######OpenITI# #META# URI: 1392TahaHusayn.AraHurra.Hindawi84859728 #META# Tags: literature #META# ID: 84859728 #META# Title: آراء حرة #META# AuthorID: 59624258 :: 59604649 :: 63691809 #META# Author: طه حسين :: محمد كرد علي :: علي مصطفى مشرفة #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # أثر المدنية العربية القديمة في ثقافة مصر الحديثة‏ # تمازج الحضارتين العربية والغربية‏ # أثر الحضارة العربية في الحروب الصليبية وأثر الحضارة الغربية على عهد الاستعمار ~~الحديث‏ # أثر علوم العرب وفنونهم وما كشفوه واخترعوه‏ # أثر المدنية الغربية في البلاد العربية‏ # التنظير بين المدنيتين وأهلهما‏ # الأثر العلمي في الثقافة المصرية الحديثة للدكتور علي مصطفى مشرفة‏ # الرأي الحر‏ # فولتير‏ # روسو‏ # رينان‏ # الفيلسوف تين‏ # أثر المدنية العربية القديمة في ثقافة مصر الحديثة‏ # تمازج الحضارتين العربية والغربية‏ # أثر الحضارة العربية في الحروب الصليبية وأثر الحضارة الغربية على عهد الاستعمار ~~الحديث‏ # أثر علوم العرب وفنونهم وما كشفوه واخترعوه‏ # أثر المدنية الغربية في البلاد العربية‏ # التنظير بين المدنيتين وأهلهما‏ # الأثر العلمي في الثقافة المصرية الحديثة للدكتور علي مصطفى مشرفة‏ # الرأي الحر‏ # فولتير‏ # روسو‏ # رينان‏ # الفيلسوف تين‏ # | آراء حرة # | آراء حرة # تأليف # طه حسين ومحمد كرد علي وعلي مصطفى مشرفة # | مقدمة # بقلم وندل كليلاند # بين اليوم الحاضر والأمس الدابر روابط وصلات وثيقة العرى موصولة النسب؛ لذلك ينبغي لنا ~~في نهضتنا الحاضرة أن نتئد الخطى وأن ننعم النظر والاعتبار الفينة إثر الفينة ~~في ذلك الإرث الرائع الجليل، فلا نتقدم خطوة حتى نأخذ لها أهبتها ونعد لها عدتها، ~~نستضيء بأشعة الماضي لنهتدي في الحاضر إلى سواء السبيل. # من أجل هذا وضع هذا الكتاب، وهو يضم بين دفتيه سلسلة من المحاضرات التي نظمها قسم الخدمة ~~العامة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، وتكرم بإلقائها نخبة ممتازة من أعلام النهضة ~~الفكرية. # وهي تنقسم في مجموعها إلى قسمين: أولهما أثر الثقافة الغربية في العربية وأثر الثقافة ~~العربية في الغربية، وقد ألقى الأستاذ محمد كرد علي منها ست محاضرات، وألقى الأستاذ علي ~~مصطفى مشرفة محاضرة واحدة، أما القسم الثاني، فيشمل أثر الفكر الحر المستقل منوها بقادة ~~الفكر في القرن الثامن عشر في فرنسا كفولتير وروسو ورينان وتين. وقد ألقى حضرة صاحب ~~العزة الدكتور طه بك حسين خمس محاضرات فيها، وليس من شك في أن الثقافة العربية قد تأثرت ~~إلى حد كبير بهذه الثقافة الغربية سواء أكان ذلك في ms001 القانون، أم في الفن، أم في التربية، ~~أم في الاقتصاد. # هذا موضوع هذا الكتاب، وقد تركنا لحضرات المحاضرين، وهم من الأعلام البارزين، مطلق ~~الحرية للتعبير عن آرائهم ومراجعة التجارب المطبعية أثناء طبع الكتاب، وإليهم وحدهم ترجع ~~التبعة والمسئولية. # ويغتبط قسم الخدمة العامة بأن يقدم هذه البحوث القيمة في كتاب واحد يجمع بين أثر ~~الحضارة والثقافة في الحركة الفكرية، وهو يسدي جزيل شكره وعاطر ثنائه لحضرات من ساهموا في ~~إعداد هذا الكتاب. # حضرة الأستاذ محمد كرد علي، وقد بحث الموضوعات الستة التالية. # | أثر المدنية العربية القديمة في ثقافة مصر الحديثة # يتقاضانا النظر في انبعاث الثقافة العربية في مصر قديما أن نقف بالجملة على روح الفاتح ~~العربي، وعلى حالة البلاد التي افتتحها، وعلى سياسة الفتح التي أدت إلى سرعة انتشار تلك ~~الثقافة، والواقع أن العرب لم يفتحوا قطرا من الأقطار على صورة سهلة كما فتحوا مصر؛ فلم ~~يتكبدوا في استصفائها من المال والرجال إلا ما لا بد منه في حصر بعض المواقع الحربية، ~~وتجلت في هذه الحملة، وكان التيسير مؤاتيا لها من كل وجه. # روية عمر بن الخطاب الخليفة المنقطع القرين بعدله وبعد نظره؛ وبديهة عمرو بن العاص ~~القائد الذي يحارب بدهائه أكثر مما يحارب بجيشه، ومن الذين تولوا معاونته من رجال الصحابة ~~في الفتح وبعد الفتح، زمرة كان الواحد منهم مقام الألف بصفاته السامية، ومنهم الزبير بن ~~العوام، وسعد بن أبي وقاص، وعمار بن ياسر، وخالد بن الوليد، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله ~~بن عمر، وعبادة بن الصامت، وخارجة بن حذافة، ومسلمة بن مخلد الأنصاري، ومعاوية بن ~~حديج، وقيس بن أبي العاص، وعبد الله بن سعد، وعقبة بن نافع، ومحمد بن مسلمة الأنصاري، ~~والمقداد بن الأسود، وأبو ذر جندب بن جنادة الغفاري، وأبو الدرداء عويمر بن عامر، ~~وعقبة بن عامر، والمغيرة بن شعبة وأمثالهم، ومنهم من تولوا بعد فتح إفريقية وجزائر ~~البحر الرومي وقضوا على أسطول الروم عقبى وقعة الصواري، ومن هؤلاء الصحابة من كان هبط مصر ~~لغرض التجارة في ms002 الجاهلية، واتجر فيها القائد الأول عمرو بن العاص بالأدم والطيب ~~فتعرف مداخلها ومخارجها، وكان يعرف أن «أهل مصر مجاهيد قد حمل عليهم فوق طاقتهم»، وهو ~~الذي حسن للخليفة الثاني فتحها، وسهل عليه الأمر، وقال له: إن فتحتها كانت قوة ~~للمسلمين وعونا لهم وهي أكثر الأرض أموالا وأعجز عن القتال والحرب. # واتفق أن كان سئم قبط مصر، وهم كثرتها الغامرة، أحكام الروم البيزنطيين لما أرهقوهم ~~به من المظالم والمغارم، ولما ساموهم من الخسف والعنف مدة اثني عشر قرنا، ثم حاولوا ~~إدخالهم في مذهب الكنيسة الملكية، وأرادوهم على أن يصبئوا عن مذهب النصارى اليعاقبة، ~~فأهلكوا منهم نفوسا، وخربوا بيوتا، وأتوا على بيع وأديار، والخلاف على أشد ما يكون في ~~مسألة المشيئة الواحدة أو المشيئتين في السيد المسيح؛ يضطهد كل من لا يشايع أهل دين ~~الدولة الحاكمة، والروم في دور انحطاطهم يرتكبون كل منكر، ويأتون كل شناعة، وعامة البلاد ~~التي تخفق عليها أعلامهم في حالة تشبه مصر في تبرمها وتظلمها، وتناصرت الأخبار في مصر ~~على أن العرب أصحاب الدولة الفتية التي فتحت الشام والعراق وبعض فارس هم على جانب من العدل ~~والرحمة في أحكامهم، فاشرأبت الأعناق إليهم، وود الناس لو أنقذوهم مما هم فيه. # وكان الرسول بعث إلى المقوقس أكبر عامل للروم من القبط كتابا يدعوه فيه إلى الإسلام، ~~فتلطف في جوابه وأهدى إليه جارية قبطية اسمها مارية بنى بها صاحب الرسالة فولدت له ابنه ~~إبراهيم وعدت من أمهات المؤمنين، ذكر عمرو بن العاص في إحدى خطبه قال: حدثنا عمر أمير ~~المؤمنين أنه سمع رسول الله يقول: «إن الله سيفتح عليكم بعدي مصر فاستوصوا بقبطها خيرا ~~فإن لهم منكم صهرا وذمة»، وفي رواية: «فاستوصوا بالقبطيين خيرا لأن لهم رحما وذمة.» ~~ولطالما أوصى الرسول بأهل الذمة، وقال: «من آذى ذميا فأنا حجيجه، ومن قتل قتيلا من أهل ~~الذمة لم يرح رائحة الجنة»، وقال: «من قتل نفسا معاهدة بغير حلها حرم الله عليه ~~الجنة أن يشمها.» وجعلت الشريعة دية المعاهد كدية المسلم ألف دينار، ولطالما ms003 قتل ~~المسلم بالذمي، ولطالما خان الروم وغيرهم عهد العرب، فقال المسلمون: «وفاء بغدر خير من ~~غدر بغدر.» وقد حاسن المسلمون النصارى خاصة منذ انبعثت دعوتهم في جزيرة العرب؛ لأن نصارى ~~نجران اليمن كانوا أول من أدى الجزية ولم يجلهم عمر عن أرضهم، ويوصي بهم أهل العراق ~~والشام؛ إلا لما أكلوا الربا وكان شرط عليهم الامتناع عنه، أما اليهود فحاسنهم الرسول ~~أيضا ولكنهم آذوه مرارا فأجلاهم في حياته من الحجاز إلى الشام، وقال عبد الله بن عمرو بن ~~العاص: «أهل مصر أكرم الأعاجم كلها، وأسمحهم يدا، وأفضلهم عنصرا، وأقربهم رحما بالعرب ~~عامة وبقريش خاصة.» # ورأينا الروم يصفون العرب بأنهم «فرسان في النهار رهبان في الليل، يدوون بالقرآن إذا ~~جن عليهم الليل دوي النحل، وهم آساد الناس لا يشبهون الأسود.» ولما عاد رسل المقوقس ~~من عند عمرو بن العاص، قال لهم: كيف رأيتم هؤلاء؟ قالوا: «رأينا قوما الموت أحب إلى أحدهم ~~من الحياة، والتواضع أحب إلى أحدهم من الرفعة، ليس لأحدهم في الدنيا رغبة ولا نهمة، إنما ~~جلوسهم على التراب، وأكلهم على ركبهم، وأميرهم كواحد منهم، ما يعرف رفيعهم من وضيعهم، ولا ~~السيد منهم من العبد، وإذا حضرت الصلاة لم يتخلف عنها منهم أحد، يغسلون أطرافهم بالماء ~~ويخشعون في صلاتهم.» وربما كان من أهم العوامل في فتح مصر كون العرب يمتازون بصفات لا مثيل ~~لها في دولتي فارس والروم، ومنها صدق العزيمة وصحة الإيمان، وأنهم ما كانوا يفرقون بين ~~الرفيع والوضيع والموافق والمخالف في تطبيق قانونهم، ويدينون بالطاعة لرؤسائهم ويصبرون ~~ويصابرون ويبتعدون عن عيش البذخ والإسراف، ويعرفون الهدف الأسمى الذي يرمون إليه، ~~ويستنبطون من أحوال الشعوب التي ينزلون عليها أكثر مما تعرف هذه الشعوب من أحوالهم. # وفي الحق، إن مصر كان لها موضع من نفوس العرب ويكفي أن يحببها إليهم ذكرها في الكتاب ~~العزيز في أربعة وعشرين موضعا، منها ما هو بصريح اللفظ، ومنها ما دلت عليه القرائن ~~والتفاسير، ولم يقع مثل هذا فيه لمصر من الأمصار، وما كانت مصر بالبلد الغريب ms004 كثيرا عن ~~العرب عامة، فإن أجدادهم القدماء كانوا احتلوا أماكن منها وغزوها مددا متطاولة، وعثر ~~المتأخرون في اللغة المصرية القديمة على ألوف من الألفاظ العربية، والغالب أن غزو العرب مصر ~~كان أيام القحوط والجدوب التي طالما أصيبت بها بلاد العرب، فكانوا ينتجعون ما جاورهم من ~~الأصقاع، فإذا تبرم بجوارهم أهلها غزوهم، ثم إن بلاد العرب تخرج أصنافا من الزراعة لا ~~توجد في غيرها، وتجار العرب ينقلون تجارة أقطار الشرق إلى الشام ومصر وإفريقية، والعرب ~~كسائر الساميين تجار أقحاح منذ عرف تاريخهم، والتاجر من شأنه التعرف إلى الناس ~~والبلاد. # ويكتب أبو ميامين أسقف القبط بالإسكندرية إلى جماعته يعلمهم أنه لا يكون للروم دولة، ~~وأن ملكهم قد انقطع، ويأمرهم بتلقي عمرو بن العاص، فيقال إن القبط الذين كانوا بالفرما ~~كانوا يومئذ لعمرو أعوانا، ثم توجه عمرو لا يدافع إلا بالأمر الخفيف، وكان عمرو لما ~~نزل على بلبيس قتل بعض من كان بها وأسر جماعة وانهزم من بقي ووقعت في أسره ابنة ~~المقوقس، فأرسلها إلى والدها مكرمة في جميع مالها، ولما نزل عمرو على القوم بعين شمس، قال ~~أهل مصر لعاملهم: ما نريد إلى قوم فلوا جيوش كسرى وقيصر وغلبوهم على بلادهم، صالح ~~القوم واعتقد منهم ولا تعرض لهم ولا تعرضنا لهم، وأرسل صاحب الإسكندرية إلى عمرو: ~~إني قد كنت أخرج الجزية إلى من هو أبغض إلي منكم معشر العرب؛ لفارس والروم، فإن ~~أحببت أن أعطيك الجزية على أن ترد علي ما أصبتم من سبايا أرضي فعلت، وكانت السبايا قد ~~أرسلها عمرو إلى الحجاز واليمن، فردها الخليفة إلى قراها وصيرهم وجميع القبط على ~~ذمة. والسبب في سبيهم أن أهل مصر كانوا أعوانا لعمرو بن العاص على أهل الإسكندرية إلا ~~أهل بلهيب وخيس وسلطيس وسخا وغيرهم، فإنهم أعانوا الروم على المسلمين، وسباهم ~~عمرو وخيرهم عمر بين الإسلام ودين قومهم، فمن اختار منهم الإسلام فهو من المسلمين له ما ~~لهم وعليه ما عليهم، ومن اختار دين قومه وضع عليه من الجزية ما يوضع على أهل ms005 دينه فدخل ~~كثير منهم في الإسلام. # وإذا عطف الفاتح على القبط للأسباب التي ذكرنا، فذلك لأن جمهورهم حاسنه وما خاشنه؛ ولذلك ~~شاهدناه يضاعف الجزية على الروم الواغلين على البلاد، ويأخذ من القبط الجزية دينارين على كل ~~حالم إلا أن يكون فقيرا، وقد أقر النصارى واليهود على ما بأيديهم من أرض مصر يعمرونها ~~ويؤدون خراجها، وألزم كل ذي أرض مع الدينارين ثلاثة أرادب حنطة وقسطي زيت وقسطي عسل ~~وقسطي خل، رزقا للمسلمين تجمع في دار الرزق وتقسم فيهم، وألزم لكل رجل جبة صوف ~~وبرفسا أو عمامة وسراويل وخفين في كل عام، أو بدل الجبة الصوف ثوبا قبطيا. وما كان ~~الخراج يجبى منهم إلا في إبانه، مخافة «أن يخرق الوالي بهم فيصيروا إلى بيع ما لا ~~غنى لهم عنه.» ووقع بعد ذلك الدور بعض الحيف على من عاهدوا على حسن الطاعة وارتضوا ~~بالجزية، ثم ما عتموا أن عمدوا إلى أساليب للتفلت من أدائها، كأن يدعي بعضهم أنه من رجال ~~الدين يعتصم بالديرة والبيع، حتى اضطر عبد العزيز بن مروان أن يحصي الرهبان فأحصوا وأخذت ~~الجزية عن كل راهب دينار، وهي أول جزية أخذت من الرهبان، ومنهم من كان يهجر بلده وينزل ~~بلدا آخر، حتى اضطر الولاة بعد القرن الأول أن لا يجوزوا انتقال أحد من قريته وبلده ~~إلا بجواز الحاكم، وانتقض بعضهم غير مرة مدفوعين بعوامل كثيرة، فما وسع الدولة إلا أن ~~تردهم إلى الطاعة، والسبب في كل هذا - كما قال المؤرخون من غير المسلمين - أن المال كان ~~عزيزا على قلوب أهل البلاد يستحلون لأجله ما ينكره دينهم عليهم، وهو القائل: «أعطوا ما ~~لقيصر لقيصر وما لله لله.» # وترك الفاتح القبط وشأنهم في كنائسهم وأديارهم، وأعاد إليهم ما كان أخذه الروم الملكيون ~~منهم، وأطلق لهم الحرية في أن يبنوا منها ما طاب لهم، ولما هدم في القرن الثاني علي بن ~~سليمان بعض الكنائس احتج موسى بن عيسى والي مصر من قبل الرشيد بأن هذه الكنائس مما بني ~~في عهد الصحابة والتابعين، وأفتى ms006 الليث بن سعد وعبد الله بن لهيعة من أحبار الأمة ~~بإرجاعها إلى سالف عهدها وقالا هي من عمارة البلاد، أما الأصنام والتماثيل فقد صدر أمر ~~الخليفة في سنة 104ه بكسرها ومحوها في مصر؛ لأن دين التوحيد لا يحتمل شعار الوثنية، وقد جاء ~~للقضاء عليها، وما يتناغى الروم بحبه لا يستلزم أن يشايعهم العرب عليه، وهو ليس من طبيعتهم ~~ولا من أصل دينهم، والإسلام كما قال عمرو بن العاص يهدم ما كان قبله. قال هذا لما أبطل ~~سنة المصريين في النيل، وكانوا يعتقدون أنه لا يجري إلا إذا ألقيت فيه كل سنة جارية ~~بكر وزينت بأفضل ما يكون من الحلي والثياب، ولما استقر عمرو بن العاص على ولاية مصر ~~كتب إليه عمر بن الخطاب أن صف لي مصر، فكتب إليه: # ورد كتاب أمير المؤمنين - أطال الله بقاءه - يسألني عن مصر. اعلم يا أمير ~~المؤمنين أن مصر قرية غبراء، وشجرة خضراء، طولها شهر، وعرضها عشر، يكنفها جبل ~~أغبر، ورمل أعفر، يخط وسطها نيل مبارك الغدوات، ميمون الروحات، تجري فيه ~~الزيادة والنقصان كجري الشمس والقمر، له أوان يدر حلابه ويكثر فيه ذبابه، ~~تمده عيون الأرض وينابيعها، حتى إذا ما اصلخم عجاجه، وتعظمت أمواجه، فاض على ~~جانبيه، فلم يمكن التخلص من القرى بعضها إلي بعض إلا في صغار المراكب، وخفاف ~~القوارب، وزوارق كأنهن في المخايل ورق الأصائل، فإذا تكامل في زيادته، نكص ~~علي عقبيه كأول ما بدأ في جريته، وطما في درته، فعند ذلك تخرج أهل ملة محقورة، ~~وذمة مخفورة، يحرثون بطون الأرض، ويبذرون بها الحب، يرجون بذلك النماء من ~~الرب، لغيرهم ما سعوا من كدهم، فناله منهم بغير جدهم، فإذا أحدق الزرع وأشرق، ~~سقاه الندى، وغذاه من تحته الثرى، فبينما مصر - يا أمير المؤمنين - لؤلؤة بيضاء، ~~إذا هي عنبرة سوداء، فإذا هي زمردة خضراء، فإذا هي ديباجة رقشاء، فتبارك الله ~~الخالق لما يشاء الذي يصلح هذه البلاد وينميها، ويقر قاطنيها فيها، ألا يقبل ~~قول خسيسها في رئيسها، وألا يستأدى خراج ثمرة إلا في ms007 أوانها ، وأن يصرف ثلث ~~ارتفاعها في عمل جسورها وترعها، فإذا تقرر الحال مع العمال في هذه الأحوال، تضاعف ~~ارتفاع المال، والله تعالى يوفق في المبدأ والمآل. ا.ه. # فلما ورد الكتاب على عمر قال: لله درك يا ابن العاص لقد وصفت لي خبرا كأني ~~أشاهده. ~~••• # الآن، وقد ألممنا إلمامة خفيفة بموضوع الفتح وصلات العرب بمصر ساغ لنا النظر في الثقافة ~~التي حملها العرب الفاتحون إلى هذه الديار، وهي ثقافة دينية وأدبية معا، مازجتها بعد حين ~~ثقافة علمية واجتماعية، كان أن خرج من مجموعها لون من ألوان الثقافة لا يشبه ما كان من ~~نوعه في الأمم الأخرى، وانتهت بإعراب مصر وإسلامها، فقد كان من عمر بن الخطاب وهو في صدد ~~الفتوح في الشرق والغرب أن لا يغفل عن إرسال البعوث الدينية إلى كل بلد أظلته الراية ~~الإسلامية؛ يرسل الفقهاء والقراء والقصاص يفقهون المسلمين ويقرؤنهم ويقصون عليهم في ~~كل ممسى ومصبح ما يرق قلوبهم، ويختارهم من أفقه الصحابة وأقرئهم وأبلغهم؛ ليتأدب ~~العامة والخاصة بأدب الدين ويجمع المسلمون إلى فطرتهم الذكية معارف كسبية. # كان أول من قرأ القرآن بمصر ممن شهد فتحها أبو أمية المغافري، ومن فقهائها جبلة بن عمرو ~~وعقبة بن الحارث الفهري وحيان بن أبي جبلة؛ ومن قضاتهم كعب بن يسار، كان قاضيا في ~~الجاهلية، وهو أول من أسند إليه القضاء في مصر، وتولى بعد القضاء والقصص فيها سليم ~~بن عتر التجيبي (39ه)، وهو أول من أسجل بمصر سجلا في المواريث، ومن حكماء الصحابة ~~أبرهة بن شرحبيل، ومن فصحائهم أيمن بن خريم، وكان يسمى خليل الخلفاء لإعجابهم به ~~وبحديثه لفصاحته وعلمه. أما الشعر فكثير من الصحابة ومن بعدهم كانوا يقرضونه بالفطرة، ~~ويخطبون الخطب البليغة من دون ما تعمل ولا تكلف. # قلنا إن العرب كانوا ينتجعون مصر ويغزون أطرافها وربما أقاموا بها زمنا في بعض الأدوار، ~~ولكن العرب في مصر، وقد فتحتها دولتهم قد تبدل مقامهم فيها، فسما لهم شوق إلى الرحيل ~~إليها لينزلوها ويستعمروها وتكون لهم ولذراريهم موطنا، ولما لم يرض الفاتح ms008 أن يسلب الأرض ~~من أهلها الأصليين، وأقرهم عليها يؤدون عنها الخراج، خص النازلين من القبائل العربية بأرض ~~ارتحل عنها أصحابها فأحيوها، وجاءت قبائل العرب وبطونهم يحطون رحالهم في الريف يعتملون ~~الأرض، ويتخذون من الزرع معاشا وكسبا، ومنهم من اختار سكنى المدن يخرجون إلى مصايف لهم، ~~وقد تكون لهم تلك المصايف مساكن دائمة، وكان أكثر من نزل مصر من العرب من سكان بوادي ~~الحجاز، تفرقوا في طول البلاد وعرضها، واتسعت معايشهم لخصيب تربة مصر ولما شملهم الفاتح ~~من رعايته، وكان يحظر على الجند لأول الفتح أن يعتملوا الأرض لئلا تخرجهم الزراعة عن ~~القيام بأعمالهم، فانصرف إلى الزراعة أهلها، وما أسرع ما بنى العرب منازلهم حتى إن من ~~الصحابة من اختط له دارا في أرض مصر، واختط عمرو بن العاص دارا لأمير المؤمنين عمر بن ~~الخطاب عند المسجد بالفسطاط، فكتب إليه عمر: أنى لرجل بالحجاز يكون له دار بمصر؟! وأمره ~~أن يجعلها سوقا للمسلمين، وكثرت هجرت العرب إلى مصر في عصور مختلفة، والمورد العذب كثير ~~الزحام، وما فتئت الجزيرة في القرون التالية تمد مصر بالرجال، يكثرون سواد سكانها، ~~حتى أصبح القبط إلى قلة في القرن الثالث، وكان عدد من وجبت عليهم الجزية في الفتح أربعة ~~ملايين رجل وعد الروم ثلاثمائة ألف. # وانتشرت اللغة العربية بين السكان منذ البدء، فلم يمض زمن طويل بعد الفتح إلا ورأيت ~~رجال الكهنوت القبطي يكتبون بالعربية ليفهموا قومهم، ظاهرة غريبة في الإسلام؛ ذلك لأن مصر ~~لم يسبق لها أن غيرت دينها سوى مرة واحدة، غيرته بحد السيف، وما غيرت قط في التاريخ ~~لغتها إلا في الإسلام، وفي الإسلام غيرت دينها ولسانها معا من دون إكراه وشدة، بل ~~بالحكمة والموعظة الحسنة. # كان الفاتح يستوفي حقه برمته من أهل ذمته، ويشملهم برأفته وعنايته، ذكروا أنه رفع إلى ~~عمرو بن العاص أن غرفة بن الحرث الكندي، وكان من الصحابة الذين سكنوا مصر، ضرب رجلا ~~نصرانيا فوق أنفه، فقال عمرو للصحابي: إنا قد أعطيناهم العهد، كأنه يريد أن يؤاخذ ~~الصحابي بما ms009 فعل ، فقال غرفة: معاذ الله أن نعطيهم العهد على أن يظهروا شتم النبي، وإنما ~~أعطيناهم العهد على أن نخلي بينهم وبين كنائسهم يقولون فيها ما بدا لهم، وأن لا ~~نحملهم ما لا يطيقون، وإن أرادهم عدو بسوء قاتلنا دونهم، وعلى أن نخلي بينهم وبين ~~أحكامهم إلا أن يأتونا راضين بأحكامنا فنحكم بينهم، وإن غيبوا عنا لم نتعرض لهم، فقال ~~عمرو: صدقت. # انقاد جمهور القبط إلى الإسلام، واختلطت أنسابهم بأنساب المسلمين؛ لتزوجهم لما ~~أسلموا من المسلمات، وبالمجاورة فقط يتعلم المغلوب لسان الغالب، فكيف إذا اختلط دمه بدمه، ~~وتألفت مصلحته بمصلحته، وللرجل إذا أسلم ولو كان في سن عالية من إقامة الشعائر فقط أعظم ~~دافع إلى تلقف العربية؛ يسمع خطب الخطباء في الجمع والمواسم وأيام الحفل، في موضوعات ~~يهمه تفهمها، ثم يستمع إلى قصص القصاص في المساجد والمعسكرات، وكان يجتمع إلى قصاص ~~العامة النفر من الناس يعظونهم ويذكرونهم. ويكون القصاص كالخطباء من أمثل العلماء على ~~الأكثر، ويتولى خطبة الجامع الأعظم أمير البلاد، ومن يتولى الصلاة يرجح على من يتولى ~~الأموال، فإذا جمع بينهما لواحد كان الأمير كل الأمير. # وكانت الجوامع والمساجد مجامع ومدارس لتعليم البنين والبنات، يختلف إليها النساء كما ~~يختلف إليها الرجال، والجوامع منتديات القوم ومحال تقاضيهم، يخطب فيها في المهمات ~~وتلقى فيها دروس خاصة وعامة، وتتخذ للعبادة في أوقات الصلوات، وقلما يخلو جامع من ~~إقامة كتاب على مقربة منه لتعليم الأولاد، وجاء من النساء المحدثات والواعظات ~~والأديبات والشاعرات، وعددهن بالطبع أقل من عدد الرجال في هذا الشأن، وكان لهن من تربية ~~أولادهن ما يشغلهن في بيوتهن عن أمور يقوم بها الرجال، وتتعلم المرأة مهما كانت منزلتها ~~سورا من القرآن وما يلزمها من أصول الدين، وتحفظ الأشعار والأخبار، وتحضر القصص والوعظ ~~وتأتم بالرجال في المساجد، والغالب أنه كان الرسم منذ القديم أن لا تخلو دار أحد من ~~أرباب اليسار من فقيه يختلف إليها يعلم الأبناء والبنين ويتفقه به الصغير والكبير، أو من ~~قارئ يتلو حصصا من الكتاب العزيز في الليل أو ms010 النهار ، وكانت العادة أن من بركة كل بيت مهما ~~علت مكانة أصحابه أن يتعلم بعض أبنائه العلم الديني على الأصول ويتخرج بالشيوخ ويأخذ عن ~~القراء، وحفظ القرآن من الأمور التي شاعت في القطر شيوع العقائد الراسخة، ثم إن من واجب ~~المسلم أن يعلم جيرانه ويفقههم ويفطنهم، ومن مصلحة القبطي والرومي أن يتعلما لغة العرب ~~للتفاهم وللإتجار. # والغريب عن اللغة قد لا يحتاج إلا إلى أشهر قليلة حتى يتعلمها، واللسان كان منذ وجد ~~الإنسان يعلم بالتلقين والتلقي، ويرسخ بالسماع والانطباع، أكثر من قراءة الصحف ~~والكتب، وهذه ما كانت تصل في الصدر الأول إلى غير أيدي الخاصة من الناس لغلائها وعزتها، ~~وفي حدود ثمان وثمانين من الهجرة فقط، اتخذ الكاغد؛ أي الورق من القطن، فرخص ثمن ~~الطوامير والقراطيس، وكانت الصحف تكتب على لباب البردي وهو غال ثمين. ويطلقون اسم ~~الصحفي على من لم يلق العلماء ويأخذ علمه عن الصحف، فالعلم الإسلامي وإن بدأ تدوينه ~~في زمن الصحابة إلا أن المسلمين كانوا يخزنون علمهم في الصدور، أكثر مما يرقمونه في ~~السطور، وربما لم تبلغ أمة من الأمم شأو العرب في الرواية والدراية. # ولعله كان من الخير للفاتحين ونشر تعاليمهم ولسانهم كونهم ما تصعبوا في إشراك أبناء ~~الذمة في المصالح العامة، فاستعملوهم منذ أول الفتح في بعض شئون الدولة ولا سيما في جباية ~~الأموال وصرفها، ومنذ القرن الأول كان جميع عمال الأرياف من القبط، وكان ناظر مالية الدولة ~~الأموية على عهد معاوية نصرانيا وتولى ذلك بنوه للخليفة من بعده، ولما نقلت الدواوين ~~إلى العربية على عهد عبد الملك بن مروان، ونقل ديوان مصر من الرومية والقبطية إلى ~~العربية، كما نقل ديوان الشام والعراق من الرومية والفارسية، ضن الفاتحون بأرباب ~~الكفاءات من العمال السابقين فما صرفوهم من التصرف والخدمة، وما كان يشترط للعمل غير معرفة ~~لسان الدولة والأمانة للسلطان حتى يوليه ثقته ويخلطه بنفسه، وحدثنا التاريخ أن عمرو بن ~~العاص كان أول من اتصل بالعلماء من القبط والروم وأنه كانت له صحبة مع يحيى غرماطيقوس ms011 - أي ~~النحوي الفيلسوف - وأعجب كلاهما بصاحبه، وأن خالد بن يزيد الأموي عالم قريش وحكيمها ~~لجأ إلى علماء من القبط لما أراد نقل بعض العلوم إلى العربية، فنقلوا له شيئا في الطب ~~والكيمياء وغيرها، وكان يفضل عليهم وعلى العلماء الآخرين من الروم والسريان كثيرا، حتى ~~نقلت له مبادئ الصناعات والعلوم والنجوم والحروب. # وتدين مصر لبني أمية خاصة بأوضاع من العدل والعمران كثيرة؛ ذلك لأنهم كانوا يرسلون ~~لإمارتها أمثل رجالهم وتطول إمارتهم فيها ليتمكنوا من معرفة ما يصلحها، ومن كعمرو بن ~~العاص بإدارته الحسنة وسياسته الرشيدة، ومن كعتبة بن أبي سفيان شقيق معاوية، وكان من ~~أخطب خطباء العرب يطفئ في ولايته القصيرة الفتنة وينشر الإسلام، وكان بعض أهل مصر من ~~العرب اشتركوا كأهل الكوفة والبصرة بمقتل عثمان بن عفان الخليفة الثالث، ومن كعبد الله بن ~~سعد في حسن سيرته ومعرفته بسياسة الملك، وفيها طالت أيامه كما طالت إمارة مسلمة بن ~~مخلد خمس عشرة سنة، وطالت أيام عبد العزيز بن مروان إحدى وعشرين سنة، وفي أيامه عمرت ~~مصر عمرانا ليس مثله، وبنى في حلوان الدور والمساجد وغيرها أحسن عمارة وأحكمها وغرس ~~كرمها ونخلها، وهو والد أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز الخليفة العادل الذي أشبه جده ~~لأمه عمر بن الخطاب بعدله وإحسانه، وهو الذي كتب إلى عامله على مصر وقد شكا إليه نقص ~~الجباية لإقبال الناس على الدخول في الإسلام: إن الله بعث محمدا هاديا ولم يبعثه ~~جابيا، وهو الذي جعل الفتيا بمصر إلى ثلاثة رجال؛ رجلين من الموالي ورجل من العرب، فأنكر ~~العرب فعله، فقال: ما ذنبي أن كانت الموالي تسمو بأنفسها صعدا وأنتم لا تسمون، وهو ~~الذي قال لأسامة بن زيد، وقد بعثه سليمان بن عبد الملك على ديوان جند مصر وحثه على توفير ~~الخراج: ويحك يا أسامة، إنك تأتي قوما قد ألح عليهم البلاء منذ دهر طويل، فإن قدرت أن ~~تنعشهم فأنعشهم، كأنه كان يشعر، وهو من مواليد مصر وأبوه أميرها، أن في إدارة الدولة شيئا ~~من الظلم تجب إزالته. ms012 ومثل هذه الشفقة والرحمة والعطف كانت تحبب الإسلام إلى القوم ~~فيسلمون ويمتزجون برجال الدولة، أو يبقون على دينهم لا يفتنون عنه، ولا تؤخذ كنائسهم، ولا ~~يهان قساوستهم. # أصبح سكان مصر في القرن الرابع أخلاطا من الناس مختلفي الأجناس من قبط وروم وعرب وبربر ~~وأكراد وديلم وتتر وأرمن وحبشان وغير ذلك من الأصناف والأجناس، وجمهورهم القبط، واختلطت ~~الأنساب واقتصروا من الانتساب على ذكر مساقط رءوسهم، وفي هذا القرن كان القبط يتحدثون ~~بالقبطية على رواية المقدسي، ولهم - كما قال ابن حوقل - البيع الكثيرة وهم أهل يسار وفيهم ~~قلة شر وكثرة خير، ويقول الظاهري في القرن التاسع: إن بالصعيد من الكنائس والديورة قريب ~~ألف وغالب أهله نصارى؛ أي أقباط. # إذا عرفنا هذا، فليس ما يمنع من القول إن بوتقة مصر في الدول الإسلامية كانت تتمثل ~~فيها العناصر الغريبة فتصبغها بصبغتها، تحيلها مصرية صرفة بعد جيل أو جيلين. وساعد على ~~مزج الدخيل والأصيل فيها ورود النهي عن التفاخر بالجنسية والقومية، وعدم التفريق بين ~~العربي والأعجمي إلا بالتقوى. ومن مصطلح العرب أن كل من أقام ببلدة ولو مدة وجيزة ثم مات ~~فيها عد من أهلها ونسب إليها، ولما كان ابن وادي النيل لبدا بطبعه مولعا بمائه ~~وهوائه، صعب عليه أن يهجره إلى أقطار أخرى ليكثر سواد شعب غير شعبه. والمصري منذ القديم ~~لا يبغي عن مصر حولا، فهو مغتبط بنيله، عاشق تربته، راض بما قسم له، فكان مصر منذ ~~عهد الفراعنة الأولين بلد استيراد أكثر مما هو بلد استصدار، ولولا فريضة الحج في الإسلام، ~~ما خرج المصري إلى الحجاز أيضا يفارق ما في داره من النعيم المقيم. # وكانت مصر في الدول العربية بأرباب الرحلات من المحدثين والفقهاء والأدباء والعلماء أكثر ~~اتصالا فكريا بالأقطار الأخرى من معظم الأمصار؛ لتوسطها بين البلدان العربية، وترسل إلى ~~الأصقاع الأخرى ما لا يكلفها حمله كبير عناء من بضائع علمها وفنها وتفكيرها، وإذا هاجر ~~أحد أبنائها فهجرته موقتة، والغريب قد تفتنه فيتخذها مسكنا دائما، وقد كثرت هجرة العلماء ~~إليها من أقطار ms013 الأرض بعد القرن الثالث؛ لأن الفتن اندلع لسانها، ولا سيما في العراق ~~والشام، والعلماء أحوج الناس إلى السلام، وكانت مصر ساكنة هادئة بفضل من استولوا عليها في ~~ذاك الدور، ولما خرب المغول بغداد في القرن السابع رحل العلماء منها إلى مصر، على نحو ~~ما جرى لما استولى الأتراك على الأستانة في القرن التاسع فرحل منها إلى إيطاليا بعض علماء ~~اليونان، وكانوا من عوامل نهضتها، وفي رحلات المرتحلين من مصر وإليها ضرب من ضروب تبادل ~~العلم والأفكار، وكانت الجوامع تؤوي هذه الطبقات من المشتغلين، قبل أن تنشأ المدارس في ~~القرن السادس، وما خلت بيوت العلية من الناس في كل محلة ومنزلة من قبول النزلاء على ~~الرحب والسعة، والكرم ما انقطع من مصر في دور من أدوارها؛ ذلك لأن المصري كالعربي يعد ~~الشح مثلبة، وأي مثلبة. وفي قصة المرأة القبطية المشهورة مثال من هذا الكرم الفطري؛ ذلك ~~أن الخليفة المأمون مر بقريتها طاء لنمل (طنامل) لما وافى مصر، فسألته أن يقبل قراها ~~ولما اعتذر بكت بكاء كثيرا وقالت: لا تشمت بي الأعداء ولا تحرمني هذا الشرف الذي ~~تولينيه وعقبي، فنزل عليها برجاله وجيشه، فأطعمتهم من فاخر الطعام ولذيذه. وبعثت إلى ~~الخليفة في الصباح بعشر وصائف مع كل وصيفة طبق، في كل طبق كيس من ذهب فاستحسن ذلك وأمرها ~~بإعادته، فقالت: والله لا أفعل، فتأمل المأمون الذهب، فإذا به ضرب عام واحد كله، فقال: ~~هذا والله أعجب، وربما يعجز بيت مالنا عن مثل ذلك. فقالت: يا أمير المؤمنين لا تكسر قلوبنا ~~ولا تحتقر بنا، فقال: إن في بعض ما صنعت لكفاية، ولا نحب التثقيل عليك، فردي مالك بارك ~~الله فيك، فأخذت قطعة من الأرض وقالت: يا أمير المؤمنين، هذا - وأشارت إلى الذهب - من هذا ~~- وأشارت إلى الطين - ثم من عدلك يا أمير المؤمنين، وعندي من هذا شيء كثير، فأمر به فأخذ ~~منها، وأقطعها عدة ضياع وأعفاها من بعض خراج أرضها. # رأينا العرب ينقلون من دار أعرابيتهم أساس الثقافة العربية على نحو ما جروا ms014 في كل قطر ~~فتحوه؛ فيشخص إليها رجال القرآن والفقه والرواة من الحجاز واليمن وفيهم الجهني والفهري ~~والتميمي والتنوخي والمخزومي والمزني والعبسي واللخمي والقرشي والخزاعي والقضاعي ~~والأزدي والحضرمي، ثم صار يغشاها الجرجاني والنيسابوري والمروزي والشيرازي ~~والدينوري والسمرقندي والخوارزمي والبستي والطبري والهمذاني والطوسي والجويني ~~والتبريزي والشهرزوري والقزويني والغزنوي والهروي والخراساني والنسائي ~~والبلخي والبيهقي والإصطخري والأهوازي والسيرافي والبغدادي والإربلي والكوفي ~~والبصري والموصلي والحراني والواسطي والمصيصي والإسعردي والجزري والمارديني ~~والطرسوسي والتفليسي والدمشقي والحلبي والحمصي والبعلبكي والحموي والطرابلسي ~~والنابلسي والصفدي والمقدسي والعسقلاني والأنطاكي والصنعاني والخولاني، ثم ~~الغرناطي والقرطبي والقيرواني والفاسي والتونسي والسوسي والصفاقسي والصقلي ~~والميورقي والصنهاجي والتلمساني، فكان علماؤها والممتازون من رجالها من أصول عربية ~~أو من المستعربة، وبعد حين صرت تسمع باسم الإسكندراني والدمياطي والرشيدي والتنيسي ~~والمحلي والأسيوطي والبويطي والأسواني والطحاوي والطنطاوي والصدفي والبلقيني ~~والبوصيري والإخميمي والسخاوي والقلقشندي والإسنوي والإسنائي والصعيدي والقوصي ~~والبحيري والقليوبي والطوخي والبيجوري والديروطي والشرقاوي والجيزي والجيزاوي ~~والجرجاوي والدشناوي والدمنهوري والفيومي والقفطي والأرمنتي والزنكلوني والمناوي ~~والمنياوي والبلبيسي والأبياري والأدفوي والحوفي والشنطوفي والقنائي والبهنساوي ~~أو البهنسي والأشموني والسمنودي، إلى غيرهم من الرجال الذين نسبوا إلى مساقط ~~رءوسهم فأدركنا لأول وهلة أنهم من صميم المصريين. # عرفنا أن الثقافة التي انتشرت في مصر جمعت بين القرآن والسنة والشعر والأدب، ولما تعينت ~~المذاهب انتشر فقه المالكي والشافعي، ثم فقه أبي حنيفة والفقه الحنبلي على قلة، ثم الفقه ~~الإسماعيلي مذهب الفاطميين من آل البيت؛ انقرض هذا الفقه الشيعي أوائل عهد دولة بني أيوب. ~~وانتشر التصوف أكثر من الفلسفة، وصرف الناس همهم إلى الدينيات، وعدوا من فروعها التصوف ~~ونابذ الفقهاء الفلاسفة، ولكن الأمصار ما خلت في عصر من الأعصار من مفننين وحكماء لو وقع ~~إلينا كل ما دون في هذا الشأن، لعرفنا طبقة كبيرة من هذه الأصناف، فعندنا طبقات ~~المفسرين المحدثين والحفاظ والشافعية والحنفية والمالكية والحنابلة والأدباء والشعراء ~~والأطباء والحكماء والصوفية، وما سقطنا في تركة السلف على طبقات المصورين والنقاشين ~~والمهندسين والموسيقاريين، بل عرفناهم بالشيء القليل الذي جاء عرضا في الكتب الباقية ~~التي ما كسرت عليهم، ولو ms015 كتبوا هم بأنفسهم عن أبناء فنهم لاطلعنا من مخلفاتهم على أسرار في ~~هذه المدنية التي نمت عنها مصانعهم وتجلت بها هندستهم الجميلة وتراتيبهم التي ما خلت من ~~إبداع، وتم بذلك تاريخ التهذيب العربي وما أنتج من بدائع وروائع. ولا يعقل أن لا يترجم ~~المفننون لرجالهم، والغالب أن مدوناتهم فقدت في جملة ما فقد من ثروتنا العلمية والأدبية ~~في الفتن والثورات والعوامل الأرضية والسماوية. # ولو وقع إلينا ما دونه أرباب الصنائع والفنون كما انتهى إلينا ما دونه علماء ~~الشريعة والأدب والتاريخ، لعرفنا جمهورا نجهله من الناس، وكم من علم اندفن في صدر، ومن فن ~~ما قدره الناس قدره، فزهد الناس فيه، وهذه المصانع التي أبقت الأيام على خطوطها ورسومها ~~في الفسطاط والقطائع وما في جوارهما من القاهرة المعزية من المدارس والجوامع والرباطات ~~والمستشفيات شاهدة على الدهر بما أبدعت تلك العقول والأنامل التي حملت شيئا كثيرا من ~~العلم والعمل، وقد اشتركت الطوائف الدينية الثلاث على السواء في إخراجها للناس، وكان سواد ~~الأطباء والمنجمين والمهندسين من غير المسلمين، وخاصة من اليهود بادئ بدء، فأصبح ~~سوادهم الأعظم من المسلمين في الأدوار التي كثر فيها من انتحلوا الإسلام. # أخذ القوم في القرن السادس ينشئون المدارس، ينزلون فيها كل من يحب طلب العلم، ويغدقون ~~على الدارسين والمدرسين ما يقوم بهم على حد الكفاية؛ بدعة حسنة ابتدعها عقل صلاح الدين يوسف ~~بن أيوب صاحب مصر والشام، وكثرت المدارس بعد ذلك حتى لا تكاد تخلو منها الحواضر الصغيرة، ~~وضاع كثير من أخبارها في جملة ما أتت عليه الأيام؛ فقد كان في قوص في القرن السابع ستة عشر ~~مكانا للتدريس، وبأسوان ثلاثة، وبإسنا مدرستان، وبالأقصر مدرسة، وبأرمنت مدرسة، وبقنا ~~مدرستان، لا جرم أنه كان في المدن الأخرى كالإسكندرية وبلبيس ودمنهور والمنوفية وغيرها ~~مجالس ومدارس لطلب العلم الديني، وعلوم العربية تابعة له ومعينة على تفهمه. # وكان الحاكم بأمر الله الفاطمي أنشأ في سنة 395 دار العلم أو دار الحكمة في القاهرة، فجلس ~~فيها القراء والفقهاء والمنجمون والنحاة وأصحاب اللغة والأخيار، ms016 ورتب فيها قوما يدرسون ~~الناس العلوم، وسبل عليهم خزانة كتب عظيمة فيها من كل فن خبر، وكان من جملة ما يعلم ~~فيها الطب والرياضيات والمنطق، وبقيت نحو 175 سنة عامرة، وعاد الأفضل في آخر أيام العبيديين ~~فأسس دار العلم سنة 571 واستخدم فيها مقرئين، ولم تزل عامرة إلى انقراض الدولة الفاطمية. ~~وكان القائد جوهر الصقلي فاتح مصر باسم الفاطميين أنشأ الأزهر فأصبح منذ عهدهم إلى اليوم ~~مصدر العلوم الشرعية ومباءة الآداب؛ أنشئوه لنشر التشيع، وظل على ذلك طول أيامهم، وكان ~~غرامهم كثيرا في الدعوة لمذهبهم تقرأ على رئيسه، ويسمونه داعي الدعاة، كتبهم بدار ~~العلم، وطبيعي أن يتبع تعليم المذهب تلقين العربية على أصولها؛ لأن البراعة في الشريعة ~~تتوقف على البراعة في فنون العربية والمنطق والجدل والحكمة القديمة. # وغبر الناس في مصر يستفيدون من كل ما تأتيهم به الدولة الحاكمة، والواقع أن كل دولة ~~حكمت مصر، ولو حقبة صغيرة من الدهر، أبقت أثرا من آثار غيرتها على العلوم والصنائع وعنيت ~~بنشر الآداب؛ يتراءى ذلك من النظر إلى المصانع والآثار وما دون المدونون من تاريخ ~~وأخبار، وكان غرامهم ظاهرا بإنشاء المساجد، وقد ضاقت مرة بيوت الأموال من مال الخمس في ~~مصر، فصدر أمر الخليفة ببناء المساجد، واستغنى الناس أيام كافور الإخشيدي ولم يجد أرباب ~~الأموال من يقبل منهم الزكاة، فأمرهم أن يبنوا بها المساجد ويتخذوا لها الأوقاف. وما كانوا ~~يغفلون مع هذا عن بناء القناطر والجسور والعمائر النافعة لجلب السعة إلى المصريين، ولئلا ~~يقل الارتفاع إذا أهمل أمرها. وبعد؛ فمن كان يظن أن دولة الأيوبيين التي خلقت وماتت في ~~الحروب الصليبية وبها كانت الشام ومصر في أمر مريج تعنى أيضا بالعلوم والصناعات ~~وأعمال العمران؟! # هذا والدولة في حالة تقلقل عظيم لدفع صائل أهل أوروبا عن هذا القطر والديار الشامية، وقد ~~وصف ابن جبير في القرن السادس مفاخر الإسكندرية وعد منها المدارس والمحارس؛ أي الأبراج ~~الموضوعة فيها لأهل الطلب والتعبد، يفدون من الأقطار النائية فيلقى كل واحد منهم مسكنا ~~يأوي إليه، ومدرسا يعلمه ms017 الفن الذي يريد تعلمه ، وإجراء يقوم به في جميع أحواله، ~~قال: واتسع اعتناء السلطان؛ أي صلاح الدين بن أيوب، بهؤلاء الغرباء الطارئين حتى أمر ~~بتعيين حمامات يستحمون فيها متى احتاجوا إلى ذلك، ونصب لهم مارستانا لعلاج من مرض ~~منهم. وقال في كلامه على مصر والقاهرة: وما منها جامع من الجوامع، ولا مسجد من المساجد، ولا ~~روضة من الروضات المبنية على القبور، ولا محرس من المحارس، ولا مدرسة من المدارس، إلا ~~وفضل السلطان يعم جميع من يأوي إليها ويلزم السكنى فيها، تهون عليه في ذلك نفقات بيوت ~~الأموال، وأنه أمر بعمارة محاضر ألزمها معلمين لكتاب الله - عز وجل - يعلمون أبناء ~~الفقراء والأيتام خاصة وتجري عليهم الجراية الكافية لهم، وذكر غيره أن جامع مصر بين ~~العشائين كان غاصا بحلق الفقهاء وأئمة القراء وأهل الأدب والحكمة، ولا ترى أجل من ~~مجالس القراء به، وأن هذه المجالس كثيرة، وربما لا يكاد يخلو مسجد كبير من مجلس يسمع فيه ~~الناس علما وحكمة وعظة، ويقول المقدسي في الفسطاط: إنه ليس في الإسلام أكبر مجالس من ~~جامعه، وأنه معدن العلماء، وأن نغمة أهل مصر بالقرآن حسنة. # بل من كان يظن أن دولتي المماليك البرية والبحرية، وفي إدارتهما بعض العهدة، تعنيان ~~بالآداب والمعارف على مثال الدول العربية السالفة، حتى كثرت في أيامهم المدارس والجوامع ~~والترب كثرة عجيبة، وارتقى فن البناء وظهرت علائم الترف، وكثر المؤلفون والباحثون، وزادت ~~علاقات مصر بدول الغرب وعلاقاتها بدول الشرق. نعم في أيامهم تنافس الأمراء في تشييد ~~الزوايا، وكانت كل زاوية بمصر معينة لطائفة من الفقراء، وفي عهد بعض ملوكهم تنافس ~~الأمراء والكبراء في بناء المساجد وزادوا وغلوا؛ لأن أمير الوقت كان يغلب عليه الصلاح ~~وحبيب إلى قلبه أن يرى ذلك من رعيته ورجاله، والناس على دين ملوكهم. وما نراه في بعض ~~الأحياء القديمة في القاهرة من قيام الجامع إلى جانب أخيه، هو أثر من آثار هذه العناية، ~~ولو كان اجتمع جماعة على بناء الجامع الواحد بدل اختصاص كل فرد بعمله، لجاء العمران في ms018 مصر ~~وغير مصر صورة عظيمة من صور التضامن الاجتماعي، ولكتب البقاء للمصانع الكبرى أكثر من ~~غيرها. # وأكثر ما نفع مصر في علمها وجعل لمعظم مظاهر العقل فيها مظهرا خاصا، أنها تمتعت من ~~العهد الأموي والعباسي بأجمل أيامهما، وكان لها أبدا شبه إدارة خاصة، ولطالما نزعت إلى ~~الاستقلال الجزئي أو الكلي، وباستقلال ابن طولون بها عمرت عمرانا غريبا ما عهدته منذ ~~قرون. ومن أهم ما حفظ لمصر شخصيتها، وأبقى عليها آثارها، قيام صحراء التيه في طريقها إلى ~~بلاد الشرق، فتحامى كثير من الفاتحين اقتحامها من البر، وكان من الصعب اقتحامها من طريق ~~البحر في عصور سفن الهواء، ومن سعادة مصر أن بيت المقدس بعيد عن حدودها، فما غزاها ~~الصليبيون مائتي سنة لاستخلاصه كما وقع في الشام. ومن حسن الطالع أيضا أن أشرار الفاتحين، ~~أمثال جنكيز وهولاكو وغازان وتيمورلنك، ما حدثتهم أنفسهم في التقدم لاحتلالها فنجت من ~~تخريبهم على ما خربوا كل بلد نزلوه من بلاد الإسلام في القرن السابع والثامن والتاسع، ~~ومنها ما دمروه عن آخره ولم يبقوا من أهله ديارا. # وأبت الأقدار إلا أن تساهم مصر بأخرة سائر الأقطار العربية في حظها من الفاتحين، فجاء ~~سليم الأول العثماني المدعو بالجبار «ياوز» من طريق صحراء التيه يضرب على أيدي المماليك ~~فيها، وكانت نفوس المصريين قد سئمت أحكامهم أواخر أيامهم ونمى إلى المصريين من أخبار ~~الدولة العثمانية ما يغري بها، فعلقوا على انضمام مصر إلى الأتراك آمالا طوالا، ~~بيد أن الاحتكاك بالترك العثمانيين أظهر أن طبيعة المغول واحدة؛ لأنهم والترك من ~~جنس واحد وهؤلاء لا يفضلونهم إلا لأنهم دانوا بالإسلام، بيد أنهم إن تحاموا تخريب ~~البلاد التي يحتلونها على الغالب لا يتحرجون من إدخال الوهن على مقوماتها؛ فقد عمل السلطان ~~سليم في هذا القطر أعمالا نابية عن حد الإنصاف، ومن أهمها أنه أخذ إلى القسطنطينية ~~الممتازين من رجالها، والنابغين من أرباب الصنائع فيها، فبطلت فيها خمسون صنعة، هذا إلى ما ~~حمله معه من ذهبها وجواهرها وعادياتها وكتبها وأعلاقها. واتفق قبيل فتحه أن ms019 كان ~~البرتقاليون وفقوا إلى الطواف حول إفريقية؛ ففتحوا طريق رأس الرجاء الصالح، وحولوا ~~تجارة الشرق عن مصر، وكانت سوقها الكبرى دهرا طويلا، وبحر القلزم أهم منفذ لها، وكان ~~من هذا الاختلاط والتمازج مع أهل الأقطار الأخرى فائدة لمصر، فلما ضعفت تجارتها افتقرت ~~كمعظم هذا الشرق القريب، ومتى دب الفقر في أمة تفتر على الأغلب أعمال العقل في بنيها. وكان ~~من عوامل التقهقر أيضا انتشار الأوبئة كل مدة لا تبقي من الناس ولا تذر، ولئن قلت زلازل ~~مصر، فما أكثر ما كانت طواعينها الجارفة! # كانت الحكومات التي سبقت العثمانيين مهما كان لونها تفكر في خير مصر؛ لأنها تأكل منه ~~وتستمتع به، فتعطف على رجال الأدب وحملة الشريعة وتنشط الصناعات والتجارة والزراعة، ومنذ ~~فتح الفاتح مدينة القسطنطينية حاول أن ينشئ له مدنية إسلامية تضاهي على الأقل مدنية مصر في ~~عهد المماليك، فأخفق لأن استعداد أمته للصناعات العلمية والعملية كان ضعيفا، وأمته حربية ~~صرفة، وربما عد الأتراك أعمال اليد والفكر مما لا يتناسب مع عظمة الأمة الحاكمة؛ فتركوا ~~العناصر الإسلامية وشأنها تنتج وهم يتمتعون، وما كان هم الدولة في مصر غير جمع المال من ~~رعاياها وإغناء طبقة خاصة من رجالها على نحو ما كان من رجال رومية على عهد دولة الرومان؛ ~~فتركت القطر غرض الرماة من الولاة، وكثيرا ما كانت تنصبهم أشهرا قليلة لئلا ~~يخرجوا بطول الزمن عن طاعتها، ومن كان منزله منزل قلعة كيف يتسع له الوقت ليفكر في إصلاح ~~مختل وإيجاد مفقود، هذا إن كان على استعداد لعمل الخير للناس، وظل بقايا المماليك على ~~كثرة من قتل منهم في الفتح العثماني حكام مصر بالفعل، ولا تكاد تقع في أهل هذه الدولة ~~الأعجمية على شيء اسمه ثقافة أو أدب أو عمران، واضمحل في عهدها كثير من مشخصات الأمم، ~~وأصبحت المدارس اصطبلات ودورا وبطل التدريس فيها، واستصفيت الوقوف التي كان أهل الإحسان ~~من الملوك والأمراء والأغنياء حبسوها عليها، وانحط الأزهر في أيامهم إلى التي ليس بعدها، ~~ورفع منه معظم ما يفتح الذهن من ms020 الفنون؛ فجمدت وتعقدت طريقة التعليم فيه؛ فصارت قواعد ~~العلوم ألغازا وأحاجي حملت الكتب منها أحمالا، وضاع الجوهر النافع في غمار الحواشي ~~والشروح والتعاليق والاختلافات، وشيبت العلوم الدينية بما لم يكن فيها، فضلت الأفهام ~~لزهد العلماء في كتب الأقدمين السهلة الواضحة، وتعلقهم بكتب المتأخرين وما فيها من خبط ~~وخلط أحيانا تضيع في حل رموزها الأعمار جزافا. وسقط الشعر إلى الدرك الأسفل، وأمسى النثر ~~أبرد من عضرس، وآض الطب والهندسة وسائر الفنون اسما بلا مسمى. # نعم، ضعفت الآداب حتى ما تكاد تعد مصر بعد القرن الثامن من الشعراء من يجدر بالناس أن ~~يتناقلوا كلامهم، وفسدت الكتابة بالسجع السخيف، وفي الكتب نموذجات من كل عصر لا ترضيك منها ~~السلطانيات ولا الإخوانيات؛ أي ما صدر عن الملوك والأمراء وما صدر عن الأفراد من الأدباء. ~~وعلى تلك النسبة انحطت الخطابة وكان لها في عصور الارتقاء مواسم جنية الثمرات، تنفع في رفع ~~مستوى العقول في الأخلاق والسياسة ومعظم المظاهر الاجتماعية، فأصبحت في هذا العهد عاملا من ~~عوامل الزهد والتوكل وتسويد الدنيا في وجوه من يسمعونها، وتعليمهم الرضا بالدون من العيش، ~~فأماتت الهمم، ونزعت الشمم، ولقنت الناس منازع لو سار عليها المسلمون في قرونهم الأولى لما ~~أنشئوا مدنية جميلة، ولا أسسوا ملكا ضخما، بل كانوا بلا مراء أحط من زنوج ~~أفريقيا. # وتخدرت الأعصاب فوهنت المدنية، وهل المدنية غير ابنة الأعصاب القوية؟ وذلك بما انتشر في ~~أرجاء القطر من أهواء جديدة علمت الناس الكسل وأبعدتهم عن حياة العمل؛ فراجت الخرافات ~~والترهات، واعتقد من اعتقد بالكرامات، وكثر الاستمداد من أهل القبور والنذر لها ~~والاجتماع حولها، بما لم يعهد له مثيل في البضعة القرون الأولى للإسلام؛ كأن المتأخرين ~~عرفوا من روح الدين ما لم يعرفه جماعات الصحابة والتابعين وتابعوهم! وبطل حكم العلوم ~~المادية، وما عادت الآداب تنفع في إنارة الأفهام وتحسين حال المجتمع، وخلت ممن يستحسنها ~~أو يستهجنها، وممن يقرها أو ينقدها، وكان الشعر في الدهر الغابر يقيم القبيلة ويقعدها، ~~والخطبة الواحدة تعقد الصلح أو تشهر الحرب، وغدا الناس لا ms021 يتفاهمون في مصالحهم الجزئية مع ~~عمالهم إلا بواسطة التراجمة، والقضاء تركي، والإدارة تركية، والروح تركي، ومئات الألوف من ~~أهل مصر لا نقض لهم ولا إبرام في تراتيب بلادهم وموارد حياتهم. # يقول مؤرخو الترك إن السلطان سليما فاتح مصر وبلاد العرب كان ينوي أن يجلي غير ~~المسلمين عن بلاده بحيث تصبح إسلامية صرفة، فمنعه من ذلك شيخ الإسلام زنبللي علي أفندي، ~~وقال ليس لك أن تزحزحهم عن أرضهم ولا حق لك في غير الجزية منهم، وإنه كان من أماني هذا ~~السلطان أن يجعل اللغة العربية لغة الدولة الرسمية، ولكن الأجل لم يساعده على إنفاذ ~~أمنيته لما شغل به مدة حكمه من الحروب والغارات، ومهما أحسن الظن بما كان من نيته، ~~فالعبرة بإخراج أفكاره من حيز القول إلى ميدان العمل، ولو كان بدأ على الأقل بأن يكتب ~~أوامره إلى البلاد العربية بلغتها، لقلنا إنه يمهد السبيل لما يرى فيه سلامة الدولة ~~والأمة، وإلا فالتفكيرات كثيرة، والمناهج لا حد لها، وقد يبيت آحاد الناس أفكارا ~~جيدة لا تعد في معرض العمل إلا من عالم الخيال، وبعض أفكار العامة أيضا إذا طبقت ~~كانت شيئا مذكورا. # وما زالت حال القطر المصري إلى تقهقر خلال القرون الثلاثة التي حكمت الدولة العثمانية ~~فيه مباشرة حتى قيض له رجل أعجمي صحت عزيمته على تأسيس مملكة عربية، عنينا محمد علي ~~الكبير، فسار في ملكه بسيرة من ملكوا في الإسلام من أجناس الترك والشركس والكرد والبربر ~~والفرس والديلم؛ أي إنه لم يتخذ غير العربية لغة، وترسم خطى من سبقوه إلى حكم مصر من ~~غير العثمانيين، وعني عناية خاصة بنشر الثقافة الغربية ينقلها عن فرنسا وغيرها فأحيا ~~رمما كادت تفنى، وأدخل روحا إلى جسم علق يبلى «والعلم مذ كان محتاج إلى ~~العلم»؛ فالتهم المصريون العلوم المادية التي أتاهم بها المصلح الجديد، وما قاوم ~~رجال الدين التيار الذي انساب إليهم فأغضوا عما لم يستحسنوه كثيرا في باطنهم، خلافا لما ~~كان لمن انتظموا في مثل سلكهم في فروق عاصمة الخلافة؛ فإنهم قاوموا الطباعة، ms022 وأفتى بعضهم ~~بتحريم طبع القرآن، وقاوموا العلوم المادية وحظروا تعلمها، وقاوموا اللباس الغربي ~~والطربوش، كما كانوا من قبل حرموا القهوة والدخان، فقتل في هذه السبيل أولا وآخرا ألوف ~~من الخلق، والعربي على ما يظهر أكثر الشعوب الإسلامية تسامحا وحرية، وإن كان العرب ما ~~زالوا منذ عصر صاحب الرسالة دعاة الدين وأمناءه، وتسامحهم مع من يخالفهم موضع العجب. # دخل الإصلاح ديار مصر يتناول أكثر الفروع والمظاهر؛ فشغل المدنيون ببث ثقافتهم ~~والحكومة من ورائهم تحميهم وتنصرهم، ولم ير الدينيون بعد قليل من التلكؤ إلا أن يسايروا ~~الزمن ورضوا أن يدخلوا في أنظمتهم وتراتيبهم شيئا من الجديد المفيد، ونبذوا أو كادوا ما ~~وضع من الكتب في عصور الانحطاط الفكري، وأنشئوا يطبقون مفاصل الإصلاح على طرائقهم ببطء ~~وتأن، وفتحوا السبيل إلى أن يتذوق طلاب العلم الديني لماظة من العلوم التي دعوها ~~بالعصرية، وكان الأولى أن تسمى القديمة، كالرياضيات والطبيعيات والفلك والتاريخ وتقويم ~~البلدان؛ فخرج من الأزهر وسائر المعاهد الدينية في القطر علماء تعلموا في الجملة على ~~غير الطريقة التي كانوا يمارسونها قبل ثلاثة أجيال، وكانت تضعف العقل، وتثلم ~~الحواس. # وكان الفضل الأعظم في إيجاد هذه المجموعة الجديدة من الثقافة وإحياء الآداب العربية، ~~لمدارس الحكومة على اختلاف درجاتها حتى يصل الطالب إلى الجامعة، وأخرجت دار العلوم تلاميذ ~~كان منهم أقدر العلماء والأدباء، ويحمد أيضا قصد المدارس الخاصة التي تؤهل طلابها للحياة ~~الحرة، لا جرم أن وزارة المعارف منذ تأسيسها لم تأل جهدا في تحقيق رغبتها في نشر ~~العلم؛ ولذلك كانت تساير الزمن في نشوئها وارتقائها، ومنذ انتظم أمر البعوث إلى مدارس ~~الغرب، ترسلها الحكومة أو الأفراد، دخلت ثقافة مصر في طور جديد، وأصبح فريق الدينيين وفريق ~~الدنياويين، لا ينظر كل منهما إلى صاحبه النظر الأول، وربما أضمر الواحد للثاني حرمة ~~وحدثته نفسه لو شاركه في كل ما وعى ودرس، وقام في مصر أرقى رجال العهد القديم الذين ~~تخرجوا بالتعاليم الدينية، وأرقى طبقة من رجال العلم الحديث ثقفوا أحدث الأساليب الغربية، ~~واستساغ كلاهما طريقته، وقام بقسطه ms023 من تربية أبناء مصر ، وتساندا وتعاونا إلى أقصى حد ~~ممكن، وتوشك ألا تبقى ناحية من نواحي العلوم والفنون لم يعالجها المصريون ويبرزوا فيها بقدر ~~ما سمحت قرائحهم وساعدهم انتباههم، وأصبح الإخصاء، وهو العلة الأولى في ارتقاء العلم في ~~الغرب، مما يحرص على الأخذ به المتعلمون، وكان من يطلق عليه اسم العالم في القرون الغابرة ~~نتفة يدعي معرفة كل شيء ولا يكاد يتقن مسألة من المسائل. # ومن نظر اليوم في المدارس على اختلاف درجاتها، وعارضها بما كان من نوعها منذ جيلين من ~~الناس، وأمعن النظر فيما تخرج اليوم من الطلاب المجهزين بأجمل جهاز عقلي، وما كان يصدر عن ~~المؤلفين والكتاب والشعراء من الآثار وما يخرجون للناس منها لعهدنا، وما كانت عليه ~~الصحافة المصرية زمن الخديوي إسماعيل وعهد ابنه جلالة الملك فؤاد الأول، وكيف كادت صحافة ~~مصر في هذه الأعوام القليلة تضاهي صحافة الأمم التي بدأت بالنهضة منذ أربعة قرون؛ من رأى ~~هذا يسجل فخورا بأن قرنا واحدا، تخللته فترات وهجعات، كفى هذا القطر بأن يصطنع له ~~ثقافة فيها كل الخير لحياة مصر في مادياتها ومعنوياتها. # الجوامع والبيع، والمدارس والمحاكم والأندية والصحافة، ودور التمثيل والغناء، غيرت لهجات ~~القوم، حتى قربت اللغة العامية من الفصحى قربا غريبا، وليت أديسون اخترع الحاكي في القرن ~~الماضي، فحفظت لنا في أسطواناته لهجة الناس منذ مائة سنة لنقارنها بلهجتهم اليوم، ونستمع ~~كيف كانت أحاديثهم في المجالس والمدارس ومواعظهم في الجوامع والكنائس، وخطبهم في الأندية ~~وقضاؤهم في المحاكم، وعسى أن لا ينقضي جيل أو بعض جيل حتى تصبح لغة التخاطب كلغة التكاتب، ~~والكمال في ذلك مضمون كلما تسلسل الترقي في أبناء مصر واستوفوا نصيبهم من المعارف، ودأبوا ~~على التحصيل والإتقان حبا بالعلم للعلم لا رغبة في نيل الشهادات والألقاب واعتلاء ~~المناصب والمراتب فقط؛ وعندها يجلون عن أنفسهم ويقنعون من كانوا إلى أمس ينكرون، بعوامل ~~جنسية أو دينية أو سياسية، فضل المصري في تقدمه أشواطا في طريق الحضارة ~~العالمية. # وبعد؛ فلا علينا وقد أجملنا الأدوار التي تقلبت على ثقافة ms024 مصر أن نوجز في تعريف هذه ~~النهضة الحديثة التي تمت في ظل الدولة العلوية الكريمة وفضل من اختارتهم من خيرة المصريين، ~~وما جماع ما يقال فيها إلا أنها إصلاح ثقافة قديمة، واقتباس ثقافة حديثة ضمت إلى ~~جملتها، فكانت سيرة الدولة المصرية في هذا الشأن سيرة الدولة العباسية في أول أمرها؛ ارتقت ~~فيها العلوم النقلية والعلوم العقلية معا، ونظرت في عامة علوم الدين وما ينبغي لها، ~~واقتبست علوما مادية كانت راسخة عند من تقدموها في الأخذ بمذاهب الحضارة؛ فصح أن تدعى ~~الثقافة المصرية الآن ثقافة عربية غربية إسلامية تحس فيها روح العرب وروح الغرب وروح ~~الإسلام وفيها أثر حكمة القدماء والمحدثين، ومن كل معنى طرب. # | تمازج الحضارتين العربية والغربية # أثر العرب في الأندلس وصقلية وما إليهما # لما بدأ العرب بفتوحاتهم في الإسلام فقضوا على فارس، واقتطعوا من بيزنطية مملكة الروم ~~الشرقية، الشام ومصر وسواحل إفريقية؛ كانت فارس والروم أقوى دول العالم وأكثرها حضارة، ~~وكان العرب شبه متحضرين يتعلمون ممن غلبوهم ما يصلح الملك والسلطان. وما انقضى ثمانون سنة ~~على خروج العرب من جزيرتهم حتى أضافوا ما عرفه المغلوبون إلى ما عرفوه هم من أساليب الحرب ~~والإدارة، فرأيناهم وقد مكن لهم في الغرب يستولون على الأندلس ويتوسعون في فتوحهم ~~جنوبي فرنسا. # وبينا كان بنو أمية في الشام يديرون ملكا عظيما، ويضعون أسس المدنية العربية بنقل ~~العلوم المادية عن السريانية والقبطية والرومية، ويعنون كل العناية بتدوين العلوم ~~الدينية والأدبية، وقد بدأت طلائع الحضارة في البلاد التي أظلها سلطانهم؛ كانت بلاد الغرب ~~اللاتيني في أحط دركات المدنية، بل كانت إلى همجية مرمضة، تعد بداوة العرب في جزيرتهم ~~قبيل الإسلام مدنية إذا قيست ببداوة الغرب، بلى، كان الناس يعيشون في بلاد اللاتين ~~والأنجلو سكسونيين والجرمانيين والصقالبة في توحش مدلهم، وأوروبا غاصة بالغابات ~~الكثيفة، متأخرة في زراعتها، والمستنقعات في كل ناحية تحصد الأرواح، والوبالة والأوبئة ~~تغادي تلك الشعوب القذرة وتراوحها، لا يعرفون البيوت الصحية، ولا الفرش الوثيرة، تنام ~~الأسرة كلها في غرفة واحدة على فرش من ms025 تبن أو نبات مجفف ، وهي إلى الفطرة بعاداتها ~~وأكلها وشربها ولباسها ومجالسها، وبيوت لندرا وباريز أكواخ صغيرة بنيت من أحجار مضفورة ~~مصفوفة كيفما اتفق، وهناك قلاع وأبراج وكنائس لا هندسة لها. # وليس في الغرب شيء اسمه أمن وأمان، يقضى على كل إنسان أن يكون على استعداد في كل حين ~~ليرد الأشقياء عن داره وحقله، وفي غدوه ورواحه، فلا ينام إلا وسلاحه إلى جنبه، ولا ~~يستطيع المرء أن يسير فراسخ قليلة دون أن يستهدف للقتل أو السلب، وقد جعل بعض أرباب القوة ~~من نهب عروض الناس في الطرق مهنة لهم يعيشون منها، يقتلون ويقتلون، وما من حكومة ~~قوية تناقشهم الحساب على ما تجني أيديهم؛ لأن الأمراء كانوا مع رجال الدين أشبه برؤساء ~~عصابات منهم بزعماء بلاد، ولم تكن أوروبا كلها قد دانت بالنصرانية، بل كان من ممالكها من لم ~~يزل على مجوسيته ووثنيته، والنصرانية دخلت المدن أولا وتسربت إلى القرى والدساكر بعد ~~أزمان. # وبينا كان شارلمان أعظم ملوك الغرب أميا أو يقرب من الأمية، كان المنصور والرشيد ~~والمأمون تترجم لهم كتب الطبيعيات والرياضيات والفلك والطب والفلسفة والصناعات، وبينا كان ~~أهل غاليا أميين كلهم ما دونوا كتابا ولا أخبارا ولا عرفوا أدبا ولا شعرا، كان العرب ~~قد أنشئوا في كل قطر نزلوه كتلا علمية، ومجالس أدبية، وأصبح عامتهم يقرءون ويكتبون، ~~وخاصتهم ينظمون وينثرون ويخطبون ويؤلفون ويبحثون في العلم والفلسفة على طريقة أشبه بطرق ~~أهل المدنيات الحديثة، على حين كان نبلاء القرون الوسطى في الغرب لا يمتازون عن الفلاحين ~~بتهذيبهم وعلمهم، وكلهم أميون جهلاء قساة الطباع، يستحلون كل منكر لا هم لهم غير الشراب ~~والطعام والصيد والغارات. # وبينا كان الغرب لا يعرف حياة الرفاهية، ومن أهله كسكان شلشويق (شلزويك هولشتاين) في ~~الدانيمرك من كانوا كالوحوش يسترون عوراتهم بقطع من الجلود، شأن كثير من الشعوب في شرقي ~~أوروبا وشمالها ولا يحسنون لفق الجلود ولا خياطتها أيضا، كان العرب قد دخلوا في مباهج ~~الحياة ورفاهة العيش يلبسون ونساؤهم أجمل الأكسية من الحرير والقطن والصوف والكتان ms026 ينسجونها ~~في معاملهم ويحوكونها على أنوالهم وهي وافية بحاجات الحضري والقروي منهم على اختلاف ~~الفصول. # كان أول احتكاك مدني وقع بين العربي والغربي في آسيا الصغرى؛ لأنها كانت ميدانا للغارات ~~بين العرب والروم منذ اقتطع العرب الشام من أملاك البيزنطيين، وحاولوا أن يتقدموا إلى فتح ~~القسطنطينية، وتكون الغزوات بين الفريقين سجالا؛ فيأخذ كل فريق من الفريق الآخر أسارى، قد ~~يقضون في بلاد عدوهم أعواما، فيتعلم العربي الرومية ويتعلم الرومي العربية، ويزور في أيام ~~المهادنات والسلام بعض أهل الطبقة العالية والوسطى البلاد المجاورة، ويرى كل ما عند ~~الفريقين من أسباب التفوق، وما خلت بلاده مما عند جاره من عوامل النهوض وأساليب القوة في ~~الأمم. # ولما انبلج فجر القرن الثاني زادت ساحة أخرى لتعارف العربي بالغربي وهي ساحة جنوب أوروبا ~~الغربية؛ أضيفت إلى ساحة جنوب أوروبا الشرقية بفتح العرب الأندلس سنة 92ه عندما قضوا على ~~مملكة الويزغوت أو الغوط كما كان يطلق عليهم العرب، وانحاز الإسبانيون إلى شمال جزيرة ~~أيبريا يعتصمون في جبال جليقية ويستأثر العرب بمعظم بلاد إسبانيا والبرتقال، يستصفونها ~~من البحر الرومي إلى بحر الظلمات ويقرون أهل البلاد على قضائهم وإدارتهم ويعدلون فيهم ~~ويقلدونهم بعض الأعمال الصغرى ينتهون منها إلى كبرياتها بعد زمن قليل. ومن عادة العرب ~~إذا فتحوا قطرا أن يبقوا لأهله أوضاعهم ومصطلحاتهم وتراتيبهم وأن يحكموه لأول الأمر ~~حكما أشبه بالحماية ثم يحيلونه ملكا صرفا، وهذا من بديع سياستهم، وكانت الجزية التي ~~ضربها العرب على غير المسلمين زهيدة بالقياس إلى ما كانوا يستمتعون به من الراحة والهناءة، ~~وقضت شروط الصلح أن يجعل على كل رجل حر بالغ دينار واحد في السنة وأربعة أمداد قمح وأربعة ~~أمداد شعير ومقدار من الخل والعسل والزيت وعلى العبد نصف ذلك، وأن تحفظ على أهل البلاد ~~دماؤهم؛ فلا يسبون ولا يفرق بينهم وبين أولادهم ونسائهم ولا يكرهون على دينهم ولا ~~تحرق كنائسهم. # وما عتم الإسبانيون والبرتقاليون أن شاهدوا الفرق المحسوس بين ثقافة العرب الغالبين ~~وثقافة المغلوبين، وادعى بعضهم أن حضارة الأندلس كانت لا ms027 بأس بها بدخول العرب وفاته أن ~~القوم نسوا لغتهم بمجرد استيلاء الغريب على إسبانيا؛ فما انقضت ثلاثون سنة على الفتح حتى ~~أصبح الناس ينسخون الكتب اللاتينية بحروف عربية، كما كان يفعل اليهود بمخطوطاتهم العربية، ~~وما مضى نصف قرن حتى دعت الحال إلى ترجمة التوراة والقوانين الكنسية إلى اللغة العربية؛ ~~ليتمكن رجال الدين أنفسهم من فهمها، وما أتت على الفتح خمسون سنة حتى أصبح الناس كلهم ~~يتكلمون بالعربية والعقود والمواثيق تكتب بالعربية حتى بين الإسبان أنفسهم، واتخذ ~~النصارى من اللغة العربية ترجمانا لعواطفهم وقلوبهم، وأخذوا يحبون تلاوة قصائد العرب ~~وقصصهم ويدرسون كتب علماء الإسلام وفلاسفتهم، لا ليردوا عليها، بل ليحلوا بها ~~منطقهم، يقرءون العربية بلذة ويقتنون كتبها بالأثمان الغالية، يؤلفون منها خزائن نفيسة، ~~ويذكرون في كل مكان أن آداب العرب مما يعجب به، وإذا حدثتهم عن كتبهم الدينية أجابوك ~~بازدراء: إن هذه الكتب غير حرية بالتفاتهم، وما كنت تجد في ألف رجل من يكتب رقعة ~~مناسبة باللغة اللاتينية، وأنت إذا كلفت أحدهم أن يكتب بالعربية تجد جمهورا يعبرون عن ~~أفكارهم بهذه اللغة على صورة بديعة، وقد ينظمون من الشعر العربي ما يفوق بما فيه من ~~الصناعة شعر العرب أنفسهم. # لم يمض قرن على فتح الأندلس حتى أخصبت القرى وكثرت المزارع واتصل العمران وتزاحم الناس ~~بالمناكب في المدن، وغدت قرطبة عاصمة البلاد كعواصم أوروبا اليوم، تنار ليلا بالمصابيح ~~يستضيء الساري بسرجها ثلاثة فراسخ، وكان من رجال الحسبة وهي أشبه بالمجالس البلدية ~~ودواوين الشرطة اليوم، أن بلطوا الشوارع وأخذوا كل يوم يرفعون القمامات والقاذورات ~~ويزال ضرر المجاري والقني لئلا يتأذى بها السكان، ولا يبني من يحب البناء إلا على طريقة ~~هندسية يعينها له ديوان الحسبة؛ ليترك فراغا يتمتع به الجيران وأبناء السبيل، لا يمنع ~~عنهم الشمس والهواء ولا تتضايق المارة مهما كثر سوادهم، فقرطبة إذن أول مدينة في العالم ~~كان لها مثل هذا النظام، وما لبثت أن غدت عاصمة علم وصناعة وفن وتجارة، وكعبة يحج إليها ~~بعض النابهين من أهل الغرب ينظرون إلى ms028 تراتيب العرب وعدلهم وأحكامهم نظر الدهشة ~~والاستغراب، ومثلها كانت طليطلة وغيرها من قواعد الأندلس في الشمال والجنوب. # ونقل بنو أمية إلى الأندلس منذ كانت إحدى ولاياتهم، وبعد أن فتحها سليلهم عبد الرحمن ~~الداخل الأموي فتحا ثانيا واستقل بملكها بعد تغلب العباسيين على دولة أهله في الشرق، ~~أصولهم في الإدارة والأحكام والأوضاع وطرازهم في هندسة القلاع والجسور والدور والقصور ~~والجوامع. وجعل العرب البيوت والمساكن في أرض الأندلس على الطراز الذي عرفوه في عاصمتهم ~~القديمة دمشق؛ كأن تدخل البيت من دهليز طويل ينتهي بفناء واسع وسطه حوض ماء، وعلى جوانب ~~صحن الدار غرف وأبهاء ومقاصير يأوي إليها أهل البيت في الصيف، وفي الشتاء ينزلون في ~~الطبقة الثانية من الدار وفيها جميع المرافق، وفناء الدار غاص بالأزهار وبعض الأشجار ~~المثمرة أو الملطفة للهواء، والدار طبقتان فقط، وتكون غرف الرجال ومثاوي الضيوف منعزلة عن ~~غرف النساء، ولا يزال هذا الترتيب في البيوت محببا إلى الناس في الولايات المعروفة ~~بالولايات الأندلسية إلى يوم الناس هذا يجددون أدرهم على هذا الطراز. # وأصبحت الأندلس على عهد عبد الرحمن الثالث الأموي عالم الملوك وحامي الآداب والعلوم ~~والصنائع والتجارة، وعلى عهد أخلافه ولا سيما ابنه الحكيم الثاني، أحسن الممالك حضارة ~~وعلما وحسن إدارة في القرون الوسطى، وما وسع المرابطين والموحدين، وإن كانوا من ~~البربر، إلا أن يخدموا الحضارة العربية، بل إن الملوك من بني الأحمر لم يسعهم فيما بعد ~~إلا أن ينسجوا في الأندلس على منوال الأمويين، كما لم يجد ملوك الطوائف والمتغلبون على ~~الأطراف مندوحة من الجري على هذا المثال في خدمة العلوم والآداب، يغالون في اختيار خيرة ~~العلماء والأدباء لتقليدهم الأعمال، ولقد وهت في الأندلس بعد بني أمية أمور كثيرة ولا ~~سيما سياستها، ولم يضعف فيها العلم والصنائع والتجارة والزراعة، وكان ولاة الأمر إلى ~~الخير في عامة أحوالهم؛ تقل الرشوة فيهم، ويبتعدون عن كل ما لا يعبث بأصل من أصول الدين ~~في الجملة. # كان معظم ملوك الغرب على اتصال دائم بملوك الأندلس وأمرائها يوم كانوا لأول سلطانهم ms029 في ~~عاصمة قرطبة، وكذلك لما ضغط عليهم ملوك قشتالة وقبعوا في عاصمتهم غرناطة، وما بقي من آثار ~~العرب الكثيرة في جامع قرطبة وقصر الحمراء في غرناطة إلى اليوم دليل ناطق بما بلغته ~~حضارتهم من مراقي الفلاح الباهر. # وأدخل العرب الذين جلوا إلى الأندلس وسكنوا المدن والأرياف سكنى دائمة، طرائق معيشتهم ~~وأصول زراعتهم وصناعاتهم على النحو الذي ألفوه في المشرق؛ أدخلوا إليها كثيرا من أصناف ~~الحبوب والبقول والأشجار وزرعوا الفلوات وأحيوا الموات وعمروا القرى والمدن، وأدخلوا إلى ~~الأندلس معظم الصنائع وأخذوا يجرون المياه في بسائط الجزيرة بما أقاموه من الخزانات ~~والنواعير، وبما عرفوه من أساليب الهندسة في تقسيم المياه، وأسداد بلنسية الباقية إلى ~~اليوم شاهدة بتفننهم في أعمال الري والسقيا، وهي أثر من آثار نبوغهم في الهندسة. وغلب هذا ~~العلم على أهل هذه الولاية حتى لنقرأ في تراجم الرجال أن فلانا إمام الجامع الأعظم ~~كان مهندسا، وفلانا قاضي الجماعة أو قاضي القضاة كان مهندسا رياضيا. # وأمتع العرب أبناء البلاد من النصارى - وكانوا يسمونهم المستعربين كما يسمون ~~المسلمين الخاضعين لإسبانيا المدجنين - بعامة حرياتهم يبنون ما شاءوا من بيع وكنائس ~~ويعقدون مجامع أساقفتهم، وقد عقدوا سنة 782م مجمعا في إشبيلية وفي سنة 852م مجمعا في ~~قرطبة، وكان رجال الدين من النصارى يدعون إلى دينهم في صميم بلاد الخليفة الأندلسي، وربما ~~وقفوا على أبواب المساجد يتسقطون المسلمين ليبثوا دينهم بينهم، يتعرضون للقتل والإهانة حتى ~~تكتب لهم الشهادة والسعادة بزعمهم، وإذا مر بهم المسلمون مروا كراما، وبلغ من سياسة ~~العرب في الأندلس أنه إذا شجر خلاف بين مسلم ونصراني من الجند يعطى الحق غالبا للنصراني؛ ~~فنشأت بذلك وحدة وطنية بين الغالب والمغلوب، وكان الغالب يومئذ في أقصى قمم عظمته ~~وقوته. # ولقد علم العرب الشعوب النصرانية - كما قال العلامة جوستاف لبون - أثمن الصفات ~~الإنسانية، وأعني بها التسامح، وما تناول التبدل الذي أدخلوه إلى الغرب الماديات ~~والعقليات فقط، بل تعداها إلى تحسين الأخلاق، وكان العرب ينطوون على صفات فيها الكرم ~~والإحسان، وفيها الشمم وعزة النفس، مما لم ms030 يكن له أثر عند غيرهم، وانتحل الإسلام ~~كثير من الأندلسيين، وما كان لهم غير مصلحة ضئيلة في ذلك؛ لأن النصارى في الحكم العربي ~~كانوا يعاملون كاليهود أيضا بقواعد المساواة، ولهم أن يتولوا جميع أعمال المملكة، وكانت ~~تجري على سادات الإسبان أحكام الإسلام؛ فيختلطون بأشراف العرب، ومن ظل محتفظا منهم ~~بدينه نسي عاداته، فصار يحجب نساءه كالمسلمين، ويقتدي بأزيائهم وألبستهم وعاداتهم في ~~مآدبهم ورفاهيتهم ولذائذهم، ويزهد في اللغة اللاتينية ويجتهد في تعلم اللغة العربية. ~~وتناسى الإسبان أصولهم واستعربوا بحضارتهم وأخلاقهم وأنشئوا يفصحون بالعربية، وصار ~~الخلفاء يختارونهم عمالا لإدارتهم وأمناء لمشورتهم، يفضون إليهم بأسرارهم. وكان كثير ~~من أذكياء الجلالقة والقشتاليين والليونيين والنافاريين، دع من كانوا في البلاد الواقعة في ~~حكم المسلمين من أرض الأندلس، يتعلمون العربية ويقصدون الخليفة الأندلسي أو أحد رجاله ~~يستخدمون في أرضه. # وتزوج العرب من البنات الإسبانيات والبرتقاليات، وشاع هذا الزواج بين العرب، وأمسى ~~ملوك النصارى على عهد انقسام الأندلس بين ملوك الطوائف يتزوجون من بنات أمراء المسلمين؛ ~~فقد تزوج ألفونس السادس بزايدة ابنة أمير إشبيلية، وعقد مثل هذا الزواج غير مرة وكان عدد ~~المتزوجات من الإسبانيات والبرتقاليات من المسلمين وعدد المسلمات المتزوجات من الإسبانيين ~~والبرتقاليين آخر أيام الأندلس كثيرا جدا، حتى جرى لذلك كلام في الشروط التي تمت بين ~~الغالب والمغلوب. # ومن العرب من آثر زي الإسبانيين من الملابس والسلاح واللجم والسروج، وكلف بلسانهم، ~~وكثير من أهل الطبقة العالية من المسلمين كانوا يعرفون لسان جيرانهم ويتشبهون بهم في الأكل ~~والحديث وكثير من الأحوال والهيئات، وكان بعض ملوك بني الأحمر يتزيا بزي الإسبان وكذلك ~~أجنادهم، وذكر العلامة ابن خلدون أن الأندلسيين لعهده أخذوا يتشبهون بأمم الجلالقة في ~~ملابسهم وشاراتهم والكثير من عوائدهم وأحوالهم حتى في رسم التماثيل في الجدران والمصانع ~~والبيوت، وعد ذلك من علامات الاستيلاء، ولقد قالوا إن عزيز بن خطاب، وكان من أكابر ~~العلماء، لما ملك على مرسية، استمع خطبة الخطيب حاسر الرأس على مثال ملوك الإفرنج، ~~وكذلك كان ابن هود يسير في بلاده حاسرا، وعلى هذا ms031 درج بنو الأحمر، وكان يسمح لعلماء ~~المسلمين هناك أن يرخوا ذوائبهم على مثال رجال الفنون والأدب من الإسبان، وأخذ النساء ~~والبنات المسلمات يقلدن الإسبانيات في العهد الأخير بملابسهن وبالسفور أو الحجاب الخفيف. ~~وبلغ من تسامح أمراء المسلمين في الأندلس أن منذر بن يحيى صاحب سرقسطة وذواتها أجرى إصهار ~~ريمند الجليقي وشانجة القسطلي من ملوك الإسبان على يديه، وكتب عقد النكاح بينهما بحضرة ~~سرقسطة في حفل من أهل الملتين، وذكروا أن بعض ملوك الأندلس كانوا يعرضون في قصورهم التماثيل ~~الجميلة وفيها صور الآدميين وغيرهم. # كانت الأندلس العربية البلد الوحيد في الغرب الذي كانت فيه حقوق اليهود مصونة من جور ~~الجورة، فانهالوا عليها من كل فج وكثر فيها سوادهم، ومنهم من انصرف إلى خدمة الدولة أو ~~تعلم العلوم كالطب ونحوه، ومنهم من انتفع بما ربطته حكومة الأندلس مع البلاد المجاورة من ~~الصلات التجارية؛ فكانوا من أول التجار الذين تسافر متاجرهم مع متاجر العرب والبربر وغيرهم ~~على الأساطيل التجارية مقلعة من مالقة والمرية ولشبونة وبرشلونة تحمل إلى الشرق ~~وإلى شمالي إفريقية وجنوبي أوروبا غلات الأندلس، وتأتي إليها بغلات البلاد القاصية، وبعد ~~انقضاء عقود من السنين كان الفضل لبعض علماء اليهود في الأندلس بنقل الحضارة من العربية ~~إلى العبرانية واللاتينية، فحملوا علم ساداتهم بالأمس إلى من لم يلقوا منهم في معظم ~~الأدوار إلا العنت والإرهاق، ورب كتاب ضاع أصله العربي وبقيت ترجمته اللاتينية أو ~~العبرانية على نحو ما كان من السبعين كتابا التي نقلها في مدينة طليطلة من العربية إلى ~~اللاتينية جيراردو دي كريمونا في القرن الثاني عشر وهي في الهيئة والنجوم والهندسة والطب ~~والطبيعة والكيمياء والفلسفة. # وعدن عرب الأندلس المناجم على اختلاف ضروبها، فكانوا يبعثون بما يستخرجونه من أرضهم ~~ويصنعونه من السلاح في معاملهم، وبالحرير والجوخ والجلد والسكر والورق إلى إفريقية وسائر ~~بلاد المشرق والمغرب، واشتهرت معامل الورق في شاطبة اشتهار قرطبة بجلودها وسلاحها وحليها، ~~وإشبيلية بحريرها، ومالقة بزجاجها، والمرية بوشيها وديباجها وجوخها، وباجة بنسج ~~كتانها، وسرقسطة بسلاحها، ورية بسجادها، وطليطلة ومرسية بأسلحتها، ms032 وكانت أوروبا ~~الغربية تأخذ ورقها من الأندلس ، وأوروبا الشرقية تستبضعه من معامل دمشق وحلب وطبرية وطرابلس ~~من الديار الشامية، وحمل العرب إلى الغرب من جملة الصنائع صناعة السجاد وصناعة السفن؛ ~~فجعلوا في كل فرضة من مواني الأندلس على البحر الرومي وبحر الظلمات دور صناعة تخرج لهم ~~السفن الوافية بالغرض في تلك العصور، فكان الانتفاع من البر والبحر على أتم حالاته، وكانوا ~~يستخرجون من دابة تحتك بحجارة على شط البحر في شنترين وبرا في لون الخز لونه لون الذهب ~~وهو عزيز قليل تنسج منه ثياب فيتلون في اليوم ألوانا، ويحجز عليها ملوك بني أمية فلا ~~تنقل إلا سرا، وتزيد قيمة الثوب على ألف دينار لعزته وحسنه، وبلغ من غرام ملوك ~~غرناطة بالعلم أن فرضوا جوائز للمخترعين لينشطوهم ويلقوا المنافسة بينهم، وربما ميزوهم ~~بامتيازات خاصة، وجازوا بالمال الكثير من يستظهرون كتابا يعينونه لهم في الفن الفلاني. ~~وكما كانت للأندلسيين مجامع علمية تجتمع في أوقات مخصوصة من السنة، كان علماؤهم يؤلفون ~~رسائل يفهمها كل إنسان تكون له عونا على الانتفاع بالأعمال العامة؛ أي دساتير سهلة ~~التناول يتدارسها الصناع والعملة فتفيدهم فيما هم بسبيله. # وانتقلت بعض صناعات العرب وأساليبهم إلى فرنسا، ولا سيما في الزراعة وحفر الترع والخلجان ~~ونظام الري، وكانوا أنشئوا الطرق والجسور والفنادق للسياح والمستشفيات والجوامع والرباطات ~~في كل محلة ومنزل، ورأى الفرنسيس كيف عمر العرب ناربون وبروفنسيا لما استولوا عليهما ~~وكيف نظموا أساليب السقيا فيهما، وأدخلوا أساليب عمرانهم إلى قرقشونة ونيم وأتون وسانس ~~وأفنيون ومرسيليا وأرل وبردو، ومنها ما جعلوه قاعدة لأعمالهم الحربية والبحرية، ووقفوا عند ~~حدود سبتمانيا أقاموا لهم فيها مراكز دائمة وعقدوا عهودا مع أهل البلاد، وكان رجال الكهنوت ~~في تلك الأصقاع يؤثرون حكم العرب على حكم الغزاة من الجرمانيين؛ لأن هؤلاء ما كانوا ~~يتحرجون من الاستيلاء على أملاك الكنائس، وأخذت الصلات العديدة تنعقد بين المسلمين ~~والنصارى، ولما ارتد العرب عن إقليم سبتمانيا سنة 759م احتفظوا هناك بأملاكهم ~~وبيوتهم. # كان اختلاط العرب بالإسبانيين والبرتقاليين والكتلانيين والفرنسيس والبشكنش # Les ~~Basques ms033 # اختلاط محارب بمحارب؛ ~~يعرفونهم لأول الأمر بغاراتهم، يأخذ بعضهم من بعض أسرى، فلما طال الزمن رأت تلك الأمم ~~المضعوفة أنه لا مناص لها من أن تتعلم في مدارس الأمة المرهوبة، وهكذا كان، فإن كثيرين من ~~نبهاء الإفرنج رحلوا إلى الأندلس يأخذون عن علمائها العلم ويقتبسون من أنوارهم، ومنهم أو ~~من مشهوريهم البابا سلفستر الثاني (جربرت)، وقد درس الرياضيات والفلك عند علماء العرب في ~~إشبيلية وقرطبة، فكان أعظم علماء عصره في قومه، ولما صعد الكرسي الباباوي سنة 999م كان ~~أول الباباوات الذين وجهوا وجهتهم إلى توحيد قوى الغرب لمقاومة المسلمين في استعمارهم في ~~الشرق والغرب، ومثله كثيرون ممن أخذوا عن العرب وكتبت لهم مكانة بما تلقفوه عنهم بين ~~قومهم. # وذكروا أن شانجه أمير ليون كان يستشير أطباء العرب، وأطباء العرب من الأندلسيين هم ~~الذين نقلوا الطب إلى فرنسا في زمن أنشأ فيه الأندلسيون في كل ناحية من بلادهم المدارس ~~وخزائن الكتب والجامعات العلمية في العواصم وغيرها، فكانت مواطن العلم في الغرب زمنا ~~طويلا، ومنها اليوم سلمنكة عاصمة العلم في إسبانيا، وقلمرية عاصمة العلم في ~~البرتقال، على نحو ما نشهد لعهدنا مدينة ليبسيك في ألمانيا وأكسفورد في انجلترا. وزالت ~~الأمية في الأندلس بما أنشأ الملوك من المدارس، وكان في قرطبة عشرات من الكتاتيب للفقراء ~~فقط، وأصبح الرجال والنساء على السواء يكتبون ويقرءون، بل ربما كان من أبناء الفلاحين من ~~ينثرون وينظمون. # وأخذ الإسبان عن العرب في الأندلس وصقلية معنى الشعر وبعض أوزانه وموضوعاته، ولم يكن ~~للشعر الغربي إلى عهد العرب شاعر إفرنجي يرفع الرأس، ما خلا أغاني هي أشبه بشعر العامة ~~منها بشعر الخاصة، واحتذى الإسبانيون حذو العرب في القصائد التاريخية والمواليا، ونمت رياض ~~الأدب الغنائي فتفشت عدوى الاشتغال بالأدب العربي بين أساقفة النصارى المستعربين، وراحوا ~~يقرضون الشعر بلغة عربية عالية، وكثير من قصائد الشعراء الذين كانوا يجوبون في الولايات ~~«تروبادور وتروفير» # 1 # هي قصائد عربية، واقتبس دانتي شاعر الطليان كثيرا من أفكار العرب في روايته ~~«المهزلة الإلهية»، وخصوصا عن أبي العلاء ms034 المعري، وتأثر الأدب الروائي والشعر الإسباني ~~بالأسلوب العربي، وأخذوا عن العرب أوزان التفاعيل الثماني، والأغاني الإسبانية القديمة ~~منتحلة من دواوين شعراء العرب إلى غير ذلك، ثم إن إسبانيا تأثرت أيضا بالموسيقى ~~العربية، وما زالت الموسيقى الإسبانية في إسبانيا وجميع البلاد التي استولت عليها في سالف ~~الدهر، ولا سيما الأرجنتين والبرازيل، هي الموسيقى العربية، بل سرت هذه الموسيقى إلى ~~البيع الإسبانية، وما كانت ألحانها إلا عربية في القرن الثالث عشر للميلاد. وكذلك يقال ~~في الرقص، فإن الرقص الإسباني إلى اليوم هو بالرقص العربي أشبه، وبإيقاعه وتلاحينه ~~أعلق، وهكذا يقال في كثير من أدوات الموسيقى الإسبانية؛ فإنها أو أكثرها مما اقتبسوه عن ~~العرب، وهؤلاء جاءوا بها من الحجاز وهذه نقلتها عن فارس وعن الروم. # ويقول الإسبان اليوم إنك إذا أنصت للغناء في شوارع قرطبة وإشبيلية وغرناطة توقن ~~أنه غناء عربي، وإذا طعمت في دار أندلسية تجد الطعام طعاما مغربيا، وإذا شهدت من ~~يجلسون إلى خوان في مقهى تحصي لهم عادات أهلية خاصة، وإن جميع حياة الأندلس تذكر ~~بالأمة العربية القديمة، وإن الحدائق والحقول تسقى من ترع وقني عربية، وإن الموسيقى ~~عربية، وهناك صناعات صغيرة وتجار صغار وقوافل من الحمير والأتن تجتاز الأزقة على نحو ما ~~هي في البلاد العربية، وإذا استمعت من بعد إلى تلفظ أهل تلك المدن الأندلسية يتكلمون ~~بالإسبانية تحسبهم يتكلمون بالعربية لا بالإسبانية، أما هندستهم وشوارعهم وأحياؤهم وقني ~~بيوتهم، فهي عربية صرفة على مثال ما هو من نوعها في دمشق وتونس. # ويقول لبون إن تأثير العرب في الغرب كان عظيما، وإليهم يرجع الفضل في حضارة أوروبا ولم ~~يكن نفوذهم في الغرب أقل مما كان في الشرق ولكنه كان يختلف عنه. أثروا في بلاد المشرق ~~بالدين واللغة والصنائع، أما في الغرب فلم يؤثروا في الدين، وكان تأثيرهم في الفنون واللغة ~~ضعيفا، وعظم تأثيرهم بتعاليمهم في العلم والآداب والأخلاق، ولا يتأتى للمرء معرفة التأثير ~~الذي أثره العرب في الغرب إلا إذا مثل لعينيه حالة أوروبا في الزمن الذي دخلت فيه ~~الحضارة، ms035 وإذا رجعنا إلى القرنين التاسع والعاشر من الميلاد يوم كانت المدنية الإسلامية ~~في إسبانيا زاهرة باهرة؛ نرى المراكز العلمية الوحيدة في عامة بلاد الغرب عبارة عن مجموعة ~~أبراج يسكنها سادة نصف متوحشين، يفاخرون بأنهم أميون لا يقرءون ولا يكتبون. وكانت الطبقة ~~العالية المستنيرة في النصرانية عبارة عن رهبان فقراء جهلة يقضون الوقت بالتكسب في أديارهم ~~بنسخ كتب القدماء ليبتاعوا ورق البردي لاستنساخ كتب العبادة. # قال: وطال عهد الجهالة في أوروبا وعم تأثيره بحيث لم تعد تشعر بتوحشها ولم يبد فيها ~~بعض ميل للعلم إلا في القرن الحادي عشر، وبعبارة أصح في القرن الثاني عشر. ولما شعرت بعض ~~العقول المستنيرة قليلا بالحاجة إلى نضو كفن الجهل الثقيل الذي كان الناس ينوءون تحته ~~طرقوا أبواب العرب يستهدونهم ما يحتاجون إليه؛ لأنهم وحدهم كانوا سادة العلم في ذلك العهد. ~~ولم يدخل العلم أوروبا في الحروب الصليبية كما هو الرأي الشائع، بل دخل بواسطة الأندلس ~~وصقلية وإيطاليا، وفي سنة 1130م، أنشئت مدرسة للترجمة في طليطلة بعناية رئيس الأساقفة ~~وأخذت تنقل إلى اللاتينية أشهر مؤلفات العرب، وعظم نجاح هذه الترجمات وعرف الغرب عالما ~~جديدا، ولم تفتر الحركة في هذه السبيل خلال القرن الثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر. ولم ~~تنقل إلى اللاتينية كتب الرازي وأبي القاسم وابن سينا وابن رشد وغيرهم، بل نقلت إليها ~~كتب اليونان أمثال جالينوس وأبقراط وأفلاطون وأرسطو وأقليدس وأرخميدس وبطليموس، وهي الكتب ~~التي كان المسلمون نقلوها إلى لسانهم. # أصبحت اللغة العربية منذ النصف الثاني من القرن الثامن للميلاد لغة العلم عند الخواص في ~~العالم المتمدن، وحافظت على مرتبتها الأولى بين سائر اللغات إلى آخر القرن الحادي عشر، ~~وكان يقضى على كل من يحب الاطلاع من أهل القرن الحادي عشر على آراء عصره أن يتعلم اللغة ~~العربية؛ ولذلك قالوا إن كثيرين من زعماء النهضة كروجر باكون وغيره كانوا يعرفون لغتنا. ~~وكان ملوك الأندلس يفاوضون جيرانهم باللغة العربية، وهؤلاء يجيبونهم بها على لسان تراجم لهم ~~يجيدون العربية، ويقضى على أكثر سفراء الإفرنج عند ms036 ملوك الأندلس أن يلموا ولو إلماما ~~خفيفا بلغة العرب. # وبعد أن أخذ الغرب العلم عن كتب العرب وقلدهم في مخابرهم ومعاملهم وجامعاتهم ومدارسهم، ~~وقرئت كتبهم وعلومهم في جامعات الغرب مدة ستمائة سنة ودام ذلك إلى القرن الثامن عشر؛ لا ~~نستغرب أن تدخل في جميع اللغات الغربية الألفاظ العلمية العربية ولا سيما في الإيطالية ~~والفرنسية والإسبانية والبرتقالية، وفي كل لغة من هذه اللغات اللاتينية بضعة ألوف من ~~الألفاظ العربية، أخذوها مضطرين عن العرب؛ لأن هؤلاء احتلوا بلادهم أو أماكن منها، بل لأن ~~العلم العربي كان وحده هو المتفوق في العالم، وكان العرب دعاته ورعاته خلال بضعة ~~قرون. # نعم، لم يجد العلم ملجأ أمينا له غير العرب في تلك القرون، وهذه فرنسا لم تنهض من ~~كبوتها بعد غارات البرابرة إلا بعد ثمانية قرون وذلك بفضل العرب، ومن علماء فرنسا من يعز ~~عليهم الاعتراف بهذه الحقيقة، وبينا كانت المدنية الإسلامية زاهرة، كانت فرنسا في أحط ~~دركات التأخر، ولم ينتشر الطب والصيدلة في ربوعها إلا بمساعي أطباء اليهود الذين اعتصموا ~~بإسبانيا ثم بإقليم لانكدوك بعد القرن الحادي عشر، وفي لانكدوك أنشئوا عدة مدارس ومنها ~~مدرسة مونبلية، واضطرت بعض الأمم الغربية أن تحمل بعض أبنائها على تعلم اللغة العربية، ~~وأسست جنوة مدرستها لتعليم العربية سنة 1207م، ورأى ملوك قشتالة بعد وقعة العقاب التي ~~كتب فيها النصر للإسبان على العرب، أن لا يقاطعوا الماضي القديم وأنهم في حاجة إلى أن ~~يتعلموا من معلميهم القدماء من العرب، فحاول ألفونس العاشر أن يعمل لإسبانيا النصرانية ما ~~عمله العرب لإعلاء شأن الإسلام، وذلك بالأخذ من أحسن ما في الحضارتين الإسلامية ~~والنصرانية ومزجهما بالحضارة الإسبانية؛ فأسست سنة 1254م في إشبيلية مدرسة عامة لاتينية ~~وعربية، واستدعى الملك إلى عاصمته العلماء من جميع الملل والنحل ليؤسس مدرسة طليطلة ~~الثانية يجمع فيها بين الأوضاع العربية وغيرها. وقضى مجمع فينا الديني سنة 1311م أن تؤسس في ~~باريز وأكسفورد وبولون وسلمنكة دروس عربية لتنصير المسلمين، ودروس عبرانية لتنصير ~~اليهود، وعنيت إيطاليا منذ ذلك العهد عناية ms037 خاصة بالعربية ترى تعليمها من الضرورات لكل ~~تجار المدن البحرية، وكان من ذلك أن احتكرت البندقية تجارة أوروبا مع الشرق، واستأثرت ~~بتجارة آسيا الصغرى، وتمت للبندقية وبيزا وجنوة وطسقانة معرفة الشعوب الإسلامية أكثر من ~~عامة أهل أوروبا، وكان من العادة الجارية في طبقة التجار من أبناء البندقية أن يتكلموا ~~بالتركية والعربية، ويأخذوا أنفسهم ببعض العادات والأنسة بالمصطلحات الشرقية، وملك ~~البيزيون والجنويون والبنادقة أملاكا مهمة في الشواطئ الشرقية من البحر المتوسط وفي غيرها، ~~وامتزجوا بأهل البلاد، وتأخرت الممالك الأخرى في تلقف العربية إلى القرن السابع عشر ~~والثامن عشر. # أصبح البحر الرومي بما فتحه العرب من شواطئه بحرا عربيا في أوائل القرن الثالث؛ وذلك ~~لأن شواطئ إفريقية وإسبانيا وكثير من الجزر كجزائر منورقة وميورقة ويابسة ~~المعروفة بجزائر الباليار أو الجزائر الشرقية وغيرها قد دخلت في حكمهم، ولما فتحوا في سنة ~~212ه جزيرة صقلية، وكانوا غزوها غير مرة منذ أخذوا يسافرون على سفنهم على عهد الخليفة ~~الثالث، وأتبعوها بجزيرة سردانية وغيرها؛ تراجعت سفن الروم إلى المواني القريبة من ~~بلادهم، وامتدت غزوات العرب إلى بلاد أنكبردة أو لمبارديا وقلوية؛ أي كالابرا، من جنوبي ~~إيطاليا، واستولوا على أكثر أصقاعها الجنوبية نحو تسع وعشرين سنة، ومن البلاد التي احتلوها ~~احتلالا موقتا أو غزوها وتخلوا عنها، ريو والبندقية وطارانت وسالرن وأمالفي ونابل ورومية ~~وجنوة، والغالب أن العرب في الولايات التي نزلوها من جنوبي إيطاليا لم يؤثروا بصناعاتهم ~~وعلمهم، ولم يخلفوا أثرا من آثارهم كالنقود والرنوك والمصانع والجوامع على ما حقق ذلك ~~العلامة نالينو. # أما في جزيرة صقلية، فإن العرب طالت فيها أيامهم إلى سنة 484ه وأثروا فيها أنواع ~~التأثير؛ فتركوا لأهلها أولا عاداتهم وقوانينهم وحريتهم الدينية المطلقة، واكتفوا منهم ~~بجباية قليلة كان مقدارها أقل مما كان يستوفيه اليونان منهم وأعفوا منها النساء والأولاد ~~والرهبان، وحافظوا على جميع الكنائس الموجودة ولم يسمحوا بإنشاء غيرها، على خلاف ما جروا ~~عليه في الأندلس، وعمدوا إلى الزراعة والصنائع فأحيوها، وأدخلوا أصنافا من الزرع لم ~~تعرفها الجزيرة، ومنها القطن وقصب السكر والزيتون ms038 والبردي والكتان والمران، وأقاموا المجاري ~~التي لم تبرح ماثلة للعيان، وعلموا الناس عمل القني ذات الأنابيب المعقفة (السيفونات ) ~~وكانت قبلهم غير معروفة. # وأنشأت العرب في صقلية مصانع لصنع الورق ومنها انتشرت الوراقة في إيطاليا، وعدنوا ~~مناجم الجزيرة وعلموا أهلها صنع الحرير، والغالب أن صناعة صبغ الثياب انتشرت في أوروبا من ~~صقلية، ومن مصانع الصقليين كانت تصدر الأكسية المحلاة بالجواهر، والطنافس المصورة ~~والمنقوشة، والجلد المدبوغ والحلي البديع. وبالإجمال، حمل العرب إلى صقلية مظاهر غريبة من ~~فنهم وقناطرهم العالية الجميلة ونقوشهم من المقرنصات وجمال قاشانيهم ذي الميناء والفسيفساء ~~المعمولة من الرخام الملون، وصورهم الجميلة وبهيج صناعاتهم، وما كادت أعلامهم تعلو هذه ~~الجزيرة العظيمة حتى نمت التجارة وكانت قبلهم ضئيلة، وأنشئوا يقلعون على سفنهم إلى الجهات ~~الأربع وكانت لهم حكومة ذات مجد ورقي، وكثر المسلمون فيها خلال قرنين حتى أصبحوا نصف سكان ~~الجزيرة. # وسار النورمان على سياسة رشيدة لما استولوا على صقلية وقضوا على سلطان العرب فيها؛ ~~فأبقوا المسلمين على عاداتهم ودينهم ولسانهم، واستعملوا منهم كثيرين في قصورهم وحروبهم، ~~فكان منهم القواد والعظماء والعلماء في خدمة الدولة الجديدة، وبقيت لغتهم رسمية في الجزيرة ~~مدة حكم النورمانيين، وتعلم ملوكها العربية ومنهم من برزوا فيها، ونظموا فيها الأشعار ~~وطربوا لأدبها. وهكذا تخلق النورمان بأخلاق رعاياهم وعاملوهم معاملة نادرة في باب التسامح ~~السياسي وعدم التحزب الديني في القرون الوسطى، حتى اتهم الباباوات أمراء النورمان بأنهم ~~دانوا بالإسلام وما زالوا بهم حتى قضوا عليهم بهذه التهمة وغيرها. # كان روجر أول ملك نورماني استخلص صقلية من العرب هو واضع أساس هذا التسامح مع المسلمين، ~~وهو الذي استقدم إليه من بر العدوة - وبر العدوة ما سامت الأندلس وصقلية من شمالي ~~إفريقية، ويعنون بالعدوة المغرب الأقصى والأوسط والأدنى - الشريف الإدريسي وبالغ في ~~إكرامه، وطلب إليه أن يبقى في صقلية وأن يحقق له أخبار البلاد بالمعاينة لا بما ينقل من ~~الكتب، وندب لذلك أناسا ألباء وجهزهم «روجر» إلى أقاليم الشرق والغرب والجنوب ~~والشمال وسير معهم قوما مصورين ليصوروا ما شاهدوه عيانا، ms039 فكان إذا حضر أحدهم بشكل ~~أثبته الشريف الإدريسي حتى تكامل له ما أراد وجعله مصنفا سماه نزهة المشتاق في اختراق ~~الآفاق، وهو من أجل كتب الجغرافيا التي بقيت من تآليف العرب، وعمل الإدريسي لروجر كرة ~~أرضية من الفضة كانت من أجمل ما ابتدعته قريحة عربية، رسم فيها العالم ببحره وبره وجباله ~~وسهوله وأنهاره وبحيراته ومدنه وممالكه. # كان تأثير العرب في صقلية بعلمهم أكثر من تأثيرهم بمبانيهم ومصانعهم، وكان الروح فيها ~~عباسيا ثم فاطميا؛ لأن بني الأغلب أمراء إفريقية، أي تونس، للعباسيين تولوا ذلك منها ~~أولا، ثم جاء الفاطميون فخضعت لسلطانهم، أما في الأندلس فكان الروح أمويا بحتا لا ~~سلطان فيها لغير العرب، يقول العلامة آماري المستشرق الصقلي إن صقلية مدينة للعرب ~~وإيطاليا مدينة لصقلية بابتكار الشعر الوطني، بمعنى أنه منذ قلد البلاط الصقلي ~~البلاط الملكي الإسلامي بدأت العناية بقرض الشعر تلك العناية التي كانت السبب في نهوض ~~الشعر الإيطالي. وقال رينالدي لم يساعد العرب فقط على إنهاض الشعر الصقلي والإيطالي، بل ~~إنهم أمدوا القصص الإيطالية بشكلها ومادتها، وفي بلرم التي اتخذها العرب عاصمة صقلية ~~وعمرت عمرانا غريبا، أنشأت العرب أول مدرسة للطب وما عهد مثلها في جميع أوروبا؛ فقد ~~أنشئت مدارس الطب في الغرب بعد مدرسة صقلية العربية بأعوام، ومنها انتشر هذا الفن في بلاد ~~إيطاليا، وساعد أن الباباوات كانوا رحلوا إلى أفنيون من أرض فرنسا فخلا الجو للعلم ~~العربي، ثم تفرغ العرب بعد ذهاب سلطانهم من الجزيرة إلى العلم والتجارة، فكانوا نحو ~~قرنين آخرين بعد خروج صقلية من أيديهم رجال المال والأعمال فيها، بل كانوا سادتها بالفعل، ~~ومن كان له العلم والمال لا ينقصه شيء من القوى. # أخرجت هذه الجزيرة في العهد العربي عظماء من الرجال في العلم والأدب، وكان عددهم بالقياس ~~إلى من أخرجت الأندلس قليلا، وقل فيهم النوابغ في علوم العقل على نحو ما كان في ~~الأندلس، ولكن عمل صقلية في التمدين لم ينقص كثيرا عن الأندلس؛ فإذا كانت هذه الجزيرة ~~غذت غربي أوروبا بضعة قرون بمدنيتها، ms040 فإن صقلية كانت مدة رسالتها ثلاثة قرون ترسل أشعة ~~المدنية العربية إلى أواسط أوروبا. ولعل ما دعا صقلية إلى أن تكون دون الأندلس في هذا ~~المضمار كون العرب فيها قلائل وأكثر من نزلوها من البربر، بخلاف الأندلس التي كان فيها ~~العرب كثرة غامرة هاجروا إليها وطابت لهم مستقرا ومقاما. # وقصارى القول أن العرب في الأندلس وصقلية بما كان لعنصرهم من المرونة لتقبل كل نافع ~~بقبول حسن؛ كتب لهم الإبداع في صنائعهم ومصانعهم وشعرهم وأدبهم وعلمهم وعملهم، كأن ~~هواء الغرب علمهم أن يغيروا ما حملوا معهم من مدنية الشرق بما يلائم تلك البيئة ~~الجديدة، وحببوا من دون إكراه ما نقلوه إلى أهل البلاد فطبعوهم بطابعهم وصاغوهم الصياغة ~~التي لا تنافي تعاليمهم ونظمهم؛ فقربوهم من مناحيهم ومنازعهم ووقفوهم على سر حضارتهم ~~وتفوقهم، وسرى النور من كل أرض احتلوها إلى أرض بعيدة عنهم، ومن شعوب تمثلوا فيهم بعض ~~الشيء إلى شعوب ما وسعها إلا أن تجاريهم فيما لا يخرجهم عن الاحتفاظ بمقوماتهم من جنس ~~ولغة. # | أثر الحضارة العربية في الحروب الصليبية وأثر الحضارة الغربية على عهد الاستعمار ~~الحديث # لما صحت عزيمة البابا على إخراج العرب من أرض البرتقال، دعا الفرنسيس والإنجليز ~~والنورمانيين والألمانيين والبلجيكيين إلى معاونة البرتقاليين لنزع سلطة العرب عن بلاد ~~البرتقال، ولما أراد البابا القضاء على دولة الموحدين في الأندلس (605ه) نادى بالحرب ~~المقدسة فخفت جيوش النصرانية من إيطاليا وفرنسا وألمانيا، واتحدت قواتها بقوات إسبانيا. ~~ولما أزمع أن يأخذ القبر المقدس من أيدي المسلمين في فلسطين دعا النورمانيين والإيطاليين ~~والفرنسيس والألمانيين والنرويجيين والسويسريين والإنجليز وغيرهم من شعوب الغرب إلى حمل ~~الصليب والذهاب إلى أورشليم. # وفي سنة 490ه/1096م اجتمع مئات الألوف من غزاة الصليبيين في القسطنطينية، وبعد أن ~~خربوها، وكان صاحبها حليفهم، ساروا إلى آسيا الصغرى فضلوا طريقهم، وأخذوا يخربون ويقتلون ~~إلى أن بلغوا الرها وأنطاكية والمعرة فالقدس، وقتلوا من أهل هذه المدينة المقدسة ~~فقط سبعين ألفا، ومن أهل المعرة مائة ألف، وظهروا بمظهر من التوحش لا يغبطون عليه، وملك ~~المسلمون اعتدالهم ms041 فما خرجوا عن حدود شريعتهم فيما أمرت به من الرفق بالناس في دار الحرب ~~ودار السلم، أما الصليبيون فارتكبوا كل محرم في دينهم بأن قتلوا المعاهد والمخالف، ~~وقضوا على اليهود قبل أن يغادروا بلاد الغرب طمعا بأموالهم. # وظلت الحرب سجالا عشرات من السنين حتى قام صلاح الدين وقضى على الصليبيين في القدس، ثم ~~قام من أخلافه ثم من المماليك المصريين من استأصلوهم في أدوار مختلفة. وبلغت الحملات التي ~~وجهها الصليبيون على الديار الشامية ثماني حملات، منها ما عد جنده بمئات الألوف، وهلك ~~من الفريقين خلائق يصعب إحصاؤهم، ورجع الغربيون ولم يربحوا من غزواتهم غير ما نحن ~~ذاكرون من الفوائد المادية والمعنوية، وأخذ العجب المهاجم والمدافع مما رأى من عدوه، ~~وأثبت الأول انحطاطه، وسجل الثاني ترقيه، رأى الصليبيون من حسن أخلاق نور الدين وصلاح ~~الدين وغيرهما من أمراء المسلمين ما أعجبوا به؛ رأوا صلاح الدين يوم استرجاعه القدس يكتفي ~~بأن يضرب على كل رجل منهم عشرة دنانير، وعلى كل امرأة خمسة، وعلى كل طفل دينارين، وعجز ~~بعضهم عن أدائها فأدى أخوه أبو بكر بن أيوب فدية عن ألفي صليبي، ثم أعفى صلاح الدين كثيرين ~~من هذه الغرامة، وأغضى عن جواهر الصليبيين وناضهم من الذهب والفضة، وعامل نساء الإفرنج ~~معاملة لطف وظرف، وسهل سبيل الخروج لملكتين عظيمتين من ملكاتهم بما معهما من جواهر ~~وأموال وخدم، وسمح للبطريرك الأكبر أن يسير آمنا بأموال البيع وذخائر الجوامع التي كان ~~غنمها الصليبيون في فتوحهم الأولى؛ فأثرت هذه المحاسنة من صلاح الدين في جمهور الصليبيين. ~~وظل الملوك والباباوات على عنادهم وعدائهم حتى قال شاعره عبد المنعم الجلياني من قصيدة ~~يصف حرمة الصليبيين له: # فخطوا بأرجاء الهياكل صورة # لك اعتقدوها كاعتقاد الأقانم # كان المسلمون مع الصليبيين أيام المهادنات على غاية اللطف والمياسرة، يضيفونهم ويكرمونهم ~~ويعاملونهم معاملة حسنة؛ فامتزج الصليبيون في الشام امتزاجا دائما متصلا بأهل البلاد ~~نصاراهم ومسلميهم، واعتمدوا عليهم في أعمال الزراعة وبناء الكنائس والقلاع، وجندوا ~~كثيرين منهم في جيوشهم، ومنهم بعض نصارى لبنان، وكان منهم ms042 الأدلاء والتراجمة، وعاش ~~الصليبيون بالقرب من أشراف المسلمين يتبادلون وإياهم فروض المجاملات ويعقدون معهم عهود ~~الصيد، وأسر المسلمون كثيرا من الإفرنج وظلوا في أسرهم أمدا طويلا، فكانوا يعاملونهم ~~أحسن معاملة ويمنحونهم قسطا وافرا من الراحة، فنشأت علاقات ود بين الفريقين، وكان ~~اتجار كل فريق في أرض جاره من عوامل التعارف بين المسلمين والنصارى من أهل الغرب. ~~وتزوج الصليبيون من غير جنسهم من الشاميات والأرمينيات أو من العربيات اللائي تنصرن، ~~ونشأت صداقات بين أفراد الفريقين، عقبى المعاهدات التي عقدت بين المسلمين والصليبيين ~~لاستعانة فريق بآخر ليقاوم له منافسا أو منازعا من أبناء دينه. # هذا قول مونرو، وزاد أن التسامح المتبادل دخل في الأخلاق؛ فكان النصارى يؤثرون استشارة ~~أطباء المسلمين لتفوقهم على أطبائهم في علاج الأمراض ولتجافيهم عن استعمال السكين ~~والمبضع في الجراحة، وقد وصف سفير الإمبراطور فريدريك بربروسا في عهد صلاح الدين ~~معتقدات الإسلام وصفا حسنا، وأطرى روح المسامحة عند المسلمين وألمع إلى الحرية التي ~~أطلقوها لأتباع كل دين. وقال إن أكثر المسلمين يكتفون بزوج واحد، وإن صلاح الدين كان ~~محبوبا في الغرب لرأفته وكرمه بعد استيلائه على أورشليم، وكان شديد التسامح مشهورا ~~بتأدبه. وكتب ريكولدوس في مدح المسلمين قائلا: ومن لا يعجب بمحاسنتهم وبخشوعهم في صلاتهم، ~~ورحمتهم الفقير، وبتقديسهم اسم الله والأنبياء والأماكن المقدسة، وبحسن عشرتهم ولطفهم ~~مع الغريب وباتفاقهم وتحاببهم. # ويؤخذ مما قاله ميشو ودروي وسيديليو ولافيس ورامبو وسنيوبوس ولبون وبتي وغيرهم من ~~المؤرخين والحكماء أن الحروب الصليبية عادت على الغرب بخيرات لا تستقصى، ولو لم يكن منها ~~غير تحطيم قيود التعصب الكنسي وما رآه الصليبيون عيانا من تسامح المسلمين وتساهل مشاهير ~~أمرائهم لكفى في فائدتها. فانتشرت التجارة بعد الحروب الصليبية أكثر من انتشارها أيام ~~المملكة الرومانية، وأخذت أوروبا عن العرب عادات الفضيلة والمدنية، وكل ما يهون الحياة ~~ويحليها للأنفس، بدأت الصلات بين الغربيين والشرقيين بحرب بين المؤمنين، وانتهت بمسائل ~~تكونت بين المتجرين، وتحضر الغربيون بامتزاجهم بالشرقيين، وأثر هذا الاختلاط في أفكار ~~النصارى الدينية؛ فتحمسوا أولا للطعن والنزال، ولما ms043 شاهدوا المسلمين عن أمم، ورأوا ~~رجالا أشداء كرماء منورين أمثال صلاح الدين الذي أخلى سبيل أسارى النصارى بدون فدية، ~~وبعث بطبيبه إلى أحد زعماء الصليبيين ليداويه من مرضه، عندئذ بدءوا باحترام ~~المسلمين. # كانت الحروب الصليبية من حيث غايتها الأولى عقيمة، فإن الصليبيين على ما بذلوا من ~~الأموال، وأهرقوا من الدماء، رجعوا من الشرق بعد قرنين كاملين، بخفي حنين. وأفادت ~~هذه الحروب من طريق آخر، فكان الاختلاط بالشرق عشرات من السنين من العوامل القوية في سرعة ~~انتشار المدنية في أوروبا، وكان الشرق بفضل العرب ينعم إذ ذاك بمدنية زاهرة على حين كان ~~الغرب لم يزل غارقا في التوحش، وقد استدللنا من مجموع أعمال الصليبيين أنهم كانوا في كل ~~مكان إلى الهمجية حقيقة، ينهبون الأموال ويقتلون الأنفس، لا فرق عندهم بين عدوهم ~~وصديقهم؛ خربوا في القسطنطينية أثمن كنوز العاديات اليونانية واللاتينية، ولم يربح الشرق ~~باختلاطه بهؤلاء البرابرة من الصليبيين، بل خسر ونتجت من ذلك كراهته للغربيين كراهية دامت ~~قرونا. # قبل الحروب الصليبية، كان لا يعرف الشرق العربي من الغربيين غير أفراد أذكياء رحلوا في ~~التجارة، أو جاءوا فلسطين للزيارة، أو نزلوا الأندلس وصقلية يعجبون بما لا يعرفونه من ~~حضارة وغضارة، وفي هذه الحروب عرفوا الشرق الإسلامي وكان الواغلون عليه من مختلف الطبقات، ~~فرأوا المسلمين في عقر دارهم، وحققوا أنهم ممتازون بصفات حربية وأدبية واجتماعية، رأوا ~~أمة تحررت من قيود الدينيين إلا قليلا، وأيقنوا أنها من غير الطراز الذي عرفوه من أجيال ~~الناس، على حين كانت أوروبا تحت سلطة الكنيسة الرومانية، يتصرف الباباوات فيها بالأشباح ~~والأرواح، ويقيمون في كل مكان حكومة وسط حكومة، تجبي أموالا من الناس وتعفي أملاكهم من ~~الخراج، كما يعفى خدمتها من المحاكمة مع الناس، بل كثيرا ما كان يحاكم الشعب نفسه في ~~الكنيسة، ولطالما كان الأسقف في أبرشيته خصما للحاكم السياسي ورقيبا عتيدا عليه. فكان ~~البابا منذ القرون الوسطى - كما قال العلامة جول سيمون - لا يعد نفسه إمام الأحبار فقط، ~~بل خليفة الله في الأرض، ليس بينه وبين الرياسة ms044 الملكية العامة إلا خطوة قصيرة، استعد ~~لاجتيازها بالقول، ولم يدخر وسعا في تطبيق القول على العمل، فرأس الملوك وألبسهم التيجان ، ~~ولم يفتأ اللاهوتيون والوعاظ يوطئون له أكناف هذه السلطة المدنية العامة؛ كأنهم بذلك ~~يخضعون الملوك قاطبة لله الواحد القهار. # قالوا إن شعوب الغرب في القرن الثاني عشر كانوا في حالة بداوة وغباوة، وهذا ما ساعدهم ~~على إعلان الحروب الصليبية في الشرق، فلما نشأت المدنية الحديثة في القرن السادس عشر، ~~وتسربت أولا إلى رؤساء الكنيسة والملوك، أصبحوا لا يرون الاغتراب عن مواطنهم، ولا أن ~~يفارقوا مساقط رءوسهم، وعمت الصناعات وحسنت الزراعة، وانتشر العلم، وغدا ذكرى كل مدينة ~~وكل أسرة، وتقاليد كل شعب وقطر، والألقاب والامتيازات والحقوق المستحصلة والأمل في ~~تنميتها، كل ذلك قد غير من أخلاق الإفرنج، وبدل من ميلهم إلى حياة التنقل والارتحال، ~~وجعلها صلات تربطهم بالوطن، وكتب التوفيق للملاحة في القرن التالي باكتشاف أمريكا، واجتاز ~~الملاحون رأس الرجاء الصالح؛ فنشأ من هذه المكتشفات تبدل كثير في التجارة، وأخذت الأفكار ~~تتجه وجهة جديدة، وأنشأت المضاربات التي كانت قائمة بالحروب الصليبية تسير نحو أمريكا ~~والهند الشرقية، ففتحت أمام الغربيين ممالك كبرى وأقطار غنية تسد مطامعهم، وتشبع نهمة ~~التائقين منهم إلى المجد والثروة والمطوحات، فأنست حوادث العالم الجديد ما في الشرق من ~~عجائب. # لما قفل الغزاة من الصليبيين راجعين إلى بلادهم، وقد أضاعوا من صيت فرسانهم، وفقدوا من ~~شممهم وعزة أنفسهم لما حلوا غير أرضهم، أخذوا يقصون على بني قومهم أخبارا تناقض ما ~~كان ينشره دعاة الحرب من رؤساء الكنيسة، من أن المسلمين جماعة من الوثنيين غلبوا على الأرض ~~المقدسة، وأجلوا عنها دين التوحيد، ونفوا منها كل فضيلة، وأنهم وحوش ضارية، وحيوانات ~~مفترسة؛ أخذوا يقولون لقومهم إن أعداءهم كانوا أهل دين وتوحيد ومروءة، وذوي ود ووفاء ~~وحرمة، وإن ما كانوا اتهموا به غير صحيح، وإن دعاة الحرب المقدسة تقولوا عليهم ومزجوا ~~أقوالهم في المسلمين بكثير من الأفاويه لتوافق روح ذلك العصر، والخصم قد يستحل لنفسه أن ~~يقول في خصمه ما قاله مالك ms045 في الخمر. # وأهم ما استفاده الغرب من حروب الصليبيين واختلاط أهله بأهل الإسلام أن القابضين على ~~زمام الأمر في الغرب لم يعودوا كما كانوا في الثمانين السنة الأخيرة التي مضت قبل سقوط ~~القدس بأيدي المسلمين يأتمرون في الحال بأوامر الكنيسة، ويحمسون الناس ليسيروا بهم على ~~العمياء، يقتلون ويقتلون على غير فائدة محسوسة، ومن أعظم ما عاد على الغرب بالفائدة من ~~هذه الحروب، أنه لم تعقد خلالها دواوين التحقيق الديني، ولم يحرق أحد بالنار، ولم تقطع ~~الأعناق في سبيل الأفكار الدينية والعلمية؛ فكأن الجلادين تعبوا من قطع الرءوس وبسط ~~العقوبات على الناس مدة ثلاثة قرون، وكأن رجال الدين والسياسة هادنوا العدو الداخلي لينالوا ~~من العدو الخارجي، وكان المتهم في غضون انعقاد ديوان التحقيق، إذا حكم عليه بالقتل لا ~~يدافع عن نفسه، وإن كان متقلدا سيفا، وذلك عملا بآية الإنجيل الطاهر: «إذا ضربك أحد ~~على خدك الأيمن، فحول له الأيسر»، فكان المتهمون بالإلحاد يساقون من قبل كما يساق قطعان ~~من الغنم إلى المجزرة، ساكنين عزلا من أسلحتهم مستسلمين للأقدار، وكان الوالي إذا أراد ~~أن يجادل أحدهم بالبرهان على سبيل الشفقة لا يفهم ما يقول لأنه غبي جاهل. # وأدى الضغط على الناس في الغرب باسم الدين إلى قيام لوثيروس بعد حين، وكان سبب ثورته - ~~كما قال العلامة جول سيمون في كتابه حرية الضمير - أن البابا أراد إنجاز كنيسة القديس ~~بطرس في رومية، فنضب المال لديه، وعقد النية على بيع الغفران، فوزع عمالات العالم النصراني ~~على بعض حاشيته، فجبوا جزءا من المال المفروض، وباعوا مجموع الريع من جباة متعهدين، ووقعت ~~سكسونيا وجزء من ألمانيا في نصيب أخت البابا، فعهد إلى رهبنة الدومينيكيين أن ~~يبشروا بالغفران لتثمير هذه التجارة، فاغتاظ لوثيروس من هذا الحيف، وكان صاحب إحساس ~~وشرف، وطفق يثير الناس على الدومينيكيين لتعلقهم بخدمة صراف في عمل غير شريف، وأخذ يبحث ~~عن معنى هذه التجارة، وعن قيمة هذا الإنعام في العالم الثاني، يبيعه البابا في الدنيا ~~مقابل أسناد وسفاتج تدفع للجباة ووكلائهم، وحاولت الكنيسة ms046 الرومانية أن تدعو إلى نصرتها ~~جميع الأمراء فلم تفلح، وكان من ذلك الإصلاح الديني المعروف، وتلك المذابح الدينية في معظم ~~البلاد، على صورة لم يسبق لها نظير في الغرب ولا في الشرق، قال: وكان الباباوات مزجوا ~~السلطة الروحية بالسلطة السياسية، وإن لم يخضع لهم جماع الأمراء والقياصرة المجاورين ممن ~~دانوا بدينهم، وانتهت بهم الحال أن ادعوا العصمة واستهووا رعاياهم، وتصدى كثير من ~~المصلحين قبل قيام لوثيروس وخلعه طاعة البابا لإصلاح الحال، فأميتت عقولهم، كما قام ~~كثيرون قبل جاليله وديكارت، وكم من قرائح ضاعت، ومن أعمال علمية بارت، ومن بلغاء خابوا وما ~~أسمعوا أصواتهم، ومن دهاة عجزوا وتضاءلوا! فالغربيون إذن أفادتهم حروب الصليب تنفيس خناق ~~العلماء، والأخذ بالمخنق من بعض المتعصبين من الدينيين. # أما المسلمون فاستفادوا من الغربيين طريقة أخذ الأخبار من مصادرها، وكان الصليبيون في ~~بدء الحرب الصليبية لا تخفى عليهم خافية من حال أعدائهم، فأتقن المسلمون بعد ذلك صناعة ~~الاستخبارات بواسطة أصحاب البرد والأخبار، على ما كان الرسم في بعض الدول العربية ~~السالفة، وعرف المسلمون أن الإفرنج أمم كثيرة العدد، أصحاب شدة لا يستهان بهم، ولو كانوا ~~عرفوهم من قبل حق المعرفة، لعقدوا معهم معاهدات ومنحوهم امتيازات؛ أزالوا بذلك أسباب ~~الشكوى التي اختلقت لإشهار هذه الحرب الزبون، ولما خربت الشام وهلك مئات الألوف من ~~المسلمين عربهم وتركهم وكردهم، ومثلهم أو أكثر من حملة الصليب. # وعلمت هذه الحرب المسلمين أن حياتهم بالتضامن والانكماش، وكانوا قبلها متفاشلين ~~متخاذلين، يعبث بعض الملوك بكيانهم، ويصرفونهم على هواهم لأغراضهم ومصالحهم. فما ارتضى ~~الناس في هذا الدور من أرباب صناعة الملك إلا أن يكونوا جد كفاة لتولي رقاب الناس، ولقنت ~~الحرب أهل الإسلام معنى الجامعة الدينية، وما يتوقع من أثرها في جهاد العدو ودفع صائله، ~~وكانت العصبية العربية قد أصيبت بالضعف فحلت العصبية الدينية محلها، وبهذه الحروب المنوعة ~~الأشكال والأجيال ظهر نبوغ المسلمين في الحرب والإدارة وظهر فيهم رجال كانوا في أخلاقهم ~~ومضائهم على مثال أهل الصدر الأول من العرب وإن كانوا من أصول أعجمية. ms047 # قلنا إن الصليبيين خالطوا المسلمين، ومنهم تعلموا حياة الرفاهية وزهدوا في التبدي، ~~وعرفوا أن البادية لا تقوم لها قائمة أمام الحضارة، وكان بعض شعوبهم استفادوا بملابستهم ~~العرب في صقلية والأندلس، أما اختلاط الإفرنج في الحروب الصليبية فاستفاد منه خاصة ~~الغربيين وعامتهم، ومن جملة ما استفادوه عادات شرقية كثيرة؛ ومنها الاستحمام والألبسة ~~المسترسلة الفضفاضة، ونظموا فرسانا على الطريقة الإسلامية، ومنهم من تعلموا اللغة ~~العربية وأتقنوها واقتبسوا من عادات المسلمين ما استحسنوه. قال لبون: إن النضال الذي ناضله ~~الصليبيون في حملاتهم الأولى كان نضال عالم لم يزل على توحشه مع مدنية من أرقى المدنيات ~~التي حفظ التاريخ ذكرها، واشتد ولوع الصليبيين بالزراعة والتجارة، وعرفوا أن في بلاد الشرق ~~صنائع أرقى من صناعاتهم وزراعة ناجحة، وتجارات رابحة، ورقة شعور وعاطفة شريفة وتسامحا ~~غريبا، فربطوا مع الشرق صلات تجارية نافعة. # ورأى الصليبيون في الشرق عناية المسلمين بالكتب، فطرسوا على آثارهم في اقتنائها ~~ووضعها في بيوت ورفوف، وقيل إن سان لوي ملك فرنسا هو أول غربي حدثته نفسه بجمع الكتب ~~ووضعها في خزائن على مثال ما رأى في مصر وتونس، ومن الصليبيين من أخذوا كتبا من الشام ~~ومصر على أنها غريبة من الغرائب، ولما لم يكونوا على شيء من العلم أحرقوا خزانة بني عمار في ~~طرابلس على أنها مصاحف قرآن، ولما نادى منادي النهضة في إيطاليا صحت همة الباباوات في ~~القرن السادس عشر على اقتناء كتب العرب؛ فندبوا لذلك جماعة من رهبان الموارنة، فحملوا ~~إليهم من أديار لبنان وغيرها ما كان فيها من كتب العلم والدين، وأخذت حكومات جرمانيا ~~وهولاندا وإنجلترا وفرنسا وروسيا تجمع منذ القرن السابع عشر كتبا تبتاعها من البلاد ~~الإسلامية بواسطة وكلائها وسفرائها وقناصلها والأساقفة والمبشرين من رجال الدين، وأخذ ~~الأفراد من أبناء الغرب يحلون بعض رموزها أولا، ثم رتبوها في خزائن في دور كتبهم العامة ~~للاستفادة، وكانت إسبانيا والبرتقال من أزهد الأمم في هذه الكتب العربية، أما إسبانيا فقد ~~بقيت خمسين سنة بعد جلاء العرب عنها تحرق الكتب العربية حيث وجدتها ms048 من شبه جزيرة إيبريا، ~~وقد أحرق الكردينال كسيمينس في يوم واحد في ساحات غرناطة ثمانين ألف مجلد من كتب العرب ، ~~وكان في الأندلس سبعون خزانة عامة للكتب ماعدا خزائن الأفراد، ولم تقم في البرتقال ~~للمشرقيات العربية سوق حتى الآن، وليس عندها من الكتب العربية ما يذكر، هذا مع ارتباط ~~جزء من تاريخها بتاريخ العرب، ولما نقلت بعض الكتب العربية إلى بعض اللغات الأوروبية، ~~استفاد الغربيون منها فوائد جلى، واستفاد المسلمون تصحيح الأحكام القاسية التي كان ~~يحكمها رجال الكنيسة عليهم وعلى دينهم. # ومن الفوائد التي عادت على أوروبا بالخير من الحروب الصليبية تحرير أصحاب الأرضين من رق ~~الزعماء والأمراء، وانتقال الثروة من أيدي هؤلاء إلى أرباب الطبقات الوسطى والدنيا، فباع ~~من باع من الكبراء ملكه، وابتاع من عمل بأرضه ومتجره وصناعته، فاغتنى واقتنى الرباع ~~والضياع، واضطر سادة القرون الوسطى أن ينفسوا من خناق عبيدهم في أرضهم، وأن يبطلوا ~~قانونهم البشع الذي يخول السيد في مقاطعته أن يقضي مع امرأة خادمه وعبده الليلة الأولى ~~من عرسها، ويسمون ذلك حق التفخيذ # Droit de cuissage # ثم ~~اكتفى السادة أصحاب الإقطاعات بأن يضعوا سوقهم في فراش عروس مقطعيهم ورقيقهم # Droit de jambage # إشارة إلى ما كان لهم من حق التفخيذ ~~وأعفوا منه، ثم استعيض عن ذلك بضريبة وضعت على الزواج، ومنها تقوية السلطة المدنية ووهن ~~السلطة الباباوية وضعف تأثيرات التعصب الأعمى، واضطرت الكنيسة الرومانية نفسها إلى إصلاح ~~حالها، وكان بعض الباباوات يأتون الفترة بعد الفترة بما يخدمون به المدنية والعلم ~~كالبابا ليون العاشر في القرن الثالث عشر، وهو من أسرة ميديسيس المشهورة بأفضالها على العلم ~~والأدب؛ فإنه وسع نطاق الآداب، وبث العلم حتى عد عصره العصر الذهبي، وشابه عصر ~~أغسطس من أكثر الوجوه، ودخل أيضا تعديل كبير على نظام الإقطاعات، واغتنت إيطاليا من ~~متاجرها؛ فكان ذلك من بعض العوامل في ظهور شعلة النهضة الغربية منها بعد حين. وكانت ~~إيطاليا في القرون الوسطى أكثر مدنية من جيرانها، وكذلك كانت بلاد القاع في الشمال، وشعر ~~الناس بلزوم ms049 السير على فكرة أوروبية، وكانوا من قبل ممزقين مشتتين، وشهدوا في الشرق أنه كان ~~من عدم الوحدة في قيادة جيوشهم إخفاق أمرهم، وكانوا من قبل لا يتضامنون ولا ~~يتراحمون. ~~••• # مضت على البشر عشرة قرون، وتاريخ اليونان هو تاريخ العالم، والمفكرون والعقلاء والأدباء ~~والعلماء من أبنائهم، ثم نامت العقول عقبى قيام العرب، وأتم هؤلاء ما بدأ به اليونان من علم ~~وصناعة واستعمار، فخلفوهم في ذلك وبذوهم في بعض المظاهر، ولما ضعف حكم العرب في الأندلس ~~وشمالي إفريقية، بل في مصر والشام والعراق وما إليها، وأخذ سلطان العثمانيين يقوى في ~~الجنوب الشرقي من أوروبا؛ قام البرتقاليون النازلون على شواطئ بحر الظلمات يلوبون على المال ~~والمجد، وصادف أن قام منهم جماعة من الملاحين الأذكياء، وفي مقدمتهم فاسكو دي جاما، ~~فاصطنعوا لهم أساطيل لم تلبث أن تفوقت على ما كان من نوعها عند الأمم الغربية الأخرى، ~~وكشفوا على عهد الأمير هنري بن الملك جوان الأول البرتقالي في النصف الأول من القرن الخامس ~~عشر طريق الهند بالطواف حول إفريقية الغربية والشرقية. # وكان هذا الأمير البرتقالي عالما باحثا انقطع إليه بعض علماء اليهود وعلماء من ~~المسلمين من أهل فارس ومراكش المغاربة، كانوا يعدون لذاك العهد من أرقى علماء ~~العالم، وأخذوا ينقبون في كتب العرب وغيرهم في علم الجغرافيا، حتى عرفوا أن في الإمكان ~~الدوران حول إفريقية، وألفت البرتقال حملاتها البحرية بمعاونة ملاحين من العرب، ومنهم ~~ابن ماجد البصري، والقواد من النصارى أمثال فاسكو دي جاما والبوكرك وماجللان، فنجحت أسفارهم ~~البحرية وكانوا من قبل استولوا على معظم شواطئ الغرب الأقصى، وما زالوا يفتحون في طريقهم ~~إلى رأس الرجاء الصالح المواني البحرية، وفتحوا ممبسة وزنجبار وموسامبيق وملندة وغيرها حتى ~~وصلوا إلى مليبار، واتصلوا بجزائر الأبازير في الهند، وصار بحر الهند والصين تحت ~~سلطانهم، لا شيء غير تجارتهم تنقل على سفنهم، ولا يستطيع إنسان أن يتجر بدون أمنهم ~~وجوازهم، وذلك في الأصناف التي لا يريدون هم أن يتجروا بها لقلة الانتفاع بأرباحها الضئيلة، ~~وهذا كان مبدأ اختلاط الغربيين بالشرقيين، ms050 ولا سيما بالعرب في مطلع القرون الحديثة، ~~والحاصلات التي اهتم لها البرتقاليون بادئ بدء لاستبضاعها من الشرق الفلفل ~~والقرنفل والزنجبيل والقرفة والبسباس، وأكثر ما كان البرتقاليون يهمهم أن يضربوا في ~~تلك الأصقاع على أيدي تجار العرب؛ لأنهم كانوا مستأثرين بالتجارة أكثر من غيرهم من العناصر، ~~على ما روى ذلك الشيخ زين الدين في كتابه «تحفة المجاهدين في بعض أحوال ~~البرتكاليين». # وأدرك البنادقة، وكانوا سادة التجارة في البحر المتوسط، عظم الخطر على تجارتهم، فحثوا ~~السلطان الغوري من سلاطين المماليك في مصر والشام على حرب البرتقاليين في البحر الأحمر ~~والمحيط الهندي؛ لينقذوا تجارتهم وتجارة مصر معا، وأرسل البنادقة الأخشاب تنقل من بلاد ~~البنادقة في المراكب إلى الإسكندرية، ومنها على متون الجمال إلى السويس، ويتولى صنعها ~~أناس من البنادقة حتى تستوي سفنا صالحة، وحارب المصريون جماعات البرتقاليين ومعهم أناس من ~~البنادقة والجنويين والبيزيين من الطليان ممن كان استعمارهم في شواطئ البحر الرومي استعمار ~~استثمار كالاستعمار الفينيقي والقرطاجني، أما استعمار البرتقاليين والإسبانيين ثم ~~الهولانديين والبريطانيين والروسيين والفرنسيس والبلجيكيين فكان كالاستعمار الروماني ~~واليوناني عبارة عن فتح واستيلاء واستيطان وامتلاك المتاجر والزراعات، ونشر لغة وعادات، وبث ~~مذاهب وتعاليم. # كانت التجارة في كل دور من أدوار حضارة البشر تشغل بال الأمم وتعنى برواجها الحكومات، ~~تسلك إليها كل سبيل؛ فقد كانت تجارة الشرق والغرب منحصرة بادئ بدء بآسيا الصغرى في ~~الأصقاع الممتدة بين البحر المتوسط من الغرب، وسهول أرمينية من الشمال، وسفوح جبال إيران ~~من الشرق، والخليج الفارسي وشبه جزيرة العرب من الجنوب، وكانت آشور مخزن محاصيل تلك البقاع ~~لموقعها الجغرافي، وكانت المدينتان العظيمتان، نينوى على دجلة وبابل على الفرات، تتوليان ~~كبر التجارات الصادرة والواردة. # ولما هب العرب للاستعمار أظهروا لينا وسماحة مع الأمم كلها، واستعمارهم أشبه ~~بالاستعمار الروماني واليوناني، وما لبثوا أن منحوا ملاحين من الطليان امتيازا بالاتجار ~~أحرارا في شواطئ بلاد المغرب؛ فكانت تباع في إفريقية منسوجات نابل، ثم تحولت تجارة الهند ~~عن طريق بغداد، وأنشأت تسير توا إلى البحر الأحمر، وأصبحت مواني المغرب مراكز للملاحة ms051 ~~بين مصر وإسبانيا، ولم يحدث من الحروب الصليبية غير اضطراب خفيف في العلائق التجارية، ~~فأورثت التجارة الأوروبية نهضة جديدة أطلعت الغربيين في الشرق على طرق لم يكونوا يعرفونها، ~~وعقد شارل السادس محالفة تجارية مع تيمورلنك التتري، وعقد شارل السابع محالفة تجارية مع ~~سلطان مصر وملوك قرمان وتونس وبجاية وفاس ووهران. # وكانت مراكب بارة (باري) تسافر إلى مواني الشام قبل الحرب الصليبية، وقد عقد أمراء سالرن ~~ونابل وجايت وأمالفي في سنة 875م معاهدة مع العرب، كما عقد صلاح الدين وجمهورية بيزا معاهدة ~~سنة 569 / 1172 منح بها البيزانيين عدة امتيازات خاصة بالتقاضي، وحصل الفلورنتيون أهل فلورنسة ~~من قايتباي سلطان مصر والشام على عدة امتيازات؛ وكانت هاتان المعاهدتان من أوائل ما منحه ~~الأوروبيون من الامتيازات الأجنبية في الشرق، وعقدت عدة معاهدات مع الملك الأشرف ~~والصليبيين (684ه) والريدراغون صاحب برشلونة 692، وفي كتاب الشروط والعقود السياسية بين ~~ملوك بيسه (بيزا) وفلورنته (فلورنسة) وبين ملوك المسلمين في تونس والمغرب الأقصى؛ إن هذه ~~المعاهدات بدأت من منتصف السادس من الهجرة وكان آخرها في سنة عشر وتسعمائة، وملك أزمة ~~التجارة مع الطليان الكتالانيون والبروفانسيون والقبرسيون والرودسيون، وكثر قناصل الدول ~~التجارية من أهل الغرب في مدن الشرق، وكثر الاتجار بالرقيق، وكان جميع أمم الأرض تتجر بهذه ~~التجارة الممقوتة، يستخدمون من يسترقونهم آلات للعمل ويمنعون عنهم في دولة الرومان تعلم ~~القراءة والكتابة، ولم يكن هذا الصنف المغموط الحق يعامل معاملة حسنة في الدول الأوروبية ~~الحديثة. يقول هيد: وقد حدا حب الربح تجارا من النصارى أن يبيعوا أبناء دينهم بيع الرقيق ~~من عرب إسبانيا وإفريقية والشام، فاتخذ شارلمان والبابا زكريا وأدريانوس الأول الأسباب ~~لمنع هذه التجارة غير المحللة. # قام الإسبان ثم الهولانديون يستعمرون بعد البرتقاليين إلا أنهم لم يستعمروا بلاد العرب، ~~بل وجهوا وجوههم إلى أمريكا الجنوبية وسواحل الهند وجزائر جاوة وصومطرا، ثم قام الفرنسيس ~~والإنجليز بعد ذلك فوجهوا وجهتهم إلى الشرق، وكان أول من وصل من الغربيين إلى الشرق ~~العربي جيش نابوليون يفتح مصر في سنة 1798؛ فاختلط الفرنسيس بالمصريين ms052 والمصريون بالفرنسيس، ~~وكان هؤلاء لم يهبطوا مصر منذ أسر ملكهم سان لوي في الحملة الصليبية السابعة في وقعة ~~دمياط والمنصورة، وقيد وحبس في دار كاتب الإنشاء فخر الدين بن لقمان ووكل به الطواشي ~~صبيح المعظمي (648ه) ثم افتدى نفسه بثمانمائة ألف دينار وعاد إلى بلاده، فبلغ أمراء مصر ~~أنه أخذ في الاستعداد ليعود فيملك دمياط، فكتب إليه الوزير جمال الدين بن مطروح أبياتا ~~تنم عن روح العصر وهي قوله: # قل للفرنسيس إذا جئته # مقال صدق من قئول فصيح # آجرك الله على ما جرى # أفنيت عباد يسوع المسيح # أتيت مصرا تبتغي ملكها # تحسب أن الزمر يا طبل ريح # فساقك الحين إلى أدهم # ضاق به عن ناظريك الفسيح # وكل أصحابك أودعتهم # بحسن تدبيرك بطن الضريح # خمسون ألفا لا ترى منهم # غير قتيل أو أسير جريح # وفقك الله لأمثالها # لعل عيسى منكم يستريح # إن كان باباكم بذا راضيا # فرب غش قد أتى من نصيح # فقل لهم إن أضمروا عودة # لأخذ ثأر أو لقصد صحيح # دار ابن لقمان على حالها # والقيد باق والطواشي فصيح # من رجال العرب الذين كان لهم الأثر المحمود في الأخذ من الحضارة الغربية، الأمير فخر ~~الدين المعني الثاني أمير لبنان الذي لم تنبغ الشام مثله منذ قتل مسلم بن قريش آخر ~~ملوك العرب في الشام سنة 478ه، وكان بعيد النظر واسع الحيلة يطمح إلى إقامة ملك له؛ ~~فامتد سلطانه أوائل القرن الحادي عشر من الهجرة إلى أنحاء فلسطين، وملك الساحل الشامي ~~حتى أنطاكية، واستولى على عدة حصون وقلاع، وخافته الدولة العثمانية فأرسلت عليه حملتين كسر ~~الأولى منهما، ثم أرسلت عليه الثانية فهرب إلى إيطاليا، وعهد بالإمارة إلى ابنه، وكان ~~منه مدة إمارته أن هيأ السبيل للإفرنج بغشيان الديار الشامية، والاستزادة من متاجرهم مع ~~أهل الساحل، وتكثير سوادهم في المدن والمواني، وأذن لهم بإنشاء قنصليات، وأنشأ خانا ~~كبيرا لتجارهم في صيدا، وعمر مدينة بيروت وأقام حديقة حيوانات فيها، وفي أيامه دخلت ~~جماعات المرسلين والمبشرين إلى لبنان حرة طليقة. # أقام الأمير المعني ms053 في إيطاليا أزيد من خمس سنين تعرف خلالها إلى ملوك طسقانة من آل ~~ميديسيس في فلورنسه، وحالف كوسموس الثاني كبير دوجات طسقانه، وكان استقبله في ليفورنا ~~باحتفال عظيم، وعقد مع فرديناند الأول كبير دوجات طسقانه أيضا محالفة في سنة 1017ه/1608م، ~~وكان استظهر بأسطول فرديناند الطسقاني لاتقاء الأسطول العثماني في ساحل الشام. وقد قلد ~~الأمير اللبناني أمراء آل ميديسيس في مدينتهم ونقل منها إلى بلاده ما أمكنه نقله، وصف ~~مؤرخه الصفدي عمران إيطاليا وعادات الطليان وتراتيب حكوماتهم معجبا بها، وكان الأمير ~~معجبا بها أيضا، وعرف الأمير بأنه كان متدينا غير متعصب، أخذ معه إمامه وبنى في ~~البلدة التي أقام فيها جامعا يصلي فيه وبنى مئذنة، وماتت له ابنة هناك فأبقاها حتى عاد ~~إلى لبنان ودفنها في ربوعه، وعرض عليه ملك إسبانيا أن يدين بالنصرانية ويتولى مملكة ~~عظيمة أعظم من مملكته فاعتذر بلطف. # وهذا الأمير هو أول أمير عربي انتبه لتفوق الحضارة الغربية الحديثة على الحضارة العربية ~~الأخيرة، وكانت هذه انحطت وإيطاليا أخذت تنهض لتلقف المعارف وإحياء الفنون الجميلة من ~~تصوير ونقش وبناء وشعر وفلسفة، والممالك المجاورة لها تهب إلى العلى، وتخلع ثياب الخمول ~~الماضي، ولو وفق الأمير فخر الدين المعني لغير التاريخ العربي؛ لما كان عليه من ~~الاستعداد العظيم لإدارة الملك والذكاء النادر في الأخذ من الأمم الأخرى ما ينقص بلاده من ~~أسباب المدنية، فقتلته الدولة العثمانية بأخرة في الأستانة 1635م وقبره لا يزال فيها، كما ~~قتلت معظم أولاده إلا واحدا، وقتلت أخاه وأولاده إلا واحدا منهم. # وبدأ تمازج الحضارتين العربية والغربية تمازجا فعليا بكل ما في التمازج من معنى منذ ~~استولت فرنسا على الجزائر، ثم باحتلال إنجلترا مصر، ثم باستيلاء فرنسا على تونس واستيلاء ~~إيطاليا على ليبيا واقتسام مراكش بين فرنسا وإسبانيا، فإن هذا الاستعمار عرف الشعوب ~~بعضها إلى بعض، وأصبح السلطان للمدنية الراقية على شمالي إفريقية ومصر، وكانت من قبل تشكو ~~سوء إدارتها، فانتظمت أحوالها بالنظم الجديدة على طرائق الغربيين في بلادهم، وكانت ~~المنافسة بين الدول المستعمرة الحديثة على ms054 التجارة بالرقيق وعلى الأبازير والجواهر أولا، ~~ثم أصبحت المنافسة بينهم على اليابسة والبحر وعلى الجو وعلى ما في بطن الأرض من ~~المعادن. # واشتدت الدول المستعمرة في تلقين مناحيها ولغتها وأصولها للأمم التي غلبتها على أمرها ~~على اختلاف طرائق استعمارها، وتمازج الغربي بالشرقي في الأرض العربية، وصارت كل دولة غربية ~~تصدر عن رأي نظارة مستعمراتها ونظارة خارجيتها في معاملة البلاد المستعمرة أو المحتلة، ~~بطريقة من طرق التدخل، وانتشرت الفرنسية والإيطالية والإسبانية والإنجليزية في الأقطار ~~العربية، وحذقها أفراد من العرب حذق أهلها لها، وانتشرت أساليب تفكير الأمم وأنظمتهم ~~المدنية والتجارية والزراعية، وبها عرف العرب العالم، وكانوا غفلوا عن التعرف إليه ~~قرونا، وأدركوا أن من ذرائع نجاحهم في العلم والتجارة والسياسة إتقان إحدى اللغات الحية ~~الكبرى، وكثر اختلاط أهل البلاد بجماعات من تجار المستعمرين من الغربيين ومعلميهم ~~ومبشريهم ودعاتهم وأرباب الصحافة منهم، وكانوا قبل ذلك لا يعرف فريق عن فريق إلا ما لا بال ~~له. # واقترب الناس بعضهم من بعض في البلاد التي اختلطت بالأجانب، وزالت تلك الجفوة القديمة بين ~~العرب والإفرنج، وتقاربت العقليتان الشرقية والغربية، وسرت عادات الغالبين وأخلاقهم ~~وتراتيبهم إلى المغلوبين وقلدوهم في كثير من أوضاعهم وأزيائهم، وزالت الفروق التي كانت ~~ظاهرة كل الظهور منذ قرن بين المتحضر الحديث والمتحضر القديم، وتمثلت الطبقة الأولى ما ~~يقربها من الطبقة التي على شاكلتها عند الأمم الغربية، وكان حظ التونسيين والمصريين ~~والشاميين أجزل من حظ غيرهم في هذا الشأن، والسبب فيه أن بلادهم عامرة وقد تأصلت فيها ~~الحضارة العربية وتسلسلت دهرا طويلا؛ ولأن في أرض الشام معهد النصرانية واليهودية ومنها ~~نشأ المسيح وموسى وكثير من الأنبياء؛ ولأن آثار الفراعنة والرومان واليونان في مصر والشام ~~تغري السائحين والعلماء بنزولها للزيارة والبحث، وسنعرض لذلك بتوسع أكثر في بعض المحاضرات ~~المقبلة. # ورجاء كل عاقل أن ينتج من هذا التعارف بين الشرق والغرب تعاطف جميل يكون فيه حظ الأثرة ~~والعدوان أقل من القليل، يحترم فيه الضعيف القوي ويرحم القوي الضعيف، فتكون حضارة كل ~~أمة شرقية مشابهة من بعض ms055 الوجوه لحضارة الأمة التي تأخذ عنها من أمم الغرب، على أن يحتفظ ~~المتأخر أمام المتقدم بعاداته وأخلاقه، فمبتدعات المدنية وقف على كل أمة تريدها، وليس في ~~حسناتها ما يضر، بل الضرر كل الضرر ما يأتي من الوقوف والجمود، وما وقفت أمة إلا تراجعت ~~ولا جمدت إلا هلكت، سنة الله في خلقه. # | أثر علوم العرب وفنونهم وما كشفوه واخترعوه # يدين العرب لكثير من خلفائهم وأمرائهم بالأخذ من المدنية الفارسية والهندية واليونانية، ~~وممن كان لهم الفضل الأول في ذلك عمر بن عبد العزيز والمنصور والرشيد والمأمون وخالد بن ~~يزيد وأولاد موسى بن شاكر وضرباؤهم، وما عتم العرب بعد أن كانوا تلاميذ الأقدمين أن أصبحوا ~~أساتيذ في كل الفنون التي وجهوا إليها قواهم العقلية، وزادوا فيها أو هذبوا ورتبوا في ~~أصولها وذيولها، ومن أول ما فكروا فيه علوم الفلك وتقويم البلدان والرياضيات والطب، وجاءت ~~الفلسفة بعد ذلك وما أفلحوا فيها كثيرا. # وفي التاريخ العام، ولا يسع المنصف أن ينكر أن قسط العرب من العلوم كان أعظم من قسط ~~غيرهم؛ فلم يكونوا واسطة نقلت إلى الشعوب الجاهلة في إفريقية وآسيا وأوروبا اللاتينية ~~معارف الشرق الأدنى والأقصى وصنائعه واختراعاته، بل أحسنوا استخدام المواد المبعثرة التي ~~كانوا يلتقطونها من كل مكان، ومن مجموع هذه المواد المختلفة التي صبت وتمازجت تمازجا ~~متجانسا، أبدعوا مدنية حية مطبوعة بطابع قرائحهم وعقولهم، وهي ذات وحدة خاصة وصفات فائقة. ~~وقال العلامة درابر: «من موجب الأسف أن الأدب الأوروبي حاول أن ينسينا واجباتنا العلمية ~~نحو المسلمين، فقد حان الوقت الذي ينبغي لنا أن نعرفهم، فإن قلة الإنصاف المبنية على ~~الأحقاد الدينية، وعلى العنجهية القومية، لا تدوم أبد الدهر.» # يقول لبون: «إن تحمس المسلمين في دراسة الحضارة اليونانية واللاتينية مدهشة حقيقة، ~~وقد ضاهت العرب شعوب كثيرة، وربما لم يقم من الشعوب من تقدمهم في هذه السبيل.» وقال ~~توفنر: «إن أوروبا قضت قرونا حتى بلغت الغاية التي وصل إليها عرب إسبانيا في قرن ~~واحد.» وذكر بريس دافن أنه بعد سقوط الدولة الرومانية لم يكن ms056 في الأرض شعب يستحق أن يعرف ~~غير الشعب العربي؛ وذلك لكثرة فحول الرجال الذين نشئوا منه، ولما أحدثته فنون هذا الشعب ~~وعلومه من التقدم العجيب في العالم قرونا عديدة، لا جرم أن العرب عرفوا صنائع السلم كما ~~عرفوا صناعة الحرب وخاضوا عباب كل علم وفن بحسب ما ساعدهم محيطهم وبيئتهم. # قلنا إن من أول العلوم التي عانوها علم الأفلاك لعلاقتها بالصلوات؛ وذلك لأنه كان من ~~المألوف عندهم وعند غيرهم في تلك العصور أخذ الطالع من الكواكب، ونشأ علم الفلك عند العرب ~~من توسع الرياضيين في الحساب؛ لأنهم اخترعوا أساس حساب المثلثات، وحقق العرب طول محيط الأرض ~~بما كان لهم من الأدوات، وأخذوا ارتفاع القطب ودور كرة الأرض المحيطة بالبر والبحر، وحققوا ~~طول البحر المتوسط الذي قدره بطليموس ب «12» درجة، فأرجعوه إلى «54» أولا ثم إلى «42»؛ ~~أي إلى الصحيح من مقداره تقريبا، فقالوا بكروية الأرض منذ أول سلطانهم، وجمع المأمون بعض ~~حكماء عصره على صنعة الصورة التي نسبت إليه، ودعيت الصورة المأمونية، صوروا فيها العالم ~~بأفلاكه ونجومه وبره وبحره وعامره وغامره ومساكن الأمم والمدن إلى غير ذلك، وهي أحسن مما ~~تقدمها من جغرافيا بطليموس وجغرافيا مارينوس، ووضع له علماء رسم الأرض - وكانوا سبعين ~~رجلا من فلاسفة العراق - كتابا في الجغرافيا أعان عمال الدولة على معرفة البلاد والأمم ~~التي أظلتها الراية العباسية، والفزاري أول من استعمل الإسطرلاب من العرب، وهو فلكي ~~المأمون، وأقاموا المراصد الفلكية في بغداد والرقة ودمشق والقاهرة وسمرقند وقرطبة وفاس، ~~ونظروا في المجسطي لبطليموس في الفلك. # ويقول العلامة غوتيه إن الشريف الإدريسي الجغرافي كان أستاذ الجغرافيا الذي علم ~~أوروبا هذا العلم لا بطليموس، ودام معلما لها مدة ثلاثة قرون، ولم يكن لأوروبا مصور ~~للعالم إلا ما رسمه الإدريسي، وهو خلاصة علوم العرب في هذا الفن، ولم يقع الإدريسي في ~~الأغلاط التي وقع فيها بطليموس في هذا الباب، ووصل علماء الجغرافيا منهم إلى بلاد لم تطأها ~~من قبل غير أقدامهم وحوافر قوافلهم في آسيا وإفريقية. ولا تزال بقايا تلك الكتب، وأكثرها ms057 ~~مما طبعه الغربيون وتنافسوا في الأخذ منه، شاهدة على تلك الهمة الشماء والعلم الغزير ~~المنقح وأنهم كانوا في فن الجغرافيا مبتدعين لا متبعين، وأن كثيرين من علماء الجغرافيا ~~فيهم طافوا العالم قبل أن يدونوا كتبهم فوضعوا ما وضعوا عن عيان ومشاهدة. # ولقد كشف العرب منابع النيل قبل أن يتصدى الإفرنج لها، وقام في أذهانهم أن في الأرض ~~أقطارا لم تعرف حتى قال أحد عارفيهم قبل كولمبس بقرن ونصف: «لا أمنع أن يكون ما انكشف ~~عنه الماء من الأرض من جهتنا منكشفا من الجهة الأخرى، وإذا لم أمنع أن يكون منكشفا من ~~تلك الجهة لا أمنع أن يكون به من الحيوان والنبات والمعادن مثل ما عندنا أو من أنواع وأجناس ~~أخرى.» # وضرب العرب في مجاهل الأرض ومعالمها يتجرون ويبحثون على ما لم يسبق لغيرهم من الأمم، ~~وكثيرا ما كان ينتهي بعض المولعين بالمطوحات من أرباب الرحلات من الإفرنج إلى أماكن ~~منزوية عن العالم في إفريقية وآسيا، ثم لا يلبثون أن يروا العرب قد سبقوهم إليها منذ ~~قرون ونشروا بين أهلها دينهم ولسانهم وأنشئوا فيها إمارات صغيرة ساروا فيها على آيينهم ~~وأوضاعهم. # وكانوا كلما نزلوا أرضا أنشئوا فيها المساكن، بل أقاموا المدن وهندسوها، ومن المدن التي ~~أنشئوها في الشرق والغرب ما أصبح في قليل من الزمن أشبه بالعواصم الكبرى، وكانوا إذا ~~اضطروا إلى الغارة على مقاطعة وأكرهتهم الحرب على أن يخربوا بعض عمرانها لدواع حربية لا ~~تمضي أعوام قليلة حتى يعيدوها جنات غناء بما فطروا عليه من بعد الهمة وسعة الفضل، ~~ويتعمدون أن يكون ما يعمرون من الأبنية الخالدة لا الموقتة. # وسبقت العرب إلى اختراع طريقة الكتابة بالحروف البارزة الخاصة بالعميان، اخترعها زين ~~الدين الآمدي (712ه/1312م) وكان قد فقد بصره في أول عمره، فكان كلما اشترى كتابا لخزانته ~~لف ورقة على شكل حرف من الحروف ولصقها في الكتاب، وكانت هذه الحروف هي التي يستعين بها ~~على معرفة ثمن الكتاب. # هذا قول بعض العلماء، والصحيح أن الحروف البارزة كانت معروفة عند العرب قبل ms058 هذا العصر ~~بدليل قول أبي العلاء المعري: # كأن منجم الأقوام أعمى # لديه الصحف يقرؤها بلمس # وسبقت العرب الأوروبيين إلى الطيران، وقد حاوله عباس بن فرناس حكيم الأندلس، وهو أول من ~~استنبط بالأندلس صناعة الزجاج من الحجارة، وأول من فك الموسيقى، ووضع الآلة المعروفة ~~بالمثقال ليعرف بها الأوقات، ومثل في بيته السماء بنجومها وغيومها وبروقها ورعودها ~~تمثيلا يخيل للناظر أنه حقيقة. # ويأخذ الإنسان العجب إذا قرأ في اللزوميات للمعري قوله: # إن لم يكن في سماء فوقنا بشر # فليس في الأرض أو ما تحتها ملك # وقوله: # ولقد علم المنجم ما يو # جب للدين أن يكون صحيحا # من نجوم نارية ونجوم # ناسبت تربة وماء وريحا # فيتجلى له أن العرب في ذلك العصر ارتقوا بعقولهم إلى البحث عن وجود بشر في الأفلاك وإلى ~~البحث عن عناصر الأفلاك وتربتها. # وكادوا يعرفون في الأندلس الجراثيم، وكانت وقايتهم من الأمراض تكاد تشبه وقاية أهل ~~العصور الحديثة على ما ذكر ذلك ابن خاتمة في رسالته في الوباء، وسبقوا إلى معرفة مرض النوم ~~وسموه النوام، وشرحوا أعراضه، وعرفوا الطباعة فألف أحد الأندلسيين كتابا في الخواص ~~وصنعة الأمدة وآلة الطبع، وكان أحد وزراء الناصر الأندلسي من أهل المائة الرابعة «ينفرد ~~بالولايات فتكتب السجلات في داره ثم يبعثها للطبع فتطبع وتخرج إليه، فتبعث في العمال ~~وينفذون على يديه»؛ أي إن الأندلسيين عرفوا الطبع قبل مخترعه المشهور غوتنبرغ الألماني ~~بأربعمائة سنة، ولكن بغير الحروف المنضدة، وعلموا الغرب صنع الكتاب وعمل إبرة السفينة، ~~وآلة الظل والمرايا المحرقة بالدوائر والمرايا المحرقة بالمقطوع، وقطعوا شوطا كبيرا في ~~الميكانيكيات، ولما بعث الرشيد العباسي إلى شارلمان الساعة الدقاقة الكبيرة، تعجب منها ~~أهل ديوانه، ولم يستطيعوا أن يعرفوا صورة تركيب آلتها على ما حقق ذلك سيديليو، ومع ذلك لم ~~يكن في عصر العباسيين أجل من مهنة الفلاحة. # أظهر العرب بمهارتهم مزايا فواكه الفرس وأزهار إقليم مازندران، واستقطروا معظم ما في ~~بلادهم من الزهور والورود، وكان لهم من صناعة الطيوب والعطور تجارة رابحة، وقد أغنوا العلم ~~ولا سيما علم ms059 النبات بمسائل جديدة كثيرة، ومعظم المستحضرات والأدوية المستعملة كالأشربة ~~والدهون والمراهم والغول (الألكحول) واللعوق والسنامكي والراوند والخيارشنبر وجوز القيء، ~~هم الذين كشفوها، واستلزمت أصول تداويهم أن يعمدوا إلى استعمال الفتائل وإلى الحجامة في ~~أمراض الصرع واستعمال الماء البارد في الحمى الدائمة، واتخذ جراحوهم تفتيت حصاة المثانة ~~وقدح العين، واستخرجوا منها الجريم العدسي الشفاف، ويظهر أنهم عرفوا البنج، وفي التاريخ ~~العام وكل هذا المجد في الطب العربي، إن لم يبد لنا بأنهم كانوا فيه أرباب نظريات دقيقة، ~~فهم على الأقل أرباب ملاحظة عاقلة، وأرباب تجارب حاذقة، وأطباء عمل على غاية من المهارة. ~~وكان الرازي وابن جابر أول من وضع أساس الكيمياء الحديثة، وحاولا كشف الإكسير الذي يهب ~~الحياة ويعيد الشباب، وكانا يذهبان إلى معرفة حجر الفلاسفة الذي يحول المعادن إلى ذهب. ~~ولم تذهب هذه الأبحاث الوهمية سدى؛ لأنهم عرفوا بها التقطير والتصعيد والتجميد والحل ~~وكشفوا الغول من المواد السكرية والنشوية الخاثرة. # قال غوتيه: وللعرب في باب الاختراعات شيء لا بأس به بالنسبة لعصورهم، وقد وجد في كتاب ~~عربي قديم لم ينقل إلى اللغات الأوروبية أن العرب عرفوا طريقة عمل الجليد الصناعي، ولم ~~تعرف أوروبا سر هذه الصناعة إلا في النصف الأول من القرن السادس عشر. # ومضى دهر طويل كان فيه شعوب المملكة العربية أول العارفين بالزراعة وأحسن العمال، وأجرأ ~~التجار في العالم القديم، وأصبحت الزراعة التي أخذوها عن أساليب بابل والشام ومصر علما ~~حقيقيا للعرب، أخذوا نظرياتهم من الكتب ثم وسعوها بتدقيقاتهم وتجاربهم، وكانوا يطبقونها ~~بمهارة ليس بعدها مهارة، وكان رجال الطبقة الأولى منهم لا يستنكفون عن العمل بأيديهم في ~~زراعة الأرض، بينا كان غيرهم يحتقرها ويعدها عملا مهينا، وجرى في حكم العادة على عهد ~~استبحار العمران العربي أن يتعلم كل إنسان مهما علت منزلته صناعة من الصنائع المعروفة أو ~~الصنائع النفيسة، يروح بها عن نفسه ساعات الفراغ ويعتاش منها إذا أعوزته الأيام. # ونهض العرب في فارس والأندلس وصقلية وإفريقية لاستثمار المعادن، يستخرجونها من مناجمها، ~~ويحسنون تطريقها والانتفاع بها، واستخرج الأندلسيون ms060 من مناجمهم الزئبق والتوتيا والحديد ~~والرصاص والفضة والذهب، وأخرج الصقليون جميع ما حوت جزيرتهم من معادن ومنها الفضة والذهب، ~~واستثمر العرب المناجم التي صارت ملكا لهم في بلادهم في الشرق والغرب، واستخرجوا الحديد ~~في خراسان والرصاص في كرمان والقار والنفط وطينة الأواني الصينية ورخام طوربس والملح ~~الأندراني والكبريت، واستخرج العرب ما في الشام من الحمر والحديد والنحاس والصفر والزاج ~~والقلي والفوسفات والمغرة والنيكل والكبريت والطفال والبارود القصبي (السوديوم) وعنوا كل ~~العناية باستثمار مقالع الأحجار والرخام والمرمر، وما كانت عنايتهم قليلة بالحمات والمياه ~~المعدنية، وعلى هذا جروا في كل أرض فتحوها فخضعت زمنا لدولتهم الكبيرة. # قال درابر: ومن عادة العرب أن يراقبوا ويمتحنوا، وقد حسبوا الهندسة والعلوم الرياضية ~~وسائط للقياس، ومما تجدر ملاحظته أنهم لم يستندوا فيما كتبوه في علم الحيل (الميكانيكيات) ~~والسائلات والبصريات على مجرد النظر، بل اعتمدوا على المراقبة والامتحان بما كان لديهم من ~~الآلات، وذلك ما هيأ لهم سبيل ابتداع الكيمياء وقادهم لاختراع أدوات التصفية والتبخير ورفع ~~الأثقال، ودعاهم إلى استعمال الربع والإسطرلاب في علم الهيئة واستخدام الموازنة في ~~الكيمياء مما خصوا به دون سواهم، وهيأ لهم صنع جداول للجاذبية النوعية وعلم الهيئة كالتي ~~اصطنعت في بغداد والأندلس وسمرقند، مما فتح لهم باب تحسين عظيم في قضايا الهندسة وحساب ~~المثلثات واختراع الجبر واستعمال الأرقام العددية في الحساب، وكان هذا كله من نتائج ~~استعمالهم طريقة الاستدلال والامتحان، ولم يقرروا في علم الهيئة لوائح فقط، بل رسموا خرائط ~~النجوم المنظورة في فلكهم أيضا مطلقين على ذوات القدر الأعظم أسماء عربية لا تزال تتردد ~~على كراتنا الفلكية، وقد عرفوا حجم الأرض بقياس درجة سطحها، وعينوا الكسوف والخسوف، ووضعوا ~~للشمس والقمر جداول صحيحة، وقرروا طول السنة، وأدركوا الاعتدالين، ولاحظوا أمورا بعثت ~~نورا باهرا على نظام العالم، واختص علماء الفلك منهم باختراع الآلات الفلكية لقياس الوقت ~~بالساعات المتنوعة، وكانوا السابقين إلى استعمال الساعة الرقاصة لذلك. # وهم الذين أنشئوا في العلوم العملية علم الكيمياء وكشفوا بعض أجزائها المهمة كحامض ~~الكبريتيك وحامض النتريك (الفضة) والغول، ms061 وهم الذين استخدموا ذلك العلم في المعالجات ~~الطبية؛ إذ كانوا أول من نشر تركيب الأدوية والمستحضرات المعدنية، وهم قرروا في ~~الميكانيكيات نواميس سقوط الأجسام، وكان لهم رأي جلي من جهة طبيعة الجاذبية، ورأي سديد في ~~القوات الميكانيكية، واصطنعوا في ثقل الموائع وموازنتها الجداول الأولى للجاذبية النوعية، ~~وكتبوا مقالات في عوم الأجسام وغرقها في الماء، وأصلحوا في علم البصريات خطأ اليونان ~~بكون الشعاع يصدر من العين ويمس المرئي فيظهره، وقالوا إن الشعاع يمر من المرئي ~~للعين، وفهموا مساس انعكاس النور أو انكساره، وكشفوا طريق الشعاع المنحني في الهواء، ~~وبرهنوا على أنا نرى الشمس والقمر قبل الشروق وبعد الغروب، قال: والذي يدهش كثيرا أن ~~نتصور أشياء نفاخر بأنها من مواليد وقتنا ثم لا نلبث أن نراهم سبقونا إليها؛ فتعليمنا ~~الحاضر في النشوء والارتقاء كان يدرس في مدارسهم، وحقا، إنهم وصلوا به إلى الأشياء ~~الآلية وغير الآلية؛ فكان المبدأ الرئيسي في الكيمياء عندهم، والمظهر الطبيعي للأجسام ~~المعدنية. # ويقول العلامة سنيوبوس: جرى أمراء العرب على قاعدة ري الأرضين بفتح الترع، فحفروا ~~الآبار وجازوا بالمال الكثير من عثروا على ينابيع جديدة، ووضعوا المصطلحات لتوزيع المياه ~~بين الجيران، ونقلوا إلى إسبانيا أسلوب النواعير تمتح الماء، والسواقي التي توزعها، ~~وإن سهل بلنسيه الذي جاء كأنه حديقة واحدة هو من بقايا عمل العرب وعنايتهم ~~بالسقيا، ونظم العرب ديوان المياه الذي كان يرجع إليه في مسائل الري، وكانت طريقتهم في ~~ري العراق تشبه أعمال الري في مصر وأستراليا والولايات المتحدة في عهدنا هذا، واستعملوا ~~جميع أنواع الزراعة التي وجدوها في مملكتهم وحملوا كثيرا من النباتات إلى صقلية وإسبانيا ~~وربوها في أوروبا فأحسنوا تربيتها حتى لتظنها متوطنة متبلدة، وذلك مثل الأرز والزعفران ~~والقنب والمشمش والبرتقال والكباد والنخل والهليون والبطيخ الأصفر والعنب والعطر ~~والورد الأزرق والأصفر والياسمين بل القطن والقصب. # وظفر العرب في الشام وفارس بصناعات قديمة نقلت إلى جميع البلاد الإسلامية فتكملت ومنها ~~نشأت صناعة أوروبا الحديثة. وذكر سنيوبوس أنواع هذه البضائع التي نقلوها من الشرق إلى ~~الغرب ولا سيما ms062 إلى الأندلس وقال: عاشت الشعوب في بلاد العرب الواسعة كما كانت الحال على ~~عهد الرومان من أقصى المملكة إلى أقصاها بسلام وراحة، يتقايضون غلات أرضهم ومصنوعات ~~معاملهم، ويرحلون إلى الهند والصين يبتاعون مصنوعات الأمم الصناعية ليحملوها إلى الشعوب ~~البربرية في أوروبا ينقلونها في البر والبحر. وذكروا أن العرب أحرزوا خصل السبق دون غيرهم ~~في مضمار التجارة، ورقوا الصناعة البحرية، ووضعوا قوانين لحقوق الملاحة، واقتبسوا استعمال ~~إبرة السفينة من الصينيين، وضبطوا التجارة بفن مسك الدفاتر؛ أي ضبط، وشرحوا الكفالة، ~~وأنشئوا المصارف للفقراء، ووضعوا السفاتج (الكمبيالات) المألوفة وردود التمسك (البروتستو)، ~~وبعثوا الحركة في مصارف الغرب الحديثة. وكانوا حيث نزلوا يمهدون السبل، ويعمرون المرافئ ~~والفرض، ويصلحون الفنادق والرباطات، ويرتبون سير القوافل. وكانت المدن الإسلامية أوساطا ~~تجارية كبرى. # واستخرج علماء العرب من كتب الطب اليوناني الطب التجريبي، وهو طب العقاقير والحبوب، ~~وأعظم ما غلب على العرب من العلوم علم الكيمياء برعوا به وطبقوه على الزراعة والصناعة، ولهم ~~المنة على جميع الأمم بأرقامهم العربية، وباستنباطهم فن الجبر والمقابلة، وتهذيبهم ~~الهندسة وأعمالهم الجميلة الفلكية في أبحاث سمت الشمس ومعادلة الليل والنهار والبقع ~~الشمسية، وكشف كيماويوهم وأطباؤهم خواص الغول والنشادر وحامض الأزوت والمياه المعدنية، ~~وأدخلوا في كثير من أدويتهم مواد من نبات بلادهم كالكافور والراوند والسنامكي. وهم أسرع ~~الناس لتدوين أنسابهم وملاحمهم وأبطالهم ورواية أشعارهم والكتابة في فلسفة التاريخ وعلوم ~~الاجتماع. وتوصل العرب إلى إثبات تناسب جيوب الأضلاع لجيوب الزوايا المقابلة لها في أي ~~مثلث كروي، ووضعوا هذه القاعدة أساسا للطريقة التي سموها الشكل المعين في حل ~~المثلثات الكروية. وعرفوا حامض الكبريت استخرجوه من الزاج بواسطة التقطير، وعرفوا ماء الفضة ~~والقلي، وطرق إذابة الذهب وملح النشادر وحجر الكي والسليماني، وكانوا يطبقون ما كشفوه على ~~الطب والصناعة والحرب، ويعرفون صنع الصواريخ؛ أخذوا سرها من الروم وعملوا البارود للمدافع ~~وربما كان ذلك قبل الصينيين، ولكن كان قبل الأوروبيين على التحقيق، فكانت جيوشهم تستعملها ~~منذ القرن الثالث عشر. وعني العرب بصنع القاشاني، وغيروا طرق صنعه وأشكاله. واشتهرت في ~~القرون الوسطى ms063 الأواني الزجاجية والمصابيح العربية الملونة التي انتقلت من الشام إلى معامل ~~البندقية ونسجت على منوالها، وكذلك تعلم البنادقة صنع المرايا وكانت تصنع في صور، ومن ~~البندقية انتقلت إلى أوروبا، ونقل من الشام والعراق إلى الأندلس صنع السيوف الدمشقية ~~والثياب على أنواعها ومنها «الدمسكو» نسبة إلى دمشق و«الموسلين» نسبة إلى الموصل وهو ~~الشفوف، ثم عرفت هذه الأصناف في بلاد الغرب. # كان الفلك والرياضيات والعلوم الطبيعية تقرأ في أوروبا في كتب العرب، ومن كتبهم في ~~العلم الطبيعي والرياضي والفلك والكيمياء ما فقد أصله العربي وبقيت ترجمته اللاتينية، وجميع ~~المادة الطبية التي أخذها الغربيون من العرب بقيت إلى القرن السابع عشر هي المعول عليها ~~وحدها. قال سنيوبوس: ويتعذر الحكم في تحديد الطرق التي دخل منها إلى أوروبا اختراع من ~~اختراعات الشرق، وفيما إذا كان انتهى إلينا من طريق الصليبيين في فلسطين أو من طريق ~~التجار الإيطاليين، أو جاءنا من عرب صقلية أو من المغاربة في إسبانيا، بيد أن الحساب ~~يمكن تقديره بما نحن مدينون به للعرب، وإن كان هذا الحساب مما يطول شرحه. فقد أتتنا من ~~العرب؛ أولا: الحنطة والهليون والقنب والكتان والتوت والزعفران والأرز والنخيل ~~والليمون والبرتقال والبن والقطن وقصب السكر. ثانيا: معظم صناعاتنا في التزيين كالثياب ~~الدمشقية القطنية والجلد المدبوغ وثياب الحرير المزركشة بالفضة والذهب والشاش الموصلي ~~والشفوف والحبر والمخمل (القطيفة) والورق والسكر وأنواع الحلواء والأشربة. ثالثا: مبادئ ~~كثير من علومنا كالجبر وحساب المثلثات والكيمياء والأرقام العربية التي اقتبسها العرب من ~~الهنود فسهل بها الحساب مهما كان صعبا. # ولقد جمعت العرب وقربت جميع الاختراعات والمعارف المأثورة عن العالم القديم في الشرق ~~(كيونان وفارس والهند والصين) وهم الذين نقلوها إلينا، ودخل كثير من الألفاظ في لغاتنا، ~~وهي شاهدة بما نقلناه عنهم، وبواسطة العرب دخل العالم الغربي الذي كان بربريا في غمار ~~المدنية، فإذا كان لأفكارنا وصناعاتنا ارتباط بالقديم، فإن جماع الاختراعات التي تجعل ~~الحياة سهلة لطيفة قد جاءتنا من العرب. وقد أخذ الأوروبيون من العرب صنع الجوخ في جملة ما ~~أخذوا من ms064 الصنائع، وكان أهل بيزا الإيطاليون ينزلون مدينة بجاية في الجزائر فتعلموا ~~منها صنع الشمع ومنها نقلوه إلى بلادهم وإلى أوروبا. # وقال سنيوبوس أيضا: وكان عبد الرحمن الثالث الأموي على اتصال دائم بأمراء إسبانيا ~~وفرنسا وألمانيا وممالك الصقالبة. وكان القصر الملوكي في طاوزة من بلاد فرنسا صورة من صور ~~قصور الخلافة في قرطبة، يتبارى فيه الشعراء وتقوم فيه للآداب سوق. ولما انتقل أحد أمرائهم ~~ليتولى عرش فرنسا (سنة 999)، أدخل ما أخذ عن العرب تبدلا حقيقيا في باريز من حيث الأخلاق ~~واللغة. وكان ملوك فرنسا من أهل السلالة الثالثة يقلدون العرب في كل شيء، وتعلم الفرنسيس ~~أشياء كثيرة في حملة سان لوي الصليبية التي بقيت عدة سنين في الشرق، وفي الحروب الصليبية ~~تعلم الفرنسيس صنع الورق من دمشق بواسطة أسيرين منهم قضيا زمنا فيها فلما عادا إلى ~~بلادهما نشرا فيها هذه الصناعة المفيدة. وكان لكثير من ملوك أوروبا حرس من العرب إلى عهد ~~قريب ولا سيما إيطاليا وفرنسا. وذكر سيديليو أن بعض الإفرنج زعموا أن العرب لم يعملوا في ~~تقدم الصنائع شيئا مع أنهم على ما قال العارفون برعوا في جميع الفنون الصناعية، واشتهروا ~~عند سائر الأمم بأنهم دباغون سباكون جلاءون للأسلحة نساجون أصناف الثياب ماهرون في ~~الأشغال التي تصنع بالمنقاش والمقراض، ويؤيد علو كعبهم في هذه الفنون سيوفهم الباترة ~~ودروعهم الخفيفة الصلبة، وبسطهم ذات الوبر، ومنسوجاتهم من الصوف والحرير والكتان، وما ~~كشمير هذه الأيام إلا نموذجات دالة على تلك الصناعة. # ولئن كانت خزائن الكتب والمخابر والآلات هي مواد التعليم والبحث اللازم، ولكنها على ما ~~قال لبون ليست إلا أدوات، وقيمتها مناط بالطريقة التي تستعمل لها، فقد يتلقف المرء علم ~~غيره وهو عاجز عن أن يفكر بنفسه ويوجد شيئا، وأن يكون تلميذا دون أن يوفق إلى أن يصبح ~~أستاذا. أما العرب فبعد أن كانوا تلاميذ سذجا أساتذتهم تآليف اليونان، أدركوا للحال أن ~~التجربة والملاحظة تساويان أكثر من أحسن الكتب. هذه الحقيقة اليوم معروفة لا يعد العمل ~~بها بدعا، ولم تكن كذلك في ms065 الدهر السالف؛ فقد ظل علماء القرون الوسطى يشتغلون ألف سنة ~~قبل أن يدركوها. ينسب الناس إلى باكون قاعدة التجربة والملاحظة وهما الأصل في أساس البحث ~~العلمي الحديث، بيد أن الواجب أن يعترف اليوم أن هذه الطريقة كلها هي من مبتدعات العرب. ~~وقال بهذا الرأي جميع العلماء الذين درسوا كتبهم ولا سيما هومبولد؛ قال: «إن العرب بلغوا ~~في العلم العملي درجة لم يكن يعرفها أحد من القدماء.» # وقال سيديليو: وقد اشتهرت مدرسة بغداد في أول أمرها بفكرتها العلمية حقيقة، وكان لها ~~التأثير الأكبر في أعمال العرب، فساروا من المعلوم إلى المجهول، واستنبطوا أسرار المحسوسات ~~ليرجعوا الأسباب إلى مسبباتها، لا يقبلون إلا ما أثبتته التجربة. هذه من الأصول التي ~~لقنها العلماء، ولقد كان العرب في القرن التاسع متمكنين من هذه الطريقة الخصيبة التي صارت ~~بعد عند المحدثين أداة استعملوها للوصول إلى أجمل ما كشفوه. فكانت التجربة والملاحظة من ~~أسلوب العرب، ودرس الكتب والاكتفاء بترديد رأي المعلم كانت طريقة أوروبا في القرون الوسطى، ~~والفرق ظاهر بين الطريقتين، ولا تقدر طريقة العرب في العلم حق قدرها إلا بالبحث ~~فيها. # ولقد اعتمد العرب على التجارب، وسبقوا العالم وظلوا على سبقهم زمنا طويلا وعرفوا مكانة ~~هذه الطريقة، وليس لليونان في الكيمياء ولا مجرب واحد، ويعد المجربون بالمئات عند العرب، ~~وقد أورثت عادة التجربة أعمالهم العلمية هذا الوضوح والإبداع الذي لا ينتظر أبدا أن يسقط ~~عليهما عند من لم يدرس الظاهرات إلا في الكتب، ولم يفتهم الإبداع إلا في علم استحال ~~عليهم فيه الرجوع إلى التجارب وهو علم الفلسفة، وقادتهم الأساليب التجريبية التي كتب لهم ~~فضل السبق فيها إلى كشف أمور مهمة وفقوا إليها بالضرورة في ثلاثة أو أربعة قرون، لم ~~يكتب مثله لليونان في زمن أطول من زمنهم بكثير، وهذه الذخيرة في العلم الماضي التي انتقلت ~~إلى اليونان قبلهم، ولم يستخرجوا منها كبير أمر منذ أحقاب، نقلها العرب برمتها مبدلة إلى ~~أخلافهم. ولم يقف عمل العرب عند تثمير العلم بما أوجدوه، بل نشروه بواسطة جامعاتهم وكتبهم، ms066 ~~فالتأثير الذي أثروه من هذا النظر في أوروبا كان عظيما في الحقيقة، وكانوا خلال عدة قرون ~~أساتيذ متفردين عرفتهم الأمم النصرانية، وإليهم يرجع الفضل في معرفتنا المدنيتين ~~اليونانية واللاتينية، وفي العهد الحديث فقط تجرد تعليم جامعاتنا من الاعتماد على تراجم ~~كتب العرب وكف الغرب عن الأخذ بواسطتهم. # وللعرب في باب الهندسة الإبداع الذي أقرهم عليه كل عارف، ولم ينازعهم فيه منازع، ولم ~~يخترع العرب أبنية خاصة بهم، بل تجلى في هندستهم حبهم للزخرف واللطف، واخترعوا القوس ~~المقنطر ورسم البيكارين، وجعل تفننهم في هندسة القباب والسقوف والمعرشات من الأشجار ~~لجوامعهم وقصورهم بهجة لا يبلى على الدهر جديدها، ودلت كل الدلالة على إيغالهم في حب ~~النقوش والزينة، كأن أبنيتهم ومصانعهم هي برود من أكسية الشرق تفنن حائكها في رقشها ونقشها ~~كما قال أحد العارفين من الإفرنج. وعقد لبون فصلا في تأثير العرب في الصنائع ولا سيما في ~~الهندسة في الغرب؛ فقال: ربما ادعى بعضهم أن الهندسة الغوتية مأخوذة عن العرب وهذا ~~وهم، فإننا إذا قابلنا بين كاتدرائية غوتية من القرن الثالث عشر والرابع عشر وبين مسجد ~~من ذينك القرنين نجد اختلافا بينا بين الهندستين. ولما كانت الفنون تعبر عن حاجات ~~عصر وعواطف أهله، اختلفت هندسة الغرب عن الهندسة العربية في الشرق. وقد أخذت أوروبا من ~~العرب أشياء في الزينة ووجدت على بعض البيع في فرنسا صور حروف عربية منحوتة في الحجر، ~~وأكاليل على بعض الحصون تشبه الطراز العربي، وكثير من كنائس فرنسا تأثرت بالهندسة العربية ~~ولا سيما في المدن التي كان لها علائق كثيرة مع الشرق. وقد جلب الصليبيون من الشرق أصول ~~هندسة بيت المؤذن في المنارات والمشربيات والمعرقات والمراصد في الأبراج والزغاليل ~~والمحارس الناتئة والأفاريز ذات الدرابزين، واستخدمت فرنسا كثيرا من مهندسي الأجانب وكان ~~فيهم العرب، حتى إن كنيسة نوتردام دي باري المشهورة في عاصمة فرنسا عمل فيها مهندسون من ~~العرب. # أما تأثير العرب في هندسة إسبانيا فظاهرة ظهور الشمس والقمر، إلى أن قال: قد ينقرض شعب ~~وتحرق كتبه وتهدم مصانعه، ms067 ولكن التأثير الذي أثره يقاوم أكثر مما يقاوم الصلب، وليس ~~للطاقة البشرية أن تأتي عليه، والقرون قد تفعل في القضاء عليه أكثر من ذلك. # وقال أيضا: إن من ألقى نظرة على المساجد والقصور، وعلى غيرها من الآثار العربية من ~~منقولها وغير منقولها، يشهد أنها نسجت على غير مثال، وأن الإبداع فيها ظاهر محسوس. وإذا ~~رجعنا إلى أوائل عهد المدنية العربية وهي في أوجها، نجد التقليد للصنائع الفارسية والرومية ~~ظاهرا فيها، وكل شعب يقتبس عمن سبقه صنائعه، وهذا يصدق على كل الأمم، وكان الناس إلى عهد ~~قريب يعتقدون أن الفنون اليونانية قامت على غير مثال. فالعرب واليونان والرومان والفينيقيون ~~والإسرائيليون وغيرهم أو جميع الأمم قد انتفعت من الماضي، وكل شعب أخذ عن غيره وزاد من ~~عنده ما وسعته الزيادة. ولذا لا ينبغي أن يبعد الناس في مزاعمهم أن العرب لم يكن لهم فن فيه ~~إبداع؛ لأنهم اقتبسوا الأصول الأولى من أعمالهم عن الأمم التي تقدمتهم، ويعرف الإبداع ~~الحقيقي في أمة من السرعة التي بها تحول المواد التي بين أيديها فتجعلها وفق حاجتها ~~وتنشئ فنا جديدا. وما من شعب فاق العرب في هذا الباب؛ فإن فكر الإيجاد عندهم قد تجلى ~~في مصانعهم الأولى مثل مسجد قرطبة، ولم يلبثوا أن ألقوا في روع المفننين الأجانب أنهم كانوا ~~يعمدون إلى طرق جديدة فيها كل الحذق والمهارة. فقد كانت سواري المعابد القديمة التي بين ~~أيدي العرب من القصر بحيث لا تتناسب مع عظمة الأبنية واتساعها؛ فقاموا هم ينشئون في ~~أسفلها قواعد وغطوها بقناطر وضعت على غاية من الدقة. ولو كان الترك مكان العرب ما كان ~~خطر لعقولهم الغليظة مثل هذا الفكر. وكان من أمر الشعوب التي خلفت العرب في البلاد التي ~~خضعت لسلطانهم أن رأوا مصانع قديمة سبقت العرب فما استطاعوا أن يدبروها تدبيرا جديدا، فظل ~~التقليد باديا في أصولها وفروعها. أما في المصانع العربية كقصور إسبانيا وجوامع القاهرة، ~~فإن المواد الأصلية قد استحالت إلى ترتيبات بلغ من جدتها أن يتعذر القول من أين ~~جاءت. ms068 # وقال: إن من ألقى نظرة على الأعمال الأدبية والفنية التي تمت على أيدي العرب يتجلى له ~~أنهم حاولوا أبدا أن يزينوا الطبيعة، وطابعهم الذي يبدو في الفن العربي هو التخيل والبهاء ~~والضياء والتزيد في الزينة والأناقة. فالعرب عنصر شعر، وأي شاعر لا ينطوي على متفنن، اغتنوا ~~بحيث تم لهم تحقيق جميع هذه الأحلام، فأولدوا هذه القصور البديعة التي تبدو للعيان كأنها ~~تضاريس من الرخام المرصع بالذهب والأحجار الثمينة. وما من شعب حاز مثل هذه العجائب، وما من ~~شعب سيدانيهم في الأخذ بطرائقها، ومن العبث أن نتطلب مضاهاتها من الدور الذي دخلت فيه ~~الإنسانية اليوم، فأصبحت لا تعرف من الصنائع إلا المبتذلة والمقصود منها النفع فقط وهي ~~شاحبة باردة. # وقال ميجون: لا ننكر على العرب أن لهم الحظ الأوفر من هذه المدنية وهم واضعو أسسها، وقد ~~أفرغوا هذه العناصر المختلفة في قالب متجانس فأوجدوا منها مدنية مطبوعة بطابع عظمتهم ~~مشعرة بسلامة ذوقهم. ولم يمض قرن على فتوح العرب وبسط سلطانهم على الشرق وإفريقية ~~الشمالية وإسبانيا حتى تبدل النظام الاجتماعي في البلاد المغلوبة، وحل محله دين وإدارة ~~وعادات وأخلاق جديدة، وهكذا يقال في صناعاتهم وفنونهم وكثير من احتياجاتهم. وإن توحيد تلك ~~البلاد من بحر الظلمات إلى المحيط الهندي، وإخضاعها لسلطان واحد ونظام شامل، والعناية ~~بالجندية، وإقبال المسلمين على أداء فريضة الحج، كل ذلك سهل سبل التعارف بين المؤمنين ~~وجعل كل واحد منهم يحمل إلى بلاده ما استحسنه في البلدان الأخرى. ولذلك رأينا التأثيرات ~~الشرقية في أقدم بناء إسلامي في الغرب كالجامع الكبير في قرطبة وجامع سيدي عقبة في ~~القيروان مغربية بطرز بنائها شرقية بزخارفها. # وذكر مركيه في كتابه الفن والتاريخ أن العرب ورثوا فيما ورثوا عن الأمم التي دخلت في ~~سلطانهم الفنون والصنائع، وأخذوا يحذقونها ويبرعون فيها في مدارس المورثين؛ إذ لم يكن ~~في استطاعتهم أن يرتجلوا فنا كما ارتجلوا لهم ملكا. ومع ذلك لم يمض زمن طويل حتى نبغ ~~فيهم البناءون والحفارون والمصورون والنقاشون، دون أن يروا في شيء من ذلك ms069 مخالفة لنصوص ~~كتابهم، أو معارضة لشريعة نبيهم. ولم يقفوا عند حد الحذق والبراعة، بل تعدوه إلى التفنن ~~والإبداع، فنقحوا وصححوا وحذفوا وأضافوا، ثم اخترعوا وابتكروا، حتى طبعوا تلك الفنون ~~بالطابع العربي، وصبغوها بالصبغة الإسلامية ، حرصا على شخصيتهم أن تفنى، وعلى نبوغهم ~~وعبقريتهم أن يذهبا، فأصبح الروح العربي بارزا واضحا يندمج فيه غيره، ولا يندمج في شيء؛ ~~ولهذا خلقت العرب لها فنا يوافق ذوقها ويسير مع طبعها، وسرعان ما انتشر في أرجاء تلك ~~المملكة الواسعة انتشار الكهرباء. ا.ه، قالوا: وقد خضعت الفنون الإسلامية لنواميس الطبيعة ~~الإقليمية فاصطبغت في كل قطر بصبغته الخاصة، وكانت في عامة أحوالها من أندلسي ومغربي وصقلي ~~ومصري وشامي وعراقي وفارسي وهندي ومغولي؛ إسلامية أصلية كريمة نبيلة تنطق بما للإسلام من ~~إباء ونجدة وشهامة ونخوة ... إلخ. # هذا يا سادتي ما لقفه العرب ولقفوه، بل هذا مجمل ما اخترعوه وكشفوه، استفادوا منه ~~وأفادوا أهل المدنية الحديثة، عملوا فيه وحدهم بعقولهم وتجاريبهم، وتواضعوا على ما لم ~~تشاركهم فيه أمة (انتهي ملخصا من كتابنا الإسلام والحضارة العربية). وبعد؛ فإذا كانت ~~للعرب عناية فائقة بعلوم الطب والتشريح والأقرباذين وعلوم النبات والحيوان والبيطرة ~~والبيزرة وأحكام النجوم والطلسمات والسيمياء والكيمياء والفلاحة والملاحة والهندسة ~~وعقود الأبنية والمناظر والمرايا المحرقة ومراكز الأثقال وإنباط المياه والبنكامات والآلات ~~الحربية والزيجات والتقاويم والمواقيت والأرصاد وتسطيح الكرة والآلات الظلية والحساب ~~المفتوح وحساب التخت والميل والجبر والمقابلة وحساب الخطأين، إلى آخر العلوم التي أفردوها ~~بالتأليف وتوفروا على خدمتها؛ فإن لهم في فروع أخرى من علوم الحضارة ما لا يخطر بالخاطر ~~أنهم سبقوا ووضعوا فيه نتائج تجاربهم؛ فلهم في فن الطبخ والأطعمة والمزورات وتدبير المنزل ~~والمدينة تآليف جميلة، وفي علم العرافة والقيافة والريانة والفراسة واستحضار الأرواح ~~والقرانات وقلع الآثار إلى غير ذلك مما عالجوه من الموضوعات وجعلوه علوما قائمة برأسها، ~~ما دلوا به على أن هواهم بعلوم الدنيا وازى هواهم بعلوم الآخرة. ولولا أن ضاعت كتبهم فلم ~~ينته إلينا منها غير نحو عشرها، لوقفنا من علومهم وفنونهم على أكثر مما وقفنا. وكان ms070 ~~الفضل في الانتفاع ببقايا فضلهم لوراثي مجدهم العلمي أهل المدنيات الحديثة. # | أثر المدنية الغربية في البلاد العربية # طلع القرن # 1 # الماضي وليس في البلاد العربية من يفكر في شيء اسمه حضارة، وغاية ما فيها آثار ~~بالية من مدنية قديمة، يظنها أهل البلاد كل شيء وما هي به. انقطع سند العلوم، وبطل إعمال ~~الفكر، وهجعت القرائح، حتى لتظنها ميتة، وأصبح ما يقال له علم صبابة من فروع علم الدين ~~واللسان، والناس في غفلة عن الغرب لا يعرفون ما أتاه في نهضته. ضعف في البلاد العربية كل ~~مظهر من مظاهر القوة في الأمم، وأصبح العرب من الجهل بمقومات الحياة في حالة مبكية؛ وكأن ~~نسبة الترقي عند أهل الغرب في تلك الأحقاب، كانت على مقدار التدلي في كل شأن في البلاد ~~العربية. # وبحسبكم أنه لم يبق في القرنين السابقين على قرن النهضة العربية، وهو القرن الماضي، رجل ~~يذكر في باب الهندسة والتصوير والنقش والشعر والإنشاء والخطابة والفلك والكيمياء والطب، ~~ومعظم من يذكرهم المؤرخون ضعاف في فنهم. أصبح كل علم وفن وعمل إلى التدجيل والتفاهة، ~~واستحكمت حلقات الجمود في العقول، وشغل الناس عن الجد بالهزل والفضول، ولا شأن للمؤلفين ~~إلا أن ينسخوا ويمسخوا ويسلخوا ويعدون ذلك علما وفنا، وسقط اعتبار المتفننين ~~والمتشاعرين إلى الدرك الأسفل من المهانة. # وبينا كانت البلاد متدهورة في أعماق هذا الانحطاط جاء نابوليون بونابرت في أواخر القرن ~~الثامن عشر، يفتح مصر ويحمل في جملة ما يحمله من العدد والعدد، طائفة من علماء فرنسا ~~ونوابغها في الرياضة والهندسة والطب والجغرافيا والفلك والأدب والكيمياء والاقتصاد السياسي ~~والآثار والمعادن وطبقات الأرض والحيوان والنبات وفن المعمار وهندسة الري والقناطر والجسور ~~والميكانيكا، وزمرة من رجال الفنون من المصورين والرسامين والموسيقاريين والنقاشين ~~والمثالين وعددهم «146» عالما ومتفننا. وألف في مدينة القاهرة مجمعا للعلوم والفنون ~~يرمي إلى تقدم العلوم والمعارف في مصر، ودراسة المسائل والأبحاث الطبيعية والصناعية ~~والتاريخية. وأنشأ في المجمع مكتبة تحوي أنفس الكتب التي أحضرت من فرنسا، أو جمعت من ~~خزائن الكتب في مصر، وأنشئوا به ms071 معملا للطبيعة والكيمياء وجهزوه بالآلات والأدوات الخاصة ~~بدراسة العلوم الطبيعية والرياضية، وأخذوا يجوبون البلاد؛ فاكتشفوا الآثار وأزاحوا الستار ~~عن عظمة مصر القديمة، ورسموا خرائط مفصلة للبلاد ونيلها وترعها وسواحلها، وبحثوا في طبائع ~~الحيوانات والنباتات والمعادن، ودرسوا مياه النيل وطميه وطبقات الأرض، وجابوا الواحات ~~والبحيرات، وأنشئوا في القاهرة مطبعة أخذت تطبع منشورات نابوليون العربية وجريدة الكورييه ~~ديجيبت والديكاد، وبعض المطبوعات العربية والفرنسية. فأبقى هذا العمل العلمي الذي قام به ~~رجال البعثة العلمية من بحث وفحص وتأليف وتصوير إلى اليوم أثرا علميا باهرا، تطأطئ ~~أمامه الرءوس إكبارا وإجلالا. # كان احتكاك المصريين بالفرنسيس أول احتكاك علمي مع الإفرنج في الأرض العربية، وممن كانوا ~~في طليعة المستفيدين مؤرخ مصر في تلك الحقبة الشيخ عبد الرحمن الجبرتي، وعالم آخر اسمه ~~الشيخ حسن العطار، وهو الذي تولى مشيخة الأزهر بعد حين، وألف في الفلك والطبيعيات ~~والرياضيات؛ فإن هذين الشيخين وأمثالهما علما بعض علماء حملة نابوليون اللغة العربية ~~وغيرها وتعلما منهم ما لم يكن لهما به عهد من العلوم المادية. واختلط رجال الإدارة ~~والسياسة من أهل مصر برجال الحملة، ونشأ بين الفريقين تعارف. وهكذا عرفت المدنية ~~الفرنسية في هذا الشرق القريب، وظلت وارفة الظلال في بلاد الفراعنة. # وتولى مصر محمد علي الكبير واليها منذ سنة 1805م، فأوحى إليه ذكاؤه النادر أن يقتبس ~~النظم الإدارية الحديثة، وكان مولعا بتمدين مصر؛ فأحضر من مختلف بلاد أوروبا أساتذة ~~وأطباء وصيادلة ومعلمين شيدوا في أماكن اختيرت أحسن اختيار تلك المدارس والمستشفيات في ~~القطر المصري، و«شعر على أميته بأن الملك لا يشيد إلا على أمتن أساس من العلم، وأن ~~العلم الذي تدعم به الممالك ليس هو الذي يسمونه علما في الشرق، إنما هو الذي قامت به ~~المدنية الغربية وشيدت عليه صرح عليائها وقوتها، فأقرت لها الأمم بالغلبة ووقفت أمامها ~~صاغرة ذليلة.» # بدأ والي مصر منذ سنة 1813م يرسل الطلبة المصريين إلى أوروبا، وصرف عليهم من سنة 1826م ~~إلى 1847 «303360» جنيها. وغدا معظم الطلبة الذين تخرجوا بأساتذة الغرب من دعائم النهضة ~~التي تم ms072 على يدها إنشاء مصر الحديثة. وأسس أول مدرسة للهندسة في سنة 1231ه/1816م، ثم ~~أسس مدرسة الطب 1342ه/1827م، وكان الكولونيل سيف الإفرنسي الذي دان بعد بالإسلام ~~وسمي سليمان باشا (1819) هو الذي نظم الجيش المصري، وبعد مدة أنشأ ماريت باشا متحف ~~بولاق. ودام علم الفرنسيس يفيض على مصر مدة حكم محمد علي وأسرته، ولو أحصي ما كتبه علماؤهم ~~في مصر من الأسفار، وما رسموا لها من الآثار والمصورات والخطط لبلغ خزانة كبرى، ولا تزال ~~هذه التحفة العظيمة إلى اليوم مرجع الدارسين والباحثين. # قال الدكتور عثمان غالب باشا من علماء مصر الذين شاهدوا تلك الحركة العلمية في ~~إبانها، ثم شاهدوها في انحطاطها وحضروها في تجددها: إن أكثر أساتذة المدارس التي أنشئت ~~في مصر على عهد نهضتها الأولى كانوا من الفرنسيس المستعربين؛ يكتب الأستاذ درسه بالفرنسية ~~والمترجم معه ينقله إلى العربية فيلقى على الطلبة بلغتهم، دام ذلك من سنة 1830 إلى سنة ~~1874. وقد كتب فيها الأستاذ بروجر الفرنسي رئيس مدرسة الطب والولادة والصيدلة والمستشفيات ~~المصرية إلى خديوي مصر في عهده يقول له في تقريره السنوي: إن الوقت قد حان لأن تكون ~~وظائف التدريس كلها بيد المصريين؛ إذ قد أصبح منهم الكفاة الآن، وإن مهمة فرنسا في تربية ~~أبناء مصر في هذه الفروع العلمية قد انتهت أو كادت. # لولا عمل محمد علي في تمدينه مصر لأشرفت حتى اللغة العربية على التلف، على الرغم من وجود ~~جامع الأزهر فيها منذ قرون؛ لأن الأزهر ما كان يعنى بغير المسائل الدينية، واللغة تنقرض ~~إذا لم تكن لغة علم، وهذا ما حاول محمد علي أن يعمله فوفق إليه، وظهرت تباشير إصلاحه ~~بعد عشر سنين من البداءة به. وكان من محمد علي وطريقته المبتكرة في التمدين الذي أقبسه ~~نبهاء أولاد مصر كل ما قرب الأمة المصرية من المدنية الغربية، وكان وادي النيل بجميل ~~صنعه المثال الحي الذي دل به العربي بصورة محسوسة على أن ليس في دينه ما يحول بينه ~~وبين المدنية، وأنه حفيد أولئك الفاتحين العالمين إن نامت فيه ms073 زمنا جراثيم النهوض، تدب ~~فيها الحياة عند أقل محرك لها. وفي مصر أنشئت أول مدرسة لتعليم البنات سنة 1873م على عهد ~~إسماعيل الذي أخذ من مدنية الغرب بالكبير والصغير، وفاخر بأن بلاده أصبحت قطعة من أوروبا؛ ~~أي بتمدنها. وكان الخديوي إسماعيل يشبه محمد علي كثيرا ويعنى بالتعليم عناية خاصة. # كان من احتلال نابوليون، ومعه ذلك الرعيل الجميل من علماء أمته في مصر، ثم من استيلاء ~~محمد علي عليها وسعيه الحثيث في إدخال الحضارة الغربية، مبدأ كل نور في الشرق العربي، ~~استفادت منه البلاد المجاورة بحكم الطبيعة، ولا سيما أبناء الشام؛ فإن منهم من درسوا في ~~مدارس مصر وتمصروا فخدموا البلاد التي هذبتهم، ومنهم من نقلوا قليلا من النور إلى بلادهم، ~~واستفاضت أخبار النهضة المصرية في البلاد المجاورة فأنشأت تأخذ عنها ما وسعها أخذه. # فمصر إذن هي التي تقتبس بفضل صاحبها محمد علي من نور العلم الصحيح، ومصر أدخلها الغربيون ~~في دور ارتقاء لم يسبق له مثيل فما عصت على قبول مدنيتهم، ومصر هي التي جسرت في عهد ~~الانحطاط على الجمع بين علوم الدين والدنيا. فتحت لكل منها طريقا أمينا لا يدخل الوهن منه ~~على صاحبه، ومصر هي التي ظهرت فيها آثار المعارف قبل أمها الدولة العثمانية حتى لقد حسدتها ~~هذه في تلك الأيام وودت لو يكون لها مثل ما لولايتها بالأمس شيء من مظاهر العلم ~~والتمدين. هذا مع أن المصريين كانوا في نظرها فلاحين إفريقيين، وهي في قارة أوروبا ووارثة ~~مملكة بيزنطية. مصر أثبتت استعداد الأمة للأخذ بأساليب الارتقاء من دون جلبة، وأنها كل ~~ساعة مستعدة لقبول الخير لا تسأل عن مصدره ومصدره. ~~••• # وكان للغرب في هذا الشرق منذ زمن بعيد رهبان ومبشرون، ولا سيما في الأرض المقدسة من ~~فلسطين، وفي جبل لبنان من الساحل الشامي، يعلمون بعض أبناء طوائفهم مبادئ العلوم باللغة ~~القومية مع إحدى اللغات الغربية، وفيهم الإيطالي والفرنسي والأمريكي واليوناني والروسي ~~والإسباني والنمساوي والأسكتلندي وغيرهم. وزادت صلات الطوائف الباباوية في الشام مع رومية، ~~ولا سيما في القرن ms074 السادس عشر يوم أسست للموارنة في عاصمة النصرانية مدرسة يتخرج فيها ~~خدمة الدين في العلوم، وكثر توافد الإنجيليين منذ سنة 1838 للدعوة إلى البرتستانتية، ~~وأسسوا مطبعة عربية كانت لهم في مالطة أولا يطبعون عليها الأناجيل بلغات مختلفة لنشرها في ~~المشرق، ثم تبعهم اليسوعيون من الطوائف الكاثوليكية ينشئون مطبعة لهم، وجعل دعاة ~~البرتستانتية والكثلكة من ثغر بيروت وما في ضواحيه مثل عبيه وعين طورا أس حركاتهم الدينية ~~والعلمية في الشرق القريب، يتنافسون ويقيمون المدارس العالية والثانوية والإبتدائية ~~للذكور والإناث. وبعد أن كانت بيروت أشبه بقرية سكانها بضعة آلاف فقط، أصبحت مدينة علم ~~كبيرة يقصدها المتعلمون من القاصية، على نحو ما كانت اشتهرت أواخر عهد الرومان بمدرسة ~~الفقه، تخرج قضاة للمملكة الرومانية. وزاد امتزاج العرب بالغربيين، وعرف العرب أن أهل ~~أوروبا يفوقونهم في مقومات العمران، وأخذ الناس يدركون نقصهم، ويسعون جهدهم نحو الكمال؛ ~~ليقلدوا في منازعهم من تقدموهم قرونا في مضمار الحضارة. # إنا لا نقول بدعا، ولا ندل على مجهول، إذا سجلنا أن أكثر ما في معظم بلاد العرب من ~~أمارات النهوض هو من حسنات الغرب عليها. فقد كانت فرنسا أواخر القرن الثامن عشر مهد ~~الإصلاح الاجتماعي، نشأت منها مساواة الناس عامة أمام القانون، واشتراكهم في الحقوق ~~والواجبات المدنية والسياسية، وتمتع الإنسان بحرية العمل والصناعة وحرية الدين والفكر. أي ~~إن فرنسا نشرت حقوق الإنسان والحقوق الأساسية في سياسة البلدان، فأخذت عنها معظم بلاد ~~الغرب. وعن الفرنسيس أخذ العرب هذه الأصول، وإن لم يستطيعوا لمكان السياسة في بلادهم أن ~~يطبقوها بحذافيرها. ومن الغرب تعلمنا معنى الوطن والوطنية، وحب الجنس والقومية. وهذا شيء ~~جديد لم يعهد للعرب مثله، بعد أن ذاق الناس الأمرين من ظلم الملوك ومن داناهم ووالاهم ~~قرونا طويلة، ولم يقدروا أن يغيروا أوضاعهم، بل ما وسعهم التفكير في مثل هذا التغيير، أو ~~في شيء يماثله لقيام أمر الجماعة، واسترجاع الحقوق المضاعة. # كان الناس في ديارنا قبل أن نتقيل خطى الغرب في حضارته، يعيش الفرد منهم لنفسه، ~~فأصبحوا يوقنون اليوم أن بقاءهم ms075 مناط تضامنهم وتكاتفهم، وأن الشعب يقوى على إملاء إرادته ~~إذا كانت مادياته سليمة موفورة، وبقدر حظ الأمم من الماديات تصح لها معنوياتها. يقول ~~العلامة غوتيه: «كثيرا ما كان الشرقيون ينضمون قبائل وشعوبا فيؤلفون ممالك، كانت ~~المملكة الإسلامية من أحدثها عهدا. وما ألفوا قط أمة على أساس الإقليم، ولم يعهد لهم ~~أن عرفوا رابطة التضامن؛ فالشرقي أو المسلم هو شخص لا يمكن ضبطه، يعيش منعزلا بنفسه ~~متوحدا، ووجهه يعنو إلى الله الذي هو همه الوحيد، وكان من هذه الفردية الغضبى ضعفه أمام ~~الأمم الغربية.» # تعلمنا من الغرب أصول الصحافة وأنشأنا ننشئ صحفا محررة تعنى بالأمور المالية ~~والسياسية وأخبار الدول والممالك، واقتبسنا أسلوب المجلات الدورية ننقل أكثرها عن مجلات ~~الغرب الفرنسية والإنجليزية وننسج على منوالها، ونجود فيها النقل من العلوم النظرية ~~ونلخص آراء الغرب ومذاهبه السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأدبية، ونترجم من الكتب ~~العلمية والأدبية ما لم نكد نعرف اسم فنه من قبل. وكانت مصر مجلية في هذا المضمار، ~~نشرت منها مئات بمعاونة حكومتها، وعناية أبنائها الذين اغترفوا من الينابيع الصافية في ~~العلم الحديث. وكل بلد سبق في هذه السبيل، وعلم أبناءه كمصر، كتب له التقدم على غيره ~~من الأقطار. ولا عجب أن أصبحت مصر بعد هذا الجهاد تشبه بعمرانها إحدى الممالك الغربية ~~الحديثة. # وأثرت الصحافة في عقول من أدمنوا تلاوتها، ودخلت الأفكار الجديدة أوساطا ما كان يظن ~~أنها تهتم بها وتستفيد منها، وبدلت من طرق التفكير وأصول المعايش ونظام المجتمعات، ~~وعلمت الناس ما لم يكونوا يعلمون؛ علمتهم أن وراء حياتهم المادية حياة معنوية لا تبقى ~~لهم مادياتهم بدون الأخذ بحظ وافر منها، علمتهم بسائط في التاريخ والجغرافيا والاقتصاد ~~والزراعة وحال الأمم وسياسة السياسيين، ومجادلات المشرعين، واستعمار المستعمرين، وتدليس ~~المدلسين، وعلمتهم أيضا أنهم كانوا شيئا مذكورا فيما مضى، ولا حياة للأحفاد بدون الأخذ ~~من سيرة الأجداد، والاقتباس من المدنية الراهنة كل ما لا ينزع منهم مشخصاتهم ومقدساتهم، حتى ~~غدا بعض من أطالوا تلاوة الصحف وتفهمها، أرقى عقلا من كثير ممن كانوا يسمونهم بالخاصة ms076 ~~منذ مائة أو مائتين من السنين. علمتهم أن لا قيام لأمرهم إلا بالقومية العربية، وأن ~~الدين وحده لا ينجيهم مما هم فيه، وأن التساهل بأمور الدنيا يذهب بالدين والدنيا معا، ~~علمتهم أن داءهم الجهل المركب وأنه لا سبيل إلى نزع لباسه القذر إلا بالتطهر بالعلم، ~~والأخذ بقسط من الأدب؛ فأقبلوا أي إقبال على المدارس والكتاتيب شاعرين بما هم عليه من ~~النقص، والشعور بالعيب أول مراتب الكمال. # كان الناس قبل سبعين أو ثمانين سنة يساق أولادهم إلى الكتاتيب في الديار الشامية بقوة ~~الجند والدرك. وكان التعليم على عهد محمد علي في الديار المصرية مكروها عند المصريين كرها ~~شديدا، حتى إن الأمهات كن يفقأن عيون أولادهن حتى لا يدخلوا المدارس، بل اضطرت الحكومة ~~المصرية في بعض أدوارها الأولى أن تتخطف تلامذة المدارس من الطرق وأفناء القرى كما يتخطفون ~~عساكر الجيش؛ فزاد إقبال المتعلمين على المدارس زيادة مستغربة، وكل قرية بل أهل كل قبيل من ~~البوادي يتطالون إلى تعليم أبنائهم بكل حيلة، دع سكان المدن فإنهم من ذلك على حصة موفورة. ~~ويا ويل فتى أو فتاة توصد في وجهه أبواب المدارس يوم افتتاحها من خريف كل سنة إما لقلة ~~الأماكن أو لتعذر قبول الطالب لصغر سنه، أو لسبب آخر. ويا ويح تلميذ يخفق في فحوصه، ولا ~~ينال ما تريد نفسه من الشهادة والإجازة. واستنتجنا من ذلك أن الإقبال على التعليم أصبح من ~~الأمور المتعارفة، لا يختلف اثنان بفائدته في الحواضر والبوادي. # لما اخترعت أوروبا البخار حوالي سنة 1840 وسهل السفر على الناس في قطارات البر وسفن ~~البحر، زاد اختلاط الفرنج بالعرب، وزاد هؤلاء ثقافة، يحملها إليهم طلاب العلم وأرباب ~~الرحلات والتجار، وسياح الغربيين وحجاجهم القاصدون إلى بلادهم، يزورون آثارها المدنية ~~والدينية، ومنها ما تقدسه أمم الغرب النصرانية؛ لأنها موطن المسيح ومظهر عجائبه، ومنها ما ~~يدهش له الغربيون كآثار الفراعنة أم المدنيات القديمة المعروفة في مصر، أو مصانع تدمر ~~وبعلبك وجرش والبتراء في الشام، وزاد هذا الاختلاط شدة لما صحت عزائم سكان جبال الشام ms077 ~~على نزول أمريكا طلبا للرزق، وكان أهل أوروبا سبقوهم إلى نزولها منذ نحو ثلاثة قرون؛ أي ~~استعمروا الأمريكتين منذ فتحها كريستوف كولمبس وفاسكو دي جاما. وكان منذ أكثر من نصف قرن من ~~لا يعود إلى بلاده بمال، يرجع إلى أهله باقتباس شيء من أصول المدنية؛ لأنه رأى في ذهابه ~~وإيابه بلادا أرقى بعمرانها من بلاده، واختلط بجماعات أعلى كعبا في المدنية من جماعته، ~~ومعظم ما نراه من الدور والفنادق والمخازن بل البيع والمدارس الطائفية في الديار الشامية ~~عمر بأموال المهاجرين من الشاميين، وجماع ما يبدو في مجتمعنا العربي منقول من المدنيتين ~~اللاتينية والأنجلو سكسونية، والشاميون منذ عهد الفينيقيين تجار مشهود لهم، وقد ينسيهم حب ~~الربح سائر مظاهر الحياة في الأمم؛ فيهون عليهم التخلي عن لغتهم وكثير من أخلاقهم إذا كان ~~من وراء ذلك اغتناؤهم. # إذا عرفنا هذا، فلا نكون إلى الغلو إذا ادعينا أن الفرق اليوم بين مصر والشام وتونس ~~مثلا، وفيها تمازجت الحضارة الحديثة ببقايا الحضارة القديمة، وتوفر أهلها على الأخذ عن ~~الغرب علمه وصناعاته، وبين الحجاز ونجد واليمن، وهذه لم يتيسر لأهلها هذا الامتزاج، كالفرق ~~بين مدنية العرب في القرن الثاني للإسلام والقرن الذي سبق أواخر عهد الجاهلية، فأهل ~~الجزيرة ينقصهم إلى اليوم، ولا نكران للحق، كثير من مقومات المدنية، وهم مع هذا يرون أن ما ~~هم فيه غاية الغايات؛ ذلك لكونهم انقطعوا عن العالم المدني طوعا أو كرها، وقل اختلاطهم ~~بالغربي إلا في بعض سواحل البحر الأحمر والبحر المحيط الهندي وخليج فارس، وهذا على قلة ~~محسوسة. # كان الوباء إذا انتشر في بلدة لا يبقي من سكانها ولا يذر، وفي الغالب أن يعقب الأوبئة ~~قحط؛ لقلة العاملين في الحقول، فيهلك الناس بمئات الألوف، وما كانت هذه الأمراض الوافدة ~~تنتشر في القرن مرة أو مرتين، بل تحصد الأرواح في كل عقدين أو ثلاثة، فقد انتشر وباء في ~~الشام في القرن الخامس، وأعقبه قحط وإضاقة في العيش، مع ما هنالك من مظالم ومغارم لا يكاد ~~يتصورها ابن هذا العصر، فأكل ms078 الناس الكلاب والسنانير والفيران ثم أكل بعضهم بعضا، ونزل ~~سكان دمشق إلى ثلاثة آلاف إنسان وكانوا من قبل خمسمائة ألف، ومثل ذلك كان في مصر سنة ~~463ه؛ أفنى القحط العظيم الناس، وأكل الإنسان الإنسان وبلغ إردب القمح مائة دينار، وخرجت ~~امرأة في القاهرة وبيدها مد جوهر فقالت: من يأخذ هذا بمد قمح، فلم يلتفت إليها أحد، ~~فألقته في الطريق وقالت: ما نفعتني وقت الحاجة فلا أحملك، قالوا: والعجب أنه ما كان له من ~~ملتقط، ووجه إلى مصر أحد ملوك الأندلس عام سبعة وأربعين وأربعمائة، وهو عام الجوع الأعظم ~~بمصر، بمركب كبير مملوء طعاما فرجع إليه المركب مملوءا ياقوتا وجوهرا وذهبا وذخائر، ~~هكذا كانت حال الناس قبل أن يكشف الغرب الجراثيم ويفيد بني الإنسان والعرب منهم بهذا ~~المكتشف العظيم. # وكم كانت الأوبئة والطواعين والحميات والوبالة وجميع الأمراض الوافدة والأمراض العضالة ~~كالكلب ونحوه تهلك عشرات الألوف من الخلائق، ولا يعرف دواء لها ولا من يفكر في تخفيف ~~ويلاتها، ومنهم من يعزو ذلك إلى أسباب سماوية؛ يغضب الديان على الإنسان فيرسل عليه هذه ~~المهلكات، أو يقوى سلطان الجن على الإنس فيأخذهم أخذ عزيز مقتدر، أو يحل بهم نكد الطالع ~~فتساورهم النقم وتتخطاهم النعم، ولكم أفضل الغرب علينا بكشف طعم الجدري، وكان يهلك به ~~كل سنة جزء عظيم من الأطفال، وكم من عيون دعجاء به قلعت، ومن خدود جميلة بتأثيره ~~تشوهت! # عرف الغربيون حقيقة البول السكري والصرع والتشنج وغيرها من الأمراض فوصفوا لها الأدوية ~~وأقاموا لها حواجز تحول دون آلامها وأخطارها فخفت وطأتها، وخففوا بما اخترعوا ويلات ~~الأمراض الزهرية والكزاز (تيتانوس) والخناق والنقرس الحاد، ووفقوا إلى إتقان فن ~~الجراحة إتقانا لم يكتب مثله للبشر؛ فأفادوا الإنسانية وقللوا من أوجاعها، ورقوا الطب ~~على اختلاف ضروبه، وبلغوا بالأقرباذين ما ارتقت به الصيدلة أي رقي، ولو لم يكن لهم غير ~~الكينا وصبغة اليود والراديوم لكفى في خدمتهم الإنسانية، وانتفعوا ونفعوا بالكيمياء حتى ~~تحقق لهم من التفنن فيها ما هو غريبة الأيام والليالي. وإذا نقلت أوروبا إلى آسيا ms079 وأمريكا ~~وجزء من إفريقية الحمى التيفوئيدية وبعض الأمراض الزهرية، فقد نقلت آسيا إلى أوروبا ~~الكوليرا أو الهواء الأصفر، ومع هذا قاتلته بعلمها وبحثها حتى قتلته وأخاه الطاعون. # علمنا الغرب طب الحيوان والدواجن، ومكافحة الحشرات وكانت تعبث بالأشجار والنبات ~~والزروع، واستفدنا منه أصنافا من البقول والأزهار والثمار لم يكن لنا بها عهد، وعرفنا ~~طيورا ودجاجا وأسماكا جديدة، واستطعنا بالأخذ بوسائطهم القضاء على الجراد ولطالما أفقر ~~أقطارا وأمصارا. وتعلمنا استعمال الأسمدة الكيماوية، والتفنن في تطعيم الغرسات ~~والاستكثار من المعرشات، ومعالجة الآلات الحراثة والبذارة والحصادة والرجادة ~~والدراسة والذراية، بل والخياطة والطرازة وكل ما يقلل من عمل الأيدي ويوفر على ~~الخلائق راحتهم ويقتصر لهم طرق الانتفاع بما تنبت الأرض وتجود السماء. # تعلمنا من الغرب تمديد الخطوط الحديدية، وفتح الأنفاق وبناء الجسور والطرق والمرافئ ~~والخزانات والمنائر وحفر الآبار الإرتوازية وإقامة الدور ذات الطبقات الكثيرة، وما عرفت ~~في التاريخ في غير مدينة القاهرة والإسكندرية وبعض سواحل الشام، وعلمنا توليد الكهرباء ~~ومد أسلاكها والهاتف واللاسلكي والسلك البحري ثم الراديو، وتعلمنا تنظيم المدن والبلديات ~~وفتح الشوارع والساحات، ورصف الطرق وتذليل العقبات، وجر المياه النقية في أنابيب ومناهل، ~~وتجفيف الأصقاع المستنقعة، وتخفيف ويلات أمراض العين وكان يعمى بها طوائف من ~~الناس. # الألمان أنشئوا سكة حديد بغداد وسكة حديد الحجاز لتقريب المسافات بين الشمال والجنوب، ~~والفرنسيس فتحوا ترعة السويس فربطوا الشرق بالغرب، والإنجليز أقاموا خزانات أسوان لتستفيد ~~مصر من نيلها، وغدا ينظمون ري العراق ليستفيد من مياه الرافدين دجلة والفرات على ما ~~كان على عهد ملوك بني العباس، إلى غير ذلك من أعمالهم في معظم الأقطار التي دخلوها في آسيا ~~وإفريقية، وهم اليوم يستخرجون نفط الموصل، وقد مضت القرون وهو لا يعرف ولا ~~يستثمر، وغدا يستفيدون من المعادن الغريبة المخبوءة في صدر البحر الميت. # اقتبسنا عن الغرب أصول الجندية، وتنظيم المراكب البخارية، وتدوين الدواوين وأسلوب ~~الجباية والخراج وإدارة المصارف والجمارك، وأبدلنا أساليب التجارة بأساليبهم القريبة ~~المأخذ، المضمونة النتيجة. ولم نعرف قبلهم المصارف ولا المصافق، ولا الشركات المساهمة ~~والمضاربة والمغفلة، ولا ms080 كل ما يسهل على التاجر عمله، وعلى الصانع صناعته، ويوفر للناس ~~أموالهم وكأن الأدوات والآلات هي خاصة من خاصات المدنية الحديثة؛ لتفرد الغرب بالفحم ~~الحجري وضروب المعادن ومن أهمها الحديد؛ ولأن الإخصاء في العلوم جرى تطبيقه على الصناعات ~~عندهم. # ومن الغربيين أخذنا أصول الدعوة ، والإعلان عن كل بضاعة، وطرق المفكرات والجزازات ~~والإحصائيات، بله تأليف المؤتمرات والمؤامرات، ومنهم اقتبسنا استخدام المعاصر ~~والمحالج والمغازل والمناسج والمطافئ والمضخات، ونسجنا على أساليبهم في إنشاء الجمعيات ~~الخيرية والأحزاب السياسية، والشركات الصناعية، وإقامة حدائق لتربية الحيوانات، ومغارس ~~لتربية النباتات والأزهار والأشجار، واستفدنا مسائل أخرى كثيرة نجهد لوضع أسماء تقابلها ~~بالعربية، ولم نعرف قبل الغربيين إقامة المستشفيات والمصاح والملاجئ لليتامى ~~والزمنى والصم والبكم والمسلولين والمعتوهين، على هذا الطراز من العناية ~~والطهارة. # هم حرروا الرقيق فكان ذلك من موجبات فخرهم، وأزالوا بذلك وصمة عار عن الإنسانية، وأبطلوا ~~النخاسة، وكانت أفظع تجارة، وأحط عمل شائن في استعباد البشر، هم علموا السود حتى ألحقوهم ~~بالبيض، ودربوا الحيوان حتى قام بكثير من أعمال الإنسان، فاستفادوا من كل قوة ادخرتها ~~الطبيعة وانتفعوا من كفاءة كل كفؤ، وفضل كل قريحة في هذا المجتمع العظيم. # بتعليم الغربيين أصبح للمرء قيمة، وللعالم العامل مقام، وبمدنيتهم الحديثة أصبح العلماء ~~على اختلاف أجناسهم ومعتقداتهم يؤلفون أسرة واحدة، لا يبحثون على الأغلب إلا لجلاء ~~الحقائق، بمعزل عن المصالح التافهة في المجتمع الإنساني، ولقد أثر علماء الغرب في أرواح ~~الشرقيين وعقولهم من حيث يدرون ولا يدرون؛ وذلك بفضل ما يبثونه كل يوم من معارف جامعاتهم ~~ومدارسهم وأنديتهم ومعاملهم ومخابرهم، وبفضل ما كشفوه واخترعوه وحققوه وصححوه من العلوم، ~~وبثوه من الأفكار الجديدة، فقلبوا بأوضاعهم أوضاعنا، وبدلوا بتصوراتهم أشكال تصوراتنا، ~~وبدلوا من أساليب الفكر في رجالنا الدارسين وغير الدارسين؛ فتغيرت مادة أحاديثنا ودوافع ~~أهوائنا، ولطفت أذواقنا وبعض المستهجن من عاداتنا، ولم يكن لذلك كبير أثر قبل اختلاطنا ~~بهم، وتسهيل المواصلات بيننا وبينهم. ومنذ رفعنا من أذهاننا أننا أرقى منهم في كل شيء ~~أصبحنا، ولا يصعب على عزة نفوسنا، أن نقر بضعفنا ms081 فنعالجه، باتخاذهم أساتيذ لنا في معظم ~~مطالب الحياة، وسنظل كذلك زمنا آخر حتى نستوي أمة ناهضة من كل وجه، على ما استوت اليابان ~~الشرقية في القرن الماضي. ~~••• # تحدثوا إلى شيخ طاعن في السن عرف هذه الدنيا منذ ستين سنة وعرفها اليوم، وقولوا له أن ~~يحدثكم كيف كان أجدادنا يعالجون المسائل الصحية التي أدركها اليوم صغار أطفالنا، وكيف كانوا ~~يطبخون طعامهم ويجلسون إلى موائدهم، ويفرشون بيوتهم ومخازنهم، ويلبسون ثيابهم ويرتبون ~~هندامهم، وماذا كانت كسوة الأوانس والعقائل وأزياؤهن الغليظة؟ ليقولوا لكم كيف كانوا ~~يسمرون ويتنادرون ويمرحون، وما هي ملاهيهم ومقاهيهم وحاناتهم وخاناتهم وفنادقهم ومراكبهم؟ ~~وأي الحريات المدنية والدينية والسياسية كانوا بها ينعمون، وماذا كان لهم من الأمان على ~~الأموال والأنفس والأعراض، وأي المعلومات كانت لهم عن العالم وأحواله، وعن الشعوب والأمم، ~~وعن العامر والغامر، وعن الحقائق والخيالات؟ وكيف كانوا يقطعون أوقاتهم ويتمززون حياتهم، ~~ويستلذون عيشهم؟ وكيف كان من يرأس من الناس يظلم كل من وقع بيده ويجد في الحكام معوانا ~~له على ظلمه؟ بل كيف كان الخلق يتظالمون على الدوام وليس لهم رادع من قانون ولا عقوبة تكف ~~عاديتهم وتعاديهم؟ # ليقل لكم الشيوخ كيف كانت الأمية غالبة على الكبير والصغير؟ وكيف كان الأطفال يربون في ~~أماكن مظلمة منتنة لا شمس فيها ولا هواء، يسمونها الكتاتيب والمدارس، ثم هم يضربون ~~بالعصي على رءوسهم ووجوههم وظهورهم وأرجلهم بدون شفقة، وبذلك يتعلمون للخلاص من هذا العذاب ~~الاحتيال والحلف الكاذب، ثم عودوا فألقوا بعد ذلك نظرة على مدارسنا لتروا كيف أصبح الولد ~~بتنظيم التعليم بنظام الغربيين اليوم، يعرف من المواد ما لا يكاد يعرفه العالم أمس، تشهدون ~~كيف اختصرت مراحل التعليم والتهذيب، حتى لنرى في شبابنا اليوم من هم مفخرة بمعارفهم ما رأى ~~أجدادنا أمثالهم في بضعة عصور وأجيال، ولعمري متى كنا نسمع بمثل هذه المعلومات تجتمع لفتى ~~في الخامسة عشرة من عمره، ومتى شاهدنا الأولاد يربون في رياض الأطفال هذه التربية العملية ~~الصحية النافعة، ومتى كان ربات الحجال ينافسن في التعليم الرجال؟ # هل عهدتم اللغة ms082 العربية تقرأ وتكتب بهذه السلاسة والرشاقة، إلا إذا كان في القرن ~~الثالث والرابع، متى عهدكم بلغتكم يكون لها في التمثيل الذي اقتبسناه عن الغرب في الجملة، ~~تلك الروعة في الإلقاء حتى لتظنن أنفسكم وأنتم في إحدى قاعات التمثيل أنكم رجعتم إلى ~~عصر الرشيد والمأمون ، تأملوا عدد ما حيي من الفصح العربية التي ما كان يعرفها حتى ~~الأدباء، وأصبحت بفضل المدارس والصحف السيارة أو دور التمثيل وبيوت الغناء وأسطوانات ~~الحاكي وإذاعات الراديو في ألسن الناس وعلى أسلات أقلامهم ومكتوباتهم، كأنها من المتعارف. ~~لنحكم ولننصف في أحكامنا؛ متى كنا نتخيل ظهور مثل هؤلاء الرجال الذين تسمعون بهم وتقرءون ~~أعمالهم في كتبهم ورسائلهم ومصوراتهم ولوحاتهم وخطبهم، متى عهدتم هذا العدد الدثر من رجال ~~القانون والإدارة والجندية والطب والهندسة والزراعة والكيمياء والطبيعة والفلك والاجتماع ~~والاقتصاد والتاريخ والجغرافيا والشعر والكتابة والأدب والتصوير والموسيقى والنحت والنقش، ~~ومنهم من لا يقل عن أرقى الطبقات أمثالهم في الغربيين، ولا يفرقون عن النابهين من ~~الرجال عند الأمم الممدنة، إلا بفروق مرجعها إلى المحيط، وإذا شهدتم في بعضهم فتورا ~~في هممهم فثقوا بأن فتورهم ينقلب نشاطا إذا رأوا من أمتهم تنشيطا. # للغرب على الشرق العربي فضل عظيم في إحياء مدنيته ولغته أيضا؛ أنشأ منذ القرن الرابع ~~عشر للميلاد مدارس لتعليم العربية في بلاده، وكلما كان بعض أبنائه يتلقفونها، كانوا يفكرون ~~في اقتناء كتب العرب، ويتنافسون في ذلك تنافسهم في الاحتفاظ بالآثار التي هي محصول القرائح ~~العربية، ولما اخترعت الطباعة كانت المخطوطات العربية أول ما طبع في بلاد الغرب، وأول ~~مطبعة أنشئت في مدينة فانو في جون البنادقة (بحر الأدرياتيك) سنة 1514 طبع فيها القرآن ~~وكتب الطب والحكمة والطبيعة باللغة العربية، وفي مدينة البندقية طبع الإيطاليون تآليف ~~يوحنا بن ماسويه في الطب والفلسفة، ومثلوا بالطبع قانون ابن سينا مع كتاب النجاة في رومية ~~وذلك سنة 1593، ومنذ سنة 1615 بدأ الهولنديون في مدينة ليدن بطبع كتب العرب، وما زالوا ~~إلى اليوم يطبعون من أمهاتها كل مفيد، وقد أنشأت فرنسا وإنجلترا وألمانيا والنمسا ms083 ~~وإسبانيا وروسيا وأمريكا وغيرها من الممالك الغربية مطابع مهمة طبعت فيها عشرات من كتب ~~العرب النفيسة، ودلوا قومهم وغير قومهم على فضل العرب، ونوهوا بحضارتهم ونبوغ أفرادهم؛ ~~كانوا يأتون ذلك والعرب يغطون في سباتهم غطيطا غريبا، تحت ظل خلفاء العثمانيين ودولتهم ~~المباركة، وبينا كانت العربية آخذة بالانقراض في مصر والشام والعراق، دع سائر الأقطار ~~العربية الأخرى، كانت أوروبا لا تخلو جامعة من جامعاتها منذ القرن السادس عشر من دروس عربية ~~ولا سيما جامعات ألمانيا وإنجلترا وهولاندا ثم فرنسا والنمسا وإيطاليا وإسبانيا وبولونيا ~~وسويسرا والسويد والنروج وفنلندا وروسيا والولايات المتحدة. # ولقد جمع الإفرنج في كل دولة صغيرة كانت أم كبيرة خزائن عامة أو خاصة من نفائس الكتب ~~العربية المخطوطة ما هو العجب العجاب، عنوا بها أشد عناية ورتبوها ونشروا فهارسها ونشروا ~~منها بالطبع جزءا من كتبنا الدينية والفلسفية والتاريخية والجغرافية والعلمية والأدبية ~~واللغوية وغيرها مما لا يقل عن خمسمائة مجلد، ونحن لم نعرف بعد الطبع بالحرف، مجتزئين بطبع ~~الحجر السقيم. وفي الأستانة ومصر من المخطوطات العربية وفي خزائن الكتب العمومية والخصوصية ~~ما لا يقل بعدده عما عند أهل أوروبا منها، ولم نطبع منها غير أسفار قليلة ومنها التافه الذي ~~قصدوا به التجارة لا خدمة العلم كما فعل علماء المشرقيات من الغربيين، وجاء القرن التاسع ~~عشر وما مثل بالطبع منها غير بضعة كتب نافعة، فبفضل الغرب عرفنا الطبع وعرفنا فضل أجدادنا ~~وتعرفنا إلى الطرق في إحياء كتبنا، ولكن طالت مدة تعليمنا أكثر من مائتي سنة، حتى ~~خجلنا من أنفسنا، فجاريناهم بعض المجاراة، ولما نلحق بهم بعد في تدقيقهم ~~وتحقيقهم. # فللغرب الفضل الأول بإحياء حضارتنا وتعريفنا بمزايا لها كنا عنها في غفلة؛ فهم لقنونا ~~طرق الاستفادة مما أملته قرائح الأسلاف، وأبقته الأيام من تراثهم الثمين، على نحو ما كان ~~لهم الفضل الأكبر في البحث عن دفائن بلادنا ونبش عادياتها ومصانعها القديمة، وبهم اهتدينا ~~إلى معرفة آثار أرضنا وتاريخها وعظمتها السالفة ولغات بلادنا القديمة، فعلمونا كيف نحتفظ ~~بآثارنا الثابتة والمنقولة، ودربونا على العناية بتركة ms084 أجدادنا واحترامها وتقديسها والولوع ~~بها، وكنا فيها من الزاهدين. # نحن إذا قلنا إن الغربيين أحيوا لغتنا لا نكون إلى المبالغة في شيء؛ هم نشروا أمهات ~~كتبنا، فانتبه علماء العرب وأخذوا يدرسون فيها، وكلما درسوا ودرسوا وأحكموا من اللغة ~~فصيحها في أمهات كتب الأدب مما سبق الغرب إلى طبعه ارتقت ملكات الكاتبين والمؤلفين ~~والمدرسين عندنا، وكلما انتظمت أصول التعليم في المدارس، زاد أسلوب العربية ارتقاء، وكلما ~~ثقف أبناء العرب لغات العالم الحديث نسجوا في لغتهم على أساليبها في الأدب والشعر والتمثيل ~~والخطابة، ولولا الغرب ما نبغ فينا شعراء وكتاب وخطباء في العصر الأخير لم يعهد لهم نظير ~~في لغتنا منذ المائة الخامسة، وقد كاد كتاب مصر والشام والعراق وتونس وشعراؤها وخطباؤها ~~يرجعون إلى العربية نضرتها القديمة، وبرزوا بها في أجمل حلة عربية، وما تم هذا ~~بغير مدارس الغرب وفضل رجالهم ممن أخذنا عنهم واقتدينا بهم، وساقتنا الغيرة إلى الجري على ~~طرائقهم في النظم والنثر والتأليف والوضع والبحث، وكلما مازجناهم في رحلاتنا إلى بلادهم ~~ومازجونا في نزول بلادنا عرفوا منا، والبعد جفاء، ما كانوا يجهلونه، وعرفنا منهم ما كنا ~~نجهله من غيرتهم على العلم والمدنية. ~~••• # أخذ الغربيون عن العرب كل ما نفعهم يوم نهضتهم من ضروب المعارف البشرية، وها هم اليوم ~~يعيدون إلينا عن سماحة نفس شيئا مما تعلموه من أجدادنا وزادوه بعلمهم وبارتقاء الزمن ~~وتداول الأيام فلا يشقن ذلك علينا، فهذه سنة المدنيات التي درجت عليها أجناس البشر. ~~تقلبت على المدنية أيد كثيرة منذ دون تاريخها، واليوم وصلت بفضل أهل الغرب إلى هذا ~~المظهر الباهر، وغدوا سدنتها القائمين على بثها في المشرق والمغرب يعنون بوضع أسها في ~~الكنغو والسودان والسنيغال وجاوه، كما وضعت في البلجيك وإنجلترا وفرنسا وهولاندا. ~~وللغربيين السلطان الأكبر على النفوس وعلى السياسة والتجارة والعلم، وسنظل متوفرين على ~~الأخذ عنهم، ولا غضاضة على المتأخر إذا أخذ عن المتقدم. # ولا يفوتنا النظر وقد بلغ بنا نفس الكلام إلى هذا الحد، أن نعرض لما حوته المدنية ~~الغربية من المساوئ بعد أن ms085 ألممنا بما حملت من عظيم المحاسن؛ ولكل مدنية سيئات تندمج في ~~مطاوي الحسنات، وصعب أن يكون الخير تاما والشر تاما، وكان علينا أن نقتصر على اقتباس ~~النافع ونتحامى الضار، ونجعل السلطان للعقل لا لهوى النفس، والظاهر أن المدنية وحدة لا ~~تتجزأ من أخذ بخيرها لا بد أن يستهدف لشرورها طوعا أو كرها، وما هذه السيئات بالذي أقره ~~عقلاء الغرب دعاة الحضارة الحديثة، ونحن نعلم أنهم يشكون منها شكايتنا وزيادة. # هجمت علينا المدنية الغربية بأصناف من المسكرات والمخدرات كان أجدادنا لا يعرفونها، ~~وعاشوا بدونها قرونا في هناء وراحة، وكان يقتصر من يعاقرون الراح سرا، وهم قلائل جدا، ~~على ما تنتج البلاد من خمور، وضررها على الجملة أخف من مضار الغول الجديدة، وهكذا في عامة ~~المخدرات كالمورفين والكوكايين والهيروين التي جاءت مع القرن الماضي فأضعفت العقول وقتلت ~~الأنفس، وفتح التوسع في الحرية أبواب العهر والفجور والإسراف على النفس، فأنشأ الفحش ~~يمارس تحت سمع القانون وبصره؛ فزادت بذلك الأمراض الزهرية، وتعطل التناسل في بعض الرجال ~~والنساء، ثم انتشر القمار على اختلاف صوره، ومنه المضاربات وألعاب النصيب، وكان الناس في ~~غابر الدهر يقنعون بالرزق المحلل، يأتيهم من أعمالهم الصناعية والزراعية والتجارية، لا ~~يغامرون هذه المغامرات التي يردها العقل والشرائع. # وأدت الحرية الشخصية بالسلطة الأبوية في بعض البيوت إلى الفتور، فكان في الماضي الإفراط ~~في هذا المعنى وصار اليوم التفريط، وضعفت سلطة الأب على ابنه وابنته بالنسبة، وضعفت معها ~~الشفقة والرحمة والكرامة إلا قليلا، وأصبح كل أمر يقاس بمقياس الماديات، ولا يسأل الرجل ~~من أين اكتسب ماله إذا اجتمع له مال؛ لأن المعنويات لا شأن لها في نظرهم وإنما الشأن ~~للماديات، وقضت المدنية على من قبلوها أن يجدوا ويسرعوا إن أمكن بقوة البخار ~~والكهرباء والأثير، وكان الناس منذ قرن على تؤدة وتأن وصبر لا نشاهده في أهل هذا الجيل، ~~ولذا رأينا التشاؤم أكثر من التفاؤل في كل بلد، والقناعة والرضى أقل من الشراهة والطمع، ~~وأمسى كل صعلوك يحاول أن يغتني بين عشية وضحاها بأي الطرق ms086 التي تفتح أمامه، وكثر حب الظهور ~~بل الجنون فيه، وتبع ذلك البذخ والتفخل والإسراف، بحيث تعذر التوازن بين الدخل والخرج؛ ~~فكان في ذلك خراب بيوت كانت عامرة لولا التقليد المصنع والعادات المستحدثة، وكثرت بذلك ~~السويداء والماليخوليا والخبل وضعف الأعصاب وفقر الدم والسل، كانت الرفاهية في الأيام ~~الماضية مقصورة على قصور الملوك والأمراء فشارك فيها اليوم أهل الطبقات الثانية والثالثة، ~~والرفاهية تتوقف على كثرة بذل ووفرة دخل، وكان للمجتمع في الشرق عادات مستحسنة من جمال ~~الألفة، وحسن العشرة، وصحة العهد والوفاء، وقوة الإيمان ومعرفة الجميل، فعرا هذه الصفات ~~بعض الفتور خصوصا في البيئات التي اقتبست مدنية الغرب بعجرها وبجرها. # هذه جريدة بما لقفناه عن الغرب، ذكرنا فيها الحسنات وأتبعناها بالسيئات، وربما كان فيها ~~بعض النقص، غفلنا عنه بخيانة الذاكرة، أوردنا منها ما أوردناه على سبيل الذكرى، لننصف ~~غيرنا وننتصف منهم. # | التنظير بين المدنيتين وأهلهما # عرضنا في المحاضرات الأربع السالفة لاختلاط الغربيين بالعرب في الأندلس وصقلية، وفي ~~الحروب الصليبية وعهد الاستعمار الغربي، وذكرنا ما أنتجته عقول العرب من العلوم والفنون ~~فأخذته أوروبا عنها، ثم تحدثنا إليكم فيما اقتبسه العرب بعد انحطاطهم من مدنية الغرب ~~الحديثة، والآن ننهي هذه السلسلة ببيان الفرق بين الحضارتين والقائمين بهما، وهو موضوع ~~منتشر الأطراف لا تتسع له عدة محاضرات، ولكن ما لا يدرك كله لا يترك جله، فنقول: لكل ~~مدنية قامت في الأرض روح تتجلى فيه؛ ذلك لأن المدنية ابنة عوامل كثيرة، فالعامل الذي له ~~الشأن الأول في قيامها هو البارز فيها المتسلط عليها، فالمدنيتان اليونانية والرومانية أقرب ~~إلى المدنيات المادية، ومدنية الرومان هي المادة بعينها، وفي المدنية اليونانية شيء من ~~المعنويات من شعر وفلسفة وعلم، والمدنية الهندية روح كلها فنيت فيها المادة في الروح، وجاءت ~~المدنية العربية تنهج طريقا وسطا؛ فأخذت بقدر كبير من المعنويات، ولم تغفل عن الماديات، ~~فكانت في ذلك معتدلة، فما كثر الشقاء في أرضها، ولا أفرطت السعادة، ولعلنا لا نبعد عن الحق ~~كثيرا إذا عرفنا المدنية الغربية الحديثة بأنها مدنية مادية والمعنويات ms087 تابعة لها، ~~والمدنية العربية مدنية روحية والماديات تبع لها. # وإذا جئنا نحل المدنية الغربية اليوم، نجدها تحت سلطتين؛ سلطة الممولين خزنة ~~الأموال، وسلطة أرباب القوة من رجال الجندية، وكل ما هناك من حسنات تلك الحضارة من علم ~~وصناعة خادم لتينك السلطتين، وهكذا كانت الحال منذ انبعثت الشعلة الأولى من النهضة في ~~إيطاليا، وتحررت العقول من قيودها، والألسن والقلوب من عقالها، والظاهر أن مدنية الغرب منذ ~~تخلصت من سلطة الدينيين أزهرت وأثمرت، ومدنية العرب منذ ضعف جوهر الدين في نفوس القائمين ~~بها، ووقعت في سلطة الزعماء على الدين تراجعت وتضاءلت؛ أي إن الباباوات لما كانوا المتحكمين ~~بمعظم أهل الغرب كانت المدنية هناك على حالة ابتدائية يصعب أن تسير إلى الأمام، فلما قام ~~الإصلاح الديني ونزلت الكنيسة عن تسلطها على كل شيء، ورأى الناس عاقبة التنازع على الدين ~~بما أصيبوا به من النكبات ظهرت تباشير المدنية ناجية من تلك القيود الثقيلة. # أما في الشرق، فإن المدنية العربية قامت بروح الدين أولا، وكانت سلطة رجال الدين ضئيلة ~~لا تتعدى دائرة معينة؛ لأن الرياسة الروحية مفقودة في الإسلام، خلافا للسلطة النصرانية في ~~القرون الوسطى، فإنها كانت منظمة مرتبة، ولها السلطان كل السلطان على أرواح المؤمنين، ~~تدبرهم في عامة شئون الحياة، وتسيطر على الدقيق والجليل من حركاتهم وسكناتهم. وكأن الكنيسة ~~كانت حاكمة مطلقة والملوك عمالها، ينفذون أمرها ويأتمرون برأيها، فلما ارتخت تلك القوة، ~~خلصت المدنية من المؤثرات التي طالما عاقتها، والأمر عند العرب على خلاف ذلك من بعض ~~النواحي. # ويشهد الناظر في تاريخ الغرب أن الكنيسة بما كان لها من الحول والطول في كل أدوارها، ~~وبما تمتعت به من السلطان على النفوس، تختط لها طريق سلامتها في الأرض والسماء؛ قد خدمت ~~المدنية بعض الشيء على عهد نوابغ من رؤسائها، حتى إذا استمتع الملوك بحرياتهم تناولوا ~~أعمال المدنية فخدموها زمنا؛ فالمدنية انبعثت من الكنيسة أولا، ثم وصلت إلى الملوك، ~~وجاءت الشعوب بعد ذلك تأخذ بطرائقها، فتم للمدنية ما يتوقف عليه إنهاضها، أما في الأقطار ~~التي خفق ms088 عليها علم العرب، وأمدوها بروحهم وتعاليمهم، فكانت المدنية يرعاها الرعاة ~~والرعايا معا منذ خلقت، يعمل العلماء فلا ينازعهم عقلاء الملوك، ويحمونهم من اعتداء ~~المتعصبين، ويرعونهم كل الرعاية، ويولونهم صنوف الكرامة، فما عرفت في الإسلام طبقات ولا ~~امتيازات، ولا دعا إلى التسلط على نحو ما دعت الكنيسة قبل عهد الإصلاح، وكان السلطان ~~الأول في الدول العربية للقائمين بالدولة من الملوك والأمراء فقط. # ومن أجمل ما كان في المدنية العربية تجلي روح التسامح فيها مع من كان يدين بغير دين ~~الدولة القائمة، ورأينا المدنية الغربية لا تحتمل إلى عهد قريب طائفة تخالف رأيها؛ فقتلت ~~من بنيها وغيرهم خلائق لا يأخذهم العد في معظم أدوارها، حتى أدخلتهم طوعا أو كرها في ~~دين السواد الأعظم، وما رضي الغربيون حتى بعد عصر النهضة من بلد رفع عنه علم العرب إلا ~~أن يتنصر أهله، على نحو ما فعلوا في الأندلس وصقلية وجزيرة أقريطش وغيرها، وما عهد ~~للعرب مثل هذا الشطط. وإذا أحسنا الظن في تعليل عمل الغرب، نقول إن الغربيين في ~~سيرتهم هذه دلونا على شدة غرامهم بالنظام والتوحيد، فهم لا يرتاحون للشذوذ في قوانين ~~الجماعة، ولا يهنأ لهم بال إلا إذا عاهدهم معاهدوهم على المطلق من الطاعة. # ومن غريب أمر الغرب في تغاليه بالنظام أن الكنيسة قضت على الرهبان والراهبات أن ينذروا ~~العفة لا يتزوجون؛ لينقطعوا إلى ما هم بسبيله من الدرس والعبادة والدعوة إلى دينهم، مع أن ~~النصرانية لم تحرم في أصلها زواج الدينيين، ومضت القرون الثلاثة الأولى عليها ورجال ~~الدين فيها يولدون، ولكن حب النظام دعا إلى أن حرموا مئات الألوف من البشر التناسل، ~~وبالحظر على خدمة الدين تأليف أسرة خرجوا عن الطبيعة الإنسانية، وتغاضوا عما يجر ذلك ~~من الكبائر والمنكرات أحيانا، على أن كلا من البرتستانتية والأرثوذكسية قضت على رعاتها ~~بالزواج وما تخلخل نظامها. # أنكر بعض الشعوبيين من أعداء العرب فضل المدنية العربية على العالم في زمن العنجهيات ~~القومية، أنكروا ذلك لما ضعف سلطان العرب في الأرض، وسخروا مما يقول به المنصفون ms089 منهم ~~متى عد ما أورثته العرب للإنسانية، وزعموا أن المدنية الغربية هي المدنية، وما عداها ~~فخطوط غير مرسومة على ما يجب، فهي كعلم جابر: «اقرأ تفرح جرب تحزن»، وإن كان ثمة ما ~~يسمى مدنية فهي مدنية الفراعنة والأشوريين والبابليين واليونانيين والرومانيين؛ ذلك لأن ~~المدنية العربية لم تنشأ فيها تماثيل ولا نصب، ولم تثبت لها كفاءة عظيمة في النقش ~~والتصوير، وهم على شيء من الحق في دعواهم؛ ذلك لأن العرب لم يولعوا كثيرا بالمحسوسات، ~~وليس في حضارتهم من هذه ما يعتد به كثيرا بالقياس مثلا إلى ما خلفه الرومان. وذهب الغرض ~~ببعضهم إلى أن قالوا إن المدنية العربية لم تأت بغير الضرر مع أن الغرب لم يعرف الرومان ~~واليونان أيضا إلا من طريق العرب؛ كلام من يعتز بالقوة القاهرة، ويحكم بالظواهر، ~~ويعميه الهوى الجنسي والنزعات السياسية، فما دام القائل لم يحس المدنية العربية ولم ~~ترها عينه، فهي إذن غير موجودة ولا وجدت! ومن يقول هذا من العبث أن نناقشه لنقنعه. # العرب لم يخلفوا آثارا عظيمة كأهرام الفراعنة، ولا قلاعا وطرقا وهياكل من النوع الذي ~~خلفه الرومان؛ ذلك لأن شريعتهم حظرت السخرة، وما أباحت إشقاء إنسان لسعادة غيره، ~~والرقيق الذي قام بيده معظم ما نراه من مصانع الأمم البائدة، كان يعامل في الإسلام ~~معاملة الحر برحمة وشفقة، حتى كاد المولى يعد من أهل البيت الذي استرقه، ودولة العرب لم ~~تطل أيامها كما طالت أيام الفراعنة والعمالقة وعاد وثمود ويونان، ولو عرف الناقدون هذا، ~~وقدروا الأمور في موازين القسط، لما وسعهم إلا الإعجاب بما تم في زمن قليل من نهضة ~~العرب، ومن لا يقيس الأمور بمقياس الماديات لا يتحرج من الاعتراف بأن العرب تجافوا كل ~~التجافي عن إرهاق أحد، فكانت مدنيتهم شعبية ديمقراطية بعيدة ما أمكن عن منازع الزعامات ~~الأرستقراطية، وكان من نتائج تعاليمها، ومنها إكراه الأغنياء على إخراج زكاة أموالهم ~~للفقراء، إذا لم ينزلوا عن جزء منها برضاهم؛ أن لم يعهد في العرب اشتراكية ولا فوضوية ~~ولا عدمية، ولا ممولون كممولي الغرب ms090 يعملون الحرب ويعقدون الصلح، ولا احتكارات كاحتكارات ~~الغرب في الصنائع والتجارة، ولا هذا الشقاء الذي عم وطم، وأهلك الحرث والنسل، وقصاراه ~~إفقار جماعات وإغناء أفراد. # ربما كان من جمع الثروة في أيدي أفراد بعض الفائدة للحضارة، والحضارة ابنة الثروة ~~والغنى؛ لأن من أهلها من يبنون القصور والمصانع الجميلة، وقد يفضل بعضهم على الأعمال ~~العامة، ولكن هل يوازي يا ترى قتل ألوف من النفوس لإحياء نفس واحدة؟! وهل من العدل ~~الطبيعي أن أسمن وأتخم ويهزل مئات ويجوعوا، وأن أستوفي حظي من السعادة وأسباب الهناء، ~~ويشقى لأجلي من وراء جداري كل الشقاء؟! تعاليم العرب بعيدة عن هذه الهنات، وإن شذ ~~عنها بعض الأغمار من أصحاب السلطان في بعض العصور اعتدادا بما لهم من القوة والجبروت، ~~فمجموع تاريخ الإسلام كان صورة أخرى، ومعظم المصانع العربية قام بأموال الدول، أو بأيدي ~~زعمائها وأصحاب الخير من الناس، وفيها مسحة الفردية. # المدنية العربية ما فرقت منذ كانت بين الأجناس والعناصر، فكان كل من يدخل في الإسلام، ~~أو يعاهد أهله ويخلص لهم من أهل الملل الأخرى موفور الكرامة في الدولة، ذلك هدي الدين ~~وليس في وسع القائمين بالأمر أن يتعدوا حدوده، بل كانت مرونتهم في تطبيق النقل على العقل ~~أبدا، ومن حاول أن يخرج عن هذا الحد هلك فيما كان يتوهم فيه النجاة، قام في ذهن جلال الدين ~~محمد أكبر سلطان المغول في الهند وأعظم ملوك القرن الخامس عشر أن يوحد الأديان والأجناس، ~~فجمع لذلك مؤتمرا انتهى بالسباب والشتائم بين المؤتمرين، وفاته أنه يحاول إخراج الناس عن ~~طبائعهم، وعن نظم الحرية الشخصية، وأعظم ما يستميت المرء في حبه دينه ولسانه، ومن المتعذر ~~أن يعقهما الإنسان إلا بدافع لا قبل له بدفعه، أو بوازع نفسي شاذ ولا قياس على ~~الشذوذ. # حاول أكبر إدخال التجديد في الهند ونسي على نبوغ فيه أن الإسلام مع ما بلغ من سلطانه، ~~لم يكره أحدا على انتحاله، وأجمع أرباب العقول أن من السخف فرض الأديان على الناس، ~~ورأينا بعض دعاة المدنية الحديثة ينوعون ms091 الأساليب لإدخال الناس في معتقدهم بطريقة من طرق ~~الدعوة، وقلما أفلحوا على كثرة ما بذلوا وجهدوا، وهذه إسبانيا حكمت الفيليبين ثلاثمائة ~~سنة، وما تركت في قوس الجهد منزعا لتزحزح المسلمين عن عقيدتهم؛ أغلقت جوامعهم، وحظرت ~~اجتماعاتهم، وشردت زعماءهم، ولما استولت الولايات المتحدة الأمريكية على تلك الجزائر ~~سهلت للمسلمين من أهلها جميع طرق الارتقاء، وأتتهم بمن علمهم أصول دينهم، فارتقوا في ~~ظلها في ثلاثين عاما رقيا ما عرفته أمة آرية بيضاء في مائة سنة، والغالب أن لطبيعة ~~العنصر الإسباني والعنصر الأمريكي دخلا كبيرا في ذاك التحكم البارد، وهذه الحرية ~~المطلقة. # ما قامت دولة العرب بروح القومية، ونغمة القوميات جديدة رددت صداها الأرجاء الغربية في ~~القرن الماضي؛ فتألفت الأمم بحسب ما ارتأت من أنظمة وضعتها لها، وعلى ما كان في الدعوة إلى ~~القوميات من المنافسة المحمودة بين البلاد كان منها أن أدت أيضا إلى أن يكره أهل كل لسان ~~أهل اللسان الآخر، ودينهم واحد وكتابهم واحد؛ فالأمم الأنجلوسكسونية تبغض الشعوب اللاتينية، ~~والشعوب الجرمانية تكره الصقالبة، واللاتينية تحقد على الجرمانية والسكسونية، وهكذا رأينا ~~في عصرنا أثر هذه الكراهة باديا على ما لم يعرف البشر أفظع منه، وها قد انقضت الخمس عشرة ~~سنة الأخيرة، وأمم الأرض تحاول أن تنجو من غوائل الحرب التي أوقدوا نارها، فلا يجدون إلى ~~ذلك مخرجا. وثبت للأمم أن ما دهمها من الدواهي هو من نتائج الأوهام التي تتخيلها الدول ~~الكبرى من الاستئثار بمغانم الأرض كلها، وأن المغريات التي كان بعض من لا يهمهم إلا الظفر، ~~ولو بإهلاك ربع البشر، كانت قانونا جائرا لا توافق الطبيعة على تطبيق مفاصله. وعجيب بعد ~~هذا حال من يعدون السعادة كل السعادة الفوز برضى مجالس النواب، والذهاب بأماديح الصحف ~~وصفحات التاريخ، وعجيب في هذه المدنية الحديثة أن تتمحل الأعذار للقتلة وتقدس السفاكين، ~~وإذا نصح لهم ناصح من أهلهم عدوه غرا جاهلا، وألبوا العوام عليه فمقتوه وشردوه، أو ~~قتلوه؛ لأنه قال الحق ولم يزل قائله من الممقوتين. # وضع الرئيس ويلسون مواده المشهورة فزيفه بعض أرباب ms092 الأهواء من الغربيين، وقالوا إنه ~~كلام أستاذ في جامعة؛ أي إن تعاليمه نظرية غير عملية، وبعد مدة ظهر أن الحق كان في جانبه، ~~ولكن العمل بالحق في هذه المدنية من الأمور الصعبة، ويلسون الذي تشبع بقاعدة بلاده ~~الذهبية: أمريكا للأمريكيين، لا يرى السعادة للمدنية والإنسانية إلا أن يطبق رمزه في كل ~~مكان؛ يريد الهند للهنود ومصر للمصريين وتونس للتونسيين، هو يقول بالرحمة فوق العدل، وعسى ~~أن لا يكون عقل أهل القرن العشرين في هذا المعنى أحط من عقل العرب في القرن السابع. # نحن لا نتابع رأي من يقول من الغربيين اليوم إن الغرب الآن في دور سقوطه ولم يبق أمل في ~~نهوضه، وإن أهل الطبقة الوسطى قد اضمحلوا، وإن الغرب اغتر بأن نجاحه أبدى مضمون النتائج، ~~وأخرج الناس من عمل الأرض وأنشأ طبقات من الفقراء كانت الآلة داعي شقائها، وإن المجتمع ~~الحديث حاول أن يبتاع كل شيء؛ ابتاع الصحافة والأفكار والنساء والرفاهية، وما استطاع أن ~~يشتري روح الأشياء؛ ولذلك يعود الغرب إلى الهمجية، ويدخل في دور يشبه القرون الوسطى بل أحط ~~منه، وكان ذاك الدور يفضل هذا بسذاجته وجميل فطرته، نعم، نحن لا نشايع القائلين بذلك، ونعوذ ~~هذه المدنية أن تصيبها بائقة تأتي على الشرق والغرب معا، وهذا القرن على ما فيه من الشرور ~~والمآثم يعيش الناس فيه عيشا طيبا لم يكتب في الدهر السالف مثله حتى لكبار الزعماء ~~والملوك، وابن الطبقة الوسطى اليوم أنعم حالا وأهنأ عيشا من عظماء أمس؛ يتمتع ويغتبط بما ~~لم يعهد مثله في الدهر الغابر. # يقول كاتب العصر آناتول فرانس: إن الواجب أن لا نثلب هذه الحضارة، ومن يجسر أن يفعل ذلك؟ ~~أما أنا فأحب النور حتى ما يحرق منه، أساء رنان الظن بعقبى الأجيال القادمة، وما ظلمهم ~~كثيرا فيما أحسب؛ فقد كان يعتقد أن الجهل يفشو في العالم على صورة مطردة هائلة، وأن آخرة ~~مدنيتنا ربما انتهت بالجهالة، ولعله كان يبالغ، وأنا أيضا أحمل نفسي على المبالغة، ولن ~~نعدم برهانا لإثبات هذا القياس المقلق، ms093 ولعمري هل المدنية المادية غير سهولة كل شيء، ~~والتمهيد لكل شيء، وقلة الجهد، وفقد الشخصيات؟ إن الآلات تعمل عملها لا تحفل ما فيها من ~~ضرر، ونحن لسنا بمأمن من شر سحقها لنا، وسيتجلى لفلاسفة الأجيال المقبلة أن الحضارة في ~~القرن التاسع عشر، وهي ميكانيكية وعلمية، قد أدخلت البلادة على عقول الناس، وأنزلت المستوى ~~العقلي حتى ابتذل، وعلى قدر ما انتفعنا بالصحافة والكهرباء تخلينا عن الدرس؛ فنحن نهمل ~~درس العلوم الأدبية، ونعنى كل العناية بصنع آلات أكثر من عنايتنا بتربية نفوس، والجراثيم ~~الضارة تربى في أرضنا على غاية من السهولة، وفي الزمن الغابر كانت بذور الجراثيم تنمو في ~~بعض النفوس الخاملة على خفاء، أما الآن فتنمو وتلوث جميع الرءوس التي ألفت الرذيلة، ففساد ~~السياسيين، وفضائح المضاربين، ومفاخر السارقين، وجميل جرائم المجرمين، كل أولئك يطير ويسير ~~ويفسد النفوس بإسراع الصاعقة، أريد أن أقول بسرعة البرق؛ أي على معدل ثلاثمائة ألف كيلو ~~متر في الثانية. # ثم ذكر فضائح الصحافة وسعيها أبدا لإسقاط كل صاحب مكانة لتضحك قراءها، وتعلمهم ثلم ~~الأعراض، وكشف كل ستر، وقال إن القحة هي أول ما يتجلى في المجتمع الحديث، والثاني ~~احتقار الثقافة الحقة التي استعيض عنها بطلاء أولي سطحي مستعار، وكان الناس قبل هذه ~~المخترعات الكبرى يتفاوضون قليلا، ويوجزون فيقتصرون في تناجيهم على إيراد الأمور ~~الجوهرية، وكان الناس طبقتين: علماء وجهلاء، أما الآن فقد قربت المساوف، وتعبد كل صعب، ~~وسهل كل أمر، وأخذ كل واحد يتحف صاحبه بما عنده من التافهات والبلاهات، يتكلمان في كل ~~شيء ولا يحفلان شيئا من الأشياء، وكيف نعجب بمدنيتنا وهي تفقد الروح ولا معبود فيها ولا ~~هدف لها، وليس فيها حقيقة جوهرية واحدة تزيد على ما كان في الحضارات السالفة، نحن مقبلون ~~في كتيبة من الجهل والغرور على مستقبل فيه قحة، وفيه بلبلة، وفيه سفاهة، ولعله لا يخلو من ~~بلاهة وغباوة، كان فلاماريون يرى أن العالم ينتهي أمره ببرودة سطح الأرض، ومن رأي سولي ~~برودوم أنه سيضمحل بالإفراط في الشهوات، وأنا أرى أن الترهات ms094 المنبعثة عن الجهالة ~~والغرور تطفئ النور الأوروبي على نحو ما أطفأت الأنوار القديمة. ا.ه. ~~••• # قارن علماء هذا العصر بين المدنية العربية وغيرها، ومن أقرب الآراء التي رأيناها إلى ~~الاعتدال رأي العلامة جوستاف لوبون، قال إنه كانت للعرب صفات ومساوئ عظيمة جدا ~~واستعداد عقلي عال؛ فهم أحط من الرومان بأوضاعهم السياسية والاجتماعية وأعلى منهم كعبا ~~في اتساع معارفهم في العلم والصناعة، وقد أحرزوا في الجملة مقاما عاليا في التاريخ، ولم ~~يظهر الرومان كفاءة في الصناعات والعلوم، وكان اليونان سادتهم في عامة الشئون العقلية، ومع ~~هذا فقد استعبد الأولون الآخرين، والحكم على القيمة العقلية في أمة وعلى ارتقائها في سلم ~~المدنية مقرون بما أخرجت من الرجال، فإذا جمعت إلى تفوقها العقلي عددا غير قليل من ~~أبنائها النابغين، وكان سوادها الأعظم مؤلفا من أفراد هم وسط في ذكائهم وتعلمهم، ~~واتصفوا بأخلاق عالية، كان في ذلك رفعتها، ولقد جاء رجال ممتازون من العرب، وما وفقوا ~~إليه من الأعمال وكشفوه من الحقائق العلمية دليل على مكانتهم، ولكن العرب لم يرزقوا فيما ~~أحسب رجالا من عيار نيوتن وليبنز اللذين قلبا العالم بما كشفاه، فالعرب إذن أحط من اليونان ~~في كثير من المسائل، مساوون ولا شك للرومان بذكائهم، وإذا قست العرب بالشعوب الأوروبية ~~الحديثة، أمكنك أن تقول إنهم من حيث العقل والأخلاق أسمى مكانة من كل الأمم التي عاشت قبل ~~عصر النهضة، وقد فاقوا بأخلاقهم أجدادنا كثيرا. # قال: ذهبت ريح العرب قبل عصر النهضة في الغرب - أي قبل القرن الخامس عشر - ولا يتيسر لنا ~~الحكم الآن عما يكون من أمرهم ذات يوم لو كتب لهم البقاء، ولا نعتقد أنه كان في وسعهم أن ~~يتجاوزوا المستوى الذي بلغوه؛ فإن انحطاط أوضاعهم كان يحدث لهم مشاكل صعبة، ومن الحيف ~~أن يقابل بين العصور الحديثة، والعصور التي اضمحل فيها سلطان العرب، وإذا كان لا مناص من ~~هذا التنظير، فلنا أن نقول إن الرجال الممتازين عند العرب كانوا أحط من الرجال الذين ~~يقابلونهم من أهل العصر الحاضر، ولكن الأفراد المتوسطين فيهم ms095 ساووا وربما فاقوا أهل ~~الطبقة الوسطى في الشعوب المتمدنة اليوم، ولو رزق العرب بل الصينيون والهنود اليوم طبقة ~~ممتازة من الرجال بالنظر لما عندهم من الطبقة المتوسطة الصالحة لضاهوا الأوروبيين وفاقوهم ~~وخلفوهم في تمثل هذه المدنية الحديثة. ا.ه. # وقال العلامة دوزي: «إن العرب ترجموا كثيرا من كتب الأقدمين وعلقوا عليها شروحا، ~~فاغتنت بأعمالهم بعض فروعها، واتسع نطاقها باستدراكاتهم البالغة غاية الدقة والوضوح، ولكنهم ~~لم يخترعوا شيئا، ولا ندين لهم بأدنى فكر عال أو واسع، وهكذا فإن بيننا وبينهم اختلافات ~~أصلية، وربما كانت أخلاقهم أسمى من أخلاقنا، ونفوسهم أكبر من نفوسنا، وهم أكثر ميلا إلى ~~العظمة الإنسانية، لكنهم لا يحملون بذور النهضة والنجاح، ومع ما هم عليه من الولوع ~~بالاستقلال الشخصي، يظهر أنهم، على ما انطووا عليه من الأفكار السامية، غير قادرين على ~~الخضوع لقوانين المجتمعات.» ا.ه. # وقول لوبون: إن العرب لم يظهر فيهم مثل نيوتن وليبنز اللذين قلبا العالم في مادياته، لا ~~يصح فيما نرى على إطلاقه؛ فقد ظهر فيهم علماء غيروا بأبحاثهم صورة المادة، وأحسنوا ~~الانتفاع بها في مسائل كثيرة، ولكن أولئك العلماء لم يوفقوا أن يتموا أعمالهم كلها، وما ~~كتب لهم أن يسير من بعدهم على آثارهم لما دب من الانحطاط في الدول العربية، أما من ~~ذكرهم لوبون ممن قلبوا في العهد الحديث صورة العالم بما أبدعوا، فقد تجسدت فيهم حكمة ~~القدماء، وورثوا علومهم كلها، واهتدوا بتجاربهم، وزادوا عليها أمورا هيأها الزمن لهم، فكان ~~منهم ما كان، وقول دوزي إن الغرب لا يدين للعرب بأدنى فكر عال، مردود عليه؛ لأن العرب - ~~كما قال كثير من الباحثين من الأمريكان والإنجليز والألمان والفرنسيس - هم الذين مدنوا ~~أوروبا بأن نقلوا إليها أنوار الأقدمين، وما أضافوه من مخترعاتهم وأبحاثهم، ولا مجال ~~للمماحكة فيما استنبطوه وخدموا به المجتمع الإنساني، أما قوله إن العرب كانوا غير قادرين ~~على الخضوع لقوانين المجتمعات، فهذا صحيح في الجملة؛ ذلك لأن إفراط العرب في حب الحرية ~~حملهم على التجافي عن الخضوع للزعماء، وإيغالهم في عزة النفس دعاهم إلى ms096 الخروج على ~~الجماعة، فعادوا بعد حين إلى ما كانوا عليه في الجاهلية لا يأتمرون بأمر، ولا يذعنون إلا ~~لسلطان شهواتهم، فكان ذلك علة العلل في ذهاب سلطانهم. # عرضت للعرب عوارض عرض مثلها للأمم التي أحطنا بتاريخها قبلهم وبعدهم؛ فقد امتزجوا ~~بغيرهم من الشعوب امتزاجا كثيرا قوى فيهم نواحي وأضعف أخرى، فمن أنحاء الضعف أنهم ~~خلطوا دمهم بدماء غريبة، فأدخلوا فيه ما لو تصونوا عنه لظلوا أرسخ قدما وأسلم دما؛ دخل ~~فيهم الترك والفرس والروم وغيرهم، كما دخل في دم الترك العثمانيين بعد دم البجناكي ~~والبولوني والبندقي والرومي والروسي والمجري؛ فولد لهم جنس جميل الملامح والسحنات، ولكنه ~~أخرجهم عن عنصرهم، فكان من ذلك انحلال أمرهم. # ومهما قال القائلون إن الغرب لا يدين للعرب بفكر عال ولم يخرج منهم أمثال نيوتن ~~وليبنز، فإن العرب هدوا أوروبا إلى العالم اللاتيني واليوناني، وعاشت الجامعات الأوروبية ~~ستمائة سنة من مترجمات كتبهم، وجرت على أساليبهم في البحث، فقد قال لوبون أيضا: إن ~~المدنية العربية من أدهش ما عرف التاريخ، وإن المرء كلما تعمق في دراستها تجلت له أمور ~~جديدة، واتسعت الآفاق أمامه، وثبت له أن القرون الوسطى لم تعرف الأمم القديمة إلا بواسطة ~~العرب، وأنهم هم الذين أتوا أوروبا بما أتوها به من مدنية أنعشتها في الماديات والعقليات ~~والأخلاق، ومتى درس المرء أعمال العرب العلمية وما كشفوه، ثبت له أنه ما من أمة أنتجت مثل ~~ما أنتجوه في هذه المدة القصيرة التي كتب لملكهم قضاؤها، وقال: قد يكون من الأوروبيين ~~مستعمرون ماهرون، ولكن منذ عهد رومية كان المسلمون من الشعوب الوحيدة التي حملت علم ~~الحضارة حقيقة، وهم الذين فازوا وحدهم بنشر المواد الجوهرية من المدنية، وأعني بها الدين ~~والأوضاع والصنائع، بين ظهري عناصر جديدة من غير عنصرهم. قال: وإذا نظر المرء في ~~صنائعهم وفنونهم لا يسعه إلا الاعتراف بأنه كانت لهم ميزة خاصة لم تبلغها أمة، ولئن كان ~~تأثير العرب في الغرب عظيما فإن تأثيرهم في الشرق أعظم، وما من عنصر أثر تأثيره قط. ~~فإن الشعوب ms097 التي دانت لها الأرض كالأشوريين والفرس والمصريين واليونان والرومان قد عفت ~~القرون آثارها، ولم يخلفوا سوى آثار ضئيلة بحيث لم يبق سوى ذكريات أديانهم وألسنتهم ~~وفنونهم، وقد اضمحل أمر العرب أيضا ولكن أعظم عناصر مدنيتهم وهي الدين واللسان والصنائع لا ~~يزال حيا، وقال : إن العرب أول من علم العالم كيف تتفق حرية الفكر مع استقامة ~~الدين. # وقال العلامة فمبري: «كان الإسلام - وما برح - الدين الذي فاق سائر أديان العالم شورى ~~وديمقراطية، وكان مصدر الحرية وينبوع العدل والمساواة، فإن كان العالم قد شهد حقا منذ ~~أول عهد العمران البشري إلى اليوم حكومة شورية دستورية فهي - لعمري - حكومة الخلفاء ~~الراشدين.» وقال نوبرجر: «فاقت المدنية العربية في أوج إمبراطورية الإسلام مدنية رومية ~~القديمة في حيويتها وتنوعها، وكان لحضارة الأندلس مركز يشبه من عدة وجوه حضارة اليونان ~~القديمة.» # وقال دوسن: «إن المدنية الأوروبية بل المدنية الغربية كلها مدينة للمسلمين بثمرات حكمة ~~الأقدمين، وإن فتوحات العرب في إمبراطورية الإسلام من القرن السابع إلى الخامس عشر ~~لتعد إحدى عجائب التاريخ، ومن المدهش أن يصبح العرب - وكانوا أول أمرهم على الفطرة - ~~عنصرا فاتحا ويمسوا سادة نصف العالم في مائة سنة، ومن أشد العجب حماستهم العظيمة، وسرعتهم ~~البالغة في تحصيل العلوم وتكوين الثقافة اللازمة لعظمتهم حتى بلغوا مستوى عاليا في مائة ~~عام، بينا نرى الجرمانيين لما فتحوا الإمبراطورية الرومانية، قضوا ألف سنة قبل أن يقضوا ~~على التوحش وينهضوا لإحياء العلوم.» وقال غوتيه: «إن محصول المدنية العربية في العلم على ~~اختلاف أنواعه يفوق محصول المدنية اليونانية كثيرا؛ ذلك لأن العلم العربي كانت له أصول ~~قديمة، أما في الفنون والآداب فإن دائرة اليونان أوسع من دائرة العرب بكثير.» ا.ه. # وما لنا وكل هذا؟ فحسنات المدنية العربية ثابتة لا ينكرها إلا ذو غرض متعصب، وإذا كان ~~فيها بعض نقص فالوقت لم يسمح للعرب بتلافيه أو الأخذ به إلى مستوى أرقى منه، ووضع الأساس ~~في كل بناء أصعب من نقشه وترتيبه، وهل يعقل أن تخلق المدنية كاملة من أول يوم، وهي تحتاج ms098 ~~إلى أن تعمل في تشييدها عقول كثيرة وأجيال مختلفة، حتى تبلغ درجات الكمال؟! ومخترعات ~~أوروبا ومكشوفاتها في القرنين الأخيرين تشهد بذلك، رأينا أمما كثيرة شاركت فيها حتى صعب في ~~بعضها أن تتبين يد الواضع الأول، وشهدنا القرنين اللذين سبقا القرن التاسع عشر والقرن ~~العشرين كأنهما كانا ممهدين لما سيقع بعد من العجائب في العلم والصنائع. # وإذا جئنا نستفتي لوبون أيضا في سر هذه المدنية العربية، أجابنا أن اعتياد العرب الحروب ~~والغارات في الجاهلية كان منه قيام أمرهم في الإسلام؛ فبعد أن كان بأسهم بينهم وجهوا ~~غاراتهم نحو الأجانب فكان في ذلك قوام أمرهم، ولما لم يبق أمامهم أعداء يقاتلونهم عادوا ~~يتقاتلون فأدى ذلك إلى انحطاطهم، وأهم العوامل في امتداد حكمهم، اجتماع كلمة قبائلهم ~~المختلفة تحت علم واحد، وهو علم الإسلام، فوجه هذا نفوسهم إلى هدف سام أورثهم ~~حماسة، فكانوا أبدا على استعداد للمفاداة بأنفسهم في سبيله، وكان هذا الهدف دينيا صرفا، ~~ودولة العرب قامت على هذا الأساس، وكانت الدولة الوحيدة الكبرى القائمة باسم الدين، ومنه ~~انبعثت سياستها وحالتها الاجتماعية، وساعد العرب على فتوحهم كون العالم القديم كان يهوي ~~إلى السقوط، فكان حريا بأمة متوحدة المقاصد والمنازع أن تفتح البلاد وتستبقيها، وما ~~ضعف نشاطهم في هذه السبيل، بل تعلموا في مدرسة مغلوبيهم، ولما ساووهم في الجندية وفنون ~~القتال كان نجاحهم مضمونا، ولقد كنت ترى كل جندي في الجيش العربي على استعداد لبذل روحه ~~لإنجاح المقصد الذي يقاتل لأجله، على حين كان كل إخلاص وحماسة وعقيدة قد اضمحل من نفوس ~~اليونان منذ زمن بعيد، وما كانت انتصارات العرب لتعمي أبصارهم لأول نشأتهم، وتحملهم على ~~الإفراط المألوف عند الفاتحين في العادة، ولا اشتدوا في إرهاق المغلوبين، ولا فرضوا عليهم ~~بالقوة دينهم الجديد الذي كانوا يودون بثه في أقطار العالم، ولو فعلوا ذلك لأهاجوا عليهم ~~جميع الشعوب التي لم تخضع لهم، فاتقوا حق التقاة هذه التهلكة التي لم ينج منها ~~الصليبيون عندما دخلوا الشام في القرون اللاحقة. # قال: «ولقد أدرك الخلفاء الأول بعبقريتهم السياسية ms099 النادرة في أتباع معتقد جديد أن ~~الأوضاع والأديان لا تفرض على الناس بالقوة، بل رأيناهم حيث دخلوا في الشام ومصر وإسبانيا ~~يعاملون الشعوب بمنتهى الرفق، تاركين لهم أنظمتهم وأوضاعهم ومعتقداتهم، غير ضاربين عليهم في ~~مقابلة السلام الذي ضمنوه لهم إلا جزية ضئيلة ، وكانت على الأغلب أقل من الضرائب التي كان ~~عليهم أداؤها من قبل؛ وما عرفت الشعوب فاتحا بلغ هذا القدر من المسامحة، ولا دينا حوى في ~~مطاويه هذه الرقة واللطف، وكانت هذه السماحة وهذا اللطف اللذان تجاهلهما المؤرخون من بعض ~~العوامل التي هيأت بسرعة انتشار فتوح العرب، وأعظم سبب دعا إلى قبول دينهم وأوضاعهم ~~ولسانهم، ونحن ندرك كيف تأصلت هذه العوامل الثلاثة بين ظهراني الشعوب التي رحبت ~~بمقدمهم، وأنها قاومت بعد جميع الغارات، ووقت العرب من آفات الاضمحلال، وما تم من هذا ~~القبيل في مصر من أعظم ما يسترعي النظر؛ فقد حكم الفرس واليونان والرومان وادي النيل ولم ~~يوفقوا إلى أن يقلبوا المدنية الفرعونية القديمة، وأن يستعيضوا عنها بحضارتهم، أما العرب ~~فكان شأنهم في مصر غير هذا؛ أعربوها وأسلموها، وهناك عوامل أخرى غير سماحة العرب ولطف حكمهم ~~ضمنت لهم النجاح في بث دينهم وما تفرع من أوضاعه، وكانت هذه الأوضاع على غاية السذاجة في ~~أهل الطبقات المتوسطة من الشعوب المغلوبة، وإذا حدث أن هذه الأوضاع لم تلتئم مع تلك ~~الجماعات كان العرب يعمدون إلى تعديلها بحسب الحال، وهكذا كانت الأوضاع الإسلامية في ~~الهند وفارس وبلاد العرب وإفريقية البربرية ومصر تختلف كل الاختلاف وكتابها واحد وهو ~~القرآن.» ا.ه. # وقد أرجع لوبون انحطاط العرب إلى اختلاف العناصر الخاضعة لهم واختلاط دمائهم؛ قال: ~~«ولطالما كان هذا التمازج بين شعوب مختلفة في مملكة واحدة من عوامل الانحلال الفعالة، ~~ويعلمنا التاريخ أن من المتعذر استبقاء عناصر مختلفة في يد واحدة إلا إذا روعي في ذلك ~~شرطان أساسيان؛ أحدهما: أن تكون سلطة الفاتح قوية إلى الغاية بحيث يوقن كل إنسان أن كل ~~مقاومة باطلة، والثاني أن لا يختلط الغالب بالمغلوب ولا يفنى فيه، وهذا الشرط ms100 الثاني لم ~~يحققه العرب بتاتا وكذلك كان شأن الرومان، ومن المتعذر حياة شعوب مختلفة بقانون واحد إذا ~~تباينوا في المصالح والأجناس، ولا يتأتى ضبطهم إلا بضغط شديد، وما قامت العرب بمثل هذا ~~الضغط مع العناصر المختلفة التي خضعت لهم.» وقال في معنى اختلاط دم الفاتحين بغيرهم: «زعموا ~~أن المستقبل للخلاسيين والهجناء وقد يكون ذلك، بيد أنني لا أرجو تحقيقه لشعوب تريد أن ~~تحتفظ بمستواها في العالم.» ~~••• # آن لنا بعد أن عرضنا في الجملة لتصوير المدنية العربية والتنظير بينها وبين غيرها من ~~المدنيات، وللعوامل التي وهنت بها دولة العرب ودخلها الهرم أن نذكر طرفا من الفروق بين أهل ~~المدنيتين، إننا مهما أعجبنا بمدنية العرب القديمة ومدنية الغرب الحديثة، فإعجابنا غير ~~قليل بمن يعملون اليوم لمدنيتهم من الغربيين، والفوارق بين الشرق والغرب في هذا المعنى ~~محسوسة، ومنها ما يعلل بالهواء والبيئة، ومنها ما يعلل بالطوارئ الاجتماعية القاهرة، ~~ففي الغرب دءوب دام قرونا مطرد الأوائل بالأواخر، ونظام نافذ لا يرحم من لا يعمل، ولا ~~يبقي على جاهل ولا ضعيف، فكأن قاعدة الانتخاب الطبيعي أخذت في الغرب حكمها، فأبقت على ~~القوي، ونبذت أكثر الضعيف، وفي الشرق لانت الطبيعة وما قست، فعاش الضعيف والأضعف، والقوي ~~والأقوى. # قالوا: إن المدنية ابنة البلاد الباردة، ولكن العرب جاءوا من جزيرة محرقة فأنشئوا أيضا ~~هذه المدنية الفتانة على أيدي من نبغوا فيها من أهل الطبقة المختارة، وتآلفوا كلهم بروح ~~الجماعة على نحو ما نرى في الغرب اليوم فناء الأفراد في المجموع؛ إذا هلك الفرد لا يكاد ~~يشعر به؛ لأن من بعده يأتي فيتناول عمله فيتمه، والغرب - كما قال أحد النابهين - هو ~~المتسلط على الطبيعة بالعمل، والشرق هو استثمار الإنسان للإنسان، ونظن الغرب أيضا يستثمر ~~الإنسان للإنسان أما تسلطه على الطبيعة فهذا حق صراح. # امتاز الغربي بتسلسل الفكر والتبصر في مصادر الأمور ومواردها، والأخذ من تجارب غيره ~~والانتفاع بكل ما يرى ويسمع، وقلما يخرج عما تعلمه واستعد له مهما كلفه الحال؛ لأنه ~~يعرف أن النجاح في الاختصاص أو الإخصاء، وهذا ms101 من أعظم أسرار نبوغه في صنائعه وعلومه، وعرف ~~الغربي بمحافظته على القوانين يراعيها على كل حال، حتى صار ذلك طبيعة له وعادة، وخلافها ~~منكر مستهجن، وجميع ما في الغرب من قوى الجماد والحيوان والإنسان مستثمرة منتفع بها، وقوى ~~الشرق مبعثرة ضائعة ، الغربي يعنى بالأمر الصغير والخطير على السواء، يحاول الإتقان ~~والكمال في كل معانيه، ويفادي بكل عزيز في سبيل قوميته ووطنيته، يراعي الوقت والزمان، ويسير ~~في حياته على منهاج لا يعدوه، ويستحي أن يرمى بالقصور فيما هو آخذ نفسه به، الغربي محافظ ~~مجدد في آن واحد، والشرقي محافظ يصعب عليه التجديد، أصلح الغربي بنفسه لنفسه معمله ~~ومزرعته، وجود عمله وقام بواجبه، فاضطر حكوماته إلى أن تصلح نفسها، والشرقي يتوقع من ~~حكومته أن تصلحه، وقد يحاول إفسادها إذا أرادت إصلاحا، والغرب لم تعمره حكوماته بل ~~عمره أهله، وحملوها بطول الزمن على أن تحسن سيرها فتساند الراعي والراعية. # وقد وصف الحالة التي صار إليها الشرقي الأستاذ أحمد فتحي زغلول باشا بقوله: «ضعفنا حتى ~~أصبحنا نرجو كل شيء من الحكومة، فهي التي نطالبها بحفظ حياتنا، وخصب أرضنا، وترويج تجارتنا، ~~وتحسين صناعتنا، هي التي نطلب منها أن تربي الأبناء، وتطعم الفقراء، وترزق العجزة، وتنفي ~~أسباب البطالة، وتحفظ الأخلاق، وتلم شعث العائلات، وتجمع أشتات القلوب، هي التي نطالبها ~~بتعويض ما نقص من إرادتنا، وتقويم ما اعوج من سيرنا وسيرتنا، ورد هجمات المزاحمين عنا، ~~والسهر على مصالح كل واحد منا؛ فإذا تأخرنا في عمل من تلك الأعمال بإهمالنا رميناها بسوء ~~الإدارة، واتهمناها بحب الأثرة، وألقينا عليها تبعة خمولنا كلها، لا ريب أننا بهذا ~~الزعم قد ضللنا السبيل؛ فإنما الحكومة وازع لا يكلف إلا ما اقتضته طبيعته، وشأن ~~الحكومات في الأمم تأييد النظام، وحفظ الأمن، وإقامة العدل، وتسهيل سبل الزراعة، ومعاهدة ~~بعضهم بعضا على ما يضمن حرية التجارة، ويشجع أهل الصنائع والحرف كما تقتضيه المصالح ~~المشتركة، وعلى قدر ما تسمح به الممكنات، وبالجملة، فالحكومة وازع عام لا واجب عليه إلا ~~الأمر العام مما يدخل تحته جميع الناس، ms102 ولا ينفرد بالاستفادة منه واحد بخصوصه، وعلى الأمة ~~بعد ذلك أن تستفيد من هذا النظام، وتنتهز فرصة الأمن والطمأنينة لتسعى وراء منافعها، وتطلب ~~الكمال في زراعتها وصناعتها وتجارتها، وفي نشر المعارف وإحياء العلوم، وفي أداء الواجب ~~والمحافظة على الحقوق، وهذا هو الذي أهملناه حتى أضعناه.» ا.ه. # وحقا لو قام كل واحد في الشرق بواجبه، لما انتشرت الأمية فيه مثلا هذا الانتشار ~~المريع، والأمية سبب كل بلية، ومن المستغرب أن نشهد شعوبا صغيرة في الغرب تحررت منذ عهد ~~قريب من ربقة غيرها، ونجت أو كادت من الأمية على فقرها، ورأينا في الشرق شعوبا تكاد تكون ~~مستقلة منذ زمن طويل، وهي من الغنى بما لا ينكر محله، وما استطاعت أن تخرج شعبها من ~~الجهل، واكتفت أن صاغت عمالا أو راغبين في العمالة، وتخلت عن إعداد أبنائها لمذاهب المعاش ~~الطبيعية، فبأي شيء نعلل هذا؟ وعلى من تلقى تبعة هذا الوباء؟ ولو صرف في تعليم هذه ~~الشعوب واحد من مائة تبذل في التبذير، لفارقت دور الجهالة في أقل من نصف قرن. # وبينا نرى عامة أهل الغرب وخاصتهم، أغنياءهم وفقراءهم رجالهم ونساءهم، يعملون ويدأبون، ~~ولا تكاد تجد من لا يعمل ولا يفكر فيما فيه فائدة عامة أو خاصة؛ نرى الشرقي إذا حاز مظهرا ~~صغيرا، أو نال شهادة من مدرسة، أو شدا شيئا من أدب وعلم، أو اقتنى مالا وعروضا، اغتبط ~~بما صار إليه، وعد نفسه قد بلغ أقصى الغايات؛ فيغلو في سرفه وترفه، ويصاب بالغرور ~~والعجب، يستنكف عن أعمال اليد وعن الاحتراف ويعد الحرف دنيئة، وما الدني إلا من لا ~~يتعلمها ويتقنها، ولا ساقط الهمة إلا من يذل لغيره حتى يعيش كلا عليه. على حين رأينا ~~الغربي مهما أحرز من مظاهر الغنى والمجد، لا تقف همته عند حد، ولا تنتهي مطامعه إلى غاية، ~~فهو لا يعرف ما يقال له قناعة ورضا، وكل عمل يجلب نفعا هو في نظره شريف محلل، كأن طبيعة ~~البلاد الغربية، وهي تستلزم من ساكنيها غذاء أوفر ولباسا أدفأ وكنا جامعا شروط ms103 الراحة ~~ليقاوم قسوة الطبيعة، تضطر الفرد إلى أن يعمل شاق الأعمال لينتج ويعيش، والشرقي لا ~~تتقاضاه أرضه وسماؤه شيئا كثيرا من مثل هذه الأسباب في الحياة؛ يتبلغ بميسور العيش، ولا ~~يتشدد في تطلب السعة، وحرارة إقليمه تغنيه عن أمور يراها الغربي ضرورية له كالخمور ~~والأغذية الدسمة، تأملوا حال أسرة مؤلفة من والدين وأربعة أولاد؛ الوالد يعمل في ~~حرفته، والوالدة تشتغل بتربية أولادها وترتيب منزلها، فإذا فرغت شغلت أوقات فراغها بتطريز ~~أو خياطة أو نسج أو تصوير أو موسيقى أو غير ذلك، والولد بعد المدرسة الابتدائية يعمل في ~~حقل أو حانوت أو معمل، وأخته كذلك تحترف وتجمع لنفسها مالا، ولا يستنكف أحدهم من الأعمال ~~الزراعية والصناعية، ولو تعلم التعليم العالي، إذا لم يجد رزقه فيه، تأملوا هذا البيت ~~المغل وكيف يدخله من الربح ما يعادل على الأقل ما يكسبه الأب وهو تامة أدواته في جهاد ~~الحياة. # الإنسان في الغرب مهما علت منزلته، إذا بلغ سن الرشد أو قرب منها، لا يتكل إلا على ~~نفسه رجلا كان أو امرأة، لا فرق في قانون العمل وروابط الحياة إلا ما لا بال له، والشرقي ~~اتكالي لا يعمل إلا بقدر ما يرزق الكفاف، وبلغ من شفقته الكاذبة على أولاده، إذا كان ~~ذا سعة، أن يترك لهم الحبل على الغارب، لا يهتم لهم عملوا أم لم يعملوا، فكيف بهذا تبقى ~~ثروة ويحفظ مجد؟! ولو كان قانون المواريث عندنا مثل قانون الإنجليز لا يورث الكبراء ~~والنبلاء جلاءهم؛ أي لقبهم وأملاكهم، إلا للكبير من الأولاد، ويروح سائر البنين والبنات ~~يكدحون لمعاشهم، لرأينا كثيرا من الشرقيين يموتون جوعا لا يرضون أن يعملوا عملا صناعيا ~~ولا زراعيا ولا غيره. # يقول العلامة قاسم بك أمين: إن أهل أوروبا يقسمون إلى ثلاث طبقات كسائر الأمم: عليا ~~ووسطى ودنيا؛ فالدنيا أكبر حظها من التربية معرفة القراءة والكتابة، وأما الطبقة العليا ~~فتصيب حظا عظيما من التربية الفعلية، ولكن يغلب عليها ما يغري به الغنى والبطالة، ~~وتستولي عليها الشهوات، فهم يتفننون في اللذائذ تفنن أهل ms104 الجد في الاختراعات والصنائع، قال: ~~وهذا الفساد فيهم مما تتحمله المدنية الغربية وتصبر عليه؛ لأنها لا تستطيع محوه، فإن هذه ~~المدنية مؤسسة على الحرية الشخصية، فهي مضطرة لأن تقبل ما يتبع هذه الحرية من الضرر، وهي ~~تعلم أن منافعها أكثر من مضارها، ووجود الفساد في الغرب إنما هو لاحق طبيعي من لواحق ~~الحرية الشخصية، ونتيجة من نتائجها في الطور الأدبي الحالي الذي توجد فيه تلك البلاد الآن. ~~قال: وهذا الفساد في الأمم الغربية لم يضعف فيهم الفضائل من بذل الأنفس والأموال في سبيل ~~تعزيز الوطن أو الدفاع عنه؛ فأدنى رجل في الغرب كأعلى رجل فيه، إذا دعا داع إلى هجوم، أو ~~قيام لداع أو إلى عمل نافع، يترك جميع لذائذه وينساها، وينهض لإجابة الداعي، ويخاطر ~~بنفسه، ويبذل ماله، إلى أن يتم للأمة ما تريد، وأما الطبقة الوسطى فلا ريب أنها أرقى من ~~التي تقابلها عندنا. # وبعد؛ فالأعلون والأوسطون والأدنون في الأمم الغربية هم كما وصفهم عالمنا ~~الاجتماعي فأحسن في وصفهم، وقد قال شاعرنا الاجتماعي حافظ إبراهيم في وصف الاختلاف بين ~~العالمين الشرقي والغربي: # شمسهم غادة عليها حجاب # فهي شرقية حوتها الخدور # شمسنا غادة أبت أن توارى # فهي غربية جلاها السفور # جوهم في تقلب واختلاف # أن الثبات فيهم كثير # جونا أثبت الجواء ولكن # ليس فينا على الثبات صبور # ولديهم من الفنون لباب # ولدينا من الفنون قشور # فإذا ما سألتني قلت فيهم # أمة حرة وفرد أسير # وعلينا بعد هذا أن نعلم أن ليس لشعب من طبيعته وجنسه ما يحول دون انحطاطه؛ فقد قال ~~العلامة ألفريد فوليه: «قاعدة من قواعد التاريخ أن العوامل العلمية والاجتماعية أو ~~العقلية والأخلاقية تتغلب على العوامل الجنسية والجغرافية والإقليمية بالنظر إلى ما بلغته ~~الحضارة الحديثة من الارتقاء، وأن حركة العلوم وما أوجدته الصناعة لا تزال تبدل أسباب ~~الحياة الاجتماعية وأساليب العمل، على نحو ما تبدل العلائق المتبادلة بين الطبقات المختلفة، ~~وليس لشعب أن يتبجح بأنه راق وسيظل راقيا على وجه الدهر، وما من شعب يحكم عليه بالانحطاط ~~الذي ms105 لا يشفى منه، وكل شعب يستفيد بما في التضامن العام من مكتشفات وتجارب، وليس المستقبل ~~للأنجلوسكسونيين ولا للجرمانيين ولا للاتينيين، بل المستقبل للعالمين والصانعين ومن كانوا ~~أحسن أخلاقا وخلاقا.» # حضرة الأستاذ الدكتور علي مصطفى مشرفة، وقد بحث الموضوع التالي. # | الأثر العلمي في الثقافة المصرية الحديثة للدكتور علي مصطفى مشرفة # هذه المحاضرة هي حلقة في سلسلة من المحاضرات التي يقصد بها بحث الثقافة المصرية من ~~نواحيها المختلفة للوقوف على المصادر المتعددة التي كان لها الأثر في تكوين هذه الثقافة، ~~ومهمة الباحث في ذلك أشبه شيء بمهمة الكيميائي يحلل المادة المركبة إلى عناصرها ويستنبط ~~الكيفية التي بها تفاعلت هذه العناصر فتكون من اجتماعها وتآلفها ذلك الجسم المركب، ~~فالثقافة المصرية كانت في المحاضرات السالفة من هذه السلسلة، وستكون في هذه المحاضرة موضع ~~بحثنا وتحليلنا، تارة نذيبها وأخرى نصهرها وثالثها نبخرها أو نقطرها؛ ولذا فسأطلب ~~إلى حضراتكم إذا وجدتموني أعالج مادتنا بهذه الوسائل الفعالة أن تحملوا عملي هذا على ~~الرغبة في الوصول إلى حقيقة جوهرها واكتناه سرها، لا على مجرد الشغف بالتحطيم ~~والإتلاف الذي أنا بريء منه براءة الذئب من دم ابن يعقوب، وستكون مهمتي مقصورة على البحث ~~عن عنصر واحد من العناصر الداخلة في تركيب الثقافة المصرية الحديثة، ألا وهو العنصر ~~العلمي؛ ذلك لأن حضرات الذين نظموا عقد هذه المحاضرات قد استحضروا خبراء غيري يتحدثون ~~إليكم عن العناصر الأخرى التي هم أدرى بها وأعلم بخواصها مني. # فلنعتبر إذن ثقافتنا المصرية، وأعني بها الثقافة المصرية في عهدنا الحالي، طبعا من ~~الممكن أن ننسب إلى مصر ثقافات مختلفة في أزمة مختلفة؛ فنتكلم عن الثقافة المصرية القديمة، ~~والثقافة الإغريقية في مصر، والثقافة العربية في مصر وهكذا، ولكنني أعتقد أن هذا يكون خطأ ~~في التعبير؛ فكما أننا لا ننسب إلى الشخص الواحد شخصيات مختلفة في أدوار حياته المختلفة، ~~بل نفترض أن له شخصية واحدة تتطور وتنمو وتتكيف من حين إلى آخر، كذلك يجب أن نعتبر ~~ثقافتنا المصرية وحدة متواصلة الوجود منذ أقدم المدنيات المصرية إلى اليوم، وأن ms106 ننظر إلى ~~الحضارات الإغريقية والعربية وما اقترحها لاستكشاف العلوم هي بحيث لا تترك إلا القليل ~~لحدة الذهن وقوته تكاد تتساوى في استعمالها العقول على تفاوت مداركها، فكما أنه في رسم خط ~~مستقيم أو دائرة كاملة الشكل يتفاوت الناس بحسب مهارة أيديهم ومقدرتهم على الرسم إذا هم ~~رسموها معتمدين على اليد فقط، ولكنهم يتساوون أو يكادون إذا هم استعملوا المسطرة والبرجل، ~~فكذلك الحال في أمر طريقتي، وخلاصة هذه الطريقة الباكونية - كما تسمى - أن الباحث لكي ~~يصل إلى معرفة أسباب الظواهر الطبيعية، عليه أن يدرسها دراسة مباشرة في ظروف مختلفة، ثم ~~يقارن بين هذه الظروف ليصل إلى ربط الأسباب بمسبباتها الحقيقية مراعيا في ذلك أنه كلما ~~وجد السبب وجد المسبب، وكلما غاب السبب غاب المسبب، وكلما زاد مقدار السبب أو نقص زاد ~~مقدار المسبب أو نقص تبعا لذلك. # ولا أنكر على حضراتكم أنني عندما لقنت هذه الأشياء عجبت أشد العجب من أن تعتبر طريقة ~~باكون هذه بدعة في التفكير، كما أنني أصارحكم القول بأنني تشككت كثيرا في مدارك باكون ~~عندما قرأت وصفه لها بأنها طريقة «تكاد تتساوى في استعمالها العقول على تفاوت مداركها»؛ إذ ~~إنني لم أجد في طريقته إلا أمورا تكاد تكون بديهية، أعتقد أن الشخص العادي عندنا يفطن لها ~~بغاية السهولة بل وأظنه يطبقها في حياته اليومية، واليوم، وأنا أعيد التفكير في هذا الموضوع ~~أراني أجد في عمل باكون وما علق عليه من الأهمية دليلا على شيء واحد ألا وهو انحطاط ~~التفكير العلمي في البلاد الأوروبية في عصر باكون، والظاهر أن الأمم المختلفة تأتي عليها ~~أدوار في تاريخها تخزن فيها عقولها في خزانات من حديد وتسير منقادة بحكم التقاليد والآراء ~~البالية حتى إذا أخرج واحد منهم عقله من خزانته، وأزال عنه شيئا من الصدأ المتراكم عليه ~~ثم استعمله مرة أو مرتين، هلل القوم وكبروا وطبلوا وزمروا معجبين بلباقة هذا الفرد وشدة ~~مهارته، وربما عدوه ساحرا أو مارقا خارجا عليهم لما يأتيه من الأمور المدهشة التي لا ~~يجسر على الإتيان بمثلها ms107 سواه، ولا بد أن شيئا من هذا القبيل حدث في أوروبا في القرنين ~~السادس عشر والسابع عشر. # وهنا يجب علي أن أرد على اعتراض ربما بدا لبعض حضراتكم، فربما قيل إنه من الظلم أن ~~أحكم وأنا ابن القرن العشرين وقد تشبعت بالتفكير الحديث وتأثرت بمؤثراته على أمثال السير ~~فرنسيس بيكن الذي هو من واضعي أسس هذا التفكير، فكأنما الغصن ينظر إلى الجذع ويعجب من ~~انحطاطه وقربه من الأرض ناسيا أنه لولا هذا الانحطاط لما كان ارتفاع الغصن، جوابي على ~~هذا أن شجرة التفكير البشري يذهب أصلها إلى أعمق بكثير من أيام فرنسيس بيكون؛ فالتفكير ~~البشري وعلى وجه الخصوص التفكير العلمي المبني على المشاهدة المباشرة كان موجودا قبل بيكن ~~عند العرب وعند الإغريق وعند المصريين القدماء، وقد وصل في كل من هذه العصور إلى مستوى ~~يفوق بكثير ما كان عليه في أيام بيكن، وكل ما يمكن أن يقال عن عصر بيكن هو أنه عصر نهضة، ~~عصر استيقاظ تبعه تقدم مبني على نتائج أعمال العصور التي سبقته. # فالعقلية العلمية والطريقة العلمية إذن ليستا وليدتي الحضارة الأوروبية الحديثة ~~ولكنهما كانتا موجودتين أينما ومتى وجد العلم، وعلى وجه الخصوص كانتا موجودتين في مصر في ~~أيام الفراعنة وفي عصر الإغريق وأيام ازدهار الحضارة العربية، وأخيرا هما موجودتان بيننا ~~اليوم، وقد سبق أن بينت لحضراتكم أن الثقافة المصرية الحالية هي أيضا ليست وليدة العصر ~~الحالي، بل يرجع تاريخها إلى فجر التاريخ يوم كانت مصر مبعث ثقافات الأسرة البشرية. # وإذن فالثقافة المصرية والعلم صديقان قديمان نشآ في مهد واحد وترعرعا على ضفاف النيل ~~معا وشربا من مائه، فليس بغريب أن نجد بينهما أواصر الألفة وروابط العشرة القديمة، أو ~~بعبارة أخرى ليس بغريب إذن أن نجد الأثر العلمي واضحا في ثقافتنا المصرية الحديثة. # فلنحلل إذن ثقافتنا الحالية باحثين عن عنصر العلم فيها، لنحلل أدبنا وفنوننا ونظمنا ~~الاجتماعية وتشريعنا وتعليمنا، فهل نجد للعلم والتفكير العلمي أثرا واضحا فيها؟ أراني ~~مضطرا إلى الدخول في بعض التفاصيل التي لا مفر منها ms108 بحكم مهمتي كباحث ومحلل؛ ولذا ~~فأستميحكم عفوا إذا أنا تعرضت لبعض الأمور التي ربما ظهر لأول وهلة أن لا شأن لي بها، ~~ولكن علينا أن نتذكر أنني إنما أتعرض لها من ناحية واحدة فقط هي الناحية العلمية، ومادمتم ~~تسلمون بأنني أعرف شيئا عن العلم، فلعلني أستطيع أن أتعرف عليه إذا أنا وجدته داخلا في ~~تركيب الثقافة. # فعن الأدب الذي هو رمز من أظهر الرموز على ثقافات الأمم؛ هل في أدبنا الحديث ما يدل على ~~أثر التفكير العلمي فيه؟ لا أقصد بذلك طبعا أن نجد أدباءنا يصوغون نظريات إقليدس أو ~~قوانين نيوتن في قالب شعري أو روائي. # كما أنني لا أقصد أيضا أن نجد في أدبنا ميلا خاصا إلى إدخال المصطلحات العلمية ~~والإشارة إلى المخترعات والآلات الحديثة، فالواقع أن هذه الظاهرة وإن كانت مشاهدة بيننا ~~إلى حد ما إلا أن الباحث لا يستطيع أن يعلق على ظهورها أهمية، هي أثر من آثار العلم ~~إن شئتم، ولكنه أثر ضئيل غير مرتبط بصلب موضوع الأدب، وهناك أثر آخر قليل الأهمية أيضا ~~وإن كان أهم من الأثر السابق وهو استعمال الطريقة العلمية في تحليل الأدب ونقده، فإن ~~النقد الأدبي - كما تعلمون حضراتكم - فن مرتبط بالأدب وليس هو الأدب ذاته، ومع ذلك فلا بأس ~~من الإشارة إلى ما هو حادث في مصر الآن من التغير في أساليب النقد الأدبي بطريقة لا تدع ~~مجالا للشك في أنها أثر من آثار التفكير العلمي. # وإنما الأثر العظيم، الأثر الذي يسترعي نظر الباحث في أدبنا الحديث هو استعمال الطريقة ~~العلمية في الأدب ذاته، والطريقة العلمية - كما بينت لحضراتكم - تنحصر في الاعتماد على ~~المشاهدة المباشرة والتفكير الصحيح، فهي تتميز ببعدها عن التقليد والمحاكاة لذاتهما، ولا ~~شك في أن أدبنا الحديث قد أخذت تظهر فيه هذه المميزات بصفة واضحة؛ فالأديب اليوم بدلا من ~~أن يقصر جل همه على محاكاة من سبقه من الشعراء والكتاب والنسج على منوالهم، كما كان ~~الحال في الماضي القريب، قد صار يعتمد على خبرته المباشرة وتفكيره الخاص، ms109 ولعل بعض كتابنا ~~وشعرائنا قد تغالوا في ذلك إلى حد محاولة قطع كل صلة بين الماضي والحاضر، وهي محاولة مآلها ~~الفشل ولا محالة؛ إذ إن الأدب كالعلم هيكل يبنى لا سبيل إلى فصل أعلاه عن أسفله إلا ~~بهدمه، أو كائن ينمو لا سبيل إلى محو أثر الماضي فيه إلا بقتله، وإنما الذي أقصده من ~~استعمال الطريقة العلمية ذلك الاتصال المباشر بين الأديب وبين بيئته المادية والمعنوية بحيث ~~يخرج أدبه غضا يانعا تستطيبه النفس ويستسيغه الذوق السليم، لا ذابلا يابسا قد أكل عليه ~~الدهر وشرب، فهذا الاتصال المباشر هو أساس كل إلهام صادق في الأدب، به تظهر شخصية الأديب ~~في أدبه وبالتالي تظهر شخصية الأمة في أدبها. # وما قلته عن الأدب يصح أن يقال عن سائر فنوننا الجميلة من تصوير ونحت وموسيقى؛ ففي جميع ~~هذه النواحي نجد أثر العقلية العلمية ظاهرا لا يحتمل اللبس ولا الإبهام. # كذلك الحال في نظمنا الاجتماعية وتشريعنا، فإننا نرى في كل يوم دليلا جديدا على الرغبة ~~الصادقة في حل مشكلاتنا الاجتماعية وسن قوانيننا بما يتفق ومنطق العلم، كلنا حديثو عهد ~~بالوقت الذي كنا نبني فيه نظمنا وقوانيننا على تفكير غيرنا من الأمم أو على مجرد الآراء ~~الموروثة بيننا دون فحص كاف لملاءمة نظم غيرنا لنا أو تمحيص للآراء الموروثة عندنا، أنا ~~لا أزعم أننا اليوم قد وصلنا إلى الحالة التي ننشدها بأن أصبح عندنا القادة الاجتماعيون ~~والشارعون الذين يستطيعون أن يدرسوا مشاكلنا دراسة علمية مباشرة ويبينوا لنا السبيل الذي ~~نسلكه بوضوح، فكما ذكرت في أول محاضرتي، نحن لا نزال نتلمس طريقنا بين حكمة العقل ومنطق ~~العاطفة، ولكن الذي يذكر من حضراتكم ما كان عليه الحال منذ عشرين سنة فقط يستطيع بسهولة أن ~~يلحظ التقدم الهائل الذي حدث في هذه البرهة القصيرة بالنسبة إلى حياة الأمم. # أما عن التعليم الذي ربما كان أكبر عامل على نشر الثقافة وتوجيهها في البلاد فكلكم تعلمون ~~أن العلوم التجريبية تدرس في المدارس المصرية بأنواعها، وإذن ففي هذه الحال عندنا أثر ~~مباشر ms110 للعلوم ذاتها في عقلية الأمة، وتفكيرها ناشئ عن دراسة هذه العلوم بالذات، ولا شك في ~~أن تعليم العلوم الحديثة بالأزهر الشريف كان وسيكون له أثره في الثقافة المصرية، بل وفي ~~الثقافة العربية بأسرها، فالأزهر الذي هو أقدم جامعة في العالم والذي خدم العلم وربى ~~الروح العلمية في الوقت الذي كانت فيه أوروبا بعيدة عن كل علم وثقافة، هذا المعهد قد أخذ ~~يستعيد مجده الأول ويتمشى بخطوات واسعة نحو استكمال عظمته وجلاله، إلا أنه في الوقت الذي ~~أنوه فيه بأهمية تعليم العلوم التجريبية بمعاهدنا العلمية، يجب علي كمعلم متصل بحركة ~~التعليم في البلاد أن أشير إلى ضرورة الاعتناء بتربية الروح العلمية ذاتها في مدارسنا، ~~فالعلوم يمكن أن تدرس بطريقة علمية كما أنها يمكن أن تلقن تلقينا بعيدا كل البعد عن ~~الطريقة العلمية وروحها، وأساس الطريقة العلمية - كما بينت لحضراتكم - المشاهدة المباشرة ~~والتفكير، أو بعبارة أخرى الاعتماد على النفس في الوصول إلى المعلومات، هذا الاعتماد على ~~النفس هو أساس كل تقدم في العلوم كما أنه أساس كل تقدم في سائر مرافق الحياة، ولا أخفي ~~على حضراتكم أن تعليم العلوم بطريقة غير علمية هو عيب ظاهر في نظامنا التعليمي اليوم ولو ~~أنه عيب لا أشك في أنه سيزول تدريجيا بحكم طبيعة الأشياء؛ فالعلم وحده إلى حد ما كفيل ~~بخلق العقلية العلمية في العقول السليمة. # وبعد؛ فلعل بعض حضراتكم الليلة كان ينتظر مني أن أشير إلى الاختراعات والمستحدثات من ~~إنارة كهربائية وقاطرات وطائرات وما إلى ذلك وأثرها في ثقافتنا، ولعل هذا البعض قد أدهشه ~~أو أحزنه أنني لم أشر إلى شيء من هذا، أما السبب في عدم إشارتي إليه فيرجع: «أولا» ~~إلى أنني لا أعتقد أن هذه القاطرات والطائرات ... إلخ هي من العلم في شيء. «وثانيا» إلى ~~أننا لو اعتبرناها أثرا من آثار العلم فلا أظن أن لها شأنا يذكر في ثقافة الشعوب، فهذه ~~المظاهر الخلابة وإن كانت نتيجة لا مفر منها للتقدم العلمي، وعرضا من أعراض الثقافة ~~البشرية، إلا أنها بعيدة عن جوهر ms111 العلم نائية عن كنه الثقافة؛ فالثقافة أيها السادة حقيقة ~~معنوية مادتها الروح البشرية، كما أن العلم قوامه التفكير البشري، ولا يجوز الخلط بين هذه ~~الأمور الأساسية وبين المظاهر السطحية التابعة لها والمتوقفة عليها. # لم يبق علي إلا أن أختتم محاضرتي برجاء وأمل؛ فرجائي إلى حضراتكم أن تتقبلوا الآراء ~~التي قدمتها إلى حضراتكم الليلة بالروح التي أملتها علي وهي الروح العلمية، تلك ~~الروح التي إنما ترمي إلى الوصول إلى معرفة الحقيقة وتصوير الواقع بدون تحيز إلى رأي من ~~الآراء أو ضيق صدر عن قول من الأقوال، وأما الأمل فأن تنتشر هذه الروح بيننا، وأن تتشبع بها ~~ثقافتنا حتى تكون رائدنا نتبين بها سبيلنا في عظمة الماضي، وقوة المستقبل بحصافة الشيوخ ~~وهمة الشباب، بين حكمة العقل ووحي العاطفة. # علي مصطفى مشرفة # حضرة صاحب العزة الدكتور طه بك حسين، وقد بحث الموضوعات الخمسة ~~التالية. # | الرأي الحر # نشأته وأثره ~~(المحاضرة الأولى من سلسلة المحاضرات التي ألقاها بقاعة يورت التذكارية الأستاذ الدكتور طه ~~حسين.) # سيداتي، سادتي # كأنما كنا مع الحرية على موعد أيها السادة، فلم أكن أقدر ولم يكن الأستاذ كليلاند ~~يقدر أيضا منذ أسابيع حين كان يتحدث إلي في أمر هذه المحاضرات عن الرأي الحر، لم ~~نكن نقدر أن المحاضرة التي سأتحدث فيها عن الرأي كيف نشأ؟ وعن آثاره كيف كانت؟ لم نكن ~~نقدر أن هذه المحاضرة ستلقى في الأيام التي يشعر الشعب المصري بأن حريته ترد إليه ~~فيها. # ولولا أننا نعيش في القرن العشرين وأن الحضارة الإنسانية قد تقدمت خطوات واسعة منذ خمسة ~~وعشرين قرنا، لولا هذا لظننت أن ذلك الروح وأن ذلك الشيطان الذي كان يلهم سقراط هو الذي ~~ألهم الأستاذ كليلاند أن يطلب إلي أن أتكلم في موضوع حرية الرأي، وأن يكون هذا الحديث في ~~16 نوفمبر؛ أي بعد أن أعلن أن الحرية قد ردت إلى مصر بيوم واحد. # على أني أريد أن أتحدث إليكم عن الرأي وحريته، حديث الأستاذ لا حديث رجل آخر، ومن المحقق ~~أن أحاديث الأساتذة في كثير ms112 من الأحيان قد تكون ثقيلة وقد تكون مملة، فأستميحكم المعذرة إن ~~ثقل عليكم الحديث أو أخذكم الملل. # نستطيع أن نمضي في البحث التاريخي عن حرية الرأي، بل عن الرأي نفسه إلى أبعد زمن ممكن، ~~فلن نتجاوز الألف الثاني قبل المسيح، إلى ذلك الوقت كان الإنسان يحيا حياة توشك أن تكون ~~آلية يتأثر فيها بالغريزة، ويطيع فيها الغريزة، أكثر مما يتأثر بأي شيء آخر، وأكثر مما يطيع ~~أي شيء آخر؛ فكانت حياته اليومية نتيجة لتلك الغرائز، وكانت حضارته التي انتهى إليها نتيجة ~~لتلك الغرائز التي كانت تسيطر على حياته سيطرة تامة، ولست أدري أيستطيع الأدباء والذين ~~يدرسون التاريخ منذ العصور القديمة جدا أن يظفروا بنص من هذه النصوص التي تصور لنا ~~إنسانا يفكر ويعلن رأيه في حرية وصراحة ويجد من الجماعات التي يعيش فيها مقاومات؛ مقاومة ~~له حين يفكر، ومقاومة له حين يعلن رأيه، ولكن الذي لا نكاد نشك فيه هو أن أقدم هذه النصوص ~~التي نستطيع أن نلاحظ فيها أثر الحرية وأن نشعر بالحرية الشخصية، ومن ظهور التأثر بهذه ~~الحرية الشخصية التي تدفع الفرد إلى أن يعلن آراء لا يوافقه غيره عليها؛ أقدم هذه النصوص ~~لا نكاد نجدها إلا في الإلياذة والأودسة؛ فنحن في الإلياذة نرى جماعات يونانية متأثرة ~~أشد التأثر بأحكام العادة والتقاليد، خاضعة أشد الخضوع لهذه الأحكام، ولا نرى في هذه ~~الجماعات فردا مقتنعا بأنه موجود وجودا خاصا، وإنما هو مؤمن أشد الإيمان بأنه لا ~~يوجد إلا للجماعة وبالجماعة، ولا يستطيع أن يفكر إلا كما تفكر الجماعة، فتفكيره من ~~تفكيرها وشعوره من شعورها، وحسه من حسها، وإعرابه عن هذا الشعور وترجمته عن هذا الحس هو ~~نفس الإعراب ونفس الترجمة اللذين تلجأ إليهما الجماعة حين تعبر عن حسها وشعورها. # ولكنا نجد في هذه الخصومة التي تصورها الإلياذة بين أجا ممنون وأخيل بعض أفراد قد أخذوا ~~يتمردون على الجماعة وعلى السلطان القائم ولكنهم يتمردون تمردا خفيا مستورا لا يكادون ~~يعلنونه، إنما يتحدث به بعضهم إلى بعض في أحاديثهم الخاصة؛ هو ms113 لغة النجوى. # نجد فردا من أفراد اليونان ينعي على أجا ممنون سلطانه وطغيانه، ولكنه لا يكاد يتحدث إلى ~~من حوله بهذا النعي، أو بهذا السخط حتى ينهض من ينهض من سامعيه فيضربه بالعصا على رأسه، ~~يريد أن يضطره إلى السكوت فيستخزي هذا الفرد الذي خرج على الجماعة وأنكر ما لها من قوة ومن ~~قدرة ومن استئثار بالبأس والبطش، هذه الحياة التي تصورها لنا الأشعار القديمة في الإلياذة ~~والأودسة وما أشبهها من الأغاني اليونانية التي كانت تنشد في القرن العاشر وفي القرن ~~التاسع قبل الميلاد، تصور لنا جماعات أخص ما توصف به أنها متشابهة في الرأي والخلق ~~والعادة، وأنها تعيش عيشة توشك أن تكون كالنمل أو النحل أو كعيشة غير هذه الحيوانات من ~~الحيوانات الاجتماعية لولا أن الله قد منحها غرائز ومنحها استعدادا خاصا للرقي والكمال ~~لم تستطع أن تصل إليها النمل أو النحل. # ولكن الحياة الإنسانية لم تقف عند هذا الحد، وقد أراد الله للإنسان أن لا يكون حيوانا ~~اجتماعيا بالغريزة وحدها، وإنما أراد له أن يكون حيوانا اجتماعيا بالغريزة والعقل، ~~والعقل الإنساني يرقى شيئا فشيئا، ورقيه نتيجة الحياة المادية وتعقدها وما ظهر فيها ~~وما زال يظهر من الخصومات والتنافس على المنافع، والتهالك على إرضاء الحاجات الإنسانية ~~التي لا تنقضي، وما دام الناس يشعرون بهذه الحاجات ويدفعون بغرائزهم إلى إرضاء هذه ~~الحاجات، وما دامت هذه الحاجات مختلفة أشد الاختلاف متنوعة أشد التنوع؛ منها ما يمس الثروة ~~والاقتصاد، ومنها ما يمس السياسة والعلم، وما دام هذا كله موجودا؛ فلا بد للإنسان من ~~الحيلة، ومتى وجدت الحيلة، أخذ عقله في الوجود، ومتى وجد العقل الإنساني وشعر الفرد ~~بأنه شيء فقد أخذت الخصومة وأخذت الحرب توجد بين الفرد والجماعة، ومتى ظهرت شخصية الفرد ~~وابتدأ يشعر بأن له حقوقا وعليه واجبات، وبأن هذه الحقوق يجب أن يتقاضاها، وبأن هذه ~~الواجبات يجب أن يقضيها، فإن استطاع أن يفر منها فعل، ما دام هذا كله موجودا؛ فليس من ~~شك في أن مسألة حرية الرأي قد وجدت، ms114 وأن هذه المسألة التي قامت ستظل قائمة إلا أن ~~يرد الإنسان إلى حياة الغريزة الأولى التي كان يحياها. # وفي القرن السابع أو القرن الثامن قبل الميلاد أخذت الخصومات بين الجماعات اليونانية تظهر ~~على المنافع المادية، خاصة امتلاك الأرض، وعلى استثمارها والانتفاع بما تأتيه من ثمرات، ثم ~~لم تلبث هذه الخصومة أن تجاوزت الجماعات إلى الأفراد أنفسهم، فأخذوا يتخاصمون، كل منهم ~~يريد أن يملك أعظم حظ ممكن من الأرض أو الثروة، بعد أن كانوا لا يشعرون بشيء من ~~ذلك. # ومنذ ذلك الوقت أنتجت لهم هذه الخصومات الاجتماعية محنا ومصائب دعت الأقوياء إلى أن ~~يضطهدوا الضعفاء، ودعت الضعفاء إلى أن يلتمسوا لهم أماكن أخرى يستطيعون أن يظفروا فيها ~~بشيء من الأمن والدعة. # ونشأ من ذلك أيضا أن اختصمت الأسر؛ فطغى كبير الأسرة على صغارها، واستبد صاحب السلطان ~~الشرعي بالذين ينبغي أن يظلهم، واضطروا إلى أن يهاجموا ويخاصموا فلم تنفعهم مقاومة ولم ~~يجد عليهم خصام، وفي أثناء هذه الاضطرابات التي نشأ عنها استعمار يوناني في إيطاليا ~~وفرنسا وأفريقيا، وفي بلاد أخرى بعيدة عن بلاد اليونان، في أثناء هذا الوقت أخذ الأفراد ~~يشعرون بأنفسهم، ويلتمسون لأنفسهم أسباب الراحة، وأسباب الحرية أيضا، ثم أخذ هذا العقل ~~اليوناني يقوى ويشتد حظه من القوة شيئا فشيئا، حتى نشأ عن هذا التفكير البسيط تفكير أكثر ~~منه تركيبا، تفكير نستطيع أن نقول إنه قد أخذ يتجاوز الحياة المادية القريبة العاجلة إلى ~~شيء آخر، وأخذ الناس يفلسفون - إن صح هذا التعبير - فيما يلم بهم من الخطوب وما يصيبهم من ~~المحن، ويحاولون أن يفهموا المشكلات ويفسروا هذه المصاعب التي طرأت لهم، ثم يحاولون أن ~~يستنتجوا من هذا كله شيئا يشبه أن يكون حكمة. # وأول ما يصور هذه الأخلاق العامة الأخلاق التي تمثل الخير وتمثل الشر من حيث اتصالهما ~~بحياة الفرد لا تجدونه في الإلياذة وفي الأودسة، ولكن في شعر آخر هو شعر الشاعر اليوناني ~~المشهور «أزيود» الذي أخذ يتفلسف في حياة الإنسان ويحاول أن يصورها في شعره كما نفلسف نحن ~~في ms115 بعض حياتنا اليومية العادية، بل ارتقى تصوير الناس إلى أبعد من هذا أيضا حتى حاول ~~أزيود في قصيدته «الأيام والأعمال» التي حفظت إلى الآن، حاول أن يوجد شيئا يشبه ~~العلم، فنظم بعض المعلومات التي كان الناس يستكشفونها كل يوم في حياتهم الخاصة من بعض ~~المعلومات التي تمس الزراعة والفصول من صيف وشتاء وخريف وربيع، ثم ينتقل من هذا إلى بعض ~~ملاحظات فلسفية عن العمل وفائدته وعدم الاعتماد على الوراثة ولا على الثروة التي تورث، ~~ولكن الرجل الذي يستحق أن يسمى رجلا حقا هو الذي يعتمد على عمله. # هذا الشعور، وهذا الرقي العقلي، وهذا التفكير الذي نلاحظه لم يلبث أن انتهى إلى نتائجه ~~الطبيعية، وهذه النتائج الطبيعية هي إيقاظ ميل الإنسان إلى النقد، وإلى الملاحظات ~~المختلفة على النظم التي كان خاضعا لها، ومنذ أخذ الإنسان اليوناني يلاحظ وينقد ويضع ~~النظام القائم موضع البحث والتفكير، نشأت الخصومات السياسية عند اليونان، وكان أول مظهر ~~لهذه الخصومات أن أنكر سلطان الملوك، وأن أخذت جماعات من رؤساء الأسر والعشائر تتحدث بأن ~~ليس بين هؤلاء الرؤساء وبين هذا الرجل الذي يسمى الملك، والذي يستأثر بالسلطة الدينية ~~والقضائية والحربية فرق ما؛ هو من أسرة عظيمة، كما أنهم من أسر عظيمة أيضا، له مكانة في ~~الجماعة كما لهم، وهو إنسان يتأثر، فهو إذن مثلهم وهم مثله، فما امتيازه؟ وما تقديسه؟ وما ~~الذي يمنع أن يكون هؤلاء الرؤساء الذين يشبهون الملك؟ ما الذي يمنع هؤلاء الرؤساء من أن ~~يكونوا شركاء الملك في سلطانه ويقاسموه الامتياز؟ ومن هنا أخذ التنافس العنيف يظهر بين ~~الملوك وبين رؤساء الأسر، فنشأت الخصومة بين الأرستقراطية والملكية، وليس من شك أن الملوك ~~قاوموا هذا ولكنهم غلبوا آخر الأمر، وكان انتصار الأرستقراطية على الملكية أول نصر للرأي؛ ~~فقد استطاع الرأي أن يوجد في الحياة اليونانية فكرة جديدة وأن يغير نظاما وأن ينقل ~~الإنسانية اليونانية من طور الخضوع لفرد واحد إلى طور آخر هو الخضوع لأفراد كثيرين، ثم ~~نلاحظ أن العقل الإنساني إذا بدأ الحركة فلا سبيل ms116 إلى أن يسكن، ولست أدري أشر هذا أم ~~خير؟ # بدأ العقل الإنساني ينقد فلم يكن من سبيل إلى أن يقف عند حد، وما دام أفراد هم زعماء ~~الأسر قد استطاعوا أن يغلبوا الملوك بل أن يخلعوهم وأن يستأثروا من دونهم بالسلطان وأن ~~ينشئوا جمهوريات أرستقراطية، أمر الحكم فيها إلى قلة من غير شك، ولكنه على كل حال إلى ~~جماعة لا إلى فرد؛ فما الذي يمنع من أن يفكروا؟ وما الذي يمنع هؤلاء الأفراد الذين ليسوا ~~زعماء ولا رؤساء أن يسألوا أنفسهم - كما كان الرؤساء يسألون أنفسهم - ما الذي يفرق بيننا ~~وبين الزعماء؟ وما بال الزعماء يؤثرون أنفسهم من دوننا بالأمر؟ وما الذي يمنع أن يكون ~~السلطان شائعا؟ ومنذ نشأت هذه الفكرة وصل الرأي السياسي الإنساني الحر إلى الطور الثاني ~~من أطواره وهو الطور الديمقراطي وأخذ الحكم الديمقراطي ينبث، وظهرت أثناء القرن السابع ~~والسادس قبل الميلاد ثورة على نظام الأرستقراطية في أكثر المدن اليونانية إن لم يكن فيها ~~كلها. # ولم يكد ينتهي القرن السادس قبل الميلاد حتى انتصرت الشعوب على الأرستقراطية وانتصرت ~~أيضا الديمقراطية، وحتى صار أمر الحكم إلى الناس جميعا بعد أن كان إلى فرد واحد ثم إلى ~~جماعة ضئيلة. # من أخص ما يمتاز به العقل الإنساني أنه إذا بدأ الحركة لا يقف - كما قلت - ولكنه لا ~~يمضي في طريق مرسومة مستقيمة (غير قابلة للانحراف)، وإنما العقل الإنساني إذا تحرك مضى ~~أمامه وينحرف إلى اليمين وإلى الشمال، فهو يمضي ثم ينحرف، لا يتحرك حركة مستقيمة، وإنما ~~يتحرك حركة فيها غير قليل من التعريج، فالعقل الإنساني الذي ارتقى في السياسة والذي مكن ~~للأقلية أن تقهر الملوك، ومكن الكثرة من أن تقهر الأقلية؛ هذا العقل لم يكتف بالنظر في ~~شئون الإنسان، ولكنه أخذ ينظر إلى ما هو أرقى وأعم من الإنسان، أخذ ينظر إلى الطبيعة ~~نفسها وهو الذي استطاع أن ينزل الأرستقراطيات عن سلطانها، فما الذي يمنعه من أن يدرس ~~الطبيعة أيضا ومن أن يجعلها موضوعا للبحث أو النقد؟ # ومنذ ذلك الوقت ms117 أخذ العقل يفكر في مسائل ليس بينها وبين الإنسان صلة مباشرة، هي مسائل ~~عليا؛ أخذ يفكر في الطبيعة وأخذت الفلسفة الإنسانية توجد وجودا فعليا. ونستطيع أن نقول ~~إن ظهور الفلسفة في القرن السادس قبل الميلاد، هو العصر التاريخي الدقيق لظهور العقل ~~بمعناه الصحيح، وهو العصر التاريخي الدقيق لظهور الرأي الحر، وهو العصر التاريخي الصحيح ~~الذي أخذ يظهر فيه أفراد يقاومون الجماعة لا لمصلحة الجماعة بل لمصلحة الفكر للفكر من حيث ~~هو. # منذ نشأت الفلسفة أخذ الناس يؤمنون بأن هناك شيئا اسمه الحقيقة، وأن هذه الحقيقة يجب أن ~~تكون فوق الإنسان، وفوق الجماعة، وفوق كل شيء، وبأن الرجل الذي يمتاز بالعقل ويمتاز ~~بالتفكير الصحيح يجب أن يضع الحقيقة فوق كل اعتبار وأن يجعلها هي وحدها قبلته إذا فكر أو ~~نظر. # ومنذ ذلك الوقت أخذ يوجد بين الناس هؤلاء الأفراد الذين يوصفون بالجنون؛ لأنهم يخالفون ~~جميع الأطوار التي تظهر فيها الجماعة في عصرهم؛ فهم خصوم الجماعة، وهداة الجماعة ومرشدوها ~~إلى الخير، وهم الذين يشقون لها طريقها إلى الرقي، ولكنهم يسبقون عصورهم دائما، وربما ~~كانوا يمتازون بأنهم وجدوا في الوقت الذي كانت مصالحهم الخاصة تقضي بألا يوجدوا، فمن ~~المؤكد أيها السادة أن سقراط لو وجد الآن لما فكر فيه إنسان، ولما حفل به أحد ولا ~~تعرض لخصومته أحد، فأين فلسفة سقراط وآراؤه مما وصلت إليه آراء الفلاسفة ~~المعاصرين؟ # من المؤكد أن سقراط لو وجد في القرن العشرين لمر كما يمر أي إنسان مثقف ثقافة عالية ~~ممتازة، ولكن من المحقق أنه لو لم يوجد في العصر الذي وجد فيه، ولو لم يسبق الوقت الذي ~~كانت مصلحته الفردية تقتضي أن يوجد فيه، لو لم يوجد في عصر ينكره أشد الإنكار، ويسخط عليه ~~أشد السخط، لو لم يوجد سقراط لما وجدت الفلسفة التي توجد الآن، فلم يكن بد إذن من ~~أن يوجد هذا العقل الذي يظهر شذوذه وتفوقه وخروجه عن المألوف، ومن أن يشذ، ومن أن يخرج على ~~الجماعة ليستطيع أن يحدث ما أحدث من الآثار، ms118 ويوجد بعده أفلاطون ثم أرسطاطاليس وغيرهم من ~~هؤلاء الذين نراهم الآن ونشهد آثارهم. # لم يكن إذن غريبا أن يشذ سقراط، ولم يكن غريبا أن يجد سقراط ما وجد من الخصومة، ولا ~~ينبغي أن نظن أن أول خصومة وجدها سقراط هي هذه الخصومة التي انتهت به إلى الموت، هذه ~~الخصومة التي اتهمته أمام المحكمة بأنه ينكر الآلهة ويضلل الشباب ويفسد أخلاقهم، كلا، فإن ~~سقراط لم يكد يوجد، ولم يكد يظهر كفيلسوف، ويتحدث إلى الناس بآرائه، ويجادلهم فيما كان ~~يجادلهم فيه، حتى وجد له خصوم مختلفون، وحتى ظهر رد الفعل، وحتى أنكره الناس إنكارا ~~شديدا، وأنكره الرأي العام وضحك منه وآذاه، وربما كانت قصة السحاب التي بقيت لنا من قصص ~~أرسطوفان قصة رائعة ناطقة بهذه المقاومة التي لقيها سقراط، هذه القصة تصور لنا كيف كان ~~جمهور الشعب ينظر إلى سقراط فيسخر منه ويجده رجلا سخيفا يهذي ويعلم الشبيبة كيف تهذي، ~~ويدفعهم إلى أشياء لم يدفعهم إليها أساتذتهم من قبل، ثم كيف كان الشعب يضحك من سقراط ~~حينما كان أرسطوفان يمثل لهم هذه الأدوار الغريبة في قصر السحاب. # إذن كان سقراط خارجا على جماعته مقاوما لها وكان طبيعيا أن يجد من الجماعة ما وجد، ~~ولم يكن هناك شيء غريب في أن يتقدم اثنان فيتهما سقراط بأنه عدو الشعب، ولا سيما إذا ~~لاحظنا أن فلسفة سقراط لم تمض في طريقها المستقيمة التي كان يجب أن تسير فيها، وإنما ~~انحرفت به إلى السياسة، وقد قلت إن العقل لا يسير في طريق مرسومة، بل ينحرف إلى اليمين ~~وينحرف إلى الشمال، فقد كان سقراط عضوا من أعضاء الجماعة، يشعر بحقوق وواجبات وكان يشترك ~~في أداء الواجبات العامة، وكان لحسن حظ الإنسانية وحسن حظه مقاوما لطغيان الطغاة، فلما ~~ذهب عصر الطغاة وجاءت الديمقراطية منتصرة كان سقراط فيلسوفا، ومعنى هذا أنه لم يمض مع ~~الشعب ولم تستقم به الطريق وإنما أخذ يسخر من بعض النظم ومن كثير من نظم الحياة ~~الإنسانية، فخيل إلى الناس أنه عدو للديمقراطية. # ومن يدري ms119 لعل سقراط لم يكن بينه وبين نفسه صديقا للديمقراطية! كان إذن سقراط خصما ~~للجماعة في تفكيرها وفي نظامها السياسي، ثم كان فيلسوفا طاغية إلى حد ما؛ فكلكم يعلم ~~أنه عندما قدم إلى القضاة لم يدافع عن نفسه إلا كارها، إنما دافع عن نفسه ليسخر من ~~الذين اتهموه والذين حاكموه أيضا، ثم عندما صدر الحكم على سقراط لم يظهر احتراما لهذا ~~الحكم ولا رضي عنه، وكانت العادة إذا صدر الحكم على متهم بأنه مذنب أن يختار لنفسه ~~العقوبة التي يرى أنها خليقة أن تفرض عليه، فلما سأله القضاة عن العقوبة، قال ساخرا: ~~«إنني قد خدمت الوطن خدمة متصلة طيبة وأظن أن الوطن يجب عليه أن يطعمني على حساب الدولة ~~إلى آخر أيامي»؛ أي إنه يرى أن تكرمه الدولة وأن تطعمه لا أن تعاقبه، أمام هذا الاستهزاء ~~لم يكن بد من أن يقضى على سقراط بالموت، وليس معنى هذا أن الشعب اليوناني كان موفقا حين ~~قاوم حرية سقراط، ولا موفقا حين قضى على سقراط بالموت، ولكن معنى هذا أن الشعب اليوناني ~~كان معذورا؛ لأن حرية الرأي لم تكن قد عرفت؛ ولأن الشعب بطبيعته مضطر إلى أن يقاوم كل ~~خطب يهدد حياته ويهدد نظامه، فكما أن للفيلسوف حقه في الفكر وفي أن يعلن رأيه، وله الحق في ~~أن يتحدث إلى الناس حرا، فمن الطبيعي أن يقاوم هذا الرأي، ولم يكن العقل الإنساني قد ~~ارتقى، ولم يكن الإنسان يفهم مقاومة الرأي بالرأي وحده، إنما كان الإنسان يفهم أن كل ~~خارج على الشعب يجب أن يقضى عليه بالعقاب. # مهما يكن من شيء، فقد كان سقراط هو الضحية الأولى لحرية الرأي، ولكنها الضحية الخالدة ~~الخصبة، وكان موت سقراط إعلانا لانتصار العقل وحرية الرأي السياسي؛ فلم يكد ينفذ في ~~سقراط حكم الإعدام حتى انتشرت آراؤه ومذاهبه انتشارا رائعا، وحتى طغت مبادئه على كل ~~الأرض، وانتصرت فلسفته على كل ما سبقها من أنواع الفلسفة وضروب الحكم، وحتى أصبح كل يوناني ~~مثقف سقراطيا إلى حد ما من تلاميذ أفلاطون ms120 أو غيره من تلاميذ سقراط. # ثم مضت الفلسفة مقاومة للجماعات، ثم مضت الجماعات مقاومة للفلسفة أيضا، وكلكم يذكر أن ~~أفلاطون لم يكن حسن العلاقات مع الشعب الأثيني، وأن أرسطاطاليس قد هرب من أثينا؛ لأنه خاف ~~أن يحاكم كما حوكم سقراط، ومات وهو في هربه. # مضت الفلسفة تناضل عن حقها في الحرية وتلقى في ذلك محنا وخطوبا، تفكر وتعلن تفكيرها، ~~إلى أن كان عصر ظهور المسيحية، في ذلك الوقت وصلت الحرب بين العقل والضمير وبين الجماعات ~~إلى أقصى ما كان يجب أن تصل إليه من عنف، وكان مظهر هذه الحرب بين حرية الضمير والرأي، ~~وبين الدولة والسلطان ما كان من الخصومة بين الإمبراطورية الرومانية والدين المسيحي، وكما ~~لاحظ «إستيوارت مل» من أن رجلا من قياصرة الرومان كان فيما يظهر أرقى القدماء تفكيرا ~~وأسماهم خلقا وأعلاهم تصورا للخلق الكريم، هذا الرجل هو ماركوس أورليوس الذي ترك في ~~الأخلاق والحكم والفلسفة آراء خالدة، هذا الرجل قد اضطهد المسيحية وعذب الناس؛ لأنهم ~~كانوا يقولون ربنا الله، وهذا أيضا طبيعي؛ لأن المسيحيين في ذلك الوقت لم يكونوا حراصا ~~على أن يستمتعوا بحريتهم بينهم وبين ضمائرهم فحسب، ولكنهم كانوا خارجين على السلطان. # كانوا ينكرون سلطان قيصر ويأبون أن يعبدوا قيصر كما كان يعبده غيرهم، وكانت عبادة قيصر ~~جزءا من الدين الرسمي والنظام السياسي، والغريب أن اضطهاد قياصرة الرومان للضمير المسيحي، ~~وما سفكوا من دماء المسيحيين كان بالضبط كاضطهاد الأثينيين لسقراط؛ فهذه الدماء المسيحية ~~التي سفكت في سبيل الاحتفاظ بالرأي وحرية الضمير قد روت الأرض وملأتها بناس يقدسون ~~الشهداء ويسرعون إلى المسيحية. # والشر كل الشر أيها السادة يأتي من أن الإنسان يطغى، ويكاد يكون طغيانه جزءا من ~~طبيعته، فهذه المسيحية التي جاهدت في سبيل حرية الضمير والتي لقيت ألوان العنف والظلم من ~~قياصرة الروم، والتي سفكت دماء مئات الآلاف من أبنائها في سبيل الحرية، هذه المسيحية لم ~~تكد تصبح دينا رسميا حتى تأثرت أو اعتنقت نفس المبادئ التي كانت تحارب بها، وفرضت على ~~خصومها بعد أن ضعفوا ms121 ما كان يفرضه عليها خصومها حين كانوا أقوياء؛ فإن المسيحية الرسمية قد ~~اضطهدت الوثنيين وقتلتهم وعذبتهم، ثم مضى الأمر على هذا النحو حتى أصبحت مصادرة الرأي ~~ومحاربة حرية الضمير شيئا يوشك أن يكون رسميا في بلاد الروم في أواخر العصور القديمة ~~وأوائل العصور الوسطى، وحتى وجد من آباء الكنيسة من كان يقول إن من أظهر خلافا للدين ~~الرسمي يجب أن يقتل، ولست في حاجة إلى التحدث عن الفظائع التي اقترفتها الملوك والسلطات ~~لمصادرة الرأي ومقاومة الضمير الحر أثناء القرون الوسطى؛ كلكم يذكر من ذلك الشيء الكثير، ~~وكلكم يشفق على الإنسانية من آثار هذا كله، ثم كلكم يعلم أن نتيجة هذه المقاومة المتصلة ~~كانت انتصارا للرأي، وكان ظهور المذهب الجديد، مذهب الإصلاح، نتيجة لمقاومة حرية الرأي، ~~وكان انتصار مذهب البروتستانت في أوروبا هو انتصار مذهب حرية الرأي والضمير، على أن نفس ~~مذهب البروتستانتية قد لقي مقاومات عنيفة، ولكن هذه المقاومات التي لقيها في بلد كفرنسا ~~انتهت إلى هذه النتيجة الباهرة التي قد نتحدث عنها في محاضرة أخرى، وهي وجود طائفة من ~~فلاسفة فرنسا يعلون حرية الرأي، ويتخذون التسامح مبدأ سياسيا، ويرون أن التسامح يجب أن ~~يكون القاعدة العليا، والقاعدة الأولى والأخيرة لكل سياسة رسمية يكون عليها الحكم في بلد ~~مثقف يحترم نفسه؛ فلولا هذه المقاومات الفظيعة لما وجد فولتير وروسو، ولما أعلنت ~~حقوق الإنسان في أمريكا وفي فرنسا التي ما زلنا نعيش في ظلها إلى اليوم. # أظنكم تلاحظون أني عندما عرضت لكم تاريخ حرية الرأي قد سلكت طريقي في الغرب منذ بدأتها ~~إلى أن انتهيت ولم أذكر الشرق، وهذا صحيح وسببه واضح، وهو أن الشرق القديم، الشرق الذي كان ~~يسبق العصر اليوناني، هذا الشرق لا نستطيع أن نجد فيه ظلا لمسألة الرأي وحريته، لا نكاد ~~نجد شيئا من هذا في تاريخ الشرق القديم، إنما وجدت الخصومات حول الرأي في الشرق عندما ~~يتصل الشرق باليونان أيام الإسكندر. # أما الشرق الآخر، الشرق الذي يبتدئ من نحو القرن السادس للمسيح والذي نعيش الآن في ms122 ظله، ~~الشرق الذي تأثر بالأمة العربية، الشرق الذي تأثر بالعرب والدين العربي، الشرق الذي تأثر ~~بالإسلام، هذا الشرق الإسلامي أيها السادة ربما كان من أسعد أقطار الأرض من هذه الناحية، ~~وأحق أقطار الأرض بالإجلال؛ ذلك أنه لم يعرف منذ وجود الإسلام مصادرة حقيقية، خليقة بهذا ~~الاسم، تقوم على الحرب المنظمة لحرية الرأي، إنما قام الإسلام على حرية الرأي معليا ~~لها حريصا عليها، وأظن أن كل مفكر حر منصف صادق في البحث والتاريخ لا يستطيع بحال من ~~الأحوال أن يسجل على الإسلام، ولا على الذين أخلصوا له أنهم صادروا الرأي أو قاوموا حرية ~~الرأي بنوع من الأنواع. # من المحقق أيها السادة أن نظاما كالنظام الإسلامي نجد في تاريخه الأول هذه الجملة ~~الخالدة التي تصور الحرص على حرية الرأي، والفناء مع حرية الرأي، وإيثار حرية الرأي على ~~الحياة، هذا النظام ظاهر في هذه الجملة الخالدة التي قالها النبي # صلى الله عليه وسلم # لعمه: «والله لو ~~وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما فعلت.» # هذا النظام الذي نجد في تاريخه هذه الجملة الخالدة والذي نجد في كتابه المقدس: # لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ~~؛ لا يمكن بحال من الأحوال أن يكون في وقت من الأوقات ~~خصما لحرية الرأي، وكل من خاصم حرية الرأي فهو عدو للإسلام. # ومع ذلك أيها السادة، فإن برئ الإسلام من العداوة لحرية الرأي، وبرئ من كل خصومة لحرية ~~الرأي، وإذا كان الإسلام هو الدين الذي يجعل حرية الرأي أصلا رسميا؛ فإن بين المسلمين ~~من يجهرون بمحاربة حرية الرأي، ومن يتخذون الإسلام وسيلة لمحاربة الإسلام. # وإذا لم يكن بد من أن أؤدي إليكم بكل صراحة وشجاعة رسالة العقل ورسالة الإسلام معا، ~~فإني أعلن إليكم صادقا بغير تردد: «أن كل من يخاصم حرية الرأي فهو عدو ~~للإسلام.» # | فولتير # سيداتي، ساداتي # انتهينا من حرية الرأي في المحاضرة الماضية إلى هذا العصر الحديث الذي كان فيه الصراع ~~شديدا بين مذهب الإصلاح وبين الكاثوليكية، وقد ms123 قلت لكم في آخر المحاضرة إن هذا الصراع ~~وهذه المقاومة التي لقيها مذهب الإصلاح أنتجا ظهور فلاسفة يدعون إلى حرية الرأي ويجاهدون ~~في سبيلها ويلحون في جهادهم حتى انتهوا إلى ما انتهوا إليه من الثورة ~~الفرنسية. # وأريد اليوم أن أحدثكم عن فيلسوف من هؤلاء الذين دعوا إلى حرية الرأي وجاهدوا في سبيلها، ~~وانتهى بهم الجهاد إلى نصر مؤزر، وهذا الفيلسوف هو فولتير. # وأحب قبل أن أحدثكم عن فولتير أن ألاحظ بعض الملاحظات التي لا بد منها؛ فاسم فولتير من ~~هذه الأسماء التي تثير الحب عند كثير من الناس، ولكنها في الوقت نفسه تثير البغض عند كثير ~~منهم أيضا؛ ذلك أن هذا الرجل قد أحسن إلى كثيرين وأساء إلى كثيرين؛ أحسن إلى المضطهدين، ~~ولكنه أساء إلى الذين كانوا يضطهدون الناس، أحسن إلى الضعفاء، ولكنه أساء إلى الأقوياء، ~~أحسن إلى المظلومين، وأساء إلى الظالمين، ومن حيث إن الظالمين عادة لا يظلمون عفوا، ~~وإنما يعتمدون على بعض الأصول والمبادئ يتخذونها سبيلا إلى الظلم، ويتخذون العدل أداة ~~إلى الجور، والحق سبيلا إلى الباطل؛ فلم يسئ فولتير إلى الظالمين من حيث إنهم ~~ظالمون فحسب، ولكنه أساء إلى الظالمين وإلى الأصول التي اعتمدوا عليها في ظلمهم وجورهم، ~~وأظنكم قد فهمتم ما أريد أن أقول، فقد كره فولتير الاضطهاد الديني وقاومه مقاومة عنيفة، فلم ~~يكتف بالإساءة إلى الظالمين والمضطهدين باسم الدين، ولكنه اندفع في ذلك إلى غير جد ~~فأساء إلى الدين نفسه، وهو من هذه الناحية كان بغيضا إلى رجال الدين وما زال بغيضا ~~إليهم، وسيظل بغيضا دائما إلى كل مؤمن بدينه حقا، فأحب أن تلاحظوا أنني عندما أتحدث ~~عن فولتير أتحدث عنه حديث مؤرخ ليس غير، وسواء لدي أكان فولتير مصيبا أم مخطئا، أم كان ~~مرضيا أم مغضبا، إنما الذي يعنيني من فولتير الآن هو ذلك الفيلسوف الذي جاهد في ~~سبيل حرية الرأي وأثر جهاده في الحياة الفرنسية أولا ثم الأوروبية بعد ذلك، ثم ~~الإنسانية بوجه عام. # ولد فولتير في أواخر القرن السابع عشر الميلادي، بالضبط ms124 في سنة 1694 من أسرة من الطبقة ~~الوسطى، كان أبوه موثقا في باريس، ثم انتهى إلى عمل في ديوان المحاسبة، وفي هذا الوقت ~~كانت الطبقة الوسطى في فرنسا قد أخذت تتقدم تقدما واسعا في الحياة الاجتماعية، كانت تظهر ~~من التقدم في جميع فروع الحياة ما مكنها من أن تفرض نفسها على الجماعة الفرنسية فرضا، ~~وكانت قد لقيت من معونة السلطان شيئا كثيرا، فاستطاعت أن تحرز مركزا ممتازا في التجارة ~~والصناعة والأعمال الحرة بوجه عام، بل استطاعت أن ترقى إلى المناصب العامة بعد أن كانت هذه ~~المناصب مقصورة على طبقة الأشراف، بل استطاعت أن ترقى إلى طبقة الأشراف نفسها بواسطة هذه ~~القرارات والمراسيم التي كان يصدرها الملوك فيرفعون بها الرجل من الطبقة الوسطى إلى طبقة ~~النبلاء. # ولد إذن فولتير من أسرة من هذه الطبقات الوسطى نشيطة عظيمة الحظ من النشاط، وكان أبوه ~~بحكم صناعته متصلا بالطبقات الراقية وبأكبر النبلاء في باريس، كان موثقا لجماعة عظيمة ~~من الكبراء الباريسيين، فكان يلقاهم ويتحدث إليهم، وكانوا يزورونه ويزورهم، وكان الشعراء ~~الذين امتازوا في القرن السابع عشر في فرنسا من نفس طبقة فولتير، كورني وبوللو وراسين ~~وموليير وغيرهم، كانوا كلهم من هذه الطبقة. # نشأ فولتير إذن في بيئة لا بأس بها، ليست معدمة ولا فقيرة، بل لها حظ من اليسار والغنى، ~~ثم ليست منحطة من الناحية الاجتماعية، بل راقية محترمة، ثم هي مقربة من النبلاء ومن ~~يتصلون بالقصر والذين يتقربون إليه، ثم هي بحكم هذا كله على اتصال بالصالونات الأدبية التي ~~يروى فيها شعر راسين وموليير وكورني وغيرهم من الأسماء التي تملأ الأندية في باريس في ذلك ~~الوقت. # ولم يكد فولتير يبلغ العاشرة من عمره حتى أرسل إلى مدرسة من مدارس اليسوعيين، فتعلم ~~فيها. # وكانت مدارس اليسوعيين في ذلك الوقت هي أرقى المدارس في فرنسا، تعلم فيها ديكارت قبل ~~فولتير بزمن طويل، ولم يكد ينتهي فولتير إلى الثامنة عشرة من عمره حتى كان قد أتم تعليمه ~~وأخذ يظهر شخصيته الأدبية واضحة جلية، بل لم يكد ms125 يتجاوز العشرين حتى أخرج القصة التمثيلية ~~الأولى من قصصه المسرحية وهي قصة «أوديب». # ولكن فولتير تأثر جدا بالحياة الأدبية، وكان تأثره بها أشد مما كان يريد أبوه؛ فكان ~~يميل إلى الشعر، وكان يميل إلى الدعابة واللهو وحياة الأدباء الفارغة من كل ما يفيد المال ~~ويمكن صاحبه من الكسب المادي؛ فغضب أبوه وأنكر عليه هذا أشد الإنكار وأراد أن يصرفه عن ~~الأدب، وجاهد في ذلك ما استطاع ولكنه لم يوفق، وأراد أن يصرفه إلى صناعة تعود عليه ~~بالفائدة المادية، فاجتهد في أن يلحق ابنه برجل من عظماء فرنسا، وهو سفير فرنسا في هولندا، ~~لعله يتمرن على بعض حياة الجد، وسافر الفتى مع السفير، ولكنه لم يكد يصل إلى لاهاي حتى عرف ~~سيدة فرنسية لها ابنة جميلة خلابة، فاتصل بالسيدة، واتصل بالفتاة، وكان بينه وبين الفتاة ~~خطوب، واشتكت السيدة إلى السفير، واضطر السفير إلى أن يرد هذا الفتى إلى باريس، وهنا ~~حاول الرجل أن يصرف ابنه مرة أخرى عن الأدب، وجد في ذلك، ولكنه لم يوفق حتى انتهى به ~~الأمر إلى أن توصل إلى أن يظفر بأمر بالقبض على هذا الفتى وإرساله إلى السجن، فقبض ~~عليه وأرسل إلى السجن وقضى فيه حينا ثم خرج، وكان أبوه يظن أن هذا التأديب سيصرفه عن ~~الأدب، ولكن ذلك زاده إلحاحا فيه وتمسكا به. # وما زال الفتى يجد في صناعته هذه، وفي حياته الأدبية حتى نجح في التمثيل ثم أخذ يظهر ~~آثارا أدبية تنشر فتلقى نجاحا وأخرى تنشر فتثير غضبا وسخطا، وأبوه ضيق بذلك كاره له ~~حتى انتهى به الأمر إلى أن أصدر أثرا أعجب الملك والملكة، وصدر القرار بأن يخصص له مرتب ~~من القصر، وهنا أحس والد فولتير أن الأدب صناعة لا بأس بها. # على أن فولتير كان أديبا بأدق معاني الكلمة، وأدق معاني الكلمة هنا أنه كان مضطربا لا ~~نظام له في الحياة، يندفع في اللهو إلى أقصى حدوده، وكان صاحب عبث ولهو ما وسعه العبث ~~واللهو، وكان أدبه يقربه إلى الطبقات العليا في ms126 فرنسا، ولم يكد يبلغ الخامسة والعشرين ~~حتى كان معروفا في أرقى الطبقات في باريس وخالط الأشراف والنبلاء. # ولكنه كان حاد اللسان حاد الطبع، انتهى به هذا إلى أن أغضب بعض الناس وأحنق عليه بعض ~~النبلاء، فأغرى به هؤلاء النبلاء رجلا من المقربين إلى القصر، وهذا الرجل اسمه ~~الشفاليه دي روهان # Chevalier du Rohan # الذي قرر أن ~~يكلف بعض خدمه أن ينتظر فولتير حين يخرج من الملعب وأن يصب عليه بعض العصي، فانتظره الخدم ~~حتى خرج ذات ليلة من الملعب ثم تلقوه بعصيهم وأخذ النبلاء يرون هذا ويضحكون لذلك، فحنق ~~فولتير من ذلك الوقت على النبلاء وأخذ يشعر شعورا حادا جدا بالفروق بين النبلاء ~~الممتازين وبين الطبقات الأخرى؛ الوسطى أو الدنيا التي لا حظ لها من الامتياز. # حاول فولتير أن ينتقم لنفسه وأن يبارز هذا الرجل، ولكنه لم يوفق إلى شيء من هذا، ولكن ~~الذي وفق إليه إنما هو صدور أمر الحكومة بالقبض عليه وإلقائه في السجن فأرسل إلى ~~الباستيل، وأمضى فيه نحو سنة، وفي هذه المدة بدأ كتابا من كتبه التي أتاحت له شهرة عظيمة ~~وطال عليه السجن، وأخذ الذين يحبونه يعملون على إخراجه، ولكن الحكومة أذنت بإخراجه من ~~السجن على أن لا يبقى في فرنسا، فقبل وأعطى على نفسه عهدا بذلك فخرج من السجن وعبر ~~المانش إلى إنجلترا؛ حيث أقام ثلاث سنوات من سنة 1726م إلى أواسط سنة 1729م. # هذه المدة التي أقامها في إنجلترا كانت عظيمة الأثر في حياته، وكانت عظيمة الأثر جدا في ~~حياة الأدب الفرنسي، بل في الحياة الفرنسية العامة من جميع الوجوه، كان فولتير شديد الذكاء ~~قوي الطبع حاد المزاج سريع التأثر بكل ما يرى ويسمع ويحس، شديد التأثر بالذين عاصروه، ~~والمجددين منهم خاصة، كان ميالا إلى المحافظة في الأدب، متأثرا بالأدب اليوناني ~~واللاتيني وبأدب القرن السابع عشر، ولكنه في الفلسفة كان مجددا جدا؛ كان منحرفا عن ~~الفلسفة الرسمية في فرنسا أشد الانحراف، متأثرا بالحركة الجديدة وهي حركة الميل إلى ~~العلوم التجريبية، فلما عبر البحر ms127 إلى بلاد الإنجليز صادف أحسن بيئة لهذا الميل؛ فلم تكن ~~هناك في أوروبا أرض أثر فيها العلم التجريبي كإنجلترا. # ويكفي أن تذكروا أن فولتير عبر البحر إلى إنجلترا في عصر كانت تسود فيه فلسفة «نيوتون» ~~واستكشافاته العلمية، لم يكد فولتير يصل إلى إنجلترا حتى انغمس في الحياة الأدبية ~~الإنجليزية انغماسا مدهشا، وخلا إلى نفسه في قرية من القرى الإنجليزية، ولم يكد يتم ~~سنة وبعض سنة حتى أتقن اللغة الإنجليزية إتقانا مكنه من أن ينشر فيها كتابين، وإذا ~~الكتابان يظفران بنجاح عظيم. # على أن فولتير حين سافر من فرنسا إلى إنجلترا لم يسافر دون أن يصطحب معه كتبا تقدمه ~~إلى بعض كبراء الإنجليز وبينها كتاب إلى سفير فرنسا في لندرة، وهذا السفير قدمه إلى ~~عظماء الإنجليز ونبلائهم، عندما وصل فولتير إلى إنجلترا واتصل بهؤلاء لم يكن إلا الفرنسي ~~الذي يتأثر بالحياة الفرنسية وحياة الطبقة الوسطى في فرنسا التي لا تلائم الحياة ~~الإنجليزية الدقيقة سيما حياة النبلاء والممتازين، ويقال إنه عندما زار الشاعر الإنجليزي ~~المعروف «بوب» دعاه إلى الغذاء، وكان فولتير ضعيفا ممعودا، فأخذت زوج الشاعر تحثه على ~~الأكل، وأخذ فولتير يقص عليها الأسباب التي من أجلها يشعر بالألم، فكان في هذه القصص بسيطا ~~يسيرا فرنسيا بأدق معاني الكلمة، ناسيا أو متجاهلا تقاليد الإنجليز حتى إن اللادي ~~حين سمعت هذا كله ضاقت به واشمأزت وتركت المائدة وانصرفت. # اتصل في إنجلترا بفلاسفة الإنجليز الذين كانوا يعاصرونه، وقرأ آثار الفلاسفة الذين ~~سبقوه، واتصل بالشعراء ورجال المال والسياسة، وتأثر بالحياة الإنجليزية في جميع أطوارها ~~وفروعها أشد التأثر، وفي هذه المدة التي أقامها في بلاد الإنجليز أتم كتابه الذي كان قد ~~بدأه في السجن، ونشره ففاز في هذا الكتاب بنجاح عظيم، وهو قصيدة قصصية عن حياة هنري الرابع ~~والحروب المدنية الفرنسية، وفي سنة 1729 سعى حتى أذن له بالعودة إلى فرنسا؛ لأنه لم ~~يستطع أن يعيش في إنجلترا عيشة هادئة، إنما اشتغل بأشياء كرهها منه الإنجليز؛ اشتغل ~~بالسياسة، وبالسياسة الدولية اشتغل بشيء يوشك أن يكون تجسسا، ms128 وسعى بين رجال القصر وبين بعض ~~الأفراد من النبلاء فكرهه أولئك وهؤلاء، وأصبحت الإقامة في إنجلترا عليه أمرا متعذرا، ~~فاستأذن حتى أذن له بالعودة إلى بلاده، ولكنه لم يعد صفر اليدين إنما عاد مملوء القلب ~~والعقل بما أخذ وحفظ في بلاد الإنجليز، ومملوء اليد أيضا بما كسب من مال. ولم يكد يستقر ~~في فرنسا حتى أصدر كتابا سماه الرسائل الإنجليزية أو الرسائل الفلسفية، والغرض الأساسي ~~من هذه الرسائل هو المقارنة بين الحياة الإنجليزية والحياة الفرنسية، هذا الكتاب وضعه ~~بالطبع باللغة الفرنسية ولكنه نشر ترجمته بالإنجليزية في بلاد الإنجليز أولا ثم عاد ~~ونشره في فرنسا، ولم يكد يظهر ما في هذا الكتاب من وصف الحياة الإنجليزية والثناء عليها، ~~وذكر الحرية الإنجليزية العليا - الحرية الشخصية، حرية الصحافة، حرية الفكر السياسي - ومن ~~ذكر العلاقة بين الشعب والملك وبين الشعب والوزراء، وبين الشعب والبرلمان، لم يكد يفصل ~~هذه الأشياء ويبين الفرق بينها في إنجلترا، وبين الحياة الفرنسية الخاضعة للاستبداد الذي ~~لا حد له؛ حتى أحدث ثورة عنيفة جدا في بلاده اشترك فيها رجال السياسة والدين والجيش ~~والقضاء والوزراء، وأصدر البرلمان حكمه بتحريق الكتاب، واضطر فولتير إلى أن يهرب إلى ~~الحدود الفرنسية إلى اللورين، وهناك نزل ضيفا على قصر من قصور النبلاء وعاش أعواما في ~~هذا القصر، كان لها أيضا أثر ليس أقل من الأثر الذي تركته الأعوام التي قضاها في إنجلترا ~~في حياته. # كانت صاحبة القصر سيدة اختلفت فيها آراء الناس؛ قالوا إنها شديدة القبح وكانت تزعم أنها ~~جميلة، وبعض الناس يقولون إنها كانت على شيء من الجمال ولكنها كانت ساحرة خلابة على كل ~~حال، هذه السيدة هي مدام دي شاتيليه، أحبها فولتير وأحبته وكان حبهما غريبا حقا، كان فيه ~~ما يكون في الحب عادة، ولكن كان فيه شيء آخر هو هذا الحب العلمي العالي؛ فقد كانت مدام دي ~~شاتيليه مثقفة ثقافة علمية راقية، كانت شغوفة جدا بالعلوم التجريبية وبعلم الطبيعة بنوع ~~خاص، فحببت هذه العلوم إلى فولتير، أو دفعته إليها دفعا، فإذا القصر ms129 يستحيل إلى مدرسة ~~أو معمل طبيعة، وإذا العاشقان يشتركان في التجارب العلمية المختلفة وكانت على ذلك توجهه في ~~العلم والأدب، وتسيطر على ما يكتبه من الآثار العلمية، وتطلب إليه أن يخفف من هذا أو ذاك، ~~وتأذن له بنشر هذا أو ذاك، ثم هي تسعى في الوقت نفسه في أن تظفر بالعفو عنه في القصر، وما ~~تزال تجد حتى توفق، وإذا فولتير يعود إلى باريس بل إلى فرساي وإذا هو مرضي ~~عنه يختلف إلى القصر، ويختلط بمن فيه من الأشراف والنبلاء ويشترك معهم في الحياة، ثم يسافر ~~فولتير إلى ألمانيا فيتصل بفردريك ملك بروسيا ثم يعود ويعيش في فرساي عيشة سعيدة جدا، ~~وقد ظفر برضى الملك وصاحبة الملك مدام دي بمبادور، وهو في هذه الحياة بين مدام دي بمبادور ~~وصديقته مدام دي شاتيليه. # ولكنه أديب حاد الطبع، طويل اللسان مندفع إلى الحرية، مندفع إليها في غير تحفظ حتى ~~يضيق به النبلاء في هذه المرة كما ضاقوا به قبلا، ثم في ذات ليلة كانت صديقته مدام دي ~~شاتيليه تلعب الورق وتخسر وتسرف في الخسارة، فقال لها فولتير بالإنجليزية: لعلك تلعبين مع ~~جماعة من الذين يسرفون في الغش، وفهمت جملة فولتير وتألب عليه النبلاء وتعرض لخطر عظيم، ~~واضطر إلى أن يهرب من القصر مع صديقته مدام دي شاتيليه وأن يعيش مشردا. # وفي نحو سنة 1750 دعاه فردريك إلى أن يتصل به، فذهب إليه فأقام عنده أعواما، وكان الحب ~~قويا جدا بينه وبين الملك الألماني، وكان هذا الملك شديد الحب للأدب الفرنسي، وكان لا ~~يتحدث ولا يكتب إلا باللغة الفرنسية، حتى قال فولتير إن اللغة الألمانية في ألمانيا هي ~~لغة الشارع والخيل، أما لغة القصر ولغة المثقفين فهي اللغة الفرنسية. # كان إذن فولتير سعيدا مع صديقه ملك بروسيا، ولكنه لم يتحرج من أن يتصل بالسياسة هناك ~~أيضا، وأن يحاول العمل لفرنسا، وفي أن يحدث أو ينشئ بعض العلاقات الودية بين فريدريك ~~وفرنسا، ولكن فولتير كان أديبا، وكان حاد الطبع، حاد اللسان أيضا، فما هي ms130 إلا أن أخذت ~~الغيرة تظهر بينه وبين الملك، وأخذ الناس يتحدثون بأن فولتير يمن على الملك؛ لأنه يعينه ~~على أن يظهر ما أظهر من آثار، وأخذ الملك يظهر شيئا من الضيق بفولتير كما ضاق فولتير ~~به، ثم ينتهي الأمر بخطوب تغضب الملك على فولتير، فيضطر فولتير إلى أن يترك برلين وأن ~~يعود إلى فرنسا، فأنتم ترون أن الرجل كان مضطربا مشردا، ينشأ مضطهدا في فرنسا، ثم يضطر ~~إلى بلاد الإنجليز، ثم يعود إلى فرنسا، ثم يضطر إلى اللورين، ثم يعود إلى باريس، ثم ~~إلى ألمانيا، ثم إلى باريس مرة أخرى بعد أن غضب عليه فردريك، وبعد أن تعرض للخطر ~~هناك. # ولكن فولتير لم يكن أديبا فحسب ولكنه كان ماهرا في اكتساب المال، وماهرا جدا في ~~إرضاء الملوك والعبث بحبهم للتملق، وفي اكتساب المال منهم إلى أقصى حد ممكن، ثم كان ~~مضاربا ماهرا في المضاربة، فلما عاد من ألمانيا كان قد كون لنفسه ثروة ضخمة حقا لم ~~يظفر بها أديب قط؛ فكان يستطيع أن يجد لنفسه مكانا يعيش فيه بعيدا عن الكيد والدس عيشة ~~حرة مترفة مملوءة بالنعيم، وقد فعل، فذهب إلى سويسرا واشترى لنفسه دارا في جنيف، وأخرى في ~~لوزان، دارا للشتاء وأخرى للصيف، ولكنه لم يكد يستقر في جنيف حتى أغضب منه أهل المدينة، ~~أغضبهم بسبب بسيط؛ فقد كان فولتير كاتبا ماهرا وشاعرا عظيما في التمثيل خاصة، وكان يحب ~~التمثيل بينما كان أهل جنيف متأثرين بمذهبهم، مذهب «كلفن» حريصين على حياة توشك أن تكون ~~شديدة الخشونة فكانوا يكرهون التمثيل والكوميديا بنوع خاص. # فلما سمعوا بتمثيله الكوميديا في منزله تحرجوا وغضبوا، وما كادوا يعلمون أن فولتير سيأتي ~~بالممثلين حتى اجتمع مجلسهم وطلبوا إليه ألا يفعل، وأحس فولتير أنه سيلقى مقاومة، فاتخذ ~~لنفسه قاعدة وسطا واشترى في فرنسا - ولكن قريبا جدا من جنيف - أرضا اتخذ لنفسه فيها ~~قصرا، وهي في فرنيه، على بعد نصف ساعة من جنيف؛ فكان له إذن قصره في جنيف، واستأجر أرضا ~~مجاورة في فرنيه واتخذ لنفسه أيضا ms131 فيها مقاما، ورأى أنه على هذه القاعدة يستطيع أن يكون ~~في فرنسا وسويسرا في وقت واحد، فهو يلجأ إلى فرنسا حين يكرهه أهل جنيف، ويعود إلى جنيف ~~حين يضيق به أهل فرنسا، دون أن يكلفه ذلك إلا مسيرة نصف ساعة، وكتب إلى بعض أصدقائه يقول: ~~«لقد أصبحت الآن رجلا يقوم على أربع؛ لي رجلان في سويسرا، ورجلان في فرنسا.» # أخذت حياته بعد ذلك تعرف الهدوء، ولكنه الهدوء الخصب المنتج الذي نستطيع أن ننظر في الأدب ~~القديم والحديث فلا نظفر بهدوء يشبهه خصبا وإنتاجا؛ فقد قضى في هذه الحياة الخصبة ~~الهادئة المنتجة أكثر من عشرين سنة، كان فولتير ضعيف الصحة معتلا دائما، ولكنه عمر ~~حتى نيف على الثمانين، ومع أنه كان متمرضا دائما فإنه كان منتجا دائما؛ منتجا في ~~جميع فروع الإنتاج الأدبي والعقلي التي عرفها هذا العصر، كان منتجا في النثر والشعر، في ~~التاريخ والفلسفة، منتجا في كل ما كان يتعرض له الأدباء والعلماء والفلاسفة في ذلك الوقت. ~~ويكفي أن تعلموا أن آثار فولتير عندما جمعت وطبعت بلغت سبعين مجلدا ضخما. # أما الذي أريد أن أصوره لكم بعد هذا التلخيص الضئيل فهو جهاد فولتير في سبيل حرية الرأي، ~~ظهر هذا الجهاد منذ أخذ فولتير يفكر ويكتب في فرنسا قبل أن يسافر إلى إنجلترا، فلما عاد من ~~إنجلترا كان قد اشتد تأثره بالحرية الإنجليزية، واقتنع أشد الاقتناع بأن المثل الأعلى في ~~الحرية هو هذه الحرية الإنجليزية التي تبيح للناس أن يفكروا ويكتبوا وأن ينشروا ويعلنوا ما ~~يفكرون وما يكتبون، وكان اجتهاد فولتير وتحريق كتابه واندفاعه إلى الجد في سبيل الدفاع عن ~~حرية الرأي؛ فكانت كل كتبه التي كتبها في التاريخ أو الفلسفة أو الأدب تنتهي دائما إلى ~~غاية واحدة هي كسب هذه الحرية؛ حرية التفكير وحرية الإعلان. # ولكن هذه الحرية التي جاهد فولتير في اكتسابها طوال حياته ظهر جهاده فيها خصبا منتجا ~~عندما استقرت به الدار في سويسرا وفي فرنسا. # في ذلك الوقت كان فولتير شيئا عجبا؛ كان فولتير رجلا كالرجال ms132 ولكنه كان دائرة معارف، ~~وكان في الوقت نفسه صحفيا لا يصدر جريدة بل كان يصدر كتبا ورسائل ومقطوعات ويذيع هذا ~~كله بطرق مختلفة من طرق الإذاعة. # اتخذ قصره معملا للأدب والفلسفة والتاريخ والنقد على اختلاف أنواع النقد. # يعنينا من كل هذا الآن نقده للحياة الفرنسية، لم يكن فولتير، كغيره من الفلاسفة ~~المعاصرين، صاحب مذهب معين واضح منظم في السياسة أو الفلسفة السياسية، إنما كان عمليا، ~~يلاحظ الحياة الفرنسية العملية وما فيها من العيوب السياسية والاجتماعية، ولا يكاد يلاحظ ~~عيبا في الحياة السياسية إلا قيده، ثم فكر فيه تفكيرا يسيرا، ثم كتب فيه كتابا أو ~~رسالة، ثم تطبع خلسة في السر دون أن يشعر أحد بها ثم تمتلئ بها حقائب المسافرين الذين كان ~~فولتير يكثر الاتصال بهم، وإذا هؤلاء ينتشرون في فرنسا ويذهبون إلى باريس وغير باريس، ~~وإذا كتب فولتير تملأ الأرض الفرنسية ولا يكاد يمضي شهر، بل لا يكاد يمضي أسبوع حتى ~~ينتشر في فرنسا رسالة أو كتاب صغير يمس ناحية من النواحي الاجتماعية أو السياسية في فرنسا؛ ~~حتى أصبح فولتير في العشرين سنة الأخيرة من حياته مسيطرا على الرأي العام الفرنسي بل ~~الأوروبي كله، حتى أصبح الرأي العام الفرنسي أداة يصرفها كما يحب وكما يشتهي، وقد ظهر ~~أثر هذا ظهورا واضحا جليا في بعض الحوادث؛ فقد اتهم في تولوز رجل من البروتستانت بقتل ~~ابنه، وحوكم الرجل وحكم عليه بالموت وأنفذ فيه الحكم، ووصل إلى فولتير أن هذه القضية قد ~~وقع فيها خطأ قضائي وأن الرجل بريء فاهتم بالأمر وأخذ يدرس القضية وتبين أن الرجل كان ~~بريئا، وأنه لم يقتل فأخذ يدافع عن الرجل وأسرته، وأخذ ينشر الرسائل ويسعى لدى رجال القضاء ~~والقصر ورجال الدولة، وينشر في دفاعه نثرا وشعرا حتى ألب الرأي العام الفرنسي تأليبا ~~عنيفا، حتى صدرت أوامر القصر بإعادة النظر في القضية، ثم تنظر القضية من جديد ثم يظهر أن ~~الرجل بريء ثم يلغى الحكم وتبرأ أسرة هذا الرجل ويرد إليها اعتبارها. # هذه الحركة في قضية كالاس ms133 جعلت للفيلسوف مكانة أخرى في فرنسا غير مكانة الفيلسوف والأديب ~~والشاعر، نظر الشعب إلى فولتير على أنه حامي الشعب وقائده إلى الحرية ومنقذ الشعب، وأنه ~~حامي المضطهدين، ومن هذا الوقت تغلغل تأثير فولتير في قلب الشعب، واتصل الشعب بقلب ~~فولتير. # وأخذ فولتير كلما سمع عن نقيصة يبحث فيها ويهاجمها ويكشف أستارها ويندد ويسعى عند الحكومة ~~والمحاكم والقصر في إزالتها، وكان ينتصر في أكثر الأحيان حتى أصبح زعيما بأدق معاني ~~الكلمة وأوسعها، وهذا كله لم يصرفه عن الإنتاج الأدبي الراقي الذي هو إنتاج المترفين في ~~الفن، كما أنه لم يصرفه عن العمل في الاتصال السياسي بملوك أوروبا، فكان على اتصال بفردريك ~~وكاترين وكبراء الإنجليز. # وعلى هذا النحو أصبح فولتير ملكا في ضيعته هذه، ملكا بأوسع معاني الكلمة - مستمتعا بما ~~كان يستمتع به الملوك من السلطان العملي والقانوني أيضا - له قصره وله حاشيته وموظفوه وهو ~~في الوقت نفسه زعيم لشعب عظيم هو الشعب الفرنسي، وهو قائد الرأي العام الجديد في أوروبا، هو ~~داعية الحرية والمدافع عنها في جميع الأقطار الأوروبية، لا عند عامة الشعب بل عند الأشراف ~~والنبلاء كذلك. # وفي أواخر حياته في سنة 1778 كان فولتير قد وصل إلى أبعد ما يمكن أن يصل إليه رجل من ~~الشهرة وبعد الصيت والحب في جميع الطبقات الفرنسية حتى كانت الملكة تتمنى لو استطاعت أن ~~تراه وأن تقبله، وكان أهل باريس يشعرون بشوق إلى لقاء فولتير وكانوا يلحون عليه ~~إلحاحا شديدا أن ينزل إلى باريس، واضطر إلى أن يستجيب للباريسيين فسافر إلى باريس في ~~فبراير سنة 1778، ولا أستطيع أن أصور لكم ما تذكر الكتب عن احتفال الباريسيين بهذا الرجل، ~~وعن هذا المجد العظيم الذي لم يظفر به أديب ولا فيلسوف من قبل، كان فولتير أديبا، ومعنى ~~هذا أنه كان يحب المجد ويكلف بالشهرة ويحرص على السلطان، وكانت هذه الأشهر القصيرة التي ~~قضاها في باريس أسعد أيامه؛ فكان منتصرا دائما وسكت خصومه جميعا فلم يسمع إلا صوت الحمد ~~والإعجاب، وكان في الخامسة والثمانين من عمره ms134 وكان ضعيفا، ولكنه اندفع في أسباب المجد ~~الذي لقيه في باريس، فكان كثير الحركة والانتقال يذهب إلى الملعب ليشاهد التمثيل، ويذهب ~~إلى المجمع اللغوي ليعرض على المجمع مشروع معجم جديد للغة الفرنسية، ويذهب إلى القصر ~~ويذهب هنا ويذهب هناك، وهو مع ذلك قليل الأكل كثير الشرب للقهوة؛ فقد كان يشرب خمسة وعشرين ~~قدحا في اليوم الواحد. # وفي أوائل مايو أدركه المرض واستيأس الأطباء وأخذ فولتير يحس ألما شديدا؛ ألما ~~جسمانيا وألما نفسيا، وكان يعتقد أنه لو استطاع أن يعود إلى ملكه في فرنيه لاستطاع أن ~~يعنى بنفسه عناية تعصمه من الموت إلى حين، وكان يتوسل إلى طبيبه أن يخرجه من هذه ~~الورطة، ولكنه أشرف على الموت، وعرف أنه مشرف على الموت، وهنا أخذ رجال الدين يسعون حوله ~~ويتحركون ويسرفون في الحركة يريدونه على أن يموت مسيحيا كاثوليكيا، ولكنه فيما يظهر لم ~~يكن مستعدا لأن يستجيب لرجال الدين إلى كل ما كانوا يريدونه منه؛ إذ كانوا يريدون منه ~~أن يعلن إيمانه بالكاثوليكية وأن يرفض كل ما كتب، فكتب لهم شيئا غامضا مبهما، فألحوا ~~عليه، ولكنه طلب إليهم أن يتركوه، وأن يدعوه يموت هادئا، ثم كتب الإعلان أو الرأي ~~الذي مات عليه، وهو يلخص في هذه الكلمات: «أموت عابدا لله، محبا للأصدقاء غير كاره ~~للأعداء، عدوا للاضطهاد.» # وفي اليوم العاشر من مايو سنة 1778 توفي فولتير ورفض رجال الدين أن يدفن في باريس في ~~مقابر المسيحية، وكان فولتير قد قبل المفاوضات مع رجال الدين اتقاء لهذا الرفض، كان يريد ~~أن يدفن كما يدفن الناس، ولكنه لم ينته إلى هذه النتيجة التي كان يسعى إليها فأبى ~~القسس أن يدفنوه، ولكن بعض أصدقائه أخفوا جثته إخفاء وخرجوا بها من باريس خلسة وذهبوا ~~بها إلى «شامباني»، وهناك تلقاه رئيس ديني ودفنه كما يدفن النصارى، وما كاد هذا القسيس ~~يفعل ذلك حتى عزل من عمله، على أن بضع عشرة سنة لم تكد تنقضي على موت فولتير ورفض رجال ~~الدين دفنه حتى تغيرت الحال وأعلنت الثورة الفرنسية، ms135 ثم قررت فرنسا ممثلة في نوابها أن ~~ينقل جثمان فولتير من شامباني إلى البانثيون حيث يستقر عظماء الفرنسيين. # ليس من شك أن فولتير أساء إلى رجال الدين وإلى الدين المسيحي، بل إلى الأديان كلها، ~~فهو كان عدوا للديانات، وكان يعلل ذلك أولا بأن الديانات مخالفة للإنسانية؛ لأنها سببت ~~الاضطهاد وسفك الدماء ، وثانيا بأن الديانات مخالفة للعقل؛ لأن فيها أسرارا لا يستطيع ~~العقل أن يفهمها، وثالثا بأن الديانات عنده ديمقراطية وهي من خصائص الطبقات المنحطة لا ~~تتصل بالطبقات العليا، ففولتير لم يكن ديمقراطيا بحال من الأحوال، هذه الأسباب الثلاثة هي ~~التي بغضت إليه الديانات، ولكنه اندفع في بغض الديانات إلى سخف كثير لا حد له؛ فقد هاجم ~~التوراة والكتب المقدسة كلها. # من أجل هذا كان فولتير بغيضا بل ما زال بغيضا - كما قلت لكم - إلى رجال الدين بل إلى ~~كل مؤمن، وتظهر آثار هذا البغض حتى في هذه الأيام؛ فالذين يؤمنون ويحبون دينهم يبغضون ~~فولتير بغضا شديدا حتى في نقدهم له؛ فالنقاد من المسيحيين يتنكرون له حتى يفسد هذا البغض ~~كل شيء في نقدهم، ويكفي أن تقرءوا ما كتبه «إميل فاجيه» عن فولتير وما كتبه «بول سوديه» ~~فسترون التناقض الشديد بينهما؛ أحدهما مسيحي مؤمن شديد الإيمان فهو مبغض لفولتير، وبغضه ~~يدفعه إلى أن يتعصب على فولتير فيفسد عليه إنصافه، فإذا قرأتم رأيا لفاجيه فسترون أن ~~فولتير عنده رجل لا حظ له من فلسفة ولا شيء إلا أنه كان رجلا أحسن كتابة الرسائل حتى ~~نبغ فيها، ومع ذلك فرسائله ليست شيئا بالقياس إلى رسائل غيره، فإذا تركتم هذا الرجل ~~وقرأتم «بول سوديه» الذي لم يكن مؤمنا وإنما كان حر الرأي - كما يقولون في فرنسا - ~~فستجدونه يغلو في حب فولتير وإكباره حتى يرفعه إلى الألوهية الأدبية، وكذلك يختلف الناس ~~في فولتير؛ يحبه قوم كثيرون فيسرفون في حبه، ويبغضه قوم كثيرون فيسرفون في بغضه. # ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أن فولتير كان لسان حرية الرأي والمجاهد في سبيلها، وأصدق ~~ترجمان لأماني الشعب ms136 الفرنسي بل الشعوب الأوروبية في القرن الثامن عشر، وهو من أهم بل من ~~أكبر الذين وضعوا أسس الثورة الفرنسية، وحسبه ذلك فخرا. # | روسو # سيداتي، ساداتي # الرجل الذي أريد أن أحدثكم عنه الليلة رجل غير عادي؛ لذلك أرجو أن تستمعوا للحديث عنه ~~بعناية خاصة؛ فهو ليس كغيره من عظماء الرجال يمتاز بنبوغه وتفوقه وبراعته فحسب، وإنما يمتاز ~~بشيء آخر، يمتاز بأنه كان مريضا، وكان يائسا، وكان سيئ الحظ، وكان مجنونا أيضا، ~~فالذين يريدون أن يدرسوا جان جاك روسو، والذين يريدون أن يتحدثوا عنه في حاجة إلى أن ~~يتهيئوا لهذا الدرس وهذا الحديث بشيء من العطف والرحمة وبكثير جدا من الإشفاق؛ فقد كان ~~ذلك الرجل العظيم حقا أشد الناس إثارة للعطف والإشفاق، وإن كان في حياته قد أثار البغض ~~والمقت أكثر مما أثار أي شيء آخر. # جان جاك روسو فرنسي الأصل، سويسري المنشأ، أسرته فرنسية هاجرت من فرنسا في القرن السادس ~~عشر إلى سويسرا، ولم تلبث أن كسبت بمدينة جنيف الحقوق الوطنية فأصبحت سويسرية. # ولد جان جاك روسو في أوائل القرن الثامن عشر في 28 يونيو سنة 1712، وكان أبوه رجلا ~~غريبا، مسرفا في العبث والمجون، يصنع الساعات، ويعلم الرقص ويسرف في اللهو، وعندما ~~ولد جان جاك قضي على حياة أمه فماتت أثناء ولادته، ثم سافر أبوه هاربا من جنيف وترك ~~ابنه من غير عائل فنشأ نشأة مهملة شديدة الإهمال، ليس له من يعنى به إلا أقاربه والمتصلون ~~بأسرته، وكان أظهر شيء في حياة روسو الأولى هذا الإهمال، ومن هذا الإهمال نشأت الصفات ~~الأولى لروسو؛ فقد أخذ يقرأ كل ما يستطيع أن يقرأ سواء في ذلك الجيد والرديء، ولم تكن هناك ~~مراقبة ما على حياته تضطره إلى أن يستقر في بيته أو في بيت من أوى إليه، فقد كان يخرج ~~إذا أتيح له الخروج، ويطوف في الشوارع، ويطوف خارج المدينة، ودفع بعد أن تقدمت به السن ~~إلى مكاتب بعض الموثقين فلم يصنع شيئا، وقال رئيسه أو معلمه إنه لن يكون إلا حمارا، ~~وفي ms137 سن السادسة عشرة من عمره كان أظهر ما يمتاز به من الصفات حب الهيام في الشوارع والطرق، ~~وخرج ذات يوم خارج المدينة يتروض فطال غيابه، فلما أن عاد وجد أبواب المدينة مغلقة، فقرر ~~ألا يدخل المدينة أبدا؛ فسار في طريقه حتى فارق سويسرا ودخل الحدود الفرنسية. # ومن ذلك الوقت بدأت حياة جان جاك التي تمتاز بالهيام والاضطراب في غير نظام؛ لقي قسيسا ~~عني به ثم قدمه إلى امرأة كانت تقيم في أنسي، وكانت هذه المرأة كاثوليكية غريبة الأطوار، ~~سيئة السيرة، كثيرة الكيد، وكانت تشتغل بالجاسوسية، وكانت جميلة مؤثرة الجمال تتصيد الشبان ~~لتؤثر فيهم ولتخرجهم من البروتستانتية إلى المذهب الكاثوليكي. عنيت هذه المرأة بالشاب ~~وأرسلته إلى تورينو في إيطاليا، وهناك دفع إلى جماعة من الرهبان، أخذوا يؤثرون فيه حتى ~~أخرجوه من دينه وحملوه على اعتناق الكاثوليكية، ولكن جان جاك مع ذلك كان كارها لحياة ~~الرهبان، ولكنه طاوعهم واعتنق الدين الجديد، ولما تم اعتناقه للدين الجديد أخرج من الدير، ~~ودفع إليه مقدار ضئيل جدا من المال، فأقام في بعض الغرف التي استأجرها وأخذ يلهو حتى ~~استنفد ما كان معه من المال الضئيل، ثم احتاج إلى أن يكسب فقدم نفسه إلى بعض القصور على ~~أن يكون خادما، وأقام في هذا القصر وقتا ما، ولكن لم يطل فيه المقام؛ لأنه سرق ولم ~~يكتف بالسرقة بل اتهم خادمة بأنها هي التي سرقت، فأخرج وأخرجت معه الخادمة، وهام على ~~وجهه مرة أخرى وعاد إلى صاحبته مدام دي فرانس وأقام عندها، وجدت هذه لكي تجد له عملا، ~~ولكنه كان كلا على مولاه، أينما يوجهه لا يأت بخير، ومن العسير جدا أن نتبع جان ~~جاك في حياته هذه المضطربة؛ فقد كان كثير التنقل والارتحال، كثير الاضطراب في حياته وفي ~~سيرته وفي كل شيء، ولكن منزل مدام دي فرانس كان هو المأوى الذي يأوي إليه من حين إلى ~~حين. # والذي أستطيع أن أوجزه لكم هو أن حياته مع مدام دي فرانس كانت شديدة الأثر جدا في سيرته ~~كلها؛ فقد ms138 عطفت عليه المرأة في أول الأمر عطف السيد الذي يحمي ذلك الفتى الضعيف، ثم لم يكد ~~هذا الفتى يبلغ العشرين حتى استحالت الصلة بينه وبين هذه المرأة إلى شيء هو العشق، والغريب ~~أنه كان يدعوها أمه وكانت تدعوه ابنها الصغير، وليس هذا كل ما انتهت إليه حياته مع مدام ~~دي فرانس فما هي إلا أوقات قصار حتى يظهر لجان جاك أنه لا يستأثر وحده بحب أمه هذه، وأن ~~له شريكا في هذا الحب وأن هذا الشريك بستاني، وهو مضطرب في هذا الحب الغريب تثور نفسه على ~~هذه الشركة ولكن الحاجة تدفعه إلى قبولها، وينتهي به الأمر إلى أن يخضع، ثم تخلصه ~~الأقدار من شريكه هذا؛ لأنه يموت مسموما، ويخلو له قلب أمه، ويخلص له حبها ولكنه سيئ الحظ ~~فما أسرع ما ترسل إليه الأقدار شريكا آخر! وما أسرع ما يرى نفسه مضطرا إلى أن يقهر ~~عواطفه الطبيعية، وإلى أن يخضع مرة ثانية لمثل الشركة الآثمة التي خضع لها في المرة ~~الأولى! # على أن مدام دي فرانس كانت تضيق به بعض الشيء، فترسله إلى مونبليه ليعالج نفسه من بعض ~~العلة، فيذهب إليها ويعود إلى صاحبته قابلا للشركة دائما، ولكنه في الوقت نفسه ثقيل على ~~الحبيبين وإن كان مقبولا في بعض الخلوات، ثم ينتهي الأمر إلى أن تستأجر أمه وعشيقته له ~~بيتا في مدينة بعيدة بعض الشيء فتخلص لصاحبها، ويخلص جان جاك للقراءة والدرس، ولكن لقراءة ~~لا نظام لها ولدرس لا اعتدال فيه؛ وإنما هي القراءة المطلقة، القراءة في الليل والنهار، ~~القراءة في غير اختيار وفي غير ترتيب، والدرس في غير اختيار أو ترتيب أيضا، ثم في هذه ~~المدة التي أقامها عاكفا على القراءة والدرس كانت تزوره أمه مدام دي فرانس من حين إلى ~~حين. # وما هي إلا أوقات قصار حتى يضيق بهذه الحياة ويحاول أن يلتمس له حياة أخرى فيسافر إلى ~~ليون ويتصل ببيت كبير هناك على أن يكون مربيا في هذا البيت، ولكنه في حياته الجديدة ليس ~~خيرا منه في ms139 غيرها؛ فهو مرب ولكنه يسرق النبيذ ويحب صاحبة البيت ويسيء العناية بمن يجب ~~عليه أن يربيهم؛ ولا يطول مقامه في هذا البيت فيخرج منه ويعود إلى صاحبته، ثم تضطره الظروف ~~إلى أن يرحل إلى باريس، وفي باريس تستحيل حياته إلى حياة جديدة هي التي ستخرجه من حياته ~~الأولى من طور إلى طور وستغيره تغيرا تاما؛ فيه خير لا حد له؛ لأنه اتصل بالأدباء ~~والعلماء والأرستقراطية، وفيه شر لا حد له؛ لأنه لقي عاملة أحبها واتخذها صديقة ثم رفيقة ~~وتدعى تيريز ليفاسير. # ومن هذين الأمرين تألفت الحياة الجديدة لجان جاك، أما اتصاله بالعلماء والأرستقراطية فقد ~~جعل منه رجلا عظيما، وأما اتصاله بهذه الفتاة العاملة فقد جعل منه رجلا شقيا، والغريب ~~أنه استطاع أول الأمر أن يلائم بين هذين النوعين المتناقضين من الحياة؛ فكان بين الأدباء ~~والأرستقراطية كأحسن ما يكون أرستقراطية، وكان مع العلماء كأحسن ما يكون الرجل العالم، ~~كان أرستقراطيا مع الأرستقراطية وكان عالما مع العلماء، ولكنه نشأ نشأة وضيعة - إن صح ~~هذا التعبير - ومع أنه تعلم تعلما شديد الاضطراب فكان إلى الجهل أقرب منه إلى العلم، ~~ثم كان في الوقت نفسه محبا أشد الحب لصاحبته تيريز مع بعد ما بين تيريز العاملة الحقيرة ~~الجاهلة التي هي أقرب إلى الغفلة وإلى الإمعان في الغفلة منها إلى أي شيء آخر؛ كان ~~يلائم بين حياته مع هذه الفتاة العاملة الجاهلة وبين حياته مع الأرستقراطية ومجامع ~~العلماء. # فإذا بلغنا بجان جاك سنة 1749 رأيناه معروفا في باريس كما يجب أن يكون الرجل معروفا في ~~البيئات الراقية؛ يختلف إلى القصور كما تعود الأدباء والعلماء الممتازون، بل ارتفع أمره ~~حتى أصبح عضوا في جماعة دائرة المعارف مع بعض كبار العلماء الفرنسيين الذين كانوا يهيئون ~~دائرة المعارف في ذلك الوقت؛ فهو إذن قد أصبح أديبا ممتازا، ولسنا ندري كيف استطاع أن يصل ~~إلى هذا المركز؛ لأن حياته لم تكن تؤهله لشيء من هذا، ومع ذلك فقد كان محبوبا وكانت ~~النساء الأديبات والأرستقراطيات في باريس يحببنه ويتهالكن عليه ms140 تهالكا شديدا، وكان هو ~~سعيدا بهذا مشغوفا به، ولكنه لم يلبث أن أحس مرارته وضاق بالحياة أشد الضيق؛ فقد عرف سيدة ~~أرستقراطية هي مدام دي بنيه، أحبها فأحبته، واتخذت له بيتا قريبا من قصرها وأنزلته في هذا ~~البيت، وكان بهذا البيت سعيدا مغتبطا، وكان يرى أنه ارتفع إلى الدرجة التي كان يتمناها، ~~ولكنه لم يلبث أن أحس أن ارتفاعه هذا لم ينته به إلا إلى الرق؛ لأنه أحس أنه خاضع ~~لسلطان هذه السيدة التي تؤثره وتنعم عليه، فهو مكلف أن يستجيب لهذه السيدة كلما دعته، وهي ~~تدعوه دائما. # وذات يوم عزمت هذه السيدة أن تسافر إلى سويسرا فطلبت إلى جان جاك أن يرافقها في هذا ~~السفر، فكره هذه المرافقة وضاق بها وتردد ثم امتنع، وفهم من ذلك الوقت أنه لا يستطيع أن ~~يعيش في هذه الأرستقراطية إلا إذا نزل عن كرامته وحريته؛ لأنه ليس أرستقراطي المولد، وفهم ~~أن الذين يريدون أن يعيشوا كالأرستقراطيين يجب أن يقبلوا الخضوع والذلة والرق. # ومنذ ذلك الوقت أخذ جان جاك روسو يشعر شعورا قويا جدا بالفرق بين هذه الطبقات، بين ~~هذه الأرستقراطية الممتازة وبين هذه الطبقات الوسطى التي تظفر بالغنى والثروة ولكنها لا ~~تستمتع بالحقوق كلها، ثم بين هذه الطبقات الدنيا طبقات الفقراء وطبقات الشعب التي لا تستمتع ~~بحق ولا ثروة وإنما هي مضطرة إلى أن تعيش عيشة الذل والخضوع. # ومنذ ذلك الوقت أخذ جان جاك يشعر أنه ثائر متمرد على النظام الاجتماعي، وفي هذا الوقت ~~أعلن المجمع العلمي في ديجون موضوعا للمسابقة هو: «هل هناك فائدة من ازدهار العلوم ~~والفنون؟» هذا هو الموضوع الذي عرضه المجمع العلمي على الكتاب والأدباء، وأسرع روسو إلى ~~هذا الموضوع فدرسه وفكر فيه وأجاب عنه وكان صريحا، ولكن إجابته كانت قنبلة ألقيت في ~~باريس بل في فرنسا. # وكان هذا الجواب: لا، لا نفع ولا خير للإنسان من ازدهار العلوم والفنون، بل العلوم شر ~~والفنون شر والفلسفة شر، وخير للإنسان أن يجهل العلوم والفنون وأن يعود إلى حياته ~~الطبيعية الأولى. ms141 # وبعد أعوام بينما كانت الحياة الأدبية الفرنسية مضطربة أشد الاضطراب بهذا الرأي، وبينما ~~كان العلماء والأدباء يجادلون في هذا الرأي، وروسو يقاوم أولئك وهؤلاء؛ أعلن المجمع موضوعا ~~عرضه للمسابقة بين العلماء والأدباء وهو «مصدر التفاوت بين الناس»، فأقبل روسو على هذا ~~الموضوع ودرسه وأجاب عليه، وقال إن مصدر التفاوت بين الناس هو الحضارة وأن الحضارة شر ~~كلها، والخير أن يرفض الإنسان الحضارة ويعود إلى حياته الطبيعية الأولى، فكان جوابه ~~الثاني كجوابه الأول مصدرا لثورة علمية واضطراب عظيم. # وبهذين الكتابين ظهر الخلاف عنيفا جدا بين جان جاك وبين العلماء والأدباء الذين كان ~~يشتغل معهم في إعداد دائرة المعارف؛ فهؤلاء أنصار رقي العلم ورقي الفن ورقي الأدب وأنصار ~~النظام والاجتماع بوجه عام، وهذا الذي أخذ ينكر فائدة العلم وقيمة الفن وينكر النظام ويريد ~~أن يعود بالإنسان إلى حياته الأولى، هذا الرجل لا يستطيع أن يتعاون مع أصحاب دائرة ~~المعارف. # ثم تدعو الحياة جان جاك إلى أن يعود إلى وطنه جنيف، وهناك يعود إلى دينه الأول فيرفض ~~الكاثوليكية، وهناك يظفر روسو بإعجاب مواطنيه وبشيء من السعادة لا بأس به فهو قبلة جنيف ~~وهو عظيم المدينة، ولكنه لا يكاد يعود إلى باريس ويستأنف حياته فيها حتى يدنو مسرعا إلى ~~ما لم يكن بد من أن يدنو منه إلى هذه الغاية، وهي سخط الناس جميعا عليه؛ يضع كتابه في ~~التربية، كتاب «أميل»، ولا يكاد يعلن هذا الكتاب وينشره حتى يحدث ثورة أشد من التي أحدثها ~~بكتابيه السابقين، وإذا البرلمان في باريس يقضي على هذا الكتاب بالتحريق وبالقبض على ~~صاحبه، وإذا النذير يصل إليه، وإذا هو مضطر إلى الهرب. # ولكنه طبع كتابا آخر ليس أقل من «أميل» خطرا، هو «العقد الاجتماعي» وإذا الكتاب يحدث ~~ثورة، لا في باريس وحدها، بل في كل البلاد الأوروبية، وكان المعقول أن يجد جان جاك ملجأ في ~~وطنه جنيف، ولكن كتابه قد قضي عليه في جنيف بالتحريق، وقد حرمت جنيف على روسو، فهو لا ~~يستطيع أن يلجأ إليها بعد أن أغلقت ms142 عليه وحرمت عليه، ثم يريد أن يلجأ إلى مدينة أخرى من ~~مدن سويسرا، فإذا هذه المدينة قد حرمت عليه أيضا، وإذا مدن سويسرا كلها قد حرمت عليه، ~~وإذا هو مضطر إلى أن يلجأ إلى ناحية سويسرية لم تكن حرة في ذلك الوقت ولكنها كانت خاضعة ~~لسلطان بروسيا، وهناك تستقر به الحياة أعواما ولكنه لا يكاد يظفر بالحياة المستريحة الآمنة ~~حتى يقوم الجدال حول آرائه، وحتى يشتد هذا الجدال حتى يؤلب الشعب عليه وحتى يلقي خصومه - ~~وفي مقدمتهم فولتير - في روع الشعب أن روسو عدو الشعب، وأنه يزعم أنه ليس للنساء نفس، وأنه ~~عدو للدين وأنه لا بد من أن يطرد من حظيرة البروتستنتية، وإذا الشعب ساخط عليه كما سخط ~~عليه كل إنسان، ولكن الشعب يتحداه ويتبعه في الشوارع ويقذفه بالحجارة ويقذف بيته أيضا، ~~وإذا هو مضطر إلى أن يهرب ويلتمس له ملجأ في مكان آخر، يهرب من نيوشاتل إلى مدينة أخرى ~~تتبع حكومة برن، ولكن حكومة برن أصدرت أمرها بوجوب مهاجرة روسو من كل أرض تخضع لسلطانها؛ ~~فيبكي، وهو مستعد للإذعان ولكنه يطلب إلى الحكومة أن تأذن له بالإقامة في سجن من سجونها، ~~فهو لا يريد أن يكتب ولا أن يشتغل بعلم أو بشيء، وإنما يريد أن ينتظر الموت مستريحا، وهو ~~يعطي على نفسه عهدا أن يقيم في السجن على نفقته الخاصة، ولكن الحكومة تأبى عليه هذا أيضا، ~~فهو مضطر إلى أن يترك أرض سويسرا كلها، وهو متردد لا يدري إلى أين يذهب، يدعى إلى فينا ~~ويستطيع أن يذهب إلى برلين حيث فردريك، ويستطيع أن يذهب إلى إيطاليا. # وبينما هو في هذا التردد يخطر له أن هذه المدن كلها بعيدة، وأنه يستطيع أن يجد مكانا في ~~فرنسا بعيدا عن باريس فيذهب إلى مدينة ستراسبورج، وإذا عرض يعرض عليه؛ أن يذهب إلى ~~إنجلترا؛ لأن الفيلسوف هيوم مستعد لأن يحميه ولأن يسهل عليه الإقامة الهادئة في بلاد ~~الإنجليز، ولم يكن روسو يحب الإنجليز، ولا يحب بلادهم، كما أنه لم يكن يعرف لغتهم، ms143 ولكن ~~العرض كان قيما، وكان يقدم إليه في شيء من العناية واللطف والإلحاح، فلم يسعه إلا أن ~~يقبل، وكان الفيلسوف الإنجليزي ظريفا وكريما، فقد تعهد لروسو بأن ييسر له كل أمر؛ بأن ~~ييسر له الانتقال من ستراسبورج إلى باريس، ومن باريس إلى بلاد الإنجليز، وأن ييسر له ~~الحياة في إنجلترا كما يحب ويهوى ؛ فرافقه من ستراسبورج إلى باريس، ثم رافقه إلى بلاد ~~الإنجليز وقدمه الرجل إلى الأرستقراطية الإنجليزية، وجد في العناية بضيفه، وكانت شهرة ~~جان جاك قد سبقته إلى إنجلترا فترجمت بعض كتبه، وكتبت الفصول عما لاقاه من اضطهاد، وكان ~~الرأي العام الإنجليزي مستعدا أحسن الاستعداد للعطف عليه، وكان كل شيء ينبئ أنه سيكون ~~سعيدا. ولكنه عندما وصل إلى إنجلترا في سنة 1766 لم يلبث أن أصبح أشقى الناس؛ لأنه كان ~~فيلسوفا وكان مجنونا. # ونلاحظ أولا أن حياة روسو كانت شديدة المناقضة جدا لما ألف الإنجليز؛ فقد كان روسو ~~يلبس لباسا شرقيا أرمنيا؛ ثوبا واسعا فضفاضا ويشد خصره بحزام ويضع على رأسه قلنسوة ~~شرقية، ثم كان أشد الناس ازدراء للعادات والتقاليد وما ألف الناس من أوضاع، وعلى كل حال ~~عني به الإنجليز عناية شديدة جدا عندما وصل إلى لندرة، وعني به الفيلسوف هيوم ~~واجتهد في أن يحقق له كل ما كان يريد، ولكن كل ما كان يريده جان جاك هما شيئان متناقضان؛ ~~كان يريد أن يكثر الحديث عنه، وأن لا يراه أحد ولا يقابل أحدا، ولا يزور أحدا، ويقال ~~إن بعض كبار الممثلين عني بجان جاك وقرر أن يمثل من أجله في بعض الملاعب بعض الروايات، ~~وهيئت لذلك حفلة خاصة ودعي روسو إليها، وأظهر الملك والملكة رغبة في حضور هذه الحفلة، ~~لا رغبة في التمثيل بل لرؤية جان جاك، وأسرعت الأرستقراطية كلها في الحضور، وفي آخر لحظة ~~قرر روسو أنه لن يذهب إلى الملعب، لماذا؟ لأنه لا يستطيع أن يترك كلبه وحده في الغرفة، ~~فلما بين له صديقه أنه لا يليق حقا أن يأتي أمرا كهذا، وأن يكلف الملك والملكة ms144 وكبار ~~الأرستقراطية وهذا الممثل العظيم الحضور ثم يخلفهم موعدهم لا لشيء إلا لأنه يشفق على ~~كلبه من الوحدة؛ قرر أن يذهب ويغلق غرفته ويأخذ المفتاح حتى لا يفلت الكلب، وخرج مع صديقه، ~~وبينما هو على الدرج إذا به يسمع نباح كلبه فتسقط الدموع من عينيه فيأبى أن يذهب إلى ~~التمثيل، وبعد جهد استطاع صديقه أن يقنعه آخر الأمر بالذهاب، فذهب بلباسه الشرقي ودخل في ~~«اللوج» الذي هيئ له، في نفس الوقت الذي دخل فيه الملك والملكة، وكانت عناية الملك والملكة ~~بمنظر روسو أشد جدا من عنايتهما بالتمثيل، والواقع أن منظر روسو كان غريبا حقا؛ فقد ~~كان روسو لا يفهم حرفا من الإنجليزية ولكنه كان يضحك ويبكي، وكان يضطرب ويقوم ويقعد حتى ~~خشيت جارته أن يسقط فشدته من ثوبه، ثم بعد أن ينتهي التمثيل ذهب إلى الممثل وقال له لقد ~~ضحكت عندما سمعت الكوميديا، وبكيت عندما سمعت التراجيديا، ولكني مع ذلك لم أفهم حرفا مما ~~كنت تقول. # كان روسو - كما قلت لكم - شديد الحرص على العزلة ولست أقص عليكم تفصيل حياته في إنجلترا ~~ولكني أوجز هذا إيجازا؛ فقد انتهى الأمر بجان جاك إلى أن ظفر بقصر في مكان خلوي، وكان ~~صاحب القصر رجلا ظريفا فقبل أن يضيف روسو، وكان يجب أن يضيف روسو على أن لا يكون ضيفا ~~بل على أنه مستأجر وكان يجب أن يقدم إليه كل ما يحتاج إليه، وما أكثر ما كان يحتاج إليه! ~~وأن يأخذ منه أيسر أجر ممكن، وقد كان كل ما أراد روسو فقبلت منه أجرة اسمية - إن صح هذا ~~التعبير - وأقام مع صديقته تيريز، واحتملت الأرستقراطية الإنجليزية عناء شديدا في أن ~~تقبل هذا الرجل وصديقته التي لم تكن زوجه ولم تكن مثقفة ولا مهذبة، وإنما هي عاملة غبية ~~غافلة، يقبلون أن يجلسوا إلى موائدهم وفي غرف الاستقبال مع هذه المرأة البلهاء، وكل هذا لم ~~يرض روسو، فكان يرى أنه لم يظفر بما كان ينبغي أن يظفر به من العناية في بلاد ~~الإنجليز. # وفي أثناء ms145 هذه الحياة التي كانت تملؤها الشكوى من روسو وتملؤها العناية من الإنجليز، ~~نشأت خصومة بين روسو وصديقه هيوم، وهذه الخصومة مصدرها أن روسو اتهم صديقه بأنه يخونه ويعين ~~عليه أعداءه ويؤلب عليه خصومه في باريس، وكانت هذه التهمة في نفس الوقت الذي كان فيه صديقه ~~الفيلسوف الإنجليزي يسعى للحصول على مرتب منظم لروسو. # مهما يكن من شيء، فقد فسدت الصلة بين الصديقين وأعلن هذا وألفت فيه الكتب ونشرت ~~الفصول، وانتشرت هذه الكتب في باريس وفي لندرة، وأصبحت من المسائل التي شغلت الرأي العام ~~بين سنة 1766 وسنة 1767. وانتهى الأمر إلى أن استيقن جان جاك أن حياته في إنجلترا أصبحت في ~~خطر، وهم بالرجوع إلى فرنسا، ولكنه خائف على حياته فكتب إلى رئيس الوزارة أن يعين له ~~حرسا يحميه حتى يصل إلى دوفر، فيجيبه رئيس الوزراء أن أي سائق عربة في إنجلترا يمكن أن ~~يعتبر كأحسن حرس يحميه، ولا يكتفي روسو بهذا، بل يكتب إلى أمين الملك بأن يعين بعض ~~الفرسان لحمايته، فيجيبه هذا بمثل ما أجاب به رئيس الوزراء، وينتهي الأمر بروسو إلى أن ~~يفلت من إنجلترا إفلات الهارب الذي لا يشك أن الأوروبيين - الفرنسيين والإنجليز - قد ~~ائتمروا به وقرروا أن يقتلوه، كان الخوف قد أخذ من نفسه كل مأخذ، فما كاد يصل إلى دوفر حتى ~~كتب إلى أمين الملك أن يعين له نوع الموت الذي يريد أن يقضي عليه به، وتزيد الظروف في نفس ~~روسو، فهو إذا ما وصل إلى دوفر يلاحظ أن الريح ليست مواتية فلا يشك في أن الطبيعة قد ~~ائتمرت مع الفرنسيين والإنجليز، ثم ينتهي أمره بالرجوع إلى فرنسا. # ويقضي حياته مشردا مرة هنا ومرة هناك يستقر بعض الشيء، ولكنه لا يزال مضطربا مترددا ~~حتى ينتهي أمره إلى الوفاة سنة 1878 بعد فولتير بمدة قصيرة. # ليس من شك في أن حياة جان جاك روسو كانت حياة رجل مضطرب الأعصاب مجنون إلى أبعد حد، ولكن ~~ما رأيكم في أن هذا الرجل المضطرب المجنون هو أعظم الناس أثرا ms146 في الحياة الفرنسية أولا، ~~وفي الحياة الأوروبية ثانيا، وفي الحياة الإنسانية بوجه عام من جميع وجوهها المختلفة؟! هو ~~أعظم الناس أثرا في الحياة السياسية كلها؛ فهو أبو الثورة الفرنسية بكتابه «العقد ~~الاجتماعي» وهو الذي استطاع أن يعلن رأيا كان معروفا قبله، وكان شائعا من غير شك - ولكنه ~~كان مقصورا على الفلاسفة ورجال السياسة، فاستطاع روسو أن يلقيه في نفس الطبقات الدنيا ولم ~~تكن تستطيع أن تفهم هذه الأشياء ولا أن تفكر فيها - وهو: «أن الشعب مصدر السلطات.» واستطاع ~~روسو أن يقنع الشعب الفرنسي والطبقات الدنيا في فرنسا أن السلطة ليست إلى الملوك ولا إلى ~~الأرستقراطية، وإنما هي ملك للشعب من حيث هو وحدة لا من حيث هو أفراد متعددة، وبأن الملك ~~حين يستعمل سلطته وأن الوزارة حين تستعمل سلطتها، وبأن المجالس النيابية وهيئات الحكم ~~والمحاكم إنما تستعمل هذه السلطة نيابة عن الشعب لأنها مأجورة له، وليس لعملها أي قيمة ~~بغير السلطة التي يخولها الشعب للملوك أو لرؤساء الجمهوريات أو المجالس أو النواب ~~والقضاة. # هذه الفكرة استطاع جان جاك أن يغلغلها - إن صح هذا التعبير - في نفس الطبقات الدنيا في ~~فرنسا؛ في نفس العمال، وفي نفس الصناع، وفي نفس الزراع، وفي نفس الشعب الفرنسي كله، وأكثر ~~الإعلان لحقوق الإنسان الذي قامت عليه الثورة الفرنسية إنما هو نتيجة مباشرة بل مستمدة ~~بالحرف من كتب روسو، فالثورة الفرنسية السياسية أثر مباشر لجان جاك. # لم يقف تأثير روسو السياسي عند إنشاء الثورة، فأنتم تعرفون أثر الثورة الفرنسية في نشر ~~الديمقراطية في أوروبا، بل في بلاد الشرق بعد الحرب الكبرى، فحياتنا نحن الديمقراطية، ~~ومذهبنا نحن في فهم الحكم وفيما نريد من المثل السياسي الأعلى، تتأثر بهذه الفكرة التي كان ~~جان جاك أول من أشاعها وأذاعها في كتاب «العقد الاجتماعي». # ثم لجان جاك أثره في الناحية الأدبية، وهو ليس أقل خطرا من أثره في السياسة؛ فهو في ~~كتابه أو قصته «هولويز الجديدة» منشئ مذهب الرومانتزم، وهو المؤثر الأول في الكتاب ~~والشعراء الذين ملكوا العقل والحياة الأدبية ms147 في أوروبا، وهو المؤثر الأول في جوت وشاتوبريان ~~وهوجو وغيرهم من الأدباء الذين ظهروا في أواخر القرن الثامن عشر والنصف الأول من القرن ~~التاسع عشر، ثم له تأثير غريب متناقض - إن صح هذا التعبير - روسو هو الذي هدم السلطان ~~الديني؛ هدم سلطان الكنيسة في فرنسا وأنكر سلطان القسس، ولكنه في الوقت نفسه لم يكن كفولتير ~~عدوا للدين من حيث هو دين، وعدوا للكنيسة من حيث هي كنيسة، كان عدوا لطغيان رجال ~~الدين وعدوا لطغيان الكنيسة، وهو ينتهز هذه الفكرة التي ظهرت أول أمرها فدمرت سلطة ~~الكنيسة، والتي كانت نفسها معيدة لسلطان الدين والكنيسة بعد الثورة الفرنسية، فإذا كان ~~روسو هو الذي أوجد «روبسبير» وأوجد خصوم رجال الكنيسة، فهو الذي أوجد «شاتوبريان»، وهو الذي ~~أوجد المدافعين عن الدين في أوائل القرن التاسع عشر والذين مهدوا للصلح بين فرنسا الثائرة ~~وبين الكنيسة. # ليس يعرف التاريخ الأدبي ولا السياسي ولا الديني رجلا كان أشد أثرا في حياة الشعب ~~الفرنسي وفي حياة الشعوب الأوروبية من هذا الرجل الذي نشأ مضطربا، نشأة الشاب الذي لم يبرأ ~~من السرقة ولا من الفجور ولا من جميع أنواع الفساد الذي انتهى إلى هذا الجنون الذي رأيتم ~~بعض صوره. # لم يعرف التاريخ رجلا أحدث من الآثار كهذا الرجل، ألستم توافقونني على أن درس حياة هذا ~~الرجل في شيء من التفصيل وبشيء من المهل والتأني، خليق أن يثير في أنفسنا شيئا غير قليل من ~~الرحمة والإشفاق على هذا الرجل الذي أحسن إلى الإنسانية أشد إحسان، ولقي من الإنسانية ~~أشد إساءة؛ لأنه كان في حياته نفسها مستحقا لما لقي من إساءة. # أما أنا فلا أحب جان جاك، لكني أرحمه وأشفق عليه إشفاقا عميقا، ولست أؤمن بآراء جان ~~جاك كلها ولكني أعجب بها. # ومن حسن حظه أنه ربما كان الفيلسوف الوحيد من فلاسفة القرن الثامن عشر الذي ظفر بعناية ~~كاتب من كتابنا المصريين، فكلكم فيما أظن قد قرأ الكتاب الذي وضعه الدكتور هيكل بك والذي ~~أؤكد لكم أنه من أرقى وأحسن ما ms148 كتب عن هذا الفيلسوف العظيم. # | رينان # سيداتي، سادتي # سأحدثكم اليوم عن رجل مخالف كل المخالفة للرجلين اللذين حدثتكم عنهما في المحاضرتين ~~الماضيتين؛ فالفرق عظيم جدا بين «أرنست رينان» وبين «فولتير» و«روسو» وهذا الفرق طبيعي، ~~فقد يكون الوقت الذي انقضى بين ظهور هذا الرجل في الحياة الأدبية الأوروبية وظهور صاحبيه ~~قصيرا، ولكن الأحداث التي حدثت في ذلك الوقت عظيمة جدا، أحداث كان يكفي أو كان يجب ~~لحدوثها عصور طوال، وحسبكم أن بين «فولتير» و«روسو» من ناحية، وبين «رينان» من ناحية أخرى ~~الثورة الفرنسية كلها، وإمبراطورية نابليون كلها، وعصر الرجوع إلى الملكية إلى حد ~~ما. # فإذا تمثلتم الأحداث الجسام التي حدثت في آخر القرن الثامن عشر وفي أول القرن التاسع ~~عشر، والتي غيرت وجه الأرض في أوروبا على أقل تقدير، سواء من الناحية السياسية أم من ~~الناحية العقلية أو الأدبية؛ إذا تمثلتم هذا لم تدهشوا حين ترون الفرق العظيم بين «رينان» ~~وبين صاحبيه، ومع هذا فالفرق ليس نهائيا - إن صح هذا التعبير - فبين هذا الرجل وبين ~~فلاسفة القرن الثامن عشر تشابه أرجو أن أستطيع تصويره لكم في آخر هذه المحاضرة. ~~«رينان» ولد سنة 1823 في مدينة من مدن بريتانيا الفرنسية، من أسرة متواضعة، وكان أبوه ~~ضابطا من ضباط البحرية التجارية من هذا الإقليم الذي ولد فيه «بريتانيا»، وكانت أمه من ~~جنوب فرنسا، والفرق بين هذين الإقليمين عظيم؛ فأهل بريتانيا قوم أخص ما يوصفون به إيثارهم ~~الصمت، ثم قوة الحياة الداخلية في نفوسهم؛ فهم يحيون حياة داخلية قوية جدا، ثم هم قليلو ~~الميل إلى الكلام، وهم كذلك من أشد الفرنسيين ميلا إلى المثل الأعلى، بل هم يدفعون ~~إليه دفعا شديدا، ثم هم من أشد الفرنسيين استمساكا بالرأي وتشددا فيه، وحرصا على ~~المحافظة وحب القديم وبغضا للتجديد والانتقال من حال إلى حال، ثم هم محتفظون بشخصيتهم ~~الإقليمية الفرنسية، وهم قليلو الاندماج في الوحدة الفرنسية العامة، ولعلكم تذكرون أنهم في ~~الأعوام الأخيرة الماضية حاولوا أن يستردوا شيئا من استقلالهم الخاص، ودعا بعضهم إلى ~~الوحدة الإقليمية. ms149 # على عكس هذا بالضبط أهل الإقليم الذي جاءت منه أم رينان؛ فأهل الجنوب من أشد الفرنسيين ~~ميلا إلى الكلام واندفاعا فيه، وإظهارا لما يشعرون ولما يفكرون، وهم يتعلقون بالمثل ~~الأعلى، ولكنهم ليسوا حراصا عليه، لا يسرفون في المحافظة ولا يسرفون في بغض القديم، وإذا ~~صح هذا التعبير نستطيع أن نقول إن أهل بريتانيا مبطئون في الحركة بطئا شديدا بمقدار ما ~~نجد أهل الجنوب يسرعون إسراعا شديدا، وأهل بريتانيا مبغضون للكلام على حين يندفع أهل ~~الجنوب فيه اندفاعا، فالإقليمان أو فأهل الإقليمين متناقضون أشد التناقض، وسترون أن حياة ~~رينان تمثل هذا التناقض إلى حد بعيد. # كان أبو رينان ضابطا من ضباط البحر، ولكنه في آخر حياته اشتغل ببعض الأعمال المالية، ولم ~~يكن صاحب عناية بالمال، ولا بارعا في تدبير الشئون المالية، فلم يوفق، وتورط في أعمال ~~انتهت به إلى الإفلاس، وانتهى إلى موت غريب جهلت أسبابه واختلف الناس فيه اختلافا ~~شديدا؛ فمنهم من زعم أنه موت فجائي، ومنهم من زعم أنه انتحار، ومنهم من شك وتردد بين هذا ~~وذاك. # ومهما يكن من شيء، فقد كان رينان صبيا حين مات أبوه، وقد كان فقيرا وليس له من يعينه ~~على الحياة إلا أمه وأخته هنريت التي سيطول عنها الحديث في هذه المحاضرة، وأخ له يدعى ~~آلان رينان. # قضى رينان حياته الأولى في مدينة تريجييه التي ولد فيها، بين أمه وأخته، وكانت أخته ~~أسن منه ولدت سنة 1811، بينما ولد رينان سنة 1823، وهي التي ربته وعنيت به عناية ~~متصلة، وكان وهو صبي طاغية قاسيا يكلف أخته من المشقة ومن الجهد شيئا كثيرا؛ كان يتحكم ~~فيها تحكما لا حد له، وكانت هي تحبه وتعطف عليه عطفا لا حد له أيضا، وكانت مستسلمة لهذا ~~الطغيان تجد فيه لذة وراحة، ويقال إنها أرادت ذات يوم وكانت فتاة متقدمة في السن - تتجاوز ~~الخمس عشرة سنة - أرادت أن تخرج لتلقى بعض صاحباتها، فكره رينان أن تتركه وحيدا فألح ~~عليها أن تبقى معه، وما زال يلح حتى رقت له وبقيت، ويقال ms150 إنها أنذرته ذات مرة أنه إذا لم ~~يؤثر الهدوء أن تموت، فلما لم يهدأ ولم يعتدل ماتت، ومعنى هذا أنها لزمت سكونا طويلا ~~وصمتا عميقا، وأخذ أخوها يكلمها فلا تجيب ويداعبها فلا ترد عليه، حتى استيقن أنها ماتت، ~~فأسرع إليها فعضها عضة عنيفة دعتها إلى أن تصرخ، فلما صرخت وأخذت تظهر الألم، أخذ هو ~~يؤنبها ويقول لها: «أتتعهدين بأنك لن تموتي بعد.» وكذلك نشأ رينان سعيدا بائسا في وقت ~~واحد؛ سعيدا بهذا الحنان الذي كان يجده عند أمه وعند أخته هنريت، وكان بائسا بهذا الفقر ~~الذي كانت الأسرة تعانيه وتحتمل أثقاله بشيء من الشرف والكرامة والصبر. # وأرسل الصبي إلى مدرسة من المدارس الدينية فتعلم فيها تعليما دينيا خالصا، ولم ~~يكد يتجاوز الثانية عشرة من عمره حتى تبين له ولأسرته أنه سيتجه بتعليمه إلى أن يكون ~~قسيسا، وكان الفقر قد ألح على أسرته، وكانت أم رينان عاجزة عن أن تعمل وأن تكسب الحياة ~~لنفسها ولابنها الصغير وفتاتها، وهنا تظهر الحياة الجديدة لهنريت، وهنا تظهر لنا هذه الفتاة ~~خليقة بالإعجاب، وبالإعجاب الذي لا حد له؛ فقد أحست الفتاة ما تجد أمها وما يجد أخوها من ~~البؤس والضيق، وأحست أن أباها قد ترك ديونا يجب أن تؤدى، وأحست عجز هذه المرأة وهذا ~~الطفل عن الكسب فنهضت هي بهذا العبء، وأخذت تعمل لتمكن أمها وأخاها من العيش، عملت في ~~المدينة أولا في بعض مدارس البنات معلمة، ثم رأت أن هذا العمل لا يلائمها؛ لأنه لا يغل ~~عليها المال الكثير، فسافرت إلى باريس وتركت أمها وأخاها في المدينة واشتغلت معلمة في ~~المدارس، وكانت تكلف نفسها أثقالا لم تكن قد هيئت لاحتمالها؛ كانت جادة ما وسعها الجد في ~~أن تعلم وأن تتعلم، وأن ترسل ما تستطيع إرساله من المال لأمها لتعيش وتربي أخاها ~~الصغير، وما زالت كذلك حتى تقدم الفتى في السن وبلغ الثامنة عشرة، فأرسلت في طلبه إلى ~~باريس، ودفعته إلى مدرسة من مدارس اللاهوت كان يشرف عليها أسقف من الأساقفة الفرنسيين هو ~~مونسنيير دي ms151 بونلو، وكان قسا أرستقراطيا في العصر الذي ظهرت فيه الملكية الفرنسية بعد ~~رجوعها إثر سقوط الإمبراطورية، وأخذت فيه الحياة الأرستقراطية الفرنسية تعود أو تحاول أن ~~تعود إلى ما كانت عليه قبل الثورة، فكان هذا العصر عصر نشاط للأرستقراطية، وعصر استئناف ~~لحياة النظام القديم. # وكان الأسقف أو المدبر لهذه المدرسة رجلا من الأرستقراطية يعنى عناية شديدة بالنظم ~~الأرستقراطية والتقاليد الأرستقراطية، ويعلم الدين كما كان الدين يعلم في القرن الثامن ~~عشر، تعليما ربما قصد به إلى الشرف وإلى المظاهر، وإلى إرضاء هذه الطبقات الراقية أكثر ~~مما قصد به إلى الدين من حيث هو دين، وأحس رينان هذا فضاق به وكرهه كرها شديدا، ولم ~~ينته به الأمر إلى كره هذا النوع من التعليم فحسب، بل أخذ ينتهي به إلى شيء من الشك في ~~الدين نفسه، ثم انتقل من هذه المدرسة إلى مدرسة دينية كبرى يتخرج فيها القسس وهي مدرسة ~~«سان سيلبيس»، وفي هذه المدرسة دفع رينان إلى دراسة في شيء كثير جدا من العناية ~~والإتقان؛ لأنها كانت مدرسة لا تعنى بالدراسة الدينية العادية، ولا بتخصيص تلاميذها في ~~اللاهوت وحده، وإنما تعنى بدراسة دينية عالية متقنة، ويكفي أن تعلموا أنه في هذه المدرسة ~~أخذ يدرس اللغة العبرية، كما أنه أخذ يدرس الفلسفة؛ الفلسفة العصرية الجديدة وبنوع خاص ~~فلسفة الألمان المعاصرين. # ومن هاتين الدراستين؛ دراسة العبرية من ناحية ودراسة الفلسفة الألمانية من جهة أخرى، ~~تكونت نفس الشاب تكوينا مناقضا إلى حد بعيد لنفس الطفل أو الشاب الذي أقبل إلى باريس ~~منذ أعوام، أما دراسة العبرية فقد مكنته من أن يقرأ التوراة في لغتها الأولى، ومن أن يقرأ ~~آثارا إسرائيلية قديمة كتبت في لغتها الأولى، على حين كان غيره من القسس ومن الذين ~~يتهيئون لخدمة الدين يقرءون التوراة ويقرءون الآثار الإسرائيلية باللغة اللاتينية، أخذ ~~يقرأ هذا باللغة العبرية الأصلية، ودراسة اللغة العبرية ودراسة النصوص الدينية بلغتها ~~الأولى خليقة أن تثير كثيرا من الشكوك، ولو لم يكن فيها إلا أنها تدعو إلى المقارنة بين ~~الأصل والترجمة وبين ms152 ما يفهم من الأصل وما يفهم من الترجمة، لكان ذلك كافيا لتنبيه عقل ~~الشاب إلى ناحية من نواحي الدين، هي الناحية التاريخية الصحيحة. # أما الفلسفة الألمانية فقد أثارت في نفس هذا الشاب شكوكا لا تتصل بالنصوص ولا بالتاريخ، ~~ولكنها تتصل بطبيعة الدين وبطبيعة الإيمان وبطبيعة الحياة، وكان للفلاسفة الألمانيين تأثير ~~في نفس هذا الشاب «ولا سيما فيشت وهيجل». # وبين تأثير الفلاسفة الألمان من ناحية، واللغات السامية من ناحية أخرى، اشتد الشك في نفس ~~الفتى، وإذا هو يشعر في وقت من الأوقات بأن هناك تناقضا شديدا جدا بين ما ورثه عن ~~آبائه وما تعلمه في مدرسته الأولى، وبين ما تعلمه في مدرسته الثانية من تعاليم الدين، ~~وما أخذ عقله ينتهي إليه من النتائج والآراء، نظر فإذا الدين المسيحي يعتمد أو يرجع عند ~~التحليل إلى أصول ثلاثة أو عناصر ثلاثة: العنصر الأول يتصل بالأخلاق، فالدين المسيحي فيه ~~عناية بالأخلاق، وفيه عناية شديدة بصلاح النفوس المريضة وعلاج ما قد يعرض لها من الآثام ~~والخطايا، والعنصر الثاني هو العنصر اللاهوتي - إن صح هذا التعبير - وهو الذي يتصل ~~بالعقيدة والأسرار وطبيعة العقيدة المسيحية، والعنصر الأخير هو العنصر التاريخي الذي يتصل ~~بنشأة المسيح وحياته وما عرض له من الخطوب وما انتهى إليه أمره، ثم ما نشأ عن ذلك من سيرة ~~الرسل وانتشار الدين ... # فأما العنصر الأول، فلم يعرض له الشك في نفس رينان، فمن يقرأ الأناجيل والتعاليم المسيحية ~~لا يشك في أن هذا الدين يعنى عناية واضحة جدا بتهذيب النفس وإصلاح الخلق، وشفاء ~~الإنسان من الأمراض الفردية والاجتماعية؛ فهو من هذه الناحية لم يتردد في حب هذا العنصر من ~~عناصر الدين وفي استبقائه والحرص عليه، ولكن العنصر الآخر الذي يتصل بطبيعة الإيمان ~~والعقيدة المسيحية، والأسرار التي تقوم عليها المسيحية بالتوحيد أو باللاهوت المسيحي، هذا ~~العنصر تعرض لخطر عظيم جاءه من الفلسفة الألمانية التي أخذت تشككه في هذه الأسرار، وأخذت ~~تشككه فيما توارد من تفسير الصلة بين الإله والعالم! # فرينان عندما قرأ فلسفة الألمان آمن بما كانت ms153 تعتمد عليه فلسفة هيجل؛ وهو وحدة الوجود أو ~~هو هذه العقيدة أو الفكرة التي توحي إلى صاحبها بأن الإله وحدة تظهر في كل شيء وفي كل ~~صورة من الصور وفي كل كائن من الكائنات التي يتألف منها العالم المحسوس، فكرة أن الإله لا ~~يمكن بحال من الأحوال أن يؤثر في العالم بإرادة فردية شخصية تمس الأفراد وتمس الأشخاص وتمس ~~الجزئيات؛ وإنما الإله بحكم هذه الفلسفة وبحكم ما انتهى إليه العقل في هذه الفلسفة، قوة ~~عظيمة لا تؤثر إلا من طريق القوانين ولا تؤثر في الأشياء الفردية ولا تعنى بالجزئيات. ~~وإذن، فما توارثه المتدينون من أن الإرادة الإلهية تؤثر في هذه الجزئية أو تلك وتعين هذا ~~الفرد وتعاكس هذا الفرد، وتأتي بهذه المعجزة وتحدث هذه الحادثة؛ كل هذا انهار في نفس ~~رينان. وتردد الشاب أولا ثم شك ثم جحد العقيدة المسيحية، ولم يقف أمره عند هذا الحد ولكنه ~~نظر إلى العنصر الثالث التاريخي؛ نظر إلى التاريخ وما يتصل بنشأة المسيح وما عرض له ~~ولأصحابه من الخطوب، ودرس هذا من الوجهة التاريخية الخالصة، وعلى المناهج التاريخية ~~الجديدة؛ فأدركه الشك وعجز عن أن يوفق بين ما ينتهي إليه البحث التاريخي الجديد وبين ما ~~توارثه من العقائد. # وهذا الشك في طبيعة الدين وفي تاريخه لم يقنع رينان بأنه قد خرج من دينه، ولكنه اقتنع ~~بشيء آخر هو أنه لن يكون قسيسا؛ فأعرض عن غايته الأولى وعدل عما كان قد اعتزم، وترك ~~الفكرة التي كانت تدفعه لأن يكون رجلا من رجال الدين، وانصرف إلى أن يكون رجلا من الرجال ~~العاديين، وفكر في أن يلتمس حياته من غير هذا الطريق، وفي أثناء هذا كانت الحياة المادية ~~بالقياس إليه وبالقياس إلى أمه في الأقاليم شديدة شاقة، وكان ما تكسبه أخته هنريت ضئيلا ~~لا يكفي لتمكينه هو من الدرس في باريس، ولتمكين أمه من الحياة ومن أداء الديون، فالتمست ~~هذه الفتاة طريقا لتكسب مالا أكثر مما كانت تكسبه، ووفقت إلى أسرة بولونية كانت تلتمس ~~مربية فرنسية، فالتحقت بها ms154 وسافرت من باريس إلى بولونيا، وأقامت غريبة في هذه الأسرة عشر ~~سنين تربي تلاميذها وترسل ما تكسبه إلى أمها وأخيها، وأخوها يشتغل في باريس ليهيئ نفسه ~~لحياة جديدة، ومن أشد الأشياء تأثيرا في النفس هذه الكتب المتبادلة بين الفتاة الغريبة في ~~بولونيا وبين هذا الشاب الذي كان يدرس في باريس ويتم دراسته فيها، ويتهيأ للحياة الجديدة ~~مستعينا على ذلك بما كانت ترسله إليه أخته من المال. # على أننا عندما نقرأ هذه الكتب نلاحظ ظاهرتين؛ فأما كتب الفتاة فيملؤها الحب الذي لا حد ~~له، والحنان الذي يدفع إلى البكاء أحيانا، وأما كتب الفتى ففيها شيء من الأثرة وفيها شيء ~~من الغلظة أيضا، وفيها شيء من حب النفس الذي لا يتردد في تضحية كل شيء في سبيل رغباته ~~الخاصة، ويظهر أن هذه خاصة من خصائص النبوغ؛ فقد يقال إن أصحاب النبوغ أثرون بطبعهم ~~يضحون بالناس وبكل شيء في سبيل النبوغ. # مهما يكن من شيء، فقد اضطر رينان إلى أن يغير حياته تغييرا تاما؛ فبعد أن كان يريد ~~أن يدرس دراسة دينية اضطر إلى أن يدرس دراسة مدنية، وأخذ يهيئ نفسه للظفر بالشهادة ~~الدراسية الثانوية، فاشتغل في ذلك ولم يحتج إلى عناء شديد فظفر بالبكالوريا في أقل من ~~أربعة شهور؛ لأن دراسته في المدارس الدينية كانت قد هيأته تهيئة حسنة، ثم تفرغ لليسانس ~~ولم يكد يقضي عاما حتى ظفر بالليسانس أيضا سنة 1848، ومنذ هذا العام كان الفتى قد أتم ~~دراسته العليا وأخذ يتأهب للدخول في الحياة العملية، ولكن حياته العملية أيضا كانت حياة ~~موجهة إلى الدرس، وفي هذا الوقت صادفته الثورة الفرنسية وقيام الجمهورية الثانية سنة 1848، ~~ولكنه لم يحفل كثيرا بهذه الثورة، لا لأنه كان يحب النظام الملكي الذي كان قائما في ذلك ~~الوقت، بل لأنه كان يعنى بالعلم أكثر من عنايته بالحركات السياسية التي كان يزهد فيها ~~زهدا شديدا، وعلى كل حال فقد كان رينان مبغضا للنظام الملكي، وكتبه إلى أخته تصور لنا ~~هذا البغض، وتصور لنا بنوع خاص كيف كان يرى ms155 الملك لويس فيليب وقصره؛ كيف كان يزدري هذا ~~الملك الشيخ الذي أصابه الكسل والفتور وأخذ يعتمد على رجال الحاشية الذين لا يخلصون له ولا ~~للدولة وإنما يخلصون لأنفسهم، وكيف ترك الأمور السياسية تجري كما تستطيع فأصبح عبئا على ~~فرنسا يكلفها من المال ما يكلفها دون أن يفيدها بعض ما يعدل هذا المال الذي تنفقه عليه ، ~~ولكن رينان على كل حال لم يهتم بالثورة، وانقطع إلى الدرس العلمي أثناء اضطراب باريس، في ~~ذلك الوقت لقي رينان صديقا له هو «برتلو» الكيميائي المشهور، فتأثر به تأثرا شديدا أضيف ~~إلى تأثره بالفلسفة الألمانية والدراسات الإسرائيلية، وتأثر بالعلوم التجريبية الحديثة، ~~ومنذ ذلك الوقت استيقن رينان أنه لم يصبح مسيحيا وبأن هذا الدين قد أصبح غير ملائم ~~لطبيعته، فألحد وإن لم يجهر بإلحاده. # وإلحاد رينان غريب هو إلحاد حقيقي؛ لأنه لم يكن مسيحيا، ولكنه إلحاد يحتاج إلى شيء ~~من التفكير، فرينان ظل متدينا غير أنه لم يتدين كما كان الناس يتدينون وظل يعبد إلها ~~ولكن إلهه كان غريبا؛ إلهه هو العلم، وكل ما كان يضمره رينان من الإكبار والإجلال ~~والثقة للدين نقله إلى العلم الحديث، وكما أنه كان يظن في شبابه أن حياة الإنسان لا قيمة ~~لها إذا لم يشرف عليها الدين ولم ينظمها الدين ولم يسيطر عليها من جميع نواحيها؛ فقد انتقل ~~فجأة إلى اعتقاد غريب مدهش حقا هو الاعتقاد بالعلم، وجعل النتائج العلمية هي الإله الذي ~~ينبغي أن يعبد وأن يعترف به. وإذن فقد صور لنفسه ديانة جديدة إنسانية، ديانة مدنية - ~~إن صح هذا التعبير - قوامها حب العلم وعبادة العلم والثقة بالعلم والاعتماد على العلم، ~~وكما أن أمور الدين منظمة بهذه السلطة الدينية سلطة الكنيسة فهو أيضا قد تصور كنيسة علمية، ~~وهو أيضا قد تصور للدين الجديد قسسا وكهانا هم العلماء، فالمدارس كنائس، والعلماء ~~الذين يدرسون في هذه المدارس قسس، والعلم هو الإله الذي يعبد ويخدم في المدارس، كما أن ~~هناك إلها يعبد ويخدم في الكنائس، ويجب أن تنتقل أمور الإنسانية من الدين ms156 إلى العلم، ~~ويجب أن تكون أمور الحكم إلى العلماء لا إلى رجال الدين كما كانت من قبل، ولا إلى رجال ~~السياسة كما هي الآن، وإذن فلا بد من أن تتطور الإنسانية بحيث تصبح الحكومة فيها مؤلفة من ~~العلماء، علماء يتقنون العلم بشئون الإنسان على اختلافها، يتقنون العلم بالطبيعة وما يعرض ~~لها من الخطوب وما يدبر فيها من قوانين، ويلائمون بين حياة الإنسان وبين الطبيعة، ~~ويمكنون الإنسان من أن يكون سعيدا في الأرض حقا، وإذن فكل حكومة لا تعتمد على العلم ~~لا قيمة لها، وكل حكومة لا يكون العلم قوامها فهي مكونة على إلحاد في العلم كما أن هناك ~~إلحادا في الدين. # ومن هذه الناحية، استطاع رينان أن ينصرف عن السياسة اليومية التي كانت تحدث في باريس وفي ~~غير باريس، وأن لا يحفل كثيرا بالثورة ولا بالجمهورية الثانية ولا بالإمبراطورية التي ~~أعلنت بعد الجمهورية الثانية؛ لأنه كان يرى أن هذا كله تخبط سيزول وينقضي ولا بد من أن ~~يأتي اليوم الذي ينتصر فيه العلم ويئول الأمر إلى العلماء. # وفي نحو سنة 1850 كان رينان قد ظهر في الحياة العلمية الفرنسية، واشترك في مسابقة عرضها ~~المجمع العلمي الفرنسي ومجمع الآداب خاصة عن اللغات السامية؛ فوضع كتابا ضخما في تاريخ ~~اللغات السامية وفي النحو المقارن لهذه اللغات، وعرض الكتاب فظفر بالجائزة وأخذ اسمه يعرف، ~~واشترك في مسابقة أخرى عرضها المجمع موضوعها دراسة اليونانية في القرون الوسطى فظفر ~~بالجائزة في هذا الموضوع أيضا، وهو في أثناء هذا كان يستعد للدكتوراه، ويبحث عن موضوع ~~لرسالته، وكان يختلف إلى أساتذة اللغات السامية في الكوليج دي فرانس وأساتذة اللغة العبرية ~~فيها، فكان يحضر دروس دي ساسي وبرسيفال وكاترمير وغيرهم من أساتذة اللغات السامية، وانتهى ~~به البحث إلى اختيار موضوع لرسالة الدكتوراه هو «ابن رشد وآثاره»، وكتب في هذا الموضوع ~~رسالة تقدم بها إلى السوربون وظفر بالدكتوراه، وكتاب رينان عن ابن رشد أحسن دراسة وضعت ~~للآن عن هذا الفيلسوف العربي العظيم. # من ذلك الوقت أرسل رينان إلى أخته ms157 يلح عليها في أن تعود إلى باريس وما زال يلح حتى عادت ~~وعاشت معه، وأخذت أخته تمكنه من أن يحيا حياة علمية خالصة؛ فنظمت حياته المادية وأراحته ~~من التفكير فيها، ثم شاركته في حياته وأخذت تساعده في حياته العلمية مساعدة الشريك فيما كان ~~يعالج من العلم، وتهيئ له الأبحاث وتحقق له المسائل، وتكتب له بعض المخطوطات وتنسخ له بعض ~~ما يكتب من البحث، وتقرأ آثاره وتلاحظ عليها، وتنقد ما يكتب وما ينشر، بل كانت تضطره إلى ~~أن يذيع هذا وإلى أن يغفل ذاك؛ فكانت له كالزميل القوي يمد إلى زميله يد المعونة، ولكن ~~أزمة عنيفة عرضت لهذين الأخوين الشريكين اللذين كانت تجمع بينهما رابطة من أقدس الروابط؛ ~~رابطة الأخوة من جهة، ورابطة الأخوة في العلم من جهة أخرى؛ فقد أخذت هنريت تلح على أخيها في ~~أن يتزوج، وأظهر رينان استعداده للزواج، وبحثت هنريت لأخيها عن زوج، ووجدت الزوج وتمت ~~الخطبة، ثم تبين أنها كانت تكره زواجه، ولا تعينه عليه إلا امتحانا له، لترى أيقبل ~~الاقتراح؟ فلما رأت أنه قبل وأنه قد تزوج أدركها يأس شديد وجزع لا حد له، ونشأت بينها وبينه ~~خصومة مؤلمة حقا؛ فقد كانت هنريت تحبه حبا يتجاوز الحب الذي بين الشقيقين، وتأثرت ~~بغيرة غريبة، وكانت حياتها كلها بكاء ولوما وخصاما، ومع ذلك فقد أظهر أخوها لها في بعض ~~الوقت أنه مستعد للعدول عن الزواج، فلما فكرت في ذلك أثناء الليل وعرفت أنه إذا عدل عن ~~الزواج فقد ضحى لها بحبه وبراحته وبلذته، وإذن فهي لا تحبه حقا، فطبيعة الحب الصحيح أن ~~يضحي المحب وأن لا يقبل تضحية؛ ولذلك أصبحت فأسرعت إلى بيت الخطيبة وألحت عليها وعلى أبيها ~~في أن لا يسمعا لما سيقوله رينان، ولم ينته اليوم حتى كانت قد عدلت عن سخطها على أخيها ~~وأصبحت من أشد الناس تشجيعا له على الزواج، ولكن هذا الزواج لم يكد يتم حتى استحالت حياة ~~رينان وأخته إلى جحيم؛ فقد عادت الغيرة، والغيرة الفظيعة المنكرة إلى قلب هذه الأخت ms158 ~~العاشقة - إن صح هذا التعبير - وجعلت هنريت تقضي حياة كلها بكاء ولوعة وأسى ومقت وخصام، ~~وجعل رينان وزوجه يتلطفان ويتظرفان وهي تقاوم وتلين وتسخط وتغضب حتى أذن الله فرزق رينان ~~بطفل فتسلت الأخت بالطفل عن أبيه. # وفي سنة 1860 ندب رينان لبعثة علمية إلى بلاد الشام للبحث عن الآثار فاصطحب أخته معه، ~~وجاء إلى بلاد الشام فزار فلسطين، ثم زار بلاد الشام ولبنان، وقام هناك ببعض الحفريات ~~واستخرج بعض الآثار الفينيقية. # وفي هذه الرحلة مرضت أخته بالحمى وماتت ودفنت في الشام، وعاد رينان وحيدا، وبعد هذه ~~العودة بقليل عرض عليه منصب أستاذ للغة العبرية في الكوليج دي فرانس، وكان يتمنى هذا ~~المنصب منذ شبابه، وفي شهر فبراير سنة 1863 افتتح رينان درسه الأول في الكوليج دي فرانس، ~~وكان قد اتخذ لنفسه موقفا هو إلى مخاصمة الإمبراطورية أقرب منه إلى تأييدها؛ فقد كان من ~~الأحرار ومع ذلك فقد عين في هذا المنصب وبدأ يلقي دروسه في الكوليج، وازدحم الناس ازدحاما ~~شديدا على قاعة الدرس، وكانوا مختلفين في رينان اختلافا شديدا؛ كان هناك الكاثوليكيون ~~الذين يبغضون رينان ويخاصمونه، وكان هناك الأحرار والمجددون المخاصمون للإمبراطورية وكانوا ~~يؤيدون رينان، وازدحمت الكوليج دي فرانس ازدحاما دعا الشرطة إلى التدخل، وأخذ رينان يلقي ~~دروسه، وليته لم يلق هذا الدرس، فلم يكد يتقدم في الدرس حتى ذكر المسيح بأنه رجل لا نظير ~~له؛ هذه الجملة أثارت تصفيق الأحرار، وأثارت غضب الكاثوليكيين، فرينان يذكر المسيح بأنه ~~رجل، ولم يكد يعود إلى داره حتى كان الأحرار قد سبقوه متظاهرين هاتفين مصفقين، وكان ~~المحافظون ساخطين، وإذا قرار يصدر من وزير المعارف بوقف الدرس، وإذا أزمة جامعية يحدثها ~~هذا الدرس. # لم تكن هذه الأزمة يسيرة ولا هينة؛ فقد انقسم الفرنسيون فيها إلى قسمين: فأما الأحرار ~~المعارضون أنصار حرية الشعب وأنصار المذاهب الجديدة، وأنصار فلسفة القرن الثامن عشر، فكلهم ~~كانوا عونا له، وأما المحافظون ورجال القصر بنوع خاص والإمبراطورة وحاشية الإمبراطورة ~~فقد كانوا خصوما لرينان، وكان وزير المعارف مع هؤلاء، والغريب أن ms159 رينان نظر فرأى معه خلاصة ~~الشعب الفرنسي أنصار التجديد وعدة المستقبل، فاستيقن أن النصر له من غير شك فلم يحفل بقرار ~~وزير المعارف، واعتقد أن الرأي العام الذي يتأثر بالرأي الحر سيثأر له، وسيكره الوزير ~~والإمبراطور على أن يعيدا الإذن له في متابعة هذه الدروس، والغريب أنه لم يكتف بهذا بل ~~أصدر كتابه بعد ذلك بقليل «حياة المسيح » فأضاف شرا إلى شر، وثورة إلى ثورة؛ فهذا الكتاب ~~أغضب رجال الدين والمحافظين والفلاسفة الذين لم يكونوا من أنصار الحرية ولا من أنصار التأثر ~~بالمذهب الجديد، ثم لم يكتف بهذا، بل أخذ يتحدى الوزير وأخذ يكتب إليه طالبا أن يستأنف ~~الدرس، ثم عرض الوزير عليه منصبا فأبى، وظل الوزير محتفظا بموقفه من سنة 1862، 1863 إلى ~~أوائل سنة 1864 ورينان مؤمن بالرأي العام، معتمد عليه، واثق بأنه منتصر من غير شك، ولكنه ~~نظر فإذا قرار يصدر بنقل رينان من الكوليج دي فرانس إلى قسم المخطوطات، ولم يقف الأمر عند ~~هذا الحد الذي لم يؤخذ فيه رأي رينان، ولكن قرار الوزير اشتمل على شيء من الإهانة لرينان؛ ~~فقد كان رينان يتقاضى مرتبه أثناء هذه المدة، فوجد الوزير طريقة إلى أن ينقله ليستطيع أن ~~يعمل ويستحق المرتب الذي كان يأخذه على غير عمل، وكان القرار بطريقة لا تلائم كرامة ~~الأستاذ، وهنا ثار رينان ورد على الوزير ردا عنيفا وقذفه بهذه الجملة وهي: «اذهب إلى ~~الشيطان مع أموالك.» ومنذ ذلك الوقت أصبح رينان خصما صريحا للإمبراطورية والوزارة، وظل ~~رينان بعيدا عن الكوليج دي فرانس، حريصا مع ذلك على أن يعود إليها، يطالب بأن يؤذن له في ~~أن يلقي دروسه بعيدا عن الكوليج دي فرانس في بيته، ولكنه لا يظفر بما يريد، في هذا الوقت ~~مضى في دراسته العلمية وأخذ يصدر كتبه المشهورة في تاريخ المسيحية. # ثم في سنة 1868 تقدم للانتخابات ولكنه تقدم معتدلا؛ لا مناصرا للجمهورية كما كان ~~المتطرفون، ولا مناصرا للإمبراطورية كما كان المحافظون ولكنه حر معتدل، ففشل في ~~الانتخابات وانتصر عليه الجمهوري المتطرف. ms160 # ثم كانت الحرب، وكانت الهزيمة، وكانت الثورة وسقوط الإمبراطورية، وقيام الجمهورية ~~المتطرفة، ولعلكم فهمتم أن رينان لم يكن من أنصار الديمقراطية بل كان خصما لها، وكان ~~مؤمنا بالعلم، وما دام مؤمنا بالعلم وبأن الحكم يجب أن يكون إلى العلماء فهو ليس من ~~الديمقراطية في شيء؛ لأن الديمقراطية تجعل الحكم إلى الشعب كله، وهو لذلك من أشد خصوم ~~الجمهورية، كان ملكيا في شكل الحكم، كان أرستقراطيا علميا، ومع ذلك فالجمهورية لم تكد ~~تعلن في فرنسا حتى ردت إليه منصبه، وأذنت له في استئناف دروسه، ثم لم تمض أعوام حتى ~~أصبح في ظل الجمهورية التي يكرهها والديمقراطية التي يقاومها لم يصبح أستاذا، ولكنه أصبح ~~مديرا للكوليج دي فرانس، تحميه الديمقراطية التي يكرهها وترفعه إلى أرقى منصب من مناصب ~~التعظيم والتشريف والإجلال والإكبار. # قضى رينان ما بقي من حياته أستاذا في الكوليج دي فرانس، يلقي دروسه في اللغات السامية، ~~ويتحدث ويحاضر في أنواع الفلسفة والعلم، ويؤلف الكتب المختلفة في مادته التي تخصص فيها وفي ~~مواد أخرى كالسياسة والأدب، وأصبح بين سنة 1875، 1893 أكبر رجل أو أكبر ممثل للحياة ~~العقلية الراقية في باريس وفي البلاد الفرنسية جميعا، وكان تأثيره عظيما في حياة ~~الفرنسيين، ولكن الغريب من أمره أنه انتهى إلى هذه الصورة التي أريد أن أختم بها هذه ~~المحاضرة، انتهى إلى هذه الصورة العقلية الشاذة؛ فقد أصبح رجلا يقبل جميع المذاهب ~~الفلسفية على اختلافها، لا ينكر شيئا إنكارا صريحا، ولا يؤمن بشيء إيمانا صريحا، ~~أصبح صورة من صور الشك، كان يلقي درسه ويؤيد مذهبه بالحجج والبراهين، ثم يقول في آخر هذه ~~الحجج والبراهين: «ومع ذلك فلست مقتنعا بما أقول.» كان يتحدث في مجالسه بالمتناقضات؛ ~~يقول: «من الخير أن يكون الإنسان رجلا فاضلا، فالفضيلة سخف في حقيقة الأمر، ولكنها لذة ~~يجد فيها بعض الناس راحة، ومن يدري فقد يتبين أن الأمم والجماعات أصحاب رذيلة، من الخير أن ~~يكون الإنسان متدينا، ومن يدري لعل الديانات أن تكون صحيحة، ومن الخير أن يكون الإنسان ~~ملحدا، ومن يدري ms161 لعل الإلحاد أن يكون صحيحا.» وكذلك لم تكن تعرض لرينان في عصره الأخير ~~فكرة إلا قبلها ورفضها في وقت واحد؛ حتى أحدث في العقل الفرنسي في ذلك الوقت اضطرابا ~~شديدا، وحتى دفع الشباب إلى شيء من الشك الخطر الذي لم يقف عند المسائل الدينية، بل ~~تجاوزها إلى مسائل سياسية وطنية. # لم يكد ينتهي القرن التاسع عشر حتى شعرت فرنسا والشباب الفرنسي الجديد بأنه لا بد من ~~مقاومة، ولا بد من رد فعل لهذه الفلسفة والشك الخطر، وظهرت المدارس الفرنسية الحديثة ~~مقاومة لهذا الاضطراب الذي انتهى إليه رينان، والذي انتهى إليه العقل الفرنسي. # وأخص ما يمتاز به رينان في حياته كلها وفي هذا العصر الأخير بنوع خاص أنه كان من أشد ~~الناس انتصارا لحرية الرأي، ولم يكن له بد من هذا؛ لأنه كان ضحيته، ولكنه اندفع في ~~الانتصار لحرية الرأي حتى لم يفرق بين حرية الرأي وبين الشك، وحتى جعل الحياة العقلية لونا ~~من ألوان العبث، إن صح هذا التعبير، نستطيع أن نستبقي من رينان هذا الجهد الصادق في سبيل ~~العلم والبحث الحر ومقاومة الضغط وهذه الثورة على المسرفين في المحافظة، وهذا البحث ~~التاريخي الصحيح الذي مكنه من أن يكتب تاريخ اليهود والمسيحيين، وهذه الكتب العلمية ~~الفلسفية الرائعة التي نجد فيها لذة؛ ولكنا لا نستطيع أن نستبقي هذا الإسراف في الشك وهذا ~~اللهو بالنظريات، وهذا العبث بالحقائق، وهذا الاندفاع إلى القبول والرفض والاستعداد لقبول ~~كل نظرية وتلقي كل رأي وفي الاطمئنان والاضطراب، وفي هذا خطر لا بد للذين يقرءون رينان من ~~أن يتقوه. # والآن أظنكم قد تصورتم في شيء من الإيضاح حياة هذا الرجل، فلم يبق من هذه المحاضرات ~~إلا المحاضرة المقبلة التي أحدثكم فيها عن زميله وصديقه وشريكه في الرأي والفلسفة أثناء ~~القرن التاسع عشر وهو «تين». # | الفيلسوف تين # سيداتي، سادتي # أما الفيلسوف الذي أريد أن أحدثكم عنه الليلة، فالحديث عنه يحتاج إلى عناية خاصة؛ لأن ~~حياته العادية يسيرة جدا، ليس فيها ما تعودتم أن تسمعوه من الاضطراب ومن اختلاف ms162 الظروف، ~~ومن هذه الطوارئ الكثيرة التي تمس حياة عظماء الرجال. # ومن العسير جدا أن أتحدث إليكم ساعة كاملة عن الحياة العادية لهذا الفيلسوف «تين» كما ~~تحدثت إليكم عن «فولتير» أو «جان جاك» أو «رينان»، فأنا إذن سأحدثكم حديثا علميا ولكن ~~أخشى أن يكون جافا بعض الشيء؛ لأني سأتحدث إليكم عن مذهبه أو مذاهبه في العلم والفلسفة ~~والتاريخ والأدب، إذن فالحديث غير رائق ولا مريح وقد يدعو إلى تفكير وإلى تأمل، وأظن أن ~~التفكير العميق، والتأمل بعد الإفطار وفي رمضان ليسا من الأشياء التي يستريح إليها الناس ~~كثيرا، فقد أرادت الظروف أن يكون الحديث عن «تين» في هذا الوقت. # ولد تين في أواسط القرن التاسع عشر بالضبط سنة 1828م، بعد رينان بنحو خمسة أعوام، ونشأ ~~في شمال فرنسا، في أسرة من الطبقة الوسطى أيضا كغيره من الفلاسفة الذين تحدثت إليكم عنهم، ~~كان أبوه موثقا كما كان أبو فولتير موثقا أيضا، وكان من أسرة بروتستانتية، وقد بدأ ~~حياته كغيره من شبان الطبقة الوسطى في مدرسة من المدارس العادية في موطنه، ثم انتقل إلى ~~باريس فأتم دراسته الثانوية هناك، ولم يكد يبلغ العشرين من عمره حتى كان قد أتم هذه ~~الدراسة، ثم تقدم في التحصيل واستطاع أن يدخل مدرسة المعلمين العليا، ومدرسة المعلمين في ~~ذلك الوقت أرقى مدرسة في فرنسا للدراسة العلمية والأدبية والفلسفية أيضا، وهي المدرسة التي ~~أخرجت لفرنسا في القرن الماضي - وما تزال تخرج لها حتى الآن - أدباءها وفلاسفتها وشعراءها ~~وكتابها ووزراءها أيضا، في هذه المدرسة اتصل تين بجماعة من كبار الأساتذة الفرنسيين، ~~وجماعة من الطلاب الذين كان لهم أعظم الأثر في حياة فرنسا في النصف الثاني من القرن ~~الماضي. # أتم تين دراسته في نحو سنة 1851 وتقدم للامتحان الذي يتقدم إليه عادة طلاب هذه المدرسة، ~~امتحان الأجريجاسيون وهو امتحان الأستاذية للثانوي، ولكنه لم ينجح، ثم ترك المدرسة واشتغل ~~بالتعليم في بعض الكليات في الأقاليم، وبعد ذلك بنحو سنة أو أكثر بقليل كان في فرنسا ~~الانقلاب الذي أحدثه نابليون الثالث، وكان ms163 أول أثر لهذا الانقلاب في الحياة العقلية ~~الفرنسية أن ساء الظن بين الجامعة والحكومة، وأساءت الحكومة رأيها في الجامعة إلى أقصى حد، ~~وفرضت سلطانها عليها، وتتبعت أساتذتها بالمراقبة فيما يقولون وفيما يفعلون، واجتهدت في أن ~~تبعد عن التدريس من يظهر في دروسه أو في سيرته أنه محب للحرية أو مؤيد لها أو داع إليها ~~أو عاطف على النظام القديم نظام الجمهورية، أو مناصر للثورة الفرنسية، وكان تين من هؤلاء ~~فأبعد عن نفير ونقل إلى مكان آخر، فأخذ يعلم فأحس نفس الضغط الذي أحسه في كليته ~~الأولى، واضطر إلى أن يطلب إلى وزارة المعارف أن تمنحه إجازة طويلة، فأسرعت إلى ما كان ~~يريد فتخلصت منه، وتخلص هو منها أيضا، ومنذ ذلك الوقت انقطع تين لشيئين: الدراسة العلمية ~~الخالصة من ناحية، والأسفار والتجول من ناحية أخرى، وانقطع للبحث والتأليف، وفي سنة 1852 ~~تقدم إلى السوربون برسالة للدكتوراه في الحس فرفضت هذه الرسالة؛ لأنها كانت متأثرة ~~بالآراء الجديدة إلى حد ما. # ثم تقدم برسالة أخرى للدكتوراه فقبلت وظفر بهذه الدرجة الجامعية العليا، وكانت هذه ~~الرسالة قد كتبت عن الشاعر الفرنسي العظيم «لافونتين»، أخذ تين يجوب في أنحاء أوروبا؛ في ~~فرنسا، وإنجلترا، وإيطاليا، وألمانيا، وهولندا، وهو في أثناء هذا كله مشتغل بالبحث ~~والتأليف، يظهر كتابا إثر كتاب، حتى عين بعد أكثر من عشر سنين مدرسا في مدرسة الفنون ~~الجميلة، وأخذ يلقي فيها محاضرات في الفن وفلسفته وتاريخه كما أخذ يكتب في الصحف، ثم كانت ~~الحرب بين فرنسا وألمانيا، وكانت الهزيمة الفرنسية، ثم الثورة أو الحرب المدنية في فرنسا، ~~وكان لهذه الحركات تأثير عميق جدا واضطرته إلى أن يدرس الحياة الفرنسية درسا دقيقا ~~عميقا، فأخذ يطبع كتابه عن أصول فرنسا الحديثة، وكان غرضه أن يدرس الحياة الفرنسية في هذا ~~العصر؛ كيف نشأت؟ وما هي المؤثرات التي دعت هذه الحياة أن تتطور من الثورة الفرنسية أولا، ~~ثم قيام الإمبراطورية، ثم ما حدث بعد ذلك من تطورات إلى أن كانت الحرب والهزيمة؟ # ثم مضى تين في حياته ms164 هذه لا يكاد ينصرف بحال من الأحوال عن الدرس والبحث وتأليف الكتب ~~والكتابة في الصحف إلى أن مات في أواخر القرن الماضي بعد وفاة رينان بعام واحد سنة ~~1893. # هذه خلاصة حياة هذا الرجل، وأنتم ترون أنها بسيطة، ليس فيها شيء غريب وليس فيها هذا ~~الاضطراب، ولا هذه التطورات العنيفة التي رأيتموها في فولتير وجان جاك ورينان، ومع ذلك فليس ~~يعرف القرن التاسع عشر رجلا أثر في حياة الشعب الفرنسي، وفي حياته العقلية خاصة كما ~~أثر الفيلسوف تين، كان صديقا لرينان، وكان منازعا لرينان - إن صح هذا التعبير - ينازعه ~~العقل الفرنسي، وعقل الشباب الفرنسي بنوع خاص، تين ورينان هما الأستاذان اللذان خضع الشباب ~~الفرنسي لهما خضوعا تاما نحو ثلاثين عاما من سنة 1860 إلى 1890، أو 1892 أو 1893، على ~~أن بين هذين الصديقين اختلافا عظيما جدا؛ فقد رأيتم عن رينان أنه كان متجها أول أمره ~~إلى حياة رجال الدين يهيئ نفسه لأن يكون قسيسا، وأنه انصرف إلى العلم عن الكنيسة وعن ~~حياة القسس، ثم مضى في حب العلم والفلسفة الدينية، ثم عني بالتاريخ الديني - بتاريخ ~~المسيحية خاصة - إلى أن أنفق حياته، أما تين فلم يفكر مطلقا أن يكون رجلا من رجال الدين، ~~إنما كان تفكيره متجها إلى الحياة العلمية الخالصة، على أنه قد صادف مثل ما صادفه رينان ~~في حياته العلمية الأولى؛ صادف الفلسفة الألمانية في حياته فتأثر بها أشد التأثر، صادف ~~فلسفة هيجل كما صادفها رينان وتأثر بها كما تأثر بها رينان، ولكن يظهر أن تين عني بالعلم ~~التجريبي عناية تفصيلية دقيقة، عناية مباشرة لا كعناية رينان، فقد عرف رينان قيمة العلم ~~التجريبي بواسطة صديقه برتلو، أما تين فإنه عرف قيمة العلم التجريبي وخطره من تجاربه ~~الخاصة، وكان رينان مؤمنا بالعلم يكبره كما كان يكبر الدين حين كان يدرس الدين، ويعتمد ~~عليه في تنظيم حياته الاجتماعية دون أن يعرف تفصيل هذا العلم أو يشارك فيه، وأن يكون له حظ ~~خاص دقيق. # كان تين يشتغل بالعلم بطريقة مباشرة، طريقة تفصيلية دقيقة جدا، ms165 كان إذا تحدث عن ~~العلم تحدث عنه وهو عالم به مشارك فيه، وكان يؤمن بالعلم إيمان اجتهاد خالص، على حين ~~كان غيره يؤمن بالعلم إيمانا لا يخلو من التقليد، ومن هنا ظهر الفرق العظيم بين الرجلين ~~في تصور العلم؛ فتين لم يتخذ من العلم دينا، ولم يفهم العلم على أنه مسيطر على الحياة ~~الإنسانية، ولا أنه مصلح لهذه الحياة، ولا صالح لأن يكون دينا للإنسانية كلها، ولا على ~~أن العلماء يستطيعون أن يكونوا كنيسة كما يكون رجال الدين كنيسة؛ نظر إلى العلم ~~على أنه أداة إلى الفهم ليس غير، نظر إلى العلم على أنه وسيلة إلى المعرفة لا أكثر ولا ~~أقل في الوقت الذي كان رينان ينظر إليه على أنه غاية. # بين مزاج هذين الرجلين؛ مزاج رينان الذي لم يستطع إلا أن يكون قسيسا، فقد كان قسيسا ~~دينيا في أول الأمر، ثم أصبح قسيسا علميا بعد ذلك، ثم انتهى إلى أن أصبح قسيسا من ~~قسس الشك في آخر حياته، ومزاج تين الذي لم يكن إلا عالما وعالما بالمعنى الدقيق ~~دائما؛ بين هذين المزاجين اختلاف عظيم هو مظهر الفرق بين الآثار التي تركها رينان والآثار ~~التي تركها تين؛ فالآثار التي تركها رينان - كما رأيتم - أكثرها يمس الدين، فإذا بعد ~~رينان عن تاريخ الدين المسيحي أو الإسرائيلي فإنه يبعد عن هذه الأشياء ليعود إليها مرة ~~أخرى، وكان إذا درس اللغات السامية درسها من حيث هي وسيلة إلى درس تاريخ المسيحيين أو ~~الإسرائيليين، وإذا درس العلم أو نظر فيه، فإنه ينظر إليه على النحو الذي قدمته إليكم، ~~على أنه علم يوشك أن يكون دينا في المستقبل، أما تين فإنه لا يدرس العلم إلا من حيث إنه ~~أداة المعرفة والفهم، وهو إذا كتب فهو يكتب في أشياء لا تتجاوز العلم، وإنما هي العلم ~~نفسه حتى عندما كان يدرس الأدب أو التاريخ. # وأول كتاب أذاعه تين عن لافونتين، وهو الرسالة التي نال بها درجة الدكتوراه، كان في ظاهره ~~كتابا أدبيا، ولكنه في حقيقته بحث فلسفي ms166 من أعمق الأبحاث الفلسفية؛ فهو في هذا الكتاب لا ~~يدرس الأدب كما تعود الناس أن يدرسوه، على نحو فيه بحث عن مظاهر الجمال والحسن، وغيرها ~~من هذه المظاهر التي تخلب النفوس وتثير العواطف، إنما يدرس أدب لافونتين على أنه ظاهرة من ~~ظواهر الحياة في عصر لافونتين، كما تدرس الظواهر الكيميائية بالضبط، وهو في مقدمة هذا ~~الكتاب يرى أن الإنسان حيوان ينتج الأدب والفلسفة، كما أن دودة القز تنتج القز، وكما أن ~~الأرض تنتج ما تنتج من نبات، وإذن فيجب أن يدرس هذا الحيوان الذي ينتج الأدب، كما تدرس ~~دودة القز التي تنتج القز، والأرض التي تنتج النبات، وهو من هذه الناحية، يوشك أن يكون ~~ماديا، وهو مسرف في التأثر بالفلسفة وبالعلم إسرافا يوشك أن يكون ماديا، وهو مسرف في ~~التأثر بالفلسفة وبالعلم إسرافا يوشك أن يخرج الأدب عن طوره الذي ألفه الناس؛ فهو ~~عندما يدرس شعر شاعر من الشعراء أو نثر كاتب من الكتاب ليس يعنيه ما سيجده في هذا الشعر من ~~جمال، أو ما سيثيره هذا النثر من العاطفة، إنما الذي يعنيه نفس الشاعر الذي أنتج الشعر ~~والكاتب الذي أنتج النثر، وهو عندما يعنى بنفس الشاعر أو الكاتب، فهو يعنى بالشاعر أو ~~الكاتب من حيث هما فردان من أمة أو جماعة، وهو لا يدرس لافونتين ليذوق شعر لافونتين، إنما ~~يدرس لافونتين وشعره ليفهم البيئة التي عاش فيها، والأمة الفرنسية في العصر الذي نشأ فيه ~~لافونتين. # لأجل أن نفهم المذهب الأدبي لتين لا بد من أن نلم إلمامة قصيرة جدا برأيه في الفلسفة ~~عامة والفلسفة الإنسانية خاصة، لافونتين عند تين ظاهرة يجب أن تدرس كما تدرس غيرها من ~~الظواهر العلمية؛ فلا بد إذن لهذا الدرس من قاعدة ومنهج وهي القاعدة الطبيعية لهذا ~~الفيلسوف، كان تين متأثرا بالفلسفة الألمانية، والفلسفة الفرنسية الوضعية، فلسفة أوجست ~~كونت، وهو منكر قبل كل شيء لحرية الفرد، ولا أريد الحرية السياسية، ولا الحرية الشخصية، ~~إنما أريد الحرية الفلسفية، وهو ينكر الاختيار، ويعتقد أن العالم متأثر بطائفة ms167 من القوانين ~~تدبره وتسيره دون أن تعرض هذه القوانين للخطأ أو الاضطراب، فهو إذن من أنصار الجبر، من ~~الذين يعتقدون أن الإرادة الفردية لا تؤثر في حياة العالم بشكل من الأشكال، وقد سمعتم ما ~~قلته لكم من أن تين يرى أن الإنسان ينتج الأدب والفلسفة كما أن دودة القز تنتج القز، وكما ~~أن الأرض تنتج النبات. # فهو يعتقد أن الطريقة لفهم الأشياء والحياة إنما هي الانتقال من المركب إلى البسيط ومن ~~العام إلى الخاص، وإذن فهو في طريقته فيلسوف قبل كل شيء، يريد أن يفهم شيئا من الأشياء ~~فهو لا يعتمد في فهم هذا الشيء إلا على الحس يرى أو يسمع أو يلمس، والنظر والسمع واللمس ~~ينقل إلى عقله صورا، وعقله يعمل في هذه الصور فيجردها ويستخرج هذه الأشياء المحسوسة؛ وهو ~~إذن من أنصار مذهب الحس، والمتأثرين بالفلسفة الإنجليزية الحديثة ومذهب لوك خاصة، وهو ~~معرض عما بعد الطبيعة لا يرى للإنسان وسيلة إلى العلم إلا بالحس، هو لا يؤمن بما بعد ~~الطبيعة، ولكنه لا يجحده وإنما يقول لا أراه فلا أعرفه؛ من الممكن أن يكون ما بعد الطبيعة ~~موجودا ولكن لا سبيل إلى الحس به، وهذا رأيه في الإله؛ فهو يقول: من الممكن أن يكون ~~الإله موجودا وأن يكون لهذا الكون خالق، ولكني لا أراه فلا سبيل إلى أن أعرفه، فأنا لا ~~أعرف الله معرفة علمية، ولكني لا أجحده جحودا علميا؛ فالإله شيء قد يكون موجودا وقد لا ~~يكون موجودا. # فإذا انتقل إلى دراسة الإنسان فرأيه في الإنسان رديء؛ هو يعتقد أننا إذا درسنا نفس ~~الإنسان وجدناها تنحل إلى شيئين اثنين: الإنسان قبل كل شيء حيوان متوحش، وهو بطبيعته ~~كغيره من الحيوانات الضارية المفترسة تهذبه الحضارة شيئا فشيئا، وما زالت به تهذبه وترققه ~~حتى أخفت غرائزه هذه المنكرة، فالإنسان بحياته أو بصورته الطبيعية شرير والحضارة أخفت ~~غريزة الشر فيه وجعلته مثقفا إلى حد ما، فإذا عرض لهذه الحضارة ما يزيلها أو يقف ~~تأثيرها، ظهر الإنسان على شكله الأول مفترسا ضاريا، ms168 وعاد إلى حياة الطبيعة حياة الإثم ~~والإجرام، والإنسان بعد هذا مجنون وعقله ليس إلا تكلفا الأصل فيه أنه لا يستطيع أن يفكر ~~ولا أن يستنبط شيئا، ولا أن يستخرج حقيقة علمية من الأشياء المحسوسة، إنما هذا شيء اكتسبه ~~من الحضارة، وهو مع هذا لم يكتسب منه إلا شيئا قليلا، فالإنسان إذا فكر فإنما يفكر في ~~أقل أوقاته، أما في أكثر أوقاته فإنه يرسل نفسه إرسالا، يتخيل أكثر مما يعقل، وهو إذا ~~تخيل يمضي نحو الجنون أكثر مما يمضي نحو العقل، وهو إذن يحتقر الإنسان، وما دام هو مؤمنا ~~بالجبر منكرا للإرادة مؤمنا بأن الإنسان شرير بطبعه، وأن عقل الإنسان شيء مكتسب؛ فهو ~~غير متفائل بالحياة، وهو ساخط منكر للناس منكر لحياتهم على اختلافها، وهو في حياته اليومية ~~العملية متأثر بمذهبه الفلسفي؛ فهو مبغض للجماعات مؤثر للعزلة ما وجد إليها سبيلا، لا ~~يتصل بالأندية ولا يختلف إليها إلا كارها، فإذا لم يكن له بد من أن يلقى الناس فهو ~~يلقى جماعات قليلة يختارهم ويصطفيهم من الذين يستطيع أن يتحدث إليهم في العلم والأدب ~~والفلسفة. # بعد أن تتصوروا فلسفة «تين» على هذا النحو الذي لخصته لكم تلخيصا ضئيلا جدا يكاد ~~يفسد هذه الفلسفة، تستطيعون أن تلاحظوا أن إنتاجه الأدبي قد يكون عميقا حقا، مؤثرا في ~~العقل وفي الناحية المفكرة، ولكنه لن يكون من هذا الأدب الرائع الذي يسحر ويفتن القلب ~~ويستأثر بالعقل والشعور، فتين لا يريد أن يتحدث لا إلى القلب ولا إلى الشعور ولا إلى ~~العاطفة وإنما يريد أن يتحدث إلى العقل. # والغريب أنه مع هذا التضييق الذي فرضه على نفسه قد استطاع أن ينتج آثارا أدبية خالدة، ~~ولا شك أن آثاره ستكون أخلد من آثار صديقه وزميله رينان. # أهم نظرية أدبية لتين اعتمد عليها في جميع دراساته الأدبية هي النظرية المشهورة، نظرية ~~تأثر الأديب بما يحيط به من هذه العناصر الثلاثة التي يرى تين أن دراستها هي الدراسة ~~الطبيعية لكل أديب، وهي جنسية الأديب وإقليمه أو بيئته والعصر الذي يعيش ms169 فيه، فليس من سبيل ~~أن نفهم شاعرا أو فيلسوفا أو إنسانا منتجا إلا إذا عرفت هذه العناصر الثلاثة. يجب ~~أن تعرف الجنس أو الأمة أو الجيل الذي نشأ فيه هذا الشاعر أو ذلك الفيلسوف على أنه شخص في ~~هذا الجنس أو الأمة أو الجيل، ثم ما لهذا الجنس من التأثير في هذا الشاعر أو الفيلسوف، ثم ~~يجب أن تعرف الإقليم والظروف الطبيعية والاجتماعية التي تحيط به، ثم يجب أن تعرف العصر ~~الذي يعيش فيه، وما يؤثر فيه من المؤثرات المباشرة المعاصرة أو القديمة التي جاءته من ~~التاريخ، ومن كل هذه المؤثرات التي يتأثر بها أي عصر، وتتأثر بها الإنسانية بوجه عام، ~~وإذن فالذين كانوا يدرسون الأديب من حيث هو فرد لم يكونوا يوفقون في دراستهم، والذين ~~يدرسون الأديب من حيث هو منتج لم يكونوا يوفقون في دراستهم، إنما كانوا يقتطعون الأديب ~~اقتطاعا من أمته أو من عصره، وما دام تين مؤمنا بأن الحياة الإنسانية كغيرها خاضعة ~~لقوانين العلم، فليس من سبيل إلى دراسة الفرد من حيث هو فرد، ولا سبيل إلى أن يدرس على ~~أنه فرد، والفرد جزء من أمة، والأمة جزء من جنس، والأمة متأثرة بالإقليم، متأثرة ~~بالزمان، متأثرة بكل ما يتصل بها من مظاهر الكون والحياة، وعلى هذا النحو كانت دراسة تين ~~الأدبية للشعراء ليست دراسة للأفراد بل هي دراسة أمم، ودراسة جيل من الأجيال، وهو من هذه ~~الناحية كان خصبا حقا، ويكفي أن تأخذوا أي كتاب من كتب تين وتقرءوه فستجدونه ممتعا ~~غنيا بالخواطر والآراء والنظرات البعيدة، خذوا كتابه عن لافونتين فستجدون فيه دراسة ممتعة ~~متقنة كل الإتقان للحياة الفرنسية في عصر هذا الشاعر، خذوا درسه لأي أديب من الأدباء ~~الآخرين فستجدون درسه درسا لعصر الأديب ولبيئته، وستجدونه قد طبق هذه النظرية أحسن تطبيق ~~ممكن، عندما أراد أن يدرس تاريخ الأدب الإنجليزي - وهو قد درس تاريخ الأدب الإنجليزي ~~ليبين صحة هذه النظرية التي أجملتها لكم إجمالا - أراد أن يختار حياة أدبية كاملة وأن ~~يخضع هذه الحياة الأدبية ms170 للدرس العلمي الخالص الذي لا يتأثر لا بالأهواء ولا بالعواطف ولا ~~بهذه المؤثرات التي قد تفسد على الإنسان تفكيره. # وهذه العناصر التي تكون الحياة الأدبية توجد عند أمم ثلاث: اليونانية القديمة، والأمة ~~الفرنسية، والأمة الإنجليزية، فلم يرد تين أن يدرس اليونانية لأنها بعيدة جدا، وهو لا ~~يستطيع أن يدرسها إلا درس المؤرخ، وهو في حاجة إلى أن يدرسها دراسة مباشرة، ولم يرد أن ~~يدرس تاريخ الأدب الفرنسي لأنه فرنسي وقد يتأثر بعواطفه وميوله؛ فآثر الأدب الإنجليزي؛ ~~لأنه أدب عصري ولأنه أدب كامل - كما يقول - لا يخضع في درسه لميوله ولا لشيء من هذه ~~الأشياء، فوضع في هذا الأدب كتابه وأخضع هذا الدرس لهذه النظرية: نظرية التأثر بالجنس ~~والبيئة والعصر، ظهر كتابه في تاريخ الأدب الإنجليزي في مجلدات أربعة، فإذا هو إلى الآن ~~أحسن كتاب وضع في تاريخ الآداب الإنجليزية، وهو من الكتب التي يعتمد عليها الإنجليز ~~أنفسهم. # خذوا من هذا الكتاب أي فصل من الفصول، خذوا بحثه عن شكسبير أو غيره من الأدباء الإنجليز ~~المعاصرين وغير المعاصرين، فستجدون درسه درسا للحياة الإنجليزية في الوقت الذي عاش فيه ~~الكاتب أو الشاعر الذي يدرسه، من هذه الناحية كانت الدراسات الأدبية لتين غنية حقا، ~~ولكنها من ناحية أخرى خاطئة جدا؛ ذلك أن تين يقيم نظريته هذه قبل كل شيء على فكرة ليست ~~صحيحة على كل حال، هي فكرة شائعة عصرية نشأت مع القرن الماضي ولا يزال الناس يؤمنون بها ~~إلى الآن، وأظنها تدرس في المدارس والجامعات وفي جامعتنا نحن. # وهي فكرة أن الآداب هي صورة للجماعات، وأن الآثار الأدبية صورة دقيقة أو مقاربة لحياة ~~الجماعات التي تنشأ فيها، وما دام كل أثر أدبي مرآة لحياة الجماعات التي نشأ فيها فلا سبيل ~~إلى أن يدرس هذا الأثر الأدبي إلا من حيث هو مصور للجماعة، وإذن لافونتين لا ينبغي أن ~~يدرس من حيث هو لافونتين، إنما من حيث هو مرآة للعصر الذي نشأ فيه، وأي شاعر من الشعراء ~~لا ينبغي أن يدرس من حيث هو، ms171 بل من حيث هو يصور العصر الذي عاش فيه، هذه هي الفكرة التي ~~فتن الناس بها في القرن الماضي، فكرة قد يكون بها شيء من الحق ولكنها بعيدة كل البعد عن أن ~~تكون الحق كله، فأي أدب يمكن أن نعتبره مرآة للحياة الاجتماعية أو البيئة التي نشأ فيها: ~~أهو الأدب الذي ينشأ في الطبقات الوسطى؟ أهو الأدب الذي ينشأ في الطبقات الدنيا؟ أهو الأدب ~~الذي ينشأ في الطبقات العليا؟ # وأنا عندما أذكر الطبقات لا أريد الطبقات الاجتماعية، إنما أريد الطبقات العقلية؛ فأنتم ~~تعلمون أن هناك أرستقراطية فنية، فهناك أشخاص ممتازون بطبيعتهم في الشعر والفكر عن معاصريهم ~~في الحس والشعور والتفكير، خذوا فيلسوفا من الممتازين في أي عصر من العصور فما الذي تجدونه ~~أو يفاجئكم؟ هو قبل كل شيء أن هذا الفيلسوف أو الشاعر أو الأديب مخالف لمعاصريه لا يعيش كما ~~يعيشون، هو يفكر لا كما يفكر معاصروه، إنما يفكر كما سيفكر الناس بعد جيل أو جيلين أو ~~أجيال، خذوا أبا العلاء المعري مثلا أتظنون أنه قد فهم في العصر الذي كان فيه؟ كلا، إنما ~~كان ممقوتا لا يفهمه إلا أصدقاؤه الأخصاء، أما عامة الأدباء والفلاسفة الذين كانوا في ~~عصره فقد كانوا يمقتونه ويكرهونه، وكان رجال الدين يشكون في إيمانه ومنهم من اتهمه ~~بالكفر من غير تردد، ولعلكم تذكرون أنه تعرض للموت، خذوا فولتير أو جان جاك، أول ما يمتاز ~~به فولتير أو جان جاك أنه كان مخالفا للذين كانوا يعاصرونه؛ فبينما كان فولتير يدعو إلى ~~حرية الرأي كانت الجماعات التي تعيش مع فولتير معادية لحرية الرأي، وكان الذين يؤمنون ~~بمذهبه في عصره قلة، ونحن الآن نؤمن بنظريات فولتير في حرية الرأي، لماذا؟ لأنه قد وجد ~~قبلنا ووجد قبل أوانه بأكثر من قرن، وكذلك جان جاك، وكذلك أبو العلاء، فنحن الآن نفهم ~~فلسفة أبي العلاء خيرا مما فهمها أهل عصره، خذوا من شئتم من الفلاسفة أو الأدباء الذين ~~يستحقون هذا الاسم فستجدون أنهم يخالفون العصر الذي كانوا يعيشون فيه في الشعور ms172 والتفكير ~~والفهم والإحساس، إنما يصورون العصر الذي سيأتي بعد عصرهم، ففولتير لا يصور بالدقة ~~القرن الثامن عشر ولكنه يهيئ للقرن التاسع عشر، وهو لا يصور بالدقة العصر الذي عاش فيه ~~ولكنه ينشئ ويكون الثورة الفرنسية، إذن ليس صحيحا أنك إذا درست أديبا من الأدباء أنك ~~تلمس فيه مرآة للعصر الذي يعيش فيه، وإذن فليس صحيحا أنك إذا درست أديبا من الأدباء ~~مضطر لأن تدرس ما يحيط بالأديب من المؤثرات؛ لأن هذا الأديب متأثر ببيئته ولكنه مؤثر فيما ~~يحيط به أكثر من تأثره بهذه الأشياء. # إذن فنظرية الجنس والبيئة والعصر تقوم على أساس خاطئ، ومن هذه الناحية كان تين بهذه ~~النظرية منتهيا إلى نتيجتين متناقضتين أشد التناقض؛ دراسة تاريخية خصبة ولكنها من الناحية ~~الأدبية غير قيمة، يتخذ الأديب وسيلة لدراسة عصره فيوفق أحسن توفيق، ولكنه من ناحية ~~أخرى يمحو شخصية الأديب محوا؛ فهو يدرس فرنسا دون لافونتين، ويدرس إنجلترا دون أن يدرس ~~شكسبير، ويدرس أي أمة دون أن يدرس الأديب الذي أراد أن يدرسه، ومن هنا كانت الكتب التي ~~وضعها تين في الأدب أشبه شيء بمقدمات للدراسات التي عني بها؛ لأنه يكتب كتابا في تاريخ ~~العصر والبيئة والجنس حتى إذا فرغ ظن أنه قد درس الأديب، ولكنه لم يصل بعد إلى هذا ~~الأديب. # أظنكم قد تصورتم الآن على نحو ما مذهب تين في فهم الحياة والأدب، وما كان يحيط به من ~~الأشياء، وأنا معتذر من أني قد أطلت، ولكني محتاج إلى دقائق حتى لا تكون الصورة التي ~~تذهبون بها عن تين مشوهة ناقصة، لا بد أن أقول لكم إن تين بعد هذا كله كان من خصوم ~~الديمقراطية ومن أعداء الثورة الفرنسية؛ لأنه كان يرى الإنسان شريرا بطبعه، والثورة ظرف ~~من هذه الظروف تظهر الإنسان كما فطر شريرا مفسدا، ومن هذه الناحية كان مبغضا لسلطان ~~الجماهير، وهو مع هذا كله من أشد الناس تأثيرا في الانتصار لحرية الرأي، وكتاباته كلها ~~إنما تدور حول حرية الرأي. # هذا الرجل الذي كان ينكر الاختيار وينكر ms173 حرية الإنسان ويؤمن بالجبر ويمقت الديمقراطية ~~وينكر سلطان الجمهور ويؤثر الأرستقراطية، والأرستقراطية الإنجليزية خاصة، هذا الرجل الذي ~~كل شيء في ظاهره يدل على أنه من خصوم الحرية، هو ممن مكنوا لحرية الرأي، عندما عرض لكل ~~هذه النظريات ووضعها موضع البحث والمناقشة أثار فيها كل هذه الخصومات، واستباح لنفسه أن ~~يناقش في أشياء لم يكن الناس قد تعودوا إنكارها، ودعا غيره إلى رأيه فأثار الخصومة ~~والجدال، ماذا عمل ؟ إنما فرض حرية الرأي على نفسه وخصومه وأنصاره فرضا، وهو بهذا دفع ~~الفرنسيين والشباب إلى أن يفكروا في كل شيء ويتعمقوا كل شيء، وأباح لهم أن يعرضوا كل شيء ~~للإنكار والشك والرفض إذا دعا الأمر إلى الرفض، فإذا عرفتم أن الشباب الفرنسي في مدة ~~ثلاثين سنة كان ينظر إلى الرجل على أنه أستاذه يشرب كلامه - إن صح هذا التعبير - ويتأثر ~~بآرائه في كل ما يعمل وما يقول، وإذا عرفتم أن كثرة الكتاب الفرنسيين الذين أخذوا ينشئون ~~منذ سنة 1870 قد تأثروا بتين ومذهبه ونظرياته، وهم الذين يكونون الرأي العام - وأريد ~~بالرأي العام الأدبي والعقلي - في فرنسا وأوروبا بعد ذلك؛ إذا عرفتم ذلك، عرفتم أن حرية ~~الرأي إذا كانت قد أنشأها فولتير وأصحابه في القرن الثامن عشر، فقد أتم انتصارها وسيادتها ~~رينان وتين في القرن التاسع عشر. # وأظنني قد استطعت في هذه المحاضرات أن أعطيكم فكرة، لا شك أنها غير واضحة ولكنها مقاربة ~~عن تطور حرية الرأي منذ نشأ العقل الإنساني في العصور اليونانية الأولى إلى أن بلغ هذا ~~العصر الحديث. # أما مصير حرية الرأي منذ الآن، فإني أستأذنكم في أن أقول إني لست شديد التفاؤل في شأنه؛ ~~لأن ما نراه من تطور الحياة السياسية في العالم المعاصر لنا الآن يدل على أن حرية الرأي ~~توشك أن تتعرض لخطر عظيم، وأظنكم تشهدون - كما أشهد - وتلاحظون هذه الأخطار التي تتعرض لها ~~حرية الرأي، لا أقول في مصر، فهي تستمتع بشيء غير قليل منها إذا قيست إلى بعض البلاد ~~الأخرى، وأظنكم لم تنسوا أن بعض الدول ms174 الأوروبية المتحضرة التي عملت عملا لا بأس به لتكوين ~~حرية الرأي أخذت تقاوم الآن هذه الحرية، ولم يتحرج وزير من وزرائها من أن يذم العقل وإنتاج ~~العقل، ويصادره ويدعو إلى أن تحرق الكتب تحريقا. # هذه الظاهرة لا توجد في بلد واحد بل توجد في بلاد مختلفة، بل هي توجد بالفعل في بعض ~~البلاد التي انتشر فيها مذهب فولتير وأصحابه. # وقد أخذ يوجد بالفعل ظواهر خطيرة في بلد كفرنسا وإنجلترا، في قوم لا يدعون إلى قبر حرية ~~الرأي، ولكنهم يدعون إلى ما يعرض هذه الحرية للخطر؛ يدعون إلى مخاصمة الديمقراطية ~~ويعلنون فشلها، ويريدون أن يقيموا نظاما يعتمد على السلطان القوي أكثر مما يعتمد على ~~إرادة الشعوب، وقد رأينا النظم التي تعتمد على السلطان القوي وتهدر إرادة الشعوب في غير ~~فرنسا وإنجلترا، وعرفنا أن نتائجها الأولى إيذاء العقل وتضييع حرية الرأي. # وإذا كان لي أن أتمنى شيئا لمصر، فهو أن تكون أقل البلاد تأثرا بهذه الظواهر الجديدة ~~التي من شأنها مصادرة حرية الفرد وحرية الشعوب؛ فليس يعنيني من أمر السلطان أن يكون قويا ~~أو ضعيفا، وإنما الذي يعنيني أن يكفل لي السلطان أن أكون حرا فيما أقول، حرا فيما ~~أعمل، حرا فيما أفكر أيضا. ms175