######OpenITI# #META# URI: 1392TahaHusayn.DucaKarawan.Hindawi13052715 #META# Tags: novels #META# ID: 13052715 #META# Title: دعاء الكروان #META# AuthorID: 59624258 #META# Author: طه حسين #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # اهداء‏ # مقدمة‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # الفصل العشرون‏ # الفصل الحادي والعشرون‏ # الفصل الثاني والعشرون‏ # الفصل الثالث والعشرون‏ # الفصل الرابع والعشرون‏ # الفصل الخامس والعشرون‏ # اهداء‏ # مقدمة‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # الفصل العشرون‏ # الفصل الحادي والعشرون‏ # الفصل الثاني والعشرون‏ # الفصل الثالث والعشرون‏ # الفصل الرابع والعشرون‏ # الفصل الخامس والعشرون‏ # | دعاء الكروان # | دعاء الكروان # تأليف # طه حسين # | اهداء # إلى صديقي الأستاذ الكبير عباس محمود العقاد # سيدي الأستاذ # أنت أقمت للكروان ديوانا فخما في الشعر العربي الحديث، فهل تأذن في أن أتخذ له ~~عشا متواضعا في النثر العربي الحديث، وأن أهدي إليك هذه القصة. تحية خالصة من ~~صديق مخلص. # طه حسين # | مقدمة # أتيح لهذه القصة أن تبلغ من نفس شاعرنا العظيم خليل مطران موضع الرضا، فأهدى إلي هذه ~~القصيدة الرائعة، فضلا منه أتقبله فخورا شكورا، وأكره أن أؤثر به نفسي من دون الذين ~~يحبون الشعر الرفيع، بل أكره أن يحملني التواضع الكاذب على إخفاء هذه المكرمة التي إن ~~صورت شيئا فإنما تصور نفسا كريمة وقلبا عطوفا: # دعاء هذا الكروان الذي # خلدته في مسمع الدهر # له صدى في القلب والفكر من # أشهى متاع القلب والفكر # لكنه مشج بترجيعه # لما جرى في ذلك القفر # إذ تسكن البيداء وهنا فما # ينبض إلا مهج السفر # والليل في التيه السحيق المدى # يطبق جفنيه على وزر # والطائر المرتاع في جوه # ينذر بالمأساة في ذعر # يرن إرنان سهام رمت # حيث رمت بالشعل الحمر # أسال أدمعي خطب ms001 مطلولة # مقتولة في زهرة العمر # جنى عليها واهم أنه # يثأر للعرض وللطهر # وخامرتني حسرة خامرت # شهود ذاك المصرع النكر # أليس للأرواح في بثها # أواصر من حيث لا تدري # جوهرها فرد وإحساسها # مشترك في النفع والضر # حادثة في ريف مصر جرت # ومثلها في الريف كم يجري # قصت علينا قصصا شائقا # في كلم أنقى من القطر # مسرودة سردا على صفوه # أفعل في النفس من الخمر # يا لغة العرب التي كاشفت # طه بما صانت من السر # من أي روض يجتنى مثل ما # جناه من أزهارك النضر # من أي بحر والمنى دره # يصاد ما صاد من الدر # من أي تبر في غوالي الحلى # يصاغ ما صاغ من التبر # آيات طه نزلت بالهدى # فيم استعارت فتنة السحر # أحدث ما جاءت به طرفة # بديعة في أدب العصر # جلت خيال الشعر في صورة # أغارت الشعر من النثر # | الفصل الأول # لم يكن يقدر أني سألقاه قائمة باسمة حين أقبل إلي في ظلمة الليل يسعى كأنه الحية أو ~~كأنه اللص، ولكنه لم يكد يبلغ باب الغرفة ويتبين شخصي ماثلا في وسطها وعلى وجهه ابتسامة ~~شاحبة كأنها ابتسامة الأشباح حتى أخذه شيء من الذعر، فتراجع خطوات ثم قال في صوت أبيض جعل ~~يأخذ صوته الطبيعي قليلا قليلا: ماذا! ألا تزالين ساهرة إلى الآن؟ أتعلمين متى أنت من ~~الليل؟ قلت: لقد جاوزت ثلثه وما كان ينبغي لي أن أنام قبل أن ينام سيدي، فما يدريني لعله ~~يحتاج إلى شيء، قال وقد عاد إلى ثباته وهدوء نفسه واسترد صوته شيئا من قحته المألوفة ~~ودعابته البغيضة: ما رأيت قبلك خادما مثلك تحسن العناية بسيدها وتسهر منتظرة مقدمه إلى آخر ~~الليل، لقد كنت أحسبك نائمة كما تعودت أرى من سبقك في خدمتي، وكنت أقدر أني سأجد في ~~إيقاظك بعض الجهد؛ فلست أدري ما بال نوم الخدم يثقل حتى كأنهم أموات، قلت: قد أرحت سيدي من ~~هذا الجهد، وانتظرت مقدمه كما تعودت منذ اصطنعت خدمة المترفين الذين لا يحبون إنفاق الليل ~~في دورهم، فليأمر سيدي ms002 بما يريد، قال وهو يضحك ضحكا سمجا وقد مد إلي يدا وددت لو ~~استطعت قطعها، ولكني تراجعت حتى لا تبلغني: فإن سيدك يأمرك أن تتبعيه. # ثم انحدر إلى غرفته ومضيت في أثره. ~~••• # لبيك لبيك أيها الطائر العزيز! ما زلت ساهرة أرقب مقدمك وأنتظر نداءك؛ وما كان ينبغي لي ~~أن أنام حتى أحس قربك، وأسمع صوتك، وأستجيب لدعائك، ألم أتعود هذا منذ أكثر من عشرين ~~عاما! # لبيك لبيك أيها الطائر العزيز! ما أحب صوتك إلى نفسي إذا جثم الليل، وهدأ الكون، ونامت ~~الحياة، وانطلقت الأرواح في هذا السكون المظلم، آمنة لا تخاف، صامتة لا تسمع! # إن صوتك إذن لأشبه الأشياء بأن يكون صوتا لروح من هذه الأرواح ليذكرني روح هذه الأخت ~~التي شهدت مصرعها معي في تلك الليلة المهيبة الرهيبة، وفي ذلك الفضاء العريض الذي لم يكن ~~من سبيل إلى أن يسمع الصوت فيه مهما يرتفع، ولا أن يجيب المغيث فيه لمن استغاث. # لبيك لبيك أيها الطائر العزيز! ادن مني إن كان من أخلاقك الدنو، وأنس إلي إن كان من ~~خصالك الأنس إلى الناس، واسمع مني وتحدث إلي، وهلم نذكر تلك المأساة التي شهدناها معا، ~~وعجزنا عن أن ندفعها أو نصرف شرها عن تلك النفس الزكية التي أزهقت، وعن هذا الدم البريء ~~الذي سفك. # فلم نزد حينئذ على أن بعثنا صيحات ترددت في ذلك الفضاء العريض لكنها لم تبلغ أذنا ولم ~~تصل إلى قلب، وإنما صعدت إلى السماء على حين هوى ذلك الجسم الجميل الممزق في تلك الحفرة ~~التي أعدت له إعدادا، ثم هيل التراب وسويت الأرض، وأنت تدعو ولا من يستجيب، وأنا أستغيث ~~ولا من يغيث، وامرأة متقدمة في السن قد انتحت ناحية وجلست تذرف دموعها في صمت عميق، ورجل ~~متقدم في السن قد قام غير بعيد يسوي الأرض، ويصب عليها الماء، ويردها كما كانت، ثم ينتحي ~~قليلا ويزيل عن جسمه وثيابه آثار الدم والتراب، ثم يرتفع صوته آمرا أن هلم فقد آن لنا ~~أن نرتحل. # منذ ذلك الوقت تم ms003 العهد بينك وبيني أيها الطائر العزيز على أن نذكر هذه المأساة كلما ~~انتصف الليل حتى نثأر لهذه الفتاة التي غودرت في هذا الفضاء، ثم نذكر هذه المأساة كلما ~~انتصف الليل بعد أن نظفر بالثأر، ليكون في ذكرنا إياها وفاء لهذه النفس التي أزهقت، ولهذا ~~الدم الذي سفك، ورضا عن الانتقام وقد ألم بالآثم المجرم ورد الأمر إلى نصابه، وأراح هذه ~~النفس التي ما زالت تطلب الري حتى تظفر بالثأر من الذين اعتدوا عليها. # لبيك لبيك أيها الطائر العزيز! إنا لنلتقي كلما انتصف الليل منذ أعوام وأعوام فندير بيننا ~~هذا الحديث، أفتدعني أقص أطرافا منه على الناس لعلهم أن يجدوا فيه عظة تعصم النفوس الزكية ~~من أن تزهق، والدماء البريئة من أن تراق؟! # | الفصل الثاني # لقد بعد صوت الكروان قليلا قليلا حتى انقطع ولم يبلغني منه شيء، وعاد الليل إلى سكونه ~~الهادئ الثقيل، واطمأن من حولي كل شيء، فما أسمع إلا هذه الدقات المنتظمة تصدر عن الساعة ~~غير بعيد، وهذه الدقات المضطربة المختلفة تصدر عن هذا القلب الحزين ... وأنا آخذ نفسي بالهدوء ~~لألائم بينها وبين ما حولها فلا أوفق لبعض ذلك إلا في مشقة وعناء، وأنا أنظر إلى هذه ~~الأشياء حولي في الغرفة فأرى ثراء ويسرا، وأرى ترفا وكلفا بالجمال والفن، وأنا أمد ~~عيني إلى المرآة أمامي وأثبتها في أديمها الصافي الصقيل حينا فتعود إلي بصورة إلا تكن ~~رائعة بارعة، فإنها لا تخلو من رواء ونضرة وحسن تنسيق، وما لي أسأل عن صورة هذه المرآة ~~الجامدة الهامدة التي لا تحس شيئا ولا تشعر بشيء ولا تعرب عن شيء، وإني لأرى صورتي ~~مرات ومرات في غير مرآة من هذه المرايا الحساسة الشاعرة البليغة التي تحسن الإفصاح عما ~~في النفوس، وهي العيون! # لقد رأيت صورتي اليوم في غير عين من هذه العيون التي كانت ترمقني مسرعة، ثم تعود إلي ~~مرة أخرى فتثبت في وجهي لا تكاد تنصرف عنه، وكنت كلما رأيت صورتي في هذه العيون يحيط بها ~~الإعجاب والرغبة والشهوات الآثمة لا أنكر ms004 ما أرى، ولا أكره ما أجد من الشعور، ولا أرد ~~نفسي عن هذا الغرور الذي يثيره في المرأة إعجاب الناس بها وتهالكهم عليها. # ثم أنا أنهض من مجلسي، وأمشي في غرفتي لحظة غير قصيرة، أذهب فيها وأجيء، وأقف عند ما يملأ ~~هذه الغرفة من أدوات الترف والنعمة، فأطيل النظر إليه لا معجبة ولا مكبرة له، وإنما أسأل ~~نفسي: أأنا صاحبة هذا كله؟ أأنا المالكة لهذا كله؟ أأنا صاحبة هذه الصورة التي تردها ~~إلي المرآة، والتي كانت ترمقها العيون معجبة حين كنت أتناول الشاي في بعض مشاربه عصر ~~اليوم؟! # ثم أنا أفكر غير طويل فإذا أنا أستطيع، وقد تقدم الليل حتى كاد يبلغ ثلثيه، أن أمد يدي ~~إلى زر كهربائي قريب، فلا أكاد أمسه حتى يطرق الباب، ولا أكاد أرفع صوتي بالإذن حتى تدخل ~~علي خادم وضيئة، حسنة الشكل، جميلة الزي، ساهرة مهما يتقدم الليل لأني ما زلت ساهرة، ~~ولأنها لا تستطيع أن تأوي إلى مضجعها حتى آذن لها بالنوم. # ثم أنا أمضي إلى هذه النافذة، فلا أكاد أفتحها حتى تمتلئ نفسي روعة وجلالا لهذه الأشجار ~~النائمة، وهذه الأزهار المتأرجة، وهذه الأطيار التي تحلم في ثنايا الغصون، وكل هذا لي ملك ~~خالص لا يشاركني فيه أحد، ولا يزاحمني عليه أحد، أستطيع أن أعبث به إن شئت، ومتى شئت، وكيف ~~شئت، لا يسألني أحد عما أفعل! # فإذا اجتمعت في نفسي صور هذا النعيم كله أحسست راحة وأمنا وثقة، ثم لا ألبث أن أحس شيئا ~~من الكبرياء الغريبة؛ لأني لا ألبث أن أرى صورتي منذ أكثر من عشرين عاما حين كنت صبية ~~بائسة يائسة، قد شوه البؤس واليأس شكلها وألقيا على وجهها غشاء كئيبا من الدمامة ~~والقبح، لا ألبث أن أجد هذا الحزن اللاذع العميق حين أذكر هذه المأساة التي كنت أتحدث بها ~~منذ حين إلى هذا الطائر العزيز، والتي كان يتحدث بها منذ حين إلي هذا الطائر ~~العزيز. # إن في أحداث الحياة وخطوبها لعظات وعبرا! إني لأتحدث الآن إلى نفسي حديثا ما ms005 كان يمكن ~~ولا ينتظر أن تتحدث به إلى نفسها تلك الفتاة التي كان الناس يسمونها آمنة، والتي تسمى الآن ~~سعاد لأنه اسم جميل يلائم المألوف من حسن الاختيار والتظرف في الأسماء. # لقد كانت آمنة تلك فتاة بدوية، انحدرت بها وبأختها امرأة من أهل البادية، أو من أهل هذا ~~الريف المصري الذي يشبه البادية؛ لأنه منبث في أطراف الأرض الخصبة مما يلي الصحراء الغربية، ~~أو مما يلي هذه الهضبات التي يسميها أهل مصر الوسطى بالجبل الغربي. # كانت زهرة أم آمنة وأختها هنادي امرأة بدوية ريفية، تقيم في قرية من هذه القرى المعلقة ~~بهذه الهضاب، والتي لا يستقر أهلها فيها إلا ريثما يزيلهم عنها فوج من أفواج الأعراب الذين ~~يقبلون من الصحراء ليتعلموا الاستقرار في الأرض، والحياة في أطراف الريف، ثم يدفعهم فوج ~~آخر فإذا هم يمضون أمامهم مضيا بطيئا، ينتقلون في أناة ومهل من مكان إلى مكان، وهم ~~يتقدمون نحو الأرض المتحضرة دائما حتى يبلغوا حدود البادية أو حدود هذا الريف المتبدي، ~~وإذا هم على شاطئ القناة التي يسمونها البحر، ويزعمون أن يوسف هو الذي احتفرها في الزمن ~~القديم، فإذا أتيح لهم أن يعبروا البحر، فقليل منهم يحتفظ ببداوته، وأكثرهم يفنى في طبقات ~~الزراع ويضيع في عداد الفلاحين. # كانت زهرة أم هاتين الفتاتين تعيش مع زوجها الأعرابي وابنتيها في قرية من هذه القرى، قد ~~اتخذت اسمها في أكبر الظن من بطن من بطون الأعراب أو قبيلة من قبائلهم؛ فقد كانت تسمى «بني ~~وركان» وكان أهل القرية ومن حولها يميلون الألف قليلا ويذهبون بها نحو الياء، فما أسرع ~~ما أصبح سبة وعارا يعاب به أهل القرية، وكيف لا وقد أصبح اسمها «بين الوركين» وما أسرع ~~ما أصبح أهل القرية يستحيون من اسم قريتهم ويكرهون الانتساب إليها، ولا سيما حين كانت ~~تدفعهم حاجة البيع والشراء إلى أن يهبطوا المدن، فقد كان اسم قريتهم لا يذكر إلا أضحك ~~الناس وأجرى على ألسنتهم مزاحا كثيرا ثقيلا، محفظا لنفس البدوي الذي لم يتعود دعابة ~~القرويين وأهل ms006 الحضر. # كانت زهرة تعيش مع زوجها وابنتيها عيشة متواضعة هادئة، فيها رخاء معتدل، وفيها عزة بهذه ~~الأسرة الضخمة ذات العدد الكثير التي كانت أمنا تنتسب إليها، ولكن أبانا لم يكن صاحب حشمة ~~ووقار وسيرة حسنة، إنما كان زير نساء يحب الدعابة والمجون، ولا يتحرج مما يتحرج منه الرجل ~~المستقيم، وكانت له في القرية وفي القرى المجاورة خطوب كانت تخيف منه وتخيف عليه. # وكانت أمنا أشقى الناس بهذه الخطوب، تتأذى بها في ذات نفسها - فكم حرقتها الغيرة حين ~~كان زوجها يغيب عنها اليوم الكامل أو الليلة الكاملة - وتشفق منها على زوجها هذا الماجن؛ ~~فقد كانت تحبه على مجونه وفجوره، وكانت تعلم أنه يهيئ لنفسه عداوات خطرة في كل مكان بإلحاحه ~~في المجون والفجور، وتخاف منها على حياة ابنتيها ومستقبلهما وآمالهما في العيش ~~الهنيء. # وإنها لفي ما هي فيه من غيرة وإشفاق وفزع ذات ليلة، إذ جاءها النبأ بأن زوجها قد صرع، ثم ~~يستبين الأمر قليلا قليلا، فإذا الرجل قد ذهب ضحية لشهوة من شهواته الآثمة، فليس له ثأر ~~يطالب به، وليس من سبيل إلى استعداء السلطان على قاتليه، وإنما هو العار كل العار قد ألم ~~بهذه المرأة البائسة وابنتيها التعيستين، وإذا الأسرة كلها تضيق بهؤلاء النساء، تكره مكانهن ~~منها، وتنفيهن عن الأرض، وتزودهن بقليل من المال وكثير من الرحمة، وتكرههن على عبور البحر ~~والاندفاع في أرض الريف يلتمسن حياتهن فيها يائسات شقيات، ليس لهن سند يعتمدن عليه، ولا ~~ركن يأوين إليه؛ وإنما هي امرأة وحيدة لها حظ من جمال يطمع فيها الناس ويغري بها ~~أصحاب المجون، وصبيتان بائستان لا تكادان تحسنان شيئا. # والخطوب تنتقل بهن من قرية إلى قرية، ومن ضيعة إلى ضيعة، يلقين بعض اللين هنا، ويلقين بعض ~~الشدة هناك، ولا تستقر بهن الأرض في أي حال، حتى ينتهين إلى هذه المدينة الواسعة ذات ~~الأطراف البعيدة والسكان الكثيرين، والتي تشقها الطريق الحديدية نصفين، ويمضي فيها هذا ~~الشيء المروع المخيف الغريب الذي يبعث في الجو شررا ونارا، وصوتا ضخما، وصفيرا عاليا ms007 ~~نحيفا، والذي يسمونه القطار، الذي يركبه الناس يستعينون به على أسفارهم، كما يستعين أهل ~~البادية والريف بالإبل حينا، وبالحمير حينا آخر، وبالأقدام في أكثر الأحيان. # هنالك في طرف من أطراف هذه المدينة، استقرت هذه المرأة مع الصبيتين، لجأت إلى شيخ البلدة ~~أو إلى شيخ العزبة فآواها يوما، ثم ابتغى لها ولابنتيها حجرة ضيقة حقيرة قذرة قد أقيمت من ~~الطين، فأسكنها فيها على أن تدفع أجرها عشرة قروش كلما بدا الهلال، ثم قال لها شيخ العزبة: ~~ما أكثر العمل هنا! فالتمسي حياتك وحياة ابنتيك في بيوت هؤلاء المترفين الذين لا يعملون في ~~الزرع والحرث، وإنما يعملون في خدمة الحكومة، منهم من يخدم في معامل السكر، ومنهم من يخدم ~~في المركز، ومنهم من يخدم في المحكمة الأهلية أو الشرعية، ومنهم مهندس الري، ومنهم مهندس ~~الطرق، ثم عند هؤلاء التجار الذين لا يتاجرون فيما تخرج الأرض من الحب، فهؤلاء فلاحون أو ~~كالفلاحين، وإنما يتاجرون في هذه الأمتعة والعروض التي لا تأتي من الريف ولا تصنع في ~~المدينة، وإنما تأتي من مصر، هناك حيث الناس لا ينطقون كما ننطق ولا يعيشون كما ~~نعيش. # عند هؤلاء التجار الذين يبيعون الأقمشة والأحذية والأثاث، يجلبونها من مصر ويبيعونها في ~~المدينة وفي القرى، ويربحون منها الأموال الضخمة، ويعيشون في بيوتهم عيشة السادة والأمراء، ~~لا يأكلون على الأرض وإنما يأكلون على الموائد، لا يأكلون الذرة، وإنما يأكلون خبز الحنطة، ~~لا يأكلون في أطباق النحاس، وإنما يأكلون في أطباق من الخزف، لا يسمحون لنسائهم أن يخرجن ~~متبذلات، وإنما يخرجن ملففات في هذه الثياب يتخذنها من الحرير، وعلى وجوههن هذه البراقع ~~الصفاق، وعلى أنوفهن هذه القصبات من الذهب الخالص أو من الفضة المذهبة. # عند هؤلاء الموظفين، وعند هؤلاء التجار تشتد الحاجة إلى الخدم، والحياة في بيوتهم لينة ~~ناعمة؛ فالتمسي لنفسك ولابنتيك بعض العمل في بعض هذه البيوت. # قال ذلك شيخ العزبة، ثم سمى لها أشخاصا ووصف لها بيوتا ووعدها بالمعونة، وانقضت أيام ~~قليلة ولكنها ثقيلة، كانت أمنا تدور فيها بنفسها وبنا ms008 على البيوت تعرض نفسها وتعرضنا ~~للخدمة، كما تعرض الإماء على السادة. # ولكن هذه الأيام لم تتصل، وما أسرع ما استقرت كل واحدة منا في بيت تعمل فيه بالنهار، ~~وتنام فيه الليل، ونلتقي آخر الأسبوع، فنقضي ليلة سعيدة رضية في حجرتنا تلك القذرة ~~الحقيرة، قد حملت كل منا ما أتيح لها حمله من الطعام، فنجتمع إلى طعامنا، ونتحدث عن أهلنا ~~وقريتنا، ثم عن سادتنا وسيداتنا، حتى إذا تقدم الليل أغرقنا في نوم هادئ لذيذ، فإذا كان ~~الصباح تفرقنا إلى حيث نعمل في بيوت التجار والموظفين. # | الفصل الثالث # وكنت أحسن الثلاث حظا وأيمنهن طالعا، فقد قدر لي أن أخدم في بيت مأمور المركز، ~~وكانت خدمتي غريبة أول الأمر ثقيلة على نفسي، ولكني لم ألبث أن أحببتها ووجدت فيها لذة ~~ومتاعا، كلفت أن أصحب صبية من بنات المأمور كانت تقاربني في السن، ولعلها كانت أكبر ~~مني قليلا. # كنت أرافقها في اللعب على ألا ألعب معها، وأرافقها إلى الكتاب على ألا أتعلم معها، ~~وأرافقها حين يأتي المعلم ليلقي عليها الدرس قبل الغروب على ألا أتلقى الدرس معها. # كنت لها خادما، ألحظها من بعيد، وأجيبها إلى ما تريد، ولا أشاركها في شيء مما تعمل. ولكن ~~«خديجة» كانت حلوة النفس، رضية الخلق، مشرقة الوجه دائما، مبتسمة الثغر دائما، وديعة ~~النفس، رقيقة الحاشية؛ فلم يطل ما كان بينها وبيني من البعد، وإنما أشركتني في لعبها، ~~واختصتني بأحاديثها وآثرتني بأسرارها، ولم تبخل علي حتى ببعض ما كانت تمنحها أمها من ~~الحلوى، أو من النقد لتشتري به الحلوى. # وما هي إلا أن تزول بيننا الكلفة ونصبح رفيقتين صديقتين، وسيدة البيت تنكر ذلك أول الأمر، ~~ولكنها تذعن له بعد حين؛ وإذا أنا أختلف مع الصبية إلى الكتاب فأتعلم كما تتعلم، وأتلقى مع ~~الصبية درس المعلم فأستفيد كما تستفيد، وإذا ثياب الصبية تخلع علي فيقرب ما بينها وبيني ~~من اختلاف الزي، وأختلس نظرات إليها، ثم أختلس نظرات إلى المرآة، فلا أكاد أحس بينها وبيني ~~فرقا ولا اختلافا، لولا أنها كانت تتكلم ms009 لغة حلوة عذبة رقيقة هي لغة مصر، وكنت أتكلم لغة ~~فجة خشنة غليظة هي لغة أهل الريف من «بني وركان»، وكنت أقلد في نفسي لغة خديجة فأحسنها ~~وأجيدها، ولكني حاولت غير مرة أن أجهر بهذا التقليد فردعت عن ذلك ردعا عنيفا، ثم حاولت ~~غير مرة أن أجهر بهذا التقليد حين كنت ألقى أمي وأختي فكانتا تضحكان مني ضحكا يخزيني ~~ويردني إلى لغة الريف. # وأنفقت مع خديجة عاما وعاما لم ألق فيهما بأسا ولم أشك فيهما عناء، وإنما عرفت ~~فيهما الترف والنعيم، وتعلمت فيهما غير قليل مما يعرفه الأغنياء، وبعد فيهما الأمد بعدا ~~شديدا بيني وبين أمي التي كانت تعمل في بيت موظف من موظفي الدائرة السنية، معتدل الحال ~~متوسط العيش، ولكنه أميل إلى حياة الريف، وأحرص على تقاليد الفلاحين، وبعد فيهما الأمد ~~بيني وبين أختي التي كانت تعمل في بيت مهندس الري، ذلك الشاب الرشيق الأنيق ذو الوجه ~~الوسيم، ذلك الشاب الذي كان يعيش وحيدا في دار واسعة، تحيط بها حديقة جميلة نضرة، ولا ~~يعيش معه فيها إلا خادم ريفي، يحرس الدار ويعنى بالحديقة، وإلا أختي تنظف الدار وتعنى ~~بمتاع الشاب، وكان الطعام يأتيه غزيرا موفورا من مطعم المدينة، فيصيب منه القليل، ويترك ~~أكثره لخادميه. # وكنت أرى أختي تشب مسرعة، ويستدير جسمها استدارة حسنة، وتظهر عليها آثار النعمة وآيات ~~من جمال، ولكنها ظلت كما أقبلت من ريفها المتبدي، ريفية بدوية، لا تقرأ ولا تكتب كما كنت ~~أقرأ وأكتب، ولا تحسن من أمور الترف شيئا كما كنت أحسن منها أشياء. # وفي ذات يوم التقينا آخر النهار في حجرتنا تلك الحقيرة القذرة، وكنت قد أخذت أكره هذا ~~اللقاء، وأضيق بهذه الحجرة، وأود لو أعفيت من هذا الاختلاف إليها كل أسبوع، ولو استطعت أن ~~ألقى أمي وأختي من حين إلى حين حيث كانتا تعملان، ولكن أمنا كانت صارمة حازمة ملحة في ~~الصرامة والحزم، لا تغير من عادتها شيئا، فكنا نلتقي آخر الأسبوع دائما، وكانتا تضحكان ~~وتنعمان بهذا اللقاء، وكنت أتكلف معهما الضحك وأتكلف ms010 معهما النعيم. # فلما كان ذلك اليوم والتقينا مع المساء، لم أر بشرا ولا ابتساما، ولم أر بهجة ولا ~~اغتباطا، وإنما أحسست صمتا عميقا مريبا، ورأيت وجهين كئيبين مظلمين، وخيل إلي أني ~~أرى دموعا تضطرب في عيني أمنا ولا تستطيع أن تنحدر، وهممت أن أسأل عما أرى، فأعرضت أختي ~~عني إعراضا، وأشارت إلي أمي أن لا تسألي. # وقضينا وقتا طويلا ثقيلا في هذا الهم الممض الذي لم أكن أفهمه ولا أتبين له ~~مصدرا. # ثم انقطع هذا الصمت فجأة بجملة واحدة لم أسمع بعدها شيئا، ولم أصنع بعدها شيئا حتى كان ~~الصباح، صدرت هذه الجملة عن أمنا فوقعت في قلبي موقع الصاعقة، ولقيتها أختي بوجوم غريب، ~~رفعت عينيها إلى السماء، ثم مضت فيما كانت فيه من صمت وحزن وإعراض. # قالت أمنا: إذا كان الغد فسنرتحل عن المدينة المشئومة! # لقد هممت حين سمعت هذه الجملة أن أنكر، وأن أمتنع، وأن أناقش وأجادل، ولكن أمنا قالت هذه ~~الجملة بصوت حزين بعيد محطم، فلم أستطع أن أقول شيئا ولا أن أظهر شيئا إلا الطاعة ~~والإذعان. # وذكرت ما ألم بها من البؤس طول حياتها مع ذلك الزوج الماجن الفاجر، ذكرت ما حرق ~~فؤادها من الغيرة، وما آذى نفسها من الذل، وما روع قلبها من الخوف. # ثم ذكرت ذلك الخطب الذي ألم بها فهدها هدا حين جاءها النبأ بأن زوجها قد صرع، ~~وبأنه قد صرع فيما لا يشرف به صريع. # ثم ذكرت هذه الآلام التي لا حد لها، والتي غمرتها كما يغمر الماء الغريق، حين أنكرتها ~~الأسرة إنكارا، وحين أخرجتها من القرية، ثم نفتها مع ابنتيها من الأرض. # ذكرت هذا فلم أستطع أن أنكر ولا أن أجادل، ولم أزد على أن أظهرت الطاعة والإذعان، والله ~~يعلم أي ليلة قضيت ساهرة حائرة ثائرة، لا أطمئن إلى شيء ولا أسكن إلى رأي، حتى إذا كان ~~الصباح نهضت أمنا فأمرت أن نستعد للرحيل، قلت: أفلا نؤذن سادتنا بهذا الرحيل؟ قالت في صوت ~~هادئ حزين: إن كان يؤذيك فراقهم فأقيمي فسنرحل ms011 نحن، قلت باكية: إن فراقهم ليؤذيني لكني لن ~~أستطيع أن أقيم، وإنما هبطت معكما هذه الأرض، وقد كنت أحب أن أرى خديجة قبل الرحيل. # قالت: فإنك إن رأيتها لم تعودي إلينا، أليس أبوها مأمور المركز؟ أفئن تعلقت بك وكرهت ~~فراقك يخل بينك وبين الرحيل؟ قلت: إذن فلنرحل. # وما هي إلا ساعات حتى كانت أقدامنا قد تجاوزت بنا المدينة، وانتقلت بنا من قرية إلى قرية ~~نحو الغرب، حتى إذا بلغ منا الإعياء أقمنا حيث كنا نستريح وننتظر الصباح. # | الفصل الرابع # وينتهي إلي صوتك أيها الطائر العزيز، وأنا أسبح في نوم غير عميق، وأرى من الأحلام صورا ~~قريبة مألوفة تمثل لي خديجة وهي تلعب وتدعوني إلى أن أشاركها في اللعب، وتمثل لي سيدة ~~البيت وهي تأمر وتنهى، وتصعد وتهبط، وتذهب في تدبير بيتها وتجيء، وتمثل المأمور وقد أقبل مع ~~الظهر فاضطرب لمقدمه البيت، ثم عاد إلى هدوء يوشك أن يكون السكون، ثم فرغ أهل البيت كلهم ~~لهذا الرجل يعنون به ويتوفرون على خدمته، كأنهم لم يخلقوا إلا له، ولم يوقفوا إلا ~~عليه. # وتمثل لي أمورا كثيرا مما كنت أراه في ذلك العهد السعيد القريب، ولكن صوت الطائر ~~العزيز يبلغني فيخرجني من هذا النوم الحلو إلى يقظة مؤلمة لا أكاد أشعر بها حتى أحس غلظ ~~المضجع وخشونة الفراش، وأين يقع هذا الوطاء الخشن من الصوف قد بسط على الأرض الغليظة بسطا، ~~من ذلك الفراش الوثير الموطأ الذي كان يلقى لي غير بعيد من سرير خديجة في تلك الغرفة ~~الجميلة المترفة من بيت المأمور! # لم أكد أحس بخشونة هذا الوطاء، وغلظ هذه الأرض، حتى ذكرت أننا ننام عند مضيفنا العمدة على ~~سطح من سطوح الدار، لا يسترنا سقف وإنما تظللنا السماء، وتكاد تغمرنا ظلمة الليل لولا هذا ~~الشعاع الرقيق الذي كان يترقرق فيها من ضوء القمر، وقد تقدم به الشهر غير قليل. # نعم! وذكرت كيف انتهينا إلى هذه القرية مجهودات مكدودات آخر النهار، نجلس إلى شجرات من ~~التوت ساعة وبعض ساعة نستريح، لا تكاد ms012 واحدة منا تتحدث إلى صاحبتيها بشيء، حتى إذا طال ~~علينا الصمت، وشقت علينا الراحة، وثقل علينا التفكير، قالت أمنا: ما أظن أننا نستطيع أن ~~ننفق الليل جالسات إلى هذا الشجر، وما أرى أننا نستطيع أن نجد من يؤوينا أو يضيفنا في هذه ~~القرية التي لا نعرف من أهلها أحدا ولا يعرفنا من أهلها أحد إلا العمدة، فيجب أن يكون بيته ~~مفتوحا لكل غريب طارق بليل أو نهار، ثم نهضت متثاقلة ونهضنا معها، ومضت متباطئة ومضينا ~~معها، حتى انتهت إلى دار العمدة، لم تسأل عنها ولم تستدل عليها، وإنما مضت إليها كأنما كانت ~~تعرفها من قبل، هنالك رأينا جماعة من الناس قد جلسوا أمام الدار على مصطبة عظيمة، وتوسطهم ~~رجل شيخ لا تكاد العين تقع عليه حتى تثق النفس بأنه عمدة القرية، فلما بلغنا مجلس القوم ~~ولحظتنا أبصارهم، تقدمت أمنا إلى الشيخ الوقور وقالت في صوت هادئ متزن: غريبات قد طرقن ~~القرية في هذه الساعة المتأخرة من النهار فآونا يا عمدة حتى يسفر الصبح. قال الرجل: على ~~الرحب والسعة، ثم دعا فأقبل إليه غلام من داخل الدار، قال: خذ هؤلاء النسوة إلى دار الضيافة ~~ومر بإكرام مثواهن. # ومضى الغلام ونحن نتبعه حتى انتهى بنا إلى دار الضيافة، فإذا بناء متواضع قد انبسط أمامه ~~فناء عظيم، فأدخلنا إلى بعض حجراته وقيل لنا أقمن هنا حتى يأتيكن الطعام. # وما هي إلا ساعة أو بعض ساعة حتى اتصلنا بمن في الدار من أضياف وخدم، قد اختلط بعضهن ببعض ~~فكأنهن جميعا أصحاب البيت، ثم اتصلت الأحاديث واختلطنا بمن وجدنا، فأمسينا وكأننا ~~منهن. # وكان العشاء الغليظ، وكان السمر المضطرب المختلط، ثم كان التفرق إلى المضاجع، فمنا من آثر ~~الهواء الطلق فاتخذ مضجعه على سطح الدار أو في فنائها، ومنا من أشفق من ذلك فأوى إلى ~~الغرفات والحجرات. # وقد رغبت «هنادي» في السطح وشاركتها في هذه الرغبة ومضينا معا ننتظر النوم، وكنت أحدث ~~نفسي بأن هذه الخلوة إلى أختي قد تكشف لي عن بعض ما يخفى علي ms013 من أمر. # ولكني لم أكد أجلس إليها أحاول أن أصل الحديث بينها وبيني حتى لقيتني بذلك الإعراض ~~المثلوج الذي لقيتني به أمس، ثم أشاحت بوجهها ومضت في صمتها، وأقمت أنا إلى جانبها حائرة لا ~~أدري كيف أقول. # ثم استلقيت وأرسلت نفسي في فضاء هذا الليل العريض تلتمس ما يلهيها عن هذه الهموم الغامضة ~~المستغلقة التي لم أكن أعرف منها إلا ثقلها، ولكن هذه النفس لم تكد تمضي في ظلمة الليل حتى ~~أدركها موج من هذا النوم اليسير فأخذت تسبح فيه، ولبثت كذلك حتى أخرجها منه هذا الطائر ~~العزيز. # ذكرت هذا كله حين استيقظت، ومرت بي خواطره مسرعة في حين كنت أحاول أن أتبين أين أنا وكيف ~~انتهيت إلى حيث أنا، وفي حين كنت أفتح عيني وأديرهما من حولي كأنما أريد أن أستكمل شخصي حين ~~أتبين حقيقة المكان الذي أنا فيه، وفي حين كنت أمد ذراعي عن يمين وشمال، وأمد ساقي كأنما ~~أريد أن أستمد لجسمي ما أفقده هذا النوم اليسير من نشاط، وكأنما كنت أمحو عنه ما تركت فيه ~~هذه الأرض الغليظة من ألم. # ثم أستكمل شعوري وأجد نفسي كما كنت قبل أن يغمرني النوم، وأحس كأن شخصا قائما غير ~~بعيد مني، فأتبين هذا الشخص فإذا هي أختي قائمة جامدة لا تكاد تأتي حركة، ولا تكاد تحس ~~شيئا، وكأنها لا تكاد تفكر في شيء. # إنما هو شخص مائل ذاهل قد قام في شيء من الجمود المؤلم، ورفع رأسه إلى السماء كأنه كان ~~ينتظر منها شيئا، وكأنما أبطأ عليه ما كان ينتظر منها فجمد في مكانه لا يستطيع منه ~~انتقالا. # وأنت أيها الطائر العزيز تلقي في الليل العريض المظلم نداءك البعيد العذب، فيصل إلى نفسي ~~فيحييها، ويوقظ فيها الذكرى ويبعث فيها الأمل ويشيع النشاط، وأختي ماثلة ذاهلة كأن صوتك لا ~~يبلغها ولا ينتهي إليها، ومع ذلك فما عهدتها صماء، ولا عهدتها تحسن الحزن أو تجيد الاكتئاب، ~~إنما أعرفها فرحة مرحة، تحب الضحك ولا تحتاج إلى أن تدفع إليه، وإنما تحتاج إلى ms014 أن تدفع ~~عنه، أين هي؟ ما بالها جامدة هامدة لا تسمع ولا تحس؟ لعلها قد أرسلت نفسها كما أرسلت نفسي ~~تسبح في هذا الليل العريض فأبعدت نفسها في المسعى وتركت جسمها ماثلا بلا روح. # نهضت من مكاني في هدوء، وسعيت إليها في أناة، حتى إذا بلغتها مسست كتفها مسا رفيقا، ~~فإذا رعشة عنيفة تجري مسرعة في جسمها كأنها رعشة الكهرباء، وإذا هي تجفل كالخائفة، ثم تأمن ~~وتسكن حين تسمع صوتي وأنا أقول لها: لا تراعي، فأنا أختك آمنة، ما وقوفك الآن على هذا النحو ~~ماثلة ذاهبة النفس، كأنك الصنم؟ ماذا تنتظرين من الليل؟ وماذا تبتغين من السماء؟ قالت وقد ~~هوت إلى الأرض كأنها البناء المتهدم وصوتها مضطرب ممزق، يتمزق له قلبي كلما ذكرته: لا أنتظر ~~شيئا ولا أبتغي شيئا ... # ثم عادت الرعشة السريعة فهزت جسمها هزا، ثم انهمرت دموعها انهمارا، ثم احتبس صوتها ~~فإذا هي تضطرب اضطرابا عنيفا، وتسفح دمعا غزيرا، وترسل أنفاسا عنيفة متقطعة، وأنا أجثو ~~إلى جانبها وأضمها إلي وأقبلها، وأحاول أن أرد إليها الهدوء والأمن وسكون النفس ما وسعني ~~ذلك، حتى إذا مضى وقت غير قصير سكن جسمها بعد اضطراب، وانطلقت أنفاسها بعد احتباس، ومضت ~~دموعها تنهمر، وأوت إلى ذراعي كأنها الطفل قد استسلم إلى أمه الرءوم، واطمأن رأسها إلى ~~كتفي، وقضت كذلك لحظة ما نسيت ولن أنسى عذوبتها، وما أرى إلا أنها أحست هذه العذوبة! فقد ~~ثابت إليها نفسها وراجعها رشدها، ولبثت حيث كانت حتى بعد أن سكنت دموعها، كأنما أعجبها ~~مكانها مني، وكأنما وجدت شيئا طالما كانت تتوق إليه فلا تجده ولا تظفر به، ثم سمعتها تقول ~~بصوت خافت بعيد: لقد كنت أحب أن أكون بهذا المكان من أمي لا منك أنت أيتها الأخت الصغيرة؛ ~~فإنك لم تخلقي لتدللي أختك وتمنحيها مثل هذا العطف والحنان. # يا لك من ليل مظلم عريض تضطرب فيه هذه الأضواء الضئيلة البعيدة التي تفنى، ويبسط عليه هذا ~~السكون المخيف ظلالا لا حد لها، ثم يندفع فيه من حين إلى حين ms015 صوت هذا الطائر العزيز كأنه ~~سهم مضيء ينطلق في بحر من الظلمات! # كل شيء هادئ مطمئن من حولنا حتى نفس هذه الفتاة التي كانت ثائرة منذ لحظة فقد اطمأنت ~~وسكنت، وانتهت إلى حال تشبه النوم، وإني لآخذ نفسي بالهدوء وأكرهها على الاطمئنان، وألزم ~~جسمي السكون في هذا الوضع الذي هو عليه ليبقى هذا الرأس البائس المحزون مستريحا إلى هذه ~~الكتف الصغيرة الحنون. # ولكن الفتاة ترفع رأسها وتستوي جالسة، ثم تبسط ذارعها فتطوق بها عنقي ثم تضمني إليها، ثم ~~تقبلني، ثم تقول: إياك أن تفعلي ما فعلت أو تخدعي كما خدعت أو تدفعي إلى مثل ما دفعت ~~إليه، إنك إن تفعلي تري نفسك في مثل ما تريني فيه الآن من الجزع والهلع، ومن اليأس حتى من ~~رحمة الله، ومن القنوط حتى من روح الله الذي لا يقنط منه إلا الكافرون. # قلت: وماذا فعلت إذن؟ وما هذا الشر الذي دفعت إليه؟ وما هذا اليأس الذي تغرقين فيه؟ وما ~~هذا الهم الثقيل الذي صب علينا صبا ولم نكن ننتظره ولا نتوقع له مقدما؟ قالت وهي ~~تقبلني: لست أدري أأحدثك بذلك أم أكتمك إياه؛ إني لأعتدي على سنك إن تحدثت إليك: وإني ~~لأعرضك لمثل ما أنا فيه إن كتمتك الحديث. # قلت: فإن صمتك لن يغني الآن شيئا؛ فقد عرفت أن هما ثقيلا ألم بنا، وأن حزنا ~~ممضا يمزق قلبك وقلب أمنا، وأن يأسا مهلكا قد استأثر بنفسك استئثارا، وما أنا بمقلعة ~~عن السؤال والبحث والتفكير حتى أعلم علم هذا كله، وإني لحمقاء إن قبلت أن أنزع من ذلك ~~العيش الناعم السعيد الذي كنت أستمتع به دون أن أعلم لماذا أنزع منه نزعا، فحدثيني حديثك، ~~فمن يدري لعل فيه لي عظة ولك عزاء. # | الفصل الخامس # وارتفع الضحى من الغد فإذا ضوءه المتدفق يغمر فتاتين معتنقتين قد أغرقتا في نوم عميق، لا ~~يوقظهما منه حر الشمس المحرقة، ولا مس الأرض الغليظة، ولا اضطراب الدواجن من حولهما وهن ~~يزدحمن على ما ينثر لهن من حب، ويختصمن فيما ms016 يصب لهن في الصحاف من ماء، ويخفقن ~~بأجنحتهن في الهواء مقبلات مدبرات، واقعات طائرات، ينادين ويتناجين ويتناغين، قد ملأهن ~~إشراق الصبح مرحا، فملأن الجو حياة ونشاطا وحبا. # وكأن هذا كله كان يدعوني دعاء ملحا من أعماق النوم الذي كنت مغرقة فيه، ويدنيني قليلا ~~قليلا من اليقظة، وإذا أنا أتلقى الحياة دون أن أتمثل الحياة، وأستقبل النشاط دون أن أشعر ~~بالنشاط؛ ثم أحس كأن شيئا خفيفا رشيقا قد مس كتفي مسا يسيرا، فأنتبه، ولا أكاد أفتح ~~عيني وآتي بعض الحركة حتى أرى حمامة مذعورة قد ارتفعت غير مسرفة في الارتفاع، ولم تكد تطير ~~حتى وقعت في رشاقة وظرف غير بعيد، فأستوي جالسة وألقي نظرة إلى أختي وقد ثاب إلي حديثنا ~~كله مرة واحدة فملأ قلبي إشفاقا وحبا وحزنا، وتقع عيني عليها وقد استراح جسمها المتعب، ~~واستقر قلبها المضطرب، وهدأت نفسها الثائرة، وزالت الراحة عن وجهها ذلك الغشاء المظلم ~~الكئيب، فبدت نضرته حلوة مشرقة شائقة، كأنها نضرة الزهر وقد تفتح لضوء الصبح وقطر الندى، ~~وإذا في هذا الوجه الهادئ النضر جمال للعين، وفتنة للعقل، ومتعة للقلب، وإذا أنا أنظر إليه ~~فلا أكاد أحول عيني عنه، مستريحة معجبة مكبرة، ولكني أسمع من ورائي صوتا خافتا يملؤه ~~الحنان والحزن ويقول كأنه يتحدث إلي: انظري ... انظري ... وأطيلي النظر! ألست ترينها حسناء ~~رائعة الحسن؟ # فألتفت وإذا أمنا جالسة تنظر إلى الوجه الذي أنظر إليه، وما أشك في أن نفسها كانت ~~تستعرض خواطر كالتي تختلف على نفسي، وفي أن قلبها كان يتأثر بعواطف كتلك التي كانت تملأ ~~قلبي، فأسألها: ما جلوسك هنا في هذه الشمس المحرقة؟ فتجيب: لقد كنت أملأ عيني بمنظركما ~~الجميل ... ثم تنهض مولية في شيء من الإسراع وهي تغالب شجى يريد أن ينفجر، وتحرص هي على أن ~~يظل دفينا. # وأقيم أنا في مكاني ذاهلة أو كالذاهلة، أنظر إلى أختي التي لم تستيقظ بعد، وإلى أمي التي ~~تسرع مولية تريد أن تهبط أسفل الدار، وأفكر في هذه الفتاة اليائسة وفي هذه المرأة البائسة، ~~وأسأل نفسي ms017 : أيهما أحق بالعطف وأجدر بالرثاء؟ وأسأل نفسي: أيهما أحق مني بالمعونة والنصر ~~وبالتعزية والتسلية؟ فكلتاهما في حاجة إلى العون، وكلتاهما في حاجة إلى العزاء ... # هذه الفتاة البريئة لم تعرف بؤس النفس قبل الآن، وهي تستقبل الشقاء الآن مظلما قاتما ~~ثقيلا ملحا، لم تدعه ولم تسع إليه، وإنما أكرهت عليه إكراها وأغريت به إغراء، ثم ~~دفعت إليه دفعا، وهي الآن غريق مشرفة على الموت، تريد أن تقاوم وتجاهد الموج ما وسعها ~~الجهاد، لا تجد ما تعتمد عليه أو تتعلق به. # وإنها لفي ذلك إذ ساق القدر إليها من أختها الصغيرة ثمامة تستطيع أن تستمسك بها وتستبقي ~~فضلا من أمل، وحظا من رجاء. # وهذه المرأة التي لم تبلغ الشيخوخة بعد ولكنها قد فرضت على نفسها حياة الشيوخ: حرمان ~~متصل، وانصراف عن كل ما في الحياة من لذة، وإعراض عن كل ما في الحياة من متاع، واكتفاء بما ~~يقيم الأود ولا يدني من الموت، ونظر متصل إلى هذا الماضي القريب الذي يملؤه الحزن ويفعمه ~~الأسى، وتضطرم فيه هذه النيران التي تحرق قلب المرأة حين تحب، فلا يسعفها الحب، ولا تلقى ~~ممن تحب إلا خيانة وخداعا وغدرا. # وإنها لفي ذلك محزونة لأمسها، يائسة من غدها، معرضة عن يومها، وإذا الحياة تتكشف لها عن ~~خطب جديد ثقيل، ليس أقل نكرا ولا أهون أمرا من تلك الخطوب التي بلتها في حياتها الماضية، ~~فهي تنظر وراءها فلا ترى إلا ظلمة، وتنظر أمامها فلا ترى إلا ظلمة، وتنظر عن يمين وشمال فلا ~~تجد عونا ولا نصيرا. # لقد أنكرتها الأسرة وجفاها الأهل ونفتها القرية، وأصبحت وحيدة تعول ابنتين بائستين، وإذا ~~هي تنكب في إحداهما لأمر لا تعلمه وقضاء لم تكن تنتظره، كلتاهما بائسة، وكلتاهما شقية، ~~وكلتاهما خليقة أن تجد من الأخرى ما تحتاج إليه في هذا كله، ولكن هذه النكبة الملمة، ~~والكارثة الملحة قد باعدت بينهما، فالأم محنقة على ابنتها، والفتاة نافرة من أمها، لا يتصل ~~بينهما حديث ولا تثبت عين إحداهما في عين الأخرى، إنما تتفاهمان بالإشارة أو ms018 الجمجمة، فإذا ~~التقت أعينهما فما أسرع الإطراق إلى رأسيهما! ثم ما أسرع ما تدعو حاجة مرتجلة منتحلة ~~إحداهما إلى أن تولي مدبرة لتنأى عن صاحبتها فلا يكون بينهما نظر ولا حديث. # هل أستطيع أن أرد ما بينهما إلى طبيعة الصلة بين الأم البائسة والابنة المحزونة؟ بل هل ~~أستطيع أن أعيد الأمر بيننا إلى شيء مما كان عليه قبل هذه الكارثة من هذه المودة السهلة ~~التي لا تكلف فيها ولا تصنع ولا رياء؟ بل هل أستطيع قبل كل شيء أن أعلم أين نحن وإلى أين ~~نمضي، وماذا تريد بنا أمنا هذه التي تأمر وتنهى في لهجة حازمة صارمة وإيجاز مقتصد لا يقبل ~~حوارا ولا جدالا؟ ذلك أجدر أن أفكر فيه، وأحرى أن أسعى إليه، فلأتبعن أمي إذن ولأتلطفن ~~لها، ولأسألنها في أناة ومودة ورفق حتى أعلم علمها، ثم أنظر بعد ذلك فيما آتي، أو فيما يمكن ~~أن نأتي من الأمر. # كل هذه المعاني تضطرب في نفسي، وعيني لا تكاد تفارق هذا الوجه الهادئ الذي يدل هدوءه على ~~أن أختي ما زالت في تلك الأعماق البعيدة التي كنت فيها منذ حين، لم يبلغها ضوء الشمس ~~وحرها، ولم يؤذها مس الأرض وغلظها، ولم يصل إليها اضطراب الدواجن وما تملأ به الجو من ~~نشاط ومرح وصياح. # فأنهض متثاقلة مترفقة حتى أهبط فناء الدار ألتمس أمنا، وما كان أيسر الوصول إليها! فقد ~~اعتزلت غير بعيد من السلم وجلست منحنية تعبث في الأرض بأصابعها عبثا يدل على شيء من ~~الذهول، كأنما كانت تناجي هما ثقيلا أو تتبع خاطرا بعيدا؛ حتى إذا بلغتها مسست رأسها ~~بيدي وسألتها مداعبة: ما هذه اللعبة التي تلعبين؟ وهلا دعوتني لأكون شريكتك في اللعب؟! فإن ~~مثل هذه اللعبة لا تستقيم إذا انفردت بها لاعبة واحدة ... # قالت وقد رفعت إلي رأسا حزينا: أترينني ألعب يا ابنتي؟ قلت: فما عسى أن تفعلي بهذا ~~التراب الذي تذهب فيه أصابعك وتجيء؟ # ثم أنهضتها فلم تمتنع علي، ومضيت بها إلى ناحية من الفناء لا يكثر فيها اضطراب ms019 الأضياف، ~~ونظرت إليها فإذا هي تنقاد إلي مستسلمة، وإذا حزنها العميق وحنانها القوي قد فاضا على ~~وجهها الشاحب فألقيا عليه مثل وداعة الأطفال. # هنالك أحسست من نفسي قوة، وشعرت كأني أنا الأم «زهرة» وكأنها هي الفتاة «آمنة»، فاتخذت ~~صوتها ولهجتها وألقيت عليها في غير تكلف هذه الأسئلة: ماذا تريدين؟ وماذا تصنعين؟ وأين ~~تذهبين بنا؟ # قالت وقد انحدرت دموعها: لا أصنع شيئا، ولا أدري أين أذهب بكما، وإنما أريد أن أنأى بكما ~~عن هذه المدينة الموبوءة، قلت: ولكن إلى أين؟ قالت: سنرى، قلت: ومتى نرى؟ قالت: لا أدري، ~~قلت: فقد ينبغي أن تدري؛ فما يحسن بثلاث من النساء أن يهمن في الريف على وجوههن، تلفظهن ~~قرية وتتلقاهن قرية أخرى، يؤويهن هذا العمدة وقد يردهن ذاك، قالت: فبماذا تشيرين؟ قلت: ~~أما إذ كرهت المدينة وباعدت بيننا وبين تلك الدور التي كنا نحيا فيها حياة أمن وهدوء ~~... # وهنا أخذتها رعدة قوية وقالت في غضب وحدة: أي أمن وأي هدوء! إنك إذن لم تعلمي، قلت: ~~بل علمت، قالت: وقد اجترأت البائسة على أن تلقي إليك هذا الحديث! ألم يكفها ما اقترفت من ~~الإثم، وما انغمست فيه من الدنس حتى أرادت أن تكوني لها شريكة! قلت في رفق: دعيها وما هي ~~فيه الآن وعودي بنا إلى ما كنا فيه: أما إذ كرهت المدينة وباعدت بيننا وبين ما كنا نستعين ~~به على الحياة من عمل، فإني أرى أن نلتمس العمل في قرية من هذه القرى عند غني من هؤلاء ~~الأغنياء، قالت: لقد فكرت في هذا، ولكني أرى أن ليس إليه من سبيل! فإن المرأة لا تستطيع أن ~~تعيش ولا أن تأمن، ولا أن تستقيم أمورها إذا لم يحمها أب أو أخ أو زوج، قلت: فليس لنا أب ~~ولا أخ ولا زوج! قالت: بل لنا من يحمينا، وقريتنا التي نفينا عنها أحق بنا ونحن أجدر أن ~~نعود إليها، ولئن بلغناها ليعلمن الذين جفونا ونفونا أن من العار أن تنفي الأسر نساءها ~~وكرائمها! فالمرأة عورة يجب أن تستر ms020 ، وحرمة يجب أن ترعى، وعرض يجب أن يصان. # قلت: فأنت تريدين إذن أن تعودي إلى تلك الحياة البائسة التعسة التي كنت تحيينها بين قوم ~~لا ينظرون إليك إلا شزرا، ولا يعطفون عليك إلا كرها، ولا يتحدثون عنك إلا في سخرية، ورحمة ~~شر من السخرية؟! قالت: نعم! فكل هذا أهون مما لقينا، وكل هذا أهون مما يمكن أن نلقى إن ~~مضينا في هذه الحياة الهائمة التي لم نخلق لها ولم تخلق لنا، ولقد انقطعت تلك الأسباب ~~التي كانت تدعو إلى جفاء الأسرة وإعراض ذوي القربى وسخر الأعداء ورثاء الأصدقاء، لقد انقطعت ~~تلك الأسباب وبعد بها العهد، ولئن بلغنا قريتنا ليذكرن الناس بعض أمرنا حينا من الدهر، ~~ثم لا يلبثون أن ينسوه وأن ينسونا، ولا نلبث نحن أن ننغمس في حياتنا الأولى ونعيش بين أهلنا ~~بائسات، ولكن آمنات ... # قلت: وتريدين أن نبلغ هذه القرية ساعيات على أقدامنا، نتنقل من ريف إلى ريف، ونستضيف هذا ~~يوما وذاك ليلة، وقد أعجلتنا بالرحيل عن كل أمرنا، فتركنا متاعنا وما اجتمع لنا عند من كنا ~~نعمل عندهم! قالت: سترين، فلن ينالكما جهد، ولن يمس حياءكما أذى، سنقيم هنا حتى يأتي من ~~يحملنا إلى قريتنا ويبلغنا مأمننا بين الأهل والأصدقاء. # قلت: وكيف يستقيم لنا هذا؟ قالت: علمت منذ أصبحت أن اليوم في القرية سوق يجتمع فيه الناس ~~من أطراف الريف، فلأسعين بين الناس والبائعات، فلن أعدم بينهم رجلا أو امرأة من أهل ~~قريتنا أو من أهل قرية مجاورة، فلأحملنه رسالة إلى أهلنا، ولن يتم الأسبوع حتى يكون أخي ~~هنا قد أقبل يحملنا إلى حيث ينبغي أن نعيش. # وهممت أن أمضي معها في الحديث، ولكن حركة عنيفة قطعت علينا ما كنا فيه، فهؤلاء نسوة قد ~~أقبلن يحملن الجفان والأسفاط ويدعون إلى الطعام. # ويسمع الأضياف دعاءهن، ويرى الأضياف مقدمهن فيستجبن للدعاء ويسرعن إلى الطعام، ولا بد من ~~أن نستجيب كما استجبن، ومن أن نسرع كما أسرعن، لا بد من أن أصعد فأنبه أختي هذه التي لا ~~تريد أن تفيق ms021 من نومها الطويل بعد أن كانت لا تريد أن تخرج من أرقها الطويل. # فأصعد، ولكني لا أكاد أبلغ آخر السلم حتى أراها قائمة ساهمة حيث رأيتها من الليل حين ~~أيقظني طائري العزيز. # | الفصل السادس # وأقبل من في الدار من النساء ومن انضم إليهن من نساء القرية البائسات على الطعام مسرعات ~~يتزاحمن بالمناكب، ويتدافعن بالأيدي، ويتزاجرن باللفظ واللحظ، ويرتفع في أثناء ذلك منهن ~~دعاء لصاحب الدار أن يوثق الله حزامه، ويعلي مقامه، ويصرف عنه الداء، وينصره على ~~الأعداء. # ونحن نسعى وجلات خجلات، يدفعنا الجوع والأدب، ويمسكنا الحياء والاحتشام، حتى إذا استدرات ~~الجماعة حول الجفان قل الكلام، وقرت الأجسام، واضطربت الأيدي وعملت الأفواه. # وأنا أرى هذا كله فيؤذيني منظره ويقع من نفسي موقعا أليما، ما أبعد ما بين هذه الأيدي ~~الغليظة الخشنة قد تقلص جلدها وتقبض، وهي تغوص بما فيها من الخبز غوصا في القصاع فتصيب ~~منها ما تستطيع، وما بين تلك الأيدي الرقيقة الناعمة المترفة التي لم تكن تمتد إلى ~~الأطباق إلا هينة، والتي لم تكن تمس ما في الأطباق إلا بهذه الأدوات التي يعرفها أهل المدن ~~خاصة بل يعرفها المترفون من أهل المدن خاصة! # ما أبعد ما بين هذه الأفواه الفاغرة التي يلقى فيها الطعام إلقاء على عجل فلا يكاد يستقر ~~فيها حتى تزدرده الحلوق! وكأن الطبيعة لم تودع هذه الأفواه حسا تجد به لذة ما تأكل وما ~~تشرب، وإنما اتخذتها طريقا إلى الحلوق ثم إلى الأجواف، وما بين تلك الأفواه الصغيرة ~~الضعيفة التي لم تكن تفتح إلا بمقدار، والتي لا تلتهم ولا تلتقم ولا تنتهي بما فيها إلى ~~حلوق تزدرد، وإنما تطيل المضغ وتستمتع بما يمسها من الألوان، ثم تنتهي به على مهل إلى حلوق ~~تسيغه في أناة ورفق، كأنما الأكل فن من الفنون لا بد فيه من الروية واصطناع المهل ~~والأناة! # ما أبعد ما بين هذه الجماعة التي حشرنا فيها حشرا في فناء هذه الدار، وما بين تلك ~~الأسرة التي كنت أعمل عندها وأجد في خدمتها حين تجلس ms022 إلى المائدة لذة ومتاعا يعدلان بل ~~يربيان على ما كنت أجد من اللذة والمتاع حين أجلس إلى طعامي مع رفاقي من الخدم بعد أن يتفرق ~~سادتنا عن مائدتهم! # أين أجد القدرة على أن أدفع يدي مع هذه الأيادي وأحرك فمي مع هذه الأفواه! إنما أنا جالسة ~~بين هؤلاء النساء أنظر إليهن ضيقة بهن، وأتلهى عن الجوع بهذا الخبز الرقيق المستدير الواسع ~~أحطمه بين يدي وأصيب منه قليلا بين حين وحين، وأمنا تصيب من الطعام في قصد واعتدال، قد ~~حال الحزن والحياء بينها وبين إرضاء حاجتها إلى الغذاء، وأختي واجمة ساهمة كأنها في أرض غير ~~هذه الأرض، وفي حياة غير هذه الحياة. # ثم تفرغ الجفان ويتفرق النساء جماعات، ونهم نحن أن ننتحي ناحية، ولكننا لا نكاد نبلغ من ~~ذلك ما نريد حتى يدركنا نسوة ثلاث يجلسن حيث نجلس ويأبين إلا أن يأخذن معنا في الحديث، تقول ~~إحداهن وكانت امرأة تختصم على وجهها أواخر الشباب وأوائل الشيخوخة، ويحتفظ صوتها كما تحتفظ ~~حركاتها بنشاط فيه عذوبه مغرية وميل إلى الفكاهة ظاهر: ما رأيت كاليوم نسوة يستغنين بالأعين ~~والآذان عن الأيدي والأفواه وعن الألسنة والحلوق والأجواف. # ها أنتن أولاء بيننا منذ أمس، وما سمعنا لكن صوتا ولا عرفنا من أمركن شيئا، وها أنتن ~~أولاء تستدرن معنا حول الطعام فلا تكدن تمددن إليه يدا ولا تكدن تصبن منه حظا، كأنما ~~يغذيكن النظر إلى الطاعمات وهن يلتقمن ويلتهمن ويزدردن، وكأنما يرضي حاجتكن إلى الحديث ~~الاستماع للمتحدثات! ثم أرسلت ضحكة سمعها من غير شك أبعد من في الدار مكانا، وسمعها من غير ~~شك من كان خارج الدار، وانتشر معها في الجو استخفاف واستهتار ودعابة ودعاء إلى المجون، حتى ~~إذا فرغت من ضحكتها وجرت الهواء إلى جوفها جرا هو أشبه بالشهيق المثير قالت: أهذا شأنكن ~~بالقياس إلى كل ما تحتاج إليه النساء من لذة وراحة ورضا؟ إنكن إذن لبائسات. # قالت هذا ثم التفتت إلى أمنا فألقت عليها نظرة قوية تريد أن تثيرها إلى الحديث وتكرهها ~~على الجواب، ولكن ms023 أمنا لم تنطق بحرف ولم تعرف كيف تلقى هذا السيل المنهمر من اللفظ، وإنما ~~انعقد لسانها انعقادا، وظهر على وجهها اضطراب شديد، ولم تثبت عيناها لعيني هذه المرأة ~~الجريئة اللعوب فغضتهما، وأطرقت برأسها إلى الأرض كأنها الطفل الصغير يلح عليه الكبار في ~~السؤال عن بعض أمره فيمنعه الحياء من أن يجيب. # هنالك التفتت هذه المرأة إلي وقالت: هذه أمك صامتة لا تقول، وهذه أختك واجمة لا أمل في ~~أن تفهم ولا في أن تجيب، فتكلمي أنت فإني أرى في عينيك جرأة وعلى وجهك شيئا يشبه القحة، ~~وما أظن أن في عينيك ملحا ...! قولي من أنتن ومن أين تقبلن؟ وما خطبكن؟ وما إعراضكن عن ~~الطعام؟ وما إيثاركن للصمت؟ قلت ولم أستطع أن أدفع الضحك عن نفسي أمام هذا الهجوم المفاجئ ~~الغريب، وأمام إغراق هاتين المرأتين الأخريين في الضحك، وإغراق أمنا في الصمت، وإغراق أختي ~~في الوجوم: وأنت من تكونين ومن أين تقبلين؟ وما أنت وسؤالك إيانا وإلحاحك علينا؟ # قالت مسرعة تتحدث إلى صاحبتيها: ألم أقل لكما إنها «قارحة» ليس في عينيها ملح، وإنها هي ~~التي ستستمع لي وترد علي! ثم التفتت إلي وقالت: تحقيق ... أتسمعين؟ تحقيق ... أنا مكلفة أن ~~أخضعك له، ستعرفين من أنا، وستعلمين أني تعودت التحقيق مع النساء ومع الرجال أحيانا ~~والإلحاح في السؤال على أولئك وهؤلاء ... ثم أرسلت ضحكتها ورجعت شهيقها، وسألتني ملحة: من ~~نكون ومن أين نقبل؟! # وما زالت هذه المرأة تداعبنا وتلاعبنا عنيفة حينا ولينة حينا آخر، جادة حينا وهازلة ~~في أكثر الأحيان، وصاحبتاها تعينانها على بعض ما تريد من ذلك، حتى أنسنا إليهن وتحدثنا معهن ~~شطرا من الضحى، وعرفت من أمرهن ما رغبني في ألا تنقطع الصلة بيني وبينهن ما أقمنا في هذه ~~الدار، وكن جميعا من أهل المدينة التي أقبلنا منها، قد بلغن هذه القرية معا قبل أن نبلغها ~~نحن بساعات، أقبلن راكبات وأقبلنا نحن سعيا على أقدامنا، فأما هذه المحققة التي كانت تسأل ~~وتلح في السؤال، وتمازح وتغلو في المزاح، فكانت امرأة عظيمة ms024 الخطر، عرفت من أمرها فيما بعد ~~ما كنت أجهل، وتبينت أن اسمها كان شائعا ذائعا على جميع الألسنة وفي جميع الأنحاء لا في ~~المدينة وحدها بل في كثير مما يحيط بها من القرى والعزب والضياع. # كان اسمها «زنوبة» وكان تاريخها حافلا بالخطوب والأحداث، كان شبابها مغامرة كله وفتنة ~~لنفسها ولكثير من الناس، كانت تجيد الرقص وتفتن به شباب المدينة، وتفتن هؤلاء الشباب الذين ~~كانوا يفدون على المدينة في فصل الشتاء ليشتغلوا في معمل السكر، وكانت تفيد من فصل الشتاء ~~لهوا كثيرا ومالا كثيرا وصوتا بعيدا، حتى إذا تولى عنها الشباب شيئا وأخذت تدنو من ~~الكهولة قليلا قليلا آثرت ظاهرا من القصد، وتكلفت شيئا من الاعتدال، وأسدلت على مجونها ~~ودعابتها ستارا رقيقا تستطيع بعض الأبصار أن تنفذ إلى ما وراءه فتدل أصحابها على ما ~~يبتغون. # ثم اتصلت بالشرطة ورؤسائها في المدينة، وكانت وسيلتها إلى هذا الاتصال معرفتها للشبان، ~~ومخالطتها للرجال، وانسلالها إلى بعض الدور واستماعها لكثير مما يلقى من الحديث، وعلمها ~~بكثير مما يقع من الحوادث ويلم من الخطوب، فكانت عينا من عيون الشرطة تنفذ إلى كثير ~~جدا مما لا تنفذ إليه عيون الرجال، وكانت تفيد من ذلك مالا، وتكسب من ذلك هيبة، فكان ~~الناس يخافونها، ويتلطفون لها، وكانت الشرطة تستعين بها استعانة خاصة خصبة حين يصرع صريع ~~بالليل، ويبحث المأمور وأعوانه عن القاتل فلا يظفرون به، هنالك كانت تنقل إليهم ما تسمع من ~~الأحاديث في بعض أندية الشباب وفي داخل كثير من البيوت، وحين يعتدي اللصوص على دار من الدور ~~ثم تعمى آثارهم وأخبارهم على الشرطة، وكانت أنفع ما تكون للشرطة وأقدر ما تكون على إعانتها ~~حين يهاجم الطاعون أو الكوليرا أو أي وباء من هذه الأوبئة أهل المدينة وما حولها من القرى، ~~وحين تريد الحكومة أن تستكشف المرضى وتعزلهم في تلك الخيام التي كان يكرهها الناس أشد الكره ~~ويفرون منها أكثر مما يفرون من الموت. # هنالك كنت ترى «زنوبة» حركة متصلة كأنها النحلة، لا تستقر ولا تهدأ ولا تعرف ms025 السكون ~~والاطمئنان، هي في كل شارع وفي كل حارة وفي كل زقاق وفي كل بيت، ونقالة الصحة من ورائها ~~تجوب الشوارع والأزقة والحارات وتختطف المرضى من بيوتهم اختطافا، وفي تلك الأوقات كان ~~الناس يبغضون زنوبة أشد البغض، ولكنهم كانوا يضطرون إلى لقائها واحتمالها، يبسمون لها ~~ويلعنون الوباء لأنه لم يمسسها ولم يحملها على هذه النقالة ولم يضطرها إلى هذه الخيم التي ~~تضطر إليها الناس. # وقد جمعت زنوبة من كل هذه الحرف مقدارا لا بأس به من المال، فلما تقدمت بها السن بعض ~~الشيء أخذت تستثمر ما جمعت وتنميه، وقد سلكت إلى ذلك طريقين: فهي من ناحية مرابية، تقرض ~~الجنية بثلاثة أمثاله منجمة على العام، وتشتري من الأسواق في المدينة والقرى ما تستطيع ~~شراءه من الحب رخيصا ثم تبيعه بين الفقراء والبائسين، تشتط عليهم في الربح لأنها تصبر ~~عليهم في اقتضاء الثمن، وقد زهد الشباب فيها وقل نشاطها إلى اللهو الجريء، فبحثت ثم بحثت ~~ثم اختارت لنفسها رجلا من الخفراء غريبا عن المدينة وفد إليها منذ حين، قوي البنية طويلا ~~ضخما، مخيف الصوت، ولكنه على ذلك ضعيف النفس، سيئ الخلق، مدخول الضمير، فاتخذته زنوبة ~~لنفسها زوجا أو خليلا، وعاشت معه عيشة يقرها القانون وتنكرها الأخلاق والدين، ويمقتها أهل ~~المدينة أشد المقت، وهي حين رأيتها لأول مرة كانت قادمة على القرية التي كنا فيها لتشتري ما ~~تستطيع شراءه من القمح والذرة والفول، ثم لتعود به إلى حيث تمتص به أموال الفقراء ~~والمعدمين. # ولم تكن «خضرة» أقل خطرا من زنوبة ولا أهون شأنا، وإنما كانت مثلها معروفة بعيدة ~~الصيت، يتحدث الناس بها وبأبنائها حين تخرج من المدينة وحين تعود إليها، ويشقى بها الرجال ~~والنساء جميعا، ويسعد بها الرجال والنساء جميعا أيضا. # كانت دلالة، تفد إلى العاصمة من حين إلى حين، فتجلب منها مقدارا غير قليل من هذه ~~العروض الخفية اليسيرة الرخيصة التي هي مع ذلك فتنة للنساء وشقاء ومتعة للرجال، لم يكن في ~~المدينة بيت مترف إلا وبابه مفتوح لخضرة تدخله جهرا وتدخله ms026 سرا أيضا، ونفس سيدة البيت ~~مفتوحة لخضرة أيضا تتلقى أحاديثها وتسمع أنباءها، وقد تفضي إليها بالأحاديث، وقد ~~تحملها الرسائل والأنباء، وكان نشاط خضرة يشتد ويعظم إذا كان الشتاء وجرت في النيل بواخر ~~كوك مصعدة وهابطة؛ فقد كانت خضرة تذهب إلى القاهرة وتعود ومعها ما تشتري من البضائع ~~والعروض، تصطنع هذه البواخر لأن أجور النقل فيها كانت يسيرة للدرجة الثالثة، ولأنها كانت ~~تستطيع أن تستصحب فيها من الحقائب والمتاع ما لم تكن تستطيع أن تستصحبه في القطار. # كانت إذا عادت إلى المدينة تسامع بها الناس، وانتظر النساء مقدمها عليهن وزيارتها لهن، ~~وكانت أسعد السيدات هذه التي تظفر بزيارتها الأولى، تسبق إلى خير ما عندها من ضروب الأقمشة ~~على اختلافها، ومن صنوف الأعطار، ومن هذه الأدوات اليسيرة الهينة التي يحتاج إليها النساء ~~ويتنافسن فيها، ومن أنواع الخرز بنوع خاص، ومن هذه الحلقات الزجاجية المختلفة التي يتخذها ~~النساء حليا لأذرعهن يعالجن لبسها علاجا شديدا دقيقا خطرا وقلما يفرغن من هذا العلاج ~~دون أن تكون إحداهن قد أحدثت في يدها أو في ذراعها جرحا بليغا، وكان الأسبوع الأول لعودة ~~خضرة من القاهرة عيدا متصلا في البيوت للنساء والأطفال جميعا، أولئك يسعدن بما تعرض ~~عليهن من عروض الزينة والمتاع، وهؤلاء يسعدون بما تجلب لهم من الحلوى وجوز الهند، ولا سيما ~~هذه الحلوى التي كانت تجلبها خضرة من القاهرة والتي لم يكن من الممكن ولا من اليسير أن تصنع ~~في المدينة؛ فقد كانت رقيقة لينة لا تشقى بمضغها الأضراس، وتجد فيها الأفواه والحلوق لذة لا ~~مشقة فيها ولا عناء كهذه اللذة التي تجدها فيما يصنع في المدينة من الحلوى السمسمية أو ~~الحمصية الغليظة اليابسة التي يتعاون على إذابتها الريق والأضراس واللسان فلا تبلغ منها ذلك ~~إلا بمشقة وجهد. # وكانت خضرة تحمل إلى الفتيات النواهد فتنة لا تشبهها فتنة بهذه المناديل الملونة التي ~~كانت تجلبها لهن والتي كن يفتنن في إدارتها حول رءوسهن وفي اتخاذها سجوفا فتانة ~~خلابة لشعورهن الثقال، ولا تذكر هذه الضفائر أو هذه الخيوط ms027 التي تنظم فيها قطع دقيقة رقيقة ~~ضيقة من المعدن والتي توصل بالضفائر، وبضفائر الفتيات النواهد خاصة، فيكون لها على ظهورهن ~~منظر حسن، ويكون لها رنين حلو إذا مشين أو أتين بعض الحركات، وكان الرجال يحتملون عودة خضرة ~~من القاهرة باسمين بل مغتبطين أول الأمر، يجدون في ذلك رضا بريئا وتلهية نقية للنساء ~~والفتيات، فإذا مرت أيام وكثر تردد خضرة على البيوت واشتد طمع النساء فيما تعرض عليهن من ~~المتاع، وظهرت رغبة النساء ملحة على وجوههن وفي حديثهن وفي تنكرهن للرجال حين يظهرون تمنعا ~~أو إباء، ضاقوا بخضرة أشد الضيق، وودوا لو تذهب مرة إلى القاهرة فلا تعود. # وكانت خضرة إذا فرغت من إرضاء نساء المدينة على اختلافهن في الطبقة والثراء، تنقلب بما ~~يبقى لها من سقط المتاع بين ما يحيط بالمدينة من قرى الريف، وهي في ذلك اليوم الذي لقيتها ~~فيه كانت تزور القرية ومعها حقيبتان أو ثلاث فيها من هذه الدوائر الزجاجية ومن الخرز ~~والمناديل الملونة ما لم تقبله المدينة وما تتلقاه القرى بلهفة شديدة، وما لعله يورق ليل ~~كثير من الريفيات ويملأ أحلام كثير من عذارى الفلاحين. # ومن الخطأ أن يظن أن «نفيسة» كانت أقل شهرة من صاحبتيها أو أيسر منهن شأنا عند أهل ~~المدينة وعند أهل الريف، كانت متقدمة في السن قد بعد عهدها بالشباب، وتركت الشيخوخة في ~~وجهها وصوتها وجسمها كله آثارا قبيحة منفرة للنفوس، ولكنها على ذلك كانت دخيلة في كل بيت، ~~صديقة لكل امرأة، كانت عرافة تقص ما كان، وتصف ما هو كائن، وتنبئ بما سيكون، وكانت لها ~~صلة قوية بالجن والشياطين، تسعى بالرسائل بينهم وبين النساء وتستخدمهم في كثير مما يشغل ~~حياة المرأة الجاهلة الساذجة التي لا تزال تؤمن بأن سلطان الجن على الناس لا حد له، هذه ~~ضيقة بزوجها لأنه يخونها أو يؤثر عليها ضرتها فهي تستعين بنفيسة لتسلط عليه عفريتا من الجن ~~يصده عن خليلته أو عن زوجته، وهذه تحس من زوجها نشوزا أو إعراضا، فهي تستعين بنفيسة ~~لتتخذ لها من ms028 الطلسمات ما يعطف عليها زوجها ويجعله قعيدة دارها. ولم تكن نفيسة أقل ~~تأثيرا في نفوس الرجال والشبان منها في نفوس النساء والفتيات؛ فقد كانت تحسن استشارة الودع ~~وسؤاله عن الغيب، وقد كانت تحسن استعطاف النساء إذا نفرن أو أعرضن، وقد كانت تحسن تسخير ~~الجن في قضاء ما يلتوي من الحاجات، وكانت نفيسة مشغولة دائما، لا تكاد تستريح من السعي ~~بالرسائل والحاجات بين رجال المدينة ونسائها وبينهم جميعا وبين الجن والشياطين، ولكن ~~شهرتها بذلك قد جاوزت المدينة ووصلت إلى القرى وتسامع بها أهل الريف فأخذوا يسعون إليها، ثم ~~أخذت هي تسعى إليهم وتنتقل بينهم بسحرها وطلسماتها وودعها، وهي حين رأيتها كانت تزور القرية ~~لتحمل إلى أهلها بعض ما يحتاجون إليه من أنباء الغيب. # ولم يكد يتصل الحديث بيننا وبين هؤلاء النسوة حتى كانت نفيسة أسرعهن إلى نفوسنا، وأحرصهن ~~على أن تمتلكنا وتصل بيننا وبين أصدقائها من الجن والعفاريت، لم تجد في ذلك مشقة ولم تتكلف ~~له جهدا، فهذه الفتاة الذاهلة التي لا تكاد ترى ولا تسمع ولا تفهم ولا تجيب خليقة أن تلفت ~~العجوز الساحرة إلى نفسها، وقد فعلت ... فما أكثر ما تلح هذه العجوز في السؤال لتعرف ما ~~بهذه الفتاة! والفتاة لا تجيب، وأمنا أشد منها حرصا على الصمت وإغراقا فيه، والسؤال ~~يتجه إلي دونهما، فأضطر إلى أن أزعم أن بأختي علة قد أعيت الطبيب، وداء لا نعرفه ولا ~~نجد له دواء، وما أيسر ما تفض السرة وينثر منها الودع على الأرض! ثم ما أسرع ما تعمل ~~فيه يد نفيسة جمعا وتفريقا، وضما ونثرا، تلائم بينه وتخالف، وتتخذ منه أشكالا تقرأ ~~فيها من أنباء الماضي والحاضر والمستقبل أعجب العجب. # إني لأراها الآن وقد مضت أعوام طوال منذ ذلك اليوم وهي تنظر في الودع وتطيل النظر، ثم ~~تظهر على وجهها هذه الآيات التي تدل على أنها تحاول أن تفهم شيئا فلا تستطيع، وإني لأسمع ~~صوتها المحطم الذي كان هامسا دائما مهما يرتفع، وإني لأحفظ جملها منذ ذلك اليوم ما نسيتها ~~ولن ms029 أنساها، وكيف أنساها وقد صدقها الزمان؟ نظرت إلى ودعها، ثم أطالت النظر فيه، ثم رفعت ~~عينها إلى أختي فأطالت النظر في وجهها، ثم عادت إلى الودع فأثبتت عينها فيه، ثم رفعت رأسها ~~وهي تقول للفتاة: إن أمرك يا ابنتي لعجيب، إني أراك بين اثنين: أحدهما يحبك وسيؤذيك، ~~والآخر آذاك وسيحبك، وإني لأحاول أن أفهم فلا أستطيع، والرأي لك يا ابنتي أن تستشيري سادتنا ~~من الجن أو سادتنا من الأولياء ... وما أرى أن هذا عليك عسير؛ ففي هذه القرية القريبة منا ~~والتي تستطيعين أن تبلغيها في ساعة وبعض ساعة ما تحبين: فيها مقام سيدنا فلان، وإنه ليأتي ~~بالأعاجيب، وفيها دار فلانة وإن قرينها من الجن ليحدث بالأعاجيب أيضا، ولم تكد نفيسة ~~تنطق بالجملة الأولى من حديثها حتى وثبت أمنا كأنما دفعت إلى الوثوب دفعا آليا، ~~وانطلقت مسرعة فلم نرها إلا بعد وقت طويل. # | الفصل السابع # ها أنت ذا أيها الطائر العزيز تنشر في الجو المظلم الساكن نداءك السريع البعيد كأنه ~~استغاثة المستغيث ... ما خطبك؟ وما أنباؤك؟ وما الذي يغريك بي ويسلطك علي؟! لا أكاد أمضي في ~~النوم حتى تسرع إلي فتوقظني، كأنما أخذت على نفسك أو أخذ غيرك عليك عهدا ألا تخلي ~~بيني وبين النوم، وكأنما كلفت نفسك أو كلفك غيرك أن توقظني إذا تقدم الليل لتظهر لي من ~~الأمر على ما كان خليقا أن يفوتني إن استسلمت للذة الأحلام ...! ابعث نداءك سريعا بعيدا أو ~~لا تبعثه فقد أيقظتني، وما أرى أني سأعود إلى النوم دون أن أشهد شيئا كالذي شهدته أمس حين ~~كانت أختي ماثلة ذاهلة كأنما تنتظر أخبار السماء، إني لأشعر بأني سأراها ماثلة ذاهلة حيث ~~رأيتها أمس، وإني لأتهيأ للنهوض إليها، ولكن نداءك لا ينقطع، إن لك لشأنا ...! # ماذا! إن جو الليل المظلم الساكن المهيب ليس خالصا لك هذه الليلة كما تعود أن يخلص ~~من قبل، ماذا أيقظ الطير؟ فإني لأسمع خفق أجنحتها، وأحس كأنها منتشرة قد خرجت من أوكارها ~~حائرة مضطربة في هذا الجو المخيف، ماذا أيقظ ms030 الكلاب؟ إني لأسمع نباحها قويا متصلا بعيدا ~~فيه إلحاح وترجيع كأنها تدعو من لا يسمعها. # ماذا أيقظ الناس؟ إني لأحس حركة خارج الدار، وإني لأسمعهم يتداعون ويتنادون، وإني لأشعر ~~كأنهم يسرعون إلى غاية لا أعرفها. # ماذا أيقظ من في الدار؟ إن الحركة من حولي لتكثر وتختلط وتشتد، وإني لأشعر بالفزع قد ~~انتشر في الجو كما ينتشر الدخان الكثيف. # وهذا نداؤك أيها الطائر العزيز ما زال متصلا سريعا بعيدا، كأنك لم توكل بإيقاظي وحدي، ~~وإنما وكلت بإيقاظ الناس جميعا والأحياء جميعا، انظر! إن كل شيء قد استيقظ من حولك، ولكن ~~نداءك ما زال متصلا سريعا بعيدا، أتريد أن تتحدث إلى النجوم؟ ولكني أنهض لكل ما أحس حولي ~~من حركة وضجيج وعجيج واضطراب، فأسأل أختي هذه الماثلة الذاهلة: ماذا حدث؟ ولكنها لا تجيب ~~كأنها لم تسمع شيئا، فيأخذني حنق وغيظ، وأهزها هزا عنيفا وأنا أصيح بها: ماذا! ألا ~~تسمعين؟ ألا ترين؟ هنالك تتنبه وتجيبني في شيء من الوجل: ماذا تريدين؟ فأتركها مستيئسة منها ~~وأهبط فناء الدار حيث اجتمع النساء يتساءلن ويتجاوبن، ويشتد بينهن لغط مختلط لا يكاد ~~ينقضي. # هناك أجد أمنا بين هؤلاء النساء، شاهدة كالغائبة، ومستيقظة كالنائمة، تسمع ولا تقول، فإذا ~~سألتها عما حدث أجابتني في صوت هادئ حزين: زعموا أن رجلا قد قتل قريبا من القرية يقال ~~له عبد الجليل، وقد جاء الصريخ إلى العمدة فأيقظ رجاله وهو يستحثهم لالتماس القاتل. # وقضينا بقية الليل ساهرات نتسمع ما يصل إلينا من الأخبار التي إن ابتدأت فلا نهاية لها، ~~وهي أخبار القتل في المدن والقرى وفي الحقول وعلى الطريق العامة، وقد زعم من حدثنا من أهل ~~الدار أن مقتل هذا الرجل الذي صرع الليلة قد كان أمرا محتوما. # لقد كان هذا الرجل شيخ الخفراء في القرية، وكان قويا شديد البأس عظيم السطوة، وقد حمى ~~القرية من اللصوص والمعتدين، وكانت له في القوم آثار لم تنس، فهم يطلبونه بها، وقد اضطربت ~~القرية منذ ليال لأن هذه الرجل أقبل وقد انقضى من الليل أكثره ms031 على بيت من البيوت، فجعل يطرق ~~بابه طرقا عنيفا، ويدعو صاحبه بصوت كأنه الرعد أن أفق أيها المجنون فإن اللصوص قد اقتحموا ~~عليك الدار، فذعر أهل البيت لهذا الطرق وهذا النداء، وأسرع الرجل إلى الباب، فما راعه إلا ~~شيخ الخفراء يبرق ويرعد ويلح في النذير، ثم دخل الدار وطاف بحجراتها وغرفاتها يلتمس اللصوص ~~ولكنه لم يجد أحدا، وقد استيقظ الناس واجتمعوا حوله وحول صاحب الدار، وهو يقسم ويغلظ في ~~القسم لقد رأى اللصوص يقتحمون الدار اقتحاما. # منذ تلك الليلة تحدث أهل القرية بأن شيخ الخفراء قد تعرض للموت، وأنه إنما روع أهل تلك ~~الدار ليلجأ إليهم ويأمن عندهم من طالبيه، ومنذ تلك الليلة استيقن أهل القرية أن قوما قد ~~نذروا دم شيخ الخفراء، وليسوا بمقلعين عنه حتى يقتلوه، وها هم أولاء قد وفوا بالنذر وقتلوا ~~عبد الجليل، وها هو ذا العمدة يفرق رجاله في كل صوب، يأمرهم باقتحام هذه الدار، وبالبحث ~~عن فلان والقبض على فلان والتوثق من فلان، وهذه القرية هائجة مائجة تسأل وتبحث، وتستقصي ~~وترتاع. # وهذه جثة عبد الجليل طريحة غير بعيد من الجسر، قد فارقتها الحياة بعد احتضار طويل ثقيل، ~~وقد قام عندها الرجال يحفظونها في مكانها حتى تأتي الشرطة من المدينة، وحتى يأتي المحققون، ~~وقد أقبلوا جميعا بعد أن ارتفع الضحى، فأقاموا حول الجثة حينا يسألون ويشرح الطبيب، ~~ثم أقبلوا نحو القرية ونساء الدار مشرفات ينظرن إليهم، وهم يسعون إلى بيت العمدة ليشربوا ~~القهوة، ويمضوا في التحقيق، ويصيبوا شيئا من الطعام. # وأنا مشرفة أنظر مع الناظرات، ولكن ماذا؟ إني لأتراجع مسرعة وقد اضطرب قلبي اضطرابا لا ~~يكاد يستقر معه في صدري، وقد تكلفت جهدا عنيفا لأحبس صيحة كادت تنبعث من فمي، وهذه أمي ~~تجرني إليها لا تقول شيئا ولكنها تهبط معي فناء الدار، ثم تهدئني بعض الشيء، ثم تقول لي ~~كالهامسة: إياك أن تظهري أو أن تدعي هذا المكان فإنه والله إن رآك لم ينصرف حتى يستصحبك. ~~ذلك أني كنت قد رأيت المأمور. # لماذا أكذب نفسي ms032 ! لقد هممت غير مرة أن أسعى إليه وأن أسأله عن خديجة، وأن ألح عليه في أن ~~يستصحبني ليردني إلى تلك الحياة الناعمة وليحميني من هذا الظلام الذي كنت أدفع إليه على غير ~~إرادة ولا رأي. # نعم! لقد هممت بهذا كله، ولقد كدت أفعل، ولكني رأيت أمي وما كانت تستصحب من بؤس قديم، ~~ورأيت أختي وما كانت تستقبل من بؤس حديث، فآثرت شقاء هاتين الشقيتين على ما كنت أحب لنفسي ~~من الخير، وبقيت معهما أنتظر ما تضمر لهما الأيام. # | الفصل الثامن # آمنة ... آمنة ... أقبلي، هذا صوت أمنا ينتهي إلي، وقد انتحيت ناحية مع زنوبة وخضرة على ~~السطح، نتحدث ألوانا من الحديث، وأختي جالسة غير بعيد قد شغلت عنا بما يملأ نفسها من هم ~~وحزن، فإذا سمعت الصوت أسرعت إلى أمي في الناحية الأخرى من سطح الدار، فإذا هي قائمة قد ظهر ~~عليها النشاط وانجلت عن وجهها سحابة الحزن التي كانت تغشيه، وهي تبتسم وتشير بيديها ~~وتقول لي: انظري انظري! هذه والله إبل «بني وركان»، فأنظر فأرى أعرابيا كأنه الشيطان وقد ~~أناخ قريبا من الدار جملين عظيمين وأخذ يحط عن أحدهما بعض الأثقال، أمي مستبشرة متهللة ~~تشير وتلح في الإشارة وتقول: ألم تعرفي خالك ناصرا؟ ألم تعرفي هذين الجملين؟ عرفت خالي، ~~فما أكثر ما كنت ألقاه أيام الطفولة والصبا، وما أكثر ما كنت أخافه حين ألقاه، وأكره منه ~~هذا العنف الذي يبتدر كل من اتصل به، وهذه اللهجة القاسية التي يمتاز بها حديثه، وهذا الصوت ~~القاطع الذي يلقي إليك الكلمات في حزم وعزم وشدة لا تقبل مراجعة ولا تسمح بجدال! # نعم عرفت خالي ناصرا، وذكرت أني كثيرا ما كنت أتقيه إذا لقيته، ولا أستجيب لدعائه إذا ~~دعاني إلا كارهة، ولا أطمئن إلى ما كان يظهر لي من مودة وعطف وحنان، ولا أقبل إلا راغمة ما ~~كان يقدم لي أحيانا من البلح والعجوة، يريد أن يتملقني ويترضاني. # نعم! عرفت خالي ناصرا، وذكرت أني كنت سيئة الظن به، شديدة النفور منه، وأني كنت ألوم ms033 ~~نفسي أحيانا على سوء ظني وشدة نفوري، حتى إذا صرع أبونا ورأيت كيف استقبل أمي بأنباء هذا ~~المصرع وكيف قسا عليها وعلينا، ولم يفكر في أنها أيم وفي أننا يتيمتان، وإنما فكر في ~~الأسرة وحديث الناس عنها، وما يجر عليها هذا الخطب من عار ... # ثم لم تكد تمضي أيام حتى أقبل ذات صباح، مظلم الوجه قاسي اللحظ جافي اللفظ، فأقنع أمنا ~~بوجوب الرحيل، وأنبأها بأنه سيعد لهذا الرحيل عدته وسيصحبنا حتى يعبر بنا البحر ويبلغنا ~~مأمنا في قرية من قرى الريف. # ثم جاء هذا اليوم الذي أخرجنا فيه من دارنا، وأبعدنا فيه عن قريتنا ونفانا فيه من ~~أرضنا، وصحبنا إلى قرية من هذه القرى المنتشرة وراء البحر ثم أسلمنا إلى القضاء، وانصرف عنا ~~راجعا إلى حيث ينعم مع الأسرة بالدعة والخفض وبالأمن والهدوء. # منذ ذلك اليوم لم أشك في أن رأيي فيه لم يكن خاطئا، وأن حكمي عليه لم يكن قاسيا، وأن ~~نفوري منه لم يكن إلا صورة صادقة لما ينبغي لهذا الرجل الغليظ في قلب فتاة ضعيفة بريئة ~~وادعة، لم تجن على أحد شرا، ولا تفهم أن يجني عليها أحد شرا، وكانت أمي وأختي تتبعانه ~~ببصرهما محزونتين لفراقه أشد الحزن، وكأنه كان يمثل في نفسيهما صورة الوطن الذي نفينا عنه. ~~أما أنا فكنت أنظر نحو الغرب الذي كان يوجه بصره شطره، ولكني لم أكن أراه لأني لم أكن أحفل ~~به. # إنما كنت أحاول أن تنفذ عيني من هذه المسافة البعيدة والأمد المنفسح إلى هذه القرية ~~المطمئنة التي أخرجت منها إخراجا، لعلي أرى دارنا، ولعلي أرى هذا الفناء المنبسط أمامها، ~~والذي كنت ألعب فيه مع أترابي من الغلمان والصبيان، ولكني لم أكن أرى القرية ولم أكن أرى ~~الدار، وإنما كنت أرى هذه الهضاب المرتفعة في السماء بعض الشيء، وأقدر أن قريتنا تقوم ~~هناك على هضبة من هذه الهضاب، وكنت أرى هذا الخط من الماء يحول بيننا وبين هذا السهل الجميل ~~الذي ينبسط من دون هذه الهضاب، والذي كنت لا أمضي ms034 فيه قليلا حين نفينا من قريتنا إلا أحسست ~~كأني أترك فيه قطعا من نفسي أنثرها في أرضه الخضراء نثرا. # نعم! عرفت خالي ناصرا وهو قائم بإزاء جمليه بعد أن وضع أثقاله كأنه الشيطان، وما تصورته ~~قط إلا شيطانا، ومنذ هذه اللحظة التي رأيته فيها يضع أثقاله وسمعته فيها يسأل عن صاحب ~~الدار، لم أزدد إلا يقينا بأنه شيطان. سأل خالنا عن صاحب الدار، وكان رجال العمدة قد دخلوا ~~عليه فأنبئوه بأن رجلا أعرابيا عليه مظاهر القوة والبأس والوقار والثراء، قد أقبل يسأل ~~عنه، فخف العمدة لاستقبال ضيفه، وما زلت أراه يستقبل الأعرابي باسما وادعا، والأعرابي ~~يحييه في غلظة وجفوة، ثم يقول له متعاليا: إن النبي قبل الهدية يا عمدة، يقول ذلك ويشير ~~إلى أثقاله التي حطها عن جمليه إشارة المكبر لها الدال بها، والعمدة يدعو بعض رجاله ويشير ~~إليهم أن احملوا هذه الأثقال وأريحوا هذين الجملين، ثم يدعو ضيفه الأعرابي، رفيقا به ~~شاكرا له، إلى الراحة والدخول معه إلى الدار. # وقد اطمأنت الدار بالأعرابي، ولقي من كرم مضيفه وبشاشته ما أرضاه، فلما مضت ساعة أو ساعات ~~والناس مجتمعون حول عمدتهم يخوضون فيما تعودوا أن يخوضوا فيه من الحديث، قال فجأة: إن لنا ~~عندك ودائع يا عمدة، فاردد علينا ودائعنا! فالله يأمر أن تؤدى الأمانات إلى أهلها، قال ~~العمدة: ودائعك محفوظة لك، مردودة عليك يا شيخ العرب، فما ذاك؟ قال الأعرابي: امرأة أقبلت ~~منذ أيام ومعها فتاتان، سألتك الضيافة فآويتها وآويت ابنتيها وأحسنت لقاءهن وأكرمت مثواهن، ~~ونحن أعرف الناس بحق الكرام. قال العمدة: وما أنت وهذه المرأة وابنتاها؟ قال الأعرابي: هي ~~أختي. قال العمدة: فقد نزلن على الرحب والسعة، وما فعلت إلا ما كان يجب علي، وما نفع هذه ~~الدور إذا لم تفتح لإيواء الغرباء! ولكن ودائعك يا شيخ العرب لن ترد عليك حتى تقيم بيننا ~~حينا فتسمع منا ونسمع منك؛ فإن حديث الأعراب يلذنا ويرضينا، وقد بعد عهدنا به منذ رحل ~~عنا سعيد وأصحابه، وكانوا قد خيموا في ظاهر القرية ms035 أشهرا، ثم ارتحلوا لا عن قلى ولكن عن ~~رغبة في الرحيل. واتصل الحديث بين العمدة وأصحابه وبين هذا الأعرابي حتى انقضت ساعات ~~السمر. # | الفصل التاسع # أما أنا فلم أطعم النوم في هذا الليل الطويل الثقيل؛ لأن أختي لم تطعم فيه النوم، ولم ~~يحتج طائري العزيز إلى أن يوقظني بندائه السريع البعيد، ولم أسمع منه هذا النداء كأنه عرف ~~أني ساهرة مؤرقة فلم يحتج إلى تنبيهي، فانطلق في الجو الفسيح ينبه غيري من الذين لم تؤرقهم ~~الهموم والأحزان. # عدت إلى أختي كئيبة ضيقة الصدر متكلفة مع ذلك أن أخفي ما أجد من الكآبة وضيق الصدر، ~~فأنبأتها بمقدم خالنا وبأننا مرتحلات في أكبر الظن إذا أسفر الصبح، وجعلت أزين لها الرحيل ~~وركوب الإبل واجتياز القرى والنظر إلى هذه الحقول المنبثة بيننا وبين البحر، والنظر إلى هذا ~~الخط من الماء الذي يفصل بيننا وبين بلادنا في الغرب، ننظر إليه مقبلات عليه بعد أن نظرنا ~~إليه مدبرات عنه، ثم نعبر هذا البحر ونمشي على هذا السهل الجميل النضر الذي تلتقي فيه أرض ~~الصحراء المجدبة وأرض الريف المخصبة؛ ثم نصعد تصعيدا هينا كأنما نرقى في الدرج إلى هذه ~~الهضبة الجميلة التي تقوم من ورائها قريتنا وادعة هادئة كأنها تحتمي بها من كل طارق يأتيها ~~من الشرق. أنا أزين لها هذا كله بلساني، وأتكلف لها مظهر المرتاحة له المغتبطة به المقبلة ~~عليه في سرور ولذة وشوق، والله يعلم إن كنت لمحزونة أشد الحزن مبتئسة أشد الابتئاس، ~~تنازعني نفسي إلى ما وراءنا نحو الشرق من هذه المدينة الكبيرة التي ترامت أطرافها، وامتدت ~~على ضفة النيل هادئة وادعة ناعمة بما فيها من حضارة وترف وثراء، والله يعلم أني لم أكن ~~مقبلة على هذا الغرب الذي سأدفع إليه إذا أسفر الصبح إلا برغمي وعلى أشد الكره مني، ما كنت ~~أحفل بالحقول المنبثة، ولا أجد شوقا إلى هذا الخط من الماء، ولا أجد كلفا بهذا السهل ~~الجميل النضر، ولا أجد رغبة في التصعيد الهين إلى هذه الهضبة المهيبة، ولا أجد ms036 حنينا إلى ~~هذه القرية الوادعة التي درجت فيها. إن هناك لحقولا أخرى منبثة نحو الشرق تنحدر إلى ~~المدينة في دعة وفتور وتكسر جميل، وإن هناك لخطا عريضا من الماء أشد روعة وجمالا وإثارة ~~للسحر في القلوب من هذا الخط الضئيل النحيل يسمونه بحرا وما هو بالبحر، وإنما هي قناة لا ~~يصح أن تذكر مع النيل، وإن هناك لدورا شاهقة واسعة مترفة تحيط بها الحدائق البديعة، وتلذ ~~الإقامة فيها والحياة بين غرفاتها وحجراتها واللهو بين ما يحيط بها من الأشجار والأزهار، ~~وإن هناك لفتاة جميلة وسيمة رقيقة هي التي أحن إلى لقائها وأتحرق على تجديد العهد بها. ~~وماذا أصنع في تلك القرية، وأي حياة تهيأ لي فيها! كلها شظف وخشونة، وكلها جهل وغفلة، ~~وكلها رجوع إلى ذلك الطور الأبله الذي جعلت أخرج منه قليلا قليلا حتى امتزت من أمي وأختي ~~أشعر بأني أحسن منهما فهما للحياة، وأصدق منهما حكما على الأشياء، وأشد منهما صبرا على ~~الخطوب، وأمهر منهما في التخلص من الشدائد والكارثات. ألست أدنى منهما إلى الطفولة، وأجدر ~~منهما أن أكون غرة غافلة؟ ومع ذلك فإني أنظر إليهما كما تنظر الأم إلى صبيتين ضعيفتين ~~تحتاجان إلى الحماية والحب وإلى العطف والعون! # كذلك كنت متناقضة أشد التناقض، مختلفة أشد الاختلاف، أزين لأختي ما أبغضه أشد البغض، ~~وأمني نفسي بما ليس إليه من سبيل، وكثيرا ما خطر لي خاطر فلم أقف عنده لأنه كان يظهر لي ~~سخيفا مستحيلا؛ كثيرا ما خطر لي أن أتغفل من حولي إذا تقدم الليل، وأن أنسل من الدار ~~وأن أهيم على وجهي نحو الشرق منسابة بين المزارع والحقول والقرى كما تنساب الحية الدقيقة، ~~حتى أبلغ المدينة مع الصبح أو مع الضحى، وإذا أنا حيث أحب أن أكون. # لم أقف عند هذا الخاطر الذي كان يمر بنفسي من حين إلى حين مرا سريعا فينفذ منها كما ~~ينفذ السهم من الهدف؛ لأن الاستجابة له لم تكن ميسورة، وكيف الانسلال من الدار والأحراس ~~عليها قيام! وكيف الانسياب في الريف؟! وماذا ms037 تصنع فتاة وحيدة في ضوء النهار فضلا عن ظلمة ~~الليل! وكيف لي بترك هاتين البائستين تحملان وحدهما ثقل الأحداث والخطوب؟ # أقيمي، أقيمي يا آمنة! وانسي نفسك ولذتك وراحتك، وانظري إلى هذه الفتاة الجالسة أمامك، إن ~~ذهولها ليمزق القلب، وإن شحوب وجهها ليذيب النفس، وإن هذه الدموع التي أخذت تنحدر من عينيها ~~في سكون وصمت لخليقة أن تصرفك عن كل تفكير إلا فيها، وعن كل عناية إلا بها، ألحي ألحي ~~يا آمنة في تزيين الرحيل، وفي التحدث عما سنجد في القرية من أمن، وبما سنستقبل فيها من هدوء ~~واستمتاع بالحياة الراضية، لا نخدم أحدا وقد يخدمنا الناس. # ولكن أختي لا تسمع لي أو هي تسمع ولا تفهم عني، هي مثلي لا تحب الرحيل ولا تحن إلى الغرب، ~~وإنما تحن إلى هذا الشرق الذي تركت قلبها فيه: هنالك في ذلك البيت الجميل الذي تحيط به هذه ~~الحديقة الواسعة ويقوم عليه ذلك العامل من أهل الريف، ويعيش فيه ذلك الشاب المترف الذي ~~يسمونه الباشمهندس. # في هذا البيت تركت أختي قلبها، وهي من أجل ذلك ذاهلة ذهولا متصلا، وهي من أجل ذلك عاجزة ~~عن أن تسمع لنا أو تفهم عنا أو ترد علينا جواب ما نلقي عليها من سؤال، كنت أحسبها محزونة ~~لما تورطت فيه من خطيئة، وما أشك في أنها أحست هذا الحزن، وما أشك في أن الندم قد عذبها ~~تعذيبا، لكني بعد أن أنفقت معها ليلة كاملة وتبينت من أمرها ما تبينت استقبلت الصبح ونفسي ~~تذوب أسى وحسرة على هذه الفتاة التي تنظر وراءها فترى حبا مضيعا، وتنظر أمامها فترى ~~خوفا مروعا، وتود لو استطاعت أن تعود أدراجها إلى حيث الحب وما يمكن أن يستتبع من نعيم أو ~~بؤس، ومن سعادة أو شقاء، ولكنها تدفع إلى أمام، تدفع إلى حيث الخوف والروع، وإلى حيث اليأس ~~والقنوط، تدفع فتندفع، لا تستطيع أن تقاوم ولا أن تظهر شيئا ينم عن مقاومة أو ممانعة، يا ~~لها من قوة هائلة تسيطر على النفوس فتمحو حظها من ms038 الشخصية والإرادة محوا، هذه القوة التي ~~يسمونها الحياء ورعاية العرف وما له من حرمات! # أنا أكذب على أختي فأزين لها ما أكره، وهي لا تكذب على أحد ولا تحفل بما تسمع ولا تكذب ~~على نفسها، وإنما أسلمت نفسها للقضاء واستيقنت أن خير ما في حياتها قد انقضى منذ أمرت أمنا ~~بترك المدينة، فلم نخالف من أمرها وإنما استجبنا طائعتين، ولكن مم كانت تخاف؟ وما هذا ~~الروع الذي كانت آياته تبدو على وجهها بين حين وحين، والذي كان يبعث في جسمها من وقت إلى ~~وقت رعدة قوية توشك أن تدفعها إلى الوثوب؟ إن في هذا الغرب الذي ندفع إليه خمودا وخمولا ~~ويأسا وقنوطا، وكل هذا يسوء، وكل هذا يملأ القلب حزنا وأسى! ولكنه لا يروع، ولا يبعث في ~~النفوس هذا الجزع، ولا يثير في الأجسام هذه الرعدة العنيفة المخيفة. كلا! لم تكن مخطئة ولا ~~غالية حين كان الروع يملأ نفسها، فقد كانت تعلم ما لا أعلم، وكانت تقدر ما لا أقدر، ~~وكانت تمر أمامها صور حزينة شاحبة، ممتقعة مذعورة باعثة للذعر، صور فتيات ثلاث لم أسمع بهن ~~قبل هذه الليلة، ولكنهن كن حديث المدينة منذ عام وبعض عام، خرجن من المدينة كما خرجنا نحن، ~~أو أخرجن منها كما أخرجنا نحن، ثم لم يعدن إليها ولم تعد إليها أسرهن، وإنما عادت إليها ~~أحاديثهن، كلها خوف وروع، وكلها يأس وقنوط، وكلها جزع وفزع، وكلها يلونها الدم وقد يساقط ~~منها قطرات. # ما أنت وهذه الخواطر الدامية أيتها الفتاة التعسة؟! إنما ترحلين بين أمك وأختك وخالك إلى ~~قريتك التي ولدت فيها لتعيشي بين قوم أحبوك وأحببتهم، وما زالوا يحبونك ولقد كنت تحبينهم ~~منذ حين، أتذكرين! لقد كنت أكثرنا حديثا عنهم وحنينا إليهم في المدينة كلما التقينا، ما ~~بالك تخافين منهم وتشفقين من لقائهم وإنك لواجدة عندهم من الحماية والأمن ما لا سبيل إليه ~~في حياة الغربة والعمل في هذه البيوت التي لا يعطفها علينا حب ولا ود؟! ولكنها لا تسمع لي ~~أو لا تفهم عني ms039 ، وإنما هي مشغولة بما تركت من حب وبما تستقبل من روع، تمر أمامها صور ذلك ~~الشاب الجميل المترف الذي أحبته، وتمر أمامها صور هؤلاء الفتيات خائفة مخيفة مروعة مثيرة ~~للروع، أما هذه التي تسمى أمينة فقد احتز رأسها احتزازا، وأما هذه التي تسمى مارتا فقد شق ~~صدرها شقا، وأما هذه التي تسمى ملزمة فقد يقال إنها دفنت حية ولقيت حتفها مختنقة في ~~التراب. ما الذي ينتظرني من ألوان الموت هذه؟! وأنا أرد عنها هذه الخواطر جاهدة، أتلطف ~~حينا حتى أقبلها وأداعبها، ثم أشتد في التلطف بها حتى أستعطفها بما أسفح من دموع، ثم ~~أعنف وأغلو في العنف وأنذرها بأني سأقص خوفها كله على أمنا وخالنا، وسأستوثق لها منهما أو ~~سأمتنع عليهما فلا أتبعهما ولا أدعها تتبعهما، وسأستجير لنفسي ولها منهما بهذا الرجل الكريم ~~الذي نحن ضيف عنده، ولكنها إذا سمعت مني ذلك ثابت إلى نفسها وردتني إلى الأناة والمهل، ~~وأظهرت التجلد والصبر، وتكلفت ثقة لا تلبث أن تضطرب واطمئنانا لا يلبث أن يزول. # يا لك من ليل طويل بغيض، لم نعرف فيه راحة ولا أمنا ولا هدوءا، وإنما كنا فيه نهب الندم ~~المضني على ما فات، والخوف المهلك مما هو آت، والضيق الشديد بما نحن فيه، والليل يطول ~~ويطول، كأنه يحمل أثقالا لا قبل له بها ولا قدرة له على المسير معها، فهو يزحف زحفا ~~بطيئا أشد البطء، والهم يغشي نفوسنا تغشية، وهذه الخواطر المنكرة تدور في رءوسنا دورانا ~~متصلا يكاد يفنيها، ولكن ما هذا الصوت الذي يشق هذا السكون الذي نحن فيه شقا ويردنا إلى ~~أنفسنا فزعتين جزعتين كأنه أخرجنا من نوم عميق؟ إنه صياح الديك يودع الليل ويؤذن بمقدم ~~الصبح، بماذا تصيح أيها الديك؟ وبماذا تريد أن تنبئنا أو تتنبأ لنا؟ قالت أختي: أتذكرين ~~صاحبة الودع؟ إنها رأتني بين رجلين أحدهما آذاني وسيحبني والآخر أحبني وسيؤذيني، ألم تفهمي ~~عنها شيئا؟ قلت: وماذا تريدين أن أفهم عن هذه العجوز الحمقاء ومن هذا السخف الذي تردده في ~~كل مكان وتقدمه ms040 إلى الناس جميعا؟ كل رجل عندها بين امرأتين أو بين نساء، وكل امرأة عندها ~~بين رجلين أو بين رجال. قالت أختي: فإني أرى هذين الرجلين رأي العين وأعرفهما كما أعرفك، ~~وسترينهما وستعرفينهما، وستبغضين أحدهما أشد البغض وستحبين الآخر حبا كثيرا! # وهذا الهواء يضطرب ويضطرب معه صوت المؤذن يدعو إلى الصلاة، والناس يستيقظون ويخرجون من ~~منازلهم أفرادا بين ذاهب إلى المسجد وذاهب إلى الحقل، ونحن نستقبل هذا الصبح الشاحب بنفوس ~~شاحبة وقلوب واجفة ووجوه حائلة، لو استطعنا لأحجمناه، ولكننا ندعى إلى الإقدام ولا نستطيع ~~امتناعا على هذا الدعاء. # هذان الجملان قد هيئا للرحيل، وهذا خالنا قد قام عندهما كأنه الشيطان، وهذه أمنا تدعونا ~~إلى الخروج في رفق، وها نحن أولاء نودع من عرفنا من أهل الدار، ثم تمضي ساعة وساعة وإذا ضوء ~~الضحى يغمرنا في هذا السهل الريفي الجميل الذي تمتد فيه عن يمين وشمال هذه الحقول النضرة ~~ترتاح إليها النفوس والأبصار، ولكن هناك نفوسا لا ترتاح وإنما هي مضطربة دائما، وأبصارا ~~لا تستقر وإنما هي زائغة دائما ... إلى أين يمضي بنا هذان الجملان؟! # | الفصل العاشر # إنما يمضيان بنا إلى حيث الأمن والدعة، وإلى حيث العز والمنعة، وإلى حيث نقضي حياتنا كما ~~تعود أمثالنا من فتيات القرية أن يقضين حياتهن هادئات ناعمات، حتى إذا تقدمت بهن السن ~~وأدركتهن ميعة الشباب ونضرته سعى إليهن الأزواج من شباب القرية أو من شباب القرى المجاورة، ~~فأصبحت كل واحدة منهن سيدة في البيت أو سيدة في الخيام، واستقبلت حياة الجد والعمل والكد، ~~وفيها الأبناء والبنات وما يستتبعون من بهجة وقرة عين، ومن شقاء وحزن وأمل وإشفاق، انظري يا ~~ابنتي الكبيرة إلى كل هذا النور الذي يصبه الضحى علينا صبا والذي يغمرنا، والذي نمضي فيه ~~كأنما نخوض لجة البحر. انظري إلى هذا النور الذي يغمرنا ويغمر السهل من حولنا؛ وانظري إلى ~~هذه الحقول تنبسط عن يمين وشمال لا تكاد تنتهي؛ وانظري إلى هؤلاء الرجال والنساء وإلى هؤلاء ~~الفتيان والفتيات وقد ملأهم النشاط، وبعث فيهم الجد حياة ms041 لا حد لها، فهم يذهبون ويجيئون ~~وهم يعملون لا يعرفون كلالا ولا سأما، وأصواتهم ترتفع لا بالشكوى ولا بالأنين وإنما ترتفع ~~بهذا الغناء الساذج الحلو الذي يبعث في هذا الجو نغمات ساذجة حلوة، والذي يصور الأمل في غير ~~إسراف، والرضا في غير استكانة، والاطمئنان في غير حزن، وحب العمل على كل حال، والثقة بالله ~~على كل حال أيضا. # انظري يا ابنتي واسمعي، ثم سلي نفسك: أتجدين فيما ترين أو فيما تسمعين ما يثير خوفا أو ~~يبعث روعا أو يدفع إلى يأس؟ كل شيء آمن وكل شيء يدعو إلى الأمن، كل شيء هادئ وكل شيء يدعو ~~إلى الهدوء، إن ظلمة الليل لمنكرة وإنها لتحب الخوف وتثيره، وإنها لتبعث الأشباح من ~~مكامنها، وإنها لتغري القلق بالنفوس وتسلط الهم على القلوب ... لقد كنت يا ابنتي تثيرين في ~~نفسي مثل ما كان يثور في نفسك من الخوف حين كنت تتحدثين إلي وظلمة الليل تغمرنا من كل ~~مكان، فأما الآن وقد انجلت هذه الظلمة وأصبحت لا أمد عيني إلا رأيت، ولا أمد أذني إلا سمعت، ~~فإني لأضحك منك ومن تلك الهواجس التي كانت تروعك، ومن تلك الأشباح الحمراء التي كانت تتراءى ~~لك وتمثل أمامك، وإني لأضحك من نفسي ومن انقيادها لك بعض الشيء وتأثرها بك إلى حد ما، انظري ~~واجتهدي في أن تستحضري الأشباح الحمراء، إنها لا تستطيع أن تظهر ولا تجرؤ على أن تتراءى ~~فضلا عن أن تمثل أمامك أو أن تسايرك. إن الأشباح لا تحب النور ولا تستطيع أن تظهر في وضح ~~النهار، إنما الأشباح والخوف والفزع واليأس بنات الليل، تطمئن إليه ويطمئن إليها، تستظل به ~~ويبسط عليها ظله المظلم الساكن المخيف؛ فإذا ابتسم الصبح وأشرق الضحى واستيقظت الحياة ذابت ~~كل هذه المروعات، وانجابت مع الظلام، فلم يبق لها أثر في نفس ولا سلطان على قلب. انظري إلى ~~هذه الضحى المشرق، وأفيضي بعض إشراقه على نفسك، انظري إلى هذه الحياة التي يملؤها النشاط ~~فأفيضي منها على قلبك، ألست تحسين الحاجة إلى أن ترفعي ms042 صوتك بالغناء، كما يتغنى هؤلاء ~~الشباب عن يمين وشمال؟! ثم انظري إلى أمنا وخالنا، إن جملهما ليسعى بهما مرحا شديد النشاط، ~~وإنهما ليتحدثان في هدوء وأمن واستبشار وشيء من الحنان كأنما يذكران أيام صباهما وشبابهما، ~~وكأنما يودان لو رجعت بهما الأيام إلى مثل هذه السن التي نحن فيها. أترين عليهما مظهرا من ~~مظاهر الريبة أو آية من آيات المكر، أو دليلا من دلائل الكيد؟ كلا، إنهما ليمتزجان بما ~~حولهما فإذا هما حياة وأمن وأمل، فلنكن مثلهما حياة وأمنا وأملا. # ويسلك حديثي هذا سبيله إلى قلب أختي كما يسلك النور والحياة سبيلهما إلى نفسها، وإذا هي ~~تطمئن بعض الشيء، لا تبسم للحياة ولكنها لا تسرف في العبوس، إنما هي كآبة ملحة تغشى نفسها ~~ولكنها كآبة هادئة لا تثير روعا ولا جزعا ولا يأسا، والطريق تمضي بنا مستقيمة جميلة ~~يحببها إلى النفوس هذا النور القوي الذي يزداد قوة وصراحة وإلحاحا كلما تقدم النهار، وهذه ~~الحقول الخصبة يملؤها هذا النشاط الخصب وهذا الغناء الحلو يرتفع في الجو، ويمتزج بما يملؤه ~~من الضياء والهواء، ونحن لا نجوز قرية إلا دفعنا إلى قرية أخرى، حتى إذا تقدم النهار وكدنا ~~نبلغ العصر، وكنا قد انتهينا إلى بعض القرى، قال خالنا: لقد آن لنا أن نستريح ساعات، ولست ~~أرى بأسا بأن نستأنف السفر إذا أقبل الليل، فقد أشرفنا على بلادنا وما أرى أن الليل سينتصف ~~حتى نكون قد بلغنا البحر عند بني فلان فإذا أسفر الصبح عبرنا إلى أرضنا ولا يرتفع الضحى حتى ~~نكون قد انتهينا إلى بني وركان. # ثم يعرج بنا على القرية وينيخ بنا عند دار العمدة وننزل من هذه الدار أحسن منزل، وإني ~~لشديدة الرغبة في أن أنفق الليل حيث أنا، وإن أختي لتشاركني في هذه الرغبة، ولكن خالنا قد ~~أزمع المسير مع الليل ولم تراجعه أمنا ولم تمتنع عليه، ولم يستطع مضيفنا أن يثنيه عما ~~اعتزم؟ # وبينما كنا نحن نأخذ حظنا من الراحة بعد أن أصبنا مما قدم إلينا من طعام كان خالنا ms043 قد ~~خرج من القرية يريد فيما زعم أن يلم ببعض من كان يعرف في قرية مجاورة، فيغيب عنا ساعة وساعة ~~وساعة، ويقبل الليل ويبسط ظلمته بسطا، ونكاد نستيئس من استئناف السفر ونكاد نطمئن إلى ~~البقاء حتى يسفر الصبح. # ولكن هذا خالنا قد أقبل، وهذا صوته الغليظ القاطع يرتفع بالنداء إلى الرحيل، وها نحن ~~أولاء نستجيب لندائه، وهؤلاء أهل الدار ينكرون عليه هذا السفر حين يقيم الناس وهذا الاضطراب ~~حين يسكن الناس، ولكن خالنا إذا عزم أمضى. وما هي إلا ساعة أو نحو ساعة حتى كان الجملان قد ~~دفعا بنا دفعا إلى الطريق العامة وقد أسدل الليل أستاره من حولنا إسدالا، وقد نامت الحياة ~~وخلت الحقول وسكن كل شيء وانقطعت الأصوات، إلا هذه التي تأتينا من بعيد بين حين وحين ~~فتنبهنا، فإذا هي أصوات الكلاب تنبح في القرى البعيدة، وإلا هذه الأصوات اليسيرة الخفيفة ~~المختلفة المتصلة التي تحيط بنا وتمتزج بسكون الليل امتزاجا فتحدث شيئا من الموسيقى ~~الرائعة المروعة معا، وهي أصوات الحشرات والضفادع المنبثة في الحقول وعلى شواطئ ~~الأقنية. # وربما وصل إلينا من حين إلى حين صوت بعيد يأتينا من يمين أو من شمال فننكره ونرتاع له وهو ~~نداء بعض الطير ولعله نداء البوم، وربما ارتفع صوت خالنا ببعض غناء البدو فرجع ترجيعا ~~جميلا مخيفا معا، ولكنه لا يتصل إلا قليلا ثم ينقطع، ويمضي خالنا في حديثه مع أمنا، أو ~~يغرق خالنا وتغرق أمنا في الصمت العميق، وأنا وأختي نسمع لهذا كله ونتحدث في شيء من الهمس ~~الخائف الوجل كأنما نفر من شيء نخافه أو نقدم على شيء نخشاه، ومن يدري، لعلنا كنا ننتظر ~~ظهور الأشباح الحمراء، ونشفق من أن تتراءى لنا وتمثل أمامنا وتكرهنا على أن نتحدث إليها أو ~~نتحدث عنها؛ والجملان يسعيان بنا سعيا فيه إسراع ولكنه إسراع لا يكاد يحس، وكأنهما مثلنا ~~يفران من بعض ما يكرهان فهما يجدان في السعي! وسكون الليل يثقل شيئا فشيئا، وظلمة ~~الليل تزداد كثافة من حين إلى حين، ونفوسنا تريد أن ms044 تهيم في هذا السكون وتختلط بهذه الظلمة ~~وتود لو احتواها النوم، ولكن أنى لها أن تهيم في سكون الليل وهي مضطربة، وأنى لها أن ~~تختلط بظلمة الليل وفي جنباتها هذه الأنوار الضئيلة الشاحبة أنوار التفكير في غد والتذكر ~~لأمس، والرؤية فيما نحن فيه؟! وأنى لها أن تنام وهذه بنات الليل قد أخذت تظهر شيئا ~~فشيئا وتدنو منا قليلا قليلا، وتثير فينا هذا الإشفاق البغيض الذي لا يستطيع أن يكون ~~أمنا ولا يبلغ أن يكون خوفا صريحا، وإنما هو قلق خفي ماكر يفسد من حوله كل شيء؟! ونحن ~~نريد أن نقاوم بنات الليل هذه فنغمض أبصارنا حتى لا نراها ونسد آذاننا حتى لا نحس قربها ~~منا! والجملان يسعيان في جد ونشاط لا يكاد يأخذ منهما الفتور، ثم يرتفع صوت خالنا غليظا ~~مخيفا، كله شر وكله نكر وكله نذير: هنا يجب أن ننزل، وما هي إلا أن يناخ الجملان ولم ~~تستطع واحدة منا أن تقول حرفا أو أن تنطق بكلمة أو أن تفكر في شيء، وإنما هو ذهول غريب ~~كثيف قد أطبق علينا وملأ نفوسنا كما أطبقت علينا وملأت نفوسنا ظلمة الليل. وهذا خالنا قائم ~~كالشيطان، وهو يأمرنا في غلظة وعنف أن ننزل فلن يمضي الجملان أمامها قيد أصبع. # وها نحن أولاء ننزل مضطربات، ونسعى متعثرات، وهذه أمنا تريد أن تسأل فيم إناخة الجملين، ~~وفيم النزول في غير منزل، وها أنا هذه أريد أن أقول شيئا ولكني لا أكاد أدير لساني في فمي، ~~ولا أكاد أستوعب ما كانت أمنا تقول؛ إنما هي صيحة منكرة مروعة تنبعث في الجو، وجسم ثقيل ~~متهالك يسقط على الأرض، وإذا أختي قد صرعت، وإذا خالنا هو الذي صرعها لأنه أغمد خنجره في ~~صدرها، ونحن عاكفتان على هذا الجسم الصريع يضطرب ويتخبط ويتفجر منه الدم في قوة كما يتفجر ~~الماء من الينبوع، ونحن عاكفتان في ذهول وغفلة وبله، لم نفهم شيئا ولم نقدر شيئا ولم ~~ننتظر شيئا، وإنما أخذنا على غرة أخذا واختطفت هنادي من بيننا اختطافا، وجسمها ms045 يضطرب ~~ويتخبط ودمها ينفجر ولسانها يضطرب ببعض الحديث في فمها، ثم يهدأ الجسم المضطرب، ويسكن ~~اللسان المتحرك، ويخف تفجر الدم، ويمتلئ الجو حولنا بهذا السكون الأليم سكون الموت، ونحن ~~فيما نحن فيه من ذهول وغفلة وبله، وخالنا قائم أمامنا كالشيطان إلا أنه قد أخذه الذهول كما ~~أخذنا ... # وهذا نداؤك أيها الطائر العزيز يبلغني من بعيد، وهذا صوتك يدنو إلي قليلا قليلا، وهذا ~~غناؤك ينتشر في الجو كأنه النور المشرق قد أظهر لنا ما كان يغمرنا من الهول دون أن نراه، ~~وها أنت ذا تبعث صيحاتك يتلو بعضها بعضا، كأنما هي سهام من نور قد تلاحقت مسرعة في هذه ~~الظلمة فطردت عن نفسي ذهولها وجلت عنها غفلتها وأيقظتها من هذا البله، وجلت لها الجريمة ~~منكرة بشعة، والمجرم آثما بغيضا، والضحية صريعة مضرجة بالدماء ... # إن صوتك لم يوقظني وحدي وإنما أيقظ أمنا فها هي هذه تفيق وها هي هذه تسأل أخاها: ~~أوفعلتها يا ناصر؟! وها هي هذه تغرق في بكائها السخيف بكاء الأنثى المستسلمة التي لا تملك ~~حولا ولا طولا إلا سفح الدموع. ويلك أيتها البائسة! إنك لتستطيعين أن تسفحي دموعك إلى آخر ~~الدهر فلن تغسلي قطرة من هذا الدم الذكي، ويلك أيتها الأم الآثمة! إنك لن تستطيعي أن تردي ~~نفسك إلى البراءة والأمن. # نعم! إن صوتك أيها الطائر العزيز قد أيقظني وأيقظ هذه الأم المجرمة التي سفكت دم ابنتها ~~بيد أخيها، وأيقظ هذا المجرم فنبهه إلى أن جريمته يجب أن تخفى، وإلى أن آثار إثمه يجب أن ~~تزول. ولكنه لم يوقظ هنادي وما كان ينبغي له أن يوقظها لأن صوتك مهما يقو ومهما يلح فلن ~~يستطيع أن ينفذ من أستار الموت. إنك لترسل صيحاتك متصلة متلاحقة وإني لأنشط مثلك للصياح، ~~وإن صوتينا ليملآن الفضاء العريض لا يصرفان هذا الرجل عما هو مقبل عليه من إخفاء هذا الجسم ~~في هذه الحفرة التي لم يفارقنا آخر النهار إلا ليهيئها. # لقد تمت الجريمة وبلغ الكتاب أجله، واستنفدت هنادي حظها من الحياة، وماتت لأن شابا ms046 ~~آثما أغواها ولأنها لم تحسن أن تدفع عن نفسها غوايته. # إن صوتك لينبعث في الفضاء مستغيثا وليس من يغيث، وإن صوتي لينبعث في الفضاء داعيا وليس ~~من يجيب، وإن هذا الرجل المجرم ليفرغ من إخفاء جريمته ومحو آثارها ثم يلتفت إلى هذه المرأة ~~وإلي ويقول في صوت متهدج فيه الرعب وفيه الخوف وفيه النذير: هلم فقد آن أن نرتحل، فإذا ~~أبطأنا عليه ردد هذه الكلمات في صوت أشد ترويعا وأكثر امتلاء بالنذير، ثم يمثل أمامنا ~~ويقول: تعلمان والله أن هنادي ذهبت مع من ذهب من أهل المدينة بهذا الوباء الذي ألم بها ~~منذ أسابيع! # أما أنا فقد انقطع عني صوتك أيها الطائر العزيز قليلا قليلا، وانقطع عني صوت خالي، ثم ~~انقطعت عني الأشياء كلها أو انسللت من الأشياء كلها، وإني لأراني أمرض في بيت خشن ~~حقير. # | الفصل الحادي عشر # متى بلغت هذا البيت؟ وكيف بلغته؟ وأي طريق سلكت إليه؟ وكم من يوم أو كم من أسبوع لبثت ~~فيه؟ وكم من يوم أو من أسبوع احتملت أثقال هذا المرض الذي أخذت غمراته تنجلي عني لحظات في ~~كل يوم ثم لا تلبث أن تتابع وتتراكم ويركب بعضها بعضا وتأخذني من كل وجه فأجهل نفسي وأجهل ~~من حولي: كل شيء وكل إنسان، ولا أحس ولا أرى حين أغرق فيها وحين أخرج منها إلا هذه الصورة ~~المنكرة البشعة التي لا أذكرها قط إلا جرت في جسمي رعدة عنيفة مؤلمة وأخذ نفسي اضطراب لا حد ~~له؟ # أسئلة ألقيتها على نفسي ألف مرة ومرة، وسألقيها على نفسي ألف مرة ومرة، فلم أظفر ولن أظفر ~~لها بجواب، وإنما أذكر صوتك أيها الطائر العزيز وهو ينحف في أذني، ويفنى قليلا قليلا كأنه ~~صوت المودع يبلغ المسافر والقطار يبعد به عنه شيئا فشيئا، إنما أذكر ذلك الصوت البشع ~~المجرم صوت خالنا الآثم وهو يتهدج ويبعد عني شيئا فشيئا في ثقل وبغض واشمئزاز. # إنما أرى قطعة من الليل تسعى إلي سعيا هادئا أول الأمر ولكنها تسرع شيئا فشيئا، ~~وهذه الظلمات ms047 تتكاثف من حولي كأنها الأمواج العظام، وهذه الأصوات تنقطع وتبعد، وهأنا هذه ~~يغمرني الموج وأدخل في الليل فلا أحس شيئا ولا أرى شيئا ولا أشعر بشيء، يا له من نوم عميق ~~طويل! إن الأحلام قد ألحت عليه، فهي تروعني فيه ترويعا متصلا ليس إلى انقطاعه من ~~سبيل. # أكنت نائمة؟ أكنت مستيقظة؟ أكنت مريضة؟ أكنت صحيحة؟ أكنت عاقلة؟ أكنت ذاهلة؟ لا أدري؛ ~~إنما أعلم أني كنت شاعرة شعورا غامضا ولكنه قوي ملح كأني قد أقمت إلى ينبوع يتفجر ~~أمامي من الأرض في مكان رحب، بعيد الآفاق لا يقوم فيه شيء، ولا تقع العين فيه إلا على هذا ~~الينبوع وعلى ظل مقيم عنده لا يريم، وعلى ظلال أخرى تجيء كأنما أقبلت تزور هذا الظل، فهي ~~تلم به حينا وكأنما تناجيه وكأنه يسمع منها وكأنه يرد عليها، وكأني أسمع نجوى هذه الظلال ~~ولكني لا أحقق ما أسمع، وكأني أفهم نجوى هذه الظلال ولكني لا أتبين ما أفهم ... وأنا جامدة ~~هامدة لا أحس ولا أرى إلا هذا الينبوع الذي يتفجر في غير انقطاع، وهذا الظل الذي لا يتحول ~~عنه، وهذه الظلال التي تغشاه بين حين وحين. يا له من ينبوع كريه أود لو أحول عيني عنه، ولكن ~~حمرته تجتذب عيني إليه اجتذابا! إنه لينبوع غزير، ولكنه لا يتفجر منه الماء، وإنما تتفجر ~~منه الدماء، يا له من ظل حزين كئيب شاحب مسرف في الشحوب أحاول أن أغمض عيني وأن أغلق نفسي ~~فلا أحس له محضرا، ولكن شحوبه يستهوي نفسي ولكن حزنه يمزق قلبي، ولكن انحناءه على هذا ~~الينبوع يملؤني لوعة وروعة وابتئاسا! يا لها من ظلال تذهب وتجيء هادئة لا تكاد تشعر ولكن ~~في حركاتها ما يملأ النفس جزعا وهلعا! ما لي لا أثبت عيني في هذا الظل المقيم، وما لي لا ~~أثبت عيني في هذه الظلال المضطربة التي تذهب وتجيء؟ أنائمة أنا أم مستيقظة؟ أعاقلة أنا أم ~~ذاهلة؟ ألست أتبين في هذا الظل المقيم ملامح أختي، فما لها إذن لا تكلمني ...؟ وما لها ms048 إذن لا ~~تدعوني ...؟ وما لها إذن لا تناجيني؟ لقد عرفتها محبة لي، واثقة بي، مطمئنة إلي، فما لها ~~لا تظهر لي شيئا من هذا الحب، ولا تبدي لي شيئا من هذه الثقة، ولا تبين لي عن شيء من هذا ~~الاطمئنان؟ إنما هي مكبة على هذا الينبوع تنظر فيه كما تنظر الفتاة الجميلة في المرآة، عم ~~تبحث في هذا الينبوع؟ أتراها تلتمس صورتها في هذا الدم المتدفق؟ وما لها لا تكلمني، أليست ~~تراني؟ ما لها لا تجيبني، أليست تسمعني؟ ما لها لا ترق لي ولا تعطف علي؟ أليست تسمع هذا ~~النداء الذي ينبعث من فمي باسمها في صيحات قوية عنيفة متلاحقة؟! إني لأسمع هذه الصيحات ~~ولكني لا أرى من أختي أنها تسمعها، وكأن هذه الصيحات تخيفها وتزعجها! فهذا ظلها يستخفي ~~وتستخفي معه الظلال الأخرى، ويستخفي معها الينبوع الأحمر، وهؤلاء أشخاص آخرون يسرعون إلي ~~ويدنون مني ويستجيبون لي، فلا أكاد أنظر إليهم حتى أتبينهم، ثم أخافهم، ثم أبغضهم، ثم أتقي ~~محضرهم بالصمت والهدوء ... إنهم أهل الدار قد سمعوا صياحي فأقبلوا يرفقون بي ويسألونني عما ~~أجد. # إنهم أهل الدار، وما أشد بغضي لأهل الدار، إني لأرى بينهم أمي وإني لأكره أن أرى أمي، ~~كلا! لأكف عن هذا الصياح لعل أهل الدار أن ينصرفوا عني فيجنبوني محضرهم الكريه؛ إني لآخذ ~~نفسي بالصمت، وأكره نفسي على الهدوء، وما هي إلا لحظات صامتة هادئة حتى يسدل ستار ويرفع ~~ستار، وهذا الينبوع الأحمر يتفجر من الأرض قويا غزيرا، وهذا ظل أختي ماكثا لا يريم، ~~وهذه الظلال تذهب من حوله وتجيء، إن لي بهذه الظلال لعهدا، لقد رأيتها ولقد سمعت عنها ~~حديثا، لقد حدثتني عنها أختي في تلك الليلة التي قضيناها مروعتين حين أقبل خالنا يدعونا ~~إلى سفره الآثم. # نعم إن لي بهذه الظلال الحمراء ظلال مارتا وأمينة وملزمة تلك التي كانت تتراءى لنا فتملأ ~~قلب أختي فرقا وهلعا وروعا ... إن لي بهذه الظلال لعهدا، وإني لأعرفها، وإني لأفهم الآن ~~إلحاحها بالزيارة على هذا الظل المقيم، لقد أقبلت ms049 تحييه وتواسيه وتبثه ما وجدت من ألم ~~وحزن، وتسمع منه ما وجد من شقاء وبؤس. إن نجوى الظلال لغريبة ... ليتني استطعت أن أفهمها، ~~ليتني استطعت أن أستحيل ظلا فأفهم حديث الظلال! ما بال أختي لا تناجيني، أتراها لا تحس ~~محضري، أم تراها لا تعرف كيف تتحدث إلي أو تفهم عني؟ أتتغير لغة الناس إذا ماتوا؟! لقد ~~حدثونا أن للموتى حديثا يلقونه إلى الأحياء فيفهمه عنهم الأحياء ... # إني لأعرف هذه الظلال، لقد كنت في ضلال إذن حين كنت أزعم لأختي في بعض الطريق أن الأشباح ~~بنات الليل، وأنها تكره ضوء النهار ولا تستطيع أن تظهر فيه؛ والظلال ملحة في المثول أمامي ~~لا يصرفها عني مطلع النهار ولا يصرفها عني مقدم الليل، إن الظلال إذن لا تهاب نورا ولا ~~تألف ظلمة، ولعلها لا تعرف نورا ولا ظلمة وإنما نحن يغشينا ضوء النهار فلا نرى الظلال التي ~~تحيط بنا وتضطرب من حولنا وترى كل ما نأتي وتسمع كل ما نقول، ولعلها ترثي لنا، ولعلها تسخر ~~منا، ولعلها لا تفهم عنا شيئا كما أننا لا نفهم عنها شيئا، يا للهول إن تدفق الينبوع ~~ليشتد، وإن الدم لينتشر من حوله انتشارا، وإن الحمرة لتصبغ كل شيء من حولي، وإن هذه الظلال ~~لتدنو مني كأنها قد عرفتني وكأنها تريد أن تقبلني! يا للهول، إن الروع ليملأ قلبي، وإن ~~الصياح ليتفجر من فمي فيملأ الجو من حولي كما ينفجر الدم من الينبوع فيصبغ الأرض بحمرته، ~~وإن أهل الدار ليقبلون علي، منهم الجزع، ومنهم المطمئن، وهم يرفقون بي ويعطفون علي ~~...! # وهذه أمي، يا للهول! ما أسمج هذا الوجه وما أقبح هذه الصورة وما أشد بغضي لهذا المحضر! ~~إنها لتدنو مني وإن الدم ليجمد في عروقي لمقدمها، إنها لتضع على رأسي خرقة مبللة وإني لأجد ~~لبرد الماء شيئا من الراحة، ولكن لينصرف عني هذا الوجه فإني أكره أن أراه، لترد عني هذه ~~المرأة فإني لأخشى أن تقتلني ... وكيف أخلص منها وكيف آمن محضرها إلا إذا آويت إلى الصمت ~~ولجأت ms050 إلى الهدوء؟ إنه لعذاب أليم هذه الحياة بين الينبوع الأحمر والظلال المطيفة به إن ~~آثرت الهدوء، وبين أهل الدار وهذه المرأة البغيضة إن آثرت الصياح، أليس لي سبيل إلى الراحة ~~من هذا العناء؟ ما أكثر ما طلبت وألححت في طلبها، وما أكثر ما فرت مني وامتنعت علي، وما ~~أكثر ما خيل إلي أني أجري في إثر شيء أتمناه أشد التمني وأحرص عليه أعظم الحرص وأجد في ~~طلبه كل الجد، حتى إذا بلغته أو كدت أبلغه كانت منه وثبة فإذا المسافة بيني وبينه واسعة ~~وإذا الأمد بينه وبيني بعيد، وإذا أنا معذبة أشد العذاب بالاضطراب الملح المضني بين وجوه ~~أهل الدار التي أكرهها، وهذه الظلال التي يؤذيني منظرها ويثير في نفسي ألما لا آخر له ~~... # ولكنني أستقبل النهار ذات يوم هادئة النفس مستريحة الجسم، قد ألح الضعف علي فما أكاد ~~أتحرك، على أني أجد في هذا الضعف نفسه دعة وأمنا فأستعذبه وأستلذه وأستسلم له استسلاما، ~~وأجد في نفسي دهشا لذيذا حلوا لأني أفتقد شيئا كنت أخاف أن أجده، أفتقده افتقاد السعيد ~~بالنجاة من شر يخشاه، فقد يخيل إلي أن قد بعد العهد بيني وبين الظلال والينبوع ووجوه أهل ~~الدار، وأني قد قضيت وقتا غير قصير لم أر حمرة الينبوع، ولم أشهد اضطراب الظلال، ولم ~~يرتفع صوتي بالصياح ولم يسرع إلي أهل الدار، ثم لا أكاد أتمثل هذا كله حتى أجتهد ما ~~استطعت في أن أذود هذه الخواطر عن نفسي مخافة أن يطول تفكيري فيها فيكون ذلك استحضارا لما ~~أتمثله من الهول، ودعاء لما أجد من السعادة في الإفلات منه، ورفعا للستار عن الينبوع الذي ~~منه يتفجر الدم والذي تطيف به الظلال. فأنا أذود هذه الخواطر عن نفسي، وأستسلم لهذا الضعف ~~الذي أجده، وأود لو بقيت كما أنا هامدة خامدة لا أقدر على شيء حتى على التفكير، ولكن هذه ~~هي أمي تدنو مني وعلى وجهها الكئيب شيء من آيات الرضا، وهي تقول لي في هذا الصوت الذي يخيل ~~إلي أني لم أسمعه ms051 منذ زمن بعيد: لقد نمت الليلة كلها يا آمنة، فأنت بارئة، وما أرى إلا أنك ~~ستسرعين نحو الشفاء. ليتها لم تقبل علي، وليتها لم تدن مني، وليتها لم تتحدث إلي! فقد ~~اقشعر لقربها بدني كله، واضطربت نفسي كلها، وأخذت غشاوة غريبة تلقى على عيني، وأخذت ~~الأشياء تضطرب من حولي اضطرابا، وآذاني هذا كله أشد الإيذاء حتى كدت أصيح لولا أني حبست ~~صيحتي في حلقي ولكن لم أستطع أن أمسك يدي وأن أمنعهما عن أن ترتفعا إلى عيني لتردا عنهما ~~منظر هذه الأشياء الراقصة، وظنت الأم البائسة أني أتقيها فولت باكية، ووجدت في انصرافها ~~عني سرورا وراحة ورضا. # ولا بد مما ليس منه بد، فلم يكن سبيل إلى أن تمتنع أمي عن عيادتي والعناية بي، ولم يكن ~~سبيل إلى أن أرفض لقاءها وأخلص من محضرها، ولم يكن بد من أن تنظر إلي وأنظر إليها ومن أن ~~تتحدث إلي وأسمع منها وأرد عليها رجع الحديث؛ ولم يكن ذلك دون أن يثير في نفسي من الموجدة ~~والغيظ ما كان يردني أحيانا إلى بعض ما كنت فيه؛ ولم يكن ذلك دون أن يثير في نفس هذه ~~المرأة البائسة آلاما وشقاء إلى شقاء فترسل عبراتها حينا وتنهداتها حينا آخر، وربما ~~أثار في نفسها غضبا تجتهد في حبسه أن ينفجر. وأنا أدنو إلى البرء وأستزيد من القوة وأسترد ~~النشاط قليلا قليلا، وآتي بعض الحركات اليسيرة فأجلس وقد كنت لا أستطيع الانتقال، ثم تثوب ~~الحياة إلي في قوة كأنما كان بينها وبيني سد، فلما أزيل أخذت تغمرني من كل وجه، وإذا ~~أنا أنهض وأسعى، وإذا أنا أسترد حظا من القوة غير قليل وأجد رغبة في كل شيء إلا في ~~الحديث. وأمي تدور حولي وتتلطف لي وتغلو في العناية بي، وتود لو تجد إلى نفسي سبيلا، وتنفق ~~جهودا مثيرة للرثاء تريد بها أن تصل أسباب الحديث بينها وبيني، ولكنها لا تصل مما تريد إلى ~~شيء، وقد ألقي بين نفسها ونفسي سور صفيق فهما لا تلتقيان. ومع ذلك فإن ms052 خاطرا من الخواطر ~~كان يتردد في نفسي ترددا لا يكاد ينقطع، وكنت أدافعه دفاعا متصلا؛ لأني كنت أجد في ~~اضطراب نفسي به ألما فيه الخوف والرعب وفيه البغض والحقد، فقد كنت أسأل نفسي وأريد أن أسأل ~~أمي أو أن أسأل بعض من حولي عن خالنا ذلك الشيطان الآثم المريد: أين هو وأين استقرت به ~~الدار؟ فما أذكر أن صورته البغيضة تمثلت لي فيما كان يتمثل لي من الصور أثناء العلة، وما ~~أذكر أني سمعت له ذكرا أو عرفت من أمره خبرا منذ أخذ البرء يسعي إلي ويدب في أعضائي، ~~وما أذكر أن أحدا من أهل الدار قد أشار إليه أو ألم بالحديث عنه منذ أخذت أخالط أهل ~~الدار وأشترك معهم في بعض شئون الحياة، وكنت مع ذلك أريد أن أعرف من أمره بعض الشيء، أو ~~أكره أن أعرف من أمره بعض الشيء، أحي هو أم ميت؟ أأفلت بجريمته أم أخذه السلطان؟ أمقيم هو ~~في القرية أم ذهب في الأرض يلتمس مأمنه بعد الإثم وراء هضبة من هذه الهضاب؟ # ما أكثر ما ترددت في نفسي هذه الأسئلة وما أكثر ما جاش بها صدري وما أكثر ما هم لساني ~~أن ينطق بها، ولكني كنت أحبسها في ضميري حبسا خوفا منها وبغضا لهذا الرجل الأثيم، على ~~أني لم أستطع ذات صباح أن أملك من أمري ما تعودت أن أملكه فسألت أمي وقد خلوت إليها، سألتها ~~وأنا أكاد ألوي وجهي عنها: أين هو؟ وما أسرع ما فهمت عني، وما أسرع ما أجابتني وهي تشير ~~إلي بالصمت: لقد ذهب إلى الواحات فيمن ذهب. قالت ذلك وانهمرت دموعها غزيرة سخينة، ولكن ~~بكاءها لم يدع بكائي، وحزنها لم يثر حزني فقد كان بين نفسها وبيني سور صفيق. لقد ذهب إلى ~~الواحات فيمن ذهب ... فلم يأخذه السلطان إذن ولم يهرب ملتمسا مأمنه وراء هضبة من هذه الهضاب، ~~وإنما ذهب إلى الواحات فيمن ذهب من أهل القرية ومن أهل القرى المجاورة يحملون إلى أهلها ~~ثمرات الريف ويحملون إلى أهل ms053 الريف ثمرات الواحات. لقد ذهب إلى الواحات فيمن ذهب وكانت نفسه ~~هادئة وكان ضميره مطمئنا، وكان قد نسي إثمه نسيانا، وكان قد انجلى عنه هذا الذهول الذي ~~غشيه بعد أن سوى الأرض على ضحيته. # ولم تتمثل له هذه الصور المروعة التي تتمثل لي، ولم تنهكه هذه الحمى التي أنهكتني، وإنما ~~ذهب إلى الواحات فيمن ذهب يبيع ويشتري، ويتحدث مع رفاقه إذا لهوا، كأنه لم يأت شيئا ولم ~~يقترف إثما ولم يسفك دم ابنة أخته بيده ... # ذهب إلى الواحات فيمن ذهب، وسيعود من الواحات فيمن يعود، يحمل وجهه البغيض ونفسه المجرمة ~~وضميره الآثم، ويحمل مع هذا كله تجارة قد ترتضيه وقد ترتضي أهل هذه الدار، وسيلقونه مغتبطين ~~بلقائه وسيلقاهم سعيدا بالعودة إليهم لا يحس ألما ولا ندما، وسيرتفع صياح الفرح لمقدمه ~~في هذه الدار، وسيرتفع صياح الفرح في القرية كلها لمقدم العائدين معه من أهل القرية، وسيقضي ~~الناس هنا أياما كلها أعياد يملؤها السرور والحبور. أما أنت أيتها الأخت التعسة البائسة ~~فلن يذكرك في هذه الدار أحد إلا هذه المرأة التي لا تستطيع أن تذكرك إلا سرا بينها وبين ~~نفسها، وإلا هذه الفتاة التي لا تكاد تفكر فيك حتى يتراءى لها الينبوع الأحمر والظلال ~~المطيفة به في ذلك الفضاء العريض فتشفق من الجنون ...! # ذهب إلى الواحات فيمن ذهب وسيعود من الواحات فيمن يعود ... حرام علي أن أراه، وحرام علي ~~أن أشهد ما سيثير مقدمه من الفرح والابتهاج، إني لعاجزة عن لقائه، وإني لخليقة إن لقيته أن ~~أفضح من أمره ومن أمرنا ما يريد أن يكون سرا. أليست هنادي قد ذهبت مع من ذهب من أهل ~~المدينة بذلك الوباء؟! # وأشرقت الشمس ذات يوم على أهل الدار وارتفع الضحى، وافتقد أهل الدار آمنة فلم يجدوها، ولو ~~أنهم افتقدوها في القرية كلها لما وجدوها فقد كانت آمنة في بعض الطريق قد عبرت البحر ~~مصوبة نحو الشرق ... # | الفصل الثاني عشر # وإني لأراها في طريقها نحو الشرق فيمتلئ قلبي رحمة لها وإعجابا بها وخوفا عليها. وأي ms054 ~~قلب لا يرحم فتاة غرة لم تكد تتجاوز سن الصبا وقد قذفت بها الأحداث في لجة الحياة ~~الممتلئة بالخطوب والأهوال، وهي وحيدة ليس لها عون، قد صفرت يدها من كل شيء، وفرغ قلبها إلا ~~من هذا الحزن اللاذع الذي يفعمه إفعاما، وعجزت نفسها حتى عن الأمل، فهي قد فرت من بيت ~~أسرتها فرارا، لا تريد شيئا إلا أن تخلص من هذه البيئة التي لم تكن تستطيع فيها مقاما، ~~وتفلت من هذا الشيطان المريد الذي كانت توشك أن تلقاه إن أقامت أياما. # وأي قلب لا يعجب بهذه الفتاة الغرة التي لم تكد تتجاوز الصبا، والتي فرت من أهلها فهي ~~تسعى لا تلوي على شيء، نحيلة هزيلة بائسة كئيبة لا تدري أين ينتهي بها المسير، ولا تعرف كيف ~~يتاح لها القوت، بل لا تفكر في شيء من هذا، وإنما تمضي أمامها مسرعة في المضي يدفعها عزم ~~لا يعرف الكلال، وبغض للشر لا هوادة فيه، وثقة بالعدل لا حد لها. # وأي قلب لا يخاف على فتاة غرة لم تتجاوز الصبا تسعى وحدها في الطريق العامة إلى غير غاية، ~~وقد صحبها الفقر والحاجة والضعف وحداثة السن وشيء من جمال يغري بها كل غوي، ويطمع فيها كل ~~مفسد، وما أكثر الغواة والمفسدين في هذه الطريق العامة التي تستقيم وتلتوي بين قرى ~~الريف! # لك الله أيتها الفتاة الناشئة! إلى أين تذهبين؟ ألم تفكري في هذه الكوارث والخطوب التي ~~تضمرها الحياة للضعفاء والبائسين، وللضعيفات والبائسات خاصة، وتتكشف عنها شيئا فشيئا فإذا ~~هي مصدر خصب للشر والضر، وينبوع غزير للسيئات والآثام؟ ألم تفكري في هذه الأقاصيص التي كان ~~يمتلئ بها صباك والتي كانت تسلي نهارك وتروع ليلك، والتي كانت تمتلئ بأحاديث الأغوال وقد ~~تفرقوا على الطريق يعترضون المار حين يمر بهم وقد انقطعت به السبيل فإذا هم يضمرون له الهول ~~كل الهول، ويسرون له البغض كل البغض، وإذا هم لا يكادون يتنسمون ريحه وقد أقبل من بعيد حتى ~~يتحلب ريقهم قرما إلى لحمه وعظمه، وحتى تضطرم في أجوافهم ms055 غلة لا يرويها إلا دمه، وهو ~~يبلغهم خائفا وجلا قد ملأ الجزع قلبه وفرق الهلع نفسه، فإن كان قد حفظ الوصية ووعى ~~النصيحة واستعد للقاء الغول ابتدره بالسلام فقلم أظفاره واضطره إلى السلم والموادعة، وإن لم ~~يكن قد حفظ ولا وعى ولا هيأ نفسه للقاء الخطوب مر بالغول فالتقمه التقاما والتهمه ~~التهاما، وقطع الوسائل بينه وبين من ترك وراءه ومن كان يمضي للقائهم أمامه ...؟ # ماذا أعددت يا آمنة لهؤلاء الأغوال فإنهم منبثون في الطريق؟ ليسوا سبعة كما كانت تتحدث ~~إليك القصص ولكنهم سبعون، بل أكثر من سبعين، بل مائة، بل مئات قد انتثروا في الطريق، منهم ~~من جلس ينتظر الفريسة، ومنهم من مضى يبتغيها، منهم من برز ضاحيا ومنهم من استخفى في الحقول ~~واختبأ في المزارع، منهم من يظهر مظهر الغول كريها مخيفا لا يكاد تبلغه العين حتى يمتلئ ~~القلب منه فرقا وحتى تندفع الغريزة إلى اتقائه ومحاولة اجتنابه والخلاص منه، ومنهم من يظهر ~~مظهر الوديع أو الشاب الرفيق تبلغه العين فيطمئن إليه القلب، وتأنس إليه النفس بعد وحشتها، ~~ثم لا يجد منه اللاجئ إليه إلا غدرا ولا يظفر عنده الواثق به إلا بالشر والنكر والبوار. ~~منهم من اتخذ زي الرجل، ومنهم من اتخذ زي المرأة، وكلهم غول قد هيأته الأحداث لأمثالك من ~~الفتيات الضعيفات البائسات اللاتي نبذتهن الأسرة أو اجتثتهن الخطوب من أصولهن فهن مشردات ~~يستقبلن الحياة جاهلات بها غافلات عنها، والحياة تلعب بهن، تقذفهن من مكان إلى مكان، ~~وتنقلهن من شر إلى شر، حتى ينتهي بهن القضاء إلى الغول الظاهر أو إلى الغول المتنكر، فإذا ~~هن فريسة لهذا أو لذاك، يلقين العار والخزي، ويلقين البؤس والضيم، ويلقين المرض والشقاء، ~~ويلقين الألم دائما، وقد يلقين الموت أحيانا ...؟! # لم تفكر آمنة في شيء من هذا حين انطلقت مع الصباح من بيت أسرتها كما ينطلق السهم، ومضت ~~أمامها مندفعة لا تحس جهدا ولا مشقة، بل لا تحس حركة ولا نشاطا، بل لا تشعر بأنها تمضي ~~كما يمضي السهم لأنها لم تكن ms056 تفكر إلا في سجن قد أفلتت منه وهي تريد أن تبعد عنه، وفي حرية ~~قد دفعت إليها وهي تريد أن تنغمس فيها انغماسا. # فهي تمضي وتمضي لا تقف ولا تلتفت عن يمين ولا شمال ولا تلتفت إلى وراء، كأنها بطل من ~~أبطال هذه القصص التي تتحدث بها الجدات والأمهات، قد مضى لغايته ووعى نصيحة الناصح، فهو لا ~~يلتفت مخافة أن يدركه البوار إن حول وجهه عن طريقه المستقيمة أمامه، والفتاة تسعى مسرعة ~~تستقبل بوجهها المشرق الكئيب وجسمها الضئيل النشيط ضوء الشمس ونسيم الصبح واستيقاظ الحياة ~~والأحياء، وما تزال كذلك حتى يغمرها الضحى وحتى تغمرها الحياة التي تشطت من حولها، وإنما هي ~~مضطرة بحكم الغريزة وبحكم هذا الإعياء الذي أخذ يدرك جسمها الضعيف شيئا فشيئا إلى أن تمضي ~~مبطئة وتسعى هونا، ولا يكاد ينتصف النهار حتى تبلغ البحر وحتى تعبره، ولا يكاد يتقدم ~~النهار نحو العصر حتى تكون قد بلغت مأمنها وأفلتت من طلب الطالبين وانتهت إلى قرية من القرى ~~فمالت إليها تريد أن تبلغ عند أهلها حظا من راحة وشيئا من طعام وأن تنفق عندهم ~~الليل. # نعم إني لأراني في هذه الطريق وحيدة شريدة لا أملك إلا نفسي الضعيفة البائسة، وإلا جسمي ~~النحيل الضئيل، وإلا ثيابا بالية أو كالبالية، وأنا مع ذلك لا أحفل بما تركت ولا بمن تركت، ~~ولا أسأل عما أنا مقدمة عليه من الأمر، ولا عمن أنا مقبلة عليهم من الناس، إنما هو الهيام ~~في الأرض والسكر بهذا الشراب الخطر الذي نسميه حب الحرية والذي يكلفنا أحيانا من أمرنا ~~شططا. أكنت خائفة ...؟ أكنت آمنة ...؟ لا أدري! وإنما كنت أشعر بالأمرين جميعا يتعاقبان على ~~قلبي كما يتعاقب الليل والنهار على الأرض وما عليها. # كنت أطمئن إلى أني لن أرى أمي ولن أسمع صوتها، ولن أرى أهل الدار وأشاركهم في شيء، ولن ~~ألقى ذلك الرجل المجرم ذا النفس الفاجرة والقلب الغليظ، ولن أخضع لغلظته ولن أحتمل تقربه ~~إلي وترضيه لي، فيمتلئ قلبي أمنا وهدوءا وتبسم لي الحياة عن أجمل ms057 الصور وأحفلها بالأماني ~~والآمال، وأجد في ذلك قوة وشجاعة وصبرا، فأمضي لا يدركني الإعياء ولا ينالني الكلال. ثم ~~كنت أذكر أختي ولا سيما بعد أن عبرت البحر وأخذت الطريق تختلط علي، وأخذت أحاول أن أتعرف ~~أين انحرف بنا خالنا المجرم عن الجادة إلى ذلك الفضاء العريض الذي اقترف إثمه فيه. # كنت أذكر أختي فما أكاد أثير ذكرها حتى يثور ظلها أمامي، وإذا أنا أراها ماثلة ذاهلة كما ~~تعودت أن أراها منذ تركنا المدينة، وإذا أنا أهم أن أسعى إليها وأن أمسها بيدي وأن آخذ معها ~~في الحديث، وإذا أنا أتنبه للخطب وأتبين الحقيقة الواقعة، وإذا ينابيع الحزن تنفجر في قلبي ~~وإذا الحزن يجري مع دمي، وإذا جسمي كله نار مضطرمة ولوعة محرقة، وإذا دموعي تنهمر على خدي، ~~وإذا أنا مضطرة إلى أن أنتبذ ناحية من الطريق لأبكي على مهل على غير مرأى من الناس. # ثم أنهض مستأنفة للسعي، وإذا أختي تسايرني، وإذا الظلال التي كنت أراها أثناء العلة تطيف ~~بها وتطيف بي، وإذا ظلال أخرى تملأ الفضاء من حولي لا أدري أنجمت من الأرض أم هبطت من ~~السماء، ولكني أراها تكثر وتختلط وأسمعها من حولي تصخب وتلغط حتى أخاف على نفسي ~~الجنون. # أنا على ذلك كله ماضية تتقاذفني القرى وتتدافعني الضياع، أستضيف هؤلاء حينا وأسأل هؤلاء ~~حينا آخر، أعمل في الحقول مرة وأعمل في البيوت مرة أخرى، وهذان اللونان من الشعور يختلفان ~~على قلبي ويتعاقبان على نفسي لا يمهلانني في اليقظة ولا يعفيانني في النوم، أنا مضطربة ~~دائما بين أهلي الذين فررت منهم فرارا، وبين أختي وصاحباتها اللاتي يستجبن لي كلما ذكرتهن ~~كأنما يسمعن دعاء فيسرعن إلى الداعي. وأنا ماضية أمامي أتقدم نحو الشرق من يوم إلى يوم، ولي ~~من غير شك غاية أعرفها وأسعى إليها، ولكني لا أكاد أتمثلها ولا أستحضرها، وإنما أنا ~~أطلبها غير شاعرة بها كأنما تدفعني إليها الغريزة دفعا. # أنا ماضية نحو الشرق، لا أنحرف عن غايتي إلى يمين أو إلى شمال إلا لأقضي ليلة في ms058 هذه ~~القرية أو لأستريح ساعات أو لأستريح يوما في هذه القرية أو تلك، ولكني على جناح سفر ~~دائما، متجهة نحو الشرق دائما، ممعنة في الشعور بالأمن كلما ازددت من الغاية دنوا ومن ~~المدينة قربا، فالمدينة إذن هي غايتي من كل هذا السعي، فيها ألتمس الأمن، وبين أهلها ألتمس ~~الحياة الوادعة! وبيت المأمور هو غايتي من المدينة، إليه ألجأ وإلى من فيه أفزع وبمن فيه ~~أستعين، في ظله أريد أن أعيش، وعند أهله أريد أن أودع قلبي، وعند خديجة من أهله خاصة أريد ~~أن ألتمس الراحة لهذه النفس المعذبة، والشفاء لهذا القلب المريض، لن آمن حتى أبلغ هذه ~~الدار، ولن أبل من علتي حتى أرى هذه الوجوه وأسمع هذه الأصوات، وأستأنف حياتي مع الخدم ~~والسادة كعهدها منذ أشهر قبل أن تأمرنا أمنا بذلك الرحيل المشئوم. إذا بلغت هذه الدار ~~فستقصر يد خالي دون أن تبلغني، وإذا اطمأن بي المقام في هذه الدار فلن يجد الروع إلى نفسي ~~سبيلا. ولكن ما خطب أهل الدار وما خطبي إن سألوني أين كنت؟ كيف أجيبهم؟ ... وبم أجيبهم؟ أأقص ~~عليهم حديثي كله أم أطويه عنهم طيا؟ بل ما خطب أهل الدار وما خطبي إن رأوني فأنكروني ثم ~~أبوا أن يفتحوا لي بابهم وأن يلقوني بما أحب أن يلقوني به من الرضا والعطف والابتسام؟ ما ~~خطب خديجة وما خطبي إن رأتني فأعرضت عني لأنها وجدت من فتيات الريف أو من فتيات المدينة من ~~يقوم منها مقامي ويلهيها كما كنت ألهيها، ويشاركها في الجد واللعب كما كنت أشاركها في الجد ~~واللعب؟ أين أذهب إذا نبت بي هذه الدار، وإلى من ألجأ وعلى من أعول إذا تنكر لي أهل هذه ~~الدار؟ # | الفصل الثالث عشر # كلا! بل هذه الدار كما عرفتها رشيقة أنيقة، مغرية مطمعة، لا ترد طارقا ولا تصد راغبا، ~~ولا تتجهم لزائر ولا تنبو بضيف، وإني لأراها من بعيد فأسرع إليها الخطوة كأنما أدفع إليها ~~دفعا أو كأنما تدعوني ملحة فأستجيب للدعاء، وإني لأرى دخانا يصدر عنها وينشر ms059 في الجو فلا ~~أتمثل النار التي يصدر عنها في المطبخ وإنما أتمثل الطباخ ومن حوله من الخدم يذهبون ويجيئون ~~وأسمع ما يقولون، وكأني أشاركهم فيما يأتون من حركة، وأجاذبهم ما يلفظون به من حديث، وإني ~~لأدنو من الدار فأرى نافذة مفتوحة فلا أتمثل غرفة خديجة وما فيها من أداة وأثاث، وإنما ~~أتمثل خديجة نفسها قد جلست إلى بعض ما كانت تلعب به، أو عكفت على درس تستظهره أو كتاب تنظر ~~فيه، وكأني أشاركها في اللعب أو أشاركها في الاستظهار أو أسمع بعض ما تقرأ. وإني لأدنو من ~~الدار فأتمثل حياة الدار كلها كأنها قد غمرتني وكأني قد رجعت إلى مثل ما كنت منذ أشهر جزءا ~~من هذا الكل، وشعاعا منتشرا مستفيضا في هذه الحياة التي تملأ الدار حركة ونشاطا ~~واضطرابا. # وهأنذا أبلغ باب الحديقة فلا أتردد في ولوجه، وأمضي أمامي مصممة كأنما أعود إلى الدار بعد ~~ليلة من تلك الليالي التي كنت أقضيها مع أمي وأختي في ذلك المنزل الحقير، وإني لأمضي كما ~~تعودت مسرعة لا ألوي على شيء، وإني لأصعد في السلم لا ألتفت إلى يمين ولا إلى شمال، وإني ~~لأبلغ غرفة خديجة فأدخلها وأصادف سيدتي وصديقتي عاكفة على كتاب تنظر فيه، ولكنا كنا نلتقي ~~على الضحك والعبث فمالنا الآن لا نضحك ولا نعبث ...؟! أما هي فواجمة ذاهلة قد أخذت على غرة، ~~وأما أنا فمغرقة في البكاء. # ثم هي تسألني: أين كنت ...؟ ومن أين أقبلت ...؟ وماذا صنعت في هذا الوقت الطويل ...؟ وأنا لا ~~أجيب. وأنى لي أن أجيب بغير هذه الدموع التي تنهمر، وهذه الزفرات التي تنفجر، وهذا الشهيق ~~الذي يتردد في حلقي متصلا بعضه ببعض يزداد شدة وعنفا حتى يكاد ينتهي بي إلى أزمة من هذه ~~الأزمات التي تفسد أعصاب النساء حين يلح عليهن البكاء ...! # وسيدتي وصديقتي قد أقبلت علي فتتلطف لي وترفق بي وتهون علي بعض ما أجد، وإن كانت لا ~~تعرف شيئا مما أجد، ثم يسمع الشهيق وإذا سيدة البيت قد أقبلت، وإذا هي ليست أقل ms060 دهشا ولا ~~وجوما من ابنتها، ولكنها تصرف الفتاة عني صرفا شفقة عليها من هذا المشهد الذي قد يؤذي ~~نفسها الشابة الناشئة، ثم تدعوني إلى أن أتبعها، ثم تهدئ روعى وتتلطف لي في الحديث وتسألني ~~عن أمري فلا أجيبها بشيء، أو لا أكاد أجيبها بشيء، إنما هي جمل متقطعة غارقة في الدموع فيها ~~ذكر للرحيل على غير موعد، وفيها ذكر للقرية ورؤية أهلنا فيها، وفيها ذكر لمصاب عظيم قد ~~ألم بنا هنا لم نكن ننتظره ولا نقدره ففقدنا أختي، وفيها ضيق بحياة القرية في ذلك الحزن ~~المتصل، وحنين إلى السادة الذين لم ألق في خدمتهم إلا خيرا وبرا، ثم فيها ذكر العودة ~~المنفردة في الطريق الطويلة الملتوية المخوفة، ثم انهمار للدموع وانكباب على سيدتي أقبل ~~يديها وقدميها كأني أشفق أن تردني ردا أو تدفعني عن الدار دفعا؛ ولكنها حدبة علي، ~~رفيقة بي، تقيمني وتنهضني وتأمرني أن أذهب إلى حيث أصلح من أمري وأستأنف عملي في الدار، ~~كأني لم أفارقها أشهرا، وكأني لم أفارقها فجأة في غير استئذان، وكأني لم أزد على أن غبت ~~يوما أو أياما ثم عدت إلى مثل ما كنت فيه ...! وأنا أذهب إلى حجرتي فأراها كما تركتها لم ~~يشغلها أحد، ولم تسكنها خادم بعدي، ثيابي فيها كما تركتها وأدواتي فيها كما غادرتها لم ينقل ~~شيء منها ولم يحول عن مكانه، ثم ما هي إلا أن ألقى الخدم ويلقوني بشيء من الدهش والوجوم، ~~وآخذ في بعض الحديث، ثم أنظر فإذا كل شيء قد استقر وإذا أنا واحدة في الدار من أهل الدار ~~كأن لم يكن بيني وبين الدار فراق. # ثم أعلم ما أعلم من حزن خديجة علي ووجدها بي، وإبائها على أهلها أن يتخذوا لها خادما ~~غيري ونزول أهلها عند ما كانت تريد. # ثم أستأنف الحياة مع السادة والخدم كما كنت أحياها من قبل، ومع ذلك فما أكثر ما لقيت من ~~الخطوب، وما أشد ما احتملت من الآلام، وما أطول ما أنفقت بعيدة عن الدار من الشهور! وكيف لا ms061 ~~تطول هذه الأشهر القصار وقد كان فيها من الأحداث ما كان، وقد لقيت فيها من الشر كل ما لقيت، ~~وقد واجهت فيها الموت، وقد عانيت فيها المرض، وقد تعرضت فيها للجنون أو لمثل الجنون، وقد ~~تعرضت فيها لكل ما تعرضت له من ألوان الفتنة والمحنة والخوف ...؟ # إن أهل الدار لا يعلمون من هذا كله شيئا وهم من أجل ذلك لا يكادون يشعرون بأني فارقتهم ~~أو غبت عنهم، ولكن أنا أعلم من هذا كله ما أعلم، وأنا من أجل هذا أشعر بأني قد فارقتهم ~~وقتا طويلا، أو أطول مما يظنون وأطول مما أظن، وأطول مما يحسب الناس. إنهم قد نسوا رحلتي ~~ونسوا عودتي وانصرفوا إلى أمرهم لا يفكرون في ولا يسألون عني، ولكني أنا لم أنس من هذا ~~شيئا. بل أنا أشعر شعورا غريبا، أشعر أني قد أخذت من أهل الدار فتاة فدفنتها هناك في ~~قرية بعيدة من قرى الريف تظلها هضبة من هذه الهضاب التي تلي الصحراء، ثم رددت عليهم فتاة ~~أخرى لا يعرفونها ولا يعلمون من أمرها شيئا، أخذت منهم آمنة الضاحكة في أكثر الوقت، ~~الباسمة دائما؛ أخذت منهم آمنة الغرة الساذجة التي تؤثر اللعب أو تكاد تؤثره على كل شيء، ~~والتي لا ترى في الحياة إلا لعبا، والتي تخدم وكأنها تلعب، وتدرس كأنها تلعب، وتتعلم من ~~الخدمة والدرس ما تتعلم وكأنها تلعب، لا تعرف الهم ولا تتمثله، ولا تعرف أن للحياة أثقالا ~~وتكاليف وإنما تؤمن بأن الحياة ابتسام للنهار إذا أشرق، وابتسام لليل إذا أظلم، وابتسام لما ~~يملأ النهار من نشاط، وابتسام لما يملأ الليل من أحلام؛ أخذت منهم آمنة التي كانت تنشأ ~~وتنمو كما تنشأ هذه الشجيرات في الحديقة وتنمو، فيها نضرة ولين، وفيها بهجة وجمال. # أخذت منهم آمنة هذه ففرقت نفسها تفريقا، في الطريق حين كنت ذاهبة إلى الغرب، تركت ~~بعضها في بيت العمدة الذي ضيفنا، حين سمعت لحديث أختي وحين سمعت لحديث أولئك النساء، ~~وتركت بعضها لهذه الأشباح الحمراء التي كانت تتراءى لنا حين كنا ms062 نتحدث على سطح الدار أو حين ~~كان يمضي بنا الجملان في الطريق الصامتة وقد تقدم الليل وثقل، ثم تركت أكثرها في ذلك الفضاء ~~العريض فسال مع الدم الذي سال، ودفن مع الجثة التي دفنت وسوي عليه معها التراب ثم صب ~~عليه معها الماء، ثم تركت سائرها نهبا لتلك العلة التي ذهبت بما بقي من نفسي، وإن أبقت على ~~بقية ضئيلة من جسمي أخذت الحياة تعود إليها بعد البرء قليلا قليلا. أخذت منهم آمنة هذه ~~وفرقتها على هذا النحو بين المدينة والقرية ثم رددت عليهم آمنة أخرى قد تشبه تلك في بعض ~~ملامح الوجه، وقد تشبهها فيما بقي من اعتدال القامة، وقد تشبهها في طبيعة الصوت وبعض ~~الحركات، ولكنها تخالفها بعد ذلك في كل شيء. # رددت عليهم آمنة الحزينة دائما، الواجمة في أكثر الوقت حتى كأنها بلهاء غافلة، رددت ~~عليهم آمنة التي رأت الشر بشعا والإثم عريان والجرم منكرا، فملأت نفسها من هذا كله وإذا ~~هي سيئة الظن بكل إنسان، وإذا هي شديدة الإشفاق من كل شيء ومن كل إنسان، وإذا هي عابسة ~~للنهار إذا أشرق عابسة لليل إذا أظلم، وقد اتخذت لنفسها من ظلمة الليل الحالكة ثوبا ~~كثيفا ضافيا فأسبغته عليها إسباغا وحالت به بينها وبين كل نور وأمل وابتهاج ~~وابتسام. # نعم، رددت عليهم آمنة هذه التي لا تمسك الدموع إلا ريثما ترسلها، ولا تبسط الوجه إلا ~~ريثما تقبضه، ولا تقبل على شيء إلا ريثما تنصرف عنه، ولا ترى في اللعب إلا ثقلا، ولا ترى ~~في الخدمة والدرس إلا عناء وجهدا. ويح أهل الدار! أيقبلون مني هذه الفتاة التي رددتها ~~عليهم ويتسلون عن تلك الفتاة التي أخذتها منهم؟ ويحي أنا من أهل الدار إن لم يعرفوني ولم ~~يألفوني كما عرفوا تلك الفتاة وألفوها! ولكنهم قوم كرام لا يضيقون بي ولا ينفرون مني ولا ~~يلقونني إلا بالعناية والرعاية والعطف، أولم أتحدث إليهم بذلك المصاب العظيم الذي قد ألم ~~بنا فملأ قلوبنا حزنا وبؤسا؟ وإذن فهم يعزونني ويأسون جراح قلبي، وهم لا ms063 ينظرون إلي كما ~~ينظرون إلى خادم يجب أن يعمل أو إلى رفيقة يجب أن تعين فتاتهم على ما في الحياة من جد ولعب، ~~وإنما ينظرون إلى فتاة بائسة قد آوت إليهم فهم يؤوونها مكرمين لها مشفقين عليها، يؤثرونها ~~بالرحمة والراحة والهدوء. # وخديجة ... ويح خديجة! ما كنت أحسب أن فتاة نشأت في مثل ما نشأت فيه من نعيم، ودرجت على مثل ~~ما درجت عليه من ترف وتعودت ألا تعيش إلا فرحة ومرحة، ما كنت أحسب أن هذه الفتاة تعرف كيف ~~تصل إلى أعماق هذا القلب الحزين، وكيف تبلغ بغريزتها ما لم يكن بد من التجربة الطويلة ~~العسيرة لبلوغه بالعقل والإرادة، إنها لتفهمني في غير سؤال، إنها لترحمني في غير تكلف، إنها ~~لترثي لي في غير كبرياء، إنها لتنصرف بي عما ألفت من فرح ومرح ومن دعابة ولعب، إنها لتتحدث ~~إلي حديث الفتاة العاقلة الرشيدة، إنها تشغلني عن همي بما تقص علي من أمرها أثناء غيبتي ~~وبما تقرأ علي مما قرأت أثناء هذه الغيبة وبما تقرئني مما لم أشاركها في قراءته، إنها ~~لتفتح لي أبوابا ما كانت لتخطر لي على بال، إنها لتنبئني بنبأ عجيب لم أفهمه إلا بعد مشقة ~~وجهد وتكرار! تنبئني بأنها قد أخذت تتعلم لغة أخرى تسميها الفرنسية فلا أفهم منها شيئا، ~~لغة أخرى! وكيف يكون ذلك؟ إني أعرف أن هناك لغة الريف التي كنت أتحدثها، ولغة القاهرة التي ~~تتحدثها خديجة، ولغة ثالثة نقرؤها في الكتب فلا نعجز عن فهمها وإن وجدنا فيه بعض العسر، ~~فكيف توجد لغة أخرى، وما عسى أن تكون، وكيف يتعلمها الناس؟ إنها تظهر لي كتبا ما كنت ~~أقدر أن أراها، وإني لأنظر هذه الكتب فلا أفهم منها إلا بعض الصور، وإني لأحاول النظر في ~~الحروف فلا أعرف لها أولا ولا آخرا، ولا أعرف لها رأسا ولا ذيلا، وإنها لتضحك في رفق ~~وإنها لتحس شيئا من الكبرياء لأنها تعلم ما لا أعلم، وإنها لتحاول القراءة في هذه الكتب ~~فتبلغ من ذلك ما لا أبلغ، وإنها ms064 لتترجم بعض ما تقرأ فأفهم عنها ما تقول بالعربية وأدهش ~~وينتهي بي الدهش إلى أقصاه ... # وهذا أستاذها السوري قد أقبل وإنها لتلقاه فيتحدث إليها وترد عليه بهذا الذي لا أفهمه ~~فأزداد بها وبه إعجابا وفتنة، وهذه خديجة تكبر في نفسها وتكبر في نفسي وتقوم مني مقام ~~المعلم، وإذا هي تقرؤني هذه الحروف التي لم أكن أقرؤها، وتعلمني هذه اللغة التي لم أكن ~~أعلمها، وإذا أنا تلميذة لها في الصباح وتلميذة معها في المساء، وإذا المعلم بارع وإذا ~~التلميذة على حظ من ذكاء، وإذا أنا أجد في هذه الحياة الجديدة وفيما نقرأ معا وما نتعلم ~~معا عزاء أي عزاء، ونسيانا أي نسيان؟ وإذا الأستار تلقى شيئا فشيئا بيني وبين هذا ~~الماضي البشع القريب، وإذا كل شيء في هذا الماضي ينمحي قليلا قليلا إلا شخصين اثنين لا ~~ينمحيان ولا يتضاءلان، وإنما يرتسمان في نفسي ارتساما قويا ويتمثلان أمامي تمثلا متصلا ~~ملحا، وهما شخص أختي صريعا يتفجر من صدرها الدم في الفضاء العريض، ويغمغم فمها بكلمات لا ~~أفهمها، وشخص ذلك المهندس الشاب الذي أغواها ودفعها دفعا إلى ذلك الفضاء العريض الذي صرعت ~~فيه. # | الفصل الرابع عشر # نعم! ذلك المهندس الشاب الذي أغواها ودفعها دفعا إلى ذلك الفضاء العريض الذي صرعت فيه. ~~لقد منحها الحياة، ولقد قضى عليها بالموت. وهل ذاقت البائسة من لذة الحياة ونعيمها إلا هذه ~~الثمرات الحلوة المرة التي جنتها في هذه الدار القائمة من دارنا غير بعيد؟! إلى هذه الدار ~~دفعت حين هبطت من أقصى الريف، فأخذت تعرف الحضارة وتألفها وتبلو من طيباتها ما رقق ~~لها العيش وقد كان غليظا، وحبب إليها الدهر وقد كان بغيضا. # فيها عرفت الترف واطمأنت إلى النعيم! ولم تكد تنشأ وتنمو حتى مد لها الحب ذراعين فيهما ~~النعيم والبؤس، وفيهما الرحمة والعذاب، فأسرعت إلى ما كان يتراءى لها من ذلك جاهلة له، ~~مفتونة به، متهالكة عليه، ثم انصرفت كارهة عما بلت، وما أدري ماذا كان يحزنها ويمزق ~~فؤادها تمزيقا حين كانت تقص علي أنباءها وتحدثني ms065 بأحاديثها! أهو الندم على ما قدمت من ~~ذنب واقترفت من خطيئة، أم هو الأسف على ما فارقت من لذة وحرمت من نعيم؟ وما أدري ما الذي ~~كان يملأ قلبها فرقا ورعبا حين كانت تتراءى لها تلك الأشباح الحمراء! أهو الموت الذي كانت ~~ترى نذيره منكرا بشعا ومسمعه صارخا ملحا، أم هو اليأس الذي كان يقطع الأسباب بينها ~~وبين هذا المهندس الشاب، ويلقي بينها وبين الحب ولذاته وآلامه حوائل وموانع لا سبيل إلى أن ~~تجتاز؟ # نعم! هذا المهندس الشاب! لقد ارتسم شخصه في نفسي ارتساما قويا ملحا ليس إلى محوه من ~~سبيل. ولقد كنت أرى أختي فإذا هو ملازم لها كأنه الظل، بل كأنه ظل من هذه الظلال الحمراء ~~التي كانت تلازمها حين كنت أراها أثناء العلة وحين كانت تعرض لي في الطريق! بل لقد تفرقت عن ~~أختي كل هذه الظلال وانمحت انمحاء، ولم يبق معها إلا هذا الظل الذي لا أكاد أراه حتى تضطرب ~~نفسي اضطرابا عنيفا، وحتى يثور في قلبي شعور قوي مختلط غريب شديد التعقيد، شعور فيه ~~الخوف والرغبة، وفيه البغض، وشيء يشبه الحب، أو حب الاستطلاع على أقل تقدير ... # من هذا الشاب؟ أو من عسى أن يكون؟ وكيف يمكن أن يكون؟ أي شيء فيه أغوى هذه الفتاة ~~البائسة ودفعها إلى ما دفعت إليه؟ ما عسى أن يكون حظي منه إن لقيته، وأن يكون حظه مني إن ~~لقيني؟ أوأحبه أم أبغضه؟ أيحبني أم يبغضني؟ ما هذه الغواية التي أفسدت على أختي أمرها ~~وأفسدت علينا جميعا أمرنا، وقضت على أختي بالموت ونغصت علينا جميعا لذة الحياة؟ # خواطر كانت تملأ قلبي إذا أصبحت، وكانت تملؤه إذا أمسيت، وكانت تلح عليه بين ذلك فلا ~~ترد عنه إلا في شيء من الجهد والعنف حين تلح علي خديجة في الحديث أو في القراءة أو في ~~مشاركتها فيما كانت تحرص على أن أشاركها فيه من الدرس والاستظهار. # خواطر كانت تملأ قلبي في اليقظة، وكانت تملؤه في النوم، وكانت تصرفه عن كل شيء إلا عن ms066 هذه ~~الفتاة التي سفك دمها في ذلك الفضاء العريض، فذاقت الموت وذهبت نفسها إلى السماء وهوى ~~جسمها إلى الأرض وهيل عليه التراب؛ وإلا هذا الفتى الذي مازال يغدو ويروح فرحا مرحا، ~~مغتبطا مستبشرا، تبسم له الحياة ويبسم هو للحياة. # ليتني أدري أيذكر ضحيته تلك أم قد نسيها. وليتني أدري أيذكرها إن ذكرها في شيء من الرفق ~~بها والعطف عليها والحنين إليها، أم يذكرها إن ذكرها في إعراض الزاهد وانصراف المزدري! وأين ~~تكون هذه الفتاة من نفسه، وما أكثر الفتيات في نفسه! لقد كان بالقياس إليها كل شيء، ولم تكن ~~هي بالقياس إليه شيئا، لم تعرف غيره وعرف هو غيرها كثيرات، لم تذق لذة الحياة إلا بين ~~ذراعيه، وما أكثر المواطن التي ذاق هو فيها لذات الحياة! وما أكثر ما ذاق من ألوان اللذات ~~وما بلا من صنوف النعيم! وليتني أعرف كيف يلقى ذكرها إن ذكرت له، أيبسم لصورتها أم يلقاها ~~بالعبوس! بل ليتني أعرف كيف يلقى النبأ البشع المروع إن ألقي إليه، أيحزنه أن يعلم أنها ~~ذاقت الموت وأنها ذاقته لأنه هو قد دفعها إليه، أم يقع هذا النبأ من نفسه موقعا يسيرا فلا ~~يثير في قلبه حزنا ولا أسفا ولا يسلط على نفسه لوعة ولا ندما؟! # وكذلك امتلأت نفسي بهذا المهندس الشاب، حتى لقد كنت ألتمس الفرار منه فلا أظفر به إلا في ~~جهد أي جهد وعناء أي عناء، وحتى لقد أنكرت نفسي وأنكرت من كان حولي من الناس والأشياء، ~~وأنكرني من كان حولي حين طال عليهم ما كنت مغرقة فيه من الوجوم والذهول، إلا خديجة فإنها لم ~~تنكرني ولم أنكرها، وإنما مضت فيما كانت رفيقة بي عطوفا علي، تعزيني وتسليني وتفتن في ~~ذلك ما وسعها الافتنان. وأنا أعرف لها هذا فأحمده وأقدره وأرد عليها بعض ما كانت تسدي ~~إلي من جميل، فأنصرف إليها حين ألقاها عن هذه الخواطر، ويفرغ قلبي لما أسمع من حديثها ~~ولما أشاركها فيه من درس، ولكن لا ألبث أن أعود إلى ما كنت فيه ms067 من وجوم وذهول، وتحس هي مني ~~ذلك فتنصرف عني بعض الشيء وتتركني لما أنا فيه، كأنها تقدر أني أجد في هذا الوجوم والذهول ~~لذة وراحة واطمئنانا. # وما تزال هذه الخواطر تلح علي وتستأثر بي حتى تستحيل إلى شيء من الرغبة القوية الملحة ~~في أن ألقى هذا الشاب فأسمع منه وأتحدث إليه، وأنا أتلمس أخباره وأتتبع أسراره وأتلقط ما ~~يلقى عنه من حديث، ولم تكن داره بعيدة من دارنا، وكأن الظروف قد ائتمرت بي فهيأت لي أن أرى ~~ذهابه ومجيئه من نافذتي حين يغدو من داره أو يروح إليها، من هذه النافذة التي طالما كنت ~~أبادل أختي منها الإشارة وأسارقها منها بعض الحديث، من هذه النافذة التي لم أذكرها ولم أدن ~~منها حين عدت إلى الدار، وإنما مكثت أياما وأسابيع أجهلها جهلا وأهملها إهمالا، ثم خطرت ~~لي فجأة، وفرض علي مكانها فرضا، فإذا أنا أدنو منها وجلة وأفتحها جزعة محزونة، أريد أن ~~أقف إليها لأتمثل فيها صورة «هنادي» ذاهبة جائية، متغنية بما كانت تتغنى به من أغاني الريف ~~ثم أغاني المدينة. وإني لآخذ موقفي من النافذة في الأيام الأولى فلا أرى شيئا ولا أسمع ~~شيئا، وإنما هو قلب ينفطر، ودموع تنهمر، وصورة لأختي لا تأتي من الدار ولا تعبر إلى ما ~~بيني وبينها من طريق، وإنما تأتي شاحبة حزينة من قلبي هذا الآسف الحزين. وأنا مع ذلك أطيل ~~الوقوف إلى النافذة وأكرره، وأدنو منها كلما أتيح لي الدنو في النهار حينا وفي الليل ~~أحيانا. آلفها وتألفني، حتى أصبح وقوفي منها وجلوسي إليها عادة طبيعية من عاداتي كلما دخلت ~~الحجرة وأغلقت بابها من دوني. والأيام تمضي وتتبعها الليالي، وإذا أنا أقف إلى النافذة ~~وأجلس إليها فلا تنهمر الدموع، ولا تتمثل لي صورة أختي شاحبة كئيبة، وإنما أنا أرى أمامي ~~وأنظر، فإذا صورة أختي كما كنت أعرفها تذهب وتجيء، صوت أختي ينتشر في الفضاء فيملؤه فرحا ~~ومرحا وبهجة وسرورا، متغنية بهذه الأغنية التي طالما كانت ترددها بصوتها الرخيم الممتلئ ~~العذب فيحملها الهواء إلى ms068 النفوس كأنها قطرات الندى: # آه يانا يانا من غرامه يانا # وإن كنت أحبه ما علي ملامه # وما كنت أفهم من هذه الأغنية إلا ما يفهمه الناس جميعا، إن كان الناس يفهمون منها شيئا؛ ~~فهي شائعة ذائعة في المدينة وفيما حولها من القرى، تسمعها في كل عرس وتسمعها من كل امرأة ~~ومن كل فتاة، بل من كل صبية تحاول الغناء أو تقصد إليه. أما الآن فمالي أتمثل أختي كئيبة ~~حزينة يائسة، كأنها ظل شاحب ليس له ثبات ولا استقرار، وإنما هو هائم مضطرب يصدر عنه صوت ~~ضئيل نحيل كأنه الصدى، وهو ينتشر في الجو انتشارا يملأ القلوب لوعة وأسى، وهو يحمل هذه ~~الأغنية كأنها شرر النار لا تمس قلبا إلا أحرقته إحراقا، ولا تبلغ نفسا إلا فرقتها ~~تفريقا؟! مالي أسمع هذه الأغنية فأفهم منها ما لم أكن أفهم، وأعلم منها ما لم أكن أعلم، ~~وأحس منها ما لم أكن أحس، وأستكشف فيها من المعاني والمرامي والأغراض ما لم يكن يخطر لي من ~~قبل على بال؟ # إن هذه الآهة التي يرسلها الصدى النحيف ممتدة ضئيلة لا تكاد تثبت ولا تكاد تنتهي، لتثير ~~في نفسي عواطف لم أكن أعرفها ولم يكن لي بها عهد. وإن هذا النداء ليصور لنفسي الأنين كما ~~يصور لنفسي الاستغاثة، وكما يصور لنفسي اليأس من البر حين يتكرر. وإن هذا الاعتذار ليصور ~~لنفسي الهيام في غير احتفال بالعاقبة، ولا ندم على ما كان، ولا تقدير لما هو كائن، وإنه ~~ليصور لنفسي جرم هذا الخال الأثيم الذي سمع الأغنية ألف مرة ومرة فلم يعقلها ولم يفهمها، ~~ولم يبرئ هذه المحبة الهائمة من اللوم، ولم يعفها من الإثم، ولم يصرف عنها العقاب؛ لأنه ~~جامد القلب جافي الطبع، خشن النفس غليظ المزاج، لم يذق لذة الحب ولا ألمه، ولم يعلم أن من ~~الحب ما يكون فوق اللوم، وما يكون فوق الإثم، وما يكون فوق العقاب. # نعم! وإني لأسمع هذا الصوت الضئيل النحيل ينشر هذا الغناء اليائس الحزين، فأتصور هذا ~~المهندس الشاب قد ms069 برع جماله حتى أصبح فتنة لا تتقى وسحرا لا يقاوم، وقد رق حديثه حتى ~~أصبح شركا يصيد القلوب وحبالة تختلس النفوس، وقد لطفت حركاته حتى لم يبق للامتناع عليها ~~سبيل. وإني لأنظر فإذا هذه الأغنية تثير أمامي صورا ثلاثا: صورة هذا الفتى الجميل الرائع ~~يغري بالإثم ويدفع إليه، وصورة هذا الشيطان الآثم المريد يأخذ بالإثم ويعاقب عليه، وصورة ~~هذه الفتاة البائسة اليائسة يتنازعها الإغراء المضني والعقاب المفني. ثم أنظر إلى هذه الصور ~~فأسأل نفسي أين أنا منها؟ # أما خالي فإني أبغضه بغضا لا حد له، ولو ظفرت به لمزقته تمزيقا، وأما أختي فإني أرثي ~~لها رثاء لا حد له، ولو استطعت لرددت إليها الحياة، وأما هذا المهندس الشاب فما أدري أين ~~يكون مكاني منه! أهو مكان المبغضة العدو أم هو مكان المحبة الهائمة؟! إنه النار المضطرمة، ~~وإني الفراشة التي تهفو إليها وتكلف بها، ولكن عن علم بأنها محرقة مهلكة ... لأعلمن من علم ~~هذا المهندس الشاب أكثر مما علمت، وليكونن لي منه مكان لم أقدره. لأطفئن هذه النار أو ~~لأحترقن بلهبها المضطرم! # ومنذ ذلك الوقت أخذت أستيقن بأن حياتي موصولة بحياة هذا الشاب، وبأن مقامي في بيت المأمور ~~موقوت، وبأن انتقالي منه إلى بيت هذا الشاب محتوم إن لم يتم اليوم فسيتم غدا. # | الفصل الخامس عشر # ولزمت النافذة أرقب منها الدار أثناء النهار وأوائل الليل، كأنما وكلت بحراستها أو تتبع ~~ما يجري فيها. وما هي إلا أن أعرف مواعيد غدو الفتى ورواحه، وخروجه من داره للسمر إذا ~~أقبل الليل، ورجوعه للنوم إذا انقضى من الليل أكثر من ثلثيه، وإذا أنا قائمة إلى النافذة في ~~هذه المواعيد أراه حين يخرج، وأراه حين يدخل، ولا تطمئن نفسي لأمر من الأمور أو عمل من ~~الأعمال إلا إذا رأيته غاديا ورائحا بعد الظهر، فإن حيل بيني وبين ذلك لطارئ من قبله أو ~~من قبلي فهي الحياة المضطربة، والنفس المفرقة، والفكر المشرد، والقلب الذي لا يهدأ ولا ~~يستقر. # ثم يشتد الأمر بي وتلح الرغبة في هذه ms070 المراقبة علي، وإذا أنا أتلمس الأيام التي لا ~~يخرج فيها من داره مع الصبح فأبقى فيها أمام النافذة أترقب ما أرجح أنه لن يكون، ولكنني ~~أترقبه على كل حال لأني لا أريد أن يفوتني مخرجه من الدار، كأنما اتصلت به حياتي اتصالا، ~~ومدت الأسباب المتينة بين هذه الدار وبين قلبي ونفسي وعيني، فهي لا تبرح خاطري مهما تكن ~~الظروف، وهي تجذبني إلى النافذة جذبا، وأنا أحس مع ذلك أن هذا ليس إلا أول الشر، وأن يوما ~~قريبا أو بعيدا سيأتي من غير شك لا تجذبني الدار فيه إلى النافذة لأراها ولأرى هذا الشاب ~~خارجا منها أو عائدا إليها، بل تجذبني الدار إلى نفسها لألج بابها وأعرف أصحابها، وأتحدث ~~إلى من فيها، ولو أني أرسلت نفسي على سجيتها وخليت بينها وبين ما كانت تريد لما تأخر مقدم ~~هذا اليوم، ولكني دافعت نفسي عن هذه الدار دفاعا شديدا، وجادلت نفسي في الاتصال بها ~~جدالا طويلا، وظفرت من هذا الجدال وذلك الدفاع بتأخير اليوم المحتوم أسابيع بل أشهرا لست ~~أدري أكانت طوالا أم قصارا، ولكني أعلم أن احتمالها كان ثقيلا، وأني كنت لا أستقبل ~~النهار حتى أستيقن أن الهزيمة ستتم فيه، ولا أستقبل الليل حتى أثق بأنه لن يتقدم حتى يكون ~~التسليم والإذعان، وأمضي مع ذلك في جهاد نفسي ومدافعتها، حتى إذا استقر كل شيء وغلقت ~~الأبواب، وانقطعت سبيلي إلى الدار، اضطررت إلى أن آوي إلى مضجعي، وسجلت لنفسي يوما من أيام ~~النصر وأمدا من آماد الفوز، وأجلت الهزيمة والتسليم إلى غد. # وإني لأرى نفسي ذات يوم وقد تقدم النهار حتى كاد ينقضي وأخذت طلائع الليل الشاحبة تغزو ~~الأرض، وإني لأراني خارجة كالمنسلة من دار المأمور، ساعية كالهاربة التي تحرص على ~~الاستخفاء، أدور حول الدار مجاورة أسوار الحديقة حتى لأكاد أمسحها مسحا، ثم منعطفة بعد ~~قليل، ثم منطلقة كالسهم حتى أقطع ما بين الدارين من طريق. وألج حديقة المهندس، ثم أسعى ~~هادئة مضطربة معا نحو البستاني كأنما أريد أن أسأله عن شيء، حتى ms071 إذا بلغته لم أستطع أن ~~أقول له شيئا، وإنما وقفت أمامه ذاهلة غافلة بلهاء يملكني الخوف ويغمرني الحياء، أريد أن ~~أمضي أمامي حتى أدخل الدار وأبلغ غرفة «هنادي» فأقضي فيها لحظة أو لحظات، ولكني لا أستطيع ~~أن أتقدم، والبستاني يسألني من أنا، ومن أين أقبلت، وماذا أريد؟ فإذا ألح علي في السؤال ~~وأحسست أن صمتي يطول وأن الرجل سينتهي إلى الضيق بي وبما أعرض عليه من غفلة وبله وذهول، ~~وليت مدبرة، وانصرفت نافرة لا ألوي على شيء، كأنني أخشى أن يتبعني تابع أو يتعقبني ~~متعقب، وما أزال أشتد في العدو حتى أبلغ دارنا فأنسل إليها لم يشعر بخروجي منها ولا ~~بعودتي إليها أحد، ثم أمضي متجاهلة متغافلة حتى أبلغ غرفتي وآخذ موقفي من النافذة وقد سجلت ~~على نفسي بعض الهزيمة وإن لم أنته بها إلى الغاية. # على أني ألفت الطريق بين هاتين الدارين، وألفت البستاني والاختلاف إليه، والأخذ معه في ~~أطراف من الحديث، وتبادل الإشارات معه من النافذة ومسارقته بعض الكلام. # ثم لم تتصل الأيام بيني وبين هذا البستاني حتى كان الظاهر من أمر هذا المهندس الشاب عندي ~~واضحا معروفا، أعرف من عاداته وأطواره ومن ذهابه وإيابه ومن جده وهزله ما يمكن لمثلي أن ~~يعرفه حين يتصل بخدمه والمقربين إليه. # على أن المعرفة لم تقتصر على البستاني وإنما تجاوزته إلى الخادم؛ فقد كان هذا المهندس لا ~~يستطيع أن يكتفي ببستانيه، وإنما هو في حاجة إلى خادم تصلح من أمره وتشرف له على نظام ~~الدار، وقد علمت أن أختي لم تكد تفارقه حتى تعجل البحث عمن يخلفها، واهتدى بعد قليل من ~~الوقت إلى هذه الفتاة الجميلة الوادعة ذات الوجه المشرق والجسم البض والعقل الضيق القصير. ~~اهتدى إلى «سكينة» هذه التي أقامت عنده خليفة لأختي، والتي كنت أتحدث إليها فلا أرى عندها ~~غناء، ولا أجد في الاستماع إلى أحاديثها لذة، ولا أجد نشاطا إلى أن أشاركها فيما تخوض فيه ~~من لغو، ولكني مع ذلك حريصة كل الحرص على أن تشتد الصلة بيني ms072 وبينها وتزول الكلفة، ولم يكن ~~في هذا مشقة ولا عسر، فما أسرع ما اتصل الحديث، وما أسرع ما انتهينا به إلى الدخائل ~~والأسرار! وما أسرع ما أحسست في نفسي عداوة آثمة تشتد كل يوم وتنمو حتى تملأ قلبي وتملك ~~علي كل أمري وتكاد تخرجني عن طوري وتدفعني إلى ما لا خير فيه. فقد فهمت - وليتني لم أفهم ~~- أن سكينة لم تخلف هنادي على الإصلاح من أمر الدار والقيام بما تحتاج إليه من خدمة فحسب، ~~وإنما خلفتها على قلب هذا الشاب إن كان لهذا الشاب قلب، بل خلفتها على هواه ومجونه وعلى ~~إثمه وغوايته، وما أكثر ما لهذا الشاب من الهوى والمجون، ومن الإثم والغواية! إنما هو صائد ~~يحتبل الفتيات احتبالا ويختلبهن اختلابا، يصرفهن عن الجادة وينحرف بهن عن القصد، حتى ~~إذا بلغ منهن ما يزهده فيهن خلى بينهن وبين ما ينتظرهن من الموت أو من حياة هي شر من ~~الموت. # وإذن فقد خان هنادي ولم يحفظ لها عهدا ولم يستبق لها مودة، ولم يكد يفارقها حتى انصرف ~~عنها وزهد فيها، والتمس لذته وهواه حيث استطاع، لم يحفل بما قدم من سوء، ولم يحفل بما ~~قدمت إليه من تضحية، ولم ينظر إلى هذا كله إلا على أنه لعب ينفق فيه الوقت ويستعان به على ~~احتمال الحياة وتسلى به الغربة في مدن الأقاليم. # هو خائن إذن، وهو يضيف إثم الخيانة إلى إثم الغواية، وهو خليق أن يلقى جزاء هذين الإثمين ~~كأشنع ما يكون الجزاء، وهو لاق حظه من هذا الجزاء في يوم من الأيام، ولاقيه من يد آمنة هذه ~~التي شهدت الموت مرتين: شهدته حين عدي على أختها من يد ذلك الخال الأثيم في ذلك الفضاء ~~العريض، وشهدته حين عدي على ذكرى أختها من يد هذا المهندس الشاب الغاوي وفي هذه الدار ~~الصغيرة الأنيقة التي يقوم عليها البستاني وتضطرب فيها سكينة كما كانت تضطرب فيها ~~هنادي. # أغيرة هذه التي تضطرم في قلبي اضطراما وتحبب إلي التفكير في الموت وكيف يساق إلى ~~الناس ms073 ، وتحبب إلي التفكير في الخناجر التي تمزق الصدور وفي السم الذي يمزق الأحشاء؟ ~~أغيرة هذه التي يغلي لها الدم في عروقي ويصعد لها اللهب في وجهي وتقدح لها عيناي بشيء كأنه ~~الشرر، يحمل أهل الدار على أن ينكروا منظري وعلى أن يتساءلوا ما خطبي وإلى أي حال سينتهي بي ~~ما أنا فيه من الذهول؟! # أغيرة هذه التي زادت الحزن عن نفسي وأقامت مكانه غضبا ثائرا متصلا لا يهدأ ولا ينقضي؟ ~~ولمن أغار أو على من أغار؟ أغائرة أنا لهذه الأخت البائسة التي ذاقت الموت في سبيل هذا ~~الفتى دون أن يكون لتضحيتها أهلا؟ أغائرة أنا لهذه الرغبة التي كانت تملأ نفسي وتملك قلبي ~~وتدفعني دفعا إلى أن أعرف من أمر هذا الشاب ما كنت أجهل، والتي لم تكد تبلغ غايتها حتى ~~انتهت إلى يأس مهلك لا مخرج منه ولا آخر له؟ أغائرة أنا لهذا التفكير الطويل فيمن لم يكن ~~أهلا لتفكير؟ لمن هذه الغيرة وعلى من هذه الغيرة، أو إلام تريد أن تنتهي بي هذه ~~الغيرة؟ # لا أدري! ولكني أعلم أنها قد جعلت مقامي في دار المأمور عسيرا وعشرتي لخديجة شاقة! فقد ~~توحشت أو كدت أتوحش، وأصبحت نافرة من كل شيء حتى من خديجة التي لم أكن أظن أني سأعرض عنها ~~يوم من الأيام، وقد أخذت أحس أن مقامي قد أخذ يثقل، وأن عشرتي قد أخذت تشق على من حولي، ~~وأن خديجة قد أخذت تجزيني جفاء بجفاء وإعراضا بإعراض. # لك لله يا آمنة! إلام تدفعك هذه النفس المضطربة التي لا تهدأ، وهذه العواطف الثائرة التي ~~لا تستقر، وهذا القلب الهائم الذي لا يعرف ما يريد؟! # | الفصل السادس عشر # وأصبحت ذات يوم فإذا شيء غريب يضطرب في جو الدار أحسه ولا أتبينه، وأشعر به ولا أحققه، ~~ألمحه في وجه المأمور وفي وجه ربة البيت حين ينظران إلى خديجة ثم يسترقان نظرات فيها أمل ~~مبتهج وحزن مكتئب، وحين يخلوان للحديث بعد الغداء أو بعد العشاء فتطول بينهما الخلوة أكثر ~~مما تعودت أن ms074 تطول. وألمحه في هذا الابتسام الذي يهديه المأمور سخيا كريما إلى أهل الدار ~~جميعا، متحدثا إلى من لم يكن يتحدث إليه، ومتلطفا لمن لم يكن يحفل بوجوده، وفي نظرات ~~طويلة يلقيها علي أنا حين يلقاني، وفيما تظهر ربة البيت من تبسط مع الخدم وعطف عليهم ~~والميل إلى أن تأخذ معهم بأطراف الحديث. # ألمحه في هذا كله، ولكني أجد فيه غموضا يثير ميلي إلى الاستطلاع، ويكاد يسليني بعض ~~الشيء عن المهندس الشاب، وعما يقع في داره من خيانة وإثم، وعما يثير في نفسي من غضب وغيرة، ~~وأهم أن أسأل خديجة عن هذا الذي ألمحه ولا أستبينه، ولكني أجدها غافلة لا تلمح شيئا ~~ولا تحس شيئا فأعرض عما هممت به وأكتفي بالملاحظة والانتظار، على أن الانتظار لم يطل، فما ~~تنقضي أيام قليلة حتى تظهر حركة في دار المهندس الشاب تستتبع حركة في دارنا، ثم تتلاحق ~~الحوادث مسرعة، وإذا هي تملكني وتغمرني وتستأثر بي وتنسيني كل شيء وتذكرني بكل شيء في وقت ~~واحد، وتخرجني من هذا السكون اليائس الذي لزمته إلى نشاط يائس دفعت إليه دفعا. # هذا بيت المهندس الشاب قد ظهرت فيه الحركة وكثر فيه الاضطراب فأثاثه ينقل من مكان إلى ~~مكان ويناله الإصلاح والتنظيف والترتيب، ويؤتى إليه بأثاث لم يكن فيه، بعضه مشترى تظهر عليه ~~الجدة، وبعضه مستعار يظهر عليه القدم، كأنما تتهيأ الدار لاستقبال بعض الزائرين، فهي تعد ~~لهم ما يحتاجون إليه من الغرفات والحجرات ومن الأدوات والأثاث. # والبستاني مسرف في الحركة مندفع في النشاط، أراه هنا وأراه هناك، وقد استعان باثنين أو ~~ثلاثة من شباب المدينة يعملون معه في النقل والتنظيف والترتيب، وسكينة تعمل معهم لا راضية ~~ولا ساخطة، لا مبتهجة ولا مبتسمة، وإنما هي تذهب وتجيء كأنها أداة لا تعرف الرضا ولا السخط، ~~ولا تحس الحزن أو الفرح. # وهذه الحركة المتصلة في بيت المهندس قد أثارت حركة فاترة متقطعة في بيتنا! فهذا سرير ~~ينقل، وهذه وسائد تعار، وهذه آنية تجمع ثم تحمل، وهذه ربة البيت تكلفني راضية باسمة ms075 أن ~~أذهب إلى بيت المهندس فأعين الخدم على بعض ما يعملون، وأن أشرف على التنظيم والترتيب، وأن ~~أعنى بأن تهيأ الدار لاستقبال الزائرين تهيئة حسنة لا عيب فيها ولا نقص، ثم هذه ربة البيت ~~تستعد في بيتها لتهيئة الطعام الذي سينقل إلى بيت المهندس إذا كان الغد، ولإعداد الوليمة ~~التي ستقام في دارها إذا كان اليوم الذي يليه. # وما أكاد أذهب إلى بيت المهندس وآخذ مع الخدم في العمل والحديث حتى أعلم - وليتني لم أعلم ~~- وأفهم - وليتني لم أفهم - أن أسرة المهندس مقبلة من القاهرة إذا كان الغد لتقيم مع ابنها ~~أياما أو أسابيع، وأن هذه الزيارة ليست كغيرها من الزيارات، وإنما هي زيارة تتم لأمر يراد، ~~فستخطب بنت المأمور للمهندس الشاب، وستشهد المدينة أفراحا لم تشهدها منذ عهد بعيد، وسيسمع ~~أهل المدينة من ألوان الغناء ما لم يتعودوا أن يسمعوا من قبل؛ فلن يقرأ عليهم المولد هذا ~~المغني المشهور الذي يقيم في عاصمة الإقليم، والذي يتعصب له أهل العاصمة وما حولها من القرى ~~وما يجاورها من المدن، ولن يقرأ لهم المولد هذا المغني الآخر الذي يقيم في أقصى الإقليم نحو ~~الشمال والذي ينافس صاحبه أشد المنافسة ويتعصب له نصف الإقليم أو ما يقرب من نصفه، ولن يقرأ ~~لهم المولد الشيخ مدكور هذا الذي يقيم في المدينة نفسها ويحبه أهل الريف، ولكن شهرته لا ~~تتجاوز المدينة إلا قليلا، لن يقرأ لهم المولد واحد من هؤلاء المغنيين، ولكنهم سيسمعون ~~لمغن يأتي من القاهرة، قد يكون عبد الحي، وقد يكون الشيخ يوسف، وقد يكون غيرهما من كبار ~~المغنيين، وستأتي العوالم من القاهرة، وستأتي مغنية مشهورة تطرب السيدات، وستقام الزينة ~~وتولم الولائم على أحسن طراز وأجمل شكل، وسيأتي المنظمون لذلك والمشرفون عليه من القاهرة لا ~~من المدينة ولا من عاصمة الإقليم، وكان الخدم يفيضون في ذلك، ويجرون في تفصيله مع هذا ~~الخيال الريفي الساذج الذي يحسب أنه يمضي أمامه إلى أبعد أمد على حين لا يزال في مكانه لم ~~يتجاوزه أو لم يكن ms076 يتجاوزه إلا قليلا. # كانوا يفيضون في الحديث عن المغني والمغنية، وفي الحديث عن الطهاة الذين سيهيئون الطعام، ~~وعن الفراشين الذين سينظمون الوليمة ويطوفون على الناس بالأطباق والأقداح، وعن الموسيقى ~~التي ستأتي من القاهرة فتقضي في المدينة يومين أو أياما تطرب الناس في الصباح وتطرب الناس ~~في المساء، وعن المدعوين الذين سيشهدون الحفل والذين يدعون إليه من قريب ومن بعيد، وفيهم ~~البشاوات والبكاوات، وفيهم العلماء من شيوخ الأزهر. # كانوا يفيضون في هذا كله، ويجدون في الإفاضة فيه لذة يتعجلون بها الحوادث ويستبقون بها ~~إلى ما ينتظرون من فرح وغبطة وابتهاج. وكنت أنا أسمع لأحاديثهم فأفهمها، وأعي أقلها وأهمل ~~أكثرها، وأفكر فيما لم يكن بد من أن أفكر فيه، وهو أن هذا المهندس الشاب قد أغوى أختي ثم ~~دفعها إلى الموت، ثم أخذ يخونها وينتهك ما كان يجب لها عنده من حرمة، ثم هو الآن ينظم ~~الخيانة تنظيما، ويريد أن يأتيها ويقدم عليها ويمضي فيها جهرة باسم الدين والعرف ~~والقانون. # نعم! ولن تكون سكينة هذه الغافلة البلهاء التي لا أعرفها ولا تعرفني إلا منذ حين، لن تكون ~~خليفة هنادي على بيت هذا الفتى وقلبه ومجونه وإثمه، ولكن التي تخلف هنادي على هذا كله ستكون ~~خديجة! خديجة أحب الناس إلي وآثرهم عندي وأحسنهم مكانا من قلبي، خديجة التي أجد عندها - ~~وعندها وحدها - العزاء عما لقيت من شر وما احتملت من نكر وما ألم بي من مكروه، خديجة ~~التي أستعين بها على احتمال هذا الخطب الذي أصابني في أختي وفي أهلي، هذه هي التي ستراد على ~~أن تأخذ من قلب المهندس الشاب، ومن بيته، ومن حياته كلها مكانا ما ينبغي لفتاة أن تأخذه ~~بعد أن سبقت إليه هنادي وأدت ثمنه بذلك الدم الزكي الذي أريق في ذلك الفضاء ~~العريض! # ولم أكن أسأل نفسي كيف يكون موقع هذا النبأ من نفس خديجة حين يلقى إليها: أتنكره وتضيق ~~به، أم تحبه وتبتهج له؟ ولم أكن أسأل نفسي كيف تجد خديجة موقفي منها حين أحاول أن أصد ms077 ~~عنها حب هذا الرجل الآثم وأن أردها عنه، وأن أبذل في ذلك من القوة والجهد ومن الحيلة ~~والذكاء ما أملك وما لا أملك؟ # لم أكن أسأل نفسي عن شيء من هذا، ولكني كنت ثائرة أشد الثورة وأعنفها، مؤمنة أشد الإيمان ~~وأقواه بأن هذا الأمر لن يكون، مصممة أشد التصميم على ألا يكون مهما تتهيأ له الظروف ومهما ~~تتظاهر عليه القوى. # ثم لم أكن أسأل نفسي عن كل هذه الخواطر التي كانت تجيش في صدري وتبعث في هذه الثورة ~~وهذا الإيمان وهذا التصميم. أكانت خواطر صادقة أم كانت كاذبة؟ أكنت وفية لأختي بالعهد مشفقة ~~على حقها أن يضيع، حريصة على أن أحتفظ لها بهذا العاشق الخائن رغم أنفه، مقاومة في سبيل ذلك ~~قوة الفطرة وقوانين الحياة، أم كنت أتخذ هذه الخواطر حجة وعلة أخفي بها على نفسي ما لا أحب ~~أن تظهر عليه، وأستر بها دون قلبي ما لا أجد الشجاعة على أن أواجهه به في صراحة ~~وجلاء؟ # لم أكن أسأل نفسي عن شيء من هذا، بل لم أكن أسأل نفسي عن شيء ما، وإنما كنت أفني قوتي ~~وجهدي وتفكيري في أن أحول بين خديجة وبين هذا التدبير الذي يدبر وهذا الكيد الذي يراد، ~~وكثيرا ما كان يخطر لي أني أحمي خديجة من شر عظيم، وأحول بينها وبين خطر منكر، وأقوم ~~دونها أن يفترسها السبع أو يغتالها الذئب، وأضن بها على أن تبتذل لهذا المجرم الآثم الذي ~~لا يعرف حقا ولا يرعى حرمة ولا يرجو وقارا لخلق ولا دين، وكثيرا ما كنت أقدر أن قيامي ~~دون خديجة وحمايتها من هذا الخطر الذي يوشك أن يلم بها فرض يأخذني به الوفاء لما بيننا من ~~مودة، والرعاية لما لها عندي من جميل، وكثيرا ما كان هذا كله يجتمع ويأتلف بعضه إلى بعض ~~ويتمثل أمام نفسي مجتمعا مؤتلفا قد اتخذ من الوفاء والنصح والإخلاص زينة خلابة، فإذا هو ~~أمامي مرآة نقية صافية، أنظر فيها فترد إلي صورة نفس كريمة عظيمة قد ارتفعت عن كل ms078 نقيصة، ~~وأصبحت مثالا للبطولة والشهامة والتضحية في سبيل الأخت التي اغتالها الخطر، والصديق التي ~~يوشك الخطر أن يغتالها. # ولو أني حولت وجهي عن هذه المرآة بعض الشيء في ذلك الوقت، ولو أني نظرت في نفسي ولم أنظر ~~أمامها ولا من حولها، ولو أني تعمقت قلبي وتبينت قرارة ضميري، لرأيت شرا يا له من شر، ~~ولشهدت هولا يا له من هول، ولعرفت أني لم أكن أفي لأختي ولا لصديقي، وإنما كنت أؤثر نفسي ~~بما أراه خيرا وشرا، وأقف هذه النار المضطرمة المتأججة على نفسي وأحميها من أن يحترق بها ~~غيري! # نعم! ولكني لم أكن أنظر في نفسي ولا أحاول النظر فيها، وإنما كنت مدفوعة إلى إفساد هذا ~~الأمر الذي يدبر، ومنع الأسباب أن توصل بين خديجة وبين هذا المهندس الشاب الذي كان لأختي ~~منذ حين، والذي يجب أن يكون لي بعد حين، كأنما ورثته عنها بعد الموت! # والغريب أن هذه الخواطر المضطربة كلها لم تفسد من أمري شيئا، ولم تغير من شكلي ولا من ~~نظام حياتي الذي ألفه أهل الدار قليلا ولا كثيرا، إنما كنت أصبح وأمسي، وأذهب وأجيء، ~~وأعمل وأكسل، وأنشط وأفتر، كما رآني أهل الدار من قبل، بل خيرا مما تعودوا أن يروني في ~~الأيام الأخيرة، فقد ذهب عني الذهول، وفارقني الوجوم، واستقرت عيناي وهدأتا واستقامتا، ~~فليستا تضطربان ولا تقدحان الشرر أو ما يشبه الشرر، ولا تنظران هذه النظرات التي كانت تخيف ~~مني وتثير في النفوس من حولي شكا وريبا وإشفاقا، عدت إلى هدوء غير مألوف، وانطلق لساني ~~بالحديث، بل تردد الابتسام على شفتي، وأخذ الإشراق يترقرق في وجهي من حين إلى حين، حتى لم ~~يشك أحد في أن هذا الفرح الطارئ قد شفاني مما كنت أجد، ورد إلي ما كان قد فارقني من ~~اعتدال المزاج. # ثم نصبح وإذا الزائرون قد أقبلوا، وإذا النشاط المبتسم السعيد يملأ الدار جميعا، وإذا ~~أنا أشارك من حولي في مظاهر ما يجدون من فرح وبهجة، وأنفرد وحدي بلوعة لا تنقضي وحزن لا ~~تخمد ms079 ناره. # يا لقوة النساء! لقد آمنت منذ ذلك الوقت بأنها لا حد لها. يا لمكر النساء! لقد أمنت منذ ~~ذلك الوقت بأنه لا آخر له ولا قرار، يا لقدرة النساء على الكيد وبراعتهن في التلوين ونهوضهن ~~بأثقل الأعباء وثباتهن لأفدح الخطوب! # لقد أكبرت نفسي، بل أكبرت المرأة في نفسي حين رأيتني أضطرب في هذا التمثيل وكأني أضطرب في ~~الحياة الواقعة لا يأخذني أحد ولا آخذ نفسي بتصنع أو تكلف أو محاولة، وإنما أنا أكذب ~~وأنافق وأصطنع الرياء وأخفي ما أخفي وأظهر ما أظهر في سهولة ويسر، كما أتنفس وكما أفتح عيني ~~وأغمضها، وكما آتي ما تدفعني الغريزة إلى أن آتي به من الحركات! ومع ذلك فبعض ما عرض لي من ~~الخطب، وبعض ما ألم بي من الهم كان خليقا أن يحول بيني وبين الحياة فضلا عن الحياة ~~الهادئة المطمئنة، فضلا عن هذه الحياة المضاعفة التي يملؤها الكذب ويجري فيها من الرياء ~~كما يجري الماء في الغصن الرطب. # | الفصل السابع عشر # وانتهى النبأ إلى خديجة، كما تنتهي هذه الأنباء إلى الفتيات من بنات الطبقات الوسطى، ~~ظاهرا خفيا، وواضحا غامضا، يلقى إليها ويستر عنها، تنبأ به وترد عنه، فتبتهج له ~~نفسها وتستحي مع ذلك من أن تتحدث فيه، ويمتلئ له قلبها غبطة وسرورا، ويفرض عليها الأدب مع ~~ذلك أن تتكلف الكآبة والحزن كلما ذكر لها، وأن تعرض بوجهها إعراضا كلما هم أحد أن يشير ~~إليه من قريب أو بعيد، وأن تفر منه فرارا إذا كان الحديث فيه إليها صريحا جليا، على ~~أن صديقتي وإن تكلفت من ذلك ما يتكلفه أمثالها مع من كان حولها من أهل الدار، قد آثرتني بما ~~كانت تؤثرني به في كل شيء من هذه الصراحة الساذجة الحلوة! فلم تخف علي ما كان يملأ قلبها ~~من فرح وغبطة، وما كان يغشى نفسها من قلق وإشفاق، وما أكثر ما تحدثت إلي وما أكثر ما ~~تحدثت إليها في أمر الخطبة والزواج، وفيما يحيط بالخطبة والزواج من هذه الأمور التي لا تحصى ms080 ~~ولا تستقصى! وما أكثر ما تحدثنا عن خطيبها المهندس وعما نعرف وما لا نعرف من صفاته وأخلاقه ~~وأسرته وثروته! وما أكثر ما أغرقنا في الأمل ومضينا مع الخيال! وما أكثر ما فصلنا الأمور ~~تفصيلا، وأطلنا الوقوف عند الدقائق والصغائر من الأمر، فتحدثنا عن الثياب التي ستشترى، وعن ~~الحلي وعن الأثاث، وأقمنا القصور وأتقنا إقامتها إتقانا! # وأنا في هذا كله أجاري صديقتي مجاراة يسيرة لا أتكلف فيها ولا أحاول، حتى لم تشك لحظة في ~~أني أشاركها في أمر الخطبة والزواج كما كنت أشاركها قديما في أمر اللعب، وكما كنت أشاركها ~~إلى أمس في الدرس والقراءة والاستظهار، بل نحن نتحدث فيما سيكون غدا أو بعد غد حين يتم هذا ~~الأمر، وحين تستقر خديجة في دارها وتصبح ربة بيت، ونتحدث في الدرس الذي لا بد من أن نمضي ~~فيه، وفي القراءة التي لا نستطيع أن ننصرف عنها؛ ونرتب أمرنا على أني سأنتقل مع خديجة إلى ~~حيث تكون، وسأشاركها في حياتها مهما تكن الظروف، وما الذي يمنع من ذلك وما دخلت هذه الدار ~~إلا لها، وما عملت في هذه الدار إلا معها، وما استطاعت في يوم من الأيام أن تقبل شركة أو ~~ترضى من أهلها أن يكلفوني بما لا يتصل بها من الأمر، كنت لها طفلة وكنت لها فتاة، ويجب أن ~~أكون لها حين تصبح زوجا وربة بيت. # نعم! ما أكثر ما تحدثنا في هذا كله وأنفقنا فيه الساعات أثناء النهار حين كان من حولنا ~~يضطربون فيما يضطرب فيه أهل الدار حين تتهيأ لإقامة الأفراح، وأنفقنا فيه الساعات أثناء ~~الليل حين كان كل شيء من حولنا يسكن هذا السكون العميق الذي تمتاز به ليالي الريف! ولكن ~~نفسي في هذه الساعات كلها لم تكن هادئة ولا مطمئنة، وإنما كانت ثائرة جامحة، وكنت كثيرا ما ~~أكف عن الحديث لأفكر في هذا الشخص الغريب الذي يحتوي نفسين متناقضتين أشد التناقض: نفسا ~~تبتهج وأخرى تبتئس، نفسا تعد وأخرى توعد، نفسا تمضي في الحديث بما يسر ويضر وأخرى ~~تمضي ms081 في تدبير ما يحزن وينفع. # وتنقضي الأيام الأولى، ويكون اللقاء ويكون التزاور، ويكون الامتحان لخديجة بالنظر ~~والحديث، ويدنو كل شيء من غايته، ويستحيل الجو إلى الوضوح والجلاء، وتنفس أهل الدارين في جو ~~كله سرور وغبطة وأمل ورجاء في غد. # ويدنو أهل الدارين من هذا اليوم الذي تتكشف الأمور فيه عن نفسها، وتصبح الخطبة فيه أمرا ~~واقعا يعرفه كل الناس، وأنا مؤثرة للصمت آخذة فيما يأخذ فيه أهل الدارين من ألوان النشاط، ~~ولكني أجدني في ساعة من ساعات النهار وقد آذنت الشمس أن تنحدر إلى مغربها، وانتشر في الجو ~~هذا الحزن الضئيل اليسير الذي ينتشر فيه مع الأصيل فيهدئ من نشاط النفوس، ويخفف من وجيب ~~القلوب، ويلقي على الآمال المشرقة بعض الشحوب، ويجري في الأصوات الفرحة نغمة لا تخلو من ~~كآبة، أجدني في ساعة من هذه الساعات مقبلة على ربة البيت، حتى إذا بلغت غرفتها دخلت لا ~~أستأذن، ثم أغلقت الباب من دوني لا أستأذن، ثم وقفت واجمة بين يدي سيدتي لا أقول شيئا، ~~وإنما تنحدر الدموع الغزيرة على خدي، وسيدتي تنظر إلي في غير إنكار وفي غير لوم، كأنها ~~فهمت عني ما أردت أن أقول، وكأنها قد استجابت لدعائي، فهي ترفق بي وتؤكد لي أني لن أفارق ~~خديجة ولن يحول بيني وبينها حائل، وأني سأنتقل معها حين تنتقل، وسأسافر معها حين تسافر، ~~وسأقيم معها حين تقيم، وأني أحسن حظا منها هي! فهي مضطرة إلى أن تفارق ابنتها، أما أنا ~~فلن أفارق سيدتي وصديقي ... # وأنا أسمع هذا الحديث وأفهمه، ولكنه لا يبلغ مني ولا يؤثر في نفسي، فما لهذا الحديث ~~أقبلت، وما حاجتي إلى أن أسمعه من ربة البيت وقد سمعته ألف مرة ومرة من خديجة! ومتى استطاعت ~~ربة البيت أن تفرق بيني وبين ابنتها في جد أو لعب! كلا! لم أقبل لأسمع هذا الحديث، بل لم ~~أقبل لأسمع شيئا، وإنما أقبلت لأقول شيئا، وقد قلته في صوت هادئ تبله هذه الدموع المنحدرة ~~المنهمرة، وكنت أقدر أنه سيقع من هذه المرأة ms082 موقع الصاعقة، وأني قد دخلت هذه الغرفة في هدوء ~~ولن أخرج منها إلا في عنف واضطراب، ولكني قد أتممت ما أردت أن أقول، وانتظرت ثم نظرت، فلم ~~أسمع ولم أر على هذه المرأة اضطرابا ولا دهشا ولا شيئا يشبه الاضطراب والدهش، ثم هممت ~~أن أنصرف خجلة مستخذية، ولكنها وقفتني بالإشارة وتركتني لحظة لا تقول لي شيئا ولا تلقي ~~إلي لحظا، ثم قالت في صوت عادي متزن: وهل أنبأت خديجة من هذا بشيء؟ # قلت وقد أغرقت في البكاء: كلا يا سيدتي! وما ينبغي لنفس خديجة الطاهرة البريئة أن يلقى ~~إليها حديث هذا الإثم. ولولا أني أؤثر خديجة وأؤثر الأسرة كلها لما أنبأتك بشيء، ولما أفضيت ~~إليك بسر هذه الأسرة البائسة التي تعيش في بؤسها المظلم في أقصى الريف. # قالت وقد نهضت إلي متثاقلة: لا بأس عليك! فلن يذاع سر أسرتك، ثم ضمتني إليها وقبلتني ~~وهي تقول: لقد أنقذت ابنتي من شر عظيم. # | الفصل الثامن عشر # قلت: نعم يا سيدتي، قد أنقذت خديجة من شر عظيم، ولكنك ترين معي أن لا مقام لي في هذه ~~الدار منذ الآن! فكل شيء يأمرني بالتحول عنها. قالت وقد أحسست في صوتها أنها مشغولة البال ~~منصرفة النفس عما يمكن أن أبسط لها من حديث: وما ذاك؟ قلت مقتصدة متعجلة مضمرة أني إنما ~~أتحدث لأعتذر عما سآتي من الأمر: لم أتعود يا سيدتي أن أخفي على خديجة شيئا أو أكتم من ~~دونها سرا، وما ينبغي بل ما أستطيع أن أبقى معها مستأثرة بعلم ما أعلم، طاوية عنها مسعاي ~~عندك، وستعلم خديجة من غير شك أن هذا الأمر الذي بدئ فيه قد أهمل وعدل عنه، وسيكون له في ~~نفسها أثر حاد، ما أشك في ذلك، ولست آمن نفسي حين أحاول ما يجب علي من تسليتها وتعزيتها ~~أن أبوح لها ببعض الحديث، والخير كل الخير في أن أتعجل الرحيل، وما دام الله قد قضى علي ~~الشقاء فلا بد من الإذعان لما قضى الله، قالت: وأين تريدين أن تذهبي؟ قلت ms083 : لا أدري! وإنما ~~يجب أن أذهب أولا، فأما إلى أين فشيء سأتبينه بعد ذلك ...! # ولم يرتفع ضحى الغد حتى كنت بعيدة عن دار المأمور قريبة منها مع ذلك، ألحظ من كثب ما يكون ~~بين هاتين الأسرتين اللتين لم تتصل بينهما الأسباب إلا لتنقطع، ولم تنشأ بينهما المودة إلا ~~لتستحيل إلى عداء أو شيء يشبه العداء، ولم أجد في ذلك مشقة ولم أتكلف فيه عناء، وإنما ~~تحولت من دار إلى دار، وقضيت يوما أو بعض يوم عند هذه المرأة التي تحدثت عنها في أول ~~القصة، عند زنوبة تلك التي عرفتها في بيت العمدة وقصصت من حديثها ما قصصت. # أقبلت عليها نحو الظهر، فألفيتها قائمة تكيل بعض ما تكيل من الحب، وأمامها نسوة يشترين ~~منها: هذه تشتري القمح، وهذه تشتري الذرة، وهذه تشتري الفول، هذه تشتري نقدا، وهذه تشتري ~~نسيئة، وزنوبة تحتكم في هذه وتلك صائحة مسرفة في الحركة، لا يستقر لسانها في فمها، ولا ~~يستقر وجهها أو لا يستقر ما يختلف عليه من الصور والأشكال، فهي عابسة حينا، وباسمة حينا، ~~وهي تفعل بعينيها وشفتيها وحاجبيها الأفاعيل، وتدل بها على ما قد يعجز الكلام عن أن يدل ~~عليه، وهي تسب هذه جادة وتسب هذه مازحة، وهي تلمح حينا وتصرح حينا آخر، وهي تمضي في ~~ذلك والنسوة يسمعن لها راضيات عنها معجبات بها، مشاركات لها في بعض ما تقول وفي بعض ما تأتي ~~من الحركات، وأفراد من شباب المدينة قد اجتمعوا غير بعيد ينظرون ويسمعون، ثم يتبادلون بينهم ~~أحاديث فيها الدعابة والرضا، وفيها اللذة والإعجاب. # فلما رأتني زنوبة لم تنكرني، ولكنها لم تغل في الترحيب بي، وإنما نظرت إلي من الرأس ~~إلى القدم، ثم قالت في صوتها النحيف: ها أنت ذي تقبلين! لقد بعد العهد بك منذ التقينا في ~~بيت العمدة، ولكني كنت أنتظرك، وما شككت في أنك ستأتين إلى هذا البيت وستقومين مني هذا ~~المقام. قلت: فهل أنبأك الودع بهذا؟ قالت: وما يدريك! لعل الودع قد أنبأني من أمرك بما ~~تعلمين وبما ms084 لا تعلمين، اصعدي إلى هذه الغرفة من فوقنا فتخففي من حقيبتك واستريحي، فسأفرغ ~~لك بعد حين، ولا تتعجلي الطعام إن كنت جائعة فإن وقت الغداء لم يحن بعد، وإن كنت أقدر من ~~أمرك أنك لا تحفلين بالوقت فيما يتصل بالطعام، فما أرى إلا أنك تأكلين في كل وقت، هذا شأنكن ~~أيتها الفتيات تشغلن ببطونكن أكثر مما تشغلن بأي شيء آخر. ومن يدري! لعلكن تشغلن ... # فقطعت عليها حديثها بالانصراف عنها والتصعيد في السلم إلى الغرفة التي دلتني عليها، ~~ولكنها تبعتني مع ذلك بالسخرية والدعابة، وأخذت تقول: اهربي، اهربي، وجدي في الهرب، إن ~~أذنيك النقيتين البريئتين لا تستطيعان أن تسمعا لما ألقي من حديث، إنك تخافين من احمرار ~~الوجه واضطرابه، لن تخدعيني وإن استطعت أن تخدعي غيري؛ فإنك لتحبين هذا الحديث وتخوضين فيه ~~وفي شر منه مع أترابك من الفتيات، ولكنكن تتصنعن الحشمة وتتكلفن الحياء. على أنها لم تمض ~~في هذا اللغو إذ لم تأنس استماعي لها وانصرافي إليها فمضت فيما كانت فيه من بيع وكيل ومن ~~دعابة بالوجه واللسان. # وفرغت لي بعد ساعة، فأقبلت علي هادئة باسمة، تسألني عن أمي وأختي وأجيبها عن أسئلتها ~~بما أريد، فتصدق ما تصدق وتكذب ما تكذب ثم قالت: وأنت الآن تريدين العمل، فأين تحبين أن ~~تعملي؟ وكيف تريدين أن تعيشي؟ إن لك من جسمك الجميل، ووجهك هذا الوضيء، ومنظرك هذا الذي ~~يسحر الشبان ويخلب عقول الرجال، ما يكفل لك حياة فيها ثروة وغنى، وفيها نعيم وترف، وفيها ~~لذة ومتاع، وفيها تسلط وسيطرة واستخفاف وعبث بعقول الشباب والشيب. قلت مغضبة: دعيني من هذا ~~الحديث، ولست أريد منك شيئا، وما أقبلت أستعينك على شيء، وإنما ألممت بك محيية لك قبل أن ~~أترك هذه المدينة فإني عنها مرتحلة، قالت وقد أدارت عينيها وأسبغت على وجهها شكلا مضحكا ~~تملؤه السخرية ويشيع فيه التكذيب والاستهزاء، وأرسلت من فمها شهيقا منكرا أتبعته بشخير ~~منكر ما أشك في أن الشباب المجتمعين غير بعيد قد سمعوه فتضاحكوا له، وانتهى إلينا ضحكهم حيث ~~كنا ms085 ، فزادها مرحا ونشاطا، وملأني خزيا واستحياء، قالت: لا تراعي لا تراعي، فلن أعرضك ~~للبيع كما كنت أعرض هذه الحبوب آنفا، ولن أكرهك على ما لا تحبين، ولكني أعرض عليك ما عندي، ~~فأنت تكرهين هذه البضاعة أو تظهرين كرهها الآن! فعندي غير هذه البضاعة، ولكن ثقي يا ابنتي ~~أنك راجعة إلي فطالبة مني ما ترفضين الآن، لست الأولى ولن تكوني الأخيرة ... تريدين عملا ~~كله جد كهذا الذي كنت فيه عند المأمور، فلم تركت بيت المأمور؟ ولكن هذا من أسرارك، وإن لم ~~يكن للفتيات أمثالك على أمهاتهن من أمثالي سر؛ فقد أحب أن أعلم من أمرك جليه وخفيه ~~لأوصي بك عن علم، أخرجت سارقة؟ أم خرجت لسوء العشرة؟ أم خرجت للكذب؟ أم خرجت لكثرة ~~الصياح؟ أأغضبت سيدك؟ أم أغضبت سيدتك؟ أم أغضبت بنت المأمور؟ أم أغضبتهم جميعا؟ وكيف خرجت ~~من هذا البيت في هذا الوقت؟ وهل تعلمين أن في المدينة مأمورين أو بيتين كبيت المأمور؟ وأنت ~~تخرجين في الوقت الذي يستعد فيه البيت للأفراح والليالي الملاح، وتنزلين عما كان يحق لك أن ~~تطمعي فيه من العطايا والهبات! فليس من شك في أنهم كانوا سيمنحونك كسوة فاخرة، وليس من ~~شك في أن كثيرا من النقد كان سيقع إليك من هذا ومن ذاك ومن هذه ومن تلك، فكيف تركت هذا ~~كله؟ أتركته راضية؟ ولماذا؟ أم أكرهت على تركه؟ ولماذا؟ تكلمي! إني لا أحب الغموض، ولا ~~أطمئن إلى الأسرار، ولا خير في التمنع والإباء والكتمان، فما تخفينه اليوم سأظهر عليه غدا، ~~وسأظهر عليه قبل أن تغيب الشمس، ولست بزنوبة إن أخفيت علي أسرار فتاة مثلك لم تبلغ ~~العشرين، وأنا أعلم من أمر هذه المدينة وأسرار أهلها وأخبار الأسر التي تقيم فيها أو تفد ~~عليها أو ترحل عنها ما أعلم. تحدثي! كيف خرجت من بيت المأمور أو كيف أخرجت منه؟ # وأمام هذا السيل المنهمر من الحديث، وأمام هذه الأسئلة الملحة، وهذا الحرص الشنيع على ~~الاستطلاع واستكشاف الأسرار، لم يسعني إلا أن أنهض وأعمد إلى حقيبتي فأحملها ms086 وأمضي نحو ~~السلم، ولكني لم أكد أبلغه حتى رددت عنه ردا، وحتى كانت حقيبتي قد خطفت مني خطفا، وحتى ~~كانت زنوبة قد أحاطتني بذراعيها المنكرتين، وأخذت تلح علي بالضم والتقبيل تهدئني ~~وتترضاني، وأنا لذلك كارهة أشد الكره، وعلى ذلك ساخطة أشد السخط، ولو استجبت لنفسي لصحت ~~مستنجدة طالبة الغوث؛ فقد أخذت أمقت نفسي وألومها، وألعن هذه اللحظة التي خطر لي فيها أن ~~آوي إلى دار هذه المرأة ريثما أهيئ أمري بعض الشيء وأدبر لي عملا أمضي فيه. # ولكن زنوبة ملحة علي بالرفق والملاطفة، وقد خفت صوتها وعذب حديثها، وأخذت تتحدث إلي ~~بأمور ليس بينها وبين ما كنا فيه صلة، كأنها أعرضت عن كل ما من شأنه أن يسوءني أو يروعني أو ~~يقلقني عن هذه الدار التي اقتنعت زنوبة بأن لا بد من أن يطول فيها مقامي أياما أو ~~أسابيع. # ثم أنظر فإذا نحن قطعنا وقتا غير قليل في حديث هادئ فيه الجد وفيه الهزل، وإذا أنا آنس ~~إلى هذه المرأة وأطمئن إلى ما أحس من عطفها، وأنظر فإذا حياتنا قد مضت في هذه الساعات يسيرة ~~قد زال منها التكلف، وإذا نحن قد تغدينا معا، وإذا كل واحدة منا قد أخذت تتحدث إلى صاحبتها ~~في شيء من السذاجة والثقة غريب، وإذا نحن نستحضر آلامنا وأحزاننا، وإذا كل واحدة منا تستكشف ~~في صاحبتها من وراء هذه الصورة الظاهرة التي يعرفها الناس صورة أخرى خفية من صور البؤس ~~وتمثالا مستترا من تماثيل الشقاء، وإذا كل واحدة منا ترثي لصاحبتها أو تتخذ الرثاء مظهرا ~~من مظاهر الرثاء لنفسها، وإذا نحن نشترك في البكاء ونتعاون عليه كما كنا نشترك منذ حين في ~~الضحك ونستبق إليه، ولم يكد ينصرم النهار ويقبل الليل حتى كانت الألفة بيننا قد انتهت بنا ~~إلى هذا الطور الذي يطمئن فيه الإنسان إلى الإنسان وإن احتفظ بشيء من الاحتياط ... فلم أظهر ~~زنوبة على سري، ولكني أنبأتها بأن أختي قد قضت في الغرب، وزعمت لها أني إنما خرجت من بيت ~~المأمور في إثر ms087 مغاضبة كانت بيني وبين الخدم، ثم لم أظفر بما كنت أراني أهلا له من ~~الإنصاف، وقد سمعت مني ما أقول وهي إلى التكذيب أقرب منها إلى التصديق، ولكنها تجنبت الجدال ~~والإلحاح فيه، وأظهرت الرثاء لي والعطف علي، ووعدتني بأنها ستجد لي عملا شريفا مريحا ~~إذا كان الغد، وألحت علي في أن أقضي الليل معها وقد فعلت، وقد أنفقنا جزءا غير قليل من ~~الليل في مثل ما أنفقنا فيه النهار، فلما أصبحنا غابت عني ساعة أو نحو ساعة، ثم عادت إلي ~~متهللة مشرقة الوجه وهي تقول: لقد وجدت عملا ما أشك في أنه سيرضيك، ستعملين حيث كانت تعمل ~~أمك قبل أن ترحلن عن المدينة في بيت فلان، أتذكرين اسمه؟ أتعرفينه؟ إنه رجل من أصحاب الثراء ~~واليسر، وقد لا تجدين في داره مثل ما كنت تجدين في دار المأمور من الترف، ولكنك ستجدين عنده ~~سعة ويسرا، ودماثة في الخلق، وتبسطا في المعاملة؛ فزوجه كريمة النفس، وبناته صالحات لم ~~يفسدهن الذهاب إلى المدارس ولا استقبال المعلمين. فهذا الرجل أمير يضن ببناته على هذا ~~الفساد، ويرسل أبناءه كلهم إلى القاهرة ليتعلموا فيها وليصيروا فيما بعد موظفين كبارا ~~كالمأمور والقاضي والمهندس، وإذا أقبل الصيف وعاد هؤلاء الشبان من القاهرة امتلأ البيت ~~فرحا ومرحا، وأصبحت أيام الأسرة كلها أعيادا، وازداد حظ الخدم من الرغد والسعة ولين ~~العيش. وأنا كثيرة الاختلاف إلى هذا البيت منذ استقرت هذه الأسرة فيه منذ أعوام وأعوام، وقد ~~ربيت أبناءها وبناتها، وقد تبنيت منهم واحدا بعينه هو الآن شاب نجيب سيكون بعد قليل ~~موظفا كبيرا، وهو يعرف لي هذا الحق ويحبني ويكرمني ويؤثرني بالخير والمعروف، قلت: وكيف ~~تبنيته؟ # قالت وهي تضحك: أتجهلين هذه العادة؟ لقد أخذته حين كان وليدا فأدخلته من بين ثوبي وبيني، ~~أدخلته من جيبي وأخرجته من تحت ذيلي، فأصبحت كأني والدته، وأصبح لي عليه حق الأمهات وله علي ~~حق الأبناء. ستعملين في هذا البيت وسترضين، وسأراك كل يوم إذا أصبحت وسأراك إذا أمسيت؛ فليس ~~بين هذا البيت وبيننا إلا ms088 خطوات، وأنا أعمل فيه ساعات من نهار. وقد تحدثت عنك إلى ربة البيت ~~فعرفتك وعرفت أمك وأختك وقبلتك راضية مسرورة، فهلم بنا فقد تركتها على أن أعود بك إليها ~~بعد لحظات، ولست أخفي عليك أنها كرهت بعض الشيء استخدامك بعد أن خرجت من بيت المأمور لما ~~بين الأسرتين من مودة، ولكنها لم تطب نفسا عن تركك عرضة لما يتعرض له الفتيات من الشر بعد ~~أن عرفت أمك وحمدت عشرتها، فهلم بنا فقد تتاح لنا أوقات طوال يكثر فيها بيننا ~~الحديث. # ونهضت معها وليس في نفسي ريب في أنها قد نصحت لي وأخلصت في النصح والود، وفي نفسي بعض ~~الأمل في أنها ستعينني يوما ما على تحقيق ما أريد. # | الفصل التاسع عشر # وأقبلت معها على بيت من بيوت الريف هذه التي يظهر فيها الثراء؛ ويحس أهلها سعة العيش، ~~ولكنهم على ذلك لا يأخذون من ترف الحضارة إلا بأيسره وأهونه، محتفظين بما ألفوا من هذه ~~الحياة الريفية التي لا دقة فيها ولا رقة ولا افتنان في إرضاء الذوق، والتي تكره النظام ~~وتنفر منه، وترى في الترتيب والتنسيق تكلفا وجهدا لا خير فيهما ولا حاجة إليهما، بيت من ~~هذه البيوت التي لا يكاد يدخلها داخل حتى يحس أن أهلها ميسورون ولكنهم فلاحون كما يقال؛ ~~فالمتاع كثير ولكنه مهمل مضطرب لم ينظم ولم ينسق ولم يهيأ، وإنما حمل إلى الدار ثم استقر ~~فيها كما استطاع أن يستقر. # والفرق فيها ملغى أو كالملغى بين حجرات الاستقبال للسيدات وحجرات الاستقبال للسادة، بل ~~بين حجرات الاستقبال وحجرات الطعام، إنما يستقبل أهل الدار حيث توجد المقاعد والكراسي، ~~ويأكل أهل الدار حيث يتفق لهم أن يأكلوا، إلا أن يطرقهم طارق أو يلم بهم ضيف فيكون الطعام ~~حيث يكون الاستقبال، ثم يكون نوم الطارق أو الضيف حيث يكون الطعام والاستقبال أيضا. # في البيت مقاعد وكراسي، ولكن أهل الدار يؤثرون الجلوس على هذه الحصر والأبسطة قد ألقيت ~~على الأرض إلقاء. فإذا طرق الطارق أو أقبل الضيف عرفت الكراسي والمقاعد أن لها ms089 في البيت ~~منفعة وعملا. # والفرق ملغى أو كالملغى بين من في الدار من الناس وما في الدار من الحيوان على اختلافه، ~~فالدجاج مطلق يمضي حيث يشاء ويستقر هنا ثم يستقر هناك حاملا معه أقذاره وآثاره، ولا يحمى ~~منه إلا حجرة أو حجرتان، ولا تحميان إلا في مشقة وتكلف للجهد. وقد لا يكره أهل الدار إذا ~~اشتد القيظ أن ينفقوا مساءهم تحت السماء قريبا من البقرة أو الجاموسة أو ما إليهما، يطلبون ~~النسيم حيث يجدونه، لا يتكلفون في ذلك ولا يتصنعون، ولا يجدون في مخالطة الحيوان حرجا ولا ~~أذى. هي الحياة السهلة اليسيرة الغنية همت أن تتحضر وأن تترف، فأخذت من الحضارة والترف ~~بحظ، ثم لم تستطع أن تتقدم فاكتفت بما أخذت، ووقفت عند حد من الحدود لا تعدوه. # ولم أكد ألقى ربة البيت ومن حولها بناتها وخادماتها يعملن وتعمل معهن، يتحدثن وتشاركهن في ~~الحديث، حتى أحسست أني سأجد في هذه الدار راحة وتعبا، وسألقى فيها نعيما وبؤسا. وقد صدق ~~حسي، فنعمت في هذه الدار وشقيت: نعمت بهذه السذاجة التي ردتني إلى شيء يشبه حياتي في أقصى ~~الريف، وخلطتني بأهل الدار كأني واحدة منهم، وألغت ما بين السادة والخدم من الفروق أو كادت ~~تلغيه، ولكن أي حياة يموت فيها العقل أو يأخذه شيء كالموت! لم آسف على ما فقدت من الترف، ~~ولعلي لم آسف على ما فقدت من صحبة خديجة؛ فقد استيأست من صحبتها واتخذتها - سواء أردت أم لم ~~أرد - لنفسي خصما، حاربتها وإن زعمت أني كنت أدافع عنها، وظلمتها وإن زعمت أني أنقذتها، ~~وانتصرت عليها وإن زعمت أني لم آسف لما فاتني من صحبتها فلم يكن من ذلك بد! ولكن أي أسف ~~وأي حزن وأي لوعة وحسرة، وأي ندم يذيب القلب ويملأ النفس كآبة ويأسا هذا الذي كنت أجده إذا ~~أصبحت وأمسيت وقضيت الليل والنهار بين عمل باليد أو حديث مع أهل الدار لا متاع فيه للعقل ~~ولا لذة فيه للقلب! # أين القراءة مع خديجة، وأين القراءة منفردة؟ أين هذه ms090 الكتب العربية وهذه الكتب الفرنسية ~~التي كنت أنفق معها أكثر النهار وشطرا من الليل قارئة أو متحدثة عما قرأت أو متمنية ~~لاستئناف القراءة؟ لقد تركت هذا كله في بيت المأمور، وأقبلت إلى بيت لا يقرأ من أهله أحد، ~~إلا رب البيت؛ فإنه يقرأ إذا أصبح، ويقرأ إذا أمسى، وأنا أسمعه في الصباح والمساء، وأكاد ~~أحفظ عنه ما يقرأ. وما يعنيني مما يقرأ! إنما هي أوراده وأدعيته، ودلائل الخيرات. وأين أنا ~~من هذا، وأين هذا مني؟! # ولقد خرجت من بيت المأمور لم استصحب كتابا، وما كان لي أن أستصحب كتابا، وإنما كانت ~~كلها كتب لخديجة. ولقد سألت نفسي ألف مرة ومرة: أين يمكن أن أظفر بهذا الكتاب؟ فليس في هذه ~~المدينة من مدن الريف كتب تباع إلا هذه التي يعرضها الطوافون في أيام السوق أو في يوم ~~الخميس من كل أسبوع، يعرضونها في السوق ويمرون بها على الدور، وليس لي فيها أرب ولا منفعة، ~~إنما هي قصص لا تعجبني ولا تروقني وسحر لا أحسنه، وصلوات دينية لا أعرف منها قليلا ولا ~~كثيرا. # أين هذه الكتب المترفة ذات الطبع الجميل والجلد الأنيق، هذه التي تأتي من القاهرة والتي ~~كنت أجد اللذة والمتاع حين آخذها في يدي أو حين أنظر إليها؟ أحيل بيني وبينها آخر الدهر؟ ~~أقضي علي أن أرد كما كنت فلاحة من بنات الريف تنفق نهارها في هذا العمل الآلي الذي ~~لا يكاد يفرق بينها وبين ما يحيط بها من النبات والحيوان؟ كلا ...! # هؤلاء فتيان الأسرة قد أقبلوا من القاهرة، وقد رأيتهم يفرغون حقائبهم، فما أكثر ما رأيتهم ~~يستخرجون منها من الكتب ذات الأحجام المختلفة المتباينة، منها الضخم ومنها النحيف، منها ~~متقن الطبع ومنها ما أهمل طبعه إهمالا، منها ما جلد في عناية وما ترك على حاله التي خرج ~~بها من المطبعة! ولكن أين مني هذه الكتب؟ وكيف السبيل إلى النظر فيها؟ بل كيف السبيل إلى ~~الوصول إليها؟ هنا حدثتني نفسي بما لم تحدثني به قط، فأنكرت حديثها بعض الشيء، ولكني ms091 لم ~~ألبث أن عرفته وقبلته واطمأننت إليه ثم صممت عليه تصميما، وأي بأس في أن أختلس الكتاب ~~اختلاسا فأنظر فيه وقتا طويلا أو قصيرا، ثم أرده إلى مكانه لم يمسسه بأس ولم يصبه ~~مكروه؟ أسرقة هذه؟ أإثم هذا الذي أنا مقدمة عليه، إن وجدت إلى الإقدام عليه سبيلا؟ والله ~~يشهد ما سرقت ولا فكرت في السرقة، وما اختلست ولا فكرت في الاختلاس إلا هذه المرة، والله ~~يشهد ما لمت نفسي على ذلك ولا أشفقت عليها من تورط في الإثم أو تعرض للعقاب، وإنما قضيت ~~أسابيع غريبة فيها مهارة لم أكن أعرف لنفسي منها حظا، وفيها خوف وإشفاق، وفيها بين ذلك ~~لذات لن أنساها، فكم خدعت أهل الدار، وكم تغفلتهم، وكم اختلست الكتاب من هذه الكتب فأخفيته ~~بيني وبين ثوبي، ثم انحزت به إلى حيث اتخذت لنفسي مأمنا لا أخشى أن يعثر علي فيه، ثم ~~أخذت أقلب صفحاته وألقي عليه نظرات طوالا أو قصارا تغريني به أو تصرفني عنه، وأنا أجد ~~لهذه المخادعة ولهذا الخوف ولهذه القراءة لذة غيرت حياتي تغييرا وكادت تصرفني عن هذه ~~الخواطر التي كانت تصاحب نفسي وتملأ قلبي وترسم أمام عيني بيت المأمور وبيت المهندس، صورة ~~خديجة وصورة هذا الشاب. # نعم! كادت هذه الحياة الجديدة تصرفني عن هذا كله، لولا حديث سمعته وأنا أطوف بألوان ~~الطعام وأقداح الماء على سادتي في ليلة من الليالي: سمعت حديثا عن المأمور اضطربت له نفسي ~~اضطرابا، ولولا أني أنفقت جهدا عنيفا لظهر هذا الاضطراب ولسقط من يدي ما كنت أحمله من ~~آنية؛ فقد نقل المأمور من المدينة إلى مدينة أخرى في أقصى الأرض مما يلي البحر، وكان هو ~~الذي طلب هذا النقل وسعى فيه وتوسل إليه بفلان وفلان، والناس يهمسون بأنه إنما فعل ذلك ليفر ~~بابنته من جوار المهندس الذي كان قد خطبها ثم قطعت الخطبة، والناس يختلفون، فمنهم من يرى أن ~~المهندس هو الذي قطع الخطبة لأشياء بدت له، ومنهم من يزعم أن المأمور هو الذي رفض الخطبة ~~لما تبين ms092 من سوء سيرة هذا الشاب. # سمعت هذا واضطربت له، وكظمت عواطفي وأكرهت نفسي على التزام الأمن والهدوء ما اضطررت إلى ~~الخدمة، فلما أتيحت لي العزلة أرسلت نفسي على سجيتها فقضيت ليلة ساهرة حائرة مفكرة محزونة. ~~ولكن الصباح لم يسفر حتى أسفر معه للنفس أمل لا يخلو من حزن ولكنه أمل على كل حال، من أجله ~~أفسدت الأمر على خديجة، ومن أجله خرجت من بيت المأمور، ومن أجله نفيت نفسي في هذه الدار، ~~فقد خلا الجو لي في المدينة، وأصبح من الممكن أن تتصل الأسباب بيني وبين هذا المهندس الشاب، ~~وأصبح من الممكن بل أصبح مما لا بد منه أن يكون الصراع بينه وبيني، فليعلمن بعد وقت قصير أو ~~طويل أذهب دم هنادي هدرا أم لا يزال على هذه الأرض من هو قادر على أن يظفر له بالثأر ويشفي ~~نفسه بالانتقام؟ # | الفصل العشرون # وقضيت بعد ذلك أسابيع حائرة أشد الحيرة، مرتبكة أعظم الارتباك، تضطرب الخواطر في نفسي ~~وتختلف وتزدحم دون أن أقدر على تنظيمها أو أجد لي منفذا منها إلى هذا الخاطر الذي كنت ~~أطلبه وألح في طلبه وأريد أن أطمئن إليه. فلم يكن بد من أن أتصل بخدمة هذا المهندس الشاب، ~~ولم تكن السبيل إلى ذلك ميسرة؛ فأنا عاملة في هذه الدار لا أجد من أهلها ما يزعجني عنها أو ~~ما يضطرني إلى فراقها، وسكينة عاملة عند المهندس، لا تجد منه ما يؤذيها، ولا يجد منها ما ~~يصرفه عنها أو يزهده فيها. # وكنت أجهد نفسي أثناء هذه الأسابيع إجهادا شديدا متصلا ألتمس مخرجا لي من هذه الدار ~~ومخرجا لسكينة من تلك، وأريد مع ذلك أن أجتنب الشر والإساءة ما وجدت إلى اجتنابهما سبيلا، ~~وكثيرا ما سمعت سادتي يتحدثون أثناء الغداء أو أثناء العشاء عن مبادلة يسعى فيها أكبر ~~أبناء الدار وكان موظفا في إقليم بعيد، وكان يريد ويريد أهله أن ينتقل إلى المدينة التي ~~نحن فيها ليعيش بين أهله مسرورا موفورا، فكان يسعى في أن يبادل موظفا في المدينة ليأخذ ms093 ~~كل منهما مكان صاحبه، وكان التراضي قد تم بينهما بعد أخذ ورد وبعد سعي وإلحاح، وكان ~~السعي متصلا في أن ترضى الحكومة عن هذه المبادلة، وكان الأمل يدنو حينا من هذه الأسرة ~~ويبعد حينا آخر، وكان رب البيت وربته يحرصان على تحقيق هذا الأمل أشد الحرص، ويكثران ~~الحديث فيه، وكانا يتصوران ابنهما وقد عاد إليهما بعد طول الغربة في أقصى الصعيد، وكانا ~~يهيئان له في أحاديثهما غرفته وينظمان فيها الأثاث ويذكران ما يجب أن يشتري من المتاع، ~~ويتحدثان بما سيتغير من نظام الدار إذا أقبل هذا الشاب الذي تعلم في المدارس وتعود حياة ~~الترف والنعيم، والذي يتكلم الفرنسية ويتأنق في اللباس، ولا يأكل كما يأكل أهل الدار جالسا ~~على الأرض إلى هذه المائدة المنخفضة، عليها هذه الصينية النحاسية البيضاء في الأيام ~~العادية، وعليها تلك الصينية الصفراء التي لم تكن توضع حتى يسرع إليها الصبيان والشبان ~~يتكلفون قراءة ما كان عليها من بعض النقوش قبل أن يرص الخبز عليها رصا فيخفي هذه النقوش ~~إخفاء. # نعم! ولم يكن يأكل بيديه كما يأكل أهل الدار، وإنما كان يصطنع هذه الأدوات التي يصطنعها ~~المترفون. وكان سيد البيت وسيدته يتحدثان بذلك منكرين له بأطراف ألسنتهما معجبين به أشد ~~الإعجاب في قلوبهما، وكان الشبان من أبنائهما يسمعون أحاديثهما هذه ويعرفون سخطهما الظاهر ~~وإعجابهما الخفي، فيبسمون صامتين ما أقام أبوهم، فإذا انصرف لشأنه امتلأت أفواههم بالضحك ~~وانطلقت ألسنتهم بالدعابة، وأمهم تسمع لهم وتنظر إليهم، منكرة عليهم بطرف اللسان معجبة بهم ~~في أعماق القلب، وكنت أنا أسمع الأحاديث كلها فألهو بها وأطيل التفكير فيها، فهل من سبيل ~~إلى أن تتم بين سكينة وبيني مبادلة كهذه التي يراد أن تتم بين ابن هذه الدار المنفي في أقصى ~~الصعيد وهذا الموظف القبطي المنفي في أدنى الأرض؟! # ولكن كيف السبيل إلى تحقيق هذه المبادلة؟ بل كيف السبيل إلى عرضها على سكينة أو التحدث ~~إليها فيها؟ بل كيف السبيل إلى تعليل هذه المبادلة لسكينة؟ وما الذي يزعجها عن منزلها هذا ~~الذي تطمئن ms094 إليه وتسود فيه لا تكاد تذعن لأحد ولا تلقى من أحد ما يلقاه الخدم من السادة؟ ما ~~الذي يزعجها عن هذا المنزل ويحملها على أن تنتقل منه إلى هذه الدار التي لا حظ لها من ترف ~~والتي ليس فيها هذا المهندس الشاب؟ وهب سكينة حنت واطمأنت إلى مثل هذا العرض السخيف، فكيف ~~يكون تعليل ذلك لسيدها؟ وكيف يكون تعليل ذلك لسيدتي؟ كلا! هذه أحلام ليس إليها من سبيل، ~~ومهما أجتهد ومهما أحاول فإن الشر لا ينال إلا بالشر، والإثم لا يدرك إلا بالإثم، ولن ~~أبلغ هذه الغاية التي أسمو إليها حتى أقتحم في سبيلها غمرات وأقترف في سبيلها ~~آثاما. # لا بد إذن من بعض الشر، ولا بد من أن أمكر حتى أقصى عن هذه الدار، ومن أن أكيد حتى تقصى ~~سكينة عن بيت المهندس الشاب، وما أسهل المكر حين تتهيأ له النفس! وما أيسر الكيد حين يطمئن ~~إليه الضمير! ومتى عجزت المرأة عن أن تبلغ من المكر والكيد ما تريد؟! لن أجد في تحقيق ما ~~أريد جهدا ولا مشقة إذا رضيت نفسي ما لا بد من أن ترضاه من الشر، واستباحت ما لم تكن ~~تستبيحه من الإساءة والإيذاء. # فأما سكينة فأمرها ميسور. وإنما هي زيارة للبستاني وإغراء له ببعض المال، واتفاق معه على ~~أن يفسد الأمر على هذه الفتاة ما وسعه ذلك، حتى إذا انتهى منه إلى ما أحب وأخرجت سكينة من ~~الدار؛ سعى إلى زنوبة من قبل سيده يلتمس خادما، ويومئذ ... # وأما مخرجي أنا من هذه الدار التي أعمل فيها فليس أيسر منه ولا أهون. لقد دخلت الدار ولم ~~تكن في حاجة إلي، وإنما قبلني أهلها رفقا وعطفا علي وإحسانا إلي ورعاية لعهد أمي، ~~فأنا عندهم ضيف، أستطيع أن أرحل متى شئت، وأستطيع أن أقيم ما أحببت، على أن ظروف الحياة لم ~~تضطرني إلى أن أتكلف الاستئذان في الرحيل والتماس العلل والمعاذير، وإنما قضت بأن أخرج من ~~هذه الدار إخراجا وأنبذ منها نبذا، وإني لأذكر قصة ذلك الآن فأبسم ms095 لها ابتساما ملؤه ~~الحنان والحب، وكثيرا ما ذكرت هذه القصة قبل اليوم فامتلأ قلبي حبا لهؤلاء الناس وحنانا ~~إلى هذه السذاجة التي كانوا يعيشون فيها والتي كانت تصور لهم أمورهم كلها في صورة الجد الذي ~~لا يشبهه جد، والتي لا يتحدث بها الناس في هذه الأيام إلا ضحكوا منها ساخرين إن كانوا قساة ~~القلوب، وابتسموا لها عاطفين إن كانوا يقدرون الذكرى ويحبون الحياة التي لا تكلف فيها ولا ~~رياء ...! # كان شباب الدار يعكفون أكثر النهار على كتبهم هذه التي أقبلوا بها من القاهرة، يقرءون ~~فيها قراءة متصلة لا يكاد يصرفهم عنها شيء، وكثيرا ما كانوا يدعون إلى طعامهم فيبطئون، ~~وكثيرا ما كان إبطاؤهم يغيظ أباهم ويملؤه بهم إعجابا ولهم حبا. وكان أهل الدار جميعا - ~~وربها أولهم - مقتنعين أشد الاقتناع بأن هؤلاء الشباب إنما كانوا يعكفون على هذه الكتب ~~حبا للعلم وإيثارا للدرس وجدا في التحصيل، وكانوا يتحدثون فيما بينهم بنشاط هؤلاء ~~الشباب الذين لا يكفيهم العمل طول العام الدراسي في القاهرة، ولكنهم يعملون أثناء الراحة ~~ويحرمون أنفسهم لذة الرياضة والاستمتاع بشيء من النعيم، وإنما هي الكتب إذا أصبحوا، وهي ~~الكتب إذا أمسوا، وهي الكتب إذا آن أن يقيلوا بعد الغداء، ما أشد فتنة العلم لهؤلاء الطلاب ~~الأذكياء الذين يحبونه أشد الحب ويأخذون منه بأعظم الحظ، ويريدون أن ينبغوا فيه وأن يظفروا ~~بالشهادات في غير إبطاء، وأن يكونوا موظفين بعد ذلك يتقاضون المرتبات في آخر الشهر ويؤدونها ~~كلها أو بعضها إلى أهلهم! # وكان أهل الدار يجدون في هذه الأحاديث لذة، ويطلقون خيالهم فيها إطلاقا، وكانت سيدة ~~الدار تتمثل هذا كله وتتوسل في تحقيقه وتعجيله إلى الله بهذا الدعاء الساذج اليسير الذي ~~تجري به ألسنة أمثالها من أهل المدن والقرى، وتكثر في الوعد بالنذور المختلفة لهذا الشيخ ~~وذلك الولي. # وكان رب الدار لا يكف عن التحدث بنشاط أبنائه وعكوفهم على الكتب أكثر النهار وشطرا من ~~الليل، حتى لقد كان يغيظ أصحابه ويملأ قلوبهم حسدا، ثم يتحدث بذلك إلى زوجه فيملأ قلبها ~~خوفا ms096 من الحسد والحاسدين، وكان هذا الرجل الطيب الكريم يجد لذة في أن يختلس الوقت من حين ~~إلى حين وينتهز الفرصة التي يغيب فيها أبناؤه عن هذه الغرفة التي رصت فيها الكتب رصا ~~فينسل إلى الغرفة انسلالا كأنه اللص، ويقف أمام هذه المائدة أو هذه الموائد التي نظمت ~~عليها الكتب تنظيما، ويلقي على هذه الأسفار نظرات ملؤها الإكبار والإجلال، وقد يمد يده في ~~تحفظ واحتياط إلى هذه الكتب فيمسها مسا ويمسحها مسحا يسيرا، كأنه يتبرك بها ويلتمس ~~عندها ما يلتمسه عند الأولياء والقديسين إذا لقيهم أحياء أو زار قبورهم أمواتا. # وقد يدفعه حب هذه الكتب وكلفه بها وحاجته الشديدة إلى الاستطلاع إلى شيء من الجراءة، ~~فيأخذ كتابا منها وينظر فيه ليحفظ عنوانه وليتحدث به إلى أصحابه إن خرج إليهم، أو ليقرأ ~~فيه سطرا أو أسطرا يفهمها أو لا يفهمها، وهو يؤثر فيما بينه وبين نفسه ألا يفهمها، فذلك ~~أدنى إلى الإعجاب وأشد إمعانا فيما ينبغي للعلم من الغرابة والارتفاع عن عقول العامة ~~والجهلاء، وهو أدنى إلى ما ينبغي من الإعجاب بهؤلاء الشبان الناشئين الذين يعرفون ويفهمون ~~ويسيغون ما لا يعرف آباؤهم ولا يفهمون ولا يسيغون. وكثيرا ما كان يظهر هذا الرجل ميلا فيه ~~كثير من الحياء والتردد إلى أن يحدثه أبناؤه ببعض ما يقرءون ويعطوه شيئا من هذه الكنوز ~~التي يملئون بها قلوبهم وعقولهم إذا أصبحوا وإذا أمسوا، ولكنه كان شقيا دائما لا يكاد ~~يلمح لأبنائه ببعض ذلك حتى يجد منهم نفورا وازورارا، فيضطر إلى الصمت والرضا بما هو فيه ~~من جهل وحرمان. وكثيرا ما كان يتحدث إلى زوجه ببخل العلماء وضنهم بالعلم وإيثارهم أنفسهم ~~بلذاته وثمراته، يتحدث بذلك متألما محزونا أو ثائرا مغضبا، فتعزيه زوجه وتهدئه وتزعم له ~~صادقة أو متكلفة أن العلماء إنما يبخلون بالعلم على غير أهله إكراما للعلم وإشفاقا على ~~الجهلاء من أن يشق عليهم ما يسمعون، فيقبل منها أو يجادلها فيه. # وكذلك كان هؤلاء الشبان وكتبهم بمكان الإعجاب والتقديس من هذه الأسرة الساذجة، ولكن الدار ~~اضطربت ms097 ذات يوم أشد الاضطراب، وفسد فيها أو كاد يفسد كل شيء، وقضى أهلها يوما منغصا كله ~~شر ويأس، وأمل خائب وظن كاذب، وكنت أنا مصدر هذا البلاء، فكفرت بخروجي من الدار عما ~~جنيت من سيئة، وما كان أسعدني بهذا الخروج! # ولم أكن أقل من صاحب البيت كلفا بالانسلال إلى غرفة الكتب والنظر إليها والقراءة فيها، ~~بل كنت كما قدمت أتجاوز حظ صاحب البيت من هذا كله فأختلس الكتب اختلاسا وأخفيها بيني وبين ~~ثوبي، وأخلو إليها في حيث لا أرى ساعات تقصر أو تطول، ولكنها كانت تمتلئ دائما باللذة ~~والمتاع، وكنت قد لاحظت كتابا دميم المنظر قبيح الشكل، رديء الطبع والورق، يعكف عليه هؤلاء ~~الشبان عكوفا متصلا، يستبقون إليه استباقا ويتنافسون فيه تنافسا ويشتد اختصامهم فيه، ثم ~~ينتهون إلى أن يتفقوا على أن يتداولوه فيما بينهم لكل واحد منهم وقت معلوم، فدفعت إلى أن ~~أعرف هذا الكتاب وأتبين ما يخفيه شكله الدميم وطبعه الرديء وورقه الحقير وجلده المبتذل ~~البالي، من هذا السحر الذي خلب هؤلاء الشباب ودفعهم دفعا إلى التهالك عليه والتنافس فيه. ~~وكثيرا ما التمست هذا الكتاب فلم أجده قريب المنال بين هذه الكتب المرصوصة المعروضة، ~~فتبينت أن هؤلاء الشبان لا يكادون يفرغون من النظر فيه حتى يخفوه إخفاء، فلم يزدني ذلك إلا ~~كلفا به وتتبعا له وإلحاحا في البحث عنه، وأعلم ذات يوم أن هؤلاء الشبان مدعوون إلى ~~الغداء، وأن الغرفة ستخلو لي ساعات من نهار، وأني سأستطيع أن أبحث عن هذا الكتاب، وقد أقسمت ~~لأجدنه ولأنظرن فيه ولأقضين معه أطول ما أستطيع أن أقضي معه من الوقت. # وقد انصرف الشبان إلى وليمتهم، وتخففت من أثقال ما كان علي من عمل، فانسللت مسرعة رشيقة ~~سريعة النشاط إلى الغرفة، ومضيت في البحث غير قليل، وإذا أنا أظفر بما كنت أبتغي، فياللبهجة ~~وياللغبطة، وياللسعادة وياللرضا! هذا الكتاب بين يدي، دميم الصورة، قبيح الشكل، حقير الورق، ~~رديء الطبع، ولكن اسمه «ألف ليلة وليلة». وأنا أقرأ فيه وأنا أمضي في القراءة، وأنا أنسى ms098 ~~نفسي وأنسى مكاني، ولكن ماذا أسمع وماذا أرى؟ هذا باب الغرفة يفتح في غير احتياط، وهذا رب ~~الدار يدخل! فقد كان مثلي ينتظر أن تخلو له الغرفة ليقف من هذه الكتب موقف الإكبار، ولينظر ~~إليها نظرة التقديس، وليمد إليها يده ملاطفا ملاعبا، ثم ليقرأ من أسمائها وسطورها ما يبهر ~~به أصحابه إذا خرج إليهم آخر النهار، ولكنه يراني أنظر في الكتاب، وفي كتاب لم يتعود أن ~~يراه! فهو يسألني ماذا أصنع، وما أنا وهذه الكتب؟ وأحاول أنا أن أخفي الكتاب الذي كنت أنظر ~~فيه، ولكنه قد أسرع فأخذه من يدي، ثم زجرني زجرا عنيفا وطردني من الغرفة طردا. # على أنه لم يطل المقام في هذه الغرفة وإنما خرج منها بعد قليل ثائرا ساخطا، وأقبل على ~~زوجه وفي يده هذا الكتاب فألقاه في وجهها إلقاء، واندفع في غضب لا حد له وفي شتم لا ينتهي ~~ساخطا على زوجه المسكينة وعلى أبنائه البائسين، صابا عليها نذرا متصلة بالكوارث ~~والأحداث، معلنا إليها في غيظ عنيف مرة وفي حزن أليم مرة أخرى، خيبة أمله في هؤلاء الأبناء ~~الذين كان يظنهم محبين للعلم مؤثرين له متهالكين عليه، فإذا هم أصحاب عبث ولهو ومجون، وإذا ~~هم ينفقون وقتهم في قراءة هذا الهذيان. ومن يدري! لعلهم ينفقون وقتهم في هذا أثناء إقامتهم ~~في القاهرة على حين يظن هو أنهم يجدون ويعملون ويحصلون العلم، وهو إذن إنما يجد ويكد ~~وينفق حياته وماله ليمضي أبناؤه في هذا السخف وفي هذا اللهو الآثم القبيح، وهم لا يضيعون ~~وقتهم وجهدهم وجد أبيهم وكده وماله وأمله فحسب، ولكنهم يخربون بيت أبيهم بأيديهم كأنهم ~~يجهلون أن هذا الكتاب لم يدخل بيتا إلا خربه تخريبا. # ثم يعود الرجل إلى غرفة الكتب فيقلب كل ما فيها تقليبا، وما يزال يبحث حتى يظفر بأجزاء ~~الكتاب كلها، ثم يعود بها منتصرا ساخطا معا، ثم يمزقها تمزيقا، ولا يطمئن حتى يشعل فيها ~~النار! وقد نغص يوم الأسرة فلم يذق الرجل ولا أهل الدار فيه طعاما. # وعاد الفتيان آخر ms099 النهار، فلا تسل عما سمعوا ولا عما رأوا، ولا عن صمتهم حين صمتوا ولا عن ~~قولهم حين قالوا. ولكن النتيجة الأولى والأخيرة فيما أظن لهذا كله هي أني طردت من الدار ~~طردا، ورجعت إلى بيت زنوبة وإلى غرفتها، فقضيت فيها أسابيع أنتظر ما يجري به القضاء، وما ~~تنتهي إليه حيلة البستاني الذي ضوعف له الأجر. # | الفصل الحادي والعشرون # «ستعملين إذا كان الغد يا آمنة، وستعملين عملا يرضيك كما لم يرضك عمل من قبله قط، لا ~~تذكري بيت المأمور، ولا تذكري بيت فلان هذا الذي دفعتك الحماقة فيه إلى هذا الذنب العظيم، ~~ستعملين عملا مريحا فيه مال كثير، ونعيم كثير، ومتاع كثير، ستعملين ... ستعملين وستسعدين، ~~ليتني كنت مكانك، ليت سني تعود إلى حيث أنت من العمر، ستعملين وستسعدين ...!» # قالت ذلك وهي مضطربة أشد الاضطراب، مبتهجة أشد الابتهاج، يدفعها الفرح والمرح إلى أن تأتي ~~حركات مختلطة فيها الرقص والقفز، وفيها الجد والهزل، وفيها الدعابة التي ليس بعدها دعابة، ~~والمجون الذي ليس بعده مجون، حركات على الوجه، وحركات باليدين، وحركات في الجسم كله مجتمعا ~~وفي أعضائه متفرقة، حركات هي إلى الجنون والاختلاط أدنى منها إلى الفرح المعتدل الذي يصدر ~~عن نفس مرحة وعقل متزن، ولم تكتف زنوبة باضطرابها هي، وإنما انقضت علي انقضاضا، فقبلتني ~~وأنهضتني وراقصتني ودارت بي حول الغرفة دورانا متصلا سريعا حتى انتهت بي وبنفسها إلى ~~السقوط، كل ذلك وهي مندفعة في حركاتها وأحاديثها، لا تمكنني من أن أقول كلمة أو أنطق بحرف ~~أو آتي من الحركات غير ما تريد، قد استحالت إلى جنية وأصبحت الغرفة ميدانا لاضطرابها ~~المختلط الذي لم يقف ولم يهدأ إلا حين أسقطها الدوار وأسقطني معها على الأرض وحين أفاقت منه ~~بعد قليل ... # هنالك استطاعت أن تتكلم كلام العاقلة، واستطعت أن أسمع لها وأن أفهم عنها، فعلمت أن ~~المهندس في حاجة إلى خادم، وأنه قد أرسل يتقدم إليها في أن تلتمس له هذه الخادم، وأنه ~~يمنحها على ذلك أجرا يختلف باختلاف الخادم التي تقودها إليه مع الصباح ms100 إذا كان الغد، وهي ~~مبتهجة لي وهي مبتهجة لنفسها؛ فما أكثر ما قدمت لهذا الشاب من خدم! وما أكثر ما تقاضت ~~منه أجر ما قدمت! ولكنها لم تقدم إليه يوما من الأيام فتاة مثلي، لها مثل ما لي من جمال ~~الوجه، واعتدال القد، ورجاحة العقل، ومهارة اليد، والعلم بحاجات الشبان المترفين، سيكون ~~أجرها مضاعفا، أما أنا فسأسعد السعادة كلها في هذا البيت الأنيق الجميل، وفي خدمة هذا ~~الشاب المترف الغني الوحيد. لن تأمرني سيدة الدار، ولن ينازعني خدم الدار. سأكون وحدي صاحبة ~~السلطان المطلق على بيت هذا الشاب وعلى قلبه إن أحببت! فقلبه مباح لمن يحسن الوصول إليه ~~والاستيلاء عليه. # قالت ذلك وأرسلت شهيقها المرتفع، وشخيرها المنكر، وضحكها العالي، ثم انقضت علي وضمتني ~~إليها ضما عنيفا وهي تقول: «إني لأغبطك وأحسدك معا؛ أغبطك لأني أحبك، وأحسدك لأني أود ~~لو أكون مكانك وأظفر بالسلطان على ما يحتوي هذا البيت من نعيم.» # وأنا أسمع منها وأبسم لها وأرفق بها، فلا أنبئها بأني قد دبرت لهذا اليوم تدبيرا، وأعددت ~~له إعدادا، واشتريته بالمال، وانتظرت مقدمه واثقة بأنه سيقدم، مطمئنة إلى أنه سيحين، ولم ~~أظهرها على هذا كله، وأمري كله في حاجة إلى الحزم وفي حاجة إلى المكر والكيد. # نعم! لم أنبئها من هذا كله بشيء، ولم أنبئها حين أصبحنا بأني لم أذق النوم لحظة في هذه ~~الليلة الطويلة التي فرقت بين نفسين، وإنما قضيت الليل كله يقظة، أفكر في أمس البعيد وأفكر ~~في اليوم، وأفكر في غد وفيما بعد غد، على حين كانت تحلم بما باعت وما ستبيع من حب، وبما ~~أخذت وما ستأخذ من أجر، وبما ذاقت وما بقي لها أن تذوق من لهو، وعلى حين كانت أحلامها هذه ~~المختلفة تدعو جسمها أن يأتي حركات مختلفة تلائمها، وتدعو لسانها إلى أن ينطق بجمل متقطعة ~~مختلفة توافقها، وكنت أرى ذلك منها وأسمعه، فأرثي لها وأرثي لنفسي أيضا: أرثي لها في ~~حياتها هذه الصغيرة الحقيرة التي خلت من كل حس دقيق، أو شعور عنيف ms101 ، أو تفكير عميق، وأرثي ~~لنفسي من حياتي هذه المضطربة التي يملؤها الحس والشعور والتفكير، وتفعمها الأحداث ~~والخطوب. # نعم! قضيت الليل كله مؤرقة، وليس من شك في أنه كان طويلا، وليس من شك في أنه كان ~~ثقيلا لو فرغت له، ولكني شغلت عن الليل ببنات الليل، شغلت عن طول الليل وثقله بصورتك أيتها ~~الأخت العزيزة البائسة هذه التي لم تكد تحس أني خلوت إلى نفسي حتى تراءت لي، ثم دنت إلي ثم ~~استقرت مني غير بعيد، ثم أخذت تتحدث إلى نفسي حديثا أعقله ولا أسمعه، وأجد له في قلبي ~~وقعا لاذعا حلوا معا، صورتك هذه التي رأيتها كما كنت أراها حين ذهبنا إلى الغرب، وكما ~~كنت أراها في بيت العمدة قائمة تحت السماء ذاهلة لا تحس شيئا ولا تلتفت إلى شيء، وكما كنت ~~أراها حين كنت أنبهك إلى نفسك وإلى مكاني منك، وحين كنت أتحدث إليك وأستمع لك، وحين كنت ~~أواسيك وأعزيك وأجتهد في أن أفيض عليك السكينة وأشيع في قلبك الأمن والهدوء. # ها أنت ذي تسعين إلي وتجلسين إلى جانبي، وهذا رأسك قد مال حتى استقر على كتفي، وهذي يدي ~~تلاطف خدك وتبللها دموعك المنهمرة الصامتة، وها أنا ذي أخلي بينك وبين البكاء حينا وأمضي ~~معك فيه، ثم أثوب إلى الهدوء وأردك إليه، وهذه يدي تلاطف شعرك الغزير ملاطفة متصلة حتى ~~يملكك الأمن ويوشك النوم أن يضم عليك ذراعيه، ولكنك تنهضين وتذهبين، ثم تعودين لي بعد قليل ~~واجمة ثم مروعة، وأنا أستقبلك رفيقة بك مهدئة لك. وهذه الأشباح الحمراء تتراءى لنا كما ~~كانت تتراءى لنا في بيت العمدة قبل أن نأخذ في هذا السفر الأثيم، ولكنك لا تكادين ترين هذه ~~الأشباح الحمراء حتى تهيمي وتنهضي إليها، وتستحيلي إلى شبح أحمر بين هذه الأشباح الحمراء! ~~وها أنتن أولاء تطفن بي وتضطربن من حولي وتستبقن إلى أذني تردن أن تلقين فيها ألوان الحديث. ~~وها أنا ذي مروعة مفجعة، أرى الجنون وأشفق منه وأهم أن أصيح، وأذكر مكاني في دارنا تلك في ~~أقصى ms102 الريف نحو الغرب أثناء العلة. وها أنا ذي أرى الينبوع الكريه يتفجر منه ذلك الدم ~~الغزير. وها أنا ذي أنهض خائفة مولهة، أريد أن أفر من هذه الغرفة، ولكن إلى أين؟! # نعم! إلى أين والليل ساكن جاثم؟ وأين تستطيع فتاة مثلي أن تذهب والليل ساكن جاثم؟ لأوقظن ~~هذه المرأة التي تختلف عليها الأحلام وتنعم بلذة النوم في ناحية من نواحي هذه الغرفة، ~~لأوقظنها ولأقضين معها بقية الليل في الحديث ... ولكني لا أكاد أسعى إليها حتى تأخذني الأشباح ~~من كل مكان، وحتى تسعى إلي أختي وعلى وجهها ابتسامة شاحبة حزينة مستعطفة، وهي تلقي في ~~نفسي هذه الكلمات التي تقع منها مواقع السهام المحرقة: لا توقظيها إنها تخيفنا، وإن أيقظتها ~~تطردنا، ماذا تخافين منا؟ لقد طالما ألفتنا وألفناك، أفنسيتنا إلى هذا الحد؟! كلا! كلا! لم ~~أنسكن ولن أنساكن، ولن أذودكن عن نفسي، ولن أوقظ هذه المرأة التي تخيفكن. أقمن معي، أطفن ~~بي، تحدثن إلي، فمن يدري! لعلي أن أكون في يوم من الأيام واحدة منكن، لعلي أن أكتسي هذا ~~الرداء الأحمر القاني الذي تكتسينه والذي يدعوني إليكن ويخيفني منكن ...! # وهذا صوتك أيها الطائر العزيز يحمله إلي الهواء من بعيد فيبلغني نحيلا ضئيلا، ولكنه ~~على ذلك يشيع في سكون الليل كما يشيع الضوء في الجو ... # وهذا صوتك أيها الطائر العزيز يدنو مني شيئا فشيئا فيملؤني أمنا ودعة وهدوءا وحزنا ~~معا. إنه يردني إلى اليقظة الخالصة التي تشعر بنفسها وتفكر في نفسها وتذكر ما مضى على علم ~~به وتقدير له، وتستقبل ما سيأتي في روية وبصيرة واستعداد للاحتمال ... # نعم! إن صوتك ليملأ أذني، وإنه ليملأ قلبي، وإنه ليغمر نفسي، وإني أفهم عنه ما يريد، وإني ~~لأذكر أختي ومصرعها، وإني لأعرف من دفعها إلى الموت، كما أعرف من أذاقها الموت، وإني لأعلم ~~حق العلم أني ساعية إذا كان الغد إلى بيت هذا المهندس فمقيمة فيه حيث كانت أختي، فناهضة بما ~~كانت تنهض به أختي من العمل، فمنتهية بعد إلى شيء آخر غير الذي انتهت إليه ms103 أختي في ذلك ~~الفضاء العريض ... # لقد سمعت منك أيها الطائر العزيز، وفهمت عنك، وهذا عقلي يثوب إلي، وهذه قوتي ترد علي، ~~وها أنا ذي أنتظر الصبح لأسعى إلى هذا المهندس وإن قلبي لمظلم أشد الإظلام، وإن وجهي لمبتسم ~~أجمل الابتسام. # | الفصل الثاني والعشرون # وأقبل سيدي الجديد علي مبتسما راضيا يحدق النظر في وجهي تحديقا طويلا، ثم يفصل ~~النظر إلى جسمي كله تفصيلا، كأنه يمتحن متاعا يريد أن يشتريه، ولو قد استطاع لنهض إلي ~~فاختبرني اختبارا وتعرفني باللمس، ولكنه كان فيما يظهر قد احتفظ لنفسه ببقية من حياء، ~~فاكتفى بهذه النظرات المتصلة الطوال التي تجرد المرأة من ثيابها تجريدا، والتي كنت ألقاها ~~مضطربة لها أشد الاضطراب ثائرة لها أشد الثورة. # ولكني كنت أتمالك ما وسعني الجهد وضبط النفس، حتى لا يرى علي اضطرابا ولا ثورة ولا ~~شيئا ينكره، وهو يسألني عن اسمي، وعن أهلي، وعن أمري كله، فألفق له من ذلك ما ألفق، وأزين ~~له من ذلك ما أزين، وهو يسمع مني مصدقا لي أو غير حافل بما يسمع، إنما يريد أن يعرف صوتي ~~ووقع حديثي، ثم هو يأمرني أن أقبل وأن أدبر، وأن أدنو وأن أبعد، وأن أنحرف إلى يمين وأن ~~أنحرف إلى شمال، وأنا أستجيب لكل ما يدعوني إليه، وقد هدأ اضطرابي وسكنت نفسي، وعاودني ~~صوابي، وأنا أتحدث إلى نفسي بأن هذا الفتى يعرف حقا كيف يكون شراء الرقيق ...! # ثم يقبل آخر الليل ولم يكن يقدر أني سألقاه قائمة باسمة. أقبل إلي في ظلمة الليل يسعى ~~كأنه الحية أو كأنه اللص، ولكنه لم يكد يبلغ باب الغرفة ويتبين شخصي ماثلا في وسطها وعلى ~~وجهه ابتسامة شاحبة كأنها ابتسامة الأشباح، حتى أخذه شيء من الذعر، فتراجع خطوات ثم قال في ~~صوت أبيض جعل يأخذ لونه الطبيعي قليلا قليلا: ماذا؟ ألا تزالين ساهرة إلى الآن؟ أتعلمين ~~أين أنت من الليل؟ قلت: لقد جاوزت ثلثيه، وما كان ينبغي لي أن أنام قبل أن ينام سيدي، فما ~~يدريني! لعله يحتاج إلى شيء. # قال ms104 وقد عاد إليه ثباته وهدوء نفسه، واسترد صوته شيئا من قحته المألوفة ودعابته البغيضة: ~~ما رأيت قبلك خادما مثلك تحسن العناية بسيدها وتسهر منتظرة لمقدمه إلى آخر الليل، لقد كنت ~~أحسبك نائمة كما تعودت أن أرى من سبقك في خدمتي، وكنت أقدر أني سأجد في إيقاظك بعض الجهد، ~~فلست أدري ما بال نوم الخدم يثقل حتى كأنهم أموات! قلت: فقد أرحت سيدي من هذا الجهد، ~~وانتظرت مقدمه كما تعودت منذ اصطنعت خدمة المترفين الذين لا يحبون إنفاق الليل في دورهم؛ ~~فليأمر سيدي بما يريد. قال وهو يضحك ضحكا سمجا وقد مد إلي يدا وودت لو استطعت قطعها، ~~ولكن تراجعت حتى لا تبلغني: فإن سيدك يأمرك أن تتبعيه. ثم انحدر إلى غرفته ومضيت في أثره ~~... # وصدق المسكين أني كنت أنتظره، ولو قد نفذ إلى قلبي واستمع إلى أحاديث نفسي لعرف أني لم ~~أكن أرقة في انتظاره، وإنما كنت أسامر أشباحا حمراء لو رآها لملئ قلبه رعبا ولولى ~~منها فرارا، ولكن لم ير إلا إياي، ولم يفكر إلا في، وماله وللأشباح الحمراء! # | الفصل الثالث والعشرون # وعدت إلى غرفتي بعد ساعة، راضية عن نفسي كل الرضا، مطمئنة إلى قوتي كل الاطمئنان، فقد ~~بلوت الخصم ولقيت العدو في ميدانه الذي اختاره هو، وكانت بيني وبينه مقدمات النضال، فلم ~~أضعف له، ولم أشفق منه، وإنما ثبت له ثباتا، ثم انصرفت عنه وقد علقته بين السخط والرضا، ~~ووقفته بين اليأس والأمل. لم أجد في شيء من هذا كبير مشقة، ولم أحتمل في شيء من هذا عظيم ~~عناء، وإنما هو الابتسام المطمع المغري، والاحتشام الذي يفل العزم ويثبط الهمم، ويبسط سلطان ~~الحياء على النفس فإذا هي ترتد بعد امتدادها، وعلى الوجه فإذا هو يظلم بعد إشراقه. # وقد كنت أقدر أن المعركة الأولى ستكون عنيفة يملؤها الهول، ويحدق بها الخطر، وتنتهي إلى ~~الفصل فيما يكون بيني وبين هذا الشاب فإما ضعف واستئثار، وإما قوة وانتصار، يتبعها الطرد ~~العنيف من هذه الدار، ولكني ملكت أمري وملك هو من أمر ms105 نفسه ما جعل المعركة الأولى مقدمة لا ~~خاتمة، وما أجل الفصل في هذه الخصومة إلى أجل ظنه قريبا ورأيته بعيدا، وقد انصرفت عنه بعد ~~أن أعنته على بعض أمره وهيأت له ما يحتاج إليه، وتركته كاسف البال يظهر الرضا والابتهاج، ~~وهو يقول: لا بأس! إنك في حاجة إلى التربية والتمرين. # ولم أكد أثوب إلى غرفتي وأغلق بابها من دوني إغلاقا محكما حتى تراءت لي أختي وهذه ~~الظلال التي ترافقها، كأنما كن ينتظرنني ليعلمن علمي وليسمعن نبأ ما أبليت مع الخصم من ~~بلاء، ولقد هممت أن أتحدث إليهن، وأقص عليهن ما سمعت وما رأيت، وما عملت وما أبيت، ولكن ~~ماذا؟ إنهن ينظرن إلي نظرا قصيرا، ثم يلمع في وجوههن الشاحبة ابتسامة الرضا، ثم يستخفين ~~استخفاء كأنما ابتلعهن الظلام ابتلاعا، وكنت أظن أني سأنتظر معهن مطلع الفجر، سامرة كما ~~كنت أسمر منذ حين قبل أن يرقى إلي سيدي كأنه اللص، ولكني ألتمسهن من حولي فلا أرى لهن ~~محضرا ولا مظهرا، وألتمسهن في نفسي فلا أظفر منهن بشيء. لقد غبن عن عيني وغبن عن نفسي، ~~وكأنهن أمرن الذكرى أن تتبعهن وتمضي إلى حيث مضين، فأنا أريد أن أذكر فلا أستطيع، وأريد أن ~~أفكر فلا أجد سبيلا إلى التفكير، وأنا آوي إلى مضجعي وقد كنت أزمعت ألا آوي إليه، ولكن ~~للقوة البدنية حدا، ولكن للتعب سلطانا هو باسطه، وغاية هو بالغها، ولقد قضيت ليلة لم أذق ~~فيها النوم، وهذه الليلة الثانية قد انقضى أكثرها، وكادت توالي نجمها تتغور، فلا بد إذن ~~من بعض الراحة سواء أرضيت أم كرهت ... # ومن أجل هذا فارقتني أيتها الأخت العزيزة، وفارقتني معك هذه الظلال الحمراء. إنكن لرفيقات ~~بي شفيقات علي، وما يمنعكن من ذلك وأنا عندما تردن، لم أهن ولم أضعف، ولم أنهزم لهذا ~~العدو الماكر القوي! ليت شعري! أكنتن ترفقن بي، وتشفقن علي، وتنصرفن عني وتخلين بيني وبين ~~النوم، لو أني خالفت عن أمركن واستجبت أو أظهرت الاستجابة لذلك الدعاء البغيض الذي كان ~~يرسله إلي سيدي بالعين واليد ms106 واللسان؟! # | الفصل الرابع والعشرون # على أن الأمر بين سيدي وبيني لم يلبث أن تعسر بعد يسر، وتعقد بعد سهولة، واشتد بعد لين، ~~فلكل شيء أجل، وللصبر أمد ينتهي إليه، وللمطاولة غاية تقف عندها، والمياسرة خير إلا أن ~~تستحيل إلى ضعف وإذعان، وما ينبغي لسيدي أن يظهر مظهر الضعيف المذعن لخادم مثلي ليس لها حول ~~ولا طول، وهي لا تأوي إلى ركن شديد، ولا تعتز بقوة تحميها من بأسه وتعصمها من سلطانه، وإنما ~~هي كلمة منه تبقيها في داره عزيزة مكرمة أو تخرجها من هذه الدار ذليلة مشردة، وقد علق سيدي ~~هذه الكلمة في طرف لسانه أياما وأياما، يهم بأن يرسلها حتى إذا بلغت شفتيه وكادت ~~تتجاوزهما إلى الهواء الذي يحملها إلي ردت إلى مكانها واستقرت في موضعها من طرف اللسان ~~استقرارا وأطبقت شفتاه من دونها إطباقا. # ومدت لي أسباب البقاء في هذه الدار يوما أو بعض يوم ريثما يخرج سيدي لبعض شأنه، ثم يعود ~~فيدعوني إلى ما كان يدعوني إليه في هذا الإلحاح المتصل، المضحك المحزن، الذي يفسد على الرجل ~~أمره ويظهره قويا كأنه الليث وضعيفا كأنه الفأر، عزيزا كأنه السيد وذليلا كأنه العبد، ~~ويطلق لسانه بما شاء له الهذيان من هذه الكلمات الجوفاء التي يملؤها الاستعطاف حين تكون ~~نذيرا ووعيدا، ويملؤها المكر والكيد حين تكون استعطافا واسترضاء، وتصور دائما نقيض ~~معانيها الظاهرة، وتعبر دائما عما لم يرد صاحبها إليه، ويملأ نظراته بهذا الشرر المحرق ~~حينا، ثم بهذا الانكسار الذليل حينا آخر، ويجعله يدور حول غايته التي يشتهيها وأمنيته ~~التي يبتغيها، كما يدور العابد حول الصنم وكما يدور اللص حول البيت يبتغي ثغرة ينسل منها ~~إليه! # نعم! كذلك كنت ألقى سيدي مع الصبح باسمة مشرقة الوجه، أحمل إليه قدح الشاي وبعض الفاكهة ~~قبل أن يثب من سريره، وقد كان سيدي يحيا حياة الإنجليز، فلا أكاد أدخل عليه حتى ترتفع إلي ~~عيناه وقد ملأتهما عواطف شديدة الاختلاف، ومعان عظيمة التناقض، فيها الحب وفيها البغض، ~~فيها الأمل وفيها اليأس، فيها الوعيد وفيها ms107 الخوف، فيها الشهوة وفيها الزهد، فيها القرب ~~وفيها البعد. وأنا أرى هذا وأحسه وأفهمه، ولكن؛ يا لقوة النساء! إني لأقبل عليه بالشاي ~~والفاكهة والتحية كأني لا أرى شيئا، ولا أحس شيئا، ولا أفهم شيئا، ثم أنصرف عنه وفي نفسي ~~ما فيها من الرضا، وفي قلبي ما فيه من الإشفاق؛ فقد كنت راضية عن نفسي وساخطة عليها، وقد ~~كنت شامتة في سيدي ومشفقة عليه، وقد كنت أرضى لنفسي ما أنا فيه من الإطماع والامتناع، ومن ~~القرب والبعد؛ لأعذب هذا الشاب الذي قتل أختي. وكنت أنكر على نفسي هذا كله، وأراه لعبا ~~بالنار، وتكلفا للشر، وإمعانا في الإثم، وقد كنت أرى أني قد خلقت لنفسي جوا من الرذيلة ~~أعيش فيه إذا أصبحت، وأعيش فيه إذا أمسيت، وأتنفس هواءه المنكر، وأبعث فيه سما زعافا. ~~فما هذا الكيد الذي أكيده؟ وما هذا المكر الذي أمكره؟ وما هذا التفكير الآثم الذي أملأ به ~~رأسي وقلبي؟! أصبح فأفكر في هذا الشاب لأغويه وأضنيه وأنغص عليه يومه، وأمسي فأفكر في هذا ~~الشاب لأدنيه وأقصيه وأؤرق عليه ليله؛ وأنا فيما بين ذلك لا أنفك أفكر فيه، عاطفة مرة، ~~وصادقة مرة أخرى، لينة حينا وقاسية حينا آخر. # هذا كثير! وأكثر منه أن تفرغ له فتاة كانت تستطيع أن تفرغ لما هو أطهر منه وأنقى، وأكثر ~~من هذا وذاك أن يستسلم هذا الشاب لما يغمره من ضعف، ويتورط فيما يبث حوله من شباك، ويتعلق ~~بفتاة مهما تكن فهي ليست شيئا، والفتيات غيرها كثير يستطيع أن يلتمسهن متى شاء وكيف شاء، ~~وأي شيء أيسر من أن يرسل بستانيه إلى زنوبة أو إلى امرأة أخرى من أشباه زنوبة، فلا ينقضي ~~اليوم حتى تكون عنده فتاة أو فتيات يختار من بينهن من يشاء! فما أكثر هؤلاء الفتيات اللاتي ~~يلتمسن العمل في المدينة قد نشأن فيها أو انحدرن إليها من الريف كما انحدرت أنا منذ أعوام؛ ~~ولكن نفس الإنسان ضعيفة حقا، وقوية حقا، لقد أقبلت علي نفس سيدي كما أقبلت على غيري ~~تلتمس عندي ms108 الحب ولذاته وآثامه، فلما وجدت مني امتناعا عليه وصدودا عنه ونفورا ملحا ~~منه، أعرضت عن الحب ولذاته وآثامه، أو أرجأت الحب ولذاته وآثامه وتعلقت بي أنا، تريد أن ~~تقهرني وتغلبني على أمري وتنتصر علي، وتظفر مني بما تريد. # فسيدي لا يطلب عندي الآن حبا ولا لذة ولا إثما، وإنما يطلب إلي خضوعا وإذعانا ~~واستسلاما. هو يريد أن ينتصر لا أن ينعم، ومن يدري! لعله إنما يؤجل إقصائي عن داره حتى يتم ~~له النصر، ويتحقق له الفوز، فيخرجني ذليلة صاغرة قد آمنت له وأذعنت لسلطانه! ويكفي أن يخطر ~~لي هذا الخاطر وإذا أنا مثله متعلقة بالعناد، ملحة في الخصام، قد نسيت الانتقام أو كدت ~~أنساه، وأعرضت عن أختي وظلالها الحمراء أو كدت أعرض عنهن، ولم أتمثل إلا عدوا يريد أن ~~يقهرني، ولا بد من أن أقهره، وسيدا يريد أن يبسط سلطانه علي، ولا بد أن أبسط سلطاني ~~عليه. # وكذلك اتصلت حياتي في هذه الدار هادئة في ظاهر الأمر مضطربة أشد الاضطراب وأعظمه نكرا في ~~حقيقة الأمر. ألقى سيدي باسمة ويلقاني باسما، ثم لا يتصل اللقاء بيننا حتى يستحيل الابتسام ~~إلى عبوس، والرضا إلى سخط، وإذا هو يدعو فآبى، ويلح في الدعاء فألح في الإباء، ويغري فأرتفع ~~عن الإغراء، وينذر فأستخف بالنذير، ويستعطف فأقسو على الاستعطاف. # ثم - ياللهول! - ماذا أرى؟ وماذا أسمع؟ وماذا أجد؟ هذا سيدي ماثلا بين يدي يتلطف ويترقق ~~ثم يستعطف ويستجدي، ثم هذا هو جاثيا بين يدي كأنه يتقدم إلي بالصلاة، ثم هذا هو باكيا ~~في صمت، ثم هذا هو مجهشا بالبكاء، وها أنا ذي أكاد أضعف ويكاد يأخذني الإشفاق لولا أن أجمع ~~قوتي كلها ونفسي كلها وأدعو إلي أختي وظلالها الحمراء ألتمس منهن العون، وأستمدهن قوة إلى ~~قوة. # وأمضي بعد ذلك فيما كنت فيه من إباء، ثم ينتهي الأمر بيننا إلى شيء يشبه الموادعة، وإذا ~~أنا قد أخلصت له ولنفسي، وإذا هو قد أخلص لي ولنفسه، وإذا نحن نتحدث في هدوء وأمن واستقرار. ~~فأما هو فقد استيقن اليأس ms109 وعجز عن احتماله، وأما أنا فأهون عليه الأمر مخلصة صادقة وأزين ~~له الانصراف عني إلى من أحب وما أحب من الخليلات والخدم واللذات، وإذا نحن نتفق على أن ~~نفترق، وإذا هو ينصرف عني على ألا يراني في الدار إذا عاد إليها، وأنا أقبل ذلك راضية عنه ~~سعيدة به؛ فقد سئمت هذه الحرب وضعفت عن هذه الخصومة، وكرهت هذه الحياة التي تملؤها المطاولة ~~والمحاولة، وتثقلها المهاجمة والمقاومة، وقنعت من الغنيمة بالإياب أو بشيء خير من الإياب، ~~فسأخرج من الدار ظافرة بعض الشيء، أليس قد عجز هذا الشاب الجميل الوسيم المترف الغني القوي ~~أن يبلغ مني ما بلغ من أمثالي؟ أولست أخرج من هذه الدار وقد جرعته مرارة الهزيمة وعلمته أن ~~من فتيات الريف الساذجات الغافلات من يستطعن الثبات لأمثاله والامتناع على أصحاب الذكاء ~~والجمال والترف والجاه والثراء؟! ولقد انصرف عني هادئا وقد أظهر الرضا، وفرغت لأمري أتهيأ ~~للرحيل مزمعة ألا أرى زنوبة ولا ألقاها هذه المرة ولا أقيم في المدينة ولا أعود إلى أقصى ~~الريف، وإنما آخذ قطارا من هذه القطارات التي تمضي إلى الشمال نحو القاهرة، أو إلى الجنوب ~~نحو عاصمة الإقليم، فأرض الله واسعة ورزق الله ميسر لمن ابتغاه، وها أنا ذي قد حزمت أمري ~~وجمعت متاعي الخفيف وصممت أن أخرج، ولكن البستاني موكل بالدار يمنعني أن أخرج منها ويحول ~~بيني وبين الباب، وينبئني بأن سيده ألقى إليه أثناء انصرافه أمرا حازما صارما أن يحول ~~بيني وبين الطريق، وأن يتكلف ما يستطيع وما لا يستطيع ليمسكني في الدار حتى يعود. وإذا فلم ~~يكن جادا حين اتفق معي على أن نفترق، وإذا فلم يكن هادئا حين أظهر الهدوء ولا راضيا ~~حين تكلف الرضا، وإنما كان ماكرا مخادعا. ومن يدري! لعله كان صادق العزم خالص الرأي، فلما ~~انصرف عني تمثل الهزيمة وتمثل آثارها وأعقابها فأبت عليه نفسه أن يرسل هذه الفتاة ولما ~~يخضعها لما أراد. # وقد استيأست أو كدت أستيئس من ذلك الخاطر الذي كان يعينني أول الأمر على المقاومة أو ms110 ~~يغريني بها أو يدفعني إلى الإغراء والإطماع ثم إلى الإباء والامتناع! فقد كنت أعتقد أن لهذا ~~الشاب في أربا. إنه يشتهيني كما اشتهى غيري من الفتيات، وإن امتناعي عليه قد زاده حرصا ~~علي وتعلقا بي، ولست أكذب نفسي فكثيرا ما سألتها: أتري شهوته قد استحالت إلى حب؟ أما ~~الآن فأنا مستيقنة أنه لا يحبني، بل لم يحبني قط، وأنه لا يشتهيني، ولعله يزدريني، وإنما ~~يريد أن يقهر في عدوا متمردا وخصما عنيدا؛ فلألقين البأس بالبأس، ولألقين العناد ~~بالعناد. # وما كان أيسر الهرب لو أني رغبت في الهرب أو فكرت فيه، لكني كنت أريد أن أترك الدار جهرة ~~لا سرا، وعلى علم منه لا على جهل. ومن يدري! لعلي لم أكن أحب أن أترك الدار، وإن كان هذا ~~الخاطر لم يعرض لي ظاهرا جليا، وهو يعود مع المساء، وما أكثر ما يعود الآن مع المساء؛ ~~وينفق ليله كله في الدار لا يسمر ولا يلقى أصحابه. ومن يدري! بم كان أصحابه يعللون انقطاعه ~~عن السمر وإيثاره للعزلة، ولكنه يعود اليوم إلى الدار هادئا ظاهر الرضا، ويلقاني كما انصرف ~~عني مبتسما في كآبة، وهو يسألني: أما تزالين هنا وقد فارقتك على ألا ألقاك إذا ~~عدت؟! ~~- أجل! فارقتني على ألا تلقاني، ولكنك أمرت خادمك ألا يخلي بيني وبين الطريق. ~~- ومن زعم لك هذا؟ لقد كذبك الخادم، وما أرى إلا أنه حريص على بقائك، كاره لفراقك؛ ومن ~~يدري! لعلك أنت لا تكرهين البقاء معه والاتصال به فهو الذي سماك لي، وهو الذي أنبأني ~~بمكانك، وهو الذي جاء بك إلى هذه الدار، إني إذن لأحمق؛ لقد خدعني هذا البستاني، ولقد اتخذ ~~داري مسرحا للهوه وهواه، فأنت إذن لا تعرضين عني ولا تمتنعين علي إيثارا للشرف واستبقاء ~~للعفاف، فقد ذهب الشرف منذ زمن بعيد، وضاع العفاف منذ أقبلت أو قبل أن تقبلي على هذه الدار. ~~وفي سبيل من ذهب الشرف؟ وفي سبيل من ضاع العفاف؟ في سبيل هذا البستاني الذي تهوينه، وما أشك ~~في أنه يهواك. # وكان ms111 هادئا مطمئنا حين بدأ هذا الحديث، حتى لم أكن أشك أنه كان عابثا متكلفا يلتمس ~~الوسيلة إلى استئناف ما بيننا من الخصام، ولكنه لم يكد يمضي في حديثه حتى أخذ هدوؤه يفارقه ~~شيئا فشيئا، ولم يكد ينتهي إلى غايته حتى كان غضبا كله، وشرا مستطيرا يتمثل إنسانا ~~يتكلم ويتحرك، ذاهبا جائيا متهيئا للبطش لا يكاد يمتنع عنه إلا في جهد شديد. # على أني لقيت عنفه هذا وسخطه كما تعودت أن ألقى كل ما قدم إلي من ألوان العنف واللين، ~~ومن ضروب السخط والرضا، ثابتة مطمئنة، وقلت له في هدوء: لا بأس عليك! خل بيني وبين ~~الطريق، ثم تبين بعد ذلك أتجمعني بالبستاني جامعة، أو تصلني به صلة. فلئن خليت بيني وبين ~~الطريق لآخذن أول قطار، ولولا أن أشق على مولاي وأكلفه ما لا يتكلف السادة للخدم لعرضت عليه ~~أن يضعني في القطار وأن يرسلني إلى أي مدينة شاء، فإني لا أبتغي إلا أن أعيش في حيث آمن على ~~شرفي هذا الذي لم يذهب، وعلى عفافي هذا الذي لم يضع، وإن ظن سيدي بي الظنون. # قال في غيظ يشبه الرضا وفي سخرية تشبه الجد: ما تزالين تذكرين السادة والخدم! فقد علمت ~~منذ حين أن ليس بيننا سيادة ولا خدمة، وإنما بيننا ما هو شر من ذلك وأبعد أثرا. # قلت: وما ذاك؟ قال: هو هذا ... ثم اندفع إلي هاجما كأنه الليث يريد أن يزدرد فريسته ~~ازدرادا، ولكن المرأة لا تغلب إلا إذا أحبت، ولا تقهر إلا إذا أرادت، ولا تذعن إلا إذا ~~رغبت في الإذعان. ومن أجل ذلك ارتد عني كما هجم علي؛ واستؤنف الخصام بيننا كما كان من قبل ~~عنيفا لينا، وملتويا مستقيما، وفيه ما فيه من هذه الألوان التي تفسد حياة العاشقين ~~وتزينها في وقت واحد. # وتتصل الحياة على هذا النحو، لا أجد لنفسي منها مخرجا ولا يجد لنفسه منها مخرجا، وإنما ~~دفع كل منا إلى صاحبه دفعا، ورد كل واحد منا إلى صاحبه ردا، لا يستطيع أن يخرجني من ms112 ~~داره، ولو قد أراد ذلك لكرهت أن أخرج من هذه الدار، ولا أستطيع أن أفارقه جهرة ولا خفية، ~~ولو قد فعلت لطلبني حيث أكون من الأرض. فليس عندي شك الآن في أن سيدي لا يشتهيني ولا ~~يبتغي أن يظهر علي وينتصر على خصم عنيد، وإنما هو الحب، هو الحب الذي يطمع في كل شيء ~~ويرضى بأقل شيء، بل يرضى بلا شيء، بل هو سعيد كل السعادة ما وثق بأن بيتا واحدا يحويه مع ~~من يحب ويهوى. هو الحب ما في ذلك من شك، لكن الشك المؤلم المضني إنما يتصل بهذا القلب ~~الذي يضطرب بين جنبي أنا، فما خطبه؟ أمبغض هو كما كان مبغضا من قبل؟ أراغب هو في ~~الانتقام كما كان راغبا من قبل؟ أحافظ هو لعهد هذه الأخت التي صرعت في ذلك الفضاء العريض، ~~ولعهد الأشباح الحمراء التي تقيم معها على هذا الينبوع الأحمر، والتي قد طال مقامها معها ~~حول هذا الينبوع، وانقطعت زيارتها لهذه الدار فلم تلم بها منذ حين؟ # نعم! الشك في هذا القلب الذي يضطرب بين جنبي بعد أن استيقن أن هذا الشاب يحبني ولا يستطيع ~~عني سلوا. ما خطب هذا القلب؟ أمحب هو أم غير مكترث؟ فإن تكن الأولى ففيم المقاومة، وفيم ~~العذاب، وفيم تعذيب الحبيب؟ وإن تكن الثانية ففيم البقاء في هذه الدار، وفيم الصبر على هذه ~~الحياة التي لا تطاق؟ # كلا! كلا! فكري يا آمنة، ماذا أقول؟ فكري يا سعاد ... فقد محي اسم آمنة منذ دخلت هذه ~~الدار. # فكري يا سعاد. فقد آن لك أن تفكري، واعزمي أمرك فقد آن لك أن تعزميه، أقيمي كما تقيم ~~العاشقة أو ارتحلي كما ترتحل القالية، فأما هذه الحياة المعلقة فليس لأحد فيها خير وليس ~~لأحد فيها غناء، ولم يبق لك إلى احتمالها سبيل! # | الفصل الخامس والعشرون # وقد فكرت سعاد، وما كانت في حاجة إلى التفكير، وقد امتلأ قلبها وعقلها بهذه الحياة التي ~~تحياها امتلاء، وامتزجا بها امتزاجا، حتى أصبحت جزءا منهما أو أصبحا جزأين منها، وحتى ms113 ~~أصبح من أعسر الأشياء وأشقها أن تفكر الفتاة في هذه الحياة تفكيرا هادئا مجردا لا يتأثر ~~بهذه العواطف العنيفة الحادة التي تتصور مرة كأنها النفور الذي لا نفور بعده، وتتصور مرة ~~أخرى كأنها الإقبال الذي لا إقبال بعده، وهي في الحالين شيء واحد تختلف عليه الصور والأشكال ~~دون أن يتغير جوهره الذي هو الحب. # نعم! لقد أصبحت سعاد عاجزة كل العجز عن أن تخلو إلى نفسها ساعة من نهار أو ساعة من ليل، ~~بل أصبحت عاجزة كل العجز عن أن تخلو إلى نفسها في يقظة أو نوم، إنما هي مستصحبة هذا الشاب ~~إن حضر، ومستصحبة هذا الشاب إن غاب، لا تهم بالخلوة إلى ضميرها حتى تجد صورته ماثلة فيه، ~~ولا تمد عينها إلا رأت شخصه، ولا تمد أذنها إلا سمعت صوته، قد أخذ الحياة عليها من جميع ~~أقطارها، وقد ذاد عنها كل شيء وكل إنسان، وذاد عنها حتى أختها تلك العزيزة وأشباحها تلك ~~الحمراء، وانتهى الأمر بها كما انتهى الأمر بالشاب نفسه إلى علة تشبه الجنون. لقد صرفت ~~إليه عن كل شيء، وصرف إليها عن كل شيء. # ولم يبق بين هذين الخصمين العنيدين صراع أو تفكير في الصراع، وإنما هو الإذعان الذي لا ~~ثورة بعده والاستسلام الذي لا رجوع فيه. # ولكن الكبرياء ما زالت مسيطرة على سعاد، تصارع الحب فيها فتصرعه، وتغالب العشق فيها ~~فتغلبه، وما أكثر ما اندفعت الفتاة إلى الاستسلام! حتى إذا كادت تنتهي منه إلى غايته، وحتى ~~إذا بلغت حافة الهوة وكادت تتردى فيها تمثلت لها الكبرياء قوية عنيفة، ونصبت أمام عينيها ~~مرآة تنظر فيها فترى صورة آمنة الأبية العزيزة، وترى صورة سعاد الضعيفة المتهالكة، فترتد ~~وراءها خطوة أو خطوات، وتؤجل الإذعان والإلقاء باليد إلى أجل يقصر أو يطول! # وقد تغيرت سيرة سيدي أيضا؛ فهو محب يلقى من الحب عناء وبلاء، ويجد من آلامه مثل ما ~~أجد، ولكن كبرياءه قد ردت إليه هو أيضا فأصبح يتمنى في غير إلحاح، ويأمل في غير إلحاف، ~~كأنما أحس في حبه ms114 شيئا من حياء فآثر القصد والاعتدال، وكأنما أحس الإخفاق المتصل فآثر ~~الحرمان في شيء من العزة على ذلك الإلحاح الذي لم يكن يعقبه إلا هزيمة وخذلان. # ولكنه يقبل علي ذات مساء وعلى وجهه ابتسامة فيها شيء من الرضا، وفيها كثير من الحزن، ~~وفيها شك يتردد بين الرضا والحزن. يقبل علي ذات مساء لا ثائرا ولا مستسلما، ويقول لي ~~في صوت لا حدة فيه: لقد آن لك أن تستريحي، وآن لي أن أستريح! فأنظر إليه نظرة التي لم تفهم ~~عنه والتي تعودت أن تسمع كثيرا فتفهم أو لا تفهم دون أن تحفل بما يستقر في نفسها أو يعزب ~~عنها مما تسمع، ولكنه يعيد علي حديثه فأسأله عما يريد، فيقول: سنفترق لأني نقلت إلى ~~القاهرة. # وتقع من نفسي هذه الجملة موقع الصاعقة، وإذا أنا ذاهلة لا أجيب ولا أتكلف حتى إخفاء ~~الذهول، وإذا أنا أجد شيئا من الدوار يكاد يبلغ بي الإغماء لولا أن أتمالك، وإذا الدموع ~~تنهمر في صمت متصل، وإذا الفتى يدنو مني فلا أرتد عنه، وإذا هو يضع يديه على كتفي فلا أمتنع ~~عليه، وإنما أنا مغرقة في الصمت ودموعي ماضية في الانهمار، والفتى قائم بمكانه مني في هدوء ~~لم أعهده، ينظر إلي صامتا دهشا، ثم ينأى عني قليلا وهو يقول في صوت شاحب: ماذا أرى! إنك ~~لتكرهين فراقي حقا! # ثم يعود إلى صمته، وأمضي أنا في صمتي، وتمضي دموعي في الانهمار، وما أدري أطال بيننا هذا ~~الموقف أم قصر، ولكني أسمعه يدعوني في صوت قد فارقه شحوبه وعاد ممتلئا مشرقا كما عرفته، ~~وأرفع رأسي وأحاول النظر إليه من وراء هذه الدموع المنسكبة فأرى وجها مشرقا أشد الإشراق ~~قد استقرت فيه أمارات الحزم والهدوء، وإذا هو يقول لي: أما والأمر بيننا على ما أرى فلن ~~نفترق، ستصحبينني إلى القاهرة، ولن ينالك مني إلا ما تحبين، هلم فامضي في شئونك كما تعودت ~~أن تفعلي، هيئي من أمرك وأمري للسفر، فلن نقيم هنا إلا أياما. # ثم ينصرف عني كما أقبل علي ms115 هادئا رزين الخطى، وقد أنكرت من نفسي كل شيء، وأهم أن ألوم ~~نفسي على هذا الضعف الذي لم أستطع إخفاءه، ولكني لا أجد من نفسي قوة على اللوم، وإذا أنا ~~راضية عن هذه الحال الجديدة رضا عميقا قد مازج نفسي واختلط بدمي، ولكنه في الوقت نفسه ~~رضا حزين ليس فيه ابتهاج ظاهر، وإنما هي حياة الخادم التي اطمأنت إلى ما يلم بها من ~~الأحداث، ومضت في حياتها لا تنكر شيئا ولا تعرف شيئا، وإنما هي مستسلمة تذهب وتجيء، وتأتي ~~من الأمر ما تأتي، وتدع من الأمر ما تدع؛ لأنها لا تستطيع أن تفعل غير هذا ولا تريد أن تفعل ~~غير هذا، ولأنها تجد في هذا أقصى ما كانت تنتظر من السعادة. # والغريب أنه هو أيضا قد جعل ينظر إلي منذ ذلك الوقت نظرات برئت من الطمع والأمل، وقنعت ~~مني بما يقنع به السيد النقي من الخادم النقية، فلا إثم بيننا ولا تلميح إلى الإثم ولا خوف ~~من التورط فيه، وإنما هي حياة نقية بريئة قد استؤنفت بيننا كأننا لم نلتق قبل ذلك الوقت، ~~وكأن أحدنا لم يعرف صاحبه قبل تلك الساعة التي أنبأني فيها أنه قد آن لكلينا أن يستريح لأنه ~~نقل إلى القاهرة. # وإني لأدعو أختي حين أخلو إلى نفسي في النهار وحين أخلو إلى نفسي في الليل فلا تستجيب لي ~~صورتها التي كنت أعرفها في المدينة باسمة مشرقة، ولا تستجيب لي صورتها التي عرفتها في بيت ~~العمدة واجمة هائمة، ولا تستجيب لي صورتها التي كنت أراها مطرقة إلى ينبوعها الأحمر، تطيف ~~بها ظلالها الحمراء. # لا تستجيب لي صورة من هذه الصور، وإنما هي ذكرى غامضة حزينة تلذع القلب أحيانا فتندفع ~~لها بعض الزفرات وقد تنهمر لها بعض العبرات، ثم لا تلبث أن تنجاب كما ينجاب السحاب الرقيق، ~~وإذا أنا أعود إلى حياتي المضيئة الهادئة، الحزينة في غير تكلف لحزن أو سرور. # وأنتقل مع سيدي إلى القاهرة وأقيم معه في دار أبويه موكلة بخدمته لا أكلف شيئا غيرها من ms116 ~~أعمال الدار، ولا أجد من أبويه إلا برا وعطفا، وإلا رفقا وحنانا. فأما هو فقد جعل ينظر ~~إلي كلما تقدمت الأيام كما ينظر إلى الصديق لا كما ينظر إلى الخادم، قد اصطفاني لنفسه، ~~واختصني بوده، وجعل يشركني في كثير من أمره. # يالله! إني لأحس شبها بين هذه الحياة التي أحياها مع هذا الشاب في دار أبويه الفخمة ~~بالقاهرة وبين تلك الحياة التي كنت أحياها مع خديجة في بيت أبويها بمدينة من مدن الأقاليم، ~~لقد عاد الأمر بيني وبين هذا الشاب إلى مثل ما كان بيني وبين خديجة من النقاء والطهر، ألم ~~أخلق إلا لأحيا حياة الأصدقاء! # ولكنها صداقة غريبة هذه التي تقوى وتنمو بين هذا الشاب المترف الغني، وهذه الخادم البائسة ~~التي طالما طمعت فيها نفسه الطامحة، وأغرته بها عواطفه الجامحة، والتي طالما اتخذها غرضا ~~لأهوائه الآثمة، وابتغى عندها من اللهو والمجون ما يبتغيه أمثاله من الشباب المترفين عند ~~أمثالها من البائسات الغافلات، فلما لم يظفر منها بشيء حاصرها كما تحاصر القلعة، وحاربها ~~كما يحارب العدو، فلم يستطع أن يقهرها، ولم تستطع أن تقهره، وأقاما معا في شيء من الموادعة ~~لا يستطيع عنها سلوا، ولا تستطيع عنه انصرافا، لا يشير إليها من آماله ومطامعه بقليل أو ~~كثير، ولا تلقاه هي من مقاومتها وامتناعها بقليل أو كثير لأنها لم تعد في حاجة إلى المقاومة ~~أو الامتناع. # أأكذب نفسي أم أصدقها؟ أأصارحها بالحق أم أموه عليها الأمر؟ لقد رضيت حياتنا الجديدة ~~واطمأن إليها قلبي كل الاطمئنان، واغتبطت بها نفسي أشد الاغتباط، وارتاح إليها ضميري هذا ~~المتعب المعذب الذي كان في حاجة إلى أن يرتاح، ولكن أظل قلبي مطمئنا ونفسي مغتبطة ~~وضميري مرتاحا بعد أن مضت علينا الأسابيع والشهور في مدينة القاهرة قريبين بعيدين مؤتلفين ~~مختلفين؟ ألم أشعر شعورا غامضا بأن هذه الهدنة قد طالت وبأن هذه الموادعة قد اتصلت أكثر ~~مما ينبغي أن تتصل؟ ألم أجد في أعماق ضميري شوقا إلى تلك الحرب وجنوحا إلى ذلك الخصام؟ ~~ألم أحس في دخيلة نفسي ms117 أن حياء هذا الشاب قد يكون لونا من الصد، وأن احتشامه قد يكون ~~فنا من الإعراض؟ بلى! وجدت هذا كله وأنكرته من نفسي أشد الإنكار ولمتها فيه أعنف اللوم، ~~وما أشك في أنه وجد من نفسه مثل ما كنت أجد، ولام نفسه في مثل ما كنت ألوم نفسي فيه. # وقد زاد هذا الحمل ثقلا على نفسه وعلى نفسي أنه سار منذ انتقل إلى القاهرة سيرته تلك ~~التي ألفها في الأيام الأخيرة من حياته في الأقاليم. # فكان يغدو إلى عمله مصبحا ويروح إلى دار أبويه حين يتقدم النهار فلا يكاد يخرج منها إلا ~~إذا كان الغد، ومع ذلك فأمثاله من الشباب لا يلمون بدورهم إلا ليخرجوا منها، إنما دورهم ~~فنادق يطعمون فيها ويأوون إليها آخر الليل، وفي القاهرة مما يفتن الشباب ويغريهم شيء كثير ~~طالما سمعت أحاديثه قبل أن أبلغ القاهرة وبعد أن أقمت فيها، فما بال هذا الشاب لا تبلغه ~~فتنة ولا يناله إغراء؟ لقد رضي أبواه أول الأمر عن هذه الحياة المستقيمة كل الرضا، وابتهجا ~~بمحضر ابنهما كل الابتهاج، ولكنهما وجدا آخر الأمر أن الفتى قد أسرف على نفسه في لزوم الدار ~~والعكوف على القراءة والانقطاع عن الأندية وما يكون فيها من لقاء الأصدقاء والتعرف إلى ~~الناس، وكثيرا ما رغبته أمه في الخروج فلم يستجب لهذا الترغيب، وكثيرا ما أغراه أبوه ~~بملاعب التمثيل ومجالس الموسيقى وزيارة هذا البيت أو ذاك من بيوت الأصدقاء فلم يستمع لهذا ~~الإغراء، إنما هو الغدو على العمل والرواح إلى الدار، والأوقات ينفقها مع أبويه، ثم ~~الانحياز إلى غرفته والانقطاع إلى كتبه يعكف عليها حتى يتقدم الليل. # وكان في أثناء ذلك ربما دعاني إلى غرفته وأخذ يتحدث إلي ويسمع مني، وكانت المدينة وشئون ~~أهلها موضوع حديثنا في كثير من الأحيان، كما كانت القاهرة وشئونها موضوع حديثنا أحيانا ~~أخرى. # كان يتحدث أو يسمع جالسا إلى مكتبه، وكنت أتحدث أو أسمع واقفة غير بعيدة من مكتبه، وما ~~أكثر ما دعاني إلى الجلوس وما أشد ما كنت أتمنى ms118 الجلوس! ولكني كنت أعتذر باسمة؛ فما ينبغي ~~لمثلي أن تجلس إلى مثله وإنما حسب مثلي من مثله الوقوف بين يديه والتحدث إليه والاستماع ~~له، وهذا كثير. # ألم تكن غريبة هذه الصداقة بيني وبين هذا الشاب على ما كان بيننا من الائتلاف والاختلاف؟ ~~أكانت صداقة خالصة أم كان وراءها أكثر من الود الذي يكون بين الأصدقاء؟! أما أنا فقد كنت ~~أجد وراء هذه الصداقة حبا ثائرا أكتمه على ما كان يكلفني كتمانه من الجهد ويحملني من ~~المشقة والعناء، وأما هو فقد كتم أمره أسابيع وشهورا حتى خدعني أو كاد يخدعني عن نفسه، ~~ولكنه ألقى النقاب ذات مساء فغير من أمرنا كل شيء، ألقاه في غير جهد وفي غير تكلف، لم ~~يضطرب له صوته، ولم يظهر على وجهه أثر العواطف المضطربة أو القلب الذي تضطرم فيه نار الحب، ~~إنما تحدث إلي في هذا الأمر كما كان يتحدث إلي في أمر المدينة وفي أمر القاهرة بصوت لا ~~ارتفاع فيه ولا انخفاض ولا اعوجاج فيه ولا التواء! # قال: ألا ترين أن الأمر بيننا قد آن له أن ينتهي إلى غايته ويبلغ مداه؟ قلت: وما ذاك؟ ~~قال: هذا الحب الذي اختصمنا فيه وقتا طويلا وسكتنا عنه وقتا طويلا، ولكنه لم يسكت عنا، ~~فما أظنه قد أمهلك يوما كما أنه لم يمهلني ساعة، أما ينبغي أن تنتهي هذه الحياة الغامضة ~~إلى ما يجب لها من الصراحة والوضوح؟ وقد سمعت منه ولكني لم أرد عليه جوابا. # فلما طال عليه صمتي استأنف حديثه في صوت لا يزال سواء، فقال: إنك تفهمين عني اليوم ما ~~أريد، كما فهمت عني من قبل ما كنت أريد. قلت مبتسمة: بل إني لم أفهم عنك شيئا. قال ضاحكا: ~~بل تفهمين أني كنت أريدك على الإثم، وإني الآن إنما أريدك على الزواج. # واحتجت إلى أن أعتمد على كرسي كان مني غير بعيد، فإن فكرة الزواج لم تخطر لي قط، وما كان ~~ينبغي أن تخطر لي؛ فقد أقدمت على كثير من خطير الأمر وتصورت في ms119 نفسي كثيرا من جليل العمل، ~~ولكني احتفظت دائما بعقلي ولم يخرجني الحب كما لم يخرجني البغض، ولم يخرجني الأمل كما لم ~~يخرجني اليأس عن طوري في لحظة من اللحظات؛ لذلك أجبته صادقة بأن هذا أمر لا ينبغي العبث ~~فيه. # قال لي وهو يضحك: فإنك تظنين أني أعبث، وتقدرين ما بينك وبيني من الفرق الاجتماعي، متى ~~تزوج السيد الغني المترف من خادمه الشقية الفقيرة البائسة! أليس هذا هو ما تقدرين؟ فأريحي ~~نفسك إذن من كل هذه الخواطر؛ فقد رأيت منذ موقفنا ذاك في المدينة أني لست سيدا كغيري من ~~السادة، وقد رأيت أنا منذ عرفتك أنك لست خادما كغيرك من الخدم، لقد دهشت حين رأيتك ~~تنتظرينني إلى آخر الليل على غير ما تعودت من الفتيات اللاتي سبقنك إلى خدمتي، ولكني لم أكن ~~أقدر أنك ستثيرين في نفسي ألوانا أخرى من الدهش. # ثم أطرق صامتا فأطال الإطراق والصمت، ولبثت ماثلة ذاهلة لا أقول شيئا، وأكاد لا أعي ~~شيئا، ولكنه رفع رأسه، وقال في صوت هادئ حزين: أتقبلين؟ قلت في صوت ليس أقل من صوته هدوءا ~~ولا حزنا: فإن سيدي يعلم أن ليس إلى هذا من سبيل. قال: تفكرين في أبوي! فإني قد فكرت ~~فيهما قبلك وقد حزمت أمري، وما أشك في أنهما لن يمتنعا علي، ولو قد فعلا لعرفت كيف أمتنع ~~عليهما، ولكنهما لن يفعلا، فهل تقبلين؟ قلت: ليس إلى ذلك من سبيل. قال: فمن حقي عليك أن ~~أفهم هذا الامتناع، إنك لتعلمين أن فراقا بيننا مستحيل، وإني لأعلم كما تعلمين أن ليس ~~لقلبينا رضا إلا في الزواج. قلت: فقد قضي على قلبينا ألا يرضيا. قال: ومن ذا الذي قضى ~~عليهما هذا العذاب المتصل؟ وهممت أن أجيب ولكن صوتي يحتبس، ودمعي ينطلق، وإني لأراني أهم ~~بالانصراف، وإني لأراه قد نهض من مجلسه متثاقلا وسعى إلي متباطئا حتى ردني في هدوء ~~ودعة، ثم عاد إلى مجلسه وقال: أترين إلي كيف أملك نفسي! ألا تفكرين في تلك الثورة الجامحة ~~التي شقيت بها وقتا طويلا ms120 ؟ # أنبئيني من ذا الذي قضى علينا هذا العذاب المقيم؟ قلت: أنت الذي قضى علينا هذا العذاب ~~المقيم، وأنا التي قضت علينا هذا العذاب المقيم، كلانا قضى على صاحبه ما نحن فيه من شر ~~ونكر، وكلانا أتاح لصاحبه ما نحن فيه من هذه الموادعة الهادئة التي لا ينبغي أن نطمع في خير ~~منها، فليس في الحياة خير منها بالقياس إليك ولا بالقياس إلي. قال: فإن حديثك لم يزدد إلا ~~غموضا. قلت: فخير لنا أن نقبله على ما فيه من غموض. قال، وقد ظهر أنه يبذل جهدا ليحتفظ ~~بهدوئه: فإني أقسم لك أني لم أعد أستطيع صبرا على هذه الحياة. قلت: وأنا أيضا لا أستطيع ~~صبرا على هذه الحياة، ولكن ما الذي نستطيع أن نفعل وقد سبق القضاء بما لم نحب. قال: أي ~~قضاء؟ ألم يأن لك أن تفصحي، ألم يأن لي أن أفهم، ألم يأن لهذه الظلمة أن تنجاب؟ قلت: أحريص ~~أنت على ذلك؟ إني لأخشى إن انجابت عنا هذه الظلمة وغمرنا الضوء أن يكره كل واحد منا النظر ~~في وجه صاحبه. قال، وقد غلبه العنف، فارتفع صوته قليلا واضطربت يده اضطرابا خفيفا: بل ~~أنا أريد أن أفهم مهما تكن العاقبة. قلت: فأذن لي بالجلوس، ولم أنتظر إذنه، وإنما جلست على ~~هذا الكرسي الذي كنت أعتمد عليه، وألقيت عليه قصتي في صوت هادئ مطرد لا يبله الدمع ولا يظهر ~~فيه الحزن، ولا ينم عن قليل أو كثير من الاضطراب، إنما ألقيت عليه قصتي كأني أتحدث عن شخص ~~غريب إلى شخص غريب. # وما أدري أطال الوقت الذي ألقيت فيه قصتي أم قصر، ولكني أعلم أني سمعتني أقول: أفهمت ~~الآن؟ أترى إلى هذا الضوء الذي يغمرنا؟ أتستطيع أن تنظر إلي؟! وقد انتظرت جوابه لحظة غير ~~قصيرة، ولكني سمعته كأنما كان يتحدث إلي من مكان بعيد جدا، سمعته يقول: نعم! أستطيع أن ~~أنظر إليك، ولن أستطيع أن أنظر إلا إليك، وأنت أتطيقين أن تنظري إلي؟ أما زلت تضمرين ~~الانتقام؟ ولم أجب إلا بما تجيب ms121 به المرأة المغلوبة التي انكسرت نفسها وذاب قلبها، فهو يسيل ~~من عينيها دموعا، ثم أسمعه بعد وقت لا أدري أكان طويلا أم قصيرا يقول لي: لقد كان من ~~الممكن أن نفترق قبل أن يغمرنا هذا الضوء؛ فأما الآن فقد أصبح افتراقنا شيئا لا سبيل إليه، ~~أليس من العجب أن يكون هذا الضوء الذي أخذ يغمرنا شرا من الظلمة التي خرجنا منها؟ إن ~~أحدنا لن يستطيع أن يهتدي في هذا الضوء إلا إذا قاده صاحبه. إن العبء لأثقل من أن تحمليه ~~وحدك، وإن العبء لأثقل من أن أحمله وحدي، فلنحتمل شقاءنا معا حتى يقضي الله أمرا كان ~~مفعولا. # ثم انقطع الحديث بيننا فلم يقل شيئا ولم أقل شيئا، وأطبق على الغرفة صمت هائل رهيب! ~~غرقنا فيه يقظين كما يغرق النائم في نوم بريء من الأحلام. # ولكن صوتك أيها الطائر العزيز يبلغني فينتزعني انتزاعا من هذا الصمت العميق، فأثب وجلة ~~مذعورة، ويثب هو وجلا مذعورا، ثم لا نلبث أن يثوب إلينا الأمن ويرد إلينا الهدوء، فأما ~~أنا فتنحدر على خدي دمعتان حارتان. وأما هو فيقول وقد اعتمد بيديه على المائدة، دعاء ~~الكروان! أترينه كان يرجع صوته هذا الترجيع حين صرعت هنادي في ذلك الفضاء ~~العريض؟! # القاهرة، سبتمبر 1934 ms122