######OpenITI# #META# URI: 1392TahaHusayn.AhlamShahrazad.Hindawi28414252 #META# Tags: novels #META# ID: 28414252 #META# Title: أحلام شهرزاد #META# AuthorID: 59624258 #META# Author: طه حسين #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # أحلام شهرزاد‏ # أحلام شهرزاد‏ # | أحلام شهرزاد # | أحلام شهرزاد # تأليف # طه حسين # | أحلام شهرزاد # 1 # فلما كانت الليلة التاسعة بعد الألف أفاق شهريار من نومه مذعورا، وجعل يتسمع ~~لعله يجد ذلك الصوت الذي أيقظه، فلم يسمع شيئا، وجعل يمد يده عن يمين ويمد يده ~~عن شمال ليتبين أينكر من مضجعه شيئا، فلم ينكر شيئا، ثم استوى جالسا في سريره، ~~وجعل يدير رأسه عن يمين وعن شمال ويمد بصره في الظلمة المتكاثفة من حوله كما يمد سمعه ~~في الصمت المنعقد في غرفته، فلا يقع بصره على شيء، ولا ينتهي سمعه إلى شيء، ولا تصل ~~نفسه إلى شيء، فلم يشك في أن طائفا قد ألم به أثناء النوم فرده إلى اليقظة ردا لم ~~يخل من بعض العنف، وما أكثر ما تهيم في ظلمات الليل هذه الأرواح المشردة التي تنطق ~~في لغاتها الخفية بألفاظ تصل إلى نفوس الرقود أحيانا كما تصل إلى نفوس الأيقاظ أحيانا ~~أخرى، فيفهمون عنها مرة ويخطئون الفهم مرات، ويكون لهذه الألفاظ الغريبة المبهمة في ~~حياة الناس آثار غريبة مختلطة؛ منها الخير ومنها الشر، ومهما يكن من شيء فقد عاد شهريار ~~إلى نفسه وارتسمت على ثغره ابتسامة سريعة لم تلبث أن مرت كأنها البرق، وثارت في نفسه ~~عاطفة ضئيلة ولكنها حادة، فيها شيء من حسرة، وفيها شيء من يأس، وفيها شيء من حزن على ~~عهد قد انقضى وليس إلى رجوعه من سبيل. # ثم ثاب إلى الملك رشده فتمكن في مضجعه وأغمض عينيه وضم يديه إلى صدره ودعا النوم إلى ~~نفسه دعاء قويا، وكأن النوم كان ينتظر أن يبلغه هذا الدعاء، فما أسرع ما مد ذراعيه ~~فطوق بهما عنق الملك الحزين في كثير من الرأفة والرحمة والحنان، وإذا الملك ينسى نفسه ~~ويمعن في هذا الرقاد الحلو الهادئ المطمئن، ولم يدرك الملك أطال هذا الرقاد أم قصر، ~~ولكنه أفاق مرة أخرى مذعورا ومد بصره في الظلمة المتكاثفة، ومد سمعه في الصمت المنعقد، ~~وتحسس بيديه عن يمين وشمال، فلما لم ير شيئا، ولم يسمع ms01 شيئا ، ولم ينكر شيئا؛ أنكر ~~نفسه كلها، ونهض من مضجعه متثاقلا، فجعل يمشي في غرفته على غير هدى، حتى انتهى إلى ~~نافذة من نوافذ الغرفة ففتحها، وكان ذلك إذنا لضوء القمر في أن ينسل في هذه الغرفة، ~~ولكنه لم ينسل، وإنما اندفع إلى الغرفة اندفاعا أضاء له كل ما في الغرفة من فضاء ومن ~~أثاث. هنالك أدار الملك بصره في الغرفة فلم ينكر من أمرها شيئا، ثم أشرف من النافذة ~~فاستنشق الهواء الطلق، ومد بصره في الفضاء العريض المنبسط أمامه، فلم ير إلا هذه ~~الأشجار الباسقة الشاهقة في السماء، وقد لبست من ضوء القمر أردية نقية ناصعة، وامتدت ~~غصونها تضطرب في الهواء اضطرابا خفيفا، كأنها ترغب في النوم هذه الطير التي أوت ~~إليها حين ولى النهار، وكأن هذه الطير قد سكنت إلى حركاتها الخفيفة المنتظمة فنامت ~~مطمئنة وادعة، لولا أحلام خفيفة خفية كانت تمر بنفوسها الضئيلة الوادعة، فتبعث من ~~أفواهها أصواتا قصيرة حلوة، وتبعث في أجنحتها خفقات يسيرة لا تكاد تبدأ حتى تنقطع، وقد ~~أطال شهريار وقوفه أمام هذه النافذة مادا بصره في هذا الفضاء العريض، ومادا سمعه في ~~هذا الصمت الجاثم عليه، وممتعا نفسه بهذا الضوء الرقيق الذي يترقرق بينهما، وبهذه ~~الأصوات الرشيقة التي تبلغه من حين إلى حين، حتى إذا ثاب إليه الهدوء، وامتلأ قلبه ~~سكينة، وآنست نفسه أمنا ودعة تراجع متثاقلا، ولكنه لم يذهب إلى مضجعه، وإنما ذهب إلى ~~مجلس من مجالسه في الغرفة، فترامى عليه متهالكا، وقد أزمع أن ينتظر مطلع الصبح يقظان؛ ~~فقد كره مضجعه، وكره النوم، وكره هذا الطائف الذي أخذ يزعجه منذ الليلة. # ولكنه لم يكاد يطمئن في مجلسه حتى غاب عن نفسه، أو غابت عنه نفسه، وكأن النوم كان ~~ينتظره خلف هذا المجلس، فلم يكد يستقر فيه حتى مد إليه ذراعيه فطوق بهما عنقه في رأفة ~~ورحمة وحنان، وإذا هو مغرق في رقاد عميق لذيذ لا يدري الملك أطال أم قصر، ولكنه أفاق ~~مذعورا للمرة الثالثة، فمد بصره ومد سمعه، ثم لم ms02 يلبث أن ضرب إحدى يديه بالأخرى، ففتح ~~الباب، وأسرع الحرس وفي أيديهم المصابيح، قال الملك: «هل أنكرتم شيئا؟» قال قائد ~~الحرس: «لم ننكر شيئا يا مولاي.» قال الملك في صوت فاتر متكسر: «هذا غريب! إني لمؤرق ~~منذ الليلة.» # ثم نهض ومضى متثاقلا حتى خرج من غرفته والحرس يتقدمونه ويتبعونه، وهو يسعى هادئا لا ~~يقول شيئا ولا يلتفت إلى شيء، حتى بلغ ذلك الجناح من القصر حيث كانت غرفات الملكة، ~~فمضى أمامه وعاد حراسه إلى أماكنهم، وانتهى شهريار إلى غرفة الملكة، فدخل دون أن يلتفت ~~إلى هؤلاء الأحراس الذين أدهشهم مقدم الملك في هذه الساعة المتأخرة من الليل، ولكنهم لم ~~يقولوا شيئا، وما كان لهم أن يقولوا شيئا، وأكبر الظن أن شيئا من العجب قد ظهر على ~~وجوههم، وفي النظرات القصيرة السريعة التي كانوا يتراشقون بها ويختلسونها إلى الملك ~~اختلاسا. # وأغلق الملك من ورائه باب الغرفة في رفق شديد، وسعى في هدوء أي هدوء إلى سرير ~~الملكة يمشي على أطراف قدميه، فلما بلغه نظر إلى الملكة نظرة طويلة؛ فإذا هي مغرقة في ~~نوم حلو، واستمع إلى تنفسها فإذا هو منتظم هادئ، وإذا الملكة لم تحس شيئا ولم تشعر ~~بمقدم هذا الشخص الذي انسل إلى غرفتها في رفق كما تنسل الأفعى، على غير ما جرت به ~~تقاليد القصر، ثم تراجع الملك شيئا حتى انتهى إلى مجلس من مجالس الغرفة، فأهوى إليه ~~رفيقا حريصا على ألا يحدث حسا ما، وعلى ألا يزعج الملكة عن نومها، فلما اطمأن ~~به مجلسه أطرق كأنما ينتظر شيئا، ولكن انتظاره لم يكن طويلا؛ فهذا صوت شهرزاد يبلغ ~~أذنيه فيملؤه رعبا وفرقا ويكاد يخرجه عن طوره، لولا أنه يذكر شيئا فيثوب إلى نفسه في ~~اللحظة الأخيرة ويطمئن في مجلسه مادا عينيه في الفضاء مصغيا إلى هذا الصوت الذي يسعى ~~إليه من قبل شهرزاد صافيا نقيا، كأنه صوت ذلك الغدير الذي أحب الملك أن يجلس إليه ~~حين تؤذن الشمس بالغروب، فيسمع إلى غنائه العذب وهو يداعب الحصى، وكأنما أسكره هذا ms03 ~~العرف الذي تهديه إليه من شاطئيه جميعا أنفاس الورد والنرجس والياسمين. # 2 # وكان هذا الصوت الحلو يقول في نغمات موسيقية نفاذة إلى القلوب أخاذة للنفوس لم ~~يعرفها الملك حين كانت شهرزاد تقص عليه أحاديثها مستيقظة: بلغني أيها الملك السعيد أن ~~طهمان بن زهمان ملك الجن في حضرموت كانت له فتاة حسناء رائعة الحسن بارعة الجمال، لا ~~تثبت القلوب للحظاتها إذا نظرت، ولا تثبت النفوس لصوتها إذا تكلمت، وكانت على حسنها ~~الرائع وجمالها البارع ذكية القلب نافذة البصيرة، قد قرأت كتب الأولين وعرفت حكمة ~~المحدثين؛ فلم يكن شيء يستغلق عليها، ولم يكن حكيم يثبت لحديثها أو يقدر على مناظرتها، ~~وكان ملوك الجن في أطراف الأرض التي يسكنها الناس وفي أطراف الأرضين التي ليس للناس بها ~~عهد، قد تسامعوا بجمالها وذكائها وما أتيح لها من فطنة وفتنة، وتسارعوا إلى أبيها الملك ~~طهمان يخطبونها إليه ويحكمونه فيما يخضع لهم من الممالك والأقاليم: هذا يقدم إليه ~~أقاليم البحر، وهذا يقدم إليه أقاليم البر، وهذا يقدم إليه أقاليم الجو إلى قريب من ~~مواقع النجوم، ولكن طهمان بن زهمان كان يجيب هؤلاء الملوك جميعا بجواب واحد لا يتغير: ~~«ما كان لي أن أقضي في أمر فاتنة بغير ما تريد! فأمر فاتنة إلى فاتنة، فأيكم أراد أن ~~يتخذها لنفسه زوجا فليخطبها إلى نفسها. وأيكم ظفر منها بالرضا فله ملك أبيها ~~مهرا.» # ولكن فاتنة كانت غريبة الأطوار، بعيدة الآمال، عظيمة الأطماع، قد زهدت في ملوك الجن ~~جميعا واستيأست من حياة الجن جميعا، فردت خطابها مخذولين مدحورين، لم تمنح واحدا ~~منهم ابتسامة، ولم تهد إلى واحد منهم نظرة فيها شيء من الرفق، وإنما كان ردها لهم ~~عنيفا يملؤه السخط والازدراء، ويصدر عن نفس شديدة الكبرياء، لا تؤمن بأحد ولا تطمئن ~~لأحد ولا تستريح إلى أحد، نافرة دائما، جامحة دائما، ساخرة إلى حين كانت تتحدث إلى ~~أبيها، فهو وحده الذي كان يظفر منها بالوجه المشرق والثغر الباسم والنفس الراضية، وكان ~~أبوها أول الأمر معجبا بهذه الكبرياء، فخورا بهذا الإباء، محبا ms04 لهذا الامتناع ؛ لأنه ~~كان يرفعه فوق ملوك الجن درجات، ولأنه كان يمسك عليه ابنته في قصره، وكان يؤثر ابنته ~~بحب لم يجده أب لابنته قط، وكان يؤثر نفسه بقرب هذه الفتاة الفاتنة، وكان يرى في ~~امتناعها على الخاطبين فسحة في الوقت الذي أتيح له فيه أن ينعم بقرب ابنته، والأوقات ~~عند الجن - أيها الملك السعيد - لا تحسب بالساعات والأيام، ولا تحسب بالشهور والأعوام، ~~وإنما تحسب بالقرون المتتابعة والأحقاب المتلاحقة. فلما مضت آلاف السنين على فاتنة وهي ~~تمتنع على ملوك الجن وأولي البأس منهم في البر والبحر والجو، وكانت كلما تتابعت القرون ~~ازدادت حسنا إلى حسن، وجمالا إلى جمال، وفتنة إلى فتنة؛ أقبل عليها أبوها ذات يوم أو ~~ذات قرن فقال لها: «يا ابنتي، إنك تعلمين أن أبا من الآباء لم يحبب قط ابنته كما ~~أحببتك، كما أني أعلم أن فتاة من الفتيات لم تحبب قط أباها كما أحببتني، وأنك لتعلمين ~~أني سعيد بامتناعك على خطابك من ملوك الجن؛ أرى في ذلك تعاليا عليهم وإرضاء لكبريائي، ~~وأرى في ذلك - قبل كل شيء - حبا منك لي وإيثارا منك لأبيك بالمودة والحب، ولو استطعت ~~لمضيت في تشجيعك على هذا الامتناع وإغرائك بهذا الإباء؛ ذلك أحرى أن يكفل لي السعادة ~~وأن يضمن لي النعيم إلى آخر الدهر، ولكن لكل شيء يا ابنتي غاية يقف عندها وأمدا ينتهي ~~إليه، وقد بلغت سعادتي بقربك أقصاها وانتهت إلى غايتها، وآن لنا أن نفترق، فقد علمت يا ~~ابنتي أن أحدنا من أجيال الجن إذا أتم من عمره خمسة عشر ألفا من السنين وجب عليه أن ~~يستعد لفراق الأحياء، وأن ينتظر هذه اللحظة الرهيبة التي يستحيل فيها إلى قبس من نار ~~يمتزج بهذه الجذوة الهائلة التي يدور عليها الكون والتي تنضج حياة الأحياء، وقد بلغت يا ~~ابنتي ستة عشر ألفا من العمر، وأخذت أحس أني أتحول نارا شيئا فشيئا، وما أحب أن ~~أتركك وحيدة؛ فاختاري لنفسك أحب هؤلاء الملوك إليك أو أقلهم إلى نفسك بغضا.» # قالت فاتنة: «فإني لا ms05 أحب منهم أحدا، ولا أبغض منهم أحدا، وإنما أزدريهم جميعا، ~~وإذا فلن أختار منهم أحدا.» # قال طمهان بن زهمان: «فإني لا أكره يا ابنتي أن تمتنعي عليهم وأن تعيشي وحيدة، تدبرين ~~أمر هذا الملك بحكمتك وفطنتك لولا أني قد علمت الآن ما يملأ نفسي قلقا وخوفا على قلة ~~ما يعتادني القلق ويبلغني الخوف.» # وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح، وهم الملك شهريار أن يتكلم، وهم أن ~~يأتي من الحركات ما كان خليقا أن ينبه النائمة، ولكنه ذكر شيئا في اللحظة الأخيرة، ~~فانسل من الغرفة في هدوء كما انسل إليها. # ولم يكد ينتهي إلى غرفته حتى دعا إليه قواد الحرس الذين يقومون دون غرفته ودون غرفة ~~شهرزاد، فلما مثلوا بين يديه قال لهم في صوت مهيب رهيب: «إن بقاء رءوسكم في أماكنها ~~رهين بأن يجهل الناس جميعا، والملكة في أولهم، ما كان منذ الليلة، فلا أعلمن أن ~~أحدا قد عرف خروجي من هذه الغرفة والرجوع إليها، وإني أقسم لا ينتهي إلي ما يدل على ~~ذلك أو يشير إليه إلا ضربت أعناقكم جميعا، وقد تعلمون أني لا أوعد إلا تحقق الوعيد.» ~~قالوا جميعا: «فإنا لا نعلم أن مولانا قد خرج من غرفته أو عاد إليها، وما نكاد نفهم من ~~حديث مولانا شيئا، ولولا أن علينا أن نأتمر وليس لنا أن نسأل لاستوضحنا مولانا بعض ما ~~يقول!» قال الملك: «أرى أنكم قد فهمتم عني ما أريد، فانصرفوا راشدين.» # ثم أوى إلى سريره فاستمتع بنوم لذيذ طويل، لا تروعه فيه الأحلام، ولا تزعجه عنه ~~أحاديث تلك الأرواح الهائمة التي تنطلق في الفضاء، وهي تجمجم ببعض الألفاظ، فيفهم عنها ~~الناس أحيانا ولا يفهمون عنها في أكثر الأحيان، وكان الملك خليقا أن يمضي في نومه هذا ~~الهادئ اللذيذ، لولا أن أحس على جبهته شيئا يشبه ما تعود أن يجد حين يستقبل نسيم ~~الصباح حين تدبر النجوم ويبتسم الليل عن كوكب النهار، فلما أحس هذا الروح أفاق من نومه ~~هادئا موفورا، وفتح عينيه فرأى شهرزاد قائمة ms06 إزاءه وقد وضعت يدها الرخصة على ~~جبهته وهي تمد إليه نظرة غامضة أحبها ولم يفهم منها شيئا. # قالت شهرزاد: «أفق أيها الملك السعيد غير مأمور! فقد ارتفع النهار، وأوشكت الشمس أن ~~تزول، وإن وزراءك لينتظرون مقدمك الميمون عليهم. ألم تتأذن فيهم أمس بأنك ستستقبلهم ~~متى أشرقت الأرض بنور ربها!» # قال الملك: «هو ذاك يا أحب الناس إلي وآثرهم عندي، ولكني أرقت منذ الليلة أرقا ~~طويلا، ولم أطعم النوم إلا حين كادت ظلمة الليل أن تنجلي.» قالت شهرزاد: «أرقت يا ~~مولاي؟! وما أرقك؟» قال الملك: «تسألين ما أرقني؟!» ثم سكت لحظة هم في أثنائها أن ~~ينبئ شهرزاد ببعض الأمر، ولكنه ذكر شيئا فرد نفسه إلى رشدها وقال مبتسما: «أرقني ~~الشوق إلى قصصك العذب الجميل.» # وكان الواقع من شهريار أن نفسه لم تسل عن قصص شهرزاد منذ انتهى في الليلة الواحدة ~~بعد الألف، وإنما كانت تتحرق شوقا إليه إذا أقبل ميعاده المعهود من الليل، وتتحرق ~~شوقا إليه إذا أقبل النهار، وكانت تشتغل بما تشتغل به من شئون الملك والقصر، ولكنها ~~كانت تحس دائما كأنها فقدت شيئا، وكأنها لا تستطيع عنه صبرا، وكأن الأمور لن تستقيم ~~لها إلا أن تجد هذا الشيء الذي فقدته، وكان هذا الشعور الغامض يصحب الملك في جميع ~~لحظاته، وحين كان يأتي ما يأتي من الأمر، وحين يدع ما كان يدع منه، وكان الملك من أجل ~~ذلك منغص الحياة دائما، ولكنه كان يجاهد نفسه ويخفي أمره ويتكلف الرضا ويتكلف ~~الابتسام، وربما تكلف الضحك أحيانا، وربما أقبل على اللهو فأسرف على نفسه وعلى حاشيته ~~فيه يريد أن ينسى، ولكنه لا يبلغ من ذلك شيئا، فيمضي في اللهو ليخيل إلى من حوله أنه ~~سعيد موفور. # وقد بلغ الملك من ذلك ما أراد، فخدع حاشيته كلها، خدع أهل دولته جميعا، وخيل إلى ~~الذين يقربون منه أو يبعدون عنه أنه أرضى الناس عن الحياة وأسعدهم بها، إلا اثنين لم ~~يستطع أن يخدعهما ولا أن يغرهما؛ وهما شهريار نفسه، وشهرزاد تلك الساحرة الماهرة ~~الماكرة ms07 التي كانت تعلم حق العلم بما يضرب في نفس الملك من قلق وما يملأ قلبه من حزن، ~~فترثي له حينا وتشمت به أحيانا، وتختلس إليه بين وقت ووقت نظرات كأنها السهام فيها ~~كثير من العطف، وفيها كثير من القسوة، وفيها كثير من الإغراء الذي يثير الطمع، وفيها ~~كثير من الإباء الذي يملأ النفس يأسا وقنوطا، ولكنها على ذلك كله لم تبادل الملك بشيء ~~مما كانت تعلم، وإنما عاشت معه حفية به متلطفة له غامضة مع ذلك أشد الغموض. # فلما كان من تلك الليلة أقبل الملك على غرفته، كئيب النفس، مريض القلب، قد امتلأ رأسه ~~بخواطر أقل ما توصف به أنها كانت قاتمة شديدة القتمة، ولكنها كانت ربما احمرت لحظة ~~قصيرة ثم عادت إلى ظلمتها المظلمة وسوادها المشتق من سواد الليل، فقد كان الملك يائسا ~~أشد اليأس من شهرزاد، قد عجز عن فهمها، وكان ضيقا أشد الضيق بشهرزاد، قد كل عن ~~احتمال عشرتها، فكان عليها ساخطا أشد السخط، وكان لها محبا أشد الحب، وكان يهم ~~أحيانا بأن يتقاضاها شيئا من الوضوح والجلاء في سيرتها وفي لفظها ولحظها، ويهم ~~أحيانا أخرى أن يتقدم إليها في أن تستأنف ذلك القصص الذي لا يستطيع عنه صبرا، ولكنه ~~كان واثقا بأنه يستطيع أن يتقاضاها ما شاء فلن يظفر منها إلا بما تشاء هي، ولن تشاء هي ~~إلا هذا الغموض الذي أصبح لا يطيق له احتمالا. # هنالك كانت خواطر نفسه تصطبغ بحمرة الدم، فقد كان يرى نفسه مقبلا على شهرزاد يضمها ~~إليه ضما شديدا عنيفا، ويهدي إليها قبلات محرقة ملتهبة، حتى إذا بلغ به الحب ~~والهيام أقصاه أغمد خنجره هذا الدقيق في صدرها هذا الناصع الجميل، وتلقى ما يفيض به هذا ~~الينبوع من دمها الحار، فلعله أن يشفي ما كان يجد من هذا الظمأ الذي لا شفاء له. على ~~أنه كان لا يكاد يلم بهذا الخاطر الأحمر، أو كان هذا الخاطر الأحمر لا يكاد يلم به، حتى ~~تأخذه رعدة عنيفة؛ فقد كان ضيقا بشهرزاد أشد الضيق، ms08 ولكنه كان يجد سعادته في هذا ~~الضيق، ولذته في هذا الألم، وراحة نفسه في تعبها من هذا الغموض، ومن يدري! لعله لو ~~انجلت له نفس شهرزاد وألغيت بينه وبينها الحجب، فرآها واضحة ناصعة كأنها فلق الصبح، ~~لامتلأت نفسه حزنا وحسرة؛ فإن العشاق لا يكرهون شيئا كما يكرهون الراحة المطردة، ولا ~~يضيقون بشيء كما يضيقون بهذا الوضوح الجلي، هم في حاجة دائما إلى أن يشكوا، فهم في ~~حاجة دائما إلى أن يجدوا مصدرا للشكوى، هم كطلاب المثل العليا، لا يقربون منها إلا ~~لتبعد عنهم، ولو قد بلغوها وانتهوا منها إلى ما يرضيهم لكانوا أشقى الناس بذلك وأشدهم ~~عليه سخطا؛ فسعادتهم في الطموح المستمر والجهاد المتصل، لا في بلوغ الغاية والانتهاء ~~إلى الأمد. # بهذا كله وبأكثر من هذا كله كانت نفس شهريار تضطرب حين أوى إلى سريره من تلك الليلة، ~~وقد أرقته هذه الخواطر شيئا، ولكن النوم لم يلبث أن أسرع إليه واشتمل عليه، ثم سمع ~~فيما يسمع النائمون حين يلم بهم طائف الحلم كأن قائلا يقول له: «إنك لضعيف مغرور، ~~تعني نفسك في غير عناء، وتشق عليها في غير مصدر للمشقة. أنت مشوق إلى قصص شهرزاد لا ~~تستطيع عنه صبرا، فهل علمت أنها هي أيضا مشوقة إلى هذا القصص لا تستطيع عنه إعراضا؟ ~~أنت ضيق بغموض شهرزاد لا تستطيع له احتمالا، فهل علمت أنها هي أيضا ضيقة بوضوحك لا ~~تستطيع له استقبالا؟ أنت تريد أن تلهو عن غموض شهرزاد بما تقص عليك من حديث، وهي أيضا ~~تريد أن تلهو عن وضوحك بما تقص عليك من أخبار. أنت ترى فيها المرأة الماكرة التي لا ~~تؤتمن والتي لا تحتمل عشرتها إلا أن يستعان عليها بما يلهي عنها، وهي ترى فيك الرجل ~~القاتل الغادر الذي يلتمس لذته حتى إذا ظفر بها ألغى مصدرها إلغاء، فلا سبيل إلى اتقاء ~~شره إلا بتلهيته والتلهي عنه. أنت مشوق إلى أن تسمع منها وإلا قتلتها، وهي مشوقة إلى أن ~~تتحدث إليك وإلا قتلتك، وقد انتهت أحاديثها إليك في ms09 اليقظة، ولتبدأن أحاديثها إليك في ~~النوم، وستجد أنت لذة في هذه الأحاديث، وستجد هي راحة في هذه الأحلام. أفق إذا من نومك ~~واذهب إلى غرفتها متلطفا مترفقا، فإذا بلغتها فاجلس من سريرها غير بعيد وانتظر، ~~فستسمع منها ما يرضيك.» # وقد خيل إلى شهريار أن طائفه ذاك قد ألقى إليه حديثه هذا الطويل في وقت يعد له طولا ~~كما تعود الناس أن يتحدث بعضهم إلى بعض، ولكنه لو اطلع لرأى أن طائفه ذاك لم يلم به ~~إلا لحظة قصيرة جدا ألقى إليه حديثه فيها جملة، وآية ذلك أنه أفاق فأنكر هذا الطائف ~~مرة ومرة. ولكنه كان كلما عاد إلى النوم وعاد النوم إليه، سمع هذا الحديث كله من طائفه ~~فأفاق منكرا لما سمع. يرى أنه لم ينم وإنما أغفى إغفاءة قصيرة أقصر من أن تطول لهذا ~~الحديث، فلما ألح عليه الطائف بحديثه لم ير إلا أن يجرب الأمر ويعبر الرؤيا ويختبر صدق ~~هذا الحلم، فسعى إلى غرفة شهرزاد فرأى فيها ما رأى وسمع فيها ما سمع، وأمر أحراسه ~~وأحراس الملكة بما أمر، ثم أسلم نفسه إلى النوم واطمأن إلى صدره الوثير حتى استلته ~~منه شهرزاد بيدها الرخصة الناعمة وصوتها العذب الجميل، ووجهها المشرق الوضاء، ونظرتها ~~تلك الغامضة أشد الغموض. # ومع ذلك فقد أنفق شهريار نهاره هادئا مطمئن النفس رضي البال متصرفا في أموره، كما ~~تعود أن يفعل قبل أن يعتريه هذا القلق، لا يحس خوفا ولا إشفاقا، ولا يشعر أنه فقد ~~شيئا ولا يجد في التماس هذا الشيء، ولا يضيق بعشرة شهرزاد، ولا يكره ما كان يحس فيها ~~من هذه الكبرياء البغيضة التي هي مزاج من الرثاء له والقسوة عليه. # ولم يتغير من سيرة شهرزاد شيء؛ فقد كانت كعهد الملك بها غامضة دائما حرة اللفظ ~~واللحظ، ولكنها كانت تشيع من حولها شيئا غريبا لا يعرف كنهه، ولكنه كان يبعث الأمن ~~والأمل والاطمئنان. # 3 # فلما كانت الليلة العاشرة بعد الألف أنفق الملك شطرا من الليل بين وزرائه وندمائه، ~~يخوض معهم في ألوان ms10 من الحديث، ويجاذبهم أطرافا من اللهو، ثم صرفهم حين تقدم الليل ~~كعادته، وخلا إلى الملكة بعد ذلك فقضى معها شطرا آخر من الليل، ذاق فيه من النعيم ما ~~شاء حبه لشهرزاد وما شاءت قدرة شهرزاد على فتنة المحبين وإمتاعهم بنعماء الحب وبأسائه ~~جميعا. # ثم افترق العاشقان بعد أن كاد الليل يبلغ ثلثيه، وثاب الملك إلى غرفته، ولكنه لم يأو ~~إلى سريره، وإنما لبث ساعة يتردد أينكر ما كان في الليلة البارحة ويقبل على النوم كأن ~~لم يكن شيء وكأن لم ير شيئا، أم ينتظر حتى إذا استيقن أن شهرزاد قد اشتمل عليها ~~الرقاد سعى إلى غرفتها واتخذ من سريرها مجلسه ذاك، لعله يسمع منها تتمة ذلك الحديث، ~~وكان إلى تتمة ذلك الحديث مشوقا أشد الشوق، وكان في الوقت نفسه عظيم الشك في أن تستقيم ~~له الأمور من ليلته هذه كما استقامت له من ليلته تلك. # وإنه لفي هذا التردد لا يدري أيقدم أم يحجم، وإذا النوم يأخذه في مجلسه وقتا لا ~~يدري أكان طويلا أم قصيرا، ولكنه يسمع في آخره طائفه ذاك يقول بصوته الهادئ المطمئن: ~~«لن يهلك الإنسان إلا إسرافه على نفسه بالشك والارتياب. إن كنت في حاجة إلى أن تسمع ~~حديث شهرزاد، فأسرع إلى مجلسك من سريرها، فقد آن لها أن تأخذ في الحديث، وما أراك تحب ~~أن تقص بقية خبرها على غرفتها تلك وما فيها من الأثاث.» # هنالك أفاق شهريار مرتاعا مذعورا، ولكنه لم يفكر في شيء ولم يسأل نفسه ولا حرسه عن ~~شيء، وإنما انسل مسرعا حتى دخل غرفة الملكة واطمأن في مجلسه غير بعيد من تلك النائمة ~~الهائمة التي لم يصدر عنها ما يدل على أنها قد أحست مقدمه، ولم يمض غير قليل من الوقت ~~حتى انتهت إلى سمعه تلك النغمات الحلوة الرشيقة الأنيقة تحمل إليه صوت شهرزاد وهي تقول: ~~«بلغني أيها الملك السعيد أن الملك طهمان بن زهمان قال لابنته فاتنة وهو يحاورها: إنني ~~قد علمت الآن ما يملأ نفسي قلقا وخوفا على قلة ms11 ما يعتادني القلق ويبلغني ~~الخوف.» # قالت فاتنة وقد ترددت في عينيها دموع حائرة تدفعها الرحمة لأبيها ويمسكها الإشفاق ~~عليه، أن يزداد حزنا إلى حزن واكتئابا إلى اكتئاب: «ويحي عليك يا أبت! ما عرفتك قبل ~~اليوم حافلا بالقلق أو معنيا بالخوف، وما أرى إلا أنك تفكر في ابنتك فتكثر التفكير، ~~ويسوءك أنك حين تفارق هذه الحياة لن تترك لها أخا ولا نصيرا، ولكني أحب أن تطيب نفسا ~~وتقر عينا؛ فإن ابنتك قد تعلمت منك كيف تواجه الحياة وتثبت لخطوبها وتنفذ من مشكلاتها، ~~وإني منبئتك الآن بما يثير في نفسك القلق ويبعث في قلبك الخوف.» قال أبوها: «وما أنت ~~وذاك يا ابنتي! ومن أين لك العلم بما لم ترتفع به الأنباء إلا إلي! ولم ترتفع به ~~الأنباء إلي إلا الساعة قبل أن ألقاك بلحظات!» قالت فاتنة: «فاسمع مني قبل كل شيء، ~~فإن يكن ما أنبئك به صحيحا كان ذلك خليقا أن يرد الراحة إلى نفسك والأمن إلى قلبك، ~~وإن يكن ذلك غير صحيح رددتني إلى الصواب ووجهتني من أمري حيث تحب، فلن أعصي لك أمرا، ~~ولن أرد عليك قولا.» قال الملك: «فهات ما عندك يا ابنتي.» # قالت فاتنة: «لقد ارتفعت إليك الأنباء الساعة بأن هؤلاء الخاطبين الخائبين من ملوك ~~الجن في البر والبحر والجو، قد ساءتهم الخيبة وأسخطهم ردي لهم وإعراضي عنهم، ووقع في ~~نفوسهم أني أزدريهم ولا أقدر مراتبهم حق قدرها، فاستحال حبهم لي بغضا وتنافسهم في ~~تظاهرا علي، وقد سعى بينهم السفراء، ثم كان بينهم الاتفاق، فأجمعوا رأيهم على أن ~~ينتظروا بك ما بقي من عمرك، وهم يرونه قصيرا وأراه طويلا، وقد أزمعوا إذا تركت هذه ~~الحياة أن ينصبوا لي الحرب مؤتلفين لا مختلفين، ومتظاهرين لا متدابرين، وألا يكفوا عن ~~هذه الحرب حتى يدمروا ملكي تدميرا، وأيهم ظفر بي فأنا أسيرته، يمسكني في قصره كما ~~تمسك الإماء؛ لا يكرمني بالزواج ولا يؤثرني بالحب، وإنما يصب علي من العذاب ~~ألوانا ويسومني من الضيم فنونا، وقد تقاسموا على ذلك بأغلظ الأيمان وأشدها ms12 إحراجا، ~~وكتبوا بذلك وثيقة أودعوها مكانا أمينا حصينا، هناك في قاع البحر المحيط وراء أعمدة ~~هرقل، وإني لأنظر إلى صحيفتهم هذه كما أنظر إلى وجهك الآن، وإني لأقرأ ما كتب فيها كما ~~أتبين ملامح وجهك، وإني لقادرة - إن شئت - على أن آتيك بها قبل أن تقوم من مقامك، ولكن ~~على أن تأخذها بيدك وتقرأها، ثم تعيدها إلي لأردها إلى مكانها؛ فقد سبق القضاء بأحداث ~~لا بد أن تقع، وجرى القدر بأمور لا بد من أن تكون.» # قال الملك وقد اضطرب اضطرابا شديدا، وظهرت على وجهه أمارات الرضا والدهش جميعا: ~~«قد كنت أعلم يا ابنتي أن لك كما لأترابك من بنات الجن علما بالسحر ونفاذا فيه ~~وتصرفا في دقائقه، وكنت أعلم أنك قد تفوقت عليهن في ذلك تفوقا ظاهرا كما تفوقت عليهن ~~في كل شيء، ولكني لم أكن أقدر أنك قد بلغت من ذلك هذا المبلغ الذي أراه! فمن أين لك يا ~~ابنتي هذا العلم؟ وكيف انتهيت من السحر إلى هذه المنزلة التي لم يبلغها قط أحد من ~~فتياننا ولا من فتياتنا؟» قالت: «ذلك خليق أن يرد نفسك إلى الراحة وقلبك إلى الاطمئنان، ~~فلا تحسب لما دبر هؤلاء الملوك حسابا، ولا تخش علي منهم غائلة.» قال الملك: «هو ~~ذاك يا ابنتي، ولكني أريد أن أعرف كيف انتهيت إلى هذه المنزلة من العلم بالسحر والنفوذ ~~إلى أسرار الكون؟» قالت فاتنة: «إنما انتهيت إلى هذه المنزلة لأني صرفت عن هذه الحياة ~~الباطلة التي يحياها بنات الملوك في ظل آبائهن ناعمات بالعيش الرخي، طامعات فيما ~~تتكشف لهن عنه الأيام، مفكرات فيمن يسعى إليهن محبا أو متملقا أو خاطبا. صرفت عن ~~هذا كله وعن أشباهه إلى النظر في حكمة الأولين والمحدثين، وإلى كثير من التجربة ~~والاختبار، ما أعرف أن أحدا عني بمثلها، ولكن أتريد أن تنظر في صحيفة هؤلاء الملوك؟» ~~قال الملك: «وإنك لقادرة على أن تأتي بها؟» قالت فاتنة: «قبل أن يرتد إليك طرفك.» ثم ~~مدت يدها في الهواء وردتها فإذا فيها علبة صغيرة ms13 مربعة من معدن تحمل أختاما كثيرة، ~~فوضعتها بين يدي الملك، ثم أشارت إليها فإذا هي تفتح دون أن تمس أختامها بفساد ما، ثم ~~تخرج منها قطعة رقيقة من رصاص فتدفعها إلى الملك، وينظر فيها ثم يردها إليها وقد بلغ ~~منه الدهش مبلغه وانتهى السرور به إلى أقصاه، وهو يقول لابنته: «لا بأس عليك من هؤلاء ~~الملوك مهما يدبروا ويقدروا، فما أرى إلا أنك ستردين كيدهم في نحورهم وستلقينهم بشر ~~مما يلقونك به.» # قالت وقد ردت الصحيفة إلى مكانها من العلبة، وأشارت إليها فعادت كهيئتها حين جاءت ~~بها، ثم أخذتها ومدت يدها بها في الفضاء ثم ردت يدها فارغة كأن لم تمسك شيئا قالت: ~~«ولأرينك من أمرهم ما تحب وما يكرهون.» قال الملك: «وما ذاك يا ابنتي؟» قالت: «إنهم ~~يأتمرون بهذا الملك ليدمروه، وبصاحبته ليستذلوها، وهم من أجل ذلك يهيئون للحرب ويجهزون ~~لها جهازا لم يجهزه أحد من قبل؛ فإن الحرب لا يقتلها إلا الحرب، وإن الكيد لا يفسده ~~إلا الكيد، وإن الحديد لا يفله إلا الحديد كما يقول هؤلاء الجيل من الناس الذين يعيشون ~~حولنا فيما يقولون من حماقاتهم.» قال الملك: «وإنك إذا لتريدين أن تسبقيهم إلى الحرب، ~~وما أنت وذاك وهم متفوقون في أقطار الأرض والبحر والجو، ولا قبل لك بغزوهم جميعا في ~~مستقرهم؟» قالت: «لن أغزو أحدا في مستقره، ولكني سأغزوهم حول هذه المدينة. سأثيرهم إلى ~~الحرب، حتى إذا ثاروا إليها واندفعوا فيها وألقوا بكل ما أعدوا من عدة وما حشدوا من ~~جند، رأيت كيف يكون إفناء القوة، وكيف يكون دحر الأعداء.» # وهم الملك أن يتكلم، ولكن فاتنة لم تمهله، وإنما قالت: «هون عليك، فلن أعلن على ~~أحد حربا، بل لن أسوء أحدا منهم، ولكني معلنة إليهم جميعا أني قد أزمعت أن أتخذ لي ~~من بينهم زوجا، وأني مختارة من بينهم من استطاع أن يقهر هذه المدينة بما عنده من عدة ~~وعدد، فستراهم يومئذ وقد جمعوا جموعهم وحشدوا قواهم وأقبلوا يريدون أن يدكوا هذا الملك ~~دكا، منهم من ms14 لا يريد إلا النصر الذي يتيح له الظفر بي، ومنهم من يريد أبعد من ذلك ~~وأنأى مراما، يريد التدمير الذي لا تدمير بعده ليخلص من قوة طالما فكر في أن يخلص ~~منها.» قال الملك: «وإنك لفاعلة هذا؟» قالت: «ما أريد أن تفارقني وفي نفسك ظل من خوف ~~علي أو إشفاق مما قد يدبر هؤلاء الملوك لي من كيد.» # ثم أشارت بيدها إشارة خفيفة، فما أسرع ما فتحت الأبواب، وأقبل الوزراء ورجال القصر، ~~فأعلنت إلى أبيها بين أيديهم أنها قد غيرت من رأيها، وعدلت عن سيرتها الأولى، وفكرت في ~~أن تتخذ لنفسها زوجا، ولكنها لا تريد أن يكون زوجها ضعيفا أو متسلطا على دولة ضعيفة؛ ~~إنما تريد أن تقترن بأقوى ملوك الجن قوة، وأشدهم أيدا، وأعظمهم بأسا، وأبعدهم صوتا، ~~وتريد أن تختبر ذلك بنفسها، وأي ملوك الجن استطاع أن يقهر مدينتنا هذه ويدخلها ~~عنوة، فأنا له زوج وملكي لملكه تبع. # وقد اضطربت نفوس الوزراء ورجال القصر لهذا الحديث حين سمعوه؛ فقد رأوا أهوال الحرب ~~تصب على بلادهم صبا، وأشفقوا مما تجره الحرب عليهم وعلى الرعية من مكروه، وهم غير ~~واحد منهم أن يراجع الأميرة فيما قالت، ولكنها أشارت إشارة خفيفة فانعقدت الألسنة وغضت ~~الأبصار، وانحنت الرءوس، وخرج رجال القصر وقد أذعنوا للأمر، وقال وزير الملك: إنه مبلغ ~~تحدي الأميرة لملوك الجن جميعا من فوره، وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام ~~المباح. # وعاد شهريار إلى غرفته ناعم البال بما سمع، ولكنه كان مضطرب النفس أشد الاضطراب، فلم ~~يكن شهريار كعهد الناس به حين كانت تقص عليه أحاديث «ألف ليلة وليلة» ثائر النفس، جامح ~~الشهوة، سيئ الظن بالمرأة، مستجيبا لغرائزه حين تدعوه إلى ما تدعوه إليه من الخير ~~والشر، إلا أن يلهى عنها بفنون الحديث، وإنما كان رجلا آخر قد خلقته شهرزاد خلقا ~~جديدا. # كان كثير التفكير متصل التروية، لا يرى شيئا إلا اجتهد في أن يعرف مصدره وغايته، ولا ~~يسمع شيئا إلا جد في أن يفهم ظاهره وتأويله، وكان هذا الجهد العقلي ms15 الطارئ عليه ~~يعنيه أول الأمر، ولكنه اتصل حتى أصبح عادة لشهريار، وإذا هو مفكر دائما، مقدر دائما، ~~منفق وقته وجهده في التحليل والتعليل، لا ينصرف عن ذلك إلا حين تشغله شهرزاد بجدها ~~قليلا وبدعابتها كثيرا، وفي الحق أن شهرزاد لم تكن تشغله عن التفكير، وإنما كانت ~~تريحه منه وقتا ما، حتى إذا انصرفت عنه ردته إلى التفكير، وإلى التفكير الذي يزداد شدة ~~وعنفا كلما لقي شهرزاد وانصرف، وقد تركت في نفسه وأمام عقله من الألغاز والأسرار ما ~~يكلفه الجهد المضني دون أن ينفذ إلى أعماقه. # وكان أمر شهريار قد شق على الناس جميعا؛ فوزراؤه ورجال حاشيته قد أنكروا منه هذا ~~الهدوء الذي لا عهد لهم به، وهذه الدقة في القول والعمل جميعا، وهذه الدقة فيما كان ~~يوجه إليهم من حديث، وقلة الرضا بما كانوا يقدمون إليه من رد؛ لأنه كان يريدهم على أن ~~يصطنعوا الدقة كما يصطنعها، ويمعنوا في التفكير كما يمعن فيه. # وإنما كانت شهرزاد وحدها هي التي لم تنكر من الملك شيئا، ولم ينكر منها الملك شيئا. ~~كانت تلقى هدوءه بهدوء مثله وتفكيره بتفكير أشد منه تعمقا، وكانت تسمع أحاديثه الدقيقة ~~فترد عليه بأحاديث أشد منها دقة، حتى استعجمت أحاديثهما أو كادت تستعجم على الذين كانوا ~~يحضرون مجالسهما من أهل القصر ورجال الدولة، وقد شاع بين أولئك وهؤلاء أن طائفا غريبا ~~قد ألم بالقصر فأفسد على هذين العاشقين أمرهما، فهما يقولان ما لا يفهم، ويتناجيان ~~بما لا يدرك، والغريب أن الملكة تفهم عن زوجها كل ما يقول، وأن الملك لا يفهم عنها إلا ~~قليلا! تلك كانت حال شهريار، فليس غريبا إذا أن يعود إلى غرفته بعد أن أدرك شهرزاد ~~الصباح فسكتت عن الكلام المباح، هادئا مضطربا معا، تجيش في رأسه خواطر غريبة عن حديث ~~فاتنة هذا الذي استأنفته شهرزاد منذ ليلتين. # وقد كان شهريار فيما مضى يسمع قصص شهرزاد فيفهمه ويرضى عنه ويلهو بظاهره، لا يتكلف له ~~تأويلا ولا تعليلا، ولا يلتمس لألفاظه الواضحة السهلة معاني ملتوية معقدة، ms16 ولكنه الآن ~~يسأل عن فاتنة هذه من تكون وما تكون؟ وهل هناك سبب بينها وبين شهرزاد؟ وهل هناك صلة بين ~~قوتها الجامحة الثائرة وبين هذه القوة الهائلة التي تتسلط بها شهرزاد على كل من دنا ~~منها أو نأى عنها؟ وهل هناك صلة بين ازدراء فاتنة لملوك الجن وازدراء شهرزاد لملوك ~~الإنس، فما من شك في أن شهرزاد لا تزدري ملوك الإنس وحدهم، ولكنها تزدري الملوك والرعية ~~جميعا، وما من شك في أن شهرزاد تزدري شهريار نفسه، وإلا لتلقته بنفس مشرقة مسفرة، ~~ولجنبته هذه السيرة الغامضة وهذه الأحاديث الملتوية. # وهنا كان الدم يغلي في عروق شهريار، وتعود إليه غريزته الأولى عنيفة طاغية، فينهض ~~واقفا وقد جاشت في نفسه عواطفه الثائرة، واضطربت في رأسه خواطره الحمراء، ولكنه لا ~~يلبث أن تتمثل له ابتسامة حلوة أهدتها إليه شهرزاد في بعض الحديث، أو دعابة ظريفة ~~ساقتها إليه شهرزاد في ساعة من ساعات اللهو، أو نظرة رحيمة نظرتها إليه شهرزاد في لحظة ~~من لحظات الحنان، وإذا هو يثوب إلى نفسه هادئا وادعا كأنه الطفل، نادما على ما قدم ~~من سوء الظن بهذه التي لا ينبغي أن تساء بها الظنون. # وكذلك أنفق الملك السعيد بقية ليله شقيا محزونا مضطرب النفس مختلط الأمر، لا يستقر ~~في مجلسه إلا لينهض منه ويمضي في غرفته ذاهبا آئبا، وربما أشرف من النافذة فملأ صدره ~~من نسيم الليل بما يحمل من عطر رطب لذيذ، وملأ عينيه من ظلمة الليل بما يضطرب فيها من ~~ضوء ضئيل نحيل، ولكن الشيء المحقق أنه لم يأو إلى سريره ولم يفكر في أن يأوي إليه، ~~إنما قضى بقية ليله سائرا حائرا، وكان خليقا أن يقضيها هادئا راضيا بعد ما سمع من ~~قصص شهرزاد، وقد كان يسأل نفسه عن مصدر هذه الحيرة وعن علة هذا السهاد، وكان يقدر أنه ~~يجد في قصص شهرزاد ما كان في حاجة إليه من نسيان نفسه ونسيان الناس والتجرد من هذا ~~العالم الثقيل عليه البغيض إليه، كما كان ذلك شأنه حين كانت ms17 شهرزاد تمتعه بقصصها ~~اليقظان، فأما هذا القصص النائم فإنه لا ينقع له غلة ولا يشفي له صدى، وإنما يزيده ظمأ ~~إلى ظمأ وتحرقا إلى تحرق؛ فهو أشبه شيء بهذه الأشربة الحادة التي يظمأ إليها الراغبون ~~في السكر، يظنون أنها ستبرد أكبادهم وتطفئ ما في أحشائهم من لهب، ولكنهم لا يتجرعون ~~كئوسها حتى تزداد أكبادهم احتراقا ويزداد اللهب في أجوافهم تلظيا واضطراما، فهم ~~يتداوون منها بها؛ كما يقول الأعشى، ويتخذون داءها دواء؛ كما يقول أبو نواس، ولو قد ~~استطاع شهريار أن يجعل ليل شهرزاد كله حلما ينطق بهذا الحديث العذب والقصص الجميل ~~لفعل، ولكن من له بذلك وقد قدرت له أحلام صاحبته تقديرا، وقطرت له أحاديثها تقطيرا؛ ~~فهي تبدأ في موعد موقوت لا تستطيع أن تسبقه، وتنتهي عند أجل محدود لا تستطيع أن ~~تتجاوزه، وقد كان قادرا على أن يستزيد شهرزاد حين كانت تحدثه مستيقظة، وكان قادرا أن ~~يستوضحها إن أشكل عليه بعض الحديث، فأما الآن فهو لا يستطيع أن يستزيدها ولا أن ~~يستوضحها؛ لأنها لا تعرف أنها تقص عليه شيئا، ولا تعقل مما تقص عليه شيئا. بل هو لا ~~يستطيع أن يشير إلى هذه الأحاديث التي تلقيها إليه أحلام شهرزاد، فقد قال له طائفه فيما ~~قال: «احذر أن تنبهها من قريب أو بعيد إلى هذا القصص؛ فإنك إن تفعل لم تزد على أن ترد ~~عنها الأحلام وتحرم نفسك ما بقي لها من هذه اللذة المختلسة.» # وكان الضيق قد بلغ بشهريار غايته حين بلغت أذنيه أصوات الطير المستيقظة وهي تستقبل ~~النهار فرحة مرحة، وتتلقى ضوء الشمس مبتهجة به أعظم الابتهاج نشيطة له أشد النشاط، وقد ~~وقعت هذه الأصوات العذبة المختلفة من نفس الملك أحسن وقع، فثاب إلى قلبه المذعور شيء من ~~أمن وإلى نفسه اليائسة شيء من رجاء، وإذا هو يجد حاجة قوية إلى أن يغتدي مع الطير، ~~ويسلم نفسه إلى هذه الطبيعة الحرة المرحة المبتهجة، فيفنى فيها ويصبح جزءا من أجزائها ~~وعنصرا من عناصرها ساعة أو ساعات، وها هو ذا ms18 يسعى إلى طنف من أطناف الغرفة، فيشرف منه ~~على هذه الجنة المطيفة بالقصر، والتي لا يبلغ الطرف أرجاءها مهما يمتد ومن أي ناحية ~~يمتد، وإذا هو يفتح صدره للنسيم العذب، وعينه للضوء المشرق، وسمعه للأصوات التي يتغنى ~~بها الفضاء العريض، وإذا هو ينسى نفسه أو يكاد ينساها، لا يكاد يشعر إلا بأنه يخطو ~~خطوات متثاقلة يتبع بعضها بعضا في أناة وبطء، وقد ذهل عما حوله وذهل عنه ما حوله، وهو ~~يهبط درجات السلم رزينا متثاقلا يكاد يترنح ترنح الثمل السكران، وهو يسعى لا يكاد يحس ~~خطاه لأن قدميه لا تمسان الأرض، وإنما تتنقلان على هذا البساط الكثيف الذي نسجته ~~الطبيعة ونسجه معها البستانيون من سندس العشب، وما يزال كذلك يسعى أمامه لا يلوي ~~على شيء حتى يحس في مثل الحلم كأنه ينعطف عن غير إرادة إلى اليمين؛ لأن طريقه كانت ~~تقتضي الانعطاف إلى يمين، فيمضي ويمضي، وهو يحس في نفسه حسرة ضئيلة خفية؛ لأنه لا ~~يستطيع أن يستمتع بما حوله من فنون الزهر والشجر، وقد تعود حين كان يسعى في جنته هذه ~~ألا يتقدم إلا ليتأخر وألا يمضي إلا ليقف، وكانت له وقفات طويلة عند هذه الألوان من ~~الزهر الذي نسق أجمل تنسيق وأروعه، يحدق في هذه الزهرة ويمتحن هذا النجم، وربما ~~تحدث إلى هذا البستاني أو ذاك سائلا حينا وآمرا حينا آخر، ولكنه في هذا اليوم يمضي ~~أمامه لا يلوي على شيء ولا يفكر في شيء ولا يقف عند شيء. # وليس من المحقق أنه كان يرى هؤلاء البستانيين الذين كانوا ينهضون إذا رأوه مقبلا من ~~بعيد، فيحيون وينتظرون أن يلقي إليهم السؤال أو يصدر إليهم الأمر، يبتهجون بذلك في ~~دخائل ضمائرهم ويتمنون به الأماني. # ولكن الملك كان يمر بهم ذاهلا عنهم، أو كان ينظر إليهم نظره إلى التماثيل القائمة ~~التي لم يكن ينتظر أن تسمع منه كلاما أو ترد عليه رجع حديث، وكان هؤلاء البستانيون ~~يسقط في أيديهم إذا مر بهم الملك غافلا عنهم غير مكترث بهم، فيردون أنفسهم ms19 إلى ~~التعزي عن هذه الابتسامة التي كانوا ينتظرونها، وعن هذا الأمل الذي كانوا يداعبونه، ~~ويقول بعضهم لبعض: «ما بال مليكنا كئيبا محزونا منذ اليوم؟» # ولكن ملكهم لم يكن كئيبا ولا محزونا، وإنما كان نشوان ثملا قد صرفته الحياة عن ~~الأحياء وصرفته الطبيعة عن الناس والأشياء؛ فهو يمضي أمامهم لا يلوي على شيء، حتى ~~إذا بلغ من جنته مكانا بعينه انحرف إلى شماله فمضى في ممر ضيق ضئيل تحف به من جانبيه ~~أشجار ضخام في الفضاء طوال في السماء، قد تضامت غصونها واختلطت أوراقها حتى انعقد ~~منها سقف كثيف لا ينفذ منه ضوء الشمس إلا ضئيلا هزيلا بعد مشقة شاقة وجهد جهيد، ~~والملك يمضي أمامه في هذا الممر الضيق كأنه النفق، حتى إذا مشى غير قليل انفرجت هذه ~~الشجرات الملتفة المتكاثفة قليلا قليلا، حتى جعلت بينها مكانا رحبا فسيحا قد فرش ~~بالعشب المتكاثف، وقامت في أطرافه نجوم وأزهار لاذت بهذه الأشجار الضخام الطوال كأنما ~~تحتمي بضخامتها وطولها من العاديات. هنالك وقف الملك فأطال الوقوف، وتنفس هذا الهواء ~~العذب الرطب فأطال التنفس، ثم جلس على الأرض متهالكا متثاقلا، ثم أسلم نفسه إلى ما ~~حوله، فلم يشعر بشيء ولم يحس شيئا، ولكنه يفيق من نومه مذعورا أو كالمذعور؛ فقد سمع ~~صوتا حلوا يشبه صوت الماء وهو يتحدر في غديره ذاك بين النرجس والياسمين، لولا أن في ~~هذا الصوت حياة لم يتعود أن يجدها في خرير الغدير، ولولا أن في هذا الصوت تقطعا ~~وتكسرا وتهالكا، لم يتعود أن يجد مثله في تحدر الماء بين النرجس والياسمين، ويفتح ~~الملك عينيه، فيرى فتنة لا تلبث أن تملك عليه سمعه وبصره وقلبه وعقله جميعا. # هذه شهرزاد قائمة منه غير بعيد، تنظر إليه نظرات فيها الحنان والمكر، وهي مغرقة في ~~ضحك هادئ عذب يرتفع له صدرها وينخفض، ويغشي وجهها بغشاء من الجمال الرائع ليس إلى ~~تصويره من سبيل، وهذا الملك ينظر إليها مسحورا مبهورا، وهي تضحك من ذهوله وحيرته، ~~ولكنه ينهض خفيفا ويسعى سريعا، حتى إذا بلغها أو ms20 كاد جثا أمامها غاضا بصره إلى ~~الأرض رافعا يديه إلى السماء كأنه المؤمن الذي يتقرب إلى التمثال، وهي تضع يدها على ~~رأسه ضاحكة كأنها تبارك عليه، ولكنها لا تلبث أن تستحيل إلى حنان خالص، وإذا هي تميل ~~إليه مترفقة فتضع على جبهته قبلة حلوة حارة طويلة، ولو أنها تحدثت في تلك اللحظة لأحس ~~شهريار في صوتها تهدج العبرات التي تريد أن تندفع من العيون، ولكنها الإرادة القوية ~~تمسكها فيظهر أثر هذا الصراع في الصوت المحتبس والألفاظ التي لا تبين، ولكنها لم تقل ~~شيئا، وإنما استقام قدها المعتدل وامتدت يدها الرخصة إلى الملك فأنهضته صامتة، ~~واستجاب لها الملك صامتا طيعا، فمضت به خطوات إلى نشز من الأرض قريب يكسوه العشب ~~فأجلسته وجلست إلى جانبه، وأحاطت عنقه بيدها ثم أمالته في رفق حتى وضعت رأسه على كتفها، ~~وظلت تنظر إليه، وظل ينظر إليها وهما مغرقان في صمت عميق، ثم يسمعها شهريار تتحدث إليه ~~في صوت هادئ وادع وهي تقول له: «ألم يأن لنا بعد أن نهبط من السماء وأن ننزل إلى ~~الأرض فنعيش فيها مع الناس؟» # ولكن شهريار لا يجيبها، وإنما تنحدر من عينيه دمعتان هادئتان تمسحهما شهرزاد في رفق، ~~ثم تنعطف إلى الملك فتقبل جبهته مرة أخرى، ثم تقيمه حتى إذا استوى في مجلسه جعلت ~~تمر أصابعها في شعره رفيقة به باسمة له مطيلة النظر إليه صامتة مع ذلك لا تقول ~~شيئا، وكأن هذا العطف الصامت الحار قد بعث الحياة والنشاط في قلب الملك وجسمه وفي عقل ~~الملك وإرادته؛ فهو يرفع رأسه إلى شهرزاد ويسألها في صوت كأنه يأتي من بعيد: «ألا ~~تنبئينني آخر الأمر: من أنت؟ وماذا تريدين؟» قالت وقد استردت نشاطها ومرحها وانحسر عنها ~~العطف والحنان كما ينحسر البحر عن الساحل ساعة الجزر وبدت مداعبة شموسا: «من أنا؟! أنا ~~شهرزاد التي أمتعتك بقصصها أعواما لأنها كانت خائفة منك، والتي تمتعك بحبها الآن لأنها ~~واثقة بك مطمئنة إليك، وماذا أريد؟! أريد أن أرى مولاي الملك راضيا سعيدا ناعم البال ~~رخي ms21 العيش مبتسما للحياة كما تبتسم له الحياة.» # ولم يكد شهريار يسمع هذا الصوت الحلو يحمل إليه هذه الألفاظ الساحرة حتى أطرق إلى ~~الأرض غاضا بصره متهالكا، كأنه الطائر القوي، هم أن يرتفع في أجواء السماء فأثقلته ~~قوة قاهرة لم يستطع لها مقاومة، فارتد إلى الأرض وجثم عليها مذعنا مقهورا، وتدنو منه ~~شهرزاد فتمسح على رأسه وتنظر في وجهه وترسل إليه هذه الابتسامة الغامضة، فيتلقاها ~~مشفقا مغيظا في وقت واحد، ثم يظلان على هذا الوضع لحظات، وإذا هو يسألها: «ألا ~~تجلسين!» فتستجيب له كما تستجيب الأمة الخاضعة للسيد المتسلط، فلا يزيده هذا إلا حيرة ~~وغيظا، وهو يعيد سؤاله في صوته الهادئ الذي كأنه يأتي من بعيد: «ألا تنبئينني آخر ~~الأمر من أنت؟! وماذا تريدين؟» فتجيبه هذه المرة في صوت جاد فيه كثير من الرحمة ~~والحنان: «من أنا؟! أنا شهرزاد التي أحبتك قبل أن تعرفك كما لم تحب فتاة رجلا قط، ~~والتي خافتك حين عرفتك خوفا لم يخفه إنسان إنسانا قط، والتي زفت إليك تتحدى الموت ~~وتتحدى السلطان وتتحدى الحب والبغض جميعا، فبلغت من نفسك هذه المنزلة التي تراها أو ~~التي لا تراها، ثم أصبحت الآن وهي لا تفكر إلا فيك ولا تفكر إلا بك ولا تفكر إلا لك. ~~ماذا أريد؟! أريد أن تكون سعيدا موفورا، ولكني لا أعرف كيف أجعلك سعيدا موفورا. من ~~أنا؟! أنا من تحب أن ترى في أي ساعة من ساعات النهار، وفي أي ساعة من ساعات الليل. أنا ~~أمك حين تحتاج إلى حنان الأم، وأنا أختك حين تحتاج إلى مودة الأخت، وأنا ابنتك حين ~~تحتاج إلى بر البنت، وأنا زوجك حين تحتاج إلى عطف الزوج، وأنا خليلتك حين تحتاج إلى مرح ~~الخليلة، أنا كل هذا، وماذا أريد؟! أريد ما تريده الأم لابنها، وما تريده الأخت لأخيها، ~~وما تريده البنت لأبيها، وما تريده الزوج لزوجها الوفي، وما تريده العشيقة لعشيقها ~~المفتون، وقد سألتني فألحفت علي في السؤال، أفتأذن لي في أن أسألك؟» فيرفع الملك ~~إليها بصره كالمنكر لما ms22 تقول، ولكنها تتضاحك وتتماجن وتسأله: «كيف أراك في هذا المكان ~~من جنة القصر حين كان ينبغي أن أراك في غرفتك تتهيأ للخروج إلى حيث تستقبل وزراءك ~~وتصرف أمور ملكك، أو أراك قد خرجت مبكرا فأقبلت على شئون الدولة تصرفها حفيا بها ~~مكبا عليها. وكيف أذنت لنفسك في أن تنسل من غرفتك على هذا النحو الذي لم يعتده ~~الملوك، وعلى هذا النحو الذي لم يألفه المحبون؟ فأنت لم تؤذن أحدا من رجال حاشيتك بأنك ~~مقبل على هذا المكان القصي. ولولا أنك مراقب في قصرك كما يراقب أشد الناس عداء للدولة ~~وخطرا عليها، لوجدت مشقة كل المشقة في الاهتداء إلى مكانك هذا، ثم أنت لم تؤذني ولم ~~تؤذن أحدا من وصائفي بسعيك إلى هذا المكان، وقد كنت خليقا أن تذكر أني لا أكاد أنهض ~~من مضجعي وأفرغ من زينتي حتى أسعى إلى غرفتك لتكون أول من يراني ولأكون أول من يراك. ~~أترى إلى ذنوبك يا مولاي! إنها عظيمة جسيمة، وإنك خليق أن تستغفر منها إلى أمتك هذه ~~التي تعفيك من الاعتذار وتستغفرك من تحدثها إليك في هذه اللهجة القاسية التي إن صورت ~~شيئا فإنما تصور الحب والإشفاق والحنان.» # ثم تضمه إليها وهي تقول: «حدثني الآن كيف انتهيت إلى هذا المكان؟! أم تريد أن أحدثك ~~أنا بهذا الحديث؟» قال شهريار: «وإنك لتعلمين كيف انتهيت إلى هذا المكان؟» قالت وقد ~~عادت إلى ابتسامها الغامض وصوتها الغريب: «إنك يا مولاي ملك عظيم، ولكنك على ذلك تمر ~~بأطوار الطفل الصغير، وأي عسر في أن أقص عليك بدء حديثك؟ لقد أيقظتك أمس حين أوشكت ~~الشمس أن تزول، وأنبأتني بأنك قضيت الليل مؤرقا مسهدا، ولقد اجتهدت في أن أسري عنك ~~وأردك إلى ما ينبغي لك من الدعة والرضا، وخيل إلي أني تركتك أمس راضيا محبورا، ~~ولكني استيقظت مبكرة وأسرعت إلى غرفتك، فلما لم أرك فيها ورأيت بابها إلى الطنف ~~مفتوحا، استيقنت أنك قد أرقت من ليلتك هذه أكثر مما أرقت في ليلتك تلك، واستيقنت أنك ~~قد ضقت بغرفتك ms23 فخرجت منها مع الصبح وأخذت طريقك إلى مكان عزلتك هذا، فتبعتك حتى ألفيتك ~~مغرقا في هذا النوم الذي أغراه بك الجهد والإعياء. أليس هذا كل حديثك يا مولاي؟! ~~أمحتاجة أنا إلى ذكاء الرجال أو إلى كيد النساء لأعلم علمه ثم لأعيده عليك كما ~~كان؟» # وانتظرت أن يجيبها شهريار، ولكنه لم يحر جوابا، فعادت إليه تسأله متلطفة: ~~أمستخذون نحن من هذه القصة؟ إنها لا تدل على براعة ولا على مهارة ولا على قوة وأيد، ~~وإنما تدل على ضعف وتهالك وانحلال في الأعصاب، ومن أجل ذلك فكرت في أن أطب لك حتى ~~أشفيك من هذه العلة التي لا أعرفها وما أراك تعرفها، ولكني سأبرئك منها على كل حال.» ~~قال مبتسما: «وكيف تبرئينني من داء لا تعرفينه؟» قالت في صوت المرحة المتمردة: «فإني ~~طبيبة لا كالأطباء، أداوي ما أجهل وأداوي ما أعرف، وربما كنت على علاج الداء المجهول ~~أقدر مني على علاج الداء المعروف.» قال وقد اتسع ابتسامه وأوشك أن يكون ضحكا: «وكيف ~~ذاك؟» قالت: «ذاك أني سأقلب نفسك على جميع وجوهها، وسأرسل عليها من نفسي قوة لا تعرفها ~~ولا تقدرها، وسأرد عليك ما فقدت من بأس وأيد. إنك لا تعرفني. ألست تقول لي ذلك في كل ~~وقت؟ قال شهريار حازما: «فهذه علتي.» قالت: «سأبرئك منها.» قال: «ستعرفينني نفسك ~~إذا؟» قالت في كثير من الدل: «سأعرفك منها ما ينبغي أن تعرف لتسترد قوتك ونشاطك؛ ~~ولتعنى برعيتك هذه التي أخذت تهملها منذ حين. على أني لا أدري لماذا تريد أن تعرفني! ~~أضقت بحبي إلى هذا الحد؟» # فنظر إليها حائرا كأنه لم يفهم عنها. قالت في دلال وحدة: «لا تنظر إلي هذه النظرات ~~الحائرة! إنك ملك عظيم تدبر أمور رعية لا تكاد تحصى، وقد بلغت سنك هذه التي لا يبلغها ~~الرجل حتى يكون قد خبر الدهر وانتفع بتجاربه. ألم تعلم بعد أن الحب لا يقتله شيء كما ~~تقتله المعرفة؟ إن كنت زاهدا في حبي ضيقا به، فإني أستطيع أن أشفيك من علتك فأظهرك من ~~نفسي ms24 على جميع أثنائها وأحنائها، ويومئذ تنصرف عني وتزهد في، ومن يدري؟! لعلك تلحقني ~~بأولئك النساء اللاتي أرسلتهن إلى العالم الآخر، ولكني أنا لم أزهد في حبك ولم أزهد في ~~الحياة بعد، وإذا فلن أمكنك من الانصراف عني والزهد في، وإذا فستسعى دائما إلى أن ~~تعرفني، وسيخفى دائما عليك مني بعض الشيء، وستحبني ما دمت تجهلني، وستجد من هذه الحرب ~~بين الحب والمعرفة قوة تحبب إليك الحياة وترغبك فيها، ولكن أين نحن الآن من النهار؟ ~~وأين نحن الآن من شئون الملك؟ وأين نحن الآن من شئون أنفسنا؟ ألا تحس ألم الجوع؟ إني لا ~~أكاد أستقر من شدة ما أجد من هذا الألم، ولكن انتظر قليلا.» ثم تضرب إحدى يديها ~~بالأخرى مرة ومرة، وإذا الخدم يسعون وهم يحملون إلى الملك والملكة ما يحتاجان إليه من ~~طعام وشراب، ويهم أن يتكلم ولكنها تسبقه إلى الكلام، فتقول ضاحكة: «أنت أسيري منذ الآن ~~يا مولاي، لن أفارقك حتى تفارقك علتك. إن غرفتك حرام عليك، ستنفق الليل في غرفتي، ~~سأسلمك إلى النوم وديعة محفوظة، وسأستردك من النوم كما يسترد المودع وديعته، وسألزمك ~~حتى تضرع إلي في أن أريحك من نفسي ساعة أو بعض ساعة.» قالت ذلك وانحنت إليه فقبلت ~~بين عينيه والخدم ينظرون وينظمون المائدة، ولكن شهريار لم يقل شيئا، ولو كشف لنا عن ~~نفسه لما عرفنا أكان سعيدا أم كان شقيا، فقد كان أحب شيء إليه أن يكون أسير شهرزاد، ~~ولكنه كان يشفق أن تسلمه شهرزاد إلى النوم وأن تأمر النوم فيحتفظ به حتى يرده إليها ~~وتفوته بذلك أحلام شهرزاد. # على أنه لم يكد يعود إلى طبيعته المألوفة التي رده إليها إقدامه على الطعام والشراب ~~والحديث حتى نسي الليل وسهوده وهجوده ووطن نفسه مسرورا محبورا، على أن ساعة مع ~~شهرزاد خير من كل أيامه تلك التي كان يحياها منفردا أو كالمنفرد، لا يلقى زوجه إلا ~~بمقدار وعلى ميعاد، حسب ما تقتضيه ظروف الحياة للملوك الذين أثقلت قصورهم التقاليد التي ~~تراكم بعضها فوق بعض على ممر ms25 الدهور واختلاف الأجيال ، وما يمنعه وقد فتحت له شهرزاد هذا ~~الباب الذي لم يكن ينتظر أن يفتح له، ما يمنعه أن يتمارض ويتكلف العلة ويلقي إلى وزيره ~~مقاليد الدولة يدبرها كما يشاء أو كما يستطيع، حتى يبل هو من مرضه أو من تمارضه! ما ~~يمنعه أن يتكلف العلة ليخلص لشهرزاد ما دامت هي تريد أن تخلص له! ولكن ما الذي حملها ~~على أن تلقاه بهذا العطف الذي لم يتعوده، وبهذا الحنان الذي لم يألفه! أتراها صادقة ~~فيما تظهر من ذلك أم تراها متكلفة؟! وما الذي يدعوها إلى هذا التكلف، وهي تعلم حق العلم ~~أنها مستأثرة بقلب الملك وعقله تأمرهما بما تشاء دون أن تخشى منهما امتناعا عليها، ~~وتنهاهما عما تشاء دون أن تخشى منهما خلافا، وهي أكرم على نفسها وأرفع في نفسها من أن ~~تتملق رجلا أو تتلطف له مهما يكن؟! هي إذا لا تتكلف هذه العواطف، ولكنها مع ذلك لم ~~تألف هذه العواطف ولم يألفها منها شهريار! وإنما هي غامضة دائما، مدلة دائما، لا ~~تدنيه إلا لتقصيه، ولا تلطف به إلا لتعنف عليه، أفتراها قد وصلت إلى دخيلة نفسه، ووقفت ~~على جلية أمره، وعرفت أنه مريض حقا، وأشفقت عليه من هذا المرض؛ فهي تريد صادقة أن ~~تبره وترفق به وتطب علته حتى يبرأ. # كل ذلك ممكن وغير ذلك ممكن، سواء منه ما عرفه شهريار وما لم يعرفه، فقد استقر في نفسه ~~أن صاحبته بحر لا يسبر غوره، وليل لا تنجلي ظلمه، ولغز لا تحل مشكلاته، وهو على ذلك ~~ناعم بعشرتها سعيد بما تحمله عليه من الرضا والسخط، ومن اللذة والألم، ومن النعيم ~~والبؤس، ومن الظفر والحرمان. فلينتهز إذا هذه الفرصة التي هيئت له، ولينعم بهذه ~~السعادة التي تعرض عليه، وليعش في ظل شهرزاد ناعما بائسا وسعيدا شقيا كما تعيش ~~رعيته في ظله هو ناعمة بائسة وسعيدة شقية. وقد كان يظن أنه الملك، وأن كلمته هي العليا، ~~وأن أمره هو المطاع الذي لا معقب له، فقد ظهر له الآن أن ms26 هناك ملكا أقوى منه وأعظم ~~سلطانا، وأنه هو الرعية لهذا الملك، وهل شهرزاد آخر الأمر إلا قوة متسلطة عليه تصرفه ~~كما تريد وتدبر أمره كما تهوى دون أن يستطيع امتناعا عليها أو إباء؟! # وكذلك أنفق شهريار نهاره الأول كالطفل خاضعا لسلطان أمه الحنون، تأمره فيأتمر وتنهاه ~~فينتهي، واجدا في ذلك اللذة كل اللذة والنعيم كل النعيم، وكانت شهرزاد رفيقة به إلى ~~أقصى غايات الرفق، محبة له إلى أبعد آماد الحب، تصرفه في فنون الهزل والجد، وتنقله في ~~أطوار المرح والهدوء، حتى إذا ضرب الليل سرادقه المظلم الكثيف على الكون أوت به إلى ~~غرفة من غرفاتها، فتحدثت إليه فنونا من الحديث، وأسمعته ألوانا من الغناء وضروبا من ~~الموسيقى، ثم أقبلت إليه آخر الأمر باسمة هادئة وقالت له في صوت متكسر بعض التكسر فاتر ~~بعض الفتور: «قد آن للطفل أن يستريح إلى النوم فيما أظن، هلم إلى مضجعك يا مولاي.» ثم ~~أخذت بيده ومضت وهو يتبعها مستسلما محبا لهذا الاستسلام منكرا له في قرارة نفسه، ~~سائلا عن إرادته أين ندت، وعن قوته أين شردت، راجيا ألا تعود إليه هذه الإرادة وألا ~~ترد إليه هذه القوة، فمن الخير أن ينعم الإنسان «بإجازة» يستريح فيها من إرادته وقوته ~~ومن ملكات نفسه كلها، وقد أذن لشهرزاد بهذه الإجازة، فهو ينعم بها غارقا في لذاتها إلى ~~أذنيه، وها هو ذا قد أوى إلى سريره، وها هي هذه شهرزاد تسوي له الوسائد حتى تطمئن إلى ~~أنه قد استراح في مضجعه، ثم تنصرف عنه لنفسها شيئا، ثم تعود إلى الغرفة فتمضي فيها ~~ذاهبة آئبة مختلسة نظرة بين حين وحين إلى طفلها هذا الكبير. حتى إذا رأته قد اطمأن إلى ~~النوم ومضى معه في طرقه المجهولة، أوت هي إلى سريرها فغاصت فيه غوصا ودعت النوم، فما ~~أسرع ما استجاب لها وشمل الغرفة هدوء متصل. # أطال هذا الهدوء أم قصر؟ لا سبيل إلى معرفة ذلك؛ فقد كان الليل قد قطع في طريقه شوطا ~~بعيدا قبل أن ينام العاشقان، ولكن شهريار ms27 يتنبه من نومه هادئا مطمئنا لا يقول شيئا ~~ولا يأتي حركة، وإنما يمد سمعه نحو سرير شهرزاد فقد ألم به طائفه ذاك فمس كتفه مسا ~~رفيقا وألقى في روعه هذه الجملة: «أفق ولا تحدث حسا، فقد آن أن تستمع لحديث ~~شهرزاد.» # 4 # ولا يطول انتظار الملك، لكنه يسمع قائلا يقول: «فلما كانت الليلة الحادية عشرة بعد ~~الألف قالت شهرزاد ...» ثم ينقطع هذا الصوت، ويبلغ أذن الملك صوت شهرزاد رقيقا رشيقا ~~وهي تقول: «بلغني أيها الملك السعيد أن وزير الملك طهمان بن زهمان اضطر إلى إخفاء ما في ~~نفسه من الخوف على المدينة وأهلها مما أزمعت فاتنة، وخرج وهو يقول للملك: «إنه مبلغ ~~تحدي الأميرة لملوك الجن جميعا.» # فلما خلا الملك إلى ابنته قال لها في صوت باسم يملؤه الحنان: «فستأذنين لي في أن ~~أحدثك بما أبيت أن تسمعيه من الوزراء ورجال القصر؛ فإنهم يا ابنتي قد أشفقوا على ~~أنفسهم ومدينتهم وأهل المملكة جميعا من هول هذه الحرب التي تتعجلينها، وهم يعلمون أن ~~أهوال الحرب لن تبلغك ولن تبلغني، فإن لك ولي من ملكنا عصمة ووزرا، ولكنها ستبلغهم ~~هم، ستعرض شبابهم للموت، وستعرض أطفالهم لليتم، وستعرض شيوخهم للبؤس والثكل، ~~وستعرض نساءهم للتأيم والشقاء، وستعرض أموالهم للفناء، ستصب عليهم البؤس ~~صبا في ألوانه المختلفة التي لم نذقها ولا ينتظر أن نذوقها، ولكننا نعلم ما نعلم من ~~أمرها بما نقرأ في الكتب وما نسمع في الأحاديث، وقلما نراها رأي العين أو نحسها إحساسا ~~مباشرا، فنحن لا نتنزل إلى مخالطة الرعية لنشهدها حين تبتهج وحين تبتئس وحين يمسها ~~جناح من لين أو يصيبها عارض من شدة، فلهم العذر يا ابنتي إن ارتاعوا أو التاعوا أو ~~أشفقوا من هذا المكروه الذي يوشك أن يلم بهم فلا يبقي عليهم، وفي قلوبنا نحن الرجال ~~قسوة، وفي أكبادنا غلظ، وفي طبائعنا شدة وعنف، ولكن قلوب النساء رحيمة، وأكبادهن رقيقة، ~~وطباعهن لينة صافية، فإذا دبر ملوك الجن ما دبروا وقدروا أن ينصبوا لنا الحرب، فقد كنت ~~أنا خليقا أن ms28 ألقاهم بهذه الشدة، وأن أنصب لهم حربا كالتي يريدون أن ينصبوها لي، وأن ~~أكيد لهم كما يكيدون لي، وكنت أنت خليقة يا ابنتي أن تشفقي من هذا الهول، وأن ترفقي ~~بالرعية، وأن تقترحي علي وعلى الوزراء من وسائل السلم ما يرد عن الناس هذا المكروه، ~~ولكنهم يا ابنتي قد رأوني صامتا لا آمر ولا أنهى، ورأوك مقدمة على هذا الأمر العظيم لا ~~تحسبين حسابا لنعيمهم الضائع وبؤسهم الواقع، فأنكروا في نفوسهم وهموا أن يجهروا بما ~~أضمرت قلوبهم، ولكنهم خافوك وخافوني، فأذعنوا للأمر على كره منهم ولم يقولوا شيئا، أو ~~هم خافوك أنت ولم يخافوني أنا! فقد أصبحت شيئا لا يخاف، وإنما أنا هامة اليوم أو غد ~~كما يقول حمقى الناس من حولنا، وجذوة اليوم أو غد كما ينبغي أن نقول نحن في لغتنا، ~~ومهما يكن من شيء فإنهم خافوك يا ابنتي؛ لأن أمرهم إليك غدا أو بعد غد، ولم يخافوني ~~أنا لأني متصل بالماضي الذي ليس إلى رجوعه من سبيل.» # وهمت فاتنة أن ترد على أبيها، ولكنه مضى في حديثه مترفقا فقال: «ويظهر يا ابنتي أن ~~الشيخوخة تدنينا من العقل أو تدنينا من الجنون أو تدنينا منهما جميعا، ولست أدري ~~أحزم ما يضطرب في نفسي من الخواطر أم حمق؟ ولكني ملقيه إليك على علاته، فخذيه مني ~~كما هو، وافعلي به بعد ذلك ما تريدين؛ فقد وصلت إلى السن التي لا أستطيع أو لا أريد أن ~~أبرم فيها أمرا، فيم يدبر ملوك الجن لنا هذا الكيد؟ وفيم ينصبون لنا هذه الحرب؟ ~~وفيم تلقين كيدهم بمثله وتهيئين لحربهم حربا مثلها؟ في شيء لا يعني رعاياهم ولا ~~رعيتنا من قريب أو بعيد. هم يحبونك ويتنافسون فيك، وأنت تزدرينهم وتترفعين عنهم ~~وتمتنعين عليهم، وماذا يعني رعايانا البائسين مما نجد من الحب والبغض، وما نحس من العشق ~~والهيام! إنهم لا ينعمون حين ننعم، ولا يبتئسون حين نبتئس؛ وإنما تجري حظوظهم من النعيم ~~والبؤس على قوانين لا صلة بينها وبين ما نستمتع به من سعادة، أو ms29 نرزح تحته من شقاء ، ومن ~~القسوة يا ابنتي أن ننعم وهم بائسون، وأن نقوى وهم ضعفاء، ونثري وهم فقراء، نستمد من ~~بؤسهم نعيما، ومن ضعفهم قوة، ومن فقرهم ثراء، فكيف نضحي بهم في سبيل أهوائنا وشهواتنا ~~وعواطف قلوبنا، ونزعات نفوسنا! لو رفقت بهم يا ابنتي لجنبتهم هذه الحرب التي ~~يدبرها عشاقك، وهذه الحرب التي تدبرينها أنت لهؤلاء العشاق، ولاخترت لنفسك من بين هؤلاء ~~الملوك زوجا تنعمين بعشرته وينعم بعشرتك، ومن يدري لعل رعيتكما أن تصيب أطرافا من هذا ~~النعيم، ولكنك يا ابنتي لا تجنبينهم حربا، وإنما تدفعينهم إليها دفعا كما تدفع ~~الوقود إلى النار المضطرمة التي لا تشبع مهما يقدم لها من الحطب، وأمرك في ذلك كأمر ~~عشاقك جميعا، كلكم يتبع هواه الجامح، ويركب شهوته المندفعة، ويضحي في سبيل نفسه بكل ~~شيء وبكل حي. ليس هذا حقا، وليس هذا عدلا، وقد كنت أعجب آنفا بما أوتيت من العلم ~~وما بلغت من الحكمة يا ابنتي، ولكني أجد الآن حزنا لاذعا يؤذي شيخوختي المتهالكة؛ لأن ~~ما أوتيت من العلم وما بلغت من الحكمة لم يهيئ لك وسيلة تسعدين بها غيرك كما هيأ لك ~~هذه الوسائل التي ترضين بها هواك، وتحققين بها مآربك، وتظهرين بها على عدوك، وقد يكون ~~كلامي هذا ثقيلا عليك يا ابنتي؛ فإني جربت الملك من قبلك، وعرفت أن الحق لا يبلغ من ~~المرارة في نفس أحد ما يبلغه في نفوس الملوك، وعرفت أن النصح لا يثقل على أحد كما يثقل ~~عليهم، فلكل امرئ من نفسه ما تعود، كما سيقول شاعر من الناس فيما يقبل من الزمان، ~~ونحن قد تعودنا أن تستقيم لنا الأمور، وأن تجري لنا على ما نريد لا على ما يريد غيرنا، ~~ونحن قد ألفنا أن نأمر ولا نأتمر، وأن ننهى ولا ننتهي، وأن نطاع ولا نطيع؛ فأصبح الشذوذ ~~لنا طبيعة، والجموح لنا فطرة، والاستبداد بالحياة والأحياء لنا قانونا، فإذا تحدث ~~إلينا متحدث بالحق، أو دعانا داع إلى العدل، أو رغبنا مرغب في أن ننصف من أنفسنا ms30 كما ~~ننتصف لها، ضقنا بذلك أشد الضيق، وكرهناه أعظم الكره، ونكلنا بمن يدعونا إليه أو ~~يرغبنا فيه تنكيلا، ولو أن وزيرنا قال لك بعض ما قلته الآن لأرسلته إلى الموت، أو ~~لألقيته في غيابات السجن؛ وهو من أجل ذلك لم يقل لك شيئا، ولكنه قدر في نفسه كل ما ~~قلت لك. # ففكري يا ابنتي في رعيتك وارفقي بها، بل فكري في رعايا عشاقك وارفقي بهم؛ فإن نعيم ~~ساعة أو نعيم عام أو نعيم الدهر كله - إن ظفرت به - لا يعدل نفسا من هذه النفوس ~~الكثيرة التي ستزهق ولا قطرة من هذه الدماء الغزيرة التي ستراق، أتسمعين لي يا ابنتي أم ~~أنت ذاهلة عني مشغولة بتدبير أمرك هذا الذي تقدمين عليه!» # قالت فاتنة وقد غشي وجهها شيء من كآبة لم يلبث أن جلته ابتسامة حلوة: «لقد استمعت لك ~~يا أبت فأحسنت الاستماع، وما ينبغي أن أذهل عما تقول أو ما تعمل، ومنك تعلمت أدب الحديث ~~وأدب الاستماع وآداب الملك كلها، وما قلت لي يا أبت إلا الحق وما دعوتني إلا إلى الرشد، ~~ولكن أمن الحق أن أكره على ما لا أريد؟! إن هؤلاء الذين يخطبونني إليك يعلمون حق العلم ~~أني لا أحب منهم أحدا، ولا أبغض منهم أحدا، ولن أتزوج منهم أحدا، أفإن نصبوا لي ~~الحرب ليكرهوني على ما لا أحب ويحملوني على ما لا أرضى، فلقيت كيدهم بكيد مثله، ودفعتهم ~~عن نفسي بما تعودنا أن ندفع به عن أنفسنا، أكون ظالمة آثمة؟! فالتمس لي إذا يا أبت ~~فرجا من هذا الحرج، ومخرجا من هذا المأزق، وهل يقصر إثم الحرب على هذه الحرب التي نحن ~~مقدمون عليها؟! ومتى رأيت الملوك يقدمون على حرب لا تدفعهم إليها شهواتهم الجامحة ~~وعواطفهم الجائرة؟! ومتى رأيت الشعوب تجنب هذه الأهوال وتعصم من الحرب لغير ~~مصالحها المؤكدة ومنافعها المحققة؟! إن أثرة الملوك والسادة والزعماء، هي التي تثير ~~الحرب دائما، وهي التي ترهق الشعوب دائما، وأكاد أعتقد أن الشعوب إنما خلقت ليرهقها ~~الملوك والزعماء بالحرب والسلم جميعا، ms31 فليست الشعوب أعظم حظا من السعادة أثناء السلم ~~منها أثناء الحرب. إنا ندفعها إلى الموت حين نحارب، وندفعها إلى البؤس والشقاء حين ~~نسالم، فهي ضحية لنا على كل حال.» # قال الملك: «فقد كنت أرجو أن يهيئ لك علمك وحكمتك ابتكار لون من ألوان الحياة لا تشقى ~~فيه الشعوب بسعادة الملوك والزعماء، ولكني أراك تسيرين في الطريق التي سار فيها الملوك ~~من قبلك، وقد كنت أنتظر غير هذا؛ ولكن الظنون تكذب والآمال تخيب.» # قالت فاتنة: «صدقت يا أبت! إن الظنون تكذب وإن الآمال تخيب، وما أكثر ما كذبت ظنوني ~~وخابت آمالي! وإنك لترى وجهي مشرقا وثغري باسما وعيني تفيضان بهجة وبشرا، ولو اطلعت ~~على ضميري وقرأت دخيلة نفسي لرأيت حزنا أي حزن، وشقاء، وشعورا هو أقرب إلى اليأس ~~والقنوط منه إلى أي شيء آخر، وإني لأحدثك بهذا كله كارهة، وما كنت أريد أن أظهرك منه ~~على شيء؛ فأنا شديدة الحرص على ألا ترى مني ولا ترى عندي إلا ما تحب، ولكنك قد باديتني ~~بما تجد محسنا بذلك إلي، فلا بد من أن أباديك بما أجد مسيئة بذلك إليك، وليست هذه أول ~~مرة آذيت فيها نفسك الكريمة، وشققت فيها عليك بما يعتادني من هم ثقيل. إنك يا أبت ~~مستيئس مني لأني أسلك الطريق التي سلكها الملوك والأمراء من قبل، فأحيا لنفسي لا لغيري، ~~ولا أرفق بهذه الرعية التي لم يرفق بها أحد قط، وهذا نفسه هو مصدر شقائي ويأسي، فأنبئني ~~يا أبت ما بال هذه الرعية لا ترفق بنفسها ولا تعنى بأمرها ولا تفكر في مصالحها، وإنما ~~ندعوها فتجيب، ونأمرها فتطيع، ونوجهها إلى حيث تشاء فتتجه إلى حيث نشاء، لا يخطر لها أن ~~تأبى إذا بلغها الدعاء، ولا أن تعصي إذا صدر إليها الأمر، ولا أن تمتنع إذا وجهت إلى ~~حيث لا تحب؟! أفنكون أرفق بها من نفسها، وأحرص على مصالحها وكرامتها مما تحرص هي على ~~مصالحها وكرامتها؟! # ومع ذلك فأين يكون الفرق بينها وبيننا؟! أليس الرجال منها والنساء والشباب منها ~~والشيوخ، ms32 يشعرون كما نشعر، ويحسون كما نحس، ويجدون اللذة والألم كما نجد نحن اللذة ~~والألم، ويحبون الخير ويكرهون الشر، كما نحب نحن الخير ونكره الشر؟! فما طاعتها لنا في ~~غير روية ولا تفكير، بل في غير فهم لما تؤمر به وتقدير لما تدعى إليه؟! أترى أنا خلقنا ~~من عنصر غير عنصرها، أو أنها خلقت من نار غير التي خلقنا منها؟! # لقد كنت أفهم أن نتسلط على الناس، فلا يستطيعون لنا مقاومة ولا يحاولون علينا ~~امتناعا؛ فنحن من نار وهم من طين، فأما أن نتسلط على الجن الذين خلقوا من عنصرنا فلا ~~نجد منهم إلا الإذعان والاستسلام، كما يتسلط ملوك الناس على الناس فلا يجدون منهم إلا ~~الإذعان والاستسلام، فهذا هو الذي يحير عقلي ويذهل لبي ويكل خاطري ويدفعني ~~إلى اليأس ويحملني على أن أسلك الطريق التي سلكها الملوك من قبلي.» # قال الملك: «فإن قلبك في حاجة إلى الرحمة يا ابنتي، وعقلك في حاجة إلى أن يكون أقوم ~~تقديرا للأمور؛ لقد نشأت على السلطان وتعودت حقوقه وواجباته. هيئت لذلك منذ درجت، ~~وهيئ له من قبلك آباؤك وأمهاتك، ونشأت الرعية على عكس ما نشأت أنت عليه، ~~وعودت غير ما عودت، وهيئت لغير ما هيئت له منذ الزمان القديم الذي لا ~~نعرف له أولا، وكان هذا التفريق بين السيد والمسود خطأ، أفينبغي أن يستمر الخطأ؟! أليس ~~من الممكن وقد ارتقت عقولنا ونفذت أبصارنا إلى كثير من حقائق الأشياء، وعلمنا أن هذه ~~الفروق بيننا وبين الرعية مصطنعة لم تأت من الطبيعة، وإنما جاءت من الحضارة. أفليس من ~~الممكن أن نصلح أغلاطنا ونقوم اعوجاجنا؟! بل أليس من الممكن أن نصلح أغلاط الطبيعة إن ~~كانت هذه الفروق قد جاءت من الطبيعة؟! بلى! هذا ممكن، هذا واجب يا ابنتي، ولكن لا بد ~~للنهوض بهذا الواجب من أن نشعر قلوبنا الرحمة والإحسان، ومن أن نؤمن بأن حياة الملوك ~~ليست حقوقا كلها، ولكنها واجبات أيضا، وربما كان نصيب الواجب فيها أعظم من نصيب الحق. ~~ما الذي يمنعنا أن نشعر الرعية ms33 بنفسها ونبصرها بحقها كما بصرناها بواجبها، ونهيئها لا ~~أقول لتستأثر من دوننا بالأمر، ولكن لتشاركنا في الأمر وتعيننا على احتمال أعبائه ~~الثقال؟!» # قالت فاتنة: «ومن أجل ذلك أنشأت المدارس يا أبت وأذعت العلم وقد كان سرا مكتوما، ~~ومن أجل ذلك رفعت إليك بعض النابهين من الدهماء، فكلفتهم ما كلفتهم من أعمال الدولة، ~~وقد كانت أعمال الدولة مقصورة على أفراد أسرتنا، ومن أجل ذلك عرضت نفسك لسخط الأمراء ~~وكيد الشيوخ من رؤساء العشائر، وقد وصلت إلى كثير مما كنت تريد، فلولا هذه السيرة ~~التي سرتها في الرعية لما ثار الاعتراض في نفوس الوزراء ورجال الحاشية حين أمرتهم أمري ~~فأذعنوا له كارهين. هم الآن يضمرون الاعتراض وقد كانوا لا يشعرون به من قبل. أفهذا هو ~~الذي أردت إليه؟» # قال الملك: «هو هذا يا ابنتي.» # قالت فاتنة، وقد وثبت إلى أبيها فضمته في رشاقة وقبلته في عنف: «وهو ما أريد إليه ~~أيضا. ولتطب نفسك ولتقر عينك، فلن يصيب الرعية من هذه الحرب التي أثيرها ~~سوء.» # قال الملك وهو يتضاحك: «ماذا تقولين يا ابنتي؟! حرب لا يصيب الرعية منها سوء؟! أحرب ~~هي أم لعب؟!» قالت: «بل هي الحرب كل الحرب.» قال: «أوضحي يا ابنتي عما تريدين؛ فإني لا ~~أفهم عنك شيئا.» قالت: «ذلك سري الذي ستفهمه حين أزيل عنه الستار.» وأدرك شهرزاد ~~الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. # وهم شهريار حين انقطع حديث النائمة أن يفكر فيما سمع، ولكن النوم لم يمهله كما كان ~~يمهله من قبل، وإنما سعى إليه حثيثا، وسمع الملك صوت طائفه ذاك يقول: «كلا، لا تفكير ~~الآن ولا يقظة. لقد أودعتك شهرزاد إلى النوم! وردك النوم إليها حينا، فستعود إلى النوم ~~حتى تستردك منه شهرزاد كما تقدم إليك وعدها أمس.» # وأكبر الظن أن شهريار لم يسمع هذه الكلمات الأخيرة، وإنما أغرق في نوم هادئ لا تروعه ~~الأحلام ولا يقطعه الأرق، ويفتح عينيه بعد وقت طويل أو قصير، فيرى الغرفة وقد أذن لضوء ~~الشمس المشرقة أن يغمرها، فظهرت جميلة رائعة متألقة، ورأى ms34 شهرزاد قائمة من سريره غير ~~بعيد وهي تمد إليه بصرها حلوا مداعبا كأنها تدعوه إلى أن يستيقظ، وهي مع ذلك صامتة لا ~~تقول شيئا، ولكن وجهها يزدان بابتسامة حلوة تبعث الأمل وتدعو إلى النشاط، فلما رآها ~~الملك ابتسم لها، وهم أن يسألها كيف قضت الليل، ولكنها ابتدرته بالسؤال فقالت: «كيف ~~يجد مولاي نفسه؟» قال: «على خير ما أحب أن أكون ما دمت أنعم بقربك وأسعد منك بهذه ~~النظرات الحلوة وبهذه النغمات الساحرة.» قالت: «لقد استيقظ مولاي غزلا، وأحسب أنه قد ~~قضى ليلة هادئة.» قال: «كل الهدوء.» قالت: «ولكني أسأل مولاي، أيجد نفسه من القوة ~~والنشاط والصحة خيرا مما كان أمس؟» فتردد الملك قبل أن يجيب، ولكنها لم تخل بينه ~~وبين الجواب، وإنما قالت: «سأجيب عنك يا مولاي، وسأعفيك من هذه الحيرة، وسأريحك من كذب ~~لا تحبه ومن صدق لا تجد الشجاعة عليه. فأنت بخير ما في ذلك شك، وأنت اليوم خير منك أمس ~~ما في ذلك شك أيضا، ولكنك تخشى إن أنبأتني بذلك أن أخلي بينك وبين العمل وتكاليف ~~الملك، وإن أنبأتني بغير ذلك لتستبقي هذه الراحة التي أخلدت إليها أن تقول غير الحق، ~~وأنت لا تريد أن تكذب لأنك لا تحب الكذب أو لأنك تشفق ألا أومن لك. أليس هذا كله حقا ~~يا مولاي؟!» # قال وهو يضحك، وقد أخذ يستوي جالسا في سريره: «هو كل الحق يا أحب الناس ~~إلي.» # قالت في صوت العاتبة، وقد مالت إليه تقبله وتلاطفه: «إنك لأشبه شيء بالطفل الذي يداور ~~أمه أو معلمه الحازم. لا بأس عليك، فلن يخلى بينك وبين العمل، ولن تحرم جوار شهرزاد. ~~أليس هذا كل ما تريد؟» ثم جلست إلى جانبه، وأدارت ذراعها حول عنقه، وأخذت تنظر إليه ~~نظرات ملحة كادت ترده من الذهول إلى مثل ما كان فيه من أمسه. لولا أنها نهضت ثم أنهضته ~~وانصرفت به إلى حيث يستنشقان هواء الصباح مشرفين على جنة القصر من بعض الأطناف. # وقد أنفق الملك يوما من أسعد أيامه، لم يعرف فيه ms35 ألما ولا حزنا، ولم يحس فيه حسرة ~~على ما مضى ولا استطلاعا لما هو مقبل، وإنما كان يعيش للساعات التي كان فيها مستمتعا ~~بهذه اللذات الهادئة المختلفة التي كانت تقدمها إليه شهرزاد في غير تكلف وفي غير جهد ~~ظاهر، فأما وجه النهار فقد أنفقاه متروضين في حدائق القصر، يقفان حينا ويسعيان حينا ~~آخر، ويجلسان حين يحتاجان إلى الجلوس أو حين يعجبهما هذا الموضع أو ذاك من الحديقة، ~~فيحبان أن يطيلا البقاء فيه. أحاديثهما أثناء هذه الرياضة هادئة كنفسيهما لا حوار فيها ~~ولا جدال ولا تعمق فيها لشيء، وإنما هي أحاديث تجري على رسلها كما كانت حياتهما تجري ~~على رسلها، وكما كان النسيم من حولهما يجري على رسله رخاء، وكما كانت الغصون تضطرب على ~~رسلها في الهواء، وكما كانت الطير تتغنى على رسلها كذلك، وكما كانت الأزهار تتنفس على ~~رسلها عما تنشر في الجو من عبير. # وكان شهريار قد انغمس في هذه الحياة الحلوة الهادئة، فنسي نفسه ونسي ملكه ونسي خواطره ~~التي كانت تعتاده أثناء النهار وخواطره التي كانت تلم به أثناء الليل، بل نسي شهرزاد ~~نفسها، ولم يقدر أنها كانت معه تسليه وتلهيه وتأسو جراح نفسه، وأن هذا النعيم الذي كان ~~يستمتع به إنما هو من صنعها ليس غير، ولكن شهرزاد كانت بارعة في العناية به والتلطف له، ~~حتى أنسته أنه موضوع العناية والرعاية. سحرته عن نفسه وعما حوله بسيرتها، كما كانت ~~تسحره عن نفسه وعما حوله بقصصها، ويظهر أنه تنبه لذلك فجأة فقطع ما كان يمضي فيه من ~~حديث عادي، ورفع رأسه كالواجم ونظر إليها محدقا فيها، ثم قال لها بصوته الهادئ الذي ~~كأنه يأتي من بعيد: «ألا تنبئينني آخر الأمر من أنت وماذا تريدين؟!» # قالت وهي تضحك ضحكا ينم عن بعض القلق: «أيكون الملك قد عاد إلى طوره الأول من ~~الاضطراب والذهول؟ أو يعود إلى هذا السؤال الذي لا يغني شيئا ولا يدل على شيء؟! أنا من ~~ترى ومن تسمع، ومن تحس قربها منك، وحبها لك، وفناءها فيك، ms36 وحرصها على أن تملأ نفسك ~~غبطة، وضميرك بهجة، وقلبك أمنا وسرورا. إنك لا تسأل هذه الشجرة ولا هذه الزهرة ما هي ~~ولا ماذا تريد، وإنما تنظر إليها وترضى عنها وتعجب بها، وتحمد الله على ما أنعم عليك من ~~الاستمتاع بها. فانظر إلي كما تنظر إلى هذه الشجرة أو إلى هذه الزهرة، وخذ مني ما ~~أعطيك وأعطني ما أسألك إن استطعت، ولا تكلف نفسك أكثر من هذا. عش بحسك وقلبك وضميرك، ~~وتخفف من عقلك بين حين وحين. عش عيشة الإنسان الحي لا عيشة العالم الباحث؛ فإن للعلم ~~والبحث وقتا مقسوما من حياة الناس، وما ينبغي أن تكون حياتهم كلها علما وبحثا ~~وتعليلا وتحليلا.» # قال وقد أدار ذراعه حول خصرها اللطيف الرخص: «فإني لا أسألك الآن سؤال الباحث ~~المستقصي، وإنما أسألك سؤال المحب المدنف، فقد عرفتك.» # قالت: «قد عرفتني! واحرباه! ستزهد في إذا قبل أن يتقدم النهار»، ثم أغرقت في ضحك ~~غامض طويل. # قال: «قد عرفتك ولن أزهد فيك! لأن معرفتي إياك تدفعني على الاستزادة منك؛ فأنت قصص ~~دائم لأنك سحر دائم، أخص ما تمتازين به أنك تشغلينني عن نفسي وعن ملكي وعما حولي وعمن ~~حولي، بل تشغلينني عنك أيضا.» # قالت وقد أغرقت في الضحك: «إن كنت أشغلك حتى عن نفسي، فما أدري كيف تفكر في أو تسأل ~~عني. ألا يمكن ألا أكون شيئا ما دمت أشغلك عن كل شيء؟! ألا يمكن أن أكون شيئا غيرك، ~~فأنت تشغل بنفسك عن كل شيء وعن كل إنسان؟! ولكنك أنبأتني بأني أشغلك عن نفسك. صدقني ~~إني لا أفهم عنك، وما أرى إلا أنك تمعن في فلسفة أشد مني غموضا وأعظم مني استعصاء على ~~الفهم. دع الفلسفة ودع التفكير، وتعال ننعم بهذه الساعات الحلوة التي تتاح لنا والتي ~~نختلسها أو أختلسها أنا لك ولي من تكاليف الحياة. إني أشغلك عن نفسك وأشغلك عن نفسي ~~وأشغلك عن كل شيء. ولكن ما رأيك في أن شيئا لم يشغلني عن أن النهار يتقدم، وعن أننا ~~نوشك أن نجد لذع ms37 الجوع، وعن أن من الحق علينا أن نتهيأ للغداء؛ ذلك أحرى أن يتيح لنا ~~الإغراق في الفلسفة والإمعان في البحث عما وراء الطبيعة. هلم يا مولاي، فسترى أن هذا ~~النعيم الحلو الذي استمتعنا به الآن ليس شيئا بالقياس إلى ما هيأت لك شهرزاد هذه التي ~~لا تعرف من هي ولا تدري ماذا تريد.» # وكانت شهرزاد قد هيأت للملك نعيما لم يكن يقدر أنه سيتاح له في يوم من الأيام، ~~منذ حمرة الدماء تلك التي كانت تصبغ في نفسه أعقاب الليل ووجه النهار من كل يوم، فقد ~~كان منذ تلك الأيام السود والليالي البيض قد ألف الحزن حتى لا يفلت منه إلا الحين بعد ~~الحين، حين كانت شهرزاد تقص عليه بعض أحاديثها أو تمتعه ببعض ما كانت تهدي إليه من ~~سعادة حينا بعد حين. فأما نعمة البال ورخاء العيش وراحة الضمير وهدوء النفس المتصل، ~~فقد كانت أشياء حرمت على شهريار وقطعت بينه وبينها الأسباب، فلما تقدم النهار ~~وكاد أن ينتهي أقبلت شهرزاد بالملك على غرفة من غرفاتها في القصر وهي تقول له عابثة به: ~~«ستعلم يا مولاي أنك لا تعرف من قصرك هذا إلا أقل ما فيه، وإني لأرجو أن يدعوك ذلك إلى ~~التفكير فيما تعرف من أمور الملك والرعية؛ فإنك إن جهلت أمر قصرك وحاشيتك أيسره كنت ~~خليقا أن تجهل من أمر ملكك ورعيتك أكثر مما تعلم، وكان الحكماء يقولون في قديم الزمان ~~وسالف العصر والأوان: إن من أراد أن ينهض بالواجب في أي أمر من الأمور، خليق به أن يعرف ~~ما هو مقدم عليه ويتبين دقائق ما هو ناهض به وحقائق ما هو مدبر له، وألا يقدم إلا عن ~~بصيرة، ولا يعمل إلا عن علم، وما أعرف يا مولاي غرورا كغرور الذين ينهضون بتدبير أمور ~~الناس وهم لا يعرفون من دخائل هؤلاء الناس شيئا، أو هم لا يعرفون منها إلا أقلها ~~وأيسرها. إنهم يأمرون دون أن يقدروا مقدار احتمال الرعية لما يصدرون إليها من أمر، ~~وإنهم ينهون دون أن ms38 يعرفوا إلى أي حد تطيق الرعية أو لا تطيق أن تنأى عما تنهى عنه؛ ~~لأنهم لا يعرفون نفوس الرعية ولا يبلون طاقتها ولا يقدرون حاجتها، ولكني كنت أنهاك ~~صباح اليوم عن الفلسفة فيما بعد الطبيعة، وها أنا ذي أخوض بك مساء اليوم في فلسفة الحكم ~~وتدبير أمور الرعية كأني حديثة عهد بقراءة أفلاطون وأرسطاطليس، فلنعد إلى ما كنا فيه يا ~~مولاي، فإني أريد أن أظهرك من قصرك على أشياء لم تكن تعرفها ولم تكن تقدر أنك ~~ستعرفها.» # قال الملك وقد اشتدت حاجته إلى الاستطلاع: «فأظهريني إذا على ما تريدين أن تظهريني ~~عليه.» # فقالت: «على رسلك يا مولاي، فما ينبغي أن تجري الأمور على ما تحب دائما، والعلم لا ~~يبلغ إلا بعد الجهد في طلبه واحتمال العناء في تحصيله، وإني مدخلتك في هذه الغرفة ~~وتاركة لك البحث في أنحائها وأرجائها ما وجدت إلى البحث سبيلا، فإذا أعياك البحث ~~وأضناك الجهد فإني مشترطة عليك بعض الشروط لأريك ما لم تكن تتصور أنك ستراه.» ثم دفعت ~~باب الغرفة فاندفع، ونظر الملك فلم ينكر في الغرفة شيئا ولم ير فيها شيئا خليقا ~~بالالتفات، ولكنه مع ذلك جعل يجيل طرفه هنا وهناك، ويطيل النظر إلى بعض ما في الغرفة من ~~أداة وأثاث يريد أن يخيل إلى شهرزاد أنه يبحث ويستقصي ويجد في البحث والاستقصاء، ثم ~~يعترف لها بعد ذلك بأنه لم يصل إلى شيء، وإنما كان في هذا كله مخادعا يريد أن يتعجل ~~العلم بما أعدت له شهرزاد من أسرارها المخبأة. # ولكن شهرزاد ضحكت للملك ضحكة فاترة لا تخلو من بعض الغيظ وقالت: «لست جادا يا ~~مولاي، وإنك لتعرف أني لا أخدع ولا يغرر بي، وإنك لتعرف أني لا أكره شيئا كما أكره ~~الكسل العقلي، وهذا الطور الذي يحصل عليه المترفون من أطوار الحياة حين ينتظرون أن يقدم ~~إليهم الهين واليسير مما يريدون، لا يتكلفون فيه جهدا ولا يحتملون فيه عناء، فقد ~~أنبأتك يا مولاي بأني سأقوم منك الآن مقام الساحرة الماهرة التي ستظهرك على ms39 الأعاجيب؛ ~~فلا تتعجل هذه الأعاجيب، ولكن خذها بحقها، وأبلغها من طريقها، واحتمل في سبيلها ما ~~ينبغي أن تحتمل من جهد، فإن لم تفعل خرجنا من هذه الغرفة كما دخلناها، وانصرفت بك إلى ~~غير ذلك من فنون اللهو والمتاع، فما أكثر ما في القصر من فنون اللهو والمتاع!» # قالت ذلك ثم ضربت إحدى يديها بالأخرى فأقبلت الوصائف مسرعات يستبقن، كأن وجوههن فلق ~~الصبح، وكأنهن لخفتهن ورشاقتهن لا يسعين على الأرض وإنما يسعين في الهواء، فلما رآهن ~~الملك مقبلات سيء بهن وضاق بهن ذرعا، وكاد بعض ذلك يظهر في وجهه لولا فضل من حياء فرضه ~~عليه أدب الملوك، فقد كان في جمالهن البارع وحسنهن الرائع منظر أنيق للعين وفتنة خلابة ~~للنفس، ولكن محضرهن كان خليقا أن يصرف الملك عن شهرزاد أو يصرف عن الملك شهرزاد، وكان ~~أبغض شيء إلى الملك وأشقه على نفسه أن ينصرف عن فتنته أو أن تنصرف عنه فتنته، فلما ~~رأى الوصائف مقبلات لم يرتح لمقدمهن، ولكنه أمسك نفسه على ما لا تحب وانتظر حائرا أو ~~كالحائر. # على أن انتظاره لم يطل؛ فقد أقبلت إليه رئيسة الوصائف، فحيت وقالت في صوت عذب: «أيأذن ~~مولاي في أن يبدأ الحفل؟» # قال الملك دهشا متمالكا مع ذلك: «أي حفل يا ابنتي؟» # قالت الوصيفة: «كنت أظن أن مولاتنا قد آذنت الملك بما هيأت له.» # قالت شهرزاد في شيء من الغضب: «فإني لم أوذن الملك بشيء، فأمضين ما أمرتن ~~به.» # منذ هذه اللحظة نقل الملك من حياة إلى حياة، ومن عالم إلى عالم، لم يدر كيف كان ذلك، ~~ولم يستطع فيما استقبل من أيامه أن يصور لنفسه أو لغيره كيف كان هذا الانتقال، وإنما ~~ذكر إلى آخر أيامه أن صوت شهرزاد لم يكد ينقطع بهذه الجملة المغضبة حتى شاع في الغرفة ~~جو غريب قوامه أنغام موسيقية عذبة نفاذة إلى أعماق الضمائر أخاذة بمجامع ~~القلوب. # وقد حاول الملك أول الأمر أن يتعرف مصدر هذه الأنغام، فنظر إلى الوصائف فإذا هن ~~قائمات في أماكنهن لا يأتين ms40 حركة ولا يحدثن حسا ، وليس في أيديهن أداة موسيقية أو ما ~~يشبه الأداة الموسيقية من قريب أو بعيد، ونظر إلى شهرزاد فإذا هي قائمة في مكانها وعلى ~~وجهها ابتسامتها الغامضة التي لا تقول شيئا، والتي تقول كل شيء، والتي لا تخلو مع ذلك ~~من سخرية تحفظ وتهيج، وأدار الملك بصره في الغرفة ينظر في كل مكان يريد أن يتبين لهذه ~~الأنغام الساحرة مصدرا فلا يرى شيئا، وإنما يخيل إليه أن هذا الجو الموسيقي الذي أحاط ~~به وأحاط بمن حوله أشبه شيء بالجو الذي يعيش فيه أثناء أوقاته العادية، لا يعرف أين ~~يبتدئ ولا أين ينتهي. # وكان أغرب ما في هذا الجو الموسيقي الرائع اختلاف أنغامه وائتلافها في وقت واحد، بل ~~اختلاف الأصوات التي كانت تحمل هذه الأنغام وائتلافها، فكان هذا كله يلقي في روع الملك ~~أن هناك أدوات موسيقية مختلفة لا تحصى تصدر عنها أصوات وأنغام متباينة، ولكن قوة بارعة ~~ساحرة قد أشرفت عليها ودبرت ما بينها من اختلاف حتى أحالته إلى ائتلاف. # ولم يمض على إحساس الملك هذا الجو من حوله وقت طويل حتى أحس الملك أنه يغرق في هذا ~~الجو وينسى نفسه قليلا قليلا، كأنما كانت الحياة الشاعرة تنساب من نفسه ومن جسمه ~~شيئا فشيئا، وإذا هو يفنى في هذا الجو المحيط به فيصبح صوتا من أصواته أو نغمة من ~~أنغامه، أو يصبح جزءا شائعا في كل صوت من هذه الأصوات، وحظا مفرقا في كل نغمة من ~~هذه الأنغام، وقد نسي كيف ابتدأ هذا الجو، ولم يسأل نفسه كيف ينتهي، وإنما استسلم لهذا ~~البحر الموسيقي الذي غمره كما يستسلم الغريق بعد أن يبذل آخر جهده في المقاومة، وبقي له ~~مع ذلك شعور واحد، وهو أنه في حضرة شهرزاد، وأنها تنظر إليه ساخرة منه راثية له، وتبسم ~~له ابتسامتها الغامضة كأنها تقول له: «ألم أنبئك أني سأظهرك من الأمر على ما لم تكن ~~تقدر أنك ستظهر عليه، وأني سأطلعك في قصرك على ما لم تكن تظن أن قصرك يحتويه، ms41 وأني ~~سأسحرك وأبهرك وأضطرك إلى هذا الاستسلام الذي انتهيت إليه، ومع ذلك فقد كنت تخيل إلى ~~نفسك أنك بدأت تعرفني! فذق الآن هذه المعرفة، وتبين أنك لم تجهلني قط كما تجهلني ~~الآن.» # وينظر الملك إلى شهرزاد واجما مبهوتا، ويريد أن يتكلم فلا يطاوعه لسانه، ويريد أن ~~يتقدم فلا تطاوعه قدماه؛ ولكن شهرزاد تسعى إليه هادئة كأنها الحياة تسعى إلى الجسم ~~الهامد، أو كأنها اليقظة تسعى إلى النائم المغرق في النوم، حتى إذا بلغته وضعت يدها على ~~كتفه وقالت له في صوت لم يستطع أن يفرق بينه وبين هذا الجو الموسيقي المحيط به، وإنما ~~خيل إليه أن الغرفة كلها تكلمه بهذا الصوت، قالت له: «لا ترع يا مولاي، فليس عليك من ~~بأس»، ثم أخذت ذراعه ومضت به إلى مجلس من مجالس الغرفة فأجلسته رفيقة به وجلست إلى ~~جانبه عطوفا عليه، وقالت له في صوتها هذا الجديد الغريب: «ألم أنبئ مولاي بأني سأذيقه ~~من نعيم الحياة ألوانا لم يذقها قط، بل لم يذقها إنسان قبله قط! أفيرى مولاي أني قد ~~وفيت بالوعد أو بدأت بالوفاء!» # قال الملك في صوته الخافت الذي كان كأنما يأتي من بعيد: «ألا تنبئينني آخر الأمر من ~~أنت وماذا تريدين؟!» # قالت متهالكة: «ألا يشغلك ما تسمع عن هذه الفكرة الملحة عليك المضنية لك؟! أليس خيرا ~~من ذلك أن تسأل عن هذه الموسيقى من أين تأتي وإلى أين تمضي؟!» قال: «فإنها تأتي منك ~~وإليك تعود.» # قالت: «فإذا لم يستطع سمعك أن يشغلك عني وعما أريد، فستشغلك عيناك يا مولاي. ~~انظر!» # ونظر الملك من وله فرأى عجبا، لقد كان يعلم أن شهرزاد قد أقبلت به منذ حين على غرفة ~~من غرفات القصر لها جدران تحدها وباب يغلق من دونها، ومن هذا الباب قد دخلت الوصائف ~~آنفا، ومن هذه الجدران قد نبعت أنغام الموسيقى كما ينساب الماء من العيون الجارية، ~~لكنه الآن ينظر فلا يرى جدران الغرفة، وينظر فلا يرى للغرفة سقفا ولا بابا، وإنما يرى ~~نفسه في مكان متباعد الأرجاء ms42 مترامي الأطراف، قد زين أحسن زينة وأروعها وأعظمها تأنقا ~~ورشاقة، وقد تقدم هذا المكان في بحيرة تحيط به من جهاته الثلاث، واتصل بالقصر من جهته ~~الرابعة، فكأنه يد قد مدها القصر في هذه البحيرة لتأخذ منها شيئا، وهذا المكان الواسع ~~الرائع يغمره الجو الموسيقي ذاك كما كان يغمر تلك الغرفة الضيقة الساذجة، ولكن شيئا ~~آخر قد ظهر في هذا المكان، فهؤلاء أزواج من الفتيات والفتيان قد حسنت وجوههم واعتدلت ~~قدودهم وغمرهم بشر عجيب وهم فرحون مرحون، يعبثون هنا ويجدون ويتراقصون في هذه الناحية ~~ويسمرون في تلك الناحية، والملك مسحور مبهور يرى كل شيء ولا يحقق في نفسه مما يرى ~~شيئا، وشهرزاد تقول له في صوتها الهادئ الذي يقع في نفسه كأنه قطعة من هذا الجو الفرح ~~المرح: «لا بأس عليك يا مولاي! فإنك ترى هؤلاء الأزواج من الفتيان والفتيات، وتسمع ~~لأصواتهم الجادة والعابثة، ولكنهم لا يرونك ولا يسمعون لنا حين نتحدث؛ لأنهم لم يخلقوا ~~بعد، ولكنهم سيخلقون في يوم من الأيام. ألم أحدثك بأني ساحرة؟! فقد قصصت عليك العجب من ~~أنباء الماضي، فأنا أقص عليك العجب من أنباء المستقبل، ولكنك يا مولاي لا تؤمن بالقصص، ~~وإنما تتلهى به كما يتلهى به عامة الناس، ولو قد آمنت بالقصص كما تؤمن به شهرزاد، لما ~~رأيت فيما تشهد الآن سحرا ولا فتنة، ولرأيت في هذا العالم الذي يبتدعه القصص ملجأ تأوي ~~إليه ووزرا تعتصم به إذا ضاقت نفسك بهذه الحياة الراكدة التي يحياها الناس حين ~~ينامون وحين يستيقظون وحين يضطربون في أمورهم اليومية. هلم يا مولاي، فقد بدأنا رحلة لم ~~نتقدم فيها إلا قليلا.» # ثم تنهض متثاقلة، وتنهض الملك متلطفة، وتمضي به أمامها وقتا لا يدري الملك أطال أم ~~قصر. ولكنها قد انتهت به إلى حافة البحيرة، فوقفت وأشارت بيدها في الفضاء أمامها، وقالت ~~للملك: «انظر يا مولاي! ألا يشوقك أن تستمتع بما يستمتع به هؤلاء من النعيم!» # وينظر الملك فيرى أسرابا لا تحصى من الزوارق قد ملأت البحيرة مختلفة ألوانها مزدانة ~~أجمل ms43 زينة وأروعها، يغمرها الضوء فكأنها تسبح فيه كما تسبح في الماء، تصدر عن بعضها ~~الموسيقى، ويصدر عن بعضها الغناء، وكلها يصور الفتنة والسحر والجمال. # ويهم الملك أن يقول شيئا، ولكن شهرزاد تضمه إليها رفيقة به وتقول له في صوت فاتر ~~ساحر: «لا تقل شيئا يا مولاي! فقد خلصت نفسك لي كما خلصت نفسي لك منذ الليلة. انظر إلى ~~هذا الزورق يا مولاي! إنه يدعونا فلنجب دعوته. إنك لن تستجيب له حتى تنحسر عنك أيامك ~~المثقلة بالهموم والأحزان والتجارب، وإني لن أستجيب له حتى أعود كما كنت قبل أن أتحداك ~~وأتحدى عندك الملك والموت والحب جميعا. هلم يا مولاي لنعد إلى شبابنا القديم النقي ~~الذي لا يدنسه إثم ولا تشوبه فتنة ولا تثقله تجربة، وإنما هو ناصع كضوء الشمس، رقيق ~~كضوء القمر، حلو كابتسامة العذراء.» # ويرى الملك نفسه مع شهرزاد في زورق من هذه الزوارق الرائعة التي تسبح في الماء والضوء ~~والموسيقى والغناء جميعا، ولكن ماذا؟ هذه يد تمس كتف الملك، وهذا الملك يثوب إلى نفسه ~~فجاءة، وإذا هو نائم في مكانه من زورقه ذاك قد غلبه النوم على شعوره المستمتع بما كان ~~يجد من لذة ونعيم، ثم ردته اليقظة لا إلى شعوره ذاك، ولكن إلى صوت يعرفه لأنه سمعه قبل ~~ذلك، وإذا هذا الصوت يقول: «فلما كانت الليلة الثانية عشرة بعد الألف قالت ~~شهرزاد.» # ثم ينقطع الصوت، ويمد الملك عينه ويمد سمعه، فيرى شهرزاد مغرقة في نوم هادئ، ويسمعها ~~تقول في صوتها الرائع الحلو: «بلغني أيها الملك السعيد أن فاتنة قالت لأبيها: ذلك سري ~~الذي ستفهمه حين أزيل عنه الستار.» # 5 # وملوك الجن يا مولاي لا يحتاجون إلى ما يحتاج إليه ملوك الناس حين يكتب بعضهم إلى بعض ~~من قطع الآماد البعيدة في الأوقات الطويلة؛ ليظهر بعضهم على رسائل بعض، ولكن لهم فنونا ~~من الحيلة يقطعون بها أبعد الآماد في أقصر الأوقات، يكون أحدهم في أقصى الشرق فيبلغ ما ~~يريد لصاحبه في أقصى الغرب قبل أن يرتد إليه طرفه، لا ms44 تعوقه مسافة، ولا تصده أمواج ~~البحر ولا عقاب البر ولا عواصف الجو، كأن لهم أرواحا تسعى بينهم بالرسائل؛ فكلهم بعيد ~~من صاحبه إلى أقصى غايات البعد، وكلهم قريب من صاحبه إلى أدنى آماد القرب. # وما أكثر ما يأخذ الناس عن الجن! ولكن ذلك لا يتأتى لهم إلا بعد الجهد والمشقة، ~~وحين يخطر لروح من أرواح الجن أن يتألف فردا من أفراد الناس، ومن يدري يا مولاي! لعل ~~الناس فيما يستقبل من الأيام أن يتعلموا من الجن وسائلهم هذه في استخدام الأرواح، ~~يتواصلون بها على بعد الشقة وتنائي الآماد. # ومهما يكن من شيء يا مولاي، فقد أقبل وزير الملك طهمان بن زهمان قبل أن يفرغ الملك من ~~حديثه إلى ابنته، وجلا يخفي وجله في كثير من الجهد، ومذعورا يسر ذعره في كثير ~~من العناء. # فلما مثل بين يدي الملك والأميرة قال في صوت متهدج مضطرب: «لقد أبلغت تحدي مولاتنا ~~إلى ملوك الجن جميعا في البر والبحر والجو؛ فكلهم قبل التحدي، وكلهم أنذرنا بحرب تبدأ ~~الآن، ولكنها لن تنتهي فيما يقولون إلا حين تستأسر مولاتنا للمنتصر.» ثم وقف ~~واجما ذاهلا لا يكاد يعقل شيئا، بل لا يكاد يأتي حركة. # فنظرت إليه الأميرة باسمة ساخرة، وقالت في صوت المتضاحكة: «ثم ماذا أيها ~~الوزير؟» # قال مضطربا متلعثما: «ثم إني أقبلت يا مولاتي أرفع الأمر إلى مولانا وإليك وأتلقى ~~أمركما.» # قالت: «فأي أمر تريد أن تتلقى؟» # فوجم الوزير، ونظر أمامه والتفت عن يمين وشمال، كأنه يتلمس من يلهمه الرد على ~~الأميرة. فلما لم ير أحدا قال في صوته المتهدج: «فهل يأذن مولانا في أن نجمع مجلس ~~الحرب؟» # قال الملك: «هو ذاك.» # قالت الأميرة: «وما عسى أن يصنع مجلس الحرب؟» # قال الملك: «يصنع يا ابنتي ما تصنع مجالس الحرب في مثل الحال التي اضطررنا إليها، ~~فهناك أوامر يجب أن تصدر، وجنود يجب أن تعبأ، وأمور يجب أن تهيأ.» # قالت فاتنة: «فأرح نفسك يا أبت من مجلس الحرب، فلسنا في حاجة إليه. لن تصدر الأوامر، ~~ولن تعبأ ms45 الجنود، ولن يهيأ لهذه الحرب شيء. اذهب أيها الوزير فأذن في الجن ألا ~~يراعوا؛ فليس عليهم من بأس، وإن هذه الحرب التي بدأت منذ الآن ستنتهي دون أن يصيبهم ~~منها مكروه، بل أنا أرجو أن يصيبهم منها خير كثير.» # هنالك وثب الملك وقد ثاب إليه حزمه وعزمه وعاد إليه حده وجده، كأنما هب من نوم ~~عميق طويل فاستقبل يقظة حافلة بجلائل الأعمال وعظائم الخطوب، فقال: «اعبثي يا ابنتي ما ~~شئت أن تعبثي، وجربي ما أحببت أن تجربي، وتهيئي لهذه الحرب الغريبة التي دفعتنا ~~إليها كما تريدين؛ ولكن دعينا نعد للحرب عدتها ونستقبلها كما تعودنا ~~استقبالها؛ فإن تنجح وسائلك لم يكن في استعدادنا شر ولا في احتياطنا ضرر، وإن تخفق ~~تجاربك لا تؤخذ الرعية والمملكة من تقصير الساسة وإهمال القادة.» ثم التفت إلى وزيره ~~قائلا: «ادع لنا مجلس الحرب، وما أرى إلا أنك قد فعلت.» # قال الوزير: «فإن قادة الجند وساسة الملك بباب مولانا ينتظرون أن يؤذن لهم في ~~الدخول.» # قال الملك: «فأدخلهم إذا.» # وأقبل القواد والحكام والمشيرون، فحيا كل منهم وأخذ مجلسه حيث ينبغي له أن يجلس، ثم ~~أخذوا يتدبرون ويفكرون ويتشاورون، ولم تكن عنايتهم بحماية الأمن الخارجي أشد من عنايتهم ~~بحماية الأمن الداخلي؛ فقد تسامع أفراد الرعية وجماعاتها بهذه الحرب في أقل من طرفة ~~عين، فبعضهم أشفق منها فأخذ يحتاط للمستقبل، وبعضهم أدركه الذعر فأخرجه عن صوابه وتجاوز ~~به القصد فيما ينبغي أن يعمل أو يقال، وبعضهم انتهز فرصة كان ينتظرها فإذا هو يكيد ~~ويمكر ويتربص الدوائر بالدولة القائمة أو بالحكومة العاملة لهذه الدولة، وبعضهم كان ~~أقرب من هذا همة وأقصر نظرا وأشد إيثارا لنفسه بالخير وأحرص على تحقيق منافعه ~~العاجلة، فأخذ يقامر ويغامر ويجمع المال ويكنز الذهب والفضة ويدخر المؤن، غير حافل بما ~~سيكون لذلك من أثر في حياة من حوله من الأفراد والجماعات، وإنما ركب شهوته واتبع هواه ~~لم يفكر إلا في إرضاء مطامعه وتحقيق منافعه. ولم يكن بد من الاحتياط لهذا كله والضرب ~~على أيدي هؤلاء ms46 جميعا، ولم يكن بد من أن يأمن الخائف، ويطمئن المذعور، ويحمى من لا ~~حامي له إلا النظام والقانون، ولم يكن بد لتحقيق هذا كله من أن تصدر الأوامر وتتخذ ~~الأهبة، ولكن ملوك الجن يا مولاي ليسوا كملوك الناس؛ لا يتعرضون للإهمال ولا يوصمون ~~بالتقصير ولا ينتظرون أن تلم بهم الكوارث وتفاجئهم الحوادث، ولكنهم يستعدون لكل ~~حادثة، ويتأهبون لكل كارثة، ويسبقون الخطوب بالاستعداد لدرئها، تنفذ بصائرهم إلى ما ~~وراء الحاضر كما تنفذ أبصارهم إلى ما وراء الجو الذي يعيشون فيه، وهم من أجل ذلك لا ~~تدهمهم داهمة، ولا تلم بهم ملمة إلا استخرجوا قوانين قد هيئت، وأوامر قد أعدت، وكلفوا ~~تنفيذ القوانين وإجراء الأوامر جماعات من أعوانهم قد أعدوا لهذا كله من قبل، ولم يعرف ~~أحد أنهم أعدوا له أو كلفوا القيام عليه. # ومن يدري يا مولاي! لعل ملوك الناس يعرفون من هذا بعض ما يجهلون، ويتهيئون منه لمثل ~~ما يتهيأ له ملوك الجن، فلا تؤخذ دولهم على غرة، ولا تفجؤها الحوادث على غير تهيؤ ولا ~~استعداد. # ومن أجل هذا كله يا مولاي لم يحتج طهمان بن زهمان ووزراؤه وأعوانه إلى وقت طويل ~~ليحزموا أمرهم ويفرغوا من تدبير الأمن الداخلي؛ وإنما مروا بذلك مرا سريعا، واستقامت ~~لهم أمورهم في ذلك على خير ما أحبوا. # وكانت فاتنة تسمع وترى وتبتسم غير حافلة بما تسمع ولا آبهة لما ترى، ولكنها مع ذلك ~~كانت تجد شيئا من الرضا والغبطة؛ لأنها كانت ترى أباها حازما عازما يدبر الأمر وينفذ ~~القضاء كعهده حين كان قويا جلدا نفاذا غير متهالك ولا مستيئس. # فلما فرغ القوم من تدبير أمور الرعية، أخذوا يعرضون أمور الحرب ويهيئون لاستقبال ~~العدو المغير، ولم يكن الأمر هينا ولا ميسورا؛ فهم قد كانوا تعودوا أن يحاربوا هذا ~~الملك أو ذاك من ملوك الجن، ولم يكونوا ينتظرون أن يحاربوا ملوك الجن جميعا، وهم كانوا ~~قد ألفوا أن يستعدوا للشر يأتيهم من الجو أو يأتيهم من البر أو يخرج لهم من البحر أو ~~ينجم لهم من ms47 الأرض، ولكنهم لم يألفوا أن يأتيهم الشر من هذه الوجوه كلها في وقت واحد؛ ~~فلم يكن أمرهم سهلا ولا تشاورهم رفيقا. # وكانت فاتنة مع ذلك تنظر إليهم وتسمع منهم غير حافلة ولا مكترثة. على أن شيئا من ~~الرثاء بلغ نفسها القاسية آخر الأمر فقالت لأبيها: «ارفق بنفسك وبهؤلاء القادة والساسة ~~يا أبت، فلستم في حاجة إلى كل هذه الخطط التي تدبرونها وتقدرونها وتديرون فيها الحوار. ~~إن مملكتنا معرضة لشر لا قبل لها به، فإما أن تنجح خطتي التي رسمتها والتي لا تعلمون ~~منها شيئا، وإما أن نهلك جميعا دون أن تبقى لنا باقية.» # قال الملك وعلى ثغره ابتسامة مرة خير منها العبوس: «هو ذاك يا ابنتي؛ فإنك لا ~~تنبئينني بشيء أجهله، ولكني لا أحب أن أوخذ على غرة أو أن أوتى من تقصير، فلأجاهد ما ~~استطعت إلى الجهاد سبيلا، ولأعذر ما وجدت إلى الإعذار طريقا، وليجر القضاء بعد ذلك ~~بما شاء!» # وما كاد الملك يفرغ من كلامه هذا حتى تغير من حوله كل شيء، فإذا الأرض تميد، وإذا ~~الجو يكفهر، وإذا ظلمة قاتمة تريد أن تأخذ المدينة من جميع أقطارها، وإذا سحب متراكمة ~~متراكبة تظهر في السماء مرسلة في الجو بروقا خاطفة ورعودا قاصفة، وإذا الوزراء ~~والساسة يذهلون عما حولهم، وإذا القادة ينصرفون كل إلى موضعه من قيادة الجيش، لعله ~~يعمل عملا أو يبلي بلاء. والملك ثابت مكانه لا يريم، ناظر أمامه لا يحول طرفه إلى ~~يمين وشمال، وقد جمدت على ثغره ابتسامة كانت حائرة فاستقرت في مكانها، كأن نفس الملك لم ~~تجد قوة ولا وقتا للتفكير أو التقدير فضلا عن الابتسام أو العبوس. # وفاتنة باسمة كأن شيئا لم يتغير من حولها، وكأن حدثا لم يحدث، وإنما هي قائمة ~~كعهدها آنفا حين كانت تنظر إلى مجلس الحرب في كثير من السخرية وفي كثير من الرثاء، ~~وحين كانت تنظر إلى أبيها في كثير من الرحمة والحب وفي كثير من الإكبار ~~والإجلال. # على أن صوتا هائلا يملأ ما بين الأرض والسماء فجأة، ms48 فتهتز له جنبات القصر، ويثب له ~~الملك ومن معه من أصحابه كأنما دفعتهم اللوالب في الفضاء، وإذا هم يسرعون إلى الأطناف ~~يشرفون منها لا يدرون كيف أسرعوا ولا كيف دفعوا، وإنما يرون أنفسهم مشرفين ينظرون ~~وكأنهم لا يرون، ويصغون وكأنهم لا يسمعون لكثرة هذه الجماهير التي أقبلت إلى القصر فزعة ~~جزعة تجأر بالاستغاثة وتمعن في الضراعة، وقد استيقنت مخطئة أو مصيبة أنها ستجد عند ~~الملك أمنا من هذا الخوف ووزرا من هذا الفزع. # والملك قائم مكانه ينظر ويصغى، ولا يزيد على النظر والإصغاء، وماذا يستطيع الملك أن ~~يفعل وقد زلزلت الأرض زلزالها، ولبست السماء أبشع ثوب رآه سكان الأرض والجو، فالظلام ~~يتكاثف، والسحاب يتراكم ويتدافع، والبرق يغمر المدينة بضوء مخيف لا يكاد ينصب عليها ~~حتى ينقشع عنها، والرعد يتجاوب في الجو بأصوات متهدجة كأنها أصوات الجبال، والبحر من ~~بعيد هائج مائج تصطخب أمواجه اصطخابا لا عهد لأحد به، وترتفع إلى السحاب فتتصل به لا ~~يدرى أبلغته لأنها ارتفعت حتى انتهت إليه، أم بلغها لأنه انخفض حتى انتهى إليها، أم ~~صعدت هي في السماء ما وسعها الصعود وهبط هو إلى الماء ما وسعه الهبوط حتى التقت السماء ~~والماء شر لقاء. # وفاتنة قائمة باسمة لا تقول شيئا، ولا تأتي حركة، ولا يظهر على وجهها الروع أو ما ~~يصور الروع من قريب أو بعيد. على أنها تسعى رفيقة رشيقة محتفظة بابتسامتها الحلوة حتى ~~تبلغ أباها الملك، فتمس كتفه في خفة وسرعة، وتقول له في صوت هامس عذب: «منظر رائع يا ~~أبت!» # ويهم الملك أن يقول شيئا، ولكنه يرد عن القول؛ فهذه المناظر الرائعة المروعة ~~الهائلة ثابتة لا تتحول مرسلة للروع والروعة جميعا دون أن يصيب المدينة منها شر أو ~~ينال أهل المدينة منها مكروه. هذا البحر قد بلغ من الهياج أقصاه، وانتهى من الثورة إلى ~~غايتها، حتى لا يشك من يراه أنه متجاوز حدوده، فغامر ما وراءها لا يدع شيئا أتى عليه ~~إلا ازدرده ازدرادا وعفى على آثاره تعفية كأن لم يغن بالأمس، ms49 وهو على ذلك واقف عند ~~حدوده لا يتجاوزها، بل لا يكاد يبلغها، كأن سدودا خفية قامت بينه وبين هذه الحدود ترده ~~عنها وتمنعه أن يبلغها فضلا عن أن يجوزها، وهو يثور ويمور ويهيج ويموج ويرسل في الفضاء ~~أصواتا منكرة، كأنما تتمزق عنها أمواجه تمزقا، ولكنه على ذلك لا يبلغ شيئا، ولا ~~يستطيع أن يمس الأرض بأذى. # وهذه قطع السحاب تزدحم وتصطدم، وتحدث ما تحدث من بروق ورعود، وترسل ما ترسل من ~~الصواعق المهلكة، ولكنها على ذلك لا تصيب أحدا بما يحب ولا تصيب أحدا بما يكره، وإنما ~~هي تأتي ما تأتي من الأمر وتحدث ما تحدث من الهول كأنها تلعب فيما بينها تريد أن تظهر ~~أهل الأرض على فنون من اللعب ليس لهم بها عهد من قبل. # وهذه الرياح تتناوح، منها ما يقبل ومنها ما يدبر، ومنها ما ييامن ومنها ما ~~يشائم، ولها أحيانا هفيف كهفيف الأغصان، وأحيانا أخرى فحيح كفحيح الحيات، وأحيانا ~~أخرى صفير مخيف، وأحيانا أخرى زئير مزعج، ولكنها على ذلك لا تصنع شيئا ولا تؤذي ~~أحدا. # وهذه قطع من الجبال مختلفة ألوانها متباينة أحجامها، قد أقبلت من بعيد، كأنما قذفتها ~~المجانيق تريد أن تدمر بها المدينة تدميرا، وهي تمضي في الفضاء مسرعة على ضخامتها ~~كأنها السهام الرقاق حتى لا يشك من يراها في أنها تحمل الموت والدمار، وفي أن قطعة منها ~~يكفي أن تهوي إلى الأرض فتسحقها سحقا، وتمحق ما عليها ومن عليها محقا، ولكنها على ذلك ~~لا تكاد تدنو من المدينة حتى تجمد في مكانها من الجو كأنها قد شدت إلى السماء بأمراس ~~الكتان كما يقول الشاعر القديم؛ فهي لا تقبل ولا تدبر ولا ترتفع ولا تنخفض، وإنما تظل ~~معلقة مكانها كأن كل قطعة منها ظلة هائلة قد علقت في الجو لترد عن أهل الأرض حر ~~الشمس. # وهذه الأرض تنشق عما أضمرت، وتنفجر فيها ينابيع من اللهب هنا ومن الماء هناك، وترتفع ~~هذه الينابيع المحرقة وتلك الينابيع السائلة في السماء إلى حيث لا يستطيع البصر أن ms50 ~~يتابعها في الارتفاع، وإنما يرتد عنها خاسئا وهو حسير، ولكنها على ذلك لا تحرق شيئا ~~ولا تغرق شيئا؛ وإنما تمضي وتمضي في ارتفاعها، وتمضي وتمضي في اتساعها، ثم تتضاءل ~~قليلا قليلا، وإذا هي تهبط ثم تهبط، وتضيق ثم تضيق حتى تعود هزيلة نحيلة إلى فوهتها ~~التي خرجت منها، ثم تنضم عليها الأرض كأن لم تكن شيئا لتنشق عن مثلها في مكان ~~آخر. # وعلى هذا النحو يضطرب الجو والبر والبحر أروع اضطراب وأشده هولا، دون أن يحدث عن ذلك ~~ما يؤذي أو يسوء. # وهذه جماعات الرعية من الجن كان يملؤها الروع منذ حين فجعلت تملؤها الروعة الآن. كانت ~~تجأر بالاستغاثة والضراعة آنفا، فهي تجأر بالرضا والإعجاب والافتتان الآن. # وهذا الملك ينظر إلى ابنته نظرات إن صورت شيئا فإنما تصور ذهول الحائر الواجم الذي ~~عجزت نفسه عن التفكير وانعقد لسانه عن القول؛ فهو قائم مبهوت في مكانه ومن حوله وزراؤه ~~في مثل حاله كأنهم التماثيل. # وهؤلاء قادة الجيش قد أقبلوا لا يدرون أيرضون أم يسخطون، فهم يرون ما يرون من الهول، ~~ويحسون أنهم لا يلقون منه كيدا، وفيهم مع ذلك حماسة الجند المستبسلين؛ فكلهم كان يود ~~لو يبلي بلاء ويسجل لنفسه بالانتصار أو الموت فخرا يتحدث به أعقابه بعد آلاف السنين، ~~ولكنهم مع ذلك قد وجدوا أنفسهم وجنودهم عاجزين كل العجز عن أن يقدموا حين كان يجب ~~الإقدام؛ يريدون أن يتقدموا إلى أمام فلا يجدون إلى ذلك سبيلا كأنهم قد ثبتوا في ~~الأرض تثبيتا، فإذا أرادوا أن يتراجعوا إلى وراء وجدوا ذلك هينا ميسورا. # وهم قد أقبلوا حائرين ثائرين يقولون بصوت واحد ولسان واحد: «هذا هو السحر أيها الملك! ~~هذا هو السحر الذي لم يعرفه قبل اليوم أحد من الجن ولم يعرفه قبل اليوم أحد من ~~الناس.» # وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. # وهم شهريار أن يفكر فيما سمع من هذا القصص الغريب، ولكنه لم يصل إلى ما أراد من ~~ذلك؛ فقد أحس نفسه ثقيلة عليه لا يستطيع تحريكها إلى التفكير، ms51 وأحس جسمه ثقيلا عليه لا ~~يستطيع دفعه إلى النشاط، وأحس كأن نفسه قد ثبتت في مكان بعينه لا تستطيع أن تجوزه، وكأن ~~جسمه قد ثبت في مضجعه فهو لا يستطيع أن يأتي فيه حراكا، وأحس مع ذلك زورقه ذاك يضطرب ~~به اضطرابا خفيفا هينا على الماء، كأنه أرجوحة الطفل تضطرب به اضطرابا خفيفا ~~لتدفعه إلى النوم. وأحس مع هذا كله ذلك الجو الموسيقي الغريب هادئا حلوا رفيقا يدنو ~~منه هونا ما، وينأى عنه هونا ما، كأنه النسيم الهادئ يداعب صفحة البحيرة في تأنق ~~وترفق وظرف، ثم ينأى الملك من نفسه أو تنأى عن الملك نفسه، ويخيل إليه على هذا كله كأنه ~~يرى فيما يرى النائم أنه في زورق جميل خفيف يسبح به وبشهرزاد النائمة منه غير بعيد في ~~الماء والضوء والموسيقى والغناء جميعا. # 6 # على أن غناء عذبا يبلغ سمعه كأنه ترتيل الملائكة - لو أن للناس أن يسمعوا ترتيل ~~الملائكة - فلا يكاد يمس سمعه حتى ينتهي إلى نفسه الشاعرة فيوقظها في أناة ويستلها من ~~النوم في لطف، كما كان أبو نواس يستل من الدن روحه في لطف، وإذا الملك يفيق من ~~نومه، ولكنه يمسك نفسه في هذا السكون الذي كان فيه قبل أن يخرج من النوم، كأنه كان يريد ~~أن يستبقي حلاوة هذا الغناء. # وكان يظن، كما يظن الحالم حين يستيقظ، أنه يغالط نفسه ويغالط النوم، وأن اليقظة ذاهبة ~~بلذة أحلامه لا محالة، ولكنه مع ذلك يسمع هذا الغناء العذب، ويحس موقعه من قلبه، ويتبين ~~الأصوات التي تحمله والألفاظ التي تحويه، وكأن هذه الأصوات كانت تصدر عن هذه الأمواج ~~الصغيرة التي كانت تصطفق من حوله وتداعب زورقه هذا الغريب، وكأن هذه الأمواج كانت تدعوه ~~بصوتها ذلك العذب قائلة في لغة فارسية رقيقة حلوة: «أفق أيها الإنسان السعيد لتستمتع ~~باليقظة كما استمتعت بالنوم، ولتنعم بالشعور كما نعمت باللاشعور. أفق أيها الإنسان ~~السعيد؛ فما أقل الذين تتاح لهم السعادة في حياتهم هذه القصيرة! خذ حظك منها حريصا ~~عليه كلفا به؛ فإنك لا ms52 تدري متى تفارقك أو متى تفارقها ؛ كما أنك لم تدر كيف لقيتها أو ~~كيف لقيتك. أفق أيها الإنسان السعيد؛ فإن أخص ما تمتاز به السعادة أن الذين ينعمون بها ~~لا يدرون أأيقاظ هم أم نيام.» # ثم يبعد الصوت، ويتضاءل الغناء، ويتسمع الملك؛ فلا يسمع إلا اصطفاق الأمواج هادئا ~~ناعما رفيقا، كأنه صوت الحرير يمس الحرير، ثم ينظر الملك فيرى شهرزاد في سريرها غير ~~بعيد وعلى وجهها ابتسامة حلوة وإشراق رائق وغبطة لا سبيل إلى وصفها، وهي تمد إليه ~~عينيها كما يمد إليها عينيه، تريد أن تقول له صامتة ما كان يريد أن يقول لها صامتا: ما ~~أعذب هذا الصوت وما أجمل هذا الغناء! ولكنها لا تقول شيئا، كما أنه هو لم يقل شيئا، ~~وإنما تركت عينيها ممدودتين إليه كما ترك هو عينيه ممدودتين إليها. # ثم نمضي لحظات طوال أو قصار، وإذا الملك يستوي جالسا في نفس الوقت الذي تستوي فيه ~~شهرزاد جالسة، وإذا الملك ينهض قائما في نفس الوقت الذي تنهض فيه شهرزاد قائمة، وإذا ~~الملك يسعى خطوات قصارا كما تسعى شهرزاد خطوات قصارا، وإذا العاشقان يلتقيان ~~فيتعانقان، فيغيبان في قبلة عرفا أولها ولم يعرفا آخرها، ثم يفيقان، وإذا الزورق ينساب ~~بهما في نهر ضيق هادئ كأن مياهه قد ثبتت في مجراها، وقد كسي شاطئاه عن يمين وشمال ~~عشبا أخضر كثيفا كأنه السندس. وينظران فإذا جماعات من الفتيات ينحدرن مسرعات عن يمين ~~وشمال إلى النهر يحيين بالزهر النضر والأغصان الخضر ويدعون العاشقين أن هلم فقد ~~بلغتما جزيرة النعيم. # ويرسو الزورق في مرسى قد هيئ له، ويصعد منه العاشقان صامتين، ولكن البهجة تغمر ~~وجهيهما وتنطق عن قلبيهما بما لا تستطيع أن تنطق به الألسنة أو يصوره البيان المبين، ~~وقل ما شئت والتمس عند القائلين ما أحببت من وصف الجنات الرائعة والرياض البارعة ~~والحدائق الملتفة والغابات المتكاثفة والأزهار المنسقة والغدران المصفقة، فلن تبلغ مهما ~~يكن حظك من ذلك وصف هذه الجزيرة التي ارتقى إليها العاشقان حين صعدا من زورقهما ذاك ~~صامتين لا ms53 يقولان شيئا. # وكيف تريدني على أن أصف لك ما لا يوصف، أو أن أصور لك ما لا سبيل إلى تصويره. لقد ~~انعقد لسان شهريار لأنه أحس وعجز عن تصوير حسه، وانعقد لسان شهرزاد لأنها شعرت وعجزت عن ~~تصوير شعورها، ومع ذلك فما أكثر ما قال الملك بعينيه لشهرزاد! وما أكثر ما قالت شهرزاد ~~بعينيها للملك! # ويخيل إلي أن لو أتيح لكاتب أن يترجم بعض ما كانت تقوله هذه الأعين، لزعم أن شهرزاد ~~كانت تقول للملك: أترى إلى هذا النعيم! لقد وعدتك به، وكنت أظن أني سأكون أقدر منك على ~~احتماله، وأني سأكون منك مكان الترجمان يدلك عليه ويمتعك به ويصف لك دقائقه، ولكني مع ~~ذلك لم أستطع أن أثبت لقوته ولا لرقته ولا لسحره، فانتهيت إلى مثل ما انتهيت أنت إليه ~~من العجز والاستسلام. # وكأن شهريار يقول لشهرزاد: نعم! لقد قهر هذا النعيم قوتك الثائرة ونفسك الجامحة، كما ~~قهر قوتي المتهالكة ونفسي المستسلمة، ولقد سوى بيننا في هذا الضعف الحلو وهذه الراحة ~~الممتعة أو هذا المتاع المريح: لقد أنزلك إلى حيث أنا، أو رفعني إلى حيث أنت، فأنا أراك ~~الآن رأي العين، وأنا أعرفك الآن حق المعرفة، وأنا لا أدري بأي الأمرين أنا أسعد حظا: ~~أبهذا النعيم الذي يغمرك ويغمرني، أم بهذه المعرفة التي جلت لي نفسك الغامضة وكشفت لي ~~سرك المكنون. # وكانت شهرزاد ترسل إلى الملك من عينيها وشفتيها ابتسامات ساحرة لم تخل من سخرية، ~~ولكنها كانت سخرية واضحة يملؤها الحب والحنان، وليس لها حظ من قسوة أو مرارة، وكانت هذه ~~السخرية تلقي في روع الملك أن استمتع بهذا النعيم الذي يغمرك ويغمرني، واستمتع بهذا ~~النعيم الذي تجده من جلاء نفسي الغامضة وانكشاف سري المكنون، وخذ من هذين النعيمين أكثر ~~ما تستطيع أن تأخذ؛ فإنك لا تدري متى ينحسران عنك، كما أنك لا تدري متى يسرا لك ولا ~~كيف يسرا لك. والشيء الذي ليس فيه شك، هو أنك ستعود ملكا تدبر أمور الناس وتصرفها ~~كما تريد، وأنك ستعود رعية ms54 تدبر أمورك شهرزاد وتصرفها كما تحب ، ولكن أرجو ألا يشق عليك ~~تدبير الملك، وألا يثقل عليك غموض شهرزاد. # وبعد وقت لا أدري أطال أم قصر أحس الملك لسانه ينطلق وصوته يبلغ أذنيه، وإذا هو يقول: ~~«أين نحن؟ وماذا نرى؟ وماذا نسمع؟ ألا تنبئيني آخر الأمر من أنت؟ وماذا ~~تريدين؟!» # قالت شهرزاد متضاحكة: «ماذا؟! ألم تقل عيناك منذ حين إنك قد عرفتني حق معرفتي، وإنك ~~تنعم بهذه المعرفة؟! فما سؤالك عما تعرف؟ أين نحن؟ لقد سمعنا أننا في جزيرة النعيم. ~~ماذا نرى؟ إنما نرى أشجارا وأزهارا ورياضا وأنهارا، بذلك تسميها اللغة؛ لأنها تشبه ~~من قريب أو بعيد ما تعودنا أن نرى في مملكتك تلك التي تركناها أمس، والتي لو أردنا أن ~~نرجع إليها دون أن يعيننا قصص شهرزاد لما بلغناها قبل أن ينتهي ما قدر لنا من عمر. ماذا ~~نسمع؟ نسمع غناء تحمله إلينا أصوات هؤلاء الفتيات اللاتي نراهن ولا يريننا. أتعرف من ~~هؤلاء الفتيات؟!» # قال الملك: «ومن أين لي أن أعرفهن ...؟! وهل عرفت شيئا، أو هل عرفت أحدا مما رأيت ~~وممن رأيت منذ أمس؟!» # قالت شهرزاد: «قد عرفتهن، فأما هؤلاء الفتيات فإني أعرفك بهن إن شئت، ولكن أمسك عليك ~~نفسك وأمسك عليك راحتك وأمسك عليك ما يملأ قلبك من غبطة وبهجة ونعيم. هؤلاء الفتيات هن ~~اللاتي لم ترسلهن إلى الموت؛ لأن شهرزاد شغلتك عنهن بما قصت عليك من أنباء الماضي، وبما ~~تقص عليك الآن من أنباء المستقبل، وستشغلك عنهن بما تعرف فيها وما تنكر منها من وضوح ~~وغموض، فهن فرحات مرحات، تراهن الآن يصورن النعيم كل النعيم، ومنهن الراضية كل الرضا، ~~ومنهن الساخطة كل السخط، ومنهن المترددة بين ذلك، ولكنهن على هذا فرحات مرحات فيما ترى؛ ~~لأن حياتهن لم تقتضب في غير إبانها، ولأن شبابهن لم يرد عنهن ردا عنيفا.» # وكانت هذه الألفاظ التي كانت شهرزاد تنطق بها متقطعة متفرقة تبلغ أذن الملك لاذعة، ~~وتنتهي إلى قلبه موجعة، ولم تتمها شهرزاد حتى كان الملك قد ثاب إلى نفسه واستجمع شعوره ms55 ~~كله، وأخذ يعرض ما رأى يقظا ونائما، ولكنه ينظر فيرى نفسه في زورقه ذاك، ويرى الزورق ~~ينحدر به في النهر متجها صوب البحيرة التي جاء منها، وعن يمينه وشماله تلك الجماعات من ~~الفتيات يحيين بالأزهار والغصون والغناء، ولكن في تحيتهن حزنا أشبه بهذا الحزن الذي ~~تصوره تحية الوداع. # وينظر الملك إلى شهرزاد فيراها جالسة منه غير بعيد معرضة عنه وعن الزورق وعن شاطئ ~~النهر الجميلين وعن جماعات الفتيات وما يحيين به أزهار وغصون وغناء، وقد أطرقت تنظر في ~~كتاب. # قال الملك دهشا: «تقرئين! يا عجبا! أنى لك هذا الكتاب؟!» # قالت شهرزاد في لهجة التي لا تكترث بما تسمع ولا تهتم لما تقول: «يا عجبا! أنى لنا ~~هذا الزورق، وأنى لنا هذا النهر الذي ننحدر فيه، وأنى لنا هذه البحيرة التي نقبل ~~عليها؟! انظر أيها الملك السعيد»، قالت ذلك وأشارت أمامها بيدها، ونظر الملك فلم تبتهج ~~نفسه لما رأى، وإن امتلأت إعجابا به وعجبا له. # فقد رأى النهر يتسع من ضيق، وينفرج من تقارب، ويشتد البعد بين شاطئيه حتى يمتزج ~~بالبحيرة امتزاجا، ورأى وجه النهار قد امتقع وأسبغ عليه شحوب عجيب يشيع في النفس ألما ~~هادئا وحزنا فاترا، ولكنهما على ذلك يؤذيان النفوس، وأحس كأن كل شيء من حوله قد ~~أدركه شيء من ذبول؛ فالنسيم فاتر فيه شيء من حرارة مؤذية، والأمواج متضائلة تصطفق ~~اصطفاقا خفيفا كأنما تحاول أن تشكو آلاما خفية، فلا تستطيع الجهر بما تجد إلا في ~~مشقة شاقة وعسر عسير، والطير تحاول أن تتغنى صافات في السماء أو راقصات على الغصون، ~~ولكنها تتغنى فاترة حتى كأن غناءها أشبه شيء بالأنين أو الشكاة، وأشعة الشمس هادئة ~~ذابلة تمس ما حولها في فتور كأنها تصدر عن جذوة أوشكت أن تنطفئ، وهي من ذلك تحمل حرا ~~رطبا ثقيلا تندى له الجباه ويتصبب له العرق أحيانا. # كل شيء هامد خامد، وكل شيء جامد راكد، وفي الجو فتور لا يحتمل وثقل لا يطاق، وإذا نفس ~~الملك تمتزج بهذا كله، وإذا قلبه يخفق في ms56 صدره خفقا ضئيلا ثقيلا، وإذا نفسه تصطبغ ~~بحزن شاحب ممض، وإذا هو يصبح كله حزنا وركودا كما أن ما حوله حزن وركود، وشهرزاد ~~أمامه مطرقة مغرقة في القراءة كأنها لا ترى شيئا ولا تحس شيئا، وهي مع ذلك تختلس ~~النظرة إلى الملك بين حين وحين تمد إليه طرفها لترده عنه، كأنما تراقبه حريصة على ألا ~~يشعر أنها تراقبه. # وقد أخذ ضوء الشمس يضعف شيئا فشيئا، وكأن النهار أحس برد الموت يتمشى فيه، فجعل ~~يرتدي من الظلمة معطفا فاحما قاتما ثقيلا؛ ثم يجمد كل شيء ويخمد كل شيء، ويقف ~~الزورق في مكانه كأنما شد إلى قاع البحيرة بسلاسل غلاظ ثقال. # وتنهض شهرزاد فاترة متثاقلة، وتقول في صوت هادئ متكسر: «انظر أيها الملك السعيد فإن ~~النعيم والبؤس دولة بين الناس، ينعم بعضهم ويشقى بعضهم الآخر، وينعم الرجال منهم أياما ~~أو ليالي من الدهر، ثم يشقى أياما وليالي أخرى، وينعم الرجل منهم ساعة من نهار أو ساعة ~~من ليل، ثم يشقى سائر ساعات النهار أو سائر ساعات الليل، وقد أخذت بحظك من النعيم، ~~وأخذت بحظي منه؛ فلنأخذ الآن بحظنا من البؤس، ولنستقبل الآن نصيبنا من الحزن، ولنحتمل ~~الآن عبأنا من الشقاء.» # وينظر الملك فيرى - ويا هول ما يرى! - يرى على شاطئ البحيرة من يمين وشمال شيئا يشبه ~~الرياض والجنات وما هو من الرياض والجنات في شيء، شيئا يشبه أن يكون أشجارا باسقة في ~~السماء وما هي من الأشجار في شيء، إنما هي أشياء يخيل إلى الملك مرة أنها الشجرة ومرة ~~أنها العمد قد ثبتت في الأرض وطالت في السماء وامتدت لها فروع تشبه أن تكون الغصون، ~~ونبتت في هذه الفروع زوائد تشبه أن تكون الورق، وقامت على هذه الغصون وفي أثناء هذه ~~الزوائد كائنات تشبه أن تكون الطير، وأسبغ على هذا كله ضوء ذابل فاتر شاحب يشبه أن يكون ~~الظلمة لولا أن العين تنفذ منه إلى ما وراءه في كثير من المشقة والجهد والإعياء، وخرجت ~~من أفواه هذه الكائنات التي تشبه الطير أصوات ms57 تريد أن تكون غناء؛ ولكنها لا تبلغ الجو ~~حتى يكون بعضها بكاء وبعضها أنينا وبعضها حشرجة كحشرجة الصريع المحتضر. هنالك يذعر ~~الملك أشد الذعر، ولكنه لا يستطيع أن يترجم عما يجد، وإنما هي الرعدة تتمشى في جسمه كله ~~فيضطرب اضطرابا عنيفا، ثم تستقر لتأخذ الملك بين حين وحين، وقد انعقد لسانه واحتبس ~~صوته وجعلت قطرات من الدمع تساقط على وجهه بين حين وحين، وهو مقبل على شهرزاد يريد أن ~~يسألها أين هو؟ وماذا يرى؟ وماذا يسمع؟ وماذا يجد؟ ولكنه ليس في حاجة إلى هذا السؤال، ~~فقد خلصت نفسه لشهرزاد، وخلصت له نفس شهرزاد منذ وقفا معا على شاطئ تلك البحيرة في ذلك ~~الجو الموسيقي الرائع وأمام تلك الأسراب من الزوارق البديعة. # لقد فهمت عنه شهرزاد، وهي تجيبه بلسان لم ينعقد، وصوت لم يحتبس، ووجه يستطيع أن ~~يبين عما يجده قلبها من حزن لاذع وغيظ يملؤه الحنق ورحمة مع ذلك يملؤها الحنان: «انظر ~~يا مولاي! هؤلاء ضحاياك! هذه الكائنات التي تشبه الطير وما هي بالطير، أتعرفها؟! إنها ~~نفوس أولئك الفتيات اللاتي أرسلتهن إلى الموت منذ ثرت ثورتك المنكرة بالنساء فاتخذتهن ~~أداة للهوك ووسيلة إلى إرضاء ما أفسد قلبك من غضب وما أفسد نفسك من انتقام.» # تستطيع أن تحصي هذه الكائنات فسترى عددها مطابقا لعدد أولئك الفتيات اللاتي أهدرت ~~كرامتهن في غير حب، ثم أزهقت نفوسهن في غير إشفاق، فهذه النفوس قائمة في هذه الجنة التي ~~تشبه الجحيم، أو في هذا الجحيم الذي يريد أن يكون جنة فلا يستطيع. إنها بائسة، إنها ~~يائسة، إنها شاكية، إنها باكية، إن هذه الأصوات التي تسمعها تنطلق بالبؤس واليأس ~~والبكاء والشكاة منذ أرسلتها إلى هذا المكان حتى تؤدي عنها حسابا يوميا ما، فاذرف ما ~~تستطيع أن تذرف من دموع، واحمل ما تستطيع أن تحمل من حزن، واعمل ما تستطيع أن تعمل من ~~خير، وتجرع ما تستطيع أن تتجرع من ندم، وأقم على هذا كله عمرك وأعمارا كثيرة تعدله ~~طولا، فلن تغسل قطرة من تلك الدماء التي ms58 سفكتها، ولن ترضي نفسا من هذه النفوس التي ~~أزهقتها، ولن تمحو سيئة من هذه السيئات التي اقترفتها إلا أن يمسك جناح من رحمة الله، ~~وينالك فضل من عفوه؛ فإن لله في الناس حكمة هو بالغها، وأمرا هو منفذه. # ثم يرق صوت شهرزاد ويلين حتى كأنه رحمة كله، وإذا هي تقول: «ومع ذلك - بل من أجل ذلك ~~- قد أحببتك أيها الملك، وتحديت عندك الحب والملك والموت جميعا، وما أدري كيف أعلل هذا ~~الحب أو كيف أفهمه؟ فقد كنت أظن أني أبغضك أشد البغض، ولو لم أزف إليك لقتلت نفسي جزعا ~~ويأسا، وقد كنت أظن أني أستطيع أن أردك عن ذلك الإثم المنكر الذي كنت غارقا فيه، ~~وما كان أحب إلي مع ذلك أن أنعم بحبك ليلة ثم أذوق الموت بيدك وآتي إلى حيث أشارك هذه ~~الطير فيما تعلن من بؤس ويأس وبكاء وشكاة، وقد كنت أقدر بعد أن ذقت حبك ونعمت بقربك ~~أني سأرد الموت عن نفسي وعن أمثالي من فتيات الدولة بما ألهيك به من قصص، وقلبي يشهد ~~ونفسي تعلم أني ما ألهيتك بالقصص إلا لأستأنف النعيم بحبك وأطيل السعادة بقربك؛ فقد ~~كنت أثرة أظهر الإيثار، وكنت محبة لنفسي أزعم فداء غيري من النساء، وكنت كلفة ~~بإثمك البشع أريد أن أشرب كأسه من يدك وأؤخر شرب هذه الكأس ما وجدت إلى تأخيره ~~سبيلا. # وقد ظفرت منك بما أردت، وبلغت من حبك ما أحببت، فشاركتك في سعادتك، وشاركتك في شقائك، ~~وقاسمتك ما أتيح لك من نعيم، وشاطرتك ما قضي عليك من بؤس، وعصمت منك نساء الدولة على ~~غير إرادة مني، ومن يدري؟! لعلي آثرت نفسي من دونهن بخير كن يطمعن فيه ويطمحن ~~إليه، ففي نفوس الناس - وفي نفوس النساء خاصة - فساد كثير وشر عظيم تخفيه صروف الحياة ~~وخطوبها، وتظهره محن الحياة وتجاربها، ومن يدري؟! لعل إثمك ذلك المنكر قد جعلك فتنة ~~للعذارى كما جعلك فتنة لي، ومن يدري؟! لعل اللاتي رددت عنهن الموت قد كن يحسدنني على ~~هذا الموت، ولعلهن أن ms59 يحسدنني الآن على الحياة! بل من يدري؟! لعل هذه الأصوات المهيبة ~~الرهيبة التي تسمعها الآن لا تشكو منك، وإنما تشكو البعد عنك والشوق إليك، ومن يدري؟! ~~لعل هذه الشكاة الملحة المؤذية أن تكون عفوا عنك واستغفارا لك، فنفوس الناس عامة - ~~ونفوس النساء خاصة - ألغاز مشكلة معضلة قد عجزت عن حلها حتى فطنة شهرزاد. إن هذه النفس ~~الغامضة التي نغصت أيامك وأرقت لياليك لا تمتاز بشيء، وإنما هي نفس امرأة لا أكثر ~~ولا أقل. # املأ نفسك إذا أيها الملك من هذا الشقاء الذي تشهده الآن، كما ملأتها آنفا من تلك ~~السعادة التي شهدتها في جزيرة النعيم، واستقبل ليلك وقد ملأت نفسك من البؤس والنعيم ~~جميعا! فإنك لا تدري أين يجدك الغد، ولا عم يبتسم لك الصبح، ولا ماذا تضمر لك ~~الأحداث.» # ويحس الملك كأن يد شهرزاد تمضي رفيقة في شعر رأسه فتبعث في جسمه طمأنينة وهدوءا، وفي ~~نفسه أمنا وراحة وروحا، ثم ينسى الملك نفسه أو تنساه نفسه، ولكنه يفيق وقد تقدم ~~الليل وأطبقت الظلمة من حوله على كل شيء إلا ذبالة ضئيلة في ناحية من نواحي الزورق ~~تنشر ضوءا هادئا غريبا، وصوت يعرفه ويألفه يقول: «فلما كانت الليلة الثالثة عشرة بعد ~~الألف قالت شهرزاد.» # ثم ينقطع هذا الصوت المعروف المألوف ويصل إلى الملك صوت شهرزاد فاترا أول الأمر، ~~نشيطا بعد ذلك قليلا قليلا وهو يقول: بلغني أيها الملك السعيد أن قادة الملك طهمان ~~بن زهمان أقبلوا عليه حائرين ثائرين يقولون: «إنه السحر أيها الملك! إنه السحر الذي لا ~~عهد به من قبل لأحد من الإنس أو من الجن!» # قال الملك: «نعم، إن السحر الذي لا أعرف له مبدأ ولا منتهى.» # ثم التفت إلى ابنته فاتنة كأنه ينتظر منها أن تجيب على ما قال هو وما قال القواد، ~~ولكن فاتنة ظلت قائمة باسمة، في وجهها إشراق يصور نفسا فرحة مستريحة، ويصور شيئا من ~~الإعجاب والرضا، ويصور كثيرا من الأمل والثقة والفوز. # فلما سمعت مقال أبيها ورأت التفاته إليها، قالت في طمأنينة ms60 وهدوء: «إنه السحر لأنه ~~غير مفهوم ، وسيظل سحرا ما دام سرا مكتوما، فإذا أزيلت عنه الأستار وفهمت مخبآته ~~أصبح علما شائعا يشارك فيه القادرون على فهمه والنهوض بأعبائه.» # قال الملك: «ومتى يمكن أن يفهم، وأن يكشف عن مخبآته؟!» # قالت فاتنة: «بينا وبين ذلك آماد يا أبت، فيجب قبل كل شيء أن تنجلي الغمرة، وتكشف ~~الغمة، ويرد المغيرون إلى أوطانهم مقهورين. ماذا أقول؟! بل يجب أن يستسلم المغيرون، ~~وأن ينزلوا من هذا القصر نفس المنزلة التي كان كل واحد منهم يريد أن أنزلها من ~~قصره.» # قال الملك: «فأنت تريدين إذا أن يستأسروا.» # قالت فاتنة: «ما من ذلك بد. يجب أن يستأسروا، ثم يجب أن يذعنوا ويؤمنوا ويتلقوا ما ~~يملى عليهم من أصول الصلح التي يقوم عليها نظام الحكم عندهم وعندنا، فليست المسألة أن ~~تثار الحرب ثم تخمد نارها، وإنما المسألة أن تمنع الحرب من أن تثار أو أن تمنع الحرب ~~إذا أثيرت من أن تصيب الأبرياء بما لا ذنب لهم فيه ولا حق لأحد أن يصبه عليهم من ~~الموت والدمار.» # قال الملك وقد أخذ الرضا يعود إلى قلبه، وجعل البشر يفيض من وجهه: «هذا كثير يا ~~ابنتي! هذا أكثر مما كنت أرجو! هذا أكثر مما كنت أنتظر! هذا أكثر مما كنت أظن! إنك ~~لتكلفيننا أعظم مما نستطيع أن نحتمل، وتتنقلين بنا بين اليأس والأمل وبين الخوف والأمن ~~في سرعة ولباقة لا قبل لنا بهما، ولكن أبيني يا ابنتي كيف السبيل إلى أن تبلغي من ~~خصومك ما تريدين، وهؤلاء قوادنا يريدون أن يقدموا فلا يتاح لهم الإقدام؟ لقد وقف خصمك ~~عن الهجوم ومنعتهم أن ينالوا منا ما يحبون، فأبلغينا منهم ما نحب، وخلي بين جيوشنا وبين ~~الهجوم، فلما أظن أنك تريدين أن تتواقف الجيوش على هذا النحو دون أن يستطيع فريق أن ~~يبلغ من عدوه شيئا.» # قالت: «بل أنا لا أريد غير هذا يا أبت.» # ثم ابتسمت له ابتسامة ملؤها الحنان والبر وقالت: «ألم تكن تذكرني منذ حين يما يجب ~~أن يستشعر ms61 قلبي من الرحمة والرفق، لا برعيتنا وحدها ولكن برعية هؤلاء المعتدين أيضا؟! ~~فإن هذه الحرب، كما كنت تقول، لا تعني رعيتنا ولا رعاياهم من قريب أو بعيد؛ وإنما هي ~~شهوة جامحة دفعتهم إلى الشر والكيد، فأردت أن ألقي شرهم بمثله، وأن أدبر لكيدهم كيدا ~~مثله؛ فما ينبغي أن نغامر نحن ويشقى الأبرياء، وما ينبغي أن يمس رعيتنا أو رعية أعدائنا ~~سوء، وإنما الحرب بيننا وبينهم تنافس في قوة الإرادة، وتسابق إلى الصبر على المكروه، ~~فأينا ثبت حتى يستسلم خصمه فهو المنتصر، وأينا سئم قبل أن يسأم عدوه فهو المهزوم، وما ~~على الرعية إلا أن تشهد هذا الصراع الذي تجري أحداثه بين سادتها وقادتها، لتعجب بهم ~~إن شاءت، فقد يكون من بينهم من هو خليق بالإعجاب، ولتسخر منهم إن أحبت، فقد يكون من ~~بينهم من هو جدير بالسخرية، ولكن لتأمن على أنفسها ودمائها وأموالها ومرافقها على كل ~~حال.» # قال الملك: «مرحى يا ابنتي! ما أحسن وقع ما تقولين في نفسي! وما أحبه إلى قلبي! وما ~~أدناه إلى المثل الأعلى الذي طالما أملته وسموت إليه دون أن أبلغه! أيمكن يا ابنتي ~~أن تبلغيه؟! أيمكن أن تبلغيه وأنا حاضر أشهد فوز الخير على الشر وانتصار الرحمة على ~~القسوة؟» # قالت فاتنة: «فإنك تشهد هذا كله يا أبت. لن ينالنا أعداؤنا بما نكره، ولن ننال ~~أعداءنا بما يكرهون، ولكنهم سيفنون قوتهم في غير طائل، وسيكسرون حدتهم في غير غناء، ~~وسيضيعون ما ادخروا من عدة وما هيئوا للحرب من أداة دون أن يحصلوا من وراء ذلك ~~شيئا، وسيفقدون سمعتهم فيما بينهم، وسيفقدون سلطانهم على رعاياهم، وسينقلب بعضهم لبعض ~~عدوا، وسيصبح بأسهم بينهم شديدا.» # قال أحد القواد: «ونحن أيتها الأميرة ماذا نصنع؟ وما حاجة الدولة إلينا منذ اليوم؟ ~~وما قيمة جيوش لا تخوض غمار الحرب ولا ترد عدوان المعتدي ولا تدفع غارة المغير؟» # قالت فاتنة: «فإن الجيوش وسيلة لاتقاء الحرب لا لابتغائها، وأداة لدفع الشر لا ~~لاجتلابه. أفإن جنبتكم الحرب وضمنت لكم السلم والعافية تضجون وتعجون؟! من ms62 شاء ~~منكم أن يغامر فليغامر بنفسه لا بالأبرياء من جنده. أفضمنتم أن يقبل جنودكم على الحرب ~~محبين لها راغبين فيها! ألستم تعلمون فيما بينكم وبين أنفسكم أن كل واحد منهم يؤثر أن ~~يفرغ لحياته وعمله وأهله، وأن يأخذ نصيبه من الدنيا دون أن يعجله عنه هذا الموت الذي ~~تقضونه عليه لا لشيء إلا لهذه المغامرة التي تجري مع دمائكم وتدفعكم إلى هذه الأهوال ~~التي تحبونها لأنكم بمأمن من آثارها؟!» # قال القواد: «فهل نفهم من ذلك أن الأميرة تعفينا من أعبائنا، وتردنا إلى حياتنا ~~الخاصة، وتسرح الجيوش، وتفرق الجند؟» # قالت فاتنة: «لا تفهموا من هذا شيئا، فلا أملك أن أعفي منكم أحدا، ولا أشير على ~~الملك بأن يعفي منكم أحدا، ولا بأن يسر الجيش ولا بأن يفرق الجند؛ فالحرب محتملة ~~دائما، والشر متوقع أبدا، وخير أن نحتاط للكوارث قبل أن تقع، فلعل ذلك أن يمنع ~~وقوعها، فعودوا إلى مواضعكم من قيادة الجيش واثبتوا، فمن يدري؟! لعل الملك يحتاج ~~إليكم.» # وانصرف القواد وهم إلى السخط أقرب منهم إلى الرضا، وإلى المعصية أدنى منهم إلى ~~الطاعة. فلما تفرقوا قالت فاتنة لأبيها: «لقد انصرفوا، وإن قلوبهم لمطوية على غير ~~الوفاء والولاء. ولكن التي عرفت كيف ترد عدوان المغير الخارجي تعرف كيف تكبح ثورة ~~الثائرين في داخل الوطن.» # قال الملك: «ألم يأن لك يا ابنتي أن تكاشفي أباك بشيء من هذه الأسرار التي عميت ~~عليه وعلى أهل المملكة جميعا؟! وما أرى إلا أنها معماة على أعدائنا، فانظري إليهم ~~حائرين ينفقون جهودا لا تحصى، ويحتملون أثقالا لا تستقصى، ويرون مع ذلك أنهم ثابتون ~~في أمكانهم التي كانوا يريدون أن يغيروا علينا منها.» # ولم يكن الملك يقول إلا حقا! فقد كانت تلك المناظر التي وصفناها آنفا قائمة كما هي ~~لم تتبدل: بحر مضطرب مصطخب تكاد أمواجه تبلغ السماء، ولكنها لا تكاد تبلغ الساحل، ورياح ~~متناوحة متصايحة، وسحاب متراكم متراكب، وقطع من الجبال تدور في الجو تلتقي لتفرق وتفترق ~~لتلتقي، ورعية الملك طهمان بن زهمان قد ثاب إليها ms63 الأمن وعادت إليها الطمأنينة، وجعلت ~~تشهد هذه المناظر الرائعة معجبة بها راضية عنها، متسلية بما تشهد منها، كأنها في ملعب ~~من ملاعب التمثيل، أو في ميدان من هذه الميادين التي تعرض فيها الأعاجيب. # وقد أخذ أفراد الرعية يتحدث بعضهم إلى بعض عن بدائع هذا السر وروائعه، ويسأل بعضهم ~~بعضا عن مصدره ومدبره، وقد سرى فيهم سريان البرق أن الأميرة هي مصدر هذا السحر وهي ~~التي دبرته وقدرته، وردت ملوك الجن مدحورين في البر والبحر والجو جميعا. # وكان أفراد الرعية يسمعون عن الأميرة أحاديث مختلطة مضطربة، يعرفون جمالها الرائع ~~وحسنها البارع، ويعرفون فتنتها وفطنتها، ويعرفون ذكاءها ونفاذ بصيرتها إلى ما لم تنفذ ~~إليه قط بصائر الملوك والملكات، ولكن هذا كله كان يلقى إليهم إلقاء، فيصدق حينا ~~ويرفض حينا آخر، ويسمع في غير اكتراث أكثر الأحيان، فأما الآن وقد رأت الرعية ما رأت ~~وشهدت ما شهدت، فأما الآن وقد كان الهول منها قيد إصبع ثم رد عنها ردا عنيفا، ~~فأما الآن وهي ترى الهول قريبا منها بعيدا عنها، محدقا بها عاجزا عن أن يصيبها؛ فقد ~~أصبح إيمانها بالأميرة فتنة لا تشبهها فتنة، وأصبح اسم الأميرة في كل فرد من أفراد ~~الرعية لفظا يدل على حقيقة واقعة لا على لون من ألوان المجاز؛ فكل فرد من أفراد الرعية ~~مفتون بالأميرة مشغوف بحبها هائم بقدرتها على ابتكار الأعاجيب، وربما كان الملك أعظم من ~~أفراد رعيته جميعا افتتانا بابنته وإعجابا ببراعتها وإكبارا لسحرها هذا الذي ظن به ~~الظنون، ثم تبين أنه لم يوجه إلى الشر كما تعود السحرة من الجن والإنس أن يوجهوا سحرهم، ~~وإنما هو موجه إلى الخير كل الخير، موجه إلى عصمة النفوس وحقن الدماء وإقرار الأمن ~~وحماية الصلات التي تقوم بين الدول على المودة والمعروف. وهو من أجل ذلك يلح على ابنته ~~في عطف مرة وفي استعطاف مرة أخرى أن تكشف له عن أسرار هذا السحر، وأن تبين له دخائل هذه ~~المعجزات، وابنته تطاوله وتماطله، تلطف به حينا وتعنف عليه حينا آخر، ms64 والعدو من حول ~~المملكة والمدينة ماض في جهاده العنيف السخيف الذي يكلفه كل جهد، ولا يبلغه من وراء هذه ~~الجهود شيئا. # وتمضي على ذلك الأيام تتلوها الأيام، والليالي تتبعها الليالي، حتى انصرفت رعية طهمان ~~بن زهمان عما كانت ترى، وأعرضت عما كانت تشهد، وأهملت ما كانت تخافه كل الخوف، وازدرت ~~ما كانت تعجب به كل الإعجاب، ومضت تضطرب في حياتها تستأنف منها ما كانت قد تركته حين ~~ألمت بها نذر الحرب، وكان الواحد من الجن من أهل المملكة يغدو على عمله ويروح إلى أهله ~~ويتصرف في أمره كأن وطنه لم يتعرض لمحنة ولم يلم به مكروه، وكأن جند العدو لا يملأ من ~~حوله البر والبحر والجو، وما يعنيه من عدو يفني قوته دون أن يبلغ منه شيئا؟ # فلما كان ذات يوم جلس الملك يحاور ابنته ويداورها، يريد أن يعرف منها جلية هذا الأمر ~~الغريب، وهي تلقاه بالإباء حينا وبالدل والدعابة حينا آخر، ولكن وزيره يدخل سعيدا ~~متهللا، فيحيي ثم يؤذن الملك بأن سفراء العدو قد أقبلوا يلقون بأيديهم ويسألون ~~السلم. # قال الملك: «فوجه هذا الحديث إلى التي حاربتهم فحربتهم، فأما أنا فلست لكم بملك ~~منذ اليوم؛ لقد أخذت نصيبي من الملك وتركت ما بقي منه لابنتي هذه؛ فهي ملكتكم منذ الآن، ~~وهي التي ستلقى السفراء وستملي عليهم شروط السلم كما تشاؤها هي لا كما أشاؤها ~~أنا.» # ثم نهض الشيخ متثاقلا فضم ابنته إليه ضما طويلا، ثم أجلسها مكانه وقدم إليها ~~تحية الملوك. هنالك تقدم الوزير إلى الملكة فحياها تحية الملك، ثم خرج فأذن في القصر ~~والمدينة والمملكة بما كان من ارتقائها إلى العرش ونهوضها بأعباء السلطان، وبأنها هي ~~التي ستلقى السفراء وستملي عليهم شروط السلم كما تشاء. # وما أكثر ما وصفت لك يا مولاي ابتهاج المدن والممالك حين ينزل ملك عن العرش ويرقى ~~إليه ملك آخر! فقد ابتهج قصر فاتنة ومدينتها ومملكتها بارتقائها إلى عرش آبائها كما ~~تعودوا أن يبتهجوا كلما تخلى عن عرشهم ملك وارتقى إليه ملك، ولكن ابتهاجهم ms65 في هذه المرة ~~كان خالصا صفوا لا يخالطه حزن ولا يشوبه أسى. # فقد كان طهمان بن زهمان حيا بينهم ينتظرون أن يروه لم يفارقهم إلى غير رجعة، وكان ~~حبهم له يزيد في ابتهاجهم بابنته، وكان إعجابهم بفاتنة يخرج بابتهاجهم عن الأطوار ~~المألوفة، ولو أن رعية عبدت ملكا لعبدت رعية فاتنة ملكتها. # وكان طهمان بن زهمان نفسه أسعد الجن بهذا الحدث العظيم؛ فقد كان يحب ابنته ويعجب بها ~~ويفتتن ببراعتها كما قلت، وكان يرى ارتقاءها إلى العرش حقا وعدلا قد رد السلطان ~~إلى أهله ووكل الأمر إلى من ينبغي أن يوكل إليه الأمر، وكان يرى نفسه أسعد من تقدمه من ~~ملوك الجن، فقد ختم ملكه عصرا قديما مضى بحسناته القليلة وسيئاته الكثيرة، وبدأ ملك ~~ابنته عصرا جديدا يظهر أن الحسنات فيه ستكون أكثر جدا من السيئات، ومن يدري؟! لعله ~~أن يكون خيرا كله، وكان طهمان بن زهمان ناعم البال قرير العين مبتهج النفس؛ لأنه يشهد ~~هذه النقلة الخطيرة في حياة الجن، ويشهدها تتم على يد ابنته التي يؤثرها بالحب والعطف ~~والحنان، وكان يقدر أنه قد أنفق ما أنفق من آلاف السنين، وأنه قد أشرف من حياته على ~~آخرها، ولكنه مع ذلك يأنس في نفسه قوة وأيدا، ويحس أن سيمد له في العمر حتى يرى ابنته ~~وهي تدبر أمور الملك، ولا يشك في أنه سيرى من تدبيرها العجب العجاب. # وانتهت أعياد المملكة، وآن للسفراء أن تستقبلهم الملكة، فاستقبلتهم في حفل ساذج يسير ~~لم يتعوده القصر ولم تتعوده الرعية، فلم تقم زينات ولم يصطف الجند ولم تجلس الملكة ~~للناس في ذلك البهو العظيم من أبهاء القصر، وإنما خلت إلى أبيها في غرفته تلك التي كانت ~~تخلو فيها إليه، وأذنت للوزراء وقادة الجند وساسة الملك، فلما أخذ كل منهم مجلسه أذنت ~~للسفراء؛ فلما أدخلوا عليها وتقدموا بتحية ملوكهم وسادتهم وهموا أن يطلبوا إليها السلم، ~~أشارت بيدها فاستمعوا لها، فألقت إليهم هذه الكلمات في صوت هادئ ملأ قلوبهم رهبا ~~ورعبا. قالت: «تعلمون أن هذه الحرب ms66 لم تثر بين دولنا وإنما أثارها أشخاص ملوككم على ~~شخصي، فلا سفارة في هذه الحرب ولا سفارة في هذا الصلح؛ فعودوا إلى ملوككم موفورين، ~~وأبلغوهم أن من أراد منهم صلحا فليلتمسه بنفسه ساعيا إليه لا مسفرا فيه.» # وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. # وامتنع النوم على شهريار هذه المرة بعد أن انقطع حديث شهرزاد، ولكن أرقه لم يكن ~~ثقيلا عليه ولا بغيضا إليه في هذه الليلة؛ فلم يحتج إلى أن ينهض من مضجعه، ولم يشعر ~~بالحاجة إلى النشاط الذي يذهله عن نفسه ويشغله عن خواطره، وإنما كان حريصا أشد الحرص ~~على أن يخلو إلى نفسه ويفرغ لخواطره بعد أن شغل عنها وقتا طويلا، بما مر به من ~~الأحداث وما ألقي إليه من الأحاديث، وكان كل همه أن يخطئ النوم طريقه إليه، وأن يبقى هو ~~في مضجعه وادعا مطمئنا يستعرض حياته هذه المعقدة أشد التعقيد الملتوية أشد الالتواء، ~~يستحضر ماضيه البعيد والقريب، ويحاول أن يتصور حياته فيما يستقبل من الأيام، وكذلك أنفق ~~بقية الليل مع نفسه ناظرا بين حين وحين إلى شهرزاد، وهي مغرقة في نومها الهادئ كأنها ~~لم تقص عليه شيئا ولم تتحدث إليه بشيء، وكان يذكر أيامه تلك السود حين كانت امرأته تلك ~~تخدعه عن نفسه وعن حبه وعن شرفه وتزدريه فيما بينها وبين نفسها أشد الازدراء، تستعين ~~على ذلك بوصائفها وجواريها، غير حافلة بما أعطت على نفسها من عهد، ولا آبهة لجلال الملك ~~ولا مقدرة لعواقب الخيانة والغدر، وكان يذكر مرارة الانتقام وحلاوته، ونار الغيرة تلك ~~التي كانت تتأجج في صدره فتحرق قلبه تحريقا، وكانت مع ذلك بردا وسلاما على نفسه ~~الجريحة الثائرة. # ثم كان يذكر تلك الأيام السود التي أنفقها بعد مصرع نساء القصر نهبا مقسما بين لذة ~~الحب وشهوة الانتقام، يقبل على اللهو بقلب يظهر الفرح والمرح والابتهاج والغبطة، وفي ~~ضميره الغيظ والحنق والبغض الذي لا يطفئ جذوته إلا الدم المسفوك. أكانت أياما يشرق ~~فيها ضوء النهار، أم كانت ليالي مظلمة لا يهتدي الضوء فيها ms67 إلى سبيل؟! # أكان في تلك الأيام إنسانا يحس ويشعر ويفكر ويقدر، أم كان قوة مدمرة لا تذر من شيء ~~أتت عليه إلا جعلته كالرميم؟! # ثم كان يذكر شهرزاد حين عرضها عليه أبوها الوزير وفي نفسه كثير من خوف وقليل من رجاء، ~~وحين أقبلت إليه مع الليل تظهر حبا وثقة وتضمر بغضا وخوفا، ومن وراء ما تظهر وما ~~تضمر حيلة واسعة وذكاء عجيب نفاذ. # ثم يذكر هذه الليالي المتتابعة التي شغلته فيها شهرزاد بنفسها وقصصها عن الحب والبغض، ~~وعن الغيرة والانتقام، وعن نفسه وملكه؛ حتى إذا انقضى القصص ورد إلى نفسه ملكا كما ~~كان في تلك الأيام السود، ردت إلى نفسه خواطرها الحمر وعواطفها الثائرة وشهواتها ~~المضطربة المختلطة، ورد إليها قبل كل شيء هذا القلق المتصل الذي يفسد الحياة على ~~الأحياء، ونظر فإذا هو بين نفسه هذه المضطربة القلقة الثائرة التي لا يستطيع أن يخلو ~~إليها، وبين شهرزاد هذه المحبة المبغضة الرحيمة القاسية الفاتنة المفتونة الواضحة ~~الغامضة، التي لا يعرف لها كنها ولا يطمئن منها إلى حال، وهو مقسم بين هذين النوعين ~~من العذاب، يخلو إلى نفسه فيشقيه القلق والخوف، ويخلو إلى زوجه فيشقيه الحب والشوق إلى ~~المعرفة واليأس من إرضاء الحب ومن إرضاء الشوق إلى المعرفة. # ثم يذكر تلك الليلة التي آذنه فيها طائفه ذاك بأن شهرزاد ستستأنف الطب لنفسه نائمة ~~بعد أن كانت تطب لها يقظة، وإذا هو يسمع من هذا القصص ما يسمع، فينعم بشهرزاد نائمة ~~ويشقى بها مستيقظة. # وتشعر هي بذلك فتريد أن تطب له في الحالين، فتخلط يقظته بنومه وتجعله يحلم نائما ~~ويقظان. وإلا فأين هو الآن؟! أين هو من قصره ومدينة ملكه؟! أين هو من جنده وحاشيته؟! ~~أين هو من غرفته وأحراسه؟! ما هذا الزورق؟! وما هذه البحيرة التي يسبح فيها الزورق على ~~غير هدى؟! كيف انتهى إليها! كيف حمل عليها؟! ماذا رأى فيها؟! ماذا عرف منها وماذا ~~جهل؟! أنائم هو أم يقظان؟ أحالم هو أم عالم؟ أعاقل هو أم مجنون؟ ولكن ماذا؟ هذا صوت ms68 حلو ~~يبلغ سمعه، إنه صوت شهرزاد ، إنها تتحدث إليه، لقد أفاقت من نومها، إذا أين هو من ~~الزمن؟ أفي الليل هو أم في النهار؟! إنه يفتح عينيه ويقلبهما في كل وجه فيرى نورا لا ~~يشبه النور وظلمة لا تشبه الظلمة. أنائم هو أم يقظان؟ أحالم هو أم عالم؟ أعاقل هو أم ~~مجنون؟ ولكن حديث شهرزاد يصل إلى أذنه، ما في ذلك شك، إنها تدعوه وتلح في الدعاء، إن ~~صوتها لا يخلو من دعابتها الساخرة الساحرة، إنها تنبئه بأنه ليس نائما ولا حالما ولا ~~مجنونا، ولكنه يقظان عالم عاقل، يحس نفسه كما هي، ويحس الأشياء من حوله كما هي، ويسمع ~~صوت شهرزاد التي تتحدث إليه ويفهم عنها حديثها حق الفهم، ولكنه لا يكاد يطمئن إلى هذا ~~الحديث. إنه ينكر هذا الطور من أطوار الزمن الذي لا يشبه النهار كما عرفه ولا يشبه ~~الليل كما ألفه؛ لأنه ليس في عالم الليل والنهار، وإنما هو في عالم غريب من عوالم ~~القصص. أفق يا مولاي من نومك إن كنت نائما، ومن يقظتك إن كنت مستيقظا؛ فلست في عالم ~~الليل والنهار، ولست في عالم النوم واليقظة، ولست في عالم الحلم والعلم، وإنما أنت في ~~عالم يختلط فيه هذا كله، ويشتبه فيه هذا كله، ولا تميز فيه إلا نفسك وإلا حبيبتك، ~~شهرزاد. أفق يا مولاي أو لا تفق؛ فإن كلا الأمرين سواء. اسمع مني وتحدث إلي أو لا ~~تسمع مني ولا تتحدث إلي! فقد خلصت نفسك لي كما خلصت نفسي لك، فليفرغ كل منا لصاحبه، ~~فقد غفل عنا كل شيء لأننا خرجنا من كل شيء وبعدنا عن كل شيء. افهم يا مولاي أو لا تفهم؛ ~~فليس من المهم أن تفهم أو لا تفهم، وإنما المهم أن تتحدث نفسك إلى نفسي، وأن يصل إلى ~~نفسي حديث نفسك سواء أحمله إلي الصوت أم انتهت به إلي نجوى الضمير. # وأنفق الملك ما شاء أن ينفق من الوقت غائبا عن نفسه وشاهدا لها، يحس في قوة لذة ~~مؤلمة أو ألما ms69 لذيذا، قد فني في شهرزاد وفنيت فيه شهرزاد، فعرف الحب حين يبلغ أشد ~~أطواره عنفا، وعرف الحب حين يبلغ أعظم أطواره رقة ولينا ولطفا. يجد ذلك كله في نفسه، ~~ولكنه لا يحسن تصوره ولا تصويره ولا وصفه ولا التعبير عنه. إنما امتزجت نفسه بنفس ~~حبيبته، فأصبحا حبا خالصا يسبح بهما زورق غريب في بحيرة غريبة وفي عالم ليس إلى ~~تصوره ولا إلى تصويره من سبيل. عالم كان يقرأ عنه في الكتب حين كان المتصوفة يعرضون ما ~~يعرضون من تلك الأطوار الغريبة التي لم يكن يتصورها ولم يكن يصدق أن إنسانا يستطيع أن ~~يبلغها. أتكون شهرزاد هاديته إلى التصوف ومرشدته إلى الحقائق العليا وإلى عالم المعرفة ~~الذي تطمح إليه نفس الإنسان طموحا غامضا وتشقى لأنها لا تبلغ منه ما تريد! # ومهما يكن من شيء، فقد أخذ الملك يثوب إلى نفسه قليلا قليلا، ويجد في هذا ألما ~~ممضا، ويحس كأنه يدفع إلى عالم لا عهد له به، وكأن نفسه قد أصبحت غريبة في هذا الجسم ~~الذي ترد إليه، وكأنه قد ارتقى في الجو إلى أبعد ما يمكن أن يرتقي، ثم أهبط فجأة إلى ~~الأرض، فكاد يختنق من سرعة الهبوط، وكادت نياط قلبه أن تتقطع من شدة ما حبس عنه ~~الهواء. # وأخذ الملك يحس كأن شهرزاد إلى جانبه تجد مثل ما يجد، وتألم مثل ما يألم، ويعاودها ~~الشقاء كما يعاوده الشقاء، ثم ينظر فإذا هو إلى جانب شهرزاد قد وضع يده في يدها ينظر ~~إليها دهشا وتنظر إليه دهشة، والزورق يسبح بهما دائما في الماء والضوء والموسيقى ~~والغناء. هنالك يسمع الملك صوت نفسه وهو يسأل شهرزاد وكأنه يأتي من بعيد: «أين نحن؟! ~~ماذا نسمع؟! وماذا نرى؟! ألا تنبئينني آخر الأمر من أنت وماذا تريدين؟!» ثم يسمع ضحك ~~شهرزاد ساخرا ساحرا وصوتها مداعبا ملاعبا وهو يقول: «لقد رجعت إلي مولاي ورجعت ~~إليك بعد غيبة طويلة.» # انظر! هذه شهرزاد تتحدث إلى شهريار في زورق من زوارق القصر على تلك البحيرة التي أشرف ~~عليها القصر يوما ms70 ما، ومد إليها وما زال يمد إليها يدا كأنه يريد أن يهوي إليها أو ~~أن يأخذ منها شيئا. «انظر يا مولاي! أترى إلى هذه الأسراب من الزوارق تزينها الغصون ~~الخضر والورق النضر والزهر البهيج! إنها تسبح فيها كما يسبح هذا الزورق، وفيها أزواج من ~~الفتيات والفتيان قد نعموا كما نعمنا وألموا كما ألمنا، وهم يعودون إلى حياتهم ~~الهامدة الجامدة الراكدة كما نعود إليها، وفي نفوسهم مثل ما في نفوسنا من الحزن، وفي ~~قلوبهم مثل ما في قلوبنا من الأسى. انظر يا مولاي! املأ عينيك مما ترى، وأذنك مما تسمع، ~~ونفسك مما تشهد، فلن يبقى لك من هذا كله إلا الذكرى. انظر يا مولاي! بحيرة من ماء ~~يغمرها بحر من ضياء، وبحر من موسيقى، وبحر من غناء، ويقوم عليها إلى حين قصر ملك من ~~الملوك شقي فيه وسعد، ونعم فيه وابتأس، ثم خرج منه فخرج من سعادة الناس وشقائهم، ومن ~~نعيم الناس وبؤسهم حينا طويلا أو قصيرا، ثم هو يعود إليه ليستأنف فيه حظه من سعادة ~~الناس وشقائهم ومن نعيم الناس وبؤسهم.» # قال الملك في صوت حزين كأنما يأتي من بعيد: «أليس يمكن أن ننأى عن هذا القصر إلى آخر ~~الدهر؟!» # قال شهرزاد: «ليس ذلك في طاقة القصص يا مولاي؛ وإنما القصص فرجة من حياة الناس تطل ~~على عالم المثل العليا، يخرج الناس منها ليعودوا إليها. هلم يا مولاي! ألا ترى أن ~~الزورق قد انتهى بنا إلى حيث دعانا إلى نفسه منذ حين؟! ألا تسمع دعاء القصر؟! إنه يلح ~~علينا في أن نصعد لننعم كما كنا ننعم، ونأسى كما كنا نأسى.» # وتنهض شهرزاد وتأخذ بيد الملك، وإذا هما في ذلك البهو الذي تناءت أرجاؤه، وتباعدت ~~أطرافه، وأحاطت به البحيرة من جهاته الثلاث، وغمره ذلك الجو الغريب من الموسيقى ~~والغناء، وإذا شهرزاد قد أجلست الملك في مجلسه ذاك وجلست إلى جانبه رفيقة به عطوفة ~~عليه، تسأله بصوتها الهادئ العذب الذي يمتزج بما حوله من الموسيقى: «أيرى مولاي أن ~~شهرزاد قد وفت بما ms71 قدمت له من وعد؟» # ثم ينظر الملك فلا يملك أن يدفع صيحة منكرة ملؤها الدهش والحنق والغيظ: «ماذا؟ أين ~~أنا؟» ولكن رئيسة الوصائف تتقدم إليه فتحييه ثم تقول: «أرجو أن يكون مولانا قد أنفق ~~وقتا سعيدا.» # 7 # وأوى الملك إلى مضجعه من ليلته تلك، وأحب شيء إليه أن يعود إلى ليل الناس، فينام كما ~~ينامون، لا يعتاده الأرق ولا يوقظه الطيف ولا يسليه القصص النائم أو القصص المستيقظ، ~~فنفس الإنسان سئوم، وقدرتها على احتمال الأعاجيب محدودة، وقد احتملت نفس شهريار من ~~الأعاجيب أكثر مما كانت تطيق، فليعد رجلا من الناس، وليحي بغرائزه الجامحة وعقله ~~المتواضع الضئيل كما يحيون، من له بذلك؟! وما سبيله على النوم؟! وما سلطانه على ~~الأطياف؟! إنه لمغرق في نومه، قد فقد فسه وفقدته نفسه، ولكن هذا صوت الطائف يبلغ أذنيه، ~~وهذا شيء كأنه يد الطائف يمس كتفه، وهذه الكلمة تلقى في روعه: ما أسرع ما سئمت قصص ~~شهرزاد! أسرع فإنها توشك أن تتحدث إلى نفسها، وينهض الملك مسرعا لا يلوي على شيء، ~~فيسعى من غرفته إلى غرفة الملكة، ويمر بأحراسه وبأحراس الملكة غير ملتفت إليهم ولا حافل ~~بهم، وينسل إلى غرفة الملكة رفيقا رشيقا حتى يأخذ مجلسه ذاك الذي تعود أن يأخذه كأن ~~العهد به لم ينقطع، وإذا هو مصغ قد جمع نفسه كلها وضم بعض أجزائها إلى بعض، كما تنضم ~~أوراق الزهرة التي تنتظر لتتفتح أن تمسها قطرة الندى. وهذه قطرة الندى تمس نفس شهريار؛ ~~فهذا الصوت المعروف المألوف يقول: «فلما كانت الليلة الرابعة عشرة بعد الألف قالت ~~شهرزاد.» # ثم ينقطع الصوت وتستأنف شهرزاد حديثها قائلة: «بلغني أيها الملك السعيد أن الملكة ~~فاتنة ردت على ملوك الجن سفراءهم، وأبت أن تسمع طلب السلم إلا من الذين شبوا نار الحرب، ~~وقد عاد السفراء إلى سادتهم مخذولين مدحورين، ولكن وزراء الملكة ورجال حاشيتها أنكروا ~~في أنفسهم صنيع مولاتهم بالسفراء ومن أرسلوهم، ولم يستطيعوا مع ذلك أن يجهروا بما ~~أضمروا أو أن يعلنوا ما أسروا، وعرفت الملكة ذلك، ms72 فلم تسألهم عنه ولم تبادلهم بشيء منه . ~~على أن أباها طهمان بن زهمان هو الذي اجترأ عليها هذه المرة كما اجترأ عليها حين ~~تحدت ملوك الجن ودعتهم إلى الحرب.» # قال طهمان بن زهمان: «لم يبق لي من الأمر شيء يا ابنتي يبيح لي أن أتحدث إليك فيما ~~تبرمين أو تنقضين، بل لم يكن لي من الأمر شيء قبل أن أنزل لك عن هذا الملك الذي أنت أحق ~~به مني، وأقدر بشبابك وحكمتك وفطنتك على تدبيره وتصريف أموره من هذا الشيخ الفاني ~~الضعيف، فلست أتحدث إليك الآن؛ لأن لي في الحديث حقا يبيحه لي القانون أو تخولني إياه ~~مراسم الملك، وإنما أنا أب يتحدث إلى ابنته، ومن حق الآباء يا ابنتي، بل من الحق عليهم، ~~أن ينصحوا لأبنائهم، وإن كان من العسير على الشباب الذين يستقبلون الحياة واثقين ~~بأنفسهم وبالحياة أن يسمعوا لنصح الشيوخ الذين يستدبرون العيش شاكين في أنفسهم وفي ~~العيش، فهبيني أريد أن أريح نفسي حين أراجعك فيما أصدرت من أمر، إنك ملكة يا ابنتي، ~~وللملوك حرمة وقدس، وما أرى إلا أنك حريصة على أن ترعى حرمتك ويوقر لك ما أنت جديرة ~~به من الإكبار، وأحسب أن أول ما يجب عليك في ذلك هو أن تؤدي إلى الغير ما تحبين أن ~~يؤديه غيرك إليك، وقد كانت بينك وبين هؤلاء الملوك حرب أعلنها السفراء، ويراد أن يكون ~~بينك وبين هؤلاء الملوك سلم يطلبها السفراء ويقررونها. فما عدولك عن هذه الطريق ~~المألوفة؟ وما ابتداعك سنة لم يعرفها ملوك الجن فيما توارثوا من السنن ~~والتقاليد؟! # وسيقول بعض شعراء الناس في يوم قريب أو بعيد: # فيوم علينا ويوم لنا # ويوم نساء ويوم نسر # وهذا اليوم لك يا ابنتي، فلا تبطري ولا تأشري، ولا تسرفي على عدوك المنهزمين، ~~وخصمك المقهورين؛ فقد يكون يوم آخر عليك فيأشر عدوك كما أشرت، ويبطر خصمك كما بطرت، ~~ويسرفون عليك كما أسرفت عليهم، ويردون سفراءك مهينين كما رددت سفراءهم مهينين. # وشيء آخر يا ابنتي وددت لو قدرته وفكرت فيه؛ ms73 فقد كان هؤلاء الملوك يستطيعون أن ~~يرجعوا عن حربك كما أقدموا عليها دون أن يسفروا إليك أو يعرضوا عليك صلحا، ينتظرون أن ~~تدور الأيام لهم بعد أن دارت عليهم؛ ولكنهم قبلوا الأمر الواقع ومضوا على سنة الملوك من ~~قبلهم، فاعترفوا لك بالغلب وألقوا إليك السلم وطلبوا منك الصلح، فاحذري وقد لقيتهم هذا ~~اللقاء ورددت مجاملتهم هذا الرد، أن يعودوا أدراجهم، وأن يطاولوا ويماطلوا وينتظروا ~~معاودة الحظ لهم، وأن يبقى الأمر بينك وبينهم مختلطا مضطربا، لا هو بالسلم التي ~~تستأنف فيها الصلات بين الأمم والشعوب، ولا هو بالحرب التي يكون فيها الغالب والمغلوب، ~~وما أظن يا ابنتي أنك تريدين أن تغيري على هؤلاء الملوك في ممالكهم، ولا أن تغزو جيوشك ~~كل واحد منهم في عقر داره؛ فقوتك لا تبلغ هذا، وحبك للرعية يأبى عليك أن تعرضيها لحرب ~~الهجوم بعد أن عصمتها من حرب الدفاع. وإذا فسيبقى الأمر معلقا بينك وبين أعدائك حتى ~~يستأنفوا الحرب أو تزهدي أنت هذه الحال المعلقة فتطلبي إليهم السلم، ويوشك كل واحد منهم ~~أن يرد عليك سفراءك كما رددت عليه سفراءه. وبعد؛ فإن الملوك لا يعاملون أنفسهم هذه ~~المعاملة، ولا يطلب أحدهم إلى الآخر أن يذل ويستكين ويسعى طالبا للصلح ومعطيا بيده. ~~كان ذلك يجري في الزمن القديم قبل أن تتحضر الجن وتقرر القواعد التي تنظم العلاقات بين ~~الأمم والشعوب وبين الدول والملوك، فأما الآن فإن نظام السفراء لم يخترع عبثا، وإنما ~~أنشئ لمثل هذا الأمر الذي أنتم فيه.» # قالت الملكة باسمة: «أحبب إلي بكل ما تأمرني به يا أبت وبكل ما تشير به علي؛ فأنت ~~الملك وستظل الملك دائما، وإنما أنا رعية لك، وإذا نهضت بالأمر فإنما أنهض به؛ لأن ~~طاعتك علي واجبة، ولأن شبابي وقاء لشيخوختك، وكل ما قلته لي حق لا غموض فيه ولا غبار ~~عليه لولا أني ضامنة أن هؤلاء الملوك الذين أثاروا حربهم ظالمين لن يستطيعوا أن يعودوا ~~إلى ممالكهم حتى آذن لهم بهذه العودة؛ فإن السر الذي أتاح لي أن أحول ms74 بينهم وبين الفوز ~~يتيح لي أن أحول بينهم وبين الإياب إلى أوطانهم، فهم معلقون بأمري بين النصر والهزيمة: ~~لن ينصروا لأني لا أريد لهم أن ينصروا، ولن يرجعوا لأني آبى عليهم أن يرجعوا.» # قال طهمان بن زهمان: «ويحك يا ابنتي! أتستطيعين ذلك؟» # قالت: «كما استطعت أن أقفهم موقفهم هذا لا يتقدمون خطوة.» # قال طهمان بن زهمان: «إن كل أمرك غير مفهوم يا ابنتي، ويظهر أنك لا تريدين أن أفهم ~~منه شيئا.» # قالت الملكة باسمة: «من يدري؟! لعلك تفهم منه كل شيء في وقت قريب أقرب جدا مما تظن، ~~ولكنك تنكر علي ردي للسفراء ومعاملتي للملوك بغير ما جرى به العرف، وحملي إياهم على ~~ما لا ينبغي لهم من الذلة والهوان، وقد كان هذا حقا لو أني أثرت عليهم حربا ظالمة، ~~وقد كان هذا حقا لو أنهم أثاروا علي حربا دعا إليها اختلاف مصالح الشعوب وتباين ~~منافعهم وتقديرهم لهذه المصالح والمنافع، سواء أكان هذا التقدير خطأ أم صوابا، ولكنهم ~~أثاروا حربا ظالمة لم تقتضها مصلحة عامة ولم تدع إليها منفعة عاجلة أو آجلة لأمة من ~~أممهم أو شعب من شعوبهم؛ إنما اتبع كل منهم هواه وركب رأسه وانقاد لشهوته ~~الجامحة. # وقد كنت تذكرني يا أبت بأن هذه الحرب إنما أثيرت لأن هؤلاء الملوك يحبونني ~~ويخطبونني، وأنا لا أحب منهم أحدا ولا أرضى لنفسي من بينهم زوجا، وكنت تذكرني بأن ~~هذا الأمر لا يعني رعيتنا ولا رعايانا من قريب أو بعيد، فهذا الظلم الصارخ، وهذا ~~العدوان المنكر، وهذا الإهدار لحقوق الشعوب، وهذه التضحية الآثمة بالنفوس التي أمر الله ~~أن تعصم والدماء التي أمر الله أن تحقن والحرمات التي أمر الله أن ترعى، في ~~سبيل شهوة فردية لا تعتمد على ما يشبه الحق أو العدل؛ كل هذا خليق أن يهدر حق مقترفيه ~~في طاعة الشعوب، وكل هذا خليق أن يلغي حق مقترفيه في النهوض بأمر السلطان. # فهؤلاء المعتدون عندي ليسوا ملوكا ولا أشباه ملوك، وإنما هم عندي طغاة ظالمون، فإن ~~للملك حقوقه، ما ms75 في ذلك شك؛ ولكن هذه الحقوق رهينة بواجبات ينبغي أن تؤدى؛ فإذا ضيعت ~~الواجبات أهدرت الحقوق. # فالسفراء الذين أقبلوا علي ثم ردوا مخذولين على سادتهم، لم يكونوا سفراء ملوك ~~يأخذون الملك بحقه، وإنما كانوا سفراء طغاة قد فقدوا حقوقهم على رعيتهم كما فقدوا ~~حقوقهم على نظائرهم، وما أكره أن تدور الأيام علي بمثل ما دارت به عليهم إن اقترفت من ~~الإثم مثل ما اقترفوا، واجترحت من الذنب مثل ما اجترحوا، وجنيت من السيئات ما يجعلني ~~لذلك أهلا. # وقد تعلمت منك يا أبت أكثر مما تظن أني تعلمت، وأول ما تعلمت منك أن آخذ ملكي بحقه، ~~وأن أنهض بما علي من واجب قبل أن أطلب ما لي من حق، وأن أبيح للشعب معصيتي والخروج ~~علي وإهدار سلطاني عليه، إذا لم أعرف له حقه، ولم أؤد إليه ما ينتظر أن أؤدي إليه، ~~فلا بأس عليك، ولا بأس علي، ولا بأس على رعيتنا من هذه الخطة التي اتخذتها، وانظر! فهذا ~~وزيرنا قد أقبل ينبئنا بأن عدونا قد قبلوا ما فرضنا عليهم من شرط، وهم يريدون أن ننظم ~~وفودهم علينا واستقبالنا لهم.» # وكان الوزير قد دخل أثناء حديث الملكة، فلما سمع آخر هذا الحديث حيا وقال: «إن ~~الأمر كما ترين يا مولاتي، وإن عدوك يطلبون كيف يكون وفودهم عليك وكيف يكون استقبالك ~~لهم؟» # قالت الملكة: «فكيف ترى أن يكون ذلك أيها الوزير؟» # قال الوزير: «ملوك يا مولاتي، فيجب أن يستقبلوا كما يستقبل الملوك، ومراسم ذلك ~~معروفة مقررة.» # قالت الملكة وهي تضحك: «بل طغاة بغاة يا سيدي، فيجب أن يستقبلوا كما يستقبل الطغاة ~~البغاة. تلقهم أنت إن شئت. أما أنا فلن ألقاهم، ولك أن توكل بلقائهم من أحببت، فإذا ~~مثلوا بين يديك، أو بين يدي وكلائك؛ فخيرهم بين الموت وبين أن يشهدوا على أنفسهم ~~بالطغيان وإهدار حقوق الشعوب، فأيهم اختار الموت فجرعه كأسه، وأيهم اختار الحياة - ~~وكلهم سيختارها - وأشهد على نفسه أنه طاغية مهدر لحق شعبه، فليخلع نفسه من الملك ~~وليلق إلينا بيده، ونحن نسلمه ms76 بعد ذلك إلى وطنه يصنع به ما يشاء، ثم لا تراجعني في ~~أمرهم بشيء قبل أن تنفذ ما قدمت إليك.» # وتم كل شيء يا مولاي كما أرادت الملكة، وردت إلى شعوب الجن حقوقها المغصوبة، ~~وحرياتها المسلوبة، وتأذنت فاتنة في شعبها وفي الشعوب الأخرى بأن أمور الأمم إليها؛ ~~تشرك فيها من الملوك والرؤساء من تشاء وكيف تشاء، وتقيد ملوكها ورؤساءها من القوانين ~~بما تحب، وتشرف على إنفاذ ملوكها ورؤسائها لإنفاذ هذه القوانين، وتتخفف من الملوك ~~والرؤساء إن خالفوا عن هذه القوانين. # وأقامت شعوب الجن يا مولاي لهذا الحدث أعيادا رائعة، وأرخت به منذ كان وما زالت ~~تؤرخ به إلى الآن، وجعل الجن يتنزلون ببعضه إلى الإنس بين حين وحين، فيفهم الناس عنهم ~~ذلك حينا ويخطئون الفهم في أكثر الأحيان، وهذا مصدر ما نرى عن الناس من الاختلاف في ~~نظم الحكم ومن اضطراب العلاقات بين الرعية ورؤسائها وبين الأمم والدول. # ومن يدري يا مولاي؟! لعل عالم الجن أن يصل إلى الناس ذات يوم أو ذات قرن واضحا ~~جليا لا لبس فيه ولا غموض. أو لعل عقول الناس أن ترتقي ذات يوم أو ذات قرن إلى حيث ~~تفهم عن الجن في غير مشقة ولا جهد. يومئذ أو قرنئذ تصلح أمور الإنسان كما صلحت أمور ~~الجان. # وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح. # ولم يأو الملك في مضجعه حين عاد إلى غرفته كما كان يقدر أنه سيفعل، ولم يذهب إلى ~~نافذة من نوافذ الغرفة ولا إلى طنف من أطناف القصر؛ ليشرف على الحديقة ويستنشق الهواء ~~الطلق كما تعود أن يفعل من قبل، وإنما عكف على نفسه يتدبر ما سمع ويستحضر ما شهد ويتذكر ~~ما رأى، وكأنه أنسي نفسه في هذا العكوف، حتى أقبلت شهرزاد وقد ارتفع النهار، فلما أحس ~~مقدمها رفع رأسه إليها دهشا وهم أن يتكلم، ولكنه رأى في وجهها الجد، وسمعها تقول في ~~صوت حازم باسم معا: «لشد ما هانت عليك أمور الملك يا مولاي! ها أنت ذا تخلو إلى نفسك ~~في ms77 زاوية من زوايا غرفتك، كأنك فرد من أفراد الناس قد فرغ للفلسفة والتفكير. ألم تحاسب ~~نفسك على هذا الوقت الطويل الذي أنفقته في غير شئون الملك؟ ألم يخطر لك أن للشعب حقوقا ~~يجب أن تؤدى إليه، وأن أوقات الملوك ليست خالصة لهم من دون الرعية؟!» # قال الملك دهشا في صوت كأنه يأتي من بعيد: «يا عجبا! كأنما أسمع حديث ~~فاتنة.» # قالت شهرزاد ذاهلة: «فاتنة! فاتنة! ليس هذا الاسم علي غريبا، وأحسب أن لي به عهدا ~~قريبا.» # القدس سبتمبر سنة 1942 # الإسكندرية يناير سنة 1943 ms78