######OpenITI# #META# URI: 1392TahaHusayn.BaynaBayna.Hindawi14252850 #META# Tags: literature #META# ID: 14252850 #META# Title: بين بين #META# AuthorID: 59624258 #META# Author: طه حسين #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # بين الأدب والسياسة‏ # أدب الصيف‏ # حوار في الأدب‏ # عيد‏ # طيف‏ # ضمير حائر‏ # الضمائر القلقة‏ # في الذوق‏ # خوف‏ # النفوس القلقة‏ # الوسائل والغايات‏ # لبنان‏ # الصيف‏ # دين‏ # شياطين الإنس ... والجن‏ # جوع وأحاديث‏ # بين الأدب والسياسة‏ # أدب الصيف‏ # حوار في الأدب‏ # عيد‏ # طيف‏ # ضمير حائر‏ # الضمائر القلقة‏ # في الذوق‏ # خوف‏ # النفوس القلقة‏ # الوسائل والغايات‏ # لبنان‏ # الصيف‏ # دين‏ # شياطين الإنس ... والجن‏ # جوع وأحاديث‏ # | بين بين # | بين بين # تأليف # طه حسين # | بين الأدب والسياسة # جد وهزل # نعم جد وأي جد، لك ما شئت وما لم تشأ، إن استطعت أن تظفر بجد أحزم ~~وأصرم وأعظم وأقسى من هذا الجد الذي يلم بالحياة المصرية في هذه الأيام، فيثير ~~في بعض نواحيها حزنا لا يشبهه حزن، وفي بعض نواحيها الأخرى سرورا لا يقاس إليه ~~سرور. # نعم، وهزل أي هزل، لك ما شئت وما لم تشأ، إن استطعت أن تظفر بهزل أبدع أو ~~أروع أو أخف على الروح، أو أدعى إلى الضحك، أو أقدر على التلهية والتسلية من ~~هذا الهزل الذي يلم بالحياة المصرية في هذه الأيام، فيثير في بعض نواحيها قهقهة ~~وإغراقا في القهقهة، ويثير في بعض نواحيها الأخرى بكاء لا يبخل أصحابه بالدموع. # وتعال معي يا سيدي فانظر عن يمين، ثم انظر عن شمال، واسمع لما يأتيك من هذا ~~الوجه، ثم اسمع لما يبلغك من ذلك الوجه، ثم حدثني أو حدث الناس بما ترى وما ~~تسمع إن استطعت أن تخلص للحديث، فإني أخشى أن ترى من ملكهم الحزن فتحزن، ~~أو ترى من ملكهم الضحك فتغرق معهم فيما هم مغرقون فيه. # انظر يا سيدي إلى يمين، فسترى أصحاب الجاه الرفيع والعز المنيع والسلطان الواسع والصوت ~~البعيد قد ردوا إلى حياة لو أنها برئت من الجاه والعز، وخلت من سعة السلطان ~~وبعد الصوت لكانت على أصحابها شرا ونكرا، ولكنها امتلأت بالعبر التي جعلتها ~~نكالا لما بين يديها وما خلفها، وعظة لمن يستطيع أن يتعظ، ودرسا لمن يحسن أن ~~يفهم عن الأيام ما تلقي من دروس. # انظر يا سيدي عن يمين ms01 ؛ فسترى الإبراشي باشا كاسف البال، ضيق الصدر، شاحب الوجه، ~~مقطب الجبين، مخفوض الرأس، مقوس الظهر، مطبق الفم، معقود اللسان، وسترى من ~~حوله الغرور وبنات الغرور، ثم اليقظة وبنات اليقظة، وهن يتراقصن ويتبادلن ~~فيما بينهن أحاديث عنيفة لينة فيها حزن ويأس، وفيها سخرية ودعابة، والرجل بين ~~هؤلاء الراقصات يقظان كالنائم، ونائم كاليقظان، قد زلزلت به الأرض زلزالا شديدا، لم ~~يتصل ولم يطل أمده، ولكن الأرض على ذلك ما زالت تدور به وتضطرب من تحته، ~~حتى أصبح لا يملك قدرة على أن يحقق شيئا أو يثبت في نفسه شيئا، أو يفكر في شيء، ~~أو يقدر شيئا، إنما هو داخل مأخوذ يرى هؤلاء الراقصات يضطربن من حوله، بعضهن ~~ينتحبن ويبعثن في الجو نشيجا وزفيرا، وبعضهن يضحكن ويبعثن في الجو ~~صياحا متصلا، فيه الرضى وفيه الابتهاج، وفيه السخر من طغيان الطغاة والاستهزاء بظلم ~~الظالمين، والاستخفاف بهذه الآمال العذاب الكذاب، التي تملأ الإنسان غرورا وجهلا ~~وحمقا وثقة بالنفس واطمئنانا إلى الأيام، والرجل يرى ولا يحقق، والرجل يسمع ~~ولا يفهم، والرجل قد أخذه هذا الذهول، حتى إنه ليود لو استطاع أن ينهض فيرقص ~~مع هؤلاء الراقصات المحزونات، أو يدور مع هؤلاء الدائرات المبتهجات؛ ولكنه واهن، خائر ~~القوى، منهوك الجسم كما أنه منهوك العقل، قد سكن هو واضطرب من حوله كل شيء، ~~بل سكن جسمه واضطرب في نفسه وعقله وقلبه وجوفه كل شيء. # ثم انظر يا سيدي وأبعد النظر قليلا؛ فسترى رجلا آخر قد تقدمت به السن بعض الشيء، ~~وأرسلت على صدره لحيته إرسالا، ودارت على رأسه خرقة بيضاء ... هو جاثم في مكانه ~~يهم أن يقول فلا يستطيع أن يقول، يهم أن يعمل فلا يستطيع أن يعمل، يهم أن ~~يفكر فلا يستطيع أن يفكر، وإنما أخذت عليه طرق القول والعمل والتفكير أشباح ~~لا تنقطع تمر أمامه متتابعة، وهو يراها تخرج من مكانها لا يستطيع لها ردا، ولا ~~يملك منها مهربا، ولا يبلغ لها إحصاء، يرى كأن الأرض تمر أمامه مرا، ولا ~~يمر منها جزء إلا انفتح فيه ms02 قبر، وخرج من هذا القبر شبح أو أشباح، وهو لا يدري ما ~~خطب هذه الأشباح التي تطيف به، وتدور من حوله، وتنشق له عنها الأرض، وتنفتح له ~~عنها القبور، وهو يكاد يصيح لو استطاع الصياح، ويكاد يسأل لو أطاق السؤال، ولكن هاتفا يهتف ~~به: أرح نفسك من السؤال والصياح؛ فإنما أنت رجل تحب القبور وزيارة القبور، وأنت ~~رجل محزون مكدود، لا تستطيع أن تسعى إليها زائرا ولا عاتبا ولا متوسلا ولا ~~مستعطفا، فهي تسعى إليك، وهي تلم بك وتقف عندك، وهي تقرأ ما في نفسك، ~~وتفهم ما في قلبك، وكم تحب أن تجيبك إلى ما تبتغي، وتعينك على ما تريد، لولا أن ~~القبور لا تملك للناس نفعا ولا ضرا، ولا تغني عنهم من الله شيئا. # لقد ألممت بالقبور إلماما في إثر إلمام، وأطلت عند القبور مقاما في إثر ~~مقام، فانظر لهذه القبور تلم بك، وتقيم عندك. ولقد وقفت عند القبور فهمهمت ~~ودمدمت وزمزمت وتمتمت، فاسمع لهذه الأشباح التي تنشق لك عنها القبور، إنها ~~من حولك تهمهم وتدمدم وتزمزم وتتمتم، ولقد ضاعت جهودك عند القبور، ~~وجهود القبور ضائعة عندك، لم تحفظ عليك قوتك حين كنت قويا، ولم ترد عنك ~~ضعفك حين أصبحت ضعيفا، الله وحده هو الذي يحفظ القوة على الأقوياء، ويرد ~~الضعف عن الضعفاء، ولكنه قد قضى ألا يحفظ قوة على قوي، ولا يرد ضعفا عن ضعيف، ~~حتى يخلص له قلبه ونيته وقوله وعمله، فليتك أخذت من بعض هذا بحظ، ~~فيغني عنك الآن حين لا يغني أحد ولا شيء عنك من الله شيئا. والرجل يرى، والرجل ~~يسمع، والرجل لا يحقق ما يرى ولا يفهم ما يسمع، وإنما هو قلب مضطرب، وعقل ~~مختلط، ونفس مفرقة، وخواطر مشردة، وعبرة للمعتبرين، وعظة للمتعظين. # وأبعد نظرك يا سيدي قليلا، فسترى أشباحا ضئيلة نحيلة شاحبة ذائبة أو كالذائبة تذهب ~~وتجيء، تقول وتعمل، تتصرف تصرف الأحياء؛ وليست من الحياة في شيء، إنما هي حياة ~~كالموت، أو موت قد ترددت فيه أنفاس من حياة، وأطل النظر إلى ms03 هذه الأشباح الذاهبة ~~الجائية الرائحة الغادية، فستتبين بعد الجهد والعناء أشخاصها، وستعلم أنها أشخاص ~~قوم كان إليهم الحول والطول، وكان في أيديهم الحل والعقد، كانوا وزراء يأمرون وينهون، ~~يرفعون ويخفضون، يذلون ويعزون، يبسطون الرزق لمن يشاءون، ويكفون الرزق ~~عمن يشاءون، يقضون بأهوائهم فيما لا ينبغي أن يقضى فيه إلا بأحكام الدستور والقانون، ~~ولكنهم ألغوا الدستور وأهدروا القانون، واتخذوا من أهوائهم وشهواتهم نظما تقوم ~~مقام الدستور والقانون. # انظر إليهم يا سيدي أين هم وسلهم، أو سل عنهم يا سيدي، ما خطبهم وماذا يصنعون؟ ~~لقد لفظتهم الأرض ونبذهم الناس، وانصرف عنهم أشد الناس إلحاحا عليهم ~~وحبا لهم وتهالكا على تملقهم، تحدث إليهم يا سيدي إن استطعت، فلن ~~تسمع منهم إلا ما يصور الضغينة والحقد، والموجدة والبغض، واليأس والقنوط، ~~والتحرق على ما مضى، والتشوق إلى ما لا سبيل إليه، وصل إلى ضمائرهم إن استطعت ~~الوصول إليها؛ فلن ترى فيها ندما، ولا أملا، ولا استغفارا، ولا اعتذارا، ولا توبة، ولا ~~نزوعا إلى التوبة، إنما هو الحزن اللاذع على نعيم مضى، وانتهاز الفرصة وتربص الدوائر ~~وملاطفة الأحلام، لما قد تتكشف عنه الأيام من نعيم تتقطع دونه الأعناق، وتتمزق دونه ~~القلوب. # وألق نظرة واسعة عريضة يا سيدي إلى هذه الأشخاص الذابلة الناحلة التي تدب على ~~الأرض دبيب النمل، لم يدركها الموت المهلك، ولم يبلغها اليأس المريح، وإنما هي ~~عاملة جادة، تملقت أولئك حتى ذهب عنهم السلطان، وهي تنتهز الفرصة لتتملق ~~هؤلاء ما أقبل عليهم السلطان، تريد أن تملأ بطونا لا تمتلئ، وأن تفعم جيوبا لا ~~تفعم، وأن تصيب من لذات الحياة ما تبيع في سبيله القلوب والعقول، والشرف والكرامة، ~~والضمائر والأخلاق. انظر، إنهم كثيرون، كانوا شياطين مردة، فأصبحوا اليوم ملائكة أطهارا، ~~ينتظرون أن تتيح لهم الظروف خلع أجنحة الملائكة والدخول في أثواب الشياطين. انظر ~~واسمع، ولكني أراك محزونا أسفا كئيبا، قد ضاقت نفسك بما ترى وما تسمع، وقد ~~صغر في نفسك كثير من المعاني والخصال التي لم تكن تحب أن تراها صغيرة ولا حقيرة ~~ولا متضائلة ms04 . قد ثقل عليك الجد فلا بأس عليك، أرح نفسك من الجد وتحول إلى ~~شمال فانظر واسمع، وحدثني عما ترى وما تسمع. # وانظر غير بعيد إلى التقاليد؛ فسترى منظرا عجيبا، وستسمع أغاني أقل ما ~~توصف به أنها مضطربة مضحكة مسلية لذيذة، أشد إثارة للذة وإبهاجا للنفس من ~~أغنية السواقي السبع التي يتغنى بها الشباب في بعض الأحياء الوطنية، ومن يتغنى ~~السواقي السبع ويردد أنغامها الحلوة وألحانها الشجية إذا لم تتغن بها التقاليد، ~~وما أدراك ما التقاليد! انظر إليها فلن يثوب نظرك إليك، ولن ينقضي عجبك مما ~~ترى. # هذا رجل ضخم فخم، طويل عريض، غليظ الوجه، واسع الشدقين، عظيم الأنف، عذب الصوت، حلو ~~الغناء، يا له من صوت، ويا له من غناء، استمع إن كنت تحب الطرب، واعجب إن ~~كنت تريد العجب، ألا ترى إلى هذه الأشياء الكثيرة المنتشرة المختلفة ~~المتنوعة التي تضطرب من حوله، بعضها يرقص وبعضها يدور، بعضها يقفز في ~~الجو، وبعضها يثب في الهواء؟! # تبين هذه الأشياء إن استطعت أن تتبينها، وأحط بها إن أتيح لك أن ~~تحيط بها، إن فيها الحي والميت، إن فيها الصائح والصامت، إن فيها الغالي والرخيص، ~~إن فيها المبتذل والنفيس. هذا ديك يصدح، وهذه دجاجة تصيح، وهذا أرنب يعدو، وهذه ~~أداة تدور، وهذه حقيبة تمتلئ، ثم تفرغ، ثم تمتلئ، ثم تفرغ. وهذا مصباح قد علق وهو ~~يضطرب اضطرابا، ويدور حول نفسه دورانا، وهذا بساط قد نشر في الجو ينتظر من يجلس ~~عليه؛ ليطير به إلى حيث يريد الله، وهذا نرد يدعو اللاعبين، وهذا شجر قد اكتسى من ~~أخضر الورق، وآتى من جميل الزهر وطيب الثمر، وهذا مطر ينهمر انهمارا، وتصبه ~~السماء صبا، ولكن احذر أن تدنو منه؛ فإني أخشى على رأسك أن يشج، وعلى أنفك ~~أن يجدع، وعلى وجهك أن يصيبه أذى، وعلى ذراعك أن تتحطم، وعلى ساقك ~~أن تندق. # إن السماء يا سيدي لا تمطر ماء ولا عسلا ولا خلا ولا زيتا، ولكنها تمطر ~~علبا مختلفة الأحجام، متباينة الأشكال، قد اختلفت فيما بينها ms05 ، وتنوعت ~~محتوياتها، ففي هذه «مربى» البرتقال، وفي هذه «مربى» السفرجل، وفي هذه «مربى» ~~المشمش، وفي هذه لون من ألوان الحلوى، وفي هذه فن من فنون الفاكهة. واحذر هذه القطرات ~~الغريبة، التي لا تكاد تبلغ الأرض حتى تنحطم عليها انحطاما، ويخرج منها شراب مختلف ~~ألوانه، فيه ري للظمأ، وفيه تملق للفم، وفيه حلاوة وعذوبة، وقد يؤذي بعض الحلوق ~~أحيانا، إنها زجاجات الشراب يا سيدي، عصير العنب، وعصير البرتقال، وعصير الليمون. # وانظر إلى هذه الأقراص التي تدور لا تريد أن تقف، ولا تحب أن تسقط؛ وإنما هي ~~تدور في مكانها، وتبعث من حولها روائح غريبة لا تحبها الأنوف جميعا، ولكن من ~~النفوس ما تطير من حبها شعاعا. تبين هذه الأقراص يا سيدي؛ ألم تعرفها بعد؟ ~~ألم يهدك إليها عبيرها هذا المنكر الغريب كما هدى عمر بن أبي ربيعة إلى ~~صاحبته عبيرها ذاك، الذي كان يصدر عن خيمتها فيملأ الجو عرفا وطيبا؟ انظر ~~إلى هذه الأقراص؛ إنها أقراص الجبن يا سيدي، وأي جبن! ما شئت من ألوان الجبن، جبن ~~أجنبي وجبن مصري، جبن رقيق وجبن غليظ، جبن خشن وجبن ناعم، جبن جاف كأنه ~~الحجر، وجبن رطب يسيل لعابه ويتحلب منه المش، وتجري فيه فنون من دقيق ~~الحيوان. # وانظر إلى هذه الآنية التي تدنو وتنأى وتقرب وتبعد، وتصعد في الجو، وتهوي نحو ~~الأرض، داعية إلى نفسها مدلة بما فيها، أتعرفها؟ أتعرف ما تحتوي من الألوان؟ إنها ~~القشدة؛ القشدة التي يبيع فيها بعض العمد نفوسهم بيعا. انظر يا سيدي إلى ما ~~سميت وما لم أسم، وإلى ما وصفت وما لم أصف، انظر إلى الأشياء والأحياء كيف ~~تضطرب وتدور، وتأتي هذه الحركات العجيبة الغريبة، على صوت هذا المعنى البارع الرقيق ~~الرشيق، الخفيف الظريف، الوسيم القسيم، الذي يتغنى التقاليد، وجمال التقاليد، وقدس ~~التقاليد، وما يجب للتقاليد من حماية، وما يجب للأخلاق من رعاية، وما يجب للضمائر من ~~صفاء، وما يجب للأيدي من نقاء، وما يجب للمناصب من كرامة، وما يجب لأصحاب المناصب من ~~ارتفاع عن الصغائر، وتنزه ms06 عن الدنيات. # انظر يا سيدي إلى يمين، فخذ بحظك من الحزن، وانظر إلى شمال فخذ بحظك من ~~السرور، فلا خير في الحياة إذا لم تكن حزنا وسرورا، ولذة وألما، وجدا ولهوا. انظر عن ~~يمين وانظر عن شمال، ثم انظر أمامك إلى هذا البلد الحزين التعس، الذي يعدو على ~~حقوقه أصحاب الجد، ويلهو بمنافعه أصحاب اللهو، وهو يحتمل عدوان أولئك، ويحتمل ~~لهو هؤلاء، محزونا حينا، مسرورا حينا آخر، ساخرا من أولئك وهؤلاء دائما؛ لأنه قد ~~بلا من الدهر خيره وشره، وذاق من الأيام حلوها ومرها، ووثق بأن عدل الله ~~قريب، وبأن الحق منتصر مهما يتصل سلطان الباطل، وبأن صرح الجور مندك مهما ~~يشيد بأضخم الأحجار وأصلب الصخور. # ولكن دعنا من فلسفة الأخلاق؛ فما تتسع الحياة لفلسفة الأخلاق، وحدثني عن هذه ~~الأشياء التي تضطرب، وهذه الأحياء التي تتطاير وتتصايح، ما خطبها؟ من أين ~~أقبلت؟ وإلى أين تريد؟ أو أين ومتى تحب أن تستقر؟ زعمت وزارة المعارف أنها ~~أقبلت من مدارس وزارة المعارف المنبثة في أرجاء مصر قاصدة إلى بيت وزير من وزراء ~~المعارف، في حي من أحياء القاهرة، أو في قرية من قرى الريف. لا تهز رأسك، ولا ~~ترفع كتفيك، فما في هذا الحديث من شك، وما في هذا الحديث من ريب، إنهما ~~تقريران نشر أولهما صباح الأحد، ونشر ثانيهما صباح الثلاثاء، وزعم ~~ناشرهما أنه أخذهما من وزارة المعارف، ولم تنكر عليه الوزارة ما زعم، ثم لم ~~ينكر وزير المعارف ذاك ما نسب إليه في أول هذين التقريرين، وسنرى أينكر ما ~~نسب إليه في ثاني هذين التقريرين. # خرجت إذن هذه الأشياء، وخرجت إذن هذه الأحياء من مدارس الصناعة والزراعة إلى ~~بيتي وزير التقاليد. فليت شعري! أسار إليه منها ما سار، وطار إليه منها ما طار، ~~حبا له وهياما به، وشوقا إليه؟! أم سار السائر وطار الطائر؛ استجابة لدعاء وتحقيقا ~~لرجاء، وشفاء لبعض ما في الصدور؟! ... خرجت إذن هذه الأشياء وهذه الأحياء من مدارس ~~الصناعة والزراعة إلى بيتي وزير التقاليد، فليت شعري! أؤديت ms07 أثمانها كما ~~ينبغي أن تؤدى الأثمان؟ أم أديت لها أثمان لا تعدل قيمتها، ولا تلائم ~~ما حملت إلى الوزير من لذة وبهجة وراحة ومتاع؟! ... أما وزارة المعارف فتنبئنا بأن هذه ~~الأشياء قد بيعت من الوزير بثمن بخس، وبأن للدولة عند الوزير مائة وبعض المائة من ~~الجنيهات، وليت شعري! ما حكم الله في هذه المائة وبعض المائة من الجنيهات؟ أتبقى عند وزير ~~التقاليد؟ أم تؤدى إلى وزير المعارف ليؤديها إلى وزير المال؟ وليت شعري! أأنشئت ~~مدارس الزراعة والصناعة لتصلح بيت الوزير وما تملك من أدوات الزرع؟ ولتذيق الوزير ~~والذين يدعوهم إلى مائدته ما في الحياة من لذة وبهجة ونعيم؟! أم أنشئت مدارس الصناعة ~~والزراعة لتعلم المصريين كيف يصنعون ويزرعون، وكيف يتخذون الصناعة والزراعة وسيلة إلى ~~ترقية الحضارة واكتساب العيش والتماس الحياة؟! # وليت شعري! ماذا يقول لضمائرهم هؤلاء الناس الذين طعموا على مائدة الوزير من ألوان ~~الجبن والقشطة، وشربوا عند الوزير ألوان الشراب، واستمتعوا على مائدة الوزير بلحم تلك ~~الطير التي أهديت إليه إهداء أو أخذت له أخذا، والتي أدى أثمانها الصورية ~~إلى الدولة هذا البيطار أو هؤلاء التلاميذ؟! # وليت شعري ماذا يقول الوزير لضميره وماذا يقول للوزير ضمير الوزير؟ وليت شعري! أيسمع ~~الوزير إذا جلس في مكتبه وحيدا أو مع أصحابه، أحاديث هذا المتاع الذي انبث في ~~الحجرة، وهذه الإطارات التي علقت على الجدران؟ أيفهم هذه الأحاديث؟ أتثير في نفسه ~~ألما؟ أتبعث في قلبه ندما؟ أتسبغ على وجهه الحمرة التي تسبغها المخجلات على ~~وجوه الذين يخجلون؟ وليت شعري! ما حكم وزير المعارف القائم في هذا العبث بالمدارس ~~والاستغلال للتعليم والإفساد لعقول الطلاب، وعقول المعلمين، وأخلاق الموظفين؟ وليت شعري! ما ~~حكم وزير المال في هذا العبث المخزي بأموال الدولة؟ وليت شعري! ما حكم رئيس الوزراء ~~ومجلس الوزراء في هذا الخزي المنكر وهذا الفساد العظيم؟ أليس من سبيل إلى أن يسأل ~~المسيء عما أساء؟ ويؤخذ المذنب بما أذنب؟ ويعاقب الآثم على ما قدمت ~~يداه؟ أقضي على هذا البلد أن تقترف فيه الآثام سرا ms08 وجهرا وتجترح فيه السيئات ~~خفية وعلنا، وتهدر فيه القوانين، وتنتهك فيه الحرمات، ثم لا يسأل آثم عن إثم، ~~ولا يؤخذ مجرم بجريمة، وإنما يستمتع المسيء بمثل ما يستمتع به ~~البريء؟ # نعم، ليت شعري، وليت شعري، وأنا أستطيع، وأنت تستطيع أن تردد معي هذا السؤال ألف ~~مرة ومرة دون أن تنتهي إلى جواب؛ فمنذ عام ونصف عام تظهر الفضيحة إثر ~~الفضيحة، وتعلن المخزية إثر المخزية، والمصريون ينظرون ويسمعون ويألمون ويشكون، ~~ثم تنتهي أمورهم عند هذا. كلا، كلا، لن تستقيم للمصريين أخلاق إلا إذا عوقب المسيء على ~~إساءته، ولن تصلح للمصريين حياة إلا إذا سئل المجرم عن جريمته، ولن تكون لمصر سمعة ~~تلائم ما تؤمن به لنفسها من كرامة، إلا إذا عرف الأجانب واستيقنوا أن مدارس الصناعة ~~والزراعة لم تنشأ لإصلاح بيوت الوزراء وإرضاء حاجاتهم إلى الدجاج والأرانب وألوان ~~الفاكهة والحلوى. # نعم، لن تستقيم لمصر أمورها حتى تنهى التقاليد وزير التقاليد وأمثاله عن ~~استغلال المدارس لما لم تنشأ له المدارس، واستغلال السلطان لما لم ينشأ له ~~السلطان. # أما بعد، فقد كنت أظن يا سيدي أنك ستحزن إن نظرت إلى يمين فرأيت الطغاة وقد ~~انهزموا بعد انتصار، وذلوا بعد عز، وأنك ستضحك إن نظرت إلى شمال فرأيت ~~التقاليد تلعب حول وزير التقاليد، ولكني رأيتك محزونا في الحالين، يضحك وجهك ~~وتبكي نفسك، فلا تلمني في هذا، ولكن لم حياتنا المصرية، واذكر أن أبا الطيب قد ~~تنبأ لك ولي ولأمثالنا منذ ألف سنة بهذه الحال: # وكم ذا بمصر من المضحكات # ولكنه ضحك كالبكا # إبريل 1935 # | أدب الصيف # أقبل الصيف، وأقبل معه قيظ شديد مرهق لا يصهر الأبدان وحدها، ولكنه ~~يصهر معها العقول، ولعله يصهر مع العقول والأبدان بعض الأخلاق أيضا، فيدفع قوما ~~من الأمر إلى ما لم يكونوا ليدفعوا إليه لو لم يشتد القيظ على أبدانهم وعقولهم ~~وأخلاقهم، فيمنعهم من الأناة والمهل، ومن التفكير والتروية، ومن ضبط النفس وتسليط ~~العقل على الإرادة حين يعملون أو يقولون. ولكني لم أكتب لأحصي آثار القيظ الشديد ~~المرهق في ms09 أبدان الناس وعقولهم وأخلاقهم، وإنما أريد أن أسجل أن هذا القيظ الشديد ~~المرهق لا تستقيم معه الأحاديث عن الشعر القديم عامة، وعن شعر الجاهليين خاصة. ~~فالأحاديث عن هذا الشعر تحتاج - فيما يظهر - إلى شيء من الراحة والهدوء، والقدرة على ~~التفكير المطمئن، وهذا الفراغ الفني الذي يتيح للذوق أن يستأني ويتمهل ~~ويسيغ الأشياء في غير جهد ولا مشقة، ولا تعرض لهذا العناء السريع الذي نتعرض ~~له حين يسلط الجو علينا هذا الحر الشديد. # وأكبر الظن أن صاحبي الذي تعود أن يسرع إلي، إذا كان ميعادنا من كل أسبوع ~~لنأخذ فيما تعودنا أن نأخذ فيه من أحاديث الشعر القديم، قد أحس من الصيف ~~مثل ما أحس، وأنكر من نفسه مثل ما أنكر، واستيقن أن طاقته لا تستطيع أن ~~تثبت لدرس الشعراء القدماء، وما يعرضون له من صور مهما تكن جميلة رائعة، موفورة ~~الحظ من الروعة والجمال، فإنها أبية عصية، لا تسمح بمكنونها، ولا تتكشف عن مخزونها ~~إلا بعد شيء من التردد والتمنع والإباء، يكلف الذين يطلبون إليها جمالها ~~وروعتها شيئا من جهد، وفضلا من عناء. # يظهر أن صاحبي قد أحس هذا كله فأخلف الموعد لأول مرة، ثم أخلفه للمرة ~~الثانية، ثم سألت عنه والتمسته في مظانه، فلم أهتد إليه، ولم أدل عليه، ~~وخيل إلي أنه قد فر من هذا الجو فرارا، وأي شيء أيسر عليه من الفرار، ~~وهو لا يحتاج إلى مثل ما نحتاج إليه نحن من التهيؤ الطويل الثقيل للأسفار، فلا بد لي ~~إذن من أن أستيئس من التحدث إليه في الشعر القديم حتى تنجلي غمرة الصيف، وإذا كان ~~هو على لينه ورقته واعتصامه بهذه الرقة وذلك اللين من أعراض الحر والبرد قد فر من ~~أحاديث الشعر القديم، فما أجدر غيره من الناس أن يضيقوا بهذه الأحاديث، وما ~~أجدر الكتاب إذا لم يكن لهم بد من الكتابة أن يرفقوا بقرائهم إذا كتبوا، ~~وألا يتحدثوا إليهم من الموضوعات فيما يكلفهم جهدا وشططا. # والكاتب مدين لقارئه بهذا الرفق، أو قل: إن الكاتب مدين ms10 لنفسه بأن يرفق بقرائه ~~إن كان حريصا حقا على أن يقرءوه، راغبا حقا في أن يتحدث إلى عقولهم اليقظة ~~المفكرة، لا في أن يكون سبيلهم إلى الضجر والسأم، أو إلى الفتور والنوم. # ويخيل إلي أن الكتاب الغربيين يقدرون هذا الطور من حياتهم وحياة ~~قرائهم قدره، فهم يرفقون بأنفسهم وبالقراء إذا أقبل الصيف، وهم يتخففون ~~من الموضوعات الضخمة الفخمة، والمسائل المشكلة المعضلة التي يعرضون لها في غير ~~الصيف من فصول السنة، وهم لا يعرضون من الأحاديث إلا للسهل اليسير الذي لا يكلف ~~المتحدث ولا السامع مشقة، ولا يكلفه جهد التروية والتفكير، وهم ينتهون - بفضل هذا ~~الرفق بأنفسهم وبالقراء - إلى إنشاء أدب خاص يتناول موضوعات قلما تتناول في ~~غير فصل الصيف، ويتناولها في صور قريبة مواتية قلما تظهر في الشتاء أو ~~الربيع. # وهذا الأدب الخاص الذي تمتلئ به الصحف الغربية في هذا الفصل من فصول السنة يمكن أن ~~نسميه: أدب الصيف، أو أدب الإجازة، أو أدب الراحة والاستجمام. # وموضوعات هذا الأدب الصيفي تفرض نفسها على الكتاب والقراء فرضا، كما أن ~~موضوعات الأدب كلها تفرض نفسها فرضا على الكتاب والقراء الذين يستحقون أن ~~يسموا كتابا وقراء. فإذا أقبل الصيف تفرق الطلاب والتلاميذ وفرغوا ~~لحياة الأسرة وقتا غير قصير، فتغيرت حياتهم تغيرا ظاهرا، وكانت خليقة أن تثير ~~عناية الكاتب وعناية القارئ معا، وأن تدعوهما إلى التفكير المشترك فيما يلقى الطلاب ~~والتلاميذ من الجهد العنيف المحتوم أثناء السنة الدراسية، وفيما ينتهي إليه الطلاب ~~والتلاميذ من نتائج هذا الجهد التي ينكشف عنها الامتحان، وفي الملاءمة بين هذا الجهد ~~المتصل وبين طاقة الطلاب والتلاميذ وانتفاعهم وتكون عقولهم، وأخلاقهم وأجسامهم، وفي حياة ~~الدرس وحياة الفراغ، وما يكون للأسرة من تأثير في هذه الحياة أو تلك ومن تأثر بهذه ~~الحياة أو تلك، وأظن أن موضوعا من هذه الموضوعات خليق أن يلهم الكاتب المجيد فصولا ~~خصبة قيمة تثير في نفس القارئ كثيرا من العواطف، وتدفعه إلى كثير من التفكير. # على أن الطلاب والتلاميذ إذا فرقهم الصيف من مدارسهم، وردهم إلى ms11 الآباء والأمهات، ~~لم يستقروا في دورهم ومنازلهم أكثر الوقت، وإنما يزعجهم الصيف عنها إزعاجا، ~~أو قل: إنهم ينتقلون عنها مختارين، وقد تهيئوا لهذا الانتقال، وتهيأت له ~~أسرهم أيضا. وأكبر الظن أن هذا الانتقال قد كان عزاءهم وعزاء آبائهم وأمهاتهم عما ~~يجدون من جهد، وما يلقون من عناء في الدرس المرهق والعمل المتصل، وأكبر الظن ~~أنهم كانوا يتمثلون هذا الانتقال وما سيعقبه من راحة لأجسامهم وعقولهم، ومن تغيير لما ~~يرون ويسمعون ويحسون. # كانوا يتمثلونه أول العام آسفين عليه بعد أن قضوا حاجتهم منه، ثم يتمثلونه أثناء ~~العام مشوقين إليه بعد أن بعد عهدهم به، ثم يتمثلونه آخر العام راغبين فيه ~~أشد الرغبة، مندفعين إليه أشد الاندفاع يعدون الأيام والليالي التي تفصل بينهم ~~وبينه، ويستعينون بذلك على المسائل المشكلة، والكتب الطوال الثقال، وعلى أهوال الامتحان ~~التحريري وأخطار الامتحان الشفهي، وعلى هذه الساعات المخوفة التي تعلق فيها نتائج ~~الامتحان على جدران المدارس والجامعات. وإذا تفرق الطلاب والتلاميذ مع أسرهم فهم ~~يهجرون دورهم ومنازلهم ومدنهم وقراهم إلى الجبال أو إلى البحار، أو إلى ~~البحيرات، أو إلى السهول الجميلة النضرة والغابات الكثيفة الملتفة. وكل هذا خليق أن ~~يوصف، وأن يكون موضوعا للحديث الطريف الممتع. # والغريب أن الزمن يستدير في كل عام كهيئته في الأعوام التي مضت، وأن الصيف يلم ويمضي، ~~وأن الطلاب والمدرسين يتفرقون عن مدارسهم ويعودون إليها، ويلمون بأسرهم ويرحلون عنها، ~~ويقصدون إلى الجبال والبحار وإلى الأودية والسهول، ثم يردون إلى مدارسهم وجامعاتهم، كما ~~يرد الآباء والأمهات إلى مناصبهم وأعمالهم، وأن الكتاب يتحدثون إليهم في كل صيف عن ~~هذه الموضوعات دون أن يستنفدوا ما يقال عنها أو يكتب فيها، ودون أن يكرروا ما ~~يقولون، أو يعيدوا ما يكتبون، كأن كل صيف إذا أقبل يقبل بشيء جديد، ولا يعود على ~~الناس بمثل ما كان قد حمل إليهم من قبل. هذا غريب في ظاهره، ولكن قليلا من التفكير ~~الذي يحتمله الصيف ولا يمنع منه اشتداد القيظ يدل على أن هذا لا غرابة فيه، فكل ~~صيف يقبل ms12 ككل يوم يقبل، إنما يحمل إلى الناس ذكريات لما مضى، وآثارا لما انقضى، ~~فيها الرضى وفيها السخط، فيها اللذة وفيها الألم، ويحمل إليهم كذلك آمالا فيما يقبل ~~من الدهر، كما يحمل إليهم خوفا وإشفاقا. # بل إن كل صيف يقبل ككل يوم يقبل، لا يحمل الجديد للناس وحدهم، وإنما يحمل ~~الجديد للأشياء أيضا، فهل أنت واثق بأن الغابة التي تراها في هذا الصيف بعد أن رأيتها ~~في الصيف الماضي قد احتفظت لك بكل ما أرتك في العام الماضي من شجر وزهر، ومن ~~أوراق وغصون، ومن طير وحيوان؟ هل أنت واثق بأنها لم تغير هذا كله أو بعضه، أو بأن ~~الأحداث لم تغير هذا كله أو بعضه، ولم تذهب منه بما رأيت، ولم تحدث لك منه ~~ما لم تر؟ وهل أنت واثق بأنك حين تعود إلى هذا المصطاف الذي تعودت أن تنفق ~~فيه الصيف، ستلقى الوجوه التي لقيتها في العام الماضي، وتسمع الأحاديث التي ~~سمعتها في العام الماضي، وتخوض مع الناس فيما كنت تخوض معهم فيه أثناء العام الماضي؟ ~~كلا، بل أنت واثق بأنك ستلتمس كثيرا من الأشياء التي أعجبتك وراقتك حين ألممت ~~بهذا المكان أو ذاك، فلا تجدها، وستحزن عليها شيئا من حزن، وستثير غيبتها في نفسك ~~قليلا أو كثيرا من الأسى، وستجد في هذا الأسى وذلك الحزن شيئا من هذه اللذة الشاحبة التي ~~نسميها: الشوق والحنين. فأي غرابة في أن يجد الكتاب والشعراء جديدا يتحدثون به إلى ~~الناس كلما أقبل الصيف؟ # وإني لأعرف فصلا من فصول الأدب الصيفي الفرنسي، رأيته يتجدد في كل عام إذا أقبل الصيف، ~~وجعلت أتتبع بعض ما أستطيع أن أتتبعه منه كلما سنحت لي الفرصة، فما أحسست أني ضقت ~~به أو زهدت فيه أو أدركني سأم من قراءته، ولا أحسست أني أقرأ شيئا معادا ~~وحديثا مكررا. # وما أشك في أن هذا الفصل من الأدب الفرنسي الصيفي قديم قد بدأ الفرنسيون في كتابته منذ ~~زمن بعيد، وما أشك في أنه سيظل جديدا أبدا، سيكتب الفرنسيون فيه كل ms13 عام لا ~~يسأمهم ولا يسأمونه، وهو وصف باريس إذا أقبل الصيف فخلت من أهلها ~~الباريسيين، واستعدت للقاء زوارها الغرباء. # كثير جدا ما يقوله الفرنسيون في مدينتهم هذه حين ترسل أهلها إلى الجبل والبحر، ~~وتستقبل الغرباء من أهل الأقاليم أو من أهل البلاد الأخرى القريبة والبعيدة، فهم ~~يصفون شكل المدينة الذي يتغير ويختلف بتغير المضطربين فيها، والمندفعين في شوارعها ~~والمزدحمين على قهواتها وأنديتها، وهم يصفون لغة باريس أو لغة أماكن معينة في ~~باريس، فهي فرنسية باريسية أثناء العام، ولكنها فرنسية إقليمية أو فرنسية أجنبية أثناء ~~الصيف. وهم يصفون هذه الملاهي والملاعب التي تغلق أبوابها وترسل أصحابها إلى مدن ~~الصيف، وهذه الملاهي والملاعب التي لا تغلق أبوابها، وإنما ترسل رجالها إلى مدن الصيف، ~~وتستخدم ما يسمونه: البطانة؛ لتلهية الغرباء وتسليتهم. ثم هم يصفون هؤلاء البائسين ~~من الباريسيين الذين تضطرهم ظروف الحياة إلى أن يقيموا في باريس حين يرحل عنها ~~الناس، فإن كانوا من الفقراء أو من الطبقات الوسطى احتملوا مقامهم في مدينة النور ~~المهجورة في شجاعة وكبرياء، وصبر على المكروه، وإن كانوا من الأغنياء والمترفين ~~احتملوا ذلك في حياء شديد، وجدوا في التنكر والاستخفاء. فإن لقيهم لاق أو عثر ~~بهم عاثر اجتهدوا في التماس المعاذير والتعلات، يعللون بها ما لا يقبل التعليل من ~~إقامتهم في هذا البلد الذي لا مقام فيه لرجل يعرف الذوق والأوضاع الاجتماعية، ويعرف ما ~~يليق وما لا يليق، وما يحسن وما لا يحسن. # وللكتاب الفرنسيين فنون في تصوير هذا الفصل من الأدب الصيفي تلقاها في صحفهم على ~~اختلافها، تلقاها في صحفهم الهازلة، كما تلقاها في صحفهم الجادة. ثم لهم فصول ~~يصفون فيها السواحل وحياة المستحمين، وأخرى يصفون فيها مدن الماء، وأخرى ~~يصفون فيها مصايف التلاميذ الفقراء، ولهم بعد هذا فصول يصفون فيها هذه الألوان ~~من اللهو الذي يبتكره المصطافون ابتكارا؛ ليستعينوا به على الوقت والفراغ، وليستعين به ~~بعضهم على بعض. # وهناك طائفة من الكتاب إذا أقبل الصيف ولم يجدوا ما يكتبون عن بلادهم كتبوا ~~عن البلاد الأخرى، يسعون ms14 إلى ذلك، ويبلغونه بالسفر وبالقراءة، فهذا الناقد من ~~نقاد التمثيل ينظر، فيرى الملاعب قد أقفلت أو أعرضت عن التجديد أثناء ~~الصيف، فينتهز الفرصة، ويتحدث إلى قرائه عن الأدب التمثيلي الأجنبي في فصول ظريفة من ~~أجمل ما يقرأه الناس، فإذا لاحظت أن المثقفين من الأوروبيين - وما أكثرهم - يشغلون ~~بالعمل في أكثر السنة، ولا يجدون من الوقت ما يحتاجون إليه ليقرءوا كل ما يحبون أن ~~يقرءوا من آثار الكتاب والشعراء والعلماء التي تظهر في فصل الإنتاج العقلي، وأنهم ~~يجمعون هذه الآثار ويضمون بعضها إلى بعض، وينتظرون بها فصل الإجازات؛ ليعكفوا عليها ~~إذا ظفروا بقسطهم من الراحة، أقول، إذا لاحظت هذا، عرفت أن القراء من المثقفين ~~الأوروبيين يشقون على أنفسهم في حقيقة الأمر؛ لأنهم يقرءون ما ادخروا لأنفسهم أثناء ~~العام، وهم لذلك في حاجة إلى أن يرفق بهم الكتاب، فلا يكلفوهم جهد القراءة العنيفة ~~الفنية الدسمة - إن صح هذا التعبير الذي لا أحبه وإنما أضطر إليه. # هذا هو الذي يكون، أو هو بعض الذي يكون في أوروبا إذا أقبل الصيف. فما الذي يكون في مصر ~~حين يقبل هذا الفصل من كل عام؟ أما أن الطلاب والتلاميذ يتفرقون ويعودون إلى ~~أسرهم ويصطاف القادرون منهم على الاصطياف؛ فشيء ليس فيه شك، وأما أن المصريين أنفسهم ~~يرحلون عن مدنهم وقراهم، بل عن قريتهم الكبيرة التي نسميها القاهرة؛ ليصطافوا في ~~مصر وفي غير مصر؛ فهذا شيء ليس فيه شك أيضا، بل ليس من شك في أن كثيرا من أهل القاهرة ~~يهجرون مدينتهم إذا كان الصيف، وفي أن كثيرا من أهل الأقاليم يتخذون هذه المدينة ~~الجميلة الثقيلة مصطافا؛ لأنها أقل حرا من أقصى الصعيد ومن كثير من قرى الريف، وفي أن ~~كثيرا من أهل القاهرة يعجزون عن الرحلة، ويضطرون إلى المقام، فيكرهون ذلك ويضيقون به، ~~ويلتمسون لأنفسهم منه المعاذير، ولكن الغريب أن شيئا من هذا كله لا يلهم كتابنا ~~وأدباءنا حديثا من أحاديث الصيف هذه التي تمتلئ بها الصحف الأوروبية في هذا الفصل من كل ~~عام. # شيئان اثنان ms15 يعني بهما الكتاب المصريون إذا كان هذا الفصل، أحدهما: موسم الامتحانات ~~وما يثير من ضجيج وعجيج، ومن شكاة واستعطاف، ومن نقد للأسئلة ولوم للسائلين. والثاني: ~~مصايف البحر وما تثير من هذا السخط الذي تمتلئ به نفوس جماعة من المتحرجين، يغضبون للحياء ~~والأخلاق، ويكتبون الفصول الطوال يستعدون بها الحكومة على حماية الحياء والأخلاق، وما أظن ~~أن كتابنا يعنون بغير هذين الأمرين من أمور الصيف خاصة. # هم إذن لا يرفقون بأنفسهم، ولا يرفقون بقرائهم، بل يكتبون في الصيف كما كانوا ~~يكتبون في الشتاء، فإن أخذوا بحظ من هذا الرفق امتنعوا عن الكتابة امتناعا، وصدوا ~~عنها صدودا، وأراحوا أنفسهم من الكد، واستمتعوا بفترة قصيرة من الهدوء الذي هم أهل ~~له. ولكن الصحف لا بد من أن تظهر، ولا بد من أن تظهر ممتلئة الأنهار، وهنا يلقى ~~أصحاب الصحف من صناعتهم الجهد كل الجهد، ويلقى القراء من صحفهم العناء كل ~~العناء، أولئك يريدون أن يملئوا الصحف فلا يجدوا ما يملئونها به، وهؤلاء يريدون أن يقرءوا ~~فلا يجدون ما يقرءون. وكذلك يصبح الصيف فصل الكساد الأدبي العام، ومع ذلك فما أبعد الصيف عن ~~أن يكون فصلا من فصول الكساد لو عرفنا كيف نستقبله ونحتمله ونعاشره ونفارقه، كما ~~يفعل غيرنا من الناس، على أني مجتهد منذ الآن في أن أغير للقراء من أحاديث الصيف؛ ~~لعلي أعينهم وأعين نفسي على احتماله حتى تنجلي عنا غمرته، ولهم علي ألا ~~أحدثهم في موضوع واحد مرتين حتى تنقضي هذه الأشهر الطوال. # يونيو 1935 # | حوار في الأدب # لم يرفع لي رأسه حين دخلت عليه، ولم يردد علي التحية حين أهديتها إليه، ~~وإنما ظل مطرقا ممعنا في إطراقه، صامتا مغرقا في صمته، تمضي عينه رفيقة في ~~كتاب قد وضعه أمامه على المائدة، وتعبث يده عبثا منتظما بقلم قد أخذت ~~تضرب به صحفا منتثرة على المائدة على يمينه كأنما يداعب به هذه الصحف. # وليس من شك في أنه كان يقرأ ما يقرأه في عناية شديدة، وقد أخذ قلمه ونثر هذه ~~الصحف ليسجل ما ms16 يخطر له من الملاحظات، وكنت خليقا أن أضيق بهذا الإعراض الذي لقيني ~~به، وأنكر هذا الانصراف الذي ألح فيه، لولا أن الكلفة بينه وبيني مرفوعة، والألفة بينه ~~وبيني متصلة، ولولا أني أعرف منه هذا النبو عما تعود الناس فيما بينهم من صلات قد يكون ~~حظها من التكلف والنفاق أعظم من حظها من السذاجة واليسر، ومن هذه الصراحة التي ~~لا تدع بين النفوس حجبا ولا أستارا. # وقد كان من الممكن أن أدخل عليه فلا ألقي إليه تحية ولا أنتظر منه جوابا، وإنما ~~أعمد إلى هذا المكان الذي ألفته من غرفة عمله فأستقر فيه هادئا منتظرا أن ~~يفرغ لي، أو أستقر فيه نشيطا لبعض ما أنشط له من العمل حين أدخل هذه الغرفة ~~المغرية بالقراءة والجد لكثرة ما اشتملت عليه من الكتب المتنوعة في الفن والأدب ~~والعلم. ولكني في ذلك الصباح دخلت عليه كما أدخل على غيره من الناس، وأهديت ~~إليه التحية كما أهديها إلى غيره من الناس، فلما آنست منه هذا الإعراض ذكرت أني ~~أزوره هو لا غيره من ذوي المودة والمعرفة، فعدت إلى ما ألفت من الأمر عند لقائه، ~~وأقبلت على ما أردت أن أقبل عليه من عمل، وتركته لكتابه وقلمه يقرأ ~~في أحدهما بعناية، ويعبث بأحدهما الآخر في نظام واطراد. # ولم تمض لحظات قصار حتى نسيت مكاني منه ومكانه مني، وإذا أنا أثوب إلى نفسي فجأة ~~كأنما آت من بعيد يدعوني إلى نفسي وإلى ما حولي، هذا الصوت أو هذه الأصوات التي أسمعها ~~مختلطة متمايزة في وقت واحد؛ فصوت إنسان يرتفع في الغرفة فيملؤها بهذه الألفاظ: أما الآن ~~فقد فرغت لك فافرغ لي، وصوت كتاب متوسط الضخامة يلقى على المائدة في عنف، وصوت قلم ~~نحيل ضئيل يلقى على المائدة إلقاء بين العنف والرفق، فيضطرب عليها اضطرابا ~~يسيرا. # قلت لصاحبي: قد فرغت لي حين أردت، أو حين أتيح لك الفراغ، فأما أنا فلا ~~أريد أن أفرغ لك، أو قل: لم يتح لي بعد أن أفرغ لك. فلم يرد علي جوابا، ms17 ~~ولكنه مشى رفيقا إلى صاحبي ونظر في الكتاب الذي كان يقرأ لي فيه، ثم انتزعه من يد ~~صاحبي انتزاعا، وقال: هذا كتاب قرأته منذ أعوام، وما ينبغي أن تقرأه وحدك، فسنقرأه ~~معا، وسيكثر الحوار بيننا حول ما جاء فيه من الخواطر والآراء، وسنبدأ هذه القراءة - إن ~~شئت - بعد ساعة إذا رددت عليك تحيتك بأحسن منها، وإذا شربنا من القهوة قدحا أو ~~قدحين، وأحرقنا سيجارة أو سيجارتين، وأدرنا الحديث بيننا قليلا أثناء ذلك حول صاحبكم هذا ~~الذي أقمتم له الدنيا وأقعدتموها منذ عام، والذي تقيمون له الدنيا وتقعدونها منذ أول هذا ~~القرن. # قلت حول أبي العلاء ... إليك عني؛ فقد شبعت من حديث أبي العلاء حتى أدركتني ~~التخمة أو كادت تدركني، فدعني أسترح منه، ودعني أرح منه الناس حينا، فقد صدقت؛ ~~لقد أقمنا الدنيا وأقعدناها بحديث أبي العلاء، ولقد أقمنا أنفسنا وأقعدناها بحديث أبي ~~العلاء؛ حتى أخذنا الدوار، وآن لرءوسنا أن تستقر، ولأعصابنا أن تهدأ، ولألسنتنا وعقولنا ~~أن تأخذ في حديث آخر. فإذا أخذنا وأخذ الناس قسطا من راحة، وحظا من دعة؛ عدنا ~~إلى حديث أبي العلاء، قمنا به وقعدنا وأقمنا الناس به وأقعدناهم، فإن قصة أبي ~~العلاء لم تنته بعد. # قال صاحبي وهو يضحك: لا تخدع نفسك ولا تخدعني، فما سئمت حديث أبي ~~العلاء ولا ضقت بهذا الدوار الذي اضطرك إليه هذا الحديث، وما أعرف أنك تحب شيئا ~~كما تحب هذا الدوار الذي يفنيك في صاحبك ويشغلك عن غيره من الناس والأحداث والخطوب. ~~على أني لن أحاورك فيما شغلتم به أنفسكم وشغلتم به الناس من آراء أبي العلاء في ~~الفلسفة والسياسة والأخلاق والدين وشئون الاجتماع، فكل هذه الأشياء قد ضقنا بها حقا، ~~وآن لنا أن نستريح منها وقتا، إنما أريد أن أحاورك في شعر أبي العلاء؛ فقلما ~~تحدثتم في هذا الموضوع، وقلما حاولتم أن تتعمقوه، وقد جعل بعضكم يزعم للناس ~~أنه شعر، وجعل بعضكم الآخر يزعم للناس ألا حظ له من شعر، أو أن حظه من ~~الشعر ضئيل. # قلت: وتريد أنت ms18 أن تأتي بالقول الفصل في هذه القضية، وأن تمحو الخصومة فيها محوا، ~~وتلغيها إلغاء، وترد الناس إلى شيء من الوفاق لا يختلفون بعده أبدا ... قال: لا ~~تعبث بي، ولا تسرف في إساءة الظن برأيي؛ فإني لم أصل من الجهل بأمور الشعر إلى ~~هذه المنزلة، ومتى رأيت الناس يصلون إلى الاتفاق في أمر شاعر من الشعراء فيقضوا له جميعا ~~بالتفوق أو بالتوسط أو بتواضع المنزلة؟ قلت: فسنظل مختلفين في شعر أبي العلاء كما ~~نحن مختلفون في شعر غيره من الشعراء. قال: فإن الخلاف في شأن أبي العلاء يأخذ شكلا ~~خاصا لم يأخذه الخلاف في شعر المتنبي وأبي تمام أو مسلم؛ لأن هؤلاء وأمثالهم قد فرغوا ~~للشعر، وقصروا عليه حياتهم، ووقفوا عليه جهودهم، وسلكوا إليه الطرق التي تعود ~~الشعراء أن يسلكوها إلى الإجادة في الفن. # فأما أبو العلاء فأمره لا يخلو من غرابة؛ فهو من أكثر الشعراء شعرا، ولعله إن ~~وصلت إلينا آثاره كلها أن يكون أكثرهم شعرا، ثم هو لم يسلك في الشعر طريقة واحدة، ولم ~~يقصد به إلى غاية واحدة من غايات الفن، وإنما قصد إلى غايات مختلفة متنوعة، كما ~~سلك طرقا متمايزة متباينة؛ فهو شاعر كغيره من الشعراء يصور عواطف نفسه وأهواءها، ~~ويصور عواطف الناس وأهواءهم، ويصور مظاهر الطبيعة من حوله كما استطاع أن يصورها، ~~يشارك في المدح والرثاء، كما يشارك في الفخر والوصف، وكما يشارك في الهجاء إلى حد قريب. ~~ولكنه يذهب مذاهب أخرى؛ فيقول في الفلسفة، وفي الفلسفة التي لم يتعود الشعراء أن ~~يطرقوها ولا أن يخضعوها للنظم، ويقول في السياسة على غير النحو الذي ألفه ~~الشعراء السياسيون، ويقول في النقد الاجتماعي والديني، ويذهب مذهب الألغاز، كما ~~يذهب مذهب الرمز. # ثم هو يسلك في هذه الأغراض كلها طرقا؛ منها المستقيم البين، ومنها الملتوي ~~الغامض، يسلك طريق الشعراء الذين عاصروه أو سبقوه، فيسهل في ألفاظه حينا، ويشق ~~فيها على نفسه وعلى الناس حينا آخر، ويلزم عمود الشعر مرة كما لزمه القدماء، فيجري ~~على طبعه وعلى طبع اللغة، وينحرف ms19 عنه مرة أخرى، فيمضي على طريقة أبي تمام وأصحابه، ~~صانعا حينا ومتصنعا حينا، ويمضي على طريقة المتنبي؛ فيأخذ في هذا التكلف الذي يلجأ ~~إليه الشعراء حين توشك شجرة الشعر أن تجف، وحين توشك زهرات الشعر أن يدركها الذبول، ثم ~~ينحرف عن هذا كله مرة واحدة، ويسلك في اللزوميات وغير اللزوميات طرقا لم ~~يسلكها أحد قبله، فيتجافى بألفاظه ومعانيه عن المألوف، ويتجافى بالقافية خاصة عن ~~المألوف، فيكلف نفسه ويكلف الناس من أمره شططا، ويخضع المعاني للقوافي، ~~ويجعل نفسه وخواطره وعواطفه عبيدا لهذه القوافي. # فأنت ترى أن أمر الشعر عند أبي العلاء ليس كأمر الشعر عند غيره من الشعراء، بل هو أشد ~~التواء وأكثر تعقيدا؛ ولهذا اختلف في حظه من الشعر وفي تقدير ما ترك من الكلام ~~المنظوم القدماء والمحدثون جميعا، وظهر هذا الخلاف في عصره وفي آثار تلاميذه الذين ~~سمعوا منه على كل حال. قلت: وماذا تريد أن أصنع؟ اختلف الناس في شعر أبي العلاء قديما ~~وحديثا، وسيظلون مختلفين في شعره؛ فدعهم يختلفوا، فلو شاء ربك لاتفقوا، ولكنه لم يشأ، ~~وهم مختلفون في شعر أبي العلاء كما هم مختلفون في الشعر كله، وكما هم مختلفون في كل ~~شيء. # قال: فإني كنت مشغولا حين دخلت عليه بقصيدة من قصائده تلك التي قالها في بغداد، ~~قرأتها مرة ومرة، وجعلت أنظر في أبياتها بيتا بيتا، ثم أنظر فيها كلها جملة، ثم أنظر ~~فيما قيل حول أبياتها من الشرح والتفسير، ثم أسأل نفسي؛ أكان أبو العلاء شاعرا أم لم يكن؟ ~~أأقرأ شعرا جيدا أم أقرأ شعرا متوسطا أم أقرأ شعرا رديئا؟ والغريب أني لم أكن أظفر ~~بجواب مقنع عن سؤال واحد من هذه الأسئلة، أو قل: إني كنت أظفر بأجوبة مختلفة لكل هذه ~~الأسئلة، فقد كنت أرى أن أبا العلاء شاعر؛ لأني كنت أهتز لبعض أبياته، وكنت أرى أنه ~~ليس شاعرا؛ لأني كنت أزور عن بعض أبياته، وكنت أرى أني أقرأ شعرا جيدا وشعرا ~~متوسطا وشعرا رديئا، ولولا أن هذا كله قد دفعني إلى كثير ms20 من الحيرة والاضطراب ~~لمضيت في قراءتي، ولخليت بينك وبين كتابك هذا الذي كنت مقبلا عليه. # قلت: فأول ما ينبغي أن نسجله: هو أن هذه القصيدة لم تملك عليك أمرك، ولم ~~تستأثر بقلبك، ولم تخرجك عن طورك، وإنما أتاحت لك السؤال والجواب والتفكير ~~والتقدير، فهي إذن ليست قصيدة رائعة، ولو قد كانت كذلك لما اضطررت إلى حيرة ولا إلى ~~اضطراب، ولكن أرجو ألا تكون من هؤلاء الذين يقضون على الشاعر ببيت من أبياته أو قصيدة ~~من قصائده. قال: لست من هؤلاء، ولست أرى أن هذه الحيرة التي دفعت إليها تمنع أن ~~تكون هذه القصيدة رائعة؛ فقد أكون أنا مصدر هذه الحيرة، وقد يكون ترددي في أمرها ~~ناشئا عن قصور مني، لا عن قصور من الشاعر أو تقصير. وأنت تعلم أن من خير ما تنتهي إليه ~~الآثار الفنية في نفوس الذين يشهدونها أن تثير فيها الحيرة والتردد والاضطراب. ولست أخفي ~~عليك أني لا أحب الإعجاب اليسير، ولا أغالي بهذه الروعة التي تأخذني من جميع أقطاري، ~~وتمنعني من التفكير والتقدير والحكم. # قلت: وما عسى أن تكون هذه القصيدة التي أضاعت علينا كل هذا الوقت، فقد شربنا القهوة ~~وأحرقنا سجائر لا سيجارتين، وأجلت قراءتنا لهذا الكتاب البائس إلى أجل غير مسمى. ~~قال: هي قصيدته التي قالها في بغداد يصور فيها حنينه إلى المعرة، والتي ~~أولها: # طريق لضوء البارق المتعالي # ببغداد وهنا ما لهن وما لي # قلت: كفى الله عنك، لقد شككت في غير موضع للشك، وأدركتك الحيرة في غير مصدر ~~للحيرة، فهذه القصيدة من خير ما قال أبو العلاء؛ لأنها تصور أكرم ما يحب الرجل، أو ~~قل: أكرم ما يحب الشاعر أن يصور من ذات نفسه. قال: هذا شيء أحدث نفسي به ولا ~~أكاد أحققه؛ لكثرة ما في هذه القصيدة من إغراب والتواء يأتيانها من هذا الحديث ~~الطويل عن الإبل، ومن هذا الحديث الطويل عن الطريق وأهوالها، ومن هذه الألوان المتكلفة ~~من الاستعارة والمجاز والطباق. قلت: فإنك لا تعيب على القصيدة إلا أنها شعر. ms21 قال: ~~وما ذاك؟ قلت: تعيب على القصيدة ما فيها من حديث طويل عن الإبل وعن الطريق وأهوالها، وما ~~فيها من ألوان الفن البياني؛ كأنك تريد من أبي العلاء أن يتحدث إليك حديثا مباشرا يسيرا ~~قريب المنال بما أراد أن يقول، ولو أنه استمع لك وأجابك إلى ما تريد لما زاد على أن يقول ~~إنه ما دام على فراق المعرة مشوق إلى أن يعود إليها، لا يعدل بها ولا بأرض الشام ~~مدينة أخرى وإن كانت بغداد، ولا أرضا أخرى وإن كانت العراق. # إنه لم يرد أن يقول أكثر من هذا، أستغفر الله! بل أراد أن يقر الطمأنينة في نفس ~~إخوانه من أهل الشام، على أنه لم يزل عزيزا كريما لم يذل نفسه بالسؤال، ولم يبتذل وجهه ~~بتملق الأغنياء وإن كان حظه من المال ضئيلا، أفتراه وقد حدثك هذا الحديث على هذا النحو ~~اليسير أرضى حاجتك إلى الجمال الفني، وأثار من قلبك هذه العواطف المختلفة؛ عواطف الحنان ~~والحنين والشوق والشكوى والارتفاع عن الصغائر والدنيات؟ قال: كلا، ولكنه يجعل بيني ~~وبين هذا الجمال وهذه العواطف والخواطر حجبا كثافا من ألفاظه وأساليبه، فلو قد قربها ~~إلي بعض التقريب ... قلت: فإنك تطلب إلى الشاعر ما لا ينبغي أن يطلب إلى الشعراء، ~~فليس من الحق على الشاعر أن يقدم إليك فنه الرائع وأنت هادئ وادع مطمئن ناعم ~~البال؛ وإنما الحق عليك أن تجد كما جد، وتتعب كما تعب، وتشقى بالتماس الجمال كما ~~شقي هو بعرض هذا الجمال. ذلك أحرى أن يجعل استمتاعك بالفن فيما تدركه عن استحقاق، وذلك ~~أحرى أن يجعلك شريك الشاعر في هذا الجهد الخصب الخالد الذي يبذله الشعراء وقراؤهم ~~وسامعوهم؛ ليصلوا إلى هذه الغاية العليا، وهي تصفية النفس وتنقية الذوق وترقية الطبع ~~وإصلاح الضمير. # وبعد، فما الذي أعياك من هذه القصيدة؟ وصفه الإبل؟ فإنه لم يصف إلا حنينها إلى ما ~~ألفت من أرض الشام، وهو قد افتن في تصوير هذا الحنين؛ فجعل الإبل تتطاول إلى هذا البرق ~~المقبل من الشام، وتتطاول حتى تكاد ms22 أن تقطع أعناقها لتصطلي بنار هذا البرق. وجعل هذه ~~الإبل ترجع حنينها إلى الشام تتلو كتابا منزلا فيه حب الوطن وإيثاره على كل وطن آخر، ~~وجعل هذه الإبل حين ترجع حنينها تنشد قصيدة لا يدرى أحديثة هي أم قديمة؛ لأن الحنين ~~إلى الوطن خالد، لا يدري أحد أحديث هو أم قديم، وجعل هذه الإبل حين ترجع حنينها ~~تغني أصواتا في الثقيل الأول من ضروب الغناء، فيها إبطاء وأناة وتمهل؛ لأن الحنين ~~إلى الأوطان يلزم النفس في جميع خطوات الحياة، وجعل هذه الإبل تريد أن تطير إلى ~~أوطانها في الشام، لولا أن العقال يمنعها من أن تطير، وهو مع ذلك ليس واثقا بأن العقال ~~يمنعها من الطيران، ولولا رفقه بها وحبه لها لأمر صاحبه بأن يقيدها ~~بالسيف. # وهل تظن أن الإبل أحست شيئا من ذلك أو حاولته؟ كلا، وإنما هو أبو العلاء قد ~~أحس هذا كله وأكثر من هذا كله، وحاول هذا كله وأكثر من هذا كله، وأدى ما أحس وما ~~حاول في هذا النحو من الرمز كما أداه الشعراء منذ العصر القديم، ثم لم يستطع أن يكتفي ~~بالرمز؛ فجعل الرمز وسيلة إلى خلق البيئة وإنشاء الجو الشعري كما يقال في هذه الأيام، حتى ~~إذا بلغ من ذلك ما أراد صرح عن نفسه في غير لبس ولا التواء ولا تردد ولا استحياء، ~~فقال هذين البيتين اللذين ما أظنك تجادل في روعتهما التي تأتيهما من صدق العاطفة، ~~قال: # ومن لي بأني في جناح غمامة # تشبهها في الجنح أم رثال # تهاداني الأرواح حتى تحطني # على يد ريح بالفرات شمال # ولا يرعك قوله: «تشبهها في الجنح أم رثال»؛ فإنه أسلوب مألوف من أساليب القدماء حين كانوا ~~يشبهون السحاب بالنعام، ولكنك تحب التصريح والكلام القريب، فهو يتمنى ما كان ينكره على ~~الإبل من العودة إلى أرض الشام تحمله إليها غمامة أو تتهاداه الريح حتى تبلغ به شاطئ ~~الفرات غير بعيد من حلب والمعرة. # وإذا كنت تريد تصريحا أصرح ووضوحا أوضح فاقرأ قوله: # فيا برق ليس ms23 الكرخ داري وإنما # رماني إليه الدهر منذ ليال # فهل فيك من ماء المعرة قطرة # تغيث بها ظمآن ليس بسال # ولا يشغلك الشعر عن التاريخ؛ فأبو العلاء يقول هذه القصيدة بعد أن وصل إلى بغداد بليال ~~قليلة، وهو يقول بعد ذلك: # دعا رجب جيش الغرام فأقبلت # رعال ترود الهم بعد رعال # فهو إذن قد وصل إلى بغداد في جمادى الثانية، وأكبر الظن أن هذه القصيدة هي أول ما ~~صور شوقه إلى المعرة بعد أن وصل دار السلام. # وأنت تريد الكلام الواضح اليسير الذي لا التواء فيه ولا غموض، ولا رمز فيه ولا تلميح، ~~فاقرأ قوله: # أإخواننا بين الفرات وجلق # يد الله لا خبرتكم بمحال # أنبئكم أني على العهد سالم # ووجهي لما يبتذل بسؤال # وأني تيممت العراق لغيرها # تيممه غيلان عند بلال # وهممت أن أمضي في الحديث، ولكن صاحبي يمس كتفي مسا رفيقا وهو يقول: على ~~رسلك، ألست ترى أنا ننصف أنفسنا وننصف أبا العلاء إن استأنفنا قراءة «سقط الزند» ~~من أوله؟ قلت: هذا شيء قد يكون وقد لا يكون، ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أنك ستقرأ معي ~~هذا الكتاب الفرنسي الذي صرفتني عنه آنفا، أو ستخلي بيني وبينه حتى أقرأه؛ فقد ~~شغفت بهذه الصحف الأولى منه. قال وهو يضحك: ولن تمضي فيه حتى تزداد به شغفا ~~وكلفا. # نوفمبر 1944 # | عيد # عيد بأية حال عدت يا عيد # بما مضى أم لأمر فيك تجديد # هذا سؤال ألقاه المتنبي على أحد الأعياد في مصر منذ ألف عام، وأظن أن كل شاعر أو غير شاعر ~~يستطيع أن يلقيه اليوم على عيد الاستقلال الذي تنعم به مصر السعيدة، ويستطيع أن يلقيه في ~~نفس اللهجة اليائسة البائسة التي اصطنعها المتنبي، فقد تغيرت أشياء كثيرة منذ ألف عام في ~~مصر، ولكن شيئا واحدا لم يتغير؛ وهو أن الشعب المصري ما زال كما تصوره قصيدة المتنبي ~~راضيا ناعما رضي البال، تختلف عليه الأعياد فيستقبلها مبتهجا مغتبطا؛ لأنها تحمل ~~إليه من ألوان السعادة والبهجة والغبطة ما لا عين ms24 رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على ~~قلب بشر. والشعراء وأمثال الشعراء من المفكرين والمفلسفين هم وحدهم الذين ينظرون إلى هذا ~~الشعب، فإذا رأوه ساهيا لاهيا، وراضيا ناعما؛ رسموا على ثغورهم هذه الابتسامة ~~الحزينة الكئيبة المرة، وقالوا كما قال المتنبي: # عيد بأية حال عدت يا عيد # بما مضى أم لأمر فيك تجديد # وقد أرادت دورة الفلك أن يستقبل المصريون اليوم عيدين في نهار واحد: عيد قديم ~~بعد به العهد؛ وهو عيد وفاء النيل، وعيد حديث قرب به العهد؛ وهو عيد الاستقلال. ففي مثل ~~هذا اليوم من سنة 1936 أمضى المصريون - وكانوا يومئذ مجتمعي الكلمة موحدي الرأي - ~~هذه المعاهدة التي تنظم الأمر بيننا وبين حلفائنا الإنجليز، ثم عادوا فقرروا أن هذا ~~اليوم سيصبح عيدا وطنيا يذكر فيه المصريون خطوة خطيرة خطوها في سبيل الاستقلال. ~~وما أظن أنهم قرروا أن يكون هذا اليوم عيدا يطمئن المصريون إليه ويقنعون بما يصور من ~~ظفرهم ببعض الحقوق، وإنما أعتقد أنهم اتخذوه عيدا يثير في المصريين الأمل والشجاعة ~~ومضاء العزم، يذكرهم بأنهم جاهدوا فظفروا ببعض الحق، فيجب عليهم أن يجاهدوا ~~ليظفروا بالحق كله. مهما يكن من شيء؛ فالمصريون سعداء اليوم قد قرت عيونهم، وطابت ~~نفوسهم، واطمأنت قلوبهم؛ لأن النيل قد وفى لهم بما عاهدهم على أن يمدهم به في كل عام ~~من الري والخصب والثراء، ولأن حلفاءهم الإنجليز قد وفوا لهم بما عاهدوهم عليه من احترام ~~الاستقلال والاعتراف بالكرامة، والاحتفاظ لهم بالمودة والحب على أساس من الحق والعدل ~~والمساواة. # وفى النيل فيجب أن يسعد المصريون، ووفى الحلفاء فيجب أن يسعد المصريون، وهم ~~سعداء. ألا ترى إلى الحكومة قد قررت إراحة الوزارات والمصالح من العمل في هذا العيد ~~السعيد، فأباحت للموظفين أن يناموا حتى يرتفع الضحى، وأن يستيقظوا آمنين لا يشفقون من ~~الانتقال إلى دواوينهم مع صعوبة الانتقال، ولا من هذه الأعمال الشاقة المرهقة التي ~~ينهضون بها في مكاتبهم، وأذنت لهم بأن يقيموا في بيوتهم إن يشاءوا، ويختلفوا إلى ~~أنديتهم وقهواتهم إن أحبوا، يلقى بعضهم بعضا باسما، ms25 ويلقي بعضهم إلى بعض ألوان ~~الحديث، يتندرون بما تنشر الصحف من أخبارهم وأخبار نظرائهم، ويتحدثون بما تنشر الصحف ~~من ضروب الخصام والصراع بين المصريين، ويتفكهون بما تنشر الصحف المضحكة من ألوان ~~الفكاهة وفنون الصور وصنوف الإشاعات، يجدون في هذا كله اللذة كل اللذة، والنعيم كل النعيم، ~~ومتى تلتمس اللذة إذا لم تلتمس في يوم العيد، ومتى يطلب النعيم إذا لم يطلب يوم ~~وفاء النيل بالري والثراء، ويوم وفاء الحلفاء بالكرامة والاستقلال؟ # ألا ترى إلى الحكومة قد أمرت أن ترفع الأعلام على الدواوين في العاصمة والأقاليم؛ ~~ليرى الناس جميعا أن الأمة المصرية راضية مبتهجة، تحتفل بعيدها السعيد، أو بعيديها ~~السعيدين؟ كل شيء يدل في وضوح وجلاء على أننا سعداء، ويوجد بيننا مع ذلك من ~~يرسم على ثغره هذه الابتسامة الحزينة الكئيبة المرة، ويقول في لهجة المتنبي الساخرة ~~اللذاعة: # عيد بأية حال عدت يا عيد # بما مضى أم لأمر فيك تجديد # ذلك لأن هؤلاء الناس يرون أشياء لا تراها الحكومة، أو لا تحب أن تراها، أو لا ~~تحب أن يظهر أنها تراها، وهم حين يرون هذه الأشياء يشعرون بأن هذه السعادة ~~الظاهرة ليست من السعادة في شيء، وإنما هي تجلد على احتمال الشر، وتكلف لاحتمال الشقاء، ~~واحتيال للتخلص من المكروه. فهؤلاء الذين أذنت لهم الحكومة بالراحة من الاختلاف إلى ~~الدواوين لا يسعدون بالراحة، كما أنهم لا يسعدون بالعمل، وإنما هم أشقياء حين ~~يذهبون إلى مكاتبهم، وأشقياء حين يستقرون في بيوتهم، وأشقياء حين يختلفون إلى ~~أنديتهم، وحين يتجاذبون أطراف الحديث يأتيهم الشقاء المر من هذه النفوس التي خلقت ~~لتحدث في الحياة أمورا ذات خطر، فردت إلى الخمول والخمود، والرضى بالقليل، ~~والقناعة بما لا يقنع به إلا العاجزون الذين فرض عليهم التواضع في الآمال والأماني، ~~وفي المطامع والمآرب فرضا. # يأتيهم الشقاء المر من هذه النفوس التي كان يمكن أن تكون كبارا، فاضطرت إلى أن ~~ترضى بالصغر والضآلة، وتقنع بالهين من الأمر، فترضى بالعمل الذي لا يغني حين تعمل، ~~وترضى بالراحة العقيمة المجدية حين تستريح. ms26 # إن هذه الثغور الباسمة لا تصور نفوسا باسمة، وإنما هو ابتسام يصور الكآبة، وابتهاج ~~يصور الحزن، ورضى يصور السخط الذي عجز حتى عن أن يعلن نفسه إلى أصحابه؛ ~~فاستقر دفينا في أعماق القلوب، يملأ نفوس أصحابه استخفافا بالحياة، وانصرافا عن جلائل ~~الأعمال، ويقنعها بما كتب لها من هذه الحياة التافهة التي تمر بأصحابها وبمن ~~حولهم وبما حولهم كما يمضي الماء الرفيق على الحجارة الملس، فلا يترك فيها أثرا ~~يسيرا أو عميقا. # إن هذه الأعلام التي تخفق مع الريح لا تصور خفقات القلوب ولا خلجات النفوس؛ لأن ~~القلوب لا تخفق، ولأن النفوس لا تختلج، وإنما هي حياة راكدة لا تدل على شيء، لا ~~تصور فوزا قد ظفر به أصحابها، ولا تصور أملا يطمح إليه أصحابها، وإنما ~~تصور أياما تمضي يتتابع فيها الليل والنهار في غير طائل ولا غناء. لقد وفى النيل ~~للمصريين بالري والثراء، ولكن ما حظ المصريين من هذا الري؟ وما نصيب المصريين من هذا ~~الثراء؟ إنهم يبلغون ما يقرب من عشرين مليونا من الناس قد وفى لهم النيل جميعا بالري ~~والثراء، فكم منهم يستمتع بهذا الري؟ وكم منهم ينعم بهذا الثراء؟ آحاد الألوف أو عشرات ~~الألوف أو مئات الألوف إن شئت، ولكن هناك ملايين وملايين من المصريين لا ينعمون بهذا ~~الري؛ وإنما يشربون ماء يحمل إليهم المرض والأذى والعناء، ولا يستمتعون بالثراء وإنما ~~يصارعون البؤس والحرمان، فيصرعهم البؤس والحرمان آخر الأمر وهم يسمعون أن حكومتهم ~~تحتفل بوفاء النيل، وهم يعلمون أن النيل قد وفى، وهم يحتفلون بالعيد؛ لأن الأعياد قد ~~خلقت للاحتفال بها، وهم يرضون عن وفاء النيل ويبتهجون به؛ لأن وفاء النيل شيء ~~يسر ويشيع الابتهاج. # ولكن وفاء النيل بالقياس إليهم معناه: الكد الذي لا يعصم صاحبه من الجوع، والعناء ~~الذي لا يحمي صاحبه من الحرمان. معناه: العمل لتمتلئ بعض الأيدي، وتظل يد العامل خالية ~~لا تمسك شيئا. معناه: الشقاء لتكتظ بعض البطون، ويظل بطن العامل خاليا ~~يمزقه الجوع. معناه: العمل لينعم فريق من الناس، وليمعن أكثر الناس ms27 في هذا الابتئاس ~~البغيض الذي ألفه أصحابه حتى رأوه حقا عليهم، وحتى وثقوا بأنه نصيبهم من الحياة؛ ~~فرضوا به واطمأنوا إليه، ولم يحاولوا تغييره ولا التخلص منه؛ لأنهم لا يستطيعون ~~مغالبة القضاء؛ فهم ماضون في شقائهم، محتملون لآلامهم، راضون بما قسم لهم. ~~والمتنبي وأمثاله ينظرون إليهم فيفهمون عن صمتهم، ويبينون عن غيهم بهذا ~~البيت: # عيد بأية حال عدت يا عيد # بما مضى أم لأمر فيك تجديد # كذلك يحتفل المصريون بوفاء النيل، فأما احتفالهم بالاستقلال فليس أقل روعة ولا بهجة ~~ولا جمالا، هو ملائم كل الملاءمة لحياتهم المادية التي يحيونها. # كانوا يظنون أن إمضاء المعاهدة خطوة تقرب من الأمل، وتدني من الحق، وكانوا ~~يظنون أنهم قد دافعوا عن الديمقراطية، وأبلوا في الدفاع عنها بلاء حسنا، وكانوا يظنون ~~أنهم قد صبروا حين قل الصابرون، وأنهم قد وفوا حين قل الأوفياء، وأنهم قد ثبتوا ~~حين زاغت الأبصار، وطارت النفوس، وبلغت القلوب الحناجر، وأن هذا كله سيبلغهم آمالهم، ~~ويكسبهم حقوقهم، ولكنهم نظروا فإذا الذين لم يصبروا ولم يثبتوا ولم يفوا أحسن منهم ~~حالا، وأدنى منهم إلى تحقيق الآمال وإرضاء المطامع والمآرب. # كانوا يظنون أنهم سيبلغون الاستقلال الكامل، وأن حلفاءهم سيهدون إليهم ما ~~بقي من هذا الاستقلال أداء للحق واعترافا بالجميل؛ فنظروا فإذا حلفاؤهم يؤثرون ~~الصمت، ثم يقولون: سننظر في الوقت الملائم مقدرين لمصالحنا المتبادلة ... # كانوا يظنون أن حكومتهم ستطالب بهذا الحق وستجد في الظفر به لا تريح ولا تستريح، ~~فإذا رئيس حكومتهم يعلن إليهم أنه ينتهز الفرصة ولن يقصر عن انتهازها حين تسنح ~~... # كانوا يظنون أن السلام سيحمل إليهم أمنا وعدلا ورضى، فإذا السلام يمثلهم فيما ~~كانت الحرب تفرض عليهم من الخوف والجور والظلم، وكانوا يظنون أن السلام سيردهم أحرارا ~~كما ولدتهم أمهاتهم أحرارا؛ فإذا السلام يمسكهم في القيود والأغلال كما أمسكتهم ~~الحرب في القيود والأغلال. # كانوا يقدرون أنهم سيحتفلون في هذا اليوم بكسب الحقول ونيل الآمال، فإذا هم يحتفلون في ~~هذا اليوم بإمضاء المعاهدة التي أكل الدهر عليها وشرب، والتي أبلتها الأعوام ~~القليلة؛ ms28 لكثرة ما في هذه الأعوام من الأحداث والخطوب، وإذا هم اليوم كما كانوا في سنة ~~1937؛ بعد أن مضى عام واحد على إمضاء المعاهدة يرضون بالقليل وينتظرون الكثير كأن ~~الحوادث لم تحدث، وكأن الخطوب لم تلم، وكأن إيطاليا وألمانيا واليابان لم تستسلم بلا ~~قيد ولا شرط. # فهم من أجل هذا كله يحتفلون بوفاء الحلفاء كما يحتفلون بوفاء النيل. يوم من الأيام ~~يمر وتتبعه أيام أخرى ليست خيرا منه، وعسى ألا تكون شرا منه. نعيم قد قسم ~~للقلة، وبؤس قد فرض على الكثرة، وسلطان قد أتيح للقلة، وخضوع قد فرض على الكثرة، ~~ومصالح الحكومة ودواوينها معطلة، والموظفون يستريحون في الدور، ويقطعون الوقت في ~~الأندية، والشمس تشرق باسمة ساخرة، والليل يقبل عابسا مزدريا، والأعلام تخفق، ~~والشعب يعمل، والمتنبي وأمثاله يرسمون على ثغورهم هذه الابتسامة الحزينة الكئيبة ~~المرة، ويسألون في صوت ساخر حزين: # عيد بأية حال عدت يا عيد # بما مضى أم لأمر فيك تجديد # 1944 # | طيف # ألقى كل واحد منهما إلى صاحبه نظرة دهشة واجمة، فيها كثير من هذه الغفلة الحائرة التي ~~تنشأ من المفاجأة، والتي تلم بالآمن المطمئن حين يفجأه من الأمر ما لم يكن ينتظر، بل ~~ما لم يكن يخطر له ببال. وكانت النظرة التي ألقاها كل منهما إلى صاحبه خاطفة أول ~~الأمر، ولكنها عادت فطالت واستقرت شيئا ما، ولزمت مع ذلك صمتا، إن صور شيئا فإنما ~~يصور انعقاد اللسان حين تسيطر الحيرة على العقل فلا يفكر، وعلى القلب فلا يشعر، ~~وعلى اللسان فلا يقول. # وقد لبث كل منهما بإزاء صاحبه ذاهلا غافلا لا يعرف ماذا يصنع ولا يدري كيف يقول، ولو قد ~~عرض لهما هذا اللقاء المفاجئ لأصابتهما الحيرة وقتا طويلا أو قصيرا، ولانتهيا آخر ~~الأمر إلى مخرج من هذه الحيرة بكلمة تنفرج عنها الشفاه، أو ضحكة تنفغر لها ~~الأفواه. ولكنهما في موقفهما هذا لم يكونا يستطيعان أن يخرجا من حيرتهما الصامتة إلى ~~الضحك أو إلى الكلام؛ فقد كان بينهما هذا القبر القائم يضطرهما إلى شيء من الوقار لا ~~يملكان ms29 معه ضحكا إن أرادا الضحك ، ولا كلاما إن أرادا الكلام. وهما من أجل ذلك قد ~~لبثا صامتين واجمين يلتمسان مخرجا من هذا الصمت، ومنصرفا عن هذا الوجوم، فلا ~~يجدان إلى شيء من ذلك سبيلا، وقد أخذ كل واحد منهما يحدث نفسه بالانصراف عن هذا ~~القبر، يرى في هذا الانصراف فرجا من هذا الحرج، ومخرجا من هذا الضيق، ولكن كل واحد ~~منهما كان يسأل نفسه: أيبدأ هو بالانصراف؟ أم ينتظر حتى يضطر صاحبه إلى أن ~~ينصرف؟ # وإنهما لفي هذه الحيرة المتصلة وإذا خطو يسمع وقعه من بعيد، فيرفعان رأسيهما، ~~وينظران من حيث يسمعان، فإذا شخص يقبل بطيئا رزينا متكلفا الوقار، ولا يكاد ~~يدنو منهما حتى يعرفاه كما يعرف كل واحد منهما نفسه؛ فهو صديقهما الثالث الذي تعود ~~أن يلقاهما حين يقبل المساء من كل يوم، وأن يسمر معهما حيث تعودوا أن يسمروا في ~~ناد من أندية القاهرة أول الليل، وأن ينصرف معهما إلى حيث تعودوا أن ينصرفوا حين ~~يوشك الليل أن ينتصف، فيلقون في بعض الأندية الخاصة من يلقون من رفاق اللهو ~~وخلان العبث والمجون، حتى إذا كاد الليل يبلغ ثلثيه أوى ثلاثتهم إلى تلك ~~الدار التي تعودوا أن يأووا إليها في آخر الليل، وقد خلصت نفوسهم للهو، وصفت ~~ضمائرهم للعبث، وحسن استعدادهم للمجون، أو قل إن شئت: لاستيفاء حظهم من ~~المجون. # هنالك يكون شرب الكئوس الأخيرة، وهنالك تنطلق الألسنة بما تشاء في غير تكلف ولا ~~تحرج، وهنالك ترسل النفوس على سجيتها في غير احتياط ولا تحفظ، وهنالك يخلع ~~الإنسان عن نفسه هذه الخصال المصطنعة التي فرضتها الحضارة على المتحضرين، ويصير إلى ~~حال من الإنسانية المترفة الفاجرة التي تنحط بصاحبها أو ترتقي بصاحبها؛ لا أدري، ~~إلى حيوانية مترفة لا أدب فيها ولا وقار. # حتى إذا انهزم الليل وولى مدبرا، وانتصر الصبح وأقبل ظافرا؛ انسلوا من هذه ~~الدار لا تكاد أقدامهم تحملهم، ولا تكاد أجسامهم تسع نفوسهم، ولا تكاد ألسنتهم ~~تنطق، ولا تكاد عقولهم تفكر، ولا تكاد قلوبهم تشعر؛ لأنهم قد أسرفوا ms30 على أنفسهم في ~~الاستمتاع بإنسانيتهم المهذبة التي نعمت حتى أفسدها النعيم، وأثرت حتى أطغاها ~~الثراء، وارتقت حتى انحدر بها الارتقاء إلى الدرك الأسفل من الانحطاط، ولا يكادون ~~يبلغون باب الدار متثاقلين متهالكين يسندهم الخدم مكبرين لهم، ساخرين منهم، حتى ~~يتلقى كل واحد منهم سائق سيارته فيقره على شيء من الجهد في السيارة، يظهر الإكبار له ~~ويضمر الاستهزاء به، ثم يمضي بهذا المتاع الغالي الرخيص حتى ينتهي به إلى داره، وحتى ~~يرد منه إلى أهل الدار شيئا عظيما جدا في أعين الناس، حقيرا جدا في عين نفسه ~~وفي عين أهله، وهو هذه البقية التي تركها الصبى واللهو والخلاعة والمجون. # فإذا تقدم النهار، وارتفع الضحى، وزالت الشمس أو كادت تزول؛ أفاقت هذه البقية ~~البالية من نومها الثقيل الغليظ، وتلقاها عمال الترف، أولئك الذين يجددون ~~البالي، ويحسنون القبيح، ويقيمون المتهدم، ويردون الشباب إلى من فارقهم ~~الشباب ... وما هي إلا ساعات حتى تستأنف هذه البقايا البالية حياة جديدة فيها نشاط وقوة، ~~وفيها جمال ونضرة، وفيها شوق مجدد إلى اللهو، وفيها نزوع مستأنف إلى المجون. ولا يكاد ~~النهار يبلغ آخره حتى يخرج من هذه الدور أشخاص فيها كثير من المرح، وكثير من ~~الفنون، وكثير جدا من الجهل والغرور، وإذا هؤلاء الأشخاص يلتقون في ناديهم الذي ~~تعودوا أن يلتقوا فيه، فتكون الدعابة الفاترة، وتكون الفكاهة الباردة، ويكون المزاح ~~السخيف، ويكون الإقبال الفاتر على العبث الفاتر. وكلما تقدم الليل ازداد النشاط، ~~واشتد المرح، وعظم الخطر من العربدة، وأخذ كل جسم من هذه الأجسام يصير ثوبا قد ~~دخلت فيه نفس جنية، طغى عليها الهوى، وجمحت بها الشهوة، واندفع بها حب الإثم إلى ~~غير حد، وإذا هم يستأنفون ليلا كليلهم الماضي، ويستقبلون حياة ناعمة بائسة ~~كحياتهم الماضية، ويعودون إلى دورهم مع الصبح بقايا محطمة لا تريد شيئا، ولا ~~تقدر على شيء، ولا تصلح لشيء حتى يشتمل عليها النوم فيرد إليها شيئا من قوة، ~~ثم يتناولها عمال الترف الذين يرقعون البالي ويجددون القديم، فيعملون ويعملون، ~~ويحتالون ويتكلفون، حتى يردوا هذه ms31 البقايا البالية أشخاصا قادرة مريدة ، ولكنها لا تقدر إلا ~~على الفساد، ولا تريد إلا الإثم والمجون. # ولكنهم في هذه المرة لم يلتقوا في ناديهم ذاك الذي تعودوا أن يلتقوا فيه حين ~~يقبل الليل، وإنما التقوا في مكان لم يكن ينتظر أن يلتقوا فيه، ولا أن ~~يذهب إليه واحد منهم، فليس فيه لهو وليس هو مظنة للهو، وليس فيه سمر ولا هو مظنة ~~للسمر، ومتى لها الناس بين القبور؟ ومتى سمر الناس حول قبر لم تمض على إقامته إلا ~~أسابيع قليلة؟ كيف ذهب هؤلاء النفر إلى هذا المكان الموحش في قلب الصحراء؟ وكيف ~~التقى هؤلاء النفر حول هذا القبر الذي لم تستقر فيه صاحبته إلا منذ أمد ~~قريب؟ هذه هي المسألة التي ألقاها كل واحد منهم على نفسه، فوجد الجواب عليها سهلا يسيرا، ~~وهم أن يفكر فيها ويستقصي التفكير ويتعمقه، لولا أنه لم يخلق للتفكير ولا ~~للاستقصاء ولا للتعمق؛ وإنما خلق للعبث الذي لا يغني، واللهو الذي لا يجدي، والمجون ~~الذي يفسد المروءة ويذهب بنضرة الأجسام والنفوس. # فلم يكد ثالث القوم يرى صاحبيه حتى أخذه ما أخذهما من الدهش، وعراه ما ~~عراهما من الذهول، وغشيه ما غشيهما من الوجوم، ولكنه لم يملك نفسه طويلا ~~وإنما هم أن يضحك؛ ثم استحى من القبر، فولى مدبرا وتبعه صاحباه، حتى إذا ~~بعدوا عن هؤلاء القوم الذين لا تزاور بينهم ولا وصل، إلا أن يكون نشور كما يقول ~~أبو نواس؛ تساءلوا: كيف كان سعيهم إلى هذا المكان؟ ووقوفهم عند هذا القبر؟ والتقاؤهم على ~~غير ميعاد؟ # وقد جعل بعضهم يكذب بعضا في شيء من الحيرة المتبلدة، أو من التبلد الحائر، ~~ولكنهم تواصفوا ما رأوا، ووازنوا بين ما سمعوا، فلم يروا بدا من أن ~~يصدق بعضهم بعضا، ولم يروا بدا من أن يعترفوا بهذا الأمر الغريب العجيب الذي ~~كان خليقا أن يملأ قلوبهم روعا ونفوسهم هولا، لولا أنهم تعودوا أن يجدوا في ~~الكأس ما يغسل قلوبهم من كل روع، وينفي عن نفوسهم كل هول. ولست أدري إلام ms32 صارت ~~أمورهم جميعا؛ ولكن أعلم أن أحدهم - على أقل تقدير - قد أدركه ذهول يشبه ~~الجنون، وغفلة تشبه الخبل، وألمت به علة لست أدري أيثبت لها أم يعجز، عسى ~~أن يقاومها ويجد إلى البرء منها سبيلا. # وقد تسألني أنت عن سعيهم إلى هذا المكان الموحش في الصحراء، ووقوفهم عند هذا القبر الذي ~~لم يقم إلا منذ أمد قريب، والتقائهم على غير ميعاد بين هذه القبور حين أخذت الشمس ~~تنحدر إلى مغربها، وتجرر على هذه القبور أشعة شاحبة، إن صورت شيئا فإنما تصور ~~حزنا كأنه كان صدى يردده الجو لهذا البلى الذي كان يعمل جاهدا فيما احتوته هذه ~~القبور. # ولست أكره أن أقص عليك مصدر هذا كله، ولكني أعتقد أنك ستدهش لما أقص ~~عليك من قصص، وتستنكر ما أسوق إليك من حديث، فأنت وما شئت من الشك، وأنت وما أحببت ~~من الثقة، وإنما الشيء الذي أطمئن إليه أنا كل الاطمئنان، هو أني إنما أحدثك بشيء قد ~~وقع، وأصور لك في هذا الحديث أمرا قد كان. وكل ما أتمنى هو ألا يعرض لك مثل ما ~~عرض لهؤلاء النفر الثلاثة، الذين أفسد عليهم أمرهم ما أغرقوا فيه من عبث ~~ولهو، وما تهالكوا عليه من إثم ومجون. # كان هذا القبر الذي التقوا عنده مستقرا لغانية حسناء رائعة الحسن، بارعة ~~الجمال، فاتنة الظرف، ساحرة الطرف، تعودوا أن يلقوها في تلك الدار التي كانوا ~~يأوون إليها من آخر الليل، ويستنفذون فيها ما بقي لهم من قدرة على المجون ~~والعبث، وكانت تلقاهم لقاء سواء؛ تعدل بينهم فيما تهدي إليهم من ظرفها وخفتها ~~ومن رشاقتها وأناقتها ولباقتها، ومن هذا التودد الذي يغري ويطمع، حتى يخيل إلى ~~المرء أنه مشرف على الغاية، ومنته إلى الأمد، وبالغ ما يريد، ثم هو لا ينتهي به مع ~~ذلك إلا إلى اليأس المهلك، والقنوط الذي يملأ القلوب لوعة وعذابا، فكان كل واحد من ~~خلانها يستطيع أن يتمثل قول جميل: # ومنيتني حتى إذا ما ملكتني # بقول يحل العصم سهل الأباطح # تناءيت عني حين لا لي ms33 حيلة # وغادرت ما غادرت بين الجوانح # ولكنهم كانوا أجهل جهلا، وأحمق حمقا، وأفرغ أفئدة، وأسخف عقولا من أن ~~يتمثلوا الشعر أو شيئا يشبه الشعر، إنما كانوا أصحاب لذة غليظة جافية، يشقون ~~لينعموا، وينعمون ليشقوا، ويألمون ليلذوا، ويلذون ليألموا، دون أن ~~يوازنوا بين شقاء ونعيم، أو بين لذة وألم، قد دفعوا إلى الحياة وما فيها من نعيم ~~وبؤس، فهم مندفعون إلى الحياة لا يفكرون في نعيم ولا بؤس، دفعهم إلى هذه الحياة ~~المنكرة ثراء لم يجدوا في كسبه عناء، وتربية لم تمنحهم أحلاما راجحة، ولا ~~بصائر نافذة، ولا قلوبا قادرة على أن ترتفع عن اللذات المادية الآثمة والشهوات المندفعة ~~الجامحة. # فكانوا إذا يلقون صاحبتهم تلك فيمن يلقون من خليلات اللهو ورفيقات العبث والمجون ~~يجدون في هذا اللقاء حبا وبغضا، ورضى وسخطا، وإنجاحا وإخفاقا، ولكنهم قد ~~اتصلت نفوسهم جميعا بهذه الفتاة اتصالا شديدا، وتعلقت قلوبهم بها تعلقا ~~عنيفا، واشتدت آمالهم فيها، وعظم بأسهم منها، حتى أخذ بعضهم ينفس على بعض ما ~~يصدر عنها من لفظ ولحظ وإشارة، وحتى كاد بعضهم يصبح فيها لبعض عدوا. وهم على ~~ذلك كانوا يجتمعون ويفترقون، لا يزيدهم الاجتماع إلا تنافسا وتباعدا، ولا يزيدهم ~~الافتراق إلا حرصا على التداني وكلفا باللقاء. # وقد أخذ كل واحد منهم يظن بصاحبه الظنون، يزعم أنها تؤثر فلانا من دونه، ويشتد ~~حقده على فلان ومكره به وكيده له، حتى كاد الأمر ينتهي بهم إلى أعظم الشر، ولكن ~~الأيام أراحتهم من هذا العناء المهلك، فردت عنهم هذا الشر المستطير؛ لأنها اختطفت ~~من بينهم هذه الغادة الحسناء في حادثة من هذه الحوادث التي تنقل الناس من الدار الأولى ~~إلى الدار الآخرة في طرفة عين، فاجتمعت قلوبهم على الحزن والثكل، وحزن هؤلاء وأمثالهم ~~لا يتصل ولا يطول؛ فما هي إلا أيام حتى يستأنفوا حياتهم كما ألفوها عابثة ماجنة، وسخيفة ~~فارغة. # ولكن أحدهم يفيق من نومه مروعا مفزعا شديد الذهول؛ فقد رأى طيف هذه الغادة ~~الحسناء يلم به في أثناء نومه الثقيل، فيذود عنه النوم ويرده إلى ms34 يقظة شديدة، وإذا هو ~~ينظر فيرى صاحبته كما تعود أن يراها؛ فاتنة ساحرة، تدنو منه وتتلطف له وتتودد ~~إليه، وتقول له في صوتها العذب الذي يسحر القلوب: ما كنت أحسب أنك ستتركني حيث ~~أنا وحيدة مستوحشة لا تهدي إلي زيارة ولا تحدث بي عهدا ... ما أسرع ما نسيتني، ~~وإني على ذلك لم أنسك، ولا يمكن أن أنساك، ألمم بداري قبل أن يقبل الليل. ثم ~~تنصرف عنه، وينظر فلا يرى شيئا، ويتسمع فلا يسمع شيئا، وينهض فيستأنف حياته كما ~~تعود أن يستأنفها كل يوم؛ لا يلقي بالا إلى ما رأى، ولا يلقي بالا إلى ما سمع، ~~فإذا كان الغد جاء الطيف كما جاء أمس، وتحدث إليه بمثل ما تحدث به أمس. # وقد تكررت هذه الزيارة مرة ومرة حتى لم يشك في أن من الحق عليه أن يلم بهذا ~~القبر، وأن يهدي إليه تحيته في طاقة من الزهور، وقد فعل، فلم يكد يبلغ القبر حتى ~~رأى صاحبه، ولم يكد يقوم على القبر مع صاحبه حتى أقبل صاحبهما الثالث، فلما انصرفوا ~~عن القبر قص أحدهم على صاحبه ما رأى وما سمع، فإذا كل واحد منهم قد رأى مثل ما رأى، ~~وسمع مثل ما سمع، وأبطأ مثل ما أبطأ، ثم أقبل على القبر كما أقبل عليه يحمل إليه ~~التحية وطاقة من الزهر. # أتراها أرادت أن تستبقي بينهم المنافسة والخصام بعد موتها؟ وأن تضطرهم إلى أن يحفظوا ~~لها من الود مثل ما كانوا يظهرون لها قبل أن تموت؟ أم تراها أضغاث أحلام قد عبثت ~~بنفوس هؤلاء النفر الثلاثة؟ ولكن كيف يتفق أن يلم الطيف بهم في يوم واحد، ويتراءى ~~لهم في صورة واحدة؟ ويلقي إليهم حديثا واحدا؟ ويضرب لهم موعدا واحدا؟ # قلت لصاحبي حين انتهى من حديثه إلى هذه الأسئلة: لا أدري، ولا أستطيع أن أفتح عليك، ~~فسل من شئت من الجامعيين الذين يدرسون دقائق علم النفس؛ فلعلك تجد عندهم ~~غناء. # 1945 # | ضمير حائر # أوى إلى سريره راضيا ناعم البال، وهب من سريره موفورا طيب ms35 النفس، ونام بين ذلك ~~نوما هادئا هانئا لم تنغصه مروعات الأحلام، ولم يكد يخرج من غرفته حتى تلقاه ~~الصبية من بنيه وبناته بوجوه مشرقة تتألق فيها نضرة النعيم، وثغور جميلة تبسم عن مثل ~~اللؤلؤ المنضود، وحملت إليه أصواتهم الرخصة العذبة تحية الصباح، فردها عليهم في ~~صوت حلو يجري فيه الحزم الصارم ويشيع فيه الحنان الرفيق، وأنفق معهم ساعة حلوة ~~يداعب هذه ويلاعب ذاك، ثم خلص منهم بعد جهد، وفرغ لنفسه؛ ليصلح من شأنه قبل أن ~~يغدو إلى عمله، وكان عمله خطيرا، وكان اهتمامه لهذا العمل وعنايته به أعظم منه خطرا؛ ~~لأنه كان قوي الضمير حريصا أشد الحرص على أداء الواجب كاملا، وكان أبغض شيء إليه ~~أن يتهمه أحد، أو أن يتهم هو نفسه بأيسر التقصير. # ولم تكن عنايته بحسن زيه وجمال شكله أقل من عنايته بالعمل والواجب، فقد استقر في ~~نفسه منذ بلغ الشباب أن من كمال المروءة أن يكون الرجل حسن المنظر جميل الطلعة ما ~~وسعه ذلك، وأن تقع عليه العين فلا تقتحمه، وتبلغه الأبصار فلا تزور عنه ولا تعدوه ~~إلى سواه، ذلك أدنى أن يحببه إلى النفوس، ويحسن مكانه في القلوب، ويجعل محضره ~~خفيفا، وعشرته شيئا يطلب ويرغب فيه. # وكان الله قد منح صاحبنا حظا من جمال الخلقة، وخلقه في تقويم حسن، فزاده ذلك ~~عناية بنفسه واهتماما بمنظره، وشجعه الناس على ذلك بما كانوا يهدون إليه من ثناء، ~~وشجعه النساء خاصة على ذلك بما كن يحمدن من صورته الرائعة وزيه الأنيق وحسن ~~تلطفه في اللقاء والعشرة والحديث، كل ذلك فرض عليه العناية بجسمه وزيه وشاربه أكثر مما ~~تعود الناس أن يصنعوا، فكان يخلو في غرفته كل صباح، وكان يخلو في غرفته كل مساء ~~وقتا غير قصير، ثم يخرج من غرفته ليغدو إلى عمله، أو ليروح إلى ناديه، فلا يكاد أهله ~~يرونه حتى يحدث منظره الرائع في نفوسهم فجاءة جديدة على كثرة معاشرتهم له ~~ومخالطتهم إياه. # وقد خلا في ذلك الصباح إلى نفسه في غرفته، فأطال الخلوة، وغير وبدل ms36 من زيه ~~ما استطاع التغيير والتبديل ، حتى إذا أعد نفسه للناس، أو اعتقد أنه أعد نفسه للناس ~~وهم أن يخرج؛ ألقى إلى المرآة هذه النظرة السريعة الخاطفة التي كان يلقيها إليها ~~دائما كأنما يسألها رأيها الأخير قبل أن يخرج للقاء الناس، وكان رأيها الأخير دائما ~~حسنا مقنعا يشيع في نفسه شيئا من الرضى الهادئ والثقة المنتظرة. ولكن رأي المرآة ~~الأخير في ذلك الصباح لم يكن حسنا ولا مقنعا ولا مشيعا للرضى والثقة، وإنما كان ~~مزعجا مروعا؛ فلم تكد عينه تبلغ المرآة حتى ارتدت عنها مذعورة، ثم عادت إليها ~~مشفقة، وارتدت عنها وقد نقلت إلى قلبه ذعرا يبلغ الهلع، وإذا هو يرتد عن ~~مكانه، ويرجع أدراجه مسرعا، ويحول وجهه عن المرآة تحويلا تاما حتى لا تخطئ عينه ~~فتمتد إليها مرة أخرى. # وقد أخذ قلبه يخفق خفقا شديدا سريعا متصلا، وأخذت جبهته تنضح بشيء من عرق ~~بارد، وأخذت قطرات من هذا العرق تنطبع على وجهه، وجعل الدوار يعبث به وبكل شيء من ~~حوله، حتى خيل إليه أن الغرفة كلها قد استدارت؛ فأصبحت المرآة وراءه، وأصبحت هذه ~~المائدة - التي كان يجلس إليها ليصلح من شأنه - أمامه. وإذا هو مضطر إلى أن ~~يتماسك ويتمالك، وإذا هو عاجز عن ذلك، فيجلس على أول كرسي يبلغه مضطربا ممعنا ~~في الاضطراب حائرا، لا يكاد يتبين حيرته، ولا يكاد يتبين مصدرها، ومع ذلك فقد كان ~~مصدر هذه الحيرة يسيرا جدا غريبا جدا في وقت واحد. كان يسيرا؛ لأنه لم يكن إلا ما ~~رأى في المرآة، وكان غريبا؛ لأنه لم ير في المرآة وجهه؛ وإنما رأى أقبح وجه ~~يمكن أن يكون الله قد خلقه، وأبشع منظر يمكن أن يمتحن الله به الناس أو ~~القرود. # وقد طال جلوسه على كرسيه، وإطراقه إلى الأرض، وإغراقه في الحيرة، ثم أخذ جسمه يهدأ ~~شيئا فشيئا، وجعل قلبه يستقر في صدره قليلا قليلا، وامتدت يده فاترة إلى ~~منديل أمره على وجهه فجفف به العرق، وارتسمت على ثغره ابتسامة هادئة فيها شيء من ~~غموض وشيء ms37 من رضى؛ فقد ثابت نفسه إليه وجعل يسخر من هذا الروع الذي ألم به، ~~فأكبر الظن أن شيئا من علة قد ألم بمعدته فأفسد عليه مزاجه شيئا ما. ثم أنشأ يسأل ~~نفسه عما طعم أمس وعما شرب؟ فلم ينكر من طعامه ولا من شرابه شيئا، فقد ~~طعم أمس وشرب كما كان يطعم ويشرب كل يوم، ولكن بمعدته شيئا - من غير شك - ~~هو الذي خيل إليه ما خيل حين مد عينه إلى المرآة. # ومن المحقق أنه لم يكن يحس ألما ولا يشعر بشيء مما يشعر به المرضى حين ~~يطرأ عليهم المرض، ولكن لا سبيل إلى تعليل هذه الظاهرة الطارئة إلا بشيء أصاب معدته ~~أو كبده. وهو على كل حال قد استرد شيئا من طمأنينته، فعاد إلى شأنه يصلح منه ما ~~أفسد هذا الاضطراب، فلما بلغ من ذلك ما أرضاه أزمع أن يخرج من غرفته دون أن ~~يسأل هذه المرآة المشئومة عن شيء، ولكن الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة ~~والناس ألقى في روعه - مع كثير من اللباقة والمكر - أن من الحق عليه أن يسأل هذه ~~المرآة التي تعود أن يسألها دائما، والتي تعودت أن تصدقه دائما، فمن يدري لعل ~~شيئا ألم به فغير من وجهه وشكله وهو لا يدري؟ # وما ينبغي أن يظهر الناس منه على ما لا يحب أن يظهروا عليه، وقد ألقى نظرته إلى ~~المرآة؛ فارتدت عينه مذعورة ثم عادت إلى المرآة مشفقة، ثم ارتدت وقد حملت إلى ~~قلبه جزعا وهلعا، وإذا هو يجاهد ليحبس صيحة قد همت أن تخرج من حلقه فتملأ الغرفة ~~من حوله وتدعو إليه أهل الدار، ولكنه رد هذه الصيحة إلى مستقرها ولم يتح لها ~~أن تنفجر، واستأنف اضطرابه ذاك. ثم ثابت إليه نفسه بعد لأي فيسرع إلى الجرس ~~يدقه، فإذا دخلت عليه الخادم، رفع إليها وجهه وظل صامتا حينا يريد أن ~~يعرف أتنكر الخادم من أمره شيئا، فلما رأى الخادم كدأبها كلما دعاها ~~إليه؛ قائمة واجمة تنتظر أمره، لا تنكر شيئا، ms38 ولا تعرف شيئا، أو لا تظهر معرفة ~~ولا إنكارا؛ قال لها في صوت هادئ يكاد يضطرب: أنبئي سيدتك أني أنتظرها. # وأقبلت زوجه بعد حين، فرأته قائما باسما ينتظر مقدمها، فلما رأته ~~أخذها منظره كما تعود أن يأخذها كل صباح وكل مساء، وسألها هو: أتنكرين من ~~أمري شيئا؟ قالت متضاحكة: وماذا تريد أن أنكر من أمرك! إنما أنت كما تعودت دائما ~~أن أراك؛ رائع الشكل، جميل المنظر، خلاب للنساء. إلى أين تريد أن تغدو اليوم؟ فإني أراك ~~تكلفت عناية بزيك قلما تتكلفها؟ قال: وإلى أين أغدو إلا إلى عملي؟ قالت: فإن ~~عملك لا يحتاج إلى كل هذا التأنق. ولكنه أعاد عليها قوله: أفي الحق إنك لا ~~تنكرين مني شيئا؟ قالت - مغرقة في الضحك: في الحق إني أنكر منك هذا الإسراف في ~~التجمل. قال في شيء يشبه الذهول: إن هذه المرآة تنبئني بغير ما تقولين. ثم ألقى على ~~المرآة نظرته الخاطفة تلك وارتد عنها وجلا مذعورا يقول لامرأته: التمسي لي ~~طبيبا. # وقد عاده طبيب وطبيب وطبيب، عادوه متفرقين، وعادوه مجتمعين، وفحصوا من ~~جسمه كل ما يمكن أن يفحصوا، فلم يروا به بأسا، ولم يشخصوا له علة، ولم ~~يصفوا له دواء، وقال له قائلهم: ما نرى بجسمك من بأس، فالتمس دواء نفسك عند نفسك، ~~فما نظن إلا أن في ضميرك شيئا يؤذيك على علم منك أو على غير علم. وقد غيرت ~~المرآة في غرفته مرة ومرة، ولكن المرايا كلها جعلت كلما التمس نفسه ~~فيها ردت إليه صورة غير صورته، وشكلا غير شكله، وملأت قلبه فرقا وروعا. # وقد تسامع أعوانه وأصحابه بأنه مريض منذ لزم غرفته وانقطع عن عمله، فجعلوا ~~يسعون إليه ليعودوه، يلقاه أقلهم، ويرد عنه أكثرهم، ويتنبأ أولئك ~~وهؤلاء من أمره بغير الحق، تخترع لهم العلل، وتبتكر لهم الأدواء، فيصدق منهم من ~~يصدق، ويكذب منهم من يكذب، ويشك منهم من يشك. وكنت مع هؤلاء الأصدقاء ~~الذين سعوا إليه وسألوا عنه، ثم أتيح لهم أن يروه، وكنت أثيرا عنده كما كان أثيرا ~~عندي، ms39 لا أخفي عليه من ذات نفسي شيئا كما لا يخفي علي من ذات نفسه شيئا، وقد لقيته ~~فيمن لقيه من أصحابه ذات يوم، فسمعنا منه وقلنا له وضربنا معه أخماسا لأسداس ~~في أمر علته، نصدق نحن في حيرتنا، ويتكلف هو لنا الحيرة تكلفا لا يكاد يخفى ~~علي، فلما هممنا أن ننصرف استبقاني في لباقة وظرف فبقيت، ومضى الحديث بيننا ~~ألوانا ساعة من نهار، ثم عدنا إلى علته؛ فإذا هو يتحدث إلي بأمره كله في وضوح ~~وجلاء. # قلت ضاحكا: ألعلك قرأت هذه القصة الإنجليزية التي كتبها أوسكار ويلد وسماها: ~~صورة دوريان جري؛ فإن فيها ما يشبه قصتك من بعض الوجوه. قال: فإنك تعلم أني لا أقرأ ~~الإنجليزية ولا أقرأ لغة أوروبية، ولا أعرف أن هذه القصة قد نقلت إلى العربية. قلت: ~~أولم يتحدث إليك قط متحدث عن هذا الكتاب وكاتبه؟ قال: سمعت أطرافا من الحديث عن ~~أوسكار ويلد، ولكن لم أسمع عن هذا الكتاب من كتبه قليلا ولا كثيرا، فحدثني أنت ~~عن هذا الكتاب. قلت: لقد قرأته منذ زمن بعيد، وأذكر أنه يعرض على قرائه قصة ~~فتى حسن رائع الحسن، جميل بارع الجمال، اتخذ له صديق مصور صورة تطابق شكله ~~جمالا وروعة، وقد اقترف هذا الفتى في مستقبل أيامه سيئات كثيرة، واجترح ~~آثاما مختلفة، فبغضت إليه نفسه أشد البغض، وقبحت صورته المصنوعة في عينه أشنع ~~القبيح، فنفاها من حجرات داره وغرفاته إلى حيث ينفى سقط المتاع. ولكنه كان يلم ~~بها من حين إلى حين تزيدا من بغضه لها وسخطه عليها، واستعذابا لهذا السخط وذلك ~~البغض. # ثم أصبح الناس ذات يوم فرأوه مقتولا إلى جانب صورته، أراد أن يمزق الصورة فمزق ~~صدره. وقد أراد أوسكار ويلد - فيما أظن - أن يصور تأثير الندم على ما يقترف من ~~الآثام في بعض الضمائر والنفوس، فلم تكن هذه إلا مرآة لضمير دوريان جري، رأى فيها ما كان ~~يملأ ضميره من السيئات المنكرة والجرائم البشعة. # قال صاحبي في صوت يأتي من بعيد: وما أنا وهذه القصة؟ قلت ms40 في صوت يأتي من بعيد أيضا : ~~خشيت أن تكون قد قرأتها أو سمعت عنها فأثرت في أعصابك تأثيرا سيئا، فما ~~أكثر ما تؤثر الكتب قيمها وسخيفها في أعصاب الناس، فتحملهم على غير ما أراد ~~المؤلفون أن يحملوهم عليه. قال صاحبي وعلى ثغره ابتسامة حزينة: هون عليك؛ فإني لم ~~أقرأ هذا الكتاب، ولم أسمع عنه، ولم أتأثر به قليلا ولا كثيرا، ومع ذلك فإن من ~~حقه أن يقرأ. # قلت - وقد ندمت بعد ذلك على ما قلت: فالتمس في أثناء نفسك وأحناء قلبك خطأ ~~لعلك قد دفعت إليه أو مساءة لعلك قد قدمتها إلى بريء، فإني أعلم أنا ~~نجهل من أمر الضمير الإنساني أكثر مما نعلم، ومن يدري؛ لعل في ضميرك الخفي ~~ندما على شيء أتيته ثم أنسيته، ولعلك إن استكشفته أن تصلحه وتستغفر ~~الله منه، فتقل هذا الندم الذي أخشى أن يكون هو الذي ينغص عليك الحياة. وتركت ~~صاحبي حائرا مبهوتا، ثم أنبئت بعد أيام أنه يمرض في بعض المستشفيات، فلما ~~سألت عن جلية ذلك قص علي محدثي عجبا من الأمر؛ فقد كان صديقي هذا البائس من ~~قوم كرام، مات أكثرهم وبقي أقلهم، وكان الذين ماتوا - رحمهم الله - ~~يرتفعون عن الصغائر، ويمتنعون على الدنيات، وتأبى نفوسهم فيما تأبى جحود العارف ~~وإنكار الجميل، ورثوا ذلك عن آبائهم، وأحبوا أن يورثوه أبناءهم، فحال بينهم وبين ~~ذلك هذا التطور الحديث الذي غير مقاييس الأشياء، وأدار أعمال الناس وأقوالهم على ~~المنافع العاجلة والمآرب القريبة، لا على ما كان يألف آباؤنا من رعاية الحق، وتقدير ~~المعروف. # وكان صديقي هذا البائس أحرص الناس على أن يشبه الذين سبقوه من قومه في كل ما ~~كانوا يأتون ويدعون من الأمر، ولكن أحداث الدهر وخطوب الأيام وما تحمل من رغبة ورهبة ~~ومن إغراء وتنفير كانت أقوى من خلقه وإرادته، فلم يستطع أن يكون خليقا بالذين سبقوه من ~~قومه، وإنما كان خليقا بالذين عاصروه من أترابه. وكان قومه يستحيون من أنفسهم قبل أن ~~يستحيوا من الناس، وكان هو يستخفي من الناس ms41 ولا يستخفي من ضميره ولا من الله؛ وهما معه ~~أينما كان. فلما قصصت عليه قصة أوسكار ويلد، كنت كأنما كشفت عن نفسه الغطاء، ~~فأصبح يتحدث إلى امرأته وإلى خاصته بأن هذا الوجه القبيح الذي كان يراه في المرآة لم ~~يكن وجهه؛ فوجهه ما زال جميلا رائعا، وإنما هو مرآة ضميره؛ لأن ضميره بشع ~~دميم. # ثم يمضي في حديثه فيقول: لا تنكروا مما أقول لكم شيئا، فإني لا أرى هذا الوجه البشع ~~إذا نظرت في المرآة فحسب؛ بل أنا أراه كلما خلوت إلى نفسي، أراه يحمله جسم كجسمي، ~~وأراه يجلس إلي غير بعيد، ينظر إلي شزرا أول الأمر، ثم لا يزال يرفق بي ويظهر ~~الرقة إلي حتى أطمئن إليه فيحدثني في صوت هادئ رقيق عن سيئات تقدمت بها ~~إلى الناس فيما مضى من الدهر، ثم يقول لي في صوت هادئ يخيفني أشد الخوف: ليتك لم ~~تفعل، فقد كنت أراني جميلا فجعلتني قبيحا بشعا، وكنت أراني سعيدا ~~فجعلتني شقيا بائسا، فقد احتملت وحدي قبحي وبشاعتي وشقائي وبؤسي، ثم أعياني ~~احتمال هذا الثقل فرأيت أن تشاركني في النهوض به، فسألزمك منذ الآن كما يلزم الظل ~~صاحبه، وأي غرابة في أن يلزم الضمير صاحبه؟ # وكان صديقي البائس يقول ذلك لأهله وخاصته في صوت غريب يملأ قلوبهم خوفا وإشفاقا ورحمة ~~وعطفا، ثم كان يلح عليهم في ألا يخلو بينه وبين نفسه، فلزموه وأطالوا البقاء ~~معه، ولكن بغضه لظله هذا أو لضميره هذا جعل يعظم ويشتد، كما أن حب ظله ~~وضميره له جعل يعظم ويشتد أيضا؛ فقد رأى ضميره في المرآة أول الأمر، ثم جعل ~~يراه في الخلوة بعد ذلك، ثم أصبح يراه حين يخلو إلى نفسه، وحين يحيط به أهله وخاصته، ~~وإذا أمره ينتهي به إلى الجنون الثائر أو إلى ما يشبهه، وإذا أهله مضطرون إلى أن ~~يمرضوه في بعض المستشفيات التي تعالج فيها الأعصاب المريضة. # ليتني لم أكشف لصاحبي عن نفسه الغطاء ... أستغفر الله؛ ماذا أقول؟ وهل يزيد الكتاب على ~~أن يكشفوا للناس عن ms42 نفوسهم الغطاء؟ # أكتوبر 1944 # | الضمائر القلقة # يظهر أن في الضمير المصري شيئا من قلق يحتاج أن يعنى به الذين يهمهم أن يكون ~~الضمير المصري راضيا مطمئنا وآمنا مستريحا، فقلق الضمير مصدر شر كثير؛ أيسره فتور ~~العزم، وكلال الحد، والتردد بين الإقدام والإحجام حين تقضي ظروف الحياة أن نختار بين ~~الإقدام والإحجام. ويكفي أن نلاحظ الفرد ذا الضمير القلق والنفس المضطربة؛ لنعلم أنه لا ~~يصلح لشيء حتى يرد إلى ضميره الاستقرار وإلى نفسه الاطمئنان، فكيف إذا كان هذا القلق ~~شائعا وهذا الاضطراب شاملا؟ وكيف إذا أحس الشعب أنه لا يستطيع أن يثق بشيء، ولا أن ~~يركن إلى شيء، ولا أن يقدم عن بصيرة، ولا أن يحجم عن روية، ولا أن يحكم على ~~الأشياء والأحياء حكما يصدر عن التدبر والتفكير؟ # ما أحب أن أطيل في المقترحات، ولا أن أسلك إلى ما أريد طريقا ملتوية، وإنما ألاحظ ~~أن شيئا من الريب قد شمل الناس جميعا، فليس من كلمة تقال إلا اعتقد الناس أن لها ~~ظاهرا وباطنا، وأن لها معنى قريبا يتخذ وسيلة إلى معنى بعيد، وغاية يسيرة ~~تخفي وراءها غاية عسيرة، وليس من عمل يقدم عليه مقدم إلا وله غرض يقصد إليه ~~في العلانية، وغرض آخر يقصد إليه في السر الخفي، وإذن فقد عجز الناس عن أن يصدق ~~بعضهم بعضا، أو أن يأمن بعضهم إلى بعض، فضاعت بينهم الثقة، وشق عليهم التضامن، ~~واضطروا إلى حياة منكرة فيها كثير من الشك، وكثير من الخوف، وكثير من سوء الظن الذي ~~أوشك أن يصبح أصلا من أصول الحياة، وقاعدة من قواعد التعامل بين الناس. # وإذا بلغ الشعب هذه المنزلة من القلق كان خليقا أن يتعرض لشر عظيم، وكان حقا ~~على الذين يدبرون أمره ويقودون الرأي فيه أن يطبوا لهذا الداء ما وجدوا إلى ~~الطب سبيلا. وقد أردت حين هممت بهذا الحديث أن أقصد إلى شيء من الفكاهة ~~والدعابة، ولكن وجدت الأمر أجل خطرا من الفكاهة والدعابة، فقصدت به إلى هذا ~~الجد المر الذي قد يضيق به ms43 الكتاب والقراء في هذه الأيام. # لم أكد أنشر الحديث الأول من هذه الأحاديث حتى أحسست حولي سؤالا يلقيه بعض الناس ~~إلى بعض، ويجيب بعضهم بعضا بما يخطر له، ثم يتجه إلي السؤال فأعرض عنه، ثم ~~يتجه إلي في إلحاح فألح في الإعراض، وأقول لنفسي: حديث نشر بعد أن طال ~~الصمت، وبعد أن كنت منصرفا إلى بعض الأعمال العامة، فصرفت عنه، فليس من الغريب أن ~~يذهب الناس فيه المذاهب، وأن يلتمسوا له ألوان التأويل، وأن يتخذوا منه ثوبا ~~يفصلونه على قد هذا أو ذاك من الذين ينهضون بالأعمال العامة أو يشاركون فيها، ولكني ~~لم أنشر الحديث الثاني حتى ازداد السؤال انتشارا، وازداد السائلون إلحاحا، وجعل ~~الأصدقاء وذوو المعرفة يعرضون لي حين يلقونني بما فهموا أو بما خيل ~~إليهم أنهم فهموا. # ثم أمضي في الكتابة، ويمضي الناس في التساؤل، ثم لا يقف الأمر عند التساؤل والإلحاح ~~فيه، وإنما يختلف الناس فيما بينهم ويغلون في الاختلاف، ويريد بعضهم أن يحتكم إلي ~~ويجد عندي حلا لهذه الرموز، وتوضيحا لهذه الألغاز، ويتصل بعضهم بي يسألني أن أريحه من ~~هذا التعب الذي اضطررته إليه. ويتجاوز بعضهم هذا كله فيكتب إلي الرسائل ينبئني فيها ~~بما يعلم من حياة فلان وفلان، ومن خصال فلان وفلان، ومما يظهر فلان للناس ويخفي عليهم، ~~ويطلب إلي أن أصدر هذا في حديث من هذه الأحاديث التي تنشر في «البلاغ». # ثم ألاحظ أن الأمر ليس مقصورا علي ولا على هذه الأحاديث التي أذيعها، ولكنه يتجاوزني ~~ويتجاوز أحاديثي إلى قوم آخرين، وأحاديث أخرى تنشر في الصحف اليومية والأسبوعية، وإلى ~~قوم آخرين وأحاديث أخرى تجري على ألسنتهم حين يلقى بعضهم بعضا؛ فقد كتب فلان هذه ~~الأسطر في هذه الصحيفة أو تلك، وهو قد أراد بها إلى هذا الغرض أو ذاك، وأراد بها إلى أن ~~يمس فلانا من قريب أو بعيد، ولمح بها إلى موقف فلان في السياسة، أو موقف فلان في ~~الإدارة، أو موقف فلان في البيع والشراء؛ حتى استيقن الناس جميعا أنهم لا يتبادلون ms44 الحديث ~~بينهم إلا رمزا، وأن الصراحة والوضوح والجلاء؛ كل هذه أمور قد بعد العهد بها حتى ~~نسيت أو كادت تنسى. # وليس موقف الناس مما ينشر أو يقال بأقل تحفظا واحتياطا من موقفهم بإزاء ما يأتيه ~~الساسة من الأعمال، أو ما يكون بينهم من التزاور والتواصل، أو ما يكون بينهم من التنافر ~~والتقاطع. ومن المحقق أن الأمر ليس مقصورا على رجال السياسة وأشباههم من الذين ينهضون ~~بالأعمال العامة، ولكنه يتناول ما يكون بينهم من صلات في حياتهم الخاصة. فالزملاء في ديوان ~~من الدواوين أو معهد من معاهد التعليم يشك بعضهم في بعض، ويسيء بعضهم الظن ببعض، ويحتاط ~~بعضهم من بعض، قد تعقدت منافعهم، وارتبكت مصالحهم، وقرب الرؤساء بعضهم وأبعدوا ~~بعضهم الآخر، فساء ظن أولئك بهؤلاء واحتاط هؤلاء من أولئك، وارتاب الرئيس بهم جميعا، ~~وجرت أحاديثهم حين يتحدثون على الشك والخوف، وجرت صلاتهم حين يتواصلون على الحيطة ~~والتحفظ، وأصبحت حياتهم شيئا لا يطاق. # ولست أدري - بل لعلي أدري، ولعل كثيرا من الناس يدرون - ما مصدر هذا القلق، وما ~~أصل هذا الريب. فقد دفعتنا هذه الأعوام المتصلة إلى ألوان من الحياة لم نكن ~~نألفها ولا نطمئن إليها، وأولها وأظهرها: هذه الأحكام العرفية التي اقتضتها الحرب، ~~والتي استتبعت مراقبة الصحف، والتي ألقت في روع الناس جميعا أن أمورهم لا ~~تجري على ما تعودت أن تجري عليه قبل أن تعلن الأحكام العرفية، وقبل أن تفرض ~~الرقابة على الألسنة والأقلام. # ومما لا شك فيه أن الأحكام العرفية لم تشمل حياتنا كلها، ولعلها لم تشمل إلا ~~أقلها، ولكن الناس قد فرضوا فيما بينهم وبين أنفسهم أنها قد شملت كل شيء. ~~ومما لا شك فيه أيضا أن مراقبة الصحف إن اشتدت على الأنباء الخارجية والداخلية فإنها ~~لم تكلف الأدباء من أمرهم شططا حين أرادوا أن يعرضوا للأدب الخالص، أو حين أرادوا ~~أن يمسوا الأمور العامة مسا رفيقا. فمن حق الصحف أن تضيق بالرقابة، ومن ~~حق الناس جميعا أن يضيقوا بها وبالأحكام العرفية، ولا سيما حين يتصل الخضوع لها ms45 ~~والاكتواء بنارها، ولكنها على كل حال لا تكفي لتشيع هذا القلق بين الناس وتملأ نفوسهم ~~شكا وريبا، وتجعل سوء الظن أصلا من أصول الحياة. # غير أن الناس لم يخضعوا منذ أعلنت الحرب للأحكام العرفية والرقابة وحدها، ~~وإنما خضعوا لأشياء أخرى لعلها أن تكون أبعد من ذلك أثرا في إشاعة القلق والريب، ~~خضعوا لحياة الحرب نفسها وما تفرضه من الغموض في أنباء الحرب والسياسة، وما تقتضيه من هذه ~~الأحاديث المتناقضة التي يكذب بعضها بعضا، والتي تذاع في الراديو كل يوم، وما تقتضيه ~~من هذه الإشارات الغامضة التي تنشر في الصحف والمجلات، حتى تعود الناس أن يسمعوا النبأ ~~فلا يصدقوه، أو أن يسمعوا النبأ فيستنبطوا منه غير ظاهره، وربما استنبطوا منه ~~نقيضه، وحتى تعلم الناس أن يقرءوا بين السطور وأن يسمعوا بين السطور؛ إن أمكن أن ~~يسمع الناس بين السطور. # فاتصال هذه الحال التي تخلط بين الصدق والكذب وتغلب الكذب على الصدق أحيانا، ~~وتذيع المتناقضات في غير انقطاع؛ خليق أن يدفع النفوس إلى الريب ويعدها لسوء ~~الظن. ثم خضع الناس بعد ذلك أو مع ذلك في حياتهم العامة والخاصة لخطوب ثقال، فأهوال ~~الحرب من جهة، ومصاعب الحياة الاقتصادية من جهة أخرى، والتغييرات السياسية من جهة ثالثة، ~~والبؤس والحرمان اللذان ينتهيان إلى الجوع والشقاء في بعض الطبقات من جهة رابعة، كل ذلك ~~خليق أن يعقد منافع الناس أشد التعقيد، وأن يقوي الأثرة في نفوس الأفراد ~~والجماعات، وأن يضطر كل واحد من أفرادهم وكل جماعة من جماعاتهم إلى الاحتياط ~~للنفس، والاستكثار من الخير، والاستعداد للمستقبل، والتحفظ من الطوارئ، والتخلص من ~~المشكلات، والنفوذ من الخطوب؛ فليس غريبا أن يدفع هذا كله الناس إلى حياة لا تقوم ~~على أمن الضمائر واطمئنان القلوب، ولا تقوم على الثقة والصراحة، وإنما تقوم على القلق ~~والخوف، وتقوم على الشك والحذر، ولعلها أن تقوم على الكذب وعلى أخلاق أخرى تتصل بالكذب ~~من قريب أو بعيد. # فإذا أضفت إلى هذا كله حياتنا السياسية الخاصة وما يشوبها من هذا العنف الذي ~~يدفع إلى ms46 التكلف، ويسوق إلى سوء الظن، ويحمل على المبالغة والتكثر، ويغري بخلق ~~الإشاعات وإذاعة المنكر من القول، ويحرص على تشويه الحسن وتحسين القبيح. وإذا أضفت ~~إلى هذا وذاك أن المثقف المصري محدود الثقافة متوسط العلم في أكثر الأحيان، وأنه من أجل ذلك ~~مستعد للتصديق والتكذيب في غير مقاومة، أو في مقاومة ضئيلة، أقول: إذا أضفت بعض ~~هذا كله إلى بعض، استطعت أن تحقق أسباب هذا القلق الذي يشمل الضمير المصري ~~في هذه الأيام، ويوشك أن يدفعه إلى خطر عظيم. # والشيء المحقق هو أن هذا التساؤل الذي أشرت إليه في أول هذا الحديث، إن دل على ~~شيء فإنما يدل على ظاهرة مؤلمة حقا؛ وهي أن رأي الناس قد ساء في الناس، فلا تكاد ~~تذكر رجلا حائر الضمير حتى يحس كثير من الناس أنه المعني بهذا الضمير الحائر، ~~ومصدر ذلك أنه يجد فيما بينه وبين نفسه أن ضميره مضطرب في شيء من الحيرة، وحتى يسأل الناس ~~بعضهم بعضا: ألا يمكن أن يكون صاحب الضمير الحائر فلانا أو فلانا؟ لأنهم يعتقدون أن ~~فلانا أو فلانا يمكن أن يكون من أصحاب الضمائر الحائرة. ولا تكاد تعرض صورة الرجل الذي ~~يشبه الثعبان، أو يشبه الثعلب، أو يشبه ما شاء الله من هذا الحيوان المقيم في حديقة ~~الحيوان، حتى يحس كثير من الناس أنه هو المعني بهذه الصورة، المراد بهذا الاسم. ومصدر ~~ذلك أنه يجد فيما بينه وبين نفسه أن في أخلاقه وخصاله شيئا من أخلاق الثعبان، أو من ~~أخلاق الثعلب، أو من أخلاق ما شاء الله من الحيوان، وحتى يخلع القراء من عند أنفسهم هذه ~~الصورة أو تلك على هذا الرجل أو ذاك؛ لأنهم يرون في أخلاقه شيئا من أخلاق الثعلب أو ~~الثعبان. # ومن العسير أن تقنع القراء بأن الكاتب إن عرض صورة بعينها، فهو لم يرد شخصا ~~بعينه، ولعله يكون قد كون صورته هذه من أشخاص كثيرين يأخذ من أخلاق كل واحد منهم طرفا، ~~ثم يضيف هذه الأطراف بعضها إلى بعض فينشئ منها صورة قد ms47 تعجب أو لا تعجب، ولكنها لا ~~تخلو من عبرة وموعظة، ولعلها أن تحمل الناس على أن يصلحوا من أمورهم ويخفوا من ~~شرورهم، فمن وجد في نفسه شيئا من أخلاق الثعبان أصلحه وأخفاه؛ فكف شره عن ~~الناس قليلا أو كثيرا، وكف شر الناس عنه قليلا أو كثيرا. وقل مثل ذلك فيمن يجد ~~في نفسه شيئا من خصال الثعلب، أو من خصال العقرب، أو من خصال الذباب. # والله قد خلق الأشياء كلها لتكون موضعا للعظة، ومصدرا للعبرة، ووسيلة إلى استكشاف ~~الحق والخير والجمال، والله عز وجل قد خلق الإنسان وعلمه البيان؛ ليكشف الحق والخير ~~والجمال ويدل عليه، وليستكشف الباطل والشر والقبح ويرغب عنه. فليكتب الكتاب، ~~وليقرأ القراء، وليسأل السائلون، وليجب المجيبون، فليس بشيء من هذا كله بأس، وإنما ~~البأس الذي يجب أن نعاون جميعا على علاجه واستئصاله، هو هذا القلق الذي شمل ~~الضمير المصري، والذي يوشك أن يدفعه إلى أكثر من السؤال والجواب. # 1945 # | في الذوق # يقال إن الذوق ملاك الحضارة المترفة، ويقال من أجل ذلك إنه يوجد ويقوى ~~ويشيع حيث يتاح للحضارة أن ترقى وتترف وتبسط سلطانها على النفوس. ويقال إنه من ~~أجل ذلك يوجد في المدن أكثر مما يوجد في القرى، ويوجد في العواصم أكثر مما يوجد ~~في مدن الأقاليم، ويوجد في القصور أكثر مما يوجد في الدور، ويوجد في الدور أكثر مما يوجد في ~~الأكواخ. # يقال هذا، ويقال شيء كثير غير هذا حول الذوق، فالذوق يكون في الأدب والفن، والذوق يكون ~~في الحياة الاجتماعية اليومية، والذوق يكون خصلة من خصال الفرد المترف الممتاز، ويكون ~~خصلة من خصال الجماعة المثقفة المهذبة، ويكون خصلة من خصال الشعب الذي عظم حظه من ~~الحضارة وإمعانه فيها. ويظهر أن المصريين قد سبقوا غيرهم من الشعوب إلى الحضارة وضروب ~~الترف؛ فكان حظهم من الذوق عظيما، وقسطهم منه موفورا ... يقول المصري عن المصري إذا ~~أراد أن يمدحه: «إنه صاحب ذوق»، ويقول المصري عن المصري إذا أراد أن يمدحه أيضا إنه ~~«رجل ذوق» بالإضافة، «ورجل ذوق» بالوصف! ms48 ويقول المصري عن المصري إذا أراد أن يعيبه : ~~إنه قليل الذوق، وعديم الذوق. ويقول الرجل من أهل القاهرة لصاحبه إذا فعل أو هم أن ~~يفعل شيئا لا يليق: «استذوق»؛ يريد أن يقول له: اصطنع الذوق، وتجنب ما من شأنه ~~أن يغض من ذوقك أو من امتيازك في الحضارة المترفة المهذبة التي تتيح للناس أن ~~يعاشروا الناس، وأن يجدوا في معاشرتهم راحة ولذة وسرورا! # ويعرف بعض المعاجم الذوق: بأنه ملكة طبيعية تسبق التفكير، وتعين على ~~تمييز الجيد من الرديء، والحسن من القبيح، وما يليق مما لا يليق. # ويقول هذا المعجم: إن لكل إنسان من هذا الذوق حظا، ولكن هذا الحظ يقوى ويضعف باختلاف ~~ما يكون عليه الإنسان من ثقافة وحضارة وإتراف في العقل والقلب والضمير ... ويقال كذلك إن ~~الذوق يتغير بما يصيب الحضارة من تطور، فيفسد بعد صلاح، ويقبح بعد حسن، ويشيع فساده ~~وقبحه بمقدار ما يصيب الحضارة من ضعف وانحطاط. ~~••• # وأكثر ما يفسد الذوق حين يطرأ على الحضارة المستقرة المطمئنة التي بعد بها ~~العهد وألفتها النفوس وتوارثتها الأجيال طارئ عارض عنيف يغير من سيرة الناس في حياتهم ~~المادية أولا، ثم في حياتهم العقلية بعد ذلك. # فالرجل المترف من أهل القاهرة في أول هذا القرن كان قد ورث عن أسرته ألوانا من ~~الأخلاق والعادات تأثرت بها سيرته فيما بينه وبين نفسه، وفيما بينه وبين أهله، وفيما ~~بينه وبين الناس؛ فهو لا يظهر لأهله إلا في لون معين من لبسه المتفضل، وهو لا يتحدث ~~إليهم إلا بألفاظ مختارة منتقاة، ثم هو لا يظهر للناس إلا في زينة أنيقة معتدلة قد لاءم ~~بين دقائقها ملاءمة شديدة الاتساق والانسجام، وهو لا يتحدث إلى الناس إلا بألفاظ ~~عذاب رقاق، وفي صوت معتدل لا يرتفع فيؤذي الآذان، ولا يسرف في الانخفاض فيشق على النفوس، ~~وهو رفيق رقيق متأنق في إشاراته وفي حركاته، وهو حين يخرج من داره إلى عمله أو إلى ~~زيارة صديق يتخذ عربته تلك المترفة، يجرها الجواد المترف، ويسوقها السائق ~~الأنيق. # فلما تقدم القرن ms49 شيئا؛ تغيرت الدنيا، وهجمت الحضارة الغربية هجوما جعل يزداد ~~عنفا من يوم إلى يوم، ثم بلغ أقصى غايات العنف بعد الحرب العالمية الأولى ... فأخذ ~~المترفون من المصريين يتركون ترفهم القديم الأنيق الذي كانوا يعرفونه ويألفونه ~~ويحسنون تنميقه والتأنق فيه إلى الترف الغربي الجديد الذي لم يعرفوه ولم يألفوه، ~~ولم يتح لهم أن يفتنوا فيه؛ وإنما أخذوه كما هو، واندفعوا فيه غير متحفظين، ~~فكانوا محدثين! وقد تغير تصورهم للحياة بتغير ما يحيط بهم من الأداء، فاضطربت ~~أحكامهم على الأشياء، وساء تقديرهم للظروف، وتغير ذوقهم شيئا فشيئا. # وقل مثل هذا بالقياس إلى الحياة العقلية؛ فقد كان المصريون إلى أوائل هذا القرن أميل ~~إلى المحافظة في ثقافتهم، يغذون عقولهم بالتراث العربي أكثر مما يغذونها بالتراث ~~الأجنبي، ثم هجمت الثقافة الأجنبية هجوما لم يكن أقل عنفا من هجوم الحضارة ~~الأجنبية، فاضطربت لهجومها العقول، واختلطت له الأمور، وتأثرث به الأخلاق، وتغير ~~به الذوق، وكانت الموقعة الهائلة بين الأدب القديم والأدب الجديد. ~~••• # ثم كانت الحرب العالمية الثانية؛ فأقبلت معها حضارة مادية عنيفة، ولم تكد تنقضي حتى ~~كان كل شيء قد اضطرب في حياة المصريين المادية والعقلية والخلقية جميعا. وكان ~~اضطراب الذوق بعد هذا كله، وبتأثير هذا كله شيئا لا بد منه ولا سبيل إلى ~~اتقائه! # وربما كان أخص ما يمتاز به هذا الهجوم الذي غير الحضارة المصرية فغير الذوق ~~المصري تغييرا عنيفا خطيرا، أنه تأثر بالعنصر الأمريكي أكثر مما تأثر بالعناصر ~~الأوروبية ... فقد صحبنا الحضارة الأوروبية منذ أول القرن الماضي، بل منذ أواسط القرن ~~الثامن عشر، وتأثرنا بمصاحبتها وتغيرت لها أخلاقنا وأذواقنا وحياتنا تغيرا شديدا، ~~ولكن هذا التغير تم في اعتدال، لم يعنف بنا ولم يخرجنا عن أطوارنا بمقدار ما عنف ~~بنا هذا التغير الطارئ بين الحربين، ومنذ أثيرت الحرب الثانية بنوع خاص، ومنذ انقضت هذه ~~الحرب الثانية بنوع أخص. # وليس لهذا كله مصدر فيما أظن غير هجوم الحضارة الأمريكية المادية، والثقافة الأمريكية ~~اليسيرة التي لا تعرف التعمق ولا التمحيص ولا الأناة، والتي تؤثر السرعة والمعرفة ms50 ~~الخاطفة. ويمكن أن يقال: إننا مدينون لها بهذا الاضطراب الخلقي العنيف الذي ينعم به ~~الجيل الناشئ، ويشقى به الجيل المنقرض، وتتعرض به مصر لخطر عظيم! # فإذا رأيت قيم الأشياء تتغير إلى هذا الحد الذي نشهده، وإذا رأيت الشباب لا ~~يحفلون بشيء، ولا يتحرجون من شيء، ولا يتحفظون في قول أو عمل، وإذا رأيت الصحف ~~تخوض فيما لم تتعود أن تخوض فيه من قبل، وعلى نحو مجاف لكل ما ألفنا من سماحة ~~الخلق، وسجاحة الطبع، وصفاء النفوس، ورقة الأذواق، فاحمل هذا كله غير متردد ولا ~~متهيب على هذه الحضارة الطارئة التي غزتنا بها أمريكا، فكانت بعيدة الأثر في حياتنا ~~المادية والاقتصادية والأدبية، ومع ذلك تهافت الناس عليها تهافتا عنيفا وهم لا ~~يشعرون. ~~••• # وقد تسألني عما حملني على أن أتحدث إليك في الذوق وفي معناه وفي تطوره وفي ~~فساده؟ فسل نفسك عما تقرأ، وعما ترى، فستجد في نفسك وستجد في نفس غيرك الجواب على هذا ~~السؤال! # 1947 # | خوف # لست أدري أين قرأت - بل لعلي أعلم أني قرأت في فصل طويل أراد به صاحبه تعريف مصر ~~إلى أعضاء المؤتمر البرلماني الدولي الذين يزورون مصر في هذه الأيام - أن المصريين ~~ديمقراطيون بالطبع، وأنهم أحرار بالطبع كذلك، لا يستطيعون أن يعيشوا إلا مستمتعين بالحرية ~~الكريمة تحت ظل ممدود من الديمقراطية السمحة! وقد يكون هذا حقا، ولكن هناك حقا آخر ~~لعله يكون أشد منه ثبوتا ووضوحا؛ وهو أن الإنسان يفسد كثيرا من جمال الطبيعة، ويغير ~~كثيرا من حقائق الأشياء، تدفعه إلى ذلك مصالحه العاجلة أحيانا، ويدفعه إليه خطؤه ~~في الحكم والتقدير أحيانا أخرى ... وأكبر الظن أن الإنسان قد حاول وما زال يحاول أن يفسد ~~الطبيعة المصرية ويغير بعض الحقائق المصرية، فقد يكون المصري ديمقراطيا بطبعه، ولكن قد ~~يوجد من المصريين أو من غير المصريين من يحد من هذه الديمقراطية حدا شديدا، أو ~~يحولها إلى ما يناقض الديمقراطية من الخصال والأخلاق. وقد يكون المصري مطبوعا على ~~الحرية، ولكن قد يوجد من المصريين أو من غير المصريين من ms51 يفسد هذا الطبع ويحوله ~~إلى لون من الخنوع والخضوع ليس من الحرية في شيء. # وما أريد أن أمضي مع هذا التفكير إلى غايته فأبحث وأستقصي، وأنشر على القراء فصلا من ~~هذه الفلسفة التي تصور أثر الإنسان المتحضر في إفساد الطبيعة الخيرة للناس؛ ~~فهذا بحث قديم كثر فيه القول، واشتد حوله الجدال. وإنما أريد أن أقف عند جماعة محدودة ~~من المصريين يمكن أن يحصيهم العد، وإن ألفت القراء إلى طبيعتهم الديمقراطية الحرة ~~وإلى ما تصب عليهم الظروف والأحداث من الفساد المتصل الذي يحولها عن أصلها ~~الجميل السمح إلى شيء آخر بعيد كل البعد عن السماحة والجمال، وهذه الجماعة هي جماعة ~~الموظفين. وما أريد أن أسوء الموظفين ولا أن أشق عليهم ولا أن أؤذيهم في ذات أنفسهم، فأنا ~~أقرر أنهم كغيرهم من المصريين: ديمقراطيون بالطبع، أحرار بالطبع، قد فطروا على ما ~~شاء الله من كرم الأخلاق ورقة الشمائل وسماحة القلوب والنفوس، وإنما أريد أن أعتذر لهم ~~أو أن أعتذر عنهم، أو قل أني أريد أن أرثي لهم وأرفق بهم، وأطلب إلى أصحاب السلطان ~~مهما تكن أحزابهم أن يشملوهم بشيء من العطف والرفق والعناية، حتى لا تفسد طبيعتهم ~~الديمقراطية، وحتى لا تتعرض فطرتهم الحرة إلى بعض ما تتعرض له من الشر الذي لا يؤذيهم ~~وحدهم؛ وإنما يؤذي معهم الناس جميعا، ويصبح شيئا بغيضا يشبه الأمراض المعدية ~~التي تتجاوز المرضى إلى الأصحاء! # هؤلاء الموظفون معرضون دائما لسخط أصحاب السلطان إذا تورطوا فيما لا يحبون، وأصحاب ~~السلطان من الوزراء والرؤساء ناس كغيرهم من الناس، يخطئون ويصيبون، ويسرفون ويقصدون، ~~ويجورون ويعدلون، والأصل أن لهم على الموظفين الذين يعملون معهم حقا؛ هو إنفاذ أمرهم في ~~حدود النظم والقانون، فليس الموظف ملكا لرئيسه يجب أن يتصرف وفق هواه. وليس الموظف ~~خادما لرئيسه ينبغي أن يجيبه إلى كل ما يريد. وليس الموظف موظفا عند وزيره أو رئيسه، ~~وإنما هو موظف عند الدولة التي لا تمثل الحكومة وحدها؛ وإنما تمثل الحكومة والشعب جميعا ... ~~وإذن، فليس على الموظف أن يميل مع ms52 أهواء الوزراء والرؤساء، ولا أن يطيعهم فيما يخالف ~~النظم والقوانين، ولا أن يحب ما يحبون ومن يحبون، أو يكره ما يكرهون ومن يكرهون. ~~وإنما الموظف إنسان حر حظه من الحرية كحظ الوزير والرئيس، لا يزيد عليه إصبعا ولا ~~ينقص عنه أنملة. # والوزير والرئيس موظفان آخر الأمر كغيرهما من المرءوسين؛ كلهم خادم مأجور للدولة، وقد ~~أراد النظام - لأن المصلحة العامة أرادت - أن يكون بعض هؤلاء الموظفين رؤساء يديرون ~~ويأمرون، وأن يكون بعضهم مرءوسين ينفذون ويطيعون ... يجري هذا كله طبقا لعقد مقرر نظمه ~~الدستور ونظمته القوانين بينهم وبين الدولة، لا بينهم وبين هذا الفرد أو ذاك، ولا بينهم ~~وبين هذا الحزب أو ذاك، ولا بينهم وبين هذه الوزارة أو تلك. # هذه كلها أوليات يتعلمها الصبية في دروس التربية الوطنية، ويتعلمها الشباب فيما ~~يسمعون من أساتذتهم في المدارس الثانوية ومعاهد التعليم العالي. # ولكن العلم الذي يلقى في الدروس شيء؛ والعمل الذي تجري عليه الحياة اليومية شيء آخر ~~في مصر ... كما أن الحقوق والواجبات التي تقررها النظم والقوانين المكتوبة شيء، والحياة ~~العملية اليومية شيء آخر في مصر ... وإني لأذكر يوما من الأيام أشيع فيه أن في مصر أزمة ~~وزارية حادة، وأن الوزارة توشك أن تقال أو تستقيل، وأن حزبا آخر سينهض بأعباء الحكم بعد ~~إقالة الوزارة أو استقالتها. # شاع هذا في الصباح مع الصحف التي تلقى الناس حين يخرجون من دورهم، أو تقتحم ~~عليهم هذه الدور قبل أن يخرجوا منها. وأقبل الموظفون على مكاتبهم في وزارة من الوزارات لا ~~يتحدثون إلا في هذه الإشاعة، يذكرون الوزارة المضطربة منكرين لها، ساخطين عليها، ~~ويذكرون الوزارة المنتظرة مكبرين لها راضين عنها كل الرضى، تجري بهذا كله ~~ألسنتهم وتنطق به وجوههم، فأما قلوبهم وضمائرهم فعلمها عند الله الذي يعلم خائنة ~~الأعين وما تخفي الصدور! ثم ارتفع الضحى، وكانت هناك غرفة لا يخف حولها ازدحام ~~الزائرين والقاصدين والموظفين لحظة من نهار، وأخرى تقع منها غير بعيد لا يزورها الناس إلا ~~لماما، فلما ارتفع الضحى من ذلك اليوم فرغت الغرفة ms53 الأولى وفرغ ما حولها من الفضاء ~~فلم يطرقها طارق ، ولم يلم بها أحد، واستراح التليفون فيها وأراح، وتحول التيار ~~العنيف من الزائرين والقاصدين والموظفين إلى الغرفة المجاورة. # وضحك صاحب الغرفة الأولى فيما بينه وبين نفسه رثاء لهؤلاء الناس، وضحك صاحب الغرفة ~~الثانية فيما بينه وبين نفسه سخرية من هؤلاء الناس. ثم أقبل المساء وحملت الصحف إلى ~~الناس أن الوزارة باقية في مناصبها، وأن الأزمة قد حلت أو أرجئت، فلما كان الغد عاد ~~التيار إلى مجراه الأول؛ فازدحم الفضاء حول الغرفة الأولى، وخلا حول الغرفة الثانية ~~خلوا مخيفا. وضحك صاحب الغرفة الأولى فيما بينه وبين نفسه ساخرا من هؤلاء الناس، ~~وضحك صاحب الغرفة الثانية فيما بينه وبين نفسه راثيا لهؤلاء الناس! # وكل وزارة صائرة إلى الأزمة مهما تعمر، وكل حزب سياسي ذي خطر ناهض بأعباء الحكم ذات ~~يوم مهما يبعد عن الحكم. فإذا خضع الموظفون لهذا الخوف وأصبحوا كالقربة التي تمخض بغير ~~انقطاع، وتهز هزا عنيفا متصلا في غير راحة ولا أناة ولا سكون؛ فأخلق بهم أن ~~ينصرفوا إلى غير أعمالهم، وأن يشغلوا بغير ما يؤجرون عليه من العمل، وأن يعنوا ~~بغير ما تفرض عليهم النظم والقوانين أن يعنوا به من الأمر. # ذلك إلى أن الرجل الديمقراطي بالطبع، الحر بالفطرة؛ لا ينبغي أن يهز ولا يمخض لسقوط ~~وزارة ونهوض وزارة أخرى، ولعزل رئيس وتولية رئيس آخر ... وإثم هذا كله ليس على الموظفين، ~~وإنما هو على الوزراء والرؤساء الذين يتجاوزون حدودهم، ويطلبون إلى الموظفين بالإشارة ~~الدالة وبالقول الصريح أكثر مما يبيح لهم القانون أن يطلبوا منهم. وفي الأمر ما هو أشد ~~من ذلك خطرا وأعظم منه نكرا، فالموظف قد ألف من الوزراء والرؤساء أن يخاصم من ~~يخاصمون، ويوالي من يوالون، حتى أصبح يرى ذلك واجبا عليه، وحتى أصبح يرى رزقه ~~معرضا للخطر إن خاصم وليا للوزير، أو وفى لخصم من خصوم الوزير. وكذلك تفسد ~~الطبيعة الديمقراطية والفطرة الحرة ... وكذلك تفسد الصلات بين الناس، ويقوم الكذب ~~والنفاق والقطيعة مقام الصدق والإخلاص والتواصل. وكذلك ms54 تضيع مصالح الناس ومنافعهم؛ لأن ~~الموظفين مضطرون إلى أن يرعوا في خدمة هذه المصالح والمنافع أهواء الوزراء والرؤساء؛ لا ~~أصول الحق والعدل والقانون، وكذلك تهدر الكرامة والعزة، ويصبح الموظف عبدا للوزير ~~وخادما للرئيس، لا يملك من أمر نفسه شيئا، وقد استقر في قلبه خطأ أو صوابا أنه ~~موظف عند الوزير والرئيس، لا عند الدولة التي هي فوق الوزير والرئيس ... وكذلك تقوم حياة ~~الموظفين على الخوف أن يقطع الرزق ذات صباح أو ذات مساء! # ولست أعرف شيئا يفسد الأخلاق ويملأ الحياة العامة شرا ونكرا كالخوف، ولست أعرف ~~شيئا يصلح الأخلاق ويملأ الحياة العامة والخاصة خيرا وعرفا كالأمن ... فهل من سبيل إلى ~~أن تعصم قلوب الموظفين من الخوف، وتطمئن نفوسهم إلى الأمن لتقوم حياتهم وصلاتهم ~~على ما تقتضيه الطبيعة الديمقراطية والفطرة الحرة من الصدق والإخلاص والوفاء ورعاية الكرامة ~~والارتفاع عما يذل ويهين؟! # 1947 # | النفوس القلقة # هي نفوس المصريين جميعا، لا تستثني منها نفسا مهما يكن صاحبها؛ فالغني قلق على ~~ثروته؛ لأنه يرى حوله من الأحداث العامة والخاصة ما يزود عن قلبه الأمن، ويصد عن نفسه ~~الطمأنينة، ويدفعه إلى حياة قلقة خائفة، وإذا هو يعرف كيف عاش أمس، ويكاد يعرف كيف يعيش ~~اليوم، ولكنه لا يعرف كيف يعيش غدا أو بعد غد. وليس من الهين على الأغنياء - مهما تكن ~~حظوظ قلوبهم من القسوة واللين - أن يصبحوا محسدين، ويمسوا محسدين، ويحسوا في كل ~~لحظة أن نفوس المحرومين متصلة بنفوسهم هذا الاتصال المخيف الذي يقوم على البغض ~~والحسد، وعلى هذه الأماني التي تعبث بقلوب المعوزين. وليس من اليسير على الأغنياء - ~~مهما تكن حظوظ قلوبهم من القسوة واللين - أن يعلموا أن عيون المحرومين ترمقهم حين ~~يغدون وحين يروحون، وفيها ما فيها من التطلع والطمع، ومن التمني والأمل، ومن الحاجة ~~المكبوتة، والسؤال الذي يعلم أن ليس له جواب. # كل ذلك يخيف، وكل ذلك يقلق، وكل ذلك ينغص الحياة أثناء اليقظة، وينغص الأحلام ~~أثناء النوم. فإذا أضفت إلى ذلك أن أمور الأمن المادي ليست على ما يحب الناس ms55 ويشتهون؛ ~~قدرت هذا القلق الذي يأخذ نفوس الأغنياء من جميع وجوهها، ويسعى إليها سعيا متصلا ~~ملحا لا يريح ولا يستريح. ونفوس الموظفين قلقة؛ لأن أجورهم تضيق بأيسر حاجاتهم، فهم ~~يكدون ويكدحون، أو هم يكسلون ولا يعملون، ولكنهم آخر الشهر يقبضون مرتبات أيسر ~~ما توصف به أنها تسد بعض خلاتهم، ولكنها لا تستطيع بحال من الأحوال أن تسد خلاتهم ~~كلها. فهم قلقون قبل أن يخرجوا من دورهم مع الصبح؛ لأنهم يرون الحاجات الكثيرة التي ~~تريد أن تقضى، والمادة القليلة التي لا تستطيع أن تقضي هذه الحاجات. # وهم قلقون حين يعودون إلى دورهم بعد أن يتقدم النهار؛ لأنهم يرون الفقر ~~والبؤس والضيق، والحاجات التي كانت تريد أن تقضى فقصرت بها المادة القليلة عن القضاء. ~~وهم ينفقون مع أهلهم ساعات قليلة عابسة، ثم تثقل عليهم الحياة في الدور فيخرجون إلى ~~الأندية والقهوات، يلتمسون فيها التعزية والتسلية، فيظفرون بهما كشر ما يظفر ~~الناس بالتسلية والتعزية. يلقون رفاقهم وأترابهم وذوي مودتهم فلا يسمعون منهم إلا شكاة ~~متصلة مثل شكاتهم، وقلقا مزعجا مثل قلقهم؛ فهم يتعزون بالشكاة عن الشكاة، ~~ويتسلون بالقلق المزعج عن القلق المزعج، وهم ينفقون حياتهم في هذا لا يذوقون لأمن ~~النفوس طعما، ولا يحسون لاطمئنان القلوب روحا، وهم من أجل ذلك لا يحسنون ~~التفكير في شيء، ولا يحسنون التقدير لشيء، ولا يحسنون الحكم على شيء، وهم من أجل ذلك ~~يعملون أعمالا قلقة مقلقة، كما يشعرون شعورا قلقا مقلقا. # وغير الموظفين من عامة الشعب قلقون لأسباب تشبه هذه الأسباب: حاجاتهم كثيرة، وأيديهم ~~قصيرة، آمالهم بعيدة واسعة، وأعمالهم قريبة ضيقة، فهم ينكرون هذا التناقض الذي يكرهون ~~على العيش فيه، وأي شيء أثقل من أن تمتد الآمال إلى غير حد، ومن أن تتقاصر ~~الأعمال إلى أضيق حد؟ فإذا أضفت إلى هذا كله أن الحياة العامة ليست خيرا من الحياة ~~الخاصة، وأن الشعب المصري كان وما زال مستيقنا بأن من حقه أن يكون شعبا مستقلا، ~~عزيزا كريما، وكان وما زال مستيقنا أن استقلاله يفتح له أبوابا من ms56 النشاط في الحياة ~~العالمية السياسية والثقافية والاقتصادية، وكان وما زال مستيقنا أن من حقه أن ~~يبسط أمله إلى أبعد الآمال والغايات، وأن ينشئ أبناءه على هذه الحياة الواثقة ~~بحاضرها، المطمئنة إلى مستقبلها. # ثم هو ينظر فيرى استقلاله ما زال في درج من أدراج وزارة الخارجية البريطانية سجينا، ~~قد حيل بينه وبين الحرية التي تتيح له أن يعود إلى وادي النيل، فيملأ نفوس أهله وقلوبهم ~~بشرا وبهجة واغتباطا، ثم هو ينظر فيرى القوة البريطانية ما زالت تأخذه من جميع أقطاره، ~~تحتل أرضه في الشرق والجنوب، وترابط على حدوده في الغرب، وتأخذ عليه مسالك البحر في ~~الشمال، فلا يكاد يرى هذا كله حتى تمتلئ نفسه قلقا على حاضره ومستقبله في حياته ~~العامة، كما امتلأت نفوس أفراده قلقا على حاضرهم ومستقبلهم في حياتهم الخاصة. # فكيف تريد أن يستقبل هذا الشعب أيامه راضيا مبتهجا مسرورا والشعوب لا تمارس أمورها ~~بأنفسها؟ وإنما تمارس أمورها بواسطة هؤلاء الناس الذين تنتخبهم؛ ليكونوا لها شيوخا ~~ونوابا، تلقي عليهم أعباء الأمور العامة، ثم يفرغ أفرادها لأمورهم الخاصة حتى يجيء ~~موعد الانتخاب، وهي تمارس أمورها العامة بهؤلاء الناس الذين يتولون فيها الحكم ~~نائبين عن البرلمان، مسئولين أمامه، يؤدون إليه الحساب عن كل ما يأتون وما يدعون. ~~فإذا نظر الشعب فرأى شيوخه ونوابه ووزراءه لا يحتملون الأعباء كما كان ينبغي أن ~~يحملوها، ولا يصرفون الأمور كما كان ينبغي أن يصرفوها، وأنما تثقل عليهم ~~الأعباء فلا يستطيعون أن ينهضوا، وتنتشر عليهم الأمور فلا يستطيعون أن يتصرفوا، وتعجبهم ~~مع ذلك نفوسهم فلا يستطيعون أن يتخلوا عن مناصبهم ومراكزهم، وإنما يظلون جاثمين على ~~صدر الشعب كما يجثم الكابوس الثقيل الطويل ... # إذا نظر الشعب فرأى هذا ورأى أنه لا يستطيع أن يغير من هذا قليلا ولا كثيرا ~~تسلط القلق عليه، فأفسد أمره كله إفسادا منكرا. # فكيف إذا نظر الشعب فرأى الفساد يحيط بمرافقه كلها، ويتغلغل فيها كلها، ويحول بينها ~~وبين أن تنتج له بعض ما كان ينتظر منها، فضلا عن أن تخرجه من الضعف إلى ms57 القوة، ~~ومن الانحطاط إلى الرقي، ومن الظلمة إلى النور. # تحدث إلى من شئت من المصريين، واختره من أي طبقة شئت، وتحدث معه في أي ~~موضوع شئت؛ فلن تسمع منه إلا حديث القلق والخطر، لا على حياته الخاصة، بل على كل ~~شيء. بل أنا أذهب إلى أبعد من هذا؛ وأزعم أنك لن تستطيع أن تتحدث إلى المصريين مهما ~~يكونوا، ومهما تكن طبقتهم، ومهما يكن الموضوع الذي تتحدث إليهم فيه وقد برأت ~~نفسك من القلق ورددتها إلى الأمن، وجعلتها قادرة على أن تبحث وتستقصي غير ~~متأثرة بالقلق العام، ولا مشاركة فيه، لن تستطيع ذلك مهما تكن، ومهما تكن طبقتك؛ ~~لأنك قلق كغيرك من المصريين. فأنت كهؤلاء الموظفين الذين ذكرتهم آنفا؛ تتعزى عن ~~قلقك بقلق مواطنيك، وأنا حين أملي هذا الحديث لم آخذ في إملائه إلا وأنا أجد من ~~القلق مثل ما يجد غيري من المصريين، أو أكثر مما يجد غيري من المصريين. وما أعلم أني ~~صورت قط حياة المصريين تصويرا صادقا كما أصورها في هذا الحديث؛ فهي حياة قد ~~تغلغل القلق فيها حتى أصبحت كلها قلقا. # بقي أن نسأل، ولن نجد من يجيب عن هذا السؤال: لمصلحة من يفرض هذا القلق العام ~~على الشعب المصري؟! # أما المصريون أنفسهم فلن يفيدوا منه إلا شرا، وأما الإنكليز وغير الإنكليز من الأجانب ~~الطامعين الذين يتربصون بنا الدوائر، فليس أنفع لهم ولا أحب إليهم من أن نفقد صوابنا، ~~ونضل أعصابنا، ونعجز عن تدبير أمورنا! وسؤال آخر يوجه إلى الحكومة وإلى البرلمان: ~~أيهما خير، أن يظل الوزراء في مناصبهم دون أن يصنعوا شيئا، وأن يختلف النواب إلى ~~مجلسهم، دون أن يصنعوا شيئا، أم أن يعاد النظر في أمرنا كله، لعلنا أن نطمئن بعد ~~قلق وأن نأمن بعد خوف؟! # وأنا بعد هذا كله أضن بالوزراء والنواب على أن تدفعهم الأثرة إلى أن يقولوا كما قال ~~قوم من قبلهم فهلكوا وأهلكوا: لنعش نحن، وليأت من بعدنا الطوفان! # 1948 # | الوسائل والغايات # نستعير هذا العنوان من الكاتب الإنجليزي المعروف ألدوس هكسلي، ms58 ولكننا لا نستعيره لبحث عن ~~المشكلات العليا التي بحث عنها في كتابه المشهور، وإنما نستعيره لبحث عن مشكلات يسيرة ~~متواضعة، تلائم حياتنا اليسيرة المتواضعة. فقد خلقت مصر - فيما يظهر - لتنهض بجلائل ~~الأعمال وعظائم الأمور، ودل تاريخها كله على أنها قد يسرت لما خلقت له، فنهضت ~~بجلائل الأعمال وعظائم الأمور في عصورها القديمة والمتوسطة، ولكنها في هذا العصر الحديث - ~~أو بعبارة أدق: منذ كان الاحتلال البريطاني - قد أكرهت على التواضع والتضاؤل والاكتفاء ~~بهذه الحياة اليسيرة الضئيلة، التي لا يأكل الإنسان فيها ويشرب وينام ويستيقظ ليعيش، ثم ~~ليأتي في حياته بما ينفعه وينفع الناس، وإنما يعيش الإنسان فيها ليأكل ويشرب وينام ويستيقظ، ~~ثم لا يزيد على ذلك شيئا، ولا يأتي من الأعمال بما ينفع أو يفيد! # نستعير إذن هذا العنوان الخطير من الكاتب الإنكليزي العظيم لبحث متواضع يسير ضئيل ~~كحياتنا المتواضعة اليسيرة الضئيلة، وأول ما نلاحظه في هذا البحث الذي لا خطر له ولا ~~قيمة، والذي نرجو مع ذلك أن يقرأه الناس ولو نياما كما يقدمون على كل شيء في هذه الأيام ~~وهم نيام كالأيقاظ أو أيقاظ كالنيام، أن نفس الأمة المصرية مريضة منذ كان الاحتلال ~~البريطاني بمرض يفسد عليها حياتها كلها، ولن تستقل الحياة الخصبة المنتجة إلا إذا برئت من ~~هذا المرض، وهو الاشتغال بالوسائل عن الغايات، وبالظواهر عن الحقائق. تلاحظ آيات هذا المرض ~~في سيرتها كلها، سواء منها ما يتصل بحياتها العامة، وما يتصل بحياتها الخاصة، وسواء منها ما ~~يتصل بالجد الذي يقصد به إلى الإنتاج، وما يتصل بالترفيه الذي يقصد به إلى الراحة ~~والاستجمام! # فالمصري كما قدمت لا يأكل ليعيش، وإنما يعيش ليأكل، وهو كذلك لا يستريح لينتج، وإنما ~~ينتج ليستريح؛ إن أتيح له شيء من إنتاج. وهو لا يتعلم لينتفع بعلمه وينفع الناس، ولا يتخذ ~~المنصب وسيلة إلى هذا النفع؛ وإنما يتعلم ليجد المنصب، ويجد المنصب ليقبض المرتب آخر ~~الشهر، ويقبض المرتب ليعول أهله كما يستطيع أولا، ثم ليختلف إلى الأندية والقهوات بعد ذلك، ~~فيخوض من لغو الحديث ms59 وسخف القول فيما شاء الله أن يخوض فيه! ~~••• # وحياته العامة كحياته الخاصة، قد أصيبت بهذا العرض من أعراض المرض، فلزمها في كل ~~فروعها! وقد يكون مما يضحك ويسلي - إن كان في الشر ما يضحك ويسلي - أن تلاحظ أن ~~مصدر هذا المرض في حياتنا العامة خطأ يسير في الحكم والتقدير ... # فقد قامت النهضة المصرية الحديثة كلها على فكرة خطيرة خصبة؛ هي أن مصر قد اضطرت أيام ~~الترك العثمانيين إلى الركود والخمود، ومضت أوروبا في طريقها إلى الرقي حتى سادت ~~العالم وسيطرت عليه، ففكر زعماء النهضة منذ أول القرن الماضي في أن أول ما يجب على ~~مصر هو النشاط الذي يتيح لها أن تدرك أوروبا، وأن تأخذ بأسباب الحضارة كما أخذت بها، ~~وتسعى إلى الرقي كما سعت إليه، فكان التشبه بأوروبا في أول النهضة وفي أثنائها ~~أيام محمد علي وإسماعيل وسيلة لا غاية. لم يفكر محمد علي وأعوانه، ولم يفكر إسماعيل ~~ومشيروه في أن تكون مصر كأوروبا؛ لأن التشبه بأوروبا غاية من الغايات التي تقصد ~~لنفسها، وإنما فكر محمد علي وإسماعيل وأعوانهما ومشيروهما في أن أوروبا قد غيرت من ~~حياة القرون الوسطى، فأتيح لها رقي في النظم الاجتماعية والسياسية، كفل لشعوبها ~~حرية بعد استعباد، وعدلا بعد جور، واستعلاء في الأرض بعد أن كانت مستضعفة متهالكة، ~~فأراد محمد علي وإسماعيل وأعوانهما أن تسترد مصر حرية بعد استعباد، وعدلا بعد جور، ومساواة ~~بعد تفاوت، وعزة بعد ذلة. # ولكن هذه الوسيلة لم تلبث أن أصبحت غاية في نفوس كثير من المصريين، ثم في نفوس أكثر ~~المصريين، ثم في نفوس المصريين جميعا، إلا أفرادا قليلين يمكن أن يبلغهم الإحصاء! فليس ~~المهم الآن هو أن يتحقق في مصر مثلما تحقق في أوروبا من العدل الاجتماعي والسياسي، وإنما ~~المهم هو أن توجد في مصر النظم والأدوات التي اتخذتها أوروبا وسيلة إلى تحقيق العدل ~~السياسي والاجتماعي، سواء أكان لهذه النظم والأدوات من الإنتاج مثلما كان لها في أوروبا ~~أم لم يكن! # في أوروبا وزارات منظمة، فيجب أن تكون في ms60 مصر وزارات منظمة؛ لتصبح مصر كأوروبا، سواء ~~أعملت الوزارات المصرية كما تعمل الوزارات الأوربية، أم اكتفت بوجودها ليعرف ~~العالم أن مصر ليست أقل من أوروبا تقدما ولا رقيا. # وفي أوروبا دساتير مكتوبة تنظم ما للشعب من ~~حقوق، وما عليه من واجبات، فيجب أن يكون لمصر دستور مكتوب، ينظم ما للمصريين من حقوق ~~وما عليهم من واجبات. وليس ضروريا أن ينفذ الدستور في مصر على وجهه، ولا أن تحترم ~~الحريات التي يكفلها للناس، ولا أن تجري الحياة البرلمانية نقية من كل شائبة، ~~مبرأة من كل عيب، ولا أن يذهب الشعب إلى حيث ينتخب ممثليه حرا آمنا على ~~ضميره من أن يعبث به الترغيب أو الترهيب، ولا أن يؤدي النواب والشيوخ واجباتهم في ~~مراقبة الحكومة ومحاسبتها أحرارا آمنين على ضمائرهم ومصالحهم القريبة والبعيدة، ولا أن ~~تقف الوزارة أمام البرلمان موقف المسئول عن أعماله بالفعل، ولا أن يثق البرلمان ~~بالوزارة فتبقى، ويسخط عليها فتزول! ليس شيء من هذا كله ضروريا، وإنما الضروري الذي ~~لا يصح الإغضاء عنه ولا التقصير فيه هو أن يكون لمصر دستور مكتوب كما أن لكل بلد راق في ~~أوروبا دستورا مكتوبا! ~~••• # وقد يكون من الظريف أن تلاحظ أننا حين نتمدح بالدستور لا نتمدح بأنه يمتعنا بالحرية ~~والعدل والمساواة حقا، وإنما نتمدح بأنه كأحدث الدساتير الأوروبية، أمرنا في الدستور ~~كأمرنا في الأزياء وفي أزياء السيدات بنوع خاص، لا ينبغي أن يبعد بها العهد، وإنما ~~ينبغي أن تأتي من أشهر دور البدع في باريس، أو أن تكون صورة طبق الأصل لما تنتجه أشهر ~~دور البدع في باريس. # والأزياء التي تأتي من باريس تكلف الذين يشترونها ثمنا غاليا، فيجب أن يكلفنا ~~الدستور الذي هو كأحدث الدساتير الأوروبية ثمنا غاليا أيضا. ولست أذكر نفقات ~~الانتخاب ولا المكافآت البرلمانية، ولا المرتبات التي يتقاضاها الموظفون في البرلمان، ~~وإنما أذكر المرافق المهملة، والمنافع المضيعة، والأخلاق التي اشتمل عليها ~~الفساد! فهذه هي الأثمان التي يجب أن نؤديها ليكون لنا دستور مكتوب كأحدث الدساتير المكتوبة ~~في أوروبا. ولكل ms61 بلد من البلاد الراقية جيش منظم على أحدث طراز، فيجب أن يكون لنا جيش ~~منظم على أحدث طراز، ننفق عليه الملايين «المملينة» إن أجاز المجمع اللغوي هذا ~~التعبير! وليس ضروريا أن يكون هذا الجيش أو لا يكون قادرا على حماية مصر من المغيرين، ~~بل ليس هناك بأس من أن يحتفظ هذا الجيش بكبريائه، وتمتلئ قلوبنا نحن بالكبرياء؛ لأن لنا ~~جيشا منظما على أحسن طراز في نفس الوقت الذي يحتل فيه مصر جيش أجنبي منظم كذلك ~~على أحسن طراز ... ومن يدري؟ لعل هذه ميزة مصر، فليس في أرضها جيش واحد وإنما جيشان كلاهما ~~منظم على أحدث طراز! # وفي كل بلد من البلاد الراقية وزارة للتعليم، فيجب أن تكون لنا وزارة للتعليم، وقد تلاحظ ~~أن الجاهلين في مصر ما زالوا هم الكثرة الكثيرة، وأن المتعلمين ما زلوا هم القلة ~~القليلة. ولكن هذا كله ليس ذا خطر؛ فوزارة التعليم لا يراد منها إزالة الجهل ونشر ~~التعليم، كما أن وزارة الصحة لا يراد منها إزالة المرض ونشر الصحة، وكما أن وزارة الشئون ~~الاجتماعية لا يراد منها إزالة الشقاء وإشاعة الثراء، وإنما الذي يراد من هذه الوزارات ~~ومن غير هذه الوزارات كالذي يراد من الدستور ومن كل نظمنا الحديثة؛ هو أن توجد ~~لنستطيع أن نقول وقد رفعنا الرءوس وشمخنا بالأنوف ونظرنا إلى السماء وأبينا ~~أن ننظر إلى الأرض: «إن مصر بلد حديث، فيه كل النظم التي تستمتع بها البلاد الحديثة ~~الراقية!» # وويل لنا إن نظرنا إلى الأرض؛ فقد نرى على الأرض إن نظرنا إليها شعبا جاهلا ~~مريضا فقيرا، لا يوجد في أوروبا ولا في غير أوروبا من البلاد الراقية المتحضرة! فلننظر ~~إلى السماء، وإلى السماء وحدها، ولنكتف بالوسائل ولنتجنب الغايات! ~~••• # هذه هي العلة التي تفسد على مصر حياتها كلها في هذه الأيام ...! # فالذين يريدون الإصلاح ويلتمسون إليه الوسائل، والذين يختصمون في تعديل الدستور، والذين ~~يريدون تقويم الأداة الحكومية، والذين ينفخون في القرب المقطوعة، وينقشون على صفحات ~~النيل، ويريدون أن يقرءوا ما ينقشون، كل هؤلاء خليقون ms62 أن يراجعوا أنفسهم، وأن يفكروا في ~~أن لا سبيل إلى الإصلاح حتى يقر في نفوس المصريين عامة، وفي نفوس القادة والساسة خاصة ~~أن الاستقلال والدستور ونظم الحكم والوزارات والمصالح ... كل هذه وسائل لا تقصد لنفسها، ~~وإنما تتخذ أدوات لشيء آخر هو الذي يجب أن نفكر فيه ونحرص عليه؛ وهو سعادة ~~الشعب، أو على أقل تقدير: تخفيف ما يلقى الشعب من الشقاء! # أمن الممكن أن نقر في نفوس المصريين أن من الحق عليهم لأنفسهم ولتاريخهم ولمستقبل ~~وطنهم أن ينظروا إلى الوسائل على أنها وسائل لا على أنها غايات؟! # مسألة فيها نظر ...! # 1947 # | لبنان # تلقاني مشرق الوجه، باسم الثغر، سمح النفس، رقيق الشمائل، عذب الحديث، ولم يدع ~~لي فرصة تسمح بسؤاله أو الإدلاء إليه بما كنت أريد، وإنما مضى في التأهيل والتسهيل ~~والترحيب حتى أغرقني، وأغرق من كان معي من الرفاق في بحر من التحيات لا ساحل له. ~~وكانت الساعة ساعة الشاي، وإذا هو يضرب يدا بيد فيقبل الخدم من كل وجه، فيلقي ~~الأمر هنا وهناك، ويتلقى منه الأمر هذا الخادم أو ذاك، ثم يعود إلينا مضيفا تحية ~~إلى تحية، ومردفا ترحيبا بترحيب، كأنه كان لي صديقا حميما قد بعد العهد بينه ~~وبيني، فهو سعيد باللقاء المفاجئ بعد الفراق الطويل الأليم. # وأنا أسمع لهذا الحديث المتصل في ذهول، وأتلقى هذه التحيات المترادفة في وجوم، فلم ~~أكن لقيت هذا الرجل الكريم قط، ولم أكن سمعت به قبل ذلك اليوم قط، وإنما كنت ~~رجلا مصطافا قد أقبل بأهله يلتمس شيئا من الراحة والدعة واعتدال الجو في لبنان، بعد ~~أن أنهكه العمل، وأحرقه القيظ، وثقلت عليه الحياة في مصر. # وكانت الطريق إلى أوروبا مقطوعة؛ قطعتها الحرب، وكانت الحياة في الإسكندرية على ~~اعتدال جوها مضنية مشقية لا تعفي من عمل، ولا تريح من عناء، ولا ~~تتيح هذا التغيير الذي نحتاج إليه بعد أن نعمل عملا مضنيا ثقيلا مختلفا عاما ~~كاملا. فلم يكن بد من التماس الراحة في لبنان. # وقصدنا إلى لبنان حين تقدم فصل الصيف، وازدحمت ms63 الفنادق بالمصطافين حتى استعان ~~أصحابها أهل القرى، يضيفون عندهم من لا يجدون له مكانا في فنادقهم. وكنت قد ~~سمعت بهذا كله قبل أن أعبر الصحراء إلى فلسطين، واستوثقت من هذا كله حين ~~بلغت القدس وأقمت فيها أياما. ولكن مع ذلك مضيت إلى لبنان، فلم يكن بد من ~~المضي إليه، ومضيت إلى هذه القرية بعينها لكثرة ما حدثني الناس عنها، وإلى هذا ~~الفندق بعينه؛ لأنه كان أضخم فنادق القرية بناء، وأرحبها فناء، وأكثرها حجرات ~~وغرفات، وأجدرها أن يؤوي من يطرقه بعد أن تقدم الصيف. # فلا أكاد أبلغه حتى يلقاني صاحبه بهذا السيل المتدفق من التحية والتكريم، فيدهشني ~~ما ألقى من ذلك، وأثبت لهذا السيل ما وجدت إلى الثبات سبيلا، ثم أنتهز فرصة هدأ ~~فيها صاحبي شيئا من هدوء، كأنه أراد أن يتنفس ويبلع ريقه بعد أن أسرف في العدو، ~~فأسأله: أتظن أن في وسعك أن تسكننا في هذا الفندق؟ وكأنما مسست بهذا ~~السؤال محركا كهربائيا، فلا أكاد أفرغ من إلقائه حتى يندفع صاحبي في حديث آخر ~~عذب متصل كأنه السيل، فما حاجتي إلى الفندق ألتمس فيه الحجرات والغرفات، ولي في ~~القلوب ما شاء الله من المساكن، أتبوأ منها حيث أشاء، وأتنقل بينها كما يتنقل ~~الطائر الغرد على الأغصان في الحدائق والجنات. # قلت لصاحبي - وقد رضيت كل الرضى عن هذا الشعور، وأشفقت كل الإشفاق أن يكون سرابا ~~يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا، ووجد عنده الليل لا يدري أين يقضيه - ~~قلت لصاحبي: لقد شملتني بكرمك، وغمرتني بلطفك، وإني لسعيد بسكنى القلوب، ~~ولكنك ترى أن القلوب لا تغني عن الحجرات والغرفات شيئا، وأن الذين احتملوا مشقة السفر ~~منذ أشرقت الشمس إلى أن كادت تجنح إلى الغروب مصوبين ومصعدين تمخضهم ~~السيارة مخض القرب، أحوج إلى غرفة يتخففون فيها من عناء السفر، وإلى سرير ~~يلقون عليه ثقل التعب؛ منهم إلى قلوب يجدون فيها الحب والود والبر والحنان، فإذا ~~اجتمعت لهم سكنى القلوب وسكنى الغرفات كانوا أسعد الناس سعادة وأنعمهم ~~نعيما ... قال صاحبي ms64 - وقد أخذه ضحك عريض عميق: فأنتم إذن أسعد الناس سعادة ~~وأنعمهم نعيما ؛ لأنكم تسكنون القلوب دائما، وستسكنون الغرفات متى أصبتم شيئا من ~~أكواب الشاي هذه التي يسعى إليكم بها الخدم. # هنالك اطمأن قلبي، ورضيت نفسي، وعرفت أني لن أطوف في القرى، وأنا لن ننفق ~~الليل بالعراء، فأقبلت على ما قدم إلي من طعام وشراب مغتبطا مبتهجا، وأصبت ~~منهما ما شاء الله أن أصيب. # قال صاحب الفندق مبتسما في حديثه الشعري العذب: أيهما أحب إليك: أن تسمع صمت ~~الطبيعة؟ أم أن تسمع ضجيجها وعجيجها؟ قلت متضاحكا في شيء خفي من الوجل: فإن هذا ~~موضوع خطير خصب يحسن أن نرجئ الخوض فيه إلى الغد بعد أن أكون قد أخذت من الراحة ~~بنصيب. قال وقد أغرق في الضحك: هيهات يا سيدي؛ فإنك مضطر إلى أن تجيب على هذا ~~السؤال لأعرف أين أنزلك، وإلى أي نوع من غرفات هذا الفندق يجب أن آويك؛ فإن غرفاتنا ~~يطل بعضها على جهة البحر فلا يسمع الساكن فيها إلا صمت الطبيعة الهادئة المطمئنة، ~~يرى البحر من بعيد ينبسط أمامه إلى غير حد، ولكنه لا يسمع له هديرا ولا زئيرا، وإنما ~~ينعم بمنظره الرائع ونسيمه البليل العليل. وبعض غرفاتنا يطل على هذه الجنة المنبسطة ~~التي ترتفع أشجارها العتيقة في السماء، وفي هذه الجنة من صرير الجنادب ما يشق على السمع ~~أول الأمر، ولا يتيح للناس أن يسمع بعضهم حديث بعض إلا في شيء من الجهد والعناء، ~~فأين تريد أن تنزل؟ وأين تحب أن تقيم؟ أتؤثر صمت الطبيعة وهدوءها والإشراف على البحر ~~والجبل جميعا؟ أم تؤثر لغط الطبيعة وصخبها والإشراف على الزهر والشجر؟ قلت: فإني ~~متعب مكدود من اللغط والصخب، فالراحة أحب إلي، والهدوء آثر عندي. # قال: لا بأس، ومع ذلك فينبغي أن تزوروا الغرفات الصامتة والغرفات الصاخبة، وأن تختاروا ~~بعد التجربة والممارسة. قلت: ذاك إليك، وهؤلاء رفاقي طوف بهم في الغرفات والحجرات كما ~~تشاء، وأنا راض بما يختارون. # ومضى ومضى معه الرفاق، فغابوا عني ساعة وجدت فيها شيئا غير ms65 قليل من الراحة، وفكرت ~~في أثنائها تفكيرا يمازجه الإشفاق والرضى في صاحب هذا الفندق الذي يحب الحديث ولا ~~يكاد يتحدث إلا شعرا، ولكن لم ألبث أن وجدت الطمأنينة، فهذا الرجل مشغول بفندقه ~~وضيفه، ولن يفرغ لي من دون هؤلاء الضيف الذين يزدحم بهم الفندق والذين لا تنقضي حاجتهم، ~~والذين لا يجدون ما يعملون، فهم في حاجة إلى أن يقولوا ويسمعوا. ثم أقبل علي ومعه ~~الرفاق ينبئونني بأنني سآوي إلى غرفة صامتة إذا كان الليل، وإذا احتجت إلى الراحة ~~أثناء النهار، وسأنفق أكثر النهار في جنة الفندق، أتبوأ منها حيث أشاء؛ فهي واسعة فسيحة ~~ظليلة مختلفة، فيها الأماكن التي تجمع من سكان الفندق والقرية طلاب الحديث واللعب ~~والمنادمة، وفيها الأماكن التي يأوي إليها محبو العزلة والراغب أن يفرغ لنفسه أو ~~لكتابه، أو لما أحب من عمل، وفيها أماكن الرياضة للاعب التنس وغير التنس من هذه ~~الألعاب التي يحبها الشباب وكثير من الشيوخ. # وهم أن يمضي في تفصيل جنته إلى أبعد من هذا، لولا أني نهضت وقطعت حديثه ~~قائلا: الخيرة إذن فيما اخترتم، فلنمض إلى غرفاتنا الصامتة لنتخفف من أثقال ~~السفر، ولنتهيأ لساعة العشاء. # وأنفقت في هذا الفندق شهرا وبعض شهر، ناعما بالراحة المريحة والهدوء الذي يملأ ~~القلب رضى، والنفس مرحا، والعقل نشاطا، عاكفا على القراءة والإملاء، فإذا ضقت ~~بالقراءة والإملاء أخذت في الحديث مع الرفاق والزائرين، فإذا رغبت في شيء من الشعر ~~الحي دعوت صاحب الفندق إلى مكان صامت، وتركته يتحدث إلي بما شاء من ألوان ~~الحديث، وإذا هو يحدثني في شئون لبنان على اختلافها، وينشدني في هذه الشئون شعرا ~~عذبا طلي اللفظ والمعنى جميعا، في لهجة لبنانية. وربما أعجبتني المقطوعة من هذا ~~الشعر فأستعيدها، وأومئ إلى صاحبي فيكتبها؛ لأحملها معي إلى مصر، ولأعود إليها من حين إلى ~~حين. # وكنت أظن أول الأمر أن صاحب الفندق هذا شخص نادر في كرمه وشعره وروايته ~~وحبه للحديث؛ ولكني لم أكد أعرف اللبنانيين وأتحدث إليهم وأسمع منهم على ~~اختلاف طبقاتهم ومنازلهم، حتى استيقنت أن ms66 الكرم فيهم خلق قد فطروا عليه، وأن ~~الشعر غريزة قد أتيحت لكثيرين منهم، بعضهم يستغلها فيحسن الشعر في لهجته ~~اللبنانية، أو في اللهجة الفصحى، وبعضهم لا يكاد يحفل بها فتشيع في حياته، وإذا هو شاعر ~~على غير إرادة منه في حس مرهف، وذوق مترف، وطبيعة مصفاة، وما أظن أحدا يجادلني في ~~أن اللبناني هو أشد الشرقيين حبا للطبيعة وكلفا بها، وتذوقا لمحاسنها، وقدرة ~~على تصويرها. # قل: إن سحر لبنان هو مصدر هذا المزاج الخاص، أو علل هذا المزاج بما شئت، ولكن ~~امتياز اللبناني في دقة الحس ورقة الشعور وترف الذوق شيء ليس فيه شك. # تلمس ذلك حين تلقى الرجل الساذج من أهل لبنان في داره اليسيرة الساذجة، فلا تحس ~~فقرا ولا حاجة، ولا ضيقا ولا إملاقا، وإنما تحس تأنقا وعناية، ولا تشك في أن ~~الذوق قد عمل في ترتيب هذه الدار وتنسيقها، حتى أصبحت تصور الرضى والأمن والدعة ~~والاطمئنان إلى العيش والابتسام للحياة. # وإن أنس فلن أنسى يوما أزمعنا فيه أن نتروض في لبنان، فلم نكد ~~نرفع أيدينا من طعام الغداء حتى انحدرت بنا السيارة إلى بيروت، ثم صعدت بنا إلى ~~عاليه، ثم مضت مصعدة ومصوبة، ونحن نقفها هنا وهناك، ونيامن بها مرة ونياسر ~~بها مرة أخرى، حتى إذا أقبل الأصيل كنا قد بلغنا شتورة، وقد أخذ منا الجوع ~~والظمأ لكثرة ما صعدنا وما صوبنا، ويامنا وياسرنا في هذا الهواء البارد الذي كان ~~يذكرنا بقول المتنبي: # وشعاب لبنان وكيف بقطعها # وهو الشتاء وصيفهن شتاء # فلما بلغنا شتورة مجهودين مكدودين جياعا ظماء؛ أسرعنا إلى فندقها الأصيل، ~~فيتلقانا صاحبه بما تعود اللبنانيون أن يتلقوا به الضيف من التأهيل والتسهيل ~~والترحيب، ويسعى بنا إلى غرفة الطعام، وهناك يقدم إلينا ما شاء الله من طعام مختلفة ~~ألوانه، وفاكهة مختلفة فنونها، وشاي لم أشرب مثله قط جودة نوع ودقة صنع. ~~وكان معي صبية جياع ظماء، خلي بينهم وبين الطعام والشراب، فأرسلوا أنفسهم على ~~سجيتها، واندفعوا يأكلون ويشربون لا يلوون على شيء، وأنا أحضهم وأشجعهم، ~~وأمهم ms67 توصيهم بالرفق والأناة وتحثهم على القصد والاعتدال، وهم يسمعون لي أكثر ~~مما يسمعون لأمهم، يغريهم بذلك جودة ما بين أيديهم، وصاحب الفندق يذهب ويجيء، يلقي ~~الأمر هنا وهناك، ويحتفي بهؤلاء المندفعين في الطعام والشراب. # حتى إذا أصبنا من هذا كله حاجتنا وفوق حاجتنا وهممنا أن ننصرف، وطلب ~~صاحبي الحساب إلى أحد الخدم؛ قال الخادم مبتسما: هيهات! لا حساب، إنما أنتم ضيف ~~صاحب الفندق. ونحن نلح ونلح، والخدم يلحون في الإباء، حتى اضطررت إلى أن ~~أسعى إلى صاحب الفندق خجلا مستخذيا لكثرة ما أسرفنا على أنفسنا وعلى ~~مضيفنا، كنا نظن أننا سائحون نشتري حاجتنا من أحد الفنادق، ولا نستشير في ذلك إلا ~~طاقتنا على الأكل والشرب، وقدرتنا على أداء الثمن؛ فإذا نحن ضيف قد أسرفنا ~~على من ضيفنا، فأنا حائر بين الشكر والاعتذار، وصاحب الفندق مندفع في تحيته ~~واغتباطه بأنا قد مررنا به، ونزلنا عليه، وأصبنا من طعامه وشرابه، ولولا ~~امتناعنا وإلحاحنا في الامتناع لما صدرنا عنه وأيدينا فارغة من بعض ما كان عنده من ~~الطيبات. # كذلك أنفقت تلك الإجازة في لبنان، فأي غرابة في أن أعود إلى لبنان كلما أتيحت ~~لي العودة إليه؟ حياة ناعمة باسمة، وقوم كرام في غير جهد ولا تكلف، وجو معتدل يعفيك من ~~القيظ، ولا يعرضك لما تتعرض له إذا عبرت البحر إلى أوروبا من المطر ~~المنهمر، والسماء المظلمة، والجو العابس بين حين وحين. # وأشهد، ما تركت لبنان قط إلا تردد في نفسي، وربما تردد على لساني هذان ~~البيتان: # قفا ودعا نجدا ومن حل بالحمى # وقل لنجد عندنا أن يودعا # بنفسي تلك الأرض ما أطيب الربى # وما أحسن المصطاف والمتربعا # 1949 # | الصيف # فصل الكلال والملال والكسل، والعجز عن كل نشاط وعمل. # كذلك قال صاحبي حين سألته عن رأيه في الصيف، وصاحبي هذا رجل لا يبغض شيئا كما ~~يبغض الكسل، ولا يحب شيئا كما يحب النشاط والإنتاج؛ فهو يغدو على عمله، فينتج فيه ~~ما شاء الله أن ينتج، ويروح إلى كتابه وأوراقه، فيقرأ ويكتب، وينفع الناس بما ms68 ~~يقرأ ويكتب. # وأحب الفصول إليه فصل الشتاء؛ لأنه لا يجد في هذا الفصل ثقل الجسم ولا ضيق النفس، ولا ~~يحس فيه سأما من عمل، أو مللا من قراءة، وهو لا يكره الخريف؛ لأنه يتيح له ~~من العمل والإنتاج ما يحب، والخريف عنده قطعة من الصيف المنتهي، وقطعة من الشتاء ~~المبتدئ. فهو بريء مما يبغض الصيف إلى الناس؛ تنكسر فيه حدة القيظ، ويستشعر ~~الناس فيه شيئا من روح؛ لأنهم يحسون كأنهم يخرجون من النار ويسعون إلى دار ~~النعيم، في طريق تودعهم فيه لفحات من الحر فاترة، وتستقبلهم فيها نفحات من البرد ~~معجبة. # فإذا سألت صاحبي هذا عن الربيع هز رأسه ورفع كتفه وأرسل ضحكة ضئيلة فاترة ~~فيها كثير من السخر والاستهزاء؛ فليس في مصر عنده ربيع، وإنما فيها عنده مغالطة ~~بالربيع. سماء لا تكاد تبتسم حتى يغشاها العبوس، ونسيم لا يكاد يرق حتى يغلظ ويفسده ~~ما يثور من التراب أو من الغبار على أقل تقدير، وزهر لا يكاد يكتسي النضرة والبهجة ~~حتى يشيع فيه الذواء والذبول. وهو يرى أن الربيع عندنا مصدر من مصادر الحزن والابتئاس؛ ~~لأنه لا يكاد يطمع حتى يوئس، ولا يكاد يدفع إلى النشاط حتى يضطر إلى الهمود ~~والجمود، ويورط في الخمود والركود. وصاحبي يؤثر الصراحة على الرياء، والإخلاص على ~~النفاق، وهو يرى في الصيف والشتاء صراحة وإخلاصا، ويرى في الربيع والخريف بمصر رياء ~~ونفاقا. # وهو يحتمل رياء الخريف؛ لأنه رقيق، ويضيق برياء الربيع؛ لأنه صفيق، وهو يستحب إخلاص ~~الشتاء؛ لأنه خفيف، وينفر من إخلاص الصيف؛ لأنه ثقيل. وهو كذلك يقضي في فصول السنة على ~~هوى نفسه وجسمه، وعلى ما يلائم طبعه ومزاجه، لا يغير من أحكامه شيئا على كثرة ما ~~تتغير الأعوام وتختلف الفصول. ذلك لأنه لا يكاد يحس تغير الأعوام، لأنه ماض في ~~عمله ونشاطه ما وسعه المضي فيهما، لا يصرفه عنهما صارف، ولا يرده عنهما راد ~~من هذه الأشياء التي تصرفنا نحن عن العمل وتردنا عن النشاط، فهو منقطع؛ لا يزور ~~ولا يكاد يزار، وهو ms69 متخفف من أعباء الحياة الاجتماعية، لا يحتمل منها إلا أيسرها ~~وأقلها كلفة. وهو يرضى أن يصفه الناس بالنفور والفتور والغرور والكبرياء، ويؤثر ~~لذة العمل والإنتاج على لذة اللقاء والحديث، وعلى كل هذا اللغو الذي يعيش فيه الناس. # ولعله لو خلي بينه وبين نفسه لنسي التاريخ ولم يذكر من عدد السنين والحساب ~~شيئا. هو كذلك لا يحس تغير الأعوام، ولكنه يحس اختلاف الفصول حسا قويا، ~~وهو من أجل هذا لا يكاد يحدثك إن لقيته إلا عن الحر والبرد، واعتدال الجو ~~واكفهراره واغبراره، وعن أثر هذا كله في حسن استعداده للقراءة والكتابة والعمل. وصاحبي ~~لا يحب الرحلة، ولا يميل إلى الأسفار، وأبغض شيء إليه أن يضطر إلى الانتقال من مدينة إلى ~~مدينة داخل مصر، فأما العالم الخارجي فهو يعرفه سماعا لا عيانا، ولعله يعرف منه ~~بالسماع أكثر مما نعرف نحن بالعيان. يأتيه ذلك من كثرة القراءة ومن حسن التعمق لما ~~يقرأ، وجودة الاستقصاء لما يعنيه بين الأشياء الكثيرة التي يقرأها. وقد هممت غير مرة ~~أن أحبب إليه الرحلة والانتقال من جو إلى جو، فلم أبلغ منه شيئا، وقد زينت له ~~أمر الصيف في ربوع لبنان وفي أقطار فرنسا وإيطاليا؛ فأظهر الحب لهذا الصيف اللبناني ~~والأوروبي، وود لو يصطاف هنا أو هناك، ولكنه أبغض القطار والسفينة والطائرة وعناء ~~السفر ومنغصات الانتقال، فآثر العافية واختار البقاء حيث هو، لا يتحول ولا ~~يريم. # هذا رأي صاحبي في الصيف والشتاء، والربيع والخريف، وهو رأي ذاتي كما ترى فيما يقول ~~الكتاب المعاصرون، لا يصدر فيه إلا عن هوى نفسه، وراحة جسمه، وما يلائم مزاجه من الظروف. ~~وأكبر الظن أن آراءنا جميعا في فصول السنة ذاتية؛ نصدر فيها عن أهواء أنفسنا، وما يلائم ~~طبائعنا وأمزجتنا، ونترك حقائقها للعلماء يبدئون فيها ويعيدون، ويعلمون ويتعلمون، ~~لا يعنينا من علمهم، أو لا يكاد يعنينا من علمهم إلا أهونه شأنا وأيسره ~~خطرا؛ فالفصول بالقياس إلينا، هي: الأوقات التي نجد فيها الراحة والروح فنرضى، أو نجد ~~فيها العناء والجهد فنسخط، أو نتردد فيها ms70 بين ذلك، فنسعد حينا، ونشقى حينا. # وأعترف بأن الصيف هو أبغض فصول السنة إلي إذا أقمت في مصر، وهو آثرها عندي، ~~وأكرمها علي إذا عبرت البحر أو الصحراء، فرقيت الجبل في أوروبا أو في لبنان، ذلك ~~أني لا أطيق القيظ إلا في جهد جهيد، وعناء شديد، ومشقة شاقة. تضيق به نفسي، ويغلق له ~~قلبي، ويعقد له لساني، ويضطر له عقلي إلى جمود منكر لا أمل معه في تفكير أو ~~شيء يشبه التفكير، ويسوء له خلقي، أو قل: يزداد له خلقي سوءا؛ فأصبح ثقيل العشرة، بغيض ~~الصحبة، رديء المخالطة، لا أطمئن إلى أحد، ولا يطمئن إلي أحد. وإذا اضطررت إلى ~~البقاء في مصر أثناء الصيف؛ فزعت إلى القراءة أعتصم بها من سوء الخلق، وأحتمي بها ~~من لقاء الناس، ولكنها قراءة تمر بالذهن دون أن تترك فيه أثرا، كأنها تمر بشيء ~~أملس صلد لا يستبقي مما يمر به شيئا. # وإذا اضطررت إلى البقاء في مصر أثناء الصيف، وحيل بيني وبين القراءة - ولا بد من ~~وقت يحال فيه بيني وبين القراءة، حين يتعب الذين يقرءون لي، سواء تعبت أنا أم ~~لم أتعب - هممت بالفزع إلى النوم، ولكن النوم لا ينفر مني في فصل من فصول السنة ~~كما ينفر مني في فصل الصيف، وله في الصيف نفور بغيض أشبه شيء بالمزاح الثقيل؛ فهو ~~يدعوني مغريا، ويتملقني محببا، حتى إذا أظهرت الاستجابة له ولى مدبرا، ~~وكاد يسمعني ضحكا ساخرا عريضا، فإذا استيأست منه وأعرضت عنه أقبل مترضيا، ~~وجعل يدور حولي من جميع أقطاري، يريد أن يأخذني من هنا وهناك، والغريب أني أنخدع له ~~دائما، وأنه يعرف مني هذا الانخداع؛ فيقبل ويدبر، ويدنو وينأى، ويبسم ويعبس، لا ~~يخلصني منه إلا أن يستريح الذين يقرءون لي. فإذا أقبلت على الكتاب فر النوم فرارا ~~لا رجعة منه، كأنما الكتاب وقاء من النوم أي وقاء. ومن الناس قوم يقرءون ليناموا، ~~ولكني لم أعرف قط كيف يكون الكتاب داعيا للنوم؟! # وإذا اضطررت إلى البقاء في مصر أثناء الصيف لم أكره ms71 شيئا كما أكره الخروج إلى حيث ~~يستنشق الهواء الطلق ويتبرد من شدة القيظ ؛ ذلك لأني واثق بأن الأماكن التي ~~يغشاها طلاب الهواء الطلق مزدحمة دائما، ولست آمن أن ألقى فيها من أحب ومن ~~لا أحب، فأخشى أن أسوء هذا أو ذاك بما يلزمني أثناء الصيف من سوء العشرة وثقل ~~المخالطة. فالصيف بغيض إلي في مصر؛ لأنه يبغض إلي كل شيء، ويبغضني إلى نفسي، ~~فإذا عبرت البحر إلى أوروبا، أو نفذت من الصحراء إلى لبنان. # فالصيف أحب فصول العام إلي، وآثرها عندي، وأخفها على نفسي ظلا؛ لأن قمم الجبال ~~تضفيني من القيظ، فتردني إلى نفسي وترد نفسي إلي، وأنا مقبل على القراءة في نهم لا ~~أعرف له نظيرا في الفصول الأخرى. وإذا القراءة خصبة أي خصب، لا أكاد أقرأ الجملة أو الفصل ~~حتى تتفتح لي أبواب من التفكير والحس والشعور، وإذا أنا في حاجة إلى أن أتحدث حتى ~~أشق على أصحابي، وإذا أنا في حاجة إلى أن أملي حتى أشق على الذين يكتبون عني؛ والصيف ~~يفتح لي خارج مصر فنونا من التجارب: يدعوني إلى المشي حتى أتعب وأتعب من معي، ~~ويغريني بالانتقال من مكان إلى مكان، ومن مصطاف إلى مصطاف، ويحبب إلي شهود ~~التمثيل والاستماع للغناء والموسيقى، ولست أبغض في مصر شيئا كما أبغض الخروج من ~~داري والاختلاف إلى الأندية والجلوس في القهوات. ولست أحب خارج مصر شيئا كما أحب ~~الخروج من الفندق وشرب القهوة هنا أو هناك. ~~••• # فالصيف عندي إذا خرجت من مصر فصل الحياة الكاملة الحافلة المليئة، حياة العقل وحياة ~~الحس وحياة الشعور، والصيف عندي إذا أقمت في مصر فصل الحياة الراكدة الخامدة التي لا ~~تغني عني ولا عن الناس شيئا. ولست أعرف عاما خرجت فيه من مصر أثناء الصيف ~~وعدت فيه إلى مصر فارغ اليدين؛ وإنما أنا أخرج من مصر فلا أكاد أستقر هنا أو هناك حتى ~~يفتح الله علي بكتاب أمليه، أو بكتاب أعده في نفسي لأمليه إذا رجعت، ذلك ~~إلا أن تحول الخطوب الثقال بيني وبين ms72 ما تعودت. والذين ينظرون فيما نشرت من ~~الكتب يجدون أكثرها قد أرخ من قمة جبل أو مدينة في السهل الأوروبي. # أكثر كتبي بدئ أو أتم في جبال الألب، أو في لبنان، وأقلها بدئ وأتم في ~~القاهرة. ولو استطعت لتمنيت أن تكون الحياة كلها صيفا، وأن أقضيها مطوفا ~~في أقطار الأرض، وأن ألم بمصر بين حين وحين لألقى الأصدقاء والأخلاء، وأدفع ~~إلى الناشر هذا الكتاب وذاك، وأكلف من الأصدقاء من يقوم على تصحيحه حتى تتم إذاعته ~~في الناس. ولكن هيهات أن تكون الحياة كلها صيفا، وهيهات أن أنفقها كلها متنقلا ~~بين الجبال والربى والسهول، إنما الحياة شتاء وربيع، وعلينا أن ننفقهما حيث ~~يجتمع المجمع اللغوي والمجمع العلمي المصري، وحيث يلتقي الناس ليقول بعضهم لبعض ~~ويسمع بعضهم من بعض، دون أن ينتفع أحد بما يسمع أو يقال، وحيث نلقي المحاضرات أو ~~نستمع للمحاضرات، فلا نكاد نفيد ولا نكاد نستفيد. ثم صيف وخريف نفر فيهما من ~~أنفسنا إلى أنفسنا، ومن أنفسنا الفارغة إلى أنفسنا العاملة، ومن حياتنا التي تقوم على اللغو ~~والعبث إلى حياتنا التي تقوم على الجد والنشاط. ~~••• # قلت هذا كله لصاحبي، فابتسم في سخرية، وقال في فتور: أقم ما طابت لك الإقامة، ~~وارحل ما طاب لك الرحيل، فأنت رجل بدوي تكره على الحضارة إكراها، وأنا رجل ~~حضري لا أحب النقلة ولا الارتحال. وكل ميسر لما خلق له، فأحبب صيفك، ودعني ~~أبغض صيفي، فلن تغيرني، ولن أغيرك. # 1948 # | دين # لا خيل عندك تهديها ولا مال # فليسعد النطق إن لم تسعد الحال # كذلك قال أبو الطيب حين أهدى إليه فاتك ما أهدى إليه من المعروف، فلم يكافئه ~~إلا بالحمد والثناء. # وكذلك هممت أن أقول حين أهدى إلي لبنان ما أهدى من المعروف، ولكن لم ألبث أن ~~تبينت أن بين أبي الطيب وبيني فرق ما بين الشاعر والكاتب، أحدهما يقول فتحفظ الكتب ~~وتروي الأيام. والآخر يملي فيقرأ الناس ثم ينسون، وتسمع الأيام ثم تنسى، ويظل ما ~~أملى دفينا في الصحف والأسفار كأن أحدا لم ms73 يمله، وكأن أحدا لم يقرأه، وكأن أحدا ~~لم يلتفت إليه. ومع ذلك فالمعروف الذي أهداه إلي لبنان أبقى بقاء، وأعظم نماء، ~~وأبعد أثرا، وأرفع ذكرا من ذلك الذي أهداه فاتك إلى أبي الطيب. # فقد أهدى فاتك إلى أبي الطيب دنانير سرته حين تلقاها، ثم اختلطت بما كان عنده من ~~مال، وذهبت فيما ذهب من ماله أثناء حياته أو بعد وفاته. وأهدى إلي لبنان معروفا ~~يتصل بالعقل والقلب جميعا، ضن به علي قوم هم أقرب إلي قرابة من لبنان، وهم ~~أكثر منه حصى، وأوسع منه يدا، وأبعد منه قدرة، وأطول منه باعا، حتى تمثلت - ~~حين انصرف عني مستشار المفوضية اللبنانية بعد أن دعاني باسم حكومته إلى بيروت لألقي ~~فيها محاضرة أثناء شهر «الأونسكو» - قول الحطيئة: # سيري أمامة إن الأكرمين أبا # والأكثرين حصى من آل شماس # نعم، لم ترد الحكومة المصرية أو لم يخطر لها أني أستطيع أن أمثلها بين من ~~مثلها في مؤتمر الأونسكو، وهي تعلم حق العلم أن بين الأونسكو وبيني صلات متصلة ~~وأواصر متينة، وأني كنت من خبرائها مرتين في أقل من نصف عام، وأني مثلت مصر في ~~مجلس التعاون الفكري الذي كان يقوم مقام الأونسكو قبل الحرب العالمية الثانية، أنشأته ~~عصبة الأمم القديمة، كما أنشأت الأونسكو عصبة الأمم الحديثة. # فكنت خليقا أن أشهد باسم مصر مؤتمر الأونسكو في بيروت، ولكن الحكومة المصرية أبت ~~إلا أن تصانع السياسة في أمر لا ينبغي أن تصانع فيه السياسة. وأصبح ذات يوم، ~~فإذا مستشار المفوضية اللبنانية في مصر يطلب إلي موعدا، فإذا تفضل بزيارتي ~~أبلغني أن حكومته تدعوني إلى بيروت؛ لأحاضر أثناء شهر الأونسكو في: «أثر الحضارة ~~العربية في الحضارة الأوروبية». # فأقبل الدعوة شاكرا بعد قليل من التردد في أعماق الضمير، فقد كنت أود لو ~~زرت مؤتمر الأونسكو وحاضرت فيه موفدا من الوطن العزيز، ولكن الوطن العزيز لم ~~يرد، أو لم يستطع، أو لم يخطر له الأمر على بال. # فأسافر إلى بيروت، ولا أكاد أصعد إلى السفينة حتى أرى قنصل لبنان في ms74 الإسكندرية يبلغني ~~تحية الوزير وأمانيه، فأتمثل بيت الحطيئة الذي رويته آنفا. # ولا تكاد السفينة تصل إلى بيروت، حتى أرى مندوبا من وزارة الخارجية اللبنانية ~~أقبل يتلقاني باسم الوزير، ويهدي إلي تحيته، فأهبط من السفينة، وأنا ~~أتمثل بيت الحطيئة الذي رويته آنفا. # وهذه السيارة تقلني وتقل من معي إلى أفخم فنادق بيروت، فننزل فيه أحسن منزل ~~وأكرمه، ونلقى فيه خير ما يلقى الضيف من مضيفه من قرى لا يرضي الحياة ~~المادية وحدها، وإنما يرضي حياة العقل والقلب والذوق والشعور. # ثم لا أكاد أستقر في الفندق حتى تتصل الزيارات، كلها كريمة وكلها حفية، وإذا ~~أنا أجد نفسي في بيئة أخص ما توصف به أنها تعرف كيف تبذل الحب، وكيف تهدي العطف، ~~وكيف تكرم الضيف، وكيف تأسو القلب المكلوم. # كرامة أصبح بها قبل أن يرتفع الضحى، وكرامة أمسي بها قبل أن يقبل الليل، وتلطف ~~أغمر به بين ذلك. # ويأتي موعد المحاضرة الموعودة، فسل ما شئت عن رفق الحكومة وظرفها ورقتها، ~~وعن كريم عنايتها وحسن رعايتها، وسل ما شئت عن تهافت الناس على البطاقات واستباقهم ~~إلى الأماكن، وازدحامهم في القاعة ومن حولها، حتى أمسى المستمعون لا يحصون ~~بالمئات، وإنما يحصون بالألوف. ليس في ذلك تكثر ولا تمدح ولا غلو، وإنما هو الحق ~~الواقع الذي نطقت به الألسنة كلها، والصحف كلها، فتصور عطفا يصدر عن هذه ~~الجموع، وتحية تصدر عن هذه القلوب، وتصور جوا عشت فيه اثني عشر يوما لم أجد فيه ~~إلا مودة ومحبة وتلطفا وإيناسا. # والقارئ يعرف أني لم أتحدث قط عن نفسي بهذه اللهجة التي أتحدث بها اليوم، وأني ~~لم أعرف قط أني أستحق أن أشغل نفسي أو أشغل الناس بنفسي على هذا النحو، ولكني مع ~~ذلك أتبسط في هذا الحديث كما ترى، لا أتحفظ ولا أتحرج؛ لأني أحب أن تعرف مصر ~~كيف تلقى لبنان رجلا من أبنائها، وكيف أكرمه، وكيف أنزله أحسن منزل، ~~وتقبله أجمل قبول. فليس غريبا أن ينوء بي هذا المعروف، وأن يعجزني حمل هذا ~~الجميل، وأن أعرض ما ms75 أعرض من أمره على المواطنين ليحملوا معي هذا العبء، وليعرفوا ~~معي للبنان هذا الجميل . # فلبنان لم يكرمني لنفسي فحسب؛ وإنما أكرمني؛ لأني مصري، فتحيته موجهة إلى مصر، وجميله ~~مطوق لعنق مصر، فمن حق مصر أن تعرف هذا الجميل، وتقدر هذه العارفة، وتعين ~~ابنا من أبنائها على احتمال هذا الدين الذي لا سبيل إلى أدائه. # ولا أفرغ من المحاضرة الفرنسية التي تحدثت فيها إلى اللبنانيين وضيفهم من ~~الأجانب، حتى تطلب إلي محاضرة عربية أتحدث فيها إلى اللبنانيين وضيفهم من ~~العرب، وإذا حفاوة بهذه المحاضرة العربية تشبه الحفاوة بتلك المحاضرة الفرنسية ... وأريد ~~أن أعود إلى مصر، فلا أبلغ ما أريد إلا بعد الجهد كل الجهد، والمشقة كل المشقة، ويأبى ~~وزير الخارجية والتربية الوطنية إلا أن يختصني بمأدبة يفيض علي فيها من كرمه ~~ووده ما عجزت بأدق معاني كلمة العجز عن شكره، ثم أغدو إلى الطائرة؛ فإذا ~~مندوبه في المطار يودعني ومعه هذه الزهرات التي لا تزال تبتسم في داري إلى الآن، قد ~~صحبنا أرجها في الطائرة، وما زال هذا الأرج ينشر من حولي مودة وحبا وإيناسا، ~~ويردد في الدار قول الشاعر العربي القديم: # ونكرم ضيفنا ما حل فينا # ونتبعه الكرامة حيث كانا # فهل ينكر القارئ المصري الذي ورث عن قديمه حسن الشكر وحسن الاعتراف بالجميل؟ ~~... # هل ينكر القارئ المصري علي أن أتمثل بشعر الحطيئة مرة أخرى حيث يقول: # وإن التي نكبتها عن معاشر # غضاب علي إن صددت كما صدوا # أتت آل شماس بن لأي وإنما # أتاهم بها الأحلام والحسب العد # فإن الشقي من تعادي صدورهم # وذو الجد من لانوا إليه ومن ودوا # يسوسون أحلاما بعيدا أناتها # وإن غضبوا جاء الحفيظة والجد # أقلوا عليهم لا أبا لأبيكم # من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا # أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنى # وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا # وإن كانت النعمى عليهم جزوا بها # وإن أنعموا لا كدروها ولا كدوا # وإن قال مولاهم على جل حادث # من الدهر ردوا بعض أحلامكم ردوا # وقد لامني أفناء ms76 سعد عليهم # وما قلت إلا بالذي علمت سعد # أما بعد، فإني أفزع إلى المصريين ؛ لأشهد على أن أخاهم قد لقي من كرم لبنان ~~وعطفه ما يعجز عن أداء حقه، ويستعينهم على أداء هذا الحق، وما أرى إلا أنهم ~~سيفعلون. # وأما بعد، فإن من حقي أن أشكو وزير المعارف المصري إلى نفسه، وإلى رئيسه، وإلى وطنه؛ ~~فقد كنت أحب أن تكون الثقافة بمنأى عن السياسة، وأن يذكر وزراؤنا دائما قول من ~~قال: # إذا أنت تابعت الهوى قادك الهوى # إلى بعض ما فيه عليك مقال # 1948 # | شياطين الإنس ... والجن # تستطيع أن تضحك إن كان مزاجك يغريك بالضحك، وتستطيع أن تبكي إن كان مزاجك يدفعك إلى ~~البكاء، وتستطيع أن تتوسط بين ذلك إن كنت رجلا معتدل المزاج. ولكن الشيء الذي ليس ~~فيه شك، ولا ينبغي لك أن تضعه موضع البحث والجدال؛ هو أن حياة الناس كرة يتقاذفها ~~نوعان من اللاعبين في أكثر الأحيان! # فأما أحد النوعين: فهم شياطين الجن الذين لا نراهم ولا نحسهم، وإنما نرى آثارهم ~~ونحسها، وهم يستخفون بأعمالهم فيلقون الغرور في القلوب، ويشيعون الكبرياء في ~~النفوس، ويملئون الضمائر صلفا وتيها ... وأما النوع الآخر من اللاعبين: فهم شياطين ~~الإنس الذين نستطيع أن نراهم، ونحس أعمالهم وآثارهم وإن تكلفوا التستر ~~والاستخفاء، وهم يستغلون ما يلقى في القلوب من الغرور، وما يشاع في النفوس من الكبرياء، ~~وما تفعم به الضمائر من الصلف والتيه ... أولئك يدبرون ويقدرون، وهؤلاء يعلمون ~~وينفذون، والناس بين أولئك وهؤلاء كرات لا تستقر إلا لتنتقل، ولا تثبت إلا ~~لتزول ... وعلى غير هذا النحو من التفسير يعسر جدا أن تفهم أعمال الناس، وما يجني بعضهم ~~على بعض من الشر، وما يدبر بعضهم لبعض من الكيد، وما يهدي بعضهم إلى بعض من النكر ~~والمكروه. ~~••• # يقبل شيطان الجن على «فلان» في خلوة من خلواته، فيلقي في قلبه أنه أنفذ الناس ذكاء، ~~وأصدقهم فطنة، وأبعدهم نظرا، وأدقهم فهما، وأصدقهم حكما، وأحدهم شعورا، وأرهفهم ~~حسا، وأصفاهم ذوقا، وأفصحهم لسانا، وهو إذن أجدرهم أن ترتفع به ms77 المكانة، ~~وترقى به المنزلة، ويقصر عليه الامتياز! وما يزال به يقلب على هذا الغرور قلبه ~~ظهرا لبطن، وبطنا لظهر، حتى يستقر ذلك في ضميره استقرارا، وإذا هو يؤمن ~~بامتيازه ذاك كما يؤمن بطلوع الشمس حين تطلع، وغروبها حين يجنها الليل، بل كما يؤمن ~~بأنه إنسان موجود يحس نفسه ويحس غيره، ويحس ما بينه وبين غيره من الصلات. فهو ~~إذن قد أعد إعدادا حسنا لتتلقاه شياطين الإنس فتفعل به الأفاعيل، وهو لا يكاد ~~يخرج من خلوته ويلقى الناس حتى يسمع منهم جهرة بعض ما سمع من شياطين الجن خفية، ~~وإذا هو يقبل منهم ما يقولون ويراه قليلا، ويغريهم - عن شعور أو عن غير شعور - بأن ~~يزيدوه ويزيدوه، حتى يكون وحيهم الظاهر مطابقا أو مقاربا لذلك الوحي الخفي ~~الذي ألقته شياطين الجن في روعه منذ قليل. # وقد أغري المسكين بهذا العبث واطمأن إليه، حتى أصبح به كلفا، وإليه ساعيا، ~~وعليه حريصا، لا يستلذ النوم إلا إذا داعبته فيه أحلام الغرور، ولا يستحب اليقظة ~~إلا إذا لاعبته فيها آمال الصلف والتيه، وهو كذلك كرة تقذفها شياطين الجن أثناء ~~الخلوة، فتتلقاها شياطين الإنس أثناء الاجتماع، ثم تقذفها شياطين الإنس أثناء ~~الاجتماع، فتتلقاها شياطين الجن أثناء الخلوة، وهو كذلك تعب متعب، لا يستريح ~~ولا يريح! # ويقبل شيطان الجن على «فلان» في خلوة من خلواته، فيلقي في قلبه أنه أبصر الناس ~~بدقائق السياسة، وأقدرهم على احتمال أثقالها، وأبرعهم في حل مشكلاتها وتيسير ~~معضلاتها، وأحبهم للشعب وأبرهم به وأعطفهم عليه، وأعرفهم بحاجاته، ~~وأمهرهم في إرضائها، وأنه من أجل ذلك أحق الناس بالحكم، بل هو من أجل ذلك ~~ميسر للحكم لم ييسر لغيره وصوله إليه ملائم لطبائع الأشياء، واستمساكه به بعد الوصول ~~إليه واجب تفرضه الوطنية، ويفرضه الخلق، ويفرضه حق الكفايات الممتازة في ~~الاستئثار بتصريف الأمور. ثم لا يكاد يخرج من خلوته حتى تلقاه شياطين الإنس، فتقول له مثل ~~ما قالت شياطين الجن، فيحب هذا الحديث الظاهر كما أحب ذلك الحديث الخفي، ويستزيد ~~أولئك وهؤلاء من أحاديثهم الرائعة ms78 البارعة التي أصبحت عنده أصدق الأحاديث؛ لأنها ~~تلائم إيمانه بنفسه، وثقته بتفوقه وامتيازه، ويقينه بأن الله لم يخلق غيره ~~ليدبر أمور الناس ومرافقهم كأحسن ما يمكن أن يكون التدبير. ثم يصبح المسكين ~~كرة تقذفها شياطين الجن لتتلقاها شياطين الإنس، وتقذفها شياطين الإنس لتتلقاها شياطين ~~الجن، وهو من أجل ذلك تعب متعب، لا يستريح ولا يريح! # وقل مثل ذلك في أصحاب الاقتصاد، وفي أصحاب المال، وفيمن شئت من الناس حين ينهضون ~~بالأعباء العامة، أو يفرغون للأعمال الخاصة ... كلهم كرات بائسة تتقاذفها شياطين الجن وشياطين ~~الإنس بما تلقي إليها من زخرف القول وأحاديث الغرور ...! # ولو قد اطلعت هذه الكرات على شياطين الجن والإنس حين يخلو بعضهم إلى بعض، وحين ~~يلقى بعضهم بعضا، وحين تنفجر أفواههم البشعة عن ضحك مروع من هذه الكرات التي ~~يتقاذفونها عابثين بها، ساخرين منها، مزدرين لها، لجاز أن يثوب إلى هذه الكرات ~~شيء من عقل، وفضل من رشد، وقليل من صواب، فتثوب هي إلى شيء من التواضع، وتخفف ~~من ثقل الغرور. ولكن شياطين الجن والإنس لا يكتفون بتقاذف هذه الكرات، وإنما يعبثون بها ~~ألوانا من العبث تضحك منه أنت، وأضحك منه أنا، وترى فيه الكرات نفسها الجد كل الجد، ~~والنجح كل النجح، والامتياز كل الامتياز؛ فشياطين الجن والإنس لا يكادون يتلقون الكرة ~~من هذه الكرات حتى يقذفوها إلى يمين ثم إلى شمال، ثم إلى السماء، حتى إذا شبعوا من ~~العبث بها دفعوها إلى أمام؛ ليتلقاها الفريق الآخر، فيعبث بها مثل ذلك العبث. # وعلى هذا النحو تستطيع أن تفهم سعي الساعين بين رجال السياسة والأدب والاقتصاد والمال، ~~وكيد الكائدين لهم، ومكر الماكرين بهم، وتحبب المتحببين إليهم، وتهالك المتهالكين ~~عليهم، وتملق الذين يبتغون إليهم الوسائل ويمدون إليهم الأسباب ... ورجال السياسة والأدب ~~والاقتصاد والمال يفرحون بهذا كله ويبتهجون له: يرونه آية من آيات المجد، ~~ومظهرا من مظاهر الجاه، ودليلا من أدلة التفوق والامتياز، ولكنهم لا يطلعون ولا ~~يرون تلك الأفواه البشعة التي تنفجر عن ضحك مروع بشع، يتلهى به اللاعبون من ms79 ~~شياطين الجن والإنس جميعا! ~~••• # فمن يبلغ المؤمنين بأنفسهم والراضين عنها، والمطمئنين إلى ما تتيح لهم الظروف من ~~تفوق طارئ وامتياز عارض وتسلط موقوت، والمغرورين بما ينظم لهم من عقود المدح، وما ~~يدبج من فنون الثناء، والمستيقنين لأن الأيام أقبلت عليهم أنها لن تدبر عنهم، ~~من يبلغ هؤلاء من رجال السياسة والأدب، والاقتصاد والمال أن الدنيا توكل بالناس - ~~وبالضعاف منهم خاصة - شياطين الإنس والجن، يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا، وأن ~~الذين ينظمون لهم عقود المدح، ويجبرون لهم فنون الثناء لا يكاد يخلو بعضهم إلى بعض، ~~ولا يكاد كل واحد منهم يخلو إلى نفسه حتى يسخروا من عقود المدح التي نظموها، ومن حلل ~~الثناء التي نسجوها، ومن الذين حلوا أجيادهم بتلك العقود، وزينوا أعطافهم بهذه ~~الحلل؟! # ومن يبلغ المغرورين والمفتونين من رجال السياسة والأدب والاقتصاد والمال أن الأيام ~~تقبل لتدبر، وتدبر لتقبل، وأن الرجل الأديب الأريب والحازم الرشيد هو الذي ~~يضن بنفسه على أن يكون كرة تتقاذفها وتعبث بها شياطين الإنس والجن، وإنما يقبل ~~على الحياة جادا في العمل، مؤمنا بالحق، ساعيا إلى الخير، متواضعا لا يزدهيه الغرور، ~~واثقا لا تنال منه الفتن والمحن، مستذكرا دائما أن الله قد وعظ الناس فأحسن ~~وعظهم حين قال: # واضرب لهم مثل الحياة الدنيا ~~كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح ~~هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا * المال والبنون زينة الحياة الدنيا ~~والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير ~~أملا ~~. # 1948 # | جوع وأحاديث # لا يغضب المواطنون الأعزاء أن نشق عليهم في القول ونعنف بهم في الحديث، فقد يجب ~~أن يقال الحق وإن لم يبلغ من نفوسهم موضع الرضا، وقد يجب أن يقال الحق وإن ~~بلغ من نفوسهم موضع الغضب، وأثار في قلوبهم موجدة وغيظا، والمواطنون الأعزاء ~~قد تعودوا أن يكال لهم المدح كيلا، ويهال عليهم الثناء هيلا، حتى رضوا عن أنفسهم ~~أعظم الرضا، وسخطوا على غيرهم أشد السخط، وناموا ملء جفونهم والأحداث لا تنام، ~~وعاشوا ساهين لاهين تتخطفهم النوائب، ms80 وتعبث بهم الخطوب، فلا يغير ذلك من ~~رأيهم في أنفسهم وحياتهم شيئا؛ لأنهم قد ألفوا الرضا عن أنفسهم، والاطمئنان إلى ~~حياتهم، فأصبح من أعسر العسر أن نخرجهم من هذا الرضا أو نزعجهم عن هذا ~~الاطمئنان ... ولا بد مع ذلك من أن يبصروا بحقائق الأمر، ومن أن يخرجوا من رضاهم ~~ويزعجوا عن اطمئنانهم، ويعلموا أنهم يعيشون أبغض العيش، ويحيون أبشع الحياة، ~~وأن هذا المثل العربي القديم الذي اتخذته عنوانا لهذا الحديث لم يوضع إلا ~~لهم، ولم يضرب إلا فيهم، ولم يصور إلا ما دأبوا عليه وتورطوا فيه من كلام كثير ~~لا يغني، وعمل قليل لا يفيد! # ولعل المواطنين الأعزاء قد فطنوا ليومين من أيام الأسبوع الماضي كان أحدهما عيد الجهاد، ~~والآخر عيد الهجرة. وكان من قبلهما يوم له في حياتهم خطره الخطير، وشأنه العظيم؛ وهو ~~يوم افتتاح البرلمان. # ولعل المواطنين الأعزاء، قد لاحظوا أن هذه الأيام الثلاثة قد انقضت كما تنقضي غيرها ~~من أيامهم المتصلة التي يتبع بعضها بعضا، ويشبه بعضها بعضا كما تشبه قطرة الماء، ~~حتى كأن أيامهم على اختلافها وتعاقبها يوم واحد. # ومضت هذه الأيام الثلاثة كما يمضي غيرها من أيامهم: كلام كثير، وعمل قليل، واضطراب في ~~غير حركة، ونشاط في غير إنتاج، وجعجعة في غير طحن، ورضا بعد ذلك عن النفس، واطمئنان بعد ~~ذلك إلى هذه الحياة المطردة المملة، التي لا تنفع الناس ولا تنفع أصحابها، والتي لا ~~تغني عن الناس ولا عن أصحابها شيئا! ~~••• # كانت رائعة بارعة خطبة العرش التي ألقاها رئيس الوزراء في البرلمان، صورت لنا ~~الحياة المصرية كأحسن ما تكون حياة الأمم: حكومة جادة لا تنام ولا تنيم، وشعب عامل لا ~~يريح ولا يستريح! وقد رضيت الحكومة عن نفسها، فأثنت على نفسها، ورضي البرلمان ~~عن الحكومة فصفق للحكومة، وسمع الشعب للحكومة تقول وللبرلمان يصفق، فرفع ~~الأكتاف وهز الرءوس، وترك الخلق للخالق، وأقبل المترفون على ترفهم ينعمون ~~بغير حساب، وأقبل المحرومون على حرمانهم يألمون بغير حساب، وتذبذب بين أولئك ~~وهؤلاء فريق من أوساط الناس يأكلون في ms81 غير شبع، ويشربون في غير ري، وكلهم راض بما كان، ~~مطمئن لما هو كائن، مستعد لما سيكون، واثق بأن مصر هي كنانة الله في أرضه، وهي جنة ~~الدنيا، وزينة العالم، وقائدة الشعوب العربية إلى المجد المؤثل الذي لا يشبهه مجد، ~~والفخار الذي لا يدانيه فخار! # وفي أثناء هذا كله كان المواطنون يموتون مئات، ويمرضون مئات، يتخطفهم هذا الموت ~~الطارئ، ويصرعهم هذا الموت الطارئ، ومن حولهم ألوف وألوف يتخطفهم الموت ~~العادي الذي لا يحمله الوباء، ويصرعهم المرض العادي الذي لا يحمله الوباء أيضا. وفي ~~أثناء هذا كذلك كانت ملايين من المواطنين تنعم بالجهل الذي يحجب عنها حقائق الحياة، فلا ~~ترى ما هي فيه، ولا توازن بين حياتها وحياة غيرها من أبناء الأوطان الأخرى ... وكانت هذه ~~الملايين في أثناء ذلك أيضا تنعم بفقرها الذي يشغلها بالتماس القوت، وإطعام العيال ~~وكسوتهم دون أن تجد ما تسعى إليه، ولكنه يشغلها على كل حال بذلك عن التفكير في ~~حياتها، والموازنة بينها وبين حياة غيرها من أبناء الأوطان الأخرى! # كان هذا كله يحدث في الصحف من يوم الأربعاء الثاني عشر من شهر نوفمبر، بينما كان رئيس ~~الوزراء ينبئ البرلمان بما فعلت الحكومة وبما ستفعل، موفقة في الماضي والمستقبل ~~لإنقاذ الشعب من الموت والمرض، ومن الفقر والجهل، ولتمكين مصر الخالدة المجيدة من أن ~~ترفع رأسها العظيم الكريم بين الأمم الراقية، التي لم تبلغ ولن تبلغ ما بلغت مصر ~~من المجد والفخار! ~~••• ~~«جوع وأحاديث»، كما يقول المثل العربي القديم في يوم الأربعاء الثاني عشر من شهر نوفمبر! ~~و«جوع وأحاديث» في يوم الخميس الثالث عشر من شهر نوفمبر، حين استراح الموظفون من العمل ~~احتفالا بعيد الجهاد الوطني! وأي احتفال بالجهاد يعدل الراحة لا من الجهاد، فقد انقضت ~~أيام الجهاد، ولكن من العمل اليومي اليسير الذي يتيح لهم أجورهم آخر الشهر؟! وأي احتفال ~~بالجهاد يشبه الحصول على الأجر من غير عمل، وإن كان هناك قوم آخرون تفرض عليهم ~~الراحة احتفالا بالجهاد ثم يحرمون أجورهم في ذلك اليوم؛ لأنهم أكرهوا على ms82 الراحة ~~احتفالا بالجهاد! # في ذلك اليوم خطب الخطباء، وتكلم الزعماء، وذكرت الثورة، وأثني على ~~الشهداء ! وفي أثناء هذا كله كان الجيش البريطاني مرابطا في أماكنه المقسومة له، لا ~~يحتفل بعيد الجهاد؛ لأن الجهاد لم يرزأه قتيلا! # و«جوع وأحاديث» يوم الجمعة الأول من شهر المحرم سنة سبع وستين وثلاثمائة وألف للهجرة ... في ~~ذلك اليوم كتبت المقالات المدمجة، والفصول المنمقة، وأقيمت الحفلات الرائعة، ~~وذكر المسلمون هذا الحدث الإنساني الخطر الذي تغير له التاريخ؛ وهو الهجرة، ~~وذكروا ما في الهجرة من موعظة وعبرة، بكى بعضهم وتباكى بعضهم الآخر، واصطنع سائرهم ~~الوقار، فلم يتكلفوا تباكيا ولا بكاء! ثم لم ينقض يوم الجمعة إلا كما تعودت ~~الأيام أن تنقضي: خمود وجمود، وكسل وركود، ونوم عميق، وإمعان فيما تعود الناس أن يمعنوا ~~فيه من هذه الحياة الفارغة التي لا تغني عن الناس ولا عن أصحابها شيئا! ~~••• ~~«جوع وأحاديث» في هذه الأيام الثلاثة، وجوع وأحاديث فيما سبقها وفيما سيتلوها من ~~الأيام! # صحف لا تحصى ولا يحصى ما فيها من الكلام تصابح الناس وتماسيهم، وثرثرة لا تحصى ~~في الراديو تصابح الناس وتماسيهم، وهراء كثير لا يحصى، يشغل الناس عن أنفسهم وعن ~~حياتهم وعن آمالهم وعن آلامهم، لا يصرفهم عنه النوم، بل هم إذا ناموا وألمت بهم ~~الأحلام لم يخرجوا من هذا الهراء! # جوع ... وأحاديث! فنحن أفصح الناس كلاما، وأرفع الناس صوتا، وأبرع الناس في الحركات ~~والتمثيل ... ونحن مع ذلك مضرب المثل في البؤس، والجهل، والمرض، والتهافت في الموت، كما ~~تتهافت الفراش في النار! والله يعزي الناس عن آلامهم، ويسليهم عن مصائبهم ~~بالعمل الذي يزيل الآلام، ويكشف المصائب، كما يسليهم بالقول الذي لا يمحو ألما، ولا ~~يكشف ضرا، ولا يجلي خطبا، وإنما يجعل أصحابه ضحكة الضاحكين، وهزء ~~الهازئين! # فلنبتهل إلى الله في أن يبرئنا من علة الكلام الكثير، فلعلنا إن برئنا ~~من هذه العلة أن نجد العزاء عن آلامنا وكوارثنا في العمل الذي يزيل الآلام، ويمحو ~~الكوارث، ويجلي الغمرات! # 1947 ms83