######OpenITI# #META# URI: 1392TahaHusayn.Alwan.Hindawi14820685 #META# Tags: literature #META# ID: 14820685 #META# Title: ألوان #META# AuthorID: 59624258 #META# Author: طه حسين #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الأدب العربي بين أمسه وغده‏ # الحياة الأدبية في جزيرة العرب‏ # بول ڤاليري‏ # شاعر الحب والبغض والحرية‏ # صور من المرأة في قصص ڤولتير‏ # في الحب‏ # الساحرة المسحورة‏ # الأمل اليائس‏ # قصة فيلسوف عاشق‏ # ثورتان‏ # الأدب بين الاتصال والانفصال‏ # الأدب المظلم‏ # بين العدل والحرية‏ # فرانز كفكا‏ # ملاحظات‏ # إجازة‏ # في الأدب الأمريكي‏ # في الأدب الفرنسي (1)‏ # في الأدب الفرنسي (2)‏ # حول رسائل سيسرون‏ # الأدب العربي بين أمسه وغده‏ # الحياة الأدبية في جزيرة العرب‏ # بول ڤاليري‏ # شاعر الحب والبغض والحرية‏ # صور من المرأة في قصص ڤولتير‏ # في الحب‏ # الساحرة المسحورة‏ # الأمل اليائس‏ # قصة فيلسوف عاشق‏ # ثورتان‏ # الأدب بين الاتصال والانفصال‏ # الأدب المظلم‏ # بين العدل والحرية‏ # فرانز كفكا‏ # ملاحظات‏ # إجازة‏ # في الأدب الأمريكي‏ # في الأدب الفرنسي (1)‏ # في الأدب الفرنسي (2)‏ # حول رسائل سيسرون‏ # | ألوان # | ألوان # تأليف # طه حسين # | الأدب العربي بين أمسه وغده # لست أدري أكان الناس يلقون على أنفسهم في أعقاب الحروب الماضية مثل ما أخذوا ~~يلقونه على أنفسهم من الأسئلة في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وفي أعقاب الحرب ~~العالمية الثانية، فلم تكد الحرب العالمية الأولى تدنو من غايتها حتى أخذ الناس ~~يتساءلون عما يمكن أن يكون لها من أثر في الحياة الأدبية، وفيما ينتج الأدباء من ~~شعر ونثر، ثم لم تكد الحرب العالمية الثانية ترسل نذرها إلى الأرض حتى أعاد ~~الناس إلقاء هذه الأسئلة على أنفسهم، ولكل سؤال جواب، كما يقول جميل لصاحبته ~~بثينة، ومن أجل هذا أخذ الناس يتنبئون بما ستصير إليه الحياة الأدبية من قوة أو ~~ضعف، ومن رقي أو انحطاط، ومن تطور في بعض فنونها ينتهي به إلى النمو أو ينتهي به ~~إلى الانقراض، أو ينتهي به إلى تحول خطير أو يسير. # وقد كذبت الحوادث كثيرا من هذه النبوءات وصدقت منها كثيرا، وانتهى بعض الأدباء ~~الفرنسيين الممتازين إلى أن يجيب عن سؤال من هذه الأسئلة ألقي عليه في أثناء الحرب ~~العالمية الثانية، بأنه لا يعلم أن للحرب أثرا في الأدب أو أن للأدب أثرا في ~~الحرب، وليس هذا الجواب إلا نوعا من أنواع الشك ms001 وفنا من فنون التردد الذي يقضي ~~به الاحتياط على من يريد أن تكون أحكامه صائبة غير مسرفة في تجاوز الحق، فليس من ~~سبيل إلى أن ننكر أن للأحداث الجسام والخطوب العظام أثرها البعيد في حياة الناس، ~~ومتى تأثرت حياة الناس فقد تأثرت آدابهم؛ لأن هذه الآداب آخر الأمر ليست إلا ~~تعبيرا عن هذه الحياة وتصويرا لها، فإذا تغير الأصل تغيرت الصورة، وإذا تغير ~~المعنى تغيرت العبارة التي تؤديه. # ولو أن اليونان بلغوا من التعمق ما بلغنا والتمسوا من العلم ما نلتمس، لجاز أن ~~يسأل بعضهم بعضا عما كان يمكن أن تحدثه الحرب الميدية من الأثر في آدابهم، ولكان ~~من الممكن أن يتنبأ بعض الفقهاء من أدبائهم بأنها ستحدث آثارا بعيدة جدا لا ~~في الأدب اليوناني وحده ولكن في أكثر الآداب التي سينتجها الناس على اختلاف ~~العصور وتباين الظروف، ولكان من الممكن أن يتنبأ بعض الفقهاء من أدبائهم بأن هذه ~~الحرب الميدية ستدفع الشعر التمثيلي إلى التطور دفعا عنيفا، وستنتج للإنسانية ~~كلها آيات إيسكولوس وسوفوكل وأوريبيد، وبأنها ستدفع أحاديث القصاص دفعا عنيفا ~~إلى التطور، فتنتج لهم تاريخ هيرودوت، وتنشئ للإنسانية فنا من أجل الفنون ~~الأدبية خطرا وهو فن التاريخ، وتنشئ لليونان أنفسهم نثرهم الفني البديع، وتضع لهم ~~أصول الفلسفة اليونانية الرائعة التي أنتجت سقراط ومن جاء بعده من تلاميذه ~~النابهين، ولو كان اليونان يبحثون عن مثل ما نبحث عنه ويتقصون من الأمر مثل ما ~~نتقصى، لجاز أن يتساءلوا عما سيكون لحرب البيلوبونيز من أثر في حياتهم الأدبية ~~والعقلية، ولكان من الممكن أن يتنبأ المتنبئون بأنها ستنتج لهم فقه التاريخ ~~وفلسفته كما نراهما في كتاب توسوديد، أو ستحول فن التمثيل التراجيدي إلى هذا اللون ~~الفلسفي الذي نراه عند أوريبيد، وستمكن أرستوفان من إنتاج آياته الكوميدية ~~الخالدة، وستحول سفسطة السفسطائيين اليسيرة إلى هذه الفلسفة العميقة التي كان ~~أرستوفان يهزأ بها وبزعيمها سقراط في قصة السحاب، ولكن اليونان لم يكونوا يحبون ~~مثل هذه النبوءات، وإنما كانوا يحبون نبوءات أخرى يسيرة تمس آمالهم وأعمالهم، ~~وكانوا ms002 يلتمسون هذه النبوءات كما كان العرب يلتمسونها عند السوانح والبوارح من ~~الطير، وفي آيات أخرى كانوا يذهبون في تفسيرها وتأويلها المذاهب، فإذا احتفلوا ~~بهذه النبوءات سافروا في التماسها سفرا قاصدا أو غير قاصد، فطلبوها عند ~~«أبلون» في «دلف» أو عند غيره من الآلهة في معابدهم تلك التي كانوا يلقون فيها ~~الوحي على الأصفياء من الرجال والنساء، فأما مستقبل الأدب ومصير الفن فأشياء لم ~~يكونوا يحفلون بها ولا يفكرون فيها، وحسبهم أن يستمتعوا بما ينتج الأدباء لهم من ~~آيات الشعر والنثر، وبما ينتج أصحاب الفن لهم من روائع التصاوير والتماثيل ~~والبناء. # والشيء الذي لا شك فيه أن الحرب الميدية صدمت الشرق الآسيوي ببلاد اليونان، وأن ~~هذه الصدمة العنيفة المتصلة قد أثارت في عقول اليونان وقلوبهم وأذواقهم شررا أذكى ~~نارهم العقلية المقدسة، ودفعها إلى التوهج الذي ملأ الأرض علما ونورا، وأن حرب ~~البيلوبونيز صدمت اليونان بأنفسهم أولا وبأقطار أوروبية أخرى ثانيا، فكشفت لهم ~~عن ذوات أنفسهم وأظهرتهم من خلالها على ذات النفس الإنسانية أو على بعض النواحي من ~~ذات النفس الإنسانية فأحسوا وشعروا وفكروا، كما لم يكونوا يشعرون ويحسون ويفكرون، ~~ثم صوروا وعبروا، كما لم يكونوا يصورون ويعبرون، وتستطيع أن تقول مثل هذا بالقياس ~~إلى حروب الإسكندر، ثم بالقياس إلى ما كان بين خلفائه من الحروب، ثم بالقياس إلى ~~حروب الرومانيين في إيطاليا وفي غير إيطاليا من أقطار الشرق والغرب، كل هذه الحروب ~~أثرت في الآداب القديمة تأثيرا عميقا، وأنتجت للإنسانية آيات أدبية خالدة ما ~~نزال نستمتع بها إلى الآن، وستستمتع الإنسانية بها حتى يرث الله الأرض ومن عليها، ~~وأي رمز لذلك أبلغ من أن الإلياذة والأوديسا إنما هما نتيجتان لحرب لا يكاد ~~التاريخ يعرف من أمرها شيئا، وهي حرب طروادة. # ومثل هذا يمكن أن يقال بالقياس إلى أدبنا العربي القديم، فلو تكلف العرب المعاصرون ~~لظهور الإسلام مثل ما نتكلف من البحث والتفكير والتعمق لسألوا أنفسهم عما يمكن أن ~~يكون لظهور الإسلام وما استتبعه من حرب داخل البلاد العربية، ومن فتوح خارج ms003 هذه ~~البلاد من التأثير في حياة الأدب العربي، ولكان من الممكن أن يتنبأ الأذكياء من ~~شباب قريش وشيوخها بأن هذا كله سيذهب بالشعر العربي مذاهب لم تخطر لهم على بال، ~~وسينشئ لهم فنونا من النثر مختلفة متنوعة من العلوم والآداب، ولكن شيوخ قريش ~~وشبابها لم يكونوا يفكرون في شيء من هذا ولا يقفون عنده، ولا يحفلون بما يتصل به ~~من النبوءات، وإنما كانوا كاليونان والرومان يأخذون الأشياء من قريب فيستمتعون بما ~~تقدم الحياة إليهم من خير، ويشقون بما تقدم إليهم من شر، فإذا أبعدوا في التماس ~~الغيب أسرفوا في الإبعاد فالتمسوا الغيب عند السوانح والبوارح من الطير، وعند ~~الكهنة ومن يتنزل عليهم من الشياطين، وعند الأنبياء وما يلقى إليهم من وحي وما ~~يهيأ لهم من معجزات، ثم هم كانوا كاليونان والرومان لا يلتمسون الغيب بالقياس ~~إلى حياة العقل والقلب، وإنما يلتمسونه بالقياس إلى حياة الأجسام في الدنيا وإلى ~~حياة الأرواح في الآخرة، ومع ذلك فليس من شك في أن توحيد الأمة العربية بظهور ~~الإسلام قد أنشأ لها أدبا واحدا، ووجه هذا الأدب توجيها جديدا، وليس من شك ~~في أن اصطدام العرب بغيرهم من الأمم قد أذكى في نفوسهم، وفي نفوس هذه الأمم جذوة ~~الأدب والفن والعلم، فامتلأت الأرض معرفة ونورا، بفضل هذا الاصطدام، وما نشأ عنه ~~من الاختلاط والامتزاج، ومن معرفة العرب لغيرهم من الأمم ومعرفتهم لأنفسهم، ومن ~~تعارف هذه الأمم فيما بينها وتعاونها راضية أو كارهة على ما كانت مضطرة أن تتعاون ~~عليه من شئون الحياة. # ومن يدري؟! لعل القدماء كانوا أدنى منا إلى الحق وأقرب منا إلى الصواب وأشد منا ~~إيثارا للقصد والاعتدال؛ فهم كانوا لا يكلفون أنفسهم ما لا تطيق ولا يحملونها ما ~~لا تحتمل، وإنما كانوا يتلقون الحياة ويحيونها، ثم يسجلون ما يستطيعون استكشافه من ~~الحقائق والظواهر، فقدماء العرب قد عرفوا ما كان من تطور الأدب العربي بعد وقوعه، ~~كما عرف قدماء اليونان ما كان من تطور الأدب اليوناني بعد وقوعه، وهم قد سجلوا لنا ~~ذلك ms004 تسجيلا مقاربا يسيرا لا تكلف فيه ولا إبعاد، وهم قد عصموا أنفسهم من التورط ~~في نبوءات تصدقها الحوادث حينا وتكذبها أحيانا، وهم قد أراحوا أنفسهم من هذا ~~الشك الذي أتاح لذلك الأديب الفرنسي أن يقول: إنه لا يعلم أن للحرب أثرا في الأدب ~~أو أن للأدب أثرا في الحرب، والأمر كله يرجع، فيما يظهر، إلى أن الرقي الذي أتيح ~~لنا في حياتنا المادية والعقلية قد دفعنا إلى ألوان من الغرور وخيل إلينا أنا ~~نقدر على شيء كثير مما لم يقدر عليه القدماء، وما دمنا قد استطعنا أن ننهب الأرض ~~بالقطار والسيارة، وننهب البحر بالسفن تجري على ظهره وتسبح في بطنه، وننهب الجو ~~بالطائرات، وننهب الزمان والمكان بهذا كله وبالبرق وبالراديو، ما دمنا قد استطعنا ~~أن نقهر الطبيعة ونخترق حجبها ونكشف أستارها ونلغي ما كانت تستطيل به علينا من ~~آماد الزمان والمكان، فليس ينبغي لغرورنا أن يقف عند حد أو أن ينتهي إلى غاية، ~~وليس ينبغي لنا أن نتردد في التنبؤ بما سيكون ما دمنا قد استطعنا أن نعرف ما كان، ~~وقد قيل: إن التاريخ فن يعين على استكشاف المستقبل بفضل ما يعلم من حقائق ~~الماضي، ونحن قد صدقنا ذلك واطمأننا إليه، وقليل جدا من بيننا أولئك الذين يشكون ~~في أن التاريخ يعلمنا حقائق الماضي ثم يشكون بعد ذلك في أنه يستطيع أن يكشف لنا عن ~~حقائق المستقبل، وأكبر الظن أن هؤلاء القليلين الذين ينظرون إلى التاريخ نظرة ~~ساخرة مشفقة، ويلحظونه لحظة باسمة مزدرية، وينتظرون المستقبل كما ينتظرون المجهول ~~- أكبر الظن أن هؤلاء القليلين هم المصيبون، ولكننا لا نحب صوابهم هذا ولا نكلف ~~به، بل لا نطمئن إليه؛ لأنه يضطرنا إلى التواضع ويردنا إلى الاعتدال، ويحول بيننا ~~وبين الغرور أو بيننا وبين الإغراق في الغرور، وما قيمة الإنسان إذا لم يعبث به ~~الغرور فيخيل إليه أنه قادر على كل شيء، وأن من حقه بل من الحق عليه أن يحاول ~~كل شيء! # من أجل هذا كله تساءل المعاصرون عن أشياء كثيرة، من ms005 بينها مستقبل الحياة الأدبية ~~وما عسى أن تكون الاتجاهات التي ستدفع إليها بحكم هذه الأحداث الجسام التي خلطت ~~الشرق بالغرب والشمال بالجنوب، وقاربت بين الأجيال المتباعدة، وألغت هذه الحواجز ~~التي كانت تحجز بين الأمم والشعوب، وغيرت كثيرا من صور الأشياء، ثم غيرت كثيرا ~~من قيم الأشياء، ثم غيرت كثيرا من تأثرنا بهذه الصور وتقديرنا لهذه القيم وحكمنا ~~بعد ذلك على ما هو كائن، وترقبنا بعد ذلك لما سيكون، فأما المقتصدون من الأدباء ~~الأوروبيين فيشكون كما شك ذلك الأديب الذي أشرت إليه آنفا، أو يحتاطون في الحكم ~~ويعتدلون في التقدير ويحسبون حسابا لهذه الأشياء اليسيرة الضئيلة التي لا نعرفها ~~والتي قد يكون لها أبعد الأثر في حياتنا العاملة ثم في حياتنا العاقلة، وليس من شك ~~في أننا قد علمنا أشياء كثيرة، ولكن ليس من شك في أننا لم نؤت من العلم إلا ~~قليلا، وفي أن ما نجهله أكثر جدا مما نعلمه، وليس من شك كذلك في أننا قد حققنا ~~من الرقي شيئا كثيرا في حياتنا العاملة والعاقلة، ولكن ليس من شك في أن ما ~~حققناه من ذلك ضئيل جدا بالقياس إلى ما ينتظر أن نحققه. # وهذا الذي ينتظر أن نحققه قد يفاجئنا بعضه مفاجأة وعلى غير انتظار، وقد يتهيأ لنا ~~بعضه عن أناة وريث وبعد سعي وجد واستعداد، فإذا كانت طبيعتنا تدفعنا إلى الغرور ~~والمغامرة فإن عقلنا ينبغي أن يضبط هذا الغرور ويحد هذه المغامرة، ويأخذنا بشيء من ~~التوسط في القول والعمل جميعا، فليس من المستحيل أن نحاول التنبؤ بما سيكون من ~~مستقبل الحياة الأدبية، ولكن ليس من الصواب أن نندفع في ذلك جامحين في غير تحفظ ~~ولا احتياط. # وربما كان من اصطناع الدقة والحذر أن أسجل منذ الآن أني لن أتنبأ بشيء لأني لا أملك ~~الوسائل التي تبيح لي هذا التنبؤ، وإنما أحاول أن أنظر إلى أدبنا العربي المعاصر ~~نظرة عامة أتتبع فيها بعض حقائق تطوره في العصور الماضية وأتوسم فيها بعض الممكنات ~~لتطوره في الأيام المستقبلة، فأنا أنظر إلى ms006 أدبنا العربي بين أمسه القريب والبعيد، ~~وبين غده القريب دون البعيد، وما أزعم لهذه المحاولة إحاطة ولا شمولا، وإنما هي ~~محاولة مقاربة تتجنب الإمعان والتعمق؛ لأن الإمعان والتعمق يحتاجان إلى كتاب لا ~~إلى فصل مهما يكن هذا الفصل طويلا. # وفي تاريخ أدبنا العربي ظاهرة لعله أن يشارك فيها غيره من الآداب الكبرى قديمها ~~وحديثها، ولكنها تستبين فيه على نحو أوضح وأجلى مما تستبين في غيره من الآداب، فقد ~~عمر الأدب اليوناني القديم قرونا طوالا ثم ألقى بينه وبين الناس ستارا، فلما ~~استأنفت الأمة اليونانية الحديثة حياتها المعاصرة أنشأت لنفسها أدبا مهما تكن ~~الصلة بينه وبين الأدب القديم فهو ليس جزءا منه ولا استمرارا له، فالأدب ~~اليوناني القديم إذن حي بنفسه، أريد أنه لا يستمد حياته من أمة حية، تنميه وتقويه ~~وتضيف إليه، وإنما يستمد حياته من هذه الشخصية القوية التي وهبها له اليونان ~~القدماء، فنحن حين نقرأ آثار هوميروس أو بندار أو أفلاطون لا نفكر في الأمة ~~اليونانية المعاصرة ولا نصل هذه الآثار القديمة الخالدة بما تنتجه من الشعر ~~والنثر، وإنما نقرأ هذه الآثار وغيرها ونفكر في الأمة اليونانية القديمة التي ~~أنتجتها، ونوشك أن نعتقد أن الصلة بيننا وبين هذا الأدب القديم والأجيال التي ~~أبدعته ليست أضعف من الصلة بين الأمة اليونانية المعاصرة وبين ذلك الأدب وتلك ~~الأجيال، وربما كان من المحقق أن بعض البيئات الأدبية والفنية في غرب أوروبا وفي ~~فرنسا خاصة أشد اتصالا بالأمة اليونانية القديمة وتراثها الأدبي والفني والفلسفي ~~من الأمة اليونانية المعاصرة نفسها، فلست أعرف مثلا أن الأمة اليونانية الحديثة ~~قد أهدت إلى العالم الحديث شاعرا كراسين أو كاتبا كجيرودو أو شاعرا كاتبا كبول ~~فاليري، وكل هؤلاء وغيرهم من أدباء الغرب الحديث يعيشون مع الأمة اليونانية ~~القديمة ويذوقون أدبها وفنها وفلسفتها، ويحيون هذا الأدب والفن وهذه الفلسفة على ~~نحو لم تصل إليه الأمة اليونانية الحديثة بعد، ومثل هذا يمكن أن يقال بالقياس إلى ~~الأدب اللاتيني، فهذان الأدبان العظيمان يستمدان حياتهما الخالدة من قوتهما ~~الذاتية، إن صح ms007 هذا التعبير، وهذه الخصلة هي التي تميزهما بين الآداب التي استطاعت ~~أن تقهر الدهر وتكفل لنفسها الخلود. # أما أدبنا العربي فقد عمر بضعة عشر قرنا إلى الآن، واختلفت عليه في أثناء هذه ~~القرون خطوب كثيرة متباينة وجهته ألوانا من التوجيه وأخضعته لضروب من التطور، ~~ولكنه ما زال حيا قويا يستمد حياته وقوته من شخصيته العظيمة، ويستمد حياته ~~وقوته من هذه الأجيال التي لا تزال حية محتفظة بفضل من قوة، والتي لا تزال ترعاه ~~وتكلؤه وتنفخ فيه من روحها كما تستمد منه قوة وأيدا فهي تمنحه وتأخذ منه، وهي ~~تعيش عليه وتعيش له وتعيش به، شأنها معه كشأنها مع ما يقوم حياتها المادية من ~~الأرض والجبال والأنهار، فالحياة الزمنية للأدب العربي لم تنقطع، ويظهر أنها لن ~~تنقطع، والصلة بينه وبين الأجيال المعاصرة في بلاد الشرق العربي من الخليج الفارسي ~~إلى المحيط الأطلنطي وفي بيئات عربية متفرقة هنا وهناك في أقطار العالم القديم ~~والعالم الجديد - هذه الصلة ما زالت قائمة متينة خصبة، كالصلة التي كانت بين الأدب ~~العربي وبين الأمة العربية أيام المتنبي وأبي العلاء، ونتيجة هذا كله أن في تاريخ ~~أدبنا العربي ظاهرة قوية متينة شديدة الوضوح، تمكننا من أن نلاحظه ملاحظة مباشرة، ~~ونستقصي أطواره استقصاء حسنا، فنحن نستطيع أن نبدأ هذه الملاحظة منذ أواخر العصر ~~الجاهلي، وأن نساير الأدب في هذه الطرق الطويلة العسيرة المتنوعة الملتوية التي ~~قطعها مسرعا مرة مستأنيا مرة أخرى متثاقلا مرة ثالثة أثناء هذه القرون الطويلة، ~~حتى انتهى إلينا مثقلا بهذا التراث العظيم المختلف المتباين، الذي يشتد بين ~~أجزائه وعناصره التباين والاختلاف. # ونحن نستطيع أن نبدأ هذه الملاحظة من أنفسنا في هذا العصر الذي نعيش فيه، وأن نساير ~~الأدب العربي مصعدين معه في التاريخ كأنما نعود أدراجنا، سالكين معه نفس هذه ~~الطرق، متبينين فيه هذا التراث الذي تختلف أجزاؤه وتتباين عناصره، حتى نبلغ أول ~~الإسلام وآخر الجاهلية، ونحن لا نخشى أن تنقطع بنا الطريق في الزمان والمكان أثناء ~~مسايرتنا لأدبنا العربي سواء أبدأنا مع تاريخه حين ms008 يبدأ في الزمن القديم ، أم بدأنا ~~مع تاريخه من النقطة التي ينتهي إليها في عصرنا الحديث. # فالظاهرة التي يمتاز بها أدبنا والتي تمكننا من درسه وتتبع أطواره، هي أنه قديم ~~جدا وحديث جدا قد اتصل قديمه بحديثه اتصالا مستقيما لا انقطاع فيه ولا ~~التواء، ففيه خصائص الآداب القديمة، وفيه خصائص الآداب الحديثة، وفيه ما يمكننا من ~~استخلاص حديثه من قديمه، وما يغنينا عن كثير من الفروض. # أدبنا العربي كائن حي، أشبه شيء بالشجرة العظيمة التي ثبتت جذورها وامتدت في أعماق ~~الأرض، والتي ارتفعت غصونها وانتشرت في أجواز السماء، والتي مضت عليها القرون ~~والقرون وما زال ماء الحياة فيها غزيرا يجري في أصلها الثابت في الأرض وفي فروعها ~~الشاهقة في السماء. # فلنتتبع هذا الأدب تتبعا يسيرا مقاربا، لنرى كيف تطور في أول عهده، ولنتبين كيف ~~يمكن أن يتطور فيما يستقبل من الأيام. # وأخص ما نلاحظه في حياة أدبنا العربي منذ أقدم عصوره، أنه يأتلف من عنصرين خطيرين ~~لا يحتاج استكشافهما إلى جهد أو عناء: أحدهما داخلي يأتيه من نفسه ومن طبيعة الأمة ~~التي أنتجته، والآخر خارجي يأتيه من الشعوب التي اتصلت بالعرب أو اتصل العرب بها، ~~ويأتيه من الظروف الكثيرة المختلفة التي أحاطت بحياة المسلمين وأثرت فيها على مر ~~العصور، ولنتفق على أن نسمي هذين العنصرين: التقليد، والتجديد. # فأدبنا العربي تقليدي ليس في ذلك شك، له طابعه العربي البدوي القديم لم يخلص منه قط ~~ولن يستطيع أن يخلص منه آخر الدهر على رغم ما بذل الأدباء وما سيبذلون من الجهود ~~الهائلة المضنية، مذهبنا في تصور الأشياء وتقديرها في أنفسنا قد يختلف باختلاف ~~العصور والأقطار والظروف، ولكن مذهبنا في تصوير هذه الأشياء مهما يختلف فسينتهي ~~دائما عند طائفة من الأصول التقليدية لا سبيل إلى التحول عنها؛ لأن التحول عنها ~~قتل لهذا الأدب وقطع للصلة بينه وبين العصر الحديث وانحراف به عن طريق الحياة ~~المتصلة التي تسلكها الآداب الحية، إلى طريق الحياة المنقطعة التي سلكها الأدب ~~اليوناني والأدب اللاتيني، وقل ما شئت في ms009 تعليل الاحتفاظ بهذه الأصول القديمة ~~وإخفاق المحاولات التي همت أن تعدل عنها أو أن تغيرها، فأنا لا أبحث الآن عن العلل ~~والأسباب، وإنما أسجل الظواهر الواقعة تسجيلا. لتكن طبيعة اللغة العربية هي التي ~~اقتضت ثبات هذه الأصول، وليكن القرآن الكريم هو الذي اقتضى ثبات هذه الأصول، ولتكن ~~المحافظة التي يمتاز بها الجيل العربي بين الأجيال هي التي اقتضت ثبات هذه الأصول، ~~ولتكن هذه الأسباب كلها مضافة إلى أسباب أخرى هي التي اقتضت ثبات هذه الأصول، كل ~~ذلك ممكن، ولكن الشيء المحقق هو أن الأدب العربي محتفظ بطائفة من الأصول التقليدية ~~لا يستطيع أن ينزل عنها أو يبرأ منها. # فلغته المعربة الفصحى مقوم أساسي من مقوماته، أو هي المقوم الأساسي الأول بين ~~مقوماته، وقد انحرف كثير من الناس في العصور القديمة وفي هذا العصر الحديث عن ~~هذه اللغة المعربة الفصحى، فأنتجوا آثارا فيها لذة وفيها متعة ولكننا لم نعدها ~~أدبا، ولم نرفعها إلى هذه المرتبة التي نضع فيها هذه الآثار الرائعة والتي نستمد ~~منها غذاء القلوب والعقول والأرواح، وربما كان مما يفسر ذلك ويؤيده أن أدبنا ~~العربي لا يهمل الأسماع إهمالا قليلا أو كثيرا، وإنما يعنى بها أشد العناية؛ ~~فهو أدب منطوق مسموع قبل أن يكون أدبا مكتوبا مقروءا، وهو من أجل هذا حريص على ~~أن يلذ اللسان حين ينطق به، ويلذ الأذن حين تسمع له، ثم يلذ بعد ذلك النفوس ~~والأفئدة حين تصغي إليه. # وليس أدل على ذلك من أن العرب في جميع عصورهم لم يعنوا بشيء قط عنايتهم بفصاحة ~~اللفظ وجزالته، ورقيق الأسلوب ورصانته، وقد جعلوا الإعراب واصطفاء اللفظ والملاءمة ~~بين الكلمة والكلمة في الجرس الذي ييسر على اللسان نطقه، ويزين في الأذن وقعه، ~~أساسا لكل هذه الخصال. # ثم من أصولنا التقليدية في الأدب عمود الشعر، هذا الذي لم يستطع القدماء تحديده ~~ولكنهم حرصوا عليه أشد الحرص، وهذا الذي لم يستطع أحد من شعرائنا أن ينحرف عنه في ~~حقيقة الأمر مهما يقل في مسلم ودعبل وأبي تمام والمتنبي وغيرهم ms010 من أصحاب التكلف ~~والتصنع والبديع؛ فهؤلاء وأمثالهم قد هموا أن يجددوا وجددوا بالفعل في كثير من ~~الأشياء، ولكنهم احتفظوا دائما بفصاحة اللغة وجزالتها، وبرونق الأسلوب ورصانته، ~~كما احتفظوا بالأوزان القديمة، فلما جددوا لم يبتكروا إلا أوزانا يمكن أن ترد إلى ~~الأوزان القديمة على نحو من الأنحاء، ثم لم يستطيعوا على كثرة ما عابوا القدماء ~~وحاولوا الانحراف عن مذاهبهم أن يبرئوا نفوسهم وقلوبهم وفنهم من هذا الحنين الذي ~~فرضته البادية على شعرائها البادين، وقد كان أبو نواس من أشد الناس عيبا ~~للقدماء من الشعراء ومحاولة للانحراف عن مذهبهم في ذكر الأطلال والرسوم، ولكنه ذكر ~~الأطلال والرسوم أولا، كما ذكرها غيره من الشعراء القدماء، وحن حين حاول ~~التجديد إلى مغاني اللهو والعبث كما كان الأعرابي القديم يحن إلى ديار هند ~~وأسماء، فالحنين قائم عابث بنفس الشاعر وقلبه منبث في فنه كما ينبث الماء في الغصن ~~وإن تغيرت المظاهر والألفاظ، وقد أنكر أبو نواس كما أنكر غيره وصف الطرق والإبل، ~~ولكن أبا نواس قد وصف الطرق والإبل كما وصفها غيره من المحافظين والمجددين، وقد ~~هم الشعراء المجددون أن يتنكبوا ما ألف القدماء من صدق الشعور وإيثار القصد في ~~التعبير واجتناب الإمعان في المبالغة فتكلفوا وبالغوا، ولكن تكلفهم يرد آخر ~~الأمر وعند أيسر التحليل إلى سذاجة القدماء، كما أن مبالغتهم ترد إلى قصد ~~القدماء واعتدالهم، أو تصبح مصدرا للسخر والاستهزاء. # وقد حاول الموشحون في الغرب أن يحطموا الإطار القديم الذي كان يحيط بالقصيدة، ~~فيزاوجوا بين أوزان وأوزان، ويخالفوا بين قواف وقواف، ولكن فنهم لم يستطع أن ~~يعمر طويلا، ففني في الزجل، وأصبح لونا من ألوان الأدب العامي الذي نبتذله ~~مخطئين أو مصيبين. # فهناك إذن أصول تقليدية في أدبنا العربي قد أشرت إلى بعضها في الشعر ولم أستقصها، ~~وقد استطاعت هذه الأصول أن تغلب الحوادث والخطوب وألوان التطور والانقلاب وتسيطر ~~على شعر المعاصرين في الأقطار العربية كلها، وقد يحاول الشعراء هنا أو هناك شيئا ~~من التجديد، فلا ينجحون نجاحا صحيحا إلا إذا استبقوا هذه الأصول ms011 التقليدية ولم ~~يبعدوا عنها إلا بمقدار، والنثر مع أنه استحدث بعد ظهور الإسلام وبعد تلاوة ~~القرآن وبعد حدوث الأحداث الجسام، قد اتخذ لنفسه أصولا تقليدية تقارب أصول الشعر، ~~فحرص على اللغة المعربة، وعلى الفصاحة والجزالة، وعلى الرونق والرصافة، واستبقى ~~مسحة بدوية تشيع في أثنائه فتسبغ عليه جمالا ساذجا لا يخلو من روعة ~~وجلال. # ومع أن كثيرا من فحول النثر قد كانوا متأثرين بالثقافات الأجنبية أو منحدرين من ~~أصول أجنبية، فقد حرص النثر على أصوله التقليدية حرصا شديدا واستمد أكثر هذه ~~الأصول من الشعر الذي اتخذه لنفسه إماما أول الأمر ثم نافسه وغالبه بعد ذلك، وقد ~~تكلف الكتاب كما تكلف الشعراء، واستعاروا من الشعراء بديعهم وتصنعهم، ولكنهم خضعوا ~~لمثل ما خضع له الشعراء من الاختيار بين التجديد المقتصد والإسراف الذي ينتهي بهم ~~إلى السخف والازدراء، وأمر النثر في العصر الحديث كأمر الشعر من هذه الناحية؛ فكما ~~أنك لا تسمع قصيدة ولا تقرؤها إلا رجعت بها إلى أصولها التقليدية الأولى وإلى ~~الإطار التقليدي الذي يحيط بها ويمكنها من الثبات والاستقرار ومن الجريان على ~~الألسنة وحسن الموقع في الأسماع والقلوب، فأنت لا تقرأ كتابا ولا فصلا إلا رجعت ~~بما تقرأ إلى الأصول التقليدية القديمة وذكرت هذا الكاتب أو ذاك من كتاب العصر ~~القديم. # ما زال الأصل في الكتابة كالأصل في الشعر: تخير اللفظ الفصيح الرصين الجزل، للمعنى ~~الصحيح المصيب، والملاءمة بين اللفظ واللفظ وبين المعنى والمعنى في كل ما يكون ~~هذا الانسجام الخاص الذي يستقيم له الشعر والنثر في لغتنا العربية الفصحى، مع ~~الحرص كل الحرص على الإعراب، والإيثار كل الإيثار للألفاظ الصحيحة التي تقرها ~~معاجم اللغة المعروفة وحدها إن كان الكاتب محافظا غاليا في المحافظة، أو التي ~~جاءت في قصائد الشعراء ورسائل الكتاب وإن لم ترد في المعجمات إن كان الأديب سمحا ~~معتدلا، وقد يجترئ الكاتب فيستعير من لغة الشعب أو من لغة العلم الحديث أو من بعض ~~اللغات الأجنبية كلمة أو كلمات إن كان من المجددين الغلاة في التجديد، وقد يبلغ ms012 ~~بهذا الغلو أقصاه، فينحرف بأسلوبه نحو العامية المبتذلة بعض الانحراف، أو نحو مذهب ~~من مذاهب الأوروبيين في القول، ولكنه على ذلك كله متحفظ محتاط لا يخرج بالعربية عن ~~أصولها، وإنما يريد أن يغنيها وينميها ويعرب ما يضيفه إليها من الألفاظ ~~والأساليب. # فالعناصر التقليدية في أدبنا إذن قوية شديدة القوة، مستقرة ممعنة في الاستقرار ~~مستمرة على الزمن، وهي التي ضمنت بقاء الأدب العربي هذه القرون الطوال، وهي التي ~~ستضمن بقاءه ما شاء الله أن يبقى، ولكن هناك عناصر أخرى توازن هذه العناصر ~~التقليدية وهي التي سميتها آنفا عناصر التجديد، وهذه العناصر التجديدية هي التي ~~منعت الأدب العربي من الجمود، ولاءمت بينه وبين العصور والبيئات، وعصمته من الجدب ~~والعقم والإعدام، ومكنته من أن يصور الأجيال المختلفة التي اتخذته لها لسانا ~~ويتيح لها أن تعبر فيه عن ذات نفسها. # فأدبنا العربي كغيره من الآداب الحية، بل كغيره من كل الظواهر الاجتماعية، مكون من ~~هذين العنصرين اللذين كان «أوجست كونت» يسمي أحدهما ثباتا واستقرارا، ويسمي ~~ثانيهما تحولا وانتقالا. والذي يمتاز به أدبنا العربي من الآداب الحية الأخرى هو ~~أن التوازن لم ينقطع بين هذين العنصرين، ولم ينشأ عن انقطاعه جمود الأدب وموته ~~بتغلب عنصر الثبات والاستقرار، أو فناء الأدب وتفرقه بتغلب عنصر التحول والتطور، ~~وليس من شك في أن أحد هذين العنصرين قد تفوق على صاحبه بين حين وحين في القوة، ~~فكان الأدب في بعض العصور مسرعا إلى التطور ممعنا فيه، وكان في بعضها الآخر ~~مؤثرا للثبات حريصا عليه، فقد تفوق عنصر التطور بعد ظهور الإسلام بنحو نصف قرن، ~~حين نشأ الجيل الجديد من العرب، واتصل بالأمم الأجنبية منتقلا إليها ومستقرا في ~~أرضها غازيا أو مرابطا أو عاملا في مصالح الدولة أو مستعمرا وانتقلت هي إليه ~~في عقر داره في الحجاز ونجد، سبيا وموالي، تعمل له وتقوم على خدمته وتعلمه من ~~شئون الحضارة والثقافة ما لم يكن يعلم. في هذا الوقت دفع العرب إلى حياة جديدة في ~~كل شيء، ولم يكن الأدب بطيئا في ms013 الاستجابة لهذا التجديد، فتطور الشعر في ألفاظه ~~وأوزانه وأساليبه وفي معانيه وموضوعاته، ونشأت فيه فنون لم تكن من قبل، واستحدث ~~النثر خطبا مطولة وقصصا مفصلة، ورسائل موجزة مجملة، ثم كثرت أحداث السياسة، ~~فتطورت النفس العربية بدوافع جاءتها من داخل، واشتد الاتصال بين الأمم الإسلامية ~~فتطورت النفس العربية ونفوس الأمم الأخرى المستعربة بدوافع جاءتها من خارج، ثم قوي ~~الاتصال، فلم يقصر على المجاورة والمعاشرة والمعاملة والتعاون على شئون الحياة ~~المادية، وإنما قرأ العرب ما كان عند غيرهم، وقرأ المستعربون ما كان عند العرب، ~~ونشأ عن قراءة أولئك وهؤلاء هذا التطور الخطير الذي تمتاز به العصور العباسية في ~~القرن الثاني والثالث والرابع. # ولست محتاجا إلى أن أفصل هذا التطور أو أطيل القول فيه فإن دقائقه معروفة تدرس ~~للشباب في الجامعة وللتلاميذ في المدارس الثانوية، وإنما ألاحظ أن من أهم الأسباب ~~التي دفعت إلى هذا التطور الاتصال الدقيق المستمر بين الثقافة العربية الموروثة من ~~جهة وبين ثقافات الأمم المغلوبة المستعربة من جهة أخرى، فقد اتصلت ثقافة الهند ~~والفرس واليونان والأمم السامية وبعض الأمم المتأثرة بالثقافة اللاتينية في ~~إسبانيا، اتصلت كل هذه الثقافات اتصالا يختلف قوة وضعفا ويتفاوت سعة وضيقا ~~ويتمايز سرعة وبطئا، ونتج عن هذا الاتصال هذا الأدب العربي المختلف المعقد الذي ~~تجاوز الشعر والخطابة والرسائل إلى فنون من العلم والفلسفة وألوان من المعرفة تشبه ~~ما كان العالم يعيش عليه في القارات الثلاث بين حروب الإسكندر وقيام الدولة ~~العربية، فالدولة الإسلامية لم ترث سياسة اليونان والفرس وحدها، وإنما ورثت ~~حضارتهم أيضا، وورثت معها ما كان عند هذه الأمم من ثقافات متباينة، نقلتها كلها ~~إلى اللغة العربية، وصبتها كلها في القالب العربي، بحيث يمكن أن يقال: إن الحضارة ~~الإنسانية التي كان يغلب عليها الطابع اليوناني قد غلب عليها الطابع العرفي في ~~القرون الأربعة الأولى للهجرة، ثم حدثت الأحداث وتتابعت الخطوب، وأقبل المغيرون من ~~الغرب يحملون الصليب، وأقبل المغيرون من الشرق يحملون الجهل والوحشية، وتأثر العقل ~~العربي الإسلامي بهذه الأحداث، فلم يمت ولكنه اضطر إلى ms014 شيء من الوقوف، وتفوق عنصر ~~الثبات والاستقرار على عنصر التحول والتطور، ومهما يكن من شيء فقد دفع الأدب ~~العربي إلى التطور في القرون الأربعة الأولى بحكم الاتصال اليسير بين الأمم أولا ~~ثم الاتصال الدقيق المنظم بينها ثانيا. # والآن وقد انتهى عصر الوقوف والركود واستؤنف الاتصال بين العالم العربي والعالم ~~الأوروبي في أواخر القرن الثامن عشر، وقوي واشتد في القرن التاسع عشر، ثم دق ونظم ~~في هذا القرن الذي نعيش فيه، ثم ألغيت المسافات الزمنية والمكانية فأصبح الاتصال ~~في كل يوم بل في كل لحظة ظاهرة من الظواهر الطبيعية للحياة المألوفة، الآن وقد كان ~~كل هذا، ماذا حدث للأدب العربي وماذا يمكن أن يحدث؟ أما الذي حدث فمعروف يقرؤه ~~الناس في الكتب، ويدرسه التلاميذ في المدارس، وأظهره ما كان من الرجوع إلى الأدب ~~القديم، وإحيائه بالنشر والإذاعة أولا، ثم بالتقليد والمحاكاة ثانيا، وما كان من ~~تعلم بعض اللغات الأجنبية وقراءة ما ينتج فيها من الآثار، وترجمة بعض هذه الآثار ~~إلى اللغة العربية في غير نظام ولا اطراد، وما كان آخر الأمر من الإعراض عن ~~الحضارة المادية القديمة والإقبال على الحضارة المادية الحديثة، واستعارة النظم ~~السياسية والاقتصادية والإدارية والعسكرية والقضائية من أوروبا، ثم العدول عن ~~العلم الموروث ومناهج تعليمه، إلى العلم الحي الحديث ومناهج تعليمه الحية ~~المستحدثة، وإقرار هذا كله في المدارس والمعاهد، التي أخذت تكثر وتنتشر في البلاد ~~العربية كلها وفي مصر منها بنوع خاص. # كل هذا قد غير كثيرا من خصائص النفس العربية، واضطرها إلى أنحاء من التصور ~~والتصوير لم تكن مألوفة من قبل، وأخذ عنصر التطور يعمل من جديد، ولكنه كان تطورا ~~رائعا حقا. كان تطورا يسعى في طريقين متعاكستين أشد التعاكس وأقواه، وليس أدل ~~من هذا التطور على قوة الأدب العربي وقدرته على المقاومة، واستعداده للتغلب على ~~المصاعب والنفوذ من الخطوب، فقد كان إحياء الأدب القديم وما زال يدفع العقل العربي ~~الحديث إلى وراء ويقوي فيه عنصر الثبات والاستقرار، كما كان الاتصال بالأدب ~~الأوروبي الحديث يدفع الأدب العربي ms015 إلى أمام، ويقوي فيه عنصر التطور ~~والانتقال. # والغريب أن العقل العربي الحديث قد ثبت لهذا التعاكس العنيف وانتفع به أشد انتفاع، ~~وكان يخشى في أواسط القرن الماضي وفي أول هذا القرن، أن يتم التقاطع بين هذين ~~الاتجاهين، فيذهب فريق من المتأدبين إلى وراء من غير رجعة، ويذهب فريق منهم إلى ~~أمام في غير أناة، ويضيع الأدب العربي بين هاتين الطريقين المتعاكستين، ولكن الأدب ~~ثبت لهذه المحنة واستفاد منها، كما ثبتت الشجرة العظيمة التي أشرت إليها آنفا ~~للعواصف المتنافرة المتدابرة، وليس من شك في أن هذا التعاكس قد كان له صرعى، فجمد ~~بعض المتأدبين وأسرفوا في الجمود، ولكنهم قضوا ولم يعدوا بجمودهم أحدا، وغلا ~~بعض المجددين من الذين هاجروا إلى أمريكا من سوريا ولبنان، ولكن غلوهم لم يلبث أن ~~رد إلى الاعتدال والقصد. # والشيء المهم أن الأدب العربي في الشرق الأدنى وفي مصر خاصة قد استقامت له طريقة ~~تحقق فيها التوازن الصحيح بين القديم والجديد، على نحو ما تحقق في العراق والشام ~~ومصر أيام التطور الذي حدث في القرون الأربعة الأولى، فاحتفظ بأصوله التقليدية ~~الأساسية ولم يستعص على التطور، وإنما قبل من الثقافات الأجنبية الحديثة مثل ما ~~قبل من الثقافات الأجنبية أيام العباسيين، واستحدث من الفنون ما يلائم العصر ~~الحديث كما استحدث من الفنون ما كان يلائم عصر العباسيين. # وأول مظهر لهذا هو أن العلم الحديث نفسه قد اتخذ اللغة العربية له لسانا، وعرض ~~كثيرا من فروعه نفسها في لغة عربية واضحة كما يعرض في اللغات الأجنبية المختلفة، ~~ثم استقر في البلاد العربية، يدرس في معاهدها ومدارسها باللغة العربية حينا، ~~وباللغات الأجنبية حينا آخر. يذهب العرب لطلبه في أوروبا وأمريكا، ويحمله ~~الأوروبيون والأمريكيون إلى العرب في بلادهم. # وهنا يظهر الفرق الخطير بين الاتصال العربي القديم بالثقافات الأجنبية القديمة، ~~والاتصال العربي الحديث بالثقافات الأجنبية الحديثة، فقد كان الاتصال القديم ضيقا ~~أشد الضيق، محدودا لا يكاد ينهض به إلا أفراد يمكن إحصاؤهم، وقد استطاعت كتب ~~التاريخ أن تحفظ أسماء الذين نقلوا إلى العرب ms016 ثقافات الهند والفرس واليونان ، ~~وأسماء الذين أساغوا هذه الثقافات وتمثلوها وأذاعوها في فنون الأدب العربي ~~المختلفة، أما في العصر الحديث فليس من سبيل إلى إحصاء الذين يتعلمون اللغات ~~الأجنبية ويعلمونها، وينقلون منها بالشفاه حينا وبالترجمة المكتوبة حينا آخر، ~~فانتشار العناية بتعلم اللغات الأجنبية خصلة يمتاز بها العصر الحديث، وما نعرف أن ~~العرب في بغداد أو غيرها من الأمصار الإسلامية أنشأوا مدارس لتعلم اليونانية ~~والفارسية أو أرسلوا بعثات منظمة مستمرة إلى بلاد الهند والروم. # وخصلة أخرى يمتاز بها الاتصال الحديث من الاتصال القديم، وهي أن الاتصال القديم لم ~~يكن مباشرا في أكثر الأحيان، وإنما كان يتم بالواسطة، فالذين كانوا ينقلون من ~~اليونانية إلى العربية مباشرة كانوا أقل من القليل، وإنما كان النقل من اليونانية ~~إلى السريانية، ثم من السريانية إلى العربية، ومن هنا وقع كثير من الخطأ والخلط ~~والاضطراب في النقل، ومن هنا صرف بعض المذاهب الفلسفية اليونانية عن موضعه، ~~وأضيف بعضها إلى غير أصحابه، وظهر شيء من الاضطراب في تاريخ الفلسفة الإسلامية ~~وفي الصلة بينها وبين الفلسفة اليونانية، أما الاتصال في العصر الحديث فمباشر قلما ~~يتم بالواسطة، فالذين يترجمون عن الإنجليزية والفرنسية يحسنون هاتين اللغتين ~~ويحسنون اللغة العربية أيضا فينقلون عن فهم وبصيرة في كثير من الدقة والإتقان، ~~وقد يوجد النقل بالواسطة بالقياس إلى بعض اللغات التي لم ينتشر درسها في الشرق ~~العربي، فقد ينقل الأدب الفرنسي من طريق الفرنسية والإنجليزية، وقد ينقل الأدب ~~الألماني كذلك من طريق هاتين اللغتين. # ولكن القراء ينظرون إلى هذا النقل في كثير من التحفظ والاحتياط ويقبلونه على أنه ~~ضرورة موقوتة ستزول حين يشيع درس اللغات الكبرى على اختلافها، والنقل بالواسطة ~~عندنا أدق وأصح وأدنى إلى الإتقان من النقل بالواسطة في العصر القديم، فالذين ~~ينقلون كتابا ألمانيا من طريق الفرنسية مثلا يضاهون بين ترجمتهم وبين الترجمة ~~الإنجليزية ليتحققوا من أن نقلهم مقارب يمكن أن يساغ، ولم يكن شيء من هذا ممكنا ~~في العصر القديم، ولعلها أن تكون أجل خطرا من الخصال الأخرى، فقد كان القدماء ms017 ~~يتصلون بثقافات أجنبية قليلة محدودة، وكان اتصالهم بها بطيئا ضيقا قليل الإتقان. ~~كانوا يتصلون بثقافة الهند وهي ضئيلة، وكانوا يتصلون بثقافة الفرس وهي ضئيلة ~~أيضا، وكانوا يتصلون بالثقافة اليونانية العظيمة الواسعة المختلفة، ولكن اتصالهم ~~نفسه كان ضئيلا، فهم قد عرفوا الطب والعلم على اختلافه، وهم قد عرفوا الأخلاق وما ~~بعد الطبيعة، ولكنهم لم يعرفوا الأدب ولم يعرفوا الفن، ولم يكادوا يعرفون من ~~السياسة شيئا، أما الآن فنحن نتصل من طريق مباشرة وغير مباشرة بثقافات لا تكاد ~~تحصى، وأيسر ما يمكن أن يقال هو أننا نتصل بالثقافة الإنجليزية والأمريكية ~~والفرنسية والألمانية والروسية، وقد نتصل بالثقافة الإسبانية والإيطالية. # وقد نقرأ كتبا تنقل إلينا من بلاد أوروبا الشمالية، وأخرى من بلاد أمريكا ~~الجنوبية، وما أكثر ما نقرأ عن بلاد الشرق الأقصى، وما أكثر ما نقرأ عن بلاد أخرى ~~لم تتحضر بعد! ولكن الأوروبيين قد زاروها واستعمروها وكتبوا عنها ونقلوا إلينا ~~كثيرا من أنبائها، ثم إن ثقافتنا لا تتصل بالثقافات الأجنبية من طريق المكان ~~وحده، ولكنها تتصل بها من طريق الزمان أيضا، فقد استكشف كثير من تاريخ الأمم، ~~وعرض علينا في اللغات المختلفة، فنحن نعرف من تاريخ المصريين القدماء أكثر مما ~~كان المصريون القدماء أنفسهم يعرفون من تاريخهم، وليس من شك في أن علمنا بتاريخ ~~المصريين القدماء الآن، أدق وأعمق وأوسع من علم المصريين في أيام البطالسة بهذا ~~التاريخ، وقل مثل ذلك عن تاريخ اليونان والرومان، وقل مثله عن تاريخ الفرس والهند، ~~وما شئت من أقطار الأرض المتحضرة، فلا غرابة إذن في أن هذه الأبواب التي فتحت ~~لنا على مصاريعها، ونفذت إلينا منها الثقافات الأجنبية المختلفة، تباعد بيننا وبين ~~ما عرف العرب القدماء من حياة الأمم الأخرى، وقد استطاع أبو العلاء أن ~~يقول: # ما مر في هذه الدنيا بنو زمن # إلا وعندي من أنبائهم طرف # ولو قد نشر أبو العلاء الآن لعرف أن الأطراف التي كانت عنده، لم تكن شيئا مذكورا ~~بالقياس إلى الأطراف التي نأخذ نحن بها الآن، ومن المحقق أن الإنسانية ستقيس ms018 علمها ~~في آخر هذا القرن، إلى علمنا نحن في هذه الأيام، فترثي لنا وتشفق علينا كما نرثي ~~نحن لأبي العلاء ونشفق عليه، ومهما يكن من شيء فإن الفروق التي أشرت إلى بعضها، ~~بين اتصال الأدب العربي القديم بالثقافات الأجنبية القديمة، واتصال الأدب العربي ~~الحديث بالثقافات الأجنبية الحديثة، خليقة أن تنشئ فروقا خطيرة بين الأدبين في ~~أنفسهما، وإذا كانت هذه الفروق لم تظهر واضحة جلية أثناء القرن الماضي، فإنها قد ~~أخذت تظهر شيئا فشيئا أثناء هذا القرن الذي نعيش فيه، ولست أدري أين قرأت لبعض ~~الأدباء الفرنسيين أن القرن العشرين بالقياس إلى الحياة الأدبية في فرنسا إنما ~~يبتدئ بالحرب العالمية الأولى، وأكاد أقبل هذا التوقيت بالقياس إلى حياتنا الأدبية ~~العربية، ففي أواخر القرن الماضي وأوائل هذا القرن ظهرت المقدمات التي تنبئ بما ~~كان أدبنا مشرفا عليه من تطور خطير. ظهرت آثار الشيخ محمد عبده وقاسم أمين ~~والمويلحي وعبد الله نديم والبارودي وحافظ وشوقي ومطران، وكان هؤلاء جميعا وكثير ~~من أمثالهم يصورون آخر عصر وأول عصر آخر، يصورون طورا من أطوار الانتقال؛ فهم ~~كانوا يحافظون على كره، ويجددون على استحياء، ويرون أن الحياة القديمة قد انقضت ~~أيامها، وأن فجر حياة جديدة قد أخذ ينتشر في الأفق شيئا فشيئا، ولم يكد هذا ~~القرن يخطو خطوات قليلة حتى ظهر جيل من الشباب نظر إلى الحياة القديمة نظرة سخط ~~عنيف، ونظر إلى قادة الرأي هؤلاء نظرة حب ورضا وإكبار، ولكن فيها كثيرا من ~~الإشفاق والرثاء، وفيها ما يدفع أحيانا إلى الثورة والغضب، فقد كان هذا الجيل من ~~الشباب الناشئ في أول القرن يقف من قادة الرأي موقف الأبناء من الآباء يحبونهم ~~ويكبرونهم، ولكنهم يثورون بهم ويخرجون عليهم سرا دائما وإعلانا بين حين وحين، ~~والذين يذكرون الأعوام التي سبقت الحرب العالمية الأولى في مصر خاصة، يذكرون من ~~غير شك تلك الخصومات العنيفة التي ثارت بين الشباب والشيوخ في الصحف وفي الكتب ~~والرسائل، ولعل منهم من يذكر عنف العقاد والمازني وطه حسين بشوقي وحافظ، ولعل منهم ~~من ms019 يذكر عنف طه حسين بالمنفلوطي، ولعل منهم من يذكر كل تلك الخصومات التي كانت ~~تثار حول الأدب وحول السياسة وحول حرية الرأي، في الصحف السيارة اليومية، وفي ~~المجلات الشهرية والأسبوعية، وفي بعض الكتب التي كانت تذاع هنا وهناك، فقد كان هذا ~~كله إنباء بأن تطورا خطيرا يوشك أن يمس الأدب العربي الحديث في أغراضه ووسائله، ~~وفي تصوره وتصويره، وفي تقديره للأشياء والناس وحكمه على الأشياء والناس، وفي ~~أثناء هذا الوقت كان التعليم المتواضع يزداد انتشارا وتغلغلا في طبقات الشعب، ~~وكان الضمير الوطني يزداد يقظة وتنبها، وكانت المثل العليا في الحياة تتغير في ~~نفوس الشباب تغيرا شديدا، وكان السلطان في مصر يضيق بذلك ويستعد لمقاومته، وكان ~~هذا لا يزيده إلا استيقاظا وتنبها وإسراعا إلى التطور، ثم كانت الواقعة الكبرى ~~التي هزت العالم كله خمس سنين، وانجلت عنه الغمرة، وإذا كثير جدا من شئونه يتغير ~~في الحياة العقلية والاقتصادية والسياسية، وإذا مصر خاصة يصيبها من هذا التطور طرف ~~لا بأس به، وإذا الجذوة المصرية تتوهج فترسل ضوءها وشررها إلى ما حولها من البلاد ~~العربية، وإذا الأدب العربي يحيا في ذلك الوقت حياة عنيفة خصبة مختلفة لم يعرفها ~~منذ زمن بعيد جدا. # ثم تتقدم الأعوام شيئا، وإذا قرارات تتخذ، ونظم توضع، من شأنها أن تغير الحياة ~~الأدبية في الشرق العربي تغييرا خطيرا، فقد كان انتشار التعليم من المؤثرات في ~~تطور الأدب قبل الحرب الأولى، ولكن انتشار التعليم كان محدودا ينظمه السلطان ~~البريطاني في كثير من البخل والتقتير، ولكن أمور التعليم ترد إلى مصر بعد الحرب، ~~فيتنوع ويزداد انتشارا، ويندفع في هذا التنوع والانتشار ويصدر الدستور فيلزم ~~الدولة بإعطاء المصريين جميعا مقدارا من العلم يمكنهم من أن يقرءوا ويفهموا ~~ويضطربوا في الحياة، وتجد الدولة في تنفيذ هذا الدستور منجحة حينا مخفقة حينا ~~آخر، ولكنها تزيد عدد القارئين على كل حال، وقد ظفرت مصر منذ ثورتها في أعقاب ~~الحرب بحظ من حرية التفكير والتعبير لم تعرفه من قبل، واشتدت فيها الخصومات حول ~~المثل العليا في ms020 السياسة والأخلاق والاقتصاد والأدب والفن، فكان هذا كله أشبه شيء ~~بالحطب الجزل يلقى في النار المضطرمة فيزيدها تلظيا واضطراما، وقد صدمت مصر ~~بألوان من الكوارث في حياتها السياسية حدت من حرية الرأي والقول بين حين وحين، ~~ولكنها زادت العقل المصري قوة وأيدا؛ لأنها علمته العكوف على نفسه، وفتقت له ~~ألوانا من الحيل للتعبير عما كان يريد أن يعبر عنه، ولست أدري أكان من النافع أم ~~غير النافع لمصر أن تتعثر في حياتها السياسية، ولكن الشيء الذي لا أشك فيه هو أن ~~هذه الأزمات السياسية التي وقفت الإنتاج الأدبي شيئا ما، قد أنضجت هذا الأدب ~~العربي ومنحته صلابة ومرونة في وقت واحد، علمته كيف يثبت للخطوب، وكيف ينفذ من ~~المشكلات. # ولم تكن مصر منفردة بهذا التطور العنيف ولا بهذه الأزمات التي كانت تكبو بها مرة ~~وتنهض بها مرة أخرى، وإنما كان هذا كله حظا شائعا لبلاد الشرق العربي كله ~~تقريبا، فجرى التطور الأدبي متوازنا شيئا ما، ولكن مصر امتازت بمكانها من السبق ~~في السياسة وفي الاقتصاد، وبما أتيح لها من الثروة التي مكنتها من الإسراع إلى نشر ~~التعليم على اختلاف فروعه، ويكفي أن نلاحظ أن مصر أنشأت جامعتين في أقل من ربع ~~قرن، ونشرت التعليم الثانوي في جميع عواصم الأقاليم، ونشرت التعليم الابتدائي في ~~جميع المدن، ونشرت التعليم الأولي في كثير جدا من القرى. ذلك إلى تنوع هذا ~~التعليم واختلاف فروعه، وإلى ما أنشئ من المؤسسات المختلفة التي تعنى بهذا الفرع ~~أو ذاك من فروع المعرفة، وإلى إرسال الشباب إلى العواصم الأوروبية الكبرى، ~~واستدعاء الأساتذة من هذه العواصم على اختلافها. كل هذا جعل مصر مركزا خطيرا من ~~مراكز الثقافة العالمية في الشرق، وكل هذا فتح للأدباء أبوابا من التفكير وشق لهم ~~طرقا إلى الإنتاج ما كانوا ليعرفوها لو جرت الأمور في مصر على ما كانت تجري عليه ~~أثناء الاحتلال وقبل إعلان الاستقلال وإصدار الدستور. # ثم صدم العالم صدمته الثانية، وكانت الحرب العالمية الأخيرة، وذاقت مصر من ~~مرارتها غير قليل، واصطلت بعض ms021 نارها ست سنين، وكان أهم ما مس الأدب من هذا كله فرض ~~الرقابة على الإنتاج العقلي، ولست أدري إلى أي حد ضاق الأدباء بهذه الرقابة، ولكن ~~الذي أعلمه هو أن هذه الرقابة لم تمنعنا من الإنتاج الأدبي الخالص، ولعلها صرفت ~~بعضنا عن الأدب السياسي فاضطرته إلى إنتاج آخر لعله أن يكون أبقى وأجدى من الأدب ~~السياسي، ولأضرب لذلك مثلا الأستاذ العقاد، فقد صرفته ظروف الحرب عن عنفه السياسي ~~وقتا ما، ولست أعرف أضاق بذلك أم لم يضق، ولكني أعلم أنه دفع إلى ألوان جديدة ~~من البحث والتفكير، وأنتج كتبا ما أشك في أن قراءه يؤثرون أيسرها على أدبه ~~السياسي كله، وجملة القول أن الأدب العربي الحديث خضع أثناء ربع قرن لمؤثرات كثيرة ~~مختلفة دفعته إلى تطور خطير من جميع نواحيه، دفعته إلى التطور في شكله وفي موضوعه، ~~ودفعته إلى التطور سعة وعمقا وتنوعا واختلافا. ويكفي أن نستعرض الفنون التي ~~يمارسها الأدباء لنتبين صدق هذا التقدير؛ فقد أدركنا هذا القرن وأدبنا العربي ~~ينقسم إلى شعر ونثر، وكان شعرنا قديما يحاول التجديد، وكان نثرنا كتبا يسيرة ~~وفصولا تنشرها الصحف، بعضها يمس السياسة، وبعضها يمس الحياة اليومية، وبعضها ~~يحاول التعرض لبعض شئون الاجتماع، وقليل منها كان يفرغ للأدب الخالص فراغا ~~تاما، وكان عندنا تمثيل نستعير قصصه من أوروبا ولا نكاد نجيد عرضه على النظارة، ~~ولعلنا كنا نسيء إلى فن التمثيل أكثر مما كنا نحسن إليه، وكنا نحاول النقد فنذهب ~~فيه مذاهب القدماء، وكان الشباب يريدون أن يجددوا هذا النقد فلا يظفرون إلا ~~بالإعراض والإنكار، وقد حاول بعضنا أن يحدث في الأدب فنا جديدا، فحاول المويلحي ~~رحمه الله أن ينشئ قصة فأنشأ مقامة طويلة، وحاول حافظ رحمه الله أن يتحدث إلى سطيح ~~فلم يصنع شيئا. # أما بين الحربين فقد دفع أدباؤنا إلى الأعاجيب، وكان أول هذه الأعاجيب هذه ~~الخصومات السياسية التي يسرت اللغة تيسيرا غريبا، ومنحت العقول حدة رائعة ~~ونفاذا بديعا، واستطاعت أن تشغل الجماهير وتعلمهم العناية بالأمور العامة ~~والاهتمام لها والتفكير المتصل فيها، ms022 وأحدثت - أو قل أحيت - في النثر العربي فن ~~الهجاء الذي أتقنه الجاحظ وقصر فيه من جاء بعده من الكتاب، فقد أصبح هذا الهجاء ~~السياسي من أهم الألوان لأدبنا العربي الحديث، فيه الحدة والعنف وفيه المتعة ~~واللذة، وفيه التنوع والاختلاف بتنوع الأمزجة واختلافها، وفيه الإيجاز والإطناب، ~~وفيه التصريح والإشارة. # على أن هذه الخصومة السياسية لم تمس النثر وحده، وإنما ردت إلى شعرائنا الشيوخ ~~شيئا من شباب، فاضطرمت نفس حافظ وشوقي رحمهما الله واستطاعا أن يتصلا بالجمهور ~~بعد أن كانا قد بعدا عنه شيئا، وهذا الشباب الذي رد إلى شوقي في أعقاب الحرب ~~العالمية الأولى دفعه إلى تقليد الشعراء التمثيليين الأوروبيين فأنشأ شعرا ~~تمثيليا قد نرضى عنه أو لا نرضى عنه، ولكن كثيرا منه فتن الذين قرءوه وسمعوه في ~~دور التمثيل. # وهذه الخصومة السياسية دفعت صحف الأحزاب المختصمة إلى التنافس فافتنت فيما جعلت ~~تنشر من الفصول، وإذا الأدباء يستعرضون الأدب القديم يحيونه حياة جديدة بالنقد ~~والتحليل، وإذا هم يستعرضون الآداب الأوروبية الحديثة يذيعونها ناقدين ومحللين ~~ومترجمين، وإذا هم بعد هذا كله يرقون إلى إنشاء الدراسات التي تطول حتى تصبح كتبا ~~تستقل بنفسها، وتقصر حتى تصبح فصولا تنشر في الصحف والمجلات، ثم يجمع بعضها ~~إلى بعض فإذا هي أسفار قيمة يجد فيها القارئ نفعا ولذة ومتاعا، فهذا نوع جديد من ~~الأدب عرفه الأوروبيون منذ زمن بعيد ولم نعرفه نحن إلا في هذا العصر الحديث، ثم ~~ننظر فإذا تمثيل شعبي ينشأ فجأة يصور حياة الثورة وما استتبعته من تطور الأخلاق، ~~وتغير القيم، وإذا نحن نشغف بهذا التمثيل الشعبي، ولكنا نشهده للهو وقطع الوقت ولا ~~نرقى به إلى مرتبة الأدب الرفيع، فيشعرنا ذلك بأن للتمثيل مكانة أدبية يجب أن ~~تعرف له في مصر، وإذا نحن ننشئ فرقة للتمثيل، وإذا القصص التمثيلية توضع لها ~~حينا وتترجم لها أحيانا، وإذا أدبنا التمثيلي قد نشأ متواضعا ولكنه قد نشأ على ~~كل حال، وكل هذا لا يكفينا، فقد قرأنا القصص الأوروبي طويله وقصيره ومتوسطه، ~~وقرأناه في اللغات المختلفة، وسألنا ms023 أنفسنا شاعرين بذلك أو غير شاعرين: ما بالنا ~~لا نقص في لغتنا كما يقص الأوروبيون والأمريكيون في لغاتهم؟ ثم حاولنا مقلدين أول ~~الأمر، مبتكرين بعد ذلك، وإذا نحن نبلغ من الإجادة في هذا الفن الجديد حظا ~~عظيما، وإذا قصصنا يشيع في الشرق العربي ثم ينقل إلى الغرب الأوروبي، وإذا ~~قصصنا يختلف في موضوعه وأغراضه ومذاهب الكتاب فيه على نحو ما يختلف القصص الأوروبي ~~في هذا كله، وإذن فنحن قد دفعنا شاعرين أو غير شاعرين إلى أن نسمو بأدبنا العربي ~~إلى مكانة الآداب الحية الكبرى، وبلغنا من ذلك حظا ليس به بأس وإن لم نبلغ من ~~ذلك ما نريد، ومتى بلغ الناس ما يريدون؟! # والشيء الذي ليس فيه شك هو أن أيسر الموازنة بين أدبنا هذا الحديث الذي لا نكاد ~~نرضي عنه أو نقنع به وبين أدبنا ذلك القديم الذي فتنا به فتونا، يدل على أننا ~~قد وثبنا بالأدب العربي وثبة لم يكن القدماء يحلمون بها ولم تكن تخطر لهم على بال، ~~وقد كان العصر العباسي عصرا ممتازا في التاريخ الأدبي من غير شك، ولكن عصرنا نحن ~~أشد منه امتيازا وأكثر منه خصبا وأعظم منه استعدادا للبقاء. # على أن هناك تطورا آخر لأدبنا الحديث أعظم خطرا وأبعد أثرا من كل ما قدمت، وهو ~~الذي سيوجه الأدب في المستقبل القريب إلى غاياته التي لا يستطيع عنها تحولا أو ~~انصرافا فيما أعتقد، ولهذا التطور الخطير وجهان: أحدهما يتصل بأشخاص الأدباء، ~~والآخر يتصل بالموضوعات التي يطرقها الأدباء، فأما الوجه الأول فنستطيع أن نتبينه ~~في سهولة ويسر إذا نظرنا إلى حافظ وشوقي والمنفلوطي من جهة، وإلى العقاد والمازني ~~وهيكل من جهة أخرى، فقد كان الأدباء الثلاثة الأولون لا يعيشون لأدبهم وإنما ~~يعيشون بأدبهم. أريد أنهم كانوا يتخذون الأدب وسيلة إلى الحياة وإلى حياة لا تمتاز ~~بالاستقلال، كان كل واحد منهم في حاجة إلى حماية تكفل له ما يحب من العيش ~~والمكانة، ولا بد له من «مسين» كما يقول الأوروبيون، يحميه ويعطيه ويحوطه ~~بالرعاية والعناية، ويدفع ms024 عنه العاديات والخطوب، أما الثلاثة الآخرون فثائرون على ~~هذا النوع من الحياة، مبغضون لهذا النوع من الأدب، يكبرون أنفسهم أن يحميهم هذا ~~العظيم أو ذاك ويكبرون أدبهم أن يرعاه هذا القوي أو ذاك. هم يعيشون أولا ويعيشون ~~أحرارا، ثم ينتجون أولا وينتجون أحرارا، وهم يأبون أن يؤدوا عن إنتاجهم الأدبي ~~حسابا لهذا أو ذاك. هم مستقلون في إنتاجهم الأدبي بأدق معاني هذه الكلمة ~~وأكرمها. # وقد تقول إنهم ينتجون للجمهور، فهم مدينون للجمهور بحياتهم الأدبية، ولكن الجمهور ~~هذا شيء شائع مجهول لا يستطيع أن يعبث بحرية الأديب ولا أن يعرض كرامته لما لا ~~يحب، وكل إنسان في بيئة متحضرة إنما يعيش للجمهور وبالجمهور، كما أن الجمهور نفسه ~~يعيش لكل إنسان وبكل إنسان، فالظاهرة الخطيرة في أدبنا الحديث هي هذه الكرامة التي ~~كسبها الأدباء لأنفسهم ولأدبهم والتي مكنتهم من أن يكونوا أحرارا فيما يأتون ~~وفيما يدعون. # أما الوجه الثاني لهذا التطور فهو أن هذه الحرية نفسها قد فتحت للأدباء أبوابا لم ~~تكن تفتح لهم حين كان الأدب خاضعا للسادة والعظماء، وقد أثرت ظروف التطور ~~الإنساني في توجيه هذه الحرية، فقد كان الأدباء القدماء يؤثرون السادة والعظماء ~~بما ينتجون، فأصبح الأدباء المحدثون يؤثرون أنفسهم ويؤثرون الفن ويؤثرون الشعب بما ~~ينتجون، وكذلك عكف الأدباء على أنفسهم فحللوها وعرضوها، واستخرجوا من هذا التحليل ~~علما كثيرا ومتاعا عظيما، وكذلك فرغ الأدباء لفنهم فجودوه كما يريدون وكما ~~يستطيعون وكما يريد الفن، لا كما يريد هذا السيد أو ذاك. # وكذلك عكف الأدباء على الشعب، فجعلوا يدرسونه ويتعمقون درسه، ويعرضون نتائج هذا ~~الدرس، ويظهرون الشعب على نفسه فيما ينتجون له من الآثار، وهذا كله قد رفع الأدب ~~إلى الصدق والدقة، وجعله إنسانيا لا فرديا، ووضعه حيث وضعت الآداب الحية ~~الكبرى نفسها بحكم التطور الذي دفعتها إليه ظروف الحياة الحديثة. # فإذا أردنا أن نتبين الاتجاهات التي سيدفع إليها الأدب العربي غدا، بعد أن عرفنا ~~اتجاهات الأدب العربي في ماضيه القريب والبعيد، وبعد أن رأيناه يحيا بين أيدينا في ~~حاضره الذي ms025 نشهده الآن، فقد يخيل إلي أننا نستطيع أن نستنبط هذه الاتجاهات من ~~بعض الحقائق الواقعة، وأول هذه الحقائق الواقعة هو هذا الاستقلال الذي كسبه ~~الأدباء لأنفسهم ولأدبهم، فهم قد أخذوا بحظ من الحرية وهم لن يكتفوا بما أخذوا، ~~ولكنهم سيمعنون في استقلالهم وحريتهم حتى يرتفعوا عن كل رقابة مهما يكن مصدرها، ~~وحتى يتعرضوا - وقد تعرضوا بالفعل - لبعض الأذى في سبيل هذه الحرية. # ومن هذه الحقائق الواقعة أن التعليم ينتشر انتشارا هائلا، ينشأ عنه كثرة القراء ~~من جهة، واختلاف هؤلاء القراء في حظوظهم من الثقافة من جهة أخرى، وسيكون لهذه ~~الحقيقة تأثير خطير في الأدب، فسيحرص بعضهم على كثرة القراء وانتشار آثاره، وسيضطر ~~إلى ملاحظة هذه الكثرة كما كان الأدباء القدماء يلاحظون سادتهم ومواليهم، وسيضعف ~~أدب هؤلاء حتى يصل إلى الابتذال أحيانا، ولعلنا نشهد بعض ذلك منذ الآن، وسيحرص ~~قوم آخرون من الأدباء على كرامة الفن وجودته أكثر مما يحرصون على انتشاره وشيوعه، ~~فيجودون أدبهم ويحفلون بهذا التجويد، ثم يرسلون أدبهم إلى القراء غير حافلين ~~بالرضا أو السخط، ولا بما ينتجه الرضا أو السخط من الفقر والثراء. # وهؤلاء هم قوام الحياة الأدبية، وهم هداة الناس وقادتهم إلى الحق والخير ~~والجمال. # وهناك حقيقة واقعة رابعة، وهي أننا نعيش في عصر السهولة والسرعة، في عصر الراديو ~~والسينما والصحف اليومية والمجلات اليسيرة والجمهور القارئ الضخم والمواصلات ~~السريعة، وكل هذا سيعرض الأدب والأدباء - وقد أخذ يعرضهم بالفعل - لمحنة قاسية، ~~فسيلتجئ الراديو والصحف والمجلات إلى الأدباء، وسيتعجلهم في الإنتاج، وسيضطرهم إلى ~~السرعة، وسيحول بينهم وبين الأناة التي تمكنهم من التجويد، وسيجدون أنفسهم بين ~~اثنتين: إما أن يستجيبوا للراديو والصحف والمجلات فيضعف فنهم ويبتذل بعض الشيء، ~~وإما أن يمتنعوا عليها فيشقوا على أنفسهم ويخلوا بين الجمهور وبين أصحاب الأدب ~~الرخيص، وأكبر الظن أنهم سيلائمون بين هذا كله، فيؤثرون الفن بالإنتاج الهادئ ~~البطيء الذي يحتفلون به ويفرغون لتجويده ويذيعونه في الناس متى أرادوا هم لا متى ~~أراد الناس، ويقدمون إلى الجمهور من طريق الراديو والصحف والمجلات أدبا يسيرا، ms026 ~~مهما يكن من يسره فلن يكون من الرخص والابتذال بحيث يصبح خطرا على ~~الجمهور. # وهناك واقعة حقيقة خامسة، وهي أن هذه الثقافات الكثيرة التي تصل إلى أدبنا الآن من ~~كل وجه ستوجه كتابنا اتجاهات مختلفة، فمنهم من يساير الثقافة الإنجليزية، ومنهم من ~~يساير الثقافة اللاتينية، ومنهم من يذهب مذهب الروسيين في الأدب، ومنهم من يذهب ~~فيه مذهب الأمريكيين، ويوشك هذا الاختلاف أن يفسد الأمر على أدبنا العربي، لولا أن ~~أدبنا ليس بدعا في ذلك من الآداب الكبرى، فكل أدب خليق بهذا الاسم يأخذ ويعطي ~~ويتلقى الثروة من كل وجه، والمهم أن يحتفظ الأدب بشخصيته ويحرص على مقوماته، ويحسن ~~الموازنة بين عناصر الثبات والاستقرار وعناصر التحول والتطور، وسيوجد بين أدبائنا ~~من يتطرف في هذه الناحية أو في تلك، ولكن ستوجد بين أدبائنا هذه الصفوة التي تعرف ~~كيف تلائم بين مصادر الثروة الأدبية على اختلافها، وكيف تستخلص منها هذا الرحيق ~~الذي تقدمه غذاء للعقول وشفاء للقلوب والنفوس. # وهناك حقيقة واقعة سادسة، وهي التي أريد أن أختم بها هذا البحث الطويل، وهي أن ~~الحياة الإنسانية على اختلاف بيئاتها تتجه الآن اتجاهات شعبية لا فردية، ومن طبيعة ~~هذه الاتجاهات الشعبية أن تستغرق كل شيء وتلتهم كل شيء، ومن طبيعة الأدب الرفيع ~~والفن الجميل أن يمتاز ويأبى الفناء في أي قوة مهما تكن، فسيمتحن الأدباء فيما ~~يحرصون عليه من الامتياز، وسيتعرضون إما للعزلة المؤذية أو الخلطة التي تدعو إلى ~~الابتذال، ولكنهم سيلائمون في أدبنا العربي كما لاءم زملاؤهم في الآداب الأخرى بين ~~امتياز أدبهم الرفيع وطموح الشعوب إلى أن تستغرق كل شيء، وسيكون أدبهم الرفيع ~~الممتاز مرآة صافية صقيلة رائعة لحياة الشعب، يرى فيها الشعب نفسه فيحب منها ما ~~يحب ويبغض منها ما يبغض، ويدفعه حبه إلى التماس الكمال، ويدفعه بغضه إلى التماس ~~الإصلاح، وينظر الأدب العربي الحديث فإذا هو في مستقبل أيامه كالآداب الحديثة ~~الكبرى، قائد الشعوب إلى مثلها العليا من الخير والحق والجمال. # | الحياة الأدبية في جزيرة العرب # تستطيع أن ترسم لبلاد العرب ms027 في هذه الأيام صورتين مختلفتين أشد الاختلاف، ~~وكلتاهما مع ذلك صادقة صحيحة، فهي قسم من آسيا يسمى باسم واحد منذ عصور بعيدة ~~جدا ولكنه يتألف من أقطار وأقاليم تختلف في طبيعتها وتتباين أحوالها الجغرافية ~~والاجتماعية والسياسية والدينية أيضا، فمنها السهل ومنها الوعر، ومنها المرتفع ~~ومنها المنخفض، ومنها الخصب الغني ومنها الجدب القاحل، ومنها ما يسكنه الحضر ومنها ~~ما يسكنه البدو، ثم منها ما يحتفظ باستقلال سياسي قوي أو ضعيف، ومنها ما خضع ~~للأجنبي خضوعا تاما، ومنها بعد هذا كله من يذهبون في الدين مذهب أهل السنة ~~ويتشددون في المحافظة على عقائد السلف الصالح من المسلمين، ومن يذهبون مذهب الشيعة ~~معتدلا أو متشددا، ومن يقيم حياته الدينية على التصوف، ومن يعيش عيشة المسلمين ~~العاديين في البلاد الإسلامية الأخرى، ومن جهل الإسلام جهلا تاما وانغمس في نوع ~~من البداوة هو أشبه شيء بما يصوره الشعر العربي القديم من حياة العرب الجاهليين ~~الذين كانوا يعبدون الأوثان والأشجار قبل ظهور الإسلام. # تجد هذا كله في بلاد العرب، فلا تكاد تصدق أن لهذه البلاد وحدة ما، أو أن من اليسير ~~أن تتحدث عنها وعن آدابها كما تتحدث عن أي بلد آخر من بلاد الشرق العربي، فأنت ~~تستطيع أن تتحدث عن مصر وعن سوريا وعن تونس أو الجزائر، فتصف حياتها الاجتماعية ~~والسياسية والأدبية والدينية في غير مشقة ولا صعوبة؛ لأن لكل بلد من هذه البلاد ~~وحدته الجغرافية والسياسية واللغوية، وهذه الوحدة تمكنك من أن تصف كل بلد من هذه ~~البلاد وصفا مقاربا إن لم يكن دقيقا كل الدقة، أما بلاد العرب أو جزيرة العرب ~~كما يسميها الجغرافيون فليس لها من هذه الوحدة حظ، فما تقوله عن الحجاز لا يصدق ~~على اليمن وما تقوله في أمر نجد لا يصح بالقياس إلى تهامة، فليس هناك قطر واحد ~~وإنما هناك أقطار وأقاليم. ~~••• # وهذه الصورة التي أصورها لك الآن من بلاد العرب قريبة كل القرب من الصورة التي ~~تجدها لهذه البلاد في الشعر الجاهلي حين لم تكن هذه الأقاليم كلها ms028 تتفق إلا في ~~الاسم ، وحين كانت تختلف في اللغات واللهجات وفي النظم السياسية والاجتماعية ~~والدينية باختلاف الأقاليم والأقطار، وحين لم يكن الجمل - وهو أداة المواصلات ~~الوحيدة - يستطيع أن يلغي ما بين هذه الأقاليم من الفروق، فهذه الأقاليم لا تزال ~~اليوم كما كانت قبل الإسلام، لم تلغ فيها المسافات ولم تقرب بينها السكك ~~الحديدية، ولم يؤثر فيها تأثيرا قويا استعمال التلغراف على قلة استعماله، ولا ~~مرور السفن البخارية على سواحلها في البحر الأحمر أو بحر الهند أو الخليج الفارسي، ~~فهي إذن على حالها القديم تكاد تكون معزولة عن العالم الخارجي، وهي إذن على حالها ~~القديم لا يكاد يوجد اتصال وطيد بين أقاليمها الداخلية، ومن الغريب أن وضعها ~~السياسي بعد الحرب الكبرى يشبه جدا وضعها السياسي في القرنين الخامس والسادس ~~للميلاد قبل أن يظهر الإسلام فيوثق الصلة بينها وبين بلاد الشرق الأدنى ~~والأوسط. # كانت أطراف الجزيرة العربية في القرنين الخامس والسادس للميلاد متصلة بالدول ~~الأجنبية المجاورة لها، فكانت أطرافها من جهة الشام متصلة بدولة البيزنطيين، ونشأ ~~عن هذا الاتصال أن نظمت علاقات سياسية بين أمراء الغسانيين وقياصرة قسطنطينية، ~~أشبه بعلاقات الحماية في هذا العصر الحديث، وأي شيء الآن إمارة شرقي الأردن؟ هي ~~إمارة الغسانيين القدماء، فيها مدن لها حظ ضئيل من الحضارة، وفيها بادية قوية ~~غنية، وعلى رأسها أمير كان غسانيا قبل الإسلام وهو هاشمي الآن، وهذه الإمارة ~~كانت خاضعة لحماية قسطنطينية قبل الإسلام وهي الآن خاضعة لحماية لندرة، وأطراف ~~الجزيرة من ناحية العراق كانت متصلة بالفرس تقوم فيها إمارة عربية يحميها أكاسرة ~~الفرس وتحافظ هي على حدود الدولة الساسانية من غارة البدو، وهي الآن تقوم فيها ~~مملكة عربية ليس على رأسها لخمي كما كانت الحال من قبل بل هاشمي، وليس يحميها ~~الفرس وإنما يحميها الإنجليز، وبلاد اليمن وما يتصل بها من الأقاليم الجنوبية في ~~الجزيرة كانت في القرنين الخامس والسادس موضع النزاع بين الفرس والروم، وكانت تخضع ~~للروم بواسطة الحبشة أو تخضع للفرس مباشرة أو تظفر باستقلال ضئيل يظل موضع النزاع ms029 ~~بين أولئك وهؤلاء، وهي الآن كما كانت من قبل، بعضها خاضع لسلطان الإنجليز مباشرة ~~على الساحل، وبعضها مستقل ولكنه موضع النزاع والتنافس بين القوة الإنجليزية والقوة ~~الإيطالية. # تغيرت أسماء الدول الحامية لأطراف الجزيرة أو الطامعة فيها وتغيرت بعض الشيء أشكال ~~الحماية والطمع، ولكن طبيعة الأشياء لم تتغير وأسباب الحماية والطمع لم تتغير؛ ~~فالدول الأجنبية تحمي أطراف جزيرة العرب، إما خوفا من البدو وإما رغبة في بسط ~~النفوذ التجاري وإما للأمرين جميعا، وطريقة العرب أنفسهم في فهم العلاقة بينهم ~~وبين الأجانب لم تتغير، هي في القرن العشرين كما كانت في القرنين الخامس والسادس ~~تقوم على الحاجة إلى المال والخوف من القوة، فأي الأجانب المجاورين للجزيرة كان ~~أشد قوة وأكثر مالا فهو صاحب النفوذ عند هؤلاء الناس. # أما قلب الجزيرة وداخليتها فلم يتغير كذلك إلا قليلا، بادية مستقلة استقلالا ~~تاما تظهر الخضوع والطاعة لأمراء الحضر، رغبة أو رهبة أو خوفا وطمعا، فليس ~~هناك فرق بين إمام صنعاء في اليمن وبين ملك من ملوك حمير في العصر القديم له سلطته ~~المركزية في الحضر، ولكن أصحاب البادية مستقلون لا يخضعون له إلا بمقدار ما ~~يخافونه أو يطمعون في عطائه، ومثل هذا في نجد وتهامة والحجاز. ~~••• # هذه إحدى الصورتين اللتين أشرت إليهما في أول هذا الفصل، أما الصورة الثانية فتمثل ~~بلاد العرب من حيث إنها وحدة متشابهة من بعض الوجوه، فالدين الرسمي لهذه البلاد هو ~~الإسلام، واللغة الرسمية لهذه البلاد هي لغة القرآن، والحضارة الرسمية في هذه ~~البلاد هي الحضارة الإسلامية القديمة، وإذن فمهما يختلف سكان الجزيرة العربية في ~~موطنهم الجغرافي وفي نظامهم السياسي وفي مذهبهم الديني وفي علاقتهم بالأجانب وفي ~~لهجاتهم الخاصة فهم جميعا مسلمون وهم جميعا يكتبون لغة القرآن إذا كتبوا، ~~ويفكرون ويعيشون على نحو ما كان يفكر ويعيش المسلم قبل أن تتوثق الصلة بينه وبين ~~الأوروبيين والأمريكيين. # ومن هذه الناحية يستطيع الباحث عن الآداب في البلاد العربية أن يتحدث عنها في مقال ~~واحد كأنه يتحدث عن شعب واحد، على أن من الحق ms030 عليه أن يلاحظ الظروف الخاصة التي ~~تحيط ببعض الأقاليم فتجعل في آدابه صفات ليست في غيرها من آداب الأقاليم الأخرى، ~~ولكن الكلام عن الأدب في جزيرة العرب يحتاج إلى أن تحل مسألة عزلته قبل الشروع ~~فيه؛ ذلك أن بلاد العرب هي مهد الأدب القديم، وفي شماليها ووسطها ظهر الشعر ~~الجاهلي، وفي الحجاز ظهر القرآن ومن الحجاز ونجد وتهامة انتشرت اللغة العربية وما ~~كانت تحمل من أدب ودين إلى بلاد الشرق الأدنى، فغمرت أكثره وظلت موطنا للأدب ~~الخالص طول القرن الأول للهجرة، فكبار الشعراء في العصر الأموي جميعا من البادية ~~أو من حواضر الحجاز ونجد. # ومع أن العراق قد عظم شأنه جدا في العصر العباسي ونبغ فيه جماعة من الشعراء - ~~منهم من أصله فارسي ومنهم من أصله من هذه الأخلاط السامية التي كانت تنتشر في ~~العراق والجزيرة والشام - فقد ظل في البادية شعراء ممتازون كانوا يفدون على ~~الخلفاء والوزراء في بغداد إلى أواخر القرن الثالث للهجرة، ثم انقطعت الصلة ~~الأدبية، أو كادت تنقطع بين جزيرة العرب وبلاد الشرق العربي، وعادت الجزيرة ~~العربية إلى ما كانت فيه قبل الإسلام من عزلة تامة في الأدب، وشديدة في السياسة ~~وغيرها من مظاهر الحياة. # فما سبب هذه العزلة التي نشأ عنها أن أصبحت هذه البلاد - التي كانت مصدر النور ~~للشرق الإسلامي كله - موطن الجهل والظلمة؟ وأصبحت هذه البلاد - التي كانت مهد ~~اللغة العربية والأدب العربي - أقل البلاد حظا من الامتياز في الأدب واللغة ~~والدين فضلا عن العلوم الأخرى؟ # ليس الجواب على هذا السؤال عسيرا، فقد كانت الدولة الأموية عربية خالصة، وكان ~~خلفاء بني أمية ينظرون إلى جزيرة العرب نظرا خاصا؛ لأنها موطن الأرستقراطية ~~الحاكمة من جهة، ولأنها موطن الأمة التي يستمد منها الجند من جهة أخرى، فليس ~~غريبا إذن أن تكون الجزيرة العربية أشد بلاد الإسلام امتيازا في ذلك الوقت. كانت ~~موطن الرءوس المفكرة وموطن الأيدي العاملة في إقامة الدولة، كانت حاكمة وكان غيرها ~~من البلاد محكوما، فلما قامت الدولة العباسية تغير كل شيء لأن ms031 هذه الدولة قامت ~~على أكتاف الفرس وتدبيرهم، فقامت خراسان مقام جزيرة العرب وأصبحت هي التي تمد ~~الدولة بالرءوس المفكرة، بالوزراء ورجال القصر وبالأيدي العاملة بالجيش وعمال ~~الدواوين، وقد أقصي العرب شيئا فشيئا عن الجيش والدواوين. # ولم تكن بلاد العرب تشبه في الخصب والغنى بقية البلاد الإسلامية فأهملتها الدولة ~~ويئست هي من الخلافة، ولم تكن المواصلات بينها وبين عاصمة الخلافة منظمة ولا سهلة، ~~فليس عجيبا أن تضعف العلاقة بينها وبين مركز الحكومة الإسلامية في بغداد شيئا ~~فشيئا حتى انقطعت انقطاعا تاما. أضف إلى ذلك أن تغلب الفرس والترك على بغداد ~~لم يكن من شأنه أن يحتفظ بالعلاقة بين جزيرة العرب نفسها ومواطن الحضارة ~~الإسلامية، وأن جزيرة العرب نفسها لم تكن من الغنى والثروة بحيث تستطيع أن تعيش ~~لحسابها وتحتفظ بحظها من الحياة الأدبية الراقية، ومن الحضارة التي جلبت إليها ~~جلبا أيام الأمويين؛ لهذا كله انسحبت الجزيرة - إن صح هذا التعبير - من الحياة ~~الإسلامية العامة، فأما باديتها فعادت إلى جاهليتها قليلا قليلا، وأما حواضرها ~~فاحتفظت بشيء ضئيل تقليدي من الحضارة والأدب والعلم، ولولا أن البلاد المقدسة في ~~الجزيرة العربية، وأن المسلمين يحجون إلى مكة والمدينة في كل عام، وأن لليمن أهمية ~~خاصة في التجارة أثناء القرون الوسطى، لأهملت هذه البلاد إهمالا تاما ولنسيها ~~تاريخ المسلمين. # نشأت عن هذه العزلة آثار سيئة جدا في حياة الآداب واللغة العربية عامة، وفي حياة ~~اللغة والآداب في جزيرة العرب نفسها بنوع خاص؛ فقد كان اتصال العالم الإسلامي ~~بجزيرة العرب في القرون الأولى للتاريخ الإسلامي يبعث في الآداب العربية في العراق ~~والشام ومصر روحا من البداوة وحياة الصحراء يمنحها شيئا من القوة والجزالة في ~~الألفاظ والأساليب والمعاني أحيانا، فلما انقطعت هذه الصلة أمعن هذا الأدب العربي ~~في الحضارة والترف وفقد روحه العربي الخالص شيئا فشيئا حتى استحال آخر الأمر ~~إلى جسم لا تكاد تمشي فيه الحياة؛ فسدت ألفاظه فكثرت فيها العجمة، وفسدت معانيه ~~لإسراف الشعراء والكتاب في التدقيق، وفسدت أساليبه فظهرت فيها الركاكة ~~والغموض. # وكانت جزيرة العرب ms032 في تلك القرون الأولى تستفيد من هذا الاتصال، فكان وفود الأعراب ~~إلى حواضر العراق والشام ووفود أهل الحضر إلى مدن الحجاز ونجد، يثير في نفوس ~~الأعراب معاني ما كانت لتثور في نفوسهم لو ظلوا في عزلتهم الأولى، ويكفي أن يلاحظ ~~أن الغزل الحجازي - وهو أجمل ما قيل في الإسلام من غزل - إنما هو نتيجة لتبادل ~~الصلات بين جزيرة العرب وحواضر العراق والشام ومصر، على أن العلم نفسه قد خسر بهذه ~~العزلة خسارة لا سبيل إلى تعويضها بحال من الأحوال، فمن المحقق أن أعراب الحجاز لم ~~ينصرفوا عن الإنتاج الأدبي بمجرد أن انقطعت الصلة بينهم وبين مراكز الحضارة ~~الإسلامية، بل كان فيهم الشعراء والخطباء والقصاص والرواة، ولكن شعرهم وقصصهم ~~وآثارهم الأدبية بوجه عام لم تكن تنقل إلى مدارس البصرة والكوفة وبغداد وتدرس ~~فيها كما كانت الحال في القرون الأولى، ولم تكن تدون في البادية وإنما كانت ~~تحفظها الذاكرة عشرات السنين ثم يذهب بها صوت الرواة والحفاظ وتنتثر في الصحراء ~~كما تنتثر الرمال بتأثير الرياح. # وعلى هذا أخذت اللغة العربية وآدابها في الجزيرة تتغير وينالها التطور من حين إلى ~~حين دون أن يدون هذا التطور أو يسجل، وأصبح من المستحيل الآن أن نعرف الصلة ~~الحقيقية بين اللهجات العربية في الجزيرة الآن وبين اللهجات التي كانت فيها أثناء ~~القرون الثلاثة الأولى. # على أن العلاقات لم تنقطع بين بلاد العرب وبين البلاد الإسلامية الأخرى من كل وجه، ~~فقد كان المسلمون يحجون في كل سنة كما قدمت، وكان مركز اليمن التجاري يهم بلاد ~~البحر الأبيض المتوسط دائما؛ ولذلك لم تكد تفسد العلاقة بين الجزيرة وبغداد حتى ~~قامت مقامها علاقات أخرى بين الجزيرة والقاهرة وحرصت القاهرة منذ أيام الفاطميين ~~على أن يكون نفوذها عظيما جدا في الحجاز واليمن بنوع خاص، ولكن هذه العلاقات ~~كانت سياسية دينية أكثر مما كانت أدبية علمية، والذين يريدون أن يتتبعوا تاريخ ~~الأدب العربي داخل الجزيرة يستطيعون أن يظفروا بشيء من ذلك في مدن الحجاز واليمن، ~~وذلك بفضل هذه العلاقة بين القطرين ms033 وبين مصر، وبفضل المكانة الدينية لمكة ~~والمدينة. # أما نجد فإن حياته الأدبية قد ضاعت ضياعا تاما إلى أواخر القرن الثامن عشر ~~تقريبا. ~~••• # وعلى كل حال فإن في الجزيرة العربية أدبين مختلفين: أحدهما شعبي يتخذ لغة الشعب ~~أداة للتعبير لا في جزيرة العرب وحدها بل في البوادي العربية كلها؛ في الشام ومصر ~~وإفريقيا الشمالية، وهذا الأدب - وإن فسدت لغته - حي قوي له قيمته الممتازة من حيث ~~إنه مرآة صافية لحياة الأعراب. # باديتهم، وهو في موضوعاته ومعانيه وأساليبه مشبه كل الشبه للأدب العربي القديم الذي ~~كان ينشأ في العصر الجاهلي وفي القرون الأولى للتاريخ الإسلامي؛ ذلك لأن حياة ~~العرب في البادية لم تتغير بحال من الأحوال، فحياة القبيلة الاجتماعية والسياسية ~~والمادية الآن كما كانت منذ ثلاثة عشر قرنا، فطبيعي إذن أن يكون الشعر المصور ~~لهذه الحياة كالشعر الذي يصور الحياة القديمة وأن يكون موضوعه ما يقع بين القبائل ~~من حروب ومخاصمات تدعو إلى الفخر والمدح والهجاء والرثاء، وما يثور في نفس الأفراد ~~من أنواع الآلام واللذات التي تدعو إلى الغناء بالشكوى حينا والحب حينا آخر ~~والعتاب مرة ثالثة. والقصيدة العربية الشعبية الآن كالقصيدة العربية القديمة تبدأ ~~بالغزل القليل البسيط المؤثر، ثم تنتقل إلى وصف الإبل والصحراء فتطيل في ذلك ثم ~~تصل إلى غرضها من مدح أو فخر أو غيرهما من فنون الشعر، ومثل ذلك يقال في الخطابة، ~~فالبدوي الآن فصيح كالبدوي القديم، حلو الحديث محب للسمر والقصص إذا اطمأن ~~واستراح، خطيب بليغ إذا كان بينه وبين غيره خصومة أو جدال، وهذا الأدب العربي ~~الشعبي يرويه في البادية جماعة من الرواة يتوارثونه عن آبائهم ويورثونه لأبنائهم ~~ويكسبون بروايته حياتهم المادية ومكانتهم الممتازة أحيانا، ولسوء الحظ لا يعنى ~~العلماء في الشرق العربي بهذا الأدب الشعبي عناية ما؛ لأن لغته بعيدة عن لغة ~~القرآن، وأدباء المسلمين لم يستطيعوا بعد أن ينظروا إلى الأدب على أنه غاية تطلب ~~لنفسها وإنما الأدب عندهم وسيلة إلى الدين. # أما الأدب الآخر فهو أدب تقليدي لا يكاد يوجد في البادية ms034 وإنما مركزه الحواضر عادة ، ~~وهو أدب قد اتخذ لغة القرآن أداة للتعبير، وإذا كان الأدب الشعبي مصورا للحياة ~~العربية البدوية تصويرا صادقا ممتازا فإن الأدب التقليدي بعيد كل البعد عن هذا ~~التصوير؛ ذلك لأنه متكلف مصنوع لا صلة بينه وبين الطبيعة الحرة، فهو لا يعكس ما ~~يحسه الشعراء والكتاب، وإنما يمثل ما يريد الشعراء والكتاب أن يضعوه فيه. حظ ~~النفاق فيه أكثر من حظ الصراحة، ثم هو تقليدي لا يصدر فيه أصحابه عن أنفسهم وإنما ~~يقلدون فيه أهل الحواضر من المصريين والسوريين والعراقيين، كذلك كان أدباء المدن ~~في جزيرة العرب طول القرون الوسطى وكذلك هم الآن، ونستطيع أن نؤكد أن أهل الحجاز ~~يستمدون أدبهم التقليدي من مصر والشام بنوع خاص، وقد يتأثرون بغير المصريين ~~والسوريين من الذين يفدون عليهم للحج ولكن كتبهم التي يدرسونها في مكة والمدينة من ~~الكتب التي يدرسها المصريون في الأزهر، وشعرهم الذي يقرءونه أو يحفظونه هو الشعر ~~الذي يقرأ ويدرس في مصر والشام، فهم إن أرادوا أن يكتبوا في العلوم الدينية ~~قلدوا المصريين كما أنهم يقلدونهم في الدرس، وهم إن أرادوا أن ينظموا الشعر قلدوا ~~المصريين والسوريين. ~~••• # أما أهل اليمن فليس تأثرهم بمصر أقل من تأثر الحجازيين، وإن كان لهم مذهبهم الديني ~~الخاص، فهم على كل حال يذهبون مذهب المصريين في درس العلوم الدينية واللغوية. هم ~~تلاميذ الأزهر يفدون عليه فيتعلمون ثم يعودون إلى بلادهم فيعلمون، والغريب أنهم لا ~~يزالون يدرسون العلوم الرياضية والطبيعية على نحو ما كانت تدرس في الأزهر قبل ~~أن يمسه التجديد في أوائل هذا القرن، فالفلك والحساب والمساحة والهندسة والطبيعة؛ ~~كل ذلك يدرس في الأزهر وغيره من المعاهد الإسلامية قبل أن تتأثر بالحضارة ~~الأوروبية الحديثة، ولليمن شعر ولكنه تقليدي كشعر الحجاز يذهب فيه أصحابه مذهب ~~المصريين قبل أن يرتقي الشعر المصري، وأنت تكلف نفسك مشقة شديدة إن أردت أن تلتمس ~~في اليمن أو الحجاز الآن شعرا له قيمة فنية حقيقية، إنما هي ألفاظ مرصوفة يكثر ~~فيها البديع وتدور حول معان تافهة، وما ms035 رأيك في أربعة أو خمسة من الشعراء يضيعون ~~وقتهم في صنعاء في نظم القصائد الطويلة الركيكة حول هذا المعنى وهو: «أي الأمرين ~~خير: قرب الروح من الروح أم قرب الجسم من الجسم؟» # وقل مثل هذا في مدح الحجازيين واليمانيين ورثائهم وهجائهم وغزلهم؛ كلام لا طائل ~~تحته ولا غناء فيه، صورة صحيحة لما كان يقال في مصر والشام قبل خمسين سنة. # أما شرقي البلاد العربية فتأثره بالعراق أشد من تأثره بمصر والشام، ففي بعض القرى ~~في أطراف الجزيرة مما يلي العراق شعراء، وفيها أيضا علماء في اللغة والدين، وهم ~~تلاميذ العلماء والشعراء الذين يظهرون في بغداد والبصرة، ولم يكن أهل العراق أحسن ~~حالا من السوريين والمصريين أيام السلطان التركي فليس غريبا أن يكون تلاميذهم في ~~أطراف الجزيرة العربية وفي نجد مقلدين متكلفين، وإنه لمما يضحك أن تقرأ طائفة من ~~الشعر رواها الألوسي لجماعة من شعراء نجد يصفون بها عينا ينبع منها الماء الحار ~~هناك ويختلف الناس إليها للاستشفاء. لا تجد في ذلك الكلام المنظوم فنا ولا ~~شعورا بالجمال ولا تصويرا له ولا شيئا يبعث في نفسك اللذة الفنية وإنما هي ~~ألفاظ سقيمة ثقيلة قد زادها النظم السيئ فسادا ورداءة. # هذه كانت حال الأدب في بلاد العرب إلى وقت قريب جدا إلى ما بعد الحرب الكبرى؛ ~~تقليد شديد عقيم للمصريين والسوريين والعراقيين في علوم الدين واللغة وفي ~~الأدب. # ولكن حركة التجديد العلمي والأدبي ظهرت في مصر والشام والعراق منذ القرن الماضي ~~واشتدت جدا في هذا القرن ولا سيما بعد الحرب بفضل هذا الاختلاط العنيف الذي ~~يزداد كل يوم بين الشرق والغرب، فتأثر كل شيء بحركة التجديد هذه في الشرق حتى ~~الأزهر نفسه، ولم يكن بد من أن يصل أثر هذه الحركة إلى بلاد العرب لأن الحرب ~~الكبرى هزتها كما هزت غيرها من البلاد، ولأنها اتصلت بالأوروبيين اتصالا مباشرا ~~شديدا بعد الحرب ولأن العلاقات كثرت جدا بينها وبين الشرق العربي، وكما أنها ~~كانت تقلد هذه البلاد فيما كان عندها من أدب القرون الوسطى ms036 فلا بد لها من تقليدها ~~في أدبها الحديث. ~~••• # على أن الباحث عن الحياة العقلية والأدبية في جزيرة العرب لا يستطيع أن يهمل حركة ~~عنيفة نشأت فيها أثناء القرن الثامن عشر فلفتت إليها العالم الحديث في الشرق ~~والغرب واضطرته أن يهتم بأمرها، وأحدثت فيها آثارا خطيرة هان شأنها بعض الشيء، ~~ولكنه عاد فاشتد في هذه الأيام وأخذ يؤثر لا في الجزيرة وحدها بل في علاقاتها ~~بالأمم الأوروبية أيضا؛ هذه الحركة هي حركة الوهابيين التي أحدثها محمد بن عبد ~~الوهاب، شيخ من شيوخ نجد. # نشأ محمد بن عبد الوهاب في بيت علم وفقه وقضاء، تثقف على أبيه ثم رحل إلى العراق ~~فسمع من علماء البصرة وفقهائها وأظهر فيها آراءه الجديدة القديمة معا، فسخط عليه ~~الناس وأخرج من البصرة، وكان يريد أن يذهب إلى الشام فحال الفقر بينه وبين ~~ذلك؛ فعاد إلى نجد وأقام مع أبيه حينا يناظر ويدعو إلى آرائه حتى ظهر أمره وانتشر ~~مذهبه. # وانقسم الناس فيه قسمين: فكان له الأنصار وكان له الخصوم، وتعرضت حياته آخر الأمر ~~للخطر، فأخذ يعرض نفسه على الأمراء ورؤساء العشائر ليجيروه ويحموا دعوته حتى انتهى ~~به الأمر إلى قرية الدرعية، وهناك عرض نفسه على أميرها محمد بن سعود فأجاره وبايعه ~~على المعونة والنصرة، ومن ذلك اليوم أصبح المذهب الجديد مذهبا رسميا يعتمد على ~~قوة سياسية تؤيده وتحميه، بل تنشره في أقطار نجد بالدعوة اللينة حينا وبالسيف ~~والحرب في أكثر الأحيان، وعن هذا التحالف بين الدين والسياسة نشأت في الجزيرة ~~العربية دولة سياسية عظم أمرها واشتد خطرها حتى أشفق منها الترك أشد الإشفاق، ~~فقاوموها ما وسعتهم المقاومة، فلما لم يفلحوا استعانوا بالمصريين وكان أمرهم إذ ~~ذاك إلى محمد علي الكبير، فنجح المصريون في إضعاف هذه الحركة وإزالة هذه الدولة ~~الجديدة ورد أمرائها إلى ما كانوا عليه قبل ذلك من التواضع، فلا بد من وقفة قصيرة ~~عند هذا المذهب الجديد لتعرف ما هو، وما مبلغ تأثيره في الحياة العقلية العربية في ~~هذا العصر الحديث. # قلت: إن هذا ms037 المذهب جديد قديم معا ، والواقع أنه جديد بالنسبة إلى المعاصرين ولكنه ~~قديم في حقيقة الأمر لأنه ليس إلا الدعوة القوية إلى الإسلام الخالص النقي المطهر ~~من كل شوائب الشرك والوثنية، هو الدعوة إلى الإسلام كما جاء به النبي خالصا لله ~~وحده ملغيا لكل واسطة بين الله وبين الناس، هو إحياء للإسلام العربي وتطهير له ~~مما أصابه من نتائج الجهل ومن نتائج الاختلاط بغير العرب، فقد أنكر محمد بن عبد ~~الوهاب على أهل نجد ما كانوا قد عادوا إليه من جاهلية في العقيدة والسيرة، كانوا ~~يعظمون القبور ويتخذون بعض الموتى شفعاء عند الله ويعظمون الأشجار والأحجار ويرون ~~أن لها من القوة ما ينفع وما يضر، وكانوا قد عادوا في سيرتهم إلى حياة العرب ~~الجاهليين فعاشوا من الغزو والحرب ونسوا الزكاة والصلاة وأصبح الدين اسما لا مسمى ~~له، فأراد محمد بن عبد الوهاب أن يجعل من هؤلاء الأعراب الجفاة المشركين قوما ~~مسلمين حقا على نحو ما فعل النبي بأهل الحجاز منذ أكثر من أحد عشر قرنا. # ومن الغريب أن ظهور هذا المذهب الجديد في نجد قد أحاطت به ظروف تذكر بظهور الإسلام ~~في الحجاز، فقد دعا صاحبه إليه باللين أول الأمر فتبعه بعض الناس، ثم أظهر دعوته ~~فأصابه الاضطراب وتعرض للخطر، ثم أخذ يعرض نفسه على الأمراء ورؤساء العشائر كما ~~عرض النبي نفسه على القبائل، ثم هاجر إلى الدرعية وبايعه أهلها على النصر، كما ~~هاجر النبي إلى المدينة، ولكن ابن عبد الوهاب لم يرد أن يشتغل بأمور الدنيا فترك ~~السياسة لابن سعود واشتغل هو بالعلم والدين واتخذ السياسة وأصحابها أداة لدعوته، ~~فلما تم له هذا أخذ يدعو الناس إلى مذهبه، فمن أجاب منهم قبل منه، ومن امتنع ~~عليه أغرى به السيف وشغب عليه الحرب، وقد انقاد أهل نجد لهذا المذهب وأخلصوا له ~~الطاعة وضحوا بحياتهم في سبيله على نحو ما انقاد العرب للنبي وهاجروا معه. # ولولا أن الترك والمصريين اجتمعوا على حرب هذا المذهب وحاربوه في داره بقوى وأسلحة ~~لا عهد لأهل ms038 البادية بها لكان من المرجو جدا أن يوحد هذا المذهب كلمة العرب في ~~القرن الثاني عشر والثالث عشر للهجرة، كما وحد ظهور الإسلام كلمتهم في القرن ~~الأول، ولكن الذي يعنينا من هذا المذهب أثره في الحياة العقلية والأدبية عند ~~العرب، وقد كان هذا الأثر عظيما خطيرا من نواح مختلفة، فهو قد أيقظ النفس ~~العربية ووضع أمامها مثلا أعلى أحبته وجاهدت في سبيله بالسيف والقلم واللسان، وهو ~~قد لفت المسلمين جميعا وأهل العراق والشام ومصر بنوع خاص إلى جزيرة العرب. # فبينما كان الترك والمصريون يحاربون الوهابيين كان أنصار القديم من علماء العراق، ~~سواء منهم أهل السنة والشيعة يردون على هذا المذهب ويكفرون أصحابه، وكان الوهابيون ~~يناضلون عن مذهبهم، وكان أولئك وهؤلاء يقرءون كتب السلف في التفسير والحديث ~~والتوحيد والفقه يلتمسون الأدلة على آرائهم، وكان أولئك وهؤلاء ينشرون الرسائل ~~والكتب التي يجمعونها، كما أخذوا ينشرون الكتب القديمة التي يرجع إليها في التماس ~~الأدلة والبراهين، وكذلك عادت الحياة القوية إلى مذهب أحمد بن حنبل الذي تبعه ~~النجديون، ونشرت كتب ورسائل كثيرة لابن تيمية وابن القيم، واستفاد العالم العربي ~~كله من هذه الحركة العقلية الجديدة، وليس من شك عندي في أن هذه الحركة نفسها قد ~~أيقظت أهل اليمن أيضا، فنهضوا يدفعون عن مذهبهم الزيدي؛ ينشرون كتبهم القديمة ~~ويؤلفون كتبا جديدة في الفقه والتوحيد والحديث، وما زالت مطابع القاهرة إلى الآن ~~تطبع الكتب المختلفة لحساب الوهابيين من أهل نجد والزيديين من أهل اليمن. ~~••• # وفي أثناء هذه الحركة العنيفة ظهر حول الأمراء المجاهدين من أهل نجد جماعة من ~~الشعراء أخذوا يفتخرون بانتصارهم في المواقع ويعتذرون عما يصيبهم من الهزيمة، وليس ~~من الممكن أن يقال إنهم جددوا في الشعر وأحدثوا فيه ما لم يكن، ولكنهم على كل حال ~~عادوا به إلى الأسلوب القديم وأسمعونا في القرن الثاني عشر والثالث عشر في لغة ~~عربية فصيحة هذه النغمة العربية الحلوة التي لم تكن تسمع من قبل. هذه النغمة ~~التي لا يقلد صاحبها فيها أهل الحضر ولا يتكلف فيها البديع ms039 وإنما يبعثها حرة ~~ويحملها كل ما تجيش به نفسه من عزة وطموح إلى المثل الأعلى ورغبة قوية في إحياء ~~المجد القديم. # نجح المصريون في إخماد هذه الثورة الوهابية، أو قد نجحوا في إفساد هذه النهضة ~~ولكنهم لم يقتلوها؛ أضعفوا سلطانها السياسي ولكن سلطانهم هم السياسي قد أضعفته ~~أوروبا بمعاهدة سنة 1840، وعجز الترك عن أن يحكموا قلب الجزيرة العربية؛ فاستراح ~~الوهابيون وأسوا جراحهم واستأنفوا قوتهم ونشاطهم ومضت نهضتهم الدينية في سبيلها، ~~ثم تبعتها في هذه الأيام نهضة سياسية بسطت سلطانهم على نجد كله وعلى الحجاز كله ~~وأعادت لهم المثل الأعلى وهو توحيد الكلمة العربية، ولكن بلوغ هذه الغاية الآن ليس ~~من السهولة واليسر بحيث كان أوائل القرن التاسع عشر، فقد استيقظ الشعور القومي في ~~البلاد العربية كلها وأحاطت بجزيرة العرب من جميع أطرافها قوة ليس فيها ما كان في ~~القوة التركية من الضعف والفساد والاضطراب والفقر وهي قوة الإنجليز، وليس الذي ~~يعنينا هو المستقبل السياسي لهذه البلاد وإنما الذي يعنينا هو المستقبل الأدبي، ~~ومن المحقق أن هذا المستقبل الأدبي سيكون باهرا في يوم من الأيام، قريب أو ~~بعيد. # جمع ملك الوهابيين الآن جزءا عظيما جدا من الجزيرة العربية ولم يبق سبيل إلى ~~أن يظل الوهابيون وغيرهم من ملوك العرب وأمرائهم بمعزل عن الحياة العالمية العامة ~~كما كانوا من قبل، بل هم مضطرون إلى أن يتصلوا بالممالك الإسلامية والأوروبية ~~اتصالا سياسيا واقتصاديا منظما، وقد بدأوا ينظمون هذا الاتصال بالفعل؛ ~~فللوهابيين وزير مفوض في لوندرة، وملك الوهابيين على اتصال مستمر بممثلي الإنجليز ~~في عدن، وقد بدأ الإيطاليون يدورون حولهم، وهناك صلات أخرى ربما كانت أشد وأسرع ~~تأثيرا من هذه الصلات السياسية والاقتصادية وهي الصلة العقلية التي تحدثها الصحف ~~والمجلات، والكتب تطبع الآن بكثرة في مصر وفلسطين والشام والعراق وأمريكا، وكلها ~~أو كثير منها يصل إلى كثيرين من أهل الجزيرة العربية، وهم يقرءون فيفهمون أحيانا ~~ويعجزهم الفهم أحيانا أخرى، ولكنهم يعجبون على كل حال، والإعجاب أول التقليد، ~~والتقليد أول الإنتاج الفني. # وقد بدأت بشائر ms040 الحياة الجديدة ظاهرة جلية ، ففي مكة صحيفة تنطق بلسان الحكومة وتنشر ~~أدبا وسياسة على نحو ما كانت تفعل الجريدة الرسمية أول الأمر، كانت القبلة أيام ~~ملك الهاشميين وهي الآن تسمى أم القرى، وكانت في مكة مجلة الإصلاح، وفي مكة مطابع، ~~وفي مكة أيضا وغيرها من مدن الحجاز مدارس مدنية على نحو المدارس المصرية ~~الابتدائية تدرس فيها أوليات العلم درسا حديثا وتعلم فيها بعض اللغات الأوروبية، ~~كل هذا إلى جانب التعليم الديني القديم، وأغرب من هذا أن دعوة إلى التجديد الفكري ~~والأدبي قد ظهرت في الحجاز منذ أعوام بتأثير ما يكتبه المصريون والسوريون، وهذه ~~الدعوة عنيفة جدا فهي ساخطة أشد السخط على كل قديم في الحجاز؛ على التعليم ~~الديني والأدبي وعلى نظام الحكم وعلى الحياة الاجتماعية، وقوام هذه الدعوة أن ~~الحجاز يجب أن يحيا حياة الأوطان الحرة المستقلة وأن يحتفظ من قديمه بالدين واللغة ~~ويأخذ عن الأوروبيين بعد ذلك ما استطاع، وأن يستفيد من إقبال المسلمين عليه للحج ~~فلا يفنى هو في المسلمين، وأن يعنى أهله أشد العناية بالتعليم المدني وباللغتين ~~الإنجليزية والفرنسية لأن إحداهما لغة الاقتصاد والتجارة والأخرى لغة العلم ~~والأدب. # وقد بدأ الحجاز بالفعل يرسل شبابه إلى مصر ليدرسوا فيها العلم على نحو ما يدرسه ~~المصريون، وأصحاب الدعوة إلى التجديد لا يكتفون بهذا بل يريدون أن يبعثوا أبناء ~~الحجاز إلى باريس ولندرة، وقد بدأ الحجازيون المجددون ينشئون الشعر والنثر على ~~مذهبهم الجديد ولكنهم لم يوفقوا بعد إلى أن يكونوا للحجاز شخصية أدبية، إنما ~~هم تلاميذ السوريين، والسوريين المهاجرين إلى أمريكا بنوع خاص، فمثلهم العليا في ~~الأدب يلتمسونها عند الريحاني وجبران خليل جبران ومن إليهما. ~~••• # ومع إسراف النجديين في المحافظة، بحكم مذهبهم الوهابي، فلن يستطيعوا مقاومة الحركة ~~التجديدية التي تأتيهم من العراق ومصر، وبين يدي الآن طائفة من القصائد غير قليلة ~~أنشأها جماعة من الشعراء النجديين في مدح الملك عبد العزيز بن سعود، والذي يقرأ ~~هذه القصائد يجد فيها تأثيرا ظاهرا جدا للروح العراقي الذي يتجلى في شعر جميل ~~الزهاوي ms041 ومعروف الرصافي وعبد المحسن الكاظمي، والروح المصري الذي يتجلى في شعر ~~حافظ وشوقي، ولكن للشعر النجدي الجديد شخصية تميزه من شعر العراق ومصر، فهو على ~~تأثره بالشعراء المحدثين محافظ في لغته محافظة غريبة، يتخير القوافي الصعبة ويطيل ~~فيها ويكثر منها ويسرف في الألفاظ الغريبة البدوية كأنه يلتمسها من المعاجم، وكأنه ~~يأخذها من لغة البادية النجدية التي هي في مادتها على كل حال لغة الشعر العربي ~~القديم، وقلما يستطيع الشعراء النجديون أن يتتبعوا شعراء العراق في تأثرهم بفلسفة ~~المعري والخيام، أو بالنزعات الأوروبية الحديثة، أو يتتبعوا المصريين في تجديدهم ~~العنيف لألفاظ الشعر وأساليبه ومعانيه، وإنما هم معتدلون، وهم إلى إحياء الشعر ~~القديم أقرب منهم إلى إيجاد شعر جديد، وهم بدويون على كل حال، وهم ينشدون الملك في ~~شعرهم كما كان يفعل القدماء، ويجيزهم الملك على هذا الشعر بالإبل أحيانا وبالثياب ~~أحيانا أخرى وقلما يجيزهم بالذهب والفضة، وأهل نجد يختلفون إلى العراق كثيرا، ~~والعراقيون يصعدون إلى نجد، ولا بد من أن يعود الحال بين القطرين إلى ما كان عليه ~~أيام بني أمية من التعاون الأدبي القوي. # وفي تهامة وعسير حياة عقلية ولكنها ضئيلة جدا، وهي ممعنة في التصوف متأثرة في ذلك ~~بإفريقيا الشمالية، فقد نقل إليها الإدريسيون طريقة مغربية انتشرت فيها وظفرت ~~بالسلطان السياسي، ولكنها لم تحدث نهضة أدبية ولم تغير من حال الأدب شيئا. # أما اليمن فهي أشد البلاد العربية محافظة على قديم القرون الوسطى، يعنى أهلها ~~بعلوم الدين على طريقة الزيدية من الشيعة وينشرون الكتب الكثيرة في هذه العلوم ~~يطبعونها في مصر، ولهم شعر كثير ولكنه ما زال قديما متأثرا بالروح المصري الشامي ~~الذي كان منبعثا في الشعر قبل النهضة الحديثة، والشعر عندهم مختلط بعلوم الدين، ~~فقلما تجد منهم عالما دينيا إلا وله مشاركة في الشعر، وأكثر أئمتهم شعراء، ~~وإمامهم يحيى الآن يجيد الشعر على النحو القديم، ومن غريب أمر اليمن أنها ظلت طوال ~~القرون الوسطى أكثر البلاد العربية حظا من العلم والأدب في حواضرها، وكان يرجى ~~أن تكون أسرع ms042 البلاد العربية إلى الأخذ بأسباب الحياة الجديدة، ولكنها الآن ربما ~~كانت أشد البلاد الإسلامية كلها تمثيلا للحضارة القديمة والأدب القديم، وأهل ~~اليمن يفدون على مصر ولكنهم يفدون للتجارة أو لدرس العلم في الأزهر، وليس منهم من ~~يفكر في الاتصال بالمدارس الحديثة، وليس في صنعاء مدرسة وليس فيها مطبعة، ومصدر ~~ذلك - فيما يظهر - إشفاق أهل اليمن من الأجانب وإغلاقهم أبواب بلادهم في وجوه ~~الأجانب من المسلمين والأوروبيين جميعا، ولكن الحضارة الحديثة المادية قد استقرت ~~على سواحل اليمن ولا بد من أن تقتحم الأبواب المغلقة ولن تستطيع اليمن منذ الآن أن ~~تقاوم هذه الحضارة. ~~••• # وجملة القول أن جزيرة العرب الآن تشتمل على نوعين مختلفين من الحياة العقلية: ~~إحداهما محافظة قديمة لا تزال قوية بحكم الجهل وانتشار الأمية، والأخرى مجددة لا ~~تزال ناشئة بحكم الاتصال بأوروبا والبلاد الإسلامية الراقية، وسيشتد الصراع بين ~~هذين النوعين من الحياة، ولكن النصر محقق للحياة الجديدة لأن جزيرة العرب قد ~~فتحت للحضارة الأوروبية، ولن تستطيع أن تغلق أبوابها بعد اليوم في وجه هذه ~~الحضارة، وقد يقال إن جزيرة العرب قد فتحت للحضارة الإسلامية في القرون الأولى ~~ثم أغلقت من دونها فما الذي يمنع أن تفتح للحضارة الحديثة الآن ثم تغلق من دونها ~~بعد حين؟ والجواب على ذلك يسير سهل: فقد كانت الحضارة الإسلامية القديمة تدخل بلاد ~~العرب على ظهور الإبل وفي الكتب المخطوطة، أما الآن فهي تقتحم هذه البلاد ~~بالسيارات والبخار والتلغراف والتلفون والكتب المطبوعة والصحف والمجلات، وأنى ~~للبادية أن تقاوم هذه القوى المختلفة؟ المستقبل إذن للحياة الجديدة لجزيرة العرب، ~~وسيكون هذا المستقبل قريبا في بعض البلاد وبعيدا في بعضها الآخر، ولكنه سيكون ~~على كل حال. # | بول ڤاليري # يسميه الفرنسيون شاعر العقل، ونستطيع أن نسميه عقل الشعر؛ فهذا الوصفان يصورانه ~~أصدق تصوير، وكلا الوصفين يطابق صاحبه مطابقة دقيقة صادقة، والواقع أن حياة بول ~~ڤاليري قد كانت سباقا بينه وبين الأدب، يفر هو من الأدب ما وجد إلى الفرار ~~سبيلا، ويجد الأدب في طلبه ما وجد إلى الجد في ms043 طلبه سبيلا، وقد يضطر هذان ~~المتسابقان إلى أن يلتقيا، فإذا كان بينهما اللقاء بدأ بينهما حب عنيف ووصال شديد ~~القسوة قوامه الصراع المتصل، ثم ينكشف هذا الجهاد عن أثر من الآثار لا يستطيع ~~الإنسان أن يقول أي المصطرعين قد غلب صاحبه عليه، أهو الأدب الذي قهر بول ڤاليري ~~فأكرهه على أن يخرج للفرنسيين أروع ما عرفوا من الشعر وأبرع ما قرءوا من النثر، أم ~~هو بول ڤاليري الذي قهر الأدب واضطره إلى أن يذعن لسلطان العقل ويخضع لأصوله ~~الدقيقة ومناهجه الصارمة، ويخرج للفرنسيين حكمة مشرقة وفلسفة مضيئة قوامها الخير ~~في أبدع صوره، والحق في أكرم مظاهره، والجمال كأروع ما يكون الجمال. # وقد يظن القارئ أني أذهب بهذا الحديث مذهب التمثيل والمجاز المقارب أو المباعد ~~والافتنان في التعبير، ولكن الواقع في حياة بول ڤاليري ومن جهده العقلي والأدبي ~~يطابق هذه الصورة التي عرضتها عليك أدق المطابقة وأصدقها، فقد ولد بول ڤاليري سنة ~~1871 في مدينة ست ونشأ فيها وبدأ فيها درسه، حتى إذا بلغ الرابعة عشرة انتقل إلى ~~مونبلييه ليتم فيها درسه الثانوي، وكان أثناء هذا الدرس مزدريا لنظام الدراسة، ~~معرضا عن درس المعلمين، ناقدا لأساتذته، ساخرا مما يقولون، مؤثرا الاعتماد على ~~نفسه في تحصيل ما يحتاج إليه أو ما يميل إليه من العلم، وكان طموحا إلى العمل في ~~الأسطول ضابطا بحريا، ولكنه لم يظفر من العلوم الرياضية بما كان في حاجة إليه ~~ليدخل المدرسة البحرية؛ ولذلك أعرض عن البحر وعن الأسطول وعن الرياضة واكتفى ~~بدراسة الحقوق، ثم كانت الخدمة العسكرية حين أتم التاسعة عشرة من عمره في مدينة ~~مونبلييه أيضا، وفي هذا الوقت عرف شابين فرنسيين كان لهما حظ من البحر عظيم؛ ~~أحدهما بيير لويس، والآخر أندريه جيد. ولما فرغ من الخدمة العسكرية - وكان قد قرض ~~شيئا من الشعر - لم تعجبه الحياة الأدبية؛ فقرر الانصراف عنها والفراغ للحياة ~~العقلية الخالصة، وأنفق في هذه الحياة العقلية الخالصة أعواما، وأكبر الظن أنه ~~أخذ يقرأ آثار الفلاسفة القدماء والمحدثين، ويفكر فيما يقرأ ناقدا ms044 محللا ~~مستنبطا، وأكبر الظن أن السباق بينه وبين الأدب قد بدأ في ذلك الوقت؛ فهو كان قرض ~~شيئا من الشعر ونشره في بعض المجلات وظفر بشيء من الإعجاب، ولكنه أعرض عن الشعر ~~وفرغ للفلسفة، وإذا حياته العقلية التي فر إليها من الأدب تثير في نفسه خواطر لا ~~يجد بدا من تسجيلها، ولو استطاع لما سجلها ولا حفل بها، ولكن هذه الخواطر تلح ~~عليه وتلح، وتضطره إلى أن يقف عندها ويطيل الوقوف، ثم إلى أن يسجلها فيحسن ~~التسجيل، وهو يكتب آيته الرائعة «مسيو تست»، ومسيو تست هذا ليس إلا بول ڤاليري في ~~هذا الطور من حياته، حين شغف بالعقل وآثر أن ينحاز إليه ويقف نفسه على التفكير ~~فيه، وحين بهره ما رأى من حياة العقل فيما بينه وبين نفسه أولا وفيما بينه وبين ~~الحقائق الخارجية ثانيا، وقد اضطره هذا المشهد الرائع الذي استكشفه حين عكف على ~~نفسه إلى حياة داخلية قوية أشد القوة، إن صح هذا التعبير، فهو قد استكشف في ضميره ~~عالما أشد جمالا وأعظم روعة وأكثر دقة وتنوعا من العالم الخارجي الذي يعيش فيه، ~~فمنح عنايته كلها أو أكثرها لهذا العالم الداخلي، وعاش مع نفسه أكثر وقته، ولم ~~يصبح العالم الخارجي بالقياس إليه إلا وسيلة للعالم الداخلي يمنحها من العناية ~~أيسرها وأهونها شأنا، فهو يحيا بين الناس وكأنه لا يراهم، ويتحدث إليهم وكأنه ~~لا يسمعهم لأنه مشغول بهذا العالم الرائع البديع الذي يملأ نفسه من جميع أقطارها، ~~فحياته في العالم الخارجي آلية غافلة ذاهلة، ولكنه يمنح هذا العالم الخارجي في بعض ~~الأوقات النادرة لفتة من لفتاته، وإذا هو يلتهمه التهاما وينقض عليه كما ينقض ~~الوحش على فريسته، ثم لا يلبث أن ينصرف عنه إلى عالمه الخاص وكأنه لم يره ولم يلمم ~~به. # والمهم هو أن بول ڤاليري الذي فر من الأدب إلى الفلسفة لم يستطع أن يفلت من الأدب، ~~وإنما أدركه الأدب، وكان بينهما هذا الجهاد الذي انتهى بإنشاء هذا الكتاب الذي ~~سيظل شابا دائما وخصبا دائما وحافلا بما ms045 يملأ النفس إعجابا وبما يدفع العقل ~~إلى التفكير المتصل الذي لا يضيع في غير نفع ولا يذهب في غير غناء. # وفي هذا الكتاب الصغير القصير الحجم الكبير الطويل بقيمة ما فيه من فن وفلسفة، ظهرت ~~هذه الشخصية القوية التي عرفها المثقفون والمتأدبون لبول ڤاليري أثناء حياته كلها، ~~فإذا كان شخص بول ڤاليري يمتاز بشيء في حياته، وفيما أنتج من شعر ونثر، فإنما ~~يمتاز بهذا الصراع المتصل العنيف المتغلغل في كل شيء، المتناول لكل شيء، بين عقله ~~العظيم الرزين ذي المزاج المعتدل والبصيرة النافذة والقدرة على التجريد والنظر إلى ~~الأشياء من عل، وبين حسه الدقيق المرهف وشعوره الرقيق الحاد وذوقه المصفى المهذب، ~~ثم يمتاز بأن هذا الصراع ينتهي دائما إلى نوع من السلام الممتاز الرائع بين العقل ~~والحس والشعور والذوق، فأنت حين تشهد نتائج هذا الصراع إنما تشهد انسجاما غريبا ~~بديعا بين هذه العناصر كلها، قد أخذ من كل واحد منها بمقدار، ولاءم بين هذه ~~المقادير ملاءمة دقيقة إلى أبعد حدود الدقة، بحيث لا تستطيع أن تجد فيها عوجا ولا ~~أمتا ولا انحرافا، ومصدر هذا كله أن هذه الملكات التي يأتلف منها شخص بول ڤاليري ~~قد كانت قوية إلى أبعد غايات القوة، معتدلة مع ذلك إلى أقصى حدود الاعتدال، وكانت ~~إرادة بول ڤاليري متسلطة على هذه الكلمات تسلطا قوامه الحزم والعدل؛ فهي تلائم ~~بينها في صرامة وتقيم الأمر بينها بالقسطاس وتمنع بعضها أن يبغي على بعض، وما أعرف ~~أني قرأت لكاتب أو شاعر في لغة من اللغات التي استطعت أن أقرأ فيها، فوجدت هذا ~~الاعتدال والاستواء والتناسق كما أجدها فيما أقرأ لهذا الكاتب الشاعر العظيم، لا ~~أستثني من ذلك إلا حوار سقراط، وما أظن أن شيئا قد أثر في التكوين العقلي لڤاليري ~~كما أثر فيه حوار سقراط. # وفي أواخر القرن الماضي في سنة 1898 كان بول ڤاليري الذي قارب الثلاثين يعيش في ~~باريس، وقد اشتغل موظفا في وزارة الحرب معرضا عن الأدب والأدب يطلبه، متصلا مع ~~ذلك بالشاعر الفرنسي العظيم «ستيفان ms046 مالرميه» محبا له مفتونا بفنه الغامض الذي ~~يروع باستوائه والتوائه، إن أمكن أن يجتمع الاستواء والالتواء، والذي يفتن بدقته ~~وارتفاعه إلا عن العقول والملكات التي امتازت حتى كادت تصبح هي والامتياز شيئا ~~واحدا. وفي سنة 1900 فقد بول ڤاليري أستاذه مالرميه وترك وزارة الحرب والتحق ~~بشركة هافاس البرقية واتخذ له زوجا، وأمعن في الانصراف عن الأدب، وخيل إلى ~~نفسه وإلى الناس أن قد قطعت الصلة بينه وبين خصمه هذا العنيد إلى آخر الدهر، ~~ويقول الذين يعرفونه، والذين تتبعوا حياته في الأعوام الأولى من هذا القرن، إنه ~~مضى في حياته العقلية الفلسفية، وإنه تعمق الرياضة التي استعصت عليه في أيام ~~الشباب الأولى، ولكنه قد نشر في بعض المجلات وأرسل إلى بعض الأصدقاء مقطوعات من ~~الشعر أحبوها ورضوا عنها، وقد أقبل أندريه جيد ذات يوم على صديقه بول ڤاليري سنة ~~1911 حين بلغ الأربعين من عمره يطلب إليه الإذن في أن يجمع ما تفرق من شعره لينشره ~~في المجموعة التي كانت تنشرها المجلة الفرنسية الجديدة، وقد امتنع بول ڤاليري على ~~صديقه امتناعا شديدا، ولكن أندريه جيد ألح إلحاحا شديدا أيضا، وانتهى الأمر ~~إلى أن قبل ڤاليري إعادة النظر في شعره ذاك. # وقد استأنف النظر في هذا الشعر، فلم ينفق في ذلك أياما ولا أسابيع ولا أشهرا، ~~وإنما أنفق فيه خمسة أعوام أو أكثر من ذلك قليلا، ففي سنة 1917 فوجئ الناس ~~بظهور الديوان الأول لهذا الشاعر الممتنع على الشعر ولهذا الأديب المتأبي على ~~الأدب، وكان بول ڤاليري قد قارب الخمسين من عمره، وليس من شك في أن ديوانه الأول ~~ثم ما تبعه من الشعر والنثر بعد ذلك قد فجأ المتأدبين فجأة قوية رائعة، وإذا بول ~~ڤاليري يحتل مكانه بين الأدباء والشعراء والممتازين، كأنما كان هذا المكان الممتاز ~~قد هيئ له من قبل فهو ينتظره منذ وقت طويل، ومنذ ذلك الوقت شغلت البيئات ~~والمجلات الأدبية والصحف السيارة بأدب بول ڤاليري أكثر مما شغلت بأي إنتاج أدبي ~~آخر، ثم أخذ نجمه يتألق في الأفق ms047 حتى ملأه نورا، وإذا هو يتجاوز حدود فرنسا إلى ~~أقطار الأرض كلها، وإذا هو أديب عالمي في أقل من عشر سنين منذ نشر ديوانه الأول، ~~وإذا هو عضو في المجمع اللغوي الفرنسي في سنة 1927 يشغل كرسي أناتول فرانس ويلقي ~~خطبته الرائعة التي لم يفرغ الناس من الحديث عنها بعد والتي لم يدافع أحد عن ~~أناتول فرانس كما دافع عنه فيها، وقد أنشأت عصبة الأمم مجلس التعاون الفكري، وأنشأ ~~هذا المجلس لجنة الفنون والآداب، وأصبح بول ڤاليري رئيسا لهذه اللجنة بل أصبح ~~عقلها المفكر وقلبها النابض، ثم أنشئ معهد البحر الأبيض المتوسط في نيس وأصبح بول ~~ڤاليري رئيسا له، ثم أنشئ في الكوليج دي ڤرانس كرسي للشعر وأصبح بول ڤاليري صاحب ~~هذا الكرسي، وهو قد عين أستاذا بعد أن نيف على الستين. # وكذلك أصبح بول ڤاليري حامل لواء الأدب والشعر في فرنسا وعلما من أعلام الثقافة ~~العليا في أقطار الأرض كلها، واتصل بكل شيء وشارك في كل شيء، حتى كان يقول إنه ~~أصبح رئيسا لهيئات ومؤسسات لا يكاد يحصيها، وإنه كثيرا ما يدعو نفسه بكتاب منه ~~إليه ليشهد هذا الاجتماع أو ذاك لهذه الهيئة أو تلك. # فإذا امتازت الحياة الأدبية لبول ڤاليري بشيء من ظاهر الأمر فإنما تمتاز بامتناع ~~صاحبها على الأدب أشد الامتناع وإيثاره للعزلة حتى جاوز الأربعين، ثم استجابته بعد ~~ذلك للأدب كارها، واندفاعه في هذه الاستجابة حتى عوض ما فات واسترد ما كان خليقا ~~أن يكسبه من المجد والشهرة في عزلته الطويلة، وكسب في وقت قليل ما ينفق فيه غيره ~~الأعوام الطوال، والأعوام الطوال ليكسب بعضه، فقد ظهر بول ڤاليري فجاءة في السابعة ~~أو الثامنة والأربعين من عمره، ولم يبلغ الستين حتى كان قد ملأ الدنيا وشغل الناس ~~- كما كان يقال في المتنبي منذ ألف عام، فلما توفي وقد نيف على السبعين كانت ~~الفاجعة بموته خطبا شاملا للعالم المثقف كله لا محنة مقصورة على فرنسا ~~وطنه. # وما زالت هناك مسألة غامضة سيكشفها التاريخ الأدبي في وقت قريب ms048 أو بعيد، وهي مسألة ~~عظيمة الخطر، فهل كان بول ڤاليري أثناء عزلته الطويلة يتهيأ عن عمد لهذا المجد ~~الأدبي الذي فاجأ به الناس، أم هل كان صادقا كل الصدق مخلصا كل الإخلاص في ~~إعراضه عن الأدب وامتناعه عليه حتى فاجأه المجد كما فاجأ الناس؟ ومهما يكن من شيء ~~فإن الحقيقة الواقعة التي نستطيع أن نسجلها مطمئنين هي أن بول ڤاليري قد آثر ~~الأناة والاحتياط والحذر، وأبغض الشهرة والمجد والمتهالكين عليها، وقدر الفن على ~~أنه غاية لا وسيلة، بل على أنه الغاية العليا التي يطمح إليها الإنسان حين يبلغ ~~أقصى ما يستطيع أن يبلغ من الامتياز من الثقافة والمعرفة، فهو لم يبغض شيئا كما ~~أبغض السهولة، ولم يزدر شيئا كما ازدرى الإسراع إلى الإنتاج، والإسراع في ~~الإنتاج والاستجابة لهذه الدواعي الكثيرة التي تدعو إلى الإنتاج وتدفع إليه دفعا ~~في كثير من الأحيان، وليس بالشيء القليل أن يمتنع الفرد على عصره، ويلتزم عزلته، ~~ويزدري هذه المغريات الهائلة التي كان الناس يستجيبون لها من حوله، بل يسعون ~~إليها سعيا ويلحون في التماسها إلحاحا، ويبتغون إليها من الوسائل ما يعقل وما ~~لا يعقل، وهنا تظهر الخصلة التي يمتاز بها بول ڤاليري في حياته الخلقية، وهي ~~خصلة الكرامة التي تمنح صاحبها مزاجا من التواضع والكبرياء، وتمنحه التواضع ~~بالقياس إلى المثل العليا وما يحتاج إليه من تكلف الجهد العنيف واحتمال العناء ~~الشاق والإلحاح في السعي المتصل وتمنحه الكبرياء التي ترفعه عن الصغائر وتنزهه عن ~~الدنيات وترغبه عن الأشياء التي يقرب تناولها، وتنحرف به عن الغايات التي يسهل ~~الوصول إليها، ثم تؤلف له في هاتين الخصلتين هذا المزاج المعتدل الرفيع الذي يجعله ~~من هذه الأرستقراطية العقلية، وإذا هو يسعى إلى مثله العليا - على بعدها - ملحا ~~في السعي، غير راض بما يبلغ منها مهما يكن ما يبلغه، متخذا في سعيه إليها أبعد ~~الطرق وأشدها عسرا وأكثرها عقابا، واجدا لذته في إساغة هذا العسر وقهر هذه ~~العقاب والتغلب على هذه المصاعب، مبتكرا هذه العقاب والمصاعب إن أحس أن الطريق ms049 قد ~~سهلت له واستقامت أمامه وأصبحت خليقة أن تبلغ به غايته في جهد معتدل وسعي ~~يسير. # وهذه الخصلة لم تؤثر في حياته الأدبية وحدها، وإنما أثرت في حياته المادية أيضا؛ ~~فهو لم يلتمس قط ثروة ولم يسع قط ليبلغ هذا المأرب أو ذاك من مآرب الحياة، ولما ~~أدركته الشهرة لم يستغلها ولم يستثمرها ولم يتخذ أدبه وسيلة إلى فتنة القراء ورضا ~~الجمهور وتحقيق الثراء العريض، وإنما ظل مزدريا للشهرة معرضا عن المجد، يشتهر عن ~~رغمه ويرقى على كره منه ولا يبلغ من ذلك ثراء ولا رخاء، وقد كان عضوا في المجمع ~~اللغوي منذ عشر سنين حين أنشئ له كرسيه في الكوليج دي فرانس، فهو لم يسع إلى ~~الكوليج دي فرانس وإنما هي التي سعت إليه، ولم يطلب المجمع اللغوي وإنما هو الذي ~~طلبه، ولقد شهدته في بعض المجامع الأدبية وقد نهض بعض الحاضرين يذكر الأدباء الذين ~~بلغوا من المجد ما بلغوا ويسرت لهم الحياة فاطمأنوا إلى شيء من الدعة، ولاءموا بين ~~ذلك وبين حرصهم على إرضاء الفن والنهوض بحقه، وكأن بول ڤاليري أحس في حديث هذا ~~المتحدث تلميحا إليه أو تعريضا به، فقال هذه الجملة التي لن أنساها، في ذلك ~~الصوت الذي لن أنساه: «نعم؛ بعد أن كادوا يموتون جوعا.» # وقد عرفت بول ڤاليري من بعيد حين فجأ الناس بأدبه الرفيع في أعقاب الحرب الماضية، ~~فأعجبت به كما كان يعجب به الناس إعجابا يقوم على التقليد أكثر مما يقوم على ~~الدراية الصحيحة، ثم أقبلت على آثاره أقرؤها المرة والمرة والمرات وإذا أنا أحبه ~~عن فهم له، ولكن أي فهم! فهم ليس بالقريب ولا بالمقارب ولا باليسير، وإنما هو ~~نتيجة الجهد المكرر والقراءة المرددة والتفكير المتصل، ثم هو بعد ذلك ليس راضيا ~~عن نفسه ولا مطمئنا إلى ما وصل إليه، والذين يقرءون آثار بول ڤاليري سواء أكانت ~~شعرا أم نثرا يتفقون على أن اللذة التي يحصلونها من هذه القراءة لا تأتي من فهمه ~~واستيعابه، وإنما تأتي من محاولة فهمه سواء أنجحت ms050 المحاولة أم أخفقت، ثم تأتي مع ~~ذلك من هذه اللغة الصافية العذبة السائغة التي تجمع بين الرقة والرصانة وبين ~~النعومة والجزالة، والتي تخيل إليك أنها واضحة كل الوضوح، وهي كذلك واضحة كل ~~الوضوح ولكنها على ذلك مليئة بالأسرار. لا تقرؤها مرة إلا حصلت من قراءتها علما ~~ولذة لعقلك وذوقك وشعورك جميعا، وقد أتيحت لبول ڤاليري أشياء لم تتح لكثير غيره ~~من الكتاب والشعراء، فقد كان كشاعرنا القديم المتنبي يستطيع أن ينشد: # أنام ملء جفوني عن شواردها # ويسهر الخلق جراها ويختصم # وقد تحدثت في غير هذا الموضع عن اختلاف العلماء والأدباء من الفرنسيين في فهم شعره ~~وتأويله وتفسيره، وعن قصيدة المقبرة السحرية التي خصص أستاذ من أساتذة السوربون ~~بعض دروسه لتفسيرها للطلاب، وقد شهد بول ڤاليري بعض هذه الدروس، وجمع الأستاذ بعد ~~ذلك دروسه في كتاب قدمه له بول ڤاليري بمقدمة فيها ظرف وثناء كثير، ولكن الذين ~~يقرءون هذه المقدمة يخرجون من قراءتها غير واثقين بأن الشاعر قد رضي عن شارحه ~~الأستاذ كل الرضا. # وليس نثر بول ڤاليري أقل حاجة إلى التدبر والروية ومراجعة القراءة من شعره، وليس هو ~~أقل إمتاعا للنفس وإرضاء للعقل والقلب من شعره أيضا، ومع ذلك فقد كان بول ~~ڤاليري نفسه يرى أن النثر أقصر حياة من الشعر؛ لأن النثر أيسر على الأفهام من ~~الشعر، وإذا فهمت نصا فقد قتلته، ولست أدري أصحيح هذا أم غير صحيح، ولكني واثق ~~بأن الجيل المعاصر لبول ڤاليري لم يقبل نثره كما أنه لم يقبل شعره، ولكني أشارك ~~النقاد المعاصرين من أهل فرنسا في أن الأجيال المقبلة لن تستطيع أن تتقبل شعره أو ~~نثره، ولكني مطمئن كما اطمأن النقاد المعاصرون في فرنسا إلى أن بول ڤاليري لم يمت ~~وإنما ذهب شخصه المادي، فأما شخصه المعنوي فخالد فيما ترك من شعر ونثر. # وقد تحدث بول ڤاليري نفسه عن «ديكارت» فأنبأ الذين كانوا يسمعون له في السوربون أن ~~عظماء الرجال من أهل الثقافة خاصة إنما تنمو شخصياتهم وتقوى بعد أن يموتوا وبعد أن ms051 ~~يمضي على موتهم وقت طويل أو قصير، وكأنما كان يتحدث عن نفسه؛ فشعره ونثره وأدبه ~~كله سيقدم إلى الأجيال هذا الغذاء الرفيع وسيحيا في هذه الأجيال حياة متصلة، ~~وستكون هذه الحياة مؤتلفة ومختلفة معا، مؤتلفة في هذه الكتب والدواوين التي تركها ~~للإنسانية تراثا، ومختلفة في نفوس الذين سيقرءونها ويسيغونها ويتمثلونها ~~ويكونون لأنفسهم صورة ما لصاحبها تلائم ما يستطيعون من التصور والتصوير ~~جميعا. # ولم يكن بول ڤاليري كغيره من الأدباء ينظم الشعر ويكتب النثر في هذه الموضوعات التي ~~يتكلفها الكتاب والشعراء قصصا وتمثيلا ودراسات، ولكنه كان صاحب تعمق لأشياء ~~مختلفة، لا تكاد تتفق إلا في أنها كلها تتصل بالفن المترف الجميل من جهة، وبالعقل ~~الناقد المستقيم من جهة أخرى. # فهو يكتب في العمارة، ويكتب في الرقص، ويكتب في النفس، ويكتب في العقل، ويكتب في ~~التصوير والنحت والرسم والموسيقى والغناء، ثم هو يكتب في نقد الأدباء والفلاسفة ~~والمثالين والمصورين، وما أعرف أن أحدا قرب إلى القراء ديكارت أو ليونارد دي ڤنسي ~~أو ستندال أو مونتسكيو أو لافونتين كما يقربهم بول ڤاليري، وما أعرف أن أحدا حلل ~~الفنون الرفيعة كما يحللها بول ڤاليري، وما أعرف أن أديبا أو فيلسوفا حلل عمل ~~العقل الإنساني وهو يفكر ويلاحظ ويتأمل ويستمتع ويعكف على نفسه كما حلله بول ~~ڤاليري. # وقد قلت في أول هذا الحديث إن بول ڤاليري قد تأثر أشد التأثر بحوار سقراط كما نقله ~~أفلاطون، وما أشك في أن بول ڤاليري كان من أشد الناس إتقانا للغتين القديمتين، ~~وعلما بأسرارهما وتذوقا لخصائصهما، وقد كان يقول في شيء من السخرية: إن الذين ~~يزعمون أنهم يحسنون اللاتينية أو اليونانية في هذه الأيام يخدعون أنفسهم؛ لأنهم لا ~~يستطيعون أن يستعينوا على قطع الوقت في القطار بقراءة توسيديد أو تاسيت، ولن يحسن ~~الإنسان لغة إلا إذا قرأها في غير مشقة وفهمها في غير جهد، وذاقها في غير عناء، ~~ولكن بول ڤاليري لم يتأثر بقديم اليونان والرومان كما يتأثر به غيره من المثقفين ~~الممتازين فحسب، وإنما تمثل الأدب اليوناني الرفيع ms052 والفلسفة اليونانية العليا ~~تمثلا غريبا رائعا حقا حتى استطاع أن يحدث ألوانا من الحوار ينطق فيها سقراط ~~وبعض تلاميذه بملاحظات في الفن وفي الجمال، منها ما يتصل بالعمارة، ومنها ما يتصل ~~بالنفس، ومنها ما يتصل بالرقص، ما كانت لتخطر لسقراط وأصحابه على بال، وأحسب أنها ~~لو نقلت إلى اليونانية الأتيكية التي كان يصطنعها سقراط وتلاميذه، لما كانت أقل ~~روعة وجمالا من يونانية أفلاطون، ولما كانت أقل روعة وجمالا في تلك اليونانية ~~منها في هذه اللغة الفرنسية الرصينة المتينة الرقيقة العذبة التي اصطنعها بول ~~ڤاليري في القرن العشرين، ثم هي تزيد على ذلك أن فيها معاني وخواطر وآراء لم يكن ~~سقراط وتلاميذه ليسيغوها؛ لأن بينهم وبينها خمسة وعشرين قرنا تطور فيها العقل ~~الإنساني وزاد محصوله من العلم والمعرفة، وأتاح ذلك كله لبول ڤاليري ليرى ما لم ~~تتحه الحضارة اليونانية لسقراط وأفلاطون. # ومهما تقرأ من شعر بول ڤاليري ونثره، ومهما يكن الموضوع الذي يمارسه الأديب شعرا ~~أو نثرا، فسترى دائما أدب اليونان الرفيع وثقافتهم العليا شائعين فيما تقرأ ~~يغذوانه بخير ما فيهما؛ لأن بول ڤاليري قد خالط اليونان القدماء مخالطة نادرة ~~شديدة التنوع، خالطهم في أدبهم وفي فلسفتهم وفي فنهم وفي سياستهم، وخالطهم في ~~دينهم بنوع خاص، ثم خالطهم بعد ذلك في حياتهم العاملة التي كانوا يحيونها في ساعات ~~النهار والليل. # ثم هو قد أضاف إلى هذه الثقافة القديمة خير ما أنتجت ثقافة العصر الحديث فتمثل عصر ~~النهضة في إيطاليا وفرنسا على اختلاف مظاهر النهضة فيه، ثم تمثل القرن السابع عشر ~~والثامن عشر والتاسع عشر في أوروبا كلها، لم يترك ظاهرة من ظواهر الحياة العقلية ~~إلا أتقنها علما وفهما وتأويلا وتحليلا، وعني بالعلم عناية خاصة، فتعمق ~~العلوم التجريبية، وتعمق الرياضة حتى استطاع أن يتحدث عن هذه العلوم كأحسن ما ~~يتحدث عنها أصحابها، وأن يجادل الأطباء والعلماء ويصحح لهم آراءهم حين كانوا ~~يشاركون في وضع المصطلحات العلمية للمعجم الفرنسي الذي يصدره المجمع ~~اللغوي. # ثم هو قد تعمق مذاهب الفلسفة منذ فلسف اليونان قبل ms053 سقراط إلى أن فرغ برجسون من ~~إقامة مذهبه الفلسفي الأخير، وهو من أجل ذلك يحاور في الفلسفة كأحسن ما يحاور فيها ~~الفلاسفة، ولعله يتمثلها خيرا مما تمثلها الفلاسفة؛ لأنه جمع إلى عقله الناقد ~~الممتاز قلبا ذكيا وإحساسا مرهفا وشعورا رقيقا حادا وذوقا دقيقا لا ~~يفوته شيء. # وقد انتهى إلى رأي في الفلسفة والشعر، أو قل: إنه ابتدأ برأي في الفلسفة والشعر لم ~~يتحول عنه منذ الشباب حين كتب عن ليونارد دي فنسي في أواخر القرن الماضي إلى ~~الشيخوخة حين تحدث عن ديكارت في السوربون سنة 1937. # وهذا الرأي يمكن اختصاره في هذه الجملة اليسيرة التي لا تؤديه إلا تأدية مقاربة، ~~وهو أن الفلسفة والشعر إنما يصدران في حقيقة الأمر عن ملكة واحدة في أصلها، وهي ~~هذه الملكة التي ترفع الإنسان عن الحقائق التفصيلية الواقعة إلى عالم آخر أرقى ~~منها، يفسرها ويعرضها في شيء غير قليل من الروعة يسمو بها إلى هذا الكمال الذي ~~يطمح إليه الإنسان الممتاز، فالفيلسوف شاعر يعرض شعره نثرا في أكثر الأحيان، ~~والشاعر فيلسوف يعرض فلسفته شعرا دائما. # وقد كان بول ڤاليري نفسه هو الصورة الكاملة للفيلسوف الشاعر أو الشاعر الفيلسوف، ~~ومن أجل ذلك لم يخطئ معاصروه حين سموه شاعر العقل، ولم أبعد أنا حين سميته عقل ~~الشعر في أول هذا الحديث. # قلت إني عرفت بول ڤاليري من بعيد حين فجأ مجده الناس في أعقاب الحرب الماضية، ~~وظلت معرفتي له تتقدم شيئا فشيئا حتى أصبح أحب المعاصرين من أدباء فرنسا إلي ~~وآثرهم عندي، وحتى أصبح الوقت الذي أنفقه مع كتبه ودواوينه حين يسمح لي العمل ~~بالفراغ لنفسي وإمتاعها باللذة الفنية العليا أعز الأوقات إلي وأكرمها علي، ~~وحتى اتخذت لنفسي منه صورة غريبة رائعة فيها كثير جدا من التواضع وكثير جدا من ~~الكبرياء، وفيها كثير جدا من السماحة وكثير جدا من الامتياز، وقد هممت أن ~~أعرفه لقراء العربية فتحدثت عنه في الرسالة غير مرة، وتحدثت عنه إلى جمهور ~~المثقفين في غير محاضرة، وترجمت في الرسالة شيئا من كتابه عن ms054 النفس والرقص، ولكني ~~لم أجد لهذا كله في نفوس المثقفين الشرقيين إلا صدى ضئيلا فآثرت نفسي به، ثم أتيح ~~لي أن ألقاه سنة 1937 فإذا الصورة التي رسمتها لنفسي منه صادقة كل الصدق لولا أنه ~~في تلك السنة لم يكن من الصحة واعتدال المزاج بحيث كان يجب، وقد كان في فصل الصيف ~~من تلك السنة يعالج أسنانه فيما يظهر فكان حديثه عسيرا أشد العسر، وكان الاستماع ~~له شاقا والفهم عنه أشد مشقة، وأذكر أني ذهبت أستمع له حين تحدث عن ديكارت في ~~السوربون، وبذلت جهدا غير قليل لأظفر بمكان في المدرج الذي كان يتحدث فيه، فظفرت ~~بمكان واقف واستمعت لحديثه من أوله إلى آخره فلم أكد أفهم منه شيئا، وسألت بعض ~~الذين استمعوا له معي من الأساتذة فإذا هم مثلي لم يكادوا يفهمون عنه شيئا، ولكنا ~~جميعا كنا معجبين بهذا الصوت الهادئ القوي الحار الذي كان يملأ المدرج حنانا ~~وحبا وإيمانا، ثم قرأنا الحديث بعد ذلك فإذا هو آية من آيات البيان. # على أني لقيت بول ڤاليري بعد ذلك لقاء منتظما في مجلس التعاون الفكري وفيما كان ~~هذا المجلس يعقد من مؤتمرات، وفيما كانت هذه المؤتمرات تستتبع من اجتماعات خاصة، ~~فإذا أرق الناس حاشية وأحلاهم شمائل وأعذبهم حديثا، وأشدهم سخرية، ولكنها ~~السخرية التي تروق وتروع ولا تؤذي ولا تسوء، ولم يكن يكره الدعابة الحلوة التي لا ~~تخلو من مكر ودهاء، وأذكر أنه كان يرأس مؤتمرا من المؤتمرات يوم افتتاحه، فلما ~~أذن للخطباء جميعا في الكلام وفرغ الخطباء من كلامهم وجاء الوقت الذي كان يجب أن ~~يتكلم هو فيه وصغت إليه الآذان وأصغت إليه القلوب واشرأبت إليه الأعناق، قال في ~~صوت هادئ باسم: الكلمة الآن للرئيس إدوار هريو. # ولم يكن إدوار هريو بين المتكلمين في هذا الحفل، ولكن بول ڤاليري أراد أن يسر ~~المستمعين وأن يداعب هريو ويورطه في حديث مرتجل من هذه الأحاديث التي يتقنها هريو ~~أشد الإتقان. # وكان آخر لقائي لبول ڤاليري في مدينة جنيف حين اجتمع مجلس التعاون ms055 الفكري في يوليو ~~سنة 1939 قبيل إعلان الحرب، وكان جو جنيف في تلك السنة قاتما كئيبا، وكان أعضاء ~~المجلس جميعا مشفقين من الحرب وأهوالها، وكان بول ڤاليري أشدهم إشفاقا وأعظمهم ~~اكتئابا وأكثرهم تشاؤما، فلم يحب الحضارة أحد كما أحبها بول ڤاليري، ولم يكبر ~~الحياة أحد كما أكبرها بول ڤاليري ولم يستيئس أحد من حماقة الإنسان وضعفه وجنونه ~~كما استيأس بول ڤاليري، ومن أجل ذلك كان في تلك الاجتماعات لا يتحدث عن شيء ~~ينتظر في المستقبل إلا تحفظ واحتاط كما نتحفظ نحن ونحتاط، فنقول: إن شاء الله. ~~ولكنه هو كان يتحفظ ويحتاط فيقول: إن أتيح للحضارة أن تبقى، أو إن كتب للحرية أن ~~تسلم، أو إن عصم الإنسان من الجنون، أو ما يشبه هذه العبارات. # وقد كتب على بول ڤاليري أن يرى تحقيق كل ما تنبأ به؛ فقد تنبأ بالحرب وأهوالها، ~~وتنبأ بما ستلقاه أوروبا من ذل، وتنبأ بما ستتعرض له المثل العليا من ضعة وانحطاط، ~~وقد رأى هذا كله وذاق مرارته صابرا جلدا شجاعا، واحتفظ بكرامته أثناء الهزيمة، ~~وابتهج بالنصر مع المبتهجين، وقال لأحد أصدقائه وهو يسمع الأناشيد الوطنية للأمم ~~المنتصرة: كل شيء ممكن، ويظهر أن ما أنفق من جهد وما أخذ نفسه به من صبر وجلد وما ~~حمل نفسه عليه من درس وإنتاج وما تعرض له من بؤس وحرمان أثناء أعوام الهول، كل ذلك ~~قد حطم صحته تحطيما، فذاق حلاوة النصر واستمتع بلذة الحرية، ولكنه لم يستطع أن ~~يثبت للنعمة بمقدار ما ثبت للنقمة، فانهار بعد طول المقاومة، وفارق هذه الحياة أشد ~~ما يكون الأحياء حاجة إليه. من أجل ذلك لم تحزن عليه فرنسا وحدها، وإنما حزنت عليه ~~الإنسانية المتحضرة كلها، وقد كنت كلما فكرت في زيارة فرنسا بعد النصر أستحضر ساعة ~~حلوة كنت أعلل نفسي بأني سأقضيها مستمعا لبول ڤاليري، فقد ضيعت الخطوب هذه ~~الأمنية، وما أكثر ما تضيع الخطوب من الأماني! # فحسبي أن أعلل النفس بأني إن زرت فرنسا فسأسعى إلى قبر بول ڤاليري في تلك المقبرة ms056 ~~البحرية التي رآها صبيا، وغناها رجلا، واطمأن فيها الآن إلى آخر الدهر. # | شاعر الحب والبغض والحرية # كان ذكي القلب حمي الأنف، عضب اللسان، وكان قويا لا يعرف الضعف أبيا لا ~~يقبل الضيم، عصيا لا يطيق الإذعان، وكان حازما لا يحب التردد، مقدما لا يحتمل ~~الإحجام، ولم يكن مع ذلك صريح النسب في قبيلة من القبائل العربية القوية أو ~~الضعيفة، ولم تكن قوته وصلابته وحدته تأتيه من جاه طريف أو تليد، ولا من ثروة ~~عريضة أو ضيقة، فقد كان - فيما يظهر - مغمورا مضيعا بين حمير وقريش، ألحق نفسه ~~بحمير بعد أن أصبح له شأن وبعد أن رأى أنه في حاجة إلى نسب يعتز به وركن يأوي ~~إليه، وألحق نفسه بقريش على أنه حليف من حلفائها وولي من أوليائها، فاجتمع له ~~بذلك نسب يماني في حمير وحلف مضري في قريش، على حين لم يستطع أحد من الرواة ~~والنسابين أن يصله بقبيلة من قبائل اليمن ولا أن يرتفع به إلى أعلى من جده الأدنى، ~~فكل ما يعرف الرواة عنه أنه يزيد بن ربيعة بن مفرغ، ولعل الرواة لا يتفقون على ~~اسم مفرغ هذا؛ فقد روي أن اسمه محمد، وأن مفرغا كان لقبا غلب عليه، وأصل هذا ~~اللقب فيما يقال أنه راهن على أن يفرغ في جوفه عسا من لبن ففعل، فسمي ~~مفرغا، وقد يكون هذا حقا وقد يكون الحق شيئا آخر لا نعرفه، ولكن المهم أن ~~مفرغا هذا لم يكن رجلا ذا خطر، وإنما كان شعابا في المدينة أو قريبا من ~~المدينة، وكان ابنه ربيعة فيما يقال صاحب شعر وغزل، وكان له ابن آخر يسمى عامرا، ~~وكان صاحب زهد ودين، فأما صاحبنا يزيد فلم يعرفه تاريخ الشعر ولا تاريخ السياسة ~~إلا حين تقدم به الشباب وحين أصبح شاعرا ظريفا رائع الشعر حسن المحضر، يتنافس ~~فتيان قريش في قربه ومنادمته واصطحابه فيما يعرض لهم من الأسفار. # وأكبر الظن أنه انتفع بحلفه في قريش، فعاشر فتيان بني أمية في العراق وآثرهم ~~بمودته، وآثروه بمعروفهم لحسن ms057 موقعه منهم، ولحسن بلائه في التعصب لهم والثناء ~~عليهم، وأول ما نعرف من أمره معرفة دقيقة هو أن شابين من شبان بني أمية تنافسا ~~فيه، فأما أحد هذين الشابين فسعيد بن عثمان بن عفان، وأما الآخر فعباد بن زياد بن ~~أبي سفيان، وكان أول هذين الشابين قد ولي خراسان، وكان الآخر قد ولي سجستان، وقد ~~عرض سعيد بن عثمان على صاحبنا يزيد أن يصحبه إلى ولايته، وأغراه بمال كثير وبأنه ~~سيكون عند ما يرضيه، ولكن يزيد لم يجب سعيدا إلى ما أراد، وآثر أن يصحب عبادا ~~إلى سجستان، وقد أسف سعيد لانصراف هذا الفتى الظريف عن صحبته إلى صحبة عباد، ولكنه ~~مع ذلك حذره ونصح له، وقال له: إن نبت بك الدار عند عباد ولم تبلغ من صحبته ما ~~تريد فإن مكانك عندي ممهد. # وليس من الغريب أن يزهد يزيد في صحبة سعيد بن عثمان ويؤثر عليها صحبة عباد بن زياد، ~~فقد كان سعيد بن عثمان معرضا لشيء غير قليل من سخط السلطان الأموي عليه وزهده ~~فيه، ومصدر ذلك أن أبناء عثمان - رضي الله عنه - قبلوا ولاية معاوية لخلافة ~~المسلمين؛ لأنه قام دونهم بعد مقتل أبيهم، فثأر لهم وحمل بني أمية على رقاب الناس، ~~ولكن شيئا من الحسد وقع في قلوبهم حين بايع معاوية لابنه بولاية العهد، ويقال إن ~~سعيدا نفسه صارح معاوية بإنكاره لذلك في شيء غير قليل من العنف، وإن معاوية رفق ~~به كما كان يرفق بأعدائه وأصدقائه جميعا، وإن توليته خراسان كانت مظهرا من مظاهر ~~هذا الرفق ولونا من ألوان هذه المصانعة، فلم يكن سعيد إذن أثيرا عند معاوية ولا ~~عند ابنه يزيد، وإنما كان يحتمل في شيء من الجهد ويستصلح في كثير من الرفق، ~~أما عباد فقد كان أبوه زياد موضع الثقة والحب من معاوية، وكان ركنا من أركان ~~الدولة الأموية الجديدة، ضبط لها أمر العراق وما يليه ضبطا حسنا وساسه سياسة ~~حازمة صارمة أخافت الناس في شرق الدولة وغربها، فلما مات زياد ولى معاوية ابنه ms058 ~~عبيد الله أمر العراق اعترافا بما لزياد عنده من يد؛ فكان عباد إذن ابن أمير ~~العراق القديم وأخا أمير العراق الجديد، وفتى من فتيان هذه الأسرة العصامية التي ~~مكنت لبني أمية في الأرض، فليس غريبا إذن أن يؤثر الشاعر الشاب صحبة الأمير ~~الزيادي ذي المكانة والحظوة، على صحبة الأمير العثماني الذي لا تحتمله الدولة إلا ~~على كره ومضض، على أن عبيد الله بن زياد أمير العراق كان يعرف أخاه عبادا حق ~~المعرفة، وكان يعرف الشاعر الفتى حق المعرفة أيضا، وكان يشفق من محبة هذا الشاعر ~~الفتى لأخيه، ويقدر أن عواقب هذه الصحبة لن تكون إلا شرا. كان يعرف أن أخاه حاد ~~الطبع سريع الغضب شديد العناية بما يكلف من أمر، يفرغ للهوه ومتاعه حين يتاح له ~~الفراغ، ولكنه إذا نهض بأمر ذي بال أقبل عليه وشغل به عن كل شيء، وكان يعرف أن ~~الشاعر الفتى ظريف غزل، حلو الدعابة، عذب الفكاهة جميل المحضر، ولكنه شاعر لا يرضى ~~من صاحبه بالقليل، ولا يقبل منه الانصراف إلى يسير الأمر أو خطيره، وكان يعرف أن ~~الشاعر الفتى عجل نزق سريع الشعور، قوي الإحساس، طويل اللسان، يسرع إليه الضجر ~~ويستأثر به الملل، ويسبق لسانه إرادته فيتعجل اللوم والهجاء قبل إبانهما، ومن أجل ~~ذلك هم أن يصرف الشاعر عن صحبة أخيه فلم يفلح، فنصح له وألح في النصح، وحذره وألح ~~في التحذير والنذير ومضى الشاعر الفتى مع أميره الشاب إلى سجستان، ولم يبلغ ~~الرفيقان سجستان إلا بعد أن فسد الأمر بينهما أثناء الطريق؛ فقد كان عباد عظيم ~~اللحية جدا، فإنه لفي طريقه ذات صباح أو ذات مساء، وإذا الريح تعبث بلحيته ~~الضخمة فتنفشها، ويرى الشاعر ذلك فيروقه المنظر ويضحكه ويسبق لسانه إرادته ~~فيقول: # ألا ليت اللحى كانت حشيشا # فنعلفها خيول المسلمينا # وقد سمع الرفاق هذا البيت فتضاحكوا، وسعى بعضهم بالبيت إلى عباد فوقعت الموجدة في ~~قلبه، وهم أن يبطش بالشاعر، ولكنه آثر الأناة وأسر الحقد في نفسه، فلما بلغ ~~سجستان شغل بحربه وخراجه وأبطأ على ms059 شاعره، وانتظر الشاعر ثم انتظر، فلما طال ~~عليه انصراف الأمير عنه أطلق لسانه فيه يلومه في أحاديثه ويظهر الندم على أنه قد ~~آثر صحبة عباد على صحبة سعيد، وتبلغ الأحاديث عبادا فيضيف غيظا إلى غيظ وموجدة ~~إلى موجدة، ولكنه على ذلك لا يبطش بالشاعر فجأة ولا يظهر له بغضا، وإنما يدبر ~~أمره تدبيرا ويحكم الكيد لهذا الشاعر النزق الذي أمكن من نفسه، ومتى استطاع ~~الشعراء والأدباء عامة ألا يمكنوا من أنفسهم؟! فلم يكن صاحبنا يزيد نزقا ~~عجلا فحسب ، ولكنه كان صاحب لهو ولذة وإسراف في اللهو واللذة، وكان صاحب كرم ~~وجود وإمعان في الكرم والجود، وكان يداعب آمالا عراضا وأماني كبارا، وينتظر من ~~أميره عطاء جزيلا، فما الذي يمنعه أن ينفق ويتسع في النفقة، وأن يستدين حتى يغرق ~~في الدين إلى أذنيه أليس عطاء الأمير سيملأ يديه بالمال، وسيمكنه من إرضاء ~~الدائنين بل من إرضاء الطامعين فيه؟! وكان عباد ينتظره عند هذا المنعطف من سيرته ~~الملتوية المتعرجة، فما هي إلا أن يدس إلى دائنيه من يغريهم بمخاصمة هذا المدين ~~الذي لا يقدر على شيء، فإذا ارتفعت إليه الخصومة أمر أعوانه أن يكسبوا بيت يزيد ~~ويبيعوا أثاثه ومتاعه وسلاحه وفرسه، وقد فعلوا، وبدأ الشر بين الشاعر والأمير، ~~ونظر الأمير فإذا كل ما بيع من متاع الشاعر أقل من أن يؤدي عنه دينه، فيأمر بحبسه ~~فيما بقي عليه للغرماء. # وكذلك انتهت المحنة إلى غايتها، أو قل: انتهت المحنة إلى أولها، وكان يزيد يملك ~~غلاما يحبه أشد الحب وجارية يؤثرها أعظم الإيثار، وهم عباد أن يمضي في الكيد له ~~والتنكيل به، فأرسل إليه من يعرض عليه أن يبيعه الجارية والغلام. قال يزيد: وهل ~~يبيع الرجل نفسه التي بين جنبيه؟ قال عباد: فبيعوا عليه جاريته وغلامه لمن شاء أن ~~يشتريهما من الناس، وعرض برد وأراكة للبيع، فاشتراهما رجل من الناس وأقبل ~~يقبضهما، فلما رآه برد قال له: بئس ما اشتريت لنفسك من السوء والفضيحة! قال الرجل: ~~وكيف ذاك؟ قال برد: فإنك تعلم أن مولاي ms060 إنما يهجو عبادا وآل زياد وهم الأمراء ~~وأصحاب السيادة والحظوة عند أمير المؤمنين لأنهم أبطئوا عليه بالعطاء، فكيف إذا ~~علم أنك تشتري أحب الناس إليه وأنك تسوءه بهذا الكيد؟! إنها والله الفضيحة لك ~~ولقومك إلى آخر الدهر. قال الرجل: فإني أشهد على نفسي أنكما له، وإن شئتما كنتما ~~عندي حتى يخلص من سجنه فأردكما إليه. قال برد: فاكتب إلى مولاي بذلك، فكتب الرجل ~~ورد عليه يزيد شاكرا له مثنيا عليه، راغبا إليه في أن يحفظ الغلام والجارية ~~عنده حتى يجعل الله له بعد عسر يسرا، وفي هذه القصة يقول يزيد: # شريت بردا ولو ملكت صفقته # لما تطلبت في بيع له رشدا # لولا الدعي ولولا ما تعرض لي # من الحوادث ما فارقته أبدا # يا برد ما مسنا دهر أضر بنا # من قبل هذا ولا بعنا له ولدا # أما الأراك فكانت من محارمنا # عيشا لذيذا وكانت جنة رغدا # كانت لنا جنة كنا نعيش بها # نغنى بها إن خشينا الأزل والنكدا # يا ليتني قبل ما ناب الزمان به # أهلي لقيت على عدوانه الأسدا # قد خاننا زمن لم نخش عثرته # من يأمن اليوم أم من ذا يعيش غدا # لامتني النفس في برد فقلت لها # لا تهلكي إثر برد هكذا كمدا # كم من نعيم أصبنا من لذاذته # قلنا له إذ تولى ليته خلدا # ويقول في هذه القصيدة أيضا، ولكنه في هذا الشعر لا يكتفي بالحزن على برد وأراكة، ~~وإنما يصور ندمه على فراق سعيد وصحبة عباد، ويهجو عبادا هذا أقذع الهجاء: # أصرمت حبلك من أمامه # من بعد أيام برامه # فالريح تبكي شجوها # والبرق يضحك في الغمامه # لهفي على الأمر الذي # كانت عواقبه ندامه # تركي سعيدا ذا الندى # والبيت ترفعه الدعامه # فتحت سمرقند له # وبنى بعرصتها خيامه # وتبعت عبد بني علا # ج تلك أشراط القيامه # جاءت به حبشية # سكاء تحسبها نعامه # وشريت بردا ليتني # من بعد برد كنت هامه # هتافة تدعو صدى # بين المشقر واليمامه # فالهول يركبه الفتى # حذر المخازي والسآمه # والعبد يقرع بالعصا # والحر تكفيه ms061 الملامه # وأكبر الظن أن يزيد قال هذا الشعر في سجنه، ولكنه لم يذعه إلا بعد حين، حين ظفر ~~بحريته وأصبح بمأمن من عادية عباد، وآية ذلك أن الرواة ينبئوننا بأن يزيد قد ثاب ~~إلى شيء من الرشد، أو ثاب إليه شيء من الرشد، فرفق بنفسه واصطنع الحذر والاحتياط، ~~وجعل لا يذكر عبادا إلا حامدا له مثنيا عليه، فإذا ذكر له سجنه ومحنته قال: وأي ~~بأس في ذلك؟! رجل أسرف على نفسه فأدبه أميره ناصحا له مبقيا عليه. وجعلت هذه ~~الأحاديث الحسان تبلغ عبادا فيرق للشاعر ويعطف عليه ويلتمس له المعاذير، ويذكر ~~أنه هو الذي دعاه إلى صحبته على علم منه بأخلاقه ومواطن ضعفه. # وما زال يزيد يتلطف، وعباد يتعطف، حتى أخرج الأمير شاعره من السجن وقدم إليه بعض ~~الخير، وجعل يحتال حتى فر من سجستان ومضى هاربا يترقب ويستخفي حتى انتهى إلى ~~الشام، وكان في أثناء هربه يقول الشعر في هجاء عباد وآل زياد، ويكتبه على الجدران ~~في كل خان ينزل به. حتى إذا انتهى إلى الشام عرف أنه قد بلغ مأمنه وأن يد آل زياد ~~لن تبلغه فأطلق لسانه في غير تحفظ، ونال آل زياد بكل مكروه، ولم يكن آل زياد بمأمن ~~من الهجاء، ولا بنجوة من البغض لهم والوجد عليهم، فقد كانت كثرة قريش تبغضهم أشد ~~البغض، تراهم دخلاء فيها بعد أن استلحق معاوية زيادا في تلك القصة ~~المعروفة. # وكان بنو أمية أنفسهم يبغضون زيادا أشد البغض لما نال من الحظوة عند معاوية ولما ~~استأثر به من حكم العراق دون شباب أمية وشيوخها، واشتد بغض بني أمية لزياد وبنيه ~~حين مات فورث ابنه عبيد الله عنه حكم العراق، وكان زياد قد اشتد على الناس ~~وأخذهم بالعنف، فكرهته الشيعة من أهل العراق كما كرهه الخوارج كرها ظاهرا، وكرهه ~~عامة الناس كرها أسروه في أنفسهم ولم يعلنوه إلا حين كانت الفرصة تمكنهم من ~~إعلانه، ولم يملك شباب قريش ولا شباب الأنصار أنفسهم وألسنتهم فلهجوا بزياد وجحدوا ~~بنوته لأبي سفيان وقالوا ms062 في ذلك شعرا كثيرا عرفه معاوية ولكنه أغضى عنه تكرما ~~وحلما وسياسة أيضا، فانتهز يزيد شاعرنا هذا كله وقال في زياد وبنيه أشنع الشعر ~~وأقذعه، فنفى زيادا من أبي سفيان، ونفى بني زياد من أبيهم وهجاهم في أمهاتهم ثم ~~هجاهم في أخلاقهم، ثم هجاهم في سيرتهم، ثم جعل يحرض عليهم اليمانية حينا والمضرية ~~حينا آخر، وجعل شعره يشيع ويصل إلى العراق ويتنقل بين الأمصار، ويطير على ألسنة ~~الرواة، حتى ضاق به عبيد الله أشد الضيق، وكتب إلى الخليفة في دمشق يسأله أن يرد ~~عليه يزيد ليقتله؛ فرد الخليفة إليه يزيد ولكنه تقدم إليه في أن يعذبه عذابا ~~موجعا دون أن يبلغ نفسه. # وهنا نستطيع أن نوازن بين يزيد هذا الذي لا نكاد نعرف له نسبا في قحطان أو في ~~عدنان وإن ألحق نفسه بحمير وزعم لها حلف قريش، وبين شاعر آخر معاصر له كان عظيم ~~الشرف رفيع المكانة في قومه عزيزا بأعظم قبيلة عربية، وكان في الوقت نفسه أملك ~~للشعر وأقدر عليه من يزيد وهو الفرزدق، فقد ساء الأمر بين الفرزدق وزياد، وطلب ~~زياد الفرزدق حتى أخافه، فهرب الفرزدق من العراق واستجار ببني أمية في الحجاز، ~~وجعل يتنقل بين مكة والمدينة ولكنه كف لسانه عن زياد فلم يهجه أو لم يكد يهجوه، ~~وإنما ظل هاربا متحفظا حتى إذا مات زياد عاد إلى العراق وصانع الأمراء من أبنائه ~~ومن غير أبنائه. # ومن المرجح أن مكانة الفرزدق نفسها هي التي اضطرته إلى أن يكف لسانه ويؤثر العافية ~~لنفسه ولقومه، فأما يزيد فلم يكن يحرص على شيء، ولم يكن يخاف على قومه كيدا، ~~فاليمانية إن كان يزيد يمانيا هم قوة أمير المؤمنين وأنصاره لا يستطيع أحد أن ~~يعرض لهم بسوء، وقريش أهل أمير المؤمنين وعشيرته لا يستطيع أحد أن ينالهم بسوء، ~~فلم يبق ليزيد إلا نفسه، ونفسه حرة لا تفرط في الحرية، وهي في الوقت نفسه مبغضة ~~لا تلين في البغض، ومحبة لا تقصر في الحب، وقد أبغض زيادا وبنيه، فيجب أن ينتهي ms063 ~~به البغض إلى غايته؛ ولذلك أدخل على عبيد الله بن زياد حين رد إلى البصرة فلم ~~يهن ولم يضعف ولم ينكر من سيرته وشعره شيئا، وإنما استقبل المحنة شجاعا جلدا ~~وصبورا مستئيسا، وقال لعبيد الله: دونك وما تشاء. وقد أمر عبيد الله به فألقي في ~~غيابات السجن، ولكن يزيد لم يكف عن الهجاء حتى في السجن، وقد عذبه عبيد الله ~~عذابا أقل ما يوصف به أنه لم يكن عربيا، وإنما كان أعجميا ينافر أشد المنافرة ~~كرم العرب وكرامتهم وارتفاعهم بأنفسهم وبعدهم عما يشين، وبعض هذا العذاب يذكرنا ~~بما كان يصنع في الأندلس ببعض الثائرين، وبما كان يصنع في إيطاليا بخصوم نظام ~~الفاشية؛ فقد أمر عبيد الله فسقي الشاعر في سجنه نبيذا حلوا فيه مسهل، ثم قرن ~~إلى كلب وهرة وخنزير وطوف به في مدينة البصرة على هذه الحال المنكرة، وجعل ~~الصبية من أبناء الموالي والفرس يتبعونه بالتندر والعبث، وجعل هو يرد على تندرهم ~~في لغة فارسية نقلها أبو الفرج، وجعل الخنزير الذي قرن إليه يضبح كلما جره، وجعل ~~يزيد في هذه المحنة يعبث بسمية أم زياد؛ فقد سمى خنزيره هذا سمية وجعل كلما ضبح ~~الخنزير يقول: # ضبحت سمية لما لزها قرني # لا تجزعي إن شر الشيمة الجزع # ثم أدركه الإعياء فسقط لما لقي من الجهد، وأشفق عبيد الله بن زياد أن يدركه التلف ~~فيخالف أمر الخليفة ويتجاوز به العذاب إلى الموت، فأمر برفعه وغسله ورده إلى ~~السجن، ثم أمر عبيد الله فحمل الشاعر إلى أخيه عباد بسجستان ليشفي حقده ويرضي ~~حاجته إلى الانتقام، وكلف الذين حملوه أن ينزلوا به في الخانات التي نزل بها حين ~~هرب من عباد، وأن يضطروه إلى أن يمحو بأظافره ما كتب على الجدران من هجاء بني ~~زياد، وأن يحولوا صلاته عن قبلة المسلمين إلى قبلة النصارى، فجعل يمحو بأظافره ما ~~كتب حتى ذهبت أظافره، فكان يمحو بعظم أظافره وبدمه، وما زال في هذا العذاب حتى بلغ ~~عبادا فضوعف عذابه في سجستان، ولكن شيئا من هذا ms064 كله لم يضطره إلى الضراعة ولا ~~إلى الاستكانة، وإنما كان صراع رائع عنيف بينه وبين العذاب، يصب عليه بنو زياد ~~ألوان الهول ويصب عليهم هو أشنع القول، وفي نفسه يأس من جهة وأمل من جهة أخرى؛ يأس ~~من الزمان ألا يمهله، وأمل في قريش وحمير أن يشفعوا له عند أمير المؤمنين، وقد ~~انتصر الأمل على اليأس، وسار شعر يزيد في الآفاق وسارت معه أنباء هذا الصراع ~~الهائل بين العذاب والفن، وانتهى الأمر إلى قريش في أنديتها بالعراق والحجاز ، ~~وانتهى الأمر كذلك إلى حمير في أنديتها بحمص ودمشق، وغضبت اليمانية والمضرية ~~جميعا لهذا الشاعر الذي يعذب عذابا لا يعرفه المسلمون، وسعى أولئك وهؤلاء عند ~~يزيد بن معاوية، وما زالوا به حتى أرسل بريدا إلى سجستان وأمره أن يطلق الشاعر من ~~سجنه على الفور، وألا يأذن لأحد من آل زياد في الإمرة عليه، وأقبل البريد، فأخرج ~~الشاعر من سجنه وأصلح من أمره وحمله على بغلة من بغال البريد، فلما استوى عليها ~~قال هذا الشعر الرائع المعروف: # عدس ما لعباد عليك إمارة # نجوت وهذا تحملين طليق # طليق الذي نجى من الكرب بعد ما # تلاحم في درب عليك مضيق # قضى لك حمحام فأنجاك فالحقي # بأرضك لا تحبس عليك طريق # لعمري لقد أنجاك من هوة الردى # إمام وحبل للأنام وثيق # سأشكر ما أوليت من حسن نعمة # ومثلي بشكر المنعمين حقيق # وانتهى شاعرنا إلى الشام فأمر أن يقيم في الشام حيث شاء وألا يعرض لآل زياد ~~بمكروه، وأحسن الخليفة صلته تعزية له عما لقي من الشر، ووقفت قصته هنا مع آل زياد ~~ولكنها لم تنته، فلم يكن له بد من أن يذعن لأمير المؤمنين، ولكن شاعرنا لم يكن ~~مبغضا فحسب، وإنما كان محبا أيضا، ولعل حبه هو الذي جشمه كل هذه ~~الأهوال. # كان يحب أناهيد فتاة فارسية، كان أبوها دهقانا في الأهواز، وكانت رائعة الجمال ~~فتانة الحسن جريئة على الرجال لعوبا بعقول الناس، وقد لعبت بعقله فأسرفت في اللعب ~~وكلفته من أمره شططا، وقد أقام في ms065 الشام ما شاء الله أن يقيم، ولكنه لقي رجلا من ~~أهل الأهواز فسأله عن أناهيد قال الرجل: صاحبة يزيد بن مفرغ؟ قال يزيد: نعم. قال ~~الرجل: ما يرقأ دمعها بكاء على يزيد، فضرب يزيد وجه فرسه وأقسم لا يستقر حتى يرى ~~أناهيد، ومضى مخالفا أمر الخليفة جاحدا نعمة الذين أجاروه وآووه حتى انتهى إلى ~~الأهواز، وجعل يتردد بينها وبين البصرة، ثم دخل على عبيد الله بن زياد، فخيره بين ~~أن يقتله أو يعفو عنه، فعفا عنه عبيد الله ، ولكن إقامته في البصرة لم تطل؛ فقد ~~كانت أناهيد تكلفه مالا كثيرا، وكان يستدين، وكان الدين يثقل عليه، وكان الأشراف ~~من أهل العراق يؤدون عنه دينه، ولكنه شاعر لا تنقضي حاجاته، والأمراء يتنافسون ~~فيه، فما يمنعه من الرحلة والاكتساب ليغني نفسه ويرضي أناهيد، ويذيع البهجة ~~والغبطة من حوله؛ وقد فعل، فرحل إلى عبيد الله بن أبي بكرة ورجع من عنده بمال كثير ~~دفعه كله إلى أناهيد، وما زال يتردد بين البصرة والأهواز ينعم ويشرك أترابه في ~~النعيم، حتى مات يزيد بن معاوية، وكانت الفتنة في البصرة وهرب عبيد الله بن زياد، ~~فاستأنف قصته مع آل زياد من حيث وقفت في الشام، وجعل يهجو زيادا وبنيه، ويعير ~~عبيد الله بفراره عن أمه ويحرض على آل زياد بشعره وحديثه. حتى إذا قتل عبيد الله ~~يوم الزاب بيد أصحاب المختار لم يستطع شاعرنا أن يخفي شماتته، فتغنى هذه الشماتة ~~في شعر كثير، وظل مترددا بين أناهيد في الأهواز ومجالس لهوه في البصرة، حتى قتله ~~الطاعون أيام مصعب بن الزبير. # وقد قال يزيد شعرا كثيرا جدا، وحفظت لنا كتب الأدب شيئا قليلا جدا من هذا ~~الشعر، ولكنه على قلته يبين لنا أن هذا الفتى المغمور قد كان شاعر الخوف والحب ~~والحرية حقا، ما أعرف أن أحدا من شعراء القرن الأول للهجرة بلغ من تصوير هذه ~~الخصال ما بلغ، ومع ذلك فما أكثر ما عرف ذلك العصر من المبغضين والمحبين، ومن ~~الخائفين والأحرار، ومن الذين أتيحت لهم ms066 براعة فنية لم تتح ليزيد! ولكن يزيد أحب ~~بقلبه كله، وأبغض بقلبه كله، وخاف بقلبه كله أيضا، وجلى قلبه المحب المبغض ~~الخائف الحر في شعره دون أن يتكلف في ذلك أو يتصنع أو يتخذ بين الناس وبين قلبه ~~حجابا. # كنت أود لو استطعت أن أروي لك أطرافا من شعره، ولكن كتاب الأغاني قريب منك فاقرأ ~~فيه أخبار يزيد بن مفرغ، فسترى فيه عجبا من العجب وسترى أن لحية ضخمة قد عبثت ~~بها الريح ذات يوم فأضحكت شاعرا وأطلقت لسانه ببيت من الشعر، وكانت من أجل ذلك ~~مصدر محنة مروعة اتصلت أعواما وشقي بها شاعر وشقيت به أسرة من أشراف العرب، ~~ولكنها تركت لنا أدبا فيه المتاع كل المتاع. # | صور من المرأة في قصص ڤولتير # موضوع غريب فيما ترى وفيما أرى أنا أيضا، ولكني دفعت إلى أن أتحدث إليك فيه، ~~وقد تسألني: لماذا اخترته دون غيره من الموضوعات التي يمكن أن يساق فيها الحديث؟ ~~فأجيبك في غير تكلف ولا تردد بأني لا أفكر في القارئ حين أريد التحدث إليه، أو ~~بعبارة أدق لا أفكر فيما يحب أو لا يحب، وفيما يلائمه أو لا يلائمه لأني لا أتملق ~~القارئ ولا أترضاه ولا أبتغي إليه الوسيلة، وإنما أعطيه ما عندي، وأتحدث إليه بما ~~يخطر لي، وأسير معه سيرتي مع ذوي خاصتي الذين ألقاهم مصبحا وممسيا، والذين لا ~~أسألهم فيما يريدون أن أتحدث إليهم ولا يسألونني فيما أريد أن يتحدثوا إلي، ~~وإنما هي الحياة تجري بينهم وبيني سهلة سمحة يسيرة، تضطرنا إلى أن نحياها كما ~~تضطرنا إلى أن نتبادل فيها الرأي وندير فيها الحديث. # وقد كان ڤولتير جزءا من حياتي العقلية منذ شهر سبتمبر الماضي، كما كان ديديرو ~~جزءا من حياتي العقلية قبل الصيف، ولو أن مجلة الكاتب المصري ظهرت في يونيو أو ~~يوليو لتحدثت إلى قرائها عن ديديرو كما أتحدث إليهم الآن عن ڤولتير، ولكنها ظهرت ~~في أكتوبر حين كنت أغرق نفسي في الأدب العربي وجه النهار وفي أدب ڤولتير آخر ~~النهار، ومن ms067 أجل ذلك تحدثت إلى القراء عن الأدب العربي في السفرين الماضيين، ~~وأنا أتحدث إليهم عن لون من أدب ڤولتير في هذا السفر، والله يعلم عما أتحدث ~~إليهم في السفر المقبل، فالقارئ يرى أني أجري الأمر بينه وبيني على إذلاله لا ~~أتكلف له شيئا ولا أحب أن يتكلف لي شيئا. # ولست أدري لماذا اخترت هذا اللون بعينه من هذه الألوان الأدبية التي يقدمها إلينا ~~ڤولتير، ولكني أعلم أني كنت أسأل نفسي وأنا أقرأ قصص ڤولتير عما يمكن أن يكون حظ ~~هذا الرجل العظيم من التحليل النفسي ومن تعليل ما يحدث أشخاصه من الأحداث وما يعرض ~~لهم من الخطوب، وكنت أحاول أن أضعه في طبقة من طبقات الكتاب هذه التي نعتمدها في ~~العصر الحديث أساسا للتقسيم والتصنيف، فمن الكتاب من يستغرق همه كله في تحليل ~~دقائق النفس حين تفكر وحين تشعر وحين تعمل، ومن الكتاب من يفرغ همه في تحليل ~~الصلات بين الناس فيتجه إلى الناحية الاجتماعية من الحياة الإنسانية، ومنهم من ~~يعنى بغير هاتين الناحيتين من نواحي الفن الذي يصدر عنه الكتاب ويقصدون إليه ~~فيما يكتبون. # كنت إذن أحاول أن أضع ڤولتير القاص في طبقة من هذه الطبقات دون أن أبلغ من ذلك ما ~~أريد، فهو لا ينحاز إلى طبقة دون طبقة ولا يضاف إلى فريق دون فريق، ولعله أن يشارك ~~في خصائص هذه الطبقات جميعا، والشيء المحقق هو أنه لم يفكر في شيء من ذلك، ومن ~~يدري؟! لعل معاصريه لم يكونوا يفكرون في شيء من ذلك، وإنما كانوا يصدرون عن طبائع ~~في غير تكلف ولا تصنع، يرسم لهم الفن نفسه مذاهبهم في القول وطرائقهم في التصوير ~~والتعبير. # على أن هناك حقيقة واضحة معروفة، وهي أن القصص عند ڤولتير لم يكن غاية تطلب ~~لنفسها وإنما كان وسيلة يبتغيها الكاتب ليصل بها إلى غرض من الأغراض الفلسفية، ~~سواء أكان هذا الغرض متصلا بما بعد الطبيعة أم بالنظام السياسي أم بالنظام ~~الاجتماعي أم بالنظام الديني أم بكل هذه الأشياء جميعا. # وإذا كان القصص ms068 نفسه وسيلة لا غاية، فمن الطبيعي أن يكون الأشخاص الذين تجري على ~~أيديهم أحداث هذا القصص وسائل لا غايات، فإذا عرض علينا ڤولتير شخصا من الأشخاص ~~الذين يعملون أو يتأثرون في قصصه فطبيعة هذا الشخص لا تعنيه، ولا تعنيه الخصائص ~~التي تأتلف منها هذه الطبيعة، وإنما الذي يعنيه هو ما يصدر عن هذا الشخص من قول أو ~~عمل وما يلم بهذا الشخص من حدث أو خطب، وما يكون لهذه الأقوال والأعمال والأحداث ~~والخطوب من أثر في حياة الناس. # ومن أجل هذا كانت الأشخاص في قصص ڤولتير وسائل من جهة ورموزا من جهة أخرى؛ رموزا ~~لهذه الأغراض التي كان يسعى إليها ولهذه الآراء التي كان يريد أن يثبتها أو أن ~~ينفيها، ومن أجل هذا أيضا كان ڤولتير يتخذ لبعض قصصه عنوانين، أحدهما الشخص الذي ~~اتخذه رمزا، والآخر الفكرة التي أراد أن يرمز إليها، فقصة «كانديد» تسمى كانديد ~~أو التفاؤل، وقصة «زاديج» تسمى زاديج أو القدر، وعلى هذا النحو. # أشخاص ڤولتير إذن ليسوا أفرادا من الناس يعملون كما نعمل ويشعرون كما نشعر ~~ويحسون كما نحس ويتأثرون كما نتأثر، وإنما هم أشخاص قد خلقهم خيال ڤولتير وعقله ~~خلقا، وقد استمدهم هذا العقل وذلك الخيال من المعاني التي قصد إليها وأراد ~~تصويرها أكثر مما استمدهم من الحياة الواقعة التي يراها كل إنسان والتي يستطيع كل ~~إنسان أن يلاحظها من قرب وأن يتناولها بالنقد والتحليل والتعليل، ولعل من الخصال ~~التي تفوق فيها ڤولتير تفوقا ظاهرا انتهى به إلى براعة فنية لا يدانيه فيها كاتب ~~فرنسي آخر، أنه لا يحفل كثيرا بالحياة الواقعة ولا يقف عندها إلا بمقدار، فهو ~~يأخذ منها ما يحتاج إليه ويضيف إليها ما يحتاج إليه أيضا، مزدريا هذا المنطق ~~الطبيعي الذي نفكر به ونتخذه مقياسا لتصورنا للأشياء وحكمنا عليها، فهو لا يحفل ~~بالزمان ولا بالمكان، وهو من أجل ذلك لا يحفل بالتاريخ ولا بالجغرافيا، وهو لا ~~يحفل بالطبيعة التي يمكن أن تلاحظ ولا بالخرافات التي ليس إلى ملاحظتها من سبيل، ~~وهو لا ms069 يحفل بما يوجد بيننا بالفعل ولا بما ليس له وجود، وإنما يأخذ من هذا كله ما ~~يريد، ويرتب هذا كله كما يريد، ويقدم لنا منه مزاجا رائعا نعجب به أشد ~~الإعجاب ولا نستطيع أن ننكر منه شيئا؛ لأن إنكارنا لا يؤثر في الفكرة الأساسية ~~التي أراد أن يعرضها علينا، فأميرة بابل مثلا تعيش في أقدم العصور التاريخية بل ~~تعيش في أقدم العصور الإنسانية قبل أن يوجد التاريخ، وهي مع ذلك تطوف في أقطار ~~الأرض وتتخذ للتنقل وسائل منها ما يلائم الأساطير، ومنها ما يلائم العصر الذي كان ~~ڤولتير يعيش فيه، وهي تزور مدنا لم تنشأ إلا في عصور متأخرة جدا وتشهد أجيالا ~~من الناس لم يوجدوا إلا بعد أن تقدمت الحضارة الإنسانية حتى انتهت إلى الطور ~~الذي انتهت إليه في القرن الثامن عشر الفرنسي. # هذه الأميرة تعيش في مدينة بابل التي وصفتها الأساطير، وهي تعيش قبل سميراميس بقرون ~~طويلة، وقد أراد أبوها الملك أن يبغي لها زوجا فقرر أن يجري مسابقة بين الملوك ~~قوامها أن يشد المتسابقون قوس نمروذ، وهي قوس لا يتاح لأوساط الناس ولا ~~للمتفوقين منهم في القوة أن يشدوها، فأيهم قدر على أن يشد هذه القوس فعليه بعد ذلك ~~أن يقهر أسدا لم تعرف الدنيا مثله قوة وبأسا وعنفا، فإذا قهر هذا الأسد فعليه ~~بعد ذلك أن يقدم إلى الأميرة هدية نادرة لم يعرف العالم مثلها قط، وقد أقبل ملوك ~~ثلاثة للاشتراك في هذه المسابقة، أحدهم فرعون جاء يركب الثور أبيس وهو يقدم إلى ~~الأميرة هدايا من تماسيح النيل وجرذان الدلتا، والثاني ملك الهند جاء يركب فيلا ~~هائلا تتبعه فيلة كثيرة تحمل من طرف الهند ما عرف الناس وما لم يعرفوا، والثالث ~~ملك السيتيين من أهل البادية في شرق أوروبا وجنوبها جاء ومعه أصحابه يمتطون أجود ~~الخيل وأعرقها في النسب، ويحملون من طرف باديتهم الشيء الكثير، وقد احتفلت بابل ~~بمقدم هؤلاء الملوك احتفالا رائعا واحتفت بهم احتفاء عظيما، حتى إذا كان اليوم ~~المشهود اجتمع الناس ليشهدوا هذه ms070 المسابقة، وقد اجتمع منهم في المدرج أكثر من ~~نصف مليون، وجلس الملك في مقصورته ومن حوله وزراؤه ورجال قصره، وجلست الأميرة في ~~مقصورتها ومن حولها وصائفها، وجلس كل ملك من الملوك الثلاثة في المقصورة التي أعدت ~~له، ومع كل واحد منهم حاشيته، ودار على النظارة جيش ظريف قوامه عشرون ألفا من ~~العذارى الحسان يطوفن عليهم بألوان الفاكهة والنقل والشراب، ثم لم يكد مؤذن ~~الملك يؤذن بافتتاح المسابقة حتى رأى النظارة منظرا عجيبا؛ رأوا فتى يقبل من ~~بعيد يتبعه خادمه، وقد وقف على كتف الفتى طائر جميل رائع المنظر، وقد ركب الفتى ~~حيوانا غريبا سريعا رشيقا خفيف الحركة يتوسط رأسه قرن وحيد، وقد انتهى الفتى ~~إلى المدرج يلحظه الملوك والنظارة وتلحظه الأميرة ووصائفها خاصة، ومضى في تواضع ~~حتى انتهى إلى مجلس من المدرج فجلس كغيره من الناس يقوم خادمه من ورائه ويقف على ~~كتفه طائره الجميل. # وقد ابتدئت المسابقة، فتقدم فرعون ليشد القوس فلم يبلغ من شدها شيئا ونصح له كبير ~~كهنته بألا يمضي في هذه المسابقة التي لا تلائم الجلالة المصرية وحسبه ما يقدم من ~~الهدايا، وحسبه أنه صاحب ملك مصر، ولم يكن ملك الهند أحسن منه حظا، وحاول ملك ~~السيتيين أن يشد القوس فكاد يبلغ من شدها شيئا يسيرا ولكن قوته لم تطاوعه، وإذا ~~الفتى يثب من مكانه ويهبط إلى الميدان مسرعا ويتناول القوس في أدب ويشدها في ~~رشاقة ويرسل منها إلى مقصورة الأميرة كتابا تقرؤه الأميرة، فإذا هو شعر جميل ~~يتغنى بجمالها البارع، ثم يخرج الأسد وقد نكل عن لقائه فرعون وملك الهند، ولكن ملك ~~السيتيين أقدم على هذا الصراع الهائل، وكاد يصرع الأسد ولكن الحظ خانه فهم الأسد ~~أن يبطش به لولا أن هذا الفتى يثب مسرعا ويهوي إلى الأسد بضربة تقد عنقه ~~قدا. # وقد أخذ الفتى رأس الأسد فدفعه إلى خادمه، وغاب الخادم لحظة ثم عاد وقد غسل عن ~~الرأس ما كان عليه من دم وانتزع نيوبه وأقر مكانها قطعا من الجوهر لم ير الناس ~~مثلها ms071 قط، وأخذ الفتى هذا الرأس من خادمه ودفعه إلى طائره الجميل وكلفه أن يحمله ~~إلى الأميرة، والطائر يسعى في الجو سعيا رفيقا رشيقا حتى يبلغ مقصورة الأميرة ~~فيضع الرأس بين يديها ويقدم إليها تحية تملأ الناظرين فتنة وإعجابا، وقد فتن ~~الملوك والنظارة بهذا الفتى ووقع حبه في قلب الأميرة، وهم عظيم بابل أن يحتفي ~~به، ولكن رسولا يقبل فيلقي في أذن الفتى كلمات، وإذا الفتى يكلف طائره الجميل أن ~~يبقى مع الأميرة، ثم يتحول إلى حيوانه الغريب فيركبه ويعود به من حيث أتى، ويجد ~~البابليون في اللحاق به فلا يبلغونه وقد امتلأ قلب الأميرة حبا وحزنا، وامتلأت ~~قلوب الملوك غيظا وحنقا، واختلط الأمر على عظيم بابل، فهو لم يجد لابنته زوجا، ~~وهو مضطر أن يرجع إلى الآلهة يستشيرهم فيما يصنع، والمهم هو أن الأميرة قد كلفت ~~بالفتى، وأن هذا الحب قد أرقها، فهي تحدث نفسها أثناء الليل والطائر قائم إلى جانب ~~السرير فما يروع الفتاة إلا صوت هذا الطائر يسليها ويعزيها ويواسيها في لغة بابلية ~~رائعة، فالطائر إذن يتكلم لغة الناس، وهو يقص عليها قصصه، فهو ما زال في أول ~~الشباب، لم يبلغ من السن إلا سبعة وعشرين ألفا وبضع مئات من السنين، وهو يحدثها ~~عن هذا الفتى وعن موطنه في أقصى الهند، وقد أشار عليها أن تلحق به، وأشار الوحي ~~على أبيها أن يكلفها الطواف في أقطار الأرض. # وما أريد أن ألخص القصة وإنما يكفي أن أقول: إن الفتاة ذهبت إلى البصرة ثم إلى جنوب ~~البلاد العربية ثم إلى الهند ثم إلى الصين ثم إلى أوروبا على اختلاف أقطارها تطلب ~~هواها في كل هذه البلاد، وهي لا تبلغ بلدا إلا أنبئت بأن الفتى قد رحل منه إلى ~~بلد آخر، ثم يلتقيان ذات يوم أو ذات ليلة في باريس كما سنرى بعد حين. # وفي إلمام الفتى بأقطار الأرض وفي إلمام الفتاة بعده بهذه الأقطار عرض لما يريد ~~ڤولتير أن يعرض من شئون الأمم والشعوب، يجد حينا ويهزل حينا، يصور التاريخ ms072 مرة ~~ويخترع الحوادث مرة أخرى، وينقد نظام السياسة والدين والاجتماع دائما، ويلم ~~بالنقد الأدبي بين حين وحين. # وليس ڤولتير في قصة كانديد بأقل ازدراء للتاريخ والجغرافيا والحقائق المادية ~~الواقعة منه في هذه القصة التي أشرت إليها آنفا، فالمهم عنده إذن ليس اتساق القصة ~~طبقا للمألوف من حقائق الحياة ولا طبقا للمألوف من هذا الخيال الذي لا يريد أن ~~يمعن في الغرابة ولا أن يغرق في الاختراع، وإنما يصور الوقائع للناس تصويرا تألفه ~~عقولهم وتطمئن إليه أذواقهم على نحو ما عودهم القصاص في العصر الحديث على أقل ~~تقدير، فڤولتير إذن يذهب بقصصه مذهب الشرقيين في ألف ليلة وليلة وفي كليلة ودمنة، ~~وفي هذا القصص الذي يمتلئ بالأعاجيب ويفعم بالخوارق، والذي يكثر فيه الجن وتتكلم ~~فيه الطير، والذي يتخذ هذا كله مع ذلك وسيلة إلى النقد والإصلاح وتصوير الحياة ~~الاجتماعية المعاصرة بما فيها من خير وشر، فلا غرابة إذن في أن تكون عناية ڤولتير ~~بحقائق الأشخاص في قصصه ضئيلة لا تكاد تكون شيئا ذا خطر. # ومع ذلك فهؤلاء الأشخاص يختلفون في حظهم من عناية ڤولتير اختلافا شديدا، فمنهم ~~الأشخاص الأساسيون والأشخاص الإضافيون، إن صح هذا التعبير، ومنهم الرجال والنساء، ~~ومنهم الشباب والكهول والشيوخ، ولكل أولئك خصال يتمايزون بها فيما بينهم، فأين تقع ~~المرأة من هؤلاء الأشخاص جميعا في قصص ڤولتير؟ # هذا هو السؤال الذي كنت ألقيه على نفسي وأنا أقرأ قصصه الطوال وأقاصيصه القصار، ~~ويخيل إلي أن في الوقوف عند هذه النماذج التي يقدمها لنا ڤولتير من النساء ~~والفتيات في قصصه شيئا لا أقول من الفائدة العلمية الخطيرة، ولا أقول من المتعة ~~الأدبية الرائعة، ولكن أقول من الفكاهة والغناء اللذين قد يرغبان بعض الباحثين ~~المتعمقين في البحث في أن يحصوا ويستقصوا، وفي أن يحللوا ويعللوا، وفي أن يوافقوا ~~ويفارقوا، لعلهم أن يخرجوا لنا من هذا كله كتابا قيما يشتمل على صور رائعة في ~~الفن والأدب. # فقصة واحدة مثلا من قصص ڤولتير وهي قصة «زاديج» تعرض علينا صورا من المرأة مختلفة ~~أشد الاختلاف، ms073 متفقة مع ذلك أشد الاتفاق، فقد هم زاديج وهو فتى حازم حصيف قد ~~منح طبيعة خصبة وبصيرة نافذة، وذكاء بعيدا وثقافة واسعة، هم زاديج أن يتزوج، ~~فخطب فتاة أحبها كل الحب، وفتنت به كل الفتون، وهي سمير، وقد خرج ذات يوم معها ~~يتروضان في ظاهر المدينة، وكان لها عاشق من الأمراء هم أن يخطفها فأبلى زاديج في ~~الدفاع عنها بلاء حسنا حتى استنقذها، ولكن سهما أصابه قريبا من إحدى عينيه، ~~فلما أيأس الأطباء سمير من شفائه صدت عنه، وقالت: إنها لا تحب العور، ثم تسلى عنها ~~زاديج وتزوج من فتاة أخرى فتنت به أشد الفتنة وكونت لنفسها في الحب رأيا صارما ~~حازما ، وأقبلت ذات يوم على زوجها ساخطة أشد السخط، فلما سألها عن ذلك أنبأته ~~بأنها ذهبت تعزي إحدى صديقاتها عن موت زوجها، وكانت هذه الصديقة مشغوفة بزوجها قد ~~نذرت الوفاء لحبه ما دام الجدول المجاور لقبره يمضي في مجراه، وقد أقامت على قبره ~~لا تريد أن تفارقه، ولكن صاحبتنا رأتها تصنع شيئا عجيبا، رأتها تحول الجدول عن ~~مجراه لتخلص من هذا النذر الثقيل. # وقد ارتاب زاديج بقدرة المرأة على الوفاء وبسخط امرأته على صديقتها، فاحتال مع صاحب ~~له وفي ليعلم علم امرأته، فأظهر المرض وتكلف الموت ودفن في حديقة الدار، وأقبل ~~صاحبه على الأرملة يواسيها فكان الحديث حزينا أول الأمر ثم جعل يرق شيئا فشيئا ~~ويعذب قليلا قليلا، حتى انتهى إلى ما يشبه الحب، ثم أظهر الصديق أن نوبة شديدة ~~من المرض قد نابته، فتعطف عليه الأرملة وتريد أن تطب له، ولكنه ينبئها بأن الطب ~~له مستحيل، فليس إلى علاجه من سبيل إلا أن يوضع على موضع الطحال منه أنف مجدوع، ~~فتشك غير قليل ثم تقول لنفسها: وأي بأس على زوجي الفقيد إن لقي الآلهة بأنفه ~~كاملا أو منقوصا! ثم تهبط إلى القبر وفي يدها حديدة تريد أن تجدع بها أنف زوجها ~~الفقيد لتشفي به طحال عاشقها الجديد، فيهب زاديج وقد تبين أن زوجه التي همت أن ~~تجدع أنفه ms074 أشد غدرا من تلك التي لم تستطع صبرا على ما نذرت من الوفاء. # فهؤلاء نساء ثلاث يعرضهن علينا ڤولتير في الفصلين الأولين من هذه القصة: إحداهن ضحت ~~بالحب لأنها لا تطيق عشرة العور، والأخرى همت أن تحول الجدول عن مجراه لأنها لم ~~تستطع صبرا عن الرجال، والثالثة همت أن تجدع أنف فقيدها ولما يمض على موته إلا ~~أقصر وقت لأنها وجدت عشيقا جديدا. # وقد استيأس زاديج من حب النساء وذهب في حياته مذاهب مختلفة لم يجن منها كلها إلا ~~شرا. هم أن يعيش عيشة الأغنياء فوشي به في القصر، وهم أن يعيش عيشة ~~العلماء فوشي به عند رجال الدين وتعرض للمحنة المنكرة، ثم استبانت براءته بعد ~~خطوب، فاختاره الملك لنفسه وزيرا، ولم تكن وزارته أقل شرا من غيرها من ألوان ~~الحياة التي بلاها؛ فقد كثر الطالبون، وكثر الحاسدون، وكثر الماكرون، وثاب النساء ~~إليه من كل وجه يلححن عليه بالإغراء حينا والإطماع حينا آخر، وهو يمتنع ويرتفع ~~ولكنه وقع في شرك الملكة ووقعت الملكة في شركه، ونبه الملك إلى الأمر فهم أن ~~يقتل العاشقين، وإن لم يصارح أحدهما صاحبه بعشق أو غرام، وقد أتيح للعاشقين من ~~ينجيهما من هذا الكيد، فأما زاديج فمضى نحو مصر، وأما الملكة إستارتيه فأخفيت في ~~بابل نفسها، وقد طوف زاديج بالآفاق وخضع لمحن كثيرة، ولكنه لقي في هذه المحن ~~امرأتين أخريين، فأما إحداهما فجرت عليه شرا كثيرا، وأما الأخرى فجرت له ~~خيرا كثيرا. أولاهما لقيها عند الحدود المصرية تصيح وتستغيث لأن رفيقها كان يلح ~~عليها بالضرب والعذاب، فأسرع زاديج لمعونتها وكان الشر بينه وبين ذلك الرفيق فقتله ~~زاديج، وإذا المرأة التي كانت تستعينه وتستغيث به قد أصبحت له عدوا تلعنه ~~وتستعدي عليه، وقد أقبل المصريون فأخذوه وحاكموه، فلما تبينوا أنه لم يقتل إلا ~~دفاعا عن نفسه أبقوا على حياته، ولكنهم باعوه من تاجر عربي كان يقيم بينهم، وهذه ~~المرأة التي استعانت واستغاثت أول الأمر، ثم لعنت واستعدت آخر الأمر لم تلبث أن ~~ترى قوما من أهل ms075 بابل قد أقبلوا يجدون، فلما رأوها لم يشكوا في أنها الملكة ~~الهاربة فاقتادوها إلى بابل، وهناك جعلت تمكر وتكيد حتى استأثرت بعقل الملك، وما ~~زالت به حتى انتهى إلى الجنون. # أما المرأة الثانية فعربية جميلة مات عنها زوجها، وكان العرب قد ورثوا عن الهند أن ~~تحرق المرأة نفسها لتلحق بزوجها الفقيد، ولكن زاديج ما زال بالمرأة حتى صرفها عن ~~هذا الإثم وحبب إليها الحياة دون أن يحب هو الحياة ودون أن يحب هذه المرأة لأنه لم ~~يكن يحب إلا الملكة إستارتيه، ومع ذلك فقد غضب الكهان على زاديج وقضوا عليه ~~بالموت، ولكن المرأة العربية عرفت له الصنيعة وأزمعت إنقاذه، فما زالت تمكر ~~بالكهان واحدا واحدا، تطمعهم في نفسها ولا تتقاضاهم على ذلك إلا براءة هذا ~~العبد، فلما ظفرت بهذه البراءة منهم منفردين ضربت لهم جميعا موعدا واحدا، ~~فذهبوا إليها وكلهم مستيقن أنها ستخلص له، ولكنهم التقوا جميعا عندها، فعادوا ~~بالخزي ونجا العبد زاديج بنفسه وما كاد ينجو. # وما زال يطوف في الأرض في الهند وفي سيلان وفي البصرة وفي الشام، وتعرض له الخطوب ~~الكثيرة حتى لقي فيما لقي من الناس جماعة من النساء يبحثن في مرج من المروج عن ~~حيوان غريب، وهن رائعات الحسن بارعات الجمال، فلما سألهن عن أمرهن علم أنهن إماء ~~لصاحب هذا القصر العظيم، وأن سيدهن مريض، وقد وصف الطبيب له هذا الحيوان الخرافي ~~الغريب على أن تجده امرأة، وعلى أن يطبخ له في ماء الورد، فأرسل إماءه للبحث عنه ~~ووعد أيتهن ظفرت به أن تكون له زوجا، فهن مغرقات في البحث متهالكات في إرضاء ~~سيدهن، إلا واحدة قد انتحت ناحية وجلست على شاطئ النهر حزينة كئيبة تخط بعود في ~~الأرض، وينظر زاديج فيما تخط فإذا هي تكتب اسمه، فيأخذه الدهش ثم يسألها، ولا يكاد ~~يسمع صوتها حتى يعرف فيها إستارتيه ملكته وصاحبة قلبه، وقد تبين منها أن زوجها ~~الملك قد قتل في بعض الحروب وأنها وقعت أسيرة في يد المنتصر مع تلك المرأة ~~المصرية وأنها احتالت ms076 حتى نجت من أسرها ذاك ولكنها وقعت في أسر جديد، وكلفت مع ~~الجواري أن تبحث عن هذا الحيوان الغريب، فلم تبحث ولم تحفل لأنها لا تريد أن تكون ~~زوجا لأحد، فقد امتلأ قلبها وعقلها بحب زاديج، فهذه هي المرأة الوحيدة التي عرفت ~~الحب الصادق ووفت له واحتملت في سبيله ألوان الهول فصبرت وجاهدت واجتهدت، كما صبر ~~زاديج وجاهد واجتهد، وأعانتهما المصادفات والخطوب التي لا تعنينا الآن حتى اجتمع ~~شملهما، فأصبح زاديج ملك بابل وعادت إستارتيه إلى عرشها ولكن مع من تحب. # هذه نماذج للمرأة في قصة واحدة من قصص ڤولتير، وفي هذه النماذج شيء من الشرق؛ لأن ~~القصة نفسها شرقية قد ترجمت، فيما يقول ڤولتير، لمدام دي بومبادور إلى العربية ~~مع ألف ليلة وليلة ونقلها هو إلى الفرنسية، ولكن هذه النماذج ليس لها من الشرق إلا ~~أيسر المظاهر، فالنساء اللاتي يعرضهن ڤولتير في هذه القصة سواء منهن من ذكرنا ومن ~~لم نذكر غربيات السيرة والتفكير يعشن جميعا في القرن الثامن عشر الفرنسي، وأكبر ~~الظن أن كل واحدة منهن ترمز من بعيد أو من قريب لامرأة عرفها ڤولتير أو عرف من ~~أمرها القليل أو الكثير. # على أننا نجد في «كانديد» نماذج أخرى للمرأة كلها غربي، اثنان منهما ألمانيان ~~والثالث إيطالي، فأما النموذج الأول لهؤلاء النساء فكونيجوند عشيقة كانديد تلك ~~التي نشأت في إقليم ألماني في بيت متهدم كان الناس يرونه قصرا عظيما، بين أب ~~سخيف كان الناس يرونه ذكيا، وأم بدينة كان الناس يرونها رشيقة، ومرب أحمق ~~كان الناس يرونه فيلسوفا، وقد نشأ كانديد في نفس القصر الذي نشأت فيه كونيجوند، ~~وقد أحبها وأحبته، والتقيا ذات يوم فأسقطت كونيجوند منديلها والتقطه كانديد فرده ~~إليها، ثم التقت الشفاه واضطرمت الأعين واصطكت الركب وضلت الأيدي، ومر البارون في ~~أثناء ذلك فوكز كانديد وطرده من القصر وخرت كونيجوند مغمى عليها. # ومنذ ذلك الوقت بدأت محنة كانديد، ووضعت أمامه المسألة الهائلة التي وضعت أمام ~~الإنسانية كلها فلم تستطع لها - ولن تستطيع لها - حلا: أقام أمر ms077 العالم على ~~الخير أم قام أمر العالم على الشر؟ فأما المربي الفيلسوف فقد كان يرى رأي ليبنتز ~~وهو أن ليس في الإمكان أبدع مما كان، وأما ڤولتير فقد كان يشك في هذا كل الشك، وقد ~~اتخذ كانديد وكونيجوند والمربي بونجلوس وغيرهم موضوعا للمحن المتتابعة، يثبت بذلك ~~أن العالم لم يقم على الخير المحض، وأن الذين يقولون: ليس في الإمكان أبدع مما ~~كان، إنما يقولون باطلا من القول وزورا، وإذا كانت كونيجوند تمتاز بشيء فإنما ~~تمتاز بأن شخصيتها سلبية بأدق معاني هذه الكلمة وأوسعها؛ فهي تحب كانديد لأنها رأت ~~المربي يحب خادما من خادمات الدار، ويغمى عليها حين ترى أباها يطرد كانديد، ~~وتتلقى اللطمة من أمها حين تفيق من إغمائها، وتخضع لاستحياء البلغار حين يغيرون ~~على المدينة، وتخدم ضابطا بلغاريا، ثم تباع فيشتريها يهودي يحملها إلى لشبونة، ~~وهناك تصبح شركة بين هذا اليهودي وبين رجل من رجال الدين يرأس محكمة التفتيش، وقد ~~مرت محن أخرى بكانديد انتهت به هو أيضا إلى لشبونة، ولكنه في أثناء هذه المحن ~~الهائلة لم يكن يفكر إلا في شيئين اثنين: حبه لكونيجوند، وإعجابه بأستاذه بونجلوس. ~~وقد لقي كونيجوند وسعد بهذا اللقاء وسعدت هي أيضا بهذا اللقاء، واستنقذها من ~~اليهودي والمسيحي وفر بها إلى أمريكا، وأراد أن يتزوجها هناك ولكنها راقت الحاكم ~~الإسباني فاغتصبها واضطر كانديد إلى الفرار. # وقد طوف كانديد في أمريكا ما طوف، وطوف في أوروبا كذلك ما طوف، لا يفكر إلا في ~~كونيجوند ولا يحيا إلا لكونيجوند، ثم يلقاها آخر الأمر بعد خطوب كثيرة، وإذا هي قد ~~فقدت جمالها وأصبحت امرأة متهدمة قبيحة المنظر سيئة الخلق، ولكنها على ذلك تعتقد ~~أنها ما زالت نضرة الشباب، ولو استطاع كانديد لانصرف عنها، ولكنه رجل شريف فيجب أن ~~يبر بالوعد، وأن يتخذها لنفسه زوجا، فكونيجوند هي صورة المرأة الغافلة التي لا ~~توجد لنفسها ولا تحس وجودها إلا بمقدار. # أما النموذج الآخر فهي هذه العجوز التي لقيها كانديد في لشبونة خادما لكونيجوند، ~~وهي امرأة شيخة ضئيلة ضعيفة، ولكنها ms078 ذكية ماهرة ماكرة نفاذة من المشكلات، مذعنة ~~لأحداث الزمان، قد اكتسبت ذكاءها وإذعانها من المحن التي اختلفت عليها؛ فهي ~~إيطالية قد نشأت نشأة عز وكرامة، ثم اختلفت عليها الخطوب، فأسرها لصوص البحر ~~وحملت إلى مراكش ثم إلى الجزائر ثم إلى تركيا ثم وقعت لهذا اليهودي فاتخذها ~~خادما لكونيجوند، وأقامت معها تدبر أمرها وتنصح لها حين تبهظها الحوادث وتسليها ~~حين تضيق عليها الحياة. # وأما النموذج الثالث فهي هذه الخادم باكيت تلك الألمانية التي ألقت أول درس في الحب ~~على كونيجوند، والتي لعبت بها الأحداث هذا اللعب الشائع المعروف فباعت جسمها ~~لتعيش، وما زالت هذه التجارة المنكرة تحملها من بلد إلى بلد ومن بيئة إلى بيئة، ~~حتى ضمها كانديد إلى كونيجوند حين انتهى به وبأصحابه المطاف إلى حديقته تلك التي ~~فرغ للعناية بها على ساحل البحر الأسود. # على أن قصة كانديد لم تخل من نموذج فرنسي باريسي ولكنه بالطبع نموذج سيئ رديء، ~~فليس في هذه القصة أو لا يكاد يكون فيها إلا ما هو سيئ رديء، وهذا النموذج الفرنسي ~~الباريسي هو هذه المرأة التي اتخذت لنفسها لقبا أرستقراطيا، وأقامت في الحي ~~الأرستقراطي، ولكنها في حقيقة الأمر مضطربة بين طبقة الأشراف وطبقة السوقة، فهي ~~تستقبل أخلاطا من الناس فيهم النقي الممتاز، وفيهم الدنس المريب، فيهم الجاهل ~~المغرور، وفيهم العالم المتواضع، وهم يجتمعون إلى مائدتها، فيطعمون ويشربون ~~ويلعبون، ويقيمون حياتهم على ما يفيدون من هذا اللعب كما تقيم هي حياتها على ما ~~تفيد من هذا الاستقبال، وآية ذلك أن كانديد لم يكد يدخل دارها حتى أجلس إلى ~~مائدة اللعب فخسر مبلغا ضخما، ثم استمع لألوان من الأدب والنقد، ثم دعي إلى ~~الغرفة الخاصة، وهناك مكرت به هذه السيدة مكرا يكاد يخلو حتى من الرفق، ولم يخرج ~~كانديد من هذه الدار حتى فقد وفاءه لكونيجوند، وفقد مع هذا الوفاء خاتما ثمينا، ~~وكره باريس وفكر في الفرار منها إلى البندقية. # وقصة أخرى من قصص ڤولتير تعرض علينا من المرأة نماذج أخرى تخالف هذه النماذج التي ~~رأيناها، ms079 وهذه القصة هي قصة «البريء» - # I’ingénu ~~- ~~ونماذجها كلها فرنسية لأن القصة تبدأ في بريتانيا السفلى وتنتهي في باريس، وهي ~~هجاء لرجال الدين ولليسوعيين منهم خاصة، فالبيئة إذن بيئة قسس، ونحن نجد في أول ~~القصة قسيسين، يعيش كل منهما مع أخته، فأما أحدهما كركابون فأخته قد تقدمت بها ~~السن حتى استيأست من الزواج على كره منها لذلك شديد، وأما الآخر فأخته سانت إيف في ~~نضرة الشباب، تبسم لها الحياة وتبسم هي للحياة، وفي ذات يوم أقبلت سفينة إنجليزية، ~~فألقت مراسيها ونزل أصحابها فباعوا واشتروا، ونزل معهم فتى غريب الأطوار، ساذج إلى ~~أقصى حدود السذاجة، ظريف إلى أبعد غايات الظرف، جميل الطلعة، رائع المنظر، حسن ~~الموقع من القلوب، ولم يكد يتصل بالقس كركابون وأخته حتى أحبهما وأحباه، ثم ~~استكشفا بعد خطوب كثيرة أنه ابن أخ لهما كان قد ذهب محاربا إلى كندا ثم انقطعت ~~أخباره وأخبار امرأته، وأكبر الظن أنهما قتلا وتركا هذا الصبي فنشئ في بيئة ~~غير متحضرة، وأقبل وقد بلغ الرشد، ولكنه ما زال على فطرته الأولى، وقد أقام إذن مع ~~عمه وعمته، وأحبه أهل القرية حبا شديدا، وجعل عمه يثقفه الثقافة المسيحية حتى ~~استطاع أن يعمده في حفل عظيم، وقد فتن بالآنسة سانت إيف كما فتنت هي به، وعاقت ~~عوائق دون زواجهما، فهو يكلف عميه عناء عظيما ليحقق هذا الزواج، وإنه لفي ذلك ~~وإذا الأسطول الإنجليزي يقبل مغيرا على الإقليم، ويبلي الفتى في رد هذا الأسطول ~~بلاء حسنا، يزيد إعجاب الناس به وإكبارهم له، فيرسله عمه إلى فرسايل ومعه ~~الشهادة بحسن بلائه ليقدم هناك إلى وزير الحرب، ويظفر من الملك بالمكافأة على ما ~~أبلى في الدفاع عن الوطن، ولعله أن يضم إلى الجيش، ولكنه يصل إلى فرسايل ولا يكاد ~~يتصل بوزارة الحرب حتى يكون الكيد قد سبقه إلى القصر فيقبض عليه ويرسل إلى سجن ~~الباستيل، ويلقى في حجرة من حجراته مع رجل تقي عالم من رجال الدين، فلندعه في ~~سجنه يتعلم على هذا القس، ويقرأ ما شاء الله له ms080 أن يقرأ من الكتب في فنون العلم ~~والأدب والفلسفة، ولنعد إلى الآنسة سانت إيف. # فقد طالت غيبة البريء على أهل القرية وانقطعت عنهم أخباره فصبروا وأجملوا الصبر، ~~وانتظروا وأطالوا الانتظار، فلما كاد اليأس يبلغ منهم، سافر عمه وعمته إلى باريس ~~ليتحسسا من هذا الفتى الضائع أو المضاع، وكذلك فعلت الآنسة فخرجت مستخفية من ~~القرية وسلكت طرقا ملتوية حتى انتهت إلى فرسايل، وأخوها وآخرون من أهل القرية في ~~أثرها، يريدون أن يردوها إلى القرية، ولكنها سبقتهم وانتهت إلى القصر، وابتغت ~~وسائلها من رجال الدين وغير رجال الدين حتى علمت أن حبيبها في السجن، فجدت في ~~إنقاذه مفتنة في الجد حتى انتهت إلى رجل خطير من رجال وزارة الحرب، ولم تكد تقص ~~عليه أمرها حتى رق لها وعطف عليها، ولكنه فتن بها فتنة شديدة، وإذا هو يساومها ~~في إطلاق حبيبها من السجن مساومة منكرة، وإذا الفتاة بين أمرين أحلاهما مر؛ فإما ~~أن تحرص على الشرف فتفقد حبيبها إلى آخر الدهر وتعرضه للعذاب المقيم في أعماق ~~السجن، وإما أن تبذل هذا الشرف فتخسر نفسها أولا، وتخون حبيبها ثانيا، ولكن ~~الموظف الخطير يساوم ويغلو في المساومة ويطمع ويسرف في الإطماع، والفتاة مضطربة ~~أشد الاضطراب، مترددة بين الشرف والهوان، وبين الوفاء والخيانة، وقد عادت إلى ~~الدار التي أوت إليها وعرضت قصتها على صاحبة الدار وهي سيدة وجيهة، فرفقت بها ~~السيدة وعطفت عليها، ولم ترد أن تشير عليها أول الأمر، وإنما نصحت لها بأن تستشير ~~قسيسا يسوعيا، وقد عرضت أمرها على القسيس، فسخط على الموظف الكبير أشد السخط، ~~ولكنه لم يكد يعرف اسمه حتى أظهر حزنا ثم ترددا، ثم جعل يغري ولا يغري، ~~ويرغب ولا يرغب، ولكنه أطمع الفتاة في المغفرة آخر الأمر، وضرب لها المثل بما ~~امتحن به بعض القديسات في الزمان القديم، وعادت الفتاة إلى مثواها بائسة، ولكن ~~هذه السيدة الوجيهة اجترأت آخر الأمر وشجعت الفتاة تصريحا على ما شجعها عليه القس ~~تلميحا، وبينت لها أن الأمور لا تقضى في فرسايل إلا بمثل هذا ms081 الثمن البشع ~~الشنيع، وقد زلت الفتاة آخر الأمر وظفرت بحرية حبيبها وبحرية رفيقه في السجن، بل ~~ظفرت لحبيبها بالمكافأة والمنصب والمستقبل السعيد، واجتمع المتفرقون كلهم، ورضي ~~بعضهم عن بعض إلا هذه الفتاة فلم تكن راضية عن نفسها، ولم تكن ترى نفسها خليقة ~~بهذا الفتى البريء الكريم، ولكنها أنجته من السجن آخر الأمر، وكان من الممكن أن ~~تجتهد في كتمان خطيئتها وأن تستأنف حياة نقية سعيدة لولا أن الدهر لم يرد لها حتى ~~هذه الحياة النادمة؛ فقد أحبها الموظف الخطير، ولم يقنع منها بما أعطته وإنما أراد ~~أن يستزيد، فأرسل إليها الرسل والهدايا، وكاد القوم أن يفطنوا، وأحست هي أن أمرها ~~قد افتضح، فأخذتها العلة، ولم تكد تأوي إلى سريرها حتى أخذتها الحمى، ثم اشتد ~~عليها المرض واستيقنت الموت فاعترفت لحبيبها وأخيها بخطيئتها، وماتت ضحية للحب إن ~~شئت، وللوفاء إن أحببت، وللندم على فقدان الشرف إن أردت، ولهذا كله ولفساد الحياة ~~الاجتماعية كما أراد ڤولتير، فهذا النموذج الرائع يكاد ينفرد بين نماذج المرأة في ~~قصص فولتير كلها، فالفتاة هنا عاملة لا مستسلمة، وجريئة نشيطة لا تعرف ضعفا ولا ~~فتورا، ومصممة لا تعرف ترددا ولا نكولا، ومغامرة لا تخاف الحوادث ولا تهاب ~~الخطوب، ثم هي بعد ذلك شريفة وفية، سقطت بين الشرف والوفاء، وأدت حياتها ثمنا ~~لهذه السقطة، وأنقذت بعد ذلك رجلين كريمين من عذاب متصل مقيم. # وفي هذه القصة نموذجان آخران من نماذج المرأة الفرنسية كما صورها ڤولتير؛ أحدهما ~~هذه الآنسة كركابون شقيقة القس وعمة البريء، تلك التي تقدمت بها السن وأكرهت على ~~حياة فيها كثير جدا من الخشونة والضيق، وحرمت لذة الزواج ولذة الأمومة فقبلت ~~هذا الحرمان راضية كارهة، إن صح هذا التعبير. راضية لأنها لم تثر ولم تصطنع ~~الحيلة، لتظفر بما حرم عليها، ولم تتورط في الخطيئة لا عن عمد ولا عن غفلة، وإنما ~~احتفظت بالطهر والنقاء، وكارهة لأنها لم تر الشباب إلا ذكرت شبابها الضائع، ولم ~~تسمع ذكر الحب والزواج إلا أسفت في تجمل؛ لأنها لم تأخذ بحظها ms082 منهما، ولم تكد ترى ~~الفتى البريء حتى غمرته بما كان مكظوما في قلبها من عواطف الأمومة، والنموذج ~~الآخر هو هذه السيدة الباريسية الوجيهة التي آوت الآنسة سانت إيف، والتي لم تجرؤ ~~على أن تشير عليها إلا بعد أن أشار القسيس، ثم تشجعت فنصحت للفتاة بأن تقبل الحياة ~~كما هي، وبأن تسير سيرة غيرها من النساء حين يحتجن إلى الاتصال بأصحاب الجاه. هذه ~~السيدة تصور المرأة العملية في الحياة الفرنسية العامة أثناء القرن الثامن عشر، ~~فهي لا تتهالك على الإثم راغبة فيه، ولكنها مع ذلك لا تتحرج من الإثم حين تدعو ~~إليه المنفعة، وهي على ذلك تحتفظ بما ينبغي للمرأة الكريمة من مظاهر الوقار ~~والارتفاع عن الدنيات. # وكذلك نرى ڤولتير في هذه القصة يعطينا صورا ثلاثا من المرأة؛ فأما إحداها فهي هذه ~~الفتاة التي تصلح موضوعا لمأساة رائعة، وأما الأخريان فهما هاتان المرأتان اللتان ~~يلقاهما الناس في الحياة الواقعة؛ إحداهما كريمة لأنها قنعت بما قسم لها من ~~الحياة، والأخرى متكرمة لأنها خضعت لما في الحياة من ضرورات. # وما دمنا نتحدث عن هذه النماذج الفرنسية فلنمض في الحديث عن نماذج فرنسية أخرى ~~التمسها ڤولتير في أعماق إيران وفي أعماق التاريخ القديم، فقد ارتفعت الشكوى إلى ~~السماء من هذا الفساد العظيم الذي ملأ مدينة برسيبوليس، وأمر ملك من الملائكة ~~عونا من أعوانه أن يذهب إلى هذه المدينة ليستقصي أمرها، ويرفع إليه تقريرا عنها، ~~فإن كان الفساد أغلب عليها من الصلاح دمرها تدميرا، وإن كان الصلاح أدنى إليها من ~~الفساد خلى بينها وبين البقاء. # وقد ذهب هذا العون إلى المدينة فاختبر أمرها كله، فكان يسخط أحيانا حتى يرى فيما ~~بينه وبين نفسه أن هذه المدينة يجب أن تمحق محقا، وكان يرضى أحيانا أخرى فيرى ~~أن هذه المدينة يجب أن تستمتع بالبقاء، وواضح جدا أن مدينة برسيبوليس هي في أكبر ~~الظن باريس، فأكثر محاسنها هي الخصال التي كانت باريس تمتاز بها، بل التي كانت ~~فرنسا كلها تمتاز بها في عصر ڤولتير، وقد عرض علينا ڤولتير ms083 فيما عرض من شئون هذه ~~المدينة، شئون السيدات الحسان اللاتي كن يستقبلن في دورهن، ويذهبن إلى الملاهي ~~والمسارح، ويختلفن إلى المعابد والحدائق والمتنزهات، ويجمعن إلى جمال الخلق وحسن ~~الشارة والبراعة في الزينة، رقة القلب وعذوبة الحديث، ودقة الإحساس، والتسامح فيما ~~يتصل بالسيرة والأخلاق، ويظفرن مع ذلك بسماحة الأزواج وتلطفهم وإغضائهم حين يحسن ~~الإغضاء، وربما كان أصدق تصوير لهؤلاء النساء قول إحداهن لهذا العون، وقد أظهر ~~الخوف والجزع حين رآها تسرف في خيانة زوجها: إني لا أحب أحدا كما أحب زوجي، وإنه ~~لا يحب أحدا كما يحبني، وإني أضحي في سبيله بكل شيء إلا بخليلي، وإنه يضحي في ~~سبيلي بكل شيء إلا بخليلته، وأظنك قد عرفت أني أشير إلى تلك القصة الرائعة التي ~~سماها ڤولتير «الدنيا على علاتها » - # Le monde comme il ~~va ~~- على أن هذه النماذج من المرأة الباريسية لم تصور ~~في هذه القصة وحدها، وإنما صورت في قصة زاديج، فالبابليات اللاتي يختلفن على ~~القصر ويحاصرن مكتب الوزير، ويتناجين ويتناغين ويتساعين بالكيد والنميمة فيما ~~يتبادلن من زيارات، لسن في حقيقة الأمر إلا نساء الطبقة الممتازة في باريس وفي ~~عواصم الأقاليم. # وأريد الآن أن أعود إلى أميرة بابل تلك التي تركها تجوب أقطار الأرض ساعية في أثر ~~عاشقها ذاك الجميل، فقد صورت بعض شخصيتها ولم أصور بعضها الآخر؛ لأني كنت أتحدث عن ~~هذه القصة أثناء العرض العام لمذهب ڤولتير في القصص، وأحب الآن أن أصور لك هذه ~~الفتاة كما عرضها علينا ڤولتير، فهي محبة صادقة الحب، جريئة بعيدة الجراءة، مغامرة ~~شديدة المغامرة، تشبه في ذلك الآنسة سانت إيف في قصة البريء، ولكنها أميرة سيئول ~~إليها ملك عظيم هو ملك بابل، فقد نشئت إذن كما ينشأ الأميرات، فيها ~~إترافهن وما يستتبعه الإتراف من الرقة واللين، ومن الضعف والفتور، ولكن فيها مع ~~ذلك طموح ساذج إلى إرضاء هذا الحب الذي ألقاه الفتى في قلبها، وهي تريد أن ترضي ~~هذا الحب لأنها تعودت أن ترضي كل حاجاتها، وأن تبلغ كل ما تريد، ولكنها على ms084 ذلك ~~مترددة ما دامت في ظل أبيها الملك، وما دامت خاضعة لنظم القصر وتقاليده، فكل ~~خصالها كامنة في قلبها كما تكمن النار في العود أو كما يكمن الرحيق في العنقود، ~~فيما يقول ابن الرومي، فإذا أذن لها الملك في الحج إلى معبد البصرة، وإذا خرجت من ~~المدينة ومعها طائرها ظهرت هذه الخصال كلها، وإذا الفتاة محبة لا تعرف إلا الحب، ~~عاشقة لا تعرف إلا العشق، مفتونة لا تفكر إلا في صاحبها، وفي أن من حقها ومن الحق ~~عليها أن تراه، ولكن الظروف لا تواتيها، وإنما تخلق لها مشكلة يسيرة غريبة في وقت ~~واحد، وهذه المشكلة هي التي ستدور عليها القصة كلها. # فقد انصرف الملوك من بابل مغضبين، فأما فرعون وملك الهند فقد تحالفا، وتم الاتفاق ~~بينهما على أن يعودا إلى بابل غازيين كلاهما يقود جيشا قوامه ثلاثمائة ألف من ~~الجند، حتى إذا تم لهما النصر اقترعا أيهما يظفر بالأميرة، وأما ملك السيتيين فقد ~~اختطف ابنة عم الأميرة ومضى بها تحت الليل إلى مملكته فاتخذها لنفسه زوجا، وأزمع ~~أن يعود إلى بابل غازيا ليرد إلى زوجه عرش بابل الذي غصب منها غصبا، وكذلك ~~أراد ملك بابل أن يزوج ابنته الأميرة فورموزنت، فجر على نفسه وعلى ملكه شرا ~~مستطيرا، وقد مضت الأميرة فورموزنت مع طائرها، ونزلت في طريقها إلى البصرة بفندق ~~من الفنادق، وإذا فرعون قد نزل في هذا الفندق نفسه، وإذا هو يتعجل الفوز وينتهز ~~الفرصة ويدخل على الأميرة في غرفتها، فيعلن إليها في صلف وغلظة أنها قد أهانته في ~~قصر أبيها، وأنه قد ظفر بها الآن فسينزلها على حكمه وسيكرهها على أن تشهد معه ~~مائدة الغداء، وهنا تظهر مهارة الأمير وسعة حيلتها، فتظهر لفرعون أنها لم تحب ~~أحدا غيره، وأن الحياء والخوف هما اللذان منعاها من إظهار حبها، وأنها حين تقبل ~~دعوة الملك إلى الغداء لا تنزل على حكمه وإنما تنزل على حكم الحب الذي ملأ قلبها ~~فتونا، وهي بهذا الحديث قد فتنت فرعون وأنزلته هو على حكمها، وقد اتفقت ms085 معه على ~~الغداء ورغبت إليه في أن يمنحها ساعة أو ساعتين لتصلح من شأنها استعدادا لهذه ~~السعادة، ولم تكد تخلو إلى نفسها حتى دعت وصيفتها وطبيبها وتقدمت إليهما في أن ~~يسقيا الملك وأعوانه وجنده إذا كان الغداء من نبيذ شيراز على أن يدسا في هذا ~~النبيذ مخدرا يدعو إلى النوم فلا يرد النوم له دعاء، ولم يكد القوم يمضون في ~~غدائهم وفرعون يداعب الأميرة حتى كانوا قد شربوا فأسرفوا في الشراب، وحتى كان نبيذ ~~شيراز قد أغرقهم وأغرق الجند معهم في نوم عميق، هنالك انسلت الفتاة وحاشيتها، ~~ولكنها لم تمض إلى البصرة لتنفذ أمر أبيها، فقد نسيت أباها وأمره والبصرة، وإنما ~~مضت إلى أقصى الهند لتلتمس عشيقها أمازان، وقد بلغت أقصى الهند، ولكنها لم تلق ~~الفتى وإنما لقيت أمه محزونة بائسة، وعرفت منها أن طائرا ماكرا قد شهد غداءها مع ~~فرعون وأنبأ به الأمير فرآه خيانة بغضت إليه الحياة، فأزمع أن يطوف في أقطار ~~الأرض، يلتمس العزاء عن حب هذه الخائنة، وشرط على نفسه أن يكون وفيا لهذه ~~الخائنة إلى آخر الدهر، وكذلك نشأت العقدة، فالفتاة بريئة أمام نفسها وأمام الحق، ~~ولكنها خائنة في رأي حبيبها، وهي تريد أن تطلبه حيثما كان لتظهره على براءتها من ~~هذه الخيانة، ولتستأنف معه هذا الحب السعيد، وقد تبعته إلى الصين فعرفت أنه أقام ~~في قصر الملك أياما، وكاد يطيل الإقامة لولا أن أميرة من أهل القصر فتنت به ~~وراودته عن نفسه، فأبى عليها وفر منها وترك لها كتابا رقيقا يعتذر فيه من هذه ~~الغلظة؛ لأنه يحب أميرة بابل، وقد أقسم أن يظل وفيا لها إلى آخر الدهر، فلا تكاد ~~الأميرة تقرأ هذا الكتاب حتى يجن جنونها، وحتى تلاحق حبيبها في كل مكان، وهي لا ~~تصل إلى مدينة إلا عرفت أن الفتى قد تركها رافضا حبا يعرض عليه، حتى طوفت في ~~أثره أوروبا كلها وكادت تلحقه في إنجلترا، ولكنه عاد في الوقت الذي كانت تعبر فيه ~~البحر من هولندا إلى بلاد الإنجليز. # على أنها ms086 أدركته آخر الأمر في باريس، ولكنها أدركته على شر حال، فهذا الفتى المتيم ~~الذي قاوم الأميرات في جميع قصور الأرض لم يستطع أن يقاوم باريسية، وأي باريسية؟ ~~ممثلة من ممثلات الأوبرا. رأى تمثيلها وسمع غناءها وأحب أن يقدم إليها، فلما عرفها ~~وقع في الشرك، وتأتي أميرة بابل فترى هذا الفتى وهذه الممثلة على شر حال، وقد ~~ضاعت الآمال، وانهارت قصور الأماني، واشتعلت الغيرة حتى حرقت قلب الفتاة وعقلها ~~تحريقا، فهي تهجر باريس مصممة ألا ترى هذا الخائن، وهي تذكر أباها الآن وتذكر ~~أنها خالفت عن أمره، وتريد أن تعود إليه وتعتذر وتتوب وتثوب إلى الطاعة والخضوع، ~~وتتعزى عن هذا الحب الذي جابت من أجله الدنيا كلها ثم آبت منه بالخيبة والحرمان، ~~والفتى في أثرها يطلبها بعد أن كانت تطلبه، ويلاحقها بعد أن كانت تلاحقه ، وقد ~~أدركها آخر الأمر في إسبانيا وأنقذها من محكمة التفتيش، فكفر بذلك عن خطيئته وعادا ~~معا إلى بابل، وكان الزواج وارتقى إلى العرش في خطوب لست في حاجة إلى تفصيلها، ~~وبمقدار ما ترى عند هذه الفتاة من الإقدام والعزم ومن الجراءة والمغامرة ترى عند ~~أميرة أخرى مصرية ما يناقض كل هذه الخصال، بحيث لا تشبه إحدى الأميرتين صاحبتها ~~إلا في شيء واحد هو هذا الحب الملح الذي يضطر صاحبته إلى الصبر والوفاء واحتمال ~~الخطوب، ولكن الأميرة المصرية صابرة وفية، لا تصنع شيئا وإنما تتلقى ما يصب ~~عليها من المحن في سبيل هذا الحب، وأنت تستطيع أن ترى صبر هذه الأميرة وشجاعتها ~~السلبية وتعرضها للموت في قصة الثور الأبيض. # وأعتقد أني قد عرضت عليك من نماذج المرأة عند ڤولتير ألوانا تعطيك منها صورا ~~واضحة دقيقة، وأنا لم أعرض عليك مع ذلك نماذج أخرى أهملتها عن عمد لأنها تشبه هذه ~~النماذج التي عرضتها من قريب أو بعيد. # وهناك أسئلة يمكن أن تخطر للذين يقرءون قصص ڤولتير وللذين يقرءون هذا الحديث؛ فهل ~~بين هذه النماذج كلها وبين السيدات اللاتي اتصل بهن ڤولتير اتصال حب أو اتصال مجون ~~من علاقة ms087 بحيث يمكن أن نستدل بهذا النموذج أو ذاك على هذه السيدة أو تلك من ~~صواحبات ڤولتير؟ وهل هناك صلة بين هذه النماذج وبين السيدات الكثيرات اللاتي عرفهن ~~ڤولتير في فرنسا وألمانيا وإنجلترا وسويسرا وإيطاليا بحيث يستطيع الباحث أن يقول: ~~إن ڤولتير قد صور هذه السيدة أو تلك من السيدات الممتازات اللاتي عرفهن في حياته ~~المضطربة الطويلة؟ وهل بين ألوان الحب التي عرضها ڤولتير في قصصه هذه ما يشبه من ~~قريب أو بعيد حب ڤولتير حين كان يحب، وهيام ڤولتير حين كان يهيم، واضطراب ڤولتير ~~بين اليأس والرجاء حين كان يضطرب في الحب بين اليأس والرجاء؟ # أسئلة لا أستطيع أن أجيب عنها، ولا أريد أن أجيب عنها؛ لأني لست إخصائيا في أدب ~~ڤولتير، بل لست إخصائيا في الأدب الفرنسي، ولأني لم أرد أن أقدم إليك بحثا في ~~التاريخ الأدبي وإنما أردت أن أقدم إليك حديثا من هذه الأحاديث التي تدعو إلى ~~التفكير وترغب في القراءة، وإذا كنت قد وفقت في هذا الحديث إلى أن أرغبك في ~~قراءة هذا القصص الرائع الذي تركه لنا ڤولتير، وفي تعمق البحث عن صور المرأة في ~~هذا القصص فأنا راض كل الرضا إلا عن شيئين اثنين؛ أحدهما أني لم أحسن البحث ~~والاستقصاء، والثاني أني كنت أريد الإيجاز فاضطررت إلى الإطالة فأثقلت بذلك على ~~القارئ وعلى المجلة، وشجعت بذلك الكتاب على أن يرسلوا إلينا فصولا طوالا كهذا ~~الفصل الطويل، وأي بأس على الكتاب إذا ذهبوا في الثرثرة مذهب رئيس التحرير. # | في الحب # سيبسم لهذا العنوان قوم وسيعبس له آخرون، وسيكون بين الباسمين من يبسم عن رضا لأنه ~~يريد أن يقرأ عن الحب شيئا، ومن يبسم عن سخرية لأنه لا يرضى أن يكون الحب موضوعا ~~للحديث في مجلة ينتظر منها الجد الصارم ولا يحب منها الإقبال على لغو الحديث، فأما ~~العابسون فسيكون عبوسهم سخطا خالصا؛ لأن حديث الحب لهو كله، وما أكثر الصحف ~~والمجلات التي تلهج باللهو وتغرق فيه! # ومع ذلك فقد كانت حياتنا في العصر الأول أسمح ms088 من هذا كله وأكثر يسرا، وكانت أحاديث ~~الحب لا تثير سخطا ولا عبوسا وإنما تثير رضا وابتهاجا وتدعو إلى الروية ~~والتفكير في كثير من الأحيان، وقد مضى في تاريخنا الأدبي والعقلي عصر لم يكن الحب ~~فيه هزلا ولا دعابة، وإنما كان جدا خالصا لا يخلو من صرامة وحزم في كثير من ~~الأحيان، فلم يكن حب الغزلين في شمال الحجاز وفي نجد لهوا ولا مجونا، ولا ~~مصدرا للدعابة والفكاهة، وإنما كان جزءا من جد الحياة اقتضته ظروف من السياسة ~~والدين فدفع إليه الغزلون في شيء من التصوف لعله خير ما يستحق البقاء من شعرنا ~~العربي القديم، ونحن نقرؤه فنجد راحة إليه واستمتاعا به لا يشوبهما مجون ولا يتصل ~~بهما ميل إلى العبث واللهو، وإنما تجد فيهما النفوس غذاء روحيا يرتفع بها عن ~~صغائر الحياة، ويعزيها عن هذه السفاسف اليومية التي تنزل بها عما تحب لنفسها من ~~مكان رفيع. على أن هذا الهيام الذي شمل النفس العربية في نجد وشمال الحجاز لم ~~يتردد في أن يغزو البيئات الدينية والعلمية الصارمة الحازمة في مكة والمدينة، فقد ~~كان شعر جميل وكثير والقيسين ينشد في المسجد الحرام وينشد في المسجد ~~النبوي، ويستمتع به في هذين المسجدين المطهرين قوم وقفوا أنفسهم على رواية العلم ~~والدين لا يجدون في ذلك حرجا ولا جناحا؛ وربما تجاوز بعضهم هذا الاستمتاع ~~بأحاديث الحب وما كان ينشد فيه من شعر إلى الحب نفسه؛ فشقي بالحب إن كان الحب ~~شقاء، ونعم بالحب إن كان الحب نعيما، وذاق لذته المؤلمة وحلاوته المرة، إن صح أن ~~تكون اللذة مؤلمة وأن تكون الحلاوة مرة. # وقد كان عبد الرحمن بن أبي عمار الجشمي صاحب قراءة للقرآن ورواية للحديث، وإقبال ~~على النسك والزهد وتفرغ للعبادة والطاعة، حتى لقبه أهل مكة بالقس، فلم يمنعه ذلك ~~حين رأى سلامة وسمع غناءها أن يحبها حبا انتهى به إلى الهيام وجعله شاعرا ~~غزلا كغيره من الشعراء الغزلين. لم يجد في ذلك حرجا ولا جناحا؛ لأن ذلك لم ~~يورطه في إثم ولا ms089 فسوق، وعبد الرحمن بن أبي عمار القس هو الذي يقول في سلامة هذين ~~البيتين الرائعين: # سلام هل لي منكم ناصر # أم هل لقلبي عنكم زاجر # قد سمع الناس بوجدي بكم # فمنهم اللائم والعاذر # ويزعم الرواة أن سلامة أحبت القس وحببت إليه، وهمت ذات يوم أن تقبله أو أن ~~تضع فمها على فمه كما يقول الرواة، ولكنه امتنع عليها مؤثرا نقاء القلب وصفاء ~~الضمير، مشفقا أن ينعم بحبها في الدنيا فيشقى بحبها في الآخرة ويصبح من هؤلاء ~~الأخلاء الأعداء الذين ذكرهم القرآن الكريم. # وقد آثر ابن عباس رحمه الله - كما يعرف الناس جميعا - أن يسمع لغزل ابن أبي ~~ربيعة على أن يسمع لأسئلة نافع بن الأزرق في الفقه والحديث وتفسير القرآن، فقد كان ~~القدماء أسمح منا نفوسا وأحسن منا استقبالا لأمور الحياة، يعنفون بأنفسهم في ~~مواضع العنف، ويرفقون بها في مواطن الرفق، ولا يتكلفون هذا الجد السخيف والتزمت ~~الذي لا يدل على شيء، وأنا بعد هذا كله لا أريد أن أتحدث عن الحب مرغبا فيه أو ~~مرغبا عنه، محسنا له أو زاريا عليه، بل لا أريد أن أتحدث عن الحب في نفسه، ~~وإنما أريد أن أتحدث عنه من حيث إنه كان موضوعا للبحث والدرس والتأليف عند أديبين ~~عظيمين؛ أحدهما عربي مسلم قديم، والآخر أوروبي مسيحي حديث، فأما أولهما فهو ابن ~~حزم الأندلسي، وأما ثانيهما فهو ستندال الفرنسي، فقد عاش أولهما في القرن الحادي ~~عشر، وعاش ثانيهما في القرن التاسع عشر، فبينهما نحو ثمانية قرون، وهما بعد ذلك ~~يختلفان أشد الاختلاف ولا يكادان يتفقان إلا في الشيء اليسير جدا. # فابن حزم مسلم متعمق للإسلام، يؤمن به إيمانا صادقا متينا، يرتفع به إلى شيء ~~يوشك أن يكون نسكا، وهو قد وقف حياته أو أكثر حياته على تعمق العلوم الإسلامية ~~والعربية؛ فهو متقن لرواية الحديث، محسن للفقه، متخصص في الكلام متفوق في الجدل، ~~عالم بشئون الفرق الإسلامية، مهاجم لأكثرها مدافع عن أقلها، منافح عن الإسلام، ~~ناقد لما ورث المسيحيون واليهود من المسيحية واليهودية، عارض ms090 لكل مسألة من مسائل ~~الدين بالدرس والنقد والتحليل، مظهر رأيه فيها، مؤيد له بما يرى أنه الحجة القاطعة ~~والبرهان الساطع الذي لا يمكن الشك فيه، فهو بذلك رجل من رجال الدين، ومن رجال ~~الدين الذين وقفوا أنفسهم وحياتهم على درسه واستقصائه، والذود عنه والقيام من ~~دونه. # وهو صاحب مذهب بعينه في الدين ليست عليه كثرة المسلمين؛ فهو ظاهري يؤثر النص ويكره ~~التأويل، ولا يحب التأول ولا يميل إلى التأويل، وهو من أجل ذلك لا يخاصم في ~~الكلام وحده وإنما يخاصم في الفقه أيضا، وهو من أجل ذلك متقن للغة أشد الإتقان، ~~متعمق لكل ما يتصل بها من علم أشد التعمق؛ فهو لغوي، وهو نسابة، وهو راوية للشعر ~~والأدب والأخبار، ثم هو قبل هذا كله من أسرة قد تولت الوزارة واتصلت بالقصور وعملت ~~في الدواوين ودبرت أمور السياسة، وقد شارك في بعض ما نهضت به الأسرة من الأعباء، ~~ولكنه صرف نفسه عن السياسة، أو صرفته الظروف عن السياسة إلى العلم، فأحاط بكل ما ~~كانت تتكون منه الثقافة الإسلامية العربية في ذلك الوقت، ثم لم يكتف بأن يكون ~~عالما ممتازا، بل أراد أن يكون معلما ممتازا أيضا، ومؤلفا ممتازا كذلك، هذا ~~هو ابن حزم. # أما ستندال فقد نشأ في عصر الثورة الفرنسية، وشارك في الخطوب السياسية والعسكرية ~~التي امتلأ بها عصر نابليون وقاتل في غير موقعة من مواقع هذا القائد العظيم، وشهد ~~الأحداث الكبرى التي اضطربت لها فرنسا ثم اضطربت لها أوروبا ثم اضطرب لها العالم ~~كله في آخر القرن الثامن عشر وفي النصف الأول للقرن التاسع عشر، وهو بحكم نشأته ~~وبيئته والعصر الذي عاش فيه، مسيحي اللون حر الضمير واسع الثقافة إلى أبعد حد ~~ممكن، ولكنه لم يكن وزيرا ولم يحاول أن يكون وزيرا، ولم يكن معلما ولم يحاول أن ~~يكون معلما، وإنما عاش لنفسه أولا، ومنح قلبا ذكيا وعقلا خصبا وضميرا ~~حيا ونبوغا فنيا ممتازا، فلم يجد بدا من أن يصور حياته وحياة الناس من ~~حوله وحياة العصر الذي عاش ms091 فيه. # فالاختلاف بين هذين الرجلين بعيد إلى أقصى غايات البعد، ولكنهما على ذلك يلتقيان في ~~بعض الأمر، فكلاهما أوروبي المولد والنشأة؛ ولد ابن حزم ونشأ وعاش في إسبانيا، ~~وولد ستندال وعاش في فرنسا وغيرها من البلاد الأوروبية. # وقد ذكرت آنفا أن ابن حزم عربي مسلم، وما أردت بعروبته هذا المعنى الضيق الذي يتصل ~~بالجنس والنسب؛ فقد يقال إن ابن حزم لم يكن عربيا صليبة، وإنما أردت هذه العروبة ~~التي تتصل بالثقافة والسياسة والدين واللغة والنشأة، وهذه الخصائل التي هي أهم ألف ~~مرة ومرة من الجنسية والعنصرية. # فقد كان الرجلان إذن أوروبيين، ولكن أحدهما عربي الحياة والآخر فرنسي الحياة، ~~وأحدهما من أبناء القرن الحادي عشر والآخر من أبناء القرن التاسع عشر، وقد كان ~~الرجلان يلتقيان في شيء آخر؛ فكلاهما عاش في عصر فتنة واضطراب. عاش ابن حزم في عصر ~~انهيار الدولة الأموية في الأندلس وانتثار النظام السياسي في هذا الجزء من أوروبا، ~~وقل إن شئت في هذا الجزء من العالم الإسلامي القديم، وقد شهد ابن حزم انتقال ~~السلطان من بني أمية إلى حجابهم، ثم انهيار الأمر حول هؤلاء الحجاب، وقيام ملوك ~~الطوائف، وتدخل البربر في شئون العرب الإسبانيين، ثم هو لم يشهد ذلك من برجه ~~العاجي، وإنما شهده شهود المشارك فيه، المصطلي بناره، المتحمل لآثاره، فذاق السجن ~~ونفي من الأرض وتقاذفته مدن الأندلس، بل تقاذفته مدن العالم الإسلامي الغربي؛ ~~فهو قد عبر إلى إفريقية، وهو قد عبر إلى الباليار، وهو قد لقي في هذا كله ألوانا ~~من المحن وضروبا من الخطوب. # وعاش ستندال في عصر الثورة وفي عصر الحروب التي أثارها نابليون أو أثيرت عليه، ~~وشارك في هذه الحروب فانتصر حين انتصر نابليون وانهزم حين انهزم نابليون، واضطرته ~~هذه الحروب إلى التقلب في أقطار أوروبا، فذهب إلى ألمانيا والنمسا والروسيا وأقام ~~في إيطاليا فأطال الإقامة وعاد آخر الأمر إلى فرنسا. # وليس المهم بالقياس إلى هذين الرجلين أنهما عاشا في عصر فتنة واضطراب وتأثرا بهما ~~في حياتهما المادية، وإنما المهم أن كليهما ms092 قد منح حسا دقيقا وشعورا رقيقا، ~~وعاطفة ثائرة، ومزاجا حادا وذوقا رفيعا، فتأثر بهذه الفتنة وتأثر بهذا ~~الاضطراب، وعاش عيشة سخط وشذوذ وقلق لا عيشة رضا واطمئنان وحرص على ملاءمة الجيل ~~الذي كان يعيش فيه. # كان ابن حزم شاذا في إسبانيا المسلمة المضطربة، وكان ستندال شاذا في فرنسا ~~المسيحية الثائرة، وكان كلاهما ساخطا على ما يرى، منكرا لما يشهد، عاكفا على ~~نفسه يتسلى بعلمه وأدبه عما يجري حوله من الخطوب. # في هذا كله كان الرجلان يختلفان ويتفقان، ومن هنا فرغ ابن حزم لعلوم اللغة والدين، ~~وفرغ ستندال للقصص والإنشاء الأدبي الخالص، ومن النافع أن نقف عند هذين الكاتبين ~~وقفة قصيرة؛ فقد يكون من المفيد أن نرى كيف عني الأديب المسلم القديم والأديب ~~المسيحي الحديث بهذا الأمر الخطير الذي هو الحب. # وإذا قلت إن الحب أمر خطير؛ فإنما أصدر في ذلك عن ابن حزم من جهة وعن ستندال من جهة ~~أخرى، ولست في حاجة إلى أن أصدر في ذلك عن شعر الشعراء ولا عن أدب الأدباء ولا عن ~~الحياة نفسها؛ لأني لا أكتب فصلا في الحب من حيث هو، وإنما أكتب فصلا في الحب ~~كما صوره هذان الأديبان. # والظاهر أن الحب قد كان خطيرا حقا في إسبانيا المسلمة أيام ابن حزم، وليس أدل ~~على ذلك من أن هذا المحدث الفقيه المتكلم الفيلسوف المنفي من أرض وطنه قد فرغ ~~لكتابة رسالة فيه، وهو لم يفرغ لكتابة هذه الرسالة إلا لأن صديقا من أصدقائه ~~الفقهاء المحدثين المتأدبين قد طلب إليه أن يكتب هذه الرسالة، فلولا أن الأمر له ~~شيء من خطر لما طلب هذا الفقيه المحدث الأديب إلى ابن حزم أن يفرغ له ويكتب فيه، ~~ولما أجاب ابن حزم إلى ما طلب إليه وهو على جناح سفر قد أزعج عن وطنه واستقر ~~في شاطبة لينتقل منها إلى منفى آخر. # ثم نحن نقرأ كتاب ابن حزم فنرى أن الحب قد شغل ابن حزم في حياته كلها كما شغله ~~الفقه والتفسير والحديث والكلام، ونقرأ كتاب ms093 ابن حزم فنرى أن الحب لم يشغله وحده، ~~ولم يشغله مع صاحبه الذي طلب إليه تأليف الكتاب وحدهما، وإنما الظاهر أنه كان يشغل ~~الناس جميعا في إسبانيا المسلمة لعهد ابن حزم، ولعله كان يشغل المثقفين ~~والممتازين أكثر مما كان يشغل غيرهم من الناس. # أما في فرنسا فالحب شيء خطير في كل وقت لا يحتاج ذلك إلى دليل، ولكنك سترى أن ~~ستندال لم يكن يقدر الحب كما ألفه مواطنوه الفرنسيون. # أكاد أعتقد أن في نفوسنا من إسبانيا المسلمة صورة غير مطابقة للحقيقة الواقعة أثناء ~~القرن الخامس للهجرة على أقل تقدير، فنحن نقرأ فقها وفلسفة وحديثا وكلاما ~~وتفسيرا ولغة، ونحن نقرأ أخبار الفتن والحرب فيخيل إلينا أن إسبانيا المسلمة ~~قد كانت في القرن الخامس موطن الجد المظلم والثورات المنكرة والاختلاف المؤذي ~~للنفوس، لا نكاد نستثني من ذلك إلا هذه البيئات الخاصة التي كانت تمتاز بالعكوف ~~على اللذات والانصراف إلى الشعر والموسيقى والغناء، ولكن ابن حزم يعطينا في كتابه ~~«طوق الحمامة» صورة أخرى لإسبانيا المسلمة في ذلك العهد، صورة وطن كان الناس فيه ~~جميعا يذوقون الحب، ويبلون لذاته وآلامه، يتعرضون له كما يتعرضون لغيره من محن ~~الحياة، بل يتعرضون له كما يتعرضون للموت، لا فرق في ذلك بين أصحاب الجد منهم ~~وأصحاب الهزل، ولا بين الذين يفرغون للعلم والدين، والذين يفرغون للأدب والفن، ~~والذين يفرغون للسياسة والحرب. # وأكبر الظن أن أمور الناس كلهم تجري على هذا النحو في جميع أقطار الأرض، ولكن ~~حظوظ الناس من الحرية في تصوير هذا والتعبير عنه تختلف باختلاف الأوطان والبيئات ~~والظروف، والظاهر أن إسبانيا المسلمة كانت على حظ عظيم لا في الحب وحده بل في ~~التحدث عن الحب أيضا، ومن الحق أن ابن حزم تحرج شيئا أو كاد يتحرج شيئا من ~~الكتابة في هذا الموضوع، ولكنه لم يلبث أن يعفي نفسه من هذا الحرج بآثار رواها في ~~أول الكتاب وبحض على الطاعة ونهي عن المعصية، وترغيب في الفقه سجلها في آخر ~~الكتاب، فقد روى ابن حزم بسنده المتصل ms094 إلى أبي الدرداء رحمه الله أنه كان يقول: ~~«أجموا النفوس بشيء من الباطل؛ ليكون عونا لها على الحق.» وروى آثارا أخرى ~~عن جماعة من السلف الصالح رحمهم الله. # وكان هذا أشبه باستئذان للدخول في هذا الموضوع الخطير الذي يظهر أن ابن حزم فكر فيه ~~وعاش معه منذ نشأ إلى أن مات، وأخص ما يتفق فيه ابن حزم وستندال أنهما لم يريدا أن ~~يكتبا في الحب كتابة المتزيد المتكلف، وإنما أرادا أن يكتبا فيه كتابة العالم الذي ~~يؤثر البحث والاستقصاء، ويعتمد على الملاحظة والمشاهدة، ويستنبط من هذا كله أصولا ~~وقواعد هي أشبه بالعلم وأقرب إليه من شبهها بالأدب وقربها إليه، فليس الذي يعنيهما ~~أن يرويا الأخبار ولا أن يستنبئا الخيال ولا أن يفلسفا في غير موضع للفلسفة، وإنما ~~الذي يعنيهما أن ينظرا إلى الواقع ويعمدا إليه ويأخذا منه في غير تكلف ولا تصنع ~~أيضا، كلاهما يريد العلم ويعتمد على الظواهر الواقعة، ولكن أحدهما يعيش في القرن ~~الحادي عشر، والآخر يعيش في القرن التاسع عشر، وبين حياة العقل الإنساني في هذين ~~العصرين أمد بعيد؛ فابن حزم يعيش في عهد الكلام وما بعد الطبيعة، وستندال يعيش في ~~عهد العلم والتجربة، فليس غريبا أن يكون ابن حزم فيلسوفا حين يفسر الظواهر ~~الواقعة، وأن يكون ستندال عمليا حين يفسر هذه الظواهر نفسها. # ومن هنا عمد ابن حزم إلى تعريف الحب كما كان الناس في عصره يعمدون إلى تعريف كل ~~شيء، وعمد إلى تعريفه على النحو الفلسفي الذي ألفه أصحاب المنطق؛ فهو يثبت قبل كل ~~شيء أن الحب حقيقة واقعة لا منصرف عنها ولا تخلص منها، وأنه من أجل ذلك شيء مباح ~~لا ينكره الدين ولا العرف ما دام لا يتجاوز حدود الدين والعرف، وهو يذكر الحب الذي ~~ألم بطائفة من خلفاء بني أمية في الأندلس ومن خلفاء الفاطميين في مصر، والحب الذي ~~ألم ببعض الفقهاء من أبناء الصحابة والتابعين وما أفتى به ابن عباس رحمه الله في ~~بعض الأمور التي تتصل بالحب، ثم يذكر بعد ms095 ذلك «مائية الحب» كما يقول، وهي كلمة ~~يأخذها من «ما»، وهي توازي كلمة «الماهية» عند الشرقيين من أصحاب المنطق والفلسفة، ~~كأن الشرقيين يأخذون كلمتهم من «ما هو»، وكأن ابن حزم وأصحابه الأندلسيين يأخذون ~~كلمتهم من «ما» وحدها، فيجعلون الألف همزة حين ينسبون. ومائية الحب كما يقول ابن ~~حزم، أو ماهيته كما يقول الشرقيون؛ هي عند ابن حزم: «الاتصال بين أجزاء النفس ~~المقسومة في هذه الخليقة في أصل عنصرها الرفيع.» كان ابن حزم يذهب إلى ما ذهب إليه ~~بعض الفلاسفة من قدماء اليونان من أن هناك عنصرا رفيعا تأتلف منه نفس واحدة قد ~~قسمت أجزاؤها على المخلوقات ذوات النفوس، فقد يحدث اتصال بين بعض هذه الأجزاء ~~المقسمة بين الناس فيكون الحب، وقد يحدث انفصال فيكون البغض، وبمقدار ما يكون ~~الاتصال قويا أو ضعيفا يقوى الحب أو يضعف، وبمقدار ما يكون الانفصال قويا أو ~~ضعيفا يشتد البغض أو يلين. # وهذا الاتصال إنما هو ملاءمة في الشكل وتشابه في الطبع وحنين جزء من النفس إلى جزء ~~آخر من النفس، والأعراض الطارئة هي التي تباعد بين هذه الأجزاء أو تتيح لها أن ~~تقترب وتأتلف، وابن حزم لا يحب أن يذهب مذهب إمامه محمد بن داود الظاهري ومذهب ~~غيره من الفلاسفة الذين يرون أن النفوس كرات مستقلة تستقر في المخلوقات إلى حين، ~~وإنما هو يرى أن النفوس أجزاء من نفس واحدة قد قسمت على المخلوقات إلى حين، ثم ~~هي تعود إلى أصلها، وإن كان ابن حزم لم يصرح بهذه العودة في هذا الكتاب، والشيء ~~المهم هو أن الحب عند ابن حزم لا يأتي من الأجسام وإنما يأتي من النفوس، وليست ~~الأجسام في حقيقة الأمر إلا وسائط ووسائل تتيح للنفوس أن تتقارب أو أن تتباعد، ~~وآية ذلك أن من الناس من يحب شخصا تنقصه هذه الخصلة أو تلك من خصال الجمال ~~الجسمي وهو يعلم أن بين الناس من يستوفون خصال الجمال كلها أو أكثرها، ومن ~~يزيدون على محبوبه في هذه الخصال، فلو كان الجمال الجسمي مصدر ms096 الحب لما أمكن أن ~~يحب الإنسان شخصا قبيحا أو منقوص الحسن، ونحن نعلم أن العاشقين لمن لا يبلغ ~~الحسن فيهم أقصاه ولمن يقدر عليهم القبح ليسوا قليلين، ولا تفسير لذلك عند ابن حزم ~~إلا أن الحب ظاهرة تتصل بالنفوس ولا تتصل بالأجسام إلا اتصالا عارضا، فنحن هنا ~~أمام بحث فلسفي يتصل بما بعد الطبيعة أكثر مما يتصل بالطبيعة نفسها، أو قل: إنه ~~يتخذ الطبيعة سلما يرقى فيه إلى ما بعد الطبيعة، وليس شيء من هذا كله غريبا؛ ~~فابن حزم يعيش في القرن الحادي عشر، والعلم عنده ما ورث عن الفلاسفة ~~والمتكلمين. # فأما ستندال فهو لا يعمد إلى التعريف ولا يفكر في الاستنباط المنطقي، وإنما يعمد ~~إلى الاستقراء والاستقصاء، فهو لا يعرف الحب جملة وإنما يستقصي أنواع الحب عند ~~أفراد الناس وعند أصنافهم، وهو يضع أصلا في أول كتابه لا يكاد يحققه حتى يشك في ~~دقته ويفتح باب الاستقراء والاستقصاء من جديد. # فليس هناك حب واحد إذن، وإنما هناك أنواع أربعة من الحب؛ أولها الحب الجامح الذي ~~يملك على النفس أهواءها وعواطفها وحسها وشعورها، والذي يندفع كالسيل لا يلوي على ~~شيء ولا يترك لصاحبه حظا من أناة أو روية أو تفكير، والثاني الحب المترف الذي ~~ينشئه التكلف وما تقتضيه الحضارة الراقية المصفاة من إتراف في الذوق، وتأنق في ~~فنون المتاع، والذي لا يكاد يتصل بالنفس ولا بالقلب، ولا يكاد يؤثر في العاطفة أو ~~في الشعور، وإنما هو لون من ألوان الذوق، وفن من فنون الترف، قد وضعت له قواعده ~~وأصوله، وأحاط الناس بأسراره ودقائقه، فهم يصعدون فيه عن علم وينتهون إلى غايته ~~عن بصيرة، والثالث الحب الجسدي الذي تدفع إليه الغرائز والذي يشترك فيه الإنسان ~~والحيوان، والرابع حب الغرور الذي ينشأ عن الكبرياء وإيثار النفس بهذه الظواهر ~~الخداعة التي يكبر بها الإنسان أمام نفسه وإن لم يكبر بها في أنفس الناس، وقد مثل ~~ستندال لأنواع الحب هذه بأمثلة تصورها تصويرا صادقا وتدل عليها دلالة واضحة، ~~فأبطال الحب المعروفون الذين تحدث عنهم ms097 التاريخ يصورون النوع الأول، والمترفون من ~~الفرنسيين أثناء القرن الثامن عشر يصورون النوع الثاني، والصائد الذي يشتهي قروية ~~رآها تهيم في الغابة فأعجبه شكلها يصور النوع الثالث، وكثرة الشعب الفرنسي في عصر ~~ستندال تصور النوع الرابع. على أن ستندال لا يلبث أن يلاحظ أن هذا التقسيم ليس ~~دقيقا ولا نهائيا، وأن من الممكن أن ينحل كل نوع من هذه الأنواع الأربعة إلى ~~أنواع أخرى جزئية يدل عليها بألفاظ أخرى، فأمور الحب أشد دقة وأكثر اختلافا وأيسر ~~تفاوتا من أن تستقصى على نحو قاطع محتوم، وليس المهم عند ستندال أن تحصى ~~أنواع الحب أو تستقصى، وإنما المهم أن نتبين كيف ينشأ الحب وكيف ينمو وكيف يضعف ~~وكيف يموت، وستندال يرى أن هذا كله إنما يجري طبقا لقوانين يعرضها في هذا الكتاب، ~~والإعجاب هو أول درجة من درجات الحب ترقاها النفس حين تتجاوز نظرتها العادية ~~البريئة من الاكتراث إلى الشخص الذي كتب لها أن تحبه، فهي تبدأ بالخروج عن عدم ~~الاكتراث إلى التفات خاص لا يكاد يتم حتى ينشأ عنه إعجاب يقف النفس عند هذا الشخص ~~الذي التفتت إليه، ولا يكاد هذا الإعجاب يتصل حتى ترقى النفس في هذا السلم إلى ~~درجة أخرى، وهي درجة التوق والشوق أو الطموح إن شئت، وهي الدرجة التي يقول فيها ~~الإنسان لنفسه: أحبب إلي بأن أقبل هذا الشخص أو بأن يقبلني؛ فهو طموح إلى ~~الاتصال المادي بعد أن تم الاتصال النفسي. # ثم يرقى الإنسان إلى الدرجة الثالثة، فأنت تستطيع أن تتوق وأن تشتاق وأن تطمح، ولكن ~~هذا كله شيء وانتظار الوصول إلى ما تطمح إليه شيء آخر، فإذا تجاوزت الطموح إلى ~~الأمل فقد ارتقيت إلى الدرجة الثالثة في تصديك للحب، ثم لا يكاد يستقر الأمل في ~~نفسك، أو لا تكاد نفسك تستقر في الأمل، حتى تبلغ الدرجة الرابعة، وهي الدرجة التي ~~يتم فيها تكون الحب، فأنت قد أعجبت ثم اشتقت ثم أملت، ثم استحال هذا كله في ~~نفسك إلى لذة قوية تحدث بمجرد أن ترى من ms098 تحب أو أن تسمعه أو أن تمسه أو أن تتصل ~~بسبب من أسبابه، وأنت إذا وجدت هذه اللذة معرض لأن تجد الألم إذا انقطعت ~~الأسباب بينك وبين من تحب، وكذلك لا تبلغ الدرجة الرابعة حتى تضطرب بين ما يحدث ~~الحب من لذة وألم، ومن نعيم وجحيم، وإذا وجد الحب فلا بد له من أن ينمو، إلا أن ~~يقتل يوم مولده ونموه. يبدأ حين تبلغ الدرجة الخامسة، وهي ما يسميه ستندال ~~التبلور الأول، ومنشؤها اتصال تفكيرك فيمن تحب، فأنت لا تفكر فيه كما هو قبل أن ~~تلتفت إليه، أو قل: إنك لا تفكر فيه كما يفكر فيه غيرك من الناس الذين لا يحفلون ~~به ولا يأبهون له، وإنما تسبغ عليه شيئا من إعجابك به وشوقك إليه وأملك فيه، وإذا ~~أنت تضيف إليه محاسن تزعم أنها لا توجد في غيره، وإذا أنت تقوي شعورك بالغبطة حين ~~تتصل به بمقدار ما تضيف إليه من المحاسن، فهو وحده الذي يستطيع أن يرضي ما تطمح ~~إليه نفسك من المثل العليا في اللذة والسعادة والنعيم، وغيره لا يقدر على أن يبلغك ~~من هذا كله شيئا؛ لأن هذا كله موصول بما خلعت على محبوبك من المحاسن والخصال التي ~~ميزته بها من الناس جميعا، وكذلك تتصل نفسك به اتصالا قويا متينا غير ~~مقطوع، وإذا أنت حريص أشد الحرص على استبقاء هذا الاتصال والتزيد منه في كل لحظة ~~ما وجدت إلى ذلك سبيلا، وإذا بلغت هذا الحرص فليس لك بد من أن ترقى إلى الدرجة ~~السادسة؛ فالحرص مصدر الخوف والشك، ومتى انتهيت من الحرص إلى غايته فلا بد لك من ~~أن تشك في أنك موفق أو غير موفق، وأنت في هذه الدرجة السادسة تسأل نفسك بين لحظة ~~ولحظة، أيجد حبك صدى في نفس محبوبك أم لا يجد؟ ثم أنت لا تكتفي بهذا السؤال، ولا ~~تطمئن إلى هذا الشك، ومتى اطمأن الإنسان إلى الشك؟! إنما أنت مضطر إلى أن تلتمس ~~الدليل القاطع على أنك لم تخطئ فيما قدرت، ولم تخفق ms099 فيما طلبت، وعلى أن محبوبك ~~يقارضك حبا بحب ويبادلك هياما بهيام، وأنت كذلك تسأل نفسك ثم تجيب نفسك، ثم تشك ~~في الجواب فتستأنف السؤال، فإذا طال عليك هذا الأمر وظفرت بالإشارة الدالة أو ~~اللمحة المطمعة أو الآية المقنعة فأنت راق على رغمك إلى الدرجة السابعة وهي ~~التبلور الثاني كما يسميها ستندال، فأنت قانع بأنك محبوب، وأنت تزين لنفسك هذا ~~الحب الذي تجده والذي تطمئن إلى أن له صدى في نفس من تحب، تخلع على هذا الحب من ~~صفات القوة والسعة والعمق والجمال ما شئت وما لم تشأ، ثم يصبح هذا الحب حياتك ~~التي تملك عليك كل شيء، وتصرفك عن كل شيء وتأخذ عليك طريقك، وقد انتهيت الآن إلى ~~قمة الحب، فلم يبق إلا أن يتصل نعيمك به أو شقاؤك، بما يمكن أن يعرض له من الضعف ~~والفتور. # كذلك يعرض ستندال مقدمات الحب ونشأته ونموه وبلوغه إلى أقصى غاياته، ثم هو يعود إلى ~~هذه الدرجات بعد ذلك فيدرسها درسا مفصلا عميقا يضرب له الأمثال ويستدل عليه ~~بالوقائع، فهو كما ترى بعيد كل البعد عما بعد الطبيعة، قريب كل القرب من الطبيعة ~~نفسها، لا يلتمس للحب حدا ولا رسما ولا تعريفا، وإنما يميز أظهر أنواعه ثم ~~يتبعه منذ تتهيأ النفس له إلى أن تفنى النفس فيه، وواضح جدا أن ستندال حين يسلك ~~هذه الطريق إنما يذهب مذهب العلماء المعاصرين له الذين تأثروا بنشأة العلوم ~~التجريبية وتطورها، فاعتمدوا على الملاحظة المباشرة أكثر مما اعتمدوا على أي شيء ~~آخر. # وقد هم ابن حزم أن يسلك هذه الطريق نفسها، بل هو لم يسلك إلا هذه الطريق، طريق ~~الملاحظة المباشرة؛ فهو لا يخترع أحاديثه عن الحب اختراعا ولا يبتكرها ابتكارا ~~ولا يخلقها من عند نفسه، وهو لا يكاد يلم بالفلسفة إلا حين يحاول تعريف الحب، وهو ~~لا يقرر أصلا من الأصول ولا فرعا من الفروع إلا مستمدا له مما رأى بنفسه، أو ~~مما وجد في نفسه، أو مما سمع من الذين لا يعرض الشك له فيما ms100 يلقون من الأحاديث، ~~فابن حزم معتمد على الملاحظة المباشرة كما يعتمد عليها ستندال، ولكن ابن حزم لا ~~ينتفع من ملاحظته المباشرة كما ينتفع بها ستندال، فبين الرجلين دهر طويل تطور ~~فيه العقل الإنساني، وتطورت فيه مذاهب البحث ومناهجه، ووسائل الملاحظة وأدواتها ~~تطورا عظيما بعيد المدى، فملاحظة ابن حزم دقيقة كملاحظات ستندال، ولكنها قريبة ~~لا تتعمق ولا تكاد تتجاوز نفسها إلا قليلا؛ لأن ابن حزم لم يظفر من أدوات البحث ~~والاستقصاء والتعمق بمثل ما ظفر به الكاتب الفرنسي الحديث. # وبين الرجلين فرق آخر، وهو أن ابن حزم على شذوذه الذي لفت إليه المعاصرين جميعا في ~~الشرق والغرب، بل لفت إليه الذين جاءوا بعده بوقت طويل، لم يستطع أن يخلص من ~~العادة المألوفة في التفكير والاستنباط؛ فهو قد فكر كما كان الناس يفكرون من ~~حوله، بل كما فكر الناس من قبله ومن بعده، واستنبط كما كانوا يستنبطون، لم يستطع ~~أن يتجاوز ذلك؛ لأن وقت تجاوزه لم يكن قد آن، ولأن وسائل هذا التجاوز لم تكن قد ~~استكشفت بعد. # وقد يكون من الغريب أن ابن حزم قد صرح أكثر مما صرح ستندال، فستندال يزعم صادقا ~~أو غير صادق - ومن المحقق أنه غير صادق - أنه لم يتخذ نفسه موضوعا للملاحظة في أي ~~فصل من فصول كتابه؛ فهو لم يتحدث عن نفسه ولا عن عواطفه وشعوره بحال من الأحوال، ~~أما ابن حزم فيحدثنا عن نفسه في صراحة رائعة حقا، ولعل أحاديثه عن نفسه هي خير ~~ما اشتمل عليه الكتاب، وليس عليه من ذلك بأس؛ لأنه يحدثنا صادقا من غير شك أنه لم ~~يقترف في الحب إثما، ولم يورطه الحب في خطيئة كبيرة من الكبائر. # وهو من أجل ذلك يحدثنا عن نفسه في صراحة وإسماح، ويقص علينا من أنبائه ما يثير في ~~نفوسنا كثيرا جدا من الرفق به، والرثاء له، والعطف عليه. فنحن نشهده في دار ~~أبيه الوزير وقد تعلقت نفسه بجارية من جواري الدار رائعة الحسن، بارعة الجمال، ~~قوية النفس، صادقة العزم، حازمة الجد، لا ms101 تحب العبث ولا تميل إلى الدعابة، وإنما ~~تغرق في الجد إغراقا يكاد يدفعها إلى العبوس، وقد اجتمع أهل الدار في يوم من ~~الأيام التي يجتمعون فيها لبعض الأمر، وقد ألم بهم ضيف فطعموا ونعموا، وأشرفوا من ~~بعض أطناف الدار على البستان ينظرون إليه ثم إلى النهر، ثم يمدون أبصارهم إلى أبعد ~~من البستان وأبعد من النهر، فيرون من قرطبة وضواحيها منظرا عجيبا، وقد وقفت هذه ~~الجارية عند باب من أبواب الطنف تشرف منه على هذا المنظر الرائع الجميل، وابن حزم ~~يحتال متنقلا ليدنو منها ويقف من مكانها غير بعيد، ولكنها لا تحس احتياله ولا ~~تلاحظ قربه حتى تنأى وتنتقل إلى باب آخر، وابن حزم يتبعها رفيقا دائما محتالا ~~دائما متهالكا دائما، وهي تبعد كلما قرب، وتنأى كلما دنا، ثم يقترح مقترح أن ~~تهبط الجماعة إلى البستان وتجلس على عشبه الأخضر بين ما يزينه من شجر وزهر فيهبط ~~القوم، ويحاول ابن حزم أن يدنو فتنأى صاحبته، ثم يقترح مقترح على الجارية أن تغني، ~~وكانت بارعة في العزف متفوقة في الغناء، فتضرب وتغني، ويكون هذا كل ما استطاع ابن ~~حزم أن يظفر به من هذه الجارية، ثم تمضي الأيام وتحدث الأحداث وتلم الخطوب ويبعد ~~العهد، ويعود ابن حزم بعد أعوام إلى وطنه في قرطبة فيرى هذه الجارية وقد ابتذلتها ~~حوادث الدهر، واضطرتها الخطوب إلى أن تتكلف ما لا يتكلف أمثالها من المترفات، وإذا ~~الزهر قد ذوى، وإذا الحسن قد غاض، وإذا الضر قد بدا أو كاد يبدو، ونحن نرى ابن حزم ~~يصور نفسه لنا وقد شغفت فتاة قلبه كما لم تشغفه فتاة قط، وقد اتصل الحب بينه ~~وبينها، ثم اختطفها منه الموت، فانظر إلى الجزع الذي ليس بعده جزع، والوجد الذي ~~ليس بعده وجد، والعذاب الذي لا يشبهه عذاب، وإذا هو يقضي أياما لا يضع ثيابه ولا ~~ينعم بطعام أو شراب، وإذا هو يذكر حبيبته مستيقظا ويحلم بها نائما، ويقول في حبه ~~لها الشعر أثناء اليقظة وأثناء النوم، وإذا الأيام تمضي حتى ms102 تصبح أعواما ~~وأعواما، والسن تتقدم بالفتى قليلا قليلا حتى يصبح كهلا ثم يصير إلى الشيخوخة، ~~وحبه لتلك الفتاة ما زال شابا في قلبه لم يؤثر فيه مر الزمن ولم يستطع السلوان ~~أن يرقى إليه. # فابن حزم إذن يعتمد على الملاحظة المباشرة الحرة الصريحة، يلاحظ نفسه وخلطاءه، ~~ويلاحظ الناس من حوله، ولكنه على هذا كله مقيد مقصوص الجناح، لا يكاد يتعمق ولا ~~يكاد يرتفع؛ لأنه يفكر كما كان يفكر الناس في عصره؛ فأسبابه إلى التعمق ~~والاستقصاء قصار لا تتجاوز به القواعد السطحية أو التي توشك أن تكون سطحية. # وقد رتب ابن حزم كتابه ترتيبا منطقيا مقاربا، ولكنه كره أن ينفذ كتابه على ~~النحو المنطقي الذي رتبه قبل أن يبدأ في إنشائه، وآثر أن يخالف بين الخطة المرسومة ~~وتنفيذ هذه الخطة فوضع فصول كتابه حيث اقتضت مناسباتها أن توضع، لا حيث اقتضى ~~الترتيب المنطقي أن تكون، وهذا أيضا دليل على أن ابن حزم قد حاول أن يتخفف من ~~أثقال عصره ويتحرر من قيود التفكير التي كانت تمنع معاصريه من الحركة الحرة، كما ~~نفهمها نحن الآن، ولكنه لم يبلغ مما أراد إلا أقله وأيسره. # ودليل آخر على أن ابن حزم أراد أن يتحرر من هذه القيود فذهب إلى أبعد مما ذهب إليه ~~ستندال، ولكنه مع ذلك لم يبلغ ما أراد، وهو أن ابن حزم كره أن يرجع بحديث الحب إلى ~~ما امتلأت به كتب الأدب من أخبار العشاق والمحبين، فلم يحفل بكل ما كان من حديث ~~الأعراب، ومن غزل الغزلين في نجد والحجاز، ومن تكلف الشعراء بعد ذلك لما تكلفوا من ~~فنون الحب، وأبى إلا أن يقصر ملاحظته على نفسه وعلى ما رأى وما سمع من معاصريه، ~~على حين لم يكتف ستندال بما رأى وما سمع، وإنما اعتمد على ما قرأ أيضا، وعلى ما ~~قرأ من أخبار القدماء في جنوب فرنسا نفسها وفي إسبانيا المسيحية والمسلمة، بل على ~~ما قرأ من كتب العرب أنفسهم؛ فهو قد عرف كتاب الأغاني ونقل عنه أطرافا من ms103 أخبار ~~الغزلين، ومن أخبار جميل وبثينة بنوع خاص، والغريب أننا نعجب بابن حزم لأنه أعرض ~~عما كان يعرف من أمر القدماء وأبى أن يعتمد على غير الملاحظة المباشرة، ونعجب في ~~الوقت نفسه بستندال لأنه طلب ما لم يكن يعرف من حب القدماء، فاستقصى حب الغزلين في ~~جنوب فرنسا وتأثرهم في هذا الحب بحضارة المسلمين في الأندلس، ثم مضى يستقصي أصل ~~هذا الحب الإسباني حتى انتهى به «الأغاني» إلى صدر الإسلام ثم إلى العصر الجاهلي، ~~وقد أخطأ فيما فهم من ذلك وأصاب، ولكنه حاول ما لم يتعود أمثاله أن يحاولوه، فنحن ~~نعجب به من هذه الناحية، كما نعجب بابن حزم لأنه ترك ما لم يتعود أمثاله أن ~~يتركوه. # كلا الرجلين قصد إلى إجادة الدرس وإتقان البحث وتعمق الاستقصاء، ولكن أحدهما وفق ~~لما لم يوفق له الآخر لأنه ملك من الوسائل والأدوات وأسباب العلم والثقافة ما ~~لم يتح لصاحبه. # على أن هناك نواحي امتاز بها ستندال ولم تخطر لابن حزم على بال، فكلا الرجلين قد ~~حاول درس النفس الإنسانية من بعض نواحيها، وكلا الرجلين قد اتخذ هذا الدرس وسيلة ~~إلى نقد الحياة الاجتماعية المحيطة به، وكلا الرجلين قد أعطانا صورة دقيقة أو ~~مقاربة لهذه الحياة، ولكن ابن حزم وقف عند هذا الحد، فأما ستندال فتجاوز النقد إلى ~~الاقتراح، فستندال ينقد الحياة الفرنسية نقدا مرا، لا يكتفي بذلك بل يعرض ~~لتربية الفتاة فيستخلص عيوبها ويرد إلى العيوب كثيرا من آفات الحب عند الفرنسيين ~~بل عند الأوروبيين، ثم هو لا يكتفي بذلك بل يقترح مذهبا جديدا في تربية الفتاة ~~لتستطيع أن تحب حبا صحيحا صالحا نقيا، وتلهم الفتى حبا صحيحا صالحا ~~نقيا، ثم هو يتجاوز ذلك إلى الزواج، فينقد نظامه، ويقترح ألوانا من الإصلاح ~~تقرب المسافة بين الحب والزواج تقريبا بعيدا، وكل هذه أمور لم تخطر لابن حزم؛ ~~لأنه كما قلت كان مثقلا بقيود عصره مقصوص الجناح لم يستطع أن يتعمق ولا أن ~~يرتفع. # وفي كتاب ستندال لون آخر من ألوان البحث لم يخطر ms104 لابن حزم ولم يكن يمكن أن يخطر له، ~~فستندال يبحث عن الصلة بين الحرب وبين طبائع الشعوب من جهة، وبين الحب ونظام الحكم ~~من جهة أخرى، وهذا اللون من بحث ستندال ممتع حقا، ولا سيما حين يعرض لبعض خصائص ~~الشعوب والحكومات، فالحب مقيد بارد شديد الكسل والفتور في بلاد الإنجليز؛ لأن ~~طبيعة الإقليم وطبيعة الشعب وطبيعة الحكومة الأرستقراطية، كل ذلك يقتضي أن يكون ~~الحب الإنجليزي خجلا مستخذيا لا يظهر إلا على استحياء، والحب في إيطاليا جامح ~~مندفع لا يثبت أمامه شيء، وهو لا يستخفي ولا يتردد ولا يستخذي ولا يخجل، وإنما ~~يظهر صريحا حرا كما تظهر الشمس؛ لأن طبيعة الإقليم الإيطالي والشعب الإيطالي ~~وتفرق السلطان في إيطاليا لعهد ستندال، كل ذلك يقتضي أن يكون الحب الإيطالي جريئا ~~عنيفا مقداما، والحب في فرنسا مغرور منافق لا يكاد يثبت ولا يستقر؛ لأن طبيعة ~~الشعب الفرنسي والإقليم الفرنسي ونظم الحكم في فرنسا بعد انهيار الإمبراطورية، كل ~~ذلك يقتضي أن يكون الحب الفرنسي مرائيا ثرثارا لا يقول شيئا ولا يصور شيئا، ~~فأين نحن من ابن حزم الذي لم يتجاوز بالحب وطنه الأندلسي؟! وقد خطر له مرة أو ~~مرتين أن يعبر بالحب مضيق جبل طارق ففعل، ولكنه تحدث إلينا عن أندلسي باع جارية ~~له كان يحبها لبعض البربر، ثم تبعتها نفسه، ولم يستطع السلو عنها، ولم يرد ~~البربري أن يعفيه من البيع، فرفع أمره إلى السلطان في قصة طريفة مؤثرة. # وقد مضى ابن حزم بالحب إلى الشرق فأبعد حتى انتهى إلى بغداد، ولكنه يحدثنا عن عالم ~~أندلسي انتهى إلى حارة لا تنفذ، ورأى في هذه الحارة جارية دلته على أن الحارة غير ~~نافذة، وكانت الجارية سافرة؛ فراعه حسنها وشغفه حبها، وخاف على نفسه ودينه ~~الفتنة فسافر إلى البصرة ومات فيها شهيدا لهذا الحب. # فكأن ابن حزم لم يرد أن يعرض في كتابه لغير الحب الأندلسي، درسه في موطنه، ثم تبعه ~~أحيانا إلى مهاجره في إفريقية أو في بغداد. # على أن هناك مسألة هي فيما أعتقد ms105 أجل خطرا من كل ما عرضت له في هذا الحديث إلى ~~الآن، لماذا ألف ابن حزم كتابه طوق الحمامة؟ ولماذا ألف ستندال كتابه في ~~الحب؟ # أما أيسر الجواب عن هذه المسألة فهو أن صديقا لابن حزم طلب إليه أن يضع له هذه ~~الرسالة ففعل، وأن ستندال أنفق حياته كلها متتبعا للحب على اختلاف صوره وأشكاله ~~ومواطنه، فألف فيه كتابا، ولكن هذا لا يقنعني، ويخيل إلي أن هناك جوابا آخر ~~قد يكون أجل من هذا خطرا وأبعد منه أثرا، فكتاب ابن حزم وكتاب ستندال لم يقصد ~~بهما إلى الحب في نفسه، وإنما قصد بهما إلى الفن، إلى فن تصوير الحب والتعبير عنه. ~~فقد ألف ابن حزم كتابه في البلاغة إذن، وقصد به إلى أن يعلم الشعراء والكتاب - ~~والشعراء خاصة - كيف يتصورون الحب وكيف يصورونه وكيف يصفونه في الشعر والنثر، وآية ~~ذلك هذه النماذج الشعرية التي يبثها في كل فصل من فصول الكتاب، وهي نماذج ينشئها ~~هو ولا ينقلها عن غيره، وأكبر الظن أنه صنع كثيرا من هذه النماذج خاصة لهذا ~~الكتاب. # وأما ستندال فقد ألف كتابا في النقد وفن الجمال، أراد به إلى أن يشرح أولا مذهبه ~~فيما عرض من أمر الحب في قصصه المختلفة، وأراد به بعد ذلك أن يعلم القصاص كيف ~~يتصورون الحب وكيف يصورونه وكيف يعرضونه فيما ينشئونه من القصص الطوال والقصار، ~~وآية ذلك هذه النماذج القصصية التي أضافها إلى كتابه بعد أن عرض نظرياته في ~~الحب. # فنحن إذن أمام كتابين من كتب العلم لم يقصد بهما صاحباهما إلى العبث ولا إلى اللهو ~~ولا إلى مجرد التجربة، وإنما قصدا بهما التعليم قبل كل شيء. # وقد أعجب القدماء بكتاب ابن حزم ولكنهم لم ينظروا إليه إلا على أنه أثر أدبي، ~~على أنه غاية في نفسه لا وسيلة إلى فن الشعر، ولم يعجب المعاصرون لستندال بكتابه ~~في الحب حين نشره في أوائل القرن الماضي، فقد بيع من طبعته الأولى في عشر سنين ~~بضع عشرة نسخة، فلما مضى على نشره عشرون ms106 عاما أنبأنا ستندال نفسه بأنه لا يظن أن ~~الذين ذاقوه وفهموه قد بلغوا المائة، أما الآن فقد تقدمت دراسات الحب من نواحيه ~~المختلفة تقدما هائلا، حتى أصبح كتاب ابن حزم وكتاب ستندال كتابين لهما خطرهما ~~في التاريخ الأدبي ليس غير، ولكنه خطر غير قليل. # | الساحرة المسحورة # فتح الحب العابس لها باب الدنيا، وفتح الحب الجاد لها باب الآخرة، فسلكت بين هذين ~~البابين طريقا عسيرة بثت فيها العقاب واكتنفتها المصاعب، وملأتها الآلام، ولم ~~تخل مع ذلك من لذة قليلة، وبهجة ضئيلة، ومتاع عقلي متصل، فلما اختطفها الموت قدر ~~الناس أنها قد أورثت بعض القلوب والعقول حزنا عظيما وبؤسا ممضا، وأصبحت ~~حديثا من أحاديث التاريخ الأدبي ستحفظه ذاكرة الأيام وقتا يقصر أو يطول، ثم يمسه ~~النسيان قليلا قليلا حتى يمحوه في يوم قريب أو بعيد، كما محا كثيرا من الأحاديث ~~لكثير من الناس في كثير من العصور وفي كثير من البلاد، ولكن القرن التاسع عشر لم ~~يكد يتقدم قليلا حتى تبين أنها لم تترك للناس ذكرا فحسب، وإنما تركت لهم آية ~~أدبية من أروع آيات الأدب، لا في وطنها الفرنسي وحده، ولا في القرن الثامن عشر ~~وحده، بل في جميع الأوطان المتحضرة، وفي جميع العصور التي عنيت فيها الإنسانية ~~بالإنتاج الأدبي الرفيع. # هذه هي مدموازيل دي لسبيناس التي أريد أن أحدثك عنها في هذا المقال، والتي ولدت ~~سنة 1732 وتوفيت سنة 1776. لنفرغ من ذكر الأرقام التي يظهر أن المؤرخ لا يكون ~~مؤرخا إلا إذا حفظها وحققها، واستقصى ما يتصل بها من الأحداث والخطوب. # وأحب أن تعلم منذ الآن أني لا أريد في هذا الفصل أن أكون مؤرخا للأدب الفرنسي، ~~فلست من تاريخ هذا الأدب في شيء، وإنما قرأت عن هذه الآنسة في بعض ما أقرأ، ~~فأعجبني حديثها، فحاولت أن أتعمق هذا الحديث فازددت به إعجابا، وجعلت لا أمضي في ~~استقصائه إلا دفعت إلى مزيد من التعمق، حتى أنفقت في ذلك شهرا وبعض شهر، ولعلي ~~أغالط نفسي بعض المغالطة؛ فقد أنفقت في ذلك ms107 شهرين، ولم أفرغ منه بعد على كثرة ~~الكتب والمجلات التي تجتمع بين يدي، وتنتظر أن أفرغ لها ساعة من ليل أو ساعة من ~~نهار، وأنا مع ذلك معرض عنها مصر على هذا الإعراض؛ لأن أحاديث هذه الآنسة ما ~~زالت تدعوني، وتلح في الدعاء، ولأن هذه الأحاديث لا تكاد تنقضي. # لا تنتظر مني إذن بحثا عن التاريخ الأدبي الفرنسي في القرن الثامن عشر، ولا ~~تحقيقا للحوادث، ولا تحليلا للنتائج والمقدمات؛ فما أحب أن أعرض لشيء من ذلك ~~الآن، وما أكره أن أعرض له في يوم من الأيام، ولعلي أن أخصص كتابا أعرض فيه حياة ~~هذه الآنسة عرضا مفصلا دقيقا، فأما في هذا الفصل فليكن تحدثي إليك عنها سهلا ~~سمحا لا يكلفك ولا يكلفني مشقة ولا عناء، وإنما نرسل فيه النفوس على سجيتها، ونقف ~~فيه أحيانا عند هذه العاطفة أو تلك ونتعمق فيه أحيانا أخرى هذا الخاطر أو ذاك ، ~~وأنت تعلم من غير شك أن حياة الطبقة الممتازة من الفرنسيين في النصف الأول من ~~القرن الثامن عشر كانت قد دفعت إلى نوع من الحرية المسرفة يوشك أن يكون إباحة ~~وإمعانا في المجون، دفعتها إلى ذلك أشياء كثيرة، منها حاجة الفرنسيين إلى شيء من ~~الهواء الطلق والتنفس الحر، بعد أن ثقلت عليهم تلك الحياة التي فرضها حكم لويس ~~الرابع عشر عليهم، نصف قرن أو أكثر من نصف قرن، وكلفهم فيها كثيرا من الجهد ~~وعرضهم فيها لكثير من الخطوب، وحملهم فيها كثيرا من التضحيات، فلم يكد هذا ~~الملك العظيم ينتقل إلى الحياة الثانية حتى أحس الفرنسيون كأن عبئا ثقيلا جدا ~~قد حط عن كواهلهم، فأصبحوا أقدر على الحركة، وأميل إلى النشاط، وأسرع إلى ~~الاستمتاع بالحياة في غير تكلف ولا استخفاء، ومنها أن العقل الفرنسي كان قد اتصل ~~بالنهضة العلمية التجريبية كما تأثر بالفلسفة الحديثة التي تحررت من قيود ~~أرسطاطاليس، فتغير فيه كثير من القيم، وعرف كثيرا مما كان ينكر، وأنكر كثيرا مما ~~كان يعرف، ونظر إلى الحياة التقليدية نظرة فيها كثير من السخرية والازدراء، ms108 ولم ~~تلبث الحياة العملية أن دفعت إلى الحرية التي دفع إليها العقل، فأعلن الناس ~~كثيرا مما كانوا يسرون، وأظهروا كثيرا مما كانوا يخفون. # ومنها أن الأدب الفرنسي نفسه كان قد أخذ في هذا العصر يضيق بالقيود والقوانين التي ~~فرضت عليه أثناء القرن السابع عشر، ورسمت له طرقا لا ينبغي أن يعدوها، ومذاهب ~~لا ينبغي أن يخالف عن أمرها، تخضعه بذلك لمذاهب القدماء من اليونانيين ~~والرومانيين، كما صورت في إيطاليا أو كما صورها الفرنسيون لأنفسهم في فرنسا نفسها ~~أثناء القرن السادس عشر وفي أول القرن السابع عشر، فلم يكد عصر لويس الرابع عشر ~~ينتهي أو يقارب الانتهاء حتى ظهر الخلاف ثم اشتد بين القدماء والمحدثين، وما من شك ~~في أن هناك أسبابا أخرى كثيرة، دفعت الطبقة الممتازة في فرنسا إلى استئناف هذه ~~الحياة الجديدة الحرة الماجنة المتهالكة التي ظهرت قوية في عهد الوصاية، وجعلت ~~تزداد قوة وتسلطا كلما تقدمت الأيام، وهذه الأسباب تتصل بالسياسة، وتتصل ~~بالاقتصاد، وتتصل بالثقافة، وتتصل بهذا المركز الممتاز الذي أتيح لفرنسا في ذلك ~~العصر وجعلها أعظم مركز من مراكز الحضارة في أوروبا، ثم تتصل آخر الأمر بهذه ~~العلاقات القوية التي استوثقت بين الفرنسيين وبين البلاد المجاورة لهم، فجعلوا ~~يرحلون إلى هذه البلاد ويظهرون على ما فيها من ألوان الحياة، كما جعل أهل هذه ~~البلاد يرحلون إلى فرنسا ويظهرون على ما فيها من ألوان الحياة أيضا، والواقع من ~~الأمر على كل حال هو أن فرنسا دفعت في هذا العصر إلى حياة جديدة، تحرر فيها ~~الممتازون من كثير جدا من قوانين الخلق والعرف والدين. # ومولد الآنسة التي أريد أن أتحدث عنها في هذا الفصل، مظهر من مظاهر هذا الانحلال، ~~وأثر من آثاره في وقت واحد، فقد كانت أمها سليلة أسرة نبيلة غنية، وكان زوجها ~~الكونت دالبون سليل أسرة نبيلة غنية أيضا، وكان هذان الزوجان قد نعما بالحياة ~~عصرا، ورزقا في أثناء ذلك الولد من الذكور والإناث، ولكن الأمر بينهما فسد - ~~وما كان أكثر ما يفسد الأمر بين الأزواج! - فاتصلت ms109 أسباب الزوجة برجل نبيل غني هو ~~الكونت جسبار دي فيشي، ورزقت منه غلاما انتهت به الحياة إلى التربية الدينية، ~~وإلى أن أصبح رجلا من رجال الدين، ورزقت منه طفلة هي هذه الآنسة التي نتخذها ~~موضوعا لهذا الحديث، وقد عمدت هذه الطفلة في كنيسة من كنائس ليون، ولكن اسمي ~~أبويها قد اخترعا اختراعا مخافة العار، فلم تنسب إلى أمها ولا إلى أبيها، ~~وإنما ذكر للقسيس اسمان من أسماء الطبقة الوسطى العاملة، واطمأنت الأم إلى أن نفس ~~ابنتها قد أصبحت نفسا مسيحية، وما ينبغي أن نفترض أن الأم قد قصرت في ذات ابنتها ~~أو أحبتها حبا فاترا، فقد كلفت الأم بابنتها كلفا شديدا، وعنيت بتربيتها ~~عناية متصلة، لم تستخف بشيء من ذلك ولم تحتط فيه، وإنما ضمت ابنتها إليها، وقامت ~~على تأديبها وتثقيفها، ومنحتها من حبها وعطفها مكانا ممتازا، ولم تقصر إلا في ~~شيء واحد هو هذا الذي يتصل بالحياة المدنية الرسمية؛ فهي لم تلحقها بأبيها لأن ذلك ~~لم يكن ممكنا، ولم تلحقها بأمها لأنها لم ترد أن تعترف على نفسها بالإثم، وإنما ~~أعطتها اسما من أسماء الأرض التي كانت ملكا لأسرتها الخاصة، فسميت جولي دي ~~لسبيناس، ومنحتها بعد ذلك كل ما كانت تملك لأبنائها الشرعيين من الحب والعطف ~~والإيثار. # على أن المشكلة لم تلبث أن ثارت غير مرة حين تقدمت السن بالفتاة، وربما كان أيسر ~~الأشياء - أو قل أيسر الخطوب التي عرضت لهذه الفتاة - أمر مستقبلها حين تقدمت السن ~~بأمها، وأخذت تحس أنها تسعى إلى الموت مسرعة، أو أن الموت يسعى إليها متمهلا، كما ~~يتمهل دائما في سعيه إلى الناس، فلم يكن من الممكن أن ترث الفتاة أمها، وتشارك في ~~تركتها الضخمة، لم يكن ذلك ممكنا؛ لأن الأم لم تستلحق ابنتها، ولأن إخوة الفتاة ~~لأمها يكرهون ذلك أشد الكره ويمانعون فيه أشد الممانعة، ولم يكن من الممكن أن توصي ~~الأم لابنتها بشيء ذي خطر يحميها من عاديات الأيام؛ فقد كانت الأسرة تراقب هذه ~~الأم وتراقب تصرفها في ثروتها كلما دنت من ms110 الموت، أو دنا الموت منها. # ولذلك لقيت الأم البائسة من التفكير في مستقبل ابنتها عناء شديدا، وانتهت آخر ~~الأمر إلى أن أوصت لها بإيراد ضئيل، إن لم يتح لها الترف وخفض العيش فإنه يعصمها ~~من البؤس، ويكفل لها حياة محتملة. # على أن الأم قد احتالت لإيثار ابنتها ببعض الخير، فادخرت لها مقدارا من الذهب لا ~~بأس به، وأظهرت الفتاة على مكانه، وأسرت إليها أن احتفظي لنفسك بهذا المال حين ~~يدركني الموت، ولكن الفتاة كانت نقية النفس، كريمة الطبع، نزيهة الخلق، محبة ~~لإخوتها، فلم تحتفظ لنفسها بشيء، وإنما أدت إلى أخيها الأكبر كل شيء، وسنتبين بعد ~~حين أثر هذا كله فيما تعرضت له الفتاة في حياتها من الأحداث، على أن المشكلة ~~الخطيرة التي عذبت الفتاة عذابا شديدا، وعذبت أمها عذابا ليس أقل مما احتملت ~~الفتاة هولا، ولعله أن يكون أعمق أثرا وأعظم نكرا، هي هذه التي ثارت حين أحب ~~الكونت جسبار دي فيشي أبو الفتاة الآنسة ديان دالبون أخت الفتاة لأمها، فخطبها ~~واتخذها لنفسه زوجا، ولم تستطع الأم البائسة أن تمانع أو تقاوم، لأسباب تتصل ~~بالثروة والشرف والعلاقة بين أسر النبلاء، وقد كانت هذه الخطبة وما تبعها من ~~الزواج أساسا للمأساة التي قتلت نفس الأم وعذبت نفس الفتاة عذابا طويلا، وأثرت ~~في الأدب الفرنسي كله آثارا بعيدة المدى، وهذه المأساة التي لم يتخيلها أحد ولم ~~ينشئها كاتب قديم أو حديث، وإنما أنشأتها الظروف ومثلتها الحياة، هذه المأساة ليست ~~أقل روعة من أي مأساة أخرى تصورها القدماء أو المحدثون. # فهناك امرأة ترى عشيقها وأبا ابنيها يخطب ابنتها الشرعية ويتزوجها، فدع كرامة هذه ~~المرأة ودع شرفها، وقف عند الصراع العنيف بين حب المرأة لخليلها وحبها لابنتها ~~الشرعية، وحبها لابنتها الأخرى، وشعورها بهذا الإثم المنكر وما نشأ عنه من تعقيد ~~بغيض في حياة أبنائها، وعجزها عن أن تقول في هذا كله شيئا، أو أن تقاوم هذا كله ~~بشيء، وإذعانها لحكم القضاء الذي لا مرد له ولا منصرف عنه، وعذاب نفسها المتصل حين ~~ترى ابنتها ms111 زوجا لخليلها وزوجا لأبي أخويها. # ثم قدر موقف الفتاة نفسها من هذا كله؛ فقد كانت تشعر به شعورا غامضا، ثم جعل ~~هذا الشعور يتضح شيئا فشيئا حتى عرفته الفتاة معرفة دقيقة. # فقدر موقفها من أبيها الذي أصبح لأختها زوجا، ثم قدر موقفها حين ماتت أمها، ~~وحين انتقلت إلى قصر الكونت دي فيشي، فعاشت بين أختها وأبيها، ثم قدر موقفها حين ~~رزقت أختها الولد فأصبح أبناء أختها لها إخوة قد منحهم الحياة أب واحد، وهي تعيش ~~في هذا كله، وتحتمل أثقال هذا كله، وتألم من أعقاب هذا كله، ولا تستطيع أن تجهر ~~منه بشيء أو أن تنكر منه شيئا، أو أن تدفع عن نفسها من آثاره شيئا. # قدر هذا كله وحدثني أيهما أبرع في التصور، وأقدر على الابتكار، وأمهر في ابتداع ~~المأساة: خيال الكتاب والشعراء أم خيال الحوادث والظروف؟ # مهما يكن من شيء فقد أنفقت الفتاة في قصر أبيها وأختها أياما طوالا ثقالا، ثم ~~أرادت الظروف أن يزداد بؤسها نكرا حين تقدم إخوتها وأبناء أختها في السن، فقامت ~~منهم مقام المربية المؤدبة، وقد كانت الفتاة كريمة النفس، نبيلة القلب، نقية ~~الطبع، فأحبت هؤلاء الأطفال حبا شديدا، وأخلصت في تربيتهم وتأديبهم أتم الإخلاص ~~وأمتنه، واقتضت ظروف الحياة في عام من الأعوام أن يرتحل الزوجان عن القصر في غيبة ~~تطول بعض الشيء، فقامت هذه الأخت الخالة من إخوتها مقام الأم، وشملتهم من العطف ~~والرعاية والحنان بما حمل الأبوين على شكرها حين عادا إلى القصر، ولكن السعادة ~~الخالصة لم تقدر للناس، وازدراء المنافع المادية لم يتح لكثير منهم، ~~والارتفاع عن الظلم والطغيان والبطر لم يقدر إلا لأفراد يحصون بين حين وحين؛ ~~فقد كان الزوجان يضيقان بهذه الفتاة على رغم وداعتها، وسماحة نفسها، ونقاء ضميرها، ~~تضيق بها أختها لمكان هذه الأخوة الآثمة، ولمجرد التفكير في أن هذه الأخوة قد تثير ~~اختلافا حول المنافع المادية في يوم من الأيام، ويضيق بها أبوها لمكان هذه الأبوة ~~الآثمة، ولحرصه على المنافع المادية أيضا بالقياس إلى نفسه وإلى أبنائه، ms112 ولهذا ~~الحرج الثقيل الذي لم يكن بد من أن يجده بين حين وحين كلما فكر في أن قصره يظلل ~~أختين إحداهما امرأته والأخرى ابنته، ولم تكن الفتاة أقل ضيقا بهذه الحياة ~~المنكرة من هذين الزوجين، يدفعها إلى هذا الضيق شعورها بهذا الإثم الذي يحيط بها ~~والذي لا تحمل أوزاره؛ لأنها لم تقترف منه شيئا، وشعورها بهذا الحق المضيع، ~~والكرامة المهدرة بين قوم كان من الحق عليهم أن يشملوها بالحب والعطف والحنان. أب ~~من الحق عليه أن يبر ابنته وهو ينكرها ويظلمها، وأخت من الحق عليها أن تؤثر أختها ~~بالمودة، وهي تعقها وتستأثر من دونها بالخير كله، وتصرف عنها قلب أبيها، وتتخذها ~~خادما أو شيئا يشبه الخادم، ومن أجل هذا كله أخذ الأمر يفسد شيئا فشيئا بين ~~الزوجين وبين هذه الفتاة، وقد احتملت الفتاة ما استطاعت أن تحتمل، فلما لم تجد إلى ~~الصبر سبيلا فكرت وقدرت، وأزمعت أن تخرج من هذا السجن البغيض. # وكان أمامها طريقان للخروج من هذا السجن: إحداهما يسيرة سهلة ولكنها بغيضة إلى ~~نفسها أشد البغض مناقضة لطبعها أشد المناقضة، وهي الطريق إلى الدير لتصبح راهبة، ~~وما أكثر الراهبات اللاتي دفعن إلى الدير لا تأثرا بالدين ولا تهالكا على ~~التقوى، ولكن نفتهن ظروف الاقتصاد، أو ظروف الاجتماع عن الحياة العاملة، ولكن ~~الفتاة لم تكن تطيق التفكير في الدير ولا في الانقطاع للدين؛ فقد كانت حياتها أقوى ~~وأغزر وأخصب وأكثر بعدا عن التصوف من أن تعدها لهذا الانزواء الخامل الجدب في ~~أعماق الدير، أما الطريق الثانية فلم تكن ميسرة ولا خالية من العقاب، فقد كانت ~~الفتاة تود لو استطاعت أن تستقل، وتنعم بحياة حرة لا تخضع فيها لأحد، ولكن كيف ~~السبيل إلى ذلك وإيرادها أضيق من أن يسع حاجاتها ومطالبها؟ أليس من الممكن أن ~~يعينها أخوها ذاك الذي يعمل ضابطا في الجيش والذي أظهر حبا لها وعطفا عليها؟ ~~فلتعتمد عليه إذن ولتكتب إليه، ولكنه يرد عليها مخيبا أملها، لا بخلا ولا قسوة، ~~ولا تعمدا لإيذائها، ولكن ظروفه لا تسمح ms113 له بأن يبذل لها المعونة التي ترجوها، ~~وهو من أجل ذلك يتقدم إليها في ألا تحاول هذا الاستقلال ولا تطمع فيه. # وفي أثناء ذلك تزداد الحياة ثقلا في القصر ويزداد الخلاف نكرا بين الأختين، وتلم ~~بالقصر زائرة ذات خطر، تواسي الفتاة وتسليها أول الأمر، وتجد لها مخرجا من ضيقها ~~وفرجا من حرجها آخر الأمر، وهذه الزائرة الخطيرة هي مدام دي ديفان. # ومدام دي ديفان ليست في حقيقة الأمر إلا عمة الفتاة، نشأت كما نشأ أخوها في هذا ~~القصر ثم اختلفت بهما أسباب العيش، فتزوجت من المركيز دي ديفان، ثم فرقت بينهما ~~الأحداث، فسلكت في باريس وفي قصر الوصي على العرش مسالك الريبة والعبث، واستمتعت ~~بالحياة الماجنة وقتا ما، ثم ثابت إلى نفسها وراجعت أمرها وجددت سيرتها، واتخذت ~~لها رفيقا خليلا من رجال القضاء، ومضت تدبر حياتها في حزم وجد، حتى اكتسبت ~~لنفسها في باريس مركزا ممتازا، ثم اتخذت لنفسها دارا ملحقة بدير من الأديار في ~~باريس، وجعلت تستقبل في هذه الدار أعلام الأدب والفلسفة والسياسة، حتى أصبح ~~«صالونها» من أهم المراكز الثقافية الممتازة في العاصمة الفرنسية، وقد توثقت ~~الصلات بينها وبين الأعلام الممتازين في الحياة الفرنسية، حتى أصبح اسمها علما من ~~الأعلام في الحياة الأدبية الفرنسية وفي التاريخ الأدبي الفرنسي بوجه عام، وقد ~~جعلت كلما تقدمت بها السن تشعر بشيئين يدفعانها إلى التشاؤم دفعا شديدا: أحدهما ~~مادي وهو هذا الضعف الذي أخذ يصيب بصرها شيئا فشيئا ويصورها لنفسها ضريرة بعد ~~وقت طويل أو قصير، والآخر معنوي وهو هذا البغض لأوضاع الحياة، والشك في قيمتها، ~~والإنكار لهذه القيمة آخر الأمر، حتى انتهت إلى مثل ما انتهى إليه أبو العلاء حين ~~قال: # هذا جناه أبي علي # وما جنيت على أحد # فقد كانت تقول: إن أبغض شيء في حياة الإنسان هو حياة الإنسان. ولذلك أحست شيئا ~~شديدا من الضيق، والتمست إلى العزاء والشفاء وسائل مختلفة، ومن بين هذه الوسائل ~~زيارتها لقصر أخيها، وفي هذه الزيارة لقيت هذه الفتاة فكلفت بها أشد الكلف، ~~وأعجبت ms114 بها أعظم الإعجاب، ثم لم تلبث أن رأت في هذه الفتاة رفيقا لها في حياتها ~~البائسة في باريس، فجعلت تتقرب إليها وتتلطف لها حتى ارتفعت بينهما الكلفة، وأخذت ~~الفتاة تبثها آلامها وأحزانها وتجد عندها التسلية والمواساة. # وقد عادت مدام دي ديفان إلى باريس، وصممت الفتاة على ترك القصر، ففارقته بعد خطوب، ~~وأوت إلى دير من الأديار في مدينة ليون، لم تلتحق به، وإنما اتخذته لنفسها مثوى ~~كما يأوى الناس إلى الفنادق الآن، وقد أقامت في هذا الدير وقتا غير قصير، ريثما ~~تقنع أخاها بحسن رأيها في الحياة المستقلة، وقد كان هذا الإقناع عسيرا، جدت فيه ~~الفتاة، وجدت فيه مدام دي ديفان، وتوسط فيه أحد الأساقفة، وانتهت الفتاة بعد لأي ~~إلى ما كانت تريد، وظفرت مدام دي ديفان بعد مشقة بما كانت تتمنى، ووصلت الفتاة ذات ~~يوم إلى باريس واستقرت عند عمتها أو صديقتها في الطابق الأعلى من الدار. # وقد فتن المختلفون إلى صالون مدام دي ديفان بهذه الفتاة الوافدة من الأقاليم، لا ~~لجمالها فلم تكن ممتازة الجمال، ولكن لظرفها وخفة روحها ورجاحة عقلها، وسعة ~~معرفتها وقدرتها على المشاركة في كل الأحاديث التي كانت تدور في هذه ~~الاجتماعات. # وما أحب أن أفصل حياة الفتاة في هذه الدار؛ فذلك شيء لا يتسع له هذا الحديث، ~~ولكني ألاحظ أن إقامتها في هذه الدار لم تطل حتى صبت إليها بعض القلوب، فوجدت في ~~نفسها بعض الصدى، ولكن في كثير من التحفظ والاحتشام. صبا إليها قلب هذا القاضي ~~الذي كان خليلا لعمتها، وصبا إليها قلب نبيل فرنسي أديب آخر، وصبا إليها بنوع خاص ~~قلب نبيل أيرلندي كان يختلف إلى الدار، وهمت الفتاة أن تصبو إليه، ولاحظت مدام دي ~~ديفان ذلك فاصطنعت بعض العنف، وطردت هذا الأيرلندي من دارها، ولم تلبث الفتاة أن ~~ثابت إلى الرشد والحزم، أو ثاب إليها الرشد والحزم. # على أنها لقيت في صالون مدام دي ديفان فرنسيا آخر، لم تلبث أن صبت إليه كما ~~صبا إليها، وإذا حياتها تتغير تغيرا جوهريا، والغريب ms115 من أمر هذا الفرنسي أنه ~~كان يشبهها من بعض الوجوه، ولعل هذا الشبه أن يكون له أثر في هذا الود. # هذا الفرنسي هو دالمبير، والقراء يعرفون من غير شك المركز الممتاز الذي كان دالمبير ~~يشغله في الحياة العقلية الفرنسية في ذلك الوقت، فقد كان دالمبير فيلسوفا وأديبا ~~ورياضيا، وكان متفوقا في هذا كله تفوق النبوغ، وكانت الأندية الباريسية تختصم ~~فيما بينها أشد الاختصام أيها يظفر به ويحظى بزيارته. # وكان دالمبير، كما كانت فتاتنا، قد ولد لأبوين نبيلين سنة 1717، ولكنه ولد مولدا ~~غير شرعي، كما ولدت الفتاة مولدا غير شرعي، وقد حظيت الفتاة بعطف أمها، فأما ~~دالمبير فقد فقد هذا العطف فقدا تاما، وجده رئيس من رؤساء الشرطة عند كنيسة ~~من الكنائس، فالتقطه وعمده والتمس له المراضع خارج باريس. # فقدت الفتاة عطف أبيها، وحظيت بعطف أمها، وفقد دالمبير عطف أمه مدام دي تنسين، ~~ولكنه ظفر بعطف أبيه مسيو دي توش، فقد عاد هذا الرجل إلى باريس من بعض المهمات ~~التي كان كلف القيام بها، فعرف مولد الطفل واطراحه والتقاط الشرطة له، وجد ~~حتى اهتدى إليه والتمس له المراضع في باريس نفسها، ولم يستطع أن يستلحقه لأنه كان ~~متزوجا، فقام على تربيته وأوصى له بما يكفل له حياة متواضعة. # وقد نشأ الصبي نشأة حسنة في حجر مرضعه الفقيرة، فدرس حتى تخرج في الأدب والفلسفة ~~والطب والرياضيات، وبرع في هذا كله حتى أصبح علما من أعلام الثقافة الفرنسية، بل ~~طابعا لهذه الثقافة في القرن الثامن عشر. # وكان الود متصلا بينه وبين مدام دي ديفان، حتى استأثرت به استئثارا، فلم يكن ~~يختلف إلا إلى صالونها، أو لم يكن يواظب إلا على صالونها، وكانت تؤثره أشد الإيثار ~~وتختصه بمودتها وبرها، ولكنه لقي عندها هذه الفتاة، فصبا إليه وصبت إليه، واتصل ~~بينهما ود لم تلبث صاحبة الدار أن ارتابت فيه، ثم ضاقت به، ثم لامت، ثم عنفت في ~~اللوم، فاضطر دالمبير إلى أن يسافر من باريس ويذهب إلى برلين، مستجيبا لدعوة ~~فردريك يلتمس في هذا السفر ms116 إرضاء مدام دي ديفان، وسلوا عن مدموازيل دي ~~لسبيناس. على أنه عاد إلى باريس، فإذا قلبه ما زال كما كان حين ارتحل عنها، وإذا ~~قلب الفتاة ما زال كما كان حين فارقها. # على أن دالمبير إن انفرد بحب الفتاة فهو لم ينفرد بإكبارها والكلف بحديثها، وإنما ~~شاركه في ذلك جماعة من الذين كانوا يختلفون إلى الدار، يقدمون موعد زيارتهم، ~~ويصعدون إلى حيث كانت الفتاة تقيم، فيتحدثون إليها ويسمعون منها، حتى إذا كان موعد ~~الاستقبال عند مدام دي ديفان في الساعة السادسة من المساء هبطوا إليها، وقد عرفت ~~صاحبة الدار هذا الأمر، فسخطت له أشد السخط ونفت عن دارها مدموازيل دي لسبيناس كما ~~نفت عن دارها أثيرها دالمبير. # وأثيرت حرب شعواء بين السيدة والفتاة، وانقسم الناس في أمرهما انقساما عظيما، ~~كانت له آثار في الأدب الفرنسي، والمهم هو أن أصدقاء الفتاة من الرجال والنساء ~~منحوها كثيرا من العطف والود، واتخذوا لها دارا غير بعيدة من دار مدام دي ديفان، ~~فأقامت فيها وجعلت تستقبل أصدقاءها، وما هي إلا مدة قصيرة حتى أصبح صالونها ~~ممتازا في باريس ينافس صالون مدام دي ديفان منافسة خطيرة حقا. # أقامت في الدار وحدها أول الأمر، ولكن الظروف كانت تريد أن تجمع بينها وبين دالمبير ~~في دار واحدة، وقد كان دالمبير يعيش عند مرضعه في بيتها الحقير، لم يخطر له أن ~~يفارقها، ولكنه مرض مرضا شديدا فقامت على تمريضه مدموازيل دي لسبيناس ولم تفارقه ~~حتى أتيح له الشفاء. # ثم مرضت مدموازيل دي لسبيناس نفسها، أصابها الجدري حتى عرض حياتها للخطر، وقام على ~~تمريضها دالمبير حتى أتيح لها الشفاء. # وكذلك قضت الظروف أن يعيش الصديقان في دار واحدة: تعيش الفتاة في الطابق الأدنى، ~~ويعيش الرجل في الطابق الأعلى، وألف الناس منهما ذلك، فلم ينكروه ولم يضيقوا به، ~~والواقع أن هذا الأمر لم يكن فيه ما يدعو إلى ضيق أو إنكار؛ فقد تحاب الصديقان ~~ولكن في غير ريبة، ومع أن الألسنة لم تمتنع عن التعريض والتلميح في أول الأمر، فقد ms117 ~~تبين أن الحب بين الصديقين لم ينزل قط عن مكان الحب الأفلاطوني النقي ~~البريء. # ومنذ ذلك الوقت أصبحت مدموازيل دي لسبيناس علما من أعلام الحياة العقلية الفرنسية، ~~وأصبح صالونها مركزا من مراكز الثقافة العليا في الأدب والفلسفة والفن والسياسة ~~والاجتماع. يختلف إليه مرات في كل أسبوع زعماء الحياة العقلية في باريس، فيحاورون ~~ويجادلون ويقررون أيضا، ويختلف إليه في الوقت نفسه أعلام الأجانب الذين يمرون ~~بباريس أو يقيمون فيها إقامة متصلة. # من هؤلاء الأجانب أدباء وساسة وفلاسفة ممتازون، من الإنجليز، والإيطاليين، ~~والإسبانيين، والألمانيين أيضا، ثم كانت مدموازيل دي لسبيناس وصديقها دالمبير ~~يغشيان الصالونات المختلفة في باريس عند مدام جوفران ومدام دي شوازل ومدام نيكر ~~ومدام هلڤسيوس ومدام دي لكسسبورج، وعند طائفة أخرى من السيدات اللاتي كن يتخذن هذه ~~الصالونات مراكز للحياة العقلية القوية الخصبة. # في هذا الوقت لقيت مدموازيل دي لسبيناس في أحد هذه الصالونات فتى إسبانيا ~~ممتازا امتيازا أجمعت عليه الصفوة الباريسية كلها، وهو مسيو دي مورا. كان ضابطا ~~في الجيش الإسباني، وكان أبوه سفيرا في باريس. لم تكد مدموازيل دي لسبيناس تلقى ~~هذا الفتى حتى صبت إليه، ولم يكد هذا اللقاء يتكرر حتى وقع حبه في قلبها كما وقع ~~حبها في قلبه، ولم يكن هذا الحب عابرا ولا سطحيا، وإنما كان من هذا الحب الذي ~~لا يكاد يبلغ القلوب حتى يستقر فيها ويستأثر بها ويملك عليها كل شيء، ويصبح فتنة ~~لا تجد النفوس عنه منصرفا، ومحنة لا تجد القلوب إلى التخلص منه سبيلا، وقد كان ~~هذا الحب محنة بأدق معاني هذه الكلمة، سعد به العاشقان سعادة تعجز النفوس عن ~~احتمالها وتقصر الألسنة عن وصفها، وشقي به العاشقان شقاء كان سبيلهما إلى ~~الموت. # كان حبا نقيا ممعنا في النقاء، ولكنه على ذلك لم يكتف بنقائه الأفلاطوني ~~وإنما حاول أن يسلك طريقه الشرعية إلى الرضا، فهم العاشقان أن يقترنا، وقامت ~~دون أمنيتهما هذه أهوال ثقال. أهوال مختلفة، بعضها جاء من اختلاف الطبقة، فقد كان ~~الفتى من أرفع الأسر الإسبانية منزلة وأعلاها ms118 مكانة، وأعرقها نسبا، وأعظمها ثروة، ~~وأوسعها جاها ونفوذا، وكانت مدموازيل دي لسبيناس كما علمت لا أسرة لها وليس لها ~~نسب إلا هذا الذي يعتز به المتنبي في كثير من شعره، والذي لا يرجع إلى الأسرة وما ~~يكون لها من مجد قديم، وإنما يرجع إلى الشخص وما يستحدث لنفسه من المجد. # فليس غريبا أن تضيق الأسرة الإسبانية بفكرة الزواج هذه وتراها ضلالا وانحرافا عن ~~الجادة، وتقيم في سبيلها العقاب التي لا يمكن تذليلها. # وليس غريبا أن يصمم الفتى على بلوغ ما أراد، وأن تثار حرب عنيفة منكرة خفية بينه ~~وبين أبويه، ولو أتيحت الصحة للفتى وواتته الظروف لكان من الممكن أن ينتصر آخر ~~الأمر، فقد كان حازما عازما شديد المضاء، ولكن الأيام والحوادث كانت أشد منه ~~حزما وعزما وأبعد منه مضاء. أغرت به الأسرة وأغرى به المرض أيضا؛ فقاوم الأسرة ~~ما وسعته المقاومة وكاد ينتصر عليها، وقاوم المرض ما وسعته المقاومة، ولكن المرض ~~انتصر عليه وهو في طريقه إلى باريس عائدا إليها من وطنه، ليتم ما صمم عليه من ~~الزواج. # ولم تصل إلينا الرسائل التي تبادلها العاشقان، وقد كانت كثيرة ما في ذلك شك؛ فقد ~~كتب الفتى إلى صاحبته اثنتين وعشرين رسالة في عشرة أيام، ولم يكن بعيدا عنها، ~~وإنما كان قريبا منها في ضاحية من ضواحي باريس، وإنما عرفنا أخبار هذا العشق ~~وخطوبه من رسائل أخرى لمدموازيل دي لسبيناس ومن رسائل تبودلت بين دالمبير وأسرة ~~الفتى في مدريد. # على أن أمور مدموازيل دي لسبيناس تعقدت فجأة تعقدا غريبا هو الذي أظهر الأدب على ~~شخصيتها هذه الفذة وأورثه فنها هذا الرفيع. كان عاشقها في مدريد يقاوم أسرته ~~ويقاوم علته، ويتخذ من حبه القوي أداة ناجعة لهذه المقاومة، وكانت هي في باريس ~~تنتظر، سعيدة بالانتظار شقية به أيضا، مشفقة أشد الإشفاق على حبيبها من هذه العلة ~~المرهقة، ولكنها أجابت ذات يوم مع دالمبير دعوة إلى وليمة من الولائم في ضاحية من ~~ضواحي باريس، في قصر فخم تحيط به طبيعة رائعة قد نسقتها ms119 الحضارة والفن أحسن تنسيق، ~~فجمعت فيها بين ترف المدينة وسذاجة الريف، في هذا القصر لقيت مدموازيل دي لسبيناس ~~فتى فرنسيا نبيلا كان الناس قد أخذوا يكبرونه ويعظمون شأنه لأنه أظهر تفوقا ~~وامتيازا. # كان ضابطا في الجيش، وكان قد أصدر كتابا في فن الحرب أعجب به المختصون وفتن ~~به المثقفون عامة، وقيل: إن بونابرت كان يصحب هذا الكتاب بعد ذلك في جميع مواقعه ~~الحربية الكبرى، وكان هذا الفتى حلو الحديث راجح العقل حسن المحضر لطيف المدخل، قد ~~جمع إلى براعته في فنه العسكري ظرفا فاتنا وثقافة واسعة وأدبا رفيعا، حتى إن ~~كثيرا من الأدباء والفلاسفة الفرنسيين كانوا ينوطون به آمالا عراضا، ويعتقدون ~~أن مسيو دي جيبير سيكون البطل الذي ينقذ فرنسا في يوم من الأيام. # لقيت مدموازيل دي لسبيناس هذا الفتى في ذلك القصر، فتحدثت إليه وسمعت منه، وأكبر ~~الظن أنها سايرته غير متكلفة في بعض هذه الحدائق الرائعة ، فوقع من نفسها وأعجبها ~~حديثه وظرفه وثقافته، فلما عادت إلى باريس قرأت كتابه فازداد إعجابها به وإكبارها ~~له، ولم تملك نفسها فكتبت إليه تثني على هذا الكتاب، وأقبل هو يزورها ليشكر لها ~~هذا الثناء، ولم ينصرف من هذه الزيارة حتى ترك في قلب مدموازيل دي لسبيناس جذوة لا ~~سبيل إلى إطفائها، وأصحاب علم النفس والمتعمقون لدقائق الحب وما يثير في القلوب من ~~العواطف والأهواء يستطيعون أن يجيبوا عن هذا السؤال: كيف اجتمع السيفان في غمد؟ ~~وكيف ائتلف الحبان في قلب؟ وكيف قامت الجذوة القديمة التي أوقدها الفتى الإسباني ~~منذ سنين إلى جانب الجذوة الحديثة التي أوقدها الفتى الفرنسي منذ أيام؟ وقد أجاب ~~جوت عن هذا السؤال حين قال في بعض كتبه: «إن القلب الإنساني كبير يسع كل شيء وضعيف ~~يحطمه أيسر شيء.» وقد اختلف الكتاب اختلافا شديدا جدا في حل هذه المشكلة، وما ~~يعنيني من اختلافهم شيء؛ فأنا لا أكتب حديثا في الحب، وإنما أقص قصة امرأة جمعت ~~في قلبها بين حبين. # فهي لم تسل عن فتاها الإسباني، وإنما ازدادت به تعلقا ms120 وبحبه استمساكا، ومن الحق ~~أنها دافعت الحب الجديد عن نفسها فلم تستطع، ثم خادعت نفسها عن هذا الحب فصورته ~~على أنه مودة فلم يغن الخداع عنها شيئا، ثم وقفت حائرة ممزقة بين هذين الحبين: ~~نصف قلبها في إسبانيا، ونصف قلبها الآخر في باريس. أستغفر الله! بل غرب نصف ~~قلبها إلى إسبانيا وشرق نصفه الآخر إلى ألمانيا؛ فقد سافر الكونت دي جيبير إلى ~~ألمانيا والنمسا وكاد يسافر إلى روسيا، فتبعه قلب مدموازيل دي لسبيناس أو قل: نصف ~~قلبها، أو قل إن شئت: إنها جعلت ترسل إليه قلبها أقساطا منجمة في هذه الكتب التي ~~كانت تكتبها إليه. # وقد علمت مدموازيل دي لسبيناس أن قلب صاحبها الفرنسي لم يكن خالصا وأنه كان يحب ~~سيدة نبيلة أخرى، وأنه لم يكن يبخل على نفسه باجتناء زهرات الحب واقتطاف ثمرته، ~~حين كان ذلك يتاح له بين حين وحين. علمت ذلك فذاقت مرارة الغيرة واصطلت بنارها ~~المحرقة، وعذبت نفسها وعذبت صاحبها في ذلك عذابا شديدا، واستيقنت منذ أحست هذه ~~الغيرة أن قلبها لا ينعم بالمودة الهادئة وإنما يشقى بالحب العنيف. # وما زالت تعذب نفسها وتعذب الفتى حتى استخلصته أو ظنت أنها استخلصته لنفسها من دون ~~النساء، وقد عاد الفتى الفرنسي إلى باريس، وأخر المرض عودة الفتى الإسباني إليها، ~~فكانت تلقى صاحبها الفرنسي في كل يوم، تقول له ويقول لها، والأمر بينهما مستقيم لا ~~يتجاوز النقاء الأفلاطوني البريء، والناس يعلمون أنها تكبره وتؤثره بالود، وأنه ~~يكبرها ويؤثرها بالإجلال، والناس يعرفون ذلك ولا ينكرونه، حتى كان يوم من أيام ~~فبراير سنة 1772 ذهب الصديقان فيه إلى الملعب وسمعا فيه الموسيقى، وكان للموسيقى ~~في نفسهما أثر أي أثر، فلم يتفرقا حتى شربا من تلك الكأس التي لا يعرف الناس ~~أتقدم لشاربيها رحيقا أم حريقا، كما يقول ابن الرومي، أتقدم إليهم شرابا صفوا ~~أم سما زعافا. مهما يكن من شيء فقد كان قلب مدموازيل دي لسبيناس ينقسم نصفين: ~~نصف لحب الفتى الإسباني ونصف لحب الفتى الفرنسي، فقد أصبح منذ ذلك اليوم ms121 ينقسم ~~أثلاثا، ولا يخلص للحب وحده وإنما يقوم الندم فيه بين هذين الحبين مقاما غريبا، ~~يشتد ويقسو حتى يخيل إليها أنها آثمة مجرمة قد خانت الرجل الذي تحبه وحده ~~وتؤثره بحبها من دون الناس، ثم يضعف ويتضاءل حتى ينسيها نفسها وينسيها كل شيء ~~ويقدمها ضحية متهالكة متضائلة إلى هذا الحب الآخر الجامح الذي لا يعرف قصدا ولا ~~اعتدالا، وقد أرادت الحياة أن تمعن في القسوة حتى تبلغ بها أقصى غاياتها، وأن ~~تجعل كل شيء من أمر هذه المرأة غريبا حقا. # ففي نفس اليوم الذي أثمت فيه اشتدت العلة على صاحبها الإسباني حتى بلغت حد الأزمة ~~المهلكة، وصلت إليها الأنباء بذلك بعد أيام، فسجلته وسجلت معه ندما ما أعرف أنه ~~صور في أدب من الآداب كما صور في رسائل مدموازيل دي لسبيناس، ثم جاءتها ~~الأنباء بأن صاحبها الإسباني قد مات في طريقه إلى باريس؛ فلم تشك في أن خيانتها له ~~قد قتلته، وإن لم يعلم من أمر هذه الخيانة شيئا، وقد همت أن تقتل نفسها، ولكن ~~صاحبها الفرنسي ردها عن الموت أو رد عنها الموت، فعاشت بعد ذلك عيشة رائعة مروعة ~~حقا: تحب كما لم يحب أحد قط، وتندم كما لم يندم أحد قط، وتصور ذلك في رسائل لم ~~يكتب أحد مثلها قط. بعض هذه الرسائل تكتب إلى عاشقها الحي، وبعض هذه الرسائل ~~تكتب إلى عاشقها الذي مات، وهي في أثناء ذلك تعيش عيشتها المألوفة، تستقبل ~~الفلاسفة والأدباء والساسة وتزورهم، وتغشى الصالونات وتختلف إلى ملاعب التمثيل ~~والموسيقى، وتسعى في أن ينتخب فلان أو فلان عضوا في المجمع اللغوي الفرنسي، ~~وتسعى في أن يحقق هذا الوزير أو ذاك لهذا الصديق أو ذاك هذا الأمل أو ذاك، وتشارك ~~في النقد الأدبي وفي النقد السياسي وفي كل ما يشارك فيه الأدباء والساسة ~~والفلاسفة، وتكتب إلى أخيها من أختها وأبيها، وتعنى بأمره عند السلطان وتظهره مع ~~امرأته على باريس. # وتكتب في أثناء هذا كله إلى عاشقها الفرنسي، أو قل ترسل إلى هذا العاشق قطعا من ms122 ~~النار المدمرة التي لا تبقي ولا تذر، وقطعا من النسيم الحلو الذي يملأ القلوب ~~أمنا وسلاما وغبطة وابتهاجا، ترسل إليه هذا الكتاب القصير الذي أعجب به سانت ~~بوف والذي لا تؤرخه بيوم كذا من شهر كذا من عام كذا، وإنما تؤرخه بكل لحظة من ~~لحظات حياتها: «أيها الصديق إني آلم، إني أحبك، إني أنتظرك.» # وأغرب من هذا كله أن الناس لا يعلمون من أمر هذا الحب شيئا، وأن دالمبير الذي ~~يعيش معها في دار واحدة لا يعلم من أمر هذا الحب شيئا، وإنما يحس فتورها عنه ولا ~~يجد لهذا الفتور تعليلا. # وقد قضت ظروف الحياة على الكونت دي جيبير أن يتزوج، فتألمت مدموازيل دي لسبيناس ~~وثارت وغضبت، ثم أذعنت لأنها لم تكن تملك إلا الإذعان، وقد عاهدت نفسها وعاهدت ~~صاحبها على أن تحترم هذا الزواج وتحترم الفضيلة التي ينبغي أن تظله وتسيطر عليه، ~~وقد وفت بالعهد واحتملت في هذا الوفاء أهوالا ثقالا، وهم صاحبها ذات ليلة أن ~~يخرج عن هذا الوفاء النقي، كان يقرأ معها بعض رسائلها إليه، فصبا قلبه وثارت نفسه ~~وجمحت عواطفه، وطغت غرائزه، ولكنها ردته ردا منكرا عنيفا، فعاد إلى داره ~~متهالكا متخاذلا، وكتب إليها من ساعته معتذرا نادما، ووصل إليها كتابه فإذا هي ~~غارقة في دموعها؛ لأنها كلفت نفسها من الجهد فوق ما تطيق، والفتى محب لزوجه، ~~مستبق صلته مع خليلته الأولى في غير إثم كما يقال، ولكن مدموازيل دي لسبيناس تكتب ~~إليه: «ضعني حيث شئت من حبك القديم ومن حبك الجديد؛ فلن أقول شيئا، ولكن اجتهد في ~~ألا تنزلني منزلة مخزية فإني لا أستحق هذا الخزي.» # وقد أخذت العلة تسعى إلى مدموازيل دي لسبيناس، وأخذت هي تستبطئ الموت، حتى إذا ~~تقدمت العلة فغيرت من شكلها ومن جسمها أوت إلى غرفتها ثم إلى سريرها، ثم أبت أن ~~تلقى صاحبها لأنها لم ترد أن يراها وقد تغير شكلها على غير ما يهوى. # أبت أن تلقاه، ولكنها مضت في الكتابة إليه إلى آخر لحظة. كان يعودها مرات في ms123 كل يوم ~~فتعلم بمكانه في دارها، وتسعى الكتب بينها وبينه، حتى كان آخر شيء كتبته وهي في ~~آخر لحظة من لحظات الدنيا وأول لحظة من لحظات الآخرة كتاب حمل إليه، ولم يكد ~~يبلغه حتى كانت محتضرة تعالج سكرات الموت. # وقد ماتت مدموازيل دي لسبيناس ومضت على موتها أعوام وأعوام، ومات الكونت دي جيبير ~~أيضا، ثم عرف الناس في أول القرن الماضي وعرف من بقي من أصدقائها أمر ذلك الحب ~~حين نشرت رسائلها إلى الكونت دي جيبير. # وكم كنت أحب أن أتحدث عن هذه الرسائل، ولكني لم أكتب هذا الفصل إلا لأغري القراء ~~بقراءتها في أصلها الفرنسي وبترجمتها إلى اللغة العربية، فما أعرف أن أدبا من ~~الآداب الحية أو القديمة قد صور الحب والندم والألم والغيرة كما صورتها مدموازيل ~~دي لسبيناس. # | الأمل اليائس # ولدت في آخر القرن السابع عشر سنة 1697، وماتت في آخر القرن الثامن عشر سنة 1780، ~~وجمعت لنفسها من مزايا هذين العصرين، ما جعلها أبرع الناس أدبا، وأشد الناس ~~شكا، وأوسع الناس أملا، وأقتم الناس يأسا، وأظهر الناس فرحا، وأعمق ~~الناس حزنا، ولكني أنسيت أن أسميها، وقد كان يجب أن أبدأ هذا الحديث ~~بتسميتها، فهي ماري دي فيشي ~~شمبرند # Marie de Vichy Champrond # التي يعرفها تاريخ الآداب الفرنسية باسم مدام دي ديفان # Madame du Deffand ~~. # كان مولدها ونشأتها في هذه السنين القاتمة التي ختمت حكم لويس الرابع عشر، وأدركها ~~اليتم طفلة فأرسلت إلى دير من هذه الأديرة التي كان يرحل إليها بنات الأغنياء، ~~وكانت أسرتها عريقة في الشرف والنبل، متقدمة في خدمة الدولة، محتفظة بمكانة رفيعة ~~بين أشراف الأقاليم، وكانت هذه الأسرة من أشراف بورجوني # Bourgogne ~~، وأهل هذا الإقليم من فرنسا معروفون بالنشاط القوي ~~وحدة الذهن، وذلاقة اللسان، وحب الحياة، وإيثار ما تقدمه إلى الناس من لذات، فلم ~~يطل مقام هذه الصبية في ديرها الأرستقراطي حتى ظهر من حديثها وسيرتها ما أقلق ~~الأسرة، وأقلق رئيسة الدير، ويجب أن يكون هذا الذي ظهر من سيرتها وحديثها خطيرا ~~جدا، فلم تكن أسر ms124 الأشراف لتقلق من شيء يسير، ولم يكن أهل الأديرة ليضيقوا إلا ~~بالشيء الذي لا يطاق؛ ذلك بأن حياة الناس في ذلك العصر كان قد أخذها الفساد ~~الخلقي، من جميع نواحيها، حتى استهانوا بكل شيء، وتجافوا عما لم يكن يتجافى ~~الناس عنه إلا في مشقة وعنف. # وحسبك أن تعلم أن الأديرة كانت قد استحالت في ذلك العصر إلى قصور فخمة، يلهو فيها ~~من أبناء الأشراف وبناتهم من لم تسمح له ظروف الحياة بالعمل في السياسة أو في ~~الجيش، ومن لم تتح لهن في ظروف الحياة أن يظفرن بالزوج، وكان بنات الأشراف خاصة ~~يتخذن من هذه الأديرة دورا للعبث واللهو، يسترن ذلك بستار رقيق من اسم الدين، ~~ولم يكن ليتحرجن من استقبال الزائرين والزائرات، ولا من إقامة الحفلات الراقصة، بل ~~كان الرقص والموسيقى جزأين أساسيين من برنامج التعليم الذي كان يلقى إليهن ~~فيها، فإذا استطاعت صبيتنا هذه أن تزعج أسرتها، ورئيسة الدير بما أظهرت في سيرتها ~~وأحاديثها من خروج على التقليد، فيجب أن تكون قد أتت أمرا عظيما، وهي قد أتت ~~أمرا عظيما حقا، فقد كانت تجادل في الدين ولما تبلغ الثانية عشرة، وكان جدالها ~~هذا خطرا مخيفا؛ لأنها كانت تنكر أصول الدين إنكارا، وقد استعانت الأسرة ورئيسة ~~الدير على جحود هذه الصبية بعظيم من عظماء الكنيسة وخطيب من أبرع الخطباء في عصره ~~وهو ماسيون # Massillon # فدعي هذا الحبر للقاء هذه ~~الطفلة ومحاورتها، فلما رآها سمع لها وتحدث إليها وانصرف عنها يائسا وهو يقول: ~~إنها لظريفة، فلما سألته رئيسة الدير عما تصنع لردها إلى طريق الحق أطال الصمت ثم ~~قال: ضعي في يدها كتابا من أرخص كتب الدين، ثم لم يزد على ذلك شيئا، وذكرت ~~الصبية حين تقدمت بها السن حوارها مع هذا الحبر العظيم، فقالت: إن عقلي قد اضطرب ~~أمام عقله، وقالت: إني لم أذعن لحجته وإنما أذعنت لجلاله! # ومعنى ذلك أن الخصمين التقيا فلم يقنع أحد منهما صاحبه، ولكن أكبر كل منهما صاحبه، ~~فلما بلغت هذه الفتاة العشرين أو جاوزتها ms125 قليلا، زوجت من رجل شريف، عظيم ~~الخطر، من حكام الإقليم، ولكنها لم تكد تقضي معه أشهرا حتى أنكرته وضاقت به وكرهت ~~عشرته كرها شديدا، وكانت تقول عنه: إنه يبذل أقصى ما يستطيع ليسوءك ويصرفك عنه، ~~على أنها قد أقنعته بالرحلة إلى باريس، ولم تكد تصل إلى هذه المدينة وتستقر فيها ~~حتى اندفعت في حياة اللهو والعبث، اندفاعا لفت إليها الناس، وجعلها موضوع ~~الأحاديث في هذه المدينة الباسمة اللاهية. # وكان لويس الرابع عشر قد مات، وكان أمر الدولة إلى الوصي الذي أقيم على الملك، ~~الصبي لويس الخامس عشر، وكان هذا الوصي صاحب لهو لا حد له، وصاحب مجون وعبث لا حد ~~لهما أيضا، وكان الناس قد ساروا سيرته كأنما أرادوا أن يعوضوا ما فاتهم في تلك ~~الأيام الحزينة التي ختمت حكم الملك الشيخ، وما أسرع ما اتصلت صاحبتنا بقصر الوصي ~~واشتركت فيما أقام فيه من حفلات، ثم اتصلت بالوصي نفسه، وأصبحت له خليلة، ولكن حبه ~~لها لم يتجاوز خمسة عشر يوما، على أنها قد ربحت من هذا الحب القصير ستة آلاف من ~~الجنيهات الفرنسية، تصرف لها في كل عام ما امتدت لها الحياة، وأسرفت صاحبتنا في ~~اللهو حتى أنكرها أصحاب اللهو من أهل باريس، وحتى ساءت الصلة بينها وبين زوجها، ~~فافترقا دهرا ثم كان بينهما صلح لم يطل، وعادا إلى الفرقة، ثم كان بينهما صلح ~~آخر، قوامه أن يلتقيا على الغداء والعشاء، وألا يعيشا معا، ولكن هذا الصلح نفسه ~~لم يتصل أيضا، ففرق بينهما، وعاد الرجل إلى قصره في الأقاليم وأقبلت هي على ~~لهوها في باريس لا تدع فنا من فنون العبث إلا أخذت منه بحظ عظيم، على أنها لم ~~تكد تجاوز الثلاثين حتى تبينت أن ما هي فيه من الأمر باطل كله، وحتى سئمت اللهو ~~وعافته، وأخذت تحس انصراف الناس عنها، فأوت إلى أخ لها قسيس أقامت عنده دهرا، ~~ثم انصرفت عنه إلى أخ آخر لها في الأقاليم، ثم عادت مرة أخرى إلى باريس، واتصلت ~~بقصر من قصور الأشراف كان ms126 يئوي أكبر من تعرفهم فرنسا وأوروبا من الأدباء ~~والفلاسفة، وأصحاب الفن، وفي هذا القصر ظهرت قيمتها الأدبية، واستكشفت براعتها في ~~الحديث وتبين الذين عاشروها أنها امرأة ليست كغيرها من النساء، بل ليست ككثير من ~~الرجال، وإنما تمتاز بقلب ذكي، وعقل قوي، ولسان فصيح عذب، ومهارة في تصريف الحديث ~~لا تبلغ الإعجاب وحده، ولكنها تبلغ إعجاز المحدثين مهما تكن منزلتهم، ومن ذلك ~~الوقت أخذ أمر هذه المرأة يعظم، وشأنها يرتفع، لا من حيث إنها امرأة جميلة خلابة، ~~تحب اللهو وتسرف فيه، فقد كانت في ذلك الوقت قد بدأت تقصر عن اللهو وتعري أفراس ~~الصبا ورواحله، كما يقول زهير، بل من حيث إنها امرأة أديبة أريبة يستطيع أن يستمتع ~~بحديثها، وعشرتها، وبراعتها، ذوو العقول، وقد آثرتها صاحبة القصر إيثارا عظيما ~~حتى لم تكن تصبر على فراقها، وأحبها ڤولتير، وكلف بها منتسكيو، وأطاف بها أعلام ~~الأدب والفلسفة من الفرنسيين يستبقون إلى مودتها. # وما هي إلا أن تتخذ لنفسها دارا في باريس وتدعو إليها أصدقاءها هؤلاء من الأدباء ~~والعلماء والفلاسفة يسمرون عندها يوم الأربعاء من كل أسبوع، ثم تضيق هذه الدار بمن ~~يقصد إليها من رجال فرنسا وأوروبا على اختلافهم، فتتحول عنها إلى دار أخرى رحبة ~~تستأجرها في دير من هذه الأديرة الأرستقراطية في باريس. # وفي هذه الدار التي استأجرتها كانت تقيم قبلها مدام دي منتسبان خليلة لويس الرابع ~~عشر، تلك التي ملأت حياة الملك العظيم لذة وإثما، وكلفت رجال الدين من حوله مشقة ~~وجهدا، والتي كانت تأوي إلى هذا الدير من حين إلى حين تستغفر الله من خطاياها، ~~وتضرع إليه في الوقت نفسه أن يحفظ عليها هذه الخطايا. # أقامت صاحبتنا في هذه الدار، ونظمت استقبالها لأعلام فرنسا مرتين في الأسبوع ~~يتناولون عندها العشاء، ويسمرون إلى قريب من آخر الليل، ويتحدثون فيما شئت من أدب ~~وعلم، ومن فلسفة وفن، ومن سياسة وحرب، ولكنها لم تكن تحب أن تشارك الأدباء ~~والعلماء والفلاسفة فيما كان يجري بينهم من حوار؛ لأنها كانت تكره الأدب والعلم، ~~وكانت تكره ms127 الفلسفة خاصة، وتضيق بها ضيقا شديدا، وكانت تعنى بأشخاص زائريها ~~أكثر مما تعنى بما كان عندهم من علم، أو أدب، أو فلسفة. كانت مسرفة في الشك، وكان ~~إسرافها في الشك يصرفها عما كان يكلف به الناس في عصرها من هذه الفلسفة الحرة ~~الغالية التي كانت تعمل في الهدم، أكثر مما كانت تعمل في البناء. # وتتقدم السن بصاحبتنا وقد مات زوجها وأصبحت حرة حتى أمام القانون، وقد جدت في تنظيم ~~حياتها، وانصرفت عن اللهو والمجون إلى حياة الجد ولذة الحديث والسمر، ولكنها على ~~ذلك اتخذت لها خليلا عاشت معه عيشة الأزواج، لم تكن تحبه ولكنها لم تكن تكرهه، ~~إنما كانت تستعين به على احتمال الحياة، كما كانت تستعين بكل شيء على احتمال ~~الحياة، فقلما عرف تاريخ الآداب امرأة ضاقت بالحياة كما ضاقت بها هذه المرأة، بل ~~قلما عرف تاريخ الآداب رجلا ضاق بالحياة كما ضاقت بها هذه المرأة. كانت متشائمة ~~كأشد ما يكون التشاؤم، وكانت تردد هذه الكلمة التي تقربها من أبي العلاء وهي: إن ~~شر ما ابتلينا به من الشقاء إنما هو الحياة. # وكانت تستعين بإسرافها في المجون والعبث، ثم في الجد والإنتاج الأدبي على احتمال ~~الحياة، ولعلها لم تله، ولم تعبث، ولم تجد إلا لتنسى الحياة وتنصرف عن نفسها، فقد ~~كانت تكره العزلة وتخافها خوفا شديدا، فكانت تسهر الليل، ولا تنام إلا قليلا في ~~النهار، وتنفق وقتها قارئة أو لاهية، أو مستقبلة، ولا تكاد تبلغ الخمسين من عمرها ~~حتى يتم الله محنته لها، وحتى يأخذها الشقاء من كل وجه، فهذا حجاب رقيق يلقى ~~شيئا فشيئا بينها وبين النور، ثم يتكاثف هذا الحجاب قليلا قليلا، وهي تحس ذلك ~~وتجزع له وتلجأ إلى الأطباء والسحرة، والمشعوذين، فلا تجد عند أحد منهم شيئا، ~~والحجاب يتكاثف ويتكاثف، حتى يستحيل إلى سور صفيق يقطع كل سبب بينها وبين الضوء، ~~وإذا هي عمياء. # أفتظن ذلك قد غير من سيرتها أو اضطرها إلى شيء من القصد والاعتدال؟ ليس من شك في ~~أنها قد حزنت لذلك حزنا ms128 عميقا ولكنه حزن أضيف إلى حزن. حفظته في أعماق نفسها ولم ~~تظهر منه للناس شيئا، إنما كتبت إلى بعض أصدقائها من أعلام الأدب والسياسة تنبئهم ~~بهذه الكارثة، فمنهم من رق لها كڤولتير، ومنهم من عبث بها كمنتسكيو، وكلهم قد مضى ~~في إكبارها، والاختلاف إليها، لم يغير من سيرته شيئا كما لم تغير هي من سيرتها ~~شيئا، فظلت مائدتها تقام يوم الاثنين والأربعاء من كل أسبوع، وظلت تختلف إلى ~~الأوبرا والملاعب، وتشترك في الحفلات كما كانت تفعل من قبل، واتخذت لها رفيقة فتاة ~~من أهل الأقاليم ولدت في أسرة شريفة ولكن مولدها لم يكن شرعيا، وكانت هذه الفتاة ~~مدموازيل لسبيناس ذكية بارعة الذكاء، حساسة قوية الحس، مثقفة واسعة الثقافة، وكانت ~~المودة بينها وبين سيدتها قوية متينة، دامت عشر سنين لم يكدر صفوها مكدر، ثم لاحظت ~~صاحبة الدار أن زوارها أو فريقا منهم إذا انصرفوا عنها لم يخرجوا، وإنما أتموا ~~سمرهم عند الفتاة، فغاظها ذلك وكانت القطيعة بين الصديقتين، ولكنها لم تكن قطيعة ~~مألوفة إنما كانت حدثا من أحداث العصر في باريس، انقسم له الأدباء والفلاسفة ~~انقساما عظيما، تعصب بعضهم للشيخة وتعصب بعضهم للفتاة، وكانت كثرة الفلاسفة وعلى ~~رأسهم دالمبير # d’Alembert # من أنصار الفتاة وكانت ~~الأرستقراطية المعتدلة والمحافظة من أنصار الشيخة. # ثم استأنفت الحياة المنظمة طريقها عند صاحبتنا، واتخذت الفتاة لها ناديا أو ~~صالونا أدبيا، واشتدت المنافسة بين هاتين المرأتين، وصاحبتنا الآن في الثامنة ~~والستين من عمرها قد فقدت البصر منذ ثمانية عشر عاما، وعظمت مكانتها في أوروبا ~~حتى لم يكن عظيم من الأوروبيين يزور باريس إلا رأى حقا عليه لنفسه ولمكانته أن ~~يلقاها ويتحدث إليها، وفي أكتوبر من هذه السنة 1765 زار باريس رجل من عظماء ~~الإنجليز هو هوراس ولبول # Horace Walpole ~~. كان ~~أبوه روبير ولبول # Robert Walpole # وزيرا وكان هو ~~عضوا في البرلمان، فلما مات أبوه ترك السياسة وانصرف إلى الأدب والفن، وكان في ~~الخمسين من عمره، ولم ير هذا الرجل بدا من أن يزور صاحبتنا هذه ويغشى ناديها ~~كما ms129 كان يغشى أندية الأدب والسياسة كلها في باريس، فلما رأى هذه الشيخة أنكرها، ~~وكتب إلى صديق له يصفها بأنها عجوز عمياء فاجرة العقل، على أن وقتا قصيرا لم ~~يمض على هذه الزيارة حتى تغير الأمر بين هذا الإنجليزي وهذه الفرنسية، وتكررت ~~الزيارة فوقع الإنجليزي من نفس هذه المرأة موقعا غريبا رد إليها الشباب بل رد ~~إليها الصبا، فأحبته، وأنا أعني بهذه الكلمة معناها، أحبته وقد أشرفت على السبعين، ~~ولم يرفض هو هذا الحب، ومن المحقق أنه لم يلق هذا الحب بمثله، ولكنه أضمر لهذه ~~المرأة مودة قوية صادقة لم تغيرها الأيام، وأظهر بها إعجابا لا حد له، واتصلت ~~أسباب المودة والحب بينهما ما أقام في باريس، فلما رجع إلى لندرة اتصلت بينهما ~~الكتابة، وكان يأتي إلى باريس من حين إلى حين ليرى حبيبته أو ليرى عاشقته، أو ليرى ~~يتيمته، كما كانت تسمي نفسها، فقد كانت تسمي نفسها يتيمة وتسميه هو وصيا، وكان ~~هو يسميها ابنته الصغيرة، وكان الحنان بينهما كأقوى ما عرف الناس من الحنان بين ~~المحبين، وكانت نتيجة هذا الحب أربعة مجلدات نشرت بعد موتهما وفيها ثمانمائة من ~~الرسائل التي اتصلت بينهما، وهي آيات من آيات الأدب الفرنسي لا أكثر ولا أقل، فيها ~~تصوير لهذه العواطف النادرة، الشاذة، التي لم يألفها الناس والتي تملأ قلوبهم مع ~~ذلك رحمة وبرا، وإشفاقا، وعطفا. وما رأيك في هذه الضريرة التي نيفت على ~~السبعين والتي تكتب لصاحبها رسائل حب وغرام كرسائل الفتيات اللاتي لم يتجاوزن ~~العشرين، على أن صاحبها كان إنجليزيا، ومعنى ذلك أنه كان يخاف السخرية، والمزاح، ~~وكانت الرقابة مضروبة على الرسائل في إنجلترا ذلك الوقت، فكان صاحبنا مروعا ~~دائما يخشى أن تفض رسائل صاحبته، وأن يعرف ما فيها من هذا الحب الغريب، ~~فيتندر الناس به في القصر وفي الأندية، فكان يرد صاحبته إلى القصد في تصوير ~~عواطفها الحارة، وكانت هي تخاصمه في ذلك، وكان الأمر يفسد بينهما أحيانا، ولكنه ~~لا يلبث أن يعود إلى خير ما كان، وانقطعت رسائله عنها مرة ms130 فكتبت إليه: يظهر أنك لا ~~تريد أن تظهرني من أمرك على شيء، فاحذر أيها الوصي أن تصبر على ذلك فإني خليقة إن ~~فعلت، أن أرسل إليك سكرتيري وأن أكلفه الإسراع إلى لندرة وآمره أن يلزمك وأن يرسل ~~إلي بأنبائك، وأن يعلن إلى الناس جميعا وفي كل مكان أني يتيمتك، وأنك وصيي، ~~وأني أحبك، وأن يهيئ لي عندك مكانا فألحق به، وأعلن إلى الناس جميعا ما بيننا، ~~لا أخاف فضيحة مهما تكن، فاختر لنفسك بين الفضيحة والكتابة إلي. # ولعلها كانت في بعض الوقت تذعن وتطيع، وترد نفسها إلى القصد، ثم تثور فترسل نفسها ~~على سجيتها وتطلق حبها صريحا حرا، وكذلك عاشت هذه المرأة خمسة عشر عاما، استرد ~~قلبها فيها شبابه كله، وتبينت هي وتبين هو وتبين الناس في عصرهما، ومن بعدهما أن ~~ما اندفعت فيه هذه المرأة من العبث واللهو، ومن المجون والفساد، ثم من الجد الخصب ~~والنشاط المنتج، كل ذلك لم يكن إلا ضيقا بالحياة وافتقادا لهذا النور الذي ~~يحببها إلى النفس، وهو الحب، ومصارعة لهذا العدو الفاتك وهو اليأس، فلما بلغت ~~السبعين أو كادت تبلغها ظفرت بالحب عند هذا الإنجليزي، وظفرت به من غير طريقه كما ~~كان يقول المعاصرون، فإن العيون هي أوضح طرق الحب إلى النفوس، ولكن الحب قد يسلك ~~إلى النفوس طريق الآذان كما قال شاعرنا القديم، وأكبر الظن أن صوت هذا الإنجليزي ~~هو الذي حمل الحب إلى نفس هذه الفرنسية فثبته فيها تثبيتا. # وفي سنة 1780 ماتت هذه المرأة وكتبت قبل موتها بقليل جدا إلى صاحبها كتابا تنبئه ~~فيه بقرب آخرتها، وتنبئه بأنها لا تأسف لفراق الحياة؛ لأنها لا ترى في الحياة ~~خيرا بعد أن كتب إليها أن لا تلقاه، وتنصح له بأن يستمتع بالحياة ما استطاع، ~~وتنبئه بأنه سيحزن عليها، فليس من اليسير أن يتعزى الناس عمن كان يؤثرهم بالحب، ~~فلما أتمت إملاء كتابها هم سكرتيرها الشيخ أن يقرأه عليها كعادته، فلم يستطع ~~لأنه كان يقطع قراءته بالبكاء، هنالك أحست هذه المرأة المتشائمة اليائسة التي ms131 ~~أسرفت في سوء الظن بالناس، أحست أن هذا السكرتير لم يكن يعمل عندها ليعيش، فقالت ~~له بصوت خافت فيه نغمة الموت، وفيه مع ذلك نغمة الرضا والغبطة: أكنت تحبني ~~إذن؟ # هذه صورة من صور هذه المرأة، وهي من غير شك أشد هذه الصور اتصالا بالنفوس، ~~وتأثيرا في القلوب، ولكن لهذه المرأة صورا أخرى عظيمة الخطر جدا في حياة الأدب ~~الفرنسي، فقد كانت ناقدة، ولها في أدباء فرنسا، وفي كبار أدبائها خاصة آراء قيمة ~~تثير الإعجاب لرقتها ولبراعة الصيغ التي كانت تعلن فيها، كانت تؤثر ڤولتير، وكانت ~~تضيق بروسو فانظر إلى هذه الجملة البديعة التي تنقد فيها أسلوب جان جاك: «إن لروسو ~~حظا من الوضوح، ولكنه وضوح البرق، وله حظ من الحرارة ولكنها حرارة ~~الحمى.» # واتصلت هذه المرأة بأصحاب السياسة، واتصلت بالعظماء والأشراف وكانت منهم، وقد كتبت ~~إليهم وتلقت منهم الكتب، وقد صورتهم وصوروها، فهذه ناحية أخرى من حياتها لها أثر ~~في توضيح التاريخ السياسي والاجتماعي لفرنسا في القرن الثامن عشر وقبل الثورة ~~الفرنسية الكبرى. # وبعد، فلعل أحسن ما كتب عن هذه المرأة إلى الآن فصلان كتبهما سانت بوف في أحاديث ~~الاثنين تستطيع أن تقرأ أحدهما في الجزء الأول، وثانيهما في الجزء الرابع عشر، فإن ~~أردت الإيجاز المقنع فاقرأ الفصل الذي نشر عنها في «مجلة العالمين» أول أغسطس، ~~فإن أبيت أن تتكلف القراءة أو تشق على نفسك بالبحث فقدر هذا الوصف الذي كان يصفها ~~به ڤولتير وفكر فيه؛ فإنه يعطيك منها صورة قوية، تملأ نفسك رحمة وإعجابا، فقد كان ~~يسميها: «الضريرة المبصرة». # | قصة فيلسوف عاشق # لا أعلم أن الفلسفة تحظر الحب على أهلها، بل الذي أعلمه أن الفلسفة حب كلها، وليس ~~اسمها إلا لفظا من ألفاظ الحب، ولكن هذا الحب إذا احتل قلبا شغله عن كل شيء، ~~واستأثر بكل ما فيه من قوة وعاطفة وهوى، ولم يدع من ذلك للحياة اليومية العاملة ~~إلا شيئا يسيرا جدا. # فالفلسفة حب الحكمة، وهذه الحكمة شديدة الغيرة، شديدة الأثرة، لا تحب الشركة ولا ~~ترضاها، ولا ms132 تسمح لعشاقها بأن يصفوا بودهم شيئا أو أحدا غيرها، فمن فعل ذلك أو ~~شيئا منه، فليس هو من الحكمة في شيء! وإنما هو رجل مثلك ومثلي يغشى الأندية، ~~ويضطرب في الشوارع، ويعيش مع الناس، وليس له حظ من المدينة الفاضلة التي يسكنها ~~ويسيطر عليها عشاق الحكمة وحدهم. # لذلك كان أمر هذا الفيلسوف الذي أحدثك عنه عجبا من العجب، وفنا من هذه الفنون ~~النادرة التي لا يظفر بها المؤرخون والقصاص إلا في مشقة وعسر، وإلا على أن تفرق ~~بينها القرون الطويلة والعصور البعيدة، والذي أعرفه أن التاريخ لم يظفر قبل ~~فيلسوفي هذا العظيم بعاشق قد دلهته الحكمة، وعبث بلبه جمال إلهتها العليا، ولكنه ~~على ذلك استطاع أن يشغف بإلهة أخرى، يشركها مع هذه الإلهة التي كان يصورها اليونان ~~في صورة أتينا، تلك التي خرجت من رأس أبيها زوس، تامة الخلق، مكتملة الشباب، فيها ~~جمال فتان، ولكن فتنة تخلب بقوتها لا برقتها! # لم يعرف التاريخ عاشقا من عشاق أتينا استطاع كما استطاع فيلسوفي العظيم، أن يشرك ~~معها امرأة من النساء في حبه وهيامه، وأن يختصها من هذا الحب والهيام بمثل ما اختص ~~به إلهة الحكمة نفسها، وأن ينتهي به الأمر إلى أن يخلط ابنة زوس بابنة باييس، ~~ويتخذ منهما شخصا واحدا يحبه ويقدسه، ويصوغ له دينا قويا خصبا، ويحاول أن ~~يبسط سلطان هذا الدين على الإنسانية كلها، أو على الإنسانية المسيحية على أقل ~~تقدير. # أظنك قد عرفت هذا الفيلسوف، فهو «أغست كونت» مؤسس الفلسفة الوضعية، وواضع علم ~~الاجتماع، وصاحب السلطان العظيم على العقل الفرنسي، ثم الأوروبي ثم الأمريكي، ~~عصرا طويلا من القرن التاسع عشر، وأظنك قد عرفت هذه المرأة التي زاحمت الفلسفة ~~في قلب «أغست كونت» فكادت تغلبها عليه، أو غلبتها عليه بالفعل، ثم أصبحت إلهة ~~للفيلسوف يعبدها كما يعبد النصارى المسيح، وكما كان الوثنيون من اليونان يعبدون ~~أتينا أو أرتميس، ثم أصبحت إلهة لجماعة من تلاميذ الفيلسوف المتفرقين في أطراف ~~الأرض، ثم أقيم لها معبد لا يزال يحج إليه إلى الآن ms133 في باييس، وأقيمت لها ~~معابد متفرقة في أمريكا الجنوبية، حيث لا يزال للفيلسوف أتباع يشايعونه في القسم ~~المتطرف من فلسفته. # هذه المرأة هي «كلوتلد دي ڤو»، وأظنك تطمئن الآن وقد سمعت هذين الاسمين، إلى أني لا ~~أخترع ولا أتبع الخيال، ولا أضع قصة! وإنما أكتب فصلا من فصول التاريخ، وليس من ~~الضروري أن يلجأ الكاتب إلى الخيال والاختراع؛ ليستطيع أن يمتع قراءه، وأن يؤثر في ~~نفوسهم ويثير فيها هذه العواطف الحادة المختلفة التي تعبث بها حين تحس لذة أو ~~ألما، وحين تجد حبا أو بغضا، وحين تشعر بحزن أو سرور، فقد تكون الحقائق ~~الواقعة أبرع وأروع من أحسن القصص الخيالية وأبدعها، ولكني في حاجة إلى أن أقدم ~~إليك شخص هذين العاشقين قبل أن أحدثك عن عشقهما، وأقص عليك ما كان بينهما من ~~غرام. # نشأ أغست كونت مع القرن التاسع عشر، ولم يكد يتوسط العقد الثاني من عمره حتى ظهر ~~تفوقه في العلوم الرياضية، ولم تكد تتقدم به السن قليلا حتى عرف له هذا التفوق، ~~وإذا هو حجة في هذه العلوم ، وإذا هو لا يقف عندها ولا يقتصر عليها، وإنما يفكر في ~~الصلة بينها وبين بقية أنواع المعرفة الإنسانية من جهة، ويفكر من جهة أخرى في ~~الحياة الأوروبية المضطربة بعد الثورة والإمبراطورية، فيحاول أن يضع ترتيبا ~~جديدا للعلوم، ويوفق إلى ما يريد، ويحاول أن يجد نظاما جديدا تقوم عليه ~~الحياة الأوروبية، فيوفق أيضا، ويصبح لهذين النوعين من التوفيق صاحب الفلسفة ~~الوضعية ومؤسس علم الاجتماع. # ولكن فلسفته الوضعية هذه، كانت حديثة ثائرة لا تستأثر بالقلوب استئثارا مطلقا، ~~ولا تقطع على أهلها سبيل الحياة، فمسحت لعاشقها «أغست كونت» أن يعيش كما يعيش ~~الناس، وأن يحب كما يحبون، فعاش وأحب، ولكن أي عيشة وأي حب؟ تركت الفلسفة قلبه ~~حرا، وشغلت عقله كله، فاختار في الحب بحسه وقلبه، ولم يختر بعقله، فيا بئس ما ~~اختار! اختار امرأة جشمته الأهوال، وعلمته كيف يحتمل الآلام، وكيف يتجرع الإنسان ~~مرارة الغيظ، كانت هلوكا فاجرة، وخيل إلى «أغست كونت» ms134 أنها نقية طاهرة، ~~فأحبها وأظهرت له الحب، وخطبها فقبلت الخطبة، وتزوجها فقبلت الزواج، وما هو إلا ~~وقت قصير حتى تبين من أمرها ما كره، فخاصمها وقاومته، وأنذرها فازدرته، وحاول أن ~~يعاقبها فثارت به، وصبر الرجل وصابر حتى جن، وإذا هو يلقي نفسه في النهر ~~وإذا الشرطة تستنقذه وتدفعه إلى المستشفى، فيقيم مع المجانين حينا ثم يفيق ~~فيستأنف الفلسفة، ويستأنف التعليم، ويستأنف الحب والعذاب، ويجن مرة أخرى، ويفيق ~~وتنقطع الصلة بينه وبين امرأته في غير طلاق؛ لأن القوانين الفرنسية لم تكن تبيح ~~الطلاق يومئذ، فنشاطه إذن موقوف على الفلسفة والتعليم. # في سنة 1840 كان فيلسوفنا ممتحنا في مدرسة الهندسة # polytechnique ~~، وكان بين الشبان الذين ~~تقدموا إليه في هذا الامتحان غلام في الخامسة عشرة من عمره، هو «مكسيمليان ماري». ~~رآه الأستاذ الفيلسوف وسأله، فأحبه وأعجب به، ورأى أن الخير في ألا يقبله هذا ~~العام، فأجله سنة ثم قبله بعد ذلك، واتصلت بين الأستاذ وتلميذه محبة لم تلبث أن ~~بلغت أقصاها، وإذا الفتى يميل إلى أستاذه وفلسفته وإلى الحرية خاصة، وإذا هو ~~يستقيل من المدرسة ويتبع الأستاذ ويتتلمذ له ويعيش من التعليم في المدارس الحرة ~~على كره من أبيه، وفي سنة 1844 يتزوج هذا الفتى ويعيش مع امرأته في بيت الأسرة، ~~حيث يزوره الأستاذ من حين إلى حين، وهناك يلقى أخته «كلوتيلد» فلا يكاد يسمعها ~~ويتحدث إليها، حتى تبتدئ بينه وبينها قصة الغرام. # وكانت «كلوتيلد» هذه في الرابعة والعشرين من عمرها، ولكن حياتها كانت ممتلئة ~~بالخطوب، كان أبوها رجلا من الطبقة الوسطى، عمل في جيش الإمبراطورية وارتقى في ~~آخر عهد الإمبراطور إلى رتبة الكابتن، ثم سقطت الإمبراطورية فأحيل إلى ~~الاستيداع، وعاش من مرتبه العسكري الضئيل، وكانت أم الفتاة من أسرة شريفة من أهل ~~اللورين، فنشأت «كلوتيلد» نشأة فيها بؤس وضيق، ولكن فيها احتفاظا شديدا بتقاليد ~~الطبقة الوسطى، ولم تكد تتجاوز الخامسة عشرة حتى زوجت من رجل يحمل اسما من ~~أسماء الأشراف، ولكن حظه من الشرف كان قليلا، وهو «دي ڤو». اقترن بالفتاة وعين ms135 ~~جابيا للضرائب، وقضى مع امرأته أعواما لا هو بالسعيد ولا هو بالذي يمنح امرأته ~~قسطا من السعادة، ثم أصبح الناس ذات يوم، وإذا هو قد ذهب إلى سفر مجهول، وما هي ~~إلا أن يبحث عنه ويفتش عن أمره، حتى يظهر أنه قد بدد أموال الدولة، وشيئا كثيرا ~~من أموال الناس في اللعب، ثم هرب من فرنسا، إلى حيث لم يعرف من أمره شيء. # فظلت هذه المرأة الشابة معلقة، لا هي بالمتزوجة، ولا هي بالمطلقة، محزونة، بائسة، ~~لا أمل لها في الحياة، عادت إلى أسرتها تعيش بينها، وعكفت على نفسها تعيد وتبدي ما ~~يجول فيها من خواطر الألم والحزن، ثم أخذت تكتب ما تحس وتقيد ما تجد، وإذا هي ~~كاتبة لها حظ من أدب ونصيب من خيال، وكان جمالها معتدلا لا إسراف فيه، وكانت ~~المحنة قد أفادتها رصانة ورزانة، وأفاضت على شخصها شيئا من الحب يعطف النفوس ~~عليها، وأجرت في حديثها شيئا من العذوبة الحلوة الهادئة، يحببها إلى ~~القلوب. # فلما لقيها الفيلسوف في بعض زيارته لأخيها، نظر إليها فلم تكد تبلغ نفسه، ونظرت هي ~~إليه فأنكرته وأكبرته. أنكرت شكله الدميم، وصورته القبيحة، وخلقه المضطرب المرتبك، ~~وأنكرت صوته الغليظ، وحديثه المتكلف، ولكنها أعجبت بذكائه، وأكبرت عقله وفلسفته، ~~وسكتت عنه وسكت عنها، واتصلت الزيارات، واتصل اللقاء، وأخذت نظرات الفيلسوف تستقر ~~على الفتاة، وأخذت أذن الفتاة تطمئن إلى حديث الفيلسوف، ولكن أحدا منهما لم يشعر ~~بأن صاحبه قد وقع من نفسه موقعا خاصا. # كان الفيلسوف يزور الأسرة ثلاث مرات في الأسبوع، وكان يجد لذة ودعة في الزيارة، كان ~~يلقى ثلاثا من النساء: أم تلميذه وكانت مشغوفة بالتصوير، تحاول دائما أن تصور ~~الفيلسوف، وزوج تلميذه وكانت موسيقية تطربه بالتوقيع على البيانو، وكلوتيلد أخت ~~تلميذه وكانت أديبة تحدثه عن الأدب وعن قصتها التي أنشأتها وسمتها «لوسي» ورمزت ~~فيها لحياتها الخاصة، وربما أنشدته شيئا من شعرها، ولم يكن الفيلسوف يحب الأدب ~~ولا يحفل بالشعر، ولكنه كان يجد لذة في أدب «كلوتيلد»، ويذوق الجمال في شعرها وإن ~~لم ms136 يكن هذا الشعر جميلا، وإن لم يكن مستقيم الوزن أحيانا، وكان الفيلسوف يتحدث ~~إلى «كلوتيلد» عن فلسفته الوضعية، وعن مجلداته الخمسة التي ظهرت تذيع هذه الفلسفة ~~في الناس، وعن أنصاره وخصومه، وعن دروسه في الفلك، وكانت الفتاة تعجب بهذا كله، ~~وإن لم تكن بطبعها مشغوفة بالفلسفة، وكان الفيلسوف يلتمس إرضاءها والتقرب إليها ~~على غير شعور منه، فيذكر لها براعة النساء في الأدب والفلسفة، وكان هذا الحديث ~~يروقها ويتملق كبرياءها، وكانت الفتاة تكبر في نفسها حين ترى الفيلسوف قد رآها ~~لثقته أهلا، وذات يوم سقطت على الفيلسوف من السماء سعادة لم يكن يقدرها ولا ~~ينتظرها ولا يحسب لها حسابا. زاره تلميذه ومعه أخته، وكان الفيلسوف في جماعة من ~~العلماء، وكان الحديث علميا عميقا، فابتهج الفيلسوف وأعجبت الفتاة، وجلست ~~تسمع في إكبار وتثاؤب خفيف لحديث العلماء، ثم همت تريد أن تنصرف فجمع الفيلسوف ~~شجاعته كلها في يديه واستأذن الفتاة في أن يزورها في بيتها الخاص، فأذنت، هنالك ~~بدأت الخصومة بين إلهة الفلسفة وإلهة الجمال، هنالك اضطرب «أغست كونت» بين العقل ~~والقلب، وبين التفكير والحب. هنالك أخذ الفيلسوف يسأل نفسه: ما قيمة هذا العلم ~~الخالص الجاف؟ وما قيمة هذا التفكير العميق العقيم؟ ومتى كان الرجل رجلا بعقله ~~دون قلبه؟ ومتى كان الإنسان إنسانا بالتفكير دون الحب؟ إن الإنسان لا يستطيع أن ~~يفكر في كل وقت، ولكنه يستطيع أن يحب دائما، وإذن فقد تكون آلهة الفلسفة مسرفة في ~~الطغيان، وقد يكون من الممكن أن يتخذ «أغست كونت» رأسه معبدا لأتينا وقلبه معبدا ~~لكلوتيلد. # وابتدأت زيارة الفيلسوف للفتاة في بيتها، وإذا الحب يعلن، وإذا الفيلسوف يلح في ~~حبه ويسلك إلى إقناع الفتاة بهذا الحب طرقا، منها الملتوي ومنها المستقيم، ولكن ~~كلوتيلد لا تحب ولا تهوى، إنما تعجب وتكبر، فهي ترده عنها في رفق، وتطلب إليه ~~مودته دون حبه، فلا يكاد يعرف منها هذا حتى يضيق بنفسه وبالحياة، وحتى تضيق به ~~حصته، ويعجز جسمه ورأسه عن احتمال هذا الخذلان، فهو مريض يلجأ إلى السرير أياما، ~~وهو ms137 مشفق أن يعاوده جنونه القديم، على أنه يبل من مرضه، ويحاول أن يجدد عهده ~~بالفتاة، ولكنها تحظر عليه زيارتها في بيتها، وتعده باللقاء عند أمها مرتين في ~~الأسبوع، فلا يكفيه ذلك، فتعده بلقائه مرة ثالثة، فلا يكفيه ذلك أيضا، وتتصل ~~بينهما كتب فيها حوار حلو ملؤه الحنان يصدر من الفتاة، عنيف معوج ملؤه الفلسفة حين ~~يصدر عن الأستاذ، ثم يستحيل هذا الحب في نفس الفيلسوف إلى شكل جديد، فليس هو حبا ~~عاديا كهذا الذي يكون بين الناس، وإنما هو التقاء شخصين عظيمين قد خلقا ~~ليلتقيا ثم ليتعاونا على إصلاح الإنسانية وإنهاضها. هي إذن قد خلقت له ولن يدعها ~~ولن يتخذ غيرها زوجا إذا ماتت زوجه النائية، ثم تستحيل هذه العواطف ويستحيل هذا ~~التفكير إلى فن من الفلسفة، يضعه «أغست كونت» في رسالة، ويهدي الرسالة إلى الفتاة ~~بهذا العنوان: «رسالة فلسفية في التذكار الاجتماعي»، في هذه الرسالة يتغير رأي ~~«أغست كونت» في المرأة ومكانتها الاجتماعية تغيرا تاما، فقد كان منذ أشهر يكتب ~~إلى تلميذه «ستوارت ميل» فيرى أن ليس في المرأة أمل ولا خير، أما الآن فهو يرى ~~المرأة عنصرا أساسيا في الإصلاح الاجتماعي الذي وقف نفسه عليه، وقد سرت ~~الفتاة بهذه الهدية، وكبرت في نفسها فزارت الفيلسوف مع أمها شاكرة له. # هنالك نشط الأمل وتجددت الحياة، واعتقد الفيلسوف أنه سعيد، واستأنف إلحاحه على ~~الفتاة واستأنفت الفتاة مدافعته عن نفسها، واحتالت في ذلك حتى زعمت له أنها قد ~~أحبت من قبله فتى كان لحبها أهلا، وأحبها الفتى وسعد بهذا الحب! ولكن لم يجدا ~~إلى الزواج سبيلا؛ لأن الفتى كان معلقا مثلها يخاصم امرأته ولا يستطيع لها ~~فراقا، فيئست من الحب والسعادة، وأزمعت أن تنصرف عن لذات الحياة أبدا، ولكن ~~الفليسوف مغرم، والغرم لا يعرف اليأس، وهو إذا كان صحيحا قويا قد يتحول ويتشكل، ~~ولكنه لا يزول، وما الذي يمنع غرام كونت أن يتخذ شكلا فلسفيا ولو إلى حين. لقد ~~كان عود نفسه الحرمان منذ دهر طويل، فألغى القهوة منذ عشرين سنة، ms138 وترك التدخين ~~منذ عشر سنين، ثم ألغى النبيذ ثم ألغى الفاكهة، ثم اتخذ ميزانا يزن به ما يلائم ~~حاجة جسمه من الطعام الخشن، وكان ربما يكتفي بالكسرة من الخبز يتبلغ بها، وهو يفكر ~~في إخوانه من الناس الذين قد لا يظفرون بمثلها، وما دام قد سيطر على نفسه إلى ~~هذا الحد، وعودها هذا الحرمان في الطعام والشراب، فما له لا يزيد هذه السيطرة؟ وما ~~له لا يعود نفسه الحرمان لا في الحب بل في لذات الحب؟ إذن فليبق حبه قويا ~~حارا، ولكن ليظل هذا الحب نقيا طاهرا مجدبا من كل لذة، ولينتظر، وليجتنب ~~اليأس، فكل شيء يدني الفتاة منه، وكل شيء يدنيه من الفتاة. لقد أصبحت زميلة له منذ ~~نشرت بعض الصحف السيارة لها قصتها التي وضعتها عن نفسها فأصبحت كاتبة مثله تتحدث ~~إلى الناس في الأدب كما يتحدث هو إلى الناس في الفلسفة. هما إذن زميلان، بل ~~هما أكثر من زميلين؛ فقد أخذت الفتاة تدنو من مذهبه في الفلسفة، وتحس ميلا إلى ~~آرائه الاجتماعية، وتكون منه مكان التلميذ والنصير، فليحب إذن وليصبر، وفي أثناء ~~ذلك كانت أم الفتاة تقول لها: لولا أن مسيو كونت قبيح دميم لقلت إنه يتملقك ويدور ~~حولك كما يدور العاشقون حول من يحبون، ومع ذلك فإن من الحق عليه لك ولنفسه أن يفكر ~~في أن هذه الزيارات المتصلة المنظمة لا تليق بك ولا به؛ لأنها تخالف العرف المألوف ~~أشد الخلاف. # واتصلت زيارة أغست كونت لأسرة كلوتيلد، واشتدت الصلة بينه وبينها متانة وقوة، وأخذت ~~تزول من هذه الصلة بقايا هذه التكاليف الاجتماعية التي تواضع الناس عليها في ~~حياتهم المألوفة، والتي لا يزيلها ولا يمحوها إلا المودة الخالصة إذا بلغت أقصاها، ~~أو الحب الصحيح إذا انتهى إلى غايته. وألحت الأسرة في التعريض بهذه الزيارات ~~المتصلة، وبهذه الصلات التي كانت تتخلص شيئا فشيئا من التكلف والاحتشام، ونزعت ~~الفتاة نفسها وقتا طويلا في أن تتحدث إلى الفيلسوف بهذه الريبة التي أخذت تثور ~~حولهما في نفوس الأسرة، ولكنها انتهت إلى ms139 أن أنبأته بما عندها من ذلك فاستمع لها، ~~ولم يحتج إلى تفكير وتقدير ليمتلئ قلبه سرورا وغبطة، وليأخذه شيء من الكبرياء ~~غريب في ظاهر الأمر، ولكنه مألوف عند العشاق والمحبين، وما له لا يسر ولا يغتبط ~~والحجب ترفع كل يوم بينه وبين من يهوى، وما له لا يأخذه الكبر ولا يملؤه التيه ~~وهو يثير الريبة في نفوس الأسرة، ويضطرهم إلى أن يشعروا بحبه للفتاة وبأن الفتاة ~~لا تزدريه ولا تفرط في ذاته، ولا تنظر إليه في غير عناية ولا اكتراث؟ لعلها لا ~~تحبه كما يحبها ولكن في قلبها عاطفة ما تعطفها عليه وتدفعها إليه، ومن يدري؟ لعل ~~هذه العاطفة أن تنمو وتقوى وتخضع لما يخضع له الإنسان بملكاته وعواطفه من التطور، ~~فتستحيل من المودة الخالصة إلى الحب العنيف، وإذن فما له لا يستأنف سعيه وإلحاحه؟ ~~وما له لا يدور حول قلب الفتاة لعله يجد سبيلا لبلوغه والوصول إليه؟ وقد فعل، ~~فهذا الحنان الذي كان قد كظمه في نفسه أو أسبغ عليه لونا من الجد يجعله إلى الود ~~أقرب منه إلى الحب، قد أخذ يتجرد من ثوبه المتكلف ويظهر على حقيقته وفي صورته ~~الصحيحة، وقوته التي لا تبقي على شيء، وهذا التحفظ الذي كان اصطنعه في الحديث يزول ~~شيئا فشيئا، وإذا هو صريح، وإذا هو يجدد إعلان الحب، ويكرر هذا الإعلان ويحيط ~~الفتاة بشباك من الطلب والأمل والتضرع والاستعطاف والإغراء الذي يتجه إلى العقل ~~حينا وإلى الشعور حينا آخر، وكيف تريد أن تفلت الفتاة من هذه الشباك جميعا وهي ~~لا تكاد تخلص من واحدة حتى تتعثر في أخرى؟ هي مضطرة إذن إلى أن تسالم بعض الشيء ~~وتصانع إلى حد ما، وتنهزم عن خط الدفاع الأول كما يقولون. # وهل كانت هي في نفسها منصرفة عن الفيلسوف حقا راغبة عن حبه كل الرغبة؟ لست أدري ~~ولكنها على كل حال عجزت عن المقاومة فكتبت إلى أغست كونت تنبئه بهذا العجز وتظهره ~~على ذات نفسها وتبين له رأيها في التخلص من هذا الموقف الدقيق ورأيها ms140 أنها لم تكن ~~تقدر أن أحدا يكلف بها ويتهالك عليها، وأنها هي لا تكلف بأحد ولا تتهالك على ~~أحد، ولكن أملها إن صح أن يكون لها أمل في الحياة، إنما هو طفل تقف عليه حبها ~~وحنانها وقوتها ونشاطها، وهي إذا شاركت رجلا في الحياة فإنما قوام هذه الشركة ~~الوصول إلى تحقيق هذا الأمل، وهي حريصة كل الحرص على أن يكون شريكها إن ظفرت به ~~رجلا ممتازا مرتفع النفس كبير القلب خليقا بالإكبار، وهي تجد هذه الخصال كلها ~~في الفيلسوف ولا تكره أن تتخذه شريكا في تحقيق هذا الأمل وخلق هذا الطفل، ولكنها ~~لا تريد أن تخدعه ولا أن تغره فهي لا تحبه بالمعنى المألوف لهذه الكلمة، وحياتها ~~ليست بالشيء النفيس الذي يحرص الناس على الاشتراك فيه، فهي يائسة تحتاج إلى من ~~يعزيها، وهي فقيرة تحتاج إلى من يعولها، وهي لا تحمل لشريكها إلا مودة صادقة ~~وإخلاصا لا حد له. # ويقرأ الفيلسوف هذا الكتاب فيجن جنونه وتدور به الأرض ثم تهدأ نفسه، وتشرق في وجهه ~~الدنيا وتبتسم له الأيام، وهل كان يطمع في أن تقبل كلوتيلد منه مثل هذا وترضى أن ~~تكون له خليلة، وتقاسمه الحياة، وتشاركه في خلق إنسان؟ وهو قابل إذن، وهو راض، ~~وهو سعيد، وهو واثق بأن هذه خطوة ستتبعها خطوات، وهو يكتب إليها ويمضي كتابه على ~~هذا النحو: زوجك المخلص أغست كونت. # وتزوره ذات يوم زيارة المستسلمة المستعدة للوفاء بالوعد وإنفاذ هذه الشركة، فيلقاها ~~فرحا مبتهجا ثم يجلسها ويجثو بين يديها ويقدم إليها صلاة فلسفية حارة، ولكنه ~~عالم لا حظ له من براعة الأدباء، ولا من براعة الرجال الذين تعودوا عشرة النساء ~~والتلطف لقلوبهن، فصلاته فلسفية وحديثه بعد ذلك عملي كله، وحركاته حين يضطرب في ~~غرفته منظمة قد قدرت تقديرا، فهو لا يرفع شيئا إلا بحساب، ولا يضع شيئا إلا ~~على نظام، ولا يأتي حركة إلا إذا كانت لها علة ظاهرة وتأويل معقول، وهو يتحدث عن ~~دخله وعما سيحتاجان إليه من نفقة، وعن ترتيب البيت وعن النظام ms141 المادي للحياة، وهو ~~على هذا كله دميم لا جمال في شكله ولا روعة، قصير متقدم البطن مضطرب الوجه، فأين ~~يقع هذا المنظر؟ وأين يقع هذا الحديث؟ وأين تقع هذه الحركات المنظمة من قلب امرأة ~~لم تتجاوز الثلاثين بعد؟ ما أسرع ما ضاقت بهذه الشركة ورغبت عنها! وما أسرع ما ~~ضحكت من نفسها في نفسها! وما أسرع ما استيقنت أنها كانت تحاول أمرا لا قبل لها ~~به ولا قدرة لها عليه! وما أسرع ما نهضت وهي تقول: لقد تقدم الوقت دعني أكتب إليك! ~~وما أسرع ما خرجت من الباب وهبطت من السلم وبلغت الشارع ومضت! والفيلسوف ينظر ~~إليها من النافذة، فإذا هي تسرع أمامها لا تلتفت ولا تلوي على شيء، وتكتب إلى ~~الفيلسوف بعد ذلك معتذرة متعللة قائلة: إنها قد تعجلت الوعد وتبين لها أنها في ~~حاجة إلى التفكير الطويل وأن الخير في أن تمهل نفسها لترى، فلا يكاد الكتاب يصل ~~إلى الفيلسوف حتى يحس أنه قد أذاها بحديثه، فيكتب إليها متلطفا ملحا، وتمضي هي ~~في إبائها، ويشتد هو في إلحاحه، حتى إذا أثقل عليها أجابته في شيء من الشدة ~~والصرامة أنها لا تستطيع أن تبيع نفسها ولا أن تساوم فيها فإن كان يقنعك ما أعرضه ~~عليك من المودة الخالصة الطاهرة فذاك، ولك أن تلقاني في بيت أسرتي كدأبك من قبل، ~~ولا بد لي من ستة أشهر أفكر فيها وأروي، وإلا فإني عائدة إلى ما كنت فيه من وحدة ~~وعزلة. هنا يفيق الفيلسوف من ذلك السكر الذي كان غمره وملأ عليه قلبه وعقله، ويعود ~~إلى حاله الأولى ليس شديد الرجاء، ولكنه ليس يائسا بل هو بعيد كل البعد من اليأس، ~~واثق بأن العاقبة له وبأن الفوز لن يخطئه مهما يكن من شيء، سيصبر إذن وسيستأنف ~~حياته الأولى فيلقى الفتاة في بيت أسرتها مرتين في الأسبوع. # وكلاهما سيئ الحال ضيق ذات اليد، أما هي فتبحث عن عمل لتعيش منه أو لترفه به بعض ~~الشيء حياتها الضيقة الخشنة، وهي لا تتردد في أن ms142 تشغل مكان السكرتير في مكتب من ~~المكاتب، أو عند رجل ذي مال إن ظفرت به، ولكنها لا تظفر بشيء ولا بأحد إلا ~~فيلسوفها الذي قد وثقت به واطمأنت إليه، فهي لا تخفي عليه من أمرها شيئا، وهو ~~يعدها بالمعونة ويعرض عليها أن يقرضها ما تحتاج إليه، بل يؤكد لها أن كل ما يملك ~~من المال ملك خالص لها تستطيع أن تأمر فيه بما تشاء. نعم؛ ولكنه هو لا يملك شيئا ~~أو لا يكاد يملك شيئا، أعماله شاقة ونفقاته ثقال، والمستقبل أمامه مظلم هو يلقي ~~دروسا رياضية في بعض المدارس الحرة ولكن صاحب المدرسة يريد أن يلغي هذه الدروس ~~رغبة في الاقتصاد، وهو يكسب شيئا من مدرسة الهندسة ولكنه في حاجة إلى أضعاف هذا ~~الذي يكسبه، وهو يلح على تلاميذه في إنجلترا أن يرتبوا له رزقا معلوما، ولكن ~~التلاميذ لا يؤمنون لأستاذهم بهذا الحق وهو مضطر إلى أن يرزق امرأته ثلاثة آلاف ~~فرنك في كل عام، ولا بد له من أن ينقص هذا الرزق وأن يختزل منه ثلثه، وهو على هذا ~~كله يعمل، وهو على هذا كله يحب، وهو حريص على ألا يقصر في ذات فلسفته ولا في ذات ~~عشيقته، وعشيقته أيضا تعمل لخدمة الأدب إن أعجزها أن تعمل لكسب المال. لقد نجحت ~~قصتها الأولى بعض الشيء فما لها لا تكتب قصة أخرى وقد بدأت كتابة هذه القصة واتخذت ~~نفسها لها موضوعا مع شيء من الرمز والإيماء وأخذت كلما كتبت شيئا أرسلته إلى ~~الفيلسوف، فيقرأ ويعجب ويهيم، ويقرظ فيسرف في التقريظ. # ويستأنف زياراته للأسرة محتملا ما يرى من الإعراض، يقابله بمثله في كثير من ~~الأحيان، حتى إذا كتب أخو الفتاة رسالة في الرياضة وعرضها على أستاذه ونظر الأستاذ ~~فيها وأطال النظر فلم تعجبه، فيضطر إلى أن يعلن رأيه إلى تلميذه في غير تردد وإلى ~~أن يتحدث إلى الفتاة بأن حبه لها وحرصه على مودة أخيها لن يمنعاه من أن يعلن رأيه ~~في هذا الكتاب الذي لا خطر له، هنالك يزداد سخط ms143 التلميذ على أستاذه وهذا هو الذي ~~يدور حول أخته ويشرب القهوة في البيت مرتين في كل أسبوع، ثم لا يشجع تلاميذه ولا ~~يعترف لهم بما يوفقون إليه من فضل. # ويشتد إنكار الأسرة على الفتاة وتثبت هي لإنكارهم، فتجادلهم في أستاذها وتزودهم ~~عنه، وتخرج من عندهم مكدودة متعبة، وتأوي إلى بيتها وقد فقدت أو كادت تفقد الشجاعة ~~والنشاط، فتفكر في الفيلسوف، وفي أنه الرجل الوحيد الذي يؤثرها بالحب، ويصفيها ~~المودة والعطف، فتنازعها نفسها إليه، ولكن نفورا قويا يمسكها أن تندفع في هذا ~~الحب، فتكتفي بالشكوى، وتقبل من الفيلسوف عطفه وحنانه، ومعونته المالية أيضا، ~~وكانت أعراض الضعف قد ظهرت عليها، فأخذت تحس فتورا وانحلالا، وأخذت تقاوم سعالا ~~متكررا مضنيا، ولم تقدر إلا أن ما تحسه عرض من أعراض هذا الجهد الذي تلقاه، ~~فصبرت واحتملت وجدت في كتابة قصتها، وجدت أيضا في الأنس إلى الأستاذ، وأذنت له أن ~~يزورها في بيتها الخاص، فأحيت أمله، وبالغت في إحياء هذا الأمل حين أهدت إلى ~~الأستاذ باقة من الزهر الصناعي صنعتها بيدها، وأرسلت معها أبياتا من الشعر لا ~~قيمة لها ، ولكن الفيلسوف رآها آية من آيات البيان. # وزارها الفيلسوف ذات يوم فإذا هي متعبة تلقى من الآلام جهدا شديدا فتحدث إليها ~~وأطال الحديث، واطمأنت هي إليه اطمئنانا شديدا، فلما نهض لينصرف اختلس قبلة من ~~فمها، ولكنه لم يكد يبلغ بيته حتى كتب إليها كتابا مشهورا يعتذر فيه من هذه ~~القبلة؛ لأنه لم يكن يثق حين اختلسها بأن نفسه كان نقيا طيب النشر، وردت عليه في ~~هذه السذاجة البديعة: «لا بأس عليك؛ فأنا التي منحتك قبلة صديقة مخلصة.» # ويشتد المرض والفقر بالفتاة، ويشتد الهيام والبؤس بالفيلسوف، وتزول بينهما الكلفة، ~~وتكثر الزيارة عندها وعنده، ويعرض عليها خادمته لتعينها على الحياة، فتأبى، وتقضي ~~الشتاء وحيدة عاملة لا يسليها عما تجد إلا زيارات الفيلسوف لها وعطفه عليها، وقد ~~عرضها على الطبيب فقدر لها مرضا أخذ يعالجه وهو بعيد كل البعد عما كانت تجد، ~~واشترك الفيلسوف في الأوبرا على فقره ليسلي ms144 صاحبته بالموسيقى من حين إلى حين، ~~ولكنه لم ينس الحب ولم يفكر في الإعراض عنه، فهو ما زال يلح على الفتاة ويتقاضاها ~~هذه الصلة المادية التي تتوج ما بينهما من ائتلاف العقل والقلب وهي تأبى، حتى إذا ~~أثقل عليها فأسرف، كتبت إليه تذعن لما يريد، وهي تقول: إنك تطالب بأجر ما تبذل لي ~~من ود ومعونة فلن أماطل في تأدية هذا الأجر. هنالك استحى الفيلسوف واستكبر فرفض ~~هذا التسليم وأبى إلا صلة مصدرها الحب والرغبة. # وزارته ذات يوم وهي مكدودة قد أجهدها المرض، واشتدت بها الحمى فلما انتهت إلى البيت ~~استلقت على وسادة ونظر إليها هو وإن في عينه لحبا لا حد له، وشهوة لا حد لها، ~~وإذا هو يرى عينيها الزائغتين من الألم وخديها اللذين توردهما الحمى فلا يرى إلا ~~جمالا مغريا وحسنا فتانا، وهي مستلقية أمامه لا حول لها ولا طول، وهو قادر ~~عليها! ولكنه ليس قادرا على نفسه، فهو يشتهي إلى حد الهيام ولكن عقله ووقاره ~~يأبيان عليه هذا الغصب، فتنحل هذه الشهوة الحادة العنيفة إلى حب وقور، فيه شيء ~~كثير من جلال الدين، والمرض والبؤس يلحان على الفتاة، والحب والفقر يلحان على ~~الفيلسوف وإذا هي قد لزمت غرفتها، ولزمتها خادم الفيلسوف، وجاء الطبيب فلم يشك في ~~أنها مسلولة مشرفة على الموت، وكثر تردد أمها عليها وكثر تردد الفيلسوف أيضا، ~~وكانت بين الأم والفيلسوف حول هذا الجسم الناحل وهذه النفس التي تتأهب لمفارقة ~~الحياة، خصومات مؤلمة ولكنها لا تخلو من فكاهة، فأما الأم فكانت أسيرة الأوضاع ~~الاجتماعية، أسيرة هذا الحب الذي يعطف المرأة على ابنتها، وأما الفيلسوف فكان أسير ~~هذا الحب الفلسفي، ولم يكن يتردد في أن يعلن أنه وحده صاحب الأمر في هذا البيت ~~لأنه الزوج الخالد للفتاة، ولم لا؟ لقد كان ينهض بكل ما تحتاج إليه، ويعرف من ~~تمريضها ما ظهر وما خفي. لقد كتبت إليه مرة تقول: ما أشد حاجتك إلى الرحمة أيها ~~العاشق التعس! فلم تظفر من خليلتك إلا بشر ما يظفر به ms145 الأزواج، وكان مؤلما جدا، ~~وباعثا للابتسام أحيانا أن يرى الفيلسوف جاثيا أمام السرير وهو يصلي إلى الفتاة ~~فيدعوها أخته وزوجه وابنته، ويؤكد لها ويقسم ليعصمنها من الموت، ولئن عبثت الطبيعة ~~بجسمها فليضمنن هو لنفسها الخلود، ولم لا؟ أليست أرقى امرأة عرفتها الإنسانية؟! ~~لقد لقيت أرقى عقل عرفته الإنسانية، فلن يكون للفناء عليك ولا علي سلطان. # وساءت حال الفتاة، ودعي القسيس ليهيئها لاستقبال الموت، فلم تمانع هي ولم يمانع ~~هو، وأقبل القسيس فأدى عمله والفيلسوف يراه ويسمع له ساخطا حتى إذا انصرف أقبل ~~فأنكر هذه العادة الدينية التي تنتزع المريض انتزاعا من الحياة لتدفعه بين ذراعي ~~الموت. # أقبل عذب الصوت، رضي النفس، حنون القلب، فجثا إلى السرير وحنى على الفتاة، وأخذ ~~يحدثها أحاديث عذبة كلها أمل وكلها رحمة، ثم انصرف وعاد فإذا الأسرة كلها مجتمعة ~~وإذا هم يأبون عليه أن يصل إلى المريضة، فتثور ثائرته ويخرج عن طوره ويأبى أن ~~ينصرف، ويهم بإخراجهم جميعا لأن المريضة زوجه وخليلته وهي له وحده دونهم، بذلك ~~اعترفت له وعلى ذلك أقسمت له، فيجب أن يخلى بينه وبينها، فأما الأم فتنكر ~~وتبكي وتستخذي، وأما الأخ فيقبل على أستاذه منذرا، وأما الأب الشيخ فيقبل هادئا ~~وقورا، هنا يطلب إلى الفيلسوف أن يدع المريضة لأهلها. # فانظر إلى الفيلسوف وقد جثا أمام الشيخ ضارعا مستعطفا حتى رق له الشيخ فقال: ~~انصرف الآن ولك علينا أن ندعوك إذا استيئسنا منها. خرج الفيلسوف فلزم داره، فلما ~~كان من غد جاءه الرسول فأقبل مسرعا حتى انتهى إلى البيت، فلما رأته الأسرة انفرجت ~~له وخلت بينه وبين غرفة الفتاة، فدخل وأغلق الباب من دونه وأرتجه فأحكم إرتاجه، ~~وأقام ساعات طوالا لا يخرج ولا يدخل عليه أحد، ويستطيع الخيال أن يذهب كل مذهب في ~~تصور ما قال الفيلسوف للفتاة المحتضرة أو ما عمل أمام هذا الحب العظيم الذي كان ~~الموت يغلبه عليه قليلا قليلا، فلما تقدم النهار ودنا المساء فتح الباب وخرج ~~صامتا لا يلوي على شيء، فأقام في داره ولم يشهد الجنازة ms146 ولم يشيعها إلى القبر، ~~وماذا يعنيه من الجنازة؟ لقد حاول أن يصل إلى هذا الجسم فلم يجد إليه سبيلا، ~~وحاول أن يصل إلى هذه النفس فلم تقاومه ولم تمتنع عليه، وإنما أسرعت إليه فأقامت ~~في عقله وقلبه. لم تمت كلوتيلد وإنما أودعته خير ما فيها فهي إذن في قلبه، هي إذن ~~تقاسمه حياته الزائلة حتى إذا انقضت هذه الحياة الموقوتة امتزجت بنفسه فكانت منها ~~نفس واحدة خالدة. عكف الفيلسوف في داره على هذه الصورة يعبدها ويهيم بها، وما هي ~~إلا أن استحال حبه لكلوتيلد دينا وضعت له التقاليد وألوان الصلوات والعبادات، ~~وأغرب من هذا كله أن الحياة الظاهرة للفيلسوف لم تتغير، فدروسه كانت تلقى في ~~نظام ومجلاته كانت تقرأ في نظام ورسائله كانت تقرأ ويرد عليها في نظام ~~أيضا. # ما أعجب أمر الإنسان! تراه ساذجا يسيرا وإن شخصه لشديد التعقيد. # | ثورتان # كانت إحداهما في إيطاليا أثناء القرن الأول قبل المسيح، وكانت الثانية في العراق ~~أثناء القرن الثالث للهجرة، وقد عرضت أولاهما الجمهورية الرومانية كلها لخطر ~~عظيم، وعرضت ثانيتهما الخلافة الإسلامية كلها لخطر عظيم، وقد كانت لكل واحدة ~~منهما أعقاب كثيرة خطيرة ظهرت آثارها فيما بعد، كما كانت لكل واحدة منهما خصائص ~~أظهرت أبطالا من المختصمين يستحقون الدرس والبحث، ويستوجبون العناية، ويدعون إلى ~~كثير من التفكير. # فأما أولاهما فهي ثورة الرقيق في إيطاليا، تلك التي قادها سبرتاكوس، وأما ثانيتهما ~~فهي ثورة الزنج في البصرة، تلك التي قادها عبد الله بن محمد المعروف بصاحب ~~الزنج. # وقد يسأل القارئ فيم تعرضي لهذا الموضوع وقد ذهب الرق وانتهت أيام الأرقاء، وليس ~~في حياة الناس الآن ما يدعو إلى التفكير في مثل هذا الموضوع والعناية به، وأحب ~~أن ألاحظ قبل كل شيء أن من الجائز أن يكون الرق الفردي قد ذهب وانقضى عصره، وإن ~~كنت لا أثق بذلك ولا أطمئن إليه، ولكن الرق الاجتماعي لم يذهب بعد ولم ينقض عصره، ~~ولست أدري متى يذهب ومتى تنقضي أيامه، فهناك شعوب تسترق شعوبا، وهناك طبقات من ~~الناس ms147 تسترق طبقات من الناس، ومع ذلك، فأنا لم أختر هذا الموضوع لأتحدث عن ~~استرقاق الشعوب واستغلال طبقات الناس لطبقات الناس، وإنما اخترت هذا الموضوع ~~لسبب آخر سيعرفه القارئ بعد حين، وأحب أن ألاحظ بعد ذلك أن ثورة الزنج في البصرة ~~لم تكن في حقيقة الأمر بدعا من حياة المسلمين؛ فقد عرف المسلمون قبل أن ينتصف ~~القرن الأول للهجرة سخط الساخطين على النظام السياسي والاجتماعي، وثورة الثائرين ~~بالنظام السياسي والاجتماعي، ولقيت دولة بني أمية كما لقيت دولة بني العباس من ~~طلاب العدل السياسي والاجتماعي ألوانا من العناء يعرفها الذين يدرسون تاريخ ~~الخوارج، ويتتبعون تطور مذاهبهم منذ كانت نظرية التحكيم، فليست ثورة الزنج، في ~~حقيقة الأمر إلا مظهرا من مظاهر المطالبة بالعدل الاجتماعي، قد اعتمد على مذهب ~~الخوارج أكثر مما اعتمد على أي شيء آخر، ويكفي أن نلاحظ أن صاحب الزنج قد كتب على ~~رايته بالخضرة والحمرة الآية الكريمة: # إن الله اشترى ~~من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ~~ يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون # إلى ~~آخر الآية، فالثورة في مظهرها خارجية، قد باع الثائرون فيها أنفسهم لله يقاتلون في ~~سبيله فيقتلون ويقتلون، كما كان الخوارج يصنعون من قبل، وكما كانوا ~~يصنعون من بعد، وكما كان خارجي آخر يصنع في الوقت نفسه، فيكلف الدولة عناء ~~ثقيلا، يقاتل ومعه أصحابه كما كان يزعم في سبيل الله فيقتلون ويقتلون، ~~وهو مساور الذي خرج على الدولة في أعماق إيران. # وأحب أن ألاحظ آخر الأمر أن ثورة الرقيق على الجمهورية الرومانية في إيطاليا قد ~~أثارت كثيرا من القول، فكتب فيها المؤرخون القدماء وكتب فيها المحدثون، بل تأثر ~~بها بعض المحدثين في آرائهم الاجتماعية والسياسية، وما زالت تلهم الكتاب ~~الأوروبيين إلى الآن، وهذا هو الذي دفعني إلى أن أعرض لهذا الموضوع في هذا ~~الحديث. # فقد قرأت في هذه الأيام الأخيرة قصة رائعة للكاتب المجري أرتور كوسلر، موضوعها ~~«سبارتاكوس وثورة الرقيق على روما» فسألت نفسي: ما بال ثورة الزنج لم تحدث في ~~حياتنا الأدبية مثل ما أحدثته هذه ms148 الثورة الإيطالية القديمة؟ لقد سجل المؤرخون ~~أحداثها كما سجل المؤرخون الرومانيون أحداث الثورة الإيطالية، وقال الشعراء ~~المعاصرون في الثورة كثيرا من الشعر، كما تحدث الأدباء الرومانيون من قبل في ~~اللاتينية واليونانية عن ثورة سبارتاكوس، ولكن الأوروبيين لم ينسوا تاريخ روما ~~وأحداثه، ولم ينظروا إليه على أنه تاريخ ليس غير، وإنما جعلوه جزءا من حياتهم ومن ~~حياتهم الواقعة التي يحيونها بالفعل؛ فهم يستلهمونه كما يستلهمون التاريخ اليوناني ~~وكما يستلهمون أساطير اليونان والرومان، وكما يستلهمون التوراة فيما يكتبون من نثر ~~وما يقرضون من شعر، فأما نحن فنعرض عن التاريخ العربي إعراضا يوشك أن يكون ~~تاما، لا نكاد نحفل منه إلا بعصر البطولة الذي نجتمع كلنا على حبه والإعجاب به، ~~فنحن نتحدث عن عصر النبوة وعصر الخلفاء الراشدين، ونحن نذكر دمشق عاصمة بني أمية، ~~ونذكر بغداد عاصمة بني العباس، ونذكر القاهرة عاصمة الفاطميين، نذكر هذا كله نلتمس ~~فيه الفخر بالقديم ونلتمس فيه العبرة والعظة أيضا، وقد نلتمس فيه ما يدفعنا إلى ~~الجد ويثير فينا النشاط، ويعزينا عن بعض ما نلقى مما لا يلائم كرامتنا ولا يوافق ~~مجدنا القديم، وكل هذا حسن من غير شك، ولكن من الخير أيضا أن ننظر إلى تاريخنا ~~على أنه مصدر من مصادر الإلهام الأدبي، وعلى أنه جزء من حياتنا الواقعة لم تنقطع ~~بيننا وبينه الأسباب، فنحن ما نزال نشارك القدماء فيما شعروا وفيما أحسوا، لا يفرق ~~بيننا وبينهم إلا هذا التطور الذي لا بد منه للأحياء. # وربما كان من الطريف أن نلاحظ أن كثيرا منا يفكرون في العدل الاجتماعي، ويحسون ~~حاجة الجماعات إليه، ولكنهم ينظرون إلى ما وراء البحر الأبيض المتوسط، ليلتمسوا في ~~أوروبا مصادر هذا الشعور بالحاجة إلى العدل الاجتماعي، ومظاهر المطالبة به والسعي ~~إليه، ينظرون إلى الديمقراطية المعتدلة وينظرون إلى الاشتراكية الدولية وإلى ~~الاشتراكية الوطنية وقد ينظرون إلى الشيوعية في كثير من التردد والاستحياء، ولكنهم ~~لا ينظرون أو لا يكادون ينظرون إلى فكرة المطالبة بالعدل الاجتماعي، كما وجدها ~~المسلمون قبل أن ينتصف القرن الأول للهجرة، وقليل ms149 منهم بل أقل من القليل أولئك ~~الذين يحاولون أن يتابعوا نشأة هذه الفكرة وتطورها في البيئات الإسلامية الثائرة، ~~وما أنتجت من ألوان الأدب، قبل أن تتأثر بالثقافات الأجنبية وبعد أن تأثرت بهذه ~~الثقافات، وما كان لها من أثر في حياتنا العقلية المعقدة في الفلسفة والكلام وفي ~~الفقه والأصول، فضلا عن أن يفكروا في استلهام هذا اللون من ألوان الحياة ~~الإسلامية حين يكتبون النثر أو ينظمون الشعر، ومع ذلك فقد كان للمطالبة بتحقيق ~~العدل الاجتماعي أبطال من حقهم أن يدرسوا، ومن حقهم أن يلهموا الكتاب والشعراء، ~~كما جرت المطالبة بالعدل الاجتماعي على المسلمين في جميع أقطار الأرض الإسلامية ~~خطوبا هائلة من حقها أن تدرس وتجلى، ومن حقها أن تلهم الكتاب والشعراء حين ~~يكتبون وينظمون. # وأنا بالطبع لا أريد في هذا الحديث أن أدعو إلى إحياء حركات الخوارج والزنج ~~والقرامطة، كما أني لا أريد أن أدعو إلى أن نستعير من أوروبا هذا المذهب أو ذاك من ~~مذاهب المطالبين بتحقيق العدل الاجتماعي، وإنما أحب أن ألفت أدباءنا إلى أن لنا في ~~المطالبة بالعدل الاجتماعي تاريخا حافلا عظيم الغناء يستحق أن نرجع إليه بين حين ~~وحين، فلعلنا إن فعلنا عرفنا أن المتطرفين من قدمائنا قد سبقوا إلى طائفة من ~~الأصول في تنظيم الحياة الاجتماعية لم تستكشف في أوروبا إلا أثناء القرن التاسع ~~عشر أو في عصر الثورة الفرنسية الكبرى. # فنحن إذن لسنا عيالا ولا يمكن أن نكون عيالا على المطالبين بتحقيق العدل ~~والثائرين على الظلم الاجتماعي من الأوروبيين، وإنما نحن أبعد منهم عهدا وأشد ~~منهم ممارسة لهذا النحو من محاولة الإصلاح. من قدمائنا من طلب الإصلاح ~~الاجتماعي في رفق ولين، ومنهم من طلبه في ثورة وعنف، ومنهم من أثارها حربا شعواء ~~على النظم القائمة فعرضها للخطر، وكاد يمحو سلطانها محوا. # والثورتان اللتان أريد أن ألم بهما في هذا الحديث تصوران لونا من ألوان السخط ~~يستحق أن يطيل الأدباء التفكير فيه، فقد نشأت ثورة الرقيق على روما من عادة بشعة ~~كان الرومانيون قد ألفوها، ولكنها ms150 لم تلبث أن تجاوزت مصدرها الضيق وأصبحت ثورة ~~شاملة على النظام الاجتماعي كله في إيطاليا. هذه العادة البشعة التي أنشأت هذه ~~الثورة هي عادة الاستمتاع بمنظر الرقيق المصطرعين، فقد ألف الرومان أن يشتروا ~~الرقيق ويثقفوهم في فنون الصراع الذي ينتهي إلى الموت، حتى إذا برعوا في هذه ~~الفنون عرضوهم على النظارة في الملاعب وأغروا بعضهم ببعض، وجعل النظارة يستمتعون ~~بما يكون بينهم من كر وفر ومن إقدام وإحجام، وبما يسفك بينهم من دماء، وبما ~~يزهق بينهم من نفوس، وكان الرومانيون يؤثرون هذه اللذة الآثمة على كل شيء، ~~ينعمون حين يصرع الإنسان الإنسان، وينعمون حين يصرع الحيوان الحيوان، وينعمون حين ~~يكون الصراع بين الإنسان والحيوان، وكانوا في أعقاب الجمهورية وفي أيام ~~الإمبراطورية يطلبون إلى سادتهم وقادتهم، كما هو معروف، شيئين اثنين: الخبز ~~واللعب. # ففي مدينة من المدن الإيطالية كان رجل من أصحاب الملاعب قد جمع طائفة من الرقيق ~~يثقفهم هذه الثقافة البغيضة، ويعرض صراعهم على النظارة بين حين وحين، فهربت جماعة ~~الرقيق من مدرسة هذا الرجل في مدينة كابو، وكان عددها ينيف على السبعين، وانطلقت ~~أمامها لا تلوي على شيء، واستعان صاحبها بالشرطة فلم تقدر على ردهم، ولكنهم لم ~~يكادوا يتقدمون في هربهم حتى انضمت إليهم أعداد أخرى من الرقيق، لم تكن تتخذ ~~للصراع وإنما كانت تتخذ للخدمة على اختلاف ألوانها، وما هي إلا أن ينتشر النبأ ~~ويتسامع به الناس حتى ينتشر معه هرب الرقيق وانضمامهم إلى هؤلاء الآبقين، ثم لا ~~يقف الأمر عند الرقيق وإنما يتجاوزهم إلى أشباه الرقيق من الفقراء والبائسين الذين ~~يعملون في الأرض والذين لا يعملون، والذين يحتملون من ألوان البؤس ما يطاق وما لا ~~يطاق، وإذا الجماعة تضخم شيئا فشيئا حتى تصبح خطرا تحسب له الجمهورية حسابا، ~~ثم يتجاوز الأمر هؤلاء جميعا إلى ألوان من الناس لم يكونوا رقيقا ولم يكونوا ~~أحرارا فقراء، وإنما كانوا ساخطين على النظام الاجتماعي، يرون فيه ظلما يجب أن ~~يرفع ويطمحون إلى مثل عليا يجب أن تتحقق. من هؤلاء من كان ms151 معنيا بالأدب ~~والبيان ومنهم من كان معنيا بالقضاء والمحاماة، وكل هؤلاء قد نسوا مدرسة الصراع ~~وهرب المصارعين، وأصبحوا لا يفكرون إلا في النظام الاجتماعي السيئ الذي كانوا ~~يحاولون تغييره، ولست في حاجة إلى أن أصور سوء النظام الذي كان هؤلاء الناس ~~يثورون به ويسخطون عليه، وإنما يكفي أن ألاحظ أن الثروة الرومانية الضخمة كانت قد ~~انحصرت في أيدي طائفة قليلة من الناس يمكن إحصاؤهم؛ فهم الذين يملكون الأرض ~~ويسخرون فيها الرقيق ويقصون عنها الأحرار، وهم الذين يحتكرون التجارة داخل إيطاليا ~~من وراء البحار، وهم الذين يحتكرون الحكم في جميع أرجاء الإمبراطورية ويستغلونه لا ~~للشعب، وهم بحكم هذه الثروة الضخمة التي صارت إليهم يستطيعون أن ينشئوا الجيوش على ~~نفقاتهم الخاصة، ينشئونها في الأرض الإيطالية، وينشئونها في أقاليم الإمبراطورية ~~ويستعينون بها على تحقيق ما يريدون من المآرب والآمال. # في ذلك الوقت كانت كثرة الأحرار من أهل إيطاليا متعطلة قد فقدت ما كانت تملك من ~~الأرض وأصبحت عالة على الأغنياء، تعيش لهم وبهم، تتلقى منهم رزقها وتمنحهم أصواتها ~~في الانتخاب، كما تمنحهم سواعدها حين يجد الجد وتثار الحرب، وفي هذا الوقت كانت ~~الثورات في الأقاليم منتشرة عنيفة: فثورة في إسبانيا، وأمر مضطرب في آسيا، وفي هذا ~~الوقت كان البحر ثائرا على روما، قد استبد به جماعة من القرصان فتحكموا في ~~المواصلات كما تحكموا في التجارة، وقضوا على سلطان أساطيل الدولة قضاء يوشك أن ~~يكون تاما، فلا غرابة أن يضطرب مجلس الشيوخ الروماني أشد الاضطراب حين يثور ~~الرقيق وتعظم جماعة الثائرين منهم، وينضم إليهم عدد ضخم من الأحرار، ويتعرض النظام ~~كله لهذا الخطر العظيم، وقد أرسل مجلس الشيوخ جيشا لقهر هؤلاء الثائرين وردهم إلى ~~مواليهم، فمضى الجيش حتى ألجأ الثائرين إلى قمة جبل لاذوا بها، وحاصرهم الجيش هناك ~~وقطع عنهم الميرة، وأقام واثقا بأنهم سينزلون على حكمه في يوم من الأيام، ولكن ~~الثائرين احتالوا حتى انحدروا من الجبل إلى مكان أمين وداروا حول الجبل حتى أخذوا ~~الجيش على غرة، فهزموه هزيمة منكرة وقتلوا منه ms152 مقتلة عظيمة، وغنموا ما كان في ~~المعسكر من سلاح ومؤنة وأداة، فاشتد بذلك بأسهم وعظمت قوتهم، واشتد خوف مجلس ~~الشيوخ في روما فأرسل إليهم جيشا آخر لم يكن حظه خيرا من حظ الجيش الأول، ثم ~~أرسل جيشا آخر يقوده القنصلان، فلم يصنع هذا الجيش شيئا، وإنما انهزم كما انهزم ~~الجيشان اللذان سبقاه، وكان انتصار الثائرين في كل مرة ينشر لهم الدعوة في إيطاليا ~~نشرا هائلا، ويحرض الرقيق أن يأبقوا ليلحقوا بهم، ويحرض البؤساء على أن ينضموا ~~إليهم، حتى كثف جمعهم، وحتى فقدت المدن الإيطالية الأمن أمام الخطر الداهم الذي ~~يأتيها من خارج من هذا الجيش الضخم، والذي يأتيها من داخل من هؤلاء الرقيق الذين ~~يعملون في الدور والقصور والأرض ودور التجارة؛ ولذلك اهتمت روما لهذا الأمر ~~اهتماما خاصا، فاختارت لقتال هؤلاء الثائرين رجلا ممتازا من رجالها، ممتازا ~~بشيئين: بالثروة الضخمة التي لم تكن ثروة أخرى تعدلها في روما، والتي أتاحت له أن ~~يتحكم في الأغنياء والفقراء جميعا، وبالطموح الهائل الذي لم يكن يعدله إلا عجز ~~الرجل وقصوره عن النهوض بجلائل الأعمال، وهو مع ذلك قد كان يرى أصحابه وأترابه ~~يشغلون المناصب العليا ويدبرون شئون الدولة ويحكمون الأقاليم، وكلهم كان مدينا له ~~بالمال القليل أو الكثير. # هذا هو ماركوس كراسوس الذي اختارته روما لقتال الثائرين، وأرسلت معه جيشا ضخما ~~حسن العدة، فما زال يتتبع الثائرين يقهرهم حينا ويقهرونه حينا حتى ألجأهم إلى ~~شبه الجزيرة، يأخذهم البحر من أكثر أقطاره ويأخذهم هو من قطره الأخير، وهناك حصر ~~الثائرين، فاحتفر بينه وبينهم خندقا وأقام على هذا الخندق سورا منيعا وانتظر أن ~~يلقوا إليه بأيديهم، وقد تعرض الثائرون لجهد هائل، فقد انقطعت عنهم الميرة حتى ألح ~~عليهم الجوع والظمأ والمرض، وهم زعيمهم سبارتاكوس أن يستعين بالقرصان على ~~تموينهم، فعبثوا به وأخذوا منه ماله ولم يمنحوه إلا المواعيد، وهم أن يصالح ~~القائد الروماني على أن يترك للناس حريتهم يصنعون بها ما يشاءون، ويأخذ القادة ~~ليصنع بهم ما يشاء، ولكن كراسوس أبى إلا التسليم بلا قيد ms153 ولا شرط، كما يقول ~~الناس في هذه الأيام، وقد استيأس سبارتاكوس واستيأس أصحابه وأبوا أن يلقوا ~~بأيديهم، فاحتالوا حتى عبروا الخندق وتقدموا للموقعة اليائسة. هنالك تقدم ~~سبارتاكوس بين الصفين فنحر فرسه وقال لأصحابه: إن أقتل فلست في حاجة إليه وإن ~~أنتصر فلن أعدم فرسا مكانه، ثم كانت الموقعة وقتل سبارتاكوس وقتل أكثر ~~أصحابه وأسر سائرهم، وعاد كراسوس وقد جعل من هؤلاء الأسارى نكالا للذين يحاولون ~~الثورة على النظام الاجتماعي، فأقام الصلبان على طول الطريق بين ساحل البحر وروما، ~~وجعل كلما تقدم أميالا صلب جماعة من الأسارى، حتى امتلأت الطريق بين البحر وروما ~~صياحا وعويلا ودماء، وكان كراسوس يظن أن هذا الفوز على الثائرين سيكفل له ~~التسلط على روما، ولكن الشيوخ لم يقدروا هذا الفوز إلا تقديرا متواضعا لأنه كان ~~فوزا على العبيد لا على الجيوش ذات العدة، وقد استطاع كراسوس مع ذلك بفضل ثروته ~~الضخمة وغناه العريض أن يحالف قيصر ويومبيوس، وأن يفرض الثلاثة أنفسهم على روما، ~~وأن يقتسموا الإمبراطورية بينهم، وكانت آسيا نصيب كراسوس، فذهب إليها ومعه جيشه ~~الضخم، ولكنه لم يعد منها كما لم يعد منها جيشه. اندفع إلى حرب البارتيين وغرته ~~قوته ولم تسعفه مهارة ولا سياسة ولا علم بفنون الحرب ولا استماع لنصح الناصحين، ~~فقتل ابنه أولا وقتل هو بعد ذلك ومحق جيشه محقا. # وقد نستطيع أن ننظر من أمر هذه الثورة إلى بطلين من أبطالها: أحدهما سبارتاكوس قائد ~~الثورة، والآخر كراسوس ماحق الثورة، فأما أولهما فقد كان راعيا للقطعان في ~~تراقيا، وقد جلب منها فيمن كان يجلب من العبيد، فتنقل به الرق من مكان إلى ~~مكان ومن يد إلى يد، حتى انتهى إلى صاحب اللعب المصارعين في تلك المدينة ~~الإيطالية، وكان رجلا سمح النفس، طيب القلب، ساذج الطبع، كان راعيا من رعاة ~~القطعان بأوضح ما لهذه الكلمة من معنى، لا يحب قتلا ولا قتالا، ولا يريد شرا ~~ولا خصومة، وإنما يؤثر هذه الحياة السهلة الراضية على خشونتها، يتبع قطعانه في ~~مراعيها، كل همه أن يرد ms154 عنها الشر ويصد عنها العدوان، ولكنه لم يستطع أن يرد عنها ~~ولا عن نفسه شرا، ولا أن يصد عنها ولا عن نفسه عدوانا، فأخذ في بعض الغنائم كما ~~أخذت قطعانه، وبيع في بعض الأسواق كما بيعت قطعانه أيضا، وهم سيد من سادته ~~أن يقدمه إلى الموت كما كانت قطعانه تقدم إلى الموت، فهرب فيمن هرب من ~~المصارعين، لا يريد بغيا ولا اعتداء، وإنما يريد أن ينجو بنفسه من أن يكون ~~قاتلا أو مقتولا، وأن ينجو بنفسه كذلك من أن يكون سلعة تباع وتشترى، وأداة تسخر ~~لغير ما تريد، مع أن لها قلبا يشعر، وعقلا يفكر، وإرادة تعرف ما تقصد ~~إليه. # وكان سبارتاكوس رجلا قوي الجسم، مرتفعا في السماء، عريضا في الفضاء، شجاعا لا ~~يعرف الخوف، مصمما لا يحب التردد، قانعا لا يطمع إلا في أن يعيش حرا، ولا ~~يتمنى إلا أن يعود إلى وطنه في تراقيا ويستأنف حياته تلك مع قطعانه ينتقل بها في ~~الرياض والمروج، ولو أطاعه أصحابه لكان من الممكن أن يبلغ من ذلك ما أراد، وقد كان ~~ينصح لهم دائما ويلح عليهم في النصح أن يخرجوا من هذه الأرض الظالم أهلها، وأن ~~يعبروا الألب ويفترقوا بعد ذلك فيمضي كل واحد منهم إلى وطنه، ويستأنف حياته ~~الهادئة التي كان يحياها قبل أن يبسط الرق عليه يده الظالمة، ولكن أصحابه لم ~~يطيعوه ولم يسمعوا له، كانوا قلة ضئيلة ثم أصبحوا كثرة عظيمة، فأعجبتهم كثرتهم ~~ولكنها لم تغن عنهم من الموت شيئا. # ولم يكن سبارتاكوس يبغض شيئا كما كان يبغض النهب والسلب والإغارة على المدن ~~الآمنة، ولو سمع له أصحابه بعد أن رفضوا العودة إلى أوطانهم لاستقروا في هذه ~~الناحية أو تلك من نواحي إيطاليا وعاشوا من كسب أيديهم، ولانتشرت دعوتهم في هدوء ~~وسلم، ولكان من الممكن أن ينعموا بحياة مطمئنة، وأن يدافعوا عن هذه الحياة إن ~~احتاجوا إلى الدفاع عنها، ولكن أصحابه لم يسمعوا له؛ فقد كانت قلوبهم مغيظة محنقة، ~~وكانت نفوسهم ساخطة واجدة، وكانوا مظلومين، فلم يكفهم أن ms155 يخرجوا أنفسهم من الظلم، ~~وإنما أرادوا أن يظلموا الناس كما ظلمهم الناس، وأن يذيقوا سادتهم مثل ما أذاقهم ~~سادتهم من الذل والهوان؛ ولذلك اعتدوا على المدن، فحرقوا وخربوا وقتلوا ومثلوا ~~وملأوا أيديهم مما لا يحل لهم من أموال الوادعين الهادئين، فأحفظوا الناس على ~~أنفسهم من جهة وأغروا الضعفاء وأصحاب المطامع باتباعهم من جهة أخرى، وكانوا لا يمر ~~بهم يوم إلا ازداد إقبال الناس عليهم وبغض الناس لهم، فكانوا يستكثرون في كل ~~يوم من الأعداء والأولياء جميعا، وقد هم سبارتاكوس أن يأخذ أصحابه بالحزم ويحملهم ~~على الجادة ويمنعهم من اقتراف الآثام، فأبى بعضهم أن يسمع له وفارقوه إلى حيث لقوا ~~حتفهم، وسمع له الآخرون وقتا ما ثم لم يلبثوا أن ضاقوا بهذه الحياة الهادئة التي ~~يعتدى عليهم فيها ولا يعتدون على أحد، فعادوا إلى سيرتهم وملأوا الأرض من حولهم ~~شرا حتى انتهوا إلى تلك العاقبة التي صورتها آنفا. # وأما قامع الثورة كراسوس فقد كان - كما رأيت - رجلا لا حد لثرائه ولا حد لمطامعه ~~ولا حد مع ذلك لعجزه وقصوره، ولم يكن ماهرا إلا في شيء واحد هو جمع المال يأخذه ~~بحقه قليلا ويأخذه بغير حقه كثيرا، كان مرابيا مفحشا في الربا، ولكنه يشتط على ~~الضعفاء وييسر الأمر تيسيرا للأغنياء وأصحاب الجاه، يأخذ من أولئك أموالهم لأنه ~~لا ينتظر أن يأخذ منهم شيئا آخر، أما هؤلاء فيعطيهم ماله، ولا يأخذ منهم ربحا ~~ماليا؛ لأنه ينتظر أن يأخذ منهم الجاه والسلطان، فلما ارتفع أمره واحتاج إلى جاه ~~الأغنياء وسواعد الفقراء، طابت نفسه عن المال لأولئك وهؤلاء جميعا، فكان يولم ~~الولائم لأهل روما كافة، كان يقيم الوليمة التي تشتمل على ألف مائدة، وكان يتلقى ~~الناس على اختلاف طبقاتهم في كثير من البشاشة والإيناس، كان كما يقول أبو ~~نواس: # فتى يشتري حسن الثناء بماله # ويعلم أن الدائرات تدور # ولكنه لم يكن يشتري حسن الثناء وحده بالمال، وإنما كان يشتري معه سوء القالة وبغض ~~البائسين، فقد كان يتتبع المحتاجين يشتري منهم ما يملكون بأبخس الأثمان، ولعله ms156 كان ~~يدفع الناس إلى الحاجة ويضطرهم إلى أن يبيعوه ما يملكون، كان يتتبع الحريق هنا ~~وهناك ويشتري الدور التي تشب فيها النار، وكان قد احتكر إطفاء الحريق، وألف لذلك ~~فرقة منظمة قوية؛ فكان إذا شبت النار في دار من الدور فاوض المالك في بيعها، ولم ~~يرسل فرقة المطافئ لإطفاء النار حتى يتم البيع، وكان قد احتكر مواد البناء على ~~اختلافها وصناعة البناء على تنوعها، واتخذ من الرقيق والأحرار فرقا تعمل في هذا ~~كله؛ فكانت مدينة روما كلها أو أكثرها ملكا له وكانت له أملاك واسعة في مدن كثيرة ~~أخرى، وكانت له أرض زراعية لا يكاد يبلغها الإحصاء، وكانت غلات هذا كله تئول إلى ~~خزائنه فينفق منها عن سعة ويشتري بها ما يشاء مما يباع وما لا يباع، وكانت هذه ~~الثروة على ضخامتها لا ترضيه ولا تقنعه؛ فقد كان يطمع في السلطان، يريد أن يكون ~~قنصلا وحاكما من حكام الأقاليم وقائدا للجيوش ومنتصرا على الأعداء ومتحكما في ~~الأولياء، وكان يرى أن ثروته يجب أن تبلغه من هذا كله ما يريد، ولم يكن مخطئا؛ ~~فقد كان النظام السياسي والاجتماعي من الفساد بحيث بلغته ثروته من هذا كله ما ~~أراد. اشترى بومبيوس واشترى قيصر واشترى أعضاء مجلس الشيوخ واشترى أصوات الناخبين، ~~وارتقى إلى أعلى مناصب الدولة، وسيطر على آسيا وتحكم في ملوكها، وسعى في كثير من ~~الطغيان والجبروت حتى لقي الموت كما يلقاه غيره من الناس، كأنه لم يملك من الثروة ~~ما ملك، ولم يبلغ من السلطان ما بلغ، ولم يتحكم في أشراف روما وملوك آسيا ما ~~تحكم. # وكذلك قتل زعيم الثورة سبارتاكوس، كما قتل قامع الثورة كراسوس. جاهد أولهما في ~~سبيل حريته وحرية أصحابه وفي سبيل العدل، فظفر بالحرية التي انتهت به وبأصحابه إلى ~~الموت، ولم يظفر من العدل لنفسه ولا لغيره بشيء، بل لم يستطع أن يحقق العدل في ~~معسكره، ولا أن يمنع أصحابه الذين كانوا يطلبون العدل من أن يملأوا الأرض جورا ~~وظلما، وجاهد ثانيهما في سبيل نفسه، فأذل نفوسا ms157 لا تحصى وأزهق نفوسا لا تحصى، ~~وأهان الفضيلة في سبيل المطامع وازدرى الحق والواجب في سبيل الشهوات، وخدع الشعب ~~واستذل سلطانه وأكرهه على ما لم يكن يريد، ثم قاد الجيوش لا إلى النصر ولا إلى ~~الهزيمة، بل إلى الموت الساحق الماحق الذي لا يبقي ولا يذر. كل هذا كان في إيطاليا ~~أثناء القرن الأول قبل المسيح، فأما أحداث العراق فقد كانت تشبه هذا كله من وجوه ~~كثيرة وتخالفه من وجوه كثيرة أيضا، ولم تكن أقل منه هولا على كل حال. # لم يكن عبد الله بن محمد صاحب الزنج غنيا ولا شيئا يشبه الغنى، وأكبر الظن أنه ~~لم يكن شيئا مذكورا، ولولا هذه الثورة لجهله التاريخ كما يجهل الملايين التي لا ~~تحصى من الناس في كل جيل، ولكنه كان - فيما يظهر - ذكي القلب بعيد الأمل دقيق ~~الحس حاد المزاج، ضابطا لأمره مالكا لإرادته، يصبر نفسه على المكروه في غير مشقة ~~ولا جهد. كان يعيش - فيما يقول المؤرخون - ببغداد متصلا ببعض الخدم المعروفين في ~~قصر الخلافة، يرى الفساد يملأ الأرض من حوله، كان يرى فساد السياسة وفساد النظام ~~الاجتماعي وفساد الأخلاق، وعبادة اللذة هنا وعبادة المطامع هناك، كان يرى الحياة ~~من حوله مغامرات لا تنقضي؛ رفيع يتضع ووضيع يرتفع، فقير تنهض به المغامرة إلى ~~الثروة العريضة وغني تنحط به المغامرة إلى البؤس الضيق، وأغمار يأتون من هنا وهناك ~~فإذا هم يرقون إلى أعلى المناصب ويستأثرون بشئون الخلافة ويتحكمون في حياة ~~الخلفاء، كان يرى ذلك من قرب فتنكره نفسه أشد الإنكار. أكانت نفسه تنكر هذا لأنها ~~كانت نفسا كريمة تحب الخير وتكره الشر وتطمع في العدل وتؤثر المعروف، أم كانت ~~نفسه تنكر هذا لأنها كانت نفسا طموحا تريد أن تشارك فما يشارك فيه المغامرون وأن ~~تأخذ نصيبها من الدنيا؟ مسألة فيها نظر. يرى المؤرخون أنه لم يكن إلا مغامرا ~~شريرا، آثر نفسه بالخير وطمع لها في الرياسة واقترف في سبيل ذلك آثاما يشيب لها ~~الولدان، والمؤرخون لا يسمونه إلا الخبيث واللعين، ولا يصفونه ms158 إلا بأنه عدو الله ~~وعدو المسلمين، ولكن بماذا كان المؤرخون يسمونه لو أنه انتصر؟ وبماذا كان المؤرخون ~~يصفونه لو أتيح له الفوز؟ # فالناس من يلق خيرا قائلون له # ما يشتهي، ولأم المخطئ الهبل # مهما يكن من شيء فقد كره عبد الله بن محمد ما رأى في بغداد، وكره ما كان يحمل إلى ~~بغداد من أخبار الأقطار الإسلامية، فقد كان عرش الخلافة يضطرب أشد الاضطراب، يعبث ~~الأتراك به في الحضرة ويستبدون من دون الخلافة بالأمر ويسومون الخلفاء من الذل ~~والهون ما يريدون، وكان الأمراء والعمال والناجمون في الأطراف يستبدون بما في ~~أيديهم وينشئون الدول المستقلة في الشرق والغرب، يصانعون السلطة المركزية حينا ~~ويبادونها بالعدوان والحرب في أكثر الأحيان، وكان لكل قوي ضعفاء يستذلهم، ولكل غني ~~فقراء يستغلهم، فأي غرابة في أن ينكر عبد الله بن محمد هذا كله، وفي أن يتحدث بهذا ~~كله أو ببعضه إلى نفر من أصحابه، وفي أن يؤامرهم على أن يغامروا كما غامر الناس ~~ويحاولوا تغيير هذا الشر كما حاول الناس من قبل، وكما كانوا يحاولون في أيامه ~~تغيير هذا كله ؛ وقد ارتحل بنيته هذه من بغداد إلى هجر فحاول أن يحدث فيها حدثا، ~~وكاد ينجح لولا أن أثيرت حوله العصبية وكثر القتل بين أصحابه وخصومه، فكرهه ~~الناس وضاقت به هجر، فانتقل منها إلى الأحساء، ثم ضاقت به الأحساء، فانتقل ~~منها إلى البادية، وجعل يطوف بأحياء العرب يدعوهم إلى مذهبه، والعرب يستجيبون له ~~حينا، ويمتنعون عليه حينا آخر حتى ضاقت به البادية أيضا، وجعل يفكر في وجه يقصد ~~إليه ليبدأ مغامرته ولينتهي بها إلى غايتها. # وهنا يتحدث المؤرخون عنه بالأعاجيب فيزعمون أنه أطال التفكير ذات يوم فإذا سحاب ~~يظهر في السماء ثم يبرق ويرعد، وإذا هو يسمع في صوت الرعد، أو ينبئ أصحابه أنه سمع ~~في صوت الرعد أن وجهته يجب أن تكون البصرة، وقد زعم المؤرخون أنه كان يتحدث إلى ~~أصحابه ألوانا من الحديث يزعم أنها من ألوان الغيب، فقد ظهرت له آيات فيما يقول ~~على ms159 إمامته، فحفظ سورا من القرآن ألقيت في روعه فجاءة ولم يكن يحفظها من قبل، ~~وكتب له على الحائط كتاب كان يقرأ فيه، يراه هو ولا يراه أحد من أصحابه، وعرضت ~~عليه النبوة فيما قال - أو فيما زعم المؤرخون أنه قال - فأباها، واكتفى بالإمامة؛ ~~لأن أعباء النبوة أثقل من أن يستطيع النهوض بها. # ومن الجائز أن يكون عبد الله بن محمد قد زعم هذا كله أو بعضه لأصحابه؛ فقد كان هذا ~~النحو مذهبا من مذاهب نشر الدعوة ووسيلة إلى إثارة الجماهير، ومن الجائز كذلك أنه ~~لم يقل من ذلك شيئا، وإنما تكلف المؤرخون ذلك غضا منه وتشهيرا به وزراية عليه؛ ~~لأن النجاح لم يكتب له، والشيء الذي ليس فيه شك هو أنه قصد إلى البصرة، وهم أن ~~يثير فيها الفتنة، فنذر به السلطان، وأخذ بعض أصحابه وهرب هو، فعاد إلى بغداد ~~وأقام فيها مع جماعة من رفاقه يحكمون أمرهم، حتى إذا عزل عامل البصرة قصد قصدها، ~~وهناك بدأ مغامرته الخطيرة سنة خمس وخمسين ومائتين بعد أن أنفق في التدبير ~~والتمهيد والتجربة ست سنين. # بدأ مغامرته الخطيرة في رمضان سنة خمس وخمسين ومائتين؛ اتصل بالرقيق الذين كانوا ~~يعملون حول البصرة في كسح السباخ وفي إصلاح الأرض، وفي استخراج الملح وفي غير ذلك ~~من هذه الأعمال التي سخر أهل البصرة لها عشرات الألوف من الرقيق السود، والظاهر أن ~~أصحاب رءوس الأموال كانوا قساة على هؤلاء العبيد، يسومونهم الخسف ويعنفون عليهم في ~~السيرة ويقترون عليهم في الرزق ويكلفونهم من العمل أكثر مما يطيقون، وآية ذلك أن ~~عبد الله بن محمد لم يكد يتصل بهم حتى استجابوا له مسرعين وحتى تكاثروا حوله، وإذا ~~هو يعدهم ويمنيهم، ويمنحهم الحرية، ويحلف لهم جهد أيمانه أنه سيملكهم الأرض ~~وسيجعلهم سادة يملكون الرقيق، بعد أن كانوا رقيقا يملكهم السادة، وسيملكهم ~~سادتهم، والرقيق يسمعون له ويحفون به، ويفنون في طاعته، وهو يبر لهم بما وعد، ~~ويعطيهم ما مناهم، أليس قد حكمهم ذات يوم في بعض وكلائهم ومواليهم، فأباح لهم أن ms160 ~~يطرحوا هؤلاء الوكلاء والموالي وأن يضربوهم بالسياط؟ ثم هو يتخذ من هؤلاء السود ~~قادة ويؤمرهم على الجند ويسوي بينهم وبين البيض الأحرار، يغير بهم على ~~القرى ويغير بهم على السفن، فإذا أحرزوا ما في القرى والسفن، قسمه بينهم لم يفرق ~~بين عبد وحر، فقد أصبحوا جميعا أحرارا، ولم يفرق بين أسود وأبيض، فليس لإنسان ~~على إنسان فضل إلا بالطاعة وحسن البلاء. # وكذلك انتشرت الدعوة بين الرقيق، فتكاثفوا وضخم عددهم، وقلق السادة فأرسلوا إليه ~~يفاوضونه ويخوفونه غدر هؤلاء السود وفرارهم، ويعرضون عليه خمسة دنانير عن كل واحد ~~منهم، فلا يحفل بشيء من ذلك ولا يلتفت إليه، وإنما يمضي في نشر دعوته وتحرير ~~الرقيق من السود، وتأليب الأحرار من الفقراء والبائسين، وإذا هو صاحب جيش ضخم يهتم ~~له السلطان فيرسل إليه الحملة إثر الحملة، وهو ينتصر على ما يرسل إليه من ~~الجيوش، وهو يقهر القائد إثر القائد ويهزم الوالي إثر الوالي، ويزعج أهل البصرة ~~إزعاجا شديدا بعد أن ألقى في روعهم أنهم أصبحوا في متناول يده، ليس عليه إلا أن ~~يبسطها ليأخذهم متى شاء وكيف شاء ، والسلطان المركزي في بغداد يرسل الوالي إثر ~~الوالي والجيش بعد الجيش فلا يظفر بشيء أو لا يكاد يظفر بشيء، حتى أخاف صاحب الزنج ~~هذا القسم من العراق، فأفزع البصرة والأبلة والأهواز، ونشر الرعب حتى اضطر الناس ~~إلى الهجرة والهرب، وهو متنقل بجيشه من مكان إلى مكان، مغير بهذا الجيش على مدينة ~~بعد مدينة، يغير بنفسه حينا، ويرسل أصحابه إلى الغارة حينا آخر، حتى إذا استيقن ~~القدرة على اقتحام البصرة دفع إليها أصحابه دفعا فخربها تخريبا وقتل أهلها ~~تقتيلا منكرا، واستصفى ما كان عندهم من المال، واضطر من بقي منهم إلى الفرار، ~~وأخذ الأسرى من أحرار العرب والعجم من خيار الرجال وكرائم النساء، فوزعهم على ~~أصحابه رقيقا بعد أن كانوا سادة، وعرضهم في الأسواق للبيع والشراء كما كانوا ~~يعرضون الزنج في الأسواق للبيع والشراء، وقد جزع الخليفة المعتمد لهذا الأمر جزعا ~~شديدا، فكلف أخاه الموفق إدارة هذه ms161 الحرب، وأعد له جيشا لم تر بغداد مثله منذ ~~عهد بعيد، وذهب الموفق فلقيت جيوشه صاحب الزنج مرة ومرة ومرة دون أن تبلغ منها ~~شيئا، وإنما كانت الهزيمة تدركها في أكثر الأحيان، واضطر الموفق إلى اعتزال هذه ~~الحرب إما يأسا من الفوز وإما لأن الخلافة كانت في حاجة إليه لحرب أخرى في الشرق ~~لم تكن أهون من حرب الزنج شأنا ولا أقل منها خطرا، والمهم أن صاحب الزنج استأثر ~~بالأمر كله في هذا القطر من أقطار الدولة الإسلامية، وملأ العراق رعبا وفرقا ~~ونغص الحياة على أهل بغداد، وسلمت له كور وأقاليم جعل يجبي خراجها وينفق منه ~~على تدبير أمره وتقوية جيشه، وكان هذا القطر من أقطار العراق قد نظم الري فيه ~~أحسن تنظيم وأكمله، فجرت فيه الأقنية والأنهار من كل وجه واتخذت فيه هذه الأقنية ~~والأنهار وسائل للري ووسائل للمواصلات، ثم اتخذت وسائل للحرب أيضا فكانت هذه ~~الأقنية والأنهار دروعا يتقى بها العدو حين تتحارب الجيوش على الأرض، كما كانت ~~هذه الأنهار والأقنية ميادين للقتال حين تتحارب الجيوش على ظهر الماء، وقد اتخذت ~~الأساطيل النهرية من صغار السفن وكبارها، وكانت جيوش السلطان وجيوش صاحب الزنج ~~تلتقي وتقتتل، على ظهر الأرض وعلى وجه الماء. # ولما عظم أمر صاحب الزنج وأصبح خطرا لا على ما يليه من الكور والأقاليم فحسب، بل ~~على عاصمة الخلافة وسلطان الدولة كله، أعاد المعتمد إلى أخيه تدبير أمر الحرب ~~وأطلق يده في أموال الدولة يدبرها كما يشاء وينفق منها كما يشاء، وأطلق يده في ~~جيوش الدولة أيضا يوجهها حيث يشاء ويكلفها من الأمر ما يشاء، ونهض الموفق لهذه ~~الحرب مصمما هذه المرة على ألا يعود حتى يمحق الفتنة محقا، وقد أتيح له ما أراد، ~~ولكن بعد أن بذل أي جهد، وبعد أن احتمل أي عناء، وبعد أن أنفق أي مال، وبعد أن ~~ضحى بعشرات الألوف من الجند وبعد أن عرض نفسه وابنه وقواده لأي مخاطرة، يكفي أن ~~تعلم أنه أنفق في هذه الحملة الأخيرة أعواما متصلة غير ms162 قليلة لم يرح فيها ولم ~~يسترح، ولم ينفذ فيها أحكامه وأوامره حسب العرف المألوف، وإنما فرضها دكتاتورية ~~عنيفة شملت أكثر أقطار الخلافة واستغرقت أكثر مرافقها، وينظر الموفق ذات يوم وإذا ~~أخوه أمير المؤمنين قد ضاق بهذه الدكتاتورية ولم يطق صبرا على ما تفرض عليه وعلى ~~جنده من الضيق، وإذا هو يخرج ذات يوم من بغداد قاصدا إلى الغرب، يريد أن يأوي إلى ~~مصر ليعيش في ظل ابن طولون مغاضبا لأخيه، ولكن الموفق كان أحزم من ذلك وأمضى ~~رأيا وأوسع حيلة، فيأمر بعض قواده في الأقاليم أن يتلقى الخليفة ووزراءه وقادته، ~~وأن يقبض عليهم ويردهم إلى بغداد كارهين إن لم يعودوا إليها راضين، والقائد يطيع ~~أمر مولاه، ويرد أمير المؤمنين وأصحابه إلى العاصمة، وقد ضبط الموفق الأمر وأحكمه ~~في الأقاليم التي كانت خاضعة لسلطان الخلافة، ومضى في الحرب لا يعرف هوادة ولا ~~رفقا ولا لينا، يقدم ابنه أبا العباس بين يديه وينتظر منه أن يخاطر بنفسه ليخاطر ~~القواد بأنفسهم وليخاطر الجنود بأنفسهم أيضا، أليس هو يخاطر بنفسه كلما سنحت ~~الفرصة؟! # وكان أمر صاحب الزنج قد بلغ من العلو والارتفاع أن اتخذ لنفسه ولقواده المدن ~~الجديدة، ينشئها إنشاء، ويحصنها تحصينا هائلا؛ فهو يقيم في المدينة المختارة، ~~وقائد آخر يقيم في المدينة المنيعة، وقائد ثالث يقيم في المدينة المنصورة، وقد ~~ملئت الأرض من حول هذه المدن بالجند وأداة الحرب، وملئت الأنهار والأقنية بالسفن، ~~فينشئ الموفق لنفسه مدينة يتخذها قاعدة للحرب يسميها الموفقية، ويجمع فيها كل ما ~~يجتمع في العواصم الكبيرة من المرافق والصناعات التي يحتاج الناس إليها في السلم ~~والحرب، ولا يزال بجيوش صاحب الزنج الأشهر والأشهر، ثم العام بعد العام، حتى ~~يضطرها إلى أن تترك خطة الهجوم وتلتزم خطة الدفاع في مدنها وحصونها، ثم لا يزال ~~بهذه المدن والحصون حتى يستخلصها مدينة مدينة وحصنا حصنا، وحتى يضطر الفلول ~~المنهزمة إلى المدينة المختارة حيث يقيم صاحب الزنج، وإذا الناس يكثرون في هذه ~~المدينة حتى تضيق بهم، وحتى تقصر مرافقها عن إرضاء حاجاتهم، ولكن ms163 الموفق يتقدم حتى ~~يضرب حولها الحصار، ويقطع عنها الميرة، وهنا يظهر الموفق من النبوغ والامتياز ما ~~لم يمكن أن يظهره كراسوس في حرب سبارتاكوس، فقوة الموفق هائلة لا تقهر، وهو قادر ~~على أن يأخذ المدينة بالحصار، يضيق عليها حتى يلقي أهلها بأيديهم، وهو قادر ~~على أن يقتحم المدينة وإن كلفه ذلك خسائر هائلة، ولكنه يبدأ فيعرض الأمان على صاحب ~~الزنج، فإذا رفض التسليم مضى في حرب غريبة حقا، فحارب بالرهبة التي لا تعدلها ~~رهبة، وبالرغبة التي لا تشبهها رغبة؛ فهو يبذل الأمان والعفو والخلع السنية لمن ~~شاء من قواد صاحب الزنج وجنوده لا يبخل من ذلك بشيء، فإذا استأمن إليه بعض الناس ~~تلقاه فعفا عنه وأحسن إليه وخلع عليه وكرمه أجمل تكريم، ثم عرضه في سفينة من السفن ~~في هيئته الجديدة ليراه المشرفون من السور فيطمعوا في مثل ما أتيح له من النعيم، ~~وما أكثر ما كان هذا المنظر يطمع ويغري! وما أكثر ما كان قواد صاحب الزنج يتأثرون ~~بهذا الإطماع والإغراء، ويستأمنون للموفق ويصبحون له على قائدهم ورئيسهم ~~ظهيرا! # وإذا أخذ أصحاب الموفق بعض الأسرى وأبوا أن يستأمنوا ضرب أعناقهم، ثم يجمع رءوسهم ~~إلى رءوس الذين يقتلون في الموقعة، ثم ينصب هذه الرءوس على السفن ليراها ~~المشرفون من السور فتمتلئ قلوبهم فزعا وروعا، وقد يقتل القائد الوجيه فيحتز ~~رأسه ثم يرمى به من وراء السور، ومع المنشور من منشورات الموفق قد ملأه الترغيب ~~والترهيب، وكذلك أخاف الموفق كثيرا من الناس، وأطمع كثيرا من الناس، واجتذب إلى ~~نفسه كثيرا من الناس، حتى إذا آن له وقت الهجوم أمر بهدم الأسوار واقتحام المدينة ~~وتهديم الحصون حصنا حصنا، والدور دارا دارا، وجد في ذلك حتى بلغ منه ما أراد ~~بعد مشقة شاقة وجهد عنيف. # كل ذلك وعبد الله بن محمد صاحب الزنج يقاوم كأحسن ما تكون المقاومة، ويدافع كأعنف ~~ما يكون الدفاع، لا تفل عزمه خيانة الصديق ولا يثبط همه قتل الأنصار، وإنما هو ~~يقاوم في مدينته ما وسعته المقاومة، ثم يقاوم ms164 في داره حتى تقتحم عليه، ثم يقاوم ~~في كل شبر من الأرض حتى يتفرق عنه أنصاره، منهم من قتل ومنهم من أخذ ومنهم من ~~لاذ بالفرار، وهو قائم يدافع لا يتزحزح عن مكان إلا ليثبت في مكان آخر، حتى إذا ~~أحيط به لم يستسلم ولم يلق السلاح، وإنما قاتل حتى قتل، وحتى احتز رأسه ~~وحمل إلى الموفق، وقد ثبت معه جماعة من قواده دافعوا كما دافع، وأبلوا كما أبلى، ~~قتل بعضهم في الميدان، وأخذ بعضهم إلى بغداد، فقتلوا وصلبوا على شاطئ ~~النهر. # وظن الناس أن ثورة الزنج قد انتهت، ولكنها أعوام تمضي، وإذا ثورة أخرى تظهر في ~~العراق فتملأ الأرض هولا، لا في العراق وحده ولكن في جزيرة العرب وفي الشام، وقد ~~تصل أطراف منها إلى مصر؛ كانت البصرة ضحية ثورة الزنج، ثم صارت الكوفة ضحية ثورة ~~القرامطة. ألم يكن هناك سبب بين هاتين الثورتين؟ بلى قد كان هناك سبب أي سبب؛ ~~طابعهما واحد، هو الخروج على النظام السياسي والاجتماعي والانتساب إلى آل علي، ~~وغايتهما واحدة هي تحقيق العدل في الأرض بعد أن أفسدها الظلم والجور، ونتيجتهما ~~واحدة هي هذا الروع الذي ملأ القلوب وهذا الهول الذي سفك الدماء، وأزهق النفوس ~~ودمر الأمصار، وهذا الجهد الضائع الذي لم يزل ظلما إلا ليقيم مكانه ظلما آخر، ~~والذي يحاول أن ينصف الناس فلا يبلغ من الإنصاف شيئا. أكتب على الإنسانية ~~إذن أن تكون الجهود التي تبذلها في سبيل الإصلاح مضيعة، وأن يصبح الذين يحاولون ~~إزالة الظلم وإقرار العدل أنصارا للظلم وأعداء للعدل؟ كانوا يريدون أن ينقذوا ~~أنفسهم وينقذوا الناس من ظلم الظالمين، فلم يكتفوا بالإنقاذ، وإنما جزوا السادة ~~ظلما بظلم، فكان هذا أول الشر، ثم تجاوزوا ظلم الظالمين من الأعداء إلى ظلم ~~الأنصار والأتباع، فأصبحت الحرية استبدادا، وأصبحت المساواة استئثارا، وأصبح ~~الإنصاف بغيا وعدوانا، ومضت كلمة القضاء في الناس: سعي متصل إلى المثل ~~العليا، وعجز متصل عن تحقيق هذه المثل أو الوصول إليها، وظلم متصل في أثناء ذلك ~~للظالمين وغير الظالمين. # وقد ms165 أظهرت ثورة سبارتاكوس رجلين اثنين هما قائد الثورة وقامعها، أما ثورة الزنج فقد ~~أظهرت رجالا كثيرين لا أستطيع بالطبع أن أتحدث عنهم، وإنما ألاحظ مسرعا أنها ~~أظهرت رجلين اثنين من رجال الدولة المحافظين على النظام، وأظهرت طائفة من الناس ~~كلهم ممتاز خليق أن يحفظ التاريخ اسمه من ناحية الثورة، فلم ينهض بالثورة عبد الله ~~بن محمد وحده، ولم يعتمد فيها على الزنج وحدهم، وإنما نهض معه قوم من أصحابه كانوا ~~في مثل سنه، منهم من خرج من غمار الناس لم تكن له سابقة ولا لأسرته ذكر، كهذا ~~البحراني الذي كان كيالا في وطنه قبل أن تتصل أسبابه بصاحب الزنج، فأصبح بعد ذلك ~~قائدا مجربا، وسياسيا لبقا، ومدبرا داهية، ومنهم من كان من أهل البيوتات، ~~ومن الأسر الأرستقراطية العريقة، كعلي بن أبان المهلبي، هذا الذي ينتسب إلى قامع ~~ثورة الخوارج أيام بني أمية والذي أصبح خارجيا مع صاحب الزنج، والذي أظهر براعة ~~في الحرب ودهاء في السياسة وصبرا على المكروه لا يشبهه فيها إلا أبو العباس ابن ~~الموفق، ومنهم آخرون جاء بعضهم من عرض الطريق فكشفت الأحداث منهم عن رجال أفذاذ ~~حقا ليسوا أقل استعدادا للنهوض بجلائل الأعمال وعظائم الأمور من هذه ~~الأرستقراطية التي احتكرت شئون الحكم احتكارا، فإذا دل هذا كله على شيء فإنما يدل ~~أولا على أن روح المغامرة قد كان شائعا منتشرا في جميع الطبقات، وعلى أن انتشار ~~الثقافة قد فتح للناس وللمغامرين منهم خاصة أبوابا لم تكن تفتح لهم من قبل، ~~وأشعرهم بأن ما يفرض عليهم من نظم الحكم تلك التي اشتملها الفساد، وما يفرض ~~عليهم من نظم الاجتماع تلك التي قامت على الظلم والجور، كل هذا خليق أن يغير، ~~فحاولوا تغييره ما وجدوا إلى ذلك سبيلا. نجحوا أول الأمر هنا وهناك، ثم أدركهم ~~الإخفاق في كل مكان؛ لأن تقدم العقل لم يكن قد بلغ طوره الذي يمكنه من أن يسيطر ~~على الإرادة والغريزة، وأظنك توافقني على أن تقدم العقل لم يبلغ هذا الطور إلى ~~الآن، فما ms166 أكثر الثورات التي قامت في العصر الحديث لتغير النظم السياسية ~~والاجتماعية وترد الناس إلى العدل والمساواة، فلم تبلغ من ذلك إلا أقله، وما زال ~~أكثره أملا يرقب ولا يتاح الوصول إليه! # ولنقف وقفة قصيرة جدا عند قائد ثورة الزنج عبد الله بن محمد، وقامع هذه الثورة ~~أبي أحمد الموفق بن المتوكل، فأما أولهما فقد كان رجلا من غمار الناس حقا، ~~زعم المؤرخون أنه انتسب إلى آل علي ولم يكن منهم في شيء، وأنه تردد في سلسلة نسبه ~~إلى زيد بن علي بن الحسين، وزعم المؤرخون أيضا أن نسبه في عبد القيس، وجائز أن ~~يكون نسبه في عبد القيس، وجائز أيضا ألا يكون له نسب في قبيلة من قبائل العرب، ~~وأكبر الظن أنه لم يكن يحفل بشيء من ذلك فيما بينه وبين نفسه وفيما بينه وبين ~~أصحابه، وإنما كان يتكلف بعض ذلك ليستهوي قلوب العامة ويجمعهم حوله، فقد كانت ~~العامة في العراق وبلاد العرب وأجزاء من بلاد الفرس مؤمنة بأن تغيير النظم ~~السياسية إن قدر له أن يكون فلن يقع إلا على يد علوية تتصل بأهل البيت. # والشيء المحقق هو أن عبد الله بن محمد قد كان رجل حزم وجلد كما كان رجل طمع وطموح. ~~كل شيء في سيرته يدل على صلابة الرأي ومضاء العزم والثبات على المبدأ، والشجاعة ~~التي لا تعرف ضعفا ولا فتورا، والمرونة التي لا تعرف ترددا ولا حيرة أمام ~~المشكلات، وقد يضيف المؤرخون إليه سيئات كثيرة منكرة، وأكبر الظن أنه قد اقترف ~~كثيرا من هذه السيئات، فأسرف في القتل والتدمير، وأنهب أصحابه الأموال، ورد ~~الأحرار إلى الرق كما رد الرقيق إلى الحرية، ولكن كثيرا من سيئاته هذه لا ينبغي ~~أن يحمل عليه وحده، وإنما ينبغي أن يحمل على عصره وعلى الذين كانوا يعيشون في ~~ذلك العصر، سواء منهم من حافظ على النظام القديم ومن أراد تغييره، وكل ثورة خطيرة ~~على النظم السياسية والاجتماعية تستتبع ألوانا من الهول لا يسيغها الخلق ولا ~~يقرها العقل ولا يرضاها الدين، ولكنها ms167 تقع مع ذلك لأن الغريزة هي التي تدفع إليها، ~~ولأن الغريزة هي التي تثور، وإذا ثارت، فقل أن تعرف لنفسها حدا تنتهي إليه. ~~والناس يعرفون أهوال الثورة الفرنسية كما يعرفون أهوال الثورة الشيوعية، والناس لا ~~يكرهون الثورة عبثا، وإنما يكرهونها لما تدفع إليه من هول وما تورط فيه من إثم، ~~وما يقترف الناس فيها من المنكرات، ومع ذلك فقد يخطئ المؤرخون، وينسون أنهم ~~يكتبون عن عدو الله الخبيث اللعين صاحب الزنج، قد يخطئ المؤرخون وقد ينسون هذا ~~كله، فيذكرون أمورا تدل على الصدق والرفق، ولا تصدر عن خائن خبيث يتعمد الشر ~~ويتخذ الشيطان له إماما، فهو يأبى مثلا أن يأذن بالإغارة على قرية لأن رجلا من ~~أهلها قتل رجلا من أصحابه، يريد قبل الإيقاع بهذه القرية أن يتبين ويتثبت لعل أهل ~~القرية أبرياء لم يعينوا صاحبهم ولم يشاركوا في إثمه، وهو يلقى بعض أهل القرى وقد ~~أقبلوا يعرضون عليه أموالهم لينصرف عنهم، فيجزيهم خيرا ويترك لهم أموالهم ولا ~~يلقاهم بكيد، وهو يحس أن الزنج يشفقون من أن يتركهم أو يسلمهم لكثرة ما كان يوجه ~~إليه من إغراء، فيجمعهم ويؤمنهم ويطلب إليهم أن يحيطوه بجماعة منهم ترقب سيرته، ~~فإن رأت منه انحرافا عن العهد أو ميلا إلى الإغراء، فتكت به، وهو يوفي عهده، ~~ويثبت على مبدئه، فلا يستأمن حين يعرض عليه الأمان، ولا يستسلم حين يستيئس من ~~الفوز، ولا يحاول أن ينجو بنفسه بعد أن فقد الأمل، وإنما يقاتل حتى يقتل. # أما خصمه أبو أحمد فلم يكن كما رأيت من عامة الناس، وإنما هو من سلالة الخلفاء، ~~أبوه المتوكل بن الرشيد، وقد كانت سلالة الخلفاء من حوله قد أدركها الضعف، وانتشر ~~فيها الخمول، وأترفت حتى تحكمت فيها اللذة، ثم تحكم فيها الرقيق من الخدم في ~~القصور والجند خارج القصور، فظهور أبي أحمد في هذه البيئة المترفة التي أفسدها ~~الترف حتى غلبت على أمرها، وتفوقه هذا الرائع في إدارة السياسة والاقتصاد والحرب، ~~كل ذلك آية على أنه قد كان رجلا نابغة كأكمل ms168 ما يكون الرجل النابغة، وقد نظلمه ~~أقبح الظلم إذا وازنا بينه وبين كراسوس قامع الثورة الإيطالية. قد كان أبو أحمد ~~مناقضا لهذا الروماني المترف العاجز الذي أفسده الثراء، فلم يبق له شجاعة ولا ~~خلقا ولا دينا كل المناقضة؛ كان أبو أحمد أشجع بني العباس في عصره، وأشجع من كان ~~يعمل لبني العباس من قادة الترك والموالي عامة، وكان يملك الشجاعة بأروع معانيها ~~وأرفعها، فهو قوي على نفسه، ثم هو قوي على أهله وذوي قرابته قبل أن يكون قويا ~~على غيره من الناس، يخاطر بنفسه في المواقع، ويحمد من ابنه مخاطرته بنفسه في ~~المواقع، فإذا أحس من أخيه أمير المؤمنين ترددا أو ضعفا أو اضطرابا، أخذه ~~بالحزم ورده إلى القصد، وأكرهه على الاعتدال، وإذا رأى من ابنه نفسه بعد الفوز ~~إسرافا في الجموح أو الطموح، قسا عليه أشد القسوة، وألقاه في غيابات السجن، لم ~~يحفل بحبه له وعطفه عليه، والناس يثورون غضبا للأمير الشاب، ولكن أبا أحمد يلقى ~~الثائرين ويردهم إلى الهدوء ويسألهم: أترون أنكم أحب له وأحدب عليه من أبيه؟ وأبو ~~أحمد لا يعرف الهدوء ولا الاستقرار. كانت شئون الدولة مضطربة أشد الاضطراب، فكان ~~مضطربا مثلها، يدافع الشر حيث ينجم الشر، يحاول أن يقهر ابن طولون في الغرب، ~~ويقمع الثورة في العراق كما يقمعها في شرق الدولة، وحين يعجز عن الحركة، ويضطر إلى ~~لزوم الفراش، فهو يدبر الأمر من سريره، ثم يعاد إلى بغداد، وقد عجز عن الركوب، ~~فيحمل في سرير، يتناوب نقله أربعون رجلا، وهو يحس أن حامليه يشفقون بحمله فيقول ~~لهم في بعض الطريق: وددت لو أني كنت واحدا منكم، أسعى كما تسعون، وأشقى كما ~~تشقون، ولا ألقى من الألم والعجز ما ألقى، ولكنه على ألمه وعجزه، يدبر أمور الدولة ~~إلى آخر لحظة من لحظات حياته، ويفرضها دكتاتورية حازمة لا يعفي من سلطانها ابنه ~~ولا أخاه. # أليس يرى كتابنا وشعراؤنا أن في أحداث التاريخ العربي القديم ما يستطيع أن يلهمهم ~~حين يكتبون النثر أو ينظمون الشعر؟ أليس يرى ms169 كتابنا وشعراؤنا أن من حق هذه الأحداث ~~عليهم أن ينظروا فيها بين حين وحين، كما ينظرون إلى أحداث أخرى وإلى ألوان أخرى من ~~التاريخ؟ # | الأدب بين الاتصال والانفصال # أي المذهبين أهدى سبيلا؟ مذهب الأديب الذي يؤثر العزلة لعقله وقلبه ~~وفنه، وينظر إلى الحياة الإنسانية الواقعة من برجه العاجي، لا يحفل بها ولا يقف ~~عندها، ولا يلتفت إليها إلا أن تكون مصدرا لأثر من آثاره الفنية؛ فهو حينئذ ~~يستوحيها ويستقصيها، ويصدر عنها فيما يرسم من الصور، وما يحدث من الآثار، يقف ~~منها موقفه من الطبيعة غير الواعية، يتخذها مادة لفنه دون أن يشاركها بعقله ~~وقلبه وشعوره فيما يختلف عليها من الأحداث، وما يلم بها من الخطوب. # أم مذهب الأديب الذي يأخذ بحظه من هذه الحياة الواقعة، فيسعد حين تشيع فيها ~~السعادة، ويشقى حين يستأثر بها الشقاء، ويجاهد مع المجاهدين ليكسب لنفسه ~~وللناس، أو قل: ليكسب للناس ولنفسه حظا جديدا من سعادة، وليدفع عن الناس ~~وعن نفسه طائفا عارضا من شقاء؟ # هذه هي المسألة التي يلهج بها الأدباء الفرنسيون في باريس منذ وضعت الحرب أوزارها، ~~بل قبل أن تشب الحرب نارها؛ فقد فرضت هذه المسألة نفسها على الأدباء ~~الأوروبيين منذ كان الاصطدام العنيف بين المذاهب في تنظيم الحياة السياسية ~~والاجتماعية بين الحربين حين عظم أمر الشيوعية في روسيا، وأمر الفاشية في إيطاليا ~~وألمانيا، واجتهدت الديمقراطية التقليدية في أن تثبت بين هذين المذهبين من مذاهب ~~السياسة والاجتماع، وفي أن تدفع عن نفسها خطر الفناء الذي يأتيها من التسلط ~~المطلق للجماعة، ومن التسلط المطلق للفرد، على دقائق الحياة الاجتماعية والفردية ~~على السواء. # فقد وجدت الشيوعية أدباء شاركوا فيها، ودافعوا عنها، وقاموا دونها يحسونها ~~بألسنتهم وأقلامهم، ويحاولون نشرها في أقطار الأرض. # ووجدت الفاشية كذلك أدباء أنفقوا ما يملكون من قوة وجهد في الذود عنها، والقيام ~~دونها. # ونظرت الديمقراطية؛ فإذا الساسة وحدهم هم الذين يناضلون ويجاهدون لحمايتها أول ~~الأمر، وإذا الأدباء لا يحفلون بها ولا يتكلفون حمايتها، وإنما يؤثرون أنفسهم ~~بخيراتها، ويستمتعون في ظلها بما يتاح ms170 لهم من الحرية ليحيوا كما يحيون، وينعموا ~~كما يستطيعون، ويكتبوا كما يشاءون والتي يشاءون وفيما يشاءون من الموضوعات. # وأكبر الظن أنهم كانوا خليقين أن يمضوا في طريقهم تلك لا يلتفتون إلى ما حولهم ~~من الحياة الواقعة، لو لم يحسوا الخطر يأتيهم من انتشار الشيوعية والفاشية في ~~بيئاتهم الخاصة التي يعيشون فيها، ولو لم يشعروا بأن هذا الخطر يتغلغل في حياة ~~أوطانهم تغلغلا مخيفا، ويوشك أن يخضعهم لأحد المذهبين اللذين كانا يتنازعان ~~أوروبا بين الحربين. # هنالك تبينوا أن حريتهم معرضة للخطر، وأن ثقافتهم معرضة للزوال، ~~وأن فنهم معرض للفناء، وأنهم مخيرون بين اثنتين: إما أن يفنوا في ~~الشيوعية أو الفاشية؛ فيذهبوا مذهب غيرهم من الأدباء الشيوعيين والفاشيين، وإما أن ~~يمنحوا الديمقراطية التقليدية ألسنتهم وأقلامهم، ويشاركوا أصحاب السياسة في ~~الدفاع عنها والقيام دونها وحمايتها من أن يجتاحها هذا الخطر أو ذاك؛ رأوا ذلك رأي ~~العين، وأحسوه إحساسا قويا ملحا، فاضطروا إلى أن يشاركوا في الدفاع عن ~~الديمقراطية، وذهب بعضهم مذهب الفاشية، وذهب بعضهم الآخر مذهب الشيوعية، وخرج ~~الأدب من عزلته، وانحدر الأدباء من بروجهم العاجية إلى أسواق السياسة وميادين ~~الصراع حول المنافع العاجلة والمصالح القريبة، ونشأت هذه الظاهرة الأدبية التي ~~تسمى التضامن في تبعات الحياة. # ثم كانت الحرب، واضطر كثير جدا من الأدباء إلى ما اضطر إليه غيرهم من ~~عامة الناس من مصانعة العدو أو مقاومته، ومن الانحياز إليه أو التألب ~~عليه، ولم يبق أو لم يكد يبقى أديب أوروبي يستطيع أن يقول إنه محتفظ بعزلته، ~~مستأثر بوحدته، معتصم ببرجه العاجي، ينظر إلى اضطراب الناس من حوله كما ينظر ~~إلى ضوء الشمس حين تشرق، وإلى ظلمة الليل حين تغمر الكون، وإلى الأغصان حين ~~يداعبها النسيم، أو إلى ماء الجدول حين يداعب الحصباء، وإلى الطير حين تملأ ~~الجو غناء وبكاء، وإلى أمواج البحر حين تعصف بها الريح. # أكره الأدباء على أن ينزلوا بأدبهم إلى الحياة الواقعة، وعلى أن يشاركوا ~~الناس في آلامهم وآمالهم، وفيما يتاح لهم من سعادة أو شقاء، حتى الذين ~~آثروا ms171 الصمت منهم لم يؤثروا الصمت ترفعا عن المشاركة في الحياة الواقعة، ولا ~~تمنعا على التضامن الاجتماعي، ولا حبا في الاعتصام بالبروج العاجية، وإنما ~~اتخذوا الصمت سلاحا لعله كان أمضى من الكلام أحيانا. # فقد كان العدو المنتصرون يودون بجدع الأنوف لو ظفروا من هؤلاء الأدباء الصامتين ~~بشيء من تأييد، كما كان الصديق المتضامنون مع العدو عن رضا أو عن كره، والذين ~~كانوا يسمون بالكويسلنج يتمنون أيضا بجدع الأنوف لو أتيحت لهم معونة هؤلاء ~~الأدباء الصامتين. # فقد اضطر الأدباء إذن إلى أن يشاركوا في الحياة الواقعة، وإلى أن يختاروا بين ~~المذاهب السياسية والاجتماعية التي كانت تتنازع أوروبا في ذلك الوقت، وأدوا ثمن ~~هذه المشاركة غاليا؛ ضحوا فيها بأنفسهم أحيانا، وبراحتهم أحيانا، ~~وبحريتهم دائما، ثم تضع الحرب أوزارها بين الجند المقاتلين دون أن تضع ~~أوزارها بين الساسة المختصمين. # فالناس لا يقتل بعضهم بعضا منذ حين، وقد انهارت ألمانيا وإيطاليا واليابان، ~~واستسلمت بلا قيد ولا شرط، ولكن الخصومة السياسية حول النظم المختلفة ما ~~زالت قائمة كعهدها قبل أن تشب الحرب، وكعهدها بعد أن شبت الحرب، فما عسى أن ~~يكون موقف الأدباء من هذا الصراع المتصل بين النظم السياسية والاجتماعية؟ ~~أيشاركون فيه بعد الحرب كما شاركوا فيه قبل الحرب وأثناء الحرب، أم يستأنفون ~~حياتهم تلك القديمة؛ فينحاز إلى العزلة منهم من يحب العزلة، ويصعد إلى البروج ~~العاجية منهم من يحب الاعتصام بهذه البروج؟! # وبعبارة موجزة: أيباح للأديب أن يحيا حياة العزلة، وأن يخلص لفنه المحض، ~~وأن ينظر إلى الحياة الإنسانية الواقعة كما ينظر إلى الطبيعة الصامتة يتخذها ~~مادة لفنه ليس غير، أم يفرض على الأديب أن يحيا مع الناس، فيألم حين ~~يألمون، ويأمل حين يأملون، ويشاركهم مشاركة كاملة فيما يجدون من نعيم ~~وبؤس، ومن سعادة وشقاء؟ وبعبارة أشد وضوحا وإيجازا: أينبغي للأدب أن يكون لونا ~~من ألوان الترف، أم يجب على الأدب أن يكون أداة من أدوات الحياة؟ # هذه هي المشكلة التي تقيم الأدباء في باريس وتقعدهم منذ حررت فرنسا، ~~وقد يخيل إلى كثير من ms172 الناس كما يخيل إلى الأدباء الفرنسيين ~~أنفسهم أنها مشكلة جديدة طارئة، ولكن نظرة يسيرة سريعة في التاريخ ~~الأدبي لأي أمة من الأمم الحية، تكفي لإقناعنا بأن هذه المشكلة ليست جديدة، ~~وبأن حظها من الطرافة ضئيل جدا يوشك ألا يكون شيئا. # فأنت تستطيع أن تنظر إلى أي عصر من عصور الأدب الفرنسي، مثلا منذ أوائل القرن ~~السادس عشر إلى الآن، فسترى أن الأدباء قد انقسموا دائما هذا النوع من ~~الانقسام، فكان منهم المشاركون في الحياة الواقعة، والمؤثرون للعزلة ~~والانفراد، وكان أثر الذين يشاركون في الحياة الواقعة دائما أعظم خطرا، ~~وأجل شأنا من أثر الذين يحبون العزلة، ويعتصمون بالوحدة، ويلزمون بروجهم ~~العاجية ينزلون منها وحيهم الأدبي تنزيلا. # فلست أدري إلى أي حد يمكن أن يقال إن مونتني ورابليه في القرن السادس عشر ~~كانا معتزلين يعتصمان بالبرج العاجي، مع أن الواقع الذي ليس فيه شك هو ~~أن أدبهما يصور حياة الطبقة الفرنسية التي كانا يعيشان فيها أصدق تصوير ~~وأبدعه. وقل مثل ذلك بالقياس إلى الشعراء الذين عاشوا في ذلك العصر؛ فهم قد ~~عاشوا مع طبقتهم عيشة تضامن لا اعتزال، وهم قد صوروا طبقتهم تصويرا صادقا؛ منهم ~~من اتصل بالقصر فصور حياة القصر، ومنهم من عاش من الشعب فصور حياة الشعب. # وكانت الحال كذلك في القرن السابع عشر فلم يكن كورني ولا راسين ولا بوالو معتزلين ~~يلقون وحيهم من بروجهم العاجية، كما كان أبلون يلقي وحيه في معبد دلف، وإنما ~~كانوا يشتقون فنهم من الحياة الواقعة من حولهم، يتخذون مذهب القدماء في الأدب ~~وسيلة إلى تصوير هذه الحياة الواقعة بما فيها من ألم وأمل ومثل عليا؛ فأما ~~موليير فأمره أوضح من أن يحتاج إلى بيان. # أما القرن الثامن عشر، فهو القرن الذي عرف تضامن الأدب مع الحياة الواقعة في أوسع ~~حدوده وأبعد آماده، فمن الخطأ كل الخطأ أن يقال: إن ڤولتير ومونتسكيو وديديرو ~~وروسو كانوا معتزلين أو مترفعين عن الحياة اليومية الواقعة. # والثورة الفرنسية لم تأت من لا شيء، وإنما جاءت من تطور الحياة ms173 الواقعة نفسها من ~~جهة، ومن تصوير الأدب لهذه الحياة وتطورها من جهة أخرى، ومن إشعار الأدب للشعب ~~بأن الحياة التي كان يحياها لم تكن تلائم حقه في الحرية والإخاء ~~والمساواة والعدل. # فإذا تركنا هذا القرن؛ فسنلاحظ أن القرن التاسع عشر كان عصر الصراع بين الأدب، ~~وبين الذين خاصموا الحرية أو حاولوا أن يضيعوا ما كسبه الشعب الفرنسي من ثورته ~~الكبرى؛ وقد احتاج نابليون إلى أن ينظم حربه التي نصبها للأدباء الأحرار، كما ~~نظم حربه التي نصبها لخصومه من الإنجليز والروس والنمسويين، وكانت له شرطته ~~الداخلية ذات النظام الدقيق العنيف، وكان له صرعاه من الأدباء، كما كان له جيشه ~~العظيم وصرعاه من خصومه الخارجيين. # وأكبر الظن أن نابليون لم يحارب الأدباء إلا لأنهم قاوموه، وأن الأدباء لم ~~يقاوموه إلا لأنهم خالفوه في الرأي، ولم يخالفوه في الرأي إلا لأنهم تضامنوا ~~مع الحياة الواقعة، ولم يعتصموا بالبروج العاجية، ولم يؤثروا العزلة وما ~~تستتبعه من العافية على الجهاد مع المجاهدين. # وقد كان للملكية الفرنسية بين الإمبراطوريتين أنصارها وخصومها من الأدباء، وكان لها ~~صرعاها وضحاياها، كما كان لها أصدقاؤها الذين استمتعوا في ظلها بالسعادة ~~والنعيم، وهذا كله لا يدل إلا على أن الأدباء، أو كثرة الأدباء، لم يستطيعوا ~~أن يؤثروا حياة العزلة. # والثورة الفرنسية الثانية سنة 1848، لم تأت من لا شيء وإنما جاءت من تطور الحياة ~~الواقعة، ومن تصوير الأدباء لهذا التطور، ومن إقناعهم للشعب بأن سادته قد ~~أضاعوا عليه ما جنى من الثورة الكبرى، وقد كان للإمبراطورية الثانية صرعاها ~~من الأدباء، وما نظن أننا في حاجة إلى أن نذكر فكتور هوجو، وما أظن أحدا ~~يستطيع أن يقول إن فكتور هوجو ولامرتين كانا من أنصار العزلة وعشاق البرج ~~العاجي، حتى فلوبير الذي أبى أن يحفل بشيء غير الفن، وفرض على نفسه حياة ~~خالصة للأدب وللأدب الخالص، حتى فلوبير لم يستطع أن يمتنع على المشاركة في الحياة ~~الواقعة، والتضامن مع الناس فيما كانوا يجدون من أمل وألم. # ويكفي أن تقرأ قصته الرائعة «التربية الشعورية» # L’Education ms174 ~~sentimentale ~~، وأن تقرأ رسائله، وأن تقرأ كتابه الخالد - # Bouvard et Pécuchet ~~- لتعلم أن برجه ~~العاجي لم يكن إلا ملجأ يأوي إليه ليستعرض ما جنى من مشاركة الناس في حياتهم ~~الواقعة، ثم يعرضه بعد ذلك عليهم في صوره الرائعة التي تدفع إلى العمل، وتملأ ~~القلوب شوقا إلى المثل العليا، وازورارا عن هذه الحماقة التي تعرض الشعب ~~لعبث العابثين. # فإذا كانت الجمهورية الثالثة؛ فالكثرة الضخمة من الأدباء مشاركة في ~~السياسة إلى أبعد حدود المشاركة، وليس من شك في أن جورس، وليون بلوم، وأناتول ~~فرانس، وموريس باريس، وبيجي لم ينتظروا ظهور الشيوعية والفاشية؛ ليشاركوا في ~~الحياة السياسية الواقعة مشاركة تختلف عنفا ولينا باختلاف أمزجتهم وما كان يحيط ~~بهم من الظروف. # وقد عرف الفرنسيون في آخر القرن الماضي أزمة دريفوس تلك التي أكرهتهم جميعا على ~~أن يشاركوا في السياسة مشاركة فعلية عنيفة لم يتخلف عنها عالم ولا ~~أديب. # فإذا لهج الأدباء الفرنسيون الآن بالتضامن الأدبي مع الحياة الواقعة، وإذا أسرفوا ~~في ذكر الأدب المتضامن والأدب المعتزل، فهم في حقيقة الأمر لا يأتون بشيء جديد ~~ولا يواجهون مشكلة جديدة، وإنما هي مشكلة قديمة خالدة، إلى أي حد يستطيع الأدب ~~أن يعتزل الحياة الواقعة دون أن يصبح لغوا من اللغو، وسخفا لا غناء فيه؟ وإلى ~~أي حد يستطيع الأدب أن يشارك في الحياة الواقعة دون أن يضطر إلى الإسفاف ~~الذي يفسده، وإلى الابتذال الذي يلغيه؟ والشيء المحقق فيما أعتقد هو أن ~~الفرنسيين كغيرهم من الأوروبيين، بل كغيرهم من الناس المتحضرين، يمرون بهذه الأزمة ~~العنيفة التي تمر بها الأمم بين حين وحين، والتي تضطر المثقفين وقادة الرأي ~~إلى أن يتجاوزوا عن عزلتهم أكثر مما تعودوا أن يفعلوا، وإلى أن يأخذوا بحظهم من ~~الجهاد اليومي؛ لينصروا هذا المذهب أو ذاك، وليحققوا هذا اللون أو ذاك من ألوان ~~المثل العليا. # وقد صورت في حديث سابق ذلك الصراع العنيف بين العدل والحرية؛ فهذا الصراع لا ~~يمكن أن يتحقق ولا أن تظهر آثاره، ولا أن يؤتي ثمره إلا إذا كان هناك ms175 ~~مصارعون يديرون بينهم ما يديرون من هذا الجدال العنيف؛ فالحرية ليست شيئا ~~قائما بنفسه يمكن أن يلتزم خطة الدفاع، أو أن يتخذ خطة الهجوم، والعدل كذلك ليس ~~شيئا قائما بنفسه يمكن أن يتخذ هذه الخطة أو تلك، وإنما الحرية والعدل ~~خصلتان قائمتان في أنفس الناس: هؤلاء يؤثرون الحرية، وهؤلاء يؤثرون العدل، وهؤلاء ~~يؤثرون شيئا وسطا بين ذلك. وهم جميعا يختصمون ويصطرعون، ويجادل بعضهم بعضا، ~~والخصومة بينهم لا تكون بالعمل وحده، وإنما تكون بالعمل والقول، ولعلها أن تكون ~~بالقول أكثر مما تكون بالعمل. # وانتصار الحرية على حساب العدل يعرض الناس جميعا ومنهم الأدباء لحياة قاسية ~~قوامها الظلم. وانتصار العدل على حساب الحرية يعرض الناس جميعا ومنهم الأدباء ~~أيضا، لحياة قاسية قوامها المساواة وفيها شيء كثير من الخضوع؛ فالأديب مضطر ~~إلى أن يدافع عن نفسه؛ لأنه هو نفسه معرض بحكم هذه الأزمة لفقدان ~~الحرية أو لفقدان العدل أو لفقدانهما جميعا. # فالعزلة الأدبية في هذا الوقت ليست إلا حكما بالموت على الأديب، ولولا أن هذه ~~الأزمة العنيفة تثير الشهوات، وتدفع الأهواء إلى الجموح، لما اختلف الأدباء ~~الفرنسيون كما يختلفون اليوم حول الأدب المعتزل والأدب المتضامن. # فالحرية في حاجة إلى أن يدافع عنها أنصارها، والعدل في حاجة إلى أن يدافع عنه ~~أنصاره، والأديب الذي ينحاز إلى نفسه ويعكف عليها ويفرغ لها، لا يزيد على أن ~~يسجل أنه زاهد في الحرية والعدل جميعا، أي: إنه زاهد في الحياة. ~~أو قل: إنه لا يزيد على أن يسجل أنه طفيلي يعيش من كسب غيره، ينتظر أن ينتصر ~~هذا الفريق أو ذاك ليعيش في ظله، وينعم بما يلقى إليه من الفتات. # وهذا الأديب - فيما أعلم - لا يوجد أو لا يكاد يوجد، وفي الحياة بعد ذلك ~~أشياء أخرى غير الحرية والعدل، والناس في حاجة إلى هذه الأشياء؛ فهم يختصمون ~~حولها كما يختصمون حول الحرية والعدل، والأديب مثلهم يحتاج إلى هذه الأشياء ~~كما يحتاج إلى الحرية والعدل، فهو مضطر إلى أن يخاصم ويجاهد ليحقق ~~رأيه في كل مشكلة من المشكلات ms176 التي تمس الجماعة وتؤثر في حياتها. # ومن هنا يمكن أن يوجد الأديب الذي لا يخاصم في العدل، ولا في الحرية، ولكنه ~~يخاصم في الدين، أو يخاصم في الإلحاد، أو يخاصم في هذا المذهب أو ذاك من ~~مذاهب الدين، أو يخاصم فيما شئت من هذه المشكلات الإنسانية التي لا تنقضي والتي ~~تتجدد في كل يوم. # والأدب الفرنسي ليس وحده موضوعا لهذا الخلاف حول التضامن والاعتزال، فالمسألة كما ~~قلت آنفا قديمة لا تتصل بعصر دون عصر، عامة لا تتصل ببيئة دون بيئة، ولا بجيل ~~دون جيل. # أكان الأدب اليوناني مثلا معتزلا أم متضامنا؟ مسألة من شأنها أن تضحك الشعراء ~~والفلاسفة، والكتاب اليونانيين لو أنها ألقيت عليهم؛ فقد كان الأديب ~~اليوناني بطبعه مواطنا يونانيا، يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، ~~ويؤدي واجباته الوطنية، ويشهد الاجتماعات السياسية، ويدافع عن هذا الحزب أو ~~ذاك، ويجني ثمر هذا الدفاع نعيما أو بؤسا وسعادة أو شقاء. # والذين يقرءون الأدب اليوناني والفلسفة اليونانية يعلمون ذلك حق العلم ~~ويقدرونه حق قدره، ومن ذا الذي يستطيع أن يقول إن التراجيديا ~~اليونانية لم تكن تميل إلى المحافظة السياسية، وإن الكوميديا لم تكن تعبث ~~بالديمقراطية، وإن سقراط قد شرب السم؛ لأنه آثر الاعتزال الفلسفي على ~~التضامن مع الحياة الواقعة، وإن أفلاطون لم يغرق في السياسة إلى أذنيه، وإن ~~أرسطاطاليس لم يضطر بحكم السياسة إلى أن يموت غريبا. # ولم يكن الأدب عند الرومانيين أقل مشاركة في الحياة الواقعة من الأدب اليوناني، ~~فربما كان أظهر شيء في الأدب اللاتيني الخطابة، وقد كانت كلها أو أكثرها سياسة، ~~والتاريخ وقد كان كله أو أكثره سياسة. # فأما الشعر فقد حاول أن يتجنب السياسة فلم يبلغ مما أراد شيئا؛ لأن السياسة ~~كانت تفرض نفسها على المواطن اليوناني والروماني فرضا، لا يعنيها أن يكون هذا ~~المواطن أديبا أو حذاء. # وأدبنا العربي أكان متضامنا مع الحياة الواقعة أم كان مترفعا عنها؟ أهو ~~الآن أدب متضامن أم أدب معتزل؟ مسألة لا تخلو من عبرة وعظة، فقد كان أدبنا ~~العربي حيا قويا حين ms177 تضامن مع الحياة الواقعة، وكان فاترا متهالكا حين ~~اضطرته الظروف إلى الاعتزال. وما أريد أن أذكر الشعر العربي في ~~العصر الجاهلي؛ فقد كان أمره أوضح من أن يحتاج إلى بيان، كان الشاعر ~~العربي لسان القبيلة، يسجل مآثرها، ويذيع مفاخرها، ويدافع عنها في ~~المواطن التي تحتاج إلى الدفاع، وما كان أكثرها! فقد كان أدبنا الجاهلي، وهو كله ~~شعر، متضامنا لا يطيق الاعتزال ولا يسيغه؛ لأن الشاعر كان فردا من أفراد ~~القبيلة يحيا بحياتها ويشارك فيما يصيبها من خير أو شر، فإن خالف عن هذا ~~التضامن فهو الخليع الذي يجب أن يعيش عيشة الصعاليك، وهو بهذا يخرج عن ~~التضامن مع القبيلة إلى تضامن آخر ليس أقل منه مشاركة في الحياة الواقعة، ~~وهو التضامن مع أمثاله من الصعاليك. # كان أدبنا الجاهلي متضامنا إذن، فأما أدبنا الإسلامي فقد كان ~~تضامنا كله؛ كان تضامنا حين كان الشعراء المسلمون والمشركون يتقارضون قصائدهم ~~دفاعا عن الإسلام أو دفاعا عن حياة قريش قبل أن تسلم قريش، وكان تضامنا حين ~~نشأت الأحزاب السياسية بعد موت النبي، وحين انحاز كل شاعر إلى حزب من ~~الأحزاب يدافع عنه باليد واللسان. # حتى هؤلاء الفحول الذين ظن الناس أنهم فرغوا للشعر وتجاوزوا عن السياسة، لم ~~يستطيعوا أن يفرغوا للشعر ولا أن يتجاوزوا عن السياسة، وإنما انحاز الأخطل إلى بني ~~أمية، وانحاز الفرزدق إلى العثمانية، وعارض الحجاج وغيره من ولاة العراق، وانحاز ~~جرير إلى الزبيريين ثم باع شعره لبني أمية. # وفرغ بعض الشعراء للفن الخالص، فأدركهم الخمول على ما أتيح لهم من الجودة ~~الرائعة، ولعل ذا الرمة أن يكون مثلا صادقا لهؤلاء الشعراء الذين أرادوا أن ~~يعتزلوا فلم يصيبوا من الاعتزال إلا الإخفاق والخمول، وإنا لنبذل ما نستطيع من ~~الجهد لنرد إلى ذي الرمة وأشباهه شيئا من الإنصاف، فلا نكاد نظفر من ذلك ~~بشيء على بعد العهد وتباين الظروف. # وقد ظل أدبنا متضامنا مشاركا في الحياة الواقعة حتى بعد انقضاء العصر الأموي ~~وتغلب الاستبداد الفارسي على القصر في بغداد، والناس يظنون أن تغلب ~~الفرس ms178 على العرب بعد الثورة العباسية قد اضطر الأدب إلى شيء من العزلة، وليس هذا ~~بملائم للحق؛ فإني أجد الشعراء في العصر العباسي يختصمون كما كانوا يختصمون في ~~العصر الأموي حول مذهب الشيعة ومذهب الجماعة ومذهب الخوارج. # وليس الكتاب والفلاسفة والفقهاء بأقل تضامنا ومشاركة في الحياة ~~الواقعة من الشعراء، وقد كان تغلب الترك في القرن الثالث على دار الخلافة وعلى ~~السلطان كله خليقا أن يبعد الأدب عن السياسة، ولكنه لم يصنع شيئا؛ فقد كان ~~الترك أقل مشاركة من الفرس في الفن، وأقل منهم احتفالا بهذا الذوق ~~المترف والنحو الرفيع من الأدب، وأشد منهم غلظة في مواجهة المشكلات ومعالجة ~~الخطوب، ولكنهم على هذا كله لم يمنعوا البحتري وأبا تمام وابن المعتز وابن الرومي ~~من أن يشاركوا بشعرهم في السياسة العامة من جهة وفي السياسة الخاصة الطارئة ~~من جهة أخرى. # ومن ذا الذي يستطيع أن يقول إن سينية البحتري وبائية أبي تمام قد ~~صدرتا عن شاعرين معتزلين؟! ومن ذا الذي يستطيع أن يقول إن رسائل الجاحظ قد ~~صدرت عن أديب معتزل لا يشارك في الحياة الواقعة؟! ومن ذا الذي ينكر أن ابن ~~الرومي قد حرض على الزنج واستحث أهل بغداد لنصر الموفق؟! ومن ذا الذي لم يقرأ ~~جدال ابن المعتز لأبناء عمومته من الطالبيين؟! والمتنبي أكان معتزلا للحياة ~~الواقعة أم كان مشاركا فيها؟! أليس من المحقق أن افتتان الأجيال بشعر ~~المتنبي إنما هو نتيجة طبيعية لما كان من تضامن المتنبي في أكثر حياته مع العرب في ~~خصومتهم للفرس والترك، ومع القرامطة في سخطهم على النظام الاجتماعي ومحاولتهم ~~تغيير هذا النظام؟! # وأبو العلاء الذي امتاز بالعزلة وانفرد بهذه الوحدة التي فرضها على نفسه في محبسيه ~~أو في محابسه، والذي ظن أنه قد حقق من هذه العزلة ما أراد مع أنه لم يحقق منها ~~شيئا، أكان أدبه معتزلا أم متضامنا؟ أيستطيع أحد أن ينكر أن أبا ~~العلاء لم يخفق في شيء كما أخفق في محاولته للعزلة؟ أما أنه نجح في عزلته ~~المادية فشيء جائز؛ لأنه ms179 لزم داره ولم يخرج منها إلا مضطرا، وأما أنه أخفق في ~~عزلته المعنوية فشيء ليس فيه شك ولا يمكن أن يكون موضوعا للنزاع؛ فلم تخل دار ~~أبي العلاء من الطارئين عليه والملمين به يوما من الأيام، أثناء نصف القرن الذي ~~لزم فيه داره. # ولم ينظم أبو العلاء بيتا من الشعر، ولم يكتب فصلا من النثر إلا كان فيما نظم وما ~~كتب متصلا بالحياة الواقعة أوثق الاتصال وأشده؛ فهذا الشاعر الفيلسوف الذي ~~أنفق حياته طالبا للعزلة، هو الذي أنتج في الأدب العربي أدبا أقل ما يوصف به ~~أنه أدب اجتماعي متضامن بأوسع معاني هذه العبارة وأدقها. # وقد أخفق أبو العلاء في كثير من الأشياء بحكم الظروف التي أحاطت به، ولكنه لم ~~يخفق في شيء كما أخفق في محاولة الابتعاد عن الناس، وأبو العلاء يستطيع أن يقول ~~إنه إنسي الولادة وحشي الغريزة؛ فغريزته هذه الوحشية هي التي ميزته من غيره ودفعت ~~الناس دفعا إلى أن يتهالكوا عليه، واضطرته هو إلى أن يتهالك عليهم أشد ~~التهالك وينكر ذلك على نفسه أشد الإنكار، ويصور هذا في شعره تصويرا ~~بشعا رائعا في هذا البيت: # كلاب تعاوت أو تغاوت لجيفة # وأحسبني أصبحت ألأمها كلبا # من أشنع الخطأ إذن أن يقال إن أدبنا العربي في عصوره المزدهرة قد كان ~~أدبا معتزلا مترفعا عن الحياة الواقعة أو مهملا لهذه الحياة، وإنما ~~الذين يقولون مثل هذا القول هم الذين غرتهم ظواهر الأشياء عن حقائقها، فلم يروا ~~في شعر الشعراء إلا مدحا وهجاء ورثاء، ولكنهم لم يتعمقوا هذا المدح والهجاء ~~والرثاء، ولم يفهموا هذه الفنون على وجهها، ولم يدرسوا غيرها من الفنون التي ~~طرقها هؤلاء الشعراء، ولم يروا في نثر الكتاب إلا تنميقا وتزويقا وتأنقا في ~~اختيار اللفظ، وتكلفا في تحرير المعاني، وتصنعا في تعقيد الأسلوب، ولكنهم ~~لم يتجاوزوا هذا إلى ما يمكن أن يكون وراءه من مشاركة في الحياة الواقعة أو ~~ترفع عن هذه الحياة. # والغريب أن الذين يدرسون تاريخ الأدب العربي لا يكادون يفطنون ~~إلى أن أكثر كتابنا ms180 إنما كانوا يعملون في المرافق العامة، ويتصلون ~~بالسلطان من قرب أو من بعد، ويتأثرون بالخطوب التي يقتضيها الاتصال بالسلطان ~~والاشتراك في الحياة العامة، ويصورون هذا كله حين يكتبون، سواء أصدروا فيما ~~يكتبون عما يقتضيه العمل أو عما يجدونه في ذوات أنفسهم. # وأنا ألتمس الكاتب العربي أو الإسلامي الذي نفض يده من الحياة العامة نفضا واعتزل ~~الحقائق الواقعة اعتزالا، فلا أكاد أظفر به أثناء هذه العصور الأدبية العربية ~~المزدهرة. # وواضح جدا أن اتصال الأدب بالحياة الواقعة ليس معناه أن ينقطع الأديب عن ~~نفسه، فلا يكتب ولا ينظم إلا فيما يمس هذه الحياة الواقعة. فتصور الاتصال بين ~~الأدب والحياة الواقعة على هذا النحو ضرب من السخف لا غناء فيه؛ لأن الإنسان، ~~ولا سيما حين يكون على ما ينبغي أن يكون عليه صاحب الفن من دقة الحس ~~ورقة الشعور وصفاء الطبع واعتدال المزاج، لا يستطيع أن ينسى نفسه ولا أن يجحد ~~ما يختلف عليها من ألوان الشعور حين يتصل بظواهر الأشياء وحقائقها. # فإغراق الشاعر في الغناء وإلحاحه في وصف الجمال مهما يكن مظهره، ليس معناه انقطاع ~~هذا الشاعر عن الحياة الواقعة واعتزاله في برجه العاجي، وإنما معناه أنه لا ينسى ~~نفسه كما أنه لا ينسى غيره، وأن ذهنه مهيأ لتلقي الانطباعات مهما يكن ~~مصدرها، ثم لتصوير هذه الانطباعات فيما ينشئ من أثر منظوما كان هذا الأثر ~~أو منثورا. # فإغراق أبي نواس مثلا في وصف الخمر وتهالكه على تصوير أهوائه الجامحة ولذاته ~~الآثمة، ليس معناهما أن أبا نواس قد اعتزل حياة الناس وارتفع أو اتضع بأدبه ~~عن المشاركة في هذه الحياة، بل معناه أنه قد آثر نفسه بمقدار قليل أو كثير من ~~إنتاجه الأدبي دون أن ينسى الحياة الواقعة، وإنما هو يشارك فيها حين يمدح ~~الخلفاء والوزراء والأمراء، ويشارك فيها حين يهجو، ويشارك فيها حين يصور ~~الزهد؛ ومن يدري! لعله يشارك فيها أشد المشاركة حين يغرق في وصف الخمر، وحين ~~يصور الأهواء الجامحة واللذات الآثمة؛ لأنه لم يكن يعاقر الخمر ولا يقارف الإثم ~~وحده، ms181 وإنما كان فردا من طبقة ألفت معاقرة الخمر ومقارفة الإثم. # فهو إذن لا يصور نفسه وحدها، وإنما يصور طبقة من معاصريه؛ وهو في هذه ~~الناحية مشارك في الحياة الواقعة حين تكون جدا وكدا ومواجهة للمشكلات، ~~وحين تكون عبثا وهزلا ومجونا ومقارفة للموبقات. وهو من هذه الناحية أيضا ~~مرآة للعصر الذي كان يعيش فيه، أو مرآة إن شئت للون من ألوان الحياة في العصر ~~الذي كان يعيش فيه. # ولولا أن الأدباء يشاركون في الحياة الواقعة بأدبهم لما أمكن أن يلهج ~~مؤرخو الآداب بهذه الجمل التي يلحون علينا بها من أن الأديب صورة ~~لعصره ومرآة لبيئته ومن أن الأدب مصدر من مصادر التاريخ، إلى آخر هذه ~~العبارات التي لا تدل في حقيقة الأمر على شيء إلا أن الأدب متصل بالحياة ~~الواقعة مشارك فيها مصور لها، حافظ بحكم هذا كله لخصائصها التي يمكن أن ~~تنقل من جيل إلى جيل، وأن تصبح بعد ذلك موضوعا لدرس التاريخ. # من السخف إذن أن يقال إن أدبنا العربي قد كان معتزلا للحياة الواقعة، ~~منفصلا عنها في تلك العصور، ومع ذلك فقد يمكن أن نلاحظ أن الشعر مثلا قد ~~نأى عن الحياة الواقعة في بعض عصوره حين غلبت العجمة على الحياة الأدبية، وحين ~~تسلط المستبدون من غير العرب على حياة الشعوب واستأثروا لأنفسهم ~~وخاصتهم بالسلطان كله، ولم يشركوا الشعب في قليل أو كثير من هذا السلطان، ~~وإنما قدسوا سلطانهم ليقدسوا أنفسهم، واحتكروا الأمور العامة وحظروا على ~~غيرهم أن يشارك فيها أو يخوض في ذكرها. # هنالك تضاءلت الصلة بين الأدب والحياة الواقعة العامة، وهنالك عكف الأدباء على ~~أنفسهم وفرغوا لها، وجعلوا يبدئون ويعيدون فيما ورثوا من معاني القدماء، لا ~~يجددون شيئا؛ لأنهم لم يكونوا يصنعون شيئا، فرغوا لأدب لا حياة فيه؛ لأنهم ~~أنفسهم لم يكونوا يحيون، وإنما كانوا مضطرين إلى لون من الحياة يشبه الموت، ~~فصوروا حياتهم كما استطاعوا أن يصوروها. # فالأدب العربي قد اتصل بالحياة العامة حين أتاحت الظروف للأدباء أن يشاركوا ~~في هذه الحياة، وانفصل عن الحياة ms182 العامة حين اقتضت الظروف أن يتنحى الأدباء ~~عن هذه الحياة، وربما كان هنالك مثل يبين ذلك في غير غموض ولا لبس، وهو ~~هذا الذي نجده في القرن الأول حين كان الأدب العربي مزدهرا أشد الازدهار، ~~وحين كانت الحياة السياسية قوية أعظم القوة، وحين اضطر فريق من أبناء ~~المهاجرين والأنصار بحكم السياسة الأموية إلى الفراغ والعكوف على ~~أنفسهم ولذاتهم. # هنالك اعتزل عمر بن أبي ربيعة، والعرجي، وابن أبي عتيق، وأمثالهم الشئون العامة، ~~ولكنهم لم يعيشوا في بروجهم العاجية، وإنما عاشوا مع الناس في الحجاز؛ ~~لأن الحجاز كله قد اضطر إلى اعتزال السياسة وتجنب الشئون العامة؛ فكان ~~هؤلاء الأدباء يشاركون في الحياة الواقعة من حولهم؛ لأن هذه الحياة الواقعة ~~كانت ابتعادا عن السياسة واعتزالا للشئون العامة وفراغا للنفس، وتهالكا على ~~اللذات. # وهؤلاء الأدباء مع ذلك لم يحتملوا هذه العزلة راضين عنها محبين لها، وإنما ~~احتملوها على كره منهم وتسلوا عنها بهذا الغزل الرفيع، وهل زاد العرجي على ~~أن صور ألمه وألم أمثاله لهذه العزلة التي فرضت عليهم حين قال: # أضاعوني وأي فتى أضاعوا # ليوم كريهة وسداد ثغر # على أن العرجي وغيره من شعراء الحجاز في ذلك الوقت قد حاولوا الثورة على هذا ~~الاعتزال الذي فرض عليهم، ولقوا في سبيل هذه الثورة ألوانا من العناء حفظها لنا ~~التاريخ، والأمر لا يحتاج إلا إلى أن نفهم التاريخ على وجهه، وإلى أن نقيس ~~حياة القدماء بحياة المحدثين. # فهناك مشكلة خطيرة هي التي أنشأت مسألة الاتصال بين الأدب والحياة الواقعة أو ~~الانفصال عنها، وهي أن حياة القدماء وحياة المحدثين إلى وقت قريب، لم تكن تعتمد ~~على الديمقراطية التي تعترف بحق الشعوب في الحرية والعدل والمساواة، وإنما كانت ~~تحتفظ بهذا الحق لطبقة ممتازة من الناس، إليها وحدها السلطان، وإليها وحدها ~~الثقافة، وإليها وحدها كل ما يكون الرجل الحر بالمعنى الدقيق، فأما كافة ~~الشعب فكانت أداة مسخرة تجد وتكد وتشقى لتنعم هذه الطبقة الممتازة بالحكم ~~والسلطان وبالأدب والفن وبالفلسفة والعلم. # فما عسى أن تكون الحياة الواقعة العامة بالقياس ms183 إلى الأجيال التي جرت أمورها على ~~هذا النحو: أهي حياة الشعب الذي كان أداة مسخرة، أم هي حياة السادة الذين ~~كانوا يستغلون هذه الحياة؟ هذه هي المشكلة التي خيلت إلى كثير من الناس أن ~~الأدب كان معتزلا للحياة العامة، ولكن حقائق الأشياء تدل في غير لبس على ~~أن الأدب لم يعتزل الحياة العامة قط، وإنما الشعوب هي التي أكرهت ~~على اعتزال هذه الحياة العامة ونحيت عنها تنحية. # فالأدب اليوناني الذي كان ينشأ في أتينا إنما كان يحفل بحياة المواطنين الأتينيين، ~~وهؤلاء المواطنون كانوا قلة ضئيلة بالقياس إلى سكان أتينا وما حولها من المدن ~~والقرى. # والأدب الذي كان ينشأ في البصرة، والكوفة، وبغداد، إنما كان ينشأ للذين يستطيعون ~~فهمه وذوقه من هذه الطبقة التي أتيح لها الامتياز، وهذه الطبقة ضئيلة جدا ~~بالقياس إلى سكان العراق. # والأدب الذي كان ينشأ في باريس، وفرساي في القرن السابع عشر مثلا إنما كان ينشأ ~~لهذه الطبقة القليلة التي كانت تستأثر بالحياة العامة في القصر وخارج القصر، وهي ~~قلة ضئيلة بالقياس إلى سكان فرنسا. # وما ينبغي أن تطلب إلى الأدب أن يتصل بالذين لا يستطيعون فهمه ولا ذوقه، وإنما ~~ينبغي أن تطلب إلى الدولة أن تهيئ الشعب للمشاركة في الحياة العامة أولا، ~~ولفهم الأدب وذوقه ثانيا، ثم تلوم الأدب بعد ذلك إن اعتزل الحياة العامة، ~~وترفع عن الاتصال بالشعوب. # وقد طلب الأدب نفسه إلى أوروبا في القرن الثامن عشر تهيئة الشعب للمشاركة في الحياة ~~العامة، والارتفاع به عن الغفلة والجهل والبؤس، وجاهد في ذلك حتى بلغت الشعوب ~~منه ما أرادت في القرن الماضي وفي هذا القرن، واتصل الأدب بالشعب ما وجد إلى ~~الاتصال به سبيلا. # وبقيت هنا وهناك قلة ضئيلة جدا من الأدباء لم تفطن لما حدث حولها من التطور، ~~أو لم ترد أن تفطن لهذا التطور، فظلت محافظة معتزلة متجافية عن الحياة ~~الشعبية، ولكنها لم تستطع أن تحتفظ بعزلتها وتجافيها، أبت أن تهبط إلى الشعب ~~فارتقى الشعب إليها؛ لأن الشعب إذا أخذ في الثقافة لم ms184 يقنع منها ~~بالقليل. # وهذه المشكلة التي عرضت لأوروبا وأثارت فيها هذا الخلاف، قد عرضت لنا نحن وأثارت ~~عندنا هذا الخلاف في أواخر القرن الماضي وأوائل هذا القرن؛ فقد أدركتنا الحياة ~~الحديثة ونحن على ما كان عليه الناس قبل الثورة الفرنسية: طبقة ضئيلة تستأثر ~~بالحياة العامة؛ فتنعم بالسلطان والثقافة وما يلائمها من الأدب، وشعب ~~مسخر لخدمة هذه الطبقة الضئيلة، لا حظ له من سلطان، ولا من ثقافة، ~~ولا من أدب، في ذلك الوقت كانت الصلة منقطعة أو كالمنقطعة بين الأدب ~~والشعب. # ولكن التطور الحديث لم يلبث أن نبه الشعب إلى حقه، وأن يتخذ الأدباء أنفسهم ~~وسيلة لهذا التنبيه، وإذا هم يتجاوزون الطبقة الممتازة إلى الطبقات ~~المسخرة، وإذا هم يخرجون من تلك العزلة أو قل: يوسعون الميدان ~~الذي كانوا يعيشون فيه؛ ليستطيع أن يتلقى أفواجا من الشعب تستمع لهذا ~~الأدب الذي كان يلقى من وراء ستار؛ فأصبح يلقى في الهواء الطلق تسمع له ~~الجماهير وتنشره الصحف ويسعى إلى القادرين على فهمه وذوقه في الأقطار البعيدة من ~~الأرض. # وربما كان شوقي وحافظ - رحمهما الله - آية بينة على هذا التطور؛ فقد كان شعر ~~شوقي ينشد في القصور، وكان شعر حافظ ينشد في دور الأغنياء وأصحاب الجاه، ثم ~~لم يكد القرن يتقدم حتى أصبح شعر شوقي وحافظ ينشد في الملاعب وينشر في الصحف، ~~وحتى ذاعت دواوين شوقي وحافظ، فتجاوزت طبقة السادة، ووصلت إلى أيدي قوم لم يكن لهم ~~من أمور الحكم والسلطان شيء. # ثم كانت الحرب العالمية الأولى والثورة المصرية، وإذا الحواجز تلغى بين الطبقات، ~~وإذا الشعب يقتحم هذه الحواجز اقتحاما، وإذا الأدباء الذين كانوا يترفعون عن ~~الشعب قد أصبحوا ألسنة لهذا الشعب يعبرون عن نفسه أكثر مما يعبرون عن أنفسهم، ~~ويصورون حياته أكثر مما يصورون حياة أنفسهم. # وقد عرفنا حياة الأحزاب السياسية، وانقسم المصريون بين هذه الأحزاب؛ فعدنا إلى حياة ~~العرب في القرن الأول من جهة: أحزاب سياسية لها أدباؤها وشعراؤها، ووثبنا إلى ~~الحياة الأوروبية الحديثة من جهة أخرى: أحزاب سياسية لها أدباؤها وشعراؤها ms185 ~~كذلك. # وحقق أدبنا العربي الحديث هذه الصلة الرائعة بين حياتنا القديمة وبين الحياة ~~الأوروبية الحديثة، واستؤنف الاتصال بين الأدب العربي وبين الشعب وحياته ~~الواقعة العامة؛ فأصبح الأدباء مرآة للشعب حقا ينطقون بلسانه ويصورون ~~آلامه وآماله، وقد حاول أديب أو أديبان الارتفاع بالأدب عن الشعب والاعتزال في ~~البروج العاجية، فلم تظفر هذه المحاولة إلا بالإخفاق الفاحش الشنيع. # وكذلك اتصل التاريخ وأصبحت الحياة الحديثة صورة متقاربة للحياة القديمة على ما ~~بينهما من الفروق الهائلة؛ فأدبنا الحديث متصل بحياتنا الواقعة، كما كان أدبنا ~~القديم متصلا بالحياة القديمة الواقعة، والفرق بين الأدبين عظيم؛ لأن الفرق بين ~~الحياتين عظيم جدا؛ حياتنا الواقعة شعبية أو تريد أن تكون شعبية لا يستأثر بها ~~فريق من الناس دون فريق، وأدبنا الحديث شعبي أو يريد أن يكون شعبيا لا ينشئه ~~قوم ممتازون لقوم ممتازين. # والحياة الواقعة القديمة أرستقراطية قد استتبعت أدبا يشبهها، ومن هنا نلاحظ هذه ~~الظاهرة الطريفة ظاهرة الأدب المزدوج في الحياة الواقعة القديمة، والأدب ~~الفرد في حياتنا الحديثة؛ في الحياة الواقعة القديمة أهمل الشعب فعاش عيشته ~~الخاصة، وأنشأ أدبه الخاص، فشاع كتاب ألف ليلة وليلة، وما يشبهه من الأدب ~~الشعبي، وفي حياتنا الحديثة عظم أمر الشعب وأصبح كل شيء، فعني به الأدباء، ولم ~~يحتج إلى أدب شعبي خاص، وإنما اكتفى بهذا الأدب الرفيع الذي كان ينظر إليه من ~~بعيد فأصبح الآن يذوقه، ويتخذه غذاء للعقول والقلوب. # هذه هي قصة الاتصال والانفصال بين الأدب والحياة الواقعة، تظهر خطيرة كل الخطورة ~~حين ننظر إليها نظرا سطحيا، فإذا تعمقناها وبلونا حقائقها رأيناها يسيرة قريبة ~~تنحل إلى شيء يسير قريب، وهو أن الأدب متصل دائما بالحياة ~~الواقعة، فإذا أصبحت هذه الحياة الواقعة شعبية، فليس للأدب بد من أن يكون ~~شعبيا أيضا، وهذا هو الذي تتجه إليه حياة الآداب؛ لأن هذا هو الذي تتجه إليه ~~حياة الشعوب. # | الأدب المظلم # ليست حياة الناس كلها وردا، وليست حياة الناس كلها شوكا، وقد أنبأنا شاعرنا ~~القديم منذ عشرة قرون بأن العاقل يشقى بعقله في النعيم، ms186 وبأن الجاهل يسعد ~~بجهله في الشقاء، ومعنى هذا أن الحياة شوك بالقياس إلى العاقل الذي يحلل ~~ويعلل، ويحصي ويستقصي، ويحاول أن يرد كل شيء إلى علته، ويستخرج ~~من كل شيء نتيجته، وأن الحياة ورد بالقياس إلى الجاهل الذي يأخذها كما تساق ~~إليه لا يحاول لها فهما ولا تأويلا. # وتستطيع أن تعرض هذه القضية عرضا آخر فتقول: ليست الحياة كلها مشرقة كما يشرق ~~النهار، وليست الحياة كلها مظلمة كما يدلهم الليل، وأكبر الظن أنها تظلم وتدلهم ~~حين يريد العاقل أن يحياها عن بصيرة وفهم، وأنها تشرق وتضيء حين يريد الجاهل أن ~~يقبلها كما تهدى إليه. # وأكبر الظن كذلك أن إشراقها بالقياس إلى الجاهل نفسه لا يخلو من ظلمة تغشاها بين ~~حين وحين؛ فتخفي معالمها وتشوه محاسنها وترد صاحبها على جهله إلى الحيرة ~~حينا وإلى القنوط حينا آخر؛ وأن ظلمتها بالقياس إلى العاقل لا تخلو من ضوء ~~ضئيل نحيل ينفذ إليها أو ينفذ منها كما ينفذ السهم فتشرق له بعض جوانبها لحظات ~~تقصر أو تطول. # وليس في ذلك شيء من الغرابة! فضوء الشمس يحجبه السحاب، وظلمة الليل يجلوها ضوء ~~القمر أو تخترقها أشعة النجوم، والناس كلهم يعلمون أن حياتهم مزاج من الخير ~~والشر، ومن السرور والحزن، ومن الرجاء واليأس، ومن الابتهاج والابتئاس، ~~تختلف حظوظهم من هذه النقائض باختلاف الطباع والأمزجة، وباختلاف البيئة والظروف، ~~وباختلاف هذه المزايا التي ركبت في نفوسهم والتي تعكس لهم الحياة نقية صافية ~~حينا، وكدرة قاتمة حينا آخر. # ولكنهم بعد ذلك يختلفون، أو قل إن أدباءهم وفلاسفتهم يختلفون حين يريدون أن ~~يصوروا لهم هذه الحياة فيما يحدثون من فلسفة، وفيما ينشئون من أدب؛ فبعضهم ~~لا يصور من الحياة إلا صفوها وعفوها، وما يشيع فيها من نقاء وجمال، وبعضهم ~~لا يصور من الحياة إلا شرها ونكرها وما يجثم عليها من فساد وضلال، وبعضهم ~~يتوسط بين ذلك فيصورها شائقة رائقة حينا، ويصورها قاتمة بغيضة حينا ~~آخر. # وليس في شيء من هذا كله جديد؛ فمن الكتاب من يتفاءل دائما، ومنهم من يتشاءم ms187 ~~دائما، ومنهم من يأخذ من التفاؤل والتشاؤم بطرف، ولكن الجديد هو أن من ~~الأوروبيين من يلونون هذه الآداب المتباينة ألوانا مختلفة، ويسمونها بهذه ~~الألوان؛ فالأدب الخالص للتشاؤم أدب أسود، والأدب الخالص للتفاؤل، والأدب الملائم ~~بين التفاؤل والتشاؤم يأخذان ما يريد الكاتب أو المتحدث أن يسبغ عليهما من ~~الألوان حين يريد العبث أو الدعابة، وهذا كله لا يزيد على أن يكون نحوا من ~~أنحاء التحذق، وفنا من فون الإغراب. # ولأمر ما لا يكاد الأوروبيون في هذه الأيام يحفلون بأدب التفاؤل، ولا بالأدب الذي ~~يتوسط بين التفاؤل والتشاؤم، وإنما يعنون العناية كلها بالأدب الأسود الذي يخلص ~~للتشاؤم، ويصور الحياة في أبشع صورها وأقبح مناظرها، لا يخفي ولا يحاول ~~أن يخفي من ذلك شيئا، بل يجتهد في إظهار الخفي وتوضيح الغامض، واستكشاف ما لا ~~يهتدي الإنسان إليه من سيئات الحياة، ومن ضعة الحظ الذي كتب للإنسان في هذه ~~الحياة. # وأكبر الظن أن المحن التي امتحنت بها أوروبا في هذا القرن، والخطوب التي ~~صبت على الإنسانية في الحربين العالميتين، وما تكشفت عنه نفوس الأفراد ~~والجماعات من أثرة لا حد لها، وضعة لا سبيل إلى وصفها، وضعف أمام الأحداث، وتخاذل ~~أمام الكوارث كل ذلك قد أظهر الإنسانية على سيئاتها، وكشف لها مخازيها، وعلمها ~~أنها ليست من الرفعة والسمو ولا من الطهر والنقاء بحيث كانت تظن حين كانت ~~حياتها مطمئنة راضية. # وهذه الظاهرة التي نراها الآن في أوروبا، ظاهرة الإقبال على التشاؤم، والإنتاج ~~للآثار القائمة، والإعجاب بالأدب الأسود؛ هذه الظاهرة نفسها ليست جديدة، وإنما هي ~~شيء ألفته الإنسانية منذ أقدم عصورها؛ فهي متفائلة مبتهجة حين تكون ~~حياتها راضية مطمئنة، وهي متشائمة مبتئسة حين تعصف بها الخطوب ~~ويشيع في حياتها القلق والخوف. # وقد نستطيع أن نسجل في هذا الحديث السريع بعض الظروف التي بدت فيها هذه ~~الظاهرة قوية جامحة توشك أن تكتسح كل شيء، وتوشك أن تسبغ على الأدب بنوع ~~خاص هذه الظلمة القاتمة، وهذا السواد المخيف. # والأدب اليوناني بالطبع قد سبق إلى الخضوع لهذه الظاهرة في ms188 القرن الخامس قبل ~~المسيح، حين اضطربت حياة العالم المتحضر في ذلك الوقت بالاصطدام بين اليونان ~~والفرس، وحين اضطربت حياة اليونان أنفسهم بالاصطدام بين الأتينيين والإسبارتيين، ~~وليس من شك في أن الهول الذي انتشر في بلاد اليونان بحكم هذه الحروب المتصلة ~~قد حمل العقل اليوناني قبل كل شيء على أن يفكر في الحياة، ويحاول أن ~~يعلل ما فيها من خير وشر، ومن نعيم وبؤس، وهو لم يكد يعرض لهذا الموضوع حتى ~~ثارت أمامه هذه المشكلات الإنسانية الخالدة التي تتصل بالعلاقة بين الإنسان ~~والآلهة، بل بين الإنسان والقضاء الذي يسيطر على حياته ويصرفها كما يشاء هو لا ~~كما يشاء الإنسان. # وليست المأساة اليونانية وآياتها الخالدة إلا مظهرا من مظاهر هذه الحيرة، التي ~~سيطرت على العقل اليوناني حين صور لنفسه هذه المشكلات، وأراد أن يجد منها ~~مخرجا ويلتمس لها حلا. # وكان الجواب الأول الذي ألقاه العقل على الإنسان وصورته المأساة أروع تصوير، ~~هو أن هناك قوة قاهرة ماكرة ليس لأحد عليها سلطان، لا من الناس، ولا من الآلهة ~~أنفسهم، وهذه القوة هي القضاء المحتوم الذي لا يستطيع أحد لأحكامه نقضا ولا ~~تغييرا. # وكل ما في الأمر أن في الوجود طبقتين تتمايزان من جهة، وتتشابهان من جهة أخرى؛ ~~إحداهما: طبقة الآلهة التي لا تخضع لغير القضاء، والتي تمتاز بشيء من القوة وظاهر ~~من الحرية. # والثانية: هي الإنسان الذي لا يخضع للقضاء وحده، أو قل: لا يخضع للقضاء مباشرة، ~~وإنما يخضع له من طريق الآلهة الذين ينفذون فيه الأمر، ويمضون فيه الإرادة ~~المحتومة؛ فالأقدار مثلا قد كتبت على أويدبوس أنه سيقتل أباه، وسيتزوج أمه، ~~وسيكون له منها ابنان يقتل كل منهما صاحبه في موقعة حاسمة، وابنتان تموت إحداهما ~~في سبيل أداء الواجبات الدينية لأحد أخويها حين يدركه الموت، وتأبى الدولة إلا أن ~~تتركه بالعراء نهبا لسباع الطير. # وحظ الآلهة من القدرة إنما هو إنفاذ هذا القضاء، تسخر الإنسان له تسخيرا، ~~تنصح له قليلا وتضلله كثيرا وتعبث به دائما؛ فهي توحي إلى لايوس ملك ثيبة أن ms189 ~~سيكون له ابن يرديه، وهي تلقي في روعه أنه إن استطاع أن يتخلص من هذا الابن حين ~~يولد؛ فقد يفلت من هذا القضاء المحتوم. وما تزال تغريه بذلك وتزينه في قلبه حتى ~~يدفع بالصبي حين يولد إلى أحد الرعاة ليقتله، وقد عاد الراعي إليه فأنبأه بأنه ~~أنفذ إرادته، فيطمئن الملك وينعم بحياة قوامها الغرور؛ لأن الراعي لم ينفذ أمره ~~ولم يصدقه الخبر، ألقت الآلهة في روعه حب الصبي والعطف عليه فلم يقتله، وإنما ~~تركه في حيث استطاع راع آخر أن ينقذه ويكفل له الحياة. # وكذلك عبثت الآلهة بالملك فغرته وأملت له، وعبثت بالراعي فزينت في قلبه ~~الحب والرحمة، وأتاحت للصبي أن ينشأ وينمو ويبلغ أشده ويصبح قادرا آخر الأمر ~~على أن يقتل أباه ويستأثر بعرشه، ويتزوج من أمه وينفذ حكم القضاء؛ فحكم ~~القضاء إذن ضرورة محتومة لا يفلت من سلطانها أحد، وليس الآلهة أنفسهم إلا أدوات ~~لإنفاذ هذا الحكم مهما يظهر من سلطانهم على الناس ومداورتهم لهم، ولكنهم على كل ~~حال يستمتعون بظاهر من الحرية يتيح لهم هذه المداورة. # وقد استطاع العقل اليوناني في هذا الطور من أطواره أن يمنح الإنسان شيئا من ~~الحرية الظاهرة، لا أقول في تغيير حكم القضاء، ولا أقول في التخلص من سلطان ~~الآلهة، وإنما أقول في الثبات لهذا القضاء، والحزم أمام سلطان الآلهة؛ ~~فأويدبوس لا يغير من الضرورة المحتومة شيئا لأنه لا يستطيع تغييرها، وهو ينخدع ~~بوحي الآلهة، فيفر من منفاه معتقدا أنه سيظفر بالحرية كل الحرية نتيجة لهذه ~~المغامرة، وهو يحل اللغز الذي يلقيه عليه ذلك الكائن الغريب أمام مدينة ثيبة، ~~ويظفر بالعرش، ويتخذ الملكة لنفسه زوجا، ويرى أنه قد ظفر بالسعادة كل السعادة، ~~ولكنه لا يلبث أن يتبين أن الآلهة إنما سلكت به هذه الطرق كلها لتنفذ على يده ~~حكم القضاء فتضطره إلى قتل أبيه، ثم لتنفذ فيه هو حكم القضاء فتضطره إلى أن يتزوج ~~أمه ويعقب منها الولد. # فحريته إذن أمام القضاء وأمام الآلهة ليست شيئا، ولكن له مع ذلك نصيبا من ms190 ~~الحرية فهو يثبت للكارثة، قد فقأ عينيه، ونفى نفسه من الأرض، ولكنه لا يتهم ~~نفسه بشيء ولا يلومها على شيء، فهو لم يأثم، وإنما كتب القضاء عليه الإثم وضللته ~~الآلهة حتى تورط فيه، ولو خير لاختار، ولو عرف أن هذا الشخص الذي لقيه في ~~الطريق هو أبوه لما قتله، ولو عرف أن هذه الملكة التي أهدت إليه نفسها وعرش زوجها ~~هي أمه لما تزوجها. # وإذن فهو مجبر لا مختار، وإذن فهو لا يحتمل تبعة ولا يستحق لوما، وهو في ~~حقيقة الأمر لا يعاقب نفسه حين يفقأ عينيه ويهاجر من وطنه، وإنما ينفذ حكم ~~القضاء، ويخضع لسلطان الضرورة، لم يكن يملك إلا هذا، ولكنه على ذلك ينكره ~~ويثور عليه، ويرى نفسه بريئا أمام الآلهة وأمام القضاء. # وكذلك نرى الإنسان يعرف نفسه أولا ويعرف ضعفه ثانية، ويعرف أن هذا الضعف لا ~~يأتيه من عند نفسه، وإنما يأتيه من عند هذا السلطان الأعلى الذي يتحكم فيه ~~ويصرف أمره كما يريد، لا يستشيره ولا يستأمره، وإنما يسخره لما يريد ~~تسخيرا. # والمهم بعد ذلك هو أن الإنسان يحقق هذا كله، ويصارح القضاء بأنه غير ~~ملوم . # ومهما يكن من شيء فقد ألقيت المسألة الخطيرة، مسألة الصلة بين الإنسان وبين الآلهة، ~~بل مسألة الصلة بين الإنسان وبين القضاء، والذي يحدث بالقياس إلى أويدبوس هو بعينه ~~الذي يحدث بالقياس إلى غيره من أبطال المأساة، فهم جميعا يمتحنون لا في قدرتهم ~~على الخير، ولا في ترجيحهم بين الحسنة والسيئة، وإنما يمتحنون في احتمالهم ~~للمكروه، وإذعانهم لحكم القضاء، وثباتهم لما ينزل بهم من الملمات؛ فمنهم من يذعن ~~في غير اعتراض، ومنهم من يذعن في شيء من المقاومة، ومنهم من يود لو يثور، ~~فإذا أعجزته الثورة احتفظ بحريته كاملة بينه وبين نفسه، وحمل الآلهة والقضاء ~~تبعة ما يتورط فيه من شر، وما يجري على يديه من أحداث. # فالمأساة إذن في حقيقة الأمر ليست إلا لونا من ألوان التشاؤم حين ينظر ~~الإنسان إلى الصلة بينه وبين هذه القوة المتسلطة التي تحكم لا ms191 معقب ~~لحكمها. # ومع ذلك فهذا اللون من ألوان التشاؤم ليس سوادا كله، بل فيه شيء قليل أو كثير ~~من الإشراق؛ لأن فيه شيئا قليلا أو كثيرا من الأمل الذي يأتي من معرفة ~~الإنسان نفسه، من شجاعته عند اليأس، وقدرته على المقاومة، وصبره على ~~المكروه صبرا يأتيه من إرادته لا من شيء آخر، ومن هنا كانت المأساة اليونانية ~~تصويرا لبؤس الإنسان من جهة، ولبطولته من جهة أخرى. # وقد يخيل إلى الناس أن المأساة اليونانية هي وحدها الأدب الأسود في الحياة ~~العقلية اليونانية، ولكن شيئا من التفكير اليسير يظهرنا على أن السواد كان ~~يجلل الأدب اليوناني كله في ذلك العصر المجيد الذي أورث ~~الإنسانية هذا التراث الخالد العظيم. # ففلسفة السفسطائيين في القرن الخامس قبل المسيح لم تكن إلا نوعا من التشاؤم؛ لأنها ~~كانت تنكر الحقائق، وتقيم أمر الحياة كله على التخييل ~~والخداع، لم يكن المهم عند الفلاسفة السفسطائيين أن يعرفوا الحق ~~لأنهم يئسوا من معرفة الحق، وإنما كان المهم أن يلبسوا الحق بالباطل، ~~ويخدعوا نظراءهم من الناس، وواضح جدا أن الفلسفة التي تقوم على اليأس ليست من ~~الإشراق ولا من السطوع في شيء. # والملهاة اليونانية التي كانت تملأ الملاعب ضحكا وتخرج النظارة عن أطوارهم، ~~لم تكن في حقيقة الأمر مشرقة ولا ناصعة، وإنما كان إشراقها تكلفا ونصوعا ~~وخداعا؛ فهي كانت تضحك النظارة من أنفسهم، وتعبث أمامهم بما كانوا يكبرون ~~من القيم، وهي كانت تظفر منهم بالرضا وتضطرهم إلى الإعجاب، ومعنى ذلك أنها كانت ~~تكشف لهم عما في حياتهم الفردية والاجتماعية من السخف الذي لا يستحق منهم ~~إعجابا ولا إكبارا، وإنما يستحق منهم سخرية واستهزاء. # فأرستوفان حين كان يضحك الشعب من حكومة الشعب، وحين كان يعبث بفلسفة ~~الفلاسفة، وسياسة الساسة، وأدب الأدباء، إنما كان يسخر ويحمل الأتينيين ~~على أن يسخروا معه من هذه القيم الفلسفية والسياسية والأدبية التي كانوا يقدرونها ~~ويكبرونها خارج الملعب صادقين فيما بينهم وبين أنفسهم أو كاذبين. # لم يكن أرستوفان يزيد على أن يثبت للأتينيين أن ما كانوا يزهون به ms192 على المدن ~~اليونانية، ويزينون به حياتهم لم يكن إلا سخفا وباطلا. ومن هنا نفهم ما يقال في ~~تاريخ الفلسفة من أن سقراط وتلاميذه إنما أنفقوا جهودهم الهائلة ~~الخصبة ليقاوموا هذه النزعات السفسطائية التي تؤيس الإنسان من نفسه، وتفسد ~~الصلة بينه وبين آلهته، وتدفعه إلى نوع من الفوضى لا ينتج له إلا العبث والشك ~~والاستهانة بكل شيء والانتقاض على كل سلطان، وليس يعنيني أن أبين الآن ما ~~أتيح لسقراط وتلاميذه من الفوز بقدر ما يعنيني أن ألاحظ أن الجهود التي ~~بذلها سقراط وأفلاطون وأرسطاطاليس لرد الإنسان إلى شيء من النظام والاستواء، ~~ولتنظيم الصلة بينه وبين هذه القوة العليا التي تدبر أمره، هذه الجهود نفسها قد ~~انتهت إلى الإخفاق. # وقد يكون الأدب اليوناني في عصر سقراط وتلاميذه بعيدا عن التشاؤم، ولكن الشيء ~~المحقق هو أن هذا العصر قد انتهى آخر الأمر إلى تشاؤم الرواقيين ~~والأبيقوريين وأصحاب الشك، وعادت القضية الإنسانية سيرتها الأولى، ووقف ~~الإنسان من الآلهة موقفه القديم الذي كان يملؤه اليأس، ويشيع فيه الإذعان ~~الخالص أو الإذعان الذي تشوبه المقاومة أو الذي كان يدفع إلى الثورة الصريحة ~~التي دفع إليها أبيقور وتلاميذه، والتي أورثت الإنسانية في العصر القديم أروع ~~نماذج الأدب الأسود، ذلك الذي يقطع الصلة بين الإنسان وبين آلهته. # والذي يعلم الإنسان ألا يؤمن إلا بنفسه، ولا يعتمد إلا عليها، ولا يأمل إلا ~~فيها، والذي يعلم الإنسان كيف يبرئ نفسه من الوهم، ويخلصها من خوف الآلهة، ~~ويعصمها من رهبة الموت، ويزهدها في لذات الحياة، ويأخذها بأن تنظر إلى ~~حقائق الأشياء كما هي في غير خداع ولا انخداع. # والذين يقرءون «طبيعة الأشياء» للشاعر اللاتيني العظيم لوكريس يتبينون أن ~~سقراط وأصحابه لم يقهروا الأدب الأسود إلا وقتا قصيرا، وأن هذا الأدب ~~الأسود لم يلبث أن استأنف فوزه وانتصاره وتسلطه في أشكال مختلفة متباينة على ~~عقول الخاصة والعامة جميعا، وواضح جدا أني هنا لا أستقصي ولا أتعمق، وإنما ~~أكتفي بالإشارة والإجمال عن التلميح والتفصيل. # وقد يكون من الخير أن أتجاوز اليونانيين والرومانيين وأدبيهما ms193 العظيمين، إلى أدب ~~شرقي ما أظن أنه قد كان أقل منهما تصويرا لهذا الموقف الخطير، موقف الإنسان ~~العاقل من هذه المشكلة المعقدة؛ مشكلة الصلة بينه وبين القضاء - وهو الأدب ~~اليهودي، ويكفي أن يستمتع القارئ بالنظر في سفر أيوب ليرى كيف ألقيت ~~المسألة، وكيف عرضت المشكلة، وكيف ثار حولها الشك، وكيف اقترحت لها ~~الحلول، وكيف انتهى أمرها بالإذعان لقضاء الله الذي لا يستطيع الإنسان أن ينفذ ~~إلى أسراره، ولا أن يتعمق حكمته البالغة. # وليس أدبنا العربي بأقل من هذه الآداب القديمة حظا من الوقوف عند هذه المشكلة ~~والتأثر بها فيما أنتج الأدباء من الشعر والنثر، وفيما أنتج الفلاسفة من الكتب ~~والفصول، وكما أن الاضطراب الذي تعرضت له الأمة اليونانية في القرن الخامس قد أنتج ~~فيها الأدب الأسود الأول، وكما أن الاضطراب الذي نشأ عن حروب الإسكندر وخلفائه ~~وعن حروب الرومان قد أنتج الأدب الأسود الثاني عند أولئك وهؤلاء، وكما أن ~~المحن التي صبت على بني إسرائيل قد أنتجت لهم الأدب الأسود في عصرهم القديم، ~~فكذلك الاضطرابات التي تعرضت لها الأمة العربية بعد الفتوح بحكم الفتن والثورات قد ~~أنتجت لها أدبها الأسود منذ القرن الأول للهجرة، وظلت تنتجه لها إلى أن مات أبو العلاء. # 1 # فشعر الشيعة المضطهدين، وشعر الخوارج الثائرين، لا يروق لأنه يظهر الحياة ~~جميلة خلابة، ولا يعجب لأنه يظهر لنا محاسن هذا العالم، وإنما ~~يؤثر في النفس لأنه يبين لنا أن هذه الحياة بعيدة كل البعد عن أن ترضي ~~أو تسر، قريبة كل القرب من أن تسخط وتسوء؛ لأن الظلم عليها غالب والفساد ~~فيها شائع، ولأنها قد فقدت شيئا خطيرا لا تطيب الحياة إلا به ولا تستقيم إلا ~~عليه، وهو العدل الذي يعطي كل ذي حق حقه، ويسوي بين الناس في مواجهة الحياة ~~واحتمال خطوبها، والاستمتاع بما فيها من نعيم ولذة، والشقاء بما فيها من بؤس ~~وألم. # فالشيعة يطلبون العدل الذي يرد السلطان إلى مستحقيه من أهل البيت، والذي ~~يمكن الأئمة أن يملأوا الأرض عدلا بعد أن ملئت جورا، ms194 وشعر الشيعة في ذلك ~~الوقت إنما يكتسب سواده وإظلامه من تصوير هذا الظلم الذي صب على المختارين من ~~أهل البيت، فحرمهم الاستمتاع بحقهم، وحرم الناس ما كانوا وحدهم قادرين على أن ~~يشيعوه بينهم من العدل، وعلى أن يسوسوهم سياسة تحملهم على الجادة، وتسلك ~~بهم السبيل الواضحة إلى نعيم الدنيا والآخرة جميعا. # وشعر الخوارج بل أدب الخوارج كله، لا يعجب ولا يروق إلا لأنه يصور ما ~~ينقص حياة الناس من إقرار العدل في الأرض، وتحقيق المساواة بين المسلمين، وهم حين ~~يتغنون بلاءهم في الحروب، وجهادهم لأصحاب السلطان، وسفكهم لدماء المصانعين للحكام، ~~وبيعهم أنفسهم لله يجاهدون في سبيله فيقتلون ويقتلون، لا يصورون ~~حياة ناصعة رائعة، ولا عيشا ناعما سعيدا. # والذين يؤثرون منهم القعود، ويحاولون الاعتذار عن أنفسهم من إيثار العافية، لا ~~يحبون الحياة لأنها خير في نفسها، ولا لأنها تتيح لهم نعيما يستحق أن ~~يحرصوا عليه، وإنما يؤثرون الحياة؛ لأنهم يرونها وسيلة إلى دفع شر لا يدفعه ~~الموت، وإلى تحقيق قليل من الخير قد لا يعينهم الموت على تحقيقه. # فهذا القاعد يؤثر الحياة بأن له بنات عاجزات يخاف عليهن البؤس والشقاء، ~~ويريد أن يعصمهن من الذل والابتذال، وهذا القاعد الآخر يؤثر الحياة لأنه يمتحن ~~بها نفسه ويعودها احتمال المكروه، والصبر على الفتنة، والنفاذ من الخطوب، وهو ~~يراها عبئا ثقيلا يتقرب إلى الله باحتماله، ويتنقل بهذا العبء بين أحياء العرب ~~في البادية، وبين مدنهم في الحاضرة، لعله أن يذيع فيهم كلمة الحق، ولعله أن ~~يحمل بعضهم على الخروج. # فالحياة الواقعة بغيضة إلى الشيعة؛ لأنها قائمة على الظلم، والحياة الواقعة بغيضة ~~إلى الخوارج؛ لأنها قائمة على الظلم أيضا، وأولئك وهؤلاء، وغير أولئك وهؤلاء، ~~يفكرون ويقدرون، ويلتمسون للظلم علله، لعلهم يستطيعون أن يزيلوها فيتاح لهم ~~إزالة الظلم ويلتمسون إلى العدل سبله لعلهم يستطيعون أن يسلكوها؛ فيتاح لهم ~~تحقيق العدل. # وهم حين يفكرون ويقدرون يلقون على أنفسهم هذه المسألة الخالدة: ما موقف الإنسان ~~من القضاء والقدر؟ أحر هو فمن حقه ومن الحق عليه أن يحتمل التبعات، ms195 ويخوض ~~إلى الحق والخير والعدل غمرات النضال والجهاد والموت؟ أمجبر هو فينبغي له أن ~~يستسلم وأن يذعن، وأن يستقبل الحياة لا راضيا عنها ولا ساخطا عليها؛ لأنها لا ~~تستحق رضا ولا سخطا، ولأن الرضا والسخط لا قيمة لهما إذا لم يصدرا عن ~~إرادة حرة تستطيع أن تختار وأن تغير من شئون الحياة ما لا تحب؟ # وكذلك ألقيت هذه المسألة على العقل الإسلامي وشقي بها الناس، قبل أن يتجاوز القرن ~~الأول للهجرة ثلثيه. # فأما مسألة العدل، فقد ألقيت على العقل الإسلامي في أيام النبي نفسه، وكان الإسلام ~~هو الذي ألقى هذه المسألة حين دعا إلى إنصاف الضعيف من القوي، وإلى تحقيق ~~المساواة بين المسلمين، لا ينبغي أن يتفاضلوا إلا بالتقوى، وقد عرض القرآن وعرضت ~~سيرة النبي على المسلمين صورة رائعة للعدل حببته إلى نفوسهم، وزينته في قلوبهم، ~~ودفعت فريقا منهم إلى الغلو في طلبه، وإلى التشدد في تحقيقه؛ فوجد بينهم من ~~أغضب النبي نفسه حين ألح عليه في تحقيق العدل، حتى قال له النبي: ويحك! ومن يعدل ~~إذا لم أعدل؟! # ووجد بينهم من خاصم الخلفاء وأنكر سيرتهم وأذاقهم معارضة مؤذية، ولقي منهم ~~مقاومة مؤذية؛ فسعد بن عبادة ينفي نفسه من وطنه ويموت غريبا؛ لأنه يرى أن ~~الجماعة لم تعدل حين جعلت الخلافة إلى المهاجرين، وأبو ذر يضطر إلى أن يعيش وقتا ~~من حياته غريبا، وإلى أن يموت غريبا؛ لأنه ينكر سيرة عثمان وعماله في أموال ~~المسلمين. # وكذلك عرف المسلمون منذ القرن الأول للهجرة المشكلتين الخطيرتين اللتين شقي بهما ~~الإنسان دائما: مشكلة العدل الاجتماعي من جهة، ومشكلة الصلة بين الإنسان وبين ~~القضاء والقدر من جهة أخرى. وظهر أثر هاتين المشكلتين في مقدار عظيم من الأدب ~~الإسلامي، حتى أصبح من الممكن أن نقول: إن المسلمين قد عرفوا هذا الأدب الأسود ~~قبل أن ينتصف القرن الأول للهجرة. # على أن هناك أدبا أسود آخر يستحق شيئا غير قليل من العناية؛ لأن مؤرخي ~~الآداب العربية لم ينظروا إليه إلا هذه النظرة اليسيرة السريعة التي لا تحقق ms196 ~~شيئا ولا تتعمق شيئا، فهذه الأزمة العنيفة التي ثارت بين الشعراء التقليديين في ~~العراق، والتي أنتجت لنا هذا الهجاء الرائع المروع بين الفحول الثلاثة ومن ~~شايعهم من الشعراء، ما مصدرها؟ وما غايتها؟ وما طبيعتها؟ أكانت لهوا سخيفا يرجع ~~كما يقول المؤرخون إلى هذه الخصومات السخيفة بين حيين من أحياء تميم؟ أمن ~~الحق أن الهجاء قد ثار بين الفرزدق وجرير لهذا السبب اليسير البسيط الذي يذكره ~~المؤرخون؟ أمن الطبيعي أن تثار خصومة غير ذات خطر بين حيين من أحياء العرب في ~~البادية؛ فتنشأ عنها هذه الأزمة الهجائية التي انتشرت في بادية العراق وأمصاره، ~~كما تنتشر النار في الحطب الجزل، والتي فرضت نفسها على جميع البيئات العربية ~~في جميع أقطار الدولة، ثم فرضت نفسها، وما زالت تفرض نفسها، على الأدب العربي كله ~~إلى اليوم وإلى آخر الدهر؟ # ألا يمكن أن يكون هذا الهجاء ظاهرة لما كان في الحياة العربية في ذلك الوقت من ~~اضطراب خطير مصدره الانتقال من حياة جاهلية ساذجة إلى حياة إسلامية معقدة، ~~ومصدره أيضا كل هذه المشكلات التي واجهها العرب حين أديل لهم من الفرس ~~والروم، وفتحت عليهم أقطار الدنيا ، وأتيح لهم سلطان لم يكونوا يحلمون به، ~~وثراء لم يكونوا يستطيعون أن يحققوه في أنفسهم، ثم نظروا فإذا هذا السلطان تحتكره ~~قلة ضئيلة من دون سائر العرب على ما كان لبعض قبائلها وأحيائها من سابقة في الشرف ~~والمجد. # ونظروا فإذا هذا الثراء الضخم يتاح لفريق دون فريق، وإذا جماعة منهم ينعمون حتى ~~يبطرهم النعيم، وإذا جماعات أخرى منهم تحرم حتى يضطرهم الحرمان إلى البؤس ~~والاستجداء، وإذا الحفيظة تملأ الصدور، وإذا الغيظ يستأثر بالنفوس، وإذا الحسد ~~يفسد الصلات، وإذا التنافس يجعل بعض الأصدقاء لبعضهم عدوا، وإذا الحياة ~~مظلمة يسبغ الحرمان عليها سوادا حالكا بالقياس إلى بعض الناس، ويسبغ الخوف ~~عليها ظلمة قاتمة بالقياس إلى بعضها الآخر. # وإذا بعض الناس يتتبع مثالب بعض ويحصي عليهم السيئات، وإذا بعضهم الآخر يكيل لهم ~~صاعا بصاع، وإذا الشر يشيع بين هذه الأحياء العربية؛ لأن ms197 الله أخرجهم ~~بالإسلام من الظلمات إلى النور، ولكن الزمن لم يكد يتقدم حتى غشيتهم ~~ظلمات جديدة من الفتن وما استتبعت من ظلم وعسف، ومن تنافس حول أعراض ~~الحياة؟ # وليس من الضروري أن يكون الشعراء، والذين كانوا يستمعون لهم حين ينشدون، محققين ~~لهذه المعاني كلها في أنفسهم تحقيق الشاعر بها المسجل لها، وإنما يكفي أن ~~تكون هذه الحقائق واقعة في نفسها مؤثرة في نفوس الناس؛ لتؤثر في نظرتهم إلى ~~أنفسهم أولا، وفي نظرتهم إلى الناس ثانيا، وفي نظرتهم إلى الحياة كلها آخر ~~الأمر. ولأمر ما يحرص العرب على أن يستقصي بعضهم مثالب بعض، وعلى أن ~~يحصي بعضهم على بعض السيئات، وعلى أن يذكروا القديم ليحيوا منه ما يسوء الخصم ~~ويسر الصديق، في نفس الوقت الذي بلغ فيه التنافس في السياسة والسلطان وفي المال ~~والثراء أقصى غاياته وأبعد آماده. # والشيء المحقق هو أن الفرزدق حين يهجو جريرا بهذه الخصلة أو تلك من الخصال ~~البغيضة، لا يريد شخص جرير وحده، وإنما ينصب جريرا مثلا لقومه أولا، ولجميع ~~الذين يتصفون بهذه الخصلة من الناس بعد ذلك؛ فهو لا ينحو نحو الفرد، وإنما ينحو ~~نحو الجماعة ونحو الجماعة في أوسع حدودها. # وتستطيع أن تقول مثل ذلك في جرير حين يهجو الفرزدق، وفي غير هذين الشاعرين من ~~الهجائين في ذلك الوقت، فهجاؤهم نوع من النقد العام، ومن الاستقصاء لما كان ~~في الأخلاق من نقص، ولما كان في النظام الاجتماعي من عيب، وليس أدل على ذلك ~~من أن هذا الهجاء قد وجد صداه في النفوس العربية كلها، فتهالك العرب على روايته ~~وحفظه، واختصموا في تقديره وفي تفضيل بعض الهجائين على بعض. # وعنيت السياسة العليا للدولة بهذا الهجاء، فآثر بعض الخلفاء وعمالهم جريرا، وآثر ~~بعضهم الفرزدق، واستطاع عبد الملك أن يؤثر جريرا على الفرزدق، وأن يؤثر ~~الأخطل على جرير، وليس لهذا كله معنى إلا أن تكون هناك صلة بين هذا الهجاء، وبين ~~حقائق السياسة التي كانت تدبر في قصور الخلفاء والأمراء. # فهذه العيوب التي يحصيها بعض الهجائين على ms198 بعض عيوب اجتماعية لا فردية في ~~أكثر الأحيان، وهذه القصائد التي تفيض بهذا الهجاء ليست إلا صورا قاتمة لحياة ~~العرب في العراق، كما كان يراها الهجاءون. من هذه الصور ما يسوء ويملأ القلوب ~~حزنا، ومن هذه الصور ما يثير السخرية ويدفع إلى الضحك العريض. # وقد رأيت في أول هذا الحديث أن الأدب الأسود ليس كله حزنا، وأن من الملاهي ~~المضحكة ما هو أشد سوادا من المأساة؛ فالهجاء إذن في ذلك العصر قد كان فنا ~~من فنون الأدب الأسود ابتكره العرب الإسلاميون ابتكارا قبل أن ينتصف القرن ~~الأول. # ولم يكن هؤلاء الهجاءون من الشيعة ولا من الخوارج، وإنما كانوا من الجماعة ~~المحافظة، وإذن فقد كان الأدب الأسود غالبا على حياة العرب أيام بني أمية، على ~~عكس ما يقدر الذين يؤرخون الآداب العربية. # وما أريد أن أتجاوز العراق إلى الحجاز، ولا أن أسأل عن لون الأدب الحجازي في ~~ذلك الوقت؛ فقد بينت في غير هذا الحديث أنه لم يكن صافيا ولا ناصعا، وأن ~~غزل الغزلين ولهو اللاهين إنما كان نوعا من التسلي عن الهم، والتعزي عن الخطوب، ~~والاستعانة بالحب الواقعي أو العذري على نسيان ما كان أهل الحجاز يشقون به من ~~فراغ في الطبقة الغنية وحرمان في طبقة الفقراء، ومعنى ذلك أن أدب الحجاز لم يكن ~~أقل سوادا من أدب العراق. # ولم يكد القرن الثاني يتقدم حتى انتهت هذه الاضطرابات إلى غايتها، فكانت ~~الثورة، وأديل لبني العباس من بني أمية، وأديل للفرس من العرب، فهل عفى ~~هذا كله على آثار الأدب الأسود، وأنشأ مكانه أدبا أبيض ناصعا جميلا؟ مسألة فيها ~~نظر، وأحسبها تنتهي بنا إلى شك مريب؛ فقد نشأ جيل جديد من الشعراء ~~والكتاب، استقبلوا فنونا جديدة من الشعر والنثر، ولكن أكانت نفوس ~~هؤلاء الأدباء مشرقة؟ أكانت آثارهم صورا لهذه النفوس المشرقة؟ لقد لها ~~أهل العراق في القرن الثاني كما لها أهل الحجاز في القرن الأول. # وأكاد أعتقد أن لهو أهل العراق لم يكن أقل سوادا من لهو أهل الحجاز؛ فقد خيبت ms199 ~~الثورة آمال كثير من المثقفين الذين كانوا ينتظرون منها خيرا كثيرا، ومن أجل ذلك ~~وجدت الدولة العباسية الجديدة مقاومة من أنصارها بعد أن ظفرت بخصومها، مقاومة ~~بالسيف أحيانا وباللسان دائما؛ فالمنصور يقتل أبا مسلم، ويمكر بعلي بن عبد ~~الله حتى يقتله، والشيعة العلويون يعارضون الدولة الجديدة بسيوفهم وألسنتهم كما ~~كانوا يعارضون الدولة القديمة، والخوارج ماضون في ثورتهم يظهرون ليستخفوا، ~~ويستخفون ليظهروا. # والمطالبة بالعدل ما زالت قائمة، والنظر في المشكلات الفلسفية يزداد قوة ~~وتعمقا وانتشارا، وبشار يهجو المنصور والمهدي، وابن المقفع يترجم الكتب ~~في التخويف من السلطان، وينتهي أمره إلى موت شنيع، والزندقة تشيع في أمصار ~~العراق، والدولة تنصب لهذه الزندقة وأصحابها حربا لا هوادة فيها ولا لين، ~~وكثير من المثقفين الممتازين يقدمون وقودا لهذه الحرب، وأظن أن شيئا من ~~هذا كله ليس من شأنه أن يدعو إلى إشراق النفوس، ولا إلى إنتاج الأدب ~~المشرق. # ونظرة سريعة إلى الأدب الذي كان ينشأ في ذلك الوقت تظهرنا على أنه لم يكن في ~~جملته صفوا ولا عفوا ولا رائقا؛ لأن حياة الأدباء لم تكن صافية ~~ولا رائقة؛ فقد قتل بشار وقتل ابن المقفع وقتل غيرهما وسجن آخرون؛ فإذا رأيت ~~ابن المقفع يخوف من السلطان، وإذا رأيت بشارا يهجو السلطان، ويسخر من الرعية، ~~وينكر الدين، أو يفضل النار على الطين والشيطان على الإنسان، وإذا رأيت أبا ~~العتاهية يزهد في الحياة ويبغضها إلى الناس، وإذا رأيت أصحاب المجون ~~يسرفون على أنفسهم ويسخرون من كل شيء في غير تحفظ ولا احتياط - إذا رأيت هذا كله ~~فسل نفسك: أكانت الحياة رائقة تنتج أدبا رائقا، أم كانت قاتمة تنتج أدبا ~~قاتما شديد الإظلام؟ # وما ينبغي أن تخدعنا ظواهر الأمور عن حقائقها؛ فنحن نرى في الشعر مدحا للخلفاء ~~والوزراء وقادة الدولة وسادتها، فنستنبط من هذا المدح، كما تعود ~~مؤرخو الآداب أن يستنبطوا أن الأدباء كانوا راضين عن الخلفاء والوزراء، وعن ~~القادة والسادة، وأنهم كانوا يهدون إليهم المدح مخلصين. # ونحن نقرر في الوقت نفسه أن المدح كان يشترى بالمال، وأن ms200 الشعراء كانوا يتنافسون ~~في إرضاء القادرين على منح الجوائز الضخمة، ثم نحن لا نلائم بين هاتين الحقيقتين ~~الواقعتين، أو لا ننتهي من هذه الملاءمة إلى غايتها، فنقرر حقيقة واقعة ثالثة، وهي ~~أن كثرة هذا المدح لم تكن إلا رياء ووسيلة إلى كسب الحياة، وإلى كسب ما يحتاج ~~إليه الأحياء من ألوان الترف والنعيم. # وليس أدل على ذلك - إن احتاج ذلك إلى دليل - من أن بشارا كان يمدح الخلفاء ~~والسادة ليأخذ جوائزهم، وكان يهجوهم إذا خلا إلى نفسه وإلى شياطينه. # ونحن نرى في شعر الشعراء في ذلك العصر لهوا وعبثا ومجونا، فنستنبط من هذا كله ~~متعجلين أن الحياة كانت رائقة شائقة وجميلة خلابة، وننسى أن الإسراف ~~في العبث والغلو في المجون والإغراق في اللذات، كل ذلك لا يدل إلا على اختلال ~~الموازين وفساد القيم، وانحراف الناس عن الجادة، وحاجتهم إلى أن ينسوا أنفسهم ~~ويتسلوا عن همهم. # وأقل ما يمكن أن تدل عليه موجة الاستهتار التي اكتسحت بيئات الأدباء في البصرة ~~والكوفة وبغداد، هو أن هؤلاء الأدباء كانوا قد انتهوا إلى لون من ازدراء ~~التقاليد والاستخفاف بالسنن الموروثة والاكتفاء أو الاستعانة بانتهاز الفرص ~~على احتمال الحياة. # ونحن إذا استقصينا الشعر الذي كان يقال في ذلك العصر رأيناه ينحل إلى مدح ~~يصور الرياء في جملته، وإلى هجاء يصور ما في الحياة من خلال تستحق ~~المقت، وإلى مجون يصور الحاجة إلى الهرب من هذه الحياة والتخفف من أثقالها، ~~ثم إلى زهد يصور النظر إلى الحياة على أنها جد، ولكنه جد يشيع اليأس في ~~النفوس، ويدفع العاقل إلى أن ينسى حاضره ويتسلى عن يومه ليفكر في غده، وليستعد ~~لما يهيأ له بعد الموت. # ومع هذا كله فقد أخذ العقل الإسلامي يظهر عناية شديدة بالمشكلة الفلسفية الكبرى، ~~مشكلة الاختيار والجبر، وما تستتبع من مشكلة الأمل واليأس، كما أخذ العقل ~~الإنساني يتعمق النظر في شئون الحياة اليومية على اختلاف فروعها، فينكر أكثرها، ~~ولا يكاد يعرف منها إلا القليل. # ونكاد نحس منذ هذا العصر أن التشاؤم قد أخذ ms201 يتصور مذهبا مستقلا له عماده ~~الفلسفي، وله في الوقت نفسه وسائله الأدبية؛ فلم يكن بشار متفائلا، بل لم ~~يكن بشار من التفاؤل في شيء، وإنما كان ساخطا متشائما، يقيم سخطه وتشاؤمه ~~على إخفاقه في إرضاء عقله حين التمس إرضاء هذا العقل في مذاهب الفلاسفة ~~والمتكلمين، فلما لم يظفر بشيء صار إلى هذا الشك البغيض. # وكل ما في الأمر أن التشاؤم يكون باسما أحيانا، وعابسا أحيانا أخرى، وقد ~~يتحول ابتسامه إلى ضحك شيطاني عريض، وقد يتحول عبوسه إلى يأس من كل شيء وقنوط حتى ~~من روح الله، يختلف هذا كله باختلاف المزاج والطبع والبيئة. # وقد كان تشاؤم بشار هادئا باسما أحيانا، وشيطانيا مقهقها في أكثر الأحيان، ~~وليس لهو بشار وتصويره لهذا اللهو فيما روي لنا من شعره إلا مظهرا لهذا التشاؤم، ~~وأحسب أن العابثين من أصحاب بشار كانوا يذهبون مذهبه حين يحسون الإخفاق في إرضاء ~~العقل، وينتهون إلى الشك فيستهزئون بكل شيء، ويسخرون من كل شيء، وينتهزون فرص ~~الحياة. # وما أرى إلا أن حمادا، ومطيعا، ووالبة، وأمثالهم من أصحاب الخلاعة والمجون قد ~~تعرضوا لنفس الأزمة الفلسفية التي تعرض لها بشار، وخرجوا منها على نفس النحو ~~الذي نحاه بشار حين خرج من أزمته. # ومن شباب هذا العصر من تعرض لمثل ما تعرض له بشار، ولكنه لم يخرج من أزمته إلى ~~اللهو والمجون والشك، وإنما خرج منها إلى الجد، فعني بفنون من الحياة يستطيع ~~العقل أن ينتج فيها دون أن يتعرض لمحنة، أو يواجه هذه المشكلات التي لا حل ~~لها، والمؤرخون يحدثوننا عن فقهاء وزهاد عاصروا بشارا وأصحابه، وسلكوا معهم ~~طريقهم الفلسفية، وكادوا يتعرضون لليأس، فشغلوا أنفسهم بالفقه والزهد والنسك ~~عن مواطن الزلل هذه. # ثم يتقدم القرن الثالث، وإذا أمور المسلمين تزداد تعقدا، ويشتد فيها الحرج، ~~وينتشر فيها الاضطراب؛ ثقافة ممتازة تتغلغل إلى بعض طبقات الشعب، وثراء ضخم يزداد ~~انحصاره في أيدي قلة ضئيلة مستأثرة بالحكم، وضعف للسلطان السياسي، وتعمق لمشكلات ~~الفلسفة، وشعور واسع عميق بهذا التفاوت المنكر بين الطبقات، ثم تبرم بهذا ms202 ~~التفاوت، ثم إنكار له، ثم ثورة عليه، وإذا ثورة الزنج توشك أن تثل عرش الخلافة، ~~وأصحاب الأقاليم ينتهزون هذا الضعف فيستقلون بأقاليمهم، والأدباء يرون هذا كله ~~ويفكرون فيه ويتأثرون به، ومنهم من شارك في بعضه، وإذا هم يصورون هذا فيما ~~يقولون من شعر وما يكتبون من نثر. # وقد يكون ابن الرومي مضطرب الأعصاب، فاسد المزاج، قد خلق مهيأ للتشاؤم، ~~ولكن الشيء الذي ليس فيه شك هو أن الحياة من حوله لم تكن تصده عن التشاؤم ~~وتغريه بالتفاؤل، وآية ذلك أنه أنفق حياته متشائما، وأن حياته هذه المظلمة ~~قد انتهت به إلى أن يموت مسموما. # وقد يكون ابن المعتز قوي الأعصاب، معتدل المزاج، قد خلق مهيأ للتفاؤل، ~~وحاول أن يتفاءل، ولكن الشيء الذي لا شك فيه أنه لم يجد في الحياة من حوله ~~ما يغريه بالتفاؤل العميق، وإنما وجد ما يسليه عن هموم الحياة وأحزانها، فتسلى ~~بالشعر والعلم والأدب وشيء من الترف، ثم بدا له ذات يوم أن يواجه الحياة كما ~~تعود بنو أبيه أن يواجهوها؛ فلم يكد يفعل حتى أدركته حرفة الأدب، وقتل قبل أن ~~تتم له البيعة بالخلافة. # ولا يكاد القرن الرابع يظل العالم الإسلامي الشرقي، حتى يكون الكتاب قد بلغ ~~أجله، وحتى تصبح حياة المسلمين في الشرق شرا كلها، لا يتفاءل فيها إلا خفاف ~~العقول، أو الذين انتهى بهم الشك الفلسفي إلى أقصاه؛ فأما الذين لهم حظ من عقل ~~راجح وبصيرة نافذة فمتشائمون؛ لأن كل شيء يضطرهم إلى أن يتشاءموا. # لم تكد ثورة الزنج تخمد حتى ثارت في أعقابها ثورة القرامطة، وإذا اللهب ينتشر ~~في الشرق العربي كله، وفي الوقت نفسه تنشأ دولة الشيعة في شمال إفريقية، ~~ويكاد الشرق الأعجمي ينفصل عن الخلافة انفصالا. # وما ينبغي أن نطيل فيما لا يحتاج إلى الإطالة، فقد كان كل شيء في ذلك العصر ~~يمهد لنشأة الشاعر المتشائم العظيم أبي الطيب المتنبي الذي لم يتشاءم بعقله ~~ولسانه فحسب، وإنما هم أن يتشاءم بسيفه فلم يفلح، وهو على كل حال مؤسس ~~التشاؤم الفلسفي ms203 المنظم في الشعر العربي، أسسه قبل أن يبلغ العشرين، وأتم بناءه ~~قبل أن يدركه الموت؛ نظر إلى الحياة اليومية فضاق بما كان يملؤها من فساد، وضاق ~~بالنظام السياسي والاجتماعي الذي كان يعرض الناس لهذا الفساد، ثم احتقر ~~الناس لأنهم قبلوا هذا النظام أو أذعنوا له، ثم سمت همته المتشائمة إلى ما هو فوق ~~الناس وفوق نظمهم السياسية والاجتماعية، وإذا هو يسأل عن الموت، ويسأل عن ~~الحياة، ويسأل عن الحرية، ويسأل عن الجبر، وإذا هو ينكر الحياة إنكارا ويراها ~~شرا قد أكره الإنسان عليه إكراها. # فلم يكن أبو العلاء إذن تلميذا للمتنبي في فنه الشعري وحده، وإنما كان تلميذا ~~له في تشاؤمه الفلسفي قبل كل شيء، وقد بينت في غير هذا الحديث أن أكثر أصول ~~الفلسفة العلائية المظلمة قد سبق إليه المتنبي، فألم به إلمامات قصيرة دون ~~أن يحاول تفصيله أو تنفيذه. # وجاء أبو العلاء بعد موت المتنبي بعشر سنين، فلم يكد يفقه الشعر حتى قرأ المتنبي ~~وتأثر به، وجعل يلقي على نفسه الأسئلة التي كان يلقيها المتنبي على نفسه، وقد ~~أحاطت بأبي العلاء ظروفه المعروفة، فقاوم التشاؤم ما وجد إلى مقاومته سبيلا، ~~ولكنه لم يبلغ الثلاثين حتى خطا الخطوات العقلية والعملية التي لم يتح ~~للمتنبي أن يخطوها. # وإذا هو يتخذ من التشاؤم عقيدة وسيرة في وقت واحد، وإذا هو يذهب في تشاؤمه نفس ~~المذهب الذي يذهبه كفكا المتشائم الأوروبي الحديث فيما كتب بين الحربين ~~العالميتين؛ فيرى أن نفسه سجينة في جسمه، وأن جسمه سجين في الأرض، أو قل ~~في العالم. # فأبو العلاء يحدثنا بأن الإنسان لا يستطيع أن يأبق من ملك الله، فيخرج من أرضه ~~وسمائه، فنفسه سجينة في جسمه إذن، وجسمه سجين في هذا العالم المحدود مهما تتسع ~~أرجاؤه وتبعد آفاقه؛ فما يمنع أن يجعل هذا السجن الفلسفي حقيقة عملية واقعة، وأن ~~يلزم نفسه سجنا ضيقا لا يعدوه، وأن يعيش في هذا السجن هذه العيشة الغليظة التي ~~يضطر إليها السجناء. # هذا الشعور العلائي هو الذي وجده كفكا وصوره في ms204 كثير من آثاره تصويرا مشابها ~~أشد المشابهة لتصوير أبي العلاء في اللزوميات، وفي الفصول والغايات، ولكنه لم ~~يلزم نفسه دارا ضيقة محدودة كما فعل أبو العلاء. # فأنت ترى من هذا كله أن التشاؤم الفلسفي في الأدب بعيد كل ~~البعد عن أن يكون ظاهرة موقوتة بعصر من العصور، أو مقصورة على جيل من ~~الأجيال، أو محصورة في أمة من الأمم، وأنت ترى أيضا أن ما يسميه الأوروبيون ~~الآن أدبا أسود ليس له من الجدة والطرافة هذا الحظ الذي يتصوره بعض الكتاب ~~الغربيين؛ فقد تشاءم اليونان، وتشاءم الرومان، وتشاءم اليهود، وتشاءم ~~العرب. # ولست أشك في أنك لا تكاد تدرس أدبا من الآداب على اختلافها وعلى اختلاف العصور ~~والبيئات والأجيال إلا رأيت فيه ظلا من التشاؤم قويا أو ضعيفا، ممدودا أو ~~مقبوضا، يختلف هذا كله باختلاف ما لأصحاب هذا الأدب من تعمق الثقافة، ومحاولة ~~لحل المشكلات الفلسفية الخالدة. # ومصدر هذا فيما يظهر أن الفطرة الإنسانية مركبة من عناصر مختلفة يمتاز منها ~~عنصران متناقضان؛ أحدهما: طموح لا حد له يدفعه إلى الأمام. # والآخر: قصور لا حد له يرده إلى وراء أو يقفه في مكان لا يعدوه. # فهو دائما موضوع للنزاع بين هذين العنصرين؛ فإن كان غافلا أو محدود الثقافة ~~قبل الحياة كما هي؛ فاندفع حين تدفعه الظروف، ورجع أدراجه حين تضطره إلى ~~الرجوع، ووقف مكانه حين تكرهه على الوقوف، وإن كان ذكي القلب، نافذ البصيرة، ~~دقيق الحس، بحث واستقصى، وساءل عن مكانه من هذين العنصرين اللذين يتجاذبانه، وساءل ~~كذلك عن حريته أو عن حظه من الحرية التي تتيح له إن أراد أن يستجيب للعنصر ~~الذي يقوده إلى أمام، أو أن يستسلم للعنصر الذي يرده إلى وراء، أو أن يثور على ~~العنصرين جميعا فيمضي كيف يشاء وحيث يشاء؛ ولا يكاد يسأل عن هذا الحظ من الحرية ~~حتى يدركه التشاؤم؛ لأنه يرى أن هذه الحرية محدودة بحدود لا سبيل إلى ~~تجاوزها، منها ما يأتي من الطبيعة، ومنها ما يأتي من الجماعة، وهو قد يحاول ~~الثورة على ms205 هذه الحدود أو تلك، ولكنه يرد آخر الأمر مخذولا مدحورا. # وقد لاحظ أبو العلاء كما لاحظ المتشائمون من قبله ومن بعده أنه دفع إلى الوجود ~~دون أن يستأمر أو يستشار، وأنه يدفع إلى الموت دون أن يستأمر أو ~~يستشار أيضا؛ فسأل نفسه وسأل غيره، كما سأل المتشائمون من قبله ومن بعده: لماذا ~~دفع إلى الحياة؟ ولماذا يدفع إلى الموت؟ وما الذي يراد منه بين الحياة والموت؟ ~~وما الذي يراد به بعد أن يموت؟ وهو لم يتلق على هذه الأسئلة جوابا يرضي عقله ~~ويشفي حاجته إلى الوضوح، فوقف موقف الحائر الذي يضيق بكل شيء، ويضيق بنفسه قبل ~~كل شيء؛ لأنه لا يفهم علة ولا غاية لشيء من الأشياء. # وقد أراد أبو العلاء أن يمتحن حريته ليعرف أحق هي أم باطل؟ ففرض على نفسه ~~ألوانا من الشدة المادية والفلسفية والفنية، وخيل إلى نفسه أنه إن احتمل هذه ~~الشدة وصبر لها كما ينبغي فقد يدل ذلك على أن له من الحرية حظا، ولكنه لم يكد ~~ينفق أعواما في احتمال هذه القيود التي فرض على نفسه وتمرن على احتمالها، حتى شك ~~في حريته، ثم استيأس منها، ثم اعتقد أنه دفع إلى هذه القيود بنفس القوة ~~القاهرة التي دفعته إلى الحياة، والتي تدفعه إلى الموت. # وقد يتاح لي، وقد يتاح لغيري من الدارسين لأبي العلاء، أن نستقصي أصول فلسفته ~~المتشائمة، وأن نوازن بينها وبين فلسفة المتشائمين المحدثين، وأكبر الظن ~~أننا سنصل إلى نفس النتيجة التي وصلنا إليها حين وازنا بين الفلسفة العلائية ~~المتشائمة، وبين فلسفة المتشائمين القدماء، وهي أن المحدثين لم يكادوا يزيدون ~~على أصول الفلسفة العلائية شيئا، ولكنهم زادوها تفصيلا وتوضيحا، كما أن أبا ~~العلاء لم يزد على فلسفة المتشائمين القدماء شيئا، وإنما وضح منها الغامض، ~~وفصل منها المجمل، أتيح له من الثقافة والتجربة ما لم يتح للذين سبقوه، كما ~~أتيح للمتشائمين المحدثين من الثقافة والتجربة ما لم يتح لأبي ~~العلاء. # فالمشكلات التي تدفع إلى التشاؤم واحدة على اختلاف العصور والأجيال والبيئات، ~~ولكن الوسائل ms206 التي تتخذ لمواجهتها ومحاولة حلها، هي التي تختلف باختلاف ~~حظ العقل من الرقي ونفوذه إلى أسرار الطبيعة ودقائق الحياة، والغريب أن هذه ~~المشكلات لم تزل قائمة لم تجد لها الإنسانية حلا على اختلاف ما أتيح للإنسانية ~~من رقي العقل، وتقدم العلم، واتساع المعرفة، واختلاف وسائل البحث ~~والاستقصاء. # ومن يدري! لعل من الخير أن تظل هذه المشكلات غامضة ملتوية لا سبيل إلى حلها؛ فأقل ~~ما لهذا الغموض من المزايا أنه أنتج لنا هذه المحاولات الرائعة، وأتاح لنا هذه ~~الآداب الرفيعة التي نفزع إليها كلما ضقنا بالحياة أو ضاقت بنا الحياة، ونفزع ~~إليها كلما غرتنا الأماني وكادت الآمال تخدعنا عن أنفسنا، وكاد رقي الحضارة ~~يورطنا في البطر والأشر. # فنحن محتاجون إلى أن نسعى، وإلى أن نتقدم مبطئين ومسرعين، ولكنا في الوقت نفسه ~~محتاجون إلى عاصم يعصمنا من الغرور، ويمسكنا أن نندفع في إيماننا بأنفسنا ~~إلى غير حد، ولست أدري إلى أي تهور تندفع الإنسانية، لو أنها وجدت لهذه ~~المشكلات حلولا نهائية مقنعة يطمئن إليها الناس جميعا. # أكبر الظن أن الإنسانية إن أتيحت لها هذه الحلول فستضطر إلى حياة راكدة ~~خامدة، لا طائل فيها ولا غناء. وما قيمة الحياة إذا خلت من الإشفاق والخوف، ~~ومواجهة المشكلات ومحاولة التخلص منها، وإلقاء الأسئلة والتماس الأجوبة ~~لها! وأي غناء في هذه الجماعات الحية الميتة التي وجدت لكل مشكلة حلا، ولكل سؤال ~~جوابا، واطمأنت إلى حظ من العلم التقليدي المغلق الذي يتعرض للنقص ولا يتعرض ~~للزيادة! والغريب أن التجارب تمر بالناس، وأن العصور تختلف عليهم، وأن ~~الرقي يتاح لهم، وأنهم يظفرون بالتقدم بين حين وحين، ولكنهم على ذلك كله يقفون ~~من الفلسفة المتشائمة مواقف متشابهة على ما بين الأجيال والعصور من ~~الاختلاف. # فقد ضاق القدماء بتشاؤم أبيقور، واشتد نقدهم له ونعيهم عليه، وضاق المسلمون بتشاؤم ~~أبي العلاء؛ فأكفره منهم من أكفره، ولا يزال كثير منهم إلى الآن يرى تشاؤمه ~~شرا، ويخاف منه على نشاط الأفراد والجماعات، وقد تعرض المتشائمون الأوروبيون ~~لمثل ما تعرض له أبيقور وأبو العلاء، ms207 فضاق بهم من ضاق وأنكرهم من أنكر، وخيف من ~~تشاؤمهم على عقول الناس، وعلى نشاط الأفراد والجماعات، وعلى إيمان الشباب ~~بالحياة، وما ينبغي أن يملأ قلوبهم من الأمل والثقة بالنفس. # ولعل الذي حملني على إملاء هذا الحديث الطويل إنما هو من جهة مظهر من مظاهر ~~الفلسفة الحديثة في التشاؤم، ومظهر من مظاهر المقاومة لهذه الفلسفة من جهة أخرى؛ ~~فقد يخيل إلي أن أوربا لم تشهد قط موجة تشاؤم كهذه الموجة التي كانت ~~تلاعبها بعد الحرب العالمية الأولى، والتي طغت عليها طغيانا جارفا في هذه ~~الأيام. # وهذا التشاؤم الأوروبي الحديث هو الذي أنتج ما يسميه الفرنسيون في هذه الأيام ~~بالأدب الأسود، والحق أن هذا الأدب مختلف أشد الاختلاف، متنوع أشد ~~التنوع، كما كان أدب أبي العلاء مختلفا متنوعا. # فقد عرض أبو العلاء علينا تشاؤمه شعرا ونثرا، وعرضه علينا فلسفة ووعظا، وعرضه ~~علينا نقدا للسياسة والاجتماع، ونقدا للأخلاق والديانات، وعرضه علينا واقعا ~~وخيالا، ومن يدري! لعله عرضه في ضروب أخرى من الفن لم تصل إلينا؛ ~~لأنا لم نحفظ من أدب أبي العلاء إلا القليل. # والأدب الأوربي مختلف على هذا النحو، تراه يعرض فلسفة يسلك فيها طرق ~~الفلاسفة، وتراه يعرض تمثيلا يشهده النظارة في الملاعب، وتراه يعرض قصصا منها ~~الواضح الجلي، ومنها الغامض الرمزي، ومنها ما يكون بين ذلك فيه كثير من الوضوح ~~وفيه كثير من الغموض. # وقد أنفقت أكثر الوقت الذي قضيته في باريس معاشرا لطائفة من هؤلاء الأدباء السود، ~~لم ألق منهم أحدا، ولكني قرأت لهم كثيرا، ووجدت في قراءتهم اللذة العليا ~~أحيانا، والضيق الشديد أحيانا أخرى، والاشمئزاز الذي تنقبض له النفس في كثير من ~~الظروف، وقد تعودت والحمد لله بفضل أبي العلاء أن أعاشر المتشائمين، فلا أضيق ~~بتشاؤمهم لأنه مظلم، أو لأنه يسيء رأي الناس في الحياة. # ولكن عند الكتاب الأوروبيين والأمريكيين لونا من التشاؤم بغيضا حقا لا أدري ~~أيرفع الأدب أم يخفضه، وقد كدت أملي لا أدري أيتصل بالأدب أم يبعد عنه أشد ~~البعد. # فمن التشاؤم الحديث ما يحاول ms208 عرض الحياة الإنسانية الواقعة كما هي، يصورها في ~~أبشع صورها، ويعرض عنها لأشياء لم يكن الأدب يعرض لها من قبل إلا عند القدماء ~~من اليونان والرومان والعرب، وقد كنا نظن أن الأدب العالمي الحديث قد استطاع أن ~~ينقي نفسه من هذه الأوضار ويرتفع بها عن هذه النقائص، وكنا نلتمس للقدماء ~~العذر، ونجد هذا العذر في أنهم كانوا قدماء لم يبلغوا من الحضارة ومن ترف ~~العقل والشعور ما بلغه المحدثون. # ولكن الأدباء المتشائمين في هذا العصر يريدون أن يصوروا الواقع، فلا ~~يصدهم عن تصوير هذا الواقع شيء، ولا يجدون في صدورهم حرجا من أن ~~يصوروا أشياء يريد الإنسان المتحضر عادة أن يخفيها على نفسه، ويكفي أن ~~ينظر القارئ في آثار جان بول سارتر الفرنسي، وفي آثار ميلر الأمريكي، ليبغض هذا ~~النوع من الأدب الذي لا يعتمد على فن مترف، ولا يتجه إلى ذوق مرهف، وإنما هو ~~أدب غليظ يصور حياة غليظة، ويتجه إلى عقول لا تحفل بالذوق، ولا بالفن، ولا ~~بالشعور. # وهناك أدب متشائم ولكنه رفيع؛ لأنه لا ينحط إلى تصوير الطبيعة الغليظة، ولا ينزل ~~إلى تصوير الغرائز الجامحة، وإنما يصور الواقع من حياة الناس في غير ~~مظاهرها البشعة، كما يصورها غفلة الغافل، وعقل العاقل، وموقف هذا وذاك من ~~المشكلات الفلسفية والسياسية والاجتماعية العليا. # وأنت تجد هذا عند جان بول سارتر نفسه، وإن كان يؤذيك ما تفجأ به بين حين وحين من ~~هذا الأدب الغليظ الذي تزور عنه النفس وينبو عنه الذوق، وأنت تجد هذا عند ~~ألبير كامو حين يعرض عليك تشاؤمه قصصا وتمثيلا وفلسفة، وأنت تجد هذا عند كفكا ~~حين يعرض عليك تشاؤمه في قصصه الرمزي الغامض الرفيع، وفي خواطره التي تملأ يومياته ~~فلسفة وفنا. # فهذا هو مظهر الاختلاف في الأدب الأسود الحديث؛ فأما مظهر المقاومة لهذا الأدب ~~الأسود فيشهد من يقرأ الصحف والمجلات الفرنسية، وربما كان من أطرف أشكاله هذا ~~الحوار الذي اتصل بين الشيوعيين، أو قل بين اليساريين من جهة، والمعتدلين من جهة ~~أخرى، حول آثار كفكا أتحرق ms209 أم لا تحرق، وواضح جدا أن الإحراق هنا ليس إلا ~~رمزا؛ فالمسألة التي يختلف فيها الأدباء الفرنسيون واليساريون والمعتدلون هي ~~هذه: أتباح قراءة كفكا للشباب أم تحظر عليهم؟ # فأما المعتدلون فيؤثرون الحرية على كل شيء ويثقون بقدرة الشباب على ~~مقاومة ما يشيع في آثار هذا الكاتب من اليأس الذي يثبط الهمم، ويفل العزائم، ~~ويميت القلوب، وقد يدفع إلى الانتحار. وأما اليساريون فيرون أن الحياة أمل ~~كلها، وأن تحقيق الآمال محتاج إلى الإيمان لا إلى الشك، وإلى الإقدام لا إلى ~~الإحجام، وإلى العزم الصادق والهم البعيد، وهم من أجل ذلك يشفقون على الشباب من ~~هذا الأدب الأسود الذي يجعل الحياة كلها سوادا. # وواضح كذلك أن الكلمة الأخيرة ستكون للحرية دائما؛ فلم تفلح قوة من القوى ~~في محاربة الرأي، ولم تستطع النار مهما تكن مضطرمة شديدة الالتهاب أن ~~تحرق كتابا، وهي قد تحرق ورقا وحبرا، ولكن الدخان الذي يثور من هذا الحريق ~~يضاعف الإغراء بالقراءة، ويملأ القلوب فتونا بهذه الكتب التي حرقت ولكن لم ~~تمس روحها النار. # ولست أعرف إغراء بالأدب أقوى من محاربته، ولست أعرف إحياء للرأي أقوى من ~~اضطهاده؛ فلن يحرق كفكا، ولن تحرق آثار جان بول سارتر، وإن كانت آثار هذين ~~الكاتبين قد دفعت بعض الشباب إلى الانتحار، ودفعت بعضهم إلى اقتراف الجرائم، ~~ولن يكون القرن العشرون شرا من القرن الثامن عشر والتاسع عشر؛ فالناس يعلمون ~~أن قصة ڤرتر قد دفعت غير واحد من الشباب إلى الموت، ولكنها لم تحرق، ولم تحظر ~~على القراء، والشباب يقرءونها الآن أو يشهدونها في ملاعب التمثيل، فلا تلقي ~~في نفوسهم يأسا، ولا تحبب إليهم الموت، وإنما ترسم على ثغورهم ابتسامات لعلها لا ~~تخلو من بعض السخرية. # وكذلك يقاوم الأدب الأسود الحديث كما كان يقاوم الأدب الأسود القديم. # ولكنك توافقني بعد هذا الحديث الذي طال حتى بلغ الإملال على أن التشاؤم الأوروبي ~~الحديث كغيره من التشاؤم القديم، قد أنشأته ظروف متشابهة فخرج متشابها في أصوله ~~وصوره ونتائجه وموقعه من نفوس الناس. # وإذا كان لهذا ms210 الحديث كله مغرى يحسن أن أقف عنده، وأن أتمنى أن يتنبه إليه ~~الأدباء المحدثون، والقراء المحدثون أيضا، فهو أن الأدب الحديث مهما ~~يختلف ومهما تتباين صوره، ليس إلا امتدادا واستمرارا للآداب القديمة، وأن ~~الرقي الأدبي الصحيح محتاج إلى ألا يقطع الأدباء والقراء صلتهم بالقديم؛ ذلك ~~أحرى أن يعصمهم من الغرور، ويحميهم من أن يظنوا بأنفسهم الإعجاز والابتكار، على ~~حين أنهم قد أضافوا الشيء الكثير إلى ما ترك القدماء، ولكنهم لم يعجزوا ولم ~~يبتكروا، وإنما جهلوا إنتاج من سبقهم فغلوا في تقدير أنفسهم غلوا شديدا. ورحم ~~الله أبا العلاء؛ فقد كان شابا في أكبر الظن حين قال: # وإني وإن كنت الأخير زمانه # لآت بما لم تستطعه الأوائل # | بين العدل والحرية # مسألة واحدة تلقى في كل مكان متحضر وفي كل بيئة مثقفة، يلقيها بعض الناس على ~~بعض، ويلقيها الأفراد على أنفسهم عن إرادة وتعمد واختيار حينا، وعلى غير ~~إرادة ولا شعور ولا اختيار حينا آخر. # يلقيها بعض الناس على بعض ويلقيها الأفراد على أنفسهم، عامدين إلى الدرس ~~والتحليل، محاولين أن يجدوا لها جوابا، شاعرين بذلك مريدين له، وتلقيها الحياة ~~العاملة على الأفراد والجماعات في كل لحظة وعند كل فرصة، ويعجز الناس في كثير من ~~الأحيان عن أن يجدوا لها حلا حاسما حازما، أو جوابا قاطعا ساطعا. # وهم من أجل ذلك يضطربون في حيرة متصلة، تظهر آثارها واضحة في أقوالهم حين يتحدثون، ~~وفي أعمالهم حين يعملون. # أيمضي العالم إلى تحقيق العدل أم إلى تحقيق الحرية؟ هذه هي المسألة، أو قل هي ~~المشكلة التي ألقاها القرن التاسع عشر على بعض العقول في أوروبا، والتي جعلت ~~تتسلط على هذه العقول قليلا قليلا حتى شغلتها واستأثرت بها، ثم تجاوزتها إلى ~~عقول أخرى، ثم جعلت تتنزل شيئا فشيئا من الطبقات المفكرة الممتازة إلى ~~الطبقات الوسطى ثم إلى الطبقات الدنيا، ثم استأثرت بالتفكير السياسي كله في ~~أواخر القرن الماضي حتى انقسمت لها أوروبا شيعا وأحزابا. # ثم عظم استئثارها بالحياة الأوروبية في أوائل هذا القرن، ولا سيما في أعقاب ms211 الحرب ~~العالمية الأولى، حتى اضطربت لها أوروبا اضطرابا شديدا، واضطرب لها العالم خارج ~~أوروبا اضطرابا شديدا أيضا، كان من آثاره أن ثارت الحرب العالمية الثانية، ~~وصبت على العالم ما صبت من الشر والهول. # وقد انتهت الحرب العالمية الثانية كما انتهت الحرب العالمية الأولى دون أن تجد ~~إحداهما جوابا لهذه المسألة أو حلا لهذه المشكلة، وإنما كانت نتيجة الحربين ~~أن المسألة ظلت قائمة ولكنها ازدادت شدة وإلحاحا، وأن المشكلة ظلت قائمة ولكنها ~~ازدادت صعوبة وتعقيدا، والله وحده يعلم أيحتاج العالم إلى حرب ثالثة لتجيب عن ~~هذه المسألة وتحل هذه المشكلة، أم يستطيع السلام المنظم أو غير المنظم أن يخرج ~~الإنسانية من حيرتها ويسلك بها إحدى الطريقين: طريق الحرية أو طريق ~~العدل. # ومن الخطأ أن نظن أن هذه المسألة حديثة لم يعرفها الإنسان إلا حين ألقاها ~~القرن التاسع عشر، وإنما هي مسألة قديمة عرفها الإنسان منذ عصور بعيدة جدا، ~~وقد يستطيع الفلاسفة الذين يدرسون التاريخ ويحللونه أن يستقصوا أصل هذه المسألة، ~~وأن يتتبعوا تطورها منذ فرضها العقل على الإنسان المتحضر فيما يسمونه فجر ~~التاريخ. # وليس من شك في أن الفلاسفة قد فعلوا فدرسوا الحضارة منذ نشأتها، واستقصوا أمر ~~الصراع بين الحرية والعدل في أطوار الرقي الإنساني على اختلافها، ثم انتهوا ~~إلى ما انتهى إليه العالم الآن من هذه الحيرة المتصلة والاختلاط الشديد: فمنهم من ~~آثر الحرية؛ لأنها تحقق كرامة الإنسان، وتتيح له أن يكمل نفسه ويظفر بشخصيته ~~موفورة تامة. # وفريق منهم آثر العدل لأنه يرضي حاجة الإنسان إلى المساواة، ويتيح له حظا من ~~الإنصاف يعصمه من استعلاء القوي على الضعيف، وتحكم الغني في الفقير، وتفوق ~~القادر على العاجز. وفريق آخر حاول أن يلائم بين العدل والحرية، فلم يبلغ من هذه ~~المحاولة شيئا ذا خطر؛ لأن العدل المطلق والحرية المطلقة لا يستطيعان أن ~~يلتقيا إلا إذا قيدت الحرية وقيد العدل، وانتقص كلاهما من أطرافه فشوه خلقه ~~تشويها ما، هنالك يستطيعان أن يلتقيا لقاء لا يخلو من تشويه تتأثر به الحياة ~~الإنسانية نفسها، فتدفعها ms212 الحرية إلى العمل والنشاط، ويدفعها حب العدل إلى ~~الاختلاف والاختصام، وتنتهي إلى هذا التطور الذي نشهده الآن كما شهدناه في العصور ~~المختلفة، والذي يبث فيها العداوة والبغضاء ويملؤها شرا ومكرا وكيدا، ثم ~~يدفعها حينا بعد حين إلى حرب من هذه الحروب التي لا تبقي ولا تذر، والتي ~~تزداد على مر الأيام بشاعة ونكرا. # ومن الخطأ كذلك أن نظن أن هذا الصراع بين الحرية والعدل مقصور على بيئة إنسانية دون ~~بيئة، أو على مكان من العالم المتحضر دون مكان، وإنما الواقع الذي نستطيع أن ~~نلاحظه في كل وقت هو أن هذا الصراع قائم في البيئات الإنسانية المثقفة كلها، وفي ~~أجزاء العالم المتحضر كلها أيضا، يقوى ويعنف حيث ترقى الحضارة وتتفوق، ويضعف ~~وتخف وطأته حيث تركد الحضارة وتميل إلى الخمود، ولكنه موجود دائما ومتصل على ~~كل حال. # ويكفي أن ننظر إلى العالم المتحضر الذي نعيش فيه اليوم لنتبين أن الصراع بين ~~الحرية والعدل عنيف إلى أقصى غايات العنف في أوروبا وأمريكا، وأن عنفه في ~~هاتين القارتين أشد منه في القارات الأخرى، وإن كان يختلف قوة وضعفا باختلاف ~~الأمم والشعوب. # وليس المهم أن ندرس هذا الصراع بين العدل والحرية درسا مفصلا مستقصى، فذلك ~~شيء لا سبيل إليه بل لا حاجة إليه الآن، وإنما المهم أن نلاحظ مظاهر هذا ~~الصراع في أوروبا وأمريكا وفي بلاد الشرق الأدنى خاصة، لنتبين إلى أي طريق نحن ~~مسوقون، وإلى أي غاية نحن مدفوعون. # وليس من شك في أن إلغاء المسافات في الزمان والمكان قد جعل شرقنا الأدنى متصلا ~~بأوروبا وأمريكا اتصالا يوميا دقيقا، بحيث لا نستطيع أن نفلت، مهما نحاول ~~ذلك، من التأثر بما يحدث في هاتين القارتين من الأحداث والخطوب، وما يثار فيهما ~~من المصاعب والمشكلات. # ومن المحقق أن الشرق الأدنى لو استؤمر حين أثيرت الحرب العالمية الأولى لآثر ~~العافية، ولتمنى أن يلتزم هذه الحيدة التي تجنبه أخطار الحرب وأهوالها، ولكنه لم ~~يستأمر ولم يكن من الممكن أن يستأمر؛ لأنه كان ميدانا من ميادين الحرب ~~وغرضا من ms213 أغراضها، وهو كذلك لم يستأمر حين أثيرت الحرب العالمية الثانية، ولم ~~يكن من الممكن أن يستأمر؛ لأنه كان ميدانا من ميادين الحرب وهدفا من أهدافها، ~~وأكبر الظن أنه لن يستأمر إذا أثيرت حرب عالمية ثالثة؛ لأنه سيكون من أهم ميادين ~~الحرب ومن أعظم أغراضها خطرا. # فينبغي للشرق الأدنى إذن أن يوطن نفسه على أنه جزء من هذا العالم المتحضر ~~الحديث الذي يضطرب أشد الاضطراب بهذا الصراع العنيف المتصل بين الحرية ~~والعدل، متأثر سواء أراد أو لم يرد بهذا الصراع وبما يكون له من أثر في الحياة ~~السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والخير أن يوطن نفسه على ذلك وإن لم يعد له ~~عدته، وأن يقبل عليه مريدا لهذا الإقبال لا مكرها عليه إكراها. ولم يخطئ ~~الشاعر حين قال: # إذا لم يكن إلا الأسنة مركب # فلا رأي للمضطر إلا ركوبها # وليس للشرق الأدنى بد من أن يركب هذه الأسنة، فإذا أراد أن يحيد عنها أو أن يتجنب ~~ركوبها، فلن يجد إلى ذلك سبيلا، وحسبه أن يعلم أن هذا ليس مقصورا عليه، ~~وإنما هو المصير المحتوم لكل جزء من أجزاء العالم بعد أن ألغيت مسافات الزمان ~~والمكان . # والناس يقولون في كثير من الصواب: إن العالم الآن موضوع للنزاع بين قوتين ~~عظيمتين تريد كل منهما أن تسيطر عليه وتنشر فيه سلطانها، وتخضعه لما يقتضيه ذلك ~~من مذاهبها في السياسة ونظمها الاجتماعية المختلفة، وهاتان القوتان قد تعاونتا ~~أثناء الحرب العالمية الثانية، فاتفقتا ما ظلت الحرب قائمة حتى كسبتا النصر، ثم ~~لم تستطيعا أن تمضيا في الاتفاق فعجزتا عن تنظيم السلم. # وقد انتهت الحرب في أوروبا منذ عام وبعض عام، وما زال المنتصرون عاجزين عن أن ~~يقروا السلم وينظموه؛ لأنهم عاجزون عن أن يتفقوا فيما بينهم، وليس الخلاف بينهم ~~مقصورا على تقسيم الغنائم وتوزيع الأسلاب، ولكنه أبعد من ذلك مدى وأشد من ذلك ~~عنفا؛ لأنه يتجاوز الدول المنتصرة نفسها لما تملك من حول وطول ومن قوة وأيد، ~~إلى الشعوب التي تمثلها هذه الدول. # فالشعوب نفسها مختلفة فيما بينها ms214 أشد الاختلاف، يريد بعضها أن يسلك طريق الحرية ~~على أن يكون العدل تابعا للحرية لا متبوعا، ويريد بعضها الآخر أن يسلك طريق ~~العدل على أن تكون الحرية نافلة تتحقق إن سمح العدل بتحقيقها، ويضحى بها إذا لم ~~يكن بد من التضحية بها في سبيل العدل الشامل والمساواة الكاملة بين الناس. # ثم تختلف الشعوب في حياتها الداخلية نفس هذا الاختلاف بين الدول، فتكون فيها ~~الأحزاب المتباينة التي يذهب بعضها مذهب الحرية الكاملة، ولا يتردد في التضحية ~~بالعدل إذا اقتضت الحرية هذه التضحية، ويذهب بعضها مذهب العدل الشامل، ولا يتردد ~~في إهدار الحرية إذا اقتضى تحقيق العدل إهدارها. # وكذلك يشهد العالم هذا المنظر الرائع الغريب: دول تختلف فيما بينها تختصم حول ~~الحرية والعدل، وأحزاب تختلف فيما بينها تصطرع حول الحرية والعدل، وأفراد يختلفون ~~فيما بينهم يتمارون في الحرية والعدل. # والحياة تمضي متعثرة في طريقها لا تكاد تخطو خطوات إلى أمام حتى تضطر إلى أن ~~تنحرف إلى يمين أو إلى شمال، وقد تضطر أحيانا إلى أن ترجع القهقرى، وتعيد للناس ~~نظما كانوا يظنون أنها قد ذهبت إلى غير رجعة ومضت إلى غير مآب. # وقد يبلغ من اضطراب الشخص الواحد أن يذهب إلى مذهب الحرية إذا أصبح، فلا يكاد يمسي ~~حتى يذهب مذهب العدل، وقد يبلغ من اضطراب الشعب الواحد أيضا أن ينحرف اليوم إلى ~~يمين ليؤيد الحرية، فإذا كان الغد انحرف إلى شمال ليؤيد العدل، وهو بهذا التذبذب ~~بين اليمين والشمال لا يحقق حرية ولا عدلا، وإنما يمضي في الاضطراب ويغرق في ~~الارتباك إلى أذنيه، وقد يغرق معه أمما وشعوبا أخرى؛ لأنها خاضعة له أو متأثرة ~~به قليلا أو كثيرا. # هذه كلها حقائق يسيرة قريبة يلاحظها الإنسان حين يقرأ صحف الصباح، وحين يقرأ صحف ~~المساء، وكل ما في الأمر أنه ينظر إليها نظرة سريعة غير متعمقة ولا مستأنية، ~~ينظر إليها كما ينظر إلى أحداث الحياة اليومية التي يغيرها مر الغداة وكر ~~العشي. # فالشعب الإنجليزي مثلا حين تخلص من سلطان المحافظين في العام الماضي ms215 وألقى بمقاليد ~~الأمر إلى العمال، لم يزد على أن انحرف من طريق الحرية المحافظة إلى الشمال حيث ~~العدل، أو قل - إن شئت - حيث الطموح إلى العدل، وحيث التضحية، أو قل - إن شئت - ~~حيث الاستعداد للتضحية بكثير من حرية الفرد والجماعة في سبيل تحقيق هذا العدل، ~~ولكن الشعب الإنجليزي نفسه حين يضطر حكومة العمال إلى أن تلتزم سياسة محافظة ~~خارج بريطانيا العظمى، فلا تفرط في شيء من مستعمراتها، ولا تتخلى عن قليل من ~~مصالحها في البلاد التي تخضع لنفوذها قليلا أو كثيرا، وإنما تستمسك ~~بالإمبراطورية كما تلقتها من حكومة المحافظين، وتحافظ على مصالحها في أقطار ~~العالم كله على نفس النحو الذي كان يصطنعه المحافظون، أقول: إن الشعب البريطاني ~~حين يضطر حكومة العمال إلى أن تسلك هذه الطريقة لا يزيد على أن يتراجع فينحرف من ~~شمال إلى يمين، ويضحي بشيء من العدل ليستبقي حريته تلك التي أتاحت له أن يستذل ~~ويستغل جزءا عظيما من الأرض. # والشعب البريطاني حين يتخلص من سلطان المحافظين ويجعل أمره إلى العمال، ويتيح ~~لرئيس وزرائه ووزير خارجيته أن يتحدثا عن حق الشعوب في تقرير مصيرها، وعن حق ~~العالم في أن يخلص من الاستعباد والاستبداد، يخطو خطوة إلى الشمال في سبيل العدل ~~الدولي، ولكنه لا يلبث أن يعود أدراجه ويخطو خطوة إلى يمين في سبيل الاحتفاظ ~~بحريته القديمة التي كانت تتيح له أن يتحكم في مصير الشعوب، وإذا هو يذهب في ~~سياسته مع اليونان ويوجوسلافيا نفس المذهب الذي كان يذهبه المحافظون. # وهذا الشعب البريطاني نفسه يخطو خطوة إلى شمال حين يعلن رئيس وزرائه ووزير خارجيته ~~أنه يريد الجلاء عن مصر بلا قيد ولا شرط، ثم لا يلبث أن يعود أدراجه بتأثير ~~المحافظين، وإذا هو يشترط للجلاء شروطا تلغيه، ويقيده بقيود تمنعه من الحركة ~~والنشاط؛ لأنه يضحي بالعدل الدولي في سبيل حريته التي تتيح له أن يتحكم في مصير ~~مصر، فلا يجلو عنها إلا حين يريد وبالشروط والقيود التي يريد أن يعرضها. # وهذا الشعب البريطاني نفسه يخطو خطوات إلى الشمالي ms216 حين «يؤمم» طائفة من المرافق ~~البريطانية، ثم يتردد ويتراجع حين يعرض لتأميم طائفة أخرى من المرافق، يلغي حرية ~~الأفراد والجماعات في سبيل العدل، ولكنه يلغيها بمقدار لأنه لم يؤمن بالعدل ~~إيمانا كافيا، ويحتفظ بهذه الحرية للأفراد والجماعات بالقياس إلى بعض المرافق ~~الأخرى؛ لأنه لم يؤمن بالعدل إيمانا كافيا أيضا؛ فهو مذبذب بين الطموح إلى ~~العدل والاحتفاظ بالحرية، وكل المصاعب التي يلقاها وكل المشكلات التي تأتلف منها ~~حياته إنما تأتيه من هذا التذبذب بين العدل الذي يقتضيه التضحية بحرية التسلط على ~~الأمم والشعوب والتحكم في مصير الدول والأقطار، وبين الحرية التي تحتفظ له بالقدرة ~~على أن يتحكم في مصير هذه الأمم والشعوب. # والشعب الفرنسي يذهب هذا المذهب نفسه، فهو يتذبذب بين الحرية والعدل، يقبل على ~~انتخاباته العامة في أكتوبر الماضي فيندفع اندفاعا قويا إلى شمال، ويؤلف ~~الكثرة في جماعته التأسيسية من الشيوعيين والاشتراكيين، وإذا هو يؤمم طائفة من ~~مرافقه، ثم لا يلبث أن يأخذه الخوف ويملكه الذعر، وإذا هو يرفض الدستور الذي وضعته ~~له هذه الجماعة التأسيسية الشمالية، فإذا طلب إليه أن ينتخب جماعة تأسيسية أخرى ~~انحرف إلى يمين فألف كثرتها من المعتدلين وجعل اليساريين لهم تبعا أو شيئا يشبه ~~التبع، ودل بذلك على أنه يريد العدل ولكن بمقدار، ويحرص على الحرية أكثر مما ~~يحرص على أي شيء آخر. # وقد أنسى أشياء كثيرة قبل أن أنسى حديثين دار أحدهما بيني وبين رجل من عامة الشعب ~~في مارسيليا قبل رفض الدستور بيوم واحد؛ فقد قال لي هذا الرجل إنه سيرفض الدستور ~~إذا كان الغد لأنه لا يريد دستورا يساريا، ولكنه سيصوت لليساريين بعد ذلك؛ ~~لأنه يريد الإصلاح الاجتماعي، ولا يريد برلمانا رجعيا أو حكومة مسرفة في ~~الاعتدال. # ودار الآخر بيني وبين أستاذ من أساتذة السوربون في باريس بعد أن رفض الدستور ~~بيومين، وهذا الأستاذ يساري الميل متطرف في حبه لليسار، ولكنه رفض الدستور ~~مع أصحاب اليمين، فلما كلمته في ذلك قال: نعم؛ رفضت الدستور لأني لا أريد أن أخضع ~~للرقابة فيما أنشر ms217 من الكتب وما أذيع من الفصول وما ألقي من الدروس والمحاضرات. ~~فهو إذن يريد العدل، ولكن بشرط ألا يقيد هذا العدل حريته حين يكتب أو ~~يقول. # وصاحب الصناعة يستطيع أن يقول كما قال هذا الأستاذ نفسه، رفض الدستور اليساري لأنه ~~لا يريد أن يخضع للرقابة فيما تنتج مصانعه وفيما تغل عليه من ربح، وكذلك ~~يتردد الفرنسيون كما يتردد جيرانهم البريطانيون بين العدل والحرية؛ يطمحون ~~إلى العدل ولكنهم يخافون منه إذا كمل وشمل كل شيء، ويحرصون على الحرية ~~ولكنهم لا يكرهون تقييدها حين تضطرهم الظروف إلى ذلك. # وقل إن شئت إنهم يؤثرون الحرية على كل شيء، ولا يضحون بقليل منها إلا ليحتفظوا ~~بما يستطيعون أن يحتفظوا به؛ فهم يتحدثون عن العدل كما كان مستر تشرشل يتحدث عن ~~استقلال الشعوب أثناء الحرب. # يتحدثون عن العدل على أنه من هذه المثل العليا التي يتوق الإنسان إليها ~~ويجد في تحقيقها، ولكنه لا يبلغها لأنها من الظرف واللطف والأناقة بحيث تحسن ~~الدلال وتمتنع على الطامحين إليها والطامعين فيها، تغريهم بنفسها وتدعوهم إلى ~~محاسنها، ولكنها تنأى عنهم كلما دنوا منها، وتتركهم يتمثلون قول جميل ~~لبثينة: # ومنيتني حتى إذا ما ملكتني # بقول يحل العصم سهل الأباطح # تناءيت عني حين لا لي حيلة # وغادرت ما غادرت بين الجوانح # وهم يحبون من المثل العليا هذا التدلل والامتناع، وهم يستمتعون بلذة هذه النار ~~التي تضطرم بين جوانحهم وتحرق قلوبهم شوقا إلى العدل، وهم يكرهون أن تخمد ~~هذه النار وأن تبرد جوانحهم، وأن يبلغوا العدل فيطمئنوا إلى أنهم ~~بلغوه. # وهم يحبون الحرية على نحو آخر، يحبون أن يأخذوها بين أيديهم ويضموها إلى ~~صدورهم ويستمتعوا منها بأعظم حظ ممكن، لا ينالون منها حظا إلا طمعوا في حظ أعظم ~~منه، ولا يفقدون منها شيئا إلا تقطعت قلوبهم عليه حسرات. # ذلك لأن هناك فرقا خطيرا جدا بين الاستمتاع بالحرية والاستمتاع بالعدل؛ ~~فالاستمتاع بالحرية يثير هذه اللذة المتعبة؛ لأنه يدفع إلى العمل والنشاط، ~~ويغري بالكد والجد، ويمنع الإنسان من أن يريح ويستريح، أما الاستمتاع بالعدل ms218 ~~فمريح حقا؛ لأنه يقتل الطمع ويغري بالرضا ويزين القناعة في القلوب، أو ~~قل يفرض القناعة على القلوب فرضا. # فأي غرابة في أن يكون الإنسان أشد إيثارا للحرية التي تملؤه قوة ونشاطا وتدفعه ~~إلى الأمل والعمل، وتمسكه في هذا القلق الحلو المتصل الذي لا يعرف الرضا ولا ~~يحب الاطمئنان، منه للعدل الذي لا يثير قوة ولا نشاطا، ولا يدفع إلى مزيد ~~من أمل أو عمل، والذي يملأ القلوب أمنا ورضا ويعصمها من القلق ~~والخوف! # والأمر في سائر أوروبا الغربية كالأمر في فرنسا وبريطانيا العظمى: حب مؤكد ~~للحرية، وحرص مصمم عليها، وطموح إلى العدل كما يطمح العشاق العذريون إلى ~~من يعشقون. # وحسبك أن تنظر إلى بلجيكا وهولندا، فهما كبريطانيا العظمى وفرنسا تمجدان العدل ~~وتغنيان بمحاسنه، ولا تكرهان أن تحققا منه شيئا في الأرض البلجيكية ~~والهولندية مختارتين أو مضطرتين، ولكنهما في الوقت نفسه تؤثران الحرية أشد ~~الإيثار: تؤثرانها في السياسة الخارجية؛ فالعدل لم يخلق لأندونسيا مثلا ولا ~~للكونجو البلجيكية، كما أنه لم يخلق للمستعمرات البريطانية والفرنسية وللشعوب ~~الضعيفة بوجه عام. وهو إن كان قد خلق لأوروبا، فإنما خلق لها لتصيب منه بمقدار ~~كالملح الذي يصلح قليله الطعام، فإذا كثر فسد له الطعام فسادا شديدا. # ولذلك تحتفظ بلجيكا وهولندا، كما تحتفظ فرنسا وبريطانيا العظمى بحرية واسعة شديدة ~~السعة للأفراد والجماعات، وتحاولان تحقيق شيء من العدل لتسكتا هؤلاء الطامعين ~~فيه المطالبين به الذين لا ينفكون يجأرون بطلب العدل الاجتماعي حين ~~يمسون وحين يصبحون. # وليس من اليسير أن نتبين ميول ألمانيا المنهزمة؛ فهي لم تظفر بعد بهذا ~~القدر اليسير من الحرية لتعرب عما تريد في مستقبلها القاتم، ولكنها على كل ~~حال قد قسمت بين المنتصرين يحتل كل منهم جزءا من أرضها، وهؤلاء المنتصرون ~~يهيئون الشعب الألماني أو يحاولون تهيئته لما يحبون ويألفون من مذهب في السياسة ~~والاجتماع؛ فأوروبا الغربية وأمريكا تهيئان جزءا من الشعب الألماني أو تحاولان ~~تهيئته لهذه الديمقراطية التقليدية التي تؤثر الحرية على العدل، وتتخذ الإصلاح ~~الاجتماعي وسيلة إلى إرضاء الطبقات البائسة من جهة، ms219 وإلى الدفاع عن نفسها ~~والاحتفاظ بما بقي لها من السلطان والقوة من جهة أخرى. # ولكن روسيا السوفيتية تحتل جزءا عظيما من ألمانيا، وهي تهيئه أو تحاول تهيئته ~~لمذهبها في السياسة والاجتماع، ومذهبها واضح معروف؛ فهي تؤثر العدل والمساواة ~~وإلغاء التنافس والتزاحم والتفوق والامتياز على الحرية وما تستتبع من اصطراع بين ~~الأفراد والجماعات واستباق، إلى تحقيق المنافع واستئثار بهذه المنافع إذا تم ~~تحقيقها. # وهذا الخلاف العنيف القائم بين هاتين القوتين - قوة الحرية في أمريكا وغرب أوروبا، ~~وقوة العدل في روسيا - هو الذي جعل حياة المنتصرين عسيرة منذ وضعت الحرب أوزارها ~~في الشرق والغرب، وهو الذي حال بينهم وبين الاتفاق حين اجتمعوا في أكتوبر الماضي، ~~وحين اجتمعوا في أبريل ومايو، ويوشك أن يحول بينهم وبين الاتفاق حين يجتمعون ~~بعد أيام قليلة في باريس. # وليس الستار الحديدي الذي يقال إن روسيا قد ألقته من دون جزء عظيم من أوروبا ~~الشرقية والجنوبية إلا سورا منيعا يحول بين الحرية والعدل، وبين أن يلتقيا ~~وجها لوجه، ويصطدما في ميدان واحد؛ فأوروبا الغربية خاضعة للحرية، وما ~~تستتبع من تنافس وخصام، وأوروبا الشرقية خاضعة للعدل وما يستتبع من تسلط وقهر ~~وكبح لجماح المنافع والأطماع. # وإذا أجرت الأمة اليونانية انتخاباتها بأعين الإنجليز والفرنسيين والأمريكيين ~~وكانت نتيجة هذه الانتخابات ميامنة لا مياسرة، قال الروسيون: إن هذه الانتخابات ~~لم تجر حرة، ولم تكن بمأمن من تدخل الديمقراطية الغربية، وما يسندها من رأس ~~المال. # فإذا دبرت بلغاريا ورومانيا والمجر ويوجسلافيا وتشكوسلوفاكيا شئونها بالانتخابات أو ~~بإقامة الحكومات المؤقتة، وكانت نتيجة هذا كله انحراف هذه الأمم إلى اليسار، قال ~~الإنجليز والأمريكيون والفرنسيون معهم: إن هذه الأمم ليست حرة في تقرير مصيرها، ~~وإنما هي متأثرة بالسلطان الروسي العنيف في كل ما تعمل وفي كل ما ~~تقول. # وليس لهذا كله معنى إلا أن الشعوب الصغيرة في أوروبا قد اضطرت هي أيضا إلى ~~التذبذب بين مذاهب الأقوياء من أنصار الحرية والعدل، فهي في غرب أوروبا ~~منحازة إلى الحرية؛ لأن الأقوياء من المنتصرين هناك ينحازون إليها، وهي في ms220 ~~شرق أوروبا وجنوبها منحازة إلى العدل؛ لأن الأقوياء هناك ينحازون إليه. # والواقع أن إرادة هذه الشعوب لم يتح لها ما ينبغي أن يتاح لها من الفرص لتظهر ~~جلية لا يشوبها لبس ولا غموض، وقد يكون الموقف الإسباني من أوضح الأشياء دلالة ~~على هذه الخصومة بين العدل والحرية. # ويجب أن نلاحظ أن التسلط والقهر هما الأداتان اللتان يصطنعهما العدل ~~كما تصطنعهما الحرية، يدافع بهما كل منهما عن نفسه، ويثبت بهما كل منهما سلطانه؛ ~~فالجيش البريطاني هو الذي أيد الحرية في اليونان على حساب العدل، والجيش ~~الروسي هو الذي أيد العدل في شرق أوروبا على حساب الحرية. # وليس لأحد من المنتصرين جيش في إسبانيا الفاشية، ولو قد وجد هذا الجيش لانحازت ~~إسبانيا الفاشية إلى مذهب الحرية إن كان الجيش بريطانيا أو أمريكيا، وإلى ~~مذهب العدل إن كان الجيش روسيا. # ولكن إسبانيا ليست محتلة؛ ولذلك كان موقفها دليلا واضحا على اشتداد الخصومة بين ~~هذين المذهبين؛ فأما أنصار العدل وهم الروسيون والفرنسيون حين كان الأمر في ~~فرنسا إلى اليسار، فيريدون إلغاء النظام الفاشي في إسبانيا، وإن أدى ذلك إلى ~~التدخل العسكري في الشئون الإسبانية. # وأيسر ما يطلبونه أن تقطع العلاقات السياسية بين جميع الدول المنتصرة ~~على اختلاف مذاهبها وبين إسبانيا الفاشية، وأن تعترف الدول المنتصرة بالحكومة ~~الإسبانية المنفية التي أقامت في أمريكا اللاتينية حينا وتريد أن تنتقل إلى ~~فرنسا في هذه الأيام، وهم يعتمدون فيما يطلبون على أن الديمقراطية المنتصرة لا ~~ينبغي أن تسمح للفاشية بالبقاء، على أن نظام الأمم المتحدة وميثاق سان ~~فرنسسكو يفرضان ذلك فرضا، وعلى أن إسبانيا الفاشية قد ظاهرت ألمانيا وإيطاليا ~~لأنها مدينة لهما بالوجود. # ولكن البريطانيين والأمريكيين يؤمنون هنا بحرية الشعوب إيمانا يوشك أن يكون ~~تعصبا؛ فالشعب الإسباني حر في اختيار الحكومة التي تسيطر على أمره، وما ينبغي ~~للسلطان الخارجي أن يتدخل في الشئون الإسبانية الخالصة، ولا أن يفرض على إسبانيا ~~حكومة وإن كانت ديمقراطية، ولا أن يخلص إسبانيا من حكومة وإن كانت فاشية قد ~~حاربت الديمقراطية وأعانت عليها ms221 ما وجدت إلى ذلك سبيلا. # ونتيجة هذا كله أن الشعب الإسباني نفسه منقسم في ظاهر الأمر على الأقل فريق منه ~~يريد أن يعود إلى نظام الجمهوري اليساري، وفريق آخر يريد أن يحتفظ بالنظام ~~الفاشي الميامن. فأما قبل الحرب فقد أقبلت ألمانيا وإيطاليا في غير تردد على ~~تأييد النظام الفاشي في إسبانيا بالسلاح، وأما بعد الحرب وبعد انتصار ~~الديمقراطية، فإن بريطانيا العظمى وأمريكا تأبيان حتى قطع العلاقات السياسية مع ~~الفاشية الإسبانية التي أعانت على الديمقراطية ودبرت لها ألوان الكيد. # فالأمر كله إذن إنما يرجع، قبل كل شيء وبعد كل شيء، إلى الصراع بين هذين ~~المذهبين: مذهب الحرية الذي يعتمد على رأس المال، ومذهب العدل الذي يعتمد على ~~الشيوعية. # وكما أن روسيا ألقت ستارا حديديا من دون الشرق الأوروبي والجنوب الأوروبي؛ ~~فإن بريطانيا العظمى وأمريكا تلقيان ستارا حديديا آخر من دون الغرب ~~الأوروبي، وكل هذا قد يكون له خطره في مستقبل العالم. # ولكن هناك ما هو أشد خطرا من هذا كله، وهو أن الشعوب نفسها منقسمة في ~~حياتها الداخلية أشد الانقسام، ينحاز فريق منها إلى الحرية فيتبع بريطانيا ~~العظمى وأمريكا، ويستعين بهما على خصومه إن احتاج إلى ذلك، وينحاز فريق آخر إلى ~~العدل فيتبع روسيا، ويستعين بها على خصومه إن احتاج إلى ذلك وينشأ عن هذا أن ~~تصبح كلمة الاستقلال من الكلمات الجوفاء التي لا تدل الآن على معنى محقق في حياة ~~هذه الشعوب. # وقد كان من المضحك حقا أثناء الصراع الانتخابي في فرنسا أن يتهم أنصار الحرية ~~خصومهم بأنهم يتلقون الأمر من موسكو، ويريدون أن يجعلوا فرنسا ذيلا لروسيا، وأن ~~يتهم أنصار العدل خصومهم بأنهم يتلقون الأمر من واشنطن ويريدون أن يجعلوا ~~فرنسا ذيلا لأمريكا. # والواقع أن أولئك وهؤلاء كانوا يسرفون، ويعلمون أنهم يسرفون؛ فقد أصبحت فكرة ~~العدل أساسا لمذهب من المذاهب يوشك أن يكون دينا، وأصبحت فكرة الحرية أساسا ~~لمذهب من المذاهب يوشك أن يكون دينا أيضا؛ فالذين ينحازون إلى هذا المذهب أو ذاك ~~ويؤمنون بهذا الدين أو ذاك، مضطرون ms222 بالطبع إلى أن يظاهروا شركاءهم في الرأي ~~وإخوانهم في الدين. # فانحياز أنصار العدل في فرنسا إلى روسيا كانحياز أنصار الحرية فيها إلى ~~أمريكا، ظاهرة يمكن أن تقاس إلى انحياز المسلمين في وقت من الأوقات إلى عاصمة ~~الخلافة، وإلى انحياز النصارى في وقت من الأوقات إلى عاصمة المسيحية في ~~روما. # على أن هذا الاختلاف بين المذهبين لم يلبث أن تعقد بعد الحرب العالمية الأولى بظهور ~~مذهب وسط يريد أن يحتفظ بالحرية وأن يحقق العدل في الأرض، ولكنه لم ينظر إلى ~~الحرية من حيث هي ولا إلى العدل من حيث هو، وإنما نظر إليهما جميعا من ناحية ~~خاصة هي ناحية الدين. # فأنصار العدل من الشيوعين والاشتراكيين يعتمدون قبل كل شيء على المادية التي ~~تجحد الديانات جحودا تاما، وتنظر إلى الحياة الاجتماعية على أنها نتيجة ~~لازمة لتطور تاريخي محتوم، وأصحاب الحرية، ولا سيما منذ الثورة الفرنسية، لا ~~يكادون يحفلون بالدين، ولا يكادون يلقون إليه بالا. # فإذا أمكن أن ينشأ مذهب ثالث بين هذين المذهبين يلائم بين الحرية والعدل من جهة ~~وبين الدين من جهة أخرى، ويتخذ الدين أساسا لحياة إنسانية جديدة ترتفع عن المادة، ~~وترقى إلى المثل العليا، وتؤمن بأن في الإنسان قوة لا تستطيع أن تحيا ولا أن ~~تثمر ولا أن تتيح للإنسان حظه في الرقي إلا إذا اتصلت بمصدرها القدسي ~~الأول من طريق الإيمان والثقة والأمل، أقول: إذا أمكن أن ينشأ هذا المذهب كان في ~~نشوئه الخير كل الخير؛ لأنه يصلح ما أفسدت الثورة، فيرد إلى الدين مكانته في ~~القلوب وسلطانه على النفوس، ويعصم الناس من المادية الجامحة والإلحاد المتمرد، ~~ويكفل لهم في الوقت نفسه نصيبا معتدلا من الحرية، ويتيح لهم في الوقت نفسه ~~سعيا متصلا إلى تحقيق العدل في الأرض. # وكذلك نشأت الاشتراكية المسيحية التي لا تقيم العدل على الجبر التاريخي، ولا ~~تجعل الإصلاح نتيجة للتطور المادي، ولا تلغي حرية الفرد ولا حرية ~~الجماعات، وإنما تقيم أمور الناس على التعاطف والتعاون والحب، وتجمع قلوبهم ~~حول هذه المثل الإنسانية والإلهية العليا. ms223 # وليس من شك في أن أهوال الحربين العالميتين كان لها أعظم الأثر في إنشاء هذا المذهب ~~وانتشاره وانتصاره في بعض الأقطار، فهذه الأهوال التي صبتها الحرب على الناس، وهذه ~~الكوارث التي تغلغلت في حياة الأفراد والجماعات، وهذه القسوة التي قطعت ما بين ~~الناس من أرحام أمر الله أن توصل، كل هذا قد زهد الناس في الإيمان ~~بسلطان العلم وتفوقه، وصرفهم عن هذه الفتنة التي ملأت قلوبهم وملكت أمرهم في ~~القرن الماضي، واضطرهم إلى التفكير في أن العلم ليس كل شيء، وفي أن العقل ليس كل ~~شيء، وفي أن الإنسان لا يأتلف من العقل والجسم فحسب، ولكن له ملكات أخرى لا ~~ينبغي أن تهمل وحاجات أخرى لا ينبغي أن تزدرى. # ومن أهم هذه الملكات ملكة الشعور، ومن أهم هذه الحاجات الحاجة إلى الإيمان بقوة ~~قدسية مدبرة لشئون الإنسان تسمو به إلى الخير، وتنهاه عن الشر، وتنأى به ~~عن الموبقات. # وقد أعان على انتشار هذا المذهب وانتصاره بعد الحرب العالمية الثانية، أن أتيح ~~حق الانتخاب للنساء في أكثر الشعوب الأوروبية بعد أن كان هذا الحق مقصورا على ~~الرجال؛ ولذلك انتصرت الاشتراكية المسيحية في فرنسا أخيرا بانتصار الحركة ~~الجمهورية الشعبية على حساب الاشتراكيين الماركسيين، وانتصرت الديمقراطية ~~المسيحية في إيطاليا على حساب الاشتراكية الماركسية أيضا، وأصبحت هذه الاشتراكية ~~المسيحية الجديدة قوة لها خطرها في الحياة السياسية لأوروبا الغربية بوجه ~~عام. # ولست أدري أيتاح لهذه الاشتراكية المسيحية فوز متصل أم هي أعقاب الحرب لا تكاد ~~تمضي عليها الأعوام حتى تعود الحياة الأوروبية إلى طبيعتها، ويستأنف الصراع ~~عنيفا بين هذين المذهبين: مذهب الحرية ومذهب العدل، ذلك أن هذا المذهب ~~الاشتراكي المسيحي جميل رائع في نفسه، مثله في ذلك مثل مذهب العدل ومذهب الحرية، ~~ولكنه لا يكاد يخرج إلى الوجود اليومي ويعالج مشكلات الحياة الطارئة حتى يصيبه ~~ما يصيب المذهبين من هذه الأعراض التي تبغضه إلى فريق من الناس وتحببه إلى ~~فريق. # فالاشتراكية المسيحية لا تلغي رأس المال، وإذن فسيطمئن إليها رأس المال، وسينفر ~~منها طلاب المساواة ms224 الخالصة والعدل المطلق. والاشتراكية المسيحية لا تنكر ~~الإصلاح الاجتماعي، وإنما تدفع إليه دفعا وقد تتطرف فيه أحيانا، وإذن ~~فسيستغلها المتطرفون لتحقيق بعض ما يريدون، وسيشفق منها المحافظون؛ لأنها تكلفهم ~~أكثر مما يريدون أن يتكلفوا. # والاشتراكية المسيحية بحكم عنوانها واستمساكها بالدين مضطرة إلى مصانعة الكنيسة، ~~أو قل إلى طاعة الكنيسة وإرضائها، وإذن فسينفر منها جمهور ضخم من الأوروبيين ومن ~~المفكرين الذين قطعوا ما بينهم وبين الكنيسة من الأسباب منذ وقت طويل. # وخذ مثلا واحدا لهذا الموقف الوسط الذي يضطر الاشتراكية المسيحية إلى الحرج في ~~بلد كفرنسا؛ فهذه الاشتراكية المسيحية تطالب بحرية التعليم التي يطالب بها ~~المحافظون الغلاة، وحرية التعليم هذه ينكرها عدد ضخم من الفرنسيين الذين ~~ناصروا الفصل بين الكنيسة والدولة، والذين حملوا الجمهورية الفرنسية الثالثة على ~~أن تجعل التعليم من شأن الدولة خاضعا لسلطانها ملتزما للحيدة الدينية ~~الكاملة. # فليس بد إذن من أن تجد الاشتراكية المسيحية كثيرا جدا من العناء حين تعالج ~~هذه المسألة؛ لأن أنصار العدل الماركسي لم يضعفوا ولم يستيئسوا، وإنما هم ~~محتفظون بقوتهم التي تزداد انتشارا وانتصارا من يوم إلى يوم؛ فالاشتراكية ~~المسيحية في حقيقة الأمر توشك أن تكون طورا من هذه الأطوار الانتقالية التي ~~تطمئن إليها الشعوب حين تجهدها الحرب وتكلفها الأزمات من الجهد والمشقة ما لا ~~تطيق. # فإذا ما استجمعت واستردت قوتها ونشاطها ضاقت بالمواقف المتوسطة واستأنفت ~~الصراع بين القديم والجديد، بين المحافظة والتطرف، أو قل - إن شئت - بين ~~الاستمساك بالحرية والطموح إلى العدل. # والشيء الذي ليس فيه شك هو أن طبيعة الإنسان تدفعه دائما إلى الترقي؛ فهو لا يبلغ ~~من الرقي طورا حتى يسمو إلى طور خير منه «وحاجة من عاش لا تنقضي» كما يقول شاعرنا ~~العظيم. # والحضارة الإسبانية المادية مسرعة إلى التطور وإلى تيسير الترف وإذاعته وجعله في ~~متناول الناس جميعا. فليس للإنسانية بد من أن تلقي على نفسها دائما هذا ~~السؤال: لماذا يتاح النعيم لفريق من الناس ويحظر على فريق آخر؟ لماذا يفرق ~~بين الناس في الاستمتاع بالحياة على حين يسوى بينهم ms225 في الدخول إلى الحياة ~~والخروج منها؟ لماذا يعمل العامل ويزرع الزارع ويملأ كلاهما الأرض بأسباب الترف ~~ووسائل النعيم لينتفع بنتيجة هذا العمل فريق من الناس لا يعملون ولا يزرعون ولا ~~يبذلون جهدا ولا يحتملون في الحياة عناء؟ ولماذا يتاح الفراغ لقلة من الناس ~~ويفرض العناء على كثرتهم؟ # هذه الأسئلة ألقيت على الناس منذ أقدم العصور، ولكنهم لم يحققوها في أنفسهم كما ~~يحققونها الآن، وهم يعتقدون مصيبين أو مخطئين، راضين أو كارهين أن العدل يجب أن ~~يكون هو الغاية الأخيرة للحياة، وأن المساواة الصحيحة في تمكين الناس من أن ~~ينتفعوا بهذا العدل هي الوسيلة إلى تحقيق هذه الغاية الكبرى. # فإذا ذكرت لهم الحرية ومآثرها ومحاسنها - وما أكثر ما للحرية من مآثر ومحاسن! - ~~فسيقولون لك: إن الحرية لن تطعم الجائع ولن تكسو العاري ولن تسقي ~~الظمآن، وسيقولون لك: إن الرجل البائس لا يستطيع أن ينتفع بحريته؛ لأن الحرية ~~لا تغني إلا مع الاستطاعة، وسيقولون لك: إن الحرية خير - ما في ذلك شك - ولكن ~~بشرط أن تمنح للناس بعد أن تتحقق بينهم المساواة ويستقر بينهم العدل ويصبح ~~بمأمن من كل عبث ومن كل طغيان. # وسيقولون لك: إن الحرية إذا منحت للناس قبل أن يستقر بينهم العدل أثارت ~~بينهم التنافس وأذاعت بينهم البغض، وأشاعت فيهم الطمع والحسد والحقد، وجعلت بعضهم ~~لبعض عدوا. وسيستدلون بالتاريخ كله على هذا كله. # وسيقولون: يجب أن يتحقق العدل أولا، وأن يتساوى الناس في الانتفاع بالحياة كما ~~تساووا في الدخول إليها والخروج منها؛ فإذا تم لهم ذلك فامنحهم الحرية إن شئت، ~~فلن تعرضهم للشر، ولن تثير بينهم كيدا ولا مكرا ولا غدرا ولا عداء. # وقد تعترض عليهم بأن تحقيق العدل الذي يريدونه، والمساواة التي يطمحون إليها ~~ويطمعون فيها يدعو إلى الكثير من الشر، وأول هذا الشر إلغاء الحرية وإنزال ~~القوي عن قوته، والمتفوق عن تفوقه، والغني عن غناه، وحمل الناس على ألوان من ~~الحياة متشابهة بغيضة لتشابهها، وأخذهم بالعنف حتى يحملوا على الجادة ويهتدوا ~~إلى الصراط المستقيم. # وقد تضرب لهم ms226 الأمثال بما يجري هنا وهناك في البيئات التي حاولت تحقيق العدل ~~والمساواة من العنف المنكر والتسلط الذي لا يطاق، ولكنهم سيجيبونك دائما بأن ~~الإنسانية مريضة، وبأن شفاء المريض لا يكون بمداعبته وتدليله، وإنما يكون بحمله ~~على تعاطي الدواء مهما يكن مرا بغيضا، وبحمله أحيانا على ما هو أشق مشقة ~~وأجهد جهدا، وأثقل ثقلا من الدواء المر البغيض. # فالإنسانية بين اثنتين: إما أن تريد الشفاء، فتسلك إليه طريقه المستقيمة، وإما ~~أن تؤثر المرض، فتشقى بآلامه وأثقاله حتى يدركها الفناء. # وكذلك ستظل الإنسانية مضطربة بين هذين المذهبين: مذهب العدل وما يقتضي من وسائل قد ~~تكون منكرة في كثير من الأحيان، ومذهب الحرية وما يستتبع من نتائج ليست أقل ~~من وسائل العدل نكرا، ومن يدري! لعل يوما من الأيام قريبا أو بعيدا يرى ذلك ~~الفيلسوف الذي يبتكر للإنسانية مزاجا معتدلا من الحياة يتحقق فيه العدل من غير ~~عنف، وتتحقق فيه الحرية من غير ظلم، ويذوق الناس فيه سعادة لا يشوبها بؤس ~~ولا شقاء. # ويرحم الله عمر، فقد أراد أن يحمل المسلمين على ذلك، ومضى بهم في سبيله قدما، ~~وحقق لهم منه شيئا كثيرا. ولكن الشاعر الذي رثاه لم يخطئ حين قال: # عليك سلام من إمام وباركت # يد الله في ذاك الأديم الممزق # فمن يسع أو يركب جناحي نعامة # ليدرك ما قدمت بالأمس يسبق # قضيت أمورا ثم غادرت بعدها # بوائق في أكمامها لم تفتق # | فرانز كفكا # مر بهذا العالم مرا سريعا، فلم يعش فيه إلا أربعين عاما، أنفق جزءا غير قليل ~~منها في الطفولة والصبا، متأثرا بما حوله غير مؤثر فيه، متلقيا ما ينحدر إليه ~~من أبويه اللذين منحاه الحياة، وما يقدم إليه أبواه أثناء التربية من ألوان ~~التصور للأشياء، والتقدير لها، والحكم عليها، والوقوف أمامها، قابلا حينا ~~ورافضا حينا آخر، متلقيا كذلك ما تقدم إليه بيئته الخاصة التي تحيط به وبأسرته ~~في مدينة براج، في أواخر القرن الماضي، من ألوان الحضارة وفنون الحياة التي كانت ~~الطبقة الوسطى تحياها في ذلك الوقت. # ثم أنفق ms227 بعض هذا الأمد طالبا في المدارس الثانوية ثم في الجامعة، مندفعا بميله ~~الأول إلى العلم، ثم متحولا عن العلم التجريبي إلى الفقه والقانون، حتى إذا ~~أتم دراسته التمس عملا يكسب منه القوت، ليظفر بشيء من الحياة المستقلة، فوجد ~~هذا العمل في شركة من شركات التأمين. # وهو في أثناء ذلك يتكلف أسفارا قصيرة في وطنه وفي ألمانيا وسويسرا، ~~وإيطاليا وفرنسا. ثم لا يكاد القرن العشرون يتقدم قليلا، حتى يقضي عليه الموت سنة ~~1924. وقد ولد 1883. # فحياته العاملة الظاهرة كما ترى قصيرة جدا، بسيطة جدا، ليس فيها عوج ولا ~~التواء، وليس فيها تكلف ولا تعقيد، ومع ذلك فلم يعرف التاريخ الأدبي كثيرا من ~~الأدباء تعقدت حياتهم النفسية، والتوت بهم طرق الإحساس والشعور والتفكير، كهذا ~~الأديب، والذين يدرسون حياته النفسية هذه في آثاره الكثيرة يردون تعقيدها إلى ~~طائفة من المؤثرات، قريبة في نفسها، ولكنها بعيدة أشد البعد فيما نشأ عنها من ~~ضروب الشعور والتفكير. # فقد كان أديبنا من أسرة يهودية تعمل في التجارة، متأثرة أشد التأثر، وأيسره ~~في الوقت نفسه، بالتقاليد اليهودية المتوارثة، في شرق أوروبا ووسطها؛ فهي محافظه ~~أشد المحافظة على هذه التقاليد السطحية التي يحافظ عليها اليهود، وهي في الوقت ~~نفسه متهاونة أشد التهاون في حقائق الدين ودقائقه، ترى أنها قد أدت الواجب على ~~وجهه إذا اختلفت إلى المعبد في أوقات معلومة، فسمعت ما يسمع الناس، وقالت ما ~~يقولون، وأتت من الحركات والأعمال ما يأتون، دون أن يتجاوز شيء من هذا كله أطراف ~~اللسان وأعضاء الجسم، إلى دخائل النفوس وأعماق القلوب فدينها ظاهر من الأمر، كدين ~~غيرها من عامة الناس، صور وأشكال لا تمس الضمير، ولا تؤثر في السيرة اليومية، ولا ~~توجه الحياة الداخلية والخارجية إلى وجه دون وجه، وإنما الحياة الداخلية ~~والخارجية موجهتان دائما بما وجه حياة الناس، على اختلاف أديانهم ~~وعقائدهم. # من هذه الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، التي تدفع الناس إلى العناية ~~بمنافعهم القريبة العاجلة، أكثر من العناية بحقائق الدين ودقائقه، وبتعمق الحياة ~~وما يكون فيها من الأحداث، وما يمكن ms228 أن يكون لها من الأغراض العليا والغايات ~~البعيدة. # ولذلك لم يلبث أديبنا أن ضاق بهذه الحياة الدينية الظاهرة المتكلفة، التي تقوم على ~~النفاق أكثر مما تقوم على الإيمان؛ فجحد دين الأسرة والشعب اليهودي أولا، ثم ~~جحد الدين نفسه بحقائقه ودقائقه بعد ذلك، وأقام حائرا لا يستطيع أن يعود إلى دين ~~آبائه؛ لأن عقله لا يطمئن إلى هذا الدين، ولا يستطيع أن يستغني عن حياة دينية ~~صادقة تعمر القلب، وتملأ الضمير ثقة واطمئنانا؛ فهو ينكر من جهة أشد الإنكار، ~~ويسعى من جهة أخرى أشد السعي، إلى أن يجد ما يؤمن به قلبه، وترتاح نفسه ~~إليه. # وهذه المحنة القاسية التي امتحن بها في إيمانه، قد نشأت عنها محنة أخرى ليست ~~أقل منها قسوة وعنفا، وليست أيسر منها تأثيرا في حياته الداخلية؛ فقد امتحن ~~أديبنا في الصلة بينه وبين أبيه، أنكر سيرة أبيه في الدين؛ لأنه لم ير فيها ~~صدقا ولا إخلاصا، ثم أنكر سيرة أبيه في الأسرة؛ لأنه رآها تقوم على التسلط ~~والاستطالة وعلى القوة والقهر أكثر مما تقوم على الرحمة والحب وعلى البر ~~والعطف والحنان، ثم أنكر سيرة أبيه في تدبير منافعه التجارية المختلفة؛ لأنه رآها ~~تقوم على الحرص والأثرة وانتهاز الفرص، أكثر مما تقوم على القصد والعدل والإنصاف، ~~فنظر إلى أبيه على أنه طاغية مخيف، ولم يستطع أن ينظر إليه إلا على هذا النحو، ~~وأقام الصلة بينه وبين أبيه على الإشفاق والخوف، ثم على المصانعة والمداراة، ~~ولم يستطع أن يقيمها على شيء آخر من هذا التعاطف الرقيق الرفيق الذي يكون بين ~~الأبناء والآباء. # فهو إذن منكر للدين وسلطانه، وهو في الوقت نفسه ضيق بالأبوة وسلطانها، وهو ~~لا يلبث أن يوحد بين هذين النوعين اللذين ينكرهما من السلطان: سلطان ~~الدين، وسلطان الأبوة. فيقف منهما موقفا قوامه القلق والفزع والهول، وهو يشقى ~~بهذا الموقف حياته كلها، قد حاول ما وسعته المحاولة، أن يخلص من الشك إلى ~~الثقة، ومن الخوف إلى الأمن، فلم يجد إلى ذلك سبيلا. # ثم تنشأ من محنته في الدين ms229 وفي الصلة بينه وبين أسرته، محنة أخرى ليست أقل منهما ~~قسوة ولا تعقيدا، وهي المحنة التي تمس حقه في أن يحيا حياة الآباء، فيتخذ ~~الزوج ويمنح الوجود للولد، كما اتخذ أبوه الزوج وكما منحه ومنح إخوته الوجود، فهو ~~يشعر بأنه مدين لأبيه بوجوده، لا يشك في ذلك، ولا يشك في أن الدين يجب أن ~~يؤدى، ولا يشك في أن الوسيلة الوحيدة إلى أن يؤدي الابن ما عليه لأبيه من ~~الدين إنما أن يمنح الوجود الذي تلقاه من أبيه لأبناء يتلقونه منه ويمنحونه بعد ~~ذلك لأبنائهم، فإذا اتخذ الزوج ورزق الولد، فليس عليه لأبيه دين. هو يؤمن بهذا ~~كله، ولكنه في الوقت نفسه يقف من هذه القضية موقفا يشبه موقف أبي العلاء في ~~البيت المشهور: # هذا جناه أبي علي # وما جنيت على أحد # ذلك أنه يرى الحياة التي تلقاها من أبيه شرا لا خيرا؛ لأنها لم تمنحه رضا ~~القلب، ولا هدوء النفس، ولا راحة الضمير، ولا هذه الثقة الباسمة التي تنشأ عنها ~~كل هذه الخصال، هو مدين لأبيه بالوجود، وما في ذلك شك، وليس أحب إليه من أن ~~يؤدي ما عليه من الدين ، ولكن بشرط ألا يكون أداء الدين مصدرا للشر، ولا سبيلا ~~إلى الأذى، وبشرط ألا يجني على أبنائه، ما جنى عليه أبوه من هذا القلق المتصل، ~~والخوف الملح، واليأس المقيم. # وإلى جانب هذه المحن الثلاث، في الدين والأبوة والزواج، تضاف محنة ~~أخرى لعلها أن تكون هي التي أسبغت لونها القاتم على محنه الأخرى كلها، ~~وهي محنة المرض، المرض الذي لا يظهر فجاءة ولا يثقل على المريض ثقلا طويلا، ~~وإنما يداوره ويناوره، ويسعى إليه سعيا خفيا بطيئا متلكئا، يدنو منه لينأى ~~عنه، ويلم به ليفارقه، ويقفه من الحياة موقفا غريبا لا هو باليأس الخالص ولا ~~هو بالأمل الخالص، وإنما هو شيء بين ذلك، يملأ القلب حسرة ولوعة، ويملأ النفس ~~شقاء وعناء؛ حتى إذا استبان أنه قد نهك فريسته وكلفها من الجهد أقصاه ولم يبق ~~فيها قدرة على المقاومة، أنشب فيها ms230 أظفاره، وصب عليها آلاما ثقالا وأهوالا ~~طوالا، ثم قضى عليها الموت في ساعة من ساعات الليل أو من ساعات النهار. # فأنت ترى أن أديبنا عليل قد ألحت عليه العلة، وأن علته معقدة أشد التعقيد، ~~بعضها يتصل بالدين، وقد عجز أطباء اللاهوت عن علاجه؛ فهو قد قرأ التوراة وتعمق ~~دراسة التلمود، ودرس المسيحية ودرس فلسفة الفلاسفة المؤمنين والملحدين، فلم ~~يجد لعلته الدينية هذه طبا ولا شفاء. # وبعضها يتصل بالوراثة والصلة بين الابن وأبويه، فهو إلى علم النفس التحليلي أقرب ~~منه إلى أي شيء آخر، وقد عجز علم النفس التحليلي عن علاجه، فلم يستطع أحد ولم ~~يستطع شيء أن يصلح رأيه في أبيه، أو يصلح العلاقة بينه وبين أبيه، وإنما ظل ~~طول حياته واقفا من أبيه موقف الطفل الخائف المروع الذي يرى تفوق أبيه ~~وتسلطه، ويحاول أن يخلص من سلطانه فلا يستطيع، ويحاول أن يحبه وأن يظفر منه بالحب ~~فلا يستطيع. # وبعضها يتصل برأيه في الحياة، وموقفه منها، ورغبته في أن يحياها كما تعود الناس ~~أن يحيوها، وخوفه مع ذلك من العجز عن احتمال أثقالها، وخوفه بنوع خاص من أن يحمل ~~هذه الأثقال قوما آخرين أبرياء، لم يجنوا ما يستحقون من أجله احتمال الأثقال، وهم ~~الزوج والولد. # وبعض علته جسمي يتصل بالفسيولوجيا، وقد عجز الأطباء عن علاجه؛ فما زال ~~السل يداوره ويناوئه حتى قضى عليه آخر الأمر. # فإذا قدرنا هذه المحن كلها، وقدرنا أنها لم تصب على رجل عادي، وإنما صبت ~~على رجل ممتاز له من القلوب أذكاها، ومن العقول أصفاها، ومن الأذواق أرقها، ومن ~~المشاعر أدقها، ومن الحس أشده إرهافا، وله بعد ذلك إرادة حازمة صارمة، وقدرة ~~مدهشة على الملاحظة، وعلى ملاحظة نفسه أكثر من ملاحظة غيره من الناس، وبراعة ~~خارقة للعادة في أن يجعل نفسه موضوعا للدرس والبحث والتحليل، وأن يكون هو الدارس ~~الباحث المحلل، وأن يسجل ما ينتهي إليه درسه وبحثه وتحليله، في آثار مكتوبة طوال ~~وقصار، أقول: إذا قدرنا هذا كله، لم نر غريبا أن يكون أديبنا هذا ms231 بهذه المنزلة ~~التي شغلت الناس، ويظهر أنها ستشغلهم وقتا طويلا. # وربما كان أخص ما يمتاز به فرانز كفكا أشد الامتياز، أنه كان أصدق الناس لهجة، ~~وأشدهم إخلاصا، وأبغضهم للتكلف، وأبعدهم عن التصنع، وأعظمهم حظا من التواضع ~~الذي يأتي من معرفة الإنسان قدر نفسه بعد الدرس المتصل والاستقصاء العميق، وهو ~~من أجل ذلك كان يكتب لنفسه أكثر مما كان يكتب للناس؛ فقد كان من أشد الناس زهدا ~~في نشر آثاره وأعظمهم إخفاء لها وضنا، لا لأنه كان يكبرها أو يغالي بها، ~~بل لأنه كان يزدريها كما كان يزدري نفسه. # وقد نشر قليل من آثاره أثناء حياته في المجلات، ولم ينشر في أكثر الأحيان إلا ~~على كره منه، كان صديقه ماكس برود يختطف هذه الآثار اختطافا، ويدفعه إلى نشرها ~~دفعا، فلما أدركه الموت وقرئت وصيته، تبين أنه قد اختار صديقه هذا - ماكس برود - ~~وصيا، وأنه يطلب إليه أن يحرق آثاره كلها، وألا ينشر منها في الناس ~~شيئا. # وقد وقف الوصي من هذه الوصية موقف الحيرة التي لم تتصل، فشك غير طويل ثم خالف ~~عن أمر صديقه، وأخذ في نشر آثاره ملتمسا لذلك ما شاء من العلل ~~والمعاذير. # وقد مات فرانز كفكا سنة 1924، ولم تمض على وفاته أعوام حتى كانت آثاره بعيدة ~~الانتشار في ألمانيا، بل في أوروبا الوسطى كلها، ثم تجاوزت حدود أوروبا الوسطى إلى ~~أوروبا الغربية، فتلقاها الفرنسيون لقاء غريبا. # وربما كان من طرائف الأشياء، أن آثار فرانز كفكا، كانت تستقبل أحسن استقبال في ~~غرب أوروبا؛ وينكل بها أبشع تنكيل في أوروبا الوسطى؛ فكان الفرنسيون والإنجليز ~~يترجمونها ويفسرونها، على حين كان الألمانيون الهتلريون يحرقونها جهرة في ~~الميادين. # وقد يكون من الخير أن نلاحظ، قبل أن نتحدث عن آثار فرانز كفكا، أن ظروف الحياة ~~الأوروبية كانت ملائمة كل الملاءمة لظهور هذه الآثار؛ فقد بدأ كفكا يشعر ~~ويفكر قبيل الحرب العالمية الأولى، فكان كل شيء من حوله يؤذن بالكارثة، ويدفع ~~إلى البؤس واليأس. # ثم مضى في تفكيره وإنتاجه أثناء الحرب العالمية الأولى، فكان ms232 في تلاحق الكوارث ~~والفواجع من حوله ما يزيد إمعانه في البؤس واليأس، ثم نظر ذات يوم فإذا كل شيء ~~من حوله ينهار؛ فإمبراطورية النمسا والمجر تتفرق أيدي سبا، والإمبراطورية ~~الألمانية العظيمة تلقي السلاح وتركع متلقية شروط المنتصر، فلا يزيده هذا كله إلا ~~إيغالا في البؤس واليأس، ثم يمضي في تفكيره وإنتاجه وقد تم الصلح. # ولم تلبث الإنسانية بعد إمضائه أن استشعرت خيبة الأمل وكذب الظن، فلم يتحقق العدل ~~الذي قيل إن الحرب أثيرت لتحقيقه، وإنما عادت الإنسانية بعد الحرب، كما كانت قبل ~~الحرب، بائسة يائسة، متخبطة لا تدري إلى أي وجه تتجه، ولا في أي طريق ~~تسير. # حياة خاصة كلها نكر وشر، وحياة عامة كلها بؤس ويأس؛ فأي غرابة في أن يكون الأدب ~~الذي ينتجه فرانز كفكا في هذه الظروف كلها هو الأدب الأسود بأدق معاني هذه الكلمة ~~وأشدها سوادا وحلوكا؟! # وواضح جدا أن هذا القلب الذكي ذا الحس المرهف والشعور الدقيق، لم يصور الحياة ~~كما رآها من حوله فحسب، وإنما صور هذه الحياة، وصور آثارها القريبة؛ فكان في ~~أدبه هذا المظلم، شيء من التنبؤ المزعج، بما ستتعرض له الإنسانية من الكوارث ~~والأخطار. # وكان من أجل هذا بغيضا إلى الذين كانوا يريدون أن يعيدوا الحرب جذعة، مثيرا ~~للشوق وحب الاستطلاع عند الذين كانوا يخافون الحرب ويشفقون من أن يدفعوا ~~إليها كارهين. # ومن أجل هذا كانت آثار فرانز كفكا في وقت واحد تترجم في باريس، وتحرق في برلين، ~~والآثار الأدبية التي تركها فرانز كفكا كثيرة منوعة، لم تنشر كلها بعد، وإنما ~~نشر أكثرها، وأظهر ما تمتاز به من الخصائص أنها تصور القلق الذي يوشك أن ~~يبلغ اليأس، وتصور الغموض الذي يضطر القارئ إلى حيرة لا تنقضي، ويدفعه إلى كثير ~~من المذاهب في فهم هذه الآثار وتأويلها، وحل ما تشتمل عليه من الألغاز والرموز، ~~فقد كان فرانز كفكا أشد الناس صراحة وأعظمهم إخلاصا في حياته اليومية، وفيما كان ~~ينشأ من الصلات بينه وبين أصدقائه وذوي معرفته، وفيما كان يسجل لنفسه من الخواطر ms233 ~~والمذكرات في يومياته المتصلة، ولكنه بعد هذا كله كان أبعد الناس عن الصراحة ~~وأنآهم عن الوضوح، فيما كان ينتج من القصص الطوال والقصار. # وليس المهم أن نلتمس العلل المختلفة لهذا الغموض؛ فالأدب الرمزي في نفسه ~~ظاهرة سائغة طبيعية، ليست في حاجة إلى أن تلتمس لها العلل والمعاذير، وإنما ~~هي أثر من آثار بعض الأمزجة، ولون من ألوان الفن، في كثير من الآداب ~~القديمة والحديثة، على اختلاف البيئات والعصور. # فقل بعد ذلك إن فرانز كفكا قد أمعن في درس التلمود، وتعمق ما في آداب إسرائيل من ~~الأسرار والألغاز، وتأثر بهذا كله في فنه؛ فهذا حق من غير شك، ولكنه ليس كل ~~شيء، فما أكثر الأدباء الرمزيين الذين يستمدون رمزيتهم من مزاجهم الفني ~~وحده، لا من دراسة التلمود، ولا من تعمق الأسرار والألغاز في أدب إسرائيل! # والغموض في أدب فرانز كفكا من نوع خاص؛ فالرجل المثقف حين يقرأ هذا الأثر أو ذاك من ~~آثاره، لا يشعر بالغموض لأول وهلة، وإنما يخيل إليه أنه يقرأ شيئا يسيرا ~~سائغا قريب الفهم، لا يتكلف في تذوقه جهدا ولا عناء، ولكنه لا يلبث أن ~~يحس شيئا من الغرابة ، أو قل شيئا من الغرابة في هذا الذي يقرأ؛ لأنه يرى ~~أشياء مسرفة في البساطة مألوفة أشد الإلف، ليس من شأنها أن ترتفع إلى ~~حيث تكون أدبا ينتجه الفن الرفيع، وإنما هي من هذه الأشياء التي يراها ~~الإنسان في كل يوم وفي كل مكان، وفي الطبقات الساذجة العادية من الناس؛ فيسأل ~~القارئ نفسه، أو قل يقنع القارئ نفسه، بأن الكاتب لم يرد إلى هذه البسائط، وإنما ~~اتخذها وسائل قريبة لغايات بعيدة. # وهنا يدفع القارئ إلى التماس هذه الغايات، فيذهب في التماسها كل مذهب، ويسلك إلى ~~استكشافها كل سبيل، وقد يصل إلى شيء يحسبه الغاية التي قصد إليها الكاتب، ولكنه لا ~~يكاد يفكر ويروي، حتى يشك فيما انتهى إليه، وحتى يسأل نفسه ألا يمكن أن ~~يكون الكاتب قد أراد إلى غاية أخرى أو إلى غايات أخر، غير هذه التي ms234 انتهى هو ~~إليها؟ وكذلك تستطيع أن تقول: إن قارئ فرانز كفكا، معلق دائما، يخيل ~~إليه أنه يفهم ما يقرأ، وهو يفهم معانيه القريبة من غير شك، ولكنه يشعر ~~شعورا قويا بأن هذا الذي يفهمه ليس هو الذي قصد الكاتب إليه. # وإلى جانب هذا الشعور بالتعليق المتصل يجد القارئ أثناء قراءته حرجا مرهقا ~~وضيقا شديدا؛ لأنه يرى نفسه في بيئة مهما تكن قريبة في ظاهر الأمر فهي غريبة في ~~حقائق الأشياء، وهو من أجل ذلك لا يحس يسرا ولا سهولة ولا سعة، وإنما هو ~~يشعر بضيق الصدر وقلق النفس، وهذا الجهد العنيف الذي يفرض على العقل. # فقارئ فرانز كفكا في الدنيا وليس فيها، هو في عالم غريب، لا هو بالواقعي ولا هو ~~بالوهمي، وإنما هو شيء بين الواقع والوهم يملأ النفس حيرة وشوقا وسأما ~~وإلحاحا في وقت واحد. # تأخذ في قراءة القصة فيفجؤك قربها وتدهشك غرابتها، وأنت لا تكاد تطمئن إلى هذا ~~القرب اليسير المألوف، ولو قد اطمأننت إليه لتركت القصة وأعرضت عن الكتاب، ورأيت ~~أنك لست في حاجة إلى تكلف الجهد لتفهم ما لا يحتاج إلى فهم، وأنت لا تطمئن إلى ~~هذه الغرابة، ولو قد اطمأننت إليها لتركت القصة وأعرضت عن الكتاب يائسا من ~~القدرة على الفهم، ضنينا بوقتك وجهدك على إنفاقهما فيما ليس إلى فهمه سبيل. فأنت ~~إذن معلق بين الوضوح الذي يملأ نفسك سأما، وبين الغموض الذي يملأ نفسك ~~شوقا، وما تزال في هذه الحال المعلقة منذ تبدأ الكتاب أو القصة إلى أن تفرغ ~~منهما. # وأغرب من ذلك أنك حين تفرغ من القراءة، لا تنتهي إلى ما يحسن الاطمئنان إليه ~~والسكوت عليه، وإنما أنت معلق بعد الفراغ من القراءة، كما كانت معلقا في ~~أولها وفي وسطها، ذلك لأن الكاتب لا يتم قصته، وإنما يقتضبها اقتضابا، ~~وينتهي بها إلى شيء لا يصلح أن يكون غاية لقصة أو كتاب. # ومصدر ذلك في أكبر الظن أن الكاتب نفسه لا يعرف لنفسه غاية يقف عندها أو أمدا ~~ينتهي إليه، وإنما هو يمضي ms235 بقصته في طريقها ما وسعه المضي، حتى إذا أدركه ~~الإعياء أو انتهى إلى بعض الطريق، وجد أمامه سدا منيعا لا يستطيع أن ~~يتجاوزه، فوقف حيث ينتهي به السعي، واستأنف السير في طريق أخرى، وانتهى من هذه ~~الطريق الأخرى إلى مثل ما انتهى إليه في الطريق الأولى، فوقف ثم استأنف السير في ~~طريق ثالثة. وما يزال كذلك يبدأ الطرق ولكنه لا ينتهي منها إلى غاية؛ لأنه هو ~~فيما بينه وبين نفسه يائس من الغاية أو كاليائس منها. # فخذ مثلا قصصه الثلاث الكبرى؛ وهي: القضية، والقصر، وأمريكا. فستراه يبدأ قصته ~~الأولى بدءا قريبا كل القرب، غريبا كل الغرابة، فيفرض عليك أن تصحبه في هذه ~~الطريق التي يريد أن يمضي فيها؛ فهذا رجل لم تتقدم به السن، ولكنه قد جاوز ~~الشباب شيئا، يفيق من نومه ذات صباح، وينتظر أن تحمل إليه الخادم طعام الإفطار، ~~ولكن الخادم لا تحمل إليه شيئا، بل لا تدخل عليه، وإنما يدخل عليه رجلان يزعمان ~~له أنهما يمثلان الشرطة، وأنهما قد أقبلا للقبض عليه، وهما يدعوانه في شيء من ~~العنف إلى أن ينهض من سريره ويدخل في ثيابه، ويلحق بهما في غرفة مجاورة ليبدآ معه ~~التحقيق. # وهو دهش لهذا الحادث منكر له، ضيق بهذين الشرطيين، ولكنه مع ذلك ~~مضطر إلى أن يطيع؛ فإذا لحق بالشرطيين في الغرفة المجاورة وجدهما قد أكلا ~~طعامه غير حافلين به ولا آبهين له. # ثم تلقى عليه أسئلة سخيفة لا خطر لها، ثم ترد إليه حريته، ويقال له إنه يستطيع ~~أن يذهب إلى حيث يشاء، وأن يمارس عمله في المصرف الذي يعمل فيه، ولكن عليه أن ~~يعلم أنه متهم، وأنه سيدعى ذات يوم للمثول بين يدي القضاة ليسألوه عن ~~التهمة الموجهة إليه. # والشرطيان ينصرفان عنه، ويثوب هو إلى نفسه، حائرا أول الأمر، ثم ساخطا، ثم ~~منكرا لهذا التصرف، ولكنه قلق يريد أن يتبين جلية هذه القصة، وهو يسأل نفسه ~~فيطيل السؤال دون أن يظفر بجواب، وهو يقبل على عمله كما تعود أن يفعل، ولكن ~~قلقا ms236 قد استقر في نفسه، إن أمكن أن يستقر القلق في النفوس. # والشيء الذي لا شك فيه أنه يسعى قليلا قليلا إلى الثقة بأنه متهم، ~~وبأن من الحق عليه ومن الحق له أن يدافع عن نفسه، وفي ذات يوم يدعى إلى ~~التليفون، فيقال له إن عليه أن يحضر إلى المحكمة يوم كذا، ويدل على مكان هذه ~~المحكمة، وهو مكان غريب لا صلة بينه وبين الأماكن المعروفة للمحاكم ودور ~~الشرطة. # فإذا كان اليوم الموعود ذهب إلى حيث طلب إليه أن يذهب، فرأى عجبا أي عجب؛ رأى ~~دارا كبيرة قذرة متداعية، تكثر فيها السلالم والدهاليز، ولا يهتدي الناس فيها ~~إلى طريقهم إلا بعد جهد شديد، وهي على ذلك دار مسكونة كغيرها من الدور التي يسكنها ~~الفقراء وأوساط الناس، وما يزال يسأل ويبحث ويستقصي، حتى يصل إلى غرفة المحكمة، ~~فيرى جمهورا من الناس غريبا، ويرى جماعة من الموظفين قد جلسوا مجلس القضاء، ~~فيقول لهم ويسمع منهم، وهو لا يفهم عنهم، كما أنهم لا يفهمون عنه، وكما أن النظارة ~~لا يفهمون عنه، ولا عن هؤلاء الموظفين. # ثم ينصرف وقد استقر في نفسه أنه متهم وإن لم يعرف طبيعة التهمة، وقد استقر في ~~نفسه أن من الحق أن يبرئ نفسه أمام القضاة، ولكنه لا يعرف من هؤلاء القضاة، ~~ولا أين يكونون، ولا كيف يصل إليهم! لأنه لم ير في المحكمة إلا جماعة من صغار ~~الموظفين. # وهو ينفق حياته في محاولات شاقة مرهقة ليعرف تهمته وليدافع عن نفسه، فيتصل بكبار ~~المحامين وصغارهم، وبقوم آخرين ليسوا من المحاماة في شيء، وأولئك وهؤلاء ~~يعدونه بالدفاع عنه وتبرئته إن وجدوا إلى تبرئته سبيلا، ولكن أحدا منهم لا ~~يبين له طبيعة تهمته، ولا يدله على مكان القضاة، ولا يلمح له بطريقة الدفاع عنه، ~~وإنما هو أمل يتبعه يأس، ويأس يتبعه أمل، وحيرة مهلكة للنفوس. # وفي ذات مساء يقبل عليه رجلان في زي رسمي دقيق، يدعوانه فيستجيب لهما، وهو لا ~~يعرف لماذا أقبلا عليه وإلام يدعوانه، وقد خطر له - لا أدري لماذا ms237 - أنهما ~~مغنيان، وهو يخرج معهما على كل حال، فيأخذه كل منهما من إحدى ذراعيه ويمضيان به لا ~~يلويان على شيء. # حتى إذا تجاوزا المدينة دفعاه إلى مقطع من مقاطع الأحجار، ثم طرحاه على الأرض، ثم ~~أقبلا عليه فذبحاه، وهو يرى ذلك لا يقاوم ولا يحاول المقاومة، حتى إذا أحس وقع ~~الخنجر وعرف أنه الموت قال هذه الجملة التي تنتهي بها القصة: «كما يموت ~~الكلب.» # ولم أعرض عليك شيئا من تفصيل القصة، وإنما عرضت عليك خلاصتها في كثير جدا من ~~الإيجاز، ولو قد عرضت عليك تفصيلها لتنقلت بك من شيء سخيف إلى شيء سخيف، ولتنقلت ~~بك في الوقت نفسه من لغز غامض إلى لغز غامض ومن رمز خفي إلى رمز أشد منه ~~خفاء. # وبطل هذه القصة رجل لا نعرف من اسمه إلا حرفا واحدا هو «الكاف» التي هي الحرف ~~الأول من اسم الكاتب نفسه؛ فإذا سألت عما أراد إليه الكاتب بقصته هذه الرائعة، ~~فأكبر الظن أنه إنما أراد إلى أن يصور الإنسان الخاطئ الذي لا يشك في ~~خطيئته، ولكنه لا يعرف طبيعة هذه الخطيئة، ولا يعرف كيف دفع إليها ولا كيف ~~تورط فيها ، ولا يعرف كيف يخلص منها، ولا أمام من يستطيع أن يحاول الدفاع عن ~~نفسه. # فهو موقن بأنه خاطئ، وموقن بأن هناك قاضيا يستطيع أن يعاقب على الخطيئة كما ~~يستطيع أن يبرئ منها، وموقن أن هناك قانونا ينظم تبعة الخاطئين، وما ~~يترتب عليها من عقاب، ولكنه يجهل طبيعة الخطيئة، ويجهل طبيعة القانون، ولا يعرف ~~المكان الذي استقر فيه القاضي، ولا يجد الوسيلة التي توصله إليه، وبعبارة واضحة: ~~إنما أراد الكاتب إلى أن يصور الإنسان البائس اليائس الذي أجبر على ~~الحياة دون أن يريدها، وأجبر على الموت دون أن يريده، وخيل إليه أنه حر بين ~~ذلك. # وانقطعت الصلة الدقيقة الأمينة بينه وبين الإله الذي يدخله في الحياة ويخرجه ~~منها، ويحمله ما يحمله من الأوزار والتبعات، لا يؤامره في شيء من ذلك ولا ~~يشاوره، ولا يتيح له حتى أن يلقاه ليستعفيه ms238 من التبعة، ويطلب إليه الصفح ~~والمغفرة. # فكاتبنا إذن لا يجحد الإله، ولكنه لا يعرفه ولا يعرف السبيل إليه، وهو مشوق أشد ~~الشوق إلى أن يعرفه ويعرف السبيل إليه، وهو يبذل في سبيل ذلك الجهد كل الجهد دون ~~أن يظفر بشيء، أترى إلى أننا لسنا بعيدين من حيرة أبي العلاء على اختلاف ما بين ~~الرجلين في الزمان والمكان والبيئة والثقافة والوراثة! # فإذا تركت هذه القصة، وعمدت إلى قصة أخرى - وهي القصر - انتهيت إلى نفس النتيجة ~~الموئسة التي انتهيت إليها في القصة الأولى. ولكن الكاتب يسلك بك إلى اليأس طريقا ~~أخرى؛ فبطل هذه القصة الثانية رجل لا نعرف من اسمه إلا حرفا واحدا هو «الكاف» ~~التي هي الحرف الأول من اسم الكاتب، وهو قد أقبل من مكان مجهول إلى قرية مجهولة، ~~يشرف عليها قصر ضخم فخم، وهو يعتقد ويقول للناس إنه قد دعي إلى هذه القرية بأمر ~~من القصر ليشغل فيها منصب المساح، وهو يريد أن يتصل بالموظف المختص في القصر ~~ليتسلم عمله، ولكنه لا يجد سبيلا إلى هذا الاتصال، يحاول أن يتصل من طريق ~~التليفون فلا يسمع إلا أصواتا غامضة لا تدل على شيء، ويحاول أن يتصل ~~بالعمدة، فلا يجد عنده علما بهذا المنصب ولا باختياره له. # ويحاول أن يسعى إلى القصر فلا يجد سبيلا إليه، ويحاول أن يتصل بالقصر بوساطة ~~السعاة الذين يسعون بين سادة القصر وبين القرية، فلا يظفر بشيء، وإنما هو ~~الخداع يتبعه الخداع، والحيرة تتبعها الحيرة، والعناء المتصل والشقاء ~~المقيم. # وتنتهي القصة إلى غير غاية كما ترى؛ أنفق صاحبنا حياته في القرية، لا هو بالموظف ~~فيتسلم عمله ويعيش مع أهل القرية كما يعيشون، ولا هو باليائس فيعود من حيث جاء، ~~وإنما معلق بين اليأس والرجاء حتى يدركه الموت. # ولم أعرض عليك تفصيل هذه القصة، كما أني لم أعرض عليك تفصيل القصة الأولى، وإنما ~~اكتفيت هنا كما اكتفيت هناك بهذه الخلاصة اليسيرة التي تصور لك ما أراد ~~إليه الكاتب من تصوير الإنسان إليه غريبا معلقا لا يدري من ms239 أين جاء، ولا إلى ~~أين يمضي، وإنما يخيل إليه أنه قد دعي وأن له عملا ينبغي أن يؤديه، ثم ~~يحال بينه وبين هذا العمل، وتضيع حياته في هذه الجهود المجدبة التي لا تغني عن ~~أصحابها شيئا. # ولو قد استطاع أن يصل إلى القصر ويتحدث إلى من فيه، لعرف جلية الأمر، ولكن ~~الأسباب منقطعة بينه وبين القصر، فهو لا يستطيع أن يصل إليه، القصر ~~موجود، ما في ذلك شك، يسكنه أهله وسادته، ما في ذلك شك، وهو يدبر أمر ~~القرية والمقيمين فيها والطارئين عليها، ما في ذلك شك، ولكنه يدبر هذا الأمر من ~~بعيد، ولا يتيح للمقيمين ولا للطارئين أن يتصلوا به أو يراجعوه في قليل أو ~~كثير. # فموقف الكاتب هنا كموقفه هناك، لا ينكر وجود القوة القاهرة المدبرة، ولكنه لا ~~يعرف كيف يتصل بها، ليتبين جلية أمره، وليعرف لماذا يجب عليه أن يفعل، ولماذا يجب ~~عليه أن يترك، ولماذا يحتمل ما يحتمل من التبعات. # أما القصة الثالثة «أمريكا» فلعلها أن تكون أقل إحراجا وإرهاقا من هاتين ~~القصتين، ولكنها على ذلك لا تخلو من الحرج والضيق والألم، وهي كذلك لا تنتهي ~~إلى غاية ، ويستطيع ماكس برود - صديق الكاتب - كما يستطيع غيره من النقاد أن ~~يرى في هذه القصة شيئا من أمل، وأن يظن أنها تدل على أن الكاتب قد ثاب ~~إلى الثقة قبل أن يموت. # أما أنا فلا أرى من ذلك شيئا، وكل ما في الأمر أن بطل القصة صبي لا يتجاوز السادسة ~~عشرة من عمره، فأمره رفيق بعض الشيء، ولكنه منته إلى مثل ما ينتهي إليه أمر غيره ~~من هذا الغموض الذي لا غاية له. # واسم هذا الصبي كامل غير منقوص، وهو كارل روسمان، وأوله «الكاف» كما ترى، وقد سخط ~~عليه أبواه؛ لأن خادما أغوته فنفياه من أوروبا إلى أمريكا، وفي أمريكا تختلف عليه ~~الأحداث، فمن نعيم ويسر إلى بؤس وعسر، ومن استقامة ووضوح إلى التواء وغموض. ثم ~~ينتهي الأمر به بعد كثير من الخطوب إلى أن يقبل عاملا في ms240 فرقة تمثيلية غامضة ~~أشد الغموض، وقد وضع مع زملائه في قطار يذهب به إلى غير غاية معروفة. # فأنت ترى أن المذهب هو هو، لم يتغير، هذا الصبي عبثت به خادم، وقسا عليه أبواه ~~فنفياه، وتلقته أحداث غامضة مبهمة متناقضة مضادة لأخلاقه وآماله، ثم يوضع آخر ~~الأمر في قطار يمضي به إلى مكان مجهول، ثم نحن لا نعلم من أمره بعد ذلك شيئا، ~~أتراه وصل إلى المدينة التي أرسل إليها أم لم يصل؟ وما عسى أن يكون عرض له من ~~الأحداث أثناء السفر قبل أن ينتهي القطار إلى غايته إن كان قد انتهى إليها؟ ~~أتراه قد قبل حقا في هذه الفرقة التمثيلية، فقد كان قبوله الأول مبدئيا، ~~أريد به إلى التجربة لا إلى الاستقرار. # كل هذه أمور مجهولة يخيل إلينا الكاتب أن جهلها ناشئ من أنه لم يتم القصة؛ ولكن ~~لم لم يتم القصة؟ لأنه لم يعرف كيف يتمها، وهو لم يعرف كيف يتمها ~~لأنه لا يعرف كيف تتم قصة الإنسان مهما يكن أمره، ومهما تكن الظروف التي تحيط ~~به، ولأنه لا يعرف كيف تتم قصته هو؛ فهو غير مطمئن إلى أن الموت يختم قصة الإنسان، ~~ولكنه لا يعرف عما يكون بعد الموت شيئا. # وهو غير مطمئن إلى أن هذه الحياة التي نحياها لم يقصد بها إلا إلى هذه الأغراض ~~اليومية التافهة التي نحاول تحقيقها فنحقق أقلها، ونعجز عن تحقيق أكثرها، ولكنه ~~لا يعرف عن الأغراض العليا التي يمكن أن تكون الحياة وسيلة إليها شيئا. # محنته الكبرى ومشكلته التي لم يجد لها حلا، هي أنه لم يستطع أن يستكشف الصلة ~~بين الإنسان وبين الإله، وما مصدر العجز عن استكشاف هذه الصلة؟ إن الإنسان يشعر ~~شعورا قويا متصلا بوجود الإله، ويحاول محاولة مستمرة ملحة أن يسمع كلمته ~~ويتلقى أمره ليصدع بهذا الأمر، فيبرأ من الإثم، ويخرج من الخطيئة، ويتخفف من ثقل ~~التهمة التي ألقيت عليه، فلا يجد إلى ذلك سبيلا. # أمصدر ذلك أن الإنسان أعجز من أن يرقى إلى الإله؟ أم مصدر ms241 ذلك أن الإله لا يريد، عن ~~عجز أو عن عمد، أن يهبط إلى الإنسان؟ أم مصدر ذلك قصور في الإنسان وفي الإله نفسه ~~عن أن يلتقيا؟ وإذن ففيم التهمة وفيم التبعة وفيم العقاب؟ # هذه هي المشكلات الكبرى التي فرضت على فرانز كفكا منذ امتحن في إيمانه فجحد دين ~~آبائه، ولم يستطع أن يهتدي إلى دين غيره يرد إليه هذا الإيمان، وهي فيما أعتقد نفس ~~المشكلة التي فرضت على أبي العلاء، لا فرق بين الرجلين إلا هذه القرون العشرة ~~التي أتاحت للمعاصرين ضروبا من العلم وفنونا من الفلسفة وألوانا من الحرية لم ~~تتح لشيخ المعرة. # ومع ذلك فقراءة اللزوميات، وقراءة الفصول والغايات في تعمق واستقصاء، تنتهي بك إلى ~~نفس الموقف الذي تنتهي بك إليه قراءة «القضية» و«القصر» و«أمريكا»؛ فشيخ ~~المعرة يرى كما يرى فتى مدينة براج أن للعالم خالقا حكيما، لا يشك أحد ~~منهما في ذلك، ولكنهما لا يفقهان حكمة هذا الخالق ولا يعرفان إلى فقهها ~~سبيلا. # وهما من أجل ذلك يمتنعان عن الشر أو عما يريان أنه الشر ما استطاعا، ويقبلان على ~~الخير أو على ما يريان أنه الخير ما استطاعا؛ يكفان أذاهما عن الناس ويتجنبان ~~السعي إلى مخالطتهم والاضطراب معهم فيما يضطربون فيه، ويحرمان على أنفسهم ~~الزواج والنسل، ويشقيان بقلبين يريدان الإيمان ويحاولان الوصول إليه ما ~~أطاقا المحاولة، وبعقلين يعترفان بما فرض عليهما من الضعف والعجز والقصور، لا ~~يستسلمان إلى اليأس المطلق، ولكنهما لا يطمئنان إلى الأمل، وإنما يعيشان في هذه ~~الدار عيشة معلقة بين الرجاء والقنوط. # وهما ينظران إلى العالم من حولهما يريدان أن يفهماه ويستكشفا دقائقه وعلله، فلا ~~يبلغان من ذلك شيئا، لا يرضيهما موقف العالم المتواضع الذي يستكشف قوانين ~~الكون فيسجلها، وينتفع بها وينفع بها الناس، ولكنهما يريدان أن يعرفا علة هذه ~~القوانين، وبينهما وبين معرفة هذه العلة آماد بعيدة لا يستطيعان لها عبورا، وهما ~~من أجل ذلك ينكران العلة الغائية، ولا يطمئنان إلى ما تعود الناس أن يطمئنوا ~~إليه من أن العالم لم يخلق عبثا، ms242 ومن أن لكل ما يحدث في هذا العالم غاية ~~بينة أو غامضة، وليس معنى ذلك أنهما يجحدان حكمة الخالق وما يمكن أن يكون لها من ~~غايات، ولكن معناه أنهما لا يعرفان هذه الحكمة، ولا يستطيعان أن يعرفاها، ولا ~~يقبلان هذه العلل الغائية التي يقبلها الناس، وإنما يجيزان أشياء كثيرة لا ~~يراها الناس جائزة ولا ممكنة؛ لأنها تخالف ما تواضعوا عليه من العلل ~~والغايات. # فأبو العلاء يرى أنه من الممكن أن يشم الإنسان بغير أنفه، ويرى بغير عينيه، ويذوق ~~بغير لسانه، ويمشي على غير قدميه؛ ذلك كله ممكن لأن الذي خلق الإنسان على هذا ~~النحو الذي نعرفه، وصوره في هذه الصورة التي نألفها، يستطيع أن يخلقه على نحو ~~آخر، ويصوره في صورة أخرى، ويمنحه مزاجا آخر، ويركب حسه في حيث يشاء من ~~أعضائه. # وفرانز كفكا يحدثنا في قصة المسخ عن هذا الفتى الذي أفاق من نومه ذات صباح فلم ير ~~نفسه كما رآها قبل أن ينام، وإنما رأى صورته قد مسخت إلى حشرة قذرة كأبشع ما ~~تكون الحشرات، وهو على ذلك محتفظ بشيء من عقله وقلبه، يفكر ويشعر ويحس، ويميز ~~بين الخير والشر، ويقدر اللذة والألم، ويعرف الرضا والسخط، وهو يرى مكانه ~~بعد المسخ من أهله ومن الناس، يقدر قسوة أبيه، وحنان أمه، وعطف أخته، ثم ما ~~يزال يلاحظ ازدياد القسوة في نفس أبيه، وفتور الحنان في قلب أمه، وتناقص العطف في ~~قلب أخته، وقد سعى السأم إليهم جميعا من هذه الحياة المرة البائسة المخزية، حتى ~~تتمنى الأخت لو تخلصت الأسرة من هذا العبء الثقيل، ويقرها أبوها في صراحة، ولا ~~تجرؤ الأم على أن تقول نعم أو لا. # ويبلغ منه هذا كله حتى ينتهي به إلى موت سخيف حقير، وما الذي يمنع أن يمسخ ~~الإنسان إلى حشرة قذرة، أو إلى حيوان جميل؟ فالذي ركب العقل في هذه الصورة ~~الإنسانية التي نراها، يستطيع أن يركب العقل فيما شاء من الصور الجميلة ~~والقبيحة، الحية وغير الحية. # ومن يدري! لعل الإنسان كما هو أن ms243 يكون حشرة بشعة، بغيضة بالقياس إلى كائنات ~~أخرى في هذا العالم لا نعرفها، أو في عالم آخر لا نعرفه، بل من يدري! لعل الإنسان ~~بالقياس إلى نفسه العاقلة التي تفكر وتقدر وتحصي وتستقصي، وتطمح إلى الحق والخير ~~والجمال، لعل الإنسان بالقياس إلى نفسه العاقلة هذه أن يكون حشرة بشعة بغيضة، حين ~~يرضي حاجاته الطبيعية على اختلافها وتباينها؛ ففي الإنسان كثير من طباع الحشرات، ~~وفيه في الوقت نفسه شيء آخر يرفعه عن هذه الطبيعة الدنيئة. # ولو قد خلص الإنسان لإحدى هاتين الطبيعتين من دون الأخرى لما أحس شقاء ولا ~~بؤسا، ولما ذاق طعم الخطيئة، ولما احتاج إلى أن يبرئ نفسه من هذه التهمة التي ~~لا يعرفها أمام هذا القاضي الذي لا يصل إليه، لو خلص الإنسان لطبيعة الحشرة ~~وحدها، لما فرق بين الخير والشر، ولا بين الإساءة والإحسان، ولو خلص لطبيعة ~~العقل المجرد لما احتاج إلى أن يفرق بين الخير والشر؛ لأنه في حاله تلك لا يعرف ~~إلا الخير، ولا يطمح إلا إليه. # فالمحنة كل المحنة هو هذا الازدواج بين طبيعة الحشرة القذرة، وطبيعة النفس ~~الممتازة العاقلة، وهنا أيضا يلتقي فتى براج فرانز كفكا، وشيخ المعرة أبو ~~العلاء. # والنقمة الكبرى عند أبي العلاء هي الحياة، والنعمة الكبرى هي فقدان الحياة، والذي ~~يجعل النقمة نقمة هو هذا العقل الذي ركب في هذه الصورة الإنسانية فرأى الشر ~~من قريب ولم يستطع أن يخلص منه، ولا أن يتخفف من أثقاله، ولا أن يتصور حياة ~~إنسانية عاقلة تبرأ من التبعات. # فأنت ترى إلى الآن أن أدب فرانز كفكا يقوم، أو قد يدور حول هذه الأصول ~~الثلاثة: وهي العجز عن الاتصال بالإله من جهة، والعجز عن فهم الخطيئة والتبرؤ منها ~~مع الثقة بالتورط فيها من جهة ثانية، والعجز عن فهم العلل الغائية لما يكون في ~~العالم من الخطوب والأحداث من جهة ثالثة. # وأنت إذا قرأت هذه الآثار الكثيرة التي نشرت لفرانز كفكا على اختلافها في الطول ~~والقصر، وتفاوتها في الوضوح والغموض، رأيتها كلها تدور حول هذه ms244 الأصول، وقد ~~يلح هذا الأثر أو ذاك في تجلية هذا الأصل أو ذاك، ولكن مجموعتها تنتهي بك ~~دائما إلى هذه الخلاصة القاتمة السلبية، التي تجعل حياة الإنسان كلها عجزا ~~وقصورا ويأسا أو شيئا قريبا جدا من اليأس. # ومن أجل هذا وصف أدب فرانز كفكا كما وصف أدب أبي العلاء بأنه أدب قاتم حالك، ~~يفل العزائم ويثبط الهمم، ويصد الإنسان عن العمل ويرده عن الأمل، ويدفعه إلى نشاط ~~عقلي عقيم، يدور حول نفسه أكثر مما يدور حول غيره، ولا يحفز الناس إلى ~~طمع أو طموح، وإنما يمسكهم في لون من الخوف المنكر، الذي لا أمن معه ولا ~~اطمئنان. # ومن أجل هذا حرقت كتب كفكا في برلين أثناء الحكم الهتلري، ومن أجل هذا أيضا كان ~~اليساريون في فرنسا يبغضون هذه الكتب أشد البغض، ويودون لو يحال بينها وبين ~~الشباب، ويعبرون عن هذا كله بهذه الجملة التي كثر حولها الحديث في فرنسا أثناء ~~الصيف الماضي: «يجب أن يحرق فرانز كفكا.» # وواضح جدا أن هذه العبارة ليست إلا رمزا؛ فتحريق الكتب لا يغني شيئا، ويكفي ~~أن تحرق الكتب ليزداد انتشارها، إنما المهم هو أن هذا الأدب القاتم مثبط لهمم ~~الشباب، فلا ينبغي أن يخلى بينه وبين الشباب. # والقارئ العربي يعرف حق المعرفة أن آثار أبي العلاء تعرضت لمثل هذا الشر الذي ~~تعرضت له آثار فرانز كفكا، ولكن الشرق قد يكون أعظم تجربة من الغرب في بعض ~~الظروف. # وقد رأى الشرق العربي أن آثار أبي العلاء على غلوها في التشاؤم والحلوكة لم ~~تثبط الهمم، ولم تفل العزائم، ولم تصرف عن العمل، ولم ترد عن الأمل، وإنما ~~منحت النفوس خصبا وفطنة وذكاء، وحالت بين العقل الإنساني وبين الغرور الذي ~~يطغيه ويدفعه إلى كبرياء عقيمة مهلكة فاضطرته إلى أن يضع نفسه حيث وضعه ~~الله، فلا يسرف على نفسه بالبغي والطغيان، ولا يزعم لنفسه القدرة على فهم كل شيء ~~والنفوذ إلى دقائق ما في الكون من أسرار. # وسواء رضي الناس أم سخطوا، فإن التشاؤم ظاهرة طبيعية في حياة ms245 العقل والشعور تبدو ~~في ظروف معينة ملائمة لها، كالظروف التي أحاطت بفرانز كفكا، وما زالت تحيط بكثير ~~من كتاب الأدب المظلم في أوروبا وأمريكا، وكالظروف التي أحاطت بحياة أبي ~~العلاء منذ عشرة قرون. # ولعل القراء يلاحظون أن أدب أبي العلاء قد نشأ في عصر فساد وفتنة واضطراب، ~~وأنه كان تنبؤا بكوارث خطيرة لم تلبث أن صبت على العالم الإسلامي حين أغار ~~عليه الصليبيون، وأن أدب فرانز كفكا قد نشأ في عصر فساد وفتنة واضطراب، وكان ~~تنبؤا مروعا بكوارث خطيرة لم تلبث أن صبت على العالم بإعلان الحرب العالمية ~~الثانية. # وقد احتفل العرب منذ أعوام بالعيد الألفي لأبي العلاء، وأكبر الظن أن ~~الأوروبيين لن ينتظروا ألف سنة ليحتفلوا بفرانز كفكا، ولكنهم سينتهزون أقرب الفرص ~~للاحتفال به، وسيتبينون - إن لم يكونوا قد أخذوا يتبينون بالفعل - أن أدب فرانز ~~كفكا قد كان من الخصب والقوة بحيث أخذ يترك في الآداب العالمية آثارا بعيدة ~~عميقة، ليس إلى محوها من سبيل. # | ملاحظات # ما زال الأدباء الفرنسيون يجادل بعضهم بعضا، حول موضوع يراه بعضهم خطيرا، ويراه ~~أكثرهم لا خطر له، وهو التزام الأديب حين ينشئ أدبه ، واحتماله تبعة ما يكتب بأوسع ~~معاني هذه الكلمة، كلمة التبعة، واتصاله حين يكتب بحقائق الحياة الواقعة التي ~~تحيط به. # وقد عرضت هذا الموضوع عرضا مفصلا في هذا المكان نفسه من «الكاتب المصري» في ~~أول شهر أغسطس الماضي، وكنت أظن أنها خصومة قد انقضت أو توشك أن تنقضي، ولكنها ~~فيما يظهر ما تزال قائمة، وما يزال الكتاب الفرنسيون يبدئون فيها ~~ويعيدون. # وصاحب هذا الرأي هو جان بول سارتر أديب «الوجوديين» الفرنسيين في هذه الأيام؛ فهو ~~الذي يكتب في هذا الموضوع فيطيل، وهو الذي لا يسأم التكرار في هذه القضية، حتى ~~كأنه يتحدى خصومه ويريدهم على أن يجادلوه أو يعطوه أيديهم وينزلوا عند ~~رأيه. # وقد استأنف الحديث في هذه القضية في مجلته «العصر الحديث» منذ أشهر، فبدأ في نشر ~~دراسة مفصلة، عنوانها «ما الأدب؟» وموضوعها الدقيق هو التزام الأديب حين ~~يكتب، واحتماله ms246 تبعة ما يكتب، ووجوب أن يكون متصلا حين يكتب بما يحيط به من ~~واقع الحياة. # وقد وصل إلي أكثر ما كتب في هذه الدراسة الأخيرة، وقد نشر في عددي فبراير ومارس ~~من هذا العام، وما زالت لهذه الدراسة بقية نشرت في عدد أبريل الذي لم يصل إلى ~~الآن، ولعلها تجاوزت هذا العدد إلى عدد مايو أيضا، وما كان بي أن أعود إلى هذا ~~الحديث لولا أن الدراسة التي ينشرها جان بول سارتر، قيمة حقا، فمن النافع ~~أن يلم بها قراء اللغة العربية، ولولا أن في هذه الدراسة القيمة ~~ملاحظات مختلفة يتصل بعضها بالفن الخالص ويتصل بعضها بالأدب ويتصل بعضها ~~بالفلسفة، ويمس بعضها ما يكون بين الكاتب وقارئه من صلة، ومن النافع كذلك أن يظهر ~~قراء العربية على مثل هذه الملاحظات، ولولا أن في هذه الدراسة القيمة أيضا ~~أحكاما يخيل إلي أنها أرسلت إرسالا، أو أنها نشأت عن التكلف والتحذق ~~والحرص على تحدي الخصوم، ومن النافع لقراء العربية أن يظهروا على بعض هذه ~~الأحكام، وأن يحذروا منها ومن أمثالها. # وقد قسم الكاتب دراسته ثلاثة أقسام، الأول عنوانه: ماذا نكتب؟ والثاني عنوانه : ~~لماذا نكتب؟ والثالث عنوانه: لمن نكتب؟ # وقد يكون من الطريف أن يرى القارئ كيف يبدأ جان بول سارتر دراسته عنيفا متحديا ~~لخصومه ساخرا منهم غير حافل بهم وغير متردد في أن يتهمهم بالعناد أو ~~بالغباء؛ فهو يقول في أول بحثه: «كتب إلي مغفل يقول: «إذا أردت أن تلتزم فما ~~يمنعك أن تنضم إلى الحزب الشيوعي؟» وقال لي كاتب كبير التزم كثيرا، وتحرر أكثر ~~مما التزم، ولكنه نسي التزامه وتحرره: «إن أسخف الفنانين أشدهم التزاما، وانظر ~~إلى المصورين السوفييتيين.» # وشكا ناقد شيخ في هدوء قائلا: «إنك تريد أن تقتل الأدب؛ فإن ازدراء الأدب ~~الرفيع يشيع وقحا بغيضا في مجلتك.» ويصفني صاحب عقل صغير بأني قوي العقل، وهو ~~وصف يرادف عنده الإهانة كل الإهانة، وكاتب آخر يزحف متثاقلا من حرب إلى حرب ~~ويثير اسمه ذكريات متهالكة عند الشيوخ يلومني لأني لا أحفل ms247 بالخلود، وهو يعرف ~~والحمد لله كثيرا من كرام الناس يعقدون به أعظم آمالهم. # ويرى صحفي أمريكي ضئيل أن خطيئتي هي أني لم أقرأ برجسون ولا فرويد، أما ~~فلوبير الذي لم يلتزم فيظهر أنه يساورني كأنه الندم، وبعض الماكرين يغمضون ~~عيونهم قائلين: «والشعر؟ والموسيقى؟ والتصوير؟ أتريد أن تلزمها هي أيضا؟» وبعض ~~أصحاب العقول المتهيئة للحرب يقولون: ما القصة؟ أتريد الأدب الملتزم؟ فهي إذن ~~طريقة الاشتراكيين المحققين القدماء إلا أن يكون تجديدا عنيفا للشعبية ~~القديمة. ~~«ما أكثر الحماقات! وما أسرع ما يقرأ الناس وما أقل ما يفهمون! وما أكثر ما يحكمون ~~قبل أن يفهموا! فلنستأنف الحديث إذن، وهو حديث لا يسلي أحدا، ولكن يجب أن ~~نثبت المسمار».» # على هذا النحو العنيف الساخر، يبدأ جان بول سارتر دراسته، وهو يهاجم النقاد؛ ~~لأنهم يتحدثون دائما عن الأدب دون أن يبينوا ما يريدون بهذه الكلمة، وهو يريد ~~أن يعيد تحديد الأدب من جديد على طريقة ديكارت الذي يتخفف قبل كل شيء من أثقال ~~الأوهام والتقاليد، وما اتفق الناس على تسميته بالحقائق المقررة. # وأول هذه الأوهام التي يريد الكاتب أن يتخفف منها قبل أن يعرف الأدب هو هذا الوهم ~~الذي يدفع كثيرا من الناس إلى إيجاد صلة دقيقة لازمة بين الأدب والفنون الرفيعة؛ ~~فبعض الأدباء يتحدثون عن الموسيقى والتصوير حين يذكرون أدبهم، وبعض الموسيقيين ~~والمصورين يذكرون الأدب حين يتحدثون عن موسيقاهم وتصويرهم. # وما من شك في أن هذه الفنون الرفيعة تتشابه من حيث إنها وسائل للتعبير عن إحساس ~~الجمال والشعور به، ووسائل أيضا لإشراك غيرك معك فيما تحس من جمال بواسطة تعبيرك ~~عن هذا الإحساس. # ولكن هذا شيء والاتصال الدقيق بين هذه الفنون بحيث تصدق عليها كلها أحكام دقيقة ~~مشتركة شيء آخر؛ فإذا قيل إن الأدب يجب أن يلتزم ويحتمل التبعات ويتصل بحقائق ~~الحياة، فليس معنى هذا أن الفنون الرفيعة الأخرى يجب أن تخضع لهذا الحكم؛ ~~لأن هذه الفنون الرفيعة الأخرى تغاير الأدب مغايرة جوهرية. # فالموسيقى قوامها الأصوات الخالصة، والتصوير قوامه الألوان، والأدب قوامه الألفاظ، ~~وهذه ms248 المواد متغايرة في جوهرها، فيجب أن تتغاير في آثارها وفيما تخضع له من ~~الأحكام؛ فالأصوات التي تتألف منها الموسيقى، والألوان التي تأتلف منها الصورة، ~~ليست علامات يراد بها شيء آخر غيرها، وإنما هي أشياء قائمة بنفسها مستغنية ~~بنفسها، تأتلف فتدل على شيء، أو بعبارة أصح: تأتلف فتنشئ شيئا هو القطعة ~~الموسيقية أو الصورة. # على حين أن الألفاظ في نفسها ليست أشياء مستقلة، وإنما هي علامات يدل بها على ~~أشياء أخرى غيرها، والمصور حين ينشئ صورة بيت حقير لا يدل بصورته هذه ~~على شيء أكثر من البيت الحقير الذي عرضه، وهو لا يوحي إليك بما قد يكون في هذا ~~البيت الحقير من بؤس وضنك وحرمان وعذاب؛ لأنه لم يرد إلى ذلك، وإنما أراد إلى ~~أن ينشئ بيتا حقيرا فأنشأه، على حين يدل الكاتب حين يصف هذا البيت الحقير على ~~أكثر من البيت، يدل على ما يحتويه هذا البيت من آلام وأحزان وحسرات ويأس، وقد يبلغ ~~بك إلى أبعد من هذا، فيثير في نفسك عواطف الإشفاق والرحمة، أو عواطف الغيظ ~~والغضب، ويثير في نفسك بعد ذلك الرغبة في الإصلاح الاجتماعي، وقد يدفعك إلى ~~محاولة الإصلاح دفعا. # فالألفاظ إذن وسائل غايتها المعاني التي هي عواطف وأحكام وحقائق خارجية، وليس هناك ~~أمل في أن تطلب الألفاظ لنفسها أو يعنى بها الإنسان من حيث هي ألفاظ، ~~إلا أن يكون مريضا أو مجنونا، وإذن فلا غرابة في أن يطلب إلى الكاتب أشياء ~~لا تطلب إلى المصور ولا إلى الموسيقي؛ لأن فن الكاتب مغاير في مادته وجوهره ~~لفن المصور والموسيقي. # إلى أي حد تستقيم هذه الملاحظة أو يستقيم هذا الحكم المطلق الذي يقرره جان ~~بول سارتر واثقا به مطمئنا إليه، مستعليا به على خصومه؟ أما أن يبين ~~الألفاظ التي يأتلف منها الأدب، والأصوات والألوان التي يأتلف منها التصوير ~~والموسيقى تغايرا في المادة، فشيء ليس فيه شك ولا معنى للمراء فيه. # وإنما الذي أشك فيه شكا كثيرا، هو أن المصور حين يرسم البيت الحقير لا يزيد على ~~أن ms249 يرسم بيتا حقيرا، ولا يزيد على أن يشعرك بأنه قد أتقن التصوير أو لم ~~يتقنه. # وأكبر الظن أن كثيرا من آيات المصورين لا تثير الإعجاب بالجمال وحده، ~~ولكنها تثير وراء هذا الإعجاب عواطف أخرى قد تغير من اتجاه الإنسان في حياته، ~~وقد تحوله عن طريق إلى طريق، وقد تدفعه إلى محاولات عملية تغير من حياته ومن ~~حياة الناس من حوله، وأمر الموسيقى كأمر التصوير وغيره من الفنون الرفيعة ~~المختلفة. # وكل ما يمكن أن يسلم للكاتب، هو أن الأدب أصرح وأفصح وأوضح دلالة من ~~الفنون الأخرى التي تعتمد على الرمز والإيماء أكثر مما تعتمد على التعمق ~~والاستقصاء الدقيق؛ فإذا استباح جان بول سارتر لنفسه أن يلزم الأدب ويحمله ~~التبعات لأنه يعيش في بيئة، فيجب أن يصور هذه البيئة ويصلحها ويحتمل معها ~~تبعاتها، فقد يجوز أن نطالب المصورين والموسيقيين والمثالين بمثل ما نطالب به ~~الأدباء من الالتزام واحتمال التبعات، ويخيل إلي أنهم لم ينتظروا أن نطالبهم ~~بهذا الالتزام! فالذين صوروا مشاهد الدين وأقاموا المساجد والكنائس والتماثيل التي ~~تصور هذا الشخص أو ذاك وهذه الفكرة أو تلك، مهما تكن شخصيتهم وعبقريتهم ~~واستقلالهم، قد تأثروا بالبيئة التي عاشوا فيها وأثروا في هذه البيئة وفي ~~البيئات الأخرى التي عاصرتها أو تبعتها؛ فهم إذن ملتزمون مشاركون في احتمال ~~التبعات. # وقد يكون الفرق عظيما هائلا بين تصريح الأدب وتلميح التصوير، ولكن الشيء ~~المحقق أن تأثير الفن في إذكاء العواطف الدينية مثلا، ليس أقل من تأثير ~~الكلام. # وملاحظة أخرى: يخيل إلي أن جان بول سارتر لم يوفق فيها للصواب كله، ~~وهي التي تتصل بالشعر؛ فهو يريد أن يلزم الشعر كما يلزم النثر، وهو يتوسل إلى ~~ذلك بنفس المنهج الذي أعفى به الفنون الرفيعة الأخرى من الالتزام، وهو ~~يعترف بأن الشعر يأتلف من الألفاظ التي يأتلف منها النثر، ولكنه يرى ~~مصيبا أن نظر الشاعر إلى الألفاظ مخالف أشد المخالفة لنظر الناثر إليها؛ ~~فالألفاظ عند الناثر وسائل لا أكثر، وهي عند الشاعر غايات يريد الكاتب بألفاظه أن ~~يؤدي المعاني، ويريد ms250 الشاعر أن يجد في الألفاظ نفسها جمالا خاصا يستكشفه ~~ويحققه بما يحدث بين هذه الألفاظ من الائتلاف. # ولا يستطيع جان بول سارتر أن يقصر عناية الشاعر على الألفاظ وما يكون من ائتلافها ~~واختلافها؛ فهناك معان وحقائق يحاول الشاعر أن يدل عليها بشعره، ولكن هذه ~~المعاني والحقائق ليست هي الأشياء التي يقصد إليها الشاعر مباشرة حين ينظم الشعر، ~~وإنما هو يجد هذه المعاني في نفسه ويجد هذه الحقائق في الخارج، ويحاول أن ~~يتخذ من الألفاظ رموزا لها وصورا تدل عليها من بعيد. # وإذن فلا حرج على الشاعر إذا لم يلتزم، ولم يحتمل التبعات، ولم يتصل بحقائق الحياة ~~الواقعة الإنسانية متأثرا بها مؤثرا فيها دافعا إلى تغييرها إن احتاجت إلى ~~التغيير، وإلى صيانتها إن احتاجت إلى الصيانة والبقاء، وهذا حق في جملته، ولكن ~~جان بول سارتر إنما يتحدث عن الشعر المعاصر عند بعض الأوروبيين، أو عن بعض ~~المذاهب لبعض الشعراء المعاصرين. # وأمامه مشكلة خطيرة لم يحلها، بل لم يحاول أن يحلها، بل لم يشر إليها من قريب أو ~~بعيد، وهي أن الإنسانية المثقفة تكلمت شعرا قبل أن تتكلم نثرا، وأدت بالشعر ~~أغراض الحضارة كلها في وقت من الأوقات؛ فقد كان الشعراء إذن يلتزمون ويحتملون ~~التبعات، يتأثرون بالحياة الواقعة، ويؤثرون فيها إلى حد أن كان الشعر بالقياس ~~إلى الإنسانية القديمة مصدرا خطيرا من مصادر التاريخ. # ومن أسخف السخف أن يقال إن شعراء الإلياذة والأودسة والشعراء الغنائيين ~~والممثلين عند اليونان والرومان وفي العصر الحديث، لم يكونوا يلتزمون ولم يكونوا ~~يقصدون إلى المعاني في أنفسها، ولم يكونوا يتخذون الألفاظ وسائل إلى هذه ~~المعاني. # وهناك حقيقة أدبية أخرى لم يلتفت إليها جان بول سارتر مريدا أو غير مريد ألا ~~يلتفت إليها، وهي أن الكتاب الناثرين قد يذهبون مذهب الشعراء، فيعنون ~~بالألفاظ في أنفسها ويتخذونها غاية فنية، ومظهرا من مظاهر الجمال، ووسيلة إلى ~~إثارة الإعجاب والبهجة اللذين يثيرهما الشعر. # وسواء أكان هذا الفن النثري مشروعا كما يقول أصحاب القانون، أم غير مشروع، فإنه ~~موجود وموجود في الآداب ms251 الكبرى كلها قديمها وحديثها. # والباحث المنصف يجب عليه أن يأخذ الظواهر كما يريد أن تكون، ومن الظواهر الأدبية ~~الواقعة المحققة أن الشعراء قد يقصدون إلى المعاني ويتخذون الألفاظ وسائل ~~إليها، وأن الكتاب قد يعنون بالألفاظ ويتخذونها في أنفسها مادة للفن. # فإذا كان الالتزام واحتمال التبعات منوطا باعتبار الألفاظ وسائل والمعاني غايات، ~~فأصحاب المعاني من الشعراء والكتاب سواء في الالتزام، وأصحاب الألفاظ من الشعراء ~~والكتاب سواء في التحرر من هذا الالتزام. # والنتيجة البسيطة الواضحة التي ننتهي إليها، هو: أن كاتبنا الوجودي العظيم قد ~~يكون موفقا في الفلسفة، وإن كان الفلاسفة لا يعترفون له بهذا التوفيق، ولكن ~~المحقق أنه ليس موفقا في الأدب، وأن أحكامه على الشعر والنثر والفنون ~~الرفيعة حين تتصل بقضية الالتزام هذه تقوم على التحكم أكثر مما تقوم على أي شيء ~~آخر. # وقد رأيت أن المصورين والمثالين والبنائين والموسيقيين يمكن أن يلتزموا ~~ويحتملوا التبعات، وقد التزموا بالفعل واحتملوا التبعات، وأن الشعراء يمكن أن ~~يلتزموا ويحتملوا التبعات، وقد التزموا بالفعل واحتملوا التبعات قبل أن يوجد ~~النثر، وبعد أن وجد النثر، وفي العصر الذي نعيش فيه، وفي البيئة التي يعيش فيها ~~جان بول سارتر نفسه. # فشعراء المقاومة الفرنسية قد التزموا بشعرهم، وعرضوا أنفسهم بهذا الشعر لأخطار ~~هائلة، فاحتملوا من التبعات المعنوية والمادية ما يعرفه جان بول سارتر حق ~~المعرفة، ولست أدري أيكون هؤلاء الشعراء منتمين إلى أحزابهم السياسية ~~اليسارية لأنهم التزموا بشعرهم ففرض عليهم هذا الشعر أن يكونوا يساريين، أم يكون ~~هؤلاء الشعراء شعراء ملتزمين محتملين للتبعات لأنهم يساريون دفعتهم تبعات ~~أحزابهم إلى أن يقولوا ما قالوا من الشعر. # ولكني حسن الظن بالإنسانية، وبالإنسانية المثقفة الممتازة، وأنا أرى من أجل ذلك ~~أن أراجون مثلا شيوعي؛ لأن شعره دفعه إلى الشيوعية، لا أنه شاعر لأن شيوعيته ~~دفعته إلى الشعر أو فرضت عليه الشعر فرضا. # فالفن الرفيع سواء أكان أدبا منثورا أم منظوما أم شيئا آخر غير الأدب أوسع ~~جوا من هذه الأغراض الضئيلة التي يختصم حولها الناس؛ فأراجون مثلا له شعره ~~السياسي، ms252 ولكن له أيضا شعره الخالص الذي لا يتصل بالسياسة من قريب أو بعيد، ~~ولا يمس الإصلاح الاجتماعي أو النظام السياسي، وهو ملتزم دائما، ملتزم حين ~~يمس السياسة والاجتماع أمام الفن أولا وأمام الجماعة ثانيا، وملتزم حين ~~لا يمس السياسة ولا الاجتماع أمام الفن نفسه، وحسبك بالفن محاسبا عسيرا يعرف ~~كيف يأخذ الفنانين بما يجب أن يحتملوا من التبعات. # وملاحظة أخرى لجان بول سارتر لم يوفق فيها للصواب كله، وإنما وفق فيها ~~لسخرية ظريفة طريفة لعلها أن تعفيه من تبعات الخطأ الذي تورط فيه؛ فهو قد ~~عرض للنقد والنقاد عرضا رائعا حقا، ولكنه بعيد عن الإنصاف ~~أيضا. # وأكبر الظن أن مصدر جوره على النقاد أنهم لا يرفقون به ولا يرقون له ولا ~~يعطفون عليه؛ فهو يزعم أن النقاد إنما يعنون بالموت أكثر مما يعنون ~~بالحياة، وبالأموات أكثر مما يعنون بالأحياء. # وهو يصور لنا الناقد ضيقا بامرأته التي تعنف به، وبأبنائه الذين يثقلون ~~عليه، هاربا منهم إلى خزانة كتبه حيث يعاشر الموتى من الكتاب، يفزع إلى ~~معاشرتهم، ويأنس بهذه المعاشرة ويستعين بها على كسب القوت حين ينقضي ~~الشهر. # وهذا في نفسه كلام ظريف قد تكون له روعته وجماله، ولكنه في حقيقة الأمر كلام ~~فارغ لا يدل على شيء، فسواء أراد جان بول سارتر أم لم يرد، فقدماء الكتاب ~~والشعراء والفلاسفة قد ماتت أجسامهم، ولكن نثرهم وفلسفتهم لم تمت، والنقاد ~~يعيشون على هذه الآثار الخالدة الحية كما يعيش عليها جان بول سارتر نفسه. # وهو في هذه الدراسة نفسها يذكر كانت وهيجل، وقد ماتا منذ زمن طويل، ولكن فلسفتهما ~~ما زالت حية تغذوه هو وتغذو غيره من الوجوديين، كما تغذو النقاد الذين لا يحبهم ~~جان بول سارتر؛ لأنهم لا يحبونه ولا يهدون إليه الثناء. # ومن أسخف السخف أن يقول قائل: إن معاشرة أفلاطون وسيسيرون والجاحظ وڤولتير إنما ~~هي حياة مع الموتى وإقامة بين القبور؛ فإن هذا الكلام إن دل على شيء فإنما ~~يدل على الحنق والغيظ والغرور، وأكبر الظن أن جان بول سارتر لم ms253 يرد به إلا ~~إلى أن يغيظ النقاد ويحفظهم ويسخر منهم شفاء لبعض ما في صدره من ~~موجدة. # على أن من الحق أن جان بول سارتر قد أتيح له التوفيق حين عرض للقسم الثاني من ~~دراسته، وهو «لماذا نكتب»، وإن كان يغلو فيما يقرر في هذا القسم من الأحكام كما ~~يغلو في أكثر أحكامه؛ فهو مثلا لا يؤمن بأن الكاتب قد يكتب لنفسه لا للناس، ~~ومن المحقق أن الكاتب يكتب للناس، ولكن من المحقق أيضا أن كثيرا من الكتاب ~~والشعراء يخدعون أنفسهم أو يخدعون عن أنفسهم فيعتقدون مخلصين أنهم لا يكتبون لأحد ~~غير أنفسهم، وأنهم لم يريدوا أن يذيعوا ما كتبوا، وإنما أكرهوا على ذلك ~~إكراها؛ أكرههم على ذلك أصدقاؤهم والمعجبون بهم، واختلست منهم آثارهم ~~اختلاسا، فنشرت على غير رضا منهم، وأذيعت على غير رغبة منهم في أن ~~تذاع. # ولست أدري أين قرأت أن بول فاليري أنشأ مقبرته البحرية، وجعل يعيد النظر فيها ~~وقتا طويلا مغيرا ومبدلا، يحذف من هنا ويضيف إلى هناك، حتى زاره جاك ~~ريفيير، فاختطف القصيدة منه اختطافا، وكان هذا أول إذاعتها. # وما أشك في أن الكتاب والشعراء والفنانين يخدعون أنفسهم، ولكني لا أشك في ~~أنهم كثيرا ما يخلصون في هذا الخداع أو الانخداع، ومن الناس من لا يكره إطالة ~~النظر في المرآة، ومنهم من لا يكره إطالة العكوف على نفسه والانحناء على أعماقها، ~~فليس ما يمنع أن يكتب بعض الكتاب ليتخفف مما يثقله من الخواطر والآراء، ثم ~~يجد اللذة في أن ينظر فيما كتب مصلحا له يلتمس الكمال، أو محدقا فيه كما ~~يحدق في المرآة. # ولكن أكثر الكتاب والشعراء والفنانين ينتجون للناس قبل أن ينتجوا لأنفسهم، ~~أو قل مع جان بول سارتر؛ إنهم ينتجون لأنفسهم وللناس. فالإنتاج الأدبي عندهم ~~مشاركة متصلة بين الكاتب والقارئ، أو بين المنتج والمستهلك، كما يقول أصحاب ~~الاقتصاد. # ولكن لماذا يكتب الكاتب؟ ولماذا يقرأ القارئ؟ وما عسى أن تكون القوانين التي تنظم ~~الصلة بين القارئ والكاتب، أو التي تصف هذه الصلة وصفا دقيقا ms254 وتصورها تصويرا ~~صادقا كما تصف قوانين العلم ظواهر الحياة؟ يلاحظ جان بول سارتر أمرين يدفعان ~~الكاتب إلى أن يكتب، بل يدفعان الفنان إلى أن ينتج على اختلاف الفنون؛ أحدهما: ~~أن الفنان يريد أن يشعر نفسه بأنه كائن أساسي في هذا العالم الذي يعيش ~~فيه؛ فحقائق الحياة وحقائق الطبيعة موجودة سواء أعرفها الإنسان أم لم يعرفها، ~~ولكن وجودها إغراق في النوم، وإغراق في النوم العميق السخيف، إلى أن يظهر عليها ~~الإنسان فيعطيها معنى ويرسم لها أغراضا وغايات. # فالزهرة الجميلة زهرة ما، لا قيمة لها ولا لجمالها إلا أن تعرف وتقوم ~~ويصور جمالها، والإنسان هو الذي يستطيع أن يعرفها وأن يقومها وأن يخلع ~~عليها هذا الجمال، وهو لا يخلع عليها جمالها الموضوعي الذي لا قيمة له في نفسه، ~~وإنما يخلع عليها جمالا ذاتيا ينشئه هو في نفسه إنشاء ويضفيه على الزهرة ~~إضفاء. # فلون الزهرة وتكوينها وائتلاف أوراقها على نحو ما من الائتلاف، كل هذه أشياء ~~يعللها علم النبات تعليله الموضوعي الخالص الذي لا يثير إعجابا ولا شعورا ~~بالجمال، وإنما يحقق معرفة، والفنان هو الذي يجد في هذا اللون، وفي هذا ~~التكوين، وفي هذا النوع من ائتلاف الأوراق، شيئا آخر غير التعليل الموضوعي العلمي ~~يخلعه عليها من جهة، ثم يسترده منها من جهة أخرى فينشئ بينها وبينه صلة هي ~~الحركة الأولى من حركات الفن. # وقل مثل ذلك في الشجرة القائمة على شاطئ النهر، ومن حولها الشجيرات والأزهار، ~~والعشب قد انبسط على الأرض، والطير قد استقرت على الغصون متأرجحة متغنية، على ما ~~في هذا المنظر أو المناظر كلها من اختلاف وائتلاف؛ فهي في نفسها ليست شيئا إذا لم ~~يعرفها الإنسان، وهي في نفسها إذا عرفها الإنسان ليست شيئا جميلا إذا لم ينظر ~~إليها إلا هذه النظرة الموضوعية التي ترد الظواهر إلى أصولها وأسبابها، ~~ولكنها تصبح شيئا ذا خطر، تصبح شيئا يعني الفن حين ينظر إليها الإنسان نظرته ~~الذاتية، فيجد فيها ما يثير عواطفه المختلفة وأهواءه المتباينة. # فالإنسان إذن حريص على أن يزيل عن الكائنات ms255 ما يحجبها عن نفسه وقلبه وعقله ~~وضميره؛ فحركته الفنية الأولى هي التجريد أو التعرية أو إزالة الحجب ورفع ~~الأستار، وهو إنما يصنع هذا لأنه يريد أو لأنه يشعر بالحاجة الملحة إلى ~~أن يرى نفسه كائنا أساسيا لا يستغني عنه العالم لتظهر دقائقه وتتجلى ~~أسراره. # الأمر الثاني: حاجة الإنسان بطبعه إلى أن يشرك نظراءه فيما يجد من حس وشعور، وما ~~يستكشف من فكرة ورأي؛ فهو لا يجرد الكائنات لنفسه وحدها، وإنما يريد أن يحس ~~غيره مثل ما يحس، وأن يرى غيره مثل ما يرى، وهذه هي المرحلة الثانية من مراحل ~~الفن؛ فالإنسان يكتب لأنه يريد أن يجرد العالم، ولأنه يريد أن يشرك غيره في ~~النظر إلى هذا العالم المجرد العريان. # وتجريد الإنسان للعالم عمل حر يأتيه الإنسان عن إرادة وعمد، وإشراك النظراء في ~~النظر إلى هذا العالم المجرد عمل حر أيضا يأتيه الإنسان عن إرادة وعمد؛ ~~فالإنتاج الأدبي - في رأي جان بول سارتر - مظهر من مظاهر الحرية، أما القارئ ~~فهو يستجيب لدعاء الكاتب؛ لأن كتابة الكاتب ليست إلا ادعاء أنه يحس ويشعر، ~~ويدعو غيره إلى أن يشاركه في الحس والشعور. # وهنا يلح جان بول سارتر فيما قدمت الاعتراض من أن الكاتب لا يكتب لنفسه؛ ذلك ~~أنه حين يكتب لا يرى ما يكتبه إلا شيئا فشيئا بمقدار ما تتصور كلماته في ~~الصحف؛ فهو لا يتنبأ بآخر ما يكتب، وإنما يسعى إليه سعيا قد تصوره جملة ~~قبل أن يكتب أو لم يتصوره، ولكنه على كل حال يجد لذة هي لذة الكتابة لا لذة ~~القراءة. # وهو من أجل هذا يشعر بأن عمله ناقص لا يتم ولا ينتهي إلى غايته إلا إذا أعانه ~~القارئ على إتمامه والوصول به إلى غايته؛ فإذا استجاب القارئ للكاتب تم عمله، وإذا ~~لم يستجب له ظل هذا العمل ناقصا مبتورا. # والقارئ لا يستجيب للكاتب مكرها، وإنما يستجيب له حرا مريدا عامدا إلى ~~هذه الاستجابة، والقارئ لا ينشئ عملا مستقلا عن الكاتب، فلولا الكاتب ما ~~قرأ القارئ؛ فهو إذن يعاون الكاتب ms256 ويتممه بأدق معاني كلمة المعاونة ~~والإتمام؛ ذلك أن الكاتب لا يودع الصحف كل ما في نفسه لأنه لا يستطيع ذلك ولا ~~يريده، وإنما هو يرسم ما في نفسه رسما تخطيطيا يرشد به القارئ إلى أن يملأ ~~ما بين الخطوط. # فالقارئ إذن ليس قابلا فحسب، ولكنه قابل من جهة وفاعل من جهة أخرى، أمره في ذلك ~~كأمر الكاتب بالضبط؛ لأن الكاتب قابل حين يتأثر بالعالم الخارجي، وفاعل حين ~~يعيد إنشاء هذا العالم الخارجي. # والقارئ متأثر حين يتلقى الرسم التخطيطي الذي دعاه الكاتب إلى النظر فيه، وهو ~~منشئ حين يملأ ما بين الخطوط، ويتمم ما بدأ الكاتب من الرسم والإنشاء. # وإذن فالأدب حرية كله، حرية حين ينشئه الكاتب، وحرية حين يتم القارئ ~~إنشاءه، وهذه الحرية الفاعلة تتخذ الانفعال وسيلة إلى الفعل، وتتخذ التأثر ~~والخضوع وسيلة إلى الإنشاء والتأثير؛ فالكاتب متأثر، وتأثره هذا وسيلة إلى ~~تأثيره، والقارئ متأثر وتأثره هذا وسيلة إلى تأثيره أيضا. # وأنا معتذر إلى القارئ العربي مما قد يكون في هذا الكلام من الغموض، ومن ترديد ~~ألفاظ بعينها أكثر مما ينبغي، ولكني أحب أن يلاحظ القارئ أني ألخص له ~~دراسة لجان بول سارتر أديب الوجوديين الفرنسيين، وصاحب كتاب «الكون ~~والعدم». # وهناك شيء لم يقف عنده جان بول سارتر، مع أنه خليق بالعناية، وهو أن الكاتب ~~واحد، وأن قراءه كثيرون يختلفون فيما بينهم اختلافا شديدا في الأمزجة ~~والطباع والاستعداد والذوق والثقافة، وينشأ من ذلك اختلافهم في تقدير الأشياء ~~والحكم عليها. # وهؤلاء القراء يعاصرون الكاتب دائما، وقد يعيشون بعده أزمانا تقصر وتطول ~~بمقدار ما يقدر لأثره من البقاء، وهم يختلفون حين يعاصرونه، ويختلفون بعد أن ~~يموت، وكلما أتيح للأثر الفني الخلود عظم حظه من اختلاف القراء بالتأثر ~~والحكم والتقدير. # وإذن فالكاتب لا ينشئ أثرا واحدا حين يؤلف كتابا واحدا، وإنما ينشئ آثارا ~~لا تحصى، أو قل: آثارا بمقدار ما يتاح له من القراء. # وواضح جدا أن قصة من قصص شكسبير تترك في نفوس القراء آثارا تتفق في جملتها، ~~ولكنها تختلف في تفصيلها ms257 اختلافا لا سبيل إلى ضبطه، وواضح جدا أن هذا التمثال ~~اليوناني قد ترك في نفوس اليونان أنفسهم آثارا متباينة، وترك في نفوس المحدثين ~~آثارا تختلف باختلاف القرون. # فالكاتب إذن ينشئ ولكنه يدعو الأجيال المختلفة إلى الإنشاء، ومن هنا تظهر قيمة ~~الالتزام الذي يدعو إليه جان بول سارتر؛ فيجب على الكاتب أن يقدر عمله ~~ونتائجه، وأن يحتمل تبعات هذا العمل وهذه النتائج، والكاتب مدفوع إلى الكتابة ~~بحريته التي تدفعه إلى شيء من الكرم والجود والتنزه عن الأثرة والبخل. # والقارئ مدفوع إلى القراءة لحاجته إلى أن يتلقى أولا وإلى أن يعطي ثانيا، ~~وإذن فالتبعة الأدبية ليست مقصورة على الكاتب وحده، ولكنها شركة بينه وبين ~~قرائه. # وهنا يصل جان بول سارتر إلى نتيجة لا تخلو من روعة، وهي أن الأدب ما دام مصدره ~~الحرية والإيثار واحتمال التبعات، فلا يمكن أن يكون شرا ولا أن يدعو إلى الشر ~~مهما تكن مادته وموضوعه؛ ذلك أن الحرية خير والإيثار خير، وما يصدر عن الخير يجب ~~أن يكون خيرا آخر الأمر. # فما يسميه الغربيون أدبا أسود لا حظ له في حقيقة الأمر من السواد؛ لأن منتج ~~هذا الأدب إنما رأى شرا فأراد إصلاحه، وقارئ هذا الأدب إنما رأى ابتداء ~~الإصلاح فأراد إتمامه. # ونتيجة أخرى لا تخلو من روعة يصل إليها جان بول سارتر، وهو أن الأدب حر فلا ~~يمكن أن يتجه إلى العبيد، وآية ذلك أن القارئ لا يقرأ إلا عن حرية، وإذا ذكرنا ~~القارئ الحر فإنما نريد القارئ بأدق معاني هذه الكلمة، القارئ الذي يتعمد القراءة ~~ويتعمد الفهم، ويتعمد إذاعة ما قرأ وما فهم، ومن هنا يقول جان بول سارتر: إن ~~الديمقراطية هي أشد النظم ملاءمة للأدب. # وهذا الكلام قد يكون صحيحا، ولكن بشرط أن نتوسع في معنى الديمقراطية شيئا ما، ~~وأن نتجاوز بها حدودها السياسية التي ترسم لها في كتب السياسة والقانون؛ فقد ~~كان عصر بيركليس ديمقراطيا، ولكن عصر أغسطس والرشيد ولويس الرابع عشر لم تكن ~~عصورا ديمقراطية وقد ازدهر فيها الأدب ازدهارا عظيما. # وربما ms258 كانت كلمة الحرية هنا أشد ملاءمة من كلمة الديمقراطية، فهؤلاء الملوك ~~المتسلطون المستبدون كانوا يتسلطون ويستبدون في حدود لا يكادون يتجاوزونها، ~~وكانوا يتركون للعقول والقلوب والألسنة حرية لعلها لا تقل عما تستمتع به ~~الآن. # والفكرة التي يرمي إليها جان بول سارتر هي أن الأدب والدكتاتورية لا يتفقان؛ ~~لأن الدكتاتورية لا تعرف حدودا للتسلط والاستبداد، وإنما تتدخل في كل شيء، ~~وتفرض نفسها على كل شيء، وتريد أن تنظم كل شيء، فتهدر بذلك حرية الأفراد ~~والجماعات إهدارا. # وبعد فكل هذه الخصائص التي صورها جان بول سارتر للإنتاج الأدبي، والتي يبين لنا ~~بها لماذا نكتب، ليست مقصورة على النثر من دون الشعر، وليست مقصورة على الأدب من ~~دون الفنون الرفيعة كلها، وإنما هي شائعة بين هذه الفنون جميعا؛ فإذا كان من ~~شأنها أن تفرض على الكتاب أن يلتزموا ويحتملوا التبعات، فمن شأنها أن تفرض ~~على الشعراء والموسيقيين والمصورين والمثالين وغيرهم من أصحاب الفن الرفيع ~~كائنا ما يكون الفن، أن يلتزموا ويحتملوا التبعات. # وربما كان وجه الحق في هذه القضية هو أن لكل شيء موضعه، وأن كل صاحب فن ~~ملتزم محتمل تبعاته أمام الفن أولا ، وأمام الذوق العام ثانيا، ثم أمام ~~طوائف بعينها من الناس إذا كان من شأن موضوعه أن يلزمه ويحمله التبعات أمام هذه ~~الطوائف من الناس. # فالأديب الذي يعرض للسياسة ملتزم أمام فنه الأدبي وأمام مذهبه السياسي، وقل مثل ~~ذلك في الأديب الذي يعرض لشئون الاجتماع، ولم يحظر أحد على أديب ولا على صاحب فن ~~أن يعالج من الموضوعات ما لا يلزمه إلا أمام الفن والذوق وحدهما. # وقد أعود إلى هذا الموضوع بعد أن أتم قراءة ما كتب جان بول سارتر عن القسم ~~الثالث من دراسته، وهو: «لمن نكتب؟» # | إجازة # لا أريد تلك الإجازة التي كان القدماء من علمائنا يهدونها إلى تلاميذهم؛ فتكون ~~إذنا لهم بأن ينقلوا عنهم هذا الكتاب أو ذاك، مما نقلوا من غيرهم أو أنشأوا من ~~عند أنفسهم، والتي ظل المحافظون من علمائنا يتلقونها من أساتذتهم، ويهدونها ~~إلى ms259 تلاميذهم، ولا سيما فيما يتصل بالحديث، يكتبونها نثرا في أكثر الأحيان، ~~ويتأنقون فينظمونها شعرا بين حين وحين. # ولا أريد الإجازة التي نشأت عن هذا المعنى القديم، واستعملت في العصر الحديث لتدل ~~على شيء محدث لم يكن مألوفا فيما مضى من الزمان، وهو هذا الإذن الرسمي الذي ~~تمنحه الجامعات، ومعاهد العلم للذين يتخرجون فيها من التلاميذ، وتبيح لهم به أن ~~يعلموا الأجيال الناشئة ما تعلموا من الأجيال الماضية. # لا أريد إجازة الأستاذ القديم لتلميذه القديم، ولا إجازة التدريس التي تمنحها ~~الجامعات الحديثة للتلاميذ المحدثين، متأثرة في تسميتها بالجامعات الأوروبية في ~~القرون الوسطى، أكثر من تأثرها بسنتنا الموروثة وتقليدنا القديم. # ولا أريد الإجازة التي تصدر عن الملوك والأمراء وأشباه الملوك والأمراء إلى الشعراء ~~والكتاب، فتمنحهم الجوائز السنية من الذهب والفضة والجوهر، ومن الإبل والشاء ~~والطعام والثياب، وإنما أريد الإجازة بمعناها الشائع الحديث بين الموظفين من ~~جهة، وبين الطلاب والتلاميذ نقلا عن الموظفين من جهة أخرى؛ فلم نكن أيام الشباب ~~نطلق لفظ الإجازة على ما يتاح للمعلمين والمتعلمين من أيام الفراغ، وإنما كنا ~~نسمي ذلك تسمية أخرى يسيرة واضحة قريبة الدلالة، كنا نسميها ~~«المسامحة ». # وكنا نعرف المسامحات الطوال حين يقبل فصل الصيف، وحين يظل شهر رمضان أساتذة ~~الأزهر وتلاميذه أثناء الشتاء، والمسامحات القصار حين تعود الأعياد وتظل ~~المواسم. # وكنا نفهم من هذه الكلمة أن النظام الأزهري أو المدرسي يسامح المعلمين ~~والمتعلمين، ويأذن لهم في أن يستريحوا من جهد الدرس ومشقة الطلب وخشونة الحياة، ~~وفي أن يعودوا إلى أهلهم في المدن والقرى؛ ليجدوا عندهم أياما فارغة، تستريح فيها ~~العقول، وتنمو فيها الأجسام، وتستمتع فيها النفوس بشيء من الروح والهدوء. # وكانت كلمة المسامحة هذه تؤدي معناها في قوة ويسر، لا نكاد ننطق بها حتى نفهم ~~منها الراحة والدعة والحرية والنوم إلى أن يرتفع الضحى، لا نستيقظ قبل أن ~~ندعى إلى صلاة الفجر لنشهد الصلاة ونسمع الدروس، والنوم إذا زالت الشمس ~~واجتمعنا حول مائدة الغداء وتفرقنا عنها، لا نعجل عن ذلك بدرس النحو أو درس ~~البلاغة، ms260 والسهر حتى يتقدم الليل فيبلغ نصفه أو يتجاوز النصف، نسمر أثناء ذلك ~~بما يسلي ويلهي، ولا نشق على أنفسنا بتلك المشكلات العلمية التي كانت تكلفنا ~~ألوان العناء. # ولست أدري كيف أعرضنا عن كلمة المسامحة تلك السمحة الحلوة التي يمتد بها الصوت ~~ويشارك في النطق بها الحلق واللسان والشفتان، إلى كلمة الإجازة هذه القصيرة التي ~~اجتمع بعض حروفها على بعض فلا يكاد الصوت يمتد بها، ولا تكاد النفس تجد حين يجري ~~بها اللسان شيئا من راحة أو دعة أو هدوء. # وأكبر الظن أن الموظفين هم الذين أدوا هذه الكلمة إلى أبنائهم، فاصطنعوها ليدلوا ~~بها على أيام الراحة والفراغ، يرون في اصطناعها شيئا من ترف، ويقلدون آباءهم ~~حين يدلون بهذه الكلمة على ما تمنحهم الدولة من أيام الفراغ في كل عام. # ومهما يكن من شيء، فإني أريد أن أتحدث عن الإجازة بهذا المعنى الذي يستعملها فيه ~~الموظفون والمحدثون من الطلاب والتلاميذ، وهو هذه الأيام الطوال أو القصار التي ~~تمنح للموظفين والطلاب والتلاميذ، والتي نمنحها نحن لأنفسنا حين نكون أحرارا ~~لا من أولئك ولا من هؤلاء، نرفه فيها على أنفسنا، ونستريح فيها من عناء الأعمال، ~~كما يقال. # وواضح أني إنما أتحدث عن هذه الإجازة؛ لأني منحت نفسي إجازة أريح فيها ~~وأستريح من هذا العناء الطويل الثقيل الذي أنفقت فيه العام، فتعبت ~~وأتعبت، وشقيت وأشقيت، وأحسست الحاجة إلى أن أريح نفسي من التعب والإتعاب، ومن ~~الشقاء والإشقاء، وأريح الناس الذين يتصلون بي من قرب أو بعد أشهرا أو أسابيع، ~~فلا أفكر فيهم ولا يفكرون في، ولا أشقى بالكتابة لهم ولا يشقون بالقراءة لي، ~~ولا أضني نفسي بالاتصال بهم ولا يضنون أنفسهم بالاتصال بي. # وقد يخيل إلى كثير جدا من الناس أن معنى الإجازة مختصر قصير كلفظها، ~~فهي أيام راحة ودعة وفراغ لا أكثر ولا أقل. # ولكنهم لو فكروا قليلا لتبينوا أن معنى الإجازة أوسع وأعمق وأطول من لفظها، ~~وأنه أدق وأشد تعقيدا مما يظنون، ولو لم يكن أمامنا إلا هذه الألفاظ ~~الثلاثة نحللها ونستقصي ms261 معانيها لنفهم معنى الإجازة، لكان هذا في نفسه عسيرا ~~شاقا، فكيف وأمامنا أشياء أخرى أكثر وأعسر من هذه الألفاظ الثلاثة وكلها يحتاج ~~إلى التحليل، وكلها يحتاج إلى الاستقصاء! # فلنكتف الآن بهذه الألفاظ الثلاثة لا لنستقصي معانيها بل لنلم بهذه المعاني؛ ~~فالإجازة أيام راحة، فما عسى أن تكون الراحة؟ ما موضوعها وما طبيعتها؟ وما ~~وسائلها وما غايتها؟ # تريد أن تستريح، فمم تريد أن تستريح؟ وممن تريد أن تستريح؟ ألست ترى أن الجواب ~~عن هذين السؤالين يختلف أشد الاختلاف ويتفاوت بتفاوت الأشخاص وطبائعهم، وما ~~يمارسون من أعمال، وما ينعمون أو يشقون به من ألوان الحياة منذ يسفر الصبح إلى ~~أن يتقدم الليل؟ أما أنا فإذا ذكرت الإجازة وذكرت أنها أيام راحة لي، ~~وحاولت أن أعرف مم أريد أن أستريح، فقد يكون أول ما يخطر لي أني أريد ~~أن أستريح من ثلاثة أشياء أشقى بها في مصر شقاء لا يكاد أحد يتصوره أو ~~يقدره؛ أولها: التليفون الذي يصلصل جرسه منذ تشرق الشمس إلى أن تشرق الشمس، ~~لا ينقطع عن الصلصلة إلا ليستأنفها، ولا يكف عنها إلا ليعود إليها. وصلصلة جرس ~~التليفون هذه مختلفة متنوعة معقدة، فيها كثير من العسر، وفيها كثير من الهم، ~~وفيها كثير من العناء، وفيها قليل جدا من النعيم الذي تبتهج له النفوس وتطمئن ~~إليه القلوب. # فهذه صلصلة تستلك من السرير استلالا ولما تشرق الشمس، فإذا قطعتها واستمعت ~~إلى هذا الصوت الذي يدعوك من أقصى الخيط، كما يقول الفرنسيون، فقد تقع أذنك أو يقع ~~على أذنك صوت لا عهد لك به ولا أرب لك فيه؛ صوت مخطئ أراد أن يهدي إلى غيرك ~~خيرا أو شرا، وأبى سوء الظن إلا أن يغلط به، فما زال يلح على أداة ~~التليفون، وما زال الجرس يصلصل حتى أزعجك عن راحتك وأخرجك من نومك، واستلك من ~~سريرك. ثم تسمع ثم تنكر، ثم ترد مغضبا أو غير مغضب، ثم تضع أداة التليفون كما ~~ينبغي لها أن توضع عنيفا بها أو رفيقا، ثم تعود إلى نفسك، وإذا ms262 أنت تجد شيئا ~~مرا بغيضا يصور الحنق على من أخرجك من نومك الهادئ المطمئن، وأزعجك عن راحتك ~~واستقرارك، ويصور خيبة الأمل لأنك لم تجد من وراء هذا كله إلا هباء لا خطر له ~~ولا غناء فيه. # وقد يصلصل جرس التليفون فيزعجك عن راحتك ويصرفك عن حلم لذيذ ويذود عنك نوما ~~هنيئا، فإذا بلغت أداة التليفون سمعت صوتا تعرفه فأنبأك في أكثر الأحيان بما ~~لا تحب، وابتدأ لك يوما منكرا؛ لأن الناس يبخلون عادة بما يسر من ~~الأنباء، وتطيب أنفسهم عن الأنباء السيئة يعجلون بها إليك في غير أناة ولا رفق ~~ولا استحياء. # وقد يصلصل جرس التليفون فيزعجك ويثقل عليك، ويكلفك من المشقة فنونا ومن الجهد ~~ألوانا، حتى إذا سمعت لصوت من دعاك ضقت بالدنيا وضاقت الدنيا بك؛ لأنك ~~تجد نفسك بإزاء رجل سخيف يسألك عن شيء سخيف أو يحمل إليك نبأ سخيفا، وإذا ~~ابتدأت هذه الصلصلة المختلفة المتنوعة فهيهات أن تسكن أو تهدأ أو تقطع، وإنما ~~هي متصلة ملحة، حتى تصبح جلجلة لا صلصلة، وحتى تبغض إليك الحياة ~~والأحياء وما حولك من الأشياء. # ولست أدري أحاول بعض الناس أن يقارنوا بين اصطناع التليفون في مصر واصطناعه في ~~غيرها من البلاد، ولكن الشيء الذي أحققه هو أن أهل القاهرة خاصة يسرفون ~~على أنفسهم وعلى الناس في اصطناع التليفون إسرافا شديدا، لا يرفق أحد منهم ~~بنفسه ولا يرفق أحد منهم بغيره، لا يفرقون بين العجلة والريث ولا بين ما ينبغي أن ~~يؤدى من الرسائل في سرعة، وما يمكن أن ينتظر به إلى وقت يقصر أو يطول. # والمصريون أصحاب فصاحة ولسن وفيهم غرور وعجب، وهم يحبون أصواتهم ويحبون ~~ألفاظهم ويحبون ما يصدر عنهم من قول أو عمل، وهم إذا بدءوا الحديث لم يعرفوا كيف ~~يفرغون منه، وهم لا يفرقون بين الحديث الذي يسوقونه إليك وجها لوجه، والحديث ~~الذي يسوقونه إليك من أقصى الخيط. # وهم يؤمنون بأنفسهم وبحقوقهم وبمنافعهم وبجدهم ولعبهم، ولا يكادون يؤمنون لأحد ~~غيرهم بشيء من ذلك، وهم من أجل ذلك لا ms263 يقدرون أن التليفون أداة عامة قد أنشئت ~~لينتفع بها الناس جميعا لا لينتفع بها إنسان بعينه دون غيره من سائر الناس، وهم ~~من أجل ذلك لا يقدرون أن التليفون أداة قصد بها إلى التيسير والسرعة؛ فلا ~~ينبغي أن تستخدم إلا عند الضرورة الملجئة وإلا أقصر وقت ممكن. # وهم من أجل هذا كله يتحدثون بغير حساب ويطيلون في غير رفق، لا يعنيهم أن يصدوا ~~غيرهم عن التليفون، ولا يعنيهم أن يشقوا عليك بحديثهم الطويل المتصل، حسبهم أن ~~يقولوا وأن يحسوا أنك تسمع لما يقولون، وهم لا يرون وجهك حين يربد، ولا يرون جسمك ~~حين يضطرب، ولا يرون ما تدفع إليه من حركات الغيظ والضيق، فهم يقولون ويقولون، وكل ~~شيء يدعوهم إلى القول، وكل شيء يدعوهم إلى إطالة القول. # وكذلك يصلصل التليفون منذ أن تشرق الشمس إلى أن تشرق الشمس، ولولا أن النوم ~~فرض محتوم على الناس جميعا لكان التليفون وإلحاح المصريين في اصطناعه مصدرا ~~خطيرا من مصادر الجنون، وهو على كل حال مصدر خطير من مصادر اضطراب ~~الأعصاب. # فإذا ذكرت الراحة التي أطمع فيها أو أطمح إليها، فقد يكون أول شيء أفكر فيه هو ~~صلصلة التليفون، وشيء آخر أفكر فيه إذا ذكرت الراحة أو سعيت إليها، وهو ~~هذه الزيارات المفاجئة التي تصب عليك صبا بغير حساب وفي غير تقدير وعلى ~~غير إيذان بها وانتظار لها؛ فأنت متى عنيت من قريب أو بعيد بالحياة العامة ~~فلست ملكا لنفسك ولست ملكا لأهلك ولست ملكا لعملك، وإنما أنت ملك الشعب ~~كله، يدبر أمرك كما يريد لا كما تريد، وعلى ما يشتهي لا على ما تحب. # وليس بالشيء المهم ولا بالشيء ذي الخطر أن تكون رجلا مثقلا بالأعباء التي تتصل ~~بمصلحتك ومصلحة الناس، أو أن تكون رجلا محبا لهذا اللون أو ذاك من ألوان ~~النشاط تريد أن تفرغ له وتعكف عليه، وإنما المهم كل المهم والخطير كل الخطير هو أن ~~تكون رجلا سمحا سهلا مفتوح الباب مؤدب الخدام، لا ترد ملما إن ألم ~~ولا تمتنع ms264 على زائر إن زار. # وقد يكون أظرف شيء في هذه الخطوب أن يسعى إليك الرجل لم تعرفه قط ولم تتصل أسبابك ~~بأسبابه، وليس بينك وبينه ما يدعو إلى اتصال الأسباب، ولكنه قرأ لك كتابا أو ~~جزءا من كتاب أو فصلا في مجلة أو مقالا في صحيفة أو استمع لبعض أحاديثك في ~~الراديو أو سمع الناس يتحدثون عنك، فأحب أن يراك وأن يجلس إليك ساعة من نهار أو ~~من ليل، لم يؤامرك في ذلك ولم يشاورك، وليس يعنيه أن تكون الساعة ملائمة أو غير ~~ملائمة، وإنما يعنيه أن يراك ويقول لك ويسمع منك، ولا عليه بعد ذلك أن يضيع وقتك ~~أو يفسد عملك، فذلك آخر ما يفكر فيه. # والغريب أن الناس الذين يشقون عليك ويكلفونك هذه الألوان من الجهد ولا يحسبون ~~لوقتك ولا لعملك حسابا هم الذين يلحون عليك في أن تكتب في كل يوم مقالا، ~~وفي كل أسبوع فصلا وفي كل شهر كتابا، فإن لم تفعل فأنت مسرف في الكسل بخيل ~~بالأدب غارق في البخل إلى أذنيك، وإياك أن تجمع لهم فصولا متفرقة وتنشرها في ~~سفر مستقل، فإنهم لا ينتظرون منك ذلك ولا يرضونه لك ولا يرضونه لأنفسهم، ~~وإنما هم ينتظرون منك أن تقدم إليهم في كل يوم شيئا جديدا مبتكرا، وألا ~~تقرئهم أثرا من آثارك مرتين مرة في الصحف والمجلات ومرة أخرى في الكتب ~~والأسفار. # هم إذن يضيعون وقتك ويحاسبونك على هذا الوقت الذي أضاعوه، وهم على ذلك لا ~~يقدرون أن للجهد الإنساني غاية يقف عندها، وأن الوقت الضائع لا سبيل إلى ~~استئنافه، وأن الكاتب محتاج إلى أن يقرأ فيكثر القراءة، وإلى أن يبحث ~~ويحسن البحث، وإلى أن يفكر ويطيل التفكير، لينتج فيجيد الإنتاج. # هم لا يقدرون ذلك ولا يفترضونه، وإنما ينظرون إليك كما ينظر الطفل الساذج إلى ~~أبيه يحسبه قادرا على كل شيء؛ فلا يتردد في أن يطلب إليه كل شيء. # فأي غرابة في أن أذكر هؤلاء الزائرين المفاجئين إذا ذكرت الراحة أو سعيت ~~إليها؟ # وشيء ثالث أذكره ms265 مغتبطا به وأفكر فيه مبتهجا له حين أمنح نفسي إجازة وألتمس ~~شيئا من راحة، وهو أني سأفلت وقتا طويلا أو قصيرا من الكتابة فيما لا أحب ~~أن أكتب فيه، ومن العناية بما لا يجب أن أعنى به. # والناس لا يقدرون ما يتعرض له الكاتب من الشر والنكر والشقاء من هذه ~~الناحية؛ فالكاتب المصري قادر بطبعه عند المصريين على أن يكتب في كل شيء، ~~وعلى أن يلم بكل موضوع، وعلى أن ينتج في كل لحظة من لحظات الليل والنهار؛ ~~الناس كلهم محتاجون إلى الراحة إلا هو؛ فإن الراحة لم تخلق له كما أنه لم ~~يخلق لها، كما أن التعب لا يمكن أن يجد إليه سبيلا. # والناس كلهم ميسرون لما خلقوا له إلا الكاتب؛ فإنه ميسر لكل شيء لأنه خلق ~~لكل شيء، وما ينبغي أن تقول لأصحاب العلم إني صاحب أدب، فلا أستبيح لنفسي أن ~~أقدم كتابا في العلم، ولا أن تقول لأصحاب السينما إني لا أعرف من أمر ~~السينما شيئا فلا أستطيع أن أكتب عما يتصل به اتصالا قريبا أو بعيدا. # لا ينبغي أن تقول شيئا من ذلك إذا كنت كاتبا؛ لأنك بحكم صناعتك قادر على أن ~~تكتب في كل شيء، وينبغي أن تكتب في كل شيء، والناس لا يعرفون حين يطلبون إليك ~~المقال أو الفصل أو الحديث أو المقدمة رفقا ولا لينا ولا مياسرة، وأكاد أملي ~~ولا حياء، فهم يطلبون ويطلبون ويلحون ويلحون، فإذا أعياهم أن يبلغوا منك ما ~~أرادوا توسلوا إليك بمن تحب وتشفعوا إليك بمن لا تملك لشفاعته ردا حتى ~~يبغضوا إليك الكتابة ويكرهوا إليك الأدب ويوشكوا أن يزهدوك في ~~الحياة. # وربما يتجاوز الأمر هذا الحد إلى حدود أخرى غير معقولة ولا منتظرة؛ فالناس يعرفون ~~رأيك في السياسة، وأن هواك مع هذا الحزب أو ذاك، ولكنهم لا يترددون في أن ~~يطلبوا إليك أن تكتب حيث لا تحب أن تكتب. # وهم يقولون لك في ابتسام ساذج: إنا لا نطلب إليك أن تقول غير ما ترى، وإنما نطلب ~~إليك أن ms266 تكتب ما تشاء، اكتب في الأدب فالأدب فوق السياسة وفوق الأحزاب، ليس له وطن ~~فأحرى ألا تكون له صحيفة ولا حزب، وكذلك تنفق نهارك معرضا لهذه المطالب التي لا ~~تنقضي والتي لا تعرف الرفق، فإذا ذكرت الصحف اليسيرة العابثة فحدث عن إلحاحها ~~عليك وتحرشها بك ولا تخش مبالغة ولا إسرافا. # وأكاد أعتقد أن الله إنما خلق التليفون ليتيح لكتاب الصحف اليسيرة العابثة أن ~~يمطروا عليك وابلا غزيرا من الأسئلة لا ينقضي، وليس بينك وبين محدثك سبب، ~~وليس لك أمل في أن يكون بينك وبينه سبب، ومع ذلك فيجب أن تستجيب للتليفون إذا صلصل ~~جرسه، وأن ترد على محدثك بعد أن تسمع سؤاله الغريب، واعتذر ما شئت أن تعتذر، فلن ~~تخلص من إلحاحه إلا إذا خرجت عما ينبغي لك من الأدب وحسن المجاملة. # وليس من المهم أن يكون لديك من العمل ما هو خليق أن يشغلك عن التليفون، وعن ~~الزيارة وعما يحمل التليفون والزيارة إليك من أسئلة لا رأس لها ولا ذيل، وإنما ~~المهم أنك رجل قد اصطنع الكتابة واحترف الأدب، فنزل عن نفسه للشعب أولا وللصحف ~~والمجلات ثانيا، وإذا لم يتح له أن يرد على أصحابها ومحرريها فلا أقل من ~~أن يسمع لهم. # ومن طرائف هذا الباب أن أصحاب هذه الصحف ومحرريها قد انتهزوا فرصة حياتنا ~~السياسية في هذه الأيام الأخيرة، فطاردوا أصحاب السياسة من الوزراء وأشباه ~~الوزراء، ومن الرؤساء وأشباه الرؤساء، ومن الزعماء وأنصاف الزعماء، وما زالوا بهم ~~حتى أنزلوهم على حكمهم؛ فهم يلمون بدورهم إذا أصبحوا، ويلمون بدورهم إذا أمسوا، ~~ويلحقون بهم في أنديتهم حين يرتفع الضحى أو حين يقبل المساء، يلقون عليهم الأسئلة ~~وينتزعون منهم الأجوبة، وينشرون ذلك في صحفهم متنافسين فيه متهالكين عليه. # فإذا سعوا إليك أنت أو تحدثوا إليك بالتليفون وأحسوا منك إباء وامتناعا كبر ذلك ~~عليهم، وأنكروا أن يستجيب لهم الباشوات من أعضاء نادي محمد علي، وأن يمتنع عليهم ~~كاتب لم يبلغ الوزراء وليس يطمع في الوزارة، ولم تتح له الزعامة وليس يطمع في ms267 أن ~~يكون زعيما؛ فأي غرابة في أن أفكر في هذا اللون من العناء البغيض الثقيل إذا ذكرت ~~الراحة أو سعيت إليها. # والحياة في مصر منذ أثيرت أزمتنا السياسية شقاء كلها، بالقياس إلى الرجل المثقف إن ~~كان له قلب أو حظ يسير من العناية بالشئون العامة؛ فهو يشارك مواطنيه قبل كل ~~شيء فيما يجدون من شقاء وما يداعبون من أمل وما يحتملون من ألم، وهو بعد ذلك ~~حريص على أن يحسن العلم بما يقع حوله من الأحداث وما يلم بالناس حوله من ~~الخطوب، وبما يكتب وما يقال في تلك الأحداث وهذه الخطوب. # وهو إذن مضطر إلى أن يقرأ سخفا كثيرا، وإلى أن يسمع سخفا كثيرا، وإلى أن يتحمل ~~سخفا كثيرا، ليس له من ذلك بد إلا أن يكون رجلا قد قسا قلبه وغلظت كبده وآثر ~~نفسه بالسلامة والعافية، واعتزل مواطنيه وازدرى ما يصيبهم من الكوارث ~~والنازلات. # وهو إذا أصبح مضطر إلى أن يتجرع صحفا أربعا أو خمسا، وإذا أمسى مضطر ~~إلى أن يتجرع مثل ذلك، وإذا دار الأسبوع مضطر إلى أن يتجرع في كل يوم صحيفة أو ~~صحيفتين من هذه الصحف التي تقصد إلى المزاح، ولكنها تمعن بمزاحها في الجد إمعانا ~~خطيرا في كثير من الأحيان. # ثم هو إذا لقي الناس مضطر إلى أن يسمع منهم ويقول لهم، وويل لعقله وقلبه مما يسمع! ~~وويل لعقله وقلبه مما يقول! وهو بفضل هذا كله مصروف عن العمل المنتج والقراءة ~~الممتعة والعناية بما يغذو العقول والقلوب، فهو يبدأ يومه بالسخف، ويقضي يومه في ~~السخف، ويختم يومه بالسخف، وهو سعيد إذا لم ينغص عليه السخف راحة النوم ولذة ~~الأحلام. # أليس من الطبيعي أن أفكر في هذا كله إذا ذكرت الراحة أو سعيت إليها، وأن ~~أبتسم لهذه الأيام التي يمكن أن أقضيها دون أن أقرأ الصحف مصبحا وممسيا، ودون ~~أن أتحدث إلى الناس أو أسمع أحاديث الناس عن مجلس الأمن وهيئة الأمم المتحدة، وما ~~يحيط بهما وبنا من الظروف! # كل هذا ولم أذكر العمل الأساسي الذي ms268 أقيم حياتي عليه؛ لأني لا أجد في هذا العمل ~~جهدا ولا مشقة ولا عناء، وإنما أجد الجهد والمشقة والعناء في أني مصروف ~~عن هذا العمل على شدة ظمئي إليه وكلفي به، وعلى كثرة دعائه لي وإلحاحه علي؛ فأنا ~~أشبه الناس بالمسافر الذي يكاد قلبه يتقطع من الظمأ، والماء بين يديه عذب صفو ~~زلال، ولكنه لا يستطيع أن يدني منه شفتيه ... # فإذا ذكرت الراحة أو سعيت إليها فإنما أذكر راضي النفس مطمئن القلب مبتهج ~~الضمير أن هذه الراحة قد تتيح لي شيئا من هذا التعب الحلو الذي أتحرق كلفا به ~~وشوقا إليه. وقد يصدقني القارئ أو لا يصدقني، ولكني أعلم أني أنفقت أيام ~~السفينة عاكفا على قراءة كتاب في حياة عثمان لا صلة بينه وبين الراحة والدعة ~~والفراغ، وما أعرف أني استمتعت بشيء طوال هذا العام كما استمتعت بهذه القراءة ~~التي استطعت أن أفرغ لها دون أن تصرفني عنها صلصلة التليفون، أو الزيارة ~~المفاجئة، أو الأسئلة التي لا غناء فيها، أو قراءة السخف السياسي والمشاركة ~~فيه. # أترى إلى هذا النوع من معاني الراحة كما عرضته عليك في هذه السذاجة التي لا تكلف ~~فيها أنه معنى إضافي مقصور علي أو يوشك أن يكون مقصورا علي، فغيري من الناس ~~يذهبون في الراحة غير مذهبي، ويبتغون بها غير ما أبتغي، وينتظرون منها غير ما ~~أنتظر، تتقارب آراؤنا وأهواؤنا في ذلك وتتباعد، ولكنها تختلف على كل حال باختلاف ~~أمزجتنا وطبائعنا وآمالنا وما نسعد أو نشقى به من ضروب الحياة. # فإذا ذكرت الدعة فأمرها في ذلك كأمر الراحة يختلف معناها باختلاف طلابها، فليست ~~الدعة عندي ترفا ولا شيئا يشبه الترف، وأكاد أقطع بأني أجد من الترف في داري ~~بالقاهرة ما لا أجده بل ما لا أجد قريبا منه في أي مكان آخر من الأرض، وإنما ~~الدعة التي أطمع فيها وأطمح إليها حين أمنح نفسي الإجازة من عام إلى عام هي التخفف ~~من أثقال التكاليف التي تفرضها حياتنا اليومية المنظمة، هي التخلص من العادات ~~المألوفة والنظم المقررة ms269 الملحة التي تلقاك إذا خرجت من نومك مع الصبح، وأقبلت ~~على طعامك تصيب منه على نحو لا يتغير أو لا يكاد يتغير، ثم على ثيابك تلبسها على ~~نحو لا ينبغي أن تحيد عنه قليلا ولا كثيرا، ثم على مكتبك ثم على مكانك في هذا ~~المكتب، ثم على عملك في هذا المكان، ثم على ما يلم بك من هذه الأحداث المتشابهة ~~التي تكاد تتنبأ بها قبل أن تنسل من سريرك، وتكاد تحدد لها أوقاتها من النهار أو ~~من الليل لا يفاجئك إلا ما يكون من صلصلة التليفون وزيارة الزائرين، وأنت مع ذلك ~~قد قدرتها وحسبت لها حسابها؛ لأنها أصبحت جزءا من حياتك وقطعة من سيرتك لا سبيل ~~إلى أن تخلص منها أو تتخفف من أثقالها. # هذه الحياة المنظمة المضطربة التي تطرد، ولكنها لا تخلو مع ذلك من الأمت ~~والاعوجاج، والنبو هنا وهناك، والتي تفرض نفسها عليك من أول العام إلى آخره، قد ~~قدرت نفسها ودقائقها تقديرا مفصلا دقيقا مضنيا، هذه الحياة هي التي تضيق ~~بك أو تضيق بها، أو تبادلك ضيقا بضيق حين يتقدم العام، وما تزال بك حتى تعجز عن ~~احتمالها ، وما تزال أنت بها حتى تعجز هي عن احتمالك. # فإذا بلغ العام آخره أصبحت أنت مجهدا مكدودا لا تقدر على شيء، وأصبحت هي فارغة ~~سخيفة لا تصلح لشيء، وأصبحت الدعة هي هذا الشعور الذي يلقي في روعك أنك فارقت هذه ~~الحياة وأنها فارقتك، وأن كليكما قد تخفف من صاحبه إلى حين. # كذلك أفهم الدعة، وعلى هذا النحو أطمع فيها وأطمح إليها، ولا علي بعد ذلك أن تثقل ~~الأعباء أو تخف، وأن يغلظ العيش أو يلين، إنما قصاراي أن أتخفف من هذا الثقل ~~المفروض الذي لا محيد عنه في مصر، وأن أحتمل ثقلا غيره، قد يكون أشد منه تعنية ~~وإضناء، ولكنه ثقل آخر يصور حياة أخرى ويتيح للشخصية أن تجدد نفسها على نحو ما ~~وهذا يكفي. # فإذا أضفت إلى هذا أن من الجائز أن تتيح لك الأيام أثناء الإجازة متعة ms270 فنية هنا ~~أو هناك فتقرأ كتابا كان من الممكن ألا تقرأه، وتقرأ هذا الكتاب رغبة في قراءته ~~لا أداء لواجب ولا وفاء بوعد ولا تأهبا لكتابة فصل، وتشهد هذه المسرحية أو تلك، ~~وتسمع للموسيقى هنا أو هناك، وتلقى هذا الأديب أو ذاك من الذين تسمع عنهم وتقرأ ~~لهم ويحول بعد الشقة بينك وبين لقائهم، أقول: إذا أضفت إلى هذا أن الأيام قد ~~تتيح لك أثناء الراحة شيئا من هذا المتاع فقد بلغت الدعة أقصاها وانتهت إلى ~~غايتها. # وقد يفهم غيري من الناس دعتهم على غير هذا النحو، بل من المحقق أن لغيري من الناس ~~صورا من الدعة لعلها لا تخطر لي على بال، ولكن هذا كله إنما يدل على ما قدمت ~~آنفا من أن ألفاظ الراحة والدعة والهدوء تدل على معان أكثر وأعسر وأشد تعقيدا ~~مما نظن. # والهدوء ما هو أو ما عسى أن يكون؟ أهو هذا الهدوء المادي الذي تنعم به حين تستقر في ~~قرية مطمئنة بعيدة عن المدن، وعما يكون فيها من الضجيج والعجيج؟ أهو هذا الهدوء ~~المعنوي الذي تنعم به حين تفرغ لنفسك وتخلو إليها وحين تفرغ نفسك لك وتخلو إليك ~~بعد أن يتاح لكما الإفلات من الحياة المنظمة المطردة؟ أهو مزاج من ~~الهدوء المادي والمعنوي؟ كل ذلك ممكن، بل كل ذلك واقع، ولكن الشيء المحقق أني أجد ~~الهدوء المادي والمعنوي في كل مكان إلا في مصر، فقد أراد الله ألا تتيح الحياة لي ~~في وطننا العزيز الكريم راحة ولا دعة ولا هدوءا. # والناس يذكرون الفراغ حين يذكرون الإجازة، وحين لا يذكرونها أيضا، وقد يكون من ~~الممكن أن نجد لكلمة الفراغ معنى في معاجم اللغة، وأن نجد من النصوص الأدبية في ~~العصور المختلفة ما يبين لنا عن هذا المعنى في وضوح وجلاء، بل قد يكون من الممكن ~~أن نجد بين أصحاب الترف والثراء العريض مثلا قوية صادقة تبين لنا عن ~~معنى الفراغ، أما أنا فأعترف، مع الحزن أو مع السرور لا أدري، أني لم أجد بعد ~~للفراغ ms271 معنى أستطيع أن أحققه. # وأكبر الظن أن هذا شيء لن يتاح لي إلى آخر الدهر، إنما يتحقق معنى الفراغ حين ~~تستطيع النفس الإنسانية أن تخلص من الحس والشعور والتفكير والتقدير، والحكم واللذة ~~والألم واليأس والرجاء، وهي إذا خلصت من هذا كله فقد اشتمل عليها الموت، أتراها ~~بعد الموت قادرة على أن تحقق معنى الفراغ! # في هذه المعاني كلها وفي معان أخرى كثيرة من أمثالها فكرت حين منحت نفسي إجازة ~~أقضيها خارج القطر كما يقول الموظفون، فالإجازة عندي إذن هي الخروج من حياة إلى ~~حياة، والتخفف من أثقالها لاحتمال أثقال أخرى، والاستعفاء من بعض الواجبات لالتزام ~~واجبات أخرى؛ فنحن إذن لا نعفي أنفسنا من بعض الالتزام إلا لنفرض عليها التزاما ~~آخر. # ونحن لا نخرج من عمل إلا لندخل في عمل آخر؛ فالخير إذن في أن نعود بالإجازة ~~إلى معناها اللغوي القديم، وهو الانتقال من مكان إلى مكان، والعبور من أحد شاطئي ~~النهر إلى شاطئه الآخر، وإني لأشهد لقد بدأت إجازتي هذا العام كما بدأتها فيما ~~مضى من الأعوام؛ فلم أشعر إلا بأني انتقلت من جهد إلى جهد، ومن جد إلى جد، ومن ~~التزام إلى التزام. # وإني لأفكر في هذه الأسفار الضخمة التي ملأ بها صاحبي حقيبة ضخمة، والتي يجب أن ~~تقرأ لعل قراءتها أن تؤدي إلى شيء يستطيع الناس أن يقرءوه، إني لأفكر في هذه ~~الكتب الضخمة، وفي صلصلة التليفون التي أيقظتني صباح اليوم في باريس كما كانت ~~توقظني كل صباح في القاهرة، وفي المواعيد التي تطلب إلي وفي المواعيد التي ~~أعطيها، فأسأل نفسي حقا أني قد منحتها إجازة تقضيها خارج القطر؟ # نعم! إن الإجازات التي تمنح للموظفين والعاملين والتي نمنحها نحن لأنفسنا بين ~~حين وحين، ليست إلا إجازات صغارا أو قل: إنها إجازات بالاستعارة لا ~~بالحقيقة. # فأما الإجازة الكبرى، الإجازة التي يدل لفظها على معناها دلالة لا تتعرض لشك ولا ~~غموض، فهي تلك التي لا يمنحها الناس للناس ولا يمنحها الناس لأنفسهم، وإنما ~~يمنحها الله للناس حين يريح منهم الحياة ms272 وحين يريحهم من الحياة! # | في الأدب الأمريكي # ريتشارد رايت # أما فرنسا فقد سافرت إليها وأقمت فيها أشهر الصيف، ولكني على ذلك لا أعد هذه ~~الإقامة إلا إلمامة قصيرة، فقد كانت حياتي المادية أثناء هذه الأشهر في فرنسا، ~~ولكن حياتي المعنوية أو العقلية بعبارة أدق، كانت بعيدة عنها أشد البعد، وأكاد ~~أقطع بأني لأول مرة قد أطلت الإقامة في فرنسا دون أن أحيا فيها حياة كاملة، فلم ~~أقرأ من الكتب الفرنسية إلا قليلا أقل مما أقرأ في القاهرة، ولم أتعمق قراءة ~~الصحف الفرنسية، وإنما كنت أمر بها مرا سريعا، كما أمر بالصحف العربية في ~~القاهرة مرا سريعا، أجتزئ بالعنوان في أكثر الأحيان عن قراءة ما بعده، إلا ما ~~كان من النظام الجديد الذي شرع للجزائر فقد أتتبعه في عناية خاصة. # ومصدر ذلك أن الإنتاج الفرنسي الأدبي في هذا العام لم يغرني ولم يستخفني من جهة، ~~وأني قد ذهبت إلى فرنسا هاربا من القاهرة لأخلو فيها إلى طائفة من الكتب ليس ~~بينها وبين الحياة الفرنسية سبب، بل ليس بينها وبين الحياة الحديثة كلها سبب، ~~وإنما هي كتب تتصل بالحياة العربية القديمة. # فلم أكد أبلغ فرنسا حتى خلوت إلى هذه الكتب، فكنت أغرق فيها وجه النهار وآخره، ~~وكنت أرفه على نفسي إذا أقبل الليل بشيء من القراءة المريحة، وأرادت الظروف أن ~~تكون هذه القراءة المريحة متصلة بأشياء لا تمس الحياة الفرنسية من قريب ولا من ~~بعيد، وإنما هي قراءة تمس الآداب الأوروبية غير الفرنسية، أو تمس الآداب ~~الأمريكية. # وقد يكون من الحق أن أعترف بأني قرأت كتابا فرنسيا كثر الكلام عنه جدا في ~~فرنسا، وكاد النقاد الفرنسيون يجمعون على الإعجاب به، ولكنه لم يعجبني، وأكاد ~~أقول إني ضقت به أكثر مما ارتحت إليه، وهو بعد هذا لا يمس الحياة الفرنسية في ~~ظاهر الأمر، وإنما يمس حياة إفريقية الشمالية، وهو كتاب «الطاعون» للكاتب ~~الفرنسي المشهور ألبير كامو. # وأنا أعلم أن الكاتب أراد به إلى الرمز؛ فهو يصف الطاعون الذي تخيل أنه ~~ضرب بجرانه على ms273 مدينة وهران، فقطع ما بينها وبين العالم من الأسباب، واضطرها إلى ~~حياة محصورة كثرت فيها الفتن والمحن والخطوب، وصرحت فيها نفوس الناس عن ~~مكنونها، فظهر الضعف الذي ينتهي إلى التهالك، وظهرت القوة التي تنتهي إلى ~~البطولة، وظهر الإخلاص الذي ينتهي إلى الإيثار، وظهر الجبن الذي ينتهي إلى الأثرة ~~المنكرة. # وخلصت المدينة بعد لأي من هذا العناء البغيض، واستأنفت حياة عرجاء تحاول أن ~~تستقل وتستقيم. # وأنا أعلم أن الكاتب أراد أن يتخذ وهران وأهلها والطاعون رمزا لفرنسا وأهلها ~~والحرب، أو رمزا للأرض كلها وللحرب، وأنه إنما أراد أن يصور الإنسانية حين ~~تلم بها الخطوب الفادحة، فتمحص من الناس من تمحص وتمحق منهم من ~~تمحق. # ولست أدري لم لم يعجبني هذا الكتاب مع أن المعنى الذي أراد إليه الكاتب قيم ~~خطير عظيم الشأن، وأكبر الظن أن الأداء هو الذي لم يعجبني، وأن الحوادث التي ~~شهدناها في الحرب الأخيرة كانت أعظم نكرا وأشد هولا، وأصدق تصويرا لقوة ~~الإنسان وضعفه، ولإيثار الإنسان وأثرته، من هذا الكلام الذي لا يكاد يتجاوز ~~في وصفه وتصويره أيسر ما تكتبه الصحف حين تقص الأخبار. # والمهم هو أن هذا الكتاب لم يشعرني حين قرأته بأني كنت أقرأ كتابا رائعا ~~يصور الحياة الأوروبية الرائعة أثناء الحرب تصويرا يلائمها في الروعة، ~~وإنما أشعرني بأني كنت أقرأ كتابا فاترا يريد أن يصور أشياء لا ~~يلائمها الفتور بحال من الأحوال. # لم أقرأ إذن كثيرا من الكتب الفرنسية أثناء إقامتي في فرنسا، وإنما قرأت ~~كتبا إيطالية وأمريكية وروسية، وأعود فأقول: إني لم أكن أعمد إلى هذه القراءة ~~إلا وقتا قصيرا حين يقبل الليل وبعد أن ننصرف عن العشاء ونخرج للرياضة ~~وقتا يقصر أو يطول، ثم نعود فنجتمع إلى قارئ منا يعيننا على انتظار النوم ~~الذي لا يحب أن يطول انتظاره في القرى وإن أحب أن يطول انتظاره في المدن ~~وبنوع خاص في باريس. # وقد عرفت أثناء هذه القراءة القصيرة كاتبا أمريكيا أسود، كنت قد سمعت به في ~~باريس في العام الماضي دون أن أقرأ ms274 له شيئا، ثم قرأت له بعد عودتي إلى القاهرة ~~في مجلة «العصور الحديثة» التي يصدرها جان بول سارتر قصة قصيرة رضيت عنها كل ~~الرضا، ثم أتيح لي أثناء هذا الصيف أن أقرأ له كتابين قد كثر عنهما الحديث في ~~فرنسا، نشر أحدهما متفرقا في مجلة العصور الحديثة وعنوانه: «غلام أسود» # Black Boy # ونشر الآخر جملة وعنوانه «ابن ~~البلد» # Native son ~~، وله كتاب ثالث قد نشر في ~~فرنسا ولم أقرأه بعد، وأرجو أن تتاح لي قراءته قبل أن أعود، وعنوانه: «أبناء العم ~~توم». # وهذا الكاتب الأمريكي الأسود ريتشارد رايت الذي أريد أن أجعل فنه موضوعا لهذا ~~الحديث. # لم يكد ريتشارد رايت يبلغ الأربعين من عمره وهو على ذلك يقرأ في أوروبا وأمريكا ~~جميعا، وأرجو أن يقرأ في الشرق العربي بعد حين؛ فما أعرف أن الشرق العربي ~~يحتاج إلى قراءة كما يحتاج إلى قراءة آثار ريتشارد رايت. # أما كتابه الأول «غلام أسود» فليس إلا ترجمة لحياته منذ عرف نفسه إلى أن أتم ~~السابعة عشرة من عمره، وهو قد عرف نفسه صبيا لا يكاد يميز الأشياء، يعيش بين أب ~~أسود وأم سوداء، ويعيش معه أخ أصغر منه سنا ، والحياة في هذه الأسرة ضيقة ضئيلة ~~ذليلة، ثم لا تلبث أن تزداد ضيقا وضآلة وذلا؛ فقد هجر الأب زوجه وابنيه، وعاش ~~مع امرأة أخرى سوداء، وترك هذه الأم البائسة تسعى على رزقها ورزق ابنيها، تجد في ~~ذلك ما شاء البؤس والذل وفساد النظام الاجتماعي واستعلاء البيض على السود أن تجد ~~من الجهد والمشقة والعناء. # وهي حين تسعى على رزقها ورزق ابنيها تترك هذين الصبيين البائسين لأنفسهما ~~أكثر النهار، فهما يعيشان في الشارع يخالطان أمثالهما من أبناء السود البائسين، ~~ويشاركانهم في كل ما يتعرضون له مما يفسد التربية وينحط بالأخلاق إلى الدرك ~~الأسفل، فهم يعبثون عبثا مرذولا، وهم يسرقون ويختلسون، وهم يتعرضون لضروب من ~~الإهانة والازدراء والتغرير والتضليل لا تطاق. # وهذا الصبي ريتشارد رايت نفسه يحدثنا عن وقوفه أمام قهوة من القهوات الوضيعة، التي ~~يختلف إليها ms275 السود ليشربوا فيها شرابا بغيضا، ثم عن استدراج الكبار له حتى يدخل ~~القهوة، وعن عبثهم به حتى يشرب ما لا يلائم سنه ولا صحته، وحتى يضطر إلى ~~السكر قبل أن يتجاوز السادسة من عمره، وحتى يتعلم منهم أبشع اللفظ وأقبح الفعل، ~~وهم يشجعونه على ذلك ليعبثوا به وليضحكوا من سخفه في القول والعمل، حين يأخذ ~~منه السكر مأخذه. # والصبي يحب هذا النوع من الحياة؛ لأنه وحيد ضعيف أولا، ولأنه جائع بعد ~~ذلك، ولأن العابثين به يتيحون له شيئا من طعام ويلهونه عن نفسه وعن جوعه وبؤسه ~~بما يلقونه في جوفه من شراب، والحياة تثقل على أمه فتسلمه إلى ملجأ من ملاجئ ~~اليتامى، تحاول أن تضمن له شيئا من التربية والمراقبة والتعليم، ولكن الصبي لا ~~يطيق الحياة في هذا الملجأ؛ لأنه لا يطيق فراق أمه، ولأنه ألف الحياة الفارغة ~~المتسكعة فهو يفر من الملجأ، وتضطر أمه إلى أن تمسكه في بيتها دون أن تجد إلى ذلك ~~سبيلا. # وتعجز هذه المرأة آخر الأمر عن النهوض وحدها بهذا الثقل الثقيل فتنتقل بابنيها في ~~مدن القسم الجنوبي من الولايات المتحدة ساعية على رزقها ورزقهما ما وسعها ~~السعي، فإذا لم تجد إلى الاحتمال سبيلا لجأت بابنيها البائسين إلى أسرتها الحقيرة ~~الفقيرة فعاشت وعاشا بين أمها وأبيها، وأختها المعلمة في مدارس السود. # وتحاول أن ترسل الصبي إلى المدرسة التي تعلم فيها أختها، ولكن الصبي لا يحب ~~المدرسة ولا يحب خالته، يضيق بالنظام ويضيق بظلم خالته له، وما يزال يضيق بخالته ~~وتضيق به خالته حتى يترك المدرسة ويعود إلى حياة التسكع والفراغ. # ثم تلم العلة بأمه حتى تثقل، ويرسل الفتى إلى أحد أخواله ليعيش في ظله، ولكن ~~الأمور لا تستقيم له في هذا البيت الجديد؛ لأنه حر مسرف في الحرية لا ~~يحب أن يسمع ولا أن يطيع، وإذا هو يعود إلى بيت الأسرة ليعيش بين أمه المريضة ~~المثقلة وجدته البغيضة المتهالكة على الدين، وجده الساخط الذي انحاز إلى نفسه ولزم ~~حجرته فلا تراه الأسرة إلا قليلا. # والصبي ms276 يثقل على نفسه ويثقل على أسرته، والخطوب تتقاذفه والجوع يلح عليه، ~~وجدته تحاول أن تخضعه لشيء من النظام؛ فلا تستطيع، وتحاول أن تميل به نحو ~~الدين فلا تجد منه إلا إباء ونفورا. # وهو على ذلك خال إلى نفسه عاكف عليها، قد استقر في قلبه أن كل من حوله من ~~الناس وكل ما حوله من الأشياء عدو له، وأشد ما يؤثر في نفسه الناشئة ما يرى من ~~استعلاء البيض على السود وظلمهم لهم واستعبادهم إياهم والاستخفاف بأمنهم وسلامتهم ~~وحياتهم نفسها؛ فليس أيسر على البيض من شتم الرجل الأسود ولكزه ووكزه وقتله ~~لأيسر الأمور وأحقر الهنات. # قد استقر في قلوب البيض أن السود لهم عدو خطر ضعيف، فيجب أن يستذلوهم وأن يمسكوهم ~~في الفقر والجوع والهوان والحياة الخسيسة من كل نواحيها، واستقر في نفوس السود ~~أن البيض لهم عدو قوي، فيجب أن يكبروهم ويخافوهم ويرهبوا بأسهم ويتنحوا ~~لهم عن الطريق، ويخفضوا الأصوات إذا حدثوهم، ثم لا يحدثوهم إلا بما يصور الخوف ~~والإكبار والإجلال، ولكن الصبي يرى هذا كله ويفهمه حق الفهم ويشعر به أشد الشعور ~~وأدقه، دون أن تطمئن نفسه إلى شيء منه؛ فهو لا يستطيع أن يؤمن بأن بينه وبين ~~غيره من الناس فرقا سواء أكانوا بيضا أم سودا، وهو من أجل ذلك يبغض الناس ~~جميعا، ويعكف على نفسه حتى كأنه يعيش في عالم مقصور عليه، يبغض البيض لظلمهم ~~وكبريائهم، ويبغض السود لذلهم واستخذائهم، وهو من أجل هذا يعيش عيشة منكرة حقا: ~~لا يطمئن إلى أهله ولا إلى رفاقه لأنهم سود مستذلون والذلة لا تجد إلى نفسه ~~سبيلا، ولا يطمئن إلى البيض لأنهم طغاة مستكبرون، ولم تخضع نفسه للطغيان ولا ~~للاستكبار. # وهو من أجل ذلك ومن أجل إصراره على بغض النظام ومباعدة الدين قد فقد عطف أسرته ~~جميعا إلا عطف هذه الأم المريضة، التي تثقل عليها العلة أحيانا، وترفه عليها بين ~~حين وحين. # وقد انتهى الأمر بالصبي إلى أن يسعى إلى المدرسة ويأخذ نفسه بنظامها في كثير جدا ~~من المشقة والعناء، ms277 وما أسرع ما يتفوق على رفاقه السود ويمتاز منهم! وما ~~أسرع ما يحب الدرس! ولكنه جائع عار وبائس يائس، فلا بد من أن يسعى على رزقه ~~ورزق أمه، ولا بد مع ذلك من أن يمضي في درسه. # وهو من أجل ذلك يخدم البيض أول النهار وآخره، ويختلف إلى المدرسة فيما بين ذلك، ~~وخدمته للبيض لا تستقيم؛ فهو لا يقبل الأوضاع المألوفة بينهم وبين السود، وهو ~~يطرد مرة ويترك العمل من تلقاء نفسه مرة أخرى، وهو على ذلك يسعى على رزقه ~~وتعليمه، ويشقى بهذا السعي حتى يتم المرحلة الأولى من مراحل التعليم. # والعادة أن المبرز من التلاميذ يلقي خطبة يوم توزيع الإجازات، وهو المبرز في ~~سنته تلك، فسيكون إليه إذن إلقاء الخطبة، وهو يعد خطبته، ولكن ناظر المدرسة ~~يدعوه ذات يوم ويدفع إليه خطبة أعدها هو ليلقيها كشأنه مع التلاميذ جميعا في كل ~~عام، غير أن الغلام يرفض خطبة الناظر ويأبى إلا أن يلقي خطبته هو، والناظر دهش ~~لهذا الإباء ثم ضيق به ثم ساخط عليه ثم منذر للغلام؛ لأنه معرض مستقبله للخطر ~~إن أصر على هذا الإباء. # ورفاقه يلحون عليه في أن يفعل كما فعل المبرزون من قبله وكما سيفعل المبرزون ~~من بعده، وأهله يلحون عليه كذلك، ولكنه يأبى ويستمسك بالإباء، ولا يعنيه أن يضيع ~~مستقبله، ولا يعنيه أن يصرف عنه منصب التعليم في مدرسة من مدارس السود؛ فقد ~~ألقى خطبته هو إذن لا خطبة الناظر، وظفر بشيء قليل من التصفيق وصافحه نفر قليل من ~~رفاقه، ثم عاد إلى أهله وقد صرف عنه منصب التعليم، وليس له بد من أن يسعى على رزقه ~~ومعونة أسرته، وهو مع ذلك طامع في أن يبلغ حظه من التعليم الجامعي، ولكن كيف ~~السبيل إلى هذا التعليم؟ # هو إذن مضطر إلى أن يستأنف خدمة البيض؛ فهو يتنقل من دار إلى دار ومن متجر إلى ~~متجر، لا يتاح له الاستقرار إلا ريثما يفرض عليه القلق والاضطراب، حتى استيقن ~~آخر الأمر أن لا مقام له في هذه ms278 البيئة التي يعيش فيها، وأنه مضطر إلى أن يتغرب ~~ليحيا حياة ممكنة محتملة. # ولكن كيف السبيل إلى التغرب وليس له حظ من مال؟ فهو يعمل كثيرا ويكسب قليلا، ~~وينفق على نفسه وعلى أسرته ما يكسب، ويجوع دائما، لا سبيل له إلى أن يغترب إلا ~~إذا سرق، وهو يرد هذا الخاطر عن نفسه ردا عنيفا، ولكن هذا الخاطر يلح ~~عليه إلحاحا عنيفا، ويزداد إلحاحه عليه كلما تعرض - وما أكثر ما كان يتعرض! ~~- للإهانة والعسف يأتيانه من البيض. # وهو ينتهي آخر الأمر إلى أن يسرق: يختلس مسدسا من دار الجيران، ويختلس نقودا من ~~دار السينما التي كان يعمل فيها، ثم يأخذ القطار ذات صباح أو ذات مساء فيخرج من ~~هذه المدينة التي يعيش فيها الظلم والذل جميعا. # ويصل إلى مدينة ممفيس ومعه شيء من مال قد أخفاه في منطقته، وهو يريد أن يعمل في هذه ~~المدينة حتى يجد من المال ما يمكنه من أن يدعو أمه وأخاه ليلحقا به، ثم يعمل ~~بعد ذلك حتى يجمع من المال ما يمكنه من أن ينتقل معهما إلى شمال الولايات ~~المتحدة حيث يستطيع السود أن يعيشوا دون أن يتعرضوا لما يتعرضون له في الجنوب ~~من الذلة والهوان. # وقد أتيح له هذا العمل الذي كان يبتغيه، وأتيح له كسب ملائم، ولكنه يؤدي في سبيل ~~ذلك العمل وهذا الكسب جهدا أي جهد، ويلقى في سبيلهما عناء أي عناء؛ فهو ~~محتقر منذ يصبح إلى أن يمسي، وهو أقل شقاء بما يلقى من هذا الاحتقار منه بما ~~يرى من اطمئنان أمثاله السود إلى هذا الاحتقار واتخاذه سبيلا إلى الكسب، ويتملقون ~~البيض ويمكنونهم من المبالغة في إذلالهم ليكسبوا قليلا من المال. # وربما كان أشد ما أمضه وثقل عليه إسراف البيض في الاستهزاء بالسود، وإغراء بعضهم ~~ببعض حتى يقتتلوا أو يصطرعوا أبشع الاصطراع وهم ينظرون إليهم، ويسخرون منهم ويلهون ~~بهم، وقد تعرض هو لبعض ذلك؛ فما زال سادته الذين كان يعمل عندهم يخوفونه زميلا له ~~أسود ويخوفون منه هذا الزميل ويغرون أحدهما ms279 بصاحبه، ولكنهما قاوما ما وسعتهما ~~المقاومة ثم أذعنا آخر الأمر؛ لأن زميله قبل أن يلاكمه ويأخذ على ذلك أجرا ~~خمسة دولارات. # وقد حاول ريتشارد رايت أن يرفض هذه الملاكمة، ولكن زميله ما زال به يرغبه في ~~الدولارات ويرهبه بأسه، ويخيل إليه أن الملاكمة لن تكون إلا ظاهرة مموهة ~~حتى استجاب له، ثم كانت الملاكمة واجتمع السادة البيض لها كما يجتمع الذين يلعبون ~~باختصام الديكة، ولم تكن الملاكمة خيالية مموهة وإنما كانت مرهقة مهلكة أشرفت ~~بهما على الموت. # وفي المصنع الذي كان ريتشارد رايت يعمل فيه كان يعمل أيرلندي كاثوليكي وكان رفيقا ~~بالسود وبرايت خاصة، وبفضله استطاع رايت أن يستعير بعض القصص من مكتبة المدينة ~~التي كانت وقفا على البيض، فلم يكد يقرأ في هذه القصص حتى فتحت له آفاق جديدة ~~لم يكن يقدرها ولا يفترض لها وجودا، وإذا هو يصرف إلى القراءة عن كل شيء إلا ~~عن العمل الذي يكسب منه قوته وقوت أسرته، ويستعين به على اقتصاد ما يتيح له ~~السفر إلى الشمال. وهو يستكشف في هذه القراءة شيئين؛ أحدهما: هذه الآفاق الجديدة ~~التي كان يجهلها، آفاق تصوير الحياة ونقدها وتحليلها، وآفاق هذه الأنواع الكثيرة ~~المختلفة من الحياة التي يحياها الناس في أمريكا وفي أوروبا، والتي يصورها ~~كتاب كثيرون أمريكيون وأوروبيون تنقل آثارهم أو يتحدث عنها فيما يقرأ من ~~الكتب. # والثاني: هذه النفس التي كان يشقى بها، والتي لم يستطع قط أن يذلها أو أن يخضعها ~~للذل، أو أن يتصور أنها أقل من نفوس البيض خطرا أو أهون منها شأنا، استكشف ~~إذن في قراءته هذه الناس ونفسه، ولم يكن يعدل رضاه عن هذا الاستكشاف إلا تكفله ~~للإقامة على حياته المألوفة حتى لا يفطن البيض إلى أن شيئا من سيرته الظاهرة أو ~~الخفية قد تغير، وحتى لا يحولوا بينه وبين ما يسمو إليه من الهرب بنفسه إلى جو ~~تستطيع أن تنمو فيه نموا حرا ليس فيه عسف ولا إكراه. # وقد أتيح له ذلك آخر الأمر؛ فهو يختم كتابه الرائع بما ms280 كان يدور في رأسه ~~من الخواطر حين كان القطار يمضي به نحو الشمال، ولم تكن هذه الخواطر تصور سخطا ~~ولا يأسا ولا جزعا، وإنما كانت تصور الرضا والأمل وحب الخير الذي يشمل السود ~~والبيض جميعا. # وقد لخصت لك هذا الكتاب تلخيصا لا أقول إنه دقيق، ولا أقول إنه مقارب، ولكنه على ~~ذلك يصور أمرين خطيرين؛ أحدهما: هذا الجهاد العنيف الذي جاهده ريتشارد رايت منذ ~~صباه الأول؛ ليقاوم هذه المؤثرات الهائلة التي أفسدت على ملايين السود في أمريكا ~~حياتهم واضطرتهم إلى ألوان من الذل والهوان، أقل ما توصف به أنها لا تلائم ~~كرامة الإنسان، وأنها تكذب هذا الغرور الذي يحمل كثيرا من أمم الغرب على أن تزهى ~~بما أتيح لها من الرقي والتفوق والامتياز في حياة العقل والشعور. # فليس من الحضارة في شيء، وليس من رقي العقل والشعور في شيء أن يستعلي فريق من ~~الناس على فريق فيستذلوهم ويعنفوا بهم أكثر مما يعنفون بالحيوان الأعجمي والآلة ~~المسخرة، لا لشيء إلا لأنهم بيض، ولأن خصومهم سود. # وهذه المؤثرات قد انتهت بالسود في أمريكا أو بكثرتهم الساحقة إلى نتائجها الطبيعية، ~~طال عليهم الاستذلال فهم أذلاء، وطال عليهم الاستعباد فهم يحيون حياة العبيد، وهم ~~من أجل ذلك يغرقون في الرذائل التي تقتضيها حياة الذل والخسف؛ فهم يكذبون ويسرقون ~~ويقارفون آثاما لا تحصى ولا تقدر، وهم يخافون، ويدفعهم الخوف المنكر ~~المتصل إلى ضروب من الجبن وهوان النفس ودناءة السيرة لا تكاد تخطر لأحد ~~منا على بال. # وهم يتخذون هذه الحياة المنكرة نظاما يرضونه ويطمئنون إليه ويتنافسون فيه، فإذا ~~شذ منهم شاذ فامتنع على هذا النظام أو أظهر الامتناع عليه فهم ينكرونه ويقاومونه، ~~كما ينكره البيض ويقاومونه. # وقد استطاع ريتشارد رايت منذ صباه الأول أن يقاوم هذه المؤثرات ويثبت لهذه ~~المقاومة على ما لقي في هذا الثبات من خطوب آذت نفسه وجسمه جميعا؛ فهو لم يعرف ~~الأمن ولا الرضا ولا اطمئنان القلب في يوم من أيام صباه، كما أنه لم يعرف الشبع ~~ولم يأمن غائلة الحر ms281 والبرد، ولم يفلت من سخر الساخرين وعبث العابثين يوما من ~~أيام صباه أيضا. # أما الأمر الثاني: فهو هذه الغفلة التي يعيش فيها العالم المتحضر في الشرق والغرب، ~~بالقياس إلى هذه الدولة الضخمة الفخمة الهائلة التي تريد الآن أن تسود ~~العالم، وتوشك أن تبلغ ما تريد؛ فالناس في الشرق والغرب يرونها نموذج الحضارة، ~~ويتخذونها مثالا للرقي، وهي مع ذلك ترى ملايين من الناس يسامون أشنع ما يسام ~~الناس من ضروب الذل والخسف والعسف والهوان، ثم لا تنكر ذلك ولا تغيره، بل لا ~~تحاول إنكار ذلك ولا تغييره محاولة مجدية. # والأمريكيون البيض من أهل الولايات المتحدة قد هاجر آباؤهم من أوروبا فرارا ~~بحريتهم من العسف والخسف والهوان؛ فالاضطهاد في الدين والرأي هو الذي دفع ~~كثيرا من الأوروبيين إلى أن يهجروا وطنهم القديم إلى العالم الجديد؛ ليعيشوا فيه ~~عيشة قوامها العزة والحرية والاحتفاظ بكرامة الإنسان؛ فانظر إليهم كيف ~~يحرزون هذه الخصال لأنفسهم ثم يضنون بها على غيرهم من الناس، وما أنكر وما ~~ينكر أن الأمريكيين قد ألغوا الرق الفردي وجاهدوا في سبيل إلغائه، وبلغوا من ~~ذلك مع أوروبا ما حاولوا. # ولكن من المضحك حقا، والشر يضحك في كثير من الأحيان، وأبغض الشر ما يضحك، ~~من المضحك حقا أن يلغى بيع الإنسان وشراؤه ثم يتاح لفريق من الناس أن يسوموا ~~فريقا آخر من الناس خطة ليست أقل شرا ولا نكرا من تعريضهم للبيع ~~والشراء. # فالأمريكي الأبيض لا يستطيع أن يشتري الأمريكي الأسود أو يبيعه، ولكنه يستطيع أن ~~يعرضه للجوع والبؤس والمرض، ويفرض عليه حياة تضطره إلى اقتراف الجرائم المنكرة، ~~ويضربه متى شاء، ويقتله إن شاء أيضا. # وأغرب من هذا كله أن في الأمريكيين البيض من أهل الولايات المتحدة طموحا ~~إلى الخير وسموا إلى المثل العليا لا يتكلفون ذلك ولا يتصنعونه، وإنما ~~تدفعهم إليه نفوسهم الساذجة، فهم يدعون إلى الخير والبر والإحسان وإلى السلم ~~والعافية وإلى التعاون والتضامن، وهم لا يترددون في أن يجاهدوا في سبيل ذلك ~~بنفوسهم وأموالهم، ولكنهم بعد هذا كله ينامون ملء ms282 جفونهم ولا يؤرق نومهم الهانئ ~~الهادئ علمهم بأن بضعة عشر مليونا من السود الذين يشاركونهم في الإنسانية ~~والوطن والذين يسامون بينهم سوء العذاب. والأمريكيون البيض هم الذين أذاعوا في ~~الناس أسطورة الحريات الأربع ولكنهم لم يستطيعوا أو لم يريدوا إلى الآن أن يكفلوا ~~بعض هذه الحريات الأربع لهؤلاء الملايين الذين يشاركونهم في الإنسانية والوطن ~~واللغة والدين. # وإنه لمن المضحك حقا أن يحاول الأمريكيون تأمين الناس في الشرق والغرب من العوز ~~والخوف والظلم والعدوان، ثم لا يحاولون تأمين هؤلاء الملايين الذين يقيمون بينهم ~~من هذه الآفات التي يصبونها عليهم صبا حين يسفر النهار وحين يظلم ~~الليل. # وخصلة أخرى ليست أقل روعة مما قدمنا يصورها هذا الكتاب أبرع تصوير وأروعه، ~~وهي طموح هذا الصبي، وقدرته على أن يحتفظ بهذا الطموح، وقدرته على أن يزيد هذا ~~الطموح، وقدرته على أن يبلغ ما كان يطمح إليه من التفوق والامتياز، لا بالقياس إلى ~~أمثاله السود وحدهم بل بالقياس إلى هؤلاء البيض الذين حاولوا استرقاقه فلم ~~يستطيعوا. # على أن ما أتيح لريتشارد رايت من قهر ما قهر من المصاعب وتذليل ما ذلل من ~~العقاب، والتخلص من هذه الجرائم والآثام التي كانت تدعوه دعاء ملحا، لم ~~يتح ولا يمكن أن يتاح لكثير من السود ولا لكثير من البيض إن أحاطت بهم ظروف ~~كالتي تحيط بملايين السود الأمريكيين. # ومن هنا تظهر الصلة القوية الرائعة بين الكتابين اللذين أحللهما في هذا الحديث، ~~وأكاد أثق بأن الكتاب الذي فرغت من تحليله يشبه أن يكون مدخلا أو مقدمة للكتاب ~~الآخر الذي أريد أن آخذ في تحليله. # فالكتاب الأول يصور لنا غلاما قهر ظروف الحياة التي تحيط بالسود في أمريكا، ~~والكتاب الثاني يصور لنا غلاما قهرته هذه الظروف. فهي واحدة بالقياس إلى ~~الغلامين، ولكن أحدهما وهو ريتشارد رايت قد تداركته رحمة الله؛ فأتاحت له النبوغ ~~الذي استنقذه من الشر استنقاذا، على حين أن الغلام الآخر وهو بيجر توماس لم ~~تدركه رحمة الله، وإنما خلت بينه وبين طبيعة الحياة المنكرة التي فرضت على ms283 ~~السود الأمريكيين فالتهمه الشر التهاما. # ولست أدري أخطرت هذه الصلة لريتشارد رايت حين كتب هذين الكتابين أم لا، ولكني أعلم ~~بعد التجربة أن هذه الصلة موجودة محققة ليس في وجودها شك؛ فقد رأيت من قرأ ~~الكتاب الثاني فضاق به ونبا عنه، وكاد يلحقه بالقصص البوليسية، فلما قرأ الكتاب ~~الأول فهم الكتاب الثاني على وجهه ورده إلى مكانته الممتازة من الأدب الأمريكي ~~الرفيع. # ذلك أن حياة بيجر توماس توشك أن تكون هي الحياة التي صورها ريتشارد رايت لنفسه في ~~كتاب «الغلام الأسود»؛ فبيجر توماس فتى قد قارب العشرين من عمره، وهو يعيش مع أمه ~~السوداء البلهاء أو التي توشك أن تكون بلهاء، ومع أخ له أصغر منه سنا وأخت ~~تختلف إلى مدرسة تتعلم فيها الخياطة، والأربعة يعيشون في غرفة حقيرة متهالكة ~~تروعهم فيها الجرذان ترويعا شديدا، وهم يعيشون في هذه الغرفة الحقيرة مختلطين ~~أشنع اختلاط وأبشعه، حتى إن بعضهم ليضطر إلى أن يدير وجهه إلى الحائط أو إلى ~~النافذة ليستطيع بعضهم الآخر أن يلبس ثيابه. # وهم يعيشون من الإحسان الذي يصيبهم من جماعة من هذه الجماعات التي توزع الخير على ~~البائسين، وهذا الفتى قد نشأ فيما يظهر نشأة مختلطة مفرقة تشبه نشأة ريتشارد ~~رايت، ولكنه لم يقاوم ظروف السود التي أحاطت به ولم يقهرها، وإنما عرفها وأحس ~~شرها وضاق بها وخضع لها مع ذلك مع إنكاره لها، فهو يسرق ويكذب ويعتدي، ويرى أن هذا ~~كله شر، ولكنه يرى أن هذا الشر لا بد منه لأنه مظلوم؛ فهو يسرق الظالمين ويخادعهم ~~ويمكر بهم ويعتدي عليهم، لا يرى بذلك بأسا بشرط أن يفلت من العقاب. # وهو من أجل ذلك بارع في الحيلة ماهر في الكيد حتى يبلغ ما يريد، وهو قد جمع ~~إلى هذه الخصال المنكرة خصالا أخرى ليست أقل منها نكرا؛ فهو متبطل متعطل ~~محب للكسل مغرق في الأثرة عنيف بأمه وأخته أبغض العنف وأقبحه. # ونحن نراه في أول القصة مترددا، قد عرض عليه عمل يتيح له أن يكسب رزقه ورزق ~~أسرته، ms284 فهو لا يدري أيقبل هذا العمل فيصبح سائقا لرجل من أغنياء البيض أم يرفض ~~هذا العمل فينقطع رزقه ورزق أسرته وتكف الجماعة الخيرة عن معونته بما ترزقه في كل ~~أسبوع. # وهو في أثناء هذا التردد ينازع نفسه وينازع جماعة من رفاقه إلى اقتراف جريمة من ~~هذه الجرائم التي تعودوا أن يقترفوها، جريمة السطو على رجل من التجار المتوسطين ~~حين يخلو الشارع من المارة وينفرد هذا الرجل في متجره إذا كانت الساعة الثالثة ~~بعد الظهر، وهؤلاء الفتية قد دبروا جريمتهم واستعدوا لها وكادوا يقدمون عليها، ~~ولكنهم مشفقون من أن يؤخذوا، فنفوسهم تقدم لتحجم، ثم تحجم لتقدم، ثم يكون بينهم ~~شيء من الاختلاف فلا تقترف الجريمة، وينظر الفتى فإذا النهار قد تقدم، وإذا المساء ~~قد أقبل، وإذا الموعد قد أزف للقاء هذا الفتى الأبيض الذي يريد أن يتخذه لسيارته ~~سائقا. # وهو يسعى إلى دار هذا الفتى، ولا يكاد الباب يفتح له وتلقاه الخادم وتقدمه إلى ~~سيدها حتى تثور في قلبه عواطف مختلفة أشد الاختلاف؛ فهو مبغض أشد البغض لهذا ~~الغني الأبيض، محتاج أشد الحاجة للعمل عنده، لو أطاع نفسه لهجم على هذا الرجل ~~فاستلبه الحياة استلابا، ولكنه لا يطيع نفسه، وإنما يطيع حاجته إلى العمل وفقره ~~إلى ما يقيم أوده وأود هؤلاء الثلاثة الذين خلفهم وراءه والذين لا يجدون ما ~~ينفقون. # وهو يسعى خلف هذا الرجل الذي يقوده إلى مكتبه، ولكنه يلقى في طريقه صورة تروعه، ~~وتقع من نفسه موقعا غريبا: امرأة جميلة عمياء قد لبست البياض، وهي تسعى متحسسة ~~من طريقها تصاحب الجدار حتى لا تضع رجلها في غير موضعها، ويراها صاحب الدار فيرفق ~~بها أشد الرفق، فهي إذن زوجه وهي سيدة الدار. # ويبلغ الفتى مكتب هذا الرجل الغني ويأخذ مجلسه ويسمع لسيده الجديد، فإذا هو يتحدث ~~إليه حديثا رقيقا عذبا فيه كثير من العطف، وإذا هو يعده وعودا مغرية فسيدفع ~~إليه أجرا حسنا، وسيكون عمله هينا ويسيرا، وسينزله من داره منزلا وثيرا، ~~وسيعينه على أن يتم تعليمه في مدرسة من ms285 مدارس المساء، وهو يسمع هذا كله راضيا به ~~ساخطا عليه في وقت واحد؛ راضيا به لأنه محتاج إليه، ساخطا عليه لأنه يأتيه ~~من غني أبيض. # وإنهما لفي ذلك إذ تدخل فتاة في الثامنة عشرة من عمرها رشيقة أنيقة عذبة الروح ~~خفيفة الظل حلوة الحديث، ولا تكاد ترى الفتى حتى تتحدث إليه في دعابة وتسأله ~~أمتصل هو بإحدى النقابات؟ وقد فهمنا أن هذه الفتاة الخفيفة الذكية الخرقاء ~~مفتونة بحرية السود وبحرية الطبقة العاملة وبالمذهب الشيوعي بوجه عام، وقد انصرفت ~~الفتاة بعد أن ضربت موعدا لهذا الغلام على أن يؤديها في السيارة إلى الجامعة حين ~~يقبل الليل. # وانصرف الفتى إلى المطبخ، فلقيته الخادم فأطعمته وسقته وبينت له من أمر سادته أنهم ~~قوم كرام أخيار لا يبطرهم الثراء الضخم، ثم دلته على غرفته فإذا هي غرفة مترفة ~~حقا، ولكن صورة الفتاة الحسناء قد ارتسمت في نفسه وأحاطت بها هالة من البغض ~~المنكر. # وهو على كل حال قد أخرج السيارة وانتظر الفتاة حتى أقبلت، ولم يكد يخرج بها من ~~الدار حتى وجهته وجهة غير وجهة الجامعة، ثم أفضت إليه في رشاقة وظرف بشيء من ~~سرها وطلبت إليه أن يكتم عليها أمرها؛ فهي لا تذهب إلى الجامعة وإنما تذهب ~~للقاء صديق، وقد وقفت السيارة أمام دار ضخمة، ونزلت الفتاة فغابت لحظة ثم عادت ~~ومعها فتى قدمته إلى الغلام فصافحه الفتى، وأنكر الغلام الأسود هذه المصافحة من ~~فتى أبيض وسيم، ثم لم يلبث أن أنكر منهما كل شيء، فهما يتحدثان إليه حديثا قد برئ ~~من الكلفة، وما يمنعهما من ذلك وهما شيوعيان لا يريان الفرق بين الألوان ولا ~~يريان الفرق بين الطبقات؟ وهما يريدان أن يتخذا من هذا الغلام الأسود رفيقا لهما ~~لا يعنيهما أن يكون أسود ولا أن يكون سائقا لسيارة، بل هما يألفانه من أجل هاتين ~~الخصلتين. # وهما يلحان عليه في أن يؤديهما إلى مطعم من مطاعم السود، وأن يختار لهما من هذه ~~المطاعم مطعما أنيقا، والفتى يطيع، ثم يدعوانه إلى أن يشاركهما في ms286 عشائهما، ~~فيأبى فيلحان فيجيب كارها. # وقد جلس ثلاثتهم إلى المائدة فطعموا وشربوا وتحدثوا، والغلام الأسود منكر لهذا ~~كله، مستح من هذا كله، يكره أن يراه نظراؤه السود يؤاكل قوما من الأغنياء ~~البيض، ثم ينصرفون عن المطعم فيمضون للنزهة ويسرف الفتيان على أنفسهما وعلى ~~الغلام الأسود في الشراب؛ فيشربان ويسقيانه حتى يأخذ السكر منهم جميعا. # وقد تقدم الليل حتى كاد يبلغ ثلثيه، وانصرف الفتى الأبيض قريبا من دار الفتاة بعد ~~أن ودع صاحبته وسقاها شيئا من الخمر على أنها شربة الوداع، وقد تواعد الفتيان على ~~أن يلتقيا بعد ثلاثة أيام؛ لأن الفتاة ستسافر من غد في أول النهار. # وبلغ الغلام الأسود بالفتاة دارها ووقفت السيارة، ولكن الفتاة لا تستطيع حراكا ~~قد أخذ السكر منها مأخذا عظيما، يعينها الغلام الأسود على أن تخرج من ~~السيارة، ولكنها لا تستطيع أن ترقى السلم، فيعينها على ذلك، ولكنها لا تستطيع أن ~~تدخل الدار لأنها لا تستطيع أن تستقل على قدميها، فيحملها الغلام الأسود بين ~~ذراعيه، ويبلغ بها غرفتها بعد جهد شديد وقد وضعها على سريرها، ولكنه ليس أقل ~~منها سكرا، وقد رأى بينها وبين صاحبها الأبيض ما أثار في نفسه شيئا من الإغراء، ~~وهو متردد يهم وما يكاد يفعل، والفتاة لا تعقل ولا تقاوم. ولكن باب الغرفة ~~يفتح في رفق وتدخل منه هذه الصورة البيضاء الشاحبة التي تتقدم متحسسة من طريقها، ~~وقد امتلأ قلب الغلام الأسود خوفا وفرقا يشفق أن تنطق الفتاة فتنبئ بمكانه ~~فتكون الكارثة، وأي كارثة أعظم من أن يؤخذ غلام أسود مع فتاة بيضاء في غرفة ~~نومها؟! وهنا يفقد الفتى صوابه وتستأثر به الغريزة، غريزة الدفاع عن النفس، فيأخذ ~~وسادة ويضعها على فم الفتاة حتى لا تنطق، وهو يضغط على الوسادة والفتاة تضغط ~~بأظافرها على يده، والأم تدعو ابنتها، والغلام الأسود يلح في الضغط، ~~والأظافر تتراخى شيئا فشيئا، ثم تنحى الوسادة وينتقل الفتى من مكانه في رفق، ~~والأم تدعو ابنتها وقد ألصق الغلام الأسود جسمه بالجدار والأم تسعى متحسسة من ~~طريقها حتى ms287 تبلغ السرير فتمس ابنتها وتنحني عليها، ثم تنصرف محزونة ترى أن ابنتها ~~نائمة، ولكنها تشم رائحة الخمر فيحزنها أن ابنتها قد أمعنت في السكر. # وهي ترجع متحسسة من طريقها حتى تخرج وتغلق الباب من ورائها، ويدنو الفتى من السرير ~~فلا يروعه إلا أن يرى أنه يخلو في هذه الغرفة إلى الموت. # فهؤلاء ثلاثة قد خلا بعضهم إلى بعض: غلام أسود، وليل حالك، وموت لا لون له. وقد أخذ ~~عقل الفتى يثوب إليه شيئا فشيئا ويثوب معه الجزع والهلع، وتثوب معهما الغريزة ~~التي تريد أن تدافع عن نفسها وتفتح للعقل أبوابا مختلفة من الحيل؛ فما عسى أن ~~يصنع الفتى بهذه الفتاة الميتة؟ أيتركها ويمضي لوجهه ويلتمس الهرب؟ ولكن هربه ~~سيثبت عليه الإثم، ولن تلبث الشرطة أن تتعقبه وتأخذه، أيتركها ويذهب إلى غرفته ~~لينفق بقية الليل؟ ولكن أهلها سيجدونها ميتة إذا أصبحوا وسيبحثون ويستقصون ~~وسيكون هو أول من يوجه إليه السؤال. فكيف يجيب؟ وما عسى أن يقول؟ وهنا يذكر ~~الفتى أنه سمع الفتاة تتحدث بسفرها مع الصبي، وتتقدم إليه في أن يقوم مبكرا ~~لينزل حقيبتها وليحملها هي إلى القطار. # فما هي إلا أن تخطر له هذه الخاطرة حتى تتفتح له أبواب من الحيل يرى بعضها ~~واضحا جليا ويتراءى له بعضها الآخر في شيء من الغموض والخفاء، وينظر فإذا ~~الحقيبة بين يديه قد أعدت لتضع فيها الفتاة ما تحتاج إليه من ثياب ومتاع، وما ~~هي إلا أن يعمد إلى جثة الفتاة فيضعها في الحقيبة، ويحمل الحقيبة متكلفا حملها ~~ويسعى متلمسا طريقه مترفقا في سعيه حتى يبلغ أدنى الدار، هناك حيث يقوم الموقد ~~الضخم الذي لا تخمد ناره ليلا ولا نهارا، والذي علمته الخادم كيف يغذيه بالفحم ~~حتى لا تخمد ناره ولا تضعف وكيف يزيل منه الرماد إذا كثر فيه الرماد. # وما هي إلا أن يفتح باب الموقد ويدفع فيه بجثة الفتاة، ولكن الموقد لا يشتمل على ~~الجسم كله فما زال الرأس خارجا منه لا سبيل إلى رده، وينظر الفتى فإذا فأس من هذه ms288 ~~الفئوس التي يقطع بها الخشب، فما هي إلا أن يأخذها ويهوي بها إلى الرأس فيبينه من ~~سائر الجسد، ثم يضعه في المكان الملائم له من الموقد ثم يغلق باب الموقد وقد أسلم ~~الجثة إلى نار لا تبقي ولا تذر، ثم يرد أحد شطري الحقيبة إلى شطرها الآخر، ثم ~~ينصرف وقد أحكم رأيه إحكاما. # لقد أمرته الفتاة أن ينزل الحقيبة إلى أسفل الدار وأن يغدو مبكرا ليحملها إلى ~~المحطة فلا عليه من أن ينفذ ما صدر إليه من أمر، فإذا سئل عن الفتاة أجاب بأنه لا ~~يعرف من أمرها أكثر من أنه عاد بها وبصاحبها إلى الدار، وصعد معها ومع صاحبها إلى ~~الغرفة فحمل الحقيبة وأنزلها، وأمر أن يترك السيارة أمام السلم لا يردها إلى ~~مكانها. # وقد أقبل مع الصبح فلقي الخادم وحمل الحقيبة، وسئل فأجاب، ولم تنكر الخادم من ~~جوابه شيئا؛ فالفتاة نزقة طائشة كثيرة العبث والمجون وكل شيء منها ممكن، ويتقدم ~~النهار حتى يوشك أن يبلغ آخره، وإذا صاحبة الدار تسأله فيجيبها بمثل ما أجاب به ~~الخادم، ويسأله صاحب الدار فيعيد عليه نفس الجواب، فإذا كان الغد تلقت الدار ~~دعاء من المحطة إلى أخذ الحقيبة التي تركت في مستودع الودائع، فعرفت الأسرة أن ~~الفتاة لم تسافر، وجعلت الظنون تذهب بها كل مذهب. # وقد تبينت الأسرة أن الفتاة تركت كثيرا من الثياب التي كانت تريد أن تحملها في ~~سفرها، ومهما يكن من شيء فقد استأثر الخوف بالأبوين جميعا، ودعي السائق فتشدد في ~~سؤاله الأب وتشدد معه بعض المتجسسين الذين يعملون له في شركاته الضخمة، وكان هذا ~~المتجسس يريد أن يتهم الفتى، ولكن الأب يدافع عنه، ويرى أنه فتى ~~مستقيم. # وإذن فلتلصق التهمة بهذا الشيوعي الشاب الذي أنفق مع الفتاة ليلته تلك، وقد أخذ ~~هذا الشيوعي فألقي في السجن، واستقامت للغلام الأسود أموره حتى طمع في أكثر مما ~~بلغ. # ويجب أن نلاحظ أن هذا الغلام لم يكد يدفع الخوف عن نفسه ويزيل أثر الجريمة ~~حتى رضي عن كل ما فعل، وأحس ms289 أن الجريمة قد كشفت له عن شخصيته، وردت إليه ~~حريته وأتاحت له وجودا لم يعرفه من قبل؛ فهو قد قتل فتاة بيضاء وحرق جسمها في ~~النار، وروع بها أبويها، ودفع فتى أبيض بريئا إلى السجن، وأخذ ما كانت الفتاة ~~تحمل في حقيبة يدها من مال، وهو مع هذا كله مطمئن يذهب ويجيء ويأكل ويشرب ~~وينام. # وهو إذن حر، وهو إذن سيد نفسه، وهو إذن موجود على نحو ما يقول أصحاب الفلسفة ~~الوجودية، وهو إذن محتمل تبعة كل ما أتى وكل ما يأتي من الأعمال. قد كانت شخصيته ~~مغمورة، وكانت قوته وحيلته ومهارته مغمورة مع هذه الشخصية؛ فالآن وقد كشفت له ~~الجريمة عن نفسه وعن قدرته وعن حيلته؛ فهو يستطيع أن يصنع أكثر مما صنع، وأن يقدم ~~على أكثر مما أقدم عليه. # وما يمنعه أن يزور كتابا إلى الأسرة ينبئها فيه بأن الفتاة مخطوفة أسيرة ~~عند خاطفيها وبأن من الممكن أن ترد إلى أهلها إذا وضعوا مقدارا من المال ~~في مكان ما؟ وما يمنعه إذا وضع هذا المقدار من المال في المكان الذي اختاره أن ~~يأخذه وينفي به نفسه من الأرض إلى حيث يعيش آمنا حرا مستمتعا بشخصيته وقوته ~~وذكائه وحيلته؟ # ولكنه في حاجة إلى شريك يعينه على إتمام هذا الكيد، وهذا الشريك قريب منه وهو ~~خليلته السوداء التي شاركته في بعض الجرائم، والتي وصلت أسبابها بأسبابه في الخير ~~والشر جميعا؛ فهو يسعى إلى هذه الفتاة السوداء، ويأخذها بما تعود أن يأخذها به من ~~الحب والعبث والسكر ثم يظهرها على بعض الأمر لا على الأمر كله، ثم ينبئها بما ~~دبر من حيلة ليحتاز عشرة آلاف من الدولارات، والفتاة تأبى وتلح في الإباء، ~~وتخوفه العاقبة، ولكنه يرغبها ويرهبها ويلهيها ويسقيها حتى تظهر له الطاعة، ~~وإذا هو يكتب الكتاب ويحمله إلى الدار ويلقيه من وراء الباب، ويسرع إلى غرفته ~~ينتظر فيها الأحداث. # وما هي إلا ساعات حتى يرى نفسه في أدنى الدار أمام الموقد، وقد أقبلت جماعات ~~الصحفيين الذين يريدون أن يعرفوا تفصيل ms290 ما ذاع من أنباء هذه الفتاة، وهم يسألون ~~ويلحون في السؤال، والفتى الأسود قائم أمامهم كأنه لا يعرف من الأمر أكثر من ~~أنه رد الفتاة وصاحبها الأبيض إلى الدار حين تقدم الليل، وهما ثملان، والقوم ~~مقتنعون بأن هذه الجريمة الغامضة أثر من آثار الشيوعيين. # ولكن صاحب الدار يقبل فينبئ هؤلاء الصحفيين بأنه تلقى كتابا يحدثه بأن ~~ابنته أسيرة، وبأن عليه أن يفتديها بالمال، ثم ينبئهم بأنه سيدفع هذه الفدية، ثم ~~يتقدم إليهم في أن يحتاطوا فيما ينشرون في صحفهم حتى لا يفسدوا عليه الأمر، فهو ~~لا يريد إلا أن يجد ابنته. # وفي أثناء ذلك تقدم الخادم وقد حملت أقداح القهوة إلى الصحفيين وتطلب إلى السائق ~~أن ينظف الموقد، فقد تراكم فيه الرماد حتى كادت النار أن تخمد، وكان الغلام ~~الأسود سعيدا لما سمع من حديث صاحب الدار، فسيوضع المال في المكان المختار إذن، ~~وستأخذه خليلته السوداء، وسيلقاها بعد ذلك ويفر معها من هذه الأرض، ليس بينه وبين ~~الثراء والحرية إلا ساعة أو بعض ساعة. # ولكن هذا الأمر الذي صدر إليه بتنظيف الموقد يملأ قلبه روعا، فما عسى أن يكون في ~~الموقد؟ وكيف السبيل إلى تنظيفه بمشهد من الصحفيين! وهو يتردد ثم يتثاقل، ولكن ~~النار قد أخذت تخمد وأخذ الدخان يتكاثف، ويفسد على الصحفيين قهوتهم، فيتقدم ~~الفتى ويفتح الموقد ويهم، ولكن يده لا تطيعه، وإذا هو واجم لا يصنع أو لا يكاد ~~يصنع شيئا؛ فينهض أحد الصحفيين ويأخذ المسحاة من يده، ويحرك الرماد ثم ~~يحدق فيه، ثم يدعو زملاءه ثم يأخذون جميعا في التحديق، والغلام الأسود يسمع ~~وكأنه لا يسمع ويرى وكأنه لا يرى، ويرجع أدراجه في رفق كأنما يخلي بين ~~الصحفيين وبين الموقد، ثم ينسل من الدار ولم يشعر به أحد وقد انهارت آماله كلها ~~انهيارا، وعاد الخوف إليه كهيئته حين قتل الفتاة وأسلم جثتها إلى النار. # فقد استكشف الصحفيون في رماد الموقد عظاما، واستكشفوا الفأس التي أبين بها الرأس، ~~واستكشفوا بعض الحلي الذي كانت الفتاة تحمله، ولم يبق للغلام ms291 الأسود إلا الهرب، ~~ولكنه كيف السبيل إلى الهرب ومن ورائه شريكته تلك التي ستؤخذ وتسأل وترهق حتى ~~تشهد عليه؛ فليتخفف من هذه الشريكة وقد فعل، فسعى إليها وأنبأها بأمره كله، ~~واقتادها من بيتها تحت الليل إلى دار من هذه الدور الخالية التي تنتظر ~~المستأجرين، وفي هذه الدار خوفها وألهاها وسقاها حتى نامت، ثم عمد إلى لبنة فما ~~زال يضرب بها رأسها حتى شدخه واستيقن أن الفتاة قد ماتت، فألقاها من النافذة ~~وسقط جسمها في فناء الدار. # ووجد مع ذلك سبيلا إلى أن يخرج ويشتري صحيفة، ويعلم منها أن الشرطة تبحث عنه ~~وتدل عليه بصورته، وتحاصر أحياء السود، وتلقي بكثير منهم في السجون، وأن الطرق ~~المؤدية إلى المدينة قد أخذت على الخارجين منها والداخلين فيها، فلن يستطيع من ~~المدينة خروجا. # وهو إذن يحاول أن يستخفي دون أن يخرج من المدينة ودون أن يترك هذه الدور الخالية، ~~ولكن هذه الدور تفتش دارا بعد دار، وقد دخلت الشرطة الدار التي يختبئ فيها ~~فيصعد إلى السطح، وما تزال الشرطة به تطارده من مكان إلى مكان، وهو يطاولها ~~ويراوغها ثم يواجهها بالمسدس، ولكنه يؤخذ آخر الأمر بعد خطوب عرضها الكاتب أبرع ~~عرض وأروعه. # وهو على كل حال قد أخذ؛ والغريب أنه مشفق من الموت، ولكنه لا يحس ندما على ~~شيء مما قدمت يداه. # وقد ظهرت براءة الفتى الشيوعي الذي تجنى عليه هذا الغلام الأسود، فردت إليه ~~حريته، وأقبل ذات يوم مع محام شيوعي على هذا الغلام في سجنه ينبئه بأن صديقه ~~المحامي قد تطوع بالدفاع عنه، وبالدفاع عنه مخلصا مؤمنا بأنه يدافع عن ~~الحق الذي لا شك فيه. # والمدينة كلها ثائرة تريد رأس هذا المجرم، وليست الثورة مقصورة على البيض الذين ~~وقع الاعتداء على فتاة من فتياتهم، وإنما السود يشاركون أيضا في هذه الثورة؛ ~~لأن المجرم قد عرضهم لسخط البيض وانتقامهم وأذاهم المتصل؛ فهم يريدون رأس ~~هذا الفتى الذي أيقظ الشر وقد كان نائما، وجر عليهم عذابا كان قد كف عنهم ~~منذ حين. # وما أريد ms292 أن ألخص خير ما في هذا الكتاب، وهو تصوير حياة هذا الغلام الأسود في سجنه، ~~وموقفه أمام قاضي التحقيق ثم أمام القضاة، ولا أن ألخص موقف النيابة منه، ومن ~~القضاء، ومن المحامي الذي تكلف الدفاع عنه، ولا أن ألخص موقف الجماعات التي كانت ~~تزدحم حول السجن لتقتل الفتى حين يخرج منه، أو حول المحكمة لتقتل الفتى حين يصل ~~إليها، حتى كانت الشرطة تجد في حمايته من هذه الجماعة أعظم المشقة وأثقل ~~الجهود. # وإنما أكتفي بتلخيص النظرية التي اعتمد عليها المحامي في الدفاع عن هذا المجرم؛ ~~فهو لم ينكر الجريمة، ولم ينكر استحقاق المجرم للموت، ولكنه طلب إلى القضاة ~~أن يتعمقوا في الظروف التي حملت هذا الغلام على اقتراف جريمته أو جريمتيه. # فهذه الظروف ليست جديدة ولا طارئة، وإنما هي قديمة وهي متصلة أدق الاتصال ~~وأوثقه بهذه الصلة القائمة بين حياة السود والبيض: قوم يستعلون ويستكبرون ويعسفون ~~ويخسفون، وقوم آخرون يخضعون لهذا الاستعلاء والاستكبار، ويذوقون ألوان الذل ~~والهوان، ويحاولون أن يخرجوا من ذلك إلى شيء من الأمن والدعة، فيرى البيض في ~~محاولتهم هذه جموحا وعدوانا ويردونهم إلى حياتهم البغيضة أعنف الرد ~~وأثقله. # لقد حاول هذا الفتى أن يخرج من طوره هذا المنكر، فلم يجد إلى ذلك سبيلا؛ طمع في ~~أن يعمل في الأسطول فعلم أنه لن يعمل فيه إلا خادما، وطمع في أن يعمل في الجيش ~~فعلم أنه لن يعمل فيه إلا خادما، وفكر في أن يعمل في السلاح الجوي فعلم أن لا أمل ~~للسود في هذا السلاح، وهم بأعمال أخرى فرد عنها في عنف كما رد عن هذه ~~الأعمال؛ فاضطر إلى حياته تلك الفارغة إلا من الموجدة والحقد وانتهاز الفرصة ~~لاقتراف الإثم. # هو وأمثاله من السود خائفون من البيض يتربصون بهم الدوائر وينتظرون بهم المكروه، ~~والبيض خائفون منهم يمسكونهم في حياتهم هذه المنكرة ويسرفون عليهم في الإذلال، ~~ويرون الشر كل الشر والنكر كل النكر في كل ما يصدر عنهم من عمل. # وما دام الخوف هو أساس الحياة وقوام الصلات بين ms293 السود والبيض؛ فلن يمتنع ارتكاب ~~الجرائم ولا اقتراف الآثام، وموت هذا الفتى إن قضي عليه بالموت لن يمنع من أن ~~ينشأ فتيان آخرون أمثاله يملأون قلوب البيض روعا وجزعا، وينتهزون الفرص ليقتلوا ~~ويسرقوا ويملأوا الأرض شرا، فإذا لم يكن بد من عقاب هذا الفتى، فليمسك في ~~السجن إلى أن يموت، مع أن عقابه لن يغير من الأمر شيئا، وإنما الذي ~~يغير الأمر هو أن تصلح الحياة الأمريكية وتقام الصلات بين الأمريكيين، مهما ~~تختلف ألوانهم، على نظام من العدل والمساواة، وواضح أن القضاة قد سمعوا لهذا ~~الكلام، وقضوا على الفتى بالموت، وواضح كذلك أن المحامي قد التمس تخفيف العقوبة من ~~الحاكم فلم يظفر بشيء، ولكن أوضح من هذا وذاك أن الكاتب قد استطاع بصدق لهجته ~~من جهة، وببراعته الفنية من جهة أخرى، وبدقة تصويره من جهة ثالثة، أن يملأ نفس ~~القارئ بغضا لهذا المجرم في الشطر الأول من كتابه ورحمة له ولأمثاله في الشطر ~~الأخير من كتابه، وأن ينقلك في رفق رفيق من منزلة البغيض التي ليس بعدها بغض إلى ~~منزلة الرثاء الذي ليس بعده رثاء. # وأنت بعد هذا كله تقرأ هذين الكتابين، فما أسرع ما تنغمس مع الكاتب في الحياة ~~الأمريكية حتى كأنك تحياها مع أصحابها لا أنك تقرأ أنباءها وصورها في ~~كتاب! # أتظنني أسرف حين أثني على هذين الكتابين، وحين أتمنى على الذين يحسنون ~~الإنجليزية، أن يتيحوا قراءتهما للذين لا يحسنون هذه اللغة من الشرقيين؟ # | في الأدب الفرنسي (1) # جان بول سارتر والسينما # تساءل الكاتب الفرنسي المعروف جان بول سارتر عن الأدب ما هو؟ وماذا ينبغي أن يكون؟ ~~ودفعه هذا التساؤل إلى أن يضع كتابا قيما لم يظهر بعد في مجلد، ولكنه نشر ~~تفاريق في مجلة «العصور الحديثة»، وقد عرضنا لهذا البحث بشيء من النقد المفصل، في ~~عدد يونيو الماضي من هذه المجلة. # والفكرة التي دار حولها هذا الكتاب القيم هي مقدار ما يكون بين الأديب وبين ~~قرائه من الاتصال من جهة، ومقدار ما ينبغي أن يحتمل الأديب من تبعة ms294 بحكم هذا ~~الاتصال بينه وبين القراء، ومشاركته لهم فيما يعرض من المشكلات التي تأتلف ~~منها الحياة الاجتماعية مهما تكن طبيعة هذه المشكلات، ومن دون تفريق بين ما يتصل ~~منها بالسياسة أو بالنظام الاجتماعي، أو بأي لون من هذه الألوان التي تؤثر في ~~حياة الناس، والتي يجب على الأديب أن يشارك فيها، ويحتمل نصيبه من تبعاتها، كما ~~يجب على الأدب أن يصورها ويصور المشاركة فيها ويصور الوسائل المختلفة لتدبيرها ~~والخروج من ضائقتها واستكشاف ما يمكن استكشافه من الحلول لأزماتها مهما تختلف في ~~الطبيعة والصورة والأثر. # وهذه الفكرة هي ما يسميه جان بول سارتر التزام الأدب، وهي ليست أكثر من أن ~~الأديب يجب أن يعيش مع معاصريه فيشقى بشقائهم ويسعد بسعادتهم، ويواجه مشكلات ~~الحياة كما يواجهونها، ويصور هذا كله في أدبه تصويرا دقيقا خصبا مجديا، ~~دون أن ينفصل عن حياة معاصريه، أو يعتزلهم ليعيش في برجه العاجي، وينتج في هذا ~~البرج أدبا لا يتصل بآلام الناس وآمالهم، وما يعرض لهم من بؤس ونعيم. # وقد استعرض جان بول سارتر في كتابه هذا تاريخ الأدب الفرنسي في عصوره المختلفة، ~~وبين مقدار ما كان بين الأدباء وقرائهم من الصلات والاشتراك في احتمال ~~التبعات على اختلاف العصور وتباين الظروف، ووصل من هذا الاستعراض إلى نتائج رائعة ~~في تاريخ الأدب الفرنسي ليس هنا موضع الحديث عنها. # ولكنه لاحظ أن تطور الحياة الحديثة، ولا سيما في القرن التاسع عشر وفي أوائل هذا ~~القرن، قد انتهى بالأدب إلى أن يكون لونا من ألوان الترف يترفع عن الحياة اليومية ~~العاملة ليعنى بألوان من هذه الحياة الفنية المترفة التي لا تتاح إلا لطبقات ~~ضيقة من الناس. # ثم حاول أن يرسم للأديب المعاصر، ولنفسه وأصحابه بنوع خاص، برنامجا يحققون به ~~الاتصال بينهم وبين قرائهم، ويشاركونهم به في مواجهة ما تمتلئ به الحياة ~~المعاصرة من المشكلات التي تزداد عنفا وتعقدا من يوم إلى يوم. # وقد اضطره هذا إلى أن يستقصي مشكلات الحياة الاجتماعية في هذه الأيام، وينتقد ~~المذاهب السياسية الاجتماعية التي تحاول حل ms295 هذه المشكلات، ويختار لنفسه ولأصحابه ~~طريقا وسطا بين مذهب الشيوعيين الذين يلغون حرية الفرد، ومذهب البورجوازيين ~~الذين يبيحون هذه الحرية لفريق من الناس دون فريق. # وأراد أن يصل إلى نوع من النظام يكفل للفرد حريته كاملة، ويكفل للجماعة عدلا ~~شاملا، ويكفل للأديب حريته الكاملة في التفكير والتصوير والتعبير، دون أن يخضع ~~لما تفرضه الأحزاب على أعضائها من قيود وأغلال تضطرهم إلى أن يفكروا ويصوروا ~~ويعبروا كما يريد نظام الحزب، لا كما تريد حرية الفرد ولا كما تريد طبيعة ~~الأشياء وحقائق الحياة. # وقد استعرض جان بول سارتر وسائل الاتصال بين الأديب المنتج والجمهور المستهلك، ~~فلاحظ كما يلاحظ غيره من الناس أن العصر الحديث قد ابتكر لهذا الاتصال وسائل لم ~~تكن معروفة من قبل، وأن هذه الوسائل قد طغت وأسرفت في الطغيان على الوسائل ~~القديمة؛ فالصحف والمجلات أكثر اتصالا بالجماعات وتغلغلا بين طبقاتها من الكتب، ~~والراديو أكثر اتصالا بالجماعات وتغلغلا بين طبقاتها من الصحف والمجلات فضلا عن ~~الكتب، والسينما أكثر دعاء وأشد استهواء للجماعات على اختلاف طبقاتها من ~~التمثيل. # وإذن فما ينبغي للأديب الذي يقدر الحياة الاجتماعية ويشارك فيها، وفي احتمال ~~تبعاتها أن يهمل هذه الوسائل المستحدثة ، ويفرغ لاستخدام الوسائل القديمة التي ~~لم تفقد قيمتها وخطرها، ولا ينتطر أن تفقد قيمتها وخطرها، ولكنها لا تستطيع أن ~~تظفر من الشيوع والشمول والتغلغل في الطبقات المختلفة المتفاوتة بمثل ما تظفر به ~~الوسائل المستحدثة، فستؤلف الكتب، وسيقرؤها القراء، وستنشأ المسرحيات وسيشهدها ~~النظارة، ولكن الصحف والراديو والسينما ستكون أكثر انتشارا وأشد ~~اتصالا بالجماعات وأعظم تغلغلا في طبقاتها من الكتب والمسرحيات. # وقد لاحظ جان بول سارتر في شيء من الدعابة أن مسرحية قصيرة من مسرحياته حظر ~~تمثيلها في بريطانيا العظمى، ولكنها أذيعت في الراديو البريطاني، فكانت ~~النتيجة أن الذين استمعوا لها من الإنجليز كانوا أكثر مرات كثيرة من الذين كان ~~يمكن أن يشهدوها في ملعب التمثيل. # على أن الرقابة البريطانية قد فطنت آخر الأمر لهذه الملاحظة، فأباحت عرض هذه القصة ~~في الملاعب، والمهم هو أن جان بول ms296 سارتر يريد بلا ريب أن يساير الحياة ~~الحديثة، وأن يتصل بقرائه أو بمستهلكيه من طريق الوسائل المختلفة التي ~~تستحدث لهذا الاتصال. # وقد سلك هو هذه الطريق؛ فهو يؤلف الكتب على اختلافها، يؤلف الكتب التي يقصد بها ~~إلى الخاصة ليتحدث إليهم في الفلسفة الوجودية أو في هذا الموضوع أو ذاك من موضوعات ~~الدراسة الأدبية. ويؤلف الكتب التي يتجه فيها إلى الجماعات الضخمة ليذيع فيها ~~ما يريد أن يذيعه من تصوره للمشكلات وتصويره لها ومذهبه في حلها، يسلك في ~~ذلك طريق القصص الطويل والقصير. # وهو يصدر مجلته ليتجه فيها مع أعوانه إلى جماعات من القراء قد تؤثر الدراسات ~~الميسرة، التي لا تنحرف مع ذلك عن مناهج البحث الدقيق على الكتب الفلسفية الجافة ~~وعلى القصص السهل اليسير، ثم هو بعد ذلك ينشئ المسرحيات التي يتجه فيها إلى ~~جماعات تحب أن تأتيها متعة المعرفة والفن لا من طريق القراءة وحدها، ولكن من ~~طريق القراءة والنظر لحركات الممثلين والاستماع لهم حين يتحاورون. # ثم هو لا يكره أن يتحدث إلى المستمعين في الردايو أو ينشئ لهم من الآثار ما ~~يتلى عليهم من طريق الراديو ليستمعوا له غير مقبلين عليه كل الإقبال ، ولا ~~متوفرين له كل التوفر، ولا معرضين عنه كل الإعراض. # ولم يبق من هذه الوسائل المستحدثة إلا السينما؛ فقد حاول جان بول سارتر أن ~~يتخذ هذه الوسيلة ليتصل بالجماعات الضخمة المتباينة في البلاد المختلفة ~~المتنائية في وقت واحد، وواضح جدا أن الكتاب والصحيفة والمجلة لا تقرؤها ~~الجماهير مجتمعة، وإنما يخلو فيها القارئ إلى نفسه وإلى الأديب الذي يقرأ كتابه ~~أو مقاله في الصحيفة أو فصله في المجلة، وواضح كذلك أن المسرحية لا تعرض في غير ~~ملعب واحد في المدينة الواحدة، ولا يشهدها من أجل ذلك إلا جمهور من النظارة مهما ~~يكن ضخما فهو محدود. # والذين يمثلون المسرحية أو ينشئون أدوارها، كما يقول أصحاب التمثيل، مضطرون إذا ~~نجحت المسرحية أن ينفقوا في تمثيلها الأشهر ليشهدها أكبر عدد ممكن من النظارة، وأن ~~يتنقلوا بها بعد ذلك في ms297 كثير من المدن بل في كثير من البلاد؛ ليظهروا عليها أضخم ~~عدد ممكن من الناس، وفي ذلك من الجهد والمشقة والعسر ما فيه، ثم هو بعد ذلك لا ~~يبلغ من إذاعة المسرحية ما يريد صاحبها وما يريد ممثلوها، وما يريد الناس ~~أنفسهم. # أما السينما فهو يملك من وسائل التيسير ما لا تملكه الكتب ولا الصحف ولا الراديو ~~ولا التمثيل؛ فالقصة الواحدة إذا أعدت للعرض تستطيع بعد إعدادها أن تغزو الأرض ~~كلها في وقت واحد، وأن تشهدها جماعات النظارة في جميع أقطار الأرض كلها في غير ~~مشقة يحتملها الكاتب أو المخرج أو الممثل، شأنها في ذلك شأن الكتاب المطبوع، ~~ولكنها تتحدث إلى الجماعات حين يتحدث الكتاب إلى الفرد، ثم هي تتحدث إلى الجماعات ~~من طريق العين ومن طريق الأذن حين يتحدث الكتاب من طريق العين وحدها أو من طريق ~~الأذن وحدها، ثم هي تستعين على الحديث من طريق العين والأذن بأشياء لا يستطيع ~~الكتاب أن يستعين بها لأنه لا يستطيع أن يحققها؛ ففيها الحركة، وفيها اختلاف ~~المناظر، وفيها ما تمتاز به المناظر من الروعة والقدرة على التأثير المباشر من ~~طريق الأشياء نفسها، لا من طريق الألفاظ التي تدل عليها بالرمز الذي يخطئ حينا ~~ويصيب حينا آخر. # وقد تصحبها الموسيقى فتستأثر بملكات النظارة كلها؛ فالأديب الذي لا يرى الأدب ~~ترفا ولا فكاهة ولا تلهية، وإنما يراه جدا من الجد، ويراه مشاركة في الحياة ~~ونهوضا بأعبائها واحتمالا لتبعاتها، لا ينبغي له أن يهمل السينما كما لا ينبغي ~~له أن يهمل أية وسيلة تمكنه من أن يتصل بالجماعات ويؤثر فيها فيوجهها إلى ما ~~يريد أن يوجهها إليه، ويصدها عما يريد أن يصدها عنه، ويغريها بما يحب أن يغريها ~~به، ويزهدها فيما يحب أن يزهدها فيه. # والأديب من بعد ذلك أو من قبل ذلك مضطر إلى أن يصطنع هذه الوسائل ليحمي نفسه من ~~الفناء وليحمي نفوس الجماعات من الفساد؛ فهذه الوسائل المستحدثة قد وجدت ~~وأصبحت من ضروريات الحياة الحديثة؛ فليس من سبيل إلى إلغاء الصحف، ms298 ولا إلى إسكات ~~الراديو، ولا إلى تحريم السينما، فالأديب بين اثنتين: إما أن يغزو هذه الوسائل ~~ويتخذها أدوات لإذاعة الأدب وما يحمل إلى النفوس من خير ورشد وإصلاح، وإما أن ~~يهمل هذه الوسائل فيقضي على أدبه بالتزام الحدود التي لا يتجاوزها الكتاب، ~~ويعرض نفوس الجماعات لشر عظيم تحمله إليها الصحف والراديو والسينما التي ستكون ~~أداة لقوم ليس لهم حظ من أدب، ولا من فلسفة ولا من فن ولا من فقه بالحياة ~~ومشكلاتها، وإنما همهم كله أن يلهوا الجماعات بما يذيعون فيها من سخف رخيص، وأن ~~يستزلوا الجماعات بما ينشرون فيها من دعوة إلى أشياء لعلها لا تلائم ذوقا ولا ~~منفعة ولا رقيا ولا ميلا إلى الإصلاح. # والخلاصة أن الأديب إذا آمن بأنه فرد من الجماعة التي يعيش فيها، يشاركها في ~~حياتها، ويتضامن معها في النهوض بأعباء هذه الحياة، ويحتمل معها تبعات الجهاد ~~مهما تختلف، فليس له بد من أن يصطنع كل هذه الوسائل، قديمها وحديثها، وما يمكن ~~أن يستحدث منها في مستقبل الأيام، ليحقق اتصاله بالجماعات، ويحقق اتصال ~~الجماعات به. # وكما أن الأديب لا ينبغي أن يعتزل في برجه العاجي وأن يوحي منه إلى الجماعات ~~كتبا أو فصولا لا تتصل بحياتها اتصالا مباشرا، وإنما ينبغي أن يعيش مع ~~الناس في الأرض، ويشتق كتبه من نفوسهم، فهو كذلك لا ينبغي أن يعتزل في برجه ~~العاجي ليوحي إلى الناس قصصا تعرض عليهم في السينما، دون أن تكون هذه القصص ~~مشتقة من حياتهم، مصورة أدق تصوير وأصدقه لما يجدون من ألم ولذة، وما يحسون من ~~أمل ويأس، وما يثور في قلوبهم من عاطفة وشعور. # فليست الحياة لهوا ولا لعبا، وإنما الحياة جهاد، يحتاج الناس في أثنائه إلى ~~شيء من اللهو وفنون من التسلية؛ ليستعينوا بذلك على احتمال الحياة والمضي في ~~جهادهم في غير سأم أو ملل أو فتور. # وإذن فيجب أن يلتزم السينما كما يلتزم الأدب؛ أي: يجب أن يعرض السينما على ~~النظارة حياتهم، وما يملؤها من المشكلات وما يمكن أن يواجهوا به ms299 هذه ~~المشكلات من حزم وعزم، ومن رفق وأناة، ومن صبر واحتمال، ومن حيلة وتصرف، وما ~~يمكن أن يجدوا لهذه المشكلات من حلول تريحهم منها ليستقبلوا غيرها. # فحياة الناس لم تخل ولا يمكن أن تخلو من المشكلات، ولا سيما حين يكون لهؤلاء ~~الناس حظ من رقي العقل، وذكاء القلب، ودقة الحس، وقوة الضمير. # وقد حاول جان بول سارتر اصطناع السينما لإذاعة أدبه أول ما حاول بعرض قصته تلك ~~القصيرة التي حظرت في بريطانيا العظمى وأذيعت في الراديو، وهي القصة التي ~~عنوانها: # Huis Clos ~~، والتي أستطيع أن أسميها ~~من «وراء السور». # فالقصة تعرض أمر نفر من الناس دفعوا بعد الموت إلى الجحيم، وضرب من دونهم بسور ~~ظاهره فيه الرحمة وباطنه من قبله العذاب، وليس في جحيمهم هذا الذي دفعوا إليه ~~نار تتلظى، ولا سعير تصهر فيه الجلود وتذاب فيه الأجسام، بل ليس فيه ألم مادي ما، ~~وإنما هم مدفوعون إلى حجرة من الحجرات التي ألفوها في حياتهم الدنيا، وهم ~~مكرهون على أن يقيموا في هذه الحجرة إلى آخر الأبد، إن كان للأبد آخر. # وهم يصلون متتابعين إلى حجرتهم هذه، لا يعرفون أنهم موتى، وإنما يخيل إلى كل ~~واحد منهم أنه قد أقبل على فندق من الفنادق، وقاده الخادم إلى حجرة من حجراته، فهم ~~يتفقدون في هذه الحجرة مرافقهم التي ألفوها في الحياة الدنيا، وهم يتبينون شيئا ~~فشيئا أنهم قد ماتوا، وأنهم يلقون في هذه الحجرة جزاء ما قدموا بين أيديهم من ~~الأعمال. # وليس هذا الجزاء ألما ماديا، كما قدمت، وإنما هو ألم معنوي يتبينون إحساسهم له ~~شيئا فشيئا؛ يتبينون ذلك حين يتعرف بعضهم إلى بعض، وحين يذكر كل واحد منهم لنفسه ~~أولا ولرفاقه بعد ذلك، ما قدم من أعمال منكرة وما اقترف من آثام استحق عليها ~~العقاب، ثم حين يكون بينهم الاختلاف والتناكر، وحين يستبين كل واحد منهم ~~أنه لا يستطيع أن يعاشر رفاقه راضيا عن عشرتهم، ولا يستطيع أن يفلت من هذه ~~المعاشرة؛ فهو مكره إذن على معاشرة لا يطيقها ولا ms300 يطمئن إليها، ولا يستطيع أن ~~يخلص منها إلا إذا عكف على نفسه وأهمل طائعا أو كارها من حوله من الرفاق. # وسواء أراد أو لم يرد، فهو يرى هؤلاء الرفاق ويتأذى بمنظرهم، وهو يسمعهم ويتأذى بما ~~يسمع منهم، وهو يحاول أن يفر منهم إلى نفسه، فلا يرى في نفسه إلا نكرا، وهو لا ~~يستطيع أن ينسى هذا النكر الذي يراه في نفسه؛ لأن أعماله كلها تعرض عليه وآثامه ~~كلها تمر أمامه من وراء هذه الأسوار؛ فيتحدث عنها فيؤذيه حديثه ويؤذي رفاقه، ~~ويسكت عنها فيؤذيه سكوته ويؤذي رفاقه؛ لأن كل واحد منهم في حاجة إلى أن يشغل ~~نفسه عن نفسه، ولأن كل واحد منهم يؤذيه أن يشغل نفسه عن نفسه، كما يؤذيه ما ~~يحاول من الفراغ لنفسه والانصراف إليها عمن حوله من الناس. # فكل واحد منهم إذن إنما يحمل جحيمه في نفسه، وليست جهنم شيئا منفصلا عن ~~الإنسان، وإنما هي شيء مستقر في ضميره حيا وميتا، وكل ما في الأمر أن ~~الإنسان في حياته الأولى قد يخدع ضميره، أو يخدع عن ضميره، بما يكسب من عمل، وبمن ~~يعاشر من الناس، وبما يعرض له من المشكلات التي يشغله بعضها عن بعض، ومن ~~اللذات التي قد تشغله عن آلامه وقتا يقصر أو يطول. # فأما بعد الموت فليس يشغله عن نفسه شيء، وليس يصرفه عن آلامه وآثامه شيء، وهو يعلم ~~حق العلم أنه موقوف على هذه الآلام والآثام، وأن هذه الآلام والآثام موقوفة ~~عليه أبد الآباد أو أبد الآبدين. # وقد يخطر لك أن هذه الفكرة الفلسفية المجردة قد تكون في نفسها قيمة عظيمة الخطر ~~بعيدة الأثر في نفس الذين يظهرون عليها من النظارة حين يشهدون التمثيل أو من ~~القراء حين يقرءون القصة، ولكنك تسأل: كيف عرضت هذه الفكرة على المسرح، وعلى ~~الشاشة البيضاء، كما يقول أصحاب السينما؟ وهذا بالطبع حديث لا أريد أن أقف عنده ~~الآن، وقد ألم به في مقال آخر حين أعرض لمسرحيات جان بول سارتر، وإنما يكفي أن ~~تعلم أن التمثيل إنما ms301 يقوم على ما يكون بين هؤلاء النفر حين يلتقون من حوار فيه ~~العسر واليسر، وفيه العنف واللين، وفيه الخلاف والوفاق. # وكله منته آخر الأمر إلى العجز واليأس اللذين ينتهيان بأصحابهما إلى الجنون، ~~إلا أن الموتى لا يصيبهم الجنون، فأما السينما فإنه يصور هذا كله ويؤديه ~~أداء حسنا، ولكنه يعرض مع هذا كله تلك الآلام والآثام التي اقترفها هؤلاء ~~النفر في حياتهم الأولى، والتي يتحدث بها بعضهم إلى بعض في ملعب التمثيل، فلا ~~تظهر النظارة عليها إلا من طريق اللفظ الذي تسمعه الأذن. فأما في السينما فيظهر ~~النظارة عليها من طريق العين لأنها تمر أمامهم مرا كلما عرض لها أصحابها في ~~الحديث. # وكأن نجاح هذه القصة في السينما قد أغرى الكاتب إغراء شديدا بأن يعنى بالسينما ~~من حيث هو سينما، فلا يعيره قصة كتبت للملعب، وإنما يمنحه قصصا تكتب له ~~خاصة. # ومن الكتاب الفرنسيين الممتازين من حاول وما زال يحاول هذا الفن السينمائي ~~الخالص فيظفر بكثير من النجاح والتوفيق، والناس كلهم يذكرون روائع جان كوكتو ~~ومارسيل بانيول، ولكن هذين الكاتبين وغيرهما لا يتجاوزون بآثارهم محاولة التوفيق ~~بين السينما والفن؛ فليس يعنيهم أن يذيعوا فكرة فلسفية أو أدبية ما ، وإنما ~~يعنيهم أن يمتعوا النظارة بالسينما كما تعودوا أن يمتعوهم بالتمثيل فأما جان ~~بول سارتر، فهو لا يكره أن يمتع النظارة ولكنه لا يكتفي بإمتاعهم، وهو لا يكره أن ~~يعظ النظارة ولكنه لا يكتفي بوعظهم، وإنما يحاول فوق الإمتاع والوعظ أن يعرض ~~عليهم مشكلات عنيفة، بعضها يعرض للإنسان من حيث هو إنسان يفكر في حياته ومصيره ~~تفكيرا فلسفيا، وبعضها يعرض له من حيث هو إنسان يدبر حياته تدبيرا ~~سياسيا واجتماعيا، فيلقى في هذا كله ما يلقى من المصاعب والعقاب. # وقد كتب جان بول سارتر للسينما قصتين إلى الآن، عرضت إحداهما في كان ولم تعرض ~~على الجمهور بعد، ونشرت الثانية في مجلة من مجلات السينما، ولست أعلم أن ~~المخرجين قد هموا بإخراجها بعد. # فأما القصة التي أخرجت وعرضت بالفعل فعنوانها الفرنسي # Les jeux sont ms302 ~~faits # وتستطيع أن تترجم هذا العنوان بهذه الكلمة العربية: ~~«لقد تمت اللعبة»، كما تستطيع أن تترجمه بكلمة واحدة، وهي «هيهات». وهذا ~~العنوان الفرنسي ليس إلا الجملة التي ينطق بها محرك «الروليت» في أندية القمار ~~قبل أن يحرك هذه الأداة، وبعد أن يضع اللاعبون ما يضعون من النقد على ما يختارون ~~من الأرقام. # وإذا نطق صاحب الأداة بهذه الجملة فهو إنما ينبه اللاعبين إلى أن أحدهم لا ~~يستطيع أن يختار رقما غير الرقم الذي اختاره، ولا يستطيع أن يسترد النقد الذي ~~وضعه على هذا الرقم؛ فقد تمت اللعبة ولم يبق إلا أن تجري الكرة وتختار اللاعبين ~~أو تختار من اللاعبين صاحب الرقم الذي أتيح له الكسب، فإذا قلت: تمت اللعبة، ~~أو قلت: هيهات، أو قلت: سبق السيف العذل، أو قلت: لا سبيل إلى استدراك ما فات، ~~فقد أديت المعنى الفلسفي الذي قصد إليه الكاتب حين أنشأ قصته. # ويقول النقاد الذين شهدوا عرض هذه القصة في مدينة كان إنها لم تظفر بشيء من ~~النجاح، ثم يختلفون بعد ذلك في مصدر هذا الإخفاق؛ فبعضهم يحمل تبعته على جان ~~بول سارتر لأنه كلف السينما ما لا يطيق، وعرض على النظارة مشاهد لا يحبون أن ~~يروها ولم يتعودوا أن يروها، وكلفهم أن يخادعوا أنفسهم خداعا عظيما قوامه التحكم ~~الخالص ليفرقوا بين أشخاص ومشاهد لم يألفوا التفريق بينها. # وبعضهم يحمل تبعة هذا الإخفاق على المخرجين والممثلين لأنهم لم يحسنوا الإخراج ~~والعرض والتمثيل، ومن المحقق أني لن أحاول القضاء بين هؤلاء المختصمين؛ فلست من ~~السينما في شيء، وليس السينما مني في شيء، ولكن من المحقق أيضا أني قرأت هذه ~~القصة التي أذيعت في الناس تمهيدا لعرضها عليهم، وقرأتها ثلاث مرات، فلم تزدني ~~قراءتها إلا إعجابا بها ورضا عنها لا لما فيها من آراء فلسفية فحسب، ولا لما لها ~~من قيمة أدبية فنية فحسب، ولكن لهاتين الخصلتين جميعا ولخصلة ثالثة، وهي طريقة ~~العرض التي يقتضيها السينما والتي تدفع الكاتب والقارئ جميعا إلى شيء من النشاط ~~والحركة والتنقل السريع ms303 المفاجئ من بيئة إلى بيئة، ومن طور إلى طور، بل من عالم ~~إلى عالم كما سترى. # وليس يعنيني أن تظفر هذه القصة بالنجاح على الشاشة البيضاء أو لا تظفر به، ~~وإنما الذي يعنيني أنا قبل كل شيء هو أن هذا اللون من الكتابة القصصية ~~يمكن أن يقصد إليه الكاتب في نفسه، سواء عرض على النظارة أو لم يعرض، فهو ~~في نفسه فن طريف حي خصب يستطيع أن يكون أداة قيمة جدا لإبلاغ ما يريد الأدباء ~~أن يبلغوه إلى قرائهم من طريق الكتاب، ولا عليهم بعد ذلك أن يستغله السينما ~~فينجح في استغلاله أو يخفق، ولا عليه ألا يستغله السينما أصلا. # وقد أستطيع أن أضرب لك مثلا مقاربا، فالأدب التمثيلي القديم اليوناني واللاتيني ~~ممتع حين تقرؤه، خالد بحكم هذا الإمتاع، وقليل منه يمكن أن يمثل في الملاعب ~~ويظفر برضا النظارة ولكن أكثره قد فقد هذه الخصلة، وأصبح ممتعا بقراءته ليس ~~غير. # وقد يستطيع الممثلون المعاصرون أن يعرضوا على النظارة «أنتيجون»، أو «أوديب» أو ~~الكنز من آثار سوفوكل، ولكني أشك أعظم الشك في أنهم يستطيعون أن يعرضوا على ~~النظارة «فيلوكتيت» أو «إياس»، من آثار هذا الشاعر نفسه، وأن يظفروا بشيء من ~~إعجاب النظارة المحدثين. # وكل رجل مثقف يجد المتاع كل المتاع في قراءة هاتين القصتين، بل قد حاول ~~أندريه جيد في كثير من التوفيق أن يجدد قصة «فيلوكتيت»، كما جدد قصة «أوديب»، ~~وكما جدد كتاب آخرون قصصا أخرى لسوفوكل وغيره من القدماء، فالكتاب الذين ~~يستعيرون من السينما طريقته في العرض والحركة والتنقل السريع يجددون في الأدب ~~تجديدا خطيرا، ويفتحون للأدباء آفاقا واسعة سواء وفق المخرجون أم لم يوفقوا في ~~إخراج ما يكتبون. # والذين قرءوا «طريق الحرية»، أو ما ظهر من «طريق الحرية»، لجان بول سارتر، يلاحظون ~~أنه لم يصل إلى هذا اللون من الفن فجاءة ولا عن إرادة وتعمد، وإنما وصل إليه شيئا ~~فشيئا من طريق التطور الفني الرفيق، تأثر في ذلك ببعض الكتاب الأمريكيين، وتأثر ~~فيه بالسينما، وتأثر فيه بالحياة الحديثة ms304 نفسها. # فهو في طريق الحرية قاص، ولكنه لا يقص أحداثه كما تعود الكتاب أن يفعلوا، ~~وإنما هو أمام أشخاص كثيرين جدا مختلفين أشد الاختلاف، يعيشون في أقطار متنائية ~~متباعدة، وتحدث لكل واحد منهم ألوان مختلفة من الأحداث، كلها متأثر بذلك الروع ~~الذي ملأ الأرض قبيل الحرب العالمية الثانية. # وهو يلقي إليك أطرافا من هذه الأحداث في شيء يشبه أن يكون فوضى، ولكنه قد نظم ~~أدق تنظيم وأمتنه، فهو يحدثك عن رجل مروع في هذه المدينة من مدن تشيكوسلوفاكيا، ثم ~~يثب بك إلى مدينة ميونيخ حيث الاستعداد للقاء هتلر وتشمبرلين، ثم أنت في باريس في ~~ناد من أندية اللهو، ثم أنت في باريس في غرفة خاصة حيث يتناجى عاشقان. # وهو كذلك يتنقل بك في أقطار أوروبا، وربما نقلك إلى إفريقية، وربما عبر بك ~~البحر بين مراكش وفرنسا، وأنت لا تستقر في مكان من هذه الأماكن إلا ريثما ينقلك ~~منه إلى مكان آخر. # ولكنه على كل حال مغرق في هذا الروع الذي ملأ الأرض قبيل الحرب، مفكر في الحرب، ~~مستحضر لها ولأهوالها، شاهد لآياتها وبوادرها، متأثر بعد ذلك بما لكل قصة من هذه ~~القصص الكثيرة المختلفة المختلطة من عبرة تتصل بالسياسة أو بالخلق أو بالفلسفة ~~أو بنظام الاجتماع. # فهو لا يقص عليك الأحداث، وإنما يعرضها عليك عرضا، قد استعار للكتابة فن السينما ~~في العرض، فأتقن الكتابة والعرض جميعا، بحيث يمكن أن يعرض هذان الجزءان اللذان ~~ظهرا من كتابه عرضا سينمائيا في غير مشقة ولا عناء. # فلا غرابة إذن في أن يستقبل الكتابة الأدبية الفلسفية للسينما، ولا غرابة كذلك في ~~أن يجد الفنيون مشقة في الإخراج، ويجد النظارة عسرا في الفهم ~~والاستمتاع. # والقصة التي نحن بإزائها، تعتمد على شخصين اثنين، هما البطلان، ومن حولهما أشخاص ~~كثيرون، لكل منهم مكانه وأثره، وهذان الشخصان رجل وامرأة، فأما الرجل فهو ~~بيير دومين وهو عامل ممتاز بين زملائه، قد أسس مع جماعة من رفاقه جماعة الحرية ~~التي تنظم مقاومة الطاغية منذ أعوام، وهي تستعد للثورة من غد، ms305 وأما المرأة ~~فهي إيف شارلييه، وهي بالطبع جميلة رائعة الجمال، غنية واسعة الغنى، تشغل مع زوجها ~~في الطبقة الممتازة مكانا رفيعا. # فإذا بدأت القصة، فإيف هذه مريضة تراها في سريرها مكدودة، وقد أقبل زوجها ~~مترفقا، فدنا منها وتبين أنها لم تحس مقدمه لأنها مغرقة في النوم، ثم يعرض عليك ~~منظر غرفة حقيرة في بيت متواضع، وقد اجتمع رؤساء العمال حول رئيسهم بيير، وقرروا ~~بعد مناقشة أن تبدأ الثورة من غد. # ثم نترك هذه الغرفة، ونرى بيير في الشارع يركب دراجته، ويدنو منه غلام يعتذر من بعض ~~الخطأ، ونفهم أنه قد وشى بالجماعة إلى الشرطة بعد أن عذبته الشرطة عذابا شديدا، ~~ونفهم كذلك أن بيير لا يريد أن يعفو عنه، وإنما يزدريه أشد الازدراء، فيمتلئ قلب ~~الفتى حفيظة وموجدة وخزيا. # ثم نرى بيير قد وصل إلى مكان خارج المدينة حيث تعمل طوائف من العمال والفتى يتبعه، ~~حتى إذا بلغ قريبا من أصحابه أطلق الفتى عليه مسدسه فخر صريعا، وأقبل العمال من ~~كل صوب حين سمعوا انطلاق المسدس. # ثم نعود إلى الغرفة التي تمرض فيها إيف، فنرى زوجها قد انحنى ينظر في وجهها، حتى ~~إذا استيقن أنها نائمة استخرج من جيبه زجاجة صغيرة وصب منها قطرات في قدح من ~~الماء وضع إلى جانب السرير، ثم انسل إلى الصالون حيث كانت تنتظره لوست أخت ~~امرأته، وهي فتاة في الثامنة عشرة من عمرها، مشفقة أشد الإشفاق على أختها، فلا ~~تكاد تسأله عن حالها حتى يهيئها للنبأ الخطير، والفتاة جزعة أشد الجزع، ولكن ~~الرجل يهدئ من روعها في رفق، ونفهم أنه يتملقها ويريد أن يخيل إليها ~~شيئا يشبه الحب. # ثم نعود إلى خارج المدينة فنرى بيير صريعا قد أحاط به العمال، وقد أقبلت فرقة من ~~الجند فالعمال يتحرشون بها، ويريدون أن يرجموها بالحجارة، والجند يتهيأون لإطلاق ~~النار، ثم نعود إلى الغرفة التي تمرض فيها إيف فنراها قد أفاقت من نومها وأخذت ~~الكأس وشربت ما فيها، ثم نهضت متثاقلة فسعت إلى الصالون ودعت زوجها، ثم عادت ms306 إلى ~~سريرها وجعلت تحذر زوجها في صوت خافت متهالك من أن يعرض لأختها بشر، وتنبئه ~~بأنها ستبرأ وستحمي أختها منه، وبأنه لم يتزوجها إلا رغبة في ثروتها، وبأنه الآن ~~يطمع في ثروة أختها، وزوجها يسمع لها غير حافل ولا مكترث، ثم لا تلبث أن ~~تموت. # ونعود إلى خارج المدينة فنرى العمال مزدحمين حول الصريع يتأهبون لرشق الجند بما في ~~أيديهم من حجارة وحديد، ويأبون أن يفسحوا لهم الطريق، والجند يريدون إطلاق النار، ~~ولكن بيير ينهض من مصرعه ويتخطى جثته التي لا تزال في مكانها، وينصح للعمال بأن ~~يتفرقوا ملحا عليهم أشد الإلحاح، ولكن أحدا من العمال لا يسمع صوته ولا يرى ~~شخصه، فإذا استيأس منهم رفع كتفيه ومضى لوجهه. # ونعود إلى غرفة المريضة التي صرعها الموت، فنراها قد نهضت وجعلت تسعى من الغرفة ~~حتى تبلغ الصالون، فترى أختها الفتاة منتحبة قد وضعت رأسها على كتف الزوج الذي ~~جعل يهدئها ويواسيها متلطفا مترفقا متحببا أيضا، وهي تقف أمامهما فلا ~~يريانها وتتحدث إليهما فلا يسمعانها، حتى إذا استيأست منهما تركتهما ومضت نحو ~~الباب، فتلقى الخادم في طريقها فتتحدث إليها، ولكن الخادم لا تراها ولا تسمعها، ~~وهي تمر أمام المرآة فتنظر إليها، ولكن المرآة لا ترد إليها صورتها، وهي تنظر ~~فترى المرآة ترد صورة الخادم ولا ترد صورتها هي، فتنطلق. # ونحن في الشارع نرى حركة الناس وازدحامهم واضطرابهم فيما يضطربون فيه، ونرى في ~~الوقت نفسه بيير يسعى في بعض الطريق وإيف تسعى في بعض الطريق أيضا، وكلاهما يرى ~~الناس ويسمع منهم، ويحاول أن يعرض لهم فلا يراه أحد، وأن يتحدث إليهم فلا يسمع ~~منه أحد. # وكلاهما يمضي في طريقه يسأل عن شارع بعينه؛ لأنه على موعد في هذا الشارع، ولكنه ~~يسأل في غير طائل؛ فالناس لا يرونه ولا يسمعونه ولا يجيبونه، وكلاهما يسعى مع ذلك ~~حتى يصل إلى زقاق ضيق غريب قد كتب عليه اسم الشارع الذي يسأل عنه، وكلاهما يدخل في ~~هذا الزقاق، فإذا جماعة من الناس قد وقفت أمام باب مغلق ms307 في أقصى الزقاق، وهذا ~~الباب يفتح بين حين وآخر فيدخل منه أحد هؤلاء الناس، ثم يغلق حينا ثم يفتح ~~ليدخل منه شخص آخر. # ويلاحظ بيير وإيف أنهما يريان هؤلاء الناس ويسمعان منهم، وأن هؤلاء الناس ~~يرونهما ويسمعون منهما، والباب يفتح فيدخل بيير، وإذا هو في حجرة ضيقة يمضي فيها ~~حتى يبلغ أقصاها، فإذا سيدة نصف قد جلست أمام مائدة وعلى المائدة دفتر ضخم. # فإذا انتهى بيير إلى هذه السيدة سألها في أدب: أهي تنتظره؟ فتنبئه السيدة بأنها ~~تنتظره، ثم تنبئه باسمه وتاريخ مولده، ولا يكاد يدهش لذلك حتى تنبئه بأنه قد مات ~~مقتولا، ثم تطلب منه إمضاءه على الدفتر، فإذا فعل أذنت له في الانطلاق، ولكن ~~على أن يخرج من باب غير الباب الذي دخل منه؛ فإذا سألها: إلى أين أذهب؟ وماذا يجب ~~أن أعمل؟ أنبأته بأن الموتى أحرار يذهبون إلى حيث يشاءون ويعملون ما ~~يشاءون. # وتجري القصة نفسها لإيف بعد حين، فتعلم من السيدة أنها قد ماتت مسمومة، وتمضي على ~~الدفتر، وتمضي حرة تذهب إلى حيث تشاء وتعمل ما تشاء لأن الموتى أحرار بعد أن ~~يوقعوا بأسمائهم في سجل الأموات. # ولست أقص عليك تفصيل ما يعرض لهذين الميتين بعد خروجهما من هذه الحجرة وانطلاقهما ~~في المدينة يريان الأحياء ويسمعانهم، ولكن الأحياء لا يرونهما، ويلقيان الموتى ~~فنونا وأشكالا، منهم المحدثون ومنهم الذين بعد عهدهم بالموت. # وهما يستطيعان أن يتحدثا إلى الموتى، وأن يسمعا منهم، وأن يتندرا معهم بالأحياء ~~وما يعملون، لا أقص عليك ما يعرض لهما من خطوب، فذلك شيء يطول، وإنما أسجل ~~شيئين اثنين؛ أحدهما: أن بيير يذهب مع دليل له من الموتى إلى قصر الطاغية، ~~فيدخل القصر وينسل إلى غرفة الطاغية، فيراه متبذلا متهيئا لاتخاذ ثيابه ~~الرسمية، ويتناول طعامه ومن حوله موتى كثيرون، كلهم مبغض له ساخط عليه يريد ~~أن يصيبه بالمكروه، ولكنه لا يبلغ مما يريد شيئا لأن الموتى لا يبلغون مما ~~يريدون شيئا. # وقد أنبأهم بيير بأن الطاغية سيموت من غد حين تشب الثورة التي دبرها، ms308 والموتى ~~لا يصدقونه، ولكنه يلح حتى يوشك أن يقنع بعضهم بصدق ما يقول، ولكن ~~رئيس الشرطة يدخل فينبئ الطاغية بأن زعيم الثورة قد قتل، ويغضب الطاغية لذلك ~~غضبا شديدا؛ فهو قد كان أعد للثورة جيشا ضخما، وقرر أن يسحقها سحقا وأن يريح ~~نفسه منها عشر سنين على الأقل. # وإذن فقد استيقن بيير بأن الثورة ستسحق، وأن الطاغية لن يفاجأ، والموتى ~~يضحكون منه ويحاولون تعزيته، ولكنه يمضي مغضبا لا يلوي على شيء، حتى يبلغ ~~الغرفة التي كان يأتمر فيها مع أصحابه، فيراهم ويسمعهم، ويعلم أن مصرعه قد ~~بلغهم، ويحاول أن يتحدث إليهم ليردهم عن الثورة، ويحملهم على تأجيلها، ولكنهم لا ~~يرونه ولا يسمعون منه، فينصرف عنهم يائسا مستيقنا بوقوع الكارثة من غد. # هذا أحد الأمرين، أما الأمر الثاني: فهو أن بيير يلقى إيف فينظر إليها ويدنو منها ~~ويكون بينه وبينها حديث ثم شيء يشبه الألفة، وهما يذهبان معا إلى إحدى الحدائق، ~~وإلى ناد من أندية اللهو في هذه الحديقة تغشاه الطبقة الممتازة من أصحاب إيف، ~~وهما يريان ويسمعان، ولكن أحدا لا يراهما ولا يسمعهما، وقد استحالت ألفتهما ~~إلى تعاطف، ثم إلى شيء يشبه الحب، وهما يتراقصان، ولكنهما لا يجدان لذة الرقص ~~لأن الموتى لا يجدون لذة لشيء. # وكلاهما يود لو بذل نفسه ثمنا للحظة قصيرة ينفقها مع صاحبه كما ينفق الأحياء ~~أوقاتهم حين يكون بينهم الحب، ولكن كليهما يحس كأنه مدعو إلى موعد، فينطلقان حتى ~~يبلغا تلك السيدة التي تسجل الموتى، فتنبئهما بأنها كانت تنتظرهما، وبأنها قد ~~علمت أن كليهما يظن أن قد غلط به في الحياة، وأن كلا منهما قد خلق لصاحبه، ~~وأن المادة الأربعين بعد المائة من القانون تقضي في مثل هذه الحال بتصحيح الخطأ ~~ورد الحياة إليهما أربعا وعشرين ساعة. # فإذا استطاعا أن يستأنف كل منهما حياة قوامها الحب الصحيح مدت لهما أسباب ~~الحياة، وإلا عادا إلى الموت، وهما يزعمان لهذه السيدة أن قد غلط بهما وأن كلا ~~منهما قد خلق لصاحبه فترد إليهما الحياة، ويودعان الموتى الذين ms309 يتمنون لهما ~~الخير، ومنهم من يكلفهما بعض الأعمال في عالم الدنيا. # ثم نعود إلى خارج المدينة؛ فإذا جثة بيير في مكانها، وإذ العمال من حولها يتأهبون ~~لرشق الجند بالحجارة، والجند يتهيأون لإطلاق النار، فقد حدثت كل هذه الأحداث على ~~كثرتها في لحظة قصيرة؛ لأن الزمن لا حساب له بالقياس إلى الموتى، وقد جلس بيير ~~بعد أن ردت إليه الحياة، وتحدث إلى العمال فاستيقن أنهم يرونه ويسمعونه، وآية ~~ذلك أنهم أطاعوه وتفرقوا، ولكنه ينهض في شيء من ذهول ويعمد إلى دراجته فيركبها ~~ويعود إلى المدينة، وقد أرسل العمال من ورائه أحدهم ليتبعه ويعينه إن احتاج إلى ~~شيء من عون. # ونعود إلى الغرفة التي ماتت فيها إيف، فنراها على سريرها وقد جثت أختها منتحبة إلى ~~جانب السرير، ولكن إيف تتحرك ثم تتكلم ثم تنهض، وقد حدثت كل هذه الأحداث في أقصر ~~لحظة ممكنة؛ لأن الزمن لا قيمة له بالقياس إلى الموتى، وقد ابتهجت أختها الفتاة ~~حين رأتها تفيق، وسقط في يد الزوج فخرج يلتمس لها الطبيب، وجعلت إيف تتحدث إلى ~~أختها محذرة لها من هذا الزوج الخائن الذي يخدعها ليظفر بثروتها، والفتاة ~~تدافع عن هذا الزوج لأنها لم تر منه إلا خيرا. # ونحن أمام الدار التي تسكنها وهي دار أنيقة فخمة، قد أقبل عليها بيير، حتى إذا ~~بلغها نزل عن دراجته ودخل وسأل البواب عن الطابق الذي تسكنه إيف شارلييه، ~~فيدله عليه مزدريا له، ويأمره بأن يرقى إليه من سلم الخدم، ثم نرى الخادم قد ~~أقبلت تنبئ سيدتها بمكان هذا العامل، وبأنه يريد أن يلقاها، وبأنه ينتظر ~~في المطبخ. # فتذكر إيف كل ما حدث لها أثناء الموت وتأذن لبيير، فإذا أقبل راعه ما في هذه الدار ~~من ترف لم ير مثله قط، وهو على كل حال يلقى صاحبته ويتحدث إليها ويدعوها إلى أن ~~ترافقه، وهي تتردد شيئا، ثم تذكر ما زعمت لمسجلة الموتى، فتهم أن تخرج، ولكن ~~الزوج يقبل، فيراهما وقد ظهر تفوقه على امرأته، فقد رآها في غرفتها مع رجل غريب ms310 ~~من غير طبقتها، ورأى بينهما صلات لا تكون إلا بين العاشقين، فهو يريد أن يطردها، ~~ولكنها تخرج مع رفيقها وفي نفسها شيء من حب، وفي نفسها كثير من حسرة وخوف على ~~أختها. # وهما يستأنفان في الشارع كل ما حدث لهما أثناء الموت، فيسعيان إلى الحديقة، وإلى ~~النادي، ويريان أصحاب إيف ويسمعانهم، ولكن أصحاب إيف يرونهما هذه المرة وينكرون ~~مكانهما ويسخرون منهما، وهما يشقيان بذلك شقاء مختلفا مصدره استخذاء المرأة من ~~رفيقها العامل الوضيع أمام هذه الطبقة الممتازة، واستخذاء الرجل من ضعة هيئته، ~~ومما بينه وبين صاحبته من الفرق الهائل في الطبقة وفي الفقر والغنى. # ولكنهما كليهما حريصان مع ذلك على أن يستأنفا حياة قوامها الحب؛ فقد أعطيا بذلك ~~عهدا في دار الموتى؛ فهما يعرضان عن كل ما يلقاهما من المصاعب، وهما يتراقصان في ~~نفس المكان الذي تراقصا فيه ميتين، ولكنهما يجدان لذة الرقص في هذه المرة، ويكادان ~~ينعمان بهذه اللذة لولا هذه البيئة التي تنغص عليهما كل شيء. # وقد وقع الشر بين بيير وبين رجل من هذه البيئة، وأقبل جندي يريد أن يعنف ~~بيير، فتظهر إيف بطاقتها للجندي، ويعلم بيير لأول مرة أن زوجها يشغل منصبا ~~خطيرا في الشرطة؛ فينصرف عنها هاربا، ألم ينفق حياته كلها في مقاومة هذه الشرطة ~~والكيد لها؟ # فالنظام الاجتماعي كله، والنظام السياسي كله، والنظام الاقتصادي كله، يحول بينه ~~وبين هذه المرأة التي زعمت أنها خلقت له، والتي زعم أنه خلق لها، ولكن إيف ~~تدركه وما تزال به حتى ترده إلى بعض الهدوء، ثم يتعاونان على إنفاذ ما أوصاهما به ~~بعض الموتى فيقرب ذلك بينهما شيئا ما، ثم يذهبان إلى دار بيير ويفترقان حين ~~يبلغانها، يريد بيير أن تستأنس صاحبته إلى هذه الدار وحدها من جهة، وأن يسرع إلى ~~أصحابه فينبههم إلى الخطر الذي ينتظرهم من جهة أخرى، فأما هي فتصعد إلى الغرفة ~~التي يعيش فيها بيير، وتجد شيئا من الحرج في الاطمئنان إليها والاستقرار فيها، ~~ولكنها مع ذلك تذعن لما ليس منه بد فتأخذ في ms311 إصلاح الغرفة. # وأما هو فيذهب إلى أصحابه، فإذا لقيهم أنكروه أشد الإنكار، لأنهم عرفوا دخوله ~~دار هذا الموظف الكبير من موظفي الشرطة وخروجه مع امرأته، ثم لم يكتفوا بالشك ~~فيه، وإنما اتهموه بالتجسس عليهم بأنه قد أفضى بأمرهم كله إلى حكومة ~~الطاغية. # وقد انصرف عنهم يائسا منهم، وعاد إلى صاحبته حزينا كئيبا؛ فهي تواسيه وتسليه ~~وترفق به وتذكره الحب وما أعطيا من عهد وما ضرب لهما من موعد سينتهي إذا كان ~~الغد، وبينما هما كذلك إذ يأتي أحد العمال فينبئ بيير بأن أصحابه قد ائتمروا ~~به ليقتلوه، ويحثه على الهرب بأنهم قادمون لإنفاذ ما أزمعوا، والعامل ينصرف ~~وبيير ينبئ صاحبته بأنه مقتول بعد حين ويأبى الهرب، وهذه أقدام يسمع وقعها، ~~وإذا العاشقان يعتنقان والباب يطرق ثم يطرق، ثم ينصرف الطارقون فلا يشك العاشقان ~~في أن النصر قد كتب لحبهما، وفي أن الموت قد صرف عنهما لينعما بهذا الحب ~~السعيد. # فإذا أصبحا من الغد فهما راضيان بعض الرضا لا كله، لا يشك أحدهما في أنه يحب ~~صاحبه، ولكن بيير يذكر الثورة التي ستسحق بعد حين وأصحابه الذين سيمحقون ~~محقا، ويريد أن يبذل آخر جهد لينقذ الثورة من الإخفاق، وينقذ أصحابه من الموت ، ~~وإيف تذكر أختها التي توشك أن تكون فريسة لهذا الرجل الذي لا يحبها وإنما يحب ~~ثروتها، وهي تريد أن تبذل آخر جهد ممكن لإنقاذها. # وهما مع ذلك يحاولان أن يستمسكا بالحب والحياة، ولكنهما يفترقان على أن يلتقيا بعد ~~ساعة قبل أن يحين الموعد الذي ضرب لهما في دار الموتى. # فأما هي فلا تكاد تدخل دارها حتى ترى أختها وزوجها قد جلسا إلى طعامهما جلسة لا ~~تخلو من ريبة، فتخرج المسدس وتأمرهما ألا يتحركا حتى تقص على أختها خيانة زوجها، ~~ثم تأمرها بأن تستخرج من مكتب زوجها رسائل الحب التي تثبت خيانته. # وأما بيير فقد ذهب إلى أصحابه في نفس ذلك الوقت، وقد اجتمع إليهم زعماء العمال، ~~وقد أخذ أصحابه ينكرونه، وأخذ هو يدافع عن نفسه حتى اطمأنت إليه الجماعة ms312 بعد لأي ~~وهمت أن تؤجل الثورة، ولكن الثورة قد بدأت في مواضع كثيرة، وهم يتداولون فيما ~~ينبغي أن يتخذوا من قرار لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. # وقد دنا الموعد الذي ضرب لبيير وصاحبته في دار الموتى؛ فهو يسرع إلى التليفون ~~لينبئ صاحبته بأنه لا يستطيع فراق زملائه، وهو يحاورها حوارا شديدا في ~~التليفون نسمعه نحن، والوقت يمضي ويمضي، وقد أقبل الجند فحاصروا المجتمعين، ~~وتطلق رصاصة فيخر لها بيير صريعا والجند يقتحمون الدار ويقهرون من ~~فيها. # ثم نرى بيير يتخطى جثته ويمضي لا يراه أحد ولا يسمعه أحد، ثم نراه بعد ذلك وقد لقي ~~إيف ميتين، وكلاهما يتحدث إلى صاحبه كأنهما قد خدعا عن أنفسهما وعن الحب، ~~وبأن التجربة قد أخفقت، وبأنهما قد عادا إلى الموت؛ لأن بيير لم يتمن ~~الحياة إلا لينقذ الثورة وأصحابه، ولأن إيف لم تتمن الحياة إلا لتنقذ أختها من ~~زوجها الخائن الأثيم. # وقد أخفقا جميعا، فلم يستطع بيير أن ينقذ الثورة ولم تستطع إيف أن تنقذ أختها، ~~ويلقاهما أحد الموتى فيسألهما دهشا: ألم تنجحا فيما حاولتما؟ فيجبيه بيير: كلا ~~يا سيدي، لقد تمت اللعبة، فليس لأحد اللاعبين أن يختار، ويلقاهما مع ذلك ميتان ~~آخران فتى وفتاة يخيل إليهما أن كلا منهما قد خلق لصاحبه، وأنه قد غلط بهما ~~في الحياة الأولى، وأنهما يستطيعان إن أتيح لهما الانتفاع بالمادة الأربعين بعد ~~المائة أن يستأنفا حياة سعيدة قوامها الحب، فيشير عليهما بيير وإيف بأن ~~يحاولا، فمن يدري لعلهما أن يظفرا بما لم يتح لهما الظفر به. # وكذلك تنتهي هذه القصة التي لم أرسم لك منها إلا أيسر ما فيها، وهي على ذلك ~~تصور لك ما قصد إليه جان بول سارتر من عرض هذه الظروف القاسية المحتومة التي ~~يفرضها النظام الاجتماعي والسياسي، والتي تفرق بين الناس تفريقا محتوما لا ~~سبيل إلى التخلص منه، إلا إذا تغير النظام السياسي والاجتماعي، وزالت هذه الفروق ~~التي تجعل من الناس أقوياء وضعفاء وفقراء وأغنياء، لا سبيل إلى أن يلتقوا ولا إلى ~~أن ينعموا بالحياة ms313 ما دامت قائمة. # فهم يجدون المساواة إذا ماتوا ويطمحون إليها مخلصين ويودون لو ردوا إلى ~~الحياة ليحققوها، ولكنهم لا يستطيعون تحقيقها إذا ردوا إلى الحياة؛ لأن اليد ~~الواحدة لا تستطيع التصفيق، ولأن النظام السياسي والاجتماعي لا تغيره ~~إرادة أو فرد أو أفراد، وإنما تغيره إرادة إجماعية لا تتحقق إلا بالتطور، ومن ~~يدري! لعل التطور لا يكفي لتحقيقها، ولعلها تحتاج لشيء أشد عنفا من التطور وهو ~~الثورة. # وليس هنا موضع الحديث عما يمكن أن يكون بين هذا التفكير الفلسفي، وبين ~~الفلسفة الوجودية من تقارب أو تباعد، وإنما الشيء الذي ليس فيه شك هو أن هذا ~~النحو من التفكير ملائم لما أشرت إليه آنفا من رأي الكاتب في بحثه عن الصلة بين ~~الأديب وبين الجماعات؛ فجان بول سارتر يريد أن يجعل المساواة بين الناس حقيقة ~~واقعة تريدها الجماعة كلها ولا يريدها لأفراد متفرقين، وأحسبك توافقني على أنه ~~قد صور من ذلك ما أراد تصويره، فبلغ من هذا التصوير ما أحب. # أما القصة الثانية فعنوانها «الأنوف المستعارة» وهي تدور بالفعل حول أنوف مستعارة ~~يخفي بها أصحابها أنوفهم التي ركبها الله في وجوههم. والقصة فكاهة، ولكنها فكاهة ~~مرة تضحك ولكن من حماقة الإنسان وسخفه وضعفه وتعلقه بالمنافع العاجلة، ~~وانقياده للوهم، واستسلامه للسلطان وإن كان ضعيفا لا يعتمد على قوة تسنده أو ~~تجعله مصدرا للخوف. # فأنت حين تبدأ القصة في دهليز من دهاليز القصر الملكي في مورافيا، وهذا ~~الدهليز قذر مهمل قد ضربت عليه العنكبوت بنسجها، ورجل قائم على سلم ~~يحاول أن يرد إلى سقف الدهليز وجدرانه نظافتها ويزيل عنها نسج العنكبوت، ثم تعرض ~~عليك صورة أخرى ترى فيها حجرة العرش، وقد اجتمعت فيها حاشية الملك ووجوه الدولة ~~وفي موقدها نار ضئيلة تخمد شيئا فشيئا. # ولكنك تلاحظ على كل من ترى في القصر من رجال ونساء ومن سادة وخدم أنهم يحملون ~~في وجوههم أنوفا ضخمة مسرفة في الضخامة تجعل هذه الوجوه قبيحة مضحكة. # ثم يقبل الملك والملكة فتنهض الحاشية، ويحاول الملك أن يجلس على عرشه ms314 ~~فإذا هو مضطرب لا يثبت قد قصرت بعض قوائمه، فيضطر بعض الحجاب إلى أن يتموا هذه ~~القوائم القصيرة بقطع من الخشب يزجونها بينها وبين الأرض، حتى إذا ثبت عرش الملك ~~واستطاع أن يجلس جرت القصة نفسها لعرش الملكة. # وقد أخذ الملك يتحدث إلى وجوه دولته، فيعلن إليهم أن ابنه الأمير أندريه سيقترن ~~بالأميرة أجات بنت ملك القوقاز، وأن هذه الأميرة في طريقها الآن إلى عاصمة مورافيا ~~ومعها حاشيتها وتتبعها عربات ضخمة قد ملئت ذهبا، وستمتلئ خزائن مورافيا، ~~وسيجعل الله لهذه الدولة الضخمة الفقيرة يسرا بعد عسر وغنى بعد فقر وفرجا ~~بعد حرج. ثم يشير الملك إلى صورة مغطاة قد علقت إلى أحد الجدران فيرفع عنها ~~غطاؤها، وتظهر الأميرة من ورائه رائعة الجمال، بارعة الحسن ليس فيها إلا عيب ~~واحد وهو أن أنفها طبيعي جميل، فإذا نبه الملك إلى ذلك دعا رسام القصر فأمره ~~بأن يصلح هذا الأنف؛ فيقبل الرسام على الصورة يضخم أنفها ويفخمه ويسبغ ~~عليه من القبح ما تمتاز به الأنوف في مملكة مورافيا. # هنالك يرضى الملك ورجال الدولة عن الصورة، ويدعى الأمير الشاب ليراها، فإذا أقبل ~~نظر إلى الصورة في تكره واشمئزاز ثم انصرف عنها معرضا يظهر الإذعان للقضاء ~~المحتوم أكثر مما يظهر الشوق إلى خطبه التي شغفت قلبه حبا. # وفي أثناء هذا كله يلاحظ الملك أن خدم القصر قد تركوا أعمالهم وأبوا أن ~~يستجيبوا له إذا دعا، فإذا سأل عن ذلك أنبأه وزير العمل بأن خدم القصر قد ~~قرروا الإضراب إذا تمت الساعة الحادية عشرة؛ لأنهم لم يقبضوا أجورهم منذ ستة ~~أشهر، وقد حاولت الحكومة إقناعهم بأن زواج الأمير سيملأ الخزائن ذهبا وسيقبضون ~~رواتبهم ومكافآت أخرى، ولكنهم لم يحفلوا بهذه الوعود. # هنالك يعلن الملك أن لا بد مما ليس منه بد، وأن رجال القصر كلهم ومعهم وجوه الدولة ~~يجب أن يتناوبوا فيما بينهم أعمال الخدم، ثم ينهض الملك نفسه فيقدم الأسوة ~~الصالحة ويأخذ في ترتيب الحجرة، ويضطر وجوه الدولة إلى أن يصنعوا صنيعه، فهم ~~ينقلون الأثاث القديم ms315 الموروث ليضعوا مكانه أثاثا جديدا أنيقا قد استعاره الملك ~~من أعضاء حاشيته. # وربما كان من المضحك أن نلاحظ أن الملك في أثناء حديثه إلى وجوه دولته ~~يرى سيدة تصطك أسنانها من البرد، فإذا نهاها عن ذلك حاولت أن تملك نفسها ولكنها لا ~~تستطيع، فيأمرها الملك بالخروج ويمضي في حديثه، ولكنه يسمع أسنانا أخرى تصطك ~~فيهم أن يغضب، ولكنه ينظر فإذا الملكة هي التي تصطك أسنانها من البرد؛ هنالك ~~يأذن بالنهوض وضرب الأرض بالأرجل طلبا لبعض الدفء، وكذلك ينهض هو وتنهض معه ~~حاشيته ويأخذون في طرق الأرض بأرجلهم، حتى إذا ظفروا ببعض الدفء، عادوا إلى ~~مقاعدهم ومضى الملك في حديثه. # ثم يعرض علينا المطبخ، وقد أخذ رجال ونساء من وجوه الدولة يعملون فيه، يهيئون ~~الوليمة التي ستدعى إليها الأميرة إذا كان المساء، وهم يختصمون فيما بينهم خصومات ~~مضحكة تدل كلها على أنهم محنقون من هذا العمل الذي اضطروا إليه والذي لا يحبونه، ~~ولا يحسنونه، ولا يعملونه في قصورهم، وإنما هو فقر الدولة قد اضطرهم إلى هذا ~~الهوان؛ لأن هذا الزواج سيجلب للدولة مالا كثيرا فيعود أمرها إلى اليسر ~~والثراء، ولكنهم على ذلك قد ضاقوا بالملك وابنه وبهذه الحياة المنكرة التي تفرض ~~عليهم وعلى الشعب. # فهذه الأنوف الضخمة الفخمة البشعة، إنما فرض عليهم وعلى الشعب كله حملها؛ لأن ~~الأمير قد ولد كبير الأنف بشعه، فأراد الملك ألا يحس الأمير أنه منفرد بهذه ~~البشاعة ممتاز بهذا القبح، فشرع قانونا يفرض على الشعب كله أن يتخذ الأنوف ~~الضخام، ومضى الشعب على هذه السنة المنكرة حتى ألفها وحتى أصبحت الأنوف ~~الطبيعية عورة يجب أن تستر، وحتى تهالك الناس على التماس هذه الأنوف الطبيعية، ~~يختلسون النظر إليها خفية ومن وراء الحجب، ويتحدثون عن أماكن اللهو التي يمكن ~~أن يغشوها وأن ينفقوا فيها النفقات الضخمة ليروا أنفا طبيعيا جميلا، ~~وليستطيعوا مسه، فأما تقبيله فشيء لا يتاح إلا للذين ينفقون في سبيله أضخم ~~النفقات. # وللملك أخ ضيق بهذه الحياة، طامع في العرش، يدبر ثورة يخلع بها أخاه ويطرد ms316 ~~بها ابن أخيه، ويرقى بها إلى الملك، ويزيل عن الناس أنوفهم هذه المستعارة، ويبيح ~~لأنوفهم الطبيعية أن تظهر للهواء والنور وتستمتع بحريتها كاملة، وهو يتحدث في ~~المطبخ إلى أعوانه من وجوه الدولة بما دبر من هذه الثورة، فيقرونه على خطته، ~~ويتفقون على إفساد خطة الملك، ومنع زواج ابنه، وعلى أن وسيلتهم إلى ذلك ستكون ~~إفساد الوليمة أولا، فسيقدم إلى المدعوين أقبح طعام وأردؤه، وستكون الخدمة ~~منكرة مخالفة للمراسم والتقاليد، وسيتعمدون حين يدورون بالصحاف والشراب على ~~المدعوين أن يسيئوا الخدمة، فيصبوا النبيذ والمرق على ثيابهم الجميلة وعلى ~~أكتاف السيدات العارية، ثم سيفسدون على الضيف نومهم، فيضعون الضفادع في ~~الأسرة، حتى إذا كان الغد واحتشد الأشراف والشعب لإمضاء عقد الزواج صدرت ~~إشارة، فألقى كل إنسان أنفه الصناعي، وأظهر الأشراف جميعا أنوفهم الطبيعية ~~وأعلنت الثورة، ورأى الأمير أنه وحده صاحب الأنف الضخم القبيح. # وهم يتفقون على هذا كله، وقد استمع الأمير لبعضه أثناء مروره أمام المطبخ فابتهج ~~له؛ لأنه كاره لهذا الزواج، يريد ألا يتم. # ثم يعرض علينا مقدم الأميرة، وقد خرج الملك لاستقبالها في بعض الطريق، فلم يكد ~~يتلقاها ويتحدث إليها، ويظهر لها صورة الأمير حتى تراع الفتاة حين ترى هذا الأنف، ~~وحين تعلم أن الأنوف كلها في مورافيا على هذا النحو من البشاعة، ويزداد جزعها ~~حين يعرض عليها الملك أنفا صناعيا تخفي به أنفها الصغير الجميل، وهي تثور ~~وتمتنع وتحاول أن ترفض هذا الزواج، ولكن وزير أبيها يذكرها بأنه الزواج أو ~~الدير، فتذعن كارهة، وتضع أنفها الصناعي كما يضع رجال حاشيتها ووصائفها ~~أنوفهم الصناعية. # وتصل إلى القصر وهي تتمنى ألا يتم هذا الزواج بشرط ألا تكون هي مصدر هذا الإخفاق ~~حتى لا تضطر إلى الدير، وقد احتاط أبوها الملك واحتاطت معه دولة القوقاز لهذا ~~النكر الذي ستدفع إليه الفتاة، فألحق بحاشيتها ضابط رشيق وسيم ليكون في خدمتها ~~وليعزيها عن حياتها تلك المنكرة. وقد أخذ هذا الضابط يتقرب إليها، وأخذت هي ~~تطمئن إلى دعابته، ولكنها ربما فكرت في أن تهرب مع هذا ms317 الضابط إلى حيث يعيشان ~~عيشة الحب والسعادة بعيدين عن هذه الأنوف الكبار. # وقد بلغت الأميرة القصر واستقبلها الأمير استقبالا فاترا متكلفا، أنكر أنفها، ~~وأنكرت أنفه، وتمنى كلاهما ألا يتم هذا الزواج، ثم كانت الوليمة، وأقبل الخدم وهم ~~من وجوه الدولة، فقدموا أردأ طعام وخدموا أسوأ خدمة، وهم بعضهم أن يصب ~~النبيذ على الأميرة فيتقيه الأمير بيده، وهم آخر أن يميل قنديله ليسقط على كتف ~~الأميرة الشمع المذاب، فيضع الأمير يده على كتفها ليتلقى هذا الشمع، وتذعر ~~الأميرة لذلك فتلطمه، ويوشك الأمر أن يفسد لولا أن الوزير يرمق الفتاة فتذكر ~~الدير، ولولا أن المرضع تمس الأمير فيذكر حاجة الدولة إلى المال. # وتمضي السهرة على شر حال، وتمر الأميرة بالمطبخ مستخفية حين يتقدم الليل، ~~فتسمع الأشراف وهم يتخذون قراراتهم الأخيرة لإتمام الثورة، فتبتهج بهذه القرارات، ~~وتنضم إلى المؤتمرين؛ لأنها لا تريد أن يتم الزواج، ولأنها لن تحتمل تبعة ~~الإخفاق إذا كانت الثورة. # ولكن وزير أبيها مختبئ كما كانت مختبئة، وهو يسمع لما سمعت له ويندس بين ~~المؤتمرين، حتى إذا أجمعوا أمرهم أعلن إليهم أنه مكلف أن يزوج الأميرة من وارث ~~العرش في مورافيا كائنا من يكون، فإما أن يقبل أخو الملك، أن يتخذ الأميرة لنفسه ~~زوجا، وإما أن يفضح هذه الثورة قبل وقوعها. # هنالك يتقدم أخو الملك معلنا اغتباطه بهذا الزوج، ويسقط في يد الأميرة، فهي بين ~~اثنتين: إما أن تتزوج الأمير الشاب وأنفه الكبير، وإما أن تتزوج الأمير الشيخ ~~وسنه التي تشرف به على الهرم والفناء؛ فإن لم تقبل هذا ولا ذاك، فهو الدير، ~~وهي مقتنعة بأن ليس لها بد من الهرب، فهي تأمر الضابط بأن يهيئ لها وسائل ~~الفرار، والضابط كاره لذلك، فهو لم يرسل ليحتمل تبعات الحب الحر، وإنما ~~أرسل ليكون خليلا لولية العهد، ثم خليلا للملكة حين يرقى زوجها الأمير إلى ~~العرش. # ولكنه مع ذلك يظهر الطاعة ويسرع إلى الوزير فيظهره على جلية الأمر، ويطلب إليه أن ~~يحتاط لمنعهما من الهرب، وقد خلت الأميرة إلى نفسها آخر الليل ms318 في غرفة من غرفات ~~القصر، ولم تكد تدخل هذه الغرفة حتى رأت جماعة من التماثيل قد وضعت لها أنوف ~~ضخام، وهي ثائرة فتضرب أنوف هذه التماثيل حتى تسقط وتنزع أنفها الصناعي وتمعن في ~~البكاء. # ويمر الأمير فيسمع نحيبها فيدخل الغرفة، ولا يكاد ينظر إلى الفتاة ويرى أنفها ~~الطبيعي الصغير الجميل، حتى يأخذه دهش، وإذا هو ينزع أنفه المستعار، وترى الفتاة ~~فيه شابا أنيقا وسيما، وهو يعطف على الأميرة عطفا لا حد له، فقد عرف أنها ~~مثله قد ابتليت بأنف صغير، وأنها تخفي هذه الآفة بأنفها الصناعي، فهو يحبها ~~لأنها شريكته في هذه المحنة، فأنوف الناس كلهم كبار إلا أنفه هو، وهو من أجل ذلك ~~مضطر إلى أن يتخذ هذا الأنف الصناعي ليخفي به عاهته. # وتحاول الأميرة أن تقنعه بأن أنوف الناس كلهم صغار ولكنه لا يقتنع، والمهم هو ~~أنه أحبها لأن لها أنفا صغيرا كأنفه الذي كان يخفيه، وهي تحبه لأن له أنفا ~~طبيعيا كأنوف غيره من الناس، ويقبل الضابط وقد هيأ للهرب كل شيء، ولكنها ~~تعلن إليه أنها لن تقبل. # ثم نرى الجمع قد احتشد من غد لإمضاء عقد الزواج، ونرى عرش الملك مضطربا كما رأيناه ~~من قبل، ونراه يسند بقطع الخشب، ونرى المائدة التي سيمضي عليها العقد مضطربة قد ~~قصرت قوائمها، فما تزال تسند بقطع الخشب والمجلدات الضخام حتى تستقر وقد ارتفعت ~~فلم يحتج الملك أن يجلس ليمضي العقد، وإنما هو يمضيه قائما متطاولا. # ثم تصدر الإشارة التي اتفق عليها فتلقى الأنوف الصناعية كلها ويظهر الناس ~~بأنوفهم الطبيعية الصغار، ويطلب أخو الملك إلى الأمير الشاب أن يعتزل ولاية ~~العهد؛ فما ينبغي لملك مورافيا أن يكون مشوه الخلق، وما ينبغي أن يملك على هذه ~~الأرض من أكره الشعب في سبيله عشرين عاما على حمل هذه الأنوف المستعارة ~~البشعة. # هنالك يلقي الأمير أنفه الصناعي ويظهر كما خلقه الله شابا وسيما جميل الأنف، ~~فيضطرب الناس ويميلون إليه، ولكن أخا الملك يعلن أن هذا الفتى ليس ولي ~~العهد؛ فقد ولد ولي العهد ms319 كبير الأنف، وأثبت الأطباء ذلك وصدر القانون بحمل ~~الأنوف الكبار من أجل ذلك. # والملك نفسه دهش فهو يعلم أن ابنه ولد كبير الأنف، ولكن المرضع تعلن الحقيقة، ~~وهي أن ابن الملك قد مات بعد ولادته بأشهر قليلة، وأن أمه الملكة التي ~~ماتت منذ عشر سنين قد اتخذت مكان ابنها طفلا صغيرا، واتخذت له هذا الأنف ~~الصناعي، فعلت ذلك كله حبا للملك وإشفاقا عليه أن تنتقل ولاية العهد من ~~ذريته، فيورثه ذلك حزنا عظيما، وقد نهضت الأميرة فألقت أنفها الصناعي، ~~وأعلنت أنها لن تتزوج إلا هذا الفتى، وأنها إن صرفت عنه فستؤثر الدير. # هنالك يتجه الملك إلى الشعب والأشراف سائلا: ماذا تريدون؟ أتريدون ملكا من ~~الأسرة المالكة، أم تريدون ذهب القوقاز؟ فيتلقى الجواب الإجماعي بأن الشعب يريد ~~مال القوقاز، ويعلن الملك أنه تبنى هذا الفتى؛ فأصبح أميرا شرعيا وليا ~~للعهد. # وكذلك تنتهي هذه القصة، وقد عرضت عليك خلاصتها موجزة، ولم أعرض عليك شيئا من ~~خصائصها الفنية التي تتصل بالإخراج والعرض، وتلائم السينما بوجه عام، وقد رأيت ~~ما في هذه القصة من مغزى سياسي واجتماعي وخلقي، ورأيت أن جان بول سارتر قد ~~استطاع أن يذيع في القصة الأولى من طريق الجد آراء فلسفية هي بعينها التي تؤلف ~~فيها الكتب وتكتب فيها الفصول وتنشأ فيها المسرحيات، واستطاع في القصة الثانية أن ~~يذيع من طريق الفكاهة آراء فلسفية ليست أقل خطرا من الآراء التي أذاعها في ~~القصة الأولى من طريق الجد؛ فجد السينما وهزله كجد التمثيل وهزله، وكجد الكتاب ~~والمقالة وهزلهما يمكن أن يكونا وسيلة من وسائل التصوير والتعبير التي تحقق ~~الصلة المنتجة المجدية بين الجماعة وبين الأديب. # | في الأدب الفرنسي (2) # الوباء # هذا كتاب أتيح له في العام الماضي من النجح، ما لم يتح لكتاب فرنسي منذ أعوام ~~طويلة، أجمع النقاد الفرنسيون، أو كادوا يجمعون على الرضا عنه والإعجاب به، ولعله ~~ظفر بأضخم طبعة عرفتها الكتب الفرنسية، منذ الحرب العالمية الثانية. # وقد قدمه ناشره لجائزة خطيرة من جوائز الأدب في فرنسا، وهي جائزة النقد، ms320 فظفر ~~بها في غير مشقة، أو قل: ظفر بها في غير امتحان؛ فقد صرح بعض المحكمين ~~للصحف بأنه صوت لهذا الكتاب دون أن يقرأه، لأنه يمنح مؤلفه ألبير كامو من حبه ~~وثقته وإعجابه ما يعفيه من قراءة كتابه قبل أن يمنحه الجائزة. # ولست أدري إلى أي حد يسوغ هذا في قضية العقل، وفي قضية النقد الأدبي الصحيح، ~~ولكنه على كل حال يدل على المكانة الرفيعة الممتازة التي يرقى إليها ألبير كامو ~~في نفوس النقاد الفرنسيين، بل في نفوس الأدباء والمثقفين والمفكرين الفرنسيين بوجه ~~عام. # وسيرة المؤلف أثناء الحرب هي التي رفعته إلى هذه المنزلة؛ فقد وفى لوطنه أثناء ~~المحنة، كأحسن ما يفي الناس لأوطانهم، وكأحسن ما يفي المثقفون لأوطانهم، ~~واحتمل في سبيل هذا الوفاء من الجهد والمشقة والعسر، ما لم يحتمله كثير من ~~المثقفين الفرنسيين؛ ثم هو إلى ذلك نافذ البصيرة، دقيق الفطنة، صارم الرأي، ~~مؤمن بالحرية، وبالحرية الواضحة الصريحة المستقيمة، التي لا تحب غموضا ولا ~~التواء. # وهو بعد هذا كله، أو مع هذا كله، كاتب ممتاز، قد أخضع اللغة الفرنسية لسلطانه ~~الصارم السمح معا؛ فبرع في الوصف إلى حيث لا يكاد يباريه أحد من معاصريه، وبرع ~~في اليسر إلى حيث لا يشق فهمه على أحد، ثم هو بعد هذا كله، أو قبل هذا كله، ليس ~~صاحب امتياز في البيان وحده، ولكنه صاحب امتياز في التفكير أيضا؛ فهو أديب ~~بأدق معاني هذه الكلمة وأوسعها، وهو فيلسوف بأدق معاني هذه الكلمة وأوسعها ~~أيضا، له محاولات رائعة في فهم الحياة وتفسيرها، وفي استكشاف الصلة بين ~~الإنسان والعالم الذي يعيش فيه، وفي تفسير الوجود من حيث هو وجود، وفي تفسير ~~المصير الذي أتيح للإنسان أن ينتهي إليه. # والمثقفون جميعا يعرفون مذهب ألبير كامو في العبث، وكثير منهم قرءوا دون شك كتابه ~~الرائع المشهور أسطورة «سيزيف». وأسطورة هذا البطل اليوناني معروفة؛ فقد قضي ~~عليه أن يظل في دار الموتى مقبلا على صخرة عظيمة، يرفعها من سفح الجبل إلى ~~قمته، يلقى في ذلك الجهد والنصب ms321 والعناء، حتى إذا ارتقى بالصخرة إلى القمة ~~رآها تدفع إلى الانحدار بقوة لا يملك لها ردا، حتى تصل إلى حيث كانت من ~~القاع، ورأى نفسه مضطرا بحكم القضاء إلى أن يستأنف الجهد والنصب والعناء، ~~فيدفع الصخرة ليرفعها إلى القمة، وما يزال يرقى بها إلى أعلى الجبل، وما تزال ~~تنحدر به إلى القاع، إلى آخر الدهر، إن كان للدهر آخر. # فهذا الجهد الذي يبذله، وهذا النصب الذي يلقاه، وهذا العناء الذي يشقى به، عبث ~~متصل ليست له غاية يقف عندها ولا حد ينتهي إليه، ولا غرض يبتغى منه. # والعالم عند ألبير كامو شيء يشبه هذا الجهد الذي يبذله البطل اليوناني في غير ~~طائل، فليس للعالم غاية ينتهي إليها، ولا حد يقف عنده، ولا غرض يبتغى منه، وإنما ~~هو ماض في هذا الوجود العابث إلى غير غاية، ولا أمد، وإلى آخر الدهر إن كان ~~للدهر آخر. # والإنسان في هذا العالم مدفوع إلى مثل ما دفع إليه العالم، من هذا العبث الذي ~~لا ينتهي إلى غاية، ولا يحقق غرضا، وليس بينه وبين غيره من الكائنات التي يأتلف ~~منها العالم فرق إلا أن له شعورا وعقلا؛ فهو يحس الجهد العنيف الذي يبذله، ويجد ~~النصب الناصب الذي يلقاه، ويأسى للعناء البغيض الذي يشقى به، ويحاول أن يفهم جهده ~~ونصبه وعناءه، فلا يصل إلى شيء، أو يصل إلى ما يخيل إليه أنه حل للمشكلة، ~~وتفسير للغز، ولكنه إذا تعمق ما يصل إليه من حل وتفسير لم يجد وراءه شيئا؛ فهو ~~مصعد في الجبل دائما وأمامه صخرته تلك، وهو مصوب في الجبل دائما وأمامه صخرته ~~تلك، وهو ينفق الدهر كله في تصعيد وتصويب تتابع أجياله على ذلك، رافعة للصخرة إلى ~~القمة، منحدرة معها إلى القاع. # ومهما يفعل الإنسان فلن يستطيع أن يغير من هذا العبث شيئا، ولكنه مع ذلك حر في ~~حدود هذا العبث، يستطيع أن يلائم بينه وبين نفسه، وأن يختار من أطوار الحياة ~~والتفكير والعمل ما يريد، وأن يحقق ما يختار مما تساعده الظروف على ms322 ~~تحقيقه. # يستطيع أن يؤثر لونا من الحياة على لون، وضربا من التفكير على ضرب، وفنا من ~~التصرف على فن، ولكنه لا يستطيع أن يجعل للوجود غاية أو غرضا، ولا يستطيع أن ~~يغير أنه دفع إلى الحياة غير مختار، وسيدفع إلى الموت غير مختار، ~~فحريته محدودة بهذين النوعين من الجبر، فليصطنع الحكمة إن شاء، وليصطنع ~~الحمق إن أحب، فلن يخرج من هذه الحلقة المفرغة بحال من الأحوال. # ويمضي ألبير كامو في الملاءمة بين مذهبه هذا اليائس، وبين الحياة التي يحياها ~~الناس على اختلافها وتباين منازلهم فيها وحظوظهم منها، ثم هو لا يكتفي بهذا ~~الكتاب، ولكنه ينتقل بمذهبه هذا إلى القصص، وإلى التمثيل؛ فقصة الغريب، ومسرحية ~~كاليجولا، وسوء التفاهم، ليست في حقيقة الأمر إلا محاولات للملاءمة بين هذا العبث ~~الأساسي، وبين حرية الإنسان. # والكتاب الذي أتحدث عنه يعرض هذه المشكلة عرضا واضحا جليا، وهو من أجل ذلك ~~يثير الرغبة كل الرغبة في البحث والجدل والاستقصاء. # ويجب أن أقول: إن العنوان الذي اتخذته لهذا الحديث، ليس هو العنوان الدقيق لهذا ~~الكتاب؛ فعنوان الكتاب هو «الطاعون». وقد كرهت أن أجعل هذا اللفظ البشع عنوانا ~~لهذا الحديث، وكنت أريد أن أتحدث إلى القارئ عن هذا الكتاب ، إثر عودتي من فرنسا، ~~في أول الخريف الماضي، ولكني وجدت مصر موبوءة بالكوليرا، ووجدت حديث الوباء ~~فيها شائعا مستفيضا، كما كان الوباء نفسه شائعا مستفيضا؛ فكرهت أن أتحدث عن ~~الوباء، وأجلت الحديث إلى فرصة أخرى، ثم أنسيته، ثم شغلت عن تذكره حتى ~~كان شهر مارس. # فإذا حديثان يلقيان إلى الجمهور المثقف باللغة الفرنسية عن هذا الكتاب، يلقيهما ~~حبران جليلان من أحبار المسيحية الكاثوليكية، أحدهما: الأب زوندل، وقد ألقى ~~حديثه في دار السلام، والآخر: الأب بونتيه، وقد ألقى حديثه في نادي ~~الشبيبة. # وقد استمعت لهذين الحديثين، فذكرت ما كنت قد أنسيت، ورأيت أن أتحدث إلى قراء هذه ~~المجلة عن هذا الكتاب، على نحو ما كنت أريد أن أتحدث إليهم عنه في الخريف، ~~وليس غريبا أن يثير هذا الكتاب اهتمام المسيحيين، ms323 واهتمام أحبارهم خاصة، بل ~~من الطبيعي أن يثير أحبار الديانات كلها؛ لأنه يضع موضع البحث مصير الإنسان ~~من جهة، ويضع موضع البحث موقف العقل من الدين، أو موقف العقل من الإله من جهة ~~أخرى. # وهو يضع هذه المشكلة وضعا صريحا في هذا الكتاب؛ لأنه ينطق حبرا من أحبار ~~الكاثوليكية برأيه في الصلة بين الإنسان وخالقه، ثم ينطق فريقا من الذين لا ~~يؤمنون بما ينقض آراء هذا الحبر المسيحي، ففي الكتاب شيء من التحدي لم يوجد ~~في الكتب الأخرى التي عرض فيها ألبير كامو مذهبه هذا في الوجود. # ولاحظ قبل كل شيء أني قد قرأت هذا الكتاب أثناء الصيف الماضي، وأقبلت على قراءته ~~مشغوفا بها، مشوقا إليها أشد الشوق؛ لأني أحب الكاتب وأعجب بفنه، ~~ولكني لم أكد أمضي في قراءة الكتاب، حتى أدركني شيء من خيبة الأمل، ثم أخذت ~~أضيق به وأمضي في قراءته كارها للمضي فيها. # ولو قد استجبت لميولي الأدبية لما أتممت قراءة الكتاب، ولكني لا أكاد أبدأ ~~كتابا حتى أفرض على نفسي إتمامه، مهما يكن رضاي عنه، أو سخطي عليه، تفرض ذلك ~~علي طبيعتي التي تحب الاستقصاء، وصناعتي التي تفرض علي الاستقصاء فرضا، ~~وتدفعني إلى أن أتهم نفسي ولا أحفل بما يثور فيها من رضا أو سخط، ولا أجعل رضاها ~~أو سخطها وسيلة إلى الحكم للكتاب أو الحكم عليه. # ومصدر هذا الضيق الذي وجدته أثناء هذه القراءة أن الكاتب أخلف ظني، فقد ~~كنت أنتظر أن أقرأ آية أدبية ك «الغريب»، أو ك «اليجولا»، أو «سوء تفاهم»، أو ~~كنت أنتظر أن أقرأ دراسة فلسفية متقنة كأسطورة سيزيف، فإذا أنا أمام شيء ليس هو ~~بالقصص الخالص، ولا هو بالفلسفة الخالصة، وإنما هو محاولة لشيء بين ذلك، يريد ~~أن تكون قصة تروع بالفن الأدبي فلا يبلغ ما يريد، ويريد أن يكون درسا يروع ~~بدقة البحث وحسن الاستقصاء فلا يبلغ ما يريد. # وقد عرض علينا ألبير كامو في كتابه هذا مدينة بعينها هي مدينة وهران في الجزائر، ~~تصور أنها قد امتحنت ذات ms324 يوم بوباء الطاعون؛ فهو يعرض علينا كيف استقبلت ~~المدينة هذا الوباء شاكة فيه ساخرة منه أول الأمر، وكيف استقبلت هذا الوباء ~~بعد أن انجلى الشك وأبانت الكارثة عن نفسها في غير غموض، فكان الذعر والهلع، ~~وكان تردد الحكومة وتلكؤها وتقصيرها. # ثم كيف استقبلت المدينة هذا الوباء حين عظم أمره، واشتد فتكه وأصبح ~~خطره شنيعا، فقطعت المواصلات بينها وبين العالم الخارجي، وضرب عليها حصار ~~شديد قاس يمنع الخروج منها والدخول إليها، ويعزلها عن العالم عزلا تاما، لولا ~~البرق الذي ينقل أطرافا من أخبارها إلى الدنيا، وينقل إليها أطرافا من أخبار ~~الدنيا، ويتيح لبعض أهلها في كثير من المشقة والجهد، أن يتصلوا بذوي قرباهم ~~في المواضع النائية عنهم. # وكل هذا التصوير صادق كل الصدق، دقيق كل الدقة، قد شهدناه إلى حد ما في الأشهر ~~القليلة الماضية، وتصوير آخر لحال المدينة ليس أقل صدقا ولا دقة من هذا التصوير، ~~وذلك حين يعرض الكاتب ما يكون من الصلة بين الحكومة وبين الشعب أثناء المحنة، ~~فالحكومة في أول الأمر قد فوجئت بالكارثة، لم تكن تنتظرها ولم تكن قد استعدت لها؛ ~~وهي من أجل ذلك تنكر الكارثة مخلصة، ثم متكلفة، ثم مكابرة، ثم تضطر إلى ~~الاعتراف بما ليس بد من الاعتراف به، ثم تتخبط في مواجهة الكارثة، فيكثر خطؤها ~~ويقل صوابها، ثم تلتجئ إلى العالم الخارجي تطلب منه المعونة والغوث، ثم تنتهي ~~آخر الأمر إلى الحزم الجاد حتى يزول الوباء. وهي في أثناء هذا كله لا تقول للناس ~~من أمر الكارثة وتطورها وفتكها وضحاياها إلا ما تريد هي أن تقول، وبين ما تقوله ~~للناس وبين الحقائق الواقعة بون شاسع وأمد بعيد دائما. # وليست حال الشعب نفسه بخير من حال الحكومة؛ فالشعب يشك ثم ينكر، ثم يتكلف ثم ~~يكابر، ثم يذعن للحقيقة الواقعة، ثم تختلف به المذاهب بعد ذلك، فأما الفقراء ~~فيذعنون في غير مقاومة ويؤدون إلى الوباء ضريبته فادحة؛ وأما الأغنياء ~~فيؤثرون أنفسهم بأسباب الوقاية والعلاج ما وجدوا إلى ذلك سبيلا، وأما أوساط ~~الناس فيتذبذبون بين ms325 أولئك وهؤلاء بمقدار حظهم من اليسر وسعة ذات اليد، وقد ~~حوصرت المدينة، وفرضت عليها الأحكام العرفية وقتر على أهلها في الرزق؛ ~~فشقي الفقراء إلى غير حد، ونعم الأغنياء ما استطاعوا أن ينعموا، واضطرب أوساط ~~الناس بين الشقاء والنعيم. # وتكشفت الأخلاق عن مكنونها، فكانت الأثرة، وكان الاحتكار، وكان ما ينشأ ~~عنهما من التنافس والتباغض والاحتيال إلى آخر هذه الرذائل التي تتكشف عنها ~~الإنسانية حين تلم بها الخطوب، وتلح عليها الكوارث. # وفي أثناء هذا الشر كله يظهر شيء من خير قليل، ولكنه قيم منتج قوي، يستطيع أن ~~يقهر الشر شيئا فشيئا حتى يمحوه وحتى يطرد الوباء عن المدينة، ويرد الناس ~~إلى ما ألفوا من حياة، أو يرد إلى الناس ما ألفوا من حياة. فهؤلاء الأطباء الذين ~~يعرفون الوباء ويحققون خطره، ويصممون على مقاومته ما وسعتهم هذه المقاومة، لا ~~يدخرون في سبيل ذلك جهدا، ولا يبخلون بقوتهم مهما تكن، ولا يترددون في التضحية ~~براحتهم وأمنهم»، وفي التعرض للخطر مصبحين وممسين، ولا يبتغون على ذلك أجرا لا ~~في الدنيا ولا في الآخرة؛ لأنهم لا يؤمنون بالآخرة، ولأنهم يرون أن أجور الدنيا ~~ليست بذات خطر ولا غناء، فهم أعداء الوباء لأنه الوباء، وهم حماة الحياة ~~والصحة لأنهما الحياة والصحة، لا أكثر ولا أقل. # هذه هي الخلاصة الظاهرة للكتاب، وهي كما ترى يسيرة قريبة، لا عسر فيها ولا بعد، ~~وهي كما ترى لا تدل على عمق في التفكير ولا على براعة في الابتكار، ولكن هذه ~~الخلاصة الظاهرة ليست إلا أيسر ما في الكتاب، بل قل: إنها ليست إلا رمزا ضئيلا ~~للحقيقة التي أراد إليها الكاتب حين ألف الكتاب؛ فهو لم يرد إلى مدينة وهران ولا ~~إلى غيرها من المدن، وهو لم يقصد إلى الطاعون ولا إلى غيره من هذه الأوبئة التي ~~تلم بالناس بين حين وحين، وإنما أراد إلى ما هو أعظم من ذلك شأنا، وأجل ~~خطرا، وأكثر شمولا. # فمدينة وهران رمز لفرنسا وغيرها من البلاد الأوروبية التي اجتاحتها الحرب، ~~واحتلها العدو وعزلها من العالم الخارجي ms326 عزلا تاما، والطاعون هو الحرب ~~والاحتلال والبطش والنكال. والشعب الذي انقسم هذا الانقسام، وتفرقت طوائفه هذا ~~التفرق، وتكشفت أخلاقه عن هذه السيئات الكثيرة والحسنات القليلة، واحتمل ما احتمل، ~~وقاوم ما قاوم حتى انجلت عنه الغمرة، هو هذه الأمم التي اصطلت نار الحرب، وخضعت ~~لنكر الاحتلال، والأطباء والمتطوعون الذين جاهدوا بأنفسهم وضحوا بحياتهم حتى جلوا ~~هذه الغمرة، لم ينتظروا على ذلك أجرا هم قادة المقاومة وزعماء الجهاد. # بل إن هذه الحقيقة نفسها ليست إلا رمزا لحقيقة أخرى أعم منها وأكثر شمولا؛ فمدينة ~~وهران ليست في حقيقة الأمر إلا الأرض كلها، وشعب وهران ليس في حقيقة الأمر إلا ~~الإنسانية كلها، وطاعون وهران ليس في حقيقة الأمر إلا الشر الذي يلم بالناس في ~~جميع المواطن والعصور، وأطباء وهران ومتطوعوها ليسوا إلا المفكرين والمثقفين ~~والمصلحين والفلاسفة، الذين يبذلون ما يملكون من جهد لوقاية الإنسانية وحمايتها ~~مما يلم بها من الشر، ويصعب عليها من المكروه. # فالكتاب - كما ترى - يسير قريب في ظاهره، ولكنه أشد عمقا وأبعد مدى مما ~~يخيل إلينا هذا اليسر؛ لأنه في أيسر صورتيه الرمزيتين، إنما يعرض جزءا ~~غير صغير من العالم الذي اصطلى نار الحرب، وما ألم بهذا الجزء من الخطوب ~~والمشكلات، وما بدا فيه من مظاهر الضعف والقوة وألوان الجبن والبطولة، وهو في أشد ~~صورتيه عمقا وتعقيدا، إنما يضع قصة الإنسانية كلها موضع البحث، ويعرض قضية ~~الخير والشر كلها على العقل، ويحاول أن يجد جوابا لهذا السؤال الذي تلقيه ~~الإنسانية العاقلة على نفسها منذ عقلت، وهو: ما مصير الإنسان؟ # وهنا يسأل القارئ نفسه قبل كل شيء: هل وفق الكاتب توفيقا أدبيا حين اختار هذا ~~الرمز الضئيل النحيل لهذه المشكلة الكبيرة الخطيرة، وهي حال العالم الذي ~~اصطلى نار الحرب؟ ثم هل وفق الكاتب توفيقا أدبيا حين اختار هذا الرمز ~~الضئيل النحيل لهذه القضية الكبرى؛ قضية الإنسان بين الخير والشر، وقضية الإنسان ~~بين العقل والدين؟ # أما أنا فأعتقد أن التوفيق الأدبي قد أخطأه إلى حد بعيد، لا لأن الرمز ضئيل ~~نحيل، فمن طبيعة ms327 الرمز أن يكون ضئيلا نحيلا بالقياس إلى ما يرمز إليه الكاتب من ~~المسائل الكبرى والمشكلات الضخام، ولكن لأن هذا الرمز الضئيل النحيل قد احتاج ~~إلى تفصيل كثير لا يلائم ضآلته ونحولته؛ فمدينة وهران قد فجأها الطاعون كما أن ~~العالم قد فجأته الحرب، ومدينة وهران قد شقيت بالطاعون، وأظهر هذا الشقاء ما في ~~نفوس أهلها من خصال الخير والشر، كما أن جزءا من العالم قد شقي بالحرب التي ~~أذلته، وأظهر هذا الشقاء ما في نفوس أهله من خصال أهله من الذلة والعزة، والضعف ~~والقوة والخور والجلد، والأثرة والإيثار. # كل هذا حق لا شك فيه، ولكن دقائق الرمز قد احتاجت إلى إغراق في التفصيل، أخرجه عن ~~أن يكون رمزا؛ فوصف الطاعون وصفا مفصلا، يصور أعراض العلة ومظاهرها وتطورها، ~~ودقائق علاجها وأعقابها وعقابيلها، وآثارها في نفوس القريبين منها والبعيدين ~~عنها، كل ذلك يبعدنا عن الرمز ليغرقنا في دقائق الحياة الخاصة؛ فنحن في ~~مدينة قد ألم بها الطاعون وألح عليها، ونحن مشغولون بهذه المدينة البائسة ~~المعذبة، وبهذا الوباء الذي تفصل دقائقه تفصيلا، عن التفكير في أوروبا ~~المغلوبة على أمرها، الممتحنة بالبطش والعسف والاحتلال. # بل نحن مصروفون إلى هذه المدينة البائسة المعذبة، وما تلقى من هذه الأهوال اليومية ~~الذي تفصل دقائقها تفصيلا، عن التفكير في الإنسانية حين يلم بها الشر ~~وتدلهم من حولها الخطوب، لولا أن الكاتب يضطرنا إلى هذا التفكير بما يدير ~~حول بعض الأشخاص من حوار يتجاوز المحنة الخاصة إلى الشر العام، وبما يسجل هو من ~~ملاحظات تتجاوز مدينة وهران ومحنتها، إلى طبيعة الحياة الإنسانية وما يختلف عليها ~~من الكوارث والأحداث. # فالقارئ قلق مضطرب متردد لا يدري أهو بإزاء رمز مجمل يشير إلى أحداث خطيرة ~~وقضايا عويصة، أم هو بإزاء قضية بعينها لا يريد الكاتب أن يبعد به عنها، وإنما ~~يريد أن يتعمقها معه تعمقا، وهي امتحان وهران بهذا الوباء. # ذلك أن الكاتب أراد أن يكون موضوعيا - كما يقال - فجعل نفسه قاصا يروي أحداثا ~~سجلها أثناء هذه المحنة، وقد برأ نفسه من الذاتية ms328 التي تجعل للعواطف والأهواء ~~والميول والفن أثرا أي أثر فيما يروي من الأحداث. # وهذا النوع من تكلف الإعراض عن الفن والإلحاح في الرواية الموضوعية، قد يكون في ~~نفسه فنا رائعا، ولكن الكاتب لم يحسنه، فقصصه ممل في كثير من المواضع ~~كأنه يتكلف شيئا لا يتقنه، وهو من أجل هذا يثقل على القارئ بعض الشيء، ~~وما أحب أن أظلم الكاتب، فقد ينبغي أن أسجل أنه برع البراعة كلها في القسم ~~الأول من كتابه، فأنشأ البيئة الفنية أحسن إنشاء وأجوده. # وقد تحدث إلي غير قارئ من الفرنسيين في باريس عن هذا الكتاب حين بدأت قراءته؛ ~~فقال لي غير واحد منهم: لن تستطيع أن تفتن بالكتاب قبل أن تفرغ من ثلثه الأول، ~~ولكني فرغت من ثلثه الأول والثاني والثالث، ونظرت فإذا أنا مفتون بثلثه الأول ~~دون ثلثيه الأخيرين؛ ذلك لأن الكاتب أرسل نفسه على سجيتها حين ابتدأ كتابه؛ فهذا ~~طبيب يخرج من منزله في طابق من الدار الكبيرة التي يسكنها، فيرى في الدهليز فأرا ~~ميتا، ويلفت البواب إلى مكانه؛ فيغضب البواب لأن داره نظيفة لا يمكن أن يوجد ~~فيها فأر ميت. # ثم تمضي الأحداث في يسر يسير على هذا النحو، حتى يعود الطبيب ذات يوم، فإذا البواب ~~يعترف بكثرة الجرذان التي تموت، ثم يعود ذات يوم فإذا البواب نفسه عليل؛ فيحاول ~~علاجه؛ حتى إذا ثقل نقله إلى المستشفى، فمات في أثناء الطريق، كل هذا يصور ~~ابتداء رائعا لكتاب يريد أن يصف إلمام الطاعون بمدينة من المدن، وأمر هذا ~~الطبيب والبواب ليس إلا مثلا؛ ففي المدينة قوم آخرون يمرون بالجرذان الميتة، ~~فينكرون ثم يرتابون ثم يذعرون، والحكومة تتنبه شيئا فشيئا، فتنكر وترتاب ~~وتذعر، وتحاول أن تهدئ الشعب، ثم ترى نفسها أمام الحقيقة الواقعة، فتأخذ الشعب ~~بالقوة والحزم. # وهذا كله يذكر القارئ بما كان من نذر الحرب الأخيرة حين كانت الأحداث اليسيرة ~~تحدث فيلتفت إليها أصحاب الأنظار البعيدة، ويعرض عنها أصحاب الأنظار القصيرة، ~~وتكون الحكومات بين هؤلاء، ولكن الأحداث الصغيرة تكثر وتنتشر، كما تكثر الجرذان ms329 ~~الميتة وتنتشر، فيكون الشك، ثم يكون الخوف، ثم يكون الذعر، ثم تكون مواجهة ~~الحقيقة الواقعة البشعة. # ولو أن الكاتب مضى في سائر كتابه على النحو الذي مضى عليه في أوله لأهدى إلينا ~~كتابا رائعا، ولكنه لم يلبث أن تعثر في التفصيلات والدقائق الخاصة، فأفسد ~~الكتاب على نفسه وعلينا جميعا. # وأخرى لا بد من تسجيلها رعاية لما ينبغي من الإنصاف؛ فقد صور الكاتب جماعة من ~~أشخاص الكتاب تصويرا دقيقا صادقا حقا، فهذا الطبيب الذي رأى الجرذ الميت، ~~وسبق إلى الإنذار بوباء الطاعون، واستقبل الجهاد في ثبات وأناة، وتضحية وتواضع ~~لا ينتظر أجرا، ولا يريد إلا أن يقهر الوباء وينقذ الحياة من شره، وهذا ~~الصحفي الذي فجأه الوباء في المدينة، وهم أن يخرج منها ليلحق بمن يحب، واحتال ~~في هذا الخروج وبذل فيه الممكن وغير الممكن من الجهد، فلما استيأس من ترك المدينة ~~أقبل على الطبيب، فتطوع للجهاد وأبلى فيه أحسن البلاء. # وهذا الشاب الطموح إلى المثل العليا ذو الآمال البعيدة والأماني العراض، والذي ~~أقبل متطوعا فأشاع الحماسة من حوله، ونظم الجهاد فأحسن تنظيمه، ومضى بعد ~~الانتصار ضحية أخيرة للوباء، وهذا الموظف المتواضع الذي يداعب الغرور الفني، ~~ويحاول في سذاجة أن يكون كاتبا يضع قصة غرامية يتعزى بها عما أصابه من المحن، ~~ويتقنها حتى يرقى بها إلى أرفع منازل الفن، والذي يترك هذه القصة في يسر ~~وفي غير تكلف ليعنى بالجهاد حتى يبلي فيه أحسن البلاء، لا يشعر بأنه يجاهد، ~~ولا بأنه يضحي، ولا بأنه يتعرض للخطر، وإنما يشعر بأنه يؤدي واجب التضامن ~~الاجتماعي في أيسر اليسر. كل هؤلاء الأشخاص وأشخاص آخرون قد صورهم الكاتب فأجاد ~~تصويرهم وبرع فيه، ولكنهم يظهرون في أثناء هذا الكتاب، كأنهم الواحة التي يرتاح ~~إليها القارئ بين حين وحين، وكأن القصة من حولهم طريق وعرة مضنية، لا يمضي ~~القارئ فيها إلا متكرها يحتاج إلى أن يستريح. # هذه هي الناحية الأدبية لهذا الكتاب، وهي أيسر الناحيتين بالقياس إلى الكاتب ~~من جهة، وإلى القارئ من جهة أخرى، وإلى التفكير ms330 الفلسفي من جهة خاصة، فقد يمكن أن ~~يقال: إن الكاتب لم يرد إلى إنشاء قصة بالمعنى الذي ألفه الناس، وقد يمكن ~~أن يقال: إن القراء جميعا ليسوا من العسر بحيث يحاسبون الكاتب حسابا ~~يسيرا أو عسيرا، على ما أتيح له وما لم يتح له من التوفيق. # فأما الناحية الفلسفية فهي الغاية التي من أجلها كتب الكتاب، وهي لا تحتمل ~~تسامحا ولا تهاونا ولا تفريطا، فالدقة فيها هي الأصل، واستقامة التفكير ~~شرط أساسي لكل فلسفة، وقد قدمت أني لست مقتنعا، بل إني بعيد كل البعد عن ~~الاقتناع بالمذهب الفلسفي العام لألبير كامو، وهو مذهب العبث. # ويخيل إلي بعد ذلك أنه لم يوفق في عرض مذهبه في هذا الكتاب، وأحب ~~قبل كل شيء أن ألاحظ شيئا من التحكم دفع الكاتب إليه حين أراد أن يبين موقف ~~الإنسان بين العقل والدين؛ فهو قد أنشأ شخصا جعله حبرا من أحبار اليسوعيين، ~~وأنطقه بما ظن أنه يصور مذهب أصحاب الديانات فيما يلم بالإنسان من الشر، ~~ثم مضى بعد ذلك ينكر ما قاله هذا الحبر اليسوعي، مخيلا أو معتقدا أنه بالرد ~~على هذا الحبر يرد على أصحاب الديانات جميعا. # وهذا الحبر اليسوعي قد أنشأه ألبير كامو نفسه بالطبع، وأنطقه بما أراد أن ~~ينطقه به، وأكاد أعتقد أنه لم يخلص من بعض الظلم حين صنع حبره على هذا النحو، ~~وحين أنطقه بما أنطقه به من القول، وآية ذلك أن أحبار المسيحيين أنفسهم ينكرون ~~هذا الحبر الذي صنعه ألبير كامو، ويراه بعضهم مسرفا على الدين، ويراه بعضهم ~~خارجا على الدين. # وخلاصة ما يقوله الحبر للمؤمنين الذين أقبلوا يستمعون إليه في الكنيسة، أنهم ~~يمتحنون بكارثة خطيرة كبيرة، وأنهم أهل لما ألم بهم من هذه الكارثة؛ ~~لأنهم أسرفوا على أنفسهم بمعصية الله والخلاف عن أمره، فهو يعاقبهم بما يصب ~~عليهم من الهول، ويجب عليهم أن يتلقوا هذا العقاب راضين به مذعنين له مطمئنين ~~إليه، تائبين إلى الله مما أسرفوا على أنفسهم في الخطايا والموبقات. # فالإله عند هذا الحبر الذي صنعه ms331 ألبير كامو سيد متكبر متجبر عزيز منتقم، يضع ~~الإنسان أمام سيئاته دون أن يفتح له بابا من أبواب الرحمة، أو يمسه بجناح من ~~الرفق، وهو يأخذ البريء بذنب المسيء، ويعاقب الصغار بذنوب الكبار، كذلك ~~صور هذا الحبر موقف الإنسان من إلهه موقف العبد الخاضع المذعن الذي يجب أن ~~يمعن في الخضوع والإذعان، من السيد الكبير المتجبر الذي يستطيع أن يمعن في ~~الجبرية والكبرياء. # وواضح أن الذين لا يؤمنون من الملحدين ينكرون هذا الإله المتكبر المتجبر، ~~ويرون أن في كبريائه وجبريته قسوة عنيفة، وغلظة غليظة، وتجافيا عن العدل؛ فما ~~ذنب الأطفال الذين عذبهم الطاعون وهم لم يعصوا للإله أمرا ولم يخالفوا عن ~~قانونه؛ لأنهم لم يعرفوا هذا القانون ولم يبلغوا سن التكليف. # ومن يكفل أن يكون الثواب الذي يدخره هذا الإله لمن يدخره له من الناس قائما على ~~العدل، ما دام العقاب فيما يرون ليس قائما على العدل؛ فالمتكبر المتجبر قادر ~~على أن يتحكم فيما يدخر للناس من مثوبة، كما يتحكم فيما يصب عليهم من ~~عقوبة. # وهم من أجل ذلك لا يؤمنون بهذه الصلة التي لا تقوم على العدل، ولا على الحرية، وإذا ~~كانوا لا يعرفون طريقا إلى الإله غير هذه الطريق التي رسمها الدين، كما صوره هذا ~~الحبر، فهم لا يؤمنون بشيء بعد الطبيعة، وهم من أجل ذلك يعملون لا ينتظرون على ~~عملهم أجرا في الآخرة؛ لأنهم لا يعرفون الآخرة. # كما أنهم لا يخافون عقوبة في الآخرة إن لم يعملوا؛ لأنهم لا يعرفون الآخرة، ~~وهم من أجل ذلك يمضون في محاولة الخير إلى أقصى غاية ممكنة، حتى يقول بعضهم ~~لبعض: أليس من الممكن أن يصير بعض الناس قديسا مدنيا، دون أن يؤمن بالله ~~الذي يتلقى القديسين بما أعد لهم من أجر ومثوبة، فيما يقول رجال الدين؟ # كذلك عرض ألبير كامو هذه المشكلة عرضا يظهر فيه التحكم والسذاجة كما ترى؛ فأما ~~التحكم فلأن حبره هذا ليس من الضروري أن يكون قد نطق بلسان أصحاب الديانات، ~~فأحسن الإعراب عنهم، وآية ذلك أن ms332 رجال الدين أنفسهم ينكرونه، وآية ذلك بوجه خاص ~~أن الديانات السماوية كلها لا تحدثنا على الإله المتكبر المتجبر المنتقم الباطش ~~فحسب، ولكنها تحدثنا كذلك عن الإله الرحمن الرحيم العفو الغفور الذي يقبل ~~الحسنة، ويتوب على المذنب، وتسع رحمته كل شيء وكل إنسان. # فمن التحكم إذن والتعسف أن يقال: إن صلة الإله بالإنسان هي صلة السيد المتجبر ~~المتكبر بالعبد الذي يجب أن يذعن ويستكين ليس غير. وإنما الديانات تقول إنها ~~كذلك صلة القوي الرحيم بالضعيف الذي يحتاج إلى الرحمة. # وأخص ما يؤخذ به ألبير كامو من التحكم في هذه القضية أنه ما زال يفكر بعقل القرن ~~التاسع عشر حين كان هذا العقل ثملا مغرورا لكثرة ما استكشف من العلم وابتكر من ~~المخترعات، حتى ظن أنه قد عرف كل شيء وأحاط بكل شيء، وأصبح قادرا على أن يحكم ~~على كل شيء، ويقول كلمته في كل شيء. # ولكن العقل فيما يظهر قد ثاب إلى شيء من الرشد والتواضع منذ أواخر القرن ~~الماضي، وقد استبان له أنه ما دام يعترف بأنه يجهل من حقائق هذا العالم أكثر ~~مما يعلم، وبأنه يستكشف من حقائق هذا العالم قليلا، ويستكشفها في كثير من الحذر ~~والاحتياط، فمن الجراءة أن ينكر ما عدا هذا العالم، وأن يقول فيما ليس له به علم، ~~وما ليس له سبيل إلى القول فيه. # فهو لم يعرف الإله، ولم يستطع أن يجد الطريق إلى معرفته من طريق الحس والتجربة ~~والملاحظة، كما يعرف ما يعرف من حقائقه العلمية، ولكنه يلاحظ - في غير شك - ~~أن من الناس من يسلك إلى معرفة الإله طرقا غير طرق الحس والتجربة والملاحظة، ~~ويجد في سلوك هذه الطرق رضا وأمنا وثقة واطمئنانا؛ فأيسر ما تفرضه عليه الدقة ~~أن يقف موقف الانتظار، لا يتجاوزه إلى الجحود والإنكار، فضلا عن أن يتجاوزه إلى ~~موقف الحكم على ما يوصف به الإله من صفات، وما يصدر عنه من أعمال. # فكل هذا تجاوز للقصد وخروج على قوانين العقل نفسه؛ فالعقل لا يحكم إلا عن علم، ~~ومتى ms333 أخطأه العلم وجب عليه أن ينتظر؛ فالذين يعدون أطوارهم، ويصفون الإله بالقسوة ~~والعنف أو بالغلظة والظلم، لا يسرفون عن أنفسهم فحسب، وإنما يدفعونها إلى السخف ~~والهذيان؛ لأنهم يقولون عن غير علم، ويحكمون عن غير بصيرة. # وما من شك في أن الذين يعملون الصالحات لا يبتغون بها إلا الخير، ولا ينتظرون ~~عليها أجرا في الدنيا والآخرة قوم أخيار من حق الإنسانية لنفسها أن تكبرهم ~~وتتخذهم أسوة وقدوة في حب الخير والسعي إليه والجد فيه، غير مبتغية عليه جزاء ~~ولا شكورا. # ولكن ليس من شك في أننا لا نعلم مصير هؤلاء الأخيار، كما أننا لا نعلم مصير الأشرار ~~بالعقل؛ لأن العقل لا يعرف مما بعد الطبيعة شيئا. # وإذا كان الأمر كذلك بالقياس إلى هذه القضية، فمذهب العبث كله معرض لهذا النقد ~~نفسه؛ لأن من الجراءة والإسراف في الكبرياء والغرور أن يقول إنسان لست أعرف ~~لهذا الوجود غاية ولا حكمة ولا غرضا، فيجب أن يكون هذا الوجود عبثا، وإنما الذي ~~يجب أن يقال: لست أعرف لهذا الوجود غاية ولا حكمة ولا غرضا، فيجب أن أنتظر ~~لعلي أستكشف أنا، أو لعل غيري أن يستكشف لهذا الوجود حكمة وغاية وغرضا. # والشيء المحقق هو: أن مذهب العبث هذا، لون من ألوان اليأس الذي تدفع ~~الإنسانية إليه، حين تشتد عليها الأزمات، وتأخذها الخطوب والأهوال من جميع ~~وجوهها. # وقد عرفت الإنسانية هذا اليأس في كثير من عصورها المختلفة التي تعرضت فيها لأنواع ~~الهول، وعرفت ما نشأ عن هذا اليأس من مذاهب الشك والتشاؤم والجموح، ومهما يكن من ~~شيء فلو لم يكن لهذا الكتاب إلا أنه يدعو قارئه إلى أن يفكر ويطيل التفكير ~~في مسائل ليست هي من هذه الهنات اليومية، التي تملك عليه أمره وتفسد عليه ~~حياته، لكان خليقا أن يقدر ويقرأ في إعجاب بصاحبه واعتراف له بالجميل؛ لأنه ~~يرفعنا من طور الحياة اليومية السخيفة، إلى طور التفكير في المشكلات العليا، وما ~~أقل ما يرقى بنا إلى هذا الطور من التفكير الرفيع في هذه الأيام! # | حول رسائل سيسرون ms334 # لست في حاجة إلى أن أعرف إليك سيسرون، كما ينطق به الفرنسيون، أو تشتشيرون، كما ~~ينطق به الإيطاليون، أو كيكيرون، كما ينطق به اللاتينيون فيما يقال. فهو زعيم ~~الخطابة اللاتينية غير منازع، وهو الزعيم الثاني للخطابة العالمية غير ~~منازع أيضا بعد ديموستين الخطيب اليوناني العظيم. # والعلم بمكانته في الخطابة، وبمكانته في السياسة، وبمكانته في الفلسفة، وبمركزه ~~الممتاز في حياة الجمهورية الرومانية، وجهاده في الاحتفاظ بهذه الجمهورية، وموته ~~في هذا الجهاد، من أوليات الثقافة التي تلقى إلى الشباب في مدارسهم الثانوية، ~~ولكني مع ذلك سأحدثك عن سيسرون لأعرض عليك منه صورة أقل ما توصف به أنها مخالفة ~~كل المخالفة لما توارثت الأجيال من أمره منذ عشرين قرنا. # ولست أنا الذي أستكشف هذه الصورة أو أبتكرها، فلست من هذا كله في شيء، وإنما ~~الذي استكشف هذه الصورة وعرضها على الناس، عالم فرنسي عظيم، هو الأستاذ جيروم ~~كاركوبينو عضو المجمع العلمي الفرنسي ومدير مدرسة المعلمين العليا في باريس ~~سابقا، والذي امتحن امتحانا قاسيا أثناء الحرب الأخيرة؛ لأنه تولى وزارة ~~التربية الوطنية في حكومة الماريشال بيتان، فخرج من هذا الامتحان نقيا رضيا، ~~وهو يعرض علينا هذه الصورة في كتاب ضخم يأتلف من مجلدين، وتنيف صفحاته على ~~تسعمائة صفحة. # وقد ظهر هذا الكتاب في أوائل هذا العام، فتلقاه النقاد أحسن لقاء، وقدموه إلى ~~القراء تقديما مختلفا؛ فمنهم من قدمه تقديما فيه شيء من دعابة وعبث، ~~ومنهم من قدمه تقديما فيه شيء من غضب وغيظ، ولكن الكتاب أرفع مكانة من عبث ~~العابثين، وغضب الغاضبين؛ لأنه آية من آيات البحث العلمي الرفيع بأدق معاني ~~هذه الكلمة وأعمقها وأوسعها في وقت واحد. # فأما الذين قدموا الكتاب في شيء من دعابة، فهم النقاد الأدباء الذين ورثوا ~~عن الأجيال هذه الصورة التقليدية لسيسرون، وأقاموا حياتهم الثقافية عليها، وشقوا ~~أثناء التعلم والطلب بما كان الأساتذة يفرضون عليهم من ترجمة النصوص التي تركها ~~هذا الكاتب العظيم. # فهؤلاء قد نشأوا على أن سيسرون هو الصورة الصادقة للجد الذي ليس بعده جد، والحزم ~~الذي ms335 ليس بعده حزم، والارتفاع عن صغائر الأمور، والتنزه عما يشين رجل ~~الصدق. # وهو الذي تولى منصب القضاء الأعلى في الجمهورية، فكان أنزه القضاة وأعفهم وأكرمهم ~~وأحرصهم على العدل وأشدهم توخيا للإنصاف، وتولى رياسة الجمهورية، فكان حازما ~~صارما، بعيد النظر نافذ البصيرة، سديد الرأي، منقذا للوطن من شر عظيم. # وتولى الحكم في أحد الأقاليم، فكان مثالا ممتازا للنزاهة والعدل والصرامة، والضرب ~~على أيدي الذين يستغلون أهل الأقاليم ويستذلونهم ويتخذون أموالهم معونة بينهم، ~~كما كان عمر بن الخطاب رحمه الله يقول. # واشتغل بين ذلك كله بالمحاماة، فكان أفصح المحامين لسانا، وأرفعهم بيانا، ~~وأمضاهم حجة، وأبعدهم عما يجانب كرامة المحاماة، وأرحمهم للضعيف، ~~وأرأفهم بالمظلوم، وكان إلى هذا كله أستاذا ممتازا من أساتذة البيان، ~~وفيلسوفا موفقا، وحكيما مهذبا، معتدل الرأي، معتدل السيرة، معتدل ~~المزاج. # وقد امتحنت الجمهورية الرومانية بدكتاتورية قيصر، وطغيان أنطوان، واستبداد ~~أوكتاف، فقاوم الدكتاتورية والطغيان والاستبداد بيده ولسانه وقلبه، ولقي حتفه في ~~هذه المقاومة حين ائتلف الطاغيتان أنطوان وأوكتاف، وأهدرت بهذا الائتلاف دماء ~~كثير من أعلام الجمهورية وأنصار النظام الموروث. # هذه هي الصورة التي توارثتها الأجيال عن سيسرون منذ ألفي عام، والتي نشأ عليها ~~الأدباء والمعلمون والمتعلمون والمؤرخون، فلما ظهر هذا الكتاب، وعرض على الناس ~~صورة مخالفة لهذه الصورة كل المخالفة، لم يملك بعض النقاد نفسه، فتلقى ~~الكتاب وقدمه إلى الناس في دعابة شامتة أو شماتة مداعبة. # وكتب الأستاذ إميل هنريو عضو المجمع اللغوي الفرنسي، في جريدة «الموند» يظهر شماتته ~~هذه المتفكهة المداعبة، بهذا الكاتب العظيم الذي أشقى الشباب وما زال يشقيهم ~~بنصوصه العسيرة، وأشقى الناس وما زال يشقيهم بسيرته القاسية الصارمة، وجده ~~المروع البشع. # ثم هو يظهر الآن بفضل هذا الكتاب رجلا من الناس، فيه ما في الناس من ضعف، وفيه ما ~~فيهم من عيوب، وأما العلماء والمؤرخون منهم خاصة، فقد ضاقوا بهذه الصورة التي تغض ~~من هذا الرجل الذي توارثت الأجيال رفعته وامتيازه. # وكتب الأستاذ مارو في جريدة «الموند» الأسبوعية يقول: «إن سيسرون رجل مكذوب ~~عليه.» والشيء الذي لا شك ms336 فيه، هو أن الشامتين بسيسرون والغاضبين له، إنما ~~أظهروا ما أظهروا من الشماتة والغضب؛ لأنهم لم ينظروا في الكتاب إلا أيسر النظر ~~وأقله تعمقا واستقصاء. # فالكتاب - كما رأيت آنفا - ضخم توشك صفحاته أن تبلغ الألف، وهو على ذلك كتاب علم، ~~قد التزم صاحبه دقائق المنهج التاريخي في عرض ما أراد عرضه من الحقائق، وحل ما ~~أراد حله من المشكلات، وقراءته ليست يسيرة ولا هينة، وهي تحتاج إلى كثير من ~~الأناة والصبر وحسن التأني. # والحكم له أو عليه لا ينبغي أن يصدر إلا بعد هذه القراءة المستأنية المستقصية ~~الصابرة، التي لا تحتاج إلى الأيام، وإنما تحتاج إلى الأسابيع، والتي لا تكتفي ~~بنفسها وإنما تكلف القارئ كثيرا من مراجعة النصوص وامتحان الأحكام التي يصدرها ~~المؤلف بالرجوع إلى ما يستشهد به من المصادر، وهذه المصادر كثيرة مختلفة، منها ~~القديم والحديث، ومنها ما كتب باللاتينية وما كتب باليونانية، ومنها ما كتب في ~~اللغات الحية على اختلافها. # ولست أزعم أني قد نهضت بهذه القراءة المستأنية المستبصرة، ولكني لست أزعم كذلك ~~أني سأحكم لهذا الكتاب أو أحكم عليه، فلست أحسن هذا العلم، ولست أبيح لنفسي ~~أن أحكم بين المختصمين فيه، وإنما أنا رجل متواضع، معتدل المذهب والرأي ~~والغاية، لا أريد إلا إلى شيء يسير جدا، هو أن أعرض على قراء العربية ~~لونا من ألوان البحث الذي يفرغ له بعض الناس في أوروبا وأمريكا، وينفقون فيه ~~حياتهم، وينعمون إن أتيح لهم أن ينفقوا حياتهم فيه، ويجدون بعد ذلك جماعة من ~~أكفائهم يتلقون ما يكتبون بالنقد والبحث فينكرون ويعرفون، وجماعات أخرى من عامة ~~المثقفين يتلقون ما يكتبون على أنه غذاء للعقول والقلوب، ومتاع يستريحون إليه مما ~~يملأ حياتهم من الهموم والخطوب. # وأنا أرجو أن يكون في إظهار قرائنا على هذا اللون من ألوان البحث ما يغري ~~شبابنا بالدرس الهادئ المستأني الذي تخلص النية فيه للعلم وحده، والذي لا تلتمس ~~به منفعة قريبة أو بعيدة، ولا تبتغى به شهرة واسعة أو ضيقة، وإنما يقصد به إلى ~~هذه المتعة العليا، ms337 متعة المعرفة الخالصة التي تكشف الحق وتصحح ~~التاريخ. # وينبغي أن أعرض هذا الكتاب مبتدئا من آخره لا من أوله، ذلك أجدر أن يجعل فهمه ~~يسيرا، والعلم به محببا إلى النفوس. # فنحن في أواسط القرن الأول قبل المسيح حين لم يبق من هذا القرن إلا ثلثه، وقد تم ~~الائتلاف بين أوكتاف وأنطوان على الاستئثار بأمر الجمهورية الرومانية وأقاليمها، ~~وذهب في سبيل هذا الائتلاف كثير من أنصار الجمهورية، مات بعضهم في الحرب ومات ~~بعضهم بأمر المؤتلفين، الذي صدر إما عن رغبة في الانتقام، وإما عن رغبة في ~~تثبيت النظام الجديد. # وكان سيسرون من الذين قاوموا النظام الجديد، بل كان على رأس المدبرين لهذه ~~المقاومة في مجلس الشيوخ، عن أمره كانت جيوش الجمهورية تصدر في مقاومتها للطغاة ~~والمستأثرين في البر والبحر وفي الشرق والغرب. # فلما تم الائتلاف وأتيح الانتصار للمؤتلفين، أهدر دم سيسرون فيما أهدر من ~~الدماء، فقتل سنة ثلاث وأربعين قبل المسيح، وكان لسيسرون صديق حميم، أحبه منذ ~~عهد الصبا، ودرس العلم معه أثناء الشباب، ثم تفرقت بهما طرق الحياة، فمضى سيسرون ~~في طريق السياسة، ومضى صديقه أتيكوس في طريق المال. # وامتاز كل من الرجلين فيما اختار لنفسه من طريق، فامتاز سيسرون في السياسة حتى ~~أصبح في بعض أوقاته رئيسا للجمهورية، وظل في أكثر حياته زعيما للديمقراطية ~~المعتدلة، وامتاز أتيكوس في المال حتى أصبح أضخم أهل روما ثراء وأوسعهم غناء، ~~وأعظمهم من أجل ذلك سلطانا على الأغنياء والفقراء جميعا. # ولكن الرجلين على هذا التفرق احتفظا بالمودة الخالصة والصداقة الصافية، واشتركا ~~بحكم هذه المودة، في حب العلم والأدب والفن، وهذا الترف الرفيع الذي يتصل ~~بحياة العقول والقلوب، وقد ورث أتيكوس عن أسرته ثروة ضخمة، فلم يكد يجاوز طور ~~الطلب حتى فرغ لهذه الثروة يدبرها ويثمرها وينميها، وأقام بينه وبين ~~السياسة سورا كثيفا حرم على نفسه أن يعبره أو ينفذ منه، وحرم على السياسة ~~أن تنفذ إليه مهما تحدث الأحداث ومهما تكن الخطوب. # وهو من أجل ذلك يهجر مدينة روما حين تعصف بها الثورة ms338 السياسية في أيام سولا، ~~ويعبر البحر إلى بلاد اليونان؛ فيقيم في أتينا وفي غيرها من المدن اليونانية ما ~~شاء الله أن يقيم، حتى إذا هدأت الثورة واستقرت الأمور عاد إلى روما وقد أضاف ~~إلى ثرائه ثراء، وإلى علمه علما، وقد استقر في نفوس الساسة أنه ليس من ~~السياسة في شيء، وأنه لا يريد أن يكون منها في شيء، وإنما هو رجل مال وعلم، ~~لا يريد أن يزيد على المال والعلم شيئا. # وهو من أجل ذلك صديق للساسة جميعا مهما تكن أحزابهم، ومهما يحسنوا أو ~~يسيئوا، ومهما تختلف بهم الظروف، قد زهد في مناصب الحكم فتركها لهم، وزهد في مجلس ~~الشيوخ فتركه لهم، وزهد في الطبقة الأرستقراطية الممتازة فتركها للذين يسعون ~~إليها من أصحاب الطمع والطموح، وقنع بأن يثمر ثروته، وينشئ في روما وفي الأقاليم ~~مصرفا هو أعظم المصارف وأكثرها تشعبا وأكثرها عملاء. # فهو يقرض المحتاجين إلى أن يقترضوا، ويدبر لأصحاب الثراء ثراءهم، ويحفظ على ~~أصحاب الأموال أموالهم، يعتدل فيما يأخذ على القروض من فائدة، ويسخو فيما يرد ~~على أصحاب الأموال من ربح، ويكفل بذلك لنفسه حب الموسرين والمعسرين ~~جميعا. # وقد شغف أتيكوس بالفلسفة والأدب والفن، فلم يلبث أن شغف بالكتب وجعل يجمعها وينشئ ~~لنفسه خزانة كتب ممتازة، ويسرت له ذلك إقامته في بلاد اليونان وثروته الضخمة، ~~فجعل يجمع المخطوطات القديمة ونفائس الآثار ما وجد إلى ذلك سبيلا. # وانتقل بهذا كله إلى روما، ودعا الناس إلى داره، فرأوا وقرءوا وأعجبوا، وأحبوا ~~أن يكون لهم مثل ما رأوا من آيات الأدب والفن والفلسفة، وما هي إلا أن يصبح ~~أتيكوس خبيرا يشير على المثقفين والمترفين، ثم وسيطا يشتري لهم من الكتب ~~والآثار وطرائف الفن ما يريدون، وعنده كتب كثيرة نادرة ليس من اليسير أن تقتنى، ~~وهو لا يعير شيئا من كتبه، فالناس مخيرون بين أن يسعوا إلى داره لينظروا في ~~هذه الكتب، وبين أن يستنسخوا هذه الكتب إن أرادوا أن يملكوها. # وإذا أتيكوس يؤلف جماعة من الرقيق المثقفين، منهم من أتقن تنظيم خزانات ms339 الكتب ~~والقيام عليها، ومنهم من أتقن النسخ والمراجعة والمعارضة، وإذا هو قد أنشأ ~~دارا للنشر عظيمة الخطر في روما، يعمل فيها النساخ والمراجعون ينسخون ~~للأدباء ما يحتاجون إلى استنساخه من الكتب، ويسبقون إلى نسخ طائفة من الكتب ~~اليونانية واللاتينية تشتد إليها حاجة القراء. # وما هي إلا أن تتسع دار النشر هذه، فلا تكتفي بنسخ القديم وإذاعته، وإنما ~~تضيف إلى ذلك نشر الآثار التي ينشئها المحدثون، وإذا هذه الدار قد أصبحت أشبه ~~شيء بدور النشر الحديثة التي نعرفها الآن، لا يكاد الشاعر ينشئ ديوانا ولا يكاد ~~الكاتب يؤلف كتابا حتى يدفعه إلى أتيكوس، فإذا هو ينسخ وينشر، لا في روما وحدها، ~~بل في إيطاليا، ثم في الأقاليم الرومانية في الشرق والغرب. # وكذلك أصبح أتيكوس أكبر رجال المال في روما، ويسر له ذلك الاتصال برجال السياسة ~~على اختلاف أحزابهم وبأكبر رجال النشر القديم والحديث، ويسر له ذلك الاتصال ~~برجال الثقافة على اختلاف أحزابهم أيضا. # وإذ كان سيسرون من الممتازين في السياسة والثقافة جميعا - وسنرى أنه كان من ~~الممتازين في المال أيضا - فقد اتصلت الأسباب الوثيقة اليومية بينه وبين أتيكوس، ~~وقد أشرت آنفا إلى أنهما كانا صديقين منذ أيام الطلب في عهد الصبا والشباب ، فقد ~~زادت صداقتهما قوة وتوثقا على مر الأيام وتعاقب الأحداث، ومن المحقق أن أتيكوس ~~كان أشد الناس بسيسرون صلة، وأدناهم منه مكانة، وأعرفهم بدخائل أمره كلها، سواء ~~منها ما يتصل بالحياة العامة وما يتصل بالحياة الخاصة في أدق خفاياها. # وكان أتيكوس قد أحب مذهب أبيقور واتخذه لنفسه دينا، وتأثرت به حياته العقلية، ~~كما تأثرت به سيرته اليومية أشد التأثر وأقواه، والقراء يعلمون أن أخص ما يمتاز ~~به مذهب أبيقور من الناحية الخلقية، هو أن يجعل اللذة غاية الغايات للإنسان، ويرى ~~أن هذه اللذة لا تخلص ولا تستقيم لطلابها إلا إذا برئت من الألم، فلم تعقبه ~~ولم تورط فيه. # فالرجل الحكيم في هذا المذهب خليق قبل كل شيء أن يتجنب الألم ما وجد إلى ذلك ~~سبيلا، وأن يبتغي اللذة ما ms340 وجد إليها سبيلا أيضا، وإذا كانت اللذات في أكثر ~~الأحيان مصادر للألم ودوافع إليه، فالرجل الحكيم خليق أن يتجنب اللذات نفسها ~~ليتجنب ما تعقب من الألم. # وخير للرجل الحكيم أن يفرض على نفسه حياة غليظة ساذجة فيها شيء من شظف وقسوة، من أن ~~يقبل على الحياة الهينة اللينة ويستجيب للمغريات، فيستمتع بلذات كثيرة تدفعه إلى ~~آلام كثيرة. # ومذهب أبيقور يمتاز كذلك بأنه حرر الإنسان من خوف الموت وما يمكن أن يكون بعد ~~الموت؛ فالآلهة لا يحفلون بالإنسان ولا يسألونه عن عمله، ولا يجزونه بالخير خيرا ~~ولا بالشر شرا، وإنما الإنسان مسئول عن نفسه أمام نفسه أثناء الحياة، فإذا ~~أدركه الموت فقد عاد إلى العدم الذي خرج منه حين دخل الحياة. # وإذن فليس للإنسان أن يفكر إلا في حياته هذه التي يحياها، يلتمس فيها لنفسه ~~الخير والمنفعة، ويصرف فيها عن نفسه الشر والمضرة ما استطاع إلى ذلك سبيلا. ~~والصداقة نفسها عرض من أعراض هذه الحياة، لا تلتمس لنفسها، وإنما ~~تلتمس لما تتيح للإنسان من لذة ومنفعة؛ فالإنسان خليق أن يلتمسها ويستمسك ~~بها ما أتاحت له لذة ومنفعة، وهو خليق أن يجتنبها ويتخلص منها إن عرضته لشر أو ~~ضر، وهو خليق ألا يحفل بها ولا يلتفت إليها إن لم تغن عنه شيئا. # كذلك كانت الصداقة التي ادخرها أتيكوس لخليله الوفي الحميم سيسرون، صداقة قوية ~~متينة ما جلبت له نفعا ولذة، وكان سيسرون مصدرا للذة والنفع جميعا، مصدرا ~~للنفع لمكانه من السياسة والسلطان، ومصدرا للذة لمكانه من الثقافة العليا، وما ~~امتاز به من رقة الشمائل وعذوبة الحديث، وجمال المحضر والمغيب. # ومن أجل ذلك كان الرجلان يلتقيان في كل يوم إن أتيح لهما اللقاء، فإن حيل ~~بينهما وبينه عمدا إلى الرسائل تغنيهما عن هذا اللقاء، ولم يقف الأمر بين الرجلين ~~عند هذه الصداقة، وإنما نشأت بينهما صلات المصاهرة، فتزوج كنتوس سيسرون أخو ~~أديبنا العظيم من بونبونيا أخت أتيكوس مالينا العظيم أيضا. # فليس من الغريب أن يلجأ سيسرون إلى صديقه وصاحب صهره في كل ما ms341 ينوبه من الأمر؛ فهو ~~مدبر ثروته ومستشاره في السياسة، وناشر كتبه ومنظم مكتبته، والداخل في الجليل ~~واليسير من أمره كله، حتى يقتل سيسرون في أواخر سنة ثلاث وأربعين قبل ~~المسيح. # وقد يسأل القارئ: ما حاجتنا إلى هذا التفصيل الطويل؟ فلينتظر قليلا، فستظهر الحاجة ~~إلى هذا التفصيل واضحة كل الوضوح، بعد أن نضيف له تفصيلا آخر يتصل بحياة أتيكوس ~~نفسه، فقد أشرت إلى تأثره بمذهب أبيقور، واضطراره بحكم هذا المذهب إلى أن يتجنب ~~الانغماس في الترف واللذة، وقد دفعه ذلك إلى أن يعيش أعزب دهرا من حياته، ثم ~~اختار لنفسه زوجا ليست ممتازة الطبقة، وإنما هي من أسرة ضئيلة فقيرة ليست بذات ~~خطر، ورزق من هذا الزواج طفلة لم يمنحها من عنايته إلا مقدارا معتدلا. # ولكن ثراءه وحياده وثقافته وامتياز مكانته في روما، كل ذلك قرب منه أوكتاف، حين ~~استقامت له الأمور وأصبح مستأثرا مع أنطوان بالسلطان الروماني، وإذا هو صديق ~~لأتيكوس، وإذا هو يتجاوز الصداقة إلى الصهر، فيصبح حفيده ختنا لأتيكوس، وحفيده ~~هذا هو الذي سيخلف أوغسطس على عرش الإمبراطورية الرومانية، بعد موته، وسيسمى ~~تيبيريوس. # هذه الصلات التي توثقت بين أوكتاف عظيم السياسة الرومانية، وأتيكوس عظيم المال ~~الروماني، هي التي دفعت أتيكوس إلى نشر الرسائل الخاصة التي كتبها سيسرون، والتي ~~اتخذها الأستاذ جيروم كاكوبينو موضوعا لكتابه، واستخرج منها الصورة الجديدة ~~لسيسرون، فأثارت ما أثارت من الرضا والسخط ومن الوفاق والخلاف. # والفكرة الأساسية لهذا الكتاب، وهي التي لم يلتفت إليها النقاد الأدباء لأنها تعني ~~العلم أكثر مما تعني الأدب، هي أولا أن رسائل سيسرون إنما نشرت في عهد ~~أوكتاف قبل أن ينفرد بالحكم، وأثناء التنافس الشديد بينه وبين أنطوان، وأنها ~~نشرت بواسطة أتيكوس، وصدرت عن داره تلك التي أشرنا إليها منذ حين، ونشرت على ~~دفعتين؛ إحداهما: بين سنة خمس وثلاثين واثنتين وثلاثين قبل المسيح، وهي تشتمل على ~~الرسائل الخاصة التي كتبها سيسرون لأتيكوس. # والثانية: سنة اثنتين وثلاثين قبل المسيح، وهي تشتمل على الرسائل الخاصة التي ~~كتبها سيسرون إلى ابنه وأخيه وصديقه ms342 بروتوس ونفر آخرين من الأصدقاء. # فأما الجزء الأول من هذه الرسائل، فقد نشر دفاعا عن أوكتاف وأنطوان اللذين قتلا ~~سيسرون. وأما الجزء الثاني فقد نشر مبالغة في إذاعة الدعوة لأوكتاف حين اشتدت ~~الخصومة والمنافسة بينه وبين أنطوان. # وكان سيسرون ضحية لنشر الجزأين جميعا، فهو نشر قصد به إلى السياسة لا إلى الأدب، ~~وإلى الغض من سيسرون لا إلى التنويه بذكره والإحسان إليه، قصد بالجزء الأول إلى ~~إظهار ما امتلأت به حياة سيسرون من الاضطراب الشديد الذي يتصل بالسياسة، ويتصل ~~بالمال، ويتصل بالأخلاق، ليتبين الناس أن الذين قتلوا سيسرون لم يقتلوا ~~فيلسوفا مصلحا عظيما ممتازا في خلقه وسيرته ورأيه، وإنما قتلوا سياسيا ~~متقلبا مسرفا في التقلب، أنفق حياته كلها ملتمسا لمنفعته الخاصة القريبة ~~الحقيرة، مخادعا للناس عن نفسه وعن آرائه وعن سيرته. # فهو يزعم أنه أنقذ الجمهورية حين كان رئيسا لها من خطر الثورة، مع أن كتبه ~~الخاصة تعترف عليه بأنه كان صديقا لكاتلينا زعيم الثورة، ولم يهاجمه إلا حين ~~عجز عن أن ينتفع به. # وهو يزعم أنه كان نصيرا للنظام الجمهوري حين ظهر يوليوس قيصر، ولكن كتبه ~~الخاصة تعترف عليه بأنه تقرب إلى قيصر حتى ظفر منه بالعطف والعفو والأمن، وظل ~~يتملقه ما استقامت له الأمور، فلما قتل شمت بقتله وابتهج لموته، وظاهر ~~قاتليه. # وهو يزعم أنه نصير للنظام الجمهوري بعد مقتل قيصر، ولكن كتبه الخاصة تعترف عليه ~~بأنه تملق أنطوان ما وسعه التملق، وتملق أوكتاف ما وجد إلى تملقه سبيلا؛ فإذا كان ~~أوكتاف وأنطوان قد قتلاه لأنه تنكر لهما قبل ائتلافهما، فهما لم يزيدا على أن قتلا ~~خصما سياسيا كاد لهما وألب عليهما، وجد في حربهما بعد أن كان لهما صديقا ~~يبتغي إلى مودتهما الوسائل. # فحبه للنظام الجمهوري كذب إذن؛ لأنه لم يحب إلا نفسه ولم يبتغ إلا منفعته، ~~وأخلاقه لم تكن ذات خطر؛ فقد كان شرها إلى المال، تعترف عليه كتبه بأنه ارتشى ~~من قيصر أولا ومن غير قيصر ثانيا، وبأنه ملك في روما وخارج روما ثماني عشرة ms343 ~~دارا، من تلك الدور الفخمة التي كان الأغنياء الرومانيون يملكونها، وكانت ~~قيمة تلك الدور نحو عشرين مليونا من الدراخمات. # وكان مسرفا شديد الإسراف، يدفعه الإسراف إلى الإعسار أحيانا، ويدفعه الإعسار إلى ~~التماس المال من غير وجهه، فهو يطلق امرأته التي عاشت معه خمسة وثلاثين عاما، ~~وولدت له ابنه ماركوس وابنته توليا؛ لسبب واحد وهي أن امرأته لم تمكنه من ~~ثروتها حين احتاج إلى هذه الثروة، فيطلقها، ويتزوج - وقد قارب الستين - فتاة في ~~العشرين من عمرها لا لشيء إلا لثروتها، وهو يدفع ابنته إلى الزواج والطلاق ثلاث ~~مرات للمال وحده، حتى تموت البائسة حزنا. # ثم هو يزعم أنه محام نزيه، حريص على كرامة المهنة، ولكن نزاهته هذه ظاهرة لا ~~تثبت أمام البحث والتمحيص؛ فقد كان قانون المحاماة يحظر على المحامين أن يأخذوا ~~من موكليهم أجورا لما ينهضون به من أعباء الدفاع عنهم أمام القضاء. # وكان سيسرون نفسه يخاصم بعض زملائه، ويزعم أنهم يتقاضون هذه الأجور التي يحظرها ~~القانون، ولكنه هو نفسه كان يتقاضى أجره من موكليه بطرق ملتوية لا تلائم ~~النزاهة ولا الشرف؛ فكتبه تشهد عليه بأنه كان يتفق مع موكليه مشافهة على أن ~~يهدوا إليه الهدايا بعد أن يكسب لهم قضاياهم . # وكانت هذه الهدايا تحمل إليه، ولم تكن يسيرة ولا هينة، وإنما كانت ضخمة عظيمة ~~الخطر، فهو مثلا قد ترافع عن أهل صقلية حين اتهموا حاكمهم بالإسراف عليهم في ~~البغي والظلم، فلما ربح لهم قضيتهم أهدوا إليه سفنا كثيرة قد شحنت قمحا، وكانت ~~روما في حاجة إلى القمح، وكان سيسرون يرشح نفسه للانتخاب في منصب من مناصب ~~الدولة، فما هي إلا أن يوزع القمح على أهل روما وينجح في الانتخاب. # وترافع مرة عن أحد موكليه فأهدى إليه بعد أن ربح القضية خزانة كتب كاملة كان يملكها ~~في بلاد اليونان، واحتاج نقلها مما وراء البحر إلى جهد عظيم وعناء كثير، ثم هو كان ~~يزعم أنه رجل شريف في سيرته السياسية، وفي كل ما يتصل بالانتخاب خاصة، ولكن كتبه ~~تشهد عليه بأن ms344 سياسته لم تكن إلا مداورة ومصانعة، وأنه كان يصطنع من إفساد ~~الانتخاب، برشوة الناخبين وأخذ أصواتهم بالترغيب مرة وبالترهيب مرة أخرى، ~~ما كان يصطنعه غيره من المرشحين لمناصب الدولة. # وكان بعد هذا كله، ينصح في كتبه وخطبه بالقصد والاعتدال وإيثار الشظف والخشونة، ~~ولكن رسائله الخاصة تشهد عليه بأنه كان مترفا مسرفا في الترف، يغلو في ~~حب المظاهر، ولا يطمئن إلا إذا نال من مظاهر الثروة والرفعة ما يلائم ~~غروره الذي لا حد له. # وكان على هذا كله شجاعا في القول جبانا في السيرة، يخاف حتى من ظله، ويتملق ~~رغبة في التملق وخوفا على حياته وإيثارا لعافيته، ثم يسخر من هذا كله في رسائله ~~الخاصة؛ لأنه لم يكن يريد إلا أن يحيا ويستمتع بالحياة. # وكان يخاصم الحكام المرتشين ويعرضهم للقضاء عليهم بالغرامات، ولكن كتبه ~~تعترف عليه بأنه حين تولى الحكم في بعض الأقاليم أظهر سيرة حسنة ورفقا بالرعية، ~~ولكنه أضمر مكرا وقسوة، واستغل منصبه استغلالا منكرا. # كل هذه الخصال والآثام تشهد بها الرسائل الخاصة التي أرسلها إلى صديقه أتيكوس، وقد ~~ارتفعت بينهما الكلفة وزال بينهما الحرج، فأفضى كل منهما إلى صاحبه بذات نفسه ~~في غير تحفظ ولا احتياط. # وواضح جدا أن نشر هذه الرسائل بأمر أوكتاف إن قصد به إلى شيء فإنما يقصد ~~به الكيد لسيسرون بعد موته، وإلى الإذاعة التي تظهر من ثنائه على قيصر وأوكتاف ~~وأنطوان ما كان يخفي؛ ليعلم الجمهوريون أنه لم يكن زعيما مخلصا صادقا، ~~وإنما كان طالب منفعة وصاحب رياء. # أما الجزء الثاني من رسائل سيسرون فقد اشترك في نشره ماركوس بن سيسرون وتيرون ~~مولاه، وأشرف على عملهما أتيكوس نفسه، وهو يشتمل على رسائله إلى أعضاء أسرته، وإلى ~~بعض أصدقائه، وإلى بروتوس منهم خاصة، وفي هذه الكتب ذم أي ذم لأنطوان وتحريض ~~عليه، وثناء على قيصر وأوكتاف، وإظهار لتلون سيسرون في السياسة من جهة، ~~ولضعفه وغفلته من جهة أخرى. # فواضح أن نشر هذه الرسائل يؤيد سياسة أوكتاف ويؤلب الناس على أنطوان، وقد ~~نشرت هذه الرسائل بالضبط ms345 في الوقت الذي كان الخصمان فيه يتهيآن للحرب التي انتصر ~~فيها أوكتاف. # وهنا تثار مسألتان خطيرتان؛ إحداهما: تتصل بالتاريخ قبل كل شيء، وهي إلى أي حد ~~يمكن الاطمئنان إلى هذه النظرية التي تجعل إذاعة هذه الرسائل مظهرا من مظاهر نشر ~~الدعوة السياسية؟ والجواب عن هذا السؤال يسير ولكنه رائع حقا؛ فقد أظهر الأستاذ ~~كاركوبينو أن السياسة الدكتاتورية في عهد قيصر وابنه أوكتاف، لم تكن أقل مهارة ~~ولا براعة ولا افتنانا في نشر الدعوة من سياسة الدكتاتورية في العصر الحديث؛ فقد ~~ابتكر قيصر لأول مرة في التاريخ، إنشاء الصحيفة اليومية التي تعلن في روما وتذاع ~~في إيطاليا، وترسل إلى الحكام في الأقاليم، ويقرأ الناس فيها الحوادث التي ~~تجد في كل يوم. # وبهذه الطريقة ابتكر قيصر السيطرة على العقول من طريق القراءة، ثم لم يقف الأمر عند ~~هذا الحد، وإنما ابتكر قيصر كذلك البلاغات الرسمية التي تعلن إلى الناس ~~أنباء الحرب كما تحب الحكومة أن تعلنها. # ثم ابتكر الرقابة على ما يقرأ الناس من الكتب في المكاتب العامة، فلم يكن يسمح ~~لكتاب أن يعرض للقراءة إلا إذا أقره السلطان وأذن بقراءته ورضي عما فيه، وليس ~~أدل على أن رسائل سيسرون إنما نشرت لإذاعة الدعوة من أن ردود أتيكوس عليها لم ~~تنشر، ومن أن أتيكوس قد ظفر بالحظوة كل الحظوة عند أوكتاف، حتى أصبح صهرا ~~للأسرة الإمبراطورية، ومن أن ماركوس بن سيسرون قد ظفر بالأمن بعد أن كان طريدا ~~أهدر دمه، ثم ظفر بالحظوة عند أوكتاف، حتى بلغ المناصب الرفيعة في الدولة، واستمتع ~~بحياة لاهية مترفة كان يحب الفراغ لها أيام أبيه. # أما المسألة الثانية: فهي إلى أي حد يمكن الاطمئنان إلى أن أتيكوس قد خان صديقه ~~بعد موته على هذا النحو البشع، وإلى أن ماركوس قد خان أباه بعد موته على هذا ~~النحو البشع أيضا؟ فأما أتيكوس فقد رأيت أن مذهبه في الأخلاق كان يعفيه من ~~إثم هذه الخيانة؛ فقد كان سيسرون صديقه حين كان حيا يرتجي نفعه ويتقي شره، ~~فأما بعد ms346 أن مات، فقد دخل في العدم المطلق الذي لا يرتجى من أهله خير، ولا ~~يتقى منهم شر. # وليس على أتيكوس بأس أمام مذهبه الخلقي من أن يخون ميتا ليخدم حيا، هو ~~المستأثر بالسلطان الذي يملك النفع كل النفع والضر كل الضر، ويتحكم في حياة ~~الأحياء. # وأما ماركوس فقد كان منذ شبابه الأول صاحب مجون ولهو وفراغ، فهو ضعيف الطبع ~~قصير الهمة، وهو بعد مدين بحياته لأوكتاف، فكيف إذا أضاف أوكتاف إلى حياته ~~شيئا غير قليل من الشرف والترف والجاه؟! # والناس بعد ذلك هم الناس، في أكثرهم الضعف والخور والتهالك والأثرة، وغير هذا كله ~~من الخصال التي تغري بالمكر والغدر، وتدفع إلى الخيانة والإثم، وتورط في أشياء ~~كثيرة تأباها الأخلاق المكتوبة التي يقررها الفلاسفة ويدعو إليها المصلحون، ~~وتجيزها السيرة العاملة، تجاهر بها أحيانا، وتخافت بها أحيانا أخرى، وتلتمس لها ~~دائما ما يقبل وما لا يقبل من التعلات والمعاذير. # أما أنا فقد أنفقت في قراءة هذا الكتاب أسابيع، ووجدت في هذه القراءة فنونا من ~~الأدب والسياسة والتاريخ وفلسفة الأخلاق، ولم تثر هذه القراءة في نفسي شماتة ~~بسيسرون ولا رحمة له ولا إشفاقا عليه؛ فما يضر الموتى أن يشمت بهم الشامتون، ولا ~~ينفعهم أن يشفق عليهم المشفقون، وقد كان سيسرون رجلا من معاصريه، فيه ما في ~~معاصريه من خصال الخير والشر، امتاز من معاصريه بتفوق عقله وقلبه ولسانه، وفرض من ~~أجل ذلك نفسه على الإنسانية كلها إلى آخر الدهر. # والمثقفون يقرءون أطرافا من حياة قيصر وابنه أوكتاف، ثم لا يلبثون أن ينسوا ما ~~قرءوا، ولكن المدارس والجامعات ستكون عقول الصبية والشباب بأدب سيسرون، وليس ~~المهم أن يكون سيسرون رجلا خيرا أو شريرا، وإنما المهم أن يكون سيسرون قد ~~ترك من الآثار ما ينفع الناس. # ثم إن قراءتي لهذا الكتاب لم تثر في نفسي شيئا من السخط قليلا أو كثيرا، على ~~الذين خاصموا سيسرون في حياته، أو خانوه بعد موته؛ فالناس دائما هم الناس، فيهم ~~شر كثير وخير قليل، ولم يصلوا بعد ذلك إلى ms347 العصر الذهبي الذي يصبحون فيه أخيارا ~~أطهارا لا يجد الشر إليهم سبيلا. # وإنما الذي أرضاني كل الرضا، وأمتعني كل الإمتاع، وعزى نفسي عما تمتلئ به الحياة ~~الواقعة اليومية، هو التفكير في هذا الأستاذ الشيخ الذي لم تصرفه الأحداث الخطيرة ~~التي يمتحن بها العالم منذ سنين، والتي امتحن بها وطنه أعسر الامتحان وأقساه، ~~والتي امتحن بها هو في ذات نفسه امتحانا أليما، لم تصرفه هذه الأحداث عن أن ~~يفرغ لرسائل سيسرون، فيدرسها هذا الدرس، ويخرج لنا هذا الكتاب الذي إن صور شيئا ~~فإنما يصور الشجاعة والصبر والجلد والتجرد للعلم الخالص، والفراغ لاستكشاف الحق ~~من حيث هو حق، مهما تكن الأحداث والخطوب والظروف. فأما دقة البحث وحسن الاستقصاء ~~وجو الاستنباط، فإنما هي خصال العلماء، وصاحب هذا الكتاب عالم ممتاز بين ~~العلماء. ms348