######OpenITI# #META# URI: 1392TahaHusayn.Ayyam.Hindawi62042949 #META# Tags: biographies #META# ID: 62042949 #META# Title: الأيام #META# AuthorID: 59624258 #META# Author: طه حسين #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الجزء الأول‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # الفصل العشرون‏ # الجزء الثاني‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # الفصل العشرون‏ # الجزء الثالث‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # الفصل العشرون‏ # الجزء الأول‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # الفصل العشرون‏ # الجزء الثاني‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # الفصل العشرون‏ # الجزء الثالث‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن ms001 عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # الفصل العشرون‏ # | الأيام # | الأيام # تأليف # طه حسين # | الجزء الأول # | الفصل الأول # لا يذكر لهذا اليوم اسما، ولا يستطيع أن يضعه حيث وضعه الله من الشهر والسنة، بل ~~لا يستطيع أن يذكر من هذا اليوم وقتا بعينه، وإنما يقرب ذلك تقريبا. # وأكبر ظنه أن هذا الوقت كان يقع من ذلك اليوم في فجره أو في عشائه، ويرجح ذلك ~~لأنه يذكر أن وجهه تلقى في ذلك الوقت هواء فيه شيء من البرد الخفيف الذي لم تذهب ~~به حرارة الشمس، ويرجح ذلك لأنه على جهله حقيقة النور والظلمة، يكاد يذكر أنه ~~تلقى حين خرج من البيت نورا هادئا خفيفا لطيفا كأن الظلمة تغشى # 1 # بعض حواشيه، ثم يرجح ذلك لأنه يكاد يذكر أنه حين تلقى هذا الهواء ~~وهذا الضياء لم يؤنس # 2 # من حوله حركة يقظة قوية، وإنما آنس حركة مستيقظة من نوم أو ~~مقبلة عليه، وإذا كان قد بقى له من هذا الوقت ذكرى واضحة بينة لا سبيل إلى الشك ~~فيها، فإنما هي ذكرى هذا السياج # 3 # الذي كان يقوم أمامه من القصب، # 4 # والذي لم يكن بينه وبين باب الدار إلا خطوات قصار. هو يذكر هذا السياج ~~كأنه رآه أمس، يذكر أن قصب هذا السياج كان أطول من قامته، فكان من العسير عليه أن ~~يتخطاه إلى ما وراءه، ويذكر أن قصب هذا السياج كان مقتربا كأنما كان متلاصقا، فلم ~~يكن يستطيع أن ينسل # 5 # في ثناياه، ويذكر أن قصب هذا السياج كان يمتد من شماله إلى حيث لا يعلم ~~له نهاية، وكان يمتد عن يمينه إلى آخر الدنيا من هذه الناحية، وكان آخر الدنيا من هذه ~~الناحية قريبا؛ فقد كانت تنتهي إلى قناة عرفها حين تقدمت به السن، وكان لها في ~~حياته - أو قل في خياله - تأثير عظيم. # يذكر هذا كله، ويذكر أنه كان يحسد الأرانب التي كانت تخرج من الدار كما يخرج منها، ~~وتتخطى السياج وثبا من فوقه، أو انسيابا # 6 # بين قصبه، إلى حيث تقرض ms002 # 7 # ما كان وراءه من نبت أخضر ، يذكر منه الكرنب خاصة. # ثم يذكر أنه كان يحب الخروج من الدار إذا غربت الشمس وتعشى الناس، فيعتمد على ~~قصب هذا السياج مفكرا مغرقا في التفكير، حتى يرده إلى ما حوله صوت الشاعر قد ~~جلس على مسافة من شماله، والتف حوله الناس وأخذ ينشدهم في نغمة عذبة غريبة ~~أخبار أبي زيد وخليفة دياب، وهم سكوت إلا حين يستخفهم # 8 # الطرب أو تستفزهم الشهوة، فيستعيدون ويتمارون # 9 # ويختصمون، ويسكت الشاعر حتى يفرغوا من لغطهم # 10 # بعد وقت قصير أو طويل، ثم يستأنف إنشاده العذب بنغمته التي لا تكاد ~~تتغير. # ثم يذكر أنه لا يخرج ليلة إلى موقفه من السياج إلا وفي نفسه حسرة لاذعة؛ # 11 # لأنه كان يقدر أن سيقطع عليه استماعه لنشيد الشاعر حين تدعوه أخته إلى ~~الدخول فيأبى، فتخرج فتشده من ثوبه فيمتنع عليها، فتحمله بين ذراعيها كأنه الثمامة، # 12 # وتعدو # 13 # به إلى حيث تنيمه على الأرض وتضع رأسه على فخذ أمه، ثم تعمد # 14 # هذه إلى عينيه المظلمتين فتفتحهما واحدة بعد الأخرى، وتقطر فيهما سائلا ~~يؤذيه ولا يجدي عليه خيرا، # 15 # وهو يألم ولكنه لا يشكو ولا يبكي؛ لأنه كان يكره أن يكون كأخته الصغيرة ~~بكاء شكاء. # 16 # ثم ينقل إلى زاوية في حجرة صغيرة فتنيمه أخته على حصيرة قد بسط عليها ~~لحاف، وتلقي عليه لحافا آخر، وتذره وإن في نفسه لحسرات، وإنه ليمد سمعه ~~مدا يكاد يخترق به الحائط لعله يستطيع أن يصله بهذه النغمات الحلوة التي ~~يرددها الشاعر في الهواء الطلق تحت السماء. ثم يأخذه النوم، فما يحس إلا وقد ~~استيقظ والناس نيام، ومن حوله إخوته وأخواته يغطون # 17 # فيسرفون في الغطيط، فيلقي اللحاف عن وجهه في خفية وتردد؛ لأنه كان ~~يكره أن ينام مكشوف الوجه، وكان واثقا أنه إن كشف وجهه أثناء الليل أو أخرج أحد ~~أطرافه من اللحاف، فلا بد من أن يعبث به عفريت من العفاريت الكثيرة التي كانت ~~تعمر أقطار البيت # 18 # وتملأ أرجاءه ms003 ونواحيه، والتي كانت تهبط تحت الأرض ما أضاءت الشمس واضطرب ~~الناس. فإذا أوت الشمس إلى كهفها، والناس إلى مضاجعهم، وأطفئت السرج، وهدأت ~~الأصوات، صعدت هذه العفاريت من تحت الأرض وملأت الفضاء حركة واضطرابا وتهامسا ~~وصياحا. # وكان كثيرا ما يستيقظ فيسمع تجاوب الديكة وتصايح الدجاج، ويجتهد في أن ~~يميز بين هذه الأصوات المختلفة، فأما بعضها فكانت أصوات ديكة حقا، وأما ~~بعضها الآخر فكانت أصوات عفاريت تتشكل بأشكال الديكة وتقلدها عبثا وكيدا، ولم ~~يكن يحفل بهذه الأصوات ولا يهابها؛ لأنها كانت تصل إليه من بعيد، إنما كان يخاف ~~الخوف كله أصواتا أخرى لم يكن يتبينها إلا بمشقة وجهد، كانت تنبعث من زوايا ~~الحجرة نحيفة ضئيلة، يمثل بعضها أزيز المرجل # 19 # يغلي على النار، ويمثل بعضها الآخر حركة متاع خفيف ينقل من مكان ~~إلى مكان، ويمثل بعضها خشبا ينقصم أو عودا ينحطم. # 20 # وكان يخاف أشد الخوف أشخاصا يتمثلها قد وقفت على باب الحجرة فسدته سدا ~~وأخذت تأتي بحركات مختلفة أشبه شيء بحركات المتصوفة في حلقات الذكر. وكان ~~يعتقد أن ليس له حصن من كل هذه الأشباح المخوفة والأصوات المنكرة؛ إلا أن ~~يلتف في لحافه من الرأس إلى القدم، دون أن يدع بينه وبين الهواء منفذا أو ثغرة، ~~وكان واثقا أنه إن ترك ثغرة في لحافه فلا بد من أن تمتد منها يد عفريت إلى جسمه ~~فتناله بالغمز والعبث. # لذلك كان يقضي ليله خائفا مضطربا إلا حين يغلبه النوم، وما كان يغلبه النوم إلا ~~قليلا. كان يستيقظ مبكرا، أو قل: كان يستيقظ في السحر، ويقضي شطرا طويلا ~~من الليل في هذه الأهوال والأوجال # 21 # والخوف من العفاريت؛ حتى إذا وصلت إلى سمعه أصوات النساء يعدن إلى ~~بيوتهن وقد ملأن جرارهن من القناة وهن يتغنين: «الله يا ليل الله ...» عرف ~~أن قد بزغ الفجر، وأن قد هبطت العفاريت إلى مستقرها من الأرض السفلى، ~~فاستحال هو عفريتا، وأخذ يتحدث إلى نفسه بصوت عال، ويتغنى بما حفظ من نشيد ~~الشاعر، ويغمز من حوله من إخوته وأخواته، ms004 حتى يوقظهم واحدا واحدا. فإذا تم له ~~ذلك، فهناك الصياح والغناء، وهناك الضجيج والعجيج، # 22 # وهناك الضوضاء التي لم يكن يضع لها حدا إلا نهوض الشيخ من سريره، ~~ودعاؤه بالإبريق ليتوضأ. # حينئذ تخفت # 23 # الأصوات وتهدأ الحركة، حتى يتوضأ الشيخ ويصلي ويقرأ ورده ويشرب ~~قهوته ويمضي إلى عمله، فإذا أغلق الباب من دونه نهضت الجماعة كلها من الفراش، وانسابت # 24 # في البيت صائحة لاعبة، حتى تختلط بما في البيت من طير وماشية. # | الفصل الثاني # كان مطمئنا إلى أن الدنيا تنتهي عن يمينه بهذه القناة التي لم يكن بينه وبينها إلا ~~خطوات معدودة ... ولم لا وهو لم يكن يرى عرض هذه القناة، ولم يكن يقدر أن هذا ~~العرض ضئيل بحيث يستطيع الشاب النشيط أن يثب من إحدى الحافتين فيبلغ الأخرى؟! ولم ~~يكن يقدر أن حياة الناس والحيوان والنبات تتصل من وراء هذه القناة على نحو ما هي ~~من دونها، ولم يكن يقدر أن الرجل يستطيع أن يعبر هذه القناة ممتلئة دون أن يبلغ ~~الماء إبطيه، ولم يكن يقدر أن الماء ينقطع من حين إلى حين عن هذه القناة، فإذا ~~هي حفرة مستطيلة يعبث فيها الصبيان، ويبحثون في أرضها الرخوة عما تخلف من صغار ~~السمك فمات لانقطاع الماء عنه. # لم يكن يقدر هذا كله، وإنما كان يعلم يقينا لا يخالطه الظن، أن هذه القناة ~~عالم آخر مستقل عن العالم الذي كان يعيش فيه، تعمره كائنات غريبة مختلفة لا تكاد ~~تحصى؛ منها: التماسيح التي تزدرد # 1 # الناس ازدرادا، ومنها المسحورون الذين يعيشون تحت الماء بياض النهار وسواد ~~الليل، حتى إذا أشرقت الشمس أو غربت طفوا يتنسمون الهواء، # 2 # وهم حين يطفون خطر على الأطفال وفتنة للرجال والنساء. ومنها: هذه الأسماك ~~الطوال العراض التي لا تكاد تظفر بطفل حتى تزدرده ازدرادا، والتي قد يتاح # 3 # لبعض الأطفال أن يظفروا في بطونها بخاتم الملك؛ ذلك الخاتم الذي لا يكاد ~~الإنسان يديره في إصبعه حتى يسعى إليه دون لمح البصر خادمان من الجن يقضيان له ما ms005 ~~يشاء، ذلك الخاتم الذي كان يتختمه سليمان فيسخر له الجن والريح وما شاء من قوى ~~الطبيعة. وما كان أحب إليه أن يهبط في هذه القناة لعل سمكة من هذه الأسماك تزدرده ~~فيظفر في بطنها بهذا الخاتم؛ فقد كانت حاجته إليه شديدة ... ألم يكن يطمع على أقل ~~تقدير في أن يحمله أحد هذين الخادمين إلى ما وراء هذه القناة ليرى بعض ما هناك من ~~الأعاجيب! ولكنه كان يخشى كثيرا من الأهوال قبل أن يصل إلى هذه السمكة ~~المباركة. # على أنه لم يكن يستطيع أن يبلو # 4 # من شاطئ هذه القناة مسافة بعيدة؛ فقد كان هذا الشاطئ محفوفا عن يمينه وعن ~~شماله بالخطر، فأما عن يمينه فقد كان هناك العدويون، وهم قوم من الصعيد يقيمون ~~في دار لهم كبيرة يقوم على بابها دائما كلبان عظيمان لا ينقطع نباحهما، ولا تنقطع ~~أحاديث الناس عنهما، ولا ينجو المار منهما إلا بعد عناء ومشقة، وأما عن شماله فقد ~~كانت هناك خيام يقيم فيها «سعيد الأعرابي» الذي كان الناس يتحدثون بشره ومكره ~~وحرصه على سفك الدماء، وامرأته «كوابس» التي كانت قد اتخذت في أنفها حلقة من الذهب ~~كبيرة، والتي كانت تختلف # 5 # إلى الدار وتقبل صاحبنا من حين إلى حين، فيؤذيه خزامها ويروعه. # 6 # وكان أخوف الأشياء إليه أن يتقدم عن يمينه فيتعرض لكلبي ~~العدويين، أو يتقدم عن شماله فيتعرض لشر «سعيد» وامرأته «كوابس». # على أنه كان يجد في هذه الدنيا الضيقة القصيرة المحدودة من كل ناحية ضروبا من ~~اللهو والعبث تملأ نهاره كله. # ولكن ذاكرة الأطفال غريبة، أو قل: إن ذاكرة الإنسان غريبة حين تحاول استعراض حوادث ~~الطفولة؛ فهي تتمثل بعض هذه الحوادث واضحا جليا كأن لم يمض بينها وبينه من الوقت ~~شيء، ثم يمحي منها بعضها الآخر كأن لم يكن بينها وبينه عهد. # يذكر صاحبنا السياج، والمزرعة التي كانت تنبسط من ورائه، والقناة التي كانت تنتهي ~~إليها الدنيا، و«سعيدا» و«كوابس» وكلاب العدويين، ولكنه يحاول أن يتذكر مصير هذا ~~كله فلا يظفر من ذلك بشيء، ms006 وكأنه قد نام ذات ليلة ثم أفاق من نومه فلم ير سياجا ولا ~~مزرعة ولا سعيدا ولا كوابس، وإنما رأى مكان السياج والمزرعة بيوتا قائمة وشوارع ~~منظمة، تنحدر كلها من جسر القناة ممتدة امتدادا قصيرا من الشمال إلى الجنوب، وهو ~~يذكر كثيرا من الذين كانوا يسكنون هذه البيوت رجالا ونساء، ومن الأطفال الذين كانوا ~~يعبثون في هذه الشوارع. # وهو يذكر أنه كان يستطيع أن يتقدم يمينا وشمالا على شاطئ القناة دون أن يخشى ~~كلاب العدويين أو مكر سعيد وامرأته. وهو يذكر أنه كان يقضي ساعات من نهاره على ~~شاطئ القناة سعيدا مبتهجا بما سمع من نغمات «حسن» الشاعر يتغنى بشعره في أبي زيد ~~وخليفة ودياب، حين يرفع الماء بشادوفه ليسقي به زرعه على الشاطئ الآخر للقناة. وهو ~~يذكر أنه استطاع غير مرة أن يعبر هذه القناة على كتف أحد إخوته دون أن يحتاج إلى خاتم ~~الملك، وأنه ذهب غير مرة إلى حيث كانت تقوم وراء القناة شجرات من التوت فأكل من توتها ~~ثمرات لذيذة. وهو يذكر أنه تقدم غير مرة عن يمينه على شاطئ القناة حتى وصل إلى حديقة ~~المعلم وأكل فيها غير مرة تفاحا، وقطف له فيها غير مرة نعناع وريحان، ولكنه عاجز ~~كل العجز أن يتذكر كيف استحالت الحال وتغير وجه الأرض من طوره الأول إلى هذا ~~الطور الجديد. # | الفصل الثالث # كان سابع ثلاثة عشر من أبناء أبيه، وخامس أحد عشر من أشقته، وكان يشعر ~~بأن له بين هذا العدد الضخم من الشباب والأطفال مكانا خاصا يمتاز من مكان إخوته ~~وأخواته. أكان هذا المكان يرضيه؟ أكان يؤذيه؟ الحق أنه لا يتبين ذلك إلا في ~~غموض وإبهام، والحق أنه لا يستطيع الآن أن يحكم في ذلك حكما صادقا. كان يحس من ~~أمه رحمة ورأفة، وكان يجد من أبيه لينا ورفقا، وكان يشعر من أخوته بشيء من ~~الاحتياط في تحدثهم إليه ومعاملتهم له. ولكنه كان يجد إلى جانب هذه الرحمة والرأفة ~~من جانب أمه شيئا من الإهمال أحيانا، ومن الغلظة ms007 أحيانا أخرى. وكان يجد إلى جانب ~~هذا اللين والرفق من أبيه شيئا من الإهمال أيضا، والازورار # 1 # من وقت إلى وقت، وكان احتياط إخوته وأخواته يؤذيه؛ لأنه كان يجد فيه ~~شيئا من الإشفاق مشوبا بشيء من الازدراء. # على أنه لم يلبث أن تبين سبب هذا كله، فقد أحس أن لغيره من الناس عليه فضلا، وأن ~~إخوته وأخواته يستطيعون ما لا يستطيع، وينهضون من الأمر لما لا ينهض له، وأحس أن أمه ~~تأذن لإخوته وأخواته في أشياء تحظرها عليه، # 2 # وكان ذلك يحفظه، ولكن لم تلبث هذه الحفيظة أن استحالت إلى حزن صامت ~~عميق؛ ذلك أنه سمع إخوته يصفون ما لا علم له به، فعلم أنهم يرون ما لا يرى. # | الفصل الرابع # كان من أول أمره طلعة # 1 # لا يحفل بما يلقى من الأمر في سبيل أن يستكشف ما لا يعلم، وكان ذلك يكلفه ~~كثيرا من الألم والعناء. ولكن حادثة واحدة حدت ميله إلى الاستطلاع، وملأت قلبه حياء ~~لم يفارقه إلى الآن، كان جالسا إلى العشاء بين إخوته وأبيه، وكانت أمه كعادتها تشرف ~~على حفلة الطعام، ترشد الخادم وترشد أخواته اللائي كن يشاركن الخادم في القيام بما ~~يحتاج إليه الطاعمون، وكان يأكل كما يأكل الناس، ولكن لأمر ما خطر له خاطر غريب! ما ~~الذي يقع لو أنه أخذ اللقمة بكلتا يديه بدل أن يأخذها كعادته بيد واحدة؟ وما الذي ~~يمنعه من هذه التجربة؟ لا شيء. وإذن فقد أخذ اللقمة بكلتا يديه وغمسها من الطبق ~~المشترك ثم رفعها إلى فمه؛ فأما إخوته فأغرقوا في الضحك. # 2 # وأما أمه فأجهشت # 3 # بالبكاء، وأما أبوه فقال في صوت هادئ حزين: ما هكذا تؤخذ اللقمة يا بني ~~... وأما هو فلم يعرف كيف قضى ليلته. # من ذاك الوقت تقيدت حركاته بشيء من الرزانة والإشفاق والحياء لا حد له، ومن ذلك ~~الوقت عرف لنفسه إرادة قوية، ومن ذلك الوقت حرم على نفسه ألوانا من الطعام لم ~~تبح له إلا بعد أن جاوز الخامسة والعشرين؛ حرم على نفسه ms008 الحساء والأرز، وكل ~~الألوان التي تؤكل بالملاعق؛ لأنه كان يعرف أنه لا يحسن اصطناع الملعقة، وكان ~~يكره أن يضحك إخوته، أو تبكي أمه، أو يعلمه أبوه في هدوء حزين. # هذه الحادثة أعانته على أن يفهم حقا ما يتحدث به الرواة عن أبي العلاء من أنه ~~أكل ذات يوم دبسا، # 4 # فسقط بعضه على صدره وهو لا يدري، فلما خرج إلى الدرس قال له بعض تلاميذه: ~~يا سيدي أكلت دبسا، فأسرع بيده إلى صدره، وقال: نعم، قاتل الله الشره! ثم حرم ~~الدبس على نفسه طوال الحياة. # وأعانته هذه الحادثة على أن يفهم طورا من أطوار أبي العلاء حق الفهم؛ ذلك أن أبا ~~العلاء كان يتستر في أكله حتى على خادمه؛ فقد كان يأكل في نفق # 5 # تحت الأرض، وكان يأمر خادمه أن يعد له طعامه في هذا النفق ثم يخرج، ~~ويخلو هو إلى طعامه فيأخذ منه ما يشتهي. وقد زعموا أن تلاميذه تذاكروا مرة بطيخ ~~حلب وجودته، فتكلف أبو العلاء وأرسل إلى حلب من اشترى لهم منه شيئا فأكلوا، واحتفظ ~~الخادم لسيده بشيء من البطيخ وضعه في النفق، وكأنه لم يضعه في المكان الذي تعود أن ~~يضع فيه طعام الشيخ، وكره الشيخ أن يسأل عن حظه من البطيخ، فلبث البطيخ في مكانه حتى ~~فسد ولم يذقه الشيخ. # فهم صاحبنا هذه الأطوار من حياة أبي العلاء حق الفهم؛ لأنه رأى نفسه فيها، فكم كان ~~يتمنى طفلا لو استطاع أن يخلو إلى طعامه، ولكنه لم يكن يجرؤ على أن يعلن إلى أهله ~~هذه الرغبة. على أنه خلا إلى بعض الطعام أحيانا كثيرة، ذلك في شهر رمضان وفي أيام ~~المواسم الحافلة، حين كان أهله يتخذون ألوانا من الطعام حلوة، ولكنها تؤكل ~~بالملاعق؛ فكان يأبى أن يصيب منها على المائدة، وكانت أمه تكره له هذا الحرمان، ~~فكانت تفرد له طبقا خاصا وتخلي بينه وبينه في حجرة خاصة، يغلقها هو من دونه حتى لا ~~يستطيع أحد أن يشرف عليه وهو يأكل. # على أنه عندما استطاع أن ms009 يملك أمر نفسه اتخذ هذه الخطة له نظاما، بدأ بذلك حين ~~سافر إلى أوروبا لأول مرة، فتكلف التعب وأبى أن يذهب إلى مائدة السفينة، فكان يحمل ~~إليه الطعام في غرفته. ثم وصل إلى فرنسا فكانت قاعدته إذا نزل في فندق أو في أسرة أن ~~يحمل إليه الطعام في غرفته دون أن يتكلف الذهاب إلى المائدة العامة، ولم يترك هذه ~~العادة إلا حين خطب قرينته، فأخرجته من عادات كثيرة كان قد ألفها. # هذه الحادثة أخذته بألوان من الشدة في حياته، جعلته مضرب المثل في الأسرة وبين الذين ~~عرفوه حين تجاوز حياة الأسرة إلى الحياة الاجتماعية؛ كان قليل الأكل، لا لأنه كان قليل ~~الميل إلى الطعام؛ بل لأنه كان يخشى أن يوصف بالشره أو أن يتغامز عليه إخوته، وقد آلمه ~~ذلك أول الأمر، ولكنه لم يلبث أن تعوده حتى أصبح من العسير عليه أن يأكل كما يأكل ~~الناس. كان يسرف في تصغير اللقمة، وكان له عم يغيظه منه كلما رآه فيغضب وينهره # 6 # ويلح عليه في تكبير اللقمة، فيضحك إخوته، وكان ذلك سببا في أن كره عمه ~~كرها شديدا. كان يستحي أن يشرب على المائدة مخافة أن يضطرب القدح من يده، أو ألا ~~يحسن تناوله حين يقدم إليه، فكان طعامه جافا ما جلس على المائدة، حتى إذا نهض عنها ~~ليغسل يديه من حنفية كانت هناك، شرب من مائها ما شاء الله أن يشرب، ولم يكن هذا الماء ~~نقيا دائما، ولم يكن هذا النوع من ري الظمأ ملائما للصحة، فانتهى به الأمر إلى أن ~~أصبح ممعودا، # 7 # وما استطاع أحد أن يعرف لذلك سببا. # ثم حرم على نفسه من ألوان اللعب والعبث كل شيء، إلا ما لا يكلفه عناء ولا ~~يعرضه للضحك أو الإشفاق، فكان أحب اللعب إليه أن يجمع طائفة من الحديد وينتحي # 8 # بها زاوية من البيت، فيجمعها ويفرقها ويقرع بعضها ببعض، ينفق في ذلك ساعات، ~~حتى إذ سئمه وقف على إخوته أو أترابه وهم يلعبون، فشاركهم في اللعب بعقله لا ms010 بيده، ~~وكذلك عرف أكثر ألوان اللعب دون أن يأخذ منها بحظ، وانصرافه هذا عن العبث حبب ~~إليه لونا من ألوان اللهو؛ هو الاستماع إلى القصص والأحاديث؛ فكان أحب شيء إليه أن ~~يسمع إنشاد الشاعر، أو حديث الرجال إلى أبيه، والنساء إلى أمه، ومن هنا تعلم حسن ~~الاستماع. وكان أبوه وطائفة من أصحابه يحبون القصص حبا جما، فإذا صلوا العصر ~~اجتمعوا إلى واحد منهم يتلو عليهم قصص الغزوات والفتوح، وأخبار عنترة والظاهر بيبرس، ~~وأخبار الأنبياء والنساك والصالحين، وكتبا في الوعظ والسنن. وكان صاحبنا يقعد ~~منهم مزجر # 9 # الكلب وهم عنه غافلون، ولكنه لم يكن غافلا عما يسمع، بل لم يكن غافلا عما ~~يتركه هذا القصص في نفوس السامعين من الأثر. فإذا غربت الشمس تفرق القوم إلى طعامهم، ~~حتى إذا صلوا العشاء اجتمعوا فتحدثوا طرفا من الليل، وأقبل الشاعر فأخذ ينشدهم ~~أخبار الهلاليين والزناتيين، وصاحبنا جالس يسمع في أول الليل كما كان يسمع في آخر ~~النهار. # والنساء في قرى مصر لا يحببن الصمت ولا يملن إليه؛ فإذا خلت إحداهن إلى ~~نفسها ولم تجد من تتحدث إليه، تحدثت إلى نفسها ألوانا من الحديث، فغنت إن كانت ~~فرحة، وعددت # 10 # إن كانت محزونة، وكل امرأة في مصر محزونة حين تريد. وأحب شيء إلى نساء ~~القرى إذا خلون إلى أنفسهن أن يذكرن آلامهن وموتاهن فيعددن، وكثيرا ما ينتهي هذا ~~التعديد إلى البكاء حقا. وكان صاحبنا أسعد الناس بالاستماع إلى أخواته وهن يتغنين، ~~وأمه وهي تعدد، وكان غناء أخواته يغيظه ولا يترك في نفسه أثرا؛ لأنه كان يجده سخيفا ~~لا يدل على شيء، في حين كان تعديد أمه يهزه هزا عنيفا، وكثيرا ما كان يبكيه. ~~وعلى هذا النحو حفظ صاحبنا كثيرا من الأغانى، وكثيرا من التعديد، وكثيرا من جد ~~القصص وهزله، وحفظ شيئا آخر لم تكن بينه وبين هذا كله صلة؛ وهي الأوراد التي كان ~~يتلوها جده الشيخ الضرير إذا أصبح أو أمسى. # كان جده هذا ثقيل الظل بغيضا إليه، وكان يقضي في البيت فصل الشتاء ms011 من كل سنة، ~~وكان قد صلح ونسك حين اضطرته الحياة إلى الصلاح والنسك، فكان يصلي الخمس ~~لأوقاتها، ولم يكن لسانه يفتر عن ذكر الله، وكان يستيقظ آخر الليل ليقرأ «ورد ~~السحر»، وكان ينام في ساعة متأخرة بعد أن يصلي العشاء ويقرأ ألوانا من الأوراد ~~والأدعية. وكان صاحبنا ينام في حجرة مجاورة لحجرة هذا الشيخ، فكان يسمعه وهو يتلو، ~~حتى حفظ من هذه الأوراد والأدعية شيئا كثيرا. وكان أهل القرية يحبون التصوف ويقيمون ~~الأذكار، وكان صاحبنا يحب منهم ذلك؛ لأنه كان يلهو بهذا الذكر، وبما ينشده المنشدون ~~أثناءه. ولم يبلغ التاسعة من عمره حتى كان قد وعى من الأغاني والتعديد والقصص وشعر ~~الهلاليين والزناتيين والأوراد والأدعية وأناشيد الصوفية جملة صالحة، وحفظ إلى ذلك ~~كله القرآن. # | الفصل الخامس # ولكنه لا يعرف كيف حفظ القرآن، ولا يذكر كيف بدأه ولا كيف أعاده، وإن كان يذكر من ~~حياته في الكتاب مواقف كثيرة، منها ما يضحكه الآن، ومنها ما يحزنه؛ يذكر أوقاتا ~~كان يذهب فيها إلى الكتاب محمولا على كتف أحد أخويه؛ لأن الكتاب كان بعيدا، ~~ولأنه كان أضعف من أن يقطع ماشيا تلك المسافة، ثم لا يذكر متى بدأ يسعى إلى الكتاب. ~~ويرى نفسه في ضحى يوم جالسا على الأرض بين يدي «سيدنا» ومن حوله طائفة من النعال ~~كان يعبث ببعضها، وهو يذكر ما كان قد ألصق بها من الرقع، وكان «سيدنا» جالسا على دكة # 1 # من الخشب صغيرة ليست بالعالية ولا بالمنخفضة؛ قد وضعت على يمين الداخل من ~~باب الكتاب بحيث يمر كل داخل «بسيدنا»، وكان «سيدنا» قد تعود متى دخل ~~الكتاب أن يخلع عباءته، أو بعبارة أدق «دفيته» ويلفها لفا يجعلها في ~~شكل المخدة، ويضعها عن يمينه، ثم يخلع نعله ويتربع على دكته، ويشعل سيجارته، ~~ويبدأ في نداء الأسماء، وكان «سيدنا» لا يعفي نعليه إلا إذا لم يجد من ذلك بدا، ~~كان يرقعهما من اليمين ومن الشمال ومن فوق ومن تحت. وكان إذا أخلت به إحدى ~~نعليه دعا أحد صبيان الكتاب وأخذ ms012 النعل بيده، وقال له: تذهب إلى «الحزين» وهو ~~هنا قريب، فتقول له: «يقول لك سيدنا: إن هذه النعل في حاجة إلى لوزة من الناحية ~~اليمنى.» انظر أترى؟ هنا حيث أضع أصبعي، فيقول لك «الحزين»: «نعم سأضع هذه اللوزة.» ~~فتقول له: «يقول لك سيدنا: يجب أن تتخير الجلد متينا غليظا جديدا، وأن تحسن ~~الرقع بحيث لا يظهر، أو بحيث لا يكاد يظهر.» فيقول لك: «نعم سأفعل هذا.» فتقول له: ~~«ويقول لك سيدنا: إنه عميلك منذ زمن طويل، فاستوص بالأجر خيرا!» ومهما يقل لك فلا ~~تقبل منه أكثر من قرش، ثم عد إلي مسافة ما أغمض عيني ثم أفتحها، وينطلق الصبي ويلهو ~~عنه سيدنا، ثم يعود وقد أغمض سيدنا عينه وفتحها مرة ومرة ومرات. # على أن الرجل كان يستطيع أن يغمض عينه ويفتحها دون أن يرى أو يكاد يرى شيئا، فقد كان ~~ضريرا إلا بصيصا ضئيلا جدا من النور في إحدى عينيه، يمثل له الأشباح دون أن ~~يمكنه أن يتميزها، وكان الرجل سعيدا بهذا البصيص الضئيل ... وكان يخدع نفسه ويظن أنه ~~من المبصرين ... ولكن ذلك لم يكن يمنعه من أن يعتمد في طريقه إلى الكتاب وإلى البيت على ~~اثنين من تلاميذه، يبسط ذراعيه على كتفي كل واحد منهما، ويمشي الثلاثة في الطريق هكذا! ~~قد أخذوها على المارة، حتى إنهم ليتنحون لهم عنها. # وكان منظر سيدنا عجبا في طريقه إلى الكتاب وإلى البيت صباحا ومساء، كان ضخما ~~بادنا وكانت دفيته تزيد في ضخامته، وكان كما قدمنا يبسط ذراعيه على كتفي رفيقيه، ~~وكانوا ثلاثتهم يمشون وإنهم ليضربون الأرض بأقدامهم ضربا. وكان سيدنا يتخير من ~~تلاميذه لهذه المهمة أنجبهم وأحسنهم صوتا؛ ذلك أنه كان يحب الغناء، وكان يحب أن يعلم ~~تلاميذه الغناء، وكان يتخير الطريق لهذا الدرس، فكان يغني ويأخذ رفيقيه بمصاحبته ~~حينا، والاستماع له حينا آخر، أو يأخذ واحدا منهما بالغناء على أن يصاحبه هو والرفيق ~~الآخر. وكان سيدنا لا يغني بصوته ولسانه وحدهما، وإنما يغني برأسه وبدنه أيضا؛ فكان ~~رأسه يهبط ويصعد، وكان ms013 رأسه يلتفت يمينا وشمالا، وكان سيدنا يغني بيديه أيضا، فكان ~~يوقع الأنغام على صدر رفيقه بأصابعه. وكان سيدنا يعجبه «الدور» أحيانا؛ ويرى أن ~~المشي لا يلائمه فيقف حتى يتمه، وأبدع من هذا كله أن سيدنا كان يرى صوته جميلا، ~~وما يظن صاحبنا أن الله خلق صوتا أقبح من صوته، وما قرأ صاحبنا قول الله عز وجل: # إن أنكر الأصوات لصوت الحمير # إلا ~~ذكر سيدنا وهو يوقع أبياتا من «البردة» في طريقه إلى الجامع منطلقا لصلاة الظهر، ~~أو في طريقه إلى البيت منصرفا من الكتاب. # يرى صاحبنا نفسه، كما قدمنا، جالسا على الأرض يعبث بالنعال من حوله، وسيدنا ~~يقرئه سورة الرحمن، ولكنه لا يذكر أكان يقرؤها بادئا أم معيدا. # وكأنه يرى نفسه مرة أخرى جالسا لا على الأرض ولا بين النعال، بل عن يمين سيدنا على ~~دكة أخرى طويلة، وسيدنا يقرئه: # أتأمرون الناس ~~بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا ~~تعقلون ~~، وأكبر ظنه أنه كان قد أتم القرآن بدءا وأخذ يعيده. وليس ~~غريبا أن ينسى صاحبنا كيف حفظ القرآن؛ فقد أتم حفظه ولما يتم التاسعة من عمره، وهو ~~يذكر في وضوح وجلاء ذلك اليوم الذي ختم فيه القرآن، ذلك أن سيدنا كان يتحدث إليه قبل ~~هذا اليوم بأيام عن ختم القرآن، وعن أن أباه سيبتهج به، وكان يضع لذلك شروطا ويطالب ~~بحقوقه، ألم يكن قد علم قبل صاحبنا أربعة من إخوته ذهب واحد منهم إلى الأزهر، ~~والآخرون إلى المدارس، وصاحبنا هو الخامس! فكم لسيدنا على الأسرة من حقوق! وحقوق ~~سيدنا على الأسرة كانت تتمثل دائما طعاما وشرابا وثيابا ومالا، فأما الحقوق ~~التي كان يقتضيها إذا ختم صاحبنا القرآن فعشوة دسمة قبل كل شيء، ثم جبة ~~وقفطان، وزوج من الأحذية، وطربوش مغربي، وطاقية من هذا القماش الذي تتخذ منه ~~العمائم، وجنيه أحمر، لا يرضى بشيء دون ذلك ... فإذا لم يؤد إليه هذا كله فهو لا يعرف ~~الأسرة، ولا يقبل منها شيئا، ولا صلة بينه وبينها، وهو يقسم على ذلك بمحرجات الأيمان، # 2 ms014 # وكان هذا اليوم يوم أربعاء، وكان سيدنا قد أنبأ في الصباح بأن صاحبنا ~~سيختم القرآن في هذا اليوم، وأقبلوا في العصر؛ يمشي سيدنا معتمدا على رفيقيه، ويمشي ~~صاحبنا من ورائه يقوده يتيم من أيتام القرية، حتى إذا بلغوا البيت دفع سيدنا الباب ~~دفعا، وصاح صيحته المعتادة: «يا ستار»، واتجه إلى المنظرة، فإذا فيها الشيخ قد انفتل # 3 # من صلاة العصر وهو يقرأ شيئا من الأدعية كعادته، فاستقبلهم مبتسما ~~مطمئنا، وكان صوته هادئا، وكان صوت سيدنا عاليا، وكان صاحبنا لا يقول شيئا، وكان ~~اليتيم مبتهجا. أجلس الشيخ سيدنا ورفيقيه، ووضع في يد اليتيم قطعة من فضة، ودعا ~~الخادم وأمره أن يأخذ هذا اليتيم إلى حيث يصيب شيئا من الطعام، ومسح على رأس ابنه ~~وقال: «فتح الله عليك! انصرف إلى أمك، وقل لها: إن سيدنا هنا.» # وكانت أمه قد سمعت صوت سيدنا، وكانت قد أعدت له ما لا بد منه في مثل هذا ~~الوقت، وهو كوز ضخم طويل من السكر المذاب لا شيء عليه، أخرج إلى سيدنا هذا الكوز ~~فعبه عبا، وشرب رفيقاه كوبين من السكر المذاب أيضا، ثم أخرجت القهوة فشربها ~~سيدنا مع الشيخ، وكان سيدنا يلح على الشيخ في أن يمتحن الصبي فيما حفظ من ~~القرآن، وكان الشيخ يجيب: «دعه يلعب إنه صغير.» ثم نهض سيدنا لينصرف، فقال له الشيخ: ~~«نصلي المغرب معا إن شاء الله.» وكانت هذه هي الدعوة إلى العشاء، وما أحسب أن ~~سيدنا نال شيئا آخر أجرا على ختم صاحبنا للقرآن؛ فقد كان يعرف الأسرة منذ عشرين ~~سنة، وكان له فيها عادات غير مقطوعة، وكانت الكلفة بينه وبينها مرفوعة، وكان واثقا ~~أن الحظ إن يخطئه معها هذه المرة فلن يخطئه مرة أخرى. # | الفصل السادس # منذ هذا اليوم أصبح صبينا شيخا وإن لم يتجاوز التاسعة؛ لأنه حفظ القرآن، ومن حفظ ~~القرآن فهو شيخ مهما تكن سنه، دعاه أبوه شيخا، ودعته أمه شيخا، وتعود سيدنا أن ~~يدعوه شيخا أمام أبويه، أو حين يرضى عنه، أو حين يريد أن يترضاه ms015 لأمر من الأمور، ~~فأما فيما عدا ذلك فقد كان يدعوه باسمه، وربما دعاه «بالواد»، وكان شيخنا الصبي ~~قصيرا نحيفا شاحبا زري الهيئة # 1 # على نحو ما، ليس له من وقار الشيوخ ولا من حسن طلعتهم حظ قليل أو كثير، ~~وكان أبواه يكتفيان من تمجيده وتكبيره بهذا اللفظ الذي أضافاه إلى اسمه كبرا منهما ~~وعجبا لا تلطفا به ولا تحببا إليه. أما هو فقد أعجبه هذا اللفظ في أول الأمر، ~~ولكنه كان ينتظر شيئا آخر من مظاهر المكافأة والتشجيع؛ كان ينتظر أن يكون شيخا حقا، ~~فيتخذ العمة ويلبس الجبة والقفطان، وكان من العسير إقناعه بأنه أصغر من أن ~~يحمل العمة، ومن أن يدخل في القفطان ... وكيف السبيل إلى إقناعه بذلك وهو شيخ قد ~~حفظ القرآن! وكيف يكون الصغير شيخا! وكيف يكون من حفظ القرآن صغيرا! هو إذن مظلوم، ~~وأي ظلم أشد من أن يحال بينه وبين حقه في العمة والجبة والقفطان! # وما هي إلا أيام حتى سئم لقب الشيخ، وكره أن يدعى به، وأحس أن الحياة مملوءة ~~بالظلم والكذب، وأن الإنسان يظلمه حتى أبوه، وأن الأبوة والأمومة لا تعصم الأب ~~والأم من الكذب والعبث والخداع. # ثم لم يلبث شعوره هذا أن استحال إلى ازدراء # 2 # للقب الشيخ، وإحساس بما كان يملأ نفس أبيه وأمه من الغرور والعجب، ثم لم ~~يلبث أن نسي هذا كله فيما نسي من الأشياء. # على أنه في حقيقة الأمر لم يكن خليقا أن يدعي شيخا، وإنما كان خليقا رغم حفظه ~~للقرآن أن يذهب إلى الكتاب كما كان يذهب، مهمل الهيئة، على رأسه طاقيته التي ~~تنظف يوما في الأسبوع، وفي رجليه حذاء يجد مرة في السنة، ولا يدعه حتى لا ~~يحتمل شيئا، فإذا تركه فليمش حافيا أسبوعا أو أسابيع حتى يأذن الله له بحذاء جديد. ~~كان خليقا بهذا كله؛ لأن حفظه للقرآن لم يدم طويلا ... أكان وحده ملوما في ذلك؟ أم ~~كان اللوم مشتركا بينه وبين سيدنا؟ الحق أن سيدنا أهمله حينا وعني بغيره من ~~الذين لم يختموا ms016 القرآن؛ أهمله ليستريح، وأهمله لأنه لم يتقاض أجرا على ختمه للقرآن. ~~واستراح صاحبنا إلى هذا الإهمال، وأخذ يذهب إلى الكتاب يقضي فيه طوال النهار في راحة ~~مطلقة ولعب متصل، ينتظر أن تنتهي السنة ويأتي أخوه الأزهري من القاهرة، حتى إذا انتهت ~~الإجازة وعاد إلى القاهرة ، استصحبه ليصبح شيخا حقا، وليجاور في الأزهر. # ومضى على هذا شهر وشهر وشهر، يذهب صاحبنا إلى الكتاب ويعود منه في غير عمل، وهو ~~واثق بأنه قد حفظ القرآن، وسيدنا مطمئن إلى أنه حفظ القرآن، إلى أن كان اليوم المشئوم ~~... كان هذا اليوم مشئوما حقا؛ ذاق فيه صاحبنا لأول مرة مرارة الخزي والذلة ~~والضعة وكره الحياة. عاد من الكتاب عصر ذلك اليوم مطمئنا راضيا، ولم يكد يدخل ~~الدار حتى دعاه أبوه بلقب الشيخ، فأقبل عليه ومعه صديقان له، فتلقاه أبوه مبتهجا، ~~وأجلسه في رفق، وسأله أسئلة عادية، ثم طلب إليه أن يقرأ «سورة الشعراء»، وما هي إلا ~~أن وقع عليه هذا السؤال وقع الصاعقة، ففكر وقدر، وتحفز # 3 # واستعاذ بالله من الشيطان الرجيم، وسمى الله الرحمن الرحيم، ولكنه لم ~~يذكر من سورة الشعراء إلا أنها إحدى سور ثلاث، أولها «طسم»، فأخذ يردد: # طسم # مرة ومرة ومرة، دون أن يستطيع الانتقال إلى ما بعدها، ~~وفتح عليه أبوه بما يلي هذه الكلمة من سورة الشعراء، فلم يستطع أن يتقدم خطوة. قال ~~أبوه: فاقرأ سورة النمل، فذكر أن أول سورة النمل كأول سورة الشعراء «طس» وأخذ يردد هذا ~~اللفظ، وفتح عليه أبوه، فلم يستطع أن يتقدم خطوة أخرى. قال أبوه: فاقرأ سورة القصص، ~~فذكر أنها الثالثة، وأخذ يردد: # طسم ~~، ولم يفتح عليه أبوه ~~هذه المرة، ولكنه قال له في هدوء: قم؛ فقد كنت أحسب أنك حفظت القرآن، فقام خجلا ~~يتصبب عرقا، وأخذ الرجلان يعتذران عنه بالخجل وصغر السن، ولكنه مضى لا يدري أيلوم ~~نفسه لأنه نسي القرآن، أم يلوم سيدنا لأنه أهمله، أم يلوم أباه لأنه امتحنه! # ومهما يكن من شيء، فقد أمسى هذا اليوم شر مساء، ولم يظهر ms017 على مائدة العشاء، ولم ~~يسأل عنه أبوه، ودعته أمه في إعراض إلى أن يتعشى معها فأبى، فانصرفت عنه ~~ونام. # ولكن هذا المساء المنكر كان في جملته خيرا من الغد؛ ذهب إلى الكتاب، فإذا ~~سيدنا يدعوه في جفوة: ماذا حصل بالأمس؟ وكيف عجزت عن أن تقرأ سورة الشعراء؟ وهل ~~نسيتها حقا؟ اتلها علي! فأخذ صاحبنا يردد: # طسم ~~، ~~وكانت له مع سيدنا قصة كقصته مع أبيه، قال سيدنا: عوضني الله خيرا فيما أنفقت ~~معك من وقت، وما بذلت في تعليمك من جهد، فقد نسيت القرآن ويجب أن تعيده، ولكن ~~الذنب ليس عليك ولا علي، وإنما هو على أبيك؛ فلو أنه أعطاني أجري يوم ختمت القرآن ~~لبارك الله له في حفظك، ولكنه منعني حقي فمحا الله القرآن من صدرك. # ثم بدأ يقرئه القرآن من أوله، شأنه مع من لم يكن شيخا ولا حافظا. # | الفصل السابع # وليس من شك في أنه حفظ القرآن بعد ذلك حفظا جيدا في مدة قصيرة جدا، فهو ~~يذكر أنه عاد من الكتاب ذات يوم مع سيدنا، وكان سيدنا في هذا اليوم حريصا على ~~أن يعود معه، حتى إذا وصلوا إلى الدار عطف عليها سيدنا فدفع الباب فاندفع له، وصاح ~~صيحته المألوفة: «يا ستار!» وكان الشيخ كعادته في المنظرة قد فرغ من صلاة العصر. ~~فلما استقر سيدنا في مجلسه، قال للشيخ: «زعمت أن ابنك قد نسي القرآن، ولمتني ~~في ذلك لوما شديدا، وأقسمت لك إنه لم ينس وإنما خجل، فكذبتني وعبثت بلحيتي ~~هذه، وقد جئت اليوم لتمتحن ابنك أمامي، وأنا أقسم: لئن ظهر أنه لا يحفظ القرآن ~~لأحلقن لحيتي هذه، ولأصبحن معرة الفقهاء في هذا البلد.» قال الشيخ: ~~«هون عليك! وما لك لا تقول: إنه نسي القرآن ثم أقرأته إياه مرة أخرى!» قال: «أقسم ~~بالله ثلاثا ما نسيه ولا أقرأته، وإنما استمعت له القرآن، فتلاه علي كالماء ~~الجاري، لم يقف ولم يتردد.» # وكان صاحبنا يسمع هذا الحوار، # 1 # وكان مقتنعا أن أباه محق وأن سيدنا كاذب، ولكنه لم يقل شيئا، ms018 ولبث ~~منتظرا الامتحان. # وكان الامتحان عسيرا شاقا، ولكن صاحبنا كان في هذا اليوم نجيبا بارعا، لم ~~يسأل عن شيء إلا أجاب في غير تردد وقرأ في إسراع، حتى كان الشيخ يقول له: «على مهلك ~~فإن الكر في القرآن خطيئة.» حتى إذا أتم الامتحان قال له أبوه: «فتح الله عليك! اذهب ~~إلى أمك فقل لها: إنك حفظت القرآن حقا.» ذهب إلى أمه ولكنه لم يقل لها شيئا ولم ~~تسأله هي عن شيء، وخرج سيدنا في ذلك اليوم، ومعه جبة من الجوخ خلعها عليه ~~الشيخ. # | الفصل الثامن # وأقبل سيدنا إلى الكتاب من الغد مسرورا مبتهجا، فدعا الشيخ الصبي بلقب الشيخ ~~هذه المرة قائلا: أما اليوم، فأنت تستحق أن تدعى شيخا؛ فقد رفعت رأسي وبيضت ~~وجهي وشرفت لحيتي أمس، واضطر أبوك إلى أن يعطيني الجبة، ولقد كنت تتلو القرآن ~~أمس كسلاسل الذهب، وكنت على النار مخافة أن تزل # 1 # أو تنحرف، وكنت أحصنك بالحي القيوم الذي لا ينام؛ حتى انتهى هذا ~~الامتحان، وأنا أعفيك اليوم من القراءة، ولكن أريد أن آخذ عليك عهدا، فعدني بأن تكون ~~وفيا! قال الصبي في استحياء: # 2 ~~«لك علي الوفاء.» قال سيدنا: فأعطني يدك، وأخذ بيد الصبي، فما راع # 3 # الصبي إلا شيء في يده غريب، ما أحس مثله قط، عريض يترجرج، # 4 # ملؤه شعر تغور فيه الأصابع، ذلك أن سيدنا قد وضع يد الصبي على ~~لحيته، وقال: هذه لحيتي أسلمك إياها، وأريد إلا تهينها، فقل: «والله العظيم ~~ثلاثا، وحق القرآن المجيد لا أهينها.» وأقسم الصبي كما أراد سيدنا، حتى إذا فرغ ~~من قسمه؛ قال له سيدنا: كم في القرآن من جزء؟ قال: ثلاثون، قال سيدنا: وكم نشتغل في ~~الكتاب من يوم؟ قال الصبي: خمسة أيام. قال سيدنا: فإذا أردت أن تقرأ القرآن مرة في ~~كل أسبوع، فكم تقرأ من جزء كل يوم؟ فكر الصبي قليلا ثم قال: ستة أجزاء. قال ~~سيدنا: فتقسم لتتلون على العريف ستة أجزاء من القرآن في كل يوم من أيام العمل، ~~ولتكونن هذه ms019 التلاوة أول ما تأتي به حين تصل إلى الكتاب، فإذا فرغت منها فلا جناح # 5 # عليك أن تلهو وتلعب، على ألا تصرف الصبيان عن أعمالهم. أعطى الصبي ~~على نفسه هذا العهد، ودعا سيدنا العريف فأخذ عليه عهدا مثله، ليسمعن للصبي ~~في كل يوم ستة أجزاء من القرآن، وأودعه شرفه، وكرامة لحيته، ومكانة الكتاب في ~~البلد، وقبل العريف الوديعة، وانتهى هذا المنظر وصبيان الكتاب ينظرون ~~ويعجبون. # | الفصل التاسع # من ذلك اليوم انقطعت صلة الصبي التعليمية «بسيدنا»، واتصلت بالعريف، ولم يكن العريف ~~أقل غرابة من سيدنا؛ كان شابا طويلا نحيفا أسود فاحما، أبوه سوداني، وأمه ~~مولدة، وكان سيئ الحظ، لم يوفق في حياته لخير، جرب الأعمال كلها فلم يفلح في شيء ~~منها، أرسله أبوه عند كثير من الصناع ليتعلم صنعة فلم يفلح، وحاول أن يجد له في ~~معمل السكر شغل العامل أو الخفير أو البواب أو الخادم، فلم يفلح في شيء من ~~هذا، وكان أبوه ضيق الصدر به، يمقته ويزدريه، ويؤثر # 1 # عليه إخوته الذين يعملون جميعا ويكسبون، وكان قد ذهب إلى الكتاب في ~~صباه فتعلم القراءة والكتابة، وحفظ سورا من القرآن لم يلبث أن نسيها، فلما ضاقت به ~~الحياة وضاق بها أقبل إلى سيدنا فشكا إليه أمره، قال له سيدنا: فتعال هنا فكن ~~عريفا، عليك أن تعلم الصبيان القراءة والكتابة وتلاحظهم وتمنعهم من العبث، وتقوم ~~مقامي متى غبت، وعلي أن أقرئهم القرآن وأحفظهم إياه، وعليك أن تفتح الكتاب ~~قبل أن تطلع الشمس، وتشرف على تنظيفه قبل أن يحضر الصبيان، وعليك أن تغلق الكتاب ~~متى صليت العصر، وتأخذ مفتاحه، وعليك مع هذا كله أن تكون يدي اليمنى، ولك ربع ما ~~يأتي به الكتاب من نقد، تقتضي ذلك في كل أسبوع أو في كل شهر، وتم هذا العقد بين ~~الرجلين وقرأ عليه الفاتحة، وبدأ العريف عمله. # وكان العريف يبغض سيدنا بغضا شديدا ويزدريه، ولكنه يصانعه، # 2 # وكان سيدنا يكره العريف كرها عنيفا ويحتقره، ولكنه يتملقه. # فأما العريف فكان يكره سيدنا؛ لأنه أثر # 3 ms020 # غشاش كذاب، يخفي عليه بعض موارد الكتاب، ويستأثر # 4 # بخير ما يحمل الصبيان معهم من طعام، ويزدريه؛ لأنه كان ضريرا يتكلف ~~الإبصار، وكان قبيح الصوت، يتكلف حسن الصوت. وأما سيدنا فكان يكره العريف؛ لأنه ~~مكار داهية، ولأنه يخفي عليه كثيرا مما ينبغي أن يعلمه، ولأنه سارق؛ يسرق ما ~~يوضع بين يديهما من الطعام وقت الغداء، ويختلس أطايبه، ولأنه يأتمر # 5 # مع كبار الصبيان في الكتاب، ويعبث معهم على غفلة منه، فإذا صليت ~~العصر وأغلق الكتاب كان بينه وبينهم مواعيد هناك عند شجر التوت، أو عند «القنطرة» ~~أو في «معمل السكر». # ومن غريب الأمر أن الرجلين كانا صادقين مصيبين، وأنهما كانا مضطرين إلى أن ~~يتعاونا على كره ومضض؛ # 6 # أحدهما محتاج إلى أن يعيش، والآخر محتاج إلى من يدبر له أمور ~~الكتاب. # اتصل صبينا بالعريف، وأخذ يتلو القرآن بين يديه، ستة أجزاء في كل يوم، ولكن ذلك لم ~~يستمر ثلاثة أيام، ضاق الصبي بهذه التلاوة منذ اليوم الأول، وضاق العريف بها منذ ~~اليوم الثاني، وتكاشفا # 7 # بهذا الضيق في اليوم الثالث، واتفقا منذ اليوم الرابع على أن يتلو الصبي ~~في سره ستة أجزاء بين يدي العريف، حتى إذا أحس اضطرابا، أو غاب عنه لفظ، سأل ~~عنه العريف. وأخذ الصبي يأتي في كل يوم، فيسلم على العريف، ويجلس على الأرض بين يديه، ~~ويحرك شفتيه مهمهما # 8 # كأنه يقرأ القرآن، ويسأل العريف من حين إلى حين عن كلمة، فيجيبه مرة، ~~ويتثاقل عنه مرة أخرى. ويأتي سيدنا في كل يوم قبيل الظهر؛ فإذا سلم وجلس، كان أول ~~عمل يأتيه أن يدعو الصبي فيسأله: أقرأت؟ ~~- نعم. ~~- من أين إلى أين؟ # وكان الصبي يجيب: من البقرة إلى # لتجدن # في يوم ~~السبت، ومن: # لتجدن # إلى # وما ~~أبرئ # في يوم الأحد، وكذلك قسم القرآن ستة أقسام اصطلح عليها ~~الفقهاء، وخص لكل يوم من الأيام الخمسة، قسما من هذه الأقسام يخبر به سيدنا متى ~~سأله. # ولكن العريف لم يكن ليكتفي بهذا الاتفاق الذي يريحه ويريح الصبي، وإنما كان يطمع ms021 في ~~أن يستفيد من موقف الصبي بين يديه، وكان ينذر الصبي من حين إلى حين بأنه سيخبر سيدنا ~~أنه قد وجد بعض السور «متعتعة» سيئة الحفظ عند الصبي: «سورة هود»، أو «سورة الأنبياء»، ~~أو «سورة الأحزاب»، وإذ كان القرآن كله «متعتعا» عند الصبي؛ لأنه أهمل قراءته منذ ~~أشهر، فقد كان يكره أن يمتحنه سيدنا، ويشتري صمت العريف بكل شيء، وكم دفع إلى العريف ~~ما كان يملأ جيبه من خبز، أو فطير، أو تمر! وكم دفع إليه هذا القرش الذي كان يعطيه إياه ~~أبوه من حين إلى حين، والذي كان يريد أن يشتري به أقراص النعناع! وكم احتال على أمه، ~~ليأخذ منها قطعة ضخمة من السكر، حتى إذا وصل إلى الكتاب دفعها إلى العريف، وإنه ~~ليشتهيها كلها أو بعضها، فيأخذها العريف ويدعو بالماء يغمس فيه السكر، ثم يمصه ~~مصا شديدا، ثم يزدرد السكر وقد ذاب أو كاد! وكم نزل عن طعامه الذي كان يحمل إليه ~~من البيت ظهر كل يوم، وإنه لشديد الجوع، ليأكل العريف مكانه؛ لئلا يخبر سيدنا ~~بأن القرآن عنده «متعتع». # على أن هذه الصلات المستمرة لم تلبث أن ضمنت له مودة العريف، فقد اتخذه ~~العريف صديقا، وأخذ يستصحبه إلى الجامع بعد الغداء ليصلي معه الظهر، ثم أخذ يعتمد ~~عليه، ويثق به، ويطلب إليه أن يقرئ القرآن بعض الصبيان، أو يسمعه من بعض الذين أخذوا ~~يعيدون ويحفظون. وهنا كان صاحبنا يسلك مع تلاميذه مسلك العريف معه بالدقة؛ كان ~~يجلس الصبيان بين يديه، ويأخذهم بالتلاوة، ثم يتشاغل عنهم بالحديث مع أترابه، حتى إذا ~~فرغ من حديثه، التفت إليهم، فإذا آنس منهم عبثا أو إبطاء أو اضطرابا؛ فالنذير، ثم ~~الشتم، ثم الضرب، ثم إخبار العريف. والحق أنه لم يكن أحسن حفظا للقرآن من تلاميذه، ~~ولكن العريف قد اتخذ معه هذه الخطة، فيجب أن يكون هو عريفا حقا. وإذا كان العريف ~~لا يشتمه ولا يضربه، ولا يرفع أمره إلى سيدنا؛ فذلك لأنه يدفع ثمن ذلك كله غاليا، ~~وقد فهم الصبيان هذا فأخذوا ms022 يدفعون له الثمن غاليا أيضا، وأخذ هو يسترد بالرشوة ما ~~كان يدفع إلى العريف. على أن رشوته كانت متنوعة؛ فلم يكن محروما في بيته، ولم يكن في ~~حاجة إلى الخبز ولا إلى التمر ولا إلى السكر، ولم يكن يستطيع أن يقبل «الفلوس»، وماذا ~~يصنع بالفلوس وهو لا يستطيع أن ينفقها وحده! فهو إن قبلها دل على نفسه، وافتضح ~~أمره، وإذن فقد كان عسيرا وكان إرضاؤه شاقا، وكان الصبيان يتفننون في إرضائه فيشترون ~~له أقراص النعناع «والسكر النبات» و«اللب» و«الفول السوداني»، وكان يتفضل بكثير ~~من ذلك على العريف. # ولكن لونا من الرشوة خاصا كان يعجبه ويفتنه، ويشجعه على أن يهمل واجبه ~~أشنع إهمال، وهذا اللون هو القصص والحكايات والكتب، فإذا استطاع الصبي أن يقص عليه ~~أحدوثة، أو يشتري له كتابا من هذا الرجل الذي يتنقل بالكتب في قرى الريف، أو يتلو ~~عليه فصلا من قصة «الزير سالم» أو «أبي زيد»، فهو واثق بما شاء من رضاه، ورفقه ~~ومحاباته، وكان أمهر تلاميذه في هذه، صبية مكفوفة البصر، يقال لها: نفيسة، أرسلها ~~أهلها إلى الكتاب لتحفظ القرآن فحفظته، وأتقنت حفظه، ووكلها # 9 # سيدنا إلى العريف ووكلها العريف إلى صاحبنا، وأخذ صاحبنا يسلك معها مسلك ~~العريف معه، وكان أهل هذه الفتاة أغنياء، ولكنهم من المحدثين، كان أبوها حمارا ~~ثم أصبح تاجرا مثريا، وكان ينفق على أهله من غير حساب، ويسبغ # 10 # عليهم سعة غريبة من العيش، فلم تكن تنقطع الفلوس من يد نفيسة، وكانت أقدر ~~الصبيان على تخير الرشا، ثم كانت أحفظهم للقصص، وأقدرهم على الاختراع، وأحفظهم ~~لألوان الغناء المفرح، «والتعديد» المبكي، وكانت تحسن الغناء والتعديد معا. وكانت ~~غريبة الأطوار، في عقلها شيء من الاضطراب، فكانت تلهي صاحبنا أكثر وقته بحديثها ~~وتعديدها، وأقاصيصها وألوان رشوتها، وبينما كان صاحبنا يرشو ويرتشي، ويخدع ويخدع، ~~كان القرآن يمحى من صدره آية آية وسورة سورة، حتى كان اليوم المحتوم ... ويا له من يوم! # | الفصل العاشر # كان يوم الأربعاء، وكان صاحبنا قد قضاه فرحا مسرورا، زعم لسيدنا في أول ms023 النهار ~~أنه قد أتم الختمة، ثم فرغ بعد ذلك لاستماع القصص والأحاديث، وعبث آخر ~~النهار. # فلما انصرف من الكتاب لم يذهب إلى البيت، وإنما ذهب مع جماعة من أصحابه إلى الجامع ~~ليصلي العصر، وكان يحب الذهاب إلى الجامع، والصعود في المنارة، والاشتراك مع المؤذن ~~في التسليم؛ «وهو النداء الذي يلي الأذان الشرعي.» # ذهب في ذلك اليوم وصعد في المنارة، واشترك في الأذان وصلى، وأراد أن يعود إلى ~~البيت، ولكنه افتقد نعله فلم يجدها، كان قد وضعها إلى جانب المنارة، فلما فرغ من ~~الصلاة ذهب يلتمسها فإذا هي قد سرقت. أحزنه ذلك بعض الشيء، ولكنه كان فرحا مبتهجا هذا ~~اليوم، فلم يجزع ولم يقدر للأمر عاقبة، وعاد إلى البيت حافيا، وما كان أبعد المسافة ~~بين البيت والجامع! ولكن ذلك لم يرعه، # 1 # فكثيرا ما مشي حافيا. # دخل البيت، وإذا الشيخ في المنظرة كعادته يدعوه: وأين نعلاك؟ فيجيب: نسيتهما في ~~الكتاب، فلا يحفل الشيخ بهذا الجواب، ثم يهمل الصبي حينا ريثما يدخل فيتحدث إلى أمه ~~وإخوته قليلا، ويأكل كسرة من الخبز؛ كان من عادته أن يأكلها متى عاد من الكتاب، ثم ~~يدعوه الشيخ، فيسرع إلى إجابته، فإذا استقر به مكانه، قال له أبوه: ماذا تلوت اليوم ~~من القرآن؟ فيجيب: ختمته وتلوت الأجزاء الستة الأخيرة. قال الشيخ: ومازلت تحفظه حفظا ~~جيدا؟ قال: نعم. قال الشيخ: فاقرأ لي سورة سبأ. وكان صاحبنا قد نسي سورة سبأ، كما نسي ~~غيرها من السور، فلم يفتح الله عليه بحرف، قال الشيخ: فاقرأ سورة فاطر، فلم يفتح الله ~~عليه بحرف. قال الشيخ في هدوء وسخرية: وقد زعمت أنك مازلت تحفظ القرآن! فاقرأ سورة يس. ~~ففتح الله عليه بالآيات الأولى من هذه السورة، ولكن لسانه لم يلبث أن انعقد، وريقه لم ~~يلبث أن جف، وأخذته رعدة منكرة تصبب على أثرها في وجهه عرق بارد، قال الشيخ في ~~هدوء: قم واجتهد في أن تنسى نعليك كل يوم، فما أرى إلا أنك أضعتهما كما أضعت القرآن، ~~ولكن لي مع سيدك شأنا ms024 آخر. # خرج صاحبنا من المنظرة منكس الرأس مضطربا يتعثر، ومضى في طريقه حتى وصل إلى ~~الكرار - والكرار: حجرة في البيت كانت تدخر فيها ألوان من الطعام، وكان يربى ~~فيها الحمام - وكانت في زاوية من زواياها القرمة - وهي قطعة ضخمة عريضة من الخشب ~~كأنها جذع شجرة - كانت أمه تقطع عليها اللحم، وكانت تدع على هذه القرمة طائفة من ~~السكاكين؛ منها الطويل، ومنها القصير، ومنها الثقيل ومنها الخفيف. # مضى صاحبنا حتى وصل إلى الكرار، وانعطف إلى الزاوية التي فيها القرمة، وأهوى إلى ~~الساطور، وهو أغلظ ما كان عليها من سكين وأحده وأثقله، فأخذه بيمناه وأهوى به إلى ~~قفاه ضربا! ثم صاح، وسقط الساطور من يديه، وأسرعت أمه إليه، وكانت قريبة منه لم تحفل ~~به حينما مر بها، فإذا هو واقف يضطرب والدم يسيل من قفاه! والساطور ملقى إلى جانبه ~~... وما أسرع ما ألقت أمه نظرة إلى الجرح! وما أسرع ما عرفت أنه ليس شيئا! وما هي إلا ~~أن أنهالت عليه شتما وتأنيبا، ثم جذبته من إحدى يديه حتى انتهت به إلى زاوية من زوايا ~~المطبخ، فألقته فيها إلقاء، وانصرفت إلى عملها. ولبث صاحبنا في مكانه لا يتحرك ولا ~~يتكلم ولا يبكي ولا يفكر كأنه لا شيء، وإخوته وأخواته من حوله يضطربون ويلعبون، لا ~~يحفلون به ولا يلتفت هو إليهم. # وقربت المغرب، وإذا هو يدعى ليجيب أباه، فخرج خزيان متعثرا حتى انتهى إلى المنظرة، ~~فلم يسأله أبوه عن شيء، وإنما ابتدره سيدنا بهذا السؤال: ألم تقرأ علي اليوم ~~الأجزاء الستة من القرآن؟ قال: بلى. قال: ألم تقرأ علي أمس سورة سبأ؟ قال: بلى. قال: ~~فما بالك لم تستطع أن تقرأها اليوم؟ فلم يجب، قال سيدنا: فاقرأ سورة سبأ، فلم يفتح ~~الله عليه منها بحرف، قال أبوه: فاقرأ السجدة، فلم يحسن شيئا. هنا اشتد غضب الشيخ، ~~ولكن على سيدنا لا على الصبي، قال: وإذن فهو يذهب إلى الكتاب لا ليقرأ ولا ليحفظ، ~~ولا لتعنى به أو تلتفت إليه، وإنما هو لعب وعبث! ولقد عاد ms025 اليوم حافيا، وزعم أنه ~~نسي نعليه في الكتاب، وما أظن عنايتك بحفظه للقرآن، إلا كعنايتك بمشيه حافيا أو ~~ناعلا! # قال سيدنا: أقسم بالله العظيم ثلاثا ما أهملته يوما، ولولا أني خرجت اليوم من ~~الكتاب قبل انصراف الصبيان، لما رجع حافيا، وإنه ليقرأ علي القرآن مرة في كل ~~أسبوع: ستة أجزاء في كل يوم، أسمعها منه متى وصلت في الصباح. قال الشيخ : لا أصدق من ~~هذا شيئا. قال سيدنا: امرأتي طالق ثلاثا ما كذبتك قط، وما أنا بكاذب الآن، ~~وإني لأسمع له القرآن مرة في كل أسبوع. قال الشيخ: لا أصدق. قال سيدنا: أفتظن ~~أن ما تدفع إلي في كل شهر أحب إلي من امرأتي؟ أم تظن أني في سبيل ما تدفع إلي ~~أستحل الحرام، وأعيش مع امرأة طلقتها ثلاثا بين يديك؟ قال الشيخ: ذلك شيء لا شأن لي ~~به، ولكن هذا الصبي لن يذهب إلى الكتاب منذ غد. ثم نهض فانصرف، ونهض سيدنا فانصرف ~~كئيبا محزونا، وظل صاحبنا في مكانه لا يفكر في القرآن ولا فيما كان، وإنما يفكر ~~في مقدرة سيدنا على الكذب، وفي هذا الطلاق المثلث الذي ألقاه كما يلقي سيجارته ~~متى فرغ من تدخينها! # ولم يظهر الصبي في هذه الليلة على المائدة، ومكث ثلاثة أيام يتجنب مجلس أبيه ~~ويتجنب المائدة، حتى إذا كان اليوم الرابع دخل أبوه عليه في المطبخ حيث كان يحب أن ~~ينزوي إلى جانب الفرن؛ فما زال يكلمه في دعابة وعطف ورفق، حتى أنس الصبي إليه، وانطلق ~~وجهه بعد عبوسه. وأخذه أبوه بيده فأجلسه مكانه من المائدة، وعنى به أثناء الغداء ~~عناية خاصة، حتى إذا فرغ الصبي من طعامه ونهض لينصرف، قال أبوه هذه الجملة في مزاح ~~قاس لم ينسه قط؛ لأنه أضحك منه إخوته جميعا، ولأنهم حفظوها له، وأخذوا يغيظونه ~~بها من حين إلى حين، قال له: «أحفظت القرآن؟» # | الفصل الحادي عشر # وانقطع الصبي عن الكتاب، وانقطع سيدنا عن البيت، والتمس الشيخ فقيها آخر ~~يختلف إلى البيت # 1 # في كل يوم؛ فيتلو فيه ms026 سورة من القرآن مكان سيدنا، ويقرئ الصبي ساعة أو ~~ساعتين. وظل الصبي حرا يعبث ويلعب في البيت متى انصرف عنه الفقيه الجديد، حتى إذا ~~كان العصر أقبل عليه أصحابه ورفاقه منصرفهم # 2 # من الكتاب، فيقصون عليه ما كان في الكتاب، وهو يلهو بذلك، ويعبث بهم ~~وبكتابهم، وبسيدنا وبالعريف، وكان قد خيل إليه أن الأمر قد انبت # 3 # بينه وبين الكتاب ومن فيه، فلن يعود إليه، ولن يرى الفقيه ولا العريف، ~~فأطلق لسانه في الرجلين إطلاقا شنيعا، وأخذ يظهر من عيوبهما وسيئاتهما ما كان ~~يخفيه، وأخذ يلعنهما أمام الصبيان ويصفهما بالكذب والسرقة والطمع، ويتحدث عنهما ~~بأشياء منكرة؛ كان يجد في التحدث بها شفاء لنفسه، ولذة لهؤلاء الصبيان. وما له لا ~~يطلق لسانه في الرجلين، وليس بينه وبين السفر إلى القاهرة إلا شهر واحد؟ فسيعود أخوه ~~الأزهري من القاهرة بعد أيام، حتى إذا قضى إجازته استصحبه إلى الأزهر، حيث يصبح ~~مجاورا، وحيث تنقطع عنه أخبار الفقيه والعريف. # الحق أنه كان سعيدا في هذه الأيام؛ كان يشعر بشيء من التفوق على رفاقه وأترابه؛ فهو ~~لا يذهب إلى الكتاب كما يذهبون، وإنما يسعى إليه الفقيه سعيا، وسيسافر إلى القاهرة ~~حيث الأزهر، وحيث «سيدنا الحسين»، وحيث «السيدة زينب» وغيرهما من الأولياء، وما كانت ~~القاهرة عنده شيئا آخر، إنما كانت مستقر الأزهر، ومشاهد الأولياء والصالحين. # ولكن هذه السعادة لم تدم إلا ريثما يعقبها شقاء شنيع؛ ذلك أن سيدنا لم يطق صبرا ~~على هذه القطيعة، ولم يستطع أن يحتمل انتصار الشيخ عبد الجواد عليه، فأخذ يتوسل بفلان ~~وفلان إلى الشيخ، وما هي إلا أن لانت قناة # 4 # الشيخ، وأمر الصبي بالعودة إلى الكتاب متى أصبح. عاد كارها مقدرا ~~ما سيلقاه من سيدنا وهو يقرئه القرآن للمرة الثالثة، ولكن الأمر لم يقف عند هذا الحد؛ ~~فقد كان الصبيان ينقلون إلى الفقيه والعريف كل ما يسمعون من صاحبهم. ولله أوقات ~~الغداء طوال هذا الأسبوع، وما كان سيدنا ينال به الصبي من لوم، وما كان العريف ~~يعيد عليه من ألفاظه، ms027 تلك التي كان يطلق بها لسانه مقدرا أنه لن يرى ~~الرجلين! # في هذا الأسبوع تعلم الصبي الاحتياط في اللفظ، وتعلم أن من الخطل والحمق # 5 # الاطمئنان إلى وعيد الرجال، وما يأخذون أنفسهم به من عهد، ألم يكن الشيخ ~~قد أقسم لا يعود الصبي إلى الكتاب أبدا؟ وها هو ذا قد عاد! وأي فرق بين الشيخ ~~يقسم ويحنث! وبين سيدنا يرسل الطلاق والأيمان إرسالا، وهو يعلم أنه كاذب؟ وهؤلاء ~~الصبيان يتحدثون إليه، فيشتمون له الفقيه والعريف، ويغرونه # 6 # بشتمهما، حتى إذا ظفروا منه بذلك، تقربوا به إلى الرجلين، وابتغوا # 7 # به إليهما الوسيلة، وهذه أمه تضحك منه، وتغري به سيدنا حين أقبل يتحدث ~~إليها بما نقل إليه الصبيان، وهؤلاء إخوته يشمتون به، ويعيدون عليه مقالة سيدنا من ~~حين إلى حين، يغيظونه ويثيرون سخطه، ولكنه كان يحتمل هذا كله في صبر وجلد، وما له لا ~~يصبر ولا يتجلد وليس بينه وبين فراق هذه البيئة # 8 # كلها إلا شهر أو بعض شهر! # | الفصل الثاني عشر # ولكن الشهر مضى، ورجع الأزهري إلى القاهرة، وظل صاحبنا حيث هو كما هو، لم يسافر ~~إلى الأزهر، ولم يتخذ العمة ولم يدخل في جبة أو قفطان. # كان لا يزال صغيرا، ولم يكن من اليسير إرساله إلى القاهرة، ولم يكن أخوه يحب أن ~~يحتمله، فأشار بأن يبقى حيث هو سنة أخرى، فبقي ولم يحفل أحد برضاه أو ~~غضبه. # على أن حياته تغيرت بعض الشيء؛ فقد أشار أخوه الأزهري بأن يقضي هذه السنة في ~~الاستعداد للأزهر، ودفع إليه كتابين يحفظ أحدهما جملة، ويستظهر من الآخر صحفا ~~مختلفة. # فأما الكتاب الذي لم يكن بد من حفظه كله فألفية ابن مالك، وأما الكتاب ~~الآخر فمجموع المتون. وأوصى الأزهري قبل سفره بأن يبدأ بحفظ الألفية، حتى إذا فرغ ~~منها وأتقنها إتقانا، حفظ من الكتاب الآخر أشياء غريبة، بعضها يسمى «الجوهرة»، ~~وبعضها يسمى «الخريدة»، وبعضها يسمى «السراجية»، وبعضها يسمى «الرحبية»، وبعضها ~~يسمى «لامية الأفعال»، وكانت هذه الأسماء تقع من نفس الصبي مواقع تيه وإعجاب؛ ms028 لأنه ~~لا يفهم لها معنى، ولأنه يقدر أنها تدل على العلم، ولأنه يعلم أن أخاه الأزهري قد ~~حفظها وفهمها فأصبح عالما وظفر بهذه المكانة الممتازة في نفس أبويه وإخوته وأهل القرية ~~جميعا، ألم يكونوا جميعا يتحدثون بعودته قبل أن يعود بشهر، حتى إذا جاء أقبلوا إليه ~~فرحين مبتهجين متلطفين! ألم يكن الشيخ يشرب كلامه شربا، ويعيده على الناس في إعجاب ~~وفخار! ألم يكن أهل القرية يتوسلون إليه أن يقرأ لهم درسا في التوحيد أو الفقه! ~~وماذا عسى أن يكون التوحيد؟ وماذا عسى أن يكون الفقه؟ ثم ألم يكن الشيخ يتوسل إليه، ~~ملحا مستعطفا مسرفا في الوعد، باذلا ما استطاع وما لم يستطع من الأماني، ~~ليلقي على الناس خطبة الجمعة! ثم هذا اليوم المشهود يوم مولد النبي، ماذا لقي ~~الأزهري من إكرام وحفاوة، ومن تجلة وإكبار! كانوا قد اشتروا له قفطانا ~~جديدا، وجبة جديدة وطربوشا جديدا، و«مركوبا» جديدا، وكانوا يتحدثون بهذا ~~اليوم وما سيكون فيه قبل أن يظلهم # 1 # بأيام، حتى إذا أقبل هذا اليوم وانتصف، أسرعت الأسرة إلى طعامها فلم تصب ~~منه إلا قليلا، ولبس الفتى الأزهري ثيابه الجديدة، واتخذ في هذا اليوم عمامة ~~خضراء، وألقى على كتفيه شالا من الكشمير، وأمه تدعو وتتلو التعاويذ، وأبوه يخرج ويدخل ~~جذلان مضطربا، حتى إذا تم للفتى من زيه وهيئته ما كان يريد، خرج فإذا فرس ~~ينتظره بالباب، وإذا رجال يحملونه فيضعونه على السرج، وإذا قوم يكتنفونه # 2 # من يمين ومن شمال، وآخرون يسعون بين يديه، وآخرون يمشون من خلفه، وإذا ~~البنادق تطلق في الفضاء، وإذا النساء يزغردن من كل ناحية، وإذا الجو يتأرج # 3 # بعرف البخور، وإذا الأصوات ترتفع متغنية بمدح النبي، وإذا هذا الحفل ~~كله يتحرك في بطء وكأنما تتحرك معه الأرض وما عليها من دور. كل ذلك لأن هذا الفتى ~~الأزهري قد اتخذ في هذا اليوم خليفة، فهو يطاف به في المدينة وما حولها من القرى في ~~هذا المهرجان الباهر. وما باله اتخذ خليفة دون غيره من الشبان؟ لأنه أزهري ms029 قد قرأ ~~العلم وحفظ الألفية والجوهرة والخريدة! فلم لا يبتهج الصبي حين يرى أن سيقرأ من ~~العلم ما قرأ أخوه، وأن سيمتاز من رفاقه وأترابه بحفظ الألفية والجوهرة ~~والخريدة؟! # وكم كان فرحا مختالا حين غدا إلى الكتاب يوم السبت، وفي يده نسخة من «الألفية»! ~~لقد رفعته هذه النسخة درجات، وإن كانت هذه النسخة ضئيلة قذرة سيئة الجلد؛ ولكنها ~~على ضآلتها وقذارتها، كانت تعدل عنده خمسين مصحفا من هذه المصاحف التي كان يحملها ~~أترابه. # المصحف! لقد حفظ ما فيه فما أفاد من حفظه شيئا، وكثير من الشبان يحفظونه فلا يحفل ~~بهم أحد، ولا ينتخبون خلفاء يوم المولد النبوي. # ولكن الألفية! وما أدراك ما الألفية؟! وحسبك أن سيدنا لا يحفظ منها حرفا، وحسبك ~~أن العريف لا يحسن أن يقرأ الأبيات الأولى منها، والألفية شعر، وليس في المصحف شعر. # الحق أنه ابتهج بهذا البيت: # قال محمد هو ابن مالك # أحمد ربي الله خير مالك # ابتهاجا لم يشعر بشيء مثله أمام أي سورة من سور القرآن. # | الفصل الثالث عشر # وكيف لا يبتهج وقد أحس منذ اليوم الأول أنه ارتفع درجات؛ أصبح «سيدنا» لا ~~يستطيع أن يشرف على حفظه للألفية، ولا أن يقرئه إياها، بل ضاق الكتاب كله ~~بالألفية، وكلف الصبي أن يذهب في كل يوم إلى المحكمة الشرعية؛ ليقرأ على القاضي ~~ما يريد أن يحفظه من الألفية. القاضي عالم من علماء الأزهر، أكبر من أخيه الأزهري، ~~وإن كان أبوه لا يؤمن بذلك، ولا يرى أن القاضي يكافئ ابنه، هو على كل حال عالم من ~~علماء الأزهر، وهو قاضي الشرع - بقاف ضخمة وراء مفخمة - وهو في المحكمة لا في الكتاب، ~~وهو يجلس على دكة مرتفعة، وقد وضعت عليها الطنافس والوسائد، لا تقاس إليها دكة ~~سيدنا، وليس حولها نعال مرقعة، وعلى بابه رجلان يقومان مقام الحاجب، ويسميهما ~~الناس هذا الاسم البديع، الذي لم يكن يخلو من هيبة: «الرسل». # نعم، كان يجب على الصبي أن يذهب إلى المحكمة في كل صباح، فيقرأ على القاضي بابا من ~~أبواب ms030 الألفية، وكم كان القاضي يحسن القراءة! وكم كان يملأ فمه بالقاف والراء! وكم كان ~~صوته يتهدج # 1 # بقول ابن مالك: # كلامنا لفظ مفيد كاستقم # واسم وفعل ثم حرف الكلم # واحده كلمة والقول عم # وكلمة بها كلام قد يؤم # ولقد استطاع القاضي أن يؤثر في نفس الصبي، ويملأه تواضعا حين قرأ هذه ~~الأبيات: # وتقتضي رضا بغير سخط # فائقة ألفية ابن معطي # وهو بسبق حائز تفضيلا # مستوجب ثنائي الجميلا # والله يقضي بهبات وافرة # لي وله في درجات الآخرة # قرأ القاضي هذه الأبيات بصوت يحطمه البكاء حطما، ثم قال للصبي: من تواضع لله رفعه، ~~أتفهم هذه الأبيات؟ قال الصبي: لا. قال القاضي: إن المؤلف رحمه الله تعالى، عندما بدأ ~~في نظم ألفيته اغتر وأخذه الكبر فقال: «فائقة ألفية ابن معطي»، فلما كان الليل رأى ~~فيما يرى النائم أن ابن معط قد أقبل يعاتبه عتابا شديدا، فلما أفاق من نومه أصلح ~~من هذا الغرور وقال: «وهو بسبق حائز تفضيلا.» # وكم كان الشيخ مبتهجا فرحا حين عاد إليه الصبي عصر ذلك اليوم؛ فقص عليه ما سمع ~~من القاضي، وقرأ عليه الأبيات الأولى من الألفية! فكان يقطع هذه الأبيات بهذه الكلمة ~~التي يعبر بها الناس عن الاستحسان: «الله! الله!» # على أن لكل شيء حدا، فقد مضى صاحبنا في حفظ الألفية فرحا مبتهجا حتى انتهى إلى ~~باب المبتدأ، ثم فترت همته، وكان أبوه يسأله عصر كل يوم: هل ذهبت إلى المحكمة؟ فيجيب: ~~نعم. ~~- فكم حفظت؟ فيقرأ له ما حفظ. # ولكن الأمر ثقل عليه منذ باب المبتدأ، فأخذ يحفظ ويذهب إلى المحكمة متثاقلا ~~متباطئا، حتى وصل إلى باب المفعول المطلق، ثم لم يستطع أن يتقدم خطوة قصيرة ولا ~~طويلة، ولبث يذهب إلى المحكمة في كل يوم، ويقرأ على القاضي فصلا من فصول الألفية، ~~حتى إذا عاد إلى الكتاب ألقى الألفية في ناحية، وانصرف إلى عبثه ولعبه، وإلى قراءة ~~القصص والأحاديث. # فإذا كان العصر وسأله أبوه: هل ذهبت إلى المحكمة؟ # أجاب: نعم. ~~- وكم حفظت من بيت؟ # أجاب: عشرين. ~~- من ms031 أي باب؟ ~~- من باب الإضافة، أو من باب النعت، أو من باب جمع التكسير. # فإذا قال له: اقرأ علي ما حفظت، قرأ عليه عشرين بيتا من المائتين الأوليين، مرة ~~من المعرب والمبني، وأخرى من النكرة والمعرفة، وثالثة من المبتدأ والخبر، والشيخ لا ~~يفهم شيئا، ولا يلاحظ أن ابنه يخدعه؛ وإنما يكتفي بأن يسمع كلاما منظوما، وهو مطمئن ~~إلى القاضي. ومن غريب الأمر أن الشيخ لم يفكر مرة واحدة في أن يفتح الألفية ، ويقابل على ~~الصبي وهو يقرأ، ولو قد فعل يوما من الأيام، لكانت للصبي قصة كقصته مع سورة الشعراء، ~~أو سبأ، أو فاطر. # على أن الصبي تعرض لهذا الخطر مرة، ولولا أن أمه شفعت فيه لكان له مع ~~أبيه موقف مشهود. # كان له أخ يختلف إلى المدارس المدنية، فعاد من القاهرة ليقضي فصل الصيف، واتفق أنه ~~حضر هذا الامتحان اليومي أياما متصلة؛ فسمع الشيخ يسأل الصبي: أي باب قرأت؟ ~~فيجيب الصبي: باب العطف، مثلا، فإذا طلب إليه أن يعيد ما قرأ، أعاد عليه باب العلم ~~أو باب الصلة والموصول. # سكت الشاب في أول يوم، وفي اليوم الذي يليه، فلما كثر ذلك انتظر حتى انصرف الشيخ، ~~وقال للصبي أمام أمه: إنك تخدع أباك وتكذب عليه، وتلعب في الكتاب، ولا تحفظ من ~~الألفية شيئا. قال الصبي: إنك كاذب! وما أنت وذاك؟ وإنما الألفية للأزهريين لا لأبناء ~~المدارس! وسل القاضي ينبئك بأني أذهب إلى المحكمة في كل يوم. قال الشاب: أي باب ~~حفظت اليوم؟ قال الصبي: باب كذا. قال الشاب: ولكنك لم تقرأ هذا الباب على أبيك، وإنما ~~قرأت عليه باب كذا، وهات نسخة الألفية أمتحنك فيها! بهت الصبي وظهر عليه الوجوم، ~~وهم الشاب أن يقص القصة على الشيخ، ولكن أمه توسلت إليه، وكان الشاب رفيقا ~~بأمه رءوفا بأخيه، فسكت. وظل الشيخ على جهله حتى عاد الأزهري، فلما عاد امتحن ~~الصبي، وما هي إلا أن عرف جلية الأمر، فلم يغضب ولم ينذر ولم يخبر الشيخ، وإنما ~~أمر الصبي أن ينقطع عن الكتاب ms032 والمحكمة، وأحفظه الألفية كلها في عشرة أيام. # | الفصل الرابع عشر # للعلم في القرى ومدن الأقاليم جلال ليس له مثله في العاصمة ولا في بيئاتها العلمية ~~المختلفة، وليس في هذا شيء من العجب ولا من الغرابة، وإنما هو قانون العرض والطلب، يجري ~~على العلم كما يجري على غيره مما يباع ويشترى. فبينما يروح العلماء ويغدون في القاهرة ~~لا يحفل بهم أحد، أو لا يكاد يحفل بهم أحد، وبينما يقول العلماء فيكثرون في القول ، ~~ويتصرفون في فنونه، دون أن يلتفت إليهم أحد غير تلاميذهم في القاهرة، ترى علماء ~~الريف، وأشياخ القرى ومدن الأقاليم، يغدون ويروحون في جلال ومهابة، ويقولون فيستمع لهم ~~الناس مع شيء من الإكبار مؤثر جذاب، وكان صاحبنا متأثرا بنفسية الريف، يكبر ~~العلماء كما يكبرهم الريفيون، ويكاد يؤمن بأنهم فطروا # 1 # من طينة نقية ممتازة، غير الطينة التي فطر منها الناس جميعا. # وكان يسمع لهم وهم يتكلمون، فيأخذه شيء من الإعجاب والدهش، حاول أن يجد مثله في ~~القاهرة أمام كبار العلماء، وجلة الشيوخ فلم يوفق. # كان علماء المدينة ثلاثة أو أربعة؛ قد تقسموا فيما بينهم إعجاب الناس ومودتهم، ~~فأما أحدهم فكان كاتبا في المحكمة الشرعية، قصيرا ضخما، غليظ الصوت جهوريه، ~~يمتلئ شدقه بالألفاظ حين يتكلم، فتخرج إليك هذه الألفاظ ضخمة كصاحبها، غليظة كصاحبها، ~~وتصدمك معانيها كما تصدمك مقاطعها. وكان هذا الشيخ من الذين لم يفلحوا في الأزهر؛ قضى ~~فيه ما شاء أن يقضي من السنين، فلم يوفق للعالمية ولا للقضاء، فقنع بمنصب الكاتب ~~في المحكمة، على حين كان أخوه قاضيا ممتازا، قد جعل إليه قضاء أحد الأقاليم. ولم ~~يكن هذا الشيخ يستطيع أن يجلس في مجلس إلا فخر بأخيه، وذم القاضي الذي هو معه. كان ~~حنفي المذهب، وكان أتباع أبي حنيفة في المدينة قليلين، أو لم يكن لأبي حنيفة في ~~المدينة أتباع؛ فكان ذلك يغيظه ويحنقه على خصومه العلماء الآخرين، الذين كانوا يتبعون ~~الشافعي أو مالكا، ويجدون في أهل المدينة صدى لعلمهم، وطلابا للفتوى عندهم، فكان ~~لا يدع فرصة إلا ms033 مجد فيها فقه أبي حنيفة، وغض فيها من فقه مالك والشافعي. وأهل ~~الريف مكرة أذكياء؛ فلم يكن يخفى عليهم أن الشيخ إنما يقول ما يقول، ويأتي ما يأتي ~~من الأمر، متأثرا بالحقد والموجدة، # 2 # فكانوا يعطفون عليه، ويضحكون منه، وكانت المنافسة شديدة عنيفة بين هذا ~~الشيخ وبين الفتى الأزهري، كان الفتى الأزهري ينتخب خليفة في كل سنة، فغاظه أن ~~ينتخب هذا الفتى خليفة دونه، ولما تحدث الناس أن الفتى سيلقي خطبة الجمعة سمع الشيخ ~~هذا الحديث ولم يقل شيئا، حتى إذا كان يوم الجمعة وامتلأ المسجد بالناس؛ وأقبل الفتى ~~يريد أن يصعد المنبر، نهض الشيخ حتى انتهى إلى الإمام، وقال في صوت سمعه الناس: إن هذا ~~الشاب حديث السن، وما ينبغي له أن يصعد المنبر ولا أن يخطب، ولا أن يصلي بالناس ~~وفيهم الشيوخ وأصحاب الأسنان، ولئن خليت بينه وبين المنبر والصلاة لأنصرفن. ثم ~~التفت إلى الناس وقال: ومن كان منكم حريصا على ألا تبطل صلاته فليتبعني. سمع الناس ~~هذا فاضطربوا، وكادت تقع بينهم الفتنة لولا أن نهض الإمام فخطبهم وصلى بهم، وحيل ~~بين الفتى والمنبر هذا العام. ومع ذلك فقد كان الفتى أجهد نفسه في حفظ الخطبة واستعد ~~لهذا الموقف أياما متصلة، وتلا الخطبة على أبيه غير مرة، وكان أبوه ينتظر هذه الساعة ~~أشد ما يكون إليها شوقا، وأعظم ما يكون بها ابتهاجا، وكانت أمه مشفقة تخاف عليه ~~العين، فما كاد يخرج إلى المسجد ذلك اليوم، حتى نهضت إلى جمر وضعته في إناء وأخذت ~~تلقي فيه ضروبا من البخور، وتطوف به البيت حجرة حجرة، تقف في كل حجرة لحظات ~~وتهمهم بكلمات، وظلت كذلك حتى عاد ابنها، فإذا هي تلقاه من وراء الباب مبخرة مهمهمة، ~~وإذا الشيخ مغضب يلعن هذا الرجل الذي أكل الحسد قلبه، فحال بين ابنه وبين المنبر ~~والصلاة. # وكان في المدينة عالم آخر شافعي، كان إمام المسجد، وصاحب الخطبة والصلاة، وكان ~~معروفا بالتقى والورع، يذهب الناس في إكباره وإجلاله إلى حد يشبه التقديس؛ كانوا ~~يتبركون به، ويلتمسون ms034 عنده شفاء مرضاهم وقضاء حاجاتهم. وكأنه كان يرى في نفسه شيئا من ~~الولاية، وظل أهل المدينة بعد موته سنين يذكرونه بالخير، ويتحدثون مقتنعين بأنه ~~عندما أنزل في قبره قال بصوت سمعه المشيعون جميعا: اللهم اجعله منزلا مباركا، ~~وكانوا يتحدثون بما رأوا فيما يرى النائم من حظ هذا الرجل عند الله، وما أعد له ~~في الجنة من نعيم. # وشيخ ثالث كان في المدينة، وكان مالكي المذهب، ولم يكن ينقطع للعلم ولا يتخذه ~~حرفة، وإنما كان يعمل في الأرض، ويتجر، ويختلف إلى المسجد فيؤدى الخمس، ويجلس إلى ~~الناس من حين إلى حين، فيقرأ لهم الحديث، ويفقههم في الدين متواضعا غير تياه ولا ~~فخور، ولم يكن يحفل به إلا الأقلون عددا. # هؤلاء هم العلماء، ولكن علماء آخرين كانوا منبثين # 3 # في هذه المدينة وقراها وريفها، ولم يكونوا أقل من هؤلاء العلماء الرسميين ~~تأثيرا في دهماء الناس وتسلطا على عقولهم؛ منهم هذا الحاج ... الخياط الذي كان ~~دكانه يكاد يقابل الكتاب، والذي كان الناس مجمعين على وصفه بالبخل والشح، والذي ~~كان متصلا بشيخ من كبار أهل الطرق، والذي كان يزدري # 4 # العلماء جميعا؛ لأنهم يأخذون علمهم من الكتب لا عن الشيوخ، والذي كان يرى ~~أن العلم الصحيح إنما هو العلم اللدني؛ الذي يهبط على قلبك من عند الله دون أن ~~تحتاج إلى كتاب، بل دون أن تقرأ أو تكتب. # ومنهم هذا الشيخ ... الذي كان في أول أمره حمارا ينقل للناس بضائعهم وأمتعتهم، ثم ~~أصبح تاجرا، واقتصرت حمره على نقل تجارته، والذي كان الناس مجمعين على أنه أكل ~~أموال اليتامى، وأثرى # 5 # على حساب الضعفاء، والذي كان يكثر من ترديد هذه الآية وتفسيرها: # إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما ~~يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا ~~، والذي كان ~~يكره الصلاة في المسجد الجامع؛ لأنه كان يكره الإمام ومن إليه من العلماء، ويؤثر الصلاة ~~في جامع صغير لا قيمة له ولا مكانة. # ومنهم هذا الشيخ ... الذي لم يكن يقرأ ولا يكتب ولا يحسن قراءة الفاتحة، ولكنه كان ms035 ~~شاذليا من أصحاب الطريق، كان يجمع الناس إلى الذكر، ويفتيهم في أمور دينهم ~~ودنياهم. # ثم منهم الفقهاء الذين كانوا يقرءون القرآن ويقرئونه للناس، والذين كانوا يميزون ~~أنفسهم من العلماء ويتسمون: «حملة كتاب الله»، والذين كانوا يتصلون بدهماء الناس ~~والنساء منهم خاصة. كانت جمهرتهم من المكفوفين، فكانوا يدخلون البيوت يتلون فيها ~~القرآن، وكان النساء يتحدثن إليهم، ويستفتينهم في أمور الصوم والصلاة وما إلى ذلك من ~~أمورهن. وكان لهؤلاء الفقهاء علم مخالف كل المخالفة لعلم العلماء، الذين يأخذون ~~علمهم من الكتب، والذين بينهم وبين الأزهر سبب قوي أو ضعيف، وكان علمهم مخالفا أيضا ~~لعلم أصحاب الطرق وأهل العلم اللدني، كانوا يأخذون علمهم من القرآن مباشرة، يفهمونه ~~كما يستطيعون، لا كما هو ولا كما ينبغي أن يفهم. يفهمونه كما كان يفهمه سيدنا، وكان ~~من أذكى الفقهاء، وأشدهم علما وأقدرهم على التأويل، سأله الصبي ذات يوم: ما معنى قول ~~الله تعالى: # وقد خلقكم أطوارا ~~؟ فأجاب هادئا ~~مطمئنا: خلقكم كالثيران لا تعقلون شيئا! أو يفهمونه كما يفهمه جد هذا الصبي ~~نفسه، وكان من أحفظ الناس للقرآن، وأبرعهم في فهمه وتفسيره وتأويله، سأله حفيده ذات ~~يوم عن قول الله تعالي: # ومن الناس من يعبد الله على ~~حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة ~~انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ~~، فقال: «على حرف ~~دكة، على حرف مصطبة ... فإن أصابه خير فهو مطمئن في مكانه، وإن أصابه شر انكفأ على ~~وجهه.» # وكان صبينا يختلف # 6 # بين هؤلاء العلماء جميعا، ويأخذ عنهم جميعا، حتى اجتمع له من ذلك مقدار ~~من العلم ضخم مختلف مضطرب متناقض، ما أحسب إلا أنه عمل عملا غير قليل في تكوين عقله ~~الذي لم يخل من اضطراب واختلاف وتناقض. # | الفصل الخامس عشر # وشيوخ الطريق، وما شيوخ الطريق؟! كانوا كثيرين منبثين # 1 # في أقطار الأرض، لا تكاد تخلو منهم المدينة أسبوعا، وكانت مذاهبهم مختلفة، ~~وكانوا قد تقسموا الناس فيما بينهم فجعلوهم شيعا، وفرقوا أهواءهم تفريقا عظيما، ~~وكانت المنافسة حادة في الإقليم بين أسرتين من ms036 أصحاب الطريق، لإحداهما أعلاه وللأخرى ~~أسفله. # وإذا كان أهل الإقليم ينتقلون ولا يأبون على أنفسهم الهجرة من قرية إلى قرية، ومن ~~مدينة إلى مدينة داخل الإقليم، فقد كان يتفق أن ينزل أتباع إحدى الأسرتين حيث تتسلط ~~الأسرة الأخرى، وكان زعماء الأسرتين يتنقلون في الإقليم يزورون أتباعهم وأشياعهم، ولله ~~ما كان يحدث من الخصومات يوم يهبط صاحب العالية إلى السافلة، أو يصعد صاحب السافلة ~~إلى العالية! وكان أبو الصبي من أتباع صاحب العالية، أخذ عنه العهد، وأخذ عنه أبوه من ~~قبل. وكانت أم الصبي من أتباع صاحب العالية أيضا، بل كان أبوها من أنصاره وحوارييه # 2 # المقربين إليه، ومات صاحب العالية وخلفه على الطريق ابنه الحاج ... وكان أنشط ~~من أبيه، وأقدر على الكيد واللؤم، وأنهض للخصومة، كان أقرب من أبيه إلى الدنيا، وأبعد ~~من أبيه عن الدين. # وكان أبو الصبي قد هبط إلى السافلة واستقر فيها، فكانت لصاحب العالية عادة أن يزوره ~~مرة في كل سنة، وكان إذا أقبل لم يقبل وحده، ولم يقبل في نفر قليل، وإنما أقبل في ~~جيش ضخم؛ إن لم يبلغ المائة فليس ينحط عنها إلا قليلا. ولم يكن يتخذ قطر السكة ~~الحديدية ولا سفن النيل، وإنما كان يتخذ الجياد والبغال والحمير، يسير ومن حوله ~~أصحابه فيمرون بالقرى والدساكر، ينزلون ويرحلون في أبهة وضخامة، منتصرين حيث لا سلطان ~~إلا لهم، متحدين # 3 # حيث لخصومهم شيء من القوة. وكانوا إذا زاروا أسرة الصبي أقبلوا حتى ~~ينزلوا، فإذا الشارع ممتلئ بهم وبخيلهم وبغالهم وحمرهم، قد أخذوه من القناة إلى أقصاه ~~الجنوبي، وإذا الشاء تذبح، وإذا السمط # 4 # ممدودة في الشارع، وإذا هم إلى طعامهم في شره لا يعدله شره، والشيخ ~~جالس في المنظرة ومن حوله أصفياؤه وأولياؤه، وبين يديه صاحب البيت وأخصاؤه يأتمرون أمره، # 5 # فإذا فرغوا من الغداء انصرفوا عنه، فنام حيث هو، ثم نهض فتوضأ. فانظر إلى ~~الناس يستبقون ويختصمون أيهم يصب عليه الماء! فإذا فرغ فانظر إليهم يستبقون ~~ويختصمون أيهم يصيب من وضوء # 6 # الشيخ جرعة! ms037 والشيخ عنهم في شغل، يصلي فيطيل الصلاة، ويدعو فيطيل ~~الدعاء، حتى إذا فرغ من هذا كله جلس للناس وهم يتقاطرون عليه؛ منهم من يقبل يده ~~وينصرف خاشعا، ومنهم من يتحدث إليه لحظة أو لحظات، ومنهم من يسأله حاجة، والشيخ ~~يجيب أولئك وهؤلاء بألفاظ غريبة غامضة، يذهبون في فهمها وتأويلها المذاهب. # أدخل عليه الصبي، فمسح رأسه وتلا قول الله تعالي: # وكان ~~فضل الله عليك عظيما ~~، من ذلك اليوم اقتنع أبو الصبي بأن سيكون ~~لابنه شأن، فإذا صليت المغرب مدت الموائد وأكل الناس، ثم تصلي العشاء ، ثم ~~ينصب المجلس. # ونصب المجلس عبارة عن اجتماع الناس إلى حلقة الذكر، يذكرون الله قاعدين ساكنين، ~~ثم تتحرك رءوسهم وترتفع أصواتهم قليلا، ثم تتحرك أنصافهم وترتفع أصواتهم قليلا، ثم ~~تنبث في أجسامهم رعدة فإذا هم جميعا وقوف؛ قد دفعوا في الهواء كأنما حركهم لولب، ~~وقد انبث في الحلقة شيوخ ينشدون شعر ابن الفارض وما يشبهه من الشعر. وكان لهذا ~~الشيخ خاصة كلف بقصيدة معروفة، فيها ذكر الإسراء والمعراج، أولها: # من مكة والبيت الأمجد # للقدس سري ليلا أحمد # كان الشيوخ يرتلونها ترتيلا، وكان الذاكرون يحركون أجسامهم على هذا الترتيل، ~~ينحنون ويستقيمون كأنما يرقصهم هؤلاء الشيوخ ترقيصا. # ومهما ينس الصبي فلن ينسى ليلة غلط فيها أحد المنشدين فوضع لفظا مكان لفظ من ~~القصيدة، وإذا الشيخ قد ثار وفار، وأرغى وأزبد، # 7 # وصاح بملء صوته: يا بني الكلاب! لعن الله آباءكم وآباء آبائكم وآباء آباء ~~أبائكم إلى آدم! أتريدون أن تخربوا بيت الرجل! # ومهما ينس الصبي فلن ينسى تأثير هذه الغضبة في نفوس الذاكرين، وفي نفوس الناس من ~~حولهم، وكأن الناس قد اقتنعوا بأن الغلط في هذه القصيدة مصدر شؤم لا يشبهه شؤم، وأظهر ~~أبو الصبي تأثيرا وفزعا، ثم اطمئنانا وهدوءا. فلما انصرف الشيخ من الغد وتذاكرت ~~الأسرة ما كان من أمره، وما كان من قصته مع الذاكرين والمنشدين، ضحك صاحب البيت ضحكة ~~لم يشك الصبي بعدها في أن إيمان أبيه بهذا الشيخ لم يكن خالصا من الشك والازدراء ms038 ... ~~نعم من الشك والازدراء! فقد كان طمع الشيخ وحرصه أظهر من أن ينخدع بهما من له حظ من ~~أناة وتفكير. # وكان من أشد الناس مقتا للشيخ وسخطا عليه أم الصبي، كانت تكره زيارته، وتستثقل ~~ظله، وتؤدي ما تؤدي، وتعد ما تعد وهي كارهة ساخطة، لا تكاد تمسك لسانها إلا ~~في مشقة وعناء؛ ذلك لأن زيارة الشيخ كانت ثقيلة على هذه الأسرة التي كانت تعيش من سعة، ~~ولكنها كانت فقيرة على كل حال. # كانت زيارة الشيخ تستهلك كثيرا من القمح والسمن والعسل وما إلى ذلك، وكانت تكلف ~~صاحب البيت الاقتراض لشراء ما لا بد منه من الضأن والمعز، وكان الشيخ لا يلم ~~بهذه الأسرة إلا ارتحل من غده وقد أخذ شيئا راقه وأعجبه؛ يأخذ في هذه المرة بساطا، ~~وفي هذه شالا من الكشمير، وعلى هذا النحو. # كانت زيارة هذا الشيخ وأصحابه شيئا ترغب فيه الأسرة رغبة شديدة، لأنه يمكنها من ~~الفخر ورفع الرأس، ومناوأة الأشباه والنظائر، وتكرهه كرها شديدا لأنه يكلفها ما ~~يكلفها من المال والمشقة. كانت شرا لا بد منه جرت به العادة، وصادف هوى في الناس. ~~وكان اتصال الأسرة بهذا البيت من بيوت الطريق قويا متينا، ترك فيها آثارا باقية من ~~الأخبار والقصص، وأحاديث الكرامات والمعجزا. وكانت أم الصبي وأبوه يجدان لذة في أن ~~يتحدثا إلى أبنائهما بهذه الأخبار والأحاديث، ولم تكن أم الصبي تدع فرصة إلا قصت ~~فيها هذه القصة: «حج أبي ومعه جدتي مع الشيخ خالد مرة، وكان الشيخ قد حج ثلاث ~~مرات تبعه فيها أبي، واستصحب أمه في هذه المرة، فلما فرغوا من الحج وانصرفوا إلى ~~المدينة، وقعت الشيخة في بعض الطريق من الرحل، # 8 # فانحطم ظهرها انحطاما، وعجزت عن المشي والحركة، وأخذ ابنها يحملها ~~وينقلها من مكان إلى مكان، ويجد في ذلك من المشقة والعناء ما شكاه إلى الشيخ ذات يوم، ~~فقال له الشيخ: ألست تزعم أنها شريفة من نسل الحسن بن علي؟ قال: بلى، قال: فهي ذاهبة ~~إلى جدها، فإذا انتهيت بها إلى المسجد ms039 النبوي فضعها في ناحية منه، وخل بينها ~~وبين جدها يصنع بها ما يشاء. وكذلك فعل الرجل؛ وضع أمه في ناحية من نواحي المسجد، ~~وقال لها في لغة الفلاح الجافية يملؤها مع جفوتها الحب والإشفاق: أنت وجدك، فليس ~~لي بكما شأن. ثم تركها وتبع شيخه يريد أن يطوف بقبر النبي. قال الرجل: فوالله ما ~~خطوت خطوات حتى سمعت أمي تناديني، فالتفت فإذا هي قائمة تسعى، وأبيت أن أعود ~~إليها، فإذا هي تعدو من ورائي عدوا، وإذا هي تسبقني إلى الشيخ وتطوف مع ~~الطائفين.» # وكان أبو الصبي لا يدع فرصة إلا ذكر فيها عن الشيخ هذه القصة: ذكر أمامه أن ~~الغزالي قال في بعض كتبه: إن النبي لا يمكن أن يرى فيما يرى النائم، فغضب الشيخ ~~وقال: والله ما هكذا كان الأمل فيك يا غزالي! لقد رأيته بعيني رأسي هذا راكبا ~~بغلته. وذكر له ذلك مرة أخرى فقال: والله ما هكذا كان الأمل فيك يا غزالي، لقد رأيته ~~بعيني رأسي هذا راكبا ناقته، وكان أبو الصبي يستنبط من ذلك أن الغزالي قد أخطأ، ~~وأن عامة الناس يستطيعون أن يروا النبي فيما يرى النائم، وأن الأولياء والصالحين ~~يستطيعون أن يروه وهم أيقاظ. وكان أبو الصبي يثبت هذا بحديث يرويه كلما ذكر هذه ~~القصة، وهو: «من رآني في المنام فقد رآني حقا فإن الشيطان لا يتمثل بي.» # وعلى هذا النحو حفظ الصبي ألوانا من أخبار الكرامات والمعجزات وأسرار الصوفية، ~~وكان إذا أراد أن يتحدث بشيء من ذلك إلى أترابه ورفاقه في الكتاب قصوا عليه أمثاله؛ ~~يضيفونه إلى صاحب السافلة ويؤمنون به إيمانا شديدا. # كانت لأهل الريف؛ شيوخهم وشبانهم وصبيانهم ونسائهم عقلية خاصة فيها سذاجة ~~وتصوف وغفلة، وكان أكبر الأثر في تكوين هذه العقلية لأهل الطريق. # | الفصل السادس عشر # على أن صبينا لم يلبث أن أضاف إلى هذه الألوان من العلم لونا آخر جديدا، وهو ~~علم السحر والطلاسم؛ فقد كان باعة الكتب يتنقلون في القرى والمدن بخليط من الأسفار، ~~لعله أصدق مثل لعقيدة الريف في ms040 ذلك العهد؛ كانوا يحملون في حقائبهم: مناقب الصالحين، ~~وأخبار الفتوح والغزوات، وقصة القط والفأر، وحوار السلك والوابور، وشمس المعارف الكبرى ~~في السحر، وكتابا آخر لست أدري كيف كان يسمى، ولكنه كان يعرف بكتاب «الديربي»، ~~ثم أورادا مختلفة، ثم قصص المولد النبوي، ثم مجموعات من الشعر الصوفي، ثم كتبا في ~~الوعظ والإرشاد، وأخرى في المحاضرات وعجائب الأخبار، ثم قصص الأبطال من الهلاليين ~~والزناتيين، وعنترة، والظاهر بيبرس، وسيف بن ذي يزن، ثم القرآن الكريم مع هذا كله. ~~وكان الناس يشترون هذه الكتب كلها، ويلتهمون ما فيها التهاما، وكانت عقليتهم تتكون ~~من خلاصته كما تتكون أجسامهم من خلاصة ما كانوا يأكلون ويشربون. # وقد قرئ لصاحبنا من هذا كله فحفظ منه الشيء الكثير ولكنه عني بشيئين عناية ~~خاصة: عني بالسحر، وعني بالتصوف. ولم يكن في الجمع بين هذين اللونين من العلم شيء من ~~الغرابة ولا من العسر؛ فإن التناقض الذي يظهر بينهما ليس إلا صوريا في حقيقة ~~الأمر، أليس الصوفي يزعم لنفسه وللناس أنه يخترق حجب الغيب، وينبئ بما كان وما سيكون، ~~كما أنه يتعدى حدود القوانين الطبيعية ويأتي بضروب الخوارق والكرامات؟ والساحر ماذا ~~يصنع؟ أليس يزعم لنفسه القدرة على الإخبار بالغيب، وتجاوز حدود القوانين الطبيعية ~~أيضا، والاتصال بعالم الأرواح؟! بلى، كل ما يوجد من الفرق بين الساحر والصوفي هو ~~أن هذا يتصل بالملائكة، وذلك يتصل بالشياطين. ولكن يجب أن نقرأ ابن خلدون وأمثاله ~~لنصل إلى تحقيق مثل هذا الفرق، ونرتب عليه نتائجه الطبيعية من تحريم السحر والترغيب ~~عنه، وتحبيب التصوف والترغيب فيه. # وما كان أبعد صبينا وأترابه عن ابن خلدون وأمثال ابن خلدون! إنما كانت تقع في أيديهم ~~كتب السحر ومناقب الصالحين وكرامات الأولياء، فيقرءون ويتأثرون، ثم لا يلبثون أن ~~يتجاوزوا القراءة والإعجاب إلى الاقتداء والتجربة، وإذا هم يسلكون مناهج الصوفية، ~~ويأتون ما يأتيه السحرة من ضروب الفن، وكثيرا ما يختلط في عقولهم السحر والتصوف، ~~فيصبح كلاهما شيئا واحدا، غايته تيسير الحياة والتقرب إلى الله. # وكذلك كان الأمر في نفس صاحبنا، فقد كان ms041 يتصوف ويتكلف السحر، وهو واثق بأنه سيرضي ~~الله، ويظفر من الحياة بأحب لذاتها إليه. # وكان من القصص التي تكثر في أيدي الصبيان يحملها إليهم باعة الكتب، قصة اقتطعت من ~~«ألف ليلة وليلة» وتعرف بقصة «حسن البصري»، في هذه القصة أخبار ذلك المجوسي الذي كان ~~يحول النحاس ذهبا، وأخبار ذلك القصر الذي كان يقوم من وراء الجبل على عمد شاهقة ~~في الهواء، وتقيم فيه بنات سبع من بنات الجن، والذي أوى إليه حسن البصري، ثم أخبار ~~حسن هذا وما كان من رحلته الطويلة الشاقة إلى دور الجن ، وبين هذه الأخبار خبر ملأ ~~الصبي إعجابا؛ وهو أن قضيبا أهدي إلى حسن هذا في بعض رحلته وكان من خواص هذا ~~القضيب أن تضرب به الأرض فتنشق ويخرج منها تسعة نفر يأتمرون أمر # 1 # صاحب القضيب، وهم بالطبع من الجن أقوياء خفاف يطيرون ويعدون، ويحملون ~~الأثقال، ويقتلعون الجبال، ويأتون من عجيب الأمر ما لا حد له. # فتن الصبي بهذه العصا، ورغب في أن يظفر بها رغبة شديدة قوية أرقت # 2 # ليله ونغصت يومه، فأخذ يقرأ كتب السحر والتصوف، يلتمس عند السحرة ~~والمتصوفين وسيلة تمكنه من هذه العصا. # وكان له قريب صبي مثله يرافقه إلى الكتاب، فكان أشد منه كلفا بهذه العصا، وما ~~هي إلا أن جد الصبيان في البحث حتى انتهيا إلى وسيلة يسيرة تمكنهما مما ~~يريدان، وجداها في كتاب الديربي، وهي أن يخلو الفتى إلى نفسه وقد تطهر ووضع بين ~~يديه نارا ومقدارا من الطيب، ثم يأخذ في ترديد هذا الاسم من أسماء الله «يا لطيف يا ~~لطيف» ملقيا في النار شيئا من الطيب من حين إلى حين، فيمضي في ترديد هذه الكلمة ~~وتحريق هذا الطيب، حتى تدور به الأرض، وينشق أمامه الحائط، ويمثل أمامه خادم من ~~الجن موكل بهذا الاسم من أسماء الله، فيطلب إليه ما يريده، والحاجة مقضية من غير ~~شك. # ظفر الصبيان بهذه الوسيلة، فاعتزما أن يستخدماها، وما هي إلا أن اشتريا ضروبا من ~~الطيب، وخلا صبينا إلى نفسه في ms042 المنظرة، أغلق بابها من دونه ووضع بين يديه قطعا من ~~النار وأخذ يلقي فيها الطيب، ويردد: «يا لطيف! يا لطيف!» وطال به هذا وهو ينتظر أن ~~تدور به الأرض وينشق له الحائط ويمثل الخادم بين يديه، ولكن شيئا من ذلك لم يكن، ~~وهنا تحول صبينا الساحر المتصوف إلى نصاب. # خرج من المنظرة مضطربا يمسك رأسه بيديه ولا يكاد لسانه ينطلق بحرف واحد، فتلقاه ~~صاحبه الصبي يسأله: هل لقي الخادم؟ وهل طلب إليه العصا؟ وصاحبنا لا يجيب إلا مضطربا ~~مرتجفا، تصطك أسنانه اصطكاكا، حتى روع رفيقه الصبي، وبعد لأي # 3 # أخذ صاحبنا يهدأ ويجيب في ألفاظ متقطعة، وبصوت متهدج: «لقد دارت بي الأرض ~~حتى كدت أسقط، وانشق الحائط وسمعت صوتا ملأ الحجرة من جميع نواحيها، ثم أغمي ~~علي، ثم أفقت فخرجت مسرعا.» # سمع الصبي هذا! فامتلأ فرحا وإعجابا بصاحبه، وقال له: هون عليك؛ فقد أصابك الرعب ~~وملك الخوف عليك أمرك، فلنبحثن في الكتاب عن شيء يؤمنك ويشجعك على أن تثبت للخادم ~~وتطلب منه ما تشاء. واستأنفا البحث في الكتاب، وانتهى بهما البحث إلى أن صاحب الخلوة ~~يجب أن يصلي ركعتين قبل أن يجلس إلى النار ويأخذ في ترديد هذا الاسم، وكذلك فعل الصبي ~~من غده، وأخذ يلقي الطيب في النار ويردد دعاء «اللطيف» ينتظر أن تدور به الأرض، وينشق ~~له الحائط، ويمثل الخادم بين يديه، ولكن شيئا من ذلك لم يكن. وخرج الصبي إلى صاحبه ~~هادئا مطمئنا، فأخبره أن قد دارت الأرض وانشق الحائط ومثل الخادم بين يديه وسمع ~~منه حاجته، ولكنه لم يشأ أن يجيبه إليها حتى يمرن على هذه الخلوة، ويكثر من الصلاة ~~وإطلاق البخور وذكر الله، وضرب له موعدا لقضاء هذه الحاجة شهرا كاملا يأتي فيه هذا ~~الأمر في نظام؛ فإن فسد هذا النظام فلا بد من استئناف الأمر شهرا كاملا آخر. ~~وصدق الصبي صاحبه، وأخذ يلح عليه في كل يوم أن يخلو إلى النار ويردد الدعاء. ~~وأخذ الصبي يستغل من صاحبه هذا الضعف، ويكلفه ما شاء من ms043 مشقة وعناء، فإن أبى أو ~~أظهر الإباء أعلن إليه صاحبه أنه لن يخلو إلى النار، ولن يدعو «اللطيف»، ولن يلتمس ~~العصا؛ فيذعن إذعانا سريعا. # على أن صاحبنا لم يكن يميل وحده إلى السحر والتصوف، وإنما كان يدفع إلى ذلك دفعا، ~~يدفعه إليه أبوه؛ ذلك أن الشيخ كان كثير الحاجات عند الله، كان له أبناء كثيرون، وكان ~~يحرص على تعليمهم وتهذيبهم، وكان فقيرا لا يستطيع أن يؤدي نفقات ذلك التعليم، وكان ~~يستدين من حين إلى حين ويثقل عليه أداء الدين، وكان يطمع في أن يزاد راتبه من حين ~~إلى حين ، وكان يطمع في أن يتقدم درجة وينتقل من عمل إلى عمل، وكان يلتمس هذا كله ~~عند الله بالصلاة والدعاء والاستخارة، وكان أحب وسائل الالتماس إليه «عدية يس». وكان ~~يطلب «عدية يس» هذه إلى ابنه الصبي؛ لأنه صبي ولأنه مكفوف، وهو بهاتين المزيتين أثير # 4 # عند الله رفيع المكانة عنده، وهل يرضى الله أن يرد صبيا مكفوفا حين ~~يطلب إليه أمرا من الأمور متوسلا بقراءة القرآن! # وكانت «عدية يس» مراتب: أولاها؛ أن يخلو الإنسان إلى نفسه فيقرأ هذه السورة من سور ~~القرآن أربع مرات، ثم يطلب ما يشاء وينصرف. والثانية: أن يخلو إلى نفسه فيتلو هذه ~~السورة سبع مرات، ثم يطلب ما يشاء وينصرف. والثالثة: أن يخلو إلى نفسه فيتلو هذه ~~السورة إحدى وأربعين مرة لا يفرغ من قراءتها مرة حتى يتبعها بدعاء يس: «يا عصبة ~~الخير بخير الملل»، فإذا أتم القراءة طلب ما شاء وانصرف. والبخور محتوم في هذه ~~المرتبة الثالثة، وكان الشيخ يكلف ابنه العدية الصغرى في صغار الأمور، والوسطى في ~~الأمور الهامة، والكبرى في الأمور التي تمس حياة الأسرة كلها؛ فإذا سعى في أن يدخل ~~أحد أبنائه في المدرسة مجانا فالعدية الصغرى، وإذا التمس إلى الله أداء دين ثقيل ~~فالعدية الوسطى، وإذا رغب في أن ينتقل من عمل إلى عمل وأن يزاد راتبه جنيها أو بعض ~~الجنيه فالعدية الكبرى. وكان لكل عدية أجر: فأما العدية الصغرى فأجرها قطعة من ms044 ~~السكر أو الحلوى، وأما العدية الوسطى فأجرها خمسة مليمات، وأما العدية الكبرى فأجرها ~~عشرة، وكثيرا ما خلا الصبي إلى نفسه وقرأ سورة يس أربعا أو سبعا أو إحدى وأربعين، ~~ومن عجيب الأمر أن الحاجات كانت تقضى دائما، وما هي إلا أن تم اقتناع الشيخ بأن ~~ابنه مبارك، وبأنه أثير عند الله. # ولم يكن أمر السحر والتصوف مقصورا على قضاء الحاجات والتنبؤ بما سينجلي عنه الغيب، ~~وإنما كان يتجاوز هذا كله إلى دفع المكروه واتقاء النكبات. وقد نسي الصبي أشياء ~~كثيرة، ولكنه لم ينس هذا الرعب الذي ملأ قلوب الناس جميعا في المدينة وما حولها من ~~القري؛ حين وصلت إليهم الأخبار من القاهرة بأن نجما ذا ذنب سيظهر في السماء بعد أيام؛ ~~حتى إذا كانت الساعة الثانية بعد الظهر مس الأرض بطرف من ذنبه فإذا هي هشيم # 5 # تذروه الرياح. فأما النساء وعامة الناس فلم يحفلوا بهذا أو لم يكادوا ~~يحفلون به، وإنما كانوا يشعرون بشيء من الرعب كلما تحدثوا بهذه النازلة أو سمعوا الحديث ~~عنها، ثم لا يلبثون أن ينصرفوا إلى ما هم فيه من حياة عملية. وأما المتفقهون في الدين ~~وحملة القرآن وأصحاب الطرق وتلاميذهم فكانوا هلعين # 6 # مروعين حقا، لا تكاد تستقر قلوبهم بين جنوبهم، وكانوا يتحاورون # 7 # في ذلك تحاورا متصلا؛ فمنهم من يزعم أن هذه الكارثة لن تقع؛ لأنها ~~مخالفة لما عرف من أشراط # 8 # الساعة، وما كان للأرض أن تفنى قبل أن تظهر الدابة والنار والدجال، وقبل ~~أن يهبط المسيح إلى الأرض فيملأها عدلا بعد أن ملئت جورا. ومنهم من كان يظن أن ~~الكارثة من أشراط الساعة. ومنهم من كان يتحدث بأن هذه الكارثة قد تقع فتصيب الأرض بشيء ~~من التدمير دون أن تأتي عليها جميعا. كانوا يتحاورون طول النهار، حتى إذا أقبل الليل ~~وصليت المغرب اجتمعوا حلقا في المسجد وأمام الدور، وأخذوا يرددون هذه الكلمة: # أزفت الآزفة * ليس لها من دون ~~الله كاشفة ~~، حتى تصلى العشاء. وانقضت الأيام، وجاءت الساعة ~~المحتومة، ولم يظهر في ms045 السماء نجم ذو ذنب، ولم يصب الأرض دمار قليل ولا كثير؛ فانقسم ~~المتفقهون في الدين وحملة القرآن وأصحاب الطرق: فأما أهل العلم الذين يستمدون علمهم من ~~الكتب وينتمون # 9 # إلى الأزهر فانتصروا، وقالوا: «ألم نقل لكم: إن هذه الكارثة لا يمكن أن تقع ~~قبل أن تظهر أشراط الساعة؟ ألم ندعكم إلى تكذيب المنجمين؟» وأما حملة القرآن فقالوا: ~~«كلا! لقد كادت تقع الكارثة لولا أن لطف الله بالرضع والحوامل والبهائم، وسمع ~~لدعاء الداعين، وتضرع المتضرعين.» وأما أهل التصوف والعلم اللدني فقالوا: «كلا! ~~لقد كادت تقع الكارثة لولا أن توسط القطب المتولي بين الناس والله، فصرف عن الناس ~~هذا البلاء، واحتمل عنهم أوزارهم.» # 10 # وأنت تستطيع أن تقول: إن هذا الدافع الذي كان يدفع الناس إلى التحصن من «الخماسين» ~~كان سحرا أو تصوفا، أما أنا فلا أستطيع إلا أن أحدثك بما يذكر الصبي من أن الأيام ~~التي كانت تسبق أيام شم النسيم كانت أياما غريبة؛ يخالط فيها قلوب النساء والصبيان ~~وحملة القرآن شيء من الفرح والخوف، كانوا إذا أظلهم يوم الجمعة أسرفوا في الأكل وفي ~~ألوان خاصة من الطعام، حتى إذا كان يوم السبت أسرفوا في أكل البيض الملون. وكان ~~الفقهاء قد استعدوا لهذا اليوم استعدادا خاصا فاشتروا ورقا أبيض صقيلا، وقطعوه ~~قطعا صغارا دقاقا وكتبوا على كل قطعة «ا ل م ص» ثم يطوون هذه القطع ويملئون بها ~~جيوبهم، حتى إذا كان يوم السبت ألموا # 11 # بالدور التي كانوا يتصلون بها، ففرقوا هذه القطع من الورق على أهلها، ~~وطلبوا إلى كل واحد أن يبتلع منها أربعا قبل أن يلم # 12 # بطعام أو شراب، وكانوا يزعمون للناس أن ابتلاع هذه القطع من الورق يصرف ~~عنهم ما تأتي به «الخماسين» من المكروه، ويصرف عنهم الرمد بنوع خاص. وكان الناس ~~يصدقونهم ويبتلعون هذا الورق ويؤدون إلى الفقهاء ثمنه بيضا أحمر وأصفر. وليس يدري ~~الصبي ماذا كان يصنع سيدنا بما كان يجتمع له من البيض في يوم سبت النور؛ فقد كان ~~كثيرا يتجاوز المئات، على ms046 أن استعداد الفقهاء لهذا اليوم لم يكن يقف عند إعداد هذه ~~القطع من الورق، وإنما كان يتجاوز ذلك إلى شيء آخر: كانوا يشترون الورق الأبيض الصقيل، ~~ويقطعونه قطعا طويلة عريضة بعض العرض، ويكتبون عليها مخلفات النبي: # مخلف طه سبحتان ومصحف # ومكحلة سجادتان رحى عصا # حتى إذا فرغوا من هذه المخلفات أضافوا إليها دعاء آخر يبتدئ بهذه الكلمات التي كان ~~الفقهاء يقولون إنها سريانية: «دبى دبندي، كرى كرندي، سرى سرندي، سبر سبربتونا، ~~واحسبوا البعيد عنا لا يأتينا، والقريب منا لا يؤذينا ... إلخ.» ثم يطوون هذه الأوراق على ~~أنها حجب وتمائم، يفرقونها في البيوت على النساء والصبيان، ويتقاضون أثمانها دراهم ~~وخبزا وفطيرا وضروبا من الحلوى، ويزعمون للناس أن اتخاذ هذه التمائم والحجب يدفع ~~عنهم أذي هذه الشياطين التي تحملها رياح الخماسين. وكان النساء يتلقين هذه الحجب ~~مطمئنات إليها، ولكن ذلك لم يكن يمنعهن من اتقاء العفاريت يوم شم النسيم بشق البصل ~~وتعليقه على أبواب الدور، وأكل الفول النابت دون غيره من ألوان الطعام في هذا ~~اليوم. # | الفصل السابع عشر # وأراد الله أن يشقي «سيدنا» بتلميذه شقاء غير قليل؛ فلم تكفه تلك الحوادث ~~التي كانت تحدث من حين إلى حين عندما كان الشيخ يمتحن الصبي، ولم تكفه هذه النكبات ~~المتصلة التي نشأت عن عناية الصبي بحفظ الألفية وغيرها من المتون، وجعلت الصبي ثقيلا ~~سمجا يتعالى على أترابه وعلى سيده، ويرى لنفسه مكانة العلماء، ويعصي أوامر العريف، لم ~~يكفه هذا كله، بل كانت نكبة أخرى لم يكن الرجل ينتظرها حقا، وكانت أشد عليه من كل ~~النكبات الأخرى؛ لأنها مسته في صناعته، ذلك أن رجلا من أهل القاهرة هبط إلى المدينة ~~في يوم من الأيام على أنه مفتش للطريق الزراعية، وكان هذا الرجل في متوسط عمره، وكان ~~«مطربشا» يتكلم الفرنسية، وكان يقول إنه تخرج في مدرسة الفنون والصنائع، وكان خفيف ~~الظل جذابا، فما لبث أن أحبه الناس ودعوه إلى دورهم ومجالسهم، وما لبث أن اتصلت ~~المودة بينه وبين أبي الصبي. # وكان قد رتب سيدنا في ms047 بيته يقرأ له سورة من القرآن في كل ~~يوم، وجعل له عشرة قروش في كل شهر، وهو الأجر المرتفع الذي كان يدفعه وجوه الناس، فكان ~~سيدنا محبا لهذا الرجل مثنيا عليه. ولكن رمضان أقبل، وكان الناس يجتمعون في ليالي ~~رمضان عند رجل من أهل المدينة وجيه يعمل في التجارة، وكان سيدنا يقرأ القرآن عند هذا ~~الرجل طوال الشهر، وكان الصبي يرافق سيدنا ويريحه من حين إلى حين بقراءة سورة أو جزء ~~مكانه، فقرأ ذات ليلة وسمعه هذا المفتش، فقال لأبيه: إن ابنك لشديد الحاجة إلى تجويد ~~القرآن. قال الشيخ: سيجوده متى ذهب إلى القاهرة على شيخ من شيوخ الأزهر. قال ~~المفتش: فأنا أستطيع أن أجود له القرآن على قراءة حفص، حتى إذا ذهب إلى الأزهر كان قد ~~ألم بأصول التجويد، # 1 # وسهل عليه أن يفرغ للقراءات السبع أو العشر أو الأربع عشرة. قال الشيخ: ~~وهل أنت من حملة القرآن؟ قال المفتش: ومن المجودين، ولولا أني مشغول لاستطعت أن ~~أقرئ ابنك القرآن على الروايات جميعا، ولكني أحب أن أخصص له ساعة في كل يوم فأقرئه ~~رواية حفص، وأدرس له أصول الفن، وأعده بذلك للأزهر إعدادا صحيحا. قال القوم: ~~وكيف لمطربش يتكلم الفرنسية بحفظ القرآن ورواية القراءات؟ قال المفتش: أنا أزهري ~~تقدمت في دراسة العلوم الدينية إلى مدى بعيد، ثم انصرفت عنها إلى المدارس، فتخرجت ~~في مدرسة الفنون والصنائع. قالوا: فاقرأ لنا شيئا! فنزع الرجل نعليه وتربع ورتل ~~لهم سورة هود ترتيلا ما سمعوا مثله، فلا تسل عن إعجابهم به وإكبارهم إياه، ولا تسل ~~عما أصاب سيدنا من الحزن والغيظ؛ فقد قضى الرجل ليلته كأنه مصعوق. # 2 # وأصبح الشيخ فأمر ابنه بأن يختلف # 3 # إلى بيت المفتش في كل يوم، وفرح الصبي بهذا فرحا شديدا، فأعاده على ~~أترابه في الكتاب وتحدث به الصبيان، ولا تسل عن مقدار ما كان يترك هذا الحديث في ~~نفس سيدنا من الحزن؛ فقد نهر # 4 # الصبي وأمره ألا يذكر اسم المفتش مرة في الكتاب. # وذهب الصبي إلى ms048 بيت المفتش، واتصل ذهابه إلى هذا البيت، وأقرأه المفتش «تحفة ~~الأطفال»، وشرح له أصول التجويد؛ علمه المد والغن والإخفاء والإدغام وما يتصل ~~بهذا كله. وكان الصبي معجبا بهذا العلم، وكان يتحدث به إلى أترابه في الكتاب، وكان ~~يبين لهم أن سيدنا لا يحسن المد ولا يتقن الغن، ولا يعرف الفرق بين المد ~~الكلمي والحرفي، ولا بين المد المثقل والمخفف، وكانت أصداء هذا كله تصل ~~إلى سيدنا فتغمه وتحزنه وتخرجه أحيانا عن طوره. # وأخذ الصبي يقرأ القرآن على المفتش من أوله، وأخذ المفتش يعلمه مواضع الوقف ~~والوصل، وأخذ الصبي يقلد المفتش في ترتيله ويحاكي نغمه، وأخذ يقرأ القرآن على هذا ~~النحو في الكتاب ، وجعل أبوه يمتحنه، فإذا سمعه يقرأ على هذا النحو الجديد أعجب وطرب ~~وأثنى على المفتش. وما كان شيء يغيظ سيدنا مثلما كان يغيظه هذا الثناء. # وقضى الصبي سنة كاملة يتردد على هذا البيت، ويقرأ القرآن على المفتش، حتى أتقن ~~التجويد برواية حفص، وكاد يبدأ في رواية ورش لولا أن حدثت حوادث وسافر الصبي إلى ~~القاهرة. # أكان الصبي يحب الاختلاف إلى هذا البيت لأنه كان يعجب بالمفتش، ولأنه كان يحرص على ~~إتقان القرآن وتجويده، وعلى أن يغيظ سيدنا ويظهر التفوق على أترابه؟ نعم! في الشهرين ~~الأولين من هذه السنة، فأما بعد هذين الشهرين فقد كان يجذبه إلى بيت المفتش ويحببه ~~فيه شيء آخر! # كان المفتش متوسط العمر قد بلغ الأربعين إن لم يكن قد جاوزها، وكان قد تزوج من ~~فتاة لم تبلغ السادسة عشرة، ولم يكن له ولد، ولم يكن يعمر بيته الكبير إلا هذه الفتاة ~~وجدة لها قد جاوزت الخمسين. فأما حين بدأ الصبي يختلف إلى هذه الدار فقد كان يذهب ~~ويعود دون أن يلتفت إليه أحد غير المفتش، وما هي إلا أن كثر تردد الصبي حتى أخذت ~~الفتاة تتحدث إليه وتسأله عن نفسه وعن أمه وعن إخوته وعن داره، وأخذ الصبي يجيبها ~~مستحييا، ثم متبسطا، ثم مطمئنا. واتصلت بين هذه الفتاة وهذا الصبي مودة ساذجة ~~كانت حلوة ms049 في نفس الصبي لذيذة الموقع في قلبه، وكانت ثقيلة على نفس هذه الشيخة، وكان ~~المفتش يجهلها جهلا تاما. # وأخذ الصبي يذهب إلى دار المفتش قبل الميعاد ليظفر بساعة أو بعض ساعة يتحدث فيها ~~إلى هذه الفتاة، وأخذت الفتاة تنتظره، حتى إذا أقبل أخذته إلى غرفتها، فجلست وأجلسته ~~وتحدثا. وما هي إلا أن استحال الحديث إلى لعب - إلى لعب كلعب الصبيان لا أكثر ولا ~~أقل - ولكنه كان لعبا لذيذا. وقص الصبي هذا كله على أمه، فضحكت ورثت # 5 # للفتاة قائلة لأخت الصبي: طفلة زوجت من هذا الشيخ لا تعرف أحدا ولا ~~يعرفها أحد، فهي ضيقة الصدر في حاجة إلى اللهو والعبث. # ومن ذلك اليوم سعت أم الصبي في التعرف إلى هذه الفتاة، ودعتها إلى البيت وإلى أن ~~تكثر التردد عليها. # | الفصل الثامن عشر # وكذلك اتصلت أيام الصبي بين البيت والكتاب والمحكمة والمسجد وبيت المفتش ومجالس ~~العلماء وحلقات الذكر، لا هي بالحلوة ولا هي بالمرة، ولكنها تحلو حينا وتمر ~~حينا آخر، وتمضي فيما بين ذلك فاترة سخيفة. حتى كان يوم من الأيام ذاق الصبي فيه ~~الألم حقا، وعرف منذ ذلك أن تلك الآلام التي كان يشقى بها ويكره من أجلها الحياة لم ~~تكن شيئا، وأن الدهر قادر على أن يؤلم الناس ويؤذيهم، ويحبب إليهم الحياة ويهون من ~~أمرها على نفوسهم في وقت واحد. كانت للصبي أخت هي صغرى أبناء الأسرة، كانت في ~~الرابعة من عمرها، كانت خفيفة الروح طلقة الوجه فصيحة اللسان عذبة الحديث قوية الخيال. ~~كانت لهو الأسرة كلها، كانت تخلو إلى نفسها ساعات طوالا في لهو وعبث؛ تجلس إلى ~~الحائط فتتحدث إليه كما تتحدث أمها إلى زائرتها، وتبعث في كل اللعب التي كانت بين ~~يديها روحا قويا وتسبغ عليها شخصية؛ فهذه اللعبة امرأة، وهذه اللعبة رجل، وهذه ~~اللعبة فتى، وهذه اللعبة فتاة، والطفلة بين هؤلاء الأشخاص جميعا تذهب وتجيء، وتصل ~~بينها الأحاديث مرة في لهو وعبث، وأخرى في غيظ وغضب، ومرة ثالثة في هدوء ~~واطمئنان، وكانت الأسرة كلها تجد لذة ms050 قوية في الاستماع إلى هذه الأحاديث والنظر ~~إلى هذه الألوان من اللعب دون أن ترى الطفلة، أو تستمع، أو تحس أن أحدا ~~يرقبها. # فما هي إلا أن أقبلت بوادر عيد الأضحى في سنة من السنين، وأخذت أم الصبي تستعد ~~لهذا العيد؛ تهيئ له الدار وتعد له الخبز وألوان الفطير. وأخذ إخوة الصبي يستعدون ~~لهذا العيد؛ يختلف كبارهم إلى الخياط حينا، وإلى الحذاء حينا آخر، ويلهو صغارهم ~~بهذه الحركة الطارئة على الدار، فينظر صبينا إلى أولئك وهؤلاء في شيء من الفلسفة كان قد ~~تعوده؛ فلم يكن في حاجة إلى أن يختلف إلى خياط أو حذاء، وما كان ميالا إلى اللهو ~~بمثل هذه الحركات الطارئة ، وإنما كان يخلو إلى نفسه ويعيش في عالم من الخيال يستمده من ~~هذه القصص والكتب المختلفة التي كان يقرؤها فيسرف في قراءتها. # أقبلت بوادر هذا العيد، وأصبحت الطفلة ذات يوم في شيء من الفتور والهمود لم يكد يلتفت ~~إليه أحد. والأطفال في القرى ومدن الأقاليم معرضون لهذا النوع من الإهمال، ولا سيما ~~إذا كانت الأسرة كثيرة العدد، وربة البيت كثيرة العمل. ولنساء القرى ومدن الأقاليم ~~فلسفة آثمة وعلم ليس أقل منها إثما، يشكو الطفل، وقلما تعني به أمه ... وأي طفل لا ~~يشكو! إنما هو يوم وليلة ثم يفيق ويبل، # 1 # فإن عنيت به أمه فهي تزدري الطبيب أو تجهله، وهي تعتمد على هذا العلم ~~الآثم؛ علم النساء وأشباه النساء. وعلى هذا النحو فقد صبينا عينيه؛ أصابه الرمد ~~فأهمل أياما، ثم دعي الحلاق فعالجه علاجا ذهب بعينيه. وعلى هذا النحو فقدت هذه ~~الطفلة الحياة؛ ظلت فاترة هامدة محمومة يوما ويوما ويوما، وهي ملقاة على فراشها في ~~ناحية من نواحي الدار، تعنى بها أمها أو أختها من حين إلى حين، تدفع إليها شيئا ~~من الغذاء، الله يعلم أكان جيدا أم رديئا؟ والحركة متصلة في البيت؛ يهيأ الخبز ~~والفطير في ناحية، وتنظف المنظرة وحجرة الاستقبال في ناحية أخرى، والصبيان في لهوهم ~~وعبثهم، والشبان في ثيابهم وأحذيتهم، والشيخ يغدو ويروح ويجلس ms051 إلى أصحابه آخر النهار ~~وأول الليل. # حتى إذا كان عصر اليوم الرابع وقف هذا كله فجأة، وقف وعرفت أم الصبي أن شبحا ~~مخيفا يحلق على هذه الدار، ولم يكن الموت قد دخل هذه الدار من قبل، ولم تكن هذه ~~الأم الحنون قد ذاقت لذع الألم الصحيح، نعم! كانت في عملها وإذا الطفلة تصيح ~~صياحا منكرا، فتدع أمها كل شيء وتسرع إليها، والصياح يتصل ويزداد، فتدع أخوات ~~الطفلة كل شيء ويسرعن إليها، والصياح يتصل ويشتد، والطفلة تتلوى وتضطرب بين ذراعي ~~أمها، فيدع الشيخ أصحابه ويسرع إليها، والصياح يتصل ويشتد، والطفلة ترتعد ارتعادا ~~منكرا ويتقبض وجهها ويتصبب العرق عليه، فينصرف الصبيان والشبان عما هم فيه من لهو ~~وحديث ويسرعون إليها، ولكن الصياح لا يزداد إلا شدة، وإذا هذه الأسرة كلها واجمة مبهوتة # 2 # محيطة بالطفلة لا تدري ماذا تصنع! ويتصل ذلك ساعة وساعة، فأما الشيخ ~~فقد أخذه الضعف الذي يأخذ الرجال في مثل هذه الحال، فينصرف مهمهما # 3 # بصلوات وآيات من القرآن يتوسل بها إلى الله، وأما الشبان والصبيان ~~فيتسللون في شيء من الوجوم لا يكادون ينسون ما كانوا فيه من لهو وحديث ولا يكادون ~~يستأنفونه، هم كذلك حيارى في الدار! وأمهم جالسة واجمة تحدق في ابنتها وتسقيها ~~ألوانا من الدواء لا أعرف ما هى، والصياح متصل مشتد، والاضطراب مستمر متزايد. # ما كنت أحسب أن في الأطفال - ولما يتجاوزوا الرابعة - قوة تعدل هذه القوة. وتأتي ~~ساعة العشاء وقد مدت المائدة، مدتها كبرى أخوات الصبي، وأقبل الشيخ وبنوه فجلسوا ~~إليها، ولكن صياح الطفلة متصل، فلا تمد يد إلى طعام، وإنما يتفرقون جميعا، وترفع ~~المائدة كما مدت، والطفلة تصيح وتضطرب، وأمها تحدق إليها حينا وتبسط يدها إلى السماء ~~حينا آخر، وقد كشفت عن رأسها وما كان من عادتها أن تفعل! ولكن أبواب السماء كانت قد ~~أغلقت في ذلك اليوم، فقد سبق القضاء بما لا بد منه، فيستطيع الشيخ أن يتلو القرآن، ~~وتستطيع هذه الأم أن تتضرع، ومن غريب الأمر أن أحدا من هؤلاء الناس ms052 جميعا لم يفكر في ~~الطبيب، وتقدم الليل وأخذ صياح الفتاة يهدأ، وأخذ صوتها يخفت، # 4 # وأخذ اضطرابها يخف، وخيل إلى هذه الأم التعسة أن قد سمع الله لها ~~ولزوجها، وأن قد أخذت الأزمة # 5 # تنحل. وفي الحق أن الأزمة كانت قد أخذت تنحل، وأن الله كان قد رأف ~~بهذه الطفلة، وأن خفوت الصوت وهدوء هذا الاضطراب كانا آيتي هذه الرأفة. تنظر الأم إلى ~~ابنتها فيخيل إليها أنها ستنام، ثم تنظر فإذا هدوء متصل لا صوت ولا حركة، وإنما هو نفس ~~خفيف شديد الخفة يتردد بين شفتين مفتحتين قليلا، ثم ينقطع هذا النفس وإذا الطفلة ~~قد فارقت الحياة. # ماذا كانت علتها؟ كيف ذهبت بحياتها هذه العلة؟ الله وحده يعلم هذا. # وهنا يرتفع صياح آخر ويتصل ويشتد، وهنا يظهر اضطراب آخر ويتصل ويشتد، ولكنه ليس صياح ~~الطفلة ولا اضطرابها، وإنما هو صياح هذه الأم وقد رأت الموت، واضطرابها وقد أحست الثكل. # 6 # وإذا الشبان والصبيان قد فزعوا إلى أمهم وسبقهم إليها الشيخ، وإذا هي في ~~جزع وهلع ينطق لسانها بألفاظ لا صلة بينها، ويقطع الدمع صوتها تقطيعا، وإذا هي تلطم ~~خديها في عنف متصل، وزوجها ماثل أمامها لا ينطق لسانه بحرف، وإنما تنهمر دموعه ~~انهمارا، وإذا الجارات والجيران قد سمعوا هذا الصياح فأقبلوا مسرعين. فأما الشيخ ~~فينصرف إلى الرجال يتقبل عزاءهم في قوة وجلد. وأما الشبان والصبيان فيتفرقون في الدار، ~~قد قست قلوب بعضهم فنام، ورقت قلوب بعضهم فسهر، وأما الأم ففيما هي فيه من جزع وهلع، ~~أمامها ابنتها هامدة جامدة، تولول # 7 # وتخمش وجهها وتصك صدرها، ومن حولها بناتها وجاراتها يصنعن صنيعها؛ يولولن ~~ويخمشن الوجوه ويصككن الصدور حتى ينقضي الليل كله. # وما أشد نكر هذه الساعة التي أقبل فيها بعض الناس واحتملوا الطفلة ومضوا بها إلى ~~حيث لا تعود! كان ذلك اليوم يوم الأضحى، وكانت الدار قد هيئت للعيد، وكانت الضحايا قد ~~أعدت، فيا له من يوم! ويا لها من ضحايا! ويا نكرها من ساعة حين عاد الشيخ إلى داره مع ms053 ~~الظهر وقد وارى ابنته في التراب! # منذ ذلك اليوم اتصلت الأواصر # 8 # بين الحزن وبين هذه الأسرة؛ فما هي إلا أشهر حتى فقد الشيخ أباه الهرم، وما ~~هي إلا أشهر أخرى حتى فقدت أم الصبي أمها الفانية. # 9 # وإنما هو حداد # 10 # متصل وألم يقفو # 11 # بعضه بعضا، منه اللاذع ومنه الهادئ، حتى كان هذا اليوم المنكر الذي لم ~~تعرف الأسرة يوما مثله، والذي طبع حياتها بطابع من الحزن لم يفارقها، والذي ابيض له ~~شعر الأبوين جميعا، والذي قضى على هذه الأم أن تلبس السواد إلى آخر أيامها، وألا ~~تذوق للفرح طعما، ولا تضحك إلا بكت إثر ضحكها، ولا تنام حتى تريق بعض الدموع، ~~ولا تفيق من نومها حتى تريق دموعا أخرى، # 12 # ولا تطعم فاكهة حتى تطعم منها الفقراء والصبيان، ولا تبتسم لعيد، ~~ولا تستقبل يوم سرور إلا وهي كارهة راغمة. # كان هذا اليوم يوم 21 أغسطس من سنة 1902، وكان الصيف منكرا في هذه السنة، وكان ~~وباء الكوليرا قد هبط إلى مصر ففتك بأهلها فتكا ذريعا، # 13 # ودمر مدنا وقرى، ومحا أسرا كاملة. وكان «سيدنا» قد أكثر من الحجب ~~وكتابة المخلفات، وكانت المدارس والكتاتيب قد أقفلت، وكان الأطباء ورسل مصلحة ~~الصحة قد انبثوا # 14 # في الأرض ومعهم أدواتهم وخيامهم يحجزون فيها المرضى، وكان الهلع قد ملأ ~~النفوس واستأثر بالقلوب، وكانت الحياة قد هانت على الناس، وكانت كل أسرة تتحدث بما أصاب ~~الأسر الأخرى وتنتظر حظها من المصيبة. وكانت أم الصبي في هلع مستمر، وكانت تسأل ~~نفسها ألف مرة في كل يوم بمن تنزل النازلة من أبنائها وبناتها! وكان لها ابن في ~~الثامنة عشرة جميل المنظر رائع الطلعة، نجيب ذكي القلب، وكان أنجب الأسرة ~~وأذكاها وأرقها قلبا، وأصفاها طبعا، وأبرها بأمه، وأرأفها بأبيه، وأرفقها ~~بصغار إخوته وأخواته، وكان مبتهجا دائما، وكان قد ظفر بشهادة «البكالوريا» وانتسب ~~إلى مدرسة الطب، وأخذ ينتظر آخر الصيف ليذهب إلى القاهرة، فلما كان هذا الوباء، اتصل ~~بطبيب المدينة وأخذ يرافقه، ويقول: إنه يتمرن على صناعته، ms054 حتى كان يوم 21 أغسطس. # أقبل الشاب آخر هذا اليوم كعادته باسما، فلاطف أمه وداعبها وهدأ من روعها، وقال: ~~لم تصب المدينة اليوم بأكثر من عشرين إصابة، وقد أخذت وطأة الوباء تخف. ولكنه مع ذلك ~~شكا من بعض الغثيان، # 15 # وخرج إلى أبيه فجلس إليه وحدثه كعادته، ثم ذهب إلى أصحابه فرافقهم إلى حيث ~~كان يذهب معهم في كل يوم عند شاطئ الإبراهيمية. فلما كان أول الليل عاد وقضى ساعة في ~~ضحك وعبث مع إخوته، وفي هذه الليلة زعم لأهل البيت جميعا أن في أكل الثوم وقاية من ~~الكوليرا، وأكل الثوم وأخذ كبار إخوته وصغارهم بالأكل منه، وحاول أن يقنع أبويه ~~بذلك فلم يوفق. # وكانت الدار هادئة مغرقة في النوم كبارها وصغارها وحيوانها عندما انتصف ~~الليل، ولكن صيحة غريبة ملأت هذا الجو الهادئ، فهب # 16 # لها القوم جميعا. فأما الشيخ وزوجته فكانا في هذا الدهليز المنبسط الذي ~~تظله السماء يدعوان ابنهما باسمه. وأما الشبان من أهل الدار فكانوا يثبون من فراشهم ~~مسرعين إلى حيث الصوت. وأما الصبيان فكانوا يجلسون يحكون أعينهم بأيديهم يحاولون ~~أن يتبينوا في شيء من الهلع من أين يأتي الصوت وماذا كانت الحركة الغريبة؟! # وكان مصدر هذا كله صوت هذا الفتى وهو يعالج القيء. وكان الفتى قضى ساعة أو ساعتين ~~يخرج من الحجرة على أطراف قدميه ويمضي إلى الخلاء ليقيء مجتهدا ألا يوقظ أحدا، حتى ~~إذا بلغت العلة منه أقصاها لم يملك نفسه ولم يستطع أن يقيء في لطف، فسمع أبواه هذه ~~الحشرجة ففزعا لها، وفزع معهما أهل الدار جميعا. # إذن فقد أصيب الشاب، ووجد الوباء طريقه إلى الدار، وعرفت أم الفتى بأي أبنائها ~~تنزل النازلة. لقد كان الشيخ في تلك الليلة خليقا بالإعجاب حقا، كان هادئا رزينا ~~مروعا مع ذلك، ولكنه يملك نفسه، وكان في صوته شيء يدل على أن قلبه مفطور، وعلى أنه مع ~~ذلك جلد مستعد لاحتمال النازلة. آوى ابنه إلى حجرته، وأمر بالفصل بينه وبين بقية ~~إخوته، وخرج مسرعا فدعا جارين من جيرانه، ms055 وما هي إلا ساعة حتى عاد ومعه الطبيب. # وفي أثناء ذلك كانت أم الفتى مروعة جلدة مؤمنة تعنى بابنها، حتى إذا أمهله ~~القيء خرجت إلى الدهليز فرفعت يدها ووجهها إلى السماء، وفنيت في الدعاء والصلاة، حتى ~~تسمع حشرجة القيء فتسرع إلى ابنها تسنده إلى صدرها وتأخذ رأسه بين يديها، ولسانها مع ~~ذلك لا يكف عن الدعاء والابتهال. # ولم تستطع أن تحول بين الصبيان والشبان وبين المريض، فملئوا عليه الحجرة وأحاطوا به ~~واجمين، وهو يداعب أمه كلما أمهله القيء، ويعبث مع صغار إخوته، حتى إذا جاء الطبيب ~~فوصف ما وصف وأمر بما أمر وانصرف على أن يعود مع الصبح. لزمت أم الفتى حجرة ابنها، ~~وجلس الشيخ قريبا من هذه الحجرة واجما لا يدعو ولا يصلي ولا يجيب أحدا من الذين ~~كانوا يتحدثون إليه. # وأقبل الصبح بعد لأي، وأخذ الفتى يشكو ألما في ساقيه، وأقبلت إليه أخواته ~~يدلكن له ساقيه، وهو يشكو صائحا مرة كاتما ألمه، ومرة أخرى القيء يجهده ~~ويخلع في الوقت نفسه قلب أبويه. وقضت الأسرة كلها صباحا لم تقض مثله قط؛ صباحا ~~واجما مظلما فيه شيء مفزع مروع. فأما خارج الدار فكان يزدحم بالناس، ~~أقبلوا إلى الشيخ يواسونه. وأما داخل الدار فكان يزدحم بالنساء أقبلن يواسين أم ~~الفتى. وكان الشيخ وزوجه عن أولئك وهؤلاء في شغل، وكان الطبيب يتردد بين ساعة وساعة، ~~وكان الفتى قد طلب أن يبرق إلى أخيه الأزهري في القاهرة وإلى عمه في أعلى الإقليم، ~~وكان يطلب الساعة من حين إلى حين ينظر فيها كأنه يتعجل الوقت، وكأنه يشفق أن يموت دون ~~أن يرى أخاه الشاب وعمه الشيخ، يا لها من ساعة منكرة، هذه الساعة الثالثة من ~~الخميس 21 أغسطس سنة 1902! # انصرف الطبيب من الحجرة يائسا، وكأنه قد أسر إلى رجلين من أقرب أصحاب الشيخ إليه ~~بأن الفتى يحتضر، # 17 # فأقبل الرجلان حتى دخلا الحجرة على الفتى ومعه أمه، ظهرت في هذا اليوم لأول ~~مرة في حياتها أمام الرجال. # والفتى في سريره يتضور؛ # 18 # يقف ثم ms056 يلقي بنفسه، ثم يجلس ثم يطلب الساعة، ثم يعالج القيء، وأمه ~~واجمة، والرجلان يواسيانه وهو يجيبهما: لست خيرا من النبي، أليس النبي قد مات! ~~ويدعو أباه يريد أن يواسيه فلا يجيبه الشيخ، وهو يقوم ويقعد ويلقي نفسه في السرير مرة ~~ومن دون السرير مرة أخرى، وصبينا منزو في ناحية من هذه الحجرة، واجم كئيب دهش ~~يمزق الحزن قلبه تمزيقا. # ثم ألقى الفتى نفسه على السرير وعجز عن الحركة، وأخذ يئن أنينا يخفت من حين إلى ~~حين، وكان صوت هذا الأنين يبعد شيئا فشيئا، وإن الصبي لينسى كل شيء قبل أن ~~ينسى هذه الأنة الأخيرة التي أرسلها الفتى نحيلة ضئيلة طويلة ثم سكت. في هذه اللحظة ~~نهضت أم الفتى وقد انتهى صبرها ووهى # 19 # جلدها، فلم تكد تقف حتى هوت # 20 # أو كادت، وأسندها الرجلان، فتمالكت نفسها وخرجت من الحجرة مطرقة ساعية في ~~هدوء، حتى إذا جاوزتها انبعثت من صدرها شكاة، لا يذكرها الصبي إلا انخلع لها قلبه ~~انخلاعا. واضطرب الفتى قليلا، ومرت في جسمه رعدة تبعها سكوت الموت. وأقبل الرجلان ~~إليه فهيآه وعصباه وألقيا على وجهه لثاما، وخرجا إلى الشيخ، ثم ذكر أن ~~الصبي منزو في ناحية من نواحي الحجرة، فعاد أحدهما إليه فجذبه جذبا وهو ذاهل، ~~حتى انتهى به إلى مكان بين الناس فوضعه فيه كما يوضع الشيء. # وما هي إلا ساعة أو بعض ساعة حتى هيئ الفتى للدفن وخرج الرجال به على ~~أعناقهم. # فيا للقضاء! ما كادوا يبلغون به باب الدار حتى كان أول من لقي النعش هذا العم ~~الشيخ الذي كان الفتى يتمهل الموت دقائق ليراه. # من ذلك اليوم استقر الحزن العميق في هذا الدار، وأصبح إظهار الابتهاج أو السرور ~~بأي حادث من الحوادث شيئا ينبغي أن يتجنبه الشبان والأطفال جميعا. # من ذلك اليوم تعود الشيخ ألا يجلس إلى غدائه ولا إلى عشائه حتى يذكر ابنه ~~ويبكيه ساعة أو بعض ساعة، وأمامه امرأته تعينه على البكاء، ومن حوله أبناؤه وبناته ~~يحاولون تعزية هذين الأبوين فلا يبلغون منهما ms057 شيئا، فيجهشون جميعا بالبكاء. # 21 # من ذلك اليوم تعودت هذه الأسرة أن تعبر النيل إلى مقر الموتى من حين إلى حين، وكانت ~~من قبل ذلك تعيب الذين يزورون الموتى. # ومن ذلك اليوم تغيرت نفسية صبينا تغيرا تاما ... عرف الله حقا، وحرص على أن ~~يتقرب إليه بكل ألوان التقرب؛ بالصدقة حينا، وبالصلاة حينا آخر، وبتلاوة القرآن ~~مرة ثالثة، ولقد شهد الله ما كان يدفعه إلى ذلك خوف ولا إشفاق ولا إيثار للحياة، ولكنه ~~كان يعلم أن أخاه الشاب كان من أبناء المدارس، وكان يقصر في أداء واجباته الدينية؛ ~~فكان الصبي يأتي ما يأتي من ضروب العبادة يريد أن يحط عن أخيه بعض السيئات. كان ~~أخوه في الثامنة عشرة من عمره، وكان الصبي قد سمع من الشيوخ أن الصلاة والصوم فرض ~~على الإنسان متى بلغ الخامسة عشرة، فقدر الصبي في نفسه أن أخاه مدين لله بالصوم ~~والصلاة ثلاثة أعوام كاملة، وفرض الصبي على نفسه ليصلين الخمس في كل يوم مرتين: ~~مرة لنفسه ومرة لأخيه، وليصومن من السنة شهرين: شهرا لنفسه وشهرا لأخيه، ~~وليكتمن ذلك عن أهله جميعا، وليجعلن ذلك عهدا بينه وبين الله خاصة، وليطعمن ~~فقيرا أو يتيما مما تصل إليه يده من طعام أو فاكهة قبل أن يأخذ بحظه منه. وشهد الله ~~لقد وفى الصبي بهذا العهد أشهرا، وما غير سيرته هذه إلا حين ذهب إلى ~~الأزهر. # من ذلك اليوم عرف الصبي أرق الليل؛ فكم أنفق سواد الليل كاملا يفكر في أخيه أو ~~يقرأ سورة الإخلاص آلاف المرات، ثم يهب ذلك كله لأخيه، أو ينظم شعرا على نحو هذا ~~الشعر الذي كان يقرؤه في كتب القصص يذكر فيه حزنه وألمه لفقد أخيه، معنيا بألا ~~يفرغ من قصيدة حتى يصلي في آخرها على النبي، واهبا ثواب هذه الصلاة لأخيه. # نعم! ومن ذلك اليوم عرف الصبي الأحلام المروعة؛ فقد كانت علة أخيه تتمثل له في ~~كل ليلة. واستمرت الحال كذلك أعواما، ثم تقدمت به السن، وعمل فيه الأزهر عمله، فأخذت ~~علة أخيه تتمثل ms058 له من حين إلى حين. وأصبح فتى ورجلا، وتقلبت به أطوار الحياة، ~~وإنه لعلى ما هو عليه من وفاء لهذا الأخ، يذكره ويراه فيما يرى النائم مرة في ~~الأسبوع على أقل تقدير. # ولقد تعزى عن هذا الفتى إخوته وأخواته، ونسيه من نسيه من أصحابه وأترابه، وأخذت ~~ذكراه لا تزور أباه الشيخ إلا لماما، ولكن اثنين يذكرانه دائما، وسيذكرانه أبدا ~~أول الليل من كل يوم، هما: أمه وهذا الصبي. # | الفصل التاسع عشر # «أما في هذه المرة فستذهب إلى القاهرة مع أخيك، وستصبح مجاورا، وستجتهد في طلب ~~العلم. وأنا أرجو أن أعيش حتى أرى أخاك قاضيا وأراك من علماء الأزهر، قد جلست إلى أحد ~~أعمدته ومن حولك حلقة واسعة بعيدة المدى.» # قال الشيخ ذلك لابنه آخر النهار في يوم من خريف سنة 1902، وسمع الصبي هذا الكلام فلم ~~يصدق ولم يكذب، ولكنه آثر # 1 # أن ينتظر تصديق الأيام أو تكذيبها له، فكثيرا ما قال له أبوه مثل هذا ~~الكلام، وكثيرا ما وعده أخوه الأزهري مثل هذا الوعد، ثم سافر الأزهري إلى القاهرة، ~~ولبث الصبي في المدينة يتردد بين البيت والكتاب والمحكمة ومجالس الشيوخ. # وفي الحق أنه لم يفهم لماذا صدق وعد أبيه في هذه السنة؛ فقد أخبر الصبي ذات يوم ~~أنه مسافر بعد أيام. وأقبل يوم الخميس، فإذا الصبي يرى نفسه يتأهب للسفر حقا، وإذا هو ~~يرى نفسه في المحطة ولما تشرق الشمس، وهو يرى نفسه جالسا القرفصاء منكس الرأس ~~كئيبا محزونا، ويسمع أكبر إخوته ينهره في لطف قائلا له: لاتنكس رأسك هكذا، ولا ~~تأخذ هذا الوجه الحزين فتحزن أخاك. ويسمع أباه يشجعه في لطف قائلا: ماذا يحزنك؟ ~~ألست رجلا؟ ألست قادرا على أن تفارق أمك؟ أم أنت تريد أن تلعب؟ ألم يكفك هذا اللعب ~~الطويل؟! # شهد الله ما كان الصبي حزينا لفراق أمه، وما كان الصبي حزينا لأنه لن يلعب، ~~إنما كان يذكر هذا الذي ينام هنالك من وراء النيل، كان يذكره، وكان يذكر أنه كثيرا ما ~~فكر في أنه سيكون معهما ms059 في القاهرة تلميذا في مدرسة الطب. كان يذكر هذا كله فيحزن، ~~ولكنه لم يقل شيئا ولم يظهر حزنا، وإنما تكلف الابتسام، ولو قد أرسل نفسه مع ~~طبيعتها لبكى ولأبكى من حوله أباه وأخويه. # وانطلق القطار ومضت ساعات، ورأى صاحبنا نفسه في القاهرة بين جماعة من المجاورين قد ~~أقبلوا إلى أخيه فحيوه، وأكلوا ما كان قد احتمله لهم من طعام. # انقضى هذا اليوم، وكان يوم الجمعة، وإذا الصبي يرى نفسه في الأزهر للصلاة، وإذا هو ~~يسمع الخطيب شيخا ضخم الصوت عاليه، فخم الراءات والقافات، لا فرق بينه وبين خطيب ~~المدينة إلا في هذا. فأما الخطبة فهي ما كان تعود أن يسمع في المدينة. وأما الحديث ~~فهو هو، وأما النعت فهو هو، وأما الصلاة فهي هي؛ ليست أطول من صلاة المدينة ولا ~~أقصر. # وعاد الصبي إلى بيته أو قل إلى حجرة أخيه، خائب الظن بعض الشيء، وسأله أخوه: مارأيك ~~في تجويد القرآن ودرس القراءات؟ قال الصبي: لست في حاجة إلى شيء من هذا؛ فأما ~~التجويد فأنا أتقنه، وأما القراءات فلست في حاجة إليها، وهل درست أنت القراءات؟ أليس ~~يكفيني أن أكون مثلك؟ إنما أنا في حاجة إلى العلم، أريد أن أدرس الفقه والنحو والمنطق ~~والتوحيد. # قال أخوه: حسبك! يكفي أن تدرس الفقه والنحو في هذه السنة. # وكان يوم السبت، فاستيقظ الصبي مع الفجر، وتوضأ وصلى، ونهض أخوه فتوضأ وصلى ~~كذلك، ثم قال له: ستذهب معي الآن إلى مسجد كذا، وستحضر درسا ليس لك وإنما هو لي، حتى ~~إذا فرغنا من هذا الدرس ذهبت بك إلى الأزهر، فالتمست لك شيخا من أصحابنا تختلف إليه ~~وتأخذ عنه مبادئ العلم. قال الصبي: وما هذا الدرس الذي سأحضره؟ قال أخوه ضاحكا: هو ~~درس الفقه وهو: «ابن عابدين على الدر»، قال ذلك يملأ به فمه. قال الصبي: ومن الشيخ؟ ~~قال أخوه: هو الشيخ ... وكان الصبي قد سمع اسم الشيخ ... ألف مرة ومرة، فقد كان أبوه ~~يذكر هذا الاسم، ويفتخر بأنه عرف الشيخ حين كان قاضيا للإقليم، وكانت ms060 أمه تذكر هذا ~~الاسم، وتذكر أنها عرفت امرأته فتاة هوجاء جلفة، تتكلف زي أهل المدينة وما هي من ~~زي أهل المدن في شيء. وكان أبو الصبي يسأل ابنه الأزهري كلما عاد من القاهرة عن ~~الشيخ ودروسه وعدد طلابه، وكان ابنه الأزهري يحدثه عن الشيخ ومكانته في المحكمة ~~العليا وحلقته التي تعد بالمئات. وكان أبو الصبي يلح على ابنه الأزهري في أن يقرأ ~~كما كان يقرأ الشيخ، فيحاول الفتى تقليده، فيضحك أبوه في إعجاب وإكبار. وكان أبو الصبي ~~يسأل ابنه: أيعرفك الشيخ؟ فيجيب الفتى: وكيف لا! وأنا ورفاقي من أخص تلاميذه وآثرهم # 2 # عنده! نحضر درسه العام ثم نحضر عليه درسا خاصا في بيته، وكثيرا ما ~~نتغدى لنعمل معه بعد ذلك في كتبه الكثيرة التي يؤلفها. ثم يمضي الفتى في وصف بيت الشيخ ~~وحجرة استقباله ودار كتبه، وأبوه يسمع ذلك معجبا، حتى إذا خرج إلى أصحابه قص عليهم ~~ما سمع من ابنه في شيء من التيه والفخار. # كان الصبي إذن يعرف الشيخ، وكان سعيدا بالذهاب إلى حلقته والاستماع له، وكم كان ~~مبتهجا حين خلع نعليه عند باب المسجد ومشى على الحصير ثم على الرخام ثم على هذا البساط ~~الرقيق الذي فرش به المسجد، وكم كان سعيدا حين أخذ مكانه في الحلقة على هذا البساط ~~إلى جانب عمود من الرخام، لمسه فأحب ملاسته ونعومته، وأطال التفكير في قول أبيه: «إني ~~لأرجو أن أعيش حتى أرى أخاك قاضيا وأراك صاحب عمود في الأزهر.» وفيما هو يفكر في هذا ~~ويتمنى أن يمس أعمدة الأزهر ليرى أهي كأعمدة هذا المسجد، وللطلاب من حوله دوي ~~غريب، أحس أن هذا الدوي يخفت ثم ينقطع، وغمزه أخوه بيده قائلا في صوت خافت: لقد ~~أقبل الشيخ. اجتمعت شخصية الصبي كلها حينئذ في أذنيه وأنصت، ماذا يسمع؟ يسمع صوتا ~~خافتا هادئا رزينا ملؤه شيء؛ قل: إنه الكبر، أو قل: إنه الجلال، أو قل: إنه ما شئت، ~~ولكنه شيء غريب لم يحبه الصبي، ولبث الصبي دقائق لا يميز مما يقول الشيخ ms061 حرفا، حتى ~~إذا تعودت أذناه صوت الشيخ وصدى المكان سمع وتبين وفهم، وقد أقسم لي بعد ذلك أنه ~~احتقر العلم منذ ذلك اليوم؛ سمع الشيخ يقول: «ولو قال لها أنت طلاق أو أنت ظلام ~~أو أنت طلال أو أنت طلاة، وقع الطلاق ولا عبرة بتغيير اللفظ.» يقول ذلك متغنيا ~~به مرتلا له ترتيلا في صوت لا يخلو من حشرجة، ولكن صاحبه يحتال أن يجعله عذبا. ثم ~~يختم هذا الغناء بهذه الكلمة التي أعادها طوال الدرس: «فاهم يا أدع!» وأخذ الصبي ~~يسأل نفسه عن «الأدع» هذا ما هو؟ حتى إذا انصرف عن الدرس سأل أخاه: ما الأدع؟ فقهقه ~~أخوه وقال: الأدع؛ الجدع في لغة الشيخ. # ومضى به أخوه بعد ذلك إلى الأزهر، فقدمه إلى أستاذه الذي علمه مبادئ الفقه والنحو ~~سنة كاملة. # | الفصل العشرون # إنك يا ابنتي لساذجة سليمة القلب طيبة النفس، أنت في التاسعة من عمرك، في هذه السن ~~التي يعجب فيها الأطفال بآبائهم وأمهاتهم، ويتخذونهم مثلا عليا في الحياة: يتأثرونهم # 1 # في القول والعمل، ويحاولون أن يكونوا مثلهم في كل شيء، ويفاخرون بهم إذا ~~تحدثوا إلى أقرانهم أثناء اللعب، ويخيل إليهم أنهم كانوا أثناء طفولتهم كما هم الآن ~~مثلا عليا يصلحون أن يكونوا قدوة حسنة وأسوة صالحة. # أليس الأمر كما أقول؟ ألست ترين أن أباك خير الرجال وأكرمهم؟ ألست ترين أنه قد كان ~~كذلك خير الأطفال وأنبلهم؟ ألست مقتنعة أنه كان يعيش كما تعيشين أو خيرا مما تعيشين؟ ~~ألست تحبين أن تعيشي الآن كما كان يعيش أبوك حين كان في الثامنة من عمره؟ ومع ذلك فإن ~~أباك يبذل من الجهد ما يملك وما لا يملك، ويتكلف من المشقة ما يطيق وما لا يطيق، ~~ليجنبك حياته حين كان صبيا. # لقد عرفته يا ابنتي في هذا الطور من أطوار حياته، ولو أني حدثتك بما كان عليه ~~حينئذ لكذبت كثيرا من ظنك، ولخيبت كثيرا من أملك، ولفتحت إلى قلبك الساذج ونفسك ~~الحلوة بابا من أبواب الحزن، حرام أن يفتح إليهما وأنت في ms062 هذا الطور اللذيذ من الحياة، ~~ولكني لن أحدثك بشيء مما كان عليه أبوك في ذلك الطور الآن، لن أحدثك بشيء من هذا حتى ~~تتقدم بك السن قليلا فتستطيعين أن تقرئى وتفهمي وتحكمي، ويومئذ تستطيعين أن تعرفي ~~أن أباك أحبك حقا، وجد في إسعادك حقا، ووفق بعض التوفيق لأن يجنبك ~~طفولته وصباه. # نعم يا ابنتي! لقد عرفت أباك في هذا الطور من حياته، وإني لأعرف أن في قلبك رقة ~~ولينا، وإني لأخشى لو حدثتك بما عرفت من أمر أبيك حينئذ أن يملكك الإشفاق وتأخذك ~~الرأفة فتجهشي بالبكاء. # لقد رأيتك ذات يوم جالسة على حجر أبيك وهو يقص عليك قصة «أوديب ملكا»، وقد خرج ~~من قصره بعد أن فقأ عينيه لا يدري كيف يسير، وأقبلت ابنته «أنتيجون» فقادته وأرشدته، ~~رأيتك ذلك اليوم تسمعين هذه القصة مبتهجة من أولها، ثم أخذ لونك يتغير قليلا قليلا، ~~وأخذت جبهتك السمحة تربد # 2 # شيئا فشيئا، وما هي إلا أن أجهشت بالبكاء وانكببت على أبيك لثما ~~وتقبيلا، وأقبلت أمك فانتزعتك من بين ذراعيه، وما زالت بك حتى هدأ روعك، وفهمت ~~أمك وفهم أبوك وفهمت أنا أيضا أنك إنما بكيت؛ لأنك رأيت أوديب الملك كأبيك مكفوفا ~~لا يبصر ولا يستطيع أن يهتدي وحده، فبكيت لأبيك كما بكيت «لأوديب». # نعم! وإني لأعرف أن فيك عبث الأطفال وميلهم إلى اللهو والضحك وشيئا من قسوتهم، ~~وإني لأخشى يا ابنتي إن حدثتك بما كان عليه أبوك في بعض أطوار صباه أن تضحكي منه ~~قاسية لاهية، وما أحب أن يضحك طفل من أبيه، وما أحب أن يلهو به أو يقسو عليه، ومع ذلك ~~فقد عرفت أباك في طور من أطوار حياته أستطيع أن أحدثك به دون أن أثير في نفسك حزنا، ~~ودون أن أغريك بالضحك أو اللهو. # عرفته في الثالثة عشرة من عمره حين أرسل إلى القاهرة ليختلف إلى دروس العلم في ~~الأزهر، إن كان في ذلك الوقت لصبي جد وعمل، # 3 # كان نحيفا شاحب اللون مهمل الزي أقرب إلى الفقر منه إلى ms063 الغنى، تقتحمه # 4 # العين اقتحاما في عباءته القذرة وطاقيته التي استحال بياضها إلى سواد ~~قاتم، وفي هذا القميص الذي يبين من تحت عباءته وقد اتخذ ألوانا مختلفة من كثرة ما ~~سقط عليه من الطعام، ومن نعليه الباليتين المرقعتين، تقتحمه العين في هذا كله، ولكنها ~~تبتسم له حين تراه على ما هو عليه من حال رثة # 5 # وبصر مكفوف، واضح الجبين مبتسم الثغر مسرعا مع قائده إلى الأزهر، لا ~~تختلف خطاه ولا يتردد في مشيته، ولا تظهر على وجهه هذه الظلمة التي تغشى # 6 # عادة وجوه المكفوفين، تقتحمه العين ولكنها تبتسم له وتلحظه في شيء من ~~الرفق، حين تراه في حلقة الدرس مصغيا # 7 # كله إلى الشيخ يلتهم كلامه التهاما، مبتسما مع ذلك لا متألما ولا متبرما # 8 # ولا مظهرا ميلا إلى لهو، على حين يلهو الصبيان من حوله أو يشرئبون # 9 # إلى اللهو، عرفته يا ابنتي في هذا الطور، وكم أحب لو تعرفينه كما عرفته، ~~إذن تقدرين ما بينك وبينه من فرق. ولكن أنى لك هذا وأنت في التاسعة من عمرك ترين ~~الحياة كلها نعيما وصفوا! # عرفته ينفق اليوم والأسبوع والشهر والسنة لا يأكل إلا لونا واحدا، يأخذ منه حظه ~~في الصباح، ويأخذ منه حظه في المساء، لا شاكيا ولا متبرما ولا متجلدا، ولا مفكرا في ~~أن حاله خليقة بالشكوى. ولو أخذت يا ابنتي من هذا اللون حظا قليلا في يوم واحد لأشفقت ~~أمك ولقدمت إليك قدحا من الماء المعدني، ولانتظرت أن تدعو الطبيب. # لقد كان أبوك ينفق الأسبوع والشهر لا يعيش إلا على خبز الأزهر، وويل للأزهريين من ~~خبز الأزهر! إن كانوا # 10 # ليجدون فيه ضروبا من القش وألوانا من الحصى وفنونا من الحشرات. # وكان ينفق الأسبوع والشهر والأشهر لا يغمس هذا الخبز إلا في العسل الأسود، وأنت لا ~~تعرفين العسل الأسود، وخير لك ألا تعرفيه. # كذلك كان يعيش أبوك جادا مبتسما للحياة والدروس، محروما لا يكاد يشعر بالحرمان، ~~حتى إذا انقضت السنة وعاد إلى أبويه، وأقبلا عليه يسألانه ms064 كيف يأكل؟ وكيف يعيش؟ أخذ ~~ينظم لهما الأكاذيب كما تعود أن ينظم لك القصص، فيحدثهما بحياة كلها رغد ونعيم، ~~وما كان يدفعه إلى هذا الكذب حب الكذب؛ إنما كان يرفق بهذين الشيخين ويكره أن ينبئهما ~~بما هو فيه من حرمان. وكان يرفق بأخيه الأزهري، ويكره أن يعلم أبواه أنه يستأثر دونه ~~بقليل من اللبن، كذلك كانت حياة أبيك في الثالثة عشرة من عمره. # فإن سألتني كيف انتهى إلى حيث هو الآن؟ وكيف أصبح شكله مقبولا لا تقتحمه العين ولا ~~تزدريه؟ وكيف استطاع أن يهيئ لك ولأخيك ما أنتما فيه من حياة راضية؟ وكيف استطاع أن ~~يثير في نفوس كثير من الناس ما يثير من حسد وحقد وضغينة، وأن يثير في نفوس ناس آخرين ~~ما يثير من رضا عنه وإكرام له وتشجيع؟ إن سألت كيف انتقل من تلك الحال إلى هذه الحال، ~~فلست أستطيع أن أجيبك! وإنما هناك شخص آخر هو الذي يستطيع هذا الجواب، فسليه ~~ينبئك. # أتعرفينه؟ انظري إليه! هو هذا الملك القائم الذي يحنو على سريرك إذا أمسيت لتستقبلي ~~الليل في هدوء ونوم لذيذ، ويحنو على سريرك إذا أصبحت لتستقبلي النهار في سرور ~~وابتهاج، ألست مدينة لهذا الملك بما أنت فيه من هدوء الليل وبهجة النهار؟! # لقد حنا يا ابنتي هذا الملك على أبيك، فبدله من البؤس نعيما، ومن اليأس ~~أملا، ومن الفقر غنى، ومن الشقاء سعادة وصفوا. # ليس دين أبيك لهذا الملك بأقل من دينك، فلتتعاونا يا ابنتي على أداء هذا ~~الدين؛ وما أنتما ببالغين من ذلك بعض ما تريدان. # | الجزء الثاني # | الفصل الأول # أقام في القاهرة أسبوعين أو أكثر من أسبوعين، لا يعرف من أمره إلا أنه ترك الريف ~~وانتقل إلى العاصمة؛ ليطيل فيها المقام طالبا للعلم مختلفا إلى مجالس الدرس في ~~الأزهر، وإلا أنه يقضي يومه في أحد هذه الأطوار الثلاثة التي يتخيلها ولا ~~يحققها. # فهو يسكن بيتا غريبا يسلك إليه طريقا غريبة أيضا، ينحرف إليها نحو اليمين إذا عاد ~~من الأزهر، فيدخل من باب يفتح ms065 أثناء النهار ويغلق في الليل، وتفتح في وسطه فجوة ضيقة ~~بعد أن تصلى العشاء، فإذا تجاوز هذا الباب أحس عن يمينه حرا خفيفا يبلغ صفحة وجهه ~~اليمين، ودخانا خفيفا يداعب خياشيمه، وأحس من شماله صوتا غريبا يبلغ سمعه ويثير في ~~نفسه شيئا من العجب. # وقد ظل أياما يسمع هذا الصوت إذا عاد من الأزهر مصبحا وإذا عاد منه ممسيا، يسمعه ~~وينكره، ويستحيي أن يسأل عنه، ثم فهم من بعض الحديث أنه قرقرة الشيشة يدخنها بعض ~~تجار الحي، ويهيئها صاحب القهوة التي كان ينبعث منها ذلك الحر الخفيف وذلك الدخان ~~الرقيق. فإذا مضى أمامه خطوات وجاوز ذلك المكان الرطب المسقوف الذي لم تكن تستقر فيه ~~القدم لكثرة ما كان يصب فيه صاحب القهوة من الماء، خرج إلى طريق مكشوفة، ولكنها ضيقة ~~قذرة تنبعث منها روائح غريبة معقدة لا يكاد صاحبنا يحققها، تنبعث هادئة بغيضة في أول ~~النهار وحين يقبل الليل ، وتنبعث شديدة عنيفة حين يتقدم النهار ويشتد حر الشمس. # وكان صاحبنا يمضي أمامه في هذه الطريق الضيقة، وقلما كانت تستقيم له هذه الطريق، وما ~~أكثر ما كان صاحبه ينحرف به ذات اليمين أو ذات الشمال ليجنبه عقبة قائمة هنا أو هناك! ~~فكان يسعى حينئذ مستعرضا قد أدار وجهه نحو هذا البناء عن يمين أو ذلك البناء عن شمال، ~~حتى إذا جاوز هذه العقبة استقل الطريق كما بدأها ساعيا أمامه في خطى رفيقة قلقة، ~~تأخذ أنفه تلك الروائح المنكرة، وتأخذ أذنيه أصوات مختلطة مصطخبة تنحدر من عل وتصعد من ~~أسفل، وتنبعث من يمين وتنبعث من شمال وتلتقي كلها في الجو؛ فكأنما كانت تنعقد فتؤلف من ~~فوق رأس الصبي سحابا رقيقا ولكنه متراكم قد غشى بعضه بعضا. # وكانت هذه الأصوات مختلفة أشد الاختلاف: أصوات النساء يختصمن، وأصوات الرجال يتنادون ~~في عنف ويتحدثون في رفق، وأصوات الأثقال تحط وتعتل، وصوت السقاء يتغنى ببيع ~~الماء، وصوت الحوذي يزجر حماره أو بغله أو فرسه، وصوت العربة تئز عجلاتها أزا، ~~وربما شق هذا السحاب من الأصوات نهيق ms066 حمار أو صهيل فرس. # وكان صاحبنا يمضي بين هذا كله مشرد النفس قد غفل أو كاد يغفل عن كل أمره، حتى إذا ~~بلغ من هذه الطريق مكانا بعينه سمع أحاديث مختلطة تأتيه من باب قد فتح عن شماله، فعرف ~~أنه سينحرف بعد خطوة أو خطوتين إلى الشمال ليصعد في السلم الذي سينتهي به إلى حيث يقيم. ~~وكان هذا السلم متوسطا ليس بشديد السعة ولا بشديد الضيق، قد اتخذ درجه من الحجر، ولكن ~~كثر التصعيد فيه والهبوط منه ولم يتعهد بالغسل ولا بالتنظيف، فتراكم عليه تراب ~~كثيف، ثم انعقد ولزم بعضه بعضا حتى استخفى الحجر استخفاء، وخيل إلى المصعد فيه ~~والهابط منه أنه إنما يتخذ سلما من الطين. # ومع أن الصبي كان كلفا بإحصاء الدرج كلما صعد في سلم أو هبط منه، فقد أقام ~~ما شاء الله له أن يقيم في ذلك المكان، وصعد في ذلك السلم وهبط منه ما شاء الله له أن ~~يصعد أو يهبط، ولم يخطر له قط أن يحصي درج هذا السلم، وإنما علم بعد أن اتخذه مرتين ~~أو مرات أنه إذا صعد منه درجات فلا بد من أن ينحرف قليلا نحو الشمال ليمضي في ~~التصعيد تاركا عن يمينه فجوة لم يلجها قط، ولكنه كان يعلم أنها كانت تؤدي إلى ~~الطبقة الأولى من ذلك البناء الذي أقام فيه أعواما طوالا. # كان يترك إذن عن يمينه مدخل تلك الطبقة من الطبقات التي لم يكن يسكنها طلاب العلم، ~~وإنما كان يسكنها أخلاط من العمال والباعة، ويمضي مصعدا حتى يبلغ الطبقة الثانية، فلا ~~يكاد يبلغها حتى تجد نفسه المكدودة شيئا من الراحة يأتيه من هذا الهواء الطلق الذي كان ~~يبيح له التنفس بعد أن كاد يختنق في ذلك السلم القذر، وتأتيه من صوت تلك الببغاء التي ~~كانت تصوت في غير انقطاع، كأنما تشهد الناس جميعا على ظلم صاحبها الفارسي الذي ~~سجنها في ذلك القفص البغيض، ليبيعها غدا أو بعد غد لرجل آخر يسجنها في قفص بغيض؛ ~~حتى إذا تخفف منها ms067 وقبض ثمنها نقدا اشترى بدلها خليفة تقوم في ذلك السجن مقامها ~~وتدعو فيه دعاءها وتنتظر فيه مثل ما كانت تنتظر صاحبتها؛ أن تنقل من يد إلى يد ومن ~~قفص إلى قفص، وأن ينتقل معها دعاؤها الحزين الذي يبتهج الناس به من مكان إلى ~~مكان. # كان صاحبنا إذا بلغ أعلى السلم استقبل الهواء الطلق بوجهه، ودعاه صوت الببغاء إلى أن ~~ينحرف نحو اليمين، فيفعل ويمضي في طريق ضيقة فيمر أمام بيتين يسكنهما رجلان من فارس: ~~أحدهما لا يزال شابا، والآخر قد تقدمت به السن، في أحدهما شراسة وغلظة وانقباض عن ~~الناس، وفي الآخر دعة ورقة وتبسط للناس. # ثم يبلغ الصبي بيته، فيدخل إلى غرفة هي أشبه بالدهليز، قد تجمعت فيها المرافق المادية ~~للبيت، وهي تنتهي به إلى غرفة أخرى واسعة غير مستقيمة قد تجمعت فيها المرافق العقلية ~~للبيت، وهي على ذلك غرفة النوم، وغرفة الطعام، وغرفة الحديث، وغرفة السمر، وغرفة ~~القراءة والدرس، فيها الكتب وفيها أدوات الشاي، وفيها بعض رقائق الطعام. وكان مجلس ~~الصبي من هذه الغرفة معروفا محدودا كمجلسه من كل غرفة سكنها واختلف إليها، كان مجلسه ~~عن شماله إذا دخل الغرفة، يمضي خطوة أو خطوتين فيجد حصيرا قد بسط على الأرض ألقي ~~عليه بساط قديم ولكنه قيم. هنالك يجلس أثناء النهار، وهنالك ينام أثناء الليل؛ تلقى ~~له وسادة يضع عليها رأسه ولحاف يلتف فيه. وكان يحاذي مجلسه من الغرفة مجلس أخيه ~~الشيخ، وهو أرقى في مجلسه قليلا أو كثيرا؛ حصير قد بسط على الأرض وألقي عليه بساط لا ~~بأس به، ثم ألقي على البساط فراش آخر من اللبد، ثم ألقي من فوق هذا الفراش حشية ~~طويلة عريضة من القطن، ثم بسطت من فوقها ملاءة. على هذه الحشية كان يجلس الفتى الشيخ ~~ويجلس معه أصفياؤه، ولم يكونوا يسندون ظهورهم إلى الحائط كما كان يفعل الصبي، وإنما ~~كانوا يسندونها إلى وسائد قد رصت على الحشية رصا؛ فإذا كان الليل استحال هذا ~~المجلس سريرا ينام عليه الفتى الشيخ. # | الفصل الثاني # لم يكن ms068 الصبي يعرف من بيئته القريبة أكثر من هذا. فأما الطور الثاني من أطواره ~~فقد كان اضطرابه في الطريق بين هذه البيئة وبين الأزهر. وكان يخرج من ذلك المكان ~~المسقوف، فيجد حر القهوة على صفحة وجهه من شمال، وتبلغ قرقرة الشيشة أذنه اليمنى، ~~فيستقبل حانوتا كان له في حياته أثر عظيم؛ حانوت الحاج فيروز الذي كان يبيع لأهل الحي ~~أكثر ما كانت تقوم عليه حياتهم من الغذاء: يبيع لهم ألوان الفول المدمس إذا أصبحوا. ~~وكان الفول عنده كما هو عند غيره ألوانا مختلفة، ولكنه كان يمتاز بإتقانه ويغالي ~~بثمنه؛ فقد كان يبيع الفول صرفا، وكان يبيعه بالزيت على اختلاف ألوانه، وكان يبيعه ~~بالسمن، وكان يبيعه بالزبد، وكان يضيف إليه عند الحاجة فنونا من التوابل ترغب فيه ~~وتغري به وتدفع طلاب العلم إلى أن يسرفوا على أنفسهم إذا طعموا منه، ثم يثقلون بعد ذلك ~~عن درس الضحى وينامون أثناء درس الظهر . # فإذا أقبل المساء فقد كان الحاج فيروز يبيع لأهل الحي طعامهم من الجبن والزيتون ~~والطحينة والعسل؛ وربما باع للمترفين منهم علب التونة والسردين، وربما باع لبعضهم حين ~~يتقدم الليل أشياء لم تكن تسمى ولم تكن تؤكل، وإنما كان يتحدث المتحدثون عنها ~~همسا ويتنافسون فيها تنافسا شديدا. # وكان الصبي يسمع لهذا الهمس فيفهم حينا، ويستغلق الأمر عليه في أكثر الأحيان، حتى ~~إذا مضت الأيام وتبعتها الأيام وشب الصبي وأتيح له أن يفهم عن الملغزين وأصحاب ~~الرمز، علم ما علم، فتغيرت في نفسه قيم كثير من الأشياء، ومعايير كثير من الأحكام، ~~وأقدار كثير من الناس. # وكان الحاج فيروز رجلا أسود فاحما طويلا قليل الكلام، فإذا تكلم لم يكد يبين، ~~وإنما كان يلتوي لسانه بالعربية التواء غريبا ترك في نفس الصبي أثرا لا يمحى؛ فهو ~~لا يقرأ في «البيان والتبيين» قصة زياد مع غلامه حين أراد أن يقول له: «أهدي إلينا ~~حمار وحش.» فجعل الحاء هاء في الكلمتين، وأنكر زياد عليه ذلك فقال له: «ويلك! قل أهدي ~~إلينا عير.» فلما قال الغلام ذلك جعل ms069 العين همزة، فارتاع زياد ورده إلى حمار ~~الوحش. # لا يقرأ هذه القصة إلا ذكر الحاج فيروز. وكان للحاج فيروز في الحي وبين طلاب العلم من ~~أهله خاصة خطر عظيم؛ فإليه كانوا يفزعون إذا تقدم الشهر أو تأخر الراتب أو نفدت النقود؛ ~~يفزعون إليه ليطعمهم نسيئة، ويفزعون إليه ليقرضهم القرش أو القروش، ويفزعون إليه في ~~كثير من شئونهم؛ ولذلك كان اسمه يدور على ألسنتهم كما كانت تدور عليها أسماء كثير من ~~شيوخهم الأعلام في الأزهر الشريف. # وكان للحاج فيروز خطر عظيم آخر في حياة هؤلاء الطلاب؛ فباسمه كانت ترسل إليهم ~~الرسائل التي تحمل إليهم أخبار الأسر، والتي تحمل إليهم في طياتها أحيانا تلك الورقة ~~الضئيلة التي كانوا يذهبون بها إلى مكتب البريد فيدخلون وجيوبهم خالية، ويخرجون وللفضة ~~في جيوبهم رنين حسن الوقع في آذانهم وفي قلوبهم أيضا. # ومن هنا لم يكن بد لكل واحد منهم من أن يمر بالحاج فيروز ليحييه إذا أصبح، وليحييه ~~إذا أمسى، وليلقي في أثناء ذلك نظرة سريعة خاطفة إلى ذلك المكان الذي كانت الرسائل ~~تنتظر فيه أصحابه. وما أكثر ما كان أحدهم يعود إلى بيته وفي يده ذلك الغلاف المقفل قد ~~أصابه كثير من وضر الزيت والزبد! وإن هذا الغلاف على قذارته لآثر عنده من هذه الملزمة ~~أو تلك من هذا الكتاب أو ذاك من كتب الفقه أو كتب النحو أو كتب الأصول. # كان الصبي إذن يستقبل حانوت الحاج فيروز إذا خرج من ذلك الممر المسقوف، وربما خطا ~~مع صاحبه خطوات فحيا الحاج فيروز والتمس عنده رسالة فوجدها أو لم يجدها، فانصرف ~~مبتسما أو عابسا، واستدار إلى الشمال فمضى أمامه في ذلك الشارع الطويل الضيق المزدحم ~~بالمارة من الطلاب والتجار والباعة والعمال وعجلات الحمل تجرها الحمر أو تجرها الخيل ~~أو تجرها البغال، ويصيح بها الحوذية زاجرين حينا ومتلاحين حينا آخر ومخاصمين لمن ~~يعترض طريقهم من الرجال والنساء والصبية أحيانا. وعن يمين هذا الشارع وعن شماله حوانيت ~~مختلفة، منها ما يهيأ فيه طعام الفقراء والبائسين، فيحمل الهواء ms070 منها روائح كريهة، ~~ولكنها مع ذلك كانت محببة إلى كثير من هؤلاء المارة بين طلاب العلم والعاملين بأيديهم ~~والحاملين على ظهورهم وكواهلهم. منهم من كان يعطف على هذه الحوانيت فيشتري منها القليل ~~يلتهمه في مكانه التهاما أو يحمله إلى بيته ليستأثر به أو يشارك فيه. ومنهم من تبلغه ~~هذه الروائح فتثيره ولكنه لا يثور، وتدعوه ولكنه لا يجيب؛ قد رأت عينه وشم أنفه ~~وتحركت شهوته، ولكن قصرت يده وخانه جيبه، فمضى وفي نفسه حاجة وفي قلبه موجدة وحفيظة، ~~وفيه مع ذلك رضا بالقضاء وإذعان للقدر. # ومن هذه الحوانيت ما كانت تدار فيه تجارة هادئة مطمئنة صامتة لا تقول شيئا أو لا ~~تكاد تقول شيئا؛ فإن نطقت فإنما تنطق همسا لا يكاد يسمع، وتنطقه في ظرف وأدب وفي ~~رقة وتلطف، وهي على هذا كله بل لهذا كله تغل على أهلها الثراء الضخم والمال ~~الكثير، وكانت أكثر هذه الحوانيت إنما تدار فيها تجارة البن والصابون، وربما أديرت في ~~بعضها تجارة السكر والأرز أيضا. # وكان الصبي يسعى بين هذا كله يحسه إحساسا قويا ويجهله جهلا شديدا، لولا أن ~~صاحبه كان يفسر له بعض ذلك من حين إلى حين. وما يزال الصبي ماضيا في طريقه، تعتدل ~~مواطئ أقدامه حينا وتعوج حينا آخر، وهو يسعى حسن السعي ما اعتدلت له الطريق، ويسعى ~~متعثرا في أذياله حين تعوج أو تضطرب، حتى يبلغ موضعا ينحرف فيه قليلا نحو الشمال، ~~ثم يندفع في طريق ضيقة أشد الضيق، ملتوية أشد الالتواء، قذرة أشد القذارة، قد استقر ~~فيها هواء فاسد كل الفساد، انعقدت فيه روائح كريهة منكرة، وانبعثت فيه بين حين وحين ~~أصوات نحيلة ضئيلة تصور البؤس وتبين عن الضر وتلحف في السؤال، يبعثها وقع الخطى كأن ~~أصحابها لا يحسون الحياة إلا بآذانهم، فهم يدعونها كلها سمعوها، وتتجاوب فيها أصوات ~~أخرى قصيرة غليظة مختنقة متقطعة، هي أصوات هذه الطير التي تحب الظلمة وتأنس إلى الخلوة ~~وتألف الخراب. وربما اختلطت هذه الأصوات بخفق الأجنحة، وربما دنا هذا الخفق من أذن ~~الصبي ms071 أو من وجهه فأخافه وأفزعه، وإذا يده ترتفع فجأة وعلى غير إرادة لتحمي وجهه أو ~~أذنه، وإذا قلبه يخفق خفقا خفيفا متصلا. # وهو يمضي مع صاحبه في هذه الطريق الضيقة المظلمة الملتوية، يصعد قليلا لينحدر ~~قليلا، ويمضي أمامه ليعطف عن يمينه، ثم يمضي أمامه ليعطف عن شماله، وهذه الأصوات ~~المنكرة المختلفة تدعوه مرة وتشيعه مرة أخرى وتؤذيه دائما، حتى يشعر بعد حين بأن ~~قلبه قد هدأ، وبأن صدره قد اتسع، وبأن طريق التنفس قد استقامت له، فيبعث من جوفه نفسا ~~طويلا كأنه يحمل كل ما استقر في نفس الصبي من ألوان الذعر والألم والحزن. # ثم يتنفس حرا طليقا كأنما يستنشق الحياة في هذا الهواء الطلق الذي أخذ يغمره منذ ~~خرج من «حارة الوطاويط»، ومضى أمامه في تلك الطريق المنحدرة التي لا تعتدل لقدميه، ولكن ~~ما هي إلا لحظات قصيرة، حتى تعتدل الطريق وتستوي الأرض لقدميه؛ فهو يسعى معتدلا ~~مطمئنا ، قد تهيأت نفسه لشيء من الفرح والمرح تحمله إليه هذه الأصوات الغريبة ~~المختلطة التي يسمعها حين يسعى في ذلك الشارع الهادئ الحلو، وعن شماله مسجد سيدنا ~~الحسين، وعن يمينه هذه الحوانيت الصغيرة التي طالما وقف عند بعضها حين تقدمت به ~~الأيام فذاق من طيباتها ما شاء الله له أن يذوق. # ذاق التين المرطب وشرب نقيعه في أثناء الصيف، وذاق البسبوسة واستمتع بما تبعثه من ~~الحرارة في الأجواف أثناء الشتاء. وربما وقف عند بعض الباعة من السوريين فذاق ألوانا ~~من الطعام؛ منها الحار ومنها البارد، ومنها الحلو ومنها الملح، كان يجد في ذوقها لذة ~~لا تقدر، ولو قدمت إليه الآن لأشفق أن تحمل إليه العلة أو تغرى به ~~الموت. # وكان يمضي في طريقه هذه حتى يبلغ مكانا تختلط فيه الأصوات وترتفع، ويشعر بأن الطريق ~~قد افترقت فيه؛ فهو يستطيع أن يمضي أمامه، وأن يمضي عن يمين، وأن يمضي عن شمال، وأن ~~يعود أدراجه. # وكان صاحبه يقول له: هذه هي المفارق الأربعة، إن مضيت عن يمينك فإلى السكة الجديدة ~~ثم الموسكي ثم العتبة ms072 الخضراء، وإن مضيت عن شمالك فهي الدراسة، ولكننا سنمضي ~~أمامنا فنسلك شارع الحلوجي، وهو شارع العلم والجد والعمل، ضيق تكاد تبلغ جانبيه ~~إذا مددت يديك عن يمين وشمال، ولكنك تمضي بين حوانيت صغيرة تباع فيها الكتب جديدها ~~وقديمها، جيدها ورديئها، مطبوعها ومخطوطها، وكم كانت للصبي في ذلك الشارع الضيق وقفات ~~خصبة ممتعة لم ينسها قط حين تقدمت به الأيام واختلفت عليه أطوار الحياة، ولكنه عجل ~~فيجب أن يبلغ صاحبه الأزهر قبل أن يبتدئ الدرس. وها هو ذا قد بلغ «باب المزينين»، ~~فخلع نعليه وخالف بينهما وأخذهما في يده ومضى مع صاحبه، فلما تقدم قليلا تخطى ~~عتبة قليلة الارتفاع، ثم انفرج له صحن الأزهر هادئا مطمئنا يترقرق فيه نسيم بارد هو ~~نسيم الصباح، وهو الآن في الطور الثالث من أطوار حياته الأولى. # | الفصل الثالث # وكان هذا الطور أحب أطوار حياته تلك إليه وآثرها عنده، كان أحب إليه من طوره ذاك ~~في غرفته التي كان يشعر فيها بالغربة شعورا قاسيا؛ لأنه لا يعرفها ولا يعرف مما ~~اشتملته من الأثاث والمتاع إلا أقله وأدناه إليه؛ فهو لا يعيش فيها كما كان يعيش في ~~بيته الريفي وفي غرفاته وحجراته تلك التي لم يكن يجهل منها ومما احتوت عليه شيئا، ~~وإنما كان يعيش فيها غريبا عن الناس وغريبا عن الأشياء؛ وضيقا حتى بذلك الهواء ~~الثقيل الذي كان يتنفسه فلا يجد فيه راحة ولا حياة؛ وإنما كان يجد فيه ألما ~~وثقلا. # وكان أحب إليه من طوره الثاني في طريقه تلك بين البيت والأزهر؛ فقد كان في ذلك ~~الطور مشردا مفرق النفس مضطرب الخطى ممتلئ القلب بهذه الحيرة المضلة الباهظة التي ~~تفسد على المرء أمره وتجعله يتقدم أمامه لا على غير هدى في طريقه المادية وحدها - فقد ~~كان ذلك محتوما عليه - بل على غير هدى في طريقه المعنوية أيضا؛ فقد كان مصروفا عن ~~نفسه بما يرتفع حوله من الأصوات وما يضطرب حوله من الحركات، وقد كان مستخذيا في نفسه ~~من اضطراب خطاه وعجزه من أن يلائم بين ms073 مشيته الضالة الحائرة الهادئة ومشية صاحبه ~~المهتدية العازمة العنيفة. # فأما في طوره الثالث هذا فقد كان يجد راحة وأمنا وطمأنينة واستقرارا. كان هذا ~~النسيم الذي يترقرق في صحن الأزهر حين تصلي الفجر يتلقى وجهه بالتحية فيملأ قلبه ~~أمنا وأملا، وما كان يشبه وقع هذا النسيم على جبهته التي كانت تندى بالعرق من سرعة ~~ما سعى، إلا بتلك القبلات التي كانت أمه تضعها على جبهته بين حين وحين في أثناء إقامته ~~في الريف حين يقرئها آيات من القرآن أو يمتعها بقصة مما قرأ في الكتب أثناء عبثه في ~~الكتاب، أو حين كان يخرج ضعيفا شاحبا من خلوته تلك التي كان يتوسل فيها إلى الله ~~بعدية يس ليقضي هذه الحاجة أو تلك من حاجات الأسرة. # كانت تلك القبلات تنعش قلبه وتشيع في نفسه أمنا وأملا وحنانا، وكان ذلك النسيم ~~الذي كان يتلقاه في صحن الأزهر يشيع في نفسه هذا كله ويرده إلى الراحة بعد التعب، ~~وإلى الهدوء بعد الاضطراب، وإلى الابتسام بعد العبوس. ومع ذلك فلم يكن يعلم من أمر ~~الأزهر شيئا، ولم يكن يعرف مما يحتويه الأزهر شيئا، وإنما كان يكفيه أن تمس قدميه ~~الحافيتين أرض هذا الصحن، وأن يمس وجهه نسيم هذا الصحن، وأن يحس الأزهر من حوله ~~نائما يريد أن يستيقظ، وهادئا يريد أن ينشط ليعود إلى نفسه أو لتعود إليه نفسه، وإذا ~~هو يشعر أنه في وطنه وبين أهله، لا يحس غربة ولا يجد ألما، وإنما هي نفسه تتفتح من ~~جميع أنحائها، وقلبه يتشوق من جميع أقطاره ليتلقى ... ليتلقى ماذا؟ ليتلقى شيئا لم ~~يكن يعرفه، ولكنه كان يحبه ويدفع إليه دفعا، طالما سمع اسمه وأراد أن يعرف ما وراء ~~هذا الاسم، وهو العلم. # وكان يشعر شعورا غامضا ولكنه قوى بأن هذا العلم لا حد له، وبأن الناس قد ينفقون ~~حياتهم كلها ولا يبلغون منه إلا أيسره. وكان يريد أن ينفق حياته كلها وأن يبلغ من هذا ~~العلم أكثر ما يستطيع أن يبلغ مهما يكن في نفسه يسيرا. وكان ms074 قد سمع من أبيه الشيخ ومن ~~أصحابه الذين كانوا يجالسونه من أهل العلم أن العلم بحر لا ساحل له، فلم يأخذ هذا ~~الكلام على أنه تشبيه أو تجوز، وإنما أخذه على أنه الحق كل الحق. # وأقبل إلى القاهرة وإلى الأزهر يريد أن يلقي نفسه في هذا البحر فيشرب منه ما شاء ~~الله له أن يشرب ثم يموت فيه غرقا، وأي موت أحب إلى الرجل النبيل من هذا الموت الذي ~~يأتيه من العلم ويأتيه وهو غرق في العلم! # كانت هذه الخواطر كلها تثور في نفسه الناشئة فجأة، فتملؤها وتملكها وتنسيها تلك ~~الغرقة الموحشة وتلك الطريق المضطربة الملتوية، بل تنسيها الريف ولذات الريف، ~~وتشعرها بأنها لم تكن مخطئة ولا غالية حين كانت تتحرق شوقا إلى الأزهر وضيقا ~~بالريف. # وكان الصبي يسعى أمامه مع صاحبه حتى يقطع الصحن ويصعد هذه الدرجة اليسيرة التي يبتدئ ~~بها الأزهر نفسه، فيمتلئ قلبه خشوعا، وخضوعا، وتمتلئ نفسه إكبارا وإجلالا. ويخفف ~~الخطو على هذه الحصر المبسوطة البالية التي كانت تنفرج أحيانا عما تحتها من الأرض، ~~كأنها تريد أن تتيح لأقدام الساعين عليها شيئا من البركة بلمس هذه الأرض المطهرة. وكان ~~الصبي يحب الأزهر في هذه اللحظة حين ينفتل المصلون من صلاة الفجر وينصرفون وفي عيونهم ~~النعاس، ليتحلقوا حول هذا العمود أو ذاك، وينتظروا هذا الأستاذ أو ذاك، فيسمعوا منه درس ~~الحديث أو درس التفسير أو درس الأصول أو درس التوحيد. # كان الأزهر في هذه اللحظة هادئا لا ينعقد فيه ذلك الدوي الغريب الذي كان يملؤه منذ ~~تطلع الشمس إلى أن تصلى العشاء، وإنما كنت تسمع فيه أحاديث يتهامس بها أصحابها، وربما ~~سمعت فتى يتلو القرآن في صوت هادئ معتدل، وربما مررت إلى جانب مصل لم يدرك الجماعة أو ~~أدركها ولكنه مضى في التنفل بعد أن أدى الفريضة. وربما سمعت أستاذا هنا أو هناك يبدأ ~~درسه بهذا الصوت الفاتر، صوت الذي استيقظ من نومه فأدى صلاته ولم يطعم بعد شيئا يبعث ~~في جسمه النشاط والقوة، فهو يقول في صوت ms075 هادئ حلو منكسر بعض الشيء: «بسم الله الرحمن ~~الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله ~~وصحبه أجمعين، قال المؤلف رحمه الله تعالى، ونفعنا بعلمه، آمين!» # والطلاب يسمعون لهذا الصوت في هدوء وفتور يشبهان هدوء الشيخ وفتوره، وما أكثر ما كان ~~الصبي يوازن في نفسه بين أصوات الشيوخ حين ينطقون بهذه الصيغة في درس الفجر، وأصواتهم ~~حين ينطقون بها في درس الظهر! فأما أصوات الفجر فكانت فاترة حلوة فيها بقية من نوم. ~~وأما أصوات الظهر فكانت قوية عنيفة ممتلئة فيها شيء من كسل أيضا، تصور امتلاء ~~البطون بما كانت تمتلئ به من طعام الأزهريين في ذلك الوقت الذي كان الأزهريون يعيشون ~~فيه على الفول والمخلل وما يشبه الفول والمخلل من ألوان الطعام. # كان في أصوات الفجر دعاء للمؤلفين يشبه الاستعطاف، وكان في أصوات الظهر هجوم على ~~المؤلفين يوشك أن يكون عدوانا، وكانت هذه الموازنة تعجب الصبي وتثير في نفسه لذة ~~ومتاعا. # وكان يسعى مع صاحبه حتى يرقى هاتين الدرجتين اللتين يبتدئ بهما الليوان، وهناك إلى ~~جانب عمود من هذه الأعمدة المباركة قد شد إليه كرسي بسلسلة غليظة يجلسه صاحبه ~~ويقول له: انتظر هنا فستسمع درسا في الحديث، فإذا فرغت من درسي فسأعود إليك. # وكان درس صاحبه في أصول الفقه، وكان أستاذ صاحبه الشيخ راضي رحمه الله، وكان الكتاب ~~الذي يدرسه الشيخ راضي كتاب «التحرير» للكمال بن الهمام، وكان الصبي يسمع هذه ~~الألفاظ كلها فيمتلئ لها قلبه رهبا ورغبا ومهابة وإجلالا؛ أصول الفقه! ما عسى أن ~~يكون هذا العلم؟ الشيخ راضي! من عسى أن يكون هذا الشيخ؟ التحرير! ما معنى هذه الكلمة؟ ~~الكمال بن الهمام! ما أعظم هذين الاسمين! حقا إن العلم بحر لا ساحل له، والخير كل ~~الخير للرجل الذكي أن يغرق فيه، وكان إجلال الصبي لهذا الدرس خاصة يزداد ويعظم من يوم ~~إلى يوم حين كان يسمع أخاه ورفاقه يطالعون الدرس قبل حضوره فيقرءون كلاما غريبا ولكنه ~~حلو الموقع في النفس. # كان الصبي ms076 يسمعه فيتحرق شوقا إلى أن تتقدم به السن ستة أعوام أو سبعة ليستطيع أن ~~يفهمه وأن يحل ألغازه ويفك رموزه، ويتصرف فيه كما كان يتصرف فيه أولئك الشبان البارعون، ~~ويجادل فيه أساتذته كما كان يجادل فيه أولئك الشبان البارعون، ولكنه الآن مضطر إلى أن ~~يسمع ولا يفهم، وما كان أكثر ما يقلب في نفسه هذه الجملة أو تلك لعله يجد وراءها ~~شيئا فلا يظفر بطائل، ولا يزيده ذلك إلا إكبارا للعلم، وإجلالا للعلماء، وإصغارا ~~لنفسه، واستعدادا للعمل والجد! # وقد سمع جملة بعينها شهد الله أنها أرقته غير ليلة من لياليه، ونغصت عليه حياته ~~غير يوم من أيامه، ولعلها أن تكون قد صرفته عن غير درس من دروسه اليسيرة؛ فقد كان يفهم ~~دروسه الأولى في غير مشقة، وكان ذلك يغريه بالانصراف عن حديث الشيخ إلى التفكير في بعض ~~ما سمع من أولئك الشبان النجباء. # وكانت هذه الجملة التي ملأت نفسه وقلبه غريبة في حقيقة الأمر، وقعت على أذنه وهو في ~~أول النوم وآخر اليقظة، فردته إلى اليقظة ليله كله، وهي: «والحق هدم الهدم.» ما معنى ~~هذا الكلام؟ كيف يهدم الهدم؟ وما عسى أن يكون هذا الهدم؟ وكيف يكون الهدم حقا؟ وجعلت ~~هذه الجملة تدور في رأسه كما يدور هذيان الحمى في رأس المريض، حتى صرف عنها ذات يوم ~~بإشكال من إشكالات الكفراوي، أقبل عليه ففهمه وجادل فيه، وأحس أنه بدأ يشرب من ذلك ~~البحر الذي لا ساحل له وهو بحر العلم. # وكان الصبي يجلس إلى جانب ذلك العمود، يعبث بتلك السلسلة، ويسمع للشيخ وهو يلقي دروسه ~~في الحديث، فيفهم عنه في وضوح وجلاء، ولا ينكر منه إلا تلك الأسماء التي كانت تساقط ~~على الطلبة يتبع بعضها بعضا، تسبقها كلمة «حدثنا» وتفصل بينها كلمة «عن». # وكان الصبي لا يفهم معنى لهذه الأسماء ولا لتتابعها ولا لهذه «العنعنة» المملة، وكان ~~يتمنى أن تنقطع هذه العنعنة وأن يصل الشيخ إلى الحديث، فإذا وصل إليه سمعه الصبي ~~ملقيا إليه نفسه كلها فحفظه وفهمه، وأعرض عن ms077 تفسير الشيخ؛ لأنه كان يذكره ما كان ~~يسمع في الريف من إمام المسجد، ومن ذلك الشيخ الذي كان يعلمه أوليات الفقه. # وبينما كان الشيخ يمضي في دروسه كان الأزهر يستيقظ شيئا فشيئا، كأنما كانت تنبهه ~~أصوات أولئك الشيوخ الذين كانوا يلقون دروسهم، وما كان يثور بينهم وبين طلابهم من حوار ~~يبلغ العنف أحيانا، فهؤلاء الطلاب يقبلون، وهذه الأصوات ترتفع، وهذا الدوي ينعقد، ~~وهؤلاء الشيوخ ترتفع أصواتهم لتبلغ آذان التلاميذ، بل هؤلاء الشيوخ يضطرون أن ينطقوا ~~بهذه الصيغة التي تؤذن بانتهاء الدرس، وهي: «والله أعلم»؛ لأن الطلاب قد أقبلوا ينتظرون ~~درس الفقه من شيخ غير هذا الشيخ، أو من الشيخ نفسه؛ فلا بد من أن ينتهي درس الفجر ~~ليبدأ درس الصبح. # هنالك كان يقبل على الصبي صاحبه فيأخذه بيده في غير كلام ويجذبه في غير رفق، ويمضي ~~إلى مجلس آخر فيضعه فيه كما يضع المتاع وينصرف عنه. # وقد فهم الصبي أنه قد نقل إلى درس الفقه، وأنه سيسمع هذا الدرس وسيفرغ منه، وسينصرف ~~الشيخ ويتفرق الطلاب، ويبقى هو في مكانه لا يتحول عنه حتى يعود إليه صاحبه من سيدنا ~~الحسين حيث كان يسمع درس الفقه الذي كان يلقيه الشيخ بخيت رحمه الله. # وكان الشيخ بخيت يحب الإطالة في الدرس، وكان طلابه يلحون عليه في الجدال؛ فلم يكن ~~يقطع درسه حتى يرتفع الضحى، وهنالك يعود إلى الصبي صاحبه فيأخذه بيده في غير كلام، ~~ويجذبه في غير رفق، ويمضي به حتى يخرجه من الأزهر وحتى يرده إلى طوره الثاني، فيقطع ~~به الطريق بين الأزهر والبيت، ثم إلى طوره الأول، فيلقيه في مكانه من الغرفة على ذلك ~~البساط القديم الذي ألقي على حصير بال عتيق. # | الفصل الرابع # ولم يكن الصبي يفرغ لنفسه إذا أخذ مجلسه على ذلك البساط في ركن من أركان الغرفة، ~~واعتمد بيده أو بساعده على النافذة عن شماله، وإنما كان يستعرض الخواطر التي كانت تملأ ~~رأسه: خواطر الطريق، وخواطر صحن الأزهر، وخواطر ما سمع من أستاذ الحديث وما سمع من ~~أستاذ ms078 الفقه. كان يستعرض هذه الخواطر ويعيش معها لحظات لا تطول؛ فإن أخاه لم ينصرف عنه ~~حين ألقاه في مجلسه ذاك ليفرغ لنفسه وحدها، أو لدرسه وحده، وإنما انصرف عنه ليعد طعام ~~الإفطار. # وكان هذا الإفطار يختلف بين يوم ويوم لا في مادته، فقد كان الفول يغرقه السمن أو ~~يغرقه الزيت، ولكن فيما يحيط به من الظروف والأطوار؛ فقد كان هذا الإفطار صامتا يوما ~~وناطقا مصطخبا يوما آخر، صامتا حين يخلو الصبي إلى أخيه فيفطران معا إفطارا ~~سريعا مظلما قاتما لا يكاد أحدهما ينطق فيه بشيء، وإنما هي جمل متقطعة قصار ~~يردها الصبي على الشيخ الفتى، وكانوا ثلاثة حينا وأربعة حينا، وربما بلغوا خمسة ~~في بعض الأيام، ولكن لخامسهم هذا شأنا آخر، فالخير ألا يذكر الآن. # هنالك كان هؤلاء الشباب من طلاب العلم ينفقون ساعة حلوة من ساعات حياتهم، وكان ~~الصبي يهمل إهمالا تاما لا تلقى إليه جملة، ولا يحتاج إلى أن يرجع على أحد ~~جوابا. # وكان ذلك أحب إليه وآثر عنده؛ فقد كان يروقه أن يسمع، وما أكثر ما كان يسمع! وما أغرب ~~ما كان يسمع! وما أشد اختلاف ألوان الأحاديث التي كان يسمعها حول هذه المائدة المستديرة ~~المنخفضة التي كانوا يسمونها «الطبلية» والتي كان يجلس الطاعمون من حولها على ~~الأرض وقد وضع في وسطها طبق عظيم ملئ بالفول والسمن أو الزيت، وإلى جانبه إناء ~~عظيم ملئ بألوان المخلل الغارقة في ماء يعب فيه هؤلاء الشباب قبل أن يأخذوا في ~~طعامهم، يبدأ أحدهم، ثم يدار الإناء على سائرهم، ولكنه لا يعرض على الصبي. حتى إذا ~~أخذوا حظهم من هذا الماء الملح الحاد الذي كان يحرش المعدة فيما يقولون مخلصين، ~~أقبلوا على طعامهم. وقد ألقيت على المائدة جماعات من الأرغفة، منها ما يشترى ومنها ما ~~أخذ جراية من الأزهر، والشباب يتنافسون: أيهم يقهر أصحابه في الأكل؟ يقهرهم في عدد ~~ما يلتهم من الأرغفة، ويقهرهم في مقدار اللقمة التي يقتطعها، ويقهرهم في مقدار ما يغترف ~~فيها من الفول وما يبلها به من ms079 السمن أو الزيت، ويقهرهم فيما يستعين به على هذا كله من ~~اللفت أو الفلفل أو الخيار. # وهم يتنافسون ويزدحمون في أصوات مرتفعة، وضحكات تملأ الغرفة، وتخترق النافذة عن شمال ~~فتتردد في الحارة من ورائها، وتخترق الباب عن يمين فتتردد في «الربع»، وتهبط إلى الطبقة ~~السفلى حيث نساء العمال يختصمن أو يتناجين أو يتناغين، فتنقطع لهذه الضحكات خصومتهن ~~ومناجاتهن ومناغاتهن، وإذا هن قد فرغن لهذه الأصوات المرتفعة وهذه الضحكات المضطربة ~~التي يحملها إليهن الهواء، كأنما يجدن في الاستماع لها والاستمتاع بها لذة لا تعدلها ~~إلا اللذة التي يجدها هؤلاء الشباب فيما يلتهمون ويلتقمون من الطعام. # والصبي جالس بينهم قد أطرق إلى الأرض، وحنى ظهره حتى كأنه القوس، ويده تذهب وتجيء في ~~أناة وخوف واستحياء بين هذا الرغيف قد ألقي أمامه على المائدة، وهذا الطبق قد قام ~~بعيدا عنه في وسط المائدة، ويده تصطدم بهذه الأيدي الكثيرة المسرعة التي تهوي لترتفع ، ~~وترتفع لتهوي وتنزح الطبق في أثناء ذلك نزحا، والصبي معجب بذلك منكر له، لا يكاد ~~يلائم في نفسه بين هذا التهالك على الفول والمخلل، وذلك التهالك على العلم والدرس وما ~~كانت تعرف به هذه الجماعة من النجابة والنشاط وحدة الذكاء. # ولم يكن هذا الإفطار يستغرق من هؤلاء الشباب وقتا طويلا، وإنما هي لحظات لا تتجاوز ~~ربع الساعة وقد فرغ ما كان في الطبق، ونظفت المائدة إلا من فتات ضئيل، ومن نصف الرغيف ~~الذي كان قد ألقي أمام الصبي فلم يستطع أو لم يرد أن يتجاوز نصفه. وما هي إلا لحظة ~~حتى ترتفع المائدة ويذهب بها ذاهب إلى خارج الغرفة فينقيها مما كان عليها، ثم يعود ~~بها إلى مكانها نظيفة ملساء إلا مما كان قد تقاطر عليها من السمن أو ماء المخلل. وقد ~~ذهب أحد هؤلاء الشبان فاستخرج مقدارا من الفحم؛ فحم الخشب، وأعد أداة الشاي، هذه ~~الأداة التي يصطنعها الفرس والروس، فأوقد فيها النار بعد أن ملأها بالماء، وعاد بها وقد ~~صفت جذوتها، فوضعها من المائدة مكان الطبق، وصف على حافة ms080 المائدة أكواب الشاي، وأخذ ~~مجلسه ينتظر أن يغلي الماء، وأخذ الشبان يتحدثون حديثا هادئا فاترا يضطرهم إلى هدوئه ~~وفتوره اشتغال بطونهم بما ألقوا فيها من الجامد والسائل، ومن البارد والحار، ولكن ماذا؟ ~~لقد خفتت الأصوات ثم سكتت، ثم ملأ الغرفة صمت رهيب، ثم تردد فيها صوت ضئيل جدا، ~~نحيل جدا، متقطع أول الأمر، متصل بعد ذلك. # وإذا هؤلاء الشبان قد تحركوا حركة الطرب، ثم انفتحت أفواههم في وقت واحد عن كلمة ~~واحدة يقولونها في صوت هادئ متصل مستقر وهي «الله» يمدون بها أصواتهم مدا، كأنما ~~أشاعت الطرب في نفوسهم موسيقى حلوة تأتيهم من بعيد، ولا غرابة في ذلك؛ فقد سمعوا أزيز ~~الماء وهو يدور من حول هذا الموقد الذي تضطرم فيه تلك الجذوة الهادئة الصافية، وقد فرغ ~~لأداة الشاي صاحب الشاي، فجعل يتبعها بقلبه وعينه وأذنه، حتى إذا استحال أزيز الماء ~~غليانا أخذ هو إبريقا من الخزف فقربه من هذه الأداة وأدار مفتاحها في رفق، فجرى في ~~الإبريق بعض هذا الماء الذي يغلي ويضطرب، ثم أدار المفتاح فانقطع جريان الماء، ثم رد ~~على الإبريق غطاءه، ثم هزه هزا رفيقا ليبلغ ما فيه من الماء السخن أجزاءه كلها، ثم ~~قام فألقى ما في الإبريق بعد تدفئته؛ فما ينبغي أن يجد الشاي برد الخزف أو برد المعدن ~~لأن ذلك يفسده، ثم انتظر بهذا الشاي ثواني، ثم صب عليه الماء في رفق دون أن يملأ ~~الإبريق إلى غايته، ثم انتظر به قليلا، ثم عمد إلى علبة الشاي الأحمر فأخذ منه مقدارا ~~ووضعه في الإبريق، ثم صب الماء في الإبريق حتى يمتلئ، ثم رفع الإبريق في تلطف ورفق ~~فوضعه على النار ثواني، ثم حطه عنها، ثم أهاب بأصحابه أن قدموا أكوابكم. # كان ذلك يجري والقوم سكوت، ينظرون ويتبعون حركات صاحبهم مراقبين لها حراصا على ألا ~~ينحرف في بعضها عن الجادة. فإذا ملئت الأكواب وأديرت فيها الملاعق الصغار، فسمع لها ~~صوت منسجم لا يخلو من جمال حسن الموقع في الأذن يأتي من هذه المداعبة الخفيفة ms081 الهادئة ~~بين المعدن والزجاج، رفع القوم أكوابهم إلى أفواههم، فجروا الشاي منها بشفاههم جرا ~~طويلا يسمع له صوت منكر يناقض صوت الملاعق حين كانت تداعب الأكواب. ومضوا في شربهم لا ~~يكادون ينطقون إلا بهذه الجملة التي لم تكن تتغير، ولم يكن بد من أن ينطق أحدهم بها ~~ويقره عليها الآخرون: «هذا هو الذي سيطفئ نار الفول.» فإذا فرغوا من هذه الدورة ~~الأولى ملئت لهم الأكواب مرة أخرى، وقد أعيد إلى أداة الشاي ما فقدت من ماء، ولكن ~~القوم ينصرفون الآن إلى شايهم عن هذا الماء المسكين الذي ترسل النار عليه حرارتها فيئن ~~ثم يتغنى شاكيا، ثم يجهش بالغليان باكيا. ولكن القوم لا يحفلون به ولا يطربون ~~لغنائه ولا لبكائه، قد شغلوا عنه بالشاي وبدورته الثانية خاصة؛ فقد كانت الدورة الأولى ~~مطفئة لنار الفول، فأما الدورة الثانية فقد جعلت تخلص لهم ولأعصابهم، وجعلوا يجدون لها ~~بعض اللذة في أفواههم وحلوقهم ورءوسهم أيضا. حتى إذا فرغوا من هذه الدورة ثابوا إلى ~~عقولهم أو ثابت عقولهم إليهم، فهذه ألسنتهم تتحرك، وهذه شفاههم تبتسم وهذه أصواتهم ~~ترتفع، ولكنهم لا يتحدثون الآن عن طعام ولا عن شراب، لقد نسوا الطعام والشراب وذكروا ~~أنفسهم، لقد فرغوا من بطونهم والتفتوا إلى عقولهم، فهم يستعيدون ما سمعوا من الشيخ في ~~درس الصبح، وهم يسخرون من هذا مرة ومن ذاك أخرى، وهم يعيدون اعتراض أحدهم على هذا ~~الشيخ أو ذاك، أو اعتراض غيرهم على هذا الشيخ أو ذاك، وهم يجادلون في هذا الاعتراض، ~~يراه بعضهم قويا مفحما، ويراه بعضهم سخيفا لا يعني شيئا. وقد أخذ أحدهم مكان ~~الشيخ المقرر، وأخذ أحدهم مكان الطالب المعترض، وأقام سائرهم حكما في هذه المناظرة، ~~وربما تدخل الحكم في المناظرة بين حين وحين يرد أحد المتناظرين إلى القصد إن جار ~~عنه، أو يؤيد أحد المتناظرين بحجة قد أهملها أو دليل قد ند عنه، وصاحب الشاي مشترك ~~في هذا كله، ولكنه في الوقت نفسه ملتفت إلى الشاي لا يهمله ولا ينساه؛ فقد أضاف إلى ~~الإبريق ms082 شايا على شاي وماء على ماء، وقد فرغت الأكواب ثم امتلأت؛ فالشاي لا يتم إلا ~~بالدورة الثالثة؛ لأن نصاب الشاي ثلاثة أقداح لا ينبغي أن ينقص، ولا بأس بأن ~~يزيد. # والصبي مطرق منحن في مكانه، يقدم له نصيبه من الشاي في صمت، فيشربه مترفقا ~~في صمت أيضا، وهو يلحظ ما يجري حوله، ويسمع ما يقال حوله، فيفهم منه قليلا ويعجزه ~~أكثره عن الفهم، ولكنه يعجب بما فهم وبما لم يفهم ويسأل نفسه متحرقا متى يستطيع أن ~~يقول كما يقول هؤلاء الشباب، وأن يجادل كما يجادلون؟ # وقد مضت ساعة أو نحو ساعة، واستوفى القوم نصيبهم من الشاي، ولكن المائدة ستبقى حيث ~~هي، وستبقى أداة الشاي في وسطها والأكواب مصطفة على حافتها؛ فقد قربت الظهر ولا بد ~~من أن يتفرق القوم ليلقي كل منهم نظرة سريعة على درس الظهر قبل أن يذهبوا لاستماعه. وهم ~~قد أعدوه معا منذ أمس، ولكن لا بأس من المراجعة السريعة، ومن الوقوف عند عند هذه ~~القولة أو تلك، فهي لا تخلو من غموض أو التواء، ومع ذلك فالمتن واضح والشرح جلي، ولكن ~~«البنان» يصعب السهل ويعقد المنحل، والسيد الجرجاني نافذة البصيرة يستخرج من ~~الأشياء الواضحة أسرارا غامضة، فأما عبد الحكيم فيفهم حينا وتلتوي عليه الأمور ~~أحيانا، فأما المقرر فجاهل لا يدري ما يقول. ولم يبق على الظهر إلا دقائق، فلنسرع ~~إذن إلى الأزهر، فسيدعو المؤذنون إلى الصلاة، وستقام الصلاة، ونحن في الطريق، حتى ~~إذا بلغنا الأزهر كان المصلون قد فرغوا من صلاتهم وأخذ الطلاب يتحلقون حول شيوخهم، ~~ولا بأس إن فاتتنا صلاة الجماعة فسنقيم الصلاة بعد الدرس، وسنقيمها جماعة أيضا. ~~والخير ألا تؤدى الصلاة قبل الدرس؛ فإن النفس تشغل عن العبادة بهذا الدرس وما فيه من ~~صعوبة ومن مشكلات تحتاج إلى الحل، فإذا ألقي الدرس وسمعناه وجادلنا فيه وشفينا نفوسنا ~~من مشكلاته ومعضلاته، فرغنا للصلاة فأديناها وقد خلصت لها النفوس والقلوب. # وهذا أخو الصبي يدعوه بهذه الجملة التي ما زال يدعوه بها أعواما وأعواما: «يا الله ~~يا ms083 مولانا!» فينهض الصبي متثاقلا فيمضي مع أخيه متعثرا حتى يبلغ الأزهر، فيجلسه أخوه ~~في مكانه من حلقة النحو، ويمضي هو إلى درس الشيخ الصالحي في زاوية العميان. # وقد سمع الصبي درس النحو ففهمه في غير جهد، وطال عليه إلحاح الشيخ في الإعادة ~~والتفسير، ثم انقضى الدرس وتفرق الطلاب، وظل الصبي في مكانه حتى يعود أخوه فيجذبه في ~~غير كلام وفي غير رفق، ويمضي به حتى يخرجه من الأزهر وحتى يقطع به الطريق التي قطعها ~~به في الصباح والضحى، وحتى يلقيه في مكانه من الغرفة على ذلك البساط القديم قد بسط ~~على حصير بال عتيق، ومنذ ذلك الوقت يتهيأ الصبي لاستقبال حظه من العذاب. # | الفصل الخامس # وكانت الوحدة المتصلة مصدر ذلك العذاب؛ فقد كان الصبي يستقر في مجلسه من الغرفة قبيل ~~العصر بقليل، ثم ينصرف عنه أخوه فيذهب إلى غرفة أخرى من غرفات «الربع» عند أحد ~~أصحابه. # وكان مجلس الجماعة لا يستقر في غرفة بعينها من غرفاتهم، وإنما هو عند أحدهم إذا ~~أصبحوا، وعند ثان منهم إذا أمسوا، وعند ثالث منهم إذا تقدم الليل، وكان أخو الصبي ~~يتركه في غرفته بعد درس الظهر ويذهب إلى حيث يلقى أصحابه في إحدى الغرفات، فينفقون ~~وقتا طويلا أو قصيرا في شيء من الراحة والدعابة والتندر بالشيوخ والطلاب، وكانت ~~أصواتهم ترتفع وضحكاتهم تدوي في «الربع» تدوية فتبلغ الصبي وهو جاثم في مكانه، ~~فتبتسم لها شفتاه ويحزن لها قلبه؛ لأنه لا يسمع كما كان يسمع في الضحى ما أثارها من ~~فكاهة أو نادرة، ولأنه لا يستطيع كما كان يستطيع في الضحى أن يشارك صامتا بابتسامة ~~نحيلة ضيقة في هذا الضحك الغليظ العريض. # وكان الصبي يعلم أن القوم سيجتمعون حول شاي العصر إذا أرضوا حاجتهم إلى الراحة وإلى ~~التندر بالشيوخ والزملاء، وسيستأنفون حول هذا الشاي حديثا هادئا منتظما، ثم يستعيدون ~~ما يرون أن يستعيدوه من درس الظهر مجادلين مناظرين، ثم يعيدون درس المساء الذي يلقيه ~~الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده في كتاب «دلائل الإعجاز» في بعض أيام ms084 الأسبوع، وفي ~~تفسير القرآن الكريم في بعضها الآخر. وسيتحدثون أثناء إعدادهم لهذا الدرس عن الأستاذ ~~الإمام، وسيستعيدون ما كانوا يسمعون من نوادره وما كانوا يحفظون من رأيه في الشيوخ ومن ~~رأي الشيوخ فيه، وما كانوا يحفظون من أجوبته التي كان يلقيها لبعض السائلين له ~~والمعترضين عليه فيفحمهم ويضحك منهم زملاءهم الطلاب. # وكان الصبي لهذا كله محبا وبه كلفا وإليه مشوقا متحرقا. وربما أحس الصبي في ~~دخيلة نفسة الحاجة إلى كوب من أكواب الشاي تلك التي تدار هناك، فقد كان هو أيضا قد ~~كلف بالشاي وشعر بالحاجة إلى أن يشربه مصبحا وممسيا، وإلى أن يستكمل منه النصاب. ~~ولكنه حرم هذا كله؛ فهولاء القوم يتندرون ويتناظرون ويدرسون ويشربون الشاي غير بعيد، ~~وهو لا يستطيع أن يشارك في شيء من هذا، ولا يستطيع أن يطلب إلى أخيه الإذن له بأن يحضر ~~مجلس هؤلاء الشباب، ويستمتع بما فيه من لذة العقل والجسم معا . # لا يستطيع أن يطلب ذلك؛ فأبغض شيء إليه أن يطلب إلى أحد شيئا، ولو قد طلب ذلك إلى ~~أخيه لرده عنه ردا رفيقا أو عنيفا، ولكنه مؤلم له، مؤذ لنفسه على كل حال، فالخير ~~في أن يملك على نفسه أمرها، ويكتم حاجة عقله إلى العلم، وحاجة أذنه إلى الحديث، وحاجة ~~جسمه إلى الشاي، ويظل قابعا في مجلسه مطرقا مغرقا في تفكيره. ولكن كيف السبيل إلى ~~ذلك وقد ترك أخوه باب الغرفة مفتوحا إلى أقصى غايته، وهذه أصوات القوم تبلغه، وهذه ~~ضحكاتهم تصل إليه، وهذه دقات مصمتة تنتهي إليه فتؤذنه بأن صاحب الشاي يحطم الخشب ليوقد ~~النار. وكل هذه الأصوات التي تنتهي إليه تثير في نفسه من الرغبة والرهبة، ومن الأمل ~~واليأس، ما يعنيه ويضنيه، ويملأ قلبه بؤسا وحزنا، ويزيد في بؤسه وحزنه أنه لا ~~يستطيع حتى أن يتحرك من مجلسه، وأن يخطو هذه الخطوات القليلة التي تمكنه من أن يبلغ ~~باب الغرفة ويقف أمامه حيث يكون أدنى إلى هذه الأصوات، وأجدر أن يسمع ما تحمله مما ~~يتحدث به القوم، لقد كان ms085 ذلك خليقا أن يسره ويسليه، ولكنه لا يستطيع أن ينتقل من ~~مكانه، لا لأنه يجهل الطريق إلى الباب، فقد كان حفظ هذه الطريق، وكان يستطيع أن ~~يقطعها متمهلا مستأنيا، ولكن لأنه كان يستحيي أن يفاجئه أحد المارة فيراه وهو يسعى ~~متمهلا مضطرب الخطى. وكان يشفق أن يفاجئه أخوه الذي كان يلم بالغرفة من حين إلى حين؛ ~~ليأخذ كتبا أو أداة، أو لونا من ألوان الطعام التي كانت تدخر ليتبلغ بها أثناء ~~الشاي في غير أوقات الإفطار أو العشاء. # وكان كل شيء أهون على الصبي من أن يفجأه أخوه وهو يسعى مضطربا حائرا فيسأله: ما ~~خطبك؟ وإلى أين تريد؟ فكان إذن يرى الخير في أن يبقى في مكانه ويؤثر العافية، ويردد في ~~نفسه تلك الحسرات اللاذعة التي كان يجدها، وحسرات أخرى لم تكن أقل منها لذعا ~~وإيلاما؛ حسرات الحنين إلى منزله ذلك، في قريته تلك من قرى الريف، هنالك حين كان يعود ~~من الكتاب وقد أرضى حاجته إلى اللعب، فيتبلغ بكسرة من الخبز المجفف، مازحا مع ~~أخواته قاصا على أمه ما أحب أن يقص عليها من أنباء يومه في الكتاب. فإذا بلغ ~~من ذلك ما أراد خرج من الدار فأغلق الباب وراءه، ثم مضى حتى يبلغ جدران البيت الذي كان ~~يقوم أمامه فلزمه ماضيا نحو الجنوب، حتى إذا بلغ مكانا بعينه انحرف إلى يمين، ثم مضى ~~أمامه خطوات حتى ينتهي إلى حانوت الشيخ محمد عبد الواحد وأخيه الشاب الحاج محمود، فجلس ~~هناك متحدثا متندرا مستمعا لما كان يقوله المشترون من الرجال، والمشتريات من ~~النساء من هذه الأحاديث الريفية الساذجة التي تمتع باختلافها وطرافتها وسذاجتها ~~أيضا. # وربما قل الطارئون على الحانوت من المشترين والمشتريات، فخلا للصبي أحد صاحبي ~~الحانوت، وجعل يتحدث إليه أو يقرأ له في كتاب من الكتب. وربما عدل الصبي عن السعي ~~إلى الحانوت وخرج من داره فجلس على المصطبة الملاصقة لها مطرقا يسمع حديث أبيه الشيخ ~~مع أصحابه في مجلسهم ذاك الذي كانوا يعقدونه منذ تصلى العصر إلى أن ms086 يدعوهم مؤذن ~~المغرب إلى العشاء. # وربما عدل الصبي عن الخروج من داره وخلا إلى رفيق من رفاقه في الكتاب، قد أقبل ~~عليه ومعه هذا الكتاب أو ذاك من كتب الوعظ، وهذه القصة أو تلك من قصص المغازي، فجعل ~~يقرأ له حتى يدعوه غروب الشمس إلى العشاء. هنالك لم يكن الصبي يشعر بالوحدة، ولم يكن ~~يضطر إلى السكون، ولم يكن يجد ألم الجوع، ولم يكن يجد ألم الحرمان، ولم يكن يتحرق إلى ~~كوب من أكواب الشاي. # كانت كل هذه الحسرات تضطرب في نفس الصبي أشد الاضطراب وهو ساكن أشد السكون. وربما ~~صرفه عنها لحظة صوت المؤذن حين كان يدعو إلى صلاة العصر في جامع بيبرس، ولكنه كان ~~صوتا منكرا أشد النكر، فكان يذكر الصبي بصوت المؤذن في بلده، ولم يكن خيرا من ~~هذا الصوت ولكنه كثيرا ما أتاح للصبي ألوانا من اللهو واللعب، فكم صعد المنارة مع ~~المؤذن، وكم أذن مكانه وكم شاركه في هذا الدعاء الذي يدعى به بعد الأذان! ولكنه هنا ~~في هذه الغرفة لا يستحب هذا الصوت، ولا يستطيع أن يشارك في الأذان، ولا يعرف حتى من أين ~~يأتي هذا الصوت، وهو لم يدخل قط مسجد بيبرس، وهو لا يعرف الطريق إلى مئذنته، وهو لم ~~يبل درج هذه المئذنة، ولم يعرف أتستقيم للمصعد فيها وتتسع له أم تلتوي به وتضيق ~~عليه كشأن مئذنته في الريف. # لا يعرف شيئا من ذلك ولا سبيل إلى أن يعرف منه شيئا، إنما هو السكون، والسكون ~~المتصل الطويل، يا للألم! إن العلم ليكلف طلابه أهوالا ثقالا. # وكان هذا السكون يطول على الصبي فيجهده، وربما أخذته إغفاءة وهو جالس في مكانه، وربما ~~اشتدت عليه هذه الإغفاءة فاضطرته إلى أن يستلقى ويسلم نفسه للنوم، وكان يسمع من أمه ~~أن نوم العصر بغيض مؤذ للأجسام والنفوس، ولكن كيف السبيل إلى أن يرد عن نفسه هذا النوم ~~البغيض! ولكنه يهب فزعا مذعورا؛ فقد سمع صوتا يدعوه بهذه الكلمة التي رنت في ~~آذانه أعواما وأعواما: «مولانا أنائم أنت؟» ms087 يهب فزعا مذعورا لأن أخاه أقبل ينظر ~~إليه ويسأله عن شأنه ويحمل إليه عشاءه. وكان عشاؤه لذيذا حقا؛ فقد كان يتألف من ~~رغيف وقطعة من الجبن الذي يسمى الجبن الرومي، أو قطعة من الحلاوة الطحينية، كان هذا ~~عشاءه في أثناء الأسبوع، فكان أخوه يضع ذلك أمامه ويودعه منصرفا عنه ليذهب إلى ~~الأزهر فيحضر درس الأستاذ الإمام. # وكان الصبي يقبل على طعامه راغبا عنه حينا وراغبا فيه حينا آخر، ولكنه كان ~~يستنفده على كل حال. كان يبيح لنفسه الإقلال من الطعام إذا أكل مع أخيه، ولم يكن أخوه ~~يكلمه في ذلك أو يسأله عنه. فأما إذا خلا إلى طعامه فقد كان يأتي عليه كله حتى ولو رغب ~~عنه أو ضاق به؛ مخافة أن يبقى منه شيئا، ويعود أخوه ويرى ذلك فيظن به المرض أو يظن ~~به الحزن، وكان أبغض شيء إليه أن يثير في نفس أخيه هما أو قلقا. # كان إذن يقبل على طعامه، حتى إذا فرغ منه عاد إلى سكونه وجموده في ركنه الذي اضطر ~~إليه، وقد أخذ النهار يتصرم وأخذت الشمس تنحدر إلى مغربها، وأخذ يتسرب إلى نفسه شعور ~~شاحب هادئ حزين، ثم يدعو مؤذن المغرب إلى الصلاة، فيعرف الصبي أن الليل قد أقبل، ويقدر ~~في نفسه أن الظلمة قد أخذت تكتنفه، ويقدر في نفسه أن لو كان معه في الغرفة بعض ~~المبصرين لأضيء المصباح ليطرد هذه الظلمة المتكاثفة، ولكنه وحيد لا حاجة له إلى ~~المصباح فيما يظن المبصرون، وإن كان ليراهم مخطئين في هذا الظن؛ فقد كان ذلك الوقت ~~يفرق تفرقة غامضة بين الظلمة والنور، وكان يجد في المصباح إذا أضئ جليسا له ~~ومؤنسا، وكان يجد في الظلمة وحشة لعلها كانت تأتيه من عقله الناشئ ومن حسه المضطرب. ~~والغريب أنه كان يجد للظلمة صوتا يبلغ أذنيه، صوتا متصلا يشبه طنين البعوض لولا أنه ~~غليظ ممتلئ، وكان هذا الصوت يبلغ أذنيه فيؤذيهما، ويبلغ قلبه فيملؤه روعا، وإذا هو ~~مضطر إلى أن يغير جلسته فيجلس القرفصاء، ويعتمد بمرفقيه على ركبتيه ms088 ويخفي رأسه بين ~~يديه، ويسلم نفسه لهذا الصوت الذي يأخذه من كل مكان. ومع أن سكون العصر كان كثيرا ~~ما يضطره إلى النوم فقد كان سكون العشية يضطره إلى اليقظة التي لا تشبهها يقظة. # وكان ينتهي إلى أن يألف صوت الظلمة ويطمئن إليه. ولكن في الغرفة أصواتا أخرى كانت ~~تفزعه وتروعه، أصوات مختلفة؛ فقد كانت هذه الغرفة من غرفات الأوقاف، ومعنى ذلك أنها ~~كانت قديمة، قد طال عليها العهد، وبعد بها الأمد، وكثرت في جدرانها الشقوق، وعمرت هذه ~~الشقوق طوائف من الحشرات وغيرها من صغار الحيوان، وكانت هذه الحشرات وهذه الصغار من ~~الحيوان كأنما وكلت بالصبي إذا أقبل الليل عليه وهو قابع وحده في ذلك الركن من ~~أركان الغرفة؛ فهي تبعث من الأصوات الضئيلة، وتأتي من الحركات الخفيفة السريعة حينا ~~والبطيئة حينا آخر ما يملأ قلب الصبي هلعا ورعبا، فإذا أقبل أخوه وحده أو مع أصحابه ~~فأضيء المصباح انقطعت هذه الأصوات والحركات كأنها لم تكن، وكان الصبي من أجل هذا ومن ~~أجل أشياء أخرى غير هذا لا يجرؤ على أن يذكر من أمر هذه الأصوات والحركات شيئا، وأيسر ~~ما كان يخاف إن تحدث ببعض ذلك أن يسفه رأيه وأن تظن بعقله وبشجاعته الظنون، فكان ~~يؤثر العافية ويكظم خوفه من الحشرات وصغار الحيوان. # وهذا المؤذن يدعو إلى صلاة العشاء، فيثير في نفس الصبي أملا قصيرا يتبعه يأس طويل؛ ~~فقد انتهى درس الأستاذ الإمام، وسيقبل أخو الصبي بعد قليل فيضئ المصباح ويضع محفظته في ~~مكانها، ويأخذ ما يحتاج إليه من كتاب أو أداة أو طعام، ويشيع في الغرفة في أثناء ذلك ~~شيئا من الأنس، ويطرد من الغرفة في أثناء ذلك تلك الوحدة المنكرة، ولكنه سيلقي إلى ~~الصبي تلك الوسادة التي سيضع عليها رأسه، وذلك اللحاف الذي سيلتف فيه لينام، وسيشهد ~~التفافه في لحافه ووضع رأسه على وسادته، ثم يطفئ المصباح وينصرف، ويغلق الباب من ~~ورائه ويدير فيه المفتاح، ويمضي وهو يظن أنه أسلم الصبي إلى النوم، وإن كان لم يسلمه ~~إلا إلى ms089 أرق متصل مخيف. # وسيعود بعد ساعتين أو بعد ساعات، وقد طعم وشرب الشاي، وناظر أصحابه وأعد معهم ما ~~شاء الله أن يعد من درس للغد، فيدير المفتاح ثم يضئ المصباح، وهو يظن أن الصبي ~~مغرق في نوم هادئ لذيذ، وما ذاق الصبي في حقيقة الأمر نوما، وإنما انتظر جزعا ~~فزعا عودة أخيه. # فإذا استلقى أخوه على فراشه بعد أن أطفأ مصباحه وأخذ تنفسه المضطرب أو المنتظم يدل ~~على أنه نام، فقد أخذ الصبي يحس الأمن والدعة، ويدير في نفسه خواطر الآمن الوادع ~~وتفكير الهادئ المطمئن. # وهنالك تتصل يقظته الآمنة بنومه اللذيذ دون أن يشعر بهذا الاتصال. # | الفصل السادس # ولكن صوتين غريبين يردانه فجأة إلى يقظة فزعة؛ أحدهما: صوت عصا غليظة تضرب الأرض ~~ضربا عنيفا، والآخر: صوت إنساني متهدج مضطرب لا هو بالغليظ ولا هو بالنحيف، ~~يذكر الله ويسبح بحمده، ويمد ذكره وتسبيحه مدا طويلا غريبا، وقد سكن كل شيء وشمل ~~هدوء الليل كل شيء، وجعل هذا الصوت الإنساني ينبعث بين حين وحين متهدجا ~~مرجعا، تقطعه ضربات العصا على الأرض، وهو يبدو قويا فيذيع في الليل الهادئ شيئا ~~يشبه الاضطراب، ثم يدنو قليلا قليلا حتى يكاد يبلغ غرفة الصبي، ثم ينحرف ويضعف شيئا ~~فشيئا حتى يكاد ينقطع، ثم يبدو مرة أخرى قويا متصلا بعد أن هبط صاحبه سلم «الربع» ~~واستقامت له طريقه في الحارة، ثم يبعد شيئا فشيئا حتى ينقطع. # وقد ارتاع الصبي لهذا الصوت أو لهذين الصوتين حين سمعهما لأول مرة، وأتعب نفسه في ~~التفكير فيهما والبحث عن مصدرهما، ولكنه لم يظفر من بحثه بطائل، إلا أنه فقد النوم وأتم ~~ليله مؤرقا مروعا حتى رد الأمن والطمأنينة إلى قلبه صوت المؤذن وهو ينادي: «الصلاة ~~خير من النوم.» فهب الصبي مترفقا، وهب أخوه عنيفا عجلا، وما هي إلا دقائق حتى كانا ~~يهبطان السلم ويجدان في طريقهما إلى الأزهر؛ ليسمع أحدهما درس الأصول، وليسمع الآخر ~~درس الحديث. # وجعل هذان الصوتان يوقظان الصبي كل يوم في أول الثلث الأخير من الليل، وجعل الصبي ms090 ~~يراع لهذين الصوتين ولا يعرف لهما مصدرا، ولا يجرؤ على أن يسأل أخاه أو غير أخيه ~~عنهما، حتى كانت ليلة الجمعة، فأيقظه الصوتان وروعاه كدأبهما في كل ليله، ورد ~~المؤذن إليه الأمن والهدوء كدأبه في كل صباح، ولكن الصبي لم يهب مترفقا، ولكن أخاه ~~لم يهب عجلا عنيفا؛ فليس في فجر الجمعة ولا في صباحه دروس، وليس الشيخ الفتى ولا ~~الشيخ الصبي في حاجة إلى أن يقطعا نومهما. # فأما نوم الصبي فقد قطعه هذان الصوتان، وأما أخوه فلم يسمعهما هذه الليلة كما لم ~~يسمعهما من قبل، ولبث الصبي في فراشه ضيقا بهذا السكون، عاجزا عن الحركة، مشفقا أن ~~يوقظ أخاه. حتى صليت الفجر وانتشر ضوء الشمس ونفذت أشعتها إلى الغرفة فاترة، وإذا ~~الصبي يسمع هذين الصوتين مرة أخرى، ولكنه يسمعهما هادئين رفيقين، فأما العصا فتداعب ~~الأرض مداعبة يسيرة، وأما الصوت فيصافح الهواء مصافحة حلوة لا تخلو من فتور، والصبي ~~يعجب لهذين الصوتين اللذين يعنفان حين يسكن الليل وينام الناس ويحسن الرفق، واللذين ~~يرقان ويلطفان حين ينشط النهار ويستيقظ الناس ويتاح للأصوات أن ترتفع وأن تأخذ حظها من ~~الحرية والنشاط، وهو مع ذلك مضطر إلى سكونه، مشفق إن تحرك أن ينبه أخاه، حتى تشتد حرارة ~~الشمس على رأسه فيستوي جالسا في أناة، ويتزحزح من مكانه في رفق حتى يبلغ مكانا لا ~~تلفحه حرارة الشمس فيستقر فيه دون أن يتحرك. # وهو بهذا ضيق، وله كاره، وعليه مكره، وأخوه مغرق في نومه لا يفيق، ولكن الباب يطرق ~~طرقا عنيفا وصوت من ورائه ينادي مرتفعا ساخطا صاخبا: «هلم يا هؤلاء، هلم يا بهائم، ~~أفيقوا إلى متى تنامون! أعوذ بالله من الكفر، أعوذ بالله من الضلال! طلاب علم ينامون ~~حتى يرتفع الضحى لا يؤدون الصلاة لوقتها، هلم يا هؤلاء! هلم يا بهائم، أعوذ بالله من ~~الكفر، أعوذ بالله من الضلال!» # ويد هذا الصوت تقرع الباب وعصاه تقرع الأرض، ومن حوله ضحكات ترافقه. وقد هب الشيخ ~~الفتى لأول نبأة، ولكنه ظل في مكانه ساكنا ثابتا يغرق ms091 في ضحك مكتوم مكظوم، كأنه ~~يستحب ما يسمع ويستزيد منه ويريد أن يتصل. فأما الصبي فقد عرف هذا الصوت وهذه العصا، ~~إنه الصوت الذي كان يضطرب في الليل، وإنها العصا التي كانت تقرع الأرض لتوقظها من ~~نومها، من عسى أن يكون هذا الرجل؟ وما عسى أن تكون عصاه؟ وما هذا الضحك الذي يتبعه؟ ~~وقد نهض الفتى جاهرا بضحكه فسعى إلى الباب ففتحه، واندفع منه هذا الرجل صاخبا: «أعوذ ~~بالله من الكفر! أعوذ بالله من الضلال! اللهم اصرف عنا الأذى، أعذنا من الشيطان الرجيم. ~~أناس أنتم أم بهائم! أمسلمون أنتم أم كفار، أتتعلمون على شيوخكم هدي أم ~~ضلالا!» # وقد اندفع معه الشباب من أصحاب الفتى وهم يجأرون بالضحك ويغرقون فيه. وهنالك عرف ~~الصبي هذا الرجل، وهو عمي الحاج علي. # وكان عمي الحاج علي رجلا شيخا قد تقدمت به السن حتى جاوز السبعين، ولكنه احتفظ ~~بقوته كلها: احتفظ بقوة عقله فهو ماكر ماهر ظريف لبق، واحتفظ بقوة جسمه فهو معتدل ~~القامة، شديد النشاط، متين البنية، عنيف إذا تحرك، عنيف إذا تكلم، لا يعرف الهمس، ولا ~~يحسن أن يخافت صوته، وإنما هو صائح دائما، وكان عمي الحاج علي فيما مضى من دهره - ~~كما علم الصبي فيما بعد - رجلا تاجرا، قد ولد في الإسكندرية وشب فيها، واحتفظ بما ~~لأهل الإسكندرية من قوة وعنف، ومن صراحة وظرف، وكان يتجر في الأرز؛ ومن أجل ذلك ~~سمي: عمي الحاج علي الرزاز. فلما تقدمت به السن أعرض عن التجارة أو أعرضت التجارة ~~عنه، وكان له بيت في القاهرة يغل عليه شيئا من مال، فاتخذ لنفسه غرفة في هذا الربع ~~الذي لم يكن يسكنه من غير المجاورين إلا هذا الرجل، وهذان الفارسيان اللذان ذكرا في بعض ~~هذا الحديث. # ولم يكد عمي الحاج علي يستقر في غرفته في آخر الربع عن شمال إذا صعدت السلم حتى لفت ~~إليه هؤلاء الشباب من طلاب العلم، أضحكهم وراقوه، فاتصلت بينه وبينهم مودة حلوة متينة ~~نقية، فيها ظرف كثير، وفيها رقة وتحفظ يؤثران في ms092 القلوب حقا. فقد كان هذا الشيخ يعرف ~~من هؤلاء الشباب حبهم للعلم، وجدهم في الدرس، وصدوفهم عن العبث، وكان يحب منهم ~~ذلك. فإذا بدأ أسبوع العمل لم يسع إليهم، ولم يعرض لهم، حتى كأنه لا يعرفهم إلا أن ~~يسعوا هم إليه، أو يلحوا هم عليه في أن يشهد معهم طعاما أو يشاركهم في الشاي، فإذا ~~كان يوم الجمعة لم يمهلهم ولم يخل بينهم وبين أنفسهم، وإنما انتظر بهم حتى يتقدم ~~النهار، وحتى يعلم أنهم قد أرضوا نفوسهم من النوم والراحة. هنالك يخرج من غرفته فيبدأ ~~بأقرب غرف هؤلاء الشباب إليه، فيوقظ صاحبها في هذا العنف والضجيج اللذين رأيتهما، ثم ~~ينتقل إلى الغرفة التي تليها ومعه صاحبه الذي أيقظه. وما يزال كذلك حتى يبلغ غرفة أخي ~~الصبي فيوقظه على هذا النحو. الشباب من حوله فرحون مرحون، يستقبلون يوم راحتهم مبتهجين، ~~قد ابتسموا للحياة وابتسمت لهم الحياة. # وإلى هذا الشيخ كان تدبير طعامهم ولهوهم البرئ في يوم الجمعة؛ فهو الذي يقترح عليهم ~~طعام الإفطار، وقد يعده لهم في غرفته أو في غرفة أحدهم. وهو الذي يقترح عليهم طعام ~~العشاء، ويشير عليهم بما ينبغي أن يصنعوا لإعداده، ويشرف على هذا الإعداد، ويقوم منه ~~ما يمكن أن يعوج، يصحبهم صباحهم، ثم يفارقهم ليصلي الجمعة، ثم يصحبهم، حتى إذا وجبت ~~العصر فارقهم لحظة، ثم يعود إليهم فيشاركهم في عشائهم وفيما يكون بعده من الشاي، ثم إذا ~~وجبت المغرب أمهم في صلاتهم، فإذا وجبت العشاء فارقهم ليعدوا الدروس التي سيسمعونها ~~من الغد. # وكان عمي الحاج علي يتكلف التقوى والورع، ويظهر ذلك إلى أقصى ما يظهر الناس ~~تكلفهم وتصنعهم. يبدأ بهذه الغزوة التي يجددها في الثلث الأخير من كل ليلة، فيخرج من ~~غرفته صاخبا صائحا بذكر الله والتسبيح بحمده، ضاربا الأرض بعصاه حتى يبلغ مسجد سيدنا ~~الحسين، فيقرأ فيه ورد السحر، ويشهد فيه صلاة الفجر، ثم يرجع متمتما مهمهما مداعبا ~~الأرض بعصاه فيستريح في غرفته. فإذا وجبت الصلوات أداها في غرفته وقد فتح بابها وجهر ~~بالقراءة والتكبير ms093 ليسمعه أهل الربع جميعا. فإذا خلا إلى أصحابه الشباب على طعامهم أو ~~على شايهم أو في بعض سمرهم، فهو أسرع الناس خاطرا، وأظرفهم نكته، وأطولهم لسانا، ~~وأخفهم دعابة، وأشدهم تتبعا لعيوب الناس، وأعظمهم إغراقا في الغيبة، لا يتحفظ في ~~لفظ، ولا يتحرج من كلمة نابية، ولا يتردد في أن يجري علي لسانه المنطلق دائما ~~وبصوته المرتفع دائما أشنع الألفاظ، وأشدها إغراقا في البذاء، وأدلها على أبشع ~~المعاني وأقبح الصور. # وكان أولئك الشباب يحبونه على ذلك، أو يحبونه من أجل ذلك، أو قل: إنهم يحبون ذلك منه ~~أشد الحب، ويكلفون به أعظم الكلف، كأنه كان يخرجهم من أطوارهم، ويريحهم من جد ~~العلم والدرس، ويفتح لهم بابا من اللهو ما كانوا يستطيعون أن يلجوه حين كانوا يخلون ~~إلى أنفسهم، بل ما كانوا يستطيعون أن يلجوه حين كانوا يلتفون حول هذا الرجل الشيخ، ~~وحين كان يصب عليهم هراءه هذا بغير حساب، كانوا يسمعون ذلك منه ويضحكون له، حتى إن ~~جنوبهم لتكاد تنقد من الضحك، ولكنهم على ذلك لم يكونوا يعيدون على الشيخ كلمة من ~~كلماته البذيئة أو لفظا من ألفاظه النابية، فكأنما كانوا يرون شيئا يعجبهم ويلهيهم ~~فيستمتعون به من بعيد، ولا يبيحون لأنفسهم أو لا تبيح لهم ظروفهم أن يدنوا منه أو يسعوا ~~إليه. # ولم يكن ذلك يدل على أقل من هذه الصفة الغريبة الخليقة بالإعجاب والرحمة معا، والتي ~~كان هؤلاء الشبان يمتازون بها من كثير من زملائهم وأقرانهم؛ وهي كظم الشهوات وأخذ النفس ~~بألوان من الشدة تمكنهم من المضي في الدرس على وجهه، وتردهم عن التورط ~~فيما كان كثير من زملائهم يتورطون فيه من هذا العبث السهل الذي يفل الحد ويفتر ~~العزائم ويفسد الأخلاق. # وكان الصبي يسمع لهذا كله فيفهم ويحفظ ويعجب، ويسأل نفسه كيف يجتمع طلب العلم وما ~~يحتاج إليه من الجد مع هذا التهالك على الهزل والتساقط على السخف في غير تحفظ ولا ~~احتياط؟! وكان يعاهد نفسه على أنه إذا شب وبلغ طور هؤلاء الطلاب الذين يكبرهم ~~ويقدر ذكاءهم ms094 فلن يسير سيرتهم ولن يتهالك على العبث كما يتهالكون عليه. # وكان يوم الجمعة يوم البطون في حياة هؤلاء الطلاب وفي حياة صديقهم الشيخ، فكانوا إذا ~~أصبحوا اجتمعوا إلى إفطار غزير دسم صاخب، قوامه الفول والبيض ثم الشاي، وما كانوا قد ~~ادخروا من هذه الفطائر الجافة التي كانت أمهاتهم يزودنهم بها ويضعن في صنعها ~~وفي تعبئتها قلوبهن الساذجة وما يملؤها من حب وعطف وحنان. وكم ذكر الصبي جهد أبيه في ~~كسب ما لم يكن بد من كسبه من النقد لتستطيع أمه أن تهيئ لابنيها زادهما، وجد أمه ~~في صنع هذا الزاد وتكلفها الفرح وهي تهيئه، وحزنها الصامت وهي تعبئه، ودموعها ~~المنهمرة وهي تسلم أحماله إلى من سيذهب به إلى القطار. # كم ذكر الصبي هذا كله حين كان هؤلاء الشباب يلتهمون هذا الزاد التهاما، يغمسونه في ~~الشاي كما كان يوصيهم الشيخ، أو يقضمونه بأسنانهم وأضراسهم قضما، ثم يعبون في أكواب ~~الشاي ليبلوه في أفواههم ولتسيغه حلوقهم بعد ذلك سهلا هينا، وهم في أثناء ذلك ~~يتضاحكون من دعابة الشيخ وفكاهته، لا يذكرون آباءهم وما جدوا، ولا يذكرون أمهاتهم ~~وما احتملن من كد وما ذرفن من دموع. # وكان الشيخ وأصدقاؤه الطلاب يدبرون عشاءهم أثناء الدورة الثانية والثالثة من ~~الشاي الذي يقبلون عليه بعد الإفطار. وكان تدبيرهم لهذا العشاء يقبض نفس الصبي ويملؤها ~~خجلا، فلما فكر فيه بعد أن تقدمت به السن وجد لذكراه حنانا وإعجابا. كانوا ~~يتداولون ويتشاورون، ولم يكن ميدان مداولاتهم ومشاوراتهم واسعا ولا عريضا، وإنما هما ~~لونان من ألوان الطعام لم يشذوا عنهما قط: فإما البطاطس في خليط من اللحم والطماطم ~~والبصل، وإما القرع في خليط من اللحم والطماطم والبصل وشيء من الحمص. وكانوا يتفقون على ~~أقدار ما يشترون من هذه الأصناف كلها، ثم يقدرون ثمن ما سيشترون، ثم يخرج كل منهم ~~حصته من هذا الثمن إلا الشيخ فكانوا يخرجونه من هذه الغرامة. فإذا اجتمع لهم ما يحتاجون ~~إليه من نقد، ذهب أحدهم فاشترى لهم طعامهم، فإذا عاد بما اشترى نهض أحدهم ms095 إلى موقده ~~فأوقد فيه ناره من هذا الفحم البلدي، حتى إذا صفت جذوته أقبل على الطعام يهيئه ~~وأصحابه ينظرون إليه مجتمعين أو متفرقين، والشيخ يلقي إليه نصائحه بين حين وحين، حتى ~~إذا تم له من تهيئة الطعام ما أراد خلى بينه وبين هذه النار تنضجه على مهل، واجتمع ~~القوم إلى صديقهم الشيخ يعبثون، أو إلى أنفسهم يدرسون، وطاهيهم يخطف نفسه بين حين وحين ~~ليلقي نظرة على هذا الطعام مخافة أن يحترق أو يفسد، وليلقي عليه بين حين وحين قطرات من ~~ماء. وكلهم يتنسم هذه الرائحة الذكية التي تبعثها النار من هذا الطعام كلما تقدمت به ~~إلى الإنضاج، وكلهم يجد في تنسم هذه الرائحة مقدمة لذيذة لعشاء لذيذ، ومن المحقق ~~أنهم لم يكونوا وحدهم يصطنعون هذا الطعام، وإنما كان لهم في الربع زملاء يصطنعون ~~مثله ويتنسمون رائحته مثلهم، ومن المحقق أيضا أن قد كان لهم في الربع زملاء تقصر بهم ~~ذات أيديهم عن أن يصنعوا لأنفسهم من الطعام مثل ما كانوا يصنعون، ومن المحقق أيضا أن ~~هؤلاء العمال الذين كانوا يسكنون الدور السفلي من الربع كانت تقصر بهم ذات أيديهم عن أن ~~يطرفوا أنفسهم وأبناءهم ونساءهم بمثل هذا الطعام. وأكبر الظن أنهم كانوا يجدون من ~~نسائهم لهذا الحرمان هما ثقيلا. وأكبر الظن أن هؤلاء المحرومين من الطلاب والعمال ~~كانوا يجدون في هذه الروائح التي كانت تملأ الربع يوم الجمعة لذة مؤلمة أو ألما ~~لذيذا. # وكانت نار هذا الفحم البلدي بطيئة طويلة البال، فكان ذلك يطيل لذة قوم ويمد ألم ~~آخرين، حتى إذا صليت العصر ودعيت الشمس إلى الغروب كان الطعام قد نضج، فاجتمع القوم حول ~~مائدتهم وأقبلوا على طعامهم في نشاط يشبه الجد الهازل أو الهزل الجاد، كلهم حريص على ~~أن يستوفي حظه من هذا الطعام، وكلهم يراقب أصحابه أن يسبقوه أو يشتطوا عليه، وكلهم ~~يستحيي أن يظهر هذا الحرص أو يبدي هذه المراقبة. ولكن الشيخ معهم، فصراحته تغني عن ~~صراحتهم، وهزله يفضح ما أسروا من الجد، فهو يراقبهم جميعا، وهو ms096 يقسم الطعام بينهم ~~بالعدل، وهو يصد أحدهم إن هم أن يجور على أصحابه، لا يخفي ذلك ولا يتحفظ فيه، وإنما ~~يعلنه صاخبا كعادته، منبها هذا إلى أنه يخدع نفسه عن قطعة البطاطس بقطعة اللحم، ~~ومنبها ذاك إلى أنه يسرف على نفسه وعلى أصحابه بما يغترف في لقمته الغليظة من جامد ~~الطعام أو سائله، مرسلا ألفاظه إلى هذا وذاك في هزل يخف على أسماعهم ويحسن موقعه ~~من نفوسهم، ويضحكهم، ولا يؤذيهم فيما ينبغي لهم من الحياء. # والصبي في أثناء هذه المعركة الضاحكة خجل وجل، مضطرب النفس مضطرب حركة اليد، لا ~~يحسن أن يقتطع لقمته، ولا يحسن أن يغمسها في الطبق، ولا يحسن أن يبلغ بها فمه، يخيل ~~إلى نفسه أن عيون القوم جميعا تلحظه، وأن عين الشيخ خاصة ترمقه في خفية، فيزيده هذا ~~اضطرابا، وإذا يده ترتعش، وإذا بالمرق يتقاطر على ثوبه، وهو يعرف ذلك ويألم له ولا ~~يحسن أن يتقيه. وأكبر الظن؛ بل المحقق أن القوم كانوا في شغل عنه بأنفسهم، وآية ذلك ~~أنهم يفكرون فيه ويلتفتون إليه ويحرضونه على أن يأكل ويقدمون إليه ما لا تبلغه يده، ~~فلا يزيده ذلك إلا اضطرابا واختلاطا، وإذا هذه المعركة الضاحكة مصدر ألم لنفسه وحزن ~~لقلبه، وكانت خليقة أن تسره وأن تضحكه، ولكنها إن آذته في أثناء الطعام فقد كانت تسره ~~وتسليه، وتضطره أحيانا إلى أن يضحك وحده إذا خلا إلى نفسه بعد أن يشرب الجماعة ~~شايهم وينتقلوا إلى حيث يدرسون أو يسمرون. # وكذلك أنفق هؤلاء الشباب أعواما طويلة مع هذا الشيخ. وشب الصبي في هذه الحياة ~~الضاحكة بفضل الشيخ علي، على رغم ما كان يعترض طريقها من أسباب الألم والأسى. # ثم تفرقت الجماعة، وذهب كل من هؤلاء الشباب لوجهه، وتركوا الربع واستقروا في ~~أطراف متباعدة من المدينة، وقلت زيارتهم للشيخ، ثم انقطعت، ثم تناسوه، ثم ~~نسوه. # وفي ذات يوم حمل إلى أفراد هذه الجماعة نعي الشيخ، فحزنت قلوبهم ولم يبلغ الحزن ~~عيونهم، ولم يرسم آياته على وجوههم، وأخبر المخبر الصادق أن آخر ms097 كلمة نطق بها الشيخ وهو ~~يحتضر إنما كانت دعاءه لأخي الصبي. # فرحم الله عمي «الحاج علي»! لقد كان ظله على الصبي ثقيلا وإن ذكره ليملأ قلبه بعد ~~ذلك رحمة وحنانا. # | الفصل السابع # ولم يكن هؤلاء الشباب يستمدون فرحهم ومرحهم من ذلك الشيخ وحده، وإنما كان لفرحهم ~~ومرحهم مصدر آخر في بعض الأحيان. ولكن فرحهم كان مقتصدا ومرحهم كان هادئا إذا جاءهم ~~من هذا المصدر الآخر. كانوا يفرحون بمقدار، ويمرحون من وراء ستار، إذا لقوا صاحبهم ~~ذاك الذي كان يسكن غرفة في أقصى الربع من يمين، كما كان الشيخ في أقصى الربع من ~~شمال. وكان صاحب الغرفة اليمنى رجلا متوسط السن قد جاوز الأربعين من غير شك ولكنه لم ~~يبلغ الخمسين. وكان طالب علم، وقد أنفق في الأزهر أكثر من عشرين سنة ولم يظفر بدرجة ~~العالمية بعد، ولم يستيئس من الظفر بها، ولكنه لم يقصر عليها جهده ولم يقف عليها ~~حياته، وإنما كان يطلبها ويطلب معها أشياء أخرى هي التي يطلبها الناس في حياتهم؛ فقد ~~كان له زوج وكان له بنون، وكان يمنح زوجه وأبناءه من وقته إجازة الصيف وإجازة الصوم. ~~وهذه الإجازات القصار التي كانت تتخلل دراسة الأزهريين أحيانا. وكان أهله يقيمون في ~~القرية قريبا من القاهرة؛ فلم يكن الانتقال إليهم والارتحال عنهم يكلفان الرجل جهدا ~~ثقيلا أو نقدا كثيرا. وكان ككثير من أهل إقليمه يملك قطعة أو قطعا صغيرة من الأرض، ~~وقد أصهر إلى رجل يملك قطعة أو قطعا من الأرض أيضا، فلم يكن فقير الحال كما كان يقال ~~في ذلك الوقت، ولكنه لم يكن عظيم اليسار؛ وكان قبل كل شيء مقتصدا يوشك اقتصاده أن ~~يبلغ البخل. # وكان حبه للعلم معتدلا، وكانت رغبته في العلم متواضعة، وكان إقباله على الدرس ضئيلا ~~جدا، وكان ذكائه أضأل من إقباله على الدرس، واستعداده لفهم العلم أقل من إقباله عليه، ~~وكان مع ذلك يرى نفسه ذكيا، ويرى نفسه مظلوما؛ لا لأنه تقدم لنيل الدرجة فرد ~~عنها واشتطت عليه اللجنة في الامتحان، فقد أنفق ms098 في الأزهر أكثر من عشرين سنة ولم ~~يتقدم للامتحان، وكان يستطيع أن يتقدم بعد اثنتي عشرة سنة، ولكنه لم يفعل؛ لأنه كان ~~يرى الأزهر من وراء منظار قاتم أو شاحب. # كان يسيء الظن بالطلاب، وكان يرى - مخطئا أو مصيبا، وأكبر الظن أنه كان مخطئا - ~~أن الدرجات لا تنال في الأزهر بالذكاء والبراعة، ولا بالجد والتحصيل، وإنما تنال من جهة ~~بالحظ والمصادفة، ومن جهة أخرى بالتملق وحسن الحيلة والمهارة في التوسل إلى ~~الممتحنين. وكان يرى أن الحظ قد ظلمه وتحول عنه لسبب مجهول، وأنه مخفق إن تقدم إلى ~~الامتحان؛ فالخير في ألا يتقدم. # وكان يبتدئ عامه الأزهري مصمما على أن يتأهب للامتحان، فيتفق مع جماعة من ~~أصدقائه على أن يقرأ معهم طائفة من الكتب التي لم يكن بد من إتقانها قبل التقدم ~~للامتحان، ثم لا يمضي شهر أو شهران حتى يشعر بأن الحظ لا يواتيه، فيهمل ثم يكسل ثم ~~ينصرف عن الدرس إلى غيره من شئون الحياة. وكان يعتقد أن الحظ قد ظلمه مرة أخرى، فلم ~~يمنحه من نباهة الذكر ومن هذا الذكاء الخداع ما يلفت إليه الشيوخ، كما منح فلانا ~~وفلانا من أصدقائه، مع أنه في حقيقة الأمر ليس أقل من أصدقائه فهما للعلم، ولا قدرة ~~على التصرف فيه. # ولم يكن يخفي إذا تحدث إلى أصدقائه الشباب أنه كان يعرف الطريق المأمونة المضمونة ~~إلى الدرجة، وأنه كثيرا ما راود نفسه عن سلوكها، ولكن نفسه لم تطب قط عن بيع قيراط ~~أو قيراطين ليظفر بهذه الدرجة التي تمنحه لقلب العالم، وتزيد جرايته أرغفة، وتغل ~~عليه آخر الشهر خمسة وسبعين قرشا. # وكان من أجل هذا كله ينتظر أن تصفو له الأيام، ويبتسم له وجه الحظ، كما ابتسم لصديقه ~~ومواطنه فلان في العام الماضي؛ فقد أقام صديقه هذا طالبا للعلم ربع قرن، وكان ذكيا ~~بارعا، ثم تقدم فجأة إلى الامتحان فلم يجزه ناجحا فحسب، ولكنه ظفر بالدرجة ~~الثانية لا بالدرجة الثالثة، ولو أنه أحسن التقرب إلى فلان من أعضاء اللجنة لظفر ~~بالدرجة الأولى. ms099 # فلينتظر إذن كما انتظر صديقه، ولعل الحظ أن يواتيه كما واتى صديقه، فالأمر كله إلى ~~الحظ أيها الأصدقاء؛ فقد درست كما تدرسون وتعبت كما تتعبون، وأنا أتمنى أن يكون حظكم ~~خيرا من حظي وإن كنت لا أثق بذلك ولا أطمع فيه. # وكان هؤلاء الشباب يسمعون من صاحبهم هذه الأحاديث فيحفظونها ويثبتون في أنفسهم ~~طريقته في إلقائها، وكانت طريقته طريفة حقا؛ فقد كان يتحدث في هدوء شديد وصوت هو ~~إلى الخفوت أقرب منه إلى الجهر، وكان يعتمد على ألفاظه كأنما يريد أن يثبتها في آذان ~~سامعيه. وكان يفصل بين أحاديثه هذه بكثير من الفكاهات والنوادر التي كان يراها غريبة ~~مضحكة، فيضحك لها ويطيل الضحك، وقد مرت على أصدقائه فلم تضحكهم ولم تلفتهم، ولكنهم ~~رأوه يضحك فوجموا، ثم رأوا ضحكه متصلا فضحكوا، ثم رأوا إغراقه في الضحك فأغرقوا فيه. ~~وكان ضحكه غريبا مضحكا حقا إن جاز هذا التعبير؛ فقد كان يبدؤه عاليا ثم يقطعه ~~ويضحك صامتا لحظة، ثم يستأنفه عاليا ثم يقطعه ويمضي فيه صامتا، ثم يستأنفه، ~~وهكذا. # وكان الطلاب إذا خلوا إلى أنفسهم أعادوا أحاديثه، ورددوا ألفاظه، وقلدوا ضحكه ~~وقضوا في ذلك ساعة مسلية سارة. # ولكن الذي كان يعجب هؤلاء الشباب من صديقهم هذا شيء آخر؛ فقد كان صاحب لذة بل صاحب ~~إغراق في اللذة وتهالك عليها. وكان يحب الحديث عن لذاته، ويستمتع بتفصيل هذا الحديث كما ~~يستمتع بلذاته نفسها أو أكثر مما يستمتع بلذاته نفسها. وكانت اللذات التي يمعن فيها ~~ويتحدث عنها بريئة إن شئت، وآثمة إن شئت أيضا. كان يذكر لذاته إذا خلا إلى أهله ~~ويفصل ذلك تفصيلا منكرا يقطعه بضحكه الغريب. وكان يذكر لذاته إذا جلس إلى ~~طعامه الدسم في القرية وإلى طعامه الخشن في المدينة، ويفصل ذلك بفكاهاته النادرة ~~الفاترة وضحكه المتقطع المتصل. # وكان يذكر لذاته إذا سعى في شوارع المدينة وفي حاراتها، وإذا وقف في الربع نفسه ~~يستنشق الهواء وألقى عينيه إلى الطبقة السفلى، فلم يكن يرى امرأة في الشارع أو الحارة ~~أو الربع إلا فصلها ms100 بعينه تفصيلا، وحللها في نفسه تحليلا، وجردها من ثيابها ~~تجريدا، ووجد في هذا الجهد الآثم لذة لا تقل عنه إثما. ولم يكن يسمي المرأة ~~امرأة ولا سيدة ولا أنثى، ولا شيئا مما تعود الناس أن يسموها، وإنما كان يسميها ~~فخذا. ولم تكن المرأة النحيلة تعدل عنده شيئا، وإنما المرأة كل المرأة من ضخمت حتى ~~اكتظت أعضاؤها بالشحم واللحم، وكان يشبهها بالوسائد حينا وبالحشايا حينا ~~آخر. # وكان يستدل على مذهبه هذا بقول كعب بن زهير في صاحبته سعاد: # هيفاء مقبلة عجزاء مدبرة # لا يشتكى قصر منها ولا طول # وكان يقول لأصدقائه: ألا ترون أنه لم يكد يذكر أن صاحبته كانت هيفاء إذا أقبلت حتى ~~استدرك أمره وقوم رأيه فذكر أنها عجزاء إذا أدبرت! ثم يمضي بعد ذلك في ألوان شنيعة من ~~التفصيل، ثم يقص الفكاهات وينثر النوادر، ويرسل الضحك ثم يمسكه، وقد ملك على هؤلاء ~~الشباب أمرهم بما يلقي إليهم من حديث، وأي شيء أبلغ أثرا في نفوس الشباب المحرومين ~~هذه اللذات بريئها وآثمها من هذا الحديث! # وكان الصبي يسمع ذلك وهو في ركنه منحن مطرق كأنه ليس مع القوم، وما يفوته من حديث ~~القوم لفظ، وما تشذ عنه من أصوات القوم نبرة. وكان يقول في نفسه: لو عرف هؤلاء الرجال ~~مقدار ما أسمع لهم وما آخذ عنهم لاجتنبوا أن يديروا مثل هذه الأحاديث بمحضر من الصبية ~~الناشئين. # وقد أنفق الرجل منذ عرفه الصبي أعواما في الربع اختلفت عليه فيها شئون كانت كلها ~~تضحك في ظاهر الأمر، ولكنها تحزن وتثير الأسى عند الرؤية والتفكير. # كان فلاحا بأدق ما تؤدي هذه الكلمة من معاني الحب للأرض، والحرص على المال، والجزع ~~كل الجزع أن يغلب في بيع أو تأجير أو شراء. وكان المال، والمال وحده، يسيطر على أمره ~~كله إذا ذهب إلى قريته أو فكر فيها أو لقي أحدا من أهلها. وكان صاحب لذة بأدق ما ~~تؤدي هذه الكلمة من معاني الاستجابة للحس والطلب لهذه المتع القريبة التي لا تحتاج إلى ~~رقة نفس ms101 ولا إلى دقة عاطفة ولا إلى صفاء ذوق. وكان طلبه للعلم وانتظاره للدرجة وسيلة من ~~وسائله - أو قل غاية من غاياته - يستريح إليها إذا جد في تحصيل المال حتى أعياه ~~الجد، وإذا تهالك على الاستمتاع باللذة حتى أضناه الاستمتاع. هنالك يعود إلى ~~ربعه ويستقر في غرفته، ويفكر في زملائه وشيوخه ودرجته، ويتحدث إلى أصدقائه ~~هؤلاء، ويشاركهم في بعض الطعام ويشاركهم في بعض الشاي. ولكنه كان على هذا كله مؤمنا ~~شديد الإيمان، له نزعات صوفية غريبة تخرجه بين حين وحين عن أطواره هذه كلها، وترده ~~زاهدا متقشفا يأخذ نفسه بالشدة والعنف، ويفرض عليها عذاب الحرمان والجوع. # وقد اختلف مع حميه ذات يوم في بعض الأمور، وزهد في زوجه الفلاحة، وطمح إلى أن يتخذ ~~لنفسه زوجا من أهل القاهرة، ويصهر إلى أسرة متحضرة متأنقة، فطلق امرأته. وكان يتحدث ~~بآماله هذه إلى أصدقائه مفصلا لهم في أصرح الألفاظ وأبشعها ما يكون من الفروق بين ~~نساء المدينة ونساء الريف. ولكنه أصبح ذات يوم وقد صرف عن المال وصرف عن نساء المدينة ~~ونساء الريف، وصرف عن لذة الطعام والشاي؛ لأنه أحس أن الحظ سيواتيه إن تقدم للامتحان، ~~فلا بد إذن من أن يتقدم، ولا بد إذن من أن يتهيأ لهذا الصراع بينه وبين الشيوخ، ~~وأمامه أشهر يستطيع أن يستعد فيها، فليعبئ أصدقاءه وزملاءه القدماء والمحدثين، ~~وليفرغ للأصول والفقه وللبلاغة والنحو والتوحيد، ولهذه المواد التي كان يتألف منها ~~«التعيين». وقد فعل، وتقدم للامتحان وكان يوم امتحانه يوما مشهودا. # أقبل على اللجنة مع الصباح وانصرف عنها عند المساء، فأتعبها وأتعبته، وكان قد دبر ~~لنفسه حيلة ظريفة طريفة يستريح بها من اللجنة إن اشتطت عليه، فاشترى بطيخة أو جماعة ~~من البطيخ وتركها قريبا من غرفة الامتحان، وزعم للجنة حين أدخل عليها أنه مريض بسلس ~~البول، واستأذنها في أن ينصرف كلما اضطرته علته إلى الانصراف، وقد رحمته اللجنة وأذنت ~~له أن ينصرف كلما دعته علته إلى ذلك. فكان يأخذ في تقرير الدرس ويأخذ في محاورة ~~الممتحنين إن ألقى عليه ms102 أحدهم هذا السؤال أو ذاك، ثم يقطع تقريره أو حواره فجأة ويستأذن ~~في الخروج، فإذا خرج لم يذهب إلى حيث يرضي حاجة أو يشفي علة، وإنما ذهب إلى حيث يصيب ~~مقدارا من البطيخ يبرد به قلبه ويشحذ به ذهنه ويسترد به خاطره كما كان يقول، ثم عاد ~~إلى اللجنة فاستأنف التقرير أو الحوار من حيث قطع التقرير أو الحوار. وما زال باللجنة ~~وما زالت اللجنة به حتى انقضى أكثر النهار، وعاد إلى غرفته سعيدا موفورا؛ فقد أتيح ~~له النجاح وظفر بالدرجة الثالثة وأصبح من العلماء. # وتفرق عنه أصدقاؤه مع الصيف، فلما لقوه من الخريف كان قد فارق غرفته في الربع وحقق ~~آماله تلك، فأصهر إلى أسرة من المدينة، وأقام معها غير بعيد من مسكنه القديم. # وقد أخذته نزعته الصوفية ذات يوم، فاعتزم أن يعتكف في المسجد أياما يروض نفسه فيها ~~على الصلاة والصوم وذكر الله. وقد فعل، فلزم الخلوة أياما لا أدري كم عددها ولكنها لم ~~تكن قليلة؛ فقد خرج من الخلوة نحيلا منهوكا. فلما عاد إلى أهله أنكروه، ولعلهم سخروا ~~من رجولته، فعادت إليه نفسه الفلاحة المتهالكة على اللذات، وأدركته حميته الريفية، ~~فخرج مع الصباح حتى أتى مطعما أو قهوة فأسرف على نفسه أشد الإسراف فيما التهم من ~~فول وزيت وخبز وبصل، ثم أسرف على نفسه أشد الإسراف فيما أطفأ به نار هذا الإفطار من ~~شاي، ثم أضاف إلى كل ما ألقى في جوفه من سائل وجامد شيئا من هذه الأشياء التي كان ~~أمثاله يشيرون إليها ولا يسمونها؛ فلما استقر هذا كله - أو اضطرب - في جوفه عاد إلى ~~أهله فائرا ثائرا، فأنكروا قوته واتقوه، وانتهى أمره إلى أن هم بأن يثب من النافذة ~~لولا أن أدركه بعض أعضاء الأسرة فردوه عن ذلك بعد جهد وأوثقوه، وإذا هو مجنون قد ذهب ~~عقله. # وما ينسى الصبي ذلك الصوت الذي كان يصل إليه ذات ليلة بعد أن صليت العشاء، والذي ~~وقف له أولئك الشباب من الطلاب واجمين محزونين تريد دموعهم أن تنهل ms103 فلا يمسكها إلا ~~الحياء. وكان ذلك الصوت صوت ذلك الرجل الذي أخذه الجنون وأطلق لسانه فهو يتغنى بأبشع ~~الهذيان، فلما أصبح ذهب به أصهاره إلى المستشفى هناك حيث يداوى أمثاله. وقد أقام في ~~هذا المستشفى أسابيع، ثم خرج منه وقد تغيرت حاله كل التغيير؛ فانخفض صوته أكثر مما ~~كان منخفضا، وهدأت حركاته وانقطع ضحكه، وأصبح يبعث في نفس من يلقاه شيئا غريبا من ~~الخوف منه والإشفاق عليه. # وقد مضت الأيام بما تمضي به من الأحداث، وتفرق عن هذا الرجل أصدقاؤه الشباب، وذهب ~~كل منهم لوجه من وجوه الحياة، وقل لقاؤهم لهذا الرجل ثم انقطع، وجعلت أخباره تصل ~~إليهم متقطعة، ثم انقطعت هي أيضا، وأنبأ المنبئ ذات يوم بأنه قد مات. # فسمع أصدقاؤه هذا النبأ فحزنت نفوسهم لحظة، ولكن عيونهم لم تذرف دمعة، ولكن وجوههم لم ~~تنقبض إلا قليلا، وإنما انطلقت ألسنتهم بهذه الآية الكريمة التي نتلوها دائما كلما ~~انتهى إلينا النعي: # إنا لله وإنا إليه ~~راجعون ~~. # | الفصل الثامن # وغرفة أخرى من غرفات هذا الربع كانت تقوم فيه غير بعيد عن شمالك إذا صعدت السلم، ~~وكانت مصدر فكاهة ودعابة ولهو لهؤلاء الشباب أيضا. # كان يسكنها شاب لعله كان أكبر من هؤلاء الطلاب شيئا، وقد كان أقدم منهم عهدا ~~بالأزهر، ولكنه كان من جيلهم ومن طبقتهم على كل حال. كان نحيف الصوت يكفي أن تسمعه ~~لتضحك من صوته، وكان ضيق العقل لم يأذن الله للون من ألوان العلم أن يستقر في رأسه؛ لأن ~~عقله كان محدودا محصورا. وكان قصير الذكاء لم يأذن الله لذهنه أن ينفذ إلى أقرب شيء ~~وراء ما كان يقرأ في الكتب على اختلافها. وكان مع ذلك واسع الثقة بنفسه بعيد الطمع في ~~مستقبله مطمئنا في غير تكلف إلى أنه كأصحابه هؤلاء الذين يعيش معهم ويشاركهم في ~~أكثر ما يختلفون إليه من الدروس. # كان يشهد معهم درس الفقه ودرس البلاغة ودرس الأستاذ الإمام. ولم يكن يخف لدرس ~~الأصول؛ لأن هذا الدرس كان يقتضيه أن يخرج من غرفته مع الفجر، ms104 وقد كان لراحته مؤثرا ~~وبها ضنينا. وكان يشارك أصحابه في بعض مطالعاتهم، وكان يشاركهم بنوع خاص في هذه ~~المطالعات التي لا تتصل بالدروس المنظمة ولا بالكتب التي كان الشيوخ يقرءونها. # فقد كان هؤلاء الشبان يضيقون بكتب الأزهر ضيقا شديدا، يتأثرون في ذلك برأي أستاذهم ~~«الإمام» في كتب الأزهر ومناهجه. وكانوا يسمعون من الأستاذ الإمام حين يشهدون درسه أو ~~حين يزورونه في داره أسماء كتب قيمة في النحو والبلاغة والتوحيد والأدب أيضا، وكانت ~~هذه الكتب القيمة بغيضة إلى شيوخ الأزهر؛ لأنهم لم يألفوها، وربما اشتد بغضهم لهذه ~~الكتب؛ لأن الأستاذ الإمام قد دل عليها ونوه بها. وكان الذين ينافسون الأستاذ ~~الإمام من الشيوخ الأعلام يحاولون أن يذهبوا مذهبه فيدلون طلابهم على كتب قيمة أخرى، لا ~~تقرأ في الأزهر؛ لأن الأزهريين لم يألفوا قراءتها. وكان هؤلاء الطلاب لا يكادون يسمعون ~~اسم كتاب من هذه الكتب حتى يسرعوا إلى شرائه إن وسعهم ذلك، وربما كلفوا أنفسهم في هذا ~~الشراء جهدا ثقيلا وحرمانا شديدا، فإن أعياهم ذلك استعاروه من مكتبة الأزهر، ثم ~~أقبلوا عليه ينظرون فيه، ثم اتفقوا على أن يقرءوه جماعة، ويتعاونوا على فهمه. # كان يدفعهم إلى ذلك حبهم الصادق للأستاذ الإمام ورغبتهم الصادقة في العلم والاطلاع. ~~وربما دفعهم إلى ذلك مع هذه العاطفة شيء من غرور الشباب؛ فقد كانوا يفخرون بتلمذتهم ~~للأستاذ الإمام وللشيخ بخيت وللشيخ أبي خطوة وللشيخ راضي، وكانوا يملئون أفواههم بأنهم ~~تلاميذ هؤلاء الأئمة وبأنهم من تلاميذهم المقربين المصطفين. ولم يكونوا يكتفون ~~بالاختلاف إلى هؤلاء الشيوخ في دروسهم، وإنما كانوا يزورون شيوخهم في بيوتهم، وربما ~~شاركوهم في بعض البحث، وربما استمعوا منهم دروسا خاصة في يوم الخميس بعد أن تصلى ~~الظهر أو بعد أن تصلى العشاء. وكانوا لا يكرهون أن يعرف عنهم زملاؤهم هذا كله، وأن ~~يتحدث عنهم زملاؤهم بأنهم يقرءون بينهم هذا الكتاب أو ذاك في هذا الفن أو ذاك، وكانوا ~~قد وصلوا بهذا كله إلى شيء ظاهر من الامتياز بين زملائهم، حتى عرفوا في الأزهر كله ~~بأنهم ms105 أنجب طلاب الأزهر وأخلقهم بالمستقبل السعيد. فكان من المعقول أن يسعى إليهم ~~الأوساط من زملائهم يلتمسون التفوق في الاتصال بهم والامتياز حين يعرف الناس أنهم من ~~أصدقائهم وأصفيائهم، ويلتمسون بذلك الوسيلة إلى أن يتصلوا بكبار الشيوخ وأئمة الأساتذة. ~~وكان صاحبنا من هؤلاء الطلاب الأوساط، قد اتصل بهذه الجماعة من الطلاب؛ ليقول زملاؤه ~~إنه واحد منهم، وليستطيع بحكم هذه الصلة أن يصحبهم في زياراتهم للأستاذ الإمام أو الشيخ ~~بخيت. # وكان غرور الشباب يحبب إلى هذه الجماعة هذا النوع من الامتياز، ويهون عليها قبول ~~هؤلاء الطفيليين في العلم من ضعاف الطلاب وأوساطهم، ثم يتيح لهم بعد ذلك، حين يخلون إلى ~~أنفسهم وقد أحصوا على هؤلاء الزملاء جهالاتهم وسخافاتهم وأغلاطهم الشنيعة، أن يعيدوا ~~ذلك وأن يضحكوا منه ملء أفواههم وملء جنوبهم أيضا. وأكبر الظن أن صاحبهم هذا قد ~~عرفهم في بعض الدروس، فما زال يدني نفسه منهم حتى اتصل بهم فزارهم. ثم أعجبه ربعهم ~~وأعجبه جواره لهم في هذا الربع، فاتخذ فيه غرفة وأصبح واحدا منهم، يشاركهم في الدرس، ~~ويشاركهم في الشاي، ويشاركهم في الزيارات ويشاركهم في بعض الشهرة. ولكن الله لم يفتح ~~عليه قط بأن يشاركهم في العلم والفهم، وفي الإبانة والإيضاح. ويظهر أنه كان أوسع منهم ~~يدا، وأكثر منهم مالا، أو قل: إنه كان يقتر على نفسه إذا خلا إليها، فإذا اتصل ~~بأصحابه يسر على نفسه وأنفق عن سعة. وربما كان يشعر بحاجتهم إلى النقد لشراء كتاب، أو ~~لأداء دين عاجل، أو لإرضاء حاجة ملحة؛ فيقدم إليهم من ذلك ما يريدون رفيقا بهم متلطفا ~~لهم. وكانوا يعرفون ذلك له ويحمدونه، ولكنهم لم يكونوا يطيقون جهله، وربما لم يملكوا ~~أنفسهم فضحكوا من هذا الجهل بمحضر منه، وردوا عليه سخفه ردا عنيفا فيه كثير من ~~الازدراء القاسي، ولكنه كان يقبل ذلك راضيا، ويتلقاه باسما، وما أظن أنهم قد عرفوا في ~~وجهه الغضب يوما على كثرة ما كانوا يثقلون عليه بالغض منه والازدراء له. وكان أجمل ما ~~كانوا يتندرون به عليه علمه بالعروض، أو ms106 جهله بالعروض فكلاهما سواء. كان يطالع معهم ~~كتابا في النحو، فلا يكاد يعرض لهم شاهد - وما أكثر ما تعرض الشواهد في كتب النحو - ~~حتى يكون أسرعهم إلى رد هذا الشاهد إلى بحر من أبحر العروض، لم يكن يختلف قط وإنما كان ~~«البسيط» دائما، وقد يكون البيت من «الطويل»، وقد يكون من «الوافر»، وقد يكون من أي ~~بحر من أبحر الشعر، ولكنه كان «بسيطا» دائما. # والغريب أنه لم يكن يكتفي بالإسراع إلى إعلان أن هذا البيت من البسيط، وإنما كان يسرع ~~فيأخذ في تقطيع البيت يرده إلى البسيط، مهما يكن وزنه، فيقطع على الجماعة درسهم، ~~ويدفعهم إلى بحر من الضحك لا يكاد يعرف له حد. وقد كثر منه ذلك حتى أغرى به أصحابه ~~وأطمعهم فيه؛ فكانوا كلما عرض لهم بيت من الشعر أظهروا العجز عن رده إلى وزنه حتى ~~ينبئهم صاحبهم بأنه من البسيط، فإذا فعل أظهروا العجز عن تقطيع البيت حتى يأخذ صاحبهم ~~في تقطيعه فيرده إلى البسيط، وهناك يستأنفون الضحك، ويستأنفون الاستهزاء، ويلقاهم هو ~~بهذه الابتسامة الراضية التي لا تعرف الغضب ولا الغيظ. # وقد أقام هذا الشاب على ذلك مع أصدقائه أعواما طوالا لم يغاضبهم ولم يغاضبوه. وكأنه ~~أحس آخر الأمر أنه ليس من تلك الحلبة، وأنه لا يستطيع أن يجري في ذلك الميدان؛ فأخذ ~~يتخلف قليلا قليلا عن الدروس، ويتكلف التعلات والمعاذير، لا يشارك القوم في ~~مطالعتهم، ويكتفي بالمشاركة في الشاي والطعام أحيانا، والزيارات دائما. # وقد تقدمت السن بالصبي في أثناء ذلك، وتقدم به الدرس أيضا، وإذا هذا الشاب يظهر ~~العطف عليه والقدر له، وإذا هو يعرض عليه أن يقرأ معه الكتب، ويعرض عن مشاركة أقرانه ~~وأنداده إلى مشاركة هذا الغلام الناشئ، ويأخذ الغلام في أن يقرأ معه كتبا في الحديث ~~وأخرى في المنطق وأخرى في التوحيد، ولكنه لا يجد عنده غناء. وليس الغلام فارغا للضحك ~~منه والتندر به، وليس هو قادرا على ذلك ولا راغبا فيه، وإذا هو يحتال في التخلص منه ~~والمضي لشأنه. # وإذا هذا الرجل ms107 يترك العلم أو يتركه العلم، ولكنه يظل محسوبا على الأزهر طالبا فيه ~~مشاركا لأصحابه في الناحية الاجتماعية من حياتهم، وقد ارتقت حياتهم بعض الشيء؛ رقاها ~~ذكاؤهم وجدهم وتفوقهم ورضا الأستاذ الإمام عنهم وتقريبه إياهم، وإذا هم يتصلون ~~بفلان وفلان من أبناء الأسر الغنية الثرية الذين كانوا يطلبون العلم في الأزهر إذ ذاك، ~~وإذا الزيارات تتصل بينهم وبين هؤلاء الشبان الأغنياء الأثرياء، وصاحبهم معهم يزور ~~ويزار، وترتقي حياته الاجتماعية كما ارتقت حياة أصحابه. ولكن أصحابه لا يحسون هذا ~~الارتقاء ولا يكادون يشعرون به، وهم إذن لا يتحدثون به ولا يتمدحون بزياراتهم لتلك ~~البيوت الممتازة وجلوسهم إلى أصحابها النابهين، وإنما يرون ذلك شيئا طبيعيا مألوفا. ~~فأما صاحبهم فهو الذي يراه المجد كل المجد، ويستمد منه الغبطة كل الغبطة والغرور كل ~~الغرور، ويستغله لبعض منافعه المادية أحيانا، ويتحدث به دائما إلى من أراد أن يسمع ~~له ومن لم يرد. # وتمضي الأيام ويتفرق هؤلاء الطلاب، وقد أخذ كل واحد منهم طريقه في الحياة. ولكن هذا ~~الرجل لا ينساهم ولا يسمح لهم أن ينسوه، قد عجز عن تتبعهم في العلم فليتتبعهم في غيره ~~مما تمتلئ به الحياة؛ يزورهم وإن لم يزوروه، ويلقاهم في زيارتهم عند فلان أو فلان من ~~أصحاب المنزلة والثراء. # وقد خرج الأستاذ الإمام من الأزهر في تلك المحنة السياسية المعروفة، وإذا صاحبنا ~~متصل بالأستاذ وشيعته، متصل بخصوم الأستاذ الإمام وشيعتهم أيضا. وقد أخذ الأزهر ~~يضطرب، ودخلت السياسة في ذلك الاضطراب، واختصمت فيه السلطتان، وإذا صاحبنا يتصل ~~بالمضربين مشاركا لهم في الإضراب، ويتصل بخصوم الإضراب مفشيا لهم أسرار المضربين، ~~ويتكشف الأمر ذات يوم، ويا له من يوم! عن أن صاحبنا قد كان متصلا بالمحافظة، فتقطع ~~الصلة قطعا عنيفا بينه وبين أصدقائه، ويرد عن البيوت التي كان يسعى إليها ويستقبل ~~فيها، ويقبع في غرفته تلك في الربع قد خسر الناس جميعا ولم يخسره أحد. وقد قصرت به ~~همته عن درجة الأزهر فهو ينفق حياته الخاملة وحيدا بائسا محتملا خموله على مضض ~~مكتسبا عيشه في ms108 مشقة. # ثم ينبئ المنبئ ذات يوم بأنه قد مات، أمات من علة؟ أمات من حسرة؟ أم مات من ~~الحرمان؟ ولكن أصدقاءه يسمعون النعي فلا يأخذهم وجوم، ولا يمس نفوسهم حزن، وإنما ~~يتلون هذه الآية الكريمة التي نتلوها دائما حين ينعى إلينا الناس: # إنا لله وإنا إليه راجعون ~~. # | الفصل التاسع # وكان الربع خاليا أو كالخالي حين أقبل الصبي عليه لأول مرة، لم يكن أهله قد عادوا ~~إليه بعد إجازة الصوم. وقد عرف الصبي بعد ذلك أن طلاب الأزهر كانوا يستحبون الإبطاء في ~~العودة إلى القاهرة بعد هذه الإجازة خاصة، ففي هذا الوقت كانت تبدأ السنة الأزهرية، ~~وكأن الطلاب والعلماء كانوا يجدون شيئا من المشقة والجهد في مفارقة أهلهم وأوطانهم، ~~فكانوا يطيلون إجازتهم يومين أو أياما، وربما أطالوها أسبوعا أو أكثر من أسبوع. ولم ~~يكن عليهم من ذلك بأس؛ فقد كان الأزهر حينئذ في آخر أيامه السعيدة التي لم يكن النظام ~~يحصي فيها على الأساتذة والطلاب أيام العمل وأيام الراحة، والتي لم يكن فيها النظام ~~يأخذ الأساتذة والطلاب بهذه المواظبة القاسية على الدرس في جميع أيامه وفي جميع أوقاته. ~~وإنما كان الأمر هينا سهلا؛ تعين المشيخة آخر الإجازة وأول العمل، والأساتذة ~~أحرار يبدءون متى أرادوا أو متى استطاعوا. والطلاب أحرار يقبلون على الدروس متى أحبوا ~~أو متى أتاحت لهم ظروفهم أن يقبلوا عليها. # كان الأمر هينا سهلا، وكان يعتمد على الرغبة والإرادة أكثر مما يعتمد على الدقة ~~المقررة والنظام المحتوم، وكان أجدر أن يميز أصحاب الجد والعمل من أصحاب الكسل والعبث، ~~وأن يدفع الطلاب إلى العلم حبا فيه وطموحا إليه لا طاعة للأمر ولا إشفاقا من ~~العقاب. # وكان الأساتذة والطلاب يستمتعون بهذه الحرية الحلوة السمحة في قصد واعتدال، فكان ~~الأسبوعان الأولان من أيام الدرس أسبوعي حرية وسعة، كما كانا أسبوعي مودة وتعارف ~~وبر. # يقبل الطلاب من بلادهم على مهل، فإذا أقبلوا تزاوروا وبر بعضهم بعضا، ثم سعوا إلى ~~دروسهم على مهل أيضا. ويقبل الأساتذة من بلادهم في أناة وريث، فإذا أقبلوا هيئوا ms109 ~~منازلهم للإقامة الطويلة، ثم سعى بعضهم إلى بعض بالتحية والود، ثم بدءوا دروسهم لا ~~معجلين ولا مرهقين. على أن كثيرا من الأساتذة والطلاب كانوا يؤثرون العلم على أهلهم ~~وأوطانهم، فمنهم من يقيم في القاهرة أثناء الإجازة دارسا في بيته أو في الأزهر نفسه ~~أو في غيره من المساجد. ومنهم من كان يتعجل العودة إلى القاهرة متى سنحت له الفرصة ~~وسمحت له الظروف؛ ليأخذ من الدرس الحر الخاص نصيبا قبل أن يبدأ في الدرس المنظم ~~المشترك. # من أجل هذا كله كان الربع خاليا أو كالخالي حين أقبل عليه الصبي وأخوه، لم يكن ~~يعمره إلا عمي الحاج علي وزميلان من زملاء الشيخ الفتى وهذان الفارسيان. ثم لم ~~يكد الصبي يستقر في الربع يوما ويوما، حتى أخذ أهله يعودون إليه منفردين ومجتمعين مع ~~الصباح ومع المساء، وحتى أخذ الربع يمتلئ بالحركة والنشاط، وترتفع فيه الأصوات من يمين ~~وشمال، ويأخذ شكل المكان المزدحم بأهله أشد الازدحام. وقد كان مزدحما بأهله حقا: فقد ~~كان بعض غرفاته يكتظ بالطلاب على نحو غريب، حتى لقد كان يسكن غرفة من هذه الغرفات ~~عشرون طالبا. # كيف كانوا يجلسون؟ كيف كانوا يدرسون؟ كيف كانوا ينامون؟ هذه أسئلة ألقاها الصبي على ~~نفسه ولكنه لم يجد لها جوابا، وإنما عرف أن أجر الغرفة لم يكن يزيد عن خمسة وعشرين ~~قرشا، وربما نزل إلى العشرين في كل شهر، فكان الطالب يسكن بقرش واحد في الشهر على ~~هذا النحو. # وهذا يصور حال هذه الجماعات الضخمة من أبناء الريف التي كانت تفد على القاهرة ~~لتدرس العلم والدين في الأزهر؛ فتصيب من العلم والدين ما تستطيع، ولكنها تصيب معها ~~ألوانا من علل الأجسام والأخلاق والعقول أيضا. وكانت الغرفة التي تلي غرفة الصبي ~~من جهة اليمين خالية أثناء الأسبوع الأول، لم يسمع الصبي من قبلها صوتا أو ~~حركة. ثم انقضى الأسبوع وأقبل أسبوع آخر، فلم تشغل الغرفة ولم تأت من قبلها حركة ~~أو صوت، حتى أخذ الطلاب يتساءلون عن الشيخ الذي كان يسكنها قبل الصوم: ما خطبه؟ ms110 ويقول ~~بعضهم لبعض: لعله تحول عن هذا الربع إلى مكان آخر. ولكن الصبي استيقظ في ليلة من ~~ليالي الجمعة على صوت عمي الحاج علي يشق الليل وعلى صوت عصاه تضرب الأرض، ففكر كما كان ~~يفكر، وانتظر صوت المؤذن كما كان ينتظره، وأذن مع المؤذن في نفسه كما كان يفعل. ~~وانقطع الصوت، وجعلت نفس الصبي تتبع المصلين في المسجد وهم يقبلون على صلاتهم، منهم ~~المتعجل النشيط ومنهم المتثاقل المتبلد، وإذا صوت غريب مرتفع يشق الحائط من وراء ~~الصبي ويبلغ أذنه، فيبعث في جسمه رعدة تجري فيه من رأسه إلى قدميه. ولم ينس الصبي قط ~~هذا الصوت، ولم يذكره قط إلا ضحكت له نفسه وإن شغل الجد شفتيه عن الابتسام. كان ~~صوتا غريبا، ملأ الصبي رعبا أول الأمر، ثم دفعه إلى ضحك مرتفع لم يستطع أن يملكه على ~~ما كان يخاف من إيقاظ أخيه: أل... أل... أل... الله الله الله أك ... أل... أل... الله أك... الله أك... الله أكبر ... # كذلك وصل الصوت إلى الصبي، فأنكر أوله وأنكر تردده، وعرف آخره. ولكن الصوت لم ينقطع ~~عند انتهاء التكبيرة، وإنما استؤنف بعد ذلك مرة ومرة، حتى استقر آخر الأمر وقد أخذت ~~حروف التكبير مواضعها من فم المصوت بها ومن الهواء ومن أذن الصبي ونفسه أيضا، ومضى ~~الصوت من وراء الحائط بعد ذلك يقرأ الفاتحة، فعرف الصبي أنه صوت رجل يصلي، ومضى ~~الصوت يقرأ الفاتحة حتى بلغ قول الله تعالى: # إياك نعبد ~~وإياك نستعين ~~، فوقف عند السين ولم يستطع أن يتقدم، وإذا هو ~~يستأنف التكبير على نحو ما بدأه: «أل... أل... أل... الله أك... أل... أل...» هنالك لم يملك ~~الصبي نفسه فاندفع في ضحك مرتفع متصل استيقظ له أخوه فزعا، وسأل الصبي ما به؟ فلم ~~يستطع الصبي جوابا، ولكن أخاه لم يحتج إلى هذا الجواب فقد سمعه من وراء الحائط، فاندفع ~~هو أيضا في ضحك مكظوم، ثم قال للصبي في صوت خافت: مهلا؛ فهذا جارنا الشيخ فلان قد ~~عاد وهو يصلي الصبح وهو شافعي. # واستأنف ms111 الشيخ الفتى صمته وهدوءه يدعو إليه النوم. وضبط الصبي نفسه وتتبع صوت الشيخ ~~من وراء الحائط حتى أتم صلاته بعد جهد ثقيل. ولكن سؤالا قد استقر في نفس الصبي: ما ~~بال هذا الشيخ الشافعي يكلف نفسه هذا الجهد وهذا العناء ولا يتم صلاته إلا بعد هذه ~~المشقة التي لا تطاق؟ فلما أصبح سأل أخاه متشجعا، فعرف منه أن الشيخ موسوس بعض ~~الشيء، وأنه يريد أن يحقق نية الصلاة، وأن يخلص قلبه ونفسه وضميره لله إذا أقبل على ~~صلاته وفي أثناء مضيه فيها. فإذا رأيته يتردد ويعود من حيث بدأ ويقطع الصلاة ليبتدئها، ~~فاعلم أنه قد أحس عارضا من أمور الدنيا عرض لنفسه فصرفها عما ينبغي أن تخلص له من ~~ذكر الله. # وكان هذا الشيخ هادئا أشد الهدوء، لا يكاد يسمع له صوت ولا تكاد تسمع له حركة ~~إلا إذا صلى الفجر، وقد احتاج الصبي إلى أيام وأيام ليعود نفسه هذا الصوت، ~~وليسمعه دون أن يضحك منه أو يرثى لصاحبه من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور ~~الناس من الجنة والناس. # ولم يبق في نفس الصبي من هذا الشيخ بعد أن مضت الأعوام إلا ذكرى هذا الصوت، وذكرى ~~قصتين شهد إحداهما بنفسه وتحدث إليه بالأخرى الرواة، فأما الأولى: فقد كانت للصبي مع ~~الشيخ حين تقدمت به السن وحين تقدم به الدرس وحين بدأ يسمع دروس البلاغة، فقد ذهب ~~يحضر درس الشيخ وسمعه يفسر الجملة المشهورة في «التلخيص»: «ولكل كلمة مع صاحبتها ~~مقام.» وما أكثر ما يقال حول هذه الجملة من كلام في «المختصر» و«المطول» و«الأطول» وفي ~~الشروح والحواشي والتقارير، وهي على ذلك واضحة جلية لا تعمية فيها ولا غموض. وكان ~~الشيخ كغيره من شيوخ الأزهر يقبل على تفسير هذه الجملة وتقرير ما يقال حولها من كلام ~~كثير، مجهودا مكدودا قد بح صوته وخارت قواه وتصبب جبينه عرقا، وأمانة العلم كما ~~تعرف ثقيلة جدا لا ينهض بها إلا الأقوياء، وقليل ما هم. # فأخذ الغلام يناقش الأستاذ في بعض ما كان يقول ms112 كدأبه مع أساتذته جميعا، ولكن الشيخ ~~رد عليه فأفحمه وألجمه وملأ قلبه في وقت واحد غيظا وازدراء وخجلا. قال الشيخ للغلام: ~~دع عنك هذا يا بني؛ فإنك لا تحسنه وإنما تحسن هذه القشور التي تقبل عليها في ~~الضحى، فأما اللباب فلم تخلق له ولم يخلق لك. وضحك الشيخ وتضاحك الطلاب، واستحيا ~~الغلام أن يقوم عن الدرس قبل تمامه، فأقام على مضض حتى انصرف مع غيره من الطلاب. وكانت ~~القشور التي عرض بها الشيخ والتي كان الغلام يقبل عليها في الضحى دروس الأدب وكتاب ~~«الكامل» للمبرد خاصة. ومنذ ذلك الوقت سقط الشيخ في نفس الغلام وبغض إليها، وقد كان ~~الغلام يحبه ويكبره. وأصبح الشيخ موضوعا من موضوعات الفكاهة التي كان الغلام يلهو ~~بها مع أترابه في الضحى قبل درس القشور، وعند الظهر بعد درس القشور. وجاءت القصة الأخرى ~~من قصتي الشيخ، فلم تزد الغلام إلا عبثا به وتندرا عليه وتفكها مع أترابه ~~بقول الشعر فيه. ومع ذلك فقد كانت قصة يسيرة لا غرابة فيها، ولكن أي شيء أيسر من ضحك ~~الشباب! # كان للشيخ ابن لا يظهر عليه الذكاء ولا يدل شيء من أمره على أنه قد خلق لطلب العلم. ~~ولكنه مع ذلك كان يطلب العلم، وكان يعيش مع أبيه في غرفته هادئا كأبيه، صامتا كأبيه، ~~حسن الجوار كأبيه. وأقبل ذات يوم أو ذات ليلة على أبيه نفر من أصدقائه يزورونه، فطلب ~~القهوة إلى ابنه وقدمت القهوة بعد لحظات، وأقبل الشيوخ على فناجينهم في شره إليها ~~كعادتهم، فعبوا فيها، أو قل: مصوها مصا طويلا له صوت طويل، ولكنهم لم يكادوا ~~يبلغون حلوقهم بما مصوا حتى ردته حلوقهم ردا عنيفا، وإذا هم جميعا يسعلون ~~وينحنحون متحرفين لذلك يريدون أن يبرئوا حلوقهم مما أصابها، وقد جرت القهوة واللعاب ~~على لحاهم وصدورهم وهم يسعلون ويضطربون اضطرابا شديدا؛ ذلك لأنهم لم يشربوا قهوة ~~البن، وإنما شربوا قهوة النشوق، أخطأ الفتى علبة البن، وأخذ مكانها علبة ~~النشوق. # وكانت لقصة الغلام مع الشيخ في درس البلاغة عواقبها؛ فقد ms113 انصرف عن الشيخ إلى شيخ آخر ~~كان مجاورا له في الربع، وكانت غرفته تلي غرفة الشيخ الموسوس، وكان شافعيا مثله ~~ولكنه لم يكن موسوسا. وكان أهدأ الناس وأرزن الناس وأطيبهم قلبا وأقلهم كلاما، لم ~~يسمع الصبي صوته إلا حين كان يلقي السلام عليه أو على من يمر به من أصحابه. فلما ~~انصرف الغلام عن درس الشيخ الأول ذهب من غده إلى درس الشيخ الثاني، وكان يلقي درسه في ~~تلك القبة من جامع محمد بك أبي الذهب، وكان الغلام يعرف هذا الجامع حق المعرفة، سمع ~~دروس النحو والمنطق في جميع أماكنه وزواياه، وكانت له قصص قد نلم بها في هذا ~~الحديث. # فأقبل الغلام إذن مع الظهر منصرفه من درس القشور، فصعد هذه الدرجات التي كان ~~يألفها، ثم خلع حذاءه ومشى في هذا الممر بين حلقتين من حلقات الدرس طالما عرفهما. ~~وتخطى عتبة القبة وجلس في حلقة الشيخ. فلم ينتظر إلا قليلا، حتى أقبل الشيخ هادئا ~~كعادته، فحمد الله وصلى على نبيه وأخذ يقرأ قول المؤلف في تنكير المبتدأ وفي نكته ~~ومزاياه، ثم مضى حتى وصل إلى استشهاد المؤلف بالآية الكريمة # ورضوان من الله أكبر ~~، فجعل يعلل مع المؤلف والشارح ~~والمحشي والمقرر تنكير الرضوان بكلام لم يعجب الغلام ولم يقع من نفسه، ولم يستطع ~~الغلام أن يصبر على ما كان يسمع، فأخذ يجادل الشيخ، ولكنه لم يكد يفعل حتى قطع الشيخ ~~عليه كلامه وقال في صوته الهادئ المطمئن: «اسكت يا بني، فتح الله عليك وغفر لك ووقانا ~~شرك وشر أمثالك، اتق الله فينا ولا تشاركنا في هذا الدرس فتفسد علينا أمرنا، وانصرف ~~إلى ما أنت فيه من هذه القشور الضالة المضلة التي تقبل عليها في الضحى!» # وتضاحك الطلاب، ووجم الغلام، واستأنف الشيخ قراءته وتفسيره في صوته الهادئ المطمئن ~~الرزين. وأقام الغلام على مضض حتى انصرف الطلاب، فانصرف معهم ثائرا محزونا وقد أعرض ~~عن دروس البلاغة وأنفق بقية عامه يخرج من درس القشور إذا كان الظهر، فيمضي إلى دار ~~الكتب في باب الخلق ms114 فيمكث فيها إلى أن يحين إغلاقها قبيل الغروب. # أكان اتفاق الشيخين على رد الغلام عن علمهما مصادفة أم كان أمرا مدبرا؟ لم ~~يعرف الغلام ذلك، ولكن ذكرى هاتين القصتين الآن تعجل للحوادث دعا إليه الاستطراد، ~~فالخير أن نعود إلى الربع ومن كان فيه، وما كان فيه، حين أقبل عليه الصبي لأول عهده ~~بطلب العلم. # | الفصل العاشر # وفي زاوية الربع من يمين كانت تقوم غرفة سكنتها أسرة لم يعرف الصبي قط كيف صعدت ~~إلى هذا الربع، ولا كيف استقرت فيه، يأخذها العلم وطلابه من جانبيها، وكان حقها أن ~~تستقر في الطبقة السفلى بين سكان هذه الطبقة من الباعة والعمال. ولكنها صعدت إلى حيث ~~العلم وطلابه وأساتذته، فأقامت بين هذا كله لم تؤذ أحدا ولم يؤذها أحد، ولم يتصل ~~الود أو لم تتصل المعرفة بينها وبين أحد. # كانت غريبة في هذا الربع، كما كانت غريبة في القاهرة؛ فقد كانت لهجتها إذا تحدثت ~~تدل على أنها قد هبطت من الصعيد، بل من أقصى الصعيد. ولعل غربتها هي التي صعدت بها ~~إلى هذه الطبقة الثانية من الربع، ولم تقف بها عند الطبقة الأولى، فقد كان سكان الطبقة ~~الثانية كلهم غرباء، شيخ من الإسكندرية وفارسيان وطلاب وأساتذة قد أقبلوا من أقطار ~~مصر على اختلافها. فلا بأس على هذه الأسرة الغريبة أن تقيم بين هؤلاء الغرباء. فأما ~~الطبقة الأولى من الربع فقد كان العمال والباعة الذين يسكنونها جميعا من أهل القاهرة، ~~أو من الذين بعد عهدهم بها حتى أصبحوا من أهلها وورثوا لغتها وعاداتها. # كانت هذه الأسرة تتألف من عضوين اثنين: امرأة قد تقدمت بها السن حتى جاوزت الستين، ~~وأصبح من العسير بل من المستحيل أن تتخذ لغة القاهرة وتصطنع عاداتها، وابن لها شاب قد ~~نيف على العشرين ولم يبلغ الثلاثين بعد، فهو حرى إذا مضى عليه الزمن أن يلوي لسانه ~~بلغة القاهرة، وأن يأخذ نفسه بعادات أهلها، وكانت الأم لا تصنع شيئا كما ينبغي ~~لأمثالها حين يتركن الصعيد، ويقرن في غرفة من غرفات هذا الربع ms115 في مدينة ~~القاهرة. # لم تكن تصنع شيئا لتكسب حياتها، إنما قسم الأمر بينها وبين ابنها قسمة عدلا، فعلى ~~الفتى أن يجد في الشارع طول النهار ويعود بالقوت مع الليل، وعلى أمه أن تعنى ~~بالغرفة وتهيئ الطعام لابنها ولنفسها. # وكان الفتى بائعا متجولا، يصنع ما يبيعه في غرفته، يبدأ في صنعه مع الصبح، فإذا ~~ارتفع الضحى وكاد النهار ينتصف خرج إلى الشارع بما أعد، فجعل يتغنى به متنقلا ~~متجولا في حيث تدفعه قدماه إليه من الشوارع والحارات، يبعد حينا ويقرب حينا، ولكنه ~~لا يعود حتى يبيع ما يحمل، وكان يحمل في الشتاء هذا اللون من ألوان الحلوى الذي يسمى ~~«غزل البنات»، وكان يحمل في الصيف هذا اللون الآخر من ألوان الحلوى الذي كان يسمى مرة ~~«جيلاتي» ومرة «دندرمة». # وكان الفتى يصنع هذا اللون أو ذاك فرحا مرحا متغنيا أو متكلفا للفرح والمرح ~~والغناء، فإذا أتم صناعته حملها ومر أمام غرفاتنا هادئا صامتا مستأنيا، حتى إذا ~~انحرف إلى السلم وهبط منه إلى الحارة ارتفع صوته فجأة بغناء حلو رقيق، يمدح فيه ما كان ~~يحمل من طعام، ويدعو إليه طلابه من الصبية والنساء. وكأن الفتى كان يستبيح لنفسه الغناء ~~ما أقام في غرفته، ويحظر على نفسه الغناء إذا مر بغرفات أهل الوقار والجد من العلماء ~~والطلاب، فإذا هبط إلى الطريق العام استباح لنفسه ما يستبيح لها الباعة جميعا، فغنى ~~طعامه ودعا الناس إليه. وكأن الفتى كان يشعر في نفسه بأن ليس هناك خير في أن يتغنى ما ~~كان يحمل من حلوى أو يدعو إليه أمام هذه الغرفات؛ فأهلها أصحاب جد لا يحفلون بالحلوى ~~ولا ينشطون لها، وإنما يحفلون بالعلم وينشطون للعلم. وأكبر الظن أن الفتى كان مخطئا ~~في هذا التقدير، فقد كان بين أهل الربع من غير شك من كانوا يحبون غناءه ويتشوقون إلى ~~غزل البنات أو إلى الدندرمة، ويودون أن يقف وأن يكونوا أول من يفتح عليه، ولكنهم لم ~~يكونوا يفعلون، يمنعهم من ذلك الحياء حينا وضيق ذات اليد أحيانا. # وفي ذات ms116 يوم انقطع غناء الفتى وانقطع صوت أدواته التي كان يحرك بها ألوان الحلوى، ~~وقام مقام هذا الغناء وهذه الأصوات غناء آخر وأصوات آخرى؛ فقد جعل نسوة يختلفن إلى ~~هذه الغرفة متصايحات متضاحكات أول الأمر، ثم مزغردات متغنيات ناقرات على الطبول، حتى ~~أصبحت حياة الطلاب والعلماء عناء ثقيلا. ولكن حياة الصبي رقت لذلك وراقت وامتلأت ~~لذة وحبورا؛ ذكر ريفه بهذه الطبول وهذه الزغاريد وهذا الغناء، وقد كان يحب هذا كله ~~أشد الحب ويجد فيه لذة ومتاعا لا يقلان عما كان يجد من اللذة والمتاع حين كان يستمع ~~لشيوخه وهم يتغنون بما كانوا يلقون في دروسهم من علم، وإن اختلف نوع اللذة والمتاع ~~اختلافا شديدا. # ثم أضيفت إلى أصوات النساء هذه أصوات أخرى ساعة من نهار؛ أصوات الحمالين الذين أخذوا ~~يصعدون سلم الربع ويزحمون طرقه بما كانوا يحملون إلى هذه الغرفة من متاع، وهم ~~يتصايحون ويتشاتمون جادين مرة ومازحين مرة أخرى، والنساء يلقينهم ويتلقين ~~أمتعتهم بنقر الطبول ورفع الزغاريد وإرسال الغناء. وربما ابتهجت امرأة من أهل الطبقة ~~السفلى لبعض ما كانت تسمع وترى، فذكرت يوم زفافها أو استحضرت يوم زفاف ابنها أو بنتها ~~الذي لم يأت بعد، وإذا هي تزغرد مع المزغردات وقد تغني مع المغنيات على غير معرفة ~~بأصحاب العرس وعلى غير مودة بينها وبينهم، ولكن الفرح كثير الشيوع كما أن الحزن كثير ~~الشيوع، ما أسرع ما تنتقل به العدوى بين المصريين! # وقد جاء اليوم الأكبر يوم الخميس بعد أن لقي العلماء وطلاب العلم من هذا الاضطراب ~~شرا عظيما، أزعج أصحاب الجد منهم عن غرفاتهم وعن الربع كله، فذهبوا يلتمسون الهدوء ~~الذي يحتاج إليه الدرس عند أصحابهم أو في المساجد. أقبل يوم الخميس فاشتد الاضطراب حتى ~~تعدى حده المألوف وتجاوز الربع إلى الحارة، فضرب السرادق، وجعلت الموسيقى تعزف من ~~العصر، وأقبل ناس من غير أهل الحي فابتهجوا وطعموا وحيا بعضهم بعضا واستمعوا ~~للغناء. والصبي رابض عند نافذته لا يفوته من هذا كله شيء، قد نسي العلم والعلماء ~~والأزهر وأهل الأزهر، ونسي ms117 طعامه وشايه وفني في هذه الموسيقى التي كان يسمعها في ~~القاهرة لأول مرة، كما فني في هذه الألوان المختلفة من الأغاني؛ أغاني الشعب في أول ~~الليل، وأغاني الشيخ المحترف حين تقدم الليل. # فأما أخوه وأصحابه فقد هجروا الربع في هذا اليوم هجرا غير جميل، وأما هو فلم يتحول ~~عن مكانه حتى تقدم الليل. وكاد عمي الحاج علي يخرج من غرفته فيشق الليل بصوته ~~ويضرب الأرض بعصاه، ولكنه لم يفعل، ولو قد فعل لما سمع صوته أحد ولا أحس عصاه أحد، ~~وأين كان يقع صوته وعصاه من هذه الضوضاء المنعقدة التي طردت النوم عن الحي كله، وهذا ~~صياح فظيع ينبعث طويلا ممتدا، وهذه الزغاريد تحيط به وترقص حوله إن صح أن ترقص ~~الزغاريد، وهذا الفرح والابتهاج يرقصان من حول الألم والعذاب؛ فقد أدخل الفتى على ~~أهله. ثم يسعى الليل هادئا بطيئا رزينا، فيمس بيده المظلمة العريضة هذه الأشياء ~~وهؤلاء الأحياء، وإذا المصابيح قد أطفئت، وإذا الأصوات قد سكتت، وإذا النوم قد أقبل ~~رفيقا كأنه اللص فضم بين ذراعيه أهل الحي جميعا، إلا هذا الصبي الذي لم يتحول ~~عن نافذته ولم ينقطع تفكيره في هذا الألم الطويل الممتد، يرقص من حوله فرح عريض مضطرب، ~~ولكن الصبي يعود إلى نفسه؛ لأن صوتا يأتيه من قريب ينبئه بأن الليل قد انقضى وبأن ~~الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، ولكن الصبي لم ينم من ليلته، وهو على ~~ذلك ينهض ويتوضأ، حتى إذا فرغ المؤذن من أذانه أدى الصبي صلاة الصبح، ثم التف في ~~لحافه وامتد على بساطه القديم، وذهل عن نفسه أو ذهلت نفسه عنه، فلم تعرفه ولم ~~يعرفها إلا حين أقبل عمي الحاج علي حين ارتفع الضحى يطرق الباب طرقا عنيفا، ~~ويصيح صيحته المعروفة: «يا هؤلاء! يا هؤلاء!» # | الفصل الحادي عشر # ولن يتم وصف الربع وتصوير البيئة التي عاش فيها الصبي لأول عهده بالقاهرة، إذا ~~لم يذكر أشخاص كانوا يقيمون في الربع وكأنهم ليسوا من أهله، وأشخاص آخرون كانوا ~~يلمون بالربع بين ms118 حين وحين وكأنهم من أهله المقيمين فيه. فمن المقيمين النازحين ذلك ~~الشيخ الذي تقدمت به السن حتى جاوز الخمسين، والذي طلب العلم جادا في طلبه ما ~~استطاع، والتمس الدرجة محتملا في ذاتها ما أطاق، فلم يحصل من العلم إلا قليلا، ولم ~~يتقدم إلى الدرجة إلا رد عنها فيئس ولم ييأس، وأقام جسمه في الربع ونزحت نفسه عنه؛ ~~استحيا أن يعود إلى بلده مخفقا فأقام في القاهرة، وفي حيث كان يقيم أيام كان يطلب ~~العلم جادا مجتهدا. ودبر أمر أسرته في الريف من بعيد يخطف نفسه إليها يوم الخميس ~~إذا أمسى ليعود إلى الربع يوم السبت إذا أصبح. وله حظ من ثراء وفضل من نعمة؛ فهو ~~يعيش بين هؤلاء الطلاب عيشة الأغنياء من أهل الريف. قد أثث غرفته بمتاع ممتاز، ~~وأقام فيها مصبحا وممسيا لا يفارقها إلا قليلا، يخيل إلى الناس أنه يقرأ ~~ويدرس، وأنه قد حفظ العلم ووعى أسفاره فليس هو في حاجة إلى أن يختلف إلى الدروس ويسمع ~~للشيوخ، ولو قد أسعده الحظ وواتته الأقدار لكان شيخا مثلهم يلقي الدروس ويختلف إليه ~~التلاميذ؛ فقد صحب أكثرهم حين كانوا طلابا، واستمع معهم للشيخ الإمبابي وزار معهم ~~الشيخ الأشموني، ولكن الحظ وفى لهم وأخلفه، فأصبحوا أساتذة وظل هو في هذه المنزلة بين ~~المنزلتين، منزلة الطالب ومنزلة الأستاذ. # ولكنه على كل حال قد اتخذ أكثر خصال الأساتذة؛ فهو لا يشارك أصدقاءه الشباب في درس ~~ولا يقرأ معهم كتابا، وإنما يلقاهم بين حين وحين مترفعا عليهم شيئا، مترفقا بهم ~~قليلا، يشهد طعامهم وشايهم ويدعوهم إلى طعامه وشايه. ويتحدث إليهم في صوت هادئ ممتلئ ~~وبحروف مضخمة مفخمة، ولكنه لا يتحدث إليهم في العلم وإنما يتحدث إليهم عن ~~العلماء يعيب أكثرهم ويمدح أقلهم، يغلو في العيب ويقتصد في الثناء. ويتحدث إليهم عن ~~المال وعن تدبيره، وعن مكانته بين أهل القرية وصيته بين أهل المركز وارتفاع شأنه بين ~~أهل الأقاليم. وعن إخوته الذين يشرفون على الحرث والزرع، وأخيه النابه النجيب الذي عظم ~~نصيبه من الذكاء وقل ms119 نصيبه من مواتاة الحظ، فلم يفتح الله عليه بنيل الشهادة الابتدائية ~~على تقدم سنه حتى كاد يبلغ العشرين؛ لا لأنه كان مقصرا أو غبيا، بل لأن الحظ ~~كان يمانعه ويعاكسه، وقد قررت الأسرة أن تغالب الحظ، وصمم الشيخ على أن يغلب الحظ على ~~أخيه، ويثب بهذا الفتى من الخمول إلى نباهة الذكر وارتفاع الشأن، فأزمع أن يدخله ~~المدرسة الحربية ويجعل منه ضابطا باسلا تزدان كتفه لا بالنجمة بل بالنجمتين، بل ~~بالنجوم. # ولكن الحظ كان أقوى من الشيخ ومن أسرته، فرد الفتى عن المدرسة؛ لأن هيأته لم تعجب ~~الممتحنين، والشيخ ساخط على الحظ مصمم على مغالبته، يتحدث بهذا كله حديثا متقطعا ~~متصلا، تقطعه قرقرة الشيشة التي كان صاحب القهوة يحملها إليه وجه النهار وآخره وحين ~~يتقدم الليل، والتي كان ربما أعدها لنفسه أو أعدها له خادمه الصغير، والتي كانت تبهر ~~هؤلاء الطلاب وتثير في نفوسهم شيئا من الإعجاب بثرائه يمازج ازدراءهم لجهله وتندرهم ~~بغبائه. # وما ينسى الصبي أن هذا الشيخ الغني أراد ذات يوم أن يتخفف من بعض أثاثه ويشتري خيرا ~~منه وأرقى، فعرض قديمه على هؤلاء الطلاب، فكلهم نكل عن الشراء إلا أخا الصبي، فإنه ~~اشترى منه دولابا يأتلف من قطعتين تقوم إحداهما على الأخرى، فأما القطعة السفلى: فقد ~~كان لها بابان مصمتان، وقد خصص أعلاها لثياب الشيخ الفتى وخصص أسفلها لكتبه التي لم ~~تجلد، والتي لا يحسن أن ترى، وخصص جزء منه لما كان الشيخ يحرص على ادخاره لنفسه ~~من طيب الطعام. وكان في أعلى هذه القطعة السفلى درجان خصصهما الشيخ الفتى لأوراقه ~~المنتثرة ولنقوده حين كانت تصل إليه أول الشهر؛ فكان يضعها في أحد هذين الدرجين ويأخذ ~~منها بمقدار بين يوم ويوم، وقد حفظ مفتاحيهما في جيبه. وأما القطعة العليا: فكان لها ~~بابان زجاجيان وقد خصصت للكتب المجلدة التي يبعث منظرها في النفوس بهجة ~~ورضا. # وقد غالى الشيخ بدولابه هذا وساوم في ثمنه حتى تجاوز به الجنيه؛ لأنه كان من خشب ~~البندق، واشتراه الشيخ الفتى على ذلك، ومن ms120 المحقق أن شراءه قد جر على الشيخ الفتى ~~وعلى أخيه أعباء ثقالا، فلم يكن بد من دفع هذا الثمن أقساطا، ومن أن تقتطع هذه ~~الأقساط من وظيفة الشهر الضئيلة التي كانت تأتي من القرية، ثم لم يكن بد من أن تشترى ~~الكتب ومن أن تجلد وترص لتبدو أعقابها مزدانة باسم الشيخ الفتى من وراء الزجاج. ~~وكان هذا كله يقتطع من وظيفة الشهر ويضطر الطالبين إلى أن يقترا على أنفسهما في ~~الرزق. ثم عجزت وظيفة الشهر عن أن تنهض بهذه الأعباء، فبدأت الاستدانة، وقل ما كان ~~يودع في الدرج من نقود، وكثر الإلحاح على الشيخ الوالد في أن يزيد الوظيفة أو ~~يضيف إليها شيئا بين حين وحين. # ولكن شراء هذا الدولاب قد رفه على الصبي وأثار في نفسه كثيرا من الفرح والبهجة؛ ~~فقد كان للشيخ الفتى صندوق طويل عميق عرفه الصبي في أثناء طفولته حين كانت أمه تحفظ فيه ~~ثيابها ونفائس هذه الثياب خاصة، وكان لهذا الصندوق غطاء مجوف قليلا يرفع فيتكشف ~~عن عمق، كان الصبي يراه عظيما، ويتكشف عن درجين خفيين كانت أمه تحفظ فيهما حليها ~~حين كان لها حلي، ثم افتقد الصبي هذا الصندوق في مكانه من الدار ذات يوم فلم يجده، ~~وكان كثيرا ما يلعب عنده مع أخواته، وكان كثيرا ما يجلس عليه متربعا وتجلس أخواته ~~بين يديه على الأرض متربعات وهو يقص عليهن أحاديثه ويسمع منهن أحاديثهن. # افتقد الصبي هذا الصندوق ذات يوم فلم يجده؛ لأنه حمل إلى النيل حيث أودع سفينة ذاهبة ~~إلى القاهرة، وهناك تلقاه الفتى الشيخ فحفظ فيه ثيابه وكتبه التي لم يكن يجد لها ~~مستودعا. وقد حزن الصبي على هذا الصندوق حزنا شديدا، واضطر إلى أن يجلس مكانه ~~متربعا على الأرض ليتحدث إلى أخواته ويسمع منهن. # فلما انتقل الصبي إلى القاهرة كان شديد الشوق إلى أن يمس الصندوق ويجلس عليه ويمسح ~~بيده الصغيرة خشبه الأملس، ولكن الصندوق كان بعيدا من مجلسه، قد وضع في زاوية من ~~زوايا الغرفة، فلم يكن ذهاب الصبي إليه ms121 سهلا ولا ميسورا. فلما اشترى الدولاب وانتقلت ~~إليه ثياب الشيخ الفتى وكتبه، سقط أمر الصندوق، فانتقل من مكانه في الغرفة إلى مكان ~~مهمل في الدهليز يكون عن شمال الصبي إذا دخل، وقيل للصبي: ضع في هذا الصندوق ~~ثيابك وما قد يكون لك من كتب إن اشتريت كتبا. # ومنذ ذلك الوقت هجر الصبي مجلسه ذاك من الغرفة أثناء النهار واستحيا أن يجلس على ~~الصندوق فيضحك منه من يراه، ولكنه جلس إلى جانبه مما يلي عتبة الغرفة مسندا ظهره إلى ~~الحائط معتمدا بيده على الصندوق، متحينا فرصة إن أتيحت له لينهض فيجلس على الصندوق ~~ويداعبه، وقد يرفع غطاءه ويضع يده في هذا الدرج ثم في ذاك، ولكنه لم يكن يجد فيهما ~~شيئا. وربما انحنى على ثيابه القليلة التي كانت ملقاة في أعماق هذا الصندوق يقلبها ~~مستمتعا بذلك، كأنه يملك شيئا ويتخذ له حرزا لا يشاركه فيه غيره، ولكن الأيام قد مضت ~~وتبعتها الأيام وامتلأ هذا الصندوق كتبا. # وشخص آخر كان يقيم في الربع نازحا عنه غريبا بين أهله وإن وصلت القرابة بينه وبين ~~بعض هؤلاء الطلاب، ووصل الود الخالص بينه وبينهم جميعا. كان قصير النظر، لا يكاد يبصر ~~إلا عن قرب شديد، وكان طويل الجسم، طويل الإقامة على طلب العلم في الأزهر، طويل ~~السكنى في هذا الربع، قد جد في طلب العلم ما استطاع، وجد العلم في الهرب منه ما ~~استطاع، فلم يكن غريبا بين الطلاب وحدهم وإنما كان غريبا بين الكتب التي كانت تملأ ~~غرفته أيضا، شهد الدروس وسمع من الشيوخ، فلما استيأس من هذا كله قبع في غرفته لا يكاد ~~يتنقل منها إلا إلى هذه الغرفة أو تلك من غرفات الربع ليتحدث إلى هذا الصديق أو ~~ذاك. وقد كان أصدقاؤه منصرفين إلى علمهم ودرسهم فانقطع حتى عن زيارتهم، ولكنه كان طيب ~~القلب، سمح النفس، عذب الحديث، شديد الوفاء، سريعا إلى معونة أصدقائه، منتظرا بهم إن ~~تعسر الأداء. # فكانوا هم يذكرونه لأنهم كانوا يحبونه، وكانوا هم يزورونه لأنهم كانوا يستمتعون ~~بحديثه ms122 ويجدون اللذة في محضره. ولم تطاوعه نفسه على فراق القاهرة ولا على ترك الربع، ~~على أنه كان مستيئسا من العلم والدرجة، فأقام حيث كان يدبر أمره أو يدبر له ~~أمره وهو مقيم في القاهرة، لا هو بالطالب ولا هو بالفلاح ولكنه شيء بين ذلك. وما أكثر ~~ما كان يزوره أقاربه وأهل قريته فيحملون إليه من طيبات الريف ما يسرع فيدعو أصدقاءه إلى ~~المشاركة فيه، أو يسرع فيحمله إليهم في غرفاتهم. وقد أقام هؤلاء الطلاب ما أقاموا في ~~الربع لا يذكرون هذا الصديق إلا محبين له مثنين عليه، ثم تفرقوا وأخذ كل منهم طريقه، ~~وانقطعت عنهم أخباره، ولكنهم ظلوا لا يذكرونه إلا أثنوا عليه. # وشخص آخر كان يقيم في الربع، ولكنه لم يكن يسكن فيه غرفة بعينها ولا يستقر منه في ~~مكان بعينه، ولم يكن لقاؤه سهلا ولا التحدث إليه ميسورا، وإنما كان هؤلاء الشباب ~~يتحدثون عنه بين حين وحين حديثا مخطوفا سريعا مهموسا، يتبعه شيء من الضحك السريع ~~الخفيف الذي كان يقطعه التحفظ والحياء. # وكان هذا الشخص يزور ولا يزار، وكان لا يزور وحده إنما يزور ومعه شخص آخر، وكان لا ~~يزور في النهار ولا في أول الليل، ولا يزور في اليقظة وإنما يزور في أوساط الليل وفي ~~أثناء النوم العميق. # وكانت زيارته حلوة البدء مرة العاقبة، وكانت زيارته تكلف الذين يلم بهم عناء ~~ثقيلا، ربما آذاهم في أنفسهم، ولكنه كان يؤذيهم في علمهم وفي أجسامهم دائما، وكان ~~يعرضهم للعلة أحيانا وللزكام في كثير من الوقت ولا سيما في الشتاء. # وكان هذا الشخص يسمى بين هؤلاء الشباب أبا طرطور، ولم يكن هذا الشخص غير الشيطان ~~الذي كان يلم بأحدهم إذا جنه الليل وشمله النوم، فإذا انصرف عنه أفاق الفتى ~~مذعورا ضيق النفس متأثما متحرجا، وانتظر حتى يدنو الفجر، فهب من فراشه ~~عجلا وجلا حريصا على أن يطهر ليدرك درس الفجر. فأما في الصيف فقد كان ~~الأمر يسيرا محتملا، وأي شيء أيسر وأحب من أن يغمس الفتى نفسه في الماء البارد ms123 ~~في هذا المغطس أو ذاك من هذا المسجد أو ذاك، أو أن يصب الفتى على جسمه مقدارا من الماء ~~البارد يعم جسمه ويحقق شرائط الغسل كما فرضتها كتب الفقه! ولكن الجهد كل الجهد ~~والعذاب كل العذاب حين يلم أبو طرطور بالفتى في ليلة من ليالي الشتاء، هنالك لا يجد ~~الفتى الوقت لإسخان الماء، ولا يجد الوقت - وقد لا يجد النقد - للذهاب إلى حمام من هذه ~~الحمامات العامة، وحسب أبي طرطور أن يضيع على الفتى وقته فأما أن يضيع عليه نقده ~~فلا. # ولا بد من الذهاب إلى الأزهر ولا بد من الاستماع إلى الدرس، ولا بد من أن يكون الفتى ~~طاهر النفس والجسم معا، وإذن فهو الماء البارد يصب على الجسم في البيت صبا سريعا ~~ثم الخروج إلى الأزهر. والخير أن يغمس الفتى نفسه في مغطس من مغاطس المساجد؛ ذلك لا ~~يكلفه شيئا إلا البرد والرعشة، فالماء في البيت يشترى، وما ينبغي أن يستنفد في غير ~~الشرب إلا أن تقضي بذلك الضرورة، ولا بد من أن تحمل الضرورة نفسها على الاقتصاد. # وكان أبو طرطور ملحا في زياراته على هؤلاء الشباب، كأنما أقام في أعلى سلم ~~الربع مختفيا في تلك الزاوية حيث لا يسمع ما كان الطلاب يدرسونه من العلم ويقرءونه من ~~الكتب. فإذا انصرف الطلاب عن علمهم أو كتبهم وخلوا إلى ذلك الشيخ الذي كان يسكن أقصى ~~الربع من شمال، أو ذلك الكهل الذي كان يسكن أقصى الربع من يمين، وثب أبو طرطور فدخل ~~عليهم غرفتهم من حيث لا يرونه ولا يسمعونه ولا يحسونه، ثم انسل فمضى حتى ركب كتفي ~~الشيخ أو كتفي الكهل أو تقمصه وتحدث بصوته ولسانه إلى هؤلاء الشبان، فأثار في ~~نفوسهم ورءوسهم هذه الخواطر المنكرة التي كانت تصرفهم عنها الكتب. فإذا تفرقوا عن ~~شيخهم أو كهلهم، وأووا إلى مضاجعهم وأغرقوا في نومهم، كان أبو طرطور قد اختار منهم ~~فريسته فزاره زيارته المنكرة الآثمة. # وربما استخفى أبو طرطور في زاويته تلك من أعلى السلم، حتى إذا صعدت تلك ms124 الفتاة من ~~الطبقة السفلى إلى الطبقة العليا تحمل إلى أحد هؤلاء الطلاب ثيابه غسيلة نظيفة، أو تأخذ ~~من أحد هؤلاء الطلاب ثيابه لتغسلها وتنظفها، اعترضها أبو طرطور فسايرها لا يرى ولا ~~يسمع ولا يحس، فلا تكاد تدخل على أحد هؤلاء الطلاب، حتى يستحيل أبو طرطور نظرة ~~تلقى من طرف هذه الفتاة، أو كلمة تجرى على لسانها، أو ابتسامة ترتسم على شفتيها أو ~~حركة تنبعث من أحد أعضائها. # ثم تنصرف الفتاة وينصرف معها أبو طرطور لم ير ولم يسمع ولم يحس، ولكنه مع ذلك ~~قد ضرب للفتى موعدا حين يجنه الليل ويشمله النوم. وربما أمعن أبو طرطور في البراعة ~~وغلا في المكر والكيد، فلم يكلف نفسه الصعود إلى أعلى السلم، وإنما اندس في الطبقة ~~السفلى، واختلط بأولئك النساء اللاتي كن يختصمن أحيانا ويتضاحكن أحيانا، ويتحدثن ~~بأصوات مرتفعة يشكلنها أشكالا مختلفة على كل حال؛ فيستحيل أبو طرطور إلى جوهر ~~لطيف يجري في صوت من هذه الأصوات، أو حركة من هذه الحركات، ويرتفع هذا الصوت أو هذه ~~الحركة بأبي طرطور أو يرتفع هو بهذا الصوت أو بهذه الحركة، حتى يبلغ الفتى في الطبقة ~~العليا، وينصرف عنه لوقته وقد ألقى في نفسه شرا خفيا وضرب له موعدا حين يجنه الليل ~~ويشمله النوم. # وكذلك لم تكن حياة هؤلاء الطلاب في ربعهم وفي أزهرهم صفوا كلها، ولا علما كلها، ولم ~~تكن حياة الصبي بين هؤلاء الطلاب صفوا خالصا، ولا علما خالصا، وإنما كان يلم بهم ~~أبو طرطور فيحمل إليهم عذابا حلوا مرا، ويسمع الصبي من أحاديثهم ما كان يدعوه إلى ~~التفكير. # | الفصل الثاني عشر # على هذا الربع أقبل الصبي، وفي هذه البيئة عاش. وأكبر الظن أن ما اكتسب فيهما من ~~العلم بالحياة وشئونها والأحياء وأخلاقهم لم يكن أقل خطرا مما اكتسبه في بيئته ~~الأزهرية من العلم بالفقه والنحو والمنطق والتوحيد. # ولم يكد الصبي يستقر في ربعه يومين أو ثلاثة، حتى أسلمه أخوه إلى أستاذ كان قد ظفر ~~بالدرجة أثناء الصيف، وكان سيبدأ الدرس ويجلس مجلس الأستاذ ms125 من صغار التلاميذ لأول مرة ~~في حياته، وكان قد بلغ الأربعين أو كاد يبلغها. وكان معروفا بالتفوق مشهورا بالذكاء، ~~قد غالب الحظ فغلبه، وإن لم يكن انتصاره على الحظ ملائما لحقه في الفوز، فقد ظفر ~~بالدرجة الثانية، وعد هذا انتصارا، وقصر عن الدرجة الأولى وعد هذا ظلما. وكان ~~ذكاؤه مقصورا على العلم، فإذا تجاوزه إلى الحياة العملية فقد كان إلى السذاجة أدنى منه ~~إلى أي شيء آخر. وكان يعرف بين أصدقائه الطلاب والعلماء بأنه محب لبعض لذاته المادية ~~متهالك عليها، يفرض عليه مزاجه ذلك ولا تفرضه عليه رذيلة أو فساد خلق مألوف، وكان كثير ~~الأكل قد شهر بأنه يتهالك على اللحم ولا يستطيع أن ينقطع عن أكله والإسراف فيه يوما ~~واحدا، وكان ذلك يكلفه عناء كثيرا. # وكان إلى هذا غريب الصوت إذا تحدث، كان صوته متهدجا متكسرا يقطع الحروف ~~تقطيعا، ويتراكم مع ذلك بعضه فوق بعض، وتنفرج شفتاه عن كلامه أكثر مما ينبغي، فلا يكاد ~~يسمعه المتحدث إليه حتى يضحك، ولا يكاد يمضي في الحديث معه حتى يقلد فتور صوته ~~وتكسره وانفراج الشفتين عنه. # ولم يكد يظفر بدرجة العالمية حتى أسرع إلى شارة العلماء فاتخذها ولبس «الفراجية» ~~متعجلا لبسها، ولم يكن العلماء يتخذون هذه الشارة إلا بعد أن يبعد عهدهم ~~بالدرجة وتعرف لهم في العلم سابقة، وقدمة تيسر لهم حياتهم المادية شيئا. # ولكن صاحبنا أسرع إلى «الفراجية» فلبسها وأضحك منه أصحابه من الطلاب وأساتذته من ~~الشيوخ، وزادهم ضحكا منه وتندرا عليه أنه كان يلبس الفراجية ويمشي حافيا في نعليه - ~~إن صح هذا التعبير - لا يتخذ الجوارب عجزا منه عنها أو زهدا منه فيها. وكان إذا مشى ~~في الشارع تثاقل وتباطأ واصطنع وقار العلماء وجلال العلم، فإذا خطا عتبة الأزهر ذهب عنه ~~وقاره وفارقته أناته ولم يمش إلا مهرولا. # وقد عرف الصبي رجليه قبل أن يسمع صوته؛ فقد أقبل على مكان درسه لأول مرة مهرولا ~~كما تعود أن يمشي، فعثر بالصبي وكاد يسقط من عثرته، ومست رجلاه العاريتان ~~اللتان خشن جلدهما ms126 يد الصبي فكادت تقطع. ثم مضى حتى جلس وأسند لأول مرة ظهره ~~إلى ذلك العمود الذي تمنى أن يسند ظهره إليه معلما. # وكان كغيره من أقرانه في ذلك الوقت بارعا في العلوم الأزهرية كل البراعة، ساخطا ~~على طريقة تعليمها سخطا شديدا. قد بلغت تعاليم الأستاذ الإمام قلبه فأثرت فيه، ~~ولكنها لم تصل إلى أعماقه؛ فلم يكن مجددا خالصا ولا محافظا خالصا، وإنما كان شيئا ~~بين ذلك، وكان هذا يكفي لينظر الشيوخ إليه شزرا وليلحظوه في شيء من الريبة والإشفاق. ~~ولم يكد يبدأ درسه الأول في الفقه حتى أعلن إلى تلاميذه أنه لن يقرأ لهم كتاب «مراقي ~~الفلاح على نور الإيضاح» كما تعود الشيوخ أن يقرءوا للتلاميذ المبتدئين، ولكنه سيعلمهم ~~الفقه في غير كتاب بمقدار ما في «مراقي الفلاح»، فعليهم إذن أن يسمعوا منه ويفهموا عنه، ~~وأن يكتبوا ما يحتاجون إلى كتابته من المذكرات. ثم أخذ في درسه فكان قيما ممتعا، ~~وسار هذه السيرة في درس النحو، فلم يقرأ للتلاميذ «شرح الكفراوي»، ولم يعلمهم الأوجه ~~التسعة لقراءة بسم الله الرحمن الرحيم وإعرابها، وإنما هيأهم للنحو تهيئة حسنة، ~~وعرفهم الكلمة والكلام والاسم والفعل والحرف؛ فكان درسه سهلا ممتعا أيضا. # وسئل الصبي أثناء شاي العصر عما سمع من أستاذه في الفقه والنحو، فلما أعاد على أخيه ~~وأصحابه ما سمع رضيت الجماعة عن الشيخ وعن منهجه وأقرت طريقته في التعليم. وجعل ~~الصبي يختلف إلى هذين الدرسين لا يتجاوزهما أياما لا يذكر عددها، ولكنه كان يسأل ~~نفسه متى ينتسب إلى الأزهر ويصبح طالبا مقيدا في سجلاته؛ فلم يكن في هذه الأيام إلا ~~صبيا يستمع إلى هذين الدرسين استماعا منظما محتوما، ويستمع إلى درس الحديث الذي ~~كان يلقى بعد صلاة الفجر لا لشيء إلا لأنه كان ينتظر أن يفرغ أخوه من درس الأصول، وأن ~~يحين الوقت الذي يبدأ فيه درس الفقه. # وقد أقبل اليوم المشهود، فأنبئ الصبي بعد درس الفقه أنه سيذهب إلى الامتحان في حفظ ~~القرآن توطئة لانتسابه إلى الأزهر. ولم يكن الصبي قد أنبئ ms127 بذلك من قبل، فلم ~~يتهيأ لهذا الامتحان، ولو قد أنبئ به لقرأ القرآن على نفسه مرة أو مرتين قبل ~~ذلك اليوم، ولكنه لم يفكر في تلاوة القرآن منذ وصل إلى القاهرة، فلما أنبئ بأنه ~~سيمتحن بعد ساعة خفق قلبه وجلا، وسعى إلى مكان الامتحان في زاوية العميان خائفا ~~أشد الخوف مضطرب النفس أشد الاضطراب، ولكنه لم يكد يدنو من الممتحنين حتى ذهب عنه ~~الوجل فجأة، وامتلأ قلبه حسرة وألما، وثارت في نفسه خواطر لاذعة لم ينسها قط؛ فقد ~~انتظر أن يفرغ الممتحنان من الطالب الذي كان أمامهما، وإذا هو يسمع أحد الممتحنين يدعوه ~~بهذه الجملة التي وقعت من أذنه ومن قلبه أسوأ وقع: «أقبل يا أعمى!» # ولولا أن أخاه بذراعه فأنهضه في غير رفق وقاده إلى الممتحنين في غير كلام، لما ~~صدق أن هذه الدعوة قد سيقت إليه؛ فقد كان تعود من أهله كثيرا من الرفق به ~~وتجنبا لذكر هذه الآفة بمحضره، وكان يقدر ذلك وإن كان لم ينس قط آفته ولم يشغل قط ~~عن ذكرها. ومع ذلك فقد جلس أمام الممتحنين وطلب إليه أن يقرأ سورة الكهف، فلم يكد يمضي ~~في الآيات الأولى منها حتى طلب إليه أن يقرأ سورة العنكبوت، فلم يكد يمضي في الآيات ~~الأولى منها حتى قال له أحد الممتحنين: «انصرف يا أعمى، فتح الله عليك.» # وقد دهش الصبي لهذا الامتحان الذي لا يصور شيئا ولا يدل على حفظ. وقد كان ~~ينتظر على أقل تقدير أن تمتحنه اللجنة على نحو ما كان يمتحنه أبوه الشيخ. ولكنه انصرف ~~راضيا عن نجاحه، ساخطا على ممتحنيه، محتقرا لامتحانهما. ولم يخرج من زاوية العميان ~~قبل أن يعطف به أخوه على بعض أركانها، فتلقاه هناك أحد الفراشين - أو أحد «المشدين» ~~بلغة ذلك الوقت - فأخذ ذراعه اليمنى، وأدار حول معصمه سوارا من الخيط جمع طرفيه بقطعة ~~مختومة من الرصاص، وقال له: انصرف فتح الله عليك. # ولم يفهم الصبي لهذا السوار معنى، ولكن أخاه أنبأه بأن هذا السوار سيظل حول معصمه ~~أسبوعا كاملا ms128 حتى يمر أمام الطبيب الذي سيمتحن صحته ويقدر سنه ويطعمه التطعيم ~~الواقي من الجدري. # وقد كان الصبي خليقا أن يبتهج بهذا السوار الجديد الذي كان يدل على أنه مرشح ~~للانتساب إلى الأزهر، قد جاز المرحلة الأولى من مراحله، لولا أنه ظل مشغولا عن السوار ~~بدعوة الممتحن له وصرفه إياه. وأنفق أسبوعه كما تعود أن ينفق أيامه، مستيقظا على صوت ~~عمى الحاج علي، ذاهبا إلى الأزهر مع الفجر، عائدا منه بعد درس الفقه، ثم ذاهبا إلى ~~الأزهر مع الظهر، ثم راجعا منه بعد درس النحو، ثم مقيما في مجلسه ذاك، فنائما في ~~مجلسه ذاك، فغاديا على الأزهر حين يسمع نداء المؤذن بأن الصلاة خير من النوم. # وجاء يوم الامتحان الطبي، فذهب إليه الصبي وفي نفسه شيء من الاشفاق أن يدعوه ~~الطبيب كما دعاه الممتحن. ولكن الطبيب لم يدعه لأنه لم يكن يدعو أحدا، وإنما دفعه أخوه ~~إلى الطبيب دفعا، فأخذ ذراعه وخط فيها خطوطا، وقال: «خمسة عشر»، وانتهى الأمر عند ~~هذا الحد. وأصبح الصبي طالبا منتسبا إلى الأزهر، ولم يكن قد بلغ السن التي ذكرها ~~الطبيب والتي لم يكن بد منها لصحة الانتساب، وإنما كان في الثالثة عشرة من عمره، ~~وقد حل السوار عن معصمه وعاد إلى غرفته وفي نفسه شك مؤلم لذيذ في أمانة الممتحنين ~~وفي صدق الطبيب. # | الفصل الثالث عشر # وكانت هذه الحياة شاقة على الصبي وعلى أخيه معا؛ فأما الصبي فقد كان يستقل ما كان ~~يقدم إليه من العلم ويتشوق إلى أن يشهد أكثر مما كان يشهد من الدروس، ويبدأ أكثر ~~مما كان قد بدأ من الفنون. وكانت وحدته في الغرفة بعد درس النحو قد ثقلت عليه حتى ~~لم يكن يستطع لها احتمالا، وكان يود لو استطاع الحركة أكثر مما كان يتحرك، والكلام ~~أكثر مما كان يتكلم. وأما أخوه فقد ثقل عليه اضطراره إلى أن يقود الصبي إلى الأزهر ~~وإلى البيت مصبحا وممسيا، وثقل عليه أيضا أن يترك الصبي وحده أكثر الوقت، ولم ~~يكن يستطيع أن يفعل غير ms129 هذا؛ فلم يكن من الممكن ولا من الملائم لحياته ودرسه أن يهجر ~~أصدقاءه ويتخلف عن دروسه ويقيم في تلك الغرفة ملازما للصبي مؤنسا له. # ولم يتحدث الصبي بذات نفسه إلى أحد، ولم يتحدث أخو الصبي إليه بذات نفسه ~~أيضا، وأكبر الظن أنه تحدث بذلك إلى أصدقائه غير مرة، ولكن المشكلة بلغت أقصاها ذات ~~ليلة، وانتهت إلى الحل بعد ذلك دون أن يقول الصبي لأخيه شيئا أو أن يقول له أخوه ~~شيئا. # دعيت الجماعة ذات يوم إلى أن تسمر عند صديق لها سوري لا يسكن الربع ولا يسكن ~~الحي، وقبلت الجماعة دعوة الصديق، ومضى اليوم كما تعودت الأيام أن تمضي. وذهبت الجماعة ~~إلى درس الأستاذ الإمام ثم عادت منه بعد صلاة العشاء، ليتخفف كل واحد منها مما كان ~~يحمل من محفظته وأوراقه. # وهيأ الشيخ الفتى أخاه الصبي لنومه كما كان يفعل كل ليلة، وانصرف عنه بعد أن ~~أطفأ المصباح كما كان ينصرف كل ليلة. ولكنه لم يكد يبلغ الباب حتى كان الحزن قد ~~غلب الصبي على نفسه فأجهش ببكاء كظمه ما استطاع، ولكنه وصل في أكبر الظن إلى أذن ~~الفتى، فلم يغير رأيه ولم يصرفه عن سمره، وإنما أغلق الباب ومضى في وجهه. وأرضى ~~الصبي حاجة نفسه إلى البكاء ثم عاد إلى اطمئنانه شيئا فشيئا، ومثل قصته التي كان ~~يمثلها في كل ليلة، فلم يستسلم إلى النوم إلا بعد أن عاد أخوه. ولكنه أصبح فإذا أخوه ~~يقدم إليه بعد درس الفقه وبعد أن أفطر ألوانا من الحلوى كان قد اشتراها له في ~~طريقه إلى العودة من سمره، وقد فهم الصبي عن أخيه وفهم أخوه عنه، فلم يقل ~~أحدهما لصاحبه شيئا. # ومضى يوم ويوم آخر، وأخذ الشيخ الفتى كتابا من الحاج فيروز ففضه ونظر فيه ثم قال ~~لأخيه وقد وضع يده على كتفه، وامتلأ صوته حنانا ورفقا: «لن تكون وحدك في الغرفة منذ ~~غد، فسيحضر ابن خالتك طالبا للعلم، وستجد منه مؤنسا ورفيقا.» # | الفصل الرابع عشر # وكان ابن خالته هذا رفيق صباه، ms130 وكان له صديقا وعنده أثيرا، وكان كثيرا ما يهبط من ~~بلدته في أعلى الإقليم لزيارة الصبي، فينفق معه الشهر أو الأشهر، يختلفان معا إلى ~~الكتاب فيلعبان وإلى المسجد فليصليان، ثم يعودان مع الأصيل إلى البيت فيقرآن في كتب ~~القصص والسمر، أو يمضيان في ألوان من العبث، أو يخرجان للنزهة عند شجيرات التوت التي ~~كانت تقوم على حافة الإبراهيمية. وكانا كثيرا ما أدارا بينهما ألوانا من الأماني ~~والأحلام، وكانا قد تعاهدا على أن يذهبا معا إلى القاهرة ويطلبا العلم معا في ~~الأزهر. # وكثيرا ما هبط ابن خالته من مدينته في أعلى الإقليم في آخر الصيف وقد أعطته أمه ~~نقودا وأعدت له زادا وودعته على أنه سيذهب مع ابن خالته إلى القاهرة ليطلبا فيها ~~العلم معا. ولكنه كان يشارك صديقه في الانتظار ثم في الغضب ثم في الحزن والبكاء؛ لأن ~~الأسرة رأت - أو لأن الشيخ الفتى رأى - أن الوقت لم يئن لذهابهما إلى القاهرة، ثم ~~كانا يفترقان ويعود الصديق إلى أمه محزونا كئيبا. # فلا غرابة في أن يقع هذا الخبر من نفس الصبي موقعا حسنا، ولا غرابة في أن يقضي ~~الصبي مساءه راضيا مبتهجا لا يفكر إلا في غد. وقد أقبل الليل وملأ الغرفة بظلمته، ~~ولكن الصبي لم يسمع للظلمة في تلك الليلة صوتا ولا حديثا، وأكبر الظن أن حشرات الغرفة ~~قد لعبت كما كانت تفعل كل ليلة، ولكن الصبي لم يسمع لها صوتا ولم يحس لها حركة. # وقد أرق الصبي ليلته كلها، ولكنه كان أرقا فرحا مبتهجا، فيه كثير من تعجل ~~الوقت واستبطاء الصبح. وقد ذهب الصبي إلى درس الحديث فسمع صوت الشيخ وهو يتغنى بالسند ~~والمتن، ولكنه لم يلق إلى الشيخ بالا، ولم يفهم عنه شيئا. وذهب بعد ذلك إلى درس ~~الفقه فاستمع له لأنه لم يجد عن ذلك بدا، فقد كان أخوه أوصى به الشيخ، وكان الشيخ ~~يحاوره ويناظره ويضطره إلى أن يسمع له ويفهم عنه. ثم عاد الصبي إلى الغرفة في الضحى ~~فأنفق وقته هادئا قلقا. # هادئا في ms131 ظاهر الأمر؛ فقد كان يكره كل الكره أن يظهر أخوه أو أصحابه على أن شيئا ~~من أمره قد تغير قليلا أو كثيرا، وقلقا في دخيلة نفسه يتعجل الوقت ويستبطئ العصر ~~الذي سيصل فيه القطار إلى محطة القاهرة. # وقد دعا المؤذن بصلاة العصر آخر الأمر، ولم يبق بين الصبي وابن خالته إلا هذا الوقت ~~القصير الذي تقطع فيه عربة من عربات النقل هذه المسافة بين المحطة وبين الحي، سالكة ~~باب البحر فباب الشعرية منتهية إلى هذا الباب الذي ستنعطف نحوه، فتمر بين دخان القهوة ~~وقرقرة الشيشة. # وهاتان قدمان تضربان أرض الربع لا يتردد الصبي في معرفتهما، وهذا ابن خالته يقبل ~~فيلقي عليه سلاما ضاحكا، ثم يعتنقان ضاحكين، وهذا سائق العربة يتبعه وقد حمل ما ~~أرسلته الأسرة إلى الطالبين من الطرف والزاد، ومن المحقق أن العشاء سيكون دسما هذه ~~الليلة، وأن الأصدقاء جميعا سيشاركون فيه، وأن الصبيين لن يخلوا لأنفسهما ~~وأحاديثهما إلا حين يذهب القوم ليشهدوا درس الأستاذ الإمام. # ولكن من المحقق أيضا أن حياة الصبي قد تغيرت كلها منذ ذلك اليوم، فذهبت عنه العزلة ~~حتى رغب فيها أحيانا، وكثر عليه العلم حتى ضاق به أحيانا أخرى. # | الفصل الخامس عشر # وأيسر ما تغير من حياته المادية أنه هجر مجلسه من الغرفة على البساط القديم الذي بسط ~~على الحصير البالي العتيق، فلم يعرفه إلا حين كان يجلس للإفطار أو للعشاء، وحين كان ~~يأوي إلى مضجعه حين يتقدم الليل؛ وإنما كان يقضي يومه كله أو أكثره في الأزهر، وفيما ~~حوله من المساجد التي كان يختلف فيها إلى بعض الدروس. فإذا عاد إلى «الربع» لم يدخل ~~الغرفة إلا ليتخفف من عباءته، ثم يعود فيخرج منها ليجلس مع صاحبه على فراش ضيق من اللبد ~~قد فرش أمامها وأخذ أكثر الطريق على المارة، فلم يخل لهم منه إلا موضع أقدام الرجل ~~الواحد أو الرجلين. # وفي هذا المجلس كان الصبيان يلهوان بالحديث قليلا وبالقراءة كثيرا، وقد يفرغان لما ~~كان يجري في الطبقة السفلى من حركة وحديث، يسمع أحدهما، ms132 ويرى الآخر ويفسر لصاحبه ما لا ~~يرى. # وكذلك عرف الصبي الربع أكثر مما كان يعرفه، وعرف من شئون أهله أكثر مما كان يعرف، ~~وسمع من أحاديثهم أكثر مما كان يسمع، عاش جهرة بعد أن كان يعيش سرا. ولكن حياته ~~الخصبة الممتعة منذ أقبل عليه صديقه لم تكن في الغرفة ولا في الربع، وإنما كانت في ~~الأزهر نفسه، فقد استراح الصبي من درس الفجر وتلبث في غرفته حتى يدنو درس الفقه، فكان ~~يستمتع إذن مع صديقه بصوت الشيخ الموسوس حين كان يقيم الصلاة في كل يوم، بعد أن كان لا ~~يستمتع بهذا الصوت إلا يوم الجمعة من كل أسبوع. # فإذا حان وقت الدرس خرج مع صاحبه إلى الأزهر، فسلكا الطريق نفسها التي كان يسلكها مع ~~أخيه، ولكنهما يسلكان هذه الطريق متحدثين بالجد مرة وبالهزل مرة أخرى، وقد ~~ينحرفان عن حارة الوطاويط تلك القذرة، إلى شارع خان جعفر ذلك النظيف، ويخلصان على كل ~~حال إلى شارع سيدنا الحسين. والغريب أن الصبي تعود منذ أقبل صديقه عليه ألا يمر بمسجد ~~سيدنا الحسين ولا يدخله إلا قرأ الفاتحة، عوده صديقه هذه العادة فدأب عليها. وقد ~~تقدمت به السن واختلفت عليه أطوار الحياة، وما يذكر أنه مر بمسجد سيدنا الحسين ~~إلا قرأ في نفسه هذه السورة الكريمة من سور القرآن. # وكان أخو الصبي قد خصص له ولصاحبه مقدارا يسيرا جدا من النقد ثمنا لإفطارهما، ~~على أن يأخذا بعد درس الفقه جراية الشيخ الفتى من رواق الحنفية، وكانت أربعة أرغفة، ~~فيأكلان منها رغيفين إذا أفطرا ويحفظان منها رغيفين للعشاء، ومع أن هذا المقدار الذي ~~خصص لهما من النقد قد كان يسيرا ضئيلا لا يتجاوز القرش الواحد في كل يوم، فقد ~~عرفا كيف يحتالان وكيف يقتصدان ليمتعا أنفسهما ببعض ما كانت نفوسهما تتوق إليه من طرائف ~~الطعام والشراب. وما يمنعهما أن يغدوا ذات صباح مع الطير، فإذا تجاوزا ذلك الباب ~~المقفل من فجوته الضيقة، واستدارا ليأخذا طريقهما نحو الأزهر، وقفا عند بائع البليلة ~~فأخذ كل منهما قدرا ms133 من هذا الطعام الذي كانا يحبانه أشد الحب؛ لكثرة ما أكلا منه في ~~الريف، ولكثرة ما كان يوضع عليه من السكر الذي يختلط بحباته الغلاظ ويذوب في مائه ~~الشديد الحرارة جدا، فلا يكادان يسيغانه حتى يطرد عنهما بقية النوم ويشيع في جسميهما ~~النشاط ويثير في أفواههما وأجوافهما لذة كانا يقدرانها قدرها، ويهيئهما تهيئة ~~صالحة لدرس الفقه، يسمعان لحديث الشيخ وقد عمرت بطونهما ورءوسهما معا. # وما يمنعهما إذا كانا في شارع سيدنا الحسين أن يعطفا على هذا البائع أو ذاك فيجلسا ~~على مجلس ضيق من الخشب قد ألقي عليه حصير ضيق أحيانا، ولم يلق عليه شيء أحيانا ~~أخرى، ولكنه كان وثيرا على كل حال؛ لأن الجلوس عليه كان يصحبه انتظار لذة كانا يحبانها ~~ويقدرانها؛ لذة هذا التين المرطب الذي يقدم إليهما في إناء صغير، فيلتهمانه التهاما ~~ثم يعبان في مائة عبا، ثم يأكلان ما كان تحته من زبيب في أناة وهدوء! وما يمنعهما ~~حين يعودان قبل العصر أو بعيده أن يجورا على ثمن العشاء فيقفا عند بائع الهريسة أو ~~بائع البسبوسة، ويرضيا لذاتهما البريئة إلى هذا اللون من الحلوى أو ذاك! وليس على ~~إفطارهما ولا على عشائهما بأس. # فأما الإفطار فقد كان أمره يسيرا جدا: زيارة لبائع من هؤلاء الباعة الذين كانوا ~~يعرضون الفول النابت، ومعهما رغيفاهما وهما يدفعان إلى هذا البائع مليمين ونصف مليم، ~~وقد اشتريا بنصف مليم حزمة أو حزمتين من كراث، وهذا البائع يقبل عليهما ~~بإناء ضخم عميق قد امتلأ مرقا وسبحت فيه حبات من الفول وألقي عليه قليل من الزيت، ~~فهما يغمسان خبزهما في المرق، ويتصيدان ما تيسر من حب، ويلتهمان ما تحمله يدهما ~~اليسرى إلى أفواههما من الكراث ... وما يبلغان آخر الرغيف وآخر الكراث حتى يبلغا حظهما ~~من الطعام وقد امتلأا حتى كادا يكتظان. ولكن في الإناء بقية من مرق، فكان الصبي ~~يستحيي أن يجيب صاحبه إلى ما يعرض عليه من شرب هذا المرق، وكان صاحبه يضحك منه ويرفع ~~الإناء فيعب فيه حتى يرده إلى البائع ms134 نظيفا. # فقد أفطرا إذن ولم ينفقا أكثر من ثلاثة مليمات، وقد غنما ما طعما قبل الدرس. وما ~~عليهما الآن إلا أن يعودا إلى الأزهر ليرضيا عقولهما بعد أن رضيت أجسامهما. وكان الصبي ~~قد حرص كل الحرص على أن يواظب على درس شيخه المجدد المحافظ في الفقه والنحو، طاعة ~~لأخيه من جهة وإرضاء لنفسه من جهة أخرى. ولكنه كان شديد الطمع في أن يسمع لغير هذا ~~الشيخ، وأن يذوق غير هذين اللونين من ألوان العلم. وقد أتيح له ذلك في غير مشقة ولا جهد ~~بفضل هذه الدروس التي كانت تلقى في الضحى بعد أن يفرغ الطلاب من إفطارهم. وقد قرر ~~الصديقان أن يحضرا شرح «الكفراوي» وكان يلقى في الضحى من كل يوم، يلقيه شيخ جديد ولكنه ~~قديم؛ جديد في الدرجة، قديم في الصلة بالأزهر، قد تقدمت به السن وطال عليه الطلب حتى ~~ظفر بدرجته، وبدأ كما كان يبدأ أمثاله بقراءة «شرح الكفراوي». # وكان الصبي يسمع من شيخه الأول ومن أخيه وأصحابه عبثا كثيرا بشرح الكفراوي، وسخطا ~~كثيرا عليه، فكان ذلك يغريه به ويرغبه فيه. # وما هي إلا أن يحضر الدرس الأول ويسمع الأوجه التسعة في قراءة بسم الله الرحمن الرحيم ~~وإعرابها، حتى يفتن بهذا اللون من العلم ويكلف به أشد الكلف، وإذا هو يواظب مع صاحبه ~~في دقة على هذا الدرس من دروس النحو، ويواظب في دقة أيضا على درسه القديم. وكان يرى ~~أنه يتعلم النحو في درسه القديم، وأنه يلهو بالنحو في درسه الجديد. وكان يلهو في درسه ~~الجديد حقا؛ يلهو بهذا الإعراب المتصل الذي ألح فيه الشارح على المتن إلحاحا ~~شديدا. ويلهو خاصة بالشيخ الذي كان يقرأ متنه وشرحه ويفسر ما يقرأ في صوت غريب مضحك ~~حقا، لم يكن يقرأ وإنما كان يغني، ولم يكن غناؤه يصعد من صدره، وإنما كان يهبط من ~~رأسه. وكان صوته قد جمع بين خصلتين متناقضتين، فكان أصم مكظوما، وكان ممتدا ~~عريضا. # وكان الشيخ على ذلك من أهل الصعيد أو قل من أقصى الصعيد، ms135 وكان قد احتفظ بلهجته ~~الإقليمية لم يغير منها شيئا لا في الكلام ولا في القراءة ولا في الغناء. وكان ~~الشيخ على هذا كله غليظ الطبع، يقرأ في عنف، ويسأل الطلاب ويرد عليهم في عنف. وكان ~~سريع الغضب، لا يكاد يسأل حتى يشتم؛ فإن ألح عليه السائل لم يعفه من لكمة إن كان ~~قريبا منه، ومن رمية بحذائه إن كان مجلسه منه بعيدا. وكان حذاء الشيخ غليظا كصوته ~~جافيا كثيابه؛ فلم يكن يتخذ العباءة، وإنما كان يتخذ «الدفية». كان حذاء الشيخ غليظا ~~جافيا، وكانت نعله قد ملئت بالمسامير، وكان ذلك أمتن للحذاء وأمنع له من البلى، ~~ففكر في الطالب الذي كانت تصيبه مسامير هذا الحذاء في وجهه أو فيما يبدو من ~~جسمه! # ومن أجل هذا أشفق الطلاب من سؤال الشيخ وخلوا بينه وبين القراءة والتفسير والتقرير ~~والغناء. ومن أجل ذلك لم يضع الشيخ وقته ولا وقت الطلاب، وبدأ سنته الدراسية بشرح ~~الكفراوي، ولم تنته هذه السنة حتى كان قد أتم «شرح الشيخ خالد». # فقرأ الطلاب في سنة دراسية واحدة كتابين، على حين لم يكن غيرهم يقرءون مع غير هذا ~~الشيخ إلا كتابا واحدا، وعلى حين لم يكن ذلك الشيخ المجدد المحافظ قد تجاوز بطلابه ~~القليلين الأبواب الأولى من النحو. # وكان لهذا كله أثره في حياة الصبي النحوية - إن صح هذا التعبير - فقد قضى إجازة الصيف ~~وعاد إلى القاهرة، فلم ير شيخه المحافظ المجدد، وإنما سلك طريق غيره من الأزهريين، ~~فحضر في الفقه «شرح الطائي على الكنز»، وحضر في النحو «حاشية العطار على شرح الأزهرية». ~~ولكن من الخير ألا نتعجل الحوادث وأن نبقى مع صاحبنا في سنته الأولى. # كان إذن يفرغ من درس الضحى فينتقل إلى درس الظهر، ثم يعود إلى غرفته فيقرأ مع صاحبه ~~مطالعا دروس غد كما كان يفعل أصحاب الجد من الطلاب، أو متنقلا بين كتب مختلفة ~~يفهم عنها أو لا يفهم. فإذا دعيت الشمس إلى غروبها أقبل الصديقان على عشائهما، وكان ~~يختلف رقة وغلظا باختلاف ما بقي لهما ms136 من نقد؛ فإن كان قد بقى لهما نصف القرش قسماه ~~نصفين، فاشتريا بنصفه شيئا من الحلاوة الطحينية وبنصفه الآخر شيئا من الجبن الرومي، ~~وأقبلا على عشاء مترف لذيذ يجمعان فيه على اللقمة الواحدة قطعة من الجبن وقطعة من ~~الحلاوة، ويريان لهذا المزاج الغريب طعما لذيذا. وإن كانت البليلة أو التين قد أسرفا ~~عليهما في نقدهما فلم يبق لهما منه إلا ربع القرش، اشتريا بما بقي لهما شيئا من ~~الطحينة ثم صبا عليه شيئا من عسل أسود أو أبيض كان يأتيهما من الريف، ثم أقبلا على ~~عشاء ليس بالفخم، ولكنه لا بأس به. # فإن جارت البليلة أو التين أو كلاهما على نقدهما فلم يبقيا منه شيئا، فليس عليهما ~~من بأس، لقد حفظا رغيفيهما، وفي الغرفة هذه الصفيحة أو تلك، في هذه العسل الأسود، وفي ~~تلك العسل الأبيض، فليأخذا من هذا العسل شيئا وليغمسا فيه رغيفيهما، فذلك يجزئ عما ~~كانا يجدان في الحلاوة والجبن والطحينة من ترف. # وربما أباحا لأنفسهما على هذا البؤس شيئا من ترف فغمسا رغيفهما الأول وقد اقتسماه في ~~العسل الأسود، ثم غمسا رغيفهما الثاني وقد اقتسماه أيضا في العسل الأبيض. # وقد جعلت الشمس تسرع إلى غروبها، وكاد المؤذن يصعد إلى مئذنته، فليسرع الصديقان إذن ~~إلى الأزهر، فهما يحضران درسا بعد صلاة المغرب كما يفعل أولئك الطلاب الكبار، هما ~~يحضران درسا في المنطق، يحضران «متن السلم» للأخضري، ومن الحق أنهما كانا يحضران هذا ~~الدرس على شيخ كان يرى نفسه عالما وإن لم يعترف له الأزهر بالعالمية، طال عليه ~~الوقت، واشتد إلحاحه في طلب الدرجة فلم يظفر بها، ولكنه لم ييأس منها ولم يرض بحكم ~~الممتحنين فيه، فجعل يطاولهم من جهة، ويغيظهم من جهة أخرى. يطاولهم بحضور الدرس والتقدم ~~للامتحان، ويغيظهم بالجلوس إلى أحد الأعمدة إذا صليت المغرب ومن حوله جماعة من ~~الطلاب وهو يقرأ لهم كتابا في المنطق كما يقرأ العلماء الممتازون؛ فلم يكن يهجم على ~~تعليم المنطق إلا هؤلاء العلماء الممتازون. # ومن الحق أن ذلك الطالب الشيخ لم ms137 يكن بارعا في العلم ولا ماهرا في التعليم، وأن ~~جهله وعجزه كانا يظهران حتى لهؤلاء التلاميذ المبتدئين. ومن الحق أنه كان من أقصى ~~الصعيد، وكان محتفظا بلهجته كما عرفها قبل أن يقبل على الأزهر، ولم يكن يغير منها ~~شيئا في قراءته وحديثه. # ومن الحق آخر الأمر أنه كان سريع الغضب شديد الحدة، ولكنه لم يكن يشتم التلاميذ ولا ~~يضربهم، أولم يكن يجرؤ على شتم التلاميذ وضربهم؛ فما ينبغي ذلك إلا للعالم حقا ~~وصدقا، الذي نال الدرجة، ونال معها الإذن الضمني بشتم التلاميذ أو ضربهم. # كل هذا كان حقا، وكل هذا سمعه الصديقان من أولئك الطلاب الكبار، ولكنه لم يمنعهما من ~~حضور الدرس والمواظبة عليه، ليقولا لأنفسهما إنهما يدرسان المنطق، وليقولا لأنفسهما ~~إنهما يذهبان إلى الأزهر بعد صلاة المغرب ويعودان منه بعد صلاة العشاء، كما يفعل الطلاب ~~الكبار المتقدمون. # وما أسرع ما انقضت السنة الأولى! وما أسرع ما ختمت دروس الفقه والنحو! وما أسرع ~~ما دعي التلاميذ إلى التفرق ثم الرحيل إلى حيث ينفقون الصيف بين أهلهم في المدن ~~والقرى! وما أشد ما كان الصبي يتشوق إلى هذه الإجازة ويتحرق حنينا إلى ~~الريف! # ولكن الإجازة قد أقبلت، وإذا هو يريد أن يمتنع عن الرحيل وأن يبقى في القاهرة. أكان ~~صادقا في هذا التمنع؟ أم كان متكلفا له؟ كان صادقا وكان متكلفا معا. # كان صادقا؛ لأنه أحب القاهرة وكلف بها وشق عليه فراقها وقد كره الرحيل ~~دائما. وكان متكلفا؛ فقد كان أخوه يقضي أكثر إجازته في القاهرة، وكانت الأسرة ~~تكبر منه ذلك وتراه آية جد واجتهاد، وكان يريد أن يصنع صنع أخيه، وأن يظن به ~~ما كان يظن بأخيه، ولكن تمنعه لم يغن عنه شيئا، وها هو ذا يركب مع صاحبه عربة ~~من عربات النقل ومعهما ثيابهما قد لفت في حزمتين وقد بلغا المحطة، وأخذت ~~لهما تذكرتان ثم دفعتا إليهما، ثم وضعا في عربة مزدحمة من عربات الدرجة الثالثة، ~~ثم تحرك القطار. ولم يكد يمضي قليلا ويبلغ محطة بعد القاهرة أو محطتين ms138 حتى نسي ~~الصديقان أزهرهما وقاهرتهما وربعهما، ولم يذكرا إلا شيئا واحدا هو الريف، وما ~~سيكون فيه من لذه ونعيم. # | الفصل السادس عشر # وكانت العشاء قد صليت حين نزل الصبيان من القطار، فلم يجدا في المحطة أحدا، فأنكرا ~~ذلك شيئا، ولكنهما وصلا إلى الدار، فإذا كل شيء كان يجري فيها كما كانت تجري الأمور في ~~كل يوم؛ قد فرغت الأسرة من عشائها منذ وقت طويل، وأتم الشيخ صلاته ثم خرج كعادته فجلس ~~مع أصحابه غير بعيد من الدار، وتناوم الصبية، وجعلت أختهم الصغرى تحملهم واحدا واحدا ~~إلى مضاجعهم. واضطجعت أم الصبي على فراش من اللبد تحت السماء تستريح، والنوم ~~يلم بها ثم يصرف عنها، ومن حولها بناتها قد جلسن يتحدثن كعادتهن في كل ليلة، حتى ~~يقضي الشيخ سمره القصير ثم يعود إلى الدار، فتأوي الأسرة كلها إلى مضاجعها، ويشمل الدار ~~سكون وهدوء لا يقطعهما إلا تنابح الكلاب وتصايح الديكة في داخل الدار وفي أطراف ~~القرية. # فلما دخل الصبيان وجمت الأسرة لدخولهما ولم تكن قد أنبئت بعودتهما، فلم تعد لهما ~~عشاء خاصا، ولم تنتظرهما بالعشاء المألوف، ولم ترسل أحدا لتلقيهما عند نزولهما من ~~القطار. # وكذلك أضيع على الصبي ما كان يدير في نفسه من الأماني، وما كان يقدر من أنه ~~سيستقبل كما كان يستقبل أخوه الشيخ في ابتهاج وحفاوة واستعداد عظيم. على أن أمه نهضت ~~فقبلته، ونهضت إليه أخواته فضممنه إليهن. وقدم إليه وإلى صاحبه عشاء كعشائهما في ~~القاهرة. وأقبل الشيخ فأعطى ابنه يده ليقبلها ثم سأله عن أخيه في القاهرة، وأوت الأسرة ~~كلها إلى مضاجعها، ونام الصبي في مضجعه القديم، وهو يكتم في صدره كثيرا من الغيظ ~~وكثيرا من خيبة الأمل أيضا. # ومضت الحياة بعد ذلك في الدار والقرية كما كانت تمضي قبل أن يذهب الصبي إلى القاهرة ~~ويطلب العلم في الأزهر، كأنه لم يذهب إلى القاهرة ولم يجلس إلى العلماء ولم يدرس الفقه ~~والنحو والمنطق والحديث. وإذا هو مضطر كما كان يضطر من قبل إلى أن يلقى «سيدنا» ~~بالتحية والإكرام، ms139 ويقبل يده كما كان يفعل من قبل، ويسمع منه كلامه الفارغ الكثير كما ~~كان يسمعه من قبل. وإذا هو مضطر إلى أن يذهب بين وقت وآخر إلى الكتاب لينفق الوقت، ~~وإذا التلاميذ يلقونه كما كانوا يلقونه قديما، لا يكادون يشعرون بأنه غاب عنهم، ولا ~~يكادون يسألونه عما رأى أو سمع في القاهرة، ولو قد سألوه لخبرهم بالكثير. # وأكثر من هذا كله أنه لم يقبل أحد من أهل القرية على الدار ليسلم على الصبي ~~الشيخ بعد أن عاد إليها وقد غاب عنها سنة دراسية كاملة، وإنما كان يلقاه منهم هذا الرجل ~~أو ذاك، فيلقي عليه في فتور وإعراض هذا السؤال: ها أنت ذا؟ أعدت من القاهرة؟ كيف أنت؟ ~~ثم يلقي عليه هذا السؤال الآخر معنيا به رافعا به صوته: وكيف تركت أخاك الشيخ؟ # وقد استقر إذن في نفس الصبي أنه ما زال، كما كان قبل رحلته إلى القاهرة ، قليل الخطر ~~ضئيل الشأن لا يستحق عناية به ولا سؤالا عنه، فآذى ذلك غروره، وقد كان غروره ~~شديدا، وزاده ذلك إمعانا في الصمت وعكوفا على نفسه وانصرافا إليها. # ولكنه لم يكد يقضي أياما بين أسرته وأهل قريته حتى غير رأي الناس فيه ولفتهم ~~إليه، لا لفت عطف ومودة، ولكن لفت إنكار وإعراض وازورار؛ فقد احتمل من أهل القرية ما ~~كان يحتمل قديما يوما ويوما وأياما، ولكنه لم يطق على ذلك صبرا، وإذا هو ينبو على ~~ما كان يألف، وينكر ما كان يعرف، ويتمرد على من كان يظهر لهم الإذعان والخضوع. كان ~~صادقا في ذلك أول الأمر، فلما أحس الإنكار والازورار والمقاومة، تكلف وعاند وغلا ~~في الشذوذ، سمع «سيدنا» يتحدث إلى أمه ببعض أحاديثه في العلم والدين، وببعض تمجيده ~~لحفظة القرآن وحملة كتاب الله، فأنكر عليه حديثه ورد عليه قوله، ولم يتحرج من أن ~~يقول: هذا كلام فارغ، فغضب «سيدنا» وشتمه، وزعم أنه لم يتعلم في القاهرة إلا سوء الخلق، ~~وأنه أضاع في القاهرة تربيته الصالحة. # وغضبت أمه وزجرته، واعتذرت إلى «سيدنا» وقصت الأمر ms140 على الشيخ حين عاد فصلى المغرب ~~وجلس للعشاء، فهز رأسه وضحك ضحكة سريعة في ازدراء للقصة كلها وشماتة «بسيدنا»؛ فلم يكن ~~يحب «سيدنا» ولا يعطف عليه. # ولو وقف الأمر عند هذا الحد لاستقامت الأمور، ولكن صاحبنا سمع أباه يقرأ «دلائل ~~الخيرات» كما كان يفعل دائما إذا فرغ من صلاة الصبح أو من صلاة العصر، فرفع كتفيه وهز ~~رأسه ثم ضحك، ثم قال لإخوته: إن قراءة «الدلائل» عبث لا غناء فيه. # فأما الصغار من إخوته وأخواته فلم يفهموا عنه ولم يلتفتوا إليه، ولكن أخته الكبرى ~~زجرته زجرا عنيفا ورفعت بهذا الزجر صوتها، فسمعها الشيخ ولم يقطع قراءته، ولكنه مضى ~~فيها حتى أتمها، ثم أقبل على الصبي هادئا باسما يسأله ماذا كان يقول؟ فأعاد الصبي ~~قوله، فلما سمعه الشيخ هز رأسه وضحك ضحكة قصيرة وقال لابنه في ازدراء: «ما أنت وذاك! ~~هذا ما تعلمته في الأزهر!» فغضب الصبي وقال لأبيه: «نعم، وتعلمت في الأزهر أن كثيرا ~~مما تقرؤه في هذا الكتاب حرام يضر ولا ينفع؛ فما ينبغي أن يتوسل إنسان بالأنبياء ولا ~~بالأولياء، وما ينبغي أن يكون بين الله وبين الناس واسطة، وإنما هذا لون من ~~الوثنية.» # هنالك غضب الشيخ غضبا شديدا، ولكنه كظم غضبه واحتفظ بابتسامه وقال فأضحك الأسرة ~~كلها: «اخرس قطع الله لسانك، لا تعد إلى هذا الكلام، وإني أقسم لئن فعلت لأمسكنك في ~~القرية، ولأقطعنك عن الأزهر، ولأجعلنك فقيها تقرأ القرآن في المآتم والبيوت.» ثم ~~انصرف، وتضاحكت الأسرة من حول الصبي، ولكن هذه القصة على قسوتها الساخرة لم تزد ~~صاحبنا إلا عنادا وإصرارا. # وقد نسيها الشيخ بعد ساعات، وأقبل على عشائه ومن حوله أبناؤه وبناته كعادته، وجعل ~~يسأل الصبي عن الشيخ الفتى ماذا يصنع في القاهرة؟ وماذا يقرأ من الكتب؟ وعلى من ~~يختلف من الأساتذة؟ # وكان الشيخ يجد لذة عظيمة في إلقاء هذه الأسئلة وفي الاستماع لأجوبتها. كان يلقيها ~~على ابنه الشيخ الفتى إذا عاد إلى القرية، فيجيبه متكلفا أول مرة، فإذا أعيدت ~~أعرض الفتى عن أبيه وبخل عليه ms141 بالجواب. ولم يكن أبوه ينكر ذلك منه جهرة، ولكنه كان ~~يتأذى به ويشكو منه لزوجه إذا خلا إليها. # فأما الصبي فكان سمحا طيعا، لا يعرض عن أبيه ولا يمتنع عن إجابته، ولا يدركه السأم ~~مهما تتكرر الأسئلة ومهما يكن موضوعها. وكان الشيخ من أجل ذلك يحب أن يسأله ويستمتع ~~بالتحدث إليه في أثناء العشاء وأثناء الغداء، ولعله كان يعيد على صاحبه بعض ما كان ~~ابنه يقص عليه من زيارات الشيخ الفتى للأستاذ الإمام وللشيخ بخيت، ومن اعتراض الشيخ ~~الفتى على أساتذته في أثناء الدرس وإحراجه لهم، وردهم عليه بالعنف وبالشتم وبالضرب ~~أحيانا. # وكان الصبي يشعر بلذة أبيه لهذه الأحاديث ورضاه عنها، فيتزيد ويتكثر ويخترع منها ~~ما لم يكن، ويحفظ ذلك في نفسه ليقصه على أخيه إذا عاد إلى القاهرة. # وكان الشيخ بهذا كله سعيدا وله مغتبطا وعلى تجديده حريصا. فلما جلست الأسرة ~~للعشاء في تلك الليلة وجدد الشيخ أسئلته عن ابنه الفتى: ماذا يصنع في القاهرة؟ ~~وماذا يقرأ من الكتب؟ قال الصبي في دهاء وخبث وكيد: إنه يزور قبور الأولياء، وينفق ~~نهاره في قراءة «دلائل الخيرات». # ولم يكد الصبي ينطق بهذا الجواب حتى أغرقت الأسرة كلها في ضحك شديد شرق له الصغار ~~بما كان في أفواههم من طعام وشراب، وكان الشيخ نفسه أسرعهم إلى الضحك وأشدهم إغراقا ~~فيه. # وكذلك استحال نقد الصبي لأبيه في قراءته للدلائل والأوراد موضوعا للهو الأسرة وعبثها ~~أعواما وأعواما. والظريف من هذا الأمر أن هذا النقد كان يحفظ الشيخ حقا، ~~ويؤذيه في نفسه وفيما ورث من عادة واعتقاد. ولكن الشيخ على ذلك كان يدعو ابنه إلى هذا ~~النقد ويغريه به، ويجد في هذا الألم لذة ومتاعا. # ومهما يكن من شيء فإن شذوذ الصبي لم يلبث أن تجاوز الدار إلى مجلس الشيخ قريبا منها، ~~وإلى دكان الشيخ محمد عبد الواحد، وإلى المسجد حيث كان الشيخ محمد أبو أحمد رئيس ~~الفقهاء في المدينة يقرئ القرآن للصبية والشباب، ويصلي بالناس في أثناء الأسبوع ~~ويفقههم في دينهم أحيانا، وحيث كان ms142 الشيخ عطية - رجل من التجار الذين طلبوا العلم في ~~الأزهر أعواما، ثم عادوا إلى الريف فاشتغلوا بأمور الدنيا ولم ينصرفوا عن أمور الدين - ~~يجلس للناس بعد صلاة العصر من حين إلى حين، فيعظهم ويفقههم، وربما قرأ لهم شيئا من ~~الحديث. # بل وصل شذوذ الصبي إلى المحكمة الشرعية، فسمعه القاضي وسمعه خاصة ذلك الشيخ الذي كان ~~يكتب للقاضي، ويرى أنه أعلم من القاضي بالشرع، وأفقه منه بالدين، وأحق منه بالقضاء، ~~لولا أنه لم يظفر بهذه الورقة التي تسمى درجة العالمية والتي تشترط لتولي منصب ~~القضاء، والتي تنال بالجد والاجتهاد قليلا وبالحظ والتملق في أكثر الأحيان. # تسامع هؤلاء الناس جميعا بمقالات هذا الصبي وإنكاره لكثير مما يعرفون، واستهزائه ~~بكرامات الأولياء، وتحريمه التوسل بهم وبالأنبياء، وقال بعضهم لبعض: إن هذا الصبي ضال ~~مضل، قد ذهب إلى القاهرة فسمع مقالات الشيخ محمد عبده الضارة وآراءه الفاسدة المفسدة، ~~ثم عاد بها إلى المدينة ليضلل الناس. # وربما سعى بعضهم إلى مجلس الشيخ وأصحابه قريبا من الدار وطلبوا إلى الشيخ أن يريهم ~~ابنه ذلك الشاذ الغريب، فيقبل الشيخ هادئا باسما حتى يدخل الدار، فيرى ابنه آخذا في ~~اللعب أو الحديث مع أخواته، فيأخذه بيده في رفق ويقوده إلى مجلسه؛ فإذا سلم على ~~القادمين أجلسه، ثم أخذ بعض القادمين في التحدث إليه رفيقا أول الأمر، فإذا اتصل ~~الحديث ذهب الرفق وقام مقامه الحوار العنيف. وكثيرا ما كان محاور الصبي ينصرف ~~غاضبا متحرجا يستغفر الله من الذنب العظيم، ويستعيذ به من الشيطان الرجيم. # وكان الشيخ وأصحابه من الذين لم يدرسوا في الأزهر ولم يتفقهوا في الدين يرضون عن هذه ~~الخصومات ويعجبون بها، ويبتهجون لهذا الصراع الذي كانوا يشهدونه بين هذا الصبي الناشئ ~~وهؤلاء الشيوخ الشيب. # وكان أبو الصبي أشدهم غبطة وسرورا، ومع أنه لم يصدق قط أن التوسل بالأولياء ~~والأنبياء حرام، ولم يطمئن قط إلى عجز الأولياء عن إحداث الكرامات، ولم يساير قط ابنه ~~فيما كان يقول من تلك المقالات، فقد كان يحب أن يرى ابنه محاورا مخاصما ظاهرا ms143 على ~~محاوريه ومخاصميه، وكان يتعصب لابنه تعصبا شديدا. # وكان يسمع ويحفظ ما كان الناس يتحدثون به ويخترعونه أحيانا من أمر هذا الصبي الغريب، ~~ثم يعود مع الظهر أو مع المساء فيعيد ذلك كله على زوجته راضيا حينا وساخطا حينا ~~آخر. # وعلى كل حال فقد انتقم الصبي لنفسه، وخرج من عزلته وشغل الناس في القرية والمدينة ~~بالحديث عنه والتفكير فيه، وتغير مكانه في الأسرة، مكانه المعنوي إن صح هذا التعبير؛ ~~فلم يهمله أبوه، ولم تعرض عنه أمه وإخوته، ولم تقم الصلة بينهم وبينه على الرحمة ~~والإشفاق، بل على شيء أكثر وآثر عند الصبي من الرحمة والإشفاق. # وانقطع ذلك النذير الذي سمعه الصبي في أول الإجازة بأنه قد يبقى في القرية ويقطع عن ~~الأزهر فقيها يقرأ القرآن في المآتم والبيوت، وآية ذلك أنه أصبح ذات يوم فنهض مع الفجر ~~ونهضت الأسرة كلها مع الفجر أيضا، ورأى الصبي نفسه بين ذراعي أمه وهي تقبله ~~وتذرف دموعا صامتة. ثم رأى الصبي نفسه في المحطة مع صاحبه وأبوه يجلسه في القطار ~~رفيقا به، ثم يعطيه يده ليقبلها، ثم ينصرف عنه وهو يسأل الله أن يفتح عليه. # ورأى الصبي نفسه يعبث مع صاحبه أثناء السفر، ثم رأى الصبي نفسه ينزل من القطار في ~~محطة القاهرة، وإذا أخوه يتلقاه مبتسما له. ثم يدعو حمالا ليحمل ما كان معه من ~~متاع قليل وزاد كثير، فإذا تجاوز باب المحطة دعا عربة من عربات النقل فحمل عليها الزاد ~~وصاحب أخيه، ثم عربة أخرى من عربات الركوب، فأجلس فيها أخاه رفيقا به، وجلس عن يمينه ~~وأعطى السائق عنوان «الربع». # | الفصل السابع عشر # وأقبل صاحبنا على دروسه في الأزهر وغير الأزهر من المساجد، فأمعن في الفقه والنحو ~~والمنطق، وأخذ يحسن «الفنقلة» التي كان يتنافس فيها البارعون من طلاب العلم في الأزهر ~~على المنهج القديم، ويسخر منها المسرفون في التجديد، ولا يعرض عنها المجددون ~~المعتدلون. وإذا هو يدرس «شرح الطائي على الكنز» مصبحا، و«الأزهرية» مع الظهر، وشرح ~~السيد الجرجاني على إيساغوجي ممسيا. # وكان ms144 يحضر الدرس الأول في الأزهر، والدرس الثاني في مسجد محمد بك أبي الذهب، والدرس ~~الثالث في مسجد الشيح العدوي على أستاذ من سلالة الشيخ العدوي نفسه. وربما ألم ~~بدرس من دروس الضحى كان يقرأ فيه كتاب «قطر الندى» لابن هشام؛ تعجلا للتعمق في النحو ~~والفراغ من كتب المبتدئين والوصول إلى «شرح ابن عقيل على الألفية»، ولكنه لم يكن يواظب ~~على هذا الدرس؛ كان يستجهل الشيخ، ويرى في «فنقلة» الشيخ عبد المجيد الشاذلي حول ~~«الأزهرية» و«حاشية العطار» ما يكفيه ويرضيه. # وقد بقيت في نفسه آثار لا تمحى من درس الأزهرية هذا؛ ففيه تعلم «الفنقلة» حقا، وكان ~~أول ذلك هذا الكلام الكثير والجدال العقيم حول قول المؤلف: «وعلامة الفعل قد»؛ فقد أتقن ~~صاحبنا ما أثير حول هذه الجملة البريئة من الاعتراضات والأجوبة، وأتعب شيخه حوارا ~~وجدالا حتى سكت الشيخ فجأة أثناء هذا الحوار، ثم قال في صوت حلو لم ينسه صاحبنا قط، ~~ولم يذكره قط إلا ضحك منه ورق له: «الله حكم بيني وبينك يوم القيامة.» قال ذلك في صوت ~~يملؤه السأم والضجر، ويملؤه العطف والحنان أيضا؛ وآية ذلك أنه بعد أن أتم الدرس وأقبل ~~الصبي ليلثم يده كما كان الطلاب يفعلون، وضع يده على كتف الصبي، وقال له في هدوء وحب: ~~«شد حيلك الله يفتح عليك.» # وعاد الصبي مبتهجا بهذه الكلمات والدعوات، فأنبأ بها أخاه وانتظر به أخوه موعد ~~الشاي. فلما اجتمع القوم إلى شايهم قال للصبي مداعبا: قرر لنا «وعلامة الفعل قد.» ~~فامتنع الصبي حياء أول الأمر، ولكن الجماعة ألحت عليه، فأقبل يقرر ما سمع وما وعى ~~وما قال، والجماعة صامتة تسمع له، حتى إذا فرغ نهض إليه ذلك الكهل الذي كان ينتظر ~~الدرجة فقبل جبهته وهو يقول: «حصنتك بالحي القيوم الذي لا ينام.» # وأما الجماعة فأغرقت في الضحك، وأما الصبي فأغرق في الرضا عن نفسه، وبدأ منذ ذلك ~~الوقت يعتقد أنه أصبح طالبا بارعا نجيبا. # وقوى هذا الرأي في نفسه أن زملاءه في درس النحو التفتوا إليه وجعلوا يستوقفونه ms145 بعد ~~الدرس، أو يدنون منه قبل الدرس، فيسألونه ويتحدثون إليه، ثم يعرضون عليه أن يعدوا ~~معه الدرس قبل الظهر. وقد أغراه هذا العرض فترك درس «القطر»، وجعل يطالع مع زملائه ~~هؤلاء يقرءون له ويأخذون في التفسير، وجعل هو يسبقهم إلى هذا التفسير ويستبد به من ~~دونهم، فلا يقاومونه وإنما يسمعون منه ويصغون إليه. وجعل ذلك يزيده غرورا إلى غرور، ~~ويخيل إليه أنه قد بدأ يصبح أستاذا. # واطردت حياته في ذلك العام متشابهة لا جديد فيها إلا ما كان يفيده الصبي من العلم ~~كلما أمعن في الدرس، وما كان يشعر به من الغرور إذا كان بين زملائه، وما كان يرد ~~إليه من التواضع إذا كان بين أولئك الطلاب الكبار في الربع، وإلا ما كان يفيده من ~~العلم بشئون الأساتذة والطلاب في الأزهر لما كان يسمع من حديث زملائه وأصدقاء أخيه عن ~~أولئك وهؤلاء. # فلم يكن شيء من هذه الأحاديث ليحسن ظنه بأولئك أو هؤلاء، وإنما كان ظنه يزداد بهم ~~سوءا كلما مر عليه الوقت، فقد كان يسمع بين وحين ثناء بالذكاء والبراعة على هذا ~~الشيخ أو ذاك من صغار العلماء وكبارهم، ولكنه كان يسمع دائما عيبا لأولئك وهؤلاء ~~بألوان من النقائص التي تتصل بالخلق أو تتصل بالسيرة أو تتصل بصناعة العلم نفسها، ~~والتي كانت تثير في نفسه كثيرا من الغضب والازدراء وخيبة الأمل. # ولم يكن يسلم من هذه العيوب أحد، فأما هذا الشيخ فقد كان شديد الحقد على زملائه ~~وأقرانه، شديد المكر بهم والكيد لهم، يلقاهم مبتسما فلا يكاد يفارقهم حتى يقول فيهم ~~أشنع القول ويسعى بهم أقبح السعي. وأما هذا الشيخ الآخر فقد كان رقيق الدين، يظهر ~~التقوى إذا كان في الأزهر أو بين أقرانه، فإذا خلا إلى نفسه وإلى شياطينه أغرق في إثم ~~عظيم. # وكان هؤلاء العائبون ربما سموا أولئك الشياطين الذين كان الشيخ يخلو إليهم ويشاركهم ~~في الإثم. وكان كبار الطلاب يتندرون على هذا الشيخ أو ذاك؛ لأنه كان يعنى عناية خاصة ~~بهذا الفتى أو ذاك، ويلقي نظرات ms146 خاصة على هذا الفتى أو ذاك، ولا يستقر على كرسيه ~~إذا حضر من طلابه هذا الفتى أو ذاك. # وكانت الغيبة والنميمة أشيع وأشنع ما كان يذكر من عيب الشيوخ، فكان الطلاب يذكرون ~~سعي ذلك الشيخ بصديقه الحميم عند شيخ الأزهر أو عند الشيخ المفتي، وكانوا يذكرون أن ~~شيخ الأزهر كان أذنا للنمامين، وأن الشيخ المفتي كان يترفع عن الاستماع لهم ~~ويلقاهم بالزجر القاسي العنيف. # وقد تحدث الطلاب الكبار ذات يوم بقصة عن جماعة من كبار الشيوخ سموهم يومئذ، ~~فزعموا أن هؤلاء الشيوخ لاحظوا أنهم قد أسرفوا على أنفسهم في الغيبة، فأستعظموا ذلك ~~وذكروا قول الله عز وجل: # ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا ~~فكرهتموه ~~، فتناهوا عن هذه الخطيئة الكبيرة، وتعاهدوا على أن من ~~أخذ منهم في الغيبة فعليه أن يؤدي إلى أصحابه عشرين قرشا. # وقد كفوا عن الغيبة يوما أو بعض يوم ضنا بهذا المبلغ من النقد. وإنهم لفي بعض ~~حديثهم، وإذا شيخ يمر بهم فيلقي عليهم تحية، ويمضي في طريقه، ولكنه لا يكاد يمضي حتى ~~يخرج أحدهم قطعة من الفضة فيدفعها إلى أصحابه ويأخذ في اغتياب هذا الشيخ. # فأما تحدث الطلاب كبارا وصغارا بجهل شيوخهم وتورطهم في ألوان الخطأ المضحك ~~الذي كان بعضه يتصل بالفهم وبعضه يتصل بالقراءة، فقد كان أكثر من أن يحصى وأعظم من ~~أن يقدر، ومن أجل هذا كان صاحبنا سيئ الرأي في العلماء والطلاب جميعا، وكان يرى ~~أن الخير كل الخير في أن يجد ويجتهد ويحصل ما استطاع من العلم معرضا عن مصادره ~~التي كان يستقيه منها. # وازداد رأيه سوءا حين استقبل السنة الثالثة من حياته في الأزهر، فالتمس لنفسه ~~أستاذا يقرأ في الفقه شرح ملا مسكين على الكنز، فدل على أستاذ معروف بعيد الذكر ~~ظاهر المكانة في القضاء، فذهب إليه وجلس في حلقته، ولكنه لم يكد ينفق دقائق حتى أحس ~~حرجا عظيما، رأى نفسه مضطرا إلى أن يبذل جهدا شديدا لمقاومة الضحك؛ وذلك أن الشيخ ~~رحمه الله قد كانت ms147 له لازمة غريبة، كما كان يقول الأزهريون، فلم يكن يقرأ جملة في ~~الكتاب أو يفسرها من عند نفسه إلا قال هذه الجملة مرتين: «قال قال، ثم قال إيه.» # يعيد ذلك مرات في الدقائق القليلة، وصاحبنا يسمع له ويعنف على نفسه حتى لا يضحك ~~فيأتي منكرا من الأمر. # وقد استطاع صاحبنا أن يضبط نفسه، ولكنه لم يستطع أن يختلف إلى درس الأستاذ أكثر من ~~ثلاثة أيام؛ لأنه لم يجد عنده غناء، وإنما وجد عنده عناء، لم يفد منه شيئا، وإنما كان ~~يكظم ضحكه كظما عنيفا، ويكلف نفسه من ذلك ما لم تكن تطيق. والتمس غيره من الأساتذة ~~الذين كانوا يقرءون هذا الكتاب، فلم يجد عندهم إلا هذه اللوازم التي كانت تختلف ~~باختلافهم، ولكنها كانت تدفع الغلام إلى الضحك وتضطره إلى أن يبذل في ضبط نفسه من الجهد ~~ما كان يشغله أحيانا عن الاستماع، وقيل له في أثناء ذلك: إن هذا الكتاب من كتب الفقه ~~ليس بذي خطر، وإن أستاذا ممتازا - سموه له - يقرأ كتاب «الدرر»، والخير في أن تحضر ~~درسه، فهو من أذكى العلماء وأبرع القضاة. # واستشار صاحبنا أخاه وأصحاب أخيه فلم يردوه عن ذلك، بل شجعوه عليه وأوصوا به الشيخ، ~~وقد رضي الغلام عن أستاذه الجديد في دروسه الأولى، فلم يكن يلتزم جملة بعينها أو لفظا ~~بعينه أو صوتا بعينه، ولم يكن يتردد في القراءة ولا في التفسير، وكان ذكاؤه واضحا، ~~وإتقانه للفقه بينا، وحسن تصرفه فيه لا يتعرض للشك. # وكان الأستاذ رشيقا أنيقا حلو الصوت، ممتازا في حركته وفي لقائه للطلاب وحديثه ~~إليهم، وكان معروفا بالتجديد، لا في العلم ولا في الرأي، ولكن في السيرة. وكان كبار ~~الطلاب يتحدثون بأنه يلقي درسه إذا أصبح ثم يمضي إلى محكمته فيقضي فيها، ثم يروح إلى ~~بيته فيطعم وينام، فإذا كان الليل خرج مع لذاته فذهب إلى حيث لا ينبغي أن يذهب ~~العلماء، وسمع من الغناء ما لا ينبغي أن يسمع العلماء، وأقبل من اللذات على ما لا ينبغي ~~أن يقبل عليه ms148 رجال الدين. وكانوا يذكرون «ألف ليلة وليلة» فيعجب الغلام؛ لأنه كان يعرف ~~أن «ألف ليلة وليلة» اسم كتاب طالما قرأ فيه ووجد في قراءته لذة ومتاعا، ولكنهم كانوا ~~يذكرون هذا الاسم على أنه مكان يسمع فيه الغناء، ويكون فيه اللهو، وتطلب فيه بعض ~~اللذات. # وكان الغلام يسمع عن شيخه هذه الأحاديث فلا يصدقها ولا يطمئن إليها، ولكنه لم ينفق مع ~~الشيخ أسابيع حتى أحس منه تقصيرا في إعداد الدرس، وقصورا عن تفسير النص، وضيقا ~~بأسئلة الطلاب. بل أحس منه أكثر من ذلك، فقد سأله ذات يوم عن تفسير بعض ما كان يقول ~~فلم يجبه إلا بالشتم، وكان الشيخ أبعد الناس عن الشتم وأشدهم عنه ترفعا. # فلما قص الغلام على أخيه وأصحابه من أمر الشيخ ما رأى، أنكروا ذلك وأسفوا له، ~~وهمس بعضهم لبعض بأن العلم والسهر في «ألف ليلة وليلة» لا يجتمعان. # وكان حظ الغلام في النحو خيرا من حظه في الفقه؛ فقد سمع «القطر» و«الشذور» على الشيخ ~~عبد الله دراز رحمه الله، فوجد من ظرف الأستاذ وصوته العذب وبراعته في النحو ومهارته ~~في رياضة الطلاب على مشكلاته ما زاده في النحو حبا. # ولكن حظه في النحو لم يلبث أن ساء حين استؤنفت الدراسة في العام الجديد، فقد أخذ ~~الغلام يسمع على الشيخ عبد الله دراز «شرح ابن عقيل». وبينما الأستاذ وطلابه ماضون في ~~درسهم، راضون عن عملهم، صدر الأمر إلى الأستاذ بالانتقال إلى معهد الإسكندرية، فمانع في ~~ذلك ما استطاع، ومانع طلابه ما استطاعوا، ولكن المشيخة لم تسمع له ولا لهم، فلم يجد ~~بدا من إنفاذ الأمر. ولم ينس الغلام ذلك اليوم الذي ودع الأستاذ فيه طلابه، وإنه ~~ليبكي مخلصا، وإنهم ليبكون مخلصين ويشيعونه باكين إلى باب المسجد. # ثم أقيم مقام الشيخ، شيخ آخر ضرير، وكان مشهورا بالذكاء الحاد والتفوق الظاهر ~~والنبوغ الممتاز، وكان لا يذكر إلا أثنى عليه ذاكروه والسامعون لذكره بهذه ~~الخصال. # أقبل هذا الشيخ، فأخذ الدرس من حيث تركه الشيخ عبد الله دراز. وكانت حلقة الشيخ ms149 عبد ~~الله دراز عظيمة تملأ رقعتها القبة من مسجد محمد بك أبي الذهب، فلما خلفه هذا الشيخ ~~ازدادت هذه الحلقة ضخامة واتساعا حتى اكتظ بها المكان، وألقى الشيخ درسه الأول فرضي ~~عنه الطلاب، ولكنهم لم يجدوا عنده وداعة أستاذهم القديم ولا عذوبة صوته، ثم ألقى درسه ~~الثاني والثالث، وإذا الطلاب ينكرون منه رضاه عن نفسه وإعجابه بها، وثقته بما كان يقول، ~~وغضبه الحاد على مقاطعيه. # ولم يكد يتقدم في درسه الرابع حتى كانت بينه وبين صاحبنا قصة صرفت الغلام عن النحو ~~صرفا. كان الشيخ يفسر قول تأبط شرا: # فأبت إلى فهم وما كدت آئبا # وكم مثلها فارقتها وهي تصفر # فلما وصل إلى قوله «تصفر» قال: إن العرب كانت إذا اشتدت على أحدهم أزمة أو محنة ~~وضعوا أصابعهم في أفواههم ونفخوا فيها، فكان لها صفير يسمع. # قال الغلام للشيخ: وإذن فما مرجع الضمير في قوله : «وهي تصفر»، وفي قوله: «وكم مثلها ~~فارقتها؟» قال الشيخ: مرجعه «فهم» أيها الغبي! قال الغلام: فإنه قد عاد إلى فهم والبيت ~~لا يستقيم على هذا التفسير. قال الشيخ: فإنك وقح وقد كان يكفي أن تكون غبيا. قال ~~الغلام: ولكن هذا لا يدل على مرجع الضمير. فسكت الشيخ لحظة ثم قال: «انصرفوا، فلن ~~أستطيع أن أقرأ وفيكم هذا الوقح.» # ونهض الشيخ، وقام الغلام، وقد كاد الطلاب يبطشون به لولا أن حماه زملاؤه وكانوا من ~~أهل الصعيد، حموه بأن أحاطوا به وأشهروا نعالهم فتفرق الناس، وأي الأزهريين لم يكن ~~يفرق في ذلك الوقت من نعال أهل الصعيد! # ولم يعد الغلام إلى درس النحو، بل لم يحضر الغلام بعد ذلك درسا في النحو، بل ذهب من ~~غده إلى درس كان يلقيه أستاذ معروف من أهل الشرقية، وكان يقرأ «شرح الأشموني»، ولكنه لم ~~يتم الاستماع للدرس، مضى الشيخ يقرأ ويفسر، وسأله الغلام في بعض الشيء، فرد عليه الشيخ ~~بما لم يقنعه، فأعاد السؤال، فغضب الشيخ وأمره بالانصراف. فتوسط بعض أصدقائه عند الشيخ ~~يستعطفونه، فازداد غضب الشيخ وأبى أن يمضي في ms150 الدرس حتى يقوم هذا الغلام ومعه أصدقاؤه، ~~ولم يكن لهم بد من أن ينصرفوا؛ فقد أشهرت عليهم نعال الشرقية، ولم تكن نعال ~~الشرقية بأقل خطرا من نعال الصعيد. # وذهب الغلام من غده مع أصحابه إلى حلقة أخرى كان يقرأ فيها «شرح الأشموني»، يقرؤه ~~أستاذ مشهور من أساتذة الشرقية أيضا. فوقف الغلام على الحلقة لحظة لا تتجاوز الدقائق ~~الخمس، ولكنه سمع فيها هذه اللازمة الغريبة يعيدها الشيخ كلما انتقل من جملة إلى جملة: ~~«اخص على بلدي.» فضحك الغلام وضحك أصدقاؤه وانصرفوا، وأزمع الغلام وصديق له أن يدرسا ~~النحو مستقلين، وأن يدرساه في مصادره الأولى، فقرأا كتاب «المفصل» للزمخشري، ثم «كتاب ~~سيبويه»، ولكن هذه قصة أخرى. # ولم يكن حظه في المنطق خيرا من حظه في الفقه والنحو. لقد أحب المنطق حبا شديدا ~~حين كان يسمع شرح السيد على إيساغوجي من أستاذه ذاك الشاب في العام الماضي . فأما في هذا ~~العام فقد جلس لأمثاله من أوساط الطلاب علم من أعلام الأزهر الشريف، وإمام من أئمة ~~المنطق والفلسفة فيه. وكان معروفا بين كبار الطلاب بهذا الذكاء الظاهر الذي يخدع ولا ~~يغني شيئا. وكان معروفا بهذه الفصاحة التي تبهر الأذن ولا تبلغ العقل. وكان يؤثر عنه ~~أنه كان يقول: «مما من الله علي به أني أستطيع أن أتكلم ساعتين فلا يفهم أحد ~~عني شيئا ولا أفهم أنا عن نفسي شيئا.» كان يرى ذلك مزية وفخرا. ولكن لم يكن بد ~~للطالب الذي يقدر نفسه من أن يجلس إليه ويسمع منه. وقد جلس للطلاب بعد صلاة المغرب ~~يقرأ لهم «شرح الخبيصي على تهذيب المنطق»، وذهب إليه صاحبنا وسمع منه درسا ودرسا، ~~وكانت حلقته عظيمة حقا تكتظ بها القبة في جامع محمد بك. وكان الغلام يسبق صلاة ~~المغرب فيجلس في أقرب مكان من كرسي الأستاذ، وكان الأستاذ جهوري الصوت قد احتفظ ~~بلهجة الصعيد كاملة. وكان شديد النشاط كثير الحركة. وكان إذا سأله طالب رد عليه ساخرا ~~منه، فإن ألح الطالب في السؤال ثار هو به وجعل يقول له ms151 في حدة: «اسكت يا خاسر، ~~اسكت يا خنزير!» وكان يفخم الخاء في الكلمتين إلى أقصى ما يستطيع فيه أن يبلغ من ~~التفخيم. # وقد استقام للشيخ وللطلاب أمرهم حتى أتمموا قسم التصورات، فلما بلغوا في كتابهم ~~المقصد الثاني في التصديقات لقي الغلام من نفسه ومن شيخه بلاء عظيما، فاضطر إلى أن ~~يختار له من الغد مكانا بعيدا عن الشيخ، وما زال يتأخر يوما بعد يوم في مجلسه حتى ~~بلغ باب القبة، فخرج منه ذات ليلة، ولم يدخله بعد ذلك. # لقي الغلام بلاء من نفسه لم يذكره قط إلا ضحك منه ضحكا شديدا، وأضحك منه أخاه ~~وأصدقاءه جميعا؛ فقد جلس الشيخ على كرسيه وأخذ في القراءة، فقال: «المقصد الثاني في ~~التصديقات.» يقلقل القاف ويفخم الصاد، ويمد الألفات والياءات مدا متوسطا. ثم ~~يعيد هذه الكلمات نفسها فيقلقل القاف ويفخم الصاد ويطيل مد الألفات والياءات. ثم ~~يعيد الكلمات نفسها فيقلقل القاف ويفخم الصاد ويمد الألف والياء في «الثاني»، ولكنه لا ~~يقول «في التصديقات»، وإنما يقول: «في مين؟» فلا يرد عليه أحد، فيرد على نفسه ويقول: ~~«في التصديقات»، ثم يعيد الكلمة نفسها على هذا النحو نفسه، فإذا انتهى إلى قوله: «في ~~مين؟» ولم يرد عليه أحد، ضرب بظهر يده في جبهة الغلام وهو يقول: «ردوا يا غنم، ردوا يا ~~بهائم، ردوا يا خنازير!» يفخم الغين والخاء إلى أقصى ما يستطيع فمه أن يبلغ من ~~التفخيم، فيقول الطلاب جميعا: «في التصديقات». # لقي الغلام من نفسه عناء شديدا؛ فقد كان هذا كله خليقا أن يضحكه، وكان يخاف أن ~~يضحك بين يدي الأستاذ. ولقي من شيخه بلاء عظيما بهذه الضربات التي كانت تتوالى على ~~جبهته بين حين وحين. ومهما يكن من شيء فقد تحول الغلام عن هذا الدرس ولم يتجاوز ~~بالمنطق عند هذا الشيخ باب القضايا. # تحول عن هذا الدرس في أثناء العام، وقرر أن يحضر مكانه درسا في التوحيد كان يلقيه ~~شيخ جديد حديث الظفر بدرجة العالمية. وكان أصدقاؤه من كبار الطلاب يذكرونه بالظرف ~~الشديد والذكاء المتوسط ms152 وحلاوة الصوت وحسن الإلقاء، ويقولون: إن علمه يخدع من حدثه أو ~~سمع عنه، فإذا تعمقه لم يجد عنده شيئا، وكان يقرأ «شرح الخريدة» و«متنها» ~~للدردير، فسمع الغلام منه درسا وأعجب بصوته وإلقائه وظرفه، وجعل ينتظر أن يعجب ~~بعلمه وفنقلته، ولكن الشيخ صرف عن الدرس؛ لأنه نقل من القاهرة وأرسل إلى مكان ~~بعيد تولى فيه منصب القضاء، فلم يتح للغلام أن يعلم علمه، ولا أن يقضي في أمره بشيء ~~إلا أنه كان لبقا ظريفا حلو الصوت عذب الحديث. # وإذن فقد ضاعت السنة في حقيقة الأمر على الغلام، ولم يحصل فيها أو لم يكد يحصل ~~فيها من العلم شيئا جديدا، إلا ما كان يقرؤه في الكتب ويسمعه من أولئك الطلاب الكبار ~~وهم يطالعون أو يتناظرون. # فلما عاد إلى الأزهر من قابل، عاد إليه ضيق النفس به، شديد الزهد فيه، حائرا ~~في أمره لا يدري ماذا يصنع، لا يستطيع أن يقيم في الريف، وماذا يفعل في الريف؟! ولا يجد ~~نفعا من إقامته في القاهرة واختلافه إلى الشيوخ. وفي هذا العام اتصل بدرس الأدب، ولكن ~~لحديث هذا الدرس ساعة: # من الدهر ما حانت ولا حان حينها # كما تقول بثينة في سلوها عن جميل. # | الفصل الثامن عشر # وفي الحق أن إقبال الفتى على درس الأدب لم يصرفه عن علومه الأزهرية أول الأمر؛ فقد ~~كان يظن أنه يستطيع الملاءمة في نفسه بين هذين اللونين من ألوان المعرفة. وهو لم يرسل ~~إلى القاهرة ولم ينسب إلى الأزهر ليكون أديبا ينظم الشعر أو ينشئ النثر، وإنما أرسل ~~إلى القاهرة وانتسب إلى الأزهر ليسلك طريقه الأزهرية الخالصة، حتى يبلغ الامتحان ويظفر ~~بالدرجة، ويسند ظهره إلى عمود من الأعمدة القائمة في ذلك المسجد العتيق، ويتحلق ~~الطلاب من حوله فيسمعوا منه درسا في الفقه أو في النحو أو فيهما جميعا. # كذلك كان يتمنى أبوه، وبذلك كان يتحدث إلى الأسرة في شيء من الأمل والإعجاب بابنه ~~هذا الشاذ الغريب. وكذلك كان يريد أخوه، وكذلك كان يريد هو. وماذا كان يمكن أن يريد ms153 غير ~~ذلك وقد فرضت الحياة على أمثاله من المكفوفين الذين يريدون أن يحيوا حياة محتملة إحدى ~~اثنتين: فإما الدرس في الأزهر حتى تنال الدرجة وتضمن الحياة بهذه الأرغفة التي تؤخذ في ~~كل يوم، وبهذه القروش التي تؤخذ آخر الشهر لا تزيد عن خمسة وسبعين قرشا إن كانت الدرجة ~~الثالثة، ولا عن مائة قرش إن كانت الدرجة الثانية، ولا عن خمسين ومائة قرش إن كانت ~~الدرجة الأولى، وإما أن يتجر بالقرآن فيقرأه في المآتم والبيوت كما أنذره بذلك أبوه في ~~وقت من الأوقات. # فلم يكن للفتى بد إذن من أن يمضي في طريقه الأزهرية حتى يبلغ غايتها. وكانت هذه ~~الطريق تتشعب إلى شعبتين إذا قضى الطالب ثلاثة أعوام أو أربعة في الأزهر؛ إحداهما ~~علمية: وهي الاختلاف إلى الدروس والتنقل في مراحل العلم، وكان الفتى ماضيا فيها، أقبل ~~عليها مشغوفا بها، ثم فترت همته، ثم ازدراها وانصرفت عنها نفسه حين استيأس من الأساتذة ~~وساء ظنه بالشيوخ. # والثانية مادية: وكانت تتألف من مراحل ثلاث: مرحلة المنتسب، ومرحلة المنتظر، ومرحلة ~~المستحق. أما مرحلة المنتسب: فهي المرحلة التي يبدأ الطالب بها حياته الأزهرية بعد أن ~~يتم تقييده في سجلات الأزهر. ولم يكن له بد من أن ينتسب إلى أحد الأروقة، وقد انتسب ~~صاحبنا كما انتسب أخوه إلى رواق الفشنية. وأما مرحلة المنتظر: فقد كانت المرحلة ~~الثانية، ينتقل إليها الطالب بعد أن يقيم أعواما في الأزهر، وسبيله إلى ذلك ورقة ~~يكتبها ويرفعها إلى شيخ الرواق يعين فيها ما أنفق في الأزهر من عام وما حضر فيه من ~~درس، ويشهد على صدقه فيما سجل فيها شيخان من شيوخه. ويطلب إلى شيخ الرواق أن يقيد ~~اسمه بين أسماء المنتظرين. حتى إذا خلا مكان بين المستحقين للجراية ارتقى إليه فبلغ ~~المرحلة الثالثة ونال جرايته رغيفين أو ثلاثة أو أربعة، على اختلاف بين الأروقة في ~~ذلك. # فلم يكن بد لصاحبنا من أن يرقى إلى مرحلة المنتظرين، وقد كتب الورقة وختمها ~~بالجملة التي كانت شائعة إذ ذاك: «جعلكم الله ملجأ للقاصدين.» ms154 # وشهد شيخان أنه لم يقل في هذه الورقة إلا حقا. وذهب إلى الشيخ في داره فرفع إليه ~~الورقة بعد أن قبل يده وانصرف. فانتظر وطال الانتظار، ولم يظفر بالجراية قط في هذا ~~الرواق، ولكن ارتقاءه إلى مرحلة المنتظرين أرضى أباه وملأ فمه فخرا على كل حال. # وبينما كان ينتظر في طائل أو في غير طائل خرج الأستاذ الإمام من الأزهر في تلك القصة ~~المعروفة، وبعد تلك الخطبة المشهورة التي ألقاها الخديوي على بعض العلماء. # وكان الفتى يظن أن تلاميذ الشيخ - وكانوا كثيرين يكتظ بهم الرواق العباسي في كل ~~مساء - سيحدثون حدثا، وسينبئون الخديوي بأن شباب الأزهر قد تغيروا، وبأنهم سيذودون ~~عن شيخهم، وسيبذلون في سبيل ذلك لا أوقاتهم وحدها بل أرواحهم أيضا. # ولكن الشيخ ترك الأزهر واتخذ دارا للإفتاء؛ فلم يزد تلاميذه على أن حزنوا وتحدثوا ~~بالأسف فيما بينهم وبين أنفسهم، وزار قليل منهم الشيخ في داره بعين شمس، وانصرف عنه ~~أكثرهم، وانتهى الأمر عند هذا الحد. فامتلأت نفس الفتى حزنا وغيظا، وساء ظنه بالطلاب ~~كما ساء ظنه بالشيوخ، ولم يكن مع ذلك قد عرف الأستاذ الإمام أو قدم إليه. # وبعد ذلك بقليل توفي الأستاذ الإمام، فاضطربت مصر لوفاته، وكانت البيئة الأزهرية ~~أقل البيئات المصرية اضطرابا لهذا الحادث الجلل. وأسف تلاميذ الشيخ، ولعل قليلا ~~منهم سفحوا بعض الدموع، ولكنهم أقبلوا بعد الصيف على دروسهم، كأن الشيخ لم يمت، أو كأن ~~الشيخ لم يكن، لولا أن الخاصة من تلاميذه كانوا يذكرونه بالخير بين حين وحين. # وكذلك عرف الفتى في ألم لاذع ولأول مرة في حياته الناشئة أن ما يقدم إلى عظماء الرجال ~~من ألوان الإكبار والإجلال وضروب التملق والزلفى لغو لا طائل تحته ولا غناء فيه، وأن ~~وفاء الناس ينحل في أكثر الأحيان إلى كلام لا يفيد. # وزاد سوء الظن بالناس في نفس الفتى قوة ما لاحظه في بعض البيئات من انتهاز وفاة ~~الشيخ فرصة للاتجار باسمه، واستغلال الصلة به، يتوسلون إلى ذلك بالشعر حينا وبالنثر ~~حينا آخر، وبالإعلان في الصحف ms155 والمجلات دائما. # ولكن الفتى أحس شيئا آخر زاد به انحرافا عن الأزهر وانصرافا عن شيوخه وطلابه، أحس ~~أن الذين بكوا الشيخ صادقين وحزنوا عليه مخلصين لم يكونوا من أصحاب العمائم، وإنما ~~كانوا من أصحاب الطرابيش، فوجد في نفسه ميلا خفيا إلى أن يقرب من أصحاب الطرابيش ~~هؤلاء، وإلى أن يتصل ببيئاتهم بعض الاتصال. ومن له بذلك وهو فتى ضرير قد فرضت عليه ~~الحياة الأزهرية فرضا فلم يجد عنها منصرفا! # وكان الأستاذ الإمام شيخا لرواق الحنفية، فلما خرج من الأزهر أو لما خرج من الحياة ~~أصبح خلفه على الإفتاء خلفا له على الرواق أيضا. # كان ابن المفتي الجديد أستاذا لصاحبنا الفتى، سمع عليه في صباه شرح السيد الجرجاني ~~على إيساغوجي في المنطق، وكان يقوم عن أبيه بأمر الرواق، فأغرى الفتى بالانتساب إلى ~~رواق الحنفية والانتظار فيه، وكانت الجراية في رواق الحنفية أيسر منالا وأكثر عدد ~~أرغفة منها في غيره من الأروقة، ولم يكن الانتساب إلى رواق الحنفية أيام الأستاذ الإمام ~~سهلا ولا يسيرا وإنما كان الامتحان سبيلا إليه. وقد احتفظ المفتي الجديد بهذه السنة، ~~وكان ابنه هو الذي يمتحن المتقدمين للانتساب في موعد بعينه في العام، فقيل لصاحبنا ~~الفتى: ما لك لا تنتسب إلى هذا الرواق وقد انتسب إليه أخوك من قبل وأصحابه النجباء ~~أيام الأستاذ الإمام، وهم يأخذون منه جراياتهم أربعة أرغفة لكل واحد منهم في كل يوم؟ ~~وزين ذلك له وحثه عليه أخوه وأصحابه. وأرسل إلى الامتحان ذات مساء ومعه كتاب إلى ~~الممتحن. فلما أدخل الفتى على الممتحن حياه وأخذ منه الكتاب فنظر فيه ثم ألقى عليه ~~سؤالا ورد الفتى جواب السؤال خطأ أو صوابا لم يدر، ولكن الممتحن قال له: «انصرف يا ~~علامة!» فانصرف راضيا، ولم يمض إلا وقت قليل حتى أصبح الفتى مستحقا ونال رغيفين ~~في كل يوم، فكثر الخبز في الغرفة، وفرحت الأسرة في الريف. # على أن الفتى لم ينل رغيفين فحسب، وإنما نال معهما خزانة في الرواق كانت آثر عنده من ~~الرغيفين، فقد كان يستطيع ms156 إذا دخل الأزهر في الصبح أن يذهب إلى خزانته فيضع فيها نعليه ~~ورغيفيه أو أحدهما، ويقضي نهاره حرا لا يعنى بهاتين النعلين اللتين كان يبذل جهدا ~~غير قليل لحمايتهما من عدوان الخاطفين والسارقين، وما أكثر ما كانت تسرق النعال في ~~الأزهر! وما أكثر ما كانت تلصق على جدران الأزهر من حول الصحن أوراق يعلن فيها أصحابها ~~أن نعالهم قد ضاعت، وأن من ظفر بها فردها إلى صاحبها في مكان كذا، أو رواق كذا، فله ~~الأجر والثواب، ومن احتفظ بها متعديا قطعه الله من هذا المكان! # كان الفتى إذن سعيدا بخزانته ورغيفيه، ولكنه لم يكن سعيدا بما كان يحصل من العلم ~~أو يسمع من الدرس، وقد كان يكره نفسه إكراها على أن يسمع بعد الفجر درسا في التوحيد ~~كان يلقيه الشيخ راضي رحمه الله، وكان يقرأ كتاب «المقاصد»، ويسمع في الصبح درس الفقه ~~على الشيخ بخيت وكان يقرأ كتاب «الهداية»، ويسمع في الظهر درس البلاغة على الشيخ عبد ~~الحكم عطا وكان يقرأ «شرح السعد». # وكان درس الفقه يسلي الفتى ويلهيه بما كان يسمع فيه من غناء الشيخ إذا خلى ~~الطلاب بينه وبين الغناء، وحدة الشيخ ونكته الأزهرية إذا قطع الطلاب عليه غناءه ~~فجادلوه في بعض ما كان يقرأ أو كان يقول. وربما كان الشيخ ينشد طلابه أحيانا من شعره ~~إذا صفا وطابت نفسه للإنشاد. وقد حفظ عنه الفتى بيتا من الشعر لم ينس قط صوت الشيخ ~~وهو يتغنى به مترنحا: # كأن عمته من فوق هامته # شنف من التبن محمول على جمل # وقد روى الفتى هذا البيت لأخيه وأصحابه فتضاحكوا وتذاكروا شعر الشيخ وتناشدوا بعضه. ~~وروى الفتى إلى البيت السابق بيتا آخر ليس أقل منه طرافة وظرفا، وهو مطلع قصيدة ~~قالها الشيخ رحمه الله في رثاء بعض العلماء، وهو: # خطب جليل بعد موتك يا نبي # فقد الأئمة كالإمام المغربي # وقد روى المصريون جميعا عن الشيخ بعد ذلك العهد بأعوام طوال بيتا آخر لم ينسه ~~ظرفائهم بعد، وقد سار فيهم كما تسير الأمثال، ms157 وهو: # إنا مع الأمرا والوفد والوزرا # على وفاق له في القلب تأييد # وكان الفتى ربما جادل الشيخ فأطال الجدال. وقد أسرف الجدال مرة في الطول حتى تأخر ~~الدرس عن إبانه، وتصايح الطلاب من جوانب المسجد الحسيني بالشيخ أن حسبك فقد نفد ~~الفول. فأجابهم الشيخ في غنائه الظريف: لا والله لا نقوم حتى يقتنع هذا المجنون. ولم ~~يكن بد للمجنون من أن يقتنع؛ فقد كان هو أيضا حريصا على أن يدرك الفول قبل أن ~~ينفد. # وكان درس البلاغة أثيرا عند الفتى، لا لما كان يحصل فيه من علم؛ فقد مضى منذ وقت ~~طويل إقبال الفتى على الدروس في الأزهر لتحصيل العلم، وإنما كان يقبل عليه أداء ~~للواجب وقطعا للوقت والتماسا للفكاهة. وكان درس البلاغة أثيرا عنده؛ لأنه كان يجد ~~فيه هذه الفكاهة، ولأن الشيخ - نضر الله وجهه - كان سمح النفس رضي الخلق مخلصا ~~في درسه للعلم وللطلاب، ولأنه بعد ذلك كان يكلف نفسه في الفهم والإفهام جهدا عظيما ~~وعناء ثقيلا، وكان إذا بلغ منه الجهد رفه على نفسه بهذه الجملة يوجهها إلى طلابه ~~بين حين وحين، في لهجة منياوية عذبة مضحكة: «فاهمين يا سيادي؟» # وكان إذا انتصف الدرس أشفق على نفسه وعلى الطلاب فقطع القراءة والتفسير وأقام دقائق ~~صامتا لا ينطق، وأقبل على نشوقه فالتهم منه بأنفه ما استطاع في تؤدة وروية وأناة. وكان ~~الطلاب ينتهزون هذه الفرصة ليطفئوا ما كان يتأجج في بطونهم من نار الفول والطعمية ~~والكراث بقدح من أقداح الشراب الذي كان يطوف به الباعة عليهم في أثناء الدروس، ~~ويدعونهم دعاء لطيفا بهذا النقر الخفيف الذي كان يمس به الزجاج فيبعث إلى الآذان ~~صوتا خفيفا ظريفا. # وفي ذات يوم كان الفتى يستريح مع بعض أصحابه أثناء هذه السكتة، وكان الشيخ مقبلا ~~على نشوقه والطلاب على شرابهم، وإذا أحد المشدين يأتي فيدعو الفتى وصاحبيه في رفق إلى ~~غرفة شيخ الجامع. # ولكن هذه قصة لم يأت وقتها بعد، وإن كان الناس قد عرفوها منذ وقت بعيد، وقد قام ~~الفتى وصاحباه ms158 عن الدرس ثم لم يعودوا إليه بعد ذلك. # وفي هذا الوقت أو قريبا من هذا الوقت، وقعت قصة دخل فيها الفتى ومضى فيها إلى ~~غايتها، ولكنها قضت في نفسه على كل أمل في أن يظفر بنجاح في الأزهر قليل أو ~~كثير. # غضب القصر على شيخ كبير من شيوخ الأزهر، فمنع الشيخ من إلقاء دروسه، ورأى الناس أن في ~~هذا المنع ظلما للشيخ وعدوانا على حقوق الأزهر، ولكنهم لم يصنعوا شيئا، وكان ~~الأزهريون أشدهم فتورا وخضوعا. ولكن صديقا من أصدقاء الفتى - كانت له فيما أقبل من ~~الأيام مواقف مشهورة يحمدها له الناس - أقبل عليه ذات يوم فقال له: ألست ترى فيما حل ~~بشيخنا ظلما وعدوانا؟ قال الفتى: بلى، وأي ظلم وأي عدوان! قال له الصديق: ألا تشارك ~~في الاحتجاج على هذا الظلم؟ قال الفتى: وكيف السبيل إلى ذلك؟ قال الصديق: نجمع نفرا من ~~أصدقائنا الذين كانوا يسمعون دروس الشيخ ونسعى إليه نتمنى عليه أن يمضي في إلقاء دروسه ~~علينا في بيته، فإذا قبل انتفعنا بالدرس وأعلنا ذلك في الصحف، فعرف الظالمون للأزهر ~~أن بين الأزهريين من لا يقرون الظلم ولا يذعنون له، فقال الفتى: هذا حسن. # واجتمع نفر من طلاب الشيخ فسعوا إليه بما أرادوا، وأجابهم إلى ما طلبوا، فأعلنوا ذلك ~~في الصحف، وأعلنوا أن الشيخ سيقرأ لهم «سلم العيون» في المنطق، و«مسلم الثبوت» في ~~الاصول، يقسم الأسبوع بين هذين الكتابين. # وبدأ الشيخ دروسه في بيته، وكثر الطلاب المقبلون على هذه الدروس حين علموا بها، ورضي ~~هؤلاء الشباب عن أنفسهم وعن شجاعتهم، وعاد إلى الفتى شيء غير قليل من الأمل. # ولكنه في ذات يوم جادل الشيخ في بعض ما كان يقول، فلما طال الجدال غضب الشيخ وقال ~~للفتى في حدة ساخرة: «اسكت يا أعمى ما أنت وذاك!» فغضب الفتى وأجاب الشيخ في ~~حدة: «إن طول اللسان لم يثبت قط حقا ولم يمح باطلا.» فوجم الشيخ ووجم ~~الطلاب لحظة، ثم قال الشيخ لطلابه: «انصرفوا اليوم فهذا يكفي.» # ولم يعد الفتى منذ ذلك ms159 اليوم إلى دروس الشيخ، بل جهل كل ما كان من أمرها. # وكذلك عاد الفتى إلى يأسه من الأزهر، ولم يبق له أمل إلا في درس الأدب الذي آن وقت ~~للتحدث عنه وعن آثاره البعيدة في حياة هذا الشاب. # | الفصل التاسع عشر # لم يكد الصبي يبلغ القاهرة ويستقر فيها حتى سمع ذكر الأدب والأدباء، كما سمع ذكر ~~العلم والعلماء، سمع حديث الأدب بين هؤلاء الطلاب الكبار حين كانوا يذكرون الشيخ ~~الشنقيطي رحمه الله وحماية الأستاذ الإمام له وبره به. وقد وقع هذا الاسم الأجنبي من ~~نفس الصبي موقعا غريبا، وزاد موقعه غرابة ما كان الصبي يسمعه من أعاجيب الشيخ وأطواره ~~الشاذة وآرائه التي كانت تضحك قوما وتغضب قوما آخرين. # كان أولئك الطلاب الكبار يتحدثون بأنهم لم يروا قط ضريبا للشيخ الشنقيطي في حفظ ~~اللغة ورواية الحديث سندا ومتنا عن ظهر قلب. وكانوا يتحدثون بحدته وشدته وسرعته إلى ~~الغضب وانطلاق لسانه بما لا يطاق من القول. وكانوا يضربونه مثلا لحدة المغاربة، ~~وكانوا يذكرون إقامته في المدينة ورحلته إلى قسطنطينية، وزيارته للأندلس، وربما تناشدوا ~~شعره في بعض ذلك. وكانوا يذكرون أن له مكتبة غنية بالمخطوط والمطبوع في مصر وفي أوروبا، ~~وأنه لا يقنع بهذه المكتبة وإنما ينفق أكثر وقته في دار الكتب قارئا أو ناسخا. ثم ~~كانوا يذكرون بعد ذلك متضاحكين قصته الكبرى تلك التي شغلته بالناس وشغلت الناس به، ~~وعرضته لكثير من الشر والألم، وهي رأيه في أن «عمر» مصروف لا ممنوع من الصرف. # وكان الصبي يسمع حديث «عمر» هذا فلا يفهم منه شيئا أول الأمر، ولكنه لم يلبث أن ~~فهمه في وضوح حين تقدم في درس النحو وعرف المصروف والممنوع من الصرف، وعرف غير ~~المتمكن والمتمكن، والمتمكن الأمكن من الأسماء. وكان أولئك الشباب يذكرون مناظرات ~~الشيخ مع جماعات من علماء الأزهر في صرف «عمر» هذا أو منعه من الصرف، ويتحدثون ضاحكين ~~بأن العلماء اجتمعوا للشيخ ذات يوم في الأزهر يرأسهم شيخ الجامع، فطلبوا إليه أن يعرض ~~عليهم رأيه في صرف عمر، ms160 فقال الشيخ في لهجته المغربية المتحضرة: لا أعرض عليكم هذا ~~الرأي حتى تجلسوا مني مجلس التلاميذ من الأستاذ، فتردد الشيوخ، ولكن واحدا منهم ماكرا ~~ماهرا نهض عن مجلسه وسعى حتى كان بين يدي الشيخ فجلس على الأرض متربعا، وأخذ الشيخ في ~~عرض رأيه فقال: أنشد الخليل: # يا أيها الزاري على عمر # قد قلت فيه غير ما تعلم # قال الشيخ الجالس مجلس التلميذ بصوته الماكر النحيف: لقد رأيت الخليل أمس فأنشدني ~~البيت على هذا النحو: «يا أيها الزاري على عمر»، ولم يدعه الشيخ الشنقيطي يتم ~~إنشاده، وإنما قطع عليه الإنشاد محتدا وهو يقول: «كذبت! كذبت! لقد مات الخليل منذ ~~قرون طويلة فكيف يمكن لقاء الموتى؟!» وجعل بعد ذلك يشهد الشيوخ على تعمد صاحبهم ~~للكذب، وعلى جهله بالنحو والعروض، وضحك القوم وتفرق المجلس دون أن يقضى في أمر عمر ~~أممنوع من الصرف كما يقول النحاة أم مصروف كما يقول هذا الشيخ الغريب؟ وكان الصبي ~~يسمع هذا الكلام فيحفظه، ويجد اللذة فيما فهم منه، ويعجب بما لم يفهم. # وكان الشيخ يقرأ لبعض الطلاب هذه القصائد التي تعرف بالمعلقات، وكان أخو الصبي وبعض ~~أصدقائه يسمعون هذا الدرس في يوم الخميس أو في يوم الجمعة من كل أسبوع، وكانوا يعدون ~~هذا الدرس كغيره من الدروس، وكذلك سمع الصبي لأول مرة: # قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل # بسقط اللوى بين الدخول فحومل # وما أسرع ما انصرف هؤلاء الطلاب الكبار عن هذا الدرس الذي لم يسيغوه! ولكن أخا الصبي ~~حاول أن يحفظ المعلقات، فحفظ منها معلقة امرئ القيس ومعلقة طرفة. كان يردد الأبيات بصوت ~~مرتفع والصبي يسمع فيحفظ، ثم لم يلبث أن أشرك الصبي معه في الحفظ. ولكنه لم يتجاوز ~~هاتين المعلقتين وانصرف إلى دروسه الأزهرية الأخرى، واستقرت المعلقتان في نفس الصبي ~~يحفظهما ولا يفهم منهما إلا قليلا. # وكان هؤلاء الطلاب يتحدثون عن درس آخر كان يلقى في الأزهر ليعلم الأزهريين صناعة ~~الإنشاء. وكان يلقيه شيخ سوري من خاصة الأستاذ الإمام، وقد اختلف إليه هؤلاء الطلاب ~~فاشتروا ms161 الدفاتر وكتبوا موضوعات الإنشاء، ولكنهم عدلوا عنه بعد قليل كما عدلوا عن درس ~~الشنقيطي، وأقبل أخو الصبي ذات يوم ومعه مقامات الحريري، فجعل يحفظ بعضها رافعا صوته ~~بالقراءة والصبي يحفظ صامتا، ثم أشركه في الحفظ كما أشركه في حفظ المعلقات، ومضيا في ~~ذلك حتى حفظا عشر مقامات، ثم انصرف الشيخ الفتى إلى الأصول والفقه والتوحيد كما انصرف ~~عن المعلقات ودرس الإنشاء. # وأقبل مرة أخرى ومعه كتاب ضخم يسمى «نهج البلاغة» فيه خطب الإمام علي وقد شرحها ~~الأستاذ الإمام نفسه، فجعل يحفظ من هذه الخطب ويحفظ الصبي معه، ثم أعرض عن هذا الكتاب ~~كما أعرض عن غيره بعد أن حفظ الصبي طائفة من الخطب. # وصنع الشيخ الفتى هذا الصنيع نفسه بمقامات بديع الزمان الهمذاني، ولم ينس الصبي قط ~~قصيدة أبي فراس: # أراك عصي الدمع شيمتك الصبر # أما للهوى نهي عليك ولا أمر # فقد أقبل بها أخوه وقد طبعت مشطرة أو مخمسة، شطرها أو خمسها بعض الأزهريين، فجعل يقرأ ~~في هذه القصيدة، ثم لم يلبث أن أعرض عن تشطير الأزهري أو تخميسه وأخذ في حفظ القصيدة ~~نفسها مع أخيه. # وإنما ذكر الصبي هذه القصيدة؛ لأنه صادف في أثنائها بيتا كان يقع في أذنه موقعا ~~غريبا، وهو قول أبي فراس: # بدوت وأهلي حاضرون لأنني # أرى أن دارا لست من أهلها قفر # فقد قرأه الشيخ الفتى وحفظه وأحفظه أخاه: ~~... ... ... ... لأنني # أرى أن دار الست من أهلها قفر # وكان الصبي يسأل نفسه عن معنى هذا البيت، كما كان يرى غريبا أن تأتي كلمة «الست» في ~~بيت من الشعر، فلما تقدمت به السن وتقدمت به المعرفة أيضا قرأ البيت على وجهه ففهمه، ~~وعرف كذلك أن كلمة «الست» ربما جاءت في شعر المحدثين من العباسيين ونثرهم أيضا. # وكذلك اتصل صاحبنا بالأدب على هذا النحو المضطرب المختلط، وجمع في نفسه أطرافا من ~~هذا الخليط من الشعر والنثر. ولكنه لم يقف عند شيء من ذلك ولم يفرغ له، وإنما كان يحفظ ~~منه ما يمر به حين تتاح له الفرصة، ms162 ثم يمضي لشأنه وفناقله. # وفي ذات يوم من أول العام الدراسي أقبل أولئك الشباب متحمسين أشد التحمس لدرس ~~جديد يلقى في الضحى، ويلقى في الرواق العباسي، ويلقيه الشيخ سيد المرصفي في الأدب، ~~وسموا: «ديوان الحماسة». # وكانوا قد فتنوا بهذا الدرس حين سمعوه فلم يعودوا إلى غرفاتهم حتى اشتروا هذا ~~الديوان، وأزمعوا أن يحضروا الدرس وأن يعنوا به وأن يحفظوا الديوان نفسه، وأسرع أخو ~~الصبي كعادته دائما، فاشترى «شرح التبريزي» لديوان الحماسة وجلده تجليدا ظريفا، ~~وزين به دولابه ذاك، وإن كان قد نظر فيه بين حين وحين. وقد جعل أخو الصبي يحفظ ديوان ~~الحماسة ويحفظه لأخيه، وربما قرأ عليه شيئا من «شرح التبريزي»، وكان يقرؤه على نحو ~~ما كان يقرأ كتب الفقه والأصول، ويتفهمه على نحو ما يتفهم هذه ~~الكتب. # وكان الصبي يحس أن هذا الكتاب لا ينبغي أن يقرأ على هذا النحو ولا أن يفهم على هذا ~~النحو. كان الشيخ الفتى وأصحابه يرون «ديوان الحماسة» متنا، و«كتاب التبريزي» شرحا، ~~وكانوا يأسفون على أن أحدا لم يكتب على هذا الشرح حاشية. وكانوا كثيرا ما يقصون ~~حديث الشيخ إليهم وعبثه بهم وتندره على أساتذتهم وعلى كتبهم الأزهرية. # يقصون ذلك ضاحكين منه معجبين به، ماضين على الرغم منه في درسهم الأزهري لا يفترون عنه ~~ولا يقصرون فيه. # وكان صاحبنا يسمع أحاديثهم، فيبتهج لهم أشد الابتهاج، ويشتاق إلى هذا الدرس أشد ~~الشوق. ولكن أولئك الشباب لم يلبثوا أن أعرضوا عن هذا الدرس كما أعرضوا عن غيره من دروس ~~الأدب؛ لأنهم لم يروه جدا، ولأنه لم يكن من الدروس الأساسية في الأزهر، وإنما ~~كان درسا إضافيا من هذه الدروس التي أنشأها الأستاذ الإمام، والتي كانت تسمى دروس ~~العلوم الحديثة؛ وكانت منها الجغرافيا والحساب والأدب، ولأن الشيخ كان يسخر منهم فيسرف ~~في السخرية، ويعبث بهم فيغلو في العبث. # ساء ظنه بهم، فرآهم غير مستعدين لهذا الدرس الذي يحتاج إلى الذوق ولا يحتمل الفنقلة، ~~وساء ظنهم به، فرأوه غير متمكن من العلم الصحيح ولا بارع فيه، وإنما ms163 هو صاحب شعر ينشد ~~وكلام يقال، ونكت تضحك ثم لا يبقى منها شيء. # وكانوا مع ذلك حراصا على أن يحضروا هذا الدرس؛ لأن الأستاذ الإمام كان يحميه، ~~ولأن الشيخ كان مقربا من الأستاذ الإمام، ينتهز كل فرصة لينشئ في مدحه قصيدة يرفعها ~~إليه ثم يمليها على الطلاب، ويأخذ بعضهم بحفظها على أنها من جيد الشعر ورائعه، وكانوا ~~يرونها جيدة رائعة؛ لأنها كانت في مدح الأستاذ الإمام. # وقد بذلوا ما استطاعوا من الجهد للمواظبة على هذا الدرس، ولكنهم لم يطيقوا عليه ~~صبرا، فانصرفوا عنه وعادوا إلى شايهم يستمتعون به في الضحى على مهل، وانقطع عن صاحبنا ~~ذكر الأدب بعد أن حفظ من ديوان الحماسة جزءا صالحا. ثم أشيع ذات يوم أن الشيخ المرصفي ~~سيخصص يومين من أيام الأسبوع لقراءة «المفصل» للزمخشري في النحو، فسعى صاحبنا إلى هذا ~~الدرس الجديد. ولم يسمع للشيخ مرة ومرة حتى أحبه وكلف به، وحضر درس الأدب في أيامه من ~~الأسبوع، ولزم الشيخ منذ ذلك الوقت. # وكان الصبي قوي الذاكرة، فكان لا يسمع من الشيخ كلمة إلا حفظها، ولا رأيا إلا ~~وعاه، ولا تفسيرا إلا قيده في نفسه. وكثيرا ما كان يعرض البيت وفيه كلمة قد مضى ~~تفسيرها أو إشارة إلى قصة قد قصها الشيخ فيما قدم من درسه، فكان صاحبنا يعيد على الشيخ ~~ما حفظ من قصصه وتفسيره وما قيد من آرائه وخواطره ونقده لصاحب الحماسة وشراحها، ~~وتصحيحه لرواية أبي تمام، وإكماله للمقطوعات التي كان أبو تمام يرويها. # وإذا الشيخ يحب الفتى ويكلف به، ويوجه إليه الحديث في أثناء الدرس، ويدعوه إليه بعد ~~الدرس فيصحبه إلى باب الأزهر، ثم يدعوه إلى أن يصحبه في بعض الطريق. وقد دعاه ذات يوم ~~إلى أن يبعد معه في السير، حتى انتهى الشيخ وتلميذه هذا وتلاميذ آخرون إلى قهوة ~~فجلسوا فيها، وكان هذا أول عهد الفتى بالقهوات. وقد طال المجلس منذ صليت الظهر حتى ~~دعا المؤذن إلى صلاة العصر، وعاد الفتى سعيدا مغتبطا قوي الأمل شديد النشاط. # ولم يكن للشيخ ms164 حديث إلى تلاميذه إذا تجاوز درس الأدب إلا الأزهر وشيوخه وسوء مناهج ~~التعليم فيه. وكان الشيخ قاسيا إذا طرق هذا الموضوع، وكان نقده لاذعا وتشنيعه على ~~أساتذته وزملائه أليما حقا، ولكنه كان يجد من نفوس تلاميذه هوى، وكان يؤثر في نفس ~~هذا الفتى خاصة أبلغ تأثير وأعمقه. # وإذا الفتى يؤثر هذا الدرس على غيره من الدروس شيئا فشيئا، ويختص اثنين من التلاميذ ~~المقربين إلى الشيخ بمودته ثم بوقته. وإذا هم يلتقون إذا كان الضحى فيسمعون للشيخ، ثم ~~يذهبون إلى دار الكتب فيقرءون فيها الأدب القديم، ثم يعودون إلى الأزهر بعد العصر ~~فيجلسون في هذا الممر بين الإدارة والرواق العباسي، يتحدثون عن شيخهم وعما قرءوا في ~~دار الكتب، ويعبثون بشيوخهم الآخرين، ويعبثون بالداخلين والخارجين من الشيوخ والطلاب. ~~فإذا صليت المغرب دخلوا الرواق العباسي فسمعوا درس الشيخ بخيت الذي كان يقرأ في ~~تفسير القرآن مكان الأستاذ الإمام بعد أن توفي. # ولكن الفتية لم يكونوا يسمعون للشيخ الذي يقرأ كما كان يسمع له غيرهم من الطلاب، ~~وإنما كانوا يسمعون له ليضحكوا منه وليقيدوا عليه أغلاطه، وكانت كثيرة ولا سيما حين كان ~~يعرض للغة والأدب، وليشنعوا عليه بهذه الأغلاط بعد الدرس، وليعرضوا هذه الأغلاط من الغد ~~على شيخهم المرصفي، فيقدموا إليه مادة جديدة للتشنيع على أساتذته وزملائه من ~~الشيوخ. # وقد كانت نفوس هؤلاء الفتية ضيقة بالأزهر، فزادها الشيخ ودرسه به ضيقا، وكانت نفوسهم ~~شيقة إلى الحرية، فحط الشيخ ودرسه عنها القيود والأغلال. # وما أعرف شيئا يدفع النفوس، ولاسيما النفوس الناشئة، إلى الحرية والإسراف فيها ~~أحيانا كالأدب، وكالأدب الذي يدرس على نحو ما كان الشيخ المرصفي يدرسه لتلاميذه حين ~~كان يفسر لهم «الحماسة» أو يفسر لهم «الكامل» بعد ذلك؛ نقد حر للشاعر أولا، وللراوي ~~ثانيا، وللشرح بعد ذلك، وللغويين على اختلافهم بعد أولئك وهؤلاء، ثم امتحان للذوق ~~ورياضة له على تعرف باطن الجمال في الشعر أو النثر، في المعنى جملة وتفصيلا، وفي ~~الوزن والقافية وفي مكان الكلمة بين أخواتها، ثم اختبار للذوق الحديث في هذه ms165 البيئة ~~التي كان يلقى فيها الدرس، وموازنة بين غلظة الذوق الأزهري ورقة الذوق القديم، وبين ~~كلال العقل الأزهري ونفاذ العقل القديم، وانتهاء من هذا كله إلى تحطيم القيود الأزهرية ~~جملة، وإلى الثورة على الشيوخ في علمهم وذوقهم وفي سيرتهم وأحاديثهم بالحق في كثير من ~~الأحيان، والإسراف والتجني في بعض الأحيان. # ومن أجل هذا لم يثبت حول الشيخ من تلاميذه الذين كثروا أول الأمر إلا نفر قليل، ~~وامتاز منهم هؤلاء الثلاثة خاصة، فكونوا عصبة صغيرة ولكنها لم تلبث أن بعد صوتها في ~~الأزهر، وتسامع بها الطلاب والشيوخ، وتسامعوا خاصة بنقدها للأزهر وثورتها على التقاليد، ~~وبما كانت تنظم من الشعر في هجاء الشيوخ والطلاب، وإذا هي بغيضة إلى الأزهريين مهيبة ~~منهم في وقت واحد. # ولم يكن الشيخ أستاذا فحسب، ولكنه كان أديبا أيضا، ومعنى ذلك أنه كان يصطنع وقار ~~العلماء إذا لقي الناس أو جلس للتعليم في الأزهر، فإذا خلا إلى أصدقائه وخاصته عاش معهم ~~عيشة الأديب، فتحدث في حرية مطلقة عن كل إنسان وعن كل موضوع، وروى لخاصته من شعر ~~القدماء ونثرهم وسيرتهم ما يثبت أنهم كانوا أحرارا مثله، يقولون في كل شيء وفي كل ~~إنسان لا متنطعين ولا متحفظين، كما كان يقول. # وكان أيسر شيء وأهونه أن يذهب الطلاب مذهب شيخهم، ولا سيما إذا أحبوه وأكبروه، ورأوا ~~فيه المثل الأعلى للصبر على المكروه والرضا بالقليل، والتعفف عما لا يليق بالعلماء، ~~والترفع عما كان ينغمس فيه كثير من شيوخ الأزهر من ألوان السعاية والنميمة والكيد ~~والتقرب إلى الرؤساء وأصحاب السلطان. # كان تلاميذ الشيخ يرون منه ذلك رأي العين ويلمسونه بأيديهم، ويعيشون معه، في حين ~~كانوا يزورونه في منزله، ذلك المتهدم الخرب القديم في حارة قذرة من حارات باب البحر ~~يقال لها: «حارة الركراكي»، هناك في أقصى هذه الحارة كان يسكن الشيخ، يسكن بيتا قذرا ~~متهدما، تدخل فيه من بابه، فإذا أنت في ممر ضيق رطب تنبعث فيه روائح كريهة، قد خلا من ~~كل شيء إلا هذه الدكة الخشبية الضيقة الطويلة العارية ms166 التي قد أسندت إلى حائط يتساقط ~~منه التراب. # وكان الشيخ ينزل لتلاميذه فيجلس معهم على هذه الدكة، ولكنه يجلس راضيا مطمئنا، ~~يسمع لهم باسما ويتحدث إليهم أرق الحديث وأعذبه وأصفاه وأبرأه من التكلف، وربما ~~كان مشغولا حين يقبل تلاميذه لزيارته، فيدعوهم إلى غرفته، فيصعدون إليه في سلم متهدم، ~~ويسلكون إليه دهليزا خاليا من كل شيء قد انتشر فيه ضوء الشمس، حتى إذا بلغوا غرفته ~~دخلوا على شيخ منحن قد جلس على الأرض، ومن حوله عشرات الكتب يبحث فيها عن مقطوعة يريد ~~أن يتمها، أو بيت يريد أن يفسره، أو لفظ يريد أن يحققه، أو حديث يريد أن يصحح الرأي ~~فيه، وعن يمينه أدوات القهوة. # فإذا دخلوا عليه لم يقم لهم، وإنما تلقاهم مستبشرا فرحا، ثم دعاهم إلى الجلوس حيث ~~يستطيعون، ودعا أحدهم إلى صنع القهوة وإدارتها عليه وعليهم، ثم تحدث إليهم لحظات، ثم ~~دعاهم إلى أن يشاركوه فيما كان بسبيله من بحث أو تحقيق. # ولم ينس الفتى وأحد صديقيه أنهما زارا الشيخ ذات يوم حين صليت العصر، فلما صعدا إليه ~~لقيا شيخا قد جلس على فراش متواضع ألقي في هذا الدهليز، وإلى جانبه امرأة محطمة قد ~~انحنت حتى كاد رأسها يبلغ الأرض والشيخ يطعمها بيده، فلما رأى تلميذيه هش لهما، وأمرهما ~~أن ينتظراه في غرفته شيئا، ثم أقبل عليهما بعد حين وهو يقول ضاحكا راضي النفس: «كنت ~~أعشي أمي.» # كان هذا الشيخ إذا خرج من داره صورة الوقار والدعة، وأمن النفس وطمأنينة القلب وصفاء ~~الضمير. وكان صورة الغنى واليسار، لا يحس من يتحدث إليه إلا رجلا قد يسر عليه في ~~الرزق، فهو يعيش عيشة أمن وهناءة وهدوء. # ولكن تلاميذه وخاصته كانوا يعلمون حق العلم أنه كان من أشد الناس فقرا وأضيقهم يدا، ~~وأنه كان ينفق الأسبوع أو الأسابيع لا يطعم إلا خبز الجراية يغمسه في شيء من الملح، ~~وكان على ذلك يعلم ابنه تعليما ممتازا، ويرعى غيره من أبنائه الذين كانوا ~~يطلبون العلم في الأزهر رعاية حسنة، ويدلل ابنته تدليلا ms167 مؤثرا، يصنع هذا كله ~~براتبه الضئيل الذي لم يكن يتجاوز ثلاثة جنيهات ونصف الجنيه. كان من أصحاب الدرجة ~~الأولى، فكان يتقاضى جنيها ونصف جنيه لذلك، وكان الأستاذ الإمام قد كلفه درس الأدب ~~فكان يتقاضى لذلك جنيهين، وكان يستحي أن يقبض راتبه أول الشهر، ويكره أن يختلط بالعلماء ~~وهم يتهافتون على «المباشر» ليتقاضوا منه رواتبهم، فكان يدفع خاتمه إلى تلميذ من خاصته ~~ليقبض له هذا الراتب الضئيل في الضحى ويؤديه إليه بعد الظهر. # كذلك كان يعيش هذا الشيخ، وكان تلاميذه يرونه ويشاركونه في حياته تلك البائسة الحرة ~~الممتازة، وكانوا يرون ويسمعون من أمر شيوخ آخرين ما كان يملأ قلوبهم غيظا وحقدا، ~~ونفوسهم ازدراء واحتقارا، فأي غرابة في أن يفتنوا بشيخهم ويتأثروه في سيرته وفي ~~مذهبه وفي ازدرائه للأزهريين وثورته بما كان لهم من تقاليد! # لم ينكر تلاميذ الشيخ عليه في ذلك العهد إلا أنه انحرف ذات يوم عن الوفاء للأستاذ ~~الإمام حين تولى الشيخ الشربيني مشيخة الأزهر، فنظم الشيخ قصيدة يمدح فيها الشيخ ~~الجديد، وكان تلميذا للشيخ ومحبا له، وكان الشيخ الشربيني خليقا بالحب والإعجاب. ~~وأملى الشيخ المرصفي على تلاميذه قصيدته التي سماها ثامنة المعلقات، والتي عارض بها ~~قصيدة طرفة، فلما فرغ من إملائها والتف حوله تلاميذه، مضى في الثناء على أستاذه، وعرض ~~بالأستاذ الإمام شيئا، فرده بعض تلاميذه في رفق، فارتد أسفا خجلا واستغفر الله ~~من خطيئته. # وكذلك اندفع هؤلاء التلاميذ فيما دفعهم إليه حبهم للشيخ وتأثرهم به، فأسرفوا على ~~أنفسهم وعلى شيخهم أيضا. # لم يكتفوا بهذا العبث الذي كانوا يعبثونه بالشيوخ والطلاب، ولكنهم جعلوا يجهرون ~~بقراءة الكتب القديمة وتفضيلها على الكتب الأزهرية، يقرءون «كتاب سيبويه» أو كتاب ~~«المفصل» في النحو، ويقرءون كتابي عبد القاهر الجرجاني في البلاغة، ويقرءون دواوين ~~الشعراء لا يتحرجون في اختيار هذه الدواوين ولا في الجهر بإنشاد ما كان فيها من شعر ~~المجون أحيانا في الأزهر. ويقلدون هذا الشعر، ويتناشدون ما ينشئون من ذلك إذا التقوا، ~~والطلاب ينظرون إليهم شزرا، ويتربصون بهم الدوائر، وينتهزون بهم الفرص. ms168 وربما أقبل ~~عليهم بعض الطلاب الناشئين يسمعون منهم ويتحدثون إليهم، ويريدون أن يتعلموا منهم الشعر ~~والأدب، فيغيظ ذلك نظراءهم من الطلاب الكبار ويزيدهم موجدة عليهم وائتمارا ~~بهم. # وفي ذات يوم كان صاحبنا يعد مع صديقيه درس «الكامل»، فعرضت لهم هذه الجملة من كلام ~~المبرد: «ومما كفرت الفقهاء به الحجاج قوله والناس يطوفون بقبر النبي ومنبره: إنما ~~يطوفون برمة وأعواد.» فأنكر صاحبنا أن يكون في كلام الحجاج ما يكفي لتكفيره، وقال: لقد ~~أساء الحجاج أدبه وتعبيره، ولكنه لم يكفر، وسمع بعض الطلاب ذلك فأنكروه، ثم ~~تناقلوه. # وإن فتياننا الثلاثة لفي مجلسهم حول الشيخ عبد الحكم عطا، وإذا هم يدعون إلى حجرة شيخ ~~الجامع، فيذهبون واجمين لا يفهمون شيئا، فإذا دخلوا على الشيخ «حسونة» لم يجدوه وحده ~~وإنما وجدوا من حوله أعضاء مجلس إدارة الأزهر وهم من كبار العلماء؛ فيهم الشيخ بخيت، ~~والشيخ محمد حسنين العدوي، والشيخ راضي وآخرون، ويلقاهم الشيخ متجهما، ثم يأمر رضوان ~~رئيس المشدين أن يدعو من عنده من الطلاب، فيقبل جماعة من الطلاب فيسألهم الشيخ عما ~~عندهم، ويتقدم أحدهم فيتهم هؤلاء الفتية بالكفر لمقالتهم في الحجاج، ثم يقص من أمرهم ~~الأعاجيب. # وكان هذا الطالب ماهرا حقا؛ فقد أحصى على هؤلاء الفتية كثيرا جدا مما كانوا ~~يعيبون به الشيوخ، ومما كانوا يعيبون به الشيخ بخيت والشيخ محمد حسنين والشيخ راضي ~~والشيخ الرفاعي، وكانوا جميعا حاضرين، فسمعوا بآذانهم آراء هؤلاء الفتية فيهم. وشهد ~~طلاب آخرون بصدق هذا الطالب في كل ما قال. وسئل الفتية فلم ينكروا مما سمعوا شيئا، ~~ولكن الشيخ لم يحاورهم ولم يداورهم، وإنما دعا إليه رضوان فأمره في شدة بمحو أسماء ~~هؤلاء الطلاب الثلاثة من الأزهر؛ لأنه لا يريد مثل هذا الكلام الفارغ. ثم صرفهم عنه في ~~عنف، فخرجوا وجلين قد سقط في أيديهم لا يعرفون ماذا يصنعون، ولا كيف يصورون هذه ~~القصة لأهلهم. # ولم يقف أمرهم عند هذا الحد ولا عند نظر الطلاب إليهم في ضحك منهم وشماتة بهم، ~~ولكنهم أقبلوا بعد صلاة العشاء ليلقوا شيخهم ms169 المرصفي وليسمعوا منه درس «الكامل». وأقبل ~~الشيخ، فلقيه رضوان وأنبأه في أدب ولطف بأن شيخ الجامع قد ألغى درس «الكامل»، وبأنه ~~ينتظره في مكتبه إذا كان الغد. # فانصرف الشيخ محزونا، ومضى معه تلاميذه الثلاثة خجلين وجلين، والشيخ يسري ~~عنهم مع ذلك، حتى إذا كانوا في بعض الطريق خطر لهم أن يذهبوا إلى الشيخ بخيت ليستعطفوه ~~ويوسطوه عند شيخ الجامع، وقال لهم شيخهم: «لا تفعلوا، فلن تبلغوا من سعيكم هذا شيئا.» ~~ولكنهم مضوا مع ذلك إلى دار الشيخ بخيت، فلما أدخلوا عليه عرفهم فتلقاهم ضاحكا، ثم ~~سألهم عن جلية أمرهم في فتور، فلما أخذوا يدافعون عن أنفسهم، قال لهم في فتور أيضا: ~~ولكنكم تدرسون «الكامل» للمبرد، وقد كان المبرد من المعتزلة، فدرس كتابه إثم. # وهنالك نسي الفتية أنهم جاءوا مستعطفين، وأخذوا يجادلون الشيخ حتى أحفظوه، وانصرفوا ~~عنه وقد ملأه الغضب وملأهم اليأس ، ولكنهم مع ذلك تضاحكوا من الشيخ وأعادوا بعض كلماته، ~~وتفرقوا وقد تعاهدوا على أن يخفوا الأمر على أهلهم حتى يقضي الله أمرا كان ~~مفعولا. # ولقوا شيخهم من الغد، فأنبأهم بأن شيخ الجامع قد حظر عليه قراءة «الكامل»، وكلفه ~~قراءة «المغني» لابن هشام، ونقله من الرواق العباسي إلى عمود في داخل الأزهر. # ثم جعل الأستاذ يعبث بشيخ الجامع، ويزعم لتلاميذه أنه لم يخلق للعلم ولا للمشيخة، ~~وإنما خلق ليبيع العسل الأسود في سرياقوس، وكان قد فقد أسنانه فكان ينطق السين ثاء، ~~وكان يتكلم لغة القاهرة فكان يجعل القاف همزة، ويمد الواو بينها وبين السين، وكان يتكلم ~~هامسا، فلم ينس تلاميذه قط هذه الجملة التي طبعوا بها الشيخ حسونة رحمة الله فسموه: ~~«بائع العثل في ثرياؤوث.» # ولكن بائع سرياقوس هذا كان شديدا حازما وكان مهيبا صارما، يخافه الشيوخ جميعا ~~ومنهم الشيخ المرصفي؛ فقد أخذ يقرأ كتاب «المغني»، وذهب إليه تلاميذه مطمئنين، وما ~~يعنيهم أن يقرأ الشيخ هذا الكتاب أو ذاك، حسبهم أن يقرأ الشيخ وأن يسمعوا منه ويقولوا ~~له وقد سمعوا منه، فلما هم الفتى أن يقول له بعض الشيء أسكته ms170 في رفق وهو يقول: «لأ، ~~لأ، عاوزين ناكل عيش.» ولم يعرف الفتى أنه حزن منذ عرف الأزهر كما حزن حين سمع هذه ~~الجملة من أستاذه، فانصرف عنه ومعه صديقاه وإن قلوبهم ليملؤها حزن عميق. # على أنهم لم يرضوا بهذه العقوبة التي فرضها عليهم شيخ الجامع، وإنما فكروا في الطريق ~~التي يجب أن يسلكوها ليرفعوا عن أنفسهم هذا الظلم. فأما أحدهم فقد آثر العافية وفارق ~~صاحبيه واتخذ لنفسه مجلسا في جامع المؤيد بمعزل من العدو والصديق حتى تهدأ العاصفة. ~~وأما الآخر فقص الأمر على أبيه، وجعل أبوه يسعى في إصلاح شأن ابنه سعيا رفيقا، ولكن ~~الفتى لم يفارق صاحبه ولم يعتزل عدوا ولا صديقا، وإنما كان يلقى صاحبه كل يوم فيتخذان ~~مجلسهما بين الرواق العباسي والإدارة، ويمضيان فيما تعودا أن يمضيا فيه من العبث ~~بالطلاب والشيوخ. # وأما صاحبنا فلم يحتج إلى أن يقص الأمر على أخيه، فقد انتهى الأمر إلى أخيه عن ~~طريق لا يعرفها، ولكن أخاه لم يلمه ولم يعنف عليه، وإنما قال له: «أنت وما ~~تشاء فستجني ثمرة هذا العبث وستجدها شديدة المرارة.» ولكن الفتى لم يكن يعرف رفقا ولا ~~لينا؛ فلم يسع إلى أحد ولم يتوسل إلى الشيخ بأحد، وإنما كتب مقالا عنيفا يهاجم فيه ~~الأزهر كله وشيخ الأزهر خاصة ويطالب بحرية الرأي. وماذا يمنعه من ذلك وكانت الجريدة ~~قد ظهرت وكان مديرها يدعو كل يوم إلى حرية الرأي! # وذهب صاحبنا بمقاله إلى مدير الجريدة فتلقاه لقاء حسنا فيه كثير من العطف والإشفاق، ~~وقرأ المقال ثم دفعه ضاحكا إلى صديق له كان في مجلسه يومئذ، فألقى الصديق نظرة على ~~هذا المقال ثم قال غاضبا: لو لم تكن قد عوقبت على ما جنيت من ذنب لكانت هذه المقالة ~~وحدها كافية لعقابك. وهم الفتى أن يرد على هذا الصديق، ولكن مدير الجريدة قال له ~~مترفقا: إن الذي يحدثك هو حسن بك صبري مفتش العلوم الحديثة في الأزهر. ثم قال له: ~~أتريد أن تشتم الشيخ وتعيب الأزهر، أم تريد أن يرفع ms171 عنك هذا العقاب؟ قال الفتى: بل أريد ~~أن يرفع عني هذا العقاب، وأن أستمتع بحقي من الحرية. قال مدير الجريدة: فدع لي هذه ~~القصة وانصرف راشدا. # وقد انصرف الفتى، ثم لم يلبث أن تبين وتبين معه صاحباه، أن شيخ الجامع لم يعاقبهم ولم ~~يمح أسماءهم من سجلات الأزهر، وإنما أراد تخويفهم ليس غير. # ومنذ ذلك الوقت اتصل الفتى بمدير الجريدة وجعل يتردد عليه، حتى جاء وقت كان يلقاه ~~فيه كل يوم. # وفي مكتب مدير الجريدة ظفر الفتى بشيء طالما تمناه، وهو أن يتصل ببيئة الطرابيش بعد ~~أن سئم بيئة العمائم، ولكنه اتصل من بيئة الطرابيش بأرقاها منزلة وأثراها ثراء، وكان ~~وهو فقير متوسط الحال في أسرته، سيئ الحال جدا إذا قام في القاهرة، فأتاح له ذلك ~~أن يفكر فيما يكون من هذه الفروق الحائلة بين الأغنياء المترفين والفقراء ~~البائسين. # | الفصل العشرون # واشتد ضيق الفتى بالأزهر وأهله وبحياته في القاهرة، غارقا فيما لا يحب، مقصى عما ~~تشتهيه نفسه ويتحرق إليه قلبه، حتى لقد كان يصل إلى القاهرة في أول العام الدراسي، فلا ~~يكاد يستقر فيها حتى يدعو آخره متشددا في الدعاء أو ملحا فيه. والله وحده يعلم كم ~~كان يسعد ويبتهج حين كانت بشائر الصيف تقبل، وحين كانت أرجاء الحي الذي كان يقيم فيه ~~تمتلئ بهذه الروائح الكريهة التي كانت تبعثها حرارة الشمس فتملأ الهواء وتجعل التنفس ~~ثقيلا بغيضا. وحين كان لا يجلس إلى شيخ من شيوخه في درس من دروس الظهر أو درس من دروس ~~المساء إلا أسرع النوم إلى رأسه فخفق به خفقا عنيفا يلفت إليه الطلاب من حوله ~~فيوقظونه جادين أو هازلين. # كان مقدم الصيف يملأ صدره حبورا وبشرا؛ لأنه كان يؤذن بقرب الإجازة والعودة ~~إلى الريف والراحة من الأزهر والأزهريين، ولم يكن يحب الإجازة لهذا وحده، ولم يكن ~~يحبها لأنه سيلقى فيها أهله، ولأنه سينعم فيها بما كان يمتنع عليه في القاهرة من طيبات ~~الحياة، وإنما كان يحب الإجازة لهذا كله ولشيء آخر كان أعظم في نفسه ms172 خطرا وأبعد أثرا ~~من هذا كله؛ فقد كانت الإجازة أنفع لعقله وقلبه من العام الدراسي كله. # كانت الإجازة تمكنه من أن يفرغ لنفسه فيفكر - وما أكثر ما كان يفكر! ومن أن يخلو إلى ~~إخوته فيقرأ - وما أكثر ما كان يقرأ وما أشد تنوعه وأعظم فائدته! # كان شباب الأسرة يعودون من معاهدهم ومدارسهم وقد ملئوا حقائبهم بتلك الكتب التي لا ~~تتصل بدراستهم المنظمة، ولا يتاح لهم أن يقرءوها في أثناء العام، وكانت هذه الكتب ~~ألوانا، منها الجد ومنها الهزل، منها ما ألف ومنها ما ترجم، منها القديم ومنها ~~الجديد. # فكان هؤلاء الشباب لا ينفقون أياما في الأسرة حتى يسأموا البطالة ويعافوا الكسل ~~ويقبلوا على كتبهم هذه، فيعكفوا عليها نهارهم وأطرافا من ليلهم، وكان أبوهم الشيخ يحب ~~منهم ذلك ويحمده لهم. وربما ضاق منهم بذلك ولامهم فيه حين كانوا يقبلون على القصص ~~الشعبي فيغرقون في ألف ليلة وليلة، أو في قصص عنترة وسيف بن ذي يزن. # ولكنهم كانوا يقبلون على كتبهم هذه رضيت الأسرة أو سخطت، وكانوا يجدون في هذه ~~الكتب من المتاع واللذة أضعاف ما كانوا يجدون في كتبهم الدراسية، وكانوا يقرءون ما ~~ترجم فتحي زغلول عن الفرنسية، وما كان السباعي يترجم عن الإنجليزية، وما كان ~~جورجي زيدان يكتب في الهلال من مقالات، وما كان ينشر من قصص، وما كان يؤلف من كتب في ~~تاريخ الأدب والحضارة، وما كان يعقوب صروف يكتب في المقتطف، وما كان الشيخ رشيد يكتب في ~~المنار. # وفي الإجازات قرءوا كتب قاسم أمين، وكثيرا من آثار الأستاذ الإمام، وكانوا يقرءون ~~هذه القصص الكثيرة التي كانت تترجم لتلهية القراء، والتي كانوا يفتنون بما كانوا يجدون ~~فيها من صور للحياة تخالف ما عرفوا في ريفهم ومدنهم. وكان هذا كله يغريهم بالمضي في ~~القراءة حتى يسرفوا على أنفسهم، وربما أسرفوا على أسرتهم أيضا؛ فقد كانوا لا يجدون في ~~الصحف والمجلات إشارة إلى كتاب جديد أو كتاب قديم لم يعرفوه إلا كتبوا إلى الناشر ~~يطلبون إليه إرساله إليهم، وما هي إلا ms173 أيام حتى يأتي الكتاب أو تأتي الكتب محولة على ~~البريد، وحتى تضطر الأسرة إلى أن تدفع ثمنها سواء أرضيت عن ذلك أم ضاقت به. # وكان صاحبنا يحب الإجازة لأنه كان يفرغ للتفكير في أصدقائه من بعيد، فيكتب إليهم ~~ويتلقى منهم الكتب، ويجد في نفسه لذلك نشاطا وبه لذة لم يكن يجدها حين يلقى أصدقاءه في ~~القاهرة ويتحدث إليهم من قريب. # ثم كان يحب الإجازة لأنه كان يلقى فيها شبابا آخرين غير شباب أسرته، شبابا من بيئة ~~الطرابيش، منهم من كان في المدارس الثانوية، ومنهم من كان في المدارس العالية، قد ~~أقبلوا مثله يلتمسون الراحة بين أهلهم في الريف. وهم يجدون في لقائه والتحدث إليه من ~~اللذة والمتاع مثل ما يجد هو في لقائهم والتحدث إليهم، فكان يسألهم عما يتعلمون ~~ويسألونه عما يتعلم، وربما قرءوا عليه بعض كتبهم، وربما قرأ معهم شيئا من الأدب ~~القديم. # ولكنه أنكر بعض إجازاته أول الأمر؛ فقد حدث حدث في أسرته، فتحولت عن مدينتها التي ~~نشأ فيها الصبي إلى أعلى الإقليم أول الأمر، فأقامت فيه عاما أو عامين، ثم تحولت بعد ~~ذلك إلى أقصى الصعيد، فأقامت فيه أعواما طوالا. وكان صاحبنا شديد الحزن على مدينته ~~القديمة، شديد الضيق بهذه الأماكن الجديدة التي لا عهد له بها، والتي لم يكن يستطيع أن ~~يذهب فيها عن يمين أو شمال، ولكنه اطمأن أخيرا إلى مدينته تلك في أقصى الصعيد حتى ~~ألفها أشد الإلف وكلف بها أعظم الكلف، وأصبحت له وطنا ثانيا، مع أن زياراته الأولى ~~لهذه المدينة قد آذته وشقت عليه. # ذهب إليها مع الأسرة كلها لزيارة أبيه الشيخ، وكان قد بدأ عمله فيها وحيدا. فلما ~~دبر أمره واستقر به المقام دعا الأسرة إلى أن تنتقل إليه، وصادف ذلك إجازة الصيف، ~~فانتقلت الأسرة ومعها الفتى. ركبت القطار منتصف الليل، وبلغت تلك المدينة في الساعة ~~الرابعة من غد، وكانت المدينة جديدة، وكان القطار لا يقف فيها إلا دقيقة واحدة، وكانت ~~الأسرة ضخمة يقودها أكبر أبنائها، وفيها النساء والأطفال، ومعها متاع ms174 ضخم عظيم، فلما ~~دنا القطار من المحطة أقبل كبار الأسرة على النساء والأطفال والمتاع يقربون ذلك كله من ~~باب العربة، حتى إذا وقف القطار دفعوا ذلك كله دفعا إلى الأرض، ثم تواثبوا من ورائه، ~~ومضى القطار ولم ينسوا فيه إلا أخاهم هذا الضرير. # وقد ذعر الفتى حين رأى نفسه وحيدا عاجزا عن أن يقضي في أمره بشيء. ولكن جماعة من ~~السفر رأوا عجزه وحيرته، فرفقوا به وجعلوا يهدئونه، حتى إذا وقف القطار في أول ~~محطة أنزلوه وأسلموه إلى صاحب التلغراف وعادوا إلى قطارهم. # وقد عرف الفتى بعد ذلك أن الأسرة بلغت دارها في مدينتها الجديدة، فجعلت تزور الدار ~~وتتفقد حجراتها وغرفاتها، وتقر كل شيء في مكانه، ثم أقبل الشيخ عليها فجلس يتحدث ~~إلى هذا وذاك من أبنائه وإلى هذه وتلك من بناته. # ثم جرى عرضا ذكر الفتى بعد أن مضى على وصول الأسرة وقت غير قصير، فلما سمع الشيخ اسم ~~الفتى ارتاع وارتاعت أمه وارتاع إخوته، وهرول الشباب منهم إلى مكتب التلغراف، ولكنهم لم ~~يبلغوه حتى وجدوا النبأ بأن أخاهم في المحطة المجاورة ينتظر من يأتي ليرده إليهم، ~~فأرسلوا إليه من جاء به ردفا على ظهر بغلة كانت تسعى هادئة مرة مهملجة به مرة ~~أخرى، فتضيف في قلبه فرقا إلى فرق وذعرا إلى ذعر. # ولم ينس الفتى قط مجلسه عند صاحب التلغراف، وكان شابا نشيطا كثير الضحك كثير ~~المزاح، وقد اجتمع إليه جماعة من موظفي المحطة، فلما رأوا عنده هذا الفتى أنكروه ثم ~~عرفوا أمره، فأظهروا العطف عليه والرقة له. وقد رأوا شيخا ضريرا، فما شكوا في أنه ~~يحسن قراءة القرآن أو يحسن الغناء، وهم يطلبون إليه أن يغني لهم شيئا، فإذا أقسم لهم ~~أنه لا يحسن الغناء طلبوا إليه أن يقرأ لهم شيئا من القرآن، فإذا أقسم لهم أنه لا ~~يحسن التصويت بالقرآن، ألحوا عليه وأبوا إلا أن يسمعوه، واضطر الفتى إلى أن يقرأ ~~القرآن خجلا وجلا مستحييا ضيقا بالحياة لاعنا للأيام، وإذا صوته يحتبس في ~~حلقه، وإذا الدموع ms175 تنهمر على خديه وإذا القوم يرفقون به وينصرفون عنه، ويتركونه ~~وحيدا أو كالوحيد حتى يأتي من يرده إلى أسرته. # آذت هذه القصة الفتى في نفسه، ولكنها على ذلك لم تبغض إليه المدينة الجديدة، ولم ~~تزهده في زيارتها، وإنما أحبها وجعلت نفسه تشتاق إليها أشد الشوق كلما دنا الصيف، وإن ~~كان الحر فيها شديدا لا يطاق. # وتغيرت أمور أهل الربع تغيرا شديدا؛ فأما كبار الطلاب فقد ظفر اثنان منهم بدرجة ~~العالمية والتحق سائرهم، ومنهم أخو الفتى؛ بمدرسة القضاء الشرعي لأول إنشائها، وأما ~~الفتى فقد فارقه ابن خالته ذاك الذي كان يعينه على وحدته في الأزهر والربع معا والتحق ~~بدار العلوم. # ونظر الفتى فإذا هو يعود إلى عزلته القاسية المنكرة التي طالما حملته ألوان ~~العذاب في أول عهده بطلب العلم، وإذا أمره يزداد شدة وقسوة، فلن يفرغ له أحد إذا عاد ~~إلى القاهرة بعد انقضاء الصيف، سيذهب أخوه إلى مدرسة القضاء، وسيذهب ابن خالته إلى دار ~~العلوم، وماذا عسى أن يصنع هو وحيدا في الربع؟ وأي نفع له أو لغيره في أن يذهب إلى ~~القاهرة؟ لقد أخذ من العلم حظا لا بأس به، وما عسى أن يفيد من درجة العالمية إن ظفر ~~بها! وأكبر الظن أنه لن يظفر بها؛ فإن نيلها يحتاج إلى جهد عظيم لا يستطيع هو أن ~~يبذله وحده. كذلك قال أخوه للأسرة في يوم من أيام الصيف حين أوشكت الإجازة أن تبلغ ~~أجلها، وقد هم الشيخ الوالد أن يقول شيئا فقطع ابنه عليه الكلام بهذه الحجج المفحمة. ~~ولم تجد أم الفتى ما تقول فأرسلت دموعا صامتة غزارا. ونهض الفتى فمشى متعثرا حتى خلا ~~إلى نفسه في إحدى الحجرات جامدا واجما لا يفكر في شيء. # وكانت ليلة ثقيلة طويلة لقي الفتى فيها من نفسه عذابا شديدا، ثم أصبح لا يقول شيئا ~~ولا يقول له أحد شيئا، فقضى نهارا ثقيلا طويلا، ثم أقبل عليه أبوه الشيخ مع المساء ~~فمسح رأسه وقبله وقال له: ستذهب إلى القاهرة، وسيكون لك خادم خاص، هنالك ms176 أجهش الفتى ~~بالبكاء وأجهشت أمه بالبكاء أيضا. # وجاء يوم السفر وخرج شباب الأسرة إلى القطار وفيهم الفتى، وكان أهل الخادم قد ضربوا ~~للأسرة موعدا في المحطة، فهؤلاء الشباب يبلغون المحطة، وهذا القطار يصل ولم يأت ~~الخادم، وهؤلاء شباب الأسرة يركبون القطار وهو يمضي بهم وقد تركوا الفتى فعاد به أبوه ~~إلى الدار وكلاهما واجم حزين. # ويأتى الخادم مع الليل فيعود الفتى إلى استبشاره وابتهاجه، ويسافر مع خادمه الأسود ~~الصغير إلى القاهرة بعد يومين وقد حمل إلى أخيه طعاما وزادا. # وقد بلغ القاهرة وأقام فيها مع خادمه هذا الأسود، يختلف معه إلى دروس الأزهر، ويهيئ ~~له طعام الإفطار، ويقرأ له قراءة محطمة متعثرة أثناء فراغه. # ولكن الجامعة قد أنشئت، وإذا صاحبنا يقبل عليها وينتسب إليها، وإذا هو يختلف مع غلامه ~~الأسود إلى دروس الأزهر مصبحا وإلى دروس الجامعة ممسيا. وإذا هو يجد للحياة طعما ~~جديدا، وإذا هو يتصل ببيئة جديدة وبأساتذة لا سبيل إلى الموازنة بينهم وبين أساتذته في ~~الأزهر. # وقد بعدت الجامعة عن الربع، وبعدت عنه مدرسة القضاء، وبعدت عنه دار العلوم، فلم يبق ~~للجماعة فيه مقام، وإذا هي تتحول عنه إلى بيت جديد أيضا في درب الجماميز. # وإذا الفتى يستأنف حياة لا صلة بينها وبين حياته القديمة إلا أنه كان ربما ألم ~~بالأزهر مرة في الأسبوع أو في الأسبوعين، وإلا أنه كان ربما لقي أصدقاءه من الأزهريين ~~حين كانوا يسعون إلى الجامعة بين حين وحين، وإلا أنه كان يزور الشيخ المرصفي من وقت إلى ~~وقت. # وفي الحق أن الفتى قد قطع الصلة بينه وبين الأزهر في دخيلة نفسه وأعماق ضميره، ولكنه ~~ظل مقيدا في السجلات. ولم يظهر أباه على ما تم عليه عزمه مخافة أن يحزن الشيخ أو ~~ييأس، فما كان يعرف من أمر الجامعة شيئا، وما كان يعنى من أمر الجامعة بقليل أو ~~كثير. # ولكن الفتى عاد مع إخوته إلى مدينتهم تلك في إجازة الصيف، وإنهم لفي قراءتهم ذات يوم ~~وإذا البريد يحمل إلى أخيه كتابا من أحد ms177 أصحابه، وإذا هو يقرأ هذا الكتاب ثم يعيد ~~قراءته على أخيه الفتى فيسمع منه عجبا من العجب. # كان الفتى قد أنفق في طلب العلم في الأزهر ثماني سنين، وكان الأزهر قد تعرض لألوان ~~مختلفة من النظام، فلما كان ذلك الصيف أبيح للطلاب المنتسبين أن يزيدوا مدة انتسابهم ~~النظامية، إذا استطاعوا أن يثبتوا أنهم درسوا في الأزهر أو في المعاهد الدينية الأخرى ~~قبل أن يبلغوا السن التي كانت تبيح لهم الانتساب النظامي، وهو اثنتا عشرة سنة، ليتعجلوا ~~تقدمهم للامتحان وظفرهم بالدرجات. # وأعلن هذا الترخيص في أثناء الإجازة، فيسرع هذا الصديق فيكتب إلى المشيخة طلبا باسم ~~الفتى، يزعم فيه أنه قد درس في الأزهر سنتين قبل أن يبلغ السن القانونية، ويعرض هذا ~~الطلب على اثنين من كبار الشيوخ لم يرهما الفتى ولم يرياه قط، لم يسمع لهما الفتى درسا ~~ولم يسمعا منه شيئا ، ولكنهما يقرآن ثم يشهدان بأن الفتى لم يقل إلا حقا، وأي بأس ~~لذلك وما أكثر ما اختلف إليهما من الطلاب! وكيف السبيل إلى أن يعرفا تلاميذهما الذين لا ~~يحصون! # وكذلك عرف الفتى من حيث لا يدري أنه قد أنفق في الأزهر عشرة أعوام وإن لم ينفق فيه ~~إلا ثمانية، وأنه لم يبق بينه وبين التقدم لنيل الدرجة إلا سنتان اثنتان. # فليصل إذن من حبل الأزهر ما انقطع أو ما هم أن ينقطع، وليظل إذن طالبا بالجامعتين: ~~بالجامعة الأزهرية كما كان الأزهر يسمى في ذلك الوقت، وبالجامعة المصرية، وليحي إذن هذه ~~الحياة المشتركة التي يتجاذبه فيها قديم الأزهر في ذلك الحي العتيق بين الباطنية وكفر ~~الطماعين، وجديد الجامعة في ذلك الحي الأنيق من شارع قصر العيني. # فلندعه كما كان موضوعا للصراع بين القديم والجديد، ومن يدري! لعلنا نعود إليه مرة ~~أخرى. # وها أنت ذا يا بني تهجر وطنك ومدينتك ودارك وتفارق أهلك وأصدقاءك، وتعبر البحر في ~~سنك هذه الصغيرة لتطلب العلم وحيدا في باريس. # فدعني أهدي إليك هذا الحديث لعلك ترتاح إليه بين حين وحين إذا أجهدك درسك ووجدت ~~في ms178 اللاتينية واليونانية مشقة أو عناء، هنالك ترى لونا لم تعرفه من ألوان الحياة ~~في مصر، وتذكر شخصا طالما ارتاح إلى قربك منه، وطالما وجد في جدك وهزلك لذة لا ~~تعدلها لذة، ومتاعا لا يعدله متاع. # فيك سورسير # يوليو-أغسطس سنة 1939 # | الجزء الثالث # | الفصل الأول # على باب الأزهر # كان صاحبنا الفتى قد أنفق أربعة أعوام في الأزهر، وكان يعدها أربعين عاما؛ لأنها ~~طالت عليه من جميع أقطاره، كأنها الليل المظلم، قد تراكمت فيه السحب القاتمة الثقال، ~~فلم تدع للنور إليه منفذا، ولم يكن الفتى يضيق بالفقر ولا بقصر يده عما كان يريد، ~~فقد كان ذلك شيئا مألوفا بالقياس إلى طلاب العلم في الأزهر الشريف. # وكان الفتى يرى من حوله عشرات ومئات يشقون كما يشقى، ويلقون مثل ما يلقى، ~~وتقصر أيديهم عن أقصر ما كانوا يحبون، قد اطمأنوا إلى ذلك، وألفته نفوسهم، واستيقنوا أن ~~الثراء والسعة وخفض العيش أشياء تعوق عن طلب العلم، وأن الفقر شرط للجد والكد ~~والاجتهاد والتحصيل، وأن غنى القلوب والنفوس بالعلم خير وأجدى من امتلاء الجيوب ~~والأيدي بالمال. # وإنما كان يضيق أشد الضيق بهذا السأم الذي ملأ عليه حياته كلها، وأخذ عليه نفسه من ~~جميع جوانبها. # حياة مطردة متشابهة لا يجد فيها جديد منذ يبدأ العام الدراسي إلى أن ينقضي: ~~درس التوحيد بعد أن تصلى الفجر، ودرس الفقه بعد أن تشرق الشمس، ودرس في النحو بعد أن ~~يرتفع الضحى، وبعد أن يصيب الفتى شيئا من طعام غليظ، ودرس في النحو أيضا بعد أن ~~تصلى الظهر، ثم فراغ فارغ كثيف بعد ذلك يصيب فيه الفتى شيئا من طعام غليظ مرة ~~أخرى. حتى إذا صليت المغرب راح إلى درس المنطق يسمعه من هذا الشيخ أو ذاك، وهو في كل ~~هذه الدروس يسمع كلاما معادا وأحاديث لا تمس قلبه ولا ذوقه، ولا تغذو عقله، ولا تضيف ~~إلى علمه علما جديدا، فقد تربت في نفسه تلك الملكة كما كان الأزهريون يقولون، ~~وأصبح قادرا على أن يفهم ما يكرره الشيوخ من غير طائل. ms179 # وكان الفتى يفكر في أن أمامه ثمانية أعوام أخرى، سيعدها ثمانين عاما، كما عد ~~الأعوام الأربعة التي سبقتها، وفي أن عليه أن يختلف إلى هذه الدروس كما تعود أن يفعل، ~~وأن يعيد ويبدئ في هذا الكلام، الذي لا يسيغه ولا يجد فيه غناء. # وفي أثناء هذا كله ذكر اسم الجامعة، فوقع في نفسه أول الأمر موقع الغرابة الغريبة؛ ~~لأنه لم يسمع هذه الكلمة من قبل، ولم يعرف إلا الجامع الذي كان ينفق فيه بياض النهار ~~وشطرا من سواد الليل. فما عسى أن تكون الجامعة؟ وما عسى أن يكون الفرق بينها وبين ~~جامعه ذاك أو جوامعه تلك الكثيرة التي كان يختلف فيها إلى شيوخه؟ فما أكثر ما كان بعض ~~الشيوخ ينأون بدروسهم وطلابهم عن الأزهر، ويؤثرون أنفسهم بمسجد من هذه المساجد ~~الكثيرة في الحي! وكان تنقل الفتى بين هذه المساجد يرفه عنه بعض الترفيه. # على أنه لم يلبث أن فهم كلمة الجامعة هذه فهما مقاربا، وعرف أنها مدرسة لا ~~كالمدارس، وأحس أن مزيتها الكبرى عنده أن الدروس التي ستلقى فيها لن تشبه دروس الأزهر ~~من قريب أو بعيد، وأن الطلاب الذين سيختلفون إليها لن يكونوا من المعممين وحدهم، بل ~~سيكون فيهم المطربشون، وعسى أن يكونوا أكثر عددا من أصحاب العمائم؛ لأن هؤلاء لن ~~يعدلوا بعلمهم الأزهري علما آخر، ولن يشغلوا أنفسهم بهذه القشور التي يضيع فيها أبناء ~~المدارس - كما كانوا يسمونهم في تلك الأيام - أوقاتهم. # وكان نبأ الجامعة هذا إيذانا للفتى بأن غمته تلك توشك أن تكشف، وبأن غمرته ~~تلك توشك أن تنجلي، فقد يتاح له أن يسمع غير ما تعود أن يبدئ فيه ويعيد من علمه ذاك ~~الممل، وقد أقام الفتى مع ذلك على شك ممض يؤذي نفسه أشد الإيذاء، ولا يستطيع أن ~~يصرح به لأحد من أصدقائه أو ذوي خاصته. # أتقبله هذه الجامعة بين طلابها حين يتم إنشاؤها أم ترده إلى الأزهر ردا غير جميل ~~لأنه مكفوف، وليس غير الأزهر سبيلا إلى العلم للمكفوفين؟ كان هذا الشك المؤلم يؤرق ms180 ~~ليله ويقض مضجعه، ولم يكن يناجي به إلا نفسه. كان يستحي أن يتحدث عن آفته تلك إلى ~~الناس، وكان يؤذيه أشد الإيذاء أن يتحدث الناس عنها إليه، وما أكثر ما كانوا ~~يفعلون! # عاش إذن بين خوف ملح ورجاء ضئيل يعتاده بين حين وحين، فيتيح لنفسه شيئا من راحة ~~وروح، حتى إذا أنشئت الجامعة وعلم الفتى علمها ذهب عنه الخوف، وملأ الأمل نفسه رضا ~~وبهجة وسرورا. واختلف إلى دروسه في الأزهر ذات يوم فلم يسمع من شيوخه شيئا، ولم يفهم ~~عنهم شيئا، كان في شغل عنهم وعن دروسهم بما سيكون حين يقبل المساء، ولأول مرة سمع ~~درس الأدب في الضحى فكان حاضرا كالغائب، ويقظا كالنائم، ولم ينتظر أن تصلى ~~العصر، وإنما سعى إلى الجامعة في أعقاب درس البلاغة مع زميليه، فأدى كل منهم ذلك ~~الجنيه الذي لم يكن بد من أدائه ليؤذن له بالاستماع إلى الدروس. وكان غريبا عند ~~هؤلاء الفتية أن يشتروا العلم بالمال وإن كان قليلا، فهم لم يتعودوا ذلك ولم يألفوه، ~~وإنما تعودوا أن يرزقوا أرغفة في كل يوم ليطلبوا العلم في الأزهر، وقد وجدوا بعض ما ~~يقيم الأود، وكان أداء ذلك الجنيه عليهم عسيرا، ولكنهم أحبوا دروس الجامعة بمقدار ~~ما وجدوا من العسر في أداء ثمنها. # واستمع الفتى لأول درس من دروس الجامعة في الحضارة الإسلامية، فراعه أول ما راعه شيء ~~لم يكن له بمثله عهد في الأزهر؛ فهذا أحمد زكي بك يبدأ الدرس بهذه الكلمات التي لم ~~يسمعها الفتى من قبل: «أيها السادة: أحييكم بتحية الإسلام، فأقول: السلام عليكم ورحمة ~~الله.» # وإنما كان الفتى يسمع في الأزهر كلاما آخر لا يتجه به الشيوخ إلى الطلاب، وإنما ~~يتجهون به إلى الله عز وجل فيحمدونه ويثنون عليه، ولا يحيي فيه الشيوخ طلابهم، وإنما ~~يصلون فيه على النبي وعلى آله وأصحابه أجمعين! # ثم راع الفتى بعد ذلك أن الأستاذ لم يقل في أول درسه: «قال المؤلف رحمه الله»، وإنما ~~استأنف الدرس يتكلم من عند نفسه ولا يقرأ في كتاب. ms181 وكان كلامه واضحا لا يحتاج إلى ~~تفسير، وكان سويا مستقيما لا قنقلة فيه ولا اعتراض عليه، وكان غريبا كل الغرابة، ~~جديدا كل الجدة، ملك على الفتى عقله كله وقلبه كله، فشغل عن صاحبيه، ~~وشغل عمن كان حوله من الطلاب، وما كان أكثرهم! حتى إذا أوشك الدرس أن ينقضي، أعلن ~~الأستاذ أنه سيعيد هذا الدرس بعد دقائق ليتاح للطلاب الكثيرين الذين لم يتح لهم دخول ~~الغرفة أن يسمعوه، وانصرف الفوج الأول من الطلاب، ولكن صاحبنا لم يرم، وإنما أقام في ~~مكانه حتى سمع الدرس مرة أخرى. # لم ينم الفتى من ليلته تلك، وسمع المؤذن يدعو إلى صلاة الفجر فلم ينهض من فراشه، ~~وإنما تثاقل وتثاقل، ولم يخرج من غرفته إلا حين ارتفع الضحى، ولولا درس الأدب في الرواق ~~العباسي لظل في غرفته حتى يقبل المساء. # وقد سمع الفتى درس الأدب غير حفي به أول الأمر، ولكن الشيخ سأله عن شيء فلجلج الفتى ~~وسخر منه الشيخ، وسأله عن هذين المقطفين اللذين ركبا في رأسه ماذا يصنع بهما؟ ~~يريد بالمقطفين أذنيه. ومنذ ذلك الوقت أقبل الفتى على درس الأدب هذا كما كان يقبل ~~عليه من قبل، فلم يضيع مما قال الشيخ حرفا. # وسمع بعد ذلك درس النحو فلم يمنح الأستاذ إلا أحد مقطفيه هذين، ولعله لم يمنحه مقطفه ~~كله، إنما كان يعيش لساعة المساء، ويتعجل ذلك الدرس الذي سيسمعه من أحمد زكي بك عن ~~الحضارة المصرية القديمة. وقد سمعه فلم تسعه الأرض على رحبها؛ سمع أشياء لم تكن ~~تخطر له على بال، ولم يكن يتصور أنها قد كانت، أو أن الناس يمكن أن يتحدثوا ~~بمثلها. # وكان تحرقه إلى درس اليوم الثالث أشد وأقوى من تحرقه إلى الدرسين اللذين ~~سبقاه، فسيكون الأستاذ إيطاليا، وسيتحدث باللغة العربية، إيطالي يتحدث إلى ~~المصريين في العلم بلغتهم العربية، وفي شيء لم يسمع الفتى وأترابه الأزهريون به قبل ~~يومهم ذاك، ولم يفهمه الفتى وأترابه حين سمعوه، أنكرته آذانهم، وأنكرته نفوسهم وأذواقهم ~~أيضا، وكان اسم هذا الشيء الغريب: «أدبيات الجغرافيا ms182 والتاريخ». # ما كلمة الأدبيات هذه؟ وكيف تكون في الجغرافيا والتاريخ؟ وقد أقبل الفتية على الدرس ~~فلم يفهموا شيئا؛ لأنهم لم يسمعوا شيئا. # كان الأستاذ أغنالسيو جويدي شيخا كبيرا نحيف الصوت ضئيله جدا لا يبلغ عنه أقرب ~~الطلاب إليه مجلسا. وكان الطلاب كثيرين، وكانت ضآلة الصوت تغريهم بالضجيج، فضاع الدرس ~~الأول في غير طائل بعد أن تعب الأستاذ في إلقائه، وتعب الطلاب في محاولة الاستماع ~~له، واضطرت الجامعة إلى أن تختار من الطلاب أرفعهم صوتا وأفصحهم نطقا ليبلغ عن ~~الأستاذ كما يبلغ أحد المصلين عن الإمام حين تقام الصلاة. # ولم ينفق الفتى ثلاثة أيام منذ افتتاح الجامعة حتي تغيرت حياته تغيرا فجائيا ~~كاملا. # | الفصل الثاني # كيف سقطت في امتحان العالمية! # لم يكد صاحبنا يتصل بالجامعة حتى رثت الأسباب بينه وبين الأزهر، فأصبح لا يمنحه من ~~الوقت إلا أقصره، ولا يعطيه من الجهد إلا أيسره، ولم تكن الجامعة وحدها هي التي صرفته ~~عن الأزهر، وإنما صرفه عنه قبل ذلك زهده فيه، وضيقه به، وملله من أحاديثه المعادة، ~~وقد انصرف صاحباه عن الأزهر أيضا: ذهب أحدهما إلى كلية الفرير يعلم فيها اللغة ~~العربية، وذهب الآخر إلى المطبعة الأميرية يصحح فيها ما كانت تطبع من الكتب، فلم يبق ~~لصاحبنا في الأزهر أرب، وقد ضاق حتى بأحب ما كان في الأزهر إلى نفسه، وهو المدرس ~~الشيخ سيد المرصفي، فأعرض عنه كل الإعراض، لا زهدا فيه، ولا نفورا منه، ولكن سخطا ~~على الشيخ رحمه الله؛ لأنه أذعن لشيخ الأزهر وأسرف في الإذعان، وأعرض عن معابثة ~~تلاميذه، وتوهم أن الجواسيس قد أرصدت له، وبثت عليه، فتحفظ في كل ما كان يقول، ~~وكره أن يسمع من تلاميذه بعض ما كانوا يأخذون فيه إذا جلسوا إليه من عبث الشيوخ وخوض في ~~حديثهم! وقال للفتى ذات يوم حين أخذ في بعض ذلك: «لا، لا، لا، دعنا نأكل العيش!» فتركه ~~الفتى يأكل العيش ... وأصبح لا يلقاه إلا يوم الجمعة يسعى إليه في بيته، فينفق معه ~~الساعات حلوة حرة، يقول فيها ما ms183 يشاء، ويسمع ما يشاء الشيخ أن يقول، وما أكثر ما كان ~~الشيخ يقول! # ومنذ ذلك الوقت أيضا سلك الفتى في حياته طريقا لم يكن يقدر أن سيتاح له سلوكها، ~~فاتصل بالجريدة ومديرها الأستاذ لطفي السيد، وقويت الصلة بينهما حتى كان يلقاه مرات ~~في كل أسبوع، وكان يلقى عنده من شيوخ المطربشين وشبابهم قوما كثيرين، وكانت أحاديث ~~الأستاذ وزائريه تفتح للفتى أبوابا من العلم والمعرفة لم تكن تخطر له ببال من قبل، ولم ~~يكن يقدر وجودها فضلا عن اتصاله بها من قريب أو بعيد. # واتصل الفتى كذلك بالشيخ عبد العزيز جاويش رحمه الله فأكثر الاختلاف إليه والاستماع ~~له، وما هي إلا أن أخذ يجرب نفسه في الكتابة، كما جرب نفسه في الشعر بين يدي أستاذه ~~المرصفي. ولم يكد الفتى يأخذ في الكتابة حتى عرف بطول اللسان والإقدام على ألوان من ~~النقد، قلما كان الشباب يقدمون عليها في تلك الأيام، ولكنه كان نقدا محافظا غاليا في ~~المحافظة، إلا أن يعرض لشئون الأزهر، فهنالك كان يخرج حتى عن طور الاعتدال، ويغلو في ~~العبث بالشيوخ، ويجد التشجيع كل التشجيع على ذلك من الشيخ عبد العزيز جاويش، وربما وجد ~~منه إغراء بذلك وحثا عليه. وكان صاحبنا موزعا بين مذهبين من مذاهب الكتابة في ذلك ~~الوقت، أحدهما: مذهب الاعتدال والقصد، ذلك الذي كان الأستاذ لطفي السيد يدعوه إليه ~~ويزينه في قلبه، والآخر: مذهب الغلو والإسراف، ذلك الذي كان الشيخ عبد العزيز جاويش ~~يغريه به ويحرضه عليه تحريضا، وكان الفتى يستجيب للمذهبين جميعا، فإذا اقتصد في ~~النقد نشر في الجريدة، وإذا غلا نشر في صحف الحزب الوطني. # ولم ينس الفتى قط كلمة كتبها فأورثته ألما لاذعا وحزنا ممضا، واضطرته إلى أن ~~يسعى معتذرا متوسلا بالصديق إلى من كتبت فيه هذه الكلمة. كان ذلك حين اختصم الناس ~~حول سؤال من أسئلة الامتحان في الشهادة الثانوية في الأدب، فكان ممن شارك في هذه ~~الخصومة زميل أزهري من زملائه كان يعلم في كلية الفرير، وكان هذا الزميل ينتمي إلى ~~أسرة ms184 كبيرة ويعد انتماءه إليها من مفاخره، ولكنه لم يكن من هذه الأسرة إلا لأن أباه ~~كان من عتقائها، فلما رد صاحبنا عليه نسبه إلى الأسرة وبين طبيعة انتسابه إليها لم ~~يرد إيذاء زميله، وإنما أعجبه هذا التعريض فاستجاب له، ولم يراجع نفسه فيه إلا حين ~~قرأه مطبوعا في الصحيفة، ولامه فيه صاحباه، هنالك أسقط في يده ولم يرض زميله إلى ~~بعد جهد وعناء. وقد رضي الزميل وصفح، ولكن الفتى لم ينس هذا الإثم قط، وما أكثر ما ~~ازدرى نفسه، وحاول أن يأخذها بألا تضع كلمة في مقال حتى تفكر وتقدر وتتجنب الإيذاء ما ~~وجدت إلى ذلك سبيلا! # ولم يكن هذا الندم كل ما جر عليه طول اللسان من ألم، فما أكثر ما كان يكلف ~~بالنقد فيمضي فيه مؤمنا به حريصا عليه لا يحسب لعواقبه حسابا. # ثم تمضي الأيام في إثر الأيام ، وإذا هو قد نسي ما كتب، وشغل عنه بأشياء أخرى، ولكن ~~الناس لم ينسوه وإنما حفظوه له، وقيدوه عليه، وأخذوه به حين سنحت الفرصة. وطول ~~اللسان هو الذي قطع الصلة قطعا حاسما بين صاحبنا وبين الأزهر، ودفعه دفعا إلى حياته ~~التي أتيحت له، وعرضه لسخط أي سخط، وحزن أي حزن، وعناء أي عناء. والغريب أنه قد ~~تلقى السخط والحزن والعناء باسما موفور الرضا، طيب النفس، فلم تتعلق نفسه قط بالجلوس ~~إلى عمود من أعمدة الأزهر، ولا بإلقاء الدرس في حلقة من حلقاته. # لم يأس إذن على انقطاع الصلة بينه وبين الأزهر، وإنما ملأ قلبه الحزن والأسى حين عرف ~~سخط أبيه الشيخ، وحزن أمه التي كان يختصها بالحب والبر والحنان. # كان ذلك حين أنشأ الشيخ رشيد رضا رحمه الله شيئا سماه مدرسة الدعوة والإرشاد، ~~وأعلن أن هذه المدرسة ستعد طلابها من الأزهريين لدعوة غير المسلمين إلى الإسلام، ~~ولإرشاد المسلمين أنفسهم إلى دينهم الصحيح المبرأ من أوهام القرون وأباطيلها. وقد ضاق ~~المجددون من أبناء الأزهر بهذه المدرسة أشد الضيق، وسخطوا عليها أعظم السخط. رأوا ~~فيما أحاط بإنشائها من الظروف انحرافا عن ms185 الوفاء للأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده من ~~رجل كان يرى نفسه أقرب تلاميذ الشيخ إليه، وأخصهم به وأوفاهم له، فقد عطف الخديو على ~~هذه المدرسة وأعانها وأغرى شيوخ الأزهر بتأييدها. ورأى تلاميذ الأستاذ الإمام أن في عطف ~~الخديو على هذه المدرسة وإعانته لها ما أثار في نفوسهم الريب فنفروا الناس منها، ~~وأطلقوا ألسنتهم فيها، وعابوا على الشيخ رشيد أنه ثاب إلى من أخرج الأستاذ الإمام من ~~الأزهر وعرضه لكثير من الشر والأذى وأغرى به الشيوخ، حتى أذاعوا عن الشيخ ما أذاعوا ~~من السوء، ونالوه بما نالوه من المكروه. # وفي ذات يوم أقام الشيخ رشيد وأصحابه حفلا بهذه المدرسة، واجتمعوا حول مائدة العشاء ~~في فندق من فنادق القاهرة يقال له: فندق «سافوي»، ونشرت بعض الصحف أنباء زعمت فيها أن ~~أكواب الشمبانيا أديرت حول هذه المائدة، وكان جماعة من شيوخ الأزهر يتقدمهم شيخهم ~~الأكبر قد شهدوا هذا العشاء، ورأوا ما أدير فيه من الأكواب فلم ينكروا بالعمل ولا ~~بالقول. # هنالك ثارت ثائرة المخلصين للأزهر، فلهجوا بالشيوخ وقالوا فيهم فأكثروا القول. ودافع ~~المدافعون عن الشيوخ بأن زجاجات فتحت في ذلك العشاء وكان لفتحها فرقعة، ولكنها لم تكن ~~زجاجات الشمبانيا، وإنما كانت زجاجات الكازوزة! ولكن خصوم الشيوخ من أبناء الأزهر لم ~~يقبلوا هذا الدفاع، ولم يصدقوه، وإنما مضوا يلهجون ويقولون في الشيوخ فيكثرون ~~القول، وكان صاحبنا الفتى أطولهم لسانا، وأجرأهم قلما، وأجرحهم لفظا. عاب الشيوخ ~~شعرا ونثرا، ونشر عبد العزيز جاويش له ذلك في صحيفة «العلم» فرضي المجددون وأغرقوا ~~في الرضا، وسخط المحافظون وأسرفوا في السخط، وتناقل أولئك وهؤلاء هذه الأبيات الثلاثة ~~من شعر الفتى الذي لم ينسبه إلى نفسه، وإنما زعم أنه تلقاه في البريد: # رعى الله المشايخ إذ توافوا # إلى سافواي في يوم الخميس # وإذ شهدوا كؤوس الخمر صرفا # تدور به السقاة على الجلوس # رئيس المسلمين عداك ذم # ألا لله درك من رئيس # ثم مضت الأيام وتتابعت فيها الأحداث، حتى إذا دار العام رأى الفتى نفسه يتهيأ ~~للامتحان في الأزهر لينال درجة ms186 العالمية. وقد تلقى الفتى ما كان يسمى حينئذ ~~بالتعيين، وهو الدروس التي يجب أن يعدها ليلقيها أمام لجنة الامتحان، ويثبت لمناقشة ~~الممتحنين فيها. # فاستعد الفتى وأحسن الاستعداد، وحفظ فأحسن الحفظ، حتى إذا لم يبق بينه وبين شهود ~~الامتحان إلا سواد الليل، وأقبل عليه شيخه المرصفي رحمه الله فأنبأه هذا النبأ العجيب ~~الذي لم يحمله إليه في ضوء النهار، وإنما حمله إليه في ظلمة الليل، بعد أن صليت ~~العشاء. # قال الشيخ: إذا أصبحت يا بني فاستقل من الامتحان ولا تحضره من عامك هذا، فإن القوم ~~يأتمرون بك ليسقطوك. # قال الفتى: وما ذاك؟! # قال الشيخ: تعلم أني عضو في لجنة الامتحان التي ستحضر أمامها غدا، والتي يرأسها ~~الشيخ دسوقي العربي، فقد دعي رئيس اللجنة إلى الشيخ الأكبر وأمر بإسقاطك مهما تكن ~~الظروف. # قال الفتى: ولكني سأحضر أمام لجنة أخرى يرأسها الشيخ عبد الحكم عطا. # قال الشيخ: فإن هذه اللجنة لن تجتمع؛ لأن رئيسها أبى أن يسمع للشيخ الأكبر حين أمره ~~بإسقاطك، فلما ألح الشيخ الأكبر عليه ألح هو في الإباء، فلما خيره الشيخ الأكبر بين ~~إسقاطك وبين ألا تجتمع لجنته، آثر ألا تجتمع اللجنة، وقال: إنما هو غداء وثلاثون ~~قرشا! # وأبى الفتى أن يستقيل على رغم إلحاح الشيخ المرصفي عليه في ذلك، ونام ليله هادئا ~~موفورا، واستقبل صباحه راضيا مسرورا، وغدا على لجنة الامتحان، وكانت مجتمعة في مكان ~~في الدراسة لا يعرف الفتى أقائم هو أم درس فيما درس من المنازل والدور. # غدا على لجنة الامتحان فألقى التحية، وجلس، وكان أعضاء اللجنة يشربون الشاي. # قال الرئيس للفتى: هل أفطرت؟ # قال الفتى: نعم. # قال الرئيس: فأتمم هذا الكوب الذي شربت نصفه لتحصل لك البركة. # وأخذ الفتى من الشيخ كوبه مبتسما، وشرب ما فيه متكرها، ثم أخذ في الدرس الأول ~~فأنفق فيه ساعتين ونصف ساعة، ولقي فيه من المناقشة أشدها، ومن الجدال أعنفه. وفي ~~أثناء ذلك دخل الشيخ الأكبر، فلم يسلم، وإنما قال: حرام عليك يا شيخ دسوقي، حرام ~~عليك، ارفق به! ارفق به! ms187 ثم انصرف. # ولم يرفق الشيخ دسوقي بالفتى، وإنما أضاف شدة إلى شدة، وعنفا إلى عنف، وانقضى الدرس ~~الأول، وقيل للفتى: اذهب فاسترح. # وخرج الفتى فإذا كرسي قد وضع إلى جانب الباب، وجلس عليه الشيخ الأكبر كأنه ينتظر ~~شيئا. # ولم يكد يرى الفتى حتى دعا شيخا من الشيوخ كان هناك وقال له: خذه يا شيخ إبراهيم ~~فاسقه فنجانا من القهوة! # وفي انتظار هذا الفنجان أقبل من حمل المحفظة إلى الفتى إيذانا بأنه قد سقط، وبأن ~~اللجنة لا تريد أن يتم ما بقي له من الدروس. # | الفصل الثالث # أثر اختفاء المرأة # وعاش الفتى وصاحباه أعواما غرباء عن الأزهر قريبين منه، يلمون به بين حين وحين، ~~إن أتيح لهم ذلك، فيجلسون في مجلسهم ذاك بين الإدارة والرواق العباسي، ويتندرون كما ~~أحبوا أن يفعلوا دائما بالمقبلين على الأزهر والخارجين منه، وبالشيوخ والطلاب. وربما ~~قرأ عليهم أحدهم الزيات في هذا الكتاب أو ذاك من كتب الأدب القديمة أو الجديدة، وربما ~~قرأ هذه الصحيفة أو تلك من صحف المساء، فأخذوا في حديث السياسة وخطوبها، أو في ذكر ~~كتاب تلك الأيام وشعرائها، يلمون بهذا كله ولا يمعنون فيه، فقد كانوا في تلك ~~الساعات لا يكرهون شيئا كما كانوا يكرهون أخذ الأمور مأخذ الجد. # كانوا يقصدون إلى الأزهر ليلهوا ويلعبوا، لا ليعملوا ويجدوا، فقد استقر في نفوسهم ~~أن للمجد مكانا غير الأزهر، هو الجامعة إذا كان المساء، وهو دار الكتب أثناء ~~النهار. وربما شاقهم طعام الأزهر، فذهب ثالثهم الزناتي فاشترى لهم من هذا الطعام، ~~وأقبلوا عليه كلفين به ساخرين منه، ومن الذين يعيشون عليه، ومن أنفسهم حين كانوا ~~يعيشون عليه. فقد تغيرت أحوالهم شيئا؛ عمل أحدهم مدرسا في كلية الفرير، وعمل الآخر ~~مصححا في المطبعة الأميرية، وأصبح لكل منهما مرتب في آخر الشهر يتيح له شيئا من ~~سعة، وينأى به عن حياة الأزهر تلك القاسية الجافية، وعن طعام الأزهر ذلك الخشن الغليظ. ~~ولم يكن صاحبنا الفتى معلما ولا مصححا، ولم يكن له مرتب في آخر الشهر أو أوله، ms188 ولكن ~~حياته مع ذلك لانت بعض اللين. فقد ظل الشيخ يرسل إليه وإلى أخيه وابن خالته ما ~~تعود أن يرسل من الزاد والنفقة على اتساع فيهما قليل. وأضيف إلى ذلك ما كان أخو الفتى ~~يأخذه من مدرسة القضاء في كل شهر، وما كان ابن خالته يأخذه من دار العلوم في كل شهر ~~أيضا. وكان كلاهما يصيب غداءه في المدرسة التي يختلف إليها. وكان صاحبنا قد خلي ~~بينه وبين ما يتاح له من طعام أثناء النهار، ليس لينا ولا رقيقا، ولكنه خير من طعام ~~الأزهر على كل حال. وأتيح للفتى أن يصيب من الطعام المطبوخ مرتين في الأسبوع، فكان ~~طعام الأزهر بالقياس إليه خشنا غليظا، وكان ربما استطرفه بين حين وحين. # وقد جعل هؤلاء الفتية الثلاثة يحيون حياة الأدباء في تلك الأيام. وكانت حياة ~~الأدباء في تلك الأيام مزاجا غريبا من متعة تختلس بين حين وحين، ومن بؤس نفسي ~~يفرضونه على أنفسهم، وإن لم تفرضه عليهم الحياة؛ فالأديب عندهم وعند غيرهم في تلك ~~الأيام بائس بطبعه، طامح بطبعه إلى النعيم، يتخذ البؤس لنفسه عشيرا، ويجعل النعيم ~~لنفسه حلما، ويختلس المتعة القصيرة بين حين وحين إن أتيح أن يخرج من حياته المألوفة ~~إلى رياضة في الضواحي، أو تنزه في الحدائق، أو جلسة في قهوة من القهوات. # وكانت حياة الأديب فيما وراء ذلك ألوانا من الرضا والسخط تأتيه من قراءاته الكثيرة ~~المختلفة، قوامها أن يفكر كما كان يفكر القدماء الذين يقرأ آثارهم ويشعر كما يشعرون، ~~ويسير في الناس كما كانوا يسيرون. وقد ألح أولئك الفتية في قراءة الشعر الجاهلي ~~والإسلامي والعباسي وحفظه، كما ألحوا في قراءة أخبار الشعراء والكتاب وعلماء ~~اللغة، فعاشوا عيشة أولئك الناس في دخائل نفوسهم، وإن لم يستطيعوا أن يعيشوها في حياتهم ~~الواقعة؛ لأن الظروف كانت تحول بينهم وبين ما كانوا يريدون من ذلك، وهم قرءوا شعر أبي ~~نواس وأصحابه، وقرءوا شعر الغزلين العذريين، فاستحبوا من الغزل ما استحب أولئك ~~الشعراء، وذهبوا فيه مذاهبهم المختلفة، حافظ منهم من حافظ فآثر ms189 شعر العذريين وغزلهم، ~~وجدد منهم من جدد فآثر شعر العباسيين وغزلهم، وخلقوا لأنفسهم مثلا للجمال ~~يتغزلون فيها ويشببون بها، ولم يكن للمحافظين منهم بد من أن يخترعوا مثلهم ~~العليا اختراعا، فقد كانت الحياة تحول بينهم وبين لقاء الغواني. ولكن المجددين كانوا ~~خيرا منهم حظا، فلم يكن من الممتنع أن يلقوا في الأزهر أو خارج الأزهر بعض الوجوه ~~الصباح، وأن يتخذوا لغزلهم موضوعات لا يخترعها لهم الخيال، وإنما تعرضها عليهم ~~الحياة. # وكذلك وجد بين هؤلاء الفتية من كان يذهب مذهب جميل وكثير، وكان الحرمان المطلق ~~محتوما عليه؛ كما كان منهم من يذهب مذهب أبي نواس وأصحابه، وكان حظه من الحرمان أقل، ~~ونصيبه من النعيم أكثر، فهو كان يستطيع أن يلقى أصحاب الوجوه الصباح، وأن يقول لهم ~~ويسمع منهم، ويهيم بهم، ويقول فيهم الشعر، ويذهب في هذا الشعر المذاهب، وربما ورطه ~~هيامه وشعره وورط معه صاحبيه في الشر القليل أو الكثير. # وكان ثالث هؤلاء الفتية نواسي الشعر ونواسي الهوى، وما أسرع ما ألف أفرادا من ~~ذوي الوجوه الحسان، واطمأن إليهم وأكثر من لقائهم، يسعى إليهم وحده في مجالسهم، وربما ~~دعا أحدهم إلى مجلسه مع صاحبيه، وصاحباه يضحكان منه ويعبثان به أول الأمر، ثم يرثيان له ~~ويلحان عليه بالنصح بعد ذلك، يؤدون إليه ما يحبون من العبث به والنصح له، بالحديث ~~مرة وبالشعر مرة أخرى. ولكنه لا يحفل بعبثهما ولا بنصحهما، وإنما يمضي مع هواه لا ~~يلوي على شيء، حتى أصبح حديث أترابه، وحتى أقبل الفتية ذات يوم إلى مجلسهم ذاك من ~~الرواق العباسي فوجدوا بعض الزارين على عبثهم قد كتب لهم على الجدار الذي كانوا ~~يستندون إليه هذين البيتين اللذين كتبهما شاعر قديم لأبي عبيدة معمر بن المثنى: # صلى الإله على لوط وشيعته # أبا عبيدة قل بالله آمينا # فأنت عندي بلا شك بقيتهم ~~... ... ... ... ... # ولم يكد صاحبا الفتى يريان هذا الشعر حتى أخذهما ما يشبه الصاعقة، وضحك صاحبنا، ~~وأغرق في الضحك، وثاب صاحباه إلى مثل ما كان فيه، فضحكا معه وأغرقا في الضحك ms190 أيضا، ~~ولكن بغضهم لزملائهم من طلاب الأزهر زاد أضعافا مضاعفة، وجعل الفتى النواسي يبحث عن ~~كاتب هذين البيتين بدون أن يصل من بحثه إلى شيء، ولكنه رجح لغير سبب أن خصمه إنما هو ~~ذلك الطالب الأسود الذي كان ينافسه في دروس النحو، والذي كان يبغضه أشد البغض، ~~فاتخذه لنفسه عدوا، وجعل يتعمد إيذاءه كلما وجد إلى إيذائه سبيلا، فكان لا يراه - ~~وما أكثر ما كان يراه - إلا رفع صوته بهذين البيتين اللذين حفظهما فيما زعم عن ~~أبيه: # في الهند طير ناطق # سبحان من قد ألهمه # يقول في تسبيحه # ابن الأمه ما ألأمه # ومنذ ذلك الوقت أسرف ذلك الفتى النواسي على نفسه وعلى صاحبيه وعلى زملائه من ~~الطلاب، فكان يتتبع سيئاتهم وأغلاطهم، ويزيد فيها ويضيف إليها، ويقول في ذلك الشعر، حتى ~~أصبح هجاء. وكان لا يحتفظ بهجائه لنفسه ولصاحبيه، وإنما يجهر به كلما وجد إلى الجهر ~~به سبيلا. وربما احتال حتى ينشد شعره ذاك بأرفع صوته ليسمعه من قيل فيهم من ~~الطلاب. ثم عظم في نفسه الوهم واستأثر بها حب الشر، فكان كلما رأى أحدا ينظر إليه ~~فيطيل النظر، أو ينظر إلى بعض أصحابه أولئك الحسان اتخذه لنفسه عدوا وهجاه. ثم بدا له ~~أن الهجاء وحده لا يغني عنه شيئا، فعمد إلى شر منه، وجعل يكتب إلى إدارة الأزهر وإلى ~~الشيخ الأكبر خاصة، الرسائل في كل يوم، يسعى بها عنده في هؤلاء الطلاب الذين اتخذهم ~~لنفسه عدوا. # وضاق الشيخ الأكبر بهذه الرسائل التي جعلت تصب عليه في كل يوم كما ينصب المطر من ~~السماء، وإذا الإدارة تعلق ذات يوم في لوحة الإعلانات تنبيها تدعو فيه الطلاب إلى ~~أن يكفوا عن هذه الخطة التي ينكرها الخلق ويحرمها الدين، وهي السعي بالسوء في ~~الشيوخ والطلاب عند المشيخة. وقد قرأ الفتى النواسي هذا التنبيه ذات يوم بين هذه ~~الإعلانات الكثيرة التي كان الطلاب يعلقونها يعلنون فيها أن نعالهم قد ضاعت ~~منهم، وأن من وجدها فليردها إلى صاحبها، وأن من سرقها فهو جدير بأن يغضب ms191 الله عليه ~~ويقطعه من هذا المكان. # قرأ الفتى النواسي هذا التنبيه بين تلك الإعلانات، فامتلأ قلبه غبطة وابتهاجا، ~~وزعم أنه قد فاز فوزا عظيما؛ لأنه ضايق الشيخ وأحرجه، وألح في كتابة رسائله تلك ~~إمعانا في مضايقة الشيخ وإحراجه، ولم يكف عن ذلك إلا حين كف صاحباه عن الإلمام ~~بالأزهر مخافة سوء العاقبة، واضطر هو إلى أن يهجر الأزهر كما هجره صاحباه. # على أن صاحبنا الفتى لم يلبث أن شغل - أو كاد يشغل - عن صاحبيه بياض النهار، ~~فقد كان يخلص لحياته هذه الجديدة التي أخذ يحياها منذ قرأ لنفسه أول مقال نشرته له ~~الصحف. أرضاه ذلك عن نفسه وأطمعه في المزيد منه، فجعل يكتب في الجريدة رغبة في الكتابة ~~أحيانا، وتقربا بها إلى مدير الجريدة أحيانا أخرى، وجعل مدير الجريدة يرضى عن ~~فصوله، ويغريه بالكتابة، ويحثه عليها حثا، ويعلمه القصد في اللفظ والأناة في ~~التفكير. # وما هي إلا أن جعل يقربه إليه، ويدعوه إلى زيارته حتى أصبح الفتى ملازما لمكتب ~~المدير، يلم به في أكثر أيام الأسبوع حين يرتفع الضحى، فلا يحجب عنه، وإنما يلقاه ~~الأستاذ المدير هاشا له، مرحبا به، آخذا في التحدث إليه والاستماع منه، فاتحا له ~~أبوابا من التفكير، لم تكن تخطر له على بال، خائضا معه في حديث الأدب القديم، راويا ~~له من الشعر ما كان يحفظ وما لم يكن قد سمعه من قبل، حتى استأثر بقلب الفتى وعقله وحتى ~~أصبح للفتى أستاذان يختصهما بحبه وإعجابه، أحدهما يذكره بأئمة البصرة والكوفة وهو ~~الشيخ سيد المرصفي، والآخر يذكره بفلاسفة اليونان الذين سمع أسماءهم في الأزهر وجعل ~~يدرس أطرافا من فلسفتهم في الجامعة، وهو لطفي السيد. # وكان الفتى يختلف مع ذلك إلى الشيخ عبد العزيز جاويش رحمه الله، فيسمع له صوتا عذبا ~~وحديثا لينا رقيقا، ويرى من وراء هذا اللين وتلك العذوبة عنفا أي عنف إن ذكرت ~~السياسة، أو ذكر الأزهر وشيوخه، أو ذكر بعض الكتاب الظاهرين الذين لا يكتبون في صحف ~~الحزب الوطني. وكان يحبب العنف إلى الفتى ms192 ويرغبه فيه، ويزين في قلبه الجهر ~~بخصومة الشيوخ والنعي عليهم في غير تحفظ ولا احتياط. فهو كان يرى أنهم آفة هذا الوطن ~~يحولون بينه وبين التقدم بما كانوا يلجون فيه من المحافظة ويعينون عليه الظالمين ~~بممالأتهم للخديو، ومصانعتهم للإنجليز. # وكان بغضه لسعد زغلول رحمه الله معروفا يتحدث به الناس، هجاه بمقالاته المشهورة ~~التي جعل عنوانها: «ظلموك يا سعد»، وهجاه هجاء منكرا في بعض الشعر الذي لم ينشره؛ ~~لأنه كان أعنف من أن ينشر. # وقد أنشدني قصيدة قالها في السجن، وقد بلغه أن سعدا قد يعود إلى الوزارة أو يصبح ~~رئيسا لمجلس الوزراء، لم أحفظ منها إلا مطلعها وهو بشع كما ترى: # إن صح ما أنهى الرواة لمسمعي # فلسوف تصبح تحت حكم الأقرع # وعلى الشيخ عبد العزيز جاويش رحمه الله يقع نصيب غير قليل من ثقل تلك الفصول الطوال ~~السمجة التي كتبها الفتى، فشغل به الأدباء والمثقفين حينا، ثم لم ينقطع استخذاؤه لها ~~وضيقه بها وخجله منها كلما ذكرت له، وكان موضوعها نقد «نظرات» المنفلوطي رحمه الله، ~~وكان عنوانها: «نظرات في النظرات». # قرأ الفتى الفصول الأولى من نظرات المنفلوطي راضيا عنها، معجبا بها، ثم لم يلبث أن ~~سئمها وانصرف عنها. ولكنه لم يكد يراها مجموعة في كتاب حتى ضاق بها أشد الضيق، وكتب ~~يعيبها ويغض منها. وفرح الشيخ عبد العزيز جاويش بما كتب الفتى أشد الفرح، واستزاده من ~~الكتابة، وحرضه عليها وألح في التحريض، حتى ألقى في روعه ألا يدع فصلا من فصول ~~المنفلوطي إلا اختصه بفصل من النقد. وكان الفتى قديم المذهب في الأدب لا ينظر منه إلا ~~إلى اللفظ، ولا يحفل من اللفظ إلا بمكانه من معجمات اللغة، فكان عيب المنفلوطي عنده أنه ~~يخطئ في اللغة ويضع الألفاظ في غير مواضعها، ويصطنع ألفاظا لم تثبت في «لسان العرب» ~~ولا في «القاموس المحيط». # وما أسرع ما انزلق الفتى من هذا النقد السخيف إلى طول اللسان وشيء من الشتم لم تكن ~~بينه وبين النقد صلة. ولم ينس الفتى مقالا دفعه ذات ms193 مساء إلى الشيخ عبد العزيز جاويش، ~~فلم يكد يقرأ أوله حتى طرب له وأبى إلا أن يقرأه بصوته العذب على من يحضر مجلسه ذاك، ~~وابتهج الفتى حين سمع الثناء، وأحس بالإعجاب، واستيقن أنه أصبح كاتبا ممتازا، ثم لم ~~يذكر بعد ذلك أول هذا المقال حتى طأطأ من رأسه ومن نفسه، وسأل الله أن يتيح له التكفير ~~عن ذنبه ذاك العظيم، وكان أول المقال: «عم صباحا أو مساء، واشرب هواء أو ماء، ~~واستأجر من تشاء لما تشاء فقد وضح الحق وبرح الخفاء.» # كان بعض تبعة هذا السخف يقع على الشيخ عبد العزيز جاويش، ولكن للشيخ عبد العزيز ~~جاويش فضلا على الفتى أي فضل، فهو الذي ألقى في روع الفتى فكرة السفر إلى أوروبا ~~حين قال له ذات يوم: «لا بد من أن نصنع شيئا لإرسالك إلى فرنسا عامين أو ثلاثة ~~أعوام.» لم يكد الفتى يسمع هذه الألفاظ حتى استقر في نفسه أن ليس له بد من عبور ~~البحر على أي نحو من الأنحاء، وقد لاحظ الفتى فيما بعد أن أحاديثه تلك عن المنفلوطي قد ~~شغلت الناس حتى تحدث إليه فيها كل من كان يلقاه، إلا رجلا واحدا لم يشر إليها قط ~~على كثرة ما كان يلقى الفتى، وعلى كثرة ما كان يتحدث إليه، وهو مدير الجريدة لطفي ~~السيد. # فهم الفتى - ولكن متأخرا - أن لطفي السيد لم يرض قط عن هذه الفصول، ولو قد رضي ~~عنها، وعن بعضها، لتحدث إليه فيها، وهو الذي كان كثيرا ما يشجع الفتى فيتنبأ له ~~مرة بأنه سيكون موضعه من مصر موضع فولتير من فرنسا، ويقول له مرة أخرى: أنت أبو ~~العلائنا، يتعمد إثبات الألف واللام على رغم الإضافة في اسم أبي العلاء، ثم يضحك ويغرق ~~في الضحك حين يرى تنكر الفتى للجمع بين الإضافة وأداة التعريف. # أصبح الفتى كاتبا بفضل هذين الرجلين: لطفي السيد وعبد العزيز جاويش، وأصبح كاتبا ~~لشيء آخر: وهو أنه أثناء الأعوام العشرة الأولى من كتابته في الصحف لم يكتب إلا حبا ~~للكتابة ms194 ورغبة فيها، لم يكسب بها درهما ولا مليما. # | الفصل الرابع # عندما خفق القلب لأول مرة! # على أن فضل الشيخ عبد العزيز جاويش على الفتى لم يقف عند هذا الحد، وإنما تجاوزه ~~فأمعن في تجاوزه، فهو الذي عرف الفتى إلى جماهير الناس ووقفه بين أيديهم ذات صباح ~~منشدا للشعر، كما كان يفعل الشعراء المعروفون، وحافظ منهم خاصة، في بعض المناسبات ~~العامة. # كان الناس قد ألفوا الاحتفال برأس العام الهجري كلما انقضى عام هجري، وأقبل عام جديد. ~~وكان الشيخ عبد العزيز جاويش يحرص على أن يكون للحزب الوطني احتفاله بهذا اليوم، فأقام ~~حفلة ذات عام في مدرسة مصطفى كامل، واحتشد لهذا الحفل عدد ضخم من الناس شبابا وكهولا ~~وشيبا، وكان الفتى قد أنشأ فيما بينه وبين نفسه قصيدة يستقبل بها عيد الهجرة، وأنشدها ~~أمام الشيخ عبد العزيز جاويش، فرضي عنها وحثه على أن يقول أمثالها. # فلما كان هذا الحفل شهده الفتى مع الشاهدين، ولكنه لم يكد يتخذ مكانه بين الناس، حتى ~~أقبل من أخذ بيده وأجلسه على المنصة. ولم يقدر الفتى في نفسه إلا أن الشيخ عبد العزيز ~~جاويش قد أراد أن يرفق به ويتلطف له ويقربه من مجلسه، فرضي عن ذلك كل الرضا، ~~وعده فضلا من الشيخ عظيما، وألقيت الخطب وصفق المصفقون، ولم يرع الفتى إلا أن ~~سمع اسمه يعلن إلى الناس، ورأى نفسه يدعى إلى إنشاد قصيدته العصماء! فلبث في مكانه ~~جامدا واجما لا يدري ماذا يصنع، ولا يعرف كيف يقول، وأقبل من أخذ بيده، وهم الفتى ~~أن يمتنع حياء وخجلا، ولكن الذي أخذ بيده جذبه جذبا شديدا وجعل الذين من حوله ~~يدفعونه وينهضونه حتى أنهضوه وجروه جرا إلى المائدة. واستقبل الفتى بتصفيق شديد منحه ~~قوة وجرأة، فأنشد قصيدته في صوت ثابت ممتلئ، ولكنه لم يكن يستقر في موقفه، وإنما كان ~~جسمه يرتعد ارتعادا، واستقبلت قصيدته أحسن استقبال وأروعه حتى خيل إلى الفتى أنه ~~قد أصبح حافظا أو قريبا من حافظ. # ثم مرت الأعوام وتبعتها الأعوام، واختلفت على الشيخ وعلى ms195 الفتى خطوب أي خطوب، ~~وتعاقبت أحداث في مصر أي أحداث! وجلس الفتى ذات مساء إلى صديق له كريم، وقد جاوز ~~الفتى سن الشباب والكهولة، وأخذ في ذكر الصبا وأيام الطلب، وأنسي الشيخ شبابه ~~وصباه وشغل عن حياته الماضية، وأعرض عن الشعر كل الإعراض بعد أن استبان له أنه لم ~~يقل الشعر قط، وإنما قال سخفا كثيرا. وإذا الصديق الكريم يذكره بموقفه ذاك في مدرسة ~~مصطفى كامل وإنشاده قصيدته تلك، ويذكر له مطلع تلك القصيدة، فيرثي الشيخ لما أضاع من ~~شبابه وما أنفق من جهده في غير طائل ولا غناء. # ثم لم يقف الشيخ عبد العزيز جاويش بالفتى عند هذا الحد، ولكنه علمه الكتابة في ~~المجلات؛ فقد أنشأ مجلة «الهداية»، وطلب إلى الفتى أن يشارك في تحريرها، ثم ترك له - أو ~~كاد يترك له - الإشراف على هذا التحرير، وكان له الفضل كل الفضل فيما تعلم الفتى من ~~إعداد الصحف وتنسيق ما ينشر فيها من فصول. ولم تخل «الهداية» من جدال عنيف دفع إليه ~~الفتى دفعا، وكان خصمه الشيخ رشيد رضا، وقد أسرف الفتى على نفسه وعلى الشيخ رشيد في ~~ذلك الجدال، وكتب أحاديث استحى منها فيما بعد حين ذكرت له، ولكن الشيخ عبد العزيز كان ~~عنها راضيا وبها كلفا، وقد أجاز نشرها وشجع الفتى على المضي فيها. كان يمقت من ~~الشيخ رشيد ممالأته للخديو وانحرافه عن طريق الأستاذ الإمام، وما دفع إليه من إعجاب ~~بنفسه واغترار بثناء الناس عليه وإعجابهم به. # ثم أضاف الشيخ إلى كل هذا الفضل فضلا آخر وقع من نفس الفتى موقع الماء «من ذي ~~الغلة الصادي» أرضاه عن بعض حاله، وأكبره في نفسه شيئا، وأشعره بأن قد أتيح له أن ~~يجلس مجلس المعلم، وأن يكون له تلاميذ كثيرون بعد أن حال الأزهر بينه وبين ذلك. # فقد أنشأ الشيخ عبد العزيز جاويش مدرسة ثانوية كما أنشأ مصطفى كامل مدرسة، وكلف ~~الفتى أن يعلم فيها الأدب على ألا ينتظر على ذلك أجرا؛ فالمدرسة عمل وطني لا أجر ~~عليه لمن ms196 يشارك فيه. ولم يكن الشيخ يفيد من هذه المدرسة شيئا، وربما أنفق عليها من ~~رزقه وكلف نفسه في سبيل ذلك شيئا من الحرمان، وربما ألح على بعض الأغنياء وأوساط ~~الناس حتى استكرههم على أن يعينوه على نفقاتها ببعض المال. وقد أقبل الفتى على تعليمه ~~ذاك فرحا به مبتهجا له، يرى فيه شفاء لغيظه من الأزهر، ويرى فيه مع ذلك مشاركة في ~~بعض الخير. # ثم لم يلبث هذا كله أن انقطع فجأة، صرف الشيخ عنه بأحداث السياسة، ثم اضطر إلى أن ~~يهاجر من مصر على غير انتظار لهجرته، ولم يره الفتى منذ ودعهم ليلة سفره إلا بعد أعوام ~~طوال، بعد أن عاد عودته تلك، فقد سافر من مصر فجأة، وعلى غير علم من أهلها، وعاد إلى ~~مصر فجأة، وعلى غير علم من أهلها أيضا. # وهو على كل حال قد أعان الفتى على الخروج من بيئته تلك المغلقة إلى الحياة العامة، ~~وعلى أن يكون له اسم معروف. ومثل ذلك فعل الأستاذ أحمد لطفى السيد؛ فعرف الفتى إلى ~~كثيرين من الذين كانوا يلمون بمكتبه في الجريدة من الشيوخ والشباب. وفي مكتبه اتصل ~~برفاق له أحباء عمل معهم فيما بعد، ولقي معهم خطوبا أي خطوب، عرف عنده هيكل ومحمود ~~عزمي والسيد كامل، وكامل البنداري وأترابا لهم كثيرين. وعرف بفضله لونا من المعرفة لم ~~يكن يقدر أنه سيتاح له في يوم من الأيام؛ فقد لقي عنده ذات يوم تلك الفتاة التي ~~كان الناس يتحدثون عنها فيكثرون الحديث، لا لأنها كانت جميلة فاتنة، ولا لأنها كانت ~~جذابة خلابة، ولكن لأنها كانت طامحة ملحة في الطموح، ظفرت لأول مرة بالشهادة ~~الثانوية، وكانت أول فتاة ظفرت بها، وهي نبوية موسى. # وكان الفتى قد لقي السيدات في بيئته تلك الريفية، ولكنه لم يلق منهم القارئة الكاتبة ~~البرزة التي تظهر في مجالس الرجال وتحاورهم، فتلج في المحاورة وتخاصمهم فتعنف في ~~الخصام، قبل أن يلقى تلك الفتاة. # واحتفل ذات مساء في حجرة من حجرات الجامعة القديمة بتكريم خليل مطران رحمه الله، ms197 ~~وكان الخديو قد أهدى إليه وساما. وكان شقيق الخديو الأمير محمد على رئيسا لهذا ~~الاحتفال، وكان الشعراء سينشدون فيه الشعر، وكان الخطباء سيلقون فيه الخطب، فاعتذر ~~الفتى إلى أستاذه في الجامعة من حضور الدرس، ولم يكن يكره شيئا كما كان يكره التخلف عن ~~الدروس، وآثر شهود ذلك الحفل. وفيه سمع كثيرا من الشعر وكثيرا من الخطب، فلم يحفل ~~بشيء مما سمع، لم يعجبه شعر حافظ في ذلك المقام، مع أنه كان كثير الإعجاب بشعر حافظ، ~~ولم تعجبه قصيدة مطران؛ لأنه لم يفهم منها شيئا، ولم يذق منها شيئا، وربما أحس فيها ~~إسرافا من الشاعر في التضاؤل أمام الأمير الذي أهدى إليه ذلك الوسام؛ فقد شبه نفسه ~~بالنبتة الضئيلة، وشبه الأمير بالشمس التي تمنحها الحياة والقوة والنماء. لم يرض ~~الفتى عن شيء مما سمع إلا صوتا واحدا سمعه فاضطرب له اضطرابا شديدا وأرق له ~~ليلته تلك، كان الصوت نحيلا ضئيلا، وكان عذبا رائقا، وكان لا يبلغ السمع حتى ينفذ ~~منه في خفة إلى القلب فيفعل به الأفاعيل. ولم يفهم الفتى من حديث ذلك الصوت العذب ~~شيئا، ولم يحاول أن يفهم من حديثه شيئا، شغله الصوت عما كان يحمل من الحديث، وكان صوت ~~الآنسة مي التي كانت تتحدث إلى جمهور من الناس للمرة الأولى. ولم يستطع الفتى حين ~~أصبح من ليلته تلك أن يمتنع عن السعي إلى مدير الجريدة، وقد جلس إليه فقال له وسمع منه. ~~ثم ما زال يدور بحديثه حتى انتهى إلى حفل مطران، وحتى انتهى من حفل مطران إلى ذكر تلك ~~الفتاة التي تحدثت فيه، والتي لم يسمع الفتى عنها قبل يومه ذاك. وقد سأله مدير الجريدة ~~عما قالت الفتاة فلم يحسن ردا، وإنما لجلج في القول. وأثنى الأستاذ على مي، وأنبأ ~~الفتى بأنه سيقدمه إليها في يوم قريب، وابتهج الفتى بهذا الوعد وإن لم يعرب عن ~~ابتهاجه، وظل يرقب البر به. ولكن الأستاذ نسيه، واستحيا الفتى أن يذكره فحمل نفسه ~~على المكروه، وما أكثر ما كان يحملها على ms198 المكروه! وأعرض عن ذكر مي، واجتنب حديثها ~~إلى الأستاذ، ومضت أيام وأشهر وظفر الفتى من الجامعة بدرجة الدكتوراه، وأعطى مدير ~~الجريدة رسالته عن أبي العلاء، فقرأها ورضي عنها، ولكنه لم يردها إلى الفتى، وإنما ~~قال له: إنما سترد إليك رسالتك بعد أيام؛ لأن الآنسة مي قد طلبت أن تقرأها، وسمع ~~صاحبنا ذكر مي، فبدا عليه فيما يظهر شيء من وجوم، وكأن الأستاذ لاحظ ذلك فذكر وعده ~~القديم وقال للفتى في رفق: ألم أعدك بتقديمك إليها؟ # قال الفتى: أكاد أذكر ذلك. # قال الأستاذ: فالقني مساء الثلاثاء فسنزورها معا. # وفي مساء الثلاثاء رأى الفتى نفسه لأول مرة في حياته في صالون فتاة تستقبل الزائرين ~~من الرجال، حفية بهم، معاتبة لهم في رشاقة أي رشاقة، وفي ظرف أي ظرف، وفي ~~حديث عذب يخلب القلوب ويستأثر بالألباب. # وطال المجلس وكثر الزائرون، ودارت أكواب الشاي والفتى في مكانه لا يكاد يحس من ذلك ~~شيئا، قد ملك الوهم والوجل عليه أمره كله، فهو لم يشهد مثل هذا المجلس قط، وليس ~~له عهد بمثل ما يجري في مثل هذه المجالس من المراسم ولا بما يتبع فيها من التقاليد ~~والعادات، فهو منكر نفسه، منكر من حوله وما حوله، إلا شخصين اثنين، هما: الأستاذ ~~لطفي السيد والآنسة مي. # وقد أخذ الزائرون في الانصراف، ورغب الفتى فيه ليخلص من حرجه، وأشفق منه حرصا على ~~صوت مي وحديثها، ولم يحاول أن ينصرف، فما كان له أن يحاول ذلك قبل أن يؤذنه به ~~الأستاذ. # وقد انصرف الزائرون جميعا وخلا للأستاذ وتلميذه وجه مي، فخاضت مع الأستاذ في بعض ~~الحديث، وأثنت للفتى على رسالته في أبي العلاء، فأغرقت في الثناء، واستحيا الفتى شيئا، ~~ولم يحسن أن يشكر لها ثناءها. ولكن الأستاذ يطلب إلى الفتاة أن تقرأ عليه مقالها ذاك، ~~فتتردد الفتاة شيئا، ثم تقدم بعد أن تعلن إلى الفتى أنها تقرأ على الأستاذ هذا ~~المقال؛ لأنه هو الذي يعلمها العربية ويعلمها الكتابة. # قال الفتى في صوت مختنق ولفظ مجمجم: كما يعلمني أنا. # قالت ms199 مي: فنحن إذن زميلان. # وقرأت المقال، وكان عنوانه «وكنت في ذلك المساء هلالا.» # وسحر الفتى، ورضي الأستاذ، وانصرفا بعد حين، وفي نفس الفتى من الصوت ومما قرئ شيء ~~كثير! # | الفصل الخامس # أستاذي يدعو علي بالشقاء! # وكانت حياة الجامعة في أول عهد المصريين بها عيدا متصلا يحيونه إذا أقبل المساء ~~من كل يوم، حين يزدحمون على غرفات الدرس على اختلاف منازلهم من الفقر والغنى، وعلى ~~اختلاف حظوظهم من الثقافة، وعلى اختلاف أزيائهم أيضا. فكان منهم الغني المترف والفقير ~~الذي لا يجد ما ينفق، وكان منهم القاضي والطبيب والطالب والموظف والمجاور في الأزهر ~~الشريف. # وكان منهم غير أولئك قوم لم يأخذوا من العلم إلا بأيسر أسبابه، ولكنهم كانوا يختلفون ~~إلى هذه الدروس والمحاضرات ليروا ويسمعوا ويمتعوا أنفسهم إن أتيح لهم المتاع. وقد جعلت ~~غرفات الجامعة تضيق بهؤلاء المختلفين إليها والمزدحمين عليها. وعجز الأساتذة عن أن ~~يسمعوا هذه الأعداد الضخمة التي كانت تكتظ بها الغرفات، فقرر بعضهم أن يلقي محاضرته ~~مرتين. ولم ير الطلاب بهذا بأسا، كانوا يستبقون ليسمعوا الأستاذ في محاضرته الأولى، ~~فمن حيل بينه وبين ذلك انتظر المحاضرة الثانية. وكانوا ينتظرون في أبهاء الجامعة ~~وحديقتها، وكان أهل السعة منهم يذهبون إلى قهوة كوبري قصر النيل القريبة، فيشربون أو ~~يطعمون، حتى إذا قرب موعد المحاضرة أسرعوا إليها مشغوفين بها إلى أقصى غايات الشغف. ~~واضطرت الجامعة إلى أن تنظم دخول غرفات الدرس، فلا تأذن به إلا لمن قدموا بطاقات ~~الانتساب، وصدت بذلك عددا غير قليل من الذين كانوا يسعون إلى هذه الدروس كما ~~كانوا يسعون إلى المحاضرات العامة. # وأقبل الفتى ذات مساء بصحبة غلامه الأسود، فلما بلغ الغرفة أظهر بطاقته، وقد كان بها ~~ضنينا وعليها حريصا، وقيل له: تستطيع أن تدخل، فأما غلامك هذا فلا حق له في ~~الدخول. # وأظهر الفتى شيئا من ضيق، ولكن صاحب الباب لم يحفل بضيقه ولا بإنكاره، ولا بتوسل من ~~كان حوله من الطلاب، ولا بحاجته إلا أن يصحبه هذا الغلام حتى يجلسه في مكانه ثم يرجع ~~أدراجه ms200 فينتظر من وراء الباب حتى ينقضي الدرس. # واضطر الفتى إلى أن يفزع إلى السكرتير العام أحمد زكي بك شاكيا، وصحبه بعض الطلاب ~~الساخطين على جهل صاحب الباب وعنفه وغلظة ذوقه. وأدخل الفتى وأصحابه على السكرتير ~~العام، وقصوا عليه قصتهم، ولكنهم لم يجدوا عنده شيئا، وإنما قال لهم في هدوء: ~~النظام هو النظام. # وهم بعض الطلاب أن يجادله في ذلك فقال له متجهما: وماذا نصنع وقد أراد الله ~~لصاحبك ألا يشهد هذه المحاضرات؟ # وانصرف أولئك النفر من الطلاب ساخطين على السكرتير العام سخطا أشد وأعظم من سخطهم ~~على صاحب الباب، وقالوا للفتى: لا بأس عليك، سنصحبك نحن إلى مجلسك. # وصحبوه إلى مجلسه متلطفين له متحببين إليه، وردوه إلى غلامه بعد انقضاء الدرس، ~~وجعلوا منذ ذلك اليوم لا يرون الفتى مقبلا حتى يحيطوا به من قريب، فإذا بلغ باب ~~الغرفة أخذ أحدهم بيده ، وصحبه إلى مجلسه، ثم رده إلى غلامه بعد ذلك، ولو أطاع الفتى ~~نفسه في ذلك المساء لانصرف عن الجامعة ولحرم على نفسه الاختلاف إلى دروسها. # ولكن الجامعة كانت أحب إليه وآثر عنده من كبريائه تلك السخيفة. # وهو على ذلك لم ينم ليلته تلك، وإنما أنفقها مسهدا محزونا، يذكر كيف لقي مثل هذه ~~القسوة حين أراد أن ينتسب إلى الأزهر في آخر الصبا وأول الشباب، وحين تقدم لأداء ~~الامتحان في حفظ القرآن، فقال له أحد ممتحنيه: اقرأ يا أعمى سورة الكهف! # وذكر الفتى بعد سنين قصته هذه في الجامعة، وقصته تلك في الأزهر، حين دخل غرفة الدرس ~~لأول مرة في جامعة مونبلييه، فسمع الأستاذ يقول لصاحبه: أيكون زميلك هذا ~~مكفوفا! # قال الزميل: نعم. # قال الأستاذ: فإني أراه قد دخل الغرفة دون أن يرفع قلنسوته. # وكان الفتى حديث عهد بأوروبا لم يعرف بعد أن الناس يرفعون قلانسهم حين يدخلون مكانا ~~مسقوفا، وأنهم يحضرون الدروس حاسري الرءوس. # وكذلك قضي على الفتى أن يستقبل طلبه العلم في الأزهر والجامعة المصرية والجامعة ~~الفرنسية بكلمة عن آفته تلك تؤذي نفسه وتفرض عليه ليلة ساهرة، ثم ms201 يعرض عنها بعد ذلك؛ ~~لأنه لم يكن يرى بدا مما ليس منه بد، وما أكثر ما ذكر بيت أبي العلاء: # وهل يأبق الإنسان من ملك ربه # فيخرج من أرض له وسماء؟! # وما أسرع ماكان الفتى ينسى هذه الكلمات المؤذية بعد أن يشتري هذا النسيان بليلة ~~ينفقها مسهدامحزونا! ثم يقبل بعد ذلك على ما لم يكن بد من الإقبال عليه من العلم ~~في الأزهر، وفي الجامعة المصرية، وفي جامعات فرنسا. # كان الفتى يرى حياته في الجامعة عيدا متصلا، كما كان يراها غيره من المصريين، ~~ولكنها كانت بالقياس إليه عيدا تختلف فيه ألوان اللذة والغبطة والرضا والأمل، كانت ~~تخرجه من بيئته تلك الضيقة المقلقة في الأزهر، وفي حوش عطا أو درب الجماميز إلى بيئة ~~أخرى واسعة لا حد لسعتها؛ فهي كانت تتيح له أن يملأ رئتيه من الهواء الطلق حين يسعى ~~إلى الجامعة وحين يعود منها، وأن يملأ عقله من العلم الطلق الذي لا يقيده تحرج الأساتذة ~~الأزهريين فيما كانوا يلقون من الدروس، ولا يفسده الإسراف في القنقلة والجدال حول هذا ~~اللفظ أو ذاك، وإضاعة الوقت في الإعراب حين لا يكون بين الدرس وبين الإعراب صلة. # وكانت هذه البيئة تتيح له كذلك علما يخلق نفسه خلقا جديدا لا يتصل بالنحو ولا ~~بالفقه ولا بالمنطق ولا بالتوحيد، وإنما يذهب به مذاهب مختلفة في الأدب وفي ألوان من ~~التاريخ لم يكن يقدر أنه سيعرفها في يوم من الأيام. ولم ينس الفتى يوما خاصم فيه ~~ابن خالته الذي كان طالبا في دار العلوم ولج بينهما الخصام، فقال الدرعمي ~~للأزهري: ما أنت والعلم! إنما أنت جاهل لا تعرف إلا النحو والفقه، لم تسمع قط درسا ~~في تاريخ الفراعنة! أسمعت قط اسم رمسيس أو إخناتون؟! # وبهت الفتى حين سمع هذين الاسمين، وحين سمع ذكر هذا النوع من التاريخ. واعتقد أن ~~الله قد كتب عليه حياة ضائعة لا غناء فيها. ولكنه يرى نفسه ذات ليلة في غرفة من غرفات ~~الجامعة يسمع الأستاذ أحمد كمال رحمه الله يتحدث عن ms202 الحضارة المصرية القديمة، ويذكر ~~رمسيس وإخناتون وغيرهما من الفراعنة، ويحاول أن يشرح للطلاب مذهبه في الصلة بين اللغة ~~المصرية القديمة وبين اللغات السامية، ومنها اللغة العربية. # ويستدل على ذلك بألفاظ من اللغة المصرية القديمة يردها إلى العربية مرة وإلى العبرية ~~مرة وإلى السريانية مرة أخرى، والفتى دهش ذاهل حين يسمع كل هذا العلم، وهو أعظم دهشة ~~وذهولا حين يلاحظ أنه يفهمه ويسيغه في غير مشقة ولا جهد. # وهو يعود إلى بيته ذلك المساء وقد ملأه الكبر والغرور، ولا يكاد يلقى ابن خالته حتى ~~يرفع كتفيه ساخرا منه ومن دار علومه تلك التي كان يستعلي بها عليه. وهو يسأل ابن خالته ~~أتتعلمون اللغات السامية في دار العلوم؟! فإذا أجابه بأن هذه اللغات لا تدرس في ~~المدرسة أخذه التيه، وذكر العبرية والسريانية ثم ذكر الهيروغليفية، وحاول أن يشرح ~~لزميله كيف كان المصريون القدماء يكتبون، وتنقلب الآية ويصبح المغلوب غالبا والغالب ~~مغلوبا. # ويمضي العام الأول من الحياة الجامعية عيدا كله، لا يحس الفتى سأما منه أو ضيقا ~~به، وإنما يحس الحزن الممض حين تبدو طلائع الصيف. # وينفق الإجازة كلها مفكرا فيما سمع، ومشوقا إلى ما سيسمع في العام المقبل، ~~ومتسائلا عمن يبقى من الأساتذة الذين عرفهم ومن يدعى من أساتذة لم يعرفهم. ثم لا ~~يلبث أن تستأثر الجامعة بعقله كله وجهده كله، وأن تشغله عن كل شيء آخر؛ فقد أقبل أساتذة ~~جدد ملكوا عليه أمره واستأثروا بهواه، فهذا الأستاذ كارلو نالينو المستشرق الإيطالي ~~يدرس باللغة العربية تاريخ الأدب والشعر الأموي. وهذا الأستاذ سنتلانا يدرس ~~بالعربية أيضا، وفي لهجة تونسية عذبة، تاريخ الفلسفة الإسلامية وتاريخ الترجمة خاصة. ~~وهذا الأستاذ ميلوني يدرس باللغة العربية كذلك تاريخ الشرق القديم، ويتحدث إلى الطلاب ~~عن أشياء لم يتحدث عنها أستاذ قبله في مصر؛ فهو يفصل تاريخ بابل وآشور، ويذكر الكتابة ~~المسمارية، ويتحدث عن قوانين حامورابي، والفتى يفهم عن هؤلاء الأساتذة كل ما ~~يقولون، لا يجد في فهمه التواء أو عسرا، وهو لا يكره شيئا كما يكره انتهاء الدروس، ms203 ~~ولا يتشوق إلى شيء كما يتشوق إلى ما سيستقبل منها. # وهذا أستاذ ألماني، هو الأستاذ ليتمان، قد أقبل يتحدث إلى الطلاب عن اللغات السامية ~~والمقارنة بينها وبين اللغة العربية، ثم يأخذ في تعليمهم بعض هذه اللغات. وإذا الفتى ~~يخرج من حياته الأولى خروجا يوشك أن يكون تاما لولا أنه يعيش بين زملائه من ~~الأزهريين والدرعميين وطلاب مدرسة القضاء وجه النهار وشطرا من الليل. # ولكن عقله قد نأى عن بيئته هذه نأيا تاما، واتصل بأساتذته أولئك اتصالا متينا، ~~فكلهم قد عرفه، وكلهم قد آثره بالحب والرفق والعطف، وكلهم قد أدناه من نفسه، ودعاه إلى ~~أن يزوره في فندقه، وأحب أن يقول له ويسمع منه. ولم ينس الفتى موعدا ضربه لأستاذه ~~سنتلانا ذات صباح، ليحضر معه درسا من دروس الأزهر، وقد أقبل الأستاذ إلى حيث كان ~~ينتظره تلميذه أمام الرواق العباسي، وذهب مع الفتى إلى درس الشيخ الأكبر الشيخ سليم ~~البشرى رحمه الله، وكان يلقي درسه في التفسير مع الصباح بالرواق العباسي، وجلس ~~الأستاذ والتلميذ بين الطلاب، وأخذ الشيخ يفسر آية كريمة من سورة الأنعام هي قول الله ~~عز وجل: # ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة ~~وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما ~~كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم ~~يجهلون ~~. # وفسر الشيخ رحمه الله فأحسن التفسير، وخاض في حديث الجبر والاختيار، وجعل يرد ~~على الجبريين ويدفع مقالتهم، ويأخذ الفتى في حوار الشيخ على عادة الأزهريين، فيسمع ~~الشيخ له ويرد عليه ردا لا يقنعه، ويأبى الفتى إلا اللجاج، فينهره الشيخ بهذه ~~الكلمات: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن! الله أكبر على العلم والإيمان، حضرتك ~~مسلم؟ # ويهم الفتى أن يجيب، ولكن الشيخ ينهره في سخرية غاضبة قائلا: اسكت يا شيخ جاتك ~~الكلاب خلينا نقرأ. # ثم يمضي في حديثه غير حافل بالفتى، ولكن الفتى يهم أن يتكلم، وإذا أستاذه الإيطالي ~~يمس كتفه مسا متصلا، وهو يقول له هامسا بعربيته التونسية العذبة: اسكت، اسكت، ~~ليضربك! # يميل بالضاد إلى الظاء، ويرى الفتى ms204 نفسه مغرقا في ضحك خفي، لا يدري أكان مصدره ~~سخرية الشيخ منه أم رفق الأستاذ الإيطالي به وإشفاقه عليه؟! # فإذا انتهى الدرس ذهب الفتى بأستاذه الإيطالى إلى إدارة الأزهر، واستأذن له على ~~الشيخ الأكبر، فأذن له، وتلقاه حفيا به متلطفا له في الحديث، ثم ينظر إلى الفتى ~~فيسأله في رفق: أأنت الذي كان يجادل في الدرس؟ # قال الفتى: نعم. # قال الشيخ متضاحكا: ما شاء الله! ما شاء الله! فتح الله عليك وأشقاك بتلاميذك كما ~~يشقى بك أساتذتك! # | الفصل السادس # أساتذتي # ولم تكن حياة الجامعة عيدا متصلا رائع الإمتاع لمكان الأساتذة الأجانب فيها فحسب، ~~بل كان فيها أساتذة مصريون يضيفون إلى روعتها روعة وإلى إشراقها إشراقا. ولم ينس ~~الفتى طائفة من هؤلاء الأساتذة كان لهم في حياته أبعد الأثر وأعمقه؛ لأنهم جددوا ~~علمه بالحياة وشعوره بها وفهمه لقديمها وجديدها معا، وغيروا نظرته إلى مستقبل ~~أيامه، وأتاحوا لشخصيته المصرية العربية أن تقوى وتثبت أمام هذا العلم الكثير الذي كان ~~يأتي به المستشرقون، وكان جديرا بأن يحول هذا الفتى تحويلا خطيرا يفنيه في العلم ~~الأوروبي إفناء، ولكن أساتذته المصريين هؤلاء أتاحوا له أن يأوي إلى ركن شديد من ~~الثقافة الشرقية الخالصة، وأتاحوا لمزاجه أن يأتلف ائتلافا معتدلا من علم الشرق ~~والغرب جميعا. وكان الأساتذة المصريون يختلفون فيما بينهم اختلافا شديدا، كان منهم ~~المطربشون والمعممون والذين سبقت العمامة إلى رءوسهم ثم انحسرت عنها وجاء مكانها ~~الطربوش. # وكان منهم الصارم الحازم الذي لم يكن ثغره يعرف الابتسام إلا قليلا، والمازح الباسم ~~الذي لم يكن وجهه يعرف العبوس إلا نادرا. وكان منهم ذو العلم العميق العريض الذي يبهر ~~ويسحر ويذكر القلوب والعقول، وذو العلم الضحل والثقافة الرقيقة الذي يخلب باللفظ ثم ~~لا يكون وراء لفظه الخلاب شيء ذو بال. # وكان منهم من يخلب بلفظه العذب ودعابته الساحرة وعلمه الغزير. كان منهم إسماعيل رأفت ~~رحمه الله، ذلك الذي لم يكن يعرف من طلابه إلا أنهم يحملون رءوسا يجب أن يصب العلم ~~فيها صبا. فكان يقبل عليهم عابسا ms205 وينصرف عنهم عابسا، لا يلقي إلى أحدهم كلمة، ~~وإنما يأخذ مجلسه ويبسط أوراقه ويأخذ في القراءة حتى تنتهي ساعة الدرس لا يقطعها إلا ~~حين يفسر ما قد يحتاج إلى التفسير، وحين يلقي على الطلاب هذا السؤال الذي تعود أن ~~يلقيه في دار العلوم - وقد كان أستاذا فيها: فاهمين يا مشايخ؟ # وقد سمع الفتى منه وصف أفريقيا على اختلاف أقطارها وعلى اختلاف ما يكون لهذا الوصف من ~~صور يتصل بعضها بطبيعة الإقليم، ويتصل بعضها الآخر بالسياسة والاقتصاد ونظم الحياة ~~الاجتماعية وأجناس السكان. # وقد سمع الفتى فيما بعد دروسا مختلفة في الجغرافيا من أساتذة ممتازين في جامعات ~~فرنسا، فلم يحس لأحدهم فضلا على أستاذه ذلك المصري العظيم. # وكان من هؤلاء الأساتذة حفني ناصف رحمه الله، وكان ابتساما كله، وفكاهة كله، ~~وتواضعا كله، على غزارة في العلم، وأصالة في الفقه بما كان يدرس من الأدب العربي ~~القديم، وكان الطلاب يكلفون به أشد الكلف، ويطمعون فيه أعظم الطمع؟ وكان بعضهم ربما ~~انصرف عن دروسه ليجلس إليه في قهوة كوبري قصر النيل التي كان يجلس فيها ساعة قبل الدرس ~~من يوم الخميس من كل أسبوع. # وكان الطلاب يأبون عليه أن يختم دروسه في آخر العام دون أن يزيدهم على المقرر ~~درسين أو دروسا. وكان الفتى لسانهم حين كانوا يرغبون إليه في ذلك. وكان الفتى يطلب ~~إليه المزيد من الدرس نثرا حينا وشعرا حينا مستعطفا مرة ومنذرا مرة أخرى. وكان ~~رحمه الله قد شرح كتاب «الكافي في العروض» حين كان طالبا في الأزهر. وكان يخجل من هذا ~~الشرح ويكره أشد الكره أن ينسب إليه، فكان الفتى يقسم له في آخر العام لئن لم يضف ~~إلى المقرر دروسا لينسبن إليه «شرح الكافي» في مقال ينشره في الجريدة. وكان رحمه ~~الله يستجيب فيضيف درسين، وربما أضاف أربعة دروس. # وكان أروع صورة عرفها الفتى لتواضع الأستاذ، أنه لم يتكلف قط ذلك الوقار المصنوع ~~الذي يتكلفه بعض الأساتذة حين يرقون إلى مجلسهم في غرفة الدرس، وإنما كان يخلط نفسه ~~بطلابه ms206 كأنه واحد منهم لولا أنه كان يكبر أكثرهم سنا، فقد كان بين طلابه من تقدمت به ~~السن كثيرا. # وقرأ الفتى ذات يوم في الجريدة حديثا لأحد القراء يطرح فيه موضوعا لمسابقة شعرية، ~~ويجعل لهذه المسابقة جائزة هي كتاب «الأمالي» لأبي علي القالي، ويحكم بين المستبقين ~~الأستاذ حفني ناصف وتلميذه ذاك الفتى. وأنكر صاحبنا أن يقرن إلى أستاذه، وأحس شيئا ~~من غرور، ولكن يجلس ذات مساء في بيته بدرب الجماميز مع جماعة من رفاقه يأخذون في بعض ما ~~كانوا يخوضون فيه من حديث، وإنهم لفي ذلك وقد تقدم بهم الليل وإذا الباب يطرق عليهم. ~~فإذا أدخل الطارئ، وجم الفتى ودهش الرفاق؛ فلم يكن الطارق إلا الأستاذ حفني بك ناصف، ~~قد جمع شعر المستبقين في الجريدة، وسعى به إلى تلميذه في بيته ذاك في الطبقة السادسة من ~~تلك الدار التي كان يسكنها، وقال له في رفق عذب: «أتيت لأخلو إليك ساعة نفرغ فيها من ~~قضية هؤلاء المستبقين.» # وكان من بين الأساتذة المصريين الشيخ محمد الخضري رحمه الله؛ كان يدرس التاريخ ~~الإسلامي، وقد سحر الفتى بعذوبة صوته وحسن إلقائه وصفاء لهجته، وأحب دروسه في السيرة، ~~وفي تاريخ الخلفاء الراشدين وفتوحهم، وفي تاريخ الفتن ودولة بني أمية والصدر الأول من ~~دولة العباسيين. وكان يظن أن ليس فوق علم الأستاذ علم، ولكنه لم يكد يسمع دروس ~~التاريخ في أوروبا حتى عرف أن الأستاذ رحمه الله كان ينقل دروسه نقلا من كتب القدماء ~~في غير نقد ولا تعمق، وفي أيسر ما كان يمكن من فقه التاريخ. # وكان من الأساتذة المصريين أستاذان أحبهما الفتى أشد الحب، وعبث بهما أشد العبث، ~~واستغل سذاجتهما ووداعتهما أشنع الاستغلال. كان أحدهما الشيخ محمد المهدي رحمه الله، ~~أقبل يدرس الأدب العربي بعد حفني ناصف، فكان الفرق بين الأستاذين خطيرا بعيد المدى؛ ~~كان أحدهما عميق العلم، وكان الآخر أبعد ما يكون عن العمق، كان أحدهما سمحا لا يتكلف ~~ولا يتصنع، وكان الآخر متكلفا متفاصحا لا يتكلم إلا العربية الفصحى مغربا ~~فيها يملأ بها ms207 فمه، وربما أضحك منها طلابه. وكان يقدم السيجارة إلى الفتى، فإذا هم ~~الفتى أن يشعلها قال له: «انتظر يا بني حتى ألفها لك!» ولم يكد الطلاب يسمعون هذه ~~الكلمة حتى يغرقوا في ضحك لا يستخفون به، وكان الأستاذ يضحك معهم ويغرق في ~~الضحك! # وكان الفتى جريئا عليه يجادله في الدرس فيرهقه من أمره عسرا، وربما أضحك منه ~~الطلاب؛ لأنه كان لا يحقق ما يروي من الشعر، ولأن الفتى كان يرده إلى الصواب، فيظهر ~~عليه الاضطراب. وقد حاول أن يصده عن هذا الجدال، ويصرف أترابه عن هذه الجراءة، فدعاهم ~~ذات يوم إلى الغداء في داره، وقدم إليهم من طيبات الطعام ما لم يكن لأكثرهم به عهد، ~~وظن أنه قد ردهم إلى شيء من الحياء. ولكنه لم يلبث أن تبين أنه لم يزد على أن ~~أطمعهم في نفسه، ورغبهم في طعامه، وزادهم عليه اجتراء. وكانت سيرة الفتى مع هذا ~~الأستاذ الكريم مسرفة على الفتى وعلى الأستاذ جميعا حتى أوشكت أن تترك في حياة الفتى ~~آثارا منكرة. # وضع الفتى رسالته التي تقدم بها للدكتوراه، ونقد فيها أستاذه مصرحا باسمه، وكان ~~الأستاذ من الممتحنين، فضاق بهذا النقد، وأبى في أثناء المداولة أن يمنح الفتى درجة ~~الامتياز، ولم يكن سبيل إلى هذه الدرجة إلا إذا أجمع عليها الممتحنون؛ فاضطرت اللجنة ~~إلى أن تنزل بالفتى من درجة فائق إلى جيد جدا. # وسافر الفتى إلى أوروبا فأقام بها عاما، ثم عاد منها في خطوب سيأتي حديثها. # وفي أثناء إقامته في مصر ذهب إلى الجامعة واستمع لدرس الأستاذ الشيخ مهدي، ثم خرج ~~فكتب عن هذا الدرس مقالا في مجلة «السفور»، نقد الأستاذ فيه نقدا مرا ممضا. ~~وأسرع الأستاذ فكتب إلى مجلس الجامعة شاكيا من هذا التلميذ المتمرد، طالبا إلغاء ~~بعثته عقابا له على هذا التمرد، وكان أن أمر المجلس بالتحقيق مع الفتى، وكلف ثروت ~~باشا وعلوي باشا رحمهما الله والأستاذ أحمد لطفي السيد، سؤال الفتى عن هذا المقال، فلم ~~ينكر من مقاله شيئا، ولم ير لأحد الحق في ms208 أن يعاقبه على نقد حر بريء، لم يرد به ~~إلا الخير، ولم ير لأحد حقا في أن يسأله في هذا النقد. وتضاحك المحققون، وكلف مجلس ~~الجامعة الأستاذ أحمد لطفي السيد أن يصلح بين الأستاذ الغاضب والتلميذ المتمرد، فحضر ~~الأستاذ لطفي السيد ذات مساء درس الشيخ، ثم دعاه ودعا التلميذ إلى العشاء، وفي العشاء ~~كان الصلح، وعاد الفتى بعد ذلك إلى أوروبا موفورا. # وكان الأستاذ الآخر الذي ملأ الجامعة فكاهة ودعابة، وملأ الطلاب عبثا به واجتراء ~~عليه، وملأ بطون الطلاب من طعامه، وهو الشيخ طنطاوي جوهري رحمه الله. # كان يدرس الفلسفة الإسلامية بعد الأستاذ محمد سلطان وبعد الأستاذ سنتلانا خاصة. وكان ~~يتكلم كثيرا ولا يقول شيئا، وكانت كلمات الجمال والجلال والبهاء والكمال والروعة ~~والإشراق أكثر الكلمات جريانا على لسانه منذ يبدأ الدرس إلى أن يتمه. وكان لا ينطق ~~بكلمة منها إلا مد ألفها فأسرف في المد، وربما أخذه شيء من ذهول وهو يمد هذه الألف ~~فيغرق الطلاب في ضحك يخافت به بعضهم ويجهر به بعضهم الآخر؛ ويفيق الأستاذ من ذهوله على ~~هذا الضحك، فيلوم الطلاب لا على أنهم يضحكون، بل على أنهم لا يشاركونه في الإعجاب بجمال ~~الطبيعة وجلال الكون وبهاء القمر حين يرسل ضوءه المشرق على صفحة النيل، ويمد ياء ~~النيل فيسرف في مدها ويأخذه ذهول يرد الطلاب إلى ضحك متصل. # وفي ذات يوم ختم الأستاذ دروس العام، وقرر الطلبة قبل الدرس أن يكون الفتى لسانهم في ~~شكر الأستاذ على دروسه القيمة، واشترطوا عليه أن يشكر الأستاذ بكلام غير مفهوم، ~~واشترط عليه الأستاذ إبراهيم مصطفى ألا تخلو جملة من حديث الشكر هذا الذي يجب أن يكون ~~طويلا من إحدى هذه الكلمات الست: الجمال والجلال والبهاء والكمال والروعة ~~والإشراق. # وقبل الفتى هذه الشروط كلها، فخطب وأجاد، ولكنه لم يقل شيئا، ورضي الأستاذ كل ~~الرضا، وقال للفتى: لا يكافئ هذه الخطبة الرائعة إلا ديك رومي، ولكنك لن تأكله وحدك، ~~وإنما يشاركك فيه زملاؤك جميعا، فإذا كان يوم الجمعة فأنتم تعرفون أين أقيم! ms209 # ولم يكن الأساتذة المصريون وحدهم هم الذين يملأون الجامعة فكاهة ودعابة، ويتعرضون ~~لعبث الطلاب وجراءتهم الماجنة، وإنما كان الأساتذة الأجانب مصدرا من مصادر الفكاهة ~~وموضوعا من موضوعات العبث. كانت لهجتهم العربية تملأ أفواه الطلاب بالضحك، وكان منهم ~~الذين يلوون ألسنتهم بالعربية يقلدون هذا الأستاذ أو ذاك من أساتذتهم الإيطاليين أو ~~الألمانيين. ولم ينس الفتى يوما قرر فيه الطلاب أن يضربوا عن درس الأستاذ نالينو ~~الإيطالي؛ لأن إيطاليا أعلنت الحرب على تركيا، وأرسلت سفنها غازية لطرابلس، فأزمع ~~الطلاب أن يجتمعوا في غرفة الدرس، حتى إذا أقبل الأستاذ وارتقى إلى مجلسه خرجوا من ~~الغرفة وتركوه فيها وحيدا. وقد أتم الطلبة ما قرروا، فتركوا الأستاذ وحيدا في غرفة ~~الدرس، ووقفوا أمام الغرفة ينتظرون ما يكون من أمره؛ ولبث الأستاذ في الغرفة دقائق ثم ~~خرج، فأقبل على تلاميذه وقال لهم في لهجة عربية صحيحة فصيحة يلتوي بها لسانه بعض الشيء: ~~مثلكم مثل الرجل الذي أراد أن يغيظ امرأته فخصى ~~نفسه! # وكان السهم صائبا، وكان أثره لاذعا ممضا، ومنذ ذلك اليوم لم يفكر طلاب الجامعة في ~~الإضراب، ومنذ ذلك اليوم استقر في نفس الفتى بغض شديد لإضراب الطلاب عن الدروس مهما ~~تكن الظروف. # وكانت دروس الآداب الإنجليزية والفرنسية تلقى في الجماعة ويشهدها الذين يحسنون هاتين ~~اللغتين من الطلاب، ويتجنبها الفتى لأنه لم يكن يعرف لغة أجنبية. ولكن الجامعة نظمت ~~ذات يوم، وفرضت فيها الامتحانات، وفرض فيها العلم بلغة أجنبية من هاتين اللغتين. ~~وأقبل الفتى ذات يوم مع زميله المرصفي - وللمرصفي حديث طويل سيأتي في إبانه - فاتفقا ~~على أن يسمعا درس الأدب الفرنسي، ليعرفا كيف تكون هذه اللغة، فدخلا غرفة الدرس ولبثا ~~فيها ساعة كاملة لم يفهما فيها حرفا مما سمعا، ولم يميزا منه إلا لفظا واحدا هو ~~لافونتين الذي كان يتردد كثيرا جدا على لسان الأستاذ. # ثم انصرفا بعد ذلك ولم يحفظا من أمر هذه الساعة إلا أنهما سمياها سجن لافونتين. وقد ~~كان لهذه الساعة مع ذلك في حياتهما أثر أي أثر؛ فأما المرصفي فعدل ms210 عن الجامعة، وأعرض ~~عنها وعن دروسها وامتحاناتها، واتخذها مكانا يلقى فيه الصديق، ويتفكه فيه بالعبث من ~~بعض الأساتذة. # وأما الفتى فأزمع أن يتعلم الفرنسية حتى لا يعود إلى سجن لافونتين، وكانت له في تعلم ~~هذه اللغة خطوب أي خطوب. # | الفصل السابع # كيف تعلمت الفرنسية! # كان أول عهد الفتى بدرس اللغة الفرنسية أن حدثه بعض صديقه من الأزهريين بأن مدرسة ~~مسائية أنشئت في مكان قريب من الأزهر، تدرس فيها هذه اللغة لمن يريد أن يتعلمها من ~~المجاورين. # وكان للشيخ عبد العزيز جاويش رحمه الله يد في إنشاء هذه المدرسة لم يحققها الفتى ~~تحقيقا واضحا، ولكنه ذهب إلى المدرسة فيمن ذهب إليها من الطلاب، وسمع الدرس الأول من ~~دروسها، ألقاه كهل مصري كان يحسن أن يلوي لسانه في النطق بالحروف، وكان الفتى يبهره ~~هذا النطق، ولكنه لم يفهم من هذا الدرس شيئا، فقد كان الأستاذ يرسم الحروف على اللوحة ~~وينطق بها، ويأخذ الطلاب بأن ينطقوا بهذه الحروف كما سمعوها منه، وبأن ينظروا إليها ~~مرسومة، وينقلوها فيما أمامهم من الأوراق، وظل الفتى واجما لا يرى الحروف ولا يرسمها، ~~ولم يسأله الأستاذ أن ينطق بها، وإنما كان يسأل من عن يمينه ومن عن شماله، ويمر به ~~هو بدون أن يلوي عليه. # وضاق الفتى بذلك أشد الضيق، ولكنه لم يستطع أن يقول شيئا، ثم تفرق الطلاب وهم ~~الفتى أن ينصرف، ولكن يدا توضع على كتفه وصوتا يطلب منه الانتظار، وإذا هو الأستاذ ~~قد استوقف الفتى، حتى إذا خلا إليه قال له: ليس لك أرب في حضور هذه الدروس، ولكني ~~أرى فيك حرصا على تعلم هذه اللغة وأحب أن أعينك على ما تريد، فالقني إن شئت في ~~قهوة كوبري قصر النيل نتحدث في هذا الموضوع. # وضرب له موعدا لهذا اللقاء، ولم يكادا يلتقيان حتى تعارفا، وإذا بينهما صلة قديمة، ~~فقد كان أبو هذا الأستاذ قاضيا شرعيا في المدينة التي نشأ فيها الفتى، وعليه قرأ ~~الفتى ألفية ابن مالك، كان يختلف إليه في المحكمة ضحى كل يوم، ms211 ويقرأ عليه بابا من ~~أبواب الألفية، وقد اتصلت المودة بين الأستاذ الكهل وتلميذه الفتى. ولكن دروس هذا ~~الأستاذ لم تغن عن التلميذ شيئا، فقد كان يحب كتابا وشعراء من الفرنسيين، فإذا ~~خلا إلى الفتى قرأ عليه من آثار هؤلاء الكتاب والشعراء وترجم له بعض ما يقرأ، فيزيد شوق ~~الفتى إلى العلم بلغة هؤلاء الكتاب والشعراء لروعة ما كان ينقل إليه من آثارهم، وقد ~~سمع الفتى من أستاذه أسماء كانت تسحره وتبهره وتملك عليه أمره كله، سمع اسم لامارتين ~~وألفريد دي موسيه وألفريد دي فيني وشاتوبريان؛ فكان موقع هذه الأسماء غريبا، وكان ما ~~ينقل إليه من كلامهم أشد غرابة من أسمائهم يبعد الفتى عن الأدب العربي وعن الشعر ~~القديم خاصة، ويدفعه إلى عالم آخر مجهول لا يحقق الفتى منه شيئا، ولكنه يهيم بالاضطراب ~~فيه كل الهيام، وقد اضطر آخر الأمر إلى أن يبحث عن معلم يلقنه أوليات هذه اللغة ~~تلقينا منظما منتجا، وما زال يبحث عنه حتى دل عليه. # فأقبل على دروسه كل يوم من الساعة الثانية إلى منتصف الخامسة، واستبقى مع ذلك مودة ~~أستاذه ذاك، فكان يلقى أستاذه النظامي كل يوم في موعده المحدد، فيتعلم منه الأوليات، ~~ويلقى أستاذه الآخر مرتين في الأسبوع إذا أقبل الليل ليسمع منه نثرا وشعرا ينقل إليه ~~بعض معانيهما. # وكان الأستاذ النظامي رجلا غريب الأطوار حقا، كان شيخا قد نيف على السبعين ~~وقد حطمته السنون، وكان ألبانيا، وكان قذرا تنبو عنه العيون، وكان معدما لا يجد ما ~~يقوته، وكان يصيب غداءه مع الفتى كل يوم ثم لا يأخذ منه أجرا لدروسه. وكان سريع التعب ~~لا يكاد يتحدث إلى الفتى دقائق حتى يدركه الإعياء فيغفى لحظة ثم يفيق ليأخذ فيما كان ~~فيه، ثم يعود إلى الإغفاء، ثم يعود بعد ذلك إلى الإفاقة. # وكذلك كان الفتى يختطف دروسه اختطافا بين يقظة الأستاذ ونومه، وربما أحس الأستاذ شدة ~~الحر إذا أقبل الصيف وأراد أن يتبرد، فوقف الدرس، وذهب إلى الحمام، فصب على نفسه من ماء ~~الدش ما شاء ms212 الله أن يصب، ثم عاد إلى تلميذه وقد أحدث شيئا من نشاط، ولكنه لا يكاد ~~يمضي في درسه حتى تأخذه سنته تلك، فيضطر التلميذ إلى الانتظار به حتى يفيق. # على أن هذا الأستاذ لم يلبث أن ضاق به أخو الفتى أشد الضيق؛ كان يأتى إذا دنت ~~الساعة الثانية وينصرف إذا انتصفت الساعة الخامسة، ويترك في البيت من قذارته آثارا ~~غلاظا، بعضها حي يؤذي، وبعضها ميت يمض، حتى شكا الخادم وضاق أخو الفتى بما كان ~~يرى، وبما كان يسمع، وصرف الأستاذ صرفا رقيقا. # والتمس صاحبنا لنفسه أستاذا آخر، وجعل ينتقل بين معلم ومعلم، ويجد في هذا التنقل ~~مشقة أي مشقة، ومتاعا أي متاع. تأتى المشقة من أجر الدروس الذي لم يكن له بد من أن ~~يؤديه إلى معلميه، ويأتى المتاع من اختلاف هؤلاء المعلمين، وتباين أطوارهم وخصائصهم حين ~~كانوا يتحدثون إليه، ويلقون علمهم عليه، حتى لقي الفتى ذات يوم في الجامعة فتى كان ~~قد ظفر بالشهادة الثانوية وتعلم في مدرسة الفرير، فكان متقنا للفرنسية. ولم يكد يتحدث ~~إليه حتى ذكر صباه كله، فقد كان هذا الفتى ابن ملاحظ الطريق الزراعية في مدينته، وكان ~~يختلف مع أخته إلى الكتاب الذي حفظ الفتى فيه القرآن. فقد لقي الفتى إذن رفيق صباه، ~~ويسر له تعلم اللغة الفرنسية في غير مشقة ولا عناء، وأي شيء أيسر من أن يتعلم ~~الفرنسية لا يدفع على تعلمها أجرا وإنما يعلم رفيقه بعض قواعد النحو والصرف! # وبفضل هذا الرفيق محمود سليمان رحمه الله خطا الفتى في درس الفرنسية خطوات بعيدة، ~~علمه رفيقه كما تعلم هو في المدرسة. قرأ معه الكتب الأولى، وما زال يتدرج به من ~~كتاب إلى كتاب حتى رأى نفسه ذات يوم يقرأ مع رفيقه قصة كانديد لفولتير، يتعثر في فهمها ~~تعثرا شديدا متصلا، ولكنه يفهم منها شيئا، ورأى الفتى نفسه يختلف إلى دروس الأدب ~~الفرنسي فتفوته أشياء ويصيب أشياء، والأستاذ يعطف عليه ويرفق به، ورفيقه يعينه على فهم ~~ما يفوته؛ وإذا هو يتقدم في الدرس تقدما ms213 حسنا، ويشعر أن أمر اللغة الفرنسية قد أصبح ~~يسيرا، فليس له بد من أن يحسنها، وهو قادر على أن يحسنها إن مضت أموره على ما ~~يحب. # ومنذ ذلك الوقت أصبحت الجامعة بالقياس إليه وسيلة بعد أن كانت غاية، فقد ألقى الشيخ ~~عبد العزيز جاويش في روعه فكرة السفر إلى أوروبا، وإلى فرنسا خاصة، فما له لا يفكر في ~~هذا السفر؟ وما يمنعه أن يبتغي إليه الوسيلة؟ والغريب أن هذه الفكرة مازجت نفسه، وأصبحت ~~جزءا من حياته، وجعل ينظر إليها لا على أنها حلم يداعبه نائما أو يقظان، بل على أنها ~~حقيقة يجب أن تكون. وأغرب من هذا أن الفتى جعل يتحدث بسفره إلى أوروبا كما يتحدث ~~الإنسان عن أمر قد صحت عزيمته عليه، وقد تهيأت له أسبابه. وكان يتحدث إلى إخوته وإلى ~~أخواته إذا أقبل الصيف بسفره إلى أوروبا قريبا، وكان يغيظ أخواته بأنه سيقيم في أوروبا ~~أعواما، ثم يعود منها وقد اختار لنفسه زوجا فرنسية متعلمة مثقفة تحيا حياة راقية ~~ممتازة، ليست جاهلة مثلهن، ولا غافلة مثلهن، ولا غارقة في الحياة الخشنة الغليظة مثلهن، ~~وكان أخواته يتضاحكن حين يسمعن منه هذا الحديث وربما أضحكن به أم الفتى وأباه. # وكان الفتى يقول لهن: «اضحكن اليوم فسترين غدا!» # وفي ذات يوم قرأ صاحبنا في الصحف إعلانا من الجامعة تطلب فيه إلى الشباب أن يستبقوا ~~إلى بعثتين من بعثاتها في فرنسا، إحداهما لدرس التاريخ، والأخرى لدرس الجغرافيا، ولم ~~يكد يفرغ من قراءة هذا الإعلان حتى استقر في نفسه أنه صاحب إحدى هاتين البعثتين، وأنه ~~سيعبر البحر إلى باريس لدرس التاريخ في السوربون، وإذا هو يكتب إلى رئيس الجامعة الأمير ~~أحمد فؤاد هذا الكتاب: # دولتلو أفندم رئيس الجامعة المصرية # أرفع إلى دولتكم وإلى مجلس إدارة الجامعة، أني قرأت في الصحف إعلان الجامعة، ~~أنها سترسل طالبين إلى أوروبا لدرس التاريخ وتقويم البلدان، وأنا شديد الحرص ~~على أن أكون أحد هذين الطالبين، وعلى أن توجهني الجامعة إلى فرنسا لدرس ~~التاريخ، واعتقادي أن الجامعة إنما تجعل ms214 مقياسها في اختيار الطلبة الكفاءة ~~الحقيقية، وعلى ذلك أتشرف بأن أؤكد لدولتكم ولمجلس الإدارة أن الجامعة قد ~~جعلتني - فيما أعتقد - كفئا لخدمتها بما علمتني من علم نافع، وما أدبتني به ~~من أدب مفيد. # وأنا على يقين أن الجامعة ستستفيد مني كثيرا إن قبلتني خادما لها، وهي لن ~~تجني مني إلا ثمر غرسها الطيب في مصر وفي أوروبا. # نعم، إن الشروط التي تشترطها الجامعة في طلبة الإرساليات ينقصني بعضها، فإني ~~لم أحصل على الشهادة الثانوية، كما أنني مكفوف البصر. ولكني أعتقد أن نقصان ~~هذين الشرطين لا يضرني شيئا، فأما الشرط الأول: فلا يضرني نقصانه؛ لأن ما ~~سمعته في الجامعة من العلم، وما أديته فيها من الامتحان، وما أحرزته من ~~الدرجات العظمى في جميع العلوم التي امتحنت فيها، وهي علوم الجامعة كلها إلا ~~الآداب الأجنبية، وما تشرفت به في إثر ذلك من رضا مجلس الإدارة عني، وثناء ~~الأساتذة غائبهم وحاضرهم على كل ذلك، يقوم مقام الشهادة الثانوية، ويزيد عليها ~~من غير شك ولا ريب، ولا سيما أني شارع في تعلم الفرنسية حتى إني لأفهم بها ~~غير قليل، وقد أتممت منها مقدارا يمكنني من دخول الجامعة في فرنسا بعد أشهر ~~أقضيها هناك. ويضاف إلى ذلك أني أتممت في الجامعة درس تاريخ الشرق القديم، ونلت ~~فيه الدرجة العظمى، ودرس تاريخ الإسلام، ونلت فيه أعظم درجة نالها طالب في ~~الجامعة، ليس بيني وبين النهاية إلا درجة واحدة. وأتممت درس اللغات القديمة ~~السامية، ونلت فيها الدرجة العظمى أيضا، وتلك مزية لم تجتمع لأحد من الطلبة ~~المصريين في مصر، ولست أريد أن أتمدح بهذا، وإنما أريد أن أتحدث بفضل الجامعة ~~علي، وأن هذا الفضل يجعلني أكثر الناس كفاءة لدرس التاريخ وخدمة الجامعة ~~فيه. # أما الشرط الثاني: وهو فقدان البصر فليس يمنعني أن أسمع دروس الأساتذة ولا أن ~~أؤديها، أي ليس يمنعني أن أكون طالبا وأستاذا، وإذا كان قضاء الله قد قضى ~~علي هذه البلية فقد عوضنى منها خيرا، وأنا أجل المجلس عن أن يتخذ بلية ~~كهذه عقبة ms215 تحول بيني وبين ما أريد من الخير لنفسي وللجامعة. # حقا إن الجامعة إذا قبلت هذا الطلب فستضطر إلى أن تزيد في نفقتي ما يمكنني ~~من الاستعانة بمن يكون معي في فرنسا، ولعمري لئن فعلت ذلك، فليس بضائر لها، بل ~~هو يدل على كرم نفس وعلى تضحية في معونة من يحتاج إلى الإعانة والتعضيد. على ~~أني مستعد لأن تسترد الجامعة مني بعد عودتي من أوروبا ما أنفقته علي زيادة ~~على النفقات العادية تأخذه من مرتبي أقساطا، وما أظن الجامعة تكره أن تتفضل ~~علي بهذا القرض الجميل. # لذلك كله أرفع إلى دولتكم وإلى مجلس الإدارة هذا الطلب راجيا أن تتفضلوا ~~بقبوله، ولكم الشكر الجميل والثناء المحمود. # طه حسين # طالب بالجامعة المصرية # وعرض هذا الكتاب على مجلس الجامعة فلم يلق منه إلا الرفض؛ لأن صاحبه لا يحمل ~~الشهادة الثانوية، بحكم آفته التي امتحن بها ، ولأن إرساله إلى أوروبا سيكلف الجامعة ~~نفقات إضافية تعين الفتى على أن يكون له رفيق يعينه على الاختلاف إلى الجامعة وقراءة ~~ما يحتاج إلى قراءته من الكتب، ولكن هذا الرفض لم يفل عزم الفتى ولم يثبط همته، وإذا ~~هو يكتب إلى رئيس الجامعة هذا الكتاب الجديد: # دولتلو أفندم رئيس الجامعة المصرية # أرفع إلى دولتكم وإلى مجلس الإدارة أني كنت قد طلبت إلى الجامعة الإذن لي في ~~أن أكون من إرساليتها في أوروبا، ورفض المجلس هذا الطلب في جلسته الأخيرة لأنه ~~يخالف قانون الإرسالية، وإني لأعلم حق العلم قبل أن أرفع طلبي ذلك إلى دولتكم ~~وإلى المجلس أنه يخالف القانون، ولكني طلبت الاستثناء ورغبت فيه لما بينت في ~~ذلك الطلب من رغبتي في العلم وحرصي على خدمة الجامعة، ولما اكتسبت بفضل الجامعة ~~علي من المزايا التي تؤهلني لبلوغ هذه المنزلة؛ ولست أنكر على المجلس رفضه ~~لهذا الطلب فإنه لم ينفذ إلا القانون، وما كان تنفيذ القانون بالأمر الذي ~~ينكر أو يعاب، غير أني أعيد هذا الطلب إلى المجلس راغبا في أن يعيد النظر ~~فيه، فإنه لم يرفض ذلك الطلب بالماضي ms216 إلا لأمرين مجتمعين أو كل منهما على حدة: # الأول: # أني لا أحمل الشهادة الثانوية لأني مكفوف البصر، ولكن ~~المجلس أجل عندي من أن يحسب لهذا الأمر حسابا، فإنه لا ~~يمنعني أن أكون طالبا وأستاذا، بدليل أن المجلس نفسه يقبلني ~~طالبا منتسبا في الجامعة؛ أسمع دروسها، وأجوز امتحاناتها، ~~وأنال شهادتها، وإذا كانت الطبيعة قد حالت بيني وبين كثير من ~~نعيم الحياة، فما ينبغي أن تكون الجامعة عونا للطبيعة على ~~حرماني لذة الانتفاع بالعلم والنفع به، مع أنها تعلم أني على ~~ذلك أقدر ما أكون. # الثاني: # احتياج الجامعة إذا أرسلتني إلى أن تنفق علي أكثر من ~~نفقتها العادية على طلابها في أوروبا، وأنا أعترف بأن للجامعة ~~الحق في تقدير هذا المانع المالي ومراعاته، وأن لها ألا ~~تشتري خدمتي بهذا الثمن الغالي؛ لأني لا أستحقه، ولأنها لا ~~تجده. # ولذلك أتشرف بأن أرفع إلى المجلس من جديد أني لا أطلب من النفقات إلا ~~المقدار الذي يطلبه غيري من الطلاب، وعلي أن أقوم بما أحتاج إليه مما يزيد ~~على هذا المقدار، فلعل ذلك كله يشرفني بقبول المجلس طلبي هذا مقدرا حرصي على ~~طلب العلم في غير مصر مع ما أحتمله في سبيل ذلك من الآلام والعناء، فإن هذا ~~أدعى إلى قبول الطلب وتقريره مع الشكر الجميل والثناء الجزيل. # 5 مارس سنة 1913 # طه حسين # وكأن المجلس قد ضاق بهذا الكتاب الجديد، فرفضه كما رفض الكتاب الأول، وسبب الرفض ~~بأن الفتى لا يعرف اللغة الفرنسية حق معرفتها. # وأراد المجلس أن يهون هذا الرفض على الفتى، فصاغه في صيغة التأجيل حتى يحسن هذه ~~اللغة مطمئنا إلى أنه لن يجد إلى إحسانها سبيلا، تحول بينه وبين ذلك آفته تلك، ~~ويعينها على ذلك فقر الفتى وإصفار يده من المال، فلم يزدد الفتى إلا عزيمة وتصميما، ~~وكتب إلى رئيس الجامعة بعد شهور هذا الكتاب الثالث: # صاحب السعادة رئيس الجامعة المصرية # أعود الآن فأرفع إلى سعادتكم وإلى مجلس إدارة الجامعة رغبتي في السفر إلى ~~أوروبا لدرس العلوم الفلسفية أو التاريخية موفدا ms217 من قبل الجامعة، بعد أن ~~رفضت هذا الطلب في السنة الماضية؛ فقرر مجلس الإدارة تأجيل سفري إلى هذه السنة ~~ريثما أقوى في اللغة الفرنسية، وإذا كنت قد وصلت من هذه اللغة إلى مقدار لا ~~بأس به، وسأتقدم في هذه السنة لامتحان شهادة العالمية في قسم الآداب، فأنا ~~أرجو أن يتفضل مجلس الإدارة فيوفي لي وعده الكريم مع الشكر والثناء. # 19 يناير سنة 1914 # طه حسين # واضطر مجلس الجامعة إلى نوع من التحدي؛ فقرر النظر في إيفاد الفتى إلى أوروبا إذا ~~ظفر بشهادة العالمية (الدكتوراه). # ولم يكن أحب إليه من هذا التحدي، فأقبل على العناية بالدرس وإعداد الرسالة ~~للامتحان، وتقدم لهذا الامتحان وظفر بإجازة الدكتوراه، ولهذا كله حديث ~~يطول. # | الفصل الثامن # ثلاث تجارب # واتصلت أسباب الفتى بثلاثة من الصديق غير صاحبيه: الزناتي والزيات، كان لكل واحد منهم ~~أثر أي أثر في حياته الجامعية، وكان لاثنين منهم أثر بعيد عميق في حياته بعد أن جاوز ~~طور الطلب وأصبح أستاذا ومؤلفا، عرف أحد هؤلاء الثلاثة في الجامعة، كان يختلف مثله ~~إلى دروسها، ولم يكن أزهري النشأة، وإنما كان من فئة المطربشين، كان متوقد الذهن، نافذ ~~الذكاء، قوي الذاكرة، محبا للدرس. وكان إلى ذلك حلو الروح، رقيق الصوت، ساحر ~~الحديث، وقد ألفه الفتى في دروس اللغات السامية، وبفضله استطاع أن يفرغ لهذه الدروس، ~~ويحسن العناية بها، ويحفظ كثيرا من النصوص السريانية عن ظهر قلب. كان رفاقه الأزهريون ~~ينفرون من هذه الدراسات ويكرهون أن يثقلوا على أنفسهم بها. وكان ذلك الصديق لها محبا ~~وبها كلفا، فكان يلقى الفتى في دروس الأستاذ ليتمان فيكتب عن الأستاذ كل ما كان يقول، ~~وكان يخلو إلى صديقه بعد ذلك فيعيد معه الدرس والاستظهار. # ولم ينس الفتى يوما احتفل ~~فيه طلاب الجامعة بوداع أستاذهم ليتمان في آخر العام بفندق من فنادق مصر الجديدة، وشهد ~~هذا الاحتفال أساتذة الجامعة من المصريين والمستشرقين؛ وخطب الطلاب مثنين على أساتذتهم، ~~فأكثروا، ثم قام هذا الصديق فأثنى على الأساتذة المستشرقين، وعلى الأستاذ ليتمان خاصة، ~~ولكنه ms218 لم يخطب باللغة العربية ولا بلغة أوروبية، وإنما ألقى كلمته باللغة السريانية، ~~وتصور رضا الأساتذة الأجانب عنه وإعجابهم به واغتباط الأستاذ ليتمان بما أتيح له من ~~نجح، وبأن تلميذا من تلاميذه المصريين قد استطاع أن يخطب بهذه اللغة القديمة التي لا ~~تجري بها الألسنة إلا في بعض الكنائس وفي قاعات الجامعات بين الأساتذة والطلاب. # وقد رأى الفتى أستاذه ليتمان بعد ذلك مرات كثيرة في مواطن مختلفة، فلم يحس عنده مثل ~~هذه السعادة إلا في موطنين اثنين: أحدهما؛ في ليدن بهولندا عندما سمع تلميذه الفتى يلقي ~~بحثه في مؤتمر المستشرقين، فلم يملك دموعه التي أخذت تفيض على وجهه بين الزملاء، ~~والآخر: في كلية الآداب بجامعة القاهرة عندما شارك تلميذه في امتحان السيدة سهير ~~القلماوي لدرجة الماجستير، وأعلن مفاخرا بعد فوزها بالدرجة أنه مغتبط سعيد؛ لأنه يشارك ~~في تخريج هذه الفتاة التي يعدها حفيدته، لأنها ابنة تلميذه ذاك الفتى، وما أكثر ما تحدث ~~بعد ذلك بأنه جد في علم له ابن وله حفدة. # أما الصديق الثاني: فقد كان أزهريا مبغضا لدروس الأزهر، شديد النفور منها، قليل ~~الإلمام بمجالس الشيوخ، غير حفي بالجامعة ولا مكترث لها ولا مختلف إليها، ولم يعرفه ~~الفتى في الأزهر ولا في الجامعة، وإنما عرفه في قهوة الكلوب المصري قريبا من سيدنا ~~الحسين، وكان غريب الأطوار، يضحك من نفسه، وربما أغرى الناس بالضحك منه. # كان من أهل القرن الثالث أو الرابع، وكان يعيش في القرن الرابع عشر للهجرة، كان قليل ~~الاحتفال بزيه وشكله وبزته، يهمل هذا كله إهمالا ظاهرا، ربما تكلفه ممعنا في ~~مخالفة الناس، وكان معنيا باللغة يجد في إتقانها ويتتبع غريبها، فيحفظه ويحصي ~~نوادره، وكان مع ذلك شغوفا بالحياة الحديثة يأخذ منها طيباتها حين تتاح له، ويكره أن ~~يتعمقها أو يعرف دقائقها، وحاول أن يتعلم الفرنسية فلم يحسن منها إلا تحية الصباح ~~وتحية المساء وجملا قصارا، يلقيها بعض الناس إلى بعض حين يلتقون، ثم ضاق بها فأعرض ~~عنها، واكتفى من الحياة الحديثة بما كان يصيب من طيباتها ms219 بين حين وحين. # وكان قد أقبل من أقصي الصعيد، واحتفظ بلهجته تلك فلم يكد يغير منها شيئا، وكان ~~ربما أضفى هذه اللهجة على تلك الجمل الفرنسية التى كان يلقيها فيضحك منها ويضحك ~~الناس. # وبفضل هذا الصديق استطاع الفتى أن يقرأ آثار أبي العلاء عندما حاول أن يضع رسالته ~~لنيل درجة الدكتوراه من الجامعة. كان يغدو عليه في داره بدرب الجماميز إذا كان الضحى، ~~فلا يفارقه إلا إذا أقبل الليل، وكان يقرأ له اللزوميات وسقط الزند وما شاء مما ~~حفظ عن أبي العلاء، كان يقرؤه متغنيا به غناء عذبا. وكان الفتى يسمع منه ويحفظ ~~عنه، ويطرب لإنشاده وغنائه، وما زال كلما قرئ عليه شعر أبي العلاء لم يسمع صوت قارئه، ~~وإنما يسمع صوت صديقه ذاك مترنما بهذا الشعر في صوته ذاك العذب الذي كان يضطرب بين ~~الخشونة واللين. # ولم يذكر الفتى كم مرة قرأ شعر أبي العلاء ونثره مع صديقه ذاك، ولكنه عرف أنه قرأه ~~مرات كثيرة وتأثر به أعمق التأثر، وآمن به أشد الإيمان، واستيقن أن حياة أبي العلاء تلك ~~هي الحياة التي يجب عليه أن يحياها ما استطاع إلى ذلك سبيلا. # ورأى الفتى نفسه ذات يوم مستعدا لإملاء رسالته، فتجرد صديقه ذاك للكتابة، وجعل ~~الفتى يملي، والصديق يكتب، فإذا احتاج إلى الاستشهاد بشعر أبي العلاء أو نثره أو بما ~~شاء الله أن يستشهد به من كلام القدماء، بحث الصديق له عن هذه النصوص وأثبتها في ~~مواضعها من الرسالة، وفي أشهر قليلة تم الإملاء وتمت الكتابة. وقرأ الصديق على صاحبه ~~رسالته متغنيا بنثرها وشعرها، كما كان يتغنى بنثر أبي العلاء وشعره، واطمأن الفتى إلى ~~رسالته، وأزمع أن يقدمها إلى الجامعة، ولكن كيف السبيل إلى تقديمها وليس عنده منها إلا ~~هذه النسخة التي كتبها الصديق، وعليه أن يقدم منها نسخا خمسا؟ # وهنا يظهر الصديق الثالث فيحمل عن الفتى ثقل هذا العناء، وكان هذا الصديق الثالث ~~أزهري النشأة أيضا، ولكنه كان من طراز آخر مخالف كل المخالفة لمن عرف الفتى في ~~الأزهر ms220 والجامعة من الرفاق، كان حسن الصورة، وسيم المنظر، رائق الشكل، معنيا بزيه ~~أشد العناية، يتكلف فيه الأناقة وينسق بين ألوانه تنسيقا، وكان شديد عذوبة الصوت، ~~ممعنا في خفة الروح، ظريفا لبقا مترفا إلى حد ما. كان أبوه شيخا كريما ~~ميسرا عليه في الرزق، مبسوط اليد في الإنفاق على ابنه ذاك، ولكنه كان على ذلك ~~معتدلا محافظا على التقاليد. وكان ابنه طموحا إلى مزيد من نعيم الحياة، وما أباح ~~الله من طيباتها، فلم يكفه ما كان أبوه يعطيه من المال، فسعى حتى أصبح مدرسا في ~~كلية الفرير، ليضيف نفقة إلى نفقة، وليحسن العناية بنفسه وزينته، وكان أبوه يرى ذلك ~~فلا يصده عنه، وإنما ينظر إليه مبتسما مشجعا، يرى أن خير ما يصنع الشباب إنما هو ~~الجد والعمل والاعتماد على النفس وكسب المال، ما وجدوا إلى كسبه سبيلا. وكان الفتى ~~ورفاقه ينظرون إلى هذا الصديق في شيء من الإعجاب به والرثاء له؛ يعجبون به لثرائه ~~وظرفه، ويرثون له لأنه لم يكن يحب الدرس، ولم يكن يتعمق لونا من ألوان العلم، وإنما ~~كان يلم بهذا كله إلماما، يختلف إلى دروس الأزهر ليسخر من الشيوخ والطلاب، ويختلف ~~إلى دروس الجامعة ليقى أترابه وليتحدث عن الجامعة بين زملائه من المصريين والفرنسيين في ~~كلية الفرير. وكان يضحك من كل شيء، ومن كل إنسان، ويتندر بكل شيء وبكل إنسان، ويرى ~~الحياة فكاهة حلوة يجب أن يأخذ الإنسان منها خير ما فيها. # كان في السابعة عشرة أو الثامنة عشرة من عمره، وحدثته نفسه بأن ليس له من الزواج ~~بد، فلما كلم أسرته في ذلك سخرت منه وهزئت به، وقال له أبوه في دعة ورضا: ما زال ~~بينك وبين الزواج وقت طويل وعمل ثقيل. # ولكن الفتى صمم على الزواج، وأزمع أن يكره أهله على أن يزوجوه، وكان له ما ~~أراد؛ لأنه اصطنع الجنون إذا دخل داره، فكان عاقلا بين رفاقه في الأزهر والجامعة، وكان ~~مجنونا إذا أغلق الباب من دونه في منزله ذاك عند سيدنا الحسين، كان لا يكاد ms221 يدخل الدار ~~حتى يؤذن أهله بمقدمه رافعا صوته ما استطاع بهذه الكلمة التي كانت تخيفهم كل الخوف: ~~«جنان»، ثم يأخذ في تحطيم ما يستطيع تحطيمه، وفي إفساد نظام الدار حتى يضطر أهله إلى ~~اصطناع شيء من القوة لرده إلى بعض الهدوء، وما زال يعقل بين رفاقه ويجن بين أهله حتى ~~أصبح زوجا، وحتى رزق الولد، قبل أن يبلغ العشرين. # وأقبل ذات يوم على رفاقه متحديا أيهم يستطيع أن يؤرخ له بالشعر مولد الصبية التي ~~ولدت له صباح ذلك اليوم، فلما لم يجد عند رفاقه شيئا أنشدهم شعره الذي ختمه بتاريخ ~~مولد تلك الصبية، ثم دعاهم إلى غداء أعده لهم، فأطمعهم في نفسه منذ ذلك اليوم، وكانوا ~~كلما أرادوا أن يدعوهم إلى غداء أو عشاء تملقوه بالشعر، يجدون قليلا ويعبثون في أكثر ~~الأحيان، ويستجيب لهم هو دائما. # وأقبل ذات يوم لا يملك نفسه من الإغراق في الضحك حتى ظن به أصحابه الجنون، وحدثهم ~~بعد أن أفاق بأن الذين رأوه بين داره وبين الأزهر ظنوا به الجنون أيضا. وكان مصدر ~~إغراقه في الضحك أن اجتمعت له طائفة حسنة من الجنيهات، فاشترى لنفسه خاتما له فص من ~~ألماس نفيس، ورأى أبوه هذا الخاتم، فلما سأله عن ثمنه أنبأه بأنه اشتراه بأربعين ~~جنيها، فقال الشيخ ساخرا: لقد فسد الزمان! ما رأيت قبل اليوم قط فتى يحمل في أصبعه ~~أربعين إردبا من القمح. # وجعل الفتى يتصور هذا المقدار الضخم من القمح وقد كدس بعضه على بعض، وأقبل هو ~~فحمله بأصبع واحدة، وكانت هذه الصورة هي التي أغرته بالضحك، ودفعته إليه حتى عرضته ~~لتهمة الجنون. # لقي هذا الصديق صاحبه الفتى ذات مساء في قهوة الكلوب المصري. وكان الفتى ذاهلا يفكر ~~في رسالته كيف يقدمها إلى الجامعة وليس عنده منها إلا النسخة التي أملاها، وهو لا يعرف ~~كيف يكتب النسخ الأربع الأخرى. فلما عرف صديقه منه ذلك قال له متضاحكا: «هون عليك ... ~~فلن تنقضي أيام حتى تقدم رسالتك إلى الجامعة.» ثم أصبح فاشترى أداة من أدوات الطبع ms222 ~~على البلوظة، واستأجر ناسخا كتب الرسالة بالحبر الذي يلائم تلك الأداة، وأعد من ~~الرسالة نسخا قدمت إلى الجامعة، وأصبح الفتى أول طالب مصري يرشح نفسه في الجامعة ~~المصرية للظفر بدرجة الدكتوراه. # وأقبلت بشائر الصيف، وحدد اليوم الذي تناقش فيه رسالة الفتى. وأقبل الفتية ~~الأزهريون في مساء ذلك اليوم على الجامعة يحيطون بصديقهم مشجعين له، يحيون في نفسه ~~الأمل ويزينون في قلبه المستقبل الذي ينتظره، إلا ذاك الصديق الذي طبع له الرسالة؛ ~~فقد كان يتحدث إليه حديث المنذر المحذر، لا حديث المشجع المؤمل، ينذره بقسوة ~~الممتحنين، ويحذره من أن يكون له في الجامعة يوم كيومه في الأزهر، ويؤكد له أنه ليس ~~مستعدا لأن يقدم له بعد رسوبه في الامتحان الثاني صينية المكارونة تلك التي قدمها ~~إليه بعد رسوبه في الأزهر. # ولكن الفتى لم يرسب في هذه المرة، وإنما ثبت لأساتذته الذين جادلوه وألحوا عليه في ~~الجدال ، وظفر منهم بعد لأي بدرجة الدكتوراه. # وسجلت الجامعة هذا الامتحان ونجاح الفتى فيه بهذا المحضر: # في الساعة الخامسة من مساء يوم الثلاثاء خامس مايو سنة 1914 اجتمعت بدار ~~الجامعة لجنة امتحان العالمية المؤلفة من الأستاذ محمد الخضري رئيسا، ~~والأستاذين محمد المهدي ومحمود فهمي المدرسين بالجامعة، والأستاذين إسماعيل ~~رأفت بك وعلام سلامة المندوبين من نظارة المعارف العمومية أعضاء لامتحان ... ~~الطالب بالجامعة المصرية، وكان اجتماعها بهيئة علنية. # ناقشت الطالب في رسالته التي قدمها في تاريخ أبي العلاء المعري، ثم في ~~العلمين اللذين اختارهما، وهما: الجغرافيا عند العرب، والروح الدينية للخوارج، ~~واستمرت المناقشة ساعتين وسبع دقائق. وبعد نهاية الاختبار اجتمعت للمداولة فيما ~~يستحقه الطالب من الدرجات، فقررت أنه يستحق: ~~(أ) # درجة جيد جدا في الرسالة. ~~(ب) # درجة فائق في الجغرافيا عند العرب. ~~(ج) # درجة فائق في الروح الدينية للخوارج. # وفي منتصف الساعة الثامنة أعلنت هذه النتيجة للجمهور وسط قاعة ~~الامتحان. # رئيس لجنة الامتحان # محمد الخضري # 5 مايو سنة 1914 # وتلقت الجماعة الضخمة التي كانت تضيق بها القاعة هذا الإعلان بالتصفيق الشديد ~~الملح، ثم وقف علوي باشا رحمه الله ms223 فأعلن أنه تبرع بجائزة قدرها عشرون جنيها لأول ~~طالب تخرج في الجامعة المصرية، فاتصل التصفيق. ثم تفرق الجمع، وانصرف الفتى مع ~~رفاقه فأنفقوا ساعات في بيت الزيات لم يتحدثوا فيها إلا بأمر الرسالة والامتحان وما ~~أتيح لصديقهم من فوز. # ولم ينم الفتى من ليلته تلك ... حال الابتهاج بينه وبين النوم، وهو يعلم أنه ما أحس ~~السعادة قط كما أحسها في ذلك اليوم وفيما تلاه من الأيام، لا لأنه ظفر بهذه الدرجة ~~الجامعية، ولا لأنه كان أول ظافر بها، ولا لهذه الاحتفالات التي أقيمت له، ولا لكثرة ما ~~تحدثت الصحف عنه وعن فوزه، ولا للعشرين جنيها التي أجازه بها علوي باشا، والتي كانت ~~تزيد على مرتب أبيه عن شهر كامل ملؤه الجد والكد والعناء، بل لشيء آخر بعيد عن هذا ~~أشد البعد، قريب منه أشد القرب؛ وهو أنه قد قبل تحدي الجامعة وظفر بدرجة الدكتوراه، ~~وأصبح سفره إلى فرنسا دينا له على الجامعة ليس لها بد من أن تؤديه إليه. # وكانت حياته في الأشهر التي أنفقها في مصر قبل أن يعبر البحر حلما حلوا متصلا، ~~ولكنها على ذلك لم تخل من أيام شداد. # | الفصل التاسع # الفلسفة المفسدة! # ولم تمض أيام بعد فوز صاحبنا في الامتحان، حتى دعته الجامعة، وأنبأته بأنه سيشرف ~~بالمثول بين يدي الحضرة العلية الخديوية من غد، إذا كانت الساعة الخامسة بعد الظهر، وأن ~~عليه أن يتهيأ للسفر إلى الإسكندرية ظهر الغد، وسيقدمه إلى الجناب العالي، حضرة ~~صاحب السعادة أحمد شفيق باشا الذي سيسافر إلى الإسكندرية في نفس الموعد وفي نفس ~~القطار. # وجم الفتى لهذا النبأ وجوما معقدا حقا، كان فيه السرور والغرور، وكان فيه الخوف ~~والفرق، وكانت فيه حيرة أي حيرة ... فليس قليلا على ذلك الفتى الأزهري الفقير الضرير ~~أن يرقى في هذه السرعة إلى حيث يلقى صاحب العرش، وأين هو من صاحب العرش؟ ... وأين صاحب ~~العرش منه؟! # وكيف السبيل إلى الإسكندرية ومع من يسافر؟! وغلامه ذاك الأسود لا يحسن أن يصاحبه في ~~شوارع القاهرة إلا في كثير ms224 من الجهد والعناء، فكيف بمصاحبته إلى هذه المدينة البعيدة ~~الغريبة التي تقوم على ساحل البحر في أقصى الأرض؟ وكيف يصاحبه إلى القصر، وكيف يكون ~~دخوله على الأمير؟ # ثم في أي هيئة يدخل على الأمير؟! أفي ثيابه تلك الرثة التي لم يكن يرضى عنها ولا ~~يطمئن إليها ولا يظهر فيها لنظرائه إلا في شيء من الكره والحياء! أم في ثياب أخرى تليق ~~بلقاء الأمير، ومن له بهذه الثياب؟ وماذا يصنع بعد أن يخرج من القصر؟ وأين يقضي ليلته ~~في هذه المدينة الغريبة؟ ومن له بما تحتاج إليه هذه الرحلة من النفقات؟ وهو لا يملك إلا ~~قروشا لا تتجاوز العشرة، ولا سبيل له إلى أن يطلب من أخيه شيئا، فلم يعرف أخوه قط كيف ~~يكون عنده أكثر من جنيه ينفق منه حتى إذا أتى عليه تكلف الاقتراض من صديقه هذا أو ذاك، ~~حتى يكون أول الشهر. # ازدحمت هذه الخواطر على الفتى فشغلته عن أن يرجع الجواب على سكرتير الجامعة، حين ~~ألقى إليه هذا النبأ السعيد وكأن السكرتير قد أحس شيئا من حيرته فقال له متلطفا: ~~وسيكون سفرك إلى الإسكندرية ورجوعك منها على نفقة الجامعة. # فابتسم الفتى في مرارة، ولم يزد على أن شكر ثم انصرف. # ورآه مساء ذلك اليوم راضيا مغتبطا في الكلوب المصري، يضحك ملء شدقيه، فقد لقى ~~صديقه ذلك الموسر الذي كان يحمل في أصبعه أربعين إردبا من القمح، لقيه ولم يطلب إليه ~~شيئا، وإنما أنبأه بأنه مسافر من الغد في صحبة شفيق باشا للتشرف بلقاء الأمير، قال ~~الصديق مبتهجا: فسأكون رفيقك في هذه الرحلة، وستريح غلامك هذا الذي أثقلت عليه في هذه ~~الأيام. # ثم سكت لحظة كأنه كان يفكر في شيء، وأحس الفتى - وإن لم ير - أن صديقه كان ينظر ~~إليه نظرة فاحصة ... ثم انقطع الصمت، وقال الصديق: ألم يعلن علوي باشا أنه قد أجازك ~~بعشرين جنيها؟ # قال الفتى: بلى. # قال الصديق: فهلم معي، فليس لك بد من ثوب تلقى فيه الأمير. # قال الفتى: وأي ثوب؟ # قال الصديق: اصحبني، ms225 ولا عليك. # ثم مضى معه إلى حيث اشترى له معطفا من هذه المعاطف التي كان الأزهريون يسمونها ~~الكاكولا، ولم يكد الفتى يدخل فيها ويجمع طرفيها على صدره بأزراره تلك حتى أحس كأن شخصه ~~قد تغير، وكأنه قد خرج من طور من أطوار حياته، ودخل في طور جديد. # ولم يرد الفتى أن يبرح القاهرة دون أن يلقى أستاذه لطفي السيد، فسعى إليه حين ارتفع ~~الضحى من الغد، وتلقاه الأستاذ حفيا به، فضمه إليه وقبله، وقال: امض مصاحبا، ~~واذكر أنك في أول الطريق. # ورأى الفتى نفسه في قطار الإسكندرية، وفي الدرجة الأولى التي لم يعرفها قبل ذلك ~~اليوم. ورأى نفسه بين صديقه ذاك وبين شفيق باشا رئيس الديوان الخديوي، وهم يأخذون في ~~أطراف من الحديث، والباشا يقص عليهما فنونا من حياته حين كان طالبا يختلف إلى دروس ~~العلوم السياسية في باريس أو في لوزان. والفتى يسمع ويرى نفسه مختلفا بعد وقت يقصر أو ~~يطول إلى دروسه في السوربون، وتعرض له في باريس خطوب لا تشبه الخطوب التي عرضت له حين ~~كان يختلف إلى دروسه في الأزهر أو في الجامعة. # فإذا بلغ القطار مدينة الإسكندرية ذهب الفتى وصاحباه، إلى القصر في عربة فخمة كانت ~~تنتظر الباشا في المحطة، والفتى ينكر نفسه، وينكر هذا الترف الذي لا عهد له به، وهو في ~~الوقت نفسه حائر ذاهل يفكر فيما سيسمع من الأمير وفيما سيقول له. # وقد أدخل على الأمير، فإذا هو يلقى رجلا كغيره من الرجال الممتازين الذين كان يلقاهم ~~في الجامعة من أعضاء مجلسها، وإذا هذا الرجل يلقاه في سماحة سمحة بريئة من التكلف، وإذا ~~هو يأخذ بيده فيجلسه على أريكة ويجلس عليها إلى جانبه، مهنئا له بفوزه، متمنيا له ~~الخير والنجح فيما يستقبل من الأيام، سائلا إياه بعد ذلك عما يريد أن يصنع بعد أن ظفر ~~بدرجته تلك. # قال الفتى: سأحاول السفر إلى فرنسا لأدرس الفلسفة أو التاريخ. # قال الأمير: إياك والفلسفة! فإنها تفسد العقول! # وكان الإنكار قد ظهر على وجه الفتى، فمضى ms226 الأمير قائلا: بل هي لا تفسد العقول ~~وحدها، ولكنها تفسد الذوق أيضا؛ لقد ذهبت إلى باريس منذ سنتين، واستقبلني الطلاب ~~المصريون هناك، وكانوا جميعا حاسري الرءوس في أيديهم قلانسهم إلا واحدا منهم كان حاسر ~~الرأس كزملائه، ولكنه لم يكن يمسك قلنسوة وإنما كان يمسك طربوشا في يده ... فلما سألت عن ~~هذا الفتى أنبئت بأنه منصور فهمي، وبأنه يدرس الفلسفة، فعلمت أن الفلسفة قد أفسدت عليه ~~عقله وذوقه جميعا، فصاحب الطربوش لا يرفعه عن رأسه ولا يأخذه بيده حين يلقى الخديو، ~~وصاحب القلنسوة لا يتركها على رأسه وإنما يأخذها بيده في مثل هذا المقام، ولكن صاحبنا ~~كان يدرس الفلسفة! # ثم أغرق في ضحك متصل، والفتى مغرق في الوجوم. # فلما سكت عنه الضحك، قال وهو يضع يده على ركبة الفتى: ستسافر إلى فرنسا، ولكن لا تدرس ~~الفلسفة وعليك بالتاريخ فإنه علم عظيم. # ثم أعرض عن الفتى وأخذ يتحدث إلى شفيق باشا في رطانة تركية لم يفهم منها الفتى قليلا ~~ولا كثيرا، ووقف بعد دقائق، فوقف الفتى وصحبه شفيق باشا إلى خارج الغرفة حيث كان ~~ينتظره صديقه ذاك. # فودعه شفيق باشا وأسلمه إلى صاحبه وعاد هو إلى الأمير. # وانسل الصديقان من القصر، لا يحفل بهما أحد ولا يلتفت إليهما أحد، وخرجا من القصر فلم ~~يجدا عربة تنتظرهما، وإنما مضيا أمامهما يقص الفتى على صديقه حديث الأمير إليه، ~~والصديق يضحك، ثم يقول: هلم إلى مكتب التلغراف لننبئ الجامعة بانتهاء المقابلة، ثم ~~نخلص لأنفسنا. # قال الفتى: فسننبئ الجامعة غدا حين نعود. # قال الصديق: اسكت يا أحمق، فإن هذه البرقية ستكون أعظم خطرا وأبعد أثرا من المقابلة ~~نفسها، سيقرؤها أعضاء مجلس الإدارة، وستقضي على ترددهم في إرسالك إلى فرنسا. # وذهبا إلى مكتب التلغراف، وكتب الصديق إلى الجامعة هذه البرقية، لم يؤامر فيها الفتى، ~~وإنما قرأها عليه بعد أن انصرفا من المكتب: # حضرة سكرتير الجامعة المصرية بالقاهرة # لبثنا في حضرة الجناب العالي ربع ساعة لقينا فيه من لطف الملك وعطفه على ~~الجامعة وعلينا ما أطلق ألسنتنا بالحمد ms227 له والثناء عليه. # طه حسين # وأنفق الصديقان ساعات حلوة في الإسكندرية، يهيمان على ساحل البحر، ويأخذان في ألوان ~~من الحديث فيها قليل من جد وكثير من العبث، واستكشف الفتى في صديقه خصلة لم يكن ~~يعرفها منه، وهي الإسراف على نفسه في الأكل، فلم يكن يلقى شيئا يؤكل مما يحمله الباعة ~~المتجولون إلا اشترى منه وأقبل عليه يزدرده ازدرادا، والغريب أنه أقبل على عشائه كأنه ~~لم يأكل قبله شيئا. ثم قضيا ليلتهما في فندق تيمن الصديق باسمه، وقال لصاحبه: فأل ~~حسن! ستسافر إلى فرنسا لأن الفندق يتسمى باسمها، وينسب إليها. # ولم يبلغ الفتيان مدينة القاهرة، حتى قال الصديق لصاحبه: إذا أدى إليك علوي باشا ~~جائزته فاذكر أنك مدين لي بستة جنيهات، واحذر أن تبطئ في أدائها إلي! # وكان قبض هذه الجائزة أثقل على الفتى من لقائه للأمير، فقد دعي إلى العشاء على مائدة ~~علوي باشا، مع أساتذته الذين امتحنوه ، فجلس إلى المائدة، ولكنه لم يصب من الألوان التي ~~قدمت إليه شيئا، كان شديد الحياء بطبعه، وكانت المهابة تملك نفسه وتفسد عليه أمره كله. ~~وكان لا يدري ماذا يصنع بشخصه كله وقد وضعت أمامه أدوات المائدة فلم يكد يمسها حتى ~~أدركه منها ذعر شديد ... ماذا يصنع بالملعقة؟ وماذا يصنع بالشوكة والسكين؟! وكيف يتصرف ~~بها؟ أليس الخير كل الخير في أن يلبث في مكانه هادئا ساكنا لا يعرض نفسه لسخرية أو ~~إشفاق؟ # وظل في مكانه هادئا ساكنا أيضا لا يحرك يدا ولا لسانا. # وأقبل الأساتذة على طعامهم غير هيابين ولا وجلين ولا مترددين ولا حافلين بهذا الفتى ~~الجالس بينهم كأنه التمثال! قد انعطف أعلاه على أسفله، وهو مغرق في السكون والصمت لا ~~يصنع شيئا ولا يقول شيئا. كان يستحي أن يحرك يده أو لسانه، وكان يستخذي من سكونه ~~وصمته، وكان يتعجل مر الساعات ويتمنى أن تعود إليه حريته حين يرد إلى غلامه ذاك ~~الأسود الذي كان ينتظره غير بعيد. وكان علوي باشا وحده يلح عليه في أن يصيب من هذا ~~اللون أو ذاك، ms228 فلما استيأس منه، قال في صوت حزين: أرجو أن يكون خادمك قد أعد لك ما ~~يعشيك. # وقد فرغ القوم من طعامهم، وأخذوا في أطراف من الحديث، وشاركهم الفتى في بعضها، ثم ~~قام الباشا فأدار مفتاحا في خزانة وجذب إليها درجا من أدراجها ثم أعاد إغلاقها، ثم ~~أقبل على الفتى فدس في يده ورقة تصبب جبينه لها عرقا، فلما أصبح عرف أنها كانت الشيك ~~الذي دعي إلى العشاء ليتسلمه. # وأدى الفتى دينه، وأجاز خدم الجامعة كما أجازه علوي باشا، وبقي له جنيهات تسعة سطا ~~عليها أخوه فلم يبق له منها شيئا! # على أن هذا كله لم ينس الفتى حقه عند الجامعة، فهي قد علقت سفره على أن يفوز ~~بالدرجة، وقد فاز بها، فيجب أن تبر الجامعة بوعدها، والفتى يكتب إليها هذا الكتاب: # صاحب العطوفة رئيس الجامعة المصرية # قد عرضت منذ حين على الجامعة المصرية أن توفدني إلى أوروبا لأدرس فيها ~~التاريخ والفلسفة، فكلفتني تعلم الفرنسية، ثم قبلت الطلب وعلقت تنفيذه ~~بنيلي شهادة العالمية، وإذ كنت قد فرغت من هذا كله بحمد الله فلم يبق إلا أن ~~يحدد مجلس الإدارة موعد السفر وتكتب الجامعة بذلك لأعد له عدته. # لذلك رفعت إلى عطوفتكم هذا الطلب راجيا أن تتفضلوا بقبوله ولكم الشكر ~~أفندم. # 18 مايو 1914 # طه حسين # وبدأت الجامعة البر بوعدها، فقررت ضم الفتى إلى بعثتها بباريس وأرسلت إليه هذا الكتاب: # حضرة المحترم الدكتور # اطلع مجلس الإدارة على العريضة المقدمة من حضرتكم بتاريخ 18 مايو سنة 1914 ~~فقرر انضمامكم إلى إرسالية الجامعة بباريس لدراسة التاريخ، وأن يكون سفركم في ~~الأسبوع الأول من شهر أغسطس القادم. # وهذا إخطار لحضرتكم بذلك، واقبلوا وافر تحياتي. # رئيس الجامعة المصرية # وكذلك تحقق هذا الحلم السعيد الذي داعب نفس الفتى وداعبته نفسه أعواما، وأصبح صاحبنا ~~عضوا في بعثة الجامعة. وتقرر أن يعبر البحر على الباخرة لوكس في الثامن من شهر أغسطس، ~~وسافر الفتى إلى أقصى الصعيد حيث كانت تقيم أسرته ليودع أبويه، فأقام في أسرته أسابيع ~~كانت تثير في ms229 نفسه كثيرا من الشجون، فقد كان يرى أباه مبتهجا أشد الابتهاج بسفر ~~ابنه إلى أوروبا بعد أن ابتهج أشد الابتهاج كذلك بفوز ابنه بدرجته الجامعية. # كان يتحدث بذلك إلى أهله، وكان يتحدث به إلى الناس، وكان كثيرا ما يقول لأولئك ~~وهؤلاء: لله في خلقه شئون! هذا أضعف بني وأخفهم علي حملا وأقلهم نفقة، قد أتيح ~~له ما لم يتح لإخوته الأقوياء المبصرين الذين كلفوني من النفقة ما أطيق وما لا أطيق، ~~لم تتحدث الصحف عن واحد منهم، ولم يقابل الخديو واحدا منهم، ولم يخطر لي ولا لواحد ~~منهم أنه قد يسافر إلى أوروبا كما سافر إليها أبناء الأغنياء. وكان قصارى ما تمنيت ~~لابني هذا أن يجلس إلى عمود في الأزهر ليلقي الدروس على بعض طلابه، فإذا هو مسافر إلى ~~باريس تلك التي نسمع من أحاديثها الأعاجيب! # وكانت أم الفتى راضية عما أتيح لابنها من النجاح، ولكن رضاها كان مرا ثقيلا. كانت ~~تفكر في حال ابنها وفيما سيعرض له من الخطوب في بلاد الغربة، وفيما سيتكلف من الجهد ~~ويحتمل من المشقة، وكانت كلما رأت ابتهاجه وابتهاج أبيه ثقل عليها هذا التفكير، وربما ~~استخفت بدموعها حتى لا تنغص على الأسرة هذا الابتهاج. # وأقبل الفتى ذات يوم إلى القاهرة يتهيأ للسفر البعيد، ولكنه لا يكاد يأخذ في ذلك حتى ~~ينقلب فرحه حزنا وسروره ألما ولوعة؛ فقد أعلنت الحرب، واستردت الجامعة طلابها من ~~أوروبا، ووقفت إرسال البعثة الجديدة واضطر الفتى إلى أن ينتظر ... ماذا ينتظر؟ وإلى متى ~~يكون هذا الانتظار: أيقصر أم يطول؟ # | الفصل العاشر # أستاذ جامعي بخمسة جنيهات! # وكانت تلك الأيام الطوال الثقال التي قضاها صاحبنا في القاهرة مروعا ملتاعا بعد ~~أن حالت خطوب الحرب بينه وبين ما كان يريد؛ فقد أسلمته هذه الصدمة القاسية إلى هم ~~متصل ذاد عنه النوم، فلم يكن يذوقه إلا حين يسفر الصبح ويستيقظ الطير، وقد بلغ منه ~~الجهد غايته، وانتهى به العناء إلى أقصاه، بعد ليل مسهد وفكر مشرد ونفس قلقة عرفت ~~كيف تنسل من ماضيها الثقيل، ms230 ووقفت أمام المستقبل المظلم حائرة لا تعرف كيف تنفذ منه ~~إلى ما كتب لها فيه من سعادة أو شقاء. # في تلك الأيام كان الفتى فارغ النفس والقلب، ليست أمامه غاية يسعى إليها، ولا أرب ~~يطمع فيه. يصبح فلا يجد أمامه عملا ينفق فيه بياض النهار، ويمسي وقد ثقلت عليه ~~الراحة، فلا يحس من التعب والجهد ما يغريه بالنوم أو يغري به النوم. يرى نفسه بعد أن ~~جاوز العشرين لا يزال عيالا على أبيه الذي أثقلته نفقة البنين، وعلى أخيه الذي جعل ~~يعمل في الجمعية الخيرية الإسلامية منتظرا ذلك المنصب الذي جد وكد في سبيله، وهو ~~منصب القضاء الشرعي. في تلك الأيام أبغض صاحبنا نفسه، ومل حياته، وزاده درسه لأبي ~~العلاء بغضا لنفسه، وتبرما بحياته، وإغراقا في التشاؤم المظلم الذي لا قرار له. ~~ورأى نفسه ذات يوم وقد انتهى به التشاؤم والضيق إلى حيث ندم على ما فرط في جنب الأزهر ~~وشيوخه حتى حيل بينه وبين درجة العالمية تلك التي كان يسخر منها أشد السخر، ويزهد ~~فيها أعظم الزهد، بعد أن صرفت عنه فلم يحاول أن يستأنف السعي إليها. # وما أكثر ما كان يردد في نفسه ذلك الحديث المر: «لو قد ظفرت بتلك الدرجة لكان لي ~~عمل أغدو إليه، ومورد أعيش منه، ولما أثقلت بهذه الحياة البغيضة على قوم من حقهم أن ~~توضع عنهم الأثقال، وتخف عليهم الأعباء.» # والغريب أنه كان يخترع لنفسه هذه الحياة المرة البغيضة اختراعا، فهو لم يشعر من ~~أبيه ولا من أخيه ببعض ما كان يجد في نفسه من الحزن والضيق واليأس. ولم يلاحظ أن أحدهما ~~ضاق من عنايته به أو رعايته له، وإنما جرت الصلة بينه وبين أسرته مطردة كما كانت تجري ~~من قبل لم يتغير فيها شيء، ولم ينب به مكانه في بيته ذاك ولا مكانه في القاهرة بين ~~صديقه، وإنما هو الذي كان يضيق باطراد الصلة وامتداد حياته على هذا النحو بدون أن يتغير ~~قليلا أو كثيرا. # فيم إذن كد وشقي وتكلف من الدرس ms231 والامتحان، وظفر بما ظفر به من النجح؟ وفيم ~~كثر الحديث عنه والاحتفاء به؟ وفيم كانت هذه الأحلام الحلوة والآمال العراض؟ أكان هذا ~~وسيلة إلى هذه الحياة الفارغة التي يحياها، وإلى أن يصبح آخر الأمر كلا على أسرته ~~أينما توجهه لا يأت بخير؟ # بهذا كله كان يناجي نفسه إن أتيحت له الخلوة في النهار، وحين تفرض عليه الخلوة إليها ~~في الليل، وهو على ذلك لا يظهر لأحد شيئا من ضيقه وتبرمه ويأسه، وإنما يلقى الناس ~~كما تعود أن يلقاهم باسما لهم وللحياة، آخذا معهم في أطراف من الحديث مختلفة، كأنه ~~لم يكن يائسا ولا شقيا ولا محزونا. # ثم يخطر له ذات يوم خاطر يخرجه من الملل واليأس، ويدفعه لا إلى الأمل بل إلى محاولة ~~الأمل. فما الذي يمنعه أن يعلم في الجامعة بعد أن تعلم فيها؟ وأن يختلف إليها ~~أستاذا بعد أن اختلف إليها طالبا؟ وأن يكون شأنه معها كشأنه مع الأزهر لو ظفر بدرجته، ~~وهو لا يريد من الجامعة أجرا، فما ينبغي أن يكون عيالا عليها، وليست هي بالغنية ولا ~~بالمحتاجة إليه. وإنما يريد أن يشغل نفسه عن نفسه، وأن يشعر الناس أنه يستطيع أن ينفع ~~نفسه وينفعهم، وأن وجوده في هذه الدنيا ليس عبثا ولا لغوا، وهو يكتب إلى رئيس الجامعة ~~هذا الكتاب: # صاحب العطوفة رئيس الجامعة المصرية # كانت هذه الحرب الحاضرة مؤخرا لي عن السفر إلى باريس والالتحاق بطلبة ~~إرسالية الجامعة، كما قرر مجلس الإدارة، وإذ كنت خريج الجامعة، وقد استفدت ~~منها وتخصصت لها، وأنا مضطر إلى أن أبقى بمصر ريثما تنتهي هذه الحرب، فقد ~~أردت أن أمضي هذه السنة في تدريس تاريخ الآداب العربية في الجامعة بغير أجر. ~~وأعتقد أني قادر بمعونة الله وقديم فضل الجامعة على أن أفيد الطلاب ونفسي بهذا ~~الدرس فائدة حسنة، وأبعث في الآداب وتاريخها شيئا من الحياة غير قليل، فإذا ~~راق هذا الاقتراح لمجلس الإدارة، فأنا أرجو أن يتفضل فيقررني «كذا» مدرسا ~~لهذه المادة في الجامعة ريثما تنتهي الحرب، وله الشكر والجميل. ms232 # وعرض هذا الكتاب المغرور على مجلس الجامعة في السادس عشر من سبتمبر من ذلك العام، ~~فقبل الطلب ورفض ما عرض صاحبه من المجانية، وكلف علوي باشا رحمه الله شيئين: ~~أحدهما؛ أن يشكر للفتى تبرعه بهذا الدرس، والثاني: أن يقدر له مكافأة تلائم حاله، ~~وتلائم طاقة الجامعة. # وأخذ علوي باشا يساوم الفتى في هذه المكافأة، فعرض عليه أول ما عرض أن تكون مكافأته ~~بمقدار ما يكون من إقبال الطلاب على درسه، وأن تفرض الجامعة على الذين يختلفون إلى هذا ~~الدرس رسما يسيرا، ثم يجمع ما يحصل من هذه الرسوم ويدفع إلى الأستاذ الفتى، وزعم ~~علوي باشا لصاحبنا أن بعض الجامعات الألمانية تسير هذه السيرة مع الأساتذة المبتدئين، ~~ولكن صاحبنا اعتذر من قبول هذا العرض؛ لأنه يجعله مدينا لطلابه دينا مباشرا بما ~~يرزق من مرتب آخر الشهر. # قال علوي باشا: وإذن فستعطيك الجامعة مكافأة قدرها خمسة جنيهات في كل شهر، وهي أكثر ~~مما كان الأزهر يعطيك لو جلست فيه مجلس الأستاذ. # واستخذى الفتى من هذا الحديث كله فلم يرجع على علوي باشا جوابا، وإنما انصرف عنه ~~محزون القلب كئيب النفس كاسف البال، راضيا مع ذلك شيئا من رضا، فقد أصبح له عمل ينفق ~~فيه وقته وجهده، وليس بقليل أن يقال عنه: إنه أستاذ في الجامعة. وأقبل على الأدب ~~وتاريخه يعد دروسه فيهما. وقرر أن يختار للدرس في عامه الأول تاريخ الأدب الأندلسي، ~~وما هي إلا أن غرق في «نفح الطيب» وما إليه من كتب الأدب العربي في الأندلس، فنسي نفسه ~~ونسي الناس، ولكنه لم ينس البعثة إلى باريس، ولم ينس الحرب التي تحول بينه وبين ~~باريس. وكيف السبيل إلى نسيان الحرب وأنباؤها المروعة تصبحه وتمسيه في كل ~~يوم؟ # وإنه لغارق في الأدب الأندلسي يقرؤه مع صديقه ذاك الذي قرأ معه أبا العلاء، ويقرؤه مع ~~خادمه كلما غاب عنه صديقه ذاك، وإذا الجامعة تدعوه فيذهب إليها عجلا وجلا ذات ~~ضحى، وهناك يلقى علوي باشا رحمه الله فيستقبله باسما له رفيقا به، وينبئه بأنه ms233 مسافر ~~بعد أيام إلى فرنسا، فقد انجلت الغمرة بعض الانجلاء، وانهزم الألمان أمام باريس، وسعى ~~ممثلو فرنسا في مصر عند الحكومة وعند الجامعة لتعيدا طلابهما إلى الجامعات ~~الفرنسية. # ومنذ ذلك اليوم أقبل الفتى على تهيئة نفسه للسفر مستأنفا حياته تلك التي كانت تملؤها ~~الأحلام العذاب، والآمال العراض. ويقبل اليوم الموعود فيسافر الفتى من القاهرة ومعه ~~أخ له يرافقه في سفره، ويحيا معه في فرنسا، ليتم درسه هناك، ويعين أخاه على الحياة ~~الشاقة في تلك البلاد الغريبة النائية. وقد أبت الجامعة أن تحتمل من نفقة هذا الأخ ~~قليلا أو كثيرا، فاضطر الأخوان إلى أن يعيشا بمرتب واحد على ما في ذلك من ضيق وشدة، ~~وقبلت الأسرة أن تعينهما بشيء من مال يسير بين حين وحين، وعلى غير نظام مطرد. # وفي الرابع عشر من شهر نوفمبر أبحر الفتى من الإسكندرية، ومعه أخوه وطالبان من طلاب ~~البعثة الجامعية كان لهما في حياته في فرنسا شأن أي شأن. # فأما أحدهما: فكان قد نيف على الأربعين، وكان غريب الأطوار حقا، كان قد ظفر ~~بالشهادة الثانوية، وعمل في ديوان من دواوين الحكومة، وانتسب إلى مدرسة الحقوق ~~الفرنسية. فكان يغدو على مكتبه ويروح إلى مدرسة الحقوق حتى ظفر بدرجة الليسانس الفرنسية ~~من جامعة باريس. وكان مرتبه ضئيلا، ولكنه كان يحسن التدبير والاقتصاد، فيؤدي رسوم ~~المدرسة، ويسافر إلى باريس في كل عام لأداء الامتحان. حتى إذا أتم الدرس طمع في أكثر ~~من الدرجة التي ظفر بها، واتصل بعلوي باشا فقص عليه قصته، وتأثر الباشا بهذه القصة، ~~وقدر أن هذا الفتى يجب أن يكون حريصا على العلم محبا له مشغوفا به، ما دام قد تكلف ~~في طلبه كل هذا العناء، وقتر على نفسه في الرزق كل هذا التقتير حتى ظفر بهذه الدرجة ~~التي أتيحت له. وجعله علوي باشا عضوا في البعثة الجامعية ليمضي في درس الحقوق حتى ظفر ~~بدرجة الدكتوراه، لم يحفل بتقدم سنه، ولم يفرض عليه امتحانا أو شيئا يشبه ~~الامتحان. # وأما الآخر: فكان قد نيف على الثلاثين، ms234 وكان قد تخرج في دار العلوم، وتقدم ~~لمسابقة الجامعة فظفر فيها، وأرسل إلى فرنسا للتخصص في الأدب العربي، فأقام فيها سنين ~~متصلة، ثم رد إلى مصر حين أعلنت الحرب، ثم أعيد إلى فرنسا بعد أن انجلت عنها الغمرة ~~الأولى، وكذلك لم يشعر الفتى وأخوه بشيء من الوحشة في هذا السفر بفضل هذين الرفيقين. ~~وكان سفرا غير قاصد، فيه كثير من جهد، وفيه شيء من خطر أيضا. # فقد اختيرت لسفر البعثة سفينة فرنسية فقيرة حقيرة رخيصة، وكان اختيارها لونا من ~~الاقتصاد. وكان اسمها «أصبهان»؛ وكانت على بؤسها وفقرها مرحة تحب الرقص في البحر، ~~وتحسن اللعب على أمواجه ولا تحفل بما يلقى ركابها من عقاب حبها للرقص واللعب. وكانت ~~تؤثر المهل على العجل، وتفضل الأناة على السرعة، وكانت السفن تعبر البحر بين ~~الإسكندرية ومارسيليا في أربعة أيام، فأما أصبهان فكانت تحب البحر وتؤثر أن تعبره في ~~ثمانية أيام لا في أربعة. وصعد الفتى إلى «أصبهان» يتعثر في جبته وقفطانه، ولم يكد ~~يبلغ غرفته في الدرجة الثانية ويسمع الجرس المؤذن بقرب إقلاع السفينة حتى خرج من جبته ~~وقفطانه، وتخفف من عمامته، ودخل في ذلك الزي الأوروبي ... وشغله دخوله في ذلك الزي عن ~~إقلاع السفينة واندفاعها في طريقها هادئة أول الأمر، مضطربة بعد ذلك أشد الاضطراب. ورأى ~~الفتى نفسه حين أقبل المساء وقد فارق مصر، ودفع إلى مغامرته تلك التي عرف أولها ولكنه ~~لم يعرف ما يكون بعد أولها هذا من الأحداث والخطوب. # والحق أنه لم يفكر في الأحداث ولا في الخطوب، ولا في أول المغامرة ولا آخرها، وإنما ~~شغل بزيه الجديد ساعة وبعض ساعة، ثم شغل باضطراب السفينة بعد ذلك، فلم يفرغ منه إلا ~~حين أتمت السفينة رحلتها وانتهت به إلى مارسيليا ذات مساء بعد ثمانية أيام طوال حافلة ~~بالفزع والروع والضيق. ~~••• # وقد لزم الفتى غرفته تلك منذ دخل السفينة إلى أن خرج منها، ولم يذهب إلى غرفة ~~المائدة، وكيف يذهب إليها وهو لا يحسن الحركة في هذه السفينة التي لا تستقر، ولا ms235 يعرف ~~الجلوس إلى موائد الطعام، ولا يحسن استعمال تلك الأدوات التي يستعملها الناس حين ~~يطعمون، ولا يستطيع أن يأكل أمام المسافرين من الأوروبيين بيديه كلتيهما أو إحداهما، ~~كما كان يصنع في مصر؛ فليس له بد إذن من أن يصيب طعامه في غرفته. وكان الرفاق قد وكلوا ~~به خادما من خدم السفينة يحمل إليه غداءه وعشاءه، وقد أعدا إعدادا حسنا؛ ليصيب ~~منهما حاجته. فكان الخادم يحمل إليه الطعام في موعده، فيضعه بين يديه ثم ينصرف عنه، ~~ويغلق باب الغرفة من دونه، ثم يعود إليه بعد حين ليحمل ما وضع بين يديه من أطباق. وكان ~~كلما عاد لحمل هذه الأطباق قال الفتى في ضحكة حزينة جملة بعينها لا يغير منها حرفا ~~حتى حفظها الفتى ولم ينسها: «ما أقل ما تصيب من الطعام!» وأفاق السفر ذات ليلة ~~مذعورين، فقد اضطربت السفينة اضطرابا عنيفا مفاجئا، وكثرت فيها الجلبة، ثم وقفت ~~السفينة فجأة، وجعلت الريح تعصف من حولها، واشتد اصطخاب الموج، وصوت بعض النساء، ~~وعرف المسافرون أن عطبا قد أصاب محرك السفينة، ولم يشك أحد في أن الخطر ~~قريب. # وبينما كان السفر في ذعرهم وروعهم، كان الرفيق الدرعمي مقبلا على ذقنه يعمل ~~فيها الموسى، حتى إذا فرغ من ذلك دخل في ثياب النهار كما تعود أن يدخل فيها قبل أن يخرج ~~من غرفته في كل يوم، ثم أقبل على الفتى متكلفا ضحكا يغالب به الروع، فلما رآه ~~مستلقيا في سريره قال متضاحكا: وإنك لتستقبل الآخرة على هذه الحال! # قال الفتى: وما تريد أن أصنع؟ # قال الدرعمي: فإني كرهت أن أستقبل الموت في قميص، فحلقت ذقني، واتخذت زينتي لأغرق ~~كريما لا يضحك الناس مني. # ثم اندفع في ضحك يائس وأخذ يتغنى في شعر البردة كما يتغنى فيه بعض أصحاب ~~الطرق: # أمن تذكر جيران بذي سلم # مزجت دمعا جرى من مقلة بدم # وإنه لفي هذا العبث، وإذا اضطراب الناس يهدأ، فقد عرفوا أن في السفينة من المهندسين ~~والعمال من يستطيعون إصلاح ما أصاب محركها من عطب، وأنها ms236 ستستأنف سيرها بعد ساعات، ~~وما أسرع ما استحال الروع إلى ضحك ولعب وابتهاج! # وتستأنف السفينة سيرها وقد سكنت، فهي لا تعصف، وسكن الموج فهو لا يقصف، ومضت السفينة ~~في طريقها هادئة مستأنية، كأن رشدها قد ثاب إليها، وكأنها هي قد ثابت إليه. وتبلغ ~~مارسيليا مساء ذلك اليوم، فيهبط صاحبنا من السلم لا يتعثر في جبته وقفطانه، ولكن نفسه ~~هي التي كانت تتعثر في هذه الحياة الجديدة التي يستقبلها، ولا يعرف كيف يلقاها، ولا ~~كيف يحمل أعباءها، ولا كيف ينفذ من مشكلاتها. # ويبلغ الرفاق مدينة مونبلييه التي أمرتهم الجامعة أن يطلبوا العلم فيها عامهم ذاك، ~~ولا يذهبوا إلى باريس حتى يؤذن لهم في الذهاب إليها، وهم يبلغون تلك المدينة مع الليل، ~~وهم يجهلون من أمرها كل شيء، ولكن رفيقهم ذاك الذي نيف على الأربعين وحلب الدهر ~~أشطره كما كان يقول، وجعل نفسه رئيسا لهم بحكم السن، يقودهم إلى فندق حقير فقير ~~كسفينتهم تلك التي عبرت بهم البحر، فإذا استقروا في هذا الفندق وعبث بهم البرد أقبل ~~الدرعمي متضاحكا وهو يقول للفتى: # أوتل مثل وجه الكلب لكن # لخاطر سلطن اصبر شويه # وسلطن هذا هو اسم الرفيق سلطان الذي قادهم إلى الفندق، ولكن ضرورة الشعر حذفت ألفه ~~ليستقيم الوزن، وما أكثر ما تحذف ضرورات الشعر من الحروف! # | الفصل الحادي عشر # الفتى في فرنسا # واستقبل الفتى حياته في مدينة مونبلييه سعيدا بها إلى أقصى ما تبلغ السعادة، راضيا ~~عنها كأحسن ما يكون الرضا. فقد حقق أملا لم يكن يقدر أنه سيحققه في يوم من ~~الأيام. # وكان يكفيه أن يفكر في صباه ذلك البائس الذي قضاه مترددا بين الأزهر وحوش عطا، تشقى ~~نفسه فى الأزهر، ويشقي نفسه وجسمه فى حوش عطا، حياة مادية ضيقة عسيرة كأقسى ما يكون ~~الضيق والعسر، وحياة عقلية مجدبة فقيرة كأشد ما يكون الإجداب والفقر، ونفس مضيعة بين ~~عسر الحياة المادية وفقر الحياة المعنوية. ثم يوازن بين حياته تلك وبين الحياة الجديدة ~~التى أخذ يحياها فى هذه المدينة الفرنسية، لا يحس ms237 جوعا ولا حرمانا، يحمل إليه ~~فطوره إذا أصبح ناعما لينا لا خشونة فيه ولا غلظ. فإذا جاءت أوقات الطعام في وسط ~~النهار وفي آخره، وجد في اختلاف الألوان وتنوعها ما يذكره بطعامه ذاك المتشابه حين كان ~~يغمس خبزه في عسله ذاك الأسود مصبحا وممسيا، وحين كان يحب أن يتخفف من طعامه ذاك ~~أحيانا ويخالف عن حلاوته البغيضة إلى شيء آخر، فلا يجد إلا ذلك الطعام الغليظ الذي كان ~~الأزهريون يعيشون عليه في تلك الأيام. فإذا أحب أن يتفكه فلا منصرف له عن البليلة في ~~الصباح والتين الغارق في الماء إذا كان المساء أو الضحى. وأين ذلك الطعام الغليظ من هذه ~~الألوان المترفة الرقيقة التي كانت تعرض عليه في غدائه وعشائه في غير تقتير ولا تضييق، ~~وفي كثير من إلحاح الخدم وأصحاب الفندق عليه في أن يصيب منها أكثر مما أصاب. # ويذهب إلى الجامعة فيسمع فيها ما شاء الله أن يسمع فيها من دروس الأدب والتاريخ ~~واللغة الفرنسية، لا يسمع درسا إلا أحس أنه قد علم ما لم يكن يعلم، وأضاف إلى علمه ~~القديم علما جديدا. وهو على قلة حظه من إحسان اللغة الفرنسية لم يكن يجد كثيرا من ~~المشقة، ولا يبذل كثيرا من الجهد، ليفهم ما كان الأساتذة يلقون من الدروس فهما يغنيه ~~ويرضيه. كان الفتى يوازن بين حياته هذه الجديدة وحياته تلك القديمة، ويقيس ما بينهما من ~~الفرق العظيم، فيرى نفسه أسعد الناس وأعظمهم حظا من النجح والتوفيق. وهو مع ذلك لم ~~يكن ميسرا عليه في الرزق، وإنما كان عليه أن يدبر مرتبه ذاك الذي لم يكن يتجاوز ~~اثني عشر جنيها لينفق منه على نفسه وعلى أخيه. وقد تهيأ له ما أراد من ذلك في غير ~~تكلف ولا عناء. كانت الحياة الفرنسية في تلك الأيام هينة ميسرة، تتيح لفتيين أجنبيين ~~مثله ومثل أخيه أن يعيشا بهذا المرتب الضئيل عيشة راضية حين تقاس إلى ما كانا يلقيان في ~~مصر من قسوة الحياة وشظفها. # ثم لم يلبث الفتى أن فكر في ms238 أنه لم يعبر البحر إلى فرنسا ليتردد بين الفندق ~~والجامعة، وإنما أقبل إلى هذا البلد الغريب ليدرس ويحصل ويجوز الامتحان، ويظفر بالدرجات ~~الجامعية التي لم يظفر بها أحد قبله من مواطنيه. فلم يكن له بد من أن يظفر بدرجة ~~الليسانس، ولم يكن إلى الظفر بتلك الدرجة سبيل في تلك الأيام إذا لم يحسن الطالب لغتين ~~لم يكن من إحسانهما بد، إحداهما: لغة الدرس وهي اللغة الفرنسية التي كان الفتى قد أخذ ~~منها بحظ يسير، والأخرى: لغة قديمة كان الفتى يسمع عنها ولا يحققها ولا يعرف إلى العلم ~~بها سبيلا، وهي اللغة اللاتينية. ~~••• # وقد أخذ الفتى يتهيأ لإتقان الفرنسية من جهة، وتعلم اللاتينية من جهة أخرى، ~~فالتمس لنفسه معلما خاصا يعينه من ذلك على ما كان يريد. وقد جعل رفاقه يبحثون له عن ~~المعلم الذي يلائمه حتى قيل لهم: إن صاحبكم مكفوف، وليس له بد من أن يتعلم كتابة ~~المكفوفين وقراءتهم، ليستطيع أن يعتمد على نفسه في تحصيل ما يريد أن يحصل من ~~العلم. # ثم قيل لهم: إن في تلك المدرسة من مدارس المكفوفين أستاذا ضريرا قد يعين صاحبكم على ~~حاجته، فسعوا إلى هذا الأستاذ، وقدموا إليه صاحبهم. وأعلن الأستاذ إليهم أنه زعيم ~~بأن يعلم رفيقهم الكتابة والقراءة الفرنسية واللاتينية جميعا، ولم يطلب على هذا إلا ~~أجرا ضئيلا فى نفسه، ولكنه كان ثقيلا على هذين الأخوين اللذين كانا يعيشان بمرتب ~~شخص واحد. # وقد قبل الفتى مع ذلك أن يشق على نفسه وعلى أخيه، وأن يؤدي إلى الأستاذ أجره الذي ~~طلبه، وكتب إلى الجامعة يستعينها فلم تبخل عليه بالعون، وقامت عنه بأداء هذا ~~الأجر. # وأقبل الفتى على الكتابة البارزة يتعلمها، فلم يلبث أن أحسنها، ولكنه عندما حاول أن ~~ينتفع بها في درسه لم يجد إلى الانتفاع بها سبيلا؛ فلم تكن الكتب التي كان يحتاج إلى ~~قراءتها قد طبعت على هذه الطريقة الخاصة، وكان ربما أتيح له الكتاب المطبوع على هذه ~~الطريقة، فلا يكاد يأخذ في قراءته حتى يضيق بهذه القراءة أشد الضيق، ms239 وينفر منها أعظم ~~النفور، فهو قد تعود أن يأخذ العلم بأذنيه لا بأصبعه، وهو من أجل ذلك يجد المشقة كل ~~المشقة في تتبع هذه النقط البارزة حتى يؤلف منها الكلمة، ثم يؤلف من الكلمة وأمثالها ~~جملة، ثم يؤلف من هذه الجملة وأمثالها كلاما يمكن أن يعمل فيه عقله وفهمه وبصيرته. ~~وإذا هو يجد في ذلك عسرا أي عسر، ويسأم ذلك أشد السأم وأقساه، ويرى أنه يستطيع أن ~~يحصل من طريق أذنيه في اللحظات القصيرة ما يحتاج إلى الوقت الطويل والملل الثقيل ~~ليحصله من طريق أصابعه. وهو يعدل عن الكتابة البارزة وعن القراءة بالأصابع إلى طريقته ~~التي ألفها إلا في درس اللاتينية، فقد كان حريصا على أن يتعلم هذه اللغة في أناة ~~ومهل، وكانت هذه الطريقة في الكتابة والقراءة تواتيه وتلائم ابتداءه درس هذه اللغة ~~وحاجته إلى الريث والأناة. # على أنه لم يكد يتقدم في درس اللاتينية قليلا حتى سئم القراءة بأصابعه، وآثر ~~الاستماع على تلمس الحروف، وأحس الحاجة إلى قارئ يقرأ عليه ما يريد في اللاتينية ~~والفرنسية جميعا، ولم يستغن عن أستاذه ذاك الذي كان يعلمه هاتين اللغتين، واستحى أن ~~يطلب إلى الجامعة عونا جديدا، فقتر على نفسه أشد التقتير وأقساه، وعاش عيشة فيها ~~شيء من غلظة وخشونة، ولكنها كانت على كل حال خيرا من حياته التي ألفها في مصر. ~~••• # على أن الأيام أبت إلا أن تشق عليه وترهقه من أمره عسرا؛ فقد كان يعيش مع أخيه ~~عيشة راضية على ما فيها من قسوة ومشقة، وكانا يدبران أمرهما تدبيرا ملائما ~~لطاقتهما المالية؛ ولكنهما لم يلبثا أن اختلفا واشتد بينهما الاختلاف، حتى أصبحت ~~حياتهما خصاما متصلا وشقاء ملحا، وحتى اضطر إلى أن يفترقا ... يسكن كل واحد منهما ~~في منزل غير الذي يسكنه أخوه، ويلتقيان بين حين وحين، وقد اضطرهما ذلك إلى المبالغة في ~~التقتير على أنفسهما؛ فليست النفقات التي يقتضيها افتراقهما في المسكن، كالنفقات التي ~~كانا يحتملانها حين كانا يسكنان في غرفة واحدة، ويختلفان إلى مائدة واحدة. # وكذلك اشتدت قسوة الحياة ms240 على هذين الأخوين الغريبين، ولكنها لم تنل من صبرهما، ولم ~~تصرفهما عن جدهما في الدرس والتحصيل. ولم تكن حياة الفتى على ذلك النحو مبغضة إليه، ~~ولا ثقيلة عليه من جميع وجوهها، وإنما كانت مزاجا من الجد الصارم والهزل الباسم، ~~يلتقيان أحيانا فيحيا الفتى حياة ليست حلوة ولا مرة، ولكنها تمر في أول النهار، ~~وتحلو في آخره حين كان الفتى يلقى رفاقه ويسمع لأحاديثهم، ويقضي بينهم فيما كان يعرض ~~لهم من المشكلات، وما أكثر ما كان يعرض لهم من المشكلات، ومن مشكلات الحب والغرام ~~خاصة! # وكيف تريد فتية من المصريين على أن يعيشوا في فرنسا ويختلفوا إلى القهوات والأندية ~~وبعض ما يقام من الحفلات بدون أن يداعبوا الحب أو يداعبهم الحب، وبدون أن تقسو ~~عليهم دعابة الحب بين حين وحين؟ ومن ذا الذي يستطيع أن يمنع صديقين من أن تروقهما فتاة ~~واحدة، وإذا هما يلتمسان إلى لقائها الوسيلة. فإذا أتيح لهما هذا اللقاء ابتغيا عندها ~~مواقع الرضا، ثم لا يلبث أن يكون بينهما التنافس، ثم الخصومة، ثم التلاحي، ثم الفرقة، ~~أيهما ظفر عند صاحبتهما بالرضا فهو عدو لصاحبه الذي أخلفه الظن، وكذبه الأمل، ولم يقع ~~من نفس الحسناء ما كان يرجو من موقع الرضا والارتياح. ولا تلبث هذه الخصومة بين ~~الرفيقين أن تتجاوز الحب إلى غيره من ألوان الحياة التي كانا يتعاونان عليها ويشتركان ~~فيها، وإذا صاحبنا يصبح قاضيا بين رفاقه في شئون الحب، وليس له أرب فيه ولا سبيل ~~إليه، وأنى له بشيء من ذلك وهو المكفوف الذي لا يحسن شيئا حتى يعينه عليه معين، وهو ~~لا يرى وجوه الحسان، ولا يعرف كيف يتحدث إليهن، أو كيف يبتغي إلى رضاهن الوسائل! فهو ~~يغدو على الجامعة مصبحا، فإذا راح إلى منزله آخر النهار لم يبرحه حتى يسفر له صبح ~~الغد. والرفاق يلمون به في آخر النهار وأول الليل، فيختصمون بين يديه ويتخذونه ~~حكما بينهم، وهو يصلح بين المختصمين مرة ويقضي لبعضهم على بعض مرة. ~~••• # ولكن الليل لا يكاد يتقدم حتى يتفرق ms241 عنه رفاقه جميعا، وإذا هو يخلو إلى نفسه هذه ~~الخلوة المرة التي لا يجد عليها معينا، قد جلس وحده في غرفته تداعب نفسه الخواطر ~~المختلفة الكثيرة، فيها ما يسر، وفيها ما يسوء، فيها ما يحيي الأمل، وفيها ما يملأ ~~القلب يأسا وقنوطا. # وما يزال الفتى جالسا في مجلسه ذاك من غرفته تعبث به خواطره هذه المختلفة لا يسأل ~~عنه سائل ولا يلم به ملم، وإنما هي الوحدة المطلقة القاسية التي كانت تذكره وحدته ~~في غرفته في حوش عطا، حين لم يكن يؤنسه إلا صوت الصمت وما كان يتردد فيه أحيانا من ~~أزيز بعض الحشرات. # وربما أسرفت عليه القسوة حتى تنتهي به إلى أقصاها فيمتنع عليه النوم، ويأبى الأرق ~~إلا أن يكون له حليفا، وإنه لفي ذلك وإذا بابه يطرق، وقد كاد الليل يبلغ ثلثيه، فإذا ~~أذن للطارق بالدخول فتح الباب، وأقبل عليه أحد رفاقه وقد أخذ من عبث الشباب بأعظم حظ ~~ممكن ، وهو لا يريد أن يأوى إلى سريره حتى يتحدث ببعض عبثه إلى صاحبه. فإذا فرغ من حديثه ~~وانصرف ترك صاحبنا وقد انتهى به الحزن والضيق إلى غايتهما، وإذا هو يقضي ليلة بيضاء لا ~~يذوق فيها للنوم طعما، فإذا أصبح غدا على حياة فاترة لا خير فيها لعقله ولا ~~لجسمه. # وهو على ذلك وعلى ضيق ذات يده، وعلى المشقة الشاقة التي كان يلقاها في الاختلاف إلى ~~الجامعة والانتفاع بما كان يسمع من الدروس، راض عن حياته كل الرضا، مطمئن إليها أشد ~~الاطمئنان لا يتمنى إلا أن يمضي فيها حتى ينتهي إلى ما قدر له من غاية. وهو واثق بأنه ~~سيبلغ من هذه الحياة ما يريد؛ سيحسن الفرنسية، بل هو قد أخذ يحسنها ويطلق بها لسانه في ~~غير مشقة، وسيتعلم اللاتينية، وسيتهيأ للامتحان. ومن يدري لعله أن يكون أول طالب مصري ~~يظفر في يوم من الأيام بدرجة الليسانس في الآداب. # وإنه لفي هذه الحياة الحلوة المرة القاسية اللينة التي يحبها أحيانا كأشد ما يكون ~~الحب، ويضيق بها أحيانا أخرى كأشد ms242 ما يكون الضيق، وإذا الحياة تبتسم له فجأة في يوم من ~~أيام الربيع ابتسامة تغير حياته كلها تغييرا. # وإذا هو لا يعرف الوحدة ولا يجد الوحشة حين يخلو إلى نفسه إذا أظلم الليل، وكيف تجد ~~الوحدة أو الوحشة إلى نفسه سبيلا، وكيف تبلغه تلك الخواطر التي كانت تؤذيه وتضنيه ~~وتؤرق ليله، وفي نفسه صوت عذب رفيق يشيع فيه البر والحنان، ويقرأ عليه هذا الأثر أو ~~ذاك من روائع الأدب الفرنسي القديم؟ ~~••• # يرحم الله أبا العلاء، لقد ملأ نفس الفتى ضيقا بالحياة وبغضا لها، وأيأسه من الخير، ~~وألقى في روعه أن الحياة جهد كلها، ومشقة كلها، وعناء كلها. وإذا هذا الصوت يذود ~~عن نفس الفتى كل ما ألقى فيها أبو العلاء من ظلمة التشاؤم واليأس والقنوط، كأنه تلك ~~الشمس التي أقبلت في ذلك اليوم من أيام الربيع، فجلت عن المدينة ما كان قد أطبق عليها ~~من ذلك السحاب الذي كان بعضه يركب بعضا ، والذي كان يقصف ويعصف حتى ملأ المدينة أو كاد ~~يملؤها إشفاقا وروعا. # وإذا المدينة تصبح كلها إشراقا ونورا. # سمع الفتى ذلك الصوت يقرأ عليه شيئا من شعر راسين ذات يوم. فأحس كأنه خلق خلقا ~~جديدا، ومنذ تلك الساعة التي سمع فيها ذلك الصوت لم يعرف اليأس إلى نفسه ~~سبيلا. # ولم يعرف الفتى أنه أحب الحياة قط كما أحبها في الثامن عشر من شهر مايو في ذلك ~~العام. # ولم يعرف أنه أقبل على الدرس كما أقبل عليه منذ ذلك اليوم. # ولم يعرف أنه انتفع بالاختلاف إلى الجامعة والقراءة في الكتب كما جعل ينتفع بهما منذ ~~ذلك اليوم أيضا ... حتى حين انقطع عنه ذلك الصوت العذب البر الرفيق لمقدم ~~الصيف. # فقد كان الصوت يصحبه دائما، لا يكاد يخلو إلى نفسه في ليل أو نهار إلا سمعه يقرأ ~~عليه هذا الكتاب أو ذاك، في تلك النبرات التي كانت تسبق إلى قلبه فتملؤه رضا وغبطة ~~وسرورا. # وإنه لفي هذه السعادة المتصلة، وإذا صاحبه الدرعمي يقبل عليه ذات صباح مظلم الوجه ~~والنفس والصوت، ms243 فينبئه بأن كتابا قد وصل إليه من الجامعة تنبئه فيه بأن طلاب البعثة ~~جميعا يجب أن يعودوا إلى مصر، وأن يأخذوا إليها أول سفينة تتاح لهم بعد قراءة هذا ~~الدعاء. # وقد سمع الفتى حديث صاحبه فأغرق في ذهول عميق، ثم أفاق بعد وقت لم يدر أقصر أم طال، ~~وإذا هو يرى آماله العذاب قد استحالت في أقصر لحظة إلى آمال كذاب، ويرى حياته المشرقة ~~الباسمة الحلوة قد أصبحت ظلمة عابسة مرة ممضة. ولكنه على ذلك لم يستسلم لليأس، ~~وإنما أخذ يتعلق بالوهم، فيبرق إلى من كان يعرف من الصديق القادرين على أن يسعوا له ~~في الخير عند الجامعة أو عند السلطان، ويبرق إلى القصر، وينتظر ما يعود به البرق عليه، ~~وإذا البرق لا يعود عليه إلا بالإلحاح في الدعاء أن يعود إلى مصر في غير إبطاء. # ويرى الفتى نفسه ذات يوم من شهر سبتمبر يسعى مع رفيقه الدرعمي إلى السفينة، وكلاهما ~~محزون كاسف البال، كأنه لا يسعى للعودة إلى الوطن، وإنما يساق إلى الموت. # | الفصل الثاني عشر # الصوت العذب # وكانت أيام السفينة الستة طوالا ثقالا قد ألقى عليها الحزن غشاء شاحبا بغيضا. ~~فلم يجد الصاحبان فيها للذة السفر وراحته طعما، وإنما كان الهم يصبحهما ويمسيهما، ~~وكانت خيبة الأمل حديثهما في النهار حين يلتقيان، وحديث نفسيهما في الليل حين يفترقان. ~~وما لهما لا يشقيان بهذه العودة المفاجئة، وأحدهما قد أنفق في باريس أعواما طوالا ثم ~~لم يحقق من آماله شيئا، وإنما هم ولم يفعل، فتعلم الفرنسية واختلف إلى الدروس، وأخذ ~~يتهيأ لإعداد رسالته التي ينال بها درجة الدكتوراه، وإذا الحرب ترده عن ذلك ردا، ~~فإذا عاد إلى فرنسا واستأنف ما كان فيه من استعداد للرسالة والامتحان ردته الأزمة ~~المالية التي أدركت الجامعة إلى وطنه خائبا فارغ اليدين لم يصنع شيئا ولم يظفر ~~بشيء. # ولو قد التمس لنفسه عملا حين تخرج في دار العلوم ولم يتكلف ما تكلف من السفر ~~والغربة، لكان فى ذلك الوقت معلما فى هذه المدرسة أو تلك من ms244 مدارس الدولة، ولكنه يرى ~~نفسه ضائعا لا يكاد يدنو من الغاية حتى يصد عنها صدا، تصده الحرب مرة، وتصده ~~الأزمة المالية مرة أخرى، وهو يعود إلى مصر ليعيش فيها فارغا لا يدري ماذا يعمل، ولا ~~يعرف كيف يكسب القوت؟ # وأما الآخر فقد جد وكد واحتمل المشقة والعناء، وداعب الأحلام والآمال، حتى إذا ~~أشرف على البعثة ولم يكن يقدر أنه سيشرف عليها رده عنها إعلان الحرب، فعاش أشهرا ~~عيالا على أبيه وأخيه وذاق مرارة الحياة التي لا تغني عنه وعن غيره شيئا، ثم أتيحت ~~له البعثة فأقبل على عمله مغتبطا سعيدا يكاد يخرجه النشاط من إهابه. وقد حاول من أمور ~~الدرس ما أتيح له فيه كثير من التوفيق، حتى ظن أنه بالغ ما يريد، ثم عرض له في أثناء ~~إقامته في فرنسا ما أحيا في نفسه آمالا لم تكن تخطر له ببال؛ فهو قد عرف أنه يستطيع أن ~~يكون كغيره من الناس، بل خيرا من كثير من الناس، يحيا حياة فيها رضا وغبطة، وفيها ~~نعمة وبهجة، وفيها سكون إلى هذه الرحمة التي كان قد استيأس منها والتي كان أبو العلاء ~~قد ألقى في روعه أنه لن يذوقها ما عاش، وإذا الأيام تدنيه منها أو تدنيها منه. # وإنه لفي حياته تلك الراضية الناعمة على ما كان فيها من خشونة وعسر، وإذا الجامعة ~~تدعوه إلى مصر ليعود إليها كما خرج منها، كأنه لم يداعب الأمل إلا ليتجرع مرارة اليأس ~~كأبغض ما تكون مذاقا. # وهو قد عرف التبطل والفراغ في أشهره تلك التي قضاها في مصر، بعد أن أعلنت الحرب، وهو ~~يعود ليلقى التبطل والفراغ مرة أخرى في مصر. # أف لهما من رفيقين بغيضين! ولقد كان يقطع الأمد بين مونبلييه ومارسيليا أثناء ليلته ~~تلك الثقيلة وليس في نفسه إلا شيء واحد، هو هذا الصوت العذب الذي طالما قرأ عليه آيات ~~الأدب الفرنسي، وهو الآن يناجيه في حزن أليم ... وإذن فلن نلتقي بعد أن ينقضي ~~الصيف! # وقد صحبه هذا الصوت أيام السفينة يناجيه مناجاة اليأس ms245 مرة، ومناجاة الأمل مرة أخرى، ~~يشفق عليه من الأحداث، ويمنيه الانتصار والخروج منها. ويتحدث إليه بأنها الغمرات ثم ~~ينجلين، وبأن لكل أزمة غاية، وبعد كل حرج فرجا، وهو مضطرب بين هذه الابتسامات المضيئة ~~الخاطفة التي لا تكاد تعرض له حتى تنصرف عنه، وهذا الحزن الجاثم المقيم الذي لا يفارقه ~~إلا ريثما يعود إليه! # وتبلغ السفينة ثغر الإسكندرية، وإذا الوطن زاهد في هذين الصاحبين البائسين، لا يريد ~~أن يلقاهما ولا أن يضمهما بين ذراعيه؛ فقد كانت الحرب قائمة، وكانت قيودها شدادا ~~ثقالا، وكان أمر مصر إلى غير أهلها، وكان أمر الثغور خاصة ضيقا حرجا، قد فرضت عليه ~~رقابة أي رقابة، فلا تكاد السفينة تستقر في مرساها، ولا يكاد الصاحبان يحاولان الهبوط ~~بها، حتى يردا عن ذلك ردا شديدا، فلم يكن يكفي أن يصل المصري إلى وطنه ليدخله، ~~وإنما كان يجب أن ينتظر ويطول انتظاره حتى يؤذن له بالدخول. # وقد انتظر الصاحبان حتى تستأذن السلطة في السماح لهما بترك السفينة والنزول إلى أرض ~~الوطن، وأبرقا إلى الجامعة وإلى من يعرفان من الصديق يتعجلان هذا الإذن. ولكن الأمور لم ~~تكن تجري في يسر وإسماح، وإذا هما يقيمان في السفينة يوما ويوما، وصنع الله لهما في ~~هذين اليومين أن كانا فيهما مضطربين أشد الاضطراب، يريدان أن تفتح لهما أبواب الوطن، ~~ويتمنيان في أعماق ضمائرهما أن تظل مغلقة، وأن تعود بهما السفينة إلى مارسيليا. # ولكن ماذا يصنعان في مارسيليا؟ # وكيف يعيشان في فرنسا؟ # بل كيف يعيشان في السفينة نفسها في أثناء عودتهما إلى مارسيليا؟ ومن لهما بثمن هذه ~~العودة؟ # ولكن أبواب الوطن تفتح لهما بعد لأي، والوطن يتلقاهما كئيبا، فيضيف إلى حزنهما ~~حزنا وإلى شقائهما شقاء. # وقد أقام صاحبنا في القاهرة قريبا من ثلاثة أشهر لا يعرف أنه شقي في حياته كلها كما ~~شقي فيها، ولا أنه سعد في حياته كلها كما سعد فيها. ولكن شقاءه كان طويلا ملحا، ~~وسعادته كانت سريعة خاطفة. كان يشقى بالتبطل والفراغ والبؤس، وكان يسعد بذلك الصوت ~~العذب الذي كان ms246 يناجيه بين حين وحين، وربما أيقظه من نومه مفزعا، مسرورا مع ذلك بهذا ~~الفزع. وكان يسعد بهذه الرسائل التي كانت تصل إليه بين حين وحين فيها كثير من الأمل ~~المشفق، وكثير من التشجيع على احتمال النائبات، وربما اشتملت بعض هذه الرسائل على زهرة ~~قد جففت وأرسلت إليه ليحملها كما تحمل التمائم ولتذكره إن عرض له النسيان - وشهد الله ما عرض له النسيان قط. # في هذه الأشهر الثلاثة شكا الفتى كما لم يشك قط في حياته، شكا شعرا ونثرا حتى ~~لامه في ذلك بعض الصديق، وقال له قائلهم: أين الصبر؟ وأين الإجمال؟ وأين الشجاعة ~~والاحتمال؟ وأين ذهب عنك الحياء حتى كتبت في بعض الصحف هذين البيتين: # الحمد لله على أنني # قد صرت من دهري إلى شر حال # لا أملك القوت ولا أبتغي # ما فاتني منه بذل السؤال # وقال له قائلهم أيضا: املك عليك نفسك، فإنك إن تكن تشكو الزمان إلى الزمان فهو لن ~~يسمع لك؛ لأن الزمان أصم غبي غافل ذاهل، لا يعرف بنيه ولا يسمع لهم، وإن كنت تشكو ~~الزمان إلى الناس، فالناس مشغولون عنك بأنفسهم، وهم بين رجلين: عاطف عليك، ولكنه لا ~~يقدر لك على شيء، وقادر على معونتك، ولكنه لا يحفل بك ولا يلقي إليك بالا، ولو قد أهدى ~~إليك العون لما قبلته منه، فما أرى أنك ترضى لنفسك هذا الهوان. # ولكن صاحبنا لم يقلع عن شكايته؛ لأنه لم يكن يشكو الزمان إلى الزمان، ولا يشكو الزمان ~~إلى الناس، ولا ينتظر من الزمان ولا من الناس شيئا، وإنما كانت الشكوى غناء نفسه ~~المحزونة وباله الكئيب. # في تلك الأيام كان عبد الحميد حمدي رحمه الله يصدر جريدة «السفور» في كل أسبوع، ويطلب ~~إليه وإلى غيره من الصديق أن يعينوه بالكتابة فيها، فكان صاحبنا يرسل إليه حديث نفسه ~~ذلك المر. # وكان يتردد على الجامعة ويسمع بعض دروسها، فسمع ذات يوم درس الأستاذ المهدي رحمه ~~الله، وكان له مع الأستاذ تلك الخطوب التي رويت في حديث مضى، والتي كادت تفصله من ms247 بعثة ~~الجامعة لولا أن أعضاء مجلس الإدارة كانوا أفقه وأذكى من أن يستجيبوا للأستاذ رحمه ~~الله. # وفي تلك الأيام طلب عبد الحميد حمدي إلى الفتى أن ينشر كتابه عن أبي العلاء، فاستجاب ~~الفتى لذلك سعيدا محبورا. وجد في ذلك تسلية لبعض همه، وشغلا لبعض وقته، وإرضاء ~~لغروره الذي كان في حاجة إلى بعض الرضا، بعد أن أسرفت الأيام في القسوة عليه، وأي رضا ~~للغرور أعجب إليه وآثر في نفسه من أن يظهر له كتاب في أيامه تلك الشداد؟ # وقد نشر الكتاب، ولكن صاحبنا لم يفد من نشره مالا قليلا أو كثيرا، ولم يفد منه ~~رضا قليلا أو كثيرا، فقد أعجل عن هذا كله، دعاه علوي باشا ذات يوم، وأنبأه - في ~~رفق به وعطف عليه لم ينسهما قط - أن أزمة الجامعة قد انفرجت، وأن عليه أن يتأهب ~~للسفر، فسيبحر مع صاحبه الدرعمي وغيره من أعضاء البعثة بعد أيام. # ثم أنبأته الجامعة بعد ذلك بأنه سيتشرف مع زملائه أعضاء البعثة بلقاء السلطان حسين ~~كامل. # وقد أتيح لهم هذا اللقاء في ضحى يوم من الأيام، ذهبوا إلى القصر يقودهم علوي باشا، ~~وأدخلوا على السلطان، فلقيهم لقاء حسنا، وألقى على الفتى سؤالا لم يعرف كيف يرد ~~عليه. # سأله: من أول من رفع شأن التعليم في مصر؟ # فوجم الفتى ولم يرجع جوابا. # قال السلطان وهو يضرب على كتفه وينطق في لهجة تركية: جنة مكان إسماعيل باشا. # ثم صرف الرفاق، ولم يكادوا يخرجون من غرفة الاستقبال حتى أنبأهم منبئ بأن السلطان قد ~~تفضل وأجاز كل واحد منهم بخمسين جنيها. # وخلص الرفاق بعد أن خرجوا من القصر نجيا؛ فقرروا أن يهدوا جوائزهم إلى الجامعة ~~معونة لها واعترافا ببعض ما قدمت إليهم من جميل، وكانوا بهذا القرار سعداء حقا كأنما ~~أهدوا إلى أنفسهم خيرا عظيما ومعروفا جزيلا. # وهم يسعون إلى علوي باشا رحمه الله ليرفعوا إليه قرارهم ذاك، منتظرين أن يسمعوا منه ~~رضا عنهم وثناء عليهم وتشجيعا لهم على أن يكونوا أخيارا، ولكن علوي باشا يلقاهم ~~ويسمع منهم، ms248 ثم يغرق في ضحك متصل، ثم يقول لهم: ما هذا الكلام الفارغ؟! خذوا أموالكم ~~واذهبوا، فاعبثوا بها في باريس أيها الحمقى! فمن حقكم أن ترفهوا عن أنفسكم أياما ~~بعدما لقيتم في هذه الأشهر من عناء طويل ثقيل! # ثم يسكت حينا ثم يقول: فإذا أصبحتم أغنياء فاستأنفوا ما أقدمتم عليه من خير، وما ~~أراكم تفعلون يومئذ، فستعرفون قدر المال. # وانصرف الرفاق عن علوي باشا لا يعرفون أكانوا راضين؛ لأنه قد حفظ عليهم أموالهم ~~لينفقوها في باريس؟ أم كانوا ساخطين لأنه لم يقبل منهم تبرعهم ذاك الذي أقدموا عليه ~~مخلصين؟ # ويفد الرفاق صباح يوم إلى الجامعة ليأخذوا منها تذاكر السفر، ولكن صاحبنا يسمع ما ~~يؤذيه أشد الأذى وأمضه. # فقد أبت شركة السياحة أن تصرف له تذكرة السفر إلا بإذن خاص من المفوضية الإيطالية، ~~فقد كان الرفاق سينزلون في نابولي، وكانت الشركة تخشى ألا يؤذن لصاحبنا بالنزول في ~~إيطاليا لأنه ضرير ولا يحسن السعي في اكتساب الرزق. # وظن الفتى، وفي قلبه حزن أي حزن ولوعة أي لوعة، أنه سيرد عن السفر مرة ثالثة، ولكن ~~الأستاذ لطفي السيد والأمير أحمد فؤاد ييسران له سفره، ويصبح من غد فيركب القطار إلى ~~بورسعيد، ويصعد إلى سفينة هولندية تعبر به البحر إلى نابولي. # وما أعظم الفرق بين سفره هذا إلى نابولي وعودته تلك إلى الإسكندرية! كان لا يملك نفسه ~~من الفرح والمرح والسرور، وكان كل شيء يضحكه ويغريه بالبهجة والاغتباط حتى حين أقبل ~~الخادم عليه وعلى صاحبه الدرعمي بعد أن تقدم الليل قليلا فقال لهما: إذا سمعتما الجرس ~~فأسرعا إلى اتخاذ منطقة النجاة ثم أسرعا إلى الزورق المخصص لكما. # قال الدرعمي: وفيم هذا كله؟ # قال الخادم: فإنك تعلم أن الحرب قائمة، وأننا لا نأمن من أن تعرض لنا في الطريق إحدى ~~الغواصات، ثم انصرف. # وأخذ صاحبنا الدرعمي يعول شاكيا باكيا ذاكرا أمه التي لن يراها ولن تراه، ~~والفتى مغرق في ضحك لا يكاد ينقضي. # ولم تعرض للسفينة غواصة، ولم يلق المسافرون كيدا، وإنما بلغوا مدينة نابولي ذات ms249 ~~صباح؛ ولم يكادوا يطئون الأرض الإيطالية حتى ألح صاحبنا على صديقه الدرعمي في الإسراع ~~إلى مكتب البريد. # وهناك وجد رسالتين كانتا تنتظرانه من باريس، فقرأهما عليه صديقه مرة ومرة، فلما طلب ~~منه قراءتهما للمرة الثالثة، قال له منكرا: إليك عني، فإن في مدينة نابولي ما هو أنفع ~~لنا وأجدى علينا من ترديد هذا الكلام الذي حفظناه عن ظهر قلب! # وأنفقا في نابولي يوما سعيدا، حتى إذا كان الليل، ركبا القطار إلى باريس. # | الفصل الثالث عشر # في الحي اللاتيني # وكان صاحبنا مقسم النفس بين السعادة المشرقة والشقاء المظلم في أثناء سفره هذا ~~الطويل منذ ترك القاهرة إلى أن بلغ باريس. # كان سعيدا لأن الغمرة قد انجلت عنه، فاتصل من إقامته في فرنسا ما انقطع، وأذن الله ~~له في أن يتم ما بدأ من الدرس، ويحاول تحقيق ما كان يداعب من الآمال، ويسمع من جديد ~~ذلك الصوت العذب يقرأ عليه روائع الأدب الفرنسي وأوليات التاريخ اليوناني الروماني، ~~ويعينه على درس اللاتينية. # وليس هذا كله بالشيء القليل، وبعض هذا كان جديرا أن ينسيه كل ما لقي من جهد، وكل ~~ما احتمل من عناء، ولكنه كان يحمل في نفسه ينبوعا من ينابيع الشقاء لا سبيل إلى أن ~~يغيض أو ينضب إلا يوم يغيض ينبوع حياته نفسها؛ وهو هذه الآفة التي امتحن بها في أول ~~الصبا، شقي بها صبيا، وشقي بها في أول الشباب. وأتاحت له تجاربه بين حين وحين أن ~~يتسلى عنها، بل أتاحت له أن يقهرها ويقهر ما أثارت أمامه من المصاعب وأنشأت له من ~~المشكلات، ولكنها كانت تأبى إلا أن تظهر له بين حين وحين أنها أقوى منه، وأمضى من ~~عزمه، وأصعب مراسا من كل ما يفتق له ذكاؤه من حيلة. # والغريب من أمره وأمرها أنها كانت تؤذيه في دخيلة نفسه وأعماق ضميره. كانت تؤذيه ~~سرا ولا تجاهره بالخصومة والكيد، لم تكن تمنعه من المضي في الدرس، ولا من التقدم في ~~التحصيل، ولا من النجح في الامتحان حين يعرض له الامتحان، وإنما ms250 كانت أشبه شيء بالشيطان ~~الماكر المسرف في الدهاء الذي يكمن للإنسان في بعض الأحناء والأثناء بين وقت ووقت، ~~ويخلي له الطريق يمضي فيها أمامه قدما، لا يلوي على شيء. ثم يخرج له فجأة من مكمنه ~~ذاك هنا أو هناك، فيصيبه ببعض الأذى، وينثني عنه كأنه لم يعرض له بمكروه بعد أن يكون قد ~~أصاب من قلبه موضع الحس الدقيق والشعور الرقيق، وفتح له بابا من أبواب العذاب الخفي ~~الأليم. # كان حين ركب السفينة لأول مرة وخرج من زيه ذاك الأزهري ودخل في زيه الأوروبي ~~الجديد قد نسي شيئا واحدا لم يحسب له حسابا لأنه لم يكن يخطر له ببال، نسي بصره ~~ذاك المكفوف، وأجفانه تلك التي كانت تتفتح ولكن على الظلمة المظلمة. # وكان قد قرأ فيما قرأ من أحاديث أبي العلاء أنه كان يقول: إن العمى عورة. وفهم هذا ~~كما فهمه أبو العلاء نفسه. فكان يتحرج في كثير من الأشياء أمام المبصرين ، وكان يستخفي ~~بطعامه وشرابه كما كان يستخفي بهما أبو العلاء حتى لا يظهر المبصرون منه على ما يثير ~~الإشفاق والرثاء، أو السخرية. # ولم يخطر له قط أن الحياة الحديثة تفرض عليه أن يستر أجفانه تلك التي لا تغني عنه ~~شيئا سترا ماديا. وقد أنفق أيامه في السفينة الأولى على هذا النحو، ولكنه لم يلق ~~كيدا؛ لأنه لبث تلك الأيام قابعا في غرفته لا يتجاوز بابها مهما تكن الظروف، إلا أن ~~يضطر إلى ذلك اضطرارا، فكان لا يخرج في تلك الحال إلا حين يتقدم الليل. # فلما بلغ مارسيليا نبهه رفاقه في تلطف أي تلطف أن تقاليد الفرنسيين تقضي على ~~مثله أن يضع على أجفانه تلك غطاء من زجاج أسود، واشتروا له غطاء من تلك الأغطية ~~الزجاجية السود التي يتقي بها المبصرون ضوء الشمس، ولم يؤذه تنبيه الرفاق له إلى ذلك ~~وإنما رأى فيه تجديدا، وارتاح إليه بعض الارتياح، وكاد يعفى من الشقاء بعينيه ~~المظلمتين، ثم لم يفكر في شيء من أمرهما ولا من غطائهما ذاك الأسود حتى عاد إلى ms251 مصر. ~~وفي مصر لقيه أكبر إخوته رحمه الله، وكان مطربشا ميالا إلى الترف على ضيق ذات يده ~~وضآلة مرتبه، فلما رآه أنكر غطاء عينيه وقال: إنه رخيص حقير لا يليق بمثلك. # قال الفتى: وما علي أن يكون رخيصا أو حقيرا، فما ينبغي لمثلي أن يزين بمثل هذا ~~الغطاء. # قال أخوه: ولكن غطاءك هذا لا يزيد ثمنه على قرشين اثنين، وأنا مهد إليك خيرا منه؛ ~~أستر لعينيك وأليق بمكانتك بين الذين تلقاهم من الرفاق والصديق، وبين الذين تزورهم من ~~أصحاب المكانة الظاهرة في مصر. # ثم أهدى إليه غطاء ذهبيا، وعزم عليه ليتخذنه مكان ذلك الغطاء الرخيص الحقير. # واستجاب الفتى لأخيه شاكرا رفقه به وعطفه عليه، وأقام في مصر ما أقام يحمل على أنفه ~~وأذنيه ذلك الغطاء الذهبي الذي لم يكن رخيصا ولا حقيرا. ولكن عودته إلى أوروبا ~~تتقرر ويغدو على الجامعة ذات يوم فيقرأ عليه كتابان، ثم يروح إلى منزله فيقرأ عليه ~~كتاب ثالث، كان قد حمله البريد صباح ذلك اليوم، وتملأ هذه الكتب الثلاثة قلب صاحبنا ~~غما وهما وبغضا للحياة وضيقا من الناس، وتلقي على نفسه ووجهه غشاء صفيقا من ~~الكآبة ينكره الرفاق. # وينكره علوي باشا رحمه الله حين يراه وهو يركب القطار، ويرى على وجهه هذا الغشاء ~~الكئيب، فيهمس في أذنه: مالي أراك محزونا كئيبا، وقد كنت أقدر أن أراك اليوم أشد ما ~~تكون ابتهاجا وإشراقا، ألا يسرك أن تعود إلى فرنسا؟ # ولم يجب الفتى، ولكن دمعتين تنحدران على خديه. # وإذا علوي باشا يضمه إليه، ويقبل جبهته قبلة ملؤها الحنان والبر لم ينسها ~~قط. # ثم يهمس في أذنه: أقسم لك يا بني ما عاد صديقك هذا - يريد الدرعمي - إلى فرنسا إلا ~~من أجلك ... ثق بالله ولا تخف شيئا! # ويمضي القطار وقد سكت البكاء عن الفتى، ولكن هذه الكتب الثلاثة لم تسكت عنه، وإنما ~~رافقته في أثناء سفره كله ملحة عليه بالعذاب، حتى لكانت جديرة أن تبغض إليه نفسه لولا ~~ذلك الصوت العذب كان يناجيه بين حين وحين، فيرد إلى ms252 نفسه المروعة شيئا من أمن، ~~وإلى قلبه اليائس شيئا من أمل. # كان أول هذه الكتب الثلاثة من علوي باشا إلى أكبر إخوته ذاك المطربش ينبئه فيه بأن ~~الظروف المالية للجامعة قد فرضت عليها أن ترد بعثتها إلى مصر كارهة، وأنه حريص أشد ~~الحرص على أن يتم أخوه درسه؛ لأنه يتوسم فيه خيرا، ويكره أن يعود قبل أن يحقق أمله من ~~السفر إلى فرنسا، ويقترح عليه أن ترسل الأسرة نصف المرتب الذي كانت الجامعة تمنحه ~~للفتى، ويتبرع هو بالنصف الآخر حتى يبلغ الفتى أربه، ويعود وقد ظفر بالدرجات ~~الجامعية الفرنسية، ويصبح أستاذا في الجامعة. # وكان هذا الكتاب جديرا أن يملأ قلب الفتى سرورا ورضا وشكرا لعلوي باشا، ذلك الذي ~~كان الناس يكثرون الحديث عن حرصه على المال وإشفاقه من إنفاقه في غير موضعه، وهو يتبرع ~~بمقدار من المال في كل شهر ليعين هذا الفتى المكفوف على أن يبلغ من الدرس في أوروبا ما ~~كان يريد. # نعم، كان هذا الكتاب جديرا أن يملأ قلب الفتى سرورا وبشرا وشكرا لذلك الرجل ~~الكريم النبيل، ولكن رد أخيه على هذا الكتاب محا من قلبه كل سرور وكل بشر، وإن لم ~~يمح منه الشكر الدائم والاعتراف بالفضل والجميل لذلك الرجل الكريم. كان رد أخيه ~~بشعا حقا؛ كان يشكر فيه للباشا فضله وكرمه، ويعتذر فيه عن الأسرة بأنها فقيرة لا ~~تستطيع أن تستجيب لما تراد عليه، فمرتبه هو ضئيل لا يبلغ العشرين جنيها، وله بنون ~~ينفق عليهم. ووالده شيخ يعمل على تقدم سنه، ويتقاضى مرتبا لا يزيد على مرتبه هو إلا ~~قليلا، وله بنون آخرون ينفق على تعليمهم في المدارس، وكم كانت الأسرة تتمنى أن تعين ~~هذا المسكين على أن يتم درسه لو وجدت إلى ذلك سبيلا! وهي تطلب إلى الباشا أن يستعين ~~بالسلطان على تعليم هذا البائس، فإن لم يجد إلى ذلك سبيلا فليرده إلى مصر وليستبق ~~رعايته له وعطفه عليه. # وكذلك رأى الفتى رجلا غريبا مستعدا للقيام ببعض نفقته في أوروبا، وأخا قريبا ~~كارها لبعض ms253 ما يطلب إليه من ذلك. والغريب أنه لم ينبئ بأمر هذا التبرع من علوي باشا ~~أباه ولا أخاه الشيخ، وإنما كتم القصة عن الأسرة كلها، وكان له رحمه الله عذره في هذا ~~الكتمان؛ فقد كان أبوه يرسل إليه بين حين وحين جنيهات تبلغ العشرة مرة، وتزيد عليها ~~مرة أخرى، ويكلفه أن يرسلها إلى أخويه في أوروبا معونة لهما على الحياة، فكان يتلقى ~~هذه الجنيهات، فإذا استقرت في يده لم يسهل عليه إرسالها إلى أوروبا، وإنما أنفقها في ~~بعض شأنه هو. # أما الكتاب الثالث: فكان من أكبر إخوته ذاك يودعه ويتمنى له النجح والتوفيق، ~~ويسترد غطاء عينيه الذهبي؛ لأنه كان شديد الحاجة إليه. # وما أيسر ما رد الفتى ذلك الغطاء الذهبي، وعاد إلى غطائه ذاك الرخيص الحقير الذي لم ~~يكن ثمنه يزيد على قرشين اثنين. ولكن كتاب أخيه في أمر ذلك الغطاء قد أضاف إلى حزنه ~~حزنا، وإلى ألمه ألما. وعاد إلى فرنسا سعيدا محبورا، ولكنه مع ذلك كان مزودا ~~بمقدار من الشقاء غير قليل. # ولم ينس صاحبنا قط أنه أجلس في مكانه من القطار حين بلغ روما وقد انتصف الليل، فلم ~~يبرح مكانه ذاك إلى جانب النافذة إلا حين بلغ القطار باريس بعد ثلاثين ساعة كاملة لم ~~يتحرك، وإنما كان أشبه بمتاع قد ألقي في ذلك الموضع، وانتظر حتى يبلغ القطار غايته ~~لينقل إلى موضع آخر. لم يتحرك، وكان أشبه شيء بالمتاع، ولكنه كان متاعا مفكرا، يفكر ~~مرة فيما حفظ من قول أبي العلاء: إن العمى عورة، وقد فهمه الآن على وجهه وهو يرفع يده ~~بين حين وحين ليتحقق من أن ذلك الغطاء الرخيص الحقير ما زال يستر عينيه اللتين كان يجب ~~أن تسترا. # ويفكر مرة أخرى في الفقر والغنى، وفي الذين لا يعرفون كيف ينفقون ما يتاح لهم من ~~المال، فيكدسونه أكداسا أو ينثرونه نثرا فيما لا يجدي عليهم ولا على غيرهم شيئا. ~~والذين لا يجدون ما ينفقون ليقيموا أودهم ويستروا جسمهم ويستروا عورة العمى حين تفرض ~~عليهم آفته. ms254 وفي الذين تسمو هممهم إلى أكثر من إقامة الأود وستر الجسم وتغطية العينين ~~المظلمتين إلى الاغتراب في طلب العلم، ثم لا يجدون أيسر ما يحتاجون إليه في ذلك؛ يبخل ~~عليهم القادرون ويبخل عليهم الأقربون، ويهم بالإحسان إليهم بعض الأخيار فيردون عن ~~ذلك ردا. # ويفكر مرة ثالثة في ذلك الصوت العذب الذي كان ربما ألم به بين حين وحين مواسيا له ~~مترفقا به، قارئا عليه هذا الفصل أو ذاك من هذا الكتاب الفرنسي أو ذاك، منبئا له بين ~~ذلك بأنه ينتظره في باريس ليقرأ عليه، وما أكثر ما سيقرأ عليه! # لبث في مكانه ذاك لم يبرحه ثلاثين ساعة كاملة، يعرض الرفاق عليه الطعام حين يأتي ~~موعده فيرده في رفق ولكن في تصميم، ويعرض عليه الرفاق الشراب بين وقت ووقت فيرده في ~~رفق وفي تصميم أيضا. ويريد الرفاق أن يراجعوه في ذلك فيجدون منه إعراضا وصمتا، حتى ~~ظنوا به الظنون، وحتى يقول له رفيقه الدرعمي: ما رأيت كاليوم رجلا لا يخاف البحر على ~~هوله وعلى ما كان يذكر من أمر الغواصات، فإذا ركب القطار امتلأ قلبه رعبا ورغب حتى ~~عن الطعام والشراب. أشجاعة حين كان يستحب الجبن، وجبن حين يصبح الجبان مثيرا للهزء ~~والسخرية؟ ما الذي تخاف من القطار؟ إن قطار أوروبا كقطار مصر لا فرق بينهما، ألم تأكل ~~قط حين ركبت القطار في مصر؟ # ثم ينصرف عن هذا الحديث إلى غنائه ذاك الذي كان يتغنى به أمام بعض الفتيات الفرنسيات، ~~فيرضين عنه أشد الرضا، ويعجبن به أشد الإعجاب، ولا يلقينه إلا تمنين عليه أن ~~يعيد عليهن غناءه ذاك، وكن يسمينه «أعرابي»، فيقلن له في إلحاح: غن لنا ~~«أعرابي»! # يلغين العين ويلثغن بالراء ويقصرن الألف وبين الباء، ويرتاح صاحبنا إلى إلحاحهن ~~فيندفع في غنائه على نحو ما يصنع بعض المنشدين في الأذكار: # يارب صل على الهادي # واغفر ما أنت به أعلم # أعرابي جاء إلى الهادي # معه ضب لا يتكلم # يوقع هذا الغناء على نغم مرقص، وكان الفتى لا يسمعه إلا أغرق في ms255 ضحك متصل، وكان ربما ~~تمنى عليه بين حين وحين أن يغني له أعرابي، ينطقها كما ينطق بها الفتيات الفرنسيات. ~~ولكنه في ذلك القطار لم ينشط حتى لهذا الغناء، واستيأس منه صديقه الدرعمي، فخلى ~~بينه وبين ما أحب من السكون والصمت. وأعرض عنه كما كان يعرض عن متاعه، يرمقه بين حين ~~وحين ليأمن عليه من السرقة والضياع، ولكنه لا يتحدث إليه ولا يعرض عليه شيئا، حتى إذا ~~بلغ القطار باريس في أول الضحى أقبل على الفتى متضاحكا وهو يقول: سننقل المتاع الصامت ~~الهامد أولا، ثم ننقل المتاع الحي الناطق بعد ذلك! # وأسلم الأمتعة إلى الحمالين ثم أقبل على الفتى كأنه يريد أن يحمله، ولكن الفتى نهض ~~ومضى معه كأنه لم يسكن ثلاثين ساعة كاملة. # وبعد قليل كان الفتى في غرفة جميلة رائعة بفندق من فنادق الحي اللاتيني، ولم يكد ~~يستقر في غرفته حتى أصلح من شأنه، وتهيأ لاستقبال شخص طالما نازعته نفسه إلى لقائه ~~منذ شهور، وطالما أشفق من ألا يلقاه أبدا. # ويطرق الباب طرقا رفيقا في آخر الضحى، فإذا أذن بالدخول دخل عليه شخصان لم يكد يسمع ~~صوت أحدهما حتى انجلى عنه حزنه، وانجاب عنه يأسه، وانصرف عنه الهم، كأنه يستأنف حياة ~~جديدة لم يحيها من قبل، ولم لا؟ لقد بدأ منذ ذلك اليوم حياة ليس بينها وبين حياته ~~الأولى سبب أو صلة. # | الفصل الرابع عشر # قصة حب # كانت حياة الفتى في باريس حلوة مرة ويسيرة عسيرة، لم يعرف فيها سعة ولا دعة، ~~ولكنه ذاق فيها من نعمة النفس وراحة القلب ورضا الضمير ما لم يعرفه من قبل وما لم ينسه ~~قط. كانت حياته المادية شاقة، ولكنه احتمل مشقتها في شجاعة ورضا وسماح. لم يكن مرتبه ~~يتجاوز ثلاثمائة من الفرنكات، كان يدفع ثلثيه في اليوم الأول أو الثاني من كل شهر؛ ~~ثمنا لمسكنه وطعامه وشرابه. وكان يدفع نصف الثلث الذي كان يبقى له أجرا لسيدة كانت ~~تصحبه إلى السوربون مصبحا وممسيا؛ ليسمع فيها دروس التاريخ على اختلافها، وتقرأ له ~~بين ms256 ذلك ما شاء الله من الكتب حين لا يخلو له ذلك الصوت العذب الذي كان قد رتب له ~~ساعات بعينها في النهار؛ ليقرأ له فيها روائع الأدب الفرنسي. وكان يستبقي فضل مرتبه ~~بعد ذلك؛ لينفق منه على ما يعرض من حاجاته اليومية. فأما أمر كسوته فقد تركه إلى الله ~~لأن مرتبه لم يكن يتسع له. # وأنفق السنة الأولى من حياته في باريس لا يخرج من بيته إلا إلى السوربون، فكان سجينا ~~أو كالسجين. لم يذكر قط أنه خرج من باريس إلى ضاحية من ضواحيها في أيام الراحة التي كان ~~رفاقه ينفقون فيها أيام الآحاد. ولم يذكر قط أنه اختلف إلى قهوة من قهوات الحي اللاتيني ~~التي كان رفاقه الجادون يلمون بها بين حين وحين. وكان أكثر الطلاب المصريين يختلفون ~~إليها أكثر مما كانوا يختلفون إلى الجامعة. وإنما كان يلزم بيته في أيام الراحة لا ~~يفارقه، وربما خلا إلى نفسه اليوم كله في غرفته، إلا أن يلم به ذلك الصوت العذب ~~فيقضي معه ساعة من نهار. # وكان يسمع أنباء المسارح ومعاهد الموسيقى واللهو، وكانت نفسه ربما نازعته إلى بعض هذه ~~المسارح ليسمع هذه القصة أو تلك، ولكنه كان يرد نفسه في يسر إلى القناعة والرضا. ~~وكيف السبيل إلى غير ذلك وهو لا يستطيع أن يذهب وحده إلى حيث يريد، ولا يستطيع أن يدعو ~~غيره إلى مرافقته، ولا يريد أن يكلف غيره من الناس عناء مرافقته من جهة، وتحمل ما ~~تقتضيه هذه المرافقة من النفقات من جهة أخرى. ولم تكن ذكرى أبي العلاء تفارقه في لحظة ~~من لحظات اليقظة إلا أن يشغل عنها بالاستماع إلى الدرس أو إلى القراءة، كان يذكر ~~دائما قول أبي العلاء في آخر كتاب من كتبه أنه رجل مستطيع بغيره، وكان يرى نفسه ~~مستطيعا بغيره دائما، ويحتمل في سبيل ذلك من غيره - هذا الذي يتيح له الاستطاعة - ~~ألوانا من المشقة وفنونا من الأذى بدون أن ينكر منها شيئا؛ فهو مكره على احتمالها ~~إكراها، وهو مخير بين أن يقبل ms257 ما يكره من غيره من الذين كانوا يعينونه على ما يريد ~~أو يرفضه، فيضطر إلى العجز المطلق اضطرارا، ويضيع حياته في باريس؛ بل حياته كلها في ~~باريس أو غير باريس. وكيف السبيل له إلى أن يذهب إلى السوربون ليسمع الدروس فيها إذا لم ~~تعنه على ذلك هذه السيدة التي لم يكن من معونتها بد، والتي كانت ترفق به أحيانا ~~وتعنف به أحيانا أخرى؟ وربما صحبته من البيت إلى الجامعة بدون أن تلقي إليه كلمة أو ~~يسمع لها صوتا، وإنما كانت تعطيه ذراعها وتمضي معه صامته كأنما تجر متاعا لا ينطق ~~ولا يفكر، حتى إذا بلغت قاعة الدرس أجلسته إلى مائدة من موائدها، وانصرفت عنه إلى خارج ~~القاعة فانتظرت حتى إذا فرغ الأستاذ من درسه أقبلت عليه فأقامته من مجلسه، ومضت به إلى ~~بيته، حتى إذا انتهت به إلى غرفته أدخلته فيها وأغلقت من دونه الباب، وهي تقول له في ~~صوت خاطف: «إلى اللقاء في ساعة كذا من النهار.» # وربما اعتذرت هذه السيدة من مهمتها بعد أن تجد له سيدة أخرى تقوم مقامها، فكانت هذه ~~السيدة الثانية ثرثارة تؤذيه بحديثها المتصل أكثر مما كانت تلك تؤذيه بصمتها ~~الملح. # على أن عجز الفتى لم يكن مقصورا على ذهابه إلى الجامعة وعودته منها، وإنما كان ~~عاما شاملا يمس الفتى في أشد الأشياء لزوما له، فهو كان يستحي من كل شيء ويكره أن ~~يثير الضحك منه أو الرثاء له والإشفاق عليه. وكان شرطه حين سكن في البيت الذي أقام فيه ~~ألا يشارك أهله في طعامهم، وإنما يخلو إلى طعامه الذي يحب أن يحمل إليه في غرفته حين ~~يأتي وقته، فكان الطعام يحمل إليه ويوضع بين يديه ثم يخلى بينه وبينه فيصيب منه ما ~~يستطيع لا ما يريد، يحسن ذلك أحيانا ويخطئه أحيانا أخرى. وربما وضع بين يديه من ألوان ~~الطعام ما لا يحسن تناوله فيتركه مؤثرا العافية، محتملا في سبيلها ما قد يتعرض له ~~أحيانا من ألم الجوع. # وظل الفتى على هذه الحال أشهرا، ms258 ولكن الله رفق به بعد ذلك فأتاح له من كان يهيئ له ~~طعامه ويعلمه كيف يرضي منه حاجته. # واتخذ الفتى زي الأوروبيين، وما أسرع ما تعلم الدخول فيه والخروج منه، إلا شيئا ~~واحدا لم يحسنه أعواما طوالا، وهو هذا الرباط السخيف الذي يديره الناس حول أعناقهم ~~ثم يعقدونه بعد ذلك من أمام عقدة يتأنقون فيها قليلا أو كثيرا! # لم يفتح الله على صاحبنا بتعلم هذا الجزء من زيه، فكان أخوه يدير له هذا الرباط حول ~~عنقه ما عاشا معا في مونبلييه. # فلما افترقا حار الفتى في أمره، ولكن صديقه الدرعمي أخرجه من هذه الحيرة، واشترى له ~~أربطة مهيأة لا تحتاج إلى عناء، وإنما تدار حول العنق في يسر ويجمع بين طرفيها في ~~يسر أيضا، وقد هيئت عقدتها فليس محتاجا إلى أن يتكلف عقدها وتسويتها والتأنق ~~القليل أو الكثير فيها. ولكنه كان مضطرا إلى ألا يفكر مطلقا في الملاءمة بين هذه ~~الأربطة وبين ما كان يتخذ من ثياب. وربما اتخذ منها رباطا واحدا يديره حول عنقه في كل ~~يوم ويمضي على ذلك الأسابيع المتصلة. وربما لاحظ هذا الرفيق أو ذاك من رفاقه اختلافا ~~بين ثوبه ورباط عنقه. وربما أعانه صديقه الدرعمي فتقدم إليه في أن يغير هذا الرباط ~~واختار له ما يلائم زيه مما كان عنده من هذا السخف الذي لم يفهم له معنى قط. # وكذلك عاش الفتى عامه الأول أو أكثر هذا العام، مضطربا في هذه الحياة المادية ~~المختلطة المعقدة من جميع نواحيها. وربما كان يجد بعض الألم في ذلك، ولكنه كان يمر به ~~مرا سريعا لا يقف عنده ولا يفكر فيه إلا قليلا. كان يعزيه عن ذلك إقباله على الدرس، ~~وإحساسه الانتفاع به والتقدم فيه، وشعوره بأنه قد أخذ يفهم الفرنسية في غير مشقة ولا ~~عسر، ويقرأ كتب التاريخ والأدب والفلسفة، فلا يجد في فهمها جهدا ولا عناء. قد انقطع ~~لذلك انقطاعا تاما، فهان عليه منه ما كان صعبا، ويسر له منه ما كان عسيرا. # ولم تكن حياته العقلية ms259 أقل تعقيدا والتواء من حياته المادية، فلم يكد يختلف إلى ~~دروس التاريخ والأدب في السوربون حتى أحس أنه لم يكن قد هيئ لها، وأنه لا يفهمها ولا ~~يسيغها كما كان ينبغي أن تفهم وتساغ، وأن درسه الطويل في الأزهر وفي الجامعة لم يهيئه ~~للانتفاع بهذه الدروس. # وكانت آماله عراضا، فكان ينبغي أن يتخذ إليها أسبابها. وأول هذه الأسباب أن يعد ~~نفسه لفهم الدروس التي تلقى في الجامعة، وسبيل هذا الإعداد أن يقرأ في أقصر وقت ممكن ما ~~كان التلاميذ الفرنسيون ينفقون الأعوام الطوال في درسه بمدارسهم الثانوية، فليس له بد ~~إذن من أن يكون تلميذا ثانويا إذا أوى إلى بيته، وطالبا جامعيا إذا اختلف إلى ~~دروس السوربون. # وما أسرع ما نظر في برنامج المدارس الثانوية الفرنسية، واستخلص منه ما يحتاج إليه، ~~وأزمع أن يدرس منه التاريخ والجغرافيا والفلسفة، وهذه الخلاصات الموجزة التي كانت تلقى ~~إلى التلاميذ عن الآداب الأجنبية الأوروبية قديمها وحديثها . # قد أقبل على ذلك كله في عزم لا يعرف الضعف، وتصميم لا يعرف التردد ولا الفتور، ~~واستطاع في وقت قصير أن يحصل من هذا كله ما يحصله التلميذ الذي كان يتقدم إلى ~~الشهادة الثانوية مطمئنا إلى أن الممتحنين لن يردوه عن هذه الشهادة خزيان ~~أسفا. # واستقامت له دروسه في السوربون فجعل يفهمها ويسيغها كما كان يفهمها ويسيغها زملاؤه ~~الفرنسيون. واختار لنفسه أستاذا من أساتذة المدارس الثانوية يعلمه اللغة الفرنسية ~~تعليما منظما، فلم يكن يكفيه أن يفهم إذا سمع، وأن يفهم الناس عنه إذا تحدث إليهم، ~~وإنما كان يجب عليه أن يحسن العلم بحقائق هذه اللغة ودقائقها وأن يكتبها كتابة لا تنبو ~~عمن يقرؤها. # وكان يقدر أن الأساتذة في السوربون، سيكلفونه بعض الواجبات المكتوبة، كما كانوا ~~يكلفون غيره من الطلاب. فلم يكن له بد إذن من أن يتهيأ لتحرير هذه الواجبات حين ~~تطلب إليه على وجه لا يعرضه للسخرية والازدراء. وما أكثر ما كان الأساتذة يسخرون من ~~طلابهم إذا كتبوا لهم الواجبات فقصروا في بعض نواحيها! # وكان الأساتذة يقرءون ms260 بعض هذه الواجبات، يختارون من بينها للقراءة أشدها تعرضا ~~للنقد، ثم يأخذون في هذا النقد على نحو لاذع ممض يحرضون به الطلاب على أن يحسنوا ~~العناية حين يكتبون. وكانت سخريتهم بالمقصرين تضحك الزملاء وتخرجهم أحيانا عن ~~أطوارهم. # فكره الفتى أن يتعرض لبعض هذه السخرية، ولكنه تعرض ذات يوم لشر منها؛ كلفه ~~أستاذ تاريخ الثورة الفرنسية فيمن كلف من زملائه كتابة موضوع عن الحياة الحزبية في ~~فرنسا بعد سقوط نابليون. فأقبل على هذا الموضوع فدرسه كما استطاع في الكتب التي نبه ~~إليها الأستاذ، وفكر فيه كما استطاع أيضا. ثم كتب عنه ما أتيح له أن يكتب، وقدمه إلى ~~الأستاذ في اليوم الموعود. وجاء يوم النقد فاستعرض الأستاذ ما قدم إليه من الواجبات ~~ناقدا ساخرا منددا متندرا موبخا بعض الطلاب أحيانا، حتى إذا ذكر اسم الفتى لم ~~يزد على أن ألقى إليه واجبه معقبا بهذه الجملة المرة التي لم ينسها قط: «سطحي لا ~~يستحق النقد.» وكان لهذه الكلمة وقع لاذع في نفس الفتى أمضه بقية يومه، وأقض ~~مضجعه حين أقبل الليل، وأشعره بأنه لم يتهيأ بعد كما ينبغي ليكون طالبا في ~~السوربون، فألح في درس الفرنسية، وكلف نفسه في هذا الدرس من الجهد الثقيل والعناء ~~المتصل ما كاد يصرفه عن غيره من الدروس، وأعرض عن المشاركة في كتابة الواجبات حتى تتم ~~له أداة هذه الكتابة وهي اللغة الفرنسية. # وبينما كان الفتى يمتحن بأثقال هذه الحياة المادية والعقلية العسيرة، مجاهدا ما ~~استطاع الجهاد، مروعا بين حين وحين بهذا اليأس الذي كان يتراءى له من وقت إلى وقت ~~فيشقيه ويضنيه، فتح له باب من أبواب الأمل لم يكن يقدر أنه سيفتح له في يوم من ~~الأيام؛ ألمت علة طارئة بصاحبة ذلك الصوت العذب الذي كان نعيمه الوحيد في حياته الشاقة ~~المظلمة، فأقبل يعودها وجلس يتحدث إليها، ثم لم يدر كيف التوى به الحديث، ولكنه سمع ~~نفسه يلقي إليها في صوت أنكره هو قبل أن تنكره هي؛ أنه يحبها. # ثم سمعها تجيبه بأنها هي لا ms261 تحبه. # قال: وأي بأس بذلك؟ # إنه لا يريد صدى ولا جوابا وإنما يحبها وحسب. # فلم تجبه، وغيرت مجرى الحديث، وانصرف عنها بعد ساعة، وقد استقر في نفسه أن حياته ~~ستسلك منذ ذلك اليوم طريقا جديدة. # وليس من شك في أن نفسه كانت قد تعلقت بذلك الصوت العذب ثم بصاحبته منذ وقت طويل ... ~~وإلا فما جزعه حين اضطر إلى العودة إلى مصر؟ وما ابتهاجه بهذه الرسائل التي كانت تصل ~~إليه؟ وما شوقه العنيف إلى العودة إلى فرنسا ليسمع فيها ذلك الصوت؟ وما خروجه عن طوره ~~حين وجد الرسالتين اللتين كانتا تنتظرانه في نابولي؟ وما إلحاحه على صاحبه الدرعمي في ~~أن يقرأ عليه هاتين الرسالتين مرة ومرة ومرة حتى أمله؟ ثم ما حرصه على أن يسمع هذا ~~الصوت في باريس؟ وما نزوله في بيته ذاك الذي كان يسمع فيه هذا الصوت يتردد في كل ساعة ~~من ساعات النهار، ويلقى فيه صاحبة الصوت حين يريد لقاءها دون أن يتكلف لذلك جهدا أو ~~سعيا أو انتظارا؟ وما سعادته بأنه كان يقيم في هذا البيت غير بعيد من ذلك الشخص الذي ~~كان يلقي عليه تحية الصباح، حين يخرج من غرفته ذاهبا إلى السوربون، ويلقي عليه تحية ~~المساء حين يتقدم الليل ويأوى أهل البيت إلى مضاجعهم، ويقرأ عليه بين ذلك ما شاء الله ~~من آيات الأدب الفرنسي؟ # ولكن حبه كان يستحي حتى من نفسه فينكرها، وكان الفتى يخفي شعوره ذاك في أبعد ما يمكن ~~أن يستقر في أعماق ضميره، ويكره أن يتحدث به إلى نفسه، وقد استيقن أنه لم يخلق لمثل ~~هذا الشعور، وأن مثل هذا الشعور لم يخلق له ... وأين هو من الحب؟ وأين الحب منه؟ # إنما كتب عليه أن يعيش كما عاش مثله الأعلى ذلك الذي وقف حياته منذ قرون طوال في ~~دار من دور المعرة على الدرس ممعنا فيه، غير معني إلا به، محرما على نفسه ما ~~أباح الله للناس من طيبات الحياة. # كان الفتى يطوي نفسه على شعوره ذاك يائسا منه ومن ms262 عواقبه، راضيا بما يتاح له من ~~سماع ذلك الصوت ومن الحديث إلى صاحبته حين يتاح له الحديث إليها، واثقا بأن هذا أقصى ~~ما يمكن أن يساق إليه من النعيم ... غير طامع في أكثر منه، وكان واجدا على الحياة ~~والظروف؛ لأنها تحول بينه وبين أكثر منه. # ولكن العلة الطارئة التي ألمت بصاحبته، والصوت العذب الذي أدركه الضعف وشاع فيه ~~الفتور، والإشفاق من الألم والجهد، على ما كان يكره له أن يحس الألم أو يحمل ثقل ~~الجهد. كل ذلك ملك عليه أمره، وملأ عليه قلبه، وأنساه تحفظه وتحرجه، وأجرى على لسانه ~~تلك الكلمة التي أنكرها. وليس غريبا بعد ذلك أنه لم يجد حزنا ولا شقاء ولم يحس ~~لوعة ولا ألما حين بلغ مسمعه الرد على كلمته تلك موئسا مقنطا، فهو لم يكن ينتظر ~~إلا اليأس والقنوط، قد وطن نفسه عليهما وعزى نفسه عنهما بما كان يمعن فيه من الدرس ~~والتحصيل. # وهو قد انصرف عن صاحبته في ذلك اليوم راضيا عن نفسه ساخطا عليها. راضيا عنها؛ ~~لأنها قالت ما لم يكن بد من أن يقال، ساخطا عليها؛ لأنها عرضته بهذه الكلمة لشر ~~عظيم، فهي قد عرضته لإشفاق تلك الفتاة عليه ورثائها له وضيقها به. ومن يدري لعلها تريد ~~أن تصرفه عنها صرفا، وأن تلقي بينها وبينه حجابا يقطع تلك الأسباب العذاب التي كانت ~~تتيح لهما اللقاء والاستمتاع العقلي والشعوري بما كانا يقرأان معا من آيات الأدب ~~الفرنسي. # ومن يدري لعل هذه الكلمة التي ألقاها في تدبر وعن غير إرادة أن ترده إلى تلك ~~الظلمة المظلمة التي ظن أنه قد خرج منها، وأن تضطره في يوم قريب أو بعيد إلى أن يترك ~~ذلك البيت ويلتمس له مسكنا آخر لا يسمع فيه ذلك الصوت، ولا يلقى فيه ذلك الشخص، ولا ~~يجد فيه شعور الرضا والنعيم ... وإنما يجد فيه شعورا آخر كله سخط مر وحزن ممض وألم ~~مفسد للحياة. # عاش صاحبنا بين هذا السخط وذلك الرضا أياما لم يكد ينتفع فيها بقراءة أو درس، ولم ~~يكد ms263 يذوق فيها للحياة طعما. # ولكنه يلقى صاحبته بعد أن انجلت عنها غمرة العلة، فإذا هي كعهده بها لم تتغير، لم ~~تزدد إقبالا عليه، ولم يجد منها إعراضا عنه ولا نفورا منه. وإنما هي تلقاه كما ~~تعودت أن تلقاه رفيقة به عطوفا عليه، وتقرأ له كما تعودت أن تقرأ له، وتبين له ما ~~يشكل عليه في أثناء القراءة، كما تعودت أن تفعل من قبل، فيرده ذلك إلى شيء من ~~الأمن، ثم إلى شيء من الدعة وراحة البال. وتنقضي أيام، وإذا ذلك الشعور الخفي ~~العميق الذي ظهر فجأة في ساعة من الساعات ثم استحيا وعاد إلى مستقره ذاك من أعماق ~~الضمير، يظهر مرة أخرى، ولكن في تحفظ وتردد وأناة، لا يتحدث إلى الفتاة بشيء، ولا ~~يتحدث إلى الفتى بشيء حين يلقاها، وإنما يكمن في مستقره من أعماق الضمير. # حتى إذا تقدم الليل وخلا صاحبنا إلى نفسه، وهم أن يستقبل النوم خرج ذلك الشعور من ~~مكمنه، وذاد النوم عن صاحبه، وجعل يسامره حتى يوشك الصبح أن يسفر، ثم يعود إلى مكمنه ~~ذاك، ويسلم الفتى إلى نوم قصير. # ولم تلبث آثار هذا الأرق المتصل أن تظهر، وأن يلحظها أهل البيت، وتلحظها معهم ذات ~~الصوت العذب، وهم يسألونه عن أمره فيلتوي بالجواب، وهم يريدون أن يعرضوه على الطبيب فلا ~~يستجيب لما يريدون، وإنما يزعم لهم أن ليس به بأس. # وما يزال هذا شأنه حتى يظهر عليه بعض الضر، وتسأله الفتاة ذات يوم - وقد خلت إليه ~~تقرأ عليه بعض ما كانا يقرأان - فيريد أن يلتوي بالجواب، فتلح عليه، وإذا هو ينبئها ~~مريدا أو غير مريد بأمره كله. # فتسمع له، ثم تسكت عنه، ثم تأخذ في القراءة حتى إذا أتمتها وهمت أن تنصرف قالت له في ~~رفق: وإذن فماذا تريد؟ # قال الفتى: لا أريد شيئا. # قالت: فإني قد فكرت فيما أنبأتني به، وأطلت فيه التفكير، ولم أنته بعد إلى شيء، ~~وقد أوشك الصيف أن يظلنا وسنفترق، فاصبر حتى إذا كان افتراقنا فستتصل بيننا الرسائل ~~كما تعودنا أن ms264 نفعل، فإذا قرأت في بعض رسائلي أني أدعوك إلى أن تنفق معنا بقية الصيف ~~فاعلم أني قد أجبتك إلى ما تريد، وإن لم تقرأ هذه الدعوة حتى ينقضي الصيف فاعلم أنها ~~الصداقة الصادقة بينك وبيني ليس غير. # ولم يسعد الفتى بشيء قط كما سعد بهذا الحديث، وكانت آية سعادته أنه أطرق ولم يقل ~~شيئا. # وأقبل الصيف وكان الافتراق، وذهبت هي إلى قرية في أقصى الجنوب، وأقام هو في باريس، ~~واتصلت بينهما الرسائل، ولكنها قبل أن تفارقه كلفت زميلة لها أن تكون هي الكاتبة ~~القارئة لرسائلهما حتى لا يطلع على هذه الرسائل زميل من زملائه. # واتصل الفراق شهرا ... ولكن رسالة تصل إليه في آخر هذا الشهر وفيها الدعوة المرتقبة ~~إلى أن يقضي معها ومع أسرتها بقية الصيف. وإذن فقد تحقق أمله، أو كاد أن يتحقق، وهو ~~يعلن إلى زملائه المصريين أنه سيترك باريس إلى حيث يقضي الصيف مع تلك الأسرة، وهم ~~يصدونه عن ذلك مشفقين عليه. # ولكنه مصر على ما أراد، فيصحبه صديقه الدرعمي ذات مساء إلى حيث يضعه في القطار، ~~ويوصي به بعض من فيه، وينصرف عنه ويدعه وحيدا، وينفق الفتى ليلا في القطار، لا يدري ~~أقصر أم طال؛ لأنه لم يفكر في أثنائه إلا في هذا اللقاء الذي سيكون حين يرتفع الضحى ~~ويبلغ القطار غايته، وإذا الصوت العذب يدعو صاحبنا في رفق وعطف وحنان، ويشعر بأنه منذ ~~اليوم سيخلق خلقا جديدا. # | الفصل الخامس عشر # المرأة التي أبصرت بعينيها! # واستأنف الفتى حياة جديدة، بأوسع معاني هذه الكلمة وأعمقها! كان يرى نفسه في كلمة أبي ~~العلاء حين قال: إنه إنسي الولادة، وحشي الغريزة. # كان يرى نفسه إنسانا من الناس ولد كما يولدون، وعاش كما يعيشون، مقسم الوقت والنشاط ~~فيما يقسمون فيه وقتهم ونشاطهم. ولكنه لم يكن يأنس إلى أحد، ولم يكن يطمئن إلى شيء، قد ~~ضرب بينه وبين الناس والأشياء حجاب ظاهره الرضا والأمن، وباطنه من قبله السخط ~~والخوف والقلق واضطراب النفس، في صحراء موحشة لا تحدها الحدود، ولا تقوم فيها ms265 ~~الأعلام، ولا يتبين فيها طريقه التي يمكن أن يسلكها، وغايته التي يمكن أن ينتهي ~~إليها. # ولكنه ينظر ذات يوم فإذا هو قد أخذ يتخفف قليلا قليلا من غريزته تلك الوحشية ~~القلقة، ويحس شيئا من الأنس الرفيق إلى بعض الناس، ثم يحس هذا الأنس يقوى في ~~نفسه من يوم إلى يوم، وإذا هو لا يطمئن إلى ذلك الشخص الحبيب إليه الكريم عليه، وإنما ~~يطمئن إلى غيره من الناس أيضا. # كان يرى نفسه غريبا أينما كان وحيثما حل، لا يكاد يفرق في ذلك بين وطنه الذي نشأ ~~فيه، وبين غيره من الأوطان الأجنبية التي كان يلم بها؛ لأن ذلك الحجاب الصفيق البغيض ~~الذي ضرب بينه وبين الدنيا منذ أول الصبا كان محيطا به، يأخذه من جميع أقطاره في كل ~~مكان، فكان الناس بالقياس إليه هم الناس الذين يسمع أصواتهم، ويحس بعض حركاتهم، ولكنه ~~لا يراهم ولا ينفذ إلى ما وراء هذه الأصوات التي كان يسمعها والحركات التي كان ~~يحسها. # كان غريبا في وطنه، وكان غريبا في فرنسا، وكان يرى أن ما يصل إليه من حياة الناس ~~ليس إلا ظواهر لا تكاد تغني عنه شيئا. # وكانت الطبيعة بالقياس إليه كلمة يسمعها ولا يعقلها، ولا يحقق من أمرها شيئا، ~~كأنما أغلق من دونها بالقياس إليه باب لا سبيل له إلى النفوذ منه. كان ينكر الناس ~~وينكر الأشياء، وكان كثيرا ما ينكر نفسه ويشك في وجوده! # كانت حياته شيئا ضئيلا نحيلا رقيقا لا يكاد يبلغ نفسه. وكان ربما تساءل بين حين ~~وحين عن هذا الشخص الذي كان يحسه مفكرا مضطربا في ضروب من النشاط ما هو؟ وما عسى أن ~~يكون؟ وكان ذلك ربما أذهله عن نفسه وقتا يقصر أو يطول، فإذا ثاب إليها أو ثابت إليه ~~أشفق من هذا الذهول وظن بعقله الظنون، وتساءل: أيجد الناس من الذهول عن أنفسهم مثل ما ~~يجد، ويحسون من إنكار أنفسهم مثل ما يحس؟! # كانت حياته حيرة متصلة كلما خلا إلى نفسه، وكان لا يملك أمره إلا حين كان ms266 يتحدث ~~إلى الناس أو يسمع لهم أو يختلف إلى الدروس، أو يصغي لما كان يقرأ عليه. فأخذ كل هذا ~~ينجاب عنه وأخذ يدخل في الحياة كأنه لم يعرفها من قبل، وكان ذلك الشخص الحبيب إليه ~~الكريم عليه هو الذي أخرجه من عزلته تلك المنكرة، فألغى في رفق وفي جهد متصل أيضا ما ~~كان مضروبا بينه وبين الحياة والأحياء والأشياء من الحجب والأستار! # كان يحدثه عن الناس فيلقي في روعه أنه يراهم وينفذ إلى أعماقهم، وكان يحدثه عن الطبيعة فيشعره بها شعور من يعرفها من قرب. # كان يحدثه عن الشمس حين تملأ الأرض نورا، وعن الليل حين يملأ الأرض ظلمة، وعن ~~مصابيح السماء حين ترسل سهامها المضيئة إلى الأرض، وعن الجبال حين تتخذ من الجليد ~~تيجانها الناصعة، وعن الشجر حين ينشر من حوله الظل والروح والجمال، وعن الأنهار حين ~~تجري عنيفة، والجداول حين تسعى رشيقة، وعن غير ذلك من مظاهر الجمال والروعة ومن مظاهر ~~القبح والبشاعة فيمن كان يحيط به من الناس، وفيما كان يحيط به من الأشياء. # فكان يخيل إليه أنه يكشف له عن حقائق كانت مستخفية عليه، ولم تكن غريبة بالقياس ~~إليه، كأنه قد عرفها في الزمان الأول البعيد، ثم نسيها دهرا طويلا، فهو يذكرها بعد أن ~~طال عهده بها. # وكذلك أخذت تثوب إليه ثقته بنفسه وراحته إلى غيره، وأخذ ينجلي عنه الشعور بالغربة، ~~والضيق بالوحدة والسأم من العزلة. وليس من شك في أنه قد صدق كل الصدق وأعرب عن ذات ~~نفسه في غير تكثر ولا غلو حين قال في بعض ما كتب إن فتاته تلك قد جعلت شقاءه سعادة، ~~وضيقه سعة وبؤسه نعيما وظلمته نورا. # ولم ينفق الفتى وصاحبته صيفهما ذاك فيما تعود الفتيان المحبون أن ينفقوا فيه أيام ~~حبهم الأولى من تلك الحياة الهائمة التي تخلص من المشقة وتتخفف من الجهد وتفرغ لرضا ~~النفوس وغبطة القلوب والذهاب مع الخيال الهائم في كل مذهب. # وإنما عرفا أن وقتهما أضيق من الفراغ للحب ونعيمه، فوقت الفتى في فرنسا محدود، ms267 وعليه ~~واجبات يجب أن تؤدى، وله مهمة يجب أن تتم، وهو مسئول عن هذا كله أمام جامعة في مصر لا ~~تعرف السماح ولا المزاح مع الذين ترسلهم إلى أوروبا ليطلبوا العلم فيها. # ولها الحق كل الحق في ذلك، فهي إنما ترسلهم إلى أوروبا ليتعلموا لا ليحبوا، وليجدوا ~~في طلب العلم لا ليتعلقوا بأسباب الخيال. # وما أكثر ما ذكر الفتى أشهر الصيف تلك في أقصى الجنوب الفرنسي، وما جاء بعدها من ~~الشهور في باريس، فرضي عن صاحبته وعن نفسه رضا لا تشوبه شائبة من سخط أو ~~إنكار. # وانظر إلى فتاة وفتى في أول عهدهما بالخطبة ينفقان أكثر النهار في درس اللاتينية حين ~~يصبحان، وفي قراءة الترجمة الفرنسية لمقدمة ابن خلدون حين يرتفع الضحى. # فإذا جاء وقت الغداء ألما بالمائدة فأصابا شيئا من طعام، ثم أقبلا على تاريخ ~~اليونان والرومان فقرأا منه ما شاء الله أن يقرأا. # فإذا كانت الساعة الخامسة انصرفا عن تاريخ اليونان والرومان إلى الأدب الفرنسي فقرأا ~~منه ما شاء الله أن يقرأا كذلك، لا ينصرفان عن القراءة إلا ريثما يخرجان للتروض خارج ~~القرية التي يعيشان فيها، ينفقان في تروضهما ذاك ساعة أو أقل من ساعة، ثم يعودان إلى ~~المائدة فيصيبان شيئا من طعام ثم تجتمع الأسرة كلها إلى كتاب يقرؤه عليها ذلك الصوت ~~العذب. # حتى إذا تقدم الليل شيئا تفرقت الجماعة، وأوى كل واحد منها إلى غرفته، وخلا صاحبنا ~~إلى نفسه يذكر ماضيه الغريب، وينعم بحاضره السعيد، ويفكر في مستقبله المجهول. # ينفق في ذلك أكثر الليل مؤرقا لا يكره الأرق ولا يدعو النوم. ولكن النوم يغلبه على ~~أمره من آخر الليل، فإذا أسفر له الصبح استقبل يومه آخذا في الدرس كما فعل من ~~أمس. # وعلى هذا النحو أنفق الأشهر الأولى لخطبته، ثم يعود مع الأسرة إلى باريس فيستأنف ~~فيها حياته الجامعية مختلفا إلى السوربون حين يصبح وحين يمسي، خاليا إلى قارئته بين ~~ذلك وإلى أستاذ الفرنسية يوما وأستاذ اللاتينية يوما آخر، مقدرا عسر المهمة التي ~~تكلفها وبعد الغاية ms268 التي يسعى إليها. # وكان قد أزمع أن يظفر قبل كل شيء بدرجة الليسانس ثم يتقدم لدرجة الدكتوراه بعد ذلك، ~~ولم يكن الطلاب المصريون إلى ذلك الوقت يحاولون الظفر بدرجة الليسانس هذه؛ لأنها كانت ~~تكلف الذين يطلبونها عناء ثقيلا ... كانت تكلفهم إتقان الفرنسية أولا ليؤدوا ~~الامتحان التحريري فيما يدرسونه من العلم، وليؤدوه كما يؤديه الطلاب الفرنسيون، ~~يكتبون ما يرادون على كتابته في لغة فرنسية مستقيمة لا عوج فيها ولا خطأ. وكانت تكلفهم ~~درس اللاتينية ليؤدوا فيها امتحانا تحريريا كذلك. # ولم تكن اللاتينية تدرس في مصر لا في المدارس الثانوية ولا في المدارس ~~العالية. # فكان المصريون يرون أنهم لن يستطيعوا مجاراة زملائهم من الطلاب الفرنسيين في هذه ~~اللغة التي لم يسمعوا بها قبل وصولهم إلى فرنسا، على حين كان الطلاب الفرنسيون يدرسونها ~~ست سنين في مدارسهم الثانوية، ثم يدرسونها في الجامعة قبل أن يتقدموا لامتحان ~~الليسانس. # من أجل ذلك كان المصريون يعرضون عن درسها إعراضا لا تكلف فيه، ويعرضون بالطبع عن ~~درجة الليسانس التي لا سبيل إليها من غير هذه اللغة. # وكان ثلاثة من المصريين قد أزمعوا أن يقهروا هذه الصعوبة، ويقتحموا هذه العقبة، ~~ويدرسوا اللغة اللاتينية، ويظفروا بدرجة الليسانس مهما يكلفهم ذلك من الجهد والعناء. ~~فأما أحدهم: فقد جد وكد وتقدم للامتحان فأخفق، ثم أخذ يستعد ليؤدي الامتحان في ~~العام المقبل، ولكن الأسباب تقطعت بينه وبين ذلك؛ أدركته العلة فاضطرب أمره، واختلط ~~عقله، ورد إلى مصر فأنفق فيها أياما كئيبة يائسة، فاستأثرت به رحمة الله فأراحته من ~~أثقال الحياة. # وأما الآخر: فكان الأستاذ الدكتور صبري السوربوني. # وقد جد وكد وتقدم للامتحان مرة ومرة، ولكن عقدة اللاتينية أدركته، فكان إذا ~~أقبل على الامتحان وتلقى النص اللاتيني الذي يجب أن يترجمه إلى الفرنسية ألقى عليه ~~نظرة سريعة، ثم طواه وقدم إلى الممتحنين صفحة بيضاء لم يمسها خطأ أو صواب. وانصرف ~~ضاحكا يتمثل ببيت لاتيني قديم يصور اليأس والقنوط، ولكنه لم يعرف يأسا ولا ~~قنوطا، ولم يذعن لعقبة أو صعوبة، وإنما حاول وطاول وألح ms269 في المحاولة والمطاولة حتى ~~تقدم للامتحان ذات يوم وتلقى النص اللاتيني فلم ينظر فيه نظرة سريعة، وإنما ~~أقبل عليه فترجمه وقدم إلى الممتحنين صحفا أتاحت له الفوز والنجح. # وكان صاحبنا ثالث هذين الزميلين، وكان قد عرف من أمر صاحبيه ما يحتملان من مشقة وما ~~يبذلان من جهد، وما يلقيان من إخفاق، فلم يفل ذلك من عزمه، وإنما مضى في درس ~~اللاتينية في بيته وفي السوربون مصمما على أن يظفر بهذه الدرجة مهما يكن دونها من ~~العقاب. # ولكن مشكلة خطيرة عرضت له، وكانت خليقة أن تفسد عليه أمره كله، ولم يكن بينها وبين ~~الدرس صلة، فهو قد خطب تلك الفتاة إلى نفسها وإلى أسرتها، وقد قبلت الفتاة خطبته بعد ~~تردد طويل، وقبلتها الأسرة بعد امتناع وإباء، ولكن صاحبنا لم ينس إلا شيئا واحدا، ~~وهو أنه قد أعطى الجامعة قبل أن يسافر إلى أوروبا ذلك العهد الذي كان يعطيه أعضاء ~~البعثة جميعا قبل سفرهم ألا يتزوج في أثناء إقامته في الخارج طالبا للعلم. # وهو لم ينقض هذا العهد؛ لأنه خطب ولم يتزوج ولكنه عجل إلى الزواج، فليس له بد ~~إذن من استئذان الجامعة أو نقض العهد الذي أعطاه لها، وقد أزمع أن يستأذنها، وكتب إليها ~~في ذلك، ولكنه كان يطيل التفكير في عواقب هذا الكتاب، كان يرجح ألا تأذن له الجامعة، ~~وكان يسأل نفسه فيطيل السؤال عما يكون من أمره إن رفضت الجامعة الإذن له فيما ~~يريد. # وكان ذلك ربما نغص عليه حياته من حين إلى حين، ولكن الجامعة كانت أرأف به وأرحم له ~~مما قدر، فأذنت له بعد خطوب لم يعرفها إلا بعد أن أتم درسه وعاد إلى مصر. أذنت له ~~الجامعة إذن، ولكنه هو لم يأذن لنفسه ولم تأذن له الفتاة حتى يظفر بدرجة الليسانس هذه ~~التي لم يظفر بها مصري بعد، وحتى يشعر الجامعة بأنه صاحب جد ونشاط وإنتاج لا صاحب لعب ~~وكسل واشتغال بنفسه عما يجب عليه من الدرس والتحصيل. # والغريب من أمر صاحبنا أنه لم يكن في ms270 ذلك العام يتهيأ لامتحان الليسانس وحده، وإنما ~~كان في الوقت نفسه يعد رسالته للدكتوراه، وقد زاده إذن الجامعة له بالزواج جدا ~~وكدا ونشاطا، حتى كان العام الأول لخطبته غريبا حقا، كلف فيه نفسه وخطيبته من ~~الأمر أعسره وأشده مشقة. # ولم ينس الفتى قط ولم تنس صاحبته، أنهما كانا يخرجان بين حين وحين في أيام الآحاد ~~من باريس يطلبان النزهة والتروض، فلم يخرجا قط وحدهما وإنما صحبهما دائما كتاب من هذه ~~الكتب الثقال التي ترهق القارئين فيها من أمرهم عسرا؛ والذين يعرفون كتب أوجست كونت ~~ويقدرون ما فيها من العسر الذي يتصل بمعانيها وألفاظها وأسلوبها، يرحمون هذين الخطيبين ~~اللذين كانا يختلفان إلى هذه الغابة أو تلك من الغابات التي تحيط بباريس، فيأويان إلى ~~ظل شجرة من أشجارها ويأخذان في هذه القراءة العسيرة الشاقة المرهقة التي لم يكن بينها ~~وبين ما كان يملأ قلبيهما من الحب والأمل سبب قريب أو بعيد. # وقد أقبلت بوادر الصيف من ذلك العام وجعل الفتى يستعد للامتحان، ثم دفع إليه في شهر ~~يونيو فلم يتردد ولم يتلكأ، وإنما أقدم في عناد أي عناد، لم يكن واثقا بنفسه ولا ~~مطمئنا إلى نتيجة هذه المغامرة التي يقدم عليها، ولكنه كان يقول لنفسه إن أتيح لى ~~النجح فرمية من غير رام، وإن كتب علي الإخفاق فما أكثر الذين يخفقون! # وكان مزمعا إن ظفر بالنجح أن يبرق به إلى الجامعة، وإن كتب عليه الإخفاق أن يكتمه ~~ويجعله سرا بينه وبين نفسه إن أمكن أن يكتم الإخفاق في الامتحان، ومن حوله زملاؤه ~~المصريون يرقبونه رفاقا به مشجعين له عاطفين عليه. # وقد أتيح له النجح ... وكان الأستاذ الدكتور صبري السوربوني هو الذي أقبل ذات مساء ~~فرحا يكاد يخرجه الفرح عن طوره، مكدودا يقطع الإعياء تنفسه لشدة ما جرى بين ~~السوربون وبين بيت الفتى، ولشدة ما أسرع في صعود السلم إلى بيت الفتى في الطبقة ~~السادسة، فلم يكد يفتح له الباب حتى أعلن لمن فتحه له أن زميله قد ظفر بدرجة الليسانس، ~~ولم يدخل ms271 وإنما رجع أدراجه ولم يرد أن يستريح. # وكان الزميل الكريم قد تقدم للامتحان، ولم يكن ينظر في النص اللاتيني حتى طواه وقدم ~~صحفه البيضاء ضاحكا متمثلا ببيته اللاتيني ذاك الذي يصور اليأس والقنوط، فكان رائعا ~~حقا أن يكون ابتهاجه بفوز زميله بهذه الدرجة العسيرة أملك له وأشد استئثارا به من ~~إخفاقه هو في الامتحان! # وألقى نبأ النجح إلى الفتى، فلم يصدقه حتى صحبته خطيبته إلى السوربون وقرأت له اسمه ~~بين أسماء الناجحين، ثم لم تعد به إلى البيت حتى حجزت أمكنة للأسرة كلها في بيت موليير ~~تكافئ بذلك صديقها وخطيبها على هذا النجح الذي لم يكن مرتقبا. # وأصبح الفتى من غده فأبرق إلى الجامعة، ولم يمض يومان حتى أبرقت إليه الجامعة تهنئه ~~وترسل إليه مكافأة قدرها عشرون جنيها. # في ذلك اليوم قرر الخطيبان أن يتما زواجهما قبل رحلة الصيف إلى الجنوب. # | الفصل السادس عشر # طلب تأجيل الامتحان للزواج! # وكان أمر الفتى في عامه الدراسي ذاك عجبا كله، فهو لم يتهيأ لامتحان الليسانس وحده ~~على ما فيه من عسر ومشقة، وإنما جعل يعد رسالته للدكتوراه عن فلسفة ابن خلدون ~~الاجتماعية. فقرأ لذلك ما شاء الله أن يقرأ في اللغتين العربية والفرنسية، وترجمت له ~~نصوص أخرى من لغات أوروبية مختلفة، ثم أخذ في إملاء رسالته، يقول هو وتكتب صاحبته، ~~وتقوم في أثناء ذلك ما يعوج من لغته الفرنسية. ولا يكاد يفرغ من إملاء فصل من فصول ~~هذه الرسالة حتى يعيد قراءته، ثم يعرضه على أستاذه المستشرق الفرنسي كازانوفا، فإذا ~~أقره أخذ في إملاء الفصل الذي يليه. ولم تكن الجامعة قد فرضت عليه هذه الرسالة، بل لم ~~يكن بين هذه الرسالة وبين برنامجه الدراسي سبب؛ فهو قد أرسل ليدرس التاريخ، وكلف ~~الحصول على درجة الليسانس، وتطوع هو بهذه الرسالة لأنه سمع دروس الاجتماع التي كان ~~يلقيها الأستاذ دوركيم، فشغف بهذا العلم أي شغف، وأراد أن تكون له مشاركة فيه، وأن ~~يشرف الأستاذ على هذه المشاركة. فاتفق معه على موضوع الرسالة، وعلى أن يكون ms272 هو مشرفا ~~عليها من الناحية الفلسفية، وأن يشاركه في الإشراف مستشرق يحسن العلم بالشئون العربية ~~والإسلامية، فكان كل فصل من هذه الرسالة يقرؤه أستاذان؛ يقرؤه الأستاذ المستشرق أولا، ~~ثم يقرؤه الأستاذ دوركيم بعد ذلك. # ولما استقام أمر هذه الرسالة للفتى كتب إلى الجامعة ينبئها بما صمم عليه، وبأن هذا لن ~~يغير من برنامجه المرسوم شيئا، بل ينبئها بأنه يزمع أن يضيف إلى هذا البرنامج المرسوم ~~شيئا آخر: يريد - إن ظفر بالليسانس - أن يظفر بالإجازة التي تليه، وهي دبلوم الدراسات ~~العليا. واستأذن الجامعة في أن يتهيأ لنيل درجة دكتوراه الدولة في التاريخ، على أن ~~ذلك يستلزم أن تمتد إقامته في أوروبا أربعة أعوام بعد حصوله على الليسانس ~~والدبلوم. # فكتبت إليه الجامعة تأذن له بنيل الدبلوم إن استطاع بعد الليسانس، وتعفيه من دكتوراه ~~الدولة في التاريخ؛ لأنها تطيل إقامته في أوروبا وتكلف الجامعة من النفقات أكثر مما ~~تطيق. # ثم أذنت له بتقديم رسالته عن ابن خلدون لنيل دكتوراه الجامعة، وذكرته بالعهد الذي ~~قطعه على نفسه قبل أن يسافر من مصر وهو: ألا يقدم رسالة إلى جامعة أجنبية مهما يكن ~~موضوعها إلا بعد أن تقرأها الجامعة المصرية وتأذن في تقديمها، وكان الصديق الكريم ~~الدكتور منصور فهمي هو الذي اضطر الجامعة إلى أن تأخذ طلابها في أوروبا بأن يعطوا على ~~أنفسهم هذا العهد. # والناس لم ينسوا بعد ما أثارت رسالة الدكتور منصور التي حصل بها على الدكتوراه من ~~ضجيج وعجيج أثارا سخط الهيئات الرسمية أولا، وسخط الرأي العام بعد ذلك. واضطر الصديق ~~الكريم إلى أن ينأى عن مصر قريبا من عام، ولا يعود إليها إلا حين اضطرته الحرب إلى أن ~~يعود، وحيل بينه وبين التعليم في الجامعة أعواما، حتى إذا كانت الحركة المصرية سنة تسع ~~عشرة وتسعمائة وألف، وما نشأ عنها من الأحداث ومن تحرر العقول، أذن له بما كان ينبغي ~~أن يؤذن له فيه منذ أتم درسه في فرنسا، وكان ثروت باشا رحمه الله هو الذي أذن له في ~~ذلك. # ولم ينس الفتى ms273 مساء يوم من الأيام جلس فيه بين زملائه إلى بعض الأساتذة في الجامعة ~~حين كان طالبا، وإنه لمصغ إلى الأستاذ وإذا يد تمسه مسا رفيقا ثم تحاول إقامته ~~مكانه، فيلتفت فينبئه صوت بأن الذي يريد أن يقيمه هو علوي باشا، فيستجيب الفتى لهذه ~~اليد وهو يشفق في نفسه من بعض الشر، فهو قد أقيم مرة من درسه في الأزهر مع صاحبين له ~~ليقدما للمحاكمة أمام شيخه الأكبر الشيخ حسونة رحمه الله. وقد سأل الفتى إلى من سيقدم، ~~وفيم يمكن أن يحاكم هذه المرة، ورأى الفتى نفسه قد أجلس على كرسي وقيل له: إنك أمام ~~مجلس إدارة الجامعة، وإن المجلس يريد أن يسألك عن بعض الأمر، وإذا صوت رقيق يتحدث إليه ~~في رفق، فينبئه أولا باسمه: عبد الخالق ثروت، ويسأله بعد ذلك عن حكم الدين في أشياء ~~تليت عليه من رسالة لطالب من طلاب الجامعة في أوروبا. # قال الفتى: فإنه لا يملك الإفتاء في أمور الدين. # قال محدثه: فإنا نريد أن نعرف رأيك. # قال الفتى وهو يبسم في شيء من غضب ساخر: كنت أظن أنني في الجامعة حيث لا يحاسب ~~الناس على آرائهم، فإذا أنا أراني في الأزهر لا أسأل عن رأي نفسي وإنما أستفتى في رأي ~~غيري من الناس. # قال صوت غليظ: رده يا علوي باشا إلى درسه فلن نأخذ منه شيئا. # ورد الفتى إلى درسه لم يصحبه في عودته علوي باشا وإنما صحبه خادم من خدم ~~الجامعة. # ومنذ أثار الدكتور منصور ذلك الضجيج أقامت الجامعة نفسها رقيبا على رسائل طلابها، ~~وأخذت عليهم العهد ألا يقدموا رسائلهم إلى الجامعات الأجنبية حتى تأذن لهم هي في ذلك ~~بعد أن تقرأ الرسائل وتقرها. فلما استأذنها الفتى في تقديم رسالة عن ابن خلدون ذكرته ~~بعهده ذاك، فوفى به وأرسل نسخة من الرسالة بعد أن أتمها، وأحالها مجلس الإدارة إلى ~~الأستاذ أحمد لطفي السيد فقرأها ورضي عنها، وأذنت الجامعة في تقديمها إلى ~~السوربون. # ولم ينقض شهر يوليو من ذلك العام حتى كان الفتى قد ms274 نجح في الليسانس من جهة، وأذنت له ~~السوربون في طبع رسالته توطئة لمناقشتها بعد الصيف. # وقد تخفف الفتى من عبئين ثقيلين؛ عبء الليسانس وما فيه من امتحان اللغة اللاتينية، ~~وعبء الرسالة وما فيها من رقابة الجامعة والإذن في تقديمها. على أن فوزه بالليسانس لم ~~يكن كاملا، فهو قد نجح في الامتحان التحريري نجاحا حسنا، ولكنه كان قد شق على نفسه ~~بالاستعداد لهذا الامتحان وكتابة الرسالة، وهو بعد ذلك مشغول متصل التفكير في زواجه ~~الذي أذنت به الجامعة والذي كان يجب أن يتم في ذلك الصيف. # فخادع الفتى نفسه شيئا، وقرر أن يرجئ الامتحان الشفهي إلى الدور الثاني في أول العام ~~الدراسي، وما هي إلا أن يعرض نفسه على طبيب فيشهد كتابة بأنه مكدود الأعصاب محتاج إلى ~~الراحة، ويقدم هذه الشهادة إلى السوربون فتؤجل ما بقي من امتحانه إلى شهر نوفمبر، ويفرغ ~~الفتى لنفسه وخطيبته، وما كان يعنيهما من أمر الزواج. # فإذا كان اليوم التاسع من أغسطس من ذلك العام، أصبحا زوجين حين انتصف النهار، وتركا ~~باريس إلى الجنوب حين أقبل الليل، ولم يفرغا مع ذلك لحياتهما الجديدة في أثناء الصيف، ~~وإنما استقرا في مدينة هادئة من مدن الجنوب، وأقبلا فور استقرارهما على ما لم يكن بد ~~من الإقبال عليه وهو الاستعداد للامتحان الذي يجب أن يؤدى بعد شهرين. # وكان الاستعداد عسيرا حقا، فلم يكن بد لطالب الليسانس في التاريخ من أن يكون ~~مستعدا بعد نجاحه في الامتحان التحريري لأن يسأل فيما يريد الأساتذة أن يسألوه فيه من ~~تاريخ العصور القديمة، وتاريخ القرون الوسطى، والتاريخ الحديث، والتاريخ المعاصر، ~~والجغرافيا، والفلسفة، ولغة أوروبية غير اللغة الفرنسية، وحسبك بهذا كله عبئا ثقيلا ~~وعناء طويلا، وحسبك به أو بالاستعداد له نعيما يلائم حياة عروسين قد أتما زواجهما ~~منذ أيام! # وهما مع ذلك يقبلان على هذه المحنة الثقيلة لا يضيقان بها ولا ينفران منها، وإنما ~~يصبحان في التاريخ ويمسيان في الجغرافيا ويلمان بالإنجليزية بين ذلك، ويتركان أمر ~~الفلسفة إلى الله وإلى ذاكرة الفتى، وما يمكن ms275 أن يكون قد استقر فيها مما سمع في ~~السوربون أثناء العام. # وينقضي الصيف ويعود الزوجان إلى باريس، ويقبل صاحبنا على الامتحان مشفقا منه أعظم ~~الإشفاق، مروعا به أشد الروع لا يخاف التاريخ القديم، وإنما يخاف أشد الخوف أساتذة ~~التاريخ الحديث والتاريخ المعاصر، ولا يكاد يذكر الجغرافيا حتى يجن جنونه، فقد كان ~~واثقا بأنه مخفق فيها من غير شك، وقد كتب عليه أن يرضى في يوم من أيام الامتحان كل ~~الرضا مصبحا وأن يسخط فيه كل السخط ممسيا. # وأقبل من ضحى ذلك اليوم على أستاذ تاريخ القرون الوسطى وكان من أعظم أساتذة السوربون ~~قدرا، وهو الأستاذ شارلي ديل، فإذا الأستاذ قد كتب على أوراق صغيرة أسئلة كثيرة وضعها ~~أمامه، وجعل الطلاب كلما أقبل واحد منهم على الأستاذ يرمقونه ويرقبون ما يسعفه به الحظ، ~~ويقبل صاحبنا ترافقه زوجه، فإذا أخذت ورقة ودفعتها إلى الأستاذ نظر فيها ثم ابتسم ثم ~~قال في صوت عذب: لقد أسعدك الحظ بمرافقة هذه الآنسة، حدثني إذن عن الإمبراطورية العربية ~~أيام بني أمية، وما أرى إلا أنك تعرفها خيرا مما أعرفها. # واندفع الفتى في حديثه لا يلوي على شيء حتى وقفه الأستاذ قائلا: حسبك فقد ظفرت ~~بالدرجة العليا. # في ذلك اليوم لم يعد الزوجان إلى البيت ليصيبا غداءهما، وإنما ألح الفتى على صاحبته ~~في أن يرفها عن نفسيهما بتناول الغداء في مطعم من مطاعم الحي اللاتيني، يجدان فيه من ~~لين الطعام ما لم يكن مقدرا أن يجداه إن عادا إلى البيت. وكانت صاحبته تكره له أن يسرف ~~فيما يبقى له من مرتبه بعد أداء ما عليه فيه من الحق، فامتنعت عليه وألحت في ~~الامتناع، ولكنه ما زال بها حتى استجابت له، فأصابا في ذلك اليوم غداء قلما كانا يصيبان ~~مثله في سائر أيامهما. # وعادا بعد ذلك إلى السوربون، وإن قلب الفتى ليخفق فرقا وقلقا؛ وكيف لا وهو ~~مقبل على امتحان الجغرافيا بعد قليل؟ وكان قد قدر في نفسه أن الأستاذ الذي سيمتحنه لن ~~يراه مقبلا عليه حتى يرفق ms276 به ويعرف أن مثله لا ينبغي أن يسأل إلا فيما يفهمه العقل ~~وتحفظه الذاكرة بدون أن يحتاج إلى الإبصار، يسأله في الجغرافيا السياسية أو الاقتصادية ~~أو البشرية، ولا يسأله في الجغرافيا الطبيعية مثلا. ولكن الأستاذ يدعوه فيسعى إليه ~~ويجلس بين يديه، ويقول الأستاذ في هذه المداعبة الرفيقة التي يتكلفها الممتحنون عادة: ~~مسيو حسين، صف لي مجرى نهر الرون. # ويسمع الفتى هذا السؤال فيسرع إليه الوجوم، ولكن العناد يسبق الوجوم إلى عقله وقلبه ~~جميعا، وإذا هو يرفض الإجابة عن هذا السؤال في صوت لا تردد فيه ولا اضطراب. # قال الأستاذ متلطفا: فإن من الحق عليك أن تجيب حين تسأل. # قال الفتى: ولكني لن أجيب. # قال الأستاذ: فقد اكتفيت. # ودعا طالبا آخر. # فانصرف صاحبنا محزونا مدحورا، مستيقنا أنه قد أخفق في الامتحان، وأن نجحه في أول ~~الصيف قد ذهب هباء، مشفقا في الوقت نفسه على صاحبته من هذا الحزن الذي سيسعى إليها من ~~غير شك، ولكن صاحبته تخرج به من هذه الغرفة مترفقة به قائلة له في ابتسامة عذبة: وما ~~رأيك في فنجان من القهوة تتهيأ به للقاء أستاذ الفلسفة! وقال: وفيم لقاء هذا الأستاذ ~~وقد ذهب الامتحان كله هباء؟ # قالت متضاحكة: لا عليك، فقد كان هذا الممتحن غليظ الطبع قليل الحظ من الذوق. # وما زالت به حتى سقته القهوة، ثم عادت به إلى السوربون، فلقي أستاذ الفلسفة وسمع منه ~~وقال له غير محقق في نفسه شيئا مما سمع أو مما قال. # وراحا إلى بيتهما وهو يضمر اليأس ويظهره، وهي تظهر الأمل، والله يعلم ما كانت ~~تضمر. # وتكلف صاحبنا أن يشغل نفسه عن التفكير في الامتحان بالتفكير في مناقشة الرسالة التي ~~تم طبعها وقدمت إلى السوربون، والتي سيحدد لمناقشتها فيما كان يقدر موعد ~~قريب. # ولم تتحدث إليه صاحبته في أمر هذا الامتحان، وإنما جعلت تتحدث إليه في أشياء كثيرة ~~ليس بينها وبين السوربون وعنائها صلة، ثم تقبل عليه ذات يوم فلا تكلمه ولا تلقي إليه ~~تحيتها وإنما تقبله ثم تهمس في أذنه: ms277 لقد نجحت! # ولم يصدق الفتى ما سمع حتى أنبأته بأنها عائدة من السوربون حيث أعلنت أسماء الناجحين ~~وفيها اسمه. # وعلم الفتى بعد ذلك أن الأستاذ ريمونجون أستاذ الجغرافيا لم يكن غليظ الطبع ولا قليل ~~الحظ من الذوق، فلم يمنحه الصفر الذي كان يستحقه، وإنما منحه درجتين اثنتين ليعصمه من ~~الإخفاق إن أتيح له النجح في غير الجغرافيا من مواد الامتحان. # وتريد الظروف بعد سنين أن يعقد في مصر مؤتمر للجغرافيا، وأن يكون هذا الأستاذ من ~~الذين مثلوا وطنهم في هذا المؤتمر، وأن يلقاه صاحبنا في حفلة من حفلات الشاي التي تكثر ~~حول المؤتمرات، فإذا قدم إليه صافحه وأطال النظر إليه وإلى صاحبته ثم قال متضاحكا: ~~يخيل إلي أني رأيتك! # قال الفتى مغرقا في الضحك: نعم رأيتني، وكدت تضيع علي درجة الليسانس. # قال الأستاذ: الآن ذكرتك ... ولعلك راض عني؛ لأني لم أعطك الصفر الذي كنت له ~~أهلا! # ولم يضحكا وحدهما، وإنما ضحك معهما من كان حولهما من الناس. # وكذلك خلص الفتى من مشكلات الليسانس، وأقبل على الرسالة يتهيأ لمناقشتها مستريح القلب ~~هادئ النفس راضي الضمير، ولكنه لم يلبث أن روع بوفاة الأستاذ دوركيم المشرف الفلسفي ~~على رسالته، وكان الفتى لأستاذه محبا وبه معجبا إعجابا يوشك أن يبلغ الفتون، فأدركه ~~للخطب فيه حزن عميق، ولكن للحياة حقائقها وتبعاتها، وليس بد لهذه الرسالة من أن ~~تناقش، وليس بد لمناقشتها من فيلسوف متخصص في الاجتماع. # وقد استطاعت السوربون أن تندب لمناقشة الفتى في رسالته أستاذا من أساتذتها كان من ~~تلاميذ الأستاذ الفقيد وهو الأستاذ بوجليه. وكذلك تم الاستعداد للمناقشة، ولكن ~~الدكتوراه الجامعية في فرنسا لا يكفي فيها أن تقدم الرسالة وأن تناقش، بل يجب أن يناقش ~~الطالب قبل ذلك في موضوعين يختاران له قبل اليوم الموعود ليتهيأ للخوض فيهما. # ويتصل الفتى بأساتذته الذين سيمتحنونه ليعرف منهم هذين السؤالين، فأما الأستاذ ~~المستشرق فلم يقترح شيئا واكتفى برسالة الطالب عن ابن خلدون، وأما الأستاذ الفيلسوف ~~فاقترح على الفتى موضوعا رآه في أول الأمر عسيرا أشد العسر، ms278 ثم لم يلبث أن رآه يسيرا ~~كل اليسر بعد أن عرف الموضوع الثاني الذي اقترحه أستاذ التاريخ، اقترح الأستاذ ~~الفيلسوف: «علم الاجتماع كما يتصوره أجوست كونت»، واقترح أستاذ التاريخ - وكان من مؤرخي ~~الرومان وهو الأستاذ جوستوف بلوك - «القضايا التي رفعت على حكام الأقاليم كما يصورها ~~بلينوس الشاب في رسائله». # وقال الأستاذ وهو يلقي هذا الموضوع إلى الفتى: وأريد أن أناقشك في النصوص فلا تكتف ~~بفهم التاريخ. # في ذلك اليوم عاد الفتى إلى أهله يرعد من الخوف والسخط جميعا. كان يظن أنه قد فرغ من ~~اللغة اللاتينية وعنائها، وإذا أستاذ التاريخ ذاك يرده إليها ويفرض عليه أن يدرس طائفة ~~من رسائل ذلك الكاتب اللاتيني القديم. # وأقبل الفتى على رسائل ذلك الكاتب فقرأها كلها مترجمة إلى الفرنسية أولا، واستخرج ~~منها الرسائل التي تمس موضوعه فعاد إليها يدرسها في نصوصها اللاتينية درسا دقيقا ~~عميقا؛ لأنه كان يعرف الأستاذ، ويعلم أنه لا يحب المزاح ولا يكتفي بالقليل. # ولم يرتعد الفتى في امتحان قط إلا في هذا الامتحان حين أخذ الأستاذ يناقشه في هذه ~~الرسائل، ونسي حكام الأقاليم وقضاياهم، ولم يحفل إلا بالنص اللاتيني من حيث هو نص ~~أدبي يجب فهمه أولا وذوقه ثانيا وتحليله ونقده بعد ذلك. # ولولا فضل من شجاعة واستحياء من الرفاق ومن زوجه التي كانت تشهد الامتحان ومن سائر ~~النظارة لاصطكت أسنانه ذعرا وهلعا، ولكنه ثبت للخطب على كل حال، وإن رأى الأساتذة ~~والنظارة أن فرائصه كانت ترتعد، وأنه كان شديد الاضطراب، وثابت نفسه إليه حين سكت عنه ~~أستاذ التاريخ وأخذ أستاذ الفلسفة في مناقشته وجرت ريح الامتحان له رخاء حتى رفعت ~~الجلسة. # وخلت اللجنة للمداولة وعادت بعد لحظات فأعلن إليه رئيسها، وهو أستاذ التاريخ، أن ~~الكلية ترشحه لدرجة الدكتوراه مع مرتبة الشرف الممتازة ومع تهنئة اللجنة. # ولأول مرة سمع الفتى تصفيق النظارة من الفرنسيين لشخصه المتضائل الضعيف. # وعاد إلى أهله جذلان فرحا، وظن أن قد حطت عنه أثقال الدراسة، وأن ما بقي له ~~منها لن يكون شيئا ذا بال. # ولكن ms279 الأيام كشفت له عن أنه كان مغاليا في تفاؤله بل مسرفا في الغلو؛ فقد بقي عليه ~~أن يظفر بدبلوم الدراسات العليا، وأراد حظه أن يعد رسالته لهذا الدبلوم بإشراف أستاذ ~~التاريخ ذلك الذي أرهقه من أمره عسرا. # | الفصل السابع عشر # يوم سقطت القنبلة على بيتي! # ولم يمهل صاحبنا نفسه بعد أن فرغ من امتحان الدكتوراه إلا أياما قليلة، ثم أقبل على ~~درس أستاذ التاريخ ذاك كما تعود أن يفعل منذ أقام في باريس، وكان على هذا الدرس ~~حريصا ولصاحبه محبا، بل كان إعجابه بصاحب هذا الدرس عظيما، فلما انتهى الأستاذ من ~~درسه سعى إليه صاحبنا خزيان وجلا، وأنبأه بأنه يود لو أذن له في أن يهيئ ~~بإشرافه رسالة في التاريخ القديم ينال بها دبلوم الدراسات العليا. # وقد قبل الأستاذ طلب تلميذه أحسن قبول، وضرب له موعدا بعد درس الغد ليتحدث معه في ~~موضوع هذه الرسالة، وانصرف الفتى راضيا مشفقا؛ راضيا عن العمل مع هذا الأستاذ ~~العظيم، مشفقا من مشقة هذا العمل، فقد كان الأستاذ معروفا - على حبه لتلاميذه - ~~بالشدة عليهم وتكليفهم من الأعمال أشقها وأشدها عسرا ومحاسبتهم بعد ذلك حسابا لا رفق ~~فيه. # ولقي الفتى أستاذه من الغد فقال له متضاحكا: لقد وجدت لك موضوعا قيما حقا؛ لأنه ~~سيتيح لك من القراءة ما ستنعم به أحسن النعيم موقعا في النفوس. # قال الفتى متشوقا: وما ذاك؟! # قال الأستاذ: ستدرس القضايا التي أقيمت في روما على حكام الأقاليم الذين أهانوا جلال ~~الشعب الروماني وغضوا من شرفه، كما صورها المؤرخ العظيم تاسيت، وأؤكد لك أنك ستسعد ~~بقراءة هذا المؤرخ كما لم تسعد قط بقراءة مؤرخ أو أديب. # ثم أحصى له طائفة من الكتب يجب أن يقرأها، وطائفة أخرى يجب أن يرجع إلى بعض فصول ~~فيها، ولم يستطع صاحبنا أن يناقش الأستاذ أو يجادله في هذا الموضوع العسير، وإنما سمع ~~وأطاع، وانصرف قلقا مستخذيا. # ثم فكر حين خلا إلى نفسه في هذه الكتب التي ينبغي أن يقرأها أو يراجع فصولا فيها، ~~فرأى أنه لا ms280 يستطيع أن يستعيرها؛ لأن مثل هذه الكتب لا تعار من مكتبة الجامعة لكثرة ~~حاجة الطلاب إليها، وليس له بد إذن من شرائها، وفي شرائها المعضلة الكبرى، فثمنها لا ~~يقل عن المرتب الذي يتقاضاه أثناء شهرين كاملين! # وكتب إلى الجامعة يستعينها على شراء هذه الكتب، فأبت عليه، وكانت الجامعة شديدة البخل ~~على طلابها، تكرهها ظروفها المالية على ذلك إكراها، فهي لم تكن تعينهم على ما يعرض لهم ~~من المرض، ولا على ما يحتاجون إليه من الكتب. وإنما كانت تعطيهم مرتباتهم وأجور ما ~~يحتاجون إليه من الدروس الخاصة إذا تبينت أن ليس لهم من هذه الدروس بد، ثم تخلي ~~بينهم وبين حياتهم يصنعون بها ما يريدون، أو تصنع هي بهم ما تريد. وعلى الطلاب مع ذلك ~~أن يثبتوا جدهم في الدرس وتقدمهم فيه، فإن ثبت لها تقصير أو قصور فليس بد للطالب ~~من أن يعود إلى مصر ويوفر ما تنفقه الجامعة عليه من المال . # وقد راجع صاحبنا الجامعة في أمر هذه الكتب فأذنت له - بعد خطوب - في أن يشتريها ~~وينتفع بها على أن تكون ملكا للجامعة ترد إليها بعد عودته إلى مصر. # وكذلك أخذ يتهيأ لهذا الموضوع الخطير، وأي شيء أخطر بالقياس إلى مصري مثله لم يعرف ~~اللاتينية إلا بأخرة، ولم يسمع في مصر إلا دروس الأزهر في علومه الموروثة ودروس الجامعة ~~التي ليس بينها وبين تاريخ اليونان والرومان صلة - أي شيء أخطر بالقياس إلى مصري مثله ~~من العكوف على هذا المؤرخ الروماني العظيم العسير يقرؤه ويحصي ما فيه من أخبار هذه ~~القضايا، ثم يفهم هذه القضايا من نواحيها القانونية الخالصة، ثم يعرضها بعد ذلك عرضا ~~واضحا مستقيما؟! لقد أحس في نفسه شيئا من الندم على أنه لم يختر لرسالته موضوعا في ~~التاريخ العربي الذي يحسنه، والذي لا يكلفه قراءة في اللاتينية ولا فيما يشبه ~~اللاتينية، ولكنه قد ورط نفسه في هذا الموضوع، وليس له بد من أن ينفذ من مشكلاته، ~~مهما يكلفه ذلك من جهد أو عناء. # وإنه لما بدأ في ms281 قراءته تلك العسيرة، إذا حدث يحدث ذات ليلة فيقطع هذه القراءة فجأة، ~~ويضطره إلى أن يترك باريس، ويفر بنفسه وبزوجه إلى جنوب فرنسا، طلبا للأمن واجتنابا ~~للخطر، وكان ذلك حين انتصفت ليلة من ليالي فبراير أو كادت تنتصف، وكان كل شيء هادئا من ~~حول صاحبنا، وكان قد انصرف عن القراءة وأوى إلى مضجعه، وأخذ النوم يسعى إليه أو أخذ هو ~~يسعى إلى النوم، ولكن النذير بالغارة الجوية يوقظ أهل البيت جميعا، وصاحبنا شجاع لا ~~يحفل بالغارة ولا يريد أن يظهر أهل البيت منه على ذعر أو شيء يشبه الذعر، فهو يأبى أن ~~ينهض من مضجعه ساخرا من الغارة والمغيرين، وما أكثر ما سمع أهل باريس هذا النذير! وما ~~أكثر ما اهتم له المهتمون، وسخر منه الساخرون، وانجلت غمرته عن باريس دون أن تلقى منه ~~كيدا! فما يمنع هذه الغارة أن تكون كغيرها من سابقاتها؟ وصاحبنا معتد بنفسه معتز ~~بشجاعته، يرى أهل البيت من حوله يتهيئون للهبوط من طابقهم السادس ليئووا إلى مخبئهم ~~ذاك، وهو ثابت في مضجعه لا يريم، ولكنه يسمع فجأة صوتا مروعا، وينظر فإذا هو يهبط ~~مع الهابطين مسرعا، لا يحفل بما يمكن أن يلقاه من عقبات، ولا يثوب إلى نفسه إلا بعد أن ~~استقر في مجلسه من المخبأ بين اللاجئين إليه من أهل الحي، وهو مستخذ في نفسه، ~~ومستخذ من أهله، ولكن ماذا يصنع وقد كانت الغريزة أقوى من عقله وإرادته جميعا؟ # وتنجلي الغمرة، ويأوي الناس إلى مضاجعهم، فإذا أصبحوا رأوا شرا عظيما، فقد سقطت ~~القنابل في الحي اللاتيني نفسه، ودمرت أبنية قريبة من الدار التي كان يسكنها صاحبنا، ~~وهو يحس آثار هذا التدمير في طريقه مصبحا إلى السوربون، ويسمع من أنبائه الشيء الكثير، ~~ولم يخطر له أن في هذا الحادث ما يضطره إلى ترك باريس والهجرة إلى الجنوب، ولكن ظروف ~~زوجه تفرض عليه ذلك بأمر الطبيب، فيهاجر معها إلى مونبلييه مقدرين أن يقيما فيها إلى أن ~~يصل الطفل الذي كانا ينتظرانه، ثم يعودا بعد ذلك إلى ms282 باريس. # وهم صاحبنا بعد أن استقر في مونبلييه أن يدرس الحقوق ويتخرج في القانون، يبدأ الدرس ~~في فرنسا ويتمه في مصر بعد أن يعود إليها. ولكن إعداد رسالته تلك شغله عن ذلك، وما أكثر ~~ما لام نفسه وشق عليها في اللوم بأنه لم يتم ما حاول من دراسة القانون! فقد ألمت به في ~~حياته محن وخطوب. # وكان ينظر فيرى نفسه مسئولا عن أسرة فيها صبيان بريئان لم يخاصما السلطان ولم ~~يثيرا غضبه، وعن زوج بريئة غريبة لا شأن لها بما كان يحدث في مصر من الأحداث، ويرى نفسه ~~مع ذلك اضطر إلى شيء يشبه العجز عن رعاية هذه الأسرة والقيام بحقها عليه في تلك الأيام. ~~وكان يذكر رغبته في درس القانون، وكان يقدر أنه لو فعل لاستطاع أن يتجنب التبطل وأن ~~يعصم هذه الأسرة مما كانت تتعرض له من البؤس والضيق، ولكن هذا حديث لم يأت وقته ~~بعد. # أقبل الفتى إذن على درسه، وأقبل في الوقت نفسه على درس اللغة اليونانية، وشاركته زوجه ~~في هذا الدرس، فكانت حياتهما في مونبلييه راضية حقا، فيها نعيم العقل بهذا الإمعان في ~~الدرس والأخذ في كل يوم بسبب جديد من أسباب المعرفة. وفيها نعيم الأمل بانتظار هذا ~~الطفل الذي كان يسعى إلى الحياة في أناة ورفق، وفيها نعيم الرضا بالقليل والقناعة ~~بالرزق الذي مهما يكن مقترا فيه فقد كان يقيم الأود ويعصم من الحاجة ويرضي الزوجين عن ~~نفسهما؛ لأنهما يحسنان التدبير والاحتمال، وكان ربما تعرضا لبعض الهم حين يوشك الشهر أن ~~ينقضي، ويوشك ما بين أيديهما من المال أن ينفد، فيثبتان لذلك في صرامة لا تعرف اللين ~~وشدة لا تعرف الدعة حتى تنجلي عنهما الغمرة ويعود إليهما اليسير العسير مع أول الشهر، ~~إن جاز أن يوصف اليسير بأنه عسير. # وكان الفتى قد أرسل نسخا من رسالته عن ابن خلدون إلى صديق له في مصر بقيت له بعد أن ~~أخذت السوربون خمسين ومئة نسخة، وأخذت الجامعة عشرين نسخة، وأهدى إلى بعض الرفاق ~~والأصدقاء عددا آخر ms283 من النسخ، وبقى له نحو مئة نسخة من هذه الرسالة، فأرسل إلى صديقه ~~ذاك رحمه الله ليتصرف فيها كما يحب، ومضى على إرسال هذه النسخ وقت غير قصير حتى نسيها ~~الفتى، ولكنه يتلقى ذات ضحى كتابا من صديقه ذاك ومعه حوالة على أحد المصارف بمقدار من ~~المال لا بأس به كاد يبلغ عشرين جنيها. # ما كان أسعد ذينك الزوجين بهذا الكتاب، وبما حمل إليهما من معونة، كانا في أشد الحاجة ~~إليها! ولا سيما أنه قد قرب مقدم الطفل المنتظر، ولا بد من التهيؤ للقائه، ومن لقائه ~~حين يقبل في إكرام له وعناية به وحفاوة تلائم ما كانا يجدان في مقدمه من السعادة. وكان ~~ربما أدركهما حزن عميق يخفيه كل منهما على صاحبه رفقا به وإشفاقا عليه، فكانت هذه ~~المعونة الطارئة منقذا لهما من هذا العذاب. # وفي يوم من أيام شهر يونيو أقبلت أمينة مع الصبح، واختلط صياحها بغناء الطير ~~المستيقظة، فكان لهذه الموسيقى الحلوة موقع أي موقع في قلب الزوجين أنساهما أو سلاهما ~~عما وجدا في ليلتهما تلك من روع وما تعرضا له من هول. # ولم تجد أمينة أبويها حزينين ولا مهتمين ولا مضيقا عليهما في استقبال زائرهما ~~العزيز؛ فقد أتاح لها ابن خلدون رحمه الله من السعة ما مكنهما من أن يلقيا ابنتهما ~~كأحسن ما يكون اللقاء. # وانقضى الصيف ثقيلا طويلا يضطرب فيه الزوجان بين السعة في أول الشهر والضيق في ~~آخره، ولكنهما يستعينان على السعة والضيق جميعا بتنشيء أمينة من جهة، والجد في إعداد ~~الرسالة ودرس اليونانية من جهة أخرى، ولم يقبل شهر سبتمبر حتى عاد الزوجان ومعهما ~~جوهرتهما إلى باريس. # وكان صاحبنا يقدر أنه سيفرغ الفراغ كله لرسالته إذا استقر في باريس، ليلقى أستاذه من ~~أول العام الجامعي مستعدا للتحدث إليه بما قرأ وما فهم وما يريد أن يفعل، وليتلقى منه ~~ما يمنحه من التوجيه والإرشاد. # ولكنه لا يكاد يبلغ باريس حتى يصرف عن الرسالة صرفا عنيفا، ويشغل عنها شغلا ~~متصلا أكثر من شهرين؛ فهذا رفيق مصري ms284 من رفاقه في الدرس، وصديق من أصدقائه قبل البعثة ~~وبعدها، قد ألم به مرض عصبي خطير، وليس له في باريس من يرعاه أو يهتم لشأنه. وقد ~~انتقلت إدارة البعثة الجامعية من باريس إلى لندن فلم يكن بد للفتى من أن يعنى بصديقه ~~وزميله في الدرس، ويقوم منه مقام مدير البعثة. وهو يعرضه على الطبيب بعد الطبيب، ويكتب ~~في شأنه إلى مدير البعثة مرة وإلى الجامعة في القاهرة مرة أخرى. وينفذ أمر الأطباء، ~~فينقل صديقه من باريس إلى حيث يستطيع أن يعيش خارج المدينة في الهواء الطلق والحياة ~~الهادئة التي لا عجيج فيها ولا ضجيج. وهو مضطر إلى أن يزوره بين حين وحين، وقد يدعوه ~~فجأة صاحب الفندق الذي يقيم فيه المريض فيسرع إليه، ويسمع من أنباء صديقه ما يملأ قلبه ~~لوعة وحزنا، ويثير أمامه من المشكلات ما لا يعرف إلى النفوذ منه طريقا. وهو في أثناء ~~هذا كله يتلقى الرسائل المتناقضة من الجامعة ومن مدير البعثات، ويتلقى المال القليل ~~لينفق منه على المريض الذي كان يسرف في الإنفاق، ولم تكن حاجاته تنقضي، ويتلقى في الوقت ~~نفسه من الجامعة مطالبته بتأدية الحساب الدقيق عما أنفق، ولا تنجلي عنه هذه الغمرة حتى ~~يتلقى أمر الجامعة بإعادة الصديق المريض إلى القاهرة. # وفي أثناء هذا كله تضع الحرب أوزارها، وتعلن الهدنة، ويبتهج الفرنسيون ونزلاء فرنسا ~~بمقدم السلم، ولا يكاد صاحبنا يمضي فيما عاد إليه من الدرس بعد تلك المحنة في صديقه ~~الكريم عليه، الأثير عنده، حتى تأتي الأنباء من مصر فتصرفه مرة أخرى عن رسالته وإعدادها ~~صرفا عنيفا، ولكنه لم يكن حزينا ولا مروعا، وإنما كان سعيدا يملأ القلب غبطة ~~والضمير رضا والنفس ثقة وإعجابا، فقد جاءت الأنباء بأن مصر تطلب استقلالها إلى ~~المحتلين المنتصرين. # ثم جاءت الأنباء بأن مصر تلقى من المحتلين عنتا أي عنت وجحودا أي جحود، وبأن ~~بعض المصريين قد أخرجوا عنوة من وطنهم، واتخذوا رهائن في مالطة، وبأن مصر قد غضبت ~~لأبنائها وثارت بأعدائها. # فتقع هذه الأنباء كلها من قلب ms285 الفتى ومن قلوب زملائه الطلاب المصريين موقع الماء من ~~ذي الغلة الصادي. ليس الأوروبيون وحدهم إذن هم الذين يثورون غضبا للكرامة الوطنية ~~وطموحا إلى استقلال الوطن، بل إن مصر الأفريقية تثور هي أيضا كما ثار الإنجليز ~~والفرنسيون والأمريكيون وأمم غربية أخرى. # ما أوسع الآمال التي ملأت قلوب أولئك الطلاب الغرباء! وما أعظم الكبرياء التي ملأت ~~نفوسهم! وما أكثر ما أضاعوا من الوقت في أحاديث لا تنقضي عن هذا كله! وما أكثر ما ~~أعرضوا عن الدروس ليفرغوا لحديث الثورة والثائرين! # وكان صاحبنا مؤثرا للعزلة لا يلقى رفاقه المصريين إلا قليلا، فقد كثر لقاؤه لهم ~~وخوضه معهم في أحاديث الثورة والثائرين منذ جعلت الصحف الفرنسية تنشر أنباء مصر وما ~~يجري فيها من الأحداث. # ولكنه على هذا كله لم يهمل الرسالة ولم يعرض عن درس أستاذه المشرف عليها، وإنما مضى ~~في عمله حفيا به حريصا على الجلد فيه، كأن أنباء مصر قد زادته إقداما على إقدام ~~وجدا على جد، وهي على كل حال قد شوقته أشد التشويق إلى أن يتم درسه ويعود إلى مصر ~~ليشهد الأحداث عن كثب؛ ومن يدري لعله يستطيع أن يشارك في بعضها مما يتاح له أن يشارك ~~فيه. # ولم ينس صاحبنا قط كيف كان يتلقى قارئته مع الصبح، فيغرق معها في قراءة الفقه المدني ~~والفقه الجنائي والمدني الروماني في كتابي المؤرخ الألماني العظيم ممش. ولم يكن الفتى ~~يصدق - بعد أن مضت على ذلك السنون - أنه قرأ هذه المجلدات الأحد عشر في وقت قصير على ما ~~في قراءتها من العسر وكثرة ما في هذه المجلدات من التعليقات ومن النصوص ~~اللاتينية. # وما أكثر ما كان يسمع للقارئة وقد حمل أمينة بين ذراعيه ليتيح لزوجه أن تفرغ لما كان ~~ينبغي أن تفرغ له من شئون البيت! # وما أكثر ما كان يملي فصول هذه الرسالة وصبيته بين ذراعيه يمشي بها في غرفته الضيقة ~~ممليا وقارئته تسمع منه وتكتب عنه! وربما طلبت إليه أن يريح نفسه من الإملاء ويريحها ~~من الكتابة دقائق، وأخذت منه ms286 الصبية فحملتها ومشت بها في الغرفة وغنت لها بعض ما ~~يغني للأطفال، وأتاحت له بذلك أن يجلس ويستريح، وزوجه في أثناء هذا كله في مطبخها ~~مقبلة على تهيئة الغداء أو العشاء. # وفي ذات يوم يقبل الرفاق فينبئونه بأن سعدا رحمه الله وأصحابه سيصلون إلى باريس، ~~وأنهم يتهيئون لاستقبالهم، ويطلبون إليه أن يشاركهم في ذلك فيعتذر؛ لأنه لا يحسن من هذه ~~الأمور شيئا. # ولكنه ينتظر حتى إذا استقر الوفد في باريس ذهب ذات ضحى إلى حيث كان أعضاؤه يقيمون، ~~فلقي سعدا رحمه الله بعد أن لقي رفاقه، وفيهم أستاذه الرفيق به العطوف عليه أحمد لطفي ~~السيد. # وفيهم صديقه المشجع له الذي طالما شمله بالعناية والرعاية حين كان طالبا في الجامعة، ~~وكاتبا في الجريدة، ثم شمله بالعناية والرعاية حين كان عضوا في البعثة الجامعية ~~بباريس، وهو عبد العزيز فهمي رحمه الله. # وفيهم غير هذين الصديقين الكريمين آخرون كان يعرفهم بأسمائهم، ثم اتصلت المودة بينه ~~وبينهم بعد ذلك، كما اتصلت الخصومة أيضا بينهم وبينه بعد ذلك. # لقي هؤلاء جميعا ومعه زوجه، ثم أذن له في لقاء سعد، وكان لسعد عنده دين منعه ~~الحياء من أدائه، حين كان طالبا في الجامعة وأتيح له أن يؤديه بعد أن كاد يتم دراسته ~~في باريس. # | الفصل الثامن عشر # أطول الناس لسانا! # وكان دين سعد عند صاحبنا قديما يرجع تاريخه إلى العام الذي قدم فيه رسالته عن أبي ~~العلاء إلى الجامعة، وظفر بعد مناقشتها بدرجة الدكتوراه، وكثر حديث الصحف والناس عن هذه ~~الرسالة وصاحبها. وفي تلك الأيام قدم عضو من أعضاء الجمعية التشريعية اقتراحا يطلب ~~فيه أن تقطع الحكومة معونتها عن الجامعة؛ لأنها خرجت ملحدا هو صاحب رسالة «ذكرى أبي ~~العلاء». # وكان سعد رحمه الله رئيس لجنة الاقتراحات فيما يظهر، فلما عرض عليه هذا الاقتراح دعا ~~المقترح للقائه، وطلب إليه أن يعدل عن اقتراحه. فلما أبى قال له سعد: إن أصررت على ~~موقفك فإن اقتراحا آخر سيقدم، وسيطلب صاحبه إلى الحكومة أن تقطع معونتها عن الأزهر؛ ~~لأن صاحب ms287 هذه الرسالة عن أبي العلاء تعلم في الأزهر قبل أن يتعلم في الجامعة. # واضطر الرجل إلى أن يسترد اقتراحه، وسلمت للجامعة معونتها، ولم يتعرض الفتى لشر، ~~وكان الأستاذ أحمد لطفي السيد هو الذي أنبأ صاحبنا بهذه القصة، وطلب إليه أن يسعى إلى ~~سعد بشكر هذا الجميل، ولكن الفتى استحيا إذ ذاك فلم يسع إلى سعد، وأين هو من ~~سعد؟ # فلما أتيح له لقاء رئيس الوفد في باريس شكر له تلك العارفة، وأثنى على جهده الخصب في ~~خدمة مصر وتضحيته في سبيل الوطن والشعب. فسمع منه سعد ولكنه أجابه في فتور وضيق بأن ~~جهده وجهد أصحابه وجهد الشعب كله لن يغني عن الوطن شيئا، ألا ترى إلى كل هذه الأبواب ~~التي غلقت من دوننا؟ وها نحن أولاء قد وصلنا إلى باريس فقطعت علينا الطريق إلى مؤتمر ~~الصلح، وألقيت الحجب الكثاف بيننا وبين ممثلي الدول المشتركة فيه؟ # قال الفتى: ولكن هذه الجهود توقظ الشعب ، وتنبهه لحقه، وتدفعه إلى المطالبة به والجهاد ~~في سبيله. # قال سعد محولا الحديث عن مجراه: ماذا تدرس في باريس؟ # قال الفتى: أدرس التاريخ. # قال سعد: أومؤمن أنت بصدق التاريخ؟ # قال الفتى: نعم، إذا أحسن البحث عنه والاستقصاء له، وتخليصه من الشائبات. # قال سعد: أما أنا فيكفي أن أرى هذا التضليل، وهذه الأكاذيب التي تنشرها الصحف في ~~أقطار الأرض، ويقبلها الناس في غير تثبت ولا تمحيص، لأقطع بألا سبيل إلى تصفية ~~التاريخ من الشائبات، ولأقطع بعد ذلك بألا سبيل إلى استخلاص التاريخ الصحيح من هذه ~~الشائبات، وانظر إلى ما ينشر عنا في مصر وفي باريس، وحدثني كيف تستطيع أن تستخلص منه ~~التاريخ الصحيح؟! # وهم الفتى أن يتكلم، ولكن سعدا مضى في حديثه قائلا: لقد أقبلنا إلى باريس والأمل ~~يملأ نفوسنا فلم نقم فيها أياما حتى استأثر بنا اليأس. # قال الفتى: وكيف نيأس وقد أيقظتم الشعب فاستيقظ، ودعوتموه فاستجاب؟ # قال سعد: وماذا يستطيع الشعب أن يصنع وهو أعزل لا يستطيع الدفاع عن نفسه، فضلا عن أن ~~يثور بأصحاب القوة والبأس؟ ms288 # قال الفتى: هو الآن أعزل، ولكنه سيجد السلاح غدا. # قال سعد: وأين يجده؟ # قال الفتى: إن الذين يهربون لنا الحشيش يستطيعون أن يهربوا لنا الأسلحة. # فأغرق سعد في الضحك، وقال وهو ينهض: ألا تعلم أن الذين يراقبون تهريب الحشيش سيراقبون ~~تهريب الأسلحة؟ # وانصرف الفتى عن سعد فلم يره إلا بعد عام، بل بعد أكثر من عام، ولم يلقه سعد في تلك ~~الزيارة الثانية بباريس لقاء الهاش له المرحب به، وإنما لقيه في شيء من الفتور، قال ~~له وسمع منه، ولكنه لم يقل شيئا ذا بال، ولم يسمع منه شيئا ذا بال، وإنما كان لقاء ~~قصيرا قوامه المجاملة ليس غير. # وقد عرف الفتى مصدر هذا الفتور، فلم يضق به، ولم يبتهج له، وإنما هز رأسه ورفع كتفيه. ~~وكان مصدر هذا الفتور أن جماعة من تلاميذ الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده أحيوا ذكرى ~~وفاة أستاذهم في الجامعة، وخطب صاحبنا في ذلك الحفل فزعم أن مصر مدينة بما أتيح لها من ~~اليقظة لثلاثة رجال لا ينبغي أن تنساهم: # أولهم: الأستاذ الإمام الذي أحيا الحرية العقلية. # والثاني: مصطفى كامل الذي أذكى جذوة الحرية السياسية. # والثالث: قاسم أمين الذي أحيا الحرية الاجتماعية. # وقرأ سعد هذا الحديث فوجد على الفتى؛ لأنه لم يذكره بين هؤلاء العظماء. # وتوالت خطوب السياسة بعد ذلك، وكان صاحبنا أطول الكتاب لسانا وأجرأهم قلما في ~~مهاجمة سعد ونقد سياسته قبل أن يلي الحكم وبعد أن وليه، وبعد أن اضطر إلى اعتزاله. ~~وأصاب الفتى من هذه الخصومة مكروه أي مكروه، ولكنه لقي سعدا بعد ذلك للمرة الثالثة ~~والأخيرة في دار شوقي، رحمه الله. # كان شوقي يستقبل الشاعر الهندي العظيم تاجور، وقد دعا لهذا الاستقبال من شاء الله أن ~~يدعوهم من أصحاب الثقافة ورجال السياسة والحكم، وكان صاحبنا أحد المدعوين. وإنه لبين ~~جماعة من أصحابه وإذا سعد بقيا، فيخف الناس جميعا للقائه ويهم صاحبنا أن يتأخر ~~ولكن أصحابه يدفعونه دفعا، وكان أشدهم في ذلك الشيخ عبد العزيز البشري رحمه الله، ويجد ~~الفتى نفسه يصافح ms289 سعدا ويسمع سعدا يلقاه لقاء حسنا، ثم يعود الناس إلى أماكنهم ~~ويقيم سعد ساعة أو بعض ساعة ثم ينصرف إلى مجلس النواب، وكان له رئيسا. # وقد كاد الفتى يلقى سعدا مرة أخرى لو أريد الفتى على أن يلقى سعدا مرة أخرى، ولكنه ~~امتنع وألح في الامتناع فلم يتم هذا اللقاء. كان ذلك حين أراد بعض النواب الوفديين أن ~~يثير قصة الشعر الجاهلي مرة أخرى في المجلس، فرده سعد عن ذلك قائلا: لقد انتهى هذا ~~الموضوع فلا معنى للعودة إليه. # قرأ صاحبنا ذلك في الصحف فلم يكد يحفل به أو يلقي إليه بالا، ولكن الأستاذ أحمد لطفي ~~السيد كان مدير الجامعة ورفيقا بصاحبنا. فألح عليه في أن يمر بدار سعد ويترك بطاقته، ~~وعسى أن يلقاه فيشكر له كلمته الطيبة في مجلس النواب، ولكن صاحبنا أبى وأصر على ~~الإباء، وقال: إن سعدا لم يزد على أن أدى واجبه وكف سفيها أحمق من نوابه عن سفهه ~~وحمقه. # واشتد الجدال في ذلك بين الأستاذ وتلميذه ولكنهما لم يصلا إلى شيء، فاحتكما في المساء ~~إلى عبد العزيز فهمي رحمه الله، ولم يلبث هذا أن قضى لصاحبنا في غير مشقة ولا جدال. وما ~~أسرع ما استحال الأمر كله إلى دعابة بين الأستاذين الكبيرين حول ما كان يملأ قلب عبد ~~العزيز فهمي وعقله ويجري على لسانه من سخط على سعد، وإنكار لكل ما كان يصدر عنه من قول ~~أو فعل، لا لشيء إلا لأنه صدر عن سعد. # وكذلك كانت صلة صاحبنا بسعد يسيرة كل اليسر في ظاهرها، عسيرة أشد العسر في حقائقها ~~ودخائلها، جرت على الفتى شرا كثيرا، وأتاحت له مع ذلك خيرا كثيرا، وتقلبت به ~~بين ضروب من الرضا والسخط، وفنون من الأمل واليأس، وألوان من الشدة واللين، ولكن حديث ~~هذا كله لم يأت إبانه بعد. # فلنعد إلى صاحبنا في باريس لنراه مقبلا على حياته، غارقا في مشكلتها، مثقلا ~~بأعبائها، يعد رسالته، ويختلف إلى دروسه، ويلقى أستاذه، ويحتمل ضروبا من الجهد في ~~إجراء حياة أسرته على ms290 ما ينبغي أن تجري عليه من السعة اليسيرة التي تقيم الأود ولا تعرض ~~للبأس أو الشقاء. # وأقبل الصيف وقد قدم صاحبنا رسالته إلى السوربون فرضيت عنها. ولكنه لم يرسلها إلى ~~الجامعة، ولم تسأله الجامعة عنها، وإنما أقبل على امتحانه فنجح فيه نجاحا حسنا، وظفر ~~بالدبلوم، وأتم بذلك أداء واجبه الذي كلفته الجامعة أن يؤديه، وآن له أن يعود إلى ~~مصر. # ولكن عودته إلى مصر أثارت بينه وبين المدير الإنجليزي للبعثة خلافا طويلا ثقيلا ~~سخيفا في وقت واحد؛ فقد كان نظام البعثة يقضي بأن يعود الطالب إلى مصر على نفقة ~~الجامعة إن أتم دراسته على الخطة المرسومة له، ولكن صاحبنا لن يعود وحده، بل ستصحبه ~~زوجه، فعلى نفقة من تعود هذه الزوج؟ # هنا حار المدير الإنجليزي للبعثة، فكتب إلى الجامعة مستفتيا، وأذنت له الجامعة في أن ~~يعيد الزوجين جميعا، ولكن الزوجين لن يستطيعا العودة إلا إذا عادت معهما أثقالهما. ~~وكانت الكتب أهم هذه الأثقال، فهي أكثر وأضخم من أن توضع في الحقائب، وكثير منها ملك ~~للجامعة سيستقر في مكتبتها آخر الأمر، والانتقال من باريس إلى القاهرة لا يتم بمجرد أن ~~يتسلم المسافر بطاقات السفر في القطار والسفينة، ولكنه يحتاج إلى فضل من النفقة، فمن ~~يؤدي هذا الفضل من النفقة؟ وكذلك احتاج مدير البعثة أن يكتب إلى الجامعة مستفتيا مرة ~~أخرى، وليس شيء أضيع للوقت ولا أفل للجد ولا أدعى إلى السأم والضيق من الجدال ~~الطويل المتصل حول الموضوع السخيف الذي لا خطر له ولا طائل فيه. # وكم ضاق الفتى بما كان يكتب وما كان يتلقى من الرسائل حول هذا السخف الذي لا يغني عنه ~~شيئا، ولكنه وصل مع زوجه إلى مارسيليا عشية اليوم الذي حدد لإبحار السفينة. # ولا يكادان يصلان إلى هذه المدينة حتى يعلما، ويا ثقل ما علما! أن سفينتهما لن تبحر ~~من الغد؛ لأن إضرابا يحول بينها وبين الإبحار، واتصل الإضراب يوما ويوما ويوما. ثم ~~اتصل بعد ذلك حتى بلغ خمسة وعشرين يوما، وليس مع صاحبنا وزوجه وطفلهما ما ms291 ينفقان، ولا ~~أمل في الاتصال بمدير البعثة، ولا سبيل إلى الاتصال المباشر بالجامعة، فليقترض إذن من ~~زميله ذاك الذي سيعود معه على السفينة نفسها، والذي ينتظر مثله أن ينقضي الإضراب، والذي ~~لا يخلو جيبه من مال كثير، لا لأنه كان غنيا، بل لأنه كان مدبرا مقتصدا أروع تدبير ~~واقتصاد، وقد أخذ يقترض، وبدأ الزوجان حياتهما المستقلة بالدين وأي دين. # ويبلغان الإسكندرية بعد لأي وقد شق عليهما السفر، وعنف بسفينتهما البحر، ونفد ما ~~اقترضا من المال، ولكن الفتى كان قد كتب إلى صديقه الكريم عليه المؤثر له حسن باشا عبد ~~الرازق محافظ الإسكندرية إذ ذاك بمقدمه، فلا تكاد السفينة ترسو حتى يقبل رسل المحافظ ~~الصديق فيستخلصوا الأسرة من الضيق والشدة والحيرة إلى السعة والدعة والاطمئنان في ذلك ~~البيت الرائق الجميل الذي كان المحافظ قد اتخذه في رمل الإسكندرية. # وفي هذا البيت تقيم الأسرة مع الصديق الكريم رحمه الله أسبوعا قبل أن تمضي إلى ~~القاهرة، ولكنها تؤثر الإقامة في الإسكندرية وتشفق من شظف العيش الذي ينتظرها متى هبطت ~~من القطار، ومن لها بالقطار وصاحبنا لا يملك أجره ولا يجرؤ على أن يتحدث إلى صديقه في ~~ذلك، ولا يستطيع أن يكتب إلى أخيه في القاهرة؛ لأن زوجه لا تكتب العربية، ولأن أخاه لا ~~يقرأ الفرنسية! # وإن الزوجين لفي سمرهما مع المحافظ الصديق ذات ليلة، وإذا هو ينبئهما بأن قد آن لهما ~~أن يسافرا، وآن للفتى أن يقدم نفسه إلى الجامعة التي تعرف وصوله إلى مصر وتنتظر مقدمه ~~إليها. # وقد أعد كل شيء لسفرهما في القطار الذي يبرح الإسكندرية ضحى الغد، فإذا أصبحا وفرغا ~~من طعام الإفطار أقبل الصديق متلطفا يقول لزوج الفتى: أتعرفين النقد المصري؟ # قالت متضاحكة: لا. ~~- هاهو ذا فادرسيه على مهل. # ثم ودعهما وانصرف مسرعا فركب عربته إلى مكتبه. # وتدرس زوج الفتى هذا النقد، فإذا الصديق قد جمع لها أوراقا تصور النقد المصري إلى ~~العشرة من الجنيهات، وقد فهم الزوجان عن صديقهما، وأضافا في حسابهما دينا لم يؤد قط، ~~إلى دين ms292 ما أسرع ما طالب صاحبه بأدائه ومعه فوائده على قلة ما لبث الدين في ذمتهما من ~~الأسابيع! # ويتجاوز النهار نصفه قليلا ويبلغ القطار محطة القاهرة، وينظر الزوجان فإذا هما في ~~غمرة من الأهل والصديق، ومنذ ذلك اليوم اتصلت أسباب حياتهما الجديدة بأسباب مصر. # | الفصل التاسع عشر # رفضت أن أحضر مؤتمرا للعميان! # وبدأت حياة الزوجين في مصر متعثرة، يبسم لها الأمل فتخف وتشرق، وتعبس لها الضرورة ~~فتثقل وتظلم. كانا ضيفا على أخي الفتى، ولكنهما كانا يعلمان أن هذه الضيافة لا ينبغي ~~لها أن تطول، وأن ليس لهما بد من أن يستقلا بحياتهما ولا يكونا عيالا على قريب أو ~~غريب. واستقلال الأفراد كاستقلال الجماعات، لا يهبط لهم من السماء ولا ينجم لهم من ~~الأرض، وإنما يكتسب اكتسابا، وتبتغى إليه الوسائل، وتسلك إليه السبل التي تستقيم ~~بأصحابها حينا وتلتوي بهم حينا آخر. وكانا يعرفان هذا كله، ويعرفان السبيل إلى ~~استقلالهما، ولكن صاحبنا لم يكن يملك الوسائل إلى سلوك هذه السبيل؛ فهو لا يملك درهما ~~ولا دينارا، وقد بخلت الجامعة عليه بما كانت تمنحه الناجحين من طلابها إذا عادوا إلى ~~مصر من المكافأة ليهيئوا أنفسهم لاستقبال حياتهم الجامعية. وأكبر الظن أنها لم تبخل ~~عليه بهذه المكافأة عن رضا واختيار، بل عن كره واضطرار، فقد رأى صاحبنا نفسه إذن ~~مضطرا إلى أن يقترض من المال ما يتيح لزوجه وله أن يأويا إلى دار يعيشان فيها كما ~~يريدان، لا كما يراد لهما. # وهون عليه الأمر صديق كريم هو الأستاذ محمد رمضان رحمه الله صحبه إلى شركة كانت ~~تسمى شركة التعاون المالي، وضمنه عند هذه الشركة، فأقرضته مئة من الجنيهات واقتطعت ~~منها الفائدة وأعطته سائرها. وظن الفتى حين وقع في يده هذا المال أنه أصبح على رأس ثروة ~~ضخمة، فهو لم يملك مثل هذا المقدار من المال قبل اليوم. وقد أتى عليه حين من الدهر كان ~~أقصى ما يمكن أن يقع في يده من المال لا يبلغ الجنيه غالبا ولا يتجاوزه بحال من ~~الأحوال، ثم أتى عليه ms293 حين آخر من الدهر كان أقصى ما وصل إليه من المال لا يزيد على ~~عشرين جنيها. # أتيح له هذا المقدار الذي كان يراه ضخما حين نجح في الجامعة بمصر، وحين نجح في ~~السوربون بباريس، وهو اليوم يعد الجنيهات التي صارت إليه بالعشرات الكثيرة، على أنه ~~لم يلبث أن رأى هذه العشرات تتناقص شيئا فشيئا، فقد أدى دينه إلى زميله ذاك الفتى ~~الذي أعانه على انتظار آخر الإضراب في مارسيليا. # ومر مع زوجه بمصرف الكريدي ليونيه، ولا أدري كيف كان ذلك، فقرأت عليه زوجه إعلانا ~~ينبئ بأن المصرف يعرض منذ اليوم للبيع سهاما في قرض فرنسي جديد. ومن مزايا هذه السهام ~~أن القرعة تجري بينها من حين إلى حين، وأن بعض هذه السهام يمكن أن يربح مليونا من ~~الفرنكات، وكانت قيمة هذا المليون في تلك الأيام عشرين ألفا من الجنيها. ولم يسمع ~~الفتى هذا الإعلان حتى عزم على زوجه لتدخلن معه المصرف وليشترين لها سهما من هذه ~~السهام، وقد أبت عليه أشد الإباء، ولكنه ألح وغلا في الإلحاح حتى استجابت له كارهة. ~~وما هي إلا ساعة حتى رأى الفتى زوجه مسهمة في هذا القرض الفرنسي، وجعلت الآمال تداعبه، ~~وجعل يقيس ما بقي له من مال إلى الألوف العشرين التي يمكن أن تساق إلى زوجه إن ربح ~~سهمها بعد حين، فيأخذه شيء يشبه الدوار. # ولكن الاقتراع الأول قد أجري، وربح فيه سهم مصري لم يكن سهم زوجه، وإنما كان يملكه ~~مظلوم باشا رحمه الله. # وما أكثر ما ضحك الزوجان حين قرأا ذلك النبأ، وحين صح لهما ما كانا يسمعان من أن ~~المال يدعو المال، ومن أن العسر لا يدعو اليسر إلا قليلا! # وقد مرت الشهور والأعوام وجعل الفرنك ينحل ويتضاءل، وتنحل معه قيمة هذه الأسهم ~~وتتضاءل، حتى بلغت قيمة السهم الذي اشتراه الفتى لزوجه سبعة جنيهات، ثم خمسة، ثم انتهى ~~إلى ثلاثة، ثم انقطعت أنباؤه وذاب كما يذوب الملح في الماء. مهما يكن من شيء فقد نظر ~~صاحبنا بعد أداء دينه وشراء ms294 سهمه إلى ما بقي له من المال، فإذا هو لا يبلغ العشرات ~~الخمس، وإذا هو أقصر يدا وأضيق ذراعا من أن يبلغ ما يريده ويؤسس لزوجه ولنفسه دارا ~~يرضيان عنها وعما فيها، ولا بد لهما مع ذلك من دار ومن أثاث في تلك الدار، فاستأجر ~~لهما الأستاذ محمد رمضان دارا في حي السكاكيني، وعمدا ومعهما الأستاذ محمد رمضان إلى ~~سقط المتاع، فاشتريا منه ما يقوم بأمر تلك الدار من الأثاث. # وما أشد ما شقيت نفس الفتى حين كان يرى زوجه تغالب دموعها وهي تختار بين ذلك السخف ~~الذي لم يكن بد من الاكتفاء به حتى يجعل الله بعد عسر يسرا، وبعد ضيق سعة، وبعد ~~حرج فرجا. # وقد أوى الزوجان آخر الأمر إلى دارهما، وخادعا نفسيهما عما فيها، واطمأنا إلى ما لم ~~يكن بد من الاطمئنان إليه. # وكان صاحبنا قد صرف هذا الوقت الطويل عما كان ينبغي أن يفكر فيه منذ بلغ القاهرة . ~~فستبدأ الدراسة في الجامعة بعد أيام، وليس له بد من أن يعد درسه الأول ويتهيأ ~~لإلقائه في ذلك الحفل الذي سيقدمه فيه إلى المستمعين عضو من أعضاء مجلس الإدارة. وما ~~أسرع ما عاد إلى الكتب، وعاد الصوت العذب إلى القراءة، وعاد اشتراك الزوجين في هذه ~~الحياة الصافية النقية التي لا يكدرها المال ولا ينغصها الحرمان، والتي تسلي عن اليأس ~~والبؤس والحرمان. # وجاء اليوم الموعود، وأقبل صاحبنا إلى قاعة الدرس، فتلقاه ثروت باشا رحمه الله، ~~وقدمه إلى المستمعين أحسن تقديم، وألقى صاحبنا درسه، فرضي عنه الناس، ورضي عنه هو ~~أيضا. # وعاد الزوجان من ليلتهما تلك موفورين محبورين، قد ملأ الأمل قلبيهما، وأزالا عنهما ~~وضر ما احتملا من شقاء، وكان حظهما من السعادة والغبطة والرضا أعظم وأعمق بعد أن ألقى ~~صاحبنا درسه الثاني. # وكان تاريخ اليونان هو الموضوع الذي اختاره صاحبنا لدروسه في هذا العام، ولا سبيل إلى ~~الأخذ في درس التاريخ إلا إذا قدم بين يديه وصف جغرافي للبلاد التي يدرس تاريخها، ~~فكان على صاحبنا أن يعرض الوصف الجغرافي ms295 لبلاد اليونان، وشهد الله لقد عرض هذا الوصف ~~فملك قلوب الذين استمعوا له، وملأ نفوسهم رضا عنه وإعجابا به، وهو لم يصنع في إعداد ~~هذا الدرس إلا أن سمع لزوجه وأطاع. # أرادت زوجه أن تفهمه الوصف الجغرافي لبلاد اليونان، فأخذت قطعة من الورق وصاغتها في ~~شكلها على نحو ما صاغت الطبيعة تلك البلاد، ثم أرادت أن تصور ما في هذه البلاد من ~~الجبل والسهل الذي يضيق حينا ويتسع حينا، ومن البحار التي تأخذها من أكثر جهاتها. ~~فصورت ذلك بارزا في هذه القطعة من الورق ثم أخذت يد الفتى وجعلت تمرها على هذه ~~الورقة، بعد أن افترضت معه أنها تبدأ من الجنوب وتمضي إلى الشمال، وتنحرف مرة إلى الشرق ~~ومرة إلى الغرب، لتبين له مواقع البحر، ولتبين له الأماكن التي تضيق حينا وتتسع حينا، ~~والتي كانت تقوم فيها المدن القديمة، وما زالت به حتى فهم ذلك حق الفهم وأعاده عليها ~~فاطمأنت إليه. # وكان أول ما عجب له الموظفون في الجامعة أن صاحبنا طلب قبل الدرس أن تعرض الصورة ~~الجغرافية لبلاد اليونان في قاعة الدروس. سمع الموظفون ذلك فأنكروه، ولكنهم أضمروا ~~إنكارهم وأجابوه إلى ما أراد، وأقبل الفتى على مجلسه فأنبأ المستمعين بأنه سيصف لهم ~~بلاد اليونان من جنوبها إلى شمالها، وليس عليهم إلا أن يتبعوه بأبصارهم على هذه اللوحة ~~المصورة. ثم أخذ في الحديث فلم يلجلج ولم يتردد، والطلاب يسمعون بآذانهم ويتبعون ~~بأبصارهم حتى انقضت ساعة الدرس وقد أتم الفتى ما أراد من الوصف الجغرافي لبلاد ~~اليونان. # وكان ثروت باشا حاضرا هذا الدرس، فلما تفرق الطلاب دعا الفتى إليه فأشبعه ثناء ~~وتقريظا وتشجيعا. # ولم تمض أيام بعد تلك الليلة السعيدة حتى أقبل على دار الفتى ذات ضحى شاب من موظفي ~~القصر، فأنبأه بأنه قد أقبل يدعوه للقاء رئيس الديوان. # قال الفتى: وماذا يريد مني رئيس الديوان السلطاني وأنا لم أعرفه، وما أظنه رآني ~~قط؟ # قال الموظف: لا أدري، ولكنه أمرني أن أدعوك للقائه، وأن أصحبك إلى مكتبه. # وبعد ساعة كان الفتى ms296 عند رئيس الديوان شكري باشا رحمه الله فرأى رجلا سمح النفس، عذب ~~الحديث، خفيف الظل، له مشاركة في الأدب العربي، ولكن في الأدب العربي الذي كان الناس ~~يحبونه في القرن الماضي، فهو كان يتحدث عن الجناس والطباق وحسن الفكاهة وبراعة التورية، ~~ويروي لكل هذا أمثلة من الشعر المتأخر لم يحفظ الفتى منها إلا بيتا واحدا؛ لأنه لم ~~يكد يسمعه حتى غلبه الضحك على ما كان ينبغي له من الأدب والوقار في ذلك المجلس المهيب، ~~وضحك شكري باشا لضحك الفتى، وقال في نغمة لا تخلو من حزن: كان هذا البيت يملؤنا رضا ~~وإعجابا وها أنتم أولاء شباب اليوم تضحكون وتتندرون به وبأمثاله، والبيت هو: # أخذ الكرا مني وأحرمني الكرى # بيني وبينك يا ظلوم الموقف # ويجب أن تقرأ الكرا مكسور الكاف في أول البيت وهو الأجر ومفتوح الكاف في آخر الشطر ~~الأول وهو النوم، وأن تعرف أن «الموقف» هو ذلك المكان الذي كانت تجتمع فيه الحمر ~~لتحمل إلى حيث يريدون من المدينة. # والشاعر يريد أن يقول: إن صاحب الحمار قد أخذ منه الأجر، واشتط عليه فيه، فذاد عنه ~~النوم، ثم هو يشكو من ظلم صاحب الحمار، ويجعل موقف الحساب يوم القيامة بينه وبينه ~~لينصفه الله منه. # وظاهر أن الجناس بين الكرا والكرى والتورية بالموقف لموقف الحمر هما مصدر الجمال ~~الذي فتن رئيس الديوان وأضحك الفتى؛ ولا عليك من هذه الهمزة التي زيدت في حرمني فقد دعت ~~إليها ضرورة الوزن، والضرورات تبيح المحظورات! # وطال مجلس الفتى عند رئيس الديوان حتى إذا أقبل بعض الزائرين، استأذن في أن ينصرف، ~~فأذن له الرئيس وهمس في أذنه: إن مولانا يحب أن يراك. # ولم يعرف صاحبنا كيف يقول، ولكنه لم يمس من ذلك اليوم حتى عاد إليه موظف القصر ~~يحمل إليه كتابا من كبير الأمناء بأن المقابلة التي التمس التشرف بها قد حدد لها ~~تمام الساعة الحادية عشرة من صباح غد. # وسمع الفتى ذلك الكتاب فلم يملك نفسه أن قال: ولكني لم ألتمس شيئا. # قال موظف القصر ms297 في صوت يجري فيه الخوف: لا تقل هذا، فمراسم التشرف بمقابلة مولانا ~~تقتضي دائما أن تطلب المقابلة. # وسكت الموظف قليلا ثم قال: هل عندك سترة الردنجوت؟ # قال الفتى: نعم. # قال الموظف: ما شاء الله! كنت أريد أن أعيرك سترتي. # قال الفتى: لقد اتخذت هذه السترة حين كنت أتهيأ للزواج. # ولم تتم الساعة العاشرة من صباح غد حتى أقبل موظف القصر ذاك رحمه الله فصحب الفتى إلى ~~حيث أسلمه لأحد الأمناء الذي أخذ يحدثه حتى حان موعد المقابلة، فصحبه إلى مكتب السلطان، ~~وخف السلطان للقائه كأحسن ما يكون اللقاء، ثم أجلسه غير بعيد من المائدة التي كان ~~يجلس إليها، وتلطف له في الحديث، وشمله بعطف كثير، وسأله: ماذا درس في فرنسا؟ وماذا ~~نال من الدرجات الجامعية؟ فلما أنبأه الفتى بما درس وما نال من الدرجات أظهر الرضا، ~~وأثنى على الفتى ثناء حسنا لأنه درس اللغتين القديمتين، ثم قال مترفقا: تعلم أني كنت ~~رئيس الجامعة حين كنت أنت طالبا فيها # فأطرق الفتى ولم يجب، قال السلطان: إنما ذكرتك بذلك لأدعوك إلى أن تلجأ إلي ~~كلما ضقت بشيء أو احتجت إلى عون. # واضطرب لسان الفتى بالشكر، ولكن السلطان دق الجرس ووقف، فوقف الفتى، وأقبل الأمين ~~فصحبه إلى خارج الغرفة، وأسلمه إلى موظف القصر ليرده إلى داره. # وكان الفتى مضطربا قبل أن يلقى السلطان لقصة كانت له معه حين كان رئيسا للجامعة، ~~وكان صاحبنا طالبا فيها. # انعقد في مصر مؤتمر للمكفوفين في سنة من تلك السنين، واهتم له سكرتير الجامعة أحمد ~~زكي «بك»، فألقى فيه حديثا وقدم إليه كتابا عربيا قديما ينبئ فيما يظهر بأن العرب ~~قد سبقوا إلى اختراع الكتابة البارزة. # وفي ذات مساء كان الفتى يسعى إلى غرفة الدرس، وإذا رجل يأخذ بمجامع جبته وقفطانه ~~ويقول له في لغة ملتوية: تعرف أن في مصر الآن مؤتمرا منعقدا يبحث في شئون ~~العميان! # قال الفتى في عنف: وما أنا وذاك؟! # قال الرجل: تلقي فيه خطبة. # قال الفتى: لن ألقي شيئا. # فخلاه الرجل ومضى وهو ms298 يقول: مش فاهم، مش فاهم. # ولم يكد الفتى يبلغ غرفة الدرس حتى أحاط به ثلاثة أو أربعة من أعضاء مجلس إدارة ~~الجامعة وجعلوا يسألونه: أتعرف من حدثك؟ # قال الفتى: لا أعرفه، ولا يعنيني أن أعرفه. # قال قائل منهم وهو يضع يده على كتف الفتى: إنه أفندينا الأمير! إنه رئيس الجامعة، ~~فلا أقل من أن تجيبه في أدب حين يتحدث إليك. # وهز الفتى رأسه ولم يقل شيئا، فتفرقوا عنه، وإن أحدهم ليقول: «دعوه فإنه ~~شيخ!» # ذكر صاحبنا هذه القصة في طريقه إلى القصر فاضطرب لها، فلما ذكره السلطان بأنه كان ~~رئيسا للجامعة وقع في نفسه أن السلطان يريد أن يذكره بتلك القصة، فكاد الاضطراب يغلبه ~~على أمره لولا أن السلطان رده إلى الهدوء بما مضى فيه من حديثه ذاك. # ولم يمض وقت طويل حتى تعقدت الأمور بين الجامعة وبين صاحبنا، فهو قد تبين أن زوجه لا ~~تستطيع أن تمنحه من وقتها كل ما يحتاج إليه للقراءة وإعداد الدروس، ولا تستطيع أن تصحبه ~~دائما إلى الجامعة، ولا أن تخرج معه كلما أراد الخروج، فليس لها بد من أن تعنى ~~بصبيتها ومن أن تقوم على دارها، وإذن فهو محتاج إلى رفيق يقرأ له أكثر النهار، ويغدو ~~معه ويروح كلما أراد غدوا أو رواحا، ولا سبيل إلى أن يقتطع أجر هذا الرفيق من مرتبه، ~~وكان ثلاثة وثلاثين جنيها يقتطع منه في كل شهر ما يؤدي به بعض دينه لشركة التعاون، ~~فطلب إلى الجامعة أن تزيد في مرتبه ما يعينه على أجر ذلك الرفيق، وأبت عليه الجامعة ما ~~طلب كأنها ضاقت بكثرة مطالبه، فاستقال في لهجة شديدة غضب لها مجلس الإدارة أشد ~~الغضب. # وقال سكرتير الجامعة لصاحبنا ذات مساء: إن المجلس مزمع أن يقبل استقالتك وأن يطالبك ~~بأن ترد على الجامعة ما أنفقت عليك في أثناء إقامتك في فرنسا. # وسمع صاحبنا ذلك فضاق به، واكتأب له، وراح إلى أهله محزونا كاسف البال؛ فلما قص ~~الأمر على زوجه هونت عليه الصعب، ويسرت عليه العسير، وأقنعته بأنه ms299 كغيره من الناس ~~يخطئ ويصيب، وبأنه أخطأ حين أسرع إلى الاستقالة، والرجوع إلى الصواب خير من الإصرار ~~على الخطأ، وأسرف حين أساء إلى الجامعة التي أحسنت إليه، والرجوع إلى القصد خير من ~~التمادي في الإسراف، فليس عليه بأس أن يسترد استقالته، وليس عليه بأس أن يعتذر من لهجته ~~تلك القاسية. # وأصبح صاحبنا فاسترد استقالته راغما، واعتذر إلى الجامعة راغما أيضا، واقتطع من ~~مرتبه منذ ذلك اليوم أجر ذلك الرفيق الشيخ الذي كان يقرأ له ويغدو معه ويروح. # ولم يعلم الفتى كيف ارتفع أمر هذه الخصومة بينه وبين الجامعة إلى السلطان، ولكن موظف ~~القصر يزوره ذات مساء ويقول له في صوت متضاحك: لقد التمست التشرف بمقابلة عظمة ~~السلطان، وقد حدد لهذه المقابلة منتصف الساعة الثانية عشرة من الغد. # ويدفع إليه كتابا من كبير الأمناء بهذا المعنى، فإذا انصرف عنه قال: سأصحبك غدا إلى ~~القصر. # وتلقى السلطان صاحبنا لقاء حسنا، وتحدث إليه فأطال الحديث ، ثم قال له فجأة: لقد ~~بلغني نبأ استقالتك من الجامعة، وقد أحسنت بالعدول عن هذه الاستقالة، ولا بد من صبر ~~طويل واحتمال كثير من الجهد، فبين هؤلاء الناس وبين حسن الذوق وقت ما زال طويلا، ~~ولكن اذكر دائما ما قلته لك حين لقيتك في المرة الأولى. # ثم دق الجرس ووقف، فوقف الفتى، وأقبل الأمين فقاده إلى خارج الغرفة. # وشعر صاحبنا بأن عليه منذ اليوم للسلطان دينا يجب أن يؤدى، ولم تمض شهور حتى كان ~~قد أتم أول كتاب أصدره بعد عودته من أوروبا: «صحف مختارة من الشعر التمثيلي ~~اليوناني»، فأهداه إلى السلطان، ورفعه إليه في مقابلة ثالثة التمسها هو وأجيب إليها، ~~وظن أنه قد أدى إلى السلطان حقه وشكر له عطفه عليه وبره به، ولكن السلطان كان يرى ~~شيئا آخر، وينتظر شكرا آخر غير إهداء كتاب مهما يكن موضوعه. # | الفصل العشرون # إيمان بالثورة! # لم يكن صاحبنا قد أتم العقد الثالث من عمره حين عاد من أوروبا وأصبح أستاذا في ~~الجامعة، ولكنه كان يعتقد أن تجاربه الكثيرة التي بلا ms300 حلوها ومرها في أثناء إقامته في ~~فرنسا قد تجاوزت به هذه السن، ونيفت به على الأربعين؛ فهو قد أنفق في فرنسا أعوام ~~الحرب العالمية كلها، وهو لم يعش تلك الأعوام لاهيا عما كان يجري حوله من الأحداث، ولا ~~غافلا عما كان في هذه الأحداث من عبر وعظات. وهو لا يذكر أنه صرف عن أحداث الحرب ~~وأصدائها في الأمة الفرنسية وغيرها من الأمم المحاربة يوما من الأيام. كان يقرأ الصحف ~~الفرنسية معنيا بقراءتها، وكان يطيل التفكير فيما يقرأ. # وهو لم يعد إلى مصر إلا بعد أن وضعت الحرب أوزارها، وامتاز المنتصر من المنهزم، وظهرت ~~آثار الانتصار عند الغالبين، وآثار الهزيمة عند المغلوبين، وثلت عروش كان الناس يقدرون ~~لها الخلود، وذلت شعوب كان الناس يقدرون لها سلطانا لا يزول. # وفي أثناء تلك الحرب كانت ثورة لم يعرف التاريخ لها نظيرا إلا الثورة الأمريكية ~~والفرنسية في القرن الثامن عشر. وقد حاولت هذه الثورة أن تحقق نظاما كان الناس يقرءونه ~~في الكتب، ويعتقدون أنه من هذه المثل البعيدة التي لا سبيل إلى تحقيقها. # كل ذلك عرفه صاحبنا وتتبع أنباءه وآثاره في عناية لم تكن أقل من عنايته بالدرس ~~والتحصيل، وهو في هذا الدرس وهذا التحصيل قد قرأ وسمع أساتذته يعرضون ويفسرون تاريخ ~~الأمم القديمة والحديثة، وما اختلف عليها من الأحداث التي تطورت لها نظم الحكم على ~~اختلاف العصور. وكان شديد التأثر بدروس الأستاذ دوركيم في علم الاجتماع، وكان الأستاذ ~~دوركيم قد أنفق عاما كاملا يدرس لتلاميذه مذهب الفيلسوف الفرنسي سان سيمون الذي ~~يقوم على أن أمور الحكم الصالح المنتج الذي يحقق العدل، ويكفل رقي الشعب، ويتيح ~~للإنسانية أن تتقدم إلى أمام، يجب أن تصير إلى العلماء؛ لأنهم هم الذين يستطيعون أن ~~يلائموا بين نتائج العلم على اختلافها وبين حاجات الناس وطاقتهم واستعدادهم للتطور ~~والمضي في سبيل الرقي. # فليس غريبا أن يعود صاحبنا إلى وطنه مؤمنا بالثورة التي نشبت فيه، ومؤمنا في الوقت ~~نفسه بأن عبئا خطيرا من أعباء هذه الثورة سيقع على العلماء والمثقفين ms301 من أبناء هذا ~~الوطن. فهم قد عرفوا تجارب الأمم، وعرفوا حقائق العلم، واستطاعوا أن يميزوا بين ما يمكن ~~من الأمر وما لا يمكن، وهم القادرون على أن يقودوا الشعب إلى الخير، ويسلكوا به قصد ~~السبيل، ويعصموه من التورط فيما تورطت فيه شعوب كثيرة فلم تجن منه إلا شرا. # وكان صاحبنا يقدر أن الساسة الذين يقودون الثورة سيختلفون في يوم قريب أو بعيد، ~~ويعتقد أن العلماء والمفكرين سيكونون هم الذين يحققون التوازن بين الساسة حين يختلفون، ~~وسيقضون بينهم فيما يضطرون إليه من الاختلاف. # كان مؤمنا بهذا، وكان مستيقنا أن العلماء والمفكرين لن ينحازوا إلى الأحزاب، ولن ~~يكونوا كغيرهم من عامة الناس، الذين يقادون ولا يقودون. ولم يكن يقدر أن سيشارك في ~~السياسة من قرب أو بعد، ولكنه لم يكن يتردد في أنه لن يحجم عن أداء الواجب، وقول كلمة ~~الحق إن اضطر إلى ذلك غير حاسب للظروف ولا للعواقب حسابا. # على أنه لم ينفق في مصر شهورا حتى تبين أنه كان واهما في كل ما قدر، وأن العلماء ~~والمفكرين ناس من الناس يتأثرون بالجماعات التي يعيشون فيها، فيخطئون مثلها ويصيبون. بل ~~هم قد يرون الخطر ويعمدون إليه متابعين للجماعات التي يذهبون مذهبها أو يرون رأيها، ~~وهنالك تبين أن ذلك الشاعر الجاهلي إنما صور حقيقة خالدة من حقائق الجماعات حين ~~قال: # أمرتهمو أمري بمنعرج اللوى # فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد # فلما عصوني كنت منهم وقد أرى # غوايتهم أو أنني غير مهتدي # وهل أنا إلا من غزية إن غوت # غويت وإن ترشد غزية أرشد # وكان أول ما لاحظ بعد أن أقام وقتا قصيرا في مصر، أن الأمر كان مختلفا بين الذين ~~كانوا يرون أنفسهم علماء ومفكرين وبين عامة الناس والشباب منهم خاصة. # فأما أولئك فكانوا يؤمنون بالثورة، ولكنهم كانوا يؤمنون بأنفسهم أيضا؛ وهم من أجل ~~ذلك لا ينظرون إلى الأحداث ولا يشاركون فيها خالصين لها في غير تردد، وإنما كانوا ~~يقدرون لأرجلهم مواضعها قبل الخطو، ولا يتحرجون من نقد الساسة والقادة والتندر ms302 بهم ~~حين يقولون وحين يفعلون، وكان هذا الموقف يعرضهم للانقسام على أنفسهم ومشاركة الساسة في ~~الاختلاف حين يتورطون فيه. # وأما عامة الناس - والشباب منهم خاصة - فكانوا مؤمنين بالثورة، قد أخلصوا لها نفوسهم ~~وقلوبهم وأيديهم أيضا، لا يفكرون في عاقبة ولا يخافون هولا مهما يكن. وهم كانوا ~~يعرضون صدورهم لرصاص الإنجليز، ويغامرون بحياتهم مغامرة رائعة على حين كان بعض الساسة ~~القائمين بالحكم في تلك الأيام لا يحفلون بهم ولا بما يلقون، وإنما يصانعون ~~الإنجليز حينا، ويصانعون القصر حينا آخر، ويسخرون من أولئك الذين كانوا ينتظرون في ~~باريس أن تفتح لهم أبواب وزارات الخارجية أو يحاولون في لندن أن يصلوا مع الإنجليز إلى ~~كلمة سواء. # ولم يكد الإنجليز يعلنون زهدهم في الحماية وميلهم إلى إلغائها وإقامة نظام خير منها، ~~ولم تكد وزارة الثقة - كما كانت تسمى في تلك الأيام - تنهض بأعباء الحكم، ولم يكد سعد ~~رحمه الله يعود إلى مصر، حتى نجم الخلاف بين الوزارة وبين الوفد حول المفاوضات؛ من الذي ~~يجريها؟! # أتجريها الوزارة لأنها تمثل السلطان الشرعي النظامي؟ # أم يجريها الوفد لأنه يمثل الشعب الثائر؟ # وكان الغريب من أمر هذا الخلاف أنه كان يتصل بالمظاهر والصور لا بالوقائع وحقائق ~~الأمر، كان أعضاء الوزارة وأعضاء الوفد يؤمنون جميعا بحق مصر في الاستقلال، وبأن هذا ~~الاستقلال يجب أن يستخلص من الإنجليز بالمفاوضة الحرة؛ إيثارا للسلم ورغبة في العافية ~~وبخلا بالدماء على أن تراق وبالنفوس على أن تزهق قبل أن تستنفد وسائل السلم. ولكنهم ~~على هذا الاتفاق والإجماع كانوا يختلفون في مظاهر هذه المفاوضة؛ لأن من يجريها سيتاح له ~~تحقيق الاستقلال إن قدر له النجاح. # وكذلك انقسم المصريون وثارت بينهم فتنة منكرة جعلت بأسهم بينهم شديدا. # ونظر صاحبنا فإذا العلماء والمفكرون كغيرهم من الناس قد انقسموا إلى فريقين: فريق ~~منهم مال إلى الوفد وقال مع القائلين: «لا رئيس إلا سعد.» وفريق آخر مال إلى الوزارة ~~وقال مع القائلين: «إنما المفاوضات لمن ولي الحكم.» ثم نظر صاحبنا فإذا هو كغيره من ~~عامة الناس، وإذا هو ms303 مع الفريق الذي مال إلى الوزارة ورئيسها عدلي باشا رحمه ~~الله. # وما أسرع ما اضطرمت الفتنة حتى مس لهبها كل نفس وكل عقل وكل ضمير، وإذا الوفد يتمنى ~~الإخفاق للوزارة في مفاوضاتها، ويدبر لهذا الإخفاق، وإذا أتباع الوفد يجهرون في غير ~~تحفظ بدعائهم ذاك البغيض: «الحماية على يد سعد خير من الاستقلال على يد عدلي»! # وإذا صاحبنا ينفق أقصى ما كان يملك من العنف في مهاجمة هؤلاء الوفديين الذين اتخذوا ~~من بغضهم لعدلي وأصحابه، ومن حرصهم على رياسة المفاوضات دينا، وإذا هو يكتب ذات يوم في ~~صحيفة «المقطم» ساخرا من السعديين: «يقول الوفديون: لا رئيس إلا سعد كما يقول ~~المسلمون: لا إله إلا الله.» # وقد بلغ الشر أقصاه بين الفريقين حتى انتهى إلى إخفاق المفاوضات، ولم ينزل الإنجليز ~~لعدلي عن الاستقلال وكثرة المصريين لا تؤيده بل لا تحبه بل تبغضه وتبغض أصحابه أشد ~~البغض وأنكره. # ويعود عدلي مخفقا، فيفرح بإخفاقه الوفد وأتباعه ، ويزعم أصحاب عدلي أن صاحبهم قد كان ~~أبيا كريما قد ثبت للإنجليز فلم ينزل لهم عن حق الوطن، ولم يقبل منهم الدنية، ~~وعاد أشم مرفوع الرأس. # ويرى صاحبنا نفسه ذات يوم في محطة القاهرة مع المستقبلين لعدلي وهو يصيح مع الصائحين: ~~«ليحي عدلي باشا!» # وقد حمل العدليون صاحبهم على الأكتاف حتى وضعوه في سيارته، ولا يكاد المستقبلون ~~للمخفق العظيم يخرجون من المحطة حتى تنهال عليهم اللعنات ويصب عليهم الاستهزاء صبا، ~~ثم يقذفون بالحجارة والعصي، ويصاب صاحبنا ببعض الأذى، ولولا أن رفيقه كان ماهرا لبقا ~~لتعرض لشر كثير، ولكن رفيقه انعطف به إلى حارة من الحارات ثم نفذ به إلى حيث أمن ~~الحصى والحجارة والشتم، وأعاده إلى داره موفورا مكدودا مع ذلك. # وينفى سعد بعد إخفاق عدلي بقليل، وينكر عدلي هذا الإخفاق، ويلح في قبول استقالته، ~~ويرى أصحاب عدلي أن نفي سعد إهانة للوطن كله، وتوشك الكلمة أن تجتمع، ويوشك المصريون ~~أن يصبحوا يدا واحدة على خصمهم من الإنجليز، ولكن العصا لا تلبث أن تنشق، والخلاف لا ~~يلبث أن ms304 يعود كأعنف ما كان، لم يغير أحد الفريقين من رأيه ولا من خطته شيئا. # يقول العدليون: إن حب الوفد للرياسة قد أضاع المفاوضات! # ويقول السعديون: إن ازدراء عدلي للشعب وممثله قد أضاع الاستقلال، ويوشك الاستقلال أن ~~ينسى وتنصرف عنه النفوس بفضل هذه الفتنة المظلمة التي كان المصري فيها يخرج يده فلا ~~يكاد يراها. # على أن تصريح الثامن والعشرين من شهر فبراير سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة وألف يرد إلى ~~العدليين شيئا من ثقة وكثيرا من أمل، فقد ظفر ثروت باشا رحمه الله ببعض الحق، وشيء ~~خير من لا شيء! # وقد أتيح لمصر أن تدبر أمورها بنفسها، وأتيح للشعب أن يكون له دستور، وأن يحيا حياة ~~ديموقراطية كريمة ... وأصبح السلطان ملكا، وأصبح لمصر أن ترسل ممثليها السياسيين إلى ~~البلاد الأجنبية بعد أن عادت إليها وزارة الخارجية التي ألغاها الإنجليز حين أعلنوا ~~الحماية. # وكل هذا يتيح لمصر مظاهر الاستقلال وشيئا من حقائقه مهما يكن قليلا فإن له ما بعده، ~~ولكن السعديين كانوا ينكرون هذا التصريح ويرونه شرا ونكرا ويرون قبوله جريمة ~~وإثما. # والخلاف يمضي في طريقه لا تهدأ ثورته ولا تزداد ناره إلا اضطراما، وصاحبنا ماض مع ~~أصحابه في إذكاء هذه النار لا يعنيه أن يرضى عنه الراضون أو يسخط عليه الساخطون، وإنما ~~هو مقتنع بأن شيئا خير من لا شيء، وبأن القليل صائر إلى الكثير، وبأن هذه المظاهر ~~ستصبح في يوم من الأيام حقائق إن عرف المصريون كيف يحزمون أمورهم وكيف يجمعون كلمتهم ~~وكيف يحسنون انتهاز الفرص. # وقد أخذ ثروت باشا رحمه الله يهيئ لوضع الدستور فألف لجنة الثلاثين، وأخذت هذه اللجنة ~~في عملها، ولكن شرا آخر يظهر في أفق مصر. # فهذه اللجنة قد أخذت عملها على أنه جد، وجعلت تضع دستورا ديموقراطيا يخول الشعب ~~من الحقوق ما لا يريد القصر أن ينزل عنه، وإذا سلطان الأمس وملك اليوم يمكر بالوزارة ~~واللجنة جميعا، وإذا الخلاف يظهر بين القصر وبين ثروت باشا، وتكون ديموقراطية الدستور ~~هي أصل هذا الخلاف. وصاحبنا ماض في تأييد ms305 الدستور الديموقراطي غير ملق بالا إلى ~~القصر ولا إلى صاحب القصر الذي أحسن لقاءه ومنحه كثيرا من العطف والبر ~~والتشجيع. # وفي ذات يوم ينبئ ثروت باشا صاحبنا بأن القصر ساخط عليه، وبأنه يحاول أن يصلح ~~الأمر. # قال صاحبنا متضاحكا: فأصلح الأمر بين الوزارة وبين القصر إن وجدت إلى ذلك سبيلا، ~~فهذا أجدر بعنايتك من إصلاح الأمر بين القصر وبيني! # ولم يستطع ثروت باشا أن يصلح الأمر بين القصر والوزارة، ولا بين القصر وصاحبنا، وإنما ~~استقال. # ونظر صاحبنا فإذا هو بين عدوين لا يدري أيهما أنكى له من صاحبه. # يراه السعديون مارقا مالأ المارقين. # ويراه القصر كافرا بالنعمة جاحدا للجميل. # ويرى هو أنه قد أرضى ضميره وأدى واجبه وليكن بعد ذلك ما يكون. # وكذلك غرق صاحبنا في السياسة إلى أذنيه، وكان جديرا أن يفرغ للعلم والتعليم وألا ~~يفكر إلا في طلابه وكتبه، ولكن بعض الظروف تحيط بالشعوب فتجعل الحيدة بالقياس إلى بعض ~~أبنائها إثما لا يغتفر، ولا تمحى آثاره. # وكان صاحبنا يرى الحيدة في ذلك الوقت جبنا ونفاقا. والمهم أنه غرق في السياسة أو ~~احترق بنارها، ولم يكن له بد من أن يحتمل تبعات هذا الغرق أو هذا الحريق، وهل كانت ~~حياته كلها منذ تلك الأيام إلا نتيجة طبيعية لإقدامه على السياسة وغرقه فيها واصطلائه ~~نارها؟ # كل ما لقيه بعد ذلك في حياته من خير أو شر، ومن عرف أو نكر، ومن رضا أو سخط، لم ~~يكن إلا أثرا من آثار تلك السياسة التي أقدم عليها غير حاسب لأعقابها ونتائجها ~~حسابا. وعلى كثرة ما لقي من أهوال السياسة وما احتمل من أثقالها، وما تعرض لسخط ~~المتطرفين حينا والمعتدلين حينا آخر، لم ينكر من سيرته شيئا ولم يندم على فعل فعله ~~أو قول قاله. # وكثيرا ما كان الناس من صديقه يلومونه على أنه عرض نفسه لسخط هذه الفئة أو تلك، ~~فلم يكن يزيد على أن يهز رأسه ويرفع كتفيه ويجيب هؤلاء الصديق بما كان يديره بينه وبين ~~نفسه دائما: لو استؤنف الأمر ms306 من حيث ابتدأ لاستأنف سيرته التي سارها، لم يغير منها ~~شيئا ولم ينكر منها قليلا أو كثيرا؛ ذلك لأنه لم يستجب فيما قال أو فعل إلا لما كان ~~يدعوه إليه ضميره من الإقدام في غير تهيب ولا وجل، ولا سيما حين يبلغ الشر أقصاه ~~وتنتهى الفتنة إلى غايتها. # ولقد رأى نفسه ذات يوم وليس بينه وبين المحنة إلا خطوة إلى أمام، وليس بينه وبين ~~العافية إلا خطوة إلى وراء، وأن أصدقاءه المحبين له العاطفين عليه الذين لم يكونوا ~~يملكون له في تلك الأيام إلا المشورة والنصح، ليلحون عليه في أن يؤثر العافية، ولو ~~وقتا قصيرا، فلا يسمع لمشورتهم ولا يحفل بإلحاحهم، وإنما يخطو خطوته تلك إلى أمام، ~~فيلقي بنفسه بين ذراعي وجبهة الأسد كما يقول الشاعر القديم، وما أمض ما وجد ووجد ~~أهله معه من ألم! وما أمر ما ذاق وذاق أهله معه من شقاء! ولكنه كان يستحب تلك الشدة ~~الشديدة والقسوة القاسية على العافية واللين. # كان يعرف نفسه حين يشقى في سبيل ما يرى أنه الحق، وينكرها أشد الإنكار بل يبغضها أشد ~~البغض إذا نعم بالخفض واللين؛ لأنه صانع أو داجى أو جهر بغير ما يسر أو آثر رضا ~~السلطان على رضا الضمير، وكان شعاره دائما الشعار الذي كان يبادي به من يخاصمه، كما ~~كان يبادي به من يغريه قول أبي نواس: # وما أنا بالمشغوف ضربة لازب # ولا كل سلطان علي أمير! ms307