######OpenITI# #META# URI: 1392TahaHusayn.CalaHamishSira.Hindawi37420520 #META# Tags: history #META# ID: 37420520 #META# Title: على هامش السيرة #META# AuthorID: 59624258 #META# Author: طه حسين #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # الكتاب الأول‏ # 1 - حفر زمزم‏ # 2 - التحكيم‏ # 3 - الفداء‏ # 4 - الإغراء‏ # 5 - البين‏ # 6 - القضاء‏ # 7 - الردة‏ # 8 - الطاغية‏ # 9 - البشير‏ # 10 - راهب الإسكندرية‏ # 11 - اليتيم‏ # 12 - الحاضنة‏ # 13 - المراضع‏ # 14 - البر‏ # الكتاب الثاني‏ # 1 - الفيلسوف الحائر‏ # 2 - راعي الغنم‏ # 3 - حديث باخوم‏ # 4 - صاحب الحان‏ # 5 - نادي الشياطين‏ # الكتاب الثالث‏ # 1 - صريع الحسد‏ # 2 - سيد الشهداء‏ # 3 - ذو الجناحين‏ # 4 - حديث عداس‏ # 5 - مصعب بن عمير‏ # 6 - طريد اليأس‏ # 7 - نزيل حمص‏ # 8 - الوفاء المر‏ # 9 - طبيب النفوس‏ # 10 - شوق الحبيب إلى الحبيب‏ # 11 - القلب الرحيم‏ # مقدمة‏ # الكتاب الأول‏ # 1 - حفر زمزم‏ # 2 - التحكيم‏ # 3 - الفداء‏ # 4 - الإغراء‏ # 5 - البين‏ # 6 - القضاء‏ # 7 - الردة‏ # 8 - الطاغية‏ # 9 - البشير‏ # 10 - راهب الإسكندرية‏ # 11 - اليتيم‏ # 12 - الحاضنة‏ # 13 - المراضع‏ # 14 - البر‏ # الكتاب الثاني‏ # 1 - الفيلسوف الحائر‏ # 2 - راعي الغنم‏ # 3 - حديث باخوم‏ # 4 - صاحب الحان‏ # 5 - نادي الشياطين‏ # الكتاب الثالث‏ # 1 - صريع الحسد‏ # 2 - سيد الشهداء‏ # 3 - ذو الجناحين‏ # 4 - حديث عداس‏ # 5 - مصعب بن عمير‏ # 6 - طريد اليأس‏ # 7 - نزيل حمص‏ # 8 - الوفاء المر‏ # 9 - طبيب النفوس‏ # 10 - شوق الحبيب إلى الحبيب‏ # 11 - القلب الرحيم‏ # | على هامش السيرة # | على هامش السيرة # تأليف # طه حسين # | مقدمة # هذه صحف لم تكتب للعلماء ولا للمؤرخين؛ لأني لم أرد بها إلى العلم، ولم أقصد بها إلى ~~التاريخ. وإنما هي صورة عرضت لي أثناء قراءتي للسيرة فأثبتها مسرعا، ثم لم أر بنشرها ~~بأسا. ولعلي رأيت في نشرها شيئا من الخير؛ فهي ترد على الناس أطرافا من الأدب القديم ~~قد أفلتت منهم وامتنعت عليهم، فليس يقرؤها منهم إلا أولئك الذين أتيحت لهم ثقافة واسعة ~~عميقة في الأدب العربي القديم. وإنك لتلتمس الذين يقرءون ما كتب القدماء في السيرة وحديث ~~العرب قبل الإسلام فلا تكاد تظفر بهم. # إنما يقرأ الناس اليوم ما يكتب لهم المعاصرون في الأدب الحديث بلغتهم أو بلغة أجنبية من ~~هذه اللغات المنتشرة في الشرق، يجدون في قراءة هذا الأدب من اليسر والسهولة، ms001 ومن اللذة ~~والمتاع ما يغريهم به ويرغبهم فيه، فأما الأدب القديم فقراءته عسيرة، وفهمه أعسر، وتذوقه ~~أشد عسرا. وأين هذا القارئ الذي يطمئن إلى قراءة الأسانيد المطولة، والأخبار التي يلتوي ~~بها الاستطراد، وتجور بها لغتها القديمة الغريبة عن سبيل الفهم السهل والذوق الهين الذي لا ~~يكلف مشقة ولا عناء! # ذلك إلى أن الأدب القديم لم ينشأ ليبقى كما هو ثابتا مستقرا، لا يتغير ولا يتبدل، ولا ~~يلتمس الناس لذته إلا في نصوصه يقرءونها ويعيدون قراءتها، ويستظهرونها ويمعنون في ~~استظهارها. إنما الأدب الخصب حقا، هو الذي يلذك حين تقرؤه؛ لأنه يقدم إليك ما يرضي ~~عقلك وشعورك، ولأنه يوحي إليك ما ليس فيه، ويلهمك ما لم تشتمل عليه النصوص، ويعيرك من خصبه ~~خصبا، ومن ثروته ثروة، ومن قوته قوة؛ وينطقك كما أنطق القدماء، ولا يستقر في قلبك حتى ~~يتصور في صورة قلبك، أو يصور قلبك في صورته؛ وإذا أنت تعيده على الناس فتلقيه إليهم في شكل ~~جديد يلائم حياتهم التي يحيونها، وعواطفهم التي تثور في قلوبهم، وخواطرهم التي تضطرب في ~~عقولهم. # هذا هو الأدب الحي. هذا هو الأدب القادر على البقاء ومناهضة الأيام. فأما ذلك الأدب الذي ~~ينتهي أثره عند قراءته، فقد تكون له قيمته، وقد يكون له غناؤه، ولكنه أدب موقوت يموت حين ~~ينتهي العصر الذي نشأ فيه. ولو أنك نظرت في آداب القدماء والمحدثين لرأيت منها طائفة لا ~~يمكن أن توصف بأنها آداب عصر من العصور أو بيئة من البيئات، أو جيل من الأجيال، وإنما هي ~~آداب العصور كلها، والبيئات كلها، والأجيال كلها؛ لا لأنها تعجب الناس على اختلاف العصور ~~والبيئات والأجيال فحسب، بل لأنها مع ذلك تلهم الناس وتوحي إليهم، وتجعل منهم الشعراء ~~والكتاب والمتصرفين في ألوان الفن على اختلافها. # وليس خلود الإلياذة يأتيها من أنها تقرأ فتحدث اللذة وتثير الإعجاب في كل وقت وفي كل ~~قطر؛ بل هو يأتيها من هذا، ومن أنها قد ألهمت وما زالت تلهم الكتاب والشعراء، وتوحي إليهم ~~أروع ما أنشأ الناس من آيات ms002 البيان. ولقد كان «إيسكولوس» أبو التراجيديا اليونانية يقول إنه ~~إنما يلتقط ما يسقط من مائدة «هوميروس». وما زال القصاص وشعراء التمثيل والغناء في الغرب ~~خليقين أن يقولوا الآن ما كان يقوله «إيسكولوس» منذ خمسة وعشرين قرنا. ولم تكن قصص ~~«إيسكولوس» وغيره من شعراء التمثيل اليوناني أقل خصبا من الإلياذة؛ بل هي قد ألهمت من ~~الكتاب والشعراء قديما وحديثا، وما زالت قادرة على أن تلهمهم إلى اليوم وإلى ~~الغد. # وإني لأذكر أني قرأت منذ أعوام قصة تمثيلية هي الثامنة والثلاثون من نوعها، وقد سماها ~~صاحبها «جيرودو» بهذا الرقم؛ فوضع لها هذا العنوان «أنفيتريون رقم 38». كانت أسطورة تتصل ~~بمولد هرقل فصورها سوفوكل قصة تمثيلية في القرن الخامس قبل المسيح. وما زال الشعراء ~~والكتاب من اليونان والرومان والأوربيين المحدثين يتأثرون ويذهبون مذهبه أو غير مذهبه، في ~~تصوير هذا الموضوع، حتى انتهت القصص التي كتبت فيه شعرا ونثرا إلى هذا العدد ~~الضخم. # ولم يحجم فحول التمثيل عن طرق هذا الموضوع لأنهم سبقوا إليه، بل زادهم ذلك حرصا عليه ~~ورغبة فيه. وكان بين الذين طرقوه الشاعر اللاتيني «بلوت» والشاعر الفرنسي «موليير». ثم لم ~~يشفق جيرودو من أن يطرق موضوعا سبق إليه الفحول من شعراء التمثيل في العصور القديمة ~~والحديثة، فصور قصته هذه الثامنة والثلاثين وعرضها على النظارة في باريس سنة 1929 فكان ~~فوزها عظيما، وإعجاب النظارة والقراء بها لا حد له. # وفي أدبنا العربي على قوته الخاصة، وما يكفل للناس من لذة ومتاع، قدرة على الوحي، وقدرة ~~على الإلهام. فأحاديث العرب الجاهليين وأخبارهم لم تكتب مرة واحدة، ولم تحفظ في صورة ~~بعينها، وإنما قصها الرواة في ألوان من القصص، وكتبها المؤلفون في صنوف من التأليف. وقل ~~مثل ذلك في السيرة نفسها؛ فقد ألهمت الكتاب والشعراء في أكثر العصور الإسلامية وفي أكثر ~~البلاد الإسلامية أيضا؛ فصوروها صورا مختلفة تتفاوت حظوظها من القوة والضعف والجمال ~~الفني. وقل مثل هذا في الغزوات والفتوح، وقل مثل هذا في الفتن والمحن التي أصابت العرب في ~~العصور المختلفة. ولم يقف إلهام ms003 هذا التراث الأدبي العظيم عند الكتاب والشعراء الذين ينمقون ~~النثر ويقرضون الشعر، في اللغة العربية الفصحى، بل جاوزهم إلى جماعة من القصاص الشعبيين ~~الذين تحدثوا إلى الناس في صور مختلفة وأشكال متباينة، بما كان لآبائهم من مجد مؤثل، وبما ~~أصاب آباءهم من محن مظلمة وفتن مدلهمة، عرفوا كيف يثبتون لها ويصبرون عليها، ويخرجون ~~منها كراما ظافرين. ولا خير في حياة القدماء إذا لم تلهم المحدثين ولم توح إليهم رائع ~~البيان شعرا ونثرا. وليس القدماء خالدين حقا إذا لم يكن التماسهم إلا عند أنفسهم، ولا ~~تعرف أنباؤهم إلا فيما تركوا من الدواوين والأشعار. إنما يحيا القدماء حقا، ويخلدون إذا ~~امتلأت بصورهم وأعمالهم قلوب الأجيال مهما يبعد بها الزمن، وكانوا حديثا للناس إذا لقي ~~بعضهم بعضا، وكنوزا يستثمرها الكتاب والشعراء لإحياء ما يعالجون من ألوان الشعر وفنون ~~الكلام. # إلى هذا النحو من إحياء الأدب القديم، ومن إحياء ذكر العرب الأولين، قصدت حين أمليت فصول ~~هذا الكتاب. ولست أريد أن أخدع القراء عن نفسي ولا عن هذا الكتاب؛ فإني لم أفكر فيه ~~تفكيرا، ولا قدرته تقديرا، ولا تعمدت تأليفه وتصنيفه كما يتعمد المؤلفون؛ إنما دفعت إلى ~~ذلك دفعا، وأكرهت عليه إكراها، ورأيتني أقرأ السيرة فتمتلئ بها نفسي، ويفيض بها قلبي، ~~وينطلق بها لساني، وإذا أنا أملي هذه الفصول وفصولا أخرى أرجو أن تنشر بعد حين. # فليس في هذا الكتاب إذا تكلف ولا تصنع، ولا محاولة للإجادة، ولا اجتناب للتقصير، ~~وإنما هو صورة يسيرة طبيعية صادقة لبعض ما أجد من الشعور حين أقرأ هذه الكتب التي لا أعدل ~~بها كتبا أخرى مهما تكن، والتي لا أمل قراءتها والأنس إليها، والتي لا ينقضي حبي لها ~~وإعجابي بها، وحرصي على أن يقرأها الناس. ولكن الناس مع الأسف لا يقرءونها؛ لأنهم لا يريدون ~~أو لأنهم لا يستطيعون. فإذا استطاع هذا الكتاب أن يحبب إلى الشباب قراءة كتب السيرة خاصة، ~~وكتب الأدب العربي القديم عامة، والتماس المتاع الفني في صحفها الخصبة، فأنا سعيد حقا، ~~موفق حقا لأحب الأشياء ms004 إلي، وآثرها عندي. # وإذا استطاع هذا الكتاب أن يلقي في نفوس الشباب حب الحياة العربية الأولى، ويلفتهم إلى ~~أن في سذاجتها ويسرها جمالا ليس أقل روعة ولا نفاذا إلى القلوب من هذا الجمال الذي يجدونه ~~في الحياة الحديثة المعقدة، فأنا سعيد موفق لبعض ما أريد. # وإذا استطاع هذا الكتاب أن يدفع الشباب إلى استغلال الحياة العربية الأولى، واتخاذها ~~موضوعا قيما خصبا لا للإنتاج العلمي في التاريخ والأدب الوصفي وحدهما، بل كذلك للإنتاج ~~في الأدب الإنشائي الخالص، فأنا سعيد موفق لبعض ما أريد. # ثم إذا استطاع هذا الكتاب أن يلقي في نفوس الشباب أن القديم لا ينبغي أن يهجر لأنه قديم، ~~وأن الجديد لا ينبغي أن يطلب لأنه جديد، وإنما يهجر القديم إذا برئ من النفع وخلا من ~~الفائدة، فإن كان نافعا مفيدا فليس الناس أقل حاجة إليه منهم إلى الجديد، فأنا سعيد موفق ~~لبعض ما أريد. # وأنا أعلم أن قوما سيضيقون بهذا الكتاب؛ لأنهم محدثون يكبرون العقل، ولا يثقون إلا ~~به، ولا يطمئنون إلا إليه. وهم لذلك يضيقون بكثير من الأخبار والأحاديث التي لا يسيغها ~~العقل ولا يرضاها. وهم يشكون ويلحون في الشكوى حين يرون كلف الشعب بهذه الأخبار، وجده في ~~طلبها، وحرصه على قراءتها والاستماع لها. وهم يجاهدون في صرف الشعب عن هذه الأخبار ~~والأحاديث، واستنقاذه من سلطانها الخطر المفسد للعقول. هؤلاء سيضيقون بهذا الكتاب بعض ~~الشيء؛ لأنهم سيقرءون فيه طائفة من هذه الأخبار والأحاديث التي نصبوا أنفسهم لحربها ومحوها ~~من نفوس الناس. وأحب أن يعلم هؤلاء أن العقل ليس كل شيء، وأن للناس ملكات أخرى ليست أقل ~~حاجة إلى الغذاء والرضا من العقل، وأن هذه الأخبار والأحاديث إذا لم يطمئن إليها العقل، ولم ~~يرضها المنطق، ولم تستقم لها أساليب التفكير العلمي، فإن في قلوب الناس وشعورهم وعواطفهم ~~وخيالهم وميلهم إلى السذاجة، واستراحتهم إليها من جهد الحياة وعنائها، ما يحبب إليهم هذه ~~الأخبار ويرغبهم فيها، ويدفعهم إلى أن يلتمسوا عندها الترفيه على النفس حين تشق عليهم ~~الحياة. وفرق عظيم ms005 بين من يتحدث بهذه الأخبار إلى العقل على أنها حقائق يقرها العلم ~~وتستقيم لها مناهج البحث، ومن يقدمها إلى القلب والشعور على أنها مثيرة لعواطف الخير، صارفة ~~عن بواعث الشر، معينة على إنفاق الوقت واحتمال أثقال الحياة وتكاليف العيش. # وأحب أن يعلم الناس أيضا أني وسعت على نفسي في القصص، ومنحتها من الحرية في رواية ~~الأخبار واختراع الحديث ما لم أجد به بأسا، إلا حين تتصل الأحاديث والأخبار بشخص النبي، أو ~~بنحو من أنحاء الدين؛ فإني لم أبح لنفسي في ذلك حرية ولا سعة، وإنما التزمت ما التزمه ~~المتقدمون من أصحاب السيرة والحديث، ورجال الرواية، وعلماء الدين. # ولن يتعب الذين يريدون أن يردوا فصول هذا الكتاب القديم في جوهره وأصله، الجديد في صورته ~~وشكله، إلى مصادره القديمة التي أخذ منها. فهذه المصادر قليلة جدا؛ لا تكاد تتجاوز «سيرة ~~ابن هشام»، و«طبقات ابن سعد»، و«تاريخ الطبري». وليس في هذا الكتاب فصل أو نبأ أو حديث إلا ~~وهو يدور حول خبر من الأخبار ورد في كتاب من هذه الكتب. فإذا اتصل الخبر بشخص النبي فإني ~~أرده إلى مصدره ليستطيع من شاء أن يرجع إليه، لا أحتمل في ذلك تبعة خاصة؛ لأني لا أذهب فيه ~~مذهبا خاصا، إلا أن يكون تبسطا في الشرح والتفسير واستنباط العبرة والوصول بها إلى قلوب ~~الناس. # فلييسر الله سبيل هذا الكتاب إلى النفوس، وليحسن الله موقعه في القلوب. # طه حسين # ديسمبر سنة 1933 # | الكتاب الأول # الفصل الأول # | حفر زمزم # كان عبد المطلب سمح الطبع رضي النفس، سخي اليد، حلو العشرة عذب الحديث. وكان ~~عبد المطلب أيضا قوي الإيمان، تملك قلبه وتسيطر على نفسه نزعة دينية حادة عنيفة، ~~ولكنها غامضة، يحسها ويخضع لها، ولكنه لا يتبينها ولا يستطيع لها فهما ولا تفسيرا. ~~وأبوه من مكة، حيث التجارة والثروة، وحيث المكر والدهاء، وحيث الوثنية السهلة التي لا ~~تحرج فيها ولا مشقة. وأمه من يثرب، حيث الزراعة والصناعة اليسيرة، وحيث اليهودية ~~تجاوز الوثنية فتضعفها، وتنقص من ظلها وتكاد تمحوها، وحيث الأخلاق ms006 اللينة والشمائل ~~الحلوة، وحيث الظرف ونعومة الحياة. # ولد في يثرب، ومات عنه أبوه فلم ينقله إلى مكة، فنشأ بين أخواله وتأثر بحياتهم وتخلق ~~بأخلاقهم وسار سيرتهم، حتى بلغ الشباب أو كاد. ثم أقبل عمه فانتزعه من إقليمه السهل ~~الهين، إلى إقليم آخر صعب عسير، تجدب فيه الأرض، ولا تبتسم له السماء إلا قليلا، ويرحل ~~أهله إلى الآفاق ويفد على أهله الناس من جميع الآفاق، فهم يأخذون من الناس ويعطونهم ~~ويبادلونهم الأخلاق والشمائل كما يبادلونهم المنافع وعروض التجارة. ولعل أخلاق يثرب ~~وخصال مكة قد اختصمت في نفس هذا الغلام. ولعل اختصامها قد طال، ولعل اختصامها قد قصر، ~~ولكنها على كل حال قد انتهت إلى شيء من الاعتدال آخر الأمر. فلم يكتمل للفتى شبابه حتى ~~كان فتى من قريش، ولكنه يمتاز من بقية فتيان قريش؛ فيه ذكاؤهم وفطنتهم، وفيه إباؤهم ~~وعزتهم، ولكن فيه دعة لم تكن مألوفة عندهم، وفيه شدة في الدين قلما كانوا يرضونها أو ~~يبسمون لها. على أن خصلة أخرى ميزته منهم أشد التمييز؛ فلم يكن يصدر في حياته، كما ~~كانوا يصدرون، عن الروية والتفكير وطول التدبر، وإنما كانت تدفعه إلى العمل والاضطراب ~~في الحياة قوة خفية يحسها ويأبى عليها ويغلو في الإباء، ولكنه يضطر إلى أن يذعن لها ~~ويأتمر أمرها. وكانت هذه القوة تصدر إليه أمرها في أشكال مختلفة: تدفعه إلى العمل ~~حينا وكأنها إرادته الخاصة، قد ملكت عليه حسه وشعوره، فهو لا يستطيع عنها انصرافا، ~~ولا يملك لها خلافا. وتتمثل له حينا آخر شخصا واضح المخايل، بين الصورة، يلم به ~~إذا اشتمله النوم، فيأمره أن يأتي كذا وكذا من الأمر. وتنتهي إليه مرة ثالثة صوتا ~~رفيقا، ولكنه ملح يملأ أذنيه يقظان، ويملأ أذنيه نائما، يحثه على أن يأتي كذا ~~وكذا من الأمر. وكان في هذا الصوت غموض، وكان في هذا الصوت إبهام، وكان في هذا الصوت ~~جلال مصدره هذا الغموض والإبهام. وكان الفتى ينكره ويرتاع له، وكان الصوت يغمره ويلح ~~عليه. وكان الفتى يخاف هذا الصوت ويهواه، وكان ms007 الصوت يتجنب الفتى حتى يؤيسه من نفسه، ~~ويلم به فيكثر الإلمام. ولم يكن هذا الصوت يقع في أذن الفتى بألفاظ كالتي تقع في آذان ~~الناس إنما كان يصطنع ألفاظا خاصة غريبة الجرس غريبة المعنى. # كانت إليه رفادة الحاج وسقايته بعد عمه المطلب، فكان يطعم الناس إذا حجوا البيت ~~ويسقيهم، يجمع لهم الماء في أحواض من الأدم. وكان يجد في جمع هذا الماء لسقاية الحجيج ~~جهدا وعسرا. فبينا هو نائم ذات يوم أو ذات ليلة أتاه آت رأى شخصه ولم يتبين له سمة ~~ولا شكلا، وقال له في صوت رفيق غريب، فيه أنس وفيه وحشة: «احفر طيبة.» قال: «وما ~~طيبة؟» فانصرف الشخص، وانقطع الصوت. وأفاق الفتى وفي نفسه ذعر وعجب وأمل، وحاول أن يعود ~~إلى النوم، لعله يرى هذا الشخص، أو يسمع هذا الصوت، أو يتبين هذا الحديث، ولكن كان ~~النوم قد خاصم عينيه، وانصرف عنه مع هذا الشخص الغريب. ففكر وأطال التفكير، وقدر وأطال ~~التقدير، وتقلب في مضجعه فأكثر التقلب، حتى ضاق بالنوم واليقظة وسئم مضجعه، فجلس يرقى ~~ببصره الحائر إلى السماء، لعل شمس النهار أو نجوم الليل تفسر له هذه الرؤيا. ويخفض بصره ~~إلى الأرض لعله يجد في إطراقه تفسير هذه الرؤيا. ويمد بصره نحو الكعبة، لعل صنما من ~~هذه الأصنام المنصوبة يوحي إليه تعبير هذه الرؤيا. ولكن السماء صامتة والأرض ساكنة، ~~وعلى أصنام الكعبة شيء كأنه الوجوم، فيرتد إلى الفتى بصره متعبا مكدودا. وتهوي نفسه ~~إلى قرارة ضميره، لعلها تجد لهذا الرمز تأويلا فلا تجد شيئا؛ فيشتد بها الذعر، ويزداد ~~فيها العجب. ويبقى الأمل. وينهض الفتى فيضطرب مع الناس فيما يضطربون فيه من أمور ~~الحياة. # ثم يقبل الليل ويأوي الفتى إلى مضجعه، وقد أنسي كل شيء، إلا أنه قد مشى كثيرا، ~~وأجهد نفسه كثيرا، وأنه أشد ما يكون حاجة إلى أن يبسط عليه النوم جناحيه. ها هو ذا ~~مغرق في نوم هادئ مطمئن، وقد هدأ من حوله كل شيء، واطمأن في نفسه وجسمه كل شيء. ولكن ما ~~هذا ms008 الشخص الغريب يقبل ساعيا إليه في أناة، حتى إذا دنا منه قال له في صوت رفيق غريب ~~فيه أنس وفيه وحشة: «احفر برة!» وجسم الفتى هادئ مطمئن، ولكن نفسه ثائرة مضطربة، ~~ولسانه يتحرك في ثقل وصوته ينبعث من بين شفتيه خفيفا رقيقا بهذه الكلمة: «وما برة؟» ~~فينصرف الشخص، وينقطع الصوت، ويفيق النائم وجلا مذعورا، معجبا آملا، ويفكر ويقدر ~~ويتقلب. ثم ينهض فيسأل السماء ولكنها صامتة، ويسأل الأرض ولكنها ساكنة، ويسأل أصنام ~~الكعبة ولكنها مغرقة في البله والوجوم. ويضيق الفتى بنفسه وبالسماء والأرض والأصنام؛ ~~فيهيم على وجهه يلتمس في الحركة والاضطراب نسيان هذا الطائف الذي يفزعه ويغريه. # ثم يعمل الناس في أمور الحياة، وينقضي النهار بخيره وشره، وحلوه ومره؛ ويقبل ~~الليل شيئا فشيئا، فيبسط أرديته السود على ما يحيط بمكة من جبال وآكام، وما يزال ~~يمد في هذه الأردية حتى يغمر كل شيء ويستر كل شيء، لولا هذه المصابيح الضئيلة التي ~~تشب في الأرض، وهذه النجوم القليلة التي تضطرب في السماء. وقد سمر الفتى مع السامرين، ~~فسمع أحاديث التجار عن غرائب الأقطار: هذا يحدث عن صور بصرى وعظمتها، وهذا عن الخورنق ~~والسدير، وهذا يذكر غمدان، وهذا يصف أخلاق اليمانيين ومكرهم بالتجار، وهذا يتحدث عن ~~سذاجة أهل الشام وانخداعهم لغربان العرب، وهذا يذكر ما أفاد من ربح حين باع الأدم في ~~الحبشة، وهذا يذكر للقوم ما حمل لهم من خمر بيسان. وهم في أثناء هذا كله يتندرون على ~~العجم والأعراب، ويتفكهون بأحاديث أولئك وهؤلاء، ويسخرون من أولئك وهؤلاء. حتى إذا ~~تقدم الليل واطمأن كل شيء تفرقوا، ونهض الفتى ثقيلا، فمشى إلى بيته متباطئا يود لو ~~فر من النوم، ويود مع ذلك لو نام فألم به هذا الطائف. انظر إليه! إنه ليتردد: ~~أيقذف بنفسه في أمواج النوم هذه التي تتمثل أمام عينيه؟ أم يبقى على الشاطئ يقظان ~~يداعبه النوم ولا ينام؟ ليتردد ما استطاع، ليمتنع على النوم ما وسعه الامتناع؛ فإن هذه ~~الأمواج المصطخبة أمامه تستطيع أن تطغى على الشاطئ فتغمره، وتغمر معه ms009 كل شيء. وكيف ~~يستطيع هذا الفتى أن يمتنع عليها، وما استطاعت أن تمتنع عليها جبال مكة هذه التي تحيط ~~بها من كل ناحية! انظر! أترى حركة؟ اسمع! أتحس نبأة؟ كل شيء هادئ، كل شيء مطمئن؛ فما ~~نبوك وما امتناعك! هلم إلى النوم لا تخف شيئا؛ إن هذه الأمواج تريح ولا تغرق. أقبل ~~إلى هاتين الذراعين اللتين تمتدان إليك، فستنسى بينهما كل شيء. ومن يدري! لعلك تجد ~~بينهما شفاء لنفسك الحائرة. وأطبق الفتى جفنيه واندفع أمامه، فاشتملت عليه أمواج النوم ~~كما اشتملت على غيره من الناس والأشياء. ولكن ماذا؟ هذا شخص يتقدم ساعيا هادئا كأنه ~~يمشي على الهواء، حتى إذا دنا من الفتى، قال في صوت رفيق غريب، فيه أنس وفيه وحشة: ~~«احفر المضنونة.» جسم الفتى هادئ ولكن صورة من الحيرة قد ارتسمت على جبهته، وهذا صوت ~~خفيف رقيق ينبعث بين شفتيه وهو يقول: «ما المضنونة؟» فينصرف الشخص. ويفيق الفتى مذعورا ~~مأخوذا، قد أظلم في نفسه كل شيء، وأحاط اليأس بعقله وقلبه وضميره، لا يرتفع بصره إلى ~~السماء، ولا ينخفض إلى الأرض. ولا يمتد إلى أصنام الكعبة، ولكنه يدور حائرا. وينهض ~~الفتى وهو يقول: ما أرى إلا أني سأجن؛ لئن أصبحت لآتين الكاهن، فلعلي أجد عنده من هذا ~~العارض شفاء. # أقبل أيها الصبح! أسرع في الخطو، ارفق بهذه النفس الحائرة؛ هلم إلى سوطك المشرق ~~المضيء، فبدد به هذه الأشخاص الماثلة، فرق به هذه الظلال المضطربة من حولي. ويقضي ~~الفتى ليلا طويلا ثقيلا، حتى إذا كست الشمس بضوئها النقي ظواهر مكة وبطاحها، أسرع ~~الفتى إلى المسجد يريد أن يقص أمره على الكاهن. ولكنه لا يكاد يبلغ مجالس قريش في فناء ~~المسجد، حتى تذهب عنه حيرته، ويفارقه وجومه، ويمتلئ قلبه اطمئنانا وثباتا. ماذا؟ ~~أأزعم للكاهن أني مجنون، وتشيع في هذه المقالة. ويضحك مني حرب بن أمية ولداته، ~~ويتندر علي فتيان مخزوم! كلا! ما أكثر هذه الخيالات التي تسكن إلى نفسها في قبور ~~الموتى، وتختبئ في الكهوف والأغوار ما أضاءت الشمس واستيقظت الطبيعة، فإذا ms010 أظلم الليل ~~ونام الكون، انتشرت هذه الخيالات في الجو، فمنها ما يصعد في السماء يرعى النجوم، ومنها ~~ما يهبط الأرض يروع الناس. وما أرى أن هذا الطائف الذي يؤرقني منذ ثلاث إلا خيالا من ~~هذه الخيالات، لعله ظل ميت من موتى قريش قد أنسيه قومه، فهم لا يزورونه ولا ~~يقربونه إليه. لعله شيطان من هذه الشياطين التي تلح على الإنس فتتقاضاهم الطاعة ~~وتخضعهم لسلطانها كرها. لعله نذير من أحد الآلهة يطالب بالتضحية والقربان. لقد مضت ~~أيام ولم تقدم إلى الآلهة شاة ولم ينحر لهم جزور، ولم تصطبغ أرض المسجد بهذا الدم ~~الحار القانئ الذي تحب الآلهة لونه ورائحته. إيه يا عبد المطلب؛ تقرب إلى الآلهة ~~بضحية ترضيهم لعلهم يرضون، ولعلهم يكفون عنك هذا الشر. وأقبل الفتى على مجلس من مجالس ~~قريش، فتحدث وسمع، ولكنه كان شارد النفس، فلم يطل الحديث ولا الاستماع ونهض موليا. ~~فلما انصرف عن القوم قال حرب بن أمية لمن حوله: أرأيتم إلى سري بني هاشم! إني لأراه ~~محزونا، وإني لأعرف في وجهه الهم، لم يحدثنا اليوم عن مآثر أبيه ومفاخر عمه. # ومضى الفتى إلى أهله. فلما دخل على امرأته أنكرت عودته إليها من الضحى، فاستقبلته ~~دهشة وهي تقول: إيه يا شيبة! ما خطبك؟ إني لأنكرك منذ أيام، أراك مؤرق الليل، قلق ~~النهار، قليل الحديث، طويل التفكير. ولقد هممت أن أسألك مرات، ولكني خشيت ردك علي ~~وانتهارك لي؛ فإني لأعلم فيكم معشر قريش رقة للنساء، ودعابة معهن، ولكني لا أجد عندك ما ~~أجد عند قومك؛ فأنت صامت إذا خلوت إلى أهلك، وأنت مقطب الجبين إن ظلك معهم سقف. تحدث! ~~ما يحزنك؟ اخرج عن هذا الصمت الذي لزمته، كن رجلا من قريش، أشرك أهلك فيما يعنيك. لقد ~~أذكر يوم أنبأني أبي أنك خطبتني إليه. لقد فرحت بهذا النبأ، لقد كنت أتحدث إلى أترابي ~~في البادية بأني سأصبح امرأة من قريش، أجد من نعمة الحياة ولينها، ومن ظرف الزوج ورقته ~~ما لا يجدن تحت خيام بني عامر بن صعصعة. ms011 ولكني وجدت نعمة ولينا، ووجدت حبا وعطفا، ~~ووجدت عناية لا تعدلها عناية، ولم أجد أحب ما كنت أطمح إليه: لم أجد منك ابتسام الثغر، ~~ولا انبساط الجبين، ولا انطلاق اللسان. # قالت ذلك وانتظرت هنيهة. فأجابها زوجها بصوت هادئ حزين: عزيز علي يا سمراء ما تجدين ~~من حزن، وما تحسين من خيبة أمل! إني لأحبك كما يحب الظمآن ما ينقع غلته من الماء ~~العذب، إني لآنس إليك أنسا يزيل عن نفسي كل هم، ويحبب إلي الحياة ويرغبني فيها. ~~إني لأشتاق إلى التحدث إليك والاستماع لك والأنس بك. ولو خيرت لما عدلت بمجلسك مجلس ~~قريش، ولا ببيتك فناء المسجد ودار الندوة. ولكن قوة خفية عاتية طاغية تملك علي ~~نفسي، وتأخذ علي كل سبيل وتدفعني إلى حيث لا أدري ولا أريد. إيه يا سمراء! إني لمؤرق ~~الليل، قلق النهار، مفرق النفس منذ ليال، وإني لأخشى على نفسي شرا. هذا طائف يلم بي ~~إذا أغرقت في النوم، فيأمرني بصوت رفيق غريب، فيه أنس وفيه وحشة، أن أحفر شيئا يسميه ~~طيبة، ويسميه برة، ويسميه المضنونة. فإذا سألته عما يريد، انصرف شخصه، وانقطع صوته، ~~وأفقت حائرا مذعورا لقد هممت يا سمراء أن أقص رؤياي هذه على الكاهن، وأن أصف له ما ~~أرى وما أجد، ولكني أشفقت أن يتحدث الناس عني أني مجنون، أو أن يتندر بي فتيان قريش ~~فيقولون: إن له رئيا من الجن. أشيري ماذا ترين؟ قالت سمراء: هون عليك ولا تغل في ~~الخوف ولا تسرف في الإشفاق. ما أكثر ما يلم أمثال هذا الطيف بالناس عندنا في البادية، ~~فلا يحفلون ولا يأبهون. ومع ذلك فما يمنعك أن تتقرب أنت إلى الآلهة في غير توسط للكاهن ~~ولا توسل به؛ قم فضح لهم، وقرب إليهم، فسيرضون وسيرضى الفقراء والجائعون، وسيغيظ ~~ذلك قوما من قريش. # وما هي إلا ساعات حتى كان فناء المسجد يموج بالناس، فيهم الفقراء قد أقبلوا من البطاح ~~والظواهر، وفيهم الأغنياء قد أقبلوا يقدمون الضحايا بين أيديهم. هؤلاء يتنافسون أيهم ~~يغلي الضحايا ويكثر منها، ms012 وأولئك ينتظرون ويمنون أنفسهم بغريض اللحم وجيده. لقد ~~سمعوا أن عبد المطلب يريد أن يضحي، وأن بني هاشم قد حفلت لذلك؛ فكرهت أمية ألا تفعل ~~فعلهم، وكرهت مخزوم أن تسبقها عبد مناف، فأقبل أشراف قريش يستبقون في التضحية ويتنافسون ~~في القربان. تنافسوا! تنافسوا أيها الأشراف! استبقوا أيها الأغنياء! فإن في ذلك شبع ~~الفقراء وسعادة الأشقياء. # وقضت مكة يوما داميا سمينا ، كثر فيه الطعام، وكثر فيه الشراب، ورضيت فيه الأصنام. ~~وسعد الفتى بما رأى، ونسي الفتى ما كان يهمه وينغصه، وقدر الفتى أن قد صرف عنه ~~الشر، ورد عنه المكروه. ورضيت سمراء، فتحدثت كثيرا وسمعت كثيرا، وأضحكت زوجها ~~وابنها الحارث بملح الأعراب ونوادر البادية، وقالت لزوجها وهي تمسح رأسه: أحبب إلي ~~بهذا الطائف الذي أرقك وأضناك؛ فقد حقق أملي وأراني ما كنت أطمح إليه، ورسم في قلبي ~~صورتك جميلة خلابة، فلن أراك منذ اليوم - مهما تكن الخطوب - إلا باسم الثغر، منبسط ~~الجبين، منطلق اللسان. وهل السعادة إلا لحظات قصار، تصيبنا ولم ننتظرها ولم نقدر لها ~~حسابا؛ فما أسعد القلب الذي يحتفظ بهذه اللحظات حين تمر، ويتخذها ذخرا للأيام وما ~~يعرض فيها من الخطوب! # قال عبد المطلب: إذا فأنت راضية يا سمراء. إن رضاك ليقع من نفسي المخزونة موقع الماء ~~من الأرض المجدبة. انعمي بما أنت فيه، وانتظري أن يقدر الله لك خيرا منه. فلو قد ~~صرفت عني هذه القوة العاتية الطاغية، لأريتك يا سمراء كيف تطيب الحياة، وكيف ترق ~~حواشي العيش! # وأوى الفتى إلى مضجعه راضيا مسرورا، واستقبل النوم مبتهجا له راغبا فيه. ولكن هذا ~~الشخص يقدم عليه ساعيا في هدوء، كأنما يمشي في الهواء، حتى إذا دنا منه انحنى عليه، ~~ووضع على جبهته يدا باردة خفيفة وقال في صوت رفيق غريب، فيه أنس وفيه وحشة: «احفر ~~زمزم.» واضطرب جسم الفتى كله، واضطربت نفس الفتي كلها، وانفتحت شفتاه عن هذه الكلمة: ~~«وما زمزم؟» قال الطيف بصوت رفيق مؤنس، قد فارقته الغرابة والوحشة، ومازجته سخرية ~~ورحمة: «لا تنزح ولا تذم، تسقي الحجيج ms013 الأعظم، وهي بين الفرث والدم، عند ~~نقرة الغراب الأعصم.» قال الفتى: «الآن قد وعيت.» فتولى عنه الطيف باسما وهو يقول: ~~«لله أنتم أيها الناس؛ لا يكفيكم الوحي، ولا تفقهون إلا سجع الكهان! رويدا! عما قريب ~~سيضيء الصبح!» ونهض الفتى مبتهجا مسرورا. فلما أصبح دخل على سمراء مشرق الوجه مضيء ~~الأسارير. # قالت وهي تسعى إليه: أيهما أحب إلى نفسي إشراق وجهك أم إشراق الشمس؟! ما أرى إلا ~~أنك قضيت ليلا هادئا. # قال: انعمي صباحا يا سمراء! لقد طابت الحياة منذ اليوم. إن هذا الطائف الذي يلم بي ~~منذ ليالي، طائف خير يأتي بالنعمة والغيث. إنه يأمرني أن أحتفر في فناء المسجد بئرا، ~~فلأفعلن منذ اليوم. ولئن ظفرت بها ليشربن الحجيج في غير جهد ولا عسر. هلم يا حارث ~~خذ معولا # 1 # ومكتلا # 2 # ومسحاة # 3 # واتبع أباك. # الفصل الثاني # | التحكيم # لاهم قد لبيت من دعاني # وجئت سعي المسرع العجلان # ثبت اليقين صادق الإيمان # يتبعني الحارث غير وان # جذلان لم يحفل بما يعاني # لاهم فلتصدق لنا الأماني # ما لي بما لم ترضه يدان # كان صوت عبد المطلب يندفع بهذا الرجز عريضا يملأ الفضاء من حوله، نقيا يكاد يبعث ~~الحنان فيما يحيط به من الأشياء. وكان كل شيء مستقرا لا يضطرب فيه إلا هذا الصوت ~~العريض النقي، وإلا هذه الذراع التي ترتفع بالمعول قوية، ثم تهوي به محتفرة، ثم ~~تدعه إلى المسحاة فتغرف بها التراب في المكتل، وإلا هذا الغلام الناشئ يرقب حركة أبيه، ~~ويسمع صوته ويرد عليه رجع هذا الصوت كلما وصل في الدعاء إلى هذا البيت: # لاهم فلتصدق لنا الأماني! # حتى إذا امتلأ المكتل حمله بذراعيه الضعيفتين، وأسرع في شيء من الجهد إلى خارج ~~المسجد، فألقى ما فيه ثم عاد، وأبوه يرفع المعول في الجو ويهبط به إلى الأرض، ويملأ ~~فضاء البيت بصوته العريض، والعرق يتصبب على جبينه، ولكنه لا يحس جهدا ولا يجد ~~إعياء. وكانت الشمس قد ألقت على الأرض رداء من النور نقيا، ولكنه ثقيل همد له كل ~~شيء، ms014 وأوى له الناس إلى بيوتهم يقيلون، وانقطعت له الحركة، وخفتت الأصوات، إلا هذه ~~الجنادب التي يروقها وهج الشمس، ويسكرها لهب القيظ، فتصدح بالغناء إذا سكت كل شيء. ~~وقد أخذ الغلام يحس لذع الجوع وحر الظمأ، ولكنه لا يقول شيئا، بل لا يكاد يفكر في ~~شيء، إنما سمعه وقلبه لصوت أبيه، وعيناه للمكتل والتراب، ونشاطه لإفراغ المكتل إذا ~~امتلأت. وهما في ذلك، إذا غلام يسعى قد أرسلته سمراء، يحمل إلى الرجل والغلام شيئا من ~~طعام وشراب، حتى إذا انتهى إليهما وضع ثقله وقال: مولاي، هذا غذاؤك وغذاء الصبي، قد ~~أعدته سيدتي العامرية، هيأته بيدها، وهي تعزم عليك لتصيبن منه، ولترفقن بنفسك ~~ولترفهن على هذا الصبي الحدث! لقد قال الناس جميعا، وهدأ كل شيء لهذا الوهج الذي ~~يصهر الأبدان ويحرق الجلود، وأنت فيما أنت فيه من جد يضني، وجهد يهلك، لا تقيل ولا ~~تستريح، ولا تريح هذا الطفل الذي لم يتعود الجهد والعناء، بعض هذا يبلغك ما تريد. ~~ولكن عبد المطلب لم يسمع للغلام إلا بأذن معرضة، ولم يستقبله إلا بوجه مشيح، إنما هو ~~ماض في رجزه واضطراب يده بالمعول ارتفاعا في الجو وهبوطا إلى الأرض، والصبي يتبعه ~~بسمعه وقلبه، ولكن عينه ربما اختلست نظرة قصيرة ملؤها الجوع والظمأ والنهم إلى هذه ~~السلة وما فيها، وربما وقف ذهنه الصغير عن متابعة أبيه. وانصرف إلى ما في هذه السلة ~~يعدده ويحصيه ويتمثله: إن فيها لشواء غريضا وإن فيها للبنا يمازجه عسل هذيل ~~الذي حمله خاله فيما حمل من هدايا البادية حين أقبل يزور أخته منذ أيام، وإن فيها ~~لماء عذبا. ومن يدري! لعل سمراء قد نقعت فيه شيئا من زبيب الطائف؛ فإنها تجيد ذلك ~~وتحسنه. وعبد المطلب ماض في رجزه وفي حركة يديه بالمعول والمسحاة، وقد امتلأ المكتل، ~~فيهم الصبي أن يحمله ليلقي ما فيه. ويدنو الغلام يريد أن يعينه في ذلك، ولكن عبد ~~المطلب ينهره نهرا عنيفا: «إليك يا غلام! فما لهذا الأمر إلا عبد المطلب ~~وابنه.» # ويمضي الصبي بالمكتل ويعود، ولكن ms015 الرجز قد انقطع، وذراع عبد المطلب لا تضطرب بالمعول ~~صعودا وهبوطا، وإنما هو مطرق إلى الحفرة ينظر فيها فيطيل النظر، ثم يرفع بصره إلى ~~السماء فيطيل رفعه، ثم يدير عينيه من حوله كأنه يريد أن يلتمس شيئا أو أن يلتمس أحدا، ~~ثم يدعو ابنه في صوت ملؤه الدهش والحيرة والرضا والإشفاق: هلم يا حارث انظر! أترى ~~ماء؟ ~~- كلا يا أبت! وإنما أرى ذهبا وسلاحا. ~~- ومع ذلك فلم أوعد بذهب ولا سلاح، وإنما وعدت بالماء لسقي الحجيج. إن وراء هذا الأمر ~~لسرا! ولكن هلم يا بني، فما أرى إلا أن الظمأ والجوع قد أجهداك. # وأقبل الرجل وابنه على السلة فأصابا مما فيها ذاهلين واجمين، ما أحسب أنهما وجدا ~~لما يصيبان طعما أو حسا له ذوقا، يصرفهما عنه هذا الذهب الذي يتوهج في الحفرة، ~~وهذا السلاح الذي يظهر أنه كثير ثقيل. حتى إذا فرغا من طعامهما عاد عبد المطلب إلى ~~الحفرة فيستخرج ما فيها، فإذا غزالان من ذهب نقي ثقيل، وإذا سيوف ودروع فيكبر، ويرفع ~~صوته بالتكبير ويسرع إليه أفراد قليلون كانوا قد بدءوا يفدون إلى المسجد، كدأب قريش حين ~~كانت تخف وطأة القيظ، فإذا رأوا هذا الكنز دهشوا ثم تصايحوا، ثم يفيض الخبر فيتجاوز ~~المسجد، وإذا شباب قريش وشيوخها يقبلون سراعا مزدحمين، يسرع ببعضهم حب الاستطلاع، ~~ويسرع ببعضهم الآخر الطمع في الغنيمة، ويسرع بفريق منهم باعث ديني غامض، فيه خوف وفيه ~~رجاء وفيه إكبار للآلهة، وتوقع للمعجزة الخارقة. حتى إذا توافوا جميعا، واستوثقوا من ~~أن عبد المطلب قد وجد كنزا، وعرفوا حقيقة هذا الكنز، وقوموا ذهبه الخالص، وصناعته ~~البارعة، وما فيه من سيوف ودروع، أداروا أمرهم بينهم: لمن يكون الكنز؟ قال هشام بن ~~المغيرة: إنما هو لقريش! فقد وجد في المسجد، وكل ما وجد داخل الحرم في أرض عامة فهو ~~لقريش. وقال حرب بن أمية: إنما هو لبني عبد مناف خاصة؛ فهم الذين احتفروا وهم الذين ~~ظفروا، وما ينبغي لقريش أن تغلبنا على خير ساقته إلينا الآلهة. # وتنازع القوم وطال النزاع، ms016 واختصم القوم واشتدت الخصومة، وعبد المطلب صامت مطرق، لا ~~ينطق بكلمة ولا يأتي بحركة. هنالك صاح به حرب: ما لك لا تقول وأنت الذي وجد الكنز، وأنت ~~أحقنا بأن ترى رأيك فيه؟! قال عبد المطلب في هدوء وأناة: ما ينبغي أن يكون الكنز لأحد ~~حتى نستشير الآلهة؛ فما حفرت ولا ظفرت إلا بأمر خفي، وما أرى إلا أن للآلهة في ذلك ~~إرادة وقدرا لا نبلغهما حتى نسأل الكهان. هنالك وجمت قريش وغضب بنو عبد مناف، وأنكروا ~~جميعا في أنفسهم أن يشرك عبد المطلب معهم الآلهة في هذا الكنز الدفين. ولكنهم لم ~~يقولوا شيئا، وما كان لهم أن يقولوا شيئا. ومن الذي يستطيع أن يرد قضاء الآلهة؟ حمل ~~الكنز إذا إلى الكعبة. وأقبل القوم إلى الكاهن يسألونه أن يضرب بالقداح. وها هو ذا ~~يضرب بقداحه، ثم يضرب، ثم يضرب بين قريش والكعبة، فتخرج القداح للكعبة ثلاثا، فيصيح ~~عبد المطلب: لقد ظهر قضاء الله، فليكن ما أراد! تفرقوا يا معشر قريش؛ تفرقوا يا بني عبد ~~مناف! فليس لأحد منكم في هذا الكنز نصيب! أما هذا الذهب فسيضرب صفائح على باب الكعبة. ~~وأما هذه السيوف فستعلق عليها. وأما هذه الدروع فستدخر في خزائنها. ثم التفت إلى ابنه ~~وقال: هلم يا حارث، اتبعني لنمضي فيما كنا فيه. وتفرقت قريش وفي صدورها غل وحنق. ~~ولكن ثلاثة نفر من أهل الظواهر انتحوا ناحية، وأقاموا يرددون الطرف بين الكنز والكعبة ~~وعبد المطلب، ثم انصرفوا وقد فهم بعضهم بعضا. وأصبح الناس ذات يوم وإذا بالكعبة قد ~~جردت مما علق عليها من ذهب وسلاح. # وراح عبد المطلب مع المساء إلى أهله محزونا مكدودا، راضيا مع ذلك، لم يفارق قلبه ~~الأمل. فاستقبلته سمراء فاترة لم تسع إليه ولم تبتسم له، ولكنها لم تعرض عنه ولم ~~تتجهم له. فلما سألها عن هذا الفتور أطالت الصمت. ولما ألح في السؤال، قالت: وبم ~~تريد أن أبتهج؟ ولم تريد أن أبتسم؟ لقد علمت منذ زفني أبي إليك أني قد تزوجت رجلا لا ~~كالرجال. لقد ms017 أحببتك ولكني أنكرتك. لقد أملت فيك ويئست منك، ثم عاد إلي الأمل أول ~~أمس، ثم ها أنت ذا ترد إلي اليأس مظلما حالكا قبيح الوجه، بشع المنظر كأنه الغول. ~~ماذا؟! يلم بك الطائف أربع ليال، يهيب بك ويلح عليك، رمزا حينا ومصرحا حينا ~~ومصرا دائما، حتى إذا أذعنت لأمره وانتهيت إلى ما سيق إليك من خير وادخر لك في الأرض ~~من غنى زهدت فيه وانصرفت عنه، وأشفقت أن تسلمه إلى قريش أو إلى بني عبد مناف، فيقال: ~~ألقى بيده ونزل عن غنيمته؛ فصرفت ذلك عنك وعنهم إلى هذه البنية # 1 # تحليها بالذهب وتعزها بالسلاح! وماذا تصنع الأحجار القائمة بذهبك ~~وسلاحك! لله أنتم يا معشر قريش! إنكم لتكبرون من هذا البناء المنصوب ما لا نكبر نحن ~~في البادية. ولولا حاجاتنا ومنافعنا لما هبطنا بطاحكم حاجين ولا معتمرين، ولكنكم قوم ~~ضعاف تكبرون ما لا يكبر، ويغركم أن أفئدة الناس تهوي إليكم، تحسبونهم يقبلون إليكم ~~بالدين وينصرفون عنكم بالطاعة. وإنما يقبلون عليكم بما عندهم من عروض، وينصرفون عنكم ~~بما تحملون لهم من الآفاق. # هلا طاولت قريشا وانتظرت بهذا الكنز حتى تروح إلي! لقد كان فيه غنى لك ولهذا ~~الصبي الذي تعنيه وتضنيه منذ ألم بك ذلك الطائف. هلا تريثت أو اصطنعت الأناة! إذا ~~لاحتويت الكنز ولأصبحت أغنى قريش وأكثرهم مالا، ولما استطاع بنو عبد شمس أن يكاثروك ~~بما يملأ خزائنها من الدراهم والدنانير. إذا لأقبلت إليك بنو عامر بقوتها وبأسها ~~فأعزتك ومنعتك من قريش ولكنك أشفقت وملأ قلبك الفرق، وعبثت بنفسك بقية من كبرياء، ~~فأفقرت نفسك، وقضيت على ابنك هذا أن يكون دون بني حرب ثروة ومالا. قال عبد المطلب ~~محزونا: هوني عليك يا سمراء، وأقلي اللوم، فما أرى أنك تفقهين مما ترين شيئا. لا ~~أحب لوجهك هذا النضر أن تعلوه غبرة الحرص على المال. وما أحب لصوتك هذا العذب أن ~~تشوبه مرارة الحديث عن المال. وما أرضى وإن نسلتك أشراف بني عامر أن تغضي من أمر ~~قريش. إن فيكم - أهل البادية - لطباعا ms018 غلاظا ونفوسا يملؤها الطمع. أنتم لا تحسبون ~~الدين ولا تقدرون الغيب، ولا تؤمنون إلا بما ترون، ولا تخافون إلا القوة الظاهرة. لقد ~~كنت أحسب أن مقامك الطويل بمكة قد غير نفسك بعض الشيء، فإذا أنت اليوم كما كنت يوم ~~انحدرت من بادية نجد إلى هذه البطحاء. هوني عليك ولا تشغلي نفسك بما لست منه في قليل ~~ولا كثير. لقد أمرني الطائف أن أحتفر، ووعدني أن أجد الماء لأسقي الحجيج لا أن أجد ~~الذهب لأغنيك وأدخل الخصب على بني عامر؛ فليس هذا الذهب لي ولا لقريش وإنما هو مخبوء ~~لأمر يراد. وإني لمن قوم لا يحبون الغضب ولا يستأثرون بما ليس لهم، ولا يمنعون ~~الحقوق. فإن تكن غلظة الأعراب وجفوة البادية وجحودها قد شاقتك فزمي رحالك غدا ~~وألمي بأهلك! فهم أحق بك وأدنى إليك. قال ذلك ونهض غاضبا، وتركها واجمة بهذا الحديث ~~العنيف تقاوم غيظا لم يلبث أن استحال إلى دموع غلاظ تحدرت على خديها كأنها لؤلؤ ~~العقد قد خانه النظام. # وارتفع صوت عبد المطلب بالتكبير حتى امتلأ به المسجد وفاض من حوله، وحتى اضطربت له ~~مجالس قريش في فناء البيت، فخف الناس إليه وهم يقولون: ما نرى ابن هاشم هذا إلا مطروقا ~~يلقى من الجن شططا، ويريد أن نلقي منه شططا. أقبلوا إليه سراعا يزدحمون وقد آلى ~~أشرافهم لئن وجدوه قد ظفر بكنز وعثر على غنيمة، ليغبننه عليها، وليعطنه منها نصيب ~~رجل من قريش. وانتهوا إليه وهو يكبر ويصيح: هذا طوي إسماعيل! هذه بئر زمزم! هذه سقاية ~~الحاج! لقد صدق الوعد وتحقق الأمل. # فنظروا فإذا عبد المطلب قد وجد الماء، وإذا هو يستقي فيشرب ويسقي ابنه، ويرسل الماء ~~بيديه من حوله كأنه يريد أن يسقي الأرض والهواء والناس. هنالك ابتسموا له ورفقوا به، ~~وقالوا: لقد بررت بقومك يا شيبة، وأنبطت لهم هذا الماء يستقون منه، إذا ضنت عليهم ~~الينابيع، فوصلتك رحم! لتعرفن لك قريش هذه اليد. قال: ما أنتم وذاك! هذه بئري قد ~~حفرتها، وكشفت طيها بأمر هبط إلي من ms019 السماء. وهذا شرب ساقه الله إلي سأسقيكم منه إن ~~أردت، ولكني أسقي الحجيج منه قبل أن أسقيكم، فبذلك أمرت وأنا على ذلك قائم. قالوا: يابن ~~هاشم! إنك لتسرف على نفسك، وتشط على قومك، وتختلق على السماء! إن هذه الأرض ليست لك، ~~وإنما هي لله ثم لقريش، وإن كل ما وجد فيها فهو لله ثم لقريش، وإنا لم نشهد أمر السماء ~~حين تنزل إليك. ومتى تنزل أمر السماء على الناس إلا من طريق الكهان! فأين الكاهن ~~الذي أمرك أن تحتفر؟ قال: يا قوم! خلوا بيني وبين الماء، فوالله لن تبلغوا مني شيئا. ~~إنكم تكثرونني بعددكم وعديدكم، ولكن الذي أمرني باستنباط هذا الماء حري أن يرد عني ~~كيدكم ويحميني من ظلمكم. إنكم تستضعفونني حين ترون أني أبو واحد، ولكن الذي سخرني لهذا ~~الأمر خليق أن يمنحني من الولد من أكاثركم به. وإني أقسم لئن منحني من الولد عشرة ~~ذكورا أراهم بين يدي لأضحين له بواحد! وسمع بنو عبد مناف مقالة عبد المطلب فثارت ~~نفوسهم وتعصبوا له وقاموا من دونه يردون عنه عدوان قريش. وكاد الشر يقع بين القوم، ~~ولكن عبد المطلب قال يا قوم فيم قطع الأرحام، وخفر الذمام، وإراقة الدماء! إني والله ~~ما أوثر نفسي من دونكم بشيء. فإن أبيتم أن تؤمنوا لي فهلم إلى حكم فليقض بيننا. قال ~~الملأ من قريش: لقد أنصفكم ابن أخيكم من نفسه، فليكف بعضكم عن بعض، ولنحتكم إلى كاهنة ~~بني سعد هذيم، فما نعرف أبصر منها بمواقع الحكم. # وكانت قافلة قريش تتجهز للرحلة إلى الشام؛ فأجمع القوم أن يصحبها رسلهم إلى الكاهنة ~~في معان. فلما فصلت العير صحبها عبد المطلب في عشرين من بني عبد مناف، وأرسلت قريش ~~معها عشرين من بطونها المختلفة، ومضى القوم ترفعهم النجاد وتحطهم الوهاد حتى طال بهم ~~السفر، ونفد ما كان معهم من ماء، واشتد بهم الظمأ وأحرق أكبادهم الصدى، وغدوا ذات يوم ~~في فلاة مبسوطة يحار فيها الطرف دون أن يهتدي إلى أمد، ليس فيها عين ولا بئر، ولا ms020 شجرة ~~ولا عشب، وإنما هي أرض ملساء جرداء تقع عليها أشعة الشمس الملتهبة فتلهبها تحت الأقدام. ~~وقد يئس القوم من كل روح، وقنطوا من كل وجهة، فاجتمعوا يتشاورون. قال قائل منهم: يا ~~قوم؛ إنما هو الموت فأنتم بين اثنتين: إما أن تموتوا ضيعة وتصبح أجسامكم نهبا لسباع ~~الأرض والجو، لا تواريكم يد في التراب، ولا تأوي نفوسكم إلى جدث تطمئن فيه؛ وإما أن ~~يقوم بعضكم على بعض، ويواري بعضكم بعضا، فيكون لكل منكم حفرته، وتعرف نفوسكم إذا هامت ~~في الفضاء الواسع، وألمت بأهلها في بطاح مكة وظواهرها، كيف تهتدي إلى أجسادها ~~فتلم بها وتسكن إليها. والرأي أن يحتفر كل منكم حفرته، وأن تقيموا، فأيكم ذهب ~~الصدى بنفسه وأراه أصحابه وبكوا عليه، فلا يذهب منكم ضيعة إلا رجل واحد تمتد به ~~الحياة إلى أقصى أجل. # قال ذلك قائلهم ونهض فأخذ يحفر حفرته؛ وتثاقل القوم بعض الشيء، يفكرون في أولادهم ~~وآخرتهم، ويذكرون مكة ومن تركوا فيها من أهل وولد ومال، ويذكرون الشام وينظرون إلى ما ~~كانوا يحملون إليها من تجارة، ويفكرون فيما كانوا ينتظرون أن يحققوا فيها من ربح. ~~وتقدم رسل قريش إلى الكاهنة يتلاومون في البئر وفي خصومتهم لصاحب الحق. ثم ينهضون ~~والموت يثقل نفوسهم، فيعمد كل منهم إلى سنان يخط به حفرته في الأرض. # كل ذلك وعبد المطلب ساكت ساكن لا يقول ولا يومئ، ولكنه نهض فجأة وقال بصوته العذب ~~العريض: «يا معشر قريش، ما أعجزكم! ها أنتم أولاء تلقون بأيديكم وتنتظرون الموت، ~~وتقطعون ما بينكم وبين أهلكم وولدكم من أسباب الحياة، وإن فيكم لبقية من قوة، وإن في ~~إبلكم لقدرة على الحركة وفضلا من النشاط! لا والله ما أنا بمسلم نفسي للموت حتى ~~يكرهني عليها. هلم فاضربوا في هذه الأرض! فلعل الله أن يجد لكم من هذا الضيق ~~فرجا.» # ووقعت ألفاظ عبد المطلب هذه من نفوس الناس موقع الغيث، وإذا الآمال تحيا، وإذا النشاط ~~يتجدد، وإذا القوم ينهضون إلى رواحلهم، وإذا هم يؤثرون أن يتخطفهم الموت على أن يسعوا ms021 ~~هم إليه. وينهض عبد المطلب إلى راحلته، حتى إذا جلس عليها وزجرها نهضت وهمت لتندفع. ~~ولكن ماذا! ماذا يسمع القوم؟ ماذا يرون؟ هذا عبد المطلب يصيح بأعلى صوته مكبرا وهم ~~يلتفتون، فإذا عين غزيرة قد انفجرت تحت خف الراحلة، وإذا هي تفور، وإذا بالماء ينبسط ~~من حولها فينقع غلة الأرض المحترقة قبل أن ينقع غلة القوم الظماء! # هلم يا معشر قريش إلى الماء الرواء ! قد فجره الله لكم من الصخر الصلد هلم فاشربوا ~~واسقوا إبلكم واملئوا مزادكم. هلم فانعموا بهذا الماء الصافي النقي البارد في هذه ~~الفلاة القائمة المحرقة. والقوم يضجون بالرضا والغبطة، وإن للإبل من حولهم لأطيطا ~~ملؤه الرضا والغبطة أيضا. ومن ذا الذي زعم أن نفوس الناس وحدها هي التي تجد اللذة ~~والألم، وتشعر بالسرور والحزن! روي الناس، ورويت الإبل، ورويت الأرض. وقالت رسل قريش ~~لعبد المطلب: عد بنا يا شيبة إلى مكة فقد قضي علينا، وإن الذي أسقاك في هذه الصحراء ~~وأنقذنا بك من الهلاك، هو الذي أسقاك في مكة وساق إليك ما تروي به الحجيج. # وأقبل البشير على سمراء ينبئها بأن زوجها قد عاد إليها سالما موفورا مظفرا! ~~فقالت وعلى ثغرها ابتسامة الكئيب المحزون: «حبذا شيبة مسافرا! وحبذا شيبة مقيما! ولكن ~~شيبة لن يخلص لي منذ اليوم؛ إنه ليريد كثرة الولد! وأي نساء قريش تستطيع أن تمتنع ~~عليه؟!» # ثم أشرقت شمس الغد على عبد المطلب وهو يسعى إلى عمرو بن عائذ المخزومي ليخطب إليه ~~فاطمة، وهي أم جماعة من ولده بينهم عبد الله. # الفصل الثالث # | الفداء # أصبحت سمراء محزونة كاسفة البال، تبدو على وجهها المتجعد وجبينها المقطب كآبة مظلمة، ~~لم تحاول في هذا اليوم أن تخفيها أو تخفف من حدتها كما تعودت أن تفعل منذ أعوام وأعوام. ~~فقد عرفت سمراء ألم الحزن منذ احتفرت زمزم، ومنذ ظهر حرص زوجها على الولد، ورغبته في ~~كثرة العدد، ومنذ خطب فاطمة المخزومية فأحبها وكلف بها، وانصرف إليها عن كل شيء وعن كل ~~إنسان، ومنذ كثر ولد فاطمة من البنين ms022 والبنات، واشتد لذلك حب عبد المطلب لها وكلفه ~~بها وانصرافه إليها، وتجافيه عن زوجه الأولى، تلك التي أضاءت له سبيل الشباب، وأعانته ~~على احتمال أثقال الحياة الأولى. # نعم! عرفت سمراء ألم الحزن في هذه الأعوام الطوال من حياتها، ولكنها كانت على بداوتها ~~امرأة لبقة بارعة الجمال، ذكية القلب، تعرف كيف تخفي على زوجها ما يكره، وكيف تلقاه بما ~~يحب. # وكانت توفق بفضل هذه اللباقة وهذا الذكاء؛ لأن تستميل إليها زوجها وربما اضطرته إلى ~~أن ينقطع إليها وقتا ما، وينسى زوجه الأخرى إلى حين. # ولكن يوما أقبل يحمل إلى سمراء شرا ليس فوقه شر، وألما ليس بعده ألم؛ أصبح هذا ~~اليوم مظلما، فما أمسى حتى أظلمت له حياة سمراء كلها. ذلك أنه مضى بموت ابنها الوحيد، ~~فأذاقها مرارة الثكل واليتم والترمل جميعا. فقد كان الحارث لها ابنا تجد عنده ~~قرة العين، وأبا تحس منه العطف وحنو الآباء: وكان هو يحس ألمها ويعرف أسراره، ويجد ~~في الطب لهذا الألم؛ فكان يبالغ في رعاية أمه وحمايتها. وكان شديد الحرص على أن يلقاها ~~ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وعلى أن يطيل المكث معها والتحدث إليها، يشركها في جد أمره ~~ولعبه، يستشيرها ويظهر قبول مشورتها والاستماع لنصحها. فكان يقوم منها في أكثر الأحيان ~~مقام أبيه؛ وكان يعزيها بحبه وبره عما كانت تجد من الوحشة حين يصد عنها زوجها فيطيل ~~الصدود. فلما مات الحارث مات معه أمل سمراء، ولم تلق الحياة إلا بوجه محزون كئيب يصور ~~قلبا مكلوما مظلما. وقد جزعت سمراء لهذا الخطب واشتد جزعها وطال. ولكن أي شيء يبقى ~~على الأيام! ولقد ذهبت الأيام الطوال بحدة هذا الجزع وشدته كما ذهبت بنضرة شباب سمراء، ~~وكما ذهبت بحياة ابنها الحارث، وكما ذهبت بحب زوجها عبد المطلب وأصبحت وقد تقدمت بها ~~السن وامتحنتها حوادث الدهر، امرأة مذعنة لحكم القضاء، لا تنكر شيئا، ولا يسرها ~~شيء، محزونة ولكن في دعة، ملتاعة ولكن في هدوء! # وقد أحست إنكار الناس من حولها لما يرون من حزنها وكآبتها، وما يجدون ms023 من انقباضها ~~عنهم، فجدت ما استطاعت في إخفاء ما تجد وكتمان ما تحس؛ واحتفظت لنفسها بهذا الكنز ~~الحزين، كنز الذكرى وما تثيره من العواطف، وما تهيجه من اليأس. وتركت للناس من نفسها ~~شخصا عاديا يبتسم حين يبتسمون، ويرضى حين يرضون، ويشاركهم في أكثر ما يجدون من عاطفة ~~أو شعور. على أنها كانت تجد شيئا من الرضا وراحة النفس حين تجد من زوجها عطفا عليها ~~وأنسا إليها. # وكان زوجها منذ أصابها هذا الخطب شديد الرفق بها، كثير الزيارة لها، يصفيها مودة ~~خالصة قوية، ولكنها خالية أو كالخالية من هذا الحب الذي يحيي قلوب النساء. أصبحت سمراء ~~في هذا اليوم محزونة ظاهرة الحزن، كئيبة بادية الكآبة، أقبل عليها إماؤها الثلاث ~~يحيينها تحية الصباح، فردت عليهن تحيتهن ردا فاترا؛ ثم جلست وجلسن، وأخذت مغزلها ~~وأخذن مغازلهن، وعملت أيديهن في الغزل، وسكتت ألسنتهن عن الكلام. وكانت سمراء تدع ~~مغزلها من حين إلى حين وتظل ساكنة واجمة، وربما انحدرت من إحدى عينيها دمعة حارة ~~فأسرعت إليها تزيلها بيدها دون أن تقول شيئا. والإماء صامتات ينظرن في حزن عميق إلى ~~مولاتهن الحزينة، ولا تستطيع واحدة منهن أن تبدأها بالكلام. فلما طال عليهن هذا الصمت ~~وهذا الحزن، وثقل عليهن ما كن يجدن من ألم، وما كان يملأ قلوبهن من حب للاستطلاع، ~~ورغبة في الكلام، وميل إلى تعزية مولاتهن، اجترأت «ناصعة» وكانت أشجعهن قلبا، وأطولهن ~~لسانا - لأنها كانت تعرف مكانتها عند سمراء - فقالت: لقد أصبحت يا سيدتي على حال ما ~~رأيناك عليها منذ زمن بعيد. فقد كنا نراك محزونة كئيبة، ولكنك كنت تجاهدين الحزن ~~وتدافعين الكآبة وتتكلفين الرضا، وكنا نجد من ذلك ما يشجعنا على تسليتك وتلهيتك بالحديث ~~حينا، وبالغناء حينا آخر؛ تقص عليك كل واحدة منا ما حفظت من أخبار بلادها، وتغنيك كل ~~واحدة منا بما تعلمت من الغناء في رطانتها الأعجمية؛ وكذلك كنت تسمعين أقاصيص سورية، ~~وأخرى حبشية وأخرى يونانية، وكنت تسمعين أغاني في لغات أجنبية قليلا ما تعجبك، ولكنها ~~كانت ترسم على ثغرك الابتسام في ms024 أكثر الأحيان. أما اليوم فلم نر منك حزنا قاتما، ولم ~~نسمع صوتك العذب، ولم يرعنا إلا هذه الدموع التي تسفحينها في صمت أليم! تكلمي يا ~~مولاتي! أبيني! ماذا تجدين! ماذا أحزنك اليوم؟ تكلمي وأحسني ظنك بنا؛ فقد نستطيع أن ~~نعينك على الحزن كما كنا نستطيع أن نبعث في قلبك السرور. نحن إماء، ولكننا نساء نجد ~~الحزن كما تجدينه، ونحس اللوعة كما تحسينها! ولعل حبنا للبكاء أشد من حبنا للضحك! ولعل ~~حرصنا على الحزن أشد من رغبتنا في السرور! ولعلنا إن شاركناك في الحزن والألم جارينا ~~طبائعنا، وأرسلنا نفوسنا على سجاياها. فليس في حياتنا وإن كنت لنا مكرمة ما يسر أو ~~يرضي. وأي شيء يسر أو يرضي في حياة الأمة الغريبة التي لا تملك نفسها، ولا تحس إلا ذل ~~الرق، ولا تستطيع أن ترضى حقا، أو أن تسخط حقا، إلا إذا خلت إلى نفسها. وأنى ~~لها أن تخلو إلى نفسها؛ تكلمي يا سيدتي! ماذا يسوءك؟ وماذا يغشي وجهك بهذا الغشاء ~~الحزين؟ # قالت «ناصعة» ذلك وانتظرت أن تجيبها سمراء، ولكنها لم تظفر بجواب، وإنما رأت دموعا ~~تنحدر ثم تنهمر، ثم تستحيل إلى زفرات حارة ونحيب غير منقطع. # وهنا محا الحزن ما بين السيدة وإمائها من فروق، فأسرعن إليها يهدئنها ويرفقن بها: ~~هذه تقبلها، وهذه تسمح دموعها، وهذه تمر يدها على رأسها، وهن جميعا يبكين لها ويبكين ~~لأنفسهن. وقد هدأت سمراء بعض الشيء، وسكنت نفسها الثائرة إلى هؤلاء الإماء الرفيقات، ~~فابتسمت لهن في حزن، وشكرت لهن ما أظهرن لها من مودة وعطف؛ وطلبت إليهن العودة إلى ما ~~كن فيه من عمل، وأخذت هي مغزلها وجعلت تديره في يدها. ولكن «ناصعة» لم تلبث أن عادت إلى ~~الكلام، فقالت وهي تتكلف الابتسام وتتصنع الضحك: ليس يغني عنك الصمت يا مولاتي؛ فإنا ~~نعلم ما تسرين كما نعلم ما تعلنين. ولولا خوفنا منك وإكبارنا إياك لقصصنا عليك القصة ~~التي تحزنك وتجري دموعك الحارة على خدك النقي؛ ولكن أنى لنا أن نبلغ منك هذه المكانة، ~~وإنما أنت سيدة ms025 ونحن إماء! # قالت سمراء: كفي عن هذا الحديث يا ناصعة! فقد أنسيت اليوم أن بيني وبينكن فرق ما بين ~~السيدة وإمائها، ولست أرى منكن الآن إلا نساء تعسات مثلي؛ إنما نحن أخوات في الشقاء ~~والبؤس؛ وما ينفعني أنني حرة وأنا مثلكن مقيمة على الضيم، محتملة للذل، مذعنة لصروف ~~القضاء، لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا، ولا أستطيع أن أبرح هذه الدار وإلى أين أبرحها ! ~~لقد ذهبت غارة بني أسد بأبي وأخي، وأصبحت أمي وأخواتي إماء مثلكن، لا أعرف من أمرهن ~~شيئا، ولم ينهض فتيان بني عامر وكماتهم للثأر! ليت شعري ماذا يصنع أبو براء بأسنته! ما ~~له لا يلاعبها! لقد ذهب الموت بابني، وأصبحت أسيرة في يد عبد المطلب، أسيرة لا ~~كالأسرى؛ يجفوني ولا أستطيع له بغضا ولا قلى كما يفعل الأسرى، وإنما أحبه ولا أجد عن ~~داره منصرفا. ها هو ذا قد عاد من رحلته إلى اليمن منذ ثلاث. فلما بلغ مكة أسرع إلى ~~هالة بنت وهيب، فقضى عندها أول لياليه وأول أيامه؛ لأنها أحدث زوجاته به عهدا. ثم أصبح ~~فانتقل إلى نتيلة فأقام عندها يوما وليلة. ثم أصبح فانتقل إلى فاطمة فأقام عندها ~~يوما وليلة. وما أرى إلا أنه سيقبل بعد حين فيلم بهذه الدار إلمامة قصيرة، ثم يسرع ~~إلى هالة، فما أشد شوقه إليها! وقد حدثت أنه أقبل من اليمن كأحسن ما يكون الرجال ~~سمة، وأبرع ما يكونون جمالا. وحدثت أن هالة أنكرته حين رأته؛ فقد ودعنا أبيض الرأس ~~وعاد فاحم الشعر كأنه لم يتجاوز الثلاثين. # 1 # وقد أنكرته من الغد قريش كلها لما رأت من سواد لمته. ولكنه أزال عجب قريش ~~حين أظهر لها هذا الخضاب الذي حمله من اليمن، والذي يرد الشيب شبابا، والذي أسرعت ~~قريش إليه فاشترت منه، واختضب به شيبها فإذا أهل مكة كلهم شباب. كل ذلك ولم أر عبد ~~المطلب، ولم أحس منه ذكرا لي وحنينا إلي. وماذا يصنع بي؟ ليس لي شباب هالة، ولا ~~جمال نتيلة، ولا ولد فاطمة! وإنما أنا ms026 عجوز فانية، يتيمة وحيدة، ليس لها أب ولا أم ولا ~~ولد. أنا هذا الحمل الثقيل الذي يضيق به صاحبه، ولكنه يأبى أن يلقيه ويتخفف منه مخافة ~~أن يصفه الناس بالضعف أو القصور. # قالت ذلك وأغرقت في بكاء طويل شاركها فيه إماؤها الثلاث. ولكن «ناصعة» لم تلبث أن ~~قالت: أهذا كل ما تعلمين من أمر زوجك يا سيدتي! إنك إذا لتجهلين كل شيء، ولا تعلمين ~~إلا أقل أمره خطرا. وإن عندي من أمر سيدنا ما لو قصصته عليك لأرضاك، ولخفف لوعة الحزن ~~هذه التي تحرق فؤادك الكئيب. لن ترى زوجك اليوم يا مولاتي فهو عنك في شغل. لقد كان ~~راضيا مسرورا حين كان يرى نساءه ينكرن سواد لمته ويعجبن بشبابه الجديد، وحين كانت ~~قريش تستبق إليه تشتري منه هذا الخضاب بما أحب من مال. ولكنه محزون منذ أمس، مغرق في ~~حزن لا قرارة له، فهو خليق بالرثاء. إنك تحبينه يا سيدتي وستنسين إعراضه عنك وسترثين ~~له، وإني أخشى أن تخفي إليه حين تعرفين نبأه. قالت سمراء في شيء من الجزع بدأ هادئا، ~~ولكنه لم يلبث أن اشتد قليلا قليلا حتى بلغ أقصاه: ماذا تقولين؟ وبم تتحدثين؟ هو ~~محزون؟ هو خليق بالرثاء! لماذا؟ أبيني متى علمت بذلك؟ كيف أخفيته علي؟ ما الذي يحزنه؟ ~~ما الذي يسوءه؟ ما الذي يجعله أهلا للرثاء؟ ما الذي يضطرني إلى أن أخف إليه لأعزيه ~~وأواسيه؟ قولي، أسرعي، لا تخفي علي شيئا. # قالت ناصعة: مهلا يا سيدتي! ارفقي بنفسك ولا تذهبي بها في الخيال كل مذهب! لا بأس ~~عليه في نفسه ولا في ماله، ولكنه يمتحن منذ أمس في بنيه. هوني عليك! إن في هذه المحنة ~~لعزاء لك عن فقد حارثك العزيز. أتذكرين يوم احتفر زمزم فنذر لئن أوتي من الولد عشرة ~~ذكورا ... قالت سمراء: يراهم ليضحين بواحد. يا بؤس هذا اليوم! فقد عرفت هذا النذر فكان ~~مصدر شقائي كله، عرفت أنه سيستكثر من النساء، ورأيت مدية التضحية ممدودة إلى عنق قد ~~يكون عنق ابني العزيز. منذ ذلك ms027 اليوم كرهت النساء جميعا؛ لأني رأيت في كل واحدة منهن ~~ضرة لي. ومنذ ذلك اليوم رأيت شبح الموت مقيما بهذا البيت ما أقام فيه ابني، مفارقا ~~لهذا البيت ما فارقه ابني. ومنذ ذلك اليوم لم أر ابني في يقظة ولا في نوم إلا رأيت ~~الموت ظلا. أتمي حديثك يا ناصعة. # قالت الفتاة: لقد ذكر زوجك أمس وهو يتحدث إلى فاطمة نذره هذا، وذكر أن أبناءه الذكور ~~قد بلغوا عشرة أحياء يراهم بمولد طفله حمزة، فأقسم ليوفين نذره، وليضحين بأحد أبنائه، ~~وليجعلنهم تسعة منذ اليوم، حتى تتمهم له هالة أو نتيلة أو غيرها عشرة أو تزيد بهم على ~~العشرة، ولم يكد يعقد هذه اليمين حتى جزعت فاطمة وشاركها بناتها في الجزع. أشفقت على ~~الزبير وأبي طالب وعبد الله وغيرهم من بنيها. وبلغ الخبر نتيلة فخافت على العباس. وبلغ ~~الخبر هالة فجزعت على حمزة. وثارت لكل امرأة قبيلتها، وألح الناس على الشيخ: تأبى كل ~~قبيلة أن تكون التضحية منها. ومضى الشيخ في يمينه، فجمع إليه بنيه وأنبأهم بنذره، فكلهم ~~أقره، وكلهم أطاعه، وكلهم ألح عليه ليوفين بالنذر، وليقدمن التضحية. وليس لقريش منذ ~~أمس حديث إلا هذا النبأ، هم يتناقلونه ويكبرونه وينكرونه، وقليل منهم من يقر الشيخ ~~على هذا العزم الفظيع. # ثم قالت الفتاة: ثم أقبل الشيخ ببنيه إلى الكعبة مع الصبح، فأجال فيهم قداحه، فخرج ~~القدح على أحب بنيه إليه وآثرهم عنده. قالت سمراء وهي مضطربة، وقد سالت من عينها دمعتان ~~محرقتان: خرج القدح على عبد الله؟ قالت الفتاة: نعم! فأخذ الشيخ بيد ابنه يقوده إلى ~~المذبح وفي يده المدية. ولكن بناته جميعا وأمهن قمن دون الفتى صائحات يستصرخن بني ~~مخزوم، ويستصرخن قريشا كلها، ويمنعن الفتى بحياتهن. وأقبلت إحداهن إلى الشيخ ضارعة ~~ثائرة معا فقالت: إذا كان قلبك قد استحال إلى صخر، فلا ترق لابنك الشاب، ولا لأمه ~~الشيخة، ولا لأخواته البائسات، وإذا كانت شريعة قريش قد قست وجفت وغلظت، حتى جعلت ~~للآباء على أبنائهم حق الحياة والموت كأنهم الرقيق أو الحيوان، ms028 فدعنا نحتكم في هذا ~~الفتى إلى رب هذا البيت؛ فهو أوسع منك رحمة وأجدر منك أن يضن بهذا الشاب على الضياع، ~~وأن يربأ بهذا الدم الزكي أن يراق. لنحتكم إلى رب هذا البيت في أمر هذا الفتى. لنقرع ~~بينه وبين هذه الإبل الكثيرة التي تسميها في الحرم، ولنبلغن من ذلك ما يرضي رب هذا ~~البيت. # وكانت قلوب قريش قد تفطرت حزنا، وتصدعت أسى لقول هذه الفتاة وهي تبكي، وقد التزمت ~~أخاها تعانقه وتقبله وتغسل وجهه الناصع بدمعها الغزير وهي تصيح: لأموتن قبل أن تموت! ~~فما زالت قريش بالشيخ تلاينه حينا وتخاشنه حينا، حتى اضطرته أن يقبل تحكيم ~~الآلهة. # قالت سمراء وقد بلغ بها الهلع أقصاه: ثم ماذا؟ قالت الفتاة: ثم لا أدري! تركتهم ~~يتأهبون لإجالة القداح بين الفتى والإبل، وأقبلت أقص عليك النبأ فرأيتك فيما كنت فيه من ~~حزن عميق. # قالت سمراء: يا بؤسا لهذه الحياة! لا يسعد فيها الناس بخير - مهما يكثر - كل ~~السعادة، ولا يشقى فيها الناس بشر - مهما يعظم - كل الشقاء. أسعيدة أنا بموت الحارث أم ~~شقية؟ لو قد عاش لذقت الآن ما تذوقه فاطمة من هذا الحزن اللاذع والخوف المهلك. ولكني ~~كنت أوثر مع ذلك أن يعيش؛ فقد كان يمكن أن تخطئه القداح، وقد كان يمكن إن لم تخطئه في ~~المرة الأولى أن تخرج على الإبل من دونه، وقد كنت أستمتع به أعواما. ولكن هلم لا ~~مقام لنا الآن، لنسرع إلى حيث هم لنشاركهم فيما يجدون. وا حسرتاه! إني لصادقة الحزن! ~~إني لصادقة الخوف! إني لشديدة الإشفاق! إني لشديدة الرجاء! ولكن فاطمة ستظن بي سوءا، ~~وستقدر أني أقبلت غير بريئة النفس من الشماتة. قالت ذلك ونهضت يدفعها حزنها الخالص ~~ويردها خوفها من سوء الظن. ولكنها أسرعت مع ذلك، وأسرع معها إماؤها. ولم تكد تتقدم في ~~الطريق نحو المسجد حتى سمعت أصواتا ورأت اضطرابا، ثم تبينت في الأصوات فرحا، ورأت ~~على الوجوه بشرا، وعرفت أن القدح قد خرج بعد لأي على مائة من الإبل، وأن عبد المطلب ms029 ~~يؤذن في الناس أنه سينحر هذه الإبل بين الصفا والمروة، وأنها حرام عليه وعلى بني هاشم، ~~مباحة لغيرهم من الناس والحيوان والطير. # فأسرعت سمراء حتى اختلطت بفاطمة وبناتها، وهن سائرات يحطن بالفتى، ويحلن بينه وبين ~~غيره من الناس، حتى إذا بلغن البيت ألفين فيه امرأتين تبكيان، إحداهما هالة بنت وهيب أم ~~حمزة وزوج عبد المطلب، والأخرى بنت عمها اليتيمة آمنة بنت وهب. # هنالك أقبلت سمراء هادئة باسمة إلى الفتاة، فكفكفت من دموعها، ضمتها إليها وقبلت ~~جبينها الطلق. ثم التفتت إلى عبد الله وهي تقول: «هلم يا فتى فقبل أهلك، فمهما تغل ~~لها في المهر فلن تبلغ هذه الدموع التي ذرفتها حزنا عليك.» ثم نظرت إلى فاطمة وهي ~~تقول: «ألا ترين أنها أحق فتيات قريش أن تكون له زوجة!» # الفصل الرابع # | الإغراء # أقبل أبناء عبد المطلب فهيئوا لأبيهم مجلسه في المسجد غير بعيد من بئره التي كشفت له. ~~وأقبل الشيخ بعد قليل مشرق الوجه باسم الثغر، فأسرع إليه أبناؤه يلقونه بالتحية ~~ويقرءون عليه السلام. وأقبل عليهم يحييهم ويدعو لهم، حتى إذا أخذ مكانه أشار إليهم ~~فجلسوا من حوله، قال قائل منهم وعلى ثغره ابتسامة فيها حب وفيها دعابة، وفيها غيرة لا ~~تكاد تبين: لم يأت بعد، وما علمناه منذ حين إلا نئوم الضحى. قال الشيخ وابتسم كالمغضب: ~~حسبك! فكلكم قد أدركه الضحى ولما يرفع رأسه عن الوساد. ثم أخذوا في حديث القافلة التي ~~كانت تتهيأ للرحلة إلى الشام، وأخذ أبناء الشيخ يتحدثون إلى أبيهم بما أعد أغنياء قريش ~~من عروض التجارة لتحمل إلى بصرى وما يليها من بلاد الروم. # وهم في الحديث وإذا الفتى يقبل وسيما قسيما مستقيم القد معتدل القامة، قريب ~~الخطى شاخصا بصره إلى السماء، حتى إذا دنا من أبيه أقبل عليه فحياه، وتلقاه الشيخ ~~رفيقا به عطوفا عليه، ثم أذن له بالجلوس وأدنى مكانه منه، وأعرض عنه حينا كأنه يسمع ~~لحديث أبنائه عن القافلة كيف تهيأ، وممن تكون، ومتى تفصل. ثم التفت إلى ابنه الشاب ~~وقال له وهو ms030 يبتسم: ما أرى يا بني إلا أنك قد أحببت النعمة وآثرت لين العيش! وكلنا ~~قد أحب النعمة كما تحبها، وكلنا آثر اللين كما تؤثره، وكلنا قد لزم أهله حتى كاد ينسى ~~كل شيء، ولكن الأيام تنبه الغافل، وتوقظ النائم، وتذكر الناسي. وإني لأحب أن أنبهك ~~قبل أن تنبهك الأيام، وأن أوقظك قبل أن توقظك الأحداث، وأن أذود عنك النسيان قبل أن ~~تذوده عنك الخطوب. وخير لك يا بني أن تترك النعمة الآن لتعود إليها بعد حين من أن تظل ~~فيها مغرقا وعليها حريصا ولها لازما، حتى تضيق بك وتنفر منك، وتنصرف عنك إلى غير ~~رجعة. وفي الرحلة يا بني مع عمك الأدنيين رياضة لك يسيرة على احتمال الصعاب واقتحام ~~العقاب، وتسلية لك هينة عن هذه اللذة المتصلة والنعيم المقيم. وما أشك في أنك ستترك ~~أهلك كارها لذلك ضيقا به، ولكنك ستستعذب الفراق وتستلذ النوى، وتجد من ذكر أهلك على ~~نزوح الدار وبعد المزار، مثل ما تجد من حب أهلك والدار قريبة والمزار يسير. فهيئ نفسك ~~للرحيل مع العير، واحرص على ألا تعود أقل ثراء من أمثالك الذين سيرحلون إلى الشام من ~~شباب قريش. وقد أجمعت وأجمع إخوتك أن نكل إليك ما عندنا من هذه العروض التي تجمعت لنا ~~منذ أشهر لتحملها لنا إلى بلاد الروم، فتتاجر لنا فيها، وتقاسمنا ما تغل علينا من ~~ربح. والرأي أن تسعى في أصهارك بني زهرة بمثل ذلك، فتحمل عنهم عروضهم وتقضي لهم ~~حاجاتهم. وما أظن أنك صفر اليد؛ فقد تستطيع أن تتخذ لك حظا من تجارة تقصرها على نفسك، ~~حتى إذا رجعت إلينا كنت موفور الحظ من المال بما يجتمع لك من ربح هذه التجارة كلها. ~~كلنا يا بني قد رحل إلى الشام حينا وإلى اليمن حينا وإلى العراق حينا آخر، ومنا من ~~أمعن في الرحلة حتى بلغ مصر. ومنا من أغذ # 1 # السير حتى عبر البحر إلى بلاد الحبشة. ومنا من أبعد السفر حتى انتهى إلى ~~أعماق فارس. ولكني أرى أن تمعن في ms031 غير إسراف، وأن تبعد دون أن تنقطع عن جماعة من قومك. ~~والأيام خليقة أن تغريك بالأسفار البعيدة والرحلة المتصلة. فقم يا بني فأصلح من شأنك، ~~وهيئ أهلك لهذا الفراق، فما أظن أن آمنة سترضاه أو تستريح إليه. # قال ذلك في لهجة ملؤها الحنان المقنع، والجد الذي لا يحتمل الجدال ولا يبيح رجع ~~الجواب. وكان الفتى يسمع له راضيا، تظهر على وجهه آثار الطاعة والثقة. حتى إذا فرغ من ~~حديثه أطرق الفتى غير طويل، ثم رفع رأسه وهم أن يتكلم فلم يجد ما يقول، فنهض مسرعا ~~حتى خرج من المسجد ومضى أمامه لا يلوي على شيء. وكانت شمس الضحى قد ارتفعت حتى قاربت أن ~~تستوي في كبد السماء، وكانت أشعتها الحارة المحرقة قد أخذت تلح على الأرض والناس، ~~حتى قهرتها وقهرتهم أو كادت. والفتى ماض في طريقه كأنه السهم لا يلتفت يمنة ولا ~~يسرة، ولا يكاد ينظر إلى أبعد من مواقع قدميه. وإنه لفي ذلك وإذا صوت عذب يأتيه من ~~قريب بهذا البيت: # يا مسرعا والناس من حوله # يسعون لم يأن لغاد رواح # فيهم أن يقف، ولا يكاد يفعل حتى يأخذه صوت آخر ليس أقل عذوبة ولا حسن وقع في النفس ~~من ذلك الصوت الأول: # يا مطرقا والأرض من حوله # يزينها حسن الوجوه الصباح # هنالك يقف الفتى ويلتفت صوب الصوت، ولكنه لا يكاد يفعل حتى يمسه صوت آخر فيه نعومة ~~الحرير، وعذوبة الماء النمير: # عرج علينا فأقم ساعة # فعندنا إن شئت روح وراح # هنالك وقف الفتى والتفت وهو يقول: ما رأيت كاليوم دعاء ولا إغراء! وقد اتصل طرفه ~~بوجوه ثلاثة حسان، تشرق بها كوى ثلاث في دار فاطمة بنت مر الخثعمية. قال الفتى: ما ~~خطبكن: قالت إحدى الفتيات: ما خطبك أنت؟ فيم إرقالك على هذا النحو ولم يئن لشباب قريش ~~أن يروحوا إلى أهلهم؟ وفيم تركت أباك وإخوانك وأترابك في المسجد؟ هلا بقيت كما بقوا ~~وانتظرت كما ينتظرون! قال الفتى في صوت فيه دعابة الطامع ويأس المضطر إلى الإسراع: ما ~~أنت ms032 وذاك؟ إن أدعهم فلأمر ما. قالت فتاة أخرى؛ إن تدعهم فلتخل إلينا فتحدثنا وتسمع منا ~~ساعة من نهار. قالت ثالثة: هلم يا فتى أقبل، فما هذه ساعة حديث يلقى من الكوى! إن ~~الشمس لمحرقة وإن القيظ لشديد، وإني لأوثر ما كنت فيه من الإرقال آنفا على ما أنت فيه ~~من الوقوف الآن. قالت إحداهن وكأنها تتغنى: # عرج علينا فأقم ساعة # فعندنا إن شئت روح وراح # وهم الفتى أن يأبى، ولكنهن ألححن عليه، ومضين يدعونه ويغرينه حتى استجاب ~~لهن. # وما هي إلا أن دخل الدار وأغلق من دونه بابها، وأقبل الفتيات عليه مبتهجات له رفيقات ~~به: هذه تمسح رأسه، وهذه تمس وجهه، وهذه تأخذ بطرف ردائه، وهو يحاول أن يتقيهن وأن ~~يمتنع عليهن، فلا يجد إلى شيء من هذا سبيلا. وكانت فاطمة الخثعمية أطول هؤلاء الفتيات ~~قامة، وأوسمهن وجها، وأعذبهن حديثا، وكانت على جمالها الرائع وحسنها البارع ذكية ~~القلب، نافذة البصيرة، ضخمة الثروة، تعيش في مكة مترفة ناعمة، من حولها عدد غير قليل ~~من الموالي والأحلاف والرقيق على اختلاف أجناسه وتباين حظوظه من المهارة في الفنون ~~المختلفة التي كان يحسنها الرقيق بمكة في تلك الأيام. # وكانت فاطمة الخثعمية برزة # 2 # متبدية في مكة بعض الشيء، لا تكره أن تظهر للرجال وتأخذ معهم في ألوان ~~الحديث. وكان شباب قريش يحبون منها ذلك ويكلفون به، ويختلفون إليها إذا كان المساء، ~~فيقولون لها ويسمعون منها حتى يتقدم الليل، وربما أديرت عليهم في الشتاء أقداح من خمر ~~بيسان، وفي الصيف أقداح من زبيب الطائف. ولم يكن عبد الله من هؤلاء الفتيان الذين ~~يألفونها ويختلفون إلى مجلسها. وأين هو من ذلك وإنه لمن قوم حظهم من اللهو ونصيبهم من ~~الاستمتاع بالحياة الفارغة الناعمة ضئيل! وكان عبد الله حديث مكة في هذه الأيام منذ هم ~~أبوه أن يتقرب به إلى الآلهة وفاء بنذره القديم، فأنقذه الفداء من هذا الموت المنكر، ~~كان حديث مكة وحديث نسائها خاصة، يذكرون شبابه الغض الذي كاد يذويه الموت، ويذكرون ~~جماله الفاتن الذي ms033 كاد يحتويه القبر، ويذكرون هذا الخفر الجاد الصارم الذي لم يكن يعرف ~~في فتيان قريش، ويذكرون هذه الفتاة السعيدة التي قدر لها أن تكون له زوجا. وكانت فاطمة ~~الخثعمية أكثرهن حديثا عنه، وأعظمهن إعجابا به، وأشدهن شوقا إلى لقائه. رأته يوم ~~الفداء جلدا صبورا مبتسما للموت، لا يظهر على وجهه أثر من آثار الجزع حين كان أبوه ~~يقرع من دونه بالإبل؛ فكانت القداح تأبى أن تخرج إلا عليه. ورأته بعد أن تم الفداء ورفع ~~عنه نذير الموت، فعاد بين أمه وإخوته مبتسما للحياة كما كان يبتسم للموت في هدوء ~~واطمئنان، لا يزدهيه فرح ولا يستخفه طرب، ولا يخرجه عن طوره أمل في الحياة السعيدة ~~والنعيم المقيم. # من ذلك اليوم وقع الفتى من نفس فاطمة موقع قطرة الندى من الزهرة الغضة عند إشراق ~~الصبح، فأحبته وتمنته، وكلفت به وحرصت عليه. وقضت أياما لا تتحدث إلا عنه، وليالي لا ~~تفكر إلا فيه. وقد تحدث إليها الناس من مساء ذلك اليوم بأن آمنة بنت وهب قد خطبت له ~~وستزف إليه عما قريب، فرأى الناس على وجهها جزعا باديا وحزنا عميقا؛ وكانت كثيرا ~~ما تتحدث إلى أترابها بما تجد من حب وما تحتمل من ألم. ولست أنا الذي شبه موقع الفتى من ~~نفسها موقع قطرة الندى من الزهرة، إنما هي صاحبة هذا التشبيه. فقد كانت تقول لصاحبتها ~~عاتكة بنت سهم: أتعرفين كيف تنعم الزهرة حين يمسها الندى إذا أسفر الصبح؟! فكذلك نعمت ~~حين مسني حب هذا الفتى يوم الفداء. وكانت تقول لها: أتعرفين كيف تشتاق الزهرة إلى قطرة ~~الندى إذا ارتفع الضحى واشتد عليها حر الشمس كلما تقدم النهار؟! فكذلك أشتاق أنا إلى ~~هذا الفتى كلما بعد العهد بيني وبينه، وكانت تقول لها: أتعرفين كيف تهيم الزهرة بقطرة ~~الندى إذا أظلها المساء وأقبل الليل، وأحست برد السحر وعرفت أن سقوط الندى قريب؟! فكذلك ~~أنا أهيم بهذا الفتى إذا أشرق الصبح وقرب غدو قريش إلى مجالسها في المسجد، أو إذا ~~اعتدل النهار وآن لقريش أن ms034 يروحوا إلى أهلهم. وكانت عاتكة بنت سهم ترثي لها وتشفق ~~عليها، وربما بلغ منها الرثاء والإشفاق أن تسخر منها بعض الشيء، فكانت تقول؛ ويحك يا ~~فاطمة! إنك لمن قوم بداة جفاة فيهم خشونة وغلظة، وما أعرف أن تجار قريش يخافون على ~~أنفسهم وأموالهم في رحلة الشتاء أحدا كما يخافون هذا الحي من خثعم. ولولا خوفهم من هذا ~~الحي، وإكبارهم لبأسه وبطشه، لما أيسر أبوك، ولما كان له هذا المال الضخم، وهذا العدد ~~الكثير من الرقيق والأحلاف، ولما اتخذ لك هذه الدار الأنيقة الواسعة في مكة تقيمين فيها ~~كما يقيم أغنى بنات قريش فكيف نبتت هذه الزهرة الرقيقة الأنيقة في تلك القبيلة التي لا ~~تشتاق إلا إلى الدماء! وكانت فاطمة إذا سمعت هذا الحديث ابتسمت عن نفس حزينة وقالت: ما ~~أشد جهلكم يا أهل المدر بما يظل الوبر من نفوس حية وقلوب رقيقة وأكباد يعبث بها الحب ~~ويعصف بها الغرام. # فلما طال على الفتاة أمر هذا الحب وثقل عليها، رقت لها عاتكة بنت سهم، ورقت لها سلمى ~~بنت خزيم، وقالت لها: أقلي عليك الخطب وهوني عليك الأمر، فليس هذا الفتى إلا غلاما من ~~قريش له رقة قلوبهم وفيه حبهم للحياة وكلفهم بلين العيش. وقد أصهر اليوم إلى بني زهرة، ~~وما أيسر أن يصهر غدا إلى خثعم. وما نحسبك أنك تكرهين أن تكوني زوجه الثانية. وما نحسب ~~أنك تخافين أن تغلبك آمنة على قلبه؛ فقد يكون لآمنة جمالها ومكانها من قريش، ولكن لك ~~جمالك، ومالك، ومكانتك من خثعم. فالرأي أن نجمع بينك وبين الفتى، وأن يحس منك حبا له ~~وميلا إليه، فلعل ذلك أن يغريه بالخطبة. وأي شيء أحب إلى أبيه وإخوته من أن يصهروا إلى ~~عظيم خثعم فيأمنوا شياطينها وشياطين مراد، وهذه الأحياء التي تأخذ عليهم طريقهم إلى ~~بلاد اليمن! وكذلك دبر الفتيات أمرهن وجعلن يرصدن للفتى إذا غدا ويرصدن له إذا راح، حتى ~~ظفرن به في هذا اليوم. # فلما أغلق من دونه ومن دونهن الباب لم يلبثن إلا قليلا حتى ms035 نظر الفتى فإذا فاطمة ~~وحدها قائمة أمامه، ترسل إليه من عينيها الحادتين نارا محرقة عذبة، فيها حب لا حد له، ~~ورغبة لا حد لها، وحنان لا حد له أيضا قال: يا هذه غضي جفونك عني، فإني أجد ~~للحظك مسا لاذعا. قالت وأنت، فامدد إلي عينيك؛ فإني أجد فيهما شفاء لما يعذبني من ~~سقم، وريا لما يحرق فؤادي من صدى، قال: ما لهذا أقبلت، فأين صاحبتاك؟ قالت: ما أنت ~~وصاحبتاي! إنما كانتا صديقتين أعانتا على أمر، ثم مضت كل واحدة منهما إلى وجهها. أقم ~~معي ساعة أو بعض ساعة، فقد طالما تمنيت هذا اللقاء، واشتقت إلى هذه الخلوة، وسمت نفسي ~~إلى أن يتصل بينك وبيني الحديث. قال يا هذه، ما أحب هذا إلي وآثره عندي! إن في وجهك ~~لإشراقا حلوا، وإن في طرفك لسحرا فاتنا، وإن في صوتك لعذوبة تخلب العقول وتستهوي ~~الألباب؛ ولكني عن هذا كله عجل. قالت: فما يعجلك عنه، وإلى أين كنت تريد؟ قال: يعجلني ~~عنه شغل شاغل وهم طارئ. ولقد كنت أريد إلى أبي قبيس حيث يقيم أهلي. قالت: أقم يا ~~زين قريش! إن أبا قبيس لن يريم، # 3 # وإن أهلك لن يبرحوه، وإن خير ما في الأمكنة والدور أنها ثابتة باقية لا ~~تتحول ولا تزول إلا في بطء، وإن شر ما في الزمان أنه لا يعرف الهدوء ولا الاستقرار ولا ~~يحب السكون والاطمئنان، إنما هو انتقال دائم وحركة متصلة لا تستطيع الجمع بين أطرافه بل ~~لا تستطيع الجمع بين أجزائه. أقم! فستبلغ أبا قبيس في أي وقت شئت، وستلقى أهلك في أي ~~لحظة أحببت، ولكن هذه الساعة إن تفلت منك فلن تعود إليك، ولعلك لا تحرص عليها ولا تحفل ~~باستدراكها، فاعلم أني عليها حريصة ولها محبة. # واعلم أني مشفقة أن تضيع، فقد تعلقت نفسي بها منذ يوم الفداء. لقد رأيتك مقبلا إلى ~~المسجد، ورأيتك منصرفا عنه، ورأيت على وجهك ابتسامة واحدة للموت وللحياة جميعا. لم ~~يكن وجهك مظلما حين كنت تنتظر الموت، ولم يزدد وجهك إشراقا ms036 حين ردت إليك الحياة. ولقد ~~ارتسمت في نفسي ابتسامتك هذه فلم تفارقها، ولم أرك منذ ذلك اليوم ولن أراك إلا مبتسما. ~~أقم يا فتى! إن وجهك لوضيء وإن جبينك لمضيء، وإن عينيك لتسرعان إلى القلب، وإن صوتك ~~ليسبغ علي حنانا حلوا يدنيني منك ويدفعني إليك. أقم! وليكن بيني وبينك طرف من ~~حديث. فمن يدري! لعل هذا الحديث أن ينتهي بك وبي إلى شيء. قال: وما عسى أن يكون هذا ~~الشيء؟ إن شخصك ليثبتني في هذا المكان، وإني لأجد في قلبي شيئا يدفعني عنه، وإن نفسي ~~لمضطربة بين هذين الداعيين الملحين: يهيب بي أحدهما أن أقم، ويهيب الآخر أن أنصرف قالت: ~~أقم يا فتى، وخلاك ذم، فما ينبغي وقد دخلت دارنا أن تخرج منها ولما تصب عندنا شيئا ~~من القرى. قال: لست ضيفا ولا طارقا، وليست الساعة ساعة قرى، دعيني أنصرف الآن ~~كارها، وما أظن إلا أني عائد إليك إذا كان المساء. ثم هم أن ينصرف ولكنها أقبلت عليه ~~ورنت إليه بطرف ساحر فاتر أثبته في مكانه، فمسته بيدها مسا رفيقا وقالت: وكذلك يذهب ~~عبثا ما أنفقت من جهد، ويمضي سدى ما بذلت من حيلة، وتنصرف ولما يتصل بينك وبيني ~~الحديث، ولما تتصل بين قلبي وقلبك الأسباب! أقم فلا بد من أن أسألك، ولا بد من أن تجيب. ~~انظر إلى هذه الوسائد، لقد هيئت لك منذ اليوم فاجلس. وانظر إلى هذه الجارية! لقد أقبلت ~~تحمل شيئا من شراب. # فجلس الفتى وجلست منه غير بعيد. وأقبلت جارية سوداء تحمل إبريقا وأقداحا فوضعت ما ~~في يدها وملأت قدحين وقدمت إليه أحدهما وهي تقول: دونك شيئا من زبيب الطائف يا زين ~~قريش، ثم قدمت إلى مولاتها قدحا آخر وانصرفت قالت فاطمة: أنبئت منذ حين أنك قد خطبت ~~آمنة بنت وهب وأنها قد زفت إليك. أسعيد أنت منذ أعرست؟ أناعم البال أنت منذ استأنفت ~~حياتك الجديدة؟ قال: وما يمنعني أن أكون سعيدا ناعم البال، وإني لأجد عند آمنة أكثر ~~مما كنت أريد؟! قالت: ولكنك لا ms037 تجد عندها المال والثراء ولين العيش. قال: فإن ذلك شيء ~~يكسبه الرجال وينفقون حياتهم في السعي إليه، وإني لآخذ في أسباب ذلك، فقد كنت حين ~~رأيتني رائحا قبل أن يأتي لي أن أروح، ذاهبا إلى حيث أهيئ للرحلة. قالت وقد ظهر عليها ~~الخوف: أمرتحل أنت؟ وإلى أين؟ قال: إلى حيث ترتحل قريش. قالت: فإن مثلك لم يخلق لهذا ~~العناء. أقم يا فتى: فإن المال كثير، والثراء موفور، وإن لك من ذلك ما أحببت، وأن لك من ~~ذلك لفوق ما تحب. إنك لتعرف لمر الخثعمي إبلا ترعى خارج مكة لا يكاد يحصيها العد. ~~وإنك لتعلم أن لمر الخثعمي عند تجار قريش وصيارفهم من الذهب والفضة والعروض شيئا ~~كثيرا. وإنك لتعلم أن يد فاطمة بنت مر في هذا كله مطلقة، فليس لي أخ وليست لي أخت، ~~فثروة أبي خالصة لي لا يشاركني فيها أحد، وهي لمن سأختاره بعلا. أفترضى أن تكون هذا ~~البعل؟ قال: هذا شيء تتحدث به إلي النفس منذ رأيتك وقبل أن تذكري لي مالك الضخم ~~وثراءك الموفور. وإن فيما أرى من جمالك وعقلك وكمال خلقك وحسن منزلك من خثعم، لما يحببك ~~إلي ويغريني بما تعرضين علي، فهل لك في أن تمنحيني سعة من وقت وشيئا من مهلة، لا ~~لأفكر ولا لأروي فقد فكرت ورويت، ولكن لأتحدث في ذلك إلى أبي، ولأنظر كيف يقع ذلك من ~~آمنة، فإن عهدها بالعرس حديث، وعزيز علي أن أسوأها ولما يمض على زواجنا إلا أمد ~~قليل. قالت: لك ما شئت من سعة، ولك ما شئت من مهلة. وعزيز علي أن أروع آمنة أو أن ~~أسوءها، فما جنت علي شرا، ولا قدمت إلي سوءا. ولكني أحببتك وآثرتك وكرهت لك ما ~~يذهب بنضرة كثير من فتيان قريش من هذا الرحيل المتصل الذي يضيع عليهم الصيف والشتاء. ~~ولتعلمن آمنة أني لا أريد لكما إلا خيرا، ولا أوثركما إلا بأحسن ما تحبان، ولن أكون ~~لآمنة علة، # 4 # ولأكونن أقرب إليها وأعطف عليها من هالة بنت وهيب. فكر إذا ms038 ما وسعك ~~التفكير، ورو إذا ما وسعتك التروية، وتحدث إلى أهلك وإلى أبيك، وانتظر بالخطبة والزفاف ~~ما شئت أن تنتظر. ولكن أقم عندي هذا اليوم؛ فإني أجد في جوارك لذة وفي حديثك متاعا، ~~وإني أحس أنك تجد مثل ما أجد وتحب مثل ما أحب. # ثم دنت منه وأقبلت عليه بوجهها المشرق الجميل، وهي تقول في صوت هادئ عذب أدنى إلى ~~الهمس منه إلى الجهر: هلم، فقد خلت لنا الدار ونأى عنا الرقيب، وقد وهبت لك نفسي فهب ~~لي نفسك، ولنقضه يوما حلوا سعيدا. هنالك ارتد الفتى عنها وقد أخذه خوف رفيق وإشفاق ~~هادئ وهو يقول: # أما الحرام فالممات دونه # والحل لا حل فأستبينه # فكيف بالأمر الذي تنوينه # قالت: ما أشد ما ترتاع لما لا يروع! إني لأعرف فيك نسك أبيك. قال: لا روع ولا نسك، ~~ولكن دعيني أنصرف، ولأعودن إليك مع المساء بما ترضين وبما أنا عليه حريص. قالت: أصادق ~~هذا الوعد، أم تحلة تخرج بها مما نحن فيه؟ قال: بل وعد صادق أنا على صدقه أحرص ~~منك. # نهض ونهضت، ومضى متثاقلا، وتبعته وهي تقول: لقد صبرت أياما وأياما، فما يمنعني أن ~~أصبر بعض يوم! اذهب سالما وعد موفورا! فلن أبرح مجلسي هذا حتى تعود! # وما كاد يتجاوز باب الدار حتى مضى في سرعة تشبه العدو، لا يحس وهج الشمس الذي كان ~~يلفح الوجوه، ولا يكاد يرى من حوله شيئا، قد امتلأت نفسه بما رأى، وامتلأت بما سمع، ~~وجاشت في قلبه الآمال العراض. لقد كان يقيس ما كان يعده أبوه من ثراء بعد طول الرحلة ~~وثقل الجهد وكثرة الاحتمال وفراق الأهل، إلى ما رتبت له فاطمة في غير نأي ولا مشقة، ولا ~~اغتراب ولا فرقة، فكان يأخذه شيء يشبه الدوار حين يرى هذا الفتى وقد أنضاه سفر غير ~~قاصد، ثم عاد مجهودا مكدودا ولم يفد إلا دراهم ودنانير؛ وهذا الفتى الذي يسعى في مكة ~~رخي البال موفور النعمة، لم يلق جهدا ولم يتعرض لأذى، وإنما قال كلمة ليس غير، فإذا ms039 هو ~~أكثر قريش مالا، وأعظمها ثراء، وأعزها جانبا، إليه حماية قريش حين تأخذ طريقها إلى ~~اليمن. # وأنساه هذا التفكير نفسه حتى مر بدور بني هاشم فلم يلو على أحد ولم يقف عند شيء، ~~لولا أن صوتا ناداه إلى أين يا عبد الله؟ وما هذا المضي إلى غير غاية؟ ولكنه سمع لهذا ~~الصوت فالتفت، فرأى سمراء تسعى قريبة الخطى، كئيبة الوجه، كاسفة البال، فوقف لها حتى ~~دنت منه وهي تقول : لشد ما تسرع في العدو، ولشد ما تذكرني بأخيك! قال: ما أرى أنك تريدين ~~هالة أو فاطمة بنت عمرو؟ قالت: بل إلى فاطمة أريد، فقد مسها منذ حين ما مسني منذ دهر ~~فانصرف عنها أبوك بعض الشيء إلى عرسه الجديدة. ولولا أن لفاطمة فيك وفي إخوتك عزاء عما ~~تجد من هجر عبد المطلب لكان الخطب عليها أثقل ولها أفجع. فأنا أختلف إليها في مثل هذا ~~الوقت من كل يوم لأسليها وأسري عنها، فقد أخذ عبد المطلب لا يروح إلى هالة. وأنت فما ~~أعجلك عن أبيك وعن إخوتك؟ أمشوق أنت إلى آمنة ولما يعتدل النهار؟ قال: إنك لتعلمين ضعف ~~سلطان الشوق علينا آل عبد المطلب، وإن أحدنا ليتحرق شوقا ويتفطر جوى فلا يبلغ منه ذلك ~~أن يتحول عن مجلسه أو ينصرف عن وجه قصد إليه. ولكن عبد المطلب قد لقيني منذ اليوم بحديث ~~أعجلني عنه وعن إخوتي، ودفعني إلى أن أسرع إلى الرواح. إنه يريد أن أفصل مع القافلة إلى ~~الشام، فلا بد من أن أتهيأ لذلك وأهيئ له آمنة، وإني لأخشى أن يكون موقع ذلك منها ~~شديدا. قالت: لا بأس عليك، إن تكن فتى من قريش فآمنة فتاة من قريش، وما أظنها إلا ~~هيأت نفسها لحياتنا جميعا، وأخذت نفسها بالصبر على فراق البعل أكثر العام. اذهب ~~مصاحبا، فلن ترى من آمنة إلا ما يحب أبوك وما ستحب أنت بعد حين وإن كرهته الآن. وكانا ~~قد بلغا بيت فاطمة، فدخلت هي، ومضى الفتى أمامه لم يعرج على أمه ليحييها أو ليقدم إليها ms040 ~~بعض العزاء. فلما انتهى إلى آمنة في بيتها قامت إليه طلقة الوجه مشرقة الجبين، وتلقته ~~مبتهجة بلقائه، ولم تسأله عما أعجله عن قومه. وهل كانت تشك في ذلك أو ترتاب! إنما هو ~~الحب الذي كان يخرجه من البيت وقد خلت دور بني هاشم من الكهول والشباب، ويرده إلى البيت ~~ولما ينهض كهول بني هاشم وشبابهم من أنديتهم ومجالسهم. ولكن آمنة رأت على وجه زوجها ~~شيئا غير ما كانت قد تعودت أن تراه: رأت حيرة لا تكاد تظهر، وهما لا يكاد يبين. فهمت ~~أن تسأله، ولكنه سبقها إلى الجواب فقال: عزيز علي يا ابنة وهب أن ألقاك بغير ما ~~تعودت أن ألقاك به من البشاشة والبشر، ولكن حياة قريش لا تعرف البشاشة الدائمة ولا ~~البشر المتصل. قالت: فأنت مرتحل إذا مع القافلة؟ كذلك يريد أبوك، وكذلك يريد إخوتك، ~~وكذلك يريد مكانك من قريش. # ثم كفكفت عبرة كانت تريد أن تنهمر، وردت إلى صوتها ما كان قد فارقه من الثبات ~~والهدوء، وقالت وهي تبتسم في كثير من التجلد والصبر: وهل عزت قريش وأثرت إلا بالرحيل! ~~إنما عز قريش وثراؤها ثمرة لجهد الرجال وصبر النساء: أولئك يشقون بالرحلة المتصلة، ~~وهؤلاء يشقين بالصبر الطويل. وماذا أعددت لهذه الرحلة؟ قال: سنتحدث في ذلك بعد حين، ~~ولكني أريد أن تستقبلي هذا الفراق بصبر لا يشوبه التصبر، وجلد لا يشوبه التجلد، وقلب ~~لا يفسد عليه الحزن أمره. انتظري عودتي فلعلي أعود موفورا موسرا، ولعل ذلك أن يهيئ ~~لنا حياة أيسر وعيشا أدنى إلى اللين مما نحن فيه، فلو تعلمين ما ألقى من الأذى وما أرد ~~نفسي إليه من الاحتمال حين أرى جيدك عاطلا لا تزينه هذه العقود التي تزين أجياد أترابك ~~من نساء قريش، ولو تعلمين ما ألقى من الأذى وما أرد نفسي إليه من الاحتمال حين أرى أنك ~~لا تستمتعين من طيبات الحياة بمثل ما يستمتع به غيرك من نساء بني هاشم! قالت: وما ذاك، ~~وأين يكون الحلى وأين يكون النعيم من هذه الساعات الحلوة التي ms041 نقضيها إذا كانت القائلة ~~أو إذا جن الليل! وأخذ الحديث يصفو ويعذب ويرق ويلين بين الزوجين، حتى أنسي عبد الله ~~أمر الرحلة، وأنسى حديث فاطمة وما وعدته وما صورت له من أماني وآمال، ولم يذكر عبد الله ~~إلا هذا الوجه الجميل، وهذه النفس السمحة، وهذا الخلق الرضي، وهذا الحديث العذب يقع من ~~قلبه مواقع الماء من ذي الغلة الصادي. هنالك عاد إلى وجه الفتى إشراقه وبهجته، وعاد إلى ~~قلب الفتى غرامه وحبه. وهنالك انتصر الشباب على الحزن والسرور معا. ثم أقبل الأصيل ~~فأسبغ على مكة وما حولها رداء خفيفا من الحزن. وخرج الفتى من عند آمنة راضيا ناعم ~~البال، ولكن صوتا بعيدا يبلغ قلبه فيمسه مسا خفيفا. خرج الفتى ليسعى في تهيئة ~~رحلته، ولكن هذا الصوت البعيد أخذ يدنو من قلبه قليلا قليلا: # عرج علينا فأقم ساعة # فعندنا إن شئت روح وراح # ومع أن الفتى قد ولى وجهه شطر بني زهرة ومضى في طريقه إليهم، فقد شغله هذا الصوت عن ~~بني زهرة وعن عروضهم وتجارتهم، وشغله عن القافلة ورحلتها من غد، وشغله عن نصح أبيه ~~وتشجيع إخوته، وشغله عن كل شيء. ولم لا! لقد كان يدنو منه شيئا فشيئا، وكان كلما دنا ~~منه ارتفع واتسع وأخذ عليه كل سبيل، حتى لكأنه كان يسمعه من كل ناحية، وينظر فإذا هو في ~~طريقه لا إلى دور بني زهرة، بل إلى دار فاطمة بنت مر. وينظر الفتى فإذا هو أمام ~~الدار، وإذا هو يدخل من الباب، وإذا هو يرى الجارية السوداء تلقاه باسمة وتحييه قائلة: ~~أسرع يا زين قريش، فقد أبطأت وطال انتظار مولاتي لك وينظر الفتى فإذا هو في ذلك المجلس ~~الذي ترك فاطمة فيه آخر الضحى، وإذا فاطمة قد قامت له وأقبلت عليه، ولكنه لم يفطن لشيء ~~ما كان ليفوته لو أن أمره كله قد كان إليه حقا. لم يفطن لهذا الفتور السريع الذي ظهر ~~على فاطمة حين وقع بصرها عليه. على أنه لم يلبث غير قليل حتى أحس هذا الفتور ms042 وأنكره؛ ~~فقد تلتقه الفتاة فرحة بلقائه أول الأمر، ولكنها لم تكد تثبت بصرها فيه حتى هدأ هذا ~~الفرح، ودعته في رفق إلى أن يجلس. وما كاد يستقر في مكانه حتى أقبل عليها جذلان مسرورا ~~وهو يقول: رأيت أني لم أكذبك ولم أخلفك، وإنما أقبلت مع المساء! لئن كانت الدار قد خلت ~~لنا في الضحى لهي الآن أدنى إلى الخلو. ولئن كان الرقيب قد نأى عنا في الضحى لهو الآن ~~أمعن في النأي. ولئن كان النعيم قد عن لنا في الضحى لهو الآن أدنى منالا. قالت وقد ~~أطالت النظر إليه والتحديق: ليتك لم تعد، وليتك إذ وعدت أخلفت موعدك! فحدثني ماذا صنعت ~~منذ فارقتني؛ فإني لا أرى في وجهك ما كنت أراه في الضحى من الإشراق، ولا أرى في جبينك ~~ما كنت أراه في الضحى من الضوء، ولا أسمع في صوتك ما كنت أسمع في الضحى من هذه النغمات ~~الحلوة التي كان يملؤها الحنان! إنما أنت الآن فتى من فتيان قريش يبتغي لذة ومالا. إن ~~في أحداث الزمان لعجبا! ما أسرع ما يتغير الرجال! قال: وأين ترين هذا التغير؟ وماذا ~~تنكرين مني؟ لقد كنت بك مشغوفا في الضحى، وكنت أدافع هذا الشغف، ولقد كنت مقبلا عليك ~~في الضحى، وكنت أخفي هذا الإقبال. فالآن وقد أرسلت نفسي على سجيتها، وتركت قلبي يعرب ~~عما يجد، ويصور ما يحس تلقينني هذا اللقاء؟! هلم! لقد خلت لنا الدار، ونأى عنا الرقيب ~~وأمكنت لنا الفرصة. # قالت: لقد كنت تفكر في الضحى أو تريد التفكير، وكنت تروى في الضحى أو تريد ~~التروية، فالآن دعني أفكر، وهب لي سعة من وقت؛ فإني لا أري ما الذي يصرفني عنك ويخيفني ~~منك. ولو أنصفت نفسك وأنصفتني لانصرفت عني الآن ومضيت فيما كنت فيه من تهيئة رحلتك إلى ~~الشام! # قالت ذلك ونهضت متثاقلة، فمضت حتى اختفت. ولبث الفتى حائرا لا يدري ماذا يأتي من ~~الأمر، وكأن حجابا قد أزيل عنه، وأمرا قد كشف له، فوثب ومضى مسرعا حتى جاوز الباب ~~وأخذ ms043 طريقه إلى بني زهرة. وقضت فاطمة ليلا ثقيلا، حتى إذا كان الصبح أقبلت عاتكة تسعى ~~تريد أن تعلم علمها، فرأت فتاة محزونة كئيبة؛ فلما سألتها عن خطبها قالت: # إني رأيت مخيلة عرضت # فتلألأت بحناتم # 5 # القطر # فلمأتها # 6 # نورا يضيء له # ما حوله كإضاءة الفجر # ورأيته شرفا أبوء به # ما كل قادح زنده يوري # لله ما زهرية سلبت # ثوبيك ما استلبت وما تدري! # قالت عاتكة: لقد ظننت أن حبكن في البادية كحبنا في الحاضرة، وما كنت أحسب أنه يتجاوز ~~الشباب، ويرقى إلى السحاب! # قالت فاطمة: لا تهزئي، فقد ذهبت آمنة بخير ما كنت أحب! # الفصل الخامس # | البين # لم تظهر آمنة ارتياعا للوداع، ولا التياعا للفراق، ولم تصعد من صدر آمنة زفرة، ولا ~~انحدرت من عين آمنة عبرة، وإنما كان وجهها هادئا منبسط الأسارير، وكان صوتها مطمئنا ~~لم تفارقه عذوبته الحازمة حين أقبل زوجها عليها يودعها آخر السحر، وقد أخذ الفجر يتنفس ~~في دعة، ويمس بأصابعه الرقيقة ما حول مكة من الربا. وكان عبد الله يدافع حزنا عميقا ~~كان يريد أن يظهر على وجهه وينطلق على لسانه، وكان يتكلف من التجلد والتصبر ما لا بد ~~منه ليكون فتى من فتيان قريش، ليس للجزع على نفسه سلطان، ولا للضعف إلى قلبه سبيل. ومع ~~ذلك فقد اتصلت عيناه الحادتان بوجه امرأته الجميل اتصالا طويلا، كأنما كانتا تريدان ~~أن تطبعا صورته الحلوة الهادئة في نفس الفتى لتكون له رفيقا مؤنسا في سفره الشاق ~~الطويل. # ولم تجرؤ آمنة على أن تطيل النظر في وجه زوجها كما كان هو يطيل النظر في وجهها، إنما ~~كانت عيناها ترتفعان إلى وجه الفتى، ثم لا تلبثان أن تنخفضا حياء واحتشاما وصبرا. حتى ~~إذا خرج الفتى ليلحق بإخوته الذين كانوا ينتظرونه غير بعيد ليصحبوه إلى حيث يودع أباه ~~وأمه، ثم إلى حيث عسكرت القافلة تنتظر الإيذان بالرحيل، نظرت آمنة فإذا عيناها لا ~~تبكيان، وإذا قلبها لا يخفق، وإذا شخصها كله هادئ مطمئن، لا تظهر عليه آيات الجزع ولا ~~أمارات الذهول. ms044 ومع ذلك فقد كانت نفسها تبكي بكاء مرا، وكان قلبها يشكو شكاة الطائر ~~المهيض، ولكن أصداء هذا البكاء وهذه الشكاة لم تكن تتردد إلا في أعماق الضمير. كانت ~~آمنة ثابتة للخطب مطمئنة له، كأنما أذعنت للحوادث إذعانا، وكأنما أخذت تروض نفسها على ~~صبر لم تعرفه نساء قريش، وتهيئ نفسها لحزن طويل لم تألفه أترابها اللاتي لم يكدن يذقن ~~لذة الحياة. # وما أشرقت الشمس وما ارتفع الضحى حتى كانت القافلة قد بدأت طريقها الطويلة إلى غايتها ~~البعيدة، وحتى كان كثير من شباب مكة وأحداثها يشرفون من كل مرتفع، ويمدون أبصارهم إلى ~~حيث مضت العير؛ ليروا منها ما يستطيعون أن يروه قبل أن تتقطع بينهم وبينها ~~الأسباب. # وكان بيت آمنة في هذا الوقت قد امتلأ بنساء بني هاشم وبني زهرة، أقبلن عليها يعزينها ~~ويسلينها ويعاونها على احتمال هذا الحزن الجديد. ولكنها لقيتهن كما تعودت أن تلقاهن ~~من قبل: باسمة في حزن، نشيطة في هدوء ولم تعنهن على أن يطلن الحديث في الوداع والرحيل، ~~وفي القافلة وما يتصل بها من الأمر، فأخذن فيما كن يأخذن فيه من أحاديثهن المألوفة في ~~كل يوم. # وكان عبد المطلب قد ذهب إلى مجلسه من المسجد كدأبه في كل يوم، فتلقاه أبناؤه بالتحية ~~وتلقاهم هو بالدعاء، وجلس وجلسوا من حوله يتحدثون عن القافلة كما كانوا يتحدثون عنها من ~~قبل. وكان الشيخ يسمع لهم ويرد عليهم، ولكنه كان يجد في نفسه حزنا عميقا لاذعا لم ~~يكن تعود أن يجده حين كان يرحل أبناؤه غير عبد الله مع القوافل إلى اليمن أو إلى الشام، ~~ولا حين كان يرحل هو تاركا أبناءه وأهله. # وكان الشيخ يحس كأن له شخصين مختلفين: أحدهما حاضر بمكة يأخذ مع أبنائه وغيرهم من ~~قريش بأطراف الحديث، والآخر غائب عن مكة قد فصل مع العير، وأخذ قصد الشام يصاحب هذا ~~الفتى الذي ارتحل ولم يكن من الحق أن يرتحل لو أن عبد المطلب طاوع نفسه واستمع لصوت ~~الضمير. وكان هذا الشخص الغائب يرسل إلى الشيخ صورا قوية ms045 متلاحقة تمثل الطريق التي ~~تسلكها العير، والأحياء التي تمر بها، واستقبال هذه الأحياء للعير، واحتفاءها بها ~~ومتابعتها لها. وتمثل له ابنه آخذا في الحديث مع رفاقه كاتما ما يجد من حزن لفراق ~~أهله وإخوته وبلده، وكثيرا ما كان هذا الشخص الغائب يسبق العير في طريقها إلى الشام، ~~ويعود إلى عبد المطلب يصور هذه الطريق، فيثير في نفسه ذكرى، ويثير في نفسه أملا، ويثير ~~في نفسه إشفاقا؛ لأنه كان يستحضر ما كان يلقى في سفره إلى الشام من خير وشر، ومن راحة ~~وجهد. وكان يرى أن ابنه سيلقى مثل ما لقي، وسيحس مثل ما أحس، فيبتهج حينا ويبتئس حينا ~~آخر. # وكان على هذا كله لا يستطيع أن يدافع خاطرا يلم به من حين إلى حين، فيصور له يوم ~~الفداء، ويصور له هذا الصراع العنيف الذي كان بينه وبين الموت في ذلك اليوم، والذي كان ~~موضوعه هذا الفتى الذي ترقل به مطيته الآن نحو بلاد الروم. وكان كلما فكر في ذلك أحس ~~خوفا مرا تظهر آثاره على وجهه المشرق الموقور، كأنما كان يسأل نفسه: أفي الحق أن قد ~~انتهى هذا الصراع بيني وبين الموت؟ أفي الحق أني قد استخلصت هذا الفتى ووهبته للحياة ~~المتصلة والبقاء الطويل؟ إن الدهر لكثير الغدر مشغوف بالخداع، وإن من حولنا لقوى خفية ~~إن يكن منها الخير المسعف فإن منها الشرير الخاتل. وإن هذه القوى الشريرة لتجد لذة سيئة ~~في تضليلنا والعبث بنا ودفعنا إلى الشيء كأنه الخير كل الخير، حتى إذا اندفعنا إليه ~~وتورطنا فيه، انصرفت عنا ساخرة منا، وتكشفت لنا الأحداث عن الشر والنكر والبلاء، ومن ~~يدري! لعل قوة خفية من هذه القوى الخاتلة قد خدعتني ومكرت بي، وخيلت إلي أن في حمل ~~هذا الفتى على الرحلة مع شباب قومه وكهولهم نفعا له وإصلاحا، على حين لم تكن تريد به ~~إلا الشر، ولم تكن تريد به إلا النكر، ولعلها أن تكون قد أرصدت له في الطريق رصدا ~~وكادت له في السفر كيدا. وكان الشيخ إذا ألم ms046 به الخاطر وانتهى به التفكير إلى هذه ~~الصورة امتلأ قلبه بهم شاغل عنيف، يكاد يقطع عليه حديثه مع من كان حوله من قومه، ويكاد ~~ينهضه قائما ويسعى به إلى حيث يركب أسرع نجائبه ليلحق بابنه ويرده إلى مكة، فكان ~~الوقار وحده يكفه عن ذلك، ويرده إلى أن يأخذ نفسه بالصبر والاحتمال، ويحتفظ بما في قلبه ~~من الهم سرا مكتوما لا يظهر عليه أحد غيره، ولا يناجي به إلا ضميره. # وكذلك اتصلت حياة الشيخ منذ ارتحل ابنه مضاعفة؛ يحيا مع أهل مكة ويضطرب فيما يضطربون ~~فيه، ويمضي مع القافلة ويشاركها فيما تجد من مشقة الرحيل وراحة المقام، وربما شاركها في ~~أحاديثها وآمالها، وربما شاركها في خوفها وثقتها. ثم ربما فكر في آمنة فأطال التفكير. ~~وماله لا يفكر فيها وقد كانت في حجر عمها وهيب، فلما زفت إلى عبد الله أصبحت في كنفه ~~هو، ولا سيما بعد أن سافر زوجها وبقيت هي وحيدة محزونة ليس لها مسل عن الوحدة ولا ~~معين على الحزن! لذلك كان الشيخ شديد العطف على هذه الفتاة، يزورها فيكثر زيارتها ويطيل ~~المقام عندها، ويلح على هالة في أن تفعل فعله فتزور آمنة وتستزيرها، ولا تخلي بينها ~~وبين الوحدة ما وجدت إلى ذلك سبيلا. # وفي الحق أن الأسابيع الأولى التي تبعت رحلة عبد الله قد مرت على آمنة مرا سريعا ~~يسيرا. فما أكثر ما كان يزورها نساء بني هاشم ويستزرنها! وما أكثر ما كانت تجد عزاء ~~وراحة فيما كان ينالها من بر الشيخ وأزواجه، ومن ود سمراء خاصة؛ على أن حياتها كانت ~~كحياة عبد المطلب مقسمة بين مكة وبين الطريق التي كانت تسلكها القافلة. فكانت تحيا حياة ~~النساء من حولها في قليل من العمل وشيء من الحديث وكثير من الصمت، وكانت تتبع عبد الله ~~في طريق تتخيلها ولا تحققها. وأنى يكون لها تحقيق الطريق وهي لم ترتحل ولم تجب أقطار ~~الأرض! إنما كانت تسمع أحاديث الناس عما يجدونه في طريقهم إلى الشام وإلى اليمن، فتصوره ~~لنفسها كما استطاعت، وترى ms047 زوجها في أطوار المسافرين # 1 # فتبتهج لذلك قليلا وتشقى به كثيرا. # وأصبحت آمنة ذات يوم تجد في نفسها شعورا غريبا لا تدري أألم هو أم لذة؟ أحزن هو ~~أم سرور؟ رأت فيما يرى النائم كأن آتيا قد جاءها فوقف منها غير بعيد، وحاولت أن تتبين ~~شخصه فلم تستطع، وحاولت أن تحقق صوته فلم تستطع. وما كانت تدري أكان رجلا أم امرأة، ~~وما كانت تدري أكان شيخا أم شابا، وإنما كانت تعلم أنه كان شبحا مؤنسا عذب الصوت. ~~دنا منها حتى إذا كاد يمسها تحدث إليها في رفق كأنه يناجيها ويسر إليها سرا، فقال: ~~أتعلمين أنك ستصبحين أما؟ قالت: ماذا تقول؟ لم أفهم عنك. قال: أتعلمين أنك حامل؟ قالت ~~لا! قال: فاعلمي إذا أنك ستكونين أما لخير من حملت الأرض من الناس. ثم نظرت فلم تر ~~شيئا. ثم استيقظت ونظرت من حولها فإذا الصبح قد يشرق ويضيء كل شيء. هنالك فكرت آمنة ~~فيما رأت وفيما سمعت، وأنكرت آمنة ما رأت وما سمعت. وسألت نفسها، فإذا هي لا تعلم أنها ~~قد أنكرت من أمرها شيئا، إنما هو اضطراب يسير كان يلم بها من حين إلى حين قبل العرس، ~~فلا غرابة في أن يلم بها بعده. وما كانت تقدر أن الحمل يسير إلى هذا الحد، لا تشعر ~~المرأة به ولا تجد له عرضا من الأعراض غير مألوف. على أنها لم تصدق ما سمعت، ولم تستطع ~~مع ذلك أن تكذبه، فظلت منه في شك مريب، واستشعرت له خوفا مقلقا وأملا لذيذا. وظلت ~~في حيرتها هذه الحلوة المرة حتى ارتفع الضحى. وأقبلت إليها نساء بني هاشم وفيهن سمراء ~~وفاطمة بنت عمرو وهالة بنت وهيب. فقصت عليهن في استحياء ما رأت وما سمعت؛ وسألنها عن ~~بعض الشيء، ثم رجحن لها صدق الرؤيا. ووصفت لها سمراء تمائم تقدمت إليها في أن تحملها ~~لترد عنها الشر، وتذود عنها مزعجات الأحلام. # من ذلك اليوم ازدادت نفس آمنة رضا واطمئنانا، واحتملت بعد زوجها عنها في شجاعة لا ~~مرارة فيها ولا ms048 حرمان. وأخذت تفكر في زوجها مبتسمة له، وتنتظر عودته القريبة في شيء من ~~الغبطة والسرور عظيم، وأخذت تقدر ابتهاجه حين يعود فيعلم من أمرها ما لو علمه الآن لهون ~~عليه السفر ومشقة النوى. وعلقت آمنة ما وصف لها من تمائم، ولكنها لاحظت أنها ما كانت ~~تفيق من نوم إلا وجدت تمائمها وقد انقطعت أسبابها وسقطت عنها. فلما تكرر ذلك أعرضت عن ~~التمائم ولم تحفل بها. وأخذت تنتظر أعراض الحمل، وتهيئ نفسها لمثل ما احتملت هالة من ~~ألم حين كانت تنتظر حمزة. ولكنها انتظرت وأطالت الانتظار، فلم تجد شيئا ولم تشك ألما ~~ولم تضق بالحياة، ولم ترغب عما كان يتاح لها من لذاتها اليسيرة. # ومع ذلك فقد مضت الأيام والأسابيع، ولم تشك آمنة في أن الأحلام لم تكذبها. وإذا ~~فممتازة هي من النساء! يألمن ويشكون ويضقن بكل شيء، ويزهدن في كل شيء. وهي لا تألم ولا ~~تشكو، وهي لا تضيق ولا تزهد ولا تجد ثقلا. وهي تتحدث بذلك إلى هالة وإلى سمراء وإلى ~~فاطمة فينكرنه، ويعجبن له ويستبشرن به. على أنها لم تكن تتحدث إليهن بكل شيء. وأكبر ~~الظن أنها كانت تشفق أشد الإشفاق - إن وصفت لهن كل ما تجد أو بعض ما تجد - أن يسخرن ~~منها ويتهمن عقلها ويظنن بها الظنون. فقد كانت آمنة في حياة سعيدة لم تعرف مثلها: ما ~~أحست من رضا النفس واطمئنان القلب وراحة الضمير مثل ما كانت تحس في تلك الأيام، وما ~~ذاقت من عذوبة النوم ولا استمتعت من جمال الأحلام مثل ما كانت تذوق وتستمتع به في تلك ~~الليالي. إن كانت لتأوي # 2 # إلى فراشها فيأخذها نوم هادئ رفيق، ثم تتمثل لعينيها مناظر فيها جمال وروعة ~~وتلقى في أذنيها أصوات حلوة كأنها غناء الملائكة، وتقضي الليل كله في لذة غريبة نادرة، ~~حتى إذا انجلى جبين الصبح أفاقت موفورة القوة شديدة النشاط، لا تجد كسلا ولا فتورا. ~~وما هي إلا أن تستعذب آمنة أحلام الليل، فتود لو قضت وقتها كله نائمة مغرقة في هذه ~~الأحلام. ms049 ثم تود لو لم يزرها أحد ولم يتحدث إليها أحد لتستحضر في اليقظة ما كانت تبتهج ~~به أثناء النوم. ولكنها قرشية تعرف كيف تملك نفسها، وتضبط أهواءها، وتلقى الناس بمثل ما ~~كانت تلقاهم به من البشر الهادئ البريء من الإسراف في الابتئاس أو الابتهاج. # وأخذت قريش تنتظر قفول العير وتستعد له، وأخذت الأسر تهيئ لاستقبال العائدين. وكانت ~~آمنة كغيرها من نساء قريش تنتظر رجوع زوجها، وتتهيأ له سعيدة مرتين: سعيدة بمقدمه، ~~وسعيدة بهذا النبأ الذي ستلقاه به إذا خلا إليها. ولم يكن عبد المطلب أقل قريش انتظارا ~~للقافلة، وتحدثا عنها، وتحرقا إلى لقاء بعض من كان فيها. وأقبل البشير فأذن في مكة أن ~~مقدم العير قريب. وخف شباب قريش يلقون العير قبل أن تبلغ الحرم. واستعد كهول قريش للقاء ~~العير متى دخلت مكة. وازينت نساء قريش للقاء الأزواج والإخوة والأبناء. وخرج إخوة ~~عبد الله فيمن خرج، وانتظر عبد المطلب فيمن انتظر، وازينت آمنة فيمن ازين، ~~وأعدت فاطمة بنت عمرو طعاما غير مألوف. ولكن إخوة عبد الله كانوا أسرع من عاد من ~~استقبال العير، ولم يعودوا مبتهجين ولا مغتبطين ولم يكد يراهم عبد المطلب حتى وقع في ~~نفسه حزن ثقيل. ولم يكد يسألهم عبد المطلب حتى عرف أن ابنه قد مرض في الطريق، فتخلف في ~~يثرب ليمرض عند أخواله من بني النجار. واضطرب الشيخ وبنوه بين حزنهم للمريض وحزنهم ~~لأنفسهم. وخاف الشيخ على آمنة، وخاف أبناؤه على أمهم فاطمة. وقضى الشيخ وبنوه ساعة كانت ~~فيها حيرة سوداء مظلمة ثقيلة الحمل. ثم ثاب إلى الشيخ حلمه، وعاد إليه بصره بالأمور ~~وحزمه في تصريفها، فلم يفكر في نفسه، ولم يفكر في آمنة ولا فاطمة وإنما فكر في المريض، ~~فندب أكبر بنيه ليرحل من فوره إلى يثرب، ويشهد من قرب تمريض أخيه. وأبى الشيخ أن يهم ~~بشيء أو يفكر في شيء حتى يفصل ابنه من مكة. وما هي إلا ساعة من نهار حتى كان أكبر أبناء ~~عبد المطلب في طريقه إلى يثرب لا يلوى ms050 على شيء. هنالك رجع الشيخ إلى نفسه، فذكر يوم ~~الفداء، وذكر ضحوة ذلك اليوم الذي أغرى ابنه فيها بالسفر وحضه عليه، وذكر يوم الرحيل، ~~وذكر خوفه وإشفاقه، وذكر القوى الخفية الماكرة التي كان يخافها ويشفق منها. وحاول الشيخ ~~أن يرد إلى نفسه طمأنينتها ودعتها فلم يوفق. فينهض متثاقلا كالمأخوذ حتى دخل على ~~سمراء. فلما رأته سمراء لم تشك في أن حادثا قد حدث، على أنها تلقته مبتهجة بلقائه في ~~شيء من العتب والمرارة . ولكنه لم يلبث أن أنبأها بما علم وما فعل، وبأنه مشفق على ~~الفتى، وبأنه لا يدري كيف يلقى بهذا النبأ أم الفتى وزوجه. # قالت سمراء وهي تبكي وقد ذكرت ابنها: فابدأ بنفسك فالقها بهذا النبأ كما ينبغي أن ~~يلقاها به الشيخ الوقور، فما أحب لك هذا الجزع، وما أعرف أنه يليق بك أو يجمل منك. وما ~~أرى أن على الفتى بأسا، وما أظن إلا أن الفتى قد اتخذ هذه العلة اليسيرة سببا إلى ~~زيارة أخواله في يثرب والمقام عندهم قليلا. ومضت سمراء تعزي الشيخ وتهون عليه الخطب، ~~والله يعلم ما كان الخطب عليه هينا ولا يسيرا. ومضت سمراء تعزي أم الفتى وزوجه وتهون ~~عليهما الخطب. وقد سبقت إليهما به الأنباء. # وكانت طوالا ثقالا تلك الأيام وتلك الليالي التي قضاها آل عبد المطلب ينتظرون أنباء ~~المريض، وكان مرا ذلك الحزن الذي كان يتجرعه الشيخ إذا أمسى، ويتجرعه إذا أصبح، ~~ويتجرعه كلما تقدم النهار. وكانت غزارا حارة تلك الدموع التي كانت تسفحها فاطمة في غير ~~هدوء ولا انقطاع. وكانت لاذعة محرقة تلك اللوعة التي كانت تجدها آمنة كلما خلت إلى ~~نفسها وفكرت في زوجها. ولكن! أكانت تخلو إلى نفسها حقا؟! أكان يتاح لها أن تفكر في ~~زوجها حقا؟! يا له من جنين هذا الذي تحمله بين أحشائها! إنه ليصرفها عن الحزن، وإنه ~~ليوقع في قلبها عزاء حلوا، وإنه ليملأ نفسها صبرا جميلا! ومع ذلك فهذا الجنين أحق ~~الناس بالرثاء إن حدث لمريض يثرب حدث. أليس قد يولد يتيما؟ بلى! ms051 لم يبق في ذلك شك. ولا ~~بد من أن تؤخذ النفوس باحتماله والصبر عليه؛ فقد عاد رسول عبد المطلب ينبئ قومه بأنه قد ~~بلغ يثرب فلم ير فيها أخاه المريض، وإنما رأى قبره في ناحية من دور بني النجار! # وجلس شباب من قريش ذات ليلة عند فاطمة بنت مر الخثعمية يسمرون، فانتهى حديثهم إلى ~~مرض عبد الله وموته في يثرب. فلما سمعت فاطمة هذا الحديث غشيت جبينها المشرق سحابة ~~رقيقة من حزن، وتحيرت في عينها دمعة لم تلبث فاطمة أن كفكفتها وهي تقول في صوت كأنه ~~يأتي من بعيد: نذر وفداء، ورحلة ومرض، وموت في يثرب؛ إن للقدر في هذا الفتى من قريش ~~لسرا! # ثم مضى القوم فيما كانوا فيه من لهو الحديث. # الفصل السادس # | القضاء # خرج تبع من اليمن غازيا في جيش لم تعرف الأرض مثله عددا وعدة وبأسا وحدة، وغنى ~~وثروة! فلم يدع تبع في طريقه شيئا أتى عليه إلا احتواه، ولا بلدا مر به إلا أذله. ~~وقد دان له النجد والغور، وأذعن له الحجاز والشام، وعنت لسلطانه مصر وإفريقية، وأمعن في ~~المغرب حتى مر بعمود هرقل، ووطئ ساحل البحر المحيط، ذلك الذي كانت تقيم عليه ظلمات ~~دائمة لا تفرقها نجوم الليل ولا شمس النهار. فلما رأى تبع أن قد ملك مغرب الأرض عاد ~~أدراجه قاصدا الشرق، فأمعن فيه غزوا وفتحا، وثل العروش وهزم الجيوش، وأسر الملوك ~~واسترق السادة العظماء، وملأ يديه من السبي والمال. وما زال ماضيا أمامه يخرج من نصر ~~إلى نصر، وينتقل من فوز إلى فوز، وجيشه المظفر يتبعه فرحا مرحا، تغريه الحرب بالحرب، ~~ويطمعه الظفر في الظفر، ويواتيه الحظ، حتى انتهى إلى أقصى الشرق، ووطئ ساحل البحر ~~المحيط، ذلك الذي تخرج منه نجوم الليل إذا كان المساء، وشمس النهار إذا كان ~~الصباح. # هنالك انقلب تبع راجعا إلى اليمن، وفي نفسه حزن ألا يتاح له من الظفر أكثر مما ~~أتيح له، وألا تهيأ له الوسائل ليغزو هذا البحر الذي انتهى إليه من ساحل إلى ساحل، ms052 ويرى ~~هذه الطريق التي تقطعها الشمس وتقطعها النجوم حين تأوي إلى أحد ساحليه لتنام، فتنام ~~ولكن في غير سكون، وتهجع ولكن في غير استقرار؛ إنما تعبر بها زوارق من ذهب وفضة، وأخرى ~~من لؤلؤ وياقوت. وما تزال هذه الزوارق تعبر في دعة وهدوء حتى تبلغ الساحل الآخر، فتصعد ~~في السماء لتبعث الضوء والحياة إلى الناس والأشياء. ونفس الإنسان واسعة الأمل بعيدة أمد ~~الرجاء، ولا سيما حين يواتيها الحظ ويقدر لها الفوز ببعض ما تريد، وكانت نفس تبع في ~~أكبر الظن تؤمل فتبعد في الأمل، كما عملت فأبعدت في العمل، وكانت تتمنى لو أتيح لها أن ~~تطأ أمواج هذا البحر بهذا الجيش الذي وطئت به أكناف الأرض. ومن يدري! لعلها أن تظفر ~~بزورق أو غير زورق من هذه الزوارق التي تعبر عليها النجوم. ومن يدري! لعلها أن تقطع ~~طريق النجوم في السماء بعد أن قطعت طريقها في البحر، وبعد أن قطعت طريق ضوئها على ~~الأرض. على أن نفس تبع لم تكن تعرف اليأس وإن كانت تعرف الإرجاء! فلم ييأس تبع من ~~غزو النجوم في عقر دارها، وإنما أرجأ ذلك إلى أن يتخذ له العدة، ويهيئ له الوسيلة، ويمد ~~له الأسباب. # عاد إذا تبع سعيدا يرافقه الظفر والأمل. حتى إذا كان قريبا من اليمن وقف عند ~~هذه المدينة الصغيرة التي كانت تسمى «يثرب»، والتي ملكها لأول عهده بالخروج، والتي ترك ~~فيها أحد أبنائه يشرف منها على بلاد العرب. أنكر شيئا لم يكن يقدره ولا يفكر فيه: لم ~~يخرج ابنه للقائه من بعيد، ولم يخرج للقائه من قريب، ولم ير من حوله استبشارا بمقدمه ~~ولا إكبارا لمنزله، وإنما رأى حصونا مغلقة وآطاما قام عليها الجند كأنهم يتأهبون ~~للقتال. لم يحتج تبع إلى بحث واستقصاء ليعلم أن القوم قد غدروا ومكروا، وقتلوا ابنه ~~غيلة، وأبوا أن يتسلط عليهم أحد غيره، أو أن يسود فيهم من ليس منهم. وهم الآن يستعدون ~~للحرب، ويتأهبون للدفاع عن أنفسهم مستميتين في ذلك، مزدرين ما سيلقون من جهد، وما ms053 سينزل ~~بهم من بلاء. # ولم يكن من اليسير على تبع أن يتبين العواطف التي كانت تثور في نفسه، والخواطر ~~التي كانت تزدحم في قلبه، فقد كان محزونا أشد الحزن، ملتاعا أشد اللوعة لفقد ابنه ~~العزيز الذي كان يراه زينة لملكه وذخرا لدولته، وقرة لعينه قبل كل شيء. وقد كان ~~مغضبا أشد الغضب محفظا أشد الحفيظة أن يثور به هؤلاء النفر من الأوس والخزرج فيخرجوا ~~عن طاعته ويجهروا بمعصيته، ويقتلوا ابنه، ويضربوا للأحياء من حولهم مثل التمرد ~~والثورة. وكان على هذا كله معجبا بهذا النفر من الأوس والخزرج الذين لم يخافوه ولم ~~يخشوا بأسه، ولم يمنعهم بطشه العظيم وسلطانه العريض أن يثوروا به ويخرجوا عليه، ولم ~~يدفعهم مقدمه ومعه الظفر والأمل، ومن ورائه هذا الجيش الضخم المنتصر، إلى أن يسرعوا ~~فيقدموا له الطاعة والمعذرة، ويلتمسوا عنده العفو والمغفرة؛ وإنما ثبتوا له كراما، ~~وتلقوه أباة للضيم، حماة للحرم، مستعدين لاحتمال المكروه. # على أنه لم يطل الوقوف عند هذا الإعجاب بالأوس والخزرج، والإكبار لحفاظهم وذودهم عن ~~الذمار، وإنما مضى يتبعه حزنه وغضبه، فأقسم ليدمرن يثرب تدميرا، وليسوين ~~حصونها وآطامها بالأرض هدما وتحريقا، وليجعلن ما كان يحيط بها من الحدائق ~~والرياحين، ومن الشجر والنخيل، صحراء جرداء كأن لم تعرف من قبل خضرة ولا ظلا. # ولم يرد أن يستأني بذلك أو يبطئ فيه، فما هي إلا أن يأمر كتائبه بالزحف، مقدرا أن ~~الأمر لن يحتاج إلى وقت ولا إلى جهد، ولن يكلف جيشه الظافر مشقة ولا عناء. وأين يقع ~~هؤلاء النفر من الأوس والخزرج من دول عظيمة أفناها، وبلاد عريضة احتواها! وأين يقع ~~قادتهم وسادتهم من هؤلاء الملوك الذين يرسفون في السلاسل والأغلال، وقد جاء بهم أسرى من ~~أقصى الشرق ومن أقصى الغرب، ليجعلهم ملهى لأهل صنعاء حين يعود إلى صنعاء! # ولكن كتائبه لم تكد تتقدم حتى تأخرت، ولم تكد تهجم حتى ارتدت، وإذا هؤلاء النفر من ~~الأوس والخزرج أشد مضاء وأحسن بلاء مما كان يظن، ومن كل من لقي في فتحه البعيد من ~~الجيوش ms054 والأجيال. لقد كان استهان بأمرهم واستصغره؛ لأنهم لم ينصبوا له الحرب حين مر بهم ~~غازيا، وإنما تلقوه مذعنين له مؤمنين لسلطانه. رأوا فيه رجلا منهم فلم يمكروا به ولم ~~يكيدوا له، حتى إذا رأوا من بغي ابنه وتجبره ما أحفظهم ثاروا للعزة، وغضبوا للكرامة، ~~وقتلوا الطاغية وتأهبوا لحرب أبيه. # رأى تبع هذا فازداد بالقوم إعجابا ولهم إكبارا، ونصب لهم حربا تلائم هذا ~~الإعجاب والإكبار. ولكنه لم يلبث أن اشتد إعجابه وعظم إكباره حين أقبل الليل، فإذا هو ~~لم يبلغ من القوم شيئا، وإذا هم يعلنون إليه أن قد أقبل الليل، وأن حرب الليل ويل كل ~~الويل، وأنهم يضيفون عدوهم في الليل، ويقاتلون عدوهم في النهار. هنالك لم يتمالك تبع ~~أن عطفته الرحم على قومه، وأخذته الكبرياء بما فيهم من عزة وكرم، وصاح: «إن قومنا ~~لكرام.» ثم أمر من أذن في الجيش بالموادعة حتى يشرق الصبح. # واتصلت الحرب طويلة مضنية بينه وبين هذا الحي من أهل يثرب: يقتتلون أشد القتال ما ~~أضاءت الشمس، ويتوادعون أحسن الموادعة ما أظلم الليل، حتى أخذ السأم يسعى إلى هذه النفس ~~التي لا تعرف السأم وحتى هم أن يستقبل الصباح بغارة مطبقة لا تبقي ولا تذر، فإما قهر ~~القوم وإما قهره القوم. # وهو في هذا النحو من التفكير والتقدير، وإذا حاجب من حجابه يدخل عليه فيلثم الأرض ~~بين يديه، وينبئه أن شيخين من هذا الحي المحالف للأوس والخزرج من يهود يستأذنان على ~~الملك، ويلحان في لقائه، ويتقدمان بما يتقدم به السفراء من حق الأمن والعافية ~~والتكرمة، فيأمر الملك بإدخالهما. فإذا كانا بين يديه لم يركعا، ولم يسجدا، ولم يلثما ~~أرضا، ولم يعفرا خدا بالتراب، وإنما هي تحية فيها الإكبار والإجلال، وفيها عزة ~~وأنفة، وفيها شيء من التواضع والخشوع لم يألفهما الملك من أهل هذه البلاد. فإذا أذن ~~لهما بالجلوس وسألهما عما أقبلا به، قال أحدهما: أيها الملك! لم نأتك سفيرين، ولم نحمل ~~إليك رسالة من عدوك، ولو قد عرفوا أنا نسعى إليك لحالوا بيننا وبين ذلك، ms055 وللقينا منهم ~~شرا. قال: فأنتما إذا لاجئان إلي، كارهان للقوم؟ وحدث نفسه بأنه سيجد عندهما ما ~~يعينه على ما يريد بالقوم ومدينتهم. قالا: كلا أيها الملك! ما لجأنا إليك ولا كرهنا من ~~قومنا شيئا، وإنما أقبلنا ناصحين لك رفيقين بك، نريد، لو سمعت لنا، أن ننهاك عن هذه ~~الحرب التي لن تجدي عليك شيئا، ولن تبلغك من هؤلاء الناس شيئا. لقد أدركت وترك بمن ~~سقط في ميدان القتال من هؤلاء الناس، فحسبك ما بلغت، وانصرف راشدا، فإنك إن نصبت الحرب ~~لهذا الحي ما بقي من عمرك، وهو طويل ممدود لك فيه، لم تجد إلى قهرهم سبيلا. ولقد أبليت ~~فأحسنت البلاء، ولقد غزوت فأمعنت في الغزو، ولقد أزلت الممالك وأسرت الملوك، ولقد نصبت ~~لأقوى دول الأرض وأعظمها بأسا، فلم تثبت لك ولم تمتنع عليك. ثم ها أنت ذا أمام هذه ~~المدينة الصغيرة، وهؤلاء النفر القليلين من قومك، لا يتاح لك الظفر ولا يتأتى لك ~~الانتصار. ألم يكن لك في هذا عبرة تدعوك إلى التفكير وتحملك على أن تسأل نفسك كيف دانت ~~لك الأرض كلها وامتنعت عليك منها هذه الرقعة الضيقة؟! قال: لقد سألت نفسي وأطلت السؤال، ~~ولكني لم أجد له جوابا. ولقد فرحت بكما حين علمت أنكما لا تحملان إلي سفارة ولا ~~رسالة، وقدرت أنكما ستدلاني على مكان يؤتى منه هؤلاء الناس. # قالا: لو شاء الله لأتى هؤلاء الناس من كل مكان، فليست حصونهم ولا آطامهم بالمنيعة ~~المؤشبة، وليست السبيل إليهم بالعسيرة ولا الملتوية، ولكن الله لا يشاء؛ لأمر قضاه. ~~قال الملك: أفصحا؛ فإني لا أفهم عنكما منذ اليوم. فما الله؟ وأين يكون؟ وكيف له أن يشاء ~~ولا يشاء؟ هل لكما في أن تدلاني عليه لعلي أتخذ إليه من الأسباب ما يرضيه أو يسلطني ~~عليه؟ فتضاحك الحبران وقالا: حقا أيها الملك إنك لا تفهم عنا منذ اليوم، فليس الله ~~ملكا كالملوك، ولا قائدا كالقادة ولا عظيما كالعظماء. وما ينبغي لك ولغيرك من الناس ~~أن تسأله عما يشاء أو عما لا يشاء، ms056 إنما ينبغي لك ولغيرك من الناس أن تعرف سلطانه ~~وعظمته، ثم تذعن له وتؤمن به، وترضى بما يريد لا مجادلا ولا ممانعا. قال: فمن هو؟ أين ~~هو؟ قالا: هو رب السموات والأرض، وهو الذي يتسلط على كل شيء ولا يتسلط عليه شيء، وهو ~~الذي يخلق كل شيء، وهو الذي منحك هذا الملك الواسع السلطان العريض، وهو الذي إن شاء ~~ردك كواحد من رعيتك، وهو الذي إن شاء سلبك ما أنت فيه وسلبك الحياة أيضا. أرأيت إلى ~~ما حولك كيف كان ومن أحدثه؟ قال: هذا شيء قلما فكرت فيه أو سألت عنه، وإنه مع ذلك ~~لخليق بالتفكير حري بالسؤال، فمن يكون قد خلق الأشياء؟ وقدر لها نظامها؟ قالا: ~~فاسمع أيها الملك! فإنا سنقرأ عليك نبأ الخلق كيف كان، وأمر الخلق إلام يصير ثم قرآ ~~عليه صحفا من التوراة لم يكد يسمعها ويفقه بعض ما فيها، حتى لان قلبه وانبسطت نفسه، ~~وكشف عنه الغطاء، فقال: يا هذان إن ما تقولان لحق، فعلماني علمكما ومراني قبل ذلك بما ~~أصنع مع قومكما. قالا: أما قومنا فالرأي أن تدعهم؛ فإن الله لم يقدر لك أن تقهرهم، ولا ~~أن تملك أرضهم، إنما ادخرهم وادخر أرضهم لشيء سيكون في آخر الزمان نجده عندنا مكتوبا ~~في هذه الأسفار التي نتلوها عليك. قال: وما ذاك؟ قالا: نبي يخرج من هذا الصوب - ~~وأشارا نحو مكة - فيمكر به قومه ويأبون عليه، ويكيدون له، ويخرجونه من الأرض، فيأوى إلى ~~هذا البلد، فيجد النصر والمنع، ويجد العزة والقوة، وينشر دينه من هذه الآطام فيملأ به ~~الأرض كلها، ويخرج به الناس من الظلمات إلى النور. وما كان الله ليمكنك من أرض أعدها ~~دارا لنبيه، ومهبطا لوحيه. ومصدرا لنوره المبين. قال: أوتجدان هذا عندكما مكتوبا؟ ~~قالا: نعم، ونجد عندنا مكتوبا أنك ستسمع لنا، وتقبل نصحنا لك، وتنصرف عن هذا الحي، وأن ~~قوما من هذيل سيلقونك إذا قربت من مخرج هذا النبي، فيغرونك به وببيت لله فيه، ~~وسيزعمون لك أن في هذا البيت كنوزا من الذهب ms057 والفضة ومن الدر والجوهر. فاحذر أن تسمع ~~لهم أو تأتي ما يدعونك إليه. ولكن اذهب إلى هذا البيت فأكرمه وعظمه، وطف به سبعا، ~~وامنح أهله من العطف والبر والرعاية ما تقدر عليه. قال: يا هذان إني مصدق لكما، مؤمن ~~بما تقولان، سامع لما تأمران به. ولكني لا أستطيع أن أنصرف إذا لم تصحباني، فمالي من ~~صحبتكما بد. ولا بد من أن أعلم علمكما كله، ولا بد من أن أتخذكما لي وزيرين ~~أستنصحكما، وأستعين برأيكما وفقهكما على ما يعرض لي من الأمر. قالا: لك ما تحب من ذلك ~~أيها الملك، فسر راشدا فنحن معك. # وأمر الملك من أذن في الجيش بأنه مرتحل مع الفجر. وارتحل الجند غير آسفين ولا ~~محزونين. وأيهم لم تكن تضيق نفسه بهذا الحصار الطويل العقيم، والدار قريبة وهو إلى أهله ~~مشوق! فلما قارب الملك مكة أقبل جماعة من هذيل يستأذنون. فلما أذن لهم قالوا: أيها ~~الملك، إنما سعى بنا إليك نصحنا لك، وإيثارنا لرضاك. قال الملك في نفسه: فهذه نبوة ~~الحبرين قد صدقت. ثم أصغى إلى الهذليين، فقالوا: وستمر بمكة وفيها بيت يعظمه أهلها، ~~يعبدون ما ادخروا فيه من مال، وما كنزوا فيه من ذهب وفضة ومن در وجوهر، يطوفون حوله ~~وينحرون له، وقد نصبوا عليه الأوثان. قال الملك: فماذا تأمرون؟ قالوا: ما نحب أن يفلت ~~منك هذا الكنز، فلو قد هدمته واحتويت ما فيه وأخذت أهله عبيدا لك ولأهل صنعاء! قال ~~الملك في نفسه: الآن قد تمت نبوة الحبرين. ثم قال للهذليين: لقد قبلت نصحكم وسمعت ~~أمركم، وإني ماض فيما تريدون، وسأعرف لكم حقكم علي، ولكني أريد أن تقدموا معي على أهل ~~مكة فتكونوا أول من يعمل في هدم هذا البيت. فلم يكد الهذليون يسمعون منه هذا القول حتى ~~أخذوا، وظهر على وجوههم الفزع والروع. فلما ألح الملك أظهروا من التلكؤ والتردد ما لم ~~يدع للريب في أمرهم سبيلا، فأمر الملك بتعذيبهم حتى يعترفوا بالحق. فلما ألح عليهم ~~العذاب قالوا: أيها الملك ما أردنا بك إلا ms058 شرا، إنا لنكبر هذا البيت ونعظمه، ونرى له ~~علينا حرمة، ونعلم أنه لم يحاول أحد أن يمسه بسوء إلا أهلكه الله. وقد وترتنا في ~~مخرجك الأول، فقتلت الرجال، وسقت المال، وسبيت الحرائر، وأذللت هذيلا، ولم تكن قد عرفت ~~الذل. فلما أعجزنا أن نثأر لأنفسنا بأيدينا أردنا أن نكل ثأرنا إلى من هو أقوى منك ~~ومنا، فأغريناك بهذا البيت واثقين بأن صاحبه لن يخلي بينك وبينه، ولن يمهلك إن حاولت ~~الاعتداء عليه. قال الملك : إنما جزاؤكم على هذا الكيد أن تقطع أيديكم وأرجلكم من خلاف، ~~ولكني قد قسوت عليكم في خرجتي الأولى، وأسرفت فيكم قتلا وسبيا، فسأهبكم الآن لأنفسكم ~~ولأهلكم، ولعل الله أن يجعل عفوي عنكم كفارة لما قدمت فيكم من سوء، فاذهبوا فأنتم ~~أحرار! # قال الحبران للملك: لقد أحسنت أيها الملك حين وضعت العفو عند القدرة موضع اليأس ~~والانتقام. وما نشك في أنك تجد لهذا العفو لذة وراحة، ولكن لذتك وراحتك لن تعدل ما نجد ~~من غبطة وسرور، وقد أخذ دين الله سبيله إلى نفسك، وبسط سلطانه على قلبك، فأنزل فيه ~~اللين منزل القسوة، والرحمة مكان العنف والشدة، وكنا نحن وسيلته إلى ذلك. وإنا لنرجو أن ~~يغفر الله لنا بهذا السعي بعض ما قدمنا من سيئة في حياتنا. قال الملك: أومثلكما يقدم ~~السيئات أو يقترف الآثام، وما رأيت خيرا منكما ولا أهدى إلى الحق؟! قال الحبران: أمعن ~~أيها الملك في قراءة كتب الله وتدبرها، وأنعم أيها الملك النظر فيما حولك من خلق الله ~~وفيمن حولك من الناس، فسترى أن الإنسان صغير مهما يكبر، ضئيل مهما يعظم، ضعيف مهما ~~يقو، معرض للخطيئة مهما ينصح لنفسه ومهما يأخذها بالمعروف ويجنبها المنكر. قال الملك ~~وقد كبر الحبران في نفسه: ليتني عرفتكما في أول العمر ومبتدأ الحياة! إذا لاجتنبت ~~كثيرا من الشر، ولتنكبت كثيرا من الذنب. ولكن سأكون عند ما تحبان، ولن تريا مني منذ ~~اليوم إلا ما يرضيكما. # وأقبل الملك على مكة فدخلها خاشعا منيبا، وطاف بالبيت وأعظم أمره، ونحر للناس ~~وأطعمهم، وأذاع ms059 فيهم الخير والمعروف. فلما كان من الغد قال للحبرين: إني أريت أن أكسو ~~هذا البيت. قالا: فافعل ما أمرت. فكساه خصفا. # 1 # ومضى يعظم البيت ويكرم أهله بياض يومه. فلما أصبح قال للحبرين: إني أريت ~~كأن هذه الكسوة لا تليق بهذا البيت. قالا: فاكسه خيرا منها. فكساه وشيا، ومضى نهاره ~~يعظم البيت ويجزل المعروف لأهله. فلما أصبح قال للحبرين: إني أريت كأن هذه الكسوة لا ~~ترضي الله. قالا: فاجتهد في إرضائه ما وسعك الاجتهاد . فكساه حريرا وديباجا، وزينه ~~بالذهب والفضة والجوهر، وفرق العطايا بين الناس. ثم أصبح فقال للحبرين: لم أر الليلة ~~شيئا. قالا: فقد رضي إذا رب البيت. # وارتحل الملك بعد ذلك إلى اليمن وقد سبقته إليها الأنباء بأنه قد ظفر ظفرا لم يظفره ~~ملك من قبله، وسبقته إليها الأنباء بأنه قد صبأ عن دينه وترك عبادة الآلهة التي كان ~~يعظمها ويسعى لها. وكان أهل اليمن قد تأهبوا للقائه في حفل حافل وزينة بارعة بالغة. ~~فلما انتهت إليهم الأنباء بأنه قد صبأ # 2 # تنكروا له، وأبوا إلا أن ينصبوا له الحرب، وأن يصدوا عن بلادهم ويردوا عن ~~حمير شر هذا الدين الجديد الذي جاءهم به من يثرب. # فلما بلغ الملك أطراف اليمن لقيته طلائع الأقيال # 3 # والأذواء منكرة له مزورة عنه. وقال قادتهم: لقد فارقتنا وأنت أبر أهل ~~اليمن باليمن، وأحب حمير لآلهة حمير، وها أنت ذا تعود إلينا وقد آمنت لإله لا نعرفه ~~وجحدت آلهتنا، وقد استوزرت غريبين من عدونا تسمع لهما وتطيع، وأعرضت عن رأي الأشراف ~~والقادة من الأقيال والأذواء؛ فلن نخلي بينك وبين هذه البلاد التي أنكرت أهلها وجحدت ~~آلهتها. فارجع أدراجك فاتخذ لك ملكا حول هذا البيت الذي لم يرضك أن تكسوه الوشي، حتى ~~كسوته الحرير والديباج، أو اتخذ لك ملكا في يثرب حيث دم ابنك ينتظر من يثأر له، وحيث صدى # 4 # ابنك يدعو من يسقيه. قال الملك: يا قوم! لا تعجلوا ولا تسرفوا على أنفسكم، ~~ولكن اسمعوا لي واسمعوا لهذين الحبرين، فلو قد ms060 علمتم ما نعلم ورأيتم ما نرى، لسلكتم ~~سبيلنا، ولقبلتم ديننا، ولآمنتم بإلهنا الذي خلق السموات والأرض، وآمن له من فيها من ~~الإنس والجن، ومن الحيوان والطير، ومن الماء والهواء، ومن الزهر والشجر. قالوا: ما نريد ~~أن نسمع لك ولا لهما، فانصرفوا عنا. قال الحبران للملك: فما يمنعك أن تدعوهم إلى ما ~~يتداعون إليه إذا شجر بينهم خلاف أوكانت بينهم فرقة؟ قال الملك: أوتعلمان هذا أيضا؟ ~~قالا: نعم! أليسوا يختصمون إلى النار إذا اختلفوا؛ فخاصمهم إليها. قال الملك : يا قوم! ~~هذا الحبران يدعوانكم إلى الإنصاف ويأخذانكم بالعدل. إنكم لتختصمون فيما بينكم فتحتكمون ~~إلى ناركم تلك المقدسة، التي تخرج من أعماق الغار لها زفير وشهيق، وقد ارتفع لهبها في ~~السماء، فلا يكاد يراها الظالم حتى يصعق، ولا يكاد يراها المظلوم حتى يحس المنعة ~~والقوة. هلم فلنحتكم إليها، فأينا استطاع أن يثبت لها ويصبر على حرها فهو صاحب الأمر، ~~وأينا فزع منها وفر من أوارها فهو الظالم المعتدي. فأدار القوم أمرهم بينهم ساعة، وقال ~~بعضهم لبعض: لقد دعاكم الملك إلى الإنصاف، وما ينبغي أن نأبى على ملكنا ما لا يأباه أحد ~~منا على صاحبه، وما لا تأباه ملوك اليمن على سوقها، فتعالوا نجبه إلى ما يدعونا إليه، ~~وتعالوا نخاصمه إلى النار. ثم أجمعوا أمرهم ليختصمن إلى النار إذا كان الغد، ~~وليقبلن كل فريق معه حجته وسلطانه. # وما أشرقت شمس الغد حتى كان أقيال حمير وأذواؤها قد أقبلوا في عددهم وعدتهم، وفي ~~حفلهم وزينتهم يحملون أوثانهم وأصنامهم، وأقبل الملك ومعه الحبران قد تقلدا مصاحف ~~التوراة. وكانت نارهم المقدسة لا ترى ولا تحس من بعيد، وإنها تجيب إذا دعيت، وتخرج ~~إذا نوديت. فلما دنوا من الغار الذي كانت تقيم فيه، دعوا وأطالوا الدعاء، ونادوا وألحوا ~~في النداء. وإنهم لفي دعائهم وندائهم، وإذا دخان كثيف ضيق يخرج من الغار كأنه السهم، ~~فلا يبلغ الهواء حتى يمتد طولا ويتسع عرضا، وحتى يملأ الجو كثيفا ثقيلا، قد حجب ~~الشمس، وكاد يأخذ أنفاس الناس، وما يزال الدخان يخرج من ms061 الغار. ثم يمتد في الجو وينتشر، ~~وحمير تتقهقر كلما ألح عليها، والملك والحبران قد ثبتوا في مكانهم لا يجدون ألما ولا ~~يلقون ضرا، حتى أخذ صوت يسمع كأنه فحيح الحيات، ثم أخذ هذا الصوت يعظم كلما دنا من ~~فوهة الغار؛ وإذا زفير وشهيق، ثم لهب يندلع من الغار ولا يلبث أن يحيط بكل شيء، ويلتهم ~~كل شيء؛ وحمير جادة في الهرب قد تركت أوثانها وأصنامها، وتخففت من زينتها وسلاحها، ~~والنار تتبعهم ملحة في اتباعهم ساعة من نهار ؛ ثم أخذت النار تتراجع شيئا فشيئا حتى ~~دنت من فم الغار، وإذا هي تقصر وتضيق وتتضاءل حتى كأنها لسان الغار، ثم لا تلبث أن ~~تختفي كأن الغار قد أطبق عليها شفتيه، وإذا الشمس مشرقة والجو صفو، والملك والحبران ~~قائمون في مكانهم لم يصبهم أذى، ولم يمسسهم ضر، ولم تتغير نضرة وجوههم، ولم يفارق ~~ثغورهم الابتسام. وتثوب حمير إلى ملكها مسرعة مذعنة، وقد افتقدت آلهتها وسلاحها ~~وزينتها فلم تجد شيئا ما؛ لأن النار التهمت كل شيء. # هنالك هادت حمير وآمنت للملك والحبرين. ومنذ ذلك اليوم استقر في بلاد اليمن كتاب من ~~كتب السماء. # الفصل السابع # | الردة # عاش تبع ما شاء له الله أن يعيش، ومات تبع حين قضى الله عليه الموت. وكان قد ~~أنفق حياته منذ عاد إلى اليمن في صلاح ونسك، وتفقه للتوراة ونشر للدين. فلما فارق هذه ~~الدنيا نهض بملك حمير من بعده أكبر أبنائه حسان، وكان تقيا، وكان ورعا، وكان ~~دبانا، وكان قد ورث عن أبيه وعن أجداده حبا للغزو وكلفا بالفتوح. وكان الناس ~~يتنبئون قبل تهود أبيه بأنه سيكون أبعد ملوك اليمن أثرا في الغزو والفتح، وأعظمهم بسطة ~~في الملك والسلطان. فلما هاد تبع اقتفى حسان أثره، فظهر عليه حب للنسك وانقطاع ~~للعبادة، ورغبة في الفقه بالدين، خدع الناس عنه، وغير رغبتهم فيه. حتى إذا نهض بأمور ~~الملك لم يشك أصحابه في أن اليمن ستنفق أياما هادئة وادعة، تنعم فيها بالأمن والسلم ~~واللين. ولكن الميل القديم الذي كان يجده حسان ms062 إلى الحرب والتسلط، والميل الجديد الذي ~~كان يجده إلى الفقه والدين، لم يلبثا أن التقيا وامتزجا، وأصبحا ميلا واحدا يوفق بين ~~هاتين النزعتين المختلفتين أشد الاختلاف. # وأصبح حسان ذات يوم ماضي العزم، شديد البأس، عظيم النشاط، فلم يكد يخرج للناس حتى دعا ~~إليه الحبرين، وكان لهما معظما يستشيرهما في كل ما يأتي من الأمر. فلما أدخلا عليه قام ~~لهما وأدنى مكانهما، ثم قال: قد علمتما أني أعظم من أمركما ما كان يعظم أبي، وأشاوركما ~~في كل ما أنشط له من هم قريب أو بعيد. وقد جعلت منذ أيام أسمع داعيا قويا ملحا ~~لا يفارقني يقظان، ولا يفصل عني دائما، وهو يهيب بي في كل لحظة أن جرد نفسك وجيشك ~~لجهاد الكافرين ونشر الدعوة إلى الدين، حتى يؤمن بكتاب الله أهل الشرق والغرب، وحتى ~~يذعن لسلطان الله كل جيل في الأرض، وحتى يصبح حكم التوراة حكم الناس جميعا. # وقد أنكرت دعوة هذا الداعي أول الأمر، فلم يزده الإنكار إلا إلحاحا في الدعاء. وأبيت ~~عليه بعد ذلك فلم يزده الإباء إلا إصرارا على ما كان يدعوني إليه. وإني لأتحدث إليكما ~~الآن وصوته الملح الحازم يملأ سمعي وقلبي وعقلي، ويكاد يلهيني عنكما ويصرفني عما أريد ~~أن أقول لكما. وقد عزمت بعد طول التفكير أن أستجيب لهذا الداعي، وأن أخرج بالجيش غازيا ~~في سبيل الله ما يليني من الأرض؛ فإن قضى الله لي بالنصر مضيت أمامي حتى يأذن الله لي ~~بالوقوف. ثم سكت ينتظر جواب الحبرين وهو يقدر أن كلامه قد وقع منهما موقع الرضا. ولكن ~~عظم دهشه حين سمعهما ينصحان له بالقعود ويلحان عليه في ألا يسمع لهذا الصوت ولا يستجيب ~~لهذا الدعاء، وهما يقولان له: أيها الملك؛ إياك والغرور الذي يصيب الملوك إذا عظم ~~بأسهم، واشتدت قوتهم، ودانت لهم الأرض بمن فيها وما عليها، فيغريهم بالحرب، ويدفعهم إلى ~~الفتح، ويحبب إليهم العدوان. قال: أعدوان أن أنشر دين الله وآخذ الناس بالإذعان له ~~والإيمان به، وأذود عنهم شر الأوثان وأطهرهم من رجس الشيطان؟! ms063 قد دعوتكما وما أنتظر ~~منكما إلا حثا لي على أن أمضي فيما عزمت عليه، فإذا أنتما تصدانني وتخذلانني، وتؤثران ~~لي حياة الخمول والخمود والتقصير. قالا: فإنا نخشى أن يكون هذا الصوت الذي يدعوك ويلح ~~عليك صوت الغرور والكبرياء، لا صوت الطاعة والتقوى، وأن يكون هذا الحديث الذي يلقيه في ~~روعك تزيينا لما ورثت عن آبائك من حب الغلب وبسط السلطان، يدفعك إلى الحرب باسم الدين، ~~ويصور لك الفتح في صورة الدعوة إلى الله. ونحن نجد فيما عندنا من العلم أن هذا الدين لا ~~ينشر ولا يذاع على هذا النحو الذي تريد أن تنحوه. ونجد مكتوبا عندنا في الكتب أن الدين ~~الذي سيبسط سلطانه على الأرض فيملؤها عدلا بعد ما ملئت جورا، ويملؤها عزا بعد أن ~~ملئت ذلا، ويرد إلى الإنسان حريته وكرامته، ويرقى بنفسه إلى أسمى ما تطمح إليه من ~~الكمال، ويحقق الأخوة بين الناس ويلغي ما بينهم من الفروق، لن يخرج من صنعاء، وإنما ~~سيهبط به الوحي في آخر الزمان على رجل بمكة من قريش، ثم يخرج من يثرب فيطبق أقطار ~~الأرض. فإذا شئت أيها الملك، فاسمع لنا وأعرض عن داعيك؛ فإنه لا يدعوك إلى خير. # قال الملك: ما رأيت كاليوم صدا عن الحق، ولا صرفا عن الواجب، ولا تثبيطا للهمم! ~~وهم أن يعرض عن الحبرين، ولكنهما قالا له: فكر أيها الملك فيما أنت مقدم عليه؛ فقد أدخل ~~أبوك دين الله في هذه البلاد وأذاعه فيها، ومضيت أنت على سنته دهرا، ولكنك لم تبلغ من ~~ذلك ما ينبغي؛ فما زالت في حمير قلوب لم تخلص لهذا الدين، وما زالت في أعماق اليمن ~~أوثان منصوبة تهفو إليها قلوب قوم لم تبلغهم دعوة الله بعد؛ فثبت هذا الدين في بلادك ~~قبل أن تخرج به إلى غيرها من البلاد؛ فذلك آمن لك، وأحرى ألا تؤخذ على غرة، وألا ~~ينتقض عليك قوم ليس لهم من الإيمان واليقين مثل ما لك، أو يغدر بك قوم ما تزال في ~~نفوسهم بقية من حنين إلى دين ms064 آبائهم الأولين. قال الملك معرضا عنهما: قد سمعت قولكما ~~وسأنظر فيه. ثم لم ينظر بعد ذلك إلا في التهيؤ للحرب والاستعداد للرحيل. وانقطع الحبران ~~عن الملك ولم يدعهما الملك إليه. وأذن مؤذن الملك في الجيش بالرحيل. وفصل الملك عن ~~صنعاء لم يلق الحبرين ولم يودعهما. ومضى الملك أمامه في طريق سهلة وشعوب سلم لا يلقى ~~خوفا ولا يتعرض لكيد حتى بلغ البحرين. # فلما أحس قادة الجيش من الأقيال والأذواء أن الأمد يبعد بينهم وبين اليمن من يوم إلى ~~يوم، وأنهم مشرفون على بلاد لم يألفوها، وأنهم يدفعون إلى حرب لا يفقهون غايتها كما ~~كانوا يفقهون غايات الحرب من قبل، وأنهم سيضيق عليهم حين يظفرون فيما تحتوي أيديهم من ~~سبي ومال، ضاقوا بهذه الرحلة، وثقلت عليهم هذه الحرب. وطال عليهم عمر الملك، فسعى بعضهم ~~إلى بعض وتحدث بعضهم إلى بعض، وما هي إلا أن تجتمع كلمتهم على الكيد لحسان والبغي عليه، ~~فيلقون أخاه عمرا، وكان خفيف الحلم سريعا إلى اللهو متعجلا الملك، لم تخلص نفسه لهذا ~~الدين الجديد، ولم تطب عما كان لحمير من سنة موروثة وعادة مألوفة وتراث قديم. فلما ~~أظهروه على ما في أنفسهم، وعاهدوه على أن يملكوه إن قتل أخاه، ولا يقتضوه على ذلك أجرا ~~إلا أن يردهم إلى بلادهم ويرفع عنهم ثقل هذه الحرب. نشط لذلك وجد فيه. ولم يجد من خاصته ~~وأصفيائه من يرده عن ذلك أو يخوفه من شره إلا رجلا واحدا من الأذواء يقال له ذو رعين؛ ~~فإن هذا الرجل خوف عمرا عاقبة البغي وحذره من العدوان على الإخوان، وجد في صرفه عن سفك ~~دم أخيه: يذكره بالرحم حينا، وبشرف الملوك حينا آخر، وبحرمة الدين مرة ثالثة، ولكنه ~~لا يجد منه إلا إعراضا يكاد يبلغ الغضب ويثير الريبة وسوء الظن. فلما يئس منه دفع إليه ~~كتابا مختوما وقال له: احفظ لي هذا الكتاب. ثم أتم عمرو كيده، فأغمد النصل في صدر ~~أخيه، وارتقى على جثته إلى العرش، وأسرع بالجيش قافلا إلى صنعاء، معلنا إبطال ms065 ما كان ~~أبوه وأخوه قد أقاما من معالم الدين الجديد، مزمعا قتل الحبرين، ولكنه لم يجدهما؛ فقد ~~هلكا بعد أن فصل الجيش من صنعاء. # ولم يستمتع عمرو بالملك ولا ذاق لذة السلطان؛ فقد أخذ الحزن يلزمه منذ بلغ صنعاء، لا ~~يفارقه ما ابيض النهار، ولا يفارقه ما اسود الليل. وأخذ هذا الحزن يشتد ويقسو، وأخذ هذا ~~الحزن يعظم ويطغى، حتى ذاد عن نفس الملك كل راحة، ورد عن عين الملك كل نوم، وأحاط شخص ~~الملك بصور مروعة مزعجة: فكان تارة يرى حيات عظاما ذوات رءوس عدة يخرج من أفواهها ~~اللهب وهي تسرع إليه فاغرة أفواهها، كأنما تريد أن تزدرده ازدرادا. وكان يرى تارة ~~أخرى أنهارا من الدم قوية عنيفة، تنحدر ولها هدير وزئير، كأنما تريد أن تأخذ عليه كل ~~مكان وأن تلتهمه التهاما. وكان يرى تارة أخرى أشباحا تدنو منه لتبعد عنه، ثم ترتد ~~إليه فتطيف به وتدور حوله وقد كشرت عن أنياب حادة، ومدت أظافر دامية، كأنما تريد أن تنهسه # 1 # نهسا وتمزقه تمزيقا. وكان في أثناء هذا كله يسمع أنين أخيه، ويرى الدم ~~يتفجر من صدره كما يتفجر الينبوع الضئيل القوي من الصخرة الصلبة الملساء. # وأخذ الملك يستشير الأطباء فلا يجد عندهم دواء، ويستعين الكهان فلا يلقى عندهم عونا، ~~ويسأل العرافين فلا يظفر منهم بجواب مريح. وما زال فيما هو فيه من استشارة واستعانة ~~وسؤال حتى أدخل عليه رجل حكيم من أقاصي اليمن. وقص عليه ما يأتي من الأمر، وصور له ~~الملك ما يلقى من الشر، وألح عليه الملك في أن يجد له من هذا الضيق مخرجا ومن هذا ~~الأذى شفاء. وأطرق الرجل الحكيم غير قليل، ثم قال في صوت حازم وقد ظهرت على وجهه صرامة ~~الجد والبأس: أيها الملك، لأنبئنك بالحق وإن كان من دونه الموت، فما تعودت كذبا ولا ~~مينا. إنه والله ما قتل رجل أخاه، ولا غمس رجل يده في دم ذي رحم إلا سلط عليه الحزن ~~والغم، ووكل به الفرق والأرق حتى يقضي. قال ms066 الملك: انصرف راشدا فلا بأس عليك! إنما السبيل ~~على هؤلاء الذين كادوا الكيد، ومكروا مكرهم السيئ بي وبحسان، ثم أمعن في خاصته ومشيريه ~~قتلا وتمثيلا حتى انتهى إلى آخرهم ذي رعين. فلما قدم هذا القتيل للقتل قال للملك: إن ~~لي عندك براءة. قال الملك: وما ذاك؟ قال ذو رعين: ذلك الكتاب المختوم الذي دفعته إليك. ~~وأخرج الملك الكتاب وقرأ فيه هذين البيتين: # ألا من يشتري سهرا بنوم # سعيد من يبيت قرير عين # فإما حمير غدرت وخانت # فمعذرة الإله لذي رعين # قال الملك: لا بأس عليك، فقد نصحت وبررت وبرئت ذمتك. فليتني قبلت نصحك واستمعت ~~لدعائك! قال ذو رعين: وليت أخاك قبل نصح الحبرين. وأصبح القصر ذات يوم فإذا عمرو ملقى ~~على الأرض مضرجا بدمائه، قد أغمد في صدره ذلك النصل الذي أغمده في صدر أخيه، هناك تفرق ~~أمر حمير وانتقض سلطانها، وعادت إلى شر ما عرفت في قديم الزمان من الفساد ~~والاضطراب. # الفصل الثامن # | الطاغية # وكان عمرو قد أصهر إلى قيل من أقيال اليمن يقال له ذو الشناتر، فظ غليظ القلب، جافي ~~الطبع، سيئ الخلق مدخول الضمير. على أن خصاله هذه لم تكد تبدو منه للناس حين كان قيلا ~~من الأقيال لا ينبسط سلطانه إلا على المخلاف الذي كان يعيش فيه، فقد كان ماهرا عظيم ~~المهارة، مداورا شديد المداورة، يلقى الرجل فيخدعه ويخيل إليه أنه أكرم الناس وأصدق ~~الناس، وأرحم الناس، وأوفاهم وأشدهم استقامة واعتدال مزاج. لذلك انخدع فيه أقرانه من ~~الأقيال والأذواء، وحسن فيه رأي تبع حتى قدمه وعظمه واختار ابنته تماضر زوجا لابنه ~~عمرو. وكانت تماضر بارعة الجمال، ذكية القلب، رضية النفس، شديدة الحنان أنكرت في زوجها ~~الغدر، ولكنها لم تجرؤ على أن تباديه بهذا الإنكار، ولو قد فعلت لأصابها شر عظيم. فلما ~~خضب زوجها يده بدم أخيه نفرت منه وازورت عنه، ولكنها على ذلك أظهرت طاعة وإذعانا. حتى ~~إذا سلطت على عمرو شياطين الانتقام فأخذ منه الفزع والجزع وألح عليه البؤس واليأس، ثابت ~~إلى تماضر رقة قلبها ms067 ورضا نفسها وميلها إلى الحنان، فلزمت زوجها ورفقت به، وآست زوجها ~~وعطفت عليه. حتى إذا حل به الموت كانت وحدها التي سكبت عليه الدمع وذاقت لموته الحزن ~~والغم. # وكان لها صبي لم يبلغ الرابعة، وكان لزوجها أخ لم يبلغ السابعة، فجمعت أخا زوجها إلى ~~ابنها، وقامت على تربية الطفلين، فمنحتهما من الحب والحنان ما كان يملأ قلبها الرحب ~~الرقيق، ووقفت عليهما من البر والرفق والعطف ما تمنحه الأم أبناءها، وما تقدمه الزوج ~~إلى زوجها. ولو قد خيرت في ذلك الوقت لما تمنت إلا أن تترك في ناحية من نواحي القصر أو ~~تنحاز إلى مخلاف من مخاليف اليمن بعيد عن صنعاء، ومعها هذان الصبيان، تسعد بهما ويسعدان ~~بعطفها وبرها. ولم تكن تفكر لنفسها ولا لأحد الصبيين في ملك ولا وراثة، إنما كان همها ~~أن تنفق نشاطها كله في العناية بهذين الطفلين، وأن تجد جزاءها على ذلك في هذه النظرات ~~الحلوة التي كانت ترتفع إليها من أعين هذين الصبيين فتملأ قلبها غبطة وحبورا، وفي هذه ~~الأصوات العذبة التي كانت تقع في أذنها موقع الموسيقى وتصيب من قلبها مواقع الرضا ~~والابتهاج. ولكن أباها فكر في الملك لها ولابنها في ظاهر الأمر، وفكر فيه لنفسه في أقصى ~~ضميره ودخيلة قلبه. وما هي إلا أن أعلن أن حماية الأسرة المالكة قد صارت إليه، وأنه ~~ناهض بها على أحسن ما ينهض الأوصياء بأمر الذين يقومون عليهم من القاصرين. وأظهر ذو ~~الشناتر أول أمره سيرة حسنة ونهجا صالحا في الملك. ولكن تفرق حمير، وانفصال أطراف ~~اليمن عن صنعاء، واستبداد الأقيال والأذواء بما كان في أيديهم من المخاليف والقصور، ~~وطموح العظماء بين هؤلاء الأقيال والأذواء إلى سعة الملك وبسط السلطان، كل ذلك أغراه ~~بالشدة ودفعه إلى البأس. # فما أسرع ما قبل الإغراء واندفع إلى الطغيان، وإذا هو يصطفي لنفسه من الجند والقادة ~~قوما يؤثرهم بالمودة، ويختصهم بالمعروف، ويسبغ عليهم النعمة ويجزل لهم العطاء، ثم ~~يستعينهم على غيرهم من الجند والقادة. وما يزال يغري ويغوي، ويمكر ويكيد، حتى تخلص ms068 له ~~صنعاء وما حولها من الأرض، ثم إذا هو يضرب بمن أطاعه من عصاه، ويبعث الهيبة والخوف كما ~~يبعث الرغبة والرجاء، حتى يعظم أمره، ويظهر أشراف حمير له الطاعة إشفاقا منه أو أملا ~~فيه. وأنفق ذو الشناتر أعواما على هذا النحو رفيقا شديد الرفق بمن رجا منه الخير ~~وانتظر منه النفع، عنيفا شديد العنف على من يئس من نصحه ولم يتوسم فيه خيرا ولا ~~نفعا. حتى إذا دانت له اليمن كلها، وآمن له العظماء والأشراف، ولم يبق له بينهم منازع ~~أو مدافع، أظهر ما كان قد أخفى من أمره، وأعلن ما كان قد كتم من سره، فاغتصب الملك ~~لنفسه خالصا من دون ابنته وسبطه، ومن دون أهل البيت من أبناء تبع وذويه. وألقى ~~بتماضر والصبيين في قصر بعيد هو بالسجن أشبه منه بالقصر، وأقام عليهم الحراس والرقباء ~~يعدون عليهم ما يقولون وما يعملون، ويضيقون عليهم فيما كان ينبغي أن يتسع لهم من سبل ~~الحياة. # وفرغ ذو الشناتر بعد ذلك للأشراف والعظماء، فأعمل فيهم مكره وكيده، ثم سلط عليهم بطشه ~~وبأسه، وأخذ يطغى عليهم ويسيء السيرة فيهم؛ فإن أذعنوا لطغيانه واستكانوا لسوء سيرته ~~أمعن في الطغيان وأسرف في سوء السيرة، وإن أظهروا نبوا أو هموا بإباء الضيم، بطش ~~بهم بطشا عنيفا لا يبقي ولا يذر. وما هو إلا عام وبعض عام حتى كان ذو الشناتر قد ~~أراح نفسه من سادة حمير وذوي المكانة والسن فيها. ثم نظر فلم ير لنفسه قرينا ولا ~~ضريبا، فازداد لنفسه إكبارا وبها إعجابا، وازداد لحمير إذلالا وعليها تسلطا ~~وتجبرا. وأقبل على اللذات بمقدار ما كان يعرض عنها، وتهالك عليها بمقدار ما كان يظهر ~~النفور منها. وما أسرع ما تجاوز في ذلك كل حد، وخرج على كل سنة؛ وأسرف في الأعراض يعتدي ~~عليها، وفي الحرمات ينتهكها، وفي الأموال يستصفيها ويؤثر نفسه بخيارها حتى خافت حمير ~~أشد الخوف، وضاقت به أشد الضيق، وتمنت له أشد النكر، وأظهرت له أشد الحب. # فلما طال ذلك على حمير لم تزدد له ms069 إلا خوفا، ولم تضمر منه إلا إشفاقا وذعرا. ولكن ~~الشباب من أبناء السادة والقادة عجزوا عن ضبط العواطف والأهواء، وكرهوا عيشة الذل ~~والخضوع، فجمجموا وغمغموا أول الأمر ثم انطلقت ألسنتهم بعد ذلك بالنكير واللوم، ثم سعى ~~بعضهم إلى بعض وأخذوا يمكرون ويدبرون. ولكن الطاغية كان أشد منهم مكرا، وأنفذ منهم ~~أمرا، وأحسن منهم تدبيرا؛ فما هي إلا أن يستهوي فريقا منهم بالمال، ويغوي فريقا ~~آخرين بالوعد وإظهار المودة، حتى إذا ظفر من بعضهم بالطاعة والهوى استعانهم على من لم ~~يظفر به، حتى استقام له أمره، وإذا هو ينتقم لنفسه من هؤلاء الشباب بما يستطيع أن ينتقم ~~به من ضروب الكيد وألوان الإذلال. # وكان كلما تقدمت به السن واستوثق له الأمر وأسرع الفساد في خلقه وطبعه ومزاجه، فذاق ~~من اللذات ما يباح، وذاق منها ما يحظر، وجرب من اللذات ما يعرف وجرب منها ما ينكر، ~~وأصبح قصره بيئة للشر والإثم لم تعرف مثلها صنعاء فيما مضى من الدهر. وأفاق ذو ~~الشناتر من سكره ذات يوم، فخطر له على غير انتظار ولا تفكير ذكر ابنته تماضر وابنها ~~عمير وأخى زوجها زرعة، وكان قد فارقهم منذ أعوام طوال حتى نسي أمرهم أو كاد ينساه. ~~فلما خطر له ذكرهم في هذا اليوم أنكرهم، ثم هابهم، ثم اشتد خوفه منهم فاشتد مكره بهم ~~وكيده لهم. ولم يحتج إلى تدبير طويل، حتى استقر رأيه على أن يخلص منهم ويزيلهم من ~~طريقه. فأقدم، ويا شر ما أقدم! وعزم، ويا سوء ما عزم! ثم أنفذ ويا نكر ما أنفذ! أمر أن ~~تقتل ابنته وسبطه خنقا حيث هما في القصر، وأن يحمل إليه ابن تبع الشاب. وما هو إلا ~~يوم أو بعض يوم حتى أنفذ أمر الملك فرأت تماضر ابنها يصرع بين يديها، ورأى زرعة ابن ~~أخيه وأمه الثانية يقتلان بمرأى منه، وانتظر أن يسعى إليه الموت، ولكن الموت أعرض عنه، ~~ولم يسع إليه إلا القيد والغل! # فلما انتهى الفتى إلى القصر وأدخل على الملك، فهش له الملك وبش ms070 وتلقاه بالعطف والبر، ~~وأمر فحطمت عنه الأغلال والقيود، وأمر فأصلح من زيه ورفه عليه، ثم دعاه فما زال ~~يلاطفه ويؤنسه ويؤكد له أنه لا يريد به إلا خيرا، ولا يعد له إلا نعيما وملكا ~~عظيما وأنه لم يفعل ما فعل ولم يجن ما جنى إلا ليخلص ملك تبع لابن تبع هذا الذي ~~لم يقترف إثما ولم يقطع رحما ولم يغمس يده في دم بريء، وأنه لم يستطع ولن يستطيع أن ~~يغفر لعمرو قتل أخيه، ولا لتماضر ابنته رضاها بهذا الإثم وصمتها عليه. ولم يستطع - وما ~~كان ينبغي له - أن ينقل الملك عن عمرو الآثم إلى عمير الذي ولد في الإثم ونشئ عليه. ~~لقد قتل عمرو حسانا، ثم قتل نفسه، وقتل هو ابنه عميرا، وخلصت بذلك حمير واليمن من هذا ~~الإثم المنكر الذي كان يوشك أن يجر عليها شرا لا ينقضي! # والآن وقد طهرت اليمن من هذا الرجس، وخلصت صنعاء من هذا الشر، فقد آن لملك تبع أن ~~يئول إلى ابنه البريء. وإنما هي أعوام أهيئك فيها للنهوض بأمر الملك، وأعلمك فيها ما لم ~~تعلم في أعماق ذلك القصر، وأقربك فيها إلى الجند والعظماء، وأقرب فيها الجند والعظماء ~~إليك، حتى إذا تم لك من هذا كله ما ينبغي، أصبحت - بعد - قيلا من أقيالك، وقدمت إليك ~~عرش أبيك وتاجه وصولجانه. وما زال يقول ذلك للفتى وكثيرا مثله، وما زال يزين له من ~~الوعود والأماني، والفتى يظهر أمنا بعد خوف، وثقة بعد شك، ورضا بعد إنكار، حتى ~~استيقن الشيخ الآثم أن قد استأثر بالفتى البريء. # هنالك أخذ يغريه ويغويه ويحبب إليه اللذة ويزين له الفجور، والفتى يظهر إقداما حينا ~~وإحجاما حينا آخر، ويطمعه مرة ويؤيسه مرات، ولا يضمر له في نفسه إلا أقبح المكر ~~والكيد. وأصبح ذو الشناتر ذات يوم وقد هم بأمر عظيم. وأصبح الفتى ذلك اليوم وقد تهيأ ~~لأمر عظيم. وما ارتفع الضحى حتى أقبل رسول الملك يدعو الفتى إلى منادمته. فأظهر الفتى ~~طاعة سريعة واستجابة ليس فيها تردد ولا التواء. ms071 ومضى الفتى إلى تلك الشرفة التي كان ~~يجلس فيها الملك للهوه ويخلو فيها إلى نديمه. وما كان يخلو قط إلى غير نديم. وصعد الفتى ~~إلى تلك الشرفة وإن الموت لكامن بين قدميه ونعليه. حتى إذا بلغ مجلس الملك حيا فأحسن ~~التحية، ولقيه الملك فأحسن اللقاء. وكان بين الشيخ الآثم والفتى البريء حديث لم يطل. ~~ومعاقرة لم تتصل. # ثم هم الشيخ بأمر، وأقدم الفتى على الأمر، وانصرف الفتى بعد ساعة فلما رآه الجند ~~خارجا من عند الملك نظروا إليه مشفقين ساخرين، وتندروا به وإن قلوبهم لتنفطر حزنا ~~وحسرة أن ينتهي ابن تبع إلى هذا الذل والهوان! ولكنهم نظروا فإذا الفتى لا يخفض ~~رأسا ولا يغض طرفا ولا يسرع في طريقه. هنالك تقدم إليه أحد الجند مزدريا مكبرا في ~~وقت واحد. وسأله: كيف تركت الملك؟ قال الفتى في صوت حازم لا عوج فيه: دونك الملك فسله ~~كيف تركته. فمضى الفتى في طريقه هادئا مطمئنا. وأنكر الجند هذا الحزم وهذا الهدوء، ~~فصعد بعضهم إلى الشرفة، وما كاد يبلغها حتى صاح صيحة اضطربت لها أرجاء القصر: ألا إن ~~ابن تبع قد قتل الطاغية واسترد ملك أبيه! # فلما كان من غد كان زرعة قد جلس على عرش تبع، وتسمى يوسف، وتلقب ذا نواس. واتخذ ~~اليهودية له دينا، وأخذ يرد حمير إليها. # الفصل التاسع # | البشير # أقبلن مع ضوء النهار يسعين سعي النسيم يسبقهن عرف المسك ونشر القرنفل، ويحملن من ندى ~~الأزهار وشهي الثمار، ومن رطب الأغصان وجنى الريحان، ما يصور الطبيعة وقد أيقظها برد ~~السحر ومس الندى وغناء الطير، فجرت فيها رعدة الحياة، ثم استقبلت ضوء الصبح باسمة له ~~مقدمة عليه، ثم منغمسة فيه تريد أن تعبر ما بين ساحليه من مطلع الشمس إلى مغيبها. وكن ~~قاصرات الطرف فاترات اللحظ ساحرات العيون وكن واضحات الجباه قاتمات الشعور، وكن مشرقات ~~الوجوه باسمات الثغور، وكن أسيلات الخدود جميلات القدود نحيلات الخصور. وكن عذاب ~~الأصوات ملاح الألفاظ فاتنات الألحان. وكن يتغنين في يونانيتهن الحلوة أغنية الصباح، ~~تلك التي تعودن ms072 أن يحملن بها تحية النهار إلى سيدهن الشاب الفتى المترف «كيمون بن ~~أركيتاس». # وكن يقلن له في أغنيتهن الرقيقة الظريفة: «أفق أيها الفتى المترف! تنبه أيها الفتى ~~السعيد! قم أيها الفتى المجدود، أفق «كيمون»! فقد وفت لك آلهة الليل بعهدها فرعتك ~~وحفظتك، ويسرت لك نوما هادئا وأحلاما حسانا، ثم انصرفت عنك وقد أسلمتك إلى آلهة ~~النهار لتفي لك بعهدها كما تعودت أن تفي لك به منذ ذقت الحياة! أفق فلن ترى من هذا ~~اليوم إلا ابتساما أجمل وأعذب من ذلك الابتسام الذي رأيته أمس والذي رأيته أول من أمس ~~والذي تعودته منذ عرفت الحياة! أفق فستلقى مودة وحبا، وستلقى توفيقا ونجحا، وسيزورك ~~الأصدقاء مسرعين إليك، مقبلين عليك وقد اتخذوا على رءوسهم أكاليل من الزهر، وسيتخذ رأسك ~~إكليلا كأكاليلهم، وستفرحون وتمرحون، وستجدون وتمزحون. أفق أيها الفتى السعيد! تنبه ~~أيها الفتى المترف! قم أيها الفتى المجدود!» # ولكنهن بلغن الغرفة التي كان يأوى إليها «كيمون» إذا جنه الليل وانصرف عنه الرفاق، ~~فلم يرين سيدهن كما تعودن أن يرينه كل صباح مغرقا في النوم أو متعلقا بأسباب اليقظة ~~يريد أن ينجو بها من بحر الرقاد، إنما رأينه قائما يذهب في غرفته ويجيء متعبا ~~مكدودا، مظلم الوجه كأنه قد أنفق ليله مسهدا لم يذق النعاس. فلما رأينه هممن أن ~~يسألنه. ولما رآهن أنكرهن، ولكنه منحهن ابتسامة فيها عطف عليهن حزين، ورفق بهن لا ~~يخلو من ألم، وانصراف عنهن يشوبه شيء من التبرم وإحساس الشقاء. ثم أشار إليهن فلم ~~يسعهن إلا أن يعدن من حيث أتين، صامتات كئيبات قد سقط في أيديهن كأنما أتين من الأمر ~~شيئا عظيما. # وكان الفتى في حقيقة الأمر ينكر نفسه أشد الإنكار، ويضيق بما حوله كل الضيق بعد تلك ~~الليلة الطويلة الثقيلة التي أنفقها وحيدا محزونا يفكر في تلك الدماء التي كانت تجري ~~قريبا من داره كأنها السيل، وفي تلك الأشلاء التي كانت منتثرة من حول داره آخر ~~النهار، وفي تلك الأصوات التي كانت ترتفع بالصلاة والدعاء قوية رائعة مبتهجة بالموت، ms073 ~~حتى يسعى الموت إلى أصحابها فيخرون صرعى، وتستحيل تلك الأصوات القوية الرائعة ~~المبتهجة إلى حشرجة فظيعة مروعة. ويرى تلك الوجوه التي كانت تستقبل الموت وعليها ~~ابتسامة حلوة فيها جلد وثقة، وفيها يقين وأمن وفيها أمل وإيمان، فما تزال هذه الوجوه ~~تدنو من الموت باسمة له، وما يزال الموت يدنو منها عابسا لها، حتى يكون اللقاء المنكر ~~الشنيع، فإذا عبوس الموت قد استحال إلى ابتسام حين مس هذه الوجوه الباسمة. وكانت ~~المدينة قد شهدت يوما من أعظم أيامها شرا وأشد أيامها نكرا: يوما من أيام ~~الاضطهاد، جمع فيه النصارى من كل وجه وأخذوا من كل مكان، فيهم الرجال والنساء، وفيهم ~~الشباب والشيب، وكلهم من ضعفاء الناس وذوي المنازل الخاملة فيهم: أخذوا من الدور حيث ~~كانوا آمنين، وأخذوا من الحقول حيث كانوا يعملون، وأخذوا من البيع التي أقاموها في ~~الأنفاق حيث كانوا يجتمعون للصلاة والدعاء. فلما حشد منهم المئات امتحنوا في دينهم ~~امتحانا يسيرا قصيرا، فلم يكن منهم من أجاب إلى وثنية الإمبراطورية الرومانية، ولم ~~يكن منهم من أظهر العبادة لقيصر أو الخضوع لدين روما. هناك أمر بهم الحاكم فقتلوا ~~تقتيلا، ونكل بهم أشد التنكيل، وعبثت بهم السيوف والخناجر، ولعبت فيهم السهام ~~والحراب، وأشراف المدينة المقيمون على دين الدولة، وعامة المدينة المتعصبون لدين الدولة ~~ينظرون إلى ذلك فرحين به، مستمتعين بجماله البشع الفظيع. وكان «كيمون» بين الأشراف في ~~الصف الأول من النظارة سمع ورأى، فأنكرت نفسه ما سمع وما رأى، ولكن صوته لم يستطع إلا ~~أن يصيح صيحات الرضا، ولكن يديه لم يستطيعا إلا أن تصفقا تصفيق الإعجاب. حتى إذا ~~انتهت المجزرة وتفرق الناس سكارى لكثرة ما رأوا وشموا من منظر الدم وريحه، عاد الفتى ~~إلى قصره ذاهلا واجما كئيبا حزينا. ثم خلا إلى نفسه فقضى في غرفته بقية النهار ~~وسواد الليل، ورأى في هذه العزلة الطويلة أهوالا وأوجالا لم يكن تعود أن يراها. ~~وأنى له ذلك ولم يشهد قط ما شهد أمس من الاضطهاد! وأنى له ذلك ولم يشترك قط في ms074 حرب ~~ولم ير قط نزالا ولا قتالا على أنه لم يستطع البقاء في غرفته بعد أن انصرف عنه ~~الإماء، فخرج من داره لا يدري إلى أين يقصد، ولا يعرف إلى أين يريد. ومضى أمامه لا يلوي ~~على شيء ولا ينظر إلى شيء، ولم ينتبه إلا وهو يستأذن على صديقه «نكياس». # فلما أذن له دخل على صاحبه، فلم ير في وجهه إشراقا ولا ابتساما، ولم يحس منه ~~ابتهاجا ولا نشاطا، وإنما رأى وجها عابسا مظلما، وشخصا كئيبا فاترا! فابتدر ~~صديقه قائلا: إن أمرك لعجيب! أفتراني قد حملت إليك حزني وبؤسي، ونقلت إليك كآبتي ~~وشقائي؟! قال «نكياس»: أمحزون أنت؟ أما أنا فلم أذق النوم! قال «كيمون»: ولم أذقه أنا ~~أيضا وكيف يذوق النوم من رأى مثل ما رأينا، أو سمع مثل ما سمعنا، أو شهد مثل ما شاهدنا ~~من كيد الناس للناس، ومكر الناس بالناس وقسوة الناس على الناس! قال «نكياس»: هون ~~عليك! لقد نام أهل المدينة ملء جفونهم آمنين مطمئنين. وما يمنعهم أن يناموا وأن يأمنوا ~~وأن يطمئنوا وقد كانوا يخافون هؤلاء النصارى على أمن الدولة ودينها، وعلى نظام الدولة ~~وسلطانها، فقد أراحتهم سيوف الجند ورماح الشرطة وسهام الرماة من هؤلاء النصارى، فأخلت ~~منهم الدار وعفت منهم الآثار، وقدمتهم ضحايا دامية إلى «جوبيتير» إله روما العظيم! ~~قال «كيمون»: إن عجبي من هؤلاء النصارى لا ينقضي! كلهم كان ضعيفا ذليلا، وكلهم كان ~~فقيرا معدما، وكلهم كان بائسا محروما، وكلهم كان قد تعود الطاعة وألف الخضوع، ~~فكيف قويت قلوبهم بعد ضعف، وكيف عزت نفوسهم بعد ذلة، وكيف اجترءوا على أن يعصوا ~~سادتهم وقادتهم ويخالفوا عن أمر الحاكم والإمبراطور؟! ما هذا السحر الذي غيرهم هذا ~~التغيير، وبدلهم هذا التبديل، ومنحهم هذه الشجاعة والعزة، وهذا الصبر والبأس. وكل ~~هذه الخصال التي لم تكن تعرف إلا للأشراف؟! قال «نكياس»: وما يدهشك من هذا؟ إنما هو ~~الإيمان خليق أن يحول الأشياء إلى أضدادها، والنفوس إلى نقيضها. أو تظن أن أمر هؤلاء ~~الناس هو وحده الذي يثير هذا ms075 الدهش ويدعو إلى العجب! أليس كل شيء الآن يتغير ويتبدل؟! ~~ألست تحس من حولك إنكارا لكل شيء، وضيقا بكل شيء وسخطا على كل شيء، واستعدادا ~~لثورة عنيفة توشك أن تشب فتقلب الأشياء كلها رأسا على عقب؟! إنك تعجب من الناس، فماذا ~~تقول إن أنبأتك بأني أعجب من الآلهة؟! # قال «كيمون»: وأنت أيضا تعجب من الآلهة؛ أفرأيت إذا ما رأيت، وسمعت إذا ما سمعت؟! ~~لقد كنت أحسبه حلما من هذه الأحلام التي تروع الناس في النوم إذا روعتهم الحوادث ~~وهم أيقاظ، وكنت أجادل نفسي في هذا الحلم المخيف، فما أذكر أني ذقت النوم منذ ~~أمس. # قال «نكياس»: فاقصص علي ما رأيت أحدثك بحديثي وإنه لعجيب. قال «كيمون»: طال علي ~~الليل؛ وثقل علي الهم، وضاقت بي الغرفة بما فيها من الجدران القائمة، والسقف المطبق، ~~والباب المغلق، فخرجت كأنما كنت ألتمس في الحركة فرجا من خرج، وفي الفضاء الواسع فسحة ~~من ضيق، وأشرفت أرفع طرفي إلى السماء كأنما كنت أسأل نجومها عن سر ما لا أفهم من أمر ~~الحياة والأحياء، وأمد عيني إلى البحر كأنما كنت أدعوه ملحا عليه إلى أن يطغى بعض ~~الشيء على المدينة، فيغسل ما علق بأرضها من دماء القتلى، ويحمل ما انتثر على أرضها من ~~أشلائهم. وإني لفي ذلك حائر الطرف مفرق النفس، كاسف البال محزون الضمير، وإذا شيء يعرض ~~لي لا أتبينه أول الأمر لأنه كان بعيدا عني، ولكنه يروعني وتقف عيني عليه، ويدنو مني ~~شيئا فشيئا حتى أتبين - وما أعجب ما أتبين - جماعة من الفرسان كأجمل وأروع وأجهر ما ~~رأيت، قد علوا صهوات جياد عربية، ما رأيت قط مثلها ولا سمعت قط عن مثلها إلا فيما أقرأ ~~من شعر الشعراء ومن قصائد «بندار» حين كان يتغنى تلك الخيل التي كانت تسبق ألعاب ~~أولمبيا. جياد مجنحة كانت تعبر إلى البحر بمن عليها من الفرسان! لا أدري أكانت تركض ~~على الماء أم كانت تطير في الهواء. حتى إذا بلغ الجماعة شاطئ البحر وكادت حوافر جيادهم ~~تطأ الأرض وقفوا. وقد ms076 تبينت أشخاصهم فإذا هم أربعة، فيهم رجلان وامرأتان. وما أقرب ~~الشبه بين هؤلاء الأشخاص وبين هذه التماثيل التي نراها في المعابد ل «أبلون» ~~و«أرتميس»، ول «أتنا» و«آريس»! # أكنت يقظان حين رأيت! أكنت يقظان حين سمعت! ولكن أشخاصهم ما زالت ماثلة أمام عيني، ~~ولكن حديثهم ما زال مستقرا في صدري كأنما نقش على قلبي نقشا. سمعت أشبههم ب ~~«أبلون» يقول: ما أبشع هذه المدينة التي نحبها ونصبو إليها! وما أقبح هذه الريح التي ~~تصعد إلينا منها! قالت أشبه هؤلاء الأشخاص ب «أتنا»: لقد كنا نحب أن نلم بهذه المدينة ~~فنطيل فيها المقام، وكنا نستعذب حديث أهلها ونستحب أخلاقهم، ونستلذ ما كانوا يقدمون ~~إلينا من الضحايا والقرابين. قالت شبيهة أرتميس: وكم كنت أحب أن أتجول في غاباتها ~~وأستمتع فيها بلذة الصيد! قال شبيه آريس: أما أنا فكانت تعجبني حصونها المحصنة، وقلاعها ~~المؤشبة، وهذا الجيش الباسل المرابط فيها والمستعد في كل لحظة للدفاع والهجوم. قال شبيه ~~أبلون: فقد آن لنا أن ننصرف عنها على ألا نرجع إليها، وأن نلقي عليها نظرة وداع لا لقاء ~~بعده. قالت شبيهة أرتميس: لم أستطع بعد أن أفقه ما ألم بأهل هذه المدينة: أفتنة أتت ~~على عقولهم فحالت بينها وبين الفهم والتفكير، أم قسوة غلبت على قلوبهم فحرمتها الحس ~~والشعور؟ إنهم يظنون أنه الدين وما يدفعهم إليه من حبنا والتعصب لنا، وحماية معابدنا ~~وأوثاننا وسلطاننا أن يطغى عليها هذا الدين الجديد الذي أقبل من الشرق، ولكنهم يكذبون، ~~فما أكثر من وفد علينا من آلهة الشرق قديما! وما أكثر من يفد علينا منهم في هذه ~~الأيام! وما أحسن ما تلقيناهم! وما أحسن ما نتلقاهم الآن! لم نضق بهم ولم يضق بهم ~~الناس! فما ضيقهم بهذا الدين الجديد وبهذا الإله الشرقي الجديد؟! # قال شبيه أبلون: إنهم يخدعون أنفسهم ويريدون أن يخدعونا ولكنهم يعلمون، لو فكروا، ~~أنهم لا يثورون لنا، ولا يغارون علينا، ولا يغضبون للدين؛ إنما يورون لقيصر، ويغارون ~~على روما، ويغضبون للسياسة. ولولا أن قيصر قد أله نفسه وأخذ ms077 الناس بعبادته، ولولا أن ~~روما قد ألهت نفسها وفرضت ما لم تفرض مدن اليونان حين كان إليها الأمر من هذا الدين ~~الغريب الذي تقام له المعابد بها، ويؤمر الناس فيها أن يقدموا إليه الطاعة، ولولا أن ~~هؤلاء الرومان قد اتخذوا الدين وسيلة من وسائل السيادة وأداة من أدوات الحكم وبسط ~~السلطان، يكذبون به على أنفسهم ويكذبون به على الناس، لولا هذا كله لما أريقت الدماء ~~ولا انتثرت الأشلاء، ولا أزهقت النفوس، ولا قتل الناس بعضهم بعضا على هذا ~~النحو. # قال شبيه آريس: إنكم لتعلمون حبي للدماء، ونشوتي بالقتال والحرب، ولكني شديد البغض ~~لما أرى، شديد النفور مما أجد. وكم ضقت بما رأيت أمس من هذا التقتيل والتنكيل والتمثيل! ~~ومع ذلك فكم شهدت من حرب وكم اشتركت فيها! وكم أغريت بها؛ وكم دفعت إليها! وكم أبليت ~~فأحسنت البلاء! قالت شبيهة «أتنا»: وأي غرابة في ذلك؛ أنا أيضا أحببت الحرب وما زلت ~~أحبها، ولكن الحرب شيء وهذا النكر شيء آخر. وأين الحرب التي تصدر عن الشجاعة والبأس من ~~هذا الإجرام الذي لا يصدر إلا عن الجبن والبغي والعدوان! وأي فرق بين تقتيل العزل ~~والأبرياء، وبين ما فعله أياس حين جن جنونه، فأعمل سيفه في قطعان البقر والغنم التي لا ~~تملك عن نفسها دفاعا؛ قال شبيه أبلون: وما بقاؤنا في هذه الأرض التي ليست لنا بدار بعد ~~ما أزمع الآلهة أن يدعوا هذا الإقليم لدين قيصر ولهذا الدين الجديد؟! لقد وقفنا فأطلنا ~~الوقوف، وودعنا فأطلنا الوداع، وآن لنا أن نلحق بمن سبقنا من الآلهة إلى تلك الأرض ~~الموعودة التي لم تفسد عقول أهلها حيلة برومثيوس، ولا فلسفة سقراط، ولا سياسة قيصر، ~~هلم. ثم ترتفع بهم أفراسهم في الجو، وما هي إلا لحظة حتى أرى سحابا رقيقا يمضي أمامي ~~مسرعا، ثم أنظر فلا أرى شيئا. أكنت نائما أرى ما يرى النائم، أم كنت يقظان أرى ما ~~يرى الأيقاظ؟ # قال «نكياس»: لم تكن نائما ولا حالما: فقد كنت أسمع حديثك الآن وما أشك في أنك ms078 قد ~~كنت تقرأ ما كان قد نقش على قلبي ورسخ في قرارة نفسي. الصورة هي الصورة، واللفظ هو ~~اللفظ، ومقدم الفرسان ورحيلهم ووقوفهم بين ذلك كما وصفته، لم تزد فيه ولم تنقص منه؛ ~~ولكني لم يطل علي الليل ولم يثقل علي الهم، ولم يضق بي المكان. لقد أنفقت بقية ~~النهار وأكثر الليل في قصر الحاكم مع أغنياء المدينة وأشرافها نستمتع بلذات هذا الحفل ~~الذي دعانا إليه، ولم تنشط أنت له. وأشهد لقد أسرفت في الطعام، وأسرفت في الشرب خاصة؛ ~~لأني كنت أريد أن تفرق الخمر بيني وبين نفسي، وأن تسل الخمر ما كان يملأ صدري من الهم ~~والحزن. ولكن الليل عجز عن أن يسلمك إلى النوم، وعجزت الخمر عن أن تسلمني إلى السكر. ~~فلما انقضى الحفل وانصرف الناس لم أستطع أن أعود إلى داري، فمضيت أمشي على ساحل البحر ~~أتنسم الهواء وأنظر في السماء، حتى رأيت مثل ما رأيت، وسمعت مثل ما سمعت. وعدت وإني ~~لأسأل نفسي منذ ذلك الوقت: أكان حقا ما رأيت وسمعت، أم كان لونا من ألوان السكر ~~وخيالا من هذه الخيالات التي تسلطها الخمر على النفوس؟ قال «كيمون»: وإذا ...؟ قال ~~«نكياس»: وإذا ...! ثم سكت الصديقان وقتا طويلا. ثم استأنف «نكياس» حديثه وهو يقول: ~~وإذا فنحن بين اثنتين: إما أن نرحل كما رحل الآلهة، وإما أن نقيم كما أقام الناس. وفي ~~السياحة لذة، وفي الخمر واللهو عزاء. قال «كيمون»: أما أنا فمرتحل. قال «نكياس»: أما ~~أنا فمقيم. قال «كيمون»: فكن إذا خليفتي في مالي حتى يأتيك أمري فيه. قال «نكياس»: ~~أجاد أنت؟ وما يمنع أن يكون ما رأينا وسمعنا عبثا من عبث الآلهة؛ فقد علمت أنهم ~~يحبون العبث بنا والسخر منا! وما يمنع أن يكون ما رأينا وسمعنا أثرا من آثار هذه ~~الصدمة التي دهمتنا أمس حين رأينا ما سفك من دماء وما أزهق من نفوس! أقم فإن في اللهو ~~واللذة وفي الخمر والغناء، وفي جمال هؤلاء الإماء اللاتي يملأن قصورنا نعيما وبهجة، ~~وفي هذه الثروة التي ms079 تتيح لنا من ألوان الشرف والمجد ما لا يتاح إلا لقليل من الناس، ما ~~هو خليق أن ينسينا ما شهدنا منذ أمس. أقم! ولنضاعف ما نحن فيه من عبث ولهو؛ فما أرى ~~حياة الناس تستقيم إلا على العبث واللهو: شرب في النهار، ونوم في الليل، حتى إذا سئمنا ~~الحياة خرجنا منها مزدرين لها. قال «كيمون»: أنت وما تحب من هذا، أما أنا فمرتحل عن هذه ~~الأرض ولو إلى حين. # ثم افترق الصديقان بعد ذلك، فلم يلتقيا ولم يعرف أحدهما من أمر صاحبه شيئا. أما ~~التاريخ فقد عرف من أمر «كيمون» شيئا كثيرا. # على أن الذي حدثني بحديث «كيمون» لم ينس أن يصطنع الصدق والأمانة في الحديث، ولم يرض ~~أن يتكلف ما يتكلفه القصاص وكثير من المؤرخين من التزيد في الرواية، والتحدث بما لا ~~علم لهم به؛ فقد أنبأني بأن جزءا غير قليل من حياة «كيمون» لم يصل عنه إلى الرواة ~~والمؤرخين إلا أطراف قصيرة من الحديث، وأن التاريخ لم يعرف تفصيل حياته إلا في آخرها ~~حين تقضى شبابه، وأقبلت عليه الشيخوخة بما تحمل إلى الناس من هذه الهدايا البغيضة التي ~~تتألف من الضعف والمرض وأعراض الفناء والانحلال. ولو قد عرف التفصيل من أمر «كيمون» ~~لوجد الناس في قراءته لذة لا يجدون مثلها كثيرا حين يقرءون حياة الشهداء والقديسين. ~~فقد انصرف «كيمون» عن صاحبه محزونا موزعا بين اليأس البين إن أقام، والرجاء ~~الغامض المبهم إن ارتحل. وكان قد كره المدينة والحياة فيها كرها شديدا. وكان قد سئم ~~قصره وما فيه سأما ساء له خلقه حتى أنكر نفسه، وحتى كره ما كان يسمع من صوته وألفاظه ~~حين كان يتحدث إلى أهل القصر من الأحرار والأرقاء. # ولم يكد يتم يومه في القصر حتى عرف أن بقاءه في المدينة أمر لا سبيل إليه، وأن الموت ~~آثر عنده وأحب إليه من هذه الحياة الحمراء اللاغطة الممزقة التي لا يرى فيها إلا دماء ~~وأشلاء، ولا يسمع فيها إلا صلاة ودعاء وحشرجة ونداء. فلما جنه الليل وهدأ ms080 من حوله كل ~~شيء وكل إنسان، خرج من القصر ينساب كأنه الحية، وينسل كأنه اللص، وأخذ يمضي في طرق ~~المدينة متنقلا من طريق إلى طريق حتى جاوز أسوارها وأرباضها، # 1 # ودفع # 2 # إلى الفضاء الواسع، وإلى هذا الريف الذي تسكن فيه الطبيعة إذا تقدم الليل ~~سكونا رهيبا، ولا يكاد يحس الإنسان فيه إلا هذه الأصوات الضئيلة التي تنبعث من حين ~~إلى حين، عن بعض الحشرات المنبثة في ثنايا العشب والزرع، وعن بعض الطير المستقرة على ~~الأغصان، حين يمر بها طائف الحلم فتهم بالغناء والتغريد، ثم يقطع عليها النوم غناءها ~~وتغريدها، وإلا هذه الأصوات الخفية التي لا تسمعها الأذن وإنما تسمعها النفس؛ لأنها أدق ~~من السمع، وألطف من الحس، وهي نجوى الهواء حين تتحدث أجزاؤه وطبقاته بعضها إلى بعض إذا ~~سكن الليل وأطبق الظلام، كأنما يقص بعضها على بعض أحاديث الطبيعة في حياتها وحركتها قبل ~~أن تنام، وقبل أن يضطرها الليل إلى السكون. ومع أن هذا الهدوء الرهيب، وهذا الصمت ~~المهيب، يروعان أهل المدن إذا دفعوا إليها دفعا على غير تعود لهما، فإنهما لم يبعثا في ~~نفس الفتى روعا، ولم يدخلا في قلبه رعبا؛ لأن نفسه كانت مشغولة حتى عن هذا الرعب وذلك ~~الروع بما كان يزدحم فيها من الخواطر والأحاديث. # وكان الفتى يمضي أمامه لا يعنيه أمهتد هو قصد السبيل أم جائر هو عن هذا القصد؛ ~~لأنه لم يكن في حقيقة الأمر يعرف إلى أين يريد، ولم يكن قد رسم لنفسه طريقا يسلكها أو ~~غاية ينتهي إليها، إنما كان همه أن يفر من هذه المدينة التي جرت فيها الدماء أنهارا، ~~وانتثرت فيها الأشلاء انتثارا، وجنى فيها بعض الناس على بعض هذه الجرائم والآثام. وكان ~~حديث الآلهة قد ملأ نفسه دهشا وعجبا، واضطر إلى أن يسأل نفسه من حين إلى حين: إلى أين ~~ذهب الآلهة. وأي طريق سلكوا، وفي أي مكان من الأرض أو من السماء أقاموا قصورهم الخالدة؟ ~~وكيف هان على زوس أن يدع «أولمب» وما كان فيه من حياة ms081 فيها الجد الرائع والعبث اللذيذ؟! ~~وكيف هان على أبلون أن يترك معبده الخالد في «دلف»؟ وكيف استطاعت «أتنا» أن تتعزى عن ~~«الأكروبول»؟ وأين يجد «آريس» مدنا تقتتل وتحترب كما كانت مدن اليونان تقتتل وتحترب؟ ~~وكان يسأل نفسه عن سلطان هؤلاء الآلهة الذين لم يستطيعوا أن يثبتوا لعدوان الإنسان على ~~الإنسان، فضلا عن أن يمحوا هذا العدوان ويبطشوا بالمعتدين. وكان يسأل نفسه عن هذا ~~الدين الجديد الذي يؤثره أصحابه على الحياة ولذاتها وآلامها، وعن هذا الإله الجديد الذي ~~أخذ يغزو العالم اليوناني الروماني، فيحبب إلى أهله الألم والصبر والتضحية، ويزهد أهله ~~في الثروة والغنى، ويزين في قلوبهم حب الفقر والإعدام، وينشئهم تنشيئا جديدا لا صلة ~~بينه وبين ما ألف الناس منذ أنشدوا شعر «هوميروس»، وتغنوا شعر «سافو» و«بندار»، ~~واستمتعوا بشعر سوفوكل وأرستوفان، وتفكروا في فلسفة سقراط وأرسطاطاليس، وكان يسأل نفسه ~~وهو يمضي في طريقه لا يلوي على شيء، والليل من حوله مطبق قد غمر بظلمته المخيفة كل ~~شيء: أماض هو في أثر الآلهة الذين ارتحلوا ليلحق بهم ويقيم معهم؛ لأنه لا يستطيع أن ~~يعيش من دونهم، أم ساع هو إلى دار هذا الإله الجديد لعله يلقى من كهانه وقساوسته من ~~يعلمه أسرار دينه؛ فقد سئم حياة اليونان، وتمنى لو ظفر بلون من الحياة جديد؟! وكان ~~الفتى يمضي، وكانت هذه الخواطر تزدحم على نفسه وتضطرب فيها، وكان الليل يمضي هو أيضا ~~في طريقه دون أن يتبين الفتى أكان سريعا في سيره أم بطيئا. وإنه لكذلك يسير ويسير، ~~ويفكر ويفكر، قد نسي نفسه ونسي الليل، وإذا هو يثوب إلى نفسه لحظة فيقف ويرفع رأسه، ~~وإذا الضوء قد غمره وغمر الأرض من حوله، وإذا هو ينظر أمامه فلا يرى إلا سهلا مشرقا، ~~وينظر وراءه فلا يرى إلا سهلا مشرقا، وينظر من يمين وشمال فلا يرى إلا سهلا مشرقا، ~~وإذا هو لا يدري من أين جاء ولا إلى أين يريد. # ينظر وراءه فلا يرى للعمران أثرا، وينظر من كل ناحية فلا يرى للعمران أثرا، قد ms082 ~~انقطعت الصلات والأسباب بينه وبين مدينته التي خرج منها أمس حين أظلم الليل، فكأنه لم ~~يعرف هذه المدينة ولم يعش فيها ولم يقاسم أهلها ما نعموا به من لذات وما ابتأسوا به من ~~آلام، وكأنه لم يشهد فيها ما شهد، ولم ينكر من أهلها ما أنكر، وكأنه شيء فذ لا صلة بينه ~~وبين شيء، وكأنه شيء ضائع بين هذه الأرض التي لا حد لها، وهذه السماء التي لا حد لها، ~~وهذا الضوء الذي يضطرب بينهما إلى غير حد. هنالك أحس الفتى راحة لم يحسسها قط كأنه قد ~~ألقى عن نفسه أعباء الحياة كلها، هذه الأعباء التي لا تختصر حياة الفرد وما لقي فيها من ~~شر وخير فحسب، وإنما تختصر معها أيضا حياة هذه الأجيال التي سبقته وأورثته الحضارة ~~أثقالها. أحس الفتى راحة قلما نستطيع نحن أن نتصورها، وأحس هدوءا ونشاطا قلما ~~نستطيع نحن أن نذوقهما. ووقف يستمتع بهذه الراحة ويستلذ هذا النشاط وحاول أن يدعو إليه ~~تلك الخواطر التي كانت تزدحم على نفسه في ظلمة الليل، فلم يستجب له منها خاطر واحد، ~~كأنما طردها هذا الضوء المشرق مع ذلك الليل المظلم الكثيف. # ما أجمل هذا الشعور الذي امتلأت به نفس «كيمون» حين أحس أنه قد خلق خلقا جديدا! لقد ~~امتزجت نفسه الجديدة بهذا النور الجديد، ولقد نسي الآلهة الذين كان يمضي في أثرهم، ونسي ~~الإله الذي كان يسعى ليعلم علمه. وماله ولهذا الإله الجديد ولأولئك الآلهة القدماء، وقد ~~استيقن أنه قد وجد في هذه الطبيعة المطلقة الحرة، التي لا تحصر ولا تحد آية أرشدته إلى ~~إله ليس كما تعود أن يرى الآلهة؛ لا سبيل إلى أن يحصر ولا إلى أن يحد، ولا مطمع في أن ~~يرقى إليه العقل، أو يتناوله الفكر بالدرس والبحث والتحليل. إنما هو قوة يكبرها ولا ~~يفهمها، يجلها ولا يحيط بها، يشعر أنها تأخذه من كل مكان وتأخذ كل ما حوله، وأنه إن يمض ~~أمامه فهو مقبل عليها، وإن يرجع أدراجه فهو خاضع لها، وأنى يذهب يمينا ms083 أو شمالا فهو ~~في ظلها الظليل وفي كنفها الرحب. سبحانك اللهم! إن لم أجدك فقد وجدت آيتك، وإن لم أرك ~~فقد رأيت خلقك! لك علي ألا أومن إلا لك، ولا أخاف إلا إياك! # ثم يمضي الفتى أمامه في شيء من الذهول ليس إلى تصويره من سبيل، حتى يشتد حر الشمس ~~ويبلغ منه الإعياء، وهو على ذلك جلد صبور لا يحس كلالا ولا فتورا. وما يزال يمضي ~~ويمضي، حتى يرفع له بناء يراه فيأنس ويتنكر له في وقت واحد: تأنس به طبيعته الفانية ~~التي قد أحست الجهد والكد، وذاقت ألم الظمأ والجوع. وتتنكر له نفسه الخالدة التي تشفق ~~أن يخرجها من هذه الحياة الروحية الراقية الحلوة التي لم تألفها من قبل. ويهم الفتى أن ~~يقف، ولكن هذا البناء الذي يرفع له يدعوه إليه في إلحاح أن أقبل أيها الفتى ولا تخف؛ ~~فليس عليك من بأس فيمضي الفتى صوب هذا البناء؛ حتى إذا دنا منه سمع أصواتا عذبة ترتل ~~ترتيلا عذبا فيسرع إليها، وما هي إلا أن يلحق بجماعة من الرهبان يصلون ويرتلون، وإذا ~~هو يصلي معهم ويرتل، لم ينكروه ولم ينكرهم، كأنه واحد منهم، وكأن العشرة بينه وبينهم ~~متصلة منذ عهد بعيد. ذلك أنه قد وقع إلى دير من هذه الأديار التي كانت تقام في تلك ~~الصحراء، حين كان النصارى يفرون إلى الصحراء بدينهم من تلك المدن التي كانت تسيطر عليها ~~آلهة اليونان والرومان، وديانات روما والإمبراطور. # ثم سكت محدثي ساعة كأنه يفكر أو كأنه يستريح. فلما طال علي صمته قلت له في لهجة ~~المشوق إلى ما عنده من الأنباء: هلم أنبئني كم لبث الفتى في الدير؟ وكيف كانت حياته ~~فيه؟ قال محدثي: لو علمت ذلك ما بخلت به عليك، وقد سألت عنه أشياخنا كما سألتني، فكلهم ~~أجابني بما أجبتك به، وكلهم قالوا هذه الجملة التي يقولها الرواة والمؤرخون إذا اضطرهم ~~النسيان، وضياع الحوادث إلى الإجمال والإبهام: أقام «كيمون» في هذا الدير ما شاء الله ~~أن يقيم. قلت لمحدثي: فإنك علمت ms084 من أشياخك في غير شك أطرافا من حياة هذا الفتى بين ~~هؤلاء الرهبان، وعلمت منهم في غير شك أيضا إلى أي الأحوال صار أمره بعد أن عاشر أهل ~~الدير وتعلم منهم دين المسيح؟ قال محدثي: لم أكد أعلم منهم شيئا؛ لأنهم كانوا لا ~~يكادون يعلمون شيئا، وكانوا إذا انتهوا من حديث «كيمون» إلى حيث انتهيت، قالوا هذه ~~الجملة التي تشبه ما تقوله العامة حين تنسى أو حين يعييها التفصيل: وما أسرع ما تقدم ~~السن بأبناء الأحاديث. # فقد تقدمت السن بكيمون بعد أن قضى في الدير ما شاء الله من الدهر، مجتهدا في طاعة ~~الله والفقه في الدين، والانصراف عن غير ذلك من شئون الحياة. قال أشياخنا: والناس ~~يتحدثون أن «كيمون» ضاق آخر الأمر بحياته في الدير لأنه رأى نفسه قد أصبح فتنة لرفاقه ~~وخلطائه من الرهبان، ورأى ديره قد أصبح فتنة لأديار كثيرة كانت تقع على آماد بعيدة منه ~~في الصحراء، وأصبح فتنة لأهل الريف الذين كانوا يقيمون على أطراف الصحراء، وفي داخل ~~الأرض الخضراء، فقد تسامع هؤلاء جميعا بما كان الله عز وجل قد اختص به «كيمون» من ~~الكرامة وآثره به من الفضل، وبما أجرى على يده من العجائب والأمور الخارقة؛ فقد كان لا ~~يدعو لمريض أو ذي ضر بالشفاء إلا شفاه الله من فوره. وكانت بركته قد عمت أهل الدير ومست ~~ما حوله من أرض الصحراء إلى أمد بعيد، فإذا أهله لا يشكون جوعا ولا ظمأ، ولا يلقون ~~جهدا ولا عناء، وإذا ديرهم قائم في وسط جنة خضراء قد أنبت الله فيها من ألوان الشجر ~~والزهر، ومن فنون الحب ما فيه غنى عن كل جهد ودفع لكل مشقة، وإذا الناس يحجون إلى هذا ~~الدير في كل عام مرة أو مرات فيتبركون ويلتمسون الدعاء، ويلحون في لقاء «كيمون»: هذا ~~يريد أن يمسه، وهذا يريد أن يلثمه، وهذا يريد أن يسمع صوته، وهذا يريد أن يملأ عينه من ~~منظره الجميل؛ حتى ضاق الشيخ بذلك وأشفق منه على نفسه وعلى دينه. ms085 وقد أصبح «كيمون» ~~شيخا. وما أسرع ما تتقدم السن بأبناء الأحاديث! فلما شق عليه ذلك أزمع أن يخلص منه، ~~ويفر بدينه من إكرام المكرمين وإيثار المؤثرين، كما فر قبل ذلك من تلك المدينة التي كان ~~الناس يفتنون فيها عن دينهم بالتقتيل والتنكيل والتمثيل. # وأصبح أهل الدير ذات يوم يفتقدون وليهم المبارك فلم يجدوه حيث تعودوا أن يروه في كل ~~صباح، والتمسوه في كل مكان: في الدير وفي جنة الدير، وفي الصحراء من حول الدير، فلم ~~يظفروا به ولم يجدوا له أثرا. فذهبت ظنونهم وظنون غيرهم من الناس في هذه الغيبة كل ~~مذهب، وأولوها كل تأويل. ولكن «كيمون» نفسه لم يظن ولم يؤول، وإنما استعان الله على ~~أن يخلص من هذا الضيق، ودعا الله أن يخفيه عن الناس حتى يبلغ مأمنه، فاستجاب الله له. ~~ومضى في طريقه هاربا من الدير، كما مضى في طريقه هاربا من المدينة، لا يلوى على شيء ~~حتى خرج من الصحراء المجدبة، وأمعن في أرض خصبة فيها خير وثراء كثير، فمضى فيها لا ~~يغريه ما كان يرى من حياة الناس ونعيمهم ولم يمس قلبه ولا حسه ما كان يرى من تلك المدن ~~العامرة التي كانت تذكره بمدينته؛ لأنها كانت تشبهها بما كان يقوم فيها من القصور ~~الفخمة، والملاعب الواسعة الضخمة، وبما كان ينصب فيها من الأسواق التي تحمل إليها ألوان ~~التجارة من أطراف الأرض، وبمن كان يضطرب فيها من هؤلاء الشبان المترفين، ومن هؤلاء ~~النساء المتهالكات الداعيات باللحظ واللفظ إلى الإثم والفتون. # وكان الشيخ يمضي بين هذا كله لا منكرا له ولا راغبا في شيء منه؛ لأنه كان مشغولا ~~بنفسه ودينه عن هذا كله. حتى إذا قطع هذه الأرض من حد إلى حد، وقف عند قرية فقيرة في ~~طرف من أطرافها تمس الخصب من ناحية، وتمس الصحراء من ناحية أخرى. أقام «كيمون» في هذه ~~القرية وقد أعجبه فقرها وشظف أهلها وأعجبته هذه الصحراء التي كانت تمتد أمامه إلى غير ~~حد. وكان «كيمون» كلفا بالصحراء لا يستطيع أن ms086 يسلوها؛ لأنه لا يستطيع أن ينسى أنه وجد ~~فيها الهدى، وتبين فيها وجه الصواب. فكان ينفق أيام الأسبوع أجيرا لأهل القرية يعمل ~~فيما يحتاجون إلى إقامته من البناء. حتى إذا كان يوم الأحد خرج مع الصبح فأبعد في ~~الصحراء حتى تنقطع الصلة بينه وبين الناس، ثم ينفق نهاره كله في ذكر الله ويعود إلى ~~القرية مع الليل. وكان «كيمون» رحيما للبائسين رفيقا بأهل الضر، فكان إذا مر به ~~البائس أو المحروب أو المريض رق له قلبه ودعا له في نفسه، فما أسرع ما يزول البؤس ويكشف ~~الضر ويرفع المرض؛ وكان الناس ينكرون ذلك ويعجبون له. فلما كثر ذلك واتصل وعرفه الناس ~~أحبوا هذا البناء وكلفوا به، ثم استحال حبهم وكلفهم إلى شيء يشبه الفتنة. وأحس «كيمون» ~~أنه صائر إلى مثل ما صار إليه في الدير، فارتحل عن هذه القرية تحت الليل، وافتقده الناس ~~من الغد فلم يجدوه. وكذلك أخذ الشيخ ينتقل من قرية إلى قرية، ويرحل من مكان إلى مكان، ~~حريصا على أن يلازم الصحراء ليقضي فيها الأحد من كل أسبوع، يقيم في القرية ما يجهله ~~الناس، ويفر من القرية حين يحس أنهم قد عرفوه. حتى إذا كان في قرية من قرى الشام في آخر ~~العمران وأول البادية عرفه رجل من أهلها كأنه عربي كان يسمى صالحا: عرفه وعرف تستره ~~وتنكره للناس، فلزمه عن بعد. وخرج «كيمون» في يوم من أيام الأحد فأمعن في الصحراء ~~كعادته وصالح يتبعه عن بعد. حتى إذا انتهى إلى مكان من الفلاة، قام يصلي وصالح يلحظه. ~~وإنه لفي صلاته وإذا حية عظيمة ذات رءوس سبعة قد أقبلت تسعى إليه، فاغرة أفواهها ولها ~~فحيح مزعج مخيف. فلم يحفل بها كيمون، ولكنه دعا الله عليها فأماتها الله في مكانها. ~~وجزع صالح حين رآها تسعى إليه فصاح: إياك والحية؛ ومضى الشيخ في صلاته حتى أتمها. ثم ~~أقبل على صالح يسأله عن أمره. قال صالح: شهد الله ما أحببت أحدا ولا شيئا حبي لك، وما ~~أردت إلا أن ألزمك ms087 وأتعلم منك، فأذن لي في ذلك. # قال «كيمون»: لست أرى بذلك بأسا، ولكني أشفق أن تشق عشرتي عليك، فدونك ما أحببت إن ~~قدرت على صحبتي. وعادوا إلى القرية في المساء. فلم يقم فيها «كيمون» أياما حتى عرف ~~أهلها منه ما عرف أهل القرى التي أقام بها من قبل. وجاءه رجل من أهل القرية فقال: إني ~~أريد أن أصلح بعض البناء في بيتي، فهل لك في أن تنظر في هذا البيت لأشارطك على ما أريد؟ ~~فلما انتهى معه إلى الدار أدخله في حجرة وأخذ يتحدث إليه عما يريد تغييره. ثم نظر ~~«كيمون» فإذا الرجل يهوي إلى الأرض فيرفع ثوبا كان مبسوطا وإذا صبي ضرير سيئ الحال. ~~فلما رآه «كيمون» رق له ودعا الله، فنهض الصبي وليس به بأس. واستيقن البناء أن أمره ~~قد افتضح، فقال لصاحبه صالح: لا مقام لي بعد اليوم في هذه القرية، إني ماض في الصحراء، ~~فإن شئت فاتبعني وإن شئت فأقم. ولم يدركهما صبح غد إلا وقد انقطعت الصلة بينهما وبين ~~الحواضر. ولكن وحدتهما لم تطل، فما أكثر القوافل التي تتردد بين الشام وبلاد العرب ~~آخذة في الصحراء كل طريق! مرت بهما قافلة من هذه القوافل، فعدت عليهما واتخذتهما ~~بضاعة، حتى إذا عادت إلى نجران من أرض اليمن باعتهما لرجلين من أشراف المدينة. فأما ~~صالح فقد نسيه التاريخ، وأكبر الظن أنه ذهب مع الذاهبين في تلك الفتنة المنكرة، التي ~~أظلت أهل نجران بعد ذلك بأعوام. وأما «كيمون» فقد أكرم سيده مثواه، وأفرد له حجرة في ~~داره. فكان يعمل لمولاه بياض النهار، ويقوم للصلاة أكثر الليل. ولاحظ سيده مرة ومرة ~~أن حجرة هذا العبد مضيئة في الليل من غير مصباح. فأنكر ذلك أول الأمر، ولكنه استيقنه ~~بعد طول الملاحظة. فلما أصبح دعا إليه «كيمون» وسأله عن ذلك، فلم يجبه بشيء. فسأله عما ~~يصنع في حجرته. قال: لا أصنع شيئا إنما أصلي وأذكر الله. # قال: فحدثني عن دينك وعن إلهك هذا الذي تعبده؛ فإني لا أراك تعكف على نخلتنا ms088 هذه ~~الطويلة التي نعكف عليها، ولا أراك تتقدم إليها كم نفعل بالعبادة والتكريم. قال: وما ~~نخلتكم هذه الطويلة؟ وأين تقع من العبادة والتكريم؟! وإنما هي نخلة كغيرها من النخل، ~~تختلف عليها الأحداث والخطوب، ولا تملك لنفسها ولا لغيرها نفعا ولا ضرا، ولو دعوت ~~الله عليها لأراكم فيها ما تكرهون. قال: فافعل! فإنك إن تبلغ ما تريد، دخلنا جميعا في ~~دينك. هنالك دعا كيمون، وإذا ريح عاصفة تقبل فتقتلع النخلة اقتلاعا، وتجتثها من أصلها ~~اجتثاثا. هنالك آمن السيد بدين العبد، وأقبل أهل نجران على الشيخ يسألونه ويتعلمون ~~منه. ولم ينقض النهار حتى كان «كيمون» قد هدى المدينة كلها إلى دين المسيح. وكذلك ~~استقرت النصرانية في بلاد العرب. # وهم أهل المدينة أن يكرموا «كيمون» ويكبروه، ويتخذوه لهم سيدا وإماما، ولكنه كره ~~ذلك ونفر منه، وفر بدينه من المدينة كما فر به من الدير، وكما فر به من القرى. فخرج ~~مهاجرا حتى بعد عن العمران وابتنى لنفسه في الصحراء خيمة أقام فيها ما شاء الله أن ~~يقيم، منقطعا للعبادة والطاعة، عاكفا على الدين والنظر في الإنجيل. والناس يقدمون ~~عليه من نجران ومن حولها، فيعلمهم ويبصرهم في دينهم ثم يصرفهم عنه في رفق حازم، لا يرضى ~~منهم لزوما له، ولا يقبل ما كانوا يحملون إليه من ضروب الهدايا. # وعظم أمر المسيحية في نجران، حتى لم يبق من أهلها الوثنيين رجل ولا امرأة ولا غلام ~~ولا فتاة إلا دخل في الدين الجديد، واجتهد فيما كان يأخذه به من عبادة وتقرب إلى الله، ~~وحتى ضاق بذلك عدد يسير من اليهود كان مستقرا في هذه المدينة، يعمل فريق منه في ~~التجارة وفريق آخر في الصناعة. فأخذ هؤلاء اليهود يجادلون نصارى نجران في دينهم ويشددون ~~عليهم النكير، وينالون شيخهم ومعلمهم بألسنة حداد، حتى اغتاظ لذلك النصارى فغضبوا ~~لدينهم. وكان بين فريق منهم وبين اليهود خصام عظم شره بعض الشيء، وارتفع أمره إلى ملك ~~اليمن في صنعاء، وهو الذي كان يعرف بذي نواس. # وكان ذو نواس هذا قد نهض ms089 بملك آبائه من حمير، بعد فتنة طويلة ملحة، فجد في جمع الكلمة ~~وتوحيد الرأي، وكان قد ورث يهودية أبيه تبع، فحمل الناس عليها حملا، وأحيا سنتها، ~~وأنفق في ذلك نشاطا عظيما، وأقام حكم التوراة بين أهل المدن وبين القبائل في السهل ~~والجبل. ثم عاوده حلم أخيه حسان، فأخذ يفكر في أن يتهيأ للخروج من اليمن بيهوديته ~~لينشرها في الآفاق، ويفرضها على أهل الشرق والغرب ولم يكن في قصره حبران كاللذين كانا ~~في قصر أخيه، فلم يرده أحد عما كان قد هم به وتهيأ له. وإنه لفي ذلك، وإذا يهودي من ~~أهل نجران أقبل مسرعا مروعا حتى دخل صنعاء، وانتهى إلى القصر، واستأذن على الملك ~~شاكيا باكيا مستغيثا لليهود، مستنجدا للتوراة. فلما أذن له ومثل بين يدي ذي نواس، ~~زعم له أن رجلا من الروم أقبل في قافلة من القوافل فأفسد نجران وما حولها، وحمل ~~المشركين من العرب والأعراب على دين المسيح، وأن هؤلاء النصارى قد اعتزوا على اليهود ~~وعلوا عليهم، ثم بغوا وطغوا، وأسرفوا في البغي والطغيان، حتى أهانوا التوراة ونالوا من ~~ذاد عنها بالسوء، وحتى قتلوا من اليهود نفرا، وأخافوا من بقي منهم في المدينة. # وقد قدمت عليك أيها الملك فزعا مستصرخا، فإما نصرتنا، وإما حولتنا عن هذه المدينة، ~~التي لم يبق لنا فيها مقام. # قال الملك وقد أخذ منه الغضب وملكه الغيظ: أفتراني آذن لغير اليهودية من الدين في أن ~~يستقر ببلاد العرب وأنا عظيم حمير، ووارث تبع، وذو صنعاء؟! ثم أذن في الجيش بالرحيل. ~~وما هي إلا أيام حتى كانت نجران قد أحيط بها. ودعا الملك إليه جماعة من قواده وعظماء ~~جنده، فأمرهم أن يجمعوا له أشراف المدينة وأهل الرأي والمكانة فيها. فلما حشدوا له ~~حشدا خيرهم بين اليهودية والموت، ولم يدع لهم مخرجا من هذين الأمرين، ولم يمهلهم ~~ليفكروا أو ليدبروا أمرهم بينهم. وما كانوا في حاجة إلى التفكير، وما كانوا في حاجة إلى ~~التروية؛ فقد ملكت النصرانية عليهم قلوبهم وعقولهم واختلطت بدمائهم. فما أسرع ما ms090 ~~أجابوا: أيها الملك، إذا لم يكن بد من الاختيار فإنا نختار الموت. فلما رأى الملك ~~منهم ذلك أمر منادين أن يؤذنوا في المدينة: ألا إن الملك قد خير أشرافكم بين اليهودية ~~والموت، فآثروا أن يموتوا، فأيكم اختار اليهودية وأشفق من الموت فله أن ينحاز إلى ~~الجيش. وطال نداء المنادين وتأذين المؤذنين فلم ينحز إلى الجيش أحد. هنالك أمر ذو نواس ~~فاحتفرت الأخاديد، # 3 # وجمع فيها الحطب والخشب، وألقى فيها الزيت، وأضرمت فيها النار، ودفع أهل ~~نجران إليها دفعا . وهنالك أطلق ذو نواس أيدي حمير في أهل نجران، ينالونهم بالقتل والمثلة، # 4 # ويحتازون من أموالهم ونسائهم ما يشاءون. وهنالك جرت الدماء أنهارا، ~~وانتثرت الأشلاء انتثارا، وارتفع اللهب إلى السماء، بنفوس الشهداء. # وفي أثناء هذا كله كان شيخ فان ضعيف قد خرج من خيمته وأشرف من مكان مرتفع، فأخذ ~~ينظر إلى النار ترتفع في السماء، وإلى الدماء تجري على الأرض، وأخذ يسمع أصوات المصلين ~~وهم يقبلون إلى الموت، وأصوات المعتدين وهم يدفعونهم إليه، وأخذ يذكر عهدا بعيدا، ~~بعيدا جدا، ويستحضر صورة منكرة جدا، رآها أثناء الشباب في مدينة من مدن البحر، ~~جرت فيها الدماء، وانتثرت فيها الأشلاء، واضطرمت فيها النار، وصلى فيها الشهداء، وسخر ~~فيها المعتدون. وأخذ الشيخ ينظر إلى هذه الصورة البشعة أمامه، ويرى تلك الصورة البشعة ~~وراءه، ويقارن صورة إلى صورة، ثم تحدث إلى نفسه في صوت هادئ رقيق: لقد ضاقت نفسي ~~الشابة بتلك الصورة ففررت من المدينة وخرجت إلى الله عن أهلي ومالي، وما كانت الحياة ~~قد هيأت لي من لذة وأعدت لي من نعيم، وإني لأنظر إلى هذه الصورة فأحبها وأشتهيها وأفتن ~~بها وأدفع إليها ... ماذا! لقد انحسرت عني الشيخوخة انحسارا، وارتفع عني الضعف ارتفاعا، ~~وأصبحت شابا قويا شديد النشاط كما كنت منذ أكثر من خمسين عاما ... ماذا! إن هذه ~~النار المضطرمة لتعجبني، وإن هؤلاء الذين يقبلون إليها ليدعونني ... ماذا! أرى هذه النار ~~ولا أسرع إليها، وأرى هؤلاء الناس ولا أدخل فيهم. إني لأجيل طرفي في السماء من ms091 أمام ومن ~~وراء ... ماذا ألتمس! لن أرى آلهة اليونان كما رأيتهم من قبل ينظرون ثم ينكرون ثم ~~يرتحلون. إنما كان آلهة اليونان باطلا كلهم، وقد مات الباطل وما ينبغي له أن يبعث من ~~جديد. ثم يسعى «كيمون» هادئا متئدا، حتى إذا دنا من النار استحال سعيه عدوا واتئاده ~~حركة عنيفة، وإذا هو ينضم إلى الناس، وإذا صوته يمتزج بأصواتهم، وإذا هو يدخل معهم في ~~هذا الموت، ليصل معهم بعد ذلك إلى دار الخلود. # قلت لمحدثي: وكم كان عدد الشهداء من أهل نجران؟ قال: تحدث الناس أن ذا نواس أفنى منهم ~~قريبا من عشرين ألفا، وأن رجلا واحدا جد في الهرب حتى أعجز الطالبين، فنجا ومعه ~~إنجيل قد مسته النار، فانطلق به إلى النجاشي يستعينه على الثأر. وكانت هذه القصة آخرة ~~الملك الحميري، بل آخرة الملك العربي في بلاد اليمن. # الفصل العاشر # | راهب الإسكندرية # أقبل أهل الدير على راهبهم الجديد يحدثونه ويسمعون منه، وكان شيخا قد تقدمت به السن، ~~ولكنه احتفظ بقوة ونضرة قلما يحتفظ بهما الشيوخ إذا قاربوا السبعين. وكان وضيء ~~الوجه، مشرق الجبين، منطلق اللسان، عذب الحديث في يونانيته الإسكندرية. وكانت تظهر على ~~وجهه وفي حديثه آثار النعمة والغنى، وحياة الرجل الذي لم يذق بؤسا ولا فقرا ولا ~~هوانا. وكان قد أقبل على هذا الدير الصغير الذي كان يقوم في طرف من أطراف الصحراء مما ~~يلي الشام، حيث تمر القوافل الآتية من بلاد العرب والذاهبة إليها. وكان مقدمه على الدير ~~حديثا لم تمض عليه إلا أيام قليلة. # وكان قد أقبل يحمل مالا كثيرا فيه ذهب وفضة، وفيه جوهر وعروض فلما بلغ الدير استأذن ~~على رئيسه فأذن له. وهنالك قدم إليه ما كان يحمل من المال وقال: اتخذ من هذا المال ما ~~تصلح به أمر الدير وأهله، فإن بقي منه فضل فأنفقه في وجوه الخير والمعروف؛ فإني قد ~~خرجت لك عنه كما خرجت لله عن لذات الحياة كلها، ووقفت ما بقي لي من العمر على الطاعة ~~والعبادة والتفكير في الدير، ms092 ولست أسألك إلا أن تئويني في هذا الدير؛ لأنقطع إلى عبادة ~~الله وانتظار أمره. قال رئيس الدير: أما أنت فقد قبلناك على الرحب والسعة، وما ينبغي ~~لنا أن نرد طارقا يريد أن يشاركنا فيما نحن فيه من ذكر الله والإحسان إلى الناس. وأما ~~مالك فإنا نقبله شاكرين لله أن ساقه إلينا؛ فإن حاجتنا إلى المال في هذا المكان المنقطع ~~الذي نحن فيه لا تنقضي. وسترى أن أيامنا وليالينا لا تخلو من هؤلاء الطارقين الذين ~~تنقطع بهم سبل الصحراء فنئويهم ، ونعينهم ونحملهم، ونبذل ما نملك من الجهد لنبلغهم ~~مأمنهم. والناس يعينوننا على هذا المعروف بالقليل والكثير، فنقبل منهم ما يبذلون وننفقه ~~فيما ترى. ثم أوصى به أهل الدير من علمه ما للجماعة من نظام. فلم يكد يمضي بينهم أياما ~~حتى ألفوه وكلفوا بحديثه، وعلموا أن عنده شيئا، وأنه ليس كغيره من هؤلاء الذين تدفعهم ~~قوة إيمانهم أو يدفعهم يأسهم مما كانوا يبتغون من المنافع والآمال أو اللذات إلى الدير. ~~إنما كان رجلا فذا تدل مظاهره وأحاديثه على أن له نبأ لا كالأنباء وأملا لا ~~كالآمال. فأخذوا كلما فرغوا من أعمالهم وطعامهم وصلاتهم حين يقبل الليل، يطيفون به، ~~ويسمرون معه، فيتحدثون إليه ويستمعون له. وهم في هذه الليلة يسألونه عن أمره: كيف انتهت ~~به الحياة إلى الدير، وكيف طابت نفسه عن هذا المال العريض والثراء الضخم فنزل عنه كما ~~ينزل عن أيسر الأشياء؟ قال: إن قصتي لا تخلو من عجب، وقد تسمعونها فتنكرون منها الشيء ~~الكثير، ولكني مع ذلك سأحدثكم بها لا رغبة في أن أثير العجب في نفوسكم، ولا في أن ~~أعينكم على إنفاق الوقت، ولكن نصحا لكم وإشفاقا عليكم؛ فقد أرى أن أمري يثير في ~~نفوسكم حبا للاستطلاع قويا متصلا، يوشك أن يصرفكم عن بعض ما ينبغي أن تفرغوا له. ~~وما أريد أن أكون مصدر خطيئة مهما يكن أمرها يسيرا. # ثم أطرق غير طويل كأنه يفكر ويستحضر أول قصته، ثم قال: كنا ثلاثة شركاء نصرف بين ~~أرجاء الأرض العريضة تجارة ms093 واسعة. وكنا قد اقتسمنا الأرض بيننا أثلاثا، فرغ كل واحد ~~منا لواحد منها يدبر شأنه، ويصرف التجارة فيه إيرادا وإصدارا. وكنا نلتقي من حين إلى ~~حين ليلقي بعضنا إلى بعض ما انتهت إليه تجارته من ربح، ولننظم فيما بيننا أمر هذه ~~الثروة التي كانت تنمو فتسرع في النمو، وتطرد زيادتها الغريبة من عام إلى عام. وكان ~~أحدنا قد اتخذ مستقره في روما يدير منها تجارة القسم الغربي من الأرض. وكان الآخر قد ~~اتخذ مقامه في قسطنطينية يدير تجارة هذا القسم من أقسام الدولة في بلاد اليونان وتراقيا ~~وما إليها حتى يصل إلى بلاد السيتيين. وكنت أنا قد اتخذت الإسكندرية لي دارا، وكنت من ~~أهلها. # وكانت إلي تجارة الهند وهذه البلاد التي يسكنها البدو، والتي تسير منها القوافل ~~فتخترق الصحراء على ظهور الإبل والتي يسمونها بلاد العرب. وكانت تجارتنا الواسعة تضطرنا ~~إلى علم دقيق بأمور الناس على اختلاف طبقاتهم ومنازلهم، وبأمور الأقاليم والأقطار، وما ~~تستطيع أن تعطي وما تستطيع أن تأخذ. وكان هذا العلم يدفعنا إلى نشاط شديد عند رجال ~~المال والزراع، وإلى اتصال شديد برجال الدين والسياسة والحكم. فإما صاحبي في قسطنطينية ~~فقد كان واسع الحيلة حسن المدخل إلى نفوس الناس، حتى استطاع أن يجعل لنفسه في بلاط قيصر ~~مكانا ممتازا. وأستطيع أن أقول: إني جهدت ووفقت في الجهد حتى كان حكام مصر وبطارقتها ~~وقادتها أصدقاء لي، لا يكاد أحدهم يصل إلى الإسكندرية حتى تنشأ بينه وبيني أسباب المودة ~~والألفة، وما هي إلا أن أصبح من خاصته وأصفيائه المقربين. ولم يكن صاحبنا الغربي أقل ~~منا مهارة، ولا أضيق منا حيلة في التعرف إلى من في الغرب من العظماء، والسادة ومن ~~الأشراف والملوك. # وكانت أمورنا تجري على خير ما نحب، إلا من ناحية واحدة كانت تكلفنا عناء وجهدا لا ~~آخر لهما ولا غناء فيهما. وكانت هذه الناحية هي ناحيتي أنا؛ فقد كنا نلقى مشقة وعناء ~~في تدبير تجارة الهند والشرق، لا نستطيع أن نصل إلى مصادرها ولا أن نأخذها من أهلها، ms094 ~~لبعد الشقة وضعف الأداة وانقطاع سلطان الدولة عند الصحراء. فكنا نتلقى هذه التجارة كما ~~يتلقاها الناس الآن من هذه القوافل التي تحملها إلينا، فتقطع بها الصحراء وتنفق في ذلك ~~من الجهد، وتحتمل في ذلك من المشقة، وتبذل في ذلك من النفقات، ما يدفعها إلى أن تغالي ~~في البيع، وتشتط فيما تطلب من الربح. وكنا نذعن لشططها كما يذعن الناس الآن؛ لأننا لم ~~نكن نجد كما لا يجد الناس الآن بدا من هذا الإذعان. وكنا نسعى في بلاط قيصر وعند حكام ~~الإسكندرية ونلح في السعي، نريد أن نحمل الدولة على أن تبذل شيئا من الجهد لتبسط ~~سلطاننا على الصحراء أو على البحر، فلم يكن سعينا ينتهي إلى شيء. وإنا لفي ذلك، وإذا ~~فرصة تسنح وظروف تتهيأ، ما كنا لنحسب لها حسابا، وما كان ينبغي لنا أن نهملها وقد ~~سنحت وأمكنتنا من العمل. # أقبلت سفينة البريد ذات يوم من قسطنطينية وفيها رسول أرسله صاحبي إلي ينبئني بأن ~~كتابا ذا خطر قد أرسل إلى الحاكم، ويتقدم إلي # 1 # في أن أتلطف حتى أعرف من أمر هذا الكتاب ما يعني تجارتنا، وألا أقصر إذا ~~عرفت ذلك فيما ينبغي أن أتخذ من الوسيلة لتستفيد تجارتنا أعظم الفائدة. # فلما قرأت هذا الكتاب عنيت بما فيه، ولم ألبث أن زرت الحاكم، ولم أنصرف عن مجلسه، حتى ~~علمت جلية الأمر، وحتى قدرت لتجارتنا نموا لا حد له. ذلك أن السفينة كانت تحمل إلى ~~الحاكم كتابا من ديوان قيصر، يأمره فيه أن يهيئ أسطولا لا يقل عن مائة من السفن ليبحر ~~إلى بلاد النجاشي، وعرفت أن مصدر هذا الأمر إنما هو اعتداء اليهود في أقصى البلاد ~~العربية على إخواننا في الدين، وتحريقهم بالنار، وأخذهم بألوان العذاب، حتى بلغ الذين ~~قتلوا منهم عشرين ألفا أو يزيدون. وقد لقيت عند الحاكم أخا لنا في الدين من أهل تلك ~~البلاد، قد استطاع أن يفلت من اليهود ومعه مصحف من مصاحف الإنجيل قد مسته النار، فلجأ ~~إلى النجاشي يطلب منه الغوث، وأظهر النجاشي ms095 حفيظة وغضبا للدين، ولكنه عجز أن يغيثه؛ ~~لأن جنده على قوته وكثرته لم يكن يستطيع أن يعبر البحر إلا على السفن، ولم يكن عند ~~النجاشي من السفن قليل ولا كثير. # هنالك أرسل النجاشي هذا العربي النصراني إلى قيصر يستنجده ويستعينه، ويطلب إليه السفن ~~لتجيز جيشه إلى عدوة # 2 # اليمن. ولم يكد قيصر يرى مصحف الإنجيل وقد مسته النار، ولم يكد قيصر يسمع ~~قصة النصارى وقد خددت لهم الأخاديد وحرقوا فيها تحريقا، ولم يكد قيصر يسمع قصة ذلك ~~القديس اليوناني الذي حمل إلى العرب دين المسيح، فذاق في سبيل ذلك الموت محرقا بتلك ~~النار التي حرقت غيره من المؤمنين، حتى ثارت حفيظته وموجدته، وأمر من فوره أن يكتب ~~لحاكم الإسكندرية في تسيير هذا الأسطول مهما يكلفه ذلك من النفقات. # فلما عرفت من الحاكم ومن هذا العربي جلية الأمر لم أطل التفكير، وإنما عدت إلى الحاكم ~~بعد ساعات وقلت له: لا عليك! إني أريد أن أنهض بهذا الأمر، وأن أجد فيه وحدي، وأن أريح ~~الدولة مما قد تتكلف في سبيله من الجند والمال والمشقة. فهذا النجاشي لا يريد إلا سفنا ~~تجيز جنده إلى اليمن، فدعني أهيئ هذه السفن. قال الحاكم وهو يبتسم: لا أرى بذلك بأسا؛ ~~فهو يريح الدولة، وهو ينفعك وينفع صاحبيك؛ فما أرى أن هذه السفن ستعود فارغة، وما أرى ~~إلا أن قوافل الصحراء ستتعب في عبورها إلى الشام في العام المقبل، وما أرى إلا أن أهل ~~البادية سيحسون لذع الجوع. قلت: وإن أهل مصر والإسكندرية سيجدون الثروة والغنى إن وفقنا ~~في هذه الرحلة، وإن أصحاب هذه السفن إن عادت سالمة موفورة. سيعرفون للدولة ورجالها ما ~~ينبغي من الحق قال الحاكم: فهو ذاك. # ولست أستطيع أن أصور لكم تلك الخواطر التي لم تكن تحصى والتي كانت تضطرب في نفسي ~~اضطرابا كاد يذهلها عن كل شيء. فقد كنت أرى نفسي قائدا عظيما على رأس أسطول ضخم، ~~يبعد في البحر ليرفع أعلام قيصر على أرض لم تبلغها جنودنا من قبل. وكنت أرى ms096 نفسي سائحا ~~عظيما يسجل في كل يوم ما شهد وما رأى من غرائب البر والبحر، ومن أطوار الناس وضروب ~~الحيوان والنبات. وكنت أقارن بين نفسي وبين إكسينوفون، وأرى أن الكتاب الذي سأكتبه عن ~~هذه الرحلة لن يكون أقل جمالا ولا روعة ولا خطرا من كتاب إكسينوفون بعد أن عاد من ~~رحلته المشئومة. وكنت أرى نفسي ثائرا للدين، منتقما للنصرانية، مؤيدا للمسيح، ظافرا ~~بإكبار القسس والرهبان والبطارقة في جميع أقطار الأرض. ثم كنت أرى نفسي بعد هذا كله ~~مثريا عظيما قد ملك البحر، وقاد مائة سفينة فارغة، ثم عاد بها مثقلة بخير ما تنتج ~~الهند وبلاد العرب السعيدة وبلاد الإثيوبيين من ضروب التجارة والعروض، حتى إذا انتهى ~~إلى مصر نشر تجارته هذه في الشرق والغرب، وغمر الأرض كلها بهذه البضاعة فيسر على الناس ~~من أمرهم كل عسير، وأتاح للأغنياء المترفين والفقراء والبائسين من وسائل الترف واللذة ~~ما لم يكونوا يحلمون به، وربح من هذا كله مالا لم أفكر في إحصائه وتقديره؛ لأن ذلك كان ~~يسلط على رأسي شيئا من الدوار لم أكن أستطيع أن أثبت له. # ومنذ ذلك اليوم أعرضت عن كل شيء إلا تدبير هذه السفن وتهيئتها للرحيل. فما أكثر ما ~~اشتريت من سفن، وما أكثر ما ابتنيت منها، وما أسرع ما بثثت أعواني في أقطار مصر يجمعون ~~لي من أنواع التجارة والعروض ما كنت أريد أن أحمله! فلم تطب نفسي عن ذهاب السفن فارغة ~~إلى بلاد النجاشي. ولم تمض ستة أشهر حتى أقلع الأسطول العظيم بعد أن بارك عليه رجال ~~الدين، وبمشهد حافل من رجال السياسة والأعمال، ومن جماعات الشعب الذين كانوا ينظرون ~~إلينا مبتهجين مستبشرين، والذين لم يملكوا أنفسهم أن دفعوا في الجو صيحة هائلة ملؤها ~~البشر والإعجاب حين اندفعت سفننا تشق عباب الموج. وقضينا في البحر أياما طوالا تطيب ~~لنا الريح أحيانا، وتتنكر لنا فيها أحيانا أخرى. ونحن على كل حال مبتهجون مستبشرون، ~~نستمتع بما نرى من جمال الطبيعة في هذا البحر الذي لم يألفه اليونان، ولم ms097 يذلوه ~~لسفنهم بعد. # لست أريد أن أسوأكم بأن أصور لكم حياتي في تلك الأيام التي قضيتها قائدا عظيما ~~للأسطول العظيم، والتي كنت أراها أسعد ما كان ينتظر الإنسان من دهره، فأصبحت أراها الآن ~~أيام شقوة ونقمة وتعس، وأستغفر الله جاهدا مما حملت فيها من أوزار وأثقال. وأعتقد أني ~~مهما أتكلف من مشقة في العبادة، ومن حرمان في ذات الله، فلن أكفر عن بعض ما جنيت فيها ~~من إثم وذنب. وحسبي أن تعلموا أني كنت كغيري من أهل طبقتي ومنزلتي في الإسكندرية وغيرها ~~من المدن التي كانت تزهر فيها الحضارة، ويسود فيها سلطان الفلسفة والعلم، رقيق الدين، ~~قد اتخذت من المسيحية ستارا لا يكاد يخفي ما بقي لي من عادات آبائي الوثنيين. فقد كنت ~~أحب اللذة وأتهالك عليها، وقد كنت أبسط سلطان عقلي على كل شيء، فينتهي بي إلى الشك في ~~كل شيء. وكنت أحب وثنية اليونان القدماء، ولكني لا أؤمن بها، وأتكلف مسيحية اليونان ~~المحدثين، ولكني لا أطمئن إليها. وكنت قد اتخذت لنفسي دينا قد اتخذه أشرافنا وسادتنا ~~لأنفسهم في هذه الأيام. وقوام هذا الدين الشك في كل شيء، والإيمان بإلهين اثنين، هما ~~اللذة والغنى. وعلى اللذة والغنى وقفت حياتي في الإسكندرية، وعلى اللذة والغنى وقفت ~~حياتي حين كنت قائدا عظيما لأسطول عظيم. فكم استصحبت من القيان والمغنين والشعراء ~~والمضحكين؛ وكم حملت من الكتب والنبيذ! وكم أنفقت من الحيلة لأتخذ من ألوان الزهر ~~والشجر ما يستطيع الاحتفاظ بجماله ونضرته على بعد العهد واختلاف الجو والإقليم! ~~وتستطيعون بعد ذلك أن تصوروا لأنفسكم كيف قضيت تلك الأيام الطوال منذ أبحرت من مصر إلى ~~أن بلغت بلاد الإثيوبيين. # هنالك استقبلنا الناس استقبال الفاتحين الظافرين؛ فقد كانوا يتحرقون غيظا على هذا ~~الملك العربي اليهودي ومن حوله من اليهود. وكانت قلوبهم تدمى حزنا على إخوانهم ~~المسيحيين الذين فتنوا عن دينهم، واستشهدوا في سبيل هذا المسيح. ولم تكن النار التي كان ~~يثيرها الغيظ والحزن في صدورهم أقل من النار التي أذكاها ذلك الملك العربي اليهودي وحرق ms098 ~~فيها إخوانهم في الدين. وما أظن أن أحدا كره البحر وضاق به، وتمنى لو غار ماؤه والتقى ~~ساحلاه، كما كره أولئك الناس بحرهم ذلك الذي كان يحول بينهم وبين عدوهم من اليهود. على ~~أننا أنفقنا أياما قبل أن نجيز بالجند إلى بلاد العرب؛ فلم يكن بد من أن ألقى الملك ~~وأقدم إليه تحية قيصر وهديته. ولم يكن بد من أن أصرف تجاربي واستوثق لما حملت من ~~العروض. # وما هي إلا أيام حتى كانت السفن قد شحنت بالجند وما يحتاج إليه من عدة وسلاح وفيلة. ~~ولم يكن عبور البحر عسيرا، ولم يكن النزول إلى أرض اليمن شاقا، ولم يحتج الجند إلى ~~كبير قتال؛ فإن الملك العربي لم يكد يرى هذا الجيش الضخم مجهزا بما كان قد جهز به من ~~العدة والسلاح، ولم يكد يرى هذه الفيلة المروعة المخيفة حتى خاف وارتاع، ووجه فرسه نحو ~~البحر فاقتحمه ولم يعرف الناس له خبرا. وتفرق من كان حوله من الجند وعلى رءوسهم أقيال ~~اليمن وأذواؤها. وخلصت الطريق لنا إلى صنعاء، فدخلناها ظافرين ولم نلق كيدا. ولم نستقر ~~في صنعاء حتى وجهنا الجند إلى تلك المدينة الشهيدة فنبلغها بعد أيام ونرى من آثارها ~~وأطلالها ما يمزق الأفئدة ويذيب النفوس. # فما أسرع ما يعمل الجند! وما أسرع ما يسخر اليهود! وما أسرع ما تقام المدينة! وما ~~أسرع ما تقام فيها البيع والكنائس! وما أسرع ما ينادي في الناس أن مدينة المسيح قد ردت ~~إليه وأن أهلها الذين فرقهم الخوف آمنون! وما أسرع ما حمل كثيرون من أهل اليمن على ~~النصرانية حملا! وما أسرع ما دخل كثير من أهل اليمن في النصرانية راغبين أو راهبين! ~~ونعود إلى صنعاء وقد ثأرنا للدين، وأقمنا نجران على خير ما كان ينبغي أن تقام عليه ~~مدينة من المدن. # وأخذت بعد ذلك أفكر فيما ستشحن به السفن من التجارة والعروض وجعلت أتهيأ لذلك وأهيئ ~~له. وتحدثت فيه إلى قائد الجيش فلم يمانعني ولم يأب علي، بل تقدم في ذلك بخير ما أحب. ms099 ~~ولكنه طلب إلي ألا أعود بالسفن كلها إلى مصر؛ فقد تطرأ الطوارئ وتعرض الأحداث ويحتاج ~~جند اليمن إلى العبور إلى بلادهم، أو يحتاج أهل الحبشة إلى العبور إلى إقليمهم الجديد؛ ~~فلا بد لهم من سفن وإن تكن قليلة يستعينون بها على مثل هذه الشئون. فدع لنا بعض أسطولك ~~ونحن نعوضك عنه بما شئت من المال والعروض. # وكذلك تم الاتفاق بينه وبيني على أن أنزل له عن ثلث الأسطول وأعود بثلثيه وقد حملتها ~~ما استطاعت حمله من تجارة تلكم الأقطار. ويتم كل شيء، وتقلع سفن الأسطول كلها إلا سفينة ~~القائد العظيم؛ فإنها تنتظر أن أصل إليها لتأخذ طريقها إلى مصر. ولكن حدثا يحدث فيغير ~~كل شيء، ويقطع بيني وبين الأسطول كل سبب، ويصرفني عن التجارة كارها أعواما طوالا. ~~ماذا أقول! بل يصرفني عن نفسي أعواما طوالا. فقد كان قادة الجند منذ استقر لهم الأمر ~~في هذا الإقليم الجديد يختلفون بينهم اختلافا شديدا: أيكتفون بهذا الفتح الذي وفقوا ~~له، وهذا الثأر الذي ظفروا به، فقد أرضوا الملك حين بسطوا سلطانه من وراء البحر، وأرضوا ~~الله حين انتقموا لعباده الشهداء، أم يحملون الناس على دين الملك حملا، ويمحون ~~اليهودية والوثنية من هذه الأرض محوا؟ فأما قائد الجيش أرياط، فقد كان صاحب سياسة ~~وكيد، وكان يرى الرأي الأول، وينظر إلى هذا الإقليم على أنه مستعمرة قد ضمت إلى أملاك ~~النجاشي، فيجب أن تستغل أرضها وأن يستذل أهلها، ويسخروا لخدمة سادتهم الفاتحين. وأما ~~غيره من زعماء الجيش، ولا سيما عظيمهم أبرهة، فقد كانوا أصحاب نسك وطاعة ودين، وكانوا ~~يضعون النصرانية في المكان الأول، ولا يكادون يحفلون بالسياسة واستعمار الأرض. وكانوا ~~يريدون أن يفرضوا النصرانية على اليمن فرضا، وتقدموا في ذلك إلى قائدهم أرياط، فأعرض ~~عنهم وأبى عليهم. وما هي إلا أن ينقضوا عليه الجيش، وما هي إلا أن ينظر الرجل فإذا هو ~~مضطر إلى أن يضرب بعض الحبشة ببعض. ويعجبني أنا ما أرى، فأبقى لأشهد عاقبة هذا الخلاف. ~~ولست أدري كيف استحالت مسيحيتي الدقيقة إلى ms100 إيمان قوي متين. والحق أني سألت نفسي فأطلت ~~السؤال عن مصدر هذا التبديل الذي أخذت أحسه منذ وطئت قدماي أرض اليمن. وأكبر الظن أن ~~منظر تلكم المدينة البائسة التعسة، وما كان قد أصابها من الخراب والدمار؛ لأن أهلها ~~ثبتوا على دينهم، ثم ما نالها في وقت قصير من التجديد والعمران؛ لأن قوما آخرين قد ~~أرادوا أن يثأروا لدينهم، أكبر الظن أن هذا كله قد أثار في ضميري على غير شعور مني ~~إعجابا بقوة هذا الإيمان الغريب الذي يحمل ألوفا من الناس أن يستقبلوا الموت ~~ويتهافتوا في النار فرحين مبتهجين كأنهم الفراش، والذي يمحوا مدينة من الأرض محوا، ثم ~~يقيمها رفيعة العماد، شاهقة البنيان، معمورة بالناس. كأن الدهر لم ينلها بمكروه. ~~فانصرفت نفسي شيئا فشيئا عن هذه الحياة التي كنت أكبرها والتي أصغرها هؤلاء المؤمنون. ~~ومهما يكن من شيء فقد أخذت أحس حبا لهذه الأرض الجديدة، وميلا إلى البقاء فيها، ~~عطفا على هؤلاء الذين كانوا يريدون أن يعلوا كلمة الحق، ويأخذوا الناس بدين المسيح ~~راضين أو كارهين. # وإني لفي هذا كله وقد اشتد الأمر بين الجيشين المختصمين، وإذا رسول أبرهة يقبل على ~~أرياط ليبلغه أن صاحبه يكره أن يقتتل الجيشان وأن تسفك دماء الأبرياء. ويقترح عليه ~~المبارزة، فأيهما ظفر بصاحبه كان الأمر إليه. فيرى أرياط في هذا الاقتراح قصدا ورفقا ~~وإنصافا، فيقبله ويجيب إليه. ويزداد في نفسي الحرص على البقاء لأشهد عاقبة الأمر. وقد ~~شهدتها فأكبرتها: التقى الخصمان وبطش أرياط بعدوه، ولكن الحربة لم تقتله وإنما شقت ~~جبهته وأنفه وشفته. ويسرع عبد لأبرهة فيضرب أرياط فيرديه. وتجتمع الحبشة على هذا ~~الزعيم الذي كان يريد أن يكسب أهل اليمن لدين المسيح. # هنالك وقع في نفسي أن هذه العاقبة ليست من عمل الإنسان ولا من المصادفة، وإنما هي شيء ~~قضاه الله لأمر يراد، فتشتد في نفسي الرغبة في أن أطيل البقاء بهذه الأرض لأشهد الصراع ~~المحتوم بين المسيحية من ناحية، واليهودية والوثنية من ناحية أخرى. # وكنت مع ذلك أنازع نفسي نزاعا شديدا، ولكني ms101 لم أكد أتحدث إلى أبرهة حتى استقر رأيي ~~على البقاء، فأرسلت رفيقا لي إلى سفينة القائد ليقدم بالأسطول على مصر، وقد أوصيته، ~~وأحكمت أمري له إحكاما. ثم أبقى لأرى ما كان الله قد قدر لي أن أراه. # وهنا أذن مؤذن أن قد آن لأهل الدير أن يأووا إلى حجراتهم، فتفرقوا، وكم كانوا يودون ~~لو مدت لهم أسباب السمر والحديث. # وأنفق أهل الدير بقية ليلهم بين جاهد في العبادة، ومغرق في النوم وأنفق أهل الدير ~~بياض نهارهم بين مصل لله، ومحسن إلى الناس. فلما جنهم الليل وهدأت من حولهم الأشياء ~~واتخذت الصحراء جلالها الرهيب، عادوا إلى مجلسهم يسمرون، وسألوا صاحبهم أن يتم عليهم ما ~~بدأه أمس من الحديث. فقال: تمت عزيمتي بعد طول التردد والتفكير على الأوبة إلى مصر، ~~وانتصر في نفسي حب الوطن على حب هذه الأرض الجديدة، وظهر في نفسي حب اللذة والغنى على ~~هذا الميل الجديد إلى النسك والجهاد في سبيل المسيح. فأقبلت على أبرهة من الغد أودعه ~~قبل الرحيل. ولكني لم أر قائدا ظافرا، ولا ملكا منتصرا، ولا رجلا يزدهيه الفوز ~~ويحيي نفسه الأمل، وإنما رأيت رجلا متهدما محزونا كئيبا، قد فكر حتى عجز عن ~~التفكير، وقدر حتى أعياه التقدير، فأسلم نفسه لقضاء الله فيه، كأنه الغريق أعيته مكافحة ~~الموج، فاستسلم له وانتظر الموت. ولم أكد أتحدث إليه حتى عرفت مصدر ما هو فيه من هم ~~وغم، ومن كآبة وبؤس فقد كان مستيقنا أنه أغضب الله، وأحفظ الملك، وأساء إلى الناس. ألم ~~يكن قد بغى على قائده واعتدى عليه في غير حق ولا إذعان لما تقدم به الملك إلى الجند من ~~الطاعة لقائده والنصح لخليفته فيه؟ فكيف استباح لنفسه أن ينتصف لرأيه بيده، وأن يفرض ~~هذا الرأي على الجند فرضا، لا يرجع في ذلك إلى أمر من الملك، ولا ينتظر في ذلك رأي ~~الملك بعد أن يرفعه إليه! وكيف استباح لنفسه أن يقتل رجلا من النصارى ويسفك دمه ظلما ~~وبغيا، لا لشيء إلا لأنه لم يوافقه في ms102 الرأي، ولم يشاركه في الهوى! وقد كان هذا الرجل ~~مع ذلك نصرانيا مثله يؤمن بالمسيح ويصلي لله، وقد ثأر للدين من عدوه، ورد المطرودين ~~من النصارى إلى وطنهم، فآمنهم وأظلهم بسلطان واسع رفيق من الرحمة والعدل ~~والإنصاف! # ثم هو لم يقف من العدوان والإثم عند هذا الحد، ولكنه ابتهج بما أتيح له من الانتصار ~~والظفر، فلم يكد يرى خصمه صريعا تحت قدميه حتى التفت إلى عبده الذي قتل أرياط شاكرا ~~له، مغرقا في الثناء عليه، قائلا له: احتكم فأنا زعيم لك بكل ما تريد. وقد احتكم ~~العبد، فأسرف على نفسه وعلى مولاه، وطلب إلى سيده أمرا عظيما: طلب إليه أن يحكمه في ~~أبكار اليمن كافة، فلا تزف واحدة منهن إلى عروسها حتى تمر به قبل الزفاف. ولم يشعر ~~أبرهة بعظم هذا الأمر الذي طلبه إليه العبد؛ لأن نفسه كانت ثملة بهذا الفوز، معرضة عن ~~كل شيء غيره، فأجاب العبد إلى ما أراد، ولم يقدر أنه عصى الله بهذا الإثم الذي اقترفه، ~~وأقدم على إذلال أمة لم تعرف الذل، وما كان لها أن تعرفه. ولكن أمر هذا العبد لم يكد ~~يعرف في الناس حتى انتهى إلى نتيجته المحتومة، فلم يحي العبد بعده يوما كاملا: لم يكد ~~يلقاه أول من عرف هذا النبأ من حمير حتى عدا عليه فقتله. فكان أبرهة إذا حين لقيته ~~متعبا مكدودا، مضطرب النفس، حائرا غارقا في ندم عميق. وجعلت أرده إلى نفسه قليلا ~~قليلا، أجد لا في تهوين الأمر عليه فلم يكن أمره هينا ولا يسيرا، بل في التقريب بينه ~~وبين الرشد والصواب، لعله يعود إلى التفكير والتقدير، ولعلي أستطيع أن أعينه على أن يجد ~~لنفسه مخرجا من هذا المأزق الذي اضطر إليه. # فقد كان عظيما حقا أن تذهب كل تلك الآمال والأماني التي ملأت نفس هذا الرجل ~~وأصحابه من قواد الجند، ودفعتهم إلى ما دفعتهم إليه لينشروا كلمة الله، وليديلوا # 3 # للنصرانية من وثنية الوثنيين، ويهودية اليهود. وما زلت به ألاينه حينا ~~وأخاشنه حينا آخر، حتى ms103 هدأت نفسه بعض الشيء، واستطعنا أن ننظر إلى الأمر في روية ~~وتبصر، وأقنعته بأن يبدأ بما لا بد من الابتداء به، فيرضي هؤلاء الناس الذين أحفظهم ~~وأثار في نفوسهم الحمية حين حكم عبدا من عبيده في أعراضهم وكرامتهم. وما هي إلا أن ~~يسمع لي ويقبل رأيي، وإذا هو يدعو إليه من حضره من أشراف حمير، فيعتذر إليهم ويثني ~~عليهم، ويهنئهم بما أظهروا من عزة وإباء للضيم، ويقسم لو قد عرف نية العبد لما حكمه، بل ~~لاكتفى بما يكتفي به الناس في مثل هذه الحال، فأعتق العبد وأغناه ورده إلى بلاد الحبشة ~~راضيا مسرورا. فأما وقد قتل هذا العبد نفسه فلا عليكم ولا علي؛ فقد ظهر لي أنكم ~~أحرار كرام، وسيظهر لكم أني حر كريم، وأن المودة بينكم وبيني لن تسوء، ولكنها ستسركم ~~وتقر أعينكم، وستشعرون بأني لا أملك بلادكم لنفسي ولا للنجاشي مولاي، وإنما أملكها لكم ~~قبل كل شيء، أصلح من أمرها وأمركم مستعينا بكم على هذا الإصلاح، فمن رأى منكم أن يشير ~~علي بشيء فليفعل مشكورا واثقا بأني سأقدر نصحه، وأسمع لمشورته ما وجدت إلى ذلك ~~سبيلا. # وكان لهذا الكلام اللين الرفيق موقعه في نفوس هؤلاء الأشراف من حمير، الذين كانوا ~~ينتظرون غضب أبرهة عليهم وانتقامه منهم. فلما رأوه ملاينا محاسنا، لاينوه وحاسنوه، ~~وأظهروا ثقة ورضا واطمئنانا، ووعدوا بالنصح له والطاعة لأمره، كما كانوا يفعلون مع ~~ملوكهم من أبناء تبع. وبالغ أبرهة في استرضائهم، فأجزل لهم العطاء، ونظم الصلة بينهم ~~وبينه على خير ما يحبون، ثم خلا إلي فقال: لقد جئتني مودعا فيما أذكر؛ لأنك تريد ~~العودة إلى بلادك؟ قلت: نعم، فقد طالت غيبتي عن الوطن والأهل والمال قال: فإني مع ذلك ~~لن آذن لك في الرحيل. قلت: وما ذاك؟ قال: ذلك أنك رددتني إلى نفسي وأشرت علي فأحسنت ~~المشورة، وما أرى أني أستطيع فراقك منذ اليوم؛ فأنا في حاجة إلى رأيك وتدبيرك ومعونتك ~~لي على ما سيعرض من الخطوب والأحداث، وقد رفعت عني بعض الثقل، وفرجت عني بعض ms104 الحرج، ~~وأصلحت ما بيني وبين أهل هذه الأرض. ولكن الملك واجد علي وناقم مني، ليس في ذلك شك ~~ولا ريب ولا بد من أن يصلح ما بيني وبينه على أي نحو من الأنحاء، وليس لي غنى عن نصيحتك ~~قبل أن تستقيم بينه وبيني الأمور. وهبها استقامت على ما أحب وأهوى، فإن بيني وبين نفسي ~~خصومة عنيفة لا أقوى على حملها وحدي؛ فأعفي على نفسي ببقائك معي، فلعلك إن فعلت، أن ~~تعينني على أن أنفق حياتي في إصلاح ما بيني وبين الله، بعد أن أثمت فأسرفت في الإثم، ~~وعدوت فأسرفت في العدوان. # وكنت كلما هممت أن أجيبه مضى في حديثه ملحا فيه، ولم يمكني من الكلام. وكان ~~يقول: لقد أقدمت على ما أقدمت عليه من الأمر وإن في نفسي لآمالا كبارا؛ فلم أكن أريد ~~أن أكسب هذه الأرض وحدها لدين المسيح، وإنما كنت أريد أن أنشر هذا الدين في جميع هذه ~~الأقطار التي لا تصل إليها أيدي الملوك، ولا ينبسط عليها سلطان قيصر وكسرى والنجاشي. ~~فما يمنعك أن تعينني على ذلك، وتشاركني فيما سأبذل فيه من جهد، وما سأحتمل فيه من عناء، ~~وما سألقى عليه من أجر وجزاء؟! وكان يقول: ولست أرى على تجارتك بأسا، وإنما أرى لها ~~الربح كل الربح والنمو كل النمو؛ فما يمنعك أن تقيم هنا حتى تنظم الصلة بين بلادنا ~~وبلادك، فتكسب أنت، ونكسب نحن، ويستفيد الناس جميعا! # كل هذا الحديث المختلف أثر في نفسي وغير رأيي وعزيمتي، وأغراني بالبقاء، وفتح لي ~~أبوابا من الأمل والنشاط لم أقدر قط أني سألجها في يوم من الأيام. فقد رأيتني محتكرا ~~لتجارة الهند وبلاد العرب. ورأيتني وزيرا لملك إلا يكن عظيما الآن، فسيكون عظيما من ~~غير شك بعد وقت قصير. ورأيتني سفيرا مقيما لقيصر عند هذا الملك وعند النجاشي، أستطيع ~~أن أسير سياستهما فيما يرضي مصالح الروم ومرافقهم وتفوقهم السياسي على عدوهم من الفرس. ~~وما هي إلا أن أقبل الإقامة مع أبرهة، ولو إلى حين. # وتمضي أيام، وإذا أنباء النجاشي ms105 تصل إلينا مخيفة مروعة. فلم يكد يعلم بما كان من ~~اضطراب الجند وقتل قائده أرياط، حتى أقسم لا يستقر قبل أن يسفك دم أبرهة ويطأ أرضه. ~~ويخلو إلي أبرهة للتشاور والتدبير! فيتفق رأينا على أن نحل الملك من قسمه بحيلة ~~من الحيل، وفن من فنون المكر؛ فإن أفلحنا فذاك، وإلا نصبنا له الحرب وقطعنا ما بينه ~~وبيننا من صلة. وأنى ليده أن تمتد إلينا والبحر بيننا وبينه، والسفن خالصة لنا من ~~دونه؟ ثم يفتصد أبرهة ويضع دمه في قارورة، ويملأ جرابا من تراب اليمن، ويرسل دمه وتراب ~~اليمن إلى الملك معتذرا إليه ما وسعه العذر، مجددا طاعته، مؤكدا وفاءه قائلا: «هذا ~~دمي فليسفكه الملك، وهذه أرضي فليطأها الملك، تحلة من قسمه، وله علي بعد ذلك ألا ~~أورد ولا أصدر إلا عن أمره ورأيه ورضاه!» # وقد أعجبت الملك حيلتنا هذه، فيرضى عن قائده ويقره على عمله، ونفرغ نحن لما كنا ندبر ~~من الشئون. وكانت عظيمة حقا تلك الشئون التي كنا ندبرها. فلم نكن نطمع في أقل من أن ~~ترد إلى بلاد اليمن يمنها القديم، وثراءها الذي بعد صوته في الآفاق، وفي أن نجعلها ~~خالصة للنصرانية، وفي أن تبسط سلطانها على بلاد العرب كافة. وكنت أداعب في نفسي حلما ~~لذيذا، لم يلبث أن أصبح أملا تدفعنا إليه ظروف الحياة دفعا. فقد كنت أفكر في أن أنشر ~~سياسة قيصر وسلطانه مع دين المسيح، وفي أن أصل بين ملك قيصر في الشام وحلفاء قيصر في ~~اليمن، وفي أن أخضع ما بين هذين القطرين من الأرض لسلطان إن لم يكن خالصا لقيصر. فهو ~~شركة بينه وبين حليفه النجاشي؛ وهو على كل حال معين لقيصر على عدوه كسرى. ولم أكن ~~أصارح أبرهة بهذه الأحلام والآمال، حتى اضطرتني الظروف إلى أن أصارحه بها ذات يوم، حين ~~أقبل السفراء من عند كسرى فأنبئوا بأن الحرب قد شبت بين الفرس والروم وطلبوا إلى أبرهة ~~أن يعين على الروم بما يملك من قوة وتأييد. هنالك صارحت صاحبي، ولم أجد مشقة ms106 في إقناعه ~~برأيي وحمله على ما كنت أريد. ألم يكن يجمع بيننا وبينه الدين! # على أننا فرغنا قبل كل شيء لأمور اليمن، فجددنا من عماراتها المتداعية، وأقمنا سدودها ~~المتهدمة، ونظمنا مجاري الماء فيها تنظيما حسنا، واجتهدنا في نشر الدين ما وسعنا ذلك، ~~لا نشق على الناس ولكن نأخذهم باللين والرفق، وأقمنا كنيسة في صنعاء لم يعرف أهل ~~هذه البلاد مثلها ضخامة وفخامة، وجلالا وجمالا وزخرفا: جلبنا لها المرمر من أطراف ~~الأرض، ودعونا لها العمال من قسطنطينية، وحليناها بالذهب والفضة والجوهر، وحرقنا فيها ~~من الطيب والبخور ما كان ينتشر عرفه إلى أماكن بعيدة حول صنعاء، ورتبنا لها القسس ~~والأحبار، ورغبنا الناس في أن يختلفوا إليها ويصلوا فيها. وقدرنا أن نقيم أمثالها في ~~أماكن مختلفة من هذه البلاد. ولكن العرب أهل وثنية ولجاج في الوثنية، كانوا يكبرون من ~~أمر أبرهة ويعظمون سلطانه ويبتغون عنده المعروف، ولكنهم كانوا يكرهون دينه وتأبى نفوسهم ~~الاستجابة له. وكان الذين يختلفون إلى كنيستنا قليلين مهما يكثروا، وكانوا جميعا من ~~ضعفاء الناس وفقرائهم وأصحاب الحاجة منهم. على أننا لم نستيئس وأخذنا نهيئ أمورنا ~~ونرغب الوفود في طاعتنا؛ حتى لقد دعا أبرهة إليه عظيما من عظماء العرب في هذا ~~الإقليم الذي يسمونه تهامة، فأكرم مثواه وأعظم أمره، وتوجه ملكا على قومه، ورده ~~عزيزا مكرما. # وفي ذات يوم رفع إلى أبرهة أمران ضاق بهما أشد الضيق، وخرج لهما عما قد ألف من الحلم ~~والأناة. أصبح سدنة الكنيسة فرأوا أنفسهم أمام أمر عظيم: رأوا كنيستهم قد لطخت ~~بالقاذورات، وألقيت فيها الجيف، وانتهكت حرمتها، فثاروا بذلك ورفعوه إلى أبرهة، وزعموا ~~له أن هذا الإثم لا يمكن أن يجنيه إلا رجل من هؤلاء العرب الذين يأتون من تهامة، حيث ~~يقوم لهم بيت هناك يقدسونه ويحجون إليه يسمونه الكعبة، والعرب كلها تحج إليه وتعظم ~~أمره، وتعظم الذين يعيشون حوله من هذا الحي الذي يسمى قريشا، والذي يتجر بين بلادنا ~~وبلاد الشام. # فلما سمع الملك ذلك غضب أشد الغضب، وأقسم ليهدمن هذا البيت وليحملن العرب ms107 على أن ~~يحجوا إلى كنيسته بالسيف، بعد أن أعياه حملهم على ذلك بالرفق واللين. ولم يكد النهار ~~يتقدم حتى رفعت الأنباء إلى أبرهة بأن أهل تهامة قد قتلوا ذلك الرجل الذي أرسله إليهم ~~ملكا، فطار طائره، وثار ثائره، وأذن من فوره بالتجهز للحرب والاستعداد للرحيل، وأرسل ~~إلى النجاشي ينبئه بذلك، ويسأله أن يمده بالجنود والفيلة. وما هي إلا أيام حتى تهيأ له ~~جيش ضخم قوي، وحتى فصلنا عن صنعاء يملؤنا الأمل وتزدهينا الكبرياء. وكنت أتحدث إلى ~~أبرهة بأننا سنقطع هذه الطريق على طولها في غير مشقة ولا جهد، وبأننا سنصل بين الشام ~~واليمن، وبأني سأستقبله ضيفا في بلاد القيصر، كما استقبلني ضيفا في بلاد النجاشي. ~~وكان جيشنا يعظم ويضخم كلما تقدمنا في الطريق بمن كان ينضم إلينا من أذواء اليمن ~~وأقيالها. # ولكن طريقنا لم تخل مع ذلك من العقاب، # 4 # ولم تكن أمنا كلها، فقد نصب لنا الحرب جماعة من أقيال اليمن على رأسهم ~~رجل يقال له ذو نفر، غيرة على وثنيتهم، وحفيظة لبيتهم ذلك، ودفاعا عن حلفائهم من ~~قريش، ولكنا هزمناهم في غير مشقة، وأخذنا رئيسهم أسيرا. وهم الملك أن يقتله، ثم رق له ~~وعفا عنه، واستبقاه في أسره. ومضينا أمامنا لا نلقى كيدا حتى كدنا نبلغ تهامة اليمن، ~~وإذا حي من أحيائها قوي عظيم البأس مسلط على الأرض، متحكم في الطريق وفي القوافل التي ~~تقطعها، يقال له خثعم، قد جمع لحربنا، وغره عدده فخيل إليه أنه سيقهرنا كما تعود أن ~~يقهر الناس من قبل. ولكنا قهرناه في أقصر وقت وأيسر جهد؛ وأخذنا رئيسه رجلا يقال له ~~نفيل بن حبيب أسيرا. وهم الملك أن يقتله ولكنه استعطف وغلا في الاستعطاف حتى ظفر ~~بعفو الملك، وتقدم مع الأدلاء ليسلكوا بنا طريق هذا البيت الذي كنا نقصد إليه. ونمضي في ~~طريقنا لا نلقى كيدا، وقد هابتنا العرب وخلت لنا الطريق، وأعظمت أمرنا إعظاما. حتى ~~إذا دنونا من مكة، وبلغنا مدينة عظيمة هناك يقال لها الطائف؛ تقوم على مرتفع من الأرض ~~عظيم، ms108 ومن حولها النخيل والكروم والحدائق فيها أنواع الفاكهة والثمر، كأنها مدينة من ~~مدن الساحل الشامي قد نقلت إلى تلك الأرض المقفرة المجدبة فأقامت فيها مشرقة زاهية ~~كأنها الابتسامة الجميلة في الوجه المظلم الكئيب، خرج إلينا هنالك أهل هذه المدينة ~~فقدموا الطاعة وأظهروا الخضوع، وبعثوا معنا رجلا منهم يسلك بنا إلى مكة أقرب طريق. ~~ونمضي أمامنا حتى نبلغ مكة، فينيخ الجيش ليستريح قبل أن يأخذ في الهجوم. # ويأتي سفراء القبائل إلى الملك من كل مكان يقدمون إليه طاعتهم ويعرضون عليه ثلث ~~أموالهم، ويطلبون إليه أن يدع بيتهم هذا لا يمسه بسوء، فلا يسمع الملك منهم ولا يحفل ~~بهم. ثم يرسل الملك طلائعه فتغير على ما حول مكة من الأرض وتستاق كل ما تجد فيه من مال. ~~حتى إذا كان الغد أرسل الملك جماعة من أصحابه إلى مكة وكلفهم أن يسألوا عن سيدها ~~وعظيمها؛ فإذا لقوه أنبأوه بأن الملك لا يريد قتالهم ولا حربهم، وإنما يريد أن يهدم هذا ~~البيت، فإن خلوا بينه وبين البيت فهم آمنون، وإلا فليأذنوا بحرب تسحقهم سحقا. وأمر ~~الملك سفراءه أن يأتوا بعظيم قريش إن أظهر الموادعة والميل إلى السلم. ويمضي السفراء ثم ~~يعودون ومعهم رجل عظيم، وسيم وجسيم، لم أر قط أجمل منه، ولا أملأ للعين، ولا أوقع في ~~القلب، ولا أشد مهابة وجلالا. حتى إذا بلغوا سرادق الملك دخلوا يستأذنون له. ويسأل ~~الملك عنه فيقال له: هذا عبد المطلب سيد قريش وصاحب عيرها، أعظمها شرفا، وأعلاها مكانة ~~وأكرمها نفسا، وأسخاها يدا، يطعم الناس في السهل ويطعم الوحوش في رءوس الجبال. وكنت ~~عند الملك حين أدخل عليه هذا الرجل، ورأيت الملك ينظر إليه فيكبره ويعظمه، ويلقاه ~~بالتجلة والكرامة، ويهم أن يجلسه معه على السرير، ولكنه يشفق أن تنكر الحبشة ذلك، فينزل ~~عن سريره ويجلس مع هذا الرجل على البساط. ثم يكلف الترجمان أن يسأله حاجته. فما أشد ما ~~عجب الملك حين فسر الترجمان له جواب سيد قريش. قال: حاجتي أن ترد إلى مائتين من الإبل ~~أخذتها ms109 طلائعك فيما أخذت أمس من المال. قال الملك مستهزئا: لقد أعظمتك حين رأيتك، فإني ~~لأصغر من شأنك الآن. لقد كنت أظن أنك ستحدثني في بيتك هذا الذي أريد أن أهدمه، والذي هو ~~دينك ودين آبائك، وشرفك وشرف آبائك، فإذا أنت تحدثني في مائتين من الإبل! قال سيد قريش ~~في صوت الهادئ الواثق المطمئن: أنا رب الإبل، فلأحدثك فيها، فأما البيت فإن له ربا ~~سيمنعه. قال الملك: لن يمنعه مني. قال سيد قريش: فأنت وذاك. وأمر الملك أن ترد إلى ~~الشيخ إبله، فردت إليه . # ولكني تبعته لأرى ما يكون من شأنه، فإذا هو لا يقبض هذه الأبل إلا ليرسلها هديا إلى ~~هذا البيت، الذي لم يرد أن يتحدث إلى الملك فيه. ويمضي هذا الشيخ إلى قومه من قريش، ~~فيأمرهم أن يتفرقوا في الشعاب وعلى رءوس الجبال هربا من الملك، وإشفاقا من معرة ~~الجيش، ويقوم أمام بيته هذا الذي يعظمه وقد أخذ بحلقة بابه، ومن حوله نفر من قومه ~~ويقول كلاما حسن الانسجام شديد الوقع في النفس، سمعته فأحببته ولكني لم أفهمه، على أني ~~كنت قد أخذت أحسن هذه اللغة. ثم يرسل حلقة الباب، ويمضي مع من كان يصحبه من قومه فيحتضن ~~في شعب من الشعاب. وأنظر أنا إلى هذه المدينة فإذا هي قد خلت من أهلها، وقامت بيوتها ~~هادئة ساكنة، يظلها حزن عميق فيه هيبة وجلال. قامت يظلها هذا الحزن، ولكني لم أكن أرى ~~في هذا الحزن خوفا ولا إشفاقا من معاول الهادمين. وأصبحنا وقد أمر الملك بدخول ~~المدينة، فيهم الجيش أن يتحرك وفي مقدمته فيل عظيم، ولكني أرى دليلنا نفيل بن حبيب ~~الخثعمي يدنو من الفيل فيأخذ أذنه ويسر فيها كلاما، ثم يرسلها ويشتد هاربا في ~~الجبل. # وتثير حركة هذا الرجل في نفسي شيئا من العجب، فما علمت أنه يعرف منطق الفيلة، وما ~~علمت أن الفيلة تعرف منطق العرب. عجبت، وليت عجبي لم يتجاوز هذه القصة، ولكني رأيت بعد ~~ذلك ما يقضي على كل عجب: رأيت بعد ذلك أشياء ما ms110 قدرت قط أنني سأرى بعضها. رأيت بعد ذلك ~~أشياء وددت لو لم أرها قط. # وإني على ذلك لسعيد أشد السعادة، مغتبط أشد الغبطة لأني رأيتها، فهي التي هدتني إلى ~~الحق، وهي التي كشفت عن نفسي الغطاء. رأيت الفيل قد برك، حتى إذا دنا منه ساسته لينهضوه ~~نهض معهم، حتى إذا وجهوه إلى مكة برك من جديد. ويجد ساسته بعد ذلك في إنهاضه فلا يبلغون ~~منه شيئا، يحثونه ويؤذونه ويضربونه، ويبلغون به أقصى ما يهيج الفيل فلا ينهض ولا يهم ~~بالنهوض. حتى إذا أداروا رأسه نحو الشام أو نحو اليمن أو نحو الشرق نهض ومضى مهرولا، ~~فإذا أداروا رأسه نحو مكة برك ولم يتقدم أمامه إصبعا. ونحن ننظر إلى هذا وقد ملأنا ~~العجب وأخذ الدهش من نفوسنا كل مأخذ، وبدأ الخوف يلعب بقلوبنا، وبدأ الذعر يطلق بعض ~~الألسنة بالرغبة عن دخول المدينة والانصراف عن هذا البيت. وإنا لفي ذلك ننظر إلى الساسة ~~وهم يعالجون الفيل، وإذا الجو يظلم شيئا فشيئا، وإذا سحاب كثيف يبدو لنا من بعيد، قد ~~أقبل إلينا مسرعا من ناحية البحر، فلا نكاد نطيل النظر إليه حتى نتبين، ويا هول ما ~~نتبين! لسنا نرى سحابا كالسحاب، ولا غماما كالغمام، وإنما نرى سحابا حيا يخفق ~~بأجنحته خفقا، ويبعث منظره في نفوسنا روعا يخرجنا عن أطوارنا وينتهي بنا إلى شيء يشبه ~~الذهول. إني لأرى الآن السحاب حين كان يقبل علينا أسرابا من طير صغار، لها مناقير ~~الطير وأكف الكلاب؛ حتى إذا دنت منا أخذت تحصب الجيش بحجارة دقاق كانت تحملها في ~~مناقيرها وأرجلها. ولم تكن هذه الحجارة تبلغ دقة العدسة ولا عظم الحمصة، وإنما كانت ~~شيئا بين بين، وكانت على دقتها لا تمس شيئا إلا هشمته تهشيما، ولا تمس رجلا إلا ~~ألقته صريعا. وسلوا ما شئتم عن خوف الخائفين وذعر المذعورين، وانصراف أصحاب الفيل عن ~~الفيل، وتحول الجيش عن مكة إلى غيرها من الوجوه جادا في الهرب، وهذه الأسراب من الطير ~~تتبعه، تحصبه بهذه الحجارة، وتملأ الجو من حوله بصياح ms111 مخيف. # ولست أدري كيف انتهى أمرنا، ولا كيف نجونا من هذه الطير. ولكني أراني مجدا في ~~الهرب، ومن حولي قوم يجدون مثلي في الهرب وقد حملوا رجلا مريضا سيئ الحال. حتى إذا ~~انقطعت أصوات الطير، ونظرنا فلم نر في السماء شيئا، أخذت أسأل عن نفسي وعمن حولي وعن ~~الجيش، وأخذت أسأل عن هذا المريض الذي أراه محمولا يتأذى، فإذا هو أبرهة، قد مسه حجر ~~من تلك الحجارة فصرع، وظهر على جسمه بلاء عظيم، وأخذت أجزاء جسمه تتساقط قليلا قليلا، ~~لا يسقط جزء منها إلا تبعه صديد منكر قبيح. كم تأذى هذا الرجل! وكم احتمل من ألم في ~~نفسه وجسمه! وكم ذاق من مرارة الندم ولذع الحسرة واللوعة! إني لأراه حين بلغنا صنعاء، ~~وأدخل إلى قصره ليمرض فيه وقد هزل ومسه الضر، حتى لكأنه فرخ من فراخ الطير. على أن ~~حياته لم تمتد في قصره، وإنما ألح الألم عليه إلحاحا شديدا. وأقبل أحد بنيه صباح يوم ~~فنعاه إلي فلما سألت كيف مات، علمت أن صدره انفجر عن قلبه انفجارا. # وكان حديث الشيخ قد ملك على هؤلاء السمار نفوسهم وقلوبهم، فأغرقوا في شيء من الوجوم ~~لم يحسوا معه أن صاحبهم قد قطع الحديث واندفع في تفكير عميق بعيد. ولست أدري كم أنفقوا ~~من الوقت في هذا الوجوم الصامت، ولكني أعلم أن رجلا منهم شابا لم تكن قد تقدمت به ~~السن بعد، خرج من هذا الصمت وأخرجهم منه حين قال بصوت متهدج تقطعه العبرات تقطيعا: إن ~~لهذا البيت في مكة شأنا! قال الشيخ: نعم! إن لهذا البيت في مكة لشأنا، وإن هذا الشأن ~~هو الذي اضطرني إلى أن أعود من اليمن مسرعا ما وسعتني السرعة، حتى أبلغ مصر وأنتهي إلى ~~الإسكندرية. وأقسم ما حفلت بأهلي ولا بوطني ولا بشركائي في التجارة، ولا أتحت # 5 # لأحد منهم أن يسألني من أمري عن قليل أو كثير، وإنما فرقت فيهم مالي ~~تفريقا، وحملت منه ما استطعت حمله، ومضيت إلى الشام يحسبني الناس تاجرا يبتغي الربح، ~~وإنما ms112 كنت سائحا أبتغي هذا الدير لأدخله، فأخرج من الحياة ولذاتها، ومالها وغرورها، ~~وأفرغ للعبادة وطاعة الله. # وإني لأرجو لو امتدت بي الحياة أن أعود إلى هذا البيت في مكة، لا غازيا ولا باغيا ~~ولا قاصدا إلى شر، بل تائبا ثائبا منيبا مستغفرا من هذا الإثم الذي شاركت فيه. ~~وإلى أن يتيح الله لي هذه الأوبة إلى مكة، إن كان قد قدر لي أن أراها مرة أخرى، فسأقيم ~~معكم ألقى من تلقون من هؤلاء الذين يأتون من مكة ويعودون إليها، فأتحدث إليهم وأسمع ~~منهم، وأنالهم بما أستطيع أن أنالهم به من إحسان. # وأذن مؤذن أن قد آن لأهل الدير أن يأووا إلى حجراتهم؛ فتفرقوا وما في نفوسهم رغبة في ~~سمر ولا ميل إلى حديث، وما منهم إلا من يفكر في هذا البيت الذي أحجم عنه الفيل، ورجمته ~~طير أبابيل، ترمي عدوه بحجارة من سجيل، فإذا هم كعصف مأكول. # الفصل الحادي عشر # | اليتيم # قضى أهل مكة أيامهم فرحين مبتهجين، يملؤهم الفخر، ويزدهيهم النصر، ويتحدثون بحديث ~~الفيل إذا أضحوا، ويتذاكرون انهزام الحبشة إذا أمسوا، حتى كاد يشغلهم ذلك عن تجارتهم ~~ويصرفهم عن مرافقهم. وتسامعت العرب بهذه الآية الكبرى التي أظهر الله بها كرامة هذا ~~البيت، ورفع الله بها مكانة الذين يقومون حوله من قريش! فازداد العرب لقريش حبا ~~وإكراما، وأخذت تستوثق الأمور لأهل مكة على من دنا منهم أو نأى عنهم في تهامة ونجد ~~والحجاز. ولكن شيخا من قريش لم يشغله فخر، ولم يزدهه نصر، ولم تصرفه أحاديث الناس ~~من حوله عن حديث نفسه المتصل وحزنها المقيم! وهو عبد المطلب بن هاشم. # ولكن امرأة من قريش لم يأخذها عجب ولم يملكها تيه، ولم تشارك نساء قريش فيما كن يتخذن ~~من زينة، وينصرفن إليه من لذات الحياة، إنما كانت تؤثر العزلة وترغب في الخلوة إلى ~~نفسها، تتحدث إليها وتسمع منها، لا تجد في هذا الحديث حزنا صريحا ولا سرورا صريحا، ~~وإنما هو شيء بين بين: فيه راحة من لذع اليأس، وفيه صارف عن نشوة ms113 الأمل! وهي آمنة بنت ~~وهب. # كان الشيخ يذكر ابنه فيشغله الحزن الممض العميق عما كانت فيه قريش من بهجة وسرور، ~~ومن غبطة وحبور. وكان الشيخ يفكر في قصة الفيل وانصراف المغيرين عن مكة، ثم يرى فخر ~~قريش وتمدحها واستعلاءها على العرب، فيبتسم في نفسه ساخرا منها عاطفا عليها. فلم تصنع ~~قريش شيئا إلا أنها لاذت بشعاف # 1 # الجبال، وفرت إلى حيث كانت تهيم الوحوش، وخلت بين طاغية الحبشة وبين البيت. ~~فلم تردده إذا، ولكن الله رده، ولم تحطمه إذا ولكن الله حطمه. وهي على ذلك تفاخر ~~وتكاثر، وهي على ذلك تستكبر وتستعلي. وكذلك الإنسان يغره بنفسه الغرور، فيضيف إليها ما ~~لم تفعل، ويحمل عليها ما لم تأت من الأمر. # كان الشيخ يسخر في نفسه من قريش، ويعطف في نفسه على قريش، يلتمس لها المعاذير في هذا ~~الضعف الذي يصيب الناس فيخدعهم عن أنفسهم ويكبرهم في أعينهم، ويخيل إليهم أنهم شيء، وما ~~هم بشيء أمام هذه القوة القاهرة التي تغلب ولا تغلب، والتي تقهر ولا تقهر، والتي لا ~~تريد إلا بلغت ما تريد. هذه القوة التي أخرجت من البحر طيرا لم يرها الناس من قبل، ~~فسلطتها على جيش لم ير الناس مثله من قبل، فما هي إلا أن حلقت فوقه ساعة من نهار حتى ~~انهزم وانحطم، وأصبح كعصف مأكول، وسلم البيت من عادية المعتدي، وأمن البيت من طغيان ~~الطاغية. # هذه القوة التي ظن هو أنه قد استنقذ منها ابنه فحماه من الموت، وضمن له حياة كحياة ~~الرجال: فيها ما في حياة الرجال من سعادة وشقاء، ومن راحة وتعب، ومن جد وسعي، ومن ~~اضطراب بين اليمن والشام، ومن استقرار في الظواهر والبطحاء. ألم يصارع الموت عن ابنه ~~صراعا! ألم يشتر ابنه من القضاء شراء! فما هذا الجهاد بالقداح بينه وبين القضاء ~~المسلط! يفادي ابنه بالإبل فيشتط عليه القضاء ولا يرضى حتى يبلغ المائة. وفيم كان ~~انتصاره؟ وفيم كان ابتهاج بني هاشم؟ وفيم كان ابتهاج قريش بانتصار الحياة على الموت، ~~وإفلات الشباب من ms114 مدية المضحي؟ # وكان الشيخ يضحك في نفسه ضحكا حزينا يوشك أن يكون يأسا مهلكا وثورة جامحة، لولا ~~أنه كان ذا قلب تعلم كيف يطمئن للأحداث ويذعن للخطوب، ويصبر على النائبات. كان الشيخ ~~يضحك في نفسه ضحكا حزينا حين كان يفكر في غرور قريش، وتقديرها أن الله قد رد طاغية ~~الحبشة، وأرسل عليه وعلى جيشه ما أرسل من الطير الأبابيل، تكريما لها وإيثارا؛ وحين ~~كان يفكر في غروره هو حين كان يقدر أن الله قد أنقذ ابنه من مديته وفداه بمائة من الإبل ~~إيثارا له بالعافية ، واختصاصا له بالكرامة. كلا! كلا! لم يهزم الفيل وأصحاب الفيل ~~إكراما لقريش، وإنما هي آية أجراها الله لأمر يعلمه هو، ولا يعلم الناس منه شيئا. ولم ~~ينقذ الله عبد الله من الموت ويفاده بمائة من الإبل إكراما له أو إكراما لأبيه، وإنما ~~أنقذه من الموت وفاداه بالإبل لأمر يريده هو، ولا يعلم الناس منه شيئا. وإلا ففيم نجا ~~هذا الفتى من الموت ليموت بعد ذلك بقليل! أليس غريبا أن ينجو من الموت فيتخذ له زوجا ~~لا يقيم معها إلا وقتا قصيرا، ثم يفارقها كما يفارق الناس أزواجهم ليعود إليها كما ~~يعود الناس إلى أزواجهم، ولكن رفاقه يعودون وهو لا يعود، إنما يتخلف في يثرب ليموت عند ~~أخواله من بني النجار؛ وقد عرفت زوجه بعد أن ارتحل عنها أنه قد حملها أمانة ما زالت ~~تحملها في جوانحها، حتى إذا جاء أمر الله أدت هذه الأمانة. ومن يدري! لعل عبد الله لم ~~يوجد إلا ليودع هذه الأمانة عند زوجه! ومن يدري! لعل آمنة لم توجد إلا لتؤدي هذه ~~الأمانة إلى الناس! # وكان الشيخ إذا فكر في هذا كله، لم يملك نفسه أن يرى ابنه شديد النشاط، عظيم القوة، ~~رائع الشباب، بارع الجمال، يستقبل السفر بأمل لا حد له؛ ثم يراه نحيلا، هزيلا، ~~شاحبا، متهالكا، محزونا، يمرض على فراشه عند بني النجار؛ ثم يراه وقد دنا منه الموت ~~مكابرا مكاثرا، فاستله من الحياة أو استل الحياة منه، كأنما ms115 يثأر لنفسه من تلك ~~الهزيمة التي أصابته يوم الفداء. فكان الشيخ يستسلم لحزن عميق لا يخرجه منه إلا اضطراب ~~الناس من حوله، وإلحاح الناس عليه، وفيهم أبناؤه وبناته، فيما كان يشغلهم من ~~الأمور. # وكانت آمنة ترى نساء قريش ونساء بني هاشم من حولها، يبسمن للأيام ويبتهجن للحياة، ~~فيعجبها ذلك منهن، ولا يداخلها حسد لهن أو ميل إلى مشاركتهن. كانت تحس إحساسا ~~قويا، ولكنه غامض، بأن الأيام قد وفتها حظها من الغبطة وقسطها من النعيم في ذلك الوقت ~~القصير، الذي قضته مع زوجها منذ لقيته بعد الفداء إلى الرحيل. وكانت تريد أن تسعد ~~بالتفكير في هذا الجنين الذي تحسه يضطرب في أحشائها، ولكنها لا تلبث أن تذكر زوجها، ~~وأنه قد حرم السعادة بهذه النعمة، فتكره أن تستأثر من دونه بالخير، وتتحدث إلى نفسها ~~بأن الاستمتاع بالأبناء والبنات لذة لا يستبد بها الفرد، وإنما هي مشتركة بين اثنين، ~~فإذا ذهب أحدهما ثقلت على الآخر وشق احتمالها عليه وكانت له مصدر ألم وحزن. ولكنها مع ~~ذلك لم تكن تجد هذا الألم الممض الذي كانت تقدره وتنتظره، كأنما خلقت نفسها مذعنة، ~~وكأنما فطر قلبها على الرضا، وكأنما استيقنت أن حياة الأحياء عبء يجب أن يحمل، رضي ~~الناس أو سخطوا، وأن احتماله مع الرضا والاطمئنان خير من السخط الذي لا يجدي، والثورة ~~التي لا تفيد. # على أن الأيام لم تكن تتقدم بآمنة نحو ذلك اليوم المشهود، حتى يغمرها شيء يشبه نسيان ~~النفس والانصراف عن الشعور الواضح بالحياة والتفكير الجلي فيها. وكانت تنفق نهارها ~~ذاهلة أو كالذاهلة، وتنفق ليلها في نوم هادئ حلو الأحلام. وما أكثر ما كان يزورها من ~~حلم؛ وما أكثر ما كان يلم بها من طيف! وما أكثر ما كان يلقي إليها من حديث! حتى إذا ~~كانت ذات ليلة تتهيأ للخروج من ذهول النهار والدخول في هدوء الليل، أحست بعض ما يحس ~~النساء حين يدنو منهن المخاض. # هنالك دعت إليها من حضرها من نساء بني هاشم، فأسرعن إليها وقضين معها ليلة لا ~~كالليالي، ms116 أنكرن فيها كل شيء وأعجبن فيها بكل شيء. أنكرن حتى أنفسهن؛ فقد رأين ما لم ~~ير أحد، وسمعن ما لم يسمع أحد، وأحسسن ما لم يحس أحد. ولم تكن آمنة أقلهن إنكارا ~~وإكبارا وإعجابا؛ فقد كانت ترى، وهي يقظة غير نائمة، أن نورا ينبعث منها فيملأ ~~الأرض من حولها ويزيل الحجب عن عينها. وكانت تنظر فترى قصور بصرى في أطراف الشام. وكانت ~~تنظر فترى أعناق الإبل تردى # 2 # في أقصى الصحراء. وكانت لا تتحدث إلى من حولها بما ترى مخافة أن ينكرن ما ~~تقول، وأن يظنن بها الظنون. وكانت هذه من صاحباتها لا تمد طرفها إلى شيء حتى تراه نورا ~~كله لا ظلمة فيه، وإنما هو مشرق مضيء، أو هو الإشراق الخالص. وكانت هذه الأخرى من ~~صاحباتها تنظر فإذا نجوم السماء تدنو من الأرض وتمد إليها أشعة قوية نقية باهرة ~~ساحرة، وإنها لتدنو وتدنو حتى يخيل إلى الرائية أنها توشك أن تمسها وتقع عليها. # وكانت هذه الأخرى من صاحباتها ترى ظلمة مظلمة قاتمة، وتأخذها رعدة قوية ناهكة، ~~ويلم بها شيء كأنه النوم، تسمع أثناءه صوتا مهيبا رهيبا يسأل: إلى أين ذهبت به؟ ~~فيجيبه صوت مهيب رهيب: إلى المشرق. ثم ينجلي عنها ما ألم بها فتفيق. ثم يعاودها ما ~~كانت فيه، فإذا ظلمة قاتمة، وإذا رعدة قوية ناهكة، وإذا غاش يغشاها كأنه النوم، ~~وإذا هي تسمع الصوت المهيب الرهيب يسأل: أين ذهبت به فيجيبه صوت مهيب رهيب: إلى ~~المغرب. ثم ينجلي عنها ما هي فيه فتفيق. # وكذلك لم تدن السماء من الأرض كما دنت في هذه الليلة. وكذلك لم ير الناس من الأعاجيب ~~كما رأى هؤلاء النساء في هذه الليلة. ولم تكن آمنة على هذا كله تجد ألما قليلا أو ~~كثيرا، إنما كشف عنها كل حجاب، ورفع عنها كل غشاء، وخلي بينها وبين عالم من الجمال ~~الذي يرى ومن الجمال الذي يسمع لا عهد للناس بمثله. ثم ترى ويرى صاحباتها كأن شهابا ~~انبعثت منها فملأ الأرض من حولها نورا يبهر الأبصار، ms117 ثم ترى فإذا ابنها قد مس الأرض ~~يتقيها بيديه رافعا رأسه إلى السماء محدقا ببصره إليها كأنما يلتمس عندها شيئا. ثم ~~تسرع صاحباتها إليه وإليها ليؤدين له ولها ما تحتاج إليه الأم حين تمنح الحياة، وما ~~يحتاج إليه الابن حين يستقبل الحياة، فإذا هي لا تحتاج إلى شيء، وإذا هو لا يحتاج إلى ~~شيء، وإذا هن يتناولن أجمل صبي، وأروع صبي، وأبرع صبي، وإذا قلوبهن قد امتلأت بأن الأرض ~~قد استقبلت وليدا لا كالولدان. # ثم يشرق الفجر وتبسط الشمس رداءها النقي على بطحاء مكة وما يحيط بها من الجبال، ~~ويرتفع الضحى، ويضطرب الناس في أمورهم وقد قضوا ليلا جاهلا غافلا، لم يشعروا فيه ~~بشيء، كأن لم يكن فيه شيء. ولو قد كشف عنهم الغطاء، ولو قد أزيلت عن قلوبهم الحجب لرأوا ~~وسمعوا. ولكن الله قد جعل لكل شيء قدرا؛ فهو يظهر آياته لمن يشاء، ويخفي آياته على من ~~يشاء. وعبد المطلب جالس في الحجر وحوله أبناؤه وجماعة من قريش، قد أخذوا فيما كانوا ~~يأخذون فيه من حديث. وهو يسمع إليهم بأذنيه ويعرض عنهم بنفسه، يفكر في فقيده الذي لا ~~يستطيع أن ينساه. وإنه لفي ذلك وإذا البشير يقبل عليه مسرعا، حتى إذا انتهى إليه حياه ~~وقال: لقد ولد لك غلام، فهلم فانظر إليه؛ فلا يسمع هذه البشرى حتى يحس أن الله قد أخلفه ~~من فقيده ورفق به في مصابه، وادخر له عزاء عن محنته. فيسأل: أهو ابن عبد الله؟ فيجيبه ~~البشير نعم. فينهض مسرعا وينهض معه بنوه، ويمضون لا يلوون على شيء حتى يبلغوا بيت ~~آمنة. فإذا دخل الشيخ ورأى الغلام أحس كأن الله قد أنزل على قلبه السكينة وجلا عن قلبه ~~الحزن، ورده إلى غبطة وسرور بعد عهده بهما. # ثم يسمع حديث النساء فلا ينكر منه شيئا، كأنما كان ينتظره، وكأنما كان منه على ~~ميعاد. ثم يرفع الصبي إليه فيقبله ويقول: لأسمينه محمدا. قالت آمنة: لقد أتاني في ~~النوم فأمرني أن أسميه أحمد. قال عبد المطلب: فهو محمد وهو ms118 أحمد، وما أرى إلا أنهما بعض ~~أسمائه. # قلت لمحدثي: فقد زعموا أن عبد المطلب خرج بعد ذلك فنحر الإبل لأهل مكة، ونحر الإبل ~~لأهل الشعاب، ونحر الإبل على رءوس الجبال، ليطعم الناس وليطعم الوحش. قال: وهل كان عبد ~~المطلب إلا نعمة للناس ونقمة على الإبل! # ولكن عبد المطلب لم يفرغ من شأنه ذاك، ولم يعد إلى المسجد مع العصر، حتى رأى أندية ~~قريش متجمعة فيه، تلهج كلها بحديث غريب ونبأ طريف! أذاعه في مكة رجل من أهل الظواهر، ~~فشغل به الناس وتناقلوه. وكان هذا الرجل طلبة أهل المسجد، ينتقل بحديثه من ندي إلى ندي، ~~فلا يكاد يتم حديثه إلى قوم حتى يدعوه إليهم قوم آخرون ليسمعوا منه ويسألوه. وكان ~~يستجيب لمن يدعوه، ولا يزهد في أن يعيد قصته مرة ومرة، وكأنه قد أحس لنفسه خطرا، ~~وكأنه قد رأى نفسه مطلوبا بعد أن لم يكن من قبل إلا طالبا، وكأنه قد كبر في نفسه، ~~فكان يقول ويطيل في القول، وكان يفصل ويغرق في التفصيل. وكانت أفناء قريش تسمع له، ~~فمنها من يعجب، ومنها من يرتاع، ومنها من يلقى الحديث بالإغراق في الضحك، ومنها من يلقى ~~الحديث بهز الرءوس. # وكان هذا الرجل يقص قصصه فيقول: ما كنت أعلم أن لليل أسرارا ليست للنهار. وما كنت ~~أعلم أن للصحراء أنباء ليست للمدن والأرض العامرة. وما كنت أحسب أن في هذا الهواء الذي ~~نتنسمه وفي هذا الفضاء الذي يحيط بنا أرواحا تتناجى، وأحياء تتجاذب الحديث، حتى رأيت ~~ما رأيت، وسمعت ما سمعت، فتبينت أن حياتنا غرور، وأن علمنا جهل، وأن أحاديثنا لهو ~~وهراء. والناس يتعجلونه فيقولون له: هات ما عندك من النبأ، حتى إذا فرغت من قصته فقل ما ~~شئت، وهو يقول: لقد جنني الليل، وإني لفي طريقي من الطائف إلى مكة فلا أحفل بذلك ولا ~~آبه له، ولا أفكر في أن آوي إلى حي من هذه الأحياء التي تنتشر بيوتها في الطريق لأنتظر ~~مشرق الشمس، ولكنني أمضي أمامي لا ألوي على شيء ولا ms119 أرهب شيئا، وماذا أرهب والطريق ~~آمنة واضحة يسلكها الناس إذا أصبحوا، ويسلكونها إذا أمسوا، يسيرون فيها مع ضوء النهار، ~~ويسيرون فيها مع ظلمة الليل؛ قد عرفوها فهم لا يحتاجون إلى مرشد ولا دليل. فأمضى أمامي ~~مجدا في السرى، أريد أن أفجأ أهلي مع الصبح. وإني لفي بعض الطريق وقد سكن من حولي كل ~~شيء حتى لا أسمع إلا أخفاف مطيتي تمس الأرض مسا رفيقا، وإلا هذه الأنات التي ترسلها ~~المطايا إذا جهدها السير وحنت إلى الراحة، وإلا ما كنت أناجي نفسي به من حديث أهلي إذ ~~طلعت عليهم مع ضوء الشمس. وكان ضوء القمر قد انبسط على الفلاة هادئا نقيا، فملأ نفسي ~~أمنا ودعة وهدوءا. # وإني لفي ذلك، وإذا غمغمة تصل إلي من بعيد، فلا أحفل بها ولا ألقي إليها بالا، ~~وإنما أمضي فيما أنا فيه من الاستمتاع بلذة هذا السرى، ومس أخفاف مطيتي للأرض، وحنينها ~~إلى ما بعد عهدها به من الراحة، وأحاديث نفسي عمن فارقت، في الطائف وعمن سألقى في مكة. ~~ولكن الغمغمة تدنو مني أو أنا أدنو منها، وإذا هي تشتد شيئا فشيئا، وإذا أصواتها ~~تمتاز وتستبين، وإذا أنا أسمع أحاديث قوم يتهامسون، وإذا أنا أنظر فلا أرى أحدا. ~~والقمر مع ذلك مشرق مضيء، والفلاة مع ذلك مبسوطة لا عوج فيها ولا ارتفاع، والحديث مع ~~ذلك من حولي واضح يملأ الهواء، وقلبي مع ذلك يضطرب ويمشي في صدري رعبا. وأنا أذهب ~~بمطيتي إلى أمام وأرجع بها إلى وراء، وأذهب بها عن يمين وأذهب بها عن شمال، وأرفع بصري ~~إلى السماء وأخفض بصري إلى الأرض، فلا أرى شيئا ولا أتبين شيئا إلا جمال هذا الضوء ~~الرائع يغشي الأرض برداء نقي رقيق. وهذه النجوم التي لا تحصى وقد تألقت في السماء ~~كأنها المصابيح، وانطلقت في طريقها مسرعة كأنها تستبق، وهذه الأحاديث الواضحة تتحدث ~~بها جماعات لا أراها، ولكنها لا تستقر، إنما يمضي بعضها إثر بعض. وإني لأسمع قائلا ~~يقول: «انظروا إلى السماء، فما أرى أنها كعهدنا بها من قبل. ms120 إن نجومها لتتألق في قوة لم ~~نرها قط. إنها لتستبق في سرعة لم نرها قط. إنها لتدنو من الأرض حتى إن نارها لتوشك أن ~~تحرقنا. إن التصعيد في السماء لعسير. وفيم نصعد إلى السماء وإن السماء لتهبط إلينا! إن ~~البقاء على الأرض لعسير. وأنى لنا الثبات بهذا الضوء الذي لا يخفى عليه شيء، حتى ~~أشباحنا الخفية التي لا تراها العيون! النجاء النجاء! إن للغيب لعجبا، وإن في الأرض ~~لحدثا، وإن الزمان ليستدير، وإنا لا ندري أشر أريد بالناس أم خير!» # وإني لأسمع ما أسمع وأرى ما أرى، فيبهرني ما أسمع ويسحرني ما أرى، وأشغل به حتى عن أن ~~أسائل نفسي، أين أكون وما تكون هذه الأصوات. ولكني أحس أصواتا أخرى كأنها تهيب بأهل ~~تلك الأصوات التي كنت أسمعها قائلة: النجاء النجاء! ولكن إلى أين؟! إنكم لتفرون من مكة ~~كأن شيئا أزعجكم عنها وقد كنت فيها آمنين، وقد كنا نفر إليكم لأن شيئا أزعجنا عن ~~دورنا، وأخرجنا من مأمننا، واضطرنا إلى أن نهيم في الأرض، لا ندري ما هو، ولا ندري من ~~أين جاء، إنا لنتسامع من أطراف الأرض بأن حدثا قد حدث، وبأن كائنا قد كان. إنا ~~لنتسامع بأن إيوان كسرى قد اضطرب ومادت به الأرض، فسقطت شرفاته وتهدم بنيانه. وإذا ~~أصوات أخرى تصيح منتشرة في الفضاء: وإنا لنتسامع بأن نار الفرس قد خبت فجأة لأول مرة ~~منذ ألف سنة. وإذا أصوات أخرى تصيح: إنا لنتسامع بأن بحيرة ساوة قد جفت، وما عهدناها ~~إلا غريزة جمة الماء. وإذا هذه الأصوات كلها تملأ الأرض، رقيقة خفيفة، خائفة قلقة: ~~النجاء! النجاء! إن للسماء لخبرا، وإن الأرض لتستقبل يوما لم تستقبله من قبل، وإن ~~لهذا اليوم في حياة الأرض لشأنا لا ندري أخير هو أم شر! النجاء النجاء! # وقد فقدت صوابي وأضللت عقلي، فلا أحس شيئا، ولا أرى شيئا، ولا أسمع شيئا، كأنما ~~انتزعت من الحياة انتزاعا، ثم يمسني برد السحر فأفيق وكأنما ثبت إلى نفسي من سفر بعيد. ~~وأنظر حولي فأرى أصابع ms121 الفجر تمتد إلى الأشياء كأنما تريد أن تلمسها، وأرى الليل ينحسر ~~عن الأشياء كأنما يودعها محزونا، وأرى النجوم تنهزم في السماء كأنما تخاف جيشا ~~منتصرا، وأرى ناقتي مذعنة لحكم السرى تمضي أمامها كأن شيئا لم يكن من حولها. وأبلغ ~~أهلي مع الصبح، فيستقبلونني دهشين كما كنت أقدر، ولكني لا أستمتع بهذا الدهش كما كنت ~~أريد. # ويتفرق الناس عن هذا الرجل وقد سمعوا منه، وإن بعضهم ليسأل بعضا: ماذا يقول وماذا ~~رأى؟ وإن بعضهم ليقول لبعض: لقد أخذه النوم فعبثت به الأحلام، وإن بعضهم ليقول لبعض: ~~لقد مر بجماعة من جن الصحراء كانوا يسمرون. # ويسمع عبد المطلب هذا كله فتثور في نفسه خواطر لا ينكرها ولا يعرفها، ولكنه لا يطيل ~~الوقوف عندها؛ لأنه مشغول عنها بمقدم حفيده اليتيم. # الفصل الثاني عشر # | الحاضنة # وعطف الله على هذا اليتيم قلوبا ملئت حبا، وفاضت حنانا ورحمة، قلما يظفر ~~بمثلها المنعمون المترفون من أبناء الأغنياء، وأصحاب الثراء الواسع والجاه العريض. هذه ~~الأمة الحبشية قد ورثها اليتيم عن أبيه الفقيد مع خمسة أجمال أوارك # 1 # وقطعة من الغنم، كانت حين أقبل اليتيم إلى هذه الأرض فتاة في ريعان الشباب ~~ومبتدأ الحياة، لم تنس وطنها القديم ولم تألف وطنها الجديد، ولم تسل عن حريتها، ولم ~~تأنس إلى رقها. نفسها معلقة بين لونين من ألوان الحياة: كان أحدهما صفوا كله، وهو لون ~~الحياة العزيزة في بلد عزيز وبين قوم أعزة كرام. وكان الآخر يوشك أن يكون كدرا كله، ~~لا تنظر إلا رأته مظلما حالكا، لا يبسم فيه أمل، ولا ينبعث منه ضوء، وهو لون الحياة ~~الذليلة في بلد نازح وبين قوم غرباء لا تعرفهم ولا تألفهم؛ إنما دفعتها إليهم خطوب ~~الحياة دفعا وألقتها إليهم صروف النوى إلقاء. فهذا شبابها يذبل، وقد كان يريد أن يزهر ~~ويتألق. وهذه آمالها تبتر بترا، وقد كانت تريد أن تمتد وتنبسط. # وهي ترى هذا كله خاشعة خاضعة، مؤمنة مذعنة، لم تختر منه شيئا، ولا تستطيع أن تغير ~~منه شيئا. وهي قد وطنت نفسها ms122 أو وطنتها الأحداث على أن تكون أمة طيعة تخدم سادتها في ~~نصح أو في غش، ولكنها تظهر لهم الطاعة والخضوع على كل حال. وهي محزونة النفس كاسفة ~~البال، لا تبتسم إلا متكلفة ولا ترضى إلا متصنعة، ولا تطمئن إلى هؤلاء الذين من حولها ~~ينظرون إليها نظرات مهما يملأها العطف والرفق، فهي نظرات السادة الذين يملكون ويستعلون، ~~ويستطيعون أن يتصرفوا فيها كما يحبون، كما يتصرفون في الأشياء: لهم أن يبيعوها وإن لم ~~تؤثر أن تباع، ولهم أن يهبوها وإن لم تحب أن توهب، ولهم أن ينقلوها من يد إلى يد، ومن ~~مكان إلى مكان، ولعلها أن تكون مؤثرة لهذه اليد التي بسطت عليها، منكرة لهذه اليد التي ~~يراد أن تنقل إليها. ولعلها أن تكون قد ألفت هذا المكان الذي استقرت فيه وكرهت غيره من ~~الأمكنة. ولكنها لا تستطيع أن تريد أو لا تستطيع أن تنفذ ما تريد. وأي قيمة للإرادة إذا ~~عجز صاحبها العجز كله عن أن ينفذها ويجري أحكامها! إنما الإرادة العاجزة أقبح صور الذل، ~~وأشنع ألوان الرق، وأبغض ما يلقى الإنسان في الحياة. # انظر إلى هذه الأمة الناشئة لم تتعود الرق بعد ولم تطمئن إليه، نفسها ثائرة مظلمة، ~~وقلبها جامح مكظوم، وهي مبغضة لكل إنسان، ضيقة بكل شيء. انظر إليها تشهد ما شهد غيرها ~~من النساء في تلك الليلة الفذة، فتضطرب نفسها الناشئة لما رأت، ويبتهج قلبها الحزين لما ~~شهد، ثم لا تكاد ترى هذا الوليد اليتيم حتى يلقي الله حبه في قلبها، وحتى يعطفها الله ~~عليه، وحتى يجعله لها قرة عين، وحتى يصبح وجهه الصغير المضيء ابتسامة في حياتها ~~المظلمة، ويصبح شخصه الضئيل العظيم منقذا لها من هذا اليأس القائم، وعزاء لها عن هذا ~~الشقاء العظيم. وإذا هي تألف الطفل وتكلف به، وإذا هي تحضن الطفل وتحنو عليه، وإذا هي ~~تؤثره من المحبة والبر، ومن المودة والعطف ومن الحنان والرفق، بكل هذه الكنوز التي لا ~~تفنى، والتي تحتويها قلوب النساء، والتي كانت تريد أن تغيض لأن خطوب الحياة ms123 قد فرضت ~~عليها الرق والذل فرضا. إن هذا اليتيم لينزل من قلبها الحزين منزل السرور، ومن نفسها ~~الكئيبة منزل الابتهاج. إنها لتجد فيه كل ما فقدت من أمل وكرامة وعزة وحرية. إنها لتريد ~~أن تختص به من دون الناس جميعا. إنها لتريد أن تخصه بنفسها من دون الناس جميعا. إن ~~الله ليحقق لها من هذا كله أكثر ما تريد. إنها لتقف نفسها على الطفل أياما، حتى إذا ~~قبلت الظئر # 2 # فانتزعته منها ومن أمه انتزاعا ورحلت به إلى البادية، ضاقت هي بالظئر ~~وكرهت هذا الرحيل. ولو قد أتيح لها أن تنفذ ما كانت تريد لاستبقت الظئر معها في مكة، أو ~~لرحلت هي مع الظئر إلى البادية. ولكن متى أتيح لأمة أن تنفذ ما تريد! ولها على ذلك أسوة ~~بهذه الأم الحرة الكريمة التي تسلم ابنها إلى الظئر، لا تستبقيها معها في مكة، ولا ترحل ~~هي مع الظئر إلى البادية. # فلتفارق صفيها دهرا طويلا أو قصيرا، كما تفارق الأم طفلها دهرا طويلا أو قصيرا. ~~ولتصبر على هذا الفراق. وهل خلق الرقيق إلا للصبر والاحتمال! # وينفق الصبي عند الظئر ما شاء الله أن ينفق من وقت، لا يزور أمه ولا حاضنته إلا ~~لماما. وكلتاهما تسعد بهذه الزيارة القصيرة، وكلتاهما تشقى باستئناف الفراق، وكلتاهما ~~تذعن لما لا بد من الإذعان له. # ثم يعود الصبي الناشئ من البادية إلى مكة، فيقيم إقامة ملؤها الرحمة والعطف بين هذه ~~القلوب الكريمة التي تحبه وتحنو عليه: قلب أمه الحرة المحزونة، وقلب حاضنته الأمة ~~الفتاة، وقلب جده الشيخ الوقور. كلهم سعيد بالعطف على هذا الطفل والرعاية له، والطفل ~~ناعم بعطفهم عليه ورعايتهم له. # ثم ترحل أم الطفل به إلى يثرب لتزيره أخواله من بني النجار، فترحل الحاضنة معهما، ~~وينعم الطفل بحنان هذين القلبين الكريمين. حتى إذا بلغ يثرب رأى أرضا لم يكن قد رآها، ~~وقد قدر له مع ذلك أن يقيم فيها حيا وأن يقيم فيها ميتا، وقد سبقه أبوه إلى زيارتها، ~~وقد سبقه أبوه إلى أن يؤثرها ms124 له دارا تئويه. # هنالك رأى الطفل قبر أبيه. وهنالك لعب الطفل مع أطفال مثله سيكونون له أصدقاء ~~وأنصارا حين يجد الجد، وحين يبلغ الكتاب أجله، وحين يتم في الأرض ما قدر في السماء. ~~حتى إذا قضى الطفل وأمه وطرا من زيارة الأرض الموعودة، عاد بين أميه الكريمتين إلى ~~موطنه بمكة. ولكن قضاء الله يجب أن ينفذ، وحكمة الله يجب أن تبلغ، وإرادة الله يجب أن ~~تكون. # فلا يكاد الطفل يبعد عن يثرب حتى تلم العلة بأمه كما ألمت بأبيه قبل أن يصل إلى ~~الدنيا. ولا يكاد الطفل ينتهي إلى الأبواء # 3 # حتى ينزع الموت منه أمه أو ينزعه من أمه، كما نزع الموت منه أباه أو كما ~~نزعه من أبيه. # وكذلك أديت الأمانة إلى الأرض، وذهب عبد الله وذهبت آمنة بعد أن أدياها. وأصبح الطفل ~~كما أراد الله له أن يكون يتيما قد فقد أمه وفقد أباه، وليس له من يئويه إلا الله الذي ~~قد وعد بإيوائه وكفالته، وحفظه وحمايته من العاديات. # لقد خلص الطفل لحاضنته من دون الناس. فلتقف عليه نفسها كلها، لتقف عليه حبها كله، ~~ولتخلص له كما خلص لها. وانظر إليها تعود بالطفل إلى جده وأعمامه وحيدا فريدا، ليس له ~~من يرعاه أو يكلؤه إلا قلبها العظيم الكريم. # من ذلك الوقت أصبحت للطفل أما، رعته صبيا وشابا، فرغت له ولم تشغل عنه بأحد ولا ~~بشيء. حتى إذا بلغ سن الرجال واتخذ له أسرة، وأوى زوجه خديجة بنت خويلد، نظر إلى هذه ~~الأمة التي نشأته ونعمته بحبها وحنانها، فأعتقها ورد لها حقها الكامل في الحياة الحرة ~~الكريمة. هنالك اتخذت لها زوجا من أهل يثرب كان مقيما بمكة، فعاشت معه ما شاء الله أن ~~تعيش، ورحلت معه إلى يثرب، حتى إذا مات عادت إلى ابنها الأول ومعها ابنها الثاني أيمن ~~بن عبيد، فعاشت في كنف هذا اليتيم وعاش معها ابنها سعيدين ناعمين. # ثم يتم الله نعمته على هذا اليتيم، ويختاره لما قدر له من الكرامة واحتمال الأعباء ~~الثقال، فلا ms125 تشغله نعمة ولا محنة ولا راحة ولا جهاد عن أمه هذه. وانظر إليه يتحدث ~~عنها إلى أصحابه فيقول هذه الكلمة التي ملؤها البر والحنان والوفاء: «إنها بقية أهل ~~بيتي!» وانظر إليه حريصا على أن تحيا وتنعم بالحياة، حريصا على أن ألا يكون حظها من ~~السعادة في هذه الدنيا أقل من حظ غيرها من الحرائر، انظر كيف يلتمس لها الزوج فيقول ~~لأصحابه: «من سره أن يتزوج امرأة من أهل الجنة فليتزوج أم أيمن.» # هنالك أسرع مولاه زيد فاتخذها له زوجا. # إيه أيتها الأم الكريمة الرحيمة! لقد منحت ابنك صبيا وشابا كل ما كنت تستطيعين أن ~~تمنحيه من الحب والود، ومن العطف والحنان. وها هو ذا الآن قد بلغ ما قدر الله أن يبلغ ~~من ارتفاع المكانة وعلو المنزلة وجلال الخطر! انظري! إنه ليؤذي في سبيل الله. إنه ~~ليمتحن في نفسه وفي عشيرته وفي أصحابه. إنه ليلقى في ذلك أشد الجهد، ويحتمل في ذلك أعظم ~~الثقل، ويستقبل ذلك بأحسن الصبر. انظري إليه وانظري إلى نفسك! إنك لتحبينه وتكبرينه ~~وترحمينه! لقد استجبت له حين دعا، وآمنت به حين أنذر وبشر. انظري! إن قومه ليأتمرون به ~~ليقتلوه أو يخرجوه أو يثبتوه. # 4 # وإن الله ليأذن له في الهجرة، وإنه ليترك مكة طريدا ليعود إليها منتصرا ~~مظفرا. انظري! إنه ليقيم الآن في يثرب بين أنصاره الذين آووه، وبين رفاقه الذين لعب ~~معهم صبيا، وأنت ترمقينه وترعينه من قريب حينا، ومن بعيد حينا آخر. انظري! ~~أتستطيعين فراقه؟ لقد ضقت بالظئر حين نقلته إلى البادية. كلا! كلا! إن أصحابه ليهاجرون ~~ليلحقوا به ويعيشوا معه، فكيف لا تهاجر أمه! ومتى صبرت أم مثلها على فراق ابن مثله! ~~ها هي ذي قد تركت مكة مهاجرة إلى الله ورسوله، وابنها وصفيها. إنها لتقطع الطريق بين ~~مكة والمدينة يؤنسها ما يملأ قلبها من الإيمان، وما يعمره من الحب. إنها لتحمل مشقة ~~الطريق وجهد السفر صابرة عليهما. وما كان أصبرها على المشقة والجهد! إنها لتستلذ ~~المشقة والجهد، وتستعذب الألم والضراء. إنها لتسافر ms126 صائمة. إنها لتستأنس في رحلتها ~~بهذين الصديقين اللذين يحبهما المؤمنون: الظمأ والجوع، وأنعم بهما رفيقين! وأنعم بهما ~~معينين على الهجرة في سبيل الله! إنها لتقطع أكثر الطريق وتصبح من المدينة غير بعيد. إن ~~النهار ليتقدم بطيئا مسرفا في البطء، وإن الشمس لترسل على الأرض أشعة من اللهب، وإن ~~الأرض لتضطرم من شدة القيظ، وإن الجو ليتوهج من اللهب الذي يضطرم فيه، وإن هذه المرأة ~~الضعيفة لتسعى في هذه النار المحرقة إلى حيث تنعم بالحياة في ظل ابنها وصفيها ومخرجها ~~من الرق إلى الحرية، ومخرجها من الظلمة إلى النور! إنها لتسعى ما وسعها السعي. ولكن ~~الأمد بعيد، والجهد شديد، والماء منقطع والظمأ محرق، وجسمها ضعيف لا يثبت لهذه ~~العاديات التي لا تثبت لها أجسام الناس! ولكنها تسعى لا يائسة ولا بائسة ولا مستسلمة، ~~حتى يبلغ الجهد بها أقصاه، وحتى يتراءى لها هذا الشبح المنكر المخيف الذي يتراءى لمن ~~تنقطع بهم أسباب الحياة في الصحراء: شبح الموت. ولكنها مع ذلك لا تيأس ولا تستسلم، ولا ~~تفارق ما ألفت من الرضا. انظري أمامك ماذا ترين؟ إنه رشاء أبيض ناصع البياض ينزل إليك ~~من السماء، وقد علقت فيه دلو قد ملئت ماء. من أرسل إليك هذه الدلو؟ من قدم إليك هذا ~~الماء؟ لما أرسلت إليك هذه الدلو؟ لم قدم إليك هذا الماء؟ هلم اشربي! فإنما تذوقين ~~اليوم هذا الماء العذب ماء الخلود الذي ستشربينه بعد حين طويل أو قصير حتى يسكنك الله ~~دارك من الجنة! أرأيت أن ابنك لم يكن متكلفا ولا مغررا حين قال لأصحابه: «من سره أن ~~يتزوج امرأة من أهل الجنة فليتزوج أم أيمن»! اشربي من هذا الماء، فلن تظمئي بعد هذه ~~الشربة أبدا! # وتشرب أم أيمن من هذا الماء، وتنفق أم أيمن بعد هذه الشربة أعواما طوالا، فيها ~~الشدة واللين، وفيها البؤس والنعيم، وفيها الجهد والعناء، ولكنها لا تعرف الظمأ ولا ~~تحسه ولا تشكوه، وكيف يظمأ من شرب ماء الخلود! # أسرعي الآن يا أم أيمن إلى يثرب؛ فإن ابنك ينتظرك ms127 فيها، قد أمن بعد خوف، واطمأن بعد ~~قلق. # وتبلغ أم أيمن المدينة، فيلقاها ابنها حفيا بها عطوفا عليها، وتلقاه هي بما عودته ~~أن تلقاه به من هذا الحب السمح والعطف الباسم. # وتقضي معه أيامها في المدينة، لا تكاد تفارقه إلا حين لا تستطيع أن ترافقه. انظر ~~إليها يوم أحد وقد شهدت الحرب مع المسلمين، وإنها لتطوف بالماء تسقي الجرحى ومن مسهم ~~الجهد. ولم لا وقد عرفت حر الظمأ وبرد الري! ومن يدري! لعل هذه القطرات التي كانت تصبها ~~في أفواه الجرحى قطرات قد مستها رحمة الله ففقدت جوهرها الفاني، واستحالت إلى هذا ~~الجوهر الخالد الذي شربت منه أم أيمن حين تدلت إليها الدلو من السماء! وانظر إليها وقد ~~شهدت خيبر مع ابنها تواسي المسلمين وتمنحهم من عطفها ورعايتها ورحمتها فضل ما يمتلئ به ~~قلبها الساذج الكريم! وانظر إليها في أيام السلم تغدو على ابنها وتروح إليه، فيلقاها ~~مبتسما دائما، مبتهجا دائما، مداعبا لها من حين إلى حين. تسأله مرة أن يحملها، ~~فيقول لها: «أحملك على ولد الناقة» فلا تفهم منه، فتقول: يا رسول الله، إنه لا يطيقني ~~ولا أريده. فيقول متضاحكا: «لا أحملك إلا على ولد الناقة!» # وكان ابنها يمزح ولكنه لم يكن يقول إلا حقا. وكان يحب أن يداعبها ويعبث بها في رفق؛ ~~فهو يقول ذات يوم: «غطي قناعك يا أم أيمن.» وتلقاه يوم حنين قبل الموقعة، فتريد أن تدعو ~~للمسلمين بخير فتقول: «ثبت الله أقدامكم.» فيقول ابنها: «اسكتي يا أم أيمن فإنك عسراء ~~اللسان!» # وقد سمع لها الله فثبت أقدام المسلمين. وقد امتحنها الله فاختار ابنها أيمن وآثره ~~بالشهادة يوم حنين. # إيه أيتها الأم الرءوم؛ إنك لتمنحين ابنك وصفيك اليوم شيئا جديدا لم تمنحيه من قبل، ~~إنك لتبذلين في سبيل الله وفي سبيله دم ابنك العزيز. ولكنك تلقين الثكل صابرة آملة ~~راضية، كما لقيت الظمأ من قبل صابرة محتملة واثقة. ولئن فقدت أيمن يوم حنين، إن لك ~~لخلفا منه في ابنك أسامة بن زيد، أثير النبي وحبيبه، وقائد ms128 جيش المسلمين بأمر النبي ~~وإن كان بعد لحدثا ناشئا. هذا جيش ابنك أسامة مرابطا يتأهب للرحيل. وهذا ابنك وصفيك ~~في بيته قد ثقل عليه المرض، وفتحت له أبواب السماء وأقبلت عليه الملائكة أفواجا تحمل ~~إليه روح الله ورحمته وتبشره بجوار الله. انظري! لقد اختار الله لنبيه جواره الأعلى، ~~وصعدت نفسه الكريمة إلى حيث أريد لها أن تكون مع الصدقين والشهداء والصالحين وأصفياء ~~الله وأنبيائه. ماذا؟! إنك لتبكين! وما يبكيك يا أم أيمن؟ قالت لمن ألقى عليها هذا ~~السؤال: أي والله! لقد علمت أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # سيموت ، ولكني إنما أبكي على الوحي ~~إذا انقطع عنا من السماء. # نعم، لقد قبض ابنك وانقطع الوحي، وستحملين ذلك دهرا. # ستشهدين خلافة أبي بكر، وستشهدين خلافة عمر، وستبكين مرة أخرى حين يموت عمر، وستسألين ~~عن هذا البكاء فتقولين: «الآن وهي الإسلام.» وستستقبلين خلافة عثمان وقد طال صبرك على ~~انقطاع الوحي، وشوقك إلى أخبار السماء، وسيسعى إليك الملك رفيقا بك عطوفا عليك، ~~وسيقبض نفسك الكريمة إلى حيث تسعد بجوار ابنك الكريم! # تحدث ابن سعد قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: خاصم ابن أبي الفرات مولى أسامة بن زيد، ~~الحسن بن أسامة بن زيد ونازعه. فقال له ابن أبي الفرات في كلامه: يابن بركة - ريد أم ~~أيمن - فقال الحسن: اشهدوا. ورفعه إلى أبي بكر محمد بن عمرو بن حزم، وهو يومئذ قاضي ~~المدينة أو وال لعمر بن عبد العزيز، وقص عليه قصته. فقال أبو بكر لابن أبي الفرات: ما ~~أردت إلى قولك يابن بركة؟ قال: سميتها باسمها، قال أبو بكر: إنما أردت بهذا التصغير ~~بها، وحالها من الإسلام حالها، ورسول الله يقول لها يا أمه ويا أم أيمن! لا أقالني الله ~~إن أقلتك! فضربه سبعين سوطا. # 5 # الفصل الثالث عشر # | المراضع # أقبل المراضع إلى مكة عجافا نحافا، تحملهن حمر عجاف نحاف، ويصحبهن أزواجهن قد ~~مسهم الضر، وأعياهم الكسب، واشتدت عليهم السنة، وأجدبت بهم الأرض، فما يجدون إلى أمن ~~ولا دعة ولا حياة سبيلا. ms129 وقد أقبلوا كدأب أهل البادية إلى مكة، يلتمسون الرضعاء أبناء ~~السادة والمترفين في قريش، ويبتغون بذلك فضلا من مال، ونافلة من نعيم، وحظا من هذا ~~البر الذي تطمع فيه المراضع عند أهل الرضعاء. فلما ألقوا رحالهم، انحدر المراضع إلى مكة ~~يعرضن أنفسهن على دور الأغنياء وأهل الثراء، ومنازل السادة وأصحاب الشرف من أهل ~~البطحاء. وأسرع أزواجهن إلى المسجد يطوفون ويلقون سراة الناس من قريش، فيسمعون منهم ~~ويتحدثون إليهم، ويستعينون بهم على احتمال أثقال الحياة في تلك البادية النائية، بادية ~~بني سعد بن بكر. وما هي إلا طوفة في الضحى على بعض المنازل والدور حتى آب المراضع ~~موفورات محبورات، قد وجدت كل واحدة منهن رضيعا من أسرة كريمة موسرة، فامتلأت يدها ~~بالمال، ونفسها بالأمل، وقلبها بالغبطة والأمن على قوت العيال، إلا حليمة بنت أبي ذؤيب؛ ~~فإنها عادت إلى زوجها كئيبة محزونة لا تحمل إلا ابنها الهزيل النحيل الذي يصيح في غير ~~انقطاع، ويبكي في غير هدوء، لشدة ما مسه من ألم الظمأ والجوع. # ولقي الإعرابي امرأته الشابة محزونا مثلها، كئيبا مثلها، ولا يؤذيه ما يحس من الجوع ~~والظمأ كما يؤذيه ما يسمع ويرى من بكاء الطفل وتوجع أمه البائسة. قال: إني لأرى أترابك ~~من المراضع يرجعن موفورات محبورات يحملن الرضعاء، فما بالك تعودين لا تحملين رضيعا إلا ~~هذا الطفل؟ ألعلك قد دللت الناس على مكاننا من البؤس وحظنا من الفاقة حين احتملت هذا ~~الطفل الذي لا ينقطع له صياح! ألعلك قد أيأست الأمهات وأخفت الآباء ألا يلقى أبناؤهم ~~عندك ما يرويهم من ظمأ أو يشبعهم من جوع! ليتني لم أنحدر مع الناس إلى المسجد، وليتني ~~بقيت هنا أحفظ عليك هذا الطفل حتى لا يسمع الأمهات والآباء له بكاء ولا شكاة، وحتى لا ~~يرى الآباء والأمهات عليه بؤسا ولا ضرا! قالت: والله ما صد عني الآباء والأمهات، ~~ولقد أسكت هذا الطفل فما بكى ولا شكا، وما أحس أحد علي ولا عليه ضرا أو شرا، ~~وإنما صددت أنا عن رضيع صد عنه الأتراب ms130 من قبلي. قال الأعرابي: وفيم صدكن عنه واجتنابكن ~~له؟ قالت: يتيم ليس له أب يرعاه أو يكلؤه، إنما هو إلى أمه وجده. وما تصنع أمه وما يصنع ~~جده؛ وماذا تنتظر من بر الأمهات بالمراضع، ومن بر الجدود بالحفدة وإنهم لكثير! قال ~~صدقت، وما لإرضاع اليتامى والمساكين أقبلنا من ديار بني سعد! وإني لأجد في نفسي إشفاقا ~~على هذا اليتيم ورحمة له، ولكن ماذا نصنع به في تلك الأرض النائية إذا لم يصل إليه ~~وإلينا من بر أهله ما يقيمه ويقيمنا ويصلح من حاله ومن حالنا! قالت: لقد رأيته فأحببته، ~~ونظرت إليه فرققت له. ولقد آنست من أمه دعة ولينا. ولقد نازعتني نفسي إلى أن أحمله ~~لولا أني أشفقت مما تقول، ولولا أني ذكرت الجدب وشدة السنة وانقطاع المادة، وأشفقت عليه ~~مما نحن فيه. قال الأعرابي: فسنقفل إذا كما أقبلنا ويقفل القوم راضين! وإني والله يا ~~ابنة أبي ذؤيب ما أدري أتبلغنا أتاننا وشارفنا # 1 # ديار بني سعد، وإنك لتعلمين أن أتاننا منهوكة مكدودة، وأن شارفنا ما تبض ~~قطرة من لبن. قالت؛ فلنقم فإن الأطفال يولدون، ولعل الله أن يرزقنا بين اليوم وغد ~~رضيعا نجد عند أهله ما يرضينا. # وهم المراضع بالقفول، وأخذت بنت أبي ذؤيب تنظر إليهن محزونة مكلومة، يؤذيها ما ترى ~~من إنجاحهن وإخفاقها، ومن قفولهن وتخلفها. وأخذ الأعرابي ينظر إلى رفاقه يشدون الرحال ~~على المطايا، ويحملون النساء على الأتن، فيؤذيه ذلك ويغيظه، ولكنه يخفي ما يجد من الغيظ ~~ويظهر التجلد والصبر. حتى إذا مضى اليوم وأمعنوا في الطريق وبعدوا عن مرمي العين، نظر ~~الرجل إلى امرأته، ونظرت المرأة إلى زوجها، ونظر الزوجان إلى ابنهما واستمعا لبكائه، ~~وإذا هي تقول لزوجها: ما أدري! لعلي لم أحسن حين جاريت أترابي وأعرضت عن هذا اليتيم، ~~وإن نفسي لتنازعني إليه، وإن قلبي ليعطفني عليه، وإني لأحس كأنه يدعوني، وأني لأشعر ~~كأني لا أستطيع عنه صبرا، وإني لأرجو إن استجبت لهذا الدعاء الخفي أن يكون الله قد قدر ~~لنا خيرا وآثرنا ببعض ما ms131 نحب! قال: فلا عليك يا ابنة أبي ذؤيب! اذهبي إلى يتيمك فخذيه؛ ~~فإني أكره أن يرحل القوم ونبقى، وأن يصلوا إلى ديار بني سعد، فيتحدث المراضع أنهن قد ~~ظفرن بالرضعاء، وأن نفوس الآباء والأمهات قد انصرفت عنك وزهدت فيك. # وتنهض بنت أبي ذؤيب فتعود إلى آمنة فتعرض عليها إرضاع الطفل، وإذا آمنة تأبى وقد ~~آذاها ما رأت من إعراض المراضع وانصرافهن، وعلى وجهها آيات حزن عميق، وفي صوتها بقية ~~من بكاء، وأمتها بركة تعينها على الإباء وتحرضها على الامتناع. ولكن ابنة أبي ذؤيب تنظر ~~إلى الطفل فإذا قلبها يمتلئ حبا له، وإذا هي تحس أنها مدفوعة إليه دفعا، وإذا هي ~~تسرع إلى الطفل فترفعه بين يديها وتدنيه من صدرها، وإذا الطفل يلتمس الثدي كأنما كان ~~منه على ميعاد، وإذا هو يشرب حتى يروى، وإذا بنت أبي ذؤيب تجد من اللبن ما لم تكن تجد ~~من قبل، وإذا آمنة تستجيب لها، وكيف تأبى عليها وقد رأت من حبها للطفل ومن إقبال الطفل ~~عليها ومن إرضاعها له ما رأت! لقد أصبحت هذه الظئر له أما. قالت آمنة: خذيه ولا ~~تراعي؛ فإني لأرجو ألا تجدي منه إلا خيرا؛ فلقد حملته فما وجدت له ثقلا، ولقد انتظرته ~~تسعة أشهر فما أحسست مما يحس النساء قليلا ولا كثيرا. ولولا غاشية الحزن التي غشيتنا ~~بفقد أبيه لكانت هذه الأشهر أسعد ما تظفر به امرأة من دهرها. ولكن الحوادث تحدث والخطوب ~~تلم والآمال تقطع وقد كان يرجى أن تتصل، والسحب تتراكم فتحجب ضوء الشمس! ولقد وضعت هذا ~~الصبي فما عرف صاحباتي علي وعليه شيئا مما تعودن أن يعرفن على الأمهات والولدان. ~~وإنك لتنكرين يا ظئر لو تسمعين. قالت حليمة: وماذا أسمع؟ وماذا أنكر؟ قالت آمنة: لم أكن ~~تلك الليلة في دار من دور قريش، وإنما كنت في مكان لم يألفه الناس: كنت في بحر من النور ~~كله رحمة وبر ورضوان. وما لك لا تنكرين هذا يا ظئر وقد أنكرته أنا وأنكرته صواحبي! ~~ومالك لا تعجبين يا ظئر ms132 وقد عجبت وعجبت صواحبي وعجب جده الشيخ! سلي حاضنته هذه تنبئك ~~بما رأت وما سمعت. سلي من شئت من نساء بني هاشم ورجالهم تعلمي أن لابني هذا اليتيم ~~شأنا ليس لغيره من أبناء الأغنياء وأهل اليسار. لا تراعي يا ظئر؛ فإنك تحملين وليدا ~~كريما لأب كريم، وجد كريم. ثم انهلت من عينها دموع غزار، وقالت في صوت يقطعه البكاء: ~~لا تيأسي يا ظئر؛ فإن معروفنا على قلته سيصل إليك، ورب قليل خير من كثير. قالت حليمة: ~~وقد رق قلبها، وجادت عينها ببعض الدمع على غير عادة الأعرابيات: لا بأس عليك يا ابنة ~~وهب! فإني والله ما استطعت صبرا على هذا الصبي منذ رأيته. وإني والله ما أدري ما الذي ~~عطفني عليه حتى رجعت إليك آخذه منك. وقد كنت أستطيع القفول، وقد كنت أستطيع المكث في ~~بلدكم هذا يوما أو أياما؛ فالأطفال يولدون، وسراة قريش في حاجة إلى المراضع كل يوم، ~~ولكنه والله أمر يراد. وانصرفت حليمة بابنها الجديد راضية مسرورة، قانعة بما زودتها به ~~آمنة من البر والمعروف. حتى إذا انتهت إلى زوجها الأعرابي لقيها باسم الثغر، مشرق ~~الوجه، سعيدا أن لم تعد إليه صفر اليدين. ولم يكد ينظر إلى الطفل حتى انطق لسانه، وإذا ~~هو يقول لامرأته: إيه يا ابنة أبي ذؤيب! ما رأيت كاليوم وجها مشرقا يفيض منه البشر؛ ~~إني والله لأرجو أن يكون لنا من هذا الغلام خير. # وينهض الأعرابي إلى شارفه يلتمس في ضرعها الجاف قطرات من لبن يبل بها ظمأ امرأته، ~~وينقع بها بعض غلته. فما أسرع ما يأخذه عجب لا ينقضي حين يرى شارفه حافلة تمنحه من ~~اللبن ما يريد وما تريد امرأته، وفوق ما يريد وما تريد امرأته. وينظر الأعرابي فإذا ~~ابنه الأول يجد عند أمه ما يرويه ويرضيه، وإذا وجهه الكالح المظلم قد أخذ يشرق ويضيء، ~~وإذا ابتسامة حلوة طاهرة قد ارتسمت على ثغره البريء، وإذا هو يقول لامرأته: تعلمي يا ~~ابنة أبي ذؤيب أنك قد حملت نسمة مباركة! # وتنهض الظئر إلى ms133 أتانها فتركبها وتضع الرضيع بين يديها، وينهض الأعرابي إلى شارفه ~~فيمتطيها، ويرميان بنفسيهما في الطريق يلتمسان الركب من بني سعد، والركب بعيد قد دفع به ~~في الطريق طويلة نائية. ولكن الأعرابية تجد من أتانها نشاطا وحدة، ولكن الأعرابي يجد ~~من شارفه قوة ومرحا، وهما يمضيان وكأنهما تطوى لهما الأرض طيا. ثم يقول الأعرابي ~~لامرأته: مدي عينيك يا ابنة ذؤيب. أترين شيئا؟ قالت: أي والله أني لأراهم، وإنهم لأدنى ~~من مرمى العين. وما هي إلا أن يبلغ الأعرابي جماعة بني سعد، فيعجب الناس بأمر حليمة وقد ~~أدركتهم في غير جهد ولا كد. والأمد بعيد والطريق شاقة. ويسأل النساء حليمة عن هذا ~~الرضيع الذي تحمله، فإذا أنبأتهن بنبئه أظهرن لها الرقة والرثاء، وأضمرن التيه ~~والكبرياء. ويمضي الركب آخذا بأطراف الحديث، وإن حليمة لتسبق أترابها حتى تعييهن، وإن ~~أترابها ليقلن لها: أهذه أتانك يا ابنة أبي ذؤيب التي أقبلت بك إلى مكة؟ فتقول: هي ~~والله أتاني ما غيرتها. فيقلن: اربعي علينا # 2 # يا ابنة أبي ذؤيب؛ فما رأينا كاليوم مرحا ولا عدوا. # ويبلغ الركب ديار بني سعد، ويثوب المراضع إلى بيوتهن، ويستأنفن حياة أهل البادية في ~~أرض مجدبة قل فيها الرعي والماء، وكثر فيها البؤس والشقاء. وغنم حليمة ترعى كما ترعى ~~الغنم، ولكنها تروح ملاء حفلا لا يظمأ أصحابها ولا يجوعون، وتروح غنم السعديين مهزولة ~~نحيلة ناضبة، لا تكاد تبض بما يبل الريق. وهم يقولون لرعاتهم: ويلكم! ارعو حيث ترعى غنم ~~ابنة ذؤيب. فيقول الرعاة: والله إنا لنرعى حيث ترعى، وإنها والله لا تجد أكثر مما نجد، ~~ولكنها تروح ملاء ونروح بغنمنا كما ترون، لا تغني من ظمأ ولا جوع. فيقولون: إن لابنة ~~أبي ذؤيب لشأنا. وتنعم حليمة وينعم أبناؤها بحياة راضية هادئة، وينمو رضيعها ويزكو. ~~وتقضي هذه الأسرة عامين راضيين لا تعرف فيهما مشقة ولا جهدا، ولا تجد فيهما ألما ولا ~~سقما، وإنما هي أيام وليال تطرد ويمضي بعضها في أثر بعض لا كدر فيها ولا تنغيص حتى ~~إذا آن للرضيع أن ms134 يثوب إلى أمه نظرت حليمة وزوجها فإذا الطفل قد نما وزكا كأحسن ما ينمو ~~الأطفال ويزكون، لم يكد يتم الثانية وكأنه ابن أربع، والقوم عليه حراص، ولكنهم يؤدونه ~~على ذلك إلى أمه كارهين. # ثم تهم حليمة أن ترجع وقد أرضت آمنة وعبد المطلب، وأرضتها آمنة وعبد المطلب، ولكنها ~~لا تستطيع فراق الطفل حبا له وحدبا عليه، ورغبة في استبقاء ما وجدت في استصحابه من ~~خير؛ فتلح على آمنة أن ترده معها إلى البادية، هناك حيث الهواء النقي، والسماء الصافية، ~~والحياة الهادئة البريئة، هناك حيث لا مرض ولا وباء ولا فساد. وتجيبها آمنة إلى ما ~~أرادت وقد آثرت الطفل على نفسها، وضحت بلذة الأمومة في سبيل تنشئ ابنها تنشيئا صالحا. ~~وهل عرفت آمنة إلا التضحية! وتمضي حليمة بالصبي راضية، وتبقى آمنة في مكة محزونة. وتنظر ~~بركة إلى حليمة نظرات فيهن الحسد. وتنظر بركة إلى آمنة نظرات فيهن اللوم. # قلت لمحدثي: فكيف قضى الصبي أيامه بعد ذلك في البادية؟ وكم أقام عند ظئره في ديار بني ~~سعد؟ قال: إن لهذا لحديثا عجيبا، مهما أبلغ من البراعة وقوة البيان فلن أقصه عليك في ~~تلك السذاجة الحلوة الأخاذة التي كان يقصها مكحول على أهل الشام. فاسمع حديث مكحول فإنك ~~واجد فيه مثل ما وجدت من اللذة والعظة والعبرة والمتاع. # قال مكحول: حدثني سداد بن أوس قال: بينا نحن جلوس عند رسول الله # صلى الله عليه وسلم # إذا أقبل ~~شيخ من بني عامر، وهو مدره قومه وسيدهم، شيخ كبير يتوكأ على عصا، فمثل بين يدي ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # قائما، ونسبه إلى جده فقال: يابن عبد المطلب، إني أنبئت أنك تزعم أنك ~~رسول الله إلى الناس، أرسلك بما أرسل به إبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم من الأنبياء. ألا ~~وإنك فوهت بعظيم! وإنما كانت الأنبياء والخلفاء في بيتين من بني إسرائيل، وأنت ممن يعبد ~~هذه الحجارة والأوثان، فمالك وللنبوة؟ ولكن لكل قول حقيقة؛ فأنبئني بحقيقة قولك وبدء ~~شأنك. قال: فأعجب النبي # صلى الله عليه وسلم # بمسألته، ms135 ثم قال: «يا أخا بني عامر! إن لهذا الحديث ~~الذي تسألني عنه نبأ ومجلسا، فاجلس.» فثنى رجليه ثم برك كما يبرك البعير. فاستقبله ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # بالحديث فقال: «يا أخا بني عامر! إن حقيقة قولي وبدء شأني أني دعوة أبي ~~إبراهيم وبشرى أخي عيسى بن مريم، وأني كنت بكر أمي، وأنها حملت بي كأثقل ما تحمل، وجعلت ~~تشتكي إلى صواحبها ثقل ما تجد. ثم إن أمي رأت في المنام أن الذي في بطنها نور. قالت: ~~فجعلت أتبع بصري النور، والنور يسبق بصري، حتى أضاءت مشارق الأرض ومغاربها. ثم إنها ~~ولدتني فنشأت . فلما أن نشأت بغضت إلى أوثان قريش وبغض إلي الشعر. وكنت مسترضعا في ~~بني ليث بن بكر. فبينا أنا ذات يوم منتبذ من أهلي في بطن واد مع أتراب لي من الصبيان ~~نتقاذف بيننا بالجلة # 3 # إذا أتانا رهط ثلاثة معهم طست من ذهب مليء ثلجا، فأخذوني من بين أصحابي، ~~فخرج أصحابي هرابا حتى انتهوا إلى شفير الوادي، ثم أقبلوا على الرهط فقالوا: ما أربكم # 4 # إلى هذا الغلام فإنه ليس منا، هذا ابن سيد قريش وهو مسترضع فينا من غلام ~~يتيم ليس له أب؟ فماذا يرد عليكم قلته؟ وماذا تصيبون من ذلك؟ ولكن إن كنتم لا بد قاتليه ~~فاختاروا منا أينا شئتم فليأتكم مكانه فاقتلوه، ودعوا هذا الغلام فإنه يتيم. # فلما رأى الصبيان القوم لا يحيرون إليهم جوابا، انطلقوا هرابا مسرعين إلى الحي ~~يؤذنونهم ويستصرخونهم على القوم. فعمد أحدهم فأضجعني على الأرض إضجاعا لطيفا، ثم شق ~~ما بين مفرق صدري إلى منتهى عانتي وأنا أنظر إليه لم أجد لذلك مسا، ثم أخرج أحشاء ~~بطني، ثم غسلها بذلك الثلج فأنعم غسلها، ثم أعادها مكانها. ثم قام الثاني منهم فقال ~~لصاحبه: تنح فنحاه عني، ثم أدخل يده في جوفي فأخرج قلبي، وأنا أنظر إليه، فصدعه، ثم ~~أخرج منه مضغة سوداء فرمى بها، ثم قال بيده # 5 # يمنة منه كأنه يتناول شيئا، فإذا أنا بخاتم في يده من نور ms136 يحار الناظرون ~~دونه، فختم به قلبي فامتلأ نورا، وذلك نور النبوة والحكمة، ثم أعاده مكانه، فوجدت برد ~~ذلك الخاتم في قلبي دهرا. ثم قال الثالث لصاحبه: تنح. فتنحى عني، فأمر يده ما بين مفرق ~~صدري إلى منتهى عانتي فالتأم ذلك الشق بإذن الله، ثم أخذ بيدي فأنهضني من مكاني إنهاضا ~~لطيفا، ثم قال للأول الذي شق بطني: زنه بعشره من أمته، فوزنوني بهم فرجحتهم. ثم قال: ~~زنه بمائة من أمته، فوزنوني بهم فرجحتهم. ثم قال: زنه بألف من أمته، فوزنوني بهم ~~فرجحتهم. فقال: دعوه، فلو وزنتموه بأمته كلها لرجحهم. قال: ثم ضموني إلى صدورهم، وقبلوا ~~رأسي وما بين عيني. ثم قالوا: يا حبيب! لا ترع! إنك لو تدري ما يراد بك من الخير لقرت ~~عيناك. # قال فبينا نحن كذلك إذا أنا بالحي قد جاءوا بحذافيرهم، وإذا أمي - وهي ظئر - أمام ~~الحي تهتف بأعلى صوتها وتقول: يا ضعيفاه! فانكبوا علي فقبلوا رأسي وما بين عيني، ~~فقالوا: حبذا أنت من ضعيف! ثم قالت ظئري: يا وحيداه! فانكبوا علي فضموني إلى صدورهم ~~وقبلوا رأسي وما بين عيني، ثم قالوا: حبذا أنت من وحيد! وما أنت بوحيد! إن الله معك ~~وملائكته والمؤمنين من أهل الأرض. ثم قالت ظئري: يا يتيماه! استضعفت من بين أصحابك ~~فقتلت لضعفك! فانكبوا علي فضموني إلى صدورهم وقبلوا رأسي وما بين عيني وقالوا حبذا ~~أنت من يتم! ما أكرمك على الله! لو تعلم ماذا يراد بك من الخير! فوصلوا بي إلى شفير ~~الوادي. فلما بصرت بي أمي، وهي ظئري، قالت: يا بني ألا أراك حيا بعد! فجاءت حتى انكبت ~~علي وضمتني إلى صدرها. فوالذي نفسي بيده إني لفي حجرها وقد ضمتني إليها، وإن يدي في ~~يعد بعضهم، فجعلت ألتفت إليهم، وظننت أن القوم يبصرونهم، فإذا هم لا يبصرونهم. يقول بعض ~~القوم: إن هذا الغلام قد أصابه لمم # 6 # أو طائف من الجن، فانطلقوا به إلى كاهننا حتى ينظر إليه ويداويه. فقلت: يا ~~هذا، ما بي شيء مما تذكر؛ إن إرادتي ms137 سليمة وفؤادي صحيح ليس بي قلبة. # 7 # فقال أبي - وهو زوج ظئري: ألا ترون كلامه كلام صحيح! إني لأرجو ألا يكون ~~بابني بأس. فاتفقوا على أن يذهبوا بي إلى الكاهن، فاحتملوني حتى ذهبوا بي إليه. فلما ~~قصوا عليه قصتي قال: اسكتوا حتى أسمع من الغلام فإنه أعلم بأمره منكم. فسألني فاقتصصت ~~عليه أمري ما بين أوله وآخره. فلما سمع قولي وثب إلي وضمني إلى صدره، ثم نادى بأعلى ~~صوته: يا للعرب! يا للعرب! اقتلوا هذا الغلام واقتلوني معه! فواللات والعزى لئن تركتموه ~~وأدرك ليذلن دينكم وليسفهن عقولكم وعقول آبائكم، وليخالفن أمركم، وليأتينكم بدين لم ~~تسمعوا بمثله قط. فعمدت ظئري فانتزعتني من حجره وقالت: لأنت أعته وأجن من ابني هذا! فلو ~~علمت أن هذا يكون من قولك ما أتيتك به، فاطلب لنفسك من يقتلك فإنا غير قاتلي هذا ~~الغلام. ثم احتملوني فأدوني إلى أهلي، فأصبحت مفزعا مما فعل بي، وأصبح أثر الشق ما بين ~~صدري إلى منتهى عانتي كأنه الشراك. # 8 # فذلك حقيقة قولي وبدء شأني يا أخا بني عامر.» # فقال العامري: أشهد بالله الذي لا إله غيره إن أمرك حق. فأنبئني بأشياء أسألك عنها. ~~قال سل عنك - وكان النبي # صلى الله عليه وسلم # قبل ذلك يقول للسائل: سل عما شئت وعما بدا لك، ~~فقال للعامري يومئذ: «سل عنك» لأنها لغة بني عامر، فكلمه بما علم - فقال له العامري: ~~أخبرني يابن عبد المطلب ما يزيد في العلم؟ قال: التعلم. قال: فأخبرني ما يدل على العلم؟ ~~قال النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: السؤال. قال: فأخبرني ماذا يزيد في الشر؟ قال: التمادي. قال: ~~فأخبرني هل ينفع البر بعد الفجور؟ قال: «نعم: التوبة تغسل الحوبة، # 9 # والحسنات يذهبن السيئات، وإذا ذكر العبد ربه عند الرخاء أغاثه عند البلاء.» ~~قال العامري: وكيف ذلك يابن عبد المطلب؟ قال: «ذلك بأن الله يقول: لا وعزتي وجلالي لا ~~أجمع لعبدي أمنين، ولا أجمع له أبدا خوفين: إن هو خافني في الدنيا أمنني يوم أجمع فيه ~~عبادي عندي في ms138 حظيرة القدس فيدوم له أمنه، ولا أمحقه فيمن أمحق. وإن هو أمنني في الدنيا ~~خافني يوم أجمع فيه عبادي لميقات يوم معلوم فيدوم له خوفه.» # قال: يابن عبد المطلب، أخبرني إلام تدعو؟ قال: «أدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ~~وأن تخلع الأنداد وتكفر باللات والعزى، وتقر بما جاء من الله من كتاب أو رسول، وتصلي ~~الصلوات الخمس بحقائقهن، وتصوم شهرا من السنة، وتؤدي زكاة مالك يطهرك الله بها ويطيب ~~لك ما لك، وتحج البيت إذا وجدت إليه سبيلا، وتغتسل من الجنابة، وتؤمن بالموت وبالبعث ~~بعد الموت، وبالجنة والنار.» قال: يابن عبد المطلب، فإذا فعلت ذلك فما لي؟ قال النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى.» قال: يابن ~~عبد المطلب، هل مع هذا من الدنيا شيء فإنه يعجبني الوطاءة من العيش؟ قال النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «نعم النصر والتمكن في البلاد.» قال: فأجاب وأناب # 10 # قلت لمحدثي: إن هذا النبأ لعجيب! فمن لهذا الشيخ العامري بما كان يعلم من ~~أمر إبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم من الأنبياء؟ قال: كان كثير من هؤلاء العرب يلقون ~~اليهود ويلقون النصارى، فيعلمون منهم علم الأنبياء، وينتهون إلى نفور من دينهم القديم ~~في غير اطمئنان إلى يهودية اليهود ونصرانية النصارى، فأخرجهم الله بالإسلام من حيرتهم ~~تلك. # قلت لمحدثي: فكيف انتهى حديث مكحول إلى أهل الشام؟ قال أما علمت أن شداد بن أوس سكن ~~فلسطين وأنفق شطرا طويلا من حياته في بيت المقدس يعلم الناس ويحدثهم، وعده بذلك النبي ~~نفسه؟ فقد تحدثوا أنه كان عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يجود بنفسه فقال: ~~ما لك يا شداد؟ قال: ضاقت بي الدنيا. فقال: «ليس عليك، إن الشام سيفتح، وبيت المقدس ~~سيفتح، وتكون أنت وولدك من بعد أئمة فيهم إن شاء الله تعالى.» # 11 # الفصل الرابع عشر # | البر # ضاقت الدار باليتيم وحاضنته بعد أن أقفرت من أمه آمنة؛ فضمه جده الشيخ إليه وكان به ms139 حفيا # 1 # وعليه حريصا، يكرمه ويؤثره بالخير ويمنحه من الحنان والود ما كان يفيض به ~~قلبه الكريم، وكأنه كان قد جمع في قلبه نصيب ابنه عبد الله من حبه أكثر من ست سنين ~~يزيده وينميه، حتى إذا ضم الصبي إليه أخذ يمنحه هذا الحب ويختصه بهذا الحنان. وأخذ ~~الطفل يحس ذلك وينعم به، ويألف جده ويطمئن إليه بل يطمع فيه، ويبلغ من الجرأة عليه ما ~~لم يكن يبلغه صغار بنيه وكبارهم. كانوا لا يدنون منه إلا أن يدنيهم، ولا يجلسون منه إلا ~~مجلس الإكبار والإجلال، وكان الطفل يدنو منه متى شاء، وينصرف عنه متى أحب. وتبلغ ~~الجراءة به أن يسبقه إلى مجلسه فيجلس فيه ويستأثر من دونه بالفراش. وكان أعمامه وعماته ~~يرون منه هذا فيحاولون رده عنه وتأديبه بآداب الأسرة، ولكن الشيخ كان يكفهم عنه ويقول: ~~دعوا ابني إنه ليؤنس ملكا. # ولم يكن هذا الشيخ يسميه إلا بهذا الاسم الحلو، كان إذا تحدث عنه قلما يذكر محمدا ~~أو أحمد، إنما كان يقول جاء ابني وذهب ابني. وكان يقول لبركة: استوصي بابني. وكان يقول ~~لأبي طالب: احتفظ بابني. فليس غريبا أن يلم المرض بالشيخ ويثقل عليه فيكتئب اليتيم ~~ويمتلئ قلبه حزنا وألما. وما يمنعه أن يكتئب وما يمنعه أن يحزن ويألم، وقد كان يعيش ~~في ظل جده عيشا إن لم يكن يسرا كله ودعة كله، فقد كان حبا كله وحنانا كله! ويصبح ~~الشيخ ذات يوم مثقلا مكدودا يحس كأن الحياة تفارقه، وكأن الموت يسعى إليه، فلا يشك في ~~أن هذا اليوم آخر عهده بالدنيا. هنالك فكر الشيخ في هذا الدهر الطويل الذي أنفقه بين ~~الناس جاهدا في الخير ما استطاع، باذلا معروفه ما وسعه البذل، مطوفا في أقطار الأرض ~~بتجارته وتجارة قريش، ومقيما في مكة بين نسائه وبنيه، يذهب من داره إلى المسجد ويعود ~~من المسجد إلى داره، لا يغدو إلا مفكرا في خير، ولا يروح إلا مفكرا في معروف. والناس ~~من حوله ينعمون ببره بهم وعطفه عليهم، فيحبونه ويؤثرونه ويصفونه ms140 المودة ويصدقونه ~~الولاء. وفكر الشيخ في هذه المحن والخطوب التي ألمت به وألحت عليه، فلم تلن قناته ولم ~~تفلل حده، وإنما تركته كما لقيته صلبا جلدا حازما ماضي العزم، كأنه الشجرة العظيمة ~~قد ثبت أصلها في الأرض وامتدت أغصانها القوية في الجو، فهي مستقرة في مكانها تختلف ~~عليها العواصف فلا تضطرب ولا تميل. وفكر الشيخ في ابنه عبد الله كيف كان يحبه ويألفه ~~ويضن به على المكروه، وكيف لم يمنعه هذا الحب من أن يقدمه ليوفي به ما كان قد فرض على ~~نفسه من النذر، وكيف جد في ذلك، وجد الفتى في الطاعة والإذعان، حتى اقترح عليه ~~الفداء، وكيف فادى ابنه فغالى في الفداء، وكيف اغتبط وابتهج حين قبل الآلهة فداءه ~~وتركوا له ابنه، ثم كيف أرسله إلى الشام ليموت في يثرب بعد أن اتجر فأفاد ربحا ~~كثيرا. # نعم! وفكر الشيخ في آمنة كيف خطبت للفتى، وكيف احتملت فقده كريمة أبية. ثم فكر في ~~هذا الطفل اليتيم وفي هذه الأطوار الغريبة التي أحاطت بمقدمه إلى الأرض ودخوله في ~~الحياة، فكر في هذا كله فرضي عن نفسه كما رضي عنه الناس، وحزن على نفسه كما حزن عليه ~~الناس، وكان واثقا بأن ما رأى من الأحداث التي لم ير الناس مثلها لم يرسل إليه عبثا ~~ولم يسلط عليه إلا لأمر يراد. وكان يقدر أن هذا الأمر الذي يراد إنما يراد بابنه اليتم. ~~وكان يود لو مدت له الحياة فرأى من أمر ابنه ما لم يكن يشك في أنه واقع محتوم. ولكن ~~الحياة لا تنال بالرغبة والموت لا يدفع بالكره، والأيام لم تعط الناس عهدا بأن تكون ~~عند ما يريدون. وهل مدت أسباب الحياة لعبد الله حتى يرى ابنه وليدا! بل هل مدت أسباب ~~الحياة لعبد الله حتى يعلم أنه قد ترك وارثا! لقد مات وهو يعلم حق العلم أنه لم يعقب، ~~ولو قد كشف عنه الحجاب لعلم أنه أعقب لا كما يعقب الناس. وهل مدت أسباب الحياة لآمنة ~~حتى تسعد بابنها اليتيم! ms141 لقد ولدته فاختطفته منها المرضع واحتفظت به زمنا طويلا. ولم ~~تكد الأم تنعم بابنها حتى أقبل الموت فقطع ما بينهما من سبب، وأبى إلا أن ينقلها إلى ~~جوار زوجها الذي طالما كانت تذكره وتفكر فيه. فلم تمد أسباب الحياة للشيخ وقد أنفق في ~~الأرض أكثر من مائة سنة ذاق فيها خير الحياة وشرها، وبلا فيها حلو الحياة ومرها! لم تمد ~~له أسباب الحياة وكل شيء من حوله ومن حول الطفل يدل على أن حياة هذا الصبي لن تكون ~~كحياة غيره من الصبيان، يسيرة لا عوج فيها ولا التواء، وإنما ستكون حياة فيها امتحان ~~وبلاء، وفيها تصفية وتطهير! لقد فقد أباه وفقد أمه، وهو الآن سيفقد جده، وسيصبح بعد ~~ساعات يتيما حقا، ووحيدا حقا، ليس له من يعطف عليه أو يرق له إلا هذه الأمة التي ~~تحضنه، وعمه الذي سيكلفه كما يكفل الأعمام أبناء الإخوة! # وكان الشيخ يفكر في هذا ويحس أنه يزداد ثقلا على ثقل، ويشعر كأنه يفارق ما حوله ومن ~~حوله قليلا قليلا، لا يتقدم في الزمان لحظة حتى يخطو إليه الموت خطوات. وكان الشيخ ~~يحب أن يسمع من أصوات الناس أكثر ما يستطيع أن يسمع قبل أن يغمره الموت فلا تصل إليه ~~الأصوات. وكان أحب الأحاديث إلى الشيخ في هذه اللحظات القليلة الباقية حديث نفسه، فيدعو ~~بناته ويطلب إليهن أن يبكينه كما يبكي النساء الموتى، ويلح عليهن في ذلك؛ لأنه يريد أن ~~يسمعهن أو لأنه يريد أن يسمع رثاء نفسه. ولعله لو استطاع أن يرثي نفسه بنفسه لفعل. ~~وهؤلاء بناته من حوله يرفعن أصواتهن نادبات نائحات، معددات مآثره ومفاخره، مصورات هذا ~~الحزن العميق الذي يسعى حثيثا إلى قلوبهن، كما كان الموت يسعى حثيثا إلى الشيخ. ~~والصبي قائم من وراء السرير يرى ويسمع ويمتلئ قلبه بما يرى وما يسمع وتنهل من عينيه ~~دموع صامتة لعلها لو رآها الشيخ لأرضته! # ولكن الشيخ يسرع إلى الموت أو يسرع إليه الموت، فهو يسمع بناته ولا يستطيع أن يرد ~~عليهن أو يتحدث إليهن، ms142 فيكتفي بما لا بد له من أن يكتفي به من الإيماء. ثم يسرع إلى ~~الموت ويسرع الموت إليه حتى يلتقيا فلا إيماء ولا حراك، قد سكت الشيخ وسكت بناته لحظة. ~~ثم تمضي حياة الناس في طريقها، فيشغل أهل الشيخ بالشيخ ليقطعوا هذه الأسباب الواهية ~~التي بقيت بينه وبين الأحياء والأشياء، ليغيبوه في قبره، وليفرغوا لشئونهم، وليحتفظوا ~~منه بهذه الذكرى التي تملأ القلب كله، ثم تتضاءل شيئا فشيئا حتى تتخذ لها مكانا ~~ضيقا خفيا تستقر فيه، يحسها الرجل حينا ويجهلها أحيانا. # والصبي محزون كئيب، يذكر أمه، ويذكر جده، وينظر إلى حاضنته وينظر إلى عمه، ويفوض ~~أمره بعد هذا إلى الله. # وقد شمله الله برعاية لا تفتر، وكلأه بعناية لا تغفل؛ فلم يلق من الناس في طفولته ~~وشبابه شرا ولا نكرا، ولا احتمل منهم ألما ولا مكروها. عطف عليه عمه كما كان يعطف ~~عليه جده، حتى آثره بالمودة واختصه بالبر. ولقي منه عمه مثل ما كان يلقى جده حبا بحب ~~وودا بود. وكان أبو طالب رجل مروءة وصدق وحسن بلاء، ولكنه كان فقيرا كثير العيال، ~~وكان يجد جهدا عظيما في إقامة عياله الكثيرين وسد خلاتهم. فلما ضم إليه هذا اليتيم ~~صلح أمره وحسنت حاله، ووجد البركة والسعة فيما كان يتاح له من القليل. كان يكسب لعياله ~~ما يستطيع، ثم يجمعهم حوله فلا يستطيعون إلا أن يمسوه مسا رفيقا، ثم ينصرفون وقد ~~استنفدوه وما زالوا جياعا. فلما ضم الرجل إليه ابن أخيه اليتيم لم يزد ما كان يكسب، ~~ولكن الله بارك فيه وزكاه. فكان الرجل يجمع عياله، ومعهم يتيمه هذا، حول هذا القليل، ~~فلا يقومون إلا وقد أدركوا ما يدفع عنهم ألم الجوع ويبلغهم الرضا والاطمئنان. # وكذلك أنفق اليتيم طفولته وصباه بين هذين القلبين الرحيمين: قلب عمه وقلب ~~حاضنته. # ولست أعرف صبيا تأثر بحياة الصبا واحتفظ بحوادثه وذكرياته ما أقام في هذه الدنيا، ~~ووفى للذين بروا به وأحسنوا إليه كهذا الصبي. لم يكد يقدر على البر وإسداء المعروف ~~وإظهار شكره للنعمة، واعترافه بالجميل، ms143 حتى ضرب للناس في ذلك أروع الأمثال وأبلغها ~~تأثيرا في القلوب. # أرضعته أمة لأبي لهب يقال لها ثويبة أياما قبل أن تأخذه حليمة. فلما علم ذلك من ~~أمرها حفظ لها هذه النعمة وعرف لها هذا الجميل! فلم يكد يقدر على شكرها والبر بها حتى ~~جهد في ذلك، وإذا هو يحمل زوجه خديجة على أن تسعى عند أبي لهب في أن تشتري منه هذه ~~الأمة لتعتقها، فيأبي أبو لهب، فيتصل معروف الرضيع بأمه هذه ما أقام بمكة، حتى إذا هاجر ~~إلى المدينة لم ينس أمه ولم يهملها، وإنما أرسل إليها الصلات والكسوة من حين إلى حين. ~~حتى إذا عاد من خيبر وقيل له: إن ثويبة قد ماتت سأل عن قرابتها لينالهم بما كان ينالها ~~به من المعروف، فأنبئ بأنها لم تترك أحدا. # وحياة أهل البادية مملوءة بالضنك حافلة بالشقاء. فانظر إلى حليمة تهبط مكة تستعين ~~بابنها على أثقال الحياة، فيكلم لها خديجة فتمنحها بعيرا وأربعين شاة. وانظر إليها ~~تستأذن عليه مرة أخرى، فإذا أدخلت عليه ورآها قال: أمي! أمي! ثم بسط رداءه فأجلسها ~~عليه! ثم أدخل يده من دون ثيابها فمس صدرها مسا، ثم قضى حاجتها. ثم انظر إليه بعد أن ~~عظم وارتفع شأنه ودانت له العرب كلها، وقد نصره الله يوم حنين على هوزان، فهزم الجند ~~واحتوى المال وسبى الذرية والنساء، وقسم الغنائم بين المسلمين. وإنه بالجعرانة # 2 # صباح يوم وإذا وفد من هوزان يقبل عليه مسلما منبئا بإسلام من وراءه من ~~الناس، وفي هذا الوفد عمه من الرضاعة، وإذا عمه يتحدث إليه فيقول: يا رسول الله، إنما ~~في هذه الحظائر من كان يكفلك من عماتك وخالاتك وحواضنك، وقد حضناك في حجورنا وأرضعناك ~~بثدينا. لقد رأيتك مرضعا فما رأيت مرضعا خيرا منك، ورأيتك فطيما فما رأيت ~~فطيما خيرا منك، ثم رأيتك شابا فما رأيت شابا خيرا منك، وقد تكاملت فيك خلال ~~الخير. ونحن مع ذلك أصلك وعشيرتك، فامنن علينا من الله عليك. فيجيبه: لقد استأنيت ~~بكم حتى ظننت أنكم لا ms144 تقدمون، وقد قسمت السبي وجرت فيه السهمان # 3 # فما كان منه لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، وأسأل لكم الناس. فإذا صليت ~~بالناس الظهر فقولوا: نستشفع برسول الله إلى المسلمين وبالمسلمين إلى رسول الله، فإني ~~سأقول لكم: ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، وسأطلب لكم إلى الناس. فلما صلى الظهر ~~قام الوفد، فأتم ما أمر به، ووفى لهم بوعده، وشفع لهم عند الناس، # 4 # فردت عليهم نساؤهم وأبناؤهم، لم يأب ذلك إلا نفر من الأعراب اشترى منهم ~~ما كان في أيديهم من السبي ورد على أهله. # قلت لمحدثي: فإن هذا الوفاء بليغ التأثير في النفوس، وأبلغ منه هذه الحيلة الطاهرة ~~البريئة في استخلاص السبي من الذين ملكوه؛ فيها وفاء، وفيها رد للحرية على آلاف من ~~الناس، وفيها إقرار للأمن والسلم في قبيلة ضخمة قوية من العرب، وفيها تخليص القلوب من ~~الضغينة والموجدة والحقد، وتهيئتها لقبول الإسلام والنصح للمسلمين في صدق وإخلاص، قال ~~محدثي: نعم! ولكن له وفاء آخر يملأ القلوب رحمة ويمزقها لوعة وأسى؛ لأنه وفاء المحب ~~الصادق في الحب، والعاجز عن النفع الذي لا يملك لمن يحب خيرا. قلت: وكيف يجد العجز إلى ~~هذا القلب العظيم سبيلا؟ قال: إن لله قدرا مهما تعظم القلوب فلن تغيره ولن تبدله. لقد ~~كان أشد الناس برا بأمه ووفاء لعمه: مر بقبر أمه عام الحديبية فاستأذن ربه في أن يزور ~~القبر. فأذن له، فزاره وأصلحه ومكث عنده حينا. ثم استأذن ربه في أن يستغفر لأمه فأبى ~~عليه، فانصرف عن القبر باكيا كئيبا، وبكى المسلمون لبكائه، واكتأب المسلمون لاكتئابه، ~~ودخل مكة عام الفتح ظافرا منتصرا. وبينا هو في بعض مواضعها رأى أصل قبر فعطف عليه ~~وأقام عنده، واستأذن في الاستغفار لصاحب القبر فلم يؤذن له، فانصرف محزونا كئيبا، ~~وبكى فبكى الناس. وما رأى الناس يوما أكثر باكيا من ذلك اليوم! # 5 # واختلط أمر هذا القبر على الرواة، فظنوه قبر أمه، وقبر أمه في الأبواء. ومن ~~يدري! لعله قبر جده الشيخ. وعرض الإسلام ms145 على عمه وألح عليه، وكاد الرجل أن يقبل لولا ~~حمية الجاهلية، فلما مات قال ابن أخيه: لأستغفرن لك، فلامه القرآن في ذلك لوما ~~عنيفا. # تبارك الله! رجل يخرج الله به أمة كاملة من الظلمات إلى النور، ويفتح لها به أبواب ~~الخير على مصاريعها إلى آخر الدهر، ثم يأبى الله عليه أن يستغفر لأمه وعمه، وأن ينقذ ~~أهله الأقربين الذين أدوه إلى الناس وحموه حتى أدى الأمانة وبلغ الرسالة. # 6 # قلت لمحدثي: وماذا تنكر من ذلك وعدل الله محتوم لا يقبل أخذا ولا ردا، ولا تجوز ~~عليه المصانعة ولا المحاباة؟ قال: لا أنكر شيئا، وأعوذ بالله أن أنكر شيئا وأنا أعلم ~~أن الله قد تأذن أنه لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء. إنما أرثى للناس ~~الذين يرون الخير فيجتنبونه، ويرون الشر فيتهالكون عليه. أرثى لهؤلاء الذين يبلغ بهم ~~الضعف وخور النفوس أن يظلموا الأبرياء ويعتدوا على الوادعين ليؤثروا أهلهم وقرابتهم بما ~~ليس لهم بحق. ولو قد حاول الناس أن يتأثروا بالمثل العليا ويتأسوا بالأسوة الحسنة لكان ~~لهم في مثل هذه القصة صارف عما يجترحون من السيئات، ورادع عما يقترفون من الآثام. هل ~~ترى أبلغ في تصوير العدل الصارم الحازم الذي لا يقبل هوادة ولا يحتمل رفقا؛ لأنه ليس ~~موضع هوادة ولا رفق، من هذه الآية الكريمة التي يلام فيها النبي والمسلمون حين استغفروا ~~لمن لا مطمع له في المغفرة: # ما كان للنبي والذين ~~آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من ~~بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم * ~~وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها ~~إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن ~~إبراهيم لأواه حليم ~~. # 7 # | الكتاب الثاني # الفصل الأول # | الفيلسوف الحائر # 1 # قال حاكم المدينة لصاحبيه حين سكت الغناء: ما أجمل هذا الصوت! ما أذكر أني سمعت ~~قط شيئا يقاربه عذوبة وسحرا. # قال «كلكراتيس»: إنه ليأتي من بعيد. # قال «أندروكليس» في شيء يشبه الذهول: ويدعو إلى بعيد. # والتفت الحاكم ms146 إلى المغنية وهو يقول: من علمك هذا الصوت يا ابنتي؟ فقد ملأت به ~~أسماعنا وقلوبنا وعقولنا منذ الليلة! # قالت الفتاة في تحفظ شديد، مصدره حياء شديد: لقد أخذته عن أمي يا مولاي، وأخذته ~~أمي عن جدتي، وهو صوت شائع متوارث في مدينتنا منذ الزمان القديم، يتغنى به الفتيات ~~الحسان إذا خرجن مع الصبح يستقبلن الفجر المضيء الرطب بوجوههن المشرقة الوضاءة، ~~ويملأن جرارهن من ماء النيل. يتغنين به فرحات مرحات، كأنما يترجمن به عن فرح ~~الطبيعة المستيقظة، ومرح الصبح النشيط. ومع ذلك فما سمعت أمي تتغنى هذا الصوت مرة ~~إلا رأيت على وجهها كآبة وشحوبا، وأحسست في غنائها حزنا تنفطر له القلوب. وقد ~~سألتها عن ذلك فأعرضت عني مرات، ولكنها كانت تعاود الغناء فتعاودها الكآبة التي ~~تغشي وجهها، ويعاودها الحزن الذي يشيع في صوتها ويفيض على الجو من حولها حسرة ~~وألما، فأعود أنا إلى السؤال وألح فيه. فلما طال عليها ذلك مني أنبأتني نبأ هذا ~~الصوت، وعرفت منها أن جدتي لم تكن تتغناه إلا ثار في نفسها حزن عميق وتحدر من ~~عينيها دمع غزير. # وما أكثر ما تخرج الأشياء عن أطوارها وتجري الأمور في أجيال المحدثين على غير ما ~~كانت تجري عليه في أجيال القدماء! كان هذا الصوت صورة الحسرة واللوعة، وترجمان ~~الجزع واليأس عند جداتنا في الزمان الأول، فإذا هو الآن عند أترابنا من أهل هذا ~~الجيل صورة الفرح والمرح، وترجمان اللذة والغبطة والسرور. # ولقد تغنيت هذا الصوت في كثير من المجالس، وتردد به صوتي في كثير من قصور الحكام ~~والسادة، فما رأيت أحدا سمعه، ثم ذاقه، ثم فهمه على وجهه، ثم شاركني فيما أجد من ~~عاطفة وما يملأ نفسي أثناء غنائه من شعور، قبل أن أراكم الليلة، وقبل أن أسمع ~~سؤالكم عنه وقدركم له وحكمكم عليه. # ثم أمسكت الفتاة عن الحديث، أو انقطع صوتها انقطاعا، حبسته في حلقها عبرة ~~أمسكتها الفتاة إمساكا، ولكنها تفجرت من عينيها دموعا متحدرة على خديها ~~الجميلين. # هنالك أسرع «أندروكليس» في شيء من الدعابة الخفيفة ms147 إلى الفتاة فقبل بين عينيها، ~~ومسح هذا الدمع المتحدر وهو يقول: مهلا يا ابنتي! ما ينبغي لهاتين العينين أن ~~تبكيا، ولهذا الوجه الجميل أن يغسله الدمع، ونحن بعد لم نجتمع للبكاء والحزن، ~~وإنما اجتمعنا للغناء واللهو. فانتقلي بنا من هذا الصوت الحزين المحزن إلى لون آخر ~~من ألوان الغناء. خذي في بعض هذه الأغاني التي تملأ جو الساحل بهجة وسرورا، والتي ~~يتنقل بها أولئك الفتيات على مجالس السمار وأصحاب العبث مع ما يتنقلن به من طاقات ~~الورد والياسمين. # قال «كلكراتيس» في صوت هادئ كأنما يملكه صاحبه في شيء من العنف والشدة على نفسه: ~~دعنا من دعابتك ومجونك، وأرحنا من فرحك ومرحك، فما أهون الدعابة والمجون، وما أيسر ~~الفرح والمرح! وإننا لفي ذلك منذ نصبح إلى أن نمسي، وإننا لفي ذلك منذ نمسي إلى أن ~~يتقدم بنا الليل. يا عجبا للذين لا يسأمون اللذة، ولا يضيقون باللهو، ولا يحتاجون ~~بين حين وحين إلى شيء من الحزن يرد نفوسهم إلى بعض أطوار الجد ويصور لهم الحياة ~~على أنها شيء غير هذا الباطل الذي لا ينقضي، والعبث الذي لا يزول. إن لصوتك هذا يا ~~ابنتي لنبأ، فحدثينا به وقصيه علينا! فقد شاركناك في ذوقه وفهمه، فما أجدرنا أن ~~نشاركك في العلم بما له من تاريخ! # قالت الفتاة مترددة متحفظة وقد نظرت إلى حاكم المدينة نظر المستأذنة المستأمنة، ~~فأشار إليها برأسه ويده أن امضي فليس عليك بأس. # قالت الفتاة: إن لهذا الصوت تاريخا لو عرفه أصحاب السلطان لحظروا غناءه على ~~فتيات الريف. # قال الحاكم: سأعرفه ولك علي ألا أحدث في أمره شيئا. # قالت: فإنه صيحة من تلكم الصيحات التي انبعثت من نفوس الشعب حين فرض عليها دين ~~المسيح وصدت في قوة وعنف عن دين الآباء والأجداد. ألم تسمعوا إلى ألفاظه؟ ألم ~~تفهموا معانيه؟ إنها تسأل عن نجم كان يشرق في السماء إذا تقدم الليل، وكان يبعث مع ~~أشعته إلى نفوس الناس لذة وحبا وأملا، وكان الناس ينتظرون مطلعه ليتلقوا أشعته ~~التي كانت تحمل إليهم ms148 الحياة، وتجدد في نفوسهم الأمل، وتمس قلوبهم بأجنحة الحب ~~المحرقة. فلما فرض عليهم الدين الجديد فرضا وأخذوا بالإعراض عن حياة آبائهم ~~وأجدادهم أخذا عنيفا، أعرضوا كارهين عن هذا النجم، فأخذوا لا ينتظرون مطلعه، ولا ~~يستقبلون أشعته، ولا يرسلون نفوسهم إليه إذا جنهم الليل إلا أقلهم؛ فقد كانوا ~~يترقبونه خفية ويستقبلون أشعته سرا، ويرسلون إليه نفوسهم من وراء الحجب. وكأن ~~هذا النجم قد أنكر إعراض عباده عنه، وضاق بجحودهم لما كان يسدي إليهم من يد، ويصنع ~~فيهم من معروف، أو كأنه أشفق من هذا الإله الجديد الذي ملأ عليه أرجاء الأرض وآفاق ~~السماء، فترقبه عباده الليلة بعد الليلة، والليالي بعد الليالي ولكنهم لم يجدوه، ~~وأرسلوا إليه نفوسهم ولكنها عادت إليهم باليأس والإخفاق، وبالحسرة واللوعة، وبالجزع ~~والقنوط. # فهذا الصوت سؤال ساذج، توجهه النفوس الساذجة إلى السماء الصامتة وإلى النجوم ~~الخرساء، تسألها عن نجمها الذي أضلته ما خطبه؟ وأين يمكن أن يكون؟ وهل لها إليه من ~~سبيل؟ فلا ترجع عليها السماء جوابا، ولا ترد عليها النجوم صدى، كأنما أدركها ~~الصمم، وكأنما عقدت ألسنتها عن الكلام. ومع ذلك فما كان أكثر ما تسمع السماء ~~والنجوم لأهل الأرض! وما كان أكثر ما يسمع أهل الأرض لحديث السماء والنجوم! # قال «كلكراتيس»: فهو ذاك يا ابنتي! وإنك لتتحدثين إلينا بحديث أنفسنا، وتعرضين ~~علينا صورة قلوبنا، فما أكثر الذين يلتمسون هذا النجم أو نجما يشبهه في السماء فلا ~~يجدونه! وما أكثر الذين يسألون عن هذا النجم أترابه التي تبدو إذا جن الليل فلا ~~يظفرون منها بشيء! # قال «أندروكليس»: إن النجوم صماء قد آذاها صوت هذه النواقيس التي تقرع من كل بيعة ~~في كل قرية، وفي كل وجه من وجوه المدن، فتملأ الجو بهذا الرنين والطنين، وتبسط بين ~~أصوات الناس وأسماع النجوم حجابا صفيقا لا يخترقه السؤال ولا ينفذ منه ~~الجواب. # قال حاكم المدينة وهو يتكلف الوقار ويتصنع الهيبة: مهلا! إنكم تلحدون في دين ~~قيصر! وإنكم تعلمون أن قيصر قد أعد للملحدين في دينه عذابا شديدا، وإني أنا ~~الموكل ms149 بهذا العذاب. لقد آمنتك يا ابنتي على نفسك وعلى صوتك هذا الجميل، فلا بأس ~~عليك! ولكن خذي إن شئت في غير هذا الغناء، أو أريحي نفسك لنأخذ نحن في غير هذا ~~الحديث. # وخلا الحاكم بعد ساعة إلى صاحبيه، ولكنه لم يخض معهما في لون آخر من ألوان ~~الحديث، وإنما حذرهما وحذر نفسه أيضا من هذا التهاون والتفريط، وذكرهما وذكر نفسه ~~أيضا بأن قيصر لا يعرف هوادة في الإلحاد، ولا لينا مع الملحدين، وبأن الوثنية إثم ~~يعاقب عليه القانون أشد العقاب: تصادر فيه الثروة، وتستصفى فيه الأموال، وتسفك ~~فيه الدماء. # قال الحاكم: وقد أقامني قيصر كما تعلمان حفيظا على دينه، كما أقامني حفيظا على ~~سياسته ومدبرا لأمره في هذا الإقليم، فكيف به لو ارتفع إليه بعض ما نحن فيه! وكيف ~~به لو علم أنه قد آمنني على الدين فأنا أخونه في الدين، وأعين اثنين من صديقي على ~~مثل ما أمعن فيه من خيانة! # قال «أندروكليس»: هون عليك فإنا لم نزد منذ الليلة على ما تعودنا أن نفعل وأن ~~نقول منذ أعوام، قبل أن تلي الحكم وبعد أن وليته، ولم يرتفع إلى قيصر من أمرنا شيء، ~~فماذا يخيفك؟ وماذا يدعوك إلى هذا الغلو في التحفظ والإغراق في الاحتياط؟ أمشفق أنت ~~من هذه المغنية المصرية التي لا يبلغ صوتها ما وراء غرفتك وحجراتك، ولا تتصل ~~الأسباب بينها وبين أحد غيرك من الناس؟ # قال حاكم المدينة: بل أنا مشفق من جواسيس قيصر الذين نعرفهم والذين لا نعرفهم، ~~والذين يندسون في كل بيئة وينسلون إلى كل مكان، ويتلطفون حتى يعرفوا أسرار البيوت ~~ويظهروا على دخائل النفوس، ثم يرفعون ذلك إلى قسطنطينية فتصدر فيه الأوامر بما ~~تعلمون. وما صرفت الحاشية والندماء حين انتصف الليل، وما صرفت هذه المغنية آنفا، ~~وما تعجلت الخلوة إليكما قبل إبانها لنفرغ لما تعودنا أن نفرغ له من عبادة آلهتنا ~~الذين نحبهم ونؤثرهم على النحو الذين يحبون أن يعبدوا عليه، وإنما أردت بما تعجلت ~~من هذه الخلوة أن أحذركما وأحذر نفسي، وأن ms150 أذكركما وأذكر نفسي، وأن أستشيركما في ~~حدث طارئ وخطب ملم. فقد ارتفعت الأنباء إلى قسطنطينية بأن شيئا من التهاون في ~~الدين قد أخذ يشيع في هذا الوجه الذي يلينا من وجوه الدولة، وبأن جماعة من المعلمين ~~والفلاسفة قد أخذوا يظهرون إنكارهم؛ لما كان من اضطهاد المعلمين والفلاسفة الوثنيين ~~في بلاد اليونان، وقد أخذوا يجهرون بشيء من الدعوة للدين القديم، يظهر الآن يسيرا ~~لا يكاد يحس، ولكنه يوشك أن يقوى ويشيع وينبث في أطراف الأرض، فيعظم الشر، ويكثر ~~الفساد، وينقبض دين المسيح عن أرض قد استقر فيها سلطان المسيح. # وقد انتهى إلي، اليوم، أمر قسطنطينية أن أتنبه لذلك، وأنهض لمراقبته ومقاومته، ~~وآخذ الذين يظهر في سيرتهم إلحاد أو شيء يشبه الإلحاد بأقصى ما أملك من الشدة ~~والعنف. # قال «أندروكليس»: فهذا سعي القسيسين وكيد الرهبان. # قال الحاكم: أو سعي المنافسين وكيد الخصوم. ومهما يكن من شيء فالحذر أيسر ما يجب ~~علينا، والاحتياط أولى ما يجمل بنا. # قال «كلكراتيس»: إني قد ضقت بحياتكم هذه البغيضة التي لا سماحة فيها ولا يسر، ولا ~~راحة فيها ولا لين. تضييق على الناس في حياتهم حين يغدون وحين يروحون، وفي ~~سيرتهم حين يجتمعون وحين يتفرقون، وفي أحاديثهم حين يلقى بعضهم بعضا، وفي نجوى ~~ضمائرهم حين يخلو أحدهم إلى نفسه أو يدير في رأسه بعض ما يدير من الرأي. # من الذي فرض لكم على الناس هذا السلطان؟! ومن ذا الذي أباح لكم أن تنفذوا إلى ~~نفوس الناس وضمائرهم، ولا تسألوهم عما يعملون حتى تسألوهم عما يرون؟! وما ينبغي لكم ~~مع ذلك أن تسيطروا من أعمال الناس على شيء ما لم يبدوا لكم صفحتهم أو يظهروا لكم ~~مقاومة وعصيانا. # فكيف بسؤالهم عن رأي العقل وحديث الضمير؟! أليس قد قال المسيح الذي يفرض قيصر على ~~الناس طاعته ودينه: «أعطوا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله»؟ فما بال قيصر يتجاوز ~~حدوده، ويغير على ما ليس له، ويدخل بيننا وبين نفوسنا، ويندس بيننا وبين آلهتنا! ~~أليس يكفيه أن هدم المعابد، ودمر الهياكل، ms151 وألغى الديانات ومزق أصحابها كل ممزق، ~~وثأر للذين استشهدوا في سبيل المسيح، فجعل للأوثان شهداء امتحنوا في أنفسهم وأهلهم ~~وأموالهم حتى محوا من الأرض محوا؟! أليس يكفيه أن يبلغ هذا كله حتى يدخل بين المرء ~~وضميره، ويندس بين المرء ونفسه؟! أليس يكفيه أن يبسط سلطانه على الأجسام حتى يحاول ~~أن يبسط سلطانه على القلوب والعقول؟! وكيف السبيل له إلى استذلال القلوب والعقول؟! ~~إني لألقى أعوانه وعماله بما يرضيهم ويرضيه، فأكف عن نفسي أذاهم وأذاه، ولكني أكتم ~~فيما بيني وبين نفسي ما أشاء من الأمر، وأدير في رأسي ما أحب من الرأي، وأتقدم ~~بالدين والطاعة والحب في قلبي لمن أوثر من الآلهة. والأمر يستطيع أن يستقيم بين ~~قيصر وبيني على هذا النحو من النفاق الذي تستقيم عليه أمور الناس كلهم فيما بينهم ~~من علاقة أو صلة. فما بال قيصر يكلف نفسه ما لا يطيق، ويحمل الناس من الأمر ما لا ~~يحبون ويريد أن تخلص له قلوبهم وسرائرهم، كما تذعن له أجسامهم وظواهرهم! # إنه لا يبلغ من ذلك شيئا، ولكنه يضيع قوته عبثا ويفني جهده في غير طائل، ويحرج ~~الناس ويرهقهم من أمرهم عسرا، وينتهي آخر الأمر إلى أن يصرفهم عن حبه، ويزهدهم في ~~طاعته، ويملأ قلوبهم بغضا له وإنكارا عليه؛ وقد يدفعهم إلى أن يعصوه ويثوروا ~~بسلطانه حين يجدون إلى العصيان والثورة سبيلا. # قال حاكم المدينة: على رسلك! هدئ من هذه الحدة، وهون من هذه الشدة، واخفض من ~~هذا الصوت! فإني قد صرفت الحاشية والخدم والحجاب، ولكني لا آمن أن يكون قد تخلف ~~منهم وراء الأستار أو دون الأبواب من يتسمع علينا. وما أرى بعد ذلك إلا أنك تريد ~~قيصر على ما لا يلائم أخلاق القياصرة. فمتى رأيت صاحب السلطان الواسع العريض يرضى ~~من الناس بأيسر الطاعة، ويقبل منهم ظاهرا من الخضوع، ولا يكلفهم أن يخلصوا له ~~الحب ويصفوه مودة قلوبهم وخاصة نفوسهم، فإن ظفر منهم بما يريد فذاك وإلا حملهم ~~عليه كرها، وخيل إلى نفسه بل أقنع نفسه بأنه يستطيع ms152 أن يصل إلى القلوب من نفس ~~الطريق وبنفس الوسائل التي يصل بها إلى الأجسام؟! والسلطان بطبعه طاغية، لا يقره في ~~حدوده، ولا يرده عن الظلم والجور إلا سلطان مثله يعدله ويوازنه ويحول بينه وبين ~~الجموح. # فهل تعرف سلطانا يعدل سلطان قيصر؟ وهل تعرف قوة توازن قوة قيصر؟ وهل تعرف في ~~الأرض فردا أو جماعة أو مظهرا من مظاهر الطبيعة يستطيع أن يرد قيصر إلى الحد إن ~~هم قيصر أن يتجاوز الحد؟! # قال «كلكراتيس»: فإن أصحاب هذا الدين الذي يفرضه علينا قيصر يزعمون أن هذه القوة ~~ليست في الأرض ولكنها في السماء، وأنها أضخم ملكا وأعظم بطشا وأوسع سلطانا من كل ~~ما يملك قيصر، وأنها خليقة أن تكبحه إذا جمح، وترده إذا طغى. # قال «أندروكليس»: هذا كلام يقال، وما أستطيع أن أومن لهذه القوة حتى أراها، وما ~~أستطيع أن أذعن لها حتى أرى أثرا من آثارها أو مظهرا من مظاهرها. فما أكثر ما ~~يطغى قيصر ويبغى! وما أكثر ما يجور عماله ويظلمون، فلا تردهم هذه القوة ولا تصدهم، ~~وكأنها تدفعهم إلى البغي دفعا، وتمد لهم أسباب الظلم والجور! # قال حاكم المدينة وعلى ثغره ابتسامة لا تخلو من سخرية: فإنكما تجهلان من هذا ~~الأمر أكثر مما تعلمان. # تجهلان أن بين الأرض والسماء حلفا منذ فرض الدين الجديد على الناس، وأن قيصر ~~يمثل هذا الحلف وينطق عنه، فإذا أجاز قيصر أجازت السماء، وإذا منع قيصر منعت ~~السماء، وإذا حل قيصر أو عقد فإنما يحل ويعقد بأمر السماء. وما ينبغي أن تنكرا من ~~ذلك شيئا. وقد كان أمر قيصر في ظل الدين القديم على مثل ما هو عليه في ظل الدين ~~الجديد: كان ينطق بلسان «جوبتير»، ويبطش بيده، ويمزق بسلاحه، ويحرق بناره أولئك ~~المستضعفين من النصارى، فهو الآن ينطق بلسان المسيح، ويبطش بيده، ويصب بأسه على ~~الأثينيين. # قال «كلكراتيس»: إن دل هذا على شيء فإنما يدل على أن قيصر إنما ينطق بلسان ~~نفسه، ويبطش بيد نفسه، ويصب على الناس ظلم نفسه وجورها! وما كان ms153 «جوبيتير» ليكلف ~~القياصرة ما تكلفوا من شطط. ولست أعرف المسيح، ولكني ما أظنه أقل رحمة للناس ورفقا ~~بهم من «جوبيتير» وما أرى إلا أن قيصر يبغي علينا ويبغي على آلهتنا كما يبغي على ~~إلهه هو. # قال «أندروكليس»: فالأمر كما تقول. ولكن ما الذي تستطيع أن تفعل؟ وما الذي تريد ~~أن تفعل؟ إنك لا تستطيع أن ترد على قيصر أمره، ولا أن تلقى بغيه وعدوانه بما ~~يشبهما من البغي والعدوان. فليس لك إلا أن تذعن فتحيا، أو تأبى فتموت. # قال حاكم المدينة: والخير في الإذعان! لأن الحياة خير من الموت، فنحن نعرف ~~الحياة، ونبلو لذاتها، ونذوق آلامها، ولا نعرف من أمر الموت وما وراءه شيئا. ~~ويجب أن تكون للآلهة أسرار لا تستطيع عقولنا أن تبلغها أو ترقى إليها. فما لإله ~~قيصر لا يصد قيصر عن ظلمه! وما لآلهتنا لا تحمينا من هذا الظلم؟! كأنما انصرف إله ~~قيصر وانصرفت آلهتنا عن الأرض وما يقع فيها من بغي وعدوان، وعن الناس وما يجني ~~بعضهم على بعض من ظلم وجور. # قال «أندروكليس»: وما يدريك؟! لعل ما يحدث في السماء ونجومها ليس خيرا مما يحدث ~~في الأرض، ولعل وراء هذا الكون من عظيم الأمر ما يشغل الآلهة عما يحدث فيه من ~~الأحداث. # قال «كلكراتيس»: وإذا؟! # قال حاكم المدينة: وإذا فلنلق الحياة كما نستطيع، ولنحتمل منها ما نطيق، ولنأخذ ~~من لذاتها ما يتاح لنا، ولنؤد إلى قيصر ثمن هذه اللذات طاعة وإذعانا نخلص فيهما ~~ما وسعنا الإخلاص، وننافق فيهما إن اضطررنا إلى النفاق. # قال «كلكراتيس»: فنحن في ذلك منذ عرفنا أنفسنا لا نعصي لقيصر أمرا، ولا نخرج عما ~~رسم لنا من الحدود. # قال الحاكم: بل أنتما تعصيان له بعض الأمر، وتخرجان عن بعض ما رسم لكما من الحد. ~~فأنتما لا تشهدان الصلاة، ولا تختلفان إلى الكنائس، ولا تظهران تعظيم المسيح، ولا ~~تقدمان إلى القسيسين والبطارقة ما يصلح رأيهم فيكما. وقد كنت مثلكما حينا من ~~الدهر، وما أظنني خالفتكما فيما أخالفكما فيه من ذلك إلا لأن المنصب ms154 يفرض علي أن ~~أشهد الصلاة وأختلف إلى البيع، وأظهر للدين ورجاله ما أظهر من التعظيم. وقد نفعني ~~ذلك كما تريان ولم يضرني شيئا. # ثم أطرق صامتا فأطال الإطراق، ثم رفع رأسه وقال مبتسما: وأحسبه نفعكما أيضا. ~~فما يمنعكما أن تذهبا مذهبي، وتسيرا سيرتي، وتعلنا لقيصر ما يريد إعلانه، وتضمرا ~~لأنفسكما وآلهتكما ما تحبان! إنكما لا تنكران ذلك من أمري، فما لكما لا تعرفان منه ~~مثل ما أعرف، ولا تأتيان منه مثل ما آتى؟! # قال «أندروكليس»: لأنا لا نريد أن نرقى إلى مثل ما رقيت إليه من منصب، ولا أن ~~نظفر بمثل ما ظفرت به من قوة وسلطان، ولأن ما لنا يغنينا، وجاهك يحمينا، وهذه ~~الحياة ترضينا. # قال حاكم المدينة: فإن عجز جاهي منذ الآن عن حمايتك؟ # قال «كلكراتيس»: فإنه النذير بالقطيعة إذا. # قال حاكم المدينة: لا تتعجل القضاء على صديقك، ولا تسرع إلى سوء الظن به! فإني لا ~~أريد قطيعتكما ولا أقدر عليها، وإنما هو خطب ألم، فأنا أستعينكما عليه، ~~وأستشيركما فيه، فأعيناني وأشيرا علي. وإنكما لتعلمان أني ما أملك لكما ولا لنفسي ~~من غضب قيصر شيئا. فلنجمع أمرنا، فإما طاعة لقيصر من ثلاثتنا ووراءها ما وراءها ~~من الحظوة والنعيم، وإما معصية لقيصر من ثلاثتنا ووراءها ما وراءها من البؤس ~~والضر ومن عذاب قد ينتهي إلى الموت. # قال «أندروكليس» ضاحكا وهو ينظر إلى زجاجات وأقداح قد وضعت من القوم غير بعيد: ~~ما أرى إلا أنك قد بدأت تذيقنا هذا العذاب. فهذه الزجاجات القائمة تدعونا، وهذه ~~الأقداح المصفوفة تغرينا، وأنت تشغلنا عنها بما تخوفنا من أمر قيصر وبأسه بعد أن ~~حرقت أجوافنا بما قدمت إلينا من طعام، وجففت حلوقنا بما صببت علينا من نذير. ~~فلنسق هذه الأقداح الظامئة، ولنطفئ هذه الأجواف المحترقة، ولنرطب هذه الحلوق ~~الجافة، ولنقدم الطاعة إلى «دينوزوس» في ظلمة الليل، والإذعان إلى قيصر في وضح ~~النهار. # ثم نهض فخيل شيئا من رقص «دينوزوس»، وأسرع إلى المائدة فملأ قدحا قدم منه قطرات ~~إلى «دينوزوس»، ثم صبه في فمه صبا، ms155 ثم ملأ الأقداح الثلاثة فقدم إلى صاحبيه، وعاد ~~إلى مجلسه وفي يده قدحه يحسو منه حسو الطير ويقول: لست أرى بهذه القسمة بأسا: ~~الليل ل «دينوزوس»، والنهار لقيصر. وإن شئتما فليكن النهار قسمة بين قيصر والمسيح: ~~لقيصر شطر النهار، وللمسيح شطره الآخر. ولكنكما كنتما تقولان إن بين قيصر ~~والمسيح حلفا فلا حاجة إذا إلى أن نقسم النهار بينهما، فلنقدم النهار كله إلى ~~قيصر فسيرضى المسيح، كما كان عامة الناس يقدمون عمرهم كله لقيصر فيرضى «جوبتير»، ~~أما أنا فهذا الرأي يرضيني كل الرضا، يحقق آمالي ومآربي، ويرضي حاجاتي ومنافعي، ~~ويرضي بنوع خاص رأيي وفلسفتي. فما يمنعني أن أكون من عامة الناس حين تغمرنا ~~الشمس بضوئها هذا الفظيع الذي لا يخفى عليه شيء ولا يستتر من دونه أحد، وأن أكون من ~~خاصتهم حين يغمرنا الليل العطوف الأمين بظلمته الحصينة المتينة التي لا تظهرنا إلا ~~على نفوسنا، والتي تتيح لشخصياتنا أن تسترد ما فقدت من حرياتها في ضوء النهار، ~~والتي لا يلمع فيها إلا هذه الأشعة الضئيلة التي ترسلها إلينا النجوم كأنها التحية ~~الخفية يرسلها الحبيب إلى عاشقه بمأمن من الرقباء. قال ذلك ثم أفرغ قدحه في جوفه، ~~ونظر إلى صاحبيه في شيء من الإشفاق والازدراء وهو يقول: ما أقل نشاطكما للشراب! وما ~~أشد فتوركما عن «دينوزوس»! ما كنت أحسب أن خوف قيصر يغنيكما عن نبيذ ساموس. أفرغا ~~قدحيكما فإن جوفي يحرقه الصدى. وما أدري فيم هذا القصر الضخم، والمنصب الفخم، ~~والثراء العريض؟ هلم يا سيدي فادع لنا بعض إمائك يغنين ويرقصن ويطفن علينا بالأقداح ~~والأكواب، فما عبد «دينوزوس» بخير من الغناء والرقص والشراب. # قال «كلكراتيس» في هدوء يملؤه الجد وقد غشى وجهه العبوس: ليس الأمر من اليسر ~~بحيث تظن. وما أرى إلا أن خوف قيصر هو الذي يدفعك إلى الشراب ثم إلى السكر. # قال «أندروكليس»: أخطأت يا صديقي! سأخاف قيصر طول النهار، فلآمنه أثناء الليل. ~~وإنما أدعوكما إلى «دينوزوس» لأننا قد عدونا عليه، وجرنا عن طريقه! فنحن مدينون له ~~بالليل كله، وقد ms156 صرفنا عنه بعض هذا الليل إلى قيصر، فلنحذر أن ينكر ذلك من أمرنا، ~~فيسخط علينا إله الليل «دينوزوس»، وإله النهار قيصر. # وكان الصديقان قد أفرغا قدحيهما، فنهض «أندروكليس» نشيطا مرحا فملأ الأقداح ~~الثلاثة، وقال لحاكم المدينة: أتريد أن تدعو إماءك أم تأذن لي في أن آتي هذه الحركة ~~التي تأتيها فيستجيب لك الخدم؟ إنما هي يد تضرب يدا فيصل الصوت إلى من ~~ندعو. # قال «كلكراتيس»: مهلا! فإني في حاجة إلى لحظات أخلو إليكما فيها، فما أحب أن ~~نفترق وأنا أطوي عنكما بعض الأمر. # قال حاكم المدينة: وما ذاك؟ # قال «كلكراتيس»: ذاك أني لا أرى رأيكما، ولا أعرف لقيصر سلطانا على قلبي، ولا ~~أحب أن أعبد إلها لا أعرفه، ولا أريد أن أضيف إلى آلهتي إلها جديدا! لأنهم ~~يكفونني ويغنونني من كل إله. والآن فادع إماءك إن شئت، ولنعبد «دينوزوس» على ما ~~بيننا من اختلاف الرأي: أخلص له ولأصحابه من أهل الأولمب، وتشركون معهم إلها ~~جديدا أو إلهين جديدين. # قال حاكم المدينة: فإن هذا لا يحل المشكلة، ولا ينتهي بنا إلى غاية ~~نرضاها. # قال «كلكراتيس»: سنستأنف الحديث في ذلك إذا كان الغد، فدعني أفكر، وادع إماءك ~~وندماءك! فقد جرنا وأسرفنا في الجور على «دينوزوس». # ودق حاكم المدينة يدا بيد، فما هي إلا لحظات حتى فتحت الأبواب، وانفرجت ~~الأستار، وأقبل الجواري حسانا صباحا يحملن فنون الزهر، وألوان الفاكهة، ويتهيأن ~~للرقص والغناء. # 2 # ولم يجلس «كلكراتيس» لأصدقائه من الغد كما تعود أن يفعل وجه النهار من كل يوم، ~~ولم يفرغ لذلك العبد الذي جعله على ثروته وخزائن ماله، ولا لهذا العبد الذي وكل ~~إليه تدبير القصر وأمر الخدم والرقيق، كما تعود أن يفعل آخر النهار من كل يوم! بل ~~لم يستطع عماله وأصحاب تجارته الواسعة أن يرفعوا إليه شيئا من أمرهم كما تعودوا أن ~~يفعلوا كلما تولى النهار؛ لأنه احتجب ذلك اليوم منذ رجع من قصر الحاكم قبل أن يسفر ~~الصبح بقليل. أوى إلى مضجعه فاستوفى حظه من راحة هادئة ونوم مطمئن، ثم ms157 نهض مع الظهر ~~فأدى لجسمه الذي تعود أن يؤديه له من العناية والرياضة، ثم خلا إلى نفسه يفكر ~~فيما كان بينه وبين صديقيه من حديث، ويدير رأيه فيما عسى أن يتخذ من سيرة ويسلك من ~~طريق. وكان صادقا كل الصدق مصمما كل التصميم حين أعلن إلى صديقيه في لهجة الحازم ~~العازم أنه يأبى أن يقسم حياته بين قيصر وبين ضميره، وأن يظهر لقيصر ما يرضيه من ~~الإيمان بالدين القائم، ويخفي في نفسه ما يرضيها من الإخلاص للدين الوثني ~~القديم. وكان يعلم حق العلم، أن صديقه الحاكم لا يتقدم إليه في مصانعة قيصر ~~وموادعة السلطان إلا مؤثرا له بالخير، مشفقا عليه من الشر. ولعل صديقه الحاكم كان ~~يحتاط لنفسه بعض الشيء حين كان ينصح بالمصانعة والموادعة. ولكن أي غرابة في هذا ~~وصديقه إنسان فيه ضعف الناس وقوتهم، وفيه أثرة الناس وإيثارهم؟! # والشيء الذي ليس فيه شك ولا ريب، هو أن صديقه كان مخلصا صادق النية حين أعلن ~~إليه وإلى صاحبه أنه يستعينهما على خطب ألم، ويستشيرهما في حادث طرأ، ويريد أن ~~يكون معهما على طاعة قيصر إن أزمعا الطاعة، وعلى عصيان قيصر إن أرادا ~~العصيان. # ولو أن «أندروكليس» كان صلب الرأي جريء القلب مستمسكا بتراث آبائه حريصا على ~~حقه في حرية الضمير، لاستطاع الصديقان أن يحملا صديقهما أن يحكموا أمرهم بينهم، ~~وأن يلتمسوا لأنفسهم مخرجا من هذا الضيق، يلتمسون هذا المخرج بالحيلة أو ~~بالضعف. # ولكن «أندروكليس» رجل لين النفس، فاتر الرأي، لا يحفل بدين قديم أو جديد، ولا ~~يقدر تراث الآباء ولا كسب الأبناء! بل هو لا يفكر في أمس ولا في غد، وإنما يفكر في ~~يومه الذي يعيش فيه، يعرض عما مضى، ولا ينتظر ما سيأتي، ولا يؤمن إلا بما يرى، ~~وبما يرى في الساعة التي هو فيها. فإلهه الذي يعبده ويخلص له هو نفسه، يبتغي لها ~~اللذة والنعيم، ويدفع عنها الألم والشقاء ما وجد إلى ذلك سبيلا. وهو من أجل ذلك ~~مضطرب الرأي، أو لا رأي له، ينكر اليوم ms158 ما عرف بالأمس، وقد يعرف الآن ما كان ينكر ~~منذ حين. # وقد آثر «أندروكليس» العافية، وأشار بالطاعة والإذعان، فوافق رأيه ومشورته هوى ~~الحاكم، وإيثاره للراحة والهدوء، وحرصه على الاستمتاع بلذة الأمن والقوة والسلطان ~~والجاه، والاندفاع مع الأمل القوي البعيد الذي لا يعرف حدا يقف عنده ولا غاية ~~ينتهي إليها. # فلم يبق بعد اتفاق هذين الصديقين ل «كلكراتيس» إلا أن يختار بين اثنتين: فإما أن ~~يشايع صديقيه على ما أحبا، وليس إلى ذلك من سبيل؛ لأنه لا يريده، ولو أراده لما ~~استطاعه ولا قدر عليه. وإما أن يخالف صديقيه، ولكن على ألا يؤذيهما ولا يسوءهما ~~ولا يعرضهما لشر يأتيهما من قبل السلطان، ولا يلقى في روعهما أنه مقاطع لهما أو ~~ساخط عليهما ! فهما لا يستحقان مقاطعة ولا سخطا، وقد نصحا له جهدهما، وآثراه بما ~~يؤثران به نفسيهما. وهذه الخطة هي التي آثرها «كلكراتيس»، ولكنه يلتمس إليها ~~السبيل، ويبتغي إليها الوسيلة؛ فيفكر ويطيل التفكير دون أن يهتدي إلى المذهب الذي ~~يربح منه صديقيه من غير أن يشق عليهما أو يسوق إليهما بعض ما يكرهان. # وقد فكر في الموت. وأي شيء كان أيسر من التفكير في الموت بالقياس إلى أولئك ~~المثقفين المفلسفين من اليونان في ذلك العصر، ولا سيما حين كانوا يحتفظون بالوثنية ~~أو بظل منها! فقد علمهم شيوخهم وأساتذتهم من أتباع «أبيقور» وأصحاب الرواق أن حياة ~~الفرد ليست شيئا، وأن موت الفرد ليس شيئا، وقد ضربت لهم الأمثال مرات ومرات، فما ~~أكثر أولئك الذين كانوا يكرهون الحياة فيخرجون منها مزدرين لها أشد الازدراء، ~~مكبرين لأنفسهم أشد الإكبار! يرون شيئا من العزة في أنهم دخلوا الحياة غير مريدين ~~ولا مختارين، فأتيحت لهم لذاتها، وفرضت عليهم آلامها وهم يستطيعون أن يعرضوا عن ~~هذه اللذات الحلوة، وأن يتمسكوا بهذه الآلام المرة، كما يستطيعون أن يجتثوا حياتهم ~~من أصلها اجتثاثا فيلغوا اللذات والآلام جميعا، ويثبتوا لكل إنسان ولكل إله ~~ولأنفسهم قبل كل إنسان وكل إله أنهم أكبر من اللذة، وأكبر من الألم، وأكبر من ~~الحياة نفسها. ms159 # نعم! فكر صاحبنا في الموت واستحضره، وكاد يطيل الوقوف عنده، وكاد يأخذ في تدبيره ~~أمره وأمر الذين سيتركهم من ورائه وما سيورثهم من ثروة ضخمة وغنى عريض. ولكنه أحس ~~أن نفسه لا ترغب في الموت، ولا تطيب عن الحياة، لا إشفاقا من الموت، ولا تهالكا ~~على الحياة، بل رغبة في المعرفة، واستزادة من لذة العلم. فالموت ليس شيئا، ~~والحياة ليست بذات خطر، ولكن بين هذا الموت وهذه الحياة شعوره هو بأنه موجود، ~~وعلمه هو الذي يتزايد بين حين وحين، فيظهره على ما كان، وعلى ما هو كائن، وعلى ما ~~سيكون. ولو أنه استيقن أن وراء الموت علما، أو أن وراء الموت شيئا خليقا أن ~~يعلم، لما تردد في الإسراع إليه! ولكنه لا يعرف ما وراء الموت، بل هو يقطع بأن ~~ليس وراء الموت علم ولا عالم ولا معلوم والموت آت لا محالة، فما له يتعجله! والموت ~~يسعى إلى الإنسان، والإنسان مدفوع إلى الموت دفعا، فما باله لا ينتظر هذه الساعة ~~التي لا بد من أن تلم به! وما باله لا يستمتع بهذه اللذة الغالية النادرة التي ~~لا تقدر ولا تقوم: لذة العلم والمعرفة! وهو يفكر في هذا كله متعمقا له، مستغرقا ~~فيه، يسأل نفسه: أي الأمور أهون لقاء وأيسر احتمالا: إرضاء صديقيه بطاعة قيصر، ~~وتكلف ما يقتضيه ذلك من النفاق، أم إسخاط صديقيه وإسخاط قيصر والتعرض لما يستتبعه ~~ذلك من آلام النفس وأحزان القلب وألوان الأذى، أم إراحة نفسه وإراحة صديقيه وإراحة ~~قيصر من هذا كله باستقبال الموت والإسراع إليه؟ ثم يخطر له أن أكثر الناس مستيقنون ~~بأن الموت لا يختم وجود الإنسان، وإنما ينقله من طور إلى طور، ويخرجه من حياة ~~ليدخله في حياة أخرى. وهو يستعرض في هذا أحاديث الناس من اليونان وغير اليونان على ~~اختلاف أزمانهم، وعلى اختلاف هذه الأحاديث فلا تطمئن نفسه إلى شيء منها، ولا يرى ~~فيها إلا ألوانا من الأحلام، وفنونا من التماس العزاء. ثم يذكر «سقراط» ومصرعه ~~وأحاديثه، وما كان بينه وبين أصحابه ms160 من حوار في خلود النفس، وإذا هو قد نسي قيصر ~~ونسي المسيح ونسى صديقيه، ولم يذكر إلا شيئا واحدا هو لذة هذا الحوار، وعذوبة ~~هذا الحديث الذي قرأه مرات لا يحصيها، فلم يؤمن به ولم يطمئن إليه، ولكنه مع ذلك ~~لا يزداد إلا كلفا بقراءته، وحرصا على الاستمتاع بما تثير هذه القراءة في نفسه ~~من لذة خالصة لا يفنيها الاستمتاع بها وإنما يزيدها ويضاعفها، كأنها الكنز لا ~~يفنيه استغلاله، وإنما يغنيه وينميه، وإذا هو يعمد إلى «فيدون» وينقطع إلى قراءته ~~عن كل خاطر، وعن كل شيء، وعن كل إنسان. # 3 # ولكن عبدا يدخل مترفقا، وينبه سيده متلطفا، وينبئه أن «أندروكليس» يستأذن ~~عليه. ولست أدري أرضى صاحبنا عن مقدم صاحبه الذي كان يحبه ويؤثره، أم سخط على ~~هذه الزيارة لأنها ستصرفه عن صحبة أفلاطون الذي لم يكن يعدل بصحبته شيئا. ~~ولكنه أذن لصديقه من طرف اللسان بالدخول، ثم مشى في قراءته لم ينتظر صديقه، ولم ~~يخف للقائه، ولا تهيأ لاستقباله. ويدخل الصديق فيراه عاكفا على كتابه، ماضيا في ~~قراءته، فيمهله حينا، ثم يمهله حينا، ثم يسعى إليه فيمسه مسا رفيقا ويقول له ~~في صوت عذب: ما أرى إلا أنا نتهيأ للموت! فقد سن لنا القدماء قراءة «فيدون» قبل ~~أن نغمد الخناجر في صدورنا. # ويسمع «كلكراتيس» حديث صاحبه، فينهض إليه مذعورا كأنما أقبل من نوم عميق ~~تضطرب فيه أجمل الأحلام وألذها. نهض إليه مذعورا وهو يقول: ها أنت ذا؟! لقد أذكر ~~أني أنبئت بمقدمك، وكنت أريد أن أفرغ من بعض الحديث قبل أن أخف إليك، ولكنك تعلم ~~سحر أفلاطون. # قال «أندروكليس»: أعلمه حق العلم، وأجتنب النظر فيه كلما احتجت إلى نفسي ورأيي ~~وبصيرتي، ولا أقبل عليه إلا حين أريد أن أستريح من هذا كله. ثم أنا على كل حال ~~لا أقرأ «فيدون»، وما أعرف أني نظرت فيه منذ تركت مجالس الدرس. ذلك لأني لم أفكر ~~في الموت بعد، وما أحب أن أفكر فيه، وما أريد أن ألقاه إلا فجاءة وعلى غير موعد ms161 أو ~~انتظار. وإنك لتعلم أني لا أعدل بالفجاءة شيئا، وأني لا أكره شيئا كما أكره ~~التدبر والتوقع وتقدير العواقب. وإذا أردتني على أن أنبئك بذنب الناس والآلهة ~~والكون عندي، فهو أنهم جميعا قد تواطئوا على أن يلقوا في صدورنا، ويطبعوا في ~~قلوبنا ونفوسنا، أن الموت ضربة لازب ليس لنا عنه منصرف. فهذا هو الشيء الوحيد ~~الذي أعلمه علم يقين، وأنتظره على شدة كرهي للانتظار. وما أشد ما كنت أحب أن نخدع ~~عن الموت، ونغر عن مقدمه، ونجهله الجهل كله، حتى نختطف اختطافا على غير علم به ~~ولا توقع له! # أليس من أجمل الأشياء وأحسنها في نفوسنا أنا لا نعرف ما يضمر الغد، وما تخبئ لنا ~~الساعة المقبلة التي لم نبلغها بعد؟! صدقني إن حظ الإنسان من هذا الوجود رديء ~~حقا! فقد كان يجب أن يعلم كل شيء كما يعلم الآلهة أو أن يجهل كل شيء كما يجهل ~~الحيوان، فأما أن يضطرب بين هاتين الطبقتين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء فشيء لا ~~يطاق. # قال «كلكراتيس»: ما تزال مشغوفا بالمزاح، كلفا بالدعابة والعبث. # قال «أندروكليس»: برئت إليك الآن من المزاح، وبرئت إليك من الدعابة والعبث، ~~إنما أعرض عليك دخيلة نفسي، ولو استطعت أن أخرج قلبي من بين جنبي لتنظر فيه لما ~~رأيت في صفحة من صفحاته مزاحا ولا عبثا، إنما هو الجد كل الجد، والحزن كل ~~الحزن؛ لأني لم أكن إلها ولا حيوانا. وهذا وحده هو الذي يحبب إلي دين ~~«دينوزوس»! لأنه بما يشيع فينا من النشوة بهذا الشراب الذي علمنا اعتصاره من الكرم ~~يرضيني كل الرضا؛ لأنه يرفعني إلى طبقة الآلهة حينا، ويخفضني إلى طبقة الحيوان ~~أحيانا، ويخرجني دائما عن هذا الطور السخيف، طور الإنسان الذي فطر منافقا بطبعه، ~~له عقل يقربه من الآلهة ولكنه قاصر ضعيف، وله جسم يقربه من الحيوان، ولكن العقل ~~يفسد عليه غرائزه فيحول بينه وبين راحة الحيوان. # ومن هنا لا أدري ما الذي يغضبك على صديقنا وعلي. وينأى بك عن أن ترى رأينا، ~~وتذهب مذهبنا، ms162 وتقبل مشورتنا، فتجعل النهار لقيصر والمسيح، وتجعل الليل لنفسك ول ~~«دينوزوس». إنا لم نشر عليك ببدع من الرأي، ولم نكلفك كما لم نكلف أنفسنا ما يخالف ~~الطبيعة التي فطرنا عليها. وما أشك في أن «جوبيتير» وأصحابه من آلهتنا الأعزاء لا ~~ينكرون علينا ذلك ولا يلوموننا فيه. وهبهم فعلوا، فإن جوابي لهم حاضر، فهم ~~المسئولون لأنهم خلقونا منافقين، وجعلوا لنا جسم الحيوان القوي، ونفس الإله الضعيف. ~~ولو قد أرادوا لجعلونا أمثالهم آلهة لا ندين بالطاعة لأحد إلا لكبيرنا «جوبتير.» ~~ولو قد أرادوا لجعلونا فصائل من الحيوان، لا يتقدم إليها قيصر ولا كسرى ولا فرعون ~~بعبادة هذا الإله أو ذاك. ومن يدري؟! لعلهم لو جعلونا فصائل من الحيوان؛ لأحسنوا ~~إلينا أكثر مما تظن! فمن الحيوان ما يتقدم له الناس بأنواع العبادات، وفنون الطاعة، ~~وضروب القربان، ومن يدري؟! لعلنا لو كنا حيوانا أن نعبد في طرف من أطراف الأرض، ~~وأن يقتتل الناس حول ديننا وعبادتنا، كما يقتتلون حول دين المسيح وعبادة «أبلون». ~~وأنا بالطبع لا أتحدث إلا عن اليونان ولا آسي إلا لليونان؛ فاليونان وحدهم هم ~~الناس، وما يعبأ الآلهة بغيرهم من الشعوب. # قال «كلكراتيس»: ألم يتعبك هذا الحديث الذي لا ينقطع، وهذا الهراء الذي لا ~~ينقضي؟! أتراك تقدمت إلى «دينوزوس» بشيء من العبادة فأفرغت في جوفك بعض الأقداح ~~التي تطلق لسانك بهذا الهذيان؟! ولكنك قد جعلت النهار لقيصر، أفتراك جرت عليه ~~وسرقت منه بعض النهار؟! # قال «أندروكليس»: ثم تزعم بعد ذلك أني أمزح وألهو وأنت المغرق في المزاح واللهو! ~~فأنا قبل كل شيء لا ألغي ولا أهذي، وإنما أتحدث إليك بالجد كل الجد، وأنا بعد ذلك ~~لم أجر على قيصر ولم أسرق منه بعض النهار! لأن قيصر لم يحرم الخمر، ولا ينهي ~~عن التهام الأقداح. وأنا أستطيع أن أعرف لقيصر حقه، وأن أرضي مع ذلك «دينوزوس» أعلن ~~حب قيصر، وأسر طاعة «دينوزوس» في الليل والنهار جميعا. ثم أنا بعد هذا وذاك لا ~~أتحرج من الجور على قيصر إذا أمنت شره ومكره. ولعلي ms163 أجد في خداعه والعبث به بعض ~~اللذة. فقد علمنا خداع الآلهة والعبث بهم، فكيف برجل مثلنا لا يمتاز منا إلا بهذه ~~الحماقة التي تخيل إليه أنه رجل ممتاز، وأنه ليس كغيره من الناس. # صدقني أيها الحبيب، أرح نفسك من اليقين! فإن اليقين لا يليق بالناس، وإنما يليق ~~بالآلهة. والحياة كلها لا تستحق اليقين، ولا تعدل ما يكلف أصحابه من الألم ~~والحسرة. # إن اليقين ثبات واستقرار، وإن الحياة مضي وزوال. فاستقبل الحياة المتنقلة ~~بما يلائمها من هذا الشك الذي ينقل نفسك معها من طور إلى طور. وما لي أكشف لك عن ~~خبيئة نفسي، وما أظنك إلا عرفتها منذ اتصلت بيننا العشرة، وطالت بيننا المخالطة! ~~فأنا أشير عليك وعلى صديقنا بأن نجعل جهر أمرنا لقيصر وإلهه الجديد، وسره ل ~~«دينوزوس» وأصحابه القدماء. وما أظن أنك ترى هذه المشورة تصدر عن رجل يؤمن بالدين ~~القديم أو بالدين الجديد. فطبيعة الدين لا تحتمل شركة ولا اقتساما. ومن أباح ~~الشركة في الدين فقد ألحد فيه. وأنا أبيح هذه الشركة، وأكثر المعاصرين لنا يبيحونها ~~ويتخذونها لأنفسهم مذهبا. # فالدين عندي، كما هو عند هؤلاء المعاصرين، وسيلة لا غاية، وطريق لا غرض. طاعة ~~قيصر وإلهه تكفل لنا الأمن على الحياة والثروة والأمل في المجد والجاه والسلطان. ~~وطاعة «دينوزوس» وأصحابه تكفل لنا لذة الحياة ونعيمها وإمتاع نفوسنا وأجسامنا بما ~~تثيره اللذة والنعيم من ضروب الإحساس والشعور. وما أظنك تصدق أن أمثالنا من ~~الفلاسفة المثقفين يستطيعون أن يطمئنوا إلى «جوبتير» وأصدقائه، إلا أن يلغوا عقولهم ~~إلغاء، أو يردوا إلى سذاجة القدماء ردا، ويعودوا كأولئك الذين كانوا يعيشون ~~بغرائزهم قبل أن ينشأ العقل وقبل أن يحدث الفلسفة للناس. # فالوثنية الآن سبيل اللذة وراحة النفس. والمسيحية الآن سبيل المجد والثروة ~~والاستعلاء في الأرض. فكن كغيرك من الناس، وكن شجاعا كصاحبيك؛ فهما قد عرفا طبيعة ~~الأشياء والناس، ويريدان أن يلائما بين حياتهما وهذه الطبيعة. وهما يصارحان ~~أنفسهما بهذه الملاءمة، ولا يريدان أن ينافقا مع أنفسهما! لأنهما يريان في النفاق ~~مع قيصر وإلهه ورعيته ms164 الكفاية كل الكفاية. # قال «كلكراتيس» وقد جعل الغيظ يسري في نفسه ويظهر في صوته قليلا قليلا: لست ~~أدري إلام تريد بكل هذه البراعة التي تصطنعها من حديثك كأنك أحد السفسطائيين. وما ~~أظن أن «جورجياس» كان يستطيع أن يزين الرياء والنفاق والمداراة والمجاراة، ~~والتهالك على اللذة، وإيثار العافية، وموادعة الناس، ومصانعة السلطان بخير مما ~~زينتها. ولكن ما رأيك في أني أكره هذه الخصال كلها أشد الكره، وأمقت الأخذ بها ~~فضلا عن الاندفاع إليها أشد المقت، ولا أرى أن أكون منافقا مع نفسي، ولا أرى كذلك ~~أن أكون منافقا مع الناس، لا أوادع غيري، وإنما أريد أن أكون حرا طلقا، لا ~~أطمئن إلى السجن، ولا أذعن للقيد. وأنا أعرف أن هذه خطة تملؤها الأخطار ، ولكني لا ~~أكره الأخطار ولا أهابها، وإنما أحتقرها وأزدريها. أليس أقصاها وأقساها، وأشدها ~~ثقلا، وأمرها مذاقا، هو الموت. فإذا كنت لا أحفل بالموت فإني خليق ألا أحفل بما ~~هو أيسر منه شأنا وأهون منه أمرا. # وأنا مثلك، لم أطمئن قط فيما بيني وبين نفسي إلى آلهتنا القدماء، ولا إلى وثنتينا ~~الموروثة. وإنما اتخذتهم واتخذتها رمزا لهذا اللون من الحياة الذي أرضاه وآلفه، ~~ولم يخطر لي بعد أن أتحول عنه، ولا أريد أن أتحول عنه! لأن في هذا التحول رضا قيصر ~~والأمن من معرة الناس. # فأنا إذا لا أثور حفاظا للآلهة ولا دفاعا عن الدين، وإنما أثور حفاظا لنفسي ~~ودفاعا عن حريتي. وقد يكون من الحق أننا ظلمنا حين لم ننشأ آلهة ولم نخلق من ~~طبقة الحيوان، وإنما جعلنا شيئا بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. ولكن ما ~~رأيك في أني لا أكره هذه الطبيعة المذبذبة ولا أضيق بها، وإنما أحبها وآلفها، ~~وأريد أن أستغلها إلى أقصى حدود الاستغلال، فأمنح عقلي كل حظه من الحرية، وأمنح ~~جسمي كل حظه من اللذة، وأحتمل نتائج هذه اللذة وتلك الحرية مهما تكن قاسية، ومهما ~~تستتبع من آلام. # ما لقيصر ومالي! إني لم أنازعه في عرشه، ولم أمانعه في ملكه، ولم ms165 أشاركه في ~~قصره، ولم أبتغ إليه وسيلة، ولم ألتمس عنده حظوة، ولم أسأله منصبا من مناصب الحكم، ~~ولا منزلا من منازل الشرف. بل لم أقم دون ظلمه وجوره حين صبهما علي، فأخذ من ~~مالي غير حقه، وكلفني ألوانا من العمل ليس له أن يكلفني منها شيئا. # أفلا يرضيه مني هذا كله؟! أفلا يقنعه مني أن أعطيه كل ما أعطيته في غير مقاومة ~~ظاهرة ولا كراهة بادية، حتى يأبى إلا أن يدخل بيني وبين نفسي، ويفرض علي شعورا ~~لا أجده، ودينا لا أحبه؟! # ماذا أقول؟! إنه يفرض علي شعورا لا يجده هو، وإنما يتكلفه تكلفا، ودينا لا ~~يؤمن به هو، وإنما يتصنعه تصنعا. وما آبي عليه كما لا آبي عليك وعلى صديقنا أن ~~تنافقوا في الدين وفي غير الدين إيثارا للعافية، أو استزادة من لذات الحياة ~~ونعيمها. وإنما آبي عليه وعليكما أشد الإباء، أن تحملوني على ما تحبون أن ~~تحملوا أنفسكم عليه من هذا النفاق الذي يستتبع إلغاء العقل، وابتذال القلب، وبيع ~~الضمير. # قال «أندروكليس»: إنك إذا لثائر يا صاحبي لا على قيصر وحده، بل على الناس ~~جميعا. # قال «كلكراتيس»: فإن أعجبتني هذه الثورة، فمن يستطيع أن يمنعني منها أو يردني ~~عنها، دون أن يكون ظالما لي جائرا علي! ثم إن أعجبني أن أمتنع على الظلم ~~والجور، وأوثر الموت على حياة لا تطيب إلا بهما، فمن يستطيع أن يمنعني من الموت أو ~~يردني عنه! # قال «أندروكليس»: لا أحد! ومن أجل ذلك كنت تفكر في الموت. ومن أجل ذلك كنت تقرأ ~~في هذا الكتاب، تريد أن تزين لنفسك ما زينه سقراط من الخلود، قبل أن تتجاوز هذا ~~الباب الذي يقوم بين الحياة والموت. # قال «كلكراتيس»: أما أني فكرت في الموت فهذا حق، ولست بدعا من الذين فكروا ~~فيه قبلي. ولئن تعجلته فلن أكون بدعا من الذين تعجلوه. وأما أني التمست العزاء في ~~جوار «فيدون»، فهذا خطأ! لأني لم ألتمس عزاء، ولم أطلب خلودا، ولم أفكر فيه، وإنما ~~تحدثت إلى نفسي بالموت، ثم ms166 أعرضت عن هذا الحديث! لأن خطب قيصر أهون من ذلك، ولأني ~~ما يزال لي في الحياة أرب. ثم ذكرت هذه الآية من آيات أفلاطون، فأقبلت عليها أستمتع ~~بما فيها من سحر البيان، وما أكثر ما قرأتها، وما أكثر ما سأقرؤها! إني لا أخاف ~~الموت ولا أكره حديثه، كما تخافه أنت وتكره حديثه. # قال «أندروكليس»: فقد أرضيتني، ورددت إلى نفسي طمأنينتها، أنبأتني بأنك لن تتعجل ~~الموت؛ لأن لك في الحياة أربا. وخطب قيصر، وخطب الناس جميعا، وخطب الآلهة أيضا، ~~أيسر وأهون من أن نتعجل في سبيله الموت وما يزال لنا أرب في الحياة. ولكن المشكلة ~~ما زالت قائمة! فإن قيصر يأمر عماله، ومنهم صديقنا، أن يشتدوا في حمل الناس على دين ~~المسيح، وأخذهم بالجد في ذلك أخذا حازما عنيفا، إن احتاجوا إلى الحزم ~~والعنف. # فماذا ترى لنفسك؟ وماذا ترى لصديقنا؟ وماذا ترى لي؟ # قال «كلكراتيس»: وما أرى لصديقنا ولا لك إلا ما رأيته أنت وقبله صديقنا. فإني لا ~~أريد ولا أستطيع أن أحملكما على ما أريد، وأستطيع أن أحمل عليه نفسي. # قال «أندروكليس»: وعلام تريد أن تحمل نفسك؟ # قال «كلكراتيس»: على معصية قيصر. # قال «أندروكليس»: أو تفعل؟ # قال «كلكراتيس»: نعم. # قال «أندروكليس»: فإن عاقبة هذا العصيان لن تمسك وحدك، ولكنها ستمسنا جميعا. ~~ولست أخفي عليك أني لا أريد أن أتعرض للأذى؛ لأن لي في الحياة ولذتها أربا. فإذا ~~تحدثت إليك الآن ناصحا بالتؤدة والأناة، فإني مخلص في النصيحة غير متهم؛ لأني ~~سأخالفك وآمن كيد قيصر وأذاه. إنما أنصح لك بالأناة إشفاقا عليك أنت. وأنا أعلم ~~أني لن أستطيع إكراهك على الحياة إن آثرت الموت، ولا على الدعة إن آثرت العذاب، ~~وإن كان موتك يشقيني، وعذابك يؤذيني. ولكني أشفق على صديقنا، وما أراك إلا مشفقا ~~عليه مثلي. فإن عصيانك لقيصر سيضطره إلى إحدى اثنتين كلتاهما شر: فإما أن يجاريك ~~فيشاركك في الشقاء، وإما أن يجاري قيصر فيدفع إلى البطش بك، وما أراه يفعل. أفكرت ~~في هذا كله؟ أقدرت هذا كله؟ # قال «كلكراتيس»: ms167 فإني ما زلت في التفكير والتقدير منذ اليوم. # قال «أندروكليس»: وإذا؟ # قال «كلكراتيس»: وإذا فلست أدري. لقد دعاني الموت فأبيت أن أستجيب له، وأنا ~~حريص أشد الحرص على ألا أوذيكما. وما أرى إلا أن الأرض واسعة، والفضاء عريض، ~~وأن في الهجرة عنكما والزوال عن هذا الإقليم ما يرضيني وإن شق علي، وما ~~يؤمنكما وإن كان فراقي عليكما عسيرا. # قال «أندروكليس»: تريد أن تزول عن هذا الإقليم، وتهاجر من هذه الأرض! ولكنك تعلم ~~أن أمر قيصر ليس مقصورا على هذا الإقليم، ولا موقوفا على هذه الأرض. فأنت إذا ~~تريد أن تتعرض للأذى أو للموت على ألا يأتيك الأذى والموت من يد صديقك. # قال «كلكراتيس»: فإني لا أريد الموت، ولا أرغب في الأذى، ولا أهاجر من أرض قيصر ~~إلى أرض قيصر، إنما أزول عن ملك قيصر كله. # قال «أندروكليس»، وقد أخذه الدهش والحزن: تزول عن ملك قيصر، وتلجأ إلى أرض ~~البرابرة، وتدع حضارتنا وعاداتنا وتراثنا وما في حياتنا من نعيم وخفض، إلى حياة ~~مجهولة، وقوم مجهولين، وغربة ما ندري ماذا تضمر لك من الأخطار! فأنت تريد إذا أن ~~تسلك سبيل أولئك الفلاسفة من اليونان الذين لجئوا إلى عدونا من الفرس، وأتاحوا ~~لكسرى ما كنا نحتكره من العلم والفلسفة والمعرفة، وأتاحوا له قوة لم يكن يملكها، ~~وقدرة على حربنا والكيد لنا والظهور علينا لم يكن له منها حظ. # قال «كلكراتيس»: ما ألوم أولئك الفلاسفة الذين فروا بعقولهم إلى أرض عدونا من ~~الفرس، فربما كان العقل آثر من الوطن، وآثر من الصديق، وآثر من الناس والأشياء ~~جميعا. # ولكن هون عليك! فلن أسلك طريق أولئك الفلاسفة إلى بلاد الفرس؛ لأني لا أريد أن ~~أخرج من رق قيصر لأدخل في رق كسرى، وما أريد أن أفر من دين المسيح لأكره على دين ~~المجوس! إنما أريد أن أهاجر إلى أرض لا سلطان فيها، وليس لأحد عليها ملك. إلى أرض ~~لا يكره الناس فيها على ما لا يحبون. إلى أرض لا أكون فيها رعية ولا سوقة، وإنما ~~أكون ms168 فيها ملكا. # ثم رفع إلى صديقه نظرة حزينة وقال: لا يعجلك الدهش عن الاستماع لي والفهم عني! ~~فإني لا أهرب من ملك قيصر لأفرض ملكي على الناس. ومن لي بالملك وأسبابه! إنما ~~أريد أن أكون ملكا لنفسي، لا أملك أحدا، ولا يملكني أحد. # قال «أندروكليس» وقد رد إلى هدوئه فأغرق في الضحك: فأنت تريد أن تهاجر إلى ~~الصحراء، وأن تكون راهبا فيها من رهبان «دينوزوس»! رأي طريف لا أرى به بأسا. إن ~~للنصرانية رهبانها الذين يقيمون في الأديار والصوامع، في المدن وفي أطراف الصحراء. ~~فأنت تريد أن تجعل للوثنية رهبانها وأديارها وصوامعها. # رأي طريف لا أرى به بأسا. لقد أخذ النصارى عن الوثنية علمها وفلسفتها. فما ~~للوثنية لا تأخذ عن النصرانية نسكها ورهبانيتها! # ما أرى إلا أننا سنلهو بهذا الرأي لهوا متصلا، حين نخلو إلى صديقنا وإلى ~~«دينوزوس» إذا جن الليل. # قال «كلكراتيس»: لا تسخر ولا تمزح! فما فكرت في رهبانية ولا نسك. وقد قلت لك إن ~~لي في الحياة أربا، وما أريد أن أتخذ لي في طرف من أطراف الصحراء صومعة ولا ديرا. ~~وماذا أصنع في الصومعة والدير، وأنا لم أرض حاجتي بعد من لذات الحياة ونعيمها! ~~لا أريد أن أعتزل الناس، وإنما أريد أن أعتزل السلطان. # لن نلهو الليلة بهذا الرأي كما تظن، ولكننا سنتدبره ونطيل الحديث فيه. فما زلت ~~أعتمد عليكما، وعلى ما تضمران لي من مودة، وما تخلصان لي من حب. وما زلت أعتقد ~~أنكما ستهونان علي من هذا الأمر ما أراه عسيرا. # قال «أندروكليس»: لقد كان خيل إلي أني فهمت عنك، ولكنك تردني إلى الغموض ~~والحيرة. فلعلي أفهم عنك حين نخلو إلى صديقنا. وما أظن إلا أنه قد آن لنا أن نسعى ~~إليه. # 4 # وأقبل الصديقان من ليلتهما على قصر الحاكم، فحاد بهما الحجاب عن طريق الحجرات ~~الخاصة التي كانت تشهد ما يأخذان فيه مع صديقهما من سمر ولهو ومجون، وسلكوا بهما ~~طريق بهو من أبهاء الاستقبال. فلما سألا عن ذلك قال الحجاب إن سيدهم ms169 لم يفرغ ~~للسمر بعد، وما يظنون أنه سيفرغ له الليلة. # قال «أندروكليس»: فإنا ننتظره كما تعودنا أن نفعل حتى يفرغ لنا. # قال أحد الحجاب: بل هو ينتظركما. وقد تقدم إلينا في إدخالكما عليه إذ أقبلتما، ~~وفي تعجلكما إن تأخر قدومكما على القصر. # قال «كلكراتيس»: وما ذاك؟ # قال الحاجب: ما ندري! ولكن مولانا قد خلا منذ ساعة غير قصيرة إلى راهب شيخ من ~~الرهبان ما أرى إلا أنكما تعرفانه! فقد رأيت مولانا يتلقاه مكبرا له، حفيا به في ~~كل شيء من التبسط والإسماح، كأن له به عهدا قديما. # قال «أندروكليس»: راهب شيخ يلقاه الحاكم حفيا به، مكبرا له، متبسطا معه. من ~~عسى أن يكون؟! # قال «كلكراتيس»: وهو يريد أن نلقاه، ويتعجل مقدمنا إن أبطأنا ! أفتراه قد دعا هذا ~~الراهب ليعظنا ويفقهنا في الدين؟ إنه ليحرق السفن من ورائه، ولا يكفيه أن يسمع ~~لمشورتك، بل يسرع إلى العمل بها إسراعا. ما أشد حرصه على رضا. # ولم يمكنه «أندروكليس» من إتمام مقالته، وإنما غمزه مسرعا وقال للحاجب: أفلا ~~تريد أن تستأذن لنا؟ # قال الحاجب: نحن لسنا في حاجة إلى ذلك! فقد أمرنا أن ندخلكما عليه فورا. # ثم مضى أمامهما وتبعاه، ثم انفرجت لهما الأستار واجتمعت من دونهما. ولم يكادا ~~ينظران إلى هذا الراهب الشيخ الذي كان يتحدث إلى صديقهما في أناة وهدوء، حتى أخذهما ~~الدهش، ودفعا إلى الشيخ دفعا وهم يصيحان بصوت واحد: كلينيكوس! # ونهض الشيخ لهما في رزانة ووقار، فضمهما إليه، وقبلهما تقبيل الوامق المشوق، ~~وبارك عليهما في غير تكلف ولا تصنع، وهو يقول: فقد أذن الله لي أن أراكم جميعا قبل ~~أن أترك هذه الأرض. # قال «كلكراتيس»: فإنك قد تركت هذه الأرض عن رضا وتعمد. وما أدري ماذا أزعجك ~~عنها! وما علمت قط ماذا صرفت عما كنت فيه من حياة ناعمة وعيش لين. وما كنت أحسب أن ~~فراق الأصدقاء يهون عليك إلى هذا الحد، وأن نفوس الناس تتجافى عن أوطانها على هذا ~~النحو. # وهم الشيخ أن يجيب، ولكن «أندروكليس» قال متعجلا: ms170 عجبا للذين ينكرون على الناس، ~~ولا ينكرون على أنفسهم. فإني أشاركك فيما تقول لكلينيكوس، ولكني أحب أن تقوله ~~لنفسك. ثم التفت إلى حاكم المدينة قائلا: ولكنك تجهل من أمره كل شيء. فاعلم أنه قد ~~أزمع الهجرة عن هذه الأرض، وهو الآن يفكر في مهاجره الذي يقصد إليه ويستقر ~~فيه. # وأظهر الحاكم دهشه وإنكاره. ولكن الراهب الشيخ نظر إلى «كلكراتيس» نظرة حب وحنان، ~~وقال: فقد مسك إذن جناح من رحمة الله وأنت تريد الفراغ له، والخروج لطاعته عن حياتك ~~الناعمة، وعيشك اللين، وأيامك المقبلة التي قد تكون حافلة، إن انتظرتها، بالسلطان ~~والجاه. فلا تلتمس مهاجرا ولا تفكر فيه، ولكن ارتحل معي من الغد، أو ارتحل في أثري ~~إن احتجت إلى أيام تصلح فيها أمر من تترك وراءك من الأهل والصديق: فما أراك تجد ~~ديرا أرفق بك من ديرنا، وما أراني أهدي إلى ديرنا خيرا منك. # قال «أندروكليس»: فإنك لم تأت للقائنا إذا، وإنما أتيت للتفريق بيننا. وما كفاك ~~أن انتزعت نفسك من وطنك وصديقك انتزاعا حتى تريد أن تنتزع «كلكراتيس»! # قال الراهب مبتسما: لو استطعت أن أنتزعكم جميعا، وأخرجكم عما أنتم فيه، ~~وأهديكم إلى هذا الدير، أو أهدي إليكم الحياة في هذا الدير، لكنت أسعد الناس ~~وأخلقهم بالغبطة والابتهاج. فإن الله لم يتح لأحد منا نعمة تعدل القدرة على ~~استنقاذ الناس من أنفسهم، واستخلاصهم له من آثام الحياة وسيئاتها. وأي شيء آثر عند ~~الرجل الكريم من أن يستنقذ صديقه من الشر، ويهديه سبيل الخير! وإني ما أقبلت عليكم ~~لأنتزع منكم أحدا، ولا لأنتزعكم من أنفسكم وأوطانكم، وإنما دعيت فأجبت، ثم سنحت ~~الفرصة فأنا أنتهزها. # قال «كلكراتيس» ضاحكا: فإن نفسي لم تنضج بعد لحياة الدير، وما أرى أنها قريبة ~~النضج. # قال حاكم المدينة باسما وهو يلتفت إلى الراهب: فإني قد دعوتك لأيسر من هذا. وإني ~~أستطيع الآن، وقد حضر هذان الصديقان أن أظهرك وأظهرهما على جلية الأمر؛ فإنك لا ~~تعلم منها شيئا، وهما لا يعلمان منها إلا قليلا. # قال الراهب: وما ذاك؟ ms171 # قال حاكم المدينة: فإن مكانك منا بحيث تعلم، وقد كنت لآبائنا صديقا، وكنت بنا ~~رفيقا. وكثيرا ما عقدت بنا الآمال، ونطت بنا الأماني. وكثيرا ما تحدثت إلينا ~~وإلى آبائنا بأنك تدخرنا لتجارتك الواسعة، في أقطار الأرض العريضة. ثم كانت رحلتك ~~تلك إلى بلاد العرب، ثم كانت عودتك منها، ثم كان اعتزالك للحياة والأحياء، وانقطاعك ~~لله في ذلك الدير البعيد القائم في طرف من أطراف الصحراء. # أعرضت عنا ولم تفكر فينا، ولم تحفل بما ألم أو ما كان يمكن أن يلم بنا من الأحداث ~~والخطوب. وما ندري ماذا صنعت بتجارتك الضخمة، وثروتك الواسعة. وما أتحدث إليك في ~~ذلك عاتبا ولا لائما! فإنك لم تسئ إلينا، ولم تقصر في ذاتنا، وإنما ألهاك عنا ما ~~ألهاك من أهلك ومالك ونفسك. إنما أذكرك بهذا كله لتعلم أنك إن نسيتنا فإننا لم ~~ننسك، وإن شغلت عنا فإنا لم نشغل عنك. ثم لتعلم أني لم أدعك ولم ألجأ إليك، إلا ~~لأنا تعرضنا لما نحتاج معه إلى رأيك ومشورتك، وإلى سلطانك العظيم على نفوسنا، ~~وتأثيرك العميق في قلوبنا، فاعلم الآن أن قد ارتفعت الأنباء إلى قسطنطينية بأن هذين ~~الصديقين يرتابان في دينهما، ولا يتحرجان من الإعراض عنه، وقد يستبيحان في بعض ~~خلوتهما العبث به والإلحاد فيه. وجاء إلي الأمر من قسطنطينية أن أمتحنهما وأكشف ~~جلية أمرهما، فإن ظهرت منهما على ريبة، أخذتهما بالتوبة أخذا شديدا، فإما قبلاها، ~~وإما أخذتهما بالعذاب الشديد. وما أخفي عليك، وما أظنني أستطيع أن أخفي عليك أن ما ~~ارتفع من أمر الصديقين إلى قسطنطينية حق كله، بل هو بعض الحق؛ فإنهما لا يرتابان ~~وحدهما في الدين ولا يعبثان وحدهما بالدين، وإنما يشاركهما في الريبة والعبث ثالث ~~لهما، هو الذي يتقدم إليه قيصر في تخييرهما بين التوبة والعذاب. وما أحسب إلا أن ~~الأنباء ارتفعت إلى قيصر بأمري، كما ارتفعت إليه بأمرهما. وما أحسبه إلا يمتحنني ~~بهذا الأمر الذي أصدره إلي. وقد أشرت، بعد أن دعوتك، إلى صديقي بهذا الخطب في شيء ~~من التلطف والتلميح. ms172 فأما أحدهما، وهو «أندروكليس»، فقد أظهر مرونة ولينا وحسن ~~استعداد لاتقاء الفتنة. وأما الآخر فتستطيع أن تنظر إليه، فإن ما يظهر على وجهه من ~~العبوس والثورة خليق أن ينبئك ببعض أمره إن لم ينبئك به كله. # وهم «كلكراتيس» أن يتكلم، ولكن الراهب قال في صوت رقيق رفيق: إني لأرحمكم يا بني ~~وأرثي لكم، لا من شك قيصر فيكم وارتيابه بكم، وتعريضه إياكم للفتنة والبلاء! فذلكم ~~أيسر الخطب وأهونه، بل من شككم في الدين وارتيابكم به، وإعراضكم عنه وإلحادكم فيه. ~~ولكني على ذلكم لا ألومكم ولا أنكر عليكم، وإنما أفهم موقفكم حق الفهم؛ فإن هذه ~~الحياة التي تحيونها، وهذه البيئة التي تضطربون فيها، وما يختلف بين أيديكم كل يوم ~~من الحوادث، وما يعرض من الأمر، وما ترون من سيرة القادة والسادة والوعاظ والهداة، ~~كل ذلك خليق أن يشككم فيما تشكون فيه، ويريبكم بما ترتابون به، ويدفعكم إلى ما ~~تندفعون إليه من هذه الحياة العابثة الماجنة التي لا ترجو لأحد ولا لشيء ~~وقارا. # وكيف ألومكم أو أنكر عليكم وقد أنفقت أكثر عمري فيما تنفقون فيه شبيبتكم! ولولا ~~هذه الرحلة وما رأيت وما سمعت وما بلوت فيها وما تبينت، لما كنت إلا واحدا منكم، ~~يشارككم في العبث واللهو إن قدر على مشاركتكم فيهما، أو ينعم باستمتاعكم بالعبث ~~واللهو إن ردته السن عن أن يأخذ بحظه منهما. # ولو تعرفون يا بني هذه اللوعة التي تحرق قلبي تحريقا، وهذه الحسرة التي تفرق ~~نفسي تفريقا، وهذا الندم اللاذع الذي لا يفارقني يقظان ولا نائما، لو تعرفون هذا ~~أو بعض هذا، لرحمتم أنفسكم مما أرحمكم منه، ولعدلتم بأنفسكم عن هذه الطريق التي ~~عدلت بنفسي عنها، ولكني لا أدري كيف أنقل إلى قلوبكم ما أجد في قلبي، وكيف أشيع في ~~نفوسكم بعض ما يشيع في نفسي، كيف أبين لكم بعض ما تبين لي من أن هذه الحياة باطل ~~كلها، ومن أننا ننشأ آثمين، ولا نخطو في حياتنا خطوة ولا نتقدم في عمرنا لحظة، إلا ~~علقت بنا أدران الإثم، ms173 ولصقت بنا أوضار الخطيئة، ومن أننا لو خلونا إلى أنفسنا، ~~وانقطعنا عن الناس جميعا، وعن الأشياء جميعا، وفرغنا للندم على ما قدمنا وقدم ~~آباؤنا الآثمون الخاطئون، والاستغفار مما جنينا وجنى آباؤنا المذنبون المسيئون، لما ~~أزلنا عن أنفسنا بعض ما علق بها من إثم، ولما غسلنا عن قلوبنا بعض ما لصق بها من ~~وضر. وما أعرف مع هذا كله أن إظهاركم على بعض ذلك يتأتى بالحوار والخطاب، أو يتاح ~~بالحجة والدليل، وإنما هي رحمة من الله تمس العقول، فتكشف لها عن الحق، وتهديها ~~سواء السبيل. # قال «كلكراتيس»: فإن هذه الرحمة لم تمس عقولنا بعد، وما أدري أتمس عقولنا في يوم ~~من الأيام. وإذا كنا لم نرحل رحلتك إلى بلاد العرب ولم نر فيها ما رأيت ولم نبل ~~فيها ما بلوت، فنحن معذورون إن لم نضق بحياتنا هذه ذرعا، ولم نخرج عنها ونسلك ~~طريقك تلك التي سلكتها إلى الدير. # وصدقني أني لا أكره أن تمسني هذه الرحمة التي مستك، بل لا أتمنى إلا أن تمسني ~~فتهديني إلى مثل ما اهتديت إليه، أو إلى غير ما اهتديت إليه، ولكنها تخرجني على كل ~~حال من هذه الحياة التي أخذت أمقتها أشد المقت، وأضيق بها أعظم الضيق. # قال «أندروكليس»: ولكني لا أمقت هذه الحياة ولا أضيق بها، ولا أريد أن تمسني هذه ~~الرحمة، ولا أبتغي إلا أن أترك وما أنا فيه من خفض العيش ولينه، وأنا زعيم بإرضاء ~~قيصر وبإرضاء المسيح أيضا. # قال الراهب: أما إرضاء قيصر فيسير، والناس جميعا أو أكثرهم يبلغون من رضا قيصر ~~ما يريدون، وإنما هي الطاعة والإذعان، والاختلاف إلى الكنائس، وشهود الصلوات، ~~وإظهار التكريم للقسيسين والرهبان. وأما إرضاء المسيح فشيء آخر بعيد كل البعد عن أن ~~يكون من اليسر والسهولة بحيث تظن. # قال «أندروكليس»: فحسبي أن أرضي قيصر! لأني أعرفه وأومن به، وأرجو نعمته وأخشى ~~نقمته. فأما المسيح فما أرى أن له علي حقا قبل أن يظهر نفسه لي ويمسني بهذه ~~الرحمة التي مسك بها. وأنا أرجو ألا يفعل؛ فإنه ms174 إن فعل كلفني مثل ما كلفك من ~~اطراح الحياة ولذاتها، وما يملؤها من هذا النعيم ذي الألوان المختلفة الذي لم أقض ~~منه حاجتي، وما أحسب أني سأقضيها في يوم من الأيام. # قال الراهب ملتفتا إلى الحاكم: وأنت ماذا تقول؟ # قال الحاكم مبتسما مستخذيا: يشق علي أني لا أستطيع أن أقول إلا ما قاله ~~«أندروكليس». # قال الراهب: فإني لا أملك لكما من الله شيئا، وما أنا من الذين يحبون الحوار في ~~الدين، وما هيأت نفسي لذلك وما مرنتها عليه، وما أقدر لكما إلا على الصلاة ~~والدعاء. فأما أنت يا «كلكراتيس»، فإني أرى، من اضطراب نفسك وثورة ضميرك وترددك بين ~~ما ترى وما لا ترى، أن لك شأنا. # قال «أندروكليس» ملتفتا إلى الراهب ضاحكا له : أتعلم أي صورة يثيرها موقفك هنا ~~الآن في نفسي؟ # قال الراهب: نعم! تتحدث إليك نفسك بأني ذئب قد وقع في القطيع، فهو يتخير بين شائه ~~الشاة التي تلائمه ويسهل عليه اختطافها، وتخيل إليك نفسك أن «كلكراتيس» هو هذه ~~الشاة، وأني سأحاول انتزاعه من أهله وصديقه ووطنه. ثم تتحدث إليك نفسك هازئة بي ~~وساخرة مني بأن «كلكراتيس» بعيد كل البعد على أن يكون شاة، وبأني سأرتد عنه خاسئا ~~حسيرا. ولكن نفسك تكذبك يا بني، فما أنتم بالقطيع، وما أنا بالذئب، وإنكم لألسن ~~مني، وإنكم لأقدر مني على الحوار والانتصار على الخصم. وما أنا بطامع في ~~«كلكراتيس»، وما هو في حاجة إلى أن يقاومني ويدفعني عن نفسه، وقد أنبأني آنفا بأن ~~رحمة الله لم تمسسه بعد، وأنه لا يكره أن تمسه، بل لا يتمنى إلا أن تمسه، وأنا أعلم ~~أن رحمة الله قريب من الذين يطمعون فيها ويطمحون إليها. فلست أرجو أن يرحل معي ~~«كلكراتيس»، ولعلي لا أرجو أن يلحق بي إلى الدير. ولكني لست أيأس أن يمسه الله ~~بروح منه، فيخرجه من تردده، وينقذه من اضطرابه الذي يشقيه. # قال «كلكراتيس»: فإني لست مترددا ولا مضطربا، ولكني مطمئن كل الاطمئنان إلى أن ~~هذه الحياة التي يأخذ قيصر بها الناس ms175 ويريد أن يأخذنا بها. ويواطئه صديقاي على أن ~~يأخذا بها نفسيهما، شر كلها لا تليق بالرجل الكريم، ولا يستطيع ذو العقل أن يطمئن ~~إليها. فأنا أريد عازما أشد العزم أن أفر بعقلي منها إلى مكان بعيد لا تستطيع أن ~~تبلغه، ولا يستطيع سلطان قيصر أن يصل إليه. # قال الراهب: إني يا بني لم أختلف إلى مجالس الفلاسفة كما اختلفت إليها، ولم أقرأ ~~من كتبهم مثل ما قرأت أو بعض ما قرأت، وإنما أنفقت حياتي في التجارة ومعالجة ~~المنافع العاجلة، ومع ذلك فقد يخيل إلي أنك تريد أن تحمل نفسك شططا! فإنا لم ~~نمنح العقل لنفر به من الشر، بل لنواجه به الشر ونقهره ونظهر عليه. وما أظن أنا ~~منحنا العقل لنتخذه وسيلة إلى الأثرة، وطريقا إلى الراحة والنعيم. كذلك يفكر كثير ~~من الناس! ولكنهم، فيما أعتقد، يخدعون أنفسهم ويضللون عقولهم، ويخفون ما يملأ ~~قلوبهم من الضعف وحب النفس والعجز عن احتمال تبعات العقل. إن العقل يا بني فيما ~~أرى نور؛ ومن طبيعة النور أن يهزم الظلمة لا أن ينهزم لها. وإن العقل يا بني ~~فيما أرى سلاح ماض حديد! ومن طبيعة السلاح أن يهزم العدو ويظهر صاحبه عليه، ويحمله ~~على المقاومة والجهاد في أقل تقدير، لا على الهرب والفرار لأول بادرة تبدر أو شر ~~يخاف. # قال «كلكراتيس»: فإن استيقنت أن هذه الظلمة التي تحيط بي أشد كثافة وصفاقة، ~~وأكثر تراكما وتلاحقا من أن يبددها هذا النور الضئيل الذي يضطرب في رأسي، وإن ~~استيقنت بأن العدو الذي يهاجمني ويأخذني من كل وجه أضخم قوة وأعظم بأسا وأكثر ~~عددا من أن أهزمه بهذا السلاح الذي في يدي. # قال الراهب: فإن الواجب عليك مع هذا أن تثبت لهذه الظلمات الكثيفة الصفيقة ~~المتراكمة المتلاحقة؛ فإنها مهما تبلغ من الكثافة والصفاقة فلن تمحق هذا النور ~~الضئيل الذي يضطرب في رأسك. وإن الواجب عليك أن تثبت لهذا العدو الذي يسعى إليك من ~~كل وجه، ويريد أن يأخذك من كل نحو، فإنه مهما تضخم قوته ويعظم بأسه، ms176 فلن يستطيع أن ~~يفل سلاحك هذا الماضي الحديد، ولا أن ينتزعه من يدك انتزاعا. # وقد ضربت لك الأمثال من قبل: ضربها لك أبو الفلاسفة إن كنت فيلسوفا، وضربها لك ~~صاحب الدين إن كنت ديانا. فإن سقراط لم يفر بعقله من الأثينيين فيما أعلم، ولكنه ~~قبل منهم السجن، وتلقى منهم الموت، ثم لم يلبث أن ظهر عليهم آخر الأمر. وإن المسيح ~~لم يفر بدينه من اليهود ولا من الرومان، وإنما قبل منهم ما صبوا عليه من عذاب، ~~وتلقى منهم ما أعدوا له من شر، ثم انتصر عليهم آخر الأمر. # كلا! إنك لا تريد أن تفر بعقلك يا بني! فالعقل أشجع وأرفع وأمضى من أن ينهزم ~~للسلطان أو يتقيه بالفرار؛ وإنما تريد أن تفر براحتك ولذاتك وبما لك في الحياة من ~~أرب. إنما تريد أن تفر لأنك تستشعر الضعف عن المقاومة، وتحس العجز عن الثبات لهذه ~~المحنة التي تدبر لك وتسلط عليك. إن العقل خير كله فيما أرى، ولست أعتقد أنه يغري ~~بالأثرة أو يحرض على الفرار. إن الدوافع التي تدفعنا إلى الشر لا تأتينا من عقولنا، ~~لأن عنصر العقل خير كله، وإنما تأتينا من شهواتنا وغرائزنا. فانظر بأي شهوة أو بأي ~~غريزة تريد أن تفر. ولكن إياك أن تظن أنك تؤثر عقلك بالعافية أو تحسن إليه ~~بالهرب! # قال «كلكراتيس»: فأنت إذا تغريني بانتظار الموت؟! # قال الراهب: فإنك منتظر للموت في كل لحظة، وفي كل مكان، وفي كل طور من أطوار ~~حياتك. # قال «كلكراتيس»: أرى أنك تريد لي أن أتعرض للفتنة وما يتبعها من الشر والنكر ~~وألوان المكروه. # قال الراهب: لا أريد شيئا، وإنما أستنبط النتائج من مقدماتها. فإن كنت حريصا ~~على عقلك مؤثرا له مؤمنا به، فإن العقل لا يعرف الهزيمة ولا يحبها، ولن تكون أول ~~من تعرض للفتنة وألوان المكروه في سبيل الرأي والعقل، ولن تكون آخرهم. وإن كنت ~~حريصا على الراحة والعافية مؤثرا لهما فسواء علي وسواء على الرأي والعقل، أسلكت ~~إلى هذه الراحة والعافية سبيل صديقيك فخادعت الناس ms177 ونافقت معهم، أم سبيل الفرار ~~والهجرة فخادعت نفسك وآثرت مخادعتها على مخادعة الناس؛ لأن ذلك أيسر لك وأهون ~~عليك. # قال «كلكراتيس»: لم أكن مترددا ولا مضطربا قبل لقائك، فأما الآن فإنك قد أفسدت ~~علي أمري كله. # قال الراهب: لم أفسد عليك شيئا يا بني؛ لأن أمرك كان كله فاسدا، ولأنك كنت ~~تخدع نفسك بالآمال والأماني، وتخيل إليها أنها أكرم من نفس صديقك ومن نفوس الناس ~~جميعا. أليست تفر برأيها وتهرب بحريتها؟! فأين هي من النفوس التي تقبل الضيم ~~وتحتمل الذل؟! وكانت هذه الكبرياء تغريك وتطغيك، وتحملك على أن تؤله نفسك بالعبادة ~~من دون الآلهة جميعا. فأما الآن فقد أظن أن الأمر تبين لك، وأنك ستطيل التفكير قبل ~~أن تنحاز إلى دين قيصر مع صديقيك، أو إلى دين نفسك في ذلك المهاجر البعيد. ولكن أحب ~~أن تعلم أن كلا الدينين باطل مهين عند العقل الذي يخيل إليك أنك تكبره كل ~~الإكبار. # قال «أندروكليس»: كلا الدينين باطل مهين! فأنت إذا تنكر دين قيصر ~~والمسيح؟! # قال الراهب: أنكر دين قيصر، ما في ذلك شك، ولكن دين المسيح شيء ودين قيصر شيء ~~آخر. وما لجأت إلى الدير إلا لأفرغ من قيصر وأشباه قيصر للمسيح. # ثم سكت قليلا ثم قال: بل للمسيح ولانتظار ما سينكشف عنه الدهر بعد قليل. # قال حاكم المدينة: فسينكشف الدهر عن شيء بعد قليل إذا؟ # قال الراهب: ما أشك في ذلك يا بني! فقد تحدثت به الكتب، وكان الناس يضمرون ~~انتظاره فيما بينهم وبين أنفسهم، ثم أخذت بوادره الآن تبتدر، وجعلت الآيات تتحدث ~~إلى من يفهم عنها بأن مقدمه قريب. # 5 # وارتفع الضحى من الغد، فإذا الراهب الشيخ والفيلسوف الشاب ماضيان في حديثهما الذي ~~كانا فيه من الليل، فقد انتقلا به إلى بيت «كلكراتيس» حين همت أستار الليل أن تنجاب ~~عن وجه النهار. # انتقلا بحديثهما دون أن يقطعاه أو ينصرفا عنه، ودون أن يشغلهما عنه انهزام الليل ~~المظلم وانتصار الصبح المشرق، وهذا السهر المتصل الذي كان خليقا أن يعييهما ~~ويضنيهما. ولأمر ms178 ما شغلهما هذا الحديث عن هذا كله، وعن أكثر من هذا كله: فلم يشعرا ~~بحاجة إلى الراحة ولا بنبو عن العادة، ولا برغبة في طعام أو شراب، وإنما مضيا ~~أمامهما في الحديث نشيطين له، مستمتعين به، كما يمضي المسافر في طريق جميلة سهلة، ~~يملؤه النشاط وينأى به كل النأي عن الكلام والملال، وعن التقصير والقصور. # وكان الراهب الشيخ يقول لصديقه الشاب في هدوء ودعة، وفي ابتسام يوشك أن يكون ~~ساخرا لولا أن الشيخ كان أشد وقارا وأعظم إيمانا من السخرية، كان الراهب الشيخ ~~يقول لصديقه الشاب وادعا باسما: إنك يا بني تسرف في أمر العقل، وتحمله أكثر مما ~~يطيق أن يحتمل، وتدفعه حيث لا ينبغي أن يدفع، فإنك لا تصدر عن العقل حين تحب ~~وتبغض، ولا تصدر عن العقل حين تجوع وتظمأ، وإنما تصدر في ذلك كله عن غرائز قد ركبت ~~في طبعك، وسيطرت على مزاجك. وقد يستطيع عقلك أن يفهم هذه الغرائز، وقد يستطيع أن ~~يمسها ببعض التنظيم، وقد يعجز في كثير من الأحيان عن فهمها وتنظيمها. # وما أدري يا بني لم تؤمن بسلطان الغرائز على جسمك، ولا تؤمن بسلطانها على نفسك؟ ~~بل ما أدري لم تؤمن بأن للغرائز على نفسك سلطانا في بعض الأمر، وتجحد أن يكون ~~لها سلطان في بعضه الآخر؟ # قال «كلكراتيس»: فإني لا أفهم عنك ما تقول منذ اليوم. # قال الراهب الشيخ: فقد فهمت عني كل ما قلته منذ التقينا، أفتراك قد نال منك الجهد ~~وأدركك التعب؟ # قال «كلكراتيس»: كلا! ما رأيتني قط كما أراني الآن نشيطا إلى الحديث راغبا فيه، ~~مستزيدا منه، مشغوفا به. ولكن أوضح مقالتك فإن فيها بعض الغموض. # قال الراهب: فإن جسمك يا بني يألم إذا مسه الجوع أو الظمأ دون أن يكون لعقلك ~~في ذلك تأثير قليل أو كثير، وإن جسمك يا بني يبرأ من الألم حين ترد عنه الجوع ~~بالطعام، وحين ترد عنه الظمأ بالشراب. ولو أوتيت عقل الناس جميعا لما استطعت أن ~~ترد عن جسمك ألم الجوع والظمأ ms179 حين يحتاج إلى الطعام والشراب، ولما استطعت أن ~~ترد على جسمك ألم الجوع والظمأ حين يدركه الشبع والري. فإني أرى يا بني أن ~~لنفسك غرائزها كما أن لجسمك غرائزه، وأن غرائز النفس كغرائز الجسم لا تصدر عن ~~العقل ولا تنشأ عنه، وإنما تصدر عن الطبع وتنشأ عن المزاج، وحاجة النفس يا بني ~~إلى الإيمان كحاجة الجسم إلى الطعام والشراب، تألم إن فقدت الإيمان، وتستريح إن ~~ظفرت به، ليس للعقل في ذلك أثر. فكن أعقل الناس، وكن أحزمهم وأصرمهم وأمضاهم عزما، ~~فلن يغير ذلك من نفسك شيئا إن كانت طبيعتها طبيعة النفس الإنسانية التي فطرت كما ~~فطرت نفوس الناس على الإيمان. # قال «كلكراتيس»: فإني لا أنكر من ذلك شيئا، وما أنكر حاجة نفسي إلى أن تؤمن، ~~وعجزها عن حياة الكفر والجحود، وإنما أحاورك في موضوع هذا الإيمان، وفي السبيل التي ~~تؤدي إليه. # قال الراهب الشيخ: فإني يا بني أرى أن في العقل تمردا وغرورا. قد خضعت له ~~طائفة من الأشياء، وذلت له بعض صور الطبيعة، فظن أن كل شيء يجب أن يخضع له، وأن كل ~~صورة من صور الطبيعة يجب أن تذعن لسلطانه. والحوادث مع ذلك تثبت له من يوم إلى يوم، ~~بل من لحظة إلى لحظة، أنه لم يعلم من الأمر إلا أقله، ولم يستذل من صور الطبيعة ~~إلا أيسرها وأهونها شأنا. وإن غرور العقل يا بني قد زين له أن يجعل للطبيعة ~~قوانين، ويفرض عليها قيودا وأغلالا، وألا يؤمن بها ولا يرضى عنها إلا أن خضعت ~~لقوانينه، ورسفت في قيوده وأغلاله. ولكن قوانينه لم تحط بكل شيء، ولكن قيوده ~~وأغلاله لم تبلغ كل شيء. وما زالت الطبيعة حرة طلقة، وما زالت أكبر من العقل وأوسع ~~من سلطانه وأبعد من مرماه. وما زالت أحداث تحدث لا يستطيع العقل إنكارها، ولا ~~يستطيع تفسيرها، ولا يستطيع إخضاعها لقوانينه ولا لقيوده وأغلاله. # هي متمردة على العقل لأنها أقوى منه. وهو متمرد عليها لأن الغرور قد أفسد عليه ~~أمره، وأنساه أنه حديث السن، قليل ms180 الحول والطول، وأن الطبيعة أقدم منه عهدا، وأبعد ~~منه مدى. ما أجدر العقل يا بني أن يصلح نفسه، وأن يصلح ما حوله، لو أنه عرف قدر ~~نفسه، فلم يخرج عن طوره ولم يسرف في التمرد والغرور. # إنك يا بني لا تستطيع أن تفسر بعقلك كيف يحيا الميت بعد أن مات وشبع موتا: ~~ومع ذلك فقد نهض الميت من قبره، وقد قرأت عليك ذلك في الإنجيل، وما أنكرت منه ~~شيئا! لأن الناس جميعا قد عرفوه واطمأنوا إليه. وإنك يا بني لا تستطيع أن تفسر ~~بعقلك كيف يبرأ الأكمه والأبرص؛ لأن قائلا يقول له ابرأ! ومع ذلك فقد برئ الأكمه ~~والأبرص حين أمر أن يبرأ، وقد قرأت عليك ذلك في الإنجيل فلم تنكره؛ لأن الناس ~~جميعا قد عرفوه. وإنك يا بني لا تستطيع أن تفسر بعقلك كيف يمشي الرجل على الماء، ~~ولا كيف تشبع الجماعة الضخمة مما يقوم بأود الرجل الفذ! ومع ذلك فقد كان هذا كله، ~~قرأته عليك في الإنجيل فلم تنكر منه شيئا! لأن الناس جميعا قد عرفوه. فكن في إحدى ~~هاتين المنزلتين، ولا تتذبذب بينهما: فإما أن تعرف ما عرف الناس، وإذا فلتؤمن بما ~~آمن به الناس! وإما أن تنكر ما عرف الناس، وإذا فما أدري لم تطمئن إلى آلهتك ~~القدماء، وإن أمرهم لأدنى إلى المحال وأشد إغراقا في السخف، وأبعد مما يستطيع عقلك ~~أن يسيغ! # قال «كلكراتيس»: فإني أستطيع أن أنكر ما عرف الناس إلا أن يعرفه عقلي. وإني لا ~~أرى على نفسي بأسا من أن أنكر الآلهة القدماء كما أنكر الإله الجديد الذي يحدثني ~~عنه الإنجيل ما دام عقلي لا يستطيع أن يسيغ من أمره ولا من أمرهم شيئا. # قال الراهب: بل أنت لا تستطيع هذا يا بني! لأن نفسك عاجزة عن أن تحيا بغير إيمان، ~~كما أن جسمك عاجز عن أن يحيا بغير الطعام والشراب. # إن جسمك لا يستطيع أن يقيم على الجوع، وإن نفسك لا تستطيع أن تقيم على الجحود، ~~وإنك مضطر إلى أن تؤمن ms181 بآلهتك القدماء، أو بإلهنا هذا الجديد القديم الأبدي الخالد. ~~فاختر لنفسك بينه وبينهم، وانظر أي الدينين أقرب إلى ما تحتاج إليه نفسك من الحب ~~والرحمة، ومن العطف والحنان، ومن البر والتقوى. وأي الدينين أولى إلى ما يحتاج إليه ~~عقلك من الارتفاع عن الصغائر، والتنزه عن الآثام، والتطهر من الرجس. # قال «كلكراتيس»: ما أشد ما أفسدت علي أمري! وما أشد ما سلطت علي من ~~الاضطراب. # قال الراهب الشيخ: قلت لك يا بني إني لم أفسد عليك شيئا؛ لأن أمرك كان كله ~~فاسدا؛ إنما رأيت الأمور قد اختلطت عليك، فاجتهدت في أن أهون عليك التمييز بين ~~المختلط منها. وما أظن أن ذلك يستقيم لك في هذه اللحظة التي أنت فيها! ولكنك في ~~حاجة إلى الأناة والروية ، وإلى التلبث وطول التفكير. فأمهل نفسك ورضها على عبادة ~~«دينوزوس» وأصحابه، فما أراها تستجيب لك. ثم رضها على الكفر المطلق والجحود ~~الخالص، فما أراها تقيم على ذلك أو تطمئن إليه. ثم رضها على حب هذا الإله الجديد ~~الذي يبشر به الإنجيل، وانظر فلعل رحمة الله أن تمسها، ولعل قلبك أن يذوق حلاوة ~~هذا الإيمان الذي أنعم به منذ انتهيت إلى ذلك الدير. # وإني، يا بني، راحل عنك وعن صديقيك منذ اليوم، وكاره أن يظن بي صاحبك ما ظنه ~~حين كان يزعم أني قد أتيت أخطفك من بينهما. فاستقبل أمرك هادئا مطمئنا، وانظر ~~إلى أي شيء ينتهي بك النظر والتفكير. # قال «كلكراتيس»: فما أرى أني سأدعك ترتحل عني، وما أرى أني أستطيع في هذه الأرض ~~مقاما. # قال الراهب: فما أستطيع يا بني أن أقيم. # قال «كلكراتيس»: لن ترحل وحدك. # قال الراهب مشرق الوجه: فأنت إذا تريد أن تتبعني؟ # قال «كلكراتيس»: نعم! لا لأني آمنت بما تؤمن به، واطمأننت إلى ما تطمئن إليه، ~~ولكن لأني أجد في حديثك أنسا لم أجده في حديث إنسان قط، وأرى في قربك رحمة ~~وحنانا لم أجدهما في قرب إنسان قط، وأرى أن هذه الدار تنبو بي، وأن الناس من حولي ~~عدو لي، ms182 وأنك وحدك الصديق، وأن دارك وحدها هي دار الخفض والدعة والهدوء. # ثم صمت الفتى صمتا طويلا، ولكن دموعه الغزيرة المنحدرة تحدثت عن نفسه الحائرة ~~المضطربة أصدق الحديث. # هنالك نهض الراهب الشيخ فضمه وقبله وبارك عليه. # 6 # وبلغ الراهب الشيخ ديره بعد أيام، فإذا الفيلسوف الفتى يستقبله مع المستقبلين ~~حفيا به مشوقا إليه، يسأله في لهفة وحنان، وفي محبة وبر عما احتمل من مشقة، وما ~~صادف من عقبة، وما لقي من عناء في سفره البعيد. والراهب يجيبه هادئا مطمئنا وادع ~~النفس مستريح القلب، لا يظهر دهشا لمكانه في الدير، كأنه كان مستيقنا أنه سيلقاه ~~حيث يلقاه الآن. حتى إذا استقر به مكانه، وخف إلحاح أصحابه عليه بالتحية والسؤال، ~~وفرغ لصديقه الفتى شيئا، سأله: كيف انتهيت إلى هذا الدير؟ وكيف نجدك فيه؟ # قال الفتى: لقد أحسست منك يا أبت ترددا في اصطحابي، وإحجاما عن مرافقتي، ~~وإشفاقا من أن يظن بك صاحباي أنك قد خطفتني من بينهما خطفا، كما كنت تقول، فلم ~~ألح عليك، بل لم أعد عليك طلب الإذن في صحبتك. وإنما تلقيت ضمك لي وتقبيلك إياي، ~~وهذه البركة التي مستني بها، تلقيت هذا كله منك على أنه قبول لما طلبت إليك، قبول ~~صدر من قلبك إلى قلبي، وانتقل من نفسك إلى نفسي، وإن لم يبلغه لسانك إلى أذني. ومن ~~هنا أظهرت المضي فيما كنت ماضيا فيه من سخط على قيصر، ورغبة في الهجرة، وبحث عن ~~الأرض التي أهاجر إليها. وذهبت من مساء ذلك اليوم إلى قصر الحاكم، فلقيته ولقيت ~~«أندروكليس» ولقيتك معهما وسمرنا فيما سمرنا فيه، وافترقنا حين تقدم الليل، لم يحس ~~صاحباي أني تقدمت خطوة فيما كنت أفكر، أو تأخرت خطوة عن الموقف الذي كنت قد انتهيت ~~إليه. ولكن أمري كله كان قد دبر بين أول النهار وآخره. ولما فارقتكم لم أعد إلى ~~بيتي إلا لألم به إلمامة قصيرة. ولما تلقيت الصبح من غد تلك الليلة كنت قد فصلت عن ~~المدينة منذ ساعات. ثم لم يرتفع الضحى، ولم تزل الشمس، ms183 حتى كنت بعيدا عن إقليم ~~صاحبي. وما أدري بعد ماذا كان من أمره وأمر «أندروكليس»، حيث علما أني قد فارقت ~~المدينة فراق من لا يريد أن يعود إليها. وما أدري إلا أنهما قد ضاقا بهجرتي هذه ~~ضيقا شديدا، فإنهما يحبانني ويأنسان إلي، ويحرصان الحرص كله على صحبتي. # وقد كنت أريد أن أجزيهما برا ببر وإحسانا بإحسان، ولكن ماذا أصنع وقد فرقت ~~بيننا طبائعنا وأمزجتنا على هذا النحو الذي رأيت! على أني قد تركت ورائي من الأمر ~~ما ينبئهما بأني كنت لهما صديقا، وعلى مودتهما حريصا فقد جعلت إلى حاكم المدينة ~~تدبير ثروتي وإنها لعريضة، والإشراف على أموالي وإنها لضخمة، وتقدمت إليه في أن ~~يقوم في ذلك مقامي ثلاثة أعوام! فإن رجعت إلى المدينة فذاك، وأنا زعيم أن أعرف له ~~حسن خلافته لي فيما تركت ورائي، وإن لم أرجع، وما أراني راجعا، فإن مالي يقسم ~~أثلاثا: له الثلث، ول «أندروكليس» الثلث، والثلث الأخير لهذا الدير. # وقد حملت معي ما استطعت حمله من مال وجوهر، ومن عرض ورقيق، فقدمته إلى رئيس ~~الدير ليبر به من تعود أن يبرهم من الضعفاء والبائسين والمحتاجين إلى المواساة ~~والعون. # وأقمت في هذا الدير أنتظر عودتك لأستشيرك وأستخبرك، وأسألك عما أصنع وعما أريد؛ ~~فإني لا أدري ماذا أصنع، ولا أعرف ماذا أريد. # قال الراهب الشيخ في صوت يملؤه الحنان والحب: لقد تعجلت نفسك يا بني، وكنت ~~خليقا أن تستأني وتصطنع الريث! فإنك صائر آخر الأمر إلى قرار ترضاه وتطمئن إليه. ~~ولو قد أقمت بين أهلك ومالك وصديقك لما أخر ذلك ما قدر لك من الانتهاء إلى ما يطمئن ~~إليه قلبك الذي لا بد له من أن يطمئن، وإلى ما تستريح إليك نفسك الحائرة، ويخرج به ~~عقلك من الشك إلى اليقين. # إنك يا بني لست من هؤلاء الناس الذين تفرض عليهم الحيرة ضربة لازب، وينفقون ~~أعمارهم في الشك الذي يهلك النفوس، أو الذي يقلقها ويعنيها، أو الذي يضطرها إلى ~~التهاون والاستمتاع باللذات. لست من هؤلاء في شيء؛ ولكنك ms184 من الذين فطروا على الحزم ~~والعزم، الذين لا يشكون إلا ليستيقنوا، ولا يقلقون إلا ليطمئنوا. فأقل عليك للوم، ~~واطمئن إلى الراحة في هذا المكان الهادئ البعيد، وأرسل نفسك على سجيتها، ودعها ~~تفكر ما وسعها التفكير، ودعها تشك ما امتدت لها أسباب الشك؛ فلست أخشى عليها من هذا ~~كله شيئا. # قال الفتى: ما سمعت كاليوم كلاما أحسن موقعا في النفس، ولا أيسر مسلكا إلى ~~القلب، ولا أقدر على تهدئة الضمير. لقد كنت أريد أن أفر بعقلي من قيصر وطغيانه، ~~فإني الآن قد فررت إليك من عقلي وجموحه. فأشعر نفسي هذا الهدوء الذي تعرف كيف تذيعه ~~في النفوس، وأزل عني هذا الاضطراب الذي لا أستطيع عليه صبرا، ولا أملك له ~~احتمالا. أرحني من عقلي فقد سئمته وبرمت به، وأصبحت له مبغضا، وعليه ~~مضغنا. # قال الراهب الشيخ: رفقا بنفسك يا بني، وإنصافا لعقلك هذا المسكين الذي تعبث ~~به كما يعبث الطفل بلعبته. لقد كنت منذ أيام تحكمه في أمرك كله، وتسلطه على نفسك ~~وعلى كل شيء، وتراه وحده الحكم الذي ترضى حكومته، والقاضي الذي لا يرد قضاؤه. ~~فها أنت ذا قد أصبحت ترفض عقلك رفضا، وتنبذه نبذا، وتأبى صحبته. لقد كان عقلك ~~يتمرد عليك، فأصبحت أنت تتمرد على عقلك. أليس من الممكن أن تجد لنفسك طريقا وسطا، ~~وأن تصاحب عقلك مصاحبة الصديق للصديق لا مصاحبة العبد للسيد؟ # قال الفتى: وهل إلى ذلك من سبيل؟ لقد كلفني عقلي ما لا أطيق. ما عرضت عليه شيئا ~~إلا شك فيه، ولا دعوته إلى شيء إلا ارتاب به، ولا رغبته في شيء إلا رغب عنه، حتى ~~بغض إلي كل شيء وزين في قلبي حب الموت. ولقد رأيتني يوم أقبلت أنت إلى المدينة ~~أقرأ «فيدون» تهيؤا للموت. ولولا أن بيان أفلاطون شغلني عن نفسي وعن الموت، لما ~~حمدت عاقبة ذلك الشك الذي كنت فيه. # قال الراهب وهو يضحك: فإن أمرك يا بني لا يخلو من فكاهة. ما أسرع ما فرقت بين ~~نفسك وعقلك! وما أسرع ما أنشأت بينهما ms185 هذه الخصومة، كأنهما شخصان مختلفان قد أصبح ~~كل منهما لصاحبه عدوا! ومع ذلك فأين الحدود التي تفرق بين هذين الشخصين؟! إن عقلك ~~يا بني هو الذي يتحدث الآن، وهو الذي كان يتحدث أمس. قد كان عقلك مسرفا في الإيمان ~~بنفسه فكان طاغية متمردا، ثم هو الآن مسرف في الارتياب بنفسه فهو ذليل مستكين. ~~وكلتا الحالتين مرض يجب أن تبرأ منه لتنتهي إلى هذه المنزلة الوسطى، فتؤمن بعقلك ~~إلى حد، وتجحد سلطانه إلى حد، وتأخذه بما ينبغي من التواضع الذي يتيح له الفهم ~~والتفكير وإصلاح أمرك في الحياة، ويتيح لنفسك الإيمان واليقين وهذا النحو من ~~الغذاء الروحي الذي لا تستطيع أن تحيا بدونه. # والأمر بينك وبين عقلك، يا بني، أيسر جدا مما تظن. لم تفكر قط في المعجزات ~~ولم تقف عندها. فلما أظهرتك على أطراف منها اطمأن إليها ضميرك، ولم يسترح لها عقلك، ~~فهذا مصدر ما أنت فيه من الاضطراب. ولو قد استطعت أن تلقي في روعك أن هذه المعجزات ~~التي تخرق العادة وتخالف مألوف العقل من قوانين الطبيعة ليست في نفسها إلا مظاهر ~~طبيعية كغيرها من المظاهر، إلا أن سلطان العقل لم ينبسط عليها، لعرفت أن سلطان ~~العقل لم ينبسط ولا يمكن أن ينبسط على كل شيء. والله يجري هذه المعجزات على أيدي ~~رسله وأنبيائه ليظهر العقل على أنه ما زال ضعيفا قاصرا، وعلى أن علمه ما زال ~~بعيدا، وسيظل بعيدا عن أن يحيط بكل شيء. فخليق أن يذكر هذا ولا ينساه، وأن يسلك ~~طريقا مستقيمة متواضعة إلى ما يريد من الحق، فإنه هالك إن لم يسلك هذه الطريق. وما ~~أرى يا بني أن أمر هذا العقل سيصلح إلا حين يجري الله المعجزة الكبرى. # قال الفتى: المعجزة الكبرى! وما عسى أن تكون؟ # قال الراهب الشيخ: هي هذه التي يفهمها العقل حق الفهم، ويكبرها كل الإكبار. ~~يفهمها فلا يستطيع لها إنكارا، ويكبرها فلا يستطيع عليها تمردا ولا ~~طغيانا. # قال الفتى: وتظن أن هذه المعجزة واقعة يوما ما؟ # قال الشيخ: بل هي ms186 واقعة، وما أرى إلا أن وقتها قد أظلنا! فإن الله أحب لعباده ~~وأرأف بهم وأعطف عليهم، من أن يخلي بينهم وبين هذا الطغيان العقلي الذي هم ~~فيه. # ولقد تعهد الله عقل الإنسان، ينشئه وينميه، ويمده بالقوة شيئا فشيئا، ويظهر له ~~المعجزات بين حين وحين، يعصمه بذلك من الغرور، ويحفظه من الطغيان، ويعدل به عن ~~السبيل الجائرة، وهو يقدر أن هذا الطفل سيبلغ أشده يوما ما، وسيستطيع أن يضع ~~نفسه موضعها وألا يتجاوز بها حدها، ولا يخرج بها عن طورها المقسوم لها. فإذا بلغ ~~العقل أشده وانتهى إلى هذه المنزلة من النضج، أنزل الله عليه السكينة، وأظهر له ~~المعجزة الكبرى التي تتجه إليه، وتنفذ إلى أعماقه، وتضطره إلى الإيمان بها عن فهم ~~وروية ويقين، لا عن خوف وفزع وإذعان. # قال الفتى، وقد أخذ منه الشغف والكلف والشوق مأخذا عظيما كاد يخرجه عن ~~صوابه: وترانا نبلغ هذا الوقت الذي ينضج فيه العقل لفهم هذه الآية الكبرى وحمل هذه ~~الأمانة العظمى؟ # قال الشيخ: فقد نضج العقل يا بني، وإنه ليدعو هذه الآية بكل ما فيه من قوة، ~~وإنه ليتجه إلى السماء اتجاه المتلهف المشوق، يستنزل منها هذه الآية. ولو استطاع ~~لطار إلى السماء، ولكنه قد فقد جناحيه منذ أهبط إلى هذه الأرض، كما يقول أصحاب ~~أفلاطون؛ فهو مضطر إلى أن ينتظر رسالة الله، وإلى أن يصبر حتى يأتيه اليقين. # قال الفتى: وكيف عرفت نضج العقل وقربه من هذا الوقت الذي يخرج فيه من الظلمة إلى ~~النور، ومن القلق إلى الاطمئنان؟ # قال الشيخ: لقد حدثتك ببعض ما رأيت في رحلتي تلك إلى بلاد العرب. وما أرى إلا أن ~~حديثي ذاك قد أدخل على نفسك بعض القلق الذي أنت فيه، كما أدخلت رحلتي على نفسي هذا ~~القلق الذي انتهى بي إلى هذا الدير. # فانظر يا بني، كما أنظر، إلى الناس من حولك! ألست ترى يأسا من كل شيء، وضيقا ~~بكل شيء، وانتظارا لشيء لا يعرفون ما هو، وطموحا إلى مثل أعلى يلمحونه ولا ~~يستطيعون تصويره ms187 ولا تصوره؟ ثم انظر إليهم وفكر في أمرهم، أرأيتهم قد اضطربوا وساءت ~~أحوالهم وفسدت الصلات بينهم كما تراهم الآن؟! إن هذا لشيء يراد يا بني، وما كان ~~الله ليدفع الناس إلى هذا اليأس المهلك إلا وهو يقدر لهم رحمة تخرجهم منه، ويهيئ ~~لهم نورا يمحو عنهم ظلمته القاتمة. # أقم يا بني معي؛ فإني لا اقيم في هذا الدير عبثا، وإني لم أختره دون غيره من ~~الأديار التي تنبث غير بعيد من مدينتا إلا ولي في اختياره أرب. # قال الفتى: وما ذاك؟ # قال الشيخ: هو هذا النبأ الذي أنتظره، وما أشك في أنه سيبلغني أو في أن بشائره ~~ستبلغني عما قليل. أقم يا بني! لقد رأيت بشائر هذا النبأ يتبع بعضها بعضا في ~~تلك البلاد التي أقمت فيها أعواما. وما أشك في أن هذه البشائر ستتجاوز هذا الوجه ~~من أقطار الأرض وستبلغنا. ولو استطعت أن أقيم في البلاد التي ظهرت فيها تلك الآيات ~~لما زلت عنها، ولكنها ليس لي بوطن! فأنا أقيم منها غير بعيد، وأنتظر أنباءها من ~~يوم إلى يوم. ولقد حدثت بأحاديثها إلى رهبان هذا الدير، فاضطربوا لها كما تضطرب لها ~~أنت الآن، وكما اضطربت لها أنا من قبل. ومنهم شاب آرامي من أهل الجزيرة استخفته هذه ~~الأحاديث؛ فلم يملك نفسه ولم يستطع أن ينتظر كما ننتظر في هذا الدير المطمئن، ولكنه ~~ارتحل عنا، وأمعن في الصحراء إلى أقرب موضع ممكن من هذه البلاد! واتخذ لنفسه هناك ~~صومعة يقيم فيها، قريبا من الجادة حيث تمر القوافل التي تحمل إلينا تجارة تلك ~~الأرض، يريد أن يسبقنا إلى العلم بهذا النبأ العظيم. وقد عودنا إذا مرت عليه ~~القوافل فسألها واستقصى أخبارها، أن يزورنا فيحدثنا بما سمع وبما نقلت إليه ~~القوافل. وإنه ليحدثنا بالأعاجيب يا بني، وإن موعد زيارته قد أظلنا! فهذا أوان ~~مرور القوافل في تجارتها إلى أرض الشام. وما أراك ستطيل المقام هنا قبل أن ترى ~~«بحيرى» مقبلا علينا بأخبارها ينثرها بيننا فرحا، مرحا، مبتهجا، كأنه الفتى ~~الكريم، يجد اللذة ms188 كلها في أن يهب للناس ما جمع من ماله. # أقم يا بني! لقد كان عقلك ينكر المعجزات، ويزعم أنه لن يؤمن حتى يرى. فسيرى ~~عقلك يا بني. سيعيش في عصر المعجزات. وسيكون حظك خيرا من حظي ومن حظ أمثالي ~~الذين تقدمت بهم السن. سنرى نحن البشائر وقد لا ندرك جلية الأمر. أما أنت فسترى ~~البشائر كما نراها، وقد تبلغ من صريح الأمر ما لا نبلغ، وتنال من الفوز ما لم يقدر ~~لنا أن ننال. # قال ذلك وانهلت من عينيه عبرات غزار احتبس لها صوته في صدره. فنهض الفتى إليه ~~وقبله وفداه، وما زال به حتى عاد إلى ما كان عليه من الهدوء والوقار. فقال في صوت ~~مطمئن: انتظر يا بني! فليأتينك النبأ غدا أو بعد غد. وإذا بلغت ما لم نبلغ ~~وانتهيت إلى ما لم ننته نحن إليه، فاذكرنا من حين إلى حين، وقل لنفسك إنا كنا ~~نتحرق شوقا إلى بعض ما تجد من راحة أو نعيم. # 7 # وقد أقام الفتى في هذا الدير أياما طوالا، مضطربا بين شك يقسو عليه حتى يكاد ~~يهلكه، واطمئنان يشيع في نفسه حتى يفتح له إلى الأمل أبوابا عراضا. يخلو إلى نفسه ~~ويعرض أمره، فيظهر له مظلما قاتما وبشعا منكرا! يوئسه، أو يكاد يوئسه من كل ~~شيء، ويسلط عليه من شياطين الحيرة ما ينغص عليه يقظته، ويذود عنه نومه، أو يفسد ~~عليه أحلامه إن غلبه النوم. # وكان يفزع من هذا الشك أحيانا إلى كتب الفلاسفة، يطيل النظر فيها والوقوف عندها، ~~فلا يبلغ من مصاحبتها ومعاشرة أصحابها شيئا. ومع ذلك فقد كانت هذه الكتب، فيما مضى ~~من حياته، غذاء لنفسه وقلبه وعقله، يجد فيها من اللذة ونعمة البال ما لا يشبهه إلا ~~ما كان يجده صاحباه من اللذة في عبادة أولئك الآلهة القدماء بما كانوا يحبون أن ~~يعبدوا به من ألوان اللهو والعبث والمجون. وكان يفزع من هذا الشك أحيانا إلى الكتب ~~المقدسة، يطيل النظر فيها، والوقوف عندها، فيفهم أحيانا، ويعجز عن الفهم أحيانا ~~أخرى، ms189 ولا يطمئن قلبه في حال من الأحوال. # كانت نفسه تحدثه بأن وراء هذه المعجزات التي تمتلئ بها التوراة والإنجيل وقلوب ~~الناس وأحاديثهم، حقا لا ينبغي أن يكون فيه شك. ولكن عقله كان عاجزا عن أن يسيغ ~~هذه المعجزات، أو يحسن الإذعان لها والرضا عنها، فكان الفتى مقسما، إذا نظر في ~~الكتب المقدسة، بين إيمان يشيع في قلبه ويدعوه إلى الرضا والاطمئنان، وشك يشيع في ~~عقله ويدعوه إلى التمرد والجموح. وكان يجد في هذا التناقض بين قلبه وعقله ألما ~~لاذعا عميقا عنيفا، زهده في كل شيء، ويكاد ينتهي به إلى الجنون أو ما يشبه ~~الجنون. # هنالك كان يفزع من قلبه وعقله، ومن كتب الفلاسفة وأسفار الدين، إلى حنان ذلك ~~الراهب الشيخ، فيجد عنده بعض ما كان يحتاج إليه من الراحة وهدوء البال، ويجد عنده ~~هذا الحب الذي يشعره الشجاعة والصبر، ويذكي في نفسه جذوة الشوق إلى هذه البشائر ~~التي كان يسمع عنها ولا يراها، ويتحرق شوقا إليها ولا يجد ما يخفف لوعته أو ينقع ~~غلته. # وإنه لمع أستاذه الشيخ ذات يوم، وقد اصفر وجه النهار، وشاعت الكآبة فيما يحيط ~~بهما من الحياة والأحياء، وهدأت لذلك نفوسهما، كأن هذا الحزن الشائع الهادئ قد ~~مسهما بجناحه فأشاع فيهما شيئا من الكآبة والهدوء انخفضت له أصواتهما شيئا، فهما ~~يتحدثان حديثا يشبه الهمس، ولو استطاعا لآثرا الصمت، ولبلغ كل منهما قلب صاحبه من ~~طريق هذا الصمت العميق! ولكنهما كانا يتحاملان ويتكلفان الحديث، وقد كاد السأم يبلغ ~~نفس الراهب الشيخ الذي كان لا يعرف سأما ولا مللا، والذي كان يذود عن صديقه الشاب ~~كل سأم وكل ملل. ولكن انتظارهما قد طال وأسرف في الطول، ولم يأتهما النبأ الذي كانا ~~ينتظرانه، ولم يزرهما بحيرى الذي كان خليقا أن يزورهما منذ عهد بعيد! فقد مرت ~~القوافل إلى الشام، وليس من شك في أنها قد أمعنت في بلاد الروم، فباعت واشترت وعادت ~~إلى أوطانها، ولم يأت «بحيرى» ولم يأت من نبئه قليل ولا كثير، أقول: إنهما ذات ~~يوم لفي ms190 هذا الحديث الشاحب الكئيب، وقد كاد السأم وطول الانتظار ينتهيان بهما إلى ~~اليأس، وإذا ضجيج يدنو منهما، وإذا هما ينصتان كأنما يريدان أن يتعرفا مصدره. ولكن ~~الضجيج يدنو حتى يبلغ الدير! وينهض الشيخ وصاحبه الفتى ليعرفها من أمره ما يجهلانه! ~~فما أسرع ما يمتلئ قلب الشيخ إيمانا ورضا! وما أسرع ما يضطرب قلب الفتى إشفاقا ~~وخوفا! # هذا «بحيرى» قد أقبل، ولم يقبل وحده، وإنما أقبل معه عدد غير قليل من الناس، وقد ~~أهمهم أمر ذو بال! فهم يلغطون في كثير من الدهش والحيرة، منهم من ينكر، ومنهم من ~~يعرف، منهم من يرضى، ومنهم من يسخط، وأهل الدير يسألون ويستنبطون فلا يظفرون من ~~الجواب إلا بهذا اللغط الذي تختلط فيه المعرفة والإنكار، والتصديق والتكذيب، والشك ~~القاتم واليقين المشرق. فأما «بحيرى» نفسه فقد كان خارجا عن طوره، يأتي من ~~الحركات بيده ووجهه وجسمه كله ما لم يتعود أهل الدير الإتيان به. # وكان كلما دنا من الراهب الشيخ ازداد هيامه وتولهه، حتى إذا رآه عدا إليه عدوا، ~~ولم يكد يبلغه حتى ألقى نفسه بين ذراعيه، وجعل يضمه ويقبله ويقول في صوت يقطعه ~~البكاء ويبلله الدمع الغزير: لقد رأيت! أقسم لقد رأيت! أشهد بالمسيح والصليب لقد ~~رأيت! لقد رأيت واقتنعت. لن يبلغ نفسي الشك بعد اليوم. لقد رأيت! أقسم لقد ~~رأيت! # والراهب الشيخ، يهدئه ويبارك عليه، ويسأله عما رأى، ويدعوه إلى أن يقلل من هذه ~~الأيمان، ويخفف من هذه الحدة، ويرد نفسه إلى صوابها واطمئنانها شيئا، ويحدثه بجلية ~~ما رأى وخلاصة ما اقتنع به، وما يزال الراهب الشيخ بهذا المتوله الهائم حتى ~~يرد عليه بعض الهدوء، ويظفر منه وممن حوله بشيء من الأناة والوقار. # ثم يسأل الراهب الشيخ صاحبه «بحيرى»، وقد اطمأنت نفسه، أن يقص عليه بدء ~~حديثه. # فيقول ... # 8 # من شاء فليشك، ومن شاء فليستيقن. أما أنا فلن يجد الشك إلى نفسي سبيلا بعد ~~اليوم. لقد تأذن الله بأن كل شيء من حولنا سيتغير. فطوبى للذين يبلغون الآية ~~الكبرى! وطوبى للذين يرونها فتقبلها ms191 قلوبهم مطمئنة إليها، وتقبلها عقولهم مؤمنة ~~بها؛ ورحمة للذين تقصر بهم آمالهم عن بلوغ هذا الوقت السعيد؛ والويل كل الويل للذين ~~يرون ثم لا يؤمنون! # قال الراهب الشيخ: فحدثني يا بني بما رأيت، حتى إذا فرغت من حديثك فكن كما شئت ~~مبشرا ومنذرا. # قال «بحيرى»: لقد رأيته، ما يبلغني في ذلك شك، وما يمسني فيه ريب. # قال الشيخ: من هذا الذي رأيته؟ # قال «بحيرى»: هو الذي سيغير من حولنا كل شيء. وهو الذي سيتم ما جاء به الأنبياء ~~والرسل. هو الذي سيحقق ما بشرت به الكتب المقدسة. هو الذي سيصدق ما امتلأت به ~~التوراة والإنجيل. # وكان الذين يسمعون هذا الحديث قد أخذت عليهم ألبابهم واختلطت عليهم أمورهم؛ ~~فكانوا يسمعون ومنهم الشاك المرتاب، ومنهم المشوق إلى التصديق المشغوف بالإيمان، ~~الذي لا ينتظر إلا أن تهدأ عن هذا المتحدث ثورته، فيفصح عما في نفسه ويعرب عما يريد ~~أن يقول. # وكان الراهب الشيخ والفيلسوف الفتى قد بلغا من هذا الشوق أقصاه حتى كأنهما ~~استحالا شوقا خالصا. # فلما طال على الراهب الانتظار، وكاد يفقد الصبر، قال لصاحبه «بحيرى» وهو يتكلف ~~الأناة والهدوء: مهلا يا بني! إن كنت تريد أن نصدقك فاقصص علينا أمرك! فإن إطالة ~~التشويق توشك أن تنتهي بك وبنا إلى اليأس المهلك! # قال «بحيرى»: إنك لتعلم لماذا تركت هذا الدير منذ عهد بعيد، ولماذا أمعنت في ~~الصحراء حتى اتخذت صومعتي في أقرب مكان من هذه البلاد التي حدثتنا عنها بالأعاجيب. ~~لقد أقمت في هذه الصومعة كما تعلم، أنتظر من أنباء تلك البلاد ما كنت تنتظر، وأترقب ~~من أخبارها ما كنت تترقب. وإنك لم تكذبني فيما نقلت إليك من أحاديث الناس عما حدث ~~في تلك البلاد بعدك من أحداث، يرونها ولا يفهمونها، ويتناقلونها ولا يستطيعون لها ~~تفسيرا، ولكنهم إذا رأوا منها شيئا أو سمعوا من أخبارها طرفا ثم أعياهم الفهم ~~والتأويل، قالوا: إن لهذا شأنا. # ولقد كنت أحدثك بما أسمع من الأعاجيب، فكنت تقول وكنت أقول معك كما يقول هؤلاء ~~الناس: إن لهذا ms192 كله لشأنا. ولكنك أنت كنت تعلم هذا الشأن. ولكني أنا كنت أعلم هذا ~~الشأن! لأننا نجده عندنا مكتوبا في الكتب. ولأننا نجد علمه عندنا موروثا عن ~~الأحبار والرهبان. # ألسنا ننتظر أن يظهر في تلك البلاد رجل يتم الله على يده ما بدأ من رسالته إلى ~~الناس؟! # قال الراهب الشيخ: بلى! # قال «بحيرى»: فإني أقسم لقد رأيته! # قال الراهب وهو يهز رأسه وقد ظهر على وجهه الشك المؤلم: ما أرى يا بني إلا أنك ~~قد أخطأت أو خدعت! فإن أوان هذه الرسالة لم يأت بعد وإن كان قريبا. # قال «بحيرى»: ومن زعم لك أن أوان هذه الرسالة قد آن؟! # قال الراهب الشيخ: ألم تنبئني أنك قد رأيته؟! # قال: بلى! قد رأيته، أقسم لك رأيته. ولكنه ما زال صبيا لم يتجاوز الثانية عشرة ~~من عمره المبارك بعد. # قال الراهب وقد أشرق وجهه: أما الآن فعسى أن تكون مصيبا. أستطيع أن أسمع لحديثك. ~~كيف رأيته وكيف عرفته؟ # قال «بحيرى»: لقد رأيته ولقد حميته. بل ماذا أقول! غفرانك اللهم، فأنت وحدك الذي ~~تملك حمايته وتبلغ منها ما تريد حتى يتم أمرك، ويبلغ رسالتك إلى ~~الناس. # قال الراهب الشيخ: قل يا بني، فقد شققت علينا وكلفتنا أكثر مما نطيق. # قال «بحيرى»: أنشدك الله، ألسنا نعلم أنه سيولد في تلك الأرض التي كان فيها ما ~~حدثتنا به من أمر الفيل؟! # قال الراهب الشيخ: بلى! # قال «بحيرى»: أنشدك الله، ألسنا نعلم أنه سيولد يتيما يموت عنه أبوه وهو ~~جنين؟! # قال الراهب الشيخ: بلى! # قال «بحيرى»: أنشدك الله، ألسنا نعلم أن أحداثا عظاما ستحدث يوم مولده يحسها ~~الناس ولا يتبينونها؟! # قال الراهب الشيخ: بلى! # قال «بحيرى»: ألسنا نعلم أنه سيفقد أمه ولما يتجاوز السادسة من عمره؟! # قال الراهب الشيخ: بلى! # قال «بحيرى»: ألسنا نعلم أنه سيفقد جده ولما يتجاوز السابعة من عمره؟! # قال الراهب الشيخ: بلى! # قال «بحيرى»: ثم ألسنا نعلم أنه سيظل في كفالة عم له يحميه ويرعاه حتى يبلغ ~~أشده، ثم يقوم دونه حين يجد الجد ms193 ويتألب عليه عدوه من المشركين؟! # قال الراهب الشيخ: بلى! كل هذا نقرؤه فيما نقرأ من كتبنا، أو نتوارثه فيما نتوارث ~~عن أحبارنا ورهباننا. # قال «بحيرى»: ثم ألسنا نعلم آخر الأمر أن الله قد ميزه من غيره من الناس بعلامة ~~مادية ترى وتحس ويعرفها الراسخون في العلم ولا يرتاب فيها إلا المبطلون أو ~~الجاهلون؟! # قال الراهب الشيخ: بلى! هي هذا الخاتم بين كفيه. # قال «بحيرى»: فإذا حدثتك بأني قد رأيت هذا الصبي، ورأيته مع عمه هذا الذي يكفله، ~~وعرفت أن اسم هذا الصبي محمد، وأن اسم أبيه عبد الله، وأن اسم جده عبد المطلب، هذا ~~الذي رأيته أنت عند أبرهة وحدثتنا من أنبائه بما تعلم. # قال الراهب الشيخ وقد اضطرب لهذا الحديث أشد الاضطراب: وإنك لتزعم أنك قد ~~رأيته؟! # قال «بحيرى»: اللهم اشهد أني رأيته، ورأيته مع عمه أبي طالب، وعلمت ما حدثتك به ~~من أن أباه قد مات عنه جنينا، وعلمت ما أشرت إليه من أن أمه قد ماتت عنه في ~~بعض الطريق ولما يتجاوز السادسة من عمره، وعلمت أنه عاد إلى وطنه تكفله أمة ~~ورثها عن أبيه فبلغته مأمنه وردته إلى جده الذي كفله وحماه. ثم علمت أن جده ~~هذا قد مات عنه وأوصى به إلى عمه، وأن عمه قد قام دونه يكلؤه ويرعاه ويؤثره على ~~ولده، وأن الصبي يبادله حبا بحب ويجزيه حنانا بحنان. ولقد حدثني عمه أنه خرج في ~~تجارته مع قومه، فكان يجد ألما مبرحا لفراق هذا الصبي، ولكنه كان يشفق عليه من ~~مشقة السفر وجهد الطريق. فلما كان اليوم الذي فصلت فيه القافلة تعلق الصبي به وجعل ~~يتوسل إليه في أن يستصحبه، ويزعم له أنه لا يستطيع المقام إلا في كنفه. فصادف دعاء ~~الصبي هوى في نفس الشيخ فاستصحبه، ومر به على صومعتي فيمن مر من قومه وهم ~~يقصدون قصد الشام. # قال الراهب الشيخ وقد بهره ما سمع وقد أطرق القوم من حوله سكوتا كأنما عقدت ~~ألسنتهم فلا يستطيعون أن يديروها في أفواههم: ولكن كيف ms194 عرفته؟ وكيف اهتديت إلى ~~مكانه من قومه؟ # قال الراهب: فهذه هي الآية التي ستقنعك كما أقنعتني، وستزيل عن نفسك الشك كما ~~محته من نفسي محوا. أنشدك الله أتعلم أني عندك صادق ثقة مأمون؟ # قال الراهب الشيخ: اللهم نعم! # قال «بحيرى»: نعم رأيت هذا، ولكني رأيته وحدي، ولم يره أحد من أولئك الذين كانوا ~~يصحبون الصبي. فإذا حدثتك به فإنما أحدثك بما رأيت وبما لم ير غيري من الناس. فأما ~~هؤلاء فقد ظنوا بي الظنون وأما أنت ... # قال الراهب الشيخ: فما أنكر شيئا مما تقول. # قال «بحيرى»: وأعجب من هذا أني كنت قد أنبئت بما رأيت! قد ألقى ذلك في روعي ~~أثناء النوم في صورة مجملة غامضة، ولا أكاد أتبين منها إلا أني أحسست في تلك الليلة ~~أن سيحدث لي حدث ذو بال إذا كان الغد. فأصبحت وإني لأنتظر شيئا، وأضحيت وإني ~~لمستيقن أن سيحدث لي بعض الأمر. وما هي إلا أن يرتفع الضحى وإذا أنا أطلع من أعلى ~~الصومعة فأرى ما يملؤني روعة وروعا: أرى هذا الصبي ينفرد بهذا الظل دون أن يشعر ~~بذلك أحد، ودون أن يلتفت هو نفسه إليه أو يشعر به، حتى إذا دنت القافلة وحطت ~~رحالها، جعل الصبي كلما انتقل انتقلت معه سحابته تلك، تظله وتقيه حر الشمس، ولا ~~يشعر بذلك أحد، ولا يفطن لذلك إنسان. وأسأل من حولي: أيرون ما أرى؟ فإذا هم كغيرهم ~~من الناس لا يرون. وأدعو القوم إلى طعام قد أعددته لهم لما رأيت ولما كان قد ألقي ~~في روعي! فكلهم يستجيب لدعوتي إلا هذا الصبي، فإنهم يخلفونه في رحالهم. فأسأل وألح ~~في السؤال، حتى أعلم أنهم قد حضروا جميعا طعامي إلا هذا الغلام، فألح في حضوره ~~فيحضره القوم، وإنهم ليتلاومون على أن خلفوه! حتى إذا رفع القوم أيديهم عن الطعام، ~~أخذت أحتال حتى أخلو إلى الشيخ الذي يصحب هذا الصبي. فما أزال أسأله وأستقصي أمره، ~~حتى أعرف من حال الصبي ما حدثتك به. ثم أتحدث إلى الصبي نفسه، فيا للوجه المشرق ms195 ~~المطمئن ينبئ عن نفس مشرقة مطمئنة! ويا للصوت العذب ينبئ عن خلق عذب! ويا للحديث ~~الكريم ينبئ عن قلب كريم! وإني لأسأل الصبي وأستحلفه بأوثان قومه، فلا أرى منه إلا ~~نفورا وازورارا، وإذا هو ينبئني بأنه لم يبغض شيئا قط كما يبغض هذه الأوثان. ~~فأستحلفه بالله ليصدقني الحديث فيما أسأل عنه، فيجيبني إلى ما أردت. وأنا أسأله ~~عن أمره، جليه وغامضه، وعما ينبغي أن يحدث له يقظان، وعما ينبغي أن يحدث له ~~نائما، وعما ينبغي أن يحدث له مجتمعا إلى الناس، وعما ينبغي أن يحدث له خاليا ~~إلى نفسه، فلا يجيبني إلا بما كنت أنتظر أن يجيبني به. # هنالك لم يبق في نفسي إلا أن أرى هذه الآية المادية بين كتفيه، فأنظر فأرى، فأقبل ~~هذا الخاتم الكريم . وقد امتلأ قلبي حبا للصبي، وبرا به، وإشفاقا عليه من يهود؛ ~~فإنهم يعرفون من أنبائه مثل ما نعرف، وينتظرون من أمره مثل ما ننتظر، ولكنهم يشفقون ~~منه ويريدون به السوء. # وإذا أنا أتقدم إلى عمه الشيخ أن يعود به أدراجه، وأن يبالغ في حمايته وحياطته ~~وصيانته من كيد يهود. # وإذا الشيخ يسمع لي في غير تردد، ويستجيب لي في غير مشقة، ويعود أدراجه بالصبي، ~~ينتحل لذلك العلل والمعاذير، ويكل إلى بعض قومه أن يخلفه في تجارته. # ثم يطرق «بحيرى» شيئا كأنه يفكر فيما يريد أن يقول، وكأنه يريد أن يكره نفسه ~~على كتمان بعض الأمر، ولكنه يعجز عن هذا الكتمان، ويرفع رأسه إلى الراهب الشيخ ~~ويقول في صوت هادئ مطمئن: ولم يكد الشيخ يعود أدراجه بالصبي حتى يقبل علي هؤلاء - ~~ويشير إلى بعض من صحبه - يلومونني أعنف اللوم، ويشاورونني في البغي على هذا الصبي. ~~ولكن الله قد تأذن ليعصمنه من كل شر، وليحمينه من كل مكروه. ولولا ذلك لما ~~رددتهم عما كانوا قد دبروه. # قال الراهب الشيخ: ما أرى يا بني إلا أنك قد حدثتنا حديثا صدقا! فطوبى لهذا ~~الصبي! وطوبى لمن يصحبه! وطوبى لمن يدرك عهده ويؤمن به! وطوبى لك فقد رأيت ms196 ما لم ~~نر، وكنت موفقا حين أبيت إلا أن تسبقنا إلى أعماق الصحراء، لتسبقنا إلى العلم ~~بأنبائها. ثم التفت إلى صديقه الفيلسوف الشاب فإذا هو واجم، مغرق في الذهول، فيمس ~~الراهب الشيخ كتفه كالمنبه له، ثم يسأله: أسمعت؟ # قال الفيلسوف الفتى: نعم! # قال الراهب الشيخ: فماذا ترى؟ وماذا تقول؟ # قال الفيلسوف الفتى: فإني أستأذنك وأستأذن هذا الأخ الكريم في أن أترك هذا الدير ~~إذا تركه، وفي أن أعيش معه في صومعته؛ لأنتظر معه أنباء الصحراء؛ فإن أنباء الصحراء ~~هذه هي التي ستنجيني من الشك، وتؤمنني من الخوف، وتدنيني من اليقين. # 9 # قال بحيرى وهو يبتسم: اسبقني أيها الأخ الكريم إلى الصومعة إن شئت، فأقم فيها ما ~~أحببت، وانتظرني ما وسعك الانتظار! فقد أعود إليها وقد لا أعود. # قال الراهب الشيخ: ما أفهم عنك منذ الآن يا «بحيرى»! أصادف أنت عن الصومعة، ~~وصارف أنت نفسك عن أنباء الصحراء بعد أن انتهت إليك تباشيرها؟ وما أحسب إلا أنها ~~ستتواتر، وسيتبع بعضها بعضا في غير انقطاع، حتى يبلغك النبأ العظيم، إن امتدت بك ~~الحياة إلى أن يأتي النبأ العظيم. # قال «بحيرى»: إني لأحمق إن أقمت في هذه الصومعة أنتظر الأنباء في طرف من أطراف ~~الصحراء، وأنا أعلم أين مستقر هذه الأنباء، وأين دار الأمن والرحمة ومهبط الوحي ~~والرسالة. ولقد همت نفسي أن أصحب الشيخ وابن أخيه إلى مكة فأقيم معهما. ولكن الله ~~قد صرفني عن ذلك صرفا عنيفا لأمر يراد، فتردد خاطره في قلبي، ولكن لساني لم ~~ينطلق به. ثم مضى الشيخ وابن أخيه، ونازعتني نفسي إلى أن أتبعهما وألحق بهما، ولكني ~~صرفت عن ذلك صرفا عنيفا لأمر يراد. وما أرى إلا أن الله يريد أن يحفظ على ~~الصحراء سرها مكتوما مستورا لا يظهرنا منه إلا على أيسره وأهونه، إلا على هذا ~~الذي يطمعنا فيه ويشوقنا إليه، ولا يدنينا منه، ولا يبلغنا جليته. ولولا ذلك لما ~~انعقد لساني حين هممت أن أعرض صحبتي على الشيخ. ولولا ذلك لما صرفت ركائبي إلى هذا ~~الدير ms197 حين هممت أن أوجهها إلى جوف الصحراء. # قال الراهب الشيخ: فأنت تعلم يا بني أن الله يظهرك على هذا الأمر قبل إبانه، ~~وتريد مع ذلك أن تمانع ما عرفت من تدبير الله! # قال «بحيرى»: الله يعصمني من أن أمانع تدبيره، وأخالف عن أمره، أو أتمرد على ~~قضائه. ولكن الصومعة لم تصبح لي منزلا ولا مقاما، وإن لي في العراق لأربا. وإنك ~~لتعلم أن صديقنا «نسطور» ينتظر من الأنباء هناك مثل ما كنت تنتظر أنت هنا؛ لأنه ~~يتوقع من الأمر مثل ما تتوقع. وإني لخليق أن أسرع إليه كما أسرعت إليك، فأنبئه بمثل ~~ما أنبأتك به. وما أدري بعد ذلك أأعود إلى الصومعة أم أمعن في أرض العرب، لعلي أقرب ~~من مكة. فأقيم منها بحيث تبلغني الأنباء، وتنتهي إلي البشائر، في وقت أقصر من ذلك ~~الوقت الذي كانت تبلغني فيه وأنا مقيم بهذه الصومعة في طرف من أطراف الشام. فإن شاء ~~هذا الأخ الكريم أن يسبقني إلى الصومعة فذلك له، وإن شاء أن ينتظر عودتي إليك إن ~~عدت ليصحبني إلى الصومعة فذلك له. # قال الفيلسوف الفتى: وإن شئت أن أصحبك إلى صديقك «نسطور»، وأن أشاطرك ما تدبر من ~~المخاطرة والمغامرة. # قال «بحيرى»: فذلك لك. ولكنك رجل من الروم، والأمر بين من في العراق ومن في ~~الشام على ما تعرف من الفساد والنكر. ولست آمن أن تتعرض لبعض الشر أو يلم بك بعض ~~المكروه، فأما أنا فليس علي من ذلك بأس! لأني من أهل العراق أسير سيرتهم، وأتكلم ~~لغتهم، وأنا بعد معروف بكثرة الرحلة والتنقل في أطراف الأرض، مأمون على أمر القوم، ~~لا يتهمونني، ولا يشفقون مني على شيء. # قال الفيلسوف الفتى: فإنك قد أمعنت في أرض الروم ولم تلق كيدا، فدعني أصحبك إلى ~~أرض الفرس، فلعلي أن أجد فيها من الأمن مثل ما وجدت أنت في هذه البلاد. ولا بأس ~~عليك إن كانت الأقدار قد أرصدت لي بعض ما يكره الناس ويخافون؛ فإني لا أكره شيئا ~~ولا أخاف شيئا ولا أحب ms198 شيئا كما أحب الخروج من أرض قيصر. # قال «بحيرى»: فهيئ نفسك إذا للرحلة؛ فإن الصبح لن يجدنا في هذا الدير. # قال الراهب الشيخ في صوت حزين: فأما أنا فليس يعنيكما من أمري قليل ولا كثير، أنا ~~الذي فتح لكما أبواب الأمل، وهداكما إلى طريق النجاة هذه التي تبتدئان سلوكها وأرجو ~~أن تبلغا آخرها. ثم ها أنتما هذان تنصرفان عني مسرعين، كلاكما يؤثر نفسه بالخير ~~والعافية، وليس منكما من يفكر فيمن يترك وراءه من الخليل والصديق. # قال الفيلسوف الفتى وهو يقبل صديقه الشيخ: إن شئت فاصحبنا، فما نمنعك من ذلك ومما ~~نردك عنه. ولكنك حين أقبلت على هذا الدير قد تركت وراءك أصدقاء لم تحفل بهم ولم ~~تفكر فيهم. فأنت قد سننت لنا هذه السنة، وفتحت لنا هذه الطريق . # قال الراهب الشيخ: فإني لا أنكر عليكما شيئا، ولا ألومكما في شيء، ولو استطعت ~~لكنت ثالثكما، ولكني مقيم هنا حتى يأتي أمر الله؛ فامضيا راشدين. وإذا لم يقدر لنا ~~اللقاء في هذه الأرض فلا أقل من أن نطمع عندكما في مودة القلب ووفاء الضمير. # وأسفر الصبح فلم يجد هذين الشابين في الدير، وإنما وجد الراهب الشيخ وحيدا ~~مطرقا مغرقا في التفكير، كأنما أرسل نفسه لتشييع صاحبيه، وهو ينتظر أن تعود ~~إليه. # 10 # ولست أدري بماذا رجعت نفس الشيخ إليه بعد أن انصرفت عن صاحبيه وقد أمعنا في ~~الصحراء. ولكنها لو اطلعت على ضمير «كلكراتيس» ثم حدثت الشيخ بما رأت، لأثارت في ~~قلبه حزنا شديدا؛ فقد أمعن الرفيقان في سفرهما البعيد، مستبشرين أول النهار، قد ~~غمرهما نوره المشرق الذي ملأ الصحراء حتى امتزجا به امتزاجا، وأحس كل واحد منهما ~~كأن نفسه ليست إلا قبضة من هذا النور القوي الخفيف قد شاعت في عقله، وقلبه وجسمه، ~~فإذا هو فرح مرح، يندفع أمامه لا يلوي على شيء. ولولا فضل من وقار لانطلق لسانه ~~بالغناء. وما له لا يفعل وكل شيء من حوله مشرق، مبتهج يتغنى أو يدعو إلى ~~الغناء! # ولكن الضحى يرتفع، وحرارة الشمس تبلغ ms199 جسم هذين الرفيقين وتثقل عليهما وتردهما إلى ~~شيء من الأناة والروية، وإذا نفس الفيلسوف الشاب تنقبض قليلا قليلا، ويدنو بعضها ~~من بعض حتى تنحاز إلى مكانها من رأس صاحبها أو من قلبه، من جسمه على كل حال، فهي ~~كائن ممتاز لا يشيع في الفضاء ولا يمتزج بما حوله، وإنما هو في حيزه الذي قسم له. ~~يحس نفسه ويفكر فيها ويعكف عليها، ويستحضر من أمره ما مضى، ويريد أن يستعرض من ~~أمره ما لم يتكشف عنه الغيب بعد. # وإذا الفيلسوف الشاب يذكر بدء قصته، وينتهي إلى هذا الحديث الطريف الغريب الذي ~~سمعه من «بحيرى» حين آذنت شمس الأمس بالغروب، فأذهله عن نفسه، وأرقه بقية ليله، ~~وأزعجه عن الدير وعن صديقه الشيخ، كما أزعجه حديث ذلك الشيخ منذ حين عن صديقه وأهله ~~وعن مدينته التي استقبل فيها الحياة وعرف فيها لذات الشباب. # وقد كان هذا كله خليقا أن يدفع «كلكراتيس» إلى بعض الحديث؛ فإن هذه العواطف ~~المضطربة والذكريات القوية المختلفة قلما ترضى بالكتمان أو تطمئن إلى السكوت. ~~ولكن الفتى أغرق في صمت غامض عميق، ظاهره استقرار النفس وهدوء البال، ومن ورائه ~~صراع عنيف، بين قلب يشرق فيه نور اليقين فيملؤه رجاء وأملا، وعقل تكتنفه ظلمة ~~الشك فتدفعه إلى القنوط واليأس دفعا. فما زال الفتى بعد هذا الذي اختلف عليه من ~~أطوار الحياة، وبعد ما قرأ في الكتب وما سمع من صديقه الشيخ، وبعد هذا الحديث ~~الطريف الذي سمعه من «بحيرى» حين انحدرت الشمس إلى مستقرها الغربي أمس، ما زال ~~الفتى بعد هذا كله، وبرغم هذا كله، كما كان حائرا مضطربا، موله النفس يكاد ~~يمزقه الصراع بين قلبه وعقله تمزيقا. قد زهد في آلهته القدماء منذ عهد بعيد، ~~وتبين له أن لم يكن يخلص لهم الدين حين كان يعبدهم مع صاحبيه إذا جنهم الليل في ~~قصر الحاكم، وإنما كان يتخذ عبادتهم وسيلة إلى إرضاء نفسه، وقضاء مآربه، وتحقيق ~~لذاته المادية التي كانت تأتيه من اللهو والعبث، وتحقيق لذة معنوية أخرى كانت ~~تأتيه من ms200 هذا الامتياز الذي كان يخرجه عما ألف الناس، ويمكنه من عصيان قيصر، ~~والمخالفة على أمر السلطان. # وهو قد نظر إلى دين المسيح فأطال النظر، وفكر فأطال التفكير، ولكنه أعرض عنه في ~~أول الأمر أشد الإعراض؛ لأن القانون كان يفرضه، ولأن السلطان كان يأخذ الناس به ~~أخذا، ويبطش بالراغبين عنه والملحدين فيه. وما ينبغي للدين أن يكره الناس عليه ~~إكراها، وأن تفرضه القوة القاهرة على النفوس فرضا، وإنما هو ينبوع رحمة وحنان ~~يجب أن تصبو إليه عن رضا، وتهوى إليه القلوب عن محبة وشوق. # ثم حدثه الراهب الشيخ بما حدثه به من المعجزات التي يقص الإنجيل أنباءها، وتجتمع ~~قلوب الناس على الإيمان بها والإكبار لها، ومن هذه البشائر التي رأى أولها في رحلته ~~تلك، وما زالت تتواتر ويقفو بعضها إثر بعض، حتى كان ما سمعه أمس من رفيقه هذا الذي ~~يسايره مغرقا مثله في صمت عميق. سمع حديث هذه البشائر، وتلك المعجزات، فمال إليها ~~قلبه، واستراح ضميره! ولكن عقله ما زال لها منكرا، وعنها مزورا؛ لأنه عقل ~~فيلسوف، قد نشأ على حكمة اليونان ومنطقهم، ولم يتعود أن يطمئن إلى ما يخرج عما لهذه ~~الحكمة والمنطق من قانون. # كان هذا كله حديث نفس الفتى منذ ارتفع الضحى، وثقلت عليه حرارة الشمس. وكان يجد ~~في هذا الحديث عناء شديدا، وهما ثقيلا! فهو لم يتحدث به إلى نفسه مرة ولا ~~مرتين، وإنما كان يتحدث به إليها ويسمعه منها، مصبحا وممسيا، مضطربا في الأرض ~~ومطمئنا في مضجعه. فلما طال عليه الجهد وبرح به الألم، تكلم، لا راغبا في الكلام ~~ولا منتظرا منه دواء لدائه أو شفاء لعلته، ولكن ليخرج نفسه من طور إلى طور، ~~وليشغلها عن هذا الصراع العنيف الأليم بين قلبه الذي يريد أن يطمئن، وعقله الذي لا ~~يريد، أو لا يستطيع، أن يتحول عن الشك. # قال «كلكراتيس» لرفيقه بحيرى: أرأيت لو أني حدثتك بما قصصت علينا من أنباء هذا ~~الصبي العربي أكنت تصدقني أو تطمئن إلي؟ # قال «بحيرى»: فإن الأمر مختلف أشد الاختلاف. ms201 # قال «كلكراتيس»: وما ذاك؟ # قال «بحيرى»: فإني لا أصدق الناس جميعا، ولا أكذب الناس جميعا. وأنا آمن لمن ~~عهدي به الأمانة والصدق، وأرتاب فيمن عهدي به الخيانة والمين. وللحق بعد آيات تدل ~~عليه، وعلامات تهدي إليه. ونحن لم نبتكر أمر هذا الصبي العربي ابتكارا، ولم نخترعه ~~من عند أنفسنا، وإنما حفظته الكتب، وتحدثت به النبوات، وتناقله الصالحون الصادقون ~~من أحبارنا ورهباننا، يورثه بعضهم بعضا، ويعهد بانتظاره بعضهم إلى بعض، ويتواصون ~~بترقبه واستقصاء أنبائه؛ حتى إذا بدرت بوادره، وظهرت بشائره، أقبلوا إليه فمنحوه ما ~~يملكون من نصر وتأييد. ولقد أقبلت إلى هذا الدير الذي فصلنا عنه منذ حين، وإني ~~لأنتظر من هذا الأمر ما أنتظر، وأرقب من أخباره ما أرقب. فما هي إلا أن يقبل ~~صديقنا «كلينيكوس» فيقص علينا بدء حديثه، ونعلم منه مثل ما علمت، حتى تشيع في قلبي ~~ثقة قوية بأن لهذا الحديث شأنا، فأطير على هذا الدير إلى صومعتي تلك في طرف من ~~أطراف الشام. وما أكاد أستقر فيها حتى تتواتر إلي الأنباء، وتتوالى إلي ~~الأعاجيب، ثم ينتهي الأمر بي هذا العام إلى ما علمت. وما أدعوك إلى تصديق، وما أردك ~~عن تكذيب، وما أفرض عليك شيئا، وما أحظر عليك شيئا، ولكني رأيت فآمنت، وسمعت ~~فصدقت، ثم حدثت بما رأيت وما سمعت رجلا من أهل العلم فآمن وصدق، وسأحدث من أعرف من ~~أهل العلم، وما أرى إلا أنهم سيؤمنون ويصدقون، وينتظرون كما أنتظر أن تظهر هذه ~~المعجزة التي لا تدع سبيلا إلى الشك، ولا طريقا إلى الارتياب. # قال «كلكراتيس» في صوت هادئ حزين، ولكن فيه نغمة الحرص على المعرفة، والشوق إلى ~~اليقين، والعجز مع ذلك عن بلوغ ما يريد: إن قلبي ليؤمن لك، ولكن عقلي يأبى ~~عليك. # قال «بحيرى»: فأنت في حاجة إلى أن تخلق خلقا جديدا، وتولد مرة أخرى، لترى ~~الأمر كما نراه، وتفهمه على وجهه. # قال «كلكراتيس» وفي وجهه ابتسامة يائسة: إني لا أفهم عنك. لقد قرأت هذا في ~~الإنجيل، قاله المسيح لرجل من يهود، كان ms202 يشك في أمره كما أشك أنا الآن، يرضى قلبه ~~ويسخط عقله. ولكني لا أسألك كيف أولد مرة أخرى، وإنما أسألك كيف السبيل إلى أن أولد ~~مرة أخرى؟ كيف السبيل إلى أن أغير هذا العقل فأرده إلى اليقين الذي يخرجه من الشك؟ ~~أو كيف السبيل إلى أن أغير هذا القلب فأرده إلى الشك الذي يخرجه من اليقين؟ فأنا ~~شقي بهذا التناقض الذي أجده بين عقلي وقلبي. وما أرى أني سأستريح إلا أن يشكا معا ~~أو يطمئنا معا. فأما أن يذهب أحدهما نحو الشرق، ويذهب الآخر نحو الغرب، فهذا ~~العذاب الذي لا يطاق، وهذه الحياة خير منها الموت. # قال «بحيرى»: إني لأرحمك وأرثي لك، ولكني لا أحب أن تيأس من رحمة الله، أو تقنط ~~من روحه. فخذ نفسك بالصلاة، وأقم عليها ما استطعت فقد يمسك الله بجناح من رفقه ~~وعطفه، فيخرجك من الظلمة إلى النور. # قال «كلكراتيس»: فإني لا أجد إلى الصلاة سبيلا، ولقد أخذت بها نفسي أخذا ~~شديدا، فحاولت الصلاة صامتا، وحاولت الصلاة ناطقا، فجعلت كلما أدرت منها جملة في ~~نفسي أدار عقلي، أو أدار الشيطان، جملة أخرى تكذبها وتنفيها. # قال «بحيرى»: فإني لا أملك لك من الله شيئا. وأكبر الظن أنك في حاجة إلى هذا ~~الألم العنيف الذي يبهر العقل، ويملأ النفس، ويستغرق الضمير، والذي لا يأتي إلا من ~~التجارب والخطوب. ثم أطرق لحظة كأنه يفكر وكأنه يدعو خواطره من بعيد، ثم رفع إلى ~~رفيقه وجها مشرقا يصور نفسا مطمئنة، وقال في صوت خافت، كأنه صوت الصلاة: أرأيت ~~أننا نصلي فنسأل الله أن يكفينا شر التجارب، ويعصمنا من مكر الدهر وآلام الخطوب! ~~فمن يدري؟ لعل من الخير أن تصلي فتسأل الله أن يبلوك بالتجارب، ويمتحنك بالخطوب؛ ~~فإن التجارب تمحص القلوب، وإن الخطوب تطهر النفس، وإن المحن تصفي الضمير، وإن هذه ~~الآلام الطارئة على غير انتظار والملمة في غير رفق، تكف من غلواء العقل، وتخفف من ~~كبريائه، وترده إلى التواضع، وتشفيه من داء الغرور. # قال «كلكراتيس»، وقد انهمرت من عينيه دموع ms203 غزار: عسى أن يكون ذلك! ولكني في حاجة ~~إلى أن أرى لا إلى أن أسمع، وإلى أن أشهد لا إلى أن أقرأ في الكتب. ما قصدي إلى ~~العراق، وإن همي لفي الحجاز! ما رحلتي إلى صديقك «نسطور»، وإن شفائي لعند ذلك الصبي ~~العربي اليتيم! # 11 # وهل عرفت الفكرة اللازمة التي لا تريم، والخاطر الملح الذي لا يفصل عن صاحبه ولا ~~يرفه عليه! فإني لا أعرف شيئا أشد منهما على النفس، ولا أشق منهما على العقل، ~~ولا أفتك منهما بالأعصاب. وما أرى إلا أنك ترثي مثلي لهذا الفيلسوف الرومي الشاب ~~حين علم أنه لم يكد يلقي إلى رفيقه جملته تلك حتى لزمته هذه الفكرة فلم تفارقه، ~~وألح عليه هذا الخاطر، فلم يجد إلى التخلص منه سبيلا. # وجعلت هذه الجملة تذهب وتجيء في رأسه كما يذهب المنشار ويجيء في الخشبة التي يريد ~~أن يشقها: «ما قصدي إلى العراق، وإن همي لفي الحجاز! ما رحلتي إلى «نسطور» وإن ~~شفائي لعند ذلك الصبي العربي اليتيم!» # وهم الفتى ألف مرة ومرة أن يصرف عنها نفسه، ويحول عنها تفكيره، فلم يوفق من ذلك ~~لشيء، وإنما جعلت هذه الجملة تدور في رأسه دورانا متصلا، حتى خيل إلى الفتى أنها ~~لون من هذيان الحمى، وجعل يتصور في نفسه أنه مريض، وأن شفاءه في العناية بجسمه، لا ~~في الذهاب إلى العراق ولا في التحول إلى الحجاز، ولا في الرحلة إلى «نسطور»، ولا في ~~القصد إلى ذلك الصبي العربي اليتيم. وجعل الفتى يمتحن نفسه مغرقا في الصمت، ويمتحن ~~نفسه مندفعا في الكلام، فإذا هو لا يستطيع أن يخلص من هذا الخاطر اللازم له الملح ~~عليه. # وكذلك انقضى النهار، وكذلك أقبل الليل فجلل الصحراء بظلمته القاتمة، والفتى فريسة ~~لخاطره هذا الملح، لا ينقذه منه ضوء النهار، ولا يصرفه عنه ظلام الليل. وصاحبه ~~يرفق به، ويعطف عليه، ويواسيه حينا بالحديث، ويسليه حينا آخر بما يظهر له من ~~مناظر الصحراء المختلفة المتشابهة. ولكن الفتى لا يسلو ولا يتعزى، وإنما هو خاطره ~~الملح قد ms204 ملأ قلبه وشغل نفسه، وملك عليه أمره كله. ولولا بصيص ضئيل من نور العقل ~~كان يضبط أعصابه بعض الضبط، وينظم حركاته بعض التنظيم، لما شك الفتى ولا شك صاحبه ~~في أن عارضا من الجنون ألم به، فأنساه ماضيه، وشغله عن مستقبل أمره، ورده إلى ~~حال لا يصلح معها التفكير ولا التقدير. # وقد انتهى المسافران ومن كان يتبعهما من الغلمان، حين تقدم الليل، إلى حصن ضخم ~~شاهق من هذه الحصون التي كانت تنبث في الصحراء بين الشام والعراق، والتي كان يقيم ~~فيها الجند حراسا للحدود محافظين عليها، وكان يأوي إليها السفر الذين يضطرون إلى ~~عبور الصحراء. # انتهى الرفيقان وأتباعهما إلى هذا الحصن حين كاد الليل ينتصف، فلم تفتح لهم ~~أبوابه، ولم يحاولوا استفتاحها، وإنما أجمعوا أمرهم أن ينفقوا بقية الليل في ظله، ~~حتى إذا أسفر الصبح ألموا به، فأصلحوا من شأنهم، وتزودوا لمرحلتهم، ثم استأنفوا ~~سفرهم البعيد. وما هي إلا ساعة حتى اندمجت هذه الجماعة الضئيلة في هذا الهدوء ~~الشامل من حولها، فأصبحت جزءا منه، لا تحس نفسها، ولا يحسها أحد. # وكان الفتى قد طمع في أن ما تكلف من جهد السفر وما احتمل من مشقته، سيدفعه إلى ~~النوم الهادئ المريح، فينسى فكرته اللازمة ويصرف عن خاطره الملح، ويسترد ما أضاع ~~من قوة، ويجدد ما فقد من نشاط. ولم يكذب النوم أمله ولم يخلف ظنه، وإنما أسرع إليه ~~فأظله بجناحيه، وأفاض عليه شيئا من هذا السكون الذي يجد فيه الجسم راحة، وتجد ~~النفس فيه براءة من أوضار الحياة، وتخفيفا من أثقالها. ولكن الفتى يفيق بعد ساعة ~~ويفتح عينيه فإذا ظلمة الليل ما زالت جاثمة على الصحراء، وإذا أشعة ضئيلة تضطرب في ~~هذه الظلمة فلا تستطيع أن تجلوها ولا أن ترقق من كثافتها. ويستجمع الفتى نفسه ~~المشردة، وخواطره المتفرقة، فإذا ثاب إليه رشده نظر من حوله كأنما يبحث عن شيء لا ~~يجده، وقد كان في حقيقة الأمر يبحث عن مصدر صوت سمعه حين أفاق، ولعله هو الذي ~~أيقظه. والفتى لا يشك في ms205 أنه لم يسمعه في الحلم، وإنما سمعه في اليقظة، أو سمعه بين ~~اليقظة والنوم. # وكان هذا الصوت غليظا خشنا، وكان مع ذلك هادئا تشيع فيه السخرية، وكان يقول: ~~«عجبت للذين يريدون ولا يفعلون، ويعزمون ولا يتممون، ويقصدون إلى العراق وهمهم في ~~الحجاز، ويرحلون إلى «نسطور» وشفاؤهم عند الصبي العربي اليتيم.» # على أن الفتى لم يلبث أن عرف نفسه وأنكرها معا؛ عرف نفسه وفكرته اللازمة له ~~وخاطره الملح عليه، وأنكر نفسه هذه المضطربة التي عجز النوم عن أن يقهرها، فإذا هي ~~تفكر نائمة كما كانت تفكر يقظى، وإذا هي تردد في الحلم وفي جنح الليل ما كانت تردده ~~حين كانت مستيقظة في ضوء النهار. ويعود الفتى إلى مضجعه وقد جمع إليه إرادته كلها ~~وعزمه كله، وأنفق جهدا غير قليل ليرد عن نفسه هذا الخاطر الملح، ودعا النوم كأشد ~~ما يكون دعاء للنوم، ولكن النوم كان قد نأى عنه، ولكن الصوت كان لا يزال يصل إلى ~~سمعه، يأتيه من خارج، يأتيه من هذا الجو المحيط به، لا من دخيلة النفس ولا من أعماق ~~الضمير. فلا يشك الفتى في أن إنسانا يناجيه ويغريه، فيسأل: «من المتكلم؟» ولكنه ~~يسمع صوت نفسه فيرتاع، وقد كان يسمع ذلك الصوت الغريب فلا يحس خوفا ولا ~~روعا. # هنالك ينهض الفتى من مضجعه، ويمشي أمامه خطوات، ثم يتحول فيمشي خطوات أخرى عن ~~يمين، ثم يتحول فيمشي خطوات إلى شمال، فلا يرى أحدا، ولا يحس شيئا! فيعود إلى ~~مكانه قلقا بعض الشيء، مستشعرا بعض الخوف. ولكنه لا يكاد يستقر حتى يبلغه صوت آخر ~~يأتيه من بعيد، فيه عذوبة ورقة وحنان، ولكنه يسمعه ولا يفهم عنه شيئا. فينهض مرة ~~أخرى، ويمضي شطر الوجه الذي يأتيه منه الصوت، وما يزال يسعى خائفا يترقب، حتى يخيل ~~إليه أنه يرى شخصا ماثلا، فيدنو منه في بعض الحذر والرفق، حتى إذا كان منه غير ~~بعيد تبينه فإذا هو رفيقه الراهب «بحيرى» قائما يصلي وقد رفع وجهه إلى السماء، ~~وهو يتمتم في لغته السريانية التي يسمع ms206 لها الفتى فلا يفهمها. وما كان أشد حاجة ~~الشاب إلى أن يدنو من صاحبه، فيمس كتفه، ويدعوه إلى معونته، ويتحدث إليه بأمر هذا ~~الصوت الذي سمعه! ولكنه ينظر إلى رفيقه فإذا هو غارق في صلاته، لا يحس مكانه منه، ~~ولا يحس شيئا من حوله، ولعله لا يحس نفسه أيضا. فيكره الفتى أن يصرفه عن هذه ~~الصلاة، وأن يخرجه من هذه الحال التي يود لو أتيح له شيء مثلها أو قريب منها. ~~ويعود أدراجه ويستقر في مكانه، ويدعو النوم كأشد ما يستطيع له دعاء، وينفق جهدا ~~عنيفا ليذود عن نفسه كل خاطر. وها هو ذا قد أخذ يستريح، ويحس هذا الفتور الذي يشيع ~~في أعضائه كأنه يبشره بمقدم النعاس، فيستسلم له، ويود لو استطاع أن ينغمس فيه ~~انغماسا. # ولكنه يسمع الصوت الغليظ الخشن، الهادئ الساخر، يعيد جملته تلك: «عجبت للذين ~~يريدون ولا يفعلون، ويعزمون ولا يتممون، ويقصدون إلى العراق وهمهم في الحجاز، ~~ويرحلون إلى «نسطور» وشفاؤهم عند الصبي العربي اليتيم.» # هنالك يستوي في مجلسه وقد امتلأ رعبا، وكظم صيحة عنيفة كادت تسبقه إلى الهواء، ~~فتنبه النائمين من أتباعه وتلفت إليه هذا الراهب المستغرق في الصلاة. ولكن فضلا من ~~حياء أمسك عليه نفسه ورده إلى بعض الروية والأناة؛ فقد جعل يسائل: ما هذا الصوت؟ ~~ومن أين يأتيني؟ إن كنت قد سمعته حالما أول الأمر فلست بالحالم الآن. ثم يمتلئ قلب ~~الفتى أمنا ودعة واطمئنانا، وإذا هو يرى في نفسه ما لم يكن يقدر، ويطمئن إلى ما ~~لم يكن يطمئن إليه، ويستيقن أن هذا الصوت لم يبلغه إلا لأمر يراد. # لا ينبغي إذا أن يمضي في طريقه إلى العراق، ولا أن يصمم على رحلته إلى «نسطور»! ~~فإن الله لا يريد له ذلك ولا يعينه عليه. ولا بد من أن يعود أدراجه حتى يبلغ الدير، ~~فيفضي بأمره كله إلى صديقه الشيخ، ويتزود عنده بشيء من هذه الراحة التي يعرف كيف ~~يشيعها في ضميره، وهذا اليقين الذي يعرف كيف يملأ به قلبه. وها هو ذا ms207 ينهض، وها هو ~~ذا يمضي أمامه حتى يبلغ رفيقه الراهب، فيراه ما زال ماثلا يتمتم في لغته السريانية ~~وقد رفع وجهه إلى السماء لا يحس شيئا، ولعله لا يحس نفسه. فينظر الفتى إليه ويطيل ~~النظر، وكأنه يريد أن يؤذنه بانصرافه عنه وتحوله إلى الدير. ولكن الراهب مستغرق في ~~صلاته، فما إخراجه منها وما صرفه عنها! وهذا الفتى يتحول عن صاحبه مسرعا، ويمضي ~~أمامه لا يلوي على شيء وما هي إلا لحظات تمضي حتى يصير الفتى سرا مكتوما في هذا ~~الضمير الغامض الذي يأتلف من ظلمة الليل وامتداد الصحراء. # 12 # ثم ينبلج الصبح عنه، فإذا هو كامل القوة، موفور النشاط، باسم الثغر، مبسوط ~~الأسارير، لا يظهر عليه الإعياء، وإن كان قد تكلف مشقة سفر متصل لم يسترح من جهده ~~إلا هذه الساعات القليلة التي كانت إلى التعب أقرب منها إلى الراحة، وإلى الخوف ~~المضني أدنى منها إلى الأمن والهدوء. وإنما يظهر على وجهه شيء آخر يصور نفسا ~~راضية، وقلبا مطمئنا، وينم بأن الفتى قد برئ من هذا القلق الذي كان يساوره ويفسد ~~عليه أمره. ولا غرابة في ذلك! فقد كان يريد أن يرى وأن يشهد. أوليس قد رأى وشهد! ~~إنه لم ير شخصا ماثلا يصدر إليه هذا الصوت الذي رده عن العراق وحوله إلى الدير، ~~ولكنه قد سمع هذا الصوت سمعه غير مرة، وسمعه يأتيه من خارج نفسه، لا من دخيلتها ولا ~~من أعماقها، فما ينبغي لعقله أن يشك، وما ينبغي لبصيرته أن ترتاب، وما ينبغي لعزمه ~~أن ينثني عما صمم عليه. إنه مأمور بالقصد إلى الحجاز؛ فليقصدن إلى الحجاز بعد أن ~~يستقر حينا في الدير، ويتزود من صديقه الشيخ ببعض اليقين. # وهو يمضي أمامه يغمره ضوء الصبح المشرق، وينعشه نسيمه البارد؛ ويشيع النشاط في ~~جسمه ونفسه لذة غريبة يذوقها ولكنه لا يستطيع تصويرها ولا يحسن وصفها إن حاول هذا ~~الوصف. والغريب من أمره أنه كان يمضي أمامه دون أن يسأل نفسه: أماض هو في طريقه إلى ~~الدير أم هائم هو ms208 في غير طريق؟ # وما شكه في استقامة الطريق له واعتدالها أمامه، وهو قد سلكها أمس، وهو لا يسلكها ~~اليوم إلا مأمورا، فإن الذي أمره أن يعود أدراجه يهديه سبيله إلى العودة، ما يتطرق ~~إليه في ذلك شك ولا ريب. فليمض أمامه، وليمض لا ملويا على شيء ولا حافلا ~~بشيء، وليبعد الخطى فإن الأمد بعيد! وما ينبغي أن يدركه الليل مرة أخرى قبل أن يبلغ ~~مأمنه وينتهي إلى غايته. # ومن الحق أنه لم يسلك هذه الطريق أمس راجلا، وإنما كانت تخب به الركاب. ومن الحق ~~أيضا أنه لم يكن دليل نفسه أمس، وأنه لم يعرف معالم الطريق ولم يثبتها! فهو خليق ~~أن يخطئ القصد، وأن يجور عن السبيل. ولكن هذه الخواطر لا تلم به ولا تعرض له، فهو ~~مشغول بما يملأ قلبه من أمن، وما يغمر نفسه من اطمئنان. وهو مشغول بهذه الثقة التي ~~أراحت عقله، واضطرته إلى الدعة والهدوء، وجردته من ذلك السلاح الخطر الذي كان يناضل ~~به في ذلك الصراع الأليم. # لقد كان يريد أن يرى، فقد رأى. ولقد كان يريد أن يشهد، فقد شهد. وما من شك في أن ~~الأيام ستتكشف له عن معجزات أخرى أعظم خطرا، وأعمق أثرا، وأنبه شأنا من هذه ~~المعجزة التي أسرها الليل إليه، ومن تلك المعجزات التي قصها الرهبان عليه. فليمض ~~أمامه واثقا! فقد انجلت عنه الغمرة، وآذنت محنته بالزوال. # ومن الحق أنه لم يمض في الصحراء أمس وحيدا ولا صفر اليد، وإنما كان له رفيق يأنس ~~به ويستريح إليه، وأتباع يعينونه على بعض الأمر ويصلحون له من الشئون ما لم يتعود ~~أن يصلح لنفسه، ويحملون له من الزاد والمئونة ما يقيم أوده، ويعصمه من الظمأ ~~والجوع. وهو الآن يمضي في الصحراء وحيدا لا رفيق له ولا تبع، ولا مئونة معه ولا ~~زاد. ولكن هذا الخاطر لم يلم به ولم يعرض له؛ لأن قلبه مشغول عن هذه الصغائر بما ~~يملؤه من عظائم الأمور. وآية ذلك أن الضحى قد ارتفع، وأن الشمس قد أوشكت ms209 أن تزول، ~~وأنه على ذلك يمضي في طريقه آمنا هادئا، لا يحس ألما ولا تعبا، ولا يدعوه جسمه ~~إلى طعام أو شراب، ولا يجد حاجة إلى شيء إلا إلى أن تبعد خطاه، وأن يدفعه نشاطه حتى ~~يبلغ مأمنه، وينتهي إلى غايته، ويلقى صديقه الشيخ، قبل أن تجنه ظلمة الليل. # وما من شك في أنه سيبلغ من ذلك ما يريد. وما من شك في أن هذا الصوت الذي أزعجه من ~~مضجعه لم يرد به إلا خيرا، وهو خليق أن يبلغه مأمنه قبل أن يدركه الجهد أو يمسه ~~الضر. # وكذلك مضى الفتى أمامه واثقا لا يعرف القلق ولا الشك إلى نفسه سبيلا، سعيدا ~~بهذا الأمن الذي فارقه منذ عهد بعيد، والذي عاد إليه الآن يؤنسه في وحدته، ويذود ~~عنه وحشة الصحراء. # لن يسمع إذا جنه الليل ذلك الصوت الغليظ الخشن يردد في هدوئه الساخر تلك الجملة ~~اللاذعة. لقد أراد ففعل. ولقد عزم فتمم. وأي دليل على ذلك أصرح وأوضح من هذه الخطى ~~البعيدة التي تقطع الصحراء دون أن يجد لها كلالا أو يدركه منها سأم! كلا! لئن سمع ~~صوتا في هذه الليلة المقبلة ليسمعن صوتا حلوا عذبا مشجعا، يملؤه ثقة ويدفعه ~~إلى المضي والإقدام. وقد أخذت حرارة الشمس تخف بعد شدتها، وأخذ وجه النهار يدركه ~~الشحوب، وأخذت الظلمة بعد حين تنتشر على الصحراء كأنها السيل المندفع لا يذر شيئا ~~أتى عليه إلا غمره واكتسحه اكتساحا، ولم يبلغ الفتى مأمنه، ولم ينته إلى غايته، ~~ولم يعرف شيئا من هذه المعالم التي تقوم غير بعيد من الدير. # ولكن لا بأس؛ فإنه يسعى راجلا، وقد كانت تخب به الركاب أمس. وأكبر الظن أنه إذا ~~مضى في طريقه وباعد بين خطاه، واحتفظ بهذا النشاط الذي لم يفارقه طول النهار فسيبلغ ~~الدير حين يتقدم الليل. وأكبر الظن أنه لن تمضي ساعات حتى يرى هذه المعالم، ويتبين ~~هذه الأضواء الضئيلة المضطربة التي تخفق في ظلمة الليل وتمضي إلى بعيد كأنها تدعو ~~إلى الدير أمثاله هؤلاء الذين أضنتهم الصحراء ms210 وأعياهم السفر البعيد. # والفتى يمضي وظلمات الليل تتكاثف ويركب بعضها بعضا، وهذه الأشعة الضئيلة التي ~~تنحدر من السماء تحاول أن تشق هذه الظلمات فلا تكاد تبلغ من ذلك شيئا. ومع أن كل ~~شيء قد كان صامتا من حول الفتى في تلك الصحراء الموحشة أثناء النهار، فقد يخيل ~~إليه أن اللغط من حوله قد أخذ يظهر شيئا فشيئا، قد أخذ يظهر قليلا ضئيلا كأنه ~~قطع متفرقة تحملها الريح، ثم يشتد ويتدانى قليلا قليلا، ثم يتلاصق وينعقد ويأخذه ~~من كل مكان، وإذا هو يسمع أصواتا مشتبكة تأتيه من كل وجه: تأتيه من أمام إذا مضى ~~إلى أمام، وتأتيه من وراء إذا وقف متفكرا مستخبرا، وتأتيه من يمين وشمال، ولو صدق ~~نفسه وآمن لخياله لاعتقد أن هذه الأصوات تنجم له من الأرض، وتهبط عليه من السماء، ~~وهي على كل حال تغمره من جميع أقطاره وتكاد تغرقه. ولكنه لم يفقد رشده، ولم يضل ~~صوابه؛ فهو يشهد هذا كله شاعرا به، محققا له، مفكرا فيه. ثم لا يلبث أن يرده إلى ~~أصله ويضيفه إلى مصدره. فهو قد سافر يوما كاملا لم يذق فيه من الراحة إلا ما لا ~~يغني، ثم هو قد استأنف السفر يوما كاملا لم يذق فيه طعاما ولا شرابا، ولم يأخذ ~~فيه من الراحة بقليل ولا كثير. وهذا الليل قد تقدم وهو ما زال ماضيا أمامه، ولعله ~~يحس تقارب الخطى وشيئا من الكلال قد أخذ يتمشى في أطرافه. فهذا الإعياء من غير شك ~~هو أصل هذا اللغط ومصدر هذه الأصوات التي تأخذه من كل وجه. وويل للنفوس القوية من ~~الأجسام الضعيفة! إن نفسه لكاملة القوة، مجتمعة النشاط، قادرة كل القدرة، وحريصة ~~أشد الحرص على أن تمضي حتى تبلغ الدير. ولكن هذا الجسم الضعيف قد أخذ يفتر ويتهالك، ~~ويعجز عن مجاراة هذه النفس القارحة. فليت الله لم يبتل النفوس بالأجسام! وليته أتاح ~~لهذه النفوس حياة مجردة من المادة، مطهرة من هذه الأدناس والأوضار! ولكن الأصوات ~~تلغط ويتكاثف لغطها في سمع الفتى كما تتكاثف ms211 ظلمة الليل أمام عينيه. ولكن جسم الفتى ~~يفتر ويفتر، ويثقل ويشتد ثقله حتى تعجز نفس الفتى عن حمله، وتود لو تخرج منه فتلم ~~بالدير ثم تطير إلى الحجاز حيث الصبي العربي اليتيم. # ولكن خطى الفتى تقرب وتقرب، وإذا هو يحس أنه يتحرك دون أن يتقدم، وينظر فإذا هو ~~قائم مكانه قد فارقته قوته وفارقه نشاطه، وأحس حاجة إلى الراحة لا يستطيع لها ~~مقاومة، ولا يجد منها بدا! # الراحة! ولكن كيف السبيل إليها؟! وأين يبتغيها وهو في هذا المكان الموحش الذي لا ~~يعرف له أولا ولا آخرا! أما أمس فقد استطاع أن يطلب الراحة مع أصحابه في ظل ذلك ~~الحصن الضخم الشاهق في السماء. وقد كان يظن أنه سيطلب الراحة من ليلته في ذلك الدير ~~الذي لا ينبغي أن يكون بعيدا، لولا ضعف هذا الجسم النحيف الذي يقعد به وليس بينه ~~وبين الغاية إلا أمد قريب. # ومع ذلك فويل للذين يريدون ولا يفعلون! وويل للذين يزعمون ولا يتممون! وهو قد ~~أراد ولا بد من أن يفعل. وقد عزم ولا بد من أن يتمم ما عزم عليه. ومن الحق أن ~~جسمه لا يعينه، وأن خطواته لا تطاوعه. ولكن لا بأس! فليرفه عن هذا الجسم شيئا، ~~وليمنحه من الراحة نصيبا، وليجلس هنا في هذا المكان الموحش الذي لا يعرف له حدا. ~~ولكن ليحتفظ بقوته ويقظته، وليدفع النوم عن نفسه دفعا، حتى إذا استراح الجسم ساعة ~~أو بعض ساعة، أنهضه وكلفه السعي حتى يبلغ المأمن، وينتهي إلى الغاية، ويصل إلى ~~الدير. # وخيل إلى الفتى أنه جلس، وإن كان الحق أنه خر من أقطاره صريعا. وظن الفتى أنه ~~محتفظ بقوة نفسه، ويقظة ضميره وذكاء قلبه، ونشاطه كله، وأنه سينهض بعد حين فيمضي ~~إلى غايته. وقد هم أن ينهض بعد حين. ولكن ماذا! إنه ليحاول النهوض فلا يجد إليه ~~سبيلا. وإنه ليحاول أن يحرك بعض أطرافه فلا يجد إلى ذلك سبيلا. وإنه ليسمع ذلك ~~اللغط الذي كان يسمعه منذ لحظة ولكنه يتميزه الآن بعض الشيء؛ فهو ms212 ليس صوتا منعقدا ~~كثيفا، ولكنه أصوات متفرقة، تتنادى وتتجاوب كأنها أصوات قوم يتحدثون. ثم يحاول أن ~~يفتح عينيه فلا يجد إلى ذلك سبيلا. أين هو؟ ما خطبه؟ ماذا ألم به؟ إنه ليجد ~~ثقلا في أطرافه، وعجزا عن الحركة، وعجزا حتى عن أن يفتح عينيه. وإن عقله مع ذلك ~~لحاضر يقظ، ولكنه يحس كأنه يتحرك على غير إرادة، أو كأنه محمول على شيء يمضي به ~~دون أن يتحققه أو يعرف ما هو. # ثم تنجلي عن الفتى ظلمات نفسه شيئا فشيئا، وتثوب إليه خواطره قليلا قليلا، ~~ويحضره عقله ورشده حقا، ويمتلئ قلبه بالحقيقة الواقعة التي تملؤه رعبا وجزعا، ~~وإذا هو يصيح صيحة منكرة، صيحة المستغيث الواله، فلا يجد لصيحته صدى، ولا يسمع لها ~~جوابا، ولكنه يحس كأنه محمول على شيء يمضي به مسرعا ، وهذه الأصوات تدفعه دفعا ~~وتحثه حثا عنيفا. ليس من شك في أنه أسير، قد أسره بعض الناس، أو أسره بعض الجن ~~التي كانت تلغط في الصحراء. لشد ما ود لو استطاع أن يفتح عينيه وينظر من حوله. فليس ~~من شك في أن الذين أسروه قد عصبوه. وهو يستغيث ويلح في الاستغاثة، ويئن ويلح في ~~الأنين، فلا يسمع إلا أصواتا تتضاحك، وقوما يتنادون، وحثا لهذه المطية التي ~~تحمله. # ثم تمضي ساعة وساعة، وإذا هو يحمل فيحط على مطيته، ثم تحل العصابة عن عينيه فينظر ~~فيرى. ويا هول ما يرى! يرى نفسه طريحا على الأرض في ظل خيمة غليظة خشنة، وقد أحاط ~~به نفر نحاف الأجسام، سمر الوجوه، يتطاير من عيونهم الشرر، ولكنهم مع ذلك يرفقون ~~به، ويعطفون عليه، ويحطون عنه الأغلال، ويردون إلى يديه حريتهما، ولكنهم يحتفظون ~~برجليه في القيد، ثم يقدمون إليه في سخرية رفيقة شيئا غليظا من طعام ~~وشراب. # 13 # وقد أحس الفتى بعد هذه الساعة الأليمة أن هزيمة العقل وفلسفته قد كانت منكرة ~~حقا أمام طبيعة الجسم وغرائزه. فلم يكد يرى ما قدم إليه من طعام وشراب حتى أقبل ~~عليه في نهم لم يألفه، فازدرده ازدرادا، لم ms213 يصده عنه غلظه وجفوته، ولم يصرفه عنه ~~بعد ما بينه وبين ما كان قد ألف من لين الطعام ورقيق الشراب. بل لم يصرفه عنه ما ~~كان يجد من ذل الإسار بعد عز الحرية، ومن خيبة الأمل بعد تلك الأماني العراض التي ~~ملأت حياته حين كان في المدينة يلهو ويعبث مع صديقيه، وحين كان في الدير ينتظر ما ~~سيتكشف عنه الغيب له ولصديقه الشيخ من الآيات الكبار، وحين تحول عن رفيقه «بحيرى» ~~ومضى عائدا أدراجه مذعنا لذلك الصوت الغليظ الخشن الذي سخر منه في هدوء. كل ذلك ~~لم يخطر له، ولم يثر في نفسه غيظا ولا حنقا، ولم يغره بامتناع ولا إباء حين قدم ~~إليه الطعام والشراب، وإنما استعرضه وفكر فيه، وذاق مرارته واحترق بلوعته بعد أن ~~شفى ألم الجوع والظمأ، وبعد أن استرد جسمه قوته ونشاطه. ولو أننا اطلعنا على دخيلة ~~نفسه حينئذ لرأيناه خجلا مستخذيا، ووجلا محزونا، ويائسا من هذا العقل الذي كان ~~يؤمن به ويذعن له، ويرى أنه أقوى ما ركب في الإنسان من غريزة، وأعز ما منح للإنسان ~~من سلطان. وها هو ذا الآن يراه ذليلا منكسرا، لا يقدر على مقاومة، ولا يثبت ~~لمناضلة، ولا يمتنع على غرائز هذا الجسم الضعيف الذي كان يحقره ويزدريه. على أن ~~الفرصة قد أتيحت ل «كلكراتيس» ففكر على مهل، وروى في أناة، وقلب أمره على وجوهه ~~كلها، وتذوق مرارة حاله الجديدة حتى استقصى أدق ما فيها من ألم، وأخص ما فيها من ~~ندم؛ فهو لم يكد يفرغ من طعامه وشرابه ويشعر أن جسمه قد استرد شيئا من طعام وشراب، ~~واستردوا حظا من قوة ونشاط، وإذا هم يتنادون ويتناجون وتختلف بينهم الألفاظ ~~والألحان والإشارات، وهو يرى ويسمع ولا يفهم شيئا. ثم يقبلون إليه فيردون يديه إلى ~~الغل وعينيه إلى الظلمة، ويحملونه حيث يشدونه على مطيته تلك التي كان يحسها منذ حين ~~تسرع به في السير إسراعا رفيقا. # هو إذا لم ينزل حيث نزل ليقيم ويستقر. وإنما ألم بمكان من الصحراء ليستريح ~~وليستريح ms214 هؤلاء الذين أسروه وعدوا عليه. وهو إذا لم يبلغ مأمنه، ولم ينته إلى ~~غايته بعد. ولكن ما ذلك المأمن؟ وما هذه الغاية؟ وماذا يريد به هؤلاء القوم؟ وإلى ~~أين يحملونه؟ ولماذا يهينونه؟ لقد رآهم يتحدثون باللفظ واللحظ فلم يفهم عنهم، وهو ~~الآن يسمعهم يتناجون في أصوات ترتفع وتنخفض وتتشكل أشكالا مختلفة بين ذلك، فلا ~~يفهم عنهم شيئا. وهو يسأل نفسه: كيف انتهى إليهم وكيف انتهوا إليه؟ فلا يجد لهذا ~~السؤال جوابا. وإنما يذكر تلك الساعة الأليمة التي رأى نفسه فيها قائما في ~~الصحراء ولا يستطيع أن يتقدم ولا أن يتأخر، وقد اكتنفته ظلمة الليل القاتمة، وغمره ~~لغط تلك الأصوات المنكرة التي لا تبين. ثم لا يذكر بعد ذلك كيف انتهى إليهم وكيف ~~انتهوا إليه. ماذا كان ذلك الصوت الغليظ الخشن الذي عجب منه وهزئ به، وأغراه ~~بالتحول عن العراق إلى الحجاز، وبالرغبة عن «نسطور» إلى الصبي العربي اليتيم؟ أكان ~~صوتا قد صدر عن ناصح له، رفيق به عاطف عليه، أم كان صوتا صدر عن ساخر منه، عابث ~~به مضمر له الكيد والغرور؟ ثم يذكر الفتى حديث رفيقه «بحيرى»، وما زعم له من حاجته ~~إلى التجارب والخطوب، ليرتد عقله عن الكبرياء إلى التواضع، وعن الغرور إلى ~~الاعتدال. وترتسم على ثغره ابتسامة حزينة أليمة حقا. لقد كانت أبواب السماء مفتحة ~~حين تحدث إليه رفيقه عن التجارب والخطوب. فما أسرع ما سلطت عليه التجارب وأغريت به ~~الخطوب! لقد كانت هذه التجارب والخطوب مسايرة له ولرفيقه في الصحراء، تريد أن تدنو ~~منهما فلا تستطيع؛ لأن مكان هذا الراهب الكريم كان يمنعها من الدنو. فما هي إلا أن ~~تحتال حتى تستدرج هذا الفتى وتبعده عن رفيقه الذي وقاه الله شر التجارب والخطوب. ~~فما يكاد يبعد عنه حتى تنساب إليه من كل سبيل. لقد خلص لها وفرغت له فلتذقه مرارتها ~~خالصة، ولتصب عليه آلامها ممضة لاذعة، ولترد عقله إلى التواضع، ولتباعد بينه وبين ~~الكبرياء والغرور. # ثم يخيل إلى الفتى كأن عقله قد وقف عن التفكير، وكأن ms215 قلبه قد عجز عن الشعور ~~حينا، وكأنه في شيء يشبه النوم وليس بالنوم، وكأنه يسمع ذلك الصوت الغليظ الخشن ~~وهو يبعث في الفضاء قهقهة عالية ملؤها السخرية والاستهزاء؛ فيعود الفتى إلى شعوره ~~الأليم، وتفكيره العقيم، وإذا هو يسأل نفسه مرة أخرى عن هذا الصوت: ما هو؟ وما عسى ~~أن يكون؟ وترتسم على ثغره ابتسامة أخرى فيها سخرية مرة، واستهزاء حزين. فهو يسأل ~~نفسه: ألا يمكن أن يكون هذا الصوت الذي أغراه بالعودة وورطه في هذه الكريهة، صوت ~~إله من هؤلاء الآلهة القدماء الذين كان يعبدهم ويقبل عليهم في المدينة مع صاحبيه، ~~ثم لم يلبث أن شك فيهم، وتنكر لهم وأعرض عنهم واستجاب لصديقه الشيخ، وجعل يبحث عن ~~إله جديد دون أن يبلغه أو يهتدي إليه، فأضاع نفسه بين قديم كان يعرفه، وجديد لا ~~يألفه! لقد أعرض عن عبادة «دينوزوس» وأصحابه منذ عهد بعيد. ألا يمكن أن يكون ~~«دينوزوس» قد أرسل إليه بعض أتباعه ليسخر منه ويعبث به، ويرده آخر الأمر إلى دينه ~~القديم؟ # ولكن الابتسامة الحزينة الساخرة التي كانت ترتسم على ثغر الفتى تتسع شيئا ~~فشيئا! وإذا شفتاه تنفرجان عن ضحك عال وقهقهة تملأ الفضاء. ولو أتيح له أن يرى ~~لرأي هؤلاء النفر من حوله وقد ارتسم عليها شيء من العجب لهذا الأسير الغريب الذي ~~تختلف على وجهه الابتسامات وتنفرج شفتاه عن الضحك المرتفع البعيد. # ولكن الفتى مشغول عما حوله وعمن حوله، ساخر من كل شيء ومن كل إنسان، وساخر من ~~نفسه قبل كل شيء وقبل كل إنسان، وساخر بنوع خاص من هذا الخاطر السخيف الذي عرض له، ~~ومن هؤلاء الآلهة القدماء الذين أخذ يفكر فيهم والذين لم يخلص لهم الدين في يوم من ~~الأيام؛ ولن يخلص لهم الدين في يوم من الأيام؛ لأنهم لم يستطيعوا قط أن يبلغوا عقله ~~أو قلبه. # هو ساخر من كل هذا، وهو ممعن في لون آخر من ألوان التفكير يملأ نفسه حزنا إلى ~~حزن، ويفعم قلبه ألما إلى ألم، ويضيف في نفسه ذلة إلى ms216 ذلة وانكسارا إلى انكسار. ~~لقد ضاق بقيصر وبغي قيصر، حين كان آمنا في المدينة، وادعا بين صديقيه، مستمتعا ~~بالثروة الواسعة والجاه العريض، مهيأ لأن يضيف إليهما بسطة الملك وضخامة السلطان. ~~لقد أنف من قيصر وبغي قيصر، وكره أن يدخل قيصر بينه وبين ضميره، وأزمع الهجرة عن ~~أرض قيصر، تلك التي يستذل فيها الناس وتحمل فيها الرعية على ما لا تحب، إلى أرض ~~أخرى يصبح فيها ملكا لنفسه، لا يتحكم فيه أحد ولا يبغى عليه سلطان. لقد هاجر من ~~أرض الذلة والهوان إلى أرض العزة والكرامة. لقد أصبح ملكا لنفسه، ولكنه ملك لا ~~يستطيع أن يفتح عينيه، ولا أن يحرك يديه، ولا أن ينهض على قدميه. ملك عان ذليل ~~موثق، قد شد إلى مطية تسرع به إلى حيث لا يريد بل إلى حيث لا يعلم، وهو لا يملك من ~~أمر نفسه شيئا، بل هو عاجز كل العجز عن أن يفهم من هؤلاء القوم الذين يطوفون به ~~ويسعون من حوله، إلى أين يذهبون به وماذا يهيئون له؟ # ليسخط الآن على ظلم قيصر وبغيه، وليحمل الآن عاقبة تفكيره في الهجرة وامتناعه عن ~~سلطان قومه وقوانين وطنه، فقد بلغ من ذلك ما كان يريد وأكثر مما كان يريد. ثم تعود ~~إلى الفتى خواطره التي كانت تملأ رأسه آنفا، فيذكر حديث رفيقه الراهب عن التجارب ~~والخطوب، وأثرها في رد العقل إلى التواضع والاعتدال، وصرفه عن الكبرياء والغرور. ما ~~أصدق هذا الحديث وأدناه إلى الحق! إن الفتى لمستسلم للقضاء، مذعن للقدر، قد وطن ~~نفسه على الصبر، وأخذها باحتمال المكروه. وهل يستطيع أن يطمع في غير الصبر، أو أن ~~يفكر في النبو عن الضيم والامتناع على المكروه! كلا! إنما هو أسير عان لا ~~يملك من أمر نفسه شيئا. وآية ذلك أن المطية تسعى به مسرعة رفيقة إلى حيث لا يعلم ~~ولا يريد، وأنه قد أخذ يحس الظمأ ويجد ألمه محروقا لاذعا، وهو لا يستطيع أن يشفي ~~هذا الظمأ؛ لأنه لا يستطيع أن يفهم هؤلاء النفر من حوله ms217 حاجته إلى الشراب. يتكلم ~~فلا يفهمون عنه، ويريد أن يشير بيده فلا يستطيع، ويود لو يشير بلحظه فلا يستطيع؛ ~~فقد حيل بين عينيه وبين الضوء. هو يعلم أنه لا يملك إلا الصبر والإذعان، ولكنه مع ~~ذلك يعالج نفسه على أن يكون صبورا مذعنا، حتى لو أتيحت له الحرية وخلي بينه ~~وبين أن يريد وأن ينفذ ما يريد. # وهو يتصور أن هؤلاء النفر الذين ظلموه وبغوا عليه قد ثابوا إلى العدل فردوا إليه ~~حريته، وحطوا عنه الأغلال، وفكوا عنه القيود، وخلوا بينه وبين الأرض الواسعة ~~والفضاء العريض. ثم يعاهد نفسه لئن فعلوا ذلك ليقيمن بينهم أسيرا قانعا بالإسار، ~~ذليلا راضيا بالذل، عبدا مخلصا في خدمة مواليه؛ لأن حديث التجارب والخطوب قد ~~وقر في نفسه واستقر في أعماق ضميره، ولأنه قد ضاق بطغيان عقله وكبريائه، وبما كلفه ~~الطغيان والكبرياء من بطر وأشر ومن جهد وعناء. # وكذلك أنفق «كلكراتيس» ثلاثة أيام ذليل الجسم أسيره، عزيز النفس طليقها. ينزل به ~~سادته حيث يريدون النزول، فيحطون عنه الغل، ويردون إليه الضوء، ويقدمون إليه ما ~~يقيم أوده من الطعام والشراب، ثم يرحلون به متى أرادوا وقد ردوه إلى سواد الظلمة ~~وثقل الأغلال. # وهو عن ذلك راض، وله مذعن، وإليه مطمئن، لا يفكر حتى في أن يسأل نفسه ماذا يراد ~~به؟ وإلى أين يقصد به؟ وما عسى أن ينفعه هذا السؤال! وما عسى أن يجدي عليه التفكير ~~فيه! إنما هي محنة لا بد من أن يحتملها أراد ذلك أو لم يرده، وخطب لا بد أن يصبر ~~عليه رضي عن ذلك أو كرهه. فالخير في أن يستقبل المحنة باسما لها، وأن يحتمل الخطب ~~راضيا به؛ فذلك أكرم له من جهة، وأهون عليه من جهة أخرى، وأدنى إلى ما أمره به ~~رفيقه من ملابسة التجارب والخطوب، وإلى ما أوصت به فلسفة القدماء من أن يريد المرء ~~ما هو كائن إذا عجز عن تحقيق ما يريد. # فلما كان اليوم الرابع نزل القوم وأنزلوه، وحطموا عنه أغلاله، وردوا إلى عينيه ~~ضوء ms218 النهار، وأطعموه وسقوه. وانتظر أن تمضي ساعة وبعض ساعة، وأن يعود به القوم إلى ~~الغل والظلمة والرحيل. ولكنهم لم يفعلوا، وإنما تركوه حر اليدين والعينين، وأطلقوا ~~رجليه من القيد شيئا، خلوا بينه وبين بعض الحركة البطيئة الثقيلة، في حدود هذه ~~الخيمة الخشنة التي ضربت عليه! وجعل أفراد من رجال ونساء يقبلون عليه فينظرون إليه! ~~فمنهم من يعجب به، ومنهم من يعجب له، ومنهم من يضحك منه، ومنهم من يظهر له الرثاء! ~~وكلهم يقبل فينظر ثم ينصرف. ويقبل المساء فيقدم إلى الفتى طعامه الجافي وشرابه ~~الغليظ، ثم يخلي بينه وبين النوم. ويقبل الصباح بعد ليل طويل لم يذق فيه النوم إلا ~~غرارا، لا لأنه ضيق بحاله، كاره لمكانه، بل لأنه لا يقضي العجب من هذه الخطوب التي ~~اختلفت عليه من سمع الصوت الغريب الذي تغنته تلك الفتاة الجميلة في قصر حاكم ~~المدينة. # وقد ألف الفتى حياته هذه في قيده الثقيل وفي خيمته الخشنة، بل أخذ يألف الذين ~~يدخلون عليه ويحملون إليه طعامه وشرابه بين حين وحين، بل أخذ يفهم عنهم بعض الحركات ~~والإشارات، وأخذت نفسه تعي بعض ما يديرون بينهم من الألفاظ. وأخذوا هم يألفون ~~إشاراته وحركاته، ويجدون شيئا من الأنس إلى محضره، ويشعرونه بذلك بالإشارة واللحظ ~~واللفظ، ويودون لو استطاعوا أن يفهموا عنه أكثر مما يفهمون، وأن يفهم هو عنهم أكثر ~~مما يفهم. # وتتصل الأيام وتتبعها الليالي، والإلف يزداد من حين إلى حين بين الأسير ومواليه. ~~وهؤلاء أطفال الحي وصبيانه يختلفون إلى خيمته فيطيلون فيها المقام، وتتصل بينه ~~وبينهم فنون من اللعب الهادئ والدعابة الحزينة. وما ينقضي شهر حتى يفقد الفتى كل ~~وحشة، وحتى تطيب نفسه بهذه الحياة، وحتى يتسرب إلى قلبه شيء من الحب لهؤلاء الصبية ~~الذين يلزمونه، ولا يكادون يفارقونه إلا حين يفرقهم عنه الليل. # وقد أخذ الفتى يشعر بأن الرضا عن هذه الحياة الجديدة قد أصبح هينا عليه ومألوفا ~~له، لولا هذا القيد الثقيل الذي يقارب بين خطاه، ويحد من حركته، ولولا هذا الحظر ~~الثقيل الذي يضطره ms219 إلى خيمته هذه الضيقة الخشنة، ولا يكاد يبيح له الاستمتاع ~~بالفضاء الواسع والهواء الطلق إلا قليلا، ولولا خواطر كانت تلم به فتثير في نفسه ~~آلاما لاذعة بين حين وحين، تذكره بمن ترك وراءه في المدينة من الأهل والصديق، وبما ~~ترك وراءه في الدير من حب ذلك الراهب الشيخ، وبما لا يزال يتمنى في قوة وعنف من ~~الرحلة يوما ما إلى الحجاز، والظفر يوما ما بلقاء ذلك الصبي العربي ~~اليتيم. # ويرتفع الضحى ذات يوم، والفتى غارق في الدعابة واللعب مع هؤلاء الصبية الذين ~~ملئوا عليه خيمته، وإذا ثلاثة نفر من الذين أسروه وحملوه إلى هذا المكان قد أقبلوا، ~~ففرقوا الصبية في بعض العنف، حتى إذا دخلوا إليه أقبلوا عليه فأنهضوه وأخرجوه من ~~خيمته، ومضوا به، حتى إذا بلغوا به مكانا بعيدا عن الحي شيئا سلوا سيوفهم فأروه ~~بريقها، وهزوا رماحهم فأروه اضطرابها، ونثروا كنائنهم فأروه سهامها الرقيقة الحادة. ~~وكانوا إذا سلوا السيوف أشاروا بها إلى رأسه، وإذا هزوا الرماح أداروها إلى صدره، ~~وإذا نثروا الكنائن أنبضوا قسيهم فأبعدوا بها الرمي، ثم أشاروا بأيديهم إلى الجهات ~~الأربع من أمامه ومن ورائه وعن يمينه وعن شماله. وقد فهم الفتى عنهم حق الفهم، وعرف ~~أنهم ينذرونه بالموت إن حاول الهرب، ويرغبونه في الحياة المطلقة من القيود والأغلال ~~إن أذعن لهذا الرق الذي فرض عليه. وما كان الفتى الفيلسوف في حاجة إلى هذا النذير! ~~فقد عاهد نفسه منذ حين على الصبر والإذعان، والرضا بحكم الإسار. ولكنه أظهر لهم ~~بالإشارة واللحظ ما أرادوا من طاعة واستكانة، فردوه إلى خيمته وتركوه فيها لحظة، ثم ~~عادوا إليه فخلصوه من القيد، وخلوا بينه وبين الضوء والهواء، وألبسوه ثياب ~~الرقيق. # 14 # والنفس راغبة إذا رغبتها # وإذا ترد إلى قليل تقنع # وقد كانت نفس «كلكراتيس» راغبة في كثير، فأصبحت الآن قانعة بالقليل الذي ردت ~~إليه، بل بأقل من هذا القليل. وأين أيامه هذه التي ينفقها في حي من أحياء كلب بن ~~وبرة من أيامه تلك التي كان ينعم بها في مدينة ms220 عظيمة من مدن الروم؟! لقد كان سيدا ~~يأمر في قصره الفخم، وأرضه الواسعة، وغلمانه الذين لم يكن يحسن أن يحصيهم والذين ~~كانوا يمثلون عنده أجناسا مختلفة من الناس. وكان إذا أظله المساء من كل يوم ارتقى ~~إلى قصر الحاكم فنادمه وشاركه في مرحه وفرحه. وكان الذين يعرفونه من أهل المدينة لا ~~يشكون في أن السلطان صائر إليه يوما ما. وكان مع ذلك غير راض عن نفسه، ولا قانع ~~بحظه، ولا مكتف بهذه الحرية التي كان يستمتع بها؛ وإنما كان يرى نفسه ذليلا مهينا ~~أسيرا لسلطان قيصر، وكان يرغب في أن يخرج من هذه الذلة والهوان إلى عزة يتصورها ~~ولا يستطيع أن يجد لها مثلا. فأين تلك الحياة الحافلة بفنون اللذات وألوان النعيم ~~من هذه الحياة الجديدة المتواضعة، أو هي أقل من المتواضعة، والتي يقضيها بين هؤلاء ~~السادة الكرام، لا ساخرا منها، ولا ساخطا عليها، بل قانعا بها كل القناعة، ~~راضيا عنها كل الرضا؟! لقد عرف جسمه المترف غلظ الثياب وخشونتها، والنوم على الأرض ~~الصلبة بالعراء، وعرف الاستيقاظ في السحر، وعرف خدمة الناس بعد أن كان الناس ~~يخدمونه. بل عرف رعي الإبل والشاء والتطويف بألبانها مع الصباح على هؤلاء السادة ~~يسقيهم منها، ولا يشرب إلا إذا ارتووا وأرضوا حاجتهم من الشراب. وعرف ما هو أكثر من ~~ذلك وأشد إمعانا في هوان الأمر وضعة الحال، ولكنه مع ذلك لا ينكر شيئا، ولا يأسى ~~على شيء. ولعل حياته لا تخلو من بعض الغبطة؛ فقد رأى حياة جديدة لم يألفها، وعرف ~~بالمشاهدة أجيالا من الناس لم يكن يحقق من أمرهم شيئا، وإنما كان يقرأ عنهم في ~~الكتب، ويسمع عنهم في أحاديث النهار وأسمار الليل. بل هو قد تعلم لغتهم واستطاع أن ~~يتحدث إليهم، وأن يسمع منهم، وأن يبلو أخلاقهم السمحة، وطباعهم الساذجة، ونفوسهم ~~النقية، وقلوبهم الذكية، فلا يرى من هذا كله إلا ما يسره ويرضيه، وإلا ما يعجبه ~~ويبهره أحيانا. لقد كان سيدا مطاعا يأمر في عدد ضخم من الغلمان والرقيق، ولكنه ~~الآن يذكر ms221 سيرته في غلمانه ورقيقه ويوازن بينها وبين سيرة سادته معه وأمرهم فيه، ~~فيرى فرقا عظيما وبونا بعيدا. # كان سيدا كما يفهم الروم هذه الكلمة، مستعليا على غلمانه، لا يراهم يشبهونه من ~~قريب أو بعيد، ولا يكاد يفهم مشاركتهم له في الحياة، ولا يرى أنهم أهل ليحفل بهم أو ~~يفكر فيهم أو يعنى ببعض أمرهم. إنما كان يكل تدبيرهم إلى واحد منهم هو صاحب ~~القصر، وكان يتخذهم أدوات لثروته وجاهه، ولذته ونعيمه، ولم يخطر له قط أنهم ~~خليقون ببعض الرفق، مستأهلون لبعض الرأفة، وإنما كان مؤمنا بأن له عليهم كل الحق، ~~وليس لهم عليه إلا أن يعيشوا، وهم لا يعيشون لأن من حقهم العيش، وإنما يعيشون لأن ~~في حياتهم له منفعة وأربا. # وقد كان يدفعهم الجهد الثقيل المضني إلى بعض الكلال والتقصير، فلم يكن يعنى أو لم ~~يكن ينزل إلى إصلاحهم وتأديبهم؛ لأنهم لم يخلقوا لإصلاح ولا تأديب، ولأن التفكير ~~فيهم إضاعة للوقت، والعناية بهم تبديد للجهد، والفراغ لهم إهدار للكرامة. فكان ~~يسلط بعضهم على بعض، ويجعل بأسهم بينهم شديدا، ويجني من شقائهم سعادة، ومن بؤسهم ~~نعيما، ومن ألمهم لذة، ويجني من موتهم الحياة أحيانا، ولا يرى في ذلك إثما ولا ~~ضيرا، ولا ينكر من ذلك قليلا ولا كثيرا؛ لأن ذلك كله كان يتفق مع فلسفته ~~وثقافته التي كانت تقسم الناس إلى فريقين: فريقا خلقوا للأمر وهم السادة، وفريقا ~~خلقوا للطاعة وهم العبيد. # وهو الآن ينظر إلى سيرة سادته معه وأمرهم فيه، فيرى عجبا. هؤلاء القوم الغلاظ ~~الجفاة، الذين يحيون حياة خشنة كلها غلظة وشظف، قد رقت قلوبهم لهؤلاء العبيد، وعطفت ~~نفوسهم عليهم، فهم يخلطونهم بأنفسهم في أكثر ألوان الحياة، لا يكادون يمتازون منهم ~~في شيء إلا في هذه الأمور التي ترضي غرور الرجل البدوي. # هم لا يكلفونهم جهدا إلا وهم يتكلفون مثله، ولا يحملونهم مشقة إلا وهم يتحملون ~~مثلها، ولا يؤثرون أنفسهم من دونهم بطيبات الحياة، وإنما يشاركونهم عن طيب نفس وقرة ~~عين فيما يتاح لهم من هذا الرزق اليسير ms222 الذي تنبته لهم الأرض حين يبلها الغيث. وهم ~~لا يستمتعون بنعمة طارئة أو لذة عارضة إلا أشركوهم في بعض ما يستمتعون به. وإذا ~~استأثروا من دونهم بشيء فإنما يستأثرون بالجهد والمشقة: يستأثرون بالحرب مدافعين ~~ومهاجمين، مغيرين على العدو وذائدين عن الحرمات. وهم بعد لم يتحضروا ولم يتثقفوا، ~~ولم يبنوا المدن، ولم يشيدوا القصور، ولم يستمتعوا بألوان اللذة والترف، ولم يذوقوا ~~علم أرسطاليس، وفلسفة أفلاطون، ولكنهم على فطرتهم الأولى، أو هم لم يجاوزوا فطرتهم ~~الأولى إلا قليلا. # فكر «كلكراتيس» في ذلك تفكيرا متصلا طويلا، فتغير رأيه في أشياء كثيرة، وكون ~~لنفسه قيما أخرى مخالفة لتلك القيم التي كان يقدر بها الحياة حين كان روميا ~~متحضرا مترفا. وما له لا يفعل وقد أصبح عبدا بدويا يعيش عيشة الأعراب؛ فليفكر ~~تفكير الأعراب إن استطاع إلى ذلك سبيلا. # والواقع أنه شارك هؤلاء الأعراب في كل شيء، فأخلص لهم الحب، وأضمر لهم النصح، ~~واستيقن فيما بينه وبين نفسه أنه واحد منهم، يسوءه ما يسوءهم، ويسره ما يسرهم، ~~وإن فراقهم إن أتيح له سيكون عليه عسيرا وإليه بغيضا. ولعله لو مهدت له سبل ~~الإفلات من هذا الرق لأبى أن يفارق هؤلاء الناس الذين استرقوه وبغوا عليه. ولم ~~يفارقهم وهو لم يفقد عندهم من عزته وكرامته شيئا، وهو لم يستمتع قط بحرية نفسه ~~واسعة مطلقة بعيدة الآماد كما يستمتع بها في هذا الطور من أطوار حياته؟ إنه أسير ~~الجسم، ولكنه حر العقل إلى أبعد مدى. أسير الجسم إلى حد ما؛ فقد يكون من العسير ~~عليه أن يحاول الهرب أو الإفلات، ولكنه حر فيما دون ذلك، يذهب ويجيء إلى أي وجه ~~أحب، وعلى أي نحو أراد. وقد وثق به سادته واطمأنوا إليه؛ فهم يكلون إليه أموالهم ~~ويأمنونه عليها، ويثقون بتدبيره لها وذياده عنها وعنايته بها. فإساره ظاهر لا يكاد ~~يكون له ظل من الحق. فأما حرية عقله فلم تمس ولم يضيق عليه منذ أقام بين هؤلاء ~~الناس. لم يسألوه قط عن رأيه، ولم يمتحنوه قط في دينه، ولم ms223 يراقبوه قط فيما ينكر أو ~~يعرف من الأمر. وقد فكر الفتى فيما يمكن أن يكون لهؤلاء الناس من رأي ودين، فأعجبه ~~من أمرهم ما رأى وإن كان لم يرضه لنفسه، ولم يتخذه لها رأيا ودينا. # لم يرهم قط يعبدون إلها أو يتقربون إليه بالطاعة وفنون الضحايا، وإنما سمعهم ~~يديرون بينهم أسماء آلهة يذكرونها ولا يحققونها، ويظهرون الخوف منها والإكبار لها، ~~ولكنهم لا يبذلون في إرضائها وتملقها جهدا ما. هم أحرار الأنفس أحرار الضمائر، ~~كأنما اشتقوا حرية نفوسهم وضمائرهم من حرية هذا الهواء الطلق الذي يتنفسونه ويعيشون ~~فيه. # وهم أحرار الأجسام أيضا، لا تقيدهم المدن ولا تحبسهم القصور والدور، ولكنهم ~~ينزلون ويرحلون متى دعتهم حاجتهم إلى أن ينزلوا أو يرحلوا. حرية مطلقة يستمتع بها ~~الجسم، وحرية مطلقة تستمتع بها النفس والضمير. # كل ذلك كان يعجب الفتى ويرضيه. وكل ذلك كان يعزيه عما فقد، ويسليه عما احتمل، ~~ويغريه بالإقامة على حب هؤلاء الناس والوفاء لهم. ولكن شيئا واحدا لم ينسه قط ولم ~~تسل عنه نفسه قط، وإنما كان ذكره له يزداد، وشوقه إليه يقوى ويشتد، وتفكيره فيه ~~يتصل، ولا سيما إذا جنه الليل وخلا إلى نفسه وأبى أن يأوي إلى خيمته، أو يطمئن في ~~مضجعه، وآثر الجلوس في العراء مسرحا طرفه أمامه يرى حينا ولا يرى حينا آخر، ~~مرسلا نفسه في هذه الصحراء تهيم في غير وجه وتذهب في غير طريق وكان تفكيره فيه ~~يتصل إذا أصبح فطرد الإبل أمامه إلى مراعيها، ثم انتهى إلى حيث يستطيع أن يخلي ~~بينها وبين ما ترعى من الكلأ والعشب، ويفرغ هو لنفسه يريد أن يستقصي أخبارها، ~~ولضميره يريد أن يتعمق أسراره، وهو هذا المكان البعيد الذي كان يعيش فيه ذلك الصبي ~~العربي اليتيم. # الصبي! كلمة كانت تجري على لسانه وتتردد في ضميره؛ لأن العادة قد أجرتها على ~~لسانه ورددتها في ضميره منذ ذلك اليوم البعيد الذي قضاه مع رفيقه «بحيرى» في ~~الصحراء. وكم مضى بعد ذلك اليوم من أيام! وكم انقضى بعد ذلك اليوم من ms224 أشهر وأعوام! ~~وكم تغير بعد ذلك اليوم من شأن! وكم حدث بعد ذلك اليوم من أمر؟! لقد كان هو في ذلك ~~اليوم فتى روميا غض الشباب، نضر الجسم، قارح النفس. لقد أخذ شبابه يتولى عنه، ~~وأخذ جسمه يفقد نضرته، وقد أخذ وجهه يتجعد ويربد، وقد أخذ قلبه يهدأ، وقد أخذت نفسه ~~تحس الفتور. ليس هو الآن فتى روميا، ولكنه عبد كهل قد تقدمت به السن ونيف على ~~الأربعين، وقد ثقل جسمه ونفسه بعض الشيء، فهو لا يسرع إذا مشى، ولكنه يسعى في رزانة ~~وأناة. وهو لا يسرع إذا تحدث، ولكنه يتكلم في ريث ووقار. وهو لا يسرع إذا فكر، ~~وإنما تخطو نفسه إلى خواطرها وآرائها خطوات متقاربة تسيطر عليها الدعة ~~والهدوء. # ليس هو فتى روميا الآن، ولكنه كهل قد بلغ الشيخوخة أو كاد يبلغها! فما ينبغي أن ~~يكون ذلك الصبي العربي صبيا كما كان حين رآه «بحيرى» وتحدث عنه بتلك الأعاجيب. ~~لقد مضت الأيام وتبعتها الأيام، وقد مرت السنون وتبعتها السنون، ولقد صار هو كهلا، ~~فيجب أن يكون ذلك الصبي العربي قد صار فتى غض الشباب نضر الجسم، قارح النفس، بعيد ~~الهم، ذكي القلب، كريم الخلق، سمح الطبع، معتدل المزاج. # من لهذا الكهل الرومي الغريب بأنباء ذلك الفتى العربي الذي يقيم في واد بعيد من ~~أودية الحجاز؟ ماذا جد من أمره؟ ماذا أحدثت له الأيام؟ عم تكشف الغيب؟ أتراه قد ~~أنبئ ببعض ما خبئ له وما خبئ للناس على يديه؟ أتراه قد أظهر أمره أو كاد يظهره؟ إن ~~هذا الحي من كلب بن وبرة ليضطرب في جانب من الأرض العريضة، يذهب فيه ذات اليمين ~~وذات الشمال، ويذهب فيه إلى أمام وإلى وراء، ولكنه لا يبعد ولا يدنو من هذه الطرق ~~التي تمر منها القوافل آتية من الحجاز أو عائدة إليه. # وما أكثر الذين ينزلون بهذا الحي من كلب بن وبرة من أفراد الناس وشذاذ الآفاق! ~~فيدنو منهم هذا الكهل الرومي، ويتصل بهم، ويتوسل إليهم بالوسائل، ويسألهم عن ~~الحجاز، فينبئونه عنه ms225 بما يعلمون وما لا يعلمون. ويسألهم عن هذا الفتى القرشي ~~ويسميه لهم، فينكرونه ولا يعرفون من أمره شيئا، ولكنهم يثنون على قريش ويعجبون ~~بمفاخرها ومآثرها، ويثنون على رهطه الأدنين ويذكرون ما لهم من المآثر والمكرمات، ثم ~~ينصرفون إلى غير وجه من هذه الأرض البعيدة العريضة التي لا يعرف الطرف لها مدى، ولا ~~تنتهي العين منها إلى حد. # من لهذا الكهل الرومي بشيء من أنباء السماء؟ فقد كانت الأحاديث متصلة مستفيضة في ~~أديار الرهبان وصوامع الأحبار بأن أنباء السماء قريبة. أفتراها قد بلغت إلى الناس؟ ~~أفتراها تبلغه يوما من الأيام؟ أفتراه يستطيع أن يسعى إليها يوما من الأيام؟ ما ~~إقامته بين هؤلاء القوم الكرام من كلب بن وبرة في ناحية من نواحي الصحراء غير بعيد ~~من الشام، وإن همه لفي واد من أودية الحجاز ، وإن شفاءه لعند فتى من قريش يقال له ~~محمد بن عبد الله؟! # ما أكثر ما كانت تخطر هذه الخواطر على «كلكراتيس» فتملأ نفسه، وتفعم قلبه، وتشيع ~~فيه شوقا جديدا وحنانا عظيما، وترسل من عينيه دموعا غزارا، وتصعد من جوفه ~~زفرات تكاد تحرق قلبه تحريقا، وتغريه من حين إلى حين ببعض الأمر، ولكنه لا يلبث أن ~~يثوب إلى نفسه، ويثوب إلى رشده، ويذكر ذلك العهد الذي أشهدا الله وضميره عليه حين ~~كان موثقا إلى تلك المطية التي كانت تسرع به في الصحراء إسراعا رفيقا. # ليصبرن على المحنة، وليثبتن للخطب، وليقيمن على الوفاء لظالميه والباغين عليه حتى ~~يبلغ الكتاب أجله! فإن الله لم يصب عليه هذه التجارب، ولم يمتحنه بهذه الخطوب إلا ~~وله في ذلك أرب وحكمة. # فليصبر على المحنة إذا، وليثبت للخطب حتى يبلغ الكتاب أجله. ولكن ألم يأن ~~للكتاب أن يبلغ أجله بعد؟! # 15 # بلى! قد أنى للكتاب أن يبلغ أجله، وأن يبلغه في وقت أقصر جدا مما كان يقدر هذا ~~الكهل الرومي الذي ما نزال نحتفظ له باسمه الرومي القديم «كلكراتيس»، وإن كان سادته ~~لا يعرفون له هذا الاسم، وإن كان هو نفسه قد كاد ينسى ms226 هذا الاسم وما يتصل به من ~~الذكرى، وأصبح لا يذكر إلا اسمه العربي الجديد الذي اشتق من الساعة التي أسر فيها، ~~وهي مطلع الصبح فسمي «صبيحا». # أنى للكتاب أن يبلغ أجله في وقت أقصر جدا مما كان يقدر صبيح، وعلى نحو أغرب ~~جدا مما كان يقدر أيضا. وهل جرى أمر من أموره على نحو ما فكر أو قدر! ألم تكن ~~حياته كلها ألوانا من الخطوب يتبع بعضها بعضا على غير انتظار منه لها ولا ترقب ~~منه لوقوعها؟! من كان يستطيع أن يتكهن له بأن سيأوي مع صديقه الشيخ إلى الدير، أو ~~سيرحل مع رفيقه «بحيرى» إلى العراق، أو سيقع أسيرا في أيدي هذا الحي من أحياء ~~العرب، أو سيقضي أعواما طوالا لا يسمع فيها صوتا روميا، ولا يتحدث فيها إلى ~~رجل رومي، ولا يقرأ فيها كتابا من كتب الروم، ولا يحاور فيها راهبا من رهبانهم، ~~ولا حبرا من أحبارهم، ولا فيلسوفا من فلاسفتهم، وإنما يلتحف شملة الأعرابي، ~~ويتكلم لغة الأعراب، ويروي أشعارهم كأحسن ما يرويها الأعراب الفصحاء، ويدعى بهذا ~~الاسم الغريب فيجيب؟! # ومن كان يستطيع أن يتكهن له بذلك أو ببعض ذلك؟! ولكنه على بعده وغرابته قد وقع له ~~وجرى عليه! وهو جالس ذات يوم في أعقاب النهار وقد امتلأت نفسه بهذه الخواطر التي ~~صورناها آنفا، وهو مقسم بين الاستسلام لها والاسترسال فيها، وبين النهوض إلى إبله ~~هذه المتفرقة ليجمعها وليدفعها أمامه إلى حظائر الحي. فقد تولى أكثر النهار ومنزل ~~الحي بعيد. إنه لفي ذلك وإذ هو يسمع كلبه ينبح عن بعد، فينبهه ذلك بعض الشيء، وإذا ~~أشخاص ترفع له لا يكاد يحققها أول الأمر، ثم تدنو منه شيئا فشيئا، فينظر فيرى ~~رجلا شيخا نبيل المنظر مهيبا، قد أقبل على راحلته، ومن حوله غلمان ثلاثة كأنهم ~~أتباعه في السفر وأعوانه على جهد الطريق. # فلما رأى «صبيح» ذلك نهض متثاقلا، وسعى حتى دنا منه، فيسأله الشيخ عن حيه من هم؟ ~~فيجيب صبيح. ثم يسأله الشيخ عن اسمه وعن موطنه الأول، فيجيب ms227 صبيح في أناة ووقار ~~يشبهان الإعراض والفتور. ولكن الشيخ لا يكره ذلك ولا ينكره، وكأنه استعذب صوت العبد ~~واستلذ لغته؛ فهو يطيل معه الحديث، ويلح عليه في السؤال. فإذا عرف أنه رومي الموطن، ~~تحدث إليه عن بلاد الروم حديث العالم بها، الملم ببعض شئونها وأخبارها. على نحو ما ~~كان العرب في ذلك الوقت يعرفون بلاد الروم ويفهمون ما يبلغهم من أنبائها. # ولكن حديث الشيخ يثير في نفس صبيح شوقا وحنانا، ورغبة في الاستطلاع وشغفا ~~بالتزيد من هذا الحديث، وإذا صوته الفاتر يسترد شيئا من نشاط ويشيع فيه شيء من ~~حرارة. وإذا وجهه الذي لم يكن يظهر عليه اكتراث أو احتفال تظهر فيه آيات العناية ~~بما يسمع من الشيخ والرغبة في التزيد منه. # ويطول الحديث شيئا بين الشيخ والعبد، وقد شغل كل منهما بصاحبه فلم يذكر الشيخ ~~حاجته، ولم يحفل العبد بواجبه. وتمضي لحظات غير قصار، ثم يتنبه صبيح فيعتذر إلى ~~الشيخ من تقصيره وينسبه. فإذا انتسب الشيخ وجم العبد وجوما شديدا، وظهرت عليه ~~آيات الذهول أو ما هو أكثر من الذهول. وامتلأت نفس الشيخ لذلك عجبا! فقد انتسب ~~الشيخ إلى قريش، وتحدث مالئا فاه بأنه من أهل مكة وسكان الأباطح وجيران البيت ~~الحرام، وأن سادته لا يسمعون اسمه، ولا يعرفون مكانه من قريش ومنزله من الحرم حتى ~~يتلقوه لقاء لا يتلقونه أحدا آخر من غير هذا الحي من قريش، جيران الله، وسدنة بيته ~~الكريم. # والشيخ يقول: هذا كله مزهوا به، ممعنا فيه، مالئا به ما بين شدقيه، كأنه يمتلئ ~~عزة وأنفة كلما أجرى منه على لسانه لفظا. والعبد يسمع هذا مبهورا مسحورا قد ملك ~~عليه أمره، وكاد يذهب عنه عقله. ويظن الشيخ أن العبد مفتون باسم قريش وموطنها؛ ~~لكثرة ما سمع من ذكر قريش، ولكثرة ما عرف من تقديس العرب لهذا الموطن الحرام. ولكن ~~العبد يفجؤه بهذا السؤال: فأنت إذا تعرف محمد بن عبد الله بن عبد المطلب؟ # قال الشيخ باسما معتزا: نعم! سيدنا وابن سيدنا. ومن ذا الذي لا ms228 يعرف محمد بن ~~عبد الله بن عبد المطلب! ولكن ما علمك به؟ وما ذكرك له وأنت عبد رومي لا علم لك ~~بمثل هذه الشئون؟! # قال صبيح غير حافل بهذا السهم الذي وجهته إليه كبرياء هذا الشيخ العربي القرشي: ~~متى آخر عهدك به؟ # قال الشيخ ضاحكا: آخر عهدي به! آخر عهدي به ثلاثة أعوام وبعض عام. ولكن ما علمك ~~بمحمد؟ وما سؤالك عنه؟ # قال صبيح: ثلاثة أعوام وبعض عام! هذا كثير. ولعل كثيرا من الأحداث أن يكون قد ~~طرأ في هذا الردح من الزمان. # قال الشيخ: أبن يا غلام، ما علمك بهذا السيد من سادة قريش؟ وما سؤالك عنه؟ وما ~~إلحاحك في هذا السؤال؟ # قال صبيح: فكيف تركته حين فارقته؟ # قال الشيخ وقد أخذ يتميز غيظا: تركته سيد قومه، على خير ما يحبون له وعلى خير ما ~~يحبون منه. ولكن ما أنت وذاك؟ امض بنا إلى سادتك فقد أخرتنا عن القصد، وصرفتنا عما ~~نحن في حاجة إليه. # قال صبيح، وقد أخذت دموع هادئة تتساقط على وجهه، وقد ازداد صوته عذوبة، وحديثه ~~رقة، وقد أخذ بزمام الراحلة: على رسلك يا مولاي! فإني انتظر هذا الحديث منذ أعوام ~~طوال. وإنك لو تعلم شوقي إليه وكلفي به، وما احتملت في انتظاره من ألم، وما تكلفت ~~من جهد، وما عانيت من لوعة، لرفقت بي، وأشفقت علي، وتلطفت معي في الحديث. # قال الشيخ: ما رأيت كاليوم غلاما روميا يعنى بأمر فتى من قريش. ثم رق له وعطف ~~عليه وقال: سلني من أمر محمد عما أحببت يا بني؛ فما أرى إلا أن لإلحاحك في السؤال ~~عنه شأنا! # قال صبيح: ألم يكن قد جهر بأمره حين تركته في مكة؟ # قال الشيخ وقد أخذ يعجب مما يسمع، وقد أخذت نفسه تتنبه وتثوب: جهر بأمره! وأي أمر ~~يا بني؟ وهل لمحمد أمر يسره ويريد أن يجهر به؟ # قال صبيح: فقد كان الغيب يحجب أمره إذا حين تركته؟ # قال الشيخ: أبن يا بني! فإني لا أفهم عنك منذ الآن. ما أمر ms229 محمد هذا الذي تسأل ~~عنه؟ فإني لا أعرف لمحمد أمرا، وإنما أعرفه فتى كريما من قوم كرام، قد امتاز من ~~أترابه بما لم نألف من طهارة النفس وشرفها، ومن سماحة الخلق وكرمه، ومن التنزه عن ~~الصغائر والارتفاع عن الدنيات، وإنا لنحب ذلك منه ونحبه له، وتمتلئ قلوبنا إعجابا ~~به وعطفا عليه، وإنا لنضربه مثلا لشبابنا، ونأخذهم بأن يتأثروه ويقتدوا به، فلا ~~نكاد نبلغ من ذلك أيسر ما نريد؛ لأن هذا الفتى من فتيان قريش قد قدر له حظ من ~~الكمال لم نألفه قط! فإنا لا نراه يوما من أمره على خير إلا رأيناه من الغد وقد ~~ارتقى إلى خير مما عرفنا. أبن يا بني! ما أمر محمد هذا الذي تسأل عنه، وتنتظر أن ~~يجهر به؟ ثم أشار الشيخ إلى غلمانه أن أنيخوا الراحلة، ففعلوا وأعانوه على النزول، ~~واتخذ مجلسا، ودعا إليه صبيحا فأجلسه قريبا منه، ثم أشار إلى غلمانه فتنحوا ~~شيئا. فلما فرغ للعبد وفرغ العبد له قال: أفصح يا غلام عن أمرك! فإن حديثك قد ~~أهمني. # قال صبيح: فأفصح أنت يا سيدي عن أمرك؛ فإن احتفاءك بحديثي وإصغاءك إلي، ونزولك عن ~~راحلتك، وتنحية غلمانك، وحرصك على أن تستقصي ما عندي، كل ذلك يهمني ويعنيني كما ~~يهمك حديثي ويعنيك. # قال الشيخ: فتعلم يا بني أني رجل من قريش أنكرت من أمر قومي شيئا كثيرا، وهاجرت ~~من أرضهم أطلب في بلادك وعند قومك ما لم أجد في بلادي وعند قومي. وقد طوفت في بلادك ~~ثلاثة أعوام وبعض عام! وها أنا ذا أعود منها يائسا مخيب الأمل؛ لأني لم أجد فيها ~~ما كنت أبتغي، ولأني سأجد في بلادي ما كنت أكره، وسألقى من قومي ما كنت أنكر، أو ~~سأفارق هذه الحياة ولما أظفر بما أريد. # قال صبيح وقد أخذ منه الشوق مأخذه: ماذا أنكرت من قومك؟ وماذا ابتغيت عند ~~قومي؟ # قال الشيخ: أنكرت من قومي دينهم هذا الجافي الغليظ. # وابتغيت عند قومك دين إبراهيم فلم أجده. وها أنا ذا أعود إلى بلادي ms230 وفي نفسي حسرة ~~الحرمان واليأس، وشيء ضئيل من أمل مع ذلك. # قال صبيح متلهفا: شيء ضئيل من أمل! # قال الشيخ: نعم! فقد زعم لي راهب من رهبانكم في البلقاء منذ ثلاثة أعوام أن هذا ~~الدين الحنيف الذي أطلبه لا يوجد في بلاد الروم، ولا ينتظر أن يظهر عند النصارى أو ~~اليهود. # قال صبيح: وإنما يرجى أن يظهر في مكة حيث كنت تقيم! # قال الشيخ: وما علمك بذلك، فقد أنبأني به راهب البلقاء؟ # قال صبيح: نعم! ويرجى أن يظهر على يد محمد بن عبد الله بن عبد المطلب هذا الذي ~~كنت أسألك عنه وعن أنبائه. # قال الشيخ وقد ملكه العجب، وكاد يطير شغفا بأن يعلم ما عند صبيح: من أنبأك بهذا؟ ~~ومن أظهرك عليه؟ # قال صبيح: فإني يا سيدي رجل من الروم، قد أنكرت ما عند قومي، وخرجت مثلك أبتغي ~~خيرا مما عندهم، فعرفت كثيرا، ثم هممت أن أستقصي النبأ، وأبلغ الغاية، وأنتهي إلى ~~الحجاز، وأرى هذا الفتى القرشي الذي تظاهرت أنباء الأحبار والرهبان وأخبار الكتب ~~والنبوات على أنه النبي الذي أظلنا زمانه، فحل بي ما ترى، وأصبحت راعيا للإبل في ~~حي من كلب بن وبرة! # واتصل الحديث بين الشيخ وصبيح وقتا طويلا، حتى أنكر الحي غيبته، وأشفقوا أن ~~يكون قد أغار عليه وعلى إبله بعض المغيرين. ولكنهم رأوه مقبلا يسعى، وينبئهم بأن ~~شيخا من سادة قريش الأباطح قد ألم بهم يسمى زيد بن عمرو. # وقد احتفى القوم بضيفهم الكريم، وقروه كأحسن ما يكون القرى، وأنزلوه منهم ~~أحسن منزل. ولكنهم عجبوا من أمره إذ رأوه حين يتقدم الليل وهموا أن يتفرقوا عنه ~~يدعو إليه صبيحا ذلك العبد الرومي، ويتقدم إليه في أن ينفق معه ما بقي من الليل. ~~لم يفهم الكلبيون من هذا السيد القرشي كلفه بهذا العبد، وشغفه به وحرصه على صحبته! ~~ولعلهم أن يكونوا قد أحسوا في نفوسهم بعض الموجدة! فقد كان هذا الشيخ القرشي خليقا ~~أن يستعين على أرق الليل بالتحدث إلى الأكفاء والنظراء من سادات كلب وأشراف ms231 العرب، ~~ولكنه يؤثر بالحديث عبدا روميا لا يعرف من هو، ولا من أي موطن جاء. على أنهم لم ~~يظهروا من موجدتهم هذه شيئا، ومضوا في إكرام ضيفهم إلى ما أحب. قال بعضهم لبعض: ~~شيخ مقبل من بلاد الروم، فلا بأس أن يصطفي هذا العبد الرومي ليتحدث إليه ببعض ما ~~رأى، ويسأله عن بعض ما لم يفهم. # وأنفق صبيح مع زيد بن عمرو ليلة لم تعرف النوم، وإنما عرفت أحاديث متصلة مختلفة، ~~ذكر فيها كل منهما لصاحبه ما عرف وما أنكر، وما بحث وما استقصى، وما اهتدى إليه من ~~علم، وما هو منتظر من جلية الأمر. فلما أسفر الصبح وتقدمت سادات كلب إلى ضيفهم بما ~~أحب من القرى، وهم زيد بن عمرو أن يرتحل عنهم، رغب إليهم في شيء لم يسمعوه حتى ~~ازداد عجبهم له وإنكارهم إياه. قال زيد بن عمرو: يا معشر بني كلب! إن لي عندكم حاجة ~~ما أظنكم تردونني عنها أو تأبونها علي! فما رأيت منكم إلا خيرا! وما عرفت منكم ~~إلا كرما ونبلا. # قال قائلهم: ما تشاء يا سيد قريش؟ # قال: عبدكم هذا الرومي هبوه لي أو بيعوه مني! فإني على صحبته حريص. وما ضاع العرف ~~بين قريش الأباطح وبين حي من أحياء العرب، قريب منها أو بعيد عنها. # قالوا: لقد طلبت يسيرا، وابتغيت سهلا قريبا، وإن كنا لنؤثر هذا العبد الرومي ~~ونحب ما بلونا من أخلاقه، وما عرفنا من سيرته، وأمانته في أموالنا وأسرارنا، فهو ~~لك. # قال زيد بن عمرو: يد محفوظة يا معشر بني كلب. فأما وقد وهبتم لي هذا العبد فأصبح ~~ملك يميني وطوع يدي، فاشهدوا أني أعتقته، وملكته أمر نفسه من فوري. وهو بعد ذلك ~~حر في أن يذهب إلى أي وجه من وجوه الأرض شاء. # قال الكلبيون: لقد وفت ذمتك يا شيخ قريش. ونحن جيران لهذا الرجل وأدلاء له حتى ~~يبلغ مأمنه. # قال صبيح وقد أقبل على زيد بن عمرو يقبله ويبارك عليه وإن دموعه لتنهل على خديه ~~غزارا: وفت ذمتكم يا ms232 معشر العرب. والله ما كرهت جواركم، ولا شنأت الإقامة فيكم، ~~ولا رغبت نفسي عن ودكم. ولو خيرت لما عدلت بصحبتكم شيئا، ولكنه أمر يراد. وما أنا ~~بعائد إلى بلاد الروم ولا رغبة لي فيها، ولا أرب لي عند أهلها، وإن كنت قد خلفت ~~فيها من الصديق والخليل ما لا تزال تؤثره نفسي بالحب والحنان، ولكني ماضي مع هذا ~~الشيخ من سادة قريش، مقيم معه في الحرم، وفي جوار بيتهم هذا الكريم، فإن له ولي ~~لشأنا عجبا. # 16 # وانصرف زيد بن عمرو وصاحبه الرومي حين زالت الشمس يقصدان الحجاز، وليس لهما حديث ~~إلا هذا الفتى القرشي اليتيم، وما أراد الله به من كرامة، وما قدر الله على يده ~~للناس من نجاة، وإن زيدا ليقص على صديقه الرومي بدء حيرته في مكة مع نفر ثلاثة من ~~أصحابه : ورقة بن نوفل وعبيد الله بن جحش، وعثمان بن الحويرث، يقول لصاحبه وإن فمه ~~ليملؤه الضحك، وإن وجهه ليغمره البشر: لقد أراني مع أصحابي ذات يوم نشارك قومنا من ~~قريش في عيد من أعيادنا مسرورين محبورين، تهتز أعطافنا أريحية وكرما، ونريد أن ~~ننتهز فرصة هذا العيد لنذيع في فقرائنا وذوي الحاجة من قومنا ما نستطيع أن نذيع ~~فيهم من الخير والمعروف، فنرى قومنا يطيفون بوثن من أوثانهم يكرمونه ويكبرونه، ~~ويلثمونه بشفاههم، ويمسحونه متهيبين بأيديهم، وينحرون عنده الإبل والشاء، فننظر ~~وننظر، ونهم أن نفعل، ولكننا نرد عما هممنا، ونجدد العزم على أن نشارك قومنا، ~~ولكننا نرد عن ذلك مرة أخرى ردا عنيفا. وإذا بعضنا ينظر إلى بعض، وإذا بعضنا ~~يفهم عن بعض، وإذا نحن نخلص نجيا. وإذا نحن نضحك حتى ما نملك أنفسنا من الضحك، ~~ونحزن حتى ما نملك أنفسنا من الحزن. نضحك حين نرى سادة قريش وأشراف العرب يطيفون ~~بحجر من هذه الأحجار التي تطؤها الأقدام، وتعمل فيها الفئوس، وتسخر في أغراض الناس ~~وحاجاتهم، وهم يكبرونه ويعظمون أمره، ويتقدمون إليه بالعبادة والطاعة. ونحزن حين ~~نرى هذه الأحلام قد استحالت إلى سفه لا يشبهه سفه، وحين ms233 نرى ما صار إليه أمر قريش ~~من هذه الجهالة الجهلاء، ومن هذه الضلالة العمياء، وفيهم مع ذلك بيت الله، ومقام ~~أبيهم إبراهيم، وقد ورثوا مع ذلك دينه فأضاعوه ولم يحفظوا منه شيئا. # نعم! ضحكنا حتى كاد يقتلنا الضحك، وحزنا حتى كاد يملكنا الحزن، وانصرفنا إلى ~~رحالنا وقد أزمعنا أن نلتمس لأنفسنا الخير ما وجدنا إلى الخير سبيلا. # فأما ورقة بن نوفل وعثمان بن الحويرث وأنا فقد ارتحلنا عن مكة بعد خطوب وألوان من ~~الجهد، نلتمس الدين عند أهل الكتاب من يهود، وعند أهل الكتاب من نصارى ~~الروم. # وأما عبيد الله بن جحش فقد أقام في مكة حائرا ينتظر. ولم ندر إذا ماذا كان ~~ينتظر. ولكني قد علمت الآن أنه كان ينتظر أن يهبط دين إبراهيم من السماء على مقام ~~إبراهيم في الأرض، من طريق فتى من فتيان قريش. إني لأذكره الآن وأتمثله وأراه وكأني ~~أسمع له. لم يشاركنا في عيدنا ذاك، وما رأيته قط يشاركنا في عيد من أعيادنا تلك ~~التي كنا نقيمها حول الأوثان. لقد فهمت الان، لقد كنت أراه يعتزلنا إذا عكفنا على ~~أصنامنا. ولقد كنت أعجب من أمره. ولقد هممت غير مرة أن أسأله ما باله لا يأخذ مع ~~قومه فيما يأخذون فيه؟ وما باله لا يطوف بالكعبة إلا فردا؟ ولكني كنت أرد عنه ~~ردا كلما هممت بسؤاله. وكثيرا ما سألت نفسي: ما الذي يصرفني عنه حين كنت أقبل ~~عليه؟ # لقد فهمت الآن! ما كان الله ليختار لرسالته رجلا عكف على صنم، أو تقرب إلى وثن، ~~أو شارك قومه في بعض الإثم. # لقد كان محمد منزها عن حب الأصنام والقرب منها، وعن عبادة الأوثان والعكوف ~~عليها، وعن مشاركة قومه فيما كانوا يغرقون فيه من الآثام. ولقد كان محمد يعيش وحده، ~~وإن كنا نرى أنه كان يعيش معنا! لقد فهمت الآن! # ثم يطرق زيد بن عمرو إطراقا طويلا، ثم يرفع رأسه إلى صاحبه قائلا: ولكني لم ~~أتمم لك الحديث. لقد ارتحلنا من مكة إلى بلاد الروم، فجعلنا نسأل ms234 اليهود عن دين ~~إبراهيم، فيعرضون علينا ما عندهم، فلا نرضاه ولا نطمئن إليه. ثم عدلنا عنهم إلى ~~رهبان النصارى وأحبارهم، فما يكادون يقرءون علينا كتبهم ويظهروننا على بعض ما عندهم ~~من العلم حتى يؤمن صاحباي وتطمئن قلوبهما إلى النصرانية. فأما ورقة بن نوفل فقد أخذ ~~منها بحظه، ثم عاد إلى وطنه على أن يقيم فيه على عبادة الله وإكبار المسيح. # وأما عثمان بن الحويرث فلم تعجبه النصرانية وحدها، ولكن أعجبته بلادك فهام بها، ~~وفتن بحضارتها، ومضى إلى قسطنطينية ليعيش فيها عيشة الروم، ويموت فيها ميتة الروم. ~~وأما أنا فلم يعجبني أمر النصارى كما لم يعجبني أمر يهود. رأيت في هذا وذاك أشياء ~~لم أفهمها ولم أذقها، ولم أحس ملاءمتها لقلب هذا العربي الساذج السمح اليسير. وما ~~شككت في أن اليهود والنصارى قد عقدوا أمورهم تعقيدا ، وأخرجوها عن طبيعتها السمحة ~~ويسرها الأول. فجعلت أطوف على أدياركم في الجزيرة والشام، حتى لم أدع منها ديرا ~~إلا طرقته، وسألت من فيه من الأحبار والرهبان. فلم أجد عند أحد منهم شيئا، وإنما ~~هو كلام أسمعه ولا أفهمه، وعلم أحفظه ولا أحصله، وألغاز لا أهتدي إلى حلها، وأسرار ~~يعجزني كشفها، حتى أنتهي إلى صومعة في البلقاء، يقيم فيها راهب فذ لا يعايشه أحد؟ ~~فأسأله عن دين إبراهيم، فينبئني بما أنبأتك به من أن دين إبراهيم ليس في بلاد ~~الروم، ولكنه سيهبط على بلاد العرب، وقد آن أوان ظهوره فيها. فأعود إلى وطني، ~~وألقاك في بعض الطريق، وإذ أنت تعلم من الأمر ما أعلم، وتنتظر منه ما أنتظر، بل أنت ~~تعلم أكثر مما أعلم، وتنتظر أكثر مما أنتظر. # قال صبيح وقد بهره ما سمع: فإنك قد علمت من أمري ما علمت، ورأيت أن حيرتك في ~~بلادك لا يشبهها إلا حيرتي في بلادي. وإني قد طوفت في الأرض كما طوفت أنت فيها، ~~وانتهيت من الأمر إلى مثل ما انتهيت أنت إليه. وما أرى إلا أن الله قد استنقذنا من ~~الحيرة، ورد إلى قلوبنا الثقة والاطمئنان. ولئن بلغنا ms235 الحجاز وانتهينا إلى هذا ~~الفتى القرشي لنكونن أسعد الناس به، وأحرص الناس على اتباعه. # قال زيد بن عمرو: ولنمنحنه ما نملك من نصر وتأييد، ولنعيننه على إظهار أمره ~~وتبليغ رسالته إلى الناس، وليعلمن الخطاب بن نفيل عمي الذي كان يؤذيني ويغري بي ~~السفهاء من شباب قريش أني لم أكن واهما ولا متكلفا. # قال صبيح: نعم! ولكن متى نبلغ الحجاز؟ ومتى ننتهي إلى سيد قريش؟ # قال الشيخ: ليس الأمد بيننا وبين مكة بعيدا، وإنما هي أيام وليال، ننفق أكثرها ~~في هذا الحديث الذي يعيننا على السفر، ويحمينا من أنصابه وأوصابه، ويجدد عزيمتنا، ~~ويثبت قلوبنا، ثم ننتهي إلى ما نحب، ونظفر بما نريد. # ولكنهما لم ينتهيا إلى ما أحبا، ولم يظفرا بما أرادا، وإنما مرا بأرض بني لحم، ~~فطمع اللخميون فيهما، وظنوا أن عندهما مالا وثراء، فيعدون عليهما ~~فيقتلونهما. # ويصرع الحنيف العربي، والفيلسوف الرومي، وإن لسانيهما ليذكران محمدا، وإن ~~قلبيهما ليطمئنان إلى ذكره، وإن عمودا من نور ليهبط من السماء حتى يبلغهما، ثم ~~يفصل منهما مصعدا في الجو وقد حمل بين ثناياه نفسين كريمتين. # قال ابن إسحاق: وحدثت أن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وعمر بن الخطاب - وهو ابن ~~عمه - قالا لرسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: استغفر لزيد بن عمرو. قال: «نعم! فإنه يبعث أمة ~~وحده.» # الفصل الثاني # | راعي الغنم # 1 # قالت خديجة لنسائها في صوت المروعة المأخوذة: «أقبلن فانظرن! فإني أرى شيئا ما ~~رأى الناس مثله قط.» وأقبل نساؤها، فلما نظرن أكبرن، ثم ارتعن فتراجعن، ثم عدن ~~فجددن النظر، وقد ذهبت بهن الحيرة كل مذهب! فقلن لخديجة مبهورات مسحورات: «ما ينبغي ~~أن يكون هذا رجلا من الناس.» قالت خديجة وقد امتلأ صوتها حنانا وحبا، وإعجابا ~~وإكبارا: «إنه والله لرجل من الناس قد عرفت أمه وأباه وشهدت مولده، وسمعت أحاديث ~~الناس عنه وآراءهم فيه، وقد طالما رغبتنني عنه وحولتنني عما كانت أريد ~~منه. فأما الآن فلن تبلغن مما حاولتن شيئا.» # وما كادت تتم حديثها حتى كان محمد بن عبد ms236 الله قد دخل عليها فأنبأها في لفظ عذب ~~سريع بما كان من رحلته إلى الشام، وبما عاد به إليها من ربح مضاعف لم تكن ترجوه، ~~ولم تعد بمثله إليها العير منذ تعودت أن ترسل تجارتها إلى الشام مع العير. وقد أتم ~~محمد حديثه دون أن تعرف خديجة كيف ترد عليه هذا الحديث، أو تشكر له هذا الصنيع، أو ~~تكافئه على ما ساق الله إليها على يديه من خير. # كانت مأخوذة بمنظره قبل أن يدخل عليها، ثم أخذت بمنظره ولفظه حين تحدث إليها. ~~وكانت في حاجة إلى الوقت لتسترد نفسها، وتستنقذ صوابها، وتخرج إلى الإفاقة من هذا ~~الذهول. ولكن محمدا لم يمهلها، وإنما قال لها ما قال، وانصرف عنها مسرعا كأنما ~~أدى إليها نبأ لم يكن يرغب في تأديته، ولم يكن مع ذلك يجد بدا من أن يؤديه. فلما ~~ألقى هذا العبء عن عاتقه انصرف خفيف الجسم، نشيط الحركة؛ وما هي إلا أن يركب بعيره ~~وينطلق إلى بيوت بني هاشم. ولكن خديجة قد عادت مسرعة وعاد معها نساؤها مسرعات إلى ~~حين كن ينظرن، فرأين مرة أخرى ذلك المنظر العجيب الذي راعهن وروعهن منذ حين، وعدن ~~إلى خديجة يقلن: «ما ينبغي أن يكون هذا رجلا من الناس!» # قالت: «ويحكن! لقد رأيتنه وسمعتنه، وعلمتن أنه محمد بن عبد الله ذلك الذي كان ~~يرعى لقومه الغنم بالقراريط في أجياد.» # قلن: «لقد رأينا محمدا غير مرة وهو يدفع الغنم أمامه ماضيا بها إلى مراعيها، ~~ورأيناه غير مرة وهو يدفع الغنم أمامه عائدا بها إلى حظائرها، فما رأيناه قط على ~~مثل هذه الحال. لقد كان منظره يعجب، وقد كان محضره يخلب. ولقد كان كل شيء يحبب فيه ~~ويدعو إليه. ولقد كانت أحاديث قومه عنه وآراء قومه فيه تصبي إليه النفوس، وتعطف ~~عليه القلوب. ولكنه كان على كل حال فتى فقيرا معدما يرعى الغنم لقومه بأجياد. ~~وكنا نرى أن ليس من النصح لك، ولا من الإخلاص في مودتك، والوفاء بما لك علينا من ~~حق، أن نعينك على ms237 ما كنت تجدين من حب له، وميل إليه، ورغبة في أن تتخذيه لك زوجا، ~~وأنت من تعلمين مكانة في قومك، وارتفاعا في نسبك، وضخامة في المال، وسعة في ~~الثروة، وسلطانا على نفوس الكهول والشباب من سادة قريش وأشراف مضر. كلهم سعى إليك. ~~وكلهم رغب فيك، وكلهم خطبك وتمنى أن تكوني له زوجا، فما صبوت إلى واحد منهم، وما ~~حفلت بما أضمر لك من حب، وما أظهر لك من ود، وما قدم إليك من مال.» # قالت خديجة: «لئن كنت رفيعة المكانة في قومي فما مكانة محمد من قريش دون مكانتي، ~~وإنا لننتهي جميعا إلى قصي. ولئن كنت كثيرة المال ضخمة الثروة، فما عرفت قط أن ~~المال يزن إلى جانب الحب شيئا. ولقد رددت من خطبني من أشراف قومي وسادتهم؛ لأني لم ~~أشعر قط بالميل إلى أحد منهم ، ولم أفكر في أن أمري يصلح للزواج أو يستقيم عليه، ولم ~~أر قط أن بين هؤلاء السادة والأشراف من شباب قريش وكهولها من يستطيع أن يستعلي ~~بعقله ورأيه على عقلي ورأيي. ولكن ما رأيت محمدا قط إلا صبت إليه نفسي، ومال إليه ~~قلبي، وأذعنت لسلطانه العظيم علي كل الإذعان.» # قلن: «كان ذلك قبل أن تري ما رأيت الآن. فأما بعد هذا المنظر العجيب الذي لم ير ~~الناس مثله قط فما ندري ما أنت فاعلة!» # قالت: «سترين ما أنا فاعلة، ولكن أن تعرفن أو تنكرن، وأن ترضين أو ~~تغضبن.» # قلن: «ما ينبغي لنا أن ننكر أو نغضب وقد رأينا ما رأينا. وإنك لأسعد امرأة من ~~قريش إن ظفرت بأن يكون محمد لك زوجا.» # وكان اليوم من أيام مكة الثقيلة البغيضة التي تلح عليها حين يشتد القيظ فترسل ~~عليها من أشعة الشمس نارا محرقة، تسكن لها الحركة، وتخفت لها الأصوات، ويهدأ لها ~~كل شيء، ويكاد يصيح من لذعها أديم الأرض، وتشكو من حرها هذه الصخور التي تتوهج ~~وتتلظى فتملأ الجو لهيبا وسعيرا. # وكان البشير قد أقبل مع الصبح، فمضى في المدينة من أعلاها إلى أسفلها يبعث ms238 صيحاته ~~الحلوة الجميلة التي تتلقفها الأسماع وتطمئن لها القلوب، والتي تنبئ قريشا بأن ~~العير قد أقبلت من الشام سالمة غانمة موفورة، فترد إلى رجال قريش ونسائها هذه ~~النفوس التي كانت مشردة تتبع الأبناء والإخوة والأزواج والآباء في هذه الطرق ~~الملتوية المخوفة بين أودية تهامة وبلاد الروم، وتثير في القلوب ألوانا من الفرح ~~مختلفة متباينة: فقوم يفرحون لعودة ذويهم إليهم موفورين، وقوم يفرحون لعودة ثروتهم ~~إليهم رابحة نامية، وقوم يفرحون لما حمل إليهم ذووهم من هذه الأمتعة والعروض التي ~~كانوا يكلفون بها ويرغبون فيها وقد يتحرقون إليها تحرقا. وقوم يفرحون باجتماع ~~الشمل بعد تفرقه، وبعودة الحياة إلى طبيعتها الهادئة الآمنة المطمئنة البريئة من ~~الخوف على الأنفس والأموال. # وكانت قريش كلها تتهيأ لاستقبال العير إذا كفت عنها الشمس هذه النار المحرقة، ~~وأتاحت لها البروز إلى ظاهر المدينة تلقى فيها الأحبة وما يجلبون من الثروة والغنى، ~~وما يحملون من أسباب اللذة والمتاع. # وكانت خديجة تنتظر مقدم العير أشد ما تكون شوقا إليه، ووجدا به، وتلهفا عليه! ~~لا لأن العير كانت تحمل لها تجارة واسعة إلى الشام، فكانت خديجة تريد أن تعرف ما ~~كان من أمر تجارتها، وما أتيح لها من ربح، أو كتب عليها من كساد! فما كانت هذه أول ~~مرة فصلت فيها العير عن مكة بتجارة خديجة الواسعة، وما كانت هذه أول مرة عادت فيها ~~العير إلى مكة بتجارة خديجة نافقة أو كاسدة! فما أكثر ما أرسلت خديجة تجارتها في ~~العير إلى الشام! وما أكثر ما انتظرت خديجة عودة العير هادئة وادعة، لا يخرجها ~~الربح عن وقارها إلى هذا الفرح غير المنتظم الذي كان يخرج إليه رجال قريش ونساؤها، ~~ولا يردها الكساد عن وقارها إلى هذا الحزن العميق الذي كانت ترتد إليه رجال قريش ~~ونساؤها حين تتعرض تجارة مكة لبعض الشر، أو يلم بها بعض المكروه. وإنما كانت خديجة ~~سيدة جلدة حازمة، صبورا وقورا، متزنة النفس، معتدلة المزاج، ترضى فلا يخرجها ~~الرضا عن طورها، وتسخط فلا يغير السخط من شأنها شيئا، ويراها ms239 الناس راضية وساخطة، ~~وهادئة مطمئنة في الحالين، فتمتلئ قلوبهم إعجابا بها وإكبارا لها، ويشهدون بأن ~~قريشا لم تعرف قط أحدا أملك لنفسه وأضبط لأمره وأقدر على عواطفه من هذه السيدة ~~الجميلة الوضيئة الرزينة التي كادت تبلغ من سنها الأربعين. # كلا! لم تكن خديجة مشغولة النفس بأمر العير حرصا على تجارتها، أو شوقا إلى أن ~~تعرف ما صارت إليه من نفاق أو كساد، وإنما كانت مشغولة النفس بابن عمها هذا الشاب ~~الذي أرسلته في تجارتها إلى الشام، فسافر راضي النفس، آمن القلب، وإن الطريق ~~لمخوفة، وإن الخطوب لكثيرة، ولا سيما لو علم الناس من أمر هذا الشاب ما كانت تعلم، ~~وعرفوا من حياته ما كانت تعرف. لقد تذكر خديجة أن عمه الشيخ سافر به إلى الشام ~~صبيا، فلم يلبث أن عاد به إلى مكة مسرعا، شديد الحذر ، عظيم الاحتياط لما خاف ~~عليه من مكر النصارى وكيد يهود. تحدث الشيخ بذلك إلى أصفيائه وخاصته ورهطه الأدنين، ~~فسمعوا له وابتسموا، ثم انصرفوا مشفقين عليه معجبين، يقول بعضهم لبعض: ما نرى إلا ~~أن أبا طالب مسرف في حب ابن أخيه، وما نرى إلا أن هذا الإسراف يكلفه شططا، ويرهقه ~~من أمره عسرا. # ولكن حديث الشيخ انتهى إلى خديجة، فتلقته في شيء من العجب، ثم أقرته في ثني من ~~أثناء نفسها الطاهرة، وفي ناحية من نواحي قلبها الكريم، وأخذت تنظر إلى هذا الصبي ~~اليتيم نظرة فيها الرفق والعطف، وأخذت ترقب هذا الصبي اليتيم في شيء كثير من الحب ~~والبر والحنان، ترعى فيه حق القرابة وتلك المودة التي كانت بينها وبين أمه آمنة، ~~حين كانت هي فتاة غضة ناشئة، وحين كانت آمنة أرأف الناس بها، وأحبهم لها، وأشدهم ~~بها برا وعليها حنوا. # وما أكثر ما فكرت خديجة في أمر هذا الصبي اليتيم! وما أكثر ما همت أن تبر به، ~~وتصنع له المعروف وتسدي إليه الجميل، وترفه عليه وعلى أهله بعض ما كانوا يحتملون من ~~آلام الحياة ويلقون من ضيق العيش. ولكنها لم تكن تجد السبيل إلى ms240 ذلك ميسورة ولا ~~ممهدة؛ ففي بني عمها إباء وعزة وارتفاع عن مثل ما كانت تريده لهم من الخير والبر. ~~وفي هذا الصبي اليتيم أنفة وكرامة، وشيء لا تستطيع أن تصوره له ولا أن تحققه، ولكنه ~~يملأ قلوب الناظرين إليه هيبة له، ويردهم عن أن يفكروا في أن ينالوه بما تعودوا أن ~~ينالوا به الفقراء واليتامى من البر والإحسان. # وما أكثر ما كانت خديجة تسأل عن هذا الصبي، وتتبع في حب وبر وحنان نموه وتقدم ~~السن به، واضطرابه في كسب القوت، واحتماله لأثقال الحياة! ولقد أشفقت خديجة على هذا ~~الصبي أشد الإشفاق حين علمت ذات يوم أنه خرج مع عمومته إلى عكاظ، فشهد معهم حرب ~~الفجار، وما أشد ما كان إعجابها به، وما أعظم ما كان اغتباطها حين علمت أنه عاد مع ~~عمومته من حرب الفجار سالما آمنا موفورا، لم يمسسه أذى، ولم ينله مكروه! # وكانت أنباء تبلغ خديجة عن هذا الصبي، أو قل عن هذا الفتى، فتملأ نفسها عجبا، ~~وتدفعها إلى كثير من المساءلة والتفكير. فقد كان يقال لها إن هذا الفتى على حداثة ~~سنه شديد الميل إلى العزلة، لا يشارك أترابه من فتيان قريش فيما يأخذون فيه من فرح ~~أو مرح، وفيما يدفعون إليه من عبث أو مجون! وإنما يلقى الناس بوجه مشرق دائما، ~~مبتهج دائما، ولكنه هادئ مطمئن، ما يزدهيه رضا، ولا يخرجه عن طوره سخط. وكان يقال ~~لها إنه لم يشهد أحد قط هذا الفتى حيث يشهد فتيان قريش جميعا بين حين وحين آخذين ~~في هذه اللذات التي كان يكلف بها الشباب القرشيون، حتى إذا رشدوا وبلغوا سن الوقار ~~ترفعوا عنها، وضنوا بأنفسهم عليها، ورأوها لا تلائم أحلامهم الراجحة ومكانتهم ~~الممتازة. ولم يصرفوا عنها مع ذلك أبناءهم الناشئين، كأنهم يرونها شرا ليس منه ~~بد، وتجربة ليس على الشباب بأس أن يصلوا نارها، وأن يلذعهم لهيبها بعض ~~الشيء. # وكان الناس يعجبون من اعتزال هذا الفتى أترابه إذا أقبلوا على لذتهم تلك ~~ويتساءلون فيما بينهم: ما بال هذا الفتى ms241 يمتاز من لذاته، ويسير على حداثة سنه ونضرة ~~شبابه سيرة الكهول الذين ترفعهم رجاحة أحلامهم وسماحة طباعهم عن مثل هذه الصغائر ~~والدنيات؟ # وكان يقال لخديجة: إن لهذا الفتى شأنا عظيما يحس الناس ظواهره ولكنهم لا ~~يفهمونه، ولا يتبينون حقيقته ولا جلية الأمر فيه. # لقد كان شائعا في مكة متواترا بين أهلها أن عمه الشيخ رجل سيئ الحال، ضيق ذات ~~اليد، مقتر عليه في الرزق مع كثرة العيال، وأنه مع ذلك لا يشكو بؤسا، ولا يظهر ~~تحرجا بهذه الشدة التي يعانيها؛ لا لأنه رجل من بني هاشم يمتاز بما يمتاز به بنو ~~هاشم من الصبر والكرامة والقناعة وحسن الاحتمال للمكاره والمشقات فحسب، بل لأن في ~~حياته سرا غريبا! فإن ابن أخيه هذا اليتيم «فتى مبارك» كما يقول الشيخ إذا ذكره ~~أو تحدث عنه. ولم يجلس قط مع أبناء عمه إلى طعام إلا شبعوا وأفضلوا من طعامهم مهما ~~يكن قليلا. ولم يجلس بنو عمه من دونه إلى طعام إلا قاموا وهم جياع. وكان أبو طالب ~~يتحدث بأنه إذا رأى أبناءه يقبلون على طعامهم كفهم عنه وقال: كما أنتم حتى يأتي ~~ابني، فينتظرون حتى يأتي الفتى، وهنالك يخلي الشيخ بينهم وبين الطعام فيقبلون عليه، ~~ثم يرفعون أيديهم عنه وكلهم قد شبعوا، وإن في طعامهم لفضلا. # وكانت خديجة تسمع هذه الأنباء كما كان يسمعها غيرها من رجال قريش ونسائها، فتعجب ~~لها كما كان يعجب لها غيرها من رجال قريش ونسائها. ولكنها لم تكن تنساها كما كان ~~ينساها غيرها من قريش، وإنما كانت تضيفها إلى ما كانت تحفظه من أمر الفتى في ثني ~~من أثناء نفسها الطاهرة، وناحية من نواحي قلبها الكريم. # ثم يبلغ خديجة ذات يوم أن جماعة من شيوخ قريش وسادتها وأصحاب الأحلام الراجحة ~~والبصائر النافذة فيها، قد اجتمعوا فيما بينهم فاستعرضوا من أمر الناس ما استعرضوا، ~~وأنكروا من سيرة الناس ما أنكروا، ورأوا أن يلتمسوا لأنفسهم ولقومهم الخير، وأن ~~يجتمعوا فيحدثوا بينهم حلفا على أن يتعاونوا على الخير والمعروف، وإنصاف المظلوم ~~مهما ms242 يكن ضعيفا، من ظالمه مهما يكن قويا، وأن يبذلوا في ذلك ما يملكون من جهد، ~~وأن يدوموا على ذلك ما بل بحر صوفة، وأن قريشا قد أعجبت بهذا الحلف أشد الإعجاب، ~~وأكبرت المجتمعين عليه والمشتركين فيه أشد الإكبار، وسمته «حلف الفضول». # ولكن الغريب الذي دهشت له قريش كلها والذي حفظته خديجة فأضافته إلى ذلك الكنز ~~الذي حفظته في ثني من أثناء نفسها الطاهرة، وحنو من أحناء قلبها الكريم؛ أن فتى ~~حدثا من فتيان قريش لم تتجاوز به سنه العشرين، قد كان مع هؤلاء السادة من شيوخ ~~قريش، وقد عرف معهم ما عرفوا، وأنكر معهم ما أنكروا، وعاهدهم على ما تعاهدوا عليه. ~~وقد كان في ذلك كله كأرحبهم حلما، وأذكاهم قلبا، وأكرمهم نفسا، وأحرصهم على ~~الخير والبر، وأسبقهم بالمعروف، وأعطفهم على البائس والضعيف. فعل هذا الفتى ذلك ~~كله، وإن أترابه من شباب قريش لمنصرفون إلى لذاتهم على اختلافها وتباينها. ولم يكن ~~هذا الفتى إلا محمد بن عبد الله ذلك اليتيم الذي أصبح حديث قريش كلها، تعجب به، ~~وتتحدث عنه، وتضربه لشبابها مثلا. # وما أشد ما كانت خديجة تألم حين تعرف أن خير قريش كلها يحتاج إلى أن يرعى الغنم ~~لقومه بأجياد، وإلى أن يكسب في ذلك القراريط من حين إلى حين، يستعين بها على ما ~~يقيم أوده، ويفضل منها على أبناء عمه الشيخ، وإنه لأحرى قريش كلها بأضخم ما في مكة ~~من ثروة، وأعرض ما في مكة من غنى، وأرق ما في مكة من نعيم. # هنالك أحست خديجة في قلبها حبا لهذا الفتى لم تعرف كيف تصفه ولا كيف تسميه، ~~ولكنها كانت تجد من نفسها الطاهرة نزاعا شديدا إلى أن تراه وتسمع منه وتتحدث ~~إليه، ولم يكن ذلك يتاح لها ولا يهون عليها. فأين هي مع ثروتها الضخمة، ومالها ~~الكثير، ومكانتها الممتازة من هذا الفتى اليتيم الذي ينفق أكثر أيامه خارج مكة يرعى ~~الغنم، فإذا عاد إلى مكة اعتزل الناس، أو كان كالمعتزل لهم، فلم يعرض لخديجة، ولم ~~تستطع خديجة أن ms243 تعرض له. ومع ذلك فقد كانت نفسها تتبعه، وقد كان شخصه لا يفارق ~~قلبها. وكثيرا ما تحدثت عنه إلى نسائها فسمعن منها، ثم قصصن عليها من أمره ~~الأعاجيب. وإن قريشا كلها لمجتمعة على حبه وإيثاره، والإعجاب بسيرته وأخلاقه، ~~وإنها لا تسميه محمدا، وإنما تسميه الأمين. وإن من الناس قوما يتحدثون عنه ~~بأعاجيب لا يطمئن إليها العقل، ولا تجري بها عادة الناس. فمنهم من يزعم أنه رآه ذات ~~يوم وقد اشتدت الهاجرة، وإن سحابه لتقيه الشمس. ومنهم من يزعم أنه رآه ذات يوم قد ~~أوى إلى ظل شجرة فإذا الشجرة تحنو عليه حنو الأم، وإذا هو يسمع الشجرة تتلقاه ~~بالتحية والسلام. # وكانت خديجة تسمع هذا كله فتقبل منه ما تقبل، وترد منه ما ترد، ولكنها تشعر بأن ~~حبها له يزداد، وميلها إليه يعظم، حتى لم تملك نفسها أن أظهرت لنسائها هذا الحب، ~~وتحدثت إليهن بهذا الميل، ولمحت لهن بأنها تود لو أصبح هذا الشاب لها زوجا، لا ~~يمنعها من الجهر بذلك والسعي إليه إلا أنها أكبر من الفتى سنا، وأنها لا ترى ~~نفسها له كفئا. # فلما رأى نساؤها منها ذلك أنكرنه عليها أشد الإنكار، ورددنها عنه أشد الرد، ~~وصورن لها فقر الفتى وبؤسه، وما هي فيه من ثروة ونعيم، وذكرن لها تنافس الأشراف ~~والسادة فيها، وحرصهم جميعا على أن يبلغوا منها هذه المنزلة التي تؤثر بها هذا ~~الفتى اليتيم. فأحست خديجة أن نساءها لم يفهمن عنها شيئا، وأنهن لن يفهمن عنها ~~شيئا، وردت سرها العزيز إلى مكانه الأمين من نفسها الطاهرة وقلبها الكريم. وانتظرت ~~حتى تهيأت العير في عام من الأعوام للرحلة في التجارة إلى بلاد الروم، وجعلت خديجة ~~تهيئ تجارتها، وجعل الناس من فقراء قريش يعرضون أنفسهم عليها ليرحلوا في تجارتها ~~إلى الشام كما تعودوا أن يفعلوا من قبل. ولكن خديجة لم تسمح لأحد منهم، ولم تقف عند ~~أحد منهم، وإنما ألقي في نفسها - دون أن تعرف كيف ألقي في نفسها - أن محمدا سيكون ~~هذه المرة صاحب تجارتها إلى الشام. ms244 فلا تسأل نساءها عن شيء، ولا تحدث نساءها في ~~شيء، وإنما ترسل إلى الشيخ دسيسا يعرض عليه الأمر، ويهون عليه ما كان يستصعب منه، ~~ويصور أن الفتى قد أصبح رجلا لا بأس عليه من مشقة السفر، ولا خوف عليه من مكر ~~النصارى، وهو بعد سيكون في طائفة من قومه يحمون العير بالعدد والعدة، ويزين له أن ~~خديجة قد تعودت أن تأجر المسافرين في تجارتها بكرين، وأنها لا ترضى بهذا الأجر ~~لابن عمها الأمين، فهي تأجره أربعة أبكر. # وما كان أبو طالب ليرضى هذا العرض أو يقبله لولا أن قد كان لله في ذلك حكمة، ~~ولولا أن الله قد ألقى في قلبه الرضا بهذا العرض لأمر يراد. فقد كان أبو طالب ~~شفيقا على ابن أخيه رفيقا به، يكلؤه ويرعاه، ويحوطه ويحميه، يخشى عليه العوادي، ~~ويضن به على المكروه، ولم ينس قط ما كان من تحذير «بحيرى» له وإلحاحه عليه في أن ~~يحوط ابن أخيه من مكر النصارى وكيد يهود. ما أكثر ما فصلت العير عن مكة منذ عاد ~~الشيخ بابن أخيه إليها، فلم يرسله أبو طالب مع العير، بل لم يفصل أبو طالب مع العير ~~متجرا، وإنما أبقى ابن أخيه في مكة، وأقام معه فيها حاميا له، ذائدا عنه. فلما ~~عرض عليه رسول خديجة ما عرض، هم أن يرفض، ولكن الله ألقى في نفسه القبول، فقال ~~للرسول: «سأعرض هذا على ابن أخي.» ثم يلقى ابن أخيه فيعرض عليه الأمر مرغبا له، ~~مشجعا إياه. # وما كان الفتى في حاجة إلى ترغيب أو تشجيع؛ فإن الذي قد ألقى في نفس خديجة ~~اختياره لتجارتها هذا العام، وألقى في نفس أبي طالب قبول هذا الاختيار حين عرضه ~~رسول خديجة عليه، قد ألقى في نفس الفتى قبول هذا الاختيار حين تحدث إليه عمه ~~فيه. # وهذه العير تتهيأ للخروج من مكة، وهذا الفتى يتهيأ للخروج معها في قومه من قريش، ~~وقد ألحقت به خديجة غلامها ميسرة، وهؤلاء عمومة الفتى يوصون به رفاقه من قريش، ~~ويغلون في هذه ms245 التوصية، فلا يسمعون من أصحاب العير إلا هذا الرد الجميل يلقونه ~~إليهم باسمين: «ما إيصاؤكم إلينا بالأمين، وما منا إلا من يبذل حياته فداء ~~للأمين!» # 2 # ولم تكد العير تفصل من مكة وتمعن في طريقها إلى الشام حتى شقي بذلك في مكة شخصان ~~أشد الشقاء، ولقيا منه أثقل الجهد وأعظم العناء، وحتى نغصت عليهما حياة النهار، ~~وصرف عنهما نوم الليل، وفارقت كل واحد منهما نفسه، فتبعت تلك العير التي كانت ~~ماضية نحو الشمال. وقد عرفت بالطبع هذين الشخصين؛ فأما أحدهما فهو أبو طالب، وأما ~~الآخر فهو خديجة. # والغريب أن الخواطر التي كانت تملأ نفسيهما هما وحزنا، وتفعم قلبيهما خوفا ~~وقلقا، هي بعينها تلك الخواطر التي كانت تملأ نفس عبد المطلب بن هاشم وآمنة بنت ~~وهب، وتشغل قلبيهما منذ خمسة وعشرين عاما حين سافر عبد الله مع العير إلى الشام في ~~التجارة لأول مرة ولآخر مرة أيضا. # وكان ذلك يزيد في خوف أبي طالب، وقلق خديجة، ويضيف إلى إشفاقهما شيئا غير قليل ~~من الندم اللاذع، والأسف الذي لا يغني ولا يفيد. كان أبو طالب يلوم نفسه أشد اللوم، ~~ويؤنبها أعنف التأنيب! لما فرط في ذات ابن أخيه، وقد كان حريصا على ألا يفارقه ولا ~~يخلي بينه وبين غوائل الدهر وعاديات الأيام. وهو يعلم بعد هذا كله أن قد كانت ~~للأسرة من بني هاشم في هذا النوع من المحن سابقة، وأنه كان خليقا أن يتعظ بما مضى، ~~وأن يضن بمحمد على ما تعرض له عبد الله. # وكان يقول لنفسه إن عبد المطلب حين أغرى ابنه بالرحيل وحثه عليه، لم يكن إلا ~~رجلا من قريش، يأخذ ابنه بحياة قريش وما تعودت من الاضطراب في الأرض، والتماس ~~الرزق طورا في الشام، وطورا في اليمن. ولم تكن الأيام قد وعظت عبد المطلب، ولا ~~قدمت بين يديه من النذر ما كان خليقا أن يحمله على التردد ويغريه بالاحتياط. فأما ~~هو فقد وعظته الأيام وتقدمت إليه النذر. # وعظته الأيام بما وقع لعبد الله، ذلك الذي فجع به ms246 بنو هاشم على حداثة السن ونضرة ~~الشباب، فكان خليقا أن يتعظ، وكان خليقا ألا يعرض الفتى لما تعرض له أبوه. وتقدمت ~~إليه النذر؛ فما أكثر ما سمع، وما أكثر ما شهد، وما أكثر ما فكر في أن ابن أخيه ~~خليق بالعناية المطردة والحماية المتصلة، والاحتياط الذي لا يغفل ولا ينام! وإن في ~~آخر تلك النذر لما كان خليقا أن يمنعه من التخلية بين ابن أخيه وبين الرحيل، ~~فضلا عن أن يغريه به ويدفعه إليه. وإنه ليذكر حديث بحيرى وإشفاقه وتحذيره إياه من ~~مكر النصارى وكيد يهود. وإنه ليذكر كيف ارتد بابن أخيه الصبي إلى مكة، دون أن يقضي ~~حاجته من الشام، ودون أن يقوم على ما كان في يده من التجارة بالبيع والشراء، وإنما ~~وكل بذلك من وكل من قومه متعمدا رد الصبي إلى وطنه، وحفظه من الغوائل ~~والعاديات. # وإنه ليذكر إعراضه منذ سمع ذلك النذير عن الرحلة، ولزومه مكة، وإصراره على ألا ~~يفارق ابن أخيه، وألا يطيل بينه وبينه الأمد. فما الذي غير رأيه في هذا كله؟ وما ~~الذي دفعه إلى أن يحمل ابن أخيه على هذه الرحلة التي لا يأمن عواقبها؟ وأخذ الشيخ ~~يتحدث إلى نفسه بمثل ما كان يتحدث به عبد المطلب إلى نفسه. وأخذ الشيخ يسأل نفسه عن ~~هذا الذي ألقى في روعه قبول ما عرضت خديجة: أكان ناصحا له أم ماكرا به؟ أكان ~~إلهاما من الله أم غرورا من الشيطان؟ # وجعلت هذه الخواطر تفسد على الشيخ أمره، وكان يزيدها شدة عليه وإيلاما له أن ~~الشيخ كان يستعرض حاله السيئة وفقره المدقع، وما كان يلقى من الجهد في قوت عياله، ~~وكان يشعر في أعماق نفسه بشيء من الخوف الأليم أن يكون قد عرض ابن أخيه لبعض الخطر ~~إيثارا لنفسه ولبنيه بالخير. # وما له لم يغر بهذه الرحلة ابنه طالبا أو ابنه عقيلا، وإنما أغرى بها هذا ~~الفتى اليتيم الذي فقد أمه وامتحن في أبيه بمثل ما يمتحن به الآن! وكثيرا ما جعل ~~الشيخ يرد هذا الخاطر ms247 عن نفسه بأن خديجة لم تعرض عليه استئجار أحد أبنائه، وإنما ~~عرضت عليه استئجار ابن أخيه، فما كان يستطيع أن يعرض عليها طالبا أو عقيلا. ولأمر ~~ما رغبت خديجة هذا العام عمن كانت تكل إليهم تجارتها في الأعوام الماضية، ولم تختر ~~إلا هذا الفتى، ولم تعرض عليه ما كانت تدفعه إلى غيره من الأجر، وإنما أضعفت له ~~الأجر إضعافا. # ولكن هذه المعاذير لم تكن تسلي الشيخ عن زلته، ولا تقيله عن عثرته، ولا تخفف عليه ~~حزنا، ولا ترد عنه ألما، وإنما كان ندمه يزداد وينمو حتى يكاد يخرجه عن طوره، ~~ويتجاوز ما ألف من نفسه وما عرف الناس فيه من الرزانة والوقار. ولقد حدثته نفسه غير ~~مرة أن يشد راحلته، ويلحق بابن أخيه، فإما رده عن هذه الرحلة، وإما رافقه فيها. ~~ولكنه كان يستحي أن تقول قريش : ضعف أبو طالب، وجزع على فتى قد بلغ الخامسة والعشرين ~~من عمره. كان يستحي من ذلك لنفسه، وكان يستحي من ذلك لابن أخيه. وما رأيك في رجل لم ~~يكن يعدل بحسن رأي الناس فيه وحديثهم عنه شيئا؟! # وضاق أبو طالب بهذا الأمر أشد الضيق، فلم يستطع كتمانه على شدة ما حاول من ذلك، ~~وإنما تحدث به إلى بنيه وإخوته، ولمح لهم على استحياء بأن من الخير أن يلحق به منهم ~~لاحق، يتكلف ذلك، ويظهر حاجته إلى الرحلة، وندمه على التخلف عن القافلة. ولكن إخوته ~~وبنيه نظروا إليه باسمين، وأجابوه مشفقين، وقالوا له: «تالله إنك لمسرف في الإشفاق ~~على هذا الفتى، مغرق في الخوف عليه من كل شيء، حتى تحدث الناس عنك بذلك، فاتهموك ~~بالضعف، وأنكروا عليك هذا الغلو في الخوف، وإنا لنعرف رعايتك لهذا اليتيم، وحدبك ~~عليه! ولكن من الحب ما يؤذي، والإسراف في الإشفاق والرعاية قد يسوء هذا الفتى. ~~فخل بينه وبين الحياة، ودعه يضطرب في الأرض ليكسب قوته. فما أنت بباق له آخر ~~الدهر، وما ينبغي له أن يقنع بهذا العيش الضيق الذي هو فيه.» # وكذلك عاش أبو طالب مقسما بين ms248 الخوف والرجاء، وبين اليأس والأمل، وبين الثقة ~~والشك، وبين اللوم لنفسه والاعتذار عنها. وما أظن أنه شقي قط في حياته كما شقي في ~~هذه الأيام التي فرقت بينه وبين ابن أخيه. # ولم يكن أمر خديجة بأيسر من أمر عبد المطلب، ولم يكن خوفها بأهون من خوفه، ولم ~~يكن إشفاقها بأقل من إشفاقه. ولكن خواطرها كانت من طراز آخر، ومن طبيعة أخرى! فهي ~~لم تكن مؤتمنة على الفتى، ولا كافلة له، ولا موكلة بحمايته ولا حياطته والقيام ~~دونه. ولكنها كانت شيئا آخر لعله أقوى من هذا كله، كانت تحب هذا الفتى. وحسبك ~~بالحب مثيرا للخوف والقلق، وباعثا للجزع والفزع، وحائلا بين القلوب وبين ما ~~تحتاج إليه من الهدوء والاطمئنان. # لقد أحبت خديجة هذا الفتى منذ كان صبيا، وجعلت ترعاه من بعيد، وترقب من أمره ما ~~تستطيع أن ترقبه ، وتتبع نموه واكتماله. وكلما نما الفتى نما حبها له وكلفها به. ~~أفحين بلغ الفتى أشده وأصبح خليقا أن يحقق أملها فيه، يخطر لها هذا الخاطر الغريب، ~~فإذا هي تدفعه إلى الرحلة، وتقذف به إلى أرض الروم؟! ومن الحق أنه لم يكن لها ~~زوجا، ولكن كانت تتمناه لنفسها زوجا. وربما كان الخوف على الأماني أشد على النفس ~~وأوقع في القلب من الخوف على الحقائق الواقعة والشيء الذي ظفرت به بعد أن طال تمنيك ~~له وألحت رغبتك فيه. وكانت خديجة تذكر آمنة، وتذكر نفسها، فترى أن آمنة لم تدفع ~~زوجها إلى الرحلة، وإنما أذعنت في ذلك لقوانين الحياة التي تقضي على فتيان قريش ~~بالاضطراب في الأرض والإبعاد في الأسفار. ولو قد خيرت آمنة لاستبقت زوجها. ولو قد ~~أتيح لقلبها أن ينطق لألح على زوجها في البقاء. # فأما هي فلم تكره على فراق الفتى، وإنما سعت إليه ورغبت فيه، وأغرت به الفتى ~~إغراء، ودفعته إليه دفعا، ودست فيه الرسل إلى عمه الشيخ، وأضعفت أجره أضعافا. ~~أمحبة هي لهذا الفتى أم مبغضة له؟ أراغبة هي عن هذا الفتى أم راغبة فيه؟ أحريصة هي ~~على جوار هذا الفتى ms249 أم على فراقه؟ إن أمرها لعجب مهما تقلبه على وجوهه. ولكن ألمها ~~شديد، وحزنها موجع، وقلقها مضن. وقد تذكر أنها لم ترسله وحده إلى الشام، ولم تعرضه ~~وحده للأخطار، وإنما أرسلت معه غلامها القوي الفتي الأمين الناصح، وهو خليق أن ~~يحوطه ويرعاه، وأن يلقى الموت في سبيل حياطته ورعايته. ولكن غوائل الدهر وعوادي ~~الأيام جائرة غاشمة، وهي أقوى من غلامها ميسرة مهما يكن قويا، وأجرأ منه مهما يكن ~~جريئا، وأمضى إلى المكر والكيد منه إلى الحياطة والحماية والنصح. # وكذلك جعل هذا الشخصان يعيشان مع هذا الخوف الذي يفسد عليهما اليقظة والنوم، دون ~~أن يستطيع أحدهما أن يفضي إلى صاحبه بما يجد أو ببعض ما يجد. فلا غرابة أن يطمئن ~~قلباهما حين سمعا صيحة البشير بمقدم العير. ولا غرابة أن يحس كل منهما كأن نفسه ~~تتحرق شوقا إلى لقاء هذا الفتى. فأما أبو طالب فقد هم أن يخرج من مكة مع الضحى ~~للقاء ابن أخيه، ولكن إخوته وبنيه صدوه عن ذلك، ولاموه فيه، وخوفوه حر الشمس وشدة ~~الهاجرة، وخوفوه قبل كل شيء حديث قريش هذه التي استبشرت بمقدم العير، ولكنها استقرت ~~في أماكنها، لم تهم بالخروج للقاء الأبناء والإخوان قبل إبان الخروج. # وأما خديجة فما كان لها أن تخرج للقاء الفتى، ولا أن تفكر في الخروج للقائه؛ فليس ~~هذا من شأن النساء، ولا هو مما يليق بحرائر قريش. ولكن نساءها أنكرن منها اضطرابا ~~منذ سمعت صوت البشير، وتحدثن فيما بينهن بكثرة ترددها على النافذة ونظرها إلى ~~الطريق. وكان بعضهن يتحدث في ذلك إلى بعض حين دعتهن خديجة قائلة: «أقبلن فانظرن؛ ~~فإني أرى شيئا لم ير الناس مثله قط.» وقد أقبلن، فنظرن، فرأين شيئا لم ير الناس ~~مثله قط: رأين فتى مشرق الوجه، واضح الجبين، مهيب الطلعة، يسعى به بعيره تحت هذه ~~الهاجرة المحرقة، ويخوض به لهيب هذه النار المضطرمة، وإن عن يمينه وشماله لشخصين ~~تحسهما العين ولا تحققهما، تراهما من غير شك ولكنها لا تميزهما. ترى أنهما لا ~~يمشيان على الأرض، ms250 وإنما يسعيان في الهواء سعيا رفيقا، وهما يظللان هذا الفتى ذا ~~الوجه المشرق، والطلعة المهيبة، ويحميان حر وجهه الجميل من هذه الشمس ~~المحرقة. # ينظرن، فيرين، ويقلن: «ما ينبغي أن يكون هذا رجلا من الناس.» # ومتى رأى الناس رجلا يظلله شخصان لا يمشيان على الأرض، وإنما يسعيان في ~~الهواء؟! # 3 # وأقبل ميسرة على خديجة حين أدبر النهار. فلما رأته تمالكت في شيء من الجهد غير ~~قليل حتى كبحت عواطفها الثائرة، وضبطت خواطرها الجامحة، وردت نفسها ووجهها من ~~الهدوء والسكون إلى ما تعودت أن تلقى به خادمها الوفي ومولاها الأمين. ثم سألته عن ~~تجارتها كما تعودت أن تسأله كلما آب إليها من رحلة الشام أو من رحلة اليمن. ولكنه ~~كان في هذه المرة يقص عليها أنباء الرحلة في شيء من الاضطراب لم تعهده، ويعرض عليها ~~أمر البيع والشراء في شيء من الذهول لم تألفه. وكثيرا ما تلبث في حديثه ليستحضر ~~رقما غاب عنه، أو يرد خاطرا ند، أو يدعو فكرة شردت. وكانت خديجة تسمع له، معنية ~~بما ترى من ذهوله وشرود خواطره، أكثر من عنايتها بما كان يعرض عليها من الأرقام، ~~ويقص عليها من أنباء البيع والشراء. # وقد ترددت خديجة فطال ترددها، حين فرغ مولاها من حديث التجارة. ترددت في أن تسأله ~~عن غير هذا الحديث من أمر هذه الرحلة. وليس من شك في أن العبد كان مترددا مثلها، ~~مطيلا للتردد في أن يقص عليها شيئا آخر من أنباء هذه الرحلة لا صلة بينه وبين ~~البيع والشراء. وآية ذلك أن خديجة أطرقت فأطالت الإطراق، حتى نسيت العبد وحديثه، ~~ومضت تفكر في شيء آخر غير العبد والحديث. فلما رفعت رأسها بعد ساعة رأته قائما ~~أمامها لم يزل عن مكانه، ولم يتحول عن موضعه، وقد أرسل عينه أمامه في هذه الغرفة ~~المتوسطة بين السعة والضيق. فعينه حائرة تنظر ولا ترى، وكأنها تبحث عن شيء لا تحققه ~~لأنها لا تعرف ما هو. فلما رأته أمامها على هذه الحال قالت في شيء من الدهش: «ما ~~زلت ms251 قائما أمامي؟! أتريد أن تحدثني بشيء؟ أفاتك من أمر التجارة شيء لم تنبئني به ~~ولم تقصصه علي؟» # قال ميسرة وقد دعاه صوت مولاته من بعد، فهو حائر مرتبك: «كلا يا مولاتي! لقد قصصت ~~عليك من أمر التجارة كل شيء، وما أرى أني حدثتك منه بجديد! فقد سبقني إليك محمد وجه ~~النهار، فأنبأك بما أتاح الله لتجارتك على يده من الربح والنماء.» # قالت خديجة: «هو ذاك! فما قيامك إذا في مكانك؟ وما اضطراب عينيك وما شرود ~~خواطرك؟ وما منظرك هذا الحائر الذي لم أشهده منك قط، وما أكثر ما رحلت بتجارتي، وما ~~أكثر ما عدت إلي رابحا حينا، خاسرا حينا!» # قال ميسرة: «فإن لهذه الرحلة أنباء أخرى ما أدري أيهم مولاتي أن تعرفها! وما ~~أدري أينبغي لي أن أخفيها عليها أو أكتمها إياها! وما أدري أأستطيع إخفاءها أو أقدر ~~على كتمانها، وما أرى إلا أني إن خرجت دون أن أقص على مولاتي جليتها فلن أستريح! ~~ولن أطمئن ولن أطعم النوم حتى أتحدث بها إلى أحد غيري من الناس.» # قالت خديجة وهي تشعر بشيء من الغبطة، ولكنها تخفيه وتكتمه، وتظهر لمولاها السذاجة ~~والاستهانة بما سيقص عليها من الأنباء: «وما ذاك؟» # قال ميسرة: «هو أمر ابن عمك هذا الذي وكلت إليه تجارتك، وأنبته عنك في مالك، ~~وأمرتني أن أكون له خادما، وعليه حفيظا.» # قالت خديجة: «فما باله؟» # قال ميسرة: «إنك لتسألين عن ذلك في هدوء لا أستطيع أن أجيبك بمثله يا مولاتي. ~~وإني لأخشى أن تسمعي جوابي فتظني بي الظنون، وتتهميني بالجنون، كما ظن بي غيرك ~~الظنون، وكما اتهمني غيرك بالجنون. ولولا أن الأمر لم يبق بيني وبين نفسي، وإنما ~~شاركني فيه من آمنه وأطمئن إليه، لظننت بنفسي الظنون التي ظنوها بي، ولاتهمت نفسي ~~بالجنون الذي اتهموني به، ولكني رأيت ولم يروا، وشهدت ولم يشهدوا، فلا بأس عليهم أن ~~يسوء ظنهم بي ويقبح رأيهم في، ولا بأس علي إن أكدت لك أني لست مجنونا ولا ~~مأفونا ولا ذاهب العقل، ولا مضيع الصواب.» # قالت ms252 خديجة: «قد أطلت! فأفض إلي بحديثك، ولا تسرف في هذا الكلام الذي لا ~~يغني.» # قال ميسرة: «فإني لا أدري كيف أبدأ معك هذا الحديث؛ لأني لا أعرف له بدءا ولا ~~أعرف له آخرا؛ فقد اختلط أمره علي اختلاطا. وأقسم لولا أني قصصت أمره على من لا ~~أتهم، لما شككت في أني مضيع العقل، مفرق اللب.» # قالت خديجة: «حسبك! فابدأ حديثك من حيث شئت أن تبدأه، ولكن امض في غير هذا اللغو؛ ~~فقد عرفت أنك عاقل غير مجنون، وأنت مستكمل عقلك وصوابك كله؛ فلا تضع على نفسك ~~وعلي من الوقت والجهد ما نحن في حاجة إليه.» # قال ميسرة وقد أطرق مستحييا كأنه يجمع آراءه ويستحضر خواطره، ثم رفع رأسه فأظهر ~~لمولاته وجها يبعث الضحك والإشفاق معا! لكثرة ما يظهر عليه من إجهاد النفس وتعنية ~~الضمير: «الآن قد عرفت!» ثم أخذ يتحدث إلى مولاته في بطء كأنه يرى حقائق ما يقص على ~~سيدته من الأنباء، قال ميسرة: «كان بدء ذلك يا مولاتي في أول ليلة قضيناها بعد أن ~~فصلت العير من مكة. فقد استقبلنا الليل فرحين مبتهجين، لم يفارقنا النشاط، ولم تدن ~~منا شياطين السأم والملل. ولعلنا لم نكن نحب هذا الليل الذي وقفنا تقدمه عن ~~السير، واضطرنا إلى النزول لنأخذ بحظ من راحة وهجوع. ولعلنا كنا نتعجل انقضاءه، ~~ونتمنى أن يسفر لنا الصبح لنستأنف الرحيل. وقد كنا نقول لأنفسنا وكان بعضنا يقول ~~لبعض: لننتفع بهذا النشاط الذي نجده في أول الرحلة، فلن نمضي أياما قليلة ولن نمعن ~~في السفر حتى يسعى إلينا الملال، ويأخذ فينا الكلال، وحتى نتلفت إلى وراء أكثر مما ~~ننظر إلى أمام. ولكنا أذعنا لحكم الليل، ونزلنا عن رواحلنا، وجعل كل منا يهيئ لنفسه ~~مضجعا يأوي إليه. وما هي إلا ساعة حتى هدأ القوم، وخفت الصوت، وسكن كل شيء، وما ~~كنا نرى إلا ضوء القمر هذا الذي كان يغمرنا رفيقا رقيقا. وما كنا نسمع إلا أطيط ~~الإبل، وأزيز هذه الحشرات المنبثة على سفوح الجبال من حولنا. # وأسهر أنا ms253 على محمد كما أوصيتني، فأهيئ له مضجعه، وأسعى إليه مرة ومرة، لأدعوه ~~إلى الراحة وأحرضه على النوم، ولكني أراه جالسا مكانه لا يريم ولا يتحول، وقد ~~رفع وجهه إلى السماء، وأغرق في صمت متصل كأنما كان يفكر في أمر عظيم، أو يدبر في ~~نفسه شئونا ذات بال. وكنت كلما دنوت منه ورأيته على هذه الحال لم أجرؤ على أن ~~أحدثه أو أقطع عليه صمته وتفكيره. فلما طال به مجلسه، وتكرر مني السعي إليه، لم أجد ~~بدا من أن أتكلف شيئا من الجهد فأسأله: أليس في حاجة إلى أن يستريح؟! ولكنه ~~يجيبني في رفق أنه سيلتمس الراحة متى أحس الحاجة إليها، وأني أستطيع أن أشغل بنفسي ~~عنه الآن! فأنصرف عنه وأحاول النوم دون أن تطمئن نفسي إلى الإغراق في ~~النوم.» # ثم يسكت ميسرة لحظة، ثم يستأنف الحديث وقد ظهرت على وجهه آيات العجب والحيرة ~~والإشفاق أن تظن به مولاته الظنون، فيقول: «ويخيل إلي يا مولاتي أني قد أخذت أسعى ~~إلى النوم أو أخذ النوم يسعى إلي. وإني لفي هذه الحال الحلوة الغريبة التي لا ~~يعرف صاحبها أنائم هو أم يقظان، وإذا أنا أرى كأني أسمع حوارا غريبا ما سمعت مثله ~~قط، وما قدرت قط أني سأسمع مثله، وما كان ينبغي لي ولا أحد غيري أن يقدر ذلك أو ~~يفكر فيه أو يخطره لنفسه على بال! فقد كان الحوار بين هذا القمر المضيء وهذه الأرض ~~المظلمة الساكنة.» # ثم ينظر إلى مولاته فإذا هي تصغي إليه معنية بحديثه أشد العناية، لا يظهر على ~~وجهها إنكار ولا سخرية. فيبتهج العبد بما يرى، ويجد في إصغاء مولاته إليه وعنايتها ~~به مشجعا على الحديث، فيقول: «هذه أول مرة أقص فيها هذا النبأ فلا أسمع ضحكا ولا ~~استهزاء، ولا أرى آيات السخرية وعلامات الإعراض. سمعت إذا هذا الحوار الغريب ~~القصير يا مولاتي، فاستويت جالسا، ولم أذق النوم من ليلتي! لأن نفسي قد امتلأت ~~عجبا لما سمعت، وإكبارا لهذا الحلم الشاذ.» # قالت خديجة: «وما ذاك؟ ماذا سمعت؟» # قال: ms254 «سمعت كأن القمر يقول للأرض: وددت لو استطعت أن أمهد له من أشعتي هذه ~~المشرقة اللينة الرطبة وطاء وثيرا؛ فإني أخشى عليه أديمك الصلب ومسك الغليظ. وسمعت ~~الأرض تجيب القمر قائلة: إن يكن أديمي صلبا ومسي غليظا، فإني أعرف كيف ألين له ~~وأرفق به، وهو سيد من مشى علي منذ كنت. ولكن قل لأختك الشمس ترفق به إذا كانت ~~الظهيرة ورمت أشعتها باللهيب. وأسمع صوتا ثالثا يقول: لا عليكما! فإن الذي آثره ~~بالكرامة، وفضله على الخلق كله، خليق أن يحميه من كل شيء، ويعصمه من كل ضر، ويرد ~~عنه الأذى مهما يكن مصدره. # وأستوي يا مولاتي جالسا، قد امتلأ قلبي رعبا وعجبا لما رأيت وما سمعت. ومن ~~الحق أني لم أسمع ذكر محمد، ولكني لم أشك في أنه كان المعني بهذا الحوار. وإني - ~~كما تعلمين - رجل ساذج جاهل ، لم أقرأ الكتب، ولم أسمع للعلماء! ولكني على ذلك أنكرت ~~ما رأيت وما سمعت، وقدرت أن أمرك لي وإلحاحك علي في أن أعنى بابن عمك، وأن أهون ~~عليه مشقة السفر، وأرد عنه عواديه وأذاته ما استطعت إلى ذلك سبيلا، هما اللذان ~~شغلاني به، ووقفا تفكيري عليه. # فأقبلت على النوم وإني لأشفق عليه برد الليل وحر النهار في هذه الصحراء، ولم أحدث ~~أحدا بما رأيت وما سمعت. وفيم أحدث الناس به وقد عرفت أصله ورددته إلى مصدره؟! ~~ولكني أقوم الليل كله غير بعيد من ابن عمك هذا الذي لا يبرح مجلسه ولا يتحول عنه، ~~ولا يذوق من النوم إلا إغفاءة لا تطول. فلما أسفر الصبح استأنفنا الرحيل، وإذا ابن ~~عمك أعظمنا قوة، وأشدنا نشاطا، لا يظهر عليه جهد السفر، ولا مشقة هذا السهر ~~المتصل. # ونمضي في طريقنا تندفع بنا الإبل هادئة سريعة، ونشغل أنفسنا بالحديث عما تركنا ~~وراءنا، وعما نحن مقبلون عليه، وقد ارتفع الضحى، وزالت الشمس، وكانت الهاجرة، واشتد ~~الحر، وخمدت له النفوس، وخفتت له الأصوات، وسكن له من حولنا كل شيء، وأنا مشفق على ~~ابن عمك من هذه الهاجرة، أفكر في ms255 أن أسعى إليه وفي أن أحتال، لعلي أظله فأقيه بعض ~~هذا الحر، فأحث بعيري حتى أدنو منه، ولا أكاد أنظر إليه حتى يكاد يصعقني العجب ~~لروعة ما رأيت! فقد رأيت ابن عمك يسعى به بعيره، وإن عن يمينه وشماله لشخصين ما ~~أتبينهما وما أحقق صورتهما، ولكنهما يظللان عليه وهو باسم الثغر، مشرق الوجه، وضاء ~~الجبين، لا يظهر عليه جهد ولا تبدو عليه آية ملال أو كلال، إنما هو هادئ مطمئن مغرق ~~في الصمت والتفكير. # وما قضيت العجب يا سيدتي مما رأيت، ولكني جعلت أنظر وأنظر، ثم أسأل من حولي من ~~الناس: ألا ترون محمدا؟ فيقولون: بلى! إنا لنراه وما نرى بأسا. فأقول: أما ترون ~~حوله شيئا؟ فيقولون: كلا! ما نرى حوله شيئا. فأقول: أما ترون إليه لا يظهر عليه ~~جهد ولا أين؟ فيقولون: حديث عهد بالرحلة، مكتمل القوة ، موفور النشاط، وسيبلغ منه ~~الجهد والأين بعد حين، ولكني أدنو منه فأسأله: ألا يجد جهدا؟ ألا يحس مشقة؟ ألا ~~يحتاج إلى شيء؟ ولكنه يجيبني في هدوء ورفق بأنه على خير ما يحب. وما أزال أنظر إليه ~~وإلى هذين الشخصين يظللان عليه، وما أشك في أني أراهما وحدي، ولا يراهما أحد غيري. ~~وما أدري أكان محمد يحس مكانهما منه وعنايتهما به، أم كان عن ذلك منصرفا مشغولا. ~~حتى إذا خفت حرارة الشمس وأقبل نسيم الأصيل، نظرت إلى محمد فإذا هو يسعى به بعيره ~~كغيره من الناس لا يحف به هذا الشخصان اللذان كنت أراهما منذ حين، وهو كعهدي به ~~باسم الثغر، مشرق الوجه، مطمئن، مغرق في الصمت والتفكير. # وأتهم نفسي بشيء من اضطراب العقل وذهاب اللب، فأكتم أمري، ولا أظهر أحدا عليه. ~~حتى إذا كان الغد لاحظت محمدا كما لاحظته أمس، فإذا هو كعهدي به أعظمنا قوة، ~~وأشدنا نشاطا، لا يظهر عليه جهد ولا أين. وأنتظر مقدم الهاجرة وارتفاع الظهيرة، ~~فما نكاد نعود إلى مثل ما كنا فيه من الإذعان الأليم لهذا القيظ المحرق، حتى أرى ~~ابن عمك كما رأيته أمس يسعى به ms256 بعيره بين هذين الشخصين اللذين كانا يظللان عليه. ~~وما أطيق لهذا الأمر احتمالا، وما أستطيع عليه صبرا، فأتحدث به إلى من حولي ~~وألفتهم إلى ابن عمك، فينظرون إليه، ثم يضحكون مني، ثم يقولون: لقد عبثت بك شياطين ~~الصحراء، ومع ذلك فليس هذا أول عهدك بالطريق. فإذا لفتهم إلى نشاط محمد وإشراق ~~وجهه، وهدوء نفسه وجسمه، وإلى ثغره الباسم وجبينه الواضح، نظروا إليه فملئوا عيونهم ~~منه، ثم قالوا: إنه الأمين، وإن أمر الأمين ليدعو إلى العجب، ويملأ القلوب له ~~إعظاما وإكبارا. وأغرب الأمر يا مولاتي أني كنت أرى ذلك ولا أستطيع أن أسأل ~~محمدا عنه أو أتحدث إليه فيه. وكثيرا ما هممت بذلك فحثثت مطيتي حتى دنوت منه، ~~ولكني أحس لساني ينعقد كلما حاولت أن ألقي عليه سؤالا، أو أسوق إليه ~~حديثا. # ولم يكن هذا شأني وحدي، وإنما كان شأن الذين رافقونا في هذه الرحلة؛ فقد كانوا ~~يسمعون لي ويعرضون عني ضاحكين حينا، باسمين حينا آخر. ويتحدث به بعضهم إلى بعض ~~يسخرون مني، ولم يخطر لواحد منهم، أو لم يستطع واحد منهم أن يسعى ببعض هذا الحديث ~~إلى محمد فيسأله عنه أو يحاوره فيه. وما أقل ما كنا نتحدث إلى محمد في أي شيء من ~~الأشياء! فقد كانت قلوبنا تمتلئ هيبة له حتى ما ترتفع إليه أبصارنا وما ترقى إليه ~~أصواتنا، إلا أن يبدأنا هو بالنظر والحديث فنجيبه، وإن أصواتنا وأبصارنا لتمتلئ ~~حبا له وعطفا عليه. # وكذلك أنفقنا أيام الرحلة إلى الشام، ما ارتفعت الظهيرة قط إلا رأيت هذين الشخصين ~~الغريبين يسايران ابن عمك في الهواء حافين به، مظللين عليه، حتى إذا بلغنا بصرى ~~أو أردنا أن نعرض تجارتنا في سوقها، سألت محمدا أن يأذن لي في أن أزور راهبا تقوم ~~صومعته غير بعيدة من السوق. وكنت قد تعودت ألا آتى بصرى إلا ألممت به قبل أن أعرض ~~تجارتي! لأني أجد من قلبي إليه ميلا، وأنتظر من زيارته بركة وخيرا، وأنا رجل ~~نصراني كما تعلمين يا سيدتي، أحب الرهبان، وأكبر الأحبار. ms257 فيأذن لي محمد في أن ~~ألم بصومعة صاحبي، وينتظرني في ظل شجرة قريبة من الصومعة. وما أخفي عليك يا ~~مولاتي أني كنت أريد أن أسأل «نسطور» الحبر عما رأيت من أمر محمد هذا! فقد كنت أخشى ~~على نفسي الجنون، وأخاف أن يكون قد مستها طائف من الشيطان. وكنت أريد أن أستعين ~~ببركة هذا الشيخ على البراءة من هذه العلة الطارئة والمحنة العارضة. ولكني لا ألبث ~~أن أستبشر ويمتلئ قلبي غبطة وحبورا. فما أكاد ألقى «نسطور» وأبدؤه بالتحية حتى ~~يسألني عن صاحبي هذا الذي جلس في ظل تلك الشجرة: من هو؟ فما أكاد أذكر اسمه حتى ~~يسألني: أفي عينيه حمرة لا تفارقها؟ فما أكاد أجيبه أن نعم، حتى ينظر إلي مشرق ~~الوجه ويقول لي مبتهجا لا يكاد يملك نفسه من الفرح: إنه لنبي هذه الأمة؛ فما جلس ~~قط تحت هذه الشجرة إلا نبي. # ومهما أكن ساذجا، ومهما أكن قليل العلم، فإن حديث «نسطور» لم يملك علي نفسي ~~ولم يقنعني! فأنا أسأله ضاحكا: ما علمك بذلك؟ شجرة قائمة منذ عهد قريب أو بعيد قد ~~امتدت غصونها، فأظلت جانبا من الأرض. فما أكثر الذين يأوون إليها، ويستظلون بها ~~إذا اشتدت حرارة الشمس! # قال «نسطور» باسما وقد وضع يده على كتفي: «أتذكر أنك رأيت هذه الشجرة عام ~~أول؟» # قلت: «ما أدري، وما أكثر ما رأيت من الشجر، وما أنا بقادر على أن أحصي منها كل ما ~~رأيت.» # قال «نسطور»: «أتذكر أنك رأيتها حين أقبلت على بصرى مع الصباح؟» # قلت: «ما أدري! ولكني رأيتها حين أوى إليها سيدي.» # قال «نسطور»: «فإذا انطلقت مع سيدك إلى السوق لتعرضا تجارتكما، فتخلف عنه وعد إلى ~~مكان هذه الشجرة؛ فإن رأيتها حيث تراها الآن فاعلم أني لم أصدقك الحديث، وإن لم ~~ترها فهذا تأويل ما قلت لك.» # ثم اتسعت ابتسامة «نسطور» على ثغره، وقال: «ومع ذلك فما لك لا تسأل رفاقك من ~~أصحاب العير على هذه الشجرة! فما رآها منهم أحد، وما يراها الآن منهم أحد.» # قلت: «لا والله، ms258 لا أسألهم عن شيء بعد الذي لقيته منهم في أثناء الطريق.» # قال «نسطور» وهو يضحك: «والذي ستلقاه منهم في أثناء القفول. إن لصاحبك هذا لشخصين ~~موكلين به يظللان عليه إذا اشتدت الهاجرة.» # قلت: «وتعلم ذلك؟» # قال: «لم أستكشفه يا بني، ولكني أجده عندنا في الكتب، وقد سمعته من أحبارنا ~~ورهباننا. فارع سيدك، وأخلص له الحب، واصدق في العناية به؛ فإني لأود لو أن ~~لي أن أقوم منه مقامك. ولكن لله حكمة بالغة، والله يدبر الأمر ويجريه كما يريد لا ~~كما نريد.» # قلت: وقد كدت أطير فرحا: «لأسرعن إلى محمد فلأنبئنه بما تقول.» # قال وهو يضحك في شيء من الحزن الهادئ العميق: «حاول من ذلك ما شئت! فلن تستطيع، ~~ولن يستطيع أحد أن يتحدث إلى محمد منه بشيء. إن الله يدبر الأمور ويجريها كما يريد ~~لا كما نريد. ولن ينبئ محمدا بما كتب الله له من كرامة، وما خبأ له الغيب من عظائم ~~الأمور أحد من الناس، وإنما الله وحده هو الذي ينبئه بذلك متى أراد وكيف ~~أراد.» # وأنصرف عن «نسطور» يا سيدتي، وفي نفسي أن أتحدث إلى محمد بما رأيت وما سمعت على ~~رغم ما زعم لي «نسطور» ولكني لا أكاد أبلغه حتى يتصل بينه وبيني حديث التجارة دون ~~غيره من الأحاديث. ونمضي إلى السوق، وأخالف عن محمد حينا فأعود إلى الصومعة لأنظر ~~إلى الشجرة فلا أرى شجرة ولا شيئا يشبه الشجر، وإنما أرى «نسطور» قائما أمام ~~صومعته ينظر إلي ويضحك لي، ثم يتولى إلى صومعته وعلى وجهه بعض الكآبة والحزن. ~~وأسرع إلى محمد فأبلغه في السوق، وإن بينه وبين أحد النصارى لخصومة واختلافا في ~~بعض الأمر، والنصراني يسأل محمدا أن يقسم باللات والعزى، فإذا محمد يجيبه في صوت ~~هادئ ما سمعت قط شيئا يشبهه عذوبة ولينا: «ما حلفت بهما قط، وإني لأمر بهما ~~فأعرض عنهما.» فيقول النصراني له: «القول قولك.» ثم يتحول إلي فيهمس في أذني ~~قائلا: «هذا والله نبي تجده أحبارنا منعوتا في كتبهم.» # وقد علمت يا سيدتي ms259 ما أتاح الله لتجارتك من ربح، ولمالك من نماء. # وقد قفلنا إلى مكة فأرى من محمد في أثناء القفول ما رأيت في أثناء الشخوص. ولكني ~~أنعم بذلك ولا أعجب له، وأكتم ذلك في نفسي، ولا أفضي به إلى أحد، وقد اطمأننت إلى ~~عقلي، ووثقت بصوابي. حتى إذا بلغنا مر الظهران قلت لمحمد: تقدم فاسبقني إلى ~~خديجة، فأنبئها بما أتاح الله لها من الخير على يديك! فإنها تعرف لك ذلك.» # ولم يقع في نفس خديجة قبل ذلك اليوم حديث موقع ذلك الحديث. ولم يحس قلب خديجة قبل ~~ذلك اليوم سرورا مثل هذا السرور الذي تجده. ولم يشرق وجه خديجة قبل ذلك اليوم كهذا ~~الإشراق الذي يشهده ميسرة فيمتلئ قلبه به إعجابا يوشك أن يكون فتونا. # ولكن خديجة تملك نفسها وتضبط أمرها، وتقول لمولاها في هدوء وحزم: «لقد رأيت بعض ~~ما رأيت، وأبصرت هذين الشخصين يظللان على محمد حين أقبل علي منذ حين. ولقد أنبأني ~~بربح تجارتي ونماء مالي، فسمعت منه وأثنيت عليه، ولكني لم أعرف له ذلك كما قدرت. ~~اذهب إلى ابن عمي ورقة بن نوفل، فأنبئه بأني أود لو أراه، ثم أخرج للفقراء ~~والبائسين حقهم من هذا المال الذي رجعت به من الشام.» # 4 # وكان ورقة بن نوفل حازما عازما رجل صدق! قد شهد مواطن قريش، وشارك في مفاخرها ~~ومآثرها. ولكنه أنكر في نفر من قومه أولي حزم وعزم، وأصحاب فقه وبصر بالأمور، ما ~~كانت عليه قريش من باطل وجهل، وما كانت تمعن فيه من عبادة هذه الأوثان التي لا تملك ~~لها نفعا ولا ضرا، ولا تغني عنها من الله شيئا. وكان قد أجمع مع أصحابه أن ~~يعرضوا عن غي قريش وباطلها، وأن يلتمسوا الخير لأنفسهم ما وجدوا إليه سبيلا. ~~وكان قد رحل مع صديقيه زيد بن عمرو وعثمان بن الحويرث إلى بلاد الروم يلتمسون فيها ~~الدين الصحيح، ويبغون فيها لأنفسهم خيرا. # فلما تحدثوا إلى الأحبار والرهبان وسمعوا منهم، مال ورقة بن نوفل وعثمان بن ~~الحويرث إلى دين المسيح فآمنا، ms260 وشك زيد بن عمرو. # ولكن ورقة بن نوفل إن أحب النصرانية وأمعن فيها فقد كان لقومه محبا، ولوطنه ~~مؤثرا، وعلى ما ألف من عاداته المحمودة وسننه الكريمة حريصا؛ فلم يمعن مع صاحبه ~~عثمان بن الحويرث في بلاد الروم، ولم يذهب إلى قسطنطينية، وإنما حفظ من النصرانية ~~ما حفظ، ووعى من علم الأحبار والرهبان ما شاء الله أن يعي، ثم عاد بهذا كله إلى ~~مكة، فأقام فيها آمنا وادعا، فارغا لدينه ونفسه، لا يعرض لأحد، ولا يحب أن يعرض ~~له أحد. وعرفت قريش ذلك فأحبته وآثرته بالكرامة، واستشارته فيما كان يحزبها من أمر، ~~وأطاعته فيما كان يعرض عليها من رأي. وكان أصفياؤه وذوو خاصته يقدرونه ويكبرونه، ~~ولا يكادون يصدرون في تدبير أمورهم إلا عن مشورته. # فلا غرابة في أن تفكر ابنة عمه خديجة في أن تسأله عما رأت وما سمعت من هذه ~~الأحداث العظام والآيات الكبار، وهو الذي انتهى إليه علم أهل الكتاب في مكة. ولعل ~~خديجة كانت تريد أن تسأله في أكثر من ذلك لو أنها تعمقت دخيلة نفسها الطاهرة، وعرفت ~~أسرار قلبها الكريم! ولكنها حين أرسلت تستزيره لم تكن تريد إلا أن تعلم منه علم هذه ~~الآيات. # وقد أقبل عليها ورقة مع الليل معتذرا من إبطائه عليها بما كانت تعلم من اشتغال ~~قريش بعودة العير، وانصراف أهل مكة إلى ما كانوا ينصرفون إليه في هذا اليوم من ~~ألوان الفرح والمرح والابتهاج، وما كان يجب على المقيمين في مكة من الإلمام ~~بالعائدين إليها. # فلما استقر المجلس بورقة قالت له خديجة: «إن عندي أنباء قد أهمتني أمرها، وما أرى ~~إلا أنه يهمك كما أهمني، ولعله يعنيك أكثر مما عناني.» # قال ورقة: «وما ذاك؟» # قالت: «فإنك تعلم أني أرسلت في تجارتي هذا العام محمد بن عبد الله.» # قال ورقة: «نعم! وقد يظهر أن شئونا غريبة عرضت له في بعض الطريق.» # قالت خديجة: «أوعلمت؟» # قال ورقة: «سمعت من ذلك أطرافا؛ فقد كان رفاقه يتحدثون بأمر ميسرة وبما كان يزعم ~~لهم؛ ومنهم من يظهر ms261 العجب لذلك، ومنهم من يمعن في إنكاره. وقد سألت ميسرة، فأفضى ~~إلي بحديثه كله، وقص علي ما سمع من «نسطور».» # قالت خديجة: «فإن أنبأتك بأني رأيت مثل ما رأى ميسرة، وبأن نسائي رأين مثل ما ~~رأيت؟» # قال ورقة: «فإني أصدقك وأصدق نساءك، كما صدقت ميسرة حين سمعت منه هذه ~~الأنباء.» # قالت خديجة، وقد ظهر على وجهها العجب والرضا معا: «تصدقنا ولم تر مثل ما ~~رأينا؟» # قال: «نعم! لأني أنتظر مثل هذه الآيات من عهد بعيد. وما رأيت راهبا ولا حبرا من ~~الذين انتهى إليهم علم الكتاب فيما جبت من بلاد الروم إلا تحدث إلي بأن هذه ~~القرية مبعث نبي يخرج من أهلها، وبأن زمانه قد أظلنا، وبأن بشائره قد أخذت تظهر ~~ويقفو بعضها إثر بعض. وهم قد أقرءوني ذلك في كتبهم، وهم قد حدثوني بذلك عن شيوخهم ~~وأساتذتهم. وما أخفي عليك يا ابنة عم أني قد أمعنت في النصرانية إمعانا شديدا، ~~وأن قلبي قد تحدث إلي في بعض أوقاته ببعض الأمل، ولكني لم ألبث أن رجعت إلى الحزم ~~والعزم والبصيرة! فإن لهذا الرجل الذي يبعث من هذه القرية علامات وآيات، منها ما ~~يلزمه ولا يفارقه، ومنها ما يسعى بين يديه. وليس لي من هذه العلامات والآيات حظ، ~~فأنا أنتظر كما ينتظر غيري من علماء أهل الكتاب. ولو أن ميسرة لم يحدثني إلا بما ~~رأى لكنت خليقا أن أصدقه وأن آمنه على هذا الحديث. فقلبه أدنى إلى السذاجة، وعقله ~~أدنى إلى السماحة، وطبعه أقرب إلى السهولة واليسر من أن يتكلف الكذب، أو ينتحل ~~الحديث، أو يدبر المكر تدبيرا. ولكنه لم يحدثني وحده بهذا الذي رأى، وإنما حدثتني ~~أنت به أيضا! فقد رأيت ورأت نساؤك. على أن ميسرة قد حدثني بحديث «نسطور». وإني ~~لأعرف من أمر «نسطور» ما أعرف، وهو رجل صالح صادق، عالم بما يأتي وما يدع، لا يقول ~~إلا عن علم، ولا يصدر إلا عن رأي وثقة.» # قالت خديجة: «فأنت إذا ترى لمحمد شأنا؟» # قال: «ما أشك في ذلك. ولكني ms262 لا أدري متى يكون هذا الشأن، وإني لأنتظره، وإني ~~لأتعجله، وإني لأريد أن أتحدث إلى محمد فيه، فلا أجد إلى ذلك سبيلا ما لقيته قط. ~~فما هممت بالتحدث إليه في أمر الدين إلا انعقد لساني عن الحديث، وانصرفت نفسي عما ~~كنت أريد أن ألقي إليه.» # قالت خديجة: «وما ذاك؟ وكيف تؤوله؟» # قال: «تأويله يا ابنة عم أن الله يريد أن يستأثر بإنباء محمد بما كتب له من ~~كرامة، وما هيأ له من أمر عظيم. وهو لا يريد أن ينبئه بذلك إلا حين يبلغ الكتاب ~~أجله، وينتهي الأمر إلى إبانه.» # قالت خديجة: «فإني لا أفهم ظهور هذه البشائر والآيات لبعض الناس دون بعض، وانجلاء ~~هذه الحقائق والمعجزات لبعض القلوب دون بعض.» # قال ورقة: «لو شاء الله لأظهر هذه الآيات للناس جميعا، ولو شاء الله لما أظهر من ~~هذه الآيات شيئا لأحد من الناس. أترين أن الله لم يكن قادرا على أن يقي محمدا حر ~~الهاجرة دون أن يرسل إليه هذين الملكين يظللان عليه؟ أترين أن الله لم يكن قادرا ~~أن يحجب هذه الآية عن ميسرة كما حجبها عن رفاقه الذين كانوا يسايرونه في العير، كما ~~حجبها عن محمد نفسه في أكبر الظن؟! كلا يا ابنة عم! إن قدرة الله لأوسع من ذلك ~~وأشمل، وإنه ليظهر من آياته ما يشاء، كما يشاء، لمن يشاء؛ لأن له في ذلك حكمة ~~بالغة، وأربا قد تعجز عقولنا عن فهمه وتعيا معرفتنا عن تأويله. وانظري من حولك يا ~~ابنة عم، فما أكثر ما يتغير من الأشياء! وما أكثر ما نرى من الأمر فننكره ونعجب له! ~~ولكننا لا نستطيع له رفضا ولا ردا! لأنه الحق الواقع الذي لا نستطيع أن نماري ~~فيه. # إنك لتعرفين من أمر عبد المطلب ما تعرفين، وما أرى أنك نسيت قصص عبد الله. وما ~~أشك في أن ما يحيط بمحمد من غريب الأمر قد انتهى إليك كله أو أكثره. أفرأيت أسرة من ~~قريش قد اجتمع لها مثل ما اجتمع لآل عبد المطلب، وألم ms263 بها ما ألم بآل عبد ~~المطلب؟» # قالت خديجة: «لا! وإني في ذلك لكثيرة التفكير، أعجب ببعضه، وأرثي لبعضه، وأقف من ~~بعضه حائرة بين الإعجاب والرثاء.» # قال ورقة: «وكذلك أكثر الناس يا ابنة عم، يرون ويعجبون، ثم ينسى أكثرهم، ولا يذكر ~~منهم إلا الأقلون.» # ثم أطرق ورقة إطراقا طويلا حتى خيل إلى خديجة أنه قد نسي مكانه منها ومجلسه ~~عندها؛ ولكنه رفع إليها وجها قد تحدرت عليه بعض الدموع، وقال في صوت متهدج: ~~«فلنر كما يرى الناس، ولنعجب كما يعجبون، ولكن لنجتهد في ألا ننسى؛ فإن الذكرى قد ~~تنفع في يوم من الأيام، وهي بعد الخصلة التي تميز القلب الكريم.» # وهم أن ينهض، ولكن خديجة استبقته قائلة: «أقم فإن حديثي لم ينته.» # قال ورقة: «أقدمي يا ابنة عم على ما تديرين في نفسك، لا تحجمي ولا تترددي! فأنت ~~أسعد نساء قريش، بل أسعد نساء الأرض إن أتم الله لك ما تتمنين.» # قالت خديجة دهشة: «وقد علمت هذا أيضا؟!» # قال ورقة وهو ينهض: «عمي مساء يا ابنة عم، وتلطفي في تدبير أمرك! فإن أحسست ~~التوفيق لما تحبين فآذنيني بذلك! فإني أتمنى أن تكون لي يد ما في هذا الزواج الذي ~~سيكون له في حياة الناس أسعد الأثر وأبقاه.» # 5 # تحدث ابن سعد بإسناده: # 1 # أن نفيسة بنت منية قالت: كانت خديجة بنت خويلد بن عبد العزى بن قصي ~~امرأة حازمة جلدة شريفة، مع ما أراد الله بها من الكرامة والخير، وهي يومئذ أوسط ~~قريش نسبا، وأعظمهم شرفا، وأكثرهم مالا، وكل قومها كان حريصا على نكاحها لو قدر ~~على ذلك، قد طلبوها وبذلوا لها الأموال. فأرسلتني دسيسا إلى محمد بعد أن رجع في ~~عيرها من الشام. فقلت: يا محمد، ما يمنعك أن تزوج؟ فقال: ما بيدي ما أتزوج به. ~~قلت: فإن كفيت ذلك ودعيت إلى الجمال والمال والشرف والكفاءة ألا تجيب؟ قال: فمن ~~هي؟ قلت: خديجة. قال: وكيف لي بذلك؟ قلت: علي. قال: فأنا أفعل. فذهبت فأخبرتها، ~~فأرسلت إليه أن ائت لساعة كذا ms264 وكذا، وأرسلت إلى عمها عمرو بن أسد ليزوجها، فحضر ~~ودخل رسول الله # صلى الله عليه وسلم # في عمومته، فزوجه أحدهم. # وشهد هذا الحفل اليسير العظيم أبو طالب الذي كان يقوم دون محمد ويرعاه، وورقة بن ~~نوفل الذي كان ينصح خديجة ويخلص لها الوفاء. # فلما أصبح الملأ من قريش غدوا إلى مجالسهم وأنديتهم من المسجد، وأخذوا في ~~أحاديثهم. فقال قائل منهم: «ألم يبلغكم النبأ يا معشر قريش؟» # قالوا: «وما ذاك؟» # قال: «فإن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ذلك الذي كان يرعى لنا الغنم بالقراريط ~~إلى وقت قريب، قد تزوج من خديجة بنت خويلد بن أسد.» # قال شيخ من شيوخ قريش: «ويحك يا ابن أخي! إنه لابن عبد المطلب، وإنه للأمين. وأي ~~قريش أكفأ لخديجة من ابن عبد المطلب! وأي قريش يستطيع أن يسامي الأمين!» # الفصل الثالث # | حديث باخوم # 1 # أخذ القوم يرفعون أيديهم عن الطعام، وجعلوا كلما تحول واحد منهم عن المائدة ~~ممتلئا ثقيلا سعى هادئا رفيقا، لا تكاد قدماه تحملانه، كأنما أثقله ما ازدرد من ~~الطعام والشراب، حتى إذا تخطى عتبة الدار اتخذ مجلسه أو ألقى نفسه إلقاء في هذا ~~الميدان الفسيح الذي كان يمتد فيه البصر إلى غير مدى، والذي كان ينحدر في يسر وأناة ~~حتى يبلغ النيل. وما هي إلا ساعة حتى كان القوم جميعا قد أخذوا أماكنهم أمام ~~الدار، وبدءوا حديثا خافتا بطيئا متقطعا أول الأمر، ولكنه يرتفع ويسرع ويتصل، ~~ويزداد حظه من الارتفاع والسرعة والاتصال، كأنما كان ذلك يقدر بما يكون من ~~استقرار الطعام والشراب في أجوافهم شيئا فشيئا، وتوفر معداتهم على الهضم قليلا ~~قليلا. # وليس من شك في أن هذا النسيم العليل الذي كان يهب عليهم من الشمال رفيقا رطبا، ~~قد أعانهم على هضم ما ازدردوا، ورد عليهم شيئا من النشاط الذي كانوا في حاجة إليه، ~~ليتصل بهم المجلس شطرا من الليل، وليأخذوا في أسمارهم كما تعودوا أن يفعلوا كلما ~~دعاهم صديقهم «يوحنا» إلى الطعام. # وكان «يوحنا» أكثر أهل القرية مالا، وأعظمهم ثراء، ms265 وأوسعهم أرضا، يعمل في ~~زراعته الفقراء من شباب القرية الذين لا يملكون أرضا، يفرغون لها، ويقفون جهودهم ~~عليها. وربما احتاج في بعض المواسم والأوقات إلى عدد أكثر من هؤلاء الذين كانوا ~~يجدهم في قريته، فيجلب العمال والفلاحين من القرى المجاورة. وقد كان بعضهم يسمع ~~بثروة «يوحنا» وكرمه ورفقه بالعاملين في أرضه وسخائه عليهم، فيقصد إلى هذه القرية ~~من بعيد، ليعمل عند هذا الرجل الذي لم يكن يشبه الكثير من أغنياء الإقليم وأصحاب ~~الثروة فيه. # وكان «يوحنا» قد عود نفسه البر بأهل قريته، والتوسعة عليهم بين حين وحين، لا ~~يعرف أن أحدا منهم قد مسه الضر، أو اشتدت عليه الحال، إلا أعانه وأغاثه وأنجده، ~~يكتم ذلك ما وسعه الكتمان! كأنما كان يستحيي من أن يعرف الناس عنه بره وكرمه، ولكن ~~الناس كانوا يعلمون منه ذلك ويتسامعون به. وكان صنائعه يرون من شكر الصنيعة ومعرفة ~~الجميل أن يذيعوا إحسانه إليهم، وأياديه فيهم. # وكان «يوحنا» على ذلك لا يكتفي بهذا البر المكتوم يبذله لأهل قريته كلما احتاجوا ~~إليه، وإنما كان يدعوهم من حين إلى حين إلى طعام عام يقدمه إليهم في أيام كانوا ~~يرونها أعيادا، وكانوا يستجيبون لدعوته ولا يتخلفون عنها، سواء في ذلك الميسور ~~والمقتر عليه في الرزق، يرون ذلك نعمة منه عليهم، وحقا له في أعناقهم. وكانوا إذا ~~أخذوا حظهم من الطعام والشراب فرغوا للأحاديث والأسمار فقضوا فيها شطرا غير قصير ~~من الليل، ثم تفرقوا موفورين محبورين، تخفق قلوبهم بالحب له، وتنطلق ألسنتهم ~~بالثناء عليه. # وكانوا في هذه المرة في مساء يوم من أيام الآحاد، لم يجهدهم العمل، ولم يضنهم ~~الكد، وإنما قضوا يومهم فارغين، قد خلصوا لحياتهم الخاصة، وانتظروا هذه الوليمة ~~التي كانوا يترقبونها منذ أيام، وألموا بكنيستهم المتواضعة فأدوا صلاتهم، واستمعوا ~~لوعظ القسيس. وكان قسيسهم شيخا متهالكا قد تقدمت به السن، وثقلت عليه الحياة، ~~وأدرك عقله شيء يسير من ضعف كان ربما دفعه إلى بعض التخليط، وأغراه إلى أن يتحدث ~~إليهم بغير الصواب. وكانوا على ذلك يحبونه ويكرمونه، ويرعون ms266 له طول عهده بهم، ~~واتصال إقامته فيهم، وكثرة ما صنع بهم من معروف، وما أحسن الوساطة بينهم وبين الله. ~~فكانوا إذا سمعوا منه بعض التخليط ابتسموا مشفقين عليه رفيقين به. وربما قسا عليه ~~شبابهم من حين إلى حين، فأظهر شيئا من سخرية، وأعلن شيئا من اعتراض. وكان القسيس ~~يلقى من أهل القرية حبا بحب، ووفاء بوفاء. وما له لا يفعل وشيوخ القرية إخوته ~~الصغار، وشباب القرية أبناؤه الذين شهد مولدهم، وقدس زواجهم، وتلقى أبناءهم على ~~اختلاف أسنانهم؛ منهم من لا يزال في المهد، ومنهم من جعل يدرج! ومنهم من أخذ يختلف ~~إلى الحقول. ولم تكن قسوة الشباب عليه تؤذيه أو تبلغ نفسه الطيبة وقلبه الحليم، ~~وإنما كان يلقاها بكثير من العفو والإسماح. وربما مكر بالشباب مكرا فدفعهم إلى أن ~~يعبثوا به ويقسوا عليه بعض الشيء؛ يرى في ذلك دعابة تسره وتسر من حوله من أبنائه ~~وأحبائه. # فلما أخذ القوم في حديثهم تلك الليلة بعد العشاء، انبرى شاب من شباب القرية كان ~~معروفا بالدعابة وخفة الروح، فقال للقسيس في هزل يشبه الجد: «لقد روعتنا يا ~~أبانا منذ اليوم بما قصصت علينا من حديث الشيطان وما عرضت علينا من صوره الغريبة ~~البشعة! فما قدرت قط أن للشيطان هاتين الأذنين الطويلتين، وهذين القرنين المحددين، ~~وهذه الأرجل الثمان التي قسمت بين ظهره وبطنه، والتي تتيح له أن يسعى مرة ووجهه إلى ~~الأرض وأن يسعى مرة أخرى ووجهه إلى السماء.» # قال فتى آخر من فتيان القرية: «فقد كان ينبغي أن تكون له أرجل ثمان أخرى: أربع ~~منها عن يمين، وأربع منها عن شمال! ليستطيع أن يسعى على أي جنبيه شاء، كما يستطيع ~~أن يسعى على بطنه حينا، وعلى ظهره حينا آخر.» # قال فتى ثالث: «وقد ينبغي أن يتاح للشيطان أن يسعى على قرنيه مرة وعلى ذنبه مرة ~~أخرى.» # قال فتى رابع: «فأنتم تريدون أن يكون الشيطان كله أرجلا إذا! فهلا تركتم من ~~جسمه موضعا للجناحين! فقد ينبغي أن يكون له أجنحة يطير بها في الهواء، ms267 لينقل الشر ~~بها في أقصر وقت وأيسره من قطر من أقطار الأرض إلى قطر، ومن جيل من أجيال الناس ~~إلى جيل.» # وتضاحك القوم جميعا، فأغرقوا في الضحك، ولم يكن قسيسهم الشيخ أقلهم ضحكا. ولكن ~~الفتى الأول اتجه إلى أبيه القسيس الشيخ وقال في صوت غليظ وضحك عريض: «أرأيت ~~الشيطان قط يا أبانا؟ وعلى أي شكل من هذه الأشكال رأيته؟» # قال القسيس الشيخ في صوت هادئ نحيف يبطئ به الكبر، ويكاد يهده الضحك هدا: «لم ~~أر الشيطان قط يا بني، وما ينبغي لمثلي أن يراه، وأعوذ بالله لكم من أن نراه. وما ~~حدثتكم من أمره إلا بما قرأت في الكتب، وسمعت من الأساتذة والمعلمين، وسمعت من ~~أحاديث الناس أيضا. ومهما نصور من بشاعة الشيطان وقبح منظره، فلن نبلغ منهما ~~شيئا! فهو أبشع من كل ما نظن، وأقبح من كل ما نصور، لا في شكله وخلقه فحسب، بل في ~~رأيه وعمله أيضا، وفي مشورته وما يوسوس به إلى الناس بنوع خاص.» # وهنا تكلم «باخوم» فخفتت الأصوات، وأنصت الناس. وكان «باخوم» شيخا من شيوخ ~~القرية، قد عرف بطول الصمت خارج الكنيسة، وكثرة الصلاة إذا كان فيها، كما عرف ~~بالوقار والأناة إذا تحرك أو تكلم، وكما عرف بهذه الهيبة التي كانت تفيض على وجهه، ~~وهذه المحبة التي كانت تجذب إليه الناس. # وكان «باخوم» رجلا قد طوف في الأرض أول شبابه فأكثر التطويف، ولم يكن يلم ~~بقريته إلا ليمكث فيها العام أو بعض العام، ثم يرتحل عنها فيغيب عنها الأشهر حينا، ~~والعام حينا آخر. وربما امتدت غيبته فبلغت العامين، ولكنه كان ينتهي دائما ~~بالعودة إلى قريته والإقامة فيها حينا، وكان لا يعود إلا ومعه فضل من مال يبر به ~~خاصته وذوي قرباه، ويحسن به إلى الفقراء والبائسين، وشيء من الطرف النادرة يتحف به ~~الأغنياء وأصحاب اليسار. # وكان قد نشأ عاملا يرافق البنائين حتى تعلم صناعتهم، وأحسن من فنونهم ما يحسن ~~أهل القرى. وكأن ذلك لم يكفه ولم يغنه، فارتحل إلى المدن فجود فنه شيئا، ثم ms268 أخذ ~~يتنقل بفنه من مدينة إلى مدينة، ومن إقليم إلى إقليم حتى جاب أرض مصر كلها. وكان ~~كلما أحسن من فنه شيئا طمع في أن يضيف إحسانا إلى إحسان، ويرقى بفنه من طور إلى ~~طور، حتى تسامع الناس به، ودعاه الأغنياء وأصحاب الثراء، في إقليمه وفي غير إقليمه! ~~ليشرف على ما كانوا يريدون أن يشيدوا من الدور والقصور. وكأنه قد عرف ما كان عند ~~المصريين من فن البناء، وحذق من ذلك ما كانوا يحذقون. ثم لم يكفه ما عرف، ولم يرضه ~~ما أتقن، فأبعد في الرحلة، وتجاوز مصر إلى غيرها من البلاد المجاورة. ولكنه استبقى ~~عادته وحفظ لقريته عهدها، فكان يبعد في الرحلة ويطيل الغيبة، حتى يستيئس أهل القرية ~~من عودته، ويظنوا أنه قد هلك في بعض الطريق، أو عدت إليه عاديات الدهر في بعض أقطار ~~الأرض. ولكنهم يرونه ذات يوم وقد أقبل عليهم مع الصباح أو مع المساء، هادئ النفس ~~دائما، وقورا في حركاته وكلامه دائما، طويل الصمت خارج الكنيسة، كثير الصلاة إذا ~~كان فيها، يحمل فضلا من مال يبر به الفقراء والبائسين، وشيئا من الطرف يتحف به ~~الأغنياء والموسرين. وقد كان أول أمره يحب الفن ويكلف بالعمارة والبناء، ولكنه ~~إلحاحه في السفر وتجويبه للآفاق قد أضافا إلى هذا الحب الفني شيئا آخر؛ هو حب ~~الرحلة في نفسها والكلف بزيارة البلاد المختلفة، والإلمام بالأجيال المتباينة من ~~الناس. فكان يرتحل للبناء أول الأمر، ثم أصبح يرتحل لا لشيء إلا لأن نفسه لا تستطيع ~~أن تسلو عن الرحيل. وكان في أول أمره ينتهز الفرص ويتلمس العلل والمعاذير لما كان ~~يزمع من رحلة، أو يعتزم من سفر؛ فكان يصحب القوافل إلى هذا الوجه أو ذاك من وجوه ~~الأرض. ولكنه انتهى آخر الأمر إلى أن يستقل بتدبير أمره ويهيئ أسفاره، لا يلتمس ~~لذلك علة، ولا ينتحل له معذرة، ولا يصحب هذه القافلة أو تلك، وإنما يعود من رحلة ~~إلى بلد، فلا يكاد يستقر في قريته حتى ينبئ الناس بأنه مرتحل إلى بلد آخر، ms269 يسميه ~~لهم تسمية العالم به، الملم من أمره بما لا يعرفون. # وقد عاد إليهم ذات مرة من بعض أسفاره في بلاد الروم. فلما أقام فيهم شهرا أو بعض ~~شهر أنبأهم بأنه يريد أن يركب هذا البحر الذي لا يركبه الناس إلا قليلا، وأن يرى ~~ما ينبث على سواحله من المدن، ومن يعيش حوله من أجيال الناس. وقد سمع من أمر هذه ~~الأجيال وتلك المدن أعاجيب، منها ما يقبله العقل، ومنها ما لا يستطيع الإنسان له ~~تصديقا. وهو يعلم على كل حال أن شرقي هذا البحر، وغير بعيد من ساحله، تقوم مدينة ~~قديمة، يسكنها قوم صالحون يعرفون المسيح، ويؤمنون به، ويخلصون لدينه. وقد امتحنوا ~~في دينهم بأعظم الشر وأشنع النكر، فصبروا على المحنة، وثبتوا للخطب، واصطلوا النار ~~التي حرقهم بها اليهود تحريقا. وهو يعلم أن قيصر قد رق لهؤلاء الناس، وغضب لما ~~أصابهم من الشر، فأنجدهم وأغاثهم وثأر لهم من اليهود. وهو يريد أن يزور هذه ~~المدينة، ويرى هؤلاء الناس الصالحين الذين عذبوا في الدين، ويود لو استطاع أن ~~يقيم لهم كنيسة، ويترك في مدينتهم تلك أثرا يتقرب به إلى الله. # وكان أهل القرية يسمعون حديثه، فمنهم من يزين له المضي فيما عزم عليه، ومنهم من ~~يصده عن ذلك ويرغبه في لين العيش واستقرار الحياة. ولكنه كان يسمع لأولئك وهؤلاء، ~~ولا يرد على أولئك ولا على هؤلاء رجع الحديث، وإنما كان يمضي في تدبير أمره كما قدر ~~هو، أو كما قدر الله له، لا كما أراده الناس عليه. # وأصبح القوم ذات يوم فإذا «باخوم» قد تهيأ للرحلة كما تعود أن يفعل، وإذا هو ~~يفارقهم، فتتصل غيبته وتتصل، وتمضي الأعوام دون أن يسمعوا من أمره شيئا، حتى ~~يستيئسوا من عودته، ثم تمضي الأعوام وقد تسلوا عنه وكادوا ينسونه، وجعلوا لا ~~يتحدثون عنه إلا قليلا، وجعلوا إذا ذكروه رقت أحاديثهم عنه، وحسن ذكرهم له، وكثر ~~إشفاقهم عليه، كدأب الناس حين يذكرون فقيدا كريما كانوا يحبونه ويؤثرونه، ثم حالت ~~بينهم وبينه الخطوب، فأخذوا يتعزون ms270 عنه ويذكرونه ذكرا جميلا. # ثم يتسامع أهل القرية ذات يوم بأن «باخوم» قد عاد إليهم بعد أن غاب عنهم عشر ~~سنين، فينكرون أول الأمر، ثم يعرفون بعد أن يروا صاحبهم كعهدهم به، إلا أن السن قد ~~تقدمت به، وظهر أثر ذلك في هذا الشيب الذي جلل رأسه، وفي هذا الهدوء الذي عظم حظه ~~منه، وفي هذا الصمت الذي اشتد إمعانه فيه، وفي شيء آخر جديد لم يكونوا ينتظرونه ~~منه؛ وهو إعلانه إليهم أنه لن يرحل عن قريته بعد هذه المرة! بل سيظل بينهم يشاركهم ~~في الحياة حتى يقضي الله فيه بما يشاء. # 2 # وكان أهل القرية يكلفون بحديث «باخوم» ويشغفون بالاستماع له. وليس من شك في أن ~~أولي الجد منهم كانوا ينتظرون أن تنقضي هذه الدعابة بين الفتيان وأبيهم القسيس ~~الشيخ ليطلبوا إلى «باخوم» أن يطرفهم بشيء من أنباء رحلته الطويلة الأخيرة! فإنه لم ~~يقص عليهم منها شيئا. # ولم يطمئن أهل القرية قط إلى محدث أو قاص كما اطمأنوا إلى هذا الرحالة من ~~أبناء قريتهم! فقد كانوا يعرفون فيه الصدق والأمانة والتواضع والاعتدال، ولم يعرفوا ~~قط أنه تزيد أو تكثر أو اعتز بما رأى - وما كان أكثر ما رأى! - وبما شهد، وما كان ~~أكثر ما شهد، فلما سمع أهل القرية صوته تدانوا منه، وأصغوا إليه، وكف الفتيان عن ~~دعابتهم، وردوا ضحكهم إلى صدورهم ولم يتموه. # وكان «باخوم» يتكلم بصوت هادئ، غليظ بعض الشيء، عميق أشد العمق، كأنه يأتي من ~~أقصى ضميره، فكانت الكلمات التي يحملها هذا الصوت الرزين العميق إلى آذانهم لا تكاد ~~تبلغ آذان القوم حتى تنفذ منها مسرعة إلى قلوبهم، وتستقر فيها وتملؤها عجبا ~~وإعجابا. # قال باخوم: «أما أنا فقد رأيت الشيطان، ما أشك في ذلك ولا أرتاب. ورأيته في قصة ~~غريبة وقعت لي في رحلتي هذه الأخيرة منذ عامين.» ثم سكت قليلا. ثم استأنف حديثه ~~قائلا: «نعم! منذ عامين، وقد امتلأت بها نفسي حتى كأنها لم تقع إلا بالأمس، وقد ~~اتصل بها قلبي فطمع في تجددها أشد ms271 الطمع، ورجا تكررها أشد الرجاء، حتى كأنها ستكون ~~غدا. وهي آخر ما رأيت من أسفاري من عجيب الأمر. وما أرى إلا أنها آخر ما سأرى في ~~حياتي من عجيب الأمر، إلا أن تمتد بي الأيام إلى أكثر مما أقدر وما يقدر أمثالي ~~لأنفسهم من السن. # وما أشد ما أتمنى ذلك! وما أشد ما أحرص عليه! لا لأني أحب الحياة أكثر مما يحبها ~~الناس، أو أرغب في البقاء أكثر مما يرغب فيه الناس، بل لأني موقن بأن لهذه القصة ~~شأنا، وبأنها قد أنبأت عن شيء سيكون. وما أشد شوقي إلى أن أشهد تحقيق هذا النبأ، ~~وظهور هذا الحدث العظيم!» # وتصور أيها القارئ أثر هذه الجمل التي كانت تصدر عن «باخوم» ملتهبة، فتحرق قلوب ~~المستمعين له تحريقا. تصور أثر هذه الجمل في تشويق أهل القرية إلى هذه القصة التي ~~سيطرفهم بها هذا الشيخ. وإنهم ليريدون أن يتعجلوه، ولكنه مطرق مغرق في الصمت، وقد ~~اتصلت أبصارهم به، وتعلقت قلوبهم بشفتيه. ولبث هو في صمته حينا، وقد سكن الليل ~~وسكت النسيم، كأنما تريد الأرض والسماء، وهذه النجوم المتألقة، وهذا النيل الذي ~~يسعى هادئا من بعيد، أن تسمع له وتستمتع بحديثه، كما يستمتع له الفلاحون في قرية ~~من قرى الصعيد. # قال باخوم بعد ساعة: كان ذلك منذ عامين حين انتهت بي الأسفار إلى مكة! تلك القرية ~~التي تسمعون ذكرها أحيانا حين تفد علينا قوافل قريش تحمل إلى مصر تجارة اليمن ~~والهند. فقد ألممت بها، وإن لي من أهلها لبعض الصديق، وكنت أريد أن أقضي فيها ~~أشهرا، ثم أرحل مع قافلتهم إلى اليمن لأبلغ تلك المدينة الصالحة التي يسكنها قوم ~~صالحون قد فتنوا في المسيح، فصبروا على الفتنة، وكنت أريد أن أقيم لهم كنيسة وأترك ~~فيها أثرا باقيا. # فما أقضي في مكة شهرا وبعض شهر حتى يتوسل إلي بعض الصديق من قريش في أن أبني ~~له دارا، فلا أمتنع عليه، وإنما أجيبه إلى ما أراد، وفاء ببعض ما بيننا من ~~المودة، وأداء لبعض ما لهؤلاء الناس ms272 علي من حق. وقد صحبتهم في سفر شاق بعيد، ~~فحموني وحاطوني ورفقوا بي ووفوا لي بذمتهم، وأكدوا لي صادقين أنهم سيبلغونني نجران ~~إذا ارتحلوا إلى اليمن، وسيردونني إلى مأمني إذا عادوا إلى بلاد الروم. فلم يكن ~~بد إذا من أن أستجيب لصديقي، فأقيم له داره التي أراد أن يبنيها. وما هو إلا أن ~~يكون التنافس بين القوم! فهؤلاء نفر من سراتهم وعظمائهم يتوسلون إلي في مثل ما ~~توسل إلي ذلك الصديق فيه. وكلهم يعظم لي الأجر، ويهدي إلي ما استطاع من الخير. ~~وإني لفي ذلك أجيب منهم من أستطيع إجابته راضيا مسرورا بإرضاء هؤلاء القوم ~~الكرام، وبمعاودة المهنة بعد أن طال إهمالي لها وإعراضي عنها، وإذا خاطر يخطر للملأ ~~من قريش ذات ليلة وهم يسمرون، فيفكرون فيه ثم يفكرون، ثم يستأنون به، ثم يعودون ~~إليه، ثم يؤخرونه، ثم يستأنفون النظر فيه، ثم يفضون إلي به على أنه شيء يريدونه ~~وتتمناه قلوبهم، ولكنهم لا يجرؤن عليه. يشفقون أن يكون في الإقدام عليه ما يغضب ~~آلهتهم، ويجر عليهم ما يكرهون. رأوا بيتهم ذاك الذي يقدسونه ويعبدون ربهم فيه قد ~~طال عليه العهد، وبعدت به الأيام، وظهر عليه الوهن، وتعرض لأخطار السيل، واجترأ ~~عليه اللصوص فسرقوا بعض ما فيه من متاع، فتساءلوا: ألا يكون من الخير أن يهدموا ~~بناءه هذا القديم، ويقيموا لربهم بيتا جديدا فخما متينا، يلائم مكانته في ~~قلوبهم، ويلائم ثروتهم هذه التي تزداد من يوم إلى يوم، ويلائم هذه الدور التي أخذوا ~~يقيمونها لأنفسهم فخمة متينة، قد يسرت لهم فيها أسباب الترف والنعيم؟ ولكنهم ~~يفكرون ولا يعزمون، يخشون ألا يرضى ربهم عما لا بد لهم منه من هدم البيت إن أرادوا ~~له تجديدا. وكان يزيد خوفهم وإشفاقهم ويملأ قلوبهم فزعا وهلعا كلما هموا ~~بالإقدام أن حية كانت تظهر كل يوم، فتسعى على جدران البيت صاعدة هابطة دائرة من ~~حوله، وكان منظرها بشعا مخيفا، وكانت إذا دنا منها دان اتخذت شكلا رهيبا، لا ~~يراه من يدنو منها حتى يرتد عنها مذعورا. ms273 فكانوا يخشون أن تكون هذه الحية حارسا ~~لهذا البناء، وكانوا يقدرون أنهم إن أتموا رأيهم وأنفذوه لم يدنوا من البيت ليأخذوا ~~في الهدم حتى تردهم عنه مدحورين. وإنهم لفي أنديتهم حول البيت ذات يوم وإذا الحية ~~قد خرجت من مخبئها، وجعلت تزحف كدأبها، وجعلوا هم ينظرون إليها مروعين، وإذا عقاب ~~تهوي من السماء فتأخذ الحية من ذنبها، ثم ترتفع بها في السماء وهم ينظرون ويعجبون، ~~وقد غابت عنهم العقاب. فما يشكون في أن ربهم قد أذن لهم في أن ينفذوا ما عزموا ~~عليه. وقد أحسوا بعد هذا الحادث شجاعة وإقداما، وجعلوا يديرون أمرهم بينهم، ~~ويدبرون ما لا بد من تدبيره لبناء هذا البيت. # وإنهم لفي ذلك وإذا الأنباء تصل إليهم ذات صباح بأن سفينة من سفن الروم قد طغى ~~عليها البحر، وعبث بها الموج، وقصفت بها الريح ثم دفعتها إلى الساحل القريب. ~~فيسرعون إلى البحر، وأسرع معهم، ويرون السفينة وقد عطبت، واضطر أهلها من الروم ~~والمصريين إلى أشد الخوف وأعظم الهلع؛ لأنهم دفعوا إلى غير مأمن، ووقعوا إلى أرض ~~ليس لهم فيها جار. ولكن قريشا يلقون أصحاب السفينة أحسن لقاء، ويؤمنونهم على ~~أنفسهم وأموالهم، ولا يرضون حتى يشتروا منهم هذه السفينة التي أدركها العطب، ~~ويقولون لي: «فإنا نستطيع أن نتخذ من خشب هذه السفينة لبيت ربنا سقفا.» ولم ~~يرتابوا بعد ذلك في أن ربهم قد أذن لهم بهدم البيت وتجديده. ألم يرسل العقاب إلى ~~تلك الحية فتخطفها! ألم يرسل إليهم هذه السفينة ليتخذوا منها للبيت سقفا! ألم ~~يرسلني أنا إليهم لأبني لهم هذا البيت كما نقيم البناء في مدن الروم! # وكذلك تمت كلمتهم على إنفاذ ما دبروا. ولم أتردد أنا في أن أكون من بناء البيت ~~عند ما يحبون. وكنت أنظر إليهم وإلى ما كانوا يرون ويقدرون في شيء من العطف عليهم ~~والابتسام لهم؛ فهم أصحاب سذاجة لم يألفوا من الحضارة ما ألفنا، ولم يبلوا من خطوب ~~الأيام ما بلونا. فأيسر شيء يدفعهم إلى التفاؤل، وأيسر شيء يردهم إلى التشاؤم، ms274 ~~وأيسر شيء يدعوهم إلى الإقدام، وأيسر شيء يضطرهم إلى الإحجام. ولكني لم ألبث أن ~~أحسست ما يحسون من روع، وشاركتهم فيما كان يملك قلوبهم من تردد واضطراب. حضرتهم ذات ~~يوم وقد أطافوا ببيتهم، وجعل بعضهم يؤكد لبعض تقادم العهد به، وإلحاح الزمان عليه، ~~وحاجته إلى التجديد، ويسعى شيخ من شيوخهم حتى يمس حجرا من أحجار البيت ناتئا بعض ~~الشيء، فيجذبه بيديه فينجذب، وقد بعد الشيخ بهذا الحجر عن البيت شيئا وهو يحمله في ~~يده. ولكن ماذا نرى؟ نرى هذا الحجر يفصل عن يد الشيخ، ويمضي وحده في الهواء حتى ~~يرتد إلى مكانه من البيت كأحسن ما يمكن أن يستقر في موضعه. ولست أخفي عليكم أني لم ~~أكن أقل القوم ارتياعا واضطرابا حين رأيت هذا المنظر البديع، بل ما أشك في أني ~~كنت أشدهم ارتياعا واضطرابا، وأعظمهم حيرة، وأعجزهم عن الفهم والتأويل. ذلك أن ~~هذا الحدث قد روعهم شيئا، ولكنه لم يذهب بصوابهم، ولم يخرجهم عن أطوارهم. وما أسرع ~~ما فهموا، وما أحسن ما أولوا! فقد قال قائلهم: يا معشر قريش أقدموا على أمركم، ولكن ~~احذروا أن تنفقوا في هذا البناء مالا حراما، لا تدخلوا فيه من كسبكم إلا طيبا. ~~لا تدخلوا فيه مهر بغي، ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد من الناس. # ثم غدوا إلى البيت يريدون هدمه، وقد صمموا على ذلك، ولكنهم على تصميمهم لا ~~يجرءون، فيندبون شيخا منهم فيرقى إلى البيت، ويبدأ في الهدم وهو يقول في لهجة ~~ساذجة كان لها في نفسي أبلغ الأثر وأبعده: «اللهم لا ترع، إنما نريد الخير.» وكان ~~القوم ينظرون إليه معجبين به، مشفقين عليه من إقدامه دون أن يشاركوه فيما أخذ فيه، ~~وإنما أجمعوا أمرهم بينهم أن ينتظروا ليلتهم حتى إذا أصبحوا رأوا! فإن كان قد نزل ~~بالشيخ مكروه أو ألم به خطب، علموا أن ربهم غاضب، فأصلحوا ما هدم الشيخ وتركوا ~~البيت على حاله، وإن غدا عليهم سالما موفورا علموا أن ربهم راض، فمضوا في الهدم ~~وأقاموا البناء. # وأصبح الشيخ سليما ms275 معافى، فغدا على عمله وغدوا معه، حتى هدموا البيت. ثم جعلوا ~~يجمعون الأحجار يسعون في جمعها بأنفسهم لا يستأجرون لذلك أحدا، ولا يكلون ذلك إلى ~~رقيق، يرون النهوض بذلك حقا عليهم وشرفا يبقى لهم في أعقابهم. وأخذت أنا أبني ~~لهم البيت أقيمه على أسسه القديمة التي لم يمسوها. # ولهم في هذا البيت حجر يعظمونه ويكرمونه، ويرونه هبة لهم من ربهم. فلما بلغ ~~البناء إلى حيث يجب أن يوضع الحجر اختلف القوم بينهم: أيهم يضعه موضعه! فكلهم ابتغى ~~لنفسه هذه المأثرة، وكلهم حرص عليها أشد الحرص! وإذا اختلافهم يستحيل إلى خصومة، ~~وإذا خصومتهم تبلغ من الشر إلى أقصاه، وإذا هم يتلاحون ويتناذرون، ويؤذن بعضهم ~~بعضا بالحرب، وقد وقف البناء، وفسد الأمر بين القوم فسادا عظيما. وأقاموا على ~~ذلك أياما وليالي، وتحالف بعضهم على الشر، فجاءوا بجفنة قد ملئوها بالدم وغمسوا ~~فيها أيديهم وهم يقسمون . ليستأثرن بهذا الشرف أو ليموتن من دونه. ثم يجتمع الملأ ~~منهم صباح يوم فيتناهون ويتناصحون، ثم يشير عليهم شيخ منهم بأن يحكموا في هذه ~~الخصومة أول داخل عليهم من باب من أبواب المسجد، يسمونه باب بني شيبة. فلا يلبثون ~~أن يدخل عليهم من الباب رجل شاب لم يروا أجمل منه طلعة، ولا أعظم منه هيبة، ولا ~~أحسن منه سيرة في قومه. سمعت من أنبائه الشيء الكثير، ولكني استيقنت أنه رجل عظيم ~~الخطر حين رأيتهم ينظرون إلى مقدمه مبتهجين ويصيحون: «هذا الأمين، قد رضينا. هذا ~~محمد، قد سلمنا.» ثم يعرضون عليه الخصومة. فما رأيت وقارا كوقاره، وما رأيت أناة ~~كأناته، وما رأيت هدوءا كهدوء نفسه، وما رأيت رجلا أرفق منه بقومه، وأعطف منه ~~عليهم، وآثر منه لهم بالخير. وانظروا إلى قضائه فيهم، فسترون كما أرى أنه لم ينتج ~~عن تفكير إنسان، وإنما كان إلهاما من الله. # نزع الأمين رداءه فألقاه على الأرض، ثم وضع الحجر في وسطه، ثم قال لقومه: «لينتدب ~~من كل ربع من أرباع قريش رجل.» فلما اجتمع أربعة نفر يمثلون قومه كلهم، قال: «ليأخذ ~~كل ms276 واحد منكم بزاوية من زوايا الرداء»، ففعلوا واشتركت قريش كلها في رفع الحجر، ~~وتقسمت قريش كلها هذا الشرف العظيم قسمة سواء عدلا، حتى إذا انتهوا إلى البناء ~~آثره ربه بخلاصة هذا الشرف وخير ما في هذه المكرمة، فيأخذ الحجر بيده، ويضعه في ~~موضعه، والقوم راضون فرحون، قد اطمأنت قلوبهم إلى هذا العدل، واستبشروا بما كف عنهم ~~من الشر، وبما عصم لهم من الأنفس وحقن لهم من الدماء. وهنا استيقنت أني رأيت رجلا ~~هو أحب خلق الله إلى الله، وأكرمهم عليه. ولكني لم ألبث أن رأيت شخصا يجب أن يكون ~~أبغض خلق الله إلى الله، وشرهم عنده مكانة. كان رجلا شيخا حسن الطلعة، جميل ~~المنظر، عليه وقار، وله سمة، ولم أكن قد رأيته في القوم قط، وما كان شكله ملائما ~~لأشكالهم، ولا زيه مشاكلا لأزيائهم. ولكني رأيته فجاءة لا أدري من أين جاء، أنجم ~~من الأرض أم هبط من السماء. # أقبل هذا الشيخ النجدي يناول الأمين حجرا يثبت به الركن الأسود في موضعه، فيقبل ~~رجل من عمومة الأمين، فيأبى على هذا النجدي وينحيه ويدفع إلى الأمين الحجر الذي يشد ~~به البناء. هنالك غضب الشيخ النجدي، فقال له الأمين: «إنه ليس يبني معنا في البيت ~~إلا من كان منا.» فجعل النجدي يقول: «يا عجبا لقوم أهل شرف وعقول، وسن وأموال، ~~عمدوا إلى أصغرهم سنا، وأقلهم مالا، فرأسوه عليهم في مكرمتهم وحرزهم، كأنهم خدم ~~له. أما والله ليفوتنهم سبقا، وليقسمن بينهم حظوظا وجدودا.» # وتسمع قريش حديث النجدي فتسخط عليه وتثور به، وتريد أن تلحق به الأذى، ولكنا ننظر ~~فلا نجد أحدا، ونبحث فما نعرف إلى أين ذهب، كما لم نعرف من أين جاء. # ويقول قائلنا حين استيأسنا منه: «هذا والله إبليس، أراد أن تكون له في بيت ربنا ~~يد، فرد عن ذلك مدحورا.» # ثم سكت «باخوم»، وأطرق فأطال الإطراق، كأنه يستعيد في نفسه هذه القصة التي سحر ~~بها قلوب سامعيه وألبابهم. ولكن القسيس الشيخ يسأل «باخوم» في صوته الهادئ المحطم: ~~«ونجران يا بني ms277 أذهبت إليها؟ أأقمت فيها الكنيسة التي كنت تريد أن تقيمها؟» # قال باخوم: «لا يا أبانا، قنعت ببناء هذا البيت لهذا الحي من قريش. وما أدري ~~لماذا استيقنت نفسي منذ ذلك اليوم بأن سيكون لهذا البيت ولهذا الأمين شأن.» # قال القسيس: «فإنك تسمي هذا الأمين محمدا؟» # قال باخوم: «نعم! يسميه قومه محمدا، ويسمونه أحمد، ويكنونه أبا القاسم، ويتحدثون ~~عنه بالأعاجيب.» # قال القسيس في شيء من الحيرة والذهول: «أحمد! أحمد! أليس يمكن أن يكون هذا النبي ~~الذي بشر به المسيح!» # وتفرق القوم من ليلتهم، وإن في قلب كل واحد منهم لأثرا قويا باقيا لهذا ~~الحديث. # قال محدثي: والعجب أن أكثر المصريين يجهلون أن لهم في بناء الكعبة يدا، وأنهم قد ~~اشتركوا فيه، واشتركوا فيه مع الأمين الذي أصبح بعد سراجا منيرا، أخرج الله به ~~الناس من الظلمة إلى النور. # الفصل الرابع # | صاحب الحان # 1 # أنكر شباب قريش من صاحب الحان إعراضه عنهم، وما ظهر من انقباض وجهه وتقطب جبينه، ~~وما أحسوا وراء ذلك من فتور النفس، وجمود القلب، وشرود الخاطر، واشتغال ~~البال. # وكان هؤلاء الفتيان المترفون من شباب قريش قد تعودوا من صديقهم هذا الرومي نشاطا ~~للشراب إذا نشطوا له، وإقبالا على اللهو إذا أقبلوا عليه، ومشاركة في اللذة إذا ~~أخذوا فيها، قد محيت بينهم وبينه الفروق، ورفعت بينهم وبينه الحجب، وأصبحت الأمور ~~بينهم وبينه ميسرة هينة، تجري على المودة والإلف، وعلى السذاجة والإسماح، كما تجري ~~بينهم وبين أنفسهم، أو خيرا مما تجري بينهم وبين أنفسهم. يقبلون عليه مصبحين، ~~ويقبلون عليه ممسين، ويقبلون عليه في أي ساعة من ساعات النهار والليل، فلا يرون منه ~~إلا نشاطا وانبساطا، وإلا إقبالا عليهم وإيناسا لهم. فإذا أخذوا في شرابهم، ~~وأقبلوا على لذاتهم، واستمعوا لأولئك المغنيات الروميات اللاتي كن يفتنهم بالصوت ~~واللحظ، وبغير الصوت واللحظ من أسباب الفتنة وألوان الإغراء، أقبل الخمار الرومي ~~معهم على هذا كله، لا إقبال التاجر الذي يغري بتجارته ويرغب فيها، بل إقبال المخلص ~~في حب اللهو، المسرف في إيثار اللذة، المتهالك ms278 على أن يأخذ نصيبه من الدنيا قبل أن ~~يدفعه الموت إلى تلك الطريق التي يعرف أولها ثم يجهل من أمرها بعد ذلك كل ~~شيء. # وكانت الكلفة قد ارتفعت بين هذا الرومي وبين زواره من فتيان قريش هؤلاء، فكانوا ~~يشربون ويطربون، ويؤدون إليه ثمن لذاتهم إن حضرهم المال، فإذا لم يحضرهم لم يجدوا ~~بذلك بأسا، ولم يمنعهم ضيق ذات أيديهم أن يمضوا فيما يحبون من عبث ولهو. ولم يظهر ~~لهم صديقهم الرومي تجهما ولا تلكؤا، ولم يبطئ عليهم في شيء مما كانوا يريدون، لا ~~لأنه كان واثقا بأن حقوقه ستؤدى إليه كاملة فحسب، بل لأنه كان قد أحب هؤلاء ~~الفتيان وأنس إليهم. ولولا بقية من أصله الرومي كانت تضبط أموره وترده إلى الصواب ~~والحزم، لاندفع مع هذا الحب إلى غير حد، ولألغى بينه وبين هؤلاء الفتيان من أشراف ~~قريش كل حساب. # فلما أقبلوا عليه من ليلتهم تلك لم ينشط لما كانوا ينشطون له، ولم يلقهم بما ~~تعودوا أن يلقاهم به من البشر وطلاقة الوجه، وإنما استقبلهم في شيء من الفتور لم ~~يلبثوا أن أحسوه وشعروا به، ولكنهم لم يظهروا مما أحسوا شيئا. وخلى الرومي بينهم ~~وبين ما أحبوا من شراب ولذة، ومن مجون وعبث، واندفعت المغنيات الثلاث يرددن عليهم ~~أصواتهن الغريبة العذبة، ويوقعن لهم ألحانهن الشجية الحلوة. وجعلوا يسمعون ويعجبون، ~~ويفتنون ولا يفهمون، وجعلوا يستعينون على هذا كله بالإغراق في الشراب، والاستباق ~~إلى الإكثار منه، مسرفين في المزاح، متهالكين على الدعابة، يقول بعضهم لبعض: لن ~~يتأخر قدوم العير بما تقدم إليها الخمار في أن تحمل إليه من نبيذ الشام وفلسطين، ~~فلا ينبغي أن ننصرف عنه الليلة حتى نستنفد ما عنده من نبيذ قديم. وكانوا يلمحون له ~~بدعابتهم، ويلحون عليه بمزاحهم، ويحرضونه على مشاركتهم، فلا يجدون منه إصغاء إليهم ~~ولا انتباها لهم، فيمضون في أمرهم متكلفين أن يلقوا إعراضا بإعراض، وجفاء بجفاء. ~~ولكنهم لا يلبثون أن يحسوا كأن شيئا ينقصهم، وكأن اللهو لا يستقيم لهم، وكأن ~~نفوسهم لا تستجيب لهذه اللذات التي ms279 تدعوها فتلح في الدعاء. ولا يشكون في أن انقباض ~~هذا الرجل الرومي عما ينبسطون له هو مصدر ما يجدون من حرج وضيق، ومبعث هذا الفتور ~~الذي أخذ يسعى إليهم شيئا فشيئا، فيلهيهم عن الألحان وأصوات الغناء، ويكاد يصرفهم ~~عما بين أيديهم من هذه الأقداح التي لم تتعود الانتظار. # هنالك يقبلون على صديقهم الرومي لائمين أول الأمر، ثم ملحين في اللوم. فإذا لم ~~يجدوا منه عناية بهم أو استماعا لهم رقوا له ورفقوا به، وتحولوا إليه عن شرابهم ~~وغنائهم، وجعلوا يسألونه سؤال الصديق عما عرض له من أمر، وما نزل به من خطب، وما ~~ألم به من مكره. ويبلغ رفقهم هذا الحلو قلب الرومي فيتأثر به ويلين له، ويتصل بين ~~هؤلاء الفتيان من أشراف قريش وسادتها وبين هذا الخمار الرومي حديث غريب لا ينقضي ~~إلا وقد كاد الليل ينجلي عما كان قد غمر من الأودية والبطاح. # 2 # قال الخمار الرومي لأصدقائه من شباب قريش: «عزيز علي أن ألقاكم بما لقيتكم به ~~من الفتور، وقد عودتكم أن أكون لكم مكرما، وبكم حفيا. وعزيز علي أن أقصر عما ~~تقدمون عليه من هذه اللذات التي كنت أسابقكم إليها فأسبقكم، وأنازعكم الاستمتاع بها ~~فأكون أوفركم منه حظا وأعظمكم منه نصيبا. وعزيز علي أن يعديكم هذا الفتور ~~ويبلغكم هذا القصور، فتصدون عما تحبون، وتصرفون عما تألفون. ولكن ثقوا أني لم ~~أقدم على ذلك راغبا فيه، وإنما دفعت إليه مكرها عليه.» # قال صفوان بن أمية: «فإنا ما نشك في أنك لم تلقنا بهذا الإعراض والفتور إلا وقد ~~عرض لك من الأمر ما اضطرك إلى ذلك. وقد عودناك أن نفضي إليك بأسرارنا وجلية أمورنا، ~~لا نخفي عليك منها شيئا. فأفض إلينا بدخيلة نفسك وجلية أمرك! فلعلنا أن نكون عند ~~ما تحب من المعونة لك والترفيه عليك.» # قال صاحب الحان: «فإني أخشى أشد الخشية ألا تملكوا لي من هذا الأمر الطارئ ~~شيئا.» # قال صفوان: «إنك ضيفنا وجارنا وصديقنا، وصاحب لذتنا وشريكنا في هذه اللذة. فلسنا ~~لقريش إذا إن بخلنا ms280 عليك بالمعونة، أو آثرنا أنفسنا بالأمن والراحة والنعيم من ~~دونك. وإنك لتعرف من قريش قراها للضيف، ووفاءها للجار، وبرها بالصديق، وأداءها ~~للحقوق.» # قال صاحب الحان: «فإن هذا الأمر الطارئ ليس مما تظنون في شيء، وإني لا أدري كيف ~~أباديكم به وأتحدث إليكم فيه، ولو أن الذي عرض لي كان مما تعودتم أن تردوه عن الضيف ~~والجار والصديق لما أبطأت في إنبائكم به وإظهاركم عليه. ولكنه لون آخر من الأمر لم ~~تتعودوا أن تروه، وضرب آخر من الخطب لم تتعودوا أن تشهدوه. وما أدري أتفهمون عني إن ~~تحدثت إليكم بما عرض لي! وما أدري أترضون إن فهمتم ما ألقي إليكم من الحديث أم ~~تسخطون! فإنه أمر غريب حقا! غريب حقا!» ثم أطرق الرومي وترك هؤلاء الفتيان من ~~شباب قريش وقد أخذهم شيء يسير من الوجوم بهذا الحديث الغريب، وجعلوا يتقارضون فيما ~~بينهم ألحاظا قصارا سراعا. ثم رفع الرومي إليهم رأسه، فلما رآهم على هذه الحال ~~ابتسم لهم رفيقا بهم، وقال في صوت هادئ بعيد: «ما أحب لكم أن تصرفوا عن أمر لذتكم ~~إلى هذا الأمر الذي ما أراه يعنيكم من قريب أو بعيد، فعودوا إلى ما كنتم فيه ~~موفورين. ولو استطعت لشاركتكم في اللهو، ولأعنتكم عليه، ولكن نفسي محزونة منذ ~~الليلة حقا!» # قال صفوان: «فإنا لن نتحول عنك إلى لذتنا، ولن ننصرف عنك إلى بيوتنا حتى نعلم ~~علمك، وحتى نرى أقادرون نحن على أن نعينك أم عاجزون عن أن نبلغ من ذلك بعض ما نريد. ~~فاقصص علينا أمرك ولا تبطئ! فإنك قد شوقتنا إلى حديثك هذا الذي تخفيه فتمعن في ~~إخفائه وتلتوي به علينا أشد الالتواء.» # قال الرومي: «إني لا أخفي عليكم شيئا، ولا ألتوي عليكم بشيء، ولكني أدير هذا ~~الأمر في نفسي ولا أعرف كيف أباديكم به.» # قال صفوان وهو يتكلف الضحك: «فبادنا به كيف شئت وعلى أي وجه أحببت! فإني أخشى إن ~~طال بك هذا الصمت وألح عليك هذا الالتواء أن نشق عن صدرك لنرى ما يضطرب فيه من ms281 ~~عاطفة، ونشج رأسك لنظهر على ما تدير فيه من رأي وما تجيل فيه من حديث.» # قال الرومي وهو يبتسم: «ما أوفاكم إذا للجار، وأرعاكم إذا للصديق!» # قال صفوان: «فإنك مظهرنا على أمرك طائعا أو كارها! فقد طال منك الصمت، وطال منا ~~الإلحاح، وقد تقدم الليل، وإنا خليقون أن نبقى حولك حتى يدركنا الصبح نسألك ونلح ~~عليك؛ فأرح نفسك وأرحنا من السؤال والإلحاح.» # قال الرومي وهو يظهر ترددا شديدا، ويأخذ نفسه بالعنف لأنه يقدم على أمر عظيم: ~~«فإن الأمر الذي أهمني لا يتصل بي وإنما يتصل بكم.» # قال صفوان: «فذلك أجدى أن تبادينا به وتظهرنا عليه!» # قال الرومي: «فإنه لا يتصل بحياتكم حين تأوون إلى بيوتكم، أو تهرعون إلى هذا ~~الحانوت أو تضطربون في الأرض، وإنما يتصل بآلهتكم.» # ولم يكد هؤلاء الفتيان من قريش يسمعون هذه الجملة حتى اندفعوا إلى ضحك غليظ متصل، ~~ثم سكت عنهم الضحك بعد حين، فجعل بعضهم ينظر إلى بعض نظر المنكر لما سمع، الساخر ~~منه، في شيء غريب من الفرح والمرح، وفي إشارة إلى الغلام أن يملأ لهم أقداحهم. ثم ~~نظر صفوان إلى صديقه الرومي نظرة لا تخلو من استهزاء يشوبه الإشفاق وقال: «قد كنا ~~نحسب أن التفكير في الآلهة والحديث عنهم أمر مقصور على نفر من قريش تقدمت بهم السن ~~وتقلبت عليهم الحياة، وفرغوا لهذا العبث، فجعلوا يخوضون فيما ليس للناس أن يخوضوا ~~فيه. ولكن الأمر قد تجاوز هؤلاء الشيوخ من قريش إلى جيراننا من الروم. أومستك ~~العدوى إذا؟ أوجعلت تصبو إلى ما يصبو إليه هؤلاء النفر من شيوخنا، وتحرص على أن ~~تمتاز بما يمتازون به من التحرج والتكلف، وإنفاق الجهد فيما لا ينبغي أن ينفق فيه ~~الجهد؟! لقد جفت حلوقنا يا غلام، فأسرع إلى هذه الأقداح فاملأها، وأسرع إلى مولاك ~~بشيء من شراب، فما نرى إلا أن نفسه قد ظمئت، وما نرى إلا أن ظمأ نفسه قد اضطرها إلى ~~هذا الحديث.» # قال الرومي: «أما إنك قد قلت الحق وأنت لا تدري! فإن نفسي لظمئة، ms282 وإن ظمأها لأشد ~~مما تظن.» # قال صفوان: «تظمأ وعندك أكرم ما جادت به بيسان من نبيذ!» # قال الرومي: «ما صدفت نفسي قط عن الخمر كما تصدف عنها الآن. إني لشديد الظمأ ولكن ~~إلى شيء آخر ما أرى أنكم تفقهونه أو تفطنون له.» # قال صفوان وهو مغرق في الضحك: «إنك لظمئ إلى ما كانت تظمأ إليه نفس زيد بن عمرو! ~~فقد طلبته جاهدة فلم تظفر به، ولم ترو ظمأها باليقين، وإنما روته بهذا الدم الزكي ~~الذي لم نثأر له بعد، والذي لا بد من الثأر له. وإنك لظمئ إلى ما كانت تظمأ له نفس ~~ورقة بن نوفل وعثمان بن الحويرث! فإن ورقة بن نوفل ليقيم منك غير بعيد فتحول إليه ~~واستمع له! فقد يروي نفسك بما وعى من علم النصارى، وما حفظ من سخف الروم. ولكن لا ~~تنس أن تخلي بيننا وبين ما بقي لك من خمر، وأن تحكمنا فيما ستقدم عليك به العير بعد ~~أيام.» ثم تضاحك القوم ورفعوا الأقداح إلى أفواههم، ثم ردوها ولم يذروا فيها ~~شيئا. # قال الرومي: «فأما وأنتم تفقهون أمر هؤلاء النفر من قريش، فما أشك في أنكم ~~ستفهمون عني إن حدثتكم بما يضطرب في نفسي من الأمر. ولقد أسأت بكم الظن، فمعذرة ~~إليكم. لقد رأيتكم لا تحفلون إلا بما يحفل به أترابكم من اللهو، ولا تقبلون إلا على ~~ما يقبل عليه لداتكم من اللذة والنعيم.» # قال صفوان: «فإن لنا على ذلك عقولا تستطيع أن ترقى إلى حكمتك العليا. ولكن ما ~~رأيك في أنها زاهدة في هذه الحكمة، راغبة عنها! فإنا لم نأتك لتتحدث إلينا عن ~~الآلهة، وما ينبغي لغير قريش أن يتحدث عن آلهة قريش. ولقد أطلت فينا المقام، فكنت ~~خليقا أن تعرف من أمرنا أكثر مما عرفت. وما نظنك إلا أدركت شيئا مما لقي زيد بن ~~عمرو، وقد كان أوسطنا نسبا، وأرفعنا حسبا! فخذ في حديث آخر غير حديث الآلهة. فما ~~كنا لنكره ذلك من شيخ قرشي ثم نرضاه من رومي غريب أقبل علينا ms283 ليسقينا الخمر ~~ويسمعنا الغناء.» # قال الرومي وقد ظهر عليه بعض الحزن: «ألم أقل لكم إني كنت مشفقا أن يسوءكم ~~حديثي، وإني كنت راغبا عن أن أوذيكم!» # قال فتى من القوم: «فإنك لم تؤذنا وإن حديثك لم يسؤنا، وإنك لم تظهرنا بعد على ~~هذا الحديث. ولكن في صفوان حدة وسرعة إلى الغضب ولا سيما حين يثقل عليه الشراب، ~~فامض في حديثك راشدا، وأشركنا في هذا الهم الذي غير سيرتك منذ الليلة.» # قال صفوان: «ما أدري ماذا عرض لي؛ فإن حديثك لم يسؤني ولم يؤذني، وإنما أخذت في ~~الدعابة حين سمعتك تتحدث عن الآلهة، فما أسرع ما استحالت الدعابة إلى جد مر، فامض ~~في حديثك وخلاك ذم.» # قال الرومي: «أقبلوا على شأنكم، وخذوا في لهوكم، أو تفرقوا إلى بيوتكم فقد تقدم ~~الليل.» # وأحس القوم أن نفس الرومي مقسمة بين الغضب والخوف، فعادوا إلى الرفق به والتلطف ~~له ، حتى ردوه إلى الأمن والهدوء، ثم مضوا يسألونه عن حديثه، ويلحون عليه في أن ~~يتمه. # قال الرومي: «أتعرفون أني نصراني؟» # قال صفوان: «نعرف أنك نصراني كغيرك من الروم، لكنا لم نر منك قط إقبالا على ~~الدين، ولا إمعانا في النسك.» # قال الرومي: «فاعلموا أني لست نصرانيا، أو اعلموا أني لم أخلص للنصرانية قط، ~~وأني لم أقدم على بلدكم هذا النائي البعيد من بلاد الروم لأسقيكم الخمر وأسمعكم ~~الغناء، وإنما أقبلت إليكم مهاجرا بهذه الوثنية التي كنت أخفيها في بلادي من أرض ~~الروم، وأجد في إخفائها جهدا لا يحتمل، وعناء لا يطاق.» فلما سمع القوم من حديث ~~الرومي عجبوا له، وشغفت نفوسهم بالقصة فأصغوا أشد الإصغاء. # قال الرومي: «إنكم لا تعرفون من أمرنا نحن الروم إلا أقله وأيسره. وإنكم لتجهلون ~~وثنيتنا القديمة كما تجهلون نصرانيتنا الحديثة. ولو قد علمتم من أمرنا أكثر مما ~~تعلمون لكان فهمكم عني أعمق وأصدق. إن وثنيتنا القديمة ليست من اليسر والسذاجة بحيث ~~ترون ما أنتم عليه من دين؛ فإن لآلهتنا القدماء أخبارا طوالا، وأنباء غريبة، تكلف ~~بها النفوس، وتألفها القلوب، وتصبو ms284 إليها الطباع. وقد كان آلهتنا القدماء أشد ~~اختلاطا بنا، ومعاشرة لنا، واشتراكا معنا في جد الحياة وهزلها من آلهتكم. فلا جرم ~~تمكن حبها في قلوبنا، واختلط بنفوسنا، وجرى مع دمائنا، وكانت حاجتنا إليهم ~~كحاجتنا إلى الهواء الذي نتنفسه، وإلى الطعام الذي نقيم به أودنا، وإلى الشراب الذي ~~ننقع به الغلة ونبل الصدى، وإلى المعرفة التي نغذو بها عقولنا، ونرقي بها ~~قلوبنا، وننقي بها طباعنا من الأوضار والآثام. فلما جاء الدين الجديد، ضقنا به أشد ~~الضيق، ونفرنا منه أشد النفور، وقاومناه أعنف المقاومة وأقساها، وضحينا في سبيل ~~آلهتنا القدماء بكثير جدا من النفوس والدماء والأموال أكثر مما تستطيعون أن ~~تتصوروا. ولكن الإله الجديد كان أقوى من آلهتنا وأعظم سلطانا؛ فلم تثبت له الآلهة، ~~وإنما انهزمت أمامه وفرت من معابدها وهياكلها، وأذعن أكثرها لهذا الإله الجديد، ~~ووفى أقلنا لأولئك الآلهة المشردين. وقد نشأت في أسرة من هذه الأسر التي توارثت ~~الوفاء لأولئك الآلهة، والتي كانت تؤدي النصرانية لقيصر كما تؤدي له الضريبة التي ~~يفرضها على الأموال، فإذا خلت إلى نفسها وفت لآلهتها، وأخلصت لها الدين محتاطة ~~متحرجة، بالغة من التحرج والاحتياط أقصى ما كانت تستطيع أن تتحمل. ولكن قيصر قد ~~اشتد في دينه. ولم يكتف من رعيته بالطاعة الظاهرة، وإنما أراد أن يخلص إلى دخائل ~~النفوس وضمائر القلوب، وأن يحاسب الناس على آرائهم كما يحاسبهم على أعمالهم. فلقينا ~~من ذلك جهدا أشد الجهد، وعنتا أعظم العنت، حتى تحول كثير منا عما كان يضمر من حب ~~آلهتنا. وإنا لفي ذلك العناء وإذا أنا أسمع حديثا عن بلدكم هذا يغريني به ويدفعني ~~إليه، ويخيل إلي أن آلهتنا قد هاجروا من بلاد الروم إلى العرب، فأقاموا فيها، ~~وفرغوا لأهلها يبسطون عليهم من سلطانهم العذب ما كانوا يبسطونه على الروم.» # قال صفوان: «وما ذاك الحديث؟» # قال الرومي: «حديث ذلك الجيش النصراني الحبشي الذي أقبل على بلدكم هذا ليهدمه ~~ويدمره، مقدما بين يديه فيله العظيم. فما كاد يدنو من حرمكم هذا حتى رد عنه ~~أقبح الرد وأشنعه، ms285 وحتى سلطت عليه تلك الطير التي مزقته تمزيقا.» # قال صفوان: «فإن رب الحرم قد ذاد العدو عن الحرم، ما نجد في ذلك غرابة ولا ~~عجبا.» # قال الرومي: «أما نحن فقد وجدنا فيه الغرابة كل الغرابة، والعجب كل العجب، ~~وأولناه ألوانا من التأويل. فأما رهباننا وأحبارنا فقد فهموا منه شيئا آخر. ظن ~~الأحبار والرهبان أن هذه آية قدمتها السماء بين يدي آيات أخرى أكبر منها وأعظم ~~خطرا. وظن الأحبار والرهبان أن أمور الناس ستتغير وتتبدل، وأن ما أنزل على اليهود ~~والنصارى من الدين سيتم في هذا البلد الذي رد عنه الفيل. وظننا نحن كما قلت لكم أن ~~آلهتنا قد هاجروا إلى هذا البلد، وأنهم قد ردوا جيش الحبشة والروم عنه، كما ردوا ~~جيش الفرس عن بلاد اليونان منذ قرون. وتمتلئ نفسي بحب الآلهة، وتطمئن نفسي إلى هذا ~~التأويل، وتحدثني نفسي بالهجرة إلى بلادكم لألقى فيها آلهتنا ، ولأرى فيها تماثيلهم، ~~ولأعبدهم حرا، وأتقرب إليهم، مظهرا ذلك لا مستخفيا به ولا محتاطا فيه. وأفكر ~~في الرحلة إلى هذه الأرض، وفي الحياة التي سأحياها في هذا البلد، وفي رزقي كيف ~~أكسبه. فأتصل بالذين كانوا يفدون على بلادنا من تجاركم، فأعلم منهم علم هذه البلاد ~~ومن يعيش فيها من الناس، وأقدم مع بعض قوافلكم تاجرا أسقيكم خمر الروم، وأسمعكم ~~غناء الروم. وإن لي في بلادكم لأربا غير هذا وذاك. وما أخفي عليكم أني لم أبلغ ~~بلادكم ولم أستقر في أرضكم حتى أدركتني خيبة الأمل، وحتى جعلت نفسي تحدثني بأن ~~الأحبار والرهبان ربما كانوا أدنى مني إلى الحق، وأقرب مني إلى الصواب؛ فقد رأيت ~~تماثيل آلهتكم، ورأيت سيرتهم فيكم وسيرتكم فيهم، فلم أعرف من هذا كله شيئا، ولم ~~تعطف نفسي على صنم من هذه الأصنام القائمة، ولم يمل قلبي إلى وثن من هذه الأوثان ~~المنصوبة، ولم يرتب ضميري في أن آلهتنا قد هاجروا من بلاد اليونان لا ليستقروا ~~في بلاد العرب، ولكنهم مضوا إلى وجه من الأرض أو من السماء لا نعرفه ولا نهتدي ~~إليه. # هنالك ms286 أخفيت أمري في مكة كما كنت أخفيه في طرسوس، وأظهرت لكم نصرانيتي هذه ~~الرقيقة كما كنت أظهرها في أرض قيصر، وفرغت للتجارة واستثمار المال، فجعلت أسقيكم ~~الخمر، وأسمعكم الغناء، وأفيد منكم مالا كثيرا. ولكنكم أخذتم منذ حين في هدم ~~بيتكم هذا وتجديد بنائه، فكان ذلك مصدر ما أنا فيه من الاضطراب.» # قال صفوان: «وما ذاك؟» # قال الرومي: «ألم تفكروا في أصنامكم هذه القائمة حول هذا البيت والمسندة إليه ما ~~عسى أن تصنعوا بها أثناء الهدم والبناء؟» # هنالك نظر بعض القوم إلى بعض نظرة لا تخلو من معنى. وقال صفوان: «وماذا كنت تريد ~~أن نصنع بها غير ما صنعنا؟!» # قال الرومي: «لم أكن أريد شيئا، وإنما كنت أنتظر.» # قال صفوان: «كنت تنتظر كما كنا ننتظر أن تتحول الآلهة عن أماكنها، وأن تبهرنا ~~بانتقالها إلى حيث تأمن معاول الهادمين. ولكن الآلهة لم تتحول فحولناها، ولم تنتقل ~~فنقلناها . وإذا تم البناء فسنرد ما نقلناه منها إلى أماكنها الأولى. فماذا تنكر من ~~ذلك؟! إنا لم ننكر منه شيئا.» # قال الرومي: «فقد كنتم تنتظرون من الآلهة مثل ما كنت أنتظر؟» # قال صفوان ضاحكا: «ولكن الآلهة لم تحقق آمالنا، ولم تفعل ما كنا ننتظر منها. ~~أفنكره الآلهة على ما لا تريد! يا غلام! قد جفت حلوقنا فاملأ الأقداح.» # ثم التفت إلى الرومي وهو يقول: «إنك لتعني نفسك بأيسر الأمر وأهونه. إن أخص ما ~~يميز الآلهة أنهم يفعلون ما يريدون هم لا ما نريد نحن.» # قال الرومي: «ولكنهم لم يفعلوا شيئا.» # قال صفوان: «فمن حقهم ألا يفعلوا، كما أن من حقهم أن يفعلوا.» # قال الرومي: «فإذا أتممتم بناءكم وبدا لكم ألا تردوا آلهتكم إلى أماكنها، أفتراها ~~ترتد إليها على رغمكم؟» # قال صفوان: «ما أدري وما يعنيني من ذلك شيء. انتظر حتى يتم البناء؛ فإن رأيت ~~الآلهة قد ارتدت من تلقاء نفسها إلى أماكنها فقد ظهرت لك جلية الأمر. وإن رأيتنا ~~نحن نردها إلى أماكنها كما حولناها عنها، فاعلم أنها قد أخذتنا بذلك وأرادتنا عليه. ~~وإن رأيتها قائمة ms287 حيث وضعناها ورأيتنا نتركها حيث هي فاعلم أنها تريد ذلك، وتطمئن ~~إلى أماكنها الجديدة. وأرح نفسك كما نريح أنفسنا من التفكير في الآلهة، واشغل نفسك ~~كما نشغل أنفسنا عن أمور الآلهة بأمور الناس، وعن حركات الآلهة بحركات هؤلاء الإماء ~~الثلاث اللاتي يوقعن ويغنين فيكلفننا من أمرنا شططا.» # وتفرق هؤلاء الفتيان من قريش عن صاحبهم الرومي آخر الليل، وإن بعضهم ليقول لبعض: ~~ويلكم! لقد فطن هذا الرومي لما فطنتم له. ولئن جاز لنا نحن أن نشك في آلهتنا أو ~~نسخر منها، فما ينبغي أن يجوز ذلك لرومي يسقينا الخمر ويسمعنا الغناء. ويلكم! ~~ارفعوا ذلك إلى الملأ من قريش! ليدبروا أمرهم وأمر الآلهة! فإنه في حاجة إلى ~~التدبير، وليحتاطوا أن يشيع هذا الشك في عامة الناس وضعفائهم، وفي هؤلاء الأجانب ~~الذين يملئون مكة من الفرس والحبش والروم. # ولكنهم راحوا على صاحبهم الرومي من الغد ليستأنفوا عنده لهوهم ولذتهم، فلم يجدوه ~~ولم يجدوا إماءه الثلاث، وإنما وجدوا حانوتا خاليا إلا من دنان وزقاق كان فيها ~~فضل من شراب. # 3 # واستقر حديث الرومي في نفوس هؤلاء الفتيان، وما أدري أتحدثوا به إلى الملأ من ~~قريش أم أخفوه عليهم، ولكنهم لم ينسوه على كل حال، وإنما جعلوا ينتظرون أن يتم بناء ~~البيت، ويتساءلون إذا التقوا، كما يسأل كل واحد منهم نفسه منفردا: ماذا عسى أن ~~يصنع الآلهة ليعودوا إلى أماكنهم؟ أيسعون إلى هذه الأماكن ليستقروا فيها، أم ينقلون ~~إلى هذه الأماكن محمولين على الأيدي والأعناق كما حولوا عنها محمولين على الأيدي ~~والأعناق حين أخذت قريش في هدم البيت؟ # وليس من شك في أن الملأ من قريش قد فكروا في هذا الأمر كما فكر فيه الشباب، ~~وانتظروا من الآلهة مثل ما انتظر الشباب. ولكن شيوخ قريش كانوا أمكر وأمهر من أن ~~يظهروا من تفكيرهم شيئا. وكانوا أضبط لأمورهم وأملك لعواطفهم من أن يظهروا الشباب ~~وضعاف الناس على ما خالط قلوبهم من ريب، وشاع في نفوسهم من شك، حين رأوا آلهتهم ~~ينقلون كما ينقل المتاع، ويرصون في ms288 أماكنهم الجديدة كما يرص الأثاث. ومهما يكن من ~~شيء فقد أتمت قريش بناء البيت، وانتظرت بالآلهة يوما ويوما، فلما لم تجد منها ~~إرادة ولا حركة ولا تحولا إلى أماكنها ردتها إلى تلك الأماكن ردا، وحملتها إليها ~~حملا. واستقر في نفوس الشيوخ والشباب شك عظيم. وربما ظهر الأمر ببعض أولئك الشيوخ ~~والشباب إلى ما هو أبعد من الشك والريب، وأدنى إلى الجحود والإنكار. # ولكن محنة قريش في آلهتها لم تقف عند هذا الحد الذي قد يفطن له أذكياء القلوب، ~~وأصحاب العقول النافذة والأحلام الراجحة، ولكنه يخفي عادة على الدهماء ويجل عن أن ~~تعرفه عامة الناس، وإنما جاوزته إلى شيء خطير رأت فيه قريش خطبا عظيما وافتضاحا ~~منكرا لما لم يكن ينبغي أن يفتضح من أمر الآلهة. فقد أسندت قريش من آلهتها إلى ~~البيت ما أسندت، وأقامت قريش من آلهتها حول البيت ما أقامت، وخيل إليها أن قد فرغت ~~من هذا الجهد الشاق، وخلصت من هذا العناء الثقيل. ثم اجتهد الأشراف والسادة في أن ~~شغلوا عامة الناس ودهماءهم عن التفكير في جمود الآلهة وقصورهم، فأقاموا الأعياد، ~~وأكثروا من التقريب للآلهة، وأسرفوا في أموالهم ليطعموا الفقراء والبائسين، وألحوا ~~في ذلك وقاموا عليه حتى تجاوز كرمهم أهل مكة إلى من كان يضرب حولها من الأعراب ~~الذين جعلوا يقدمون على مكة، يلتمسون فيها حظوظهم من هذه الإبل والشاء التي كانت ~~تقرب إلى الآلهة في غير انقطاع. ولكن قريشا تصبح ذات يوم فتغدو على البيت فترى، ~~ويا هول ما ترى! ترى آلهتها مجدلين قد صرعوا حول البيت تصريعا، منهم المستلقي على ~~ظهره، ومنهم المنكب على وجهه، ومنهم المضطجع على أحد جنبيه وما أصف لك شيئا مما ~~ملأ قلوب قريش من الروع والهلع! فأنت قادر على تصور ذلك إذا قدرت إعظام العامة ~~لآلهتها، وحرص الخاصة على ما ينبغي لهؤلاء الآلهة من جلال ووقار. # وتقبل قريش على آلهتها فتردهم إلى أماكنهم، وتقرهم في مواضعهم، ثم تستشير وتستخير ~~وتدبر بينها ألوان الرأي، ثم يستقر الأمر بينها على أن الآلهة ms289 لم يرضوا بعد عما نحر ~~لهم من ضحايا وما سفك حولهم من دماء. فتستأنف قريش ما كانت قد أخذت تعرض عنه من ~~التضحية والتقريب، وهذه الإبل تنحر، وهذه الشاه تذبح، وهؤلاء الفقراء ينعمون بعيش ~~رغد وسعة متصلة. ولكن قريشا تصبح من الغد فإذا آلهتها مجدلون حول البيت، قد فعلت ~~بهم الأفاعيل! # ويعظم لذلك هم قريش، وتمتلئ لذلك قلوب قريش حزنا وأسى، منهم الصادق المخلص، ~~ومنهم المشفق الماكر، ولكنهم على كل حال يقيمون الأصنام، ويجددون التضحية، ~~ويستشيرون الكهان ويجدون في البحث والاستقصاء، لعل في مكة قوما يمكرون بالآلهة، ~~ويدبرون للحرم وأهله كيدا. وقد أقاموا الحراس حول البيت أثناء النهار، فلم ير ~~الحراس شيئا ينكرونه. وأقاموا الحراس حول البيت آناء الليل، فقاموا حذرين أيقاظا ~~ينتظرون، ولكن انتظارهم لم يطل وإنما هو انتصاف الليل وتقدمه بعد ذلك شيئا، وإذا ~~بضجيج يسمع، وأصوات تقرع الآذان. وينظر الحراس فيرون - ويا هول ما يرون! - الآلهة ~~وقد صرعوا حول البيت تصريعا، فيفرون وقد ملكهم الخوف واستأثر بهم الفزع. # وقد أشار الكهان على قريش بأمر عظيم وقفت له القلوب فما تخفق، وجمدت له الدماء ~~فما تجري، ووجمت له النفوس فما تستطيع روية ولا تفكيرا، وهلعت له النساء في ~~البيوت، وأشفق منه سكان مكة جميعا إشفاقا عظيما! فقد زعم الكهان لقريش أن لحوم ~~الإبل والشاء ودماء الإبل والشاء ما كانت لترضي الآلهة بعد أن حولت عن أماكنها، ~~وبعد أن هدم بيتها وأعيد بناؤه! ولا بد من أن يقرب إلى الآلهة لون آخر من القربان ~~يقنعهم بأن عبادهم من قريش لا يجودون عليهم بالأموال وحدها، وإنما يتقربون إليهم ~~بالأنفس أيضا. وقال الكهان لقريش: يجب أن تقربوا لآلهتكم من أجيالكم الثلاثة رجلا ~~وامرأة قد تقدمت بهما السن حتى أشرفا على الموت، وفتى في نضرة الشباب، وصبيا ~~وصبية من الأحداث. فإن لم تفعلوا فما ندري ماذا يصنع الآلهة؛ فإنهم لم يفعلوا إلى ~~الآن أكثر من أن قدموا إليكم النذر، فأسرعوا إلى إرضائهم! فإنا نخشى أن تسوء ~~العاقبة، وأن تصبحوا فلا تروا آلهتكم ms290 بينكم، وألا تمضي بعد خروجهم عنكم أيام حتى ~~يسلط عليكم شر عظيم. ولو استمع الملأ من قريش لما كانت تضطرب به نفوس الدهماء وعامة ~~الناس لأطاعوا أمر الكهان، ولتقربوا إلى آلهتهم بهذا الإثم المنكر. ولكن الملأ من ~~قريش كانوا أمكر من ذلك وأمهر، وكانوا أحزم من ذلك وأعزم! فقد خلصوا نجيا ذات ~~ليلة في دار ندوتهم، وجعلوا يتشاورون ويديرون أمرهم بينهم. وليس من شك في أنهم قد ~~تلاوموا وتلاحوا، وألقى بعضهم على بعض تبعة ما كان من هدم البيت وتجديد البناء، ~~ولكنهم كانوا مجمعين أمرهم على ألا يذعنوا لما يأخذهم به الكهان، ولا يقدموا إلى ~~آلهتهم أبناءهم وبناتهم وأن أمر الآلهة في نفوس هؤلاء الشيوخ الذين عركتهم التجارب ~~لأهون من ذلك وأيسر. ولكن الملأ من قريش ينظرون فإذا بينهم رجل غريب ينكرونه، ثم لا ~~يلبثون أن يعرفوه، شيخ قد تقدمت به السن، واتخذ زي النجديين، لم يكن بينهم حين ~~اجتمعوا ولكنه ظهر فيه فجأة، لا يدرون من أين أقبل وهم قد أقاموا على الباب حراسا ~~يمنعون أن يقتحمه أحد أو يدنو منه أحد. ولكنهم يذكرون أنهم قد رأوا هذا الشيخ ~~النجدي ذات يوم حين أمضى الأمين حكمه فيهم، وحين وضع الأمين الركن الأسود في موضعه ~~من البيت. رأوه يريد أن يشارك في البناء فيرد عن ذلك ردا عنيفا، فيظهر السخط ~~ويعلن النذير، ثم يستخفى فلا يظهرون له على أثر. فلما رأوه من تلك الليلة أقبلوا ~~عليه يسألونه من أين جاء؟ ومن عسى أن يكون؟ فلا يرد على سؤالهم هذا جوابا، وإنما ~~يقول لهم في صوت نحيف بعيد: «لقد أخذت النذر تتحقق يا معشر قريش. ألم أنهكم عن أن ~~تحكموا بينكم رجلا كان أصغركم سنا، وأقلكم مالا، وأشدكم إعراضا عن آلهتكم، ~~وأبعدكم من الاحتفاء بهم والإكرام لهم! فقد أبيتم إلا أن تفعلوا، وغضبت الآلهة مما ~~فعلتم. وما أرى أن أموركم تستقيم إلا إذا نقضتم بناءكم شيئا، فأخرجتم الركن من ~~موضعه، ثم رددتموه إليه بعد أن تضحوا لآلهتكم بمن أمركم الكهان أن ms291 تضحوا بهم. فإن ~~لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الآلهة، لا قبل لكم بها ولا قدرة لكم عليها. والخير يا ~~معشر قريش أن تريحوا أنفسكم من هذا الأمين؛ فإنكم إن أبقيتم عليه لم يبق عليكم، وإن ~~مددتم حياته لم يلبث أن يجذم حياتكم جذما.» # ويسمع الملأ من قريش حديث هذا الشيخ مرتاعين له، حتى إذا انقطع الصوت وهموا أن ~~يحاوروا صاحبه نظروا فلم يجدوه بينهم، وكأنه لم يدخل عليهم ولم يتحدث إليهم. # هنالك تمتلئ قلوب القوم حيرة، ويكادون يصرفون عما كانوا فيه إلى السؤال عن هذا ~~الشيخ: من أين جاء؟ ومن عسى أن يكون ولكن الوليد بن المغيرة يقول في صوت هادئ ~~مطمئن: «ويحكم يا معشر قريش! ما أرى إلا أن الشيطان يريد أن يعبث بكم، ويصرفكم عما ~~ألفتم وعما ألف الناس فيكم من الحزم والعزم، ومن الأناة والوقار. إنه الشيطان يا ~~معشر قريش، ما أشك في ذلك! إنه قد ظهر بينكم ثم استخفى عليكم. وإنه قد أنذركم ~~بالشر، ودعاكم إلى أمر فظيع. أرأيتكم يا معشر قريش إن أخرجتم الركن عن موضعه، ~~تستطيعون أن تردوه دون أن يشجر بينكم الخلاف، وتستيقظ فيكم الفتنة، وينصب بعضكم ~~لبعض الحرب، ويدعو بعضكم بعضا إلى القتال؟ هل أنتم يا معشر قريش إن استمعتم لهذا ~~المشير الخائن، والنصيح الغاش، فبطشتم بالأمين أو حاولتم البطش به، إلا مضيعون ~~للحق، مهدرون للرحمة قاطعون للرحم، تجزون الخير بالشر، والمعروف بالمنكر! فقد حقن ~~الأمين دماءكم، وهذا الشيطان يدعوكم إلى أن تهدروا دمه. وقد أقر الأمين فيكم السلم، ~~وهذا الشيطان يدعوكم إلى أن تثيروا بينكم وبين قومكم الحرب. لا والله ما دلكم هذا ~~الشيطان إلا على الغي، ولا دعاكم إلا إلى الإثم. ردوا عليكم فضل أحلامكم، ولا ~~تكبروا من أمر هذه الأحجار غير كبير. إني والله ما أراها كلها تعدل قطرة من هذه ~~الدماء التي ترادون على أن تسفكوها. أي أسرة من أسر قريش تريدون أن تفجعوها في ~~كبيرها أو صغيرها؟! أيكم تطيب نفسه يا معشر قريش عن هذه التضحية بابنه ms292 أو بنته، ~~وبأبيه أو أمه؟! إنكم لم تنسوا بعد قصة عبد المطلب وابنه عبد الله، لقد كدتم تبطشون ~~به؛ لأنه كان يأبى إلا أن يضحي بابنه للآلهة. فإنكم لا ترادون الآن على أن تضحوا ~~بواحد من قريش، وإنما ترادون على أن تضحوا بستة من خيركم. لا تسمعوا لهذا اللغو! ~~وأمر هذه الأحجار أيسر عليكم وأهون في نفوسكم مما تظنون، ومما يخيل إليكم الشيطان.» ~~قال أمية بن خلف: «مهلا يا وليد! إنك لتقول الحق، وتدعو إلى الرشد. ولكن خفض من ~~صوتك، ولنكتم على الناس هذا الحديث! فإنه إن ذاع لم ينتج لنا إلا شرا، والأمر بعد ~~ذلك في حاجة إلى التدبير. فما ينبغي أن يروح الناس عن آلهتهم وهم قائمون، ثم يغدوا ~~عليهم وهم مجدلون.» # قال الوليد: «ما أرى إلا أن هذا الشيطان يعبث بنا وبهذه الأحجار، يتخذها أسبابا ~~ووسائل لكيد يدبره، وشر يقدره. يقيمها أثناء النهار ، وينيمها إذا جن الليل.» # قال أمية: «فاقترح علينا وسيلة نخلص بها من كيد الشيطان، ونكره بها الآلهة على أن ~~يظلوا ويبيتوا كما عرفهم الناس قائمين، غير نائمين ولا مجدلين.» # قال الوليد: «كلوا إلي أمر هؤلاء الآلهة، فعلي أن أجد لكم منه ~~مخرجا.» # وتفرق الملأ من قريش وهم لا يدرون ماذا يريد الوليد أن يصنع. ولكن الوليد غدا على ~~ذلك البناء القبطي الذي أقام لهم البيت، فاستشاره في ذلك، وأفضى إليه برأيه جليا ~~صريحا في هذه الأحجار. فلما سمع منه «باخوم» أطرق شيئا، ثم قال مبتسما: «هلا ~~صنعتم بآلهتكم ما نصنع نحن بما نريد تثبيته من البناء!» # قال الوليد: «وما ذاك؟» # قال باخوم وهو لا يملك نفسه من الضحك: «شدوا آلهتكم إلى أماكنها بأسباب من ~~الرصاص.» # قال الوليد: «هو ذاك!» # والغريب أن أصنام قريش ثبتت في أماكنها واستقرت في مواضعها بعد هذه الحيلة، وعجزت ~~عن أن تخلص من قيودها الرصاصية تلك، فلم ترها قريش بعد ذلك إلا قائمة مكانها، حتى ~~كان يوم من الأيام رأتها فيه وقد حطمت تحطيما. # قال ابن هشام: وحدثني من أثق ms293 به من أهل الرواية في إسناد له عن ابن شهاب الزهري، ~~عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، قال: دخل رسول الله # صلى الله عليه وسلم # مكة يوم الفتح ~~على راحلته، فطاف عليها وحول البيت أصنام مشدودة بالرصاص، فجعل النبي # صلى الله عليه وسلم # يشير ~~بقضيب في يده إلى الأصنام ويقول: «جاء الحق، وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا.» ~~فما أشار إلى صنم منها في وجهه إلا وقع إلى قفاه، ولا أشار إلى قفاه إلا وقع لوجهه، ~~حتى ما بقي منها صنم إلا وقع. فقال تميم بن أسد الخزاعي في ذلك: # وفي الأصنام معتبر وعلم # لمن يرجو الثواب أو العقابا # الفصل الخامس # | نادي الشياطين # أطبق على الفضاء العريض ليل عريض، تكاثفت ظلماته وركب بعضها بعضا، حتى لتوشك الأيدي ~~أن تلمسها، وحتى لتعجز أضواء النجوم أن تنفذ من بعضها، وحتى لو رآها الناس لأنكروها، ~~ولقال بعضهم لبعض: هذا آخر ليل تعرفه الأرض، أو هذا هو الليل الأبدي الذي لن تخرج الأرض ~~منه ولن يمسها بعده الضوء. ولكن الناس لم يروا مثل هذا الليل العميق الكثيف شيئا، ~~وإنما رأوا ليلهم كما تعودوا أن يروه، يترقرق فيه ضوء القمر، وتتألق فيه أشعة النجوم. ~~ثم كأن عمق هذا الليل وكثافته لم يكفيا ليحجبا السماء عن ذلك الفضاء العريض، فإذا قطع ~~من السحاب تقبل من كل صوب في زمجرة وزئير حتى تلتقي وتنعقد، فتضيف عمقا إلى عمق، ~~وكثافة إلى كثافة، وكأن الأسباب قد قطعت في هذا الردح من الزمان بين الأرض ~~والسماء. # في هذا الفضاء العريض القاتم الذي لا تستطيع لغة الناس أن تصف سعته وظلمته، جلس إبليس ~~لأعوانه ومشيريه من الشياطين. وما هي إلا أن أقبلوا إليه خفافا لطافا، كأنما كان ~~يحملهم نسيم من نار مظلمة. فلما انتهوا إليه وأطافوا به قال لهم في صوت خفي: «لقد علمتم ~~ما ألم بهذه الأرض من خطب، وما نزل بأهلها من حدث، وما كان من تحولهم عما ألفنا منهم ~~منذ قرون، فأشيروا.» # قالوا: «تكبرت أن ms294 نشير عليك، وإنما منك الأمر وعلينا الطاعة.» # قال مستخذيا: «ما غمضت علي الأمور قط كما غمضت علي الآن. وما عميت علي الأنباء ~~قط كما عميت علي الآن. وما عودتكم أن أسألكم عن شيء أو أستشيركم في شيء. ولولا أن ~~الغيب قد حجب عني لأول مرة ما دعوتكم ولا استشرتكم.» # قالوا: «تكبرت! لئن حدب الغيب عنك لهو أحرى أن يحجب عنا. وإنا منذ الليلة لفي ظلمة ~~دامسة لم نعهد مثلها قط، وإنا لنتحدث فما تكاد أصواتنا تبلغنا. ولولا أنك كبير في ~~نفوسنا لأشفقنا ألا تبلغك أصواتنا.» # قال: «لا تراعوا ولا يخرجكم الفزع عن أطواركم! فإن أصواتكم تبلغني كما يبلغكم صوتي. ~~وما هذه الظلمة الدامسة إلا من عملي وكيدي. فقد ألقي في روعي أن من الخطر كل الخطر أن ~~نتشاور أو ندير أمرنا بيننا دون أن نقيم بيننا وبين السماء حجبا كثافا.» # قالوا: «تكبرت أن يرد عليك رأي أو يخالف لك عن أمر! فقل نستمع، وادع نستجب، ومر ننفذ ~~إلى طاعتك أسرع مما تنفذ السهام إلى رميتها.» # قال: «على رسلكم حتى يثوب إلي الرسل الذين بثثتهم في أقطار الأرض، وبعثتهم في أجواز ~~السماء ليعلموا لي علم هذا الخطب. فما أرى إلا أن حادثا عظيما محدق بالأرض وسكانها.» ~~وما أتم إبليس هذه الجملة من حديثه حتى جعل شرر دقيق سريع ينفذ من هذه الظلمات ~~المتكاثفة في قوة، ويتبع بعضه بعضا في عنف وازدحام، يأتي من كل وجه، ويقبل من كل صوب، ~~حتى ريع الشياطين، وخيل إليهم أن السماء تمطرهم نارا. # قال إبليس: «ما أرى إلا أنكم قد فقدتم صوابكم، وفارقتم أحلامكم، وجعلتم ترتاعون لغير ~~روع. ما إشفاقكم من هذا الشرر وإنكم لترون فيه صور أنفسكم! انظروا! هؤلاء الرسل يقبلون ~~من أقطار الأرض، ويهبطون من أجواز السماء، يحملون إلينا أخبار الأرض وأنباء ~~السماء.» # وما هي إلا لحظة حتى عادت الظلمات إلى كثافها، وانعقدت كهيئتها قبل أن يقبل هذا ~~الوابل من الشرر، كأنما كانت قطعا من أدم أسود صفيق شقت لهذا الشرر حتى نفذ منها، ms295 ثم ~~انعقدت عليه تحوطه وتحميه. وما هي إلا أن يتمثل هذا الشرر أشخاصا خفافا لطافا لها ~~أصوات خفاف لطاف كصوت إبليس ومن كان حوله من الشياطين. وإذا أحدها يتقدم واجفا خائفا، ~~حتى إذا كان من إبليس غير بعيد انحنى يظهر الطاعة والإكبار، وقال في صوت هامس كأنه هفيف ~~النسيم: «تكبرت! قد أفزعنا وروعنا ورمينا بالشهب، ورددنا عن مقاعدنا من السماء، فما لنا ~~إلى استراق السمع من سبيل.» # قال إبليس: «تعست! لم تنبئنا بشيء لا نعرفه. فأين الرسل الذين أرسلتهم يستقصون ~~الأنباء؟» # قال الشخص الماثل: «تكبرت، إنما أتكلم عنهم، أنطق بلسانهم. لقد انتشرنا في أجواز الجو ~~من كل وجه، وارتفعنا نحتال في ذلك ما وسعتنا الحيلة، وخلى بيننا وبين الارتفاع حتى ~~غرتنا الأماني، وخيل إلينا أنه قد رد الشر عنا. وما نكاد نبلغ مقاعدنا حتى تصب السماء ~~علينا وابلا من شهب مهلكة. وما أدري كيف خلصنا إليك ؛ فقد احترق أكثرنا قبل أن يبلغ ~~الأرض. وما أرى إلا أن السماء قد أبقت علينا لننفذ إليك فنبلغك ما ألم بنا من خطب، وما ~~نصب لنا من حرب، وما هيئ لنا من نكاية وكيد.» # قال إبليس: «فأين الذين أرسلتهم إلى أقطار الأرض يحملون إلي أخبارها؟» # قال قائل خفيف لطيف في صوت هامس كأنه هفيف النسيم: «تكبرت! ها نحن هؤلاء نقبل عليك لا ~~نحمل من الأنباء إلا ما يملأ قلوبنا هلعا وجزعا. لقد طرد إخواننا من أجواف الأصنام، ~~وحيل بينهم وبين شهود الضحايا والقربان في هذا الوجه الذي تعرفه من وجوه الأرض. ما يكاد ~~أحد منهم يستقر في جوف صنم من هذه الأصنام إلا أخذه العذاب من كل وجه، وضاق به هذا ~~المكان الذي كان يتسع له، وأخذت عليه الطرق والمنافذ، كأنما يدفع به إلى الموت دفعا. ~~فمنا من كان ينفذ من أفواه الأصنام. ومنا من كان ينفذ من آذانها، ومنا من كان ينفذ من ~~أنوفها، نجد في ذلك أشد الجهد وأشق العناء.» # قال إبليس مغيظا محنقا: «ويلكم! إنما أدرككم الجبن، وأعياكم الجهد، وعجزتم عن ms296 ~~الاحتمال. إنما تفرون من عذاب إلى عذاب، لن تلقوا عندي خيرا مما لقيتم هناك!» # قال الشخص الماثل: «تكبرت! ما جبنا ولا فشلنا، ولكنا آثرنا أن نأتيك بالأنباء، ونحن ~~صائرون إلى ما تحب، وعائدون إن شئت إلى تلك الأصنام لنقيم في غير مقام، ونستقر في غير ~~مستقر؛ فذلك أهون علينا وآثر عندنا من غضبك.» # قال إبليس: «فأين النساء؟» # قال الشخص الماثل: «تكبرت! كن أشجع منا نفوسا، وأقدر منا على الاحتمال، فآثرن البقاء ~~فيما يكتنفهن من ضيق، حتى يبلغهن أمرك، أو يأتيهن الموت.» # قال إبليس: «ولم يخزكم ما رأيتم من صبرهن واحتمالهن؟!» ثم سكت قليلا، ثم قال: «بم ~~يدعوك هذا الحي من قريش؟» # قال الشخص الماثل: «يدعونني هبل.» # قال إبليس: «ويزعمون أنك أكبر آلهتهم، فعد إلى مكانك مدحورا مخذولا، لأؤمرن عليكم ~~النساء منذ الليلة، ولأعقدن لواءكم للعزى.» # ثم عاد إبليس إلى صمته، وإن الظلمة لتضطرب من حوله اضطرابا شديدا، كأنما جرى الخوف ~~في طبقاتها، فبعث فيها رعدة غريبة تقشعر لها الأرض اقشعرارا. ثم قال إبليس بعد هنيهة: ~~«فأين الذين كلفتهم أن يحملوا إلي من تراب الأرض؟» # قالت أصوات مختلطة: «ها نحن هؤلاء.» # ثم جعل كل واحد منهم يدنو فيرفع إلى وجه إبليس قبضة من تراب فيشمها، ثم يشير إلى ~~صاحبها أن ألقها فيفعل. حتى إذا دنا منه أحد هؤلاء الرسل وقرب إلى أنفه قبضة التراب ~~التي كانت في يده، لم يكد يشم ريحها حتى أخذه ذعر شديد، فنهض قائما وهو يقول في صوت ~~المرتجف المغيظ: «هو ذاك! هو هذا الوجه من بلاد العرب، قد ألم به الحدث العظيم. هو هذا ~~الحي من قريش، قد فسد الأمر فيه علينا أشد الفساد.» # قالت الأصوات واجفة خائفة: «تكبرت! فماذا تأمرنا أن نفعل؟» # قال: «سنرى.» ولكنه لم يكد ينطق بهذه الكلمة حتى صعق، وصعقت الشياطين من حوله، ~~وانجابت الظلمة في أيسر من لحظة، وأشرقت الأرض بنور عظيم وصل بينها وبين السماء، ولصق ~~الشياطين بأديم الأرض كأنهم ذرات من تراب، وامتلأت أقطار الجو بصوت مهيب، ولكنه عذب ms297 ~~يقول: «ألا إن الكتاب قد بلغ أجله. ألا إن أحمد قد نبئ منذ الليلة.» # ثم ينقبض الضوء مرتفعا إلى السماء، ويتجرد الليل القاتم من ثوبه المشرق، ويعود ~~الفضاء العريض كهيئته حين كانت تطبق عليه الظلمة الكثيفة. وتمضي لحظات قد هدأ فيها كل ~~شيء، وإذا صوت خفيف لطيف كهفيف النسيم يضطرب في الجو قائلا: «ويلكم! هبوا! فقد آن للجن ~~أن ينصرف عنكم، وآن لقلوبكم أن تبرأ من الفرق.» # وهذه الأصوات تنبعث من أديم الأريض كأن كل ذرة من ذرات التراب قد استحالت إلى شخص ~~يسمع ويبصر ويتحرك ويريد. وهذا إبليس قد اتخذ مكانه من أعوانه ورسله، وهو يلقي إليهم ~~الأمر، ويبعث فيهم النشاط، ويوكلهم بأقطار الأرض، ويأخذهم بأن يكونوا أشد حذرا، وأكثر ~~احتياطا، وأعظم إغواء للناس. ثم يتجه إلى جماعة منهم قائلا: «أما أنتم فاكفوني شر ~~هؤلاء الأحبار من يهود، وهؤلاء الرهبان من النصارى؛ فقد أخذوا منذ حين يفقهون التوراة ~~والإنجيل، ويتحدثون إلى عامة الناس بما لم يكونوا يتحدثون به من قبل. فكفوهم عن ذلك ما ~~وجدتم إلى كفهم سبيلا، واحملوهم على أن ينكروا ما عرفوا، ويجحدوا ما قالوا، واملئوا ~~قلوبهم زيغا، وعقولهم ضلالا.» # ثم يلتفت إلى جماعة أخرى قائلا: «وأما أنتم فارجعوا إلى حيث كنتم من هذا الوجه من ~~العرب، وليأخذ كل منكم مكانه في جوف صنمه لا يفارقه حتى يأتيه أمري.» # ثم يلتفت إلى سرب آخر قائلا: «وأما أنتم فبيتوا قريشا من ليلتكم، وليلزم كل واحد ~~منكم رجلا منهم نائما ويقظان، ساكنا ومضطربا في الأرض. وإياي وأن يفلت منكم أحد من ~~قريش! واعلموا أن من أفلت منه صاحبه فلن يجد عندي إلا عذابا تعرفونه، وما تحتاجون إلى ~~أن أذكركم به أو أدلكم عليه.» # وقد أخذت الظلمة ترق، وقد أخذ السحاب يتفرق وينجاب، وقد أخذت أشعة النجوم تبلغ الأرض، ~~وقد أخذ ضوء القمر يترقرق في الجو، وقد خفت الصوت، وسكنت الحركة، واستقر كل شيء. ثم ~~أصبحت قريش فغدت على أعمالها كأنها لم تنفق ليلة نادرة في ليالي الدهر، إلا خديجة ms298 بنت ~~خويلد! فقد أقبل عليها زوجها مرتاعا سعيدا، ينبئها بالنبأ العظيم. # قال ابن سعد: «أخبرنا علي بن محمد، عن سعيد بن خالد وغيره، عن صالح بن كيسان: أن ~~خالد بن سعيد قال: رأيت في المنام قبل مبعث النبي # صلى الله عليه وسلم # ظلمة غشيت مكة، حتى ما أرى ~~جبلا ولا سهلا، ثم رأيت نورا خرج من زمزم مثل ضوء المصباح، كلما ارتفع عظم وسطع، ~~حتى ارتفع فأضاء لي أول ما أضاء البيت، ثم عظم الضوء حتى ما بقي من سهل ولا جبل إلا ~~وأنا أراه، ثم سطع في السماء، ثم انحدر حتى أضاء لي نخل يثرب فيها البسر، وسمعت قائلا ~~يقول في الضوء: سبحانه! سبحانه! تمت الكلمة، وهلك ابن مارد بهضبة الحصى بين أذرح ~~والأكمة. سعدت هذه الأمة. جاء نبي الأميين، وبلغ الكتاب أجله. كذبته هذه القرية، تعذب ~~مرتين، تتوب في الثالثة، ثلاث بقيت، ثنتان بالمشرق ، وواحدة بالمغرب. فقصها خالد بن سعيد ~~على أخيه عمرو بن سعيد، فقال: لقد رأيت عجبا. وإني لأرى هذا أمرا يكون في بني عبد ~~المطلب إذ رأيت النور خرج من زمزم.» # لاكلوزا # 16 رجب 1355/سبتمبر 1937 # | الكتاب الثالث # الفصل الأول # | صريع الحسد # 1 # كان الشيخ مهيبا رهيبا، وكان فخما ضخما، قد ارتفعت قامته في السماء وامتد ~~جسمه في الفضاء. وكان وجهه جهما عريضا، تضطرب فيه عينان صغيرتان غائرتان بعض ~~الشيء. ولكنهما على ذلك في حركة متصلة لا تكادان تستقران، وهما متوقدتان دائما ~~ينبعث منهما شيء كأنه الضوء المشرق على هذا الوجه الجهم الغليظ، فإذا لحظتا شيئا ~~أو أطالتا النظر إليه فكأنما تقذفانه بالشرر أو تسلطان عليه شواظا دقيقا قويا ~~من النار. وكان الشيخ فوق هذا كله ذكيا حاد الذكاء نافذ البصيرة، يتعمق ما يعرض ~~له من الأمر دون أن يحس الناس منه تعمقا لشيء. يسأله الناس فيجيبهم لساعته جواب من ~~فكر وقدر وأطال التفكير والتقدير، فيعجبون منه ويعجبون به. وكان بعد هذا كله بطيء ~~المشي ثقيل الحركة وقورا في كل ما يصدر عنه، وكان صوته ms299 يلائم هذا كله من أمره، ~~فكان صوتا ضخما عميقا، يسمع السامع فيخيل إليه أنه يخرج من غار بعيد القاع. وكان ~~الناس يهابونه ويرهبونه كما كانوا يجلونه ويكبرونه. فإذا سألتهم عن مصدر ذلك لم ~~يعرفوا كيف يجيبون، إنما كان هذا الرجل يبهرهم ويسحرهم ويملأ نفوسهم إكبارا ~~وإعظاما، فإذا ذكر الوليد بن المغيرة فقد ذكر سيد من أروع سادات قريش، ورجل عظيم ~~من رجالات البطحاء. # وكان ابن أخيه عمرو بن هشام في ذلك اليوم فتى قويا نحيفا شديد النشاط كثير ~~الحركة لبقا في كل ما يصدر عن جسمه، رائعا في كل ما يصدر عن عينيه القويتين ~~البراقتين. وكان على وجه الفتى دائما، وفي ذلك اليوم خاصة، غشاء غريب فيه عبوس ~~يصور الجد المر، وفيه ابتسام يصور الدعابة الحلوة. فكان الذين ينظرون إليه يطمعون ~~فيه ويشفقون منه. وكان الذين يسمعون له يحارون فيما يسمعون أجد هو أم هزل. وقد ~~أقبل في ذلك اليوم على عمه يمشي مشية فيها كثير من الخال والكبرياء وكثير من ~~الاعتداد بالنفس والازدراء لغيره من الناس، وفيها مع ذلك شيء من السخط ~~والحزن. # كل شيء في هذا الفتى كان يصور رجلا شديد الطموح بعيد الأمل واسع الرجاء. ولكن ~~الأسباب قد تقطعت به، فهو غير راض عن نفسه ولا عمن حوله من الناس ولا عما حوله من ~~الأشياء. يريد أن يذعن لظروف الحياة التي لا يستطيع لها تغييرا ولا تبديلا، ولكن ~~نفسه لا تطيق الإذعان ولا تطمئن إليه، فهي في جهاد متصل، وصراع مستمر. وكان الذين ~~ينظرون إليه في ذلك اليوم يتساءلون عن مصدر هذه الخيلاء التي كانوا يرونها في ~~مشيته، وفي تلك الابتسامة الحائرة على وجهه التي كانت تظهر لتستخفي، وتستخفي لتظهر، ~~كأنها وميض البرق في الليلة المظلمة. وكان بعضهم يظن أن مصدر هذه الكبرياء هؤلاء ~~الرقيق الذين كانوا يسعون بين يديه يحملون أثقالا من الذهب والفضة لا تجتمع إلا ~~لأصحاب الثراء الضخم من سادة قريش. وكان بعضهم يرد هذه الكبرياء إلى أن عمرو بن ~~هشام كان يسعى إلى ms300 عمه الوليد بن المغيرة، فكان يستحضر في نفسه مجد مخزوم كلها ~~تليده وطريفه، وثروة مخزوم كلها ما استقر منها في مكة، وما انتشر منها هنا وهناك في ~~أطراف البلاد العربية، وما تجاوز منها البلاد العربية إلى تلك البلاد البعيدة التي ~~كانت تنتشر فيها تجارة قريش. # وكان الشباب من أتراب عمرو بن هشام يرمقونه بأبصارهم ثم يردونها عنه مسرعين، منهم ~~من يرضى عنه، ومنهم من يسخط عليه، وكلهم يبتسم له ابتسامة فيها كثير من الحسد وفيها ~~شيء من الاستخفاف. فقد كان أتراب عمرو بن هاشم ينكرون غروره وافتنانه بنفسه، ~~ويبادونه بهذا الإنكار جادين حينا وهازلين أحيانا. وكان منظرا لا يخلو من روعة ~~مضحكة، مقام هذا الفتى الرشيق الأنيق الساخر العابث بين يدي عمه الوقور المهيب وقد ~~وضع الغلمان أثقالهم، وقال الفتى في صوت لا يخلو من فكاهة ولكنه لا يخلو من بعض ~~الملالة والسأم أيضا: «ها أنا ذا يا عم قد أقبلت أحمل إليك تحيتي وأحمل إليك مالي؛ ~~فقد يظهر أن من الحق علي أن أساهم فيما سترحل به القافلة من قريش إلى الشام، فهذه ~~أسهمي من الذهب والورق أطرحها بين يديك، وما أشك في أنك ستردها علي أضعافا ~~مضاعفة.» ثم تضاحك الفتى وهم أن ينصرف ولكن عمه أشار إليه أن أقم، ثم قال له في ~~هدوء وأناة: «ما أرى أنك أقبلت لتحمل إلي هذا المال وتلقي إلي هذا السخف من ~~القول، فقد كان هؤلاء الغلمان يستطيعون أن يحملوا إلي تحيتك ومالك، وما أظن إلا ~~أنك أقبلت وأنت تريد أن تنفق معي شيئا من وقتك وأن تفضي إلي ببعض الحديث، ولكنك ~~تأبى إلا أن تعبث دائما. تقبل وأنت تريد أن تدبر، وتدبر وأنت تريد أن تقبل، لا ~~تفرق في عبثك بين من تلقى من الناس، سواء عندك لقاء الأتراب ولقاء الشيوخ الذين ~~ينبغي أن تلقاهم بوجه غير هذا الوجه وحديث غير هذا الحديث.» # قال الفتى في صوته الساخر الحزين: «ما تزال تنكر علي شيئا كلما لقيتني، وما ~~أزال عاجزا عن أن ms301 أبلغ رضاك. فإني لا ألقاك بهذه الدعابة في أندية قريش ومجالسها، ~~وإنما ألقاك حرا في هذه الدار لا يظهر علينا فيها أحد من قريش. ولست أدري إلى أين ~~تنتهي بنا هذه الأوضاع التي تفرضها قريش على عقولنا وقلوبنا وأجسامنا! فنحن لا ~~نستطيع أن نفكر ولا أن نشعر ولا أن نتحرك إلا على النحو الذي رسمته قريش للتفكير ~~والشعور والحركة. ما أشد حاجتنا إلى شيء من السماحة ننعم فيها بالحرية فيما نفكر ~~وفيما نشعر وفيما نأتي وما ندع من الأمور.» # قال الشيخ: «فأنت إذا ساخط دائما، منكر للمألوف من عادات قومك وأوضاعهم دائما. ~~وقد كنت أنتظر مقدمك، ولو لم تقبل الآن لبعثت في طلبك؛ فإن بيني وبينك حديثا أرجو ~~ألا يطول، وأرجو مع ذلك أن يبلغني منك ما أريد.» # قال الفتى وهو يبتسم عن رضا صريح وفكاهة لا غموض فيها: «وإذا فلا بد من أن ~~أقيم، فلا أقل من أن تأذن في أن أسقي ما يبل الظمأ وينقع الغلة، فقد جف حلقي ويبس ~~لساني.» # قال الشيخ: «وآية ذلك أني لا أجد إلى وقفك عن الكلام سبيلا، اجلس حيث شئت، يا ~~غلام اسقه ما شاء من شراب.» # وأعرض الشيخ عن ابن أخيه ساعة شغل فيها بكثير من شباب قريش وشيوخهم، وقد أقبلوا ~~يحملون إليه الأموال التي يساهمون بها فيما كانت قريش تهيئ من تجارتها إلى الشام، ~~يحمل بعضهم إليه العين من الذهب والفضة، ويحمل إليه بعضهم العروض المختلفة، وهو ~~يسمع لهم ويرد عليهم، وبين يديه كتاب يتلقون هذه الأموال ويسجلون ما يتلقون منها. ~~فلما انقضت على ذلك ساعة وقل المقبلون بأموالهم، أشار إلى كتابه وغلمانه أن انصرفوا ~~لتستأنفوا أمركم من الغد. # وانتهز عمرو بن هشام اشتغال عمه بمن كان يقبل عليه وينصرف عنه فلها بمداعبة من ~~كان يقوم على خدمته وخدمة غيره من غلمان الدار، يعبث بهذا ويمازح ذاك، ويسأل هذا ~~ويرد على ذاك، يقلدهم في لهجاتهم الغريبة المحطمة؛ يتحدث إلى هذا بلهجة الحبشي ~~المستعرب، وإلى ذاك بلهجة الرومي، ويسأل هذا أو ms302 ذاك عن شئونه الخاصة، وربما سأل هذا ~~أو ذاك عن بعض شئون عمه، ولكنه كان يهمس بمثل هذا السؤال وربما أومأ به. وكان ~~الغلمان يجيبونه كما كان يتحدث إليهم مصرحين مرة، وملمحين مرة ومشيرين بالطرف واليد ~~مرة أخرى، ومبتسمين له دائما. فقد كان عمرو بن هشام محببا في دار عمه، ومحببا ~~إلى غلمان هذه الدار خاصة. وربما آثره هؤلاء الغلمان على ابن سيدهم الشاب خالد بن ~~الوليد. كانوا يرون من خالد أنفة واستكبارا وازورارا عنهم. وكانوا يرون من عمرو ~~تلطفا لهم وعناية بهم. وكان عمرو غريب الأطوار حقا، فقد كان شديد الكبرياء عظيم ~~الخيلاء إذا لقي نظراءه من أبناء قريش، فإذا لقي الغرباء من الرقيق والخلعاء تلطف ~~لهم ورفق بهم وخاض معهم في ألوان مختلفة من الحديث كأنه واحد منهم. # على أنه حين أحس أن عمه قد فرغ من الداخلين والخارجين وكاد يخلص له تكلف الجد ~~وأشار إلى من كان حوله من الغلمان أن خذوا حذركم فقد جاءت الساعة الرهيبة. ونظر ~~إليه عمه فلم يستطع أن يرد ابتسامة أشرقت في وجهه حين رأى هذا الجد المتكلف وهذا ~~الإذعان لما ليس بد من الإذعان له. ورأى الفتى ابتسامة عمه فأغرق في ضحك متصل ثم ~~قال: «لبيك عمي فإني منصت لما تقول.» # قال الشيخ في هدوء: «قد بلغتني عنك أحاديث لا أحبها ولا أحب أن تتحدث بها قريش عن ~~عمرو بن هشام بن المغيرة.» # قال الفتى وهو يتكلف الجد: «ويلي من قريش وويل قريش مني! بماذا أنبأتك ألسنتها ~~المنطلقة التي لا تستقر؟» قال الشيخ: «أنبأتني بشيء عظيم كرهته، وأرجو أن تكف عنه.» ~~قال الفتى: «فتريد أن أعيد عليك ما أنبأتك به ألسنة قريش؟ فإنها قد زعمت لك أني ~~أختلف مع شباب قريش إلى بيت نسطاس فنشرب ونعبث ونلهو، حتى إذا بلغنا حاجتنا من ذلك ~~وهم أترابي أن ينصرفوا لم أخرج معهم وإنما تخلفت فأقمت عند نسطاس وأطلت عنده ~~المقام، أسمع منه ومن جواريه، وأتحدث إليه وإلى جواريه. وقد أطيل المقام حتى يتقدم ms303 ~~الليل، فإذا هممت أن أنصرف أشفق علي نسطاس من غائلة الطريق، وأشفق علي من كثرة ~~ما شربت عنده من الخمر، فدعاني إلى أن أنتظر الصبح عنده وما أكثر ما أستجيب لهذا ~~الدعاء؛ لأني أحب بيت نسطاس، وآنس إليه وإلى من حوله من الجواري والغلمان. وقريش ~~تنكر هذا وترتاب به، وتكره لفتى شريف من فتيانها أن يبيت في غير مبيت وأن ينفق ~~الليل بعيدا عن أهله. وقريش تبيح لفتيانها أن يلموا بدار نسطاس وأن يشربوا فيها ~~الخمر ويعبثوا فيها ما طاب لهم العبث ولكن على أن يعودوا إلى أهلهم قبل أن يتقدم ~~الليل. فلقريش وقارها، وما ينبغي لفتيانها أن يغرقوا بالعكوف على اللذات، أو يوصفوا ~~بإدمان اللهو والإسراف فيه.» # قال الشيخ: «وأنت تنكر من أمر قريش هذا كله، وتأبى إلا أن تبادي قومك بما يكرهون، ~~فتخف حين يصطنعون الوقار، وتصطنع الوقار حين يخفون، وتحرص على أن تكون أحدوثة الناس ~~إذا أصبحوا وأحدوثة الناس إذا أمسوا، لا بما تقدم عليه من عظيم الأمر ولا بما تحاول ~~من الشئون الجسام، ولكن بالدعابة إذا جد الناس، وبالجد إذا لهوا، وبالاختلاف إلى ~~حانة نسطاس إذا أقبل الليل مع اترابك، والتخلف عنهم إذا انصرفوا، كأن بينك وبين هذا ~~الرومي سرا ما ينبغي أن يظهر عليه أحد إلا هؤلاء الروميات اللاتي يخلب بهن نسطاس ~~عقول الفتيان.» # قال الفتى: «أما أني أنكر على قريش دخولها فيما لا يعنيها من أمري فهذا حق. وأما ~~أني أتخلف عن أترابي عند نسطاس إذا انصرفوا حين يتقدم الليل فهذا حق أيضا. وأما أن ~~بيني وبين نسطاس وجواريه سرا لا ينبغي أن يظهر عليه أحد فهذا هو التكلف كل ~~التكلف. فخمر نسطاس معتقة، وجواريه حسان يفتن بما لهن من دل كما يفتن بغنائهن ~~العذب. وحديث نسطاس حلو ممتع، يرضي حاجتي إلى العلم، وشوقي إلى المعرفة، ورغبتي في ~~الجد. فأنا أحد في هذه الدار ما لا أجد في أندية قريش. وأنا من أجل ذلك ملح في ~~زيارتها، مطيل للإقامة فيها، مفتون بما أجد عند ms304 أهلها من لذة الجسم والنفس جميعا. ~~وما أعرف أني أعطيت قريشا عهدا عن نفسي أن أعيش كما تحب هي لا كما أحب أنا. وما ~~أعرف أني أتتبع شيوخ قريش وفتيانها بمثل ما يتتبعونني به؛ فإن أمرهم لا يعنيني، فما ~~بال أمري يعنيهم، وما بالهم لا يدعونني وما أشاء كما أدعهم أنا وما ~~يشاءون؟!» # قال الشيخ: «إنك يابن أخي لذرب اللسان حديد القلب نافذ البصيرة، وإني لأحب منك ~~هذا كله، ولكني ...» # قال الفتى: «ولكنك تريد أن أنفق هذا كله فيما ينبغي لفتى من فتيان قريش أن ينفق ~~جهده فيه، من الجد في التجارة حين يدعو الأمر إلى الجد، ومن العبث بهؤلاء البائسين ~~من العرب حين يكون موسم الحج نضللهم ونغررهم ونزعم لهم أننا سادة الناس وأن إلينا ~~وحدنا أمور دينهم، وأي دين! ثم من الفراغ للأحاديث التي لا تفنى إذا ربحنا من ~~تجارتنا وأخذنا من موسم الحج ما نريد، وصدر الناس عنا وقد أخذنا منهم أموالهم ~~وعقولهم جميعا، هنالك نفرغ لأنديتنا فيتحدث بعضنا إلى بعض بأحاديث أقلها الحق ~~وأكثرها الباطل، ويبدي بعضها لبعض أقل ما يمكن أن يبدي من نفسه، ويستر بعضنا عن بعض ~~أكثر ما يمكن أن يستر منها. نكبر آلهتنا ونعظم من أمرها وإنا لنزدريها في نفوسنا ~~أشد الازدراء، ونمقتها في قلوبنا أعظم المقت.» # قال الشيخ وقد أسرع بيده إلى فمه والتفت يمنة ويسرة التفاتة لا تلائم ما تعود من ~~وقار: «صه! صه! يابن أخي.» قال الفتى وقد أغرق في الضحك: «لا بأس عليك يا عم فقد ~~انصرف كل إنسان وأغلقت من دوننا الأبواب، وعلم غلمانك أننا نريد الخلوة.» # قال الشيخ وقد عاد إلى أناته ووقاره: «فإن من الحق عليك يابن أخي أن ترعى ما يرعى ~~قومك من سنة وألا تغري السفهاء منهم بنفسك وبقومك. وقد حدثت أنك لا تكتفي بدار ~~نسطاس ولكنك تألف دارا أخرى ما أحب لك أن تألفها؛ لأن قريشا لا تنظر إلى آلافها ~~إلا شزرا. ومن كان مثلك ومثلي ومثل سادة قريش من أصحاب التجارة ms305 كان خليقا أن يقدر ~~رأي الناس فيه وأن يحسب الحساب كله لما يمكن أن يذاع عنه من الأحاديث. فأمر التجارة ~~والمال يقوم على الثقة وحسن الأحدوثة أكثر مما يقوم على المهارة وسعة الحيلة، وإنك ~~لترى أمية وما يصنعون!» # قال الفتى: «بل قل وما يتكلفون.» قال الشيخ: «هو ذاك.» قال الفتى: «وهذه الدار ~~الأخرى التي آلفها وأكثر من التردد عليها هي دار ورقة بن نوفل، أليس كذلك؟» قال ~~الشيخ: «بل يابن أخي، هي دار ورقة بن نوفل الذي انحرف عن قومه وارتحل عنهم مخالقا ~~لهم، ثم عاد إليهم ملحا في الخلاف، يدين بما تدين به الروم، ويؤمن بما يؤمن به ~~النبط، وينكر من أمر آلهتنا ما نعرف، ويعرف من أمر السماء ما ننكر. وقد علمت يابن ~~أخي ما كان من ثورة قريش به ويزيد بن عمرو وأمثالهما.» # قال الفتى: «فإن كنت أحب دار ورقة كما أحب دار نسطاس، وإن كنت أجد عند ورقة من ~~متاع الروح مثل ما أجد عند نسطاس من متاع النفس والجسم!» قال الشيخ: «فإن قريشا لا ~~تحب منك ذلك، وإني أنا لا أحب أن تنكر قريش من أمرك شيئا، وما أحب أن يتحدث الناس ~~في البطحاء والظواهر بأن قد عرض لفتى من فتيان مخزوم مثل ما عرض منذ حين لفتى من ~~فتيان عدي من الانحراف عن الجادة والتمرد عن المألوف من عادات قومه.» # قال الفتى: «فإن مخزوما قد أصهرت إلى عدي # 1 # وما ينبغي لكم أن تصهروا إلى قوم وترسلوا إليهم كرائمكم ثم ترتفعوا عن ~~مشاركتهم فيما يصيبهم من الأمر.» قال الشيخ: «لقد علمت ما أحببت هذا الصهر ولا رضيت ~~عنه ولا أشرت به ولا انتظرت منه لقريش خيرا؛ فالألفة بين عدي ومخزوم شيء لا يرجى، ~~والخير أن يظل هذان الحيان من قريش على خلافهما القديم لا ليشقى به النساء جين يعيا ~~بالطب له الرجال. ولئن أخطأ أبوك بقبول هذا الصهر فما ينبغي أن تمضي على أثره أو ~~تضيف إلى خطئه خطأ جديدا. وإنك لتعلم أن قريشا ms306 لا تكره من أحد شيئا كما تكره ~~الانحراف عما ألفت من عادة ودين، ولا تخاصم أحدا في شيء كما تخاصمه في مالها ~~ودينها. ودين قريش جزء من مالها لأنه، كما علمت، وسيلتها إلى السيادة ~~والسلطان.» # قال الفتى: «فإني لا أكره من قريش شيئا كما أكره منها هذا الرياء: تكبر الآلهة ~~وتعظم أمرها إذا شهد العامة أو حضر أهل الموسم، فإذا خلا الملأ من قريش إلى أنفسهم ~~فأي استخفاف بالآلهة وأي ازدراء لمن يدينون لها بالإكبار والإجلال! إنكم لتطلبون ~~إلينا شيئا عظيما حين تريدوننا على أن نمهر كما تمهرون ونمكر كما تمكرون، ونعلن ~~غير ما نسر ونسر غير ما نعلن، لا لشيء إلا لنثري ونسود. وإنا لنجد في رضا أنفسنا ~~وراحتها واطمئنان ضمائرنا إلى ما نعلن وما نسر نعمة هي آثر عندنا من السيادة ~~والثراء. فامضوا فيما تريدون لأنفسكم، وخلوا بيننا وبين ما نريد لأنفسنا.» # قال الشيخ: «ما أرى إلا أن دار نسطاس قد فتنتك، وأن دار ورقة قد أفسدت عليك أمرك ~~كله يابن أخي، فإنك تتحدث حديثا لا يتحدثه أحد من شيوخ قومك وشبابهم. وإني لأرى ~~لداتك من الفتيان وأسمع منهم وأتحدث إليهم فلا أجد عند أحد منهم مثل ما أجد عندك، ~~وما أعرف أن الناس ينكرون على أحد من أترابك مثل ما ينكرون عليك.» # قال الفتى: «وما تريد أن أصنع؟ هم مفتونون بك وبنظرائك من الملأ، وأنا مفتون ~~بورقة ونسطاس ونظرائهما من الغرباء والمستضعفين.» # قال الشيخ: «أمسك عليك نفسك يابن أخي ولا تظهر قومك من أمرك على مثل ما تظهرني ~~عليه؛ فإن شر هذا الخلاف لا يصيبك وحدك وإنما يصيب مخزوما كلها، ما أظنك قد بلغت ~~من حب نفسك أن تعرض قومك لما لا قبل لهم به.» # قال الفتى: «فإني لا أحب أن أعرض قومي لشيء ولا أن يعرضني قومي لشيء، وإنما أريد ~~أن أترك الناس وما يحبون. ولست أكره إن شق عليكم أمري أن تخلعوني، فما أكثر الخلعاء ~~الذين يعيشون في مكة من قبائل العرب! وما أكثر ما ms307 أغبطهم على ما ينعمون به من حرية ~~القلب واليد واللسان!» # قال الشيخ وهو يبتسم ابتسامة غامضة فيها الإعجاب بشجاعة ابن أخيه والإشفاق من ~~جرائره: «دون هذا وتستقيم الأمور بابن أخي. ولكن ما الذي يعجبك من نسطاس ومن ورقة ~~وقد رأيتهما وتحدثت إليهما فلم أر عندها خيرا ولا شرا؟» # قال الفتى: «فإني أجد عندهما الراحة من اللذة والألم جميعا.» # قال الشيخ: «إني لا أفهم عنك ما تقول منذ اليوم. الراحة من اللذة! ما هي؟ وكيف ~~تكون؟» # قال الفتى: «رح معي إلى نسطاس أو اغد معي إلى ورقة، ثم أطل عندهما المقام كما ~~أطيله، وتصرف معهما في فنون القول كما أتصرف، فستجد عندهما مثل ما أجد، وسترضى من ~~أمرهما عن مثل ما أرضى عنه، وستغدو على أحدهما وتروح على الآخر، وستؤثر داريهما على ~~أندية قريش.» # قال الشيخ وقد تضاحك: «وكذلك أريد أن أنهاك عما يكره قومك فإذا أنت تغريني به ~~وتحثني عليه «لقد شب عمرو على الطوق»، انصرف راشدا يابن أخي وأحسن سياسة قومك، وكف ~~عن نفسك وعنا غائلتهم.» # قال الفتى وقد نهض: «فإني منصرف الآن راشدا كما تقول إلى نسطاس فشارب عنده ~~ومستمتع بحديثه وغناء جواريه، ثم إني غاد إذا كان الضحى على ورقة بن نوفل فمستمع له ~~ومتحدث إليه، ثم ملم بعد ذلك بأندية قريش فمتحدث بما كان من أمري، فأيهم عرض لي بما ~~لا أحب فلن يرى مني إلا ما يكره.» # قال الشيخ: «إني لأعرف فيك أنفة مخزوم وكبرياءها، ولو عرفت أنك تسمع لي ...» # قال الفتى مقاطعا في رفق: «لنصحت لي بأن أرحل مع القافلة بعد أيام فأبيع وأشتري ~~وأربح كثيرا من المال، وأرى كثيرا من البلاد وألوانا مختلفة من أجيال الناس، ~~وأصبح فتى شريفا من فتيان قريش أصنع ما يصنعون وأضطرب فيما يضطربون فيه، وأنافس ~~صخر بن حرب فيما يكسب لنفسه من السؤدد والثراء.» قال الشيخ: «هو ذاك.» # قال الفتى: «فإني لا أحب من هذا كله شيئا، وإنما أوثر أن أنفق هذا المال الكثير ~~الذي لا أحصيه ناعم ms308 النفس قرير العين رضي البال مترددا بين نسطاس وورقة، وأن ~~أستأجر صخر بن حرب وأمثاله ليعملوا لي في مالي وليعينوني على ما أنا فيه من نعيم.» ~~ثم استرد الفتى كبرياءه وخيلاءه وانصرف عن عمه كما أقبل عليه راضيا عن نفسه ~~وساخطا عليها، مدلا بمكانته ومزدريا لها. # 2 # وأقبل من الغد على ورقة بن نوفل، فلم يلقه الشيخ هشا بشا كما تعود أن يلقاه، ~~وإنما ابتسم له ابتسامة فيها شيء من كآبة. على أن الشيخ لم يكن فارغ البال ولا ~~مطمئن النفس، وإنما كان معنيا بأمر عظيم يضمره ولا يظهره. # فلما رأى الفتى منه هذا الفتور أقبل عليه مداعبا كأنما يستخفه إلى شيء من ~~النشاط، فجعل يتحدث إليه عن ليلته التي أنفقها لاهيا بخمر نسطاس وغناء ~~جواريه. # ولكن الشيخ لم يخف ولم ينشط، وإنما جعل يسمع من الفتى أحاديثه الطويلة التي لا ~~تنقضي، ويجيبه بين حين وحين برأسه يهزه أو طرفه يومئ به أو لسانه يديره في فمه ~~بالكلمات القصار. فلما رأى الفتى منه ذلك سيء به وضاق به ذرعا وقال في شيء من ~~الحدة: «ويحك أيها الشيخ! إنك لشديد الكآبة منذ اليوم، وما سعيت إليك أبتغي كآبة أو ~~حزنا، وما أقبلت عليك لتنغض إلي رأسك أو تومئ إلي بطرفك أو تلوي لي لسانك بهذه ~~الألفاظ التي لا تغني، إنما جئت ألتمس عندك شيئا غير هذا.» # قال الشيخ وقد أخذ ابتسامه يتسع قليلا: «تلتمس عندي ماذا يابن أخي؟» قال الفتى: ~~«ألتمس عندك هذه القوة التي أستقبل بها سخف قريش وجه النهار وآخره، كما ألتمس عند ~~نسطاس هذه اللذة التي أغسل بها هذا السخف عن نفسي حين يقبل الليل.» # قال الشيخ متضاحكا في فتور: «فقد غسلت نفسك من سخف قريش ولكنك دنستها برجس ~~نسطاس، ثم أقبلت الآن تريد أن تغسلها من هذا الرجس وتمحو منها آثار اللذة الآثمة، ~~آثار الخمر وما يتبعها مما لا يجمل بالرجل الكريم! فما أعرف أن عند نسطاس لمثلك ~~خيرا، وإنما هي الفتنة التي تفل الحد وتفسد الطبع ms309 وتذهب المروءة وترد فتيان قريش ~~إلى مثل ما عليه فتيان الروم من الضعف والوهن والفتور. لقد رأيتهم يا ابن أخي فما ~~وجدت عندهم خيرا، وإنما هو الفساد قد أخذهم من كل وجه وانسل إلى نفوسهم من كل ~~سبيل، فأصبحوا لا يقدرون على شيء وإن خيلت إليهم كبرياؤهم أنهم يستطيعون أن يبلغوا ~~كل شيء.» ثم سكت قليلا وأطرق مليا، ثم رفع رأسه وقال في صوت هادئ متزن: «ما أبغض ~~يا عمرو شيئا كما أبغض الحانات التي يقيمها الروم في أعطاف مكة والتي يغري فتيان ~~قريش بما فيها من هذه اللذات الآثمة التي تقتل الرجولة.» # وكان عمرو بن هشام يسمع لحديث الشيخ وعلى ثغره ابتسامة ضئيلة غامضة، وفي وجهه شيء ~~من السخرية لا يكاد يبين، وربما حرك رأسه إلى يمين أو إلى شمال ليخفي على الشيخ ~~سحابة من عبوس كانت تغشي جبهته بين حين وحين. فلما فرغ الشيخ من حديثه وعاد إلى ~~إطراقه فأمعن فيه وجعل ينكت الأرض بعصاه، قام الفتى متثاقلا يريد أن ينصرف. فنظر ~~الشيخ إليه نظرة قصيرة كأنما كان يريد أن يمسكه، ولكنه لم ينشط حتى لذلك فغض بصره ~~وعاد إلى إطراقه. واستدار الفتى نحو الباب، ولكنه عاد فجأة فاستقبل الشيخ وقال في ~~شيء من العنف: «لن أنصرف، فلست أحب أن تصحبني منك هذه الصورة التي أنكرها. لقد كنت ~~في نفسي شيئا غير هذا، ولقد كنت أنتظر منك أن تباديني بكل شيء إلا ما باديتني به ~~منذ اليوم.» # قال الشيخ: «فكنت تنتظر مني أن أغريك ببيت نسطاس وما فيه من لذة وإثم، وكنت تقول ~~لنفسك إنما ورقة بن نوفل رجل نصراني قد أتى بلاد الروم وطوف في مدنها وقراها وعاد ~~منها وقد أخذ كل ما وجد من الدين والدنيا، فهو نصراني كنسطاس، يحب كل ما يحب ~~النصارى ويألف كل ما يألفون، والسن وحدها هي التي تقعده عن بيت نسطاس، ولو قد كان ~~له فضل من قوة أو بقية من شباب لشاركني فيما أستمتع به عند نسطاس، فخمره معنقة ~~وجواريه ms310 حسان وغلمانه صباح الوجوه، وعنده غناء يفتن القلوب ويسحر الألباب. كلا يا ~~ابن أخي! لقد أتيت بلاد الروم، وطوفت في مدنهم وقراهم، وألممت ببيعهم وحاناتهم، ~~ورأيت ما عندهم من دنيا ودين، ثم عدت وإني لأكثر أمرهم لكاره أشد الكره، وإني من ~~حياتهم لنافر أشد النفور. ولو قد أعجبتني حياة الروم كما تعجبك لما عدت إلى واد غير ~~ذي زرع كهذا الوادي الذي نعيش فيه.» # قال الفتى: «الآن ينطلق لسانك وقد كان معقودا، ولكن لم آت لأسمع منك هذا الحديث ~~ولا لألتمس عندك هذه الموعظة؛ فقد أسدى إلي منها عمي الوليد بن المغيرة أمس ما ~~أستطيع أن أعيش عليه أياما وشهورا.» # قال الشيخ: «فماذا جئت تلتمس عندي إذا؟» قال الفتى: «جئت أتعلم منك، وأرى أنك ~~ستتعلم مني.» قال الشيخ وقد عاد إلى نشاطه وخفته واستأنف ما ألف عنده عمرو بن هشام ~~من هذا الطبع السمح والمزاح الحلو والمرح الذي كان يحببه إلى النفوس. قال الشيخ: ~~«فعلمني يا عمرو فإن الإنسان لا يكبر عن العلم مهما تبلغ به السن، وإن العصا قرعت ~~لذي الحلم.» قال عمرو بن هشام: «لا تهزأ فإني سأعلمك عجبا من العجب! إنك لتجهل من ~~أمر نسطاس كل شيء ولا تعلم منه إلا ما يعرفه المفتونون من شباب قريش، أولئك الذين ~~يصطبحون عنده أو يغتبقون لا يعرفون إلا أن عنده خمرا معتقة وجواري حسانا وغلمانا ~~صباحا وغناء عذبا.» قال ورقة: «فما استكشفت عنده غير ذلك؟» قال: «استكشفت ما كنت ~~أظن أنك لا تجهله. إن هؤلاء الروم الذين يقيمون حاناتهم في أعطاف مكة كما تقول ~~فتنة لشباب قريش وشيوخها لا يهبطون هذا الوادي المجدب رغبة في المال وحده أو حرصا ~~على أن يمتعوا قريشا بهذه اللذات التي يحملونها إلينا، وإنما هم يبتغون أشياء لا ~~تخطر لنا ببال. ولو قد فطن لها الوليد بن المغيرة الذي كان يسدي إلي النصح ~~والموعظة أمس، ولو قد فطن لها عتبة وشيبة ابنا ربيعة وصخر بن حرب وأمية بن خلف ~~لاستقبلوا من أمرهم غير ما ms311 يستقبلون، ولنفوا كل رومي عن هذه الأرض، ولاشتطوا على ~~هؤلاء الغرباء من الروم والنبط والفرس أكثر مما يشتطون على العرب.» # قال ورقة بن نوفل وقد ظهر على وجهه شيء من الجد: «أفصح يابن أخي فإني لا أفهم ~~عنك.» # قال الفتى: «ستفهم عني، فإن هؤلاء الروم لم يهبطوا هذه الأرض للتجارة وحدها، إنما ~~اتخذوا التجارة وسيلة إلى أشياء أخرى يبتغونها ونخدع نحن عنها بهذه اللذات اليسيرة ~~الفاتنة التي يحملونها إلينا ويغروننا بها.» # قال ورقة: «وما عسى أن تكون هذه الأشياء؟» قال الفتى: «إنما هم عيون قيصر في هذه ~~الأرض ورسله إلى هذا الوجه، يمدون له فيه الأسباب ويمهدون له فيه السبل. وما أرى أن ~~واحدا منهم قد أقبل إلى بلادنا إلا وهو مجمع أن يحبب إلينا أمرا من أمور الروم ~~ويستخف قلوبنا لحب هذه الحياة الرومية التي يحملون إلينا أيسرها وأهونها، ثم يقول ~~قائلهم لنا حين يرى منا الابتهاج والرضا! فكيف لو ذهبتم إلى هذه المدينة أو تلك من ~~مدن الروم! وكيف لو رأيتم هذه اللذات في أصولها التي تخرج منها وبيئاتها التي تنمو ~~فيها! وكيف لو اتصلت أسبابكم بأسبابنا واختلطت أموركم بأمورنا!» # قال ورقة: «وقد أحسست من نسطاس بعض هذا فجئت تتحدث إلي به وتؤامرني فيه؟ وما ~~تراني أصنع لك في هؤلاء وقد اعتزلت قريشا واعتزلتني قريش، وأصبحت أموركم لا تعنيني ~~كما أن أمري لا يعنيكم؟ هلا تحدثت بذلك إلى عمك الوليد أو إلى الملأ من ~~قريش!» # قال الفتى: «إني لأغبطك على أن قريشا قد اعتزلتك وعلى أنك قد اعتزلت قريشا. ~~وإني لأتمنى أن يتاح لي من ذلك ما أتيح لك. فإني أعرف أي الناس أستطيع أن ألقي إليه ~~بهذا الحديث. إنما جئت لأحدثك بالعجب من أمر نسطاس هذا الذي تلومني فيه كما لامني ~~فيه عمي الوليد.» # قال ورقة: «وعند نسطاس أعجب مما ذكرت؟» قال الفتى: «نعم.» # قال الشيخ: «وما ذاك؟» قال الفتى: «تعلم أيها الشيخ أني لا ألتمس الخمر واللذة ~~والغناء عند نسطاس فحسب، وإنما ألتمس عنده العلم أيضا. ms312 وقد تعلمت منه كثيرا أكثر ~~مما تعلمت منك؛ فقد عرفت منه شئون الروم مفصلة وأخبارهم مطولة، وأنت لا تحدثنا من ~~ذلك إلا بالنزر اليسير لأن ذلك لا يعنيك، فأما هو فيكفي أن يتقدم الليل وأن ينصرف ~~شباب قريش إلى بيوتهم وأن يخلو إلي وإلى ثلاثة أو أربعة من غلمانه وجواريه وقد ~~صرف سائرهم، فإذا خلا بعضنا إلى بعض أديرت علينا خمر لا تدار على غيرنا، وسمعنا ~~غناء لا يسمعه غيرنا، حتى إذا تقدم الليل خطوات أخرى وأغرق كل شيء في الصمت والسكون ~~وخيل إلينا أننا قد اقتطعنا من الحياة والأحياء اقتطاعا وأننا نعيش في جزيرة من ~~النور والحركة يحيط بها بحر من الظلمة والسكون، قال نسطاس بلسانه الملتوي وصوته ~~الأجش: «الآن طاب الحديث.» ثم نأخذ في حديث الروم فأسمع منه العجب العجاب. وقد اتصل ~~الود بيني وبين نسطاس منذ أعوام، وجعل أترابي من قريش يلمون معي بدار نسطاس ثم ~~ينتقلون منها إلى غيرها من دور الروم والنبط يتبعون في ذلك أهواء نفوسهم ويفرون ~~بذلك من الحياة المطردة المتشابهة. وما أكثر ما ألحوا علي في أن أذهب مذاهبهم ~~وأسلك مسالكهم وأتنقل معهم في الغي كما يتنقلون، ولكني لم أنحرف قط عن دار نسطاس ~~ولم أمل قط إلى اللهو في غير دار نسطاس؛ لأن عند نسطاس ما ألزمني داره وشغلني ~~بمودته، حتى لامني فيه اللائمون، وحتى ظنت قريش بي الظنون، وحتى شكا من ذلك أهلي ~~وأترابي، وعاتبني فيه عمي الوليد.» # قال الشيخ: «وماذا علمت يابن أخي من أمر نسطاس؟ فقد أثرت في نفسي شغفا بالعلم لا ~~عهد لي به منذ ودعت الشباب.» # قال الفتى وقد دنا من ورقة كأنما يريد أن يهمس إليه بما لا يحب أن يسمعه غيره: ~~«علمت أن وراء نسطاس التاجر الخمار الذي يفتن شباب قريش بالخمر والنساء والغناء ~~فيلسوفا يلتمس الحق، وديانا يلتمس الدين الصحيح.» قال الشيخ دهشا: «إنه لكذلك يا ~~ابن أخي؟» قال الفتى: «نعم! وقد كنت أعرف أنك وأمثالك تخرجون من بلادنا هذه لتضربوا ~~في الأرض ms313 ولتلتمسوا الحق والعلم والدين، عند هؤلاء الأعاجم من الفرس والروم ومن ~~اليهود. وما كنت أنكر من ذلك شيئا، فهم قد سبقونا إلى الحضارة، وهم قد سبقونا إلى ~~الكتاب. فأما أن يخرج الروم من بلادهم إلى هذه البلاد المجدبة القاحلة الغليظة ~~الجافية التي لا حظ لأهلها من حضارة أو علم أو كتاب، ليلتمسوا عندنا الحق والعلم ~~والدين، فهذا هو الذي لا أفهمه، ولم تطمئن إليه نفسي حتى حدثني نسطاس بما حدثني به ~~أمس.» # قال الشيخ وقد أهمه الأمر إلى أبعد مدى، واسترد نشاطا غريبا وقوة كانت تخيل إلى ~~من يراه أنه قد عاد إلى شبابه، أو أن شبابه قد عاد إليه: «وبماذا حدثك؟» # قال الفتى: «حدثني بأنه فرد من جماعة تلتمس الحق وتبحث عن الهدى، وبأن هذه ~~الجماعة منتشرة في بلاد الروم، يتعارف أفرادها فيما بينهم بعلامات لهم، لا يعرفها ~~أحد غيرهم. فإذا تحدث بعضهم إلى بعض من قريب أو بعيد تحدثوا بالرموز والإشارات، فلم ~~يظهر أحد من أمرهم على شيء. وحدثني بأن هذه الجماعة قديمة العهد طويلة العمر، قد ~~مضت عليها القرون، يوصي كل جيل منها إلى الجيل الذي يليه بالمضي في التماس الحق ~~والبحث عن الهدى، يجدون في ذلك ما أتاحت لهم قوتهم وحيلتهم أن يجدوا، يتفرقون في ~~الأرض في ملك قيصر، وفي ملك كسرى، وفي أقطار لم يبلغها ملك قيصر ولا ملك كسرى، لا ~~يبالون ما يلقون في ذلك من جهد ولا ما يحتملون فيه من عناء، حتى إذا ظفر أحدهم بشيء ~~من العلم أو بما يراه الحق أو قريبا من الحق، احتال حتى يبلغه أصحابه، وهم على ذلك ~~يتواصلون ويتعاونون ويستكشفون من العلم ما يستطيعون. ولكنهم علموا فيما علموا منذ ~~الزمان الأول، أن لهذه الديانات التي يدين الناس بها في أقطار الأرض غاية تنتهي ~~إليها، وأمدا تبلغه فلا تعدوه، وأن دينا يهبط على الناس من السماء في آخر الزمان، ~~فيتم من أمر السماء ما بدأ، ويحمل الناس على الجادة، ويهديهم إلى الحق الذي لا شك ~~فيه.» # قال ms314 الشيخ وقد أخذ حتى اضطر الفتى إلى أن يهدئ من روعه: «قل قل يا ابن أخي! ~~وبماذا حدثك؟» # قال الفتى: «وحدثني بأن الجماعة عرفت أن أمر هذا الدين قد قرب، وأن زمانه قد أظل، ~~وأنه لن يهبط من سماء الشام حيث هبط دين اليهود والنصارى، ولا من سماء الفرس حيث ~~ظهر دين زرادشت، ولا من سماء اليونان حيث ظهرت ديانات اليونان، ولكنه سيتنزل من ~~سماء واد غير ذي زرع، فيه قوم غلاظ قساة لاحظ لهم من علم ولا من كتاب، يطمئن أكثرهم ~~إلى الجهل ويضيق به أقلهم، ولكنهم على ذلك يكتمون ما يجدون من هذا الضيق، ويشاركون ~~العامة فيما هم فيه من الجهل. يقدم بعضهم على ذلك نفاقا ورياء والتماسا للمنفعة ~~والثروة والسيادة، ويقدم بعضهم على ذلك عجزا وكسلا وإخلادا إلى الراحة والدعة. ~~وقد فرقت الجماعة سفراءها في أقطار الأرض المجدبة غير ذات الزرع والضرع، فهم ~~يلتمسون فيها هذه العلامات، ويسجلون ما يجدونه منها ويؤذن به بعضهم بعضا، وينتظرون ~~فيها هذا الدين الجديد. ونسطاس أحد هؤلاء قد وقعت له أرضنا حظا، فأقبل إليها ~~يلهينا بالخمر والغناء والنساء، وينتظر أمر السماء.» # ولم يبلغ الفتى هذا الموضع من كلامه، حتى وثب الشيخ وثبة لم يشك الفتى حتى رآها ~~أنه قد فقد رشده ومسه طائف من جنون. ولكن الشيخ عاد إلى أمنه وهدوئه، وظل قائما ~~مكانه وقد رفع يديه إلى السماء وهو يقول: «قدوس قدوس! أشهد ما أنبأتني خديجة إلا ~~بالحق!» # 3 # ولم يظفر عمرو بن هشام من الشيخ بعد هذا الكلام الغامض بشيء يوضحه أو يجلوه، ~~وإنما ظل الشيخ قائما مكانه باسطا يديه أمامه رافعا رأسه إلى السماء كأنما ينتظر ~~منها شيئا، ثم انحنى رأسه واسترخت يداه إلى جنبيه، وعاد إلى الشيخ ضعفه وهرمه، ~~فجثا على ركبتيه وأطرق إلى الأرض وجعل يصلي بكلام حاول الفتى أن يفهمه أو أن يتبين ~~لفظه فلم يجد إلى ذلك سبيلا. فانصرف مغيظا محنقا يسأل نفسه في أعماق ضميره: أمس ~~الشيخ طائف من جنون، أم أراد الشيخ ms315 إلى العبث به والتعمية عليه؟ فقد لاحظ عمرو بن ~~هشام اشتغال الشيخ عنه حين أقبل عليه، وإعراضه عنه حين تحدث إليه، ومحاولة الفرار ~~منه كلما ألح عليه في الحديث، وتكلف الغباء والقصور عن الفهم حين بدأ يصغى إليه. ~~وكان عمرو بن هشام يعرف من ورقة غير هذا كله، كان يعرفه حفيا به يحسن القول له ~~والاستماع منه. وكان يعرفه ذكيا حاد الذكاء بصيرا نافذ البصيرة، لا يكاد يحتاج ~~من محدثه إلا إلى بدء الحديث. وكان يعرفه كلفا بأمور الدين لا يكاد يعرض لها عارض ~~بين يديه حتى يندفع كأنه السيل، فينكر على قريش مكرها ونفاقها وتكلفها عبادة ~~الأوثان، وما هي من عبادة الأوثان في شيء، ويرثي للعرب من جهالتهم هذه الجهلاء التي ~~يغرقون فيها إغراقا منكرا حتى يضللهم سادة قريش بهذه الأكاذيب يصوغونها عن آلهتهم ~~هذه المنصوبة، وهم يعلمون أنهم يكذبون ويضللون، وهم يسخرون من الناس ومن الآلهة حين ~~يخلون إلى أنفسهم وحين يخلص بعضهم لبعض نجيا. وقد راب الفتى ما رآه من تغير الشيخ ~~هذا الضحى، وزاده ريبة ما رآه من هذه الثورة المفاجئة حين ذكر له ما ذكر من أمر ~~نسطاس. على أن الفتى لم يصل إلى هذا الموضع من نجوى ضميره حتى ازداد ريبة إلى ريبة ~~وشكا إلى شك؛ فقد ذكر أن وجه نسطاس لم يكن خاليا له أمس، وأن نفسه لم تكن خالصة ~~له كما تعودت أن تخلص له حين يتقدم الليل وتسكت الموسيقى وينقطع الغناء ويتفرق ~~الندامى ويخلو الصديقان، لا يشهد خلوتهما إلا هذان القدحان قد بقيت فيهما بقية من ~~شراب يقبلان عليه بين حين وحين فيحسوان منه حسو القطا، وإلا هذه النجوم التي كانت ~~تطل عليهما من السماء كأنما تريد أن ترى ما يصنعان أو تسمع لما يقولان، وهي على ذلك ~~تخفي عليهما أسرارا غامضة طالما اشتاقا إلى استجلائها، وإلا هذا النسيم الخفيف ~~الضئيل الذي كان يختلس مسراه من سكون الليل اختلاسا ويمر بهما من آن إلى آن حذرا ~~متحفظا كأنما يخشى أن يفطنا ms316 له فيدلا عليه ضوء الليل. # هنالك كانت نفسي الفتى العربي ونفس الرجل الرومي تمتزجان امتزاجا غريبا، فيصفو ~~لهما الود، ويخلص بينهما الحب، ويطيب لهما الحديث. وربما غمرهما سكون الليل وسكوت ~~الطبيعة من حولهما فسكنا وسكتا، ورأى كل منهما مع ذلك في نفس صاحبه كما يرى في ~~المرآة، وفهم كل منهما عن صاحبه كما يفهم الصديق عن الصديق. فأما أمس فقد كان ~~الرومي ذاهلا عن صاحبه بعض الذهول، لا يدنو منه إلا لينأى عنه، ولا يصل إليه إلا ~~لينفصل عنه، وكان يحدثه أحاديث متقطعة، يتحمس في بعضها حتى يبلغ أبعد غايات التحمس، ~~ويفتر في بعضها حتى يبلغ أقصى آماد الفتور. وقد ذكر عمرو بن هشام أنه انصرف عن ~~صديقه الرومي كئيبا محزونا يرد عن نفسه ملالة لا تريد أن ترد، ويدفع عن نفسه ~~سأما لا يريد أن يندفع. وكان يعلل نفسه بلقاء ورقة يتعزى ببشاشته وحديثه عن فتور ~~نسطاس وشرود خاطره، كما أقبل على نسطاس من ليلته تلك يلتمس فيما عنده من لذة آثمة ~~أو بريئة عزاء عن هذا العتاب الثقيل الذي لقيه به عمه، فآذاه به فيما لا يحب أن ~~يؤذي فيه من هذه الحرية التي كان يؤثرها على كل شيء، ولا يرضى أن تكون موضوعا ~~للأخذ والرد أو للجدال والنزاع. # وكانت كل هذه الخواطر تضطرب في نفس عمرو بن هشام وهو ماض في طريقه بين دار ورقة ~~بن نوفل والمسجد. والحق أنه دفع إلى المسجد على غير إرادة منه؛ فلم يكن في نفسه شيء ~~من النشاط للقاء شيوخ قريش وشبابها في أنديتهم تلك التي لا يسمع فيها إلا ما يضيق ~~به من الحديث. ولو قد فكر في الغاية التي ينبغي أن يقصد إليها بعد ما خرج من عند ~~الشيخ لتردد بين اثنتين: فإما أن يرجع إلى داره ليخلو فيها إلى نفسه ويستقصي حساب ~~هذه الخواطر التي كان تضطرب في ضميره وإما أن يذهب إلى نسطاس، فلعله أن يجد عنده من ~~النشاط وحضور الذهن ما ينسيه شروده أمس وشرود الشيخ ms317 عنه اليوم. ولكنه دفع إلى ~~المسجد بحكم العادة؛ فقد كان ينفق أول النهار عند ورقة، حتى إذا ارتفع الضحى وكادت ~~الشمس أن تزول سعي متباطئا إلى المسجد فأدرك أندية قريش قبل أن يتفرقوا وينصرف كل ~~منهم إلى حيث يقيل. فلما بلغ المسجد كان قد انتهى من حساب نفسه إلى نتيجة مؤلمة له ~~أشد الإيلام، مؤذية لكبريائه أشد الإيذاء، وهي أنه لقي ثلاثة من أحب الناس إليه ~~وآثرهم عنده في أقل من يوم، فلم ير عند أحد منهم شيئا يرضيه. فعمه يعتب عليه ~~عتبا ثقيلا، وصديقه الرومي يعرض عنه إعراضا مرا، وورقة بن نوفل لا يهدي إليه ~~إلا هذا الغموض الذي هو أشد عليه من عتاب العم وإعراض الصديق. # ولم يكن يقدر أنه سيلقى من أندية قريش مثل ما لقي من هؤلاء الرجال الثلاثة: أشياء ~~إن لم تحفظه وتنته به إلى الغيظ فهي لا تسره ولا ترضيه. ولو ملك الفتى زمام نفسه ~~واستطاع أن يستقصي أمره كما كان يفعل دائما، لرد الأمور إلى أصولها، ولعرف أن ~~أحدا من هؤلاء النفر الثلاثة لم يلقه بشيء يكرهه، وإنما هو الذي حمل نفسه على ما ~~لا تحب فرأى عند هؤلاء الناس ما لم يكن يحب أن يرى؛ فقد كان يأخذ الأمور دائما ~~أخذا هينا، لا يهتم لشيء ولا يضيق بشيء. وما أكثر ما كان يلقاه عمه بالجد المر ~~والدعابة الحلوة فلا يحفل بذلك ولا يأبه له. ونفس الصديق ليست دائما خالصة للصديق، ~~ووجه الخليل ليس دائما خاليا للخليل؛ فللناس من أمورهم الظاهرة والخفية ما يجوز ~~أن يشغلهم عن أحسن أصدقائهم عندهم منزلة، وأرفعهم في قلوبهم مكانة. ولكن عمرو بن ~~هشام كان هذه الأيام حرج الصدر ضيق النفس بكل شيء، قد عرضت له أزمة من هذه الأزمات ~~التي تعرض لأصحاب القلوب الذكية والنفوس الأبية، حين يحسون الفراغ من حولهم، ~~ويشعرون بأن الحياة باطل ما فيها من الجد والهزل ومن الشدة والرخاء، ويلتمسون لهذه ~~الحياة غاية خيرا مما وجدوا إلى الآن، ويطلبون إليها ثمرات أحلى مذاقا ms318 وأبقى ~~أثرا من كل ما بلوا إلى الآن، فلا يجدون شيئا مما يلتمسون، ولا يبلغون شيئا مما ~~يطلبون. # هنالك ينكرون أنفسهم وينكرون الناس، وهنالك يضيقون بأنفسهم كما يضيقون بكل شيء ~~وبكل إنسان. وهنالك يدق حسهم ويرق طبعهم، فإذا هم يجدون الألم والسأم في أشياء لم ~~يكونوا من قبل يجدون فيها ألما ولا سأما. وآية ذلك أن عمرو بن هشام لم يلق ابتسام ~~القوم له في ناديهم بابتسام مثله، ولم يرد تحيتهم الطيبة بتحية مثلها، وإنما أقبل ~~فأهدى إلى قومه هذه التحية التي تدفع اللائمة ولا تزيد على ذلك. ولو قد استطاع لما ~~ألم بهم ولا جلس إليهم. فقد رأى فيهم عمه الوليد بن المغيرة فكره ذلك أشد الكره، ~~وكاد يمضي لوجهه لولا أن جعل القوم يرحبون به ويومئون إليه أن أقبل، ولولا أن جعل ~~عمه يناديه: «أقبل أبا الحكم فقد جئت حين اشتدت الحاجة إليك.» ولم يكد عمرو يجلس ~~إلى قومه حتى ابتدره عمه قائلا في دعابة حلوة: «هذا أوان يختبر حزمك وعزمك وفضلك ~~فيما تعقد من الأمور.» # قال عمرو بن هشام وهو يتكلف الابتسام: «إنك لحلو الدعابة منذ اليوم يا عم! وما ~~أرى إلا أن أمور القافلة تستقيم لك على خير ما تهوى.» # قال الشيخ: «لم تعد الحق يابن أخي، فما أكثر ما حمل إلي من الذهب والورق ~~والعروض! وما أشد ابتدار قريش إلى الرحلة وتنافسها في السفر! ولتعلمن قريش أن ~~الوليد بن المغيرة ميمون النقيبة، لا يتولى لهم تجارة إلا عادت عليهم من الربح ~~بأكثر مما ينتظرون.» # هنالك انبسطت أسارير القوم وظهر الابتهاج في وجوههم، وقال قائلهم: «والله ما ~~علمناك يا أبا الوليد إلا سيدا كريما ميمون النقيبة في كل ما وليت من ~~الأمر.» # قال الوليد لابن أخيه في صوته العريض العميق: «ولكن أمور الموسم لا تجري من النجح ~~والاستقامة على مثل ما تجري عليه أمور التجارة. فقد أدركت قومك يابن أخي وهم ~~يختصمون في شيء ليس بذي خطر في ظاهر الأمر، ولكنه بعيد الأثر في حياتهم وفيما ms319 ~~يستقبلون من سياسة العرب. وحسبك أنها الخصومة بين المنفعة والحياء. وإذا اختصمت في ~~نفسك المنفعة والحياء فإلى أيهما تميل؟» # قال عمرو بن هشام: «فأما إن كنت تمزح فإني أوثر المنفعة ولا أعدل بها شيئا. وأما ~~إن كنت تريد إلى الجد فإني أوثر الحياء لا أعدل به شيئا؛ لأني أوثر دائما أن أكون ~~رجلا، والحياء نصف مروءة الرجل. ولكني لا أفهم عنك ما تقول منذ اليوم، فما هذه ~~الخصومة بين المنفعة والحياء؟» # قال الوليد: «فإن قومك يستعدون للموسم كما علمت، ويتهيئون لاستقبال العرب الذين ~~يفدون علينا من كل صوب إذا دنت هذه الأشهر الحرم، وأنا أعلم أنك مشغول بنفسك عن مثل ~~هذه الهنات، ولكن هذه الهنات معقدة يابن أخي أشد التعقيد، ينهض بأثقالها شيوخ قومك ~~وذوو الأحلام منهم على حين تختلف أنت وأترابك ...» # قال عمرو بن هشام: «حسبك يا عم فقد سمعت من ذلك ما أرضاني أمس»، ثم تمثل قول ~~الشاعر اليثربي: # قالت ولم تقصد لقيل الخنا # مهلا فقد أبلغت أسماعي # قال الوليد: «أما إن كان ذلك كذلك فإني أرجو أن يكون فيك خير. ولكن قومك يختصمون ~~في الأمين وفي أمر أقدم عليه في الموسم الماضي، وهم يخشون أن يعود إليه في الموسم ~~المقبل.» قال عمرو بن هشام: «وما ذاك؟» قال الوليد: «ألست تذكر أن محمدا غير من ~~عادات قريش في الحج ما لا يقدر أحد على تغييره، فحج كما يحج العرب لا كما يحج أهل ~~الحرم؟» قال عمرو بن هشام وهو يبتسم ويهز رأسه: «لا أذكر من ذلك شيئا.» # قال الوليد: «ما أنت وذاك يابن أخي! إن لك في مرح الشباب وأقداح نسطاس عن ذلك ~~لشغلا. ولكنك تعلم على أقل تقدير أن أهل الحرم لا يخرجون منه إذا أرادوا الحج، فهم ~~لا يفيضون من عرفة ولا يأتون منى ولا غيرها من المشاعر خارج الحرم، إنما يتركون ~~ذلك لسائر العرب فضيلة لهم على الناس جميعا.» # قال عمرو بن هشام: «فضيلة خصوا بها أنفسهم ولم تخصهم بها الآلهة، وأقرت لهم بها ~~العرب ms320 ضعفا وعجزا.» # قال الوليد: «هذا أول الشر. فأنت إذا لا تنكر على الأمين خروجه من الحرم، ~~وإفاضته مع الناس من حيث يفيضون، وسيرته في الحج كسيرة رجل من العرب لا من ~~قريش؟» # قال عمرو بن هشام: «لا أنكر عليه شيئا ولا أقره على شيء ولا أعنى من ذلك كله ~~بكثير ولا قليل، ولو قد عنيت من ذلك بشيء لسلكت فيه طريق الأمين، ولأعنته وجاهدت ~~معه، حتى نرد قريشا إلى السنة الأول ونلغي هذه البدعة التي ابتدعتها والتي لم ~~نرثها عن آبائنا؛ لا لأني أحفل بقديم أو جديد، ولا لأني آبه لسنة أو بدعة، ولكن ~~لأني أرحم هؤلاء العرب الذين تكلفونهم ما لا يطيقون، وتحملونهم ما لا يستطيعون له ~~احتمالا، إيثارا لأنفسكم بالخير، واستكثارا للربح من غير وجهه، واتجارا بما لا ~~ينبغي أن يتجر فيه. إنهم يأتونكم وقد حملوا ثيابهم وطعامهم وشرابهم، فتحرمون عليهم ~~من ذلك ما أحل لهم من قبل، وتأبون عليهم أن ينزلوا بين أظهركم حتى يتحففوا كارهين ~~من كل ما حملوا، ثم تبيعون عليهم من الثياب والطعام ما لم يكونوا في حاجة إلى أن ~~يشتروه، ثم تكرهونهم على أن يشتروا منكم الطعام أو يقيموا بينكم جياعا، وعلى أن ~~يشتروا منكم الثياب أو يطوفوا بالبيت ويقيموا بينكم عراة، لا تفرقون في ذلك بين ~~الرجل والمرأة، ولا بين الشيخ الفاني والغلام الناشئ. خطة اختططتموها من عند أنفسكم ~~لم ترثوها عن سنة ولم تأخذوها من كتاب، وإنما هو حب الاستعلاء والطمع في الربح. لا ~~يكفيكم أن تكونوا جيران الآلهة وسكان الحرم وحماة الكعبة حتى تستنبطوا من هذا كله ~~حقوقا لم تكن لكم. ولا يكفيكم ما تغله عليكم تجارتكم البعيدة والقريبة من مال حتى ~~تضيفوا إليه مالا تشتقونه من جوع الجائع وظمأ الظامئ وعرى العريان.» # قال عتبة بن ربيعة وقد أحفظه ما سمع: «على رسلك أبا الحكم! فإنك والله لتشاركنا ~~في كل هذا، تأثم معنا إن أثمنا، وتنعم معنا إن نعمنا، فأنكر على نفسك إن كنت ~~منكرا.» # قال عمرو بن هشام: «نعم، ms321 إني لأشارككم في الخبيث والطيب من مالكم، وفي القبيح ~~والحسن من أمركم، ولوددت والله ألا أشارككم في شيء، وأن أكون فيكم خليعا كأحد ~~هؤلاء الخلعاء.» # قال أمية بن خلف: «ما رأيت كاليوم سفيها كنا ننتظر منه الحلم، ولا غويا كنا ~~نرجو منه الرشد.» # قال عمرو بن هشام: «اربع # 2 # على نفسك أبا علي، فليس كل من خالف عن أمرك سفيها، وليس كل من انحرف ~~عن رأيك غويا.» # قال أبي بن خلف: «أمهلوا أبا الحكم فوالله إن له لشأنا، وما علمناه عيابا ولا ~~مشتطا على قومه، وما أرى إلا أنه في حاجة إلى أن يقيل.» # قال الوليد بن المغيرة وهو يكظم غيظه ويتكلف الابتسام والدعابة: «دعوه، فوالله ما ~~علمته إلا ولد سوء، وما أرى إلا أن خمر نسطاس وهراء ورقة بن نوفل قد أفسدا عليه ~~أمره. ولقد نهيته عن هذين الرجلين فلم ينته وإني أحلف باللات والعزى ليكفن عما هو ~~فيه أو ليكونن له معي شأن كشأن زيد بن عمرو مع عمه الخطاب.» وهم عمرو بن هشام أن ~~يرد على عمه القول، ولكن شيبة بن ربيعة وعلي بن أمية قاما إليه فرفقا به حتى انصرفا ~~به من المجلس. # وعاد شيوخ قريش إلى ما كانوا فيه من النجوى. فقال أمية بن خلف: «قد علمتم يا معشر ~~قريش أن للأمين فيكم مكانة ما تعدلها مكانة، وأنكم لم تنكروا من أمره شيئا، وما ~~زلت أراكم تحتكمون إليه وترضون حكمه في أمر هذا الركن. وقد علمتم أن لعبد المطلب ~~وبنيه في الدين شأنا غير شأنكم ومذهبا غير مذهبكم: تيسرون على أنفسكم، ويشقون على ~~أنفسهم، وتعلم ذلك منهم العرب كلها. فما زاد الأمين على أن مضى على سنة أبيه عبد ~~المطلب فتكلف من شئون الحج ما لا تحبون أن تتكلفوا، فخلوا بينه وبين ذلك ولا ~~تراجعوه في شيء منه فتسوءوه وتسوءوا بني هاشم، ولكم بعد في تحرج الأمين وتكلفه ما ~~لا تتكلفون منفعة؛ فسيرى العرب أن سيدا من ساداتكم وشريفا من أشرافكم لا يكره أن ~~يسير ms322 سيرتهم، ويحتمل من المئونة ما يحتملون، ويفيض معهم من حيث يفيضون. فإذا رأوا ~~ذلك عرفوا لقريش السؤدد والتواضع جميعا.» قال الوليد بن المغيرة: «إن رأيك لهو ~~الرأي يا أبا علي.» وتفرق القوم إلى دورهم. # فأما عمرو بن هشام فقد انصرف مع صاحبيه شيبة بن ربيعة وعلي بن أمية كارها وهما ~~يرفقان به ويلطفان له، يأخذانه بالجد حينا وبالدعابة والمزاح حينا آخر، حتى ثابت ~~إليه نفسه وسكت عنه الغضب. يقول له شيبة بن ربيعة متضاحكا: «لقد قمت يا أبا الحكم ~~عن الأمين مقاما سيعلمه وسيحمده لك.» قال عمرو بن هشام: «وأقسم ما أبغضت إنسانا ~~قط كما أبغضت الأمين، وما آذاني شيء قط كما تؤذيني قريش حين تكرمه وتعظم من أمره ~~ومن أمر بني عبد المطلب ما تعظم.» وكان القوم قد انتهوا إلى دار شيبة بن ربيعة، ~~فعزم عليهم ليدخلن ولينالن عنده شيئا من طعام وشراب. فلما استقر بهم المجلس وأخذ ~~الغلمان يهيئون لهم غداءهم ، قال شيبة: «ما ظننت قط أن أحدا يبغض الأمين، وما عرفته ~~إلا محمدا كاسمه بين قومه محببا إلى النفوس جميعا. فهلا حدثتنا يا أبا الحكم ~~ببدء هذا الشنآن الذي تضمره له!» # قال عمرو بن هشام: «إن بدء ذلك لقديم جدا، وإن عهدي به لفي أول أيام الشباب؛ ~~أقبلنا على وليمة في دار عبد الله بن جدعان، فلما دعينا إلى الطعام ازدحمنا، ~~وزاحمني محمد فزحمني، فزلت قدمي فسقطت على الأرض.» # قال شيبة: «أذكر ذلك، وأذكر أنك لم تشاركنا في طعامنا فقد أصاب إحدى ركبتيك ~~بأس.» # قال عمرو بن هشام: «بأس! أي بأس! ما زال أثره باقيا إلى الآن، وما أرى أنه ~~سيزول، وما أرى إلا أن بغضي لمحمد سيبقى ما بقي هذا الأثر.» # قال شيبة: «هون عليك أبا الحكم؛ أمر يكون بين الشباب لا عاقبة له.» # قال علي متضاحكا: «فإن محمدا قد فوت عليه طعام ابن جدعان وطعام ابن جدعان يؤسي ~~عليه.» # قال عمرو بن هشام: «كان ذلك بدء بغضي له، ولكني ما زلت أسمع عنه وعن قومه ms323 ~~الأعاجيب، يتحدث بها الناس عنه فتسمعون أنتم وتنسون، وأسمع أنا وأحفظ، ثم يغيظني من ~~ذلك ما لا يغيظكم. أتذكرون تلك الأحاديث التي أذيعت عنه وملئت بها مكة حين سافر إلى ~~الشام في مال خديجة بنت خويلد؟!» # قال شيبة: «أحاديث غلام أعجمي صدقها من صدقها وكذبها من كذبها، وأشاد بها هذا ~~الصابئ الذي تألفه وتكلف به ورقة بن نوفل.» # قال عمرو: «دع ورقة لا تعرض له، فإنه ما علمت لرجل خير.» # قال علي: «توشك والله يا أبا الحكم أن تنحرف مع هذا الرجل عن مألوف ~~قومك.» # قال عمرو ساخرا: «قومي أعز علي من هذا.» # وكانت المائدة قد مدت فأقبل القوم على طعامهم، ومضى عمرو بن هشام في حديثه يقول: ~~«وإصهار محمد إلى خويلد واستئثاره بخديجة ومالها.» قال شيبة: «خير سيق إلى ابن عمك، ~~فما ينبغي أن تنفسه عليه.» قال علي: «لم ينفسه وحده، ولقد شاركه في ذلك كثير من ~~قريش.» قال عمرو: «ولا والله ما غاظني شيء قط كما غاظني احتكام قريش إلى محمد في ~~أمر الركن ورضاها بحكمه، واستئثار محمد من دون قومه بهذا الشرف حين أخذ الحجر بيده ~~فوضعه في موضعه من الكعبة، ونحن قيام ننظر إليه لا نقول شيئا كأنما سكرت أفواهنا، ~~ولا نصنع شيئا كأنما شلت أيدينا.» # قال شيبة: «ما أحببت قط رجلا كما أحببت محمدا في ذلك اليوم! فقد رد عن قومه ~~شرا عظيما.» # قال عمرو: «وما ضقت بشيء قط كما ضقت بمكان عمي الوليد بن المغيرة الذي كان يسلقني ~~بلسانه آنفا. لقد كنت أراه حازما عازما جريئا حين ترددت قريش، يقدم على هدم ~~الكعبة حين أشفق الملأ من ذلك وهو يقول: «اللهم لا ترع فما أردنا إلا الخير» حتى ~~إذا حمل قريشا على ما أراد عجز عن أن يمضي في الحزم إلى غايته، وخلي بين مجد قريش ~~وبين فتى من فتيان بني هاشم يستأثر به من دوننا.» # قال علي: «إنه الحسد يا أبا الحكم، وما علمتك قبل اليوم حسودا.» # قال عمرو: «سمه ما شئت؛ فإني ms324 أضمر لهذا الأمين من البغضاء ما لم أضمره لإنسان قط. ~~ولو استطعت ...» ثم سكت قليلا ثم استأنف حديثه فقال: «ومن لي بأن أستطيع!» ثم التفت ~~إلى علي قائلا: «ما علمتني يا علي حسودا، وما عرفت في نفسي حسدا، وإنك لتستطيع ~~أن تملك من الذهب والفضة ما يملأ بين هذين الجبلين، فلن أجد في نفسي من ذلك إلا ~~الغبطة والرضا، ولكن شاة يملكها الأمين تؤذيني وتقض مضجعي كما لو عدا على حر ~~مالي فأخذه قهرا وقسرا.» وطوف الغلمان عليهم بأقداح من خمر بيسان فأقبلوا عليها ~~شرهين إليها، ولكنها لم تكد تصرف عمرو بن هشام عن حديث الأمين وما كان يضمر له من ~~البغض حتى شق على صاحبيه. # 4 # وكانت أجبال مكة قائمة حولها ساهمة واجمة في يوم شديد القيظ، كأنما أدركها منه ما ~~يدرك الناس فيذهلهم عن أنفسهم وعما حولهم من الأشياء. وكانت مكة بين هذه الأجبال ~~ساكنة سكونا مخيفا لا حركة فيه، هادئة هدوءا مفظعا لا نشاط فيه، قد استقرت بين ~~هذه الأجبال، واستقر فيها كل شيء، فما تجري فيها نسمة، وما يغني فيها طائر، وما ~~تصوت فيها حشرة، وإنما هي جامدة هامدة تصب فيها أشعة الشمس المحرقة صبا، وتنعكس ~~في هذه الأشعة المحرقة ألوان مختلفة من هذه الصخور القائمة من حولها، حتى ليخيل إلى ~~من كان يمكن أن يراها في ذلك الوقت أنها طست يصب فيها معدن مذاب يصهر كل ما مسه من ~~شيء. وفي هذه المدينة الجامدة الهامدة المحرقة المشرقة كان رجل رومي يسعى ثقيل ~~الحركة بطيء الخطو متخوفا يلتفت عن يمين وشمال في كثير من الحذر، كأنما يخشى أن ~~يرى مكانه أحد. وكان يسعى مجهودا مكدودا شديد الإعياء قد ألهبته هذه الشمس ~~المهلكة، ولكنه على ذلك يسعى إلى غايته لا يبالي تعبا ولا نصبا، حتى إذا بلغ دار ~~ورقة بن نوفل رأى غلاما قائما بالباب يرقب مقدمه، فلما رآه مقبلا تلقاه بابتسامة ~~صامتة، ثم سعى بين يديه حتى أدخله الدار وأغلق من دونهما الباب، ثم سعى بين ms325 يديه ~~ينقله من دهليز إلى دهليز ومن حجرة إلى حجرة، يسعى لا يقول شيئا، والرومي وراءه ~~يمشي لا يقول شيئا، حتى انتهيا إلى حجرة في أقصى الدار، فلما دخلاها أغلق الغلام ~~الباب من دونهما، ثم أحدث حسا فظهر ورقة كأنما كان في مخبأ. فلما رأى الرومي حياه ~~بالإشارة ثم قال: «اتبعني يا نسطاس.» ثم التفت إلى الغلام وقال: «أما أنت فمكانك ~~حتى نحدث لك أمرا.» وهبط ورقة يتبعه نسطاس في سلم كان في زاوية من زوايا الغرفة، ~~فلما انتهيا إلى أسفل السلم أمعنا في نفق طويل ضيق ولكنه جعل يتسع قليلا قليلا ~~كلما أمعنا فيه حتى انتهيا إلى مجلس حسن، فلما بلغاه جثا كل من الرجلين على ركبتيه ~~وأخذا يصليان بلغة غير عربية صلاة طويلة. فلما فرغا من صلاتهما مد ورقة يده إلى قدح ~~فيه شيء من خمر فقرأ عليه كلاما ثم قدمه إلى الرومي، فشرب منه ثم رده إلى ورقة ~~فشرب ما كان قد بقي فيه. ثم تحول الرجلان عن مكانهما ذاك إلى حشية قد ألقيت على ~~الأرض فجلسا عليها وبين أيديهما شراب أقبلا عليه صامتين. ثم قطع نسطاس الصمت ~~قائلا: «إنه الفجر يا ورقة.» قال ورقة: «نعم، إنه الفجر يا نسطاس! والفجر الصادق ~~هذه المرة، فقد طالما كذبتنا نجوم الليل.» قال نسطاس: «فقد أخذ الليل ينجلي.» قال ~~ورقة: «ولكنه ينجلي في بطء شديد.» قال نسطاس: «وقد آن لي أن أرحل بالخبر إلى ~~أصحابنا قبل أن تشرق الشمس.» قال ورقة: «أو قبل أن يرتفع الضحى.» قال نسطاس: «بل ~~قبل أن تشرق الشمس فالخير في البكور. وقد كان شاعركم يحب الغدو مع الطير، فلنكن ~~عربا ونحن نودع أرض العرب.» قال ورقة: «ولكنك عجلت على نفسك أمس يا نسطاس.» قال ~~نسطاس: «بما حدثت به عمرو بن هشام؟» قال ورقة: «نعم.» # قال نسطاس: «لا ترع، فقد كان يجب أن نؤذن قريشا بمطلع الفجر، وأن نهيئها لما ~~سيغمرها من نور، ونعدها لما تضمر لها الأقدار مما تحب وما تكره. وما أعرف أحدا كان ms326 ~~أقدر على أن يهيئ قريشا لهذا الأمر من صاحبك هذا؛ فإنه فتى طموح شديد الطموح، ~~مغرور يكاد يقتله الغرور، حسود يأكل الحسد قلبه كما تأكل النار ما يلقى فيها من ~~الحطب، وهو على ذلك ذكي القلب، فصيح اللسان، أثير عند قومه. وما أرى إلا أنه سيكون ~~أشد الناس عداوة لهذا النور الجديد، وما أرى إلا أن عداوته ستزيد هذا النور ~~انتشارا كلما أمعنت في الشدة والحدة. وكذلك الأقدار يا ورقة تدبر للناس أمورهم كما ~~تحب هي لا كما يحبون هم. نور يخرج من ظلمة، ثم ما تزال الظلمة تحاربه وتغالبه حتى ~~يقهرها. أرأيت إلى صاحبنا هذا الذي أشرق الفجر في قلبه وسيشرق على الناس من فمه كيف ~~أقبل على هذه الدنيا وكيف استقبل أيامه فيها؛ يولد أبوه وهو أحب الناس إلى أبويه، ~~ولكنهما يفتنان فيه فتنة لم يعرفها الناس منذ إبراهيم، حتى إذا خلص الفتى من الفتنة ~~وقرت به عينا أبويه خرج إلى الشام فلم يعد من رحلته تلك، وإنما دفن في حفرة بيثرب. ~~لم يولد لنفسه، وإنما ولد لينقل ابنه إلى الأرض، فلما أدى أمانته مضى لسبيله. وتلد ~~آمنة ابنها وتقوم عليه، حتى إذا تقدم به الصبا قليلا واستغنى عن خدمة الأمهات مضت ~~أمه إلى حيث مضى أبوه، وظل الصبي يتيما عائلا ضالا، لا ينتظر أحد له خيرا، ولا ~~يظن به أحد خيرا، ولا يحفل به أحد، ولا يلتفت إليه أحد، إلا الذين أرادت الأقدار ~~أن يعرفوا بعض شأنه وأن يقوموا ببعض أمره، لا يتكلفون في ذلك إلا أيسر الأمر ~~وأهونه؛ لأن الذي اختارته الأقدار لمثل هذه المهمة العظمى لا ينبغي أن تكون للناس ~~عليه يد، ولا يرعاه ويكلؤه إلا من اصطفاه لما يريد.» # قال ورقة: «هو ذاك يا نسطاس. وما أكثر ما بحثنا وأمعنا في البحث! وما أكثر ما ~~استقصينا وغلونا في الاستقصاء! نبعد ومحمد بين أظهرنا. نلتمس مشرق النور في أقطار ~~الأرض ومشرق النور يسعى بين أيدينا، حتى إذا تتابعت الآيات وتظاهرت الأدلة ظننا في ~~غير قطع ms327 أننا قد اهتدينا إلى ما كنا نبحث عنه، وجعلنا نرقب محمدا منذ خمس عشرة سنة ~~منذ عاد من الشام. أتذكر يا نسطاس؟» قال: «نعم.» قال ورقة: «ما زلنا نرقبه منذ ذلك ~~اليوم والآيات يتبع بعضها بعضا، والأدلة يشد بعضها أزر بعض حتى جاء الحق وظهر نور ~~الله.» # قال نسطاس: «هو ذاك! ولكن بماذا أرحل إلى أصحابنا؟» قال ورقة: «بما علمت.» قال ~~نسطاس: «فإني لم أعلم من ذلك إلا خلاصته، وقد أحب أن أحمل إلى أصحابنا تفصيله. وقد ~~أنبئت أن عندك من هذا العلم كله، فأعد علي من ذلك ما تعلم، تقول أنت بعربيتك ~~وأكتب أنا بيونانيتي، حتى إذا بلغت أرض الروم أفضيت بالأمر إلى أصحابنا فأخذوا له ~~ما ينبغي من الأهبة، وتهيئوا له كما ينبغي أن يتهيئوا لهذا الأمر العظيم.» # قال ورقة: «يا ليتني أستطيع أن أرتحل معك، وأن أشارككم فيما ستبذلون من جهد وما ~~ستحتملون من مشقة لتعدوا بلاد الأعاجم لاستقبال الشمس المشرقة حين يبلغها ~~نورها.» # قال نسطاس: «ولكن عليك أن تقيم حيث أنت، وعلي أنا أن أعود إلى بلاد الروم، بهذا ~~أمرنا، ولا بد من أن نذعن لما أمرنا به. فاقصص علي بدء حديثك فقد هيأت كل شيء ~~للرحيل، ويجب أن أترك مكة قبل أن تغرب الشمس وأن يأتي فتيان قريش إلى حانة نسطاس ~~فلا يجدوا فيها نسطاس، ولا يجدوا فيا خمرا ولا غناء ولا نساء، وإنما يجدون دارا ~~خالية بلقعا يبابا، كما سيجدون دورا لقومهم حين يرتفع ضحى هذا النور ~~الجديد.» # قال ورقة: «فإن ابنة عمي خديجة قد أقبلت علي ذات يوم فأنبأتني بالنبأ تعيد ~~علي حديث زوجها، وقد حفظته عنها كما سمعته منها، فإن شئت فاكتب.» فأقبل نسطاس على ~~رق يكتب فيه. وجعل ورقة يقول: «قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~.» يقول نسطاس: «يا لها كلمة ~~حلوة المجرى على اللسان، حسنة الموقع في القلب، خالدة في الدهر ما بقي الدهر!» قال ~~ورقة: «أتكتب يا نسطاس؟» قال نسطاس: «نعم.» قال ورقة: «قال رسول الله # صلى الله ms328 عليه وسلم ~~: ~~جاءني جبريل وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب، فقال: اقرأ، قال: قلت: ما أقرأ؟ ~~قال: فغتني # 3 # به حتى ظننت أنه الموت ثم أرسلني فقال: اقرأ، قال: قلت: ما أقرأ؟ قال: ~~فغتني به حتى ظننت أنه الموت ثم أرسلني فقال: اقرأ، قال: قلت: ما أقرأ؟ قال: ~~فغتني به حتى ظننت أنه الموت ثم أرسلني فقال: اقرأ، قال: قلت: ماذا أقرأ؟ ما أقول ~~ذلك إلا افتداء منه أن يعود لي بمثل ما صنع بي، فقال: # اقرأ ~~باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق ~~* اقرأ وربك الأكرم * الذي ~~علم بالقلم * علم الإنسان ما لم ~~يعلم ~~. قال: فقرأتها، ثم انتهى فانصرف عني، وهببت من نومي فكأنما ~~كتبت في قلبي كتابا. قال: فخرجت حتى إذا كنت في وسط من الجبل سمعت صوتا من السماء ~~يقول: يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل. قال: فرفعت رأسي إلى السماء أنظر، فإذا ~~جبريل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء يقول: يا محمد أنت رسول الله وأنا ~~جبريل. فوقفت أنظر إليه فما أتقدم وما أتأخر، وجعلت أصرف وجهي عنه في آفاق السماء، ~~فلا أنظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك، فما زلت واقفا ما أتقدم أمامي وما أرجع ~~ورائي، حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي، فبلغوا أعلى مكة ورجعوا إليها وأنا واقف في ~~مكاني ذلك، ثم انصرف عني، وانصرفت راجعا إلى أهلي حتى أتيت خديجة، فجلست إلى فخذها ~~مضيفا إليها. فقالت: يا أبا القاسم! أين كنت؟ فوالله لقد بعثت رسلي في طلبك حتى ~~بلغوا أعلى مكة ورجعوا إلي. ثم حدثتها بالذي رأيت فقالت: أبشر يابن عم واثبت، ~~فوالذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة.» # 4 # ثم سكت ورقة فلم يقل شيئا، وكف نسطاس فلم يكتب شيئا، وظل الرجلان في هذا الصمت ~~والسكون ساعة، كأنما كانت نفساهما قد فارقتاهما وجعلتا تسموان إلى أفق بعيد ليس من ~~هذا العالم الذي يحيط بهما في شيء. ولو قد رآهما راء على هذه ms329 الحال لخيل إليه أن ~~قد اشتمل عليهما النوم. وآية ذلك أن الحس عاد إليهما فجأة فذعرا من هذا الصمت كأنما ~~هبا من نوم عميق، ونظر كل منهما إلى صاحبه نظرة طويلة صامتة ثم مد كل منهما يده إلى ~~صاحبه فصافحه مصافحة طويلة، وإذا دموعهما تنهل في صمت، وإذا نسطاس يقول لصاحبه: «ما ~~أحسن ما كوفئنا يا ورقة بعد شدة الجهد وطول الانتظار! ولكن ممن سمعت حديثك هذا الذي ~~حدثتني؟» قال ورقة وقد أشرق وجهه بشرا وابتهاجا: «سمعت حديثي هذا من خديجة أول ~~الأمر، فما أنكرت منه شيئا وما شككت في أن هذا الملك الذي جاء محمدا هو الناموس ~~الأكبر الذي كان يأتي موسى، فعرفت أن محمدا لم يفجأ بلقاء الملك ولا بتلقي الوحي، ~~وإنما هيئ لذلك شيئا فشيئا حتى أنكر نفسه وأساء بها الظن؛ فقد جعل قبل أن يأتيه ~~الملك بوقت طويل يرى من آيات ربه أشياء لم يكن يراها من قبل، فينكر ما يرى ويظن ~~بنفسه العلة، ويصرفها عما كان يرى ويسمع، فلا تكاد تنصرف عنه، أو لا يكاد ينصرف عنه ~~ما كان يرى ويسمع. وكان أول أمره من ذلك أن صدقته أحلام الليل صدقا لم يألفه الناس ~~ولم يألفه هو فيما مضى من دهره، فكان لا يرى رؤيا إلا صدقت وصحت وتحققت كأنها فلق ~~الصبح، حتى كاد النوم يكون آثر عنده وأحب إليه من اليقظة. ثم أحس حب الخلوة والحاجة ~~إليها، فكان لا يلم بمكة إلا قليلا، ثم يخرج منها فيمضي أمامه في شعاب الجبال ~~مستأنسا بهذه الوحشة مطمئنا إلى هذه الوحدة. ولكن خلوته هذه لم تلبث أن رابته ~~وأثارت في نفسه الظنون، أو قل لم تلبث أن فارقته، وإذا هو لا يخلص لنفسه ولا تخلص ~~له نفسه ساعة من نهار أو ساعة من ليل، وإذا الفرق بين الليل والنهار قد ألغي ~~بالقياس إليه إلغاء، فهو لا يرى إلا نورا يأخذه من كل وجه سواء أكانت الشمس مشرقة ~~أم كان الليل مظلما مدلهما، فقد الظلمة فقدانا تاما، ثم ms330 فقد السكون ~~والصمت فقدانا تاما؛ فكان لا يمشي إلا سمع الأصوات تناجيه أحسن النجوى، وتحدثه ~~أعذب الحديث وتحييه أكرم التحية، يسمع ذلك من الأشجار، ويسمع ذلك من الأحجار، ويسمع ~~ذلك من حصباء الأرض، ويسمع ذلك من نسيم الجو، حتى أنكر نفسه أشد الإنكار، وحتى أقبل ~~ذات يوم على خديجة مدلها مولها مذعورا يقول: تعلمين يا خديجة أني والله ما أبغضت ~~شيئا كما أبغض هذه الأوثان التي تعكف عليها العرب، وما كرهت شيئا كما أكره ما ألف ~~العرب من الكهانة، وإني مع ذلك لأجد أشياء أنكرها، وأخشى أن يلم بي لمم أو أن أصير ~~إلى الكهانة. تقول له خديجة: لا بأس عليك! أنت أكرم على ربك وآثر عنده من أن يصنع ~~بك هذا. إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث وتصنع المعروف، حتى كان ذلك اليوم الذي نبئ ~~فيه.» # وكان ورقة يقص هذا الحديث هادئا مشرق الوجه باسم الثغر، وكانت يد نسطاس تجري على ~~قرطاسه بتفسير ما يسمع في لغة يونان. ثم سكت ورقة لحظة ثم استأنف حديثه فقال: «وقد ~~لقيت محمدا بعد ذلك، فسألته أن يعيد علي ما حدثتني به خديجة من شأنه وما حدثتك ~~به آنفا، فيعيده علي؛ لا والله ما ينقص منه حرفا وما يزيد فيه حرفا، فيشرق الهدى ~~في نفسي ويمتلئ قلبي يقينا ونورا، وأبشره بما ستبشر به أصحابنا في الإسكندرية ~~وغيرها من مدن الروم، وبما ستنتشر أنباؤه في الآفاق من أنه نبي هذه الأمة. وأثبته ~~وأوذنه مع ذلك بشيء من بعض العنت الذي سيلقاه من قومه.» قال نسطاس: «أوقد فعلت؟» ~~قال ورقة: «نعم، ألسنا نقرأ في كتبنا أن قومه سيكذبونه وسيؤذونه وسيخرجونه ~~وسيقاتلونه؟!» قال نسطاس: «بلي»: قال ورقة: «فقد تحدثت إليه ببعض ذلك، أولسنا نقأ ~~في كتبنا أن علينا نصره وتأييده ما وسعنا النصر والتأييد؟» قال نسطاس: «بلى.» قال ~~ورقة: «فقد وعدته بذلك، ولكن أنى لي هذا الفضل وإنما أنا هامة اليوم أو غد!» ثم ~~استعبر واستعبر معه نسطاس. فلما سكت عنهما البكاء قال نسطاس: «وماذا كان صدى ms331 حديثك ~~في نفسه؟» قال ورقة: «والله ما كدت أحسب أن قد كان لحديثي في نفسه صدى! دهش لما ~~أنبأته به بعض الدهش، ثم أعرض عنه كأنه لم يسمع له. لا والله ما رأيت إلا حزما ~~وعزما، وإلا يقينا وإيمانا، وإلا تصميما على أن ينهض بالأمانة ويؤدي الرسالة ~~مهما يكتنفه من الأحداث والخطوب. وليتني كنت حاضر أمره!» قال نسطاس: «وليتني كنت ~~حاضر أمره! ولكنك لن تحضر من أمره إلا قليلا، ولكني لن أحضر من أمره في هذه الأرض ~~شيئا. والأقدار تجري بما تريد يا ورقة، وإنما نحن مأمورون، وعلينا أن نمضي لما ~~أمرنا به حتى يبلغ الكتاب أجله.» ثم جثا الرجلان وبسطا أيديهما أمامهما وخفضا ~~رأسيهما إلى الأرض وجعلا يصليان بلغة غير عربية وقتا غير قصير ثم نهضا، وتناول ~~نسطاس قدحا فيه شيء من شراب، فبارك عليه ثم قدمه إلى صاحبه فشرب منه ثم أخذه هو ~~منه فشرب سائره، ثم اعتنق الرجلان وخرجا من مجلسهما يسعيان في نفقهما الذي جعل يضيق ~~شيئا فشيئا، حتى إذا بلغا السلم صعدا فيه، فوجدا الغلام قائما لم يبرح ~~مكانه. # قال ورقة للغلام: «هل هيئ كل شيء؟» قال الغلام: «نعم! إن فرس نسطاس ينتظره في ~~المكان الذي يعلمه.» قال ورثة لنسطاس: «فإنه الوداع إذا يا نسطاس!» قال نسطاس: ~~«إنه الوداع.» ثم اعتنق الرجلان مرة ثانية، يقول ورقة لنسطاس: «انطلق راشدا ~~مصاحبا» ويقول نسطاس لورقة: «وأقم موفقا مهديا.» ثم يغلق الباب من دون ورقة، ~~وإذا هو قائم وحده ينظر عن يمين وينظر عن شمال ويرفع رأسه إلى السقف ثم يجثو باسطا ~~يديه أمامه وهو يصلي بلغة لا تفهمها ولا تتكلمها قريش. # 5 # ومضت على عمرو بن هشام أيام لم يعرفها ولم ينكرها، كما أن قومه لم يعرفوه فيها ~~ولم ينكروه. راح إلى دار نسطاس من يومه ذاك فألفاها قاعا صفصفا، فلما سأل عن ~~صاحبه الرومي قال له من سألهم: والله ما ندري إلا أننا أحسسنا في دار نسطاس حركة ~~وجه النهار فلم ننكر شيئا، فلما أمسينا رأينا ms332 الدار كما تراها. فانطلق إلى دار ~~ورقة يستأذن عليه، فيقول له غلام ورقة: إن سيده يشكو بعض العلة ولا يستطيع أن يرى ~~أحدا. ولو قد استجاب الفتى لنفسه لذهب إلى دار عمه الوليد بن المغيرة، ولكنه ذكر ~~ما كان بينه وبين عمه في المسجد فأعرض عن لقاء الشيخ إعراضا. ولو قد استمع الفتى ~~إلى ما ملأ قلبه من الضجر والضيق لعاد إلى بيته كئيبا كاسف البال سيئ الخلق فساء ~~أهله وبنيه، ولكن ماذا جنى أهله وبنوه! # فينطلق الفتى إلى مجلس من تلك المجالس التي كان يجتمع فيها شباب قريش حين يقبل ~~الليل يشربون ويطربون ويعبثون بكل إنسان وبكل شيء، حتى إذا بلغ مجلسهم تلقوه دهشين ~~يقولون له: ويحك أبا الحكم! فأين أنت من نسطاس؟! قال: # كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا # أنيس ولم يسمر بمكة سامر # قال أخوه الحارث بن هشام: # بلى نحن كنا أهلها فأزالنا # صروف الليالي والجدود العواثر # قال عمرو بن هشام: «لا والله ما أزالت نسطاس صروف الليالي ولا الجدود العواثر، ~~وإنما أزالته أمور دبرت بليل وكيد يكاد لقريش.» قال القوم: «ويحك أبا الحكم! ماذا ~~تقول؟» قال عمرو: «وأقسم لولا جبن قريش وحرصها على مالها وتجارتها لما قصرت في طلب ~~نسطاس حتى أدركه وحتى أرده عليكم وحتى أذيقه من العذاب ألوانا، ويومئذ تعلمون ما ~~يكاد لكم من الكيد، ويومئذ تعلمون أنكم تسرفون على أنفسكم حين تضيفون هؤلاء ~~الغرباء، وتبسطون لهم وجوهكم، وتغدقون عليهم كريم أموالكم ثمنا لما يفتنونكم به من ~~أقداح الخمر وغناء المغنيات. لا والله ما هؤلاء الغرباء إلا عيون عليكم لقيصر ~~وكسرى؛ ولكنكم أصحاب تجارة تجوبون الأرض ولكم في كل بلد قافلة وأموال، فأنتم تخشون ~~على أموالكم وأنفسكم. وأنتم تبيعون أمنكم وعافيتكم بهذا الربح الذي تتهالكون عليه. ~~ولو قد عشتم كما يعيش العرب من حولكم لكرمتم على أنفسكم وعلى الناس أكثر مما ~~أنتم.» # قال عتبة بن ربيعة: «ما أكثر ما تنعي على قومك منذ اليوم يا عمرو! فدعني أقل لك ~~الآن مثل ما قلته ms333 لك في المسجد، فابدأ بنفسك فعش كما يعيش العرب من حولنا.» # قال عمرو بن هشام وفي صوته سخرية حزينة: # وهل أنا إلا من غزية إن غوت # غويت وإن ترشد غزية أرشد # ستستبينون الرشد غدا أو بعد غد. ثم ضرب إحدى يديه بالأخرى وصاح: الخمر يا غلام. ~~وأقبل على شرابه عاكفا عليه مسرفا فيه حتى عربد على أصحابه من ليلته تلك، وعاد ~~إلى أهله سكران لا يكاد يبين. ثم لم تره قريش بعد ذلك إلا مغيظا محنقا، يسخر من ~~كل شيء إن هدأ، ويغضب من كل شيء إن جمحت به نفسه، وما أكثر ما كانت تجمح به نفسه! ~~وما أكثر ما كان يؤذي أصحابه وأترابه في غدوه ورواحه! حتى لقد كانوا يتجنبونه ~~ويتكلفون النأي عنه. ولولا مكانه من مخزوم وموضعه من عمه الوليد بن المغيرة لأصبح ~~خليعا في قريش كما تمنى غير مرة أن يكون. # وبينما كان رائحا في ذات يوم إلى حانته تلك يشرب فيها ويطرب وينغص على شباب قريش ~~شربهم وطربهم، عرض له في بعض الطريق شيخ أعرابي حسن الوجه، رائق المنظر، لولا أنه ~~كان غليظ الزي خشن الثياب، يكاد يبدو عليه الضر، لولا أنه يتجمل ويروض نفسه على ما ~~لم يتعود الأعراب أن يروضوا أنفسهم عليه. فلما رأى عمرو بن هشام هذا الشيخ مقبلا ~~عليه، رماه بنظرة سريعة فيها كثير من السخرية وقليل من الحذر، وهم أن يمضي لوجهه. ~~ولكن الشيخ استوقفه في رفق، فأظهر عمرو أنه لا يحفل به. ولكن الشيخ رفع صوته قليلا ~~بهذه الكلمة: «مكانك يا فتى فإن لي إليك حديثا.» # وبلغ هذا الصوت أذن الفتى فروعه شيئا، ولم يدر الفتى أيحب هذا الصوت أم يكرهه، ~~وأراد ليمضي أمامه ولكن رجليه لم تطاوعاه، فقام مكانه كأنما ثبتت قدماه في الأرض ~~تثبيتا. ودنا الشيخ منه يسعى متباطئا قصير الخطى، حتى انتهى إليه فوضع إحدى يديه ~~على كتفه في رفق وقال له في صوت بلغ أعماق قلبه: «لا ترع يا بني فما أريد بك إلا ~~خيرا.» قال ms334 الفتى في صوت مضطرب يريد أن يثبت: «من تكون أيها الشيخ؟ وماذا تريد؟» ~~قال الشيخ: «ستعرف من أكون، وستعرف ماذا أريد، ولكن تعلم أني بعد أن وضعت يدي هذه ~~على كتفك هذه قد ملكت أمرك كله، فلن تنطق إلا بلساني، ولن تعمل إلا برأيي، ولن تصدر ~~إلا عن أمري. وآية ذلك أنك ستحاول أن تمضي الآن أمامك فلن تطاوعك رجلاك، وستحاول أن ~~تعود أدراجك فلن تطاوعك رجلاك، فاجتهد أن تتقدم، ثم اجتهد أن تتأخر، فلن تجد ~~متقدما ولا متأخرا، ستظل قائما مكانك حتى آذن لك في أن تتقدم أو تتأخر. ثم تناءى ~~عنه قليلا وأشار إليه أن جرب قدميك إن شئت. وهم الفتى أن يخطو إلى أمام فلم يستطع، ~~كأنما شدت قدماه إلى الأرض بأسباب الرصاص. وهم الفتى أن يتحول ليرجع أدراجه فلم ~~يستطع، كأنما استحال جسمه إلى تمثال نحت من الصخر الصلد. وهم الفتى أن يدير رأسه ~~إلى يمين أو إلى شمال فلم يجد إلى ذلك سبيلا. وهم الفتى أن يبعث من فيه صيحة يلتمس ~~بها الغوث فلم يجد في جوفه إلا نفسا خائرا لا يبلغ أن يكون صوتا يسمعه الناس.» ~~والشيخ الأعرابي قائم منه غير بعيد ينظر إليه باسما له رفيقا به عطوفا عليه. ثم ~~دنا الشيخ منه قليلا قليلا، حتى إذا حاذاه ضحك له ضحكة فيها كثير من الحب وكثير ~~من السخرية، ولكنها سخرية لا تخلو من حنان وعطف، ثم قال له في صوت حلو: «الآن وقد ~~عرفت سلطاني عليك فامض لوجهك، حتى إذا بلغت حانتك تلك فاشرب فيها ما شئت أن تشرب، ~~واطرب فيها ما أحببت أن تطرب، وقل فيها ما أردت أن تقول، فلن تسوء قومك منذ الآن ~~مهما تقل أو تفعل، ولن تسمع منهم إلا ما يرضيك، ولن ترى منهم إلا ما يسرك. لست ~~أكبرهم سنا ولا أعظمهم قدرا ولا أكثرهم مالا، ولكنهم سيسمعون لك كما لو اجتمع ~~لك هذا كله. ولن يطول بك المقام في حانتك تلك حتى يأتيك رسول عمك الوليد بن ms335 المغيرة ~~أن زره من الغد فإن له معك شأنا. ولا تعجل على نفسك ولا على أصحابك ولكن خذ من ~~اللهو بأوفر حظ ممكن. ثم إذا انصرفت لتعود إلى أهلك فاذكر أني أنتظرك في هذا ~~المكان، ولك أن تسلك إلى بيتك أي طريق شئت فإنك لن تبلغ دارك ولن تغلق الباب من ~~دونك حتى تراني جالسا أنتظرك. وستراني مهما تكن ظلمة الليل، وستراني وحدك لن يراني ~~معك أحد، وسأناجيك وستسمعني وحدك لن يسمعني معك أحد. امض لوجهك، ولا تحاول أن تخالف ~~عن أمري؛ فقد ملكت ناصيتك منذ اليوم.» # ونظر عمرو بن هشام حوله فلم ير أحدا، وحرك رجليه فاستجابتا له، وحرك يديه ~~فاستجابتا له، ولوى وجهه إلى يمين وإلى شمال فلم ير في ذلك عسرا. وقد شق عليه ما ~~رأى، وشق عليه ما أحس وظن أن قد ألم به طائف من الجن، وهم أن يستغيث ولكنه استحيا، ~~وهم أن يتحدث إلى أصحابه في الحانة ببعض ما رأى ولكنه استحيا، فأقبل على لهوه ~~وشرابه كأن لم يكن شيء، وأقبل على أصحابه وأترابه يحدثهم أرق حديث وأحسنه. يقول ~~بعضهم لبعض: ما نرى إلا أن أبا الحكم قد عاد إلى خير أيامه، وذهبت عنه العلة التي ~~كانت ألمت به. # ولم يكد يبلغ الثاني من أقداحه حتى أقبل غلام من غلمان عمه الوليد، فهمس في أذنه ~~أن ألمم بعمك من غد فإن له في لقائك أربا. فوقع همس الغلام في قلب عمرو موقعا ~~غريبا نبهه إلى الشيخ الأعرابي وقد كاد ينساه، ولكنه على ذلك مضى في لهوه مقبلا ~~عليه مغرقا فيه وفي حديثه إلى أصحابه وأترابه يرضيهم بجده ويسرهم بدعابته، ويسمع ~~منهم خير ما أحب، وهو مع ذلك لا يكاد يخلص لما كان فيه من لذة الشراب والحديث ~~والغناء، يذكر الشيخ الأعرابي بين حين وحين فتغشى قلبه غاشية من خوف وحزن، ثم لا ~~يلبث أن يدفع ذلك عن نفسه، ويمضي في منادمة قومه، سمح الطبع، كريم النفس فصيح ~~اللسان بأعذب الحديث. فلما تقدم الليل واستوفى ms336 القوم حظهم من السمر وهموا أن ~~يتفرقوا، كان عمرو قد استرد مكانه في قلوب أصحابه جميعا، فيأبى شيبة بن ربيعة وعلي ~~بن أمية بن خلف أن يفارقاه حتى يبلغاه داره. يقول لهما عمرو: «والله ما هذه لكما ~~بطريق، وما تعودت منكما هذا الرفق، وما أرى أن بي بأسا، وما أحسب أن أحدا يرصدني ~~في الطريق، فانصرفا إلى أهلكما وصلتكما رحم.» فيقولان له: «والله ما بك شيء مما ~~ذكرت، وما بنا رعاية لك أو إشفاق عليك من مكروه، وإنما عدت إلى حسن سابقتك فينا، ~~فنريد أن نعود إلى حسن عهدك بنا. ولا والله ما نصاحبك إيثارا لك بصحبتنا بل ~~إيثارا لأنفسنا بصحبتك. ولو استطعنا لسمرنا معك إلى آخر الليل، وإنما أنت صديق ~~فقدناه ثم وجدناه.» ويمضون وفي نفس عمرو بن هشام شيء من الرضا والأمن؛ فقد كان يكره ~~أن يلقى الشيخ وحده، وما كان يشك في لقائه، وفي نفسه شيء من الحياء فقد كان يكره أن ~~يراه الشيخ مع صاحبيه فيظن به جبنا أو فرقا. ومع ذلك فقد مضى مع صاحبيه يقول لهما ~~ويسمع منهما كأن نفسه لم تكن تحدثه بشيء، وكأن قلبه لم يكن يفرق من شيء. فلما بلغ ~~المكان الذي لقي فيه الشيخ آخر النهار أبطأت قدماه شيئا ومد بصره، فيرى الشيخ ~~قائما ينتظره ويبتسم له ابتسامة فيها كثير من الرضا، يراه وحده ولا يشك في أن ~~صاحبيه لا يريان ما يرى. وآية ذلك أنهما لم يكفا عما كانا فيه من حديث، ولم يلقيا ~~بالا إلى شيء لأنهما لم يحسا شيئا. # ويمضي القوم أمامهم والشيخ الأعرابي معهم يراه عمرو دون صاحبيه، ويكاد يؤذن ~~صاحبيه بمكانه، ولكن شيئا من حياء يرده عن ذلك: فقد كان يخشى أن يظن به صاحباه ~~الجنون. فما حديثه إليهم عن شيخ يراه هو ولا يريانه هما؟ وكيف به لو قص عليهما ما ~~كان بينه وبين الشيخ آنفا؟ وكيف به لو حدثهما بأن الشيخ قد أنبأه بأن الأمور ستصفو ~~بينه وبين أصحابه وأترابه، وبأن عمه سيدعوه ms337 لزيارته بعد ما كان بينهما من قطيعة، ~~وبأن هذا كله قد كان! ولكنه لا يحدث صاحبيه بشيء بل لا يظهر لهما أن شيئا يدور ~~بخلده غير ما يدور بينه وبينهما من حوار في أمر هذه القافلة التي ستفصل بعد يوم أو ~~يومين، والتي تحمل من الذهب والورق والعروض إلى بلاد الروم ما لم تحمله قافلة لقريش ~~منذ أعوام، والشيخ الأعرابي يرمق عمرا معجبا به عاطفا عليه. حتى إذا بلغ القوم ~~دار أبي الحكم حيا بعضهم بعضا واتعدوا نادى قومهم في المسجد إذا كان الغد. ~~وانصرف شيبة وعلي، ودخل عمرو داره، ولكنه لم يدخلها وحده وإنما دخلها معه الشيخ ~~باسم الثغر مشرق المحيا يقول: «لا عدمتك بطلا من أبطال قريش! أشهد لقد أنجبت ~~الحنظلية. لقد شهدتك بين قومك تجد ما تجد من الخوف، وتنكر ما تنكر من الأمر، لا ~~يصرفك ذلك عن الحديث والمنادمة. ولقد شهدتك تحاول أن تخلص من صاحبيك لا إيثارا ولا ~~إسراعا إلي ولكن إبقاء على نفسك أن أظن بك جبنا أو فرقا. ولقد قرأت ما كان ~~يدور في نفسك من الخواطر حين لقيتني فأخفيت هذا كله لم يظهر أحد من دخيلة نفسك على ~~شيء. وكذلك يجب أن يكون الرجل، ولا سيما حين تهيئه الأيام لأمور جسام.» # قال عمرو ولم يجد في نفسه خوفا ولا فرقا، ولم ينكر مكان هذا الشيخ منه: «ألا ~~ترى أنك قد أثقلت علي منذ الليلة؟ ألا تنبئني ما خطبك؟ وماذا تريد مني؟!» # قال الشيخ: «لك أن تلقاني بما أحببت من رفق وغلظة، ولك أن تحدثني بما شئت من لين ~~القول وعنيفه، فقد وطنت نفسي على أن أحتملك كما أنت؛ لأن كل شيء فيك يروقني ~~ويعجبني. وستعلم حين يتصل بينك وبيني الحديث، أني لم أثقل عليك منذ الليلة ولن أثقل ~~عليك إلى آخر الدهر.» ثم ضرب على كتفه مبتسما وهو يقول: «فسأكون صديقك وحليفك إلى ~~آخر الدهر، وستحمد مغبة هذه الصداقة وعواقب هذه الحلف، ولكن ابتغ لنا مجلسا، فما ~~يحسن أن يطول بنا الحديث ms338 ونحن قائمان. هلم أبا الحكم! لقد عهدتك جميل اللقاء للضيف، ~~تحسن قراه إن ألم بك، فما لك لا تعرض علي طعاما ولا شرابا؟ بل ما لك لا تعرض ~~علي مجلسا أستقر فيه؟ إنك تريد أن أنتسب لك كما تعود الضيف أن يفعلوا حين يلمون ~~بمن يضيفهم من الناس. وما يغنيك أن أنتسب لك وأنت لن تفهم عني نسبي إن عرضته عليك؟! ~~وهل تفهم عني إن قلت لك إنني ابن النار منها خرجت وإليها أعود إن كنت إليها عائدا ~~لا أعرف لي غيرها أبا ولا أما.» # قال عمرو بن هشام وفي صوته شيء من الاضطراب: «ما رأيت كالليلة شيخ سوء يتحدث ~~بكلام لا غناء فيه! ما ابن النار منها خرجت وإليها تعود؟!» # قال الشيخ: «ومع ذلك فليس لي نسب غير هذا. لا تعجل على نفسك فإن لكل شيء إبانه. ~~ابغ لنا مجلسا، ولا تكلف نفسك القرى فقد نام أهل الدار، وما ينبغي أن توقظهم ولا ~~أن تكلفهم قرى ضيف لا يرونه ولا يسمعونه.» # قال عمرو: «فتظنهم لا يسمعوننا الآن ونحن نتحدث؟ وهبهم لا يسمعون صوتك أنت، ~~أتظنهم لا يسمعون صوتي أنا؟ وما تراهم يقولون حين يسمعونني أتحدث إلى شخص لا يرونه ~~ولا يحسون مكانه؟» # قال الشيخ وهو يضحك ضحكا غريبا: «لا بأس عليك أبا الحكم! إنهم لا يسمعونك ولا ~~يسمعونني مهما يرتفع صوتانا. إنهم لا يعلمون أنك قد عدت من سمرك، ولن يعلموا ذلك ~~حتى أنصرف عنك، ولن ترى منك أم عكرمة إلا خيرا. ابغ لنا مجلسا، فأما إن أبيت ~~فانحرف بنا إلى هذا المجلس عن يمينك من فناء الدار، فقد نستطيع أن نطمئن فيه. واعجب ~~إن كنت في حاجة إلى العجب، فسأقدم إليك من القرى ما لم ترد أن تقدم إلي. إن معي ~~زقا من خمر الطائف فشاركني في شيء منه.» ثم أخذ بيده حتى أجلسه، وأخرج زقا ~~صغيرا من وعاء كان يحمله على ظهره، وأخرج قدحين فصب فيهما منه، ثم قال للفتى: «هلم ~~أبا الحكم، فستحمد نشوة هذه الخمر.» ms339 ويحسو عمرو من القدح الذي قدم إليه فيقول: «لا ~~والله ما شربت قط خمرا كهذه الخمر، إن لها مذاقا غريبا في الفم، ونكهة غريبة في ~~الأنف، وحرا غريبا في الجوف.» # قال الشيخ: «ودوارا غريبا في الرأس، إنها خمر أبي مرة يا بني. هذه هي الكنية ~~التي ستعرفني بها منذ الآن. إذا أعيا عليك أمر من الأمور، أو ضاق بك مسلك من ~~المسالك، أو وجدت من الناس غير ما تحب، فادع حليفك أبا مرة، فسيستجيب لك قبل أن ~~يرتد إليك طرفك، وسيفرج عنك كل كربة، وسيخرجك من كل ضيق. ولنأخذ الآن فيما أردت أن ~~أتحدث إليك فيه، لقد أتيت أمرين في هذه الأيام كرهت أحدهما أشد الكره، ورضيت عن ~~الآخر أشد الرضا. فأما الأمر الذي كرهته منك فخلافك لقومك، وخروجك عليهم، وازدراؤك ~~لما يقولون ويعملون، واشتدادك على عمك في الحديث وقطيعتك له منذ اليوم، كل هذا ~~كرهته أشد الكره لأنك عماد قومك وموئلهم وذخرهم الذي ادخر لهم حين تقبل الحوادث ~~وإنها لجسام مفظعة. فعد إلى عملك فواصله، وعد إلى قومك فارفق بهم. واردد نفسك عن ~~جماحها، واردد لسانك عن شططه، ودع هذه السخرية مما عليه قومك فإنه قوتهم، ولو قد ~~انحرفوا عنه قليلا لتخطفهم الناس. ولو قد تخطفهم الناس لهلكت العرب! فقريش ردؤهم ~~وكهفهم الذي إليه يأوون. وأما الأمر الذي أحببته منك أشد الحب، فبغضك لابن عبد ~~المطلب هذا الذي يسميه قومك الأمين ضعفا منهم وخرقا، وإنه لهم لمصدر البلاء كل ~~البلاء والشر كل الشر والمحنة كل المحنة.» # قال عمرو في شيء من الحدة: «إليك عني! فوالله ما أحببت من نفسي هذه الخصلة، وما ~~أرى إلا أني ظالم لابن عبد المطلب. حاسبت نفسي منذ قلت تلك المقالة في دار شيبة فما ~~حمدت حسابها. إن ابن عبد المطلب ليصل الرحم ويصدق الحديث ويرفق بالضعيف ويرحم ~~الرقيق، وإنه لمؤتمن في قومه على الهين والعظيم من أمرهم، وإني لأجد في نفسي الحسد ~~له، وليس الحسد من أخلاق الرجل الكريم. وإني لأروض نفسي منذ ذلك ms340 اليوم على أن أعود ~~على ابن عبد المطلب بالعافية وأمنحه مودتي وبري، ولكني لا أجد إلى ذلك سبيلا، ~~فيسوءني من نفسي هذا الضعف، وهذا هو الذي أفسد خلقي منذ أيام.» # قال الشيخ وهو يقدم القدح إلى عمرو: «اشرب أبا الحكم ودع عنك هذه الخواطر! فلقد ~~صدقتك نفسك حين حملتك على بغض هذا الرجل. ولئن حمدت فيك شيئا إنما أحمد فيك هذا ~~البغض العنيف، هذا البغض الذي لا يبقي ولا يذر، هذا البغض الذي لا يعرف رحمة ولا ~~هوادة ولا لينا ولا أناة. وإن هذا البغض على عنفه وشدته لقليل بالقياس إلى ابن عبد ~~المطلب.» # قال عمرو: «أبينك وبينه دم؟!» # قال الشيخ: «ليس بيني وبينه شيء، وإنما الشر كل الشر بينك أنت وبينه. أتذكر حين ~~زحمك عند ابن جدعان؟ إن ذلك لم يكن إلا رمزا لما سيكون بينك وبينه من خصام لا يحده ~~إلا الموت. إنك لا تعرف من أمر ابن عبد المطلب شيئا. إنك ترى قومك يكرمونه والشر ~~كل الشر في إكرامهم له. إنه يدبر لهم من الأمر ما سينغص عليهم أيامهم، ويؤرق عليهم ~~لياليهم، ويكدر عليهم صفو الحياة. أتذكر حديث نسطاس حين أنبأك بأن سيكون للسماء ~~خبر؟ فإن ابن عبد المطلب هو الذي سيحمل إليكم خبر السماء. أتذكر ثورة ورقة بن نوفل ~~حين أنبأته بحديث نسطاس؟ فإن ورقة يزعم من ذلك مثل ما يزعم نسطاس.» ثم قدم القدح ~~إلى الفتى وهو يقول: «اشرب أبا الحكم! إنك لمتثاقل على الشراب منذ الليلة.» فيشرب ~~عمرو ويقول للشيخ: «ويلك! والله ما أدري أخمرا تسقيني أم نارا؟!» فيجيبه الشيخ: ~~«لست أسقيك خمرا ولست أسقيك نارا أبا الحكم، وإنما أسقيك بغضا لابن عبد المطلب ~~لو سلط البحر عليه ما أطفأه. لقد رحت إلى نسطاس من يومك ذاك فلم تجده، ورحت إلى ~~ورقة فاعتل عليك يزعم أنه سقيم. أتريد أن تعرف ما كنت تجهل من أمر نسطاس؟ فإنه قد ~~خلا إلى ابن نوفل ساعات من نهار، ثم انصرف عنه إلى بلاد الروم ينبئ جماعته تلك ms341 التي ~~حدثك عنها بأن النبي الذي كانوا ينتظرونه قد ظهر، وبأن ابن عبد المطلب هو هذا ~~النبي. وكره ورقة أن يلقاك حين رحت إليه، وسيكره لقاءك كلما حاولت أن تلقاه؛ لأنه ~~يكره أن يتحدث إليك من أمر ابن عبد المطلب بقليل أو كثير، فلم يؤذن له بعد في ~~الحديث عن هذا الأمر.» # قال عمرو وقد أدركه دهش كاد يخرجه عن طوره: «ومن الذي يستطيع أن يأذن لورقة أو لا ~~يأذن له؟» # قال الشيخ: «ما أدري! ولكن أمر ابن عبد المطلب سيظل سرا خفيا حينا من الدهر، ~~لا يباديكم به ولكنه يهيئ لكم في أثناء ذلك شر ما تكرهون.» # قال عمرو: «ماذا يهيئ لنا؟» قال الشيخ وهو يقدم القدح إلى الفتى: «تريد أن تعرف ~~ماذا يهيئ لكم؟ سيلقى في قلوب الذين يتبعونه أن لهم إلها غير آلهتكم لا يراه أحد ~~ولا يحسه أحد وهو مع ذلك في كل مكان وفي كل قلب. وسيلقى إليهم أن آلهتكم كلها باطل ~~من الباطل لا تملك لنفسها ولا لكم خيرا ولا شرا.» # قال عمرو: «والله ما أكره من ذلك شيئا.» قال الشيخ «وسيلقى إليهم أن ليس بين ~~الناس قوي ولا ضعيف، وأن ليس بينهم شريف ولا وضيع، وأن ليس بينهم سيد ولا مسود، ~~وأنهم جميعا سواء كأسنان المشط قد خلقوا من التراب وإلى التراب يعودون، وأن ما ~~بينهم من اختلاف المنازل وتفاوت المراتب وتباين الطبقات ظلم يجب أن يرفع وباطل يجب ~~أن يزال.» # قال عمرو: «إني لأرى في هذا شيئا من حق، ولكن نفسي تكرهه وتنبو عنه.» # قال الشيخ وهو يقدم إليه القدح: «اشرب أبا الحكم! فلا بد من أن نستنفد ما في ~~الزق.» ثم استأنف حديثه فقال: «سيلقى إليهم أن الناس جميعا سواء لا يتفاوتون في ~~الدنيا وإنما يتفاوتون في الآخرة بما يقدمون بين أيديهم من العمل، فمن عمل صالحا ~~فله جنة لا أدري ما هي، ومن عمل سيئا فله نار لا أدري ما هي.» قال عمرو وقد رفع ~~القدح إلى فمه فشرب منه: ms342 «وما الآخرة هذه التي تحدثني عنها؟» # قال الشيخ وهو يصب في القدح ليملأه: «حياة يزعم ابن عبد المطلب أنها كائنة بعد ~~الموت، وأنها لا آخر لها.» # قال عمرو وقد عب في القدح عبا شديدا، وقدحت عيناه شيئا كأنه الشرر، وغشى وجهه ~~شيء كأنه اللهب، وانبعث من فمه ضحك قبيح: «حياة بعد الموت لا آخر لها! هلم أبا مرة ~~اسقني من خمرك هذه التي كأنها النار، أو من نارك هذه التي كأنها الخمر. حياة بعد ~~الموت لا آخر بها! لن تخرج بزقك وفيه قطرة من شراب. حياة بعد الموت لا آخر لها! ~~حياة بعد أن نصبح ترابا تذروه الريح!» # قال الشيخ وهو يصب في القدح ليملأه: «اشرب أبا الحكم فإنك لا تشرب خمرا ولا ~~نارا، وإنما تشرب بغضا مذابا. فأما في حياتكم هذه الأولى فأنتم وعبيدكم وإماؤكم ~~سواء، ليس لكم عليهم فضل. وأما في حياتكم تلك الثانية فقد تلقون أنتم في النار تصهر ~~جلودكم وتحرق وجوهكم، ويدخل عبيدكم وإماؤكم الجنة ينعمون فيها بالطيبات وأنتم ترون! ~~تستقونهم قطرة من ماء فلا يجودون بها عليكم لأنكم نعمتم في حياتكم الأولى، فيجب أن ~~تشقوا وتبتئسوا في حياتكم الآخرة، ولأنهم شقوا وابتأسوا في حياتهم الأولى فيجب أن ~~ينعموا ويبتهجوا في حياتهم الآخرة. توشك أن تسمع ذلك أبا الحكم ممن في دارك ودار ~~أصحابك من الرقيق.» # قال عمرو: «وإن محمدا ليقول هذا للناس؟!» # قال الشيخ: «نعم! إنه ليقول هذا للناس، وإن الناس ليسمعون منه ويؤمنون له ويكثرون ~~من حوله. وإن شئت فاغد إلى ابن أبي قحافة فسله عن ذلك، وإن شئت فاغد إلى زيد بن ~~محمد فسله عن ذلك، وإن شئت فاغد إلى هذا الصبي علي بن أبي طالب فسله عن ذلك، ~~فسينبئونك جميعا بأكثر مما أنبأتك به.» # قال عمرو: «ومن أين لمحمد هذا الحديث؟» # قال الشيخ في صوت يضطرب اضطرابا فيه الغيظ والخوف معا: «يزعم أن هذا الحديث ~~يأتيه من السماء، ينزل عليه به الملك فيلقيه إليه في كلام غريب، يشبه الشعر وما هو ~~بالشعر، ms343 ويشبه السجع وما هو بالسجع.» قال عمرو: «فاقرأ علي بعضه.» # ولم يكد الشيخ يسمع هذه الكلمة من عمرو حتى تضاءل وتضاءل، واربد وجهه وأخذته رعدة ~~منكرة، وقال في صوت مضطرب بلسان لا يكاد يبين: «كلا! كلا! لا تطلب إلي ذلك، فما ~~ينبغي لي أن أقرأه.» # قال عمرو: «ويلك! ماذا أصابك؟» # قال الشيخ: «دعني! دعني! واشرب حتى تفرغ ما في هذا القدح؛ فقد أعلمتك من أمر ابن ~~عبد المطلب ما كان ينبغي أن تعلم، وما زلت تجهل أكثره؛ لأن أمر ابن عبد المطلب لم ~~يتجاوز أوائله بعد.» # قال عمرو: «وهل تنزل الملائكة من السماء وتلقي إلى الناس أخبارها؟» # قال الشيخ: «محمد يزعم ذلك، ويزعمه كذلك نسطاس وورقة بن نوفل، ومن قبلهم زعمه أهل ~~الكتاب.» # قال عمرو وهو يعب في القدح عبا شديدا: «وما بال السماء لم تختر لأمرها غير ~~محمد؟! أليس في قريش إلا محمد!» # قال الشيخ وهو يبتسم ابتسامة منكرة: «كلا! ليس في قريش غير محمد، ليس فيها الوليد ~~بن المغيرة، وليس فيها أمية بن خلف، وليس فيها عتبة بن ربيعة ولا شيبة بن ربيعة، ~~وليس فيها أبو الحكم عمرو بن هشام فتى مخزوم وسيدها!» # قال عمرو وقد ظهر في وجهه غيظ شديد: «أما إذ قلت ذلك فإن مخزوما كلها لتبغض ~~هاشما كلها، وقد كنت أنقم من بني أمية تكلفهم وأنفس عليهم جدهم في تجارة قريش ~~وحرصهم على سياتها، فأما الآن فلا والله ما أبغض أحدا كما أبغض بني هاشم، ولا أجد ~~من الضغن على أحد كما أجد على فتاهم هذا الذي يسمونه الأمين!» # قال الشيخ في صوت فاتر متكسر: «هون عليك أبا الحكم! فإنك لم تبل من بغض هؤلاء ~~الناس إلا أهونه وأيسره، ولتبلغن العداوة بينك وبينهم أقصاها. فإذا بلغت ذلك فاذكر ~~أن صديقك أبا مرة ليس منك ببعيد، وأن زقه ما زال رويا يسبأ للذات في كل يوم، كما ~~قال امرؤ القيس.» ثم سكت قليلا ثم استأنف حديثه في صوت ضئيل: «قد أوشك الليل أن ~~ينقضي أبا الحكم، ms344 وآذن الصبح بإسفاره، فعد إلى أهلك فقد شققنا عليهم، ولكنهم لم ~~يعلموا من سهرنا ولا من سمرنا شيئا.» # قال عمرو: «لم يعلموا من سهرنا ولا من سمرنا شيئا! اسقني أبا مرة! فقد حرمت ~~علي النوم من ليلتي هذه.» ولكن أبا مرة لم يسقه ولم يجبه. وينظر عمرو فلا يرى ~~أحدا، فينهض متثاقلا وهو يقول: «لم يعلموا من سهرنا ولا من سمرنا شيئا!» # 6 # وأصبحت قريش فاجتمعت في أنديتها حول البيت كدأبها في كل يوم. وإنهم لفي أحاديثهم ~~وإذا قائل منهم يقول: «انظروا يا معشر قريش هذا والله العجب.» فينظرون فلا يروعهم ~~إلا الوليد بن المغيرة قد أقبل يتوكأ على ابن أخيه عمرو بن هشام باسما به متحدثا ~~إليه. يقول بعض قريش لبعض: والله إن للوليد بن المغيرة لشانا، ما علمناه إلا عنيف ~~الغضب إذا غضب، بطيء الرضا إذا رضى، عنيدا إذا خاصم، وما علمنا ابن أخيه عمرا إلا ~~مثله أنفة وكبرياء، وقد باعد بينهما ما رأينا وسمعنا من ذلك الخلاف والحوار، حتى ~~قال الوليد لابن أخيه إنه ابن سوء، فماذا قرب بينهما؟ وأيهما سعى إلى صاحبه؟ # قال شيبة بن ربيعة: «ما أحسب إلا أن الشيخ هو الذي تقرب إلى ابن أخيه، وقد رأيت ~~أحد غلمانه، يلم بنا في بعض مجالسنا فيلقي في أذن أبي الحكم حديثا قصيرا ثم ~~ينصرف.» # وكانت قريش تتحدث بهذه الألفة بين الرجلين على حين كان الوليد وابن أخيه يطوفان ~~بالبيت. وكان الوليد يطوف كما تعود غير آبه ولا مكترث، وإنما هو عبء يلقيه عن نفسه ~~كعادة الملأ من قريش إذا غدوا على أنديتهم بالمسجد من كل يوم. ولكن عمرا كان يطوف ~~في هيئة لفتت إليه أشراف قومه، فيها كثير من الاجتهاد والاحتفال، وفيها كثير من ~~التواضع والتضاؤل، وقد ظهر على وجه الفتى شيء من الإيمان بما كان يفعل والصدق فيه، ~~حتى قال بعض قريش لبعض: «والله لقد دعا أبو الحكم إلى سنة قومه واجتهد فيها، وما ~~نرى إلا أن قد ذهب عنه ما ألفنا عنده من ms345 السخرية بكل شيء والازدراء لكل ~~شيء.» # حتى إذا فرغ الرجلان من طوافهما أقبلا فسلما وجلسا، ولم يجرؤ أحد أن يدخل فيما ~~كان بينهما من نفور، وفيما استأنفا من تواصل ومودة، وإنما أخذوا في المألوف من ~~أحاديثهما كأن لم يكن بينهم شيء. حتى أقبل النضر بن الحارث مهرولا، فطاف بالبيت ~~عجلا أشد العجلة، حتى لاحظ الملأ ذلك، فقال بعضهم لبعض: إن للنضر اليوم لحديثا ~~يريد أن يلقيه إلينا، ألا ترونه يعجل بطوافه أشد العجلة! وقد كان للنضر حديث يريد ~~أن يلقيه إليهم حقا، فما كاد يفرغ من طوافه حتى أقبل إليهم مسرعا، فسلم وأخذ ~~مجلسه. وابتدره عمرو بن هشام قائلا في دعابة حلوة: «ما وراءك يا نضر؟ هات فوالله ~~إن لديك حديثا تريد أن تلقيه إلينا.» # قال النضر: «وأي حديث! ألم تعلموا أن قد حدث لبني عبد المطلب شأن؟!» قال الوليد: ~~«وما ذاك؟» قال النضر وهو يضحك: «ظهر فيهم نبي هذه الأمة يتلقى أخبار السماء ~~فيبلغها إلى الناس.» قال عمرو بن هشام مسرعا: «وهذا النبي هو محمد؟!» قال النضر: ~~«هو محمد والله! لقد كنا نعجب لما كان يروى لنا من أخبار عبد المطلب حين أمر في ~~المنام أن يحتفر زمزم وحين خاصم قومه فيها ففجر له الماء تفجيرا، وحين قام مقامه ~~من صاحب الفيل، وحين فادى بابنه ذاك فداءه المعروف. ووالله لقد كنا نعجب لما كان ~~الناس يحدثوننا به من أمر حفيده محمد بن عبد الله ذاك الذي فودي به فلم يمهله الموت ~~في مكة إلا ليدركه في يثرب منصرفه من الشام؛ فقد كانوا يحدثوننا عن هذا الفتى ~~بالعجب من الحديث حين كان صبيا ينشأ، وحين كان غلاما يشب، وحين كان فتى يستكمل ~~رجولته وقوته، ولقد كنا نحبه ونكرمه ونؤثره بخير ما عندنا من المودة والمعروف، حتى ~~سميناه الأمين ورجعنا إليه في كل ما كان يحزبنا من الأمر. وما أرى إلا أننا قد ~~أغريناه وأبطرناه، فهو الآن يستألف سيرة جده عبد المطلب ولا يدع الناس يتحدثون عنه ~~بالأعاجيب، بل يتحدث هو ms346 بها عن نفسه، فيزعم أن الملائكة تتنزل عليه بأحاديث السماء، ~~وأنه قد أمر أن يبلغ هذه الأحاديث إلى الناس ويدعوهم إلى بدع من الأمر والله ما ~~سمعنا به في آبائنا الأولين.» # قال عمرو بن هشام وقد ظهر في وجهه غيظ شديد: «إيه! ورب هذه البنية # 5 # لقد أغريتموه وأبطرتموه. وما أكثر من تغرون ومن تبطرون! وما أرى إلا ~~أنكم ستلقون من هذا كله شططا. أفلم أكن أحدثكم منذ أيام يا شيبة بن ربيعة بأمر ~~نسطاس وأمثاله من هؤلاء الأعاجم الذين تمدون لهم أسباب العيش، وتيسرون لهم ما ~~تعسرون على غيرهم من العرب؟! ألم أكن أذكر لكم أن هؤلاء الأعاجم ما هم إلا عيون ~~قيصر علينا، يفدون علينا تجارا، ويقيمون بين أظهرنا أحرارا، يقولون لنا ويسمعون ~~منا، ويذيعون فينا البدع، ويكيدون لنا الكيد، ثم ينصرفون عنا وقد أخذوا من أموالنا ~~ما أرادوا، وعلموا من أمرنا ما أحبوا، واذاعوا فينا من مذاهبهم وآرائهم ما لا عهد ~~لنا به؟! فهؤلاء هم الذين أفسدوا علينا زيد بن عمرو، وورقة بن نوفل، وغيرهما من ~~كرام قومنا. وما محمد إلا أحد هؤلاء.» # قال الوليد بن المغيرة: «على رسلك يابن أخي! إنك لمجتهد في النعي على هؤلاء ~~الروم، ولقد كنت أشدنا لهم معاشرة، وأكثرنا لهم مخالطة. ولقد نهيتك عنهم وعن نسطاس ~~منهم خاصة، فلم أكن أرى منك إلا نأيا وازورارا. ولا والله ما أعلم أن محمدا كان ~~يختلف إلى نسطاس أو إلى أشباه نسطاس، كما كنتم تختلفون إليه وكما تختلفون إلى ~~أمثاله من تجار الروم، وما علمت من أمره إلا خيرا. إنه لأفضل قومه مروءة، وأحسنهم ~~خلقا، وأكرمهم مخالطة، وأحسنهم جوارا، وأعظمهم حلما وأمانة، وأصدقهم حديثا، ~~وأبعدهم من الفحش والأذى، وما رئى ملاحيا ولا مماريا أحدا، حتى سميناه الأمين ~~لما تبينا فيه هذه الخصال. فإن كان قد جاء بما يحدثنا النضر أنه قد جاء به، فلا أحب ~~أن أعجل في أمره. وما أظن أنه يريد أن يدخل على قومه سوءا. وإنه لأبر الناس بقومه، ~~وأوصلهم رحما، وأقربهم ms347 لهم مودة، فاستبينوا أمره قبل أن تقولوا فيه بما لا ~~تعلمون.» # قال عتبة بن ربيعة: «وكيف علمت ما علمت من أمره يا نضر؟» # قال النضر: «علمت ذلك من بعض الذين صبوا إليه واستجابوا له. ألم يحدثني أخو جمح ~~عثمان بن مظعون أنه قد جلس إليه، فبينما هو جالس معه إذ رآه يرفع رأسه إلى السماء ~~ثم ينحرف عنه ساعة ثم يعود إليه. فلما أنكر عليه ذلك قال له: إن الملك قد نزل علي ~~من السماء فأوحى إلي أمر الله. فلما سأله عن أمر الله هذا، تلا هذا الكلام الذي ~~حفظه عثمان واستجاب له، وحفظته أنا ولم أستجب له، ولكن في نفسي منه شيئا.» # قال عمرو بن هشام، وقد ذكر في سرعة غريبة أن صاحبه أبا مرة لم يستطع أن يتلو عليه ~~شيئا مما كان يوحي إلى محمد، وإنما عجز عن ذلك وتضاءل له وأدركه منه رعب شديد. قال ~~عمرو بن هشام: «فاقرأ علينا يا نضر ما سمعت وحفظت.» فتلا النضر هذه الآية: # إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي ~~القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ~~يعظكم لعلكم تذكرون ~~. قال الوليد وقد سمع القوم فأعجبوا ~~وأطرقوا برءوسهم إلى الأرض: «صدق والله محمد وبر. أقسم ما جاء قومه إلا بخير. ماذا ~~تنكرون من هذا؟ وهل فينا من لا يحب العدل والإحسان! وهل فينا من يكره إيتاء ذي ~~القربى! وهل فينا من يحب الفحشاء والبغي! أما والله لو جاء محمد قومه بمثل هذا ~~دائما لكان أعطف قومه عليهم وأرأفهم بهم وأهداهم إلى سبيل الخير.» # قال عمرو بن هشام في شيء من الحدة يريد أن يكظمه: «ويحك يا عم! لقد كنت تأمرنا ~~آنفا ألا نعجل في أمر محمد حتى نستبينه، فإني أراك تعجل في أمره قبل أن تستبينه! ~~إنك لم تسمع من أمره إلا ما حدثنا به النضر، ولو قد سمعت من أمره ما سمعت أنا لقلت ~~فيه غير ما تقول الآن.» # قال الوليد: «ماذا سمعت يابن أخي؟» قال عمرو: «سمعت أنه جاء بما ms348 يفرق به بين ~~المرء وزوجه، وما يفرق به بين الأب وابنه، وما يفرق به بين المرء وأخيه، جاء ~~بالمساواة بين السيد والعبد، وبين القوي والضعيف، وبين ~~الغني والمعدم، بل جاء بما ~~يلقي في روع الضعفاء والأذلة من الناس أنهم خير من ساداتهم وأرفع منهم عند الله ~~مكانا، بل جاء بما يلقى في روع الناس أن ليس لهم إلا إله واحد يجب أن يعبدوه ولا ~~يشركوا به شيئا، وأن آلهتنا هؤلاء الذين هم وسطاؤنا عند الله باطل لا يملكون ~~لأنفسهم ولا يملكون لنا نفعا ولا ضرا. أفيعجبك هذا يا عم؟!» # قال الوليد وقد ملكه رعب شديد شاع في غيره من الملأ وقد رفع يديه فجعلهما أمام ~~وجهه كأنما يحتمي بهما من هول ما سمع: «أما هذا فلا» يقولها ثلاثا، ويقولها الملأ ~~معه كلما قالها. # قال النضر: «فروا رأيكم يا معشر قريش! فقد جاءكم ابن عبد المطلب بأمر ~~عظيم.» # قال عمرو بن هشام: «وأي رأي تريد أن نرى؟ إنه والله الهول ، فإن لم نغلبه غلبنا. ~~والله لنأخذن عليه الطريق، ولنسدن عليه المسالك، ولنحمين منه دين قريش وسلطانها ~~وسيادتها على العرب.» # قال الوليد: «هو ذاك يابن أخي، ولكن لا تعجلوا على صاحبكم وانتظروا به حتى يبين ~~لكم أمره جليا.» # قال عمرو: «ننتظر به حتى يفسد علينا أمرنا، وحتى نحاول الإصلاح فلا نجد إليه ~~سبيلا! لا والله لا نظرة ولا إمهال، وإنما هو السعي والاستقصاء منذ الآن، والسؤال ~~عن أمر محمد عند من عرفه من قريب ومن عرفه من بعيد، ومن يلوذ به من أتباعه إن كان ~~له أتباع، ومن يحف به من بني هاشم.» # قال القوم في صوت رجل واحد: «هذا والله الرأي يا أبا الحكم لا أرى غيره، لنسعين ~~ولنستقصين، ولنسألن عن أمر محمد القريب والبعيد.» # وتفرق القوم وفي صدر كل واحد منهم هم ثقيل. ولا يكاد عمرو بن هشام يبعد عن المسجد ~~قليلا حتى يرى حليفه ذاك الأعرابي فجأة، لا يدري أنجم له من الأرض أم هبط عليه من ~~الجو، ولكنه ms349 يراه وقد وضع يده على كتفه وهو يقول: «وريت # 6 # بك زنادي؛ لقد سدت قومك وملكت أمرهم، فلن يخالفوك في شيء منذ ~~اليوم.» # 7 # وأقام رسول الله في قومه دهرا لا يعرض لهم بشيء يكرهونه، ولا يلقونه بشيء ينكره، ~~وإنما يدعوهم إلى كلمة الحق، ويذيع فيهم البر والمعروف، ولا يجلس إلى أحد منهم إلا ~~قال له خيرا أو دعاه إلى خير، وقريش ترى منه ذلك، فتحمد حبه للعافية، وسعيه ~~بالخير، ولقاءه للناس بما يرضون. وقريش تسمع دعوته إلى الله، وأمره بالمعروف ونهيه ~~عن المنكر، فيستجيب له من أشرافها القليلون، ويستجيب له الكثيرون من الفقراء ~~والمستضعفين وأهل البؤس والضر. وهو يسوي بين أولئك وهؤلاء في حبه لهم وبره بهم ~~وعطفه عليهم، لا يفرق منهم بين الغني والفقير ولا بين ذي النفر والقوة ومن لا عون ~~له ولا ظهير، إنما هم جميعا إخوانه وأبناؤه، قد أحبهم في الله والخير، وأحبوه في ~~الله والخير. والملأ من قريش يرون ذلك فيعرفون بعضه وينكرون بعضه: يعرفون دعوته إلى ~~البر والمعروف، وسعيه بين الناس بالخير، ويعرفون أنه لا يؤذيهم ولا يريدهم بسوء، ~~ولكنهم ينكرون إيثاره للصغار والبائسين وتتبعه لهم بالود والبر والتكرمة، ويقول ~~بعضهم لبعض: لئن اتصل هذا من محمد ليفسدن علينا الناس، وليطمعن فينا ضعفاءهم، ~~وليصبحن أحدنا فإذا عبيده وإماؤه وأتباعه ومواليه يطلبون إليه أن يلقاهم من الخير ~~والبر والمساواة بمثل ما يلقاهم به محمد، ويومئذ لا يستقيم لقريش أمر. ثم يقول ~~بعضهم لبعض: ولكن محمدا لم يبغكم شرا، ولم يقدم إليكم مساءة في عادة أو دين، ~~إنما هو يأتي المسجد كما تأتونه، ويطوف بالبيت كما تطوفون به، ويسعى في أمره كما ~~تسعون في أموركم، ولكن له مع ربه ومع الناس مذاهب لا تذهبونها، وسيرة لا تسيرونها، ~~فلا سبيل لكم عليه حتى يباديكم بما تكرهون. فيغيظ ذلك منهم عمرو بن هشام ويلقاهم ~~بالشدة والحدة والمنكر من القول، يقول: «والله يا معشر قريش إنه للعجز، وإنكم ~~لتخافون من ظلالكم. إنكم لتكرهون من محمد مثل ما أكره، ms350 ولكنكم تخافون أن تبادوه بما ~~في نفوسكم فيباديكم بما في نفسه، فيظهر الشر بينكم وبينه، ويغضب له بنو هاشم وبنو ~~عبد مناف، فتكون الحرب. وما عرفت أبغض منكم للحرب، ولا أشد منكم لها تهيبا ومنها ~~إشفاقا.» # يقول قومه: «لا تجهل أبا الحكم! فما عرفناك جهولا، وما علمنا أن بينك وبين محمد ~~شرا.» فيجيب: «واللات والعزى ما أنا بالجهول! ولقد أسرفت على نفسي كما أسرفتم على ~~أنفسكم في الحلم، وإن بيني وبين محمد للشر كل الشر، وإن بينكم وبينه للشر كل الشر، ~~ولكني أرى ما لا ترون، وأعلم ما لا تعلمون.» # فيضحك عمه الوليد بن المغيرة ويقول: «ويح قريش من هذين الفتيين! أحدهما يأتيها ~~بأخبار السماء، والآخر يرى ما لا ترى ويعلم ما لا تعلم. والله ما أدري ماذا ألم ~~بهذا الحرم وقد كان آمنا!» # وفي ذات يوم امتلأت مكة بحديث كان له في قلوب الناس جميعا وقع غريب؛ فقد تحدثوا ~~أن رسول الله خرج من صمته ودعا إليه أشراف قريش، فلما اجتمعوا إليه عرض عليهم دينا ~~جديدا فيه التوحيد، ووعدهم إن سمعوا له واستجابوا لدعوته أن يكون لهم شرف الدنيا ~~والآخرة، وأنذرهم إن أبوا عليه وأعرضوا عن دعوته أن يستقبلوا عذابا مبينا مهينا ~~يلقون صدرا منه في حياتهم الأولى، ثم يخلدون فيه بعد الموت إلى غير غاية ولا أمد. ~~وتحدثت قريش بأن عمه أبا لهب كان أول من رد عليه فكذبه وآذاه، وتفرق الناس عنه ولم ~~يقل له أحد غير عمه شيئا. # تحدثت بذلك قريش نهارها كله وشطرا من ليلها، ثم أصبحت فتحدثت به، ثم أمست فخاضت ~~فيه، ثم جعلت لا تصبح ولا تمسي إلا كان محمد لها حديثا. وجعل عمرو بن هشام يلم ~~بأندية قريش في المسجد وبمجالسهم في الدور والمتاجر، ويخرج إلى الظواهر فيلم بأندية ~~البادين منهم، يقول لأولئك وهؤلاء: «أترون يا معشر قريش إلى محمد وقد ألقى القناع، ~~ودعاكم جهرة إلى ما كان يدعوكم إليه سرا؟! وإني أحلف باللات والعزى لو أخفتموه ~~حين كان يذيع مقالته فيكم ms351 خفية لما اجترأ على أن يفجأ الملأ منكم بما فجأكم به، ~~فخذوا حذركم وروا رأيكم، واجتهدوا لأنفسكم. فكأني بمحمد قد أفسد عليكم ضعاف الناس ~~في مكة، وكأني به قد أفسد عليكم العرب وأغواهم بكم وأطمعهم فيكم. وايم الله لتقتلن ~~محمدا أو ليقتلنكم جميعا.» # فيجيبه أشراف الناس وذوو الأسنان والمكانة فيهم: «إن ما تقوله لحق يا أبا ~~الحكم، ولكن الأمور لا تؤتى بهذا العنف ولا تعالج بهذه العجلة. إن لمحمد فينا ~~لمكانة وشرفا، وإن له من قومه لعزا ومنعة، وإن لبني هاشم وبني عبد مناف لبأسا ~~وقوة، فما ينبغي أن نعرض لمحمد بمكروه حتى نعذر فيه، وما نحب أن تسفك قريش دماءها ~~بأيديها، وإنما ندعو محمدا فنقول له ونسمع منه لعلنا نصرفه عن هذا الذي هو ماض ~~فيه، فإن لم يقبل منا رأينا فيه رأينا.» # فيرفع عمرو بن هشام كتفيه ساخرا، ويهز رأسه مستهزئا ويقول: «شيوخ قريش وذوو ~~الأسنان والأحلام فيها! ويل لقريش من الأسنان والأحلام!» فلما أكثر من ذلك وأثقل ~~على عمه الوليد وعلى مشيخة قريش قال له عمه: «على رسلك يابن أخي! إنك لتتمادى في ~~الجهل من يوم إلى يوم، وإن وجهك هذا الرائع، ولسانك هذا الذرب الفصيح لن يغنيا عن ~~قريش شيئا إذا قطعت أرحامها وسفكت دماءها، ولم ترع لهذا البيت مكانه، ولا لهذا ~~الحرم حقه.» # ثم اجتمع الملأ من قريش فدعوا رسول الله إليهم، فلما جاءهم قالوا له فأكثروا ~~القول، عرضوا عليه المال فرد عليهم المال، وعرضوا عليه الشرف والسيادة فرد عليهم ~~الشرف والسيادة، وعرضوا عليه الملك والسلطان فرد عليهم الملك والسلطان، وعرضوا عليه ~~الطب إن كان مريضا فرد عليهم الطب وقال: ما أنا بمريض. ثم قال لهم رسول الله ~~فدعاهم إلى الله، وحبب إليهم الخير، وزين لهم البر، وبين لهم أن آلهتهم لا تغني ~~عنهم من الله شيئا، ووعدهم شرف الدنيا والآخرة إن صدقوه، وأنذرهم خزي الدنيا ~~والآخرة إن كذبوه، فتفرقوا عنه ولم يظفروا منه بشيء، ولم يظفر منهم بشيء، ولكنهم ~~انصرفوا عنه وفي قلوبهم من ms352 الخوف والفرق ما لا يكادون يخفونه، وانصرف عنهم وفي نفسه ~~من الثقة واليقين ما يملأ قلبه إيمانا وتثبيتا. # واستأنف عمرو بن هشام سعيه فيهم وإلحاحه عليهم، يغريهم بمحمد مجتمعين، ويغريهم به ~~متفرقين، يسعى إليهم في أنديتهم ويلم بهم في بيوتهم، فيناجيهم في بغض محمد ويخوفهم ~~منه ويؤلبهم عليه. وأبو مرة من ورائه يقويه ويشد أزره، ويساقيه البغض والحسد لمحمد ~~حين يخلوان إذا تقدم الليل. حتى زار ذات يوم أمية بن خلف فرآه محزونا مكروبا، ~~قال: «ويحك أبا علي، إني لأراك كاسف البال كئيب النفس.» # قال أمية: «إن كنت لصادقا يا أبا الحكم في كل ما خوفتنا من محمد وما صورت لنا من ~~أمره.» # قال عمرو وهو يبتسم: «وما ذاك يا أبا علي؟» قال أمية: «لقد دخل بيتي من محمد شر.» ~~قال عمرو وهو يضحك: «أوأصابك الغيث؟» قال: «نعم! هذا عبد من عبيدي بلال بن رباح ~~تبع محمدا، فهو يصلي كما يصلي محمد، ويدعو بدعوته ويعتل علي فيما لم يكن يعتل ~~علي في مثله من قبل، ويوشك أن يفسد علي رقيقي كلهم إن استأنيت به.» # قال عمرو: «ولم تستأني به؟» قال أمية: «إنها الرحمة والبقيا يا أبا الحكم، فما ~~تعودت قتل الرقيق. وإني لأرجو أن أستصلحه فيعود علي منه نفع.» # قال عمرو: «لا تقتله ولكن عذبه حتى يثوب إلى ما تحب، وحتى يكون مثلا لغيره من ~~غلمانك وإمائك ومواليك.» # ومنذ ذلك اليوم بدأت محنة بلال رحمه الله، فسامه أمية من العذاب ألوانا ~~وألوانا، وكان يأتي به في اليوم القائظ وقد أجاعه وأظمأه حتى يكاد يهلك فيلقيه على ~~الأرض قد قيدت وشدت يداه إلى ظهره، ويعمد إلى الحجر الضخم الثقيل فيضعه على صدره ~~ويقول: لتهلكن أو لترفضن ما تابعت محمدا عليه؛ فلا يزيد بلال على أن يقول: «أحد! ~~أحد!» حتى مر أبو بكر رحمه الله بأمية ذات يوم وهو يصنع ببلال ذلك، فرق أبو بكر، ~~وكان رقيقا، ونهى أمية فلم ينته، فاشترى بلالا وأعتقه. وسن أبو بكر رحمه الله ~~هذه السنة. فكان ms353 بينه وبين عمرو بن هشام صراع رائع حقا، يغري عمرو بن هشام سادة ~~قريش بتعذيب من يسلم من رقيقهم، ويعلم أبو بكر ذلك فيسعى في شراء هؤلاء الرقيق ~~وإعتاقهم ليعبدوا الله أحرارا، حتى أنفق في ذلك صفوة ماله وكان غنيا. # وقد رأى عمرو بن هشام أن تعذيب الرقيق يسوء محمدا وأصحابه، ولكنه لا يمنع كلمة ~~الله أن تنتشر، ولا دين الله أن يظهر، فأخذ يغري أشراف قريش بفتنة الأحرار من ~~المسلمين وتعذيبهم، حتى يرجعوا عن دينهم، وحتى يكونوا مثلا يخوفون بهم غيرهم من ~~الناس. ولكن هذه الفتنة وإن شقت على محمد وعلى أصحابه لم تمنع كلمة الله أن تنشر، ~~ولا دين الله أن يظهر. وجعلت الأمور تجري في مكة على هذا النحو، يشتد عمرو بن هشام ~~وأضرابه في إيذاء محمد وأصحابه والإغراء بهم، فلا يزيد ذلك كلمة الله إلا انتشارا، ~~ولا يزيد ذلك دين الله إلا ظهورا. وقد عرف الناس في تاريخهم كله أن لن يخدم رأي ~~ولا دين بمثل اضطهاد أصحابه وفتنتهم، وقد كثر أصحاب محمد من الرجال والنساء، من ~~الأغنياء والفقراء، من الأحرار والرقيق، وقد ائتلفوا حوله يلقاهم مصبحا وممسيا، ~~فيدعوهم ويعلمهم ويبشرهم، وينذرهم، يجتمعون حوله مخلصين له مصدقين لما جاء، ~~ويتفرقون عنه داعين إلى ما يدعو إليه من الخير، ثم يعودون إليه وقد زاد عددهم الرجل ~~أو الرجال. وعمرو بن هشام لا يزداد لذلك إلا غيظا، حتى ساء خلقه وقبحت سيرته ~~واستهتر بالدعوة إلى الفتنة والإغراق فيها، فعرف بين المسلمين بأبي جهل؛ لأنه صورة ~~للجهل والحمق والغضب الذي لا يبقي على شيء. وكان أبو جهل مع ذلك جبانا رعديدا إذا ~~اتصلت أسبابه بأسباب محمد من قريب أو بعيد. كان يبغض محمدا بغضا مروعا لم يعرف ~~الناس مثله، وكان يخاف محمدا خوفا يضحك منه أحب الناس له وأعطفهم عليه. وكان أبو ~~جهل على ذلك كله قد حرم التوفيق في كل ما كان يأتي من الأمر، لحكمة أرادها الله ~~وأمر قدره؛ فكان يقدم على الأمر يظن أن فيه الإيذاء ms354 لمحمد والنيل منه والغض من قدره ~~والصد عن سبيله، فلا يكاد يأتي ما يأتي حتى ينقلب عمله خيرا لمحمد. لقي محمدا ذات ~~يوم فأفحش له بالقول وآذاه في نفسه إيذاء شديدا، وانصرف عنه رسول الله لم يقل له ~~شيئا؛ لأن الله قد أدبه بأن يأخذ العفو ويأمر بالعرف ويعرض عن الجاهلين. وشهدت ذلك ~~مولاة لعبد الله بن جدعان، فأنبأت به حمزة بن عبد المطلب مرجعه من الصيد، فحمى حمزة ~~لما سمع، ومضى إلى المسجد حتى غشي أبا جهل في ناد من أندية قريش فضربه بقوسه فشجه ~~شجة فاحشة. وهمت مخزوم أن تغضب لفتاها، فيقول أبو جهل لقومه مستخذيا: «دعوا أبا ~~عمارة فقد أفحشت لابن أخيه.» وينصرف حمزة من ساعته فيأتي ابن أخيه محمدا فيسلم ~~ويصبح أسد الله. # ولم ينكب أبو جهل في تلك الأعوام بمثل نكبته في ابن أخته حنتمة بنت هشام؛ فقد كان ~~عمر بن الخطاب فتى أروع من فتيان قريش، فيه شدة لم تعرف قريش مثلها إلا في خاله ~~عمرو، وكان يمالئ خاله ممالأة شديدة، فيغري بالمسلمين ويشتد عليهم، حتى خرج ذات يوم ~~متوشحا سيفه يريد أن يبطش بمحمد نفسه؛ ولكنه يعلم في طريقه إلى محمد أن الإسلام قد ~~دخل داره، وأن أخته قد أسلمت، فيعدل إلى أخته فيبطش بها حتى يسيل الدم من وجهها؛ ثم ~~تأخذه الرحمة فيرق لأخته ويلطف لها حتى تقرئه بعض ما كان يتلى عندها من القرآن. فلا ~~يكاد يقرؤه حتى يدخل الإيمان في قلبه، وإذا هو يسعى إلى محمد فيسلم، ثم ينصرف إلى ~~خاله فيطرق عليه بابه. فإذا رآه خاله رحب به ترحيب المحب لابن أخته الممالئ له على ~~أعداء قريش. ولكن عمر ينبئ خاله بأنه قد جاء يعلن إليه أنه قد شهد أن لا إله إلا ~~الله وأن محمدا رسول الله، فيرده أبو جهل أقبح رد، ويضيق بما أصابه فيه أشد الضيق. ~~وقد سبق النبأ بإسلام عمر إلى المسجد، فتعلم به أندية قريش فيروعها ما تعلم من ذلك. ~~ويأتي عمر فينهض له ms355 القوم يساورونه ويساورهم ويقاتلونه ويقاتلهم، حتى صلى وصلى بعده ~~المسلمون جهارا. # واشتد أمر المسلمين على قريش، واشتد أمر قريش على المسلمين، حتى أذن النبي ~~لأصحابه في الهجرة، فهاجر فريق منهم إلى أرض الحبشة حيث استطاعوا أن يعبدوا الله ~~أحرارا، وأقام الآخرون يدعون إلى الله بين أظهر قريش يلقون في ذلك من الشدة والعنت ~~ما يلقون. وخلا أبو جهل إلى صديقه مرة ذات ليلة يتساقيان البغض والحسد لمحمد كما ~~كانا يصنعان، ويستقصيان ما بلغت بهما خصومتهما لمحمد وأصحابه، فيقول أبو جهل ~~لصاحبه: «أحلف باللات والعزى ما بلغنا من ابن عبد المطلب وأصحابه شيئا، نفتنهم في ~~أنفسهم وأجسادهم وأموالهم فلا تزداد دعوتهم إلا انتشارا، ولا يزداد أمرهم إلا ~~ظهورا. إن أتباع محمد ليكثرون بين أظهرنا؛ وهذا دينهم قد خرج من مكة فاستقر في أرض ~~الحبشة، ووجد أصحاب محمد هنالك عزا ومنعة وجوارا.» # قال أبو مرة وهو يقدم القدح إلى عمرو: «اشرب أبا الحكم وريت بك زنادي! لقد ~~أبليت في جهاد محمد أحسن البلاء ، ولكن قومك لا يبلغون من نصرك وتأييدك ما ينبغي أن ~~يبلغوا. إنهم يخافون الحرب، ولو قد ثاروا بمحمد فقتلوه لكفوا أنفسهم شرا عظيما. ~~ولكن أبا طالب يقوم دون محمد ومعه فتيان بني هاشم فتكره قريش أن تسفك دماؤها ~~بأيديها. إنهم يبقون على محمد، وليأتين يوم يقتلهم فيه محمد تقتيلا إلا أن يسبقوا ~~إليه بالموت.» # وغدا أبو جهل على قومه ثائرا ثورة لم يعرفوا منه مثلها، حتى أحفظهم وكاد يستخف ~~أحلامهم ويخرجهم عن أطوارهم، لولا أن قالت مشيخة قريش: «على رسلكم أيها الناس! لا ~~تعجلوا على قومكم حتى تعذروا فيهم. لنسعين إلى أبي طالب فنسمع منه ونقول له، لعله ~~أن يسلم إلينا ابن أخيه أو أن يكفه عنا؛ فإن لم نظفر منه بإحدى الخصلتين رأينا فيه ~~وفي بني هاشم رأينا.» # قال أبو جهل: «يا للخزي! يا للعجز! أقسم باللات والعزى لتعودن من عند أبي طالب ~~كما تذهبون إليه لم تأخذوا منه شيئا. ويلكم! اقتلوا محمدا وافجئوا بموته أبا ~~طالب؛ فإنه ms356 إما أن يخاف كثرتكم وقوتكم فيقبل منكم ديته، وإما أن ينهض لحربكم فما ~~أيسر ما تردونه وقومه إلى الصواب.» # ولكن شيوخ قريش لم يسمعوا له، ونهضوا فمشوا إلى أبي طالب ومشى معهم أبو جهل لا ~~لشيء إلا ليشهد إخفاقهم فيما يسعون إليه. وقد انتهى القوم إلى أبي طالب، فقالوا له ~~وسمعوا منه، وطلبوا إليه أن يدعوا محمدا فيكلموه ففعل. وجاء محمد فسمع منهم ولم ~~يقبل مما عرضوا عليه شيئا. ثم دعاهم إلى الله، ووعدهم شرف الدنيا والآخرة إن ~~صدقوه، وأنذرهم خزي الدنيا والآخرة إن كذبوه، وطلب إليهم أن يقولوها كلمة واحدة ~~تدين لهم بها العرب والعجم. # قال أبو جهل: «ما هي؟ نقولها والله وعشرا أمثالها.» قال محمد: «تقولون لا إله ~~إلا الله.» فتفرق القوم وهم يقولون: «أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب.» ~~وانصرف أبو جهل ولم يشمت بقومه قط كما شمت بهم هذه المرة، فهو يستهزئ بذوي الأحلام ~~والأسنان وأصحاب الرأي والمشورة، يقول: «ما رأيت كاليوم رجلا واحدا يرد الملأ من ~~قريش خائبين مستخذين. فأما وقد بلغ بكم العجز ما أرى وانتهى بكم الجبن إلى ما ترونه ~~فلأكفينكم محمدا؛ فإن أمر محمد لا يعالج بالقول والسفارة، ولا بالاحتجاج والجدال، ~~وإنما يعالج بشيء واحد هو قتل محمد، ولأقتلنه من الغد بين أيديكم وأنتم ترون! ~~ولأقتلنه وهو يصلي لإلهه هذا الذي يريد أن نعبده مكان آلهتنا. لآخذن حجرا ضخما ~~ثقيلا فلأشدخن به رأسه إذا سجد، فإذا فرغت منه فقوموا دوني إن شئتم، أو أسلموني ~~لبني عبد مناف إن خفتم الحرب.» يقول الملأ من قريش وقد أحفظهم ما رأوا وما سمعوا: ~~«لا والله ما نسلمك لأحد أبدا.» # ثم غدت قريش إلى أنديتها لم يتخلف من أشرافها أحد لما شاع فيهم من وعيد أبي جهل. ~~وغدا أبو جهل وقد أخذ حجرا ضخما ثقيلا، فجلس إلى قومه يتحدث وينتظر مقدم النبي. ~~وأقبل رسول الله كعادته وطوف بالكعبة ثم قام يصلي، وقد جعل الكعبة بينه وبين الشام، ~~وقام أبو جهل فاستدبره ومعه الحجر لا ms357 يكاد يحمله لثقله، حتى إذا سجد رسول الله دنا ~~أبو جهل منه متباطئا، ولكنه لم يكد يبلغه حتى عاد منهزما وسقط الحجر من يده ~~والنبي ساجد لم يرفع رأسه من السجود. وتضاحكت قريش حين رأت أبا جهل يعود مهزوما ~~مدحورا قد ظهر في وجهه الخزي والانكسار. فلما رأى منهم ذلك قال: «ويلكم! قوموا ~~إليه إن شئتم فاصنعوا به ما أردت أن أصنع، والله لتردن عنه كما رددت.» # قالوا: «وماذا ردك أبا الحكم؟» قال: «رأيت والله بينه وبيني فحلا ما رأيت مثل ~~رأسه ولا مثل أنيابه قط. ولو أقدمت على ما كنت مقدما عليه لأكلني.» وأنبئ رسول ~~الله بالخبر فقال باسما: «ذاك جبريل. ولو قد أقدم على ما كان يريد لأخذه.» # وخلا أبو جهل إلى صديقه أبي مرة حول زقهما ذاك؛ فقال أبو جهل لصاحبه في شيء من ~~الخزي واللوم: «ما أراك أغنيت عني شيئا صباح اليوم. إنك لههنا تغريني وتحرضني ~~وتيسر علي الأمر وتمنيني الأماني حتى إذا جد الجد نظرت فلم أجدك، وخليت بيني وبين ~~الهزيمة والخزي، وأضحكت مني من كنت أستهزئ بهم من شباب قريش وشيوخها ~~جميعا.» # قال أبو مرة وهو يملأ له القدح: «اشرب أبا الحكم على بغض محمد؛ فقد علمت أن رجلا ~~واحدا لن يبلغ منه شيئا، وأن رجلين اثنين لن يبلغا منه شيئا، وأن رجالا كثيرين ~~لن يبلغوا منه شيئا حتى تجمع قريش كلها على قتله، فيومئذ تبلغ قريش ما تريد. فإلى ~~هذه الغاية فاسع منذ اليوم.» # ولم يقصر أبو جهل في السعي إلى غايته تلك التي رسمها له حليفه الأثيم، وإن كان قد ~~أمسك أياما عن الإلمام بأندية قريش، كان خجلا مستخذيا من انهزامه ذاك عن محمد، ~~ومن قصة الفحل التي تحدث بها إلى قومه، فأظهروا التصديق ولكنهم ظنوا بشجاعته ~~الظنون، وأخذوا يتعابثون به وبقصة الفحل كلما أحدث لهم منه ذكرا. وتريد شقوة أبي ~~جهل ذات يوم أن يدخل المسجد أعرابي، فيقف على بعض أنديتهم يستعين بهم على سيد من ~~سادات قريش قد اشترى منه ms358 إبلا ثم التوى عليه بثمنها لا يؤديه إليه، فإذا سئل ~~الأعرابي عن هذا السيد من يكون قال: هو أبو الحكم عمرو بن هشام، فيتضاحك القوم ~~ويقول بعضهم للأعرابي: أترى إلى هذا الرجل الوسيم الصبيح قد جلس من البيت غير بعيد! ~~إنه وحده الذي يستطيع أن ينصفك من عمرو بن هشام، فاذهب إليه فستجد منه عونا ~~وتأييدا حتى ترضى. وكان هذا الرجل الوسيم الصبيح محمدا رسول الله، فيذهب إليه ~~الأعرابي والقوم مغرقون في الضحك قد سخروا منه وخيل إليهم أنهم قد سخروا من رسول ~~الله. وأقبل الأعرابي على محمد # صلى الله عليه وسلم # فاستعانه واستنصفه. وينظر الملأ من قريش، ~~فإذا محمد قد قام، وإذا هو يمضي والأعرابي يتبعه، فيقولون لأحدهم اتبعهما وعد إلينا ~~من أمرهما بما يكون. ومضى محمد والأعرابي وراءه ورسول قريش يرقبهما من بعيد. حتى ~~إذا بلغ محمد دار أبي جهل طرق الباب، فخرج إليه عمرو بن هشام ووجهه ممتقع ما فيه ~~قطرة دم. قال محمد: «أد إلى هذا الرجل حقه.» قال أبو جهل: «نعم! لا تبرح حتى يرضى.» ~~ودخل داره ثم عاد فأدى إلى الرجل ما له وانصرف راضيا، فعاد إلى ندي قريش يثني ~~عليهم ويقول: صنع الله لكم! لقد أنصفني صاحبكم وما تركني حتى أدى أبو الحكم إلي ~~حقي. فتعجب قريش ويقول بعضهم لبعض: إنه والله الفحل الذي رآه أبو الحكم منذ حين. ~~حتى إذا لقوا أبا جهل فيما بعد سألوه فينبئهم: «إنه الفحل كان يسعى بين يدي محمد، ~~ولو قد التويت بحق هذا الأعرابي لما أنظرني.» # على أن أبا جهل جد في سعيه، وجد النكير بين المسلمين والمشركين واشتد نعي محمد ~~على قومه وعيبه لآلهتهم، وأنزل الله من القرآن آيات وسورا كانت تدمغ قريشا وتؤذي ~~ما كانت تعتز به من الصلف والكبرياء أشد الإيذاء. وقد حاول الملأ من قريش أن يعطوا ~~محمدا الرضا فلم يقبل منهم إلا الإيمان، ولم يستطيعوا أن يعطوه الإيمان. وحاول ~~الملأ من قريش أن يخذلوا أبا طالب عن ابن أخيه فلم يزيدوه ms359 إلا جدا في نصره ~~وحمايته، حتى استطار الشر وعظم الخطب، ولم يبق بد لقريش من أن تسمع لمشورة أبي جهل ~~وتصير إلى ما كان يريد. # وقد صارت قريش إلى ما أراد أبو جهل وحليفه أبو مرة، فاجتمع الملأ منهم وكتبوا ~~صحيفتهم تلك يقطعون فيها رحم بني هاشم ويحظرون فيها على قريش أن يكون بينهم وبين ~~بني هاشم بيع أو شراء أو صهر أو تواصل ما. وانحاز بنو هاشم مع أبي طالب إلى شعبهم ~~فحصروا فيه، حتى اشتد عليهم الجهد وعظم عليهم البلاء، وحتى جاع صبيتهم فما ينامون ~~الليل، ولكنهم مع ذلك صبروا للمحنة كراما واحتملوها أعزة شما. منهم من كان يؤمن ~~لمحمد فهو يصبر طاعة لله وجهادا في سبيله. ومنهم من كان على جاهليته فهو يصبر ~~عصبية للحسب والنسب، وإباء للضيم، وبغضا لسوء القالة. ولم يقض أبو جهل أياما كانت ~~أحب إليه من هذه الأيام؛ فقد كان سعيدا بظلم بني هاشم ناعما بما يلقون من جهد، قد ~~وجه قومه إلى حيث يريد فاتبعوه، واتبعوه جميعا لم يكد يخالف عن أمره منهم ~~أحد. # ورضي أبو مرة كل الرضا، وكان يقول له وهو يساقيه البغض: «إنك لتدنو من الغاية يا ~~أبا الحكم. فأنتم أولاء قد كدتم تجمعون على قطيعة محمد وبني هاشم، وليس بينكم وبين ~~الإجماع على حربه وحربهم إلا خطوات قصار.» # ولكن أبا طالب يغدو ذات يوم فيدخل المسجد ويطوف بالبيت، ثم يقف على ناد من ~~أنديتهم فيقول: «يا معشر قريش! إن ابن أخي قد أنبأني بشيء سأنبئكم به، فإن كان قد ~~صدقني فكفوا عما أنتم فيه من ظلمنا وقطيعتنا، وإن كان قد كذبني دفعته إليكم ~~فقتلتموه وعادت العافية إلى قريش.» # قالوا: «أنصفتنا والله يا أبا طالب. فبماذا أنبأك ابن أخيك؟» # قال: «أنبأني بأن صحيفتكم تلك التي تعاهدتم فيها على ظلمنا وقطيعتنا وعلقتموها في ~~جوف الكعبة قد عدت عليها الأرصفة فمحت كل شيء فيها إلا اسم الله، فاعمدوا إلى ~~صحيفتكم هذه فانظروا فيها.» وعمدت قريش إلى الصحيفة وهي لا تشك في ms360 أن أبا طالب قد ~~غر عن نفسه. ولكن القوم ينظرون إلى الصحيفة فإذا محمد لم يقل لعمه إلا الحق، وإذا ~~الصحيفة قد محي كل شيء فيها إلا اسم الله فإنه لم يمسه سوء. فسقط في أيدي قريش، ~~وأخذ الملأ يتلاومون على ما تعجلوا به من وعد أبي طالب بالنصفة، وأخذ بعضهم مع ذلك ~~يقول: «لا والله لا نكذب الشيخ ولا نخلفه وعدنا. ولقد علمنا أن هذه الصحيفة كانت ~~شؤما، لقد شلت يد كاتبها. ولا والله ما جرت علينا القطيعة إلا شرا. كيف نأكل ~~ونشرب وننام وننعم بالطيبات، وإخواننا جياع قد بلغ بهم الضر كل مبلغ؟!» # واجتهد أبو جهل في أن يجمع قريشا على القطيعة ويمضي بها فيما أحب من إخلاف الوعد ~~ونكث العهد فلم يفلح، وإنما انتصر عليه أولو الحلم والمروءة من قومه، فرفع الحصار ~~عن بني هاشم، واستخذى أبو جهل وحليفه أبو مرة، وعادا يلتمسان العزاء عند زقهما ~~ذاك الروي بنار تشبه الخمر أو خمر تشبه النار. # 8 # على أن الحوادث ردت إلى أبي جهل صلفه وخيلاءه، وإلى أبي مرة شيئا من أمل وفضلا ~~من رجاء. فقد مات أبو طالب، وماتت بعده خديجة بقليل، وفقد محمد ردأه الذي كان ~~يلوذ به، كما فقد سكنه الذي كان يأوي إليه، وأدركته الشدة حين كان يلقى الناس فيطمع ~~فيه سفهاؤهم ويهزأ منه حلماؤهم. وأدركته الشدة حين كان يأوي إلى بيته فلا يجد فيه ~~ما كان يجد عند خديجة من الرحمة والعطف والعزاء. وهم عمه أبو لهب أن يقوم منه مقام ~~أبي طالب فيحميه من الأذى ويجيره من الظلم والبغي. ولكن أبا جهل عرف كيف يرد أبا ~~لهب عن همه ذاك، جاءه فقال له: «سل ابن أخيك عن أبيك عبد المطلب أين هو؟» فلما ~~سأل أبو لهب محمدا: «أين عبد المطلب؟» أجابه: «بين قومه.» فخرج الرجل راضيا لا ~~يرى بجواب ابن أخيه بأسا. ولكن أبا جهل ضحك له ضحكة الشيطان وقال: «فإنه يزعم أن ~~عبد المطلب وقومه في النار.» فرجع أبو لهب إلى ms361 ابن أخيه يسأله: «أحق ما أنبئت به من ~~أنك تقول إن عبد المطلب في النار؟» قال رسول الله: «نعم! وكل من مات على جاهليته ~~فهو في النار.» قال أبو لهب: «لا جوار لك عندي.» ثم خرج إلى قريش، فقال: «اصنعوا ~~بصاحبكم ما تريدون فإني قد رفعت عنه حمايتي وجواري.» # منذ ذلك اليوم بلغت الفتنة أقصاها، وانتهت المحنة إلى غايتها، وعرف رسول الله أن ~~ليس له بمكة أمن، فخرج يلتمس الأمن في الطائف عند ثقيف، فردوه أشنع رد وأقبحه، فعاد ~~إلى مكة محزونا مكلوما، واثقا بالله مع ذلك أعظم ثقة وأقواها. على أنه لم يستطع ~~أن يدخل مكة حتى أرسل إلى مطعم بن عدي فاستجاره فأجاره مطعم، ودخل مكة آمنا. ولكن ~~أي أمن هذا الذي هو مدين به لرجل من غير رهطه الأدنين! # وفي تلك الأعوام طغت قريش وبغت، وأسرف أبو جهل في فرحه ومرحه. وجعل محمد يترقب ~~الموسم يعرض نفسه على قبائل العرب يسألهم أن يحموه ويمنعوه حتى يؤدي رسالات ربه فلا ~~يجد عندهم غناء، حتى استجاب له الأوس والخزرج، فأذن للمسلمين في الهجرة إلى يثرب، ~~وأخذوا يخرجون من مكة أرسالا. هنالك تنبه أبو جهل وما كان غافلا، فجد في تحريض ~~قريش وتأليبها لتمنع المسلمين من الهجرة. ولكن لله أمرا هو بالغه، وقدرا هو ~~مجريه؛ فقد هاجر أكثر المسلمين، وأقام محمد بمكة ينتظر إذن الله له في الهجرة، ومعه ~~صاحبه أبو بكر وابن عمه علي. وقد علمت قريش وعلم أبو جهل أنها القوة والمنعة لمحمد ~~إن هاجر إلى يثرب، وأنها الحرب على مكة ومن فيها إن استطاع محمد أن يأوي إلى ~~الأنصار. # وهنا بذل أبو جهل أقصى جهده وغاية ما يملك من قوة، وآزره حليفه أبو مرة فأحسن ~~مؤازرته. واجتمعت قريش في دار ندوتها تتشاور في أمر محمد، وحضر اجتماعهم أبو مرة ~~ظاهرا لهم في زيه ذاك الذي كان يراه فيه أبو جهل. فلما جعل القوم يديرون رأيهم ~~بينهم أخذ أبو مرة يرد على كل متكلم كلامه، حتى قال أبو ms362 جهل مقالته فأيدها أبو مرة ~~أشد التأييد. ولم لا! لقد كانت مقالة أبو جهل تبلغه الغاية التي كان يسعى إليها. ~~رأى أبو جهل أن ينتدب لقتل محمد فتى جلدا من كل قبيلة من قبائل قريش، ثم إذا ~~اجتمع هؤلاء الفتيان عدوا على محمد فضربوه بسيوفهم ضربة رجل واحد، فإذا فعلوا ذلك ~~ذهب دمه بين القبائل، ولم يعرف بنو عبد مناف عند من يطلبون بدمه. ولكن كيد أبي جهل ~~وأبي مرة لم يغن عنهما من الله شيئا؛ فقد خرج محمد على هؤلاء الفتيان يتلو آيات من ~~القرآن، ويضع التراب على رءوسهم، وغشيت أبصارهم فهم لا يرونه، وارتدوا عما أرادوا ~~خائبين، كما ارتد أبو جهل خائبا عن كل ما أراد. # 9 # على أن مكة خلصت لأبي جهل وحليفه أبي مرة حينا من الدهر حين هاجر منها محمد ~~وأصحابه. فلم يعبد الله فيها إلا سرا، وخفت فيها صوت الحق إلى حين. وظهر فيها بغي ~~قريش وكبرياؤها كعهدهما قبل أن يشرق في مكة نور الإسلام. ولكن من بقي من شيوخ قريش ~~وذوي أحلامها كانوا يظنون السوء وينتظرون المكروه، ولا يشكون في أن ستكون بينهم ~~وبين أصحاب محمد خطوب. وقد أخذت هذه الخطوب تتابع قليلا قليلا، حتى كان الخطب ~~الأكبر يوم بدر. # هنالك ندب رسول الله أصحابه للخروج إلى تجارة قريش مرجعها من الشام، لعل الله أن ~~ينفلهم إياها. فخرجوا، حتى إذا كانوا في بعض الطريق عرف أبو سفيان مكانهم فأرسل ~~يستنفر قريشا لحماية العير، ونفرت قريش لم يكد يتخلف أحد من أشرافها. وساحل أبو ~~سفيان بتجارته فأحرزها وأمن عليها من محمد وأصحابه، وأرسل إلى قريش يأمرهم بالرجوع ~~إلى مكة وينبئهم أن قد أمنت العير. ولكن أبا جهل يأبى إلا أن يبلو بلاءه الأخير، ~~فيقسم لا نرجع حتى نأتي بدرا فنأكل ونشرب ونطرب ونطعم الناس، ويعرف العرب ذلك ~~فنسترد هيبتنا في نفوسهم. وقد استمعت له قريش لا تظن أن عليها بذلك بأسا. حتى إذا ~~بلغوا بدرا والتقى الجمعان، عرفت قريش أنها الحرب، ونظرت قريش فإذا ms363 محمد وأصحابه ~~لا يكادون يتجاوزون ثلاثمائة إلا قليلا. ولكن قريشا تنظر فترى قوما مشاة يريدون ~~أن يحملوا، حفاة يريدون أن ينتعلوا، جياعا يريدون أن يأكلوا، عراة يريدون أن ~~يكتسوا، لا يحميهم ولا يمنعهم إلا سيوفهم، فيشفق أشراف قريش من هذه البلايا تحمل ~~المنايا. ويسعى عتبة بن ربيعة وحكيم بن حزام في قبائل قريش يحببون إليهم السلم ~~ويدعونهم إلى القفول. ولكن ذلك يبلغ أبا جهل عن عتبة فيقول: «انتفخ والله سحره.» # 7 # ويبلغ ذلك عتبة فيقول: «سيعلم ابن الحنظلية أينا انتفخ سحره» ثم يدعو ~~بسلاحه ويكون هو وأخوه شيبة وابنه الوليد أول من يخرج إلى القتال، فيقتلون جميعا. ~~ويزحف القوم بعضهم على بعض وقد سقى أبو مرة نديمه وحليفه كأسه الأخيرة من خمر كأنها ~~النار أو نار كأنها الخمر، وزين له أن النصر قريب فخرج أبو جهل يرتجز: # ما تنقم الحرب العوان مني # بازل عامين حديث سني # لمثل هذا ولدتني أمي # ولكن أبا جهل لا يكاد يقوم حتى يرى هولا لم ير مثله قط، وما كان يقدر أنه سيراه ~~آخر الدهر. يرى سحائب بين السماء والأرض قد أظلم لها الجو، ومرت كأنها العواصف، ثم ~~هبط منها أشخاص قد لبسوا العمائم وألقوا فضلها على ظهورهم، وركبوا الخيل مسومة، وهم ~~يضربون من المشركين الأعناق ويقطعون منهم كل بنان. وينظر أبو جهل عن يمين وشمال، ~~وينظر أبو جهل وراءه يلتمس حليفه ونديمه أبا مرة، فإذا هو قد ذاب كما يذوب الملح. ~~هنالك يذهب الغرور كله عن عمرو بن هشام، ولا يبقى في نفسه إلا حفاظ الرجل العربي ~~وكبرياؤه. هو بين اثنتين: إن شاء لوى عنان فرسه فطارت به إلى حيث الأمن، وإلى حيث ~~السيادة، وإلى حيث أبو مرة وخمره وكيده، وإلى حيث العار، وإن شاء مضى أمامه فأحس ~~الألم ساعة ثم مضى كما يمضي الناس منذ أول الدهر. ولا والله لا تضحك مني قريش، ولا ~~تحدثني بحديث الفحل، ولا تقول قريش إني ما رأيت محمدا إلا ملئت منه رعبا ووليت ~~فرارا. ثم يقحم فرسه ms364 بين الصفوف، وإذا هو صريع قد قطعت إحدى ساقيه والدم ينزف منه ~~نزفا شديدا، ولكنه مستيقظ يقظة لم يعرفها قط، يرى كل شيء، يرى أصحاب محمد يأخذون ~~ظهور قريش برماحهم، ويرى رجلا قد أقبل يسعى حتى وطئ صدره بقدميه. من يكون هذا ~~الرجل؟ إني أعرفه! لقد فتنته بمكة فتنة شديدة! إنه الهذلي ابن مسعود راعي ~~الغنم! # ثم يرتفع صوت أبي جهل متحدثا إلى ابن مسعود رضي الله عنه فيقول: «لقد ارتقيت ~~مرتقى صعبا يا راعي الغنم.» يقول ابن مسعود: «وهل أخزاك الله يا عدو الله!» قال ~~أبو جهل: «وبم أخزاني! وأي عار على فتى قتلتموه! ولكن أنبئني لمن العاقبة؟» قال ابن ~~مسعود: «لله ولرسوله وللمسلمين»، ثم أهوى إليه فاحتز رأسه وحمله إلى النبي. وبعد ~~قليل ألقي قتلى بدر من المشركين في القليب، ووقف عليهم رسول الله يقول: «يا معشر ~~قريش! أرأيتم ما وعدكم ربكم حقا! فإني رأيت ما وعدني ربي حقا.» يقول المسلمون: ~~«أتكلم الموتى يا رسول الله؟» فيقول # صلى الله عليه وسلم ~~: «والله ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ~~ولكنهم لا ينطقون.» # 10 # أشرف خالد بن الوليد رحمه الله على بدء الزحف العام يوم اليرموك وكان مشرق الوجه ~~مبتهج النفس، ولكن شيئا من القلق كان يظهر في عينيه اللتين كانتا تمتدان في الأفق ~~كأنما تريدان أن تبلغا ما وراء الجيشين الملتحمين، ثم تنحرفان إلى يمين مرة وإلى ~~شمال مرة أخرى، كأنما تريدان أن تتعجلا عواقب الموقعة لتعودا بها إلى نفس القائد ~~العظيم الذي لم يعرف إلا الانتصار، والذي كان شديد الشوق إلى أن يتبين الموقعة قبل ~~أن تتم وقبل أن تأتيه بها رسله وعيونه. # وكان خالد بن الوليد رحمه الله ينظر إلى هذين الجيشين العظيمين وقد سعى كل منهما ~~إلى صاحبه في أناة ورزانة وثقل، حتى ليخيل إلى من كان يراهما أنهما الجبال ~~المتقابلة يسعى بعضها إلى بعض في مهل وبطء، ثم لا يزال بها السعي البطيء حتى تستحيل ~~الأناة عجلة والمهل سرعة، وحتى يرى الرائي كأنما قد زلزل ms365 كل شيء، فمادت الأرض، ~~واضطربت السماء، وماج الجو، واختلط كل شيء اختلاطا هائلا غريبا. # وكان خالد يذكر ما ألف من الحرب في بلاد العرب، وما ألف من الغزوات التي شهدها. ~~وكان يذكر ما كان الناس يتحدثون به عن هول هذه المواقع، فيبتسم ابتسامة فيها العجب ~~وفيها الرضا. وأكبر الظن أنه كان يوازن بين تلك المواقع اليسيرة وبين هذه الموقعة ~~الهائلة التي لم ير عربي مثلها قط. فقد كانت أكبر جيوش العرب حين يحارب بعضهم ~~بعضا لا يكاد يتجاوز أحدها الألف أو الآلاف. فلما زحف النبي على مكة بعشرة آلاف من ~~المسلمين أكبرت العرب ذلك وهابته هيبة شديدة. ولم تكد قريش ترى مقدم هذا الجيش حتى ~~استحالت كبرياؤها فأصبحت تواضعا وطاعة، وإذا النبي يسأل قومه: «ما تظنون أني فاعل ~~بكم؟» فلا يدرون كيف يجيبون. فإذا عرفوا أنه العفو قالوا: «أخ كريم وابن أخ ~~كريم.» # ولما بلغ جيش النبي يوم حنين عشرتين أو ثلاث عشرات من الألوف ظنت العرب أن الجيوش ~~لن تبلغ مثل هذا العدد آخر الدهر. وهذا خالد يقود جيشا للمسلمين يبلغ العشرات ~~الكثيرة من الألوف إلى جيش من الروم يبلغ العشرات الكثيرة من الألوف. # وقد تغيرت الحرب فلم تصبح كرا وفرا ومبارزة ومناجزة، وإنما هي زحف الجبال إلى ~~الجبال، واختلاط الأرض بالسماء. فلما ملأ خالد رحمه الله عينيه من هذا المنظر ~~الرهيب عاد إلى مجلسه في سرادق الأمير، وقد ذكر أن عظيما من عظماء الروم قد انحاز ~~إليه، وأنه سيلقاه ويسأله عن شأنه. ولم يكد يستقر في مجلسه حتى أذن للعظيم الرومي، ~~فأدخل عليه، وإذا شيخ جليل قد تقدمت به السن لولا بقية من نشاط وفضل من قوة، وإذا ~~هو يحيي خالدا تحية الإسلام في عربية فصيحة يلتوي بها لسانه بعض الشيء. فيرد عليه ~~خالد تحيته بمثلها. ثم يسأله: «أتتكلم العربية أيها الشيخ أم هي تحيتنا تعلمتها ~~لتلقانا بها لقاء حسنا؟» قال الشيخ: «أصلح الله الأمير! فإن لي بالعربية عهدا، ~~وما أظننا نحتاج إلى ترجمان.» فأجلسه خالد إلى جانبه ms366 محتفيا به مقبلا عليه، ثم ~~أشار إلى من حوله فانصرفوا، والتفت إلى الشيخ كأنه ينتظر أن يبدأ بالحديث. قال ~~الشيخ: «أصلح الله الأمير! إنك لم تخل إلى رجل من الروم قد أقبل يسعى إليك فيما ~~يسعى فيه الساسة الذين يخالفون عن رؤسائهم وساداتهم إلى العدو ليدلوه على عوراتهم، ~~ويظهروه على ما دبروا من الكيد لرؤسائهم والانحياز إلى المغيرين، إنما تخلو إلى ~~مسلم قد شهد فجر الإسلام حين انبثق في البطحاء من أرض الحرم، فآمن به حين استيقن ~~أنه الحق قد جاء من عند الله. ثم فر بما علم من ذلك فهاجر إلى مكة إلى وطنه من بلاد ~~الروم يهيئ قومه لمثل هذا اليوم الذي نحن فيه. وقد مضت أعوام وأعوام وأنا أستقصي ~~الأنباء وألتقط الأخبار وأعلم ما يحدث في مكة وفي يثرب من الخطوب. حتى إذا كانت ~~وقعة مؤتة علمت أن الشمس قد أخذت تبلغ أرضنا، وأن نور الله قد أخذ يشرق في آفاقنا. ~~ثم ها أنتم هؤلاء قد أقبلتم مظفرين، فجئت لألقاك بالبشرى، ولأنبئنك بأن لا بأس ~~عليكم بعد هذه الموقعة، فلن يثبت لكم العدو في مدينة أو قرية أو مكان ما في هذه ~~الأرض ولا في غيرها مما يجاورها من الشام ومصر، ولن تجدوا من الناس بعد انهزام ~~الجيوش عنكم إلا مودة ومعونة وحسن لقاء. فاقدموا عليهم كما تقدمون على الصديق لا ~~كما تقدمون على العدو، فسيدخلون في دين الله أفواجا وستخلص لكم نفوس الذين ~~يستمسكون بدين آبائهم.» # قال خالد: «ألم تنبئني أنك شهدت فجر الإسلام حين انبثق بمكة؟!» # قال الشيخ: «نعم! وكنت ثاني اثنين كانا يرقبان مطلع الفجر؛ فأما أحدنا فأقام بمكة ~~ومات فيها. وأما الآخر فأقبل إلى هذه الأرض يبشر الناس بمطلع الفجر.» # قال خالد: «فمن ذاك الذي مات بمكة؟» قال الشيخ: «ابن عمك ورقة بن نوفل.» # قال خالد: «وأنت من تكون؟» قال الشيخ: «أنا من أكون! لست أدري أيدلك اسمي على ~~شيء! ولكن أباك كان يعرفني حق المعرفة ويبغضني أشد البغض، وابن عمك كان يعرفني ms367 حق ~~المعرفة ويحبني أشد الحب.» # قال خالد: «أي أبناء عمي؟» قال الشيخ: «عمرو بن هشام بن المغيرة، كنا نسميه أبا ~~الحكم.» قال خالد: «ثم سميناه بعد ذلك أبا جهل.» قال الشيخ: «وقد صرعه البغي والحسد ~~يوم بدر.» # قال خالد: «نعم! صرعه البغي والحسد؛ صرعه البغي والحسد وغرور الشيطان.» وسمع خالد هائعة # 8 # خارج السرادق، فسكت كأنما يريد أن يتبين ما سمع، وإذا قوم يريدون أن ~~يقتحموا باب الأمير والحجاب يذودونهم عن ذلك. فيضرب خالد إحدى يديه بالأخرى ويدخل ~~نفر من المسلمين وقد احتملوا بينهم رجلا جريحا قد أشرف على الموت ولكن فيه رمقا، ~~وهم يقولون: ابن عمك أيها الأمير عكرمة بن أبي جهل. فيغشى وجه خالد حزن لا يلبث أن ~~تطرده ابتسامة حلوة، ويشير إليهم أن قدموا الجريح؛ فإذا وضعوه قريبا منه أقبل عليه ~~فوضع رأسه على فخذه وجعل يمر يده على جبهته إمرارا خفيفا وهو يقول: «أتسمعني يا ~~عكرمة؟» فيشير الجريح بطرفه «أن نعم.» يقول خالد: «زعم ابن حنتمة أننا لا نستشهد، ~~أبشر بالجنة يا عكرمة!» ثم يلتفت إلى الشيخ ويقول: «أما أبوه فقد صرعه الحسد ~~والبغي، وأما هو فقد صرعه الجهاد في ذات الله.» وإذا الشيخ قد وقف رافعا يديه إلى ~~السماء وهو يتلو: # ولا تحسبن الذين قتلوا في ~~سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم ~~يرزقون ~~. # قال خالد: «وقد حفظت من القرآن شيئا أيها الشيخ؟» قال الشيخ: «نعم! حفظت منه ~~شيئا.» قال خالد: «ولكنك لم تنبئني من أنت؟» قال الشيخ وقد استعبر: «لو استطاع هذا ~~الفتى أن يراني لعرف أني نسطاس، ولكنه يرى الآن وجوها خيرا من وجه نسطاس، ويسمع ~~أصواتا أعذب من صوت نسطاس، يرى وجوه الملائكة ويسمعهم يقولون له ولأمثاله الذين ~~يصرعون الآن في ذات الله وهم يفتحون لهم أبواب الجنة: # سلام ~~عليكم طبتم فادخلوها خالدين ~~.» # الفصل الثاني # | سيد الشهداء # خلا الأمير إلى سماره حين تقدم الليل، وسكنت حركة الأحياء والأشياء، وارتفعت في ~~السماء أضواء الدور في المدينة وأضواء القصور من حولها، وانحدرت إلى الأرض ms368 أشعة النجوم ~~رفيقة رقيقة مضطربة. وكان الأمير على غير عادته كئيبا كاسف البال، مؤثرا للصمت معرضا ~~عن أصحابه، لا يكاد يسمع لما يدور حوله من الحديث. فلما سأله في ذلك آثر أصحابه عنده ~~قال الأمير: «ألم تر إلى الناس حين كنا نعشيهم كيف كان إقبالهم على طعامهم فاترا ~~بطيئا، وكيف كان حديثهم فيما بينهم خافتا خفيا، وكيف كان يستأثر بهم ويسيطر عليهم ~~ذهول غريب يجعل حركاتهم آلية لا تصدر عن رأي ولا إرادة، وإنما تصدر عن عادة وغريزة! لقد ~~خيل إلي أن قد فرق بينهم وبين أنفسهم، فكأنما كانت أنفسهم في السماء وأجسامهم في ~~الأرض. ولقد عرفت هؤلاء الناس وعرفوني، ولقد بلوتهم وبلوني، وما أذكر أنهم أخذوني بما ~~لا أحب، وما أذكر أني سرت فيهم بما لا يرضون من سيرة الأمراء.» # قال صاحب الأمير: «فإن الأمير أعزه الله يعلم أن هؤلاء الناس قد شغلوا اليوم عن ~~أنفسهم بآبائهم وأجدادهم، وشغلوا عن يومهم الحاضر وغدهم المقبل بأمسهم القريب.» قال ~~الأمير: «وما ذاك؟» قال صاحبه: «فإن أصحابك قد رفعوا إليك من غير شك قصة هذه القبور ~~التي نبشت، وقصة هذه الآية التي ظهرت.» # قال الأمير: «فإن أصحابي لم يرفعوا إلي من ذلك شيئا، وإنما هو أمر جاء من دمشق، ~~ومضينا في إنفاذه اجتهادا للناس ونصحا لهم وإيثارا لهم بالري والخصب والعافية. وما ~~أعرف أن أحدا منهم أنكر من هذا الأمر شيئا، أو قال فيه بغير ما نقول، أو أشار فيه ~~بغير ما أمر أمير المؤمنين.» # قال صاحب الأمير: «أما والله لولا أن الأمر قد سبق بذلك منذ العام الماضي حين لم تكن ~~واليا على هذه المدينة وحين كان أمرها إلى من لا نحب أن نتحدث إليه أو نشير عليه، لقد ~~كان لنا في ذلك رأي غير ما رأى، ولقد كنا خليقين أن نشير على أمير المؤمنين بغير ما ~~تقدم به في أمر هذه القبور. إنها قبور الشهداء؛ إنها قبور الذين صرعوا في الله يوم أحد؛ ~~وإن كثرتهم لمن الأنصار. وقد أراد الله ms369 أن يدفنوا حيث صرعوا. وقد أنبئنا أن جماعة من ~~الأنصار هموا بنقل موتاهم إلى المدينة ليدفنوا فيها، فكره رسول الله # صلى الله عليه وسلم # ونهى عنه ~~وأمر بهؤلاء الشهداء فردوا إلى مصارعهم ودفنوا حيث أراد الله أن يدفنوا ورسول الله قائم ~~يصلي عليهم ويشهد دفنهم، وكأنما كان يستودعهم هذه الأرض التي طهرتها دماؤهم الذكية حتى ~~يكون اليوم الذي ينشرون فيه من قبورهم ليلقوا جزاء الشهداء الصديقين. فلو قد سئلنا في ~~ذلك لأجبنا. ولو قد استشرنا في ذلك لرأينا لأمير المؤمنين غير ما رأى له هؤلاء الشباب ~~من فتيان قريش. فإن من الخير أن يجري أمير المؤمنين لأهل المدينة هذه العين تحمل إليهم ~~الري والخصب، ولكن مما يؤذي أهل المدينة أن تنبش قبور آبائهم وأجدادهم من الشهداء، وأن ~~يحولوا عن أرض قسمها لهم الله ورسوله.» # قال الأمير: «فتراهم قد سخطوا على ذلك وضاقوا به وأنكروه؟» # قال صاحب الأمير: «ما أشك في ذلك. ولكن الله عز وجل قد أراد بهم وبأمير المؤمنين ~~خيرا، فأظهر لهم هذه الآية التي صرفتهم عن الدنيا إلى الدين، وعن التفكير في اليوم ~~والغد إلى التفكير في أمس وفي يوم يرونه بعيدا ويراه الله عز وجل قريبا.» # قال الأمير: «فإني لا أفهم عنك ما تقول منذ الليلة!» قال صاحبه: «فإن أصحابك إذا لم ~~ينبئوك بالحال التي وجدوا عليها أجسام الشهداء.» قال الأمير: «لم ينبئني أحد بشيء.» قال ~~صاحبه: «فإن أجسام الشهداء قد وجدت رطابا كشأنها يوم دفنت. ولقد كانت تحمل من مكان إلى ~~مكان فتنثني وتضطرب، رخصة كأنما هي مغرقة في النوم لم يلم بها الموت. وأكثر من ذلك أن ~~المسحاة أصابت رجل سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب فجرى منها دم زكي كما يجري دم ~~أحدنا حين يصيبه الجرح اليسير، وقد مضى على مصرع هؤلاء الشهداء أكثر من أربعين عاما، ~~وقد رأى الناس ذلك وأحسوه، وتأثرت به نفوسهم، واضطربت له قلوبهم، وازداد له إيمانهم، ~~فهم بين الحزن لما كان من تحويل هؤلاء الشهداء عن قبورهم، والإعجاب بما ms370 كان من هذه ~~الآية، وقد صرفهم هذا الإعجاب عن إظهار ما كان خليقا أن يملأ قلوبهم من سخط وإنكار. ~~فلا تضق بما رأيت من وجومهم وذهولهم؛ فإن بعض هذا كان خليقا أن يضطرهم إلى الوجوم ~~والذهول.» # وكان في القوم شيخ قد تقدمت به السن وظهرت عليه الكبرة والهرم، وقد جلس في آخر المجلس ~~مطرقا ممعنا في الصمت والسكون كأنه قطعة من صخر. فلما انتهى سمر الأمين من حديثه إلى ~~هذا الموضع، رفع هذا الشيخ رأسه وقال في صوت هادئ رزين يكاد يضطرب شيئا، وإن عينيه ~~الغائرتين الضئيلتين لتبضان بوشل من الدمع شديد التأثير في النفوس - وأي شيء ~~أبلغ من بكاء الشيوخ! - قال هذا الشيخ في صوته الهادئ الرزين: «رحم الله حمزة! إن كان ~~لسيد الشهداء حقا، وإن كانت حياته لموضع العبرة الصادقة والموعظة البالغة. كان إسلامه ~~عنيفا، وكان بلاؤه في الإسلام عنيفا، وكان مصرعه في الله عنيفا، وكان ما ترك من حزن ~~عليه ووجد به وحب له عنيفا أيضا. وماذا تقولون في أنه لم يبلغ حزن من قلب رسول الله # صلى الله عليه وسلم # ما بلغه الحزن على حمزة حين رآه صريعا قد مثل به المشركون تلك المثلة ~~المنكرة! لقد حدثنا من رآه قائما ينظر إلى هذا المشهد الفظيع. فيأخذ الحزن من قلبه ~~الكريم الكبير كل مأخذ حتى يخرجه عن طوره ويدفعه إلى الثورة، وإن كان لأبعد الناس عن ~~الثورة، وإن كان لألزم الناس للوقار. لقد ثارت لهذا المشهد البشع نفسه الهادئة الرضية، ~~فإذا هو يوعد وينذر، وإذا هو يقسم لئن أظهره الله على قريش ليمثلن بقتلاهم كما ~~مثلوا بعمه، وإذا غضب هذه النفس الهادئة الرضية يشيع في نفوس أصحابه كما تشيع ~~النار في الحطب الجزل، فيقسمون لئن أظهرهم الله على قريش ليمثلن بقتلاهم مثلة لم ~~تعرفها العرب قط. ولكن الله عز وجل كان يريد برسوله وبعباده غير ما أراد لهم الغضب، ~~وإذا هو يؤدبهم بأدب غير هذا الأدب العتيق الذي يقوم على الحفيظة والحمية والثأر، وإذا ~~هو ينزل على ms371 رسوله # صلى الله عليه وسلم # هذه الآيات الكريمة: # وإن ~~عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو ~~خير للصابرين * واصبر وما صبرك إلا بالله ~~ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون * إن الله مع الذين اتقوا والذين هم ~~محسنون ~~. فيثوب إلى القلب الكريم ما فارقه من العفو، ويعود إلى النفس ~~الكبيرة ما ند عنها من الصبر، ويكفر النبي عن يمينه، ويرد المسلمون إلى العفو ~~والصبر والحلم والأناة، ويظهر الله رسوله وعباده على الذين قتلوا حمزة وأصحابه الشهداء ~~ومثلوا بهم، فلا يلقون منهم إلا العفو والبر، وإلا الرحمة والعطف، وإلا المودة ~~والإحسان. وكذلك يقوم أمر هذه الأمة على الصبر والمغفرة والصفح الجميل.» # ثم أطرق الشيخ إطراقة غير قصيرة، وأمعن في صمت عميق، وأمعن السمار مثله في صمت عميق ~~أيضا، كأنما حضر مجلسهم روح قوي أخذ عليهم أمرهم واضطرهم إلى هذه التروية المتصلة التي ~~قطعها الشيخ حين رفع رأسه وقال في صوته الهادئ الرزين: «نعم! رحم الله حمزة! لقد كانت ~~حياته عنفا كلها، ولكنها لم تعقب إلا مودة ورحمة. أترون إلى أخته صفية وقد بلغها مصرعه ~~العنيف، فأقبلت تسعى لتراه وتحمل ثوبين لتلفه فيهما، ويشفق رسول الله عليها من هذا ~~المشهد، فيأمر ابنها الزبير أن يردها، ولكنها تأبى؛ فقد بلغها أنه صرع، وبلغها أنه مثل ~~به، وقد رضيت بذلك واطمأنت إليه، فذلك في الله قليل. أخت عنيفة لأخ عنيف، عنيفة بنفسها ~~قبل أن تعنف بالناس، ولكنها أخت رحيمة لأخ رحيم. أترون إليها وقد أقبلت فرأت أخاها، ~~وتنظر فترى جهد المسلمين وفقرهم وعجزهم عن تكفين موتاهم، فترد عن أخيها أحد الثوبين ~~ليكفن المسلمون به شهيدا من شهدائهم، وترضى لأخيها بعد أن صرع هذا المصرع ومثل به هذه ~~المثلة أن يكفن في ثوب واحد لا يلف جسمه كله، إن ستر رأسه أظهر رجليه، وإن ستر رجليه ~~أظهر رأسه. وإذا النبي يأمر بأن يستر الثوب رأسه وأن تغطى رجلاه بأوراق الشجر. # لقد كان حمزة عم النبي وأخاه في الرضاعة، وقد اجتمع مع ms372 النبي من جهتيه، من جهة أبيه ~~ومن جهة أمه؛ فقد كانت أمه هالة بنت عم آمنة. ولقد كان النبي به رفيقا وعليه شفيقا ~~وبولده برا. فأي عجب في أن يبلغ مصرع حمزة بالنبي # صلى الله عليه وسلم # طور الجزع الذي لم يألفه ~~قلبه الكريم، فيغضب ويثور وينذر ويوعد، حتى إذا رده الله عن الغضب والثورة وعن الإيعاد ~~والنذير عاد إلى المدينة وقد أقر الله في قلبه حزنا قويا مقيما، قوامه الرحمة ~~والحب. يمر ببني عبد الأشهل، فيسمع بكاء النساء على شهداء الأنصار، فيقول هذه الكلمة ~~البالغة التي لا أعرف أروع منها في تصوير الرحمة والحزن معا: لكن حمزة لا بواكي ~~له! # وتبلغ هذه الكلمة آذان الأنصار وتنفذ إلى قلوبهم وتستقر فيها، وتملؤها حبا لحمزة ~~وحزنا عليه، وإيثارا للنبي ومشاركة له فيما يجد، وإذا هم يأمرون نساءهم أن يذهبن إلى ~~بيت النبي فيبكين عمه وأسده وصفيه وأخاه. وقد فعلن، وتلقاهن نساء النبي فبكين، ورضيت ~~نفس النبي لذلك، وامتلأت له حنانا وودا. ولكن الله يأبى على نبيه وعلى عباده حتى هذا ~~الإغراق في الحزن، وإذا النبي يصرف هؤلاء النساء رفيقا بهن داعيا لهن، فإذا أصبح صعد ~~المنبر فنهى عن إعلان البكاء أشد ما يكون النهي. ولكن كلمته قد استقرت في نفوس الأنصار، ~~وقد نفذت إلى قلوب الأنصاريات خاصة، وقد توارثنها وتوارثن التأثر بها، فما يموت من ~~الأنصار أحد وما تبكي امرأة أنصارية على أحد إلا بدأت بحمزة فبكت عليه وذكرته بالخير، ~~ثم ثنت بصاحبها فسفحت عليه دموع الحب والحزن. وما أرى إلا أن هذا سيظل دأب الأنصاريات ~~إلى آخر الدهر. أترون إلى العنف كيف يعقب الرحمة، وإلى الشدة كيف تعقب اللين! # رحم الله حمزة! لقد كانت حياته كلها عنفا، ولقد أصبحت آثاره كلها رحمة ولينا. ~~أتعرفون كيف أسلم حمزة؟ لقد أسلم إسلام الفتيان أولي البأس والشدة وذوي الحزم والقوة ~~أولئك الذين يأنفون الضيم، ويأبون الخسف، ويغضبون للولي ويكرهون أن يؤخذوا بما لا ~~يحبون. ولولا أن الله يكره مثل هذا التعبير لقلت إن ms373 إسلامه كان إسلام الحمية والحفيظة. ~~غضب لابن أخيه غضبة عربية قرشية، وانتقم لابن أخيه انتقاما عربيا قرشيا، وسلك الله ~~به إلى الإسلام أقرب الطرق وأدناها إلى قلبه القوي العنيف. كان فتى من فتيان قريش، فيه ~~عنفها، وفيه شدتها، وفيه صلفها، وفيه أنفتها، وفيه حرصها، وفيه إيثارها لهذه اللذات ~~التي يؤثرها أصحاب المروءة والرجولة الكاملة. كان صاحب صيد وقنص، يخرج للذته هذه من آخر ~~الليل ويعود موفورا مبتهجا مع الضحى، فلا يلم بأهله حتى يذهب إلى المسجد، فيقف على ~~أندية قريش مسلما متحدثا، ثم يطوف بالكعبة ثم ينصرف إلى داره وقد رضي عن نفسه وأرضى ~~الناس عنها. وقد أقبل ذات يوم فأنبأته امرأة بنبأ عظيم تغيرت له حياته كلها. كانت هذه ~~المرأة مولاة لعبد الله بن جدعان، وأكبر ظني أنها كانت صاحبة دعابة وغزل. وأكبر ظني أن ~~أبا جهل حين وقف إليها إنما وقف مداعبا مغازلا طامعا منها في شيء مريب. # ويمر النبي # صلى الله عليه وسلم # فتمتلئ نفس أبي جهل غيظا لمرآه على ما كان يضمر له من بغض وقلى. ~~وإنه لفي موقفه هذا المريب الذي لا يحسن بالأشراف من قريش إذ أخذ يؤذي النبي في نفسه ~~بأشنع القول وأبشعه. ولكن الله قد أدب رسوله فأحسن تأديبه، أمره بأن يأخذ العفو ويأمر ~~بالعرف ويعرض عن الجاهلين، فيمر بأبي جهل ويسمع منه وينصرف عنه معرضا كريما لا يجيبه ~~ولا يلتفت إليه. ويقع هذا كله من نفس المرأة أشد المواقع وأبلغها. وأكبر ظني أنها صدفت ~~بعد ذلك عن أبي جهل صدوفا وصرفته عن نفسها صرفا عنيفا. ومضى أبو جهل خزيان خجلا، ~~حتى بلغ ناديا من أندية قريش فجلس مهموما مخذولا. # ويقبل حمزة من صيده متوشحا قوسه مبتهجا بما أصاب من لذة وما أنفق من نشاط، فيمر ~~بهذه المرأة في طريقه إلى المسجد، وإذا هي تقفه، وإذا هي تنبئه بما رأت وما سمعت، فيسمع ~~منها ويمضي دون أن يجيبها ودون أن يلوي على شيء، قد أضرم الله في قلبه نار الغضب هذه ~~التي ms374 تطهر النفوس من الإثم وتزيل عنها الحوب وتردها إلى الحياة مرة ثانية نقية ناصعة ~~كما برأها الله وقبل أن تعلق بها حبائل الشيطان. # ويمضي حمزة لا يلوي على شيء، تتأجج في قلبه هذه النار المقدسة حتى يبلغ المسجد، ويرى ~~أبا جهل في ناديه فيقصد قصده، حتى إذا انتهى إليه قام وراءه ثم ضرب رأسه بالقوس فشجه ~~شجة بالغة، ثم أعلن إسلامه وتحدى قريشا وطلب إليها أن ترده إن استطاعت عن هذا الإسلام. ~~ويتواثب بنو مخزوم وقد غضبوا لأبي جهل، فهم يريدون أن يمنعوه وأن يبطشوا بحمزة. ولكن ~~أبا جهل يخذلهم ويردهم إلى الدعة والهدوء، ويقول لهم: «دعوا أبا عمارة! فوالله قد سببت ~~ابن أخيه سبا موجعا.» يكفهم عنه أبو جهل فرقا وخزيا وإشفاقا أن يتكشف الحق ويظهر ~~ما خفي من موقفه المريب، وإن زعمت بنو مخزوم أنه إنما كفهم عنه إيثارا للعافية ~~وإنصافا من نفسه.» # قال الأمير وهو يبتسم: «امض في حديثك أيها الشيخ فإنا نعرف بغضك لبني مخزوم.» # قال الشيخ: «في أي حديث تريد أن أمضي أيها الأمير؟ لقد كان إسلام حمزة عزا للنبي ~~وأصحابه، كف عنه كثيرا من أذى قريش. ولقد كان حمزة من هؤلاء المسلمين الذين عاشوا في ~~مكة أعزة أقوياء يجهرون بإسلامهم ولا يخافتون به والذين هاجروا من مكة في غير تحفظ ولا ~~استخفاء. والله لم يعز به الإسلام في مكة وحدها وإنما أعزه به في المدينة. فلحمزة عقد ~~النبي أول لواء في الإسلام، وأفعال حمزة في بدر ما تعلم أيها الأمير، وصرعى حمزة يوم ~~بدر من تعلم أيها الأمير. ولو قد استشارنا معاوية قبل أن يحول شهداءنا عن مقابرهم التي ~~احتفرها لهم الله ورسوله لقلنا له إنا نؤثر الظمأ والجدب وسوء الحال على أن يحول هؤلاء ~~الشهداء أو تنبش قبورهم، ولقلنا له: إن بين هؤلاء الشهداء سيدهم حمزة بن عبد المطلب ~~قاتل شيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة، الذي صرعه وحشي وبقرت بطنه ولاكت كبده هند!» # وكان الشيخ حين انتهى إلى هذا الموضع من حديثه ms375 قد استحال استحالة كاملة، فانحسر عنه ~~ضعف الشيخوخة وارتفع صوته وثبت ولم يضطرب، وأصبح كأنه النمر قد جرى فيه غضب وهياج وأخذت ~~عيناه تقدحان شررا، وخيل إلى من حوله أنه قد عاد إلى شبابه حين كان من شجعان الأنصار ~~وأبطالهم المقدمين يوم البأس. # قال الأمير وهو يبتسم ويملك نفسه: «حسبك أيها الشيخ! لقد بدأ أمر حمزة بالعنف، وانتهى ~~إلى الرحمة واللين، وابتدأت حديثك لينا رفيقا، وها أنت ذا تنتهي إلى العنف وتحيي ما ~~حط الله عنا من حمية الجاهلية وعصبيتها! # رحم الله حمزة! فما ينبغي أن يثير ذكره شرا، وما ينبغي أن يثير ذكره إلا المودة ~~والرحمة والنصح للمسلمين ولأمير المؤمنين. وما يدريك! لعل هؤلاء الشهداء أنفسهم لو ~~استشيروا لأشاروا على أمير المؤمنين بأن يحملهم بعد موتهم هذه التضحية في سبيل ~~المسلمين! فهل كانت حياتهم إلا تضحية في سبيل الله ورسوله والمسلمين!» # الفصل الثالث # | ذو الجناحين # أقبلت تسعى رويدا رويدا مثل ما يسعي النسيم العليل، لا يمس الأرض وقع خطاها، فهي ~~كالروح سرى في الفضاء. نشر الليل عليها جناحا فهي سر في ضمير الظلام. وهبت للروض بعض ~~شذاها، فجازاها بثناء جميل، ومضى ينشر منه عبيرا مستثيرا كامنات الشجون. فإذا الجدول ~~نشوان يبدي من هواه ما طواه الزمان. ردت الذكرى عليه أساه، ودعا الشوق إليه الحنين؛ فهو ~~طورا شاحب قد براه من قديم الوجد مثل الهزال. صحب الأيام يشكو إليها بثه لو أسعدته ~~الشكاة. وهو طورا صاخب قد عراه من طريف الحب مثل الجنون. جاش حتى أضحك الأرض منه عن ~~رياض بهجة للعيون، ونفوس العاشقين كرات يعبث اليأس بها والرجاء، كحياة الدهر تأتي ~~عليها ظلمة الليل وضوء النهار. # ولبث الشيخ مطرقا تتغنى في نفسه الكئيبة هذه الخواطر الحزينة التي تريد أن تبتسم فلا ~~تجد إلى الابتسام سبيلا، ويخفق قلبه بهذه المعاني الشاجية التي تريد أن تشرق فلا تكاد ~~تدنو من النور حتى يلقى بينها وبينه ستار رقيق من الظلمة يدنيها منه وينئيها عنه، ~~ويغريها به ويزهدها فيه. ولم يكن يدري عمن ms376 كانت تتحدث هذه الخواطر في نفسه المحزونة. ~~ولم يكن يعلم إلى من كانت تشير هذه المعاني القاتمة في قلبه السقيم. وإنما أنفق يوما ~~بغيضا مريضا تتابعت عليه فيه الهموم، وتواترت عليه فيه الأحزان، وضاقت عليه به ~~الحياة. يوما من هذه الأيام التي تظلم على النفوس أشد الإظلام وإن صحا فيها الجو ~~واعتدل فيها الإقليم، وترقرق فيها ضوء الشمس يحمل على نفوس الغافلين لذة وبهجة وجمالا. ~~يوما من هذه الأيام التي يشرق فيها وجه الطبيعة، ويبسم فيها ثغر الحياة، وتكاد النفوس ~~الحرة تقبل فيها على الأمل والعمل، لولا أن طائفا من السر يصدر عن بعض النفوس الماهرة ~~الماكرة، فيحول إشراق الطبيعة ظلمة واكتئابا، ويرد ابتسام الحياة إلى عبوس وتقطيب. ~~والله قد امتحن أخيار الناس بأشرارهم، وابتلى علماء الناس بجهالهم، وسلط على إخلاص ~~المخلصين نفاق المنافقين، وعلى جد أصحاب الجد والعمل كيد أصحاب الكيد والعجز. يطهر بهذه ~~المحنة قلوبهم، ويصفي بهذه الفتنة نفوسهم، ويبلو بهذه التجربة قدرتهم على الصبر، ~~وثباتهم للخطب، ونفاذهم من المكروه، وحسن استعدادهم للتضحية في سبيل ما يؤمنون به من ~~رأي، وما يسعون إليه من خير، وما يدفعون إليه من إصلاح. # وكان الشيخ قد استقبل يومه نشيطا، يريد أن يعمل كما تعود أن يستقبل أيامه، مندفعا ~~إلى ما يسر له من ألوان النشاط. ولكنه لم يكد يستقبل الضحى حتى جاءته الأنباء عن يمين ~~وعن شمال بأن سحبا تتجمع في الجو غير بعيدة، وقد أخذ بعضها يركب بعضا، وجعلت ريح ~~هوجاء حمقاء تجمعها وتدفعها، تريد أن تسوقها إليه وتصب شرها عليه، فلم يحفل بذلك ولم ~~يأبه له؛ وأراد أن يمضي فيما كان بسبيله، ولكن الأنباء تأتي بأن سحبا أخرى تتجمع ويركب ~~بعضها بعضا، وبأن كيدا يكاد، وشرا يراد، وألوانا من المكر يهيأ بعضها سرا، ويهيأ ~~بعضها إعلانا. وما هي إلا أن أقبل عليه المقبلون، منهم من ينذر، ومنهم من يرثي، ومنهم ~~من يواسي، حتى ضاق بهم جميعا وبما يتحدثون عنه ويخوضون فيه. فانصرف إلى نفسه، ولكنه لم ~~يلبث أن ضاق ms377 بها. وانصرف إلى أهله، ولكنه لم يلبث أن نبا عنهم. وانصرف إلى كتبه، ولكنه ~~لم يلبث أن زهد فيها. فهجر المدينة والتمس العزلة في مكان بعيد في طرف من أطراف الريف، ~~وقد قامت فيه شجرات خضر ملتفة الأغصان، على جدول من الماء هادئ صافي الأديم، يداعب ~~النسيم صفحته في رفق، فيثير عليها أمواجا صغارا توشك أن تكون حبابا. # هنالك جلس الشيخ مع الأصيل، وهنالك انصرف الشيخ عن نفسه وعن الناس، وعن المدينة وأهل ~~المدينة، وعن الأعداء وما كانوا يأتمرون، وعن الأصدقاء وما كانوا يدبرون، وفرغ لشجراته ~~الخضر وجدوله الصافي، وهذا النسيم العليل الفاتر يداعب أوراق الشجر وصفحة الجدول، وضوء ~~الشمس الحزينة المتهالكة يتبعها حزينا متهالكا في طريقها إلى الغروب، وهذه الطير ~~الكثيرة، قد أقامت على غصونها مترجحة في أناة وهدوء، متغنية في يشبه الحزن والأسى كأنما ~~كانت تودع النهار كارهة للوداع، وتستقبل الليل ضيقة باستقباله. # وإذا نفس الشيخ تمتزج بهذه الأشجار الخضر، وهذا الجدول الصافي، وهذا النسيم الفاتر، ~~وهذا الضوء الشاحب، وهذه الطير البائسة اليائسة. وإذا هذه الخواطر الحزينة تلم بنفسه، ~~وتخفق بقلبه، وتبلغ لسانه فيوشك أن يتحرك بها لولا أنه يبغض أصوات الناس، ويبغض صوت ~~نفسه أيضا، فيسمع لهذه الخواطر تتحدث إلى نفسه وتبلغها من غير طريق الأذن. ويمضي في ~~ذلك وقتا لا يعرف أكان طويلا أم كان قصيرا، وقد نسي كل شيء، ونفذ من كل شيء، وخلا ~~إلى غير شيء، إن جاز أن يخلو الناس إلى غير شيء. # وها هو ذا يفيق من حاله تلك التي لم تكن نوما ولا يقظة، والتي لم تكن غيبا ولا ~~شهادة، لا يدري كيف دفع إلى هذه الحال، ولا يدري كيف خرج من هذه الحال. وأكبر الظن أن ~~الصمت المتصل من حوله قد دعاه إلى نفسه أو دعا نفسه إليه، فثاب الشيخ إلى نفسه أو ثابت ~~نفس الشيخ إليه. وأكبر الظن أن هذه الخواطر الحزينة التي أطالت التردد بين نفسه وقلبه، ~~وأطالت الغناء في دخيلة ضميره، قد دعت إليه هذه الصورة الغريبة ms378 الجميلة التي رآها ماثلة ~~أمامه على الضفة المواجهة له من ضفتي الجدول، يترقرق على وجهها الرائع البارع غشاء رقيق ~~هادئ من ضوء القمر، الذي قام في مكانه من السماء يرسل أشعته المطمئنة في أناة وريث إلى ~~الأرض، كأنما يريد أن يداعب الأرض وما عليها بأشعته تلك مداعبة الساخر الماكر الذي لا ~~يحفل بأحد، ولا يحفل بشيء. # والغريب أن الشيخ لم ينكر هذه الصورة التي كانت ماثلة أمامه ولم يعرفها، ولم يضق ~~بمكانها منه ولم تنبسط نفسه لها، وإنما نظر إليها فأطال النظر، كأنما كان ينتظر زيارتها ~~له وإلمامها به. ونظر إليها دون أن يوجه إليها حديثا، كأنما كان ينتظر منها أن تبدأه ~~هي بالحديث. وقد فعلت؛ فهذا صوت حلو فاتن رقيق يصل إلى الشيخ وقد مازجه همس الجدول الذي ~~كانت أمواجه تصطفق كأنما تحمل النسيم سرا إلى الليل، وإذا هذا الصوت الحلو الفاتن يقع ~~في نفس الشيخ موقع الماء من ذي الغلة الصادي، فيرد إليه حياته ونشاطه، ويذكره بيومه ~~المظلم وليلته المشرقة. # وإذا هو يسمع الصورة تسأله: «ما هذا الصمت الذي أنت مغرق فيه؟! لقد دعوتني إلى نفسك ~~فأطلت الدعاء. وها أنا ذي أسعى إليك وألم بك وأقف منك غير بعيد، فلا تحفل بي ولا تأبه ~~لي، ولا توجه إلي حديثا ولا تسألني عن شيء. ففيم دعوتني إذا؟ وفيم تكلفت السعي ~~إليك؟ وفيم تجشمت في ذلك ظلمة الليل؟!» # قال الشيخ في هدوء ودعة: «أنا دعوتك يا ابنتي؟! ومن تكونين؟» # قالت: «فمن هذه التي أقبلت تسعى رويدا رويدا، مثل ما يسعى النسيم العليل؟» # قال الشيخ: «لا أدري يا ابنتي؛ لم أدع أحدا ولم أتحدث إلى أحد وإنما هي خواطر كانت ~~تضطرب بها نفسي، ومعان كان يخفق بها قلبي.» # قالت الصورة: «فقل إني دعوت نفسي إليك، أو إني دفعت نفسي إليك، أو إن مقامك هذا بين ~~هذه الشجرات الخضر، وهذا الجدول النقي، وهذه الطير النائمة، وهذا الضوء الهادئ الذي ~~ينحدر من القمر، قد أعجبني فأقبلت أشاركك في هذه العزلة، وأتحدث إليك في ms379 بعض ما يكون ~~فيه الحديث.» قال الشيخ: «ولكن من تكونين؟» # قالت الصورة: أحريص أنت على أن تعرفني؟ فقل إني أنا العزلة التي يفزع إليها المكروب ~~إذا ضاق بالأحياء والأشياء. وقل إني أنا الوحدة التي يفر إليها الإنسان من نفسه وأهله، ~~ومن الأعداء والأصدقاء، ومن الخير والشر. وقل إني أنا الحرية التي يجدها الإنسان الفرد ~~حين يفر من الجماعة إلى حيث يستطيع أن يفكر آمنا ناعم النفس رضي البال. وقل إني أنا ~~العزلة والوحدة والحرية جميعا قد ائتلف منها شخصي، وتكونت منها نفسي. وقل - إن شئت - ~~إني أنا الهجرة التي يفزع إليها الناس حين يخافون على عقائدهم، وحين يضيقون بنفاق ~~المنافقين وكيد الكائدين، وحين يحسون أن لا مقام لهم في هذه الدار أو تلك فيفرون منها ~~إلى هذه الدار أو تلك. أنا الهجرة التي قد وكلت بالأخيار إذا ضاقوا بالأشرار، أواسيهم ~~أثناء المحنة وأسليهم عن الفتنة، وأصحبهم حين يخفون عن أوطانهم إلى أوطان أخرى، فأونسهم ~~في الطريق، وأرد عنهم غوائل السفر، وأتلقاهم في مهاجرهم، فأحبب إليهم أوطانهم الجديدة ~~وأسليهم عن أوطانهم القديمة، وأفتح لهم أبواب الأمل، وأمهد لهم سبل العمل، وأنتهي بهم ~~إلى ما هم أهل له من الفوز. قل إني أنا الهجرة التي تغناها شاعركم القديم حين ~~قال: # وأصرف وجهي عن بلاد غدا بها # لساني معقولا وقلبي مقفلا # وإن صريح الحزم والرأي لامرئ # إذا بلغته الشمس أن يتحولا # قال الشيخ: «لقد أذكرتني بهذين البيتين من شعر أبي تمام يا ابنتي وما كنت لهما ناسيا ~~ولا عنهما غافلا. ولكني لا أريد الهجرة ولا أجد إليها سبيلا لو أردتها.» # قالت: «فإنك لا تريد إلا الهجرة، ولا تجد عن الهجرة منصرفا. ألم تهاجر إلى هذا ~~المكان منذ الليلة؟ ألا تهاجر إلى نفسك بين حين وحين، حين تضييق ببيئتك التي تحيا فيها ~~وتشقى بها؟ فإني أونس وحشتك حين تهاجر إلى نفسك في المدينة، كما أونس وحشتك الآن حين ~~هاجرت إلى هذه الشجرات الخضر، وهذا الجدول الناصع، وهذه الفضة المذابة التي تترقرق بين ~~الأرض والسماء ms380 كأنما تحمل إلى نفسك الثائرة رسالة الأمن والطمأنينة والهدوء والصفح عن ~~الآثمين والإعراض عن الجاهلين. استمع لي وافهم عني؛ فكم صحبت من أخيار ضاقوا بالحياة ~~وضاقت الحياة بهم، فآنست وحشتهم، وفرجت كربتهم، ولزمتهم رفيقة بهم عطوفا عليهم حتى ~~أبلغتهم مأمنهم. وإني لأعرف من أخبارهم وآثارهم ما هو خليق - إن قصصت بعضه عليك - أن ~~يسلي عنك الهم، ويسري عنك الحزن، ويعصمك من الشك، ويثبتك على اليقين، ويمضي بك إلى ~~الوجه الذي يسرك الله له، حتى تخرج من هذه الحياة وقد رضيت عن ضميرك ورضي ضميرك عنك ~~مهما يكن رأي الناس فيك. # لقد صحبت فتى من قريش فيما مضى من سالف الدهر ما أنسيت صحبته قط. أردت أن أونسه فكان ~~هو مؤنسا لي. وأردت أن أسلي عنه الهم، فلم أجد في نفسه هما أسليه عنه. إنما أقبل ~~علي محبا لي مشغوفا بي مؤثرا أياي على كل شيء. ولقد أبعدت به السفر، ولقد أطلت ~~عليه الغربة، فما أشفق من سفر غير قاصد، وما ضاق بغربة غير منقضية، وإنما هاجر كلفا ~~بالهجرة، مؤثرا لها على اليسير والعسير من الفتنة. # كانت نفسه حلوة هادئة، فأبت أن تمزج حلاوة الإيمان بمرارة الفتنة، وأن تخلط هدوء ~~اليقين بعنف الجدال فيه. كان من السابقين إلى الإسلام. رأى ابن عمه يدعو فاستجاب له عن ~~حب وصدق ويقين. ومضى على الوفاء لما أقبل عليه من هذا الدين الجديد، يؤثر التقوى ~~الخالصة والإيمان الهادئ المطمئن على كل شيء. فلما اضطرب الأمر من حوله ورأى اضطهاد ~~قريش للمسلمين، ورأى ثبات المسلمين للمحنة وإلحاح قريش عليهم فيها، صبر كما صبروا، ~~واحتمل كما احتملوا، ولقي في ذات الله مثل ما لقوا، حتى إذا أذن الله للمسلمين في أن ~~يفروا بإيمانهم إلى حيث الأمن والهدوء - إن أرادوا - هاجر من مكة تاركا وطنا أحبه ~~وعشيرة آثرها، وحياة نعم بما لقي فيها من ضروب الشدة واللين. هاجر فيمن هاجر من أصحاب ~~ابن عمه إلى أرض بعيدة نائية. # صحبته في سفره ذاك، ورأيته يتجشم مع أصحابه أهوال البر ms381 والبحر فارا بدينه من ~~الفتنة، مؤثرا أن يعبد الله في دعة، وأن ينشر دينه في هدوء وسلم. ولقد أطال المقام، ~~وأحب الغربة حتى ألفها أو كاد يألفها. ولكني كنت ألزمه وأهون عليه من مشقة الغربة ما قد ~~يكون عليه عسيرا. حتى إذا أذن الله لنبيه في الهجرة، واستقرت أمور الإسلام في المدينة، ~~وأظهر الله دينه على كثير من بيئات الشرك والكفر، جعلت أغري صديقي بالانتقال من غربة ~~إلى غربة، والالتجاء من وطن جديد إلى وطن جديد؛ وما بلغت منه الرضا بذلك إلا حين استوثق ~~من أنه لن يفارقني ولن يقصى عني، ولكنه سيظل مهاجرا. # سينتقل من هجرة الحبشة إلى هجرة المدينة حيث يستطيع أن يعبد الله آمنا راضيا ~~مطمئنا في ظل ابن عمه وبين أصحابه وذوي قرابته، وحيث يستطيع أن يبلي في ذات الإسلام ~~كما أبلى غيره من المسلمين، وأن يحتمل من أعباء الجهاد مثل ما احتملوا. # لقد صحبته مرتحلا إلى الحبشة، فصحبت مؤمنا يفر بإيمانه إلى الطمأنينة وفي نفسه ~~حسرات. ولقد صحبته في عودته إلى المدينة، فصحبت مؤمنا يعود بإيمانه إلى مستقر الهدى ~~ومشرق النور، وإن في قلبه لجذوة تضطرم شوقا إلى ابن عمه، وطموحا إلى الأخذ بحظه من ~~أثقال الجهاد.» # ثم سكت الصوت الهادئ الحلو قليلا، ومضى الجدول يتغنى شكاته المتصلة، ومضى النسيم ~~يداعب الجدول مترفقا به، ويحرك الأغصان في خفة، فيسمع لها وله حفيف وهفيف يمتزجان ~~بشكاة الغدير، فيبعثان أنغاما عذبة، كأنما كانت صلاة حلوة على روح ذلك المهاجر ~~الكريم. # ثم ارتفع الصوت الحلو في أناة وهو يقول: لقد رأيته حين بلغ المدينة وكان ابن عمه ~~عائدا إليها، وقد فتح الله عليه ما فتح من حصون خيبر وثبت أمره، وأعلى كلمته، وإذا ابن ~~عمه يلتزمه ويقبل بين عينيه ويقول: «ما أدري بأيهما أنا أشد فرحا: بفتح خيبر، أم بعودة ~~جعفر.» # ولكن صحبتي له لم تنته، وإنما لزمته في مهاجره الجديد، ونعمت بلزومي إياه بما كنت ~~أرى وبما كان الناس يرون من بره بالضعفاء، ورفقه بالمساكين، ورحمته للبائسين، ms382 وإيثاره ~~أصحاب العوز على نفسه وعلى أهله، بما كان الله يتيح له ولهم من الكثير والقليل، حتى ~~كناه ابن عمه بهذه الكنية الحلوة «أبي المساكين». # ثم صحبته إلى رحلته الكبرى، صحبته حين جهز النبي جيشه إلى مؤتة، وكان في نفسه شيء حين ~~أمر ابن عمه عليه زيد بن حارثة. وقد كلم النبي في ذلك، فقال النبي له في صوت يملؤه ~~الحب والحنان والإشفاق: «امضه فإنك لا تدري أي ذلك خير.» # لقد عرفت دخيلة نفسه، وسمعت نجوى ضميره بعد هذا الحديث إنما كان الشوق إلى حسن البلاء ~~واحتمال أثقال الجهاد هو الذي دعاه إلى أن يعاتب النبي في تقديم زيد عليه. كان يؤثر ~~زيدا والمسلمين، ويريد أن يقدم عليهم نفسه إلى المكروه. فلما رده النبي عن ذلك كانت ~~نفسه تتأذى مخافة أن تظن به الأثرة، وما أراد إلا الإيثار. وكانت نفسه تتحرق شوقا إلى ~~أن يلقى من الأذاة في سبيل الله مثل ما لقي زيد وأصحاب زيد. ولقد رأيته حين تقدم زيد ~~فقاتل حتى قتل وآن له أن يأخذ الراية، وكان على فرس له. فينزل عن فرسه ويعقره ويكون أول ~~عاقر في الإسلام، ويتقدم بالراية فيقاتل حتى تقطع يداه، وحتى تأخذه السيوف والرماح ~~والسهام، وحتى يصرع كما كان يريد أن يصرع شهيدا. ولولا ما أنبأ النبي به مما صار إليه ~~من نعمة الله عليه، لما تعزيت عن الحزن الذي ملأ نفسي لمصرعه. ولكن كيف السبيل إلى ~~الحزن على الشهداء الذين لا يكادون يموتون حتى يردوا إلى الحياة وإذا هم أحياء عند ربهم ~~يرزقون! كيف السبيل إلى الحزن على شهيد لم يدركه الموت حتى رفع إلى السماء، وأنبأ النبي ~~بأن الله قد عوضه من يديه جناحين مخضوبين بالدماء يطير بهما في الجنة فيتبوأ منها حيث ~~يشاء. # وكم من أحاديث لأولئك النفر من أصحاب محمد الذين هاجروا قبله والذين هاجروا معه، ~~والذين هاجروا بعده، لو قصصتها عليك أيها الشيخ لمحوت من نفسك كل موجدة، ولنقيت قلبك من ~~كل حفيظة، ولأقررت في نفسك أني ms383 أحق بحبك ومودتك! # قال الشيخ: «حسبك! فقد بلغت من ذلك ما تريدين.» # قالت: «فادعني إذا أحسست ألما أو كربا، فلن تجد مثلي صديقا رفيقا.» # وأخذ اصطفاق الجدول يرتفع شيئا، ويرتفع معه حفيف النسيم وحفيف الغصون، وغناء متقطع ~~ضئيل ينبعث من أجواف الطير النائمة، وهذا سهم وردي نحيل ينفذ في جوف الليل قليلا، ولا ~~يكاد يتقدم حتى يتسع شيئا فشيئا، وحتى ينهزم الليل أمامه مضطربا مروعا، وهذه الصورة ~~تحيي الشيخ في صوت ضئيل نحيل يبعد عنه شيئا فشيئا حتى ينقطع. وهذه أصوات ترتفع ~~متجاوبة حول الشيخ تأتيه من بعيد، من هذه القرى الكثيرة المنبثة في الريف. وهذا الشيخ ~~ينظر من حوله فيرى آية النهار المبصرة جادة في محو آية الليل المظلمة، فينهض متثاقلا ~~وقد غسلت هذه الليلة نفسه من أوضار المدينة، واستقبل الحياة كأنه ولد لساعته. وها هو ذا ~~يمضي نحو المدينة هادئا رزينا، وإن نفسه لتتغنى: «أقبلت تسعى رويدا رويدا مثل ما ~~يسعى النسيم العليل!» # الفصل الرابع # | حديث عداس # قال عتبة بن ربيعة لأخيه شيبة: «انظر إلى هذا الرجل المقبل على حائطنا # 1 # ومن ورائه السفهاء والعبيد قد أغروا به وسلطوا عليه، فهم يؤذونه بألسنتهم، ~~وهو يؤذونه بما يحصبونه من الحصى والأحجار؛ ألا تثبته؟» # 2 # قال شيبة وقد نظر وأطال: «بلى! والله إني لأعرفه كما تعرفه، وإن قلبي ~~ليرق له كما يرق له قلبك، وإن نفسي لتثور غضبا له كما تثور نفسك. ولقد هممت وما زلت ~~أنازع نفسي أن أفزع إلى نصره وجواره وحمايته من حلماء ثقيف وسفهائها، لولا ما بينه وبين ~~قومنا، ولولا أني أعلم أننا إن فعلنا كان لنا مع قومنا أمر عظيم وخطب جليل.» قال عتبة: ~~«وا رحمتاه لابن عمنا من قومنا! ثم وا رحمتاه لقومنا من أنفسهم؛ ما كنت أحسب أن يبلغ ~~الأمر بقريش أن يذل عزيزها ونحن شاهدان، وأن يجترئ حي من أحياء العرب وإن كان ثقيفا، ~~على أن يسوءوا رجلا من قريش وإن كان مستضعفا مهينا، فكيف بابن عبد المطلب وابن أخي ~~حمزة والعباس!» ms384 # وكان هذان الرجلان من أشراف قريش، قد ذهبا إلى بستان لهما في الطائف يصلحان من أمره ~~وأمرهما، ويهيئان لتجارتهما، يجمعان ما تنفذه ثقيف من تجار قريش إلى اليمن في رحلتها ~~إلى اليمن، وإلى الشام في رحلتها إلى الشام. وكانا قد أقاما في الطائف أياما، وأقبل في ~~أثناء ذلك النبي # صلى الله عليه وسلم # يعرض نفسه على ثقيف يلتمس عندهم النصر والعون والجوار، بعد أن ~~تنكرت له مكة بطاحها وظواهرها، وبعد أن تنكر له الناس حتى أقربهم إليه وأدناهم منه، ~~وبعد أن فقد عمه الذي كان يمنعه ويقوم دونه، وبعد أن فقد زوجه التي كانت ترعاه وتكلؤه ~~وتحوطه بالرحمة والحب والحنان. وكان قد لزم داره بعد هاتين الكارثتين، لا يكاد يبرحها ~~خائفا محزونا، حتى أقبل عليه عمه أبو لهب فأمنه وأعلن إليه أنه يقوم من حمايته بما ~~كان يقوم به أبو طالب، فسرى عن النبي الكريم شيئا واستأنف الخروج من داره والذهاب إلى ~~المسجد والاضطراب في مكة. ولكن قوما من قريش ألحوا على أبي لهب حتى غيروه على ابن ~~أخيه، فاسترد جواره وحمايته، وعاد إلى مثل ما كان عليه قبل أن يموت أبو طالب. فلما ضاقت ~~مكة بخير أبنائها خرج إلى الطائف يلتمس جوار ثقيف، فأقام فيهم ما شاء الله أن يقيم، ~~يسعى عند هذا ويلطف لذاك، وكلهم يرده وكلهم يمتنع عليه. وكان مقامه فيهم قد أخافهم وثقل ~~عليهم وأثار في نفوسهم إشفاقا أن يصيب مدينتهم ما أصاب مكة من اضطراب الأمر وانتفاض ~~الضعفاء على الأقوياء، واستجابة قوم لهذا الرجل الذي أنكره قومه ولم تره مدينته إلا ما ~~يكره فتقدموا إليه في الرحيل عنهم. ولم يكد يفعل حتى أغروا به سفلة الناس وسفهاءهم، ~~فتبعوه يؤذونه بالقول والفعل حتى ألجئوه ضعيفا مكدودا وكئيبا محزونا إلى حائط هذين ~~القرشيين. وأقبل النبي وقورا هادئ الخطى مطمئن النفس، تظهر على وجهه الكريم آيات الضعف ~~وآيات القوة، وآيات الحزن وآيات الرجاء. # ضعف مصدره الجهد والعناء. وقوة مصدرها الحزم والعزم. وحزن مصدره الرحمة لهؤلاء ~~الذين يدعوهم إلى ms385 الخير فيبغونه بالسوء، ويرشدهم إلى النجح فيريدونه بالمكروه. ورجاء ~~مصدره الثقة بأن الله لم يختره لرسالته ليخذله قبل أن يتم أمره ويعلي كلمته ويظهر دينه ~~على الدين كله، وبأن الله لا يصيبه بما يصيبه به من المكروه إلا امتحانا لقلبه، ~~وابتلاء لنفسه، وتمحيصا لطبعه. # أقبل هادئا والناس من ورائه مضطربون، مستأنيا والناس من ورائه مسرعون، حتى انتهى ~~إلى ظل من ظلال البستان، فجلس متعبا مكدودا، والقرشيان ينظران إليه ويرقان له ويعطفان ~~عليه وينازعان نفسيهما إلى نصره ومعونته، وقد كادا يفعلان لولا أن ذكرا قريشا، ولولا ~~أن ذكر عتبة بن ربيعة صهره أبا سفيان، وقدر ما يلقاه وما يلقاه أخوه من قريش إن منح ~~محمدا معونة أو نصرا. ولكنهما رأيا ابن عمهما يأوي إلا ظلالهما مكروبا محزونا، فلم ~~يملكا أن يمتنعا من أن ينالاه بأيسر الخير وأهون البر، فيدعوان عداسا - عبدا من ~~عبيدهما - ويأمرانه أن يحمل إلى هذا الرجل الضعيف المكدود شيئا من عنب البستان ليصيب ~~منه. ويمضي العبد منفذا أمرهما. ولكنهما لا يستطيعان أن ينصرفا عن مكانهما ولا أن ~~يحولا بصرهما عن ابن عمها، وقد أهينت فيه قريش كلها لولا أن قريشا قد احتفظت بأحلامها. ~~فهما ينظران ويرثيان ويعمل الأسى في قلبيهما. والعبد يسعى بالطبق إلى هذا الرجل ~~المخزون، حتى إذا انتهى إليه أقبل الرجل على العنب يريد أن يصيب منه والعبد قائم منه ~~غير بعيد. ولكن القرشيين ينظران فيريان عجبا: يريان كأن حديثا قصيرا قد دار بين ~~الرجل وبين هذا العبد، ثم يريان العبد وقد أكب على هذا الرجل الحزين يقبل رأسه ويديه ~~ورجليه باكيا مستعبرا مندفعا في حديث لا يكاد ينقضي، مظهرا من التكرمة والإجلال ~~لهذا الرجل ما لم يتعود أن يظهره لأحد من سيديه. فيقول أحد القرشيين: «ويحك! لقد أفسد ~~علينا ابن عمنا هذا العبد! وما أرى إلا أن ثقيفا معذورون إن خافوا منه على عبيدهم ~~وضعفائهم وأقويائهم أيضا ما خفنا نحن منه على العبيد والضعفاء والأقوياء!» وهذا الرجل ~~قد نهض وقورا هادئا، ومضى العبد معه شيئا ms386 من الطريق ثم وقف يشيعه بطرفه حتى غاب عن ~~طرفه وعن طرف القرشيين. # هنالك عاد العبد إلى سيديه، وفي وجهه آيات الكآبة والحزن، وفي وجهه مع ذلك آيات ~~الطمأنينة والرضا، ودموع تجري من عينيه لم يدريا أكانت دموع حزن وابتئاس، أم كانت دموع ~~غبطة وابتهاج. # يقول عتبة بن ربيعة للعبد رفيقا به عطوفا عليه: «ويحك يا عداس! إن لك مع هذا ~~الرجل لشأنا، فاقصص علينا بدء حديثك فقد رأيناك حفيا به متلطفا له مكبا عليه، ~~تقبله باكيا مواسيا ثم مرافقا له تشيعه بشخصك ثم بطرفك.» # قال العبد: «نعم يا مولاي! إن لي مع هذا الرجل لشأنا وحديثا عجبا. وأحبب إلي أن ~~أقص عليكما حديثي. ولكن أي حديثي تريدان؟ أتريدان حديثي منذ اليوم، أم تريدان حديثي ~~القديم الذي مضت عليه أعوام طوال، والذي دفعني إلى بلادكم هذه، والذي اضطرني إلى ما أنا ~~فيه من رق وإلى أن أعمل لكما بيدي في هذا البستان، وما عملت لأحد قبلكما بيدي وما عملت ~~لنفسي بيدي، وغن كان الناس ليعملون لي كما أعمل لكما الآن؟» # قال عتبة وقد ثارت في نفسه طبيعة العربي الذي أترف وفيه فضل من بداوة، فهو مشغوف ~~بالقصص، كلف بغريب الحديث: «وإن لك لحديثا قديما بينه وبين حديثك هذا الجديد ~~سبب؟» # قال عداس: «نعم.» قال عتبة: «فاقصص علينا حديثك.» # وأخذ القرشيان مجلسهما استعدادا لسماع الحديث، وهم العبد أن يبدأ حديثه قائما، ~~ولكنهما أذنا له في الجلوس فجلس، وأطرق وأغرق في صمت غير طويل ولكنه كان عميقا، ثم ~~قال: «لقد انتهيت إلى هذا الرجل منذ حين، فسمعته يقول كلاما ما اعرف أن الناس يقولونه ~~أو يقولون مثله في هذه الأرض. فلما سألته عن ذلك حدثني بحديث ما يعرفه إلا نبي. وكان ~~حديثه هذا مني على ميعاد، أو كنت أنا من حديثه هذا على ميعاد. لقد سألني سؤالا لم ~~يسألنيه أحد منذ وطئت هذه البلاد. سألني عن موطني الذي نزحت منه، فأنبأته بما لا تعلمان ~~وبما يحسن أن تعلماه الآن، وهو أني رجل ms387 من أهل نينوى، نشأت في بيت من بيوت الأحرار ~~الذين إن لم يتح لهم الملك والإمارة فقد أتيحت لهم الثروة والغنى. وكنت موفور الحظ من ~~النعمة وحسن الحال فارغا لما يفرغ له أمثالي في تلك البلاد من تقسيم الوقت بين لذة ~~الجسم ولذة العقل، ألهو ما وسعني اللهو، ثم أقرأ وأختلف إلى مجالس العلماء والفلاسفة من ~~القسس والرهبان، فأسمع منهم وأتحدث إليهم وآخذ معهم في ألوان من الجدل حول ما يختلف ~~الناس فيه عندنا من أصول الدين والعلم. وأنتما لا تعلمان من أمرنا في تلك البلاد إلا ~~قليلا، إنما تعنيان ويعنى قومكما بما تحملون إلينا من تجارة وما تصدرون به عنا من مال، ~~وما تصيبون في بلادنا من هذه اللذات اليسيرة. فأما ما دون ذلك فليس لكم به علم وليس لكم ~~عنه سؤال. ولو قد دخلتم في حياتنا وعرفتم دقائق أمرنا، لرأيتم أن في نفوسنا اضطرابا ~~شديدا وغليانا متصلا وضيقا بالسلطان، وتمردا على النظام، وإنكارا لما ورثنا من ~~عادة وشكا فيما تلقينا من دين. # ساءت فينا سيرة السلطان فنقمنا من نظام الحكم. وساءت فينا سيرة القسس فشككنا في ~~الدين. فأما العاجزون فقد أعطوا طاعة ظاهرة وأضمروا عصيانا خفيا وعكفوا عن اللذات ~~يستعينون بها على احتمال الحياة. وأما الأقوياء وأولو العزم فقد فكروا وقدروا، وجدوا في ~~التفكير والتقدير يلتمسون فرجا من حرج ومخرجا من ضيق. وكنت فيما رأيت من هؤلاء. فلما ~~ضقت بالحياة في مدينتي ولم أجد عند علمائها وقسسها شيئا، خرجت مسافرا إلى الشام ألتمس ~~في السياحة تسلية وعلما، وأبتغي فيها ظفرا بالخير. ولست أقص عليكما رحلتي إلى الشام ~~ومنازلي في طريقي إليها، واضطرابي في مدنها وقراها، ويأسي من قسسها وعلمائها، وضيقي ~~بسادتها وحكامها، ولكني انتهيت بعد كثير من الاضطراب إلى دير من الأديار يقوم في آخر ~~العمران وأول الصحراء مما يلي بلادكم هذه. وأقمت في هذا الدير دهرا، راضيا عن حياته ~~الهادئة المطمئنة، راضيا عن حياة أهله الآمنين الوادعين الأخيار، ناعم النفس بعشرتهم، ~~مستمتعا بأحاديثهم. ولكنني سمعت من أحاديثهم ms388 عجبا: رأيت لهم فيما بينهم أمرا يتحدثون ~~عنه بالرمز، ويومئون إليه بالإشارة. ورأيت حديثهم هذا الرمزي يكثر ويشتد إمعانهم فيه ~~كلما مرت بديرهم قافلة من قوافلكم هذه التي تتردد على بلاد الروم. رأيتهم يعرفون أنباء ~~هذه القوافل قبل أن تصل إليهم، فيتهيئون لها ويستقبلونها ويكثرون من سؤالها ويظهرون ~~الحفاوة بها، ثم يخلو بعضهم إلى بعض، فيتبادلون بينهم أحاديث الرمز والإشارة والإيماء، ~~ويقول بعضهم لبعض: لم يأت النبأ بعد، أو يقول بعضهم لبعض: لقد انقطع النبأ بعد أن جاءت ~~بشائره. فلما كثر علي منهم ذلك أزمعت أن أعلم علمه، فتلطفت لهم وتوسلت إليهم حتى عرفت ~~أنهم ينتظرون إصلاحا دينيا ذا بال، وأنهم قرءوا في كتبهم أن هذا الإصلاح يأتيهم من ~~قبل هذه البلاد، وأنهم حسبوا وقدروا ورأوا أن زمان هذا الإصلاح قد أظل الناس، وأن ~~أنباء قد انتهت إليهم وأحاديث قد نقلت لهم، وكلها يدل على أن أوان هذا الإصلاح قد آن. ~~قصوا علي من هذه الأنباء والبشائر أطرافا، فلم أملك أن كلفت بالرحلة إلى بلادكم، ~~وقلت: ما يمنعني أن أبعد في السفر؛ وما يمنعني أن أتصل بقافلة من قوافلكم هذه فأبلغ ~~معها هذه الأرض، فأعلم من علمها، وأصيب من تجارتها! ولعلي أظفر بما يتحرق إليه هؤلاء ~~الرهبان شوقا. وأنتما تعلمان كيف كان الاتفاق بيني وبين تلك القافلة التي أمنتني على ~~نفسي ومالي، وضمنت لي أن أبلغ بلادكم هذه موفورا فأصيب من تجارتها وأعود معها من قابل ~~إلى الشام، حتى إذا بعدنا عن بلاد الروم وانقطعت أسبابي من أسباب قيصر، عدا أهل هذه ~~القافلة على مالي فاحتجزوه، ثم عدوا علي فاتخذوني وباعوني من صاحبكما ذاك الذي ~~اشتريتماني منه قريبا من يثرب. # فهذا بدء حديثي أيها السيدان. وقد عملت في بستانكما أعواما، وكان الناس يتحدثون من ~~حولي بهذه الأحداث التي تحدث في مكة، ويتناقلون من حولي أنباء هذا الرجل الذي ينكر ~~الأوثان ويدعو إلى التوحيد، ويريد أن ينصف المظلوم من الظالم، والعبد من السيد، ويسوي ~~بين الضعيف والقوي. وكان الناس يتحدثون من ms389 حولي بما يلقى هذا الرجل في بلده من شر، وما ~~يمتحن به أصحابه من ألوان الفتنة. وكنت كلما سمعت هذه الأحاديث هششت لها، وطابت بها ~~نفسي، وأحسست أن النبأ الأعظم قريب. وكنت أقدر أن صاحب هذا النبأ يجب أن يكون كإخوانه ~~الذين سبقوه عالما بدين الله داعيا إليه، مخبرا عن أنباء الأولين بما لا يخبر به ~~الناس. وكم وددت لو أتيح لي أن أنحدر إلى مكتكما هذه فأسأل صاحبكما وأسمع منه، ولكن ~~الرق في بلادكما شديد؛ فنحن أرأف منكم بالرقيق وأعطف منكم عليه. وقد لبثت في بستانكما ~~هذا أسمع الأنباء وألتمسها وأتحرق شوقا إلى مصدرها، حتى أقبل صاحبكما هذا منذ حين. ~~ولقد رثيت له حين رأيته وأوشاب الناس من حوله يؤذونه بألسنتهم وأيديهم. ولقد هممت أن ~~أفزع لنصره والذود عنه، وما كنت أعلم من أمره شيئا، ولكنها الرحمة عطفتني عليه. ولقد ~~هممت أن أستأذنكما في إيوائه وإيثاره بشيء من القرى، ولكني رأيتكما تنظران وتتحدثان ~~ولا تنشطان، ثم أمرتماني بالسعي إليه. فلما بلغته سمعت منه كلاما ما سمعت مثله في هذه ~~الأرض. فلما سألته عن ذلك سألني عن موطني، فلما أنبأته به قال: «هذا موطن يونس نبي ~~الله.» فما شككت في أنه صاحبي الذي أقبلت ألتمس أنباءه.» # قال عتبة: «ويحك يا عداس! إن حديثك هذا لعجب، ولكنا نخشى أن يفسد عليك صاحبنا دينك، ~~وإن دينك لخير مما يدعو إليه.» قال عداس: «مهلا يا سيدي؛ إن الذي يقول ما سمعت لا ~~يدعو إلى شر ولا يغري بفساد، ولا يأمر إلا بمعروف، ولا يقول إلا حقا.» قال شيبة: ~~«ويحك يا عداس! لقد سحرك صاحبنا فيمن سحر. فماذا سمعت منه؟» قال عداس: «بل لقد ~~هداني فيمن هدى. ولقد سمعته يناجي ربه بحديث ما سمعت أعذب منه، لقد حفظت حديثه، وإنك ~~لتعلم ما أنا بالعربي، وما حفظ أحاديثكم علي بيسير.» قال عتبة: «فهات أعد علينا ما ~~سمعت.» # قال: سمعته يقول: «اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم ~~الراحمين. أنت رب ms390 المستضعفين وأنت ربي. إلى من تكلني! إلى بعيد يتجهمني، أو إلى عدو ~~ملكته أمري! إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي. أعوذ بنور ~~وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن تنزل بي غضبك، أو تحل ~~علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك.» # ولم يفرغ العبد من هذا الحديث حتى أغرق في بكاء هادئ، وأغرق سيداه في وجوم عميق. ثم ~~ثاب القوم جميعا إلى أنفسهم، ونظر القرشيان أحدهما إلى الآخر نظرة المستخذي الآسف. ثم ~~قال عتبة لعداس: «أنت وما تشاء يا عداس من حب صاحبك وطاعته. ولكن لا تنس أن لنا ~~عليك حقا وطاعة. وإنا حريصان على ألا تظهر من أمرك شيئا فتضطرنا فيك إلى ما نكره، ~~وتضطر قومنا فينا إلى ما تكره.» # ومضت أعوام وحدثت أحداث، ونظر العبد الشيخ ذات يوم فإذا محمد # صلى الله عليه وسلم # قد ضرب عسكره ~~حول الطائف يحاصر فيها ثقيفا، وكان عداس قد انتقل من ملك ابني ربيعة بعد موتهما إلى ~~الثقفيين، وإذا نفسه تنازعه إلى صاحبه، وإذا هو يحرض الرقيق ويبث فيهم الدعوة إلى ~~الخروج على ساداتهم واللحاق بجيش المحاصرين، وإذا نفر من الرقيق يجتمعون إليه، وإذا هم ~~يقتحمون الأسوار ويهبطون إلى العسكر مسرعين، وترميهم مقاتلة ثقيف بالنبل فتصرع منهم ~~جماعة فيهم عداس، قد مات قبل أن يبلغ صاحبه العظيم، ويخلص سائرهم إلى النبي فيهديهم ~~إلى الإسلام ويردهم إلى الحرية، وينصرف عن حصار الطائف، حتى إذا أسلمت ثقيف تكلمت في ~~رقيقها أولئك وأرادت ردهم إلى الطاعة، فيقول النبي الكريم: «كلا! هؤلاء عتقاء ~~الله.» # الفصل الخامس # | مصعب بن عمير # 1 # كان غض الشباب، معتدل الخلق، ناضر الوجه، مشرق الجبين. وكان عذب الصوت، حلو ~~الحديث، لا تكاد تقع عليه العين حتى تهواه النفس، ولا يكاد صوته يقع في الأذن حتى ~~يصبو إليه القلب. وكان حسن الزي معنيا بثيابه وشكله عناية ظاهرة، لا يكاد يراه ~~الرائي حتى يعلم أن له حظا ms391 من نعمة، وفضلا من يسار. وكان طيب النشر، لا يمر ~~بمجلس من مجالس قومه إلا قالوا هذا مصعب بن عمير مقبلا! يستدلون عليه بما يتقدم من ~~بين يديه من عرف يتأرج به الهواء. كان أبواه يحبانه ويؤثرانه، وكانت أمه خاصة تقف ~~عليه حبها وحنانها، وتختصه بعنايتها، وتحكمه في ثروتها الواسعة ومالها ~~الكثير. # وكان لهذا كله أحدوثة قريش وموضوع أسمارها، تعجب بجماله البارع، وشبابه الرائع، ~~وحسن بزته، وكثرة ماله، حتى كان النبي # صلى الله عليه وسلم # يتحدث عنه إلى أصحابه، ويعجب منه ~~بما يعجب منه الناس؛ وكان سمح الخلق، رضي النفس، صافي الطبع، مهذب المزاج، فلم يكن ~~يكلف بما يكلف به فتيان قريش من الصيد والقنص، ولم يكن يألف ما كان يألفه كهول قريش ~~وشيوخها من حديث المال والأعمال، وإنما كانت قصاراه حياة هادئة وادعة، قوامها حسن ~~العشرة وصفو الحديث. # أقبل ذات يوم على المسجد في الضحى، وكان فارغ البال، راضيا عن نفسه وعن الناس ~~وعن كل شيء. وكان يتردد في جو مكة نسيم بارد يبعث في الأجسام نشاطا للحركة ، وفي ~~النفوس ميلا إلى هذا التفكير الذي لا رزانة فيه ولا هدوء، وإنما هو تفكير سريع، ~~أوضح مظاهره الحديث والحوار. وكان قد لقي طائفتين من الرفاق الذين خرجوا يدفعهم هذا ~~النشاط إلى أن يلتمسوا ما ينفقون فيه فضل ما يجدون من قوة في الجسم والعقل. فأما ~~إحداهما فكانت تتهيأ للصيد، وأما الأخرى فكانت تسعى إلى حانة من حانات اللهو عند ~~رومي كان يبيع في مكة نبيذ الشام. دعته إحدى الطائفتين إلى الصيد فنفر منه، ودعته ~~الأخرى إلى الشراب فامتنع عليها. كان لا يحس من نفسه حاجة إلى هذه اللذة الآثمة ~~التي يجدها أصحاب الصيد في سفك دماء الحيوان البريء، وكان لا يجد راحة إلى هذا ~~اللهو الذي يلعب فيه عقل العاقل وحلم الحليم بين الكئوس والأقداح. وأعرض عن أولئك ~~وهؤلاء، ومضى أمامه إلى المسجد كأنه آثر الاستماع إلى أندية قريش وهم يتحدثون فيما ~~يعرض لهم من الأعمال اليسيرة أو الخطيرة. على ms392 أنه لم يكد يبلغ المسجد ويتقدم فيه ~~حتى سمع حوارا لا يخلو من عنف، فاستبشر ومنى نفسه ساعة قيمة خصبة. وما كان ألذ ~~الحوار يشترك فيه شيوخ قريش إذا جدوا! وما كان ألذ الحوار يشترك فيه شيوخ قريش إذا ~~هزلوا أيضا! # أقبل الفتى حتى دنا من أحد هذه الأندية، فجلس غير بعيد واستمع للقوم، فإذا هم ~~يختصمون في هذا الرجل الذي أحدث في مدينتهم حدثا ليس منهم إلا كاره له ساخط عليه؛ ~~لأنه يغير ما ألفوا من دين، وينكر ما ورثوا من سنة، ويؤلب الفقراء على الأغنياء، ~~ويثير الضعفاء بالأقوياء، ويجمع إليه أخلاطا من الناس، فيهم الحر البائس، والرقيق ~~اليائس، فلا يكاد يتحدث إليهم حتى يزيل ما بينهم من فروق، وإذا هم جميعا إخوان قد ~~زال في صدورهم من غل، وصفا ما بينهم من صلة، وإذا هم يد واحدة لو أذن لها صاحبها ~~وخلى بينها وبين الحركة لأحدثت في المدينة شرا عظيما. وهذا الرجل يجمع هؤلاء ~~الناس إليه، فيعظهم وعظا غريبا لم يسمعوا مثله من كهانهم في مكة، ولم يسمعوا ~~مثله من وعاظ العرب في الأسواق. وهم يستمعون إليه فيسيغون ما يقول وكأنهم يشربونه ~~شربا، وإذا هم يبتهجون له حينا فتشرق وجوههم بشرا وتتوقد عيونهم أملا، وإذا هم ~~يبتئسون له حينا آخر فتعبس الوجوه، وتتقطب الجباه، وتفيض الدموع حارة غزيرة حتى ~~تبتل بها اللحى، ويجهشون بالبكاء فإذا صدروهم تضطرب لشدة ما يأخذ القلوب فيها من ~~الوجيب. ما أجمل ما يعدهم ويمنيهم! وما أروع ما ينذرهم ويخوفهم! وما أشد سلطانه على ~~نفوسهم وأبلغ استئثاره بعقولهم! ولئن خلي بين هذا الرجل وبين المستضعفين من قريش ~~وأحلافها ومواليها ومن يلم بمكة من شذاذ الناس ليثورن بكل شيء، وليغيرن كل شيء. ~~والقوم يختصمون في ذلك خصومة تختلف عنفا ورفقا باختلاف أمزجتهم وطبائعهم، فمنهم ~~الثائر الحاد الذي يود لو أطلقت قريش يده فينهض إلى دار ابن أبي الأرقم هذه التي ~~يجمع فيها محمد أصحابه إليه فيهدمها عليهم هدما، ولن يشق ذلك عليه إذا نهض معه ms393 نفر ~~من فتيان مخزوم. ومنهم الشيخ الوقور الذي يذكر أمس ويفكر في غد ويكره لقريش أن يغير ~~بعضها على بعض ويبطش بعضها ببعض، ويرى أن قريشا إنما سادت العرب لأنها أقامت أمرها ~~على الشورى، وجعلت الفصل فيما يعرض لها من الشر لهذه الأندية التي تتألف من الملأ ~~لا لبأس الأفراد والجماعات، ولا لسطوة الرئيس الذي ينفرد بالسلطان. وهو ينصح ~~باستصلاح هذا الرجل وتقريب الأمد بينه وبين قريش، ولو تكلفت قريش في ذلك بعض المشقة ~~وشيئا من المال. # والفتى جالس غير بعيد يسمع رفق الرفيق، وعنف العنيف، ويود لو علم من أمر هذا ~~الرجل الذي يختصم القوم فيه أكثر مما يقولون. فينهض متثاقلا، ويخرج من المسجد ~~ويسلك طريقه إلى دار ابن أبي الأرقم على الصفا. ولو أن الفتى سأل نفسه وهو يقطع ~~الطريق بين المسجد وبين هذه الدار التي استقرت فيها الدعوة الجديدة عن هذه القوة ~~العنيفة التي دفعته مع الضحى إلى المسجد، وصرفته عن رفاقه وهم يدعونه إلى الصيد، ~~وصدفت به عن أصحابه وهم يرغبونه في الشراب، وانتهت به إلى ندي قريش فأسمعته ما كان ~~بينهم من خصومة وحوار، ثم دفعته في هذه الطريق التي يسلكها الآن إلى حيث يتحدث محمد ~~إلى أصحابه، لو أن الفتى سأل نفسه عن هذه القوة الغريبة التي تحكمت فيه، واستأثرت ~~به منذ أصبح، لما وجد لسؤاله جوابا، ولا عرف لهذه القوة أصلا ولا كنها. ولكنه لم ~~يفكر في شيء، ولم يسأل نفسه عن شيء، وإنما يمضي في طريقه حتى يبلغ الدار، فيطرق ~~الباب طرقا رفيقا، فإذا فتح له دخل فحيا ثم جلس. والقوم ينظرون إليه فيعجبون ~~لمنظره الرائع وزيه الحسن وشكله الجميل، وتحيا في نفس كل واحد منهم أمنية خفية، ~~ولكنها قوية صادقة، يودون جميعا لو هدى الله هذا الفتى الوسيم الغني إلى الإسلام، ~~فأصبح واحدا منهم، وشاركهم فيما يستمتعون به من هذه النعمة الغضة الشاملة، نعمة ~~الإيمان بالله وبمحمد عبده ورسوله. إذا لازدانت جماعة المسلمين، ولاغتاظت قريش. ~~تحيا هذه الأمنية في نفوس القوم ms394 جميعا في لحظة قصيرة كأنها خطف البرق، وتثبت في ~~نفوسهم وتقوى، وإذا هي شعلة تتوقد بها هذه العيون التي تنظر إلى الفتى في حب ومودة، ~~وكأنها تدعو نفسه إلى أن تتصل بنفوسهم. ويحس الفتى وقع هذه الأبصار عليه ونفوذها ~~إلى نفسه، ولكنه صامت لا يقول شيئا ولا يأتي شيئا. # ثم يتصل حديث النبي مع أصحابه فينذر ويبشر، ويقرأ القرآن. وما كاد القوم يسمعون ~~صوت النبي حتى تتحول إليه عن الفتى أبصارهم وقلوبهم، وإذا مصعب كأنه لم يدخل عليهم ~~منذ حين، أعرضوا عنه ثم نسوه، ولكنه هو لا يستطيع أن يعرض عنهم ولا أن ينساهم، فهو ~~يلحظ انصرافهم عنه، وإقبالهم على صاحبهم. ثم لا يلبث أن ينصرف معهم عن نفسه، ويقبل ~~معهم على هذا البشير النذير، فيسمع ويعي، ثم ينهض فيدنو من النبي، ثم يبسط يده ~~ويعلن دخوله في الدين الجديد. # 2 # وكتم الفتى إسلامه دهرا مخافة أن تفتنه قريش، أو تنكره أمه، وكان لها محبا ~~وعليها شفيقا، وكان حريصا على ألا يؤذيها، ولعله كان حريصا أيضا على ألا تنقطع ~~معونتها له وبرها به؛ فقد كان يجد من هذا البر وتلك المعونة ما ينفع به نفرا من ~~أصحابه وإخوانه في الدين. ولكن عثمان بن طلحة رآه ذات يوم وهو يصلي، فما أسرع ما ~~سعى به، ودل عليه! وما أسرع ما تنكرت قريش للفتى! وما أسرع ما تنكر له أبواه! وما ~~أسرع ما مسه الضر وثقل عليه احتمال الحياة! هنالك أصبح هذا الفتى السعيد كغيره من ~~أصحابه فقيرا بائسا، ولكنه كان كغيره من أصحابه صبورا جلدا، يجد في الإسلام عما ~~يلقى عزاء وتسلية. حتى إذا اشتد الأمر بالمسلمين وأذن النبي لهم في الهجرة إلى ~~بلاد الحبشة، هاجر معهم فأقام ما أقام، واحتمل ما احتمل، ثم عاد فأقام مع النبي ~~ولزمه. وضاقت الأرض بالمسلمين مرة أخرى، فكانت الهجرة الثانية إلى بلاد الحبشة. ~~فهاجر الفتى مرة أخرى، وأقام في تلك البلاد ما أقام، واحتمل في تلك البلاد ما ~~احتمل. وكأن صبره عن لزوم النبي ms395 لم يكن ميسورا، فآثر احتمال الأذى في نفسه بقرب ~~النبي على الأمن والسلامة بعيدا عنه. فعاد إلى مكة سيئ الحال قد مسه الضر واشتد به ~~البؤس، فرثت ثيابه حتى ما كانت تستر جسمه إلا في مشقة وبعد حيلة واسعة، وغلظ جلده ~~وتخدد وقد كان سبطا رقيقا. وأقبل ذات يوم على النبي وأصحابه. فلما رآه المسلمون ~~نكسوا رءوسهم وغضوا أبصارهم رحمة له وحياء من العجز عن معونته. وسلم الفتى فرد ~~النبي عليه السلام وأحسن عليه الثناء وهو يقول: «لقد رأيت هذا وما بمكة فتى من قريش ~~أنعم عن أبويه نعيما منه، ثم أخرجه من ذلك الرغبة في الخير في حب الله ~~ورسوله!» # ولزم الفتى مجلس النبي فأطال لزومه، واستمع الفتى للنبي فأحسن الاستماع، وحفظ ~~الفتى عن النبي فأتقن الحفظ، وإذا هو من فقهاء الصحابة وأشدهم بالدين علما. ثم ~~تكون العقبة الأولى، ويكتب المسلمون من الأنصار للنبي في رجل من أصحابه يعلمهم ~~القرآن، ويفقههم في الدين، فيرسل إليهم النبي مصعبا فيكون أول مبشر بالإسلام كلف ~~نشر الدين خارج مكة. # ويوفق مصعب فيما كلف من الأمر، فإذا الأنصار يقبلون على الإسلام أفواجا، وإذا ~~سماحة خلقه وعذوبة صوته وما يجري فيه من حلاوة الإيمان وشدة الاقتناع، كل ذلك يحببه ~~إلى الناس ويعطفهم عليه. ولا يكاد يدنو موسم الحج حتى يشخص مصعب في سبعين من ~~الأنصار هم أهل العقبة الثانية. وبلغ الفتى مكة، فلم يفكر في أمه ولا في أهله، ~~وإنما مضى قدما حتى انتهى إلى النبي، فخلا إليه وأطال عنده المقام يعلمه علم ~~المدينة وينبئه بأخبارها، والنبي عن ذلك راض وبه مسرور. ويطيل المقام عند النبي، ~~وتعلم أمه بمقدمه، فتبعث إليه من يلومه في هذا الذي تراه عقوقا، ولكنه مع ذلك لا ~~يفكر في لقائها حتى يفرغ من أمره عند النبي. فإذا زارها بعد ذلك لامته في إبطائه ~~عنها ولامته في دينه، واستعانت عليه بدموعها. وما أقوى الدموع عونا للأمهات! ولكن ~~مصعبا قد صبر للشر كله، فليصبر لدموع أمه أيضا. وإذا هو يعظها ويدعوها ms396 إلى ~~الإسلام، فتأبى عليه وتنذره أن تفتنه عن دينه، فيلقى نذيرا بنذير وشرا بشر، ~~ويعلن لئن حاول أحد فتنته ليحرصن، على قتل من يعرض له؛ فتدعه أمه، وينقطع لنبيه بعد ~~ذلك فيقيم معه؛ حتى إذا تهيأ النبي للهجرة تقدم مصعب إلى المدينة فانتظره ~~فيها. # 3 # ويحمل مصعب لواء النبي في وقعة بدر فيعود به ظافرا منصورا. ويلقى مصعب في ~~المدينة من الجهد والفقر ما يلقاه غيره من فقراء المسلمين، فيحتمل ذلك راضيا به ~~باسما له. حتى إذا كانت وقعة أحد تقدم مصعب باللواء بين يدي النبي حتى يجد موقفه ~~من ميدان القتال فيثبت فيه. وتشتد صدمة قريش للمسلمين فينكشفون ويتفرقون عن لوائهم. ~~ولكن مصعبا أثبت قدمه في الأرض، فهو لا يزول ولا يميل. ويقبل عليه ابن قميئة - ~~فارس من فرسان قريش - فيضرب يده بالسيف فيقطعها ويسقط اللواء، فيأخذه مصعب بيده ~~الأخرى ويجنأ # 1 # عليه. ويكر عليه ابن قميئة فيقطع يده الأخرى، ولكن قدم مصعب ثابتة وهو ~~لا يزول ولا يميل، وما زال اللواء مرفوعا قد ضم عليه مصعب عضديه. ويكر ابن قميئة ~~مرة ثالثة فينفذ الرمح في صدر مصعب، ويسقط مصعب ويسقط معه اللواء فيتلقاه أخوه أبو ~~الروم. وما يزال اللواء مرفوعا حتى يبلغ المدينة. # 2 # 4 # وقد انجلت قريش منتصرة عن ميدان القتال، وثاب المسلمون إلى الشهداء يوارونهم في ~~قبورهم، فإذا مصعب قد خر على وجهه. ويهم المسلمون بدفنه فلا يجدون له كفنا، إنما ~~هو ثوب رث قصير، إن أخفى رأسه أظهر رجليه، وإن أخفى رجليه أظهر رأسه، والنبي # صلى الله عليه وسلم # يرى فيتلو قول الله عز وجل: # من المؤمنين ~~رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى ~~نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا ~~تبديلا ~~. # ثم يأمر أن يغطي أعلاه بالثوب وأن يلف أسفله برطب الكلأ، ثم يقول: «إن رسول الله ~~يشهد أنكم الشهداء عند الله يوم القيامة.» ثم يقبل على الناس فيقول: «أيها الناس ~~زوروهم وأتوهم وسلموا عليهم، فوالذي نفسي بيده لا يسلم عليهم مسلم إلى ms397 يوم القيامة ~~إلا ردوا عليه السلام.» # 3 # الفصل السادس # | طريد اليأس # لم يذكروا في تلك الليلة ماضيهم الحلو وحاضرهم المر، ولم يتحدثوا عن أوطانهم تلك ~~النائية التي كانوا ينعمون فيها بلذات الحياة، ويستمتعون فيها بخفض العيش، ويسيرون فيها ~~سيرة الأحرار، لا يعرفون لأحد غير قيصر وعماله عليهم سلطانا، وقد يعرف لهم غيرهم ~~كثيرا من السلطان والبأس، وقد يقدم إليهم غيرهم كثيرا من آيات الطاعة والإذعان. ولم ~~يسمروا بهذه الأحاديث التي تعودوا أن يسمروا بها إذا فرغوا من أعمالهم وانصرفوا إلى ~~راحتهم ولقي بعضهم بعضا حين ينقضي النهار ويتقدم الليل، والتي كانوا يستعيدون بها ~~حياتهم تلك الجميلة المشرقة، ويستحضرون بها مواطن لذاتهم ونعيمهم، هناك حيث لا يشتد ~~القيظ حتى ينضج الجلود ويصهر الأجسام، وحيث لا تقع العين على الجبال الجرد والوهاد ~~المقفرة، وحيث لا تضيق الأرض بالناس ولا يضيق الناس بالأرض، وحيث يستقبل الناس أيامهم ~~راضين باسمين، ويستقبلون لياليهم لاهين عابثين. كلا! ولم يسمروا في تلك الليلة بما ~~كانوا يسمرون به من ذكر الفاتنات المفتونات اللاتي كن يحولن حياتهم أحلاما، ويجعلن ~~جدهم لعبا، ويسرين عنهم كل هم، ويغرين بهم كل نعيم، يخلبنهم باللفظ واللحظ، ويعذبنهم ~~بالدل والتيه، ويسعدنهم بالقرب والوصل، كلا! ولم يسمروا في تلك الليلة بأحاديث قيصر ~~وقصره، ولا بأنباء الحاكم وحاشيته، ولا بقصص الحرب بين الفرس والروم. # وأين هم الآن من قيصر وقسطنطينيته! وأين هم الآن من تلك الثغور الباسمة القوية التي ~~كانت تبسم لأهلها كأنها الجنات، وتعبس لأعدائها كأنها الجحيم! وأين هم الآن من الفرس ~~والروم! وأين تكون مكة من ميادين الحرب بين الفرس والروم! كلا! ولم يسمروا في تلك ~~الليلة بما كانوا يسمرون به أحيانا من أحاديث ساداتهم ومواليهم، ومما كان يتصل بينهم ~~من التنافس والجهاد، ومما كان يدبر بينهم من الكيد والمكر، ومما كان يجتمع لهم من الغنى ~~والثراء، ومما كان يلم بهم من الحوادث والخطوب. كلا! ولم يسمروا في تلك الليلة بما ~~كانوا يسمرون به أحيانا من أحاديث هذه القوافل التي تفصل من مكة إلى ms398 الشام، فتمضي معها ~~نفوسهم تسايرها في تلك الطرق البغيضة التي يذكرون طولها وثقلها حين قطعوها عناة أذلاء، ~~يساقون إلى مكة عبيدا أرقاء، والتي كانت تعود إلى مكة قافلة من الشام تحمل من أرض قيصر ~~أنباء مختلطة وأحاديث مشوهة مضطربة، ولكنهم كانوا يتلقفونها ثم يتناولونها بالتأليف ~~والتصنيف، وبالتحليل والترتيب، حتى يكونوا منها شيئا مستقيما أو كالمستقيم، ثم يتخذون ~~منه علما بأمور أوطانهم تلك التي لم يبق لهم إليها سبيل. # كلا! لم يسمروا في تلك الليلة بشيء من هذا؛ لأن أحاديث مكة شغلتهم عن كل هذا. وما لها ~~لا تشغلهم وصاحبهم «لسياس» قد اشترك فيها وأثار كثيرا منها! وها هو ذا قد اتخذ مكانه ~~بينهم كئيبا كاسف البال، محزونا بادي الحزن، قد اضطربت نفسه أشد اضطراب، وهو يتحدث ~~إليهم في صوت متقطع مظلم كأنما أسبغ الحزن والندم واليأس عليه ظلمة كثيفة متراكمة لا ~~تنكشف عن شيء. وما له لا يكتئب ولا يبتئس! وما له لا يحزن ولا يندم! وما له لا يفزع ولا ~~يجزع، وقد سفكت يده المسيحية دما بريئا ولما ينتصف النهار! # وكان هؤلاء النفر جماعة من نصارى الروم دفعوا إلى بعض أطراف الصحراء، وعدت عليهم بعض ~~القوافل فاتخذتهم تجارة، وتقلبت بهم أحوال الرق حتى انتهوا إلى ملك جماعة من سادة قريش. ~~وكان «لسياس» أنقاهم ضميرا، وأصفاهم قلبا؛ وأعظمهم حظا من الدين. وكان لهذا كله ~~أصبرهم على ما ألم به من كرب، وأحسنهم احتمالا لما سلط عليه من محنة، وأعظمهم رضا ~~بهذه النكبة التي كان ينظر إليها على أنها اختبار له، وابتلاء لإيمانه، وامتحان لثقته، ~~وتهيئة لنفسه لتحيا حياة السعداء إذا انقضت إقامتها في هذا العالم الشقي البغيض. ولكنه ~~أظهر في تلك الليلة غير ما تعود أن يظهر لأصحابه من الجلد والصبر، ومن الإباء ~~والاحتمال. وهم يعزونه ويرفقون به في العزاء. وهم يلومونه ويعنفون عليه في اللوم. وهم ~~يأتون نفسه من جميع أنحائها يريدون أن يصرفوها عن هذا الحزن العميق، وأن يصرفوا عنها ~~بعض الهم الثقيل، ولكنهم لا يبلغون منه شيئا ms399 ولا يزيدونه إلا إغراقا في الحزن وغلوا ~~في اليأس. وربما بلغوا بأحاديثهم قرارة نفسه فأثاروها ودفعوه إلى الحديث، فإذا هو يتكلم ~~بكلام تقطعه العبرات وتبلله الدموع. # وكان «لسياس» ملكا لصفوان بن أمية، وكان قد أنفذ في ذلك اليوم أمره في أسير من أسرى ~~الأنصار يقال له زيد بن الدثنة، دفعه إليه صفوان وأمره أن يخرج به من الحرم، حتى ~~إذا بلغ به التنعيم قتله ثم عاد. ولم يكن مثل هذا العمل يحبب إلى «لسياس»، ولكنه لم يكن ~~خليقا أن يدفعه إلى مثل هذا اليأس المهلك، لولا أنه عرف عن أمر أسيره وصريعه ومن أمر ~~أصحابه ما عرف، ولولا أنه عرف من أمر زيد ما رأى، وسمع من أمر خبيب ما سمع، وانتهت إليه ~~أحاديث أولئك الذين أدركهم الموت قبل أن يحملهم إلى مكة ويبيعهم لقريش غدر الغادرين من ~~هذيل. ولكنه عرف ما عرف، ورأى ما رأى، وسمع ما سمع، فذكر أمورا كان يقرؤها في الكتب، ~~وأحداثا كان يهلع لها حين يسمع أنباءها من الوعاظ. # ذكر أولئك الشهداء الذين قتلوا في المسيحية تقتيلا، والذين امتحنوا بما كتب الله ~~عليهم من ضروب المحن وفنون الكيد، فلم تضعف نفوسهم، ولم تهن عزائمهم، ولم يفرطوا في ~~دينهم، ولم يجد الشك إلى نفوسهم سبيلا. # ذكر أولئك الشهداء الذين أقاموا مجد المسيحية على أشلائهم، وغذوه بدمائهم، وقووه ~~بضعفهم، وأعزوه بما احتملوا في سبيله من الذل، وأيدوه بما لقوه في سبيله من الأذى ~~والآلام. ذكر أولئك الشهداء الذين كان يكبرهم ويجلهم، ويرى أنهم شفعاؤه وشفعاء أمثاله ~~عند الله، وأنهم قدوته الصالحة وأسوته الحسنة ومثله الأعلى، وأنه أسعد الناس لو استطاع ~~أن يظفر ببعض ما ظفروا به من عذاب الدنيا ونعيم الآخرة، ومن ذل الدنيا وعز الآخرة، ومن ~~هذا الموت الهين السريع الذي تتبعه حياة باقية سعيدة متصلة لا حد لما فيها من ~~نعيم. # ذكر هؤلاء الشهداء، وذكر أنه لم يزد حين أطاع أمر مولاه صفوان على أن قتل واحدا ~~منهم، واقترف ذلك الإثم الذي اقترفه الظالمون الذين ms400 اضطهدوا الشهداء وفتنوهم، ثم قدموهم ~~قربانا إلى آلهتهم وأوثانهم في الزمن القديم. هنالك اضطربت نفسخ اضطرابا، وزلزل قلبه ~~زلزالا، ورأى حياته كلها وقد استحالت إلى شر منكر، ورأى ما قدم من الخير وقد استحال ~~إلى فساد، ورأى ما احتمل من الآلام وقد أصبح هباء. وهنالك ملك الندم عليه أمره، وملأ ~~اليأس عليه قلبه، وعجز أصحابه عن أن يمسوا نفسه بما كانوا يقدمون إليه من تسلية أو ~~عزاء. # على أنه لم يكن يحس في نفسه شيئا من الموجدة على مولاه صفوان، ولم يكن يضمر له شيئا ~~من البغض، إنما كانت موجدته كلها وحقده كله قسمة بين نفسه وبين امرأة من قريش، هي سلافة ~~بنت سعيد بن سهم زوج طلحة بن عبد الله بن عبد العزى. # كان واجدا على نفسه أشد الموجدة، مبغضا لها أشد البغض؛ لأنها أثمت بقتل هذا الرجل ~~الشهيد. وكان حانقا على سلافة حاقدا عليها؛ لأنها هي أصل هذا الشر، ومصدر هذا الإثم، ~~ومنشأ هذا البلاء. وكان يقول لأصحابه: «لولا أن هذه المرأة الآثمة نذرت ما نذرت، وأذاعت ~~ما أذاعت في أهل البادية، لما دفع صفوان إلى ما دفع إليه، ولما ظفر صفوان بما ظفر به، ~~ولما اشترى أسيره، ولما أنفذت أمره فيه.» # قال أصحابه: «وما نذر سلافة! وماذا أذاعت في الأعراب؟» # قال: «أتذكرون يوم حشدت قريش لحرب صاحبها في يثرب كيف كان أشراف مكة موتورين يأكل ~~قلوبهم الغيظ، وتملأ نفوسهم الحفيظة، وتضطرب أمامهم أشباح الخزي! يذكرون هزيمتهم حين ~~لقوا صاحبهم لأول مرة ففعل بهم الأفاعيل، وترك من أشرافهم صرعى لم يثوبوا إلى أهلهم ولم ~~يستمتعوا بتجارتهم تلك الرابحة التي أنقذها أبو سفيان. ويشفقون أن يتراءى لهم الموت فلا ~~يثبتوا له ولا يقدروا على النظر إليه فيفروا منهزمين، كما فروا من قبل، ويتركوا صرعى من ~~أشرافهم كما تركوا مثلهم من قبل. هنالك أجمعوا أمرهم على أن يتقووا بالنساء ويتقوا بهن ~~الهزيمة والعار؛ فاختاروا منهن أعلاهن قدرا وأرفعهن شأنا وأنبههن ذكرا وأقدرهن على ~~دفع الرجال إلى غمرات الموت. وكانت سلافة ms401 بين هؤلاء النساء، خرجت مع زوجها وبنيها ~~الثلاثة، وعادت مع المنتصرين أيما ثكلى قد فقدت زوجها وفقدت بنيها.» # ثم سكت «لسياس» كأنما يستحضر هولا يروع النفوس ويخلع القلوب. ثم عاد إلى حديثه في ~~صوت هادئ بعيد فقال: «إن كانت لوقعة مروعة حقا تلك التي كانت عند يثرب! لقد عادت ~~قريش تتحدث بالأعاجيب. لقد عادت تتحدث بالإخوان يسعى بعضهم إلى بعض بالموت. لقد عادت ~~تتحدث بالأمهات يدفعن أبناءهن إلى أن يقتل الرجل منهم أخاه. لقد عادت تتحدث بأم مصعب بن ~~عمير وقد قتل ابنها مصعب، فما كانت لتظهر عليه حزنا أو جزعا لأنه كان من خصم قريش ~~وأصحاب محمد. لقد عادت قريش منتصرة تتحدث بأمر سلافة هذه وقد فقدت زوجها وتلقت ابنيها ~~أحدهما بعد صاحبه يبلغها وقد أصابه السهم، فتضع رأسه على حجرها وتسأله: يا بني من ~~أصابك؟ فيقول ما أدري، ولكني سمعت قائلا يقول: خذها وأنا ابن الأقلح، ثم أصابني السهم. ~~يقول ذلك ثم يجود بنفسه بين ذراعيها. هنالك نذرت سلافة: لئن قدرت على قاتل ابنيها ~~لتشربن في قحف رأسه الخمر. وهنالك أذاعت في أهل البادية وأعراب الحجاز أن من جاءها برأس ~~ابن الأقلح هذا فله مائة من الإبل. هذا أصل الشر، وهذا مصدر البلاء.» # قال قائل: «وأي شيء لا يفعله الأعراب في سبيل جزور فضلا عن عشرة من الإبل! فضلا عن ~~مائة من الإبل؟!» قال «لسياس»: «والغدر أيسر ما يفعله الأعراب ليبلغوا أيسر من هذا ~~المال. # أقبل جماعة من هذيل على صاحب يثرب، فزعموا له أنهم قد آمنوا به وأسلموا له، وأن دينه ~~قد فشا فيهم، وسألوه أن يرسل معهم من يفقههم في الدين ويعلمهم شرائعه، يظهرون الإخلاص ~~ويضمرون الغدر، لا يبتغون إلا أن يظفروا بنفر من أهل يثرب يبيعونهم من قريش لتصيب بهم ~~ثأرا وليصيبوا بهم مالا. ويريد الله لأمر قضاه أن يختار نبي يثرب ستة من أصحابه، وأن ~~يؤمر عليهم عاصم بن ثابت بن الأقلح الذي كانت تبتغيه سلافة، وأن يرسل هؤلاء النفر من ~~أصحابه مع أولئك ms402 الغادرين. فما هي إلا أن يقربوا من مكة حتى يظهر الخفي ويصرح الشر ~~ويتبين الغدر، وإذا الذين كانوا يعلنون إيمانهم يستصرخون فيأتيهم الصريخ من هذيل، وإذا ~~أصحاب محمد يرون الغدر فينحازون إلى الجبل. ويعاهدهم أعداؤهم على ألا يقتلوهم ولا ~~يمسوهم بأذى إن هم ألقوا بأيديهم. فأما عاصم واثنان من أصحابه فيقسمون لا ينزلون على ~~عهد كافر أبدا، ويقاتلون حتى يقتلوا. وأما الآخرون فيحبون الحياة ويلينون لها ~~فيستأسرون؛ ولا يكادون يفعلون حتى يروا الغدر، فيأبى أحدهم أن يتبغ الغادرين وإذا هو ~~مقتول. ويبقى الآخران أسيرين، يحملان إلى مكة ويباعان فيها. فيشتري أحدهما صفوان ~~ويأمرني به فأتم له ما قدر له من نعيم، ويتم لي ما قدر لي من شقاء.» # ثم يجهش «لسياس» بالبكاء ويغرق فيه حينا، ثم يعود إلى حديثه في صوته ذلك الهادئ ~~البعيد فيقول: «لقد عرفت ورأيت من أنباء هؤلاء الناس ما لم أكن أقدر أن أعرف أو أرى. ~~ولولا أن الشقاء مقضي علي ومقدور لي، لكان فيما عرفت قبل أن أقترف الإثم صارف لي ~~عن اقترافه. وماذا كنت أخاف لو عصيت صفوان ولم أسفك هذا الدم الحرام! وأيهما أهون علي ~~وأيهما كان خليقا أن أوثره: الموت بيد صفوان أم الشقاء الأبدي الذي دفعت إليه؟ # لقد فرحت هذيل بمقتل عاصم بن ثابت، وقالت: مائة من الإبل تدفعها إلينا القرشية حين ~~نأتيها بهذا الرأس! ثم أقبلوا إليه يريدون أن يحتزوا رأسه. ولكن ماذا سمعت وماذا ~~تسمعون؛ هذه ظلة من الدبر # 1 # تقوم دونه فتحميه وتمنعهم أن يصلوا إليه. فيقول بعضهم لبعض دعوه حتى يأتي ~~الليل، فستنصرف عنه هذه الدبر، وسيخلص لنا رأسه. حتى إذا كان الليل هموا أن يسعوا إليه ~~ليحتزوا رأسه. ولكن ما سمعت وماذا تسمعون! لم يبلغوه ولم يمسوه، وإنما أقبل السيل ~~فاحتمله، ومضى به إلى حيث لا تبلغه يد. ولقد حدثت أن هذا الرجل كان قد نذر ألا يمس ~~كافرا ولا يمسه كافر. ولقد حدثت أنه لما امتنع على القوم فقاتلهم وقاتلوه، رفع صوته ~~ضارعا إلى ربه ms403 وهو يقول: «اللهم إني قد حميت دينك أول النهار فاحم لحمى آخر النهار».» ~~ولما بكى «لسياس» عند هذا الحديث لم يبك وحده، وإنما بكى معه أصحابه جميعا بكاء ~~طويلا. حتى إذا تكففت # 2 # عبرته وهدأ عنهم البكاء مضى في صمته. ولكنهم ألحوا عليه أن يتم ما بدأ من ~~الحديث. فقال: «وبم تريدون أن أتحدث إليكم؟ لقد كنت أقرأ أخبار شهدائنا وأسمع أحاديثهم، ~~فأرهبها وأكبرها وأخافها وأرغب فيها، وأود لو أني حييت في تلك الأيام التي كانت ترخص ~~فيها الحياة ويغلو فيها الإيمان، وأود لو أني كنت واحدا من هؤلاء الناس الذين باعوا ~~نفوسهم من الله؛ فقد أتيح لي اليوم أن أعيش في بيئة الشهداء وأن أراهم وأتحدث إليهم وأن ~~أسمع منهم، ولكني لم أبع نفسي من الله، وإنما بعتها من الشيطان، ولم أسفك دمي في سبيل ~~الله، وإنما سفكت دم شهيد كريم. # ولقد سمعت أبا سفيان زعيم قريش يسأله: «أيحب أن يقوم محمد مقامه هذا وأن يكون هو ~~آمنا بين أهله؟!» فيجيبه: «والله ما أحب أن تصيب محمدا شوكة تؤذيه وأنا آمن بين ~~أهلي.» فيقول أبو سفيان لمن حضر من أشراف قريش: «ما رأيت أحدا يحب أحدا كما يحب هؤلاء ~~الناس صاحبهم.» ثم تمتد يدي الآثمة إلى هذه الحياة الطاهرة فتطفئ سراجها، وإلى هذا الدم ~~الزكي فتسفكه على الأرض مخافة من غضب صفوان. يا للهول! لقد كنت أحسب أن صفوان لم يملك ~~إلا جسمي وأن نفسي ما زالت حرة؛ فقد علمت الآن أني رقيق حقا. وقد علمت الآن أن سلطان ~~السادة على الأرقاء قد يتجاوز الأجسام إلى النفوس. وقد علمت الآن أن الرجل الذي يرضى ~~بالرق ولا يموت دون الحرية إنما يقتل نفسه قتلا. لقد قتلت نفسي يوم آثرت الحياة وقبلت ~~أن أكون سلعة في يد أولئك التجار.» # قال رجل من أصحابه: «وإن كان صديقك هذا شهيدا كريما - وما أراه إلا كذلك - فإن ~~رفيقه الذي قتله بنو الحارث بن عامر لم يكن أقل منه كرامة. ولعل مصرعه أن يكون أشد ms404 من ~~مصرع صاحبه ترويعا للنفس وتمزيقا للقلب. لم يبسطوا عليه بالشر يد مولى من مواليهم أو ~~عبد من عبيدهم، وإنما كانوا ظماء إلى دمه، حراصا على أن يخمدوا جذوته بأيديهم. خرج به ~~جمعهم إلى التنعيم، فلما أرادوا قتله أستأذنهم في أن يتقرب إلى ربه بالصلاة قبل أن يخطو ~~آخر خطواته في الحياة؛ فأذنوا له، فصلى ركعتين ثم قال لهم: لولا أني أخاف أن تظنوا بي ~~الجزع لزدت. ثم ينهض إليه أحدهم فيقلته ويعودون عنه وإنهم ليتحدثون عن أخلاقه وخصاله ~~بما كان خليقا أن يصرفهم عن قتله، لولا أن قلوبهم قست فهي كالحجارة أو أشد قسوة. لقد ~~كانوا يقولون: إنهم جعلوا سجنه عند امرأة منهم، وإن هذه المرأة كانت تتحدث إليهم عن ~~أمره بالأعاجيب. كانت تراه مغلولا يأكل من الفاكهة والثمر ما ليس لأهل مكة عهد به في ~~مثل هذا الوقت، لا تدري كيف سيق إليه؛ ولقد أنبأتهم أنه حين أظله اليوم الذي كان يراد ~~قتله فيه طلب إليها موسى يتهيأ بها للموت، فأرسلتها إليه مع طفل صغير يدرج، ثم لم تلبث ~~أن راعها ما فعلت وأن امتلأ قلبها رعبا وأن قالت لنفسها: ما يمنع هذا الأسير أن يقتل ~~هذا الصبي فيثأر لنفسه قبل أن يدركه الموت! وأقبلت عليه مسرعة، فإذا هو قد أجلس الطفل ~~على فخذه وهو يداعبه ويلاعبه، وأكبر الظن أنه كان يودع فيه طفلا له بعيدا. فلما رأى ~~المرأة مقبلة وقد أخذها الروع ابتسم لها ابتسامة الحزن، ونظر إلى الطفل نظرة الحب، ~~وقال للمرأة: أشفقت على هذا الصبي من الغدر؟ ليس الغدر من أخلاقنا. # أفمثل هذا الرجل كان خليقا أن تقدمه قريش فتقتله لو أن قريشا تعرف الحق، أو تقدر ~~الخير، أو ترجو لله وقارا، أو تحس في قلوبها أثرا من آثار الرحمة والبر!» # قال قائل منهم: «ما أرى إلا أن لهؤلاء الناس من أهل يثرب شأنا. فلو أنهم يقيمون ~~أمرهم على شيء من باطل هذه الحياة الدنيا لما استقبلوه بهذا الحزم، ولما احتملوا في ~~سبيله هذه الأهوال، ms405 ولما رخصت عليهم نفوسهم ودماؤهم وأموالهم وأهلوهم إلى هذا الحد. ~~والله إني لأسمع ما يقال وأرى ما يحدث، فلا أشك في أن أهل هذه الأرض يستقبلون عصرا ~~كذلك العصر الذي استقبله أهل بلادنا حيث انبعث فيهم رسل المسيح: هذا الإيمان الذي زين ~~في بعض القلوب حتى زهدها في كل شيء، هذا اليقين الذي سيطر على بعض النفوس حتى هون عليها ~~كل شيء، هذه المعجزات التي تساق إلى الناس في يسر وسذاجة وما كانوا ينتظرونها ولا ~~يرجونها فلا تغرهم ولا تطغيهم ولا تدفعهم إلى أشر ولا بطر.» # كل هذا دليل واضح على أن السماء لم تقرب من الأرض قربها في هذه الأيام، وعلى أن أخبار ~~السماء لم تتصل بالأرض اتصالها في هذه الأيام، وعلى أن الله يريد بالناس شيئا لم نكن ~~نقدر أنه كائن ولكن أوانه قد آن. أما إني لاحق بهؤلاء الناس إن استطعت إلى ذلك ~~سبيلا. # قال آخرون: «ما أيسر ذلك وما أعسره! وأنى لمثلنا أن يفلت من سادة قريش، وإن من حول ~~مكة من أهل البادية لأرصادا على من أقبل من يثرب أو قصد إليها من الأحرار، فكيف ~~بالرقيق!» # قال «لسياس» وهو ينتحب: «فكروا في ذلك ودبروا، وتهيئوا لذلك واستعدوا؛ فأنتم أهل ~~لهذه الكرامة إن كان الله قد قضاها لكم. أما أنا فقد كتب علي الشقاء. وما أرى أن بحار ~~الأرض لو سلطت على التنعيم تستطيع أن تغسل هذا الدم الزكي الذي سفكته هذه اليد ~~الآثمة.» # ثم قام عنهم يعدو مشتدا في العدو، فلم يروا له بعد ذلك أثرا ولم يسمعوا عنه بعد ~~ذلك خبرا. # الفصل السابع # | نزيل حمص # قال عمير بن عبد الله السلمي لمحمد بن نصر الكلابي: «إن لله فيما يأتي من الأمر لحكمة ~~بالغة، يفهمها الناس حينا ويقصرون عن فهمها في كثير من الأحيان. وإن الرجل الرشيق خليق ~~أن يتعظ بما فهم، وألا يلح في تأويل ما لم يفهم، وأن يطمئن قلبه إلى أن حكمة الله ~~بالغة، وإلى أن قضاءه منته إلى الخير دائما.» # قال ms406 محمد بن نصر لصاحبه: «هو ذاك، وما أظن أن أحدا منا ينكر ذلك أو يماري فيه، فما ~~تحدثك به؟ وما هذا التفكير العميق الذي أرى آثاره بادية في وجهك؟» # وكان هذان الرجلان من فتيان قيس، شديدي البأس، قد ملأ قلبهما إيمان قوي بالله، ~~وحفاظ قوي للعرب، واعتزاز قوي بالنفس، وحب قوي للجهاد. وكانا قد مضيا مع الصائفة ~~غازيين، حتى بلغا ثغرا من ثغور الروم، فأمعنا في الغزو ولقيا فيه من الجهد والشدة ~~واحتملا فيه من المشقة والبلاء شيئا عظيما، لم يزدهما إلا إيمانا على إيمان، وحفاظا ~~إلى حفاظ، وحبا للجهاد إلى حبهم القديم للجهاد. وكان الله عز وجل قد قضى لهما أن ~~يعودا من هذه الغزوة موفورين، فلما بلغا مأمنهما مع الجيش من بلاد المسلمين نذرا لئن مد ~~الله حياتهما حتى ينقضي الشتاء وتستأنف الصائفة من قابل غارتها على بلاد الروم، ليكونن ~~لهما في هذه الغارة بلاء، وليضعن كل واحد منهما نفسه في مقدمة الجيش المغير. وكانا قد ~~أزمعا من أجل ذلك ألا يبعدا في الرجوع إلى موطنهما، وأن ينفقا فصل الشتاء في مدينة من ~~مدن المسلمين المنبثة في الشام، والتي ترابط فيها الجنود، قد قسمت بينها تقسيما، ووزعت ~~عليها توزيعا. ولم يكونا من أصحاب الديوان في جند من أجناد الشام، وإنما كان رجلين قد ~~باعا أنفسهما من الله وتطوعا في الجهاد، وأقبلا يبتغيان المثوبة، فلحقا بالصائفة فيمن ~~يلحق بها من المتطوعين، ولم يصرفهما عن حمص أنها لم تكن للمضرية دارا. وما يريدان إلى ~~المضرية أو إلى اليمنية وهما إنما يمران بهذه المدينة مرورا وينتظران أن ينقضي فصل من ~~فصول العام ويقبل فصل آخر ليستأنفا نشاطهما وليقبلا على ما يبتغيان من ثواب الله ~~مجاهدين! # فلما استقر بهما المقام في حمص أياما وأسابيع، أخذا يدوران فيها ويتعرفان بعض أمرها، ~~ويسمعان إلى ما كان يجري على ألسنة أهلها من بعض الحديث. وقلما كان أحدهما يخرج ~~منفردا، إنما كانا في أكثر أوقاتهما متلازمين، كأن ما دفعهما إلى الهجرة من أوطانهما ~~قد جمع بين ms407 نفسيهما في الجهد والبأس، كما جمع بين نفسيهما في الرخاء واللين! فقلما كانا ~~يفترقان أثناء الغارة على اختلاف الأحوال وتباين الخطوب التي كانت تعرض للجيش وتلم ~~بالمغيرين. وهما الآن لا يفترقان أو لا يكادان يفترقان، وقد أظلهما الأمن وضمنتهما سلم ~~لا يخافان معها شدة ولا بأسا ولا فراقا. # ولكنهما في هذا اليوم لم يكادا ينفتلان من صلاة الغداة حتى فرقت بينهما حركة الناس ~~وازدحامهم مسرعين، كأن هناك أمرا ذا بال يروعهم ويدفعهم إلى أن يشهدوا مشهدا يجب أن ~~يشهده الناس. وقد دفع محمد بن نصر مع المزدحمين وأسرع مع المسرعين، لم يكن له في ذلك ~~رأي أول الأمر، ولكنه لم يلبث أن حمد ما أدركه من ذلك، فمضى مع الماضين مختارا لا ~~كارها، وحرص على أن ينتهي إلى حيث كانوا يريدون أن ينتهوا. وقد سمع ما سمع، ورأى ما ~~رأى، وامتلأ قلبه بالعظات والعبر، وشغل عقله بالتفكير المتصل العميق. حتى إذا تفرق ~~الناس وكلهم يملأ نفسه العجب عاد إلى صاحبه يحدثه بما سمع، ويحدثه بما رأى، ويبدأ حديثه ~~بهذا الكلام الذي أوجزته لك آنفا. # فلما سأله صاحبه عما به قال: «لقد شهدت اليوم أمرا عظيما: شهدت جنازة رجل ملأ قلوب ~~الناس حبا وبغضا، ورضا وسخطا، وأثار في نفوسهم كثيرا من الحفيظة بل حفيظة لا ~~تنتهي، وأثار في نفوس الناس كذلك إعجابا وإكبارا، وأطلق ألسنة الناس بالذم الشنيع، ~~وأطلق ألسنة الناس بالثناء الكثير، ورسم على وجوه الناس آثار الموجدة المنكرة، ورسم على ~~وجوه الناس كذلك آثار الاعتراف بالجميل، ورسم على وجوههم بين ذلك ابتسامات فيها سخرية ~~وازدراء، وفيها عطف وإشفاق. ثم رأيت الناس يعودون من تشييعه إلى قبره وإن الحيرة لتملأ ~~قلوبهم، وإن الشك ليضطرب في نفوس كثير منهم، وإنهم على هذا كله ليقولون فيما بينهم مثل ~~ما كنت أقوله لك منذ حين، وإنهم على هذا كله ليظهرون الثقة بحكمة الله البالغة ~~والاطمئنان إلى عفوه الذي ينال به من يشاء.» # قال عمير بن عبد الله: «ما رأيت كاليوم رجلا يؤثر التلميح ms408 على التصريح، ويقصد إلى ~~الغموض دون الوضوح. فحدثني بحديثك - لا أبا لك - ولا تطل، فما تعودت منك إطالة ولا ~~إملالا.» # قال محمد بن نصر: «فالله يعلم ما آثرت تلميحا ولا اجتنبت تصريحا ولا قصدت إلى غموض ~~ولا تنكبت وضوحا، وإنما أصور لك نفسي كما أجدها. وما أدري كيف أتحدث إليك بهذا الحديث، ~~وما أعرف من أين آخذه: آخذه من مبتدئه أم آخذه من منتهاه، أم آخذه مما بين ذلك؛ فإن كل ~~موضع منه تملؤه العبرة والعظة، وتظهر فيه هذه الروعة التي تتأثر لها القلوب وتفكر فيها ~~العقول. إنه رجل لم يعرف الناس من أول أمره إلا أنه كان عبدا حبشيا لسيد من سادات ~~قريش في مكة وهو جبير بن مطعم. وكانوا يرونه فتى شديد البأس عظيم الأيد، شجاعا جريئا، ~~يعمل لسيده فيما يعمل فيه الرقيق. ولو أن الرق لم يعرض له لكان خليقا أن يسود في بلده ~~وبين قومه هؤلاء السود. ولكن الرق عرض له كما عرض لكثير من أشراف الروم والفرس، فألقاه ~~إلى هذا الحي من قريش، وفرض عليه ما يفرض على الأرقاء من الخنوع والخضوع ومن الذلة ~~والهوان، ومن العمل فيما لا يعمل فيه أصحاب النجدة والمروءة من الناس. وكان هذا الفتى ~~ضيقا بحياته أشد الضيق، منكرا لها أعظم الإنكار، جامحا حين يتاح له الجموح، شامسا ~~حين يتهيأ له الشموس، لا يخفي بغضه للرق وطمعه في الحرية مهما يكلفه ذلك من غضب سادته ~~وزجرهم، وإعناتهم له وإلحاحهم عليه بالإعنات. وكانت قريش قد لقيت من النبي # صلى الله عليه وسلم # وأصحابه جهدا شديدا يوم بدر، وفقدت جماعة من ساداتها وأشرافها، وذاقت الهزيمة ~~المنكرة، وذاقت فقد الأحباء، وذاقت هذا الذل الذي يكره العرب أن يذوقوه، ذل الموتور ~~الذي لم يدرك وتره. وكانت قريش تتجهز لإدراك الوتر والأخذ بالثأر، وشفاء حزازات النفوس، ~~وإرضاء قتلاها من أهل الحفير. وكان جبير بن مطعم قد فقد عمه طعيم بن عدي يوم بدر، وكان ~~حريصا على أن يثأر به وينتقم له من قاتله. ولم يكن ms409 قاتله إلا حمزة بن عبد المطلب عم ~~النبي، وأسد الله وشجاع قريش، وحامل لواء المسلمين لأول ما عقد اللواء.» # قال عمير بن عبد الله: «فإنك إنما تتحدث عن وحشي، فما خطبه؟ وما الصلة بينه وبين هذا ~~الرجل الذي شهدت جنازته منذ اليوم؟» قال محمد بن نصر: «فإن هذا الرجل الذي شهدت جنازته ~~منذ اليوم هو وحشي نفسه.» # قال عمير: «ليتني عرفت مكانه من هذه المدينة حين أقبلت إليها، إذا لسعيت إليه، ~~ولسمعت منه، ولسألته عن بلائه ذلك المنكر.» # قال محمد بن نصر: «وكذلك قلت لنفسي أنا منذ حين، ولكني رأيت من رآه، وسمعت ممن سمع ~~منه. ولقد رأى من رآه رجلا كان خليقا أن يرى، وإن الذين سمعوا منه ليتحدثون من أمره ~~بالأعاجيب. قال له سيده حين أجمعت قريش أمرها: إني أرى شوقك إلى الحرية وكلفك بها، ~~وإسرافك في الجموح، وامتناعك عما لا ينبغي لمثلك أن يمتنع عنه من الطاعة والإذعان ~~لمواليه. وإني أعرض عليك هذه الحرية التي تهواها. فإن شئت فأد ثمنها، وما أظنك تفعل.» ~~قال العبد: «فقد شئت أن أؤدي إليك ثمن هذه الحرية لو أني أستطيع أن أبلغه في جو السماء ~~أو في أقصى الأرض.» قال جبير: «فإنه أدنى إليك من ذلك، إنه في يثرب، فاذهب مع قريش في ~~حربها هذه التي تتجهز لها، ثم عد إلي بمقتل حمزة وأنت بعد ذلك طليق.» # قال العبد: «أما أني ذاهب مع قريش فعائد إليك بمقتل صاحبك أو لاق من دون ذلك الموت؛ ~~فهو أهون علي وآثر عندي من حياة الرقيق.» # ولقد سمع الناس منه حديثه عن ذلك البلاء المنكر الذي أبلاه يوم أحد، وما أرى إلا أنك ~~تعرفه كما أعرفه؛ فقد أخذ يرقب حمزة وهو يقوم من المسلمين مقام الأسد يذود عن أشباله، ~~يهذ الجيش بسيفه هذا، # 1 # والناس يرونه من بعيد كأنه الجمل الأورق، # 2 # فتمتلئ قلوبهم لمنظره رعبا وينصرفون عن موقفه انصرافا، وهو يتحداهم ويدعو ~~فرسانهم ومغاويرهم. والعبد قائم قد استتر عنه بشجرة ينظر إليه ويرتقب غفلته، ms410 وحمزة لا ~~يراه ولا يحس بمكانه. فلما أمكنته الفرصة هز حربته حتى رضي عنها، ولم يكن له بغير ~~الحربة من السلاح علم. فلما تهيأت له الرمية رمى، وإذا الحربة تصيب حمزة في مقتل فيخر ~~صريعا، والعبد قائم مكانه لا يريم، يرقب أسد الله صريعا بعد أن كان يرقبه جائلا في ~~الميدان. فلما استوثق من أن صريعه قد قضى، أقبل يسعى إليه فانتزع حربته، ثم عاد إلى ~~المعسكر فأقام فيه. لم يصنع قبل مقتل حمزة شيئا، ولم يصنع بعد مقتل حمزة شيئا. وما ~~يعنيه من أمر هذه الحرب بين قريش والأنصار! وإنما أقبل يشتري حريته بمقتل هذا الرجل ~~العظيم، وقد ظفر بما أراد. فانتظر قفول قريش إلى مكة، ولم يشهد ما كان من تمثيل هند ~~وصاحباتها بعم النبي، ولم يشهد ما كان من حزن النبي حين رأى عمه في منظر لم ير # صلى الله عليه وسلم # قط منظرا أوجع له وأثقل عليه منه. # ولم يسمع العبد نذير النبي حين أقسم لئن أظفره الله على قريش ليمثلن منهم بسبعين ~~مثلة لم تعرفها العرب قط. ولم يعلم العبد أن النبي قد رد عن ذلك ردا، وأن الله قد ~~أنزل في ذلك قرآنا، وأن النبي قد تلا قول الله عز وجل: # وإن ~~عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو ~~خير للصابرين * واصبر وما صبرك إلا بالله ~~ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون * إن الله مع الذين اتقوا والذين هم ~~محسنون ~~. # ولم يعلم العبد أن النبي قد اضطر إلى أن يكفر عن يمينه، ثم لم يعلم العبد أن النبي قد ~~عاد إلى المدينة محزونا أسفا، فلما سمع نساء بني عبد الأشهل يبكين قتلاهن قال: «ولكن ~~حمزة لا بواكي له!» وسمع ذلك منه الأنصار، فأرسلوا نساءهم يبكين حمزة عند بيت النبي، ~~وخرج نساء النبي فبكين معهن حتى ردهن النبي داعيا لهن، ثم أصبح فنهى عن البكاء. # لم يعلم العبد من هذا شيئا. وماذا يعنيه من هذا! إنما كان يريد حريته وقد ms411 بلغها. ~~وماذا صنع البائس بحريته! لم يعد إلى بلده، وكيف سبيل العودة إليها! ولم يسد في مكة، ~~وكيف السبيل إلى السيادة فيها! # إنما عاش بين قريش حرا كالعبد، وطليقا كالأسير. نعم! لم يعلم بشيء من هذا. # ولكنه علم ذات يوم أن جيوش المسلمين مقبلة على مكة، ورأى ذات صباح جيوش المسلمين ~~تدخل مكة، واستيقن العبد أنه مقتول إن ظفر به المسلمون، ففر وانطلق في الأرض يلتمس ~~لنفسه مأمنا فلا يجده. هؤلاء المسلمون ينتصرون على العرب يوم حنين، وهذه أرض العرب ~~كلها تذعن للنبي، فأين الملجأ من الله إلا إلى الله! لقد أوى العبد إلى الطائف، وقاوم ~~فيها المسلمين ما قاومهم أهلها. ولكن وفد الطائف يتهيأ للسفر إلى المدينة، وما هي إلا ~~أيام حتى تذعن الطائف لما أذعنت له مكة. والآن يفكر العبد في مهاجرة البلاد العربية ~~كلها. ولكن كيف السبيل إلى الهجرة؟ لقد أخذت عليه سبيل الحبشة، وأخذت عليه سبيل الروم، ~~وانبسط سلطان النبي على الشمال والجنوب. لقد كانت الهجرة ميسورة قبل الآن، فأما الآن ~~فقد تقطعت من دونها الأسباب. # هنالك يلقي بعض الناس في نفس العبد أن النبي لم يقتل قط رجلا جاءه مسلما. وإن النبي ~~لجالس بين أصحابه ذات يوم، وإذا رجل قائم على رأسه يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا ~~رسول الله، وينظر النبي فيرى العبد فيعرفه. ولكن الله قد عصم دمه بالإسلام. وما قتل ~~النبي قط رجلا جاءه مسلما وإن كان قد قتل عمه حمزة. فيأمر النبي ذلك العبد أن يجلس ~~ويحدثه كيف قتل عمه. وهذا العبد قد جلس، وهو يعيد على النبي بلاءه المنكر، وحديثه يملأ ~~قلب النبي حزنا ولوعة وأسى، والعبد بين يديه، لو أراد لأرضى حزنه ولوعته بمصرعه، ولكن ~~أنى له ذلك وقد اعتصم العبد بالإسلام! # وقد آثر النبي أن يعفو، وآثر أن يصبر. أليس قد عفا عن هند وقد مثلت بعمه ولاكت كبده، ~~وجدعت أنفه وأذنيه! فما له لا يعفو عن عبد مأمور! ولكنه قال للعبد: «غيب وجهك عني.» ~~فجعل ms412 العبد لا يرى رسول الله إلا تنكب طريقه واجتنب لقاءه. # وعاش وحشي في المدينة حرا كالعبد، وطليقا كالأسير، وجعل الندم يحز في قلبه حزا، ~~ويمزق فؤاده تمزيقا، ويؤرقه إذا جن الليل، ويعذبه إذا أقبل النهار. # ولكن العرب يرتدون، ويذهب خالد بن الوليد لقتال مسيلمة، وهذا العبد يذهب معه ليقاتل ~~في سبيل الله بعد أن كان يصد عن سبيل الله. # وهذا العبد يهز حربته ذات يوم كما هزها يوم أحد، ويتهيأ لرميها كما تهيأ يوم أحد، ثم ~~يطلقها كما أطلقها يوم أحد، وإذا هي تصيب رجلا فتصرعه، وإذا الحربة التي قتلت حمزة قد ~~شاركت في قتل مسيلمة، وإذا وحشي قد قتل خير الناس، وقتل شر الناس! # وقد عفا النبي عن قاتل عمه، وعفا المسلمون عن قاتل أسد الإسلام. ولكن نفس وحشي لم تعف ~~عن وحشي، ولكن دم مسيلمة لم يغسل من نفسه دم حمزة! # وهذا العبد الحر يمضي مع جيوش المسلمين غازيا، فيقاتل الروم وينتصر مع المنتصرين، ~~ويستقر مع المستقرين في مدينة حمص هذه. ولكن بلاءه أيام الردة، وبلاءه أيام الفتح، وما ~~احتمل في هذا كله من جهد، وما ناضل في هذا كله عن الإسلام، لم يغسل عن نفسه دم حمزة، ~~ولم يبرئ نفسه من الندم لمقتل حمزة. ولم يبلغ الإسلام من قلب هذا الرجل ما بلغ من قلوب ~~كثير من الناس فيمحو من قلبه ما قدم في جاهليته. وإذا هو يستعين على الندم بالخمر، وإذا ~~هو يشرب ويسرف في الشرب، وإذا هو يضرب في الشراب فلا يمنعه الحد في معاودة الشراب. وإذا ~~هو معروف في أهل حمص بما قدم من خير وشر. وإذا هو معروف في أهل حمص بسكره إذا سكر، ~~وبصحوه إذا صحا. وإذا هو يسكر حتى يصبح مخوفا على من يدنو منه، ويصحو حتى يصبح عاقلا ~~حلو الحديث. والندم يلح عليه حتى يبغضه إلى نفسه تبغيضا، ويصرفه عن الصحو صرفا. وكلما ~~مضت عليه الأيام ازداد إمعانا في الشراب، والسن تتقدم به، وجسمه يضعف شيئا فشيئا، ~~وعقله يذهب قليلا ms413 قليلا، والندم ماثل مع ذلك في نفسه، ملم بداره، يأخذه من كل وجه، ~~وهو لا يجد سبيلا إلى الفرار منه إلا إلى الشراب. وهو يضرب في الشراب وقد ضعف وفنى فلا ~~يحتمل الضرب فيموت. ونشهد جنازته اليوم. # أرأيت أني لم أكن ملمحا ولا مؤثرا للغموض حين كنت أحدثك بما كنت أحدثك به من هذه ~~العواطف المختلفة التي كانت تثيرها جنازته في نفوس الناس؟ # قال عمير: «أشهد أن حكمة الله بالغة، وأن الرجل الرشيق خليق أن يتعظ بما فهم من قضاء ~~الله، وأن يطمئن إلى عدل الله وعفوه إذا أشكلت عليه الأمور.» # قال محمد بن نصر: «فإني لا أعرف شيئا يغسل عن النفس إثمها وينقيها من السيئات كهذا ~~الذي نحن فيه من جهاد عدو الله ما وجدنا إلى هذا الجهاد سبيلا.» # الفصل الثامن # | الوفاء المر # 1 # أقبل الفتى على أمه وعمه جذلان مبتهجا، قد تألق وجهه بشرا، ولكن الحزم والعزم ~~ظهرا في عينيه الحادتين وفي صوته الممتلئ الهادئ الرزين. ولم يكن كعب قد أتم ~~السابعة عشرة من عمره، ولكنه كان قوي الجسم، مرتفع القامة في السماء، كثير الحركة، ~~عظيم النشاط، في نفسه حزن دفين. يظهر في صوته إذا تحدث إلى الناس، وفي خواطره التي ~~كان يديرها في رأسه كئيبة قاتمة، ويخرجها إلى لداته وأترابه عابسة شاحبة لا حظ فيها ~~للرضا ولا للابتسام. # وكان لداته وأترابه يتحدثون عنه إذا لم يشهدهم، فيذكرون التناقض بين حركته ~~الدائمة ونشاطه، وبين نفسه الحزينة وباله الكاسف، ويقول بعضهم لبعض: ما نظن هذا ~~النشاط المتصل والحركة العنيفة، إلا وسيلة يتخذها كعب ليتسلى بها عن هذا الحزن ~~الخبيء الذي لا يريد أن يظهره ولا أن يبوح به، والذي يحميه في أعماق ضميره كأنه ~~حرم لا ينبغي لغيره أن يبلغه أو يظهر عليه. # وكانت أمه تجد مثل ما يجد أصحابه من الإشفاق عليه والرثاء له، ومن إنكار هذا ~~التناقض بين جسم مضطرب نشيط ونفس ساكنة هادئة حزينة. ولكنها كانت تعلم من أمر هذه ~~النفس الهادئة الحزينة أكثر مما كان ms414 يعلم أصحاب الفتى. # وكانت تتحدث عن حزن الفتى واكتئابه إلى عمه الشيخ إذا خلت إليه. وكان الشيخ يسمع ~~لها ويصغي إليها، ثم ينظر إلى وجهها المشرق الذي يترقرق فيه حزن رقيق، تخفي أصوله ~~في نفسها نظرات طويلة، ثم يقول لها في هدوء متكلف وأناة مصطنعة وصوت يكاد يتفجر ~~فيه الغيظ المكظوم: «مهلا مهلا يا أسماء! فإن الأوان لم يئن بعد.» وكانت أسماء ~~تسمع من الشيخ هذه الجملة التي يكررها كلما تحدثت إليه في أمر الفتى، فلا تزيد على ~~أن تلزم الصمت، وتقطع الحديث، وترسل دموعا هادئة تنحدر على وجهها الجميل، ثم تسرع ~~إلى هذه الدموع فتكفكفها، ثم تنصرف عن الشيخ ساعة، ثم تعود إليه مشرقة الوجه باسمة ~~الثغر، كأنها لم تقل له شيئا ولم تسمع منه شيئا، وكأن دموعها الغزار لم تغسل ~~وجهها الجميل. # وكانت أسماء قد وصلت بابنها الصبي إلى هذه المدينة من مدن الشام منذ أكثر من عشر ~~سنين، تحمله بين ذراعيها، ولا تخلي بينه وبين الحركة الحرة إلا قليلا لكثرة ما ~~خافت عليه، ولكثرة ما تعرضت وتعرض معها له من الهول. فلما انتهت إلى المدينة تلقاها ~~الشيخ فأحسن لقاءها، وسمع منها حديثها فأحس له ألوانا مختلفة من العواطف: أحس ~~الغيظ والحنق، وأحس الثورة والغضب، وأحس الرحمة والإشفاق، وأحس البر والحنان، وقال ~~لامرأة أخيه آخر الأمر: «أقيمي يا أسماء وادعة مطمئنة، فقد بلغت مأمنك وانتهيت إلى ~~دارك، ولك علي ألا تجدي في هذه الديار إلا ما ترضين، وأن أقوم على هذا الصبي كما ~~كان أبوه يريد أن يقوم عليه، لا أسألك في ذلك إلا أمرين: أن تفرغي للصبي حتى يتم ~~رجلا كامل الخلق موفور القوة، ولك بعد ذلك أن تفرغي لنفسك، فتلتمسي الزواج ~~وتستأنفي الحياة، وأن تكتمي على الصبي أمر أبيه فلا تنبئيه منه بشيء حتى أوذنك بأن ~~الأوان قد آن.» # قالت أسماء وقد شاع في صوتها من الأسى ما يذيب القلوب: «وا حسرتاه! وهل أستطيع أن ~~أفرغ لشيء غير هذا الصبي الناشئ! وغير ذكرى ذلك الشيخ الذي ms415 مضى ولم يترك مع ابنه ~~إلا لوعة ما أراها تهدأ، وحبا ما أراه ينجلي عن هذا القلب البائس! لن أفكر إلا ~~في هذا الصبي أعده ليكون لي خلفا من أبيه. فأما الزواج فقد قضيت أربي منه. وأما ~~الحياة فقد أخذت منها كل ما أعطتني، فما أطمع منها في شيء، وما أرجو منها خيرا. ~~ولقد ودعت حياة الزواج يوم ودعت أبا كعب، فمضى إلى الموقعة، ومضيت إلى هذا الوجه من ~~أرض الشام. ولقد أردت أن أطيل وداعه، وأن أسترسل معه في بعض الحديث، وأن أعاهده على ~~الوفاء له، وأن أقسم له على أني سأظل له زوجة إن قضى كما كنت له زوجة قبل أن يتعرض ~~للموت. ولكنه لم يرد أن يسمع لي ولا أن يصغي إلي، ولا أن يطيل موقف الوداع، وإنما ~~نظر إلي نظرة فيها الحب والغضب معا، ورفع ابنه فقبله بين عينيه، ثم دفعه إلي ~~في شيء من العنف ثم تحول عني. حتى إذا استقلت الإبل ودفعت في طريقها إلى الشام، ~~تلفت فإذا هو قد استدار وجعل يتبعنا بصره وهو قائم لا يتحرك ولا يظهر على وجهه إلا ~~هذا الغيظ المروع الذي رأيته فأنكرته حين عاد إلي من ناديه آخر النهار. فلما أبى ~~أن يسمع لي ويتلقى قسمي عاهدت نفسي وقد عجزت عن أن أعاهده، وأقسمت لنفسي وقد عجزت ~~عن أن أقسم له. ثم لاقيت في الطريق ما تعلم من خطب، وتعرضت لما تعلم من هول؛ فلم ~~تبق الحوادث مني لحياة الزوجات شيئا، وإنما أبقت مني لحياة الأمهات كل ~~شيء.» # قال الشيخ: «وتكتمين على الصبي أمر أبيه حتى أوذنك بأن الأوان قد آن.» قالت: «ذلك ~~لك، وإن كنت لا أعرف كيف أجد السبيل إلى الكتمان.» # وأنفقت أسماء أعواما وأعواما، تنشئ ابنها وتحدب عليه في ذرا البر العنيف الماكر ~~من شيوخ يهود في الشام. حتى إذا تقدمت السن بالفتى وعرف نفسه ونظر، فلم يجد حوله ~~إلا أمه وعمه سأل عن أبيه، فأنبأته أمه باسمه ومكانته من قومه، وبأنه قد لقي ms416 مصرعه ~~في بعض ما يلقى الناس فيه مصارعهم من الحوادث التي تعرض، والخطوب التي تلم هناك في ~~تلك الأرض البعيدة التي هاجر اليهود إليها بحريتهم فيما مضى من سالف الدهر. # وجعل الفتى يسأل أمه ويلح في السؤال يريد أن يعرف عن أبيه أكثر من ذلك فلم يجد ~~منها إلا مداورة والتواء، فلجأ إلى عمه فلم يجد عنده إلا مثل ما وجد عند أمه من ~~المداورة والمراوغة والالتواء. هنالك ارتاب الفتى وأثر الشك في نفسه آثارا عميقة. ~~وهنالك تعقدت الأمور في ضمير الفتى، فأحس الخوف من هذا السر الذي تخفيه عليه أمه ~~ويحجبه عنه عمه، وأحس الكبرياء التي منعته من الإلحاح في السؤال مخافة أن يعلم ما ~~يغض من نفسه أمام نفسه، وأحس الإشفاق على هذه الأم الجميلة البرة الحزينة أن يكون ~~في إلحاحه عليها ما يؤذيها، أو أن يكون في جوابها له ما يؤلمه. فعكف الفتى على ~~نفسه، وأسر الحزن في ضميره، وجاهد الهم ما استطاع إلى جهاده سبيلا، فلم يقهر الهم ~~ولكن الهم لم يقهره. وكانت الحركة الدائمة والنشاط المتصل وسيلته إلى هذا الجهاد، ~~فكان لا يصبح إلا أسرع إلى الخروج من داره، واضطرب فيما يضطرب فيه شباب العرب في ~~هذه المدينة القائمة في طرف من أطراف الشام. صراع وجلاد وخروج إلى الصحراء ~~القريبة للصيد مرة ولمجرد الإيغال في الصحراء مرة أخرى، وحديث إذا شق على الفتى ~~وأترابه ما ينفقون وقتهم فيه من الحركة والاضطراب. ولكنه لم يستطع قط أن يمنح ~~الحياة ابتسامة نقية من الشوائب، كما لم يستطع قط أن يتلقى من الحياة ابتسامة بريئة ~~من العبوس. # فلما كان ذلك اليوم أقبل الفتى على أمه وعمه جذلان فرحا يتألق وجهه بشرا ولا ~~يفارقه مع ذلك حزنه العميق. ولم يكد يراهما حتى قال لهما في صوت متقطع قد امتزج فيه ~~الأمل باليأس: «تهيآ للرحلة، فليست هذه المدينة لكما بدار منذ اليوم.» # فوجمت الأم ولم تحر جوابا، وتماسك الشيخ ونظر إلى ابن أخيه نظرته الطويلة ~~العابسة الماكرة، وقال في هدوء ms417 متكلف: «وما ذاك؟» قال الفتى: «ذاك أن جيوش هذه ~~الصابئة من أصحاب محمد قد دنت من أرضنا، وأن نائب قيصر يستعد للقائها، وقد هيأ جيوش ~~الروم وأذن في أهل الشام من العرب بالنفير العام. وما أرى إلا أن هذه المدينة ستكون ~~موضعا للصراع بيننا وبين هذه الصابئة.» # قال الشيخ وهو محتفظ بهدوئه المتكلف: «وما نحن وهذا الصراع يا بني؟ نصارى ومسلمون ~~يقتتلون، سنرتحل وسنخلي بينهم وبين ما يملأ قلوبهم من الحقد والبغض.» قال الفتى: ~~«سترتحلان! أما أنا فمقيم.» قالت أسماء: «أما أنت فمقيم! وما تريد أن تصنع في دار ~~الحرب؟ وكيف تقدر أنا سنرتحل من دونك؟» # قال الفتى: «سترتحلان لأنكما لا تقدران على الحرب، وليس لكما فيها أرب، وسأبقى ~~أنا لأني أقدر على الحرب، ولأن لي فيها أربا.» قالت أسماء: «لك في الحرب أرب! وما ~~هو؟» قال الفتى: «هو أن أجد فيها من الجد ما يشغلني عن نفسي ويصرفني عن همي. فإن ~~لقيت فيها الموت فسأستريح من حياة لم أجد فيها إلا عناء وحزنا.» # وتحطم صوت الفتى وجرت دموعه على خديه، فنهضت إليه أمه تضمه إليها وتمزج دمعها ~~بدمعه، وثبت الشيخ في مكانه هادئا ينظر إلى الفتى وأمه نظرته تلك الطويلة العابسة ~~الماكرة، ثم انفرجت شفتاه عن هذه الجملة التي قالها وهو ينهض متثاقلا: «لقد آن ~~الأوان يا أسماء!» # 2 # وانصرف الشيخ وترك الفتى واجما، وأمه تنازع شيئا من حيرة طارئة. ولكن لم يمض ~~إلا قليل حتى ثاب الفتى إلى نفسه، وخلصت الأم من حيرتها، فنظرت إلى ابنها نظرة ~~فيها كثير من الحنان، وفيها كثير من الوجد، وفيها كثير من الغيظ الدفين. ثم أخذت ~~بيد ابنها فأجلسته وجلست إلى جانبه، ثم أحاطت عنقه بذراعها وضمته إليها، ثم قالت: ~~«فأنت إذا تريد أن تحارب يا بني؟» قال الفتى: «نعم!» قالت الأم: «من تريد أن ~~تحارب؟» قال الفتى: «أريد أن أحارب هذه الصابئة التي تغير على أرض قيصر، وتريد أن ~~تجلينا عنها أو أن تتخذنا لها عبيدا وخدما.» # قالت الأم: «فإنك لن ms418 تفعل من هذا شيئا يا بني إلا أن تكون ابنا عاقا ينكر ~~أباه.» قال الفتى وقد وجم: «ماذا تقولين؟ وماذا أعرف من أمر أبي؟ وكيف يكون قتالي ~~لهذه الصابئة التي اضطهدت يهود فقتلتهم وعذبتهم وأجلتهم عن ديارهم إنكارا لأبي ~~وجحدا لحقه علي؟» # قالت الأم: «إن الأمر يا بني لأعسر مما تظن! لقد هيأك عمك لتثأر لأبيك وليهود من ~~هؤلاء الذين تسميهم الصابئة. ولقد صابرته وطاولته ومالأته على ما فعل وشاركته فيما ~~أراد، وكنت أستجيب في ذلك لعواطف نفسي وأهوائها، وكنت أستجيب لهذه العصبية التي ~~يجدها أبناء يهود جميعا على هؤلاء الذين قتلوهم وعذبوهم وأجلوهم عن ديارهم كما ~~تقول. وكنت أستجيب لشيء آخر يا بني هو حبي لك وحرصي على تنشيئك وحمايتك من غوائل ~~الدهر، ووفائي لعمك هذا الشيخ الذي منحنا من العطف والبر والحنان ما مكنني من أن ~~أبلغ بك هذه السن وأصير بك إلى هذه الحال. ولقد انصرف عنا الآن يا بني وهو يقدر أني ~~سأهيئك لما هيأك له، وسأعدك لما أعدك للمضي فيه، وسأنبئك بحديث أبيك على نحو يدفعك ~~إلى الثأر له. ولكني يا بني أنظر إليك إلى جانبي ، وأنظر إلى أبيك في قرارة ضميري، ~~أرى وجهك ماثلا في عيني، وأرى وجهه ماثلا في قلبي، أسمع لصوتك العذب يمس أذني ~~مسا حلوا، وأسمع لصوت أبيك العنيف يهز ضميري هزا قويا وأسأل نفسي: أأفي ~~للأحياء أم أفي للموتى؟» # ثم أطرقت أسماء ساعة والفتى ينظر إليها ولا يكاد يفهم عنها. ولكن أسماء رفعت ~~رأسها وكفكفت من دمعها، وقالت في صوت هادئ مطمئن ولكنه مظلم حزين: «أنت بين اثنتين ~~يا بني: فإما أن تحارب مع هؤلاء الذين تسميهم الصابئة، وإما أن تعتزل الحرب وترحل ~~مع المرتحلين. فأما أن تحارب في جيش قيصر فذلك شيء لا سبيل إليه.» # قال الفتى: «ماذا تقولين فإني لم أفهم عنك منذ اليوم؟» قالت أسماء: «أقول ما كرهت ~~يهود أن تقوله، وما كره عمك أن يقوله. أقول شيئا لو قالته يهود لما قتلت ولا عذبت ~~ولا أجليت ms419 عن ديارها. إن أباك يا بني لم يكن لنبي العرب عدوا وإنما كان له صديقا ~~وبه حفيا وله وفيا. لقد عاهدت يهود نبي العرب على أن تنصره إن اعتدى عليه ~~المشركون من قومه. فلما آن أوان الوفاء بالعهد وأقبلت جيوش قريش تريد الغارة على ~~المدينة، نفر نبي العرب للحرب ونفر معه من نفر من أصحابه، ودعا أبوك قومه إلى ~~الوفاء بالعهد فتلكئوا وتباطئوا وتثاقلوا، وحاورهم أبوك فتشدد في الحوار وذكرهم ~~وألح في تذكيرهم، ولكنهم تعللوا يا بني، وقالوا: يحارب محمد في يوم السبت، وما ~~ينبغي أن نحارب في يوم السبت. # قال مخيريق - ولم تكد تنطق باسمه حتى احتبس صوتها وانهمرت عبرتها فكفت عن الحديث ~~حينا ثم استأنفته قائلة - قال مخيريق: فإن محمدا لم يختر الحرب ولم يختر يومها ~~ولم يختر موضعها، وإنما اختار ذلك عدوه. لا سبت لكم! وانفروا إلى الوفاء بالعهد، ~~فلم يجد منهم إلا إعراضا وإصرارا على الإعراض. وما أنس يا بني فلن أنسى عودة أبيك ~~من نادي قومه وقد اربد وجهه وتطاير شرر الغيظ من عينيه. وكنا إذا أقبل إلينا ~~تلقيناه مبتهجين بلقائه وتلقانا هو مبتهجا بعودته إلينا . فلما أقبل ذلك اليوم لم ~~تكد أبصارنا ترتفع إليه مفتونة معجبة حتى ارتدت عنه محزونة مشفقة. أنكرناه يا بني ~~بل خفناه. ولم ينظر إلينا هو وكأنه لم يحس أننا كنا نتلقاه، فمضى أمامه لا يلوي على ~~شيء، حتى إذا انتهى إلى حجرته أقبل على التوراة فنظر فيها غير طويل ثم طواها، ثم ~~أمر أحد غلمانه أن يدعو إليه بعض أصحابه من يهود. فلما أقبلوا أقرأهم شيئا في ~~التوراة ثم قال: «أسبتوا إن شئتم من الغد، فأما أنا فلا سبت لي.» ثم قال لهم: ~~«اشهدوا أني نافر إذا كان الغد فواف بعهدي لهذا الرجل؛ فإن أصبت في هذا اليوم ~~فمالي كله لهذا الرجل يقضي فيه بما أراد الله.» ثم دعا كبير غلمانه فأمره أن يهيئ ~~الإبل لرحلة طويلة. فلما تهيأ له ذلك دعا هذا الغلام فأوصى إليه أن يرتحل بي ms420 وبك ~~حتى يبلغ هذه المدينة من أرض الشام فيسلمنا إلى عمك، فإن فعل ذلك فهو حر. # ولم يستقر له قرار حتى استقلت بنا الإبل واستبد بنا السفر، وحدا بنا الحداة، وقد ~~أنبئت يا بني أنه قاتل حتى قتل. وقد أنبئت يا بني أن نبي العرب كان يقول إذا تحدث ~~عنه أو سمع الحديث عنه، مخيريق خير يهود. وقد صارت إليه يا بني أموال أبيك، فلم ~~يأخذ لنفسه منها شيئا، وإنما أجراها صدقة على الفقراء من أصحابه. ولم يستقر لنا ~~الطريق يا بني إلى هذه المدينة من أرض الشام، وإنما التوت بنا أشد الالتواء، فلم ~~يقنع العبد بحريته ولم يف لأبيك بوعده، وإنما أطمعته الدنيا، وزين له حب الثراء ~~أمرا عظيما، فهم أن يبيعنا يا بني بيع الرقيق لولا أن أخطأه الحظ، فعرضنا على من ~~لم يشق علي أن أعرفه بنفسي وزوجي. فلما عرفنا أكرم مثوانا، واحتفظ بالعبد رقيقا، ~~وأمننا وصاحبنا حتى أبلغنا هذه الدار. وكنت يا بني صبيا لا تعقل ولا تكاد تستقل. ~~فلما أنبأت عمك بهذه الأنباء لم ألق منه خيرا، ولم يطلب إلي إلا أن أكتمك ~~الحديث، حتى يأتي لك أن تنهض للثأر. ولم يرد عمك أن يقر أباك على ما فعل، بل لم يرد ~~عمك أن يصدق من هذه الأنباء إلا ما أراد هو وما أرادت يهود، فزعم أن أصحاب محمد ~~قتلوا أباك. وما قتلوه يا بني وما عرضوه للقتل، وما طلبوا منه حربا ولا قتالا، ~~ولكن أباك وفى بالعهد يا بني، وقد يكون الوفاء مرا في بعض الأحيان. فانظر ماذا ~~تصنع: أتنصر قوما نصرهم أبوك؟ أم تكف عن حرب قوم نصرهم أبوك؟ فأما أن تخذل من كان ~~لهم أبوك ناصرا، فما أرى أن ذلك شيء تستطيع أن تقدم عليه.» # قال الفتى: «حسبك يا أماه فقد سمعت! وسأنظر في أمري. ولكن ارتحلي؛ فليست هذه ~~المدينة لك بدار.» قالت أسماء: «سأرتحل يا بني عنك كما ارتحلت عن أبيك.» قال الفتى: ~~«سيكون وداعك لي قصيرا، كما كان وداعك لأبي ms421 قصيرا.» # ومضى عام وبعض عام وإذا أعرابي من جند المسلمين يسأل في دمشق عن امرأة يهودية ~~تعرف بأم كعب أسماء زوج مخيريق، ويكفلها يهودي شيخ هاجر معها من أطراف الشام حين ~~أغار المسلمون على هذه الأرض. وقد جد حارث بن الحباب السلمي في البحث عن هذه المرأة ~~واستقصاء أمرها؛ حتى إذا اهتدى إلى دارها وأدخل إليها ذات ضحى، قال لها في لهجته ~~الحجازية البدوية: «أبشري يا أمة الله فقد كتب الله لابنك الشهادة كما كتبها لأبيه ~~مخيريق!» # سمعت أسماء لهذا الأعرابي فلم تعبس ولم تبسم، ولم تنهمر من عينها عبرة، ولم يظهر ~~على وجهها حزن، وإنما قالت: «إنا لله وإنا إليه راجعون!» # الفصل التاسع # | طبيب النفوس # «أين الناضرة؟ علي بالناضرة. ردوا علي الناضرة.» وكان صفوان بن أمية يقول هذا في ~~صوت تظهر فيه الحدة والغضب، ويظهر فيه السخر والضحك معا. وكان يقول هذا وهو يرمي إلى ~~قيم داره بنظرات كأنهن قطع النار، حتى أخاف القيم وملأ قلبه روعا وهولا، فقام مبهوتا ~~لا يدري ماذا يصنع ولا يعرف كيف يجيب. وكان يقول هذا وقد أخذ بيد صديقه الحارث بن هشام ~~يجذبه إليه جذبا عنيفا لا رفق فيه، ويضطره إلى المجلس الذي أراده على أن يجلس فيه، لا ~~يلتفت إليه ولا يسمع له، كأنما يجذب شيئا لا رأي له ولا إرادة. فلما طال عليه وجوم ~~القيم أقبل عليه منذرا لا يكاد يخفي حنقه وهو يقول: «ألم أسألك عن الناضرة! ألم أطلب ~~إليك الناضرة؟! أفي أذنيك وقر! أتحولت صخرا لا يسمع ولا يجيب؟» قال القيم في صوت ~~مضطرب وبلسان متلجلج: «فإن الناضرة في حيث أمر مولاي أن تكون من الحبس، وعليها ما أمر ~~مولاي أن يكون عليها من الأغلال منذ غنت ذلك الصوت.» قال صفوان متضاحكا لا يكاد يهدأ ~~غضبه: «وقد ضربتها الأسواط التي أمرك مولاك أن تضربها في كل يوم إذا أصبحت، وكنت تتهيأ ~~لتغديها بالأسواط التي أمرك مولاك أن تغذيها بها في كل يوم إذا مالت الشمس إلى الزوال؛ ~~فإني أريد ms422 الآن أن أضعك مكانها وأجعل عليك أغلالها، وأرد إليك السياط التي قدمتها إليها ~~منذ أمرتك ذلك الأمر المحنق. اذهب فأخرج الناضرة من حبسها، وضع عنها أغلالها، وأقبل ~~علي بها مكرمة موفورة، وأسرع في ذلك ولا تبطئ، فإني أخشى أن يجر عليك الإبطاء شرا ~~عظيما.» قال ذلك ثم تحول عن مولاه إلى صديقه الحارث بن هشام وهو يقول: «ما رأيت أحدا ~~بلغ به الحمق ما بلغ بهذا الغلام.» # قال الحارث وهو يتكلف الابتسام: «بل ما رأيت أحدا بلغ به الغيظ ما بلغ بك أيها ~~الصديق. إنك لتكلف هذا الفتى من أمره شططا، تأمره أن يحبس هذه الجارية وأن يعذبها، ثم ~~لا تظهر له أنك غيرت رأيك فيما أردت من حبسها وتعذيبها، ثم تلومه الآن لأنه أمضى ما ~~أردت ولم يخالف عن أمرك!» # قال صفوان: «فإنه يزعم أنه ذكي لبق، وأنه يعرف ما لا يعرف، ويسبق إلى فهم الأشياء، ~~وهو قد رأى ما نرى وسمع ما نسمع وأحس ما نحس، وعلم أن كل شيء من حولنا يتغير، وأن كل ~~سلطان من حولنا يزول: فقد كان من الحق عليه أن يعلم أن لم يبق لنا على الناضرة حبس ولا ~~تعذيب.» # قال الحارث وقد انجلى عنه ما كان يغمر وجهه من الحزن، وابتسم ثغره عن ابتهاج صريح: ~~«نعم! وقد كان ينبغي أن يعلم أن ليس لك عليه أمر ولا نهي، وأنك لا تملك أن تلومه ولا أن ~~تعنف عليه. وقد كان ينبغي أن يدع دارك هذه وما فيها ومن فيها، وأن يمضي إلى حيث يلقى ~~حريته وأمنه ورجولته كاملة ثم يعود إليك متسلطا ظافرا، فيصدر إليك من الأمر ما يصدر ~~الغالب إلى المغلوب.» # قال صفوان وقد ثابت إليه نفسه واطمأن قلبه بين جنبيه: «نعم! هو ما تقول. لقد رأيت ~~اليوم ما أخرجني عن طوري. وإن أعجب لشيء فإنما أعجب لهدوئك واستقرار نفسك، واطمئنانك ~~إلى ما يقع حولك من الأحداث.» # قال الحارث: «وماذا تريد أن أصنع؟ لقد جاهدت محمدا ما وسعني جهاده، وحاربته ما وجدت ms423 ~~إلى حربه سبيلا. ولقد ذقت في هذه الحرب مرارة الهزيمة وحلاوة النصر. ولقد طاولته كما ~~طاولته قريش، وعاجلته كما عاجلته قريش؛ فقد أبت الأحداث إلا أن يظهر محمد على قومه، ~~وأبت الأحداث إلا أن يدخلها علينا محمد عنوة، وقد حلنا بينه وبين ذلك منذ أعوام، فلم ~~ينفعنا ما قدمنا إليه من عنف، ولم يغن عنا ما أظهرنا له من بأس. وها هو ذا يدخلها علينا ~~لا عنيفا بنا ولا مشتطا علينا، لا يجزينا من بأسنا بالبأس، ولا يلقانا بمثل ما ~~لقيناه به من الصلف والخال. # 1 # ولكني لم أعرف الناضرة هذه التي تطلبها، ولا أعلم فيم حبستها وأثقلتها ~~بالأغلال، ولا أفهم فيم سؤالك عنها وإلحاحك في هذا السؤال، وفيم تكريمك لها بعد أن ~~أرهقتها بالعذاب!» # قال صفوان: «فإنك ستعلم من هذا كله ما جهلت.» # وأقبل القيم يدفع أمامه في رفق فتاة قصيرة الخطو، تتقدم في كثير من التردد والامتناع، ~~في وجهها جمال لا تبلغه العين حين يصل إلى القلب فيحدث فيه أثرا عميقا. ولكنها تتقدم ~~مترددة ممتنعة، قد ملكها الخوف والإشفاق، وكأن ما لقيت من السجن والعذاب قد آذى منها ~~قلبا كريما ، وأهان منها نفسا عزيزة، وإن لم يؤمن ساجنوها ومعذبوها لها بكرم القلب ~~وعزة النفس. ومتى آمن السادة الأحرار بالكرم والعزة للرقيق المستذل! وكان وجه الفتاة ~~يبين عما يملأ قلبها من خوف كما كان يبين عما يؤذي نفسها من هذا الشعور بالإهانة، ولكنه ~~كان يبين في الوقت نفسه عن شيء يشبه الرضا والإذعان وعن شيء يشبه العفو والمغفرة. كان ~~هذا كله يقرأ في ذلك الوجه الجميل المشرق، وفي تلك اللحظات الوادعة الهادئة. # فلما رآها الحارث مال إلى صاحبه وهو يقول: «ما رأيت أنضر من هذا الوجه!» قال صفوان: ~~«وما عرفت أكرم من هذه النفس.» # ثم نظر إلى الفتاة في رفق عظيم وهو يقول: «أقبلي يا بنتي فليس عليك بأس! أقبلي لا ~~تراعي فأنت آمنة منذ اليوم. لقد آذيناك وشققنا عليك، ولكنا سنصلح ما قدمنا إليك من ~~مساءة. أقبلي وخذي ms424 مجلسك كما تعودت أن تجلسي، وغنيني ذلك الصوت الذي كان مصدر ما لقيت ~~من الأذى، والذي سيكون مصدر ما تلقين من النعيم.» # ولكن الفتاة لبثت قائمة واجمة كأنها لا تسمع، أو كأنها لا تفهم، أو كأنها لا تصدق ما ~~كان يساق إليها من الحديث. # قال صفوان: «أقبلي يا بنتي واسمعي لما يقال لك، وأنزليه من نفسك منزل الحق؛ فأنت حرة ~~بعد أن تغنيني ذلك الصوت، وأنت مطلقة تذهبين حيث تشائين، وتستقبلين من أمرك ما تريدين، ~~ولك علي ألا تتعرضي لحاجة، وأن تكفي غوائل الدهر. اجلسي يا بنتي كما تعودت أن تجلسي، ~~وغني يا بنتي كما تعودت أن تغني.» # ثم التفت إلى قيم الدار وقال في صوت حازم: «الخمر والأقداح يا غلام!» # وما هي إلا ساعة حتى كان الصديقان مقبلين على شرابهما، والفتاة تغنيهما في صوت عذب ~~نفاذ إلى القلوب، يغمر وجهها إشراق أخاذ للنفوس هذه الأبيات: # جزى الله رب الناس خير جزائه # رفيقين حلا خيمتي أم معبد # هما نزلا بالبر ثم تروحا # فأفلح من أمسي رفيق محمد # ليهن بني كعب مكان فتاتهم # ومقعدها للمؤمنين بمرصد # قال الحارث بن هشام، بعد أن أخذ من الغناء والشراب بحظ موفور: «ألم يأن لك أن تنبئني ~~عن قصتك، وأن تبين لي عن خطتك، فإني أراك شديد الغموض منذ اليوم، وما عرفتك قط غامضا ~~ولا ملتويا فيما تأتي وما تدع من الأمر!» # قال صفوان: «أتذكر هذا الشعر؟» قال الحارث: «كيف لا أذكره وقد عرفنا به وجه محمد في ~~هجرته، واستيأسنا به من القدرة على رده إلينا، وتعلمنا به أن ستكون لنا معه خطوب! إني ~~لأسمع هذا الشعر الآن كما كنت أسمعه في تلك الليلة حين انطلق به ذلك الصوت الرائع ~~الرهيب يمشي به صاحبه من أسفل مكة إلى أعلاها، والناس يسمعونه ويتبعونه، ويلتمسون مصدره ~~فلا يرون له شخصا، فيستقر في نفوسهم أنه هاتف من الجن. وما أدري الآن أكان هاتفا من ~~الجن أم كان هاتفا من الملائكة، ولكنه كان روحا من هذه الأرواح التي ملأت ms425 علينا جونا ~~في هذه الأعوام.» # قال صفوان: «فإني قد كرهت هذا الشعر كرها شديدا، وازداد كرهي له منذ قتل أبي وأخي ~~بأيدي أصحاب محمد، ومنذ ورد الملأ من قريش موارد الموت فيما كان بيننا وبين محمد من ~~حرب. ولقد حاولت الثأر في أحد، ولقد حاولت الثأر بعد أحد. ولقد كنت أظن أني سأجد فيمن ~~قتلنا من أصحاب محمد وبني أبيه شفاء، ولكني لم أجد إلا غلا يزداد تحرقا وتأججا كلما ~~تقدمت الأيام. ولقد التمست السلو عن هذا الغل في الرحلة، والتمسته في الصيد، والتمسته ~~في اللهو، فما ظفرت به وما وجدت إلى شيء منه سبيلا. وأدعو ذات يوم بهذه الفتاة وأطلب ~~إليها الغناء، فتغنيني ما شاءت، وأطرب لصوتها العذب وغنائها الحلو، فأستزيدها فإذا هي ~~تغنيني هذا الشعر، فتذكرني بما كنت أريد أن أنسى، ويكون ذلك حين تبلغنا الأنباء بأن ~~محمدا قد عبأ لحربنا، وفصل من يثرب ليدخلها علينا عنوة بعد أن رددناه عنها كراما، ~~فيملكني الغضب وتستأثر بي الثورة، وآمر بالفتاة كما رأيت أن تحبس في بيت من بيوت هذه ~~الدار، وأن توضع عليها الأغلال، وأن تصبح وتمسي بالسياط تلهب جسمها هذا الرخص ~~الجميل.» # قال الحارث: «ففيم إطلاقك لها، وفيم استماعك لهذا الصوت وشربك عليه؟» قال صفوان: «فإن ~~الرجل الكريم هو الذي يلقى جليل الأمر معترفا به غير منكر له ولا جاحد لأخطاره. وقد ~~حاربنا هذا الرجل ما وسعتنا حربه، وقد ظننا به الظنون، وأرسلنا فيه ألسنتنا وعقولنا، ~~وقلنا فيه ما نعتقد وما لا نعتقد، وكانت الأيام تكذبنا، وكانت الحوادث تكشف لنا عما كنا ~~فيه من الإثم والضلال، فكنا لا نسمع للأيام ولا نؤمن للحوادث، وإنما نمضي فيما كنا نضمر ~~من البغض، وفيما كنا نظهر من العدوان. ولم تكن الحرب بينا وبين هذا الرجل، وإنما كانت ~~بيننا وبين قوة أعظم من هذا الرجل بأسا وأشد منه نفاذا وأبعد منه أثرا في حياة ~~الناس. كنا نغالب القضاء، فقد غلبنا القضاء. وكنا نحارب السماء، فقد قهرتنا السماء. فما ~~الخير في أن نمضي ms426 فيما كنا نمضي فيه من صلف قريش وكبريائها، ومن جاهلية قريش ~~وغرورها!» # قال الحارث: «إنك لتحدثني بما ناجتني به نفسي مذ أعوام، وبما كانت تناجيني به نفسي ~~حين لقيتك عائدا إلى دارك بعد أن سمعنا منادي محمد يؤذن في الناس أن من لزم داره فهو ~~آمن، وأن من لزم دار أبي سفيان فهو آمن. وكنت أريد أن أبلغ داري فألزمها حتى أرى لي ~~مخرجا من هذا الحرج، فلما لقيتك دعوتني إلى دارك فأقبلت معك وإن كنت لغائبا عنك أسمع ~~لما كانت نفسي تحدثني به من النجوى.» # قال صفوان: «أما أنا فقد عدت إلى داري مغيظا محنقا لا أملك نفسي من الغيظ، ولكني ~~عدت إلى نفسي معترفا بأن أمر محمد قد ظهر على أمرنا، وبأني قد ظلمت هذه الفتاة كما ~~ظلمت غيرها من الناس.» # قال الحارث: «فما تريد أن تصنع؟» قال صفوان: «ما أدري! ولكني لن أذعن لهذا السلطان ~~الجديد إلا أن أكره على ذلك إكراها.» # قال الحارث: «أما أنا فمخرج نفسي من هذا اليأس وذاهب إلى محمد فقابل منه دعوته ~~ومعلن إليه إيماني بما يريدنا عليه.» # وهما في ذلك وإذا باب صفوان يطرق، وإذا مولاه يدخل مضطربا فينبئ سيده بأن رسول محمد ~~بالباب. قال صفوان وقد ظهرت على وجهه ابتسامة حازمة: «فأدخل رسول محمد»، ثم التفت إلى ~~صاحبه وهو يقول: «هذا أول الشر! ما تظنه يريد منا؟» # ولكن الرسول أدخل فحيا وتلطف في التحية، وتلقاه صفوان لقاء حسنا، ثم يقول الرسول ~~لصفوان: «إن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يستعد لحرب هوازن، وقد جمعت له جمعا عظيما، وقد علم ~~أن عندك سلاحا ودروعا وكثيرا من أداة الحرب؛ فهو يسألك أن تعينه بما عندك.» # قال صفوان في لهجة لم تخل من سخرية: «فهو الغصب إذا!» قال الرسول في لهجة غلبت عليها ~~الأناة والحلم: «كلا يا صفوان! ليس الغصب من أخلاق رسول الله، وهو لم يعلمنا غصبا ولا ~~غدرا ولا تجبرا، وإنك لتعلم قدرته عليك وعلى غيرك من الطلقاء، أفتراه قد مسكم ms427 بشر، أو ~~نالكم بأذى! إنه يستعير منك سلاحك ودروعك وما عندك من أداة الحرب، على أن يردها عليك ~~موفورة بعد الظفر إن شاء الله.» # قال صفوان: «فأبلغ محمدا أن له عندنا ما يرضي، وأنا سنعينه بما نقدر عليه من أداة ~~للحرب. ومن يدري! لعلنا نعينه بأنفسنا، فهو بعد ملك قريش.» قال الرسول: «بل قل نبي ~~الله.» وأطرق صفوان ونهض الرسول فانصرف راضيا. # قال الحارث: «أباق أنت على ترددك؟ أما أنا فمسلم منذ الآن.» قال صفوان: «ما أدري ~~والله ما أصنع! إن قلبي ليحب هذا الرجل ويؤمن له، وإن نفسي مع ذلك لا تستطيع أن تسلو عن ~~عز قريش.» قال الحارث: «فإني أرى أن عز قريش لم يتبدل، إلا أن يكون ظهور محمد قد زاده ~~قوة وبأسا، ألم ينبئا منذ أظهر دعوته بأننا إن نؤمن له ضمن لنا ملك الدنيا ونعيم ~~الآخرة؟ لقد كذبناه وأعرضنا عنه وسخرنا منه، فلم يرعه ذلك، ولم يفل من عزمه، وإنما مضى ~~أمامه لا يلوي على شيء ولا يحفل بشيء ولا يشفق من شيء، حتى إذا لم يجد عند قومه خيرا ~~ولا في وطنه أملا، هاجر بدعوته إلى حيث يستطيع أن يجهر بها وأن يذيعها آمنا ويذود ~~عنها بالقوة إن تعرضت للخوف. ولست أخفي عليك أني لم أعجب بشيء قط كما أعجبت بهذه الهجرة ~~يفر فيها صاحبها برأيه ليذود عنه ويدعو إليه حرا طليقا لا يخاف شرا ولا يلقى ~~أذى! # هذا الفرار بالحرية، أو هذا الفرار في سبيل الحرية، شيء لم نعرفه من قبل. لقد كنا نفر ~~بأموالنا لنحصنها، وكنا نفر بأمتعتنا لنؤمنها، وكنا نفر بدمائنا لنحقنها، فإذا هذا ~~الرجل وأصحابه يفرون بدينهم لينشروه، ويتركون لنا أموالهم وأمتعتهم ومنافعهم، ثم لا ~~يلبثون أن يبذلوا دماءهم في سبيل ما يدعون إليه. ألا يروعك هذا.» # قال صفوان: «فما بال هذا كله لم يرعك قبل اليوم؟» # قال الحارث: «والله لقد راعني وما زال يروعني؛ وإنما هي الكبرياء. وقد آن أن تنجلي ~~عني غمرتها.» # قال صفوان: «أما أنا فلم تنجل ms428 عني غمرة الكبرياء بعد! وانظر؛ إن أمري لعجب حقا! ~~إني لا أستطيع أن أذعن لمحمد، ولا أومن لما جاء به، ولكني مع ذلك لا أستطيع أن أبقى ~~بمكة آمنا وادعا وهو يلقى عدوه من قيس. لأشهدن حربه هذه كما يشهدها أصحابه، ولأنظرن ~~في أمري بعد ذلك.» # ويتيح الله لنبيه الظفر يوم حنين على جموع قيس بعد أن امتحن المسلمون في أنفسهم وقد ~~أعجبتهم كثرتهم فلم تغن عنهم من الله شيئا، وإذا رسل النبي تصل إلى صفوان في خيمته ~~ومعه الحارث بن هشام قد أسلم وشهد الوقعة مسلما. فإذا دخل الرسل على صفوان قال قائلهم ~~بعد أن حيا وتلطف في التحية: «إن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يرد عليك سلاحك ودروعك وأداتك ~~موفورة، ثم هو يهدي إليك حظا من الغنيمة يمنحك مائة من الإبل، ولا يكره أن يزيدك إن ~~استزدت.» # قال صفوان: «وصلته رحم! فما عرفته إلا رجل خير، وما أرى إلا أن الله قد منحه القدرة ~~على تطهير القلوب من الحقد والبغض، ومن الضغينة والإثم. هلم سيروا معي إليه، فقد آن ~~لغمرة الجهالة أن تنجلي، وآن لصفوان بن أمية أن يؤمن بمحمد وما أنزل عليه من ~~الحق.» # ويمضي صفوان بن أمية إلى النبي فيسلم. ثم يعود فيخلو إلى نفسه ويفرغ لأمره، ولا يكاد ~~يشارك الناس فيما يضطربون فيه من الأمر. # قال بعض أصحاب صفوان له ذات يوم: «أي أبا وهب! إنك أسلمت، ولكن الإسلام لا يستقيم لك ~~إلا أن تهاجر كما هاجر الناس.» # قال صفوان: «فلنهاجر كما هاجر الناس.» وخرج من مكة غير محب للخروج. فلما بلغ المدينة ~~لم يقم فيها إلا قليلا حتى قال له رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «عزمت عليك يا أبا وهب لما رجعت ~~إلى أباطح مكة.» فرجع إلى أباطح مكة أحب ما يكون في الرجوع إليها، وأقام فيها ما شاء ~~الله أن يقيم. وكان يتحدث إلى الناس فيقول: «لقد أعطاني رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يوم حنين، ~~وإنه لمن أبغض الناس إلي، ms429 فما زال يعطيني حتى إنه لمن أحب الناس إلي.» # قال قائل: «لقد أحببته إذا لعطائه!» قال صفوان: «ويحك! لا والله إن كنت لغنيا، ~~وإنما أحببته لأن الله علمه كيف يداوي القلوب المرضى.» # الفصل العاشر # | شوق الحبيب إلى الحبيب # وقف حارثة بن شراحيل ذات يوم على بعض غلمانه، وقد انحدرت الشمس إلى مغربها مسرعة ~~كأنما كانت تنهزم أمام هذا الليل الذي أقبل في هدوء وجلال كأنه سيل من الظلمة الحالكة ~~يغمر الصحراء والآكام قليلا قليلا، فقال في أناة لا تخلو من حدة: «شبوا ناركم يا ~~هؤلاء، وأطعموها من جزل الحطب ويابسه، فإني أراها منذ ليال خامدة هامدة، لا يكاد يسطع ~~لها لهب، أو يرتفع لها سنا، وأنتم ترون ظلمة الليل تغمر الأرض، وظلمة السحاب تحجب ~~السماء. وما أرى إلا أنا نستقبل ليلة قاسية عاتية على من ركب الطريق. وقد قل الطارقون ~~لنا منذ حين. وقد كنت أرجو أن يكون منزلنا هذا أمنا للخائف، وهدى للحائر، وخصبا ~~للمجدبين.» ثم تحول عنهم ومضى إلى نادي قومه. # فقال بعض الغلمان: «ويل للإبل الرائحة! إنا لنرى في وجه مولانا شرا، وما نظنها ~~تجوزه موفورة. إن نفسه لتنازعه إلى قرى الضيف، ولئن لم يطرقه ضيف ليضيفن من حضره من أهل ~~الحي.» قال قائل: «فإني أعرف في وجهه الملل والضيق منذ أيام. وما أرى إلا أن غيبة زوجه ~~وابنه قد طالت عليه، ولولا أنه يصطنع الأناة ويحرص على الوقار لخف إليهما وتعجل ~~عودتهما، ولكنه يكره أن يقال غابت عنه سعدى شهرا فلم يستطع عنها صبرا. ومن يدري! لعله ~~حين أمرنا بأن نشب النار ليسطع لهبها ويبعد سناها إنما فكر في سعدى وزيد، وقدر أنهما ~~يتجشمان إليه وعورة الطريق وظلمة الليل وريح الشمال هذه التي تلفح الوجوه ببردها الذي ~~لا يطاق. فلنشب له النار، ولنرفع من لهبها وسناها ما يفرق الظلمة، ويهدي الحائر، ويدعو ~~إلى الأمن والدعة والقرى، ولنا من هذا كله حظ مقسوم ونصيب موفور، ولنا من رضا سيدنا ~~غبطة، ومن راحته بهجة وسرورا.» # ولم يخطئ غلمان ms430 حارثة فيما أرادوا بينهم من حديث؛ فقد كان سيدهم منغص النهار، مؤرق ~~الليل، موله الفؤاد، مفرق النفس حين اتصلت غيبة زوجه عنه، وكانت قد فارقته منذ شهر أو ~~أكثر أو أقل لتزور قومها في هذا الحي من طيئ، حيث يقيمون غير بعيد، وإنما هي ثلاثة أيام ~~تقطع فيها الإبل أمدا من آماد الصحراء. فتبلغ منازل طيئ في ظل الجبلين أجأ ~~وسلمى. # وكانت سعدى قد احتملت معها أصغر أبنائها زيدا، وكان غلاما يافعا، لم يكد يبلغ ~~الثانية عشرة من عمره، تريد أن تزيره أخواله، وتصل بينه وبين صبية قومها وغلمانهم. وقد ~~شقت هذه الرحلة على زوجها حارثة، ولو أطاع نفسه وارسل طبعه على سجيته، لأجل هذه الرحلة ~~أشهرا حتى تتاح له المشاركة فيها، ويأمن فراق آثر الناس عنده وأحبهم إليه. ولكنه لم ~~يستطع، ولم يرد أن يظهر نفسه ضعيفا رقيقا، فخلى بين امرأته وبين ما أرادت، وتقدم ~~إليها في ألا تطيل المقام عند قومها، وأن تعود قبل أن يتقدم الشتاء ويكثر هبوب الشمال. ~~وقد أخذ يرتقب عودتها منذ أيام، لا تكاد تمضي ساعة من نهار أو من ليل حتى يمضي معها شطر ~~من صبره وقسط من احتماله، وحتى يشتد شوقه إلى زوجه ونزاع نفسه إلى ابنه، وضيقه ~~بالانتظار بين قومه من كلب. وكثيرا ما كان يخرج من خبائه حين يرتفع الضحى فيمضي أمامه ~~حتى يبعد، ثم يرقي فيقوم فيها مقام الربيئة، إلا أنه لم يكن يرقب العدو أو يتجسس ~~المغير، وإنما كان يرسل نظره في الصحراء يرجو أن ترفع له العير التي تحمل إليه سعدى ~~وابنها زيدا. وكان إذا طال وقوفه على ربوته تلك، وتقليبه نظره في وجوه الصحراء، ظن ~~بنفسه الظنون، وأشفق أن يظن قومه به الظنون، فعاد أدراجه كاظما ما يجد من شوق، كاتما ~~ما يحس من وجد، شاغلا نفسه أو متكلفا شغلها بما يمكن أن يشغل به الأغنياء الموسرون من ~~أهل البادية الوادعين الآمنين. # وكان كلما تقدم النهار يقدر أن العير ستقبل عليه مع الليل، فإذا أقبل الليل ms431 أشفق منه ~~على هذه العير التي لم يكن يشك في أنها قد ركبت الطريق. وقد كتم على نفسه أحاديثها تلك ~~ما استطاع، ولكنه في تلك الليلة أحس الخوف يساوره والإشفاق ينازعه نزاعا شديدا، ~~واحتفظ مع ذلك بشيء من أناة وفضل من وقار، فتقدم إلى غلمانه في أن يشبوا نارهم ويذكوها، ~~وقدر في نفسه أنه سيستعين على ليله الطويل بإطعام الحي وإذاعة الكرم والجود فيه. حتى ~~إذا كان الغد تقدم إلى ابنيه الشابين في أن يذهبا في الطريق إلى منازل طيئ، فإن أدركا ~~العير عادا معها، وإن لم يدركاها مضيا حتى يردا هذه الغائبة التي أسرفت في الغيبة ~~وقصرت في ذات الزوج والأبناء والبنات. # وما كاد الرعيان يروحون بالإبل مع العتمة حتى نهض حارثة كأنه الجني، وأومأ إلى ابنيه ~~الشابين فتبعاه، ومضوا حتى تخيروا من هذه الإبل ناقة كوماء وجزورا سمينا، فعقروا ~~ونحروا وأذنوا في الحي أن هلم إلى الطعام واللهو. وقضى الحي ليلة خصب ولهو ودعة، شبع ~~فيها الجائع وطعم فيها البائس، ولها فيها المترف الميسور. ولكن الليل لم يكد ينقضي حتى ~~سمع دعاء الطارق من بعيد، ويسرع حارثة وابناه إلى الاستجابة لهذا الدعاء. وما هي إلا ~~ساعة حتى يقبل الضيف، وإذا هم جماعة من شباب البدو وشياطين الصحراء، قد شق عليهم الليل، ~~واشتد عليهم البرد وعصفت بهم الريح، فاضطروا إلى الهدوء والراحة، وقد كانوا يودون لو ~~استطاعوا أن يمضوا في طريقهم حتى يبلغوا غايتهم من الغد أثناء النهار أو حين يشرف ~~الليل. ويتلقاهم حارثة وابناه لقاء حسنا ويبلغونهم من الأمن والقرى السريع ما يشتهون. ~~حتى إذا أشرقت الشمس من غد وهمت الإبل أن تمضي لمراعيها نهض حارثة وابناه فاستبقوا ~~منها ما عقروا ونحروا، ثم أذنوا في الحي أن هلم إلى الطعام والقرى، وإذا هم ينفقون ~~نهارا خصبا كما أنفقوا ليلة خصبة. وقد وجد حارثة في كرمه وجوده عزاء عن شوقه وسلوة عن ~~وجده، ورجوعا إلى ما كان ينبغي لمثله من الصبر والجلد والوقار. وارتحل عنه ضيفه ~~موفورين راضين، واستأنف ms432 هو حياة هادئة بعض الهدوء راضية بعض الرضا ولكنها أيام تمضي ~~وتتبعها أيام، ولا يبلغه من أخبار الغائبة شيء، حتى يشق الأمر عليه ويبلغ الجهد به، ~~وحتى يهم بالرحلة إلى منازل طيئ لا يكتم ذلك ولا يخفيه. وإنه ليستعد لهذه الرحلة وإذا ~~بنبأ يبلغه فيملأ قلبه جزعا ويأسا. فقد أغار نفر من صعاليك العرب وشياطين الصحراء على ~~أطراف طيئ فاستاقوا إبلا واختطفوا صبيه، ومضوا قبل أن يبلغ الصريخ معظم الحي، فانطلقوا ~~إلى حيث لم تبلغهم الخيل، على أنها وجهت في طلبهم كل وجه من وجوه الصحراء ~~جميعا. # وصور أنت لنفسك جزع ذلك الأب البائس، ويأس تلك الأم النازح، وما ألم بهذين الحيين في ~~طيئ وكلب من هذا الحزن المغيظ الذي لا شفاء له ولا سبيل إلى إطفاء ناره بثأر أو انتقام. ~~وعند من يكون الثأر وممن يكون الانتقام وقد أغار المغيرون فانتهبوا واختطفوا ولم ~~يدعوا لحي من أحياء العرب ولم ينتسبوا لقبيلة من قبائل قحطان أو عدنان؟! ومتى ادعى ~~الصعاليك والخلعاء لحي أو قبيلة! ومتى نهضت الأحياء والقبائل بجرائر الخلعاء ~~والصعاليك! # ولكن أعواما تمضي وحارثة يلقى من اللوعة والحسرة ما يلقى، وسعدى تجاهد من اليأس ~~والقنوط ما تجاهد. ويقبل نفر من كلب يزورون مكة في الموسم، فيلقون عند المسجد شابا ~~قصيرا آدم أفطس الأنف يتوسمون فيه ملامح كلب، ثم يسمعون له ويتحدثون إليه، فما يشكون ~~في أنه كلبي وفي أنه من رهطهم الأدنين. عرفوا لغته، ثم نسبوه فعرفوا نسبه، ثم سألوه عن ~~قصته فأنبأهم بأن نفرا من الصعاليك اختطفوه مع جماعة من أترابه بنين وبنات، ثم تفرقوا ~~بهم، وأقبل به خاطفه إلى سوق عكاظ فباعه من حكيم بن حزام بن خويلد الأسدي، وأداه حكيم ~~هذا إلى عمته خديجة بنت خويلد الأسدية، وأحسنت هذه العناية به والرعاية له، حتى إذا ~~تزوجت من الأمين محمد بن عبد الله بن عبد المطلب وهبته له، فهو قائم على خدمته منذ ~~أعوام. # ويهم هؤلاء النفر من كلب أن يسعوا في فدائه عند الأمين، وأن يعودوا ms433 به على أمه ~~البائسة وأبيه الملتاع. ولكن الفتى يردهم عن ذلك أجمل الرد وأرفقه، ويلح عليهم في ألا ~~يفعلوا، ويحملهم إلى أبويه وعشيرته تحية فيها الحب والبر، ولكن فيها الرضا بهذه الحال ~~التي صار إليها، والحرص على هذا المنزل الذي استقر فيه. ومن غريب ما قص الفتى على هذا ~~النفر من كلب أنه لا يشك في أن الذين اختطفوه قد كانوا حديثي عهد بأبيه. طرقوه ذات ليل ~~فتلقاهم لقاء حسنا، وتقدم في قراهم وتزويدهم بخير ما أحبوا. سمعهم الفتى يتحدثون بذلك، ~~ويثنون به على حارثة بن شراحيل، وظن أنه إن انتسب لهم وعرفوا مكانه من حارثة ردوه إليه، ~~فلما فعل لم يلق منهم إلا ظلما وهضما وإنكارا، كذبوه وآذوه وظنوا به الخديعة ~~والكيد. # ويعود هذا النفر من كلب إلى حيث ينزل قومهم في طرف من أطراف الشام، فيردون الأمن ~~والهدوء والغبطة والأمل إلى الأبوين البائسين اليائسين. فإذا كان الموسم من قابل أقبل ~~حارثة وأخوه كعب حاجين وزارا مكة، والتمسا الأمين فدلا عليه، فيقولان: «يابن عبد الله! ~~يابن عبد المطلب يابن هاشم يابن سيد قومه! أنتم أهل الحرم وجيرانه وعند بيته، تفكون ~~العاني وتطعمون الأسير، جئناك في ابننا عندك، فامنن علينا وأحسن إلينا في فدائه، فإنا ~~سنرفع لك في الفداء.» قال: ما هو؟ قالوا: زيد بن حارثة. فقال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: فهل ~~لغير ذلك؟ قالوا: ما هو؟ قال: ادعوه فخيروه، فإن اختاركما فهو لكما بغير فداء، وإن ~~اختارني فوالله ما أنا بالذي أختار على من اختارني أحدا. قالا: قد زدتنا على النصف # 1 # وأحسنت. قال: فدعاه فقال: هل تعرف هؤلاء؟ قال نعم. قال: من هما؟ قال: هذا ~~أبي وهذا عمي. قال: فأنا من قد علمت ورأيت صحبتي لك فاخترني أو اخترهما. فقال زيد: ما ~~أنا بالذي أختار عليك أحدا، أنت مني بمكان الأب والأم. فقالا: ويحك يا زيد! أتختار ~~العبودية على الحرية وعلى أبيك وعمك وأهل بيتك؟ قال: نعم! إني قد رأيت من هذا الرجل ~~شيئا ما أنا ms434 بالذي أختار عليه أحدا أبدا. فلما رأى رسول الله # صلى الله عليه وسلم # ذلك أخرجه إلى ~~الحجر فقال: «يا من حضر اشهدوا أن زيدا ابني أرثه ويرثني.» فلما رأى ذلك أبوه وعمه ~~طابت أنفسهما وانصرفا، فدعي زيد بن محمد، حتى جاء الله بالإسلام. # 2 # وقع حب هذا الفتى في قلب الأمين، وملأ حب الأمين قلب الفتى، وإذا الأمين يعلم ذلك من ~~نفسه ومن غلامه، فيأبى الفداء، ويخالف عما ألف الناس. وإذا الفتى يخرج من هذه المحنة ~~منتصرا على نفسه وعلى أواصر القربى، وعلى ما ألف الناس من إيثار الحرية على الرق، ومن ~~إيثار الوطن على الغربة، ومن إيثار الأهل على الأجانب في الدار والنسب. ولكن الله قد ~~أعد لزيد ألوانا أخرى من المحن، وقرنها بألوان أخرى من الخير والكرامة. فهذا الأمين قد ~~اتخذه له ابنا، وزوجه ابنة عمته زينت بنت جحش، وأمها أميمة بنت عبد المطلب. وقد اختص ~~الله أمين قريش بنبوته وائتمنه على وحيه ورسالته، وإذا ابنه زيد أسرع الرجال استجابة له ~~وانحيازا إليه. وقد أخلص زيد في صحبة مولاه وأبيه ونبيه ما أقاما في مكة، يحتملان من ~~ألوان الأذى وصنوف المكروه ما يحتمله المسلمون، ويصبران من الفتنة على ما صبر عليه ~~الذين منحهم الله قلوبا جلدة ونفوسا حرة وإيمانا عميقا. حتى إذا أذن الله لنبيه ~~وللمؤمنين في الهجرة، هاجر زيد مع المهاجرين، فآخى رسول الله بينه وبين عمه حمزة بن عبد ~~المطلب. # يجعله بهذا كله فردا من أفراد الأسرة وواحدا من أهل البيت، ويتحدث إليه بأنه مولاه ~~وبأنه منه ومن قومه. ويشهد زيد معه بدرا، ويشهد زيد معه أحدا، ويغزو النبي فيخلف ~~زيدا على أمر المدينة من ورائه، ويقيم النبي فيخرج زيدا أميرا على سراياه وغزواته، ~~حتى تقول عائشة رحمها الله: «ما بعث رسول الله # صلى الله عليه وسلم # زيد بن حارثة في جيش قط إلا ~~أمره عليهم، ولو بقي بعده استخلفه.» # 3 # ولكن لله في عباده أمرا هو بالغه، وإرادة هو ممضيها، وحكمة هو حاملهم عليها. لقد ms435 كان ~~المسلمون لا يدعون هذا الرجل إلا زيد بن محمد، ولا ينظرون إليه إلا على أنه ابن نبيهم، ~~ومن أقرب الناس إليه وألصقهم به وآثرهم عنده، وكان النبي نفسه يقول ذلك ويجهر به. ولكن ~~الله يريد أن يلغي نظام التبني هذا، وأن يرد الناس إلى أنسابهم وأن يدعوا الأبناء ~~لآبائهم، وإذا هو يمتحن في ذلك نبيه، ويمتحن في ذلك زيدا، ويمتحن في ذلك المؤمنين ~~الصادقين جميعا. يلقي في قلب النبي حب زينب زوج زيد، ويلقي في قلب زيد الانصراف عن ~~زينب والنفور منها. # وهذه نفس محمد مضطربة أشد الاضطراب، ممتنعة أشد الامتناع، واجمة أشد الوجوم، ترفض هذا ~~الحب رفضا وتزور عنه ازورارا، وإذا هي تنكره حتى على نفسها. ولكن الله يبدي ما تخفي، ~~ويعرف الناس ما تنكره، وإذا زيد يريد أن يطلق امرأته والنبي ينهاه ويزجره ويحذره. ولكن ~~الله بالغ أمره وممض إرادته ومتم حكمته، وإذا زيد يطلق امرأته، وإذا النبي يتزوج زينب، ~~ويقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض في ذلك ما يقولون. ولكن الحب الخالص بين زيد ~~ومحمد يخرج من هذه المحنة العنيفة ظافرا منتصرا كأنقى وأصفى ما يكون، وإذا الله ينزل ~~في هذه المحنة قرآنا ويسمي فيه زيدا فيقول: # وإذ تقول ~~للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك ~~واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس ~~والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرا ~~زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج ~~أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر الله ~~مفعولا ~~. ثم يقول: # ما كان محمد أبا ~~أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين ~~وكان الله بكل شيء عليما ~~. # وقد تلقى المؤمنون الصادقون هذه المحنة كما كانوا يتلقون أمر الله كله راضين به ~~مخلصين في الرضا، قد اطمأنت إليه قلوبهم، وصفت له نفوسهم، وصحت على إمضائه عزائمهم. ~~وثقوا بأن الله قد اختار لهم فاختاروا لأنفسهم ما اختار لهم الله. وقد مضى زيد مع نبيه ~~وصاحبه كما كان يمضي مع أبيه، وفيا ms436 أمينا مخلصا، مجاهدا في سبيل الحق مضحيا في ~~ذات الله. وإذا رسول الله يزوجه حاضنته أم أيمن الحبشية، ويعده الجنة، فتنجب له أسامة ~~بن زيد. # ثم تقبل المحنة الأخيرة. فهذا النبي يجهز لغزوة مؤتة. فإذا أتم جهازه اختار الأمراء؛ ~~فقدم زيدا وقال: «فإن أصيب فجعفر بن أبي طالب، فإن أصيب فعبد الله بن رواحة.» قال ~~المحدثون: فوثب جعفر بن أبي طالب فقال: «يا رسول الله، ما كنت أرغب أن تستعمل علي ~~زيدا.» # فقال رسول الله: «امضه فإنك لا تدري أي ذلك خير.» # 4 # ومضى المسلمون إلى مؤتة يقودهم زيد. حتى إذا كانت الموقعة، قاتل المسلمون على صفوفهم ~~وقاتل الأمراء مترجلين، فقتل زيد رحمه الله طعنا بالرماح. وقال النبي حين بلغه ذلك: ~~«إنه دخل الجنة يسعى.» وصعد النبي المنبر فأنبأ المسلمين بمصرع الأمراء الثلاثة، وقال: ~~«اللهم اغفر لزيد، اللهم اغفر لزيد، اللهم اغفر لزيد، اللهم اغفر لجعفر ولعبد الله بن ~~رواحة» يستغفر لزيد ثلاث مرات، ويجمع بين ابن عمه جعفر وعبد الله بن رواحة في استغفار ~~واحد. # تحدث ابن سعد عن الواقدي في إسناده، قال: لما أصيب زيد بن حارثة، أتاهم النبي # صلى الله عليه وسلم # قال فجهشت بنت زيد في وجه رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فبكى رسول الله # صلى الله عليه وسلم # حتى ~~انتحب. فقال له سعد بن عبادة: يا رسول الله ما هذا؟ قال: «هذا شوق الحبيب إلى ~~حبيبه.» # الفصل الحادي عشر # | القلب الرحيم # لم يبسم الأمير لحنظلة بن عمير الخزاعي حين أدخل عليه، ولم يبسط له ذلك الوجه الذي ~~تعود زواره أن يروه مشرقا سمحا، بل لم ينظر إليه، ولم يرفع رأسه عن ذلك الكتاب الذي ~~كان ينظر فيه، وإنما تلقى من الشيخ تحيته وردها عليه بمثلها، وكأنه نسي مكانه منه فلم ~~يأذن له بالجلوس. وظل الشيخ قائما حائرا، مطرقا حينا ثم ناظرا عن يمين وشمال حينا ~~آخر، والناس من حول الأمير ومن حوله ساهمون واجمون، ينكرون في أنفسهم، ولكنهم لا ~~يستطيعون أن يقولوا شيئا تهيبا ms437 للأمير. # وكانت للشيخ في نفوس الناس بالفسطاط مكانة حسنة ومنزلة رفيعة. عرفوا ورعه، وكرم ~~نفسه، وتنزهه عن الصغائر، وحسن بلائه في المشاهد، وحسن رعايته لحرمات الدين، وأكبروا ~~منزلته من قومه، ونباهة شأنه فيهم، وحسن صنيعه إليهم. وكثير منهم كانوا يكبرون عظم ~~ثروته، وسعة ذات يده. وكلهم كان يرى على كل حال أن الأمير لم يلقه بما تعود أن يلقاه به ~~من البشر والإيناس. وكلهم كان يود لو استطاع أن ينبه الأمير إلى مكان الشيخ، ولكنه كان ~~يشفق أن يجاوز حقه ويعدو حده ويدخل على الأمير بما لا يحب. # وقد طال إطراق الأمير وصمته، وطال وقوف الشيخ وحيرته. ثم تحول الشيخ عن موقفه فجأة، ~~وسلم على الأمير سلام المنصرف. فرفع الأمير إليه وجها عابسا وهو يقول: «إلى أين يا ~~حنظلة؟» قال الشيخ: «إلى حيث يلقاني الناس بغير ما لقيتني به أيها الأمير.» قال الأمير: ~~«لا بأس عليك؛ اجلس فإن لي معك شأنا.» قال الشيخ: «لقد علمت أن لك معي شأنا، ولكني ~~علمت أيضا أن مثلي لا يلقى بمثل ما لقيتني به. فإن كنت قد دعوتني لخصومة أو ملامة، فقد ~~كنت حريا أن تقدم بين يدي خصومتك أو ملامتك خيرا مما قدمت، أو تكلف قاضيك أن يدعوني ~~كما يدعى المتهم المليم.» # قال الأمير: «اجلس فليس عليك من بأس! إني لم أدعك لخصومة ولا لملامة، وإنما دعوتك ~~لبعض الأمر. ولعل ما نجم بينك وبيني لا يعدو العتب عليك والنصح لك.» قال الشيخ: «وما ~~ذاك؟» قال الأمير: «فخذ مكانك! فإنا سنتحدث عما قليل.» # وسعى الشيخ هادئا مطمئنا حتى جلس وهو لا يكاد يخفي ما يظهر على وجهه وفي عينيه من ~~آيات الغيظ. وأحس جلساء الأمير أن الأمير يريد الخلوة إلى حنظلة فجعلوا ينصرفون ~~متتابعين، حتى لم يبق في مجلس الأمير أحد إلا هذا الشيخ. هنالك نظر الأمير إلى حنظلة ~~نظرة طويلة فيها حب ورفق، وفيها حزم وعزم أيضا، ثم قال وهو يبتسم متكلفا: «إن لبيت ~~مال المسلمين عندك لثأرا ما أظنه يستطيع أن يدركه ms438 منك مهما تضخم ثروتك ومهما تغل هذه ~~الأرض التي تملكها، ومهما يكسب لك هذا العدد العظيم من الرقيق الذين تصرفهم في هذه ~~الصناعات المختلفة المربحة.» # قال حنظلة: «أبن عما تريد أيها الأمير؛ فإني لا أفهم عنك منذ اليوم.» قال الأمير: ~~«فإنك قد رزأت بيت المال رزءا ما أظن ثروتك تستطيع أن تنهض به.» قال حنظلة: «فإنك لم ~~تولني عملا من أعمالك، ولم تأتمني على ما تحتوي خزائنك من مال، وما أعرف أن بيني ~~وبين السلطان سببا من أسباب التجارة أو الالتزام، فكيف رزأت بيت المال وبم ~~رزأته؟» # قال الأمير: «ما هذا الحديث الذي بلغني عنك؟ ألم ترتفع إلي الأنباء بأنك قد زرت ~~قرية عامرة من قرى الريف تريد أن تتعهد فيها بعض أرضك، فلم تنصرف عنها حتى أسلم أهلها ~~جميعا، ولم يبق منهم معاهد يؤدي إلى بيت المال درهما أو دينارا! أفتظن أنك لم ترزأ ~~بذلك بيت مال المسلمين! فإذا مضيت على سيرتك هذه، وإذا تأثرك جماعة أمثالك، فجعلوا كلما ~~زاروا قرية من قرى الريف حملوا أهلها على الإسلام وصرفوا عن بيت المال موردا من ~~موارده، فإلام نحن صائرون؟ ومن أين ننفق على هذه المرافق؟! ومن أين نرزق أهل الديوان، ~~ونوفر على الجند أعطياتهم؟ وكيف نحمل إلى دمشق ما تريد أن يحمل إليها من المال؟» فلم ~~يستطع الشيخ أن يملك نفسه ولا أن يحتفظ بما ينبغي من الوقار لنفسه أولا ولمجلس الأمير ~~بعد ذلك، ولكنه اندفع في ضحك حر مطلق لا تحفظ فيه ولا اتزان. وجعل الأمير ينظر إليه ~~دهشا لا يدري أيغضب أم يرضى. فلما سكت الضحك عن الشيخ قال في صوت مضطرب بعض الشيء: ~~«أصلحك الله أيها الأمير وغفر لك! ما كنت أظن أن الله قد بعثنا جباة للمال نملأ به ~~خزائنك ونحمله إلى دمشق، وإنما علمت أن الله قد بعثنا دعاة إليه، وهداة إلى الحق، ~~ومبشرين برحمة الله، ومخوفين من نقمته، ما يعنينا بعد ذلك أن تمتلئ خزائنكم بالمال أو ~~تصفر منه.» # قال الأمير وهو يبتسم ويكظم ms439 غيظا يريد أن ينفجر: «حسبك يا حنظلة! هذا كلام كان يقال ~~منذ أذاعه عمر بن عبد العزيز رحمه الله في الناس وكتبه إلى الولاة والعمال، وقد قبلته ~~أنت ونفر من أمثالك، ومضيتم في إنفاذه جادين. ولكن عمر رحمه الله قضى ولم يطل به ~~العهد، وعادت أمور الناس إلى من تعلم من الخلفاء والأمراء، وعادت سياسة الناس سيرتها ~~الأولى. فلا بد من أن ننفق على المرافق، ولا بد من أن نرزق الجند، ولا بد من أن نحمل ~~إلى بني مروان في كل عام ما ينهض بأعبائهم، وإنها لأعباء ثقال!» # قال حنظلة: «فإن أمر هذا كله لا يعنيني، وإنما يعني أمير المؤمنين وولاته وعماله ~~والمديرين لأمواله، فأما أنا فرجل من المسلمين أتيح له أن يدعو الناس إلى الحق، ~~فاستجابوا له وهداهم الله به إلى دينه، فلا علي أن يصرف عن بيت المال موارده. وإن كان ~~لك أيها الأمير أو لأمير المؤمنين أرب فيما أملك من ثروة فما أستطيع أن أدفعكما عنه، ~~وما أريد أن أفعل، فخذا منه ما تشاءان، وخذاه كله إن أحببتما؛ فإن المال يغدو ويروح. ~~وما أكره أن أشتري هدى هؤلاء الناس بمال مهما يكثر، وما أكره أن أعين بيت المال على بعض ~~أعبائه بثروة مهما تضخم، فإني أرى ذلك صدقة، وأعلم أن الله لا يضيع أجر ~~المتصدقين.» # قال الأمير وقد عاد إليه هدءوه واطمأن في مجلسه وأشرقت في وجهه ابتسامة حلوة عرفها ~~حنظلة، فنظر إلى الأمير نظرة الصديق قد لقي صديقه بعد طول الغيبة، قال الأمير: «ليس ~~عليك ولا على مالك بأس! ولكني أريد أن تقتصد في هذا الجهد وترفق في هذه الدعوة.» # قال حنظلة: «فإني لم أبذل جهدا ولم اشتد في دعوة. ولوددت لو أستطيع أن أبذل في ذلك ~~الجهد وأن أبلغ من هداية الناس إلى الحق ما أريد! فما أعرف أن شيئا يؤذي نفسي كما ~~يؤذيها منظر هؤلاء المعاهدين وهم يؤدون الجزية عن يد وهم صاغرون. وإني لأرى في دعوتهم ~~إلى الإسلام وهدايتهم إليه إنقاذا لمروءتهم وإمتاعا ms440 لهم بهذه الحرية التي نتمتع بها ~~وهم مبعدون عنها مصروفون عما تكفل لأصحابها من الشرف والكرامة وكمال الرجولة. ألم تضع ~~نفسك قط أيها الأمير موضع واحد من هؤلاء الناس الذين يشترون أمنهم على أنفسهم ودينهم ~~بالمال يؤدونه إلينا صاغرين؟» # قال الأمير: «وفيم تريد أن أضع نفسي موضع هؤلاء الناس، وقد من الله علينا بالعروبة ~~والإسلام فجنبنا هذا الصغار؟» # قال حنظلة: «فإن الله قد أمرنا أن نسوي بين الناس وبين أنفسنا، وأن ندعوهم إلى ~~الإسلام لنرفع عنهم هذا الإصر، ولنردهم إلى مشاركتنا في هذه النعمة التي أنعم الله بها ~~علينا.» # قال الأمير: «ألم تنبئني أنك لم تبذل فيما صنعت جهدا، ولم تحتمل فيه مشقة ولا ~~عنفا؟» # قال حنظلة: «بلى! ولو قد علمت كيف كان اهتداء هؤلاء الناس إلى الحق واستجابتهم لدعوة ~~الله لراعك من ذلك ما راعني، ولأعجبك من ذلك ما أعجبني، فإني لا أقضي العجب من هذه ~~القصة التي أجرى الله بها الخير على يدي. وما رأيت أعجب من أمر محمد # صلى الله عليه وسلم # فيما رأيت ~~وما علمت من أمور الأنبياء. رجل كان يطالبه خصومه وأعداؤه بالمعجزات، فيبرأ منها ويعلن ~~إليهم أنه بشر مثلهم، وأنه لم يرسل ليبهر العقول بالأحداث العظام، وإنما أرسل ليتلو على ~~الناس قرآنا يتحدث إلى عقولهم فيملؤها هدى، ويتحدث إلى قلوبهم فيشعرها رحمة وبرا، ثم ~~لا يخلو أمره من هذه المعجزات التي تبهر العقول وتسحر الألباب، دون أن تحدث في طبيعة ~~الأشياء حدثا أو تتجاوز بعادات الناس الجارية طريقها المألوف! إنما هي معجزات ممتازات ~~يراها الناس مألوفة يسيرة، ويراها المفكرون نادرة باهرة ومقنعة مفحمة للمكابرين. لقد ~~كان محمد رجلا لا كالرجال. ولقد كان بشرا، ولكنه امتاز بين الناس بخصال أحسها وأحققها ~~في قلبي وفي عقلي، ولكني لا أجد إلى تصويرها سبيلا.» # قال الأمير: «فأفصح عما تريد واقصص علي قصتك؛ فإنك قد أثرت في نفسي عجبا من ~~العجب.» # قال الشيخ: «فإن قصتي يسيرة كبيرة ككل ما يتصل بهذا الرجل الكريم الرحيم. إنك لتعلم ~~أني ذهبت إلى ms441 تلك القرية أتعهد بعض أعمالي، فما أبلغها وما أستقر فيها حتى أعرف أن ~~عظيما من عظمائها النصارى قد رزئ في صبي له، فأرى من الخير والبر أن أسعى إليه مواسيا ~~ومعزيا فأفعل. ويلقاني الرجل حفيا بي وقد ملك الجزع كل أمره وأخرجه عن طوره، ولقد ~~كنت أعرفه جلدا صبورا وقورا، ولكن هذا الصبي قد كان وحيده، وقد كان قرة عين له حين ~~تولى عنه الشباب وأدركته الشيخوخة. فلما نزل به الخطب لم يثبت له ولم يستطع عليه صبرا، ~~وقد عجز من كان يحيط به من القسيسين والرهبان عن تعزيته وتسليته. ويأخذني الرفق به ~~والإشفاق عليه، فأتحدث إليه في لغته القبطية مواسيا مسليا، وأقول له فيما أقول: لو ~~عرفت أن أحاديث نبينا تعزيك أو تسليك لقصصت عليك منها طرفا. فقد رزئ نبينا في صبي وحيد ~~له، كما رزئت في صبيك هذا الوحيد. فتلقى الرزء كريما يملأ قلوبنا نحن المسلمين إكبارا ~~له وإعجابا به ورحمة للصبية من أبنائنا، في احتفاظ بالرجولة، وثبات على المروءة، ~~واصطناع للوقار، واعتراف بحق الله فيما يمن به علينا من المال والولد، وإنما يأخذه كما ~~أعطاه دون أن يكون لنا أن نضيق بذلك أو نثور عليه، هي نعمة أهديت إلينا ثم أخذت منا، ~~وقد ابتلينا بإهدائها إلينا كما ابتلينا بأخذها منا، ونحن بعد ذلك مثابون إن ثبتنا ~~للمحنة وصبرنا على الابتلاء.» # قال الرجل: «فحدثني بحديثك؛ فإن ما تقوله يبعث في نفسي شيئا من راحة وأمن ودعة.» ~~قلت: فإن نبينا قد رزق في آخر أيامه صبيا ابتهج لمولده ابتهاجا عظيما وسر به ~~سرورا لا يقدر. ولكن نبينا كان يحسن لقاء النعمة كما كان يحسن لقاء المحنة، كان لا ~~يخرجه الابتهاج عن طوره، وكان البطر والأشر أبعد الأشياء عنه. وكان إذا رضي لم يستأثر ~~بلذة الرضا، وإنما يشرك فيها الناس. فلم يكد يرزق هذا الصبي حتى أعلن ذلك إلى الناس ~~مغتبطا، ثم تصدق على الفقراء، ووسع على من ضيقت عليهم الحياة. وكان رفيقا بابنه هذا، ~~يسعى إليه عند مرضعه إذا ms442 قال الناس، فيأخذه ويقبله ويقول له ما شاء الله أن يقول من هذه ~~الألفاظ الحلوة التي تصور أجمل تصوير حنان الآباء ورحمتهم لأبنائهم. وقد كانت نعمة الله ~~على نبينا لا تحصى، وكان منها امتحان الله له في أحب الأشياء إليه وآثر الناس عنده فما ~~يبلغ ابنه ستة عشر أو ثمانية عشر شهرا حتى تسعى إليه العلة. ويمضي النبي مع صفي من ~~أصفيائه يقال له عبد الرحمن بن عوف ليعوده فيبلغه وهو يجود بنفسه، وينظر الأب إلى صبيه ~~الوحيد الذي جاءه حين تولى عنه الشباب، وحين أقبلت عليه الشيخوخة، وحين استيأس من ~~الولد، ينظر الأب إلى ابنه هذا أسفا محزونا، ولكنه ينظر إليه مع ذلك راضيا مطمئنا ~~مذعنا لقضاء الله. وهذه عينه تدمع، وهذا صفيه ينكر منه ذلك ويقول له: «أتبكي وقد نهيت ~~الناس عن البكاء؟» فيجيبه: «إنما هذا رحم، وإن من لا يرحم لا يرحم، إنما ننهي الناس عن ~~النياحة وأن يندب الرجل بما ليس فيه.» ثم قال: «لولا أنه وعد جامع، وسبيل مئتاء، وأن ~~آخرنا لاحق بأولنا، لوجدنا عليه وجدا غير هذا! وإنا عليه لمحزونون! تدمع العين ويحزن ~~القلب، ولا نقول ما يسخط الرب، وفضل رضاعه في الجنة.» # 1 # وهنا تنحدر من عيني الرجل دموع غزار، وتأخذه عبرة شديدة يهتز لها جسمه كله اهتزازا ~~عنيفا. فإذا انجلت عنه قال: «أعد علي حديثك هذا؛ فإني أجد له عذوبة ما وجدتها لحديث ~~قط.» فأعيد عليه الحديث، فيسمعه مصغيا إليه أشد الإصغاء ولا تنهمر عبرته ولا تأخذه ~~الرعدة هذه المرة، وإنما يقول في صوت هادئ: «امض في حديثك.» فأقول: لقد بلغت آخره أو ~~كدت أبلغه. فهذا الأب يحمل ابنه إلى القبر، ويجلس لينظر والناس يوارونه في التراب. ويرى ~~فرجة قد تركت في اللحد، فيأخذ حجرا ويناوله من قام على تسوية القبر ويقول: «إنها لا ~~تضر ولا تنفع ولكنها تقر عين الحي.» # 2 # وهنا يعود الرجل إلى استعباره، ولكنه في هذه المرة لا يبكي وحده وإنما يبكي معه من ~~حوله من الناس. ويقول ms443 راهب من رهبانهم: «ما هذا بكلام رجل كالرجال.» ثم يسأل الشيخ أن ~~أمضي في حديثي، فأقول: لقد انتهيت منه أو كدت أنتهي. فقد عاد نبينا إلى بيته محزونا ~~جلدا، وانكسفت الشمس في ذلك اليوم، فيتحدث الناس بالمعجزة، ويقول بعضهم لبعض: «إنما ~~انكسفت الشمس حزنا لموت إبراهيم ابن النبي.» وينتهي حديث الناس إلى نبينا، فيخرج ~~ساعيا حتى يأتي المنبر، فيرقاه ويحمد الله ويثني عليه فيقول: «أما بعد أيها الناس إن ~~الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياة أحد، فإذا رأيتم ذلك ~~فافزعوا إلى المساجد.» # 3 # وأقف بحديثي عند هذه الغاية وأنظر، فإذا من حولي في صمت عميق تنحدر على وجوههم دموع ~~هادئة لا تمثل حزنا ولا جزعا، وإنما تصور قلوبا لينة رحيمة، ونفوسا قد كشف عنها ~~الغطاء، وإذا الشيخ ينهض من مجلسه رزينا ويسعى إلي هادئا وهو يقول: «ابسط يدك، فما ~~أرى إلا أن نبيك قد جاء بالهدى.» وما أكاد أتلقى منه إسلامه حتى يكون الرهبان والقسيسون ~~الذين حضروا المجلس أسرع الناس إلي، كلهم يعلن إسلامه، ويتبعهم من حضرنا من عامة الناس. ~~وما أبرح القرية من الغد حتى يكون أهلها جميعا قد ساروا سيرة عظيمهم وقسيسيهم ومن وفد ~~عليهم من القرى المجاورة، وحتى يكون بيت مالك أيها الأمير قد رزئ فيما رزئ فيه من ~~الجزية. # قال الأمير بعد صمت طويل: «فهل تعلم أن لهذا الحديث وجها آخر من الإعجاز؟» قال ~~حنظلة: «وما ذاك؟» قال الأمير: «قد سمعت من كان يتحدث في الشام عن موت إبراهيم ابن رسول ~~الله ويقول: إن النبي # صلى الله عليه وسلم # قال: «لو عاش إبراهيم لوضعت الجزية عن كل قبطي.» # 4 # فإنك يا حنظلة قد أحييت ذكرى إبراهيم في هذه القرية فوضعت الجزية عن أهلها.» ms444