيبها ~~من النوم، فعادت الفتاة إلى غرفتها وأوت إلى سريرها وأخذت تغالب هذا الأرق مستعينة على ذلك ~~بالتفكير فيما يدخر لها الغد من ساعات حلوة تقضيها مع أخيها خارج المنزل في هذه الضاحية أو ~~تلك، ومضت تتصور أخاها وتسمع حديثه وتلقي إليه حديثها وتقترح عليه ويقترح ms020 عليها، وتداعبه ~~ويداعبها ، وتغاضبه ويغاضبها، ثم تراضيه ويراضيها حتى عاد إليها النوم فردها إلى كنفه مرة ~~أخرى، ثم لم تفق حتى كانت الشمس قد أشرقت فملأت الأرض بهجة وجمالا وملأت النفوس قوة ~~ويقينا، وبعثت في الأجسام حياة ونشاطا، وكانت نفسها أشد ما تكون قوة على احتمال الجهد ~~وإيمانا بنفع هذا الجهد وحرصا على بذل المعونة الصادقة لمن يحتاج إلى المعونة الصادقة، ~~وكانت حياتها قوية إلى غير حد، وكان نشاطها بعيدا إلى غير مدى، وكان وجهها كله ابتساما، ~~وكان قلبها كله رحمة، وأنفقت صباحها في حركة متصلة لا تحس جهدا ولا نصبا ولا تشعر بإعياء، ~~وإنما هي ينبوع من الرحمة والحنان والمواساة يجري في طرقات المستشفى ويفيض على ما يقوم في ~~جوانبها من الغرفات والحجرات. # وإنها لفي ذلك وإذ هي تحس نبأة تراع لها أول الأمر، ثم تثبت لها بعد ذلك بقليل: لقد ~~استؤنفت الفتنة مع الضحى، وكان لهذه الفتنة صرعى قد كثرت فيهم الجراحات، وها هم أولاء ~~يحملون إلى المستشفى كثيرين، منهم من فقد الحركة والألم، ومنهم من لا يزال شاعرا يجد الألم ~~ويصبر عليه، ومنهم من تجاوز الألم طوقه فأخرجه عن الصمت إلى الأنين أو إلى الصياح، كلهم في ~~حاجة إلى العون وكلهم في حاجة إلى المواساة، وكلهم في حاجة إلى الرحمة والعزاء، فليتجدد ~~النشاط إن كان قد فتر، وليضاعف النشاط إن كان لم يدركه الفتور، ولتدم القلوب في الصدور ~~ليظهر برغم ذلك الابتسام على الثغور، ولتنطق الألسنة بهذه الكلمات التي تقع من الجرحى أحسن ~~موقع وتقع من قائليها أشد المواقع ألما وإيذاء، وليكثر هذا الكذب الحلو البريء الذي يمنحه ~~الأطباء والممرضون للمرضى والمنكوبين ليعينوهم به على الصبر واحتمال المكروه، وليمكنوهم به ~~من مقاومة المرض ومقاومة الموت أيضا. # وهذه الفتاة قد سمعت هذه النبأة فارتاعت لها أول الأمر، ثم ثابت إليها نفسها، ثم وجدت هذا ~~الكنز الذي خبأته في قلبها الكريم والذي لا ينفد ما فيه من العطف والبر ومن الحب والحنان، ~~ثم ملكتها هذه الأريحية التي تملك النفس ms021 الكريمة فتدفعها إلى البذل من هذا الكنز من غير ~~حساب، وإذا هي تندفع اندفاعا إلى حيث النشاط والحركة، وإذا هي قد تسلحت بالشجاعة والحب ~~لتصارع المرض والموت وتستنقذ منهما هؤلاء البائسين المنكوبين. # أقبلي أقبلي أيتها الفتاة على هذا المصاب، امنحيه ما تملكين من عون، هبيه ما تستطيعين من ~~عناية، ردي إليه بعض الحياة، ردي إليه بعض الحس فقد اشتد عليه الألم حتى ما يحس ألما، ~~وتدنو الفتاة ذاهبة القلب باسمة الثغر، فلا تكاد تلقي نظرة على هذا الفتى الذي تدعى ~~لإسعافه حتى تنفرج شفتاها عن صرخة يدوي لها المستشفى، ثم تضطرب يداها في الهواء ثم تسقط، ~~وإذا هي في حاجة إلى الإسعاف، وإلى من يمنحها بعض هذا العون الذي كانت تريد أن تمنحه لهذا ~~الفتى، وإلى من يرد عليها بعض هذا الحس الذي كانت تريد أن ترده على هذا الفتى، وإلى من يكذب ~~عليها كما كانت تريد أن تكذب على هذا الفتى، وإلى من يواسيها كما كانت تريد أن تواسي هذا ~~الفتى. # لم تنفرج شفتاها عن تلك الصرخة الداوية فرقا ولا خوفا؛ فقد تعودت أن ترى صرعى المرض ~~وصرعى الموت، ولم تضطرب يداها في الهواء ضعفا ولا جبنا؛ فإن لها في صراع العلل والموت ~~بلاء محمودا، ولم تسقط إلى الأرض خورا ولا تهالكا؛ فقد طالما ثبتت لأبشع ما يثبت له ~~الممرضون والممرضات، ولكن عاطفة الأخوة فوق هذه الشجاعة المكتسبة وفوق هذا الجلد المصنوع ~~وفوق هذا الصبر الذي يتعلم في المدارس ويأخذ الناس به أنفسهم أخذا. # رفقا بهذه الفتاة، ورحمة لهذه الفتاة، وعطفا على هذه الفتاة؛ فإنها لم تر مريضا ولا ~~جريحا، وإنما رأت أخاها وقد اشتمله الموت، وكانت تقدر بل كانت تهيئ نفسها لتلقاه موفور ~~القوة والنشاط وتقص عليه آخر النهار بلاءها في أوله. # ها هي هذه ترد إلى حياتها أو ترد إليها حياتها، وها هي هذه ترد إلى شجاعتها أو ~~ترد إليها شجاعتها. لن تستطيع مواساة المرضى ولا معونة الجرحى في المستشفى لأن هناك في ~~مكان بعيد عن هذه ms022 المدينة جريحين هما أحق بهذه المواساة وأجدر بهذا العون، فلتسرع إليهما ~~ولتحمل إليهما نبأ الكارثة، ولتحمل إليهما مع هذا النبأ الأليم عزاء البنت البرة عن الابن ~~الشهيد. # ديسمبر 1935 # | الذوق # لا أريد أن أكون مؤرخا أو ناقدا أو أديبا، فقد يعرض لي كما يعرض لك أن نسأم التاريخ ~~والنقد والأدب، وأن نرغب في هذا الحديث الهادئ المطمئن الذي لا يثير خصومة ولا جدالا، ~~وإنما يريح الناس ويعينهم على إنفاق الوقت إذا أخذوا فيه وتجاذبوا أطرافه كما ~~يقولون. # وأنا أملي هذه الأسطر وقد تقدم الليل وهدأ من حولي كل شيء إلا هذه الصراصير التي تتغنى في ~~الحديقة غناء متقطعا، والأصوات تصل إلي عن بعد فلا أكاد أسمعها إلا حين أصغي إليها، ~~وإلا صرير القلم يمضي به صاحبي وهو يسمع ما أملي عليه ثم يقف إذا انتهى به إلى حيث انتهيت ~~من الإملاء. # وقد أنفقت يوما طويلا ثقيلا تنقلت أثناءه بين ما أحب وما أكره من أعمال منها المنتج ~~الخصب وفيها العقيم الجدب، وأشهد أن أحب شيء إلي وقد خرجت من هذا اليوم الثقيل الطويل ~~ودخلت في هذا الليل الهادئ المطمئن أن أنسى - ولو إلى حين - يومي وما كان فيه، وأن أشغل ~~نفسي عنه بما يلهي ويريح، ولي إلى ذلك سبيلان؛ فإما أن أقرأ وإما أن أستعرض ما قرأت، وقد ~~كان بين ما قرأت في هذه الأيام الأخيرة قصتان تمثيليتان نشرتهما مجلة «الأليستراسيون» ~~الفرنسية في أسبوعين متواليين أو متقاربين على أقل تقدير، وهاتان القصتان تختلفان في ~~الموضوع وتختلفان في النتيجة وتختلفان في الأسلوب والقيمة الفنية، ولكنهما على اختلافهما في ~~هذا كله تثيران نوعا واحدا من التفكير، ولعلهما تنتهيان آخر الأمر إلى نتيجة ~~واحدة. # فأما إحداهما فتقص أمر امرأة زوجها أهلها من رجل لا تحبه، فأذعنت واستقبلت حياتها ~~الجديدة عابسة ساخطة لا تفهم زوجها ولا تطمئن إليه، وسافرت معه كأنما تساق إلى السجن، ~~ولكنها لقيت أثناء السفر شابا أعجبها وأعجبته، فأحبها وأحبته، وكانت لها وله صروف وخطوب، ~~حتى إذا عادت إلى باريس وانغمست ms023 في حياتها المألوفة أحست فتورا في الحب، واستكشفت أن حبها ~~لهذا الشاب لم يكن إلا تعلة ولهوا وسبيلا إلى إيقاظ قلبها النائم وإثارة عواطفها ~~الراكدة، حتى إذا استيقظ هذا القلب وثارت هذه العواطف تبينت أنها تستطيع أن تحب هذا الزوج ~~لولا أن هذا الشاب يحول بين هذا الحب وبين أن يزهر ويؤتي ثمره؛ فهي تبسم لزوجها وتعبس ~~لحبيبها، وما تزال به تريد أن تصرفه فينصرف مضحيا بنفسه وقلبه وحبه. # وأما القصة الأخرى فتصور زوجين يحب كل منهما صاحبه أشد الحب ويؤثره على نفسه أشد ~~الإيثار، ولكن أحدهما - وهو الرجل - مريض يخاف على نفسه الموت، وقد علم من امرأته أنها لن ~~تحيا بعده وأنها جادة إن مات في اللحاق به، وهو يحبها ويحرص على أن تعيش عيشة كلها سعادة ~~ولذة ونعمة، وهو يريد إذا مات أن تتعزى عنه امرأته وأن تحيا من جديد فتحب وتجني ثمار الحب، ~~وهو مستعد لأن يضحي بكل شيء في سبيل هذه الغاية، ولكنه يريد أن يتحقق آخرته قبل أن يقدم على ~~هذه التضحية، فيعرض نفسه على كبار الأطباء ويقضي هؤلاء في أمره بما كان يخاف فينبئونه بأنه ~~مرتحل عن هذه الحياة بعد قليل، وإذن فلا بد من التضحية، وهو لا يتردد بل يقدم عليها ~~شجاعا جريئا فيتكلف عشق امرأة تتردد على داره ويظهر الهيام بهذه المرأة حتى يخدعها من جهة ~~ويثير غيرة امرأته وسخطها من جهة أخرى، ويمضي في تكلف هذا العشق إلى أبعد حد، فيهجر داره ~~ويقيم عند صاحبته ويأبى على امرأته كل عودة، ثم يتم عمله هذا القاسي العنيف بالسفر مع ~~صاحبته إلى ما وراء البحر، ولم لا؟ أليس قد قضي عليه بالموت؟ فيجب أن تكرهه امرأته قبل أن ~~يموت، حتى إذا مات لم تلحق به، بل تعزت عنه واستقبلت حياتها في أمل ونشاط، وقد وفق ~~فامرأته منصرفة عنه، وإن لم تكن ميالة إلى استئناف الحياة الغرامية والزوجية، وهي على كل ~~حال لا تريد أن تموت ولا أن تلحق بزوجها. # ولكنه أراد شيئا وأراد ms024 القضاء شيئا آخر، فما كاد يترك وطنه حتى كذب الأطباء وعادت إليه ~~صحته وقوته ونشاطه وقوي مع هذا كله حبه لامرأته وحب صاحبته له، فيعود إلى فرنسا ولا يتردد ~~في أن يضحي بهذه المرأة التي آمنت بحبه وأنقذته من الموت ليستأنف الحياة مع زوجه وقد عاد ~~إليها موفور الصحة مستكمل القوة، وتقبل صاحبته هذه التضحية فتنصرف كما انصرف الفتى في القصة ~~الماضية. فأنت ترى أن إحدى القصتين تضحي برجل والأخرى تضحي بامرأة، وكلتاهما تمثل الأثرة في ~~الحب، وقد انتهت إلى أقصاها، وتتخذ من الأخلاق العامة المألوفة وسيلة إلى هذه الأثرة. تلك ~~تضحي بصاحبها لتعود إلى زوجها فتعيش عيشة ترضاها الأخلاق والعرف ويرضاها الدين، وهذا يضحي ~~بصاحبته، بل يتعمد خداعها ثم يضحي بها ليعود إلى امرأته ويحيا حياة ملائمة للخلق والعرف ~~والدين، ومع ذلك فمن المحقق أن الكاتبين لم يتفقا على موضوع القصتين ولم يأخذ أحدهما عن ~~صاحبه، ومن المحقق أيضا أن جمهور النظارة في باريس أحب القصتين وأعجب بهما وضمن لهما حظا ~~غير قليل من الفوز والبقاء. # فتوارد الخواطر هذا وإعجاب الجمهور بنتيجته خليق أن يدعو إلى شيء من التفكير، ذلك أنه إذا ~~كان من الحق أن لكل شيء سببا، وأن حادثة لا تقع إلا وقد سبقتها علة دعت إلى وقوعها؛ ~~فلا بد من أن يكون هناك سبب دعا إلى هذا التوافق بين الكاتبين، وإلى أن يعجب الجمهور ~~بقصتهما إعجابا متقاربا، وهذا السبب هو فيما أظن الذوق العام، وما يختلف عليه من ألوان ~~التطور. # كثيرا ما نسأل أنفسنا: أيهما أشد تأثيرا في صاحبه؟ أهو صاحب الفن يبتكر من آياته الفنية ~~ما يخلب الناس ويستهويهم؛ فتؤثر في حياتهم العقلية والشعرية، ويسيرهم كما يريد، أم هو ~~الجمهور تؤثر فيه الظروف المختلفة فتكون مزاجه وذوقه تكوينا خاصا، ويقوى هذا الذوق ~~وذلك المزاج حتى يتشخصا في الكاتب، أو الشاعر، أو المصور، أو المثال؛ فإذا هو ترجمان يعرب ~~عن نفس هذا الجمهور ومرآه يعكس ذوقه ومزاجه؟ # فأما حين يكون الكاتب مبتكرا يؤثر في الجمهور غالبا ms025 إياه على أمره، فإنما يعجب ~~الجمهور به لأنه غريب قد ظهر قويا أقوى من الجمهور، فالجمهور يذعن له ويؤمن بقوته ويعجب ~~بآثاره كما يعجب بآثار القوي بعد أن يجاهده ويصارعه ويمتنع عليه فلا يجد سبيلا إلى ~~المقاومة، فيضطر إلى الإذعان والخضوع. وأما حين يكون الكاتب أو الشاعر ترجمان الجمهور ~~ومرآته، فالجمهور لا يعجب بالكاتب أو الشاعر وإنما يعجب بنفسه، يعجب بصورته التي يراها في ~~المرآة. ومن الواضح أن الكاتب أو الشاعر الذي يكره الجمهور على ما يريده ويغتصب إعجابه ~~اغتصابا ويرسم له طريقه العقلية والشعورية هو الكاتب أو الشاعر الخليق بالبقاء حقا، ومن ~~الواضح أن هذا الكاتب أو الشاعر لا يتاح للناس إلا قليلا في أوقات متقطعة، فإن وجد فهو ~~ثقيل على الجمهور بغيض إليه وربما لم يظفر بحقه من الطاعة والرضا والإعجاب إلا بعد موته ~~بزمن يقصر أو يطول، ومن الواضح أن الكاتب أو الشاعر الذي تكون آثاره الفنية صدى لنفس بيئته ~~ليس غير هو الذي يستأثر بالرضا والإعجاب ويستمتع بلذتهما في حياته، ولكنه لا يكاد يدع هذه ~~الحياة حتى ينساه الذين كانوا يكلفون به ويتهالكون عليه. # كل هذا حق فيما يظهر، وكل هذا واضح أيضا، ولكن المسألة التي لا تزال غامضة هي الصلة بين ~~الكتاب والشعراء وبين الذين يقرءون آثارهم أو يسمعون لها، هذه الصلة التي تجعل بعضهم ~~محببا إلى الناس وتجعل بعضهم الآخر بغيضا، وتطيل أمد هذا الحب والبغض أو تقصره، وهي الذوق ~~فما هو؟ ومن أين يأتي؟ وإلى أي غاية ينتهي؟ وما المؤثرات المختلفة التي تكونه وتسلك به سبل ~~التطور المختلفة المتباينة؟ أهو عقل خالص قوامه البحث والنقد والتقدير والحكم؟ كلا، فلو كان ~~الذوق كله عقلا لضاعت آيات فنية خالدة، ولما استطاع هذا الجيل أن يعجب بكبار الشعراء ~~والخالدين من أصحاب الفن، ومع ذلك فقد كان أفلاطون يمقت هوميروس وشعره ويحظر درس هذا الشعر ~~في مدينته الفاضلة، ولكنه على ذلك كان يستشهد به ويستخلص منه حكما لا تفنى. أهو شعور خالص ~~قوامه الحس والتأثر والانفعال الذاتي ms026 الذي لا روية فيه ولا اختيار؟ كلا، فلو كان كذلك لضاعت ~~آثار كبار الشعراء والخالدين من أصحاب الفن، والمثل الذي قدمناه نفسه يدل على هذا أيضا، ~~فلم يكن أفلاطون يصدر عن شعوره وانفعاله السريع الذي لا روية فيه حين كان يستشهد بأبيات ~~هوميروس، وإنما كان يصدر عن عقله الفلسفي وعن حكمه وتقديره. # فليس الذوق إذن عقلا خالصا ولا شعورا خالصا وإنما هو مزاج من العقل والشعور، ولكن أي ~~عقل وأي شعور هنا؟ يجب أن نلاحظ أن ليس للناس ذوق واحد ولكن لهم أذواقا مختلفة متباينة ~~تختلف باختلاف بيئاتهم وظروف حياتهم، كما تختلف باختلاف حظوظهم من الثقافة وباختلاف حظوظهم ~~من لين الحياة وشدتها ومن نزوع الحضارة بوجه عام، ولا بد من عودة إلى هذه الأذواق المختلفة ~~إن أردنا استقصاءها، فلندعها الآن ولنقف عند هذا الذوق الذي يمكن الجمهور من أن يعجب بأثر ~~فني أو يسخط عليه، فهذا الذوق يجب أن يكون مشتركا بين الناس ليدفع أيديهم إلى التصفيق إن ~~أعجبوا، وأفواههم إلى الصفير إن سخطوا، وهو مشترك بالفعل ولكن الغريب من أمره أنك مهما ~~تلاحظ من إجماع الناس على الإعجاب بأثر فني أو السخط عليه فلن توفق إذا طلبت إلى كل واحد ~~منهم أن يرد إعجابه أو سخطه إلى تعليل يشتركون فيه. # هم يعجبون معا ويسخطون معا وكأنهم يعجبون أو يسخطون لسبب يشعرون به جميعا، ولكن سل كل ~~واحد منهم عن هذا السبب فستجد بينهم اختلافا كثيرا، ذلك لأنهم يختلفون في حظوظهم من العقل ~~والشعور والثقافة وظروف الحياة المختلفة، فيقدر كل واحد منهم الأشياء قدرا ملائما لحاله ~~فلا يتفقون إذا حكموا فرادى، ولكنهم على كل حال يشتركون في مقدار ما من هذا العقل وهذا ~~الشعور وظروف الحياة الأخرى، وكأن هذا المقدار الذي يشتركون فيه هو الذي يمكنهم من أن ~~يتفقوا على السخط أو الإعجاب، هذا المقدار الضئيل هو الذي يشترك فيه أفراد الجماعة فيكون ~~ذوقهم العام مختلفا في نفسه أيضا باختلاف الظروف التي تحيط به وتؤثر فيه، ولست أشير إلى ~~اختلاف ms027 الأذواق العامة باختلاف الأجيال ، فقد كان الذوق العام منذ ثلاثين سنة في مصر شيئا ~~غير الذوق العام الذي نشهده الآن، كان يعجب بشيء من الشعر والنثر نراه نحن سخيفا، ولو قد ~~عرض عليه ما ينشئ كتابنا وينظم شعراؤنا لما ذاقه ولما أساغه، ويكفي أن تعرض على ~~جماعاتنا الآن ما يكتب أو ينظم منذ ثلاثين سنة لترى نفورها منه وإنكارها له، لا أشير إلى ~~اختلاف الذوق باختلاف الأجيال، ولا إلى اختلاف الذوق باختلاف البيئات، فهذا طبيعي يسير ~~الفهم والتعليل، وإنما أشير إلى أن الذوق العام الواحد في جيل بعينه يختلف باختلاف الظروف ~~الوقتية الطارئة التي تعرض له فتؤثر فيه، فلو قد مثلت القصتان اللتان أشرت إليهما آنفا ~~في باريس منذ عشر سنين لما أعجب بهما النظارة، بل لسخطوا عليهما أشد السخط؛ ذلك لأن ظروف ~~الحياة التي كانت تحيط بالباريسيين في ذلك الوقت كانت تدعو الجماعات إلى بغض الأثرة وحب ~~الإيثار، وكيف لا وقد كانت الحرب قائمة والجهود كلها موجهة إلى التعاون على دفع العدو ~~وإنقاذ الوطن. # فالأثرة لا تلائم التعاون والتوفيق بين الجهود المختلفة، ولو أعيد الآن تمثيل القصص التي ~~أنتجتها ظروف الحرب وأعجب بها الباريسيون حينئذ لما أعجبوا بها الآن إلا متكلفين؛ لأنهم ~~يكرهون أن يقال عنهم أو أن يقولوا هم عن أنفسهم إنهم قد نسوا الحرب وأهوالها، فترى أن جيلا ~~واحدا يعجب ويسخط إعجابا وسخطا مختلفين باختلاف الظروف التي تؤثر في ذوقه العام. # ومعنى هذا كله أن هاتين القصتين يجب أن تكون كل واحدة منهما مرآة صادقة إلى حد ما ~~لطبيعة الخلق الفرنسي في هذه الأيام لهذه الأثرة التي أنتجتها الحرب بما دعت إليه من جهاد ~~وصراع بين هؤلاء الذين كانوا يتعاونون منذ سنين، كانوا يتعاونون لدفع العدو الطارئ، فلما ~~خلصوا منه فرغ بعضهم لبعض، وكانوا قد لقوا في الحرب خطوبا وأهوالا وصنوفا من الحرمان ~~والبؤس، فهم يريدون الآن أن يعوضوا ما فاتهم وأن يستمتعوا من اللذات بما يعدل ألوان البؤس ~~والحرمان التي خضعوا لها من قبل، وإذن فهم ms028 أثرون، ويجب أن تكون الأثرة هي الطابع الذي يطبع ~~أخلاقهم، وأعمالهم، وذوقهم، وآثارهم الفنية. # ومن المحقق أن هذا الطور من أطوار الحياة الفرنسية سيزول كما زال غيره من أطوارها ~~السابقة، ويومئذ لا يطبع الذوق العام في فرنسا بطابع الأثرة هذا، ولا يعجب الفرنسيون بهاتين ~~القصتين، ولا يتخذ الكتاب والممثلون الأخلاق والعرف وسيلة إلى إرضاء الأثرة وحب ~~النفس. # ومثل هذا يمكن أن يقال في كل ذوق عام وفي كل جيل من أجيال الناس، وكم أحب أن أعرف الطابع ~~الذي يطبع ذوقنا المصري العام في هذه الأيام التي نعيش فيها. # | من عمل الشيطان # كان هذا من عمل الشيطان ليس في ذلك شك، لأنه مخالف لطبيعة الأشياء، ولأن السماء ترتفع عن ~~العناية بهذه الصغائر، فالحب يسعى إلى القلوب من طريق العيون أو من طريق الآذان، من طريق ~~الصورة التي تراها العين فتنقلها إلى النفس بما تحمل من دواعي الميل والنفور، أو من طريق ~~الصوت الذي تحمله الأذن إلى القلب بما يشيع فيه من أسباب الحنان أو القسوة، فأما أن يصل ~~الحب إلى القلوب وينتهي البغض إلى النفوس من طريق الأيدي التي تلطم والوجوه التي تتلقى ~~اللطم فشيء غير مألوف لم تبتكره الأشياء، ولم تهبط به إرادة السماء، وإنما اخترعه عبث ~~شيطان ماكر أو كيد عفريت من هذه العفاريت التي تلعب بقلوب الناس ونفوسهم وتصرف عواطفهم ~~وأهواءهم كما تشتهي في كثير من الأحيان. # وهذا الحب الذي أتحدث عنه، وهذا البغض الذي جاء في أثره لم تنشئهما نظرة من هذه النظرات ~~الحادة الفاترة التي يقول فيها الشاعر القديم: # إن العيون التي في طرفها حور # قتلننا ثم لم يحيين قتلانا # يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به # وهن أضعف خلق الله إنسانا # ولم يحدثهما صوت من هذه الأصوات التي يقول فيها الشاعر القديم أيضا: # يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة # والأذن تعشق قبل العين أحيانا # وإنما أنشأتهما لطمتان إحداهما فتحت للعاشقين باب النعيم الذي لا يوصف، والأخرى فتحت ~~لهما باب الجحيم الذي لا يطاق، ولو أن ms029 قصة هذين العاشقين كانت من هذه القصص التي يبتكرها ~~خيال الكتاب لما تحدثت إليكم بها، ولأعرضت عنها إعراضا، ولرأيتها أثرا من آثار خيال ~~مريض لا يحسن التحليق في أجواء الفن بمقدار ما يحس الإسفاف إلى الحقائق الواقعة، ولكنها قصة ~~لم يخترعها الخيال وإنما اخترعتها ظروف الحياة، وهي إن صورت شيئا فإنما تصور سخف الإنسان ~~وعبث الشيطان وائتلاف الحياة الإنسانية أحيانا من أشياء قليلة الغناء حقا. # كان ذلك في مدينة من مدن فرنسا تعرفونها جميعا حق المعرفة، وفي جنة من جنات هذه المدينة ~~ليس منكم إلا من ألم بها مصبحا أو ممسيا ملتمسا للرياضة أو ساعيا إلى الجامعة، فكلكم ~~قد درس في مونبلييه، وكلكم قد ألم بحديقتها المعروفة ... وأظنكم تذكرون أن كثيرا من ~~الحفلات الشعبية تقام في هذه الحديقة، فقبيل حفلة من هذه الحفلات بدأت هذه القصة التي تضحك ~~من أراد أن يضحك، وتحزن من أراد أن يحزن، وتصور سخف الحياة على كل حال. كل الناس يزدحمون ~~على باب الحديقة ازدحاما شديدا ليشهدوا حفلا موسيقيا عسكريا قد خصص إيراده لإعانة ~~الجرحى من أبناء المدينة في الحرب العالمية الأولى، وكان ذلك في الساعة الثانية بعد الظهر ~~حين فرغ الناس من غدائهم، وكان ذلك في آخر الربيع وأول الصيف حين يشتد في مونبلييه ذلك الحر ~~الرطب الذي يصهر الأجسام والنفوس جميعا، ويخرج الناس عن أطوارهم ويهيئهم للغضب السريع. كان ~~الناس يزدحمون ويتدافعون بالمناكب، وكان صاحبنا يزاحم مع المزاحمين ويدافع مع المدافعين، ~~وإنه لفي ذلك يتقدم خطوة ويتأخر أخرى، وإذا وجهه يتلقى على إحدى صفحتيه لطمة لم يتلق ~~مثلها قط، لطمة لفتته إلى نفسه ولفتت الناس إليه ولفتته إلى المصدر الذي يمكن أن يكون قد ~~ساقها إليه، وملأت قلبه غضبا وحفيظة وموجدة، بل قد ملأت قلبه نخوة ومروءة وثورة للكرامة ~~المهدرة والشرف المهان. # فقد كان صاحبنا عربيا من أهل الريف، فلم تكد اللطمة تبلغ وجهه حتى ثارت نفسه وهاجت ~~عاطفته وغلى الدم في عروقه وصعد إلى وجهه الملطوم، واستيقن أن العروبة كلها قد أهينت ms030 في ~~شخصه إهانة لا تردها لطمة كاللطمة التي تلقاها، ولا يغسلها إلا ذلك الدم الذي زعم المتنبي ~~أنه وحده هو الذي يسلم الشرف الرفيع من الأذى حين يراق على جوانبه. # كان هذا كله في لحظة بل في أقصر من لحظة إن أمكن أن يكون هناك ما هو أقصر من اللحظة، وقد ~~رفع صاحبنا رأسه وتهيأ للهجوم الساحق الماحق الذي لا يبقي ولا يذر، ولكنه لم يكد يرفع رأسه ~~ويلتفت به إلى يمين حتى أطرق ولسانه يقول عن غير إرادة وفي صوت متهدج أضحك منه من حوله ~~وأضحكه من نفسه فيما بعد: معذرة يا سيدتي! قالت السيدة التي لطمته: معذرة من ماذا؟ بل أنا ~~التي تعتذر إليك، فقد ظننت أنك آذيتني بهذا الدفع المنكر، ولم تكد يدي تصيب وجهك حتى عرفت ~~أنك بريء وأن الآثم شخص آخر ليس له حظ من أدب ولا من تربية، وكان هذا الشخص الآخر الذي ليس ~~له حظ من أدب ولا تربية قد ذاب في أثناء هذا كله واستخفى، ومن يدري لعله لم يكن إلا شيطانا ~~كاد كيده ثم ابتلعته الأرض أو اختطفته السماء، ولعله لم يكن إلا خيالا لعب برأس السيدة، ~~والشيء المحقق هو أنها أحست أو ظنت أنها أحست دفعا غير كريم فلطمت وجه هذا الفتى، ثم لم ~~تلبث أن عرفت براءته فاعتذرت إليه من لطمتها في نفس الوقت الذي كان هو يعتذر إليها فيه من ~~هذا البطش الذي هم أن يبطشه بها، ومن هذا الغضب الذي هم أن يصبه عليها صبا، والشيء ~~المحقق أيضا هو أن هذه اللطمة التي دعت إلى تبادل الاعتذار قد دعت إلى تبادل الابتسام ثم ~~إلى تبادل الحديث، ثم إلى الاستمتاع بالموسيقى العسكرية التي خصص إيرادها للجرحى من ~~أبناء المدينة في الحرب العالمية الأولى، والشيء المحقق أيضا هو أن الأسباب التي مدتها هذه ~~اللطمة لم تنقطع بانتهاء الحفلة وإنما اتصلت وكانت مصدرا غريبا لحب غريب. # وما أظنكم تنتظرون أن أقص عليكم كيف خرج اللاطم والملطوم من الحديقة وكيف سعيا ms031 معا إلى ~~قهوة فرنسا ، هناك قريبا من الاسبلاناد، وكيف تبردا فيها من حر الصيف ومن حر الحفلة بقدحين ~~من أقداح الجعة، وكيف اتصل الحديث بينهما حلوا رائقا للنفوس حينا وحادا ممزقا للقلوب ~~حينا آخر حتى فرق بينهما مقدم الليل فتفرقا ولكن على موعد للقاء ... # وكلكم يعرف إلام تنتهي هذه المواعيد حين تتصل، وقد انتهت مواعيد صاحبينا إلى حب هائج ~~مضطرم لم يخفف من لوعته إلا الزواج، فصوروا لأنفسكم إن كنتم في حاجة إلى أن تصوروا لها ~~هيام العاشقين أثناء هذه الخطبة التي اتصلت وقتا غير قصير، وصوروا لأنفسكم أثر هذا الهيام ~~في حياة الفتى وفي طلبه للعلم وإقباله على الدرس، وأثره في أسرة الفتى المصرية في قرية من ~~قرى الريف، وأثره كذلك في نفس الفتاة وفي أسرتها المحافظة، صوروا لأنفسكم هذا كله وقدروا أن ~~الحب الذي أثارته هذه اللطمة قد قهر هذا كله وتغلب على ما فيه من صعاب وعقاب وانتهى إلى ~~الزواج على رغم الدرس الذي أهمل، وعلى رغم المقاومة التي جاءت من الريف المصري، والمقاومة ~~الأخرى التي جاءت من الريف الفرنسي، وصوروا لأنفسكم كذلك أن هذه اللطمة قد أذكت الحسرة في ~~كثير من القلوب وأشبت الغيظ في كثير من القلوب أيضا: أذكت الحسرة في قلوب فتيات كن يفكرن ~~في هذا الشاب، وأشبت الغيظ في قلوب شباب كانوا يفكرون في هذه الفتاة، ولكن الحب سيل جارف ~~لا يمر بشيء إلا اكتسحه اكتساحا، وريح عاصفة لا تدع شيئا أتت عليه إلا جعلته كالرميم، ~~والحب قاهر بطبعه: قاهر للناس وقاهر للأشياء وقاهر للأحداث والخطوب أيضا، وحب هذين ~~العاشقين قد قهر كل شيء وقهر كل إنسان، ووقف العاشقان ذات صباح أمام العمدة في مدينة ~~مونبلييه فألقى عليهما سؤالين وسمع منهما جوابين، وتلا عليهما طرفا من أطراف القانون ~~المدني وأعلن بعد ذلك أنهما قد أصبحا زوجين، وانتهت تلك اللطمة إلى غايتها الأولى. # ففتح للعاشقين باب من أبواب النعيم الذي لم تر مثله عين ولم تسمع به أذن ولم يخطر لأحد ~~على بال، وكأنما ms032 كانت تلك اللطمة شيئا يشبه الطرق على الباب للاستئذان في الدخول، وكأنما ~~كان الحب هو الذي اصطنع يد الفتاة فطرق بها على قلب الفتى بابه، ولم يكن باب هذا القلب عين ~~الفتى ولا أذنه ولا فمه، وإنما كان صفحة وجهه الذي لم يكن رائعا ولا جميلا. # وقد استمتع العاشقان بهذا النعيم ما شاء الله أن يستمتعا به، ذاقا لذائذه في فرنسا وتنقلا ~~بها بين إيطاليا وسويسرا، وعبرا بها البحر آخر الأمر إلى مصر واستقرا بها حيث تعلمون في ~~مدينة من المدن المصرية سعيدين موفورين لا يعرفان من الحياة إلا وجهها الباسم الصبوح، ولكن ~~وجه الحياة ليس باسما دائما بل قد يعتريه العبوس، وليس مشرقا دائما بل قد يغشاه الظلام ~~أحيانا، وقد يصدر عبوس الحياة وإظلامها عن الناس حين يأتون بعض الأمر ويدعون بعضه، حين ~~يقولون فيكون ما يقولونه مصدرا للشر، وحين يسكتون فيكون سكوتهم سبيلا إلى الريب، حين ~~يعملون فيكون عملهم مثيرا للسخط، وحين يكسلون فيكون كسلهم وسيلة إلى الاتهام. # والواقع أن حياة الزوجين أظلمت ذات يوم، لا لأن أحدهما قال شيئا أو عمل شيئا، ولكن لأن ~~ساعة من ساعات الصفو الحلو البريء أبت أن تنقضي دون أن تعقب كدرا ومرارة وشكا. # فقد فرغ الزوجان ذات يوم لمجلس من هذه المجالس الكريمة التي يسمر فيها الأصدقاء بعد ~~الغداء أو بعد العشاء حين يفرغون من طعام أحسن إعداده وشراب أحسن اختياره، وحين يقبلون ~~على الحديث أحيانا وعلى الموسيقى أحيانا أخرى وعلى الرقص في أثناء ذلك، وقد أخذ الأصدقاء ~~في تلك الليلة بحظهم من نعيم الحياة وتفرقوا، وخلا الزوجان وأخذا يتحدثان عن وليمتهما وعما ~~دار حولها من حديث، وعما كان بعدها من سمر، وكان الزوج متحمسا في استعراض هذا كله، وكانت ~~امرأته تسمع له في غير نشاط أو لعلها كانت تسمع له بإحدى أذنيها لا بهما جميعا، لعلها كانت ~~ذاهلة عنه بعض الذهول، وقد نبهها رفيقا بها فلم تتنبه، وقد نبهها مرة ثانية فلم يغن عنه ~~التنبيه شيئا، وإنما مضى هو في ms033 حديثه المتحمس، ومضت هي في استماعها الذاهل حتى رابه من ~~أمرها شيء. # وأيسر الريب بين العاشقين لا يخلو من خطر، فقلوبهم حساسة ونفوسهم أشبه شيء بالحطب الجذل ~~لا تكاد تمسه النار حتى يصبح حريقا مضطربا يملأ ما حوله لهبا، وكأن نفس الفتى كانت ~~معدة لشيء من هذا، فقد كان غيران لا يطيق الشك ولا يحتمل الريب، فلم ذهول امرأته عن ~~حديثه وإمعانها في هذا الذهول؟! ضاقت نفسه ثم اشتد ضيقها ثم ثارت ثم خرجت عن طورها وإذا هو ~~يقول أكثر مما كان يريد، وإذا هي تظن أكثر مما كان ينبغي، وإذا ألفاظ طائشة تلتقي ثم تصطدم، ~~وإذا يد الفتى تمتد ثم تنقبض، وإذا اللطمة التي تلقاها في مونبلييه ففتحت باب النعيم ~~للعاشقين قد ردت إلى صاحبتها في مدينة من المدن المصرية ففتحت باب الجحيم ~~للبائسين. # وما أحب أن أصور لكم من أمرهما أكثر من ذلك، فما أريد أن أخرج من الإشارة إلى الدلالة، ~~ولا من التلميح إلى التصريح، وإني على ما تعرفون من إمعاني في البغض حين أبغض، لأكره أن ~~أتمنى لأشد الناس لي عداء أن يصير إلى مثل ما صار إليه الفتى وإلى مثل ما صارت إليه ~~الفتاة. ألا ترون أن هذا الشر كله لا يمكن أن يكون إلا من عمل الشيطان؟ وهم القوم أن ~~يجعلوا هذا الحديث موضوعا للجدال يعللون فيه ويئولون، وينكرون منه ويعرفون، ولكن أحدهم ~~رفع صوته حتى اضطرهم إلى الصمت وقال في سخرية لاذعة: ما أكثر ما تفتح اللطمات أبوابا ~~للنعيم ثم تفتح بعدها أبوابا للجحيم! ألم تسمعوا أن لطمة وثبت بفلان إلى مكان رفيع، وأن ~~لطمة أخرى قد تهبط به قطعا إلى مكان سحيق؟! # قال صاحب الحديث: أما وقد أخذتم تخوضون في حديث الأشخاص، وتلمحون إلى أحداث السياسة، فليس ~~لي بينكم مقام، وانصرف وأصحابه يدعونه إلى أن يعود وهم يقولون: أقبل فقد آمنا بأن قصتك من ~~عمل الشيطان. # | الفأل # كان ممعنا في القراءة حين سمع صوتا عذبا يدعوه، فلما رفع رأسه رأى زوجه قائمة ms034 أمامه ~~وقد أشرقت من وجهها كله ابتسامة حلوة فيها كثير من الخفر وفيها شيء من خوف ضئيل وشيء من ~~العجب أيضا. قالت له في صوت يريد أن يضحك، ولكنه يقاوم الارتياع: إن في حجرة الاستقبال ~~ضيفا ينتظرك، وهم أن يسألها عن هذا الضيف، ولكنها أخذت يده في رفق، وأنهضته فاستجاب لها ~~مداعبا مخفيا لبعض الوجل، فلم يكن أحب إليه من أن يمضي في قراءته لتلك القصة الرائعة التي ~~يعرض فيها مكسيم جوركي حياته أثناء الصبا. # وقد سعت به زوجه سعيا رفيقا إلى حجرة الاستقبال، فلما بلغ باب الحجرة لم يجد أحدا، ~~وإنما وجد هدهدا قد استقر على البيانو في هدوء واطمئنان، فلم يكد يراه حتى أغرق وأغرقت ~~زوجه معه في ضحك متصل لم يكد يفرغ منه حتى تلا الآية الكريمة: # فمكث ~~غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ ~~يقين # ثم داعب خد امرأته وقال لها في صوت حازم جازم: انتظري نبأ عظيما ~~يبلغك اليوم أو غدا، فنظرت إليه كالحائرة المستفهمة، ولكنه قال لها في صوته الحازم الجازم: ~~قد علمت أن الهدهد لا يكذب ولا يحب الكذب. ثم عاد إلى كتابه ولكنه لم ينظر فيه، وانتظرت هي ~~أن ينصرف الهدهد عن البيانو، فلما انصرف أقبلت على الموسيقى، ولكنها لم تعزف، وإنما جعلت ~~أصابعها تذهب وتجيء في غير انتظام، كان مشرد النفس أمام الكتاب، وكانت مشردة النفس أمام ~~البيانو. # كان كل منهما بعيدا عن صاحبه ولكنهما كانا يفكران في شيء واحد، أو في أشياء مؤتلفة ~~متقاربة، يتكون منها جزء قيم من نسيج الذكرى هذا الذي يعمر القلوب ويمتع العقول، ويضيء في ~~النفوس حين تظلم الأحداث وتدلهم الخطوب، فقد كان للهدهد أثر عظيم الخطر في حياتهما ~~الأولى، كان رسول البشر والغبطة والحبور إلى أبنائهما حين كانوا أطفالا لا يكادون ~~يعقلون، كان الهدهد هو الذي يحمل إليهم ما تريد أمهم أن تمتعهم به من طرفة، وما يريد أبوهم ~~أن يسرهم به من هدية، وكان الهدهد يستخفي بطرفه وهداياه ينثرها ms035 في حجرات البيت وغرفاته ~~نثرا، وينشرها في أبهاء الدار ودهاليزها نشرا، وربما أخفاها إخفاء في أعشاب الحديقة وبين ~~أشجارها ونجومها، وربما علقها في الأغصان أو تركها على حافات النوافذ. # ولم يكن يمضي يوم حتى يتصايح الأطفال في الصباح أو في المساء بأن الهدهد قد زار الدار ~~وترك فيها شيئا، وكان الأطفال يحبون الهدهد أشد الحب، ويودون لو استطاعوا أن يؤنسوه ~~ويحدثوه ويسمعوا منه، ولكنهم كانوا يرونه قد وقف منهم غير بعيد في هذا المكان أو ذاك من ~~الحديقة، فإذا دعوه لم يستجب لهم كأنه لا يسمع منهم، وإذا سعوا إليه ارتفع في الجو ارتفاعا ~~يسيرا، ثم انصرف عنهم دون أن يوئسهم من منظره، ودون أن يبخل عليهم بصوته هذا الذي لم ~~يكن يخلو من التحدي، وكان الأطفال يسألون أمهم حينا وأباهم حينا آخر: ما بالهم لا يرون ~~الهدهد حين يحمل إليهم طرفه وتحفه، وإنما يرونه دائما فارغا خاليا إلى نفسه، نافرا ~~منهم منصرفا عنهم؟ فكانت أمهم تجيبهم، وكان أبوهم يجيبهم أيضا، بأن الهدهد حذر لبق ~~ظريف يحب المداعبة، ويؤثر أن يفجأ أصدقاءه بما يترك لهم من الهدايا، وقد شب الأطفال وعقلوا ~~واستبانوا الحقائق من أمر الهدهد، وما كان يحمل إليهم من الهدايا، ولكنهم مع ذلك خادعوا ~~أبويهم حينا وخيلوا إليهما أنهم كانوا يصدقون ما يقصان عليهم من أمر الهدهد، ثم خادعوا ~~أنفسهم حينا آخر وأرادوا أن يصدقوا ما كان يقص عليهم من أمر الهدهد، ثم لم يجدوا ~~بدا من الإذعان لحكم العقل والانحراف عن قصة الهدهد، فجعلوا يتندرون بها في كثير من ~~الحنان ساخرين من أنفسهم ومداعبين لأبويهم، ثم صرفوا إلى شئون الصبا والشباب عن شئون ~~الطفولة، وشغلوا بالدرس والتحصيل عن هدايا الهدهد وطرفه. # كان صاحبنا يستعرض هذا كله وهو ينظر في كتاب مكسيم جوركي دون أن يرى مما كتب فيه شيئا، ~~وكانت زوجه تستعرض هذا كله وهي تجري أصابعها على البيانو دون أن تستخرج منه لحنا مستقيما، ~~على أنها لم تلبث أن حزمت أمرها، وأقبلت على موسيقاها، فانغمست فيها ms036 انغماسا، أما هو فلم ~~يستطع أن يحزم أمره ولا أن يعود إلى مكسيم جوركي، لأنه لم يكد يفرغ من استعراض طفولة أبنائه ~~حتى استعرض طفولة نفسه. # فقد كانت الصلة بينه وبين الهدهد بعيدة جدا أبعد من الصلة بينه وبين زوجه وبنيه. كان ~~يعرف الهدهد منذ طفولته الأولى، يراه فيعجب بشكله، ويسمعه فيحن إلى صوته، ويتمنى أن يتاح له ~~هدهد يمسكه في الدار ويتخذه له رفيقا، وما زال يلح بهذا التمني على أبيه وإخوته وذوي ~~معرفته حتى رفق به بعض أهل القرية فجاءه ذات صباح بقفص ظريف قد استقر فيه هدهد ظريف، وهو ~~يذكر ابتهاجه بهذه التحفة وإسراعه إلى أمه راضيا مسرورا، يخرجه الرضا والسرور عن طوره، ~~وهو يذكر كيف ابتسمت له أمه في رفق وكيف تقدمت إليه في ألا يعذب الهدهد ولا يرهقه من أمره ~~عسرا، وكيف نهضت فأخذت منه القفص وعلقته إلى جدار من جدران الدار، ووضعت فيه إناءين صغيرين ~~في أحدهما قليل من ماء وفي الآخر قليل من حب، وطرحت إلى جانب الجدار وسادة، وقالت لابنها ~~وهي تمسح على رأسه: هذا مكانك من صديقك الهدهد، تستطيع أن تأوي إليه كلما أحببت أن تراه أو ~~تسمع منه. وقد وفى الصبي لهدهده أياما طوالا فكان يسرع إليه كلما عاد من الكتاب وسط ~~النهار وآخره فيتحدث إليه، ويسمع منه، ويطيل الحديث والاستماع. # ولكن الرجل الذي أهدى إليه الهدهد لم يحسن الفهم عنه فيما يظهر، كما أنه هو لم يحسن الفهم ~~عن نفسه، فقد أقبل ذلك الرجل عليه في الضحى ذات يوم وأهدى إليه صقرا صغيرا لطيفا بعد أن ~~قص من جناحيه، وفرح الصبي بصقره ذاك الجميل، وخيل إليه بل ألقي في نفسه أن هذا الصقر ~~سيؤنس الهدهد في وحدته، وسيكون رفيقه حين يشغل هو بهذا الكتاب البغيض الذي كان يذهب إليه ~~أول النهار ويعود منه لحظة للغداء ثم يرجع إليه مسرعا ولا يعود إلى صديقه الهدهد إلا آخر ~~النهار. وكان الصبي يشفق على هدهده من هذه الوحدة المتصلة، فأي غرابة في ms037 أن يسعد بهذا ~~الصديق الجديد الذي سيسلي الهدهد ما بعد عنه صاحبه، فإذا عاد لم يتحدث إلى الهدهد وحده ~~وإنما تحدث إليه وإلى الصقر جميعا، وما هو إلا أن يدخل الصقر على الهدهد في قفصه وينصرف ~~لبعض ما ينصرف إليه الصبية ثم يعود بعد ساعة قصيرة أو طويلة، فيرى، ويا هول ما يرى! يرى ~~الهدهد ميتا قد نقر الصقر رأسه واستخرج ما فيه، إنه لم يكن يعرف أن الطير يعدو بعضها على ~~بعض. # ويرى أمه حزينة تلومه وتعنف به في اللوم، وترسل إلى ذلك الفلاح الذي أهدى إليه الصقر ~~شتما قبيحا، وقد أخذ صاحبنا وهو ينظر في كتاب مكسيم جوركي دون أن يرى ما كتب فيه شيئا ~~يستعرض هذه الذكرى، ويستعرض حزنه على الهدهد وحبه له من بعيد بعد تلك الكارثة واقتناعه بأن ~~الخير له وللهدهد في أن يتراءيا ويتحدثا من بعيد، ثم ينتقل من هذا الاستعراض إلى ما عرف من ~~أمر الهدهد حين حفظ القرآن واستظهر سورة النمل وعرف قصة سليمان وملكة سبأ. كل ذلك جعل ~~يستعرضه وهو ينظر في كتابه دون أن يرى ما فيه، وقد استقر في نفسه أن لزيارة الهدهد لداره ~~شأنا، وأنه قد جاء بالنبأ اليقين، وأن النهار لن ينقضي حتى يبلغه أمر ذو بال. والغريب الذي ~~تستطيع أن تصدقه أو تكذبه - فلن يغير تصديقك ولا تكذيبك من الحق شيئا - هو أن النهار لم ~~ينقض دون أن يأتيه النبأ العظيم. # والحق أن صاحبنا قد عاد في ذلك اليوم طفلا فعلق نفسه من بعض نواحيها بالتلفون، ~~وعلقها من بعض نواحيها الأخرى بالجرس، وعلقها من ناحية ثالثة من نواحيها بساعي البريد، ~~وتستطيع أن تقول إنه جلس في مكتبه واجما وخصص إحدى أذنيه للتلفون وإحداهما الأخرى للجرس، ~~ومد عينيه أمامه إلى النافذة يرقب من يمكن أن يصعد سلم الدار من الزائرين، وقد طال به ذلك ~~وشق عليه، ثم أقبلت عليه شئون الحياة اليومية فصرفته عن هذا السخف صرفا ظاهرا، ولكن قلبه ~~ظل بقية النهار ينتظر شيئا غامضا، وقد ms038 دعاه التلفون حين أقبل الأصيل، فلما استمع إلى ما ~~قيل له وأجاب بكلمات قصار أسرع إلى زوجه يقبلها ويقول مستبشرا: ألم أقل لك إن الهدهد قد ~~جاء بالنبأ اليقين؟ قالت زوجه: وما ذاك؟ قال: استقالت الوزارة ودعيت إلى الاشتراك في ~~الحكم. # ولم تشرق الشمس من غد حتى كان صاحبنا وزيرا، ولم يرتفع الضحى من اليوم نفسه حتى كان ~~صاحبنا لا يخاف شيئا كما يخاف الهدهد، ولا يبغض شيئا كما يبغض الهدهد، ولم يكن بالأمس ~~يأنس إلى شيء كما كان يأنس إلى الهدهد، ولم يكن بالأمس يحب شيئا كما كان يحب الهدهد، ولكن ~~صدق الهدهد قد أقر في نفسه أيضا أن الهدهد لا يستطيع أن يأتيه بعد الوزارة بنبأ يسر أو ~~يروق؛ فمن يدري إن أقبل الهدهد إليه يحمل نبأ استقالة الوزارة؟ وليس الهدهد صديقا له وحده ~~من دون الناس يحمل إليه وحده الأنباء السارة، فقد يكون للهدهد أصدقاء آخرون يمكن أن يحمل ~~إليهم أنباء سارة صادقة، ويمكن أن يكون من هذه الأنباء نبأ استقالة الوزارة والدعوة إلى ~~الاشتراك في الحكم. # قل إن هذا منطق سخيف، وأؤكد لك أني أرى هذا منطقا سخيفا، ولكني أؤكد لك أيضا أن ~~للحوادث منطقا غير منطق الناس، وإن التفاؤل والتشاؤم يعبثان بعقول الناس، فيفسدان منطقهم ~~في رأي أرسطاطليس وفي رأي الأستاذ لطفي السيد، ولكنهما يقربان بين هذا المنطق وبين منطق ~~الحوادث أحيانا، والشيء الذي ليس فيه شك هو أن صاحبنا قد تطير بالهدهد طيرة شديدة كما ~~كان يتفاءل به من قبل تفاؤلا شديدا، وأنه لم يسع قط إلى غرفة استقباله إلا وفي نفسه ~~إشفاق شديد أن يرى الهدهد قائما على البيانو في مكانه ذاك، ولو استطاع لتقدم إلى أهله في ~~أن تغلق نوافذ الدار ما أشرق النهار، وفي ألا تفتح إلا حين تنام الطير، والشيء الذي لا شك ~~فيه أيضا هو أن استحى أن يتقدم في ذلك إلى أهله مخافة أن يظنوا به الظنون، ولكنه تقدم إلى ~~أعوانه في الوزارة ألا تفتح نوافذ مكتبه، وزعم ms039 لهم أنه يكره أن يأتيه منها الضجيج والعجيج ~~ويشفق من تيارات الهواء ويؤثر الضوء الرفيق على الضوء العنيف. # وحياة الوزراء حافلة بخطوب السياسة وأحداثها، فهم يرضون إذا أصبحوا، ويغضبون إذا ارتفع ~~الضحى، ويعودون إلى الرضا حين ينتصف النهار، ويردون إلى السخط حين يجلسون إلى الغداء كل ~~ساعة من ساعات الليل والنهار تحمل إليهم في دقائقها ألوانا من الرضا والسخط، ومن الأمن ~~والخوف، ومن القلق والهدوء، فكان صاحبنا كلما حدث حادث مغضب أو مقلق وكلما نشر خبر مسخط أو ~~مثير للخوف لم يذكر إلا الهدهد ولم ير أمامه إلا الهدهد، فقد كان الهدهد رسول النعمة إليه ~~قبل أن يرقى إلى الحكم، فأصبح الهدهد نذير النقمة إليه بعد أن ارتقى إلى الحكم. # ولكل أجل كتاب، ولكل وزارة آخر، وقد أقبل صاحبنا مع الضحى ذات يوم على مكتبه، ولكنه لم ~~يكد يدخل حتى رأى حبيبه أمس وعدوه اليوم قائما بشكله الجميل البشع على حافة النافذة وقد ~~نسي الخدم إغلاقها لأمر ما، ولست أصف لك ثورة الوزير الظاهرة فقد تعرفها وهي لا تعنيني، وإن ~~كان خادم مكتبه قد سمع ما لا يرضي وقضى ساعة منكرة، وإنما أصف لك تشاؤم الوزير فيما بينه ~~وبين نفسه؛ فقد أظلم قلبه واربدت نفسه وساء خلقه وقبح لقاؤه للموظفين والزائرين جميعا، ~~وعاد إلى أهله غضبان أسفا لا يكاد ينطق، وجلس إلى الغداء فلم يكد يصيب منه شيئا حتى قالت ~~زوجه: إنك لمحزون منذ اليوم، هل من جديد؟ قال وهو يتكلف الابتسام: ما أدري ولكن رأيت الهدهد ~~البغيض. قالت وقد كادت العبرة تخنق صوتها: لقد أصبح الهدهد بغيضا الآن وما أكثر ما كان ~~يملأ قلوبنا غبطة وسرورا! ثم خلت إلى أبنائها فضحكت وضحكوا. # ولكن المساء لم يقبل في ذلك اليوم حتى كان صاحبنا يستأنف القراءة في كتاب مكسيم جوركي من ~~حيث تركها، وحتى كانت زوجه تعزف على البيانو شيئا من ألحان موزار، أما هو فكان محزونا ~~يلعن الهدهد، وأما هي فكانت راضية تثني على الهدهد ثناء كثيرا، وأما الناس فكان ms040 منهم ~~الراضي المستبشر وكان منهم من مزق الغيظ قلبه تمزيقا. # | يأس # لم يكد يرفع قدح الشاي إلى فمه حتى رده إلى المائدة متعجلا حذرا، فقد أحس رعدة خفيفة ~~تصعد في جسمه وتنتشر وتوشك أن تبلغ ذراعه، فتضطرب يده بهذا القدح الممتلئ الذي كانت ترفعه، ~~ويحدث هذا الاضطراب - وإن خف - حدثا على هذه المائدة الأنيقة التي لا ينبغي أن يفسد ~~جمالها قدح يميل إلى يمين أو إلى شمال ويتخفف من بعض ما يحتويه، ولم يسأل نفسه عن مصدر هذه ~~الرعدة التي جعلت تسعى في جسمه كما يسعى النمل، فقد كان وقته أضيق من السؤال والجواب ومن ~~البحث والاستقصاء، وقد كان هو عالما في دخيلة نفسه بمصدر هذه الرعدة، فلم يكن من الممكن أن ~~تعرض له إلا إذا أقبلت عليه ربة الدار عامدة إليه كأنما تريد أن تختصه ببعض الحديث، ومن أجل ~~هذا تعجل وضع القدح على المائدة، ورفع رأسه، وعدل قامته وتهيأ للنهوض. # وما هي إلا لحظة أو لحظتان حتى رآها تقبل مشرقة الوجه مبسوطة الأسارير قد رسمت على ثغرها ~~الجميل ابتسامة حلوة غامضة، فلما تبين أنها عامدة إليه نهض، ولكنها أشارت إليه ألا يفعل، ثم ~~قالت له في صوت خافت يوشك أن يكون همسا ولكن فيه شيئا من غضب: هل تعلم يا سيدي أن صمتك ~~اليوم يسوءني؟ قال: وهل سرك قط منطقي يا سيدتي؟ قالت وقد اتسعت ابتسامتها: هذا حساب ~~سنستوفيه إذا خلت لنا الجنة بعد حين. قال وهو يدافع غيظا يريد أن ينفجر: تريدين أن تقولي ~~إذا خلا لنا الجحيم بعد حين. هنالك انصرفت عنه رفيقة رشيقة بعد أن ألقت إليه نظرة ذهبت ~~بقلبه كل مذهب وسلكت بعقله كل سبيل، وقد ظل واجما في مكانه لحظات ثم أقبل على ما كان ~~أمامه، فأكل قليلا وشرب كثيرا، وترك مجلسه بعد ذلك وجعل يتنقل في الحديقة بأحاديثه ~~وتحياته وابتساماته فرحا مرحا منطلق اللسان خفيف الحركة حتى قال بعض الزائرين لبعض: لقد ~~عرفت ربة الدار كيف ترد إليه الحياة، وتشجع فيه النشاط، ms041 وتنقله من جمود وخمود إلى نشاط يوشك ~~أن يخلو من الوقار. أما هي فقد مضت في تحية الزائرين كأن لم يكن شيء، وجعلت توزع بينهم ~~بالقسط حينا وبغير القسط أحيانا سحر اللحظ واللفظ، تقف إلى هذا فتطيل الوقوف، وتلقي إلى ~~هذا كلمة سريعة عابرة، وإلى هذا نظرة كأنما تختلسها اختلاسا، وتشرف مع هذا كله أو رغم هذا ~~كله على حركة الخدم الذين كانوا يسعون بألوان الطعام والشراب على الزائرين حتى كأنها لم تكن ~~ذات نفس واحدة، وإنما كانت ذات نفوس كثيرة يعنى بعضها بالزائرين ويعنى بعضها الآخر ~~بالخدم، يعنى بعضها بتوزيع الخبز ويعنى بعضها الآخر بتوزيع الدعاية، وعيون الزائرين على ~~كثرتهم ترمقها في إعجاب وإكبار أحيانا، وترشقها في غيظ وحسد أحيانا أخرى، وربما تعلقت بعض ~~العيون بوجهها المشرق الجميل، وربما تعلقت عيون أخرى بهذا الفن أو ذاك من فنون زينتها ~~الرائعة البارعة، وربما اجترأت بعض العيون الوقحة فتزلقت على شخصها كلها من رأسها إلى ~~قدميها تعرب بذلك عن عواطف فيها كثير من الكلف والفتون. # ولو خير الزائرون لاختاروا ولأطالوا المقام في هذه الحديقة الجميلة، وفي هذا الاجتماع ~~الحلو، وحول هذه الغادة الفاتنة حتى يتقدم الليل، ولكن للحياة الاجتماعية أوضاعها ~~وتقاليدها، وساعات الشاي محدودة يقاس طولها وقصرها بما للزائرين عند أصحاب الدار من مكانة. ~~هؤلاء يلمون إلمامة قصيرة ثم ينصرفون، وهؤلاء يقيمون ساعة أو بعض ساعة ثم يمضون، وهؤلاء ~~يمدون الإقامة حتى يخلو لهم وجه صاحبة الدار لحظات قصارا أو طوالا، والمقربون المقربون من ~~الخاصة يتخلفون وينظرون إلى المنصرفين في شيء من الإشفاق والازدراء أو التعجل، حتى إذا ~~انصرفت كثرة الزائرين أحاطوا بصاحبة الدار مهنئين لها مترفقين بها، متندرين بقوم كانوا ~~يترضونهم ويتملقونهم منذ حين، وكان صاحبنا ذلك من أخص الخاصة وأقرب المقربين، وهو من أجل ~~ذلك قد تخلف مع المتخلفين، فلم ينصرف حين انصرفت الكثرة، ولم ينصرف حين انصرفت القلة، وما ~~كان له أن ينصرف وبينه وبين صاحبة الدار حساب سيستوفيانه إذا خلت لهما الجنة كما قالت، أو ~~إذا خلا ms042 لهما الجحيم كما قال . # وفي الحق أن هذه الحديقة التي مدت فيها موائد الشاي كانت جنة وجحيما في وقت واحد، ~~كانت جنة بهذه الأشجار الباسقة الملتفة المتكاثفة وبهذا الزهر الباسم عن ألوان مختلفة من ~~الجمال، وبهذه البسط الخضر الرائعة التي كست أرضها ونشرت فيها رائحة ودعة ولذة للجسم والنفس ~~جميعا، وبهذه النجوم التي كانت ترسل بين حين وحين أشعتها الضئيلة النحيلة كأنما تبحث بها ~~عن شيء في أفناء هذه البسط أو في أحناء هذا الشجر، ثم بضوء القمر هذا الرفيق الذي نشر على ~~شجرها وزهرها وعشبها أردية دقاقا تريد أن تصفو كل الصفاء، ولكن ظلمة الليل تشوبها بعض ~~الشيء، فتشيع فيها ما يملأ النفس رضا يريد أن يصفو لولا هذا القلق اليسير الذي يتردد في ~~جنباته بين حين وحين. # وكانت جحيما بالقياس إلى هذا الموله المفتون الذي يرى النعيم من حوله قريبا أشد ~~القرب ولكنه بعيد أشد البعد؛ لأن في قلبه نارا تتأرجح وتتلظى وتمنعه من أن يبسط يده إلى ~~شيء من هذا النعيم القريب. قد فتن بصاحبة الدار فتنة جامحة طغت على كل شيء كأنها السيل ~~العنيف المندفع الذي لا يحفل بما يعترضه في طريقه من المصاعب والعقبات، فهذه الجنة الرائعة ~~الشائقة تغريه بألوان من النعيم وتثير في نفسه ضروبا من الأماني وتخيل إليه أن كل ما يشتهي ~~ميسر له، يكفي أن يريد ليبلغ ما يريد، ولكن هذه النار التي تتلظى في قلبه ترده عن هذا ~~النعيم ردا، وتخيل إليه أنه لن يمس منه شيئا إلا أحرقه وجعله رمادا تذروه ~~الرياح. # وكان يكفي أن يرى هذه الغادة الحسناء في هذه الروضة الفيحاء ليجن جنونه وليبلغ اليأس به ~~أقصاه، فلم يكن يعرف شيئا أجمل ولا أروع ولا أشد ملاءمة لذوقه وطبعه وهواه من هذه الغادة ~~حين تسعى في حديقتها الجميلة، ولم يكن يعرف شيئا أبعد منالا ولا أشد امتناعا من إرضاء ~~ذوقه وطبعه وهواه، فقد كان حبه يائسا أو قل كان حبه هو اليأس نفسه، وكان هذا اليأس ثقيلا ~~بغيضا؛ ms043 لأنه لم يستطع من جهة أن يريحه كما تعود اليأس أن يريح اليائسين، ولأنه لم يكن من ~~جهة أخرى يعرف له أصلا ولا يتبين له مصدرا، فلم يكن منفردا بالحب من دون صاحبته، ولعل ~~حظه من الكلف والهيام ألا يكون أقل من حظها منهما. # لم يكن يستطيع عن لقائها صبرا، ولم تكن تستطيع عن لقائه سلوا، وما أكثر ما امتحن هذا ~~الحب فشغل نفسه عن صاحبته يومين أو أياما وأكره نفسه أحيانا على القطيعة، ولكنه كان ينعم ~~دائما حين يستوثق من أنه لم يألم وحده لهذا الهجر، ولم يشق وحده بهذه القطيعة، وكان يسعد ~~حين يتحقق أنه لم يكن وحده يلتمس الوسائل ويعمل الحيلة ويتكلف الممكن وغير الممكن ليصل ما ~~انقطع من الود ويجدد ما رث من صلات الحب ويستأنف ما أهمل من اللقاء في كل يوم. # ولكن هذا اللقاء كان جدبا لا حظ له من خصب، كان أشبه بالصحراء المحرقة التي لا يجد ~~الإنسان فيها روحا ولا أملا في الروح، وإنما هي الشمس المتوهجة والرملة المحترقة والعذاب ~~الذي يأخذ الإنسان من كل مكان. كان هذا اللقاء شكاة متصلة تصدر عنه ورثاء متصلا يصدر ~~عنها، ولكنه لم يكن يتجاوز الشكاة والرثاء، وإنما كان يقف عندهما كأنهما غاية الحب أن يألم ~~العاشق ويرحم المعشوق، وربما كان أشد الأشياء تعذيبا لقلبه ومشقة على نفسه جهله بهذه ~~المصادر الخفية التي تملأ حبه يأسا وقنوطا. كان يحب وكان محبوبا وكان مشوقا وكان مشوقا ~~إليه. لم يكن يسعد وحده باللقاء حين يبتدئ، ولم يكن يشقى وحده باللقاء حين يتصل، ولم يكن ~~يتعذب وحده بالفراق حين يأتي موعده، ولم يكن بينه وبين صاحبته من الفروق في الطبقة والمنزلة ~~ما يحول بين هذا الحب الشقي وبين أن يستحيل إلى زواج سعيد، ولكنه لم يكن يذكر الزواج أو ~~يشير إليه من بعيد حتى تثور الثائرة، وتفور الفائرة، وتعصف العواصف التي تفسد على الحبيبين ~~من أمرهما كل شيء. # قالت له ذات يوم وقد شكا إليها حتى أملها وألح عليها ms044 حتى أبرمها واتهمها بالبغي عليه ~~والتحكم فيه، وبأنها قد خدعته عن نفسه وأظهرت له من الحب ما أطمعه وأغراه، حتى إذا استوثقت ~~من أنها قد ملكت عقله وسحرت لبه واستأثرت بقلبه واستيقنت أنه لن يجد عن حبها منصرفا ولا عن ~~لقائها عزاء، تناءت عنه وتنكرت له وجعلت تنضجه على هذه النار الهادئة التي هي شر أنواع ~~النار. قالت له ذات يوم وقد شق عليها بهذا كله: إنك لتعلم أني لا أضمر من حبك أقل مما تضمر ~~من حبي، وأني لا أجد إلى السلو عنك سبيلا كما أنك لا تجد إلى السلو عني سبيلا، ولكن بينك ~~وبيني فرقا عظيما وأمدا بعيدا من فهم الحب وتقديره؛ فحبي نقي ممعن في النقاء صاف مغرق ~~في الصفاء يجد غايته في نفسه ولا يريد بعد هذه الغاية شيئا، فأنا أحبك وحسبي أني أحبك، وقد ~~لا يوئسني أن أعرف أن في حبك لي ضعفا وفتورا وأنك تستطيع أن تلهو عني بما شئت من أسباب ~~اللهو، وأما أنت فإن حبك لا يقنع بنفسه، وإنما يتجاوزها إلى أشياء لعل الاتصال بينها وبين ~~الحب النقي البريء ليس من القوة بمقدار ما تظن، وإني لأمنحك خير ما عندي وأصفيك مودتي وأشغل ~~بك عقلي وقلبي وضميري، وأرى أن هذه المنزلة هي أرفع منازل الحب وأرقاها وأدناها إلى الكمال، ~~ولكنك لا تقنع مني بذلك، ولعلك لا تحفل بذلك بمقدار ما تحفل بما هو أقل منه خطرا وأهون منه ~~شأنا وأسرع منه إلى الزوال والانحلال. # أصفيك حبا من شأنه البقاء والاتصال الذي يشبه الخلود، وتسألني حبا هينا رخيصا ينعم ~~الإنسان به ساعة قصيرة ثم يشقى به ساعات طوالا، وإني لأكبر ما بيننا من الحب وأرتفع به عن ~~هذه الصغائر التي تدنسه وتفسده، ولولا أن هذا شيء غير مألوف وأني أرفع نفسي عنه وأبرئها ~~منه، لأبحت لكل واحد منا أن يلتمس متاعه ورضا جسمه حيث شاء، حتى إذا التقينا لم يكن بيننا ~~إلا طهر لا تشوبه شائبة، ونقاء لا يعرض له الكدر بما تثير ms045 غرائز الجسم من هذه العواطف ~~الآثمة الهوجاء. ولكنه سمع لها وفهم عنها، وأبى إلا أن يمضي في شكاته المتصلة وإلحاحه ~~العنيف، وإلا أن يكرر ما كان يقوله دائما، وهو أن الحب واحد لا يتعدد، وكل لا يتجزأ، وهو ~~لا يفرق بين رضا النفس والعقل والقلب وإرضاء العواطف الجامحة والأهواء الثائرة. # وكذلك كانت حياتهما ماضية على هذا النحو: إلحاح وامتناع، وشكاة ورثاء، ورضا وغضب، ورجاء ~~وقنوط، حتى إذا كان المساء من ذلك اليوم أقبل على صاحبته فيمن أقبل لحفل دعت إليه فجأة ~~ولغير علة واضحة ولا سبب معروف، وقد رأى نفسه في الحديقة ضيق الصدر مفرق النفس برما ~~بما حوله من الأشياء وبمن حوله من الناس، ولو استطاع لعاد أدراجه ولرجع إلى صاحبته في أول ~~الليل حين ينصرف عنها الزائرون، ولكنه لم يستطع، وقد علل بقاءه بأن الناس قد رأوا وعرفوا ~~مكانه، وبأن انصرافه قد يثير الريبة ويغري به بعض الألسنة الطوال الحداد، وكان هذا التعليل ~~حقا لا شك فيه ولا غبار عليه ولكنه لم يكن وحده هو الذي يفسر بقاءه، وإنما كانت هناك علة ~~أخرى أو علل أخرى، فهو قد رأى صاحبته وكان يكفي أن يراها ليقيده منظرها في مكانه، ورأى ~~الزائرين يقبلون عليها وكان يكفي أن يرى أحدا يدنو منها أو ينظر إليها لتضطرم في قلبه نار ~~تجعل حياته جحيما كلها، ومن أجل ذلك أقام وأقام ساخطا برما عابس الوجه مغرقا في الصمت، ~~حتى نبهته صاحبته إلى ما في هذا الصمت من إغراء للذين يلاحظون ثم لا يكتفون بالملاحظة وإنما ~~يتندرون بما لاحظوا، وهي قد وعدته بأنهما سيستوفيان ما بينهما من حساب حين تخلو لهما الجنة ~~بعد حين كما قالت أو حين يخلو لهما الجحيم بعد حين كما قال، وقد خلت لهما الحديقة آخر ~~الأمر، ونظر صاحبنا، فإذا هو قائم من مصدر شقائه وسعادته غير بعيد كأنه الخادم ينتظر أن ~~يصدر إليه مولاه أمرا. # وقد نظرت إليه فأطالت النظر ثم لم تملك أن تغرق في ضحك متصل طويل ملأه ms046 حفيظة وزاده ~~اضطرابا إلى اضطراب، فلما كاد الضحك يسكت عنها، قالت له في صوت متقطع: وما يغيظك من هذا ~~الضحك وإن مقامك هذا لمضحك حقا، ادن مني وخذ مجلسك الذي ألفته حين يخلص كل منا ~~لصاحبه ولنبدأ في تمثيل القصة التي لا نمل تمثيلها، ولكني أريد في هذه الليلة ألا يطول ~~التمثيل، فقد أتعبني هذا الاستقبال وأظنني في حاجة إلى شيء من راحة، وإن شئت فسأمنحك عشر ~~دقائق تشكو فيها بثك وتفجر فيها غضبك ثم تغسل هذا الغضب بما تذرف من دموع، وسأمنح نفسي ~~عشر دقائق أرد فيها على تجنيك وأزجر فيها غضبك الذي سيكون جامحا وقحا، وأمسح فيها دموعك ~~التي ستكون غزارا، ثم أخصص عشر دقائق أخرى للتصافي بعد العتاب والتراضي بعد التغاضب ~~والائتلاف بعد الاختلاف، فإذا بلغنا ذلك انتهى التمثيل وأسدل الستار، وانصرفت أنت إلى ما ~~شئت أن تنفق فيه أول الليل من لقاء الأصدقاء أو الخلوة إلى الكتاب أو الخلوة إلى حبك هذا ~~الذي يعذبك ويضنيك في غير طائل ولا غناء. # ولست أدري أأنفذ العاشقان برنامجهما كما رسمته الغادة الحسناء لم يتجاوز الخطة المرسومة ~~بقصر أو طول، أم لم ينفذاه، وإنما أراهما حين تقدم الليل قد جلسا إلى مائدة الطعام يصيبان ~~في دعة وهدوء مما يقدم إليهما من ألوان، وأراهما بعد ذلك يتصرفان في ألوان من الحديث ~~الهادئ المطمئن كأنهما صديقان لم تكن بينهما ثورة ولا خصام، ثم أراهما وقد نهضا ليفترقا، ~~وهي تبسم له ابتسامة فيها كثير من حزن، وهو يبسم لها ابتسامة فيها كثير من غيظ، حتى إذا ~~بلغا باب الحجرة قالت له في صوت هادئ مكظوم: أما الليلة فإني قد أعددت لك مفاجأة لم تكن ~~تقدر في يوم من الأيام أني سأعدها لك، وهم أن يسألها عن هذه المفاجأة، ولكنها لم تمهله ~~وإنما وضعت يديها على كتفيه وأدنت جبهتها من فمه وهي تقول: سأمنحك الليلة قبلة، فإذا ظفرت ~~بها فانصرف موفورا ولا تسألني غيرها. # ولست أدري أطالت هذه القبلة على الجبهة أم قصرت ولكني ms047 أعلم أن الفتى صدع بالأمر وانصرف ~~موفورا سعيدا لم يسأل غيرها ولم يستجب للنوم أو لم يستجب له النوم حتى تجاوز الليل ثلثيه، ~~ثم دخلت عليه خادمه مع الصبح تحمل إليه طعام الإفطار وتحمل إليه الصحف أيضا، ولكنها قدمت ~~إليه غلافا لم يكد يأخذه حتى أحس من ورائه شيئا صلبا، ولم يكد ينظر فيه حتى عرف خط ~~صاحبته، ولم يكد يفضه حتى وقعت في يده صورة، نظر فيها فأخذته رعدة عنيفة وسال على جسمه كله ~~عرق بارد، وقد وقع في يده مع الصورة قرطاس صغير قد خطت عليه هذه الأسطر: لعلك عرفت صاحب هذه ~~الصورة وتبينت ما بينك وبينه من شبه قريب، وفهمت مصدر اليأس الذي كتب على حبنا، وفهمت كذلك ~~أن القبلة التي منحتك إياها كانت قبلة الوداع، فإن الحب والموت صديقان تفرق بينهما الحياة ~~حينا ثم لا يلبثان أن يلتقيا ذات صباح أو ذات مساء، أما حبي وموتي فسيلتقيان قبل أن يسفر ~~الصبح. # | ربع مية # يا دار مية بالعلياء فالسند # أقوت وطال عليها سالف الأمد # وقفت فيها أصيلا كي أسائلها # عيت جوابا وما بالربع من أحد # ولم يكن ربع مية بالعلياء فالسند، وإنما كان في صحن الأزهر، وعند القبلتين القديمة ~~والجديدة، حيث كانت الحركة المتصلة في الليل والنهار، وحيث كان ذلك الدوي الغريب الذي لم ~~يكن ينقطع إلا في أوقات الصلاة العامة، والذي كثيرا ما فكرت فيه وسألت نفسي عن هذه الأجزاء ~~التي لا تحصى، والذرات التي لا تعد، والتي كانت تؤلف جوهره وتكون مزاجه، وتجعل منه وحدة ~~لا يظهر فيها الاختلاف، ولا يحس فيها التباين، فإذا حللتها رأيت اختلافا لا حد له، ~~وتباينا ليس له آخر؛ رأيت أصوات قوم يتحدثون في متاع الدنيا ولهوها، وأصوات قوم آخرين ~~يتحدثون في جد الحياة وآلامها، وقوما يذكرون الله، وقوما يدرسون العلم، وقوما يتلون ~~القرآن، وقوما يقرءون ما يخطر لهم وما لا يخطر لك على بال، وقوما يخوضون فيما تظن وفيما ~~لا تظن من فنون الحديث، ومن هذه الأصوات كلها ينعقد ms048 صوت واحد قوي ضخم عميق عنيف متحد يملأ ~~فضاء الأزهر منذ تدخله إلى حين تخرج منه، ويملأ فضاء الأزهر من أي باب ولجته، وإلى أي باب ~~تجاوزته، ويملأ فضاء الأزهر في جميع أرجائه وأنحائه على كثرة ما فيها من الانحناء والالتواء ~~والانعطاف. # نعم في هذا الربع الذي لم يكن يخلو في نهار ولا في ليل، ولم يكن يهدأ في شتاء ولا في صيف، ~~ولم يكن يشعر بالحاجة إلى الحياة لأنه كان حياة كله، وكان حياة كأشد ما تكون الحياة قوة ~~وحركة وإنتاجا، في هذا الربع وقفت كما وقف النابغة في ربع مية، ولكني لم أقف أصيلا، وإنما ~~وقفت بعد صلاة العتمة ففهمت هذا النحو من شعر القدماء، أو قل أحسست هذا النحو من شعر ~~القدماء، فما أكثر ما نفهم الشعر القديم والحديث دون أن نحسه كما يحسه قائلوه، ودون أن ~~نتأثر به كما يتأثر به الشعراء. # وكان الأزهر كربع مية، خلا بعد عمران، وسكن بعد حركة، وأعيا عن جواب السؤال حين وجه ~~إليه السؤال، وكان الأزهر كربع مية قد طال عليه الأمد وبعد به العهد، طال عليه الأمد أكثر ~~مما طال على ربع مية، فما أظن أن ذلك الأمد الذي ذكره النابغة والذي طال على ربع مية كان ~~طويلا مسرفا في الطول يكاد يبلغ ألف سنة كهذا الأمد الذي أذكره حين أتحدث عن الأزهر، ~~والذي ذكرته حين تحدثت إلى الأزهر منذ أسبوعين، وكان الأمد بين الأزهر وبيني قد طال، فما ~~أذكر أني دخلته منذ بضع عشرة سنة، وما أذكر أني طوفت فيه منذ أكثر من عشرين عاما، ولكني ~~حملت في نفسي دائما للأزهر صورة حية قوية شديدة الحركة، عظيمة النشاط، رائعة الدوي، عسيرة ~~التحليل، وكنت أسعى إلى الأزهر منذ أسبوعين، وإن قلبي ليخفق سعادة واغتباطا وحنينا إلى ~~هذه الصورة التي صحبتني ربع قرن وطوفت معي في أقطار الأرض، واستقبلت معي ألوان الخطوب لم ~~تضعف ولم تفتر ولم تتضاءل، والتي كنت أسعى بها إلى أصلها الأصيل في صحن الأزهر وعند ~~القبلتين ms049 لتستمد قوة إلى قوتها وحياة إلى حياتها، فلما بلغت الربع - وليتني لم أبلغه - ~~نظرت فإذا الصورة أقوى من الأصل، وإذا الأزهر الذي أحمله في قلبي أشد حركة وأعظم نشاطا ~~وأقوى حياة من الأزهر القائم هناك في حي من أحياء القاهرة. # قال أصحابي وكلهم مثلي من أبناء الأزهر الذين بعد عهدهم به وطال فراقهم له: وما يمنعنا أن ~~نختم رمضان بزيارة قصيرة للأزهر نحيي بها العهد القديم ونذكر بها أيام الشباب؟ قلت: وإني في ~~ذلك لراغب، وإني إلى ذلك لمشوق. ومضينا إلى الأزهر ونحن نقدر أن سنجد فيه تلك الصورة التي ~~ألفناها، وأن سنسمع فيه ذلك الدوي الذي عرفناه، وأن سنختلط به اختلاطا، ونمتزج به ~~امتزاجا، ونقف فيه كما كنا نفعل أيام الشباب وقفات فيها الجد الخصب، وفيها هزل يشوبه الحب ~~والعطف، نتنقل بين هذه الحلقات المنبثة في أرجائه نسمع لهذا الشيخ وهو يقرأ الحديث أو ~~التفسير أو يقص قصص الوعاظ فيعجبنا صوته وإلقاؤه وفهمه وإفهامه فنعجب به ونبسم له، ~~ونتجاوزه إلى ذلك الشيخ فيضحكنا صوته أو إلقاؤه أو لازمة من لوازمه أو بعض ما يدفع إليه من ~~الخطأ في الفهم أو السخف في الإفهام فننصرف عنه ضاحكين متفكهين، حتى إذا قضينا من هذا كله ~~أربا خرجنا وقد ذكرنا أنفسنا وسعدنا بلقاء تلك الأيام العذاب. # كنا نقدر هذا كله، فلما دخلنا الأزهر لم نر إلا وحشة ولم نحس إلا صمتا، لم نعرف شيئا ~~ولا أحدا، ولم يعرفنا شيء ولا أحد، وإنما كنا أشبه شيء بالأشباح أو الأطياف تمضي في مكان ~~خال موحش لا حياة فيه ولا عمران، وأشهد لقد لقينا خدم الأزهر باسمين لنا محتفين بنا، ~~يسعون بين أيدينا ومن حولنا، كأنما نحن جماعة من السائحين الذين لا علم لهم بالأزهر ولا ~~معرفة لهم بخفاياه، فهم يهدوننا ويدلوننا ويرفقون بنا في الحديث: ويحكم! فأنا أعلم منكم ~~بالأزهر وأعرف بمعالمه، وإنا لم نأت لنلقى منكم هذا الرفق، وإنا لنفضل أن تلقونا بما كان ~~يلقانا به أسلافكم من ذلك العنف الذي كانت تحبه ms050 نفوسنا وإن أظهرنا منه النفور. أين الجبلاوي ~~وأعوان الجبلاوي؟ أين تلك العصي التي كانوا يهزونها فتسمع لها أصوات خفيفة ولكنها مخيفة؟ ~~أين الغراب وأيام الغراب؟ أين رضوان وجنود رضوان؟ أين الجندي وأعوان الجندي؟ أين هؤلاء ~~جميعا وما كان يحيط بهؤلاء جميعا من جلال كنا نزدريه وكنا نضيق به، وها نحن أولاء نذكره ~~الآن فتذهب نفوسنا في أثره حسرات؟ ولست أدري من هذا الذي عرفنا فأسرع بأسمائنا إلى رجل ~~كريم من أصحاب الفضيلة المفتشين، وإني لأطوف مع صاحبي في الأزهر يتحدث إلي وأتحدث إليه ~~بهذا الصوت الهادئ الخافت الذي نصطنعه إذا خلا أحدنا إلى صاحبه، كأنما نحن في دار من الدور ~~أو في بيعة من البيع التي يحسن فيها الهمس لا في الأزهر الذي لم يكن يحب إلا الجهر ورفع ~~الصوت، وما راعنا إلا صاحب الفضيلة وقد أقبل علينا طلق الوجه باسم الثغر مبسوط الأسارير ~~يحيينا تحية الرجل الكريم، ويدعونا إلى ضيافته ويلح علينا في أن نصعد معه إلى حيث يتلى ~~القرآن ويشرب الشاي. # وكنا نود لو استطعنا أن نخلو إلى هذه العمد القائمة لنجدد عهدنا بها، ولنبثها ذكرى ~~الأيام، ولنسألها عما ألم بها من الحوادث واختلف عليها من الخطوب منذ فارقناها، ونظفر ~~منها بهذا الصمت الذي هو أفصح من الكلام وأبلغ منه أثرا في النفوس، ولكن الشيخ دعا فلم يكن ~~بد من أن نستجيب، فمضينا مع الشيخ إلى حيث أراد، وصعدنا معه إلى غرفة من تلك الغرفات التي ~~كنا نذكرها أيام الصبا فتمتلئ قلوبنا لذكرها مهابة وإجلالا ورهبة وإكبارا، في تلك الغرف ~~كان يستقر شيخ الأزهر ومفتي الديار، وفي تلك الغرف كانت تدبر أمور الأزهر وتصرف شئون ~~العلماء والطلاب، وحول تلك الغرف كانت تتطاير طائفة من الأحاديث والأساطير عن حياة الشيوخ ~~وأقوالهم وأعمالهم، وكانت هذه الأحاديث تصل إلينا فنعجب بها ونبسم لها ونلتمس فيها العبرة ~~والعظة والفكاهة، وكنا نتنقل بهذه الأحاديث إلى بلادنا في الريف فنقصها على آبائنا وإخواننا ~~فيعجبون بها ويكبرون أصحابها ويتخذونها ذخرا لما يعقدون من مجالسهم إذا ms051 أشرق الصبح أو أقبل ~~المساء. # صعدنا مع الشيخ إلى تلك الغرفات ونحن نسأله عن الأزهر ما خطبه، وعن هذا الصمت ما مصدره، ~~والشيخ صامت كالأزهر لا يستطيع رجع الجواب، ثم انتهينا مع الشيخ إلى طائفة من أصحابه كرام ~~مثله لقونا لقاء حسنا، وحيونا تحية حسنة، كما لقينا الشيخ وكما حيانا، ونسألهم عن الأزهر ~~ما خطبه؟ وعن هذا الصمت ما مصدره؟ فإذا هم صامتون كالأزهر، وإذا هم صامتون كالشيخ، وإذا هم ~~لا يستطيعون رجع الجواب. # ثم تدور علينا أكواب الشاي، ثم تتلى علينا آيات الله في صوت عذب ولهجة حلوة وقراءة صحيحة ~~مستقيمة نقية تصل إلى أعماق القلوب، ولكن من القارئ؟ من أين جاء؟ ما شكله؟ وما زيه؟ إنه رجل ~~مطربش قد اتخذ زيا غير زي الأزهر، لأنه ليس من أهل الأزهر وإنما هو من عمال العنابر. ~~تبارك الله! رجل من غير الأزهريين يتلو القرآن بين الأزهريين! هذا خير، هذا خير كثير ولكنه ~~غريب لم نكن نقدر أن نلقاه في أيامنا تلك، وكنا نحب أن نلقاه الآن والأزهر معمور يموج ~~بالناس وترتفع فيه أصوات الشيوخ بقراءة القرآن، ولكن الأزهر ساكن صامت، وهذه الطائفة ~~الكريمة من العلماء الواعظين قد استمعوا وأنصتوا لتلاوة القرآن الكريم تخرج من رأس عليه ~~طربوش، هذا خير ما في ذلك شك، ولكن هذه الصورة ما زالت غريبة في أنفسنا، وما زال موقعها من ~~قلوبنا شاذا قلقا، ومع ذلك فقد يقال إن الشيوخ محافظون، وإننا نحن من أصحاب ~~التجديد. # ثم انصرفنا محزونين مستيئسين، جئنا نزور الأزهر فلم نر الأزهر، وإنما رأينا أطلاله ولم ~~نستطع أن نطيل عندها الوقف. قلت لأصحابي: ولكن ما هذا الصمت وكيف انتهى الأزهر إليه؟ وأيكم ~~كان يظن أن ذلك الصوت العظيم يقضى عليه في يوم من الأيام أو في ليلة من الليالي بهذا ~~الخفوت المنكر المخيف؟ قال أصحابي: فإنك تنسى أن الأزهر قد كان جامعا فأصبح جامعة، وإنك ~~تنسى أن الجامعة إن استيقظت في النهار فهي تنام في الليل، وإنك تنسى أن للجامعة نظاما يحد ms052 ~~حظها من الحركة وحظها من النشاط، فاذكر هذا كله واذكر أنك تخطئ أشد الخطأ إن ظننت أن ~~التجديد مقصور على الجامعة وأصحاب الجامعة، فالتجديد أقوى وأنشط وأوسع سلطانا مما تظن. ~~انظر إليه كيف وصل إلى الأزهر فعلمه كيف يكون الكلام في النهار والصمت في الليل، وقد كان ~~الأزهر متصل الكلام في الليل والنهار. قلت لأصحابي: يا بؤسى للتجديد إذا انتهى بالأزهر إلى ~~هذه الحال! كم كنت أوثر أن يظل الأزهر جامعا وألا يمسخ جامعة! # | من وحي الريف # مدت عينها إلى التمثال معجبة به، ثم ردت عينها عن التمثال منكرة له، ثم قالت وقد ارتسمت ~~على ثغرها ابتسامة حائرة بين الرضا والسخط: إن وجهه لشديد العبوس! # قالت صاحبتها: ومع ذلك فقد رأيته حين تكشفت عنه الأرض، وقبل أن يحط عنه ما لصق به من ~~الطين، فوقع في نفسي منه أثر الرضا وابتسام الثغر وإشراق الوجه، وكنت أقدر أنه سيزداد رضا ~~وابتساما وإشراقا حين يقوم مقامه هذا في وسط هذا الفناء، وقد أزيلت عنه آثار الرقاد ~~الطويل في هذا التراب الرطب القذر، وقد غرست من حوله شجرات الزيتون هذه التي كان يكبرها ~~ويعظمها حتى نقش اسمها عليه في هذه التقدمة التي يتقرب بها إلى آلهته، وإني لأراه الآن كما ~~ترينه: مظلما عابسا كأنه مغضب مغيظ. # قال أستاذ من أهل العلم بالآثار: نعم، هذا هو الأثر الذي تركه في نفسي حين نظرت إليه منذ ~~اليوم، ولقد اتخذت له صورا فتوغرافية حين تكشفت عنه الأرض، ويخيل إلي أن صورته أدنى إلى ~~الرضا والابتسام مما نراه الآن. # قال قائل من أهل المجلس لا يكره العبث بالعلماء: من يدري؟ لعله كان راضيا مستريحا إلى ~~نومه المتصل في أعماق الأرض، فلما أزلتم عنه الحجب، وهتكتم عنه الأستار، وأبيتم إلا أن ~~توقظوه في عنف، وأن تقيموه حيث لم يكن يحب أن يقوم، ضاق بكم وسخط عليكم، فاربد وجهه بعد ~~إشراق، وهذا أيسر ما استطاع أن يقدم إليكم من أدلة السخط والاشمئزاز. وتضاحك الجالسون، ~~وانتقلوا إلى غير هذا من ms053 الحديث، ونسوا هذا التمثال الذي كان بعضهم مع ذلك يرمقه بين حين ~~وحين، وكان هذا التمثال قد استكشف منذ أيام، أو قل قد انتهت إليه فئوس بعض الفلاحين الذين ~~كانوا يحتفرون بئرا، وكان هؤلاء الفلاحون أمناء، فأسرعوا إلى الشرطة فأنبئوها، وأسرعت ~~الشرطة إلى رجال الآثار فدعتهم، فلما جاءوا نظروا وبحثوا وقرءوا، ثم قالوا: هذا تمثال من ~~تماثيل فرعون العظيم، ذلك الذي كثرت تماثيله وتفرقت في أقطار الأرض، والذي عظم ذكره في ~~تاريخ مصر، وحسن بلاؤه في تشييد مجدها وبسط سلطانها، وهو رمسيس الثاني، وكنت في ذلك الوقت ~~أقيم في الريف، قريبا من المكان الذي استكشف فيه هذا التمثال، وكنت أقيم في دار من دور ~~مصلحة الآثار هناك، وقد رأت مصلحة الآثار أن مكان التمثال أولى به، وأن نقله إلى المتحف في ~~هذه الأيام ليس ميسورا ولا مفيدا، فأقامته في فناء تلك الدار، وجعل الذين سمعوا عنه يسعون ~~إليه ليزوروه، منهم من يدفعه إلى ذلك حب الفن، ومنهم من يدفعه إلى ذلك حب الاستطلاع، ومنهم ~~من يدفعه إلى ذلك شيء أقوى من الفن والاستطلاع، وهو الحنان إلى تاريخنا القديم. # ومع أن القوم الذين رويت حديثهم آنفا لم يكونوا في هذا الحديث إلا عابثين، فقد استقر في ~~نفسي لأمر ما أن هذا العبث يمكن أن يكون جدا، وأن هذا اللغو يمكن أن يكون حقا، وأن من ~~الجائز أن يكون تمثال الملك قد ظل مشرقا باسما هذه القرون الطوال، فلما أخرج من ظلمة ~~الأرض إلى ضوء الشمس استحال إشراقه إلى ظلمة، وابتسامه إلى عبوس. # ولكني لم أعلل هذا التحول بما علله به ذلك العابث بعلماء الآثار من أن تمثال الملك كان ~~مستريحا إلى نومه المتصل في أعماق الأرض، فأصبح ضيقا بقيامه المتصل في ضوء الشمس، وإنما ~~عللته بشيء آخر رأيته أدنى إلى الحق وأقرب إلى الصواب، وتستطيع أن تبذل من جهد علمي وفلسفي ~~ومن براعة في المنطق ومهارة في الإقناع، وتستطيع أن تسوق إلي ما شئت وما لم تشأ من الحجج ~~والبراهين، لتقنعني ms054 بأني لست أقل عبثا ولا مزاحا ولا استرسالا مع الخيال من ذلك الصديق ~~العابث بعلماء الآثار، ولكنك لن تبلغ مما تريد شيئا، ولن تحولني عما استقر في نفسي من ~~الرأي. # فأنا لا أشك في أن القوم قد صدقوني حين أنبئوني بأن تمثال الملك كان باسما فأصبح ~~عابسا، وبأن وجه الملك كان راضيا فأصبح ساخطا متجهما، ثم أنا أشك في أن مصدر هذا التحول ~~إنما هو ما أوحى به الريف المصري إلى تمثال الملك المصري العظيم، ومن وحي الطبيعة ما يرضي ~~ويملأ النفوس سرورا وابتهاجا، ومن وحي الطبيعة ما يسخط ويملأ القلوب سخطا واكتئابا، ومن ~~وحي الطبيعة ما يمنح النفس جناحين تسابق بهما الخيال في أجواز الكون، وفي هذا الشيء الذي ~~يفتن به الفلاسفة والشعراء ويسمونه اللانهاية، ومن وحي الطبيعة ما يثقل النفس ويبهظها ~~ويضطرها إلى السكون بعد الحركة، وإلى الجمود والهمود بعد المرح والنشاط، ويلصقها بمكان من ~~العالم لا تعدوه، ويحد من حولها الآفاق، ويضطرها إلى أن تنظر إلى أسفل بعد أن كانت تنظر إلى ~~أعلى، وإلى أن تفكر في آلام الأرض وآثامها بعد أن كانت تفكر فيما تزدان به السماء، مما يبعث ~~الفرح والابتهاج، ومما يثير الأمل والرجاء. # وقد جلس صديقي أحمد أمين ذات يوم أو ذات ليلة لا أذكر في طرف ما يسميه اللسان من رأس ~~البر، ونظر إلى البحر وأمواجه، ثم أخذ طرفه يمتد قليلا قليلا، وإذا هو يهيم في هذه ~~الطبيعة التي لا تنتهي هياما فلسفيا جميلا رائعا، وإذا هيامه هذا يوحي إليه بذلك ~~المقال القيم الذي نشرته «الثقافة» منذ حين. # فقد استمتع الصديق بجمال البحر وبجمال السماء وبجمال الأرض بين البحر والسماء، وأوحى إليه ~~هذا كله فلسفة وحكمة، وأوحى إليه أدبا وفنا، وأوحى إليه أملا ورجاء. وكان تمثال الملك ~~رمسيس الثاني قد بعد عهده بالحياة والأحياء منذ قرون طوال، لسنا ندري فيم كان يفكر وماذا ~~كان يستوحي حين ألمت به تلك الملمة التي هدمت المعبد من حوله، وزلزلت الأرض من تحته، ~~واضطرته إلى أن يضطجع ms055 وكان قائما، وأصابت جسمه ببعض الرضوض، ولكن من المرجح أن هذا ~~الاضطراب العنيف قد أصابه بشيء من إغماء، ثم أخذت الأحداث تحدث، والخطوب يتبع بعضها بعضا، ~~والتمثال ملقى في مكانه لم ينجده أحد، ولم يحاول أحد إنهاضه، وإنما ترك وشأنه، وتركت ~~الأرض تراكم عليه ترابها شيئا فشيئا، حتى التهمته فيما تلتهم، وغيبته فيما تغيب، ~~واستقرت من فوقه كأنه ليس تحتها، واستقر الناس من فوقها كأنما ليس تحتها شيء، فجعلوا يبنون ~~ويهدمون، وجعلوا يزرعون ويحصدون، وجعلوا يعيشون ويموتون، وجعلوا يتصرفون في الحياة وتتصرف ~~فيهم الحياة، كأن شيئا لم يكن في مكانهم هذا منذ قرون طوال، وذات يوم من هذا الصيف قل ~~الماء، وبخل به المهندسون على الفلاحين، فأشرف الزرع على التلف، واشتد الضيق على أصحاب ~~الزرع، وجعل اليأس يسعى إلى نفوسهم، وأخذت الدنيا تظلم في وجوههم، فنار الحرب مشبوبة قريبا ~~من مصر أو بعيدا عنها، ولكن المصريين يصلونها من قرب أو من بعد، فالحياة تشتد، والأسعار ~~ترتفع، وموارد الدولة تقل، ومطالبة الدولة بضرائبها تلح، والفلاح مضطر إلى أن يدفع الضريبة ~~أولا، وإلى أن يطعم ماشيته ثانيا، وإلى أن يطعم زوجه وبنيه ثالثا، وإلى أن يعيش هو آخر ~~الأمر، وكيف السبيل إلى ذلك إذا قل الماء وبخل به المهندسون لأنه قليل، أو لأن هناك أرضا ~~ربما كانت أحق به وأولى من أرض هؤلاء الفلاحين البائسين، أو لأن هناك أرضا قد يكون إرسال ~~الماء إليها وتوفيره عليها خليقا أن يرقى بالمهندس من درجة إلى درجة وأن يبلغه بعض ما ~~يشتهيه من رضا فلان أو فلان؟! كيف السبيل إلى أداء الضريبة، وحماية الماشية من أن تنفق، ~~وحماية الأهل من أن يجوعوا، وإقامة الأود، لتزرع الأرض، ويحصد الزرع، ويباع الحصاد، ~~وتأخذ الدولة ما يرضيها، ويعود الفلاح بما يبقى له بعد ذلك على ما حوله ومن حوله بشيء من ~~حياة؟ # في هذا كله كان الفلاحون يتحدثون مصبحين وممسين، وبهذا كله كان الفلاحون يشقون مصبحين ~~وممسين أيضا، ويخطر لبعضهم أن يحتفر بئرا لعله يظفر بشيء من هذا ms056 الماء الذي يجري به النيل ~~العظيم، ولكنه لا يصل إلى هذه الأرض القريبة من النيل إلا في قلة وشح شديد، ويقوم بعض هؤلاء ~~الفلاحين على مكان من الأرض يحتفرون فيه أبؤرهم هذه، وإنهم لفي ذلك تعمل فئوسهم، وتتعب ~~أجسامهم، وتتسلى قلوبهم الحزينة بهذا التعب عما يشقون به من ألم ويأس، وإذا تمثال الملك ~~يظهر لهم مضطجعا هادئا مبتسما مشرقا، وكأنه قد سمع غناءهم الحزين وشكاتهم المرة ~~وحديثهم البائس، فلم يكد يتبين من هذا كله شيئا، ولكن نفسه - إن كان للتمثال نفس - قد ~~اتجهت إلى أن تفهم عن هؤلاء القوم ما كانوا يقولون، وإلى أن تتذوق من هؤلاء القوم ما كانوا ~~يتغنون به من غناء فيه العزاء حينا وفيه الشكوى حينا آخر، وفيه توطين النفس على اليأس ~~والقنوط في كثير من الأحيان. # وقد صرف الناس عن بئرهم حين رأوا تمثال الملك، وشغلوا عن نفوسهم وأحزانها، وشغلوا عن ~~الأرض وما تحمل من زرع، وانصرفوا إلى هذا التمثال يعجبون به، ويطيلون النظر فيه، ثم يحبونه ~~ويكبرونه ويستنقذونه من هذا الطين الذي أخذه من جميع أقطاره، ويقيمونه وينقلونه إلى حيث ~~أرادت مصلحة الآثار أن يستقر، وتتبعه جموعهم رجالا ونساء وأطفالا، حافين به يتغنون ~~ويتصايحون، حتى إذا بلغ التمثال مكانه الذي هيئ له نظروا إليه نظرات طوالا ثم تفرقوا ~~عنه ومضوا إلى أعمالهم. وقام التمثال في مكانه الجديد وقد أحس ما أحس، وسمع ما سمع، ورأى ما ~~رأى، فلم يحس إلا شرا، ولم يسمع إلا شكاة، ولم ير إلا بؤسا، وإذا هو يفكر في هذا كله، ~~وأكبر الظن أنه ذكر مصر وأهل هذه الأرض كما كان يعرفهم حين كان قائما في معبده قبل أن ~~تزلزل به الأرض زلزالها، وأكبر الظن أنه وازن بين حال الناس في تلك الأيام البعيدة وبين حال ~~الناس في هذه الأيام القريبة، وأكبر الظن أن نتيجة الموازنة لم تسره ولم تبعث في نفسه ~~الرضا، وإنما ساءته وملأت قلبه حزنا وسخطا، وقد كان الناس في تلك الأيام البعيدة أشقياء ~~بائسين، وهم الآن ms057 في هذه الأيام القريبة أشقياء بائسون، وإذن ففيم تمضي الأيام؟ وفيم ~~تتابع القرون؟ وفيم ترقى الحضارة؟ وفيم يتكشف العلم عن المعجزات؟ وفيم تتطور النظم ~~الاجتماعية والاقتصادية والسياسية؟ ما خطب هذا كله، وما نفع هذا كله، إذا كان الناس مضطرين ~~إلى أن يحتفظوا ببؤسهم وشقائهم قرونا وقرونا وقرونا؟ # في هذا كله فكر تمثال الملك، وبهذا كله ابتأس تمثال الملك، ولهذا كله أظلم وجه التمثال ~~بعد إشراق، وعبس بعد ابتسام. # وأكبر الظن أن الأمر لم يقف بتمثال الملك عند هذا الحد، ولن يقف به عند هذا الحد؛ فإن ~~نفوس التماثيل - وتماثيل الملوك خاصة، وتماثيل الفراعنة بنوع أخص - أذكى من نفوس عامة الناس ~~وخاصتهم، وأنفذ إلى حقائق الأشياء، ووسائلها إلى العلم بحقائق الأشياء كثيرة جدا متنوعة ~~جدا، فهي تفهم عن الناس إذا تكلموا مهما تختلف لغاتهم، وهي تفهم عن الطير إذا تغنت، وهي ~~تفهم عن حفيف الورق وهفيف الغصون، وهي تفهم عن النسيم حين يضطرب في الجو، وهي تفهم عن هذا ~~العشب الملقى بين أيديها حين يناجي بعضه بعضا في أصوات لا تسمعها آذان الناس، ولكن تسمعها ~~آذان التماثيل، ثم هي تفهم عن الصراصير حين تصوت، وعن الضفادع حين تنق، وعن الخفراء حين ~~يجتمعون ليسمروا إذا تقدم الليل. # وقد فهم التمثال أشياء كثيرة من وسائله تلك، وقد أحس التمثال أن بؤس الناس وشقاءهم، أو ~~بؤس هذه الطبقة من الناس وشقاءها لم يزالا كما كانا، لم يتغير منهما شيء، شقاء في الليل ~~بالتفكير والعناء والحزن، وشقاء في النهار بالجد والكد والعمل المرهق المضني، والأرض مع هذا ~~كله تنبت الزرع وتؤتي الثمرات، وتغل المال الكثير الذي يستطيع أن يسع الناس جميعا، وأن ~~يطعمهم من جوع ويرويهم من ظمأ ويعصمهم من العاديات، فأين يذهب هذا المال؟ وفيم ينفق؟ وما ~~بال الناس لا يزالون أشقياء بائسين؟ # سمع التمثال جواب هذه الأسئلة من الخفراء حين اجتمعوا يسمرون بعد أن تقدم الليل، وحين ~~تحدثوا عن بؤس هذه الأسرة التي باعت آخر ما كان عندها من متاع، وعن ثروة هذه ms058 الأسرة التي ~~اشترت أرضا إلى أرض وسيارة إلى سيارات، وعن أمر هذا الفتى الذي سيق إلى المحاكمة في دجاجة ~~سرقها، وعن أمر ذلك الفتى الذي اعترف بأنه سرق من بعض ذوي قرباه مقدارا من المال ودفنه في ~~حقل من الحقول، وعن أرض هؤلاء الفلاحين التي يميتها العطش، وأرض أولئك الباشوات التي يكاد ~~يفسدها الإسراف في الري، وعن أشياء أخرى كثيرة، منها ما يمكن أن يقال، ومنها ما يحسن ألا ~~يقال. # وعيون التماثيل ترى ما لا تراه عيون الأحياء من الناس، وهي ترى على بعد الآماد واشتداد ~~الظلمة، وقد رأى تمثال الملك ما زاده ثقة بأن البؤس والشقاء ما زالا في هذه الأيام القريبة ~~كما كانا في تلك الأيام البعيدة، رأى أجساما قد تشققت عنها الثياب فبرزت لحر الشمس يلفحها ~~ويحرقها تحريقا، ورأى أقداما قد تشققت حتى أفسدها التشقق، وبغضها إلى النعال ~~والأحذية التي لا تحب إلا الأقدام المترفة الناعمة، ورأى رجالا ونساء يقبلون على ما يلقي ~~أغنياء الناس وأوساطهم من فتات موائدهم، فيلتقطون ما يصلح أمرهم ويقيم أودهم، بعضهم ~~يفعل ذلك مستخفيا، وبعضهم يفعل ذلك جاهرا به لا يستخفي ولا يحتاط، ورأى مصريين قد أنبتتهم ~~كلهم أرض مصر، وأحياهم كلهم نيل مصر، وأظلتهم كلهم سماء مصر، ولكن بعضهم يسير سيرة السادة، ~~وبعضهم يسير سيرة العبيد، بعضهم يستعلي ويستكبر، وبعضهم يتضاءل ويستكين، وكلهم - فيما يقال ~~- أمام القانون سواء، فقد تطور النظام الاجتماعي والسياسي، وأصبح المصريون في هذه الأيام ~~ينعمون بالحياة الديمقراطية وما تشيع في الناس من العدل. تطور النظام الاجتماعي والسياسي ~~فيما يقال، وفيما يكتب في الصحف، وفيما يعلم للتلاميذ في المدارس، ولكن الناس ما زال ~~منهم الشقي البائس والسعيد الناعم، وما زال منهم المتكبر المستعلي، والمتضائل ~~المستكين. # تطور النظام، وبقيت الأشياء كما كانت منذ قرون وقرون وقرون. بهذا كله، وبأكثر من هذا كله ~~أوحى الريف المصري، في ناحية من نواحي مصر، إلى تمثال الملك رمسيس الثاني؛ فأظلم وجهه بعد ~~إشراق، كما أوحى البحر بأشياء أخرى إلى الأستاذ أحمد أمين، فأشرقت ms059 نفسه بعد إظلام. # أما أنا فإني أتمنى لتمثال الملك أن يوحي إليه الريف المصري يوما ما يرد وجهه إلى ~~الإشراق والابتسام، وأتمنى لصديقي أحمد أمين أن يوحي إليه البحر والبر والسماء والأرض ما ~~يسره ويرضيه، ويلهمه فصولا رائقة شائقة، كهذا الفصل الذي قرأته منذ أيام. # أتمنى لهما هذا، وأعود إلى ما كنت فيه من قراءة أخبار الخوارج في كتاب الكامل للمبرد، ~~فإني أجد في أخبار الخوارج راحة للقلب ومتاعا للذوق. # 1945 # | رحلة # كانت قصيرة جدا، ولو استطعت لأطلتها جدا، ولكن ماذا أصنع والواجبات المعقولة وغير ~~المعقولة تكرهني على الرجوع إلى مدينة القاهرة؟ هذه التي أحبها أشد الحب حتى كأن الله لم ~~يخلق مدينة غيرها خليقة بالحب، وأضيق بها أحيانا أشد الضيق، حتى كأن الله لم يخلق مدينة ~~أثقل منها على النفس، وأدعى منها إلى الفرار. # كانت رحلتي قصيرة جدا، بدأت يوم الخميس، وانتهت يوم الثلاثاء، وكان أظهر منافعها أني ~~فررت فيها من أيام العيد، فخلوت فيها لا إلى نفسي، ولكن إلى أهلي وأصدقائي، وقلما أخلو إلى ~~أهلي وأصدقائي في القاهرة، بل قلما ألقاهم إلا على مائدة الغداء أو العشاء، بل قلما ألقاهم ~~على هذه المائدة، وما أكثر ما أخلو إلى الغداء أو العشاء، فآخذ حظي من الطعام كارها له، ~~متبرما به، متعجلا الانصراف عنه؛ لأن الطعام لا يحب الوحدة، ولا يألف الانفراد. # خلوت إذن في هذه الرحلة القصيرة إلى أهلي وبعض أصدقائي، واستمتعت بهذه اللذة الدقيقة ~~الرقيقة الحلوة، التي تحول الواجبات المعقولة وغير المعقولة بيننا وبين الاستمتاع بها ~~أيام العمل في مدينة القاهرة، فنتحرق شوقا إليها وطمعا فيها، حتى إذا ظفرنا بها كان ~~إحساسنا لها قويا عميقا، وكان انصرافنا عنها لاذعا أليما، وكان إقبالنا على العمل ~~بعدها فاترا مثيرا للغيظ أول الأمر، ثم قويا منتجا بعد قليل من المران. # وما عن هذه اللذة الخاصة التي أصبتها في هذه الرحلة من الخلوة إلى الأهل والأصدقاء أريد ~~أن أتحدث في هذا المقال، فإن هذه قصة أخرى كما يقول كيبلنج، والحديث عنها يحتاج ms060 إلى شيء من ~~الراحة وفراغ البال، لا سبيل إليه في القاهرة، بل لا سبيل إليه في مصر، وإنما السبيل إليه ~~في قرية من قرى السڤوا أو الدوفينيه أو الكانتال، على قمة جبل من هذه الجبال التي ألفت ~~الاعتصام بها إذا أقبل الصيف، والتي فارقتها في الصيف الماضي، وإن نفسي لتتفرق ألما، وإن ~~قلبي ليتقطع حسرات، لأني لا أعرف هل أعود إليها، ومتى أعود إليها. # إنما أريد أن أتحدث في هذا المقال عن أشياء لا تحتاج إلى فراغ بال، ولا إلى تفكير طويل، ~~لأنها أيسر من ذلك وأقرب منالا، وما أدري أأفرغ من هذه الأشياء في هذا الحديث، أم أضطر إلى ~~الحديث إليها في حديث آخر، ولكني أبدأ وأجري على الله. # وأول هذه الأشياء التي أريد أن أتحدث عنها مدرسة فكرت فيها أثناء الذهاب وأثناء الإياب، ~~وكان تفكيري فيها حلوا مرا، حلوا لأنه اضطرني إلى التفكير في صديقي أحمد أمين، فلا سبيل ~~إلى إنشاء المدارس أو التفكير في إنشائها دون التفكير في صديقي أحمد أمين، وأكبر الظن أنه ~~فكر في هذه المدرسة كما كنت أفكر فيها، فقد ارتحل أثناء العيد كما ارتحلت، واتخذ السيارة ~~كما اتخذتها أداة للسفر ووسيلة إلى الانتقال، ومرا لأني لم أشعر قط بالحاجة إلى مدرسة كما ~~شعرت بالحاجة إلى هذه المدرسة، وهي مدرسة الغضب، الغضب الناطق الذي لا يعرف الصمت ولا ~~يرضاه، والغضب المر الذي لا يحب الأناة ولا يصبر على الانتظار، ولا يحتمل تخير الألفاظ ~~والتأنق في العبارات، الغضب اللاذع الذي لا يحتاط ولا يتحفظ في استعمال الألفاظ القاسية ~~الخشنة، الغضب الذي ينبغي أن يشفق منه السلطان وأن يحسب له حسابا أي حساب، الغضب الذي يقلق ~~النواب والشيوخ أثناء النهار، ويؤرقهم أثناء الليل، ويمنع الوزراء من الراحة والدعة، ~~ويضطرهم جميعا إلى أن يعملوا ما يستطيعون وما لا يستطيعون ليمنعوه من الظهور ومن ~~الانفجار. # مدرسة الغضب هذه التي فكرت فيها يوم الخميس ويوم الثلاثاء أثناء سفري إلى تونة الجبل، ~~وأثناء عودتي منها، هي التي تعلم المصريين كيف ms061 يطالبون نوابهم وشيوخهم ووزراءهم مطالبة ~~شديدة ملحة بالتفكير في المصالح العامة التي تمس أفراد الشعب جميعا، وبإنفاق أموال الدولة ~~في تحقيق هذه المصالح، وبإنفاق جهود الدولة في تحقيق هذه المصالح، قبل التفكير في أي شيء ~~آخر، وقبل العناية بأي شيء آخر. إن الفرق عظيم جدا بين السفر في القطار والسفر في ~~السيارة، فأما في أوروبا فالناس يؤثرون السفر في السيارة، لا لأنه أسرع وأحرى أن يوفر على ~~المسافرين ألوانا من الراحة والعزلة والفراغ لأنفسهم، والوقوف متى شاءوا هم، والسفر متى ~~شاءوا هم، لا متى شاء نظام القطار فحسب، ولكنهم يؤثرون السفر في السيارة لهذا كله، ولأنهم ~~يجدون فيه ألوانا أخرى من المتاع لا يجدونها حين يسافرون في القطار، أما في مصر فإن اتخاذ ~~السيارة أداة للسفر لا يوفر على المسافر لذة، وإنما يثير في نفسه ألما أي ألم، ولا يكفل له ~~راحة، وإنما يعرضه لتعب أي تعب، أستغفر الله، بل لخطر أي خطر، أستغفر الله، بل لغضب أي غضب، ~~وضيق أي ضيق. # إن المسافر في القطار يتخذ مكانه مطمئنا ويلقي نظره بين حين وحين على المدن والقرى ~~والمشاهد التي يمر بها أو تمر به، فيرى ما يحب ويرى ما يكره، ولكنه لا يزيد على أن يرى ما ~~يحب وما يكره، فأما المسافر في السيارة فإنه لا يرى فحسب، ولكنه يرى ويشقى بما يرى وينغمس ~~فيما يرى. ماذا أقول؟ بل هو يمتزج بما يرى ولا يجد من هذا الامتزاج إلا شرا ونكرا. تمضي ~~به السيارة في طرق منها الممهد ومنها غير الممهد، والله يعلم أن الممهد منها لشديد الحاجة ~~إلى أن يستأنف تمهيده من جديد، فأما غير الممهد فصوره كما أحببت أو كما استطعت فلن تبلغ ~~من تصويره شيئا، وأيسر ما يمكن أن تقوله في هذا السفر الذي تتخذ السيارة أداة له أنه بديع ~~جدا، يعلمك كيف تذوق التراب وكيف تجد طعمه، أستغفر الله، بل كيف تجد طعومه المختلفة: طعمه ~~حين يمر بالفم، وطعمه حين يمر بالأنف، وطعمه حين يمر بالأذن، ms062 وطعمه حين يمر بالعين، وطعمه ~~حين يلتصق بأي جزء من أجزاء الجسم، وحين يخترق إلى أجزاء الجسم ما تحمل من ثياب مهما تكن ~~كثيفة محكمة، ومهما تبذل من الاحتياط في اصطناعها والاتقاء بها فلن تبلغ من ذلك شيئا، إنما ~~أنت في جو من تراب يأخذك من جميع أقطارك فيفسد عليك كل شيء، ويبغض إليك كل شيء، ويملأ قلبك ~~ورأسك، ويطلق لسانك بهذا السؤال أو بهذه الأسئلة: لماذا ندفع الضرائب؟ وفيم تنفق الدولة ~~أموالنا؟ وماذا تصنع الدولة؟ ولماذا ننشئ الدولة؟ ولماذا نبذل لها كل ما تحتاج إليه من ~~الطاعة والخضوع للنظام؟ # والسفر في السيارة لا يخوض بك هذا البحر من التراب فحسب ولا يذيقك طعم التراب حيا قبل ~~أن تذوقه بعد عمر طويل إن شاء الله فحسب، ولكنه يعلمك شيئا آخر فيه خير وفيه شر، وربما كان ~~شره أكثر من خيره: يعلمك كيف تحمل الخطر وكيف تتعرض للخطر، يعلمك كيف ترافق الموت على أن ~~تكون له موردا ومصدرا في وقت واحد؛ فسيارتك مصدر خطر متصل على الأحياء من الناس ومن ~~الحيوان على اختلاف أنواعه، حين تمر بالقرى المكتظة بالناس والماشية والدواجن، وحين تمر ~~بالطرق الضيقة المكتظة بهؤلاء جميعا، وسيارتك عرضة للخطر الذي يحمل الموت، ويمثله لك أصدق ~~تمثيل، ويخيله لك أروع تخييل، حين تمر في هذه الطرق المتضايقة المتضائلة التي يكتنفها الموت ~~من يمين ومن شمال، وأنت حين تسافر في السيارة حامل للموت وقابل له كما قلت آنفا، وليس ~~الغريب أن تكثر حوادث الموت التي تلقى المسافرين في السيارات والمتعرضين للسيارات المسافرة، ~~وإنما الغريب كل الغرابة أن تكون هذه الحوادث قليلة نادرة كما هي الآن، وإذا دل هذا على شيء ~~فإنما يدل على أن الله يرعى مصر والمصريين، ويرد عنهم الخطر ويذود عنهم المكروه، كما يدل ~~على أن المصريين وإن لم يتعلموا، وإن لم يتثقفوا، قد أتيح لهم حظ من المهارة والبراعة وحسن ~~الاحتياط، وليس هذا كل ما يعلمك السفر في السيارات، وإنما هو أيسره وأظهره، ولكن انظر إلى ~~هذه القرى ms063 التي تمر بها، وإلى ما يسيطر عليها من الفقر والبؤس والقذارة وفساد الأمر كله، ~~فستسأل نفسك كما سألت نفسي: لماذا ندفع الضرائب؟ ولماذا ننشئ الدولة؟ ولماذا نمنحها ما ~~ينبغي أن نمنحها من الطاعة والإذعان للنظام؟ ولن تكتفي بإلقاء هذه الأسئلة على نفسك، ولكنك ~~ستتحرج من أن تذوق في بعض الطريق ما تحمل من طعام؛ لأنك ستستحي أن تفرغ لطعامك ولذتك ومن ~~حولك هذا البؤس المنكر والفقر المدقع والبلاء العظيم، ومن حولك قوم يمرون بك فينظرون إليك، ~~منهم من يبغضك ومنهم من يحسدك، ومنهم من يتمنى لو انتقل ما في يدك إلى يده، واتخذ طريقه إلى ~~فمه لا إلى فمك، وأكثرهم يمنعه الحياء من أن يزيد على النظر والأماني والإذعان للقضاء، ~~وقليل منهم يدفعه البؤس إلى أن يسألك فضلا مما أنعم الله به عليك أو ينتظر انصرافك عن ~~طعامك ليحتاز بقيته راضيا فرحا. # وهذا كله في أيام العيد التي يوسع الناس فيها على أنفسهم ويوسع فيها بعضهم على بعض، فكيف ~~بالأيام التي لا عيد فيها ولا توسعة، وإنما هو العمل المتصل والضيق المستحكم، منذ تطلع ~~الشمس إلى أن تغرب، ومنذ يظلم الليل إلى أن ينجلي؟ # والحمد لله على أن هذه الخواطر المؤذية المؤلمة التي تعترضك أثناء السفر فتنغص عليك لذته ~~وتفسد في نفسك بهجته، ليست كل شيء، ولكن هناك ما يصرفك عنها أو يصرفها عنك، وينقلك إلى طور ~~آخر فيه الراحة والرضا، وفيه الجذل والأمل، وفيه البهجة والنعيم. هناك استقبال مضيفيك حين ~~تنتهي الرحلة بهذا البشر الباسم، وهذه البشاشة الطلقة، وهذا الود الذي يحط عنك الثقل ويرفه ~~عليك من الجهد، ويرد نفسك إلى الأمن وقلبك إلى الطمأنينة، وينسيك ما احتملت من مشقة، وما ~~تعرضت له من خطر، وما رضت نفسك عليه من عناء، وهناك الأحاديث التي تطوف بك في أرجاء ~~الحياة الحاضرة ضاحكة مرة، حزينة مرة أخرى، متأسية مرة ثالثة، والتي تنقلك إلى الحياة ~~الماضية معتبرة متعظة، معجبة مكبرة، راثية محزونة، بين حين وحين، والتي قد تتجاوز بك الماضي ~~والحاضر وما ms064 يدعوان إليه من رضا وسخط، ومن إعجاب وغضب، إلى حياة مستقبلة مجهولة، ولكنها على ~~ذلك ترسم في الآفاق ابتسامات حلوة تثير الأمل وتبعث الرجاء. # ثم هناك هذا المكان الذي قصدت إليه من الصحراء العريضة البعيدة الآفاق، التي ملأها الهدوء ~~حتى اكتظت به، وحتى عجزت أو كادت تعجز عن أن تشتمل شيئا آخر غيره؛ لأنها لا تستطيع أن ~~تشتمل إلا هدوءا ينبو عنه ما يكون فيها من حركة الناس وأصواتهم واضطرابهم فيما يعرضون له ~~من الأعمال، هدوء في الجو إلا حين تعصف العاصفة، وتتناوح الرياح، ويثور رمل الكثبان، وهدوء ~~في هذا الرمل الساكن المستقر الذي يداعب النسيم سطحه، فلا يبلغ منه شيئا، ولا يثير منه ~~شيئا، وإنما يمسه مسا رفيقا رقيقا، كما تجري يدك في خفة ورفق ورقة على خد صبيك ~~الحبيب إليك، وهدوء في أعماق هذا الرمل قد مضت عليه القرون، وتصرمت من دونه الحقب، قد نسي ~~الزمان ونسيه الزمان، لولا هذا الأستاذ الذي أرسلته الجامعة منذ أعوام ليرد إلى أعماق ~~الصحراء ذكر الزمن، وليرد على الزمن بعض ما نسيه من الكائنات. هدوء شامل كامل، كان خليقا ~~أن يتصل شاملا كاملا حتى يرث الله الأرض ومن عليها، لولا أن كلية الآداب أرسلت صديقنا ~~سامي جبرة ومعه طائفة من الأعوان وفريق من العمال فأزعجوا هذا الهدوء، وبعثوا في هذه ~~الصحراء حظا من حياة. # فهذه الحركة المتصلة، وهذه الرمال تنقل من مكان إلى مكان، وهذا الغناء الحلو، غناء ~~الصعيد، يوقظ النوم الذي اتصل في أعماق الصحراء، وهذه الكهرباء تخلف الشمس إذا كان الليل، ~~وهذه أداة الكهرباء تحدث هذا الصوت المتصل المتقطع الذي يتبع بعضه بعضا في سرعة ونشاط، ~~والذي يثير في نفسك خواطر غريبة حين يتقدم الليل، فيسكن كل شيء، ويسكت كل شيء غيره، فإنه ~~يظل متصلا متقطعا يتبع بعضه بعضا في سرعة ونشاط. # ثم هذه الآثار التي انحسر عنها الرمل، وانجلى عنها النسيان، واتصلت بأسباب الحياة، أو ~~اتصلت بها أسباب الحياة، وإذا هي تتحدث إلى الناس وتسمع منهم وتعطيهم ما يريدون ms065 من العلم ~~بالتاريخ والفن عن رضا وطواعية أحيانا، وبعد إباء وامتناع أحيانا أخرى، وقد يلح عليها ~~السائلون بالسؤال فتستعجم ولا تجيب، والدار لو كلمتهم ذات أخبار، كما يقول الشاعر ~~القديم. # وما أحب أن أتحدث الآن عن هذه الآثار المختلفة المتنوعة التي تعظم حتى تبلغ الروعة، والتي ~~تدق حتى لا يكاد يبلغها الحس، وإنها على ذلك لمصدر للجمال البارع، وإنها على ذلك لنفاذة إلى ~~أعماق النفوس. # وما أحب أن أتحدث الآن عن هذه الآثار، فلست من الحديث عنها في شيء، وإنما أسجل هذه ~~الظاهرة الغريبة التي يجدها من يزور هذه البقعة من الصحراء، فيضطر إلى أن يعرف هذه الخصلة ~~التي تميز مصر تمييزا ظاهرا: خصلة الوحدة الخالدة مهما تختلف الظروف، ومهما تتباعد ~~العصور، ومهما تتباين الأطوار. # في هذه الصحراء آثار وثنية مغرقة في وثنيتها، منها الفرعوني، ومنها اليوناني، ومنها ~~الروماني، ولكنها كلها قد طبعت بالطابع المصري، فلم تستطع أن تمتاز من مصر أو تنفرد عنها، ~~وفي أثناء هذه الآثار المغرقة في الوثنية والقدم، يظفر الباحثون بصليب من صلبان النصارى، ~~كيف اندس هذا الصليب في أعماق الصحراء؟ وكيف أقام في هذه الوثنية المغرقة في القدم؟ وفي ~~أثناء هذه الآثار يظفر الباحثون بألوان من القربان أرسلها الوثنيون من المصريين القدماء إلى ~~آلهتهم أو حملوها إلى هؤلاء الآلهة، على نحو ما يرسل المصريون المحدثون ويحملون إلى ~~الأولياء والقديسين من الهدايا والنذور، ومهما أنس فلن أنسى هذه اللفافات الضئيلة من ~~البردي قد لفت لفا محكما وختمت بالطين وأرسلت إلى الآلهة، تحمل إليهم من الأقطار ~~البعيدة ما كان يضطرب في نفوس أصحابها من الأماني والآمال ومن ضروب الخوف وفنون ~~الرجاء. # ومن حول هذه الآثار وعلى آماد غير بعيدة تنبث في الوادي قرى كثيرة يعيش فيها المسلمون ~~والمسيحيون من المصريين، قد أقام أولئك وهؤلاء على ما ورثوا من دين وما ألفوا من عقيدة. ~~يختلف أولئك وهؤلاء إلى مساجدهم وكنائسهم، ولكن انظر إلى هذا الأثر القائم بين آثار ~~إخناتون، ما هذه الدماء التي جمدت حوله؟ وما هذه الدماء ms066 التي لطخ بها تلطيخا؟ إنها دماء ~~الضحايا التي يقبل بها أولئك وهؤلاء بين حين وحين فيذبحون عند هذا الأثر، ويلطخون بدمائها ~~هذا الأثر، ويطعمون وينعمون حول هذا الأثر، ثم ينصرفون وقد استقر في نفوسهم الأمل بل الثقة ~~بأن حاجاتهم سترضى، وبأن دعواتهم ستجاب. # ومن حول هذه الآثار وعلى آماد غير بعيدة يقوم هذا الدير المتهدم المتخرب الذي أهملته ~~مصلحة الآثار المصرية - أو العربية لا أدري - أشد الإهمال، وإنه لخليق بالعناية، وقد أقبل ~~على هذا الدير الخرب راهب لم تعجبه الحياة في الأديرة العامرة، فآثر النسك وحده في أعماق ~~الصحراء، وآوى إلى هذا الدير فأقام فيه. انظر إليه قد جلس على الأرض ومن حوله شباب من ~~المسيحيين قد أقبلوا إليه من القرى القريبة والبعيدة، وهم يرتلون ما يرتلون من الأدعية ~~والصلوات، وانظر إليه حين يقبل عليه الزائرون من أمثالنا، فينهض إليهم هاشا باشا، ~~ويتلقاهم أحسن لقاء، ويبسط لهم رداءه ليجلسوا عليه، ويهم أن يقدم إليهم الشاي، وإنهم لفي ~~ذلك وإذا حمار الراهب قد أقبل منفلتا من موقفه فدخل عليهم الدير في أناة وهدوء. # ويثير هذا كله في نفسك ذكريات الرهبانية المسيحية المصرية في أول عهد مصر بالنصرانية، فما ~~أظن أن حياة الرهبان في ذلك العصر القديم كانت تختلف اختلافا كثيرا عن حياة هذا الراهب ~~الحديث الذي يعيش في القرن العشرين بعد المسيح. # وتستطيع أن تخترق الصحراء في سيارتك، وأن تحتمل قفز السيارة بك بين الصخور والكثبان ساعة ~~أو ساعتين من نهار، وإذا أنت أمام دير من الأديرة المصرية القديمة قد دفع إلى التجديد ~~دفعا عنيفا، وتخفف من المحافظة تخففا شديدا، فجدد فيه كل شيء، ولم يكد يحتفظ من ~~آثاره القديمة بشيء، ولم يبق فيه من القديم إلا هذه العادات والصلوات الدينية التي تقام في ~~السحر إلى أن يشرق الصبح، والتي تقام في المساء إلى أن يظلم الليل. # في هذه الرقعة الضيقة من الصحراء تعيش مصر القديمة بوثنيتها الفرعونية واليونانية ~~والرومانية، وتعيش مصر القرون الوسطى بإسلامها الساذج ومسيحيتها الساذجة، وتعيش مصر الحديثة ms067 ~~ببحثها عن العلم، وتقصيها للآثار، وأخذها بأسباب الحضارة الحديثة عن أحسن وجه وأكمله، ويشرف ~~على هذه الصور المختلفة لمصر في عصورها المختلفة وأطوارها المتباينة روح واحد خالد لا يختلف ~~ولا يتغير، ولا يضعف ولا يدركه الفتور، وإنما هو هو دائما يبعث فيما حوله وفيمن حوله ~~الحياة والنشاط والأمل والثقة واليقين، وهو روح مصر الخالدة، التي بقيت، وستبقى، مهما تختلف ~~الأحداث، ومهما تتباين الظروف. # أليس هذا كله خليقا أن ينسيك ما لقيت أثناء الرحلة إليه مما يثير الغضب والحزن ويطلق ~~الألسنة بهذه الأسئلة: لماذا ندفع الضرائب؟ ولماذا ننشئ الدولة؟ ولماذا نمنحها ما ينبغي لها ~~من الطاعة والإذعان للنظام؟ بلى إنه لينسيك هذا كله، ويطلق لسانك، ويملأ نفسك بخواطر أخرى، ~~أيسرها أن من الهين أن نحتمل المشقة، ونبذل الجهد، ونلقى ألوان العناء، لنشهد مصر المختلفة ~~المتفقة، المتعددة الواحدة، الخالدة على كل حال. # يناير 1940 # | في الثقافة # كتاب إلى الآنسة مي # تحية صادقة وشكر خالص يا آنسة بعد أن قرأت كتابك الممتع الظريف الذي تفضلت به على ~~«الوادي» وعلى «الرسالة» وعلي أيضا. # أما بعد فإني أستأذنك في سؤال أحب أن أرفعه إليك، وأود لو تتفضلين بالرد عليه: ما بالك ~~تؤثرين المبالغة وتحبين الإسراف ولا تقنعين بالحقائق الواقعة ولا تكتفين بأن تسمي الناس ~~بأسمائهم؟ من الذي زعم لك أن اسمي أبو العلاء، أو من الذي زعم لك أن بيني وبين هذا الرجل ~~العظيم الفذ في حياتنا الأدبية الطويلة شبها قريبا أو بعيدا؟ أظنك لا تقفين عند ما بين ~~أبي العلاء وبيني من الشبه الطبيعي الذي ضاق به الفيلسوف العظيم والذي قلما أقف عنده أو ~~أفكر فيه، فهو حظ مشترك بين كثير من الناس في جميع العصور والبيئات يشقى به بعضهم ولا يكاد ~~يكترث له بعضهم الآخر، وهو على كل حال أظهر وأيسر وأدنى إلى الابتذال من أن يقف عنده ~~الأدباء والمفكرون، وإذن فما إسرافك وإغراقك وتسميتك إياي بهذا الاسم الذي ليس مني ولست منه ~~في شيء؟ لقد أحب أن أشكر للذين يحسنون إلي إحسانهم، ms068 وأقدر للذين يثنون علي ثناءهم، ~~ولكني أحب أن يكون هذا الإحسان في موضعه وأن يكون هذا الثناء ملائما لمن يساق إليه، فهل ~~تأذنين لي في أن أكون ثقيلا فظا وغليظ الطبع خشنا كما تعودت أن أكون دائما حتى حين ~~أتحدث إليك فلا أشكر لك هذه التسمية ولا أقبلها منك، وإنما أردها إليك مع تحية ملؤها ~~الإكبار والإعجاب والاحترام؟ # وشيء آخر أنا مضطر إلى أن أبرئ ذمتي منه قبل أن أدخل في هذه الخصومة التي أثرتها بيننا - ~~أيتها القاسية الجائرة - في غير ما يدعو إلى خصومة أو حوار إلا حب الشر والرغبة في إيثار ~~الحفيظة والموجدة، وفي أن يتحدث الناس بأننا نختصم أشد الخصام، وهو أني فهمت عتبك الظريف ~~علي فيما كتبته عن محاضرتك الجميلة الرائعة التي ألقيتها في الجامعة الأمريكية منذ ~~شهور، وما كنت أحسب أن ذاكرتك على قوتها تستطيع أن تحفظ السوء وأن تذكر الموجدة، وما كنت ~~أحسب أن لك من القسوة هذا الحظ العنيف الذي يمنعك من أن تغفري لمن اعتذر وتشملي بالعفو من ~~ابتغى عندك العفو، وأظنك تذكرين أني اعتذرت إليك واستغفرت من هذا الذنب في آخر ذلك المقال ~~الذي تناولت به محاضرتك القيمة، وكنت أقدر أن الاستغفار والاعتذار سيمحوان ذلك الذنب ~~من نفسك الكريمة محوا، فإذا هما لم يصنعا شيئا، وإذا أنت واجدة علي وناقمة مني، أفينبغي ~~إذن أن أصدق ما يقال من أن النساء يسرع إليهن نسيان الخير ويبطئ عنهن نسيان الشر؟ # لا تغضبي يا سيدتي الآنسة فهذا كلام يقوله الرجال الذين لم تهذبهم الحضارة تهذيبا ~~صحيحا، وكنت أرفضه أشد الفرض وأنأى عنه كل النأي، ولكني لاحظت أنك لم تنسي لي هذا الذنب ~~على كثرة ما اعتذرت منه كتابة وكلاما كلما التقينا، ولاحظت ما أنبأتني به الطير من أنك ~~كتبت مقالا شديدا صارما تردين به علي ذلك المقال، ثم أدركك الإشفاق وأدركتني رحمة ~~الله، فإذا أنت تمسكين المقال ولا تذيعينه، فما بالك تمنحين بعض العفو وتمنعين بعضه الآخر؟ ~~أليس الخير في أن تمنحيه كله أو ms069 تمنعيه كله؟ أما أنا فلست أخفي عليك أني أكره أن أراك واجدة ~~علي، ولكني لا أكره أن أراك مغضبة ثائرة تكتبين المقال الثائر الحار وترسلينه على صواعق ~~محرقة، فإن هذه النار تعجبني وتروقني وتجد فيها نفسي أمنا وسلاما. أتذكرين أني ألححت عليك ~~في نشر المقال فأبيت، وأني ألححت عليك في إظهاري على هذا المقال فأبيت، وإذن فما ذكرك ~~لهذه القصة وما إشارتك إليها إلا أن تكوني محبة للشر حريصة على أن تذكريني بأن بينك ~~وبيني ثارات، وتنبهيني - وإن لم أكن في حاجة إلى التنبيه - إلى أن نار غضبك لم تخمد بعد، ~~وإلى أنها قادرة على أن تبلغني من حين إلى حين! هلم يا سيدتي الآنسة، أرسلي إلي أو أرسلي ~~علي هذه النار فإني لها منتظر وإليها مشوق، هل ترين كتابك كله إلا ظلما وجورا وخلافا ~~في غير ما يدعو إلى خلاف، وتجنيا في غير ما يدعو إلى التجني؟ ولكن لا تطمعي في أن يغضبني ~~ظلمك أو يحفظني جورك أو يمضني تجنيك، فلست بمتحضر ولا بمثقف إن لقيت ظلمك وجورك وتجنيك ~~بغير الشكر الصادق والتحية الخالصة والإعجاب العظيم. # لم أظلمك يا سيدتي الآنسة حين تناولت محاضرتك القيمة بشيء من النقد، وإنما أردت أن ~~أنصفك وأن أؤيدك، وأن أبين لك كيف يفهم الرجال بمنطقهم الغليظ وعقولهم الجافة وقلوبهم ~~الجافية هذه الخواطر الرقيقة العذبة، وهذه المعاني السامية الممتازة التي تخطر للنساء ~~وتضطرب في نفوسهن العالية، فلا يقدرونها حق قدرها ولا يسيغونها كما ينبغي أن تساغ، وإنما ~~يحرفونها تحريفا ويشوهونها تشويها، ثم يجادلون فيها جدالا لا غناء فيه لأنهم أضعف ~~وأغلظ وأجفى من أن يفهموا أو يقدروا مثل هذه الخواطر والمعاني على وجهها، فماذا تنكرين ~~علي وماذا تنقمين مني وأنا أعلن إليك أني مؤمن بكل ما تقولين، مصدق لكل ما تقررين إلا حين ~~أحكم فيه هذا العقل الغليظ الجافي الذي لا ينبغي أن يحكم فيما يصدر عنكن أيتها السيدات؟ ولم ~~أظلم «الرسالة» يا سيدتي الآنسة لا عامدا ولا مخطئا حين ذكرت عنايتها بموضوع الإلياذة ms070 ~~والأودسا وتفصيلها لأوليات التمثيل والقصص التمثيلية لأني لم أنكر على «الرسالة» شيئا، ~~وإنما أنكرت أن تكون هذه الحالة هي حال الثقافة عندنا، أنكرت أن يضطر كاتب أديب كصديقنا ~~الزيات ومجلة ممتازة كصديقتنا الرسالة إلى الحديث في مثل هذه الأشياء التي انقضى زمن الحديث ~~فيها عند المثقفين، والتي يتعلمها الصبية والفتيان في المدارس والبيوت لا في المجلات ~~الأدبية العليا، وما ذنب الزيات وما ذنب «الرسالة» إذا كان الناس يجهلون الإلياذة والأودسا ~~أو يجهلون من شئون التمثيل والقصص التمثيلي ما لا ينبغي لهم أن يجهلوا؟ وأظنك لا تكرهين أن ~~تعيريني شيئا من قوتك الأدبية الجبارة كما يقول الناس في هذه الأيام لأرتفع بها عن ~~الحياة اليومية، ولأسمو بها إلى المثل الأعلى، ولأنظر بها ساخطا إلى هذه الحياة الأدبية ~~التي نحياها والتي لا تكاد تمتاز إلا بالغلو في التواضع والغرور معا، وفي الحركة العنيفة ~~والخمود الذي لا يجدي. # وأنت تعلمين حق العلم أن الأديب الذي يستحق هذا الاسم والرجل الذي يستمتع بشيء من حياة لا ~~يستطيع أن يرضى ولا أن يطمئن لأن الرضا آية الخمود ولأن الاطمئنان آية القصور، إنما حياة ~~الرجل المثقف طموح كلها وسمو كلها، وسخط على ما يحيط به، واندفاع إلى ما لم يبلغ بعد، فلا ~~تسرفي يا سيدتي الآنسة في الغضب علي والتنكر لي إن رأيتني أضيق بما نحن فيه ولا أطمئن إلى ~~ما انتهينا إليه، ولا تلتمسي المعاذير لكتابنا وقرائنا وأصحاب الثقافة فينا من هذا ~~الفتور الذي يغرقهم إلى أذقانهم أو إلى آذانهم، فهم ليسوا في حاجة إلى أن تلتمس لهم ~~المعاذير، وهم خليقون إذا رأوا من مثلك هذا التشجيع وهذا الاعتذار أن يزدادوا إعجابا ~~بأنفسهم ورضا عن خمودهم واطمئنانا إلى ما هم فيه من فتور وقصور. إن الذين يعنون بإحياء ~~الأدب ونشر الثقافة وبعث الهمم إلى الحياة التي يملؤها النشاط الخصب لا ينبغي لهم أن يكسلوا ~~ولا أن يرضوا عن الكسل، ولا أن يغروا به، ولا أن يقنعوا ولا أن يرضوا القناعة من غيرهم في ~~الأدب والعلم ms071 والفن، وإنما الحق عليهم أن ينشطوا دائما وأن يدفعوا الناس إلى النشاط دائما ~~وأن يقنعوا الناس بأنهم مهما يجدوا ويكدوا وينشطوا فهم دون ما ينبغي لهم من الجد والكد ~~والنشاط. # إني أكره يا سيدتي الآنسة لأدبائنا أن يطيلوا النظر في المرآة، وأحب ألا ينظروا إلى ~~أنفسهم إلا قليلا جدا، كما أكره للأدباء أن ينظروا إلى وراء إلا أن يلتمسوا ثروة من ~~حياتنا القديمة الخصبة، فأما أن ينظروا إلى وراء ليعجبوا بما قطعوا من الآماد فإني أخاف أن ~~يغرهم ذلك ويدفعهم إلى العجب والتيه على حين ما تزال الآماد بعيدة أمامهم وما يزال الوقت ~~الذي يملكون أقصر جدا من أن يبلغهم الغاية، وينتهي بهم إلى المثل الأعلى. # تذكرين هذه المجلة الفرنسية التي أرادت أن تتبين عدد المحسنات للعروض من قارئاتها فلم ~~تجد إلا خمسا في كل مائة؟ فاطلبي يا سيدتي الآنسة إلى «الرسالة» أن تحصي المحسنين ~~والمحسنات للعروض العربي من قرائها وقارئاتها، فإن ظفرت بأكثر من خمسة في كل مائة، فأنا ~~ظالم كل الظلم، وأنت منصفة كل الإنصاف، ولن تستطيعي أن تقولي إن العروض العربي فن حديث أو ~~ثقافة جديدة عبرت إلينا البحر، إنما هو فن عربي خالص قديم، ومع ذلك فالمثقفون منا يجهلونه، ~~وأدباؤنا يجهلونه، وشعراؤنا يجهلونه لا أكاد أستثني منهم إلا نفرا يحصون، وإنك لتنظرين في ~~دواوين الشعراء فيؤذيك ما ترين من جهل كثير منهم أصول العروض وقواعد القافية، واندفاعهم إلى ~~خلط في ذلك يؤذي السمع والذوق معا، وأظنك ترين معي أن كبار الشعراء لم يكبروا بابتكارهم ~~للمعاني وإتقانهم للأساليب وحسن اختيارهم للفظ فحسب، وإنما كبروا أيضا بتصرفهم في ~~الأوزان وابتكارهم لفنون الموسيقى، وقلما يوجد شاعر فذ إلا كان له عروضه الذي لم يسبق إليه؛ ~~ذلك لأن الشعراء المجيدين لا يلتمسون الشعر على أنه وحي يهبط عليهم من السماء، وإنما ~~يلتمسونه على أنه فن له ثقافته، وله أدواته، ثم له بعد استكمال الثقافة والأدوات نصيبه من ~~إلهام الطبيعة الخصبة والنفس الغنية والقلب الفياض. # وتنكرين يا سيدتي الآنسة أن تلتمس ms072 الثقافة عند التعليم المنظم، فأذني لي في أن ألاحظ ~~أن إنكارك هذا غريب؛ فالتعليم المنظم هو الذي يسيطر على تهيئة العقل لفهم الحياة والتأثر ~~بها والاستزادة من هذا التأثر وذلك الفهم، فإذا فسد هذا التعليم وجف وأصبح صورا وصيغا ~~تتحدث إلى الذاكرة لا إلى العقل ولا إلى القلب، لم يثر نشاطا ولم يرغب في ثقافة ولم ~~يدع إلى استزادة من علم وفهم واستقصاء. وأنت تستطيعين أن تلاحظي ما بين الصبية الذين ~~يختلفون إلى المدارس المصرية الخالصة والذين يختلفون إلى بعض المدارس الأجنبية في مصر، كلهم ~~يتلقى تعليما منظما قد رسمت برنامجه دولة من الدول ووزارة من وزارات المعارف، ولكن بعضهم ~~يحفظ ما يتلقى من هذا التعليم لا يزيد عليه ولا يستبقيه إلا ريثما ينساه، وبعضهم لا يكفيه ~~ما يتلقى وإنما يدفعه إلى الاستزادة، فإذا هو يقرأ ويبحث ويحاول الاستكشاف، وإذا هو يثقف ~~نفسه تثقيفا لا يظفر به الشباب الجامعيون عندنا. # لا تظني أني أغلو أو أسرف، فقد تركت لك الغلو والإسراف، إنما أنا أصور لك حقائق أشهدها كل ~~يوم، وأستطيع أن أدلك عليها متى أحببت، وأستطيع أن أحضر أمامك صبيا في الثانية عشرة لم ~~يتقدم في التعليم وشابا في الثامنة عشرة قد دخل الجامعة، وأن أترك لك سؤال هذين ~~التلميذين، فسترين أن حظ الصبي من الثقافة العامة والخاصة أعظم جدا من حظ الشاب؛ لأن ~~التعليم المنظم الذي تلقاه الصبي أخصب وأدنى إلى النفع وأقدر على إثارة النشاط من التعليم ~~المنظم الذي تلقاه الشاب في مدارسنا المصرية الخاصة. ولقد رأيت منذ يومين اثنين كتبا ~~يتبادلها صبيان يتعلمان في بعض المدارس الأجنبية فقرأت فيها من الشعر والنثر الفرنسيين ما ~~أتمنى أن أقرأ مثلهما في كتب الشباب المصريين حين يكتب بعضهم إلى بعض في الصيف، وإنك ~~لتعلمين حق العلم أن للصبية في أوروبا صحفا ومجلات يصدرها لهم الرجال والنساء، وأن هذه ~~الصحف والمجلات ترتفع جدا عما ينشر لشبابنا وكهولنا من أمثالها في الشرق، وإنك لتعلمين ~~أن للصبية في أوروبا كتبا يصدرها لهم الرجال ms073 والنساء، وأن هذه الكتب ترتفع عن كثير جدا ~~مما يصدره كثير من الكتاب لشبابنا في مصر والشرق. # عللي ذلك بما شئت وأوليه كما تحبين، فإن التعليل والتأويل لا يغيران من الحقيقة الواقعة ~~شيئا، والحقيقة الواقعة هي أن ثقافتنا ضعيفة مسرفة في الضعف، ضيقة مسرفة في الضيق، ~~والحقيقة الواقعة أيضا هي أن الذين يحبون الرقي للشرق لا ينبغي لهم أن يرضوا بهذه الثقافة ~~فضلا عن أن يعجبوا بها ويلتمسوا لأصحابها المعاذير. # وأراك يا سيدتي الآنسة تضيقين بعض الضيق أو كله بما ينتجه الأوروبيون من الآثار الأدبية ~~في هذه الأيام، وتزعمين أن هذه الآثار أدنى إلى المادية وتعجل المنفعة المالية ~~والتجارية منها إلى العناية الخالصة بالأدب والفن، وأخشى أن تكوني مسرفة في هذا إسرافك في ~~تسميتي أبا العلاء، فعند الأوروبيين ميل ظاهر إلى المادة وتهالك بين على المنفعة، ولكن ~~معبدي أبولون وأثينا لا يزالان مفتوحين في جميع المدن والبيئات الأوروبية الكبرى، وما زال ~~العقل الأوروبي والقلب الأوروبي ينتجان آثارا عالية قيمة في الأدب والفن تسعد بها النفس ~~الراقية ويحتفظ بها الإنسان على أنها متاع روحي خالد حقا. # والخير يا سيدتي الآنسة في ألا نصدق الأوروبيين إذا أظهروا الضيق بمادياتهم وثقافاتهم، ~~فهم في ذلك بين ساخط لا يرضى بما وصلت إليه أوروبا طامح إلى المثل الأعلى مستزيد من ~~الرقي، ورجل قد أخذه السأم فهو لا يرضى عن شيء ولا يطمئن إلى شيء، وإنما يريد أن يغير بيئته ~~وحياته على أي نحو من التغيير. والخير أيضا ألا نطمئن إلى ما يقوله بعض الشرقيين ويكرره من ~~أن الثقافة الأوروبية والحضارة الأوروبية والحياة الأوروبية قد فسدت فسادا لا صلاح بعده، ~~فهذا كلام مصدره الضعف والعجز، وما زالت في أوروبا قوة خصبة غزيرة تؤهلها للبقاء الطويل ~~وتؤهلها للسلطان وللسلطان الواسع، والأيام دول وقد ينتقل مركز الحياة القوية من الغرب إلى ~~الشرق كما انتقل من الشرق إلى الغرب، ولكن وقت هذا الانتقال ما يزال بعيدا، فمن العجز أن ~~نعلل أنفسنا به وأن نلهيها عن السعي والجد حتى نبلغ ms074 ما بلغه الغربيون، وحتى نحس إذا لقيناهم ~~أو خلونا إلى أنفسنا أنهم ليسوا خيرا منا ولا أقدر على الحياة والفوز فيما تحتاج إليه من ~~جهاد. وهل تأذنين في أن أعاتبك عتابا رقيقا وددت لو أهديه إليك في طاقة حسنة التنسيق من ~~الورد والقرنفل حتى لا تغضبي ولا تذكري مقالي عن محاضرتك في الجامعة الأمريكية: تذكرين ما ~~قاله رينان من أن الذين يعرفون أفلاطون لا يكادون يتجاوزون عشرة في كل جيل ثم تسألين عن ~~الذين يعرفون هوميروس وغيره من شعراء اليونان أيزيدون عن هذا العدد؟! كثير منك هذا السؤال ~~وأنت تترجمين شعر الممثلين من اليونان، وأنت تعلمين أن أفلاطون فيلسوف وأن الفلسفة أقل ~~انتشارا من الشعر والأساطير، وأنت تعلمين أن رينان كان مثلك يحب الدعابة ويكلف بالغلو ~~والإسراف، وأن هؤلاء العشرة الذين يذكرهم يستطيعون أن يبلغوا الآلاف في غير مشقة ولا جهد، ~~وأن معرفة أفلاطون التي أرادها رينان هي معرفة المتقن المجيد الذي يحسن العلم بما يعالج من ~~الموضوعات، فلا بأس على جيل من الأجيال إذا قل فيه المتقنون لفلسفة أفلاطون. # وبعد فهل تظنين أن للشرق كله واحدا أو اثنين بين هؤلاء العشرة الذين يحسنون العلم بفلسفة ~~أفلاطون؟ أليس يؤلمك أن الجواب على هذا السؤال قد يكون نفيا، وأن هؤلاء العشرة قد يكونون ~~جميعا من الأوروبيين والأميركيين؟ # صدقيني يا آنسة، ليست ثقافتنا العامة مرضية ولا قريبة من المرضية، وصدقيني يا آنسة لا ~~مصدر لضعف هذه الثقافة إلا فساد التعليم المنظم من جهة، وكسل الأدباء وأصحاب الصحف من جهة ~~أخرى، ثم تعالي نتعاون يا آنسة على أن نصلح هذا الفساد ونرتفع بالثقافة إلى حيث نستطيع أن ~~نلقى الغربيين فلا نستحي منهم، وأن نقرأ «الرسالة» وأشباه «الرسالة» من الصحف فلا نجد فيها ~~فصولا موضوعها الإلياذة والأودسا وبسائط التمثيل، ثم تفضلي يا آنسة فاقبلي تحيتي الخالصة ~~وإجلالي العظيم. # | ذات القفاز الأخضر # أو قل ذات القفازين الأخضرين إن كنت لا تحب أن تجتزئ في مثل هذا الموضع بالواحد عن ~~المثنى، بل تؤثر ثقل التثنية على ms075 خفة الإفراد؛ فالعنوان في نفسه واضح، فما يظهر يؤدي معناه ~~أحسن الأداء، ويكفي أن تعلم أن ذات القفاز الأخضر أو القفازين الأخضرين سيدة من أهل باريس ~~عرضت نفسها للمصور فاتخذ لها صورة جميلة رائعة، وأبت عليه أن يعلن اسمها إلى الناس فرمزت ~~لنفسها بهذا الوصف، وهي - فيما يفهم من هذا العنوان - صاحبة الشخصية الممتازة في القصة، ~~وسترى أثناء هذا الحديث أنها شخصية ممتازة حقا، ولكن للقصة بطلا آخر أشد منها امتيازا ~~وأعظم منها حظا من عناية النظارة والقراء. # وقد فهم النقاد الفرنسيون - وليس من شك في أنهم لم يخطئوا - أن شخصية هذه السيدة ليست هي ~~الأولى ولا التي ألفت القصة من أجلها، وإنما الشخصية الأولى، الشخصية التي قصد الكاتب ~~إلى تصويرها واتخذها مرآة لعصر من العصور، ووسيلة إلى نقد جيل من الأجيال الفرنسية كألذع ما ~~يكون النقد، شخصية رجل، هو بطل القصة حقا، والغريب أنه فيما يظهر ليس شخصا خياليا، ~~وإنما هو شخص قد عرفه الوجود الواقعي، وظهرت آثاره قوية جلية في حياة الفرنسيين قبيل الحرب ~~الكبرى، ثم ظهرت في العام الماضي شخصية تشبهها من بعض الوجوه، وتحدث في الحياة الفرنسية مثل ~~ما أحدثت من الآن، وهي شخصية ستافسكي، والرجل الذي قصد المؤلف إلى تصويره ليس فرنسيا، ~~وإنما هو شرقي ولد في مصر من أبوين شرقيين من هؤلاء الشرقيين الذين لا تستطيع أن تعرف لهم ~~وطنا ولا جنسا، ولا أن تضيفهم إلى جيل من أجيال الناس معروف، إنما هم يتكلمون لغات كثيرة، ~~وينتسبون إلى أمم مختلفة، ويتخذ كل واحد منهم لنفسه آخر الأمر جنسية سياسية أوروبية يحتمي ~~بها من قوانين مصر في هذه الأيام أو من قوانين الشرق حين كان الشرق كله خاضعا لنظام ~~الامتيازات. # وصاحبنا الذي تدور القصة عليه والذي سماه الكاتب أشيل بروسكا قد اتخذ الجنسية الفرنسية ~~وقاء من قوانين مصر، ثم عمل كما يعمل أمثاله في حرف مختلفة ومهن لا يبلغها الإحصاء، حتى ~~أثرى وظفر بالغنى، فهاجر إلى فرنسا وأقام فيها، واشتغل بالصحافة، ثم بالأعمال المالية، ثم ms076 ~~بالسياسة، ثم أدركته القصة، وهو رجل عظيم من أرفع الناس شأنا، وأوسعهم سلطانا، وأعظمهم ~~خطرا، وأبعدهم أثرا في الحياة السياسية والمالية والصحفية بباريس. له قسط في كل مصرف، ~~وسهم في كل عمل، وكلمة في كل قانون، ورأي في كل تدبير. يعين الوزراء ويعزلهم، ويرفع الكبراء ~~ويخفضهم، ويغني الفقراء، ويفقر الأغنياء، ويعبث بثروة ضخمة لا تقل عن أربعمائة من ~~الملايين. # ونحن إذا ابتدأت القصة نراه حين يرفع الستار متكاسلا يشهد امرأته الجميلة موريسيا وهي ~~تتخذ زينتها للعشاء، وقد علمنا أن العشاء سيكون فخما هذه الليلة، فقد دعي إليه أربعون من ~~أرقى الطبقات الباريسية، فيهم رجال السياسة والمال، ورجال الأدب والعلم، ورجال الأعمال ~~والحرب، وصاحب الدار كسلان لا ينشط لزينته، ولا يريد أن يستقبل الحلاق الذي أقبل يهيئه لهذه ~~الزينة، وإنما هو يأمر الخادم أن يسقيه شيئا من النبيذ وينقده شيئا من المال، ويصرفه، أما ~~هو فيؤثر أن يكسل وأن يشهد امرأته الجميلة وهي تأخذ زينتها، وليس عليه بأس من أن يلقى ضيفه ~~ويرأس مائدة الطعام مهمل اللحية والزي أيضا، فهو لا يحفل بهؤلاء الناس الذين دعاهم لطعامه، ~~ولا يعنيه أن يرضوا عنه أو يسخطوا عليه، بل هو واثق بأنهم سيرضون عنه ما بقيت له ثروته ~~وقوته، وسيزدرونه إن صفرت يده من هذه الثروة، أو انحلت عنه هذه القوة. هو يزدريهم أشد ~~الازدراء، ويحتقرهم أعظم الاحتقار، ويتحدث عنهم أقبح الحديث، هو لا يقدر من خلق الله ~~جميعا إلا رجلا واحدا عاش كريما شريفا، نقي اليد والقلب والضمير، فلم يلق من الناس إلا ~~شرا. خانته امرأته، وأنكره بنوه، وألح عليه الفقر والبؤس حتى ماد معدما مريضا، وهو ~~أبوه. وصاحبنا من أجل هذا يحتقر الناس كأنه يرد عليهم ما قدموا لهذا الرجل الكريم وكأنه ~~ينتقم منهم له، وهو لا يرى أن الانتقام يتهيأ له إلا إذا اطرح الفضيلة والشرف اطراحا، ~~وسعى إلى المال والجاه من كل طريق، ثم اتخذهما وسيلة إلى غاية في غير تحفظ ولا احتياط ولا ~~حياء، وإنما الحياء خلق الضعيف، والاحتشام ms077 خلق الرجل الذي لا يريد أن ينجح . # وانظر إليه وقد قصد إلى التليفون وأخذ يتحدث إلى أحد الوزراء بنفس اللهجة التي يتحدث بها ~~إلى خادمه، وما له لا يفعل ذلك وهو الذي رفع هذا الرجل إلى الوزارة ويستطيع أن ينزعه منها ~~نزعا متى شاء؟! وانظر إليه والخادم يقبل عليه من حين إلى حين فينبئه بمقدم هذا العظيم أو ~~ذاك فلا يظهر احتفالا ولا احتفاء، وإنما يقول للخادم: دعه ينتظر. # ثم انظر إليه وقد طرق الباب فأذن بالدخول فدخل عليه سكرتيره الخاص، وهمت امرأته أن ~~تستخفي لأنها لم تكن قد تهيأت بعد للقاء الغرباء، فيأبى عليها هذا كل الإباء، لأن سكرتيره ~~كلب لا ينبغي أن يحسب له حساب، وهو يقول ذلك جهرة في وجه سكرتيره، والرجل يحتمل منه ذلك ~~ضيقا به مبتسما له في وقت واحد. ثم اسمع إلى السكرتير وهو ينبئ سيده بأنه قد حاول أن ~~يشتري الصورة فلم يفلح مع أنه قد ارتفع بالثمن إلى مائة ألف من الفرنكات لأن المصور لا يريد ~~أن يبيع هذه الصورة مهما تكن الظروف، فإذا سألت امرأته عن هذه الصورة عرفنا أنها صورة ذات ~~القفاز الأخضر، وأن ذات القفاز الأخضر هذه باريسية حسناء، كانت صديقة لامرأته أيام الصبا، ~~ثم فرقت بينهما الأيام، فلما نشرت هذه الصورة عرفت موريسيا صاحبتها، وبحث زوجها عن هذه ~~المرأة حتى اهتدى إليها، وهي مدعوة للعشاء الذي يقام هذا المساء، وكان صاحب الدار يريد أن ~~يشتري الصورة ليهديها إليها، وهو مغيظ لأنه لم يستطع شراء هذه الصورة، وهو لم يتعود قط أن ~~يفشل عن بعض ما يريد. # ثم انظر إليه يكره سكرتيره على أن يشهد العشاء، فإذا اعتل عليه السكرتير منحه مائة ألف ~~فرنك فرضي، ولكنه بهذا الرضا أصبح ملكا لسيده يعبث به كما يحب، وهو يفرض عليه أن يدخل في ~~ثيابه هو، وإن كانت لا تلائم جسم هذا البائس، وأن يلبس حذاءه هو، وإن كان لا يلائم رجل هذا ~~البائس. ثم انظر إليه وقد انتهى به العبث إلى ms078 أقصاه، فهو يريد أن يزوج خادمه من هذا ~~السكرتير المضحك، وأن يمنح الخادم مليونا من الفرنكات إن قبلت هذا الزواج، وأظن أنك قد ~~اتخذت لنفسك من هذا الرجل الغريب صورة واضحة هي صورة الرجل الوصولي الذي وصل إلى كل ما يريد ~~فهو يعبث بالحياة والأحياء جميعا، على أنك لم تعرف من أمره كل شيء، فانتظر قليلا حتى تقبل ~~ذات القفاز الأخضر وتخلو إلى صاحبتها، وتأخذ معها في الحديث، فستعلم من حديث هاتين السيدتين ~~أن لصاحبنا هذا عادة غريبة، فهو مزواج، مطلاق، يرى المرأة فيحبها فيتزوجها، مهما تكن ~~النتائج، يطلق امرأته إن كان متزوجا، ويحمل حبيبته على الطلاق إن كانت متزوجة، يشتري ذلك ~~بالمال من امرأته التي يطلقها، فهو يمنحها ثلاثة ملايين، ومن الرجل الذي يريد أن يأخذ منه ~~امرأته فهو يمنحه ما يشاء من مال ومنصب وجاه، وامرأته هذه موريسيا تحبه أشد الحب، وتخاف منه ~~أعظم الخوف، تنتظر اليوم المحتوم الذي يعرض عليها فيه الطلاق وثلاثة ملايين. # والغريب أن ذات القفاز الأخضر لم تكد تسمع حديث صاحبتها حتى خافت أشد الخوف، فهي تعرف أن ~~رجلا يتبعها في هذه الأيام ويريد أن يتصل بها ويتحدث إليها، وهي تحس أن هذا الرجل هو ~~بروسكا، وهي تشفق بعد أن علمت ما علمت أن يعرض لها ولزوجها بما تعود أن يعرض به للرجال ~~والنساء، وهي على ذلك تعاهد صديقتها على أنها ستقاوم هذا الرجل إن كان هو من تخاف، وستمتنع ~~عليه كل الامتناع. # فإذا كان الفصل الثاني فقد كان ما خافت المرأة أن يكون، ولكن يحسن ألا نتعجل الحوادث وأن ~~نسعى مع الكاتب في شيء من المهل والأناة كما فعل هو في قصته، فنحن حين يرفع الستار عن هذا ~~الفصل الثاني في بيت جيتان ذات القفاز الأخضر، ونحن نرى زوجها واسمه «جي دي لارونسيري» ~~يحاور المصور واسمه «ألمادو» حوارا غريبا حقا، قد أقبل المصور ينبئه بأنه قد أحب امرأته ~~منذ صورها ولم يصل منها إلى شيء، ولم يرد بها مكروها، وهو يائس من حبها، ms079 وهو يلتمس عنده ~~العزاء من هذا اليأس ، يطلب إليه مودته ليستطيع أن يزوره من حين إلى حين وأن يرى امرأته دون ~~أن يسوءها أو يتعرض لشيء، والرجل ينكر هذا الحديث أشد الإنكار، ولكنه لا يغضب له ولا يثور؛ ~~لأن المصور يلقيه إليه في شيء من سذاجة الفنان، بريء لا يثير غيظا ولا حفيظة، وهذه امرأته ~~تقبل فتقر بأن المصور يحبها ويكتب إليها بهذا الحب، وبأنه يائس من حبه، وترفض ما يقترح ~~المصور من هذه المودة الغريبة، وتقترح عليه ألا يحاول لقاءها، فيذعن ويزمع أن يعود إلى بلده ~~في أمريكا الجنوبية، ولكنه يريد أن يهدي إلى هذه المرأة صورتها هذه التي فتن بها الناس ~~والتي أبى أن يبيعها بمبلغ ضخم من المال، وقد انصرف ليحضر هذه الصورة، وخلا الزوجان وأخذا ~~في حديثهما، وإذا الزوج محزون لأنه أنذر بصرفه عن العمل بعد أشهر، وهو يقترح على امرأته ~~أن تتحدث إلى صديقتها موريسيا لعلها تحمل زوجها بروسكا على أن يسعى له في البقاء حيث هو، ~~وامرأته تسمع منه محزونة ولا تستطيع أن تجيبه إلى ما يريد، ولكن ماذا؟ إن الجرس يدق، وهذه ~~الخادم تدخل وقد حملت طاقة فخمة من الورد، ومعها بطاقة قد كتب عليها اسم بروسكا. # ولم يكد الزوجان يقضيان عجبهما من هذه المصادفة حتى يدق الجرس مرة أخرى، ويدخل عليهما ~~سكرتير ذلك الرجل الغريب، وهو قد جاء يدعوهما إلى العشاء مع سيده في مطعم فخم من مطاعم ~~باريس، فأما الزوج فسعيد بهذه الدعوة، وأما المرأة فضيقة بها، معتذرة منها، فإذا ألح عليها ~~زوجها في قبول الدعوة طلبت إلى ذلك السكرتير أن ينصرف عنهما لحظة، ثم أنبأت زوجها بأن ~~بروسكا يحبها، ويتبعها، ويلح عليها بالحب والاتباع، هنالك يظهر الزوج غضبا وحفيظة ويقر ~~امرأته على الاعتذار، ولكن السكرتير يلح ويأبى أن يعود خائبا، ثم يعمد إلى التليفون فينبئ ~~سيده باعتذار الزوجين، ويأبى سيده قبول الاعتذار، ثم ينبئ بأنه مقبل بنفسه ليقنعهما بقبول ~~دعوته. # وغضب الزوج يزداد من حين إلى حين وامرأته تهدئه وتنصح ms080 له بالاعتدال، ولكن ماذا تسمع؟ إن ~~الجرس يدق، وهذه امرأة تدخل وهي موريسيا قد أقبلت يائسة ذاهلة تنبئ بأن زوجها يتركها، ~~وبأنها دعيت إلى الموثق لتسمع منه نبأ الطلاق ولتقبض منه الملايين، وهذا بروسكا نفسه قد ~~أقبل، ولست أريد أن أطيل عليك بما يكون بينه وبين امرأته من عتاب أو خصام، ولكن انظر إليه ~~واسمع له، إنه لا يتحفظ ولا يتحرج، وإنما ينبئ ذات القفاز الأخضر بأنه يحبها ويخطبها، وينبئ ~~زوجها بأنه سيطلق امرأته ويترك له أن يحتكم فيما يريد من ثمن للطلاق. # والرجل مغضب محنق، يغضب ويثور ولكن هذا لا يغني عنه شيئا، فصاحبنا هادئ مطمئن واثق، وهو ~~يخرج من جيبه وساما يقدمه إلى الزوج، وهو وسام الليجيون دونور، كان هذا الزوج يلتمسه منذ ~~خمس سنين دون أن يبلغه، فظفر به هذا الرجل في ثلاث دقائق، والزوج يتردد في قبول الوسام ~~شيئا ولكن شوقه إليه يغلب آخر الأمر، فيقبل الوسام ويمضي مع ذلك في الإباء لما يطلب منه، ~~والرجل يحاوره هادئا عاقلا، فيبين له أنه كان يستطيع أن يلح على امرأته بالإغراء والترغيب ~~والاتباع حتى يدفعها ويندفع معها في الإثم والخيانة، ولكنه لا يحب ذلك، بل يؤثر عليه الزواج ~~الشرعي بعد الطلاق الذي يبيحه القانون، فإذا لم ينجح في هذا الحوار لجأ إلى الوعيد فبين ~~للزوج أنه هو الذي أخرجه من عمله، وأنه يستطيع أن يرده إليه وإلى أحسن منه، وأنه يعرف مواضع ~~ثروته كلها، وهو قادر على أن يفسد عليه كل شيء، يفسد عليه الأرض التي يملكها في مدينة كذا، ~~والتجارة التي يستغلها في باريس، والمناجم التي يستغلها في إسبانيا، وهو آخر الأمر واثق ~~بأنه قد هز الرجل هزا، وملأ قلبه خوفا ورعبا، وإن كان الزوج لا يزال مع ذلك يظهر ~~إباء وامتناعا، وقد انصرف الرجل عن الزوجين وهو واثق بأنهما سيستجيبان لدعائه إلى العشاء، ~~وقد رد امرأته إلى دارها، وعهد إلى المصور الذي رأيناه في أول الفصل أن يرافقها، ويعنى بها، ~~ولكني لم أحدثك عن هذا المصور ms081 بعد أن ذهب ليحضر صورته، فهو قد أقبل أثناء الحديث مرتاعا ~~جزعا لأنه لم يجد الصورة حيث تركها فقد عدا عليها اللصوص، ولا ينتهي الفصل حتى يتم الاتفاق ~~بين الزوجين على إجابة الدعوة مصانعة لهذا الرجل المخوف، فأما المرأة فقد ذهبت تتهيأ ~~للخروج، وأما زوجها فهو معجب بوسامه يتهيأ لاتخاذه إذا ذهب إلى العشاء. # فإذا كان الفصل الثالث، فقد استكشف الزوجان أن لهما شيئا من ثروة يجهله هذا الرجل ~~العنيف، ولا يستطيع أن يضارهما فيه، وأن نصيبهما هذا من الثروة في بلد أجنبي بعيد هو ~~رومانيا، فهما يهربان بحبهما وشرفهما وأمنهما من فرنسا ليستقرا في هذا البلد الغريب وقتا ~~ما ينساهما فيه هذا الرجل، ثم إذا أتيحت لهما العودة إلى وطنهما عادا إليه آمنين، وقد ~~فعلا. # فنحن نراهما حين يرفع الستار في فندق من فنادق رومانيا في مدينة صغيرة، ونسمعهما يتحدثان ~~فنعرف من أمرهما ومن أمر أصحابهما عجبا، فأما هما فقد تغير شأنهما بعض الشيء، فالزوج يكاد ~~يشك في زوجته، هو لا يتهمها بشيء، ولكنه يكاد يظن أنها قد أظهرت له من التلطف والتودد ما ~~أطمعه فيها، وأغراه بها، وآية ذلك أنه نظر في كتاب كانت تقرأ فيه فرأى وردة جافة، أليس يمكن ~~أن تكون هذه الوردة قد أخذت من تلك الطاقة التي أرسلت إليها في ذلك اليوم المشهود؟ وهو ~~لا يخفي شكه هذا على زوجه، ولكن زوجه تسأله ألست قد قبلت منه الوسام الذي حمله إليك؟ ويكاد ~~الأمر يفسد بين الزوجين لولا أنهما يتداركان عواطفهما تداركا متصلا. # وأما موريسيا فقد رافقت هذين الزوجين إلى منفاهما، ولعلها أعانتهما بشيء من المال، ~~ورافقهما كذلك المصور، ولكنا نعلم مما نسمع وما نرى أن بين المصور وموريسيا غراما ناشئا، ~~وليس من شك في أن كلا منهما يلهو بهذا الغرام عن حبيبه الذي هجره وقسا عليه، فموريسيا ~~تتسلى بهذا الحب عن زوجها الظالم، والمصور يتسلى بهذا الحب عن جيتان القاسية، ولكن جيتان ~~نفسها ما خطبها؟ وكيف تلقى انصراف عاشقها المصور عنها إلى صديقتها؟ وكيف ms082 تلقى اعتداء ~~صديقتها على هذا العاشق الذي كان ينبغي أن يظل لها خالصا؟ هي لا تحبه من غير شك، ولكنها ~~كانت تؤثر ألا يصرف عنها، ولا يلهى عن حبها، على أنها في حقيقة الأمر ترى هذا كله ساخرة ~~منه، فهي مشغولة بشيء تخفيه، وستبديه الحوادث بعد حين، هذا زوجها قد انصرف عنها لبعض شأنه ~~على أن يغيب يوما كاملا أو أكثر من يوم، وقد تركها مع صاحبتها وعاشقها الفنان الذي لا خوف ~~منه، ولكنه لم يكد يمضي لشأنه حتى يدخل على القوم سكرتير ذلك الرجل العنيف بروسكا. # فهو إذن كان يتبع الزوجين، وهو إذن يعلم من أمرهما كل شيء، وهو لا يوجد في هذه المدينة ~~وحده، وإنما يوجد معه سيده أيضا، فالخطر ما زال محدقا بالزوجين لولا أن السكرتير محزون ~~ظاهر مضطرب شديد الاضطراب ينبئ بنبأ خطير، وهو أن سيده قد مات في حادث لسيارته، وأن جثته قد ~~حفظت في بعض الفنادق، فأما موريسيا فتتلقى هذا الخبر في وجوم قليل، وسرور عميق، كأنما حطمت ~~عنها الأغلال، وهي لم تزل زوجا لهذا الرجل، فهي وارثته إذن، وهي تتعجل أن ترى جثته، وأن ~~تفرغ من دفنه، وأن تتولى ثروته، وأما ذات القفاز الأخضر فتظهر سرورا متكلفا، وتضمر حزنا ~~عميقا، فهي كانت تحب هذا الرجل وتغالب هذا الحب بالكتمان، فأما وقد مات فلا بأس عليها من ~~أن تعترف لنفسها بما كانت تخفي. # وقد ذهبت موريسيا ومعها المصور إلى حيث الجثة، وهم السكرتير أن يذهب ليهيئ نقل الجثة ~~إلى المدينة أو إلى فرنسا، ولكنه قبل أن ينصرف ألقى إلى هذه المرأة الواجمة سوارا كان سيده ~~قد اشتراه ليهديه إليها، ولا تكاد المرأة تخلو إلى نفسها حتى تنظر إلى هذا السوار وحتى تضعه ~~في ذراعها محزونة آسفة، ولكن ماذا تسمع؟ إن الباب يطرق طرقا خفيفا، وإنها تنزع السوار ~~مسرعة، وإن الباب يفتح، وإن شخصا يمثل أمامها، فإذا نظرت إليه رأت عاشقها العنيف بروسكا ~~قائما بين يديها. # فقد كانت قصة موته مدبرة إذن ليصرف عنها الناس، ms083 وليخلو إليها، أو قل ليختطفها، فهو مصمم ~~على ذلك، وهو واثق بأنها لن تمتنع عليه؛ لأنه يعلم أنها تحبه، وهي تستطيع أن تنكر ~~هذا الحب، وأن تلح في هذا الإنكار، فلن يزيده إنكارها إلا ثقة بأنها تحبه وتهيم ~~به. # وقد استحال هذا الرجل العنيف الغليظ القاسي السوقي إلى رجل مترف، رفيق رقيق شاعر حقا، ~~فهو في هذه المرة محب لا بحسه وشهواته، بل بقلبه وعقله وعواطفه، وهو يتحدث إلى هذه المرأة ~~أحاديث حب ترق حتى كأنها النسيم، وتعنف حتى كأنها النار المحرقة، ثم انظر إليه يغيب لحظة ~~ويعود ومعه الصورة التي سرقت من المصور، والتي كان يريد أن يشتريها فلم يستطع، هو الذي ~~سرقها متواطئا مع الشرطة، أو قل سرقها الشرطة له، وأي شيء أيسر من ذلك؟ إن له الأمر والنهي ~~في باريس، ثم انظر إليه يغيب لحظة ويعود ومعه حقيبة لا يكاد يظهر ما فيها أو بعض ما فيها ~~حتى يسحر هذه المرأة، فيها ما شاءت وما لم تشأ من الحلي، وفيها ما شاءت وما لم تشأ من ~~الثياب، أليس قد رشا خادمها في باريس وعرف منها ذوق سيدتها وقدها، فهو يشتري لها من الحلي ~~ويصطنع لها من الثياب ما يلائم ذوقها وقدها معا؟ والمرأة تسمع وترى وتفكر، فيسحر عقلها ~~سحرا ويظهر حبها واضحا جليا صريحا، وهي متهيئة لتذهب معه، وقد طلب إليها أن تتخذ ثوبا ~~بعينه وقبعة بعينها لهذا الرحيل، ففعلت، وهو يطلب إليها آخر الأمر أن تكتب كلمة لزوجها ~~تنبئه بهذا الرحيل، فتطيع، وتكتب ويقرأ هو بعض ما تكتب، فيجن جنونه ويذهب لبه، أليس يقرأ ~~أنها تحبه؟ وقد أتمت كتابها وتركته على المائدة ونهضت لتمضي معه ولكنها مفتونة به، مستسلمة ~~له، وهو هائم بها، وهو يريد أن تمنحه القبلة الأولى، وهي بين ذراعيه، وهو هائم أو مجنون، لا ~~يكاد يصدق سعادته، ولكن ماذا؟ إنها تسقط إلى الأرض! إنه ينظر! إنه يصيح ويستغيث! إن سكرتيره ~~يدخل فإذا ذات القفاز الأخضر قد قتلت نفسها، وإذا هي قد تركت لزوجها ms084 هذه الكلمات: «أموت ~~لأني أحب بروسكا.» # والمرأة تحمل إلى سريرها، وهذا الرجل القوي العنيف قد استلقى على كرسي منهزما لأول مرة ~~هزيمة لا سبيل إلى تلافيها ولا إلى إصلاحها، هزمته امرأة لأنها استعانت عليه بالموت. # | سن جولييت # أما القصة التي سنتحدث عنها اليوم فيسيرة حقا، توشك لسذاجتها أن تكون حديثا من ~~أحاديث العامة في أسمارهم، أو خبرا من هذه الأخبار التي تنشرها الصحف عن سذاجة الشباب ~~واندفاعهم بين حين وحين. # ومع ذلك ففي هذه القصة اليسيرة ما يدعو إلى التفكير، وفيها بعد هذا شيء من الظرف وخفة ~~الروح، يجعل قراءتها حلوة وتأثيرها في النفس عميقا. وقد عاب النقاد على صاحبها أمورا ~~ستراها أثناء الحديث، ولكن النظارة لم يعيبوا عليه شيئا؛ لأن سذاجة القصة وقوتها وجمال ~~الحوار فيها، كل ذلك قد شغلهم عن النقد والتحليل وعن التفكير والتعليل، فالقصة تأخذ القارئ ~~والمشاهد منذ تبتدئ أخذا يسيرا، وتخلق حوله جوا هادئا حلوا فيه ابتسام، وفيه ضحك، ~~وفيه توقع لشر عظيم، كان خليقا أن يحزن ويخيف لولا أن كل ما حوله من الظروف ضاحك يخيل إليك ~~بل يكاد يحملك على الجزم بأن هذا المكروه لن يكون. # فالقصة تحدث بين شابين يجدان ولكن كما يجد الشباب؛ أي يقدمان على أمور يحسانها أكثر ~~مما يقدرانها، فهما إلى اللعب أقرب منهما إلى الجد، وأنت تحس منذ تتقدم القصة بعض الشيء أن ~~هذا الفتى الذي لم يتجاوز التاسعة عشرة من عمره، وهذه الفتاة التي لم تتجاوز السابعة عشرة ~~يقدمان على أمر خطير، ولكن من حولهما قوى خفية تعصمهما من الشر وتحول بينهما وبين الخطر ~~الذي يسرعان إليه. # ونحن حين نرفع الستار في مطعم فخم من هذه المطاعم الباريسية التي أقيمت في غابة بولفي نرى ~~الخادم يهيئ غرفة خاصة من غرف الطعام لشخصين اثنين، ونرى في هذه الغرفة ما يرى في أمثالها ~~من هذه الأشياء التي تغري بالإثم وتدعو إليه، لا نلبث أن نرى امرأة رشيقة رائعة الجمال قد ~~أقبلت وسألت عن رجل بعينه، فتنبأ بأنه سيأتي بعد ms085 قليل، وتدعى إلى انتظاره، فتدخل ~~الغرفة، ولا تكاد تنظر فيها حتى تضيق بها وحتى تثور نفسها ثورة عنيفة لأنها رأت دواعي الإثم ~~والمغريات بالفساد، وكانت في أكبر الظن تقدر أن صاحبها قد دعاها إلى طعام بريء، فلما رأت ما ~~رأت أبت البقاء وانصرفت عن هذه الغرفة نافرة، وتركت الخادم حيران باسما. # ثم يأتي صاحب المطعم فإذا عرف النبأ لم يحفل به، ولم يأبه له، وماذا يعنيه من هذه المرأة ~~وصاحبها وقد تحدث إليه في التليفون فندق من أكبر الفنادق في باريس، هو فندق كلاردج، يدعوه ~~إلى أن يهيئ غرفة خاصة للغداء، وينبئه بأن أميرا شابا أجنبيا سيبلغ مطعمه بعد قليل ~~ومعه صاحبة له تقاربه في السن، وصاحب المطعم مغتبط بمقدم هذا الأمير، وهو يوصي الخادم بأن ~~يعنى بهما في الخدمة، بأن يعنى بهما في ثمن الطعام أيضا، فما ينبغي أن يقل ثمن الغداء عن ~~مئات من الفرنكات يجب أن تكون ستا وجائز أن تزيد. # وما هي إلا لحظات حتى يقبل الأمير الشاب ومعه زوجه الشابة أيضا، فإذا فتيان كأنهما صبيان ~~فيهما سذاجة الشباب وغفلته، وفيهما جهله وغروره، وهما يتكلفان الجد ويتصنعان أخلاق من تقدمت ~~بهم السن شيئا، وصاحب الفندق وخدمه يتملقونهما ما وسعهم التملق، وهما يقبلان منهم هذا ~~التملق في سذاجة مؤثرة ودعابة حلوة، والخادم يعرض عليهما من ألوان الطعام أغلاها وأندرها، ~~وهما يقبلان في غير تحفظ ولا تحرج، والساقي يعرض عليهما كذلك من أنواع النبيذ أكرمها ~~وأقدمها وأغلاها طبعا فيقبلان كل ما يعرض عليهما، يظهران أنهما قد ألفا هذا كله وعاشا فيه، ~~فإذا خلا كل منهما إلى صاحبه في غيبة الخادم والساقي بين لون ولون رأيناهما سعيدين ~~مبتهجين بما يأكلان وما يشربان وما يريان، وعرفنا أنهما يشهدان هذا كله لأول مرة، ثم لا ~~نلبث أن نتبين حقيقة أمرهما، فهما من أسرتين كانتا صديقتين ثم نجم بينهما الشر وكان بينهما ~~العداء، وفسد الأمر بينهما لأن الدهر واتى أسرة الفتاة فمنحها الثروة والغنى، وحفظ على أسرة ~~الفتى منزلتها المتواضعة، فنشأ بينهما ms086 ما ينشأ بين الأغنياء والفقراء من هذا الاختلاف الذي ~~يفسد المودة ويغير الصلات، ولكنهما كانتا قد اتفقتا منذ عهد بعيد على أن يكون كل من ~~الصبيين لصاحبه. ونشأ الصبيان يسمعان هذا الحديث في الأسرتين حتى ألفاه واطمأنا إليه، ~~واستيقن كل واحد منهما أن حياته وقف على حياة صاحبه وأنه سيكون لصاحبه زوجا، فنشأ معهما حب ~~قوي طبيعي ساذج لا تكلف فيه ولا عناء، بقي على قوته وصدقه حتى بعد أن فسدت الصلات بين ~~الأسرتين. # ثم أخذت أسرة الفتاة تتحدث إليها عن الخاطبين والفتاة ترفض وتلقى في رفضها نكرا، وأخذت ~~أسرة الفتى تتحدث إليه عن الفتيات اللاتي يستطيع أن يختار بينهن فيرفض ويلقى من رفضه نكرا، ~~حتى انتهى الأمر بهما إلى شر ما كان يمكن أن ينتهي إليه وأصبحت حياتهما عذابا متصلا، ~~واستيأسا من ثمرات هذا الحب الذي رافقهما طول أيام الصبا ورافقهما في أول الشباب وامتزج ~~بهما حتى لا يستطيعان منه تخلصا ولا عنه انصرافا. # وهما قد التقيا هذا اليوم على ألا يفترقا بعده أبدا أو قل قد التقيا على ألا يعودا إلى ~~أسرتيهما، وهما ينظمان أمرهما تنظيما لا تكلف فيه ولا مشقة، ويستقبلان حدثا عظيما يقدمان ~~عليه في غير حزن ولا جزع، بل في سرور لا يشبهه سرور، وابتهاج لا يعدله ابتهاج، فهما قد ~~أزمعا أن يموتا معا، وأقبلا إلى هذا المطعم يلتمسان الموت، ولكنهما يريدان أن يموتا فرحين، ~~فهما يقدمان بين يدي الموت غداء لذيذا فيه ما تشتهي الأنفس من ألوان الطعام والشراب، ~~وهما يحملان السم الذي سيخلصان به من الحياة. # وهما يتحدثان عن هذا كله في دعابة ومزاح واغتباط أيضا، والخادم يدخل ويخرج فيقطع عليهما ~~الحديث، والساقي يذهب ويجيء فيقطع عليهما الحديث أيضا، ولكن الخادم معجب بهما عاطف عليهما، ~~قد راقه شبابهما النضر، ووقع في نفسه حديثهما الحلو، وأحبهما حبا ستظهر آثاره بعد حين، ~~وقد أزمع العاشقان أن يكتب كل منهما إلى أسرته كتابا قصيرا ينبئها فيه بموته، ويعتذر ~~إليها منه، ويطلب إليها أن تدفنه مع صاحبه، ms087 وقد كتبا هذين الكتابين أثناء طعامهما. # وهذا طعامهما قد انتهى وقد أخذا يعدان السم، فملأ كل منهما قدحا من الماء، وهم أن ~~يلقي فيه أقراصا مهلكة، ولكن الباب يفتح وصاحب الفندق يدخل وهو يخفي غضبا عنيفا، ويظهر ~~سخرية لاذعة، ذلك أنه تبين أن هذا الشاب ليس أميرا وأنه لم يأت من فندق كلاردج وأنه ليس ~~غنيا، فقد سقطت من معطفه تذكرة من تذاكر المترو ومن تذاكر الدرجة الثانية، فأقبل صاحب ~~الفندق يستوثق من أمرهما، وما هي إلا أن يكون بينه وبينهما حوار قصير حتى يتبين عجزهما ~~التام عن أداء الحساب، فليس مع الفتى إلا فرنك واحد، وقد كان معه خمسون من الفرنكات، ولكنه ~~ألقاها في بعض دعابته إلى هذا الموسيقي الذي جاء يوقع لهما لحنا أثناء الطعام، وليس ~~حسابهما يسيرا فهو يتجاوز مئات سبعا من الفرنكات، وصاحب الفندق ثائر، وهو يطلب إلى الخادم ~~شارل أن يسوق هذين اللصين إلى دار الشرطة، وأن يسرع في ذلك ولا يتلكأ، والخادم يجاريه في ~~ثورته ويأخذ العاشقين أخذا عنيفا ويدفعهما أمامه دفعا، حتى إذا بلغ بهما الباب قال لهما، ~~وهو يزجرهما وينهرهما: سأسلك بكما طريق كذا لأنها خالية أو كالخالية من الناس، ويجب أن ~~تسعيا سعيا، وإياكما أن تعدوا، فإني مريض لا أستطيع العدو، أتسمعان؟ وقد فهم العاشقان عن ~~هذا الخادم فهما يشكرانه، وفهمنا نحن كذلك عن هذا الخادم فنحن واثقون بأنهما لن يدفعا ~~إلى الشرطة ولن يلقيا من الخادم شرا. # ثم يرفع الستار عن الفصل الثاني، وإذا نحن في جناح من أجنحة هذا الفندق الباريسي الفخم - ~~فندق كلاردج - نرى خادمين تهيئان الغرف لاستقبال مسافرين سيصلان بعد لحظات، وهما تتحدثان عن ~~هذا الجناح بأنه الوحيد بين غرف الفندق كلها لم يقع فيه شر ولم يقترف فيه إثم ولم تزهق فيه ~~نفس منذ ثلاثين عاما، فأما بقية ما في الفندق من غرفات وحجرات فلكل واحدة منها ذكر وتاريخ، ~~في هذه قتل مسافر، وفي هذه سرقت حلي، وفي هذه قتل بعض الأغنياء نفسه، وفي هذه قبضت ms088 الشرطة ~~على فلان من رجال المال. والخادمان تمضيان في حديثهما هذا، وإذا الباب يفتح ويدخل منه بعض ~~خدم الفندق يحمل حقيبتين ضخمتين يدل منظرهما على أنهما قد تعودتا الأسفار البعيدة في البلاد ~~المختلفة في القارات كلها، ولا يكاد هذا الخادم يضع الحقيبتين حتى يأتي العاشقان الشابان ~~اللذان رأيناهما في الفصل الماضي. # وهما يزعمان أنهما من المستكشفين الذين يطوفون في الأرض، ويجوبون أقطارها ويألفون خشونة ~~العيش ويزهدون في الترف وما يتصل به، وهما من أجل ذلك يصرفان الخدم ولا يقبلان مما يعرضون ~~عليهما شيئا، فإذا خلا كل واحد منهما إلى صاحبه وأغلق من دونهما الباب عرفنا أنهما لم ~~يكادا يفارقان المطعم حتى استأنفا سعيهما إلى الموت وتدبيرهما لفراق الحياة، وكان الفتى ~~يملك ساعة ذهبية فباعها واشترى بثمنها هاتين الحقيبتين ثم أقبل بهما مع صاحبته إلى الفندق ~~الفخم يلتمسان الموت، وهما لا يريدان أن يموتا موتا يسيرا مبتذلا، وإنما يريدان أن يموتا ~~موتا فخما في مطعم مترف أو في فندق عظيم، وقد حيل بينهما وبين الموت في المطعم ولكنهما ~~أصابا فيه غداء حسنا، ولن يحال بينهما وبين الموت في هذه الغرفة التي أغلق بابها من ~~دونهما إغلاقا، وأمامهما ساعتان يجب ألا تنقضيا حتى يكونا قد قطعا الأسباب بينهما وبين ~~الحياة والأحياء، وهما كما رأيناهما في الفصل الأول يستقبلان الحدث العظيم مبتهجين أشد ~~الابتهاج، ولكن هذه الخلوة في هذه الغرفة الأنيقة من وراء هذا الباب المغلق تثير في نفسيهما ~~الغريرتين شيئا من الاضطراب الغامض الذي لا يتبينانه في وضوح، ولكنهما يحسانه إحساسا ~~قويا ويظهر أثره في حديثهما وحركاتهما وما يتبادلان من نظرات. # وهذه الفتاة قد دخلت الحمام فلم تكد تراه حتى شغفها ما فيه من جمال وزينة، وهي مشوقة إلى ~~أن تستحم في هذا الحوض وتلف جسمها في هذا الرداء وتستمتع بهذا الترف النادر لحظة قبل أن ~~تموت، وصاحبها لا يأبى عليها ذلك وإنما يرخص لها فيه، فقد ذهبت لتستحم، وبقي الفتى يكتب ~~كتابا آخر لأبيه، وهي تحدثه من حمامها وهو يجيبها، ونحن ms089 لا نحس في حديثهما كله إلا صفاء ~~ونقاء، وعفافا وطهرا واضطرابا شديدا مع ذلك، ولكنه اضطراب يجهلان مصدره كما يجهلان ~~غايته، وهذه الفتاة قد أقبلت من الحمام ملتفة في ردائه، سعيدة راضية ناعمة البال، تداعب ~~صاحبها وتلاعبه، ثم تعزم عليه أن يفعل كما فعلت وأن يستحم في الماء الذي استحمت فيه، والفتى ~~يمانعها ويأبى عليها، ثم يستجيب لها ويذهب إلى الحمام ويعود بعد حين وقد التف في رداء من ~~أردية الحمام، ولكنه يرى الفتاة واجمة ذاهلة، تريد أن تسأل عن شيء، ولكنها لا تستطيع لأنها ~~لا تجد وسيلة إلى السؤال، وهي لا تثق بأن صاحبها سيجيبها إن سألته. # والفتى يلح عليها في أن تلقي سؤالها وقد أخذ الاضطراب يسعى فيه كما سعى فيها، ولكنه يقاوم ~~هذا الاضطراب مقاومة حسنة، ثم يستبين الأمر، ويعرف هذا السؤال الذي لا تستطيع الفتاة أن ~~تبين عنه، فهما عاشقان، وقد أتيح للغريزة أن تعرب عن نفسها، ثم أن تفرض نفسها على العقل ~~والإرادة فرضا، وكانت الفتاة أسرع إلى الانهزام من الفتى، فهي تسأل وتلح في السؤال وهي ~~تدعو وتلح في الدعاء، هادئة حينا ثائرة حينا آخر، وديعة مرة عنيفة مرة أخرى، وقد قاوم ~~الفتى ما استطاع أن يقاوم ذاكرا طهرهما ونقاءهما وما ينبغي لهما من الاحتفاظ بهذا الطهر ~~والنقاء، ولكن الفتاة يائسة من الحياة وهي تستقبل الموت وستلج بابه بعد لحظات، ففيم ~~الاحتفاظ بشيء، ولم الاحتفاظ بشيء؟ وقد ضعف الفتى، وأخذت الهزيمة تدركه، ولكن طرقا خفيفا ~~يمس الباب فيفرق بين هذين العاشقين، ثم يفتح الباب ويدخل عاملان يريدان أن يتعهدا أسلاك ~~الكهرباء، وإذا هذه الخلوة التي قطعت على هذين العاشقين قد فرضت عليهما، فهما يدعان ~~للعاملين هذه الغرفة ليتعهدا فيها أسلاك الكهرباء، ويخلوان في غرفة أخرى، ونرى نحن العاملين ~~يعملان ونسمعهما يتحاوران، ثم نراهما ينصرفان بعد أن أتما عملهما. # ويظل الملعب خاليا أمامنا لحظات، ثم يقبل العاشقان، وقد تغير من أمرهما كل شيء فهما قد ~~عرفا الحب، وهما مع ذلك يستقبلان الموت أكثر سعادة وابتهاجا ms090 مما كانا قبل حين، وهما يهيئان ~~سمهما في قدحين وهما يخلطان الدعابة بالجد، ويخلطان الحب بالموت، وقد شربا قدحيهما واضطجعا ~~معا على مضجع واحد، لا يجدان ألما، وإنما يحسان سعادة ونعيما ويتبادلان أحاديث تتقطع ~~قليلا في صوت يخفت شيئا فشيئا، حتى لا يكاد يسمع، ثم يلقى بيننا وبينهما الستار، ولا ~~ينبغي أن تحزن أيها القارئ، ولا أن يأخذك شيء من الأسى، فهذا الستار يرفع أمامك، وانظر ~~فسترى هذين العاشقين قد أغرقا في نوم عميق، ولكن أين هما؟ إنهما في غرفة من غرف أحد ~~المستشفيات في باريس قد وضعا في سريرين متجاورين، وأنت تراهما، فلا ترى موتا، وإنما ترى ~~نوما عميقا، ثم انظر فهذه الممرضة قد أقبلت تسعى بين يدي الأستاذ الطبيب، وهذا الطبيب ~~ينظر إليهما، ثم يلتمس نبضهما، ثم يدعوهما فلا يجيبان، ثم ينصرف عنهما مطمئنا مستيقنا أنه ~~قد استنقذهما من الموت الذي ألقيا نفسيهما في أحضانه منذ ثلاثة أيام. # ولا يكاد الطبيب ينصرف عنهما حتى يتحرك الفتى قليلا ثم تتصل حركته، ثم تبلغه اليقظة ~~شيئا، وإذا هو يتحدث إلى نفسه، وإذا هو مستوثق أنه في العالم الآخر، وقد لمست يده ريشة ~~نجمت من الوسادة التي أسند إليها رأسه فهو يظن أنه قد أصبح ذا جناحين يطير بهما في العالم ~~الذي لا ينتهي، وهو يلتمس أصل جناحيه فلا يجد شيئا، واليقظة تسعى إليه، ثم تهجم عليه، وإذا ~~هو قد أفاق، وإذا هو يفتح عينيه، ويرى ما حوله، ويستيقن أنه لم يمت، وإذا هو يرى صاحبته ~~مغرقة في النوم، وهو يدعوها، ويدعوها، ويصيح بها، ويلح عليها، ثم ماذا؟ إنها هي أيضا تتحرك ~~ثم تستيقظ، ثم تفيق ثم ترى صاحبها، ثم تسأله أين هما، فيجيبها مازحا نحن في السماء، ثم ~~ينتهيان إلى هذه الحقيقة التي لا يعرفان أحلوة هي أم مرة، وهي أنهما لم يموتا، وهذه الممرضة ~~قد عادت إليهما فتراهما مستيقظين، وتبشرهما بالإفلات من الموت فلا يفرحان، ولعلهما إلى ~~الحزن أقرب منهما إلى الفرح، فما خطب الأسرتين؟ وماذا قالتا حين انتهى ms091 إليهما النبأ؟ وماذا ~~تريدان أن تصنعا بهما ؟ وهذه الممرضة تنبئهما بأن رجلا وامرأة يريدان أن يرياهما، والفتيان ~~مشفقان أشد الإشفاق من هول ما سيريان وما سيسمعان. # فإذا أقبل هذان الزائران عرفنا أنهما عم الفتى وعمة الفتاة قد وكلت إليهما الأسرتان ~~العناية بهذين الآثمين اللذين لا يستحقان من أهلهما عناية ولا حماية، وهذان الزائران يغلظان ~~للمريضين، ثم ينبئانهما بما قرر أهلهما في أمرهما، فسيتزوجان، ولكن كل صلة بينهما وبين ~~الأسرتين مقطوعة لا سبيل إلى وصلها، وعليهما أن يكسبا حياتهما، فأما الفتاة فستعمل في تجليد ~~الكتب، وأما الفتى فسيعمل مع أحد المقاولين، وقد انصرف الزائران وخلا كل من العاشقين إلى ~~صاحبه وقد أفاقا من نومهما حقا، وأفاقا من أحلامهما أيضا، فأين الحب وبهجته، وأين الموت ~~وراحته من هذه الأحاديث التي كانا يسمعانها، أحاديث العمل والجد والكد والفقر والجهاد في ~~سبيل الحياة؟! وأين هذا الترف الذي كانا يفكران فيه قبل أن يموتا، ويبأسان منه حين كانا ~~يلتمسان الموت، من هذا الشظف الذي يقبلان عليه؟! وهذا الفتى الذي كان طالبا في مدرسة ~~الفنون الجميلة يتهيأ لهندسة العمار، لن يكون مهندسا، ولن يشيد الدور والقصور والكنائس ~~الفخمة، ولكنه سيكون عاملا عند أحد المقاولين! # هما محزونان وهما يترددان بين احتمال الحياة المرة التي تعرض عليهما والرجوع إلى الموت ~~الحلو الذي خرجا منه، ولكن زائرا قد أقبل عنيفا غليظ الصوت، كثير اللوم، حلو النفس مع ~~ذلك، لا يكاد العاشقان ينظران إليه حتى يعرفاه، فهو شارل خادم المطعم قرأ قصتهما في الصحف ~~فأقبل يسأل عنهما، وهو سعيد لنجاتهما، وهو بر بهما عطوف عليهما، إنه يقرضهما ما يحتاجان ~~إليه من مال ليستقبلا حياة هادئة وليتم الفتى درسه، إنه يحمل إليهما بعض ألوان الطعام التي ~~أحباها في المطعم منذ أيام، إنه يطعمهما بيديه ويأخذ عليهما عهدا ألا يسعيا إلى الموت مرة ~~أخرى. # هذه القصة كما لخصتها لك يسيرة أشبه شيء كما قلت بأحاديث العامة في أسمارها، ولكني أزعم ~~أنك لا تستطيع أن تقرأها بالفرنسية حتى تفتن بها وتحاول أن تعيد ms092 قراءتها، فهي قد كتبت في ~~أسلوب عذب سهل مؤثر حقا، ولكن النقاد ينكرون - كما قلت - على الكاتب أمورا، فهذا الخادم ~~شارل قد أقبل في الفصل الثالث لينقذ الموقف ليس غير، لا تدعو القصة إلى مقدمه وإنما هو قد ~~اخترع اختراعا، وهذه الدعابة المتصلة والمزاح المستمر قبل الموت وبعد الموت، شيء غير ~~مألوف، وهاتان الأسرتان اللتان تنتهي القسوة بهما إلى هذا الحد لا يعرفهما الناس في الحياة ~~المتحضرة، والقصة بعد هذا كله متأثرة بقصة شكسبير روميو وجولييت، وعنوان القصة مشتق من قصة ~~شكسبير، فالعاشقان يختلفان وقتا ما في سن جولييت أكان خمس عشرة سنة أم كان اثنتي عشرة سنة، ~~ولكن أخذ القصص الرائعة الخالدة وتعصيرها كما يقول بعض الكتاب مباح بشرط ألا يكون فيه ~~إفساد لهذه القصص، ولا إخراج لها عن طورها الرائع الجميل. # وكل هذه الملاحظات في نفسها وجيهة معقولة، ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أن النظارة قد ~~وجدوا في شهود القصة راحة ومتاعا، وأن القراء يجدون في قراءتها راحة ومتاعا أيضا، فقد ~~يكون الكاتب مقصرا في ذات الفن، ولكنه لم يقصر من غير شك في ذات النظارة ولا في ذات ~~القراء، ومن الكتاب من يكفيه هذا المقدار من الإجادة. # | مدام خمسة عشر # في عنوانها شيء من الغرابة الظاهرة، ولكنها من أروع القصص التمثيلي الفرنسي الذي ظهر في ~~هذه الأعوام الأخيرة، ولعلها كما يقول بعض النقاد أن تكون أروع ما ظهر في هذا الفصل، بل ~~أروع ما ظهر في هذا العام. # فيها فلسفة وتاريخ وشعر معا، وفيها مع ذلك ملاءمة رائعة بين ما ينبغي لملعب التمثيل وما ~~ينبغي للسينما، وما أظن أن هذه القصة ستمضي دون أن تعرض على الناس في أطراف الأرض من طريق ~~السينما، فهي كأنها أنشئت للسينما إنشاء بفضل هذه المناظر القصار المتلاحقة التي يتصل ~~بعضها ببعض في حقيقة الأمر، ويكاد كل واحد منها يستقل عما قبله وما بعده، والتي تجمع بين ما ~~ينبغي للتمثيل من الرزانة والهدوء، وما ينبغي للسينما من الحركة والنشاط، وقد ms093 مثلت القصة في ~~بيت موليير كما رأيت ؛ أي في أشد الملاعب الفرنسية حرصا على المحافظة واحتياطا في التجديد، ~~وستراها من غير شك ذات مساء في دور السينما فتعلم أن صاحبها قد وفق إلى فوز عظيم حين ~~استطاع أن ينشئ قصة تصلح لبيت موليير وللسينما دون أن تحتاج مع ذلك إلى أن يمسها تغيير أو ~~تبديل. # وفي القصة كما قلت تاريخ وفلسفة وشعر، ولكن يجب أن نلاحظ أن الكاتب لم يكد يأخذ من ~~التاريخ إلا الأسماء والأشكال وبعض الأوضاع، ولم يكد يأخذ من الفلسفة إلا بحظ معتدل جدا، ~~لا يرتفع على أوساط الناس؛ لأنه إنما يضع القصة لأوساط الناس هؤلاء، فأما الشعر فقد أخذ منه ~~الكاتب بأعظم حظ ممكن أن يحتمله النثر والحوار. # ولننظر قبل كل شيء إلى موضوع القصة وإلى الغرض الذي توخاه الكاتب حين أنشأها، والواقع أن ~~العنوان الذي رأيته لا يصف القصة وصفا دقيقا، ولعله أعجب الكاتب فانصرف إليه دون عناية ~~شديدة بالتدقيق، فموضوع القصة - إن صدقنا العنوان - هو هذه السيدة التي سماها مدام خمسة ~~عشر، ونحن نجد هذه السيدة في القصة ونجد لها شخصية قوية، ولكننا نجد كما لاحظ بعض النقاد ~~شخصية أخرى أظهر منها وأشد قوة، وهي شخصية رجل يمكن أن نسميه مسيو خمسة عشر، وهو لويس ~~الخامس عشر ملك فرنسا. وظاهر أو غير ظاهر لمن لم يحسنوا تاريخ هذا الملك أن السيدة التي ~~يتحدث الكاتب عنها هي مدام دي بونبادور عشيقة الملك التي فتنته واستأثرت بقلبه ولبه، ~~وتسلطت على قصره وملكه، واستغلت بأسه وسلطانه فأحسنت وأساءت، وأثرت في الحياة الفرنسية ~~والسياسة الفرنسية أثناء القرن الثامن عشر أبلغ الأثر وأعمقه، وقد ظن الكاتب أنه يصور في ~~قصته حياة هذه المرأة ذات الجمال الرائع والسحر البارع والقلب الذكي والعقل الخصب، ولكنه لم ~~يصور من حياتها إلا شيئا يسيرا على حين صور حياة الملك تصويرا قويا واضحا شديد ~~التأثير في النفوس، وأعطى من الملكة نفسها صورة إلا تكن بارزة كل البروز فهي صادقة كل ~~الصدق. # وقد قلت إن ms094 الكاتب لم يأخذ من التاريخ إلا الأسماء وبعض الأوضاع والأشكال، وهو نفسه يقول ~~ذلك في مقدمة كتبها لقصته ونشرها في الصحف الباريسية قبل أن تمثل، وهو ينبئنا بأنه لم يصور ~~الملك كما يراه التاريخ، بل صوره كما يراه هو، أو كما يجب أن يراه، فالتاريخ يرى - أو كان ~~يرى إلى وقت قريب - هذا الملك رجلا ضعيفا، شديد الضعف، مترفا، مسرفا في الترف، متهالكا ~~على لذاته إلى حد يبلغ الخزي، مستسلما للنساء من خليلاته استسلاما يسقط المروءة أو يكاد ~~يسقطها، مهينا بهذا كله لملك فرنسا العظيم، وعرشها المجيد لا حظ له من إرادة ولا من تفكير، ~~ولا من محاولة للإرادة والتفكير، ذلك إلى ما ينكره التاريخ على هذا الرجل وعلى وزرائه من ~~إفساد للسياسة الفرنسية الخارجية والداخلية معا، ومن تهيئة فرنسا للثورة التي نجمت فيها ~~بعد موته بأقل من عشرين سنة. # كذلك كان التاريخ يرى هذا الملك، بل كذلك كان كثير من المعاصرين لهذا الملك يرونه ويحكمون ~~عليه في أحاديثهم ومذكراتهم، ثم جاءت الثورة فأكثرت من التشهير به، وبالغت في التشنيع عليه، ~~واستقرت السنة التاريخية على أن هذا الملك قد كان من شر من عرفت فرنسا من الملوك، ~~ولكن حركة ظهرت في الأعوام الأخيرة فيها دفاع عن هذا الملك واستكشاف لشيء من الحسنات ~~يضاف إليه، وتفسير لبعض الأعمال التي لم تفهم على وجهها، والتي لم تكن لتصدر عن ملك ضعيف ~~شرير، وإنما هي خليقة أن تصدر عن ملك قوي خير. # وصاحب هذه القصة لم يخترع إذن هذه الشخصية الجديدة للملك الفرنسي اختراعا، وإنما ذهب في ~~تصويرها مذهب هؤلاء المؤرخين المعاصرين الذين نهضوا يدافعون عنه، ويفسرون ما أبهم من ~~سيرته على الناس، ولكنه على ذلك قد تجاوز الحد الذي انتهى إليه هؤلاء المؤرخون وأصبح مادحا ~~للملك، غاليا في مدحه، يصوره كما يتمنى أن يكون لا كما كان بالفعل، وهو يعترف بذلك في غير ~~تردد ولا تحفظ، وهو يستخدم قوته الشعرية كلها في إنشاء هذه الصورة الجذابة للملك، فيبلغ من ~~ذلك كل ما ms095 يريد، وهو لم يقسم قصته إلى فصول ، وإنما قسمها إلى أجزاء ثلاثة، وقسم كل جزء من ~~هذه الأجزاء إلى مناظر تتصل فيما بينها ولكنها في ظاهر الأمر منفصلة، تحتاج إلى أن يرخى ~~الستار ويرفع فيما بينها. # فأما الجزء الأول من أجزاء القصة فيصور حياة الملك وحياة صاحبته أثناء الشباب حين أتيح ~~لهما أن يلتقيا وبعد أن تم لهما هذا اللقاء، وحين كان الحب بينهما قويا وعنفا. # أما الجزء الثاني فيصور حياتهما بعد أن مضت على هذا الحب أعوام فضعفت حدته وفتر نشاطه، ~~وأصبح شيئا يشبه العادة اللازمة التي لا يستطيع أحدهما أن يخلص منها، ولكنها مع ذلك ثقيلة ~~عليهما معا. # وأما الجزء الثالث فيصور حياتهما حين تقدمت بهما السن فمات الحب وأصبحت حياة هذه المرأة ~~في القصر حياة فرضتها العادة ليس غير، وهي في الوقت نفسه حياة تسرع بها إلى الموت ثم تنتهي ~~بها إليه، وقد ضعف الملك، وبلغت منه الشيخوخة، شيخوخة القلب والجسم معا، فهو فيما بينه ~~وبين نفسه فيلسوف زاهد يائس، ولكنه يتكلف اللهو والدعابة والمجون إذا خرج إلى أهل القصر؛ ~~لأنه يرى ذلك أساسا من أسس الملك. # ونحن حين يرفع الستار عن الفصل الأول في قصر من قصور الأشراف في الريف الفرنسي نرى رجلين ~~يتحدثان: أحدهما مسيو بواسون والآخر صديق له، ومسيو بواسون هذا رجل من الأغنياء، كان يشتغل ~~بتجارة الدقيق فأسرف في تجارته وغلا في طلب الربح حتى انتهى بالباريسيين إلى الجوع، فعوقب ~~أشد العقاب ونفي من باريس واضطر إلى حياة الأقاليم، وهو لم يستيئس بعد من استئناف الحياة ~~والنشاط، بل له آمال كبرى يتحرق على تحقيقها، وهو يتأذى كلما رأى رجلا من طبقته قد ارتفع ~~إلى طبقة الأشراف وظفر بلقب من ألقابهم. وله ابنة جميلة رائعة الجمال، فاتنة الصورة، هي ~~أنطوانيت، اقترنت برجل من الأشراف هو مسيو دي تيول، ونحن الآن في قصرها، وإذا رأينا هذه ~~المرأة الجميلة الشابة عرفنا أن جمالها وذكاءها ومكانة زوجها وثروته، كل ذلك قد مكنها من أن ~~ترفع نفسها إلى ms096 مكانة اجتماعية عالية حقا، فكبار الأدباء والشعراء يختلفون إلى قصرها، وهي ~~منهمكة فيما كان ينهمك فيه أمثالها من قراءة الشعر والاستماع له، ومن الاشتراك في التمثيل ~~الغنائي والقصصي، وهذا فولتير يخرج من عندها في الوقت الذي يرفع فيه الستار. وزوجها يحبها ~~أشد الحب ولكنه لا يلقى منها حبا يلائم حبه، وإنما يجد فتورا وإعراضا وانصرافا إلى ~~اللهو واللعب والأدب، وهو يشكو من ذلك، ولكنها لا تحفل بشكاته، وإنما تأخذه بالعبث مرة ~~وبالجد والنذير مرة أخرى، وهو مذعن مطيع لأنه محب مفتون، بل نحن نحس من هذه المرأة شيئا ~~آخر، فهي قبل كل شيء حرة غالية في الحرية، قد أحبت حين كانت في العاشرة من عمرها فتى من ~~أبناء الأطباء وكلفت به، ولكنه لم يحفل بهذا الحب الصبي، وهي تقص ذلك على زوجها، وتغيظه به، ~~وهي منذ أن كانت تتنزه في الغابة فرأت موكب الصيد ورأت الملك فأحبته وسمت نفسها إليه وأطالت ~~التفكير فيه، وتعرضت للقائه غير مرة وهي تعلم أن الملك قد لاحظها، وهي تطمع في أن ترقى حتى ~~تبلغ حب الملك. وهذا قريب لها من الأشراف يعمل في الخدمة الخاصة للملك، وهي تتحدث إليه عن ~~الملك، وهو يجيبها مغريا لها، ضاحكا منها، محدثا نفسه فيما يظهر بأنه قد يبلغ بتقديمها ~~إلى الملك حظوة عنده. # ويسدل الستار على هذا المنظر، وقد تهيأت نفس هذه المرأة لحب الملك والسعي إليه، وتهيأت ~~نفس زوجها للخضوع والإذعان، وتهيأت نفس أبيها للطمع وتحقيق المآرب مهما يكلفه ذلك من ~~تضحية. # فإذا رفع الستار عن المنظر الثاني فنحن في قصر الملك بفرسايل، وفي غرفة من غرفات الملكة ~~نراها تدخل على وصائفها فتحييهن وتنبئهن بأنها قد نامت هذه الليلة مع أنها لم تتعود ~~النوم، وتفهم من حديثها أنها امرأة صالحة، رقيقة القلب، كثيرة البكاء، سيئة الحظ، قوية ~~الدين. ونحن في غداة اليوم الذي تزوج فيه ولي العهد، والملكة تسأل عن العروسين، وهذان ~~العروسان قد أقبلا يحييانها، وهي تقبل ابنها وتتحدث إليه حديثا رقيقا، وتركع مع وصائفها ~~للصلاة، ms097 وهذا الملك يقبل فيشاركهن في صلاتهن، ثم يتحدث إلى ابنه وإلى امرأته، فنفهم من ~~الحديث أن الفتى يؤثر أمه، ويؤثر الحرب، وأن الملك يعلم منه ذلك ويألم لضعف مكانته في قلب ~~ابنه، ثم يخلو الملك إلى الملكة فيتحدثان ويتعاتبان، فإذا الملكة تشكو هجر الملك وصده، وإذا ~~الملك يرد عليها هي إثم هذا الهجر لأنها أسرفت في الجد، ولم تلاحظ ما كان ينبغي للشباب من ~~نشاط ومرح، فاضطرته إلى أن يلهو ويلعب بعيدا عن غرفاتها مع أنه أحبها أشد الحب وأصدقه، ولم ~~يبق بد من هذه الحياة الجديدة التي فرضتها عليه الظروف، فهو قد رسم لنفسه خطة في اللهو ~~أصبحت شيئا يشبه القانون لا سبيل إلى التخلص منه، وهذا رجل من الحاشية قد أقبل يدعوهما إلى ~~الصلاة فيخرجان، ويسدل الستار على هذا المنظر، وقد فهمنا حياة الملك الخاصة في أسرته، فهو ~~يحب امرأته ولكنه يخونها ويسرف في الخيانة لأنها صاحبة جد ودين، ومزاج هادئ لا تواتيه فيما ~~يحب من المرح، وهي تعلم ذلك وتذعن له محزونة محبة لزوجها، وولي العهد يحب أمه، ويكبر أباه، ~~ويتحرق شوقا إلى الحرب. # ثم يرفع الستار عن المنظر الثالث، فإذا نحن في قصر البلدية في مدينة باريس، والمدينة ~~تحتفل بزواج ولي العهد؛ فتقيم لذلك عيدا راقصا قد سعى إليه الباريسيون على اختلاف طبقاتهم ~~وهم منقبون، قد اتخذوا من الأزياء ما يخفي أشخاصهم، وقد حضر ولي العهد هذا العيد وقتا ثم ~~انصرف، ونحن نرى في هذا القصر أنطوانيت قد أقبلت ومعها أبوها، وكأنها تنتظر شخصا، بل هي ~~تنتظر الملك، تنتظر أن تراه، ومن يدري لعله يكلمها، فقد يجوز أن يكون قريبها سعى في هذا ~~اللقاء، وآية ذلك أنها قد أبعدت زوجها عن باريس، وأنها تحاول أن تبعد أباها، وأنها قلقة ~~تستبطئ مقدم الملك، وقد قبل أبوها أن ينصرف عنها لحظة ليلهو وليدعها فيما هي فيه. وهؤلاء ~~أشخاص قد أقبلوا منقبين، وهذا أحدهم قد لحظ فتاة منقبة، فهو يتقدم إليها ويطلب أن ترفع ~~النقاب، فتأبى، فيلح، فإذا رأى ms098 وجهها أراد أن يداعبها، فتفر منه، ويرسل أصحابه في أثرها، ~~وقد عرفت صاحبتنا أنه الملك فتضحك منه، وما تزال به حتى تضطره إلى أن يتحدث إليها، ثم إلى ~~أن يداعبها، ثم إلى أن يغلو في مداعبتها، وهي تتعمد دفعه عن نفسها، وهي تلطمه لطمة خفيفة، ~~وهو يغضب لذلك، ويأمرها أن ترفع النقاب فتأبى، فيهم بأن يرفع نقابه فتلفته إلى أن ذلك لا ~~ينبغي له في هذا المكان، فهي إذن تعرفه وهي تحبه، تعلن إليه ذلك وقد رفعت نقابها، فرآها ~~فعرفها، وهي تتهالك وتغريه فيستجيب لها، ولكن هذا الحوار الغرامي يصور لنا أجمل تصوير ذكاء ~~هذه المرأة ودهاءها وسلطانها على نفوس الرجال. # فإذا رفع الستار عن المنظر الرابع، فنحن في فرسايل، وقد أمر الملك النفير العام، وهو ~~يتهيأ للحرب وقد أقبلت أنطوانيت مع قريبها، فأدخلت حجرة ضئيلة مستخفية لترى الملك قبل سفره ~~إلى الميدان، وقد أقبل الملك فقضى معها لحظات، وتحدث معها أحاديث نفهم منها أن الحب قد ~~انتهى بهما إلى غايته، وأن الملك مفتون بها، وأنها ليست أقل منه افتتانا به، وهما يتحدثان ~~حديث العاشقين عما كان قبل أن يلتقيا وما سيكون بعد هذا اللقاء، ولا يفارقها الملك إلا حين ~~يضطره النظام الدقيق إلى هذا الفراق، وقد أقبل الخادم فأنبأه بأن الناس جميعا ينتظرونه، ~~وبأن الملكة قد أشرفت من القصر لترى سفره، ولتحييه قبل هذا السفر، فيخرج وقد وعد هذه المرأة ~~بأن تحيته الأخيرة ستوجه إليها، فلتقف عند هذه النافذة. # ويرفع الستار عن المنظر الخامس فإذا نحن في الميدان وقد انتصرت جيوش الملك على الإنجليز، ~~وأبلى ولي العهد بلاء حسنا، والملك سعيد بالانتصار، سعيد بحسن بلاء ابنه، ولكن أنباء ~~الجرحى والقتلى تنتهي إليه، وإذا هو محزون، وإذا هو رجل رقيق القلب، يكره الحرب، ويرثي ~~لأوليائه وأعدائه معا، ويسرع لمواساة الصرعى في الميدان. # وبينما هو في طريقه إلى الميدان يرفع ستار جزئي فنرى الملكة وقد انتهت إليها أنباء ~~النصر، فهي تبشر القصر وتصلي مع وصيفاتها. # ويرفع ستار آخر فنرى أنطوانيت معذبة ms099 تنتظر رسائل الملك التي لا تصل إليها . # وعلى هذا النحو ينتهي الجزء الأول من القصة، ولا يبتدئ الجزء الثاني إلا بعد عشرة أعوام ~~قد استنفد الحب فيها قوته وحدته، ولذته ونشاطه، وانتهى إلى هذا الهدوء الذي لا يقطع الصلة ~~بين العاشقين ولكنه يجعل كل واحد منهما على صاحبه ثقيلا عزيزا معا، ونحن نرى أنطوانيت في ~~حجرتها تتخذ زينتها مع الضحى، وقد أقبل أبوها يتحدث إليها طالبا هذه الحاجات التي لا ~~تنقضي، وهي ترده عن نفسها وعن الملك، والرجل يظهر الرضى، ويمضي في الإلحاح ويستقل ما ظفر به ~~من مال كثير وشرف عظيم، وقد أقبل الملك فحيا هذا الرجل ثم خلا إلى صاحبته فإذا هي تتلطف له، ~~وإذا هو يثقل عليها، وإذا هما يتحاوران حوار المتخاصمين، يشتد الخصام بينهما حتى ينتهي إلى ~~العداء، ثم يلين حتى ينتهي إلى الصفاء، وهي تطلب إليه وهو يأبى عليها، وهي تسأله عن أمور ~~السياسة وتشير عليه فيها، أليست تنصح له بالخدمة العسكرية الإجبارية؟ أليست تنصح له بموادعة ~~البرلمان؟ أليست تشير عليه بموادعة الفلاسفة ومقاومتهم بالحيلة؟ وقد خرج الملك من عندها بعد ~~حوار طويل ممتع فيه إلمام بالسياسة، وفيه تصوير للحب، واليأس من هذا الحب، والإذعان لسلطانه ~~أيضا. # وقد ذهب الملك للصيد، ونحن نراه في المنظر السابع وقد انفرد عن أتباعه وانتهى إلى قرية من ~~القرى ووقف عند أسرة من الأسر تعرفه ويعرفها، تعرفه على أنه طبيب بيطري من أطباء القصر، وهو ~~يتحدث إليها عن الملك، وفي الأسرة فتاة جميلة ساذجة تحبه ويحبها لولا أن السن قد تقدمت به، ~~فهو لا يستطيع أن يتخذها لنفسه زوجة وإن كانت هي لا تكره ذلك، بل تحبه وتؤثره، وعند الأسرة ~~فتى طبيب مثقف يحب الفلاسفة ويقرأ كتبهم، ويبغض الملك ويتحدث إليه بهذا البغض، لأنه لا ~~يعرفه، وهو خطيب هذه الفتاة، وفي الأسرة مع ذلك أطفال يداعبون الملك ويداعبهم، وهو يصنع لهم ~~اللعب ويفكههم بالأحاديث، وهو سعيد بالخلوة إلى هذه الأسرة والحديث مع هذه الفتاة، ولكن ~~ماذا؟ هؤلاء قوم قد ms100 أقبلوا لا يكاد الملك يراهم حتى ينكرهم ويضيق بهم، على رأسهم أنطوانيت ~~وجماعة من الحاشية، قد أقبلوا يطلبون الملكة، فلما انتهوا إليه وعرفوا تنكره لم يظهروه ~~ولم يظهروا أنفسهم، وإنما زعموا أنهم جماعة من الأشراف، وطلبوا إلى الأسرة - وهي صاحبة فندق ~~قروي - طعاما وشرابا، فأما أنطوانيت فشديدة الغيرة من هذه الفتاة، ولكن الملك قد عرف من ~~أمر هذا الفتى الفيلسوف ما أثار غيرته أيضا، فهو ابن ذلك الطبيب الذي أحبته أنطوانيت حين ~~كانت في العاشرة من عمرها، والملك معني بالفتاة، وأنطوانيت معنية بالفتى، والحوار بينهما ~~شديد مختلف، والدعابة بينهما حلوة مرة، ويسأل الملك آخر الأمر عن الساعة فيجيبه بعض الحاشية ~~جوابا يظهر منه أمره وتتبين الأسرة أنه الملك، فينصرف وقد نفى الفتى إلى خارج فرنسا، وأمر ~~أن ترسل الفتاة إلى دير لتتعلم، ثم أن تمنح بعد ذلك مهرا يمكنها من الزواج. # ثم يبتدئ الجزء الثالث الذي يصور أصيل هذه الحياة، فنحن في غرفة الملكة وهي تلعب الورق مع ~~بعض وصائفها، وفيهن أنطوانيت وقد تقدمت بها السن، وهي مبلة من مرض لم تبرأ منه كل ~~البرء، والملكة ترفق بها، وتعطف عليها، وتتحدث إليها عن الملك وعن حزنه وعزلته، وتستعينها ~~على تسلية الملك، وإخراجه من هذا الحزن، ومن هذه العزلة. ونفهم من هذا الحديث أن هاتين ~~المرأتين قد اشتركتا في حب الملك وفي اليأس من هذا الحب، فأما الملكة فتجد العزاء في الدين، ~~وأما الخليلة فلا تجد العزاء في شيء، وقد انصرفت الملكة مع وصائفها إلى الصلاة وتركت ~~أنطوانيت ومعها وصيفة جميلة رشيقة شابة تعرف أن الملك يحبها ويصبو إليها، وهي مدام دي ~~سيران. # فاقرأ هذا الحوار بين الخليلة الشيخة اليائسة والعاشقة الشابة التي يملؤها الأمل، فستجد ~~عند الشيخة غيرة ولوعة وحبا يظهر في مظهر البغض والشماتة، وسترى عند العاشقة الشابة أملا ~~ودعة وابتساما، ولكن الملك قد أقبل، وهمت الشيخة أن تلقاه لولا أن الضعف قد أدركها فانصرفت ~~متثاقلة يعينها الخدم، وبقيت الوصيفة الشابة للقاء الملك الذي تهواه. # فإذا رفع الستار عن ms101 المنظر التاسع، فالخليلة الشيخة مريضة في سرير الموت، والقسيس يلقنها ~~آخر ما ينبغي أن تقول، وهي تؤدي واجبها الديني في طاعة ظاهرة وإذعان لا غبار عليه، حتى إذا ~~انتهت من ذلك إلى غايته وتفرق عنها الناس وخلت إلى وصيفتها عرفت أن زوجها الذي نفته منذ ~~أعوام طوال، ثم دعته حين ألح عليها المرض قد أقبل مستجيبا لدعائها، فإذا دخل عليها كان ~~بينها وبينه حوار من أرقى ما كتب المحدثون؛ فهذه المرأة التي أدت واجبها الديني تعلن أنها ~~لا تؤمن بشيء، وإنما أذعنت للكنيسة إيثارا للراحة من إلحاح من حولها، وكذلك يفعل فولتير ~~حين يؤدي واجبه الديني ليستريح من القسيس، وهي قد طلبت بأمر القسيس أن يعفو الله عن سيئاتها ~~وأن يعفو أهل القصر عن سيئاتها، ولكنها لم تكن مخلصة في شيء من هذا، إنما العفو الذي تطلبه ~~مخلصة هو عفو زوجها البائس الذي نفته لتمعن في اللهو والعبث مع الملك. # والزوج لا يبخل بهذا العفو، فهو يحبها الآن كما كان يحبها قبل الخطيئة، وهو يؤكد لها أن ~~الحياة لا تنتهي بالموت وإنما تستأنف بعد ذلك، وهو يؤكد لها أنهما سيلتقيان في الدار ~~الآخرة، وهي تنتهي إلى الإيمان بهذا اللقاء، والطمع فيه، وتستقبل الموت هادئة راضية ناعمة ~~البال. # ثم يرفع الستار عن المنظر الأخير، فإذا الملك في غرفته تعرض عليه الأوراق فيمضيها ~~محزونا كئيبا كاسف البال، أليست صاحبته قد ماتت؟! وها هو ذا قد فرغ من أعمال الدولة وعكف ~~على نفسه يفكر، وهو متعب مكدود يجد البرد، وإن كان الموقد مضطرما غير بعيد منه، وخادمه ~~يعرض عليه رسائل الحب قد كتبتها إليه غانيات القصر، فيعرض عن هذه الرسائل ويسأل عن بناته، ~~ألم تطلب إحداهن أن تراه؟ فإذا أنبأه الخادم بأن واحدة ما لم تطلب لقاءه آذاه ذلك، فقد كان ~~ينتظر هذا اللقاء. # وهذا باب الغرفة يفتح في غير استئذان، والخادم يريد أن يرد الطارق، ولكن الملك يدعو هذا ~~الطارق فهي هذه الوصيفة الجميلة التي رأيناها منذ حين، قد أقبلت للقاء الملك، ms102 عرفت أنه ~~محزون فجاءت تعزيه، وهي تنبئه بأن الملكة تصلي، فيسخر من الملكة ومن صلاتها، وهذه المرأة ~~تحسن الحديث إليه وتصل إلى قلبه، وإذا هو يفتح لها هذا القلب، فنرى رجلا حزينا بائسا قد ~~زهد في الحب واللذة وأنكرهما، وود لو استطاع أن يظهر لأهل القصر كما هو خيرا مؤثرا ~~للفضيلة، ولكنه يعلم أن أهل القصر سينكرونه ويزدرونه إن رأوا ميله إلى الخير والفضيلة؛ ~~فهو خير إذا خلا إلى نفسه، ماجن إذا ظهر للناس، وهو منكر للموت خائف منه أشد الخوف، ~~والفتاة ترفق به، وتحسن تعزيته، وهو يرى فيها فتاة أحبها حين كان شابا وهو يضمها إليه ~~ويقبلها موجها نظره نحو صورته حين كان شابا. # ثم يصحبها إلى الباب ويخلو إلى نفسه وإلى خادمه، ولكن صوتا يسمع من وراء النافذة، ~~والخادم يدنو فينظر، فإذا سأله الملك لم يجب أو أجاب متحفظا، فيدنو الملك من النافذة ~~ويفتحها ويخرج إلى الشرفة رغم المطر والريح لأنه سمع ورأى وفهم، هذه جثة أنطوانيت تخرج بها ~~العربة من القصر في ضوء المشاعل تحت جنح الليل وتحت هذا المطر المنهمر، وقد خرج الملك إلى ~~الشرفة فوقف وأطال الوقوف، ونظر وأطال النظر، واستمع وأطال الاستماع، ثم عاد وقد بلل وجهه ~~الدمع ممزوجا بقطرات الغيث وهو يقول: هذا آخر ما استطعت أن أؤدي لها من واجب. # ويسدل الستار على الملك ليتلو بينه وبين نفسه، وبينه وبين الله صلوات لاتينية فيها الحب ~~والرحمة والندم والاستغفار معا. ms103