######OpenITI# #META# URI: 1392TahaHusayn.FiSayf.Hindawi19273913 #META# Tags: literature #META# ID: 19273913 #META# Title: في الصيف #META# AuthorID: 59624258 #META# Author: طه حسين #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # في الصيف‏ # في الصيف‏ # | في الصيف # | في الصيف # تأليف # طه حسين # | في الصيف # 1 ~~«امكثوا؛ وأنا زعيم بتنبيهكم إذا استيقظ الفجر!» قال ذلك، ومس المائدة أمامه ~~بعصاه مسا رفيقا، فلما أقبل خادم الفندق، قال له: «إذا تمت الساعة الخامسة من ~~صباح غد، فتحدث في التليفون رقم كذا ... فسل عن صحة فاطمة، ثم أنبئني بها حين تقدم ~~إلي قهوة الصباح.» وكانت فاطمة خادما لنا، وكان مدير الجامعة قد استنبط هذه الحيلة ~~ليكلف خادم الفندق تنبيهنا مع الفجر، وكنا قد أزمعنا السفر من غد وجئنا نودعه، ~~وهممنا أن ننصرف، فأراد أن يستبقينا ساعة أخرى من الليل. # وكنا قد خلعنا يوما قائظا محرقا، ودخلنا في ليل رطب ثقيل، وكان الجو من حولنا ~~ساكنا جامدا كأنه مخنوق مكدود، قد احتبست أنفاسه احتباسا، وكانت نفوسنا قد وقفت، ~~وملكاتنا قد ثبتت في مكانها؛ لا تدور بخاطر ولا تفكير، وكانت ألسنتنا تتحرك بكلام لا ~~يكاد يدل على شيء ذي غناء، ولا يكاد يعدو ما نحس من حر، وما نجد من ضيق، وكان الليل ~~قد انتصف أو كاد، وكنا نتعجل الأوبة لنستريح قبل استئناف السفر الشاق الطويل، ولكن ~~اليد التي كانت تخنق الجو أرسلته شيئا فتنفس خائفا مشفقا، ومست وجوهنا منه ~~أنفاس رقيقة خفيفة، لم تكد تبلغنا حتى بعثت الحياة في النفوس، فلما نهضنا أنكر مدير ~~الجامعة هذا النهوض، وهو يقول: «الآن وقد خف الليل، وتحرك النسيم، وطاب المجلس، ~~وحسن السمر!» فجلسنا ما شاء الله أن نجلس، وتحدثنا ~~ما وسعنا الحديث، وعدنا وقد تقدم الليل نقضي بين النوم واليقظة هذه الساعات المضطربة ~~التي يقضيها من يحرص على ألا يفوته القطار الأول. # أين أنا؟ فيم أفكر؟ وماذا أسمع؟ إن من حولي لأصواتا لا أتميزها، أو لا أتميز ~~منها إلا قليلا، وإني لأجد هذا الشعور الغريب الذي يخيل إلي أني في النوم، ~~ويدعوني إلى الراحة، ويخيل إلي في الوقت نفسه أني مع الناس، وأن من الحق علي أن ~~أتخذ هيئة الرجل الاجتماعي، لا أكاد أتميز أصوات قوم يتحدثون من حولي؛ ms01 فيهم زوجي ~~وابناي وجماعة من الأصدقاء، وما أشك في أنهم يذكرون القاهرة وأحداثها في الأسابيع ~~الأخيرة، أما أنا فقد امتلأت نفسي بجملة واحدة ترددت علي كثيرا أمس، وترددت ~~علي كثيرا صباح اليوم، وهي «إلى اللقاء»، سمعتها أمس ممن زرته أو زارني مودعا، ~~وسمعتها اليوم من هؤلاء الأصدقاء الكثيرين الذين أبوا إلا أن يتكلفوا الغدو مع ~~الطير؛ ليصافحوني قبل أن أركب القطار. ~~«إلى اللقاء» كلمة كلها أمل ورجاء قد تصدقه الأيام وقد تكذبه. فمن يدري؟ لعلي ~~أعود فأصافح هؤلاء الأصدقاء، وأسمع لهم، وأتحدث إليهم، وأشاركهم في جد الحياة ~~وهزلها، ومن يدري؟ لعلي لا أعود، فلا لقاء ولا حديث، ولا استماع ولا مشاركة في الجد ~~أو الهزل. «إلى اللقاء» كلمة ينطلق بها اللسان، فإذا هي خفيفة لا وزن لها حينا؛ لأنها ~~كلمة مجاملة ليس غير، ولعل من الناس من يقول لسانه «إلى اللقاء»، ويقول ضميره: «اذهب ~~لا رجعت!» وإذا هي ثقيلة على بعض الألسنة؛ لأنها مملوءة مثقلة بالمعنى قد أودعها صاحبها ~~كل ما في نفسه الراضية الحنون من حب وبر، ومن خوف وإشفاق، ومن أمل ورجاء، يتحرك ~~بها لسانه؛ وإن قلبه ليتحرق حزنا للفراق، وإن ضميره ليود لو لم يحتج الناس إلى ~~أن يودع بعضهم بعضا، وإن نفسي لتتمنى أن يتم هذا الرجاء؛ وأن يكون هذا اللقاء ~~قريبا، والألسنة تنطلق بهذه الكلمة مسرعة حينا، مبطئة حينا آخر. # والأصوات تنبعث بهذه الكلمة مشرقة واضحة، أو مظلمة قاتمة، والقطار يتحرك، والأبصار ~~تتبعه، والأنفاس تخرج من بين الشفاه زفرات المحزون أو نفثات المصدور، كل هذه الأصوات ~~المختلفة المتباينة التي يملؤها الحب والبغض، ويضيء في جوانبها الأمل، ويغشيها اليأس ~~بغشاء صفيق، كل هذه الأصوات، وكل هذه الأنفاس، وكل هذه النظرات، تصل إلى نفسي، وتقع ~~في قلبي، فتترك فيه آثارا وندوبا، وأنا لها كلها ~~شاكر، وبها مغتبط، فهي مظهر من مظاهر المجاملة، ودليل على أن لي في نفوس هؤلاء الناس ~~جميعا مكانة ما، فإن الحب والبغض أوضح آيات التقدير. # 2 # والحديث من حولي متصل، تبلغني الأصوات، وتقع ms02 في أذني كلمات يخلص إلى نفسي بعضها، ~~ويقف بعضها الآخر دون صماخ الأذن، والقوم فيما يظهر يرون أني مغرق في النوم ~~فيخلون بيني وبين الراحة، ولا يوجهون إلي حديثا، وما أنا بالنائم ولا المغرق في ~~النوم، ولكنها الخواطر تغمر نفسي، وتطيف بها من جميع جوانبها، إني لأودع قوما ~~لأستقبل قوما آخرين، إني لأغلق من ورائي بابا لأفتح من أمامي بابا آخر، أغلق باب ~~الحياة العاملة لأفتح باب الراحة والدعة، وإني لألقي من حولي حجبا صفاقا وسجفا ~~كثافا حتى لا يصل إلي مما حولي شيء؛ لأني أريد أن أفرغ لنفسي، وأريد أن أتحدث ~~إليها وأسمع منها، وأحدث بينها وبيني هذا الحساب الذي طال به العهد وبعد به الزمان، ~~والذي أقبل عليه كارها له وراغبا فيه! نعم، فأنا أنسى نفسي أو أتناساها طوال فصل ~~العمل في مصر، فأريحها وأستريح منها، فإذا أقبل الصيف أقبلت معه عليها، فكان بيني ~~وبينها حساب ما أشد يسره حينا، وما أشد عسره في أكثر الأحيان، وما يكاد يتقدم ~~الصيف أسابيع حتى أسأمها وتسأمني، وحتى أنفر منها وتنفر مني، وحتى أفر منها إلى ~~ألوان القراءة وضروب اللهو، وتنكمش هي فتختبئ في ناحية ضئيلة خفية من نواحي ~~الضمير. # نعم، إذا أقبل الصيف دنوت من نفسي فاستفتحت بابها، فإذا فتح لي هذا الباب نظرت؛ فما ~~أسرع ما أذكر الحطيئة حين رأى وجهه في صفحة الماء فهجاه، أستعرض ما عملت، فإذا هو ~~منقوص، وإذا التقصير يعيبه ويفسده، وأستعرض ما قبلت من الناس فإذا هو رديء مشوه ~~مهين، وإذا أنا قد هدأت حين كانت تجب الثورة، وسكنت حين كانت تجب الحركة، وسكت ~~حين كان يجب الكلام. وإذا أنا ساخط على ما أعطيت، ساخط على ما تلقيت، منكر لكل ما ~~أتيت، وإذا أنا ضيق بنفسي، وإذا نفسي ضيقة بي، وإذا أنا أود لو ينقضي الصيف، وأتمنى ~~لو أستقبل فصل العمل؛ فإن النشاط على ما به من قصور وتقصير خير من هذا الهدوء الهادئ ~~الذي لا يرى الإنسان فيه إلا نفسه، ما أشد عجبي ms03 للذين يطيلون النظر في ~~المرآة! # 3 # كانت هذه الخواطر وكثير أمثالها تضطرب في نفسي متصلة، فأقف عند بعضها، ~~وأمر ببعضها الآخر سريعا، بينما القطار يسير بنا من القاهرة إلى الإسكندرية، وكان ~~حديث رفاقي يصرفني عنها آنا بعد آن، ولكني لم أكن ألبث أن أعود إليها أو أغرق فيها، ~~أو لم تكن هي تلبث أن تعود إلي فتغمر نفسي، وتستغرق تفكيري حتى لم يكن بد من ~~الانصراف المؤقت عنها إلى ما يشغل المسافر عادة حين ينتقل من القطار إلى السفينة، ~~ويهيئ نفسه لاقتحام البحر، على أن السفينة لم تكد تغادر الثغر حتى أخذت هذه ~~الخواطر وأمثالها تعاودني، ولست أخفي أني كنت قد سئمتها وضقت بها، فتعمدت حينئذ ~~أن ألتمس ما يصرفني عنها، وإن كان ذلك لسهلا يسيرا؛ فقد كان معي من الكتب المختلفة ~~المتنوعة ما يكفي لصرفي عنها إلى ما هو ألذ منها وأكثر نفعا، فقضيت أيام السفينة في ~~نوم وأكل وحديث وقراءة في التوراة. # 4 # ليس من الضروري ولا من المحتوم، أن تكون حبرا، أو قسيسا، أو شيخا من شيوخ ~~الأزهر، لتقرأ في التوراة أو الإنجيل أو القرآن، وإنما يكفي أن تكون إنسانا مثقفا له ~~حظ من «الفهم» والذوق الفني لتقرأ في هذه الكتب المقدسة، ولتجد في هذه القراءة لذة ~~ومتعة وجمالا، بل ليس من الضروري، ولا من المحتوم أن تقرأ في هذه الكتب المقدسة، ~~مدفوعا إلى القراءة فيها بهذا الشعور الديني، الذي يملأ قلب المؤمن فيحبب إليه درس ~~آيات الله، ويرغبه في تدبرها والإنعام فيها، بل تستطيع أن تنظر في هذه الكتب نظرة ~~خصبة منتجة؛ وإن لم تكن مؤمنا ولا ديانا؛ ففي هذه الكتب جمال فني أظن أنه يستطيع ~~أن يستقل عما فيها من مظاهر الدين والإيمان، أليس فيها ما يمس عواطف النفس فيبعث ~~فيها الرحمة والحنان، ويملؤها طمأنينة ودعة، ويثير فيها الغضب والسخط، ويملؤها نفورا ~~واشمئزازا، ثم أليس فيها من الصور الفنية الخالصة ما يستطيع أن يثير إعجابك لنفسه، لا ~~لأي شيء آخر، وهذا القصص الساذج الحلو، وهذه ms04 العظات والعبر التي تستخلص منه، ~~وهذه الألوان من التصوير الذي يتحدث إلى العقل الإنساني، وإلى القلب الإنساني، أحاديث ~~تلائم ما اكتنفهما من الأطوار المختلفة، والظروف المتباينة. كل ذلك يكفي لأن يحبب ~~إليك القراءة في التوراة والإنجيل والقرآن، تلتمس فيها اللذة والمتعة والجمال والفن ~~وإرضاء الذوق، وإن لم تكن من الأحبار ولا من الرهبان ولا من القسيسين، ولا من الشيوخ ~~ولا من طلاب الدين والإيمان، وإن في نفسي لخاطرا لن أتردد في تسطيره، وإن كنت أعلم أنه ~~سيحفظ قوما؛ لأني لم أتعود التردد أمام ما أقدر من سخط الساخطين في نفسي. إن من ~~الحق على كل مثقف مهما يكن مؤمنا أو ملحدا، ومهما تكن ملته أو نحلته، أن يقرأ في ~~هذه الكتب، ويكثر القراءة على نفس النحو الذي يقرأ عليه في آيات البيان القديمة ~~والحديثة، لا يبتغي في ذلك إلا هذه الآيات من حيث هي آيات. ليس ضروريا أن تكون ~~يونانيا أو رومانيا أو فرنسيا أو إنجليزيا أو ألمانيا؛ لتجد اللذة الأدبية ~~عند «هوميروس» أو «سفوكليس» أو «فرجيل» أو «هوجو» أو «شكسبير» أو «جوت»، وإنما يكفي - ~~كما قلت آنفا - أن يكون لك حظ من ثقافة وفهم وذوق لتقرأ، وتلذ وتستمتع؛ ثم ~~ليزداد حظك من القراءة واللذة والاستمتاع، كذلك لم تقصر التوراة على اليهود، ولا ~~الإنجيل على النصارى، ولا القرآن على المسلمين، وإنما هي كتب دين من ناحية، ومظاهر ~~للأدب والفن والبيان من ناحية أخرى؛ فهي من ناحيتها الدينية من قسمة اليهود والنصارى ~~والمسلمين؛ وهي من ناحيتها الفنية متاع للإنسانية كلها. وما رأيك في هذه البيع ~~والكنائس والمساجد والمعابد التي أتقن الفنيون إقامتها وتنسيقها، وجعلوها آيات فنية ~~في العمارة والنقش والتصوير؟ أتظنها مقصورة على الذين يقيمون الصلاة فيها، ويتوسلون ~~فيها إلى آلهتهم بالوسائل المختلفة؟ أم هي إلى ذلك متاع مباح للذين يستطيعون أن يذوقوا ~~الفن ويحبوه، ويلتمسوا درسه وفهمه وتحليله؟ أترى أنه لا يجوز لغير المسلم أن ينظر ~~إلى مسجد أو يدخله، ولا لغير المسيحي أن يتوسم كنيسة أو يتأملها، وأن الحكومات ms05 ~~القائمة آثمة حين تبيح هذه المساجد والكنائس لطلاب الفن غير المسلمين والنصارى؟ كلا، ~~إن هذه الحكومات تأثم وتجرم حين تقصر هذه المساجد والكنائس على الذين يريدون أن ~~يقيموا فيها شعائرهم الدينية، وتقصي عنها الذين يريدون أن يقيموا للفن شعائره ~~أيضا. # وأنا أحب أن أمضي إلى أبعد من هذا؛ فأزعم أن من الممكن، بل من الأشياء الواقعة، أن ~~قراءة طلاب الفن والجمال الأدبي لهذه الكتب تنتج للإنسانية نتائج لا ينتجها عكوف ~~الأحبار والرهبان والشيوخ على قراءة التوراة والإنجيل والقرآن! فهؤلاء يقرءون متعبدين ~~يلتمسون الدين والإيمان، وهم يقرءون ويفسرون ويقربون هذه الكتب إلى الناس من ناحيتها ~~الدينية، وقلما يعنون بالناحية الفنية، وقلما يدركون دقائق هذه الناحية إن هم عنوا ~~بها أو التفتوا إليها. بينما أولئك يعنون بهذه الناحية الفنية، وقد تمكنهم هذه ~~العناية أن يفتحوا للناس أبوابا لحياة فنية قوية الأثر، بعيدة المدى. انظر إلى هذه ~~الآثار الفنية المختلفة التي لا تحصى، والتي تراها منبثة في أقطار الأرض المسيحية ~~شرقا وغربا، والتي إنما نشأت من تأثر أصحاب الذوق والفن بما قرءوا، أو ما ألقي ~~إليهم من العهدين القديم والجديد. # أتظن أن لو قصرت التوراة والإنجيل على الأحبار والرهبان والقسيسين لأحدثت هذه ~~الآثار؟ وهل تستطيع أن تحصي كثيرا من الأحبار والرهبان والقسيسين كانوا إلى ناحيتهم ~~الدينية أصحاب فن وأدب وذوق؟! وأين هو الحبر أو القسيس أو الراهب الذي تأثر ~~بالعهدين القديم والجديد، فأنتج مثل ما أنتجه «فيكتور هوجو» حين قرأهما وتأثر بهما؟ وسل ~~شيوخ الأزهر عن جمال القرآن الفني، فلن تجد عندهم غناء؛ سيجيبونك بأن القرآن معجز، وهم ~~مضطرون إلى هذا الجواب لأن الدين يلزمهم إياه كما يلزم كل مسلم - وإن لم يكن شيخا - أن ~~يؤمن بأن القرآن معجز، ولكن سلهم عن هذا الإعجاز: ما هو؟ وما مظاهره ومصادره؟ فلن تجد ~~عندهم غناء، وستجد أشدهم ذكاء، وأحدهم ذهنا، وأنفذهم بصيرة، وأكثرهم اطلاعا ~~مضطرا إلى أن يعيد عليك عن ظهر قلب نظرية الإعجاز والتحدي، كما صاغها المتكلمون منذ ~~أكثر من عشرة قرون، فأما أن ms06 يذوق هو جمال القرآن ، وأما أن يشعر هو بما فيه من مواضع ~~الإعجاز، فشيء لا سبيل إليه، وإن زعمه لك فلا تصدقه؛ لأن الشعور بالجمال الأدبي ~~موقوف على درس الأدب نفسه، وإتقان اللغة، وتعمق أسرارها ودقائقها، وليس شيوخ الأزهر ~~من هذا كله على شيء. # وسل شيوخ الأزهر وكثرة القسس والرهبان عما في المساجد والكنائس والأديرة من الجمال ~~الفني، فلن تجد عندهم غناء. وأنا أراهن على أنك لن تجد بين شيوخ الأزهر من يستطيع أن ~~يؤرخ الأزهر نفسه من الناحية الفنية، فضلا عن غيره من المساجد، وفضلا عن تذوق هذه ~~الناحية الفنية، وتكوين رأي فيها؛ حيل بين شيوخ الأزهر وبين هذا، وأتيح هذا - لا أقول ~~لغيرهم من المسلمين، بل - لغيرهم من النصارى وأهل الديانات والنحل الأخرى، فسل مدير ~~دار الآثار العربية وهو فرنسي مسيحي يؤرخ لك مساجد القاهرة كلها، ويحلل لك ما فيها ~~من ضروب الجمال الفني على اختلافها وتنوعها. # كل ما أريد من هذه الإطالة إنما هو أن أصل إلى أن الكتب الدينية، والعمارات الدينية، ~~لا ينبغي أن تكون وقفا على أصحابها وحدهم، وإنما هي متاع للإنسانية كلها كغيرها من ~~الآثار الفنية التي كان لها حظ عظيم في تكوين نفسية الأمم والأجيال. # وإذا كان هذا حقا - وهو حق، بل هو واقع كما ترى - فقد بقيت خطوة يجب أن نخطوها، ~~ولست أدري أيتاح لنا أن نخطوها في هذا العصر الذي نحن فيه؟ أم يحول بيننا وبينها الجهل ~~والجمود؟ إذا كان من حق الناس جميعا أن يقرءوا الكتب الدينية ويدرسوها ويتذوقوا جمالها ~~الفني، فلم لا يكون من حقهم أن يعلنوا نتائج هذا التذوق والدرس والفهم ما دام هذا ~~الإعلان لا يمس مكانة هذه الكتب المقدسة من حيث هي كتب مقدسة؛ فلا يغض منها، ولا ~~يضعها موضع الاستهزاء والسخرية والنقد؟ وبعبارة أوضح: لم لا يكون من حق الناس أن ~~يعلنوا آراءهم في هذه الكتب من حيث هي موضوع للبحث الفني والعلمي، بقطع النظر عن ~~مكانتها الدينية؟ # أما الغربيون، فقد كسبوا لأنفسهم هذا الحق، ms07 وهم يدرسون الكتب الدينية والسماوية وغير ~~السماوية، ويعلنون نتائج درسهم في حرية وصراحة، منهم الغلاة في التعصب لها، والغلاة ~~في التعصب عليها، والمقتصدون بين أولئك وهؤلاء. وأما الشرقيون، فقد كانوا أيام الأمويين ~~والعباسيين آخذين في أسباب هذه الحرية والصراحة، يدرسون ويعلنون نتائج درسهم دون أن ~~يتعرضوا لكثير من الخطر أو الأذى، ولكنهم لم يكادوا يفقدون سلطان السياسة العربية حتى ~~تورطوا في شيء من الجهل والجمود حرمهم هذه الحرية والصراحة، وجعل حسهم فيما يمس ~~الدين يصبح حادا رقيقا شديد التأثر، سريع الانفعال، ثم كان هذا العصر الحديث، ونهضت ~~شعوب الشرق العربي؛ وطلبت حرية الرأي، كما طلبت الحرية السياسية والاقتصادية، في ذلك ~~كله، ووصل بعضها إلى حظ لا بأس به، ولكن الحس الديني ما زال في الشرق العربي رقيقا ~~حادا كما كان، ولعله قد أصبح في هذه الأيام أشد رقة وحدة، وأسرع تأثرا ~~وانفعالا؛ لأن الأهواء السياسية الناشئة قد أخذت تستغل الدين طلبا للغلب ~~والفوز. وأنا أعلم أن هذا طور انتقال، وأن استغلال السياسة للدين في الشرق العربي إنما ~~هو نتيجة الجهل وقلة التجربة، وأن هذه الحال لا بد أن تحول، ولا بد من أن يشعر الساسة ~~غدا أو بعد غد بأن استغلال العواطف الدينية لمصلحة الأهواء السياسية شر منكر يضر ~~كثيرا ولا يغني شيئا. أعلم هذا، وأعلم أنا منتهون غدا أو بعد غد إلى هذه الحرية ~~التي كسبها الغربيون في العصر الحديث، والتي استمتع بها العرب في الشرق حينا إبان ~~القرون الوسطى. # ولكني آسف أشد الأسف لهذا الوقت الذي نضيعه، ونسرف في إضاعته، ونحرم فيه، إن لم ~~أقل لذة البحث والدرس، فلذة الحرية وإعلان الرأي على أقل تقدير. # خطر لي هذا كله في مضجعي من السفينة، وقد آويت إليه لأستريح بعد أن فرغت من قراءة ~~سفر التكوين، فكانت السفينة تقترب مسرعة من مضيق صقلية، وكان المسافرون يزدحمون على ~~الجسر؛ ليروا ما سيتكشف عنه الأفق بعد دقائق من سواحل هذا المضيق. # 5 # كانت السماء صافية، والجو معتدلا، وكان البحر هادئا يداعبه نسيم ms08 طلق خفيف، وكأنما ~~كانت السفينة تنزلق على سطحه الأملس في دعة المطمئن المبتسم للحياة، وكان السفر ~~أفرادا وجماعات يرسلون أعينهم في هذه الناحية أو في هذه، ينظرون إلى إيطاليا أو ~~صقلية، وكان هنا وهناك على الجسر سيدات قد استلقين على كراسيهن الطوال يمعن ~~فيما في أيديهن من كتب لا شك في أنها كانت كتبا قصصية، وربما رفعت إحداهن رأسها، ~~ومدت طرفها مدا طويلا كأنما تريد أن تأخذ مما حولها صورة كاملة قوية، حتى إذا ~~استوفت حظها من ذلك عادت إلى قصصها، وغرقت فيه ريثما تدفعها حاجتها إلى النظر ~~والاستطلاع، فترفع رأسها وتمد طرفها مدة طويلة أخرى. وكان في صالونات السفينة جماعات ~~من الرجال والنساء؛ منهم من يتحدث همسا، ومنهم من يقرأ، ومنهم من يداعب البيانو، فأما ~~«البار» فقد امتلأ بجماعات انتحى بعضها ناحية إلى ورق اللعب، وأخذ بعضها الآخر في حديث ~~لا يخلو من لغط تقطعه من وقت إلى وقت جرع من أشربة مختلفة. وفي ناحية من نواحي هذا ~~البار جلس عالمان من علماء الآثار المصرية، وأخذا يتحدثان عن نقوش ثم عن كتب، ثم ~~ينغمسان شيئا فشيئا في نحو اللغة المصرية القديمة، وفعلها واسم الفاعل فيها بنوع خاص، ~~وهما يتجادلان ويستظهران الأدلة والنصوص حتى نسيا كل النسيان السماء والماء وإيطاليا ~~وصقلية والسفينة وهذه الجماعات اللاغطة من حولهما. وكان أمامهما إلى الناحية الأخرى من ~~المائدة رجلان يعبثان بالعلم والعلماء، والبحث والباحثين، ويتناولان كل شيء في هزل ~~ودعابة لا تحفظ فيهما: أحدهما أستاذ تاريخ في الجامعة المصرية، والآخر أستاذ ~~آداب. # ومضت السفينة في طريقها، ومضى المسافرون فيما كانوا فيه حتى دقت أجراس العشاء، ~~فتفرق أصحاب المائدة الأولى، وبقي أصحاب المائدة الثانية فيما كانوا فيه، ثم تدق ~~الأجراس مرة أخرى فيتفرق هؤلاء ويعود أولئك فيستأنفون ما كانوا فيه؛ من حياة فارغة فيها ~~عبث ولعب، وفيها نشاط، وفيها شراب، وفيها حديث كثير. # وكذلك يقضي أكثر الناس أيامهم في السفن، وفيما تريد أن تقضى هذه الأيام؟ وإنما ~~انصرف السفر عما كانوا فيه من جد الحياة ms09 اليومية ليستريحوا ويرفهوا على ~~أنفسهم ؛ فكل يلتمس من الراحة ما يلائم ذوقه ومزاجه ومقدرته على الراحة. # على أن من الحق أن نلاحظ أن ليست أيام السفينة أيام راحة وترفيه بريئين بالقياس إلى ~~الناس جميعا؛ فمن الرجال من يتخذ من هذه الأيام فرصة لعله لا يصادفها كثيرا في حياته ~~العادية، فرصة لاتباع النساء ومغازلتهن ومداعبتهن باللحظ حينا وباللفظ حينا آخر، ومن ~~الرجال من يتخذ هذه الأيام والليالي فرصة لعله لا يصادفها كثيرا في حياته العادية، ~~وينتهزها ليتجمل بأحسن ما عنده من ثياب، وليمشي قبل الغداء وبعد العشاء على الجسر ~~ذاهبا جائيا يكاد جسمه يعلن عن نفسه في هذه الأشكال المختلفة التي يأخذها حين يقف ~~وحين يتحرك، وحين ينظر وحين يلتفت، وحين يشعل السيجارة أو السيجار، وحين يرسل ~~الدخان من فمه. ومن النساء كذلك من تتخذ هذه الأيام والليالي فرصة للهو والعبث ~~والدعابة، وفرصة للتبرج وإبداء الزينة، وفرصة - على الجملة - للاستمتاع بنوع من الحياة ~~قلما يظفرن به في حياتهن العاملة في المدن. # أما سمر الليالي وما فيه من قصف وعزف ورقص ومناجاة ومناغاة، فلست أحدثك عنه؛ ~~لأني لا أذكر أني شهدته قط منذ تعودت أن أعبر البحر، إنما قصاراي في هذه الأسفار ~~إذا فرغت من العشاء أن أصعد إلى الجسر فأذهب عليه وأجيء حينا - مهما يطل فلن ~~يتجاوز إحراق سيجارة أو سيجارتين - ثم أهبط إلى حيث مضجعي فآوي إليه. وأنا لا أذوق ~~النوم في السفينة إلا غرارا، فما أطول ما يكون في هذه الليالي الطوال بيني وبين نفسي ~~من حديث! أهو حديث حلو؟ أهو حديث مر؟ أهو مزاج من الحلو والمر؟ لست أدري! ولكني ~~أعلم أني أحب هذه الليالي، وآنس إليها أشد الأنس؛ لأني أفرغ فيها إلى نفسي، ولأني أجد ~~فيها من الحرية والخلوة ما لا أجده في مكان آخر ولا في زمان آخر. # ولعل كثيرا من الناس لا يفهمونني إن قلت إني أجد لذة غريبة قوية إذا تقدم الليل، ~~وهدأت حركة الناس جميعا في السفينة، وكنت وحدي يقظا أو كاليقظ، أسمع ms10 لاصطخاب الموج ~~حين يكون البحر هائجا، ولعزف الريح واصطفاق الموج حين يكون البحر هادئا، ولما يكون في ~~الحالين من هذا الصوت الأصم القوي الذي تبعثه السفينة في اضطراد وتشابه واستمرار ~~منذ تبرح الإسكندرية حتى تصل إلى مرسيليا. نعم، أجد لذة غريبة في هذه الأصوات التي ~~أسمعها، وربما حاول خيالي أن يلائم بينها، ويؤلف منها موسيقى فيها قوة، وفيها عذوبة، ~~ولها قدرة غريبة على أن تخلطني بها، فإذا أنا جزء لا يكاد ينفصل من هذه الطبيعة التي ~~تتألف في خيالي من الموج والريح والسفينة، وربما كانت الخواطر التي تشغلني من حين ~~إلى حين قوية جذابة، فتملأ نفسي وتملك علي قلبي وتصرفني عن كل شيء، فلا أحس ولا ~~أسمع، وإنما أنا في تفكير مطلق طويل، حتى إذا مضيت في هذا التفكير إلى غايته أحسست ~~كأني قد فقدت شيئا، وإذا أنا أجمع إلي حسي وعقلي وشعوري، وأتخلص قليلا قليلا من ~~هذه الخواطر التي غمرتني، وأتلمس العودة إلى عالمي الذي أجد فيه الأنس واللذة ~~والدعة - والليل مظلم مدلهم - عالم الأصوات المختلطة تتألف من الموج والريح ~~والسفينة. كذلك أقضي ليالي بين الإسكندرية ومرسيليا. # ففيم كنت أتحدث إلى نفسي هذه الليلة بعد أن آويت إلى مضجعي نحو الساعة العاشرة، وقد ~~أنبئت أن قد بعد ما بيننا وبين المضيق حتى لا ترى السواحل، وإنما هي السماء والماء ~~يمتدان ما امتد الأفق أمام الناظرين، كنت أستحضر المرات المختلفة التي أخذت فيها ~~السفينة وعبرت فيها البحر من مصر إلى فرنسا. # وإذا استحضرت هذه المرات فإنما أستحضر ما كان يرافقني من الخواطر فيها، وكانت ~~الخواطر التي تعرض لي أثناء هذه الليلة، ولا تكاد تفارقني، خواطر سفري الأول من ~~الإسكندرية منذ أربع عشرة سنة، ثم سفري الثاني من بورسعيد منذ ثلاث عشرة سنة، ثم سفر ~~آخر من بورسعيد منذ أربع سنين. # كنت أراني حين تركت مصر لأول مرة شيخا معمما قد صعد إلى السفينة يتعثر في ~~أذيال جبته وقفطانه اللذين كانا يزيدانه حيرة إلى حيرته الطبيعية التي قضت بها ~~عليه عاهته ms11 التي حالت بينه وبين الضوء ، فلم أكد أصل إلى غرفتي حتى طارت العمة عن ~~رأسي. ولقد أريد أن أتذكر إلى أين، فلا أجد إلى ذلك سبيلا؛ كل ما أعرفه أني خلعتها ~~حين دخلت الغرفة، ثم لست أدري إلى أي حال صارت، ولو قد عثرت عليها لحفظتها تذكارا ~~باقيا، ولوجدت شيئا من الحنان والحزن والأمل حين آخذ بين يدي ذلك الطربوش الكالح، ~~وتلك الخرقة التي ما أظن أنها كانت يومئذ ناصعة البياض. وخلعت الجبة والقفطان، ~~وأنا أعلم إلى أين صارا؛ منحهما أخي هدية لسيدة كان يألفها في فرنسا، ولست أدري ماذا ~~اتخذت منهما! خلعت العمة، وخلعت الجبة، وخلعت القفطان، ودخلت في هذه الثياب ~~الأوروبية، فكم ضقت بها، وكم كرهتها، وكم ندمت على جبتي وقفطاني طوال الأسبوع الذي ~~قضيته على ظهر «أصبهان» رحمها الله! فقد هوت «أصبهان» إلى قاع البحر، وعبث الموج ~~بأجزائها كما عبث بأجزاء عمتي في أكبر الظن. # وكان البحر في هذه السفرة يروعني ويخيفني، ويملأ قلبي هولا ورعبا. كنا في ~~نوفمبر، وكان البحر هائجا شديد الهياج، وكانت سفينتنا صغيرة ضئيلة عتيقة تحب الترجح ~~والرقص، فكانت تعلو وتهوي، وتميل ذات اليمين وذات الشمال، وكانت الريح هوجاء في أكثر ~~الوقت، ولا سيما إذا أظلم الليل، وكنت أسمع عصف الريح وقصفها، واصطخاب البحر وهديره، ~~وكنت أحس اضطراب السفينة عنيفا قويا، ولم أكن أرى على ذلك كله شيئا، فتصور هذا ~~الذي لم يتعرض قط لخطر، ولم يعرف قط الحياة المضطربة العنيفة، ولا حظ له من العلم ~~بالبحر، ولا تجربة له فيه، ولم يقدر الله له حظا من النور يرى به أن هذا الاضطراب، ~~وهذه الضوضاء، وهذا الموج المتراكب مهما يكن عظيما، فهو لا يعرض السفينة للهلكة ولا ~~للعطب. واشتد الذعر وكدت أيأس من كل شيء ذات ليلة حين وقفت السفينة فجأة، وقيل إن بعض ~~أدواتها قد عطب، حينئذ ذكرت مصر في حسرة، وذكرت فرنسا في لوعة، واستلقيت على سريري ~~أنتظر الموت، بينما نهض صديقي ... فلبس وازين؛ لأنه كما كان يقول لا يريد أن ms12 يموت ~~في قميص النوم! ثم انجلت تلك الغمة، واستأنفت السفينة سيرها هادئة في جو هادئ. وما ~~هي إلا ساعات حتى أشرفنا على الساحل الفرنسي، ومضت بعد ذلك سنة كان فيها ما شاء الله من ~~حلو الأمر ومره، وإذا أنا في آخر ديسمبر سنة 1915 في القاهرة، أتهيأ لاستئناف الرحلة ~~إلى فرنسا بعد أن كنت قد يئست من عبور البحر مرة أخرى، وأقبلت ذات مساء إلى الجامعة ~~أودع موظفيها قبل السفر إلى بورسعيد، فيا هول ما سمعت حينئذ! أنبأني السكرتير أني قد ~~أضطر إلى البقاء؛ لأن الحكومة الإيطالية ترفض أن أمر بأرضها إلى فرنسا. ولم هذا؟ ~~لأنك ضرير وإيطاليا لا تريد أن يمر بأرضها أو يستقر فيها إلا من كان قادرا على أن يعيش ~~دون أن يكلف الحكومة الإيطالية مشقة أو عناء، وإذن فلن تسافر غدا إلا أن يأتي الله ~~بما ليس منتظرا. لا أذكر أن شيئا وقع من نفسي موقعا مؤلما كهذا النبأ. # وكانت لهذا الألم مصادر مختلفة؛ أولها: تأجيل هذا السفر الذي امتدت إليه نفسي بكل ~~قوتها ثلاثة أشهر كاملة. والثاني: علة هذا التأجيل، وهي أني ضرير لست كغيري من الناس، ~~ماذا أصنع في مصر وليس لي عمل فيها، ولا مورد للحياة؟ ثم أشياء أخرى كانت تمتلئ بها ~~النفس ليس إلى تفصيلها من سبيل. # وسأشكر ما حييت لرئيس الجامعة يومئذ وصاحب عرش مصر الآن، ولمدير دار الكتب يومئذ ~~ووزير المعارف حين أملي هذه السطور وللمرحوم «علوي باشا»، ما كان لهم من جهد حميد وبلاء ~~حسن في تذليل هذه الصعوبة الطارئة والعقبة المفاجئة، فقد اتصل رئيس الجامعة بوزير ~~إيطاليا المفوض، وكان من أثر هذا السعي أن أذن لي بمرافقة أصحابي إلى فرنسا عن طريق ~~نابولي. # وانتصف نهار الغد، وإذا نحن على ظهر سفينة هولاندية صغيرة ظريفة أنيقة قادمة من الشرق ~~الأقصى عليها قوم فرحون، فيهم شباب نشيط مرح، وفيهم بنوع خاص ناهد لم تبلغ الخامسة ~~عشرة بعد، رأت صاحبا لي في عمته وجبته وقفطانه، وكان وسيما أنيقا متظرفا، ~~فأنست إليه، ms13 وفتنت به أو بزيه. # وكان أنسها وفتنتها موضع حديثنا وعبثنا حتى أقلعت السفينة، وتركنا صاحبنا الشيخ ~~في زورقه يتبادل مع الفتاة التلويح بالمناديل، وأقبل الليل وآوينا إلى مضاجعنا آمنين ~~مطمئنين رغم ما كان يذكر من حديث الغواصات، ألم نكن في سفينة محايدة لا سبيل عليها ~~للمتحاربين؟ ولكن باب الغرفة يطرق ثم يؤذن للطارق فيدخل، وإذا هو يتحدث إلينا في ~~فرنسية مضطربة أنه إذا دق الجرس فأسرعوا إلى جسر كذا، وقفوا أمام الزورق رقم كذا ... ~~قال صاحبي: «وفيم يدق الجرس؟» قال الطارق: «وهل نسيت الغواصات.» وانطلق وأقفل الباب من ~~ورائه، وكان الدوار قد أخذ يلعب برأس صاحبي، فانضم إليه الخوف والوجل، وما أزال أراه ~~يقيء، ويعالج الدوار، ويدعو أمه، ويذكر إخوته الصغار في لهجة كانت تؤلمنا وتضحكنا ~~معا، وكان هو أسرعنا إلى الضحك وأشدنا ألما. # كانت حلوة لذيذة تلك الأيام السعيدة بين بورسعيد ونابولي آخر سنة 1915، ألم أكن قد ~~وفقت إلى العودة إلى فرنسا حيث باريس، وحيث السوربون، وحيث استئناف الدراسة وتحقيق ~~الأماني، وحيث تلك التي لم تكن قد جاوزت العشرين من عمرها، والتي فارقتني في مونبلييه ~~أول الصيف على أن نلتقي في باريس إذا أقبل الشتاء، والتي عرفت عودتي إلى مصر، وإشفاقي ~~من البقاء فيها، فكتبت إلي وضمنت كتابها وردة من ورد فرنسا ما أزال أحفظها إلى ~~الآن؟ أكان ما أضمر لها في قلبي حبا، أم كان مودة خالصة، أم كان شيئا بين ذلك لم ~~أكن أتبينه حينئذ، وإنما تبينته بعد ذلك بشهرين كاملين؟ كانت حلوة لذيذة تلك ~~الأيام بين بورسعيد ونابولي، وكان أحلى منها وألذ ذلك اليوم الذي وصلنا فيه إلى ~~نابولي، بل تلك الساعة التي أسرعت فيها إلى مكتب البريد فوجدت فيه كتابين قرأهما علي ~~صاحبي مرة ومرة، فلما طلبت إليه القراءة الثالثة قال في شيء من اللطف والسخرية: لعلك ~~تنسى أن القطار يسافر في الساعة الثالثة، وأن من الحمق أن نسافر ولما نطف قليلا في ~~هذه المدينة التي لم نرها قبل اليوم، ولعلنا لا نراها بعد اليوم، ms14 وكان أحلى من ذلك ~~وألذ، ذلك اليوم الذي وصلت فيه إلى باريس، بل تلك الساعة التي طرق فيها باب غرفتي، ~~ثم فتح، ثم أقبل علي شخص فصافحني في قوة ومودة وصراحة، وجلس إلي ساعة يسألني ~~وأساله ويجيبني وأجيبه، ثم افترقنا على أن نلتقي من غد، والتقينا من غد فما افترقنا ~~منذئذ يوما ولا ساعة ولا بعض ساعة إلا أحسست - شهد الله - في نفسي ألم الفراق وشوقا ~~إلى اللقاء. # وانقضت في باريس وفي القاهرة أعوام كان فيها ما شاء الله من حلو الأمر ومره حتى كان ~~يوم 5 يوليه سنة 1924، وإذا أنا في بورسعيد كما كنت آخر سنة 1915، ولكني لم أكن وحدي، ~~وإنما كان معي في هذه المرة زوجي وابناي، وكان معي صاحبي الذي رافقني إلى بورسعيد، ~~وداعب الفتاة وداعبته على ظهر السفينة الهولاندية، ولكنه لم يكن في هذه المرة شيخا ولا ~~متأنقا ولا متظرفا، وإنما كان رجل جد ودعابة لم تفارقه، كنا في بورسعيد، وكنا ~~نأخذ طريقنا نحو السفينة، ولكنا كنا نسأل أنفسنا: أنبلغها؟ أيخلى بيننا وبينها؟ حتى ~~إذا عرض لنا بعض عمال الثغر يطلب الباسبور، لم تشك زوجي، ولم أشك أنا في أنه يريد بأمر ~~من الحكومة أن يحول بيننا وبين السفينة، ولكنه لم يفعل، فأخذنا الزورق وصعدنا إلى ~~السفينة وجلين، ولم نكد نبلغها حتى آوينا إلى غرفتنا فلم نفارقها إلا بعد أن أقلعت ~~السفينة. وكان صاحبي قد صعد معنا، ولكننا فقدناه ساعة حتى إذا دقت الأجراس مؤذنة ~~بإقلاع السفينة أقبل فودع مسرعا وانصرف، ولكنه همس في أذني قائلا: «يوم كيوم ~~السفينة الهولاندية!» ثم عرفت منه بعد ذلك أن قد كانت له قصة فيها غزل ودعابة، ولكنها ~~دعابة لم تكن من البراءة بحيث كانت تلك. # وأقلعت السفينة ومضت في سبيلها، وخرجت من الغرفة وصعدت إلى الجسر وأنا أتمثل في ~~صدق وإخلاص وابتهاج قول ذلك الشاعر القديم: # عدس ما لعباد عليك إمارة # نجوت وهذا تحملين طليق # مم كنت أخاف؟ ومم نجوت؟ كنا يومئذ أشد ما نكون في مصر فرقة وانقساما، ms15 وكانت ~~الخصومة السياسية عنيفة منكرة، وكانت الحكومة القائمة قد أمرت بالتحقيق مع «السياسة» ~~وكتابها، وكانت النيابة قد دعتني وسألتني فأبيت أن أجيب واضطرت إلى وقف التحقيق، ~~وكانت وزارة المعارف قد تسلمت الجامعة، وكانت قد ماطلت في الإذن بالسفر، ثم أذنت ~~كارهة. # وكنت أنتظر من وقت لآخر أن تأمر النيابة بالقبض ثم السجن، وكنت أحرص ما أكون تلك ~~السنة على السفر إلى فرنسا لأستريح وأريح زوجي وابني، فليس غريبا أن أتنسم الهواء ~~الطلق بكل صدري منشدا: # نجوت وهذا تحملين طليق ~~... والآن تمضي السفينة بنا هادئة مطمئنة مسرعة بين مضيق صقلية ومضيق بونيفاسيو، ~~والليل مظلم مدلهم، وكل شيء هادئ وادع إلا هذه النفس، فإنها ثائرة مضطربة مغيظة ~~محنقة تستعرض هذه الحوادث التي مرت، وتستعرض آخرها الذي لم يفرغ بعد، وهي تنشد في غيظ ~~وحنق لا في ابتهاج وسرور: # نجوت وهذا تحملين طليق # ذلك أني لم أسافر هذه المرة كما تعودت أن أسافر في لين ورضا واستبشار بالسفر، وإنما ~~سافرت على كره من الناس، وعلى كره من نفسي. سافرت ولو استطاع قوم لحالوا بيني وبين ~~هذا السفر، ولأقمت في مصر أراهم ويرونني، وأغيظهم ويكيدون لي. # نعم، كل شيء من حولي هادئ حتى موج البحر، ورياح الجو، وحتى صوت السفينة المطرد؛ ~~إلا هذه النفس فإنها ثائرة مضطربة ليست بالهادئة ولا المطمئنة ... تذكر سنة 1924 حين ~~سافرت على كره من قوم لو استطاعوا لأمسكوني في مصر. وأنا الآن أسافر رغم هذا الشيخ ~~الذي نهض في مجلس الشيوخ يستصرخ المسلمين، ويستغيث برئيس الوزراء علي؛ لأني - فيما ~~زعم مسخروه - عرضت الدين للخطر، نعم، ورغم هؤلاء الشيوخ الأزهريين الذين أبرقوا ~~إلى رئيس الوزراء من أقصى الصعيد يستغيثون به؛ لأن الصحف نقلت إليهم أني عرضت الدين ~~للخطر. نعم، ورغم هؤلاء الشيوخ الأزهريين الذين توسلوا إلى رئيس الوزراء ألا يدعني ~~أسافر حتى يؤلف لجنة تستوثق من أني لن أعرض الدين للخطر أمام مؤتمر المستشرقين في ~~أكسفورد. نعم، ورغم قوم كثيرين كانوا يسعون هنا وهناك سرا وجهرا، يكيدون ويغرون ~~ويضللون. # لقد ms16 سئمت هذا كله، وتقدمت إلى مدير الجامعة معتذرا فأبى وألح، وسافرت مغيظا ~~محنقا على هؤلاء الناس الذين يتخذون الدين والسياسة وسيلة للكيد، وبث الفساد في ~~الأرض، وإنهم ليعلمون حق العلم أن الدين أثبت وأمكن من أن يعرضه للخطر رجل كائنا ~~من كان، وإنهم ليعلمون حق العلم أن هذا الرجل الذي يكيدون له، ويسعون به، أحرص منهم ~~على سلامة الدين، والتمكين له في الأرض، وأقدر منهم على ذلك، وأحسن منهم بلاء في ~~حمايته، والذود عنه، ولكنهم بين مأجور وموتور. # نعم، كل شيء من حولي هادئ مطمئن حتى موج البحر، ورياح الجو، وحتى صوت السفينة ~~المطرد، وحتى إني لأسمع ابنتي النائمة في سريرها تلقاء سريري يتردد نفسها البريء في ~~صدرها ترددا هادئا منتظما. فما لهذه النفس الثائرة لا تهدأ! وما لها لا تتصل بهذه ~~الطبيعة الهادئة من حولها؟ أكل شيء في مصر كان يدفع إلى الثورة النفسية، ويهيج ~~عواطف الغضب والغيظ؟ ألم يكن في مصر ما يبعث في النفس شيئا من الرضا، ويحمل إلى القلب ~~شيئا من الطمأنينة؟ بلى، وإني لجاحد منكر للجميل إن نسيت هذا الرجل الذي لم أكن ~~أعرفه ولم يكن يعرفني، إلا بما كان بيننا من خصومة سياسية عنيفة، والذي وقف أمام ~~البرلمان كله - وهو يتألف من كثرته الحزبية - وقفة الحزم والمروءة والإباء والدفاع عن ~~حرية الرأي. نعم، إني لجاحد منكر للجميل إن نسيت موقف علي باشا الشمسي أمام النواب ~~وأمام الشيوخ، وأمام أولئك وهؤلاء من السعاة وأصحاب الكيد، لا يضطرب ولا يتردد ولا ~~يفرط. وإني لجاحد منكر للجميل إن نسيت أني ذهبت أودعه، وأشكر له بعض مواقفه أمام مجلس ~~الشيوخ، فقال لي: «لست أقبل منك شكرا؛ لأني لم أقف هذا الموقف دفاعا عنك، وإنما وقفته ~~دفاعا عن رأي، وأنا أعلم أنهم يأتمرون بك، ويكيدون لك، ولكني لا أسمح بأن يكون للكيد ~~والسعاية أثر في الحياة العامة وأنا وزير، فسافر مطمئنا، وثق بأني لن أبرح الأرض ~~حتى أقضي على هذا الكيد.» هو الآن بعيد عن الحكم، ولم تكن بيني ms17 وبينه - وما أظن أن ~~ستكون بيني وبينه - صلة غير هذه الصلة التي تحملني على أن أذكر مروءته ووفاءه للحق ~~والحرية، والتي تحملني على أن أسطر هنا ما أشعر به من أسف شديد؛ لأن وزارة المعارف ~~حرمت رجلا كهذا الرجل. # أأذكر عدلي وموقفه يوم ثارت الثائرة؟ كلا؛ فما كنت أنتظر من «عدلي» غير هذا! أأذكر ~~ثروت وموقفه يوم استقلت فرفض الاستقالة، ويوم سعى إليه الساعون، وكاد عنده الكائدون، ~~فأبى إلا أن يكون وفيا شريفا؟ كلا؛ فلم أكن أنتظر من ثروت غير هذا. فأما علي الشمسي ~~باشا فإني أذكره، ولن أفرغ من الثناء عليه؛ لأني أظن، بل أثق بأن قليلا من الناس ~~يستطيعون أن يقفوا مثل مواقفه بإزاء خصم سياسي تظاهرت عليه قوى أقل ما توصف به أنها ~~شديدة الأثر في حياتنا العامة كلها، وفي حياة الوزراء بنوع خاص. # نعم، وهؤلاء الذين كنت أعمل معهم في الجامعة، والذين كانوا إذا أصبحوا قرءوا وتلقوا ~~احتجاجا واعتراضا أو نذيرا، فلا يزيدهم ذلك إلا حرصا علي، ورفقا بي، وتشجيعا ~~لي، هؤلاء الأصدقاء الذين كانوا كلما اشتد الأمر، وجد الجد، افتنوا في التماس ~~الوسائل لتسليتي والتسرية عني. # أليس هذا كله يكفي لتهدئة هذه الثورة، وإخماد هذا الغيظ؟ بلى؛ بل هو يكفي لأكثر من ~~ذلك، يكفي لإحياء الأمل، وتنشيط الرجاء، وتقوية الثقة بأن ما في مصر من أعراض الشر ~~سحابة صيف لا تلبث أن تبددها هذه الشمس المشرقة الحارة التي تمتلئ بها نفوس الأخيار من ~~أذكياء مصر وأولي الرأي والضمائر والقلوب والإخلاص فيها، وإنهم على قلتهم لكثير. نعم، ~~يجب أن تهدأ هذه النفس الثائرة، وأن يطمئن هذا القلب المضطرب، وأن تخمد جذوة هذا ~~الغيظ، وأن يقوم الأمل مقام اليأس، والنشاط مقام الخمول، وأن أستأنف القراءة إذا انجلى ~~الليل، وبسطت الشمس رداءها الفضي على هذا البحر الهادئ الصافي، وانقضت هذه الحركة التي ~~نأتيها مصبحين في السفينة بين إفطار وتدخين وتهيئ وصعود إلى الجسر، ووضع للكراسي في ~~مواضعها، وتبادل التحيات والسجائر؛ نعم، يجب أن أستأنف قراءة التوراة؛ فقد فرغت ms18 من ~~سفر التكوين، ولست أشك في أني سأجد في قراءة سفر الخروج لذة فنية وعقلية ودينية ~~معا. # 6 # وأصبحت ممتلئ النفس بحديث الأزهر، لا يفارقني ولا أنصرف عنه، كأنما فرضت علي ~~التفكير في الأزهر والأزهريين قوة قاهرة لا أستطيع لها دفعا، ولا أجد عن الإذعان لها ~~محيصا، كنت أفكر في الأزهر مشفقا آملا، على شيء من السخط بين هذا الأمل وذلك ~~الإشفاق، ولم كنت أفكر في الأزهر هذا التفكير الذي حملني على أن أرفض في رفق ما عرض ~~علي صاحبي من قراءة التوراة، حين تمت الساعة العاشرة، وفرغنا من حركة الصباح على ~~السفينة، ولم يكن لنا إلا أن نقرأ أو نتحدث حتى تدق أجراس الغداء؟ هذه زوجي قد اعتزلتنا ~~وعن يمينها كتاب، وعن شمالها علبة فيها من أدوات الخياطة والتطريز ما شاء الله، وهي ~~تتنسم هواء البحر، وتلقي نظرة على اليمين، وأخرى عن الشمال، وكأنها تسأل نفسها؛ أتأخذ ~~الكتاب أم تفتح العلبة؟ وهذان ابناي في نشاط ومرح وصياح واضطراب، يجريان ويقفان، ولا ~~يدريان بأي أطراف اللعب يأخذان. وهؤلاء المسافرون يلقى بعضهم بعضا في تحية وبشر، ~~وحديث عن البحر والجو وقرب الوصول إلى مرسيليا. وهذا صاحبي قد هيأ لي كرسيا وأجلسني ~~في دعة ورفق، ثم هيأ كرسيه في بطء ورزانة لا تلائم سنه ولا شخصه، ثم جلس متثاقلا ~~متباطئا وهيأ صحفه وهو يسألني: «أأبدأ في قراءة التوراة؟» فأجيبه: «لا.» فيسألني: «فأي ~~كتاب آخر تريد أن أقرأ؟» فأجيبه: «لا شيء.» # وما أشك في أنه ابتهج بهذا الجواب واغتبط؛ فقد ظل لحظات ثم نهض وعاد وغرق في كتاب من ~~هذه الكتب التي تعود أن يغرق فيها متى أعفيته من العمل؛ لأنه يتهيأ للامتحان، وتركت ~~أنا زوجي مترددة بين الكتاب والثوب، وابني مضطربين على جسر السفينة، وصاحبي غرقا ~~في المدني أو الدولي، ومضيت أنا أفكر في الأزهر؛ أفكر فيه حين دخلته لأول مرة أشهد ~~صلاة الجمعة، وكنت أعتقد أن قدمي تطآن أشد بقاع مصر تقديسا وطهرا، وأفكر فيه حين ~~كنت أختلف إليه أول النهار ms19 وآخره وإبانه، مقتنعا بأني حين أختلف إليه أؤدي واجبا لا ~~يعدله واجب، وأقدم إلى نفسي أقوم اللذات وأقواها، وأفكر فيه حين أخذ هذا الشعور ~~يفتر ويضعف، وحين كنت أختلف إلى الأزهر في شيء من الكره والملل، مقتنعا بأني إنما ~~أفعل هذا لأخلص من واجب ثقيل، وأفكر فيه حين كنت أوثر عليه دار الكتب، وحين كنت أزوره ~~لماما لأسمع فيه درس الأدب، ولأعبث فيه مع طائفة من الرفاق بجماعة من الشيوخ كانوا ~~يكرهوننا مخلصين، وكنا نكرههم مخلصين أيضا، وأفكر فيه حين أقصيت عنه سعيدا راضيا ~~وساخطا في الوقت نفسه، ثم أفكر فيما بيني وبينه الآن من صلات لا أكاد أحددها إلا في ~~مشقة وعسر، فهو يكرهني، وأنا أشفق عليه وأرثي له، ولعلي لا أقول الحق إن لم أضف أني ~~أضيق به من حين إلى حين. # نعم، كنت أفكر في الأزهر مستعرضا هذا كله جملة وتفصيلا، واقفا من وقت إلى آخر عند ~~قصة تضحكني، وأخرى تغضبني، وثالثة تبعث على شفتي ابتسامة لا تخلو من غيظ ورثاء، ~~ولكن لم كنت أفكر في الأزهر؟ أهي تلك الخواطر التي كانت تضطرب في نفسي الليلة البارحة ~~فتبعث فيها الغضب والثورة؟ نعم، وهذا الأمل الذي أحسسته قبيل سفري حين نشرت الصحف ~~تنصيب الشيخ الجديد، وتنصيب المفتي الجديد، وإن كنت لشديد الأسف لأني لم أستطع أن أصافح ~~هذين الشيخين قبل أن أبرح القاهرة، وإن كنت لشديد الحيرة حين كنت أحاول أن أحلل هذا ~~الشعور الذي وجدته حين قرئ علي في الصحف رفع هذين الشيخين إلى منصب الرياسة الدينية ~~العليا، وإلى منصب الإفتاء. # ذلك أني أعرفهما، وتصل بيني وبينهما صلات قوية، وتصل بيني وبين أحدهما بنوع خاص صلات ~~من تلك التي يحرص الناس على تقديسها، ويجدون شيئا من اللذة في تذكرها واستعراضها؛ ~~أحدهما كان أستاذا لي، والآخر كان شيئا بين الأستاذ والرفيق، سمعت على أحدهما دروسا ~~في علم الكلام وكنت به معجبا، وعنه شديد الرضا، وأسفت أشد الأسف حين ولي القضاء في ~~السودان، فترك الأزهر والدرس فيه. وكان الآخر ms20 زميلا لأخي في الدرس، وجارا له في ~~المسكن، وشريكا له في الحياة، وكنت بحكم هذا كله أعاشره وأخالطه أشد المخالطة في جماعة ~~من زملائه وشركائه في الحياة فرقتهم الأيام الآن، وبعدت بيني وبينهم الآماد، ~~واختلفت بيني وبينهم الصلات، إلا هذا الشيخ، فقد بقيت الصلة بيني وبينه على تقلب ~~الدهر وتبدل الظروف واختلاف الحوادث، كما كانت متينة يسيرة، لا كلفة فيها ولا مشقة. ~~هو الآن مفتي الديار المصرية، وكان قبل ذلك رئيسا لمحكمة مصر الابتدائية، وكان قبل ذلك ~~صاحب الصلاة في القصر الملكي، وكان قبل ذلك يشغل منصب القضاء في المحاكم المختلفة، ~~ولكني حين أتصوره الآن أجرده من كل هذه المناصب، ومما تخلع عليه من جلال وهيبة، ولا ~~أتصور منه إلا هذا الطالب الأزهري الذي كنت أعرفه ساذجا يتوقد ذكاء، ويتقطع ~~نشاطا، حادا في المناقشة، غليظ الصوت كأنه الرعد حين يقرر مسألة من المسائل، شديد ~~الحياء، شديد التواضع، قوي الإيمان، لا حد لإخلاصه حين يواجه أمرا من الأمور، أو يعامل ~~صديقا من الأصدقاء، شديد التأثر بما يقرأ، يؤمن به حتى يقرأ ما هو أشد منه تأثيرا في ~~نفسه، فيتبدل رأيا برأي، ونحوا من التفكير بنحو آخر، قويا بنوع خاص في علوم المنطق ~~والفلسفة والتوحيد والفقه والأصول، مزدريا إلى حد غير بعيد علوم النحو والصرف والبيان ~~وما يتصل بها من علوم الرواية، عاش في البيئات المختلفة طالبا وأستاذا وقاضيا، ولكنه ~~ظل كما كان رجلا من أهل الريف، فيه كل ما في الريفيين من وداعة وسذاجة، وفيه خيرة ما ~~في المتحضرين من ذكاء ونشاط. # كان هذا الشيخ كما كان الشيخ الآخر، وكما كان هذا الجيل الذي درس في الأزهر آخر ~~القرن الماضي وأول هذا القرن، من أشد الناس تأثرا بالشيخ محمد عبده وتعصبا له، ~~وإيمانا به، وافتنانا بما كان يدعو إليه. إن هذا الجيل الذي أشير إليه لخليق ~~بالعناية، وإن تاريخنا العصري ليفقد حلقة من حلقاته القيمة إذا لم ينهض بعض المؤرخين ~~لدرس هذا الجيل من الأزهريين، وتقييد ما كان يملؤه من نشاط، ms21 وما كان يسيطر عليه من ~~إيمان بالمثل الأعلى، وحرص على التجديد والإصلاح، ونفور من القديم، وسخط وازدراء ~~لأنصاره من الشيوخ. # كان هذا الجيل يؤمن إلى حد التعصب بحرية الرأي، وبغض الجمود، ووجوب الاجتهاد، ~~وتحطيم هذه الأغلال التي كانت تأخذ بأعناق الشيوخ وأيديهم وأرجلهم. وكانوا يختلفون إلى ~~دروس الشيخ محمد عبده في التفسير والبلاغة والمنطق، مؤمنين أشد الإيمان بأنهم ليسوا ~~كغيرهم من طلاب الأزهر يدرسون ليعلموا ما كان يعلمه شيوخهم، إنما كانوا رسل إصلاح ~~وتجديد ونهضة، وكان من ألذ الأشياء وأحبها إلى النفس أن تستمع إليهم وهم يتحادثون بين ~~درس ودرس، يذكرون ما قال الشيخ وما عمل، يقلدونه في الصوت ونبراته، كما كان من ألذ ~~الأشياء وأحبها إلى النفس أن تراهم يسرعون إلى الصحف يقرءون فيها متلهفين ما كان يكتبه ~~خصوم الشيخ، وما كان يوحي به القصر حينئذ من كيد للشيخ، وتأليب عليه. وكان من ألذ ~~الأشياء وأحبها إلى النفس أن تسمعهم وهم يبسطون آمالهم العراض إذا انتهوا من الدرس، ~~وظفروا بالشهادة، وارتفعوا إلى مناصب التدريس والقضاء، إذن فسيدرسون العلم على وجهه، ~~وسينفذون في المحاكم الشرعية آراء الشيخ، وسيمحقون الرشوة محقا، وسيلغون تعدد ~~الزوجات، وسيقيدون الطلاق، وسيؤيدون آراء قاسم أمين التي رضيها الشيخ، وسيحيون فلسفة ~~ابن سينا وابن رشد، وبلاغة الجرجاني، وسيقضون على هذه الكتب السقيمة التي قضت على عقل ~~الأزهر والأزهريين. # وكان من ألذ الأشياء وأحبها إلى النفس أن تستمع إليهم وهم يقلدون شيوخ الأزهر عابثين ~~بهم ساخرين منهم، هذا يتشدق كما يتشدق الشيخ فلان، فيفخم القاف، ويملأ فمه بالراء، في ~~عبارات كلها جهل وغفلة مضحكان، وهذا يتغنى ويترنم في القراءة والتحقيق، وهذا يكثر من ~~قال وقيل وبقي، وهذا يستعمل ألفاظ الريفيين، وهذا يسفه ويشتم، وعلى هذا النحو كان يمر ~~جلة شيوخ الأزهر بين هؤلاء الطلبة العصاة، فلا يخلصون منهم إلا وقد أصابهم من ضروب ~~التشويه والتمثيل شيء كثير. # كانوا كذلك، وكانوا لا يفترون عن درس هذا العلم الأزهري القديم ليصلوا إلى الشهادة، ~~وكانوا يرون هذا العلم شرا لا بد ms22 منه، وكانوا يرددون هذه الجملة: «الضرورات تبيح ~~المحظورات.» ثم أبعد شيخهم من الأزهر، فلم يزدهم ذلك إلا حقدا على الأزهر والأزهريين، ~~وافتتانا بالشيخ وتهالكا عليه، يزورونه في عين شمس، ويزورونه في بيت الإفتاء، ثم مرض ~~الشيخ ثم مات، ولا تسل عن القلوب المفطورة، والنفوس المحزونة، والدموع المنهمرة، ~~والزفرات المتصاعدة، والعهود يقطعونها على أنفسهم ليحين سنة الشيخ، وليحققن ما ~~كان يريد من إصلاح. ثم أتيح لهم أن يظفروا بشهادة العالمية، ثم اندفعوا في الحياة ~~العاملة؛ فمنهم الأستاذ، ومنهم القاضي. ولست أريد أن أسألهم عما أحيوا من سنة الشيخ، ~~ولا عما حققوا من ضروب الإصلاح، ولكني ألاحظ أن الحياة العاملة قد غمرتهم وألهتهم عن ~~الشيخ وسنته وإصلاحه، فما يزالون يذكرونه بالخير - إن ذكروه - فأما إذا جد الجد ~~فأنت تعلم كما أعلم أن بلاءهم في الإصلاح والتجديد قليل. # ولقد أذكر فيما أذكر - وأراني أضحك وحدي حين أذكر ذلك - أن جماعة من هؤلاء التلاميذ ~~المحبين للشيخ اتفقوا ذات يوم على أن يسيروا سيرة الشيخ، فيدرسوا لغة أجنبية كما كان ~~الشيخ يتكلم الفرنسية ويفهمها. جلسوا يتحاورون، فأجمعوا على أن في درس اللغة الأجنبية ~~فائدة لا تعدلها فائدة؛ لأن ذلك يمكن من معرفة ما يكتبه خصوم الإسلام والرد عليه. ~~أليس الشيخ قد رد على هانوتو ورينان لأنه كان يعرف لغتهما؟ نعم، لا بد من درس اللغات ~~الأجنبية، ومن السفر إلى أوروبا، ومن تعرف الداء في موضعه لحسمه والقضاء عليه. ولكن ~~أي اللغات يجب أن تدرس؟ قال قائل: «الفرنسية التي درسها الشيخ.» وقال قائل آخر: ~~«الإنجليزية؛ لأنها لغة الحكام ولغة المدارس، ولا بد من أن نعرف هذه اللغة لنكون كهؤلاء ~~الشبان الذين يخرجون من المدارس فيتيهون علينا بهذه الرطانة التي لا نحسنها، وما أيسر ~~أن نلوي ألسنتنا وأفواهنا، ونخرج هذه الأصوات التي يسمونها لغة إنجليزية.» # واتفقوا فيما بينهم، وأرسلوا واحدا منهم إلى مدرسة الجمالية، فاتفق لهم مع شاب من ~~المعلمين في هذه المدرسة على أن يلقنهم الإنجليزية أربع ساعات في الأسبوع، وينقدوه ~~جنيها آخر الشهر؛ وكانوا أربعة. ms23 وتستطيع أن تصدقني حين أقول لك إنهم كانوا يشقون على ~~أنفسهم حين يدفع كل منهم نصيبه من هذا الجنيه. # وجاء الشاب ونصب على الحائط لوحته السوداء، واستطاع أن يعلمهم حروف الهجاء، ثم ~~أخذ يعلمهم كيف يلوون الألسنة، ويمدون الشفاه، ويوسعون الحلوق، ويباعدون بين ~~الألسنة وسقف الفم؛ لينطقوا بهذه الرطانة الإنجليزية. ولقد تعب الشاب، وتعبت الجماعة، ~~ولكنهم لم يصلوا إلى طائل، وكنت أنا حينئذ في زاوية من زوايا الغرفة أجلس القرفصاء، ~~وقد انعطف أعلاي على أسفلي، فكأني كرة، وأشهد أني انتفعت بهذه الدروس فأعانتني بعد ذلك ~~بسنين طوال حين أردت أن أتعلم الإنجليزية. لا أعرف هذا الشاب المعلم ولا أذكر اسمه، ~~ولكني مدين له؛ لأنه علمني كيف ألوي اللسان، وأمد الشفتين، وأخرج هذه الرطانة ~~الإنجليزية. # واجتمع أصحابنا ذات يوم إلا واحدا منهم، وإذا هم في ثورة واضطراب، يضحكون ويغرقون ~~في الضحك، ويتهامسون فيما بينهم بحديث لم أكن أتبينه، ثم يضحكون ويغرقون في الضحك - ~~والأطفال مكرة مسرفون في المكر - فقد أحسست حينئذ أن بين القوم سرا يلهيهم ~~ويضحكهم، ولكنهم لا يستطيعون أن يجهروا به لمكاني منهم. وما هي إلا أن أحتال حتى ~~أنسل من الغرفة التي كانوا فيها إلى دهليز ضيق كان أمامها فيه جرة الماء من ناحية، ~~وفيه من ناحية أخرى صندوق من الخشب طويل عريض، كان يحوي كتب أخي، وإلى جانب هذا الصندوق ~~صندوق آخر أعرض منه وأعمق وأقصر، كان فيه ما شاء الله من خبز وعسل وسمن ومتاع، فأنسل ~~أنا من تلك الغرفة إلى الدهليز، وآوي إلى الزاوية بين الصندوقين، فأجلس القرفصاء مسندا ~~ظهري إلى الحائط، معتمدا بشمالي على صندوق الكتب، ويميني على صندوق الخبز. # كم ضحكت في هذه الجلسة الغريبة حين أحس الجماعة أنهم أحرار، وخيل إليهم أني تركت ~~البيت، وجلست كما كنت أتعود أن أجلس أمامه في هذه الطريق الضيقة التي كانت تمتد، وما ~~تزال تمتد فيما أظن بين البيوت في ربع السلحدار! # عرفت في هذه الجلسة ما كان يضحك القوم؛ ذلك أن صاحبهم الذي كان غائبا ms24 قرأ من أيام ~~فصلا للشيخ أو لغير الشيخ في إحدى المجلات، فتأثر بما قرأ، وعاهد نفسه على حماية ~~الدين، وتطهير المسلمين من البدع والفساد، وكتب على ورقة ألصقها بالحائط أمامه هذه ~~الجملة: «حررت نفسي لخدمة الدين.» # ثم فكر في أول عمل يأتيه لخدمة هذا الدين، فخطر له أن يذهب إلى حيث الفساد أشد ~~انتشارا، وإلى حيث الإثم أبعد في النفوس أثرا، فيحارب الرذيلة في موطنها، ولكنه لم ~~يجرأ أن يتحدث بعزمه هذا إلى أصدقائه وزملائه، فجمع إليه نفرا من الطلاب المحدثين من ~~بلده، فيهم سذاجة وقلوب طيبة، وفيهم ابن عم له ضئيل البصر جدا، وعرض عليهم رأيه هذا ~~فأقروه وانتدبوا لمعونته، فلما أشرف الليل أو كاد، خرج خمسة القوم من حوش «عطي» ~~ومضوا حتى وصلوا إلى حيث دور الفسق والدعارة يريدون الوعظ والإرشاد، فلم تكد تراهم ~~المومسات حتى هممن بهم متضاحكات يدعون ويغرين، وهم أصحابنا أن يعظوا ويرشدوا، فانعقدت ~~الألسنة ونضب الريق وجفت الحلوق. # واستمر أولئك النساء يعبثن، وما هي إلا أن أحس الوعاظ أنهم في خطر، فإذا هم يهرولون، ~~ومنهم من يتعثر في جبته، ومنهم من يتعثر في عباءته، والنساء من خلفهم يدعون ويغرين ~~ويتضاحكن، حتى انتهوا إلى درج في أقصى الشارع تدافعوا إليه، فتزل أقدامهم ~~فيتساقطون، وقد فقد هذا عباءته، وطاحت عن رأس ذاك عمامته، وعادوا مع العشاء إلى بيوتهم، ~~وإن قلوبهم لتجف هلعا، وإن وجوهم لممتقعة أشد الامتقاع. # وعرف الجماعة يومئذ أن ليس من اليسير اجتثاث الرذيلة من أصلها، ولا محاربة الشر حيث ~~ينبت، وزالت عن حائط صاحبنا هذه الورقة التي كانت تذكره بأنه قد رصد نفسه لخدمة ~~الدين. # وطائفة أخرى من الخواطر - لا أكاد أحصيها - كانت تضطرب في نفسي على ظهر السفينة، ~~والقوم من حولي في جدهم ولعبهم، ولكني لا أستطيع ولا أريد أن أسطر من هذه الخواطر ~~الآن شيئا، وإنما كانت تضطرب كل هذه الخواطر في نفسي حول ارتقاء الشيخين إلى منصب ~~الرياسة الدينية العليا ومنصب الإفتاء. # هذان تلميذان من أخص تلاميذ الشيخ محمد عبده ms25 به، وأقربهم إليه، وأشدهم إيمانا ~~بمذهبه، واقتناعا بدعوته إلى الإصلاح، وحرصا على أن تعود للإسلام - كما كان يريد ~~الشيخ - مكانته العالية، فيؤثر في نفوس المسلمين، وتظهر عليه الهيبة والجلال أمام غير ~~المسلمين، وعلى أن يكون الأزهر - كما كان يريد الشيخ - مهدا وملجأ ومنبعا لهذا النور ~~الإسلامي الجديد، الذي يجب أن يغمر البلاد الإسلامية كلها، فيجتث منها أصول الشر، ~~وينكس فيها أعلام البدع، ويعيد فيها إلى القلوب ما كان لها أيام السلف من نضرة ~~وطهارة، ثم يتجاوز هذه البلاد إلى بلاد الديانات الأخرى، فيدعو إلى دين الله في دعة ~~ولين، وإقناع بالحجة والموعظة الحسنة. # هذان تلميذان من أخص تلاميذ الشيخ به وأقربهم إليه، قد ارتقى أحدهما إلى حيث لم يستطع ~~الشيخ نفسه أن يرتقي، فأصبح شيخ الأزهر، ورئيس المعاهد الدينية، وزعيم الهيئة الجديدة ~~التي يسمونها هيئة «كبار العلماء»، ووصل أحدهما الآخر إلى حيث كان الشيخ، فجلس على ~~كرسيه وتلقب بلقبه وأصبح مفتيا للديار المصرية، أو قل مفتيا للبلاد ~~الإسلامية. # أفتراهما يذكران الآن ما كان يملأ نفسيهما حين كانا يختلفان في الأزهر إلى دروس ~~الشيخ؟ أفتراهما يجدان فيما كان الشيخ يريد أن يجد فيه؛ من إحياء الإسلام على وجهه ~~حرا سمحا طلقا، صديقا للحياة والحضارة والعلم والأدب، عدوا للجمود والتقليد ~~والكيد والفناء في المستبدين وتأييد سلطتهم المطلقة؟ # نعم لأول مرة منذ مات الشيخ وصل تلاميذه إلى حيث السلطان والقدرة على العمل والنفع، ~~أفترى هؤلاء التلاميذ لا يزالون تلاميذ الشيخ يذكرونه ويتأثرونه، أم هي الحياة العملية ~~وما يحيط بها من ظروف مختلفة قد تضطرنا إلى أن نقتنع مرة أخرى بأن الشيخ قد مات؟ ومع ~~ذلك فلم يحتج الإسلام في يوم من الأيام إلى أن يفيق المسلمون فيحوطوه، ويذودوا عنه ~~كما هو محتاج إلى ذلك في هذه الأيام ... # كم أحب أن يقرأ الشيخان بعض ما نقرأ، وأن يريا بعض ما نرى، وأن يقدرا نشاط رجال ~~الديانات الأخرى في أنواع العلم على اختلافها، وضروب الأدب على تنوعها، وصنوف الفن على ~~تباينها، حتى لقد زاحموا العلماء ms26 والأدباء والفنيين، ولست أغلو إن قلت إن منهم من بذ ~~هؤلاء وتفوق عليهم. # لن يكون إصلاح الأزهر حقيقة واقعة مثمرة إلا إذا قام الإصلاح على هذه القاعدة التي لا ~~قوام للإصلاح بدونها، وهي أن الدين لا ينبغي أن يحول بين أهله وبين ضروب النشاط ~~المختلفة للعقل والشعور والجسم، بل لن يستطيع الدين أن يحيا آمنا إلا إذا أباح لأهله ~~أن يأخذوا بحظوظهم من هذا النشاط على اختلافه وتنوعه. # هل يقدر الشيخان ما يطلب إليهما من عمل؟ بل هل كان الشيخ محمد عبده نفسه يقدر ~~مهمته؟ # هل يعلم الشيخان أن مهمة الشيخ كانت يسيرة جدا بالقياس إلى عصره، على حين أصبحت ~~مهمتهما شاقة شديدة العسر؛ لأن ظروف الحياة العامة في مصر وفي البلاد الإسلامية قد ~~تغيرت أشد التغير في هذه الأعوام الأخيرة، حين اشتد الاتصال بين الشرق والغرب، وأخذ ~~سلطان الحضارة الغربية والتفكير الغربي يستأثر بعقول المسلمين؟ # 7 # أكانت باريس التي رأيتها هذا العام كباريس التي رأيتها منذ عامين؟ # أما الدور والشوارع والعمارات والملاعب والمعاهد فهي هي، لم تتغير أو لم تكد تتغير، ~~ولكن الذين عرفتهم، وتعودت أن أراهم أو أسمع الحديث عنهم في هذه الناحية الصغيرة من ~~الحي اللاتيني قد مضى أكثرهم، ولم يكد يبقى منهم أحد؛ منهم من سئم الحياة أو سئمته ~~الحياة، فانتقل إلى حياة أخرى؛ ومنهم من كان إنما استوطن باريس ليتجر فيها طلبا للثروة ~~والسعة، فلما ظفر منهما بحظه ترك باريس إلى حيث يصبح من أغنياء الأقاليم، أو من أهل ~~الدعة والمكانة. # وكذلك لم ألق البوابة التي كنت أعرفها في البيت أيام الطلب، والتي كنت أحب أن ~~أسمع إليها تصف علمها ودرايتها وحسها وشعورها، بينما تكنس السلالم أو تمسحها. # ولم ألق البوابة الأخرى التي خلفت هذه، والتي كانت على حظ عظيم من المرح والنشاط، ~~تشرب ما استطاعت، وترقص ما استطاعت، وتداعب من المختلفين إلى البيت من تجد إلى مداعبته ~~شيئا من الراحة. # فوجدت مكان هذه وتلك بوابة أخرى جديدة، تتسلط على السكان وتحكم فيهم بأمرها، مستبدة ms27 ~~مسرفة في الاستبداد، فارضة عليهم ما تشاء من العقوبات إذا قصروا في ذاتها بعض ~~التقصير، أليس بيدها بريد البيت، تستطيع أن تؤخره وأن تحبسه وأن تضيعه؟ أليس إليها ~~يتجه الزائرون قبل أن يصعدوا إلى طبقة من طبقات البيت؛ فهي تستطيع أن تجيبهم بما شاءت ~~من جواب؛ بأنك في البيت أو بأنك قد خرجت؟ أليس إليها تتجه السلطة حين تريد أن تتعرف ~~من أمر السكان ما تحتاج إليه لفرض الضرائب؛ فهي تستطيع أن تصورك غنيا وفقيرا ومتوسط ~~الحال؟ ولا بد لك إذا كنت تريد الحياة الهادئة من أن ترشوها وتتملقها وتتوسل إليها ~~بمختلف الوسائل، فإن لم تفعل فحياتك منغصة من غير شك. # نعم، وقد افتقدت بائع الخضر الذي كان يحب المزاح، والذي كان يحمل أمتعتي كلما سافرت ~~من باريس أو عدت إليها. # وافتقدت بائعة اللبن التي كانت سيئة الخلق، تخيف المختلفين إليها، وتملؤهم رعبا ~~وفزعا. # وأنا أسأل عن الظاعن وعن المقيم، وأجد في السؤال والجواب لذة وذكرى يملؤها ~~الحنان. # ولكن ليس هذا كل ما طرأ على باريس أو على حيي في باريس من صنوف التغيير؛ فقد حدث في ~~هذا الحي كما حدث في غيره من أحياء باريس شيء جديد لم أكن أعرفه، وقد احتجت إلى زمن ~~طويل لأتعوده، وتركت باريس ولما تطمئن نفسي إليه، فوجدته في غير باريس، وكأن الله قضى ~~بأن أجده أمامي حيثما توجهت في فرنسا فأضيق به، وأحتمله على كره، وهو مستقر متسلط في ~~هذه الطبقة السادسة من هذا البيت الهادئ في هذه الغرفة الضيقة المسرفة في الضيق التي ~~طالما قضيت فيها الساعات الطوال إلى كتاب من كتب الفلسفة أو التاريخ هادئا مطمئنا، ~~لا أكاد أسمع ضوضاء السيارات ثقيلها وخفيفها، وهو مستقر متسلط في مدخل هذا الفندق ~~الذي عرفته منذ عامين، صامتا شديد الصمت، ساكنا مغرقا في السكون، وهو مستقر متسلط في ~~حوانيت الباعة على اختلافها، ماذا أقول؟ بل مستقر متسلط في المحطات، حيث تعودنا ألا ~~نسمع إلا صفير القطر وضجيجها، وصياح العمال وحملة الأمتعة، وذلك هو الراديو ms28 ~~... # قد انتشر في باريس وانتشر في فرنسا، بل في أوروبا ، انتشارا مخيفا، كما تنتشر ~~الأمراض المعدية، أو كما تنتشر الصحف التي تنشر الأخبار والقصص السهل وتباع بثمن ~~زهيد. # تجده في غرفة البوابة، وتجده في كل طبقة من طبقات البيوت، ولا تكاد تخطو في باريس ~~الهادئة المطمئنة خطوة دون أن تسمع هذا الصوت الذي لا هو بصوت الرجال ولا بصوت النساء، ~~وإنما هو شيء بين بين، يخرج من الأنف متغنيا متحدثا، ممثلا خطيبا، معلنا مفتنا ~~فيما شاء الله من فنون الجد واللهو، التي تعودتها الجماعات في البلاد المتحضرة. وقد ~~نظم أمر الراديو، كما نظمت الصحف تنظيما ديمقراطيا دقيقا، ملاكه السرعة ~~والكثرة والرخص. فقد مضى ذلك العصر الذي كان الجمال الفني فيه مقصورا على الأغنياء ~~وأصحاب اليسار، وأصبح من حق الناس جميعا أن يتعلموا ويقرءوا، ويشهدوا التمثيل، ويسمعوا ~~الموسيقى، ويعرفوا أخبار الأرض كلها، وأخبار السماء إن كانت للسماء أخبار، ولا قيمة ~~للديمقراطية إذا لم تسو بين الأغنياء والفقراء في الاستمتاع بهذه الحظوظ من لذات ~~الحياة وآلامها. # والديمقراطية جادة في أداء واجبها؛ فهي تمحو الفروق بين الطبقات، وتجعل الناس ~~سواسية ما استطاعت إلى ذلك سبيلا. كل الناس يستطيع الآن أن يقرأ الصحف، والصحف ~~تنافس أشد التنافس في أن تحمل إلى الناس جميعا من الأخبار والآثار الأدبية والعلمية ~~والاقتصادية والتجارية أضخم مقدار وأيسره هضما. # ولكن القراءة تحتاج إلى وقت، وهي تصرف القارئ عن كثير من الأعمال، وهناك أشياء لا ~~يمكن أن يقرأها الناس جميعا، وأشياء لا يمكن أن يسمعها الناس جميعا، وأشياء لا يمكن ~~أن يشهدها الناس جميعا؛ ومن الحق على الديمقراطية أن تقرب هذه الأشياء كلها إلى ~~الناس جميعا، وقد وفقت الديمقراطية بفضل العلم إلى هذا التقريب، فأصبح أشد الناس ~~فقرا في فرنسا يستطيع - في غير مشقة ولا جهد، ولا انصراف عن العمل - أن يأخذ بحظه من ~~كل اللذات التي يمكن أن تصل إلى النفس من طريق السمع. # يكفي أن تشترك في الراديو - وليس الاشتراك فيه شاقا ولا كثير النفقة - فتقرأ عليه ~~الصحف ms29 مرات في كل يوم. وإذا ذكرت الصحف فأنا أستعمل الكلمة في معناها الدقيق، فتصور ~~صحيفة من الصحف وما فيها من المواد: من الأخبار والمقالات الأدبية والعلمية والقصص، ~~وأنباء السوق والبورصة، وأخبار البلاد الأجنبية، وكل ما يمكن أن تشتمل عليه صحيفة خليقة ~~بهذا الاسم. واعلم أن هذا كله يتلى على المشترك في الراديو مرة على الأقل في كل ~~يوم. # ثم ليس الأمر مقصورا على هذا، وإنما يحمل الراديو إلى المشتركين فيه ما يكون في ~~الملاعب ودور الموسيقى واللهو من تمثيل وعزف وغناء ومزح، ذلك كله دون أن يتكلف المشترك ~~من المشقة إلا إدارة زر من أزرار الكهربا، فإذا سئم أو مل أدار الزر مرة أخرى فيقطع ~~الصوت ويعود الهدوء، قد أثر هذا في الطبقات الفقيرة التي كان من العسير عليها جدا ~~أن تختلف إلى الملاعب ودور اللهو، وإلى المحاضرات ومعاهد العلم، أو أن تجد من الوقت ما ~~يمكنها من القراءة، والأخذ بحظ من الثقافة العامة. # قد أثر هذا في التقريب بين الطبقات من ناحية، وفي نشر الثقافة وإلغاء المسافات بين ~~الأمم من ناحية أخرى، فتستطيع أن تفهم أمر هذه الخادم التي أخبرتني بأنها إذا كان الليل ~~آوت إلى سريرها، وأشعلت سيجارتها، واستلقت تدخن وتسمع لهذا الراديو، وهي تستفيد من هذا ~~كله، وتستطيع أن تحدثك الآن عن الكتاب والشعراء والعلماء والموسيقيين، وهي تعتقد أن ~~ليس بينها وبين غيرها فرق في تصور الأشياء والحكم عليها. أما أن هذه الأداة الجديدة من ~~أقوى أعوان الديمقراطية على نشر الثقافة والمساواة فشيء لا شك فيه، ولكن من يدري؟ لعل ~~هذه الأداة الجديدة من أشد الأشياء خطرا على الديمقراطية نفسها ... فهي تنشر المساواة ~~والثقافة بغير حساب وفي غير تقدير، وهي لا تدري أين تلقي ما تلقي من البذور، وهي لا ~~تعلم مقدار استعداد المستمعين لها لإساغة ما تنقل إليهم من المواد، وهي توشك بإسرافها ~~في نشر المساواة أن تكون أداة للشيوعية، وتوشك بإسرافها في نشر الثقافة أن تكون أداة ~~للغرور. # وكذلك تخلق الديمقراطية والعلم من الأشياء والأدوات ms30 ما هو عدو للديمقراطية ~~والعلم. # ولكن لهذه الأداة الجديدة نواحي لا تخلو من فكاهة وجد؛ فتصور خطيبا من ~~الخطباء، أو ممثلا من الممثلين، أو أستاذا من الأساتذة يتحدث أو يخطب أو يمثل، وهذه ~~الأداة تنقل عنه ما يقول إلى أطراف من الأرض يجهلها هو، ويجهلها غيره من الناس، ~~وتصور موقع خطبته أو درسه أو تمثيله في نفوس الذين يستمعون له وهم بين معجب وساخط ~~ومزدر، أما أنا فأتمنى لو وفق العلم إلى أن يرد إلى الخطيب والأستاذ والممثل الآثار ~~المختلفة التي يحدثها في نفوس المستمعين إليه، إذن لأحجم كثير من الخطباء والممثلين ~~عن التحدث إلى هذه الأداة. وماذا عسى كان يقول المرشال فوش، أو وزير الحربية الفرنسية، ~~لو ردت إليهما هذه الأداة يوم كانا يخطبان في حفلة من حفلات مدرسة الهندسة، ما كان ~~يقول ابناي وهما يستمعان لهما، وما كان يتبادلان من رأي في أصواتهما وأنغامهما، وما كان ~~يطلبان إليهما من صمت سريع؟! # بل ماذا عسى كان يقول هذان الخطيبان لو ردت إليهما هذه الأداة ما كان يلقاهما به ~~الاشتراكيون والشيوعيون من ألوان السخط والنقمة والوعيد؟! # على أن لهذه الأداة يدا عندي! فكثيرا ما استمعت لصحيفتها التي كانت تتلوها في ~~المساء، وكثيرا ما نقلت إلي من أخبار مصر ما لم أكن أنتظر أن أظفر به إلا بعد أيام ~~حين تصل إلي الصحف المصرية. # 8 # أريد الليلة أن أضحك، وأن أضحك في انتفاع واستفادة، فما هي إلا أن أقصد إلى أحد ~~الملاعب، أو إلى أحد هذه الملاهي التي لا توجد إلا في فرنسا، بل لا توجد إلا في باريس، ~~وإذا أنا أمام طائفة من الأغاني الهجائية فيها ألذ ما يسمع ويضحك، ويدعو إلى التفكير ~~والعبرة والعظة. # بالقرب من السوربون يقوم ملهى يسمى # Les Noctambules # لا أستطيع أن أذهب إلى باريس دون أن أزوره، وقد زرته هذه السنة، فمهما أقل فلن أستطيع ~~أن أصف لك ما وجدت فيه من لذة مضحكة باعثة على التفكير. ليس في هذا الملهى شيء غريب، ~~وإنما هم ms31 جماعة من المغنين الهازلين يتعاقبون أمامك، يسمعك كل منهم طائفة من الأغاني ~~لا جد فيها، أو قل كلها جد ولكنها صيغت في صيغة الهزل، وقد أرادت المصادفة أن أصل إلى ~~باريس هذه السنة بعد انتهاء الانتخابات البرلمانية، وأن تكون الأغاني التي تسمع في هذا ~~الملهى كلها متصلة بالحياة الفرنسية السياسية. فلو قد سمعت هذا العبث الذي لا حد له ~~برئيس الجمهورية، ورئيس الوزارة، والوزراء والنواب والشيوخ، والبرامج السياسية لأولئك ~~وهؤلاء والجمهورية نفسها، ونظم الحكم الأخرى، لسألت نفسك إلى أي حد من الفوضى يريد أن ~~يصل الفرنسيون؛ ذلك أنهم لا يحفلون بشيء، ولا يقدرون شيئا، ولا يرعون لنظام ولا قانون ~~حرمة ولا ذمة، وإنما يعرضون عليك كل شيء عاريا مجردا، يظهرون لك منه أقبح ما يمكن ~~أن يظهر، لا يكرهون أن يتناولوا حياة رئيس الجمهورية الخاصة بأقبح ما يمكن أن يتناول به ~~من ألفاظ التشنيع، فأما رئيس الوزارة القائمة بوانكاريه، فالفرنسيون يحبونه، ولكن ذلك ~~لا يعفيه من أن يعرض عليك في أقبح صورة، وأفظع شكل، وإذا المغنون يعبثون به خطيبا، ~~ويعبثون به وزيرا، ويعبثون به منقذا للمالية الفرنسية، ثم يتناولون معدته وأمعاءه ~~وكبده وكلاه، وقل مثل ذلك في وزراء فرنسا وزعمائها، فإذا فرغ المغنون من السياسة ~~والساسة التفتوا إلى العلم والعلماء، وكم تلقى السوربون ورجالها من سخرية هؤلاء ~~الساخرين، وأغرب ما في الأمر أن كثيرا جدا من هذه الأغاني الهجائية يخرج من السوربون ~~نفسها، ينشئ بعضه الطلاب، ولعل من الأساتذة من لا يتحرج عن إنشاء بعضه الآخر. # 9 # وفي باريس ملعب Palais Royal # لا يعرف باريس من لا ~~يعرفه، ولا يزور باريس من لا يزوره، ولا يصل إلى حقيقة النفس الفرنسية من لم يختلف ~~إليه، ويتذوق ما يلعب فيه، وكيف تفهم أثينا من غير أرستوفان؟ # إذن فملعب Palais Royal # من باريس هو كملعب أرستوفان ~~من أثينا في القرن الخامس قبل المسيح. في هذا الملعب الباريسي الصغير تظهر من النفس ~~الفرنسية ناحيتان مختلفتان؛ إحداهما حلوة جدا، والأخرى مرة جدا، وكلتاهما مضحكة ~~تحمل ms32 على الإغراق في الضحك، وأنا زعيم لك - إذا شهدت ما يلعب في هذا الملعب وفهمته على ~~وجهه - أن تضحك كما لم تتعود أن تضحك قط، وأن تضحك بعد فراق الملعب بيوم وأيام، وأن ~~تضحك كلما ذكرت هذه القصة التي شهدتها، وإني لأذكر الآن قصصا شهدتها منذ عشر سنين، ~~فلا أستطيع أن أدفع الضحك عن شفتي. # في هذا الملعب الصغير تعرض عليك الحياة الفرنسية كلها: أدبها، وسياستها، وعلمها، ~~وتجارتها، وزراعتها، وطبقات الشعب المختلفة فيها، على ألا يظهر الممثلون من هذا كله ~~إلا ما هو خليق بالنقد، حري أن يبعث الاستهزاء والسخرية. شهدت فيه هذا العام قصتين ~~فلن أنسى ثانيتهما التي كان موضوعها الوزراء الفرنسيون في حياتهم الخاصة بين أزواجهم ~~وخليلاتهم، ومهما أنس فلن أنسى أحد هؤلاء الوزراء، وقد كلف بفتاة كانت تعمل في ~~مكتبه، وما يزال بها حتى ترتفع بينهما الكلفة، وإذا هو قد نسي نفسه ومكانته ومنصبه ~~وامرأته وكل شيء، وأصبح رجلا من عامة الشعب أمام امرأة من عامة الشعب، وإذا هو مستلق ~~على الأرض يعبث بيديه ورجليه، ويمتلئ فمه بالضحك وأشنع ألفاظ المزاح، ويدخل رئيس ~~الوزراء فيرى زميله في هذه الحالة، فهو دهش مبهوت، ولكنه لا يكاد يخلو إلى هذه المرأة ~~حتى يكلف بها، وإذا هو يكيد لزميله، وإذا هو يتملقها ويتقرب إليها، وإذا الكلفة قد ~~ارتفعت بينهما، وإذا أنت تسمع من الرئيس مثل ما كنت تسمع من صاحبه، ولكنك تضحك من ~~الرئيس أكثر مما كنت تضحك من صاحبه؛ لأن هذا الرئيس قد اتخذ في شكله وحديثه وحركاته ما ~~يذكرك أو يفرض عليك أن ترى وزيرا من وزراء فرنسا القائمين، كان رئيس وزارة فيها عشر ~~مرات، ويبلغ الضحك أقصاه حين تسمع هذا الرئيس يسمي نفسه أرستيد # Aristide ~~. # على أن للهزل في ملاهي باريس وملاعبها ألوانا مختلفة وفنونا متباينة، فأنت تشهد في ~~بعض الملاعب هذا الهزل المريح الذي يقصد به إلى الضحك ليس غير، لا يدعوك إلى تأمل، ولا ~~يضطرك إلى تفكير، ولا يخيل إليك أنه يمثل الحياة أو ناحية ms33 من الحياة، وإنما أنت مقتنع ~~منذ ترى أول التمثيل أنك أمام هزل خالص لا أكثر ولا أقل. # هذه القصة التي شهدتها تمثل الموتى في الدار الآخرة، وهم يعبثون في الجنة ضروبا من ~~العبث تشبه عبثهم في الدنيا، ومنهم من يحتال على بواب الجنة حتى يظفر بالإذن في أن ~~يهبط إلى الأرض أول النهار على أن يعود إلى الجنة منتصف الليل، فإذا هبط إلى الأرض رأى ~~أرملته وقد كادت تفتن برجل من الأحياء، فما يزال بها وهو متنكر حتى يصيبها ويصرفها عن ~~خصمه، حتى إذا كانت ساعة الصعود إلى الجنة أبت صاحبته إلا أن تصعد معه، وخيل ~~إليها أنه صاحب طيارة، فتطير معه وإذا هي في الجنة، ثم تنتهي القصة وإذا كل ما فيها ~~حلم حلمه رجل بعد أكلة دسمة، وشراب كثير. # فإن أردت الجد فما أكثر ملاعب الجد، وما أكثر ما يعرض فيها من الفنون؛ منها القديم ~~ومنها الجديد، منها الهادئ ومنها العنيف، منها ما يقصد إلى التسلية والعظة، ومنها ما ~~يقصد إلى الدرس والبحث، ومثل ذلك في الموسيقى الجادة والموسيقى التي تتوسط بين هذا ~~وذاك، ولديك الموسيقى الخالصة لا تسمع فيها إلا الأدوات الموسيقية يصحبها الغناء، ~~والموسيقى يصحبها الرقص والغناء جميعا. # ولديك في باريس فنون أخرى تلهيك عن نفسك إن كنت لا تريد أن تعود إليها، وأنت تستطيع ~~أن تأخذ بحظك من هذه الفنون في أي ساعة شئت من ساعات الليل، وفي أي ساعة شئت من ساعات ~~النهار، وفي أي فصل شئت من فصول السنة. # ثم يزعم بعض الناس على ذلك أن باريس ليست مدينة فرحة مبتهجة، ولست أدري إذا لم يكن ~~الفرح والابتهاج في باريس فأين يكونان؟ # كلا! في باريس الفرح والابتهاج، وفيها البؤس والحزن، وفيها الرجاء والأمل، وفيها ~~اليأس والقنوط، فيها اجتمع كل ما يحتاج إليه الناس وكل ما لا يحتاجون إليه، فيها اجتمع ~~كل ما يشخص الحضارة الإنسانية في هذا العصر الذي نعيش فيه. # 10 # ولذة أخرى أجدها حين أزور فرنسا، ولعلي أستطيع أن أجدها في ms34 أي بلد آخر، ولكنها في ~~فرنسا قوية أشد القوة، متنوعة أشد التنوع، خصبة أشد الخصب، هذه هي اللذة التي تجدها حين ~~تزور الآثار والمعالم التي تحدثك عن الماضي القريب أو البعيد. # ليس في الأرض بلد متحضر إلا وله قديمه وحديثه وآثاره ومعالمه، ولكن للآثار الفرنسية ~~والقديم الفرنسي فضلا على غيرها من الآثار؛ فهي سهلة يسيرة يمكن أن يفهمها الناس ~~جميعا، وأن يجدوا في فهمها لذة وعظة وعلما، على اختلاف حظوظهم من الثقافة، وعلى ~~اختلاف أوطانهم وبيئاتهم، ليس كل الناس يستطيع أن يسعد ويلذ بزيارة الآثار اليونانية ~~والرومانية والمصرية والآشورية والبابلية؛ بل لا بد لتحقيق اللذة والسعادة بزيارة هذه ~~الآثار من حد أدنى من الثقافة والعلم، وإني لأعرف علماء وقفوا أمام الأهرام وأمام معابد ~~الكرنك دون أن يحسوا شيئا، وإني لأعرف مثقفين يمرون بأثينا وروما فلا تحيي في نفوسهم ~~هاتان المدينتان شيئا، ولا تبعث فيها خاطرا، ولا تثير فيها عاطفة! # فإذا زرت الآثار الإنجليزية والألمانية فأنت مغتبط بهذه الزيارة؛ لأنك رأيت شيئا يجب ~~أن تراه ويحسن أن تراه، فأما هذه اللذة الخاصة التي تحدثها في النفس زيارة الآثار عند ~~فهم هذه الآثار، فلن تجدها أمام الآثار الإنجليزية والألمانية إلا إذا كنت على حظ من ~~الثقافة، وبذلت مقدارا من الجهد. أما الآثار الفرنسية، فأيسر من ذلك وأدنى إلى النفس ~~وإلى الحس معا. لا بد لك من ثقافة، ولا بد لك من جهد يختلف قوة وضعفا إذا أردت أن ~~تفهم الآثار الفرنسية على وجهها كما يحب العلماء أن يفهموا الآثار، ولكنك مرغم على أن ~~تجد شيئا من اللذة والسعادة وإن لم تكن مثقفا، وإن لم تكن حريصا على الفهم والتعمق ~~في العلم حين تزور الآثار الفرنسية؛ لأنه هذه الآثار تعرف كيف تتحدث إليك، وكيف تسترعيك ~~وتلفتك إليها. # تستطيع أن تزور قصر فرساي، فلا شك في أن لذتك لا تعدلها لذة إذا كنت تعرف تاريخ فرنسا ~~السياسي والفني والأدبي حين تزور هذا القصر، وترى ما يمثل من هذا كله. ولكن هبك لا ~~تعرف من ms35 هذا التاريخ شيئا، فأنت واجد على كل حال لذة قوية في قصر فرساي؛ ذلك لأن هذا ~~القصر وما فيه يلفتانك بهذه المظاهر الجميلة التي لا يستطيع الحس أن يمر بها دون أن يقف ~~عندها، ويمنحها حظا قليلا أو كثيرا من الإعجاب، فإذا سمعت هذه الأحاديث التي ~~يلقيها عليك الأدلاء في غير عناية ولا تحقيق، وكنت تفهم الفرنسية بعض الفهم، فستحيي ~~في نفسك هذه الأحاديث عواطف وضروبا من الشعور لها في نفسك أثر بعيد؛ في هذه الغرفة كان ~~لويس الرابع عشر يفعل كذا وكذا، وفي هذه الغرفة كان لويس الخامس عشر يلقى فلانا ~~وفلانا أو قل فلانة وفلانة، وفي هذه الغرفة كانت فلانة من خليلات هذا الملك أو ذاك ~~تفرغ لزينتها، وفي هذه الغرفة اتخذ هذا الملك أو ذاك من القرارات ما كان له في حياة ~~الفرنسيين ثم في الحياة الأوروبية ثم في الحياة العالمية أبعد الآثار وأقواها. # ولم أصف لك ولن أستطيع أن أصف لك مظاهر الفخامة والترف والأبهة في العصور ~~الفرنسية الحديثة؛ فقد اجتمع من هذه المظاهر المختلفة في هذا القصر ما وضعت فيه الكتب ~~الطوال والأسفار التي لا تحصى. # وكنا في هذا القصر مع طائفة مختلفة من الناس تمثل طبقات متباينة، وحظوظا من ~~الثقافة متفاوتة، ولكننا كنا جميعا نشترك في مقدار من اللذة والرضا، ثم نتفاوت بعد ذلك ~~في طبيعة هذه اللذة وهذا الرضا، وكان معي ابناي وهما طفلان، وأستطيع أن أؤكد أن رضاهما ~~وابتهاجهما لم يكونا أقل من رضاي وابتهاجي، ولعلهما كانا أشد وأحد، ذلك في القصر، ~~فأما الحديقة وطرقها وتماثيلها وأحواضها فحدث عما تبعث في النفس من لذة، ولا تخش أن ~~تتهم بغلو أو بإسراف، وليس قصر فرساي بالقصر الوحيد في فرنسا، ولكنه قصر من قصور وأثر ~~من آثار؛ فكل ما قلته وأكثر مما قلته يمكن أن يقال في قصر فونتنبلو أو في قصور اللورا ~~أو في قصر كومبيين أو غيره من هذه القصور المنبثة في أقطار فرنسا، والتي تمثل حياة ~~هذه البلاد في القرون الوسطى ms36 وفي العصر الحديث أصدق تمثيل وأقواه. # لم كانت هذه الآثار أنطق وأفصح من غيرها من الآثار القديمة والحديثة؟ لأنها فيما أظن ~~تمثل حياة شعب مهما يوصف به من ضروب العيوب والقصور فلن ينكر عليه أنه شعب سهل صريح ~~قريب إلى غيره من الشعوب، لا غموض فيه ولا عسر ولا التواء. # تستطيع أن تقرأ التاريخ الفرنسي والأدب الفرنسي والفلسفة الفرنسية والعلم الفرنسي، ~~وأن تنظر في الفن الفرنسي على اختلافه، فسترى في هذا كله خصلة مشتركة تميزه من غيره عند ~~الأمم الأخرى؛ وهي الوضوح والجلاء. لا يخطئ الفرنسيون حين يتحدثون عن أنفسهم في شيء من ~~الفخر والإعجاب، فيقولون إنهم يقومون من أمم هذا العصر الحديث مقام اليونانيين من أمم ~~العصر القديم. # 11 # ولذة أخرى أجدها حين أزور فرنسا - وهل تنقضي لذاتي حين أزور فرنسا؟ هي هذه التي ~~أجدها حين أنغمس في الحياة الفرنسية الصرفة بقراءة الصحف والكتب والمجلات، ذلك أني لا ~~أفهم زيارة بلد من البلاد إلا إذا كانت الغاية من هذه الزيارة - قبل كل شيء وبعد كل شيء ~~- تعمق هذا البلد، والاتصال بحياته الحقيقية الداخلية، والوقوف على أسرار هذه الحياة، ~~وعلى هذه الأمور الخفية التي تبعث الأفراد على أن يعملوا، والجماعات على أن يجاهد ~~بعضها بعضا، ويمكر بعضها ببعض، ويتغلب بعضها على بعض. لغيري من المصريين أن يفتن ~~بالطبيعة وجمالها، ولغيري من الفنيين أن يفتن بالعمارة والتصوير والنحت، ولغيري من ~~المؤرخين أن يفتن بالآثار وما يتصل بها من مصادر التاريخ. # ولست أزعم أن هذه الأشياء لا تعنيني، ولكني أزعم أن الذي يعنيني قبل كل شيء حين أزور ~~بلدا من البلاد إنما هم أهل هذا البلد، وأساليبهم في التصور والحس والشعور والحياة ~~بوجه عام. # وليس من اليسير على الأجانب إذا وصلوا إلى فرنسا أن يتصلوا بالفرنسيين اتصالا ~~صحيحا، وأن يروهم كما هم؛ فالفرنسيون - وإن رأى الأجانب فيهم غير ذلك - مغلقون دون ~~الغرباء، لا يظهرون أنفسهم للزائرين إلا بمقدار، وهم لا يظهرون من أنفسهم للأجانب إلا ~~ما يريدون إظهاره؛ من لطف مبالغ فيه ms37 أحيانا، ودعة وحسن ضيافة تبعثهما المنفعة في ~~أكثر الأحيان، وضروب من اللهو والدعابة والمجون تستهوي كثيرا من الأفئدة إلى بلادهم. ~~فأما حياتهم الخالصة فيجب أن نلتمسها نحن وأن نتكلف في التماسها شيئا من العناء غير ~~قليل. # يخطئ الأجنبي الذي يتصل في الملاعب والحانات ببنات اللهو والمجون حين يظن أنه عرف ~~الفرنسيين أو عرف المرأة الفرنسية، وخطؤه أشد وأعظم حين يتخذ من هذه المعرفة الضئيلة ~~الكاذبة وسيلة إلى الحكم وتقرير النظريات. # إنما يلتمس الفرنسي في غير باريس؛ في القرى وفي أعماق الريف، في هذه الحياة المقفلة ~~التي لم يتعود الأجنبي أن يتورط فيها، والتي يظهر فيها الفرنسي كما هو؛ جادا كما ~~تعود أن يجد، هازلا كما تعود أن يهزل، مقتصدا كما تعود أن يقتصد، ومسرفا كما تعود ~~أن يسرف. # وظاهر أن الوصول إلى هذه الحياة ليس يسيرا لمن يقضي في فرنسا أسابيع يلتمس فيها ~~اللذة والراحة. # على أن هناك سبيلا أخرى للوصول إلى ناحية من الحياة الفرنسية لا يسلكها المصريون إذا ~~ذهبوا إلى فرنسا عادة، وهي الإمعان في قراءة الصحف الفرنسية والكتب الفرنسية والإمعان ~~في تفهمها وتعرف حقيقتها، أما أنا فأجد في هذه القراءة لذة لا تعدلها لذة. ومع أني ~~أقرأ كثيرا من الآثار الفرنسية في مصر، فإني أحب أن أقرأ الآثار الفرنسية في فرنسا، ~~ويخيل إلي أني أفهمها في فرنسا على وجهها، ولا أفهمها في مصر كما ينبغي أن تفهم، ~~كأن البيئة الفرنسية نفسها تخلع على هذه الآثار غشاء يجعلها أشد إلى النفس قربا، ~~وأدنى إلى الفهم والتعمق. وإنها لقوية جدا هذه اللذة التي أجدها حين أقرأ ما يكون من ~~الخصومة المتصلة بين الأحزاب السياسية، والخصومة المتصلة بين الأدباء وأصحاب الفن، ومن ~~هذه الشروح والتعليقات التي تتناول بها الصحف المختلفة أعمال الحكومة والحياة ~~البرلمانية، وكم أقارن بين ما نقرأ في مصر من هذه الآثار وما نقرأ في فرنسا، وكم يمتلئ ~~قلبي حزنا حين أفرغ من هذه المقارنة. # لقد أقرأ الصحيفة الفرنسية فأجد في قراءتها متعة لا حد لها، ثم تصل ms38 إلينا صحفنا ~~المصرية فلا أكاد أمر بما فيها من العنوانات حتى أنصرف عنها انصراف المشمئز. في ~~الصحف الفرنسية ثروة عقلية ومتاع للنفس والشعور، وفي خصومتها السياسية لذة؛ لأن فيها ~~ذكاء حادا، وفيها رقة في اللفظ، وفيها إصابة في الجدال، وفيها على هذا كله براءة من ~~السب والشتم ولغو الكلام وهراء الحديث. # فأما الفصول الأدبية التي تنشرها هذه الصحف في كل أسبوع، فحسبك أن كثيرا منها يستطيع ~~أن يغنيك عن قراءة الكتب التي تتناولها هذه الفصول بالنقد والتقريظ، ذلك إلى عناية ~~غريبة باستقصاء الأخبار الداخلية والخارجية، وحرص غريب على أن يكون القارئ ملما بما ~~يقع في العالم كل يوم في غير مشقة ولا عناء، ثم حرص على أن يلم القارئ من حين إلى حين ~~باتصال الحياة العامة في الأمم ذات الخطر. فأنت في الأسبوع تقرأ في جريدة الطان # Le temps # فصلا في ناحية من أنحاء الحياة ~~الإنجليزية، وأنت في الأسبوع الذي يليه تقرأ فصلا عن ألمانيا، ثم فصلا عن إيطاليا، ثم ~~فصلا عن شمالي أوروبا ... على هذا النحو، كأنما أخذت الصحيفة الفرنسية على نفسها عهدا ~~أن تجعلك تشعر شعورا قويا بأنك فرد من أفراد الإنسانية، تحيا مع الإنسانية كلها، ~~وتشعر مع الإنسانية كلها، دون أن يخفى عليك من أمرها شيء. # وعلى هذا النحو أفهم الصحف وواجبها في عصر الديمقراطية الحديثة؛ فلست أظن أن ~~للإنسانية في هذا العصر مثلا أعلى يعدل حرصها على أن يفهم بعضها بعضا حق الفهم، ~~ويتصل بعضها ببعض أشد الاتصال، وتتداخل فيها الحياة العقلية والشعورية كما تداخلت ~~الحياة الاقتصادية والسياسية، بحيث لا يمنع اختلاف الأوطان والأجناس والبيئات من أن ~~تشعر الإنسانية بأنها وحدة متشابهة الأجزاء، متحدة المنافع، مضطرة إلى التضامن في ~~كل شيء. # فأما الكتب فلا ينقضي عجبي من كثرة ما يصدر منها في فرنسا، لا أقول في كل سنة، ولا ~~أقول في كل شهر، وإنما أقول في كل أسبوع، ويكفي أن تنظر إلى الفصل الببليوغرافي الذي ~~تنشره الطان مرة في كل أسبوع لتعرف أن الذين يرون أن ms39 فرنسا قد أخذت تضعف وتنحط لا ~~يفقهون ما يقولون، ذلك إلى أن الطان لا تعنى إلا بطائفة خاصة من الكتب، وهناك أخرى ~~تعنى بألوان أخرى من الكتب. وليس من الغريب أن يوجد في فرنسا من ينتجون هذا الإنتاج ~~العقلي العظيم، وإنما الغريب أن يجد هؤلاء المنتجون جميعا قراء لما ينتجون، ~~يمكنونهم من المضي في العمل والتنافس في الإنتاج. # كثيرا ما أفكر أمام هذا في حياتنا العقلية، وإنتاجنا الفني، وكثيرا ما تحزنني هذه ~~المقارنة، كما تحزنني المقارنة بين الصحف هنا وهناك. # 12 # وإذا كانت قراءة الصحف والكتب الفرنسية تلذني وتعجبني في فرنسا أكثر مما تلذني ~~وتعجبني في مصر، فالتحدث إلى الفرنسيين في بلادهم يترك في النفس أثرا يغاير كل ~~المغايرة الأثر الذي يتركه التحدث إلى الفرنسيين في مصر، ولعل هذا الأمر ليس مقصورا ~~على الفرنسيين، فمن المعروف أن كل إنسان يتخذ لنفسه شخصيتين مختلفتين؛ إحداهما في وطنه ~~حيث يعيش في أقل حظ ممكن من التكلف والنفاق الاجتماعي، والآخر في الغربة حيث تضطره ~~الغربة نفسها، وتضطره منافعه المختلفة المعقدة إلى أن يتخذ لنفسه شخصية أخرى، تباين إلى ~~حد بعيد شخصيته الطبيعية، وحظ النفاق فيها أعظم من حظ الصراحة والإخلاص. # على أن الأجانب في مصر يختلفون من هذه الناحية اختلافا عظيما؛ فمنهم من يسرف في ~~ازدراء المصري والتعالي عليه، لا يتكلف ذلك، ولا يحتمل فيه مشقة، وإنما هو طبيعة له أو ~~كالطبيعة، ومنهم من يسرف في تملق المصري والإسفاف في هذا التملق، حتى يبعث في النفس ~~شيئا من الازدراء والاحتقار غريبا، وبين هذين الطرفين يضطرب الأجانب المقيمون في مصر. ~~قليل منهم يظهر نفسه للمصريين كما هي، وكثير منهم يغشي نفسه بغشاء من النفاق رقيق أو ~~صفيق. # والفرنسي في مصر متكلف ليس صريحا، وهو لا يرسل نفسه على سجيتها، فيه غطرسة ولكنه ~~يخفيها إلى حد ما، وفيه تملق ولكنه يجمله بعض الشيء، هو صاحب منفعة قبل أي شيء آخر، ~~ولكنه يجتهد في أن يخفي تأثير هذه المنفعة فيما بينك وبينه من صلة، وهو يراقب ms40 نفسه إذا ~~تحدث إليك، فلا يقول لك إلا ما تريد أن يقول، لا ما ينبغي أن يقول، فإذا وصلت إلى ~~فرنسا، واستطعت أن تتصل بالفرنسيين الذين لا يرجونك ولا يخافونك، ولا يقدرون أن يزوروا ~~مصر أو أن تكون لهم فيها منفعة ما، فقد وصلت إلى الفرنسي حقا، واستطعت أن تتحدث إليه، ~~وأن ترى نفسه كما هي، دون أن يحول بينك وبينها غشاء ضعيف أو كثيف. هذا الفرنسي صريح، ~~مسرف أحيانا في الصراحة، محب للغلو في كل شيء حين يتكلم لا حين يعمل، وهو كلف ~~بالتناقض، وإعلان الأحكام المضحكة الغريبة، التي تفجؤك وتدهشك. ومن غريب الأمر أن الأمد ~~بعيد جدا بين الفرنسي حين يتكلم، والفرنسي حين يعمل، فهو في حياته العملية معتدل، وهو ~~أقرب إلى المحافظة منه إلى التطرف حتى حين يكون من المتطرفين في المذهب السياسي، ولكنه ~~حين يتكلم أشد الناس تطرفا، وأعظمهم إسرافا في نبذ القديم، وأحدهم سخطا على حياته ~~اليومية، وعلى عصره الذي يعيش فيه. إذا سمعت الفرنسي يتحدث عن شئونه السياسية فستراه ~~ساخطا أشد السخط على الحكومة والبرلمان، مغضبا أشد الغضب؛ لأن شئون الدولة تمشي على ~~غير نظام، ولأن فرنسا تفقد مركزها الممتاز الذي كان لها بين أمم العالم، هو ساخط على ~~الجمهورية، وهو غير راغب في عودة النظام الإمبراطوري أو الملكي، وهو كاره للاشتراكية، ~~مشفق من الشيوعية، فإذا سألته عما يريد قال لك كلاما كثيرا لا تفهم منه ما يريد، ~~ولكنك تفهم منه أنه ساخط غير مطمئن. هو ساخط فيما يقول، ولكنه في حياته اليومية راض ~~مطمئن، يؤدي عمله على وجهه في تأفف متصل، ويؤدي الضرائب في سخط على الحكومة ~~والخزانة. # وسخطه السياسي ليس أعظم من سخطه الأدبي أو الفني؛ فلن ترى الفرنسي راضيا عن الحياة ~~الأدبية في عصره، ولن تراه راضيا عن الحياة الفنية، ولن تراه راضيا عن شيء، ولكنه على ~~ذلك كله يقرأ ويلتهم الكتب التهاما، ويزور معارض الفن، ويشهد التمثيل، ويسمع الموسيقى، ~~ويجد في هذا كله لذة، ولكنه يجد مع ذلك وسيلة إلى ms41 السخط والتأفف والاشمئزاز. هو قلق ~~دائما، طامح دائما إلى مثل أعلى، يجهله ولا يستطيع أن يحدده، ولكنه يطلبه مع ~~ذلك ويلح في طلبه، يطلب دون أن يتخلص من حياته اليومية وحاله الحاضر إلا في مشقة ~~وعسر شديد. # لا أعرف أحدا يسخط على الحياة الفرنسية من جميع نواحيها كالفرنسيين، ولا أعرف أحدا ~~يحب الحياة الفرنسية من جميع نواحيها كالفرنسيين. هم أبغض الناس للحرب، وهم أسرع الناس ~~إليها حين يدعون، هم أبغض الناس للجمهورية، وهم أحرص الناس عليها حين تتعرض للخطر، ~~شعب غريب حقا لا يفهمه الأجنبي إلا بعد طول الدرس والاختبار، وبعد أن يعود نفسه أن ~~الطبيعة الفرنسية الحقيقية تختفي أمام طائفة كثيرة من أستار التناقض والاضطراب. # ما أبعد الأمد بين هذا الفرنسي الذي تتحدث إليه في فرنسا، فإذا هو في الوقت نفسه ~~يسخر من كل شيء، ويحرص على كل شيء، ويناقشك في كل شيء، ويلهيه اللفظ عن كل شيء، حتى ~~يفتن بصوته وعباراته، ويتكلم ليسمع نفسه وهو يتكلم لا ليؤدي إليك شيئا في نفسه يريد أن ~~يؤديه ويذود عنه، وبين هذا الفرنسي الذي تراه في مصر يتحدث إليك في عناية وحرص، قد ~~وزن ألفاظه وزنا وقدرها تقديرا، وصنع له طائفة من الآراء والمعاني والخواطر ~~قدر أنها هي التي تعجبك وترضيك، فهو يعرضها عليك في مهارة ودراية ومكر وإسراف في ~~المكر، وهو في لفظه مقتصد معتدل لا يكاد يتكلم إلا بمقدار؛ لأنه يخشى أن يرسل نفسه ~~على سجيتها. # عسير عليك أن تحب الفرنسيين في مصر، وعسير عليك أن تكره الفرنسيين في فرنسا. وقد سمعت ~~من غير واحد من أصحابنا الذين يعرفون بلاد الإنجليز أن ثقل الإنجليزي في البلاد ~~الأجنبية لا يعدله إلا ظرف الإنجليز في بريطانيا العظمى. # ومن يدري، لعل الأمر كذلك بالقياس إلى الأجانب جميعا؟ # أما أنا فلم أكن قد عرفت الفرنسيين حين زرت فرنسا لأول مرة، فلما خالطتهم في بلادهم - ~~وقد أتيحت لي هذه المخالطة كأحسن ما تتاح لأجنبي - أحببتهم حبا لا حد له، ثم عرفتهم ~~بعد ذلك في ms42 مصر فلم أكد أصدق أن هؤلاء الفرنسيين هم مثل أولئك الذين عرفتهم وراء البحر، ~~ولذلك تعودت ألا أسمع للفرنسيين في مصر إلا بنصف أذني ، فإذا كنت في بلادهم فأنا أسمع ~~لهم بنفسي كلها. # 13 # وفي باريس دور تدخلها فلا تكاد تخرج منها إلا بشق النفس كأنها تمسكك وتحول بينك ~~وبين الخروج، وهي تمسكك بالفعل فأنت لا تكاد تخطو فيها خطوة حتى تقف ناظرا محدقا ~~ومتأملا مفكرا، ثم تنتزع نفسك انتزاعا من هذا المكان الذي وقفت فيه، فإذا على ~~القرب منه مكان آخر يقفك ويقيدك، ويضطرك إلى النظر والتحديق، والتأمل ~~والتفكير. # وكذلك أنت مضطر إلى أن تقضي اليوم كله أو أكثره في هذه الدور، تتنقل فيها من مكان إلى ~~مكان، ولا تبرحه حتى تضطرك حاجتك أو المساء إلى الخروج. # وهذه الدور نوعان؛ أحدهما يمثل أمس القريب أو البعيد، والآخر يمثل اليوم وغدا وبعد ~~غد. الأول يمثل أمس وما كان فيه من حوادث وفنون وحياة خصبة من جميع نواحيها، وهي ~~المتاحف، والآخر يمثل اليوم وغدا وما فيهما من لذة وأمل ورغبة في الترف وتهالك على ~~النعيم، وهي دور التجارة الكبرى. # هذان القصران المتقاربان اللذان يتسميان باسم واحد، واللذان يتسلطان على النفوس ~~تسلطا متشابها في القوة والبقاء، والاستئثار بالعقل، والاستهواء للب، يحتكمان في ~~الفرنسيين والغرباء كما يشاءان؛ أحدهما متحف اللوفر، والآخر متجر اللوفر. # وكلاهما مكتظ طوال النهار بالزائرين والزائرات من كل جنس ومن كل إقليم، وكلاهما فتنة ~~للزائرين والزائرات، ولكن فتنة المتحف أهون على الجيوب من فتنة المتجر. # فقصاراك إذا زرت المتحف أن تفتن بما فيه من آيات الفن الفرنسي الأجنبي على اختلافها ~~وتباينها وتفاوتها في مقدار الجمال ونوعه وطبيعته وقيمته، ولكنك واثق أنك لن تجد في هذا ~~المتحف إلا لذة بريئة خصبة فيها علم، وفيها إرضاء للذوق والشعور. # أما المتجر، ففي زيارته لذة قوية، ولكنها خطرة شديدة الخطر، ولا سيما إذا لم تزره ~~وحدك بل زرته مع السيدات، ومهما يكن خطر متجر اللوفر وأمثاله على الجيوب والماليات ~~الرفيقة، فإني لا أكره إذا ms43 زرت باريس أن ألم بها إلمامات طويلة أو قصيرة، خفيفة أو ~~ثقيلة، فيها ربح وفيها خسارة، وفيها لذة ومتاع على كل حال؛ بل أصبحت - مع الأسف أو مع ~~الرضا - لا أفهم المرور بباريس دون المرور باللوفر والبرنتان وجاليري لا فاييت، والوقوف ~~عند بعض الأماكن فيها أتخير وأدفع إلى الشراء، وأستمع في شيء من الراحة واللذة ~~لأحاديث البائعين والبائعات، وفنونهم الغريبة الحلوة في إغراء المشترين، والعبث بعقولهم ~~وأذواقهم وجيوبهم معا. # 14 # للناس مذاهب مختلفة فيما يتبعون من الرحلة إلى أوروبا أو غير أوروبا من البلاد ~~الأجنبية، فهم جميعا متفقون أو كالمتفقين على أنهم يدعون بلادهم رغبة في الراحة، ~~والتماسا للترفيه على النفس، وتغييرا للبيئة، وفرارا من الجو الحار الثقيل، ولكنهم ~~بعد هذا كله يختلفون في تصور الراحة وتغيير البيئة والفرار من الجو؛ فمنهم من يرى ~~الراحة في الإيواء إلى سواحل البحر أو المحيط، يقضي نهاره متجردا أو كالمتجرد، ~~مستلقيا أو كالمستلقي على الرمل، ينغمس في الماء ليخرج منه، ويخرج منه لينغمس فيه، وهو ~~في هذه الأطوار المختلفة يستمتع بما يرى من أشخاص مجردين مثله، ويأخذ بحظه من حرية ~~الطرف والتفكير والدعابة والعبث، حتى إذا كان الليل لم يستلق على الرمل، ولم ينغمس في ~~الماء، وإنما اندفع إلى الكازينو، وانغمس في هذه الأمواج الملتطمة من الرجال والنساء، ~~حول موائد اللعب، أو في مسرح الرقص، أو في المقصف أو حول الموسيقى. # وهذان الطوران من أطوار الحياة النهارية والليلية على ساحل البحر غريبان مختلفان أشد ~~الاختلاف، ولا سيما في ما يمس الرجال؛ فهم عراة أو كالعراة بياض النهار، يظهرون من ~~أجسامهم ما لا متعة في النظر إليه إلا أن يكون أحدهم قد صيغ على صورة أبولون، وهؤلاء ~~الأشخاص قلة في الرجال، وتراهم في بعض المدن والسواحل يسرفون في هذا التجرد، كما تراهم ~~في بعض المدن والسواحل يقتصدون، لا يقفهم عند حد من ذلك إلا لين البلديات وشدتها في ~~ملاحقة المستحمين. فإذا كان الليل فقد سترت أجسامهم كلها، ودخلوا في ملابسهم الليلية أو ~~السموكنج، لا ms44 يظهرون من أشخاصهم إلا أقل مقدار ممكن. # أما النساء فلهن منطق معقول: هن متجردات في النهار على الساحل، متجردات في الليل إذا ~~أقبلن إلى الكازينو، ولكنهن لا يظهرن من أجسامهن في الليل ما يظهرن في النهار، إنما ~~يظهرن في النهار نصفا، وفي الليل نصفا آخر: للنهار الأعجاز، ولليل الصدور. # وعلى هذا النحو تستطيع أن تفهم هذه الصورة المضحكة التي نشرها «الجورنال» ذات يوم، ~~تمثل عاملا من عمال المحطات قد جلس إلى نافذته يبيع تذاكر السفر، وأقبلت عليه امرأة ~~قبيحة المنظر شوهاء تشتري تذكرة، فهو مفتون بهذا الوجه القبيح المشوه؛ لأنه منذ أول ~~الفصل لا يرى وجوها وإنما يرى أعجازا ...! # ومن الناس من يرى الراحة في الصعود إلى جبل من الجبال، يختلف ارتفاعه في الجو بمقدار ~~ما يسمح له الطبيب، وهناك يقضي نهاره متنقلا من مكان إلى مكان، صاعدا هابطا، أو ~~مستريحا في غابة أو حديقة، أو مندفعا في الكازينو بياض اليوم وسواد الليل، مستمتعا ~~بما في البلاد الجبلية من مناظر مختلفة، وأضواء متباينة، إلا ما تعرض عليه الحسان من ~~أصناف الزينات وضروب الخلاعة، فإن كان من الذين يحبون السيارات ويكلفون بهذا الحس ~~الغريب الذي يجده الناس في السرعة، فنهاره في السيارة، وليله في الكازينو، بين الرقص ~~والعزف واللعب، ورأسه دائر ليلا ونهارا، حتى إذا انتصف الليل أو مضى ثلثاه آوى إلى ~~سريره فاستراح. # ومن الناس من يكتفي بمدينة من المدن ذات الحظ العظيم من الحضارة، فيقضي نهاره فيها ~~وليله كما كان يقضيهما في مصر، إلا أنه هنا يستمتع بحظ من الحرية لا يستمتع به عادة في ~~مصر؛ يصبح فيمضي إلى القهوة، وما يزال فيها حتى يدعوه الغداء، ثم يمسي فيمضي إلى ~~القهوة، وما يزال فيها حتى يدعوه العشاء، ثم يفرغ من عشائه ويمضي إلى حانة أو ملعب، ~~ويقضي ليله أو شطرا غير قليل من ليله في لذة قلما تخلو من إثم، وقلما تخلو من إسراف في ~~النفقة، وقلما تخلو من إساءة إلى العقل والجسم والأعصاب عامة، والكرامة الإنسانية في ~~كثير ms45 من الأحيان. # ومنهم من يلتمس الراحة في مدن العيون والينابيع؛ لأن الأطباء قد فرضوا عليه ذلك، أو ~~لأنه يجد في هذه البيئة التي تشبه بيئة السواحل لذة تصرفه عن غير هذه المدن من مواضع ~~الراحة، فهو يستحم ويخالط المستحمين والمستحمات في غدوهم ورواحهم، وفي نشاطهم ~~وخمودهم وراحتهم، وهو يرقص ويشهد الراقصين والراقصات، ويلعب أو يشهد اللاعبين ~~واللاعبات، وحظه من اللذة البريئة أو الآثمة يختلف باختلاف مزاجه ومقدرته ~~وثروته. # أما أنا فلست أفهم الراحة على نحو من هذه الأنحاء، وقد وصفت لك فهمي لباريس وحياتي ~~فيها، وإذا تركت باريس فقلما أفكر في سواحل البحر؛ لأني أكره البحر وأجد في جواره ~~ألما ومشقة لا أحتملهما إلا أن أضطر إلى ذلك اضطرارا. # وقد أراد الله أن يلائم في ذلك بين مزاج زوجي وابني ومزاجي، فنحن جميعا نكره البحر ~~ولا نطمئن إليه، ونحن نكره مدن الاستحمام أيضا؛ لأن الأطباء لم يفرضوها علينا إلى ~~الآن، ولأننا لا نكاد نذوق هذه اللذة التي يذوقها الناس حين يظهرون من أشخاصهم ما لا ~~ينبغي أن يظهروا، وحين يرون من غيرهم ما لا ينبغي أن يروا، فأحب ضروب الراحة إلينا ~~هو الإيواء إلى جبل معتدل الارتفاع، نتخير فيه فندقا مريحا معتدلا رخيصا كفندقنا في ~~باريس، فنأوي إليه، لا نبتغي إلا طعاما ملائما، وغابة قريبة نقضي فيها النهار أو ~~أكثره، وفراشا وثيرا نقضي فيه الليل كله، ولسنا من عشاق السيارات، وإنما حب معتدل ~~للحركة والمشي إلى أن نصل إلى مرتفع شاهق، فإذا نفوسنا تنازعنا إلى أن نبلغ قمته، ~~فنتكلف في ذلك من المشقة ما نتكلف، ثم نعود متعبين مكدودين، قد اعتزمنا أن نرتاح من ~~الحركة يوما أو يومين، على أن أحد ابني قد كلفنا في هذه السنة مشقة لم نتعود ~~مثلها، فهو على أنه لم يتجاوز السابعة مشغوف بالصعود والهبوط، مفتون بالعيون والغدران ~~والجداول والمياه المنحدرة، يلتمسها حيثما كانت، وحيثما وجدت. وقد أخذ يقرأ، فلا يصل ~~إلى مدينة أو قرية حتى يلتمس الدليل وينظر فيه، ويحفظ أسماء الجداول والعيون والينابيع، ms46 ~~وما يزال يلح علينا بعد ذلك في التماس ما حفظ حتى نضطر إلى الاستجابة له. وإذا نحن في ~~الطريق نلتمس جدولا أو عينا أو منحدرا من الماء قد حفظه هذا الطفل، وأبى إلا أن ~~يراه، فنتعب ويتعب، ولكنا لا نكاد نبلغ الغاية حتى نرى في فرحه وابتهاجه ونشاطه ~~وانغماسه في هذه الطبيعة ما يرد إلينا ما فقدنا من نشاط، ويذهب عنا ما وجدنا من ألم ~~ومشقة. # وأنا أشهد أني أجد لذة قوية في هذا النحو من الراحة في الجبل في أول الأمر، ولكني لا ~~أكاد أقضي في هذه الحياة أياما حتى أحس مللا لا حد له، وسأما لا سبيل إلى احتماله، ~~إلا أن يعينني عليه كتاب أقرأ فيه، أو فصل أمليه، ولو أنني خيرت لما قضيت في مثل هذه ~~المواطن إلا الأيام القصار، ولعدت إلى باريس أستأنف هذه الحياة التي وصفتها، والتي لا ~~ينقضي حبي لها وإعجابي بها. # وليس في ذلك شيء من الغرابة؛ فأنا لا أملك الشرط الأساسي الذي يحبب إلى الناس الجبل ~~والبحر وما فيهما من لذة بريئة، وكل ما أجده من ذلك إنما هي هذه الراحة الطبيعية التي ~~أتلقاها مضطرا من الهواء واختلاف الأجواء. فأما هذه اللذة الفنية فيجدها من يبصر ~~الطبيعة في أشكالها المختلفة، ومناظرها المتباينة، وألوانها البديعة، التي تتباين ~~بتباين الأضواء، وموقعها على الأرض أول النهار وآخره وإبانه، ثم هذه المناظر البديعة ~~التي تكون في الجبال حين تتفاوت قممها ارتفاعا وانخفاضا، وقد غطي بعضها بالجليد، ~~وتوج بعضها بالغابات، ووقعت عليها أشكال النجوم والكواكب، وارتفعت من بينها أضواء ~~المدن والقرى. كل هذه المناظر لا حظ لي منها، لا أستطيع أن أراها ولا أن أذوقها، وإنما ~~يقص منها علي الشيء إثر الشيء فأحقق بعضه، وأعجز عن تحقيق بعضه الآخر. وإذا ~~كنت راضي النفس مطمئنا، فقد أسمع ذلك مغتبطا ببعضه، غير مكترث لبعضه الآخر، فأما إن ~~كنت مضطرب النفس سيئ الخلق - وكثيرا ما يعرض لي هذا - فلعلي لا أسمع ما أسمع من الوصف ~~دون أن أشعر بألم يريد ms47 أن يكون شديدا، لولا أني أخذت نفسي منذ سنين طوال بهذا البيت ~~البدوي القديم: # لا بد مما ليس منه بد # فأنا لا آسى على ما فات ، ولا أكلف بطلب ما لا سبيل إليه. # فأنا إذن من عشاق المدن، ومن عشاق باريس بنوع خاص، فيها أجد هذه اللذة التي قسم لي ~~أن آخذ منها بأكبر حظ ممكن، وهي لذة العقل والشعور، فليس غريبا ألا أترك باريس إلا ~~كارها، وكيف أتركها راضيا وأنا أعلم أني ما دمت في باريس فأنا أستطيع أن أرضي من ~~عقلي وقلبي وشعوري أي ناحية شئت؟! # 15 # ونطوف بعد ذلك عشرة أيام في الألزاس، متنقلين بين مدنها وقراها، مجولين في وهادها ~~ورباها، نزور ما فيها من آثار الماضي البعيد والقريب، ونشهد ما فيها من مظاهر الحياة ~~الجديدة المضطربة. # وفي الألزاس متاع للعيون، كما أن في الألزاس متاعا للعقول، ففيها كثير من آثار ~~القرون الوسطى لا تزال قائمة ماثلة، تعطيك من فن هذا العصر صورا مختلفة، ولكن الألزاس ~~في هذه الأيام تعني من يزروها عناية خاصة؛ لمكانها بين الفرنسيين والألمانيين. # والمسألة التي تفرض عليك فرضا حين تتصل بالفرنسيين، وتنغمس في حياتهم القومية، هي ~~أن تعرف أحق أن الألزاس إقليم فرنسي وأن أهله يحبون فرنسا كما يحبها الفرنسيون، أم ~~ذلك لون من ألوان الجهاد السياسي بين هذين الشعبين المتخاصمين منذ أقدم العصور ~~التاريخية؟ # أما إذا قرأت الصحف الفرنسية، فالألزاس قطعة من فرنسا اغتصبها العدو، ثم استردتها ~~فرنسا المنتصرة منذ سنين، والفرنسيون يختلفون فيما بينهم حين يفكرون في الصلة بين فرنسا ~~وبين هذه القطعة التي ردت إليها، فمنهم من يريد أن تمحى الفروق كلها بين الألزاس ~~وبقية الأقاليم الفرنسية، فيكون التشريع واحدا والنظام واحدا، وتخضع الألزاس لكل ما ~~تخضع له الأقاليم الفرنسية؛ من نظام في السياسة والإدارة والمالية والدين والتعليم. ~~هؤلاء هم المتطرفون، ومنهم المعتدلون الذين يريدون هذا كله، ولكن شيئا فشيئا، وقليلا ~~قليلا؛ لأنهم يقدرون أثر الاحتلال الألماني في الألزاس، ويعلمون أن انتقال الألزاس من ~~النظام الألماني إلى النظام الفرنسي ms48 الخالص فجأة، لا يمكن أن يتفق دون أن يستلزم ~~اضطرابا وفسادا بعيدي المدى. # والألزاسيون أنفسهم - فيما يظهر - ليسوا أقل اختلافا من الفرنسيين؛ فمنهم المسرفون ~~في بغض النظام الفرنسي، ومنهم المسرفون في حب هذا النظام، والناس جميعا يعلمون ما ~~تلاقيه فرنسا من الصعوبات المعقدة في الملائمة بين الألزاس وبين النظام الفرنسي ~~الخالص. # ولكن الأجنبي الذي يزور الألزاس بعد أن يكون قد زار فرنسا لا يستطيع أن يتخلص من ~~أثر جديد تتركه هذه الزيارة في نفسه؛ فهو لا يسمع الفرنسية أو لا يكاد يسمعها في ~~الألزاس، وإنما يسمع الألمانية يتحدثها الرجال والنساء في أعمالهم ومرافقهم كما ~~يتحدثها الأطفال في لعبهم، وهو لا يسمع الفرنسية إلا حين يتكلم الألزاسي إلى الفرنسي أو ~~إلى الأجنبي الذي لا يتكلم الألمانية، فإذا تكلم الألزاسي اللغة الفرنسية فهي فرنسية ~~خاطئة محطمة مشوهة كفرنسية الألمان. # والأجنبي إذا أراد أن يقرأ الصحف الألزاسية وجد أكثرها ألمانيا، فإذا شهد الصلاة في ~~كنائس الألزاسيين، فاللغة التي تستعمل مع اللاتينية هي الألمانية، ونظام الحياة في ~~الألزاس أقرب إلى النظام الألماني منه إلى النظام الفرنسي. طعام الألزاسيين ألماني، ~~وشرابهم ألماني، فهم يؤثرون الجعة على النبيذ، كما أنهم يؤثرون الشوكروت # choucroute # على غيره من ألوان الطعام المألوفة في ~~فرنسا. # أهم فرنسيون كما يدعي الفرنسيون؟ أهم ألمانيون كما يدعي الألمانيون؟ ما أرى ~~أنهم من أولئك ولا من هؤلاء، وإنما أرى أنهم ألزاسيون، ولو استطاعوا لطلبوا لأنفسهم ~~ما يطلبه كثير من الشعوب الأوروبية الصغيرة من الحياة المستقلة بين هذين الشعبين ~~العظيمين المختصمين. وهم إلى أن يتاح لهم طلب الاستقلال التام يجاهدون الآن في سبيل ~~الاستقلال الداخلي، ويتكلفون في ذلك مشقة وهولا ليس أقل منهما ما تتكلفه فرنسا من ~~المشقة والعناء. # ومهما يكن من أمر الألزاسيين والألزاس من إيثار فرنسا أو ألمانيا أو إيثار الحياة ~~المستقلة، فإن الإقامة في الألزاس لذيذة حلوة، فيها دعة وراحة، وأكل كثير، وشراب غزير، ~~ورياضات ممتعة، ومهما أنس فلن أنسى كلف ابني الصغير بزيارة العمارات الألزاسية ~~والتصعيد في بروجها، والعناية بوصفها وتعديدها، ms49 ثم برسمها وتصويرها، وأظنه سيبلغ ما ~~يشاء الله أن يبلغ من السن قبل أن ينسى كاتدرائية ستراسبورج، التي أصبحت عنده الآن ~~مقياسا للكاتدرائيات جميعا. بفضل هذه الكاتدرائية ظهر عند هذا الطفل في السابعة من ~~عمره ميل غريب قوي إلى زيارة الآثار زيارة إن لم تكن فنية فهي تشبه الفنية. # ونحن الآن لا ننزل بلدا ولا نصل إلى قرية حتى يلح هذا الطفل في زيارة بيعتها أو ~~كاتدرائيتها، حتى إذا أتم هذه الزيارة أخذ يقيس البيعة أو الكاتدرائية بكاتدرائية ~~ستراسبورج طولا وعرضا وصعودا في الجو وجمالا فنيا. # ومهما تكن الخواطر التي خطرت لنا جميعا أثناء رحلتنا الطويلة هذه، ومهما تكن العواطف ~~التي أثارتها في نفوسنا هذه الرحلة، ومهما يكن ما لقينا فيها من خير وشر، ومن رضا ~~وسخط، فلن يعدل هذا كله ما حفظته نفس هذا الطفل الصغير من هذه الرحلة؛ فقد كلف فيها ~~بثلاثة أشياء، لن ينقضي يوم حتى يحدثك فيها، ويطيل ويثقل: العيون والينابيع؛ يقيس بعضها ~~إلى بعض ويوازن بعضها ببعض، غزارة وارتفاعا وانحدار ماء. والبيع والعمارات؛ يقيسها ~~كلها إلى كاتدرائية ستراسبورج. ثم قطر السكك الحديدية؛ يحصيها ويحصي ما تقطع من ~~الآماد والمسافات، ويحصي ما تقف عنده ولا تقف من المحطات، يحفظ أسماءها إن استطاع، فإن ~~أعياه ذلك أو فاته اخترع لها الأسماء اختراعا، ولعله يحفظ الاسم على غيره وجهه، ثم ~~يعيده عليك في شكل بديع مضحك. وهو لا يكتفي بحفظ القطارات وآمادها ومحطاتها، ولكنه ~~يقلدها، فهو قطار منذ يفيق من نومه إلى أن ينغمس في النوم أول الليل؛ يقلد القطار في ~~حركته وصوته؛ يقف ويندفع، ثم يقف ويعلن المحطات التي يقف عندها، والتي يقصد إليها متى ~~سافر، وسواء أردنا أم لم نرد فنحن مسافرون سفرا متصلا؛ لأنه قطار ونحن في القطار، فهو ~~يسير ويقف بنا. وإنه ليدهش أشد الدهش حين ننسى أننا مسافرون، وأنه قد انتهى بنا إلى ~~«جنيف» أو إلى محطة «المشمش الجديد» أو إلى محطة «للروز» وإلى ما يلهمه خياله من البلاد ~~والمحطات. # كانت لذيذة مثيرة ms50 للعواطف مرضية للنفس هذه الرحلة بين هذين الطفلين، يعيش أحدهما ~~في الخيال، وتتفتح نفس أخته للحياة، فإذا هي ترى الأشياء على وجهها أو تريد أن تراها ~~كذلك، وإذا هي تنفق جهدا لا حد له لتلائم بين الحياة كما تراها الآن وبين ما حفظت ~~نفسها الناشئة من خواطر الطفولة وصورها وأحاديثها. # يستطيع السفر أن يكون شاقا متعبا، وتستطيع الحياة أن تكون فيه مرة ممضة، ~~وتستطيع الهموم أن تملأ النفس وتنغص عليها ما يعترضها من اللذات، ويستطيع العمل أن يكون ~~مجهدا مضنيا، فلن يثبت هذا كله أمام هاتين الابتسامتين الحلوتين: ابتسامة الطفل الذي ~~لا يزال يحلم، وابتسامة الصبية التي أخذت تفيق. # 16 # وفي الألزاس إذا زرتها مسافات لا بد أن تقطع، ومعاهد لا مندوحة عن أن تزار، وإلا ~~فلم تزر الألزاس، ولم تستمتع بما فيها من جمال مادي ومعنوي، لا بد من أن تأخذ هذه ~~السيارات الضخام فتذهب إلى الهوفالد # Howald # وتتغدى ~~فيه، ثم تعود إلى السيارة وتذهب إلى سانت ~~أوديل # Sainte Adille # وتزور الدير، ثم تعود إلى ستراسبورج من طريق آخر، وأنت في ذهابك ~~وإيابك تمر بقرى، وترى مناظر، وتزور كنائس، ولكن الشيء الوحيد الذي أثر في نفسي من ~~هذه الأشياء كلها إنما هو هذا الدير الذي وصلنا إليه نحو الساعة الثالثة بعد ~~الظهر. # دير قائم على قمة شاهقة في الجو، لا تكاد تتصل بالسهل إلا من هذه الطريق التي ~~تقطعها بك السيارة، فأما من جميع نواحيها الأخرى فهي قائمة شاهقة مشرفة على السهل، ~~منفصلة عنه انفصالا تاما بحيث تعجب كيف اختير هذا المكان لإقامة هذا الدير، ثم لا ~~تلبث أن تشعر بهذه الوحدة التي يستشعرها المقيمات في هذا الدير، فتملأ نفوسهن رهبة ~~وجلالا، ثم تمكنهن من الخلو إلى ضمائرهن وقمعها ومحاسبتها، وما هي إلا أن يصلن من هذه ~~الوحدة أمام الضمير إلى شيء من الإيمان فيه تصوف وزهد، وعكوف على النفوس، وطموح إلى ~~الكمال الديني الأعلى. # والشعب الألزاسي من أشد الشعوب الفرنسية تدينا وإيمانا، وأحرصها على العادات والسنن ~~الموروثة، وكان ms51 انفصاله من فرنسا سببا في بقاء هذه العادات والسنن قوية شديدة الأثر في ~~نفسه، حتى إذا عادت الألزاس إلى فرنسا لم تخضع ولم تفكر فرنسا في إخضاعها للتشريع ~~الديني الفرنسي، ولا للفصل بين الكنيسة والدولة، وما ينشأ عنه من الآثار في حياة الشعب ~~والقسيسين والرهبان وفي التعليم أيضا. # وكان أشد الشعوب الفرنسية تدينا وإيمانا قبل الحرب، وأبعدهم في المحافظة، وأحرصهم ~~عليها، أهل بريطانيا، فلما كانت الحرب وردت الألزاس أصبح لرجال الكنيسة معقلان ~~منيعان: بريطانيا والألزاس. # وأذكر أني شهدت في بريطانيا منذ سنين حفلا دينيا اجتمع له الشعب رجالا ونساء ~~وشبانا وأطفالا، وأقبلوا إلى كنيستهم بعد أن طافوا المدينة يتغنون بأغان دينية ~~ووطنية محلية، فكان لهذا المشهد في نفسي أثر قوي تركه هذا الغناء، تمتزج فيه الأصوات ~~الحلوة، أصوات النساء والأطفال، بهذه الأصوات الغلاظ الشداد؛ أصوات الرجال والشبان، ~~وهذه المعاني الساذجة البسيطة التي تقدس الله والوطن الخاص في غير تكلف ولا ~~إسراف. # ثم شهدت في الألزاس حين وصلت إلى هذا الدير حفلا كهذا الحفل البريطاني؛ فقد اجتمع ~~فيه الحجيج من أهل هذا الإقليم رجالا ونساء، شبانا وأطفالا، وأقبلوا إلى ديرهم ~~يتغنون باللاتينية مرة وبالألمانية مرة أخرى وبالفرنسية قليلا جدا، يقدسون ربهم ~~ووليتهم ووطنهم الصغير، حتى إذ طافوا بالدير وانتهوا إلى الكنيسة وقفوا خاشعين، وقام ~~القسيس باسمهم يتوسل إلى القديسة في لغة ألمانية قوية عذبة، فتوسل وأطال ~~التوسل، وما كنت تشك وأنت تراه وتسمعه، وترى خشوع الشعب من حوله في أن نفوس هذا ~~الشعب كله متصلة به، تنطق بلسانه وتخفق مع قلبه حين يخفق رغبة ورهبة، حتى إذا فرغ من ~~صلاته الألمانية استأنفها بالفرنسية، لا لأن القديسة في حاجة إلى أن تترجم لها ~~الصلاة، ولكن لأن الشعب نفسه في حاجة إلى أن يفهم الصلاة التي يقوم بها عنه القسيس ~~ليصليها معه، وليكون شعوره ملائما لشعور القسيس. وكثرة الألزاسيين يفهمون الألمانية أو ~~قل كل الألزاسيين، ولكن بينهم الآن فرنسيين هاجروا إلى الألزاس، وبينهم أولئك ~~الألزاسيون الذين آثروا فرنسا على ألمانيا، فتركوا وطنهم بعد ms52 الهزيمة ثم عادوا إليه أو ~~عاد إليه أبناؤهم بعد الانتصار. وللسياسة الجديدة حكمها؛ ففرنسا مضطرة إلى أن تقبل ~~الألمانية لغة الصلاة، ولكنها مضطرة أيضا إلى أن تفرض الفرنسية لغة الصلاة. وللدين ~~الآن في الألزاس لغتان حديثتان إلى اللغة اللاتينية المقدسة، وللتعليم كذلك لغتان، ~~وسيظل الصراع قويا بين الفرنسية والألمانية حتى يستطيع الزمن والسياسة أن ينصرا ~~إحداهما على الأخرى. # الفرق عظيم جدا بين هذين الحفلين اللذين شهدتهما في بريطانيا والألزاس، يمثلان نفس ~~شعبين مؤمنين حقا، وبين هذه الحفلات التي تستطيع أن تشهدها في لورد # Lourdes # إذا أقبل الصيف من كل عام؛ فحفلات لورد لا تمثل ~~إيمانا ولا إخلاصا في حب الله، وإنما هي الشعوذة من ناحية، والنفاق من ناحية أخرى، ~~وضعف المرضى وتهالكم على طلب الشفاء من ناحية ثالثة. الدين في لورد تجارة رابحة، ولكنه ~~في بريطانيا والألزاس مرآة صادقة لقلوب مؤمنة خاشعة، تخفق بذكر الله والقديسين والتوسل ~~إليهم. # 17 # ولم يكن التأثر الذي ملك علي نفسي حين تركت الألزاس وقاربت الحدود الفرنسية ~~الألمانية القديمة، وشهدنا الخنادق التي كان يكمن فيها الفرنسيون والألمان يضمر بعضهم ~~لبعض فيها الموت وضروب الإهلاك، ويتحصن بعضهم من بعض فيها بكل صنوف الوقاية وألوانها، ~~بأقل من ذلك التأثر الذي وجدته أمام دير سانت أوديل. # في الدير شعب خاشع أمام الله راغب إليه، يتوسل إليه بالقديسين والأولياء، يلتمس منه ~~الأمن والسعة والعافية والرخاء والتثبيت. وحول هذه الخنادق العميقة المتقاربة، وما يمتد ~~بينها من الأسلاك الشائكة فضاء واسع، فيه صمت عميق مهيب لا يقطعه إلا حفيف الأغصان ~~والأوراق حين يهزها النسيم الهادئ، وإلا تصويت الطير من حين إلى حين ... وأنت تتمثل ~~المأساة المنكرة التي كانت في هذا المكان طوال سنين الحرب، والتي سفكت فيها دماء ~~وأزهقت فيها نفوس، ولقي فيها الإنسان من الإنسان ضروبا من العذاب لا سبيل إلى أن توصف ~~ولا إلى أن يتمثلها الناس وهم آمنون. # نعم، وأنت تسمع في هذا المكان أنين الجرحى وحشرجة صدور الموتى، وتسمع إلى هذا الجند ~~يتكلفون السلوة والعزاء، يشجع بعضهم ms53 بعضا، ويواسي بعضهم بعضا، ويضحكون من تعسهم ~~وشقائهم، أنت تسمع هذا كله فيخفق قلبك وتتقطع نفسك أسى، ولكنك لا تستطيع أن تمد الطرف ~~من هذه الناحية أو تلك حتى ترى هنا قبور الفرنسيين وهناك قبور الألمانيين ... ومن عسى أن ~~يكون في هذه القبور؟ وأي أمل طوته هذه القبور؟ وكم عسى أن تكون عدد القلوب التي ~~صدعتها هذه القبور؟ وكم عسى أن تكون النفوس التي اتصلت بهذه الناحية الصغيرة من أنحاء ~~هذا الميدان المنكر ميدان الحرب؟ نفوس الأمهات والآباء، نفوس البنات والأبناء، نفوس ~~الأزواج والصديقات! وانظر فليس مصدر هذا الألم الذي يملك نفسك هذه القبور المبعثرة وما ~~تشتمل عليه من أشلاء ليس إلى تحديدها ولا إلى تعينها من سبيل. ليس مصدر هذا الألم ما ~~ترى من قبور وتسمع فيها وحولها من أنين وحشرجة واستغاثة، ليس هذا كله مصدر هذا الألم ~~فحسب، وإنما الطبيعة نفسها تبعث في نفسك ألما إلى ألم، وتغشي هذا كله بغشاء منكر ~~مخيف. # انظر إلى هذه الأشجار الملتوية والجذوع المحترقة، انظر إلى ما حولك كله وتمثله قبل ~~الحرب، فقد كان نضرا، وكان بديعا، وكانت فيه للناس لذة وبهجة، وكانت فيه للنفوس راحة ~~وأنس، فلما عدا الناس على الناس وقتل بعضهم بعضا لقيت الطبيعة نفسها شر هذا ~~العدوان، فحالت نضرتها وذهبت بهجتها، واستحالت هذه الجنة إلى جهنم. وقد عاد السلم بين ~~الناس الآن، واتصلت بينهم الألفة والمودة، ونسي بعضهم آثام بعض، ولكن هذه القبور ما ~~زالت قائمة، وهذه الخنادق ما زالت عميقة، وهذه الأسلاك الشائكة ما زالت ممتدة ... وهذه ~~الأشجار ما زالت كما تراها؛ منها الملتوي، ومنها الملقى، ومنها القائم لم يبق منه إلى ~~جزعه. وما أحسب أن هذه كله يعين على أن يستقر السلم بين الألمانيين والفرنسيين. # نعم، كانت ساعة رهيبة مؤلمة هذه التي وقفناها عند هذا المشهد، فلم تستطع عيون أن ~~تحبس دمعها، ولم تستطع قلوب أن تستقر في أماكنها، ولم تستطع ألسنة أن تمسك عن لعن الحرب ~~وعشاقها ... # ثم نمضي فإذا الحياة على قرب من هذا ms54 المشهد قد أخذت تستأنف نشاطها وقوتها؛ فهذه أشجار ~~الغابات تستبق في الجو كأنها تريد أن تبلغ السماء، وهذه الأطيار تترجح وتترنح على ~~الأغصان، قد أسكرها النسيم العذب الذي يحمل إليها ما في هذه الطبيعة الواسعة المطلقة من ~~أرج وضوء وخصب ونعيم، وهذه الأعشاب تكسو الأرض بألوان مختلفة من الزينة، وتنجم بينها ~~أزهار ضئيلة بديعة الأشكال والألوان، وهذه الأجراس تسمعها من بعد قد ملأت الفضاء ~~وأخذته على سمعك، وهي أجراس القطعان ترتع مرحة فيما يكسو هذه الأرض من عشب، وهذا النسيم ~~الخفيف الفاتر يداعب وجهك ويحمل إليك الدعة والهدوء، ويحبب إليك الحياة والحركة، ومع ~~ذلك فكم شهدت هذه الطبيعة من هول، وماذا عسى أن تشهد غدا أو بعد غد من الهول! # 18 # ثم نصل إلى حيث كنا نريد أن نصل من هذه المدينة الهادئة الواسعة، مدينة جيرارمير # Gerardmer # المستقرة في جبال الفوج # Vosges # على بحيرة صغيرة بديعة هادئة، فإذا جو كأحسن ما ~~عرفت من الأجواء، وإذا هدوء لم أشهده قط، وإذا مقام ملائم للراحة حقا، وملائم للعمل ~~حقا، لولا هذه الجبال القريبة التي تدعوك وتكرهك على أن تدع الراحة وتدع العمل، ~~وتمضي فيها صاعدا هابطا، واقفا من حين إلى حين تنظر وتسمع، وتستنشق هذا النسيم ~~الخفيف النقي. # ولقد طفت في هذه الأنحاء غير قليل، ولكني أشهد ما خرجت إلا كارها، وبعد خصومات ~~عنيفة كانت بين زوجي وبيني. أريد أن أخلو إلى كتابي، وتريد أن أنشط وأتحرك وآخذ من ~~التروض بحظ، وأشهد ما خرجت كارها إلا عدت راضيا مبتهجا شديد الحزن؛ لأن ما لدي من ~~العمل لا يسمح لي باستئناف مثل هذه الرياضات التي كنت أجد فيها لذة وراحة وجمالا لا ~~تشبهها لذة ولا راحة ولا جمال. # ولست أنسى يوما خرجنا فيه بعد الظهر إلى مجتمع من الماء، فأقمنا عليه حينا ثم مضينا ~~نتبع الغدير في غابة كثيفة لا تستوي فيها الطريق ولا تعتدل، ولا تخترقها أشعة الشمس ~~إلا على مشقة وجهد، قد فرشت أرضها ببساط كثيف من العشب فأخذنا نتبع شاطئ ms55 الغدير في ~~هدوء ودعة، وكنت منصرفا عمن كان معي وعما كان من حولي إلى هذا الغدير أسمع خريره ~~وأبتهج به، وما هي إلا دقائق حتى أنسيت كل شيء غيره، وحتى اقتنعت بأني لا أسمع خرير ~~الماء، وإنما أسمع نجوى المحبين، لا أقصد إلى خيال ولا إلى شعر، وإنما أذكر ما أحسست ~~وما وجدت كما أحسسته وكما وجدته. # نعم، كنت مقتنعا بأني أسمع في هذا الماء المنحدر حديث المحبين، وكان هذا الحديث ~~مختلفا باختلاف انحدار الماء قوة وضعفا: هنا ينحدر الماء في قوة وينزلق على جماعة من ~~الصخور قائمة، فتسمع لانحداره أصواتا مختلفة مرتفعة في اعتدال، وما هي إلا أن تتمثل ~~الحبيبين في ثورة ولوعة واضطراب وعتب وخصام، ثم تمضي فإذا مجرى الغدير قد لان واعتدل، ~~وإذا الماء يمشى عليه هينا لينا، وإذا خريره هادئ رفيق، وإذا أنت تتمثل هؤلاء ~~المحبين وقد هدأت ثورتهم، وبردت لوعتهم، وانصرفوا عن الخصومة والعتاب إلى هذا النحو من ~~الرضا، المضطرب بين السخط والعفو، والذي تدنو فيه النفس من النفس دون أن تجرؤ النفس على ~~أن تتصل بالنفس، والذي تسمع فيه ألفاظ تمازج حلاوتها المرارة، وتتخلل لينها ~~الشدة. # ثم نمضي وإذا مجرى الغدير قد استقام أو كاد، وخلا من الصخور والأحجار إلا هذا الحصى ~~الصغار الدقاق، وإذا ماء الغدير قد رق وقل وصفا، وإذا هو يمشي مشية خفيفة بطيئة ~~شديدة البطء، وإذا أنت لا تسمع من المحبين خصومة ولا عتابا، بل لا تسمع منهم لفظا ولا ~~كلاما، وإنما هي قبل هادئة حلوة، قد امتزجت فيها النفوس والقلوب، ودنا المحبون من ~~الفناء، ثم استقام طريق الغدير استقامة تامة، وجرى ماؤه على أرض رخوة سهلة، فلست تسمع ~~شيئا مهما تحاول، فقد هدأ كل شيء، واستقر كل شيء في نصابه، وأخذت نفسي تفيق وتتخلص ~~قليلا قليلا من هذا الحلم السخيف، وإذا أنا أسمع ابني من حولي يختصمان: أي أطوار ~~الغدير خير؟ أحين يضطرب ويهدر؟ أم حين يهدأ ويستقر؟ # وأذكر لزوجي ما وجدت من لذة وأنس بهذا الغدير فتنتصر في ms56 غضب وسخرية قائلة: وكم ~~تستطيع أن تجد من لذة وأنس لو أرحت نفسك وأرحتنا من «الضمائر» و«فلسفة ليبنتز»! ولكنك ~~تعلمين يا صاحبتي أن ليس إلى هذا من سبيل. # 19 # أيتها النفس أجملي جزعا # إن الذي تحذرين قد وقعا # وما كنت أحذر الموت على ثروت، وما كنت أفكر في أن بينه وبين الموت سببا، وإنما كنت ~~كغيري من الناس أقدر أن هذه الحياة القوية التي تنبعث منها حياة قوية إلى أمة بأسرها ~~سيمتد أمامها الدهر، وستصل بها الأيام حتى تنتهي من غايتها إلى ما كانت تريد. # وكذلك نحن تعظنا الأيام فلا نتعظ، وتعلمنا الحوادث فلا نتعلم، وينبئنا كل شيء بأن ~~حياتنا غرور، وآمالنا عبث، وأمانينا لعب، فنأبى إلا أن نؤمن لأنفسنا بطول المدة، وبعد ~~الأمد، وقوة الأمل، وصدق الرجاء. # نؤمن لأنفسنا ولأصدقائنا بهذا كله، فإذا فاجأتنا الكارثة ودهمنا الخطب وجمنا، ~~وأخذنا الذهول، وانقطع منا كل سبب، فلم ندر ماذا نصنع، ولا كيف نقول. # وكذلك كنت حين وقع علي هذا النبأ في طرف من أطراف فرنسا، وقد تهيأت للعمل شديد ~~النشاط، مجتمع القوى، فما هي إلا أن أسمع ثروت ولفظ الموت حتى تنقطع الصلة بيني وبين ~~من حولي وما حولي، وحتى يأخذني شيء كالإغماء العقلي؛ لا أفكر، ولا أعي، ولا أشعر، ~~وإنما هما لفظان يترددان في نفسي ترددا متصلا: لفظ ثروت، ولفظ الموت. # ولقد تركته في مصر كأحسن ما عرفته قوة ونشاطا، وامتلاء بالحياة وابتسامتها، وأملا ~~فيها، وازدراء لأحداثها وكوارثها. # ولقد كنت أقدر أن أراه في مصر بعد الصيف كما تركته قبل الصيف، فما عرفته قط إلا كذلك ~~ممتلئا بالحياة، مبتسما لها، شديد الأمل في غد، قوي الازدراء لآلام أمس. # وهذه الصحف تنقل إلي الآن أنه مات في باريس. # وإذن فلن ألقاه، ولن أراه، ولن أسمع له، ولن أتحدث إليه، ولن أقصد إلى بيته إذا ~~انحدرت الشمس في المساء أو ارتفعت الشمس في الضحى، ولن أجلس إليه، ولن أقضي معه هذه ~~الساعات الحلوة التي كانت ترفه علي وتحبب إلي الحياة من حين ms57 إلى حين. # أنا غارق في هذه الحسرة، والناس من حولي يقرءون هذا النبأ ويرددون قراءته؛ يكذبونه ~~مرة، ويصدقونه مرة أخرى، ويلتمسون العلل والأسباب لتكذيبه وتصديقه، ويرون لو استطاعوا ~~أن أشترك معهم في هذا التكذيب والتصديق، وفي هذا النقد والتحليل، ولكن ما أنا وهذا ~~اللغو؟ لقد وصل إلى نفسي اسم ثروت ولفظ الموت. أوليس هذا يكفي لأن أعود إلى رشدي ~~وأخلص من غرور هذه الحياة، وأتبين مرة أخرى أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة لا ~~غناء فيها، ولا ثقة بها، ولا معتمد عليها؟! # لقد تبينت ذلك ولما أتجاوز الصبا، ولقد تبينت ذلك مرة ومرة ومرة، وكنت كلما ~~تبينته شديد الاستسلام له، شديد الزهد في الحياة والنفور منها، أمضي في ذلك أسابيع ثم ~~أشهرا، ثم تعمل الحياة عملها، ويستأنف الغرور بالدهر وما فيه بسط سلطانه على نفسي، ~~فأفكر في الحياة العاملة، ثم أبتسم لها، ثم أندفع إليها، وما أزال حتى تفاجأني كارثة ~~أخرى، فأتبين الغرور وأزهد في العيش. # وعلى هذا النحو أراد الله أن تكون حياتنا جميعا صراعا بين العبرة والفتنة، وأراد ~~الله أن نكون نحن موضوع هذا الصراع. # هذا اسم ثروت يتردد في نفسي، ويتردد معه لفظ الموت، وتعجز نفسي عن أن تلائم بين هذين ~~اللفظين، وعن أن تحقق هذه الجملة التي تنبئها بأن ثروت قد مات. # ومهما أنكر ومهما أعجز عن الملاءمة والتحقيق، ومهما أتردد بين الشك واليقين، ومهما ~~أضطرب بين التصديق والتكذيب، فهذان اللفظان يترددان في نفسي ترددا متصلا، يقطعها ~~تقطيعا ويفرقها تفريقا، وهذه الساعات يمضي بعضها إثر بعض، وهذه صحف المساء قد جاءت ~~بعد صحف الصباح تصدق الخبر وتثبته، وترثي ثروت وتؤبنه، فليس من شك إذن في أن القضاء ~~قد لاءم بين ثروت وبين الموت، وحقق ما لا تستطيع نفسي أن تصدقه أو تحققه. # وتضيق بي نفسي، وتضيق بي غرفة الفندق الذي أنا فيه، وأخرج هائما لا أدري إلى أين ~~أذهب، ولا أعرف ماذا أريد، وأنا أمشي على ساحل البحر لا أكاد أسمع اصطخاب أمواجه، ولا ~~أكاد أحس ms58 هذه الريح التي تعصف من حولي؛ لأني مغرق فيما أنا فيه من التفكير في ثروت ~~وفي الموت، ومن تعويد نفسي أن تواجه الحقيقة وتثبت لها، وتعرف أن ثروت قد مات. # وليس من اليسير مواجهة هذه الحقائق إذا كان لهذا الرجل في نفسك مكانة الشقيق الوفي، ~~الذي اتصلت أسبابك بأسبابه، وبلوته في الخير والشر، وأنست إليه حتى أصبح الأنس ~~إليه جزءا من حياتك. # نعم، ليس هذا يسيرا، وإنما تقف أمامه موقف من يشهد الجراح يبتر عضوا من أعضائه ~~دون أن يستطيع له وقفا، أو يجد سبيلا إلى اتقاء الألم والفرار منه. # لله قلوب الأصدقاء ونفوسهم حين يفجعها الموت في الأصدقاء! هي أزهار نضرة غضة تستقبل ~~الحياة والضوء في جمال وبهجة. # ولكن هذه اليد القاسية يد القضاء تمتد إليها من حين إلى حين في غير رفق ولا لين، ~~فتنتزع منها ورقة ثم ورقة ... وهي كلما انتزعت منها بعض أوراقها انكمشت وتضاءلت، وسرى ~~فيها الذبول والفناء، حيث كان يسري فيها الرواء والماء، وما تزال يد القدر تتبعها فتنزع ~~أوراقها، وما يزال الذبول يتمشى فيها حتى تجف وتيبس، وتصبح هشيما مستعدا لأن ~~تذروه الريح متى عصفت به، وهي عاصفة به من غير شك حين تدنو هذه الساعة التي لا يفلت ~~منها حي، ولا ينجو منها إنسان. # نعم، لله قلوب الأصدقاء ونفوسهم! فهي على هذا كله قبور حية، وهل تظن أنا نفقد ~~أصدقاءنا حقا؟ وهل تظن أنا نحيا بعدهم ونستطيع أن نعيش بدونهم حقا؟ كلا، إنما ~~نفقد الاتصال بأشخاصهم التي تتحرك وتفكر كما نفكر، وتحيا كما نحيا، نفقد العمل معهم، ~~ولكنا لا نفقد جوارهم، والاتصال بنفوسهم. # إن الذي يدفن بعد الموت ويحتويه الثرى ليس شيئا إلى جانب هذا الشخص القوي الحي ~~الذي تدفنه في قلبك، وتحتفظ به في حياتك الداخلية الخاصة، تناجيه، وتفكر فيه، وتقدم ~~إليه من ألوان المودة والتحيات من آن إلى آن ما يلائم مكانته في نفسك. نعم، ليس هذا ~~الجسم الذي يواريه التراب، والذي يستحيل إلى تراب، شيئا إلى هذه النفس التي ms59 تواريها ~~نفسك، والتي تستحيل إلى قطعة من نفسك، والتي تحيا معك لا تفارقك أو تفارقك ~~الحياة. # لله قلوب الأصدقاء ونفوسهم، فهي قبور حية، ولكنها لا تحتوي الموتى، وإنما تحتوي ~~نفوسا حية، لها حسها وشعورها، ولها عقلها وتفكيرها . # لقد فقدت فلانا وفلانا من الأصدقاء، فأقسم ما فقدت منهم إلا أشخاصهم المادية، ولكن ~~نفوسهم وصورهم المعنوية ملازمة، أراها في كل يوم يقظان ونائما، وأناجيها في كل يوم. ~~وإذا كان للموت أثر في هذه النفوس والصور فإنما هو تصفيتها وتخليصها من أعراض الحياة ~~الدنيا وأدرانها، وتحويلها إلى صور مطهرة نقية، ليس فيها إلا الخير والبر والمودة ~~والوفاء. # الآن أستطيع في مشقة أن ألائم بين اسم «ثروت» ولفظ الموت، وأن أحقق في نفسي هذه ~~الجملة: «ألا إن ثروت قد مات!» نعم لن ألقاه، ولن أراه، ولن أسمع له، ولن أتحدث إليه؛ ~~لأنه في نفسي، فهو معي أبدا، وأنا أسمع له أبدا، وأتحدث إليه أبدا، ولا أجد إلى ~~الانصراف عن حديثه وحبه ومودته سبيلا. # وأنا أستطيع أن أصعد إلى هذه السفينة التي أعرف أنها تقل رفاته في شيء من الجزع وفي ~~شيء الغبطة أيضا؛ فقد أتيح لي أن أشيع شخصه تشييعا فيه بعض الطول، وأن أقطع معه من ~~آماد الحياة مسافة غير قصيرة، أتيح لي أن أعبر البحر معه، فأنا جزع لأني لا أستطيع أن ~~أسمع صوته العذب، ولا أن أعي كلامه العذب، ولا أن أسيغ نفسه الحلوة، ولا أن أتذوق ~~أخلاقه الرضية، وأنا مع ذلك مغتبط؛ لأني أرافق شخصه على كل حال، ولأني أحس أن هذه ~~السفينة تصل بيني وبين ما بقي منه. غريب هذا الشعور بالجزع تخالطه الغبطة، وباليأس ~~تمازجه الطمأنينة! غريب هذا الشعور الذي لم يفارقني طوال أيام السفينة ولياليها! ~~وكثيرة هذه الخواطر التي كانت تزدحم على نفسي في النهار والليل فتقطع الصلة بيني وبين ~~الحياة ومن فيها أكثر الوقت. # نعم! لقد مات ثروت ... والناس يقولون إن موته كارثة آلمت مصر كثيرا فأفقدتها كثيرا، ~~وأنا أعلم ذلك وأقدره. # والناس يتحدثون فيما عمل ms60 ثروت لمصر، وأنا أعرف ذلك وأقدره. # والناس يتحدثون أيضا في مصير مصر بعد ثروت، وأنا أفكر في ذلك أحيانا وأجزع له، ~~ولكني أثر مسرف في الأثرة، وأنا أزعم أن الأصدقاء جميعا أثرون مسرفون في ~~الأثرة، فأنا لا أفكر كثيرا في ثروت السياسي، ولا في ثروت الزعيم، وإنما أفكر دائما ~~في ثروت الصديق، فخسارة الأصدقاء لا سبيل إلى تعويضها، وفقد الأصدقاء لا عزاء عنه، ~~بينما خسارة السياسيين والزعماء شيء مهما يكن شديد الوقع فإلى العزاء عنه سبيل، تعيش ~~الأمم قبل الزعماء، وتعيش الأمم بعد الزعماء، وقلما تقدر الأمم زعماءها، وقلما تعرف ~~لهم حقهم عليها. وهل قدرت مصر ثروت حيا؟ وهل عرفت مصر لثروت حقه حيا؟ ولكن الصديق ~~لا يستطيع أن يعيش حقا إذا فقد الصديق. هو لا يفقد منفعة ولا غرضا من أغراض الحياة، ~~وإنما يفقد جزءا من نفسه وقطعة من قلبه. # أنا أرثي لمصر من رزئها في ثروت، ولكني أشد رثاء لنفسي ولأصدقاء ثروت من رزئنا ~~فيه. وهل مات ثروت حقا؟ هل فقدته مصر؟ كلا؛ فلن تراه يذهب ويجيء، ولن تراه يدافع ~~الإنجليز عن حقها، ولن تراه يذود عن حريتها الداخلية، ولكن ثروت كغيره من عظماء الرجال ~~حقا لم يمت ولا يمكن أن يموت، لا لأن آثاره باقية خالدة، بل لأنه كان صاحب رأي وفكرة، ~~ولأنه صاحب نفس وروح، ولأنه استطاع أن يقنع برأيه وفكرته قوما هم خلفاؤه، واستطاع أن ~~يبث فيهم نفسه وروحه، فسيعملون كما كان يعمل، وسيجدون كما كان يجد، وسيضحون كما ~~كان يضحي، وسيشقون كما كان يشقى، وسيجزون على حسن البلاء بالعقوق كما كان يجزى على حسن ~~البلاء بالعقوق، وسيتمون الاستقلال الذي كسبه ثروت، وسيثبتون الدستور الذي وضعه ~~ثروت. # فثروت لم يمت، وثروت لا يمكن أن يموت إذا نظرت إليه من حيث هو سياسي، ومن حيث هو ~~زعيم، ولكن أسرة ثروت وأصدقاء ثروت هم الذين فقدوه، وهم أحق الناس بالرثاء، وهم الذين ~~لن يجدوا إلى العزاء عنه سبيلا؛ في نفوسهم صورته المطهرة ماثلة قوية، تلازمهم ولا ~~تفارقهم، ms61 ولكنها صورته وليست شخصه، في قلوبهم ذكراه قوية حلوة شديدة الأثر متمكنة في ~~مكانها، ولكنها الذكرى ليس غير. # سيسمعون صوته، ولكن في نفوسهم، سيرون شخصه، ولكن في نفوسهم، سيتحدثون إليه، ~~سيحاورونه، ولكن في نفوسهم. # في هذا بعض العزاء، ولكن هذا ليس كل شيء، لله ابن ثروت، يتردد في السفينة بين أمه ~~البائسة قد تفطر قلبها وتصدعت نفسها، وبين مواطنيه المكتئبين لا يعرفون كيف يلقونه، ~~ولا يعرفون كيف يهونون عليه الخطب؛ لأنهم لا يعرفون كيف يهونون الخطب على ~~أنفسهم. # وهو بين تلك وهؤلاء فرق النفس، مفطور القلب، معقود اللسان، لا يأنس إلى شيء، ولا ~~يأنس إليه شيء. # ولله زوج ثروت، سجينة في غرفتها على السفينة، ومعها رفيقتها البرة، لا تستطيع لها ~~تسلية ولا تعزية، منحدرة الدمع حتى لا تجد في عينيها دمعا، مؤرقة الليل لا تأوي إلى ~~مضجع، منغصة النهار، لا تطمئن إلى شيء ولا إلى أحد. # ولله أصدقاء ثروت في السفينة، قد عجزوا عن كل شيء حتى عن تعزية أنفسهم، وهم يذهبون ~~ويجيئون بين جماعات المسافرين الذين لا يعرفون أن جلال الموت يرفرف على هذه السفينة، ~~فهم فيما هم فيه من لهو ولعب، واغتباط بالحياة وابتسام لها، وإعجاب بالطبيعة، واستماع ~~للموسيقى، وفي ضروب السمر وألوان المجون. وأصدقاء ثروت يرون هذا ويتمثلون الحياة كما ~~هي، لاهية عمن يقبل عليها أو ينصرف عنها، ماضية في طريقها، لا تحفل بهذا ولا بذاك، ~~فلا تزيدهم هذه العبرة إلا زهدا في الحياة وازدراء لها، ولكنهم على هذا ضجرون محنقون، ~~يودون لو استطاعوا أن يسكتوا أنغام هذه الموسيقى، وأن يفرضوا على الناس الهدوء ~~والرفق، في حركاتهم وأحاديثهم، حتى لا يحسوا إلا جلال الموت على السفينة، وجلال ~~البحر من حولها. # والسفينة تمضي وهذه الخواطر تزدحم في نفسي، ونحن ندنو من مصر، ونحن نتحدث إلى أنفسنا ~~عما أعدت مصر لاستقبال ثروت، وقد تركها حيا قويا نشيطا فعاد إليها جثة هامدة ~~... # لله أسرة ثروت حين رست السفينة، وحين صعدت هي إلى هذه السفينة مضناة مخلوعة الأفئدة، ~~مفرقة بين رفات ms62 من مات وبين هذه الزوج الثكلى. # نعم، ولله أهل السفينة جميعا حين عرفوا من الأمر ما لم يكونوا يعرفون، وحين ازدحموا ~~على ظهر السفينة ينظرون في دهش وحزن، وإن منهم لمن يأسف على ابتسامة، وإن منهم لمن يلوم ~~نفسه؛ لأنه استمتع بالحياة والموت مرفرف على السفينة، وفي السفينة أشقياء بالحياة، ~~وإنهم جميعا لينظرون وقد أخذتهم الهيبة، وتسلطت على نفوسهم رهبة الموت ومقام ~~الميت. # ولله هذه الطفلة لم تعد العاشرة من عمرها، وقد نظرت فرأت نعش ثروت محمولا يهبط ~~من السفينة، فأجهشت بالبكاء دون أن تعرف لم تبكي ومن تبكي؟ # ولله أمها، ومسافرة أخرى إذ تنصرفان إليها تهدئان من روعها، وتلهيانها عن أن تتبع هذا ~~المنظر المؤلم. # ثم لله مصر كلها؛ إذ تستقبل عظيمها لا لتحتفل به، ولا لتلجأ إليه، ولا لتتخذه رداء ~~تتقي به الشر والكيد، ولكن لتشيعه إلى حيث أراد الله أن يستقر إلى آخر الدهر. # 20 # وها نحن أولاء يا بني قد أبنا إلى مصر، واستقر بنا المقام في منزلنا الصغير ~~الهادئ من هليوبوليس، فلم تكد تبلغ الدار حتى هششت لها، واندفعت إليها فرحا مرحا، ~~يملؤك الجذل، وتشرق في وجهك البهجة والسرور، وتأبى أن تصعد معنا إلى حيث تزيل عنك وعثاء ~~هذا السفر الطويل حتى تدور في الحديقة دورة أو دورتين، لترى هل نما الشجر وأورق، وهل ~~ازدهى الزهر وتألق منذ فارقت هذه الدار، حتى إذا بلغت من ذلك ما تريد، فوجدت شيئا، ~~وفقدت أشياء، وأحسست رضا، وأحسست سخطا، صعدت فلم تلتفت إلينا، ولم تسأل عما نحن فيه، ~~وإنما أسرعت إلى حجرتك لتريح هذا الدب الذي رافقك في رحلتك، فعبر معك البحر، وطوف ~~معك في آفاق فرنسا، وزار معك بلاد الإنجليز، وعاد معك إلى مصر. # وأنت لا تشك في أنه قد وجد من اللذة في هذه الرحلة مثل ما وجدت، وفي أنه قد سعد بما ~~رأى من عيون وينابيع، وبما زار من متاحف وعمارات، وشقي بهذا العناء الذي يلقاه ~~المسافر إذا طال به السفر وألحت عليه آلامه. وأنت ms63 أب رحيم شفيق تعرف منه الجهد، وترى ~~عليه علامات الإعياء، وتريد أن ترفق به وتريحه قبل أن ترفق بنفسك وتريحها. # أتذكر يوم ذهبنا إلى فونتنبلو لنزور القصر، وكنت قد اصطحبت دبك هذا، فلما بلغنا ~~المحطة تقدمت إليك أمك في أن تدعه مع ما كان معنا من متاع، حتى لا يشق عليك، ولا ~~يصرفك عن جمال القصر وما فيه، فأذعنت كارها، ولكنك أظهرت تجلدا واحتمالا لهذا ~~الفراق، حتى إذا مضينا وبعدنا عن المحطة أجهشت بالبكاء وأغرقت فيه، فلما سألناك عما ~~يبكيك أجبت أن الدب لن يرى القصر، فعدنا أدراجنا وزار الدب معك هذا الأثر ~~العظيم. # ها أنت ذا قد أضجعته في سريرك، وأحطته بما يسع قلبك الصغير القوي من حب وبر وحنان، ثم ~~أقبلت علينا تشاركنا فيما نحن فيه من عمل وحديث. # أنت راض عن هذه الرحلة، مغتبط بما لقيت فيها من خير، وقد نسيت ما احتملت فيها من ~~مشقة، وستنسى مع الزمن ما سرك وأرضاك كما نسيت الآن ما ساءك وأحزنك، ذلك أن نفسك ~~ستنمو، وأن صحفا جديدة غنية شديدة الغنى، مختلفة كثيرة الاختلاف، ستضاف إلى هذه ~~الصحف القليلة الساذجة التي سطرتها الحياة في ضميرك النقي الطاهر. # سينسيك الصبا أحداث الطفولة، وسينسيك الشباب أحداث الصبا، وسيلهيك جد الحياة عن عبث ~~الشباب، وستحاول يومئذ - كما نحاول نحن الآن - أن تلتمس من نعيم حياتك الأولى ما ~~يهون عليك احتمال حياة الرجال، فتسعفك الذاكرة حينا وتعجز عن إسعافك في أكثر ~~الأحيان، هنالك خذ هذه الصحف التي أهديها إليك، واقرأها وانظر فيها، فستذكرك أنك عبرت ~~البحر، وزرت باريس وفونتنبلو، وطوفت في الألزاس، وأقمت في جيرارمير، والتمست العيون ~~والينابيع في جبال الفوج، وزرت نيس وأقمت فيها. وكم كنت أحب أن تذكرك هذه الصحف أنك ~~عبرت المانش، وزرت لوندرة، ونعمت بالحياة في أكسفورد، وأن ابتهاجك بما رأيت في بلاد ~~الإنجليز لم يكن أقل من ابتهاجك بما رأيت في فرنسا، ولكنك ستعلم حين تقرأ هذه الفصول أن ~~موت ثروت هو الذي حال بيني وبين تسجيل زيارتك هذه ms64 لبلاد الإنجليز. وكم كنت أحب أن تكون ~~هذه الفصول كلها فرحا ومرحا، وابتهاجا بالحياة وابتساما لها؛ لتكون صورة صادقة ~~لنفسك الحلوة في السابعة من عمرك، تنظر فيها إذا بلغت سن الجد والجهد والحزن، فتجد ~~فيها من الراحة ما يجد المسافر في الصحراء حين ينتهي به السفر إلى واحة خضراء فيها شجر ~~وماء، وفيها ظل ظليل ونسيم حلو، ولكني يا بني لم أستطع أن أصور نفسك، وإنما صورت نفسي ~~أنا، وما هي بالشيء الذي يحسن أن يهدى، وما هي بالشيء الذي يجد الناظر فيه راحة أو ~~نعيما! # وأنا على ذلك كله واثق بأنك ستقرأ هذه الفصول يوم تستطيع قراءتها، وستحبها لأني واثق ~~بأنك تحبني. أتذكر يوم كنا نعبث في جيرارمير وكنت أحدثك بحديث أنكرته لغرابته وإغراقه ~~في الخيال، فأبيت أن تصدقه أو تطمئن إليه، فألححت عليك في ذلك فلم يزدك الإلحاح إلا ~~إغراقا في الإنكار، وخاصمتك حينئذ، وأعلنت إليك أني لن أداعبك منذ اليوم ولن أتحدث ~~إليك إلا جادا. وأنت صلب الرأي كأبيك، لا تذعن للوعيد، ولا يخفيك النذير، فأعرضت ~~عنك وأعرضت عني، وقضينا في ذلك يوما وبعض يوم، لم أقل لك شيئا ولم تقل لي شيئا، ~~ولكن أختك أقبلت محزونة فأنبأت أمها بأنك ضيق بإعراضي عنك، لا تنشط للعب لأني لا ~~أداعبك ولا أدعوك باسمك الذي كنا نحب أن ندعوك به، فتوسطت حينئذ أمك فأصلحت بيننا، ~~وأعادت إلى ثغرك الابتسام، وأعادتك إلى ما كنت تحب من لعب ومرح. # سل أمك يا بني فستنبئك بأني لم أكن أقل منك شقاء بهذا الإعراض، وبأني كنت أشكو ~~إليها بينما كنت تشكو أنت إلى أختك. أتذكر هذه القصة؟ إنها تصور ما بينك وبيني من ~~حب، قد علمك أن تقبل مني كلما كنت أتحدث به إليك بما فيه من خيال وما فيه من إحالة، لقد ~~تعودت ألا تراني إلا باسما لك، ولكنك ستنمو وترى أن ابتسام الآباء لأبنائهم الصغار ~~كثيرا ما يخفي اكتئابا وحزنا، وسترى في هذه الفصول نفسي يا بني، فتعلم أن ما كنت ms65 ~~أمنحك من ابتسام ورضا، وما كنت آتي معك من ضروب اللعب والدعابة، لم يكن خالصا ~~كابتسامك ورضاك، ولا صفوا كلعبك ودعابتك، وإنما كان يخفي من ورائه حزنا واكتئابا ما ~~كان لك أن تراهما صبيا، وما ينبغي لك أن تجهلهما رجلا. وما أسعد الأب حين يثق بأن ~~ابنه يحبه محزونا مظلم النفس، كما يحبه مسرورا مشرق الفؤاد! # هلم يا بني لنطوي الآن حديث السفر والصيف، ولنستقبل الخريف وأحاديثه، فإن للخريف ~~حديثا آخر، سيتحدث إليك عن المدرسة والأساتذة والرفاق، وسيتحدث إلى أبيك عن الجامعة ~~والطلاب والزملاء والأدب العربي القديم. # سبتمبر سنة 1928 ms66