######OpenITI# #META# URI: 1392TahaHusayn.FitnaKubra2CaliWaBanuhu.Hindawi46307961 #META# Tags: history #META# ID: 46307961 #META# Title: الفتنة الكبرى (الجزء الثاني): علي وبنوه #META# AuthorID: 59624258 #META# Author: طه حسين #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # الفصل العشرون‏ # الفصل الحادي والعشرون‏ # الفصل الثاني والعشرون‏ # الفصل الثالث والعشرون‏ # الفصل الرابع والعشرون‏ # الفصل الخامس والعشرون‏ # الفصل السادس والعشرون‏ # الفصل السابع والعشرون‏ # الفصل الثامن والعشرون‏ # الفصل التاسع والعشرون‏ # الفصل الثلاثون‏ # الفصل الحادي والثلاثون‏ # الفصل الثاني والثلاثون‏ # الفصل الثالث والثلاثون‏ # الفصل الرابع والثلاثون‏ # الفصل الخامس والثلاثون‏ # الفصل السادس والثلاثون‏ # الفصل السابع والثلاثون‏ # الفصل الثامن والثلاثون‏ # الفصل التاسع والثلاثون‏ # الفصل الأربعون‏ # الفصل الحادي والأربعون‏ # الفصل الثاني والأربعون‏ # الفصل الثالث والأربعون‏ # الفصل الرابع والأربعون‏ # الفصل الخامس والأربعون‏ # الفصل السادس والأربعون‏ # الفصل السابع والأربعون‏ # الفصل الثامن والأربعون‏ # الفصل التاسع والأربعون‏ # الفصل الخمسون‏ # الفصل الحادي والخمسون‏ # الفصل الثاني والخمسون‏ # الفصل الثالث والخمسون‏ # الفصل الرابع والخمسون‏ # الفصل الخامس والخمسون‏ # الفصل السادس والخمسون‏ # الفصل السابع والخمسون‏ # الفصل الثامن والخمسون‏ # المراجع‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # الفصل العشرون‏ # الفصل الحادي والعشرون‏ # الفصل الثاني والعشرون‏ # الفصل الثالث والعشرون‏ # الفصل الرابع والعشرون‏ # الفصل الخامس والعشرون‏ # الفصل السادس والعشرون‏ # الفصل السابع والعشرون‏ # الفصل الثامن والعشرون‏ # الفصل التاسع والعشرون‏ # الفصل الثلاثون‏ # الفصل الحادي والثلاثون‏ # الفصل الثاني والثلاثون‏ # الفصل الثالث والثلاثون‏ # الفصل الرابع والثلاثون‏ # الفصل الخامس والثلاثون‏ # الفصل السادس والثلاثون‏ # الفصل السابع والثلاثون‏ # الفصل الثامن والثلاثون‏ # الفصل التاسع والثلاثون‏ # الفصل الأربعون‏ # الفصل الحادي والأربعون‏ # الفصل الثاني والأربعون‏ # الفصل الثالث والأربعون‏ # الفصل الرابع والأربعون‏ # الفصل الخامس والأربعون‏ # الفصل السادس والأربعون‏ # الفصل السابع والأربعون‏ # الفصل الثامن والأربعون‏ # الفصل التاسع والأربعون‏ # الفصل الخمسون‏ # الفصل الحادي والخمسون ms001 ‏ # الفصل الثاني والخمسون‏ # الفصل الثالث والخمسون‏ # الفصل الرابع والخمسون‏ # الفصل الخامس والخمسون‏ # الفصل السادس والخمسون‏ # الفصل السابع والخمسون‏ # الفصل الثامن والخمسون‏ # المراجع‏ # | الفتنة الكبرى (الجزء الثاني) # | الفتنة الكبرى (الجزء الثاني) # | علي وبنوه # تأليف # طه حسين # | الفصل الأول # واجه المسلمون إثر قتل عثمان - رحمه الله - مشكلتين من أخطر ما عرض لهم من المشكلات منذ ~~خلافة أبي بكر، إحداهما تتصل بالخلافة نفسها، والأخرى تتصل بإقرار النظام وإنفاذ أمر الله ~~فيمن قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض. # فقد أمسى المسلمون يوم قتل عثمان وليس لهم إمام يدبر لهم أمورهم ويحفظ عليهم نظامهم، ~~وينفذ فيهم سلطانهم، ويقيم فيهم حدود الله، ويرعى بعد هذا كله أمور هذه الدولة الضخمة التي ~~أقامها أبو بكر وعمر، وزادها عثمان سعة في الشرق والغرب. # فهذه البلاد التي فتحت عليهم ولم يستقر فيها سلطانهم بعد كانت في حاجة إلى من يضبط ~~أمرها ويحكم نظامها ويبعد حدودها التي لم تكن تثبت إلا لتتغير؛ لاتصال الفتح منذ نهض أبو ~~بكر بالأمر إلى أن كانت الفتنة وشغل المسلمون بها أو شغل فريق من المسلمين بها عن ~~الفتوح. # وكانت للمسلمين جيوش مرابطة في الثغور تقف اليوم لتمضي غدا إلى الأمام، وهذه الجيوش لم ~~تكن مشغولة بالفتح وحده وإنما كانت مشغولة كذلك بإقرار النظام فيما فتح عليها من الأرض، ~~وتثبيت السلطان الجديد على أنقاض السلطان القديم، واستحداث نظم في الإدارة تلائم مزاج ~~الفاتحين، واستبقاء نظم في الإدارة أيضا تلائم مزاج المغلوبين، وهذه الجيوش كانت محتاجة ~~إلى من يمدها بالجند والعتاد، ويرسم لها الخطط، ويدبر لها من الأمر ما تحتاج إلى ~~تدبيره. # وواضح أن الذين قتلوا عثمان لم يكونوا هم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان نفسه من ~~المهاجرين والأنصار، وإنما كانوا شراذم من الجيوش المرابطة في ثغور البصرة والكوفة ومصر ~~ومن ثاب إليهم من الأعراب ومن أعانهم من أبناء المهاجرين، وكانت الجلة من أصحاب النبي ~~المهاجرين والأنصار قد وقفت مواقف ثلاثة مختلفة من هذه الفتنة: فأما كثرتهم فكانت ترى ~~وتنكر وتهم بالإصلاح فلا ms002 تجد إليه سبيلا فتسكت عن عجز وقصور لا عن تهاون وتقصير، وأما ~~فريق منهم فقد شبهت عليهم الأمور فآثروا العافية والتزموا الحيدة واعتزلوا الفتنة، وكانت ~~قد وقعت إليهم أحاديث عن النبي تخوف من الفتنة وتأمر باجتنابها، فلزم بعضهم البيوت، وترك ~~بعضهم المدينة مجانبا للناس فارا بدينه إلى الله. # وفريق ثالث لم يذعنوا للعجز ولم يؤثروا الحيدة والاعتزال، وإنما سعوا بين عثمان وخصومه، ~~بعضهم ينصح للخليفة ويحاول الإصلاح بينه وبين الثائرين، وبعضهم ينقم من الخليفة فيحرض ~~عليه ويغري به، أو يقف موقفا أقل ما يوصف به أنه لم يكن موقف المخذل للثائرين أو المنكر ~~عليهم. # فلما قتل عثمان استرجع أكثر الصحابة لأنهم لم يستطيعوا أن ينصروه، وفكروا في غد، ~~وأرادوا أن يستقبلوا أمورهم وتهيئوا لما يقبل عليهم من الأحداث، وأمعن المعتزلون في ~~اعتزالهم وحمدوا الله على أنهم لم يشاركوا في الإثم ولم يخبوا ولم يوضعوا في الفتنة، وأما ~~الآخرون فجعلوا يترقبون ما يصنع الناس، يفكرون في أنفسهم أو يفكرون فيمن يلوذون به من ~~الزعماء. # ولم يكن للمسلمين نظام مقرر مكتوب أو محفوظ يشغلون به منصب الخلافة حين يخلو، وإنما كانوا ~~يواجهون خلو هذا المنصب كما يستطيعون أن يواجهوه. # فأنت تعلم كيف بويع أبو بكر، وكيف رأى عمر أن بيعته كانت فلتة وقى الله المسلمين شرها، ~~وأنت تعلم أن عمر إنما بويع بعهد من أبي بكر إليه وإلى المسلمين، وقد قبل المسلمون عهد ~~أبي بكر لم ينكره ولم يجادل فيه منهم أحد. وقد هم نفر من المهاجرين أن يجادلوا أبا بكر ~~نفسه في هذا العهد فردهم عن هذا الجدال ردا قبلوه وأذعنوا له، وأنت تعلم أن عمر لم يعهد ~~إلى أحد وإنما جعل الأمر شورى بين أولئك النفر الستة من المهاجرين الذين مات النبي وهو ~~عنهم راض، فاختاروا من بينهم عثمان ولم يختلف عليه منهم أحد، ولم يعهد عثمان، ولو قد فعل ~~لما قبل الناس عهده لكثرة ما أنكروا عليه وعلى ولاته وبطانته من الأحداث، أضف إلى ذلك أن ~~الستة الذين عهد ms003 إليهم عمر بالشورى قد أصبحوا حين قتل عثمان أربعة، مات أحدهم عبد الرحمن ~~بن عوف في خلافة عثمان، وقتل ثانيهم وهو عثمان، فلم يبق منهم إلا سعد بن أبي وقاص ~~والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وعلي بن أبي طالب، وكان سعد قد اعتزل مع المعتزلين ~~وتجنب الفتنة فيمن تجنبها، فلم يبق إذن إلا هؤلاء الثلاثة: علي وطلحة ~~والزبير. # ثم أضف إلى ذلك أن كثيرا من أصحاب النبي الذين بايعوا الخلفاء الثلاثة لم يكونوا حاضرين ~~أمر الناس في المدينة، فريق منهم قضى نحبه مستشهدا في حروب الردة وفتوح الفرس والروم، ~~أو ميتا في فراشه، وفريق منهم رابطوا في الثغور مجاهدين ما أطاقوا الجهاد، مستقرين في ~~الأمصار الجديدة حين عجزوا عن الجهاد، فلم تكن جماعة المهاجرين والأنصار التي شهدت مقتل ~~عثمان في المدينة كجماعتهم تلك التي شهدت بيعة الخلفاء الثلاثة. # وكان الأمر مختلفا بين علي وطلحة والزبير ليس لهم موقف واحد من الخليفة المقتول ولا من ~~الظروف التي انتهت بقتله. # فأما علي فكان يخذل الناس عن الثورة والفتنة ما وجد إلى تخذيلهم عنهما سبيلا، وقد ~~سفر بينهم وبين عثمان، كما رأيت في الجزء الأول من هذا الكتاب وردهم عن المدينة، وسفر ~~بينهم وبينه مرة أخرى وأخذ لهم منه الرضى، وحاول حين استيأس من ردهم بعد أن احتلوا ~~المدينة على غرة من أهلها أن يقوم دون عثمان فلم يستطع، واجتهد في أن يوصل إليه الماء ~~العذب حين أدركه الظمأ لشدة الحصار. # وأما الزبير فلم ينشط في رد الثائرين نشاطا ملحوظا، ولم ينشط في تحريضهم نشاطا ~~ملحوظا أيضا، ولكنه ظل يترقب وهواه مع الثائرين، ولعله لم يكن يظن أن الأمر سيصير إلى ما ~~صار إليه. # وأما طلحة فلم يكن يخفي ميله إلى الثائرين ولا تحريضه لهم ولا إطماع فريق منهم في نفسه، ~~وكثيرا ما شكا منه عثمان في السر والجهر، والرواة يتحدثون بأنه استعان عليه بعلي نفسه، ~~وبأن عليا استجاب له فذهب إلى طلحة ورأى عنده جماعة ضخمة من الثائرين، وحاول أن ms004 يرده عن ~~خطته تلك فلم يستجب له طلحة فخرج علي من عنده وعمد إلى بيت المال فاستخرج ما فيه وجعل ~~يقسمه بين الناس، فتفرق أصحاب طلحة عنه ورضي عثمان بما فعل علي. # وزعم الرواة أن طلحة لما رأى ذلك أقبل حتى دخل على عثمان تائبا معتذرا، فقال له عثمان: ~~لم تجئ تائبا وإنما جئت مغلوبا، والله حسيبك يا طلحة. # ومهما يكن من شيء فقد قتل عثمان وهؤلاء الثلاثة في المدينة يرقبون ما يصنع الناس، وكان ~~الثائرون قد ملأوا المدينة خوفا ورعبا، فلم يكن دفن الخليفة المقتول إلا بليل وعلى ~~استخفاء شديد من الناس. # والرواة يختلفون في بيعة الإمام بعد قتل الخليفة، فقوم يقولون إن عليا بويع إثر قتل ~~عثمان مباشرة. وليس هذا بثبت، وإنما الثبت الملائم لطبيعة الثورة ولطبيعة هذه الفتنة ~~المشبهة أن المدينة ظلت أياما وليس للناس فيها خليفة وإنما يدبر أمورهم فيها الغافقى ~~أحد زعماء الثورة. # وقد وقع الثائرون بعد أن شفوا أنفسهم من الخليفة المقتول في حيرة حائرة، كانوا يعلمون أن ~~لا بد للناس من إمام ومن أن يبايع هذا الإمام في أسرع وقت ممكن قبل أن يستبد عمال ~~عثمان بما في أيديهم، ويرسل أقواهم معاوية جنده إلى المدينة ليخضعها لسلطانه ويعاقب ~~الثائرين على ما قدموا، وكانوا يعلمون أن أحدا منهم لا يستطيع أن ينهض بإمامة المسلمين ~~لأن أمر الإمامة إنما هو إلى المهاجرين والأنصار يبايعون بها من يختارون من قريش. # ثم كانت أهواؤهم بعد ذلك مختلفة: هوى أهل مصر مع علي، وهوى أهل الكوفة مع الزبير، ~~وهوى أهل البصرة مع طلحة. وقد جعل كل فريق منهم يختلف إلى صاحبه، وجعل الثلاثة يأبون عليهم ~~ويمتنعون من قبول الإمامة منهم، وكأن الثائرين استيقنوا آخر الأمر أنهم لن يستطيعوا وحدهم ~~أن يقيموا للناس إماما وأن لا بد أن يعينهم المهاجرون والأنصار على ذلك، يختارون أحد ~~هؤلاء الثلاثة ويلحون عليه، ويؤيدهم الثائرون في هذا الإلحاح وما يزالون به حتى ~~يرضى. # فجعلوا يدورون على أصحاب النبي يدعونهم - ملحين في الدعوة - إلى ms005 أن يختاروا لأمة محمد # صلى الله عليه وسلم # إماما، وقد رأى المهاجرون والأنصار أن لا بد مما ليس منه بد، وأدار كل منهم ~~الأمر بينه وبين نفسه، وبينه وبين من استطاع أن يلقى من أصحابه، فإذا هم يميلون إلى علي ~~ويؤثرونه على صحابيه. # وكذلك أقبلوا على علي يعرضون عليه الإمامة ويلحون عليه في قبولها، والثائرون يؤيدونهم في ~~ذلك. وحاول علي أن يمتنع فلم يجد إلى الامتناع سبيلا، وما يرده عن القبول وقد رفض ~~الخلافة حين قدمها إليه الثائرون، وهؤلاء المهاجرون والأنصار يعرضونها عليه ويريدون أن ~~يبايعوه كما بايعوا الخلفاء من قبله، فقد قبل الخلافة إذن وجلس للبيعة على منبر النبي كما ~~جلس الخلفاء من قبله، وأقبل الناس فبايعوه. # ولكن نفرا أبوا أن يبايعوا فلم يلح عليهم علي في البيعة ولم يأذن للثائرين في إكراههم ~~عليها، من هؤلاء النفر سعد بن أبي وقاص، وهو أحد أصحاب الشورى، أبى أن يبايع وقال ~~لعلي: ما عليك مني من بأس. فخلى علي بينه وبين ما أراد. # ومنهم عبد الله بن عمر، أبى أن يبايع وطلب إليه علي من يكفله لأن يلزم العافية ويفرغ ~~من أمر الناس، فأبى أن يقدم كفيلا، فقال له علي: ما علمتك إلا سيئ الخلق صغيرا ~~وكبيرا. ثم قال: خلوه وأنا كفيله. # وأبى البيعة قوم آخرون من هؤلاء الذين اعتزلوا الفتنة، فلم يرد علي أن يستكرههم ولا أن ~~يعرض لهم أحد بسوء، وامتنع طلحة والزبير عن البيعة فأكرههما الثائرون عليها، ولم يتركهما ~~علي وشأنهما كما ترك سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر وغيرهما من الذين اعتزلوا الفتنة، ~~فقد كان علي يعلم من أمرهما ما علم الثائرون، كان يعلم أن طلحة كان من أشد الناس على ~~الخليفة المقتول، وأنه كان يطمح إلى ولاية الأمر، وكان يعلم أن الزبير لم يأمر ولكنه لم ~~ينه، ولم يكن أقل من طلحة طموحا إلى ولاية الأمر؛ فلم يعفهما من البيعة ليستوثق ~~منهما بقدر ما كان يمكن أن يستوثق منهما. # وتمت البيعة لعلي في المدينة ms006 بعد مقتل عثمان بخمسة أيام في بعض الروايات، وبثمانية أيام ~~في بعضها الآخر، وظهر أن الأمور قد استقامت لعلي في الحجاز وفي ثغور الكوفة والبصرة ومصر، ~~وكان الذي يشغله ولا يريد أن يستقيم له هو أمر الشام؛ ذلك أن الشام لم يشترك في الثورة من ~~جهة، وكان حكمه إلى معاوية ابن عم عثمان من جهة أخرى، وسنرى بعد قليل سيرة علي في أمر الشام ~~ومعاوية. # ولكن المهم أن عليا قد أصبح إماما للمسلمين، بايعه من حضر المدينة من المهاجرين ~~والأنصار، وبايعه عن الثغور من حضر المدينة من الثائرين، فقد حلت إذن إحدى المشكلتين ~~الخطيرتين؛ مشكلة الخلافة والخليفة الجديد، أو ظهر لعلي ولكثرة الناس أنها قد حلت وأن ~~الأمر صائر بعد حلها إلى العافية والرضى والاستقرار. # ولم يكن بد من أن يعرض الإمام الجديد للمشكلة الثانية، وهي مشكلة هذا الإمام المقتول، ~~فقد كان ينبغي أن يظهر أمر الله وحكم الدين في قتل هذا الإمام وفي قاتليه، أقتل الإمام ~~ظالما؟ وإذن فلا ثأر له ولا قصاص من قاتليه، أم قتل الإمام مظلوما؟ وإذن فلا بد من أن ~~يثأر له الإمام الجديد وينفذ في قاتليه ما أمر الله به من القصاص. # فأما أصحاب النبي من المهاجرين والأنصار فكانوا يرون أنه قتل مظلوما، وأن ليس للإمام ~~بد من الثأر بدمه، وأن أمور الدين لا تستقيم إذا ضيعت الحقوق وأهدرت الدماء ولم تقم ~~الحدود. # هذا كله لو كان المقتول إنسانا من الناس ليس غير، فكيف وهو إمام الناس وخليفة المسلمين؟! ~~وكان المهاجرون والأنصار يقولون: ما يمنع الناس إن لم نقتص من قتلة عثمان أن يثوروا بكل ~~من سخطوا عليه من أئمتهم فيقتلوه؟ وقد تحدثوا في ذلك إلى علي فسمع منهم وأقرهم على ~~رأيهم، ولكنه صور لهم الأمر على حقيقته؛ فالسلطان قد انتقل إليه بحكم البيعة، ما في ذلك ~~شك، ولكنه ما زال في أيدي الثائرين بحكم الواقع من الأمر، فهم يحتلون المدينة احتلالا ~~عسكريا ويستطيعون أن يقضوا فيها وفي أهلها بما يشاءون، ولا قدرة للخليفة ms007 ولا لأصحاب ~~النبي عليهم؛ فالخير إذن في التمهل والأناة حتى تستقيم الأمور ويقوى سلطان الخليفة في ~~الأمر، ثم ينظر في القضية بعد ذلك فيجري الأمر فيها على ما قضى الله ورسوله في الكتاب ~~والسنة. # وقد رضي أصحاب النبي من علي بما رأى لهم، وأما الثائرون فكانوا يرون أنهم قتلوا الخليفة ~~ظالما؛ فليس له ثأر ولا ينبغي للإمام أن يقتل به أحدا. # ومع ذلك فقد هم علي أن يحقق مقتل عثمان، ولكنه لم يستطع أن يمضي في التحقيق إلى غايته، ~~ولهج قوم بأن محمد بن أبي بكر قد شارك في دم عثمان، ومحمد بن أبي بكر هو ابن خليفة رسول ~~الله وأخو أم المؤمنين عائشة، وهو ربيب علي نفسه، فقد كانت أمه عند علي، تزوجها بعد موت ~~أبي بكر، وقد سأل علي محمدا: أأنت قاتل عثمان؟ فأنكر، وأقرته نائلة بنت الفرافصة زوج ~~عثمان على إنكاره. # ولكن الثائرين لم يكادوا يحسون بدء علي في هذا التحقيق حتى أظهروا السخط والتضامن، ~~فصار علي إلى ما قدمنا من رأيه، وانتظر معه عامة الصحابة من أهل المدينة. # ولعلك تذكر أن عثمان نفسه قد واجه في أول خلافته مشكلة تشبه هذه المشكلة التي واجهها علي ~~أول ما ولي الأمر، فقد كان أول مشكل عرض لعثمان هو أمر عبيد الله بن عمر الذي قتل ~~الهرمزان متهما له بالتحريض على قتل أبيه، وقتله في غير تثبت وبغير قضاء ممن يملك ~~القضاء، وكان المسلمون قد انقسموا في أمر هذا الفتى، فريق يرى إقامة الحد عليه، ومنهم ~~علي، وفريق يكبر أن يبدأ عثمان خلافته بقتل ابن أمير المؤمنين عمر، وقد عفا عثمان لأن ~~الهرمزان لم يكن له ولي من ذوي عصبته يطالب بدمه، فكان الخليفة هو الولي، وكان يرى أن ~~من حقه أن يعفو، ولم يقبل علي وكثير من المسلمين في ذلك الوقت قضاء عثمان وإنما رأوه ظلما ~~وإهدارا للدم وتفريطا في حق الله، وكان علي يقول بعد خلافته: لئن ظفرت بهذا الفاسق ~~لأقتلنه بالهرمزان. # واجه عثمان إذن ابن خليفة ms008 من خلفاء المسلمين متهما بالقتل في غير حقه فعفا عنه، واختلف ~~الناس في هذا العفو. # وواجه علي ابن خليفة آخر من خلفاء المسلمين متهما بالقتل وبأي قتل! بقتل إمام من ~~أئمة المسلمين لا بقتل رجل غريب من المغلوبين المستأمنين، ولكن عليا لم يعف عن محمد بن ~~أبي بكر وإنما حقق أمره حتى استبان أنه لم يقتل عثمان ثم منعته الظروف من المضي في التحقيق ~~إلى غايته وإمضاء حكم الدين في القاتلين. # ومن الحق أن نلاحظ أن محمد بن أبي بكر لم يقتل عثمان بيده، ولكنه تسور الدار مع من ~~تسورها عليه، فقد كان له إذن في قتل عثمان شأن ضئيل أو خطير، ولكن الذين كان لهم شأن في هذه ~~الكارثة كانوا أكثر عددا وأقوى قوة وأشد بأسا من أن يقدر عليهم أو يقتص منهم الإمام ~~الجديد، ثم جرت الأمور بعد ذلك على نحو زاد قضية الخليفة المقتول عسرا وتعقيدا كما ~~سترى. # | الفصل الثاني # ولم يستقبل المسلمون خلافة علي بمثل ما استقبلوا به خلافة عثمان من رضى النفوس وابتهاج ~~القلوب واطمئنان الضمائر واتساع الأمل وانبساط الرجاء، وإنما استقبلوا خلافته في كثير من ~~الوجوم والقلق والإشفاق واضطراب النفوس واختلاط الأمر، لا لأن عليا كان خليقا أن يثير ~~في نفوسهم وقلوبهم شيئا من هذا، بل لأن ظروف حياتهم قد اضطرتهم إلى هذا كله اضطرارا؛ فقد ~~نهض عثمان بالأمر بعد خليفة قوي شديد صعب المراس أرهقهم من أمرهم عسرا بما كان يسلك بهم ~~إلى العدل من طريق وعرة خشنة لا يصبر على سلوكها إلا أولو العزم وأصحاب الجلد من الناس، ~~وقد صورنا لك فيما مضى من هذا الكتاب شدة عمر على المسلمين عامة في ذات الله، وقسوته على ~~قريش خاصة، يخاف عليهم الفتنة ويخاف منهم الفتنة أيضا، فلما نهض عثمان بأمر الناس أعطاهم ~~لينا بعد شدة وإسماحا بعد عنف وسعة بعد ضيق ورضاء بعد مشقة وجهد؛ فزاد في أعطياتهم ~~ويسر لهم أمرهم ما كان عسيرا حتى آثروه في أعوامه الأولى على عمر. # وأقبل علي ms009 بعد مقتل عثمان، فلم يوسع للناس في العطاء، ولم يمنحهم النوافل من المال ولم ~~ييسر لهم أمورهم، وإنما استأنف فيهم سيرة عمر من حيث انقطعت، ومضى بهم في طريقه من حيث ~~وقف. # وكان الناس بعد قتل عمر آمنين مطمئنين يشوب أمنهم واطمئنانهم شيء من الحزن على هذا الإمام ~~البر الذي اختطف من بينهم غيلة، لا عن ملأ من المهاجرين والأنصار، ولا عن ائتمار به من ~~أهل الثغور والأمصار، فكان قتله عنيفا يسيرا في وقت واحد، لم يصوره أحد بأبلغ مما ~~صوره به عمر نفسه حين تلقى الطعنة التي قتلته، ثم تولى وهو يتلو قول الله عز وجل: # وكان أمر الله قدرا مقدورا ~~. # كانت وفاة عمر إذن قدرا من القدر لم تتألب عليه جماعة ولم يأتمر به ملأ من المسلمين، ~~وإنما اغتاله مغتال غير ذي خطر، فساق إليه موتا لم يكن منه بد. # فأما مقتل عثمان فكان نتيجة ثورة جامحة وفتنة شبهت فيها على الناس أمورهم؛ إذ لم يكن ~~أحدهم يعرف أكان مقبلا أم مدبرا. وكان نتيجة خوف ملأ المدينة كلها أياما طوالا ثم ~~انتشر منها في أقطار الأرض فاضطربت له النفوس أشد الاضطراب، وجهز العمال جنودهم لا ~~ليرسلوها إلى حيث كان ينبغي أن ترسل من الثغور، ولكن ليرسلوها إلى عاصمة الدولة وقلبها ~~ليردوا إليها الأمن ويجلوا عنها الخوف وليستنقذوا الخليفة المحصور، فلم تبلغ الجنود قلب ~~الدولة ولا عاصمتها وإنما قتل الخليفة قبل ذلك، فعاد الجند إلى أمرائهم وتركوا المدينة ~~يملؤها الخوف والذعر ويسيطر عليها القلق والاضطراب. # وكان أمر الثورة قد بلغ أهل الموسم في حجهم، وقرأ عليهم عبد الله بن عباس كتاب عثمان ~~يبرئ فيه نفسه من الظلم والجور ويتهم فيه الثائرين به بالخلاف عن أمر الله والبغي على ~~خليفة الله، فقضى الناس مناسكهم خائفين، وعادوا إلى أمصارهم خائفين، يحملون الخوف معهم إلى ~~من أقام ولم يأت الموسم من الناس. # فليس غريبا إذن أن يستقبل المسلمون خلافة علي ووجوههم عابسة وقلوبهم خائفة ونفوسهم قلقة، ~~ويزيد في هذا العبوس والخوف والقلق ms010 أن الثائرين الذين قتلوا عثمان كانوا ما يزالون مقيمين ~~بالمدينة متسلطين عليها، حتى كأن الخليفة الجديد ومن بايعه من المهاجرين والأنصار لم ~~يكونوا في أيديهم إلا أسارى؛ وآية ذلك أن الخليفة لم يستطع أن يمضي في تحقيق ما أصاب عثمان ~~وما أصاب المسلمين من كارثة الفتنة لأنه لم يجد القدرة على هذا التحقيق. # وكان المسلمون من أهل المدينة يعرفون مكان العمال الذين أمرهم عثمان على الأمصار، ~~ويقدرون أنهم جميعا - أو أن بعضهم على الأقل - سينكرون الخلافة الجديدة ويجادلون الخليفة ~~في سلطانه غضبا لعثمان الذي ولاهم، وكانوا يخافون من هؤلاء العمال، بنوع خاص معاوية بن ~~أبي سفيان عامل عثمان على الشام، يعرفون قرابته من الخليفة المقتول ويعرفون طاعة أهل الشام ~~له لطول إقامته فيهم وإمرته عليهم منذ عهد عمر، وكانوا يعرفون مكانة معاوية من بني أمية، ~~ويعرفون الخصومة القديمة بين بني أمية وبني هاشم قبل أن يظهر الإسلام وحين انتقل النبي ~~وأصحابه بدينهم الجديد إلى المدينة، فقد أصبح أبو سفيان قائد قريش بعد أن قتل قادتها ~~وسادتها يوم بدر، وهو الذي أقبل بقريش يوم أحد فثأر لقتلى بدر من المشركين، وامرأته هند أم ~~معاوية هي التي أعتقت وحشيا أن قتل حمزة، فلما قتله أقبلت على ميدان الموقعة وبحثت عن ~~حمزة حتى وجدته بين القتلى فبقرت بطنه واستخرجت كبده فلاكتها. # وأبو سفيان هو الذي قاد قريشا يوم الخندق وألب العرب على النبي وأصحابه وأغرى اليهود ~~حتى نقضوا عهدهم مع النبي وأصحابه، وأبو سفيان هو الذي ظل يدبر مقاومة قريش للنبي ~~وكيدها له ومكرها به حتى كان عام الفتح، فأسلم حين لم يكن له من الإسلام بد. # ومهما يقل الناس في معاوية من أنه كان مقربا إلى النبي بعد إسلامه، ومن أنه كان من ~~كتاب الوحي، ومن أنه أخلص للإسلام بعد أن ثاب إليه ونصح للنبي وخلفائه الثلاثة، مهما يقل ~~الناس في معاوية من ذلك فقد كان معاوية هو ابن أبي سفيان قائد المشركين يوم أحد ويوم ~~الخندق، وهو ابن هند التي أغرت ms011 بحمزة حتى قتل ثم بقرت بطنه ولاكت كبده، وكادت تدفع النبي ~~نفسه إلى الجزع على عمه الكريم. # وكان المسلمون يسمون معاوية وأمثاله من الذين أسلموا بأخرة، ومن الذين عفا النبي عنهم ~~بعد الفتح بالطلقاء؛ لقول النبي لهم: «اذهبوا فأنتم الطلقاء.» # كان الناس يعرفون هذا كله ويقدرون أن الأمور لن تستقيم بين الخليفة الهاشمي والأمير ~~الأموي في يسر ولين، وكانوا كذلك يعرفون أن قريشا قد صرفت الخلافة عن بني هاشم بعد وفاة ~~النبي إيثارا للعافية وكراهة أن تجتمع النبوة والخلافة لهذا البطن من بطون قريش، وكانوا ~~يرون أن الله قد آثر بني هاشم بنبوة محمد # صلى الله عليه وسلم # فاختصها بخير كثير، وأن بني هاشم ينبغي ~~لهم أن يقنعوا بما آثرهم الله به من هذا الخير الضخم والفضل العظيم. # فكان الناس إذن لا يشفقون من فساد الأمر بين علي ومعاوية فحسب وإنما يشفقون من فساد الأمر ~~بين علي وبني هاشم من جهة وسائر قريش من جهة أخرى، فلم يكونوا إذن يستقبلون حياة قوامها ~~الأمن والعافية والسعة، وإنما كانوا يستقبلون حياة ملؤها القلق والخوف، ويشفقون أن تنتهي ~~بهم آخر الأمر إلى ضيق أي ضيق، وتورطهم في شر عظيم. # وكانوا ينظرون فيرون جماعة من خيار المهاجرين والأنصار قد آثروا العزلة وكرهوا أن يدخلوا ~~فيما دخل الناس فيه فاعتزلوا أمر عثمان واعتزلوا بيعة علي وأقاموا ينتظرون، وكانت الكثرة ~~الكثيرة من هؤلاء الناس من خيار المسلمين وأصلحهم وأحقهم بالإجلال والإكبار، فيهم سعد بن ~~أبي وقاص، أول من رمى بسهم في سبيل الله، وفاتح فارس، وأحد الذين مات النبي وهو عنهم راض، ~~وأحد الذين جعل عمر إليهم أمر الشورى. وفيهم عبد الله بن عمر الرجل الصالح الذي أحبه ~~المسلمون على اختلافهم أشد الحب؛ لفقهه في الدين وإيثاره للخير وبعده عن الطمع ونصحه ~~للمسلمين في غير رياء ولا مداهنة. # ثم رأى الناس طلحة والزبير يبايعان عن غير رضى ولا إقبال، فما يمنعهم - وهم يرون هذا كله ~~ويعلمون هذا كله ويقدرون هذا كله - أن تمتلئ قلوبهم خوفا ونفوسهم ms012 قلقا. # ومع ذلك فقد كان خليفتهم الجديد أجدر الناس بأن يملأ قلوبهم طمأنينة وضمائرهم رضى ونفوسهم ~~أملا، فهو ابن عم النبي، وأسبق الناس إلى الإسلام بعد خديجة، وأول من صلى مع النبي من ~~الرجال، وهو ربيب النبي قبل أن يظهر دعوته ويصدع بأمر الله، أحس النبي أن أبا طالب يلقى ~~ضيقا في حياته؛ فسعى في أعمامه ليعينوا الشيخ على النهوض بثقل أبنائه، فاحتملوا عنه أكثر ~~أبنائه وتركوا له عقيلا، كما أحب، وأخذ النبي عليا فكفله وقام على تنشئته وتربيته، فلما ~~آثره الله بالنبوة كان علي في كنفه لم يجاوز العاشرة من عمره إلا قليلا، فنستطيع أن نقول ~~إنه نشأ مع الإسلام، وكان النبي يحبه أشد الحب ويؤثره أعظم الإيثار، استخلفه حين هاجر على ~~ما كان عنده من ودائع حتى ردها إلى أصحابها، وأمره فنام في مضجعه ليلة ائتمرت قريش بقتله، ~~ثم هاجر حتى لحق بالنبي في المدينة فآخى النبي بينه وبين نفسه ثم زوجه ابنته فاطمة، ثم ~~شهد مع النبي مشاهده كلها، وكان صاحب رايته في أيام البأس، وقال النبي يوم خيبر: «لأعطين ~~الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله.» فلما أصبح دفع الراية إلى علي، ~~وقال النبي له حين استخلفه على المدينة يوم سار إلى غزوة تبوك: «أنت مني بمنزلة هارون من ~~موسى إلا أنه لا نبي بعدي.» وقال للمسلمين في طريقه إلى حجة الوداع: «من كنت مولاه فعلي ~~مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه.» وكان عمر رحمه الله يعرف لعلي علمه وفقهه، ~~ويقول: «إن عليا أقضانا.» وكان يفزع إليه في كل ما يعرض له من مشكلات الحكم، وقال حين ~~أوصى بالشورى: «لو ولوها الأجلح لحملهم على الجادة.» إلى فضائل كثيرة يعرفها له أصحاب ~~النبي على اختلافهم، ويعرفها له خيار المسلمين من التابعين، ويؤمن له بها أهل السنة كما ~~يؤمن له بها شيعته. # وسنرى حين نمضي في سيرته وحين نبين مواقفه من المشكلات الكثيرة التي عرضت له أنه كان ~~أهلا لكل هذه الفضائل ولأكثر منها ms013 ، وأنه كان أجدر الناس بأن يسير في المسلمين سيرة عمر ~~ويحملهم على طريقه ويبلغ بهم من الخير والنجح والفلاح مثل ما بلغ بهم عمر لو واتته ~~الظروف. # وكان عمر رحمه الله صاحب فراسة صادقة وحدس لا يكاد يخطئ حين قال: «لو ولوها الأجلح لحملهم ~~على الجادة.» كان يرى أن عليا أشبه الناس به في شدته في الحق وإذعانه للحق وغلظته على ~~الذين ينكرون الحق أو يضيقون به، ولكن القوم لم يولوا خلافتهم الأجلح بعد وفاة عمر، حين ~~كانت الدنيا مقبلة والنشاط قويا والإقدام قارحا والبصائر نافذة والأمور تجري بالمسلمين ~~على ما أحبوا، وإنما ولوا خلافتهم عثمان، فكان من أمره معهم وأمرهم معه ما كان، حتى إذا ~~فسدت الدنيا وانتشرت الأمور واضطرب حبل السلطان وظن بعض الناس ببعض أسوأ الظن وأضمر بعضهم ~~لبعض أعظم الكيد؛ هنالك فزعت كثرة منهم إلى علي فبايعته، واعتزلته طائفة لا يريدون به ~~بأسا، وأبت عليه طائفة أخرى لا تحبه ولا تريد أن تستقيم له طائعة. # ونظر الخليفة الجديد ونظر أصحابه معه فإذا هم يواجهون أمورا عظاما، وقد أحاطت بهم فتنة ~~مشبهة معماة إذا أخرج الرجل فيها يده لم يكد يراها. # أمام هذه الأمور العظام، وفي قلب هذه الفتنة المظلمة الغليظة وجد علي نفسه كأحسن ما يجد ~~الرجل نفسه، صدق إيمان بالله ونصحا للدين وقياما بالحق، واستقامة على الطريق المستقيمة، ~~لا ينحرف ولا يميل ولا يدهن من أمر الإسلام في قليل ولا كثير، وإنما يرى الحق فيمضي إليه ~~لا يلوي على شيء، ولا يحفل بالعاقبة ولا يعنيه أن يجد في آخر طريقه نجحا أو إخفاقا، ولا ~~أن يجد في آخر طريقه حياة أو موتا، وإنما يعنيه كل العناية أن يجد أثناء طريقه وفي آخرها ~~رضى ضميره ورضى الله. # | الفصل الثالث # وكان علي وعمه العباس يريان حين قبض رسول الله # صلى الله عليه وسلم # أن الخلافة حق لبني هاشم لا ~~ينبغي أن تصرف عنهم ولا أن يقوم بها أحد من دونهم، ولولا أن العباس أسلم بأخرة لفكر في ms014 ~~نفسه أن يرشح نفسه خليفة لابن أخيه فيتلقى عنه تراثه في القيام بشأن المسلمين، ولكنه ~~نظر في الأمر فرأى ابن أخيه عليا أحق منه بوراثة هذا السلطان؛ لأنه ربيب النبي وصاحب ~~السابقة في الإسلام وصاحب البلاء الحسن الممتاز في المشاهد كلها، ولأن النبي كان يدعوه أخاه ~~حتى قالت له أم أيمن ذات يوم مداعبة: «تدعوه أخاك وتزوجه ابنتك!» ولأن النبي قال له: ~~«أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي.» وقال للمسلمين يوما آخر: «من كنت ~~مولاه فعلي مولاه.» من أجل ذلك كله أقبل العباس بعد وفاة النبي على ابن أخيه فقال له: «ابسط ~~يدك أبايعك.» ولكن عليا أبى مخافة الفتنة، وذكره العباس بذلك بعد أعوام طوال. # وكان هناك رجل آخر من قريش أراد أن يبايع عليا بعد وفاة النبي لا حبا له ولا رضى به ~~ولا اعترافا بمكانته الخاصة من النبي بل عصبية لبني عبد مناف، وهذا الرجل هو أبو سفيان ~~زعيم قريش أثناء حربها للنبي ومقاومتها للإسلام، والذي لم يسلم إلا كارها حين رأى جيوش ~~المسلمين مطبقة على مكة فأدخله العباس على النبي فأسلم كرها لا طوعا، لم يتردد في ~~الاعتراف بأن لا إله إلا الله؛ لأنه لم ير بهذا الاعتراف بأسا، ولكنه حين طلب إليه أن ~~يشهد أن محمدا رسول الله قال: «أما هذه فإن في نفسي منها شيئا.» ولولا حث العباس له ~~وتخويفه القتل لما اعترف بهذه الشهادة التي كان في نفسه منها شيء، ولكنه أسلم على كل حال، ~~وعرف النبي له مكانته في قريش فجعل داره مثابة يأمن من أوى إليها من أهل مكة حين دخلها ~~الجيش، فهو إذن أحد هؤلاء الطلقاء الذين عفا النبي عنهم حين دخل مكة فاتحا منتصرا، ولم ~~يخطر له قط أن يكون خليفة للمسلمين، ولكنه رأى النبي من بني أبيه عبد مناف، ورأى عليا ~~أحق الناس بوراثة سلطانه، ورأى الخلافة تساق إلى رجل من بني تيم هو أبو بكر، وقدر أنها ~~ستساق بعد أبي بكر إلى رجل ms015 من بني عدي هو عمر، فآثر بني أبيه الأدنين على بني عمه، وقال ~~لعلي: «ابسط يدك أبايعك.» ولكن عليا أبى أن يستجيب له كما أبى أن يستجيب لعمه العباس، ولو ~~قد استجاب لهذين الشيخين لأثار بين المسلمين فتنة لم يكونوا في حاجة إليها، ولعلهم لم ~~يكونوا قادرين على احتمالها فضلا عن مقاومتها والخروج منها ظافرين. # فقد علمت ما كان من خلاف الأنصار في أمر البيعة حين قبض النبي، فكيف لو اختلفت قريش ~~نفسها؟! وقد علمت ما كان من ارتداد العرب في أول خلافة أبي بكر، فكيف لو اختلف الذين وفوا ~~للإسلام من قريش والأنصار؟! كان علي موفقا إذن كل التوفيق، ناصحا لله وللإسلام كل النصح ~~حين امتنع على هذين الشيخين فلم ينصب نفسه للخلافة ولم ينازعها أبا بكر وإنما بايعه كما ~~بايعه الناس وصبر نفسه على ما كانت تكره، وطابت نفسه للمسلمين بما كان يراه حقا له، وكأنه ~~قدر أن الأمر لن يعدوه بعد وفاة أبي بكر، وعذر المسلمين في استخلاف هذا الشيخ الذي أمره ~~النبي أثناء مرضه أن يصلي بالناس، على أنه لم يسرع إلى بيعة أبي بكر وإنما تلبث وقتا ~~غير قصير، ولعله وجد على أبي بكر كما وجدت عليه فاطمة رحمها الله؛ لأنه أبى أن يدفع إليها ~~ما طلبت من ميراث أبيها # صلى الله عليه وسلم # وروى لها قوله: «نحن معشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه ~~صدقة.» ولكنه على كل حال أقبل فبايع واعتذر عن تلبثه بأنه لم يرد أن يخرج من بيته حتى ~~يجمع القرآن، وقبل أبو بكر منه عذره. # وكان أبو بكر شيخا قد جاوز الستين من عمره قليلا، وكان علي ما يزال في نضرة شبابه قد ~~نيف على الثلاثين، فكان يرى أن المستقبل أمامه وأمام المسلمين فسيح، وأن حقه سيرد ~~إليه حين يختار الله لجواره هذا الشيخ الذي قدمه النبي لأمر من أمور الدين فقدمه ~~المسلمون لأمور الدنيا. # ولكن أبا بكر عهد بالخلافة إلى عمر، وقبل المسلمون عهده مجمعين على قبوله لم يمار فيه ms016 ~~منهم أحد، فاستبان لعلي يومئذ أن بينه وبين المهاجرين من قريش خلافا واضحا، فهو يرى لنفسه ~~الحق في الخلافة، والمهاجرون لا يرون له هذا الحق، وإنما يرونه واحدا منهم يجري عليه من ~~الأمر ما يجري عليهم. # فأما الأنصار فقد استيأسوا من الخلافة وطابت بها نفوسهم للمهاجرين من قريش يبايعون منهم ~~من ينصبونه للبيعة، وقد بايع علي ثاني الخلفاء كما بايع أولهم كراهية الفتنة وإيثارا ~~للعافية ونصحا للمسلمين، ولم يظهر مطالبة بما كان يراه حقا له بل لم يجمجم به، وإنما ~~صبر نفسه على مكروهها ونصح لعمر كما نصح لأبي بكر، فلما طعن عمر وجعل الخلافة في هؤلاء ~~الستة من أصحاب الشورى لم يشك علي في أن قريشا لا ترى رأيه ولا تؤمن له بحقه ورأى ألا ~~يدعو إلى نفسه وألا يستكره الناس على ما لا يريدون، ولو قد أراد أن يستكرههم لما وجد إلى ~~ذلك سبيلا، فلم تكن له فئة ينصرونه ولم يكن يأوي إلى ركن شديد، وإنما كان نفر يسير من خيار ~~المسلمين يرون رأيه ويجمجمون بالدعوة إليه، ولكنهم كانوا من المستضعفين الذي لم يقووا إلا ~~بالإسلام، ولم تكن لهم عصبية ولا قوة مادية، ومن هؤلاء الناس عمار بن ياسر والمقداد بن ~~الأسود. # وقد بايع علي عثمان كما بايع الشيخين وهو يرى أنه مغلوب على حقه، ولكنه على ذلك لم يتردد ~~في البيعة ولم يقصر في النصح للخليفة الثالث، كما لم يقصر في النصح للشيخين من قبله، ~~حتى كانت الخطوب التي صورناها في الجزء الأول من هذا الكتاب. # فكان طبيعيا إذن حين قتل عثمان أن يفكر علي في نفسه وفيم غلب عليه من حقه، ولكنه مع ~~ذلك لم يطلب الخلافة ولم ينصب نفسه للبيعة إلا حين استكره على ذلك استكراها، وحين هدده ~~بعض الذين ثاروا بعثمان بأن يبدءوا به فيلحقوه بصاحبه المقتول، وحين فزع إليه المهاجرون ~~والأنصار من أهل المدينة يلحون عليه في أن يتولى أمور المسلمين ليخرجهم من هذه الفتنة ~~المظلمة، ثم هو حين قبل البيعة لم يكره ms017 عليها أحدا من أصحاب النبي، وإنما قبل البيعة ممن ~~بايعه وترك من لم يرد أن يبايعه، ترك سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر، وأسامة بن زيد، ~~وترك جماعة من الأنصار على رأسهم محمد بن مسلمة، ولم يستثن إلا هذين الرجلين: طلحة ~~والزبير، خاف منهما الفتنة لموقفهما من عثمان والثائرين به، فرضي أن يستكرههما على البيعة، ~~فيما يقول أكثر المؤرخين. وأكاد أعتقد أنا أنهما لم يستكرها، كما زعما وكما زعم كثير من ~~الرواة، وإنما أقبلا على البيعة راضيين ثم بدا لهما بعد ذلك حين رأيا من الخليفة ما لم ~~يكونا ينتظران، كانا يقدران في أكبر الظن أن عليا محتاج إليهما أشد الاحتياج، لأحدهما قوة ~~في الكوفة ولأحدهما قوة في البصرة، وقد شارك أهل الكوفة وأهل البصرة في الثورة مشاركة ~~خطيرة، وكان الناس يظنون أنهم إنما شاركوا في هذه الثورة عن تحريض، أو على أقل تقدير عن رضى ~~من طلحة والزبير. # فكانا إذن يفكران في أن عليا سيعرف لهما مكانتهما وقوتهما وسلطانهما على حزبيهما من أهل ~~البصرة والكوفة وسيشركهما في أمره، وستكون الخلافة ثلاثية يتقاسمها هؤلاء النفر الثلاثة من ~~أصحاب الشورى: لعلي الحجاز ومصر وما وراءهما من بلاد العرب ومما فتح أو يفتح في شمال ~~إفريقيا، وللزبير البصرة وما يليها، ولطلحة الكوفة وما وراءها. وكانا يظنان أن هذه الخلافة ~~الثلاثية إن استقامت لهم كان أمر الشام يسيرا، ولكن عليا أبى عليهما ولاية هذين المصرين ~~وأراد أن يسير فيهما سيرة عمر فيحبسهما معه في المدينة كما كان عمر يحبس أعلام المهاجرين ~~من قبل، إلا أن عليا لم يعنف بهما كما كان عمر يعنف بمن يستأذنه في الخروج إلى الأقطار، ~~وإنما قال لهما في رفق رفيق: «أحب أن تكونا معي أتجمل بكما؛ فإني أستوحش لفراقكما.» هنالك ~~عرف الشيخان أن ظنهما لم يصدق وأن تقديرهما لم يكن صوابا، وأن عليا سيستأنف سيرة عمر من ~~حيث انقطعت يوم طعنه ذلك الغلام، وأن أمرهما معه في المدينة سيكون كأمرهما وكأمر غيرهما من ~~أعلام المهاجرين مع ms018 عمر، سيقيمان في المدينة وسيأخذان عطاءهما كل عام، ولن يلقيا من علي بعض ~~ما كان يمنحهما عثمان من الرفق والتسامح واللين، فلم يطالبا بالكوفة ولا بالبصرة، وإنما ~~سكتا على مضض ودبرا أمرهما في روية وأناة. # | الفصل الرابع # ولعلهما لم يعرضا عن المطالبة بالبصرة والكوفة إثر هذا الرد الرفيق الحازم الذي ~~تلقياه من علي، فقد يحدثنا البلاذري بأن المغيرة بن شعبة أشار على علي بأن يثبت ~~معاوية على الشام ويولي طلحة والزبير مصري العراق ليستقيم له الأمر، وأن عبد الله بن ~~عباس عارض هذا الرأي بأن البصرة والكوفة هما عين المال ومصدر الفيء، فإذا وليهما هذان ~~الشيخان ضيقا على الخليفة المقيم بالمدينة، وبأن ولاية معاوية للشام تضر عليا أكثر ~~مما تنفعه، فاستمع علي لرأي ابن عباس ولم يقبل مشورة المغيرة بن شعبة. # ولكن مؤرخين آخرين يروون القصة على غير هذا الوجه، فيقولون: إن المغيرة بن شعبة أراد أن ~~يمتحن عليا ليعلم علمه، فأشار عليه بأن يثبت عمال عثمان على أعمالهم - وفيهم معاوية - ~~عامه الأول حتى يستقيم له الناس وتأتيه طاعة الأقاليم ثم يغيرهم بعد ذلك كما يحب، فأبى ~~علي ذلك كراهة الادهان في دينه، ثم أقبل المغيرة من غده على علي فأنبأه بعدوله عن رأيه ~~الأول واقتناعه برأي علي، ودخل ابن عباس على علي فلقي المغيرة خارجا من عنده، وسأل ابن ~~عباس عليا عما قال له المغيرة فأنبأه برأييه اللذين أشار بهما عليه، فقال ابن عباس: لقد ~~نصحك أمس وغشك اليوم. ثم ألح ابن عباس على الخليفة في أن يثبت معاوية على الأقل ~~تقدير، ولكن عليا أبى عليه ذلك مخافة الادهان في الدين، وعرض عليه إمرة الشام، فاعتذر ~~ابن عباس. # ومهما يكن من اختلاف المؤرخين فليس من شك في أن عليا لم يكن يستطيع أن يستبقي عمال ~~عثمان، كان دينه يمنعه من ذلك لأنه طالما لام عثمان على تولية هؤلاء العمال، وطالما أنكر ~~على هؤلاء العمال سيرتهم في الناس، فلم يكن يستطيع أن يطالب بعزلهم أمس ويثبتهم على عملهم ~~اليوم، وتمنعه ms019 السياسة من هذا؛ فهؤلاء الثائرون الذين شبوا نار الفتنة وقتلوا عثمان لم ~~يكونوا يكتفون بتغيير الخليفة، وإنما كانوا يريدون تغيير السياسة كلها وتغيير العمال قبل كل ~~شيء، ولعلهم لم يكونوا يستثنون من هؤلاء العمال إلا أبا موسى الأشعري الذي اختاره أهل ~~الكوفة عاملا عليهم، وأقر عثمان اختيارهم إياه مبتغيا بذلك استصلاحهم وصدهم عن ~~الفتنة. # وعلى كل حال فقد كان اختيار العمال على الأقاليم أول شيء فكر فيه علي بعد أن فرغ من ~~بيعة أهل المدينة، وقد اختار عماله اختيارا حسنا: فأرسل إلى البصرة عثمان بن حنيف من ~~أعلام الأنصار، وأرسل أخاه سهل بن حنيف إلى الشام، وأرسل قيس بن سعد بن عبادة إلى مصر. ~~وهذا يدل على أنه أراد أن يرضي الأنصار بهذا الاختيار، فهو قد اختار منهم ثلاثة لهذه ~~الأمصار الخطيرة: البصرة، والشام، ومصر. # أما الكوفة فيروي بعض المؤرخين أنه اختار لها عمارة بن شهاب، ولكنه لقي في طريقه من أهل ~~الكوفة من رده إلى علي وأنذره بالموت إن لم يرجع وأنبأه بأن أهل الكوفة لا يرضون بغير ~~أميرهم أبي موسى، فرجع عمارة من حيث أتى، وأرسل أبو موسى إلى علي بيعته وبيعة أهل الكوفة، ~~واختار علي ابن عمه عبيد الله بن عباس عاملا على اليمن، فلما بلغها رحل عنها عامل ~~عثمان يعلى بن أمية، واحتمل ما كان عنده من المال ولحق بمكة، واختار علي لولاية مكة أول ~~الأمر رجلا من بني مخزوم هو خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة، ولكن أهل مكة أبوا أن ~~يبايعوه لعلي. ويقال: إن فتى من فتيانهم أخذ صحيفة علي، فمضغها، ثم رمى بها؛ فسقطت في سقاية ~~زمزم. ولمكة أمر خاص سنعرض له بعد قليل. # وقد سار عمال علي إلى أقاليمهم: فأما قيس بن سعد فدخل مصر في غير جهد، وأخذ البيعة لعلي ~~من عامة أهلها إلا فريقا اعتزلوا الناس وأووا إلى خربة يطلبون بثأر عثمان، ولكنهم لا ~~يقاتلون أحدا ولا يشقون عصا، وإنما ينتظرون له. وأما عثمان بن حنيف فدخل البصرة ولم ms020 يجد ~~من أهلها كيدا، وقد رحل عنها عامل عثمان عبد الله بن عامر وحمل ما استطاع حمله من المال ~~حتى أتى مكة فأقام فيها. # وأكاد أعتقد أن عليا لم يرسل إلى الكوفة أحدا على رغم ما قدمت من بعض الروايات، وإنما ~~أثبت أبا موسى لأنه كان رضى لأهل مصره، وذهب سهل بن حنيف إلى الشام فلم يكد يبلغ حدودها ~~حتى لقيته خيل لمعاوية، فلما سألوه: من يكون؟ أنبأهم بأنه الأمير، فقالوا له: إن كنت ~~أميرا من قبل عثمان فدونك إمرتك، وإن كنت أميرا من قبل غيره فارجع إلى من أرسلك. فرجع ~~سهل إلى علي، ولم يكد الناس يعلمون بمرجعه ذاك حتى أخذ منهم القلق كل مأخذ، عرفوا أن ~~معاوية محارب وأرادوا أن يعرفوا أمر علي، أيريد حربا أم يريد مسالمة وترقبا؟ ولكن ~~عليا لم يكن صاحب مسالمة في الحق، وكان يؤثر الصراحة في القول والعمل على التربص ~~والكيد، وهو مع ذلك لم يعجل معاوية وإنما أرسل إليه مسور بن مخرمة بكتاب منه يطلب إليه ~~فيه أن يبايع وأن يقبل إلى المدينة في أشراف أهل الشام، ولم يذكر في الكتاب أنه يوليه ~~ثغره. ويقال إنه أرسل إليه سبرة الجهني بكتابه ذاك، فلما قرأ معاوية الكتاب لم يجب إلى شيء ~~مما فيه وإنما آثر التربص والكيد، وجعل كلما تنجزه رسول علي جوابه يرد عليه بهذه ~~الأبيات: # أدم إدامة حصن أو خذا بيدي # حربا ضروسا تشب الجزل والضرما # في جاركم وابنكم إذ كان مقتله # شنعاء شيبت الأصداغ واللمما # أعيا المسود بها والسيدون فلم # يوجد لها غيرنا مولى ولا حكما # حتى إذا كان الشهر الثالث من مقتل عثمان دعا رجلا من بني عبس فدفع إليه طومارا مختوما ~~عنوانه: «من معاوية بن أبي سفيان إلى علي بن أبي طالب» وأمره إذا دخل المدينة أن يرفع ~~الطومار للناس حتى يقرءوا عنوانه ثم يدفعه بعد ذلك إلى علي، وأوصاه بما يقول لعلي إن حاوره ~~في بعض ما قدم فيه، وأقبل العبسي حتى دخل المدينة، فرفع الطومار حتى ms021 عرف الناس أنه يحمل ~~رد معاوية؛ فثار لذلك شوقهم إلى العلم بما في هذا الكتاب. وأكبر الظن أن كثيرا منهم ~~تبعوا العبسي حتى بلغ باب علي فأدخل عليه ودفع إليه الطومار، فلما فضه علي لم يجد فيه ~~شيئا مكتوبا إلا: «بسم الله الرحمن الرحيم» فسأل العبسي: ما وراءك؟ واستأمن العبسي، ~~فلما أمن أنبأ عليا بأنه ترك أهل الشام وقد صمموا أن يثأروا لعثمان ونصبوا قميصه للناس ~~وجعلوا يلتفون حوله يبكون، ثم أنبأه بأن أهل الشام يتهمونه بقتل عثمان ولا يرضون إلا أن ~~يقتلوه به، ثم خرج العبسي، ولم يكد يفلت من الثائرين الساخطين على معاوية إلا بعد مشقة ~~وجهد وعناء. # ثم دعا علي أعلام الناس في المدينة، وبينهم طلحة والزبير، فأنبأهم بما ارتفع إليه من ~~أمر معاوية، وأنبأهم بأنها الحرب، وبأن الخير في أن يميتوا الفتنة قبل أن تستشري ويعظم ~~أمرها وفي أن يغزوا أهل الشام قبل أن يغير عليهم أهل الشام، وكأنه لم يجد من الناس جوابا ~~مقنعا ولا حماسة للحرب، وقد استأذنه طلحة والزبير في أن يلحقا بمكة، ولم يكونا في ~~استئذانهما رفيقين وإنما أظهرا شيئا من شدة وعناد، وأنذرا بالمكابرة إن لم يأذن لهما، فقال ~~علي: سنمسك هذا الأمر ما استمسك. # وكثير من المؤرخين يروون أن طلحة والزبير استأذنا عليا في الخروج إلى مكة معتمرين، وأن ~~عليا أظهر لهما شيئا من الشك فيما صمما عليه، فأكدا له أنهما لا يريدان إلا العمرة. ~~ومهما يكن من شيء فقد خرجا إلى مكة عن رضى أو عن كره من علي، وجعل علي يتجهز لحرب أهل ~~الشام يريد أن يغير عليهم قبل أن يغيروا عليه، وإنه لفي ذلك إذ جاءته من مكة أنباء ~~مقلقة غيرت رأيه وخطته ومصير أمره كله تغييرا تاما. # | الفصل الخامس # وقد قتل عثمان - كما تعلم - أثناء الموسم، فكان كثير من أهل المدينة قد مضوا إلى حجهم ~~ثم جعلوا يعودون بعد أن قضوا مناسكهم، وجعلت أنباء الكارثة تبلغهم في طريقهم إلى المدينة، ~~فمنهم من سمع هذه الأنباء ثم ms022 أقبل إلى المدينة فبايع عليا، ومنهم من سمعها فرجع أدراجه ~~إلى مكة معتزلا للفتنة أو منكرا لما كان من الأحداث مضمرا السخط والخلاف على الإمام ~~الجديد، بل إن بعض أهل المدينة الذين شهدوا بيعة علي فبايعوا أو رفضوا البيعة قد جعلوا ~~يتركون المدينة ويفرون بما أضمروا في نفوسهم من الخلاف أو الاعتزال إلى مكة؛ لأنها كانت ~~حرما آمنا لا يغار عليه ولا يذعر من أوى إليه، فقد انطلق إلى مكة عبد الله بن عمر ~~فارا بنفسه ودينه من الفتنة، وهم علي أن يرسل الخيل في طلبه لولا أن أقبلت بنته أم ~~كلثوم، وكانت زوجا لعمر، فأكدت له أنه لم يخرج لفتنة ولا لخلاف. وخرج إلى مكة طلحة ~~والزبير يظهران أنهما يريدان العمرة أو يظهران اعتزالهما لحرب معاوية ومن قبله من أهل ~~الشام. # وأوى إلى مكة عمال عثمان الذين استطاعوا أن يأووا إليها: أوى إليها عبد الله بن عامر ~~ويعلى بن أمية، كما أوى إليها كثير من بني أمية، منهم مروان بن الحكم وسعيد بن أبي العاص، ~~وكان في مكة من أزواج النبي: حفصة بنت عمر، وأم سلمة، وعائشة بنت أبي بكر. وقد أخذت ~~عائشة طريقها إلى المدينة بعد أن قضت مناسكها، وعرفت أثناء سفرها مقتل عثمان وخبرت بأن ~~طلحة قد بويع له فأظهرت بذلك ابتهاجا؛ فقد كان طلحة مثلها تيميا، ولكنها لقيت في ~~طريقها من أنبأها بحقيقة الأمر وبأن عليا هو الذي تمت له البيعة في المدينة؛ فضاقت ~~بذلك ضيقا شديدا وأعلنت أنها كانت تؤثر انطباق السماء على الأرض قبل أن ترى عليا وقد ~~أصبح للمسلمين إماما، ثم قالت لمن كان معها: ردوني. فرجعوا بها أدراجهم إلى مكة. # وكان معروفا أن عائشة - رحمها الله - لم تكن تحب عليا ولا تهواه، بل كان معروفا أنها ~~كانت تجد عليه موجدة شديدة منذ حديث الإفك حين أراد علي أن يواسي النبي # صلى الله عليه وسلم # فأشار ~~عليه بأن يطلقها، وقال له: «إن النساء غيرها كثير.» وكان ذلك قبل أن ينزل الله براءتها في ms023 ~~القرآن، فلم تنس لعلي قوله ذاك. # وكانت عائشة شخصية من أقوى الشخصيات التي عرفها تاريخ المسلمين في ذلك العهد، لم تكن ~~رفيقة كأبيها وإنما كانت شديدة كعمر، على احتفاظ منها بكثير مما ورثت العرب عن جاهليتها، ~~فكانت تحفظ الشعر وتكثر من حفظه وإنشاده والتمثل به، حتى إنها رأت أباها وهو يحتضر، ~~فتمثلت قول الشاعر: # لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى # إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر # وسمعها خليفة رسول الله أبوها، فقال لها كالمنكر عليها: «بخ بخ يا أم المؤمنين! هلا ~~تلوت قول الله عز وجل: # وجاءت سكرة الموت بالحق ~~ذلك ما كنت منه تحيد ~~» وكانت من أشد نساء النبي إنكارا على عثمان، ~~لم تتحرج أن تصيح به من وراء سترها - وهو على المنبر - حين عاب عبد الله بن مسعود، فأسرف ~~في عيبه، ولم تكن تتحفظ من الاعتراض على كثير من أعمال عثمان ومن سيرة عماله، حتى ظن ~~كثير من الناس أنها كانت من المحرضين على الثورة به. وكانت تنكر على علي - فيما أعتقد ~~- أمرين آخرين: أحدهما لم يكن لعلي فيه خيرة؛ فقد تزوج فاطمة بنت رسول الله ورزق ~~منها الحسن والحسين، فكان أبا الذرية الباقية للنبي، ولم يتح لها هي الولد من رسول الله، ~~مع أنه قد أتيح لمارية القبطية أم إبراهيم في أواخر أيام النبي، فكان هذا العقم يؤذيها ~~في نفسها بعض الشيء، ولا سيما وهي كانت أحب نساء النبي إلى النبي. # أما الأمر الآخر؛ فهو أن عليا قد تزوج أسماء الخثعمية بعد وفاة أبي بكر رحمه الله، ~~وأسماء الخثعمية هي أم محمد بن أبي بكر الذي نشأ في حجر علي، فكانت عائشة تجد على علي لهذا ~~كله. # وقد عادت إلى مكة مغاضبة حين عرفت أن أهل المدينة قد بايعوا له، فلما رجعت إلى مكة عمدت ~~إلى الحجر فاتخذت فيه سترا، وجعل الناس يجتمعون إليها فتحدثهم من وراء الستر: تنكر ~~قتل عثمان وتقول: «لقد غضبنا لكم من لسان عثمان وسوطه، وعاتبناه حتى أعتب وتاب إلى الله ~~وقبل المسلمون ms024 منه، ثم ثار به جماعة من الغوغاء والأعراب فماصوه موص الثوب الرخيص حتى ~~قتلوه، واستحلوا بقتله الدم الحرام في الشهر الحرام في البلد الحرام.» # وجعل الناس يسمعون لها ويتأثرون بها، وكيف لا يتأثرون وهي أم المؤمنين وحبيبة رسول الله ~~التي مات بين سحرها ونحرها، وبنت أبي بكر الصديق الذي صحب النبي في الهجرة وأنزل الله ~~فيه ما أنزل من القرآن، والذي لم يكن المسلمون يعدلون به أحدا بعد رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~؟! # كان الناس إذن يسمعون لها ويتأثرون بما كانوا يسمعون منها، وكان كتاب علي بتولية خالد بن ~~العاص بن المغيرة على مكة قد وصل إلى مكة وهي أشد ما تكون من الثورة؛ لما كانت تسمع من ~~حديث عائشة، فكان ما كان من رفض البيعة وإلقاء الكتاب الذي كتبه علي في سقاية زمزم، وبعد ~~ذلك بقليل أقبل طلحة والزبير، فانضموا إلى من كان بها من الغاضبين لعثمان المخالفين لعلي، ~~ومنذ ذلك اليوم أصبحت مكة مثابة لكل من كان ينكر إمامة علي من غير أهل الشام. # | الفصل السادس # وقد جعل القوم يأتمرون، فاتفقوا على أن هذه الفتنة قد أحدثت في الإسلام حدثا خطيرا: ~~قتل الخليفة مظلوما، ولا بد من القيام في هذا الأمر بما يرأب الصدع ويقيم دين الله ~~كما ينبغي أن يقام، وأول ذلك أن يثأر لعثمان من الذين قتلوه مهما يكونوا، ثم يرد أمر ~~المسلمين شورى بينهم فيختاروا لخلافتهم من يريدون عن رضى النفوس وهوى القلوب واطمئنان ~~الضمائر والنصح للإسلام والمسلمين، لا عن عنف ولا استكراه ولا خوف من السيوف المسلطة على ~~الأعناق، ثم جعلوا يأتمرون في الطريقة التي ينفذون بها ما صمموا عليه؛ فرأى بعضهم ~~الغارة على علي وأصحابه في المدينة، ولكنهم ردوا هذا الرأي إشفاقا من قوة أهل المدينة - ~~فيما يقول المؤرخون - وتحرجا من غزو مدينة رسول الله وإحياء قصة الأحزاب، كما فعل ~~الثائرون بعثمان في أكبر الظن، ورأى بعضهم الذهاب إلى الكوفة ونصب الحرب فيها لعلي ~~وأصحابه، ولكنهم ردوا هذا الرأي أيضا لمكان أبي ms025 موسى من الكوفة وكراهيته للفتنة؛ لأن ~~أشد الثائرين بعثمان والجادين في أمره كانوا من أهل الكوفة؛ فكان من الطبيعي أن يمنعهم ~~قومهم ولا يقبلوا فيهم الدنية. وآثروا الذهاب إلى البصرة لكثرة المضرية فيها، ولأن ~~عبد الله بن عامر زعم لهم أن له بين أهلها صنائع وأن له عند كثير منهم مودة وإلفا؛ فهم ~~أجدر أن يسمعوا له ويطيعوا وأن يعينوه ويعينوا أصحابه على ما يريدون، ولم يخطر لهم أن ~~يتخذوا مكة دار حرب؛ لأنها حرم آمن لا تسفك فيه الدماء. وقد كفاهم معاوية أمر الشام، وكان ~~جديرا أن يكفيهم أمر مصر أيضا إن غلبوا هم على العراق وما وراءه من الثغور. # وقد جعلوا يستعدون للرحيل، وأمدهم عبد الله بن عامر ويعلى بن أمية بكثير من المال ~~والظهر والأداة، وانتدب الناس للسير معهم؛ فكانت جماعتهم قريبا من ثلاثة آلاف، وقد رأى ~~طلحة والزبير أثر عائشة وأحاديثها في الناس؛ فرغبا إليها في أن تصحبهم إلى البصرة، فقالت: ~~أتأمرانني بالقتال؟ قالا: لا، ولكن تعظين الناس وتحرضينهم على الطلب بدم عثمان. فقبلت في ~~غير تردد، وأقنعت حفصة أم المؤمنين بالسير معها، ولكن أخاها عبد الله بن عمر ردها عن أن ~~تخالف ما أمر الله به نساء النبي في قوله عز وجل: # وقرن في ~~بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى # إلى آخر ~~الآية. فأقامت. # وأزمع القوم الرحلة، وجاءت أخبارهم عليا فتحول عن قتال أهل الشام ليرد هؤلاء ~~الثائرين مما قصدوا إليه. # | الفصل السابع # وكذلك استقبل علي خلافة المسلمين بما لم يستقبلها أحد من الذين سبقوه، فلم يخالف أحد من ~~أصحاب النبي عن أبي بكر إلا ما كان من سعد بن عبادة رحمه الله، ولم يخالف أحد منهم عن عمر ~~ولا عن عثمان، ولكن عليا يرى جماعة من خيار أصحاب النبي الذين مات وهو عنهم راض وشهد ~~لكثير منهم بالجنة يخالفون عن بيعته، منهم من يريد اعتزال الفتنة، ومنهم من يريد أن ينصب له ~~الحرب. # ولعل الحسن بن علي قد أصاب الحق حين تحدث إلى أبيه ms026 في طريقهما إلى البصرة بأنه كان قد ~~أشار عليه أن يعتزل أمر عثمان، فيترك المدينة أيام الفتنة، فيلحق بمكة - في بعض الروايات - ~~أو يلحق بماله بينبع - في رواية أخرى - فأبى علي إلا أن يشهد أمر الناس. ثم أشار عليه ~~بعد مقتل عثمان أن يعتزل الناس إلى حيث شاء من الأرض حتى تثوب إلى العرب عوازب أحلامها، ~~وقال له: لو كنت في جحر ضب لاستخرجوك منه فبايعوك دون أن تعرض نفسك لهم. ثم هو يشير عليه ~~في طريقه تلك بألا يأتي العراق مخافة أن يقتل بمضيعة لا ناصر له فيها، ولكن عليا لم ~~يقبل من ابنه شيئا مما أشار به؛ لم يكن ليترك الناس في فتنتهم دون أن يؤدي ما أخذه الله به ~~من أمر بمعروف ونهي عن منكر، فنصح للخليفة، يلين له مرة ويخشن عليه مرة أخرى، ونصح للرعية ~~ينهاها عن الإثم والعدوان ويعينها على أن تبلغ من خليفتها الرضى، ثم هو لم يطلب إلى الناس ~~أن يبايعوه على ما كان يرى لنفسه من حق في الخلافة، وإنما استكرهه الناس على البيعة ~~استكراها، استكرهه الثائرون بعثمان ليأمنوا بعض عواقب ثورتهم، واستكرهه المهاجرون والأنصار ~~ليقيموا للناس إماما ينفذ فيهم أمر الله. # ولم يكن يستطيع أن يبقى في المدينة منتظرا حتى يغزوه فيها معاوية وأهل الشام، ولا أن ~~يبقى في المدينة منتظرا حتى يبلغ طلحة والزبير العراق، فيحتازا ما وراءه من الثغور وما ~~فيها من الفيء والخراج، ثم يكرا عليه بعد ذلك ليغزواه في المدينة. # لم يكن له بد إذن من أن يستعد للخروج إلى الشام حين أبى معاوية عليه البيعة، وحجته على ~~معاوية ظاهرة؛ فقد بايعته الكثرة الكثيرة من المسلمين في الحجاز والأقاليم، وأصبحت طاعته ~~لازمة. وكان الحق على معاوية - لو أنصف وأخلص نفسه للحق - أن يبايع كما بايع الناس، ثم يأتي ~~إلى علي مع غيره من أولياء عثمان فيطالبوا بالإقادة ممن قتله، ولكن معاوية لم يكن يريد أن ~~يثأر لعثمان بمقدار ما كان يريد أن يصرف الأمر عن علي؛ وآية ms027 ذلك أن الأمر استقام له بعد ~~وفاة علي - رحمه الله - ومصالحة الحسن إياه، فتناسى ثأر عثمان ولم يتتبع قتلته؛ إيثارا ~~للعافية وحقنا للدماء وجمعا للكلمة. # ولم تكن حجة علي على طلحة والزبير وعائشة أقل ظهورا من حجته على معاوية؛ فقد بايع ~~طلحة والزبير، وكان الحق عليهما أن يفيا بالعهد ويخلصا للبيعة التي أعطياها، فإن كرها ~~الإذعان لعلي أو معونته على بعض ما كان يريد، فقد كانا يستطيعان أن يعتزلا كما اعتزل سعد بن ~~أبي وقاص وعبد الله بن عمر وأسامة بن زيد ومحمد بن مسلمة وغيرهم من خيار أصحاب النبي، فلا ~~ينصبا حربا ولا يدفعا الناس إليها ولا يفرقا المسلمين على هذا النحو المنكر الذي ~~ستراه. # وأما عائشة، فقد أمرها الله فيمن أمر من نساء النبي أن تقر في بيتها، وكان عليها أن ~~تفعل أيام علي كما كانت تفعل أيام الخلفاء من قبله، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر دون أن ~~تخالف عما أمرت به من القرار في بيتها لتذكر ما كان يتلى عليها من آيات الله والحكمة ~~ولتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، كما فعل غيرها من أمهات المؤمنين. ولو قد أبت أن تبايع عليا ~~أو تؤمن له بالخلافة لما وجدت منه شيئا تكرهه؛ فهي أم المؤمنين وحبيبة رسول الله وبنت أبي ~~بكر، وكان من الطبيعي أن تلقى من علي مثال ما لقي المعتزلون على أقل تقدير؛ وآية ذلك أنها ~~لم تلق منه بعد يوم الجمل إلا الكرامة والإكبار. # وقد يقال إن القوم لم يكونوا يغضبون لعثمان فحسب، وإنما كانوا يريدون أن يختار الخليفة ~~عن مشورة بين المسلمين، وكانوا يكرهون أن يفرض الثائرون بعثمان عليهم إماما بعينه، ولكن ~~أبا بكر لم يبايع بالخلافة عن مشورة من المسلمين، وإنما كانت بيعته فلتة وقى الله المسلمين ~~شرها، كما قال عمر. كما أن عمر نفسه لم يبايع عن مشورة من المسلمين، وإنما عهد إليه أبو ~~بكر فأمضى المسلمون عهده ثقة منهم بالشيخين وحبا منهم لهما. ولم تكن الشورى التي تمت بها ~~خلافة عثمان مقنعة ولا ms028 مجزئة؛ فقد اختص عمر بها ستة من قريش على أن يختاروا واحدا منهم، ~~فاختاروا عثمان. وأكبر الظن أنهم نصحوا للمسلمين وتجنبوا الفتنة والخلاف جهدهم. # فكان الحق على طلحة والزبير والمعتزلين أيضا أن يمسكوا الأمر ما استمسك، وأن يبايعوا ~~لعلي عن رضى لا عن كره، وأن يجتهدوا معه بعد ذلك في إصلاح ما أفسد الثائرون من جهة، وفي ~~وضع نظام مستقر دائم لاختيار الخليفة وتدبير أمور الدولة بحيث لا يتعرض المسلمون لمثل ما ~~تعرضوا له من الفتنة والمحنة أيام عثمان من جهة أخرى. ولكن القوم كانوا يفكرون بعقول غير ~~عقولنا، ويشعرون بقلوب غير قلوبنا، ويجتهدون لدينهم ولأنفسهم ما استطاعوا. # وقد لقي أبو بكر في أول خلافته شيئا يشبه من بعيد ما لقيه علي؛ فقد انتفضت عليه عامة ~~العرب ورفضوا أن يؤدوا إليه الزكاة، ولكن أبا بكر وجد من أصحاب النبي جميعا أعوانا ~~وأنصارا، فما أسرع ما أخمد الفتنة! ثم رمى بالعرب وجوه الأرض فشغلهم بالفتح. وجاء عمر ~~فدفعهم إلى الفتح دفعا، وسار عثمان على سنة الشيخين، فأمعن المسلمون في الفتح صدرا من ~~خلافته. # أما علي فلم يكد يرقى إلى الخلافة حتى تنكر له قوم من الذين كانوا يعينون أبا بكر ~~وعمر، ثم لم يلبث الأمر كله أن انتشر وأصبح المسلمون حربا على المسلمين، ووقف أصحاب الثغور ~~عند ثغورهم لا يتجاوزونها فاتحين، بل ترك بعض أصحاب الثغور في الشام ثغورهم ليقاتلوا ~~إخوانهم من أصحاب علي، حتى طمع الروم في استرجاع ما أخذ منهم المسلمون، وهموا أن يغيروا ~~على الشام لولا أن اشترى معاوية منهم السلم بما كان يؤدي إليهم من المال، حتى فرغ لهم بعد ~~اجتماع الكلمة. # ومهما يكن من شيء، فقد ارتحل طلحة والزبير وعائشة يريدون البصرة، وصرف علي همه عن الشام ~~وأزمع الخروج ليرد طلحة والزبير وعائشة عما صمما عليه، وأتيح لمعاوية من الوقت والعافية ~~ما مكنه من أن يحكم أمره ويهيئ جنده ويكيد لعلي في مصر. # وقد خرج علي من المدينة والناس كارهون لخروجه متشائمون به، ولكن عليا لم ms029 يقدر أنه سيترك ~~المدينة إلى غير رجعة إليها، وإنما كان يظن أنه سيلقى هؤلاء القوم فيناظرهم ويبلغ منهم ~~الرضى ويردهم إلى الجماعة، ويعود معهم آخر الأمر إلى المدينة، فيقيم فيها كما أقام ~~الخلفاء من قبله ويدبر منها أمر المسلمين كما كانوا يفعلون، ولكنه لم يكد يمضي في طريقه ~~ليلقى القوم حتى عرف أنهم فاتوه وأنهم سيبلغون البصرة وسيفتنون الناس فيها عن بيعتهم. وهو ~~مع ذلك لم يستيئس من الصلح، ولكنه احتاط للحرب حتى لا يؤخذ على غرة، فمضى في طريقه وأرسل ~~إلى أهل الكوفة من يستنفرهم لنصره. # | الفصل الثامن # وأقبل رسل علي إلى الكوفة، فوجدوا أميرها أبا موسى الأشعري راغبا عن الفتنة كارها ~~للقتال مخذلا للناس عن نصر إمامهم، وكانت حجته في هذا يسيرة؛ فإن الإمام لم يكن يريد أن ~~يحارب عدوا من الكفار، وإنما كان يوشك أن يحارب قوما مثله يؤمنون مثله بالله ورسوله ~~واليوم الآخر، فكره أن يقاتل المسلمون المسلمين. رأى ذلك لنفسه ثم لم يلبث أن رآه لأهل مصره ~~جميعا، وأيسر ما يأمر به الدين أن يحب الإنسان للناس ما يحب لنفسه. # فقد كان أبو موسى إذن ناصحا لنفسه ولأهل الكوفة حين نهاهم عن القتال وخذلهم عن نصر ~~الإمام، ولكن أبا موسى كان قد بايع عليا وأخذ له بيعة أهل الكوفة، وهذه البيعة تفرض عليه ~~نصر الإمام بنفسه وبأهل مصره، فإن تحرج من ذلك استقال الإمام وترك عمله وانضم إلى أولئك ~~المعتزلين فاجتنب من الفتنة ما يجتنبون. فأما أن يكون قد بايع عليا وقبل أن يكون له ~~واليا ثم يأبى بعد ذلك أن ينفر مع أهل مصره حين استنفرهم الإمام فشيء لا يكاد يستقيم؛ ~~ولذلك أرسل علي إليه يلومه ويعنفه ويعزله عن عمله، وأرسل واليا جديدا هو قرظة بن كعب ~~الأنصاري، وأرسل الحسن بن علي وعمار بن ياسر يستنفران الناس. # ويروي بعض المؤرخين أن الأشتر استأذن عليا في أن يلحق برسله إلى الكوفة، فأذن له، فلما ~~بلغ المصر جمع نفرا من قومه أولي بأس وأغار بهم على ms030 قصر الإمارة، وأبو موسى يخطب الناس، ~~فاحتاز القصر وبيت المال، واضطر أبا موسى إلى أن يعتزل العمل، ففعل وخرج من الكوفة حتى أتى ~~مكة فأقام فيها مع المعتزلين، ونفر أهل الكوفة لنصر إمامهم؛ فأتوه حيث كان ينتظرهم بذي ~~قار. # | الفصل التاسع # وكان أمر البصرة أشد من أمر الكوفة تعقيدا، فقد كان أهل هذا المصر بايعوا عليا ~~واستقاموا لعامله عثمان بن حنيف، فلم يلبثوا إلا قليلا حتى أظلهم الزبير وطلحة وعائشة ~~ومن معهم من الجند، فأرسل إليهم عثمان بن حنيف سفيرين من قبله، هما: عمران بن حصين ~~الخزاعي صاحب رسول الله، وأبو الأسود الدؤلي. فلما أقبلا سألا القوم: ماذا يريدون؟ فقالوا: ~~نطلب بدم عثمان ونجعل الأمر شورى بين المسلمين يختارون لخلافتهم من يشاءون، وهم السفيران ~~أن يحاورا القوم في هذا الأمر، فأبى القوم أن يسمعوا منهما فعادا إلى عثمان بن حنيف ~~ينبئانه أن القوم يريدون الحرب ولا يريدون غيرها، فتأهب عثمان للقتال وخرج في أهل البصرة ~~حتى واقف القوم، ثم تناظروا فلم يصلوا إلى خير. # خطب طلحة والزبير فطلبا بدم عثمان وجعل الأمر شورى بين المسلمين، فرد عليهما من أهل ~~البصرة من كانت تأتيهم كتب طلحة بالتحريض على قتل عثمان، واختلف أهل البصرة، وقال قوم: ~~صدقا وتكلما بالصواب. وقال قوم: كذبا ونطقا بغير الحق. وارتفعت الأصوات واشتد الخلاف، ~~وجعل أهل البصرة يتسابون. # ثم جيء بعائشة على جملها، فخطبت الناس وأبلغت في الخطابة - لسان زلق ومنطق عذب وحجة ~~ظاهرة القوة - تقول: «غضبنا لكم من سوط عثمان وعصاه، أفلا نغضب لعثمان من السيف؟! ألا وإن ~~خليفتكم قد قتل مظلوما، أنكرنا عليه أشياء وعاتبناه فيها، فأعتب وتاب إلى الله، وماذا ~~يطلب من المسلم إن أخطأ أكثر من أن يتوب إلى الله ويعتب الناس؟! ولكن أعداءه سطوا عليه، ~~فقتلوه واستحلوا حرما ثلاثا: حرمة الدم، وحرمة الشهر الحرام، وحرمة البلد ~~الحرام.» # وقد استمع لها الناس في صمت عميق، ولكنها لم تكد تتم حديثها حتى عادت الأصوات فارتفعت ~~يصدقها قوم ويكذبها قوم، وأولئك وهؤلاء يتسابون ويتضاربون بالنعال ms031 . ومع ذلك ثبت مع ~~عثمان بن حنيف جند قوي من أهل البصرة، فاقتتلوا قتالا شديدا وكثرت فيهم الجراحات، ثم ~~تحاجزوا وتداعوا إلى الهدنة حتى يقدم علي، وكتبوا بينهم كتابا بذلك يقر عثمان بن حنيف ~~على الإمرة ويترك له المسلحة وبيت المال، ويبيح للزبير وطلحة وعائشة وممن معهم أن ينزلوا ~~من البصرة حيث يشاءون. # وعاد أمر الناس إلى عافية ظاهرة، ومضى عثمان بن حنيف على شأنه يصلي بالناس ويقسم المال ~~ويضبط المصر، ولكن القوم الطارئين ائتمروا فيما بينهم، فقال قائلهم: لئن انتظرنا مقدم علي ~~ليأخذن بأعناقنا. ثم أجمعوا على أن بيتوا عثمان بن حنيف، وانتهزوا ليلة مظلمة شديدة ~~الريح، فعدوا على عثمان وهو يصلي بالناس العشاء الآخرة، فأخذوه ووكلوا به من ضربه ضربا ~~شديدا ونتف لحيته وشاربيه، ثم عدوا على بيت المال فقتلوا من حرسه أربعين رجلا، وحبسوا ~~عثمان بن حنيف وأسرفوا عليه في العذاب. هنالك غضب من أهل البصرة قوم أنكروا نقض الهدنة، ~~وكرهوا هذا العدوان على الأمير، وكرهوا كذلك استئثار القوم ببيت المال، واجتنبوا المدينة ~~وخرجوا إلى بعض ضاحيتها يريدون الحرب وحماية ما اتفق القوم على أنه حرام لا ينبغي أن يعرض ~~له أحد بسوء. # وكانت هذه الفتنة من ربيعة يرأسها حكيم بن جبلة العبدي، فخرج لهم طلحة في قوم من ~~أصحابه، فقاتلوهم حتى قتلوا منهم أكثر من سبعين رجلا، وقتل حكيم بن جبلة بعد أن أبلى ~~بلاء حسنا عظم القصاص من أمره فيما بعد، فزعموا أن رجلا من أصحاب طلحة ضربه ضربة قطعت ~~رجله، فحبا حكيم حتى أحذ رجله تلك المقطوعة، فرمى بها من ضربه فصرعه، وجعل يرتجز: # يا نفس لا تراعي # إن قطعوا كراعي # إن معي ذراعي # ثم قاتل رغم جراحته وهو يرتجز: # ليس علي في الممات عار # والعار في الحرب هو الفرار # والمجد ألا يفضح الذمار # وما زال يقاتل حتى قتل. # وكذلك لم يكتف هؤلاء القوم بنكث البيعة التي أعطوها عليا، وإنما أضافوا إليها نكث ~~الهدنة التي اصطلحوا عليها مع عثمان بن حنيف، وقتلوا من قتلوا ms032 من أهل البصرة الذين أنكروا ~~نقض الهدنة، وحبس الأمير، وغصب ما في بيت المال، وقتل من قتلوا من حرسه، وكلهم كان من ~~الموالي. # ولم يقف أمرهم عند هذا الحد، وإنما هموا أن يبطشوا بعثمان بن حنيف، لولا أن ذكرهم بأن ~~أخاه سهل بن حنيف يدبر أمر المدينة من قبل علي، وبأنه خليق أن يضع السيف في بني أبيهم ~~إن أصابوه بمكروه؛ فخلوا سبيله. وانطلق حتى أتى عليا في بعض طريقه إلى البصرة، فلما دخل ~~عليه قال له مداعبا: يا أمير المؤمنين، أرسلتني إلى البصرة شيخا فجئتك أمرد. # ولم يكن من شأن هذه الأحداث التي أحدثها القوم في البصرة إلا أن توغر صدر علي وأصحابه، ~~وتزيد الفرقة بين أهل البصرة الذين انقسموا على أنفسهم شر انقسام وأشده نكرا؛ فقد غضبت عبد ~~القيس لحكيم بن جبلة؛ فخرجت مكابرة حتى أتت عليا فانضمت إلى جيشه، وأفلت من أصحاب حكيم ~~حرقوص بن زهير، وهو من الذين ألبوا أشد التأليب على عثمان؛ فغضب له قومه وحموه وأبوا أن ~~يسلموه، ثم اعتزلوا الناس مع الأحنف بن قيس في ستة آلاف. # واشتد الخلاف بين الناس بعد ذلك: قوم يخرجون إلى علي مسللين أو مكابرين، وقوم ينتظرون ~~مقدم علي لينضموا إليه، وقوم ينضمون إلى طلحة والزبير ليحموا ثقل رسول الله عائشة ولينصروا ~~حواري رسول الله الزبير، وقوم يريدون أن يعتزلوا الفتنة فرارا بدينهم، فمنهم من يتاح له ~~الاعتزال ومنهم من يضطر إلى الفتنة اضطرارا. والرؤساء بعد ذلك ليسوا من الرضى وراحة الضمير ~~بحيث يحبون، فطلحة والزبير يختلفان أيهما يصلي بالناس، ثم يتفقان بعد خطوب على أن يصليا ~~بالناس هذا يوما وهذا يوما، وفي ضمير عائشة قلق لا يكاد يبين، مرت في طريقها بماء فنبحتها ~~كلابه، وسألت عن هذا الماء، فقيل لها إنه الحوأب؛ فجزعت جزعا شديدا، وقالت: ردوني ~~ردوني؛ قد سمعت رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يقول وعنده نساؤه: «أيتكن تنبحها كلاب الحوأب؟» وجاء ~~عبد الله بن الزبير، فتكلف تهدئتها، وجاءها بخمسين رجلا من بني عامر يحلفون ms033 لها أن هذا ~~الماء ليس بماء الحوأب. # فرقة ظاهرة واختلاف بين، وقلق خفي في الضمائر، وأطماع تظهر على استحياء ثم تستخفي على ~~كره من أصحابها، كذلك كانت حال القوم حين أظلهم علي بمن معه من جند كثيف. # | الفصل العاشر # وكانت حال علي وأصحابه على خلاف ذلك من جميع الوجوه، فلم يشك علي قط في أنه كان أحق الناس ~~بالخلافة، فلما جاءته الخلافة استمسك بها ورأى أن حقه قد صار إليه. # وما كان الثائرون بعثمان ليكرهوا خيار أصحاب النبي الذين كانوا في المدينة من المهاجرين ~~والأنصار على غير ما يحبون، وهم الذين شهدوا المشاهد مع النبي وصبر كثير منهم على الفتنة ~~وامتحنوا في مواطن الشدة على اختلافها؛ فآثروا دينهم على دنياهم، وآثروا الموت في سبيل ~~الله على الحياة في سبيل أنفسهم. # وقوم مثل هؤلاء لا يستكرهون على شيء يرونه مخالفا لدينهم؛ فهم قد بايعوا عليا إذن ~~راضين به مؤثرين له، لا راهبين ولا راغبين؛ وآية ذلك أن فريقا منهم لم يطمئنوا إلى بيعة ~~علي فلم يكرههم علي على بيعته، وإنما خلى بينهم وبين ما أرادوا من الاعتزال، وقبل منهم ما ~~قدموا إليه من عذر، وقام دونهم يمنع الثائرين من أن يصلوا إليهم، وجعل نفسه كفيلا لعبد ~~الله بن عمر حين أبى عبد الله أن يأتي بكفيل. ولأمر ما سكت علي عن استكراه طلحة والزبير على ~~البيعة؛ فقد شاركا في الإنكار على عثمان والجد في أمره، وكان كل واحد منهما ينظر إلى نفسه، ~~فخشي منهما وخشي عليهما الفتنة. # لم يكن علي إذن مترددا ولا شاكا ولا قلق الضمير حين هم بقتال أهل الشام حين رفضوا ~~البيعة، وحين تحول عنهم إلى أمر طلحة والزبير حين أظهرا النكث والخلاف، ولكنه في بعض ~~مواطنه قال كالنادم المحزون: لو علمت أن الأمر يبلغ هذا المبلغ ما دخلت فيه. يريد أنه لم ~~يكن يظن بهذين الشيخين وبأم المؤمنين عائشة أن يبلغ الأمر بهم ما بلغ من تفريق كلمة ~~المسلمين وحمل بعضهم على أن يسلوا سيوفهم على بعض ms034 ، ولو قد علم أن خلافته ستكون مصدر فتنة ~~وفرقة لأعرض عنها إيثارا لعافية المسلمين واجتماع كلمتهم، ولصبر نفسه على ما تكره كما فعل ~~حين بويع للخلفاء الثلاثة من قبله، فأما وقد بايعه من بايعه من عامة المسلمين وخاصتهم، ~~فقد مضى في أمره على بصيرة، وكره أن يرجع بعد أن مضى ويحجم بعد أن أقدم، وكان كثيرا ما ~~يقول: والله، إني لعلى بينة من ربي، ما كذبت ولا كذبت، ولا ضللت ولا ضل بي. # ولم يكن أصحاب علي في طريقه إلى البصرة شاكين ولا مترددين، إلا ما كان من أمر أبي موسى، ~~وقد ظهر أن أهل البصرة لا يشاركونه في رأيه، وإنما أراد أفراد أن يستوثقوا لأنفسهم في أمر ~~دينهم وفي أمر آخرتهم خاصة؛ فسألوا عليا عما كان يريد من شخوصه وإشخاصه إياهم إلى البصرة، ~~فكان يجيبهم بأنه يريد أن يلقى بهم إخوانهم من أهل البصرة، فيدعوهم إلى الصلح، ويبين لهم ~~الحق ويناظرهم فيه، لعلهم أن يثوبوا فتجتمع الكلمة وتلتئم وحدة الجماعة، وكان هؤلاء النفر ~~يسألونه: فإن لم يثوبوا إلى الحق ولم يقبلوا الصلح؟ فكان يجيب: إذن لا أبدؤهم بقتال حتى ~~يبدءونا، فكانوا يسألونه: فإن بدءونا؟ وهنالك كان يجيبهم: إذن نقاتلهم على الحق حتى يرجعوا ~~إليه. وقد أراد بعض هؤلاء أن يستوثقوا لأمر آخرتهم؛ فسألوه: ما يكون أمر الذين يقتلون ~~منهم إن كانت حرب؟ فأجابهم بأن من قاتل صادق النية في نصر الحق مبتغيا وجه الله ورضاه ~~فمصيره مصير الشهداء. وقد سأله رجل منهم ذات يوم: أيمكن أن يجتمع الزبير وطلحة وعائشة على ~~باطل؟ فقال: إنك لملبوس عليك، إن الحق والباطل لا يعرفان بأقدار الرجال، اعرف الحق تعرف ~~أهله واعرف الباطل تعرف أهله. وما أعرف جوابا أروع من هذا الجواب الذي لا يعصم من الخطأ ~~أحدا مهما تكن منزلته، ولا يحتكر الحق لأحد مهما تكن مكانته بعد أن سكت الوحي وانقطع خبر ~~السماء. # كان علي إذن على بصيرة من أمره، وكان أصحابه يمضون معه على بصائرهم يشفقون من أن يسلوا ~~سيوفهم ms035 على قوم من المسلمين أمثالهم، ولكنهم لا يرون أن يعرضوا عن ذلك إذا لم يكن منه ~~بد. # وكان علي يريد أن يعارض القوم في الصلح ويناظرهم على الحق ولا يبدأهم بقتال إلا أن يبدءوه ~~به؛ فقد كان الأمر مختلفا إذن بين هذين الفريقين: أهل البصرة مختلفون كما قدمنا آنفا ~~وأصحاب علي مؤتلفون، وأهل البصرة مترددون بحيث يحبون. فطلحة والزبير يختلفان أيهما يصلي ~~بالناس، ثم يتفقان بعد خطوب على أن يصليا بالناس هذا يوما وهذا يوما، وفي ضمير عائشة قلق ~~لا يكاد يبين؛ مرت في طريقها بماء فنبحتها كلابه، وسألت عن هذا الماء، فقيل لها إنه الحوأب؛ ~~فجزعت جزعا شديدا، وقالت: ردوني ردوني؛ قد سمعت رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يقول وعنده نساؤه: ~~«أيتكن تنبحها كلاب الحوأب؟» وجاء عبد الله بن الزبير، فتكلف تهدئتها وجاءها بخمسين رجلا ~~من بني عامر يحلفون لها أن هذا الماء ليس بماء الحوأب. # فرقة ظاهرة واختلاف بين وقلق خفي في الضمائر وأطماع تظهر على استحياء ثم تستخفي على كره ~~من أصحابها، كذلك كانت حال القوم حين أظلهم علي بمن معه من جند كثيف. # | الفصل الحادي عشر # فقد أرسل إليهم القعقاع بن عمرو صاحب رسول الله، وأمره أن يعلم علمهم ويسألهم عما ~~يريدون، ويناظرهم فيما خرجوا من أجله، فمضى القعقاع حتى أذن له على عائشة، فسألها عما ~~أقدمها إلى البصرة. قالت: إصلاح بين الناس. فسألها أن تدعو طلحة والزبير ليقول لهما ويسمع ~~منهما وهي شاهدة. فأرسلت إليهما، فلما أقبلا قال لهما القعقاع: إني سألت أم المؤمنين عما ~~أقدمها إلى هذه البلدة، فقالت: إصلاح بين الناس، أفأنتما متابعان لها أم مخالفان عنها؟ ~~قالا: متابعان. قال القعقاع: فأنبئاني عن هذا الإصلاح الذي تريدونه، فإن كان خيرا وافقناكم ~~عليه، وإن كان شرا اجتنبناه. قال قائلهما: قتل عثمان مظلوما، ولا يستقيم الأمر إذا لم ~~يقم الحد على قاتليه. قال القعقاع: فإنكم قد قتلتم من قتلة عثمان ستمائة رجل في البصرة ~~إلا رجلا واحدا هو حرقوص بن زهير؛ غضب له قومه ms036 فخالفوا عنكم، وغضب لمن قتل قومهم، ~~فتفرقت عنكم مضر وربيعة وفسد الأمر بينكم وبين كثير من الناس، ولو مضيتم في الأمصار تفعلون ~~فيها مثل ما فعلتم في البصرة لفسد الأمر فسادا لا صلاح بعده. قالت عائشة: فأنت تقول ماذا؟ ~~قال القعقاع: أقول إن هذا أمر دواؤه التسكين واجتماع الشمل، حتى إذا صلح الأمر وهدأت ~~الثائرة وأمن الناس واطمأن بعضهم إلى بعض؛ نظرنا في أمر الذين أحدثوا هذه الفتنة، وإني ~~لأقول هذا وما أراه يتم حتى يأخذ الله من هذه الأمة ما يشاء، فقد انتثر أمرها وألمت بها ~~الملمات وتعرضت لبلاء عظيم. فاستحسن القوم كلامه، أو أظهروا له أنهم يستحسنون كلامه، ~~وقالوا: قد رضينا منك رأيك، فإن أقبل علي بمثل هذا الرأي صالحناه عليه. ورجع القعقاع راضيا ~~فأنبأ عليا بما قال وبما قيل له، فسر علي بذلك أشد السرور وأعظمه. # وكان الأفراد من أهل البصرة يلمون بمعسكر علي، يأتي الربعي من أهل البصرة قومه من ربيعة ~~الكوفة، ويأتي المضري قومه المضريين، ويأتي اليمني قومه اليمانية، فلا يكون الحديث بينهم ~~إلا في الصلح وإيثار العافية، حتى ظن أولئك وهؤلاء أن الأمر ملتئم بعد قليل. وهنا يروي ~~الغلاة من خصوم الشيعة قصة ما أراها تستقيم؛ لأنها تخالف طبيعة الأشياء ولا يسيغها إلا ~~أصحاب السذاجة أو الذين يتكلفون أو يريدون تصوير التاريخ كما كان بمقدار ما يريدون تصويره ~~كما تمنوا أن يكون. # فقد زعم هؤلاء الغلاة أن الذين تولوا كبر الثورة بعثمان جزعوا حين أحسوا أن أمر الناس ~~صائر إلى الصلح وأشفقوا أن يكونوا ثمن هذا الصلح، فاجتمع ناديهم بليل وجعلوا يديرون الرأي ~~بينهم على نحو ما تجد في السيرة من اجتماع قريش بدار الندوة وائتمارهم بالنبي وحضور ذلك ~~الشيخ النجدي الذي اتخذ إبليس صورته ليشهد أمر القوم ويشير عليهم. # وكان إبليس الجماعة في هذه القصة ذلك اليهودي الذي أسلم بأخرة ومضى في الأمصار يفسد على ~~الناس أمور دينهم وأمور دنياهم ويؤلبهم على عثمان، وهو عبد الله بن سبأ المعروف بابن ~~السوداء. # وقد جعل ms037 القوم يتشاورون، وجعل إبليس القوم يسفه ما كان يعرض من الآراء حتى انتهوا إلى ~~رأي أعجب به ابن السوداء كما أعجب إبليس برأي أبي جهل في أمر النبي. وكان هذا الرأي ~~الذي أعجب ابن السوداء هو أن يحزموا أمرهم ويكتموا سرهم، حتى إذا التقى الجمعان أنشبوا ~~القتال عن غير أمر من علي، فأثاروا الحرب وحالوا بين الفريقين وبين ما كانوا يريدون من ~~الصلح. وتمضي القصة فتروي أن القوم أنفذوا خطتهم كما دبروها، فأنشبوا القتال على حين كان ~~طلحة والزبير وعلي قد أجمعوا أمرهم على الصلح. # والتكلف في هذه القصة أظهر من أن نحتاج إلى كثير عناء في ردها، فلم يكن علي وأصحابه من ~~الغفلة بحيث تدبر الخيانة في معسكرهم ويدبرها قوم من قادتهم وهم لا يشعرون، وإنما الوجه ~~الذي يلائم طبيعة الأشياء هو ما رواه المعتدلون من المؤرخين من أن القوم قد التقوا عند ~~البصرة ووقف بعضهم لبعض وتناظروا ولم تغن المناظرة عنهم شيئا، فكان ما لم يكن بد من أن ~~يكون. # | الفصل الثاني عشر # وكان كعب بن ثور حبرا صالحا من أحبار المسلمين، كان في الجاهلية نصرانيا، فلما أسلم ~~مضى في إسلامه متتبعا للخير متوخيا للبر متفقها في الدين ناصحا لله وللناس، مرتفعا عن ~~صغائر الأمور وأعراض الدنيا. وقد وثق به عمر فولاه قضاء البصرة، وأثبته عثمان على قضائها، ~~ولم يعرض له عامل علي، فظل قاضيا حتى كانت الفتنة، وأقبلت أم المؤمنين ومعها هذان الشيخان ~~إلى البصرة، وحاول كعب أن يصلح بين الناس فلم يبلغ من ذلك شيئا. وحاول أن يحمل قومه الأزد ~~على اعتزال الفتنة وترك البصرة فلم يبلغ من ذلك شيئا، وقال له رئيس القوم صبرة بن شيمان: ~~ما أرى إلا أن نصرانيتك القديمة قد أدركتك، أتريد أن نترك ثقل رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~؟! وأراد ~~أن يعتزل الفتنة وحده بعد أن أبى قومه أن يتبعوه فلم يبلغ من ذلك شيئا، عزمت عليه أم ~~المؤمنين ألا يتركها، فأقام معها مستجيبا لعاطفته الدينية من جهة ولعاطفة الجوار ms038 من جهة ~~أخرى، كأنه قدر أن أم المؤمنين حين عزمت عليه ألا يتركها قد أرادت أن تتخذه لها جارا، ~~فأقام معها وجعل مع ذلك يحاول الإصلاح بين الناس، ولم يكن يشفق من شيء كما كان يشفق من ~~التقاء الجمعين ووقوف بعض القوم لبعض، كان يرى أن في ذلك تحريضا على القتال ودعاء إليه، ~~فما أسرع ما يعزب حلم الحليم! وما أسرع ما يستخف الطيش سفهاء الناس في مثل هذه ~~المواطن! # ولكن الجمعين قد التقيا على تعبئة ذات صباح، وخرج علي حتى كان بين الفريقين فدعا إليه ~~طلحة والزبير ليكلمهما، فخرجا إليه، وتواقف ثلاثتهم وسأل علي صاحبيه: ألم تبايعاني؟ قالا: ~~بايعناك كارهين ولست أحق بها منا. فقال لطلحة: أحرزت عرسك وخرجت بعرس رسول الله # صلى الله عليه وسلم # تعرضها لما تتعرض له؟! وقال للزبير: كنا نعدك من آل عبد المطلب حتى نشأ ابنك ابن سوء ففرق ~~بينك وبيننا. يريد ابنه عبد الله وأمه أسماء بنت أبي بكر؛ تعصب لأخواله من تيم فخرج مع ~~عائشة خالته ومع طلحة التيمي من عمومته، ولم يحفل بأن أباه الزبير كان ابن صفية بنت عبد ~~المطلب عمة رسول الله وعمة علي، ثم قال علي للزبير: أتذكر يوم قال لك رسول الله: إنك ~~ستقاتلني ظالما لي؟ فذكر الشيخ هذا الحديث وتأثر به، وتأثر كذلك بقرابته من علي والنبي، ~~وقال لعلي: لو ذكرت ذلك ما خرجت، والله لا أقاتلك أبدا. # ورجع إلى أم المؤمنين فقال لها: إني لا أرى في هذا الأمر بصيرة. قالت: فتريد ماذا؟ قال: ~~أريد أن أعتزل الناس. وهنا يختلف المؤرخون؛ فقوم يرون أنه مضى لوجهه حتى أدركه ابن جرموز ~~فقتله في وادي السباع بأمر من الأحنف بن قيس أو عن غير أمر منه. وقوم يقولون إن ابنه عبد ~~الله عيره الجبن، وقال له: رأيت رايات ابن أبي طالب وعلمت أن تحتها الموت فجبنت! وما زال ~~به حتى أحفظه. فقال له الزبير: ويلك! إني قد حلفت لا أقاتل عليا. فقال عبد الله: ما أكثر ~~ما ms039 يكفر الناس عن أيمانهم! فأعتق غلامك سرجيس وقاتل عدوك. ففعل وانهزم مع الناس. # ونحن إلى الرواية الأولى أميل، فقد كان الزبير رقيق القلب، شديد الخوف من الله، شديد ~~الحرص على مكانته من رسول الله. وكانت حيرته شديدة منذ وصل إلى البصرة ورأى ما رأى من ~~افتتان الناس واختلافهم، وازدادت حيرته حين عرف أن عمار بن ياسر قد أقبل في أصحاب علي، وكان ~~المسلمون يتسامعون بقول النبي # صلى الله عليه وسلم # لعمار: «ويحك يا ابن سمية! تقتلك الفئة الباغية.» ~~فلما عرف أن عمارا في جيش علي أصابته رعدة شديدة إشفاقا من أن يكون من هذه الفئة الباغية، ~~وقد تماسك مع ذلك حتى لقي عليا وسمع منه ما سمع، وهنالك استبانت له بصيرته، فانصرف عن ~~القوم ولم يقاتل حتى قتل غيلة بوادي السباع، وقد حزن علي لمقتله وبشر قاتله بالنار، وأخذ ~~سيف الزبير بيده وهو يقول: سيف طالما جلا الكرب عن وجه رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~. # مضى الزبير إذن ولم يقاتل، وكأن انصرافه قد فت في أعضاد أصحابه فلم يقتتلوا إلا ضحوة ~~يومهم ذاك ثم انهزموا، وجعل طلحة يحرضهم وهو جريح، أصابه سهم طائش في بعض الروايات، أو ~~سهم رماه به مروان بن الحكم، وكان من أصحابه. وكان مروان يقول: والله، لا طالبت بثأر عثمان ~~بعد اليوم. وقال لبعض ولد عثمان: لقد كفيتك ثأر أبيك من طلحة. # ومهما يكن من شيء، فقد انهزم الناس وأصيب طلحة وعرف أنه ميت، فجعل ينظر إلى دمه وهو ~~ينزف ويقول: اللهم خذ لعثمان مني حتى يرضى. ثم أمر مولاه أن يأوي به إلى مكان ينزل فيه، ~~فأوى به - بعد جهد - إلى دار خربة من دور البصرة، فمات فيها بعد ساعة. # وظن الناس أن الحرب قد وضعت أوزارها، وأن النصر قد كتب لعلي وأصحابه، وكان علي قد تأذن ~~في أصحابه ألا يجهزوا على جريح، ولا يتبعوا هاربا، ولا يدخلوا دارا، ولا يحوزوا مالا، ~~ولا يؤذوا امرأة. وإن عليا لفي بعض أمره يظن أن الحرب قد ms040 وضعت أوزارها، وأن النصر قد ~~أتيح له، وإذا هو يسمع عجيجا وضجيجا شديدين، فيسأل فيقال له: إنما عائشة تحرض الناس ~~وتلعن قتلة عثمان، والناس يلعنون معها قتلة عثمان. فيقول علي: يلعنون قتلة عثمان؟! والله ما ~~يلعنون إلا أنفسهم، فهم قتلوه، اللهم العن قتلة عثمان. # | الفصل الثالث عشر # وكان علي - صباح ذلك اليوم حين استيأس من طلحة وعرف أنه يأبى إلا الحرب - قد كف أصحابه ~~كفا شديدا عن أن يبدءوا بالقتال حتى يأمرهم، وجعل شباب أهل البصرة والسفهاء منهم خاصة، ~~يحاولون إنشاب القتال؛ فينضحون أصحاب علي بالنبل حتى أصابوا منهم نفرا، فجعل أصحاب علي ~~يحملون من أصيب منهم إلى علي ويتعجلون إذنه بالقتال، وهو مع ذلك مستأن لا يجيبهم إلى ما ~~يطلبون. فلما كثر ذلك من أهل البصرة دفع علي مصحفا إلى فتى من أهل الكوفة وأمره أن يقف به ~~بين الصفين وأن يدعو القوم إلى ما فيه، وأنذره بأنه مقتول إن نهض بهذه المهمة، فشك الفتى ~~غير طويل، ثم أخذ المصحف وانطلق به حتى وقف بين الصفين وجعل يدعو القوم إلى ما فيه، فرشقوه ~~بالنبل رشقا واحدا فقتلوه. # وتكثر الرواة بعد ذلك، فقالوا: رفع الفتى المصحف بيمينه فقطعوها، فأخذ المصحف بشماله ~~فقطعوها، فأخذ المصحف بأسنانه أو بين منكبيه حتى قتل. # والشيء المحقق أن الفتى قتل وهو يدعوهم إلى ما في القرآن، فقال علي لأصحابه: الآن طاب ~~الضراب. وكانت الموقعة الأولى صدر النهار، وكانت الهزيمة حتى زالت الشمس، فلما انهزم الناس ~~أقبل المتحمسون من أصحاب طلحة والزبير، وعلى رأسهم عبد الله بن الزبير في أكبر الظن، ~~فأخرجوا أم المؤمنين من بيتها في المسجد الذي استترت فيه، وأدخلوها هودجا مصفحا بالدروع، ~~وحملوها على جملها ذاك، وأشهدوها ميدان الوقيعة، فثاب المنهزمون إلى أمهم ورأوا أنهم لا ~~يحمون أمهم فحسب وإنما يحمون زوج رسول الله وحبيبته؛ فثارت في نفوسهم عقدة غريبة؛ فيها ~~الشعور الديني القوي، وفيها الشعور بحرمة العرض وحماية الأم والذود عن الذمار. واجتمع الناس ~~حول أمهم مستقتلين يكرهون أن تصاب أم المؤمنين ms041 بأذى في بلدهم وهم شهود. # وكان جمل عائشة - فيما يقول بعض من شهد الوقعة - راية أهل البصرة، يلوذون به كما يلوذ ~~المقاتلون براياتهم، وما أسرع ما أفاق المنتصرون من انتصارهم حتى أقبلوا على خصمهم أولئك ~~يريدون أن يهزموهم آخر النهار كما هزموهم وجه النهار! وهنا يظهر كعب بن ثور قاضي البصرة، ~~وقد برز بين الصفين وعلق في عنقه مصحفا، وجعل يدعو أولئك وهؤلاء إلى كتاب الله وما فيه ~~وينهاهم عن الشر. ولكن أصحاب علي رشقوه بالنبل رشقا واحدا فقتلوه، كأنهم ثأروا لفتاهم ذاك ~~الذي قتل وهو يحمل المصحف بين الصفين حين ارتفع الضحى. # واقتتل الفريقان قتالا شديدا منكرا، يريد أصحاب علي ألا يفلت منهم النصر بعد أن ~~أحرزوه، ويريد أصحاب عائشة أن يحموا أم المؤمنين ويموتوا دونها، واقتتل القوم حتى كره بعضهم ~~بعضا وحتى مل بعضهم بعضا وحتى يئس بعضهم من بعض. ثم هذه صيحات ترتفع في الجو تأتي من ~~يمين ومن شمال، وتدعو المقاتلين إلى أن يطرفوا، أي إلى أن يقطع بعضهم أطراف بعض. وهم ~~يقبلون على هذا النكر من الأمر يقطع بعضهم أيدي بعض ويقطع بعضهم أرجل بعض، ولا يكاد أحدهم ~~تقطع يده أو رجله حتى يستقتل إلى أن يقتل. وقد كاد أصحاب عائشة أن ينهزموا، ولكن الجمل ~~قائم لا يريم، وعليه هودجه لا يضطرب، وفي الهودج أم المؤمنين تحرض الناس فتردهم إلى الحماسة ~~والجرأة بعد الخوف والفرق، وهم يثبتون حول الجمل لا يريدون انتصارا ولا يريدون فوزا، ~~وإنما يريدون أن يحموا أمهم، وراجزهم يرتجز: # يا أمنا عائش لا تراعي # كل بنيك بطل المصاع # وهي تتحدث إلى من عن يمينها محرضة، وإلى من عن شمالها محمسة، وإلى من أمامها مذكرة، ~~وأصحاب علي يلحون على هؤلاء المستقتلين، وراجزهم يرتجز: # يا أمنا أعق أم نعلم # والأم تغذو ولدها وترحم # أما ترين كم شجاع يكلم # وتختلى منه يد ومعصم؟! # فيجيبه راجز أصحاب عائشة: # نحن بني ضبة أصحاب الجمل # ننازل القرن إذا القرن نزل # والقتل أشهى عندنا من العسل # ننعى ابن عفان ms042 بأطراف الأسل # ردوا علينا شيخنا ثم بجل # وما يزال أولئك يستقتلون وهؤلاء يشتدون عليهم، حتى كان لا يأخذ بخطام الجمل أحد إلا قتل ~~من دونه، وقد رأى علي هذا القتل الذريع، فراعه نكر ما رأى، وصاح بأصحابه: اعقروا الجمل؛ ~~فإن في بقائه فناء العرب. فيهوي إليه رجل من أصحابه بالسيف فيعقره، ويخر الجمل إلى جنبه وله ~~عجيج منكر لم يسمع مثله. # وهنالك - وهنالك فحسب - يتفرق حماة الجمل كما ينتشر الجراد، ويقبل محمد بن أبي بكر وعمار ~~بن ياسر فيحتملان الهودج وينحيانه ناحية، ويضرب محمد على هودج أخته فسطاطا، ويأمره علي أن ~~ينظر أأصابها مكروه، فيدخل رأسه في الهودج، فتسأله: من أنت؟ فيقول: أبغض أهلك إليك. فتقول: ~~ابن الخثعمية؟ فيقول: نعم؛ أخوك محمد. ويسألها: أأصابها مكروه؟ فتقول: مشقص في عضدي. ~~فينتزعه، ويأتي علي مغضبا، ولكنه على ذلك متماسك يملك نفسه ويضبطها أشد الضبط، فيضرب ~~الهودج برمحه ويقول: كيف رأيت صنيع الله يا أخت إرم؟! فتقول: يا ابن أبي طالب، ملكت فأسجح. ~~فيقول علي: غفر الله لك. وتجيب عائشة: وغفر لك. # ثم يأمر علي محمد بن أبي بكر أن يدخل أخته دارا من دور البصرة، فيحملها حتى يدخلها ~~دار عبد الله بن خلف الخزاعي، فتقيم فيها أياما. # | الفصل الرابع عشر # وكذلك اقتتل الناس حول طلحة حتى انهزموا وجه النهار وقتل طلحة، ثم اقتتلوا آخر النهار ~~حتى انهزموا حين أقبل الليل وسلمت عائشة، ورأى المسلمون يوما لم يروا مثله شناعة ولا ~~بشاعة ولا نكرا، سل المسلمون فيه سيوفهم على المسلمين، وقتل خيار المسلمين فيه خيار ~~المسلمين، فقتل من أولئك وهؤلاء جماعة من جلة أصحاب النبي ومن خيرة فقهاء المسلمين ~~وقرائهم، وحزن علي لذلك أشد الحزن وأقساه. فكان يتعرف القتلى من أصحابه ومن خصمه ويتوجع ~~لأولئك وهؤلاء، ويترحم على أولئك وهؤلاء، ويتجه إلى الله ربه فيقول: # أشكو إليك عجري وبجري # شفيت نفسي وقتلت معشري # وكأن العرب في ذاك اليوم قد عادت إلى جاهليتها الجهلاء وضلالتها العمياء، ونسيت دينها ~~السمح أو كادت تنساه، أو كأن ms043 العرب في ذلك اليوم قد جن جنونها وفقدت صوابها فلم تدر ما ~~تأتي ولا ما تدع، أو كأن الفتنة قد شبهت على العرب حتى رأى المسلمون أنفسهم في ظلمة ~~ظلماء لا يرون، حتى كأنهم الذين وصفهم الله في القرآن حين قال: # أو ~~كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق # إلى آخر الآيات، ~~إلا أنهم كانوا مسلمين، يرى كل منهم أنه يغضب لله ويقاتل ويقتل ويموت في سبيل الله؛ ولهذا ~~لم يبعد علي حين قال لأصحابه حين سألوه قبل الموقعة: إن من قاتل فقتل وهو لا يريد ~~بقتاله إلا الحق ولا يبتغي به إلا رضى الله فهو شهيد، وقد أنفذ علي أمره كله، فأمن الناس ~~إثر سقوط الجمل، واشتد على أصحابه في ألا يجهزوا على جريح ولا يتبعوا فارا ولا يدخلوا ~~دارا ولا يهتكوا سترا، ولم يقسم بين أصحابه غنيمة إلا ما أجلب به أهل البصرة من خيل أو ~~سلاح، لم يكن ملكا لبيت المال، بل تجاوز إلى أبعد من ذلك وأمر بجمع ما ترك أهل البصرة في ~~الميدان وحمله إلى المسجد، ونادى مناديه في الناس: من عرف منه شيئا فليأخذه. # وكأن الليل قد رد إلى القوم عوازب أحلامهم، وأصبحوا جميعا محزونين لا فرق في ذلك المنتصر ~~والمنهزم، وأقبل علي من غده فصلى على القتلى جميعا من شيعته ومن خصمه، وأذن للناس في دفن ~~موتاهم، وجمع الأطراف الكثيرة فاحتفر لها قبرا كبيرا ودفنها فيه، وأقام في معسكره خارج ~~البصرة، فلم يدخل المدينة إلا بعد ثلاث. # وواضح أن هذه الموقعة المنكرة قد تركت في نفوس المسلمين أعمق الأثر وأبقاه، وقد كانت على ~~ذلك كله مصدرا خصبا لخيال القصاص والشعراء، فقصوا حتى أسرفوا في القصص، وأضافوا من رائع ~~الشعر والرجز إلى المقتتلين ما لم يقولوا إلا أقله، وهم على ذلك لم يبلغوا وصف هذه الموقعة ~~الشنيعة البشعة، ومتى استطاع الأدب - على خصبه ونفاذه وقوته - أن يصور ما في قتال الإخوان ~~للإخوان، وفتك الآباء بالأبناء، والأبناء بالآباء، وتجاوز هذه الحرمات التي لا يباح للناس ms044 ~~أن يتجاوزوها، فيصيب بتصويره الغاية ويبلغ به المدى؟! وصدق من قال من أصحاب النبي حين بلغه ~~قتل عثمان: لقد كنتم تحتلبونها لبنا؛ فلن تحتلبوها منذ اليوم إلا دما. # وقد كثر القتلى والجرحى من أولئك وهؤلاء، واختلف الرواة في إحصاء القتلى، فمنهم من بلغ ~~بهم عشرين ألفا، ومنهم من لا يتجاوز بهم عشرة آلاف، وفي هذا الإحصاء وأمثاله إسراف كثير، ~~ولكن الشيء الذي ليس فيه شك هو أن كثيرا جدا من دور البصرة والكوفة قد سكنها الحزن ~~والثكل والحداد، وكان ذلك ابتداء مشئوما لخلافة كان يرجى أن تكون كلها بركة ويمنا ~~للمسلمين. # ولكن ستة أشهر لم تمض على خلافة علي حتى جرت دماء المسلمين غزارا بأيدي المسلمين وأصبح ~~بأسهم بينهم شديدا. # | الفصل الخامس عشر # ودخل علي البصرة بعد الموقعة بثلاثة أيام، فجاء المسجد فصلى فيه وجلس للناس صدر النهار، ~~فلما أمسى ركب لزيارة عائشة ومعه جماعة من أصحابه، فبلغ دار عبد الله بن خلف الخزاعي، ~~وكانت أعظم دار في البصرة، ولم يكد يدخل حتى لقيته ربة الدار صفية بنت الحارث العبدرية شر ~~لقاء، قالت له: يا علي، يا قاتل الأحبة، يا مفرق الجماعة، أيتم الله بنيك منك كما أيتمت بني ~~عبد الله. وكان زوجها عبد الله بن خلف وأخوه عثمان قد قتلا في الموقعة، فلم يجبها علي ~~وإنما مضى حتى دخل على عائشة، فلما جلس إليها قال: جبهتنا صفية، أما إني لم أرها منذ كانت ~~جارية حتى اليوم. ثم أخذ معها فيما كان بينهما من حديث، فلما انصرف تلقته صفية فأعادت عليه ~~مقالتها تلك، وأراد علي أن يسكتها عنه، فجعل يقول - وهو يشير إلى أبواب الحجرات المغلقة: ~~لقد هممت أن أفتح هذا الباب وأقتل من وراءه، وأن أفتح هذا الباب وأقتل من وراءه. فلما سمعت ~~صفية ذلك سكتت عنه وخلت له طريقه، وكان في تلك الحجرات كثير من الجرحى من أصحاب عائشة، ~~آوتهم عائشة إلى هذه الدار وأمرت بتمريضهم حتى يبرءوا، وكان علي يعلم بمكانهم، ولا شك في ~~أنه لم يكن ms045 يريد أن يقتل منهم أحدا، وإنما خوف تلك القرشية فخلت بينه وبين ~~طريقه. # وهم بعض أصحاب علي أن يبطشوا بهذه القرشية، فزجرهم علي زجرا عنيفا، وقال: لقد كنا ~~نؤمر بالكف عن النساء وهن مشركات، ولقد كان الرجل ينال المرأة بالضربة فيعير بذلك ~~عقبه، فلا يبلغني أن أحدا منكم قد عرض لامرأة بسوء إن آذتكم وشتمت أمراءكم؛ فأنزل به ~~أشد العقوبة. # ولم يكد يبعد عن الدار قليلا حتى أقبل رجل فأنبأه بأن اثنين من أهل الكوفة قاما على باب ~~الدار فقالا لعائشة قولا غليظا، يرفعان به صوتهما لتسمعه، قال أحدهم: جزيت عنا أمنا ~~عقوقا. وقال الآخر: يا أمنا توبي؛ لقد خطئت. # فأرسل علي من جاءه بالرجلين وبمن كان معهما من الرجال، فلما تثبت أنهما قالا مقالتهما ~~تلك أمر بقتلهما بادي الرأي، ثم خفف العقوبة، فأمر بأن يضرب كل واحد منهما مائة ~~سوط. # وسار علي في أهل البصرة سيرة الرجل الكريم الذي يقدر فيعفو ويملك فيسجح، وكان يقول: سرت ~~في أهل البصرة سيرة رسول الله # صلى الله عليه وسلم # في أهل مكة. ثم جلس لهم فبايعوه على راياتهم، بايعه ~~منهم الصحيح والجريح، ثم عمد بعد ذلك إلى بيت المال، فقسم ما وجد فيه على الناس، وقوم يرون ~~أنه قسمه في أصحابه دون خصمه من أهل البصرة، ووعدهم مثل ذلك إلى أعطياتهم إن أظفرهم الله ~~بأهل الشام، والأشبه بسيرة علي أنه قسم المال في الغالبين والمغلوبين جميعا. ومن أجل ذلك ~~غضب الثائرون بعثمان؛ لأنه لم يفرق بين شيعته وبين عدوه، وغضبوا كذلك لأنه لم يبح لهم أن ~~يأخذوا ما ظفروا به بعد الهزيمة، وقال قائلهم: أحل لنا دماءهم وحرم علينا أموالهم! # ويقول بعض المؤرخين: إن هؤلاء الثائرين - الذين يحب الطبري ورواته أن يسموهم السبئية - قد ~~خفوا من البصرة إلى الكوفة؛ فأعجلوا عليا واضطروه إلى أن يلحقهم مخافة أن يحدثوا في ~~الكوفة حدثا. وأكبر الظن أن الأمر لم يبلغ بهم هذا الحد، وإنما جمجموا ببعض ما وجدوا من ~~الغضب ثم لم يزيدوا على ذلك ms046 ، كما جمجم الأشتر - فيما يروى - حين ولى علي على البصرة عبد ~~الله بن عباس. وقال الأشتر - فيما يروى: ففيم قتلنا الشيخ إذن؟! عبد الله على البصرة ~~وعبيد الله على اليمن وقثم على مكة، وكلهم من بني العباس. ويزعم رواة الطبري أن الأشتر غضب ~~وارتحل مسرعا إلى الكوفة، فأمر علي بالرحيل ليلحق به قبل أن يحدث حدثا. # وما أرى إلا أن هذا كله قد تكلفه الرواة بأخرة، وما أكثر ما كان الناس ينكرون من خلفائهم ~~هذا الأمر أو ذاك ثم لا يتجاوزون هذا الإنكار بألسنتهم! أنكروا على أبي بكر، وأنكروا على ~~عمر، وأنكروا على عثمان في الصدر الأول من خلافته، ثم لم يزيدوا على ذلك شيئا. # والناس يختلفون في المدة التي أقامها علي بالبصرة، قوم يرون أنه لم يقم فيها إلا شهرا أو ~~أقل من شهر، وقوم يرون أنه أقام فيها شهرين أو أكثر قليلا، ونميل نحن إلى أنه لم يطل ~~المقام في البصرة، وإنما كانت أمامه أمور دبرها ثم ارتحل إلى الكوفة متعجلا، يريد أن يستعد ~~لحرب أهل الشام بعد أن صرفته عن حربهم فتنة هؤلاء الذين كان يسميهم الناكثين؛ لأنهم بايعوا ~~ثم نقضوا البيعة. وكان من أهم هذه الأمور أن يفرغ من أمر الموقعة وأعقابها، وأن يطمئن على ~~أمر البصرة بعد انصرافه عنها، وقد جعل يستصلح الناس فيعفو عنهم ويعطيهم الرضى، ويؤمن الخائف ~~منهم ويتجاهل مكان العدو. # وقد أظهر الجهل بما كان من أمر جماعة بني أمية، أصابتهم جراحات في الموقعة وأشفقوا ألا ~~يؤمنهم علي فتشتتوا في الأرض وطلبوا الجوار إلى أشراف العرب، فأجاروهم وأقاموا على ~~تمريضهم ثم أبلغوهم مأمنهم، وعلي يعلم هذا كله ويخفي علمه به لأنه لم يكن يريد بأحد بعد ~~الموقعة شرا، وكان يعلم أن عائشة قد ضمت إليها كثيرا من الجرحى، فلم يعرض لهم بسوء ولم ~~يخف علمه بمكانهم، وإنما قاله لصفية بنت الحارث حين اعترضته شاتمة له داعية عليه. # واستخفى عبد الله بن الزبير بجراحاته الكثيرة، ثم أرسل إلى أم المؤمنين ينبئها بمكانه ~~وطلب ms047 إلى رسوله ألا يؤذن بذلك محمد بن أبي بكر؛ فذهب الرسول فأبلغ أم المؤمنين، فأرسلت إلى ~~أخيها محمد وقالت له: اذهب إلى مكان ابن أختك فأتني به. وذهب محمد إلى ابن أخته فأتى به، ~~وجعل يتشاتمان طول الطريق، يشتم محمد عثمان ويشتم عبد الله خاله محمدا. # وكذلك ثاب الناس إلى كثير من العافية والإسماح، وجعلت ثورة القلوب تهدأ قليلا قليلا ~~وتترك فيها حسرات تختلف قوة وضعفا باختلاف هذه القلوب. # وكانت عائشة - فيما يروي المؤرخون والمحدثون - أشد المغلوبين حسرة وأعظمهم ندما وكانت ~~تتلو: # وقرن في بيوتكن # إلى آخر الآية، ثم تبكي حتى ~~يبتل خمارها، وكانت تقول: وددت لو أني مت قبل هذا اليوم بعشرين عاما. وكانت تقول بعد ~~رجوعها إلى الحجاز: والله إن قعودي عن يوم الجمل لأحب إلي لو أتيح لي من أن يكون لي عشرة ~~بنين من رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~. # وكان أشد الناس حسرة وأعظمهم أسى بين الغالبين علي نفسه، فقد كان يقول: لو عرفت أن ~~الأمر يبلغ بنا ما بلغ لما دخلت فيه. وكان يقول: # أشكو إليك عجري وبجري # شفيت نفسي وقتلت معشري # وكان يقول: وددت لو أني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة. كما كانت تقول عائشة. # وكان من الأمور ذات الخطر التي أراد علي أن يفرغ منها قبل أن يترك البصرة رد عائشة إلى ~~المدينة لتقر في بيتها كما أمرها الله، وقد تعجلها في الرحيل فاستأجلته أياما، كأنها كانت ~~تريد أن تطمئن على الجرحى، فأجلها علي أياما ثم جهزها بجهاز ملائم لمكانتها، وأرسل معها ~~جماعة من رجال ونساء. وخرجت عائشة يوم سفرها فسلم الناس عليها وودعوها، وأمرتهم بالخير ~~وأنبأتهم أنه لم يكن قط بينها وبين علي إلا ما يكون بين المرأة وأحمائها، وصدق علي أمام ~~الناس مقالتها وشيعها، وشيعها الناس معه حتى أبعدوا، وأمر بنيه فساروا معها يوما كله ثم ~~رجعوا. # وأمر علي على البصرة عبد الله بن عباس، وما نرى أنه كان يستطيع أن يؤمر غيره؛ ~~فالكثرة في البصرة مضرية، وما ينبغي ms048 أن يؤمر عليها بعد الفتنة إلا رجل من مضر شديد ~~القرابة من علي، وأمر علي زيادا على الخراج، وارتحل إلى الكوفة، فلما بلغها وجد فيها ~~حزنا وخوفا، وجد الحزن عند الذين أصيب أبناؤهم وإخوانهم وآباؤهم، ووجد الخوف عند الذين ~~لم ينفروا معه فأشفقوا أن يسخط عليهم، ولكنه واسى أولئك واستصلح هؤلاء وجعل يستعد لحرب أهل ~~الشام. # | الفصل السادس عشر # ولم يضع شيئا من وقته، ولم يرفق بنفسه ولا بأصحابه، فلم يكد يفرغ من حرب الناكثين - كما ~~كان يسميهم - حتى جعل يتأهب لحرب القاسطين كما كان يسميهم كذلك. وصل إلى الكوفة في أواخر ~~رجب، فلم يقم فيها إلا أربعة أشهر استعد أثناءها للحرب. # ولم يكن أصحابه يرفقون بأنفسهم أيضا، فقد كان المنتصرون منهم حراصا على أن يضيفوا نصرا ~~إلى نصر، وكان المتخلفون منهم حراصا على أن يعوضوا ما فاتهم به أصحابهم الذين قاتلوا يوم ~~الجمل، وأن يرضوا عليا عن أنفسهم بما يبلون في الحرب المقبلة من بلاء. # وكانت الحرب المقبلة محتاجة إلى البلاء الحسن كله؛ فالخصم في الشام عنيف يحيط به جند أولو ~~قوة وأولو بأس شديد، فأما عنف هذا الخصم وهو معاوية فيمكن أن نقدره حين نلاحظ أنه ابن أبي ~~سفيان الذي حارب النبي بعد بدر، فأبلى في حربه أشد البلاء وأقواه، وأظهر في هذه الحرب قوة ~~وقسوة وكيدا ودهاء، ولم يسلم إلا بأخرة حين لم ير من الإسلام بدا، وحين لم يكن له إلا أن ~~يختار بين الإسلام والموت. وقد ورث معاوية عن أبيه قوته وقسوته وكيده ودهاءه ومرونته كذلك، ~~ولم تكن أم معاوية بأقل من أبيه تنكرا للإسلام وبغضا لأهله وحفيظة عليهم، وهم قد وتروها ~~يوم بدر، فثأر لها المشركون يوم أحد، ولكن ضغنها لم يهدأ وحفيظتها لم تسكن حتى فتحت مكة ~~فأسلمت كارهة كما أسلم زوجها كارها. وقد ولى عمر معاوية على الشام، فلم يعزله عنها على ~~كثرة ما كان عمر يحب أن يغير العمال، رضي عن سياسته للشام وجند الشام وعن ثباته للروم، وكان ~~عمر يكفكف ms049 من غلواء معاوية وطموحه إلى الفتح ورغبته في أن يغزو البحر كما غزا البر، ثم جاء ~~عثمان فغير عمال عمر جميعا بعد ولايته بوقت قصير إلا معاوية، فإنه أقره على عمله رضى عنه ~~كما رضي عنه عمر، وركن إليه أكثر مما ركن إلى غيره من العمال لقرابته وقوته وحسن تدبيره ~~للأمر وحسن تصرفه في المشكلات، وخروجه من المآزق ونفوذه في الخطوب حين تدلهم، وكان إذا ضاق ~~عماله ببعض المعارضين من أهل الكوفة والبصرة أمر عامله في هذا المصر أو ذاك بنفي هؤلاء ~~المعارضين إلى الشام حيث يتلقاهم معاوية فيؤدبهم باللين والرفق ما وسعه اللين والرفق، ~~ويؤدبهم بالشدة والعنف حين لا يرى من الشدة والعنف بدا. # وقد ضاق معاوية برجل عظيم الخطر من أصحاب النبي هو أبو ذر، كما رأيت فيما مضى من هذا ~~الكتاب، ولم يستطع أن يبطش به لمكانه من رضى رسول الله عنه وإيثاره إياه ولسابقته في ~~الإسلام، ولم يستطع أن يفتنه عن دينه بالمال، فشكاه إلى عثمان، وأمره عثمان بتسييره إلى ~~المدينة، ولم يطق عثمان نفسه معارضة أبي ذر فأخرجه من المدينة واضطره إلى أن يقيم في الرملة ~~حتى مات. # ووفد معاوية على عثمان في آخر أيامه، حين كثر قول الناس فيه وإنكارهم عليه، فاقترح - فيما ~~يروي المؤرخون - أن ينتقل معه إلى الشام، فكره عثمان أن يترك جوار النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، فاقترح ~~عليه معاوية أن يرسل إليه جندا من أهل الشام يحتلون المدينة ويقومون فيها دونه، فأبى عثمان ~~أن يضيق بهؤلاء الجند على أهل المدينة، وخرج معاوية فأوصى المهاجرين بالشيخ خيرا ولمح ~~لهم بالنذير إن هم أعانوا عليه أو قصروا في ذاته. # ولكنه عاد بعد ذلك إلى الشام وعرف اشتداد النكير على عثمان، وعرف بعد ذلك أن عثمان قد ~~حصر فلم يخف لنصره ولم يرسل إليه جندا، ثم جاءه كتاب عثمان يستغيثه كما استغاث غيره ~~من العمال، فأبطأ عن نصره كما أبطئوا وظل متربصا حتى قتل الشيخ، وهنالك نهض يطلب بدمه، ~~وكان خليقا لو أراد ms050 أن يحقن هذا الدم قبل أن يراق، ولكنه أقام في الشام مطرقا إطراق ~~الشجاع ينتظر الفرصة المواتية، وقد واتته الفرصة فاهتبلها غير مقصر في اهتبالها وغير متهالك ~~عليها أيضا، كان مستأنيا بعيد الأناة، وكان متحفظا شديد التحفظ، وكان على ذلك نشيطا أشد ~~النشاط، يعمل عقله ورويته في غير انقطاع، ويدعو الناس إلى نصره في غير إلحاح أول الأمر، ~~وإنما كان يعظم قتل الخليفة المظلوم، ويهول من أمر هذا الحدث المنكر، حتى انقادت إليه قلوب ~~أهل الشام وضمائرهم، وإذا هم يظهرون من الغضب لعثمان والطلب بدمه أكثر مما كان يظهر، وإذا ~~هم يتعجلونه في النهوض وهو مع ذلك يبطئهم ويستأني بهم، ويحتاط في الأمر لنفسه ولهم، ويبلغ ~~مع ذلك في تألف القلوب واستهواء الضمائر والنفوس، يطمع هؤلاء ويخيف أولئك، وينتظر بهؤلاء ~~الشيوخ من أصحاب الشورى من المهاجرين والأنصار ليرى ما يصنعون، يدس لبعضهم من بني أمية ~~المرغبين والمرهبين والمبشرين والمنذرين، حتى إذا رأى انحياز طلحة والزبير وعائشة إلى ~~مكة وائتمارهم بقتال علي غضبا لعثمان لم يدعهم إليه ولم ينصرهم بجنده، وإنما ألقى أنصاره ~~في روعهم أن معاوية سيكفيهم الشام وقد يكفيهم مصر، وأن عليهم أن يستأثروا بالعراق من دون ~~علي ليحصر علي في الحجاز، ثم يؤخذ بين من يخف لحربه من شرق الدولة وغربها. # وقد سمع الشيخان وسمعت عائشة للمشيرين بذلك من بني أمية، فقصدوا إلى البصرة يريدون أن ~~يحتازوها ثم يغيروا بعد ذلك بأهلها على الكوفة، فإذا فرغوا من العراق كان التعاون بينهم ~~وبين معاوية على علي، ثم تنظم بعد ذلك خلافة ثلاثية، قوامها طلحة والزبير ومعاوية، بعد ~~أن أبى علي هذه الخلافة الثلاثية التي طلبها إليه الشيخان بعد أن بايعاه. # وقد انصرف علي عما كان يتأهب له من حرب معاوية وأهل الشام واشتغل بالشيخين وأم المؤمنين ~~يريد أن يردهم إلى الطاعة، ويريد إن أبوا أن يقاتلهم، ورضي معاوية كل الرضى عن اشتغال هؤلاء ~~الشيوخ من المهاجرين والأنصار بأنفسهم، وفرغ هو لأمره يدبره ويحكم تدبيره، وكان يرى في أكبر ~~الظن ms051 أن هؤلاء الشيوخ إذا اقتتلوا وصار بأسهم بينهم شديدا وهنت قوتهم وذهبت ريحهم وأصبح ~~هو أقواهم قوة وأشدهم بأسا، فكان مثله مثل ذلك الشجاع الذي ذكره الشاعر القديم في ~~قوله: # مطرق ينفث سما كما # أطرق أفعى ينفث السم صل # وقد اقتتل هؤلاء الشيوخ من المهاجرين والأنصار، فقتل طلحة والزبير، وعادت عائشة إلى ~~بيتها في المدينة فاستقرت فيه، وكثر القتل في أهل البصرة والكوفة واستقر الحداد في كثير من ~~دورهم. # ونظر معاوية فإذا هو قد أصبح يلقى عليا وجها لوجه، وهو بعد ذلك لم يتعرض لحرب، لم يكلم ~~أحدا ولم يكلمه أحد؛ قوته موفورة، وعدته كاملة، وأصحابه وافرون لم يصابوا في أنفسهم ولا في ~~أموالهم، وهم قد اجتمعوا على حبه ونصره حتى يثأر لابن عمه الخليفة المظلوم. # فأما علي فقد خاض حربا منكرة قتل فيها من شيعته ومن عدوه خلق كثير، فعدوه واجدون ~~عليه لأنه وترهم فيمن قتل منهم، وشيعته لا تبرأ من الواجدين عليه لأنه قتل إخوانهم في حرب ~~البصرة. # فإذا أضفت إلى ذلك أن الفرق بين علي ومعاوية في السيرة والسياسة كان عظيما بعيد المدى، ~~عرفت أن معاوية كان ينتظر عليا في ثبات وثقة واطمئنان. كان الفرق بين الرجلين عظيما في ~~السيرة والسياسة، فقد كان علي مؤمنا بالخلافة كما تصورها المسلمون أيام أبي بكر وعمر وفي ~~الصدر الأول من خلافة عثمان، يرى أن من الحق عليه أن يقيم العدل بأوسع معانيه بين الناس، لا ~~يؤثر منهم أحدا على أحد؛ ويرى أن من الحق عليه أن يحفظ على المسلمين مالهم لا ينفقه إلا ~~بحقه، فهو لا يستبيح لنفسه أن يصل الناس من بيت المال، بل هو لا يستبيح لنفسه أن يأخذ من ~~بيت المال لنفسه وأهله إلا ما يقيم الأود لا يزيد عليه، وإن استطاع أن ينقص منه فعل. وكان ~~علي لا يحب الادخار في بيت المال وإنما ينفق منه على مصالح المسلمين، فإن بقي بعد ذلك شيء ~~قسمه بين الناس بالعدل. # وكان يحب أن يدخل بيت المال فإن وجد ms052 فيه شيئا لا يحتاج إليه لمصلحة عامة فرقه بين ~~الناس بالقسط، ثم يأمر ببيت المال، فيكسح وينضح بالماء، ثم يصلي فيه ركعتين، ثم يقول: ~~هكذا يجب أن يكون بيت المال. كان علي إذن في إنفاق دائم على الناس، ولكن على أساس ثابت من ~~العدل والقسط. # فأما معاوية فكان يسير سيرة أقل ما توصف به أنها سيرة الرجل العربي الجواد الداهية، يعطي ~~الناس ما وسعه إعطاؤهم، ويصل الذين يريد أن يتألفهم من الرؤساء والقادة، لا يجد في ذلك ~~بأسا ولا جناحا، فكان الطامعون يجدون عنده ما يريدون، وكان الزاهدون يجدون عند علي ما ~~يحبون. # وما رأيك في رجل جاءه أخوه عقيل بن أبي طالب مسترفدا، فقال لابنه الحسن: إذا خرج عطائي ~~فسر مع عمك إلى السوق فاشتر له ثوبا جديدا ونعلين جديدتين. ثم لم يزد على ذلك شيئا؟ وما ~~رأيك في رجل آخر يأتيه عقيل هذا نفسه بعد أن لم يرض صلة أخيه فيعطيه من بيت المال مائة ~~ألف؟ # كان معاوية إذن يعتمد على مذهبه هذا في السياسة، ويعلم أنه سيضم إليه كل من كان له أرب في ~~الدنيا، ثم لم يكن يقف صلاته على أهل الشام، وإنما كان له عيونه في العراق يرغبون ~~ويرهبون ويوصلون الأموال سرا، ولم يكن علي من هذا كله في شيء، لم يكن يحرص على شيء كما ~~كان يحرص على الأمانة في المال وعلى الوفاء بالعهد وعلى ألا يدهن في الدين، ولم يكن يبغض ~~شيئا كما كان يبغض وضع درهم من بيت مال المسلمين في غير وضعه أو إنفاقه في غير حقه، كما ~~كان يبغض المكر والكيد وكل ما يتصل بسبب من أسباب الجاهلية الأولى، كان الحق أمامه بينا، ~~فكان يمضي إليه مصمما ويدعو أصحابه إلى أن يمضوا إليه مصممين. # وكان الباطل بينا، فكان يعرض عنه عازما ويدعو أصحابه إلى أن يعرضوا عنه عازمين، وكان له ~~من أجل ذلك أنصار يحبونه ويخلصون له الحب ويذودون عن سلطانه بأنفسهم وأموالهم، وهو لذلك لم ~~يكد يستقر في الكوفة ms053 حتى جعل أصحابه يطلبون إليه أن ينهض بهم إلى عدوهم من أهل الشام، ولكنه ~~على ذلك أبى أن يمضي إلى الشام قبل أن يرسل السفراء إلى معاوية يدعوه إلى الطاعة والدخول ~~فيما دخل فيه الناس، لتكون حجته ظاهرة، وليتبعه من تبعه على بينة من أمره وعلى هدى من ~~الله. # | الفصل السابع عشر # وقد أرسل علي رجلا من أصحاب النبي؛ هو جرير بن عبد الله البجلي إلى معاوية، يطلب إليه أن ~~يبايع وأن يدخل فيما دخل فيه الناس، ويبين له حجة علي فيما يطلب إليه. وانتهى جرير إلى ~~معاوية فكلمه ووعظه وألح عليه في الكلام والوعظ، ولكن معاوية جعل يسمع منه ولا يقول له ~~شيئا، وإنما يطاوله ويسرف في مطاولته، ويدعو مع ذلك وجوه أهل الشام ورؤساء الأجناد فيظهر ~~مشاورتهم فيما يطلب إليه علي، ويعظم لهم قتل عثمان ويحرضهم على الوفاء للخليفة المظلوم ~~والطلب بدمه. # وهنا يظهر عمرو بن العاص الذي لم يكن أقل دهاء ولا أدنى مكرا ولا أهون كيدا من معاوية، ~~وكان عمرو بن العاص قد وجد على عثمان حين عزله عن مصر، فلما ظهرت الفتنة كان من المعارضين ~~لعثمان، وكانت معارضته الخفية أشد من معارضته الظاهرة، فكان يؤلب الناس ويحرضهم ما وسعه ذلك ~~سرا، على أنه مع ذلك لم يتردد أن قال لعثمان جهرة في المسجد: «إنك قد ركبت بالناس نهابير ~~وركبناها معك؛ فتب إلى الله نتب.» وتلقى عثمان منه ذلك أسوأ لقاء، فلما اشتدت الفتنة وعرف ~~عمرو أنها منتهية إلى غايتها آثر أن يعتزلها في طورها ذاك، فخرج إلى أرض كان يملكها بفلسطين ~~فأقام فيها وجعل يتنسم الأخبار. # وخرج معه إلى فلسطين ابناه عبد الله ومحمد، وكان عبد الله رجل صدق مخلصا في دينه، زاهدا ~~في دنياه، قد صحب النبي وأخذ عنه كثيرا من سننه، والتزم سيرة الورع والتقوى والترفع عن ~~الدنيات، وكان أخوه محمد فتى من فتيان العرب ثم من فتيان قريش، لم يعرض عن الدنيا ولم يزهد ~~فيها، وإنما طمع فيما يطمع فيه أمثاله من ms054 السعة والدعة والتقدم وبعد الصوت. # وكان عمرو وابناه على ما هم عليه في فلسطين حين جاءهم النبأ بقتل عثمان، فقال عمرو: «أنا ~~أبو عبد الله ما حككت قرحة إلا أدميتها.» يريد أنه قد مهد للفتنة والثورة بعثمان فأحكم ~~التمهيد وانتهى الأمر إلى غايته. ثم جاءه الخبر بأن الناس قد بايعوا عليا، وبأن معاوية ~~يأبى البيعة ويطالب بثأر عثمان، وبأن أهل الشام جميعا له ناصرون، فأدار عمرو الأمر بينه ~~وبين ابنيه أي موقف يقف من هذين الرجلين؟ # فأما ابنه عبد الله فقد أشار عليه أن يعتزل الناس، حتى إذا اجتمعت الكلمة والتأم الشمل ~~دخل فيما دخل فيه المسلمون، وألح عبد الله على أبيه في ذلك، وذكره بأن النبي والشيخين من ~~بعده قد فارقوا الدنيا وهم عنه راضون، فما ينبغي أن يضيع ما أتيح له من الفضل ~~والمنزلة. # وأما محمد، فقال له: أنت ناب من أنياب العرب، وما ينبغي أن تبرم الأمور وأنت متخلف. ~~وأشار عليه بأن يلحق بمعاوية. # فقال عمرو: أما عبد الله فقد أشار علي بما ينفعني في ديني وآخرتي، وأما محمد فقد أشار علي ~~بما ينفعني في دنياي. وأنفق ليلا مسهدا يضرب أمره أخماسا لأسداس، يكره بيعة علي لأنه لا ~~ينتظر من هذه البيعة منفعة أو ولاية أو مشاركة في الحكم، ولأنه يعلم أن عليا سيجعله رجلا ~~من الناس له ما لهم وعليه ما عليهم، ويشفق من اللحاق بمعاوية لأنه يرى أن معاوية يسمو إلى ~~شيء ليس له أهلا، ولأنه لم يكن يستحب بادئ الرأي أن يفرط في أمر دينه، ولكنه فكر وقدر ~~وأطال التفكير والتقدير، وحاول أن يصبر نفسه على اعتزال الناس، فلم يطق صبرا على الخمول ~~والانتظار. # ولم يكن عمرو قد نسي ولاية مصر التي أتيحت له أيام عمر، ولم يكن قد طاب نفسا عن عزل ~~عثمان إياه عن هذه الولاية، فكان فيما يظهر يحن إلى مصر حنينا متصلا، ولم يسفر الصبح له ~~حتى كان رأيه قد استقر على أن يلحق بمعاوية، فارتحل إلى دمشق وارتحل معه ms055 ابناه، فلما بلغها ~~ألفى أهل الشام يحرضون معاوية على الطلب بدم عثمان ويحضضونه على النهوض لحرب علي. فما أسرع ~~ما انضم عمرو إلى المحرضين والمحضضين! وجعل يلقى معاوية فيعظم له أمر الخليفة المظلوم، ~~ومعاوية يسمع منه دون أن يظهر احتفالا بما كان يقول له، كان يؤثر الأناة والتمهل، وكان أهل ~~الشام يتحرقون شوقا إلى الحرب، يرون في ذلك أداء لحق الخليفة المقتول وقياما بواجب يفرضه ~~عليهم الدين. # وكان عمرو يتعجل الحرب لتظهر حاجة معاوية إليه، فلما طال عليه إعراض معاوية عنه دخل عليه ~~ذات يوم، فتحدث إليه حديثا صريحا فهمه معاوية حق فهمه، فلم يلبث أن أظهر العناية بعمرو ~~وجد في أن يتخذه له حليفا؛ ذلك أن عمرا أظهر لمعاوية عجبه من هذا الإعراض عنه، مع أنه ~~إنما يضحي بشيء كثير حين ينضم إليه ويعرض عليه معونته بالرأي واليد واللسان، على ثقة منه ~~بأن معاوية ليس على الحق، وبأن خصمه هو صاحب الحق، وبأن الانتصار لمعاوية واللياذ به إنما ~~هما سبيل الدنيا لا سبيل الدين. فقد سمع معاوية ذلك وفهمه واستيقن أن عمرا إن انصرف عنه ~~كاد له فأبلغ في الكيد، وأن من الخير أن يستصلحه ويستخلصه لنفسه ويعطيه جزاءه من هذه الدنيا ~~التي يطلبها ويتهالك عليها. # وعمرو بعد ذلك صاحب حرب ومكيدة، فتح فلسطين وفتح مصر واطمأن إليه عمر منذ فتح مصر إلى أن ~~قتل، وهو بعد هذا كله داهية من دواهي العرب وشيخ ذو مكانة من شيوخ قريش. ويقول المؤرخون: ~~إن معاوية سأل عمرا عما يريده ثمنا لانضمامه إليه، فطلب إليه عمرو أن يطعمه مصر حياته، ~~واستكثر معاوية هذا الثمن، وكان بين الرجلين شيء من مشادة، حتى كاد عمرو أن يرتحل ويعود ~~أدراجه مغاضبا، ولكن عتبة بن أبي سفيان دخل بين الرجلين، وما زال بمعاوية أخيه حتى أرضاه ~~بالنزول لعمرو عن مصر أثناء حياته، وكتب بهذا الاتفاق بين الرجلين عهد مؤكد. # فلما لقي عمرو ابنيه لم يرضيا عن هذا الثمن وإنما استقلاه وسخرا منه، يذهب عبد الله في ms056 ~~ذلك إلى أن أباه قد باع دينه بثمن قليل، ويذهب محمد إلى أن أباه قد باع رأيه بثمن ~~قليل. # ومهما يكن من شيء فقد التأم حول معاوية جمع ليس به بأس من أولي مشورته في الشام، وهم: ~~رؤساء الأجناد، وشيوخ القبائل، وأهل بيته من بني أبي سفيان، وبنو عمومته من بني أمية، وانضم ~~إليه عمرو بن العاص. وكلهم كانوا يحرضون معاوية على النهوض للحرب ويستبطئونه، ويوشك بعضهم ~~أن يتهمه بالعجز والقصور. # فلما اجتمع لمعاوية أمره رد جرير بن عبد الله البجلي سفير علي إلى الكوفة دون أن ~~يعطيه شيئا، وعاد جرير فأنبأ عليا بامتناع معاوية عليه، وعظم له من أمر أهل الشام، وكأن ~~عليا لم يرض عن سفارة جرير، وكأن جماعة من أصحاب علي على رأسهم الأشتر أسمعوا جريرا بعض ~~ما يكره، فغضب وارتحل بأهله، فلحق بطرف من أطراف الشام في قرقيسياء، فأقام فيه مجانبا ~~للخصمين، وبعض المؤرخين يرى أنه انضم لمعاوية. # ثم أخذ معاوية يتأهب للحرب، ولكنه هو أيضا أسفر إلى علي كما أسفر علي إليه. # | الفصل الثامن عشر # ويظهر أن بعض أصحاب معاوية لم تكن نفوسهم مطمئنة إلى القتال، كما أنها لم تكن كذلك راضية ~~عن قتل عثمان وإعفاء الذين قتلوه من العقاب، فقد يقال إن رجلا من أصحاب معاوية، هو أبو ~~مسلم عبد الرحمن، أو عبد الله بن مسلم الخولاني، قام إليه أثناء تشاوره في أمر الحرب، فقال ~~له: علام تقاتل عليا، وليس لك مثل فضله وسابقته في الإسلام؟ فقال معاوية: إني لا أقاتله ~~وأنا أدعي أن لي مثل فضله أو سابقته، وإنما أطالبه بأن يدفع إلينا قتلة عثمان حتى أقتص ~~منهم. قال أبو مسلم: فاكتب إليه في ذلك، فإن أجابك إلى ما تريد فقد صرفت عنا الحرب، وإن أبى ~~قاتلناه على بصيرة. وكأن معاوية أراد أن يقطع حجة أبي مسلم وأمثاله من المترددين، فكتب إلى ~~علي كتابا وأرسله مع أبي مسلم نفسه. # وهذا نص الكتاب كما رواه البلاذري: «بسم الله الرحمن الرحيم، من معاوية بن أبي ms057 سفيان إلى ~~علي بن أبي طالب، أما بعد، فإن الله اصطفى محمدا بعلمه وجعله الأمين على وحيه والرسول إلى ~~خلقه، ثم اجتبى له من المسلمين أعوانا أيده بهم، فكانوا في المنازل عنده على قدر فضائلهم ~~في الإسلام، وكان أنصحهم لله ورسوله خليفته، ثم خليفة خليفته، ثم الخليفة الثالث المقتول ~~ظلما عثمان، فكلهم حسدت وعلى كلهم بغيت، عرفنا ذلك في نظرك الشزر، وقولك الهجر، وتنفسك ~~الصعداء، وإبطائك عن الخلفاء، في كل ذلك تقاد كما يقاد الجمل المخشوش، ولم تكن لأحد منهم ~~أشد حسدا منك لابن عمتك، وكان أحقهم ألا تفعل به ذلك لقرابته وفضله، فقطعت رحمه، وقبحت ~~حسنه، وأظهرت له العداوة، وأبطنت له الغش، وألبت الناس عليه، حتى ضربت آباط الإبل إليه من ~~كل وجه، وقيدت الخيل من كل أفق، وشهر عليه السلاح في حرم رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، فقتل معك في ~~المحلة وأنت تسمع الهائعة لا تدرأ عنه بقول ولا فعل، ولعمري يا ابن أبي طالب لو قمت في حقه ~~مقاما تنهى الناس فيه عنه، وتقبح لهم ما اهتبلوا منه ما عدل بك من قبلنا من الناس أحدا، ~~ولمحا ذلك عندهم ما كانوا يعرفونك به من المجانبة له والبغي عليه، وأخرى أنت بها عند أولياء ~~ابن عفان ظنين، إيواؤك قتلته، فهم عضدك ويدك وأنصارك، وقد بلغني أنك تنتفي من دم عثمان ~~وتتبرأ منه، فإن كنت صادقا فادفع إلينا قتلته نقتلهم به، ثم نحن أسرع الناس إليك، وإلا ~~فليكن بيننا وبينك السيف، ووالذي لا إله غيره لنطلبن قتلة عثمان في الجبال والرمال والبر ~~والبحر حتى نقتلهم أو تلحق أرواحنا بالله، والسلام.» # وقد انتهى أبو مسلم بهذا الكتاب إلى علي، فجمع له الناس في المسجد، وأمر، فقرئ عليهم ~~الكتاب، فتصايح الناس في جنبات المسجد: «كلنا قتل عثمان، وكلنا كان منكرا لعمله.» وكذلك ~~رأى أبو مسلم نفسه أن أصحاب علي كانوا يرون قتل عثمان صلاحا لأمور دينهم ودنياهم ويأبون أن ~~يسلموا أحدا من قاتليه، ورأى كذلك أن عليا لو أراد أن ms058 يسلم قتلة عثمان كلهم أو بعضهم لما ~~استطاع إلى ذلك سبيلا، ومن أجل ذلك أبى أن يدفع أحدا إلى معاوية، فجعل أبو مسلم يقول: ~~الآن طاب الضراب. # وأنت ترى من كتاب معاوية أنه لم يكن يريد سلما ولا عافية، وإنما كان يريد أن يعذر نفسه ~~عند أصحابه من أهل الشام وعند المترددين والمتأثمين منهم خاصة، فطالب السلم والعافية لا ~~يكتب إلى خصمه ليؤذيه ولا ليحفظه ولا ليغيظه ويثير في نفسه الموجدة والشنآن. # وليس من اليسير على علي أن يقرأ في كتاب معاوية اتهامه بحسد الخلفاء والبغي عليهم والتلكؤ ~~في البيعة لهم حتى يضطر إليها اضطرارا ويقاد إليها كارها. # وليس من اليسير كذلك على علي أن يقرأ في كتاب معاوية اتهامه بحسد ابن عمته والبغي عليه ~~وقطع رحمه وإغراء الناس به والقعود عن نصره حين ضيق عليه الثائرون به، ثم ليس من اليسير على ~~علي آخر الأمر أن يقرأ هذا التحدي الواضح والدعاء إلى أن يثبت براءته من دم عثمان بتسليم ~~قاتليه، فإن لم يفعل فليس بينه وبين معاوية إلا السيف. # وقد أبلغ معاوية في التحدي حتى زعم لعلي أنه إن دفع إليه قتلة عثمان أسرع وأسرع معه أهل ~~الشام إلى بيعته وطاعته، ومعاوية كان يعلم حق العلم أن عليا لن يقبل هذا التحدي ولن يسلم ~~إليه قتلة عثمان، وهو يتحدى السلطان وينذره على هذا النحو، وإنما كانت سبيله، لو قد آثر ~~السلم والعافية، أن يبايع ويطيع أولا ثم يتقدم إلى الخليفة طالبا أن ينصفه من الذين قتلوا ~~ابن عمه، وأن ينصف أبناء عثمان من الذين قتلوا أباهم. # ثم كان معاوية يعلم حق العلم بعد هذا كله أن عليا لو قدر على قتلة عثمان لأقاد منهم في ~~المدينة، حين تحدث إليه في ذلك من بايعه من المهاجرين والأنصار، فكيف وقد صار إلى العراق ~~وأقام بين أظهر الكثرة التي ثارت بعثمان حتى قتلته؟! # كل ذلك كان معاوية يعلمه، ولكنه أراد أن يبرئ نفسه أمام أهل الشام وأمام المتأثمين منهم ~~خاصة من تبعة ms059 الحرب التي لم يكن منها بد، فليس غريبا بعد ذلك أن يرفض علي ما طلب إليه، وأن ~~يرد على كتابه مع سفيره نفسه بهذا الكتاب الذي رواه البلاذري أيضا: «بسم الله الرحمن ~~الرحيم، من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان، أما بعد، فإن أخا خولان ~~قدم علي بكتاب منك تذكر فيه محمدا وما أكرمه الله به من الهدى والوحي، فالحمد لله الذي صدق ~~له الوعد، ومكن له في البلاد، وأظهره على الدين كله، وقمع به أهل العداوة والشنآن من قومه ~~الذين كذبوه وشنعوا عليه وظاهروا عليه وعلى إخراج أصحابه، وقلبوا له الأمور حتى ظهر أمر ~~الله وهم له كارهون، فكان أشد الناس عليه الأدنى فالأدنى من قومه إلا قليلا ممن عصم الله، ~~وذكرت أن الله جل ثناؤه وتباركت أسماؤه اختار له من المؤمنين أعوانا أيده بهم فكانوا في ~~منازلهم عنده على قدر فضائلهم في الإسلام، فكان أفضلهم خليفته وخليفة خليفته من بعده، ~~ولعمري إن مكانهما من الإسلام لعظيم وإن المصاب بهما لرزء جليل، وذكرت أن ابن عفان كان في ~~الفضل ثالثا، فإن يكن عثمان محسنا فسيلقى ربا شكورا يضاعف الحسنات ويجزي بها، وإن يكن ~~مسيئا فسيلقى ربا غفورا رحيما لا يتعاظمه ذنب أن يغفره، وإني لأرجو إذا أعطى الله ~~المؤمنين على قدر أعمالهم أن يكون قسمنا أوفر قسم أهل بيت من المسلمين، إن الله بعث محمدا # صلى الله عليه وسلم # فدعا إلى الإيمان بالله والتوحيد له، فكنا أهل البيت أول من آمن وأناب، فمكثنا ~~وما يعبد الله في ربع سكن من أرباع العرب أحد غيرنا، فبغانا قومنا الغوائل، وهموا بنا ~~الهموم، وألحقوا بنا الوسائط، واضطرونا إلى شعب ضيق وضعوا علينا فيه المراصد، منعونا من ~~الطعام والماء العذب، وكتبوا بينهم كتابا ألا يؤاكلونا ولا يشاربونا ولا يبايعونا ولا ~~يناكحونا ولا يكلمونا أو ندفع إليهم نبينا فيقتلوه أو يمثلوا به، وعزم الله لنا على منعه ~~والذب عنه، وسائر من أسلم من قريش أخلياء مما نحن فيه، منهم من ms060 حليف ممنوع وذي عشيرة لا ~~تبغيه كما بغانا قومنا، فهم من التلف بمكان نجوة وأمن، فمكثنا بذلك ما شاء الله، ثم أذن ~~الله لرسوله في الهجرة وأمره بقتال المشركين، فكان إذا حضر البأس ودعيت نزال قدم أهل ~~بيته فوقى بهم أصحابه؛ فقتل عبيدة يوم بدر، وحمزة يوم أحد، وجعفر يوم مؤتة، وتعرض من لو ~~شئت أن أسميه سميته لمثل ما تعرضوا له من الشهادة، لكن آجالهم حضرت ومنية أخرت. # وذكرت إبطائي عن الخلفاء وحسدي لهم، فأما الحسد فمعاذ الله أن أكون أسررته أو أعلنته! ~~وأما الإبطاء فما أعتذر إلى الناس منه، ولقد أتاني أبوك حين قبض رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وبايع ~~الناس أبا بكر، فقال: «أنت أحق الناس بهذا الأمر، فابسط يدك أبايعك.» وقد علمت ذلك من قول ~~أبيك، فكنت الذي أبيت ذلك مخافة الفرقة؛ لقرب عهد الناس بالكفر والجاهلية، فإن تعرف من ~~حقي ما كان أبوك يعرفه تصب رشدك، وإلا تفعل فسيغني الله عنك. # وذكرت عثمان وتأليبي الناس عليه، وإن عثمان صنع ما رأيت فركب الناس منه ما قد علمت وأنا ~~من ذلك بمعزل، إلا أن تتجنى فتجن ما بدا لك، وذكرت قتلته بزعمك وسألتني دفعهم إليك، وما ~~أعرف له قاتلا بعينه، وقد ضربت الأمر إلى أنفه وعينيه فلم أره يسعني دفع من قبلي ممن ~~اتهمته وأظننته إليك، ولئن لم تنزع عن غيك وشقائك لتعرفن الذين تزعم أنهم قتلوه طالبين لا ~~يكلفونك طلبهم في سهل ولا جبل، والسلام.» # وقد بدأ معاوية كما رأيت بالعنف في كتابه إلى علي، فكان رد علي على كتابه أقسى قسوة وأعظم ~~شدة، لم يكد يذكر إنعام الله على نبيه بالهدى والوحي واتباع أهل بيته له حتى ذكر بغي قريش ~~عليه ومكرها به واضطراره مع أهل بيته ومع بني عبد المطلب إلى شعب ضيق من شعاب مكة، إلى آخر ~~ما هو معروف من أمر الصحيفة. # وعلي في كل هذا يعرض ببني أمية وتأخرهم عن الإسلام واجتهادهم مع المجتهدين في ~~التضييق على النبي ومن ms061 تبعه من أهل بيته، ثم ذكر علي أن الله قد اختص بيت أهل النبي بالسبق ~~إلى الإسلام كما اختصهم بالصبر على المكروه في شعبهم ذاك الذي اضطروا إليه، على حين كان ~~غيرهم من المسلمين في سعة ودعة، تمنعهم عشائرهم كما منعت تيم أبا بكر، وكما منعت عدي عمر، ~~وكما منعت أمية عثمان، أو يمنعهم حلفاؤهم إن لم يكونوا من قريش. # ومعنى ذلك أن أهل البيت احتملوا في الإسلام ما لم يحتمل غيرهم وما لم يحتمل أبو بكر وعمر ~~وعثمان خاصة، فهم لم يحصروا ولم يهجروا ولم يضيق عليهم في الرزق، فهم إذن أولى ~~الناس بالنبي وأحقهم بالأمر بعده، ثم ذكر الهجرة وما كان من القتال في سبيل الله، وذكر أن ~~النبي كان يقدم أهل بيته لحماية أصحابه في مواطن البأس حتى استشهد منهم عبيدة بن الحارث بن ~~عبد المطلب يوم بدر، وحمزة بن عبد المطلب يوم أحد، وجعفر بن أبي طالب يوم مؤتة، وتعرض علي ~~نفسه للشهادة التي أتيحت لغيره من أهل البيت، فأهل البيت إذن قد جاهدوا قبل الهجرة، وجاهدوا ~~بعد الهجرة كما لم يجاهد أحد غيرهم. # ثم ذكر قيام الخلفاء بعد وفاة النبي فبرأ نفسه من الحسد لهم سرا أو جهرا، ولم يعتذر ~~إلى الناس من إبطائه في بيعتهم، ثم ذكر معاوية بأن أباه كان يرى حق علي في البيعة حين أراده ~~عليها، وقال له بعد ذلك: إن كنت ترى ما رأى أبوك من حقي تصب رشدك، وإن لم تفعل يغن الله ~~عنك. ثم ذكر عثمان وما أنكر الناس عليه وما ركبوا من أمره واعتزاله الثورة، وبين رأيه ~~صريحا في عثمان، وهو التوقف وترك أمر عثمان إلى الله يضاعف له الأجر إن كان قد أحسن، ويغفر ~~له الذنب إن كان قد أساء. # ثم ذكر قتلة عثمان، فأنبأ معاوية أنه لا يعرف لعثمان قاتلا بعينه بعد أن بحث واستقصى، ~~وأنه لا يستطيع أن يسلم إليه من اتهمهم، لا لشيء إلا لأنه اتهمهم وظن بهم الظنون؛ لأن أمور ~~الحدود لا ms062 تستقيم إلا على المحاجة والمقاضاة وإحضار البينة، وهذا كله لا يستقيم إلا بعد ~~البيعة والدخول في الطاعة، ثم أنذر معاوية بأنه ليس في حاجة إلى أن يطلب في السهل والجبل ~~ولا في البر والبحر من يتهمهم بقتل عثمان؛ لأنه سيراهم ساعين إليه طالبين له جادين في ~~حربه. # وكذلك أخفق سفير معاوية كما أخفق سفير علي من قبل، واستبان لأهل الشام كما استبان لأهل ~~العراق أن ليس من الحرب بد، يرى أهل الشام أن يثأروا للخليفة المظلوم، ويرى أهل العراق ومن ~~معهم من المهاجرين والأنصار أن يكرهوا أهل الشام على البيعة والطاعة قبل كل شيء، ويرى أهل ~~الشام أن طاعة علي لا تلزمهم؛ لأن الناس لم يبايعوه عن رضى منهم جميعا؛ ولأنه عطل حدا ~~خطيرا من حدود الله، وهو القصاص ممن قتل الخليفة المظلوم، ويرى أهل العراق ومن معهم من ~~المهاجرين والأنصار أن كثرة المسلمين الضخمة قد بايعت عليا في الحرمين والمصرين وفي مصر ~~أيضا، فأصبحت طاعته واجبة وأصبح أهل الشام طائفة باغية يجب أن تقاتل حتى تفيء إلى أمر ~~الله. # ولم يأت شهر ذي الحجة من سنة ست وثلاثين حتى كان علي قد قدم طلائعه بين يديه، وأمرهم إن ~~لقوا أهل الشام ألا يبدءوهم بقتال حتى يدركهم، وسار هو في معظم جيشه حتى انتهى وانتهت ~~طلائعه إلى صفين بعد خطوب كثيرة لسنا في حاجة إلى أن نطيل بذكرها. # | الفصل التاسع عشر # وكان معاوية قد سار في جموع أهل الشام حين علم بتأهب علي للمسير، وقدم بين يديه الطلائع ~~أيضا، وقد انتهى قبل علي إلى صفين فأنزل أصحابه أحسن منزل وأرحبه وأقربه إلى شريعة الفرات، ~~وأقبل علي في جيشه الضخم فأنزل أصحابه بإزاء أصحاب معاوية، ولكن أصحاب علي لم يجدوا على ~~الفرات شريعة يستقون منها، فأرسل علي سفراءه إلى معاوية يطلبون إليه أن يخلي الماء حرا ~~يشرب منه الجيشان. وقد ناظر السفراء معاوية في ذلك فلم يظفروا منه بجواب، وعادوا إلى علي ~~بغير طائل، ثم لم يلبث أصحاب علي أن رأوا ms063 معاوية يكثر من الحرس على شرعة الفرات ليقهر ~~عليا وأصحابه بالظمأ، يريد أن يحرمهم الماء كما حرموا الماء عثمان حين كان محصورا، ويقال ~~إن عمرو بن العاص ألح على معاوية في أن يخلي بين أصحاب علي وبين الماء ليؤخر المناجزة، فإن ~~أصحاب علي لن يظمئوا وخصمهم راوون، ولكن عصبية بني أمية غلبت مشورة أصحاب الرأي، وانقاد ~~معاوية لهذه العصبية فلم يكن بد من أن يقتتل الناس على الماء، واشتد القتال على الشرعة حتى ~~كاد يبلغ الحرب، وأتيح النصر لأصحاب علي فغلبوا خصمهم على مورد الماء، وأرادوا أن يضطروهم ~~إلى الظمأ ويقهروهم به كما كانوا هم يريدون بهم مثل ذلك، ولكن عليا أبى عليهم ما أرادوا، ~~آثر العافية حتى لا يتعجل الحرب قبل الإعذار إلى خصمه وقبل مناظرتهم فيما بينهم من خلاف، ~~وكره كذلك أن يظمئ خصمه والله قد أجرى النهر ليشرب منه الناس جميعا لا ليستأثر به فريق ~~دون فريق. # وكذلك أتيح للقوم أن يلتقوا آمنين أياما، يلتقون على الماء ويسعى بعضهم لبعض، ليس بينهم ~~قتال، ولكن بينهم جدالا شديدا وخصاما عنيفا، ثم رأى علي أن يعذر إلى معاوية وأصحابه، ~~فاختلف السفراء بين الفريقين دون أن ينتهوا إلى صلح أو شيء يشبه الصلح، فلما استيأس علي من ~~خصمه عبأ أصحابه على راياتهم وجعلت فرقهم تخرج إلى فرق معاوية، تخرج فرقة في هذا اليوم من ~~أصحاب علي فتخرج لها فرقة من أصحاب معاوية، فتقتتل الفرقتان نهارهما أو وجها من نهارهما ثم ~~تتحاجزان، وعلي لا يتجاوز ذلك إلى الحرب العامة رجاء أن يثوب خصمه إلى رشدهم وأن يفيئوا إلى ~~أمر الله ويؤثروا العافية بين المسلمين. # ومضى الأمر على هذا أياما عشرة أو أقل أو أكثر من آخر ذي الحجة، ثم أظل الناس شهر ~~المحرم، وهو شهر حرام، فتوادعوا شهرهم كله وآمن بعضهم بعضا، وسعت بينهم السفراء سعيا ~~متصلا، ولكنهم أنفقوا شهرهم كله دون أن يصلوا إلى صلح أو شيء يشبه الصلح، واستبان لأولئك ~~وهؤلاء في غير شك ولا لبس أن ليس بد ms064 من أن يصطدم الجمعان. # | الفصل العشرون # ومع ذلك فقد مضى القوم على حربهم بعد شهر المحرم كما كانوا قبله، تخرج الكتيبة للكتيبة ~~والقبيلة للقبيلة وربما خرج الرجل للرجل، وهم في أثناء هذا كله لا يختصمون بالسيف وحده ~~وإنما يختصمون بالألسنة أيضا، وربما كانت بين رؤسائهم الكتب، كالذي روي أن عمرو بن العاص ~~كتب عن أمر معاوية إلى ابن عباس يستعينه على أن يثوب الناس إلى العافية ويكفوا عن الحرب ~~ويتقوا غوائلها، ورد ابن عباس عليه ردا عنيفا موئسا. # ثم كان القوم إذا كفوا عن القتال آخر النهار سمروا، كما تعودت العرب أن تسمر، فتناشدوا ~~الشعر وذكروا المآثر القديمة والحديثة وذكروا بلاء من حسن بلاؤه منهم أو من عدوهم في ~~أيامهم تلك؛ حتى مضى صدر في شهر صفر وهم على هذه الحال لا يبلغ أحد الفريقين من خصمه أربا، ~~وكأن القوم سئموا هذه الحرب المتقطعة الفاترة وتعجلوا الكارثة، وكأن عليا سئم هذه ~~المطاولة التي لا تغني عنه ولا عن أحد شيئا، وإنما تزيد الفتنة امتدادا والشر انتشارا، ~~وتضيف أحقادا إلى أحقاد وحفيظة إلى حفيظة، وتضيع أيامه وأيام أصحابه في قتال لا يقدم ولا ~~يؤخر، وترجئ اجتماع الكلمة والتئام الشمل إلى أجل غير مسمى ولا معروف؛ فعبأ أصحابه للهجوم ~~العام، ورأى معاوية منه ذلك ففعل مثل ما فعل، وتزاحف الجيشان العظيمان فالتقوا صباح نهارهم ~~كله وشطرا من ليلهم دون أن يبلغ أحد من صاحبه ما كان يريد، ثم أصبحوا فاقتتلوا نهارهم كله ~~أشد قتال وأعظمه نكرا، وانكشفت ميمنة علي انكشافا بلغ الهزيمة أو كاد يبلغها، وتضعضع ما ~~كان يليها من قلب الجيش، وانحاز علي إلى ميسرته من ربيعة، فاستقتلت ربيعة من دونه وقال ~~قائلها: يا معشر ربيعة، لا عذر لكم بعد اليوم عند العرب إن أصيب أمير المؤمنين وهو فيكم. ~~فتحالفت ربيعة على الموت، ثم ثابت ميمنة علي بفضل الأشتر ومن ثبت معه من أصحابه، فالتأم جيش ~~علي كعهده أول النهار، وأقبل الليل فلم يكف بعض القوم عن بعض وإنما مضوا في ms065 حربهم تلك ~~المجنونة حتى استقبلوا صباح اليوم الثالث، وحتى ظهر الضعف في جيش معاوية. # وكاد أصحاب معاوية يبلغون فسطاطه، وهم معاوية نفسه أن يفر لولا أن ذكر قول ابن ~~الإطنابة: # أبت لي همتي وأبى بلائي # وأخذي الحمد بالثمن الربيح # وإجشامي على المكروه نفسي # وضربي هامة البطل المشيح # وقولي كلما جشأت وجاشت # مكانك تحمدي أو تستريحي # لأدفع عن مآثر صالحات # وأحمي بعد عن عرض صحيح # فرده هذا الشعر إلى الثبات والصبر، كما كان يتحدث بذلك في أيام العافية، وارتفع الضحى ~~والقوم ماضون في حربهم تلك لا يريحون ولا يستريحون، وأصحاب علي لا يشكون في النصر، وإنهم ~~لفي ذلك وإذا المصاحف قد نشرت ورفعت على الرماح من قبل أهل الشام، وإذا منادي أهل ~~الشام يقول: هذا كتاب الله بيننا وبينكم من فاتحته إلى خاتمته، الله الله في العرب، الله ~~الله في الإسلام، الله الله في الثغور! من لثغور الشام إذا هلك أهل الشام؟! ومن لثغور ~~العراق إذا تفانى أهل العراق؟! # ويرى أصحاب علي هذه المصاحف المنشورة، ويسمعون هذا الدعاء إلى ما فيها من أمر الله، ~~ويسمعون الدعاء إلى العافية والبقية، فيبهر كثرتهم ما ترى وما تسمع، وإذا الأيدي تكف عن ~~الحرب، وإذا القلوب تتردد ثم تذكر السلم ثم تحبها ثم تطمع فيها، وإذا رؤساء الجيش من أصحاب ~~علي يسرعون إليه يدعونه إلى قبول ما يعرض القوم، فيأبى عليهم ويبين لهم أن القوم ليسوا ~~بأصحاب قرآن، ولم يرفعوا المصاحف ثائبين إلى ما فيها وإنما رفعوها كائدين يبغون خصمهم ~~الفتنة، ويبين لهم كذلك أنهم لم يبتكروا رفع المصاحف، وإنما عرفوا أنه رفع المصاحف لأهل ~~البصرة قبل القتال فقلدوه، وليس بعد القتال وحين جزعوا من الحرب، ولم يشكوا في الهزيمة ولكن ~~أصحاب علي يلحون عليه في الاستجابة إلى ما يدعى إليه من كتاب الله، ويشتدون في الإلحاح ~~حتى ينذروا عليا بمفارقته، ومنهم من أنذره بتسليمه إلى معاوية. # وقوم آخرون رأوا رأي علي ولم ينخدعوا بكيد أهل الشام، وقالوا: إنما حاربنا القوم على كتاب ~~الله لا ms066 نشك في أننا على الحق، وفي أن صاحبنا هو أمير المؤمنين، وفي أن عدونا هم الفئة ~~الباغية، ولو قد شككنا في شيء من ذلك ما قاتلنا ولا استبحنا سفك الدماء منا ومنهم. # ولكن أصحاب علي قد اختلفوا، ما في ذلك شك؛ قوم يرون الكف عن القتال وقوم يرون المضي فيه، ~~وإذا وقع الخلاف بين رؤساء الجيش وبلغ هذا الحد فليس ينتظر من الجيش نفسه خير. ومن أجل ~~ذلك اضطر علي إلى كف القتال، ولم يكف الأشتر عن المضي فيه إلا بعد جهد متصل وعزيمة ~~مؤكدة. # ثم قارب معاوية وأرسل إليه الرسل يسألونه عما أراد إليه برفع المصاحف، فأجابهم معاوية: ~~أردت إلى أن نختار منا رجلا وتختارون منكم رجلا ونأمرهما أن يحكما بما في كتاب الله فيما ~~شجر بيننا من الخلاف، وعاد الرسل إلى علي بجواب معاوية، فرضيت كثرة أصحابه وسخطت قلتهم، ~~ونزل علي عند رأي الكثرة كارها. # | الفصل الحادي والعشرون # وليس من اليسير أن نقطع برأي في عدد الجيشين اللذين التقيا بصفين واقتتلا قتالا طويلا ~~منكرا لم ير مثله قط في الإسلام؛ أي لم ير مثله قط بين المسلمين، فقوم يبلغون بجيش ~~علي مائة ألف، ويبلغون بجيش معاوية سبعين ألفا، وقوم ينزلون بهذين الرقمين إلى أقل من ~~ذلك. وليس من اليسير كذلك أن نحصي عدد القتلى من أولئك وهؤلاء، وقد زعم قوم أن القتلى من ~~أهل الشام بلغوا خمسة وأربعين ألفا، وأن القتلى من أهل العراق بلغوا خمسة وعشرين ~~ألفا. # وليس المهم الآن أن نحصي الجيشين إحصاء دقيقا، ولا أن نحصي القتلى منهما إحصاء دقيقا، ~~وإنما المهم هو أن نلاحظ أن الخصمين قد تأهبا كأحسن ما تكون الأهبة وأقواها، واضطرهما ذلك ~~إلى أن يكشفا ثغورهما المحاذية للعدو قليلا أو كثيرا. وآية ذلك أن الروم طمعوا في الشام ~~وهموا بغزوها، لولا أن معاوية وادعهم وصانعهم واشترى كفهم عنه بالمال، ولم تكن بإزاء ثغور ~~العراق في الشرق دولة قوية منظمة كدولة الروم، ولكن كثيرا من مدن الفرس تنكر للمسلمين ~~وهم بالثورة لولا ms067 ما كان من رجوع علي إلى الكوفة وتكلفه ضبط هذه الثغور، وإذا طال القتال ~~بين جيشين عظيمين واشتد، وبلغ من القبح والشناعة ما صوره المؤرخون وأصحاب القصص، كثر القتلى ~~والجرحى من الفريقين، وإن بالغ القصاص بعد ذلك في عدد أولئك وهؤلاء. # والشيء الذي لا شك فيه هو أن جماعة من خيار المسلمين وأعلامهم من أهل العراق وأهل الشام ~~قد قتلوا في هذه الحرب، وكان قتلهم مروعا لمن شهده ولمن سمع الحديث بذكره بعد انقضاء ~~الحرب، وما زال مروعا للذين يقرءونه الآن في كتب القصص والتاريخ. # فقد قتل من أصحاب معاوية عبيد الله بن عمر بن الخطاب، قاتل الهرمزان، كما قتل جماعة ~~من خيار أصحابه وأعظمهم شجاعة ونجدة وبأسا، وقتل من أصحاب علي: عمار بن ياسر، وما زال ~~قتله من الأحاديث المأثورة بين المسلمين؛ فهو ابن أول شهيدين في الإسلام، فتن أبو جهل أباه ~~ياسرا وأمه سمية حتى قتلهما كما هو معروف، وهو الذي قال له النبي: «ويحك يا ابن سمية! ~~تقتلك الفئة الباغية.» وقد أشفق الزبير - كما رأيت - من حرب علي حين عرف أن عمارا معه، ~~وكان خزيمة بن ثابت الأنصاري يتبع عليا في صفين ولكنه لا يقاتل، وإنما يتحرى أمر عمار، ~~فلما عرف أنه قد قتل قال: الآن استبانت الضلالة. ثم قاتل حتى قتل، رأى أن أهل الشام قد ~~قتلوا عمارا فعرف أنهم الفئة الباغية التي ذكرها النبي في حديثه ذاك، ووقع قتل عمار من ~~معاوية وأصحابه وقعا أليما مروعا، لم يشكوا في أن النبي قال له: تقتلك الفئة الباغية، ~~وإنما حاولوا أن يخفوا علمهم بهذا الحديث، فلما لم يجدوا إلى ذلك سبيلا تأولوه، وقال ~~معاوية: أنحن قتلناه؟! إنما قتله الذين جاءوا به. # ولم يجئ أحد بعمار إلى صفين، لم يستكرهه علي على الحرب ولا على الخروج معه، وإنما كان ~~عمار شيخا قد نيف على التسعين، شاخ جسمه ولكن قلبه وعقله وبصيرته ظلت بمأمن من الشيخوخة، ~~فكان شاب الحديث، وكان شاب المناظرة، وكان شاب الجهاد. وهو الذي سلم على ms068 عائشة بعد وقعة ~~الجمل، ثم قال لها: كيف رأيت ضرابنا يا أمه؟ قالت: لست لك بأم ولست لي بابن. قال متضاحكا: ~~بل أنت أمي وأنا ابنك وإن كرهت. يريد أن القرآن قد نزل بأن أزواج النبي أمهات المؤمنين، فلن ~~تستطيع عائشة أن تغير ما نزل به القرآن، وكان عمار أشد أصحاب علي تحريضا على الحرب. وكان ~~يحارب يوما تجاه عمرو بن العاص، وهو يرتجز: # نحن ضربناكم على تنزيله # واليوم نضربكم على تأويله # ضربا يزيل الهام عن مقيله # ويذهل الخليل عن خليله # أو يرجع الحق إلى سبيله # وكان يقول لأصحابه يومئذ مشيرا إلى راية عمرو: والله لقد قاتلت صاحب هذه الراية مع رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم # ثلاث مرات، وهذه الرابعة، وما هي بأبرهن. وكان يقول لأصحابه حين رأى بعض ~~انكشافهم: والله لو ضربونا حتى يبلغونا سعفات هجر لعلمنا أنا على الحق وأنهم على ~~الباطل. # ويقال إنه استسقى قبل أن يقدم على الموقعة التي قتل فيها، فجاءوه بشيء من لبن، فلما ~~رآه كبر وقال: أنبأني رسول الله # صلى الله عليه وسلم # أن آخر زادي من الدنيا ضيح من لبن. ثم شربه واندفع ~~إلى الموقعة وهو يدعو أصحابه: من رائح إلى الجنة؟ الجنة تحت البوارق، الماء مورود اليوم، ~~غدا ألقى الأحبة؛ محمدا وحزبه. # وكان صاحب الراية في الكتيبة التي كان أمرها إلى عمار هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، وكان من ~~فرسان قريش وأخيارهم وأحبهم لعلي وأنصحهم له، وكان أعور، فكان عمار يدفعه إلى التقدم عنيفا ~~به مرة فيقول: تقدم يا أعور؛ ورفيقا به مرة أخرى فيقول: أقدم فداك أبي وأمي. وكان هاشم بن ~~عتبة يهدئ عمارا ويقول له: مهلا أبا اليقظان، إنك رجل تستخفك الحرب، وإني إنما أزحف زحفا ~~ولعلي أبلغ ما أريد، وكان ابن عتبة مع ذلك يقاتل، وهو يرتجز: # أعور يبغي نفسه محلا # قد أكثر القول وما أقلا # وعالج الحياة حتى ملا # لا بد أن يفل أو يفلا # أشلهم بذي الكعوب شلا # وما زال عمار يدفعه وهو يتقدم ms069 حتى قتلا جميعا. # وقتل من أصحاب علي جماعة كثيرة من قراء الناس وصلحائهم، كانوا يقاتلون على بصائرهم، ~~وكان الناس يرون منهم ذلك فيتأثرونهم ويفعلون فعلهم. # ولم يكن من قتل من أصحاب معاوية أقل أخطارا في أهل الشام ممن قتل من أصحاب علي في ~~أهل العراق، كان كثير من أولئك وهؤلاء يرون القتال دينا ويتقربون به إلى الله، يذكر أهل ~~العراق مكان علي من النبي وقول النبي لأصحابه: «ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟» فلما ~~قالوا له: بلى، أخذ بيد علي وقال: «من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من ~~عاداه.» ويذكرون كذلك قول الله في القرآن الكريم: # النبي أولى ~~بالمؤمنين من أنفسهم # ثم يذكرون قول الله عز وجل: # قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم ~~وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون ~~كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله ~~وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله ~~لا يهدي القوم الفاسقين ~~. # فهم كانوا يرون أنهم حين يقاتلون مع علي كأنهم يقاتلون مع النبي نفسه جهادا في سبيل ~~الله، فليس الغريب إذن أن يطلبوا الشهادة ويتهالكوا عليها، وإنما الغريب أن يحجموا أو ~~يدبروا أو يترددوا، وكان أصحاب معاوية يرون أن بيعة عثمان في أعناقهم وأن الذين قتلوه قد ~~أحدثوا في الإسلام حدثا خطيرا، واستحلوا من دمه ما حرم الله، واستحلوا من الإمامة ما لا ~~يحل للمسلمين أن يفرطوا فيه، فضلا عن أن ينتهكوا حرمته. # وكان معاوية وأصحابه قد ألقوا في روع كثير من أهل الشام أن عليا يحول بينهم وبين إقامة ~~حد خطير من حدود الله وهو القصاص، فكان كثير منهم إذن يقاتل لا غضبا لمعاوية ولكن غضبا ~~للدين الذي انتهكت حرمته وعطلت حدوده، ولم يقم علي في تقويم ما اعوج من أمره وإصلاح ما ~~فسد من سيرة الناس فيه، فإذا أضيفت إلى هذا كله أمور أخرى لا ترجع إلى الدين ولا تتصل به، ~~وإنما ترجع إلى العصبية العربية التي أخمدها عمر حينا، والتي شغلت عن نفسها بحرب العدو ms070 من ~~الفرس والروم، ثم فرغت لنفسها منذ شبت نار الفتنة فعادت إلى حالها في الجاهلية الأولى، ~~وجعلت كثيرا من العرب يذكرون قديمهم ويريدون أن يكون حديثهم ملائما له، واندفعوا فيما ~~كانوا قد نهوا عنه من التفاخر والتكاثر والاعتداد بالنفس، وترجع كذلك إلى طلب الدنيا ~~والحرص على متاعها وأعراضها، أقول: إذا أضفت هذا إلى الدوافع الدينية التي كانت تدفع القوم ~~إلى القتال العنيف البشع، لم تنكر من شناعة هذه الحرب شيئا. # غلب على قوم دينهم فقاتلوا لنصره كما يقاتل المؤمنون الصادقون، وغلبت على قوم دنياهم ~~فقاتلوا لاحتيازها كما يقاتل الطامعون الجامحون، وخلت في أثناء هذا كله الثغور أو كادت ~~تخلو، فطمع أعداء المسلمين فيما لم يكن لهم أن يطمعوا فيه. # | الفصل الثاني والعشرون # وأكاد أعتقد أن مكيدة عمرو بن العاص تلك التي كادها برفع المصاحف لم تكن من عند نفسه، لا ~~لأنه قلد فيها عليا فحسب، بل لشيء آخر سنراه قريبا، فقد ينبغي أن نذكر أن عليا إنما ~~رفع المصاحف بين الصفين في حرب البصرة قبل أن ينشب القتال، يريد أن يعذر إلى خصمه. وقد ~~ينبغي أن نذكر أيضا أن مكان طلحة والزبير وأم المؤمنين من النبي، كان يدعوه إلى أن يحتاط ~~ويتأنى ويذكرهم بالقرآن وما فيه، ولا يقاتلهم حتى يستيئس من استجابتهم إلى ما دعاهم إليه، ~~فلما رشق أهل البصرة ذلك الفتى الذي أمره علي فرفع المصحف بين الصفين بالنبل حتى قتلوه، قال ~~علي: الآن طاب الضراب. # فلو قد أراد أهل الشام أن يتقوا الفتنة والحرب حقا لرفعوا المصاحف ودعوا إلى ما فيها ~~قبل بدء القتال، ولكنهم لم يفعلوا، وما أكثر ما ذكروا بالقرآن فلم يذكروه! وما أكثر ما ~~ردوا سفراء علي دون أن يعطوهم الرضى أو شيئا يشبه الرضى! فما كان رفعهم للمصاحف بعد أن ~~اتصلت الحرب أياما وأسابيع، وبعد أن توادع الجيشان شهر المحرم كله، إلا كيدا لا يتقون به ~~الفتنة وإنما يتقون به الهزيمة. # وأكبر الظن أن بعض الرؤساء من أصحاب علي لم يكونوا يخلصون له نفوسهم ms071 ولا قلوبهم، ولم ~~يكونوا ينصحون له لأنهم كانوا أصحاب دنيا لا أصحاب دين، وكانوا يندمون في دخائل أنفسهم على ~~تلك الأيام الهينة اللينة التي قضوها أيام عثمان ينعمون بالصلات والجوائز والإقطاع. # ولست أذكر من هؤلاء إلا الأشعث بن قيس الكندي، ذلك الذي أسلم أيام النبي ثم ارتد بعد ~~وفاته، وألب قومه حتى ورطهم في الحرب ثم أسلمهم وأسرع إلى المدينة تائبا، فلم يعصم دمه من ~~أبي بكر فحسب، ولكنه أصهر إليه وتزوج أخته أم فروة، ثم خمل في أيام عمر وظهر في أيام عثمان ~~فتولى له بعض أعماله في فارس، فلما هم علي أن ينهض إلى الشام عزله عن ولايته، ويقال إنه ~~طالبه بشيء من مال المسلمين، ثم استصحبه واستصلحه، فلما رفعت المصاحف ودعي إلى التحكيم ~~كان أشد الناس على علي في الدعاء إلى قبول التحكيم. # ويجب أن نذكر أيضا أن عليا لم ينهض إلى الشام بأهل الكوفة وبمن تابعه من أهل الحجاز ~~وحدهم، وإنما نهض كذلك بألوف من أهل البصرة كان منهم من وفى له يوم الجمل، وكان منهم من ~~اعتزل الناس في ذلك اليوم أيضا، وكان منهم مع ذلك كثير من الذين انهزموا بعد مقتل طلحة ~~والزبير، فهم إذن كانوا عثمانية لا يقاتلون مع علي عن رضى وصدق، وإنما يقاتلون معه كارهين، ~~وهم إذن كانوا واجدين عليه لأنه قتل منهم من قتل، واضطرهم إلى الهزيمة اضطرارا، لم يكن ~~أصحاب علي إذن كلهم مخلصين له مؤمنين به، وإنما كان منهم المخلص والمدخول. # وقد قدمنا أن الفريقين كانا يلتقيان في أمن ودعة أثناء شهر المحرم الذي توادعا فيه، ونضيف ~~الآن أن القتلى كثروا ذات يوم، فطلب علي هدنة موقوتة ليدفن الناس قتلاهم، وأجيب إلى ما ~~طلب. # وإذن فقد كان أهل الشام وأهل العراق يلتقون ويختلطون في غير موطن، ولم يكن من العسير أن ~~يتناجوا ولا أن يأتمروا بينهم بما يشاءون، فما أستبعد أن يكون الأشعث بن قيس - وهو ماكر أهل ~~العراق وداهيتهم - قد اتصل بعمرو بن العاص - ماكر أهل الشام ms072 وداهيتهم - ودبروا هذا الأمر ~~بينهم تدبيرا، ودبروا أن يقتتل القوم فإن ظهر أهل الشام فذاك، وإن خافوا هزيمة أو أشرفوا ~~عليها رفعوا المصاحف فأوقعوا الفرقة بين أصحاب علي وجعلوا بأسهم بينهم شديدا. وقد تم لهم ~~ما دبروا إن كانوا قد دبروا شيئا، واستكره الأشعث ومن أطاعه عليا على كف القتال، فلم ير ~~بدا من الإذعان لما أرادوا. # وأكبر الظن عندي كذلك أن المؤامرة لم تقف عند هذا الحد وإنما تجاوزته إلى ما هو أشد منه ~~خطرا، وهو اختيار الحكمين، فلأمر ما ألح الأشعث ومن تبعه من اليمانية في أن يختار علي أبا ~~موسى الأشعري، ولم يطلقوا له الحرية في اختيار حكم يثق به ويطمئن إليه، وهم يعلمون أن أبا ~~موسى قد خذل الناس عن علي في الكوفة حتى عزله عن عمله، فقد كان علي إذن مكرها على قبول ~~التحكيم ومكرها على اختيار أحد الحكمين، ولم تأت الأمور مصادفة، وإنما جاءت عن ائتمار ~~تدبير بين طلاب الدنيا من أصحاب علي وأصحاب معاوية جميعا. # | الفصل الثالث والعشرون # ومهما يكن من شيء فقد اتفق الفريقان على أن يحكموا هذين الحكمين، يحكمون عمرا من قبل ~~معاوية ويحكمون أبا موسى من قبل علي، وأبى أصحاب علي على إمامهم أن يختار ابن عباس؛ لأنه ~~شديد القرب منه، وأبوا عليه أن يختار الأشتر لأن اجتهاده في الحرب كان عظيما وحرصه على ~~الغلب كان شديدا، ولم يستطع علي أن يقبل ما عرضه عليه الأحنف بن قيس من أن يكون مندوبه في ~~الحكم، بل لم يستطع أن يجعله ثانيا لأبي موسى؛ لأن أصحابه أبوا إلا أن يندبوا أميرهم ~~القديم الذي كره لهم الفتنة والذي لم يشترك في الحرب مع هذا الخصم أو ذاك، ولم يذكروا أن ~~عمرو بن العاص قد شارك في الحرب برأيه ولسانه وسيفه، بل لعلهم ذكروا ذلك ولكنهم لم يقفوا ~~عنده ولم يلتفتوا إليه. # واجتمع المفوضون من الفريقين فكتبوا صحيفة سجلوا فيها ما اتفق عليه الخصمان من وضع الحرب ~~وإيثار الحكومة واختيار الحكمين وتحديد الزمان والمكان ms073 لاجتماعهما، وتأمينهما على أنفسهما ~~وأموالهما مهما يكن حكمهما، واستنصار الأمة كلها على من خالف عما في هذه الصحيفة. # حددوا هذا كله تحديدا دقيقا، ولكن شيئا واحدا أطلقوه إطلاقا ولم يحددوه تحديدا ~~قريبا أو بعيدا، وهو موضوع القضية التي يجب أن يفصل فيها الحكمان، واقرأ أولا نص هذه ~~الصحيفة كما رواه البلاذري: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ~~ومعاوية بن أبي سفيان، قاضى علي على أهل العراق ومن كان من شيعتهم من المؤمنين والمسلمين، ~~وقاضى معاوية على أهل الشام ومن كان من شيعتهم من المؤمنين والمسلمين: أنا ننزل عند حكم ~~الله، وبيننا كتاب الله فيما اختلفنا فيه من فاتحته إلى خاتمته، نحيي ما أحيا ونميت ما ~~أمات، فما وجد الحكمان في كتاب الله فإنهما يتبعانه، وما لم يجداه مما اختلفا فيه في كتاب ~~الله نصا أمضيا فيه السنة العادلة الحسنة الجامعة غير المفرقة، والحكمان عبد الله بن ~~قيس وعمرو بن العاص، وأخذنا عليهما عهد الله وميثاقه ليحكمان بما وجدا في كتاب الله نصا، ~~فما لم يجداه في كتاب الله مسمى، عملا فيه بالسنة الجامعة غير المفرقة، وأخذا من علي ~~ومعاوية ومن الجندين كليهما وممن تأمرا عليه من الناس عهد الله ليقبلن ما قضيا به عليهما، ~~وأخذا لأنفسهما الذي يرضيان به من العهد ومن الثقة بالناس أنهما آمنان على أنفسهما وأهليهما ~~وأموالهما، وأن الأمة لهما أنصار على ما يقضيان به على علي ومعاوية، وعلى المؤمنين ~~والمسلمين من الطائفتين كلتيهما، وأن على عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص عهد الله وميثاقه ~~أن يصلحا بين الأمة ولا يرداهم إلى فرقة ولا حرب، وأن أجل القضية إلى شهر رمضان، فإن أحبا ~~أن يعجلاها دون ذلك عجلا، وإن أحبا أن يؤخراها عن غير ميل منهما أخراها، وإن مات أحد ~~الحكمين قبل القضاء فإن أمير كل شيعة وشيعته يختارون مكانه رجلا، لا يألون عن أهل المعدلة ~~والنصيحة والإقساط، وأن يكون مكان قضيتهما التي يقضيانها فيه مكان عدل بين الكوفة والشام ms074 ~~والحجاز، لا يحضرهما فيه إلا من أرادا، فإن رضيا مكانا غيره فحيث أحبا أن يقضيا، وأن يأخذ ~~الحكمان من كل واحد من شاءا من الشهود، ثم يكتبا شهادتهم في هذه الصحيفة أنهم أنصار على من ~~ترك ما فيها: اللهم نستنصرك على من ترك ما في هذه الصحيفة وأراد فيها إلحادا أو ظلما ~~... # وشهد من كل جند على الفريقين عشرة، من أهل العراق: عبد الله بن عباس، والأشعث بن قيس، ~~وسعد بن قيس الهمداني، وورقاء بن سمي، وعبد الله بن طفيل، وحجر بن عدي الكندي، وعبد الله ~~بن حجل الأرحبي البكري، وعقبة بن زياد، ويزيد بن حجبة التميمي، ومالك بن كعب ~~الأرحبي. # ومن أهل الشام: أبو الأعور عمرو بن سفيان السلمي، وحبيب بن مسلمة الفهري، والمخارق بن ~~الحارث الزبيدي، وزمل بن عمرو العذري، وحمزة بن مالك الهمداني، وعبد الرحمن بن خالد بن ~~الوليد المخزومي، وسبيع بن يزيد الحضرمي، وعلقمة بن يزيد الحضرمي، وعتبة بن أبي سفيان، ~~ويزيد بن الحر العبسي.» # وقد رويت هذه الصحيفة من غير طريق البلاذري على شيء من الاختلاف في اللفظ ليس بذي خطر، ~~وعلى شيء من التقديم والتأخير ليس بذي خطر أيضا، ولكن الخطير كما قدمنا هو أن الفريقين قد ~~حددا في صحيفتهما كل شيء إلا هذا الموضوع الذي اختلفا فيه والذي يجب أن يقضي فيه ~~الحكمان. # ففيم كانا يختلفان بالفعل؟ كان معاوية يطلب بدم عثمان ويريد أن يسلم إليه علي قتلة ~~الخليفة المظلوم، وكان علي لا يعرف لعثمان قاتلا بعينه ولا يقدر على أن يسلم إلى معاوية ~~جميع من ثاروا بعثمان حتى قتل. أفكان الفريقان يريدان من الحكمين أن يفصلا في هذه القضية؟ ~~وإذن فما بالهما لم ينصا عليها بل لم يذكرا عثمان وقتلته في الصحيفة أصلا؟ # وكان معاوية يرى بعد مقتل طلحة والزبير، وبعد أن استحصد أمره واشتد بأسه أن يكون أمر ~~الخلافة شورى بين المسلمين، وكان علي يرى أنه قد بويع كما بويع الخلفاء من قبله، بايعه ~~أهل الحرمين وهم أصحاب الحل والعقد، وبايعه ms075 أهل الأمصار إلا الشام، فقد اجتمعت له إذن بيعة ~~الكثرة الكثيرة من المسلمين عامة، ومن المهاجرين والأنصار خاصة، ولم يبق لمعاوية إلا أن ~~يدخل فيما دخل فيه الناس، ويدخل معه أصحابه من أهل الشام، فإن لم يفعلوا فهم الفئة الباغية ~~التي أمر المسلمون بقتالها إن أبت الصلح وكرهت العافية حتى تفيء إلى أمر الله. وإذن فما ~~بال الفريقين لم ينصا على ذلك في صحيفتهما؟! بل لم يذكرا الخلافة ولا الشورى في الصحيفة ~~أصلا! والغريب أن هذه الصحيفة التي رواها المؤرخون قد أرضت الفريقين المختصمين، لم ينكرا ~~فيها غموضا ولا عموما ولا إبهاما، مع أنها من أشد ما كتب المسلمون غموضا وعموما ~~وإبهاما فيما يتصل بموضوع القضية الذي كان يجب أن يحدد تحديدا لا لبس فيه! # وأكبر الظن أن الذين كتبوا الصحيفة من الفريقين لم يحفلوا بدقة ولا بتحديد، وإنما كرهوا ~~الحرب وسئموا القتال وتعجلوا السلم، وكان أصحاب معاوية يكفيهم أن تنحسر الحرب عنهم وأن ~~يختلف أهل العراق، وكانت عامة أهل العراق يكفيهم أن يثوبوا إلى السلم، وكان الماكرون منهم - ~~إن استقام الفرض الذي افترضته آنفا - يعنيهم أن تكون القضية غامضة غير بينة الحدود، يرون ~~ذلك أنفع لمعاوية وأضر لعلي، وأحرى أن ينيلهم من السلطان ومتاع الدنيا ما يريدون. # وهذا كله يفسر لنا ما كان بعد أن كتبت هذه الصحيفة من الاختلاف في صفوف أهل العراق، ~~والائتلاف في صفوف أهل الشام، وأكبر الظن أن عليا ضاق بأصحابه حين رأى أنهم يعصونه في كل ~~ما يأمرهم به أو يشير عليهم فيه، فخلى بينهم وبين ما أرادوا، وتمثل قول دريد بن ~~الصمة: # أمرتهم أمري بمنعرج اللوى # فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد # فلما عصوني كنت منهم وقد أرى # غوايتهم وأنني غير مهتد # وهل أنا إلا من غزية إن غوت # غويت وإن ترشد غزية أرشد # وأكاد أشهد الأشعث بن قيس وقد استقام له كل ما أراد، فهو جذلان مسرور لا يكتفي بالرضى ~~والغبطة، وإنما يأخذ الصحيفة فيمشي بها في الجيش يقرؤها على الجند ويكلف ms076 من يقرؤها عليهم ~~حين تجهده القراءة، والجند يسمعون فيرضى كثير منهم؛ لأن الحرب قد كفت عنهم، وتسخط منهم ~~جماعة غير قليلة لأنهم يرون في هذه الحكومة وصحيفتها انحرافا عن الدين، ومخالفة عما أمر ~~الله به في القرآن، فمنهم من كان يقول: أتحكمون الرجال في دين الله؟ ومنهم من كان يكتفي ~~بهذه الصيحة التي أصبحت شعارا للخوارج فيما بعد: «لا حكم إلا لله»، ومنهم من كان يخرجه ~~الغضب عن طوره فلا يكتفي بالقول وإنما يضيف إليه العمل، فقد يقال إن رجلا من هؤلاء ~~المنكرين للحكومة كره أن يشارك أصحابه، فاستل سيفه وصاح: لا حكم إلا لله. ورمى بنفسه جيش ~~أهل الشام، فقاتل حتى قتل. # ومن المحقق أن عروة بن أدية، أخا ذلك الخارجي الذي حفظ التاريخ اسمه، وهو مرداس أبو ~~بلال، لم يكد يسمع ما قرئ عليه من الصحيفة حتى ثار بالأشعث يريد أن يقتله، فنفرت دابة ~~الأشعث وأصاب سيف عروة عجزها، وكاد الشر أن يقع بين اليمانية أصحاب الأشعث والتميمية قوم ~~عروة، لولا أن مشت وجوه تميم فاعتذروا إليه حتى رضي. # وما ينبغي أن ندع جيش علي يترك صفين دون أن نبين حجة هؤلاء الذين أنكروا الصحيفة وكرهوا ~~الحكومة، وكان لهم بعد ذلك في تاريخ الإسلام شأن أي شأن! وحجتهم كانت واضحة أشد الوضوح ~~وأقواه، جاء بها القرآن صريحة لا لبس فيها؛ فالله عز وجل يقول: # وإن ~~طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت ~~إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى ~~أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا ~~إن الله يحب المقسطين * إنما المؤمنون إخوة ~~فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ~~ترحمون ~~. # وكان علي وأصحابه - وهم كثرة المسلمين - يرون أن معاوية وأصحابه قد بغوا، وقد أسفر علي ~~إلى معاوية ومن معه من أهل الشام فردوا سفراءه، وأبوا أن يكون بينه وبينهم إلا السيف، ثم ~~سبق معاوية وأصحابه إلى الماء فآثروا به أنفسهم وأرادوا تظمأ علي وأصحابه، فاقتتل الفريقان ~~على الماء حتى خلص لعلي، ثم أذن لمعاوية ms077 وأصحابه أن يردوا وأن يشربوا، فهاتان طائفتان ~~من المؤمنين قد اقتتلوا. # ثم أرسل علي سفراءه إلى معاوية يعرضون عليه أن يدخل في الطاعة وألا يفرق المسلمين، فلم ~~يجدوا عنده خيرا، فاقتتلوا أياما ثم توادعوا شهر المحرم، وحاول علي وأصحابه الصلح فلم ~~يجدوا من أهل الشام استجابة إليه، فاقتتلوا في صفر، وكان يجب أن يمضوا في القتال بحكم الآية ~~الكريمة حتى يفيء معاوية وأهل الشام إلى أمر الله، وحينئذ تكف عنهم الحرب ويرفع عنهم ~~السيف ويصبحون لخصمهم أولئك إخوانا، ويجب الإصلاح بين الأخوين. # وقد كاد جيش علي أن يظفر بالطائفة الباغية ويضطرها إلى أن تفيء إلى أمر الله، ولكن ~~المصاحف ترفع، وإذا الحرب تكف، وإذا القوم يدخلون في حكومة غامضة مبهمة لا حظ لها من وضوح ~~أو جلاء، فلم يخطئ الذين قالوا: «لا حكم إلا لله.» إذن، وحكم الله هو أن يستمر القتال حتى ~~يخضع معاوية وأصحابه، وليس أدل على ذلك من أن عليا نفسه - وهو الإمام - أبى أن ينخدع برفع ~~المصاحف وقال: إن معاوية ورهطه الأدنين ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، وإنما هم يكيدون ~~ويخادعون ويتقون حر السيف. فقد كان الإمام إذن يرى ألا حكم إلا لله، وأن السبيل إلى حكم ~~الله هو القتال حتى يذعن أهل الشام، ولكن كثرة أصحابه لم تذهب مذهبه واستكرهته على غير ما ~~أحب، فكانت هذه الحكومة. # إلى هنا يظهر في غير لبس أن الذين حكموا لم يخطئوا وإنما التزموا أمر القرآن والتزموا رأي ~~الإمام أيضا، ويقال إنهم ألحوا عليه في أن يمضي بهم في القتال حتى ينفذ حكم الله، ولكن ~~عليا رآهم قلة قليلة، ورأى أنه إن قبل مشورتهم أوقعهم بين عدوهم من أهل الشام وأصحابهم من ~~أهل العراق، فألقى بأيديهم إلى التهلكة؛ ولذلك أبى عليهم وجعل يرفق بهم ويهدئهم، ويدعوهم ~~إلى اختيار ما فيه لهم ولأصحابهم العافية. # وهنا يبدأ خطأ هؤلاء الذين حكموا، كانوا على صواب حتى شاوروا الإمام فنصح لهم واستأنى بهم ~~وأمرهم بالقصد، وهم ليسوا أعلم بالقرآن من علي ولا أحفظ ms078 منه للسنة ولا أبصر منه بالمصلحة، ~~وقد ينبغي أن يترك للإمام شيء من حرية يمضي به الأمر بين رعيته، فهذه كثرة أصحابه تطالبه ~~بالسلم والحكومة، وهذه قلة أصحابه تطالبه بالحرب ورفض الحكومة، وأولئك وهؤلاء يركبون رءوسهم ~~ويغلون فيما يذهبون إليه، وليس للإمام خيار إلا أن يمضي مع الكثرة إلى السلم والحكومة، ~~والأمل في صلح يحقن الدم ويجمع الشمل، أو يمضي مع القلة إلى الحرب واليأس المبير. وقد آثر ~~المضي مع الكثرة، فكان على القلة أن تؤثر ما آثرت محتفظة برأيها منتظرة مع الإمام، فإن كان ~~الصلح المقنع فذاك، وإن لم يكن رجعت الكثرة إلى رأي القلة وعادوا جميعا إلى الحرب. # ولكن كلا الفريقين من الكثرة والقلة أبى أن يتبع إلا رأيه، وانحاز علي إلى الكثرة كارها، ~~ولم يمض يومان على كتابة الصحيفة، أنفقهما القوم في دفن القتلى حتى أذن مؤذن علي في ~~أصحابه بالرحيل عن صفين، فرجعوا إلى الكوفة شر مرجع. خرجوا منها أشد ما يكونون مودة وإلفا ~~وتصافيا، وعادوا إليها أشد ما يكونون موجدة وفرقة واختلافا، يتشاتمون ويتضاربون بالسياط، ~~تقول القلة للكثرة: خالفتم أمر الدين، وانحرفتم عن حكم القرآن، وحكمتم الرجال فيما لا حكم ~~فيه إلا لله. وتقول الكثرة للقلة: خالفتم الإمام وفرقتم الجماعة وابتغيتموها عوجا. # ثم لم يدخلوا الكوفة جميعا كما خرجوا منها جميعا، وإنما انحازت المحكمة إلى حروراء ~~فاعتزلوا فيها، وكانوا ألوفا يصل بها المكثرون إلى اثني عشر ألفا، ويهبط بها المقللون إلى ~~ستة آلاف، وقد اعتزلوا في حروراء فنسبوا إليها، وأذن مؤذنهم ألا إن على الحرب شبث بن ربعي ~~التميمي، وعلى الصلاة عبد الله بن الكواء اليشكري، والبيعة لله عز وجل على الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر. # ومنذ ذلك اليوم نشأ في الإسلام حزب جديد كان له في تاريخه أثر بعيد، ودخل علي الكوفة ~~منقلبه من صفين كما دخلها منقلبه من البصرة، فلم ير في مدخله هذا كما لم ير في مدخله ذاك ~~فرحا بقدومه ولا ابتهاجا بلقائه، وإنما رأى في مدخله هذا كما رأى في ms079 مدخله ذاك لوعة وحسرة ~~وبكاء، إلا أن ما رأى من ذلك بعد عودته من صفين كان أكثر كثرة وأشد نكرا، فقد كان قتلى ~~صفين بالقياس إلى قتلى يوم الجمل أضعافا وأضعافا. # | الفصل الرابع والعشرون # والغريب أن المؤرخين الذين أكثروا من ذكر ابن السوداء عبد الله بن سبأ وأصحابه حين رووا ~~أمر الفتنة أيام عثمان، وأكثروا من ذكرهم بعد مقتل عثمان قبل أن يشخص علي من المدينة للقاء ~~طلحة والزبير وأم المؤمنين، ثم أكثروا من ذكرهم حين كان علي يسفر إلى طلحة والزبير وأم ~~المسلمين في الصلح، ثم زعموا أنهم أئتمروا على حين غفلة من علي وأصحابه بإنشاب القتال، ثم ~~زعموا أنهم أنشبوا القتال فجاءة حين التقى الجمعان عند البصرة وورطوا المسلمين في شر عظيم، ~~الغريب أن هؤلاء المؤرخين قد نسوا السبئية نسيانا تاما، أو أهملوها إهمالا كاملا حين ~~رووا حرب صفين. # فابن السوداء لم يخرج مع علي إلى الشام، وأصحاب ابن السوداء خرجوا معه ولكنهم كانوا أنصح ~~الناس له وأوفى الناس بعهده وأطوع الناس لأمره، لم يأتمروا ولم يسعوا بالفساد بين الخصمين، ~~وإنما سمعوا وأطاعوا وأخلصوا الإخلاص كله، حتى إذا رفعت المصاحف خرج بعضهم مع المحكمة ~~الذين أنكروا الصحيفة وما فيها كحرقوص بن زهير، وأقام بعضهم على طاعة علي وإن أنكر الصحيفة ~~وكره الحكومة كالأشتر. # وأقل ما يدل عليه إعراض المؤرخين عن السبئية وعن ابن السوداء في حرب صفين أن أمر السبئية ~~وصاحبهم ابن السوداء إنما كان متكلفا منحولا، قد اخترع بأخرة حين كان الجدال بين الشيعة ~~وغيرهم من الفرق الإسلامية. أراد خصوم الشيعة أن يدخلوا في أصول هذا المذهب عنصرا يهوديا ~~إمعانا في الكيد لهم والنيل منهم، ولو قد كان أمر ابن السوداء مستندا إلى أساس من الحق ~~والتاريخ الصحيح لكان من الطبيعي أن يظهر أثره وكيده في هذه الحرب المعقدة المعضلة التي ~~كانت بصفين، ولكان من الطبيعي أن يظهر أثره حين اختلف أصحاب علي في أمر الحكومة، ولكان من ~~الطبيعي بنوع خاص أن يظهر أثره في تكوين هذا ms080 الحزب الجديد الذي كان يكره الصلح وينفر منه ~~ويكفر من مال إليه أو شارك فيه. # ولكنا لا نرى لابن السوداء ذكرا في أمر الخوارج، فكيف يمكن تعليل هذا الإهمال؟ أو كيف ~~يمكن أن نعلل غياب ابن سبأ عن وقعة صفين وعن نشأة حزب المحكمة؟ # أما أنا فلا أعلل الأمرين إلا بعلة واحدة؛ وهي أن ابن السوداء لم يكن إلا وهما، وإن ~~وجد بالفعل فلم يكن ذا خطر كالذي صوره المؤرخون وصوروا نشاطه أيام عثمان وفي العام الأول ~~من خلافة علي، وإنما هو شخص ادخره خصوم الشيعة للشيعة وحدهم ولم يدخروه للخوارج؛ لأن ~~الخوارج لم يكونوا من الجماعة ولم يكن لهم مطمع في الخلافة ولا في الملك، وإنما كانوا قوما ~~يثورون بكل خلافة وينتفضون على كل ملك، ويحاربون الخلفاء والملوك ما وجدوا إلى حربهم ~~سبيلا، ثم هم لم يكونوا حزبا باقيا متصلا عظيم الخطر، ولا سيما بعد أن انقضى عصر بني ~~أمية، وإنما ضعف أمرهم وفل حدهم بعد أن تقدم الزمان بدولة بني العباس، وبقي مذهبهم ~~معروفا بين المتكلمين، ولكنه اتخذ في الحياة العملية أطوارا مختلفة، قد نعرض لها في غير ~~هذا الجزء من هذا الكتاب. # فلم يكونوا إذن حزبا تحتاج خصومته إلى الجدال الشديد المتكلف الذي يبغضهم إلى الناس ~~ويزهد فيهم أصحاب التقى والورع، كما كان أمر الشيعة الذين ظلوا ينازعون الملوك والخلفاء ~~سياسة المسلمين إلى الآن. # أما البلاذري فقد رأينا فيما سبق من هذا الكتاب أنه لم يذكر ابن السوداء ولا أصحابه ~~السبئية في أمر عثمان، وهو كذلك لم يذكره في أمر علي إلا مرة واحدة في أمر غير ذي خطر؛ إذ ~~جاء عليا مع آخرين يسألونه عن أبي بكر، فردهم ردا عنيفا لائما لهم على تفرغهم لمثل ~~هذا، على حين كانت مصر قد فتحت وقتلت فيها شيعة علي. # وكتب علي كتابا يذكر فيه ما صارت إليه الأمور بعد تخاذل أهل العراق، وأمر أن يقرأ هذا ~~الكتاب على الناس لينتفعوا به. # قال البلاذري: وكانت عند ابن سبأ منه نسخة ms081 حرفها. وابن سبأ عند البلاذري ليس ابن ~~السوداء، وإنما هو عبد الله بن وهب الهمداني. والبلاذري يروي هذا الخبر كله متحفظا متوخيا ~~للصدق ما استطاع، وهو كثيرا ما يروي بعض الأحاديث، ثم يعقب عليها بما يظهر الشك فيها؛ ~~لأنها من اختراع أهل العراق. # والواقع أن الخصومة بين الشيعة وأهل الجماعة قد اتخذت ألوانا من الجدل والإذاعة ونشر ~~الدعوة بعد أن استقام الأمر لبني العباس، كثر فيها المكر والكيد والاختراع، بحيث يجب على ~~المؤرخ المنصف أن يحتاط أشد الاحتياط حين يصور هذه الفتن في عهدها الأول، وأي شيء أيسر من ~~أن يكذب أهل الشام على أهل العراق، ومن أن يكذب أهل العراق على أهل الشام ولا سيما بعد أن ~~يمضي الزمن ويبعد العهد ويصبح التحقق من الوقائع الصحيحة عسيرا؟! والذين استباحوا لأنفسهم ~~أن يضعوا الأحاديث على النبي وأصحابه لا يتحرجون من أن يستبيحوا لأنفسهم وضع الأخبار على ~~أهل الشام والعراق. # ومؤرخ هذا العصر الذي نحاول تصويره ممتحن أعسر الامتحان وأشقه من ناحيتين: إحداهما ناحية ~~القصاص الذين كانوا يتحدثون بأمر الفتن في البصرة والكوفة فيرسلون خيالهم على سجيته ~~ويتعصبون للقبائل المختلفة من العرب، ولعلهم كانوا يأخذون المال من أولئك وهؤلاء ليحسنوا ~~ذكرهم ويعظموا أمرهم ويذكروا لهم من المآثر ما كان وما لم يكن، ويرووا في هذه المآثر من ~~الشعر ما قيل وما لم يقل؛ ولذلك كان كل الناس شعراء يوم الجمل ويوم صفين، ولذلك رويت ~~الأخبار التي لا تستقيم في العقل. # فذلك الفتى الذي أمره علي برفع المصحف لأهل البصرة يوم الجمل، يأخذ المصحف بيمينه، فإذا ~~قطعت أخذه بشماله، فإذا قطعت أخذه بأسنانه أو بمنكبيه حتى يقتل، ورجل آخر يصرع ~~وتصيبه ضربة قاتلة فينشد الشعر وهو محتضر يذم به هذا ويمدح به ذاك، إلى غير ذلك من الأخبار ~~والأشعار التي يظهر فيها التكلف والاختراع. # والناحية الثانية هي ما كان من أصحاب الجدل، ومن أولئك الذين أمدوهم بالأخبار والأحاديث ~~يؤيدون بها مذاهبهم وآراءهم. ويزداد الأمر في هذه الناحية تعقيدا وعسرا لأنه يتصل بالدين ms082 ؛ ~~فالجدال بين الفرق لم يكن عند القدماء جدالا في أمور الدنيا، وإنما كان جدالا في أصول ~~الدين وفيما ينبني عليها من الفروع، فكان من اليسير أن يتهم المجادلون خصومهم بالكفر والفسق ~~والزندقة والإلحاد، وأن يشنعوا عليهم ما شاء الله مما يصح لهم من الحديث والسير وما يبتكر ~~لهم ابتكارا. # ومهما يكن من شيء، فالبلاذري لا يذكر ابن السوداء وأصحابه في شيء من الفتنة أيام عثمان ~~وأيام علي، والطبري ورواته الذين أخذ عنهم والمؤرخون الذين أخذوا عنه فيما بعد، يذكرون ابن ~~السوداء وأصحابه في أمر الفتنة أيام عثمان وفي العام الأول من أيام علي، ثم ينسونهم بعد ~~ذلك. والمحدثون وأصحاب الجدل متفقون مع الطبري وأصحابه فيما ذهبوا إليه، إلا أن المحدثين ~~وأصحاب الجدل ينفردون من دون الطبري وأصحابه بشيء آخر، فيزعمون أن ابن السوداء وأتباعه ~~ألهوا عليا وأن عليا حرقهم بالنار. ولكنك تبحث عن هذا في كتب التاريخ فلا تجد له ~~ذكرا، فلسنا نعرف في أي عام من أعوام الخلافة القصيرة التي وليها علي كانت فتنة هؤلاء ~~الغلاة، وليس تحريق جماعة من الناس بالنار في الصدر الأول للإسلام وبين جماعة من أصحاب ~~النبي ومن صلحاء المسلمين بالشيء الذي يغفل عنه المؤرخون فلا يذكرونه ولا يوقتونه، وإنما ~~يهملونه إهمالا تاما. # وكل ما رواه المؤرخون هو ما ذكره البلاذري في حديث قصير وقع إليه من أن قوما ارتدوا ~~بالكوفة فقتلهم علي، وحكم الإسلام فيمن ارتدوا معروف، وهو أن يستتاب فإن تاب حقن دمه، وإن ~~لم يتب قتل، فلا غرابة إذن في أن يقتل علي نفرا ارتدوا ولم يتوبوا، إن صح هذا الخبر. وإن ~~كان البلاذري لم يسم أحدا ولم يوقت لهذه الحادثة وقتا، وإنما رواها مطلقة إطلاق من ~~لا يطمئن إليها. فلندع إذن ابن السوداء هذا وأصحابه، سواء أكان أمرهم وهما خالصا أم ~~أمرا غير ذي خطر بولغ فيه كيدا للشيعة، ولنعد إلى علي وقد استقر بالكوفة، وإلى ~~المحكمة وقد استقرت بحروراء. # | الفصل الخامس والعشرون # فلم يكن علي وأصحابه مطمئنين إلى خروج هذه ms083 الخارجة التي انتبذت من الجماعة مكانها ~~بحروراء، ولم تكن هذه الجماعة نفسها مطمئنة الاطمئنان كله إلى ما هي مستقبلة من أمرها. وآية ~~ذلك أنهم أقاموا على حربهم شبث بن ربعي التميمي، فلم يلبث إلا قليلا حتى رجع إلى الكوفة ~~وأقام مع الجماعة على ما كانت مقيمة عليه. وكان علي يرجو أن يستصلح هؤلاء الناس، وكان هؤلاء ~~الناس أنفسهم يأملون أن ينتهي الأمر بينهم وبين قومهم إلى مخرج من هذا المأزق الذي تورطوا ~~فيه، فكانوا يوفدون وفودهم إلى علي يفاوضونه ويناظرونه ويدعونه إلى استئناف القتال مع عدوهم ~~من أهل الشام، وكان علي يرد على أولئك الوفود بأنه لم يكره القتال وإنما هم الذين كرهوه ~~وجزعوا منه، وبأنه قد أعطى معاوية وأصحابه ميثاقا على القضية؛ فليس ينبغي له إلا أن ينزل ~~عند ما أعطى من الميثاق، وكانت الوفود ترجع إلى أصحابها بما سمعت من كلام علي فيزداد ~~إصرارهم على المقاطعة والمخاصمة. # ثم أرسل إليهم علي عبد الله بن عباس في جماعة من أصحابه، فناظرهم تلك المناظرة المشهورة ~~عند أهل الفرق وأصحاب الكلام؛ سألهم ماذا نقموا من أمير المؤمنين؟ فقالوا: تحكيمه ~~الحكمين. فقال ابن عباس: إن الله قد أمر بالتحكيم في الصيد الذي يصيبه المحرم، فقال: # يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم ~~حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من ~~النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو ~~كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال ~~أمره عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه ~~والله عزيز ذو انتقام ~~. وأمر بتحكيم حكمين بين الزوجين إن خيف بينهما ~~الشقاق، فقال: # وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا ~~حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق ~~الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا # فالله إذن قد حكم ~~الرجال في الأمور اليسيرة، فكيف بالأمور الكبار التي تمس اجتماع الأمة وحقن الدماء؟! # وكان رد الخوارج عليه مقنعا حاسما فقالوا: إن ما نص الله عليه من الأحكام لا تجوز ~~المخالفة ms084 عنه، وما أذن للناس فيه في الرأي جاز لهم أن يجتهدوا فيه برأيهم، ألا ترى إلى أمر ~~الله في الزاني والسارق وقاتل النفس المؤمنة بغير حقها، فليس للإمام أن يخالف عن هذا الأمر ~~ولا أن يغير فيه، وأمر الله في معاوية وأصحابه واضح في آية الطائفة الباغية، فلم يكن لعلي ~~أن يغيره، وإنما كان الحق عليه أن يمضي في قتال هؤلاء البغاة حتى يفيئوا إلى أمر ~~الله. # وتقدم صعصعة بن صوحان من أصحاب ابن عباس فوعظهم وخوفهم الفتنة، فيقال إن قوما منهم ~~نحو ألفين عادوا إلى الكوفة مع ابن عباس، ويقال إن عليا أرسل ابن عباس وأمره ألا يناظر ~~القوم حتى يلحقه، فتعجل ابن عباس هذه المناظرة وأدركه علي، وقد كاد القوم يظهرون عليه، ~~فأخره وتقدم فناظر القوم حتى ردهم إلى الصواب. # وأنا أرجح أن عليا اكتفى أول الأمر بإرسال ابن عباس في جماعة من أصحابه، فلما رأى أنهم ~~لم يغنوا الغناء الذي كانوا يرجوه ذهب بنفسه إلى الخوارج بعد أن أرسل إليهم في أن يندبوا ~~للمناظرة اثني عشر رجلا منهم، ويأتي هو في مثلهم. ثم خرج علي حتى أتى فسطاط يزيد بن مالك ~~الأرحبي، وكان الخوارج يعظمونه ويطيفون به، فصلى في الفسطاط ركعتين ثم تقدم فناظر الناس، ~~سمع منهم حجتهم وهي واضحة قد قدمناها من قبل غير مرة، ثم رد عليهم بما تعود أن يقول دائما ~~من أنه لم يكره القتال ولم يدع إلى تركه، وإنما كرهه أصحابه واستكرهوه على وضع الحرب كما ~~استكرهوه على قبول الحكومة، وكأن الخوارج قبلوا منه أن يذعن حين استكرهه أصحابه على ترك ~~القتال، ولكنهم لم يفهموا كيف استكرهوه على قبول الحكومة، فهو لا يستطيع أن يقاتل وحده، ولا ~~يستطيع أن يقاتل بالقلة من أصحابه حين ينخذل عنه أكثرهم، ولكنه في رأيهم كان يستطيع - لا ~~أدري كيف - أن يرفض الحكومة وليس لأحد أن يكرهه عليها، فرد عليهم بأنه كره أن يتأول الناس ~~عليه قول الله عز وجل: # ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا ~~من ms085 الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم ~~يتولى فريق منهم وهم معرضون ~~. # كما كره أن يتأول الناس عليه آية التحكيم في الصيد وآية التحكيم في الشقاق، وقالوا: فلم ~~لم تثبت في الصحيفة أنك أمير المؤمنين؟ أتراك شككت في إمرتك؟ قال علي: فإن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # محا من صحيفة الحديبية وصفه بأنه رسول الله، وما شك في نبوته ولا في ~~رسالته. # ثم عاد علي إلى أمر الحكمين، فقال: إنه أخذ عليهما العهد أن يحكما بما في كتاب الله، فإن ~~وفيا بما أعطيا من العهد فالحكم له، ما في ذلك شك، وإن خالفا عما في كتاب الله فلا حكم ~~لهما، وليس بد حينئذ من النهوض لحرب أهل الشام، وكأن القوم قد تأثروا بحجج علي ورأوا منه ~~مقاربة شديدة لهم، وأحس علي ذلك فأبلغ في مقاربتهم وقال: «ادخلوا مصركم رحمكم الله.» فدخلوا ~~معه عن آخرهم، ولكنهم دخلوا وبينهم وبين علي شيء من سوء التفاهم كما يقال الآن، يرى علي أنه ~~قد أقنعهم بقبول الحكومة وانتظار ما ينتهي إليه الحكمان، ويرون هم أن عليا قد قاربهم أشد ~~المقاربة، وأنه لا ينتظر إلا أن يستريح الجيش ويسمن الكراع ويجدد السلاح، ثم ينهض بهم إلى ~~عدوهم. # وقد جعلوا يتحدثون بذلك في الكوفة حتى شاع ذلك بين الناس، ولعله تجاوز الكوفة وانتهى إلى ~~أهل الشام بواسطة عيونهم الذين كانوا يقيمون بين أظهر الكوفيين، فقد جاء رسول معاوية يستنجز ~~عليا الوفاء ويحذره أن يلفته عنه أعراب بكر وتميم، وجعل علي يكذب ما أرجفت به المحكمة من ~~عدوله عن الحكومة. # ثم أشخص أبا موسى إلى مكان الحكومة وأرسل معه أربعمائة من أصحابه عليهم شريح بن هانئ، ~~ومعهم ابن عباس يصلي بهم، فعاد الأمر بينه وبين المحكمة إلى الفساد، جعلوا يقاطعونه في ~~الخطبة محكمين من جوانب المسجد، وجعل علي يقول - كلما سمع قولهم: «لا حاكم إلا الله»: كلمة ~~حق أريد بها باطل. وقطع بعضهم على علي خطبته تاليا قول الله عز وجل: # لئن أشركت ليحبطن عملك ms086 ولتكونن من الخاسرين # فأجابه علي بآية أخرى: # فاصبر إن وعد الله حق ولا ~~يستخفنك الذين لا يوقنون ~~، وجعل الأمر يمعن في الفساد بين علي ~~وبينهم حتى اعتزلوه مرة أخرى، وخرجوا مغاضبين قد أكفروه وأكفروا معاوية وانتبذوا محاربين، ~~وجعل علي يقول: إن سكتوا تركناهم، وإن تكلموا حاججناهم، وإن أحدثوا فسادا قاتلناهم. ثم لم ~~يلبثوا أن أحدثوا الفساد في الأرض، فكان القتال. # | الفصل السادس والعشرون # واجتمع الحكمان في دومة الجندل أو في أذرح، أو في دومة الجندل أولا ثم في أذرح بعد ذلك، ~~على اختلاف في ذلك كثير، ولكنهما اجتمعا وشهدهما أربعمائة من أصحاب علي، فيهم عبد الله بن ~~عباس، وأربعمائة من أصحاب معاوية، وبعض المؤرخين يزعم أن معاوية كان من أصحابه، أو كان منهم ~~غير بعيد. # ودعا الحكمان إلى شهود أمرهما جماعة من الذين اعتزلوا الفتنة منذ أولها فيهم عبد الله بن ~~عمر، ومن الذين اعتزلوا الفتنة بأخرة فلم يشهدوا صفين كعبد الله بن الزبير، ودعوا سعد بن ~~أبي وقاص فلم يستجب لهم على كثرة ما ألح عليه أحد أبنائه، ودعوا سعيد بن زيد بن عمرو بن ~~نفيل فلم يستجب لهم أيضا. # ثم أخذ الحكمان في أمرهما، ولم تكن مفاوضتهما على ملأ من الناس، وإنما كان كل واحد منهما ~~يخلو إلى صاحبه فيديران الأمر بينهما، والغريب أن مقامهما في مكان التحكيم قد طال، ~~وتفاوضهما في أمره قد كثر. ولكن المؤرخين لا يروون من ذلك إلا أطرافا مقتضبة فيها كثير من ~~التناقض والاختلاف، وليس لذلك مصدر إلا أن الوثيقة التي جعلت إليهما الحكم في القضية كانت ~~غامضة غير مبينة، وقد استيقن الحكمان فيما يظهر أنهما مفوضان في أن يتناظرا في كل ما اختلف ~~الناس فيه، ثم يقضيان بعد ذلك برأي عدل ملائم لما في كتاب الله ولما في السنة الجامعة غير ~~المفرقة، فاتفقا أولا على أن عثمان قتل مظلوما، وعلى أن معاوية هو ولي دمه، فمن حقه إذن ~~أن يطالب بالقصاص من قاتليه، ولكن إلى من ينبغي أن يطلب معاوية هذا القصاص ms087 ؟ أيطلبه من علي، ~~وهو يتهمه في التأليب على عثمان والتخذيل عنه؟ أم يأخذه بنفسه؟ فإذن فهي الحرب التي أمر ~~الحكمان ألا يردا المسلمين إليها، وإذن فلا بد من اختيار إمام يرضاه الناس ويستطيع معاوية ~~أن يطلب إليه إنفاذ قول الله عز وجل: # ومن قتل مظلوما فقد ~~جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان ~~منصورا ~~. # ويقول المؤرخون إن عمرو بن العاص اقترح أن يكون هذا الإمام معاوية نفسه، وما أكاد أصدق ~~هذا، فما أرى أن عمرا كان يستطيع بعد أن أثبت أن معاوية هو ولي عثمان أن يختاره للخلافة ~~ليطلب إلى نفسه إنفاذ أمر الله، ولينفذه بعد ذلك فيقيد من قتلة عثمان ويكون خصما ~~وحكما. # وقد يقال: لو قبل اقتراح عمرو ذاك وأصبح معاوية إماما لتنحى عن المطالبة بدم الخليفة ~~المظلوم لأبناء عثمان أنفسهم، ولكن قوة معاوية إنما كانت تأتيه من النهوض في أمر عثمان، فلو ~~قد تنحى عنه لما استطاع أحد أن يفهم لماذا صار إماما، ولم يكن في ذلك الوقت خير الأحياء من ~~أصحاب النبي، فقد كان منهم نفر هم أعظم منه فضلا وسابقة، وأحسن منه بلاء وأقرب منه ~~مكانا من رسول الله. # كان هناك سعد بن أبي وقاص من أصحاب الشورى، ومن العشرة الذين شهد لهم رسول الله بالجنة، ~~وكان هناك سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل أحد أولئك العشرة أيضا، ثم كان هناك عبد الله بن ~~عمر، الطيب ابن الطيب، كما كان أبو موسى يقول. # أنا إذن أستبعد أن يكون عمرو قد رشح معاوية، ومهما يكن من شيء فالذين يروون هذا الترشيح ~~يروون كذلك أن أبا موسى قد رفضه، وفضل عليه عليا لسابقته وبلائه ومكانه من النبي. ويقال ~~كذلك إن أبا موسى جاء باقتراح معارض لاقتراح عمرو، فذكر الطيب ابن الطيب عبد الله بن عمر، ~~ورأى أن في استخلافه إحياء لذكرى عمر، ولكن عمرا رفض هذا الاقتراح؛ لأن عبد الله لم يكن ~~صاحب بأس ولا بطش ولا قوة على النهوض بهذا الأمر. وأكبر الظن ms088 أن عمرا ذكر أبا موسى بأن ~~عمر نفسه قد أحضر ابنه الشورى ولم يجعل له من الأمر شيئا، وبأن رأي عمر في ابنه معروف، وقد ~~كان يقول: إنه لا يحسن يطلق امرأته. # ويتزيد الرواة من أهل العراق فيزعمون أن عمرا لقي عبد الله بن عمر وخلا إليه وعرض عليه ~~الخلافة إن أعطاه مصر، فأبى عبد الله أن يشتري الخلافة بالرشوة ويعطي الدنية من ~~دينه. # وما أرى إلا أن هذا غلو دفع إليه الذين أبغضوا عمرا من أهل العراق، والشيء المحقق هو ~~أن الحكمين لم يتفقا على رجل يرشحانه للخلافة، فاتفقا عن اقتراح أبي موسى أو عن اقتراح عمرو ~~على أن يخلعا من هذا الأمر عليا ومعاوية جميعا، وأن يتركا للأمة أمرها شورى بينها تختار ~~له من تشاء، ثم لم يضعا نظاما لهذه الشورى ولا شيئا يشبه النظام، ولم يقدرا أن الأمة ~~ستختلف حين تستقبل أمرها، فينحاز أهل العراق إلى علي وينحاز أهل الشام إلى معاوية، ويتبع ~~أولئك وهؤلاء من مال إليهم من المسلمين. وربما نهض أهل الحجاز فاختاروا سعد بن أبي وقاص، ~~أو سعيد بن زيد، أو عبد الله بن عمر، أو غيرهم من أصحاب النبي من المهاجرين. لم يفكرا في ~~شيء من ذلك ولم يحتاطا له، وإنما اكتفيا بما انتهيا إليه من خلع الرجلين ورد سلطان الأمة ~~إليها. # وهنا تأتي المشكلة الخطيرة التي اتفق المؤرخون عليها، لم يكد يشذ منهم أحد، فقد ظهر ~~الحكمان للناس وأعلنا أنهما قد اتفقا على ما فيه الرضى للمسلمين، ثم قدم عمرو أبا موسى ~~ليبدأ بإعلان ما اتفقا عليه، وكان عمرو - فيما يقال - يظهر دائما تقديم أبي موسى وإكباره؛ ~~لسبقه إلى صحبة النبي ولسنه أيضا. ويقال كذلك إن ابن عباس أشفق من خداع عمرو، فأشار على ~~أبي موسى أن يتأخر، حتى إذا تكلم عمرو استطاع هو أن يتكلم بعده، ولكن أبا موسى لم يسمع لابن ~~عباس، وإنما قام فحمد الله وأثنى عليه ثم أعلن أنهما قد اتفقا على خلع علي ومعاوية ورد ~~الأمر شورى ms089 بين المسلمين، وأمر الناس أن يستقبلوا أمرهم ويختاروا لخلافتهم من يرضون. # ثم قام عمرو فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن هذا قد خلع صاحبه وأنا أخلعه مثله، ولكني ~~أثبت صاحبي. فقال له أبو موسى: ما لك، لا وفقك الله؟! غدرت وفجرت، إنما مثلك كمثل الكلب إن ~~تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث. وقال له عمرو: إنما مثلك كمثل الحمار يحمل أسفارا. # وماج القوم، فأقبل شريح بن هانئ رئيس الوفد من أصحاب علي فقنع عمرا بسوطه، وقام محمد بن ~~عمرو فقنع شريحا بسوطه، وأقبل الناس فحجزوا بينهما، وانطلق أبو موسى فركب راحلته ورمى بها ~~مكة، وعاد أهل الشام إلى معاوية فسلموا عليه بإمرة المؤمنين. # وإذن فقد غدر عمرو غدرة منكرة، إن صح ما كاد المؤرخون أن يجمعوا عليه، اتفق مع أبي موسى ~~على خلع الرجلين ثم لم يخلع منهما إلا واحدا، جار إذن عن العهد الذي أعطاه على نفسه في ~~الصحيفة، فسقط حكمه وسقط حكم صاحبه أيضا. # وتفرق القوم على غير شيء كأنهم لم يجتمعوا، وكان الظافر في هذا كله معاوية، فقد رفعت ~~الحرب عن أصحابه وأتيح له أن يريحهم وأن يستعد لاستقبال أمره أشد قوة وأمضى عزما وأعظم ~~بأسا، وورط أصحاب علي في الخلاف والفرقة، واضطرهم إلى الفتنة وجعل بأسهم بينهم ~~شديدا. # ومن المؤرخين من زعم أن عمرا لم يبلغ بكيده إلى هذه المنزلة من الغدر، وإنما اكتفى بخلع ~~الرجلين كما خلعهما أبو موسى، فسوى بين علي ومعاوية، وكان هذا ظفرا عظيما. # ولكن هذه الرواية الشاذة لا تستقيم، فلو قد قال عمرو كما قال أبو موسى: إنهما اتفقا على ~~خلع الرجلين جميعا، لما عاد أهل الشام مسلمين على معاوية بالخلافة، وفيهم عمرو نفسه. ~~ولما قبل كثير من أهل العراق إمرة علي بعد أن خلعه الحكمان اللذان ارتضاهما وأعطاهما العهد ~~على نفسه بأن ينفذا حكمهما، ولكان من الطبيعي أن يضطرب الأمر أشد الاضطراب في مكة والمدينة، ~~فهؤلاء قوم أعطوا على أنفسهم عهدا ليسمعن لحكم الحكمين إن لم يجورا، ثم هم ms090 ينقضون ما أعطوا ~~من العهد ويسيرون سيرة جاهلية، فكيف يرضى عن ذلك من اعتزل الناس من أخيار الصحابة ومن ~~بايعوا عليا من خيارهم أيضا؟! # وليس لهذه الرواية معنى إلا أنها تتهم الأمة كلها بإيثار المنفعة الخاصة واتباع الهوى ~~والمخالفة عن أمر الله عز وجل حين قال: # وأوفوا بعهد الله ~~إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم ~~الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون * ~~ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا ~~تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من ~~أمة إنما يبلوكم الله به وليبينن لكم يوم ~~القيامة ما كنتم فيه تختلفون ~~. # وليس من المعقول أن تجتمع الأمة كلها على نقض العهد وإيثار الضلالة على الهدى، والغدر على ~~الوفاء، ولكن أحد الحكمين - وهو عمرو - خدع صاحبه وهو أبو موسى، ولم يكن أبو موسى مغفلا ~~كما قال المؤرخون، ولو كان مغفلا لما اختاره عمر لولاية الأمصار، ولما اختاره أهل الكوفة ~~لولاية مصرهم حين ظهرت الفتنة واشتدت أيام عثمان، ولكنه كان رجلا تقيا ورعا سمح النفس، ~~رضي الخلق، يظن أن المسلمين - ولا سيما الذين صحبوا النبي منهم خاصة - أرفع مكانة في أنفسهم ~~وفي دينهم من أن ينزلوا إلى الغدر، فأخلف ظنه عمرو، ولا أكثر من ذلك ولا أقل، وهو من أجل ~~ذلك فر بدينه إلى مكة، فاعتزل فيها مجاورا نادما على أنه لم يسمع لابن عباس. وعاد الوفد ~~من أهل العراق إلى علي فنبأوه بما كان، ولعل النبأ كان قد سبقهم إليه في الكوفة، فلم يدهش ~~لذلك كأنه كان يتوقعه، وإنما ذكر تحذيره لأصحابه في صفين حين رفعوا المصاحف، فقال لهم: «إن ~~القوم ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن.» # وقد حنق الصالحون من أهل الكوفة على هذا الغدر وأصحابه وجعلوا يستعدون للقتال، وأخفى ~~الماكرون من طلاب الدنيا مكرهم وجعلوا يظهرون الاستعداد للحرب كغيرهم من الناس، ولكن ~~الخوارج حالوا بين علي وبين أن ينهض بأصحابه إلى الشام. # | الفصل السابع والعشرون # وقد خطب علي أصحابه بعد أن أتاه أمر ms091 الحكمين، فقال فيما روى البلاذري: الحمد لله وإن ~~أتى الدهر بالخطب الفادح والحدث الجليل، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، ~~أما بعد، فإن معصية الناصح الشفيق المجرب تورث الحسرة وتعقب الندم، وقد كنت أمرتكم في ~~هذين الرجلين وهذه الحكومة بأمري ونخلت لكم رأيي لو يطاع لقصير رأي، ولكنكم أبيتم إلا ما ~~أردتم، فكنت وإياكم كما قال أخو هوازن: # أمرتهم أمري بمنعرج اللوى # فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد # ألا إن الرجلين اللذين اخترتموهما حكمين قد نبذا حكم الكتاب وراء ظهورهما وارتأيا الرأي ~~من قبل أنفسهما، فأماتا ما أحيا القرآن وأحييا ما أمات القرآن، ثم اختانا في حكمهما ~~فكلاهما لم يرشد ولم يسدد، فبرئ الله منهما ورسوله وصالح المؤمنين، فاستعدوا للجهاد ~~وتأهبوا للمسير وأصبحوا في معسكركم يوم الإثنين إن شاء الله. # وأصبح الناس في معسكرهم في الموعد الذي ضربه لهم إمامهم، وكتب علي إلى أهل البصرة، فجاءه ~~منهم جند صالح، ولم يشخص ابن عباس هذه المرة، وإنما اكتفى بتسريح الجند إلى علي، ونهض علي ~~بأصحابه يريد الشام، ولكنه لم يمض بهم إلا قليلا حتى جاءته أنباء قلبت خطته كلها رأسا ~~على عقب، وكانت تلك الأنباء متصلة بأمر الخوارج، فهم كانوا رجعوا مع علي كما رأيت، وظنوا ~~أنه قد عدل عن القضية، فلما رأوا أنه ماض فيها عادوا إلى تحكيمهم وخرجوا أرسالا من ~~الكوفة، منهم من خرج سرا ومنهم من خرج مباديا بخروجه لا يتستر ولا يحتاط، وكتبوا إلى ~~إخوانهم من أهل البصرة فانضموا إليهم في بعض الطريق وساروا جميعا إلى النهروان. # وكان علي يعلم هذا كله ويقول دائما مقالته المشهورة: «كلمة حق يراد بها باطل.» يقولها ~~كلما سمع تحكيمهم أو تحدث إليه أحد بهذا التحكيم، وكان كذلك يقول: لا نمنعهم الفيء ولا ~~نهيجهم ولا نبغيهم شرا ما لم يحدثوا حدثا أو يفسدوا في الأرض. وكان يقول: إن سكتوا ~~تركناهم وإن تكلموا حاججناهم وإن أفسدوا قاتلناهم. # ويقال إنه كتب إليهم ينبئهم بافتراق الحكمين على غير اتفاق ويدعوهم إلى ms092 أن يكونوا مع ~~أصحابهم للشخوص إلى حرب أهل الشام، ولكنهم أبوا عليه، وقالوا: قد دعوناك إلى ذلك قبل القضية ~~فأبيت، فأما الآن فإنا نأبى عليك لأنك لا تقاتل لله وإنما تقاتل لنفسك. كنت تظن أن قرابتك ~~من رسول الله # صلى الله عليه وسلم # ستحمل الناس على ألا يعدلوا بك أحدا، فلما رأيت أنهم قد انحرفوا عنك ~~نهضت لقتالهم تبتغي الدنيا، فلسنا منك ولا من الدنيا التي تبتغيها في شيء، إلا أن تشهد على ~~نفسك بالكفر، ثم تتوب كما تبنا، فإن فعلت فنحن معك على عدوك، وإلا فليس بيننا وبينك إلا ~~السيف. # ومع هذا كله لم يرد علي أن يهيجهم وإنما أزمع المضي إلى الشام، وقال: لعلهم يتدارسون ~~أمرهم ويثوبون إلى رشدهم، ولكن الأنباء تصل إليه بأنهم قد نشروا الفساد في الأرض، فقتلوا ~~عبد الله بن خباب بن الأرت، وخباب من خيار الصحابة، وقتلوا نسوة كن مع عبد الله، وجعلوا ~~يستعرضون الناس ويذيعون الذعر، فأرسل إليهم علي رجلا من أصحابه يسألهم عن هذا الفساد، ~~ويطلب إليهم أن يسلموا إليه أولئك الذين استحلوا قتل النفس التي حرم الله بغير الحق، فلم ~~يكد الرسول يدنو منهم حتى قتلوه، وجاء الخبر عليا، فكره أصحابه أن ينهضوا إلى الشام ~~ويتركوا من ورائهم هؤلاء الخوارج يفسدون في الأرض ويستبيحون أموالهم وعيالهم وهم غائبون. ~~وألحوا على إمامهم في أن ينهض بهم إلى هؤلاء الخوارج، حتى إذا فرغوا منهم تحولوا إلى عدوهم ~~من أهل الشام فحاربوا وهم مطمئنون على ما وراءهم. # وسمع لهم علي، فسار بهم إلى النهروان، حتى إذا صار بإزاء الخوارج جعل يطلب إليهم قتلة عبد ~~الله بن خباب ومن كان معه، وقتلة رسوله إليهم، فلا يظفر منهم إلا بجواب واحد هو: «كلنا ~~هؤلاء القتلة.» وجعل علي يعظهم بالكتابة مرة وبالخروج إليهم ووعظهم مشافهة مرة أخرى، وقد ~~أجدى وعظه هذا فجعل كثير من الخوارج يتسللون ويعودون إلى الكوفة، وجعلت طوائف منهم تعتزل ~~جيش الخوارج، منهم من يعود إلى جيش علي، ومنهم من يعتزل الحرب دون أن ms093 يعود إلى الجماعة، حتى ~~لم يبق حول عبد الله بن وهب الراسبي ذي الثفنات رئيس الخوارج إلا ثلاثة آلاف أو أقل من ذلك ~~أو أكثر من ذلك قليلا. فلما استيأس علي من هؤلاء عبأ جيشه وأمر بألا يبدءوهم بقتال حتى ~~يقاتلوا هم، ولم يكد الخوارج يرون التعبئة حتى تعبئوا، وينتصف النهار ذات يوم وإذا هذه ~~الفئة القليلة من الخوارج تتحرق إلى الحرب تحرق الظمآن إلى الماء، وإذا مناديهم يصيح فيهم: ~~«هل من رائح إلى الجنة؟» فيتصايحون جميعا: «الرواح إلى الجنة.» ثم يشدون على جيش علي شدة ~~منكرة تنفرج لها خيل علي فرقين: فرق يمضي إلى الميمنة وفرق يمضي إلى الميسرة، والخوارج ~~يندفعون بين الفرقين، فيلقاهم رماة علي بالنبل فيصرعون منهم خلقا كثيرا، ثم يلتئم ~~الفرقان من الخيل، وما هي إلا ساعة حتى يقتل الخوارج عن آخرهم، وفيهم رئيسهم ذو الثفنات ~~وجماعة كانوا قبل التحكيم من أشد الناس نصحا لعلي وجهادا في سبيله؛ لأنهم كانوا يرون ~~سبيله هي سبيل الله. # وينظر أصحاب علي إلى علي فإذا هو قلق لا يطمئن، يطلب إلى من حوله أن يلتمسوا ذا ~~الثدية، رجلا مخدج اليد، على عضده شامة تشبه ثدي المرأة، وعلى هذه الشامة شعرات سود، ~~فيبحث الناس عنه في القتلى والصرعى، ثم يعودون فيقولون: بحثنا ولم نجد. ويزداد علي قلقا ~~ويقول: «والله ما كذبت ولا كذبت، ويحكم! التمسوا الرجل فإنه في القتلى.» فيبحثون ثم ~~يأتي آت فينبئ عليا بأنهم قد وجدوه، فإذا سمع النبأ خر ساجدا وسجد معه من كان حوله من ~~أصحابه، ثم يرفع رأسه يقول: «والله ما كذبت ولا كذبت، ولقد قتلتم شر الناس.» # ويتحدث المؤرخون والمحدثون وأصحاب السير بأن هذا الرجل المخدج ذا الثدية هو الذي قال ~~للنبي # صلى الله عليه وسلم # حين قسم الغنائم يوم حنين وتألف من تألف من العرب: «اعدل يا محمد فإنك لم ~~تعدل.» وأعرض النبي عنه مرة ومرة، فلما أعاد مقالته للمرة الثالثة قال له النبي، وقد ظهر ~~الغضب في وجهه: «ومن يعدل إذا لم أعدل ms094 ؟» # وهم بعض المسلمين بقتله فكفهم النبي عنه، وقال فيما يروي المحدثون والمؤرخون: «يخرج من ~~ضئضئ هذا الرجل قوم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، يتلون القرآن لا يتجاوز ~~تراقيهم.» # وقد فرغ علي إذن من قتال الخوارج فقتلهم جميعا، إلا من انسل منهم إلى الكوفة أو اعتزل ~~الحرب، وكان علي فرحا بهذا الانتصار، ولا سيما بعد أن رأى ذلك المخدج ذا الثدية الذي كان ~~قبل ذاك من أشد الناس لزوما له وأكثرهم حرصا على مجالسته. وكان مما أرضى عليا أنه قد ~~فرغ - فيما يرى - من عدوه المخالط له الذي كان خطرا على ما يترك في العراق من الأموال ~~والعيال، وخطرا على الجيش نفسه يستطيع أن يأخذه من وراء، ويستطيع أن يقطع عليه رجعته إلى ~~العراق. # ظن علي أن الأمور قد استقامت له فلم يبق إلا أن يرمي بجيشه هذا المنتصر أهل الشام، ولكن ~~الشيء الذي لم يكن يفكر فيه علي، ولم ينتبه إليه أحد يومئذ، هو أن هذه الآلاف الثلاثة من ~~الرجال الذين قتلوا كانوا كلهم من أهل العراق، أكثرهم من أهل الكوفة، وبعضهم من أهل ~~البصرة، وليس منهم إلا من ينتمي إلى عشيرة في أحد هذين المصرين، وكثير منهم كانت عشائرهم في ~~جيش علي ذاك الذي قتلهم، فقد كان عدي بن حاتم مثلا مع علي في النهروان، وكان ابنه زيد في ~~الخوارج الذين قتلوا. وما أكثر أبناء الأعمام الذين قتل بعضهم بعضا في ذلك اليوم! وقل ~~ما شئت في البواعث التي دفعت أولئك وهؤلاء إلى أن يقتل بعضهم بعضا، كانوا جميعا يخلصون في ~~الدفاع عما كانوا يرون أنه الحق، وكانوا جميعا يصدرون عن شعور ديني صادق لا شك فيه، ولكنهم ~~كانوا جميعا ناسا من الناس يجدون في قلوبهم ما يجد الإنسان من الحزن على فقد الابن والأخ ~~والصديق، ويجدون ما يجد العربي في نفسه من الموجدة حين يقتل ابنه أو صديقه أو أخوه، ويشعرون ~~كما كان يشعر ذلك الفارس الجاهلي حين قال: # فإن أك قد بردت بهم غليلي ms095 # فلم أقطع بهم إلا بناني # وكما كان يشعر جاهلي آخر حين قال: # قومي هم قتلوا أميم أخي # فإذا رميت أصابني سهمي # فلئن عفوت لأعفون جللا # ولئن سطوت لأوهنن عظمي # وكما كان علي نفسه يشعر يوم الجمل حين كان يقول بعد أن نظر إلى القتلى من ~~الفريقين: # أشكو إليك عجري وبجري # شفيت نفسي وقتلت معشري # وقد ابتهج أهل الكوفة في حزن بعد يوم الجمل بانتصارهم على أهل البصرة، وشجعهم هذا ~~الانتصار على أن ينهضوا إلى صفين، أما في هذا اليوم يوم النهروان فأهل الكوفة يقتلون أهل ~~الكوفة وأهل البصرة يقتلون أهل البصرة، فأي غرابة في أن يشيع الحزن في القلوب وتغشى النفوس ~~كآبة لا تؤذن بخير؟! وأي غرابة في أن يدعوهم علي إلى النهوض إلى الشام فيعتل عليه رؤساؤهم، ~~منهم الصادق ومنهم الماكر الكاذب. يقولون له: قد نفدت السهام وتكسرت السيوف ونصلت الرماح، ~~فأعدنا إلى مصرنا لنريح ونجدد أداتنا ثم ننهض معك إلى عدونا. # ولا يكاد علي يعود بهم إلى معسكرهم في النخيلة خارج الكوفة ويحرج عليهم ترك المعسكر ~~ودخول المصر حتى ينظر فإذا هم يتسللون أفرادا وجماعات، حتى لا يبقى في المعسكر إلا عدد ~~يسير لا يغنون عنه شيئا، وحتى يضطر هو إلى أن يدخل الكوفة ويفكر في الاستعداد للحرب من ~~جديد. # وكان معاوية قد بلغه نهوض علي إلى الشام، فنهض في أصحابه يسبق إلى صفين، ولكن عليا لم ~~يقدم، فلما عرف معاوية ما كان من أمره مع الخوارج، ومن رجوعه إلى الكوفة وتخاذل أصحابه عن ~~القتال عاد إلى دمشق موفورا دون أن يلقى كيدا. # | الفصل الثامن والعشرون # وترك علي أصحابه أياما ليريحوا ويستريحوا ويستعدوا، كما زعم له رؤساؤهم في النهروان، ~~فلما ظن أنهم قد بلغوا من ذلك ما أرادوا دعاهم إلى الخروج وحثهم عليه وحرضهم على الجهاد، ~~ولكنهم سمعوا له ثم لم يصنعوا شيئا، فأمهلهم أياما ثم خطبهم كالمستيئس من نصرهم، فقال: ~~«يا عباد الله، ما بالكم إذا أمرتم أن تنفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض، أرضيتم ~~بالحياة ms096 الدنيا من الآخرة بدلا، وبالذل والهوان من العز والكرامة خلقا؟! أفكلما دعوتكم ~~إلى الجهاد دارت أعينكم في رءوسكم كأنكم من الموت في سكرة وكأن قلوبكم قاسية، فأنتم أسود ~~الشرى عند الدعة، وحين تنادون للبأس ثعالب رواغة، تنتقص أطرافهم فلا تخاشون، ولا ينام ~~عدوكم عنكم وأنتم في غفلة ساهون، إن لكم علي حقا: فالنصيحة لكم ما نصحتم، وتوفير فيئكم ~~عليكم، وأن أعلمكم كيلا تجهلوا، وأؤدبكم كيما تعلموا، وأما حقي عليكم فالوفاء بالبيعة، ~~والنصح في المغيب والمشهد، والإجابة حين أدعوكم، والطاعة حين آمركم.» # على أن خطبته هذه بلغت أسماع أصحابه دون أن تتجاوزها إلى قلوبهم، فانصرفوا عنه ولم يصنعوا ~~شيئا، لم ينفروا للحرب ولم يتأهبوا لها، بل لم يظهروا ميلا إلى التأهب فضلا عن أن ~~يظهروا الميل إلى النفير، وإنما قروا في مصرهم وأقبلوا على حياتهم وادعين يدبرون أمورهم ~~في أمن وفراغ بال، كأنهم لم يهموا بغزو الشام وكأنهم لم يستأذنوا عليا في العودة إلى ~~مصرهم، ليكون استعدادهم للحرب أتم وتأهبهم لها أشد وأمضى، وليس من شك في أن لهذه الظاهرة ~~أسبابها المختلفة وعللها المتباينة. # وقد أشرنا إلى بعض ذلك حين ذكرنا كآبة المنتصرين يوم النهروان، وما اندس إلى قلوبهم من ~~الحزن على من قتل في ذلك اليوم من الخصم والولي جميعا، فقد كان أولئك وهؤلاء أبناءهم ~~وإخوانهم وصديقهم وذوي عصبتهم، فإذا أضفنا إلى ذلك أن عليا منذ نهض بأمر الخلافة لم يدفع ~~جيوش المسلمين من أصحابه إلا إلى هذه الحرب الوبيلة، التي تقطع الأرحام وتوهي العرى وتفسد ~~الصلات التي يجب أن ترعى، حرب الآباء للأبناء وحرب الإخوان للإخوان وحرب الصديق للصديق ~~والولي للولي، أقول: إذا أضفنا هذا كله عرفنا أن أهل العراق معذورون إن شاع الملل في نفوسهم ~~وكرهوا هذا الصراع الذي لا يعقبهم إلا حسرة وحزنا، وليس على الإمام في ذلك لوم، وما ينبغي ~~أن يلومه فيه لائم، فقد كان يؤمن أشد الإيمان وأنقاه بأن على المسلمين أن ينصروا الحق مهما ~~يكلفهم ذلك من جهد، ومهما يجر عليهم ذلك من ms097 خطب، ومهما يدفعهم ذلك إلى المكروه. # وكان أصحابه يرون ذلك كما كان يراه، يؤمنون به على أنه الدين؛ ولذلك بذلوا نفوسهم ودماءهم ~~يوم الجمل، وبذلوها في صفين، وكانوا يهمون ببذلها مرة أخرى، قد نهضوا لذلك ومضوا إليه ~~ولكنهم اضطروا إلى النهروان ليحموا ظهورهم وليؤمنوا من وراءهم وما وراءهم من الأهل والمال، ~~فلم يجنوا في النهروان إلا شرا، أضافوا دماء إلى دماء وحزنا إلى حزن وحسرات إلى حسرات، ~~وهم بعد ذلك قد ألفوا منذ أيام أبي بكر وعمر جيوشا أرصدت للفتح، وعبئت لبسط سلطان ~~الإسلام، واستعدت لقتال العدو من غير المسلمين، وقد امتحنوا بقتال المسلمين مرات فلم يروا ~~إلا شرا. وهم ينظرون فيرون الفتح قد وقف، وسلطان الدولة قد أخذ يضطرب في الثغور؛ طمع ~~الروم في الشام وهموا بالغزو فلم يتقهم معاوية إلا بالمال، وجعلت الثغور الشرقية تضطرب على ~~عمال علي نفسه، فلا يكاد يردها إلى الطاعة إلا بعد الجهد أي الجهد، والعناء أي ~~العناء. # وهم يرون بعد هذا كله قوما من خيار أصحاب النبي قد اعتزلوا الفتنة واجتنبوا الحرب، ~~وكرهوا أن يقاتلوا أهل القبلة، وأن ينصبوا الحرب لقوم يقولون: «لا إله إلا الله» ويشهدون ~~بنبوة محمد # صلى الله عليه وسلم ~~، ومنهم من كسر سيفه؛ لأن سيوف المسلمين قد أرصدت لقتال العدو لا ~~لقتال الصديق. # وليس كل الناس من اليقين وقوة الإيمان ومضاء العزم وتصميم الرأي بحيث كان علي رضي الله ~~عنه، فليس غريبا إذن أن يجتمع هذا كله على هؤلاء الناس فيثير في نفوسهم الحزن، ويشيع في ~~قلوبهم الشك، ويقر في ضمائرهم هذا الندم الغامض الذي يدفع أصحابه إلى الحيرة، والذي يفل ~~الحد ويثبط الهمم. # هذا كله إلى أن أصحاب علي في العراق كانوا يجدون في السلم والأمن راحة مغرية ودعة مطمعة، ~~فهم قارون في أمصارهم يوفر عليهم فيئهم في غير حرب، وقد سن فيهم علي سنة لم يألفوها من ~~قبل، أشار بها على عمر فلم يستجب له، فكان طبيعيا أن ينفذها حين يصير السلطان إليه، فقد ~~أشار علي على ms098 عمر حين استشار الناس في هذا المال الكثير، الذي أخذ يحمل إليه من الثغور، ~~بأن يقسم كل ما يحمل إليه من هذا المال على الناس حتى لا يبقى منه في بيت المال شيء، فلم ~~يقبل عمر هذا الرأي وإنما قبل رأي الذين أشاروا عليه بتدوين الديوان وفرض الأعطيات ~~للناس. # فلما صار الأمر إلى علي جعل يقسم ما يأتي من المال إثر وصوله على الناس، بعد أن يحتجز منه ~~ما ينبغي أن ينفق منه في المرافق العامة، ولم يكن علي يكره شيئا كما كان يكره الادخار في ~~بيت المال، كان يتحرج من ذلك أشد التحرج، حتى روي أنه كان يحب بين حين وحين أن يأمر فيكنس ~~بيت المال ويرش، ثم يأتي فيصلي فيه ركعتين. كان يكره أن يلم به الموت فجأة ويترك في بيت ~~المال شيئا لم يردده إلى أصحابه، فكان يقسم على الناس الفاكهة حين تحمل إليه الفاكهة ~~قلت أو كثرت، وكان يقسم عليهم العسل والزيت وأشباه العسل والزيت، حتى قسم عليهم ذات يوم ~~إبرا وخيطا، فقد كان السلم إذن محببا إلى هؤلاء الناس الذين كان يحمل إليهم فيء الثغور ~~وخراج ما فتح على المسلمين من أرض المشرق، فلا يكاد يبلغ المصر حتى يصير في أيديهم قليلا ~~كان أو كثيرا. # كان هذا السلم محببا إليهم، وكان على كل حال أحب إليهم من هذه الحرب العقيم التي لا غنم ~~فيها، وفيها الغرم كل الغرم، وفيها بعد ذلك قتل الولي والصديق. # وكذلك مضى أصحاب علي في إيثار الراحة والدعة والنكوص عن الحرب كلما دعوا إليها. # ثم جاء مكر معاوية فأضاف مالا إلى مال، وثراء إلى ثراء، وزاد السلم حبا إلى سراتهم ~~ورؤسائهم؛ فقد اتصلت كتب معاوية إلى هؤلاء السراة والرؤساء تحمل إليهم الوعود والأماني، ~~وتقدم بين يدي الوعود والأماني العطايا والصلات، يعجل من ذلك بما يرغب في عاجله، وما يغري ~~قليله المعجل بكثيره الموعود، حتى اشترى ضمائر هؤلاء السراة والرؤساء وأفسدهم على إمامهم، ~~وجعلهم بالقياس إليه منافقين، يعطونه الطاعة بأطراف ألسنتهم، ويطوون ms099 قلوبهم على المعصية ~~والخذلان، ويذيعون ذلك فيمن وراءهم من الناس. # لم يكن علي يستبيح لنفسه مكرا ولا كيدا ولا دهاء، كان يؤثر الدين الخالص على هذا كله، ~~وكان يحتمل الحق مهما تثقل مئونته، لا يعطي في غير موضع للعطاء، ولا يشتري الطاعة بالمال، ~~ولا يحب أن يقيم أمر المسلمين على الرشوة، ولو شاء علي لمكر وكاد، ولكنه آثر دينه وأبى ~~إلا أن يمضي في طريقه إلى مثله العليا من الصراحة والحق والإخلاص والنصح لله والمسلمين، عن ~~رضى واستقامة لا عن كيد والتواء. # وقد جعل يدعو الناس بين حين وحين، يرفق بهم كثيرا ويعنف عليهم أحيانا، حتى قال لهم ذات ~~يوم: «أيها الناس المجتمعة أبدانهم المختلفة قلوبهم وأهواؤهم، ما عزت دعوة من دعاكم، ولا ~~استراح قلب من قاساكم، كلامكم يوهي الصم الصلاب، وفعلكم يطمع فيكم عدوكم، إذا دعوتكم إلى ~~الجهاد قلتم كيت كيت، وذيت ذيت، أعاليل بأباطيل، وسألتموني التأخير، فعل ذي الدين المطول ~~حيدي حياد، لا يدفع الضيم الذليل، ولا يدرك الحق إلا بالجد والعزم واستشعار الصبر، أي دار ~~بعد داركم تمنعون؟ ومع أي إمام بعدي تقاتلون؟ المغرور والله من غررتموه، ومن فاز بكم فاز ~~بالسهم الأخيب، أصبحت لا أطمع في نصركم ولا أصدق قولكم، فرق الله بيني وبينكم، أبدلني بكم ~~من هو خير لي منكم، أما إنكم ستلقون بعدي ذلا شاملا، وسيفا قاطعا، وأثرة يتخذها الظالم ~~فيكم سنة، فيفرق جماعتكم، ويبكي عيونكم، ويدخل الفقر بيوتكم، وتتمنون عن قليل أنكم ~~رأيتموني فنصرتموني، فستعلمون حق ما أقول، ولا يبعد الله إلا من ظلم.» # ولكنهم سمعوا منه وتفرقوا عنه ولم يصنعوا شيئا حتى أيأسوه من أنفسهم، وحتى روى بعض ~~الرواة عمن رآه، وقد رفع المصحف حتى وضعه على رأسه، ثم قال: «اللهم إني سألتهم ما فيه ~~فمنعوني ذلك، اللهم إني قد مللتهم وملوني، وأبغضتهم وأبغضوني، وحملوني على غير خلقي وعلى ~~أخلاق لم تكن تعرف لي، فأبدلني بهم خيرا لي منهم، وأبدلهم بي شرا مني، ومث قلوبهم ميث ~~الملح في الماء.» # وقد كانت حياة ms100 علي بعد النهروان محنة متصلة، محنة شاقة إلى أقصى حدود المشقة، كان يرى ~~الحق واضحا مضيئا صريحا له كما تضيء الشمس، وكان يرى في أصحابه من القوة والبأس ومن ~~العدد والعدة ما يمكنه من بلوغ هذا الحق وإعلاء كلمته، ولكنه كان يرى أصحابه قاعدين عن حقهم ~~متخاذلين عن نصره، يدعون فلا يجيبون، ويؤمرون فلا يطيعون، ويوعظون فلا يتعظون، قد أحبوا ~~الحياة وكرهوا الموت، وآثروا العافية وضاقوا بالحرب، واستلذوا الراحة وسئموا التعب، حتى أخذ ~~معاوية ينتقص أطرافهم في العراق ويغير على الأقاليم خارج العراق، وعلي يدعو فلا يجاب، ~~ويأمر فلا يطاع، ويقول فلا يسمع له إلا قليل من أصحابه لا يكادون يغنون عنه ~~شيئا. # وقد كان يرى أنه أحق الناس بالخلافة منذ وفاة النبي، ولكنه صبر حين صرفت عنه إلى ~~الخلفاء الذين سبقوه، فلما جاءته الخلافة لم تجئه صفوا ولا عفوا، وإنما جاءته بعد فتنة ~~منكرة وكلفته وكلفت أصحابه معه أهوالا ثقالا، ثم أسلمته بعد ذلك إلى هذا الموقف البغيض ~~إلى كل نفس أبية، وإلى كل مؤمن صادق الإيمان، موقف الإمام الذي لا يطاع، والذي يريد الحق ~~فلا يبلغه، لا لضعف فيه ولا لقلة في أصحابه ولا لوهن في أداته، بل لأن أصحابه لا يريدون أن ~~يطيعوه ولا أن ينصروه، بعد أن جربوا الطاعة والحرب، فلم يجنوا منهما إلا تقطيع الأرحام وقتل ~~الصديق واحتمال المشقة والتعرض للهلكة في غير غنيمة، فآثروا الدعة واطمأنوا إليها، ثم لم ~~يؤثروا الدعة وحدها وإنما فرغوا لأنواع الجدال العقيم، ينفقون فيه أوقاتهم وجهودهم، حتى ~~جاءه نفر منهم ذات يوم يسألونه عن رأيه في أبي بكر رضي الله عنه، يسألونه عن ذلك وقد جاءته ~~من إحدى نواحيه أنباء ثقال ملأت قلبه حزنا وغيظا، فقال لهم محزونا: «أوقد فرغتم لذلك، ~~وهذه مصر قد فتحها أهل الشام وقتلوا واليها محمد بن أبي بكر؟» # | الفصل التاسع والعشرون # ثم لم تقف محنته في أصحابه عند هذا الحد، ولكنها تجاوزته إلى شر منه وأقسى، فقد استبان له ~~بعد قليل أن انتصاره في ms101 النهروان لم يغن عنه شيئا، على ما كلفه من مشقة وما أعقب في نفسه ~~وفي نفوس أصحابه من حزن وحسرة، فهو لم يقتل الخوارج في النهروان، وإنما قتل منهم جماعة ليس ~~غير، وقد ظل الخوارج معه بعد ذلك يعايشونه في الكوفة، ويعايشون عامله في البصرة، وينبثون في ~~أطراف السواد بين المصرين. # كانوا يعيشون موتورين لا ينسون ثأر إخوانهم الذين صرعوا في النهروان، محتفظين بآرائهم ~~كلها لم تغير الهزيمة منها شيئا، وإنما زادتها قوة إلى قوة، وأضافت إليها قوة أخرى منكرة ~~فظيعة، تأتي من البغض والحقد والحرص على طلب الثأر. # وقد رسمت الظروف لهؤلاء الخوارج خطة محتومة لم ينحرفوا عنها قط أثناء تاريخهم الطويل، وهي ~~أن يكيدوا للإمام ويمكروا به ويخذلوا عنه ويحرضوا عليه، ويدعوا إلى مذهبهم حين لا تواتيهم ~~القوة ولا يسعفهم البأس، فإذا كثر عددهم واستطاعوا مكابرة السلطان خرجوا من أمصارهم مستخفين ~~أو ظاهرين، ثم ابتعدوا مكانا يلتقون فيه، فإذا التقوا أظهروا المعصية وسلوا السيف. # فقد عاش الخوارج إذن مع علي في الكوفة يدبرون له الكيد ويتربصون به الدوائر ويصرفون عنه ~~قلوب الناس وعقولهم، يشهدون صلاته ويسمعون خطبه وأحاديثه، وربما عارضه منهم المعارض فقطع ~~عليه الخطبة أو الحديث، وهم على ذلك مطمئنون إلى عدله، آمنون من بطشه، مستيقنون أنه لن يبسط ~~عليهم يدا ولن يكشف لهم صفحة حتى يبادوه، وهم يأخذون نصيبهم من الفيء وحظوظهم من المال ~~الذي يقسم بين حين وحين، فيتقوون به على الحرب ويستعدون به للقتال. # وكان علي قد أخذ نفسه بألا يعرض لهم بشر حتى يبتدئوه، وأعلن إليهم ذلك وإلى الناس، ~~فأطمعهم عدله وإسماحه فيه، وأغراهم لينه وبره بهم، وكان يعلم منهم ذلك حق العلم، وقد استقر ~~في نفسه أنهم قاتلوه حتى لقد كان كثيرا ما يقوله: «لتخضبن هذه من هذه.» يشير إلى لحيته ~~ويشير إلى جبهته. # وكان من ألقي إليه من النبي # صلى الله عليه وسلم # فيما يظهر أنه سيموت مقتولا، وأن قاتله أشقى هذه ~~الأمة، فكان كثيرا ما يقول في خطبه حين يشتد ms102 سأمه لأصحابه وضيقه بعصيانهم: ما يؤخر ~~أشقاها؟ # ولم يكن الخوارج يتحرجون من الجهر بآرائهم بين حين وحين، حتى جاءه أحدهم ذات يوم وهو ~~الخريت بن راشد السامي - من ولد سامة بن لؤي - ذات يوم، فقال له: والله لا أطعت أمرك ولا ~~صليت خلفك. فقال له علي: ثكلتك أمك، إذن تعصي ربك، وتنكث عهدك، ولا تغر إلا نفسك، ولم تفعل ~~ذلك؟ قال: «لأنك حكمت في الكتاب وضعفت عن الحق حين جد الجد، وركنت إلى القوم الذين ظلموا ~~أنفسهم، فأنا عليك زار وعليهم ناقم.» فلم يغضب علي لذلك ولم يبطش به، إنما دعاه إلى أن ~~يناظره ويبين له وجه الحق لعله أن يثوب إليه، فقال له الخريت: أعود إليك غدا. فقبل منه علي ~~وخلى بينه وبين حريته، لم يرتهنه في سجن حتى يناظره فيسمع منه ويقول له، وإنما ترك له ~~الطريق، فانصرف الرجل إلى قومه من بني ناجية، وكان فيهم مطاعا، شهد بهم يوم الجمل وصفين، ~~فأخبرهم بما كان بينه وبين علي، ثم خرج بهم في ظلمة الليل من الكوفة يريد الحرب، ولقي ~~الخريت وأصحابه في طريقهم رجلين سألوهما عن دينهما، وكان أحدهما يهوديا، فلما أنبأهم ~~بدينه خلوا سبيله لأنه ذمي، وأما الآخر فكان مسلما من الموالي، فلما أنبأهم بدينه سألوه عن ~~رأيه في علي فقال خيرا، فوثبوا عليه فقتلوه، وأنبأ اليهودي بما رأى عاملا من عمال علي على ~~السواد، فكتب العامل إلى علي، وأرسل علي جيشا لتتبع هؤلاء القوم وردهم إلى الطاعة ~~ومناجزتهم إن أبوا، ولحق بهم الجيش. # وكانت بين القائد وبين الخريت مناظرة لم تجد شيئا، فطلب إليه القائد أن يسلموا إليه ~~قتلة ذلك المسلم، فأبى الخريت، وكان بينهم قتال شديد لم يبلغ فيه أحد من صاحبه شيئا، ثم ~~تحاجز القوم آخر النهار وهرب الخريت بأصحابه نحو البصرة. # وأرسل علي جيشا آخر أعظم قوة وأكثر عددا، وأمره بتعقب هؤلاء القوم، وكتب إلى عبد الله ~~بن عباس عامله على البصرة أن يمد هذا الجيش، ففعل. والتقى الفريقان، فاقتتلوا أشد قتال وظهر ms103 ~~الضعف في أصحاب الخريت، ولكنه استطاع في هذه المرة أيضا أن يهرب بأصحابه تحت الليل. # ولم يلبث أمر هذا الرجل أن استبان وظهر أنه لم يخرج غضبا للحق ولا إنكارا للحكومة، ~~وإنما كان مغامرا يوهم الخوارج أنه معهم، ويوهم العثمانية أنه يطلب بدم عثمان، وقد جعلت ~~أخلاط كثيرة من الناس تنضم إليه، وجعل يمضي في طريقه على ساحل البحر، لا يكاد يتقدم إلا ~~انضم إليه من الأخلاط والعلوج طوائف، حتى كثف جيشه وعظم أمره، وتبعه قوم من النصارى، فمنهم ~~من كان أسلم فعاد إلى نصرانيته، ومنهم من ظل على دينه ولكنه أراد أن يتخلص من أداء الجزية، ~~وجعل جيش علي يتبع الخريت وأصحابه حتى أظلهم ذات يوم، وكانت بينه وبينهم موقعة قتل فيها ~~الخريت، وأخذ قائد علي من بقي من أصحابه أسرى، فمن كان منهم مسلما من عليه، ومن كان ~~منهم قد ارتد استتابه، فإن أسلم من عليه أيضا، وإن لم يسلم أخذه أسيرا سبيا. # وكتب بذلك إلى علي، وعاد بأصحابه وأسراه نحو الكوفة، وكان هؤلاء الأسرى خمسمائة، فمروا ~~بخطة من خطط فارس عليها عامل لعلي هو مصقلة بن هبيرة الشيباني، فجعل الأسرى يتصايحون ~~بالدعاء لمصقلة والاستغاثة به واستعانته على تخليصهم من أسرهم، وكانت كثرتهم من قومه بكر بن ~~وائل، فاشتراهم مصقلة من قائد علي وأعتقهم، ولكنه التوى بما شرطه على نفسه من ثمنهم. # وانتهى الجيش إلى الكوفة، وعرف علي قصة مصقلة مع الأسرى، فأثنى على القائد وصوب رأيه، ~~وانتظر أن يرسل مصقلة ما عليه من دين، فلما أبطأ طالبه وألح في مطالبته وإنذاره، ثم أرسل ~~إليه من يتقاضى منه المال، فإن التوى به حمله إلى أمير البصرة ابن عباس. # وكان أمر مصقلة هذا من أوضح الأدلة وأقواها على طبيعة الطاعة التي كان كثير من أشراف أهل ~~العراق يبذلونها لعلي، فقد التوى بدينه وحمل إلى ابن عباس، فلما طالبه ابن عباس بأداء ~~الدين قال: «لو قد طلبت أكثر من هذا المال إلى ابن عفان ما منعني إياه.» ثم احتال حتى ms104 هرب ~~من البصرة ولحق بمعاوية، فتلقاه معاوية أحسن لقاء وأطمعه وأرضاه، حتى طمع مصقلة في أن يحمل ~~أخاه نعيم بن هبيرة على أن يلحق به. كتب إليه في ذلك مع رجل من نصارى تغلب يقال له جلوان، ~~ولكن هذا النصراني لم يكد يبلغ الكوفة حتى عرف علي أمره وعرف أنه لا يبلغ الرسالة فحسب، ~~وإنما يتجسس أيضا، فقطع يده ومات الرجل في إثر ذلك، فقال نعيم يخاطب أخاه: # لا تأمنن هداك الله عن ثقة # ريب الزمان ولا تبعث كجلوانا # ماذا أردت إلى إرساله سفها # ترجو سقاط امرئ ما كان خوانا # عرضته لعلي إنه أسد # يمشي العرضنة من آساد خفانا # قد كنت في منظر عن ذا ومستمع # تأوي العراق وتدعى خير شيبانا # لو كنت أديت مال القوم مصطبرا # للحق أحييت بالإفضال موتانا # لكن لحقت بأهل الشام ملتمسا # فضل ابن هند وذاك الرأي أشجانا # فالآن تكثر قرع السن من ندم # وما تقول وقد كان الذي كانا # وظلت تبغضك الأحياء قاطبة # لم يرفع الله بالبغضاء إنسانا # فلم تكن طاعة مصقلة إذن لعلي طاعة الرجل الذي يصدر في كل ما يأتي عن معرفة الحق والإيمان ~~به والقيام دونه والصبر على ما يكون من نتائج هذا كله، وإنما كانت طاعته طاعة رجل من الناس ~~لخليفة من الخلفاء، رجل يؤثر العافية وينتهز الفرصة ويبتغي لنفسه الخير مهما يكن مصدره، ~~يعنيه أمر نفسه قبل أن يعنيه أي شيء آخر، ولم يكن مصقلة فذا في ذلك، وإنما كان له أشباه ~~من أشراف الناس فضلا عن عامتهم في الكوفة والبصرة جميعا. # فهو يشتري الأسرى ويعتقهم لا يبتغي ثواب الله ولا يبتغي حسن الأحدوثة، وإنما يستجيب ~~للعصبية وحدها ويتخذ المكر بالسلطان وسيلة إلى إرضائها، فإذا عرف السلطان مكره وطالبه بالحق ~~لم يصطبر له ولم يؤد منه ما لزمه، وإنما فر إلى الذين يحاربون الخليفة ويكيدون له، ~~فأصبح عدوا بعد أن كان وليا، ولم يكن لقاء معاوية له وترحيبه به وإيثاره إياه بالمعروف ~~خيرا من التوائه هو بالدين وفراره هو إلى ms105 الشام، وإنما كان كيدا من الكيد، ومكرا من ~~المكر، ومكافأة على ما لا يحسن أن يكافأ عليه المسلم الصدوق، إنما كان ذلك يحسن لو قد فر ~~إلى معاوية رجل من الروم ليكيد معه لقيصر ويعينه على غزو العدو، فأما أن يؤوي من كاد لإمامه ~~لا بشيء، ونكث عهده لا لشيء، إلا لأنه قد يعينه على إفساد أمر العراق، فهذا هو الذي يبين ~~وجها خطيرا من وجوه السياسة التي أراد معاوية أن يقيم عليها أمر السلطان الجديد، سياسة ~~الدنيا بأعراضها وأغراضها، وبمنافعها ومآربها، وبأهوائها وشهواتها. # وهنا يظهر الفرق واضحا بين مذهب علي في السياسة التي تخلص للدين، ومذهب معاوية في ~~السياسة التي تخلص للدنيا. # أما علي فلم يزد حين بلغه فرار مصقلة على أن قال: «ما له قاتله الله؟! فعل فعل السيد ~~وفر فرار العبد!» ثم أمر بدار مصقلة فهدمت. # | الفصل الثلاثون # ومضى امتحان علي على هذا النحو المر، خيانة من الولي وكيدا من العدو، وهو بين ذلك كله ~~مصمم على خطته الواضحة، لا يرضى الدنية من الأمر ولا يدهن في دينه، ولا يتحول عن سياسته ~~الصريحة قليلا ولا كثيرا، والمحن تتابع عليه ويقفو بعضها إثر بعض، وهو ماض في طريقه لا ~~ينحرف عنه إلى يمين أو إلى شمال، يبلغ منه الغيظ أقصاه، ويضيق بحياته أشد الضيق، فلا يزيد ~~على أن يجمجم ويظهر غيظه دون أن يلفته شيء من ذلك عما صمم عليه. # ولم يكد يفرغ من أمر النهروان حتى امتحن في دولته نفسها، فقد أخذ معاوية يغير على ~~أقطارها وينتقص أطرافها، وقد أطاعه أهل الشام مخلصين في الطاعة، لا يناقشونه إذا أمرهم ~~ويقبلون عليه إذا دعاهم، وكانت نفسه قد تعلقت بمصر منذ نهض علي بالخلافة؛ لقربها منه ~~وبعدها من علي، ولأن الثائرين من أهلها كانوا أشد أهل الأقاليم على عثمان وأسرعهم إلى ~~الفتك به، وقد هم معاوية أن يصل بالكيد إلى ما أراد من مصر، وكأنه قد بلغ بكيده ما أحب بعد ~~خطوب طوال ثقال. # كان علي قد ولى قيس ms106 بن سعد بن عبادة الأنصاري الخزرجي أمر مصر، وكان لهذا الأمر كفئا ~~ولهذا العبء حاملا، قدم مصر وقرأ على أهلها عهد علي، فقام الناس إليه فبايعوا لعلي واستقام ~~له الأمر، إلا أن فريقا منهم اعتزلوا وكتبوا إلى قيس أنهم لا يريدون أن ينصبوا له حربا ~~ولا أن يمنعوه خراجا، ولكنهم ينتظرون بالبيعة حتى يروا ما يصير إليه أمر الناس، فوادعهم ~~قيس ولم يهجهم، ثم كتب إليه معاوية وعمرو بن العاص يستميلانه إليهما؛ فرد عليهما ردا ~~رفيقا لم يوئسهما من نفسه ولم يطمعهما فيها، وإنما أراد أن يتقي شرهما ويأمن مكرهما في ~~إقليمه هذا البعيد من مركز الخلافة، ولكن معاوية لم يرض منه بذلك وإنما كتب إليه، وكتب ~~ليعرف الصريح من رأيه وليتبين أصديق هو أم عدو، فلما استيأس منه فسد الأمر بينهما حتى كتب ~~إليه يسبه، ويدعوه اليهودي ابن اليهودي، فرد عليه قيس سبا بسب، ودعاه الوثني ابن الوثني، ~~ووصفه وأباه بأنهما دخلا في الإسلام كارهين وخرجا منه طائعين. # فعرف معاوية أن أمر قيس لن يستقيم له بالكيد الرقيق ولا بالنذير العنيف، فلم يكد له في ~~مصر وإنما كاد له في العراق، كتب على لسانه كتابا أظهر فيه انحرافه عن علي وغضبه لعثمان ~~ومطالبته بدم الخليفة المظلوم، ودس الكتاب إلى أهل الكوفة، فأما علي فلم يصدق ما جاء في ~~الكتاب ولم يزد على أن قال لأصحابه: إني أعلم بقيس منكم، وإنما هي فعلة من فعلاته. ولكن ~~أصحابه صدقوا وثاروا وألحوا في عزل قيس. وتريث علي مع ذلك وكتب إلى قيس يأمره أن يناجز ~~القوم الذين اعتزلوا، ولا يقبل منهم إلا البيعة، فأجابه قيس متعجبا من إسراعه إلى حرب ~~هؤلاء القوم الوادعين، طالبا إليه أن يخلي بينه وبين إقليمه يدبره كما يرى لأنه قريب وعلي ~~بعيد، ولأنه يخشى إن هاج هؤلاء الناس أن يفسد عليه الأمر، وأن يجدوا من قومهم من ينصرهم، ~~وأن يستعينوا معاوية فيعينهم. # ولم يشك أهل الكوفة بعد أن عرفوا ذلك من أمر قيس في أنه قد أضمر ms107 الشر وخالف عن أمر إمامه، ~~فألحوا في عزله، وما زالوا يلحون حتى عزله علي وولى مكانه محمد بن أبي بكر. # وكان الفرق بين محمد بن أبي بكر وبين قيس بن سعد أن محمدا كان شابا حدثا، وأن قيسا ~~كان رجلا قد جرب الأمور وبلا حلو الدهر ومره، وأن محمدا كان قد شارك في أمر عثمان، وأن ~~قيسا لم يكن قد شارك فيه، وأن محمدا كان رجلا تستخفه الحرب ولا يستجيب إلا لعواطف نفسه ~~وشبابه، وأن قيسا كان رجلا يؤثر الأناة ويزن الأمور ولا يحب الحرب إلا حين لا يكون منها ~~بد. # فلما وصل محمد بن أبي بكر إلى مصر رحل عنها قيس إلى المدينة، فلم يقم فيها إلا قليلا، ~~ثم قدم على علي فشهد معه صفين ونصح له في المحضر والمغيب، ودعا محمد بن أبي بكر أولئك ~~المعتزلة إلى الطاعة، فلما أبوا عليه أخذ في حربهم، فأرسل إليه جندا لم يلبث أن انهزم، ~~وأرسل إليهم جيشا آخر لم يلبث أن انهزم أيضا، وثار لهؤلاء الناس قوم من أنصارهم، وظهرت ~~الدعوة للثأر بعثمان في مصر، واضطرب أمر الإقليم، وعرف علي ذلك فولى الأشتر النخعي مصر وعزل ~~عنها محمد بن أبي بكر، ولكن الأشتر لم يكد يصل إلى القلزم حتى مات. وأكثر المؤرخين يتحدثون ~~بأن معاوية أغوى صاحب الخراج في القلزم وحط عنه الخراج ما بقي إن احتال في موت الأشتر، وبأن ~~هذا الرجل دس للأشتر سما في شربة من عسل فقتله ليومه أو لغده، وكان معاوية وعمرو يتحدثان ~~فيقولان: إن لله جنودا من عسل. # ثم جهز معاوية جيشا لغزو مصر وأمر عليه عمرو بن العاص، واضطر علي إلى أن يثبت محمد بن ~~أبي بكر في ولايته ويأمره بالتحرز والاحتراس ويعده بإرسال المال والجند، وجعل يدعو أهل ~~الكوفة إلى نصر إخوانهم في مصر، فلم ينتدبوا لذلك، فلما اشتد عليهم في الإلحاح انتدب له ~~جنيد ضئيل، فأرسلهم علي إلى مصر، ولكنه لم يلبث أن تلقى الأنباء بأن عمرا قد دخل مصر ~~فاحتازها، وبأن ms108 محمد بن أبي بكر قد قتل وحرقت جثته في النار، فرد جنده الضئيل وخطب أهل ~~الكوفة لائما مشتدا في اللوم كعادته، ولكن أهل الكوفة لم يزيدوا على أن سمعوا ثم ~~تفرقوا. # ومنذ ذلك اليوم انقسمت الدولة الإسلامية شطرين؛ شطر المغرب: وأمره إلى معاوية، وقوامه ~~الشام ومصر وما فتح على المسلمين من إفريقية وما وراء ذلك من أرض كانت تنتظر الفتح، وشطر ~~المشرق: وأمره إلى علي، وقوامه العراق وما فتح على الفرس وجزيرة العرب. على أن معاوية لم ~~يقنع بما احتاز من هذا المغرب، وإنما أطمعه انتصاره، واجتماع أصحابه عليه، وطاعتهم له، ~~وكيده لعلي في العراق، ونجحه فيما كان يحاول من استهواء أصحاب علي، فلم يلبث أن فكر ثم ~~حاول فلم يخطئه النجح فيما فكر ولا فيما حاول، ولم يفكر في أقل من أن يغزو أهل العراق في ~~عقر دارهم، ولم يحاول أقل من أن يشيع الذعر والهلع فيما بقي لعلي من الأرض. # | الفصل الحادي والثلاثون # وفي أثناء هذا كله أضاف أقرب الناس إلى علي وآثرهم عنده محنة إلى محنه الكثيرة، وهو ابن ~~عمه وعامله على البصرة عبد الله بن عباس صاحب رأي علي، وأعرف الناس بدخيلة أمره، وأقدرهم ~~على نصحه ونصره، وأجدرهم أن يعينه ويخلص له حين تتنكر له الدنيا ويمكر به العدو ويلتوي ~~عليه الصديق. # ولم يقصر علي في ذات ابن عمه، لم يخف عليه من أمره شيئا، ولم يحتجز عنه سرا من ~~أسراره، وإنما كان يراه وزيرا طبيعيا له، أقام هو في الكوفة وولى وزيره وابن عمه ~~البصرة، وهي أعظم أمصاره وأجلها خطرا، وكان علي ينتظر أن يمتحن في الناس جميعا إلا في ~~ابن عمه هذا وفي بنيه. # وكان لابن عباس من العلم بأمور الدين والدنيا، ومن المكانة في بني هاشم خاصة وفي قريش ~~عامة وفي نفوس المسلمين جميعا ما كان خليقا أن يعصمه من الانحراف عن ابن عمه، مهما تعظم ~~الكوارث ومهما تدلهم الخطوب، ولكنه فيما يظهر عاد من صفين منكسر النفس بعد ما رأى من ظهور ms109 ~~معاوية بالكيد والمكر وطاعة أهل الشام، ومن تفرق أصحاب علي على إمامهم، وانحراف كثير منهم ~~عنه إلى الحرب الخفية، وانحراف كثير منهم عنه إلى الحرب الظاهرة، ثم شهد أمر الحكمين فرأى ~~تخاذل أهل العراق وتظاهر أهل الشام، وعاد وقد استيقن أن الدنيا قد أدبرت عن ابن عمه، وأن ~~الأيام قد تنكرت له، وأن الأمور تريد أن تستقيم لمعاوية، ورأى أن ابن عمه على ذلك كله ماض ~~في طريقه المستقيمة لا يعوج ولا يلتوي، ولا يحب اعوجاجا ولا التواء من أحد، وإنما يجري ~~سياسته سمحة هينة، ويسير سيرة عمر بالرفق بالمسلمين والعطف عليهم، ولكنه لا يشتد شدة عمر ~~ولا يعنف بالناس، وإنما يحارب من حاربه في غير هوادة، ويسالم من سالمه في غير احتياط، لا ~~يعاقب على الكيد ولا يأخذ بالظنة، ولا يبادي الناس بالشر حتى يبادوه. # وقد رأينا أن ابن عباس لم يقدم على علي حين أراد الشخوص إلى الشام، ولم يشهد معه ~~النهروان، وإنما أقام بالبصرة وسرح الجند إلى علي كأنه قد ضاق بهذه الحرب التي لا تغني، ~~فقعد عنها وانتظر عاقبتها، ثم لم يلبث أن رأى عاقبتها شرا وفرقة وتخاذلا، فقد أوقع علي ~~بالخوارج فلم يزد علي أن قتل جماعة من أصحابه، ثم لم يمض إلى الشام بعد ذلك وإنما عاد إلى ~~الكوفة، ثم لم يستطع أن يخرج منها بعد أن عاد إليها. رأى ابن عباس نجم ابن عمه في أفول ونجم ~~معاوية في صعود، فأقام في البصرة يفكر في نفسه أكثر مما يفكر في ابن عمه وفي هذه الخطوب ~~التي كانت تزدحم عليه، وكأنه آثر نفسه بشيء من الخير وسار في بيت المال سيرة تخالف المألوف ~~من أمر علي ومن أمره هو، حين كانت الأيام مقبلة على ابن عمه وعليه، وكأنه آنس من صاحب بيت ~~المال في البصرة، وهو أبو الأسود الدؤلي شيئا من النكير، فأغلظ له في القول ذات ~~يوم. # وضاق أبو الأسود بما رأى وما سمع، فكتب إلى علي: «أما بعد، فإن الله جعلك واليا ms110 مؤتمنا ~~وراعيا مسئولا، وقد بلوناك فوجدناك عظيم الأمانة ناصحا للرعية توفر لهم فيئهم، وتظلف ~~نفسك عن دنياهم، فلا تأكل أموالهم ولا ترتشي في أحكامهم، وإن عاملك وابن عمك قد أكل ما تحت ~~يده بغير علمك، ولا يسعني كتمانك ذلك، فانظر - رحمك الله - فيما قبلنا من أمرك، واكتب إلي ~~برأيك إن شاء الله، والسلام.» # وليس من شك أن هذا الكتاب قد روع عليا وأضاف هما عظيما إلى همومه العظام، وحزنا ~~ثقيلا إلى أحزانه اللاذعة الممضة، ولكنه صبر نفسه على ما تكره كما تعود أن يفعل دائما، ~~وكتب إلى أبي الأسود: «أما بعد، فقد فهمت كتابك، ومثلك نصح للإمام والأمة، ووالى على الحق ~~وفارق الجور، وقد كتبت إلى صاحبك فيما كتبت إلي فيه من أمره ولم أعلمه بكتابك إلي فيه، فلا ~~تدع إعلامي ما يكون بحضرتك مما النظر فيه للأمة صلاح؛ فإنك بذلك محقوق، وهو عليك واجب، ~~والسلام.» # وكتب في الوقت نفسه إلى ابن عباس: «أما بعد، فقد بلغني عنك أمر إن كنت فعلته فقد أسخطت ~~ربك وأخربت أمانتك وعصيت إمامك وخنت المسلمين، بلغني أنك جردت الأرض وأكلت ما تحت يديك، ~~فارفع إلي حسابك واعلم أن حساب الله أشد من حساب الناس.» # وليس غريبا من علي أن يشجع أبا الأسود على أن ينبئه بحقائق ما يكون بحضرته، وأن يرضى منه ~~ما فعل حين كتب إليه من أمر ابن عمه بما كتب، فقد كان علي في أمر المال والعمال متحرجا أشد ~~التحرج، أمره في ذلك كأمر عمر، وكان أحرص الناس على ألا يخفى عليه شيء من أمر عماله، كما ~~سترى في غير هذا الموضع. # وليس غريبا كذلك أن يكتب إلى ابن عباس بما كتب، فهو لم يتعود الرفق في أمر المال ولا ~~الإدهان في أمر من أمور المسلمين، ولكن الغريب هو أن يتلقى ابن عباس هذا الكتاب فلا يزيد ~~على أن يكتب إلى علي: «أما بعد، فإن الذي بلغك باطل، وأنا لما تحت يدي أضبط وأحفظ، فلا تصدق ~~علي الأظناء، رحمك الله، والسلام ms111 .» # كتاب لا يبرئ صاحبه ولا يرضي قارئه، وإنما يدل على غلو في الثقة بالنفس واستخفاف بغيره من ~~الناس، وابن عباس بعد ذلك قد صحب عمر وعرف سيرته وتشدده في حساب العمال، وهو قد صحب ابن عمه ~~وعرف أنه لا يرق في أمر المال ولا يلين، ومن أجل ذلك لم يقنع علي بهذا الكتاب الذي لا يغني ~~عنه ولا عن صاحبه شيئا، فكتب إلى ابن عباس يتشدد في مطالبته برفع حسابه إليه مفصلا ما ~~يريد من ذلك: أما بعد، فإنه لا يسعني تركك حتى تعلمني ما أخذت من الجزية، ومن أين أخذته، ~~وفيما وضعت ما أنفقت منه؟ فاتق الله فيما ائتمنتك عليه واسترعيتك حفظه؛ فإن المتاع بما أنت ~~رازئ منه قليل، وتبعة ذلك شديدة، والسلام. # والغريب أن ابن عباس تلقى هذا الكتاب فلم يكد يقرؤه حتى خرج عن طوره، فلم يصنع صنيع ~~العامل الذي يرفع إلى أمير المؤمنين حساب ما كلف حفظه وضبطه من أموال المسلمين، ولم يصنع ~~صنيع ابن العم الذي يرعى لابن عمه حق القرابة وإخاء الصديق، ولم يصنع صنيع الراعي الذي يعرف ~~للإمام حقه في أن يستقصي أمر ما اؤتمن عليه من أموال الأمة ومصالحها، فيعينه على ما يريد من ~~ذلك، ويذكره به إن نسيه، ويعظه فيه إن قصر في ذاته. لم يصنع صنيع أحد من هؤلاء، وإنما جعل ~~نفسه ندا لإمامه وكفئا لخليفته، ورأى أنه أكبر من أن يسأله إمامه عن شيء أو يحاسبه في ~~شيء، فضلا عن أن يتهمه أو يتظنن فيه، وابن عباس كان أعلم الناس بأن سنة الشيخين قد جرت على ~~أن يكون لكل مسلم الحق في أن يحاسب الإمام ويسأله عما يأتي وما يدع. وجرت كذلك على أن من حق ~~الإمام، بل من الحق عليه أن يحاسب الولاة والعمال عن كل ما يأتون ويدعون، وأن يشتد في ذلك ~~ليعصم عماله وولاته من التقصير، وليجعلهم بمأمن من أن يسوء بهم ظن الرعية ويفسد فيهم رأي ~~الضعفاء الذين لا يستطيعون أن يتقوا ظلمهم أو يأمنوا ms112 غوائلهم إذا خلي بينهم وبين ~~السلطان يصرفونه كما يحبون. # وكان ابن عباس يعلم حق العلم أن سنة عمر جرت على أن يسمع من الرعية كل ما يعيبون على ~~ولاتهم وعمالهم بمشهد من هؤلاء الولاة والعمال أو بغيب منهم، وكان يحقق كل ما يرفع إليه ~~من ذلك تحريا للعدل وإبراء لذمته أمام الله والناس، وكان يعلم أن عمر كثيرا ما قاسم ~~الولاة أموالهم بعد اعتزالهم عمله، وأنه كان يحصي عليهم أموالهم حين يوليهم ويحصيها عليهم ~~بعد أن يعزلهم، وكانوا يقبلون منه ذلك في غير إنكار له أو ضيق به أو إكبار لأنفسهم عنه، ~~وكان فيهم نفر من خيرة أصحاب النبي، ثم كان ابن عباس يعلم أن كثيرا من المسلمين - وعسى أن ~~يكون منهم - قد أنكروا على عثمان إسرافه في الأموال العامة، وأنكروا على ولاته وعماله ما ~~أظهروا من الأثرة وما تورطوا فيه من العبث بهذه الأموال العامة، وأن عثمان قتل في سبيل ~~هذا كله، وأن ابن عمه إنما قام ليحي سنة النبي والشيخين، فهو لم يتجاوز حده ولم يعد قدره ~~حين طلب إلى أحد عماله - وإن كان ابن عباس - أن يقدم إليه حساب ما عنده من الأموال ~~العامة. # وكان ابن عباس بعد هذا كله أعرف الناس بابن عمه وأقدرهم على أن يخاطبه الخطاب الذي يبلغ ~~من نفسه الرضى، دون أن يسوءه أو يحفظه أو يشق عليه، كان يستطيع أن يكتب إليه في رفق ليبين ~~له أنه لم يأخذ من الجزية لنفسه شيئا، ولم يضع منها شيئا في غير حقه، وكان يستطيع أن يلم ~~به في الكوفة ويظهره على الجلي من أمره، ولكنه أعرض عن هذا كله وأنف أن يسير معه علي سيرته ~~مع غيره من العمال، فاعتزل عمله، ولكنه مع ذلك لم يستعف إمامه، ولم ينتظر أن يعفيه، وإنما ~~أعفى نفسه وترك المصر، ثم لم يتركه ليعود إلى الكوفة أو ليقيم في العراق، أو في حيث يستطيع ~~الإمام أن يأخذه بتقديم الحساب ويسأله عن عمله قبل أن يعتزله، وإنما ترك المصر ms113 ولحق بمكة ~~حيث لا يبلغه سلطان الإمام، وحيث لا يقدر الإمام على أن يناله بالعقاب، إن تبين استحقاقه ~~للعقاب، وإنما أقام بالحرم آمنا بأس إمامه علي وبأس خصمه معاوية. # ثم لم يكتف بهذا الخطأ كله وإنما صرح لابن عمه عما يؤذي نفسه ويترك في قلبه وضميره حزنا ~~لاذعا وألما ممضا، فأعلن إليه أنه يؤثر أن يلقى الله وفي ذمته شيء من أموال المسلمين، ~~على أن يلقى الله وفي ذمته تلك الدماء التي سفكت يوم الجمل، والتي سفكت في صفين، والتي ~~سفكت في النهروان، ثم يضيف إلى ذلك ما هو أمض منه وأشد إيذاء، فيزعم لابن عمه أنه سفك ما ~~سفك من دماء المسلمين في سبيل الملك؛ فهو إذن لم يكن يعتقد أن عليا إنما قاتل في سبيل ~~الحق، وقاتل قوما كان يجب عليه أن يقاتلهم. # كتب هذا كله إلى ابن عمه ولم ينس إلا شيئا يسيرا جدا خطيرا جدا، وهو أنه شارك ابن ~~عمه في سفك هذه الدماء، فشهد الجمل، وشهد صفين، وقاد جيوش ابن عمه في هاتين الموقعتين، فهو ~~إذن لن يلقى الله بما قد يكون في ذمته من أموال المسلمين فحسب، ولكنه سيلقاه بما في ذمته من ~~هذه الدماء التي شارك في سفكها، مع الفرق بينه وبين علي؛ لأن عليا سفكها وهو مؤمن بأنه ~~يقاتل في سبيل الحق، وهو سفكها وهو يعتقد أنه يقاتل في سبيل الملك. # ولذلك قرأ علي كتاب ابن عمه، فلم يزد على أن قال هذه الجملة التي تصور الحزن اللاذع ~~واليأس الممض من الصديق والعدو: «وابن عباس لم يشاركنا في سفك هذه الدماء!» # واقرأ كتاب ابن عباس إلى ابن عمه وإمامه لترى مقدار ما فيه من الغلظة والقسوة، وجحود ما ~~مضى من إخائه لعلي قبل الخلافة ونصحه له بعد الخلافة: «أما بعد، فقد فهمت تعظيمك علي ~~مرزئة ما بلغك أني رزأته أهل هذه البلاد، ووالله لأن ألقى الله بما في بطن هذه الأرض من ~~عقيانها ولجينها وبطلاع ما على ظهرها أحب إلي من أن ms114 ألقاه وقد سفكت دماء الأمة لأنال ~~بذلك الملك والإمارة، فابعث إلى عملك من أحببت.» # وإلى هنا جرت الأمور على نحو من المغاضبة بين الخليفة وبين عامله، ثم بين رجل وابن عمه، ~~على نحو من العنف كان خليقا أن يجتنب لو ذكر ابن عباس سيرة الشيخين وسيرة علي، ولو نسي ~~ابن عباس نفسه قليلا، ولكنه لم ينس نفسه قليلا ولا كثيرا، ولم يضعها بحيث كان يجب عليه ~~أن يضعها منذ قبل أن يكون واليا لعلي على مصر من أمصار المسلمين، وبعد أن بايع عليا ~~على العمل بكتاب الله وسنة رسوله والعدل بين الرعية. # وأبو الأسود الدؤلي أحد الرعية، فمن حقه أن يخاصم الوالي عند الإمام؛ ثم هو أمين الإمام ~~على بيت مال البصرة، فمن الحق عليه أن يرفع إليه كل ما يريبه من تصرفات الوالي فيما اؤتمن ~~عليه من المال، ولكن ابن عباس لم يكتف بما بلغ من هذه المغاضبة، ولا بما انتهى إليه من هذا ~~التصرف الغريب، بل أضاف إليه شرا عظيما، لم يسؤ به الإمام وحده وإنما ساء به الرعية ~~كلها وعامة أهل البصرة خاصة، فهو قد أجمع الخروج إلى مكة، ولكنه لم يخرج منها فارغ اليدين ~~من المال كما دخلها حين ولي عليها، وإنما خرج منها وقد ملأ يديه بما كان في بيت المال ~~مما ينقل، وهو يعلم أن ليس له في هذا المال حق إلا مثل ما لأهل البصرة جميعا فيه. # وقد علم أن أهل البصرة لن يخلوا بينه وبين هذا المال الذي يريد أن يستأثر به من دونهم، ~~والذي يقدره المؤرخون بستة ملايين من الدراهم، فدعا إليه من كان في البصرة من أخواله بني ~~هلال وطلب إليهم أن يجيروه حتى يبلغ مأمنه، ففعلوا. # وخرج ابن عباس ومعه مال المسلمين يحميه أخواله من بني هلال، وثار أهل البصرة يريدون أن ~~يستنقذوا منه ما أخذ، وكادت الفتنة تقع بين بني هلال الغاضبين لابن أختهم، الذين ذكروا ~~عصبية العرب القديمة وأزمعوا أن ينصروا جارهم ظالما أو مظلوما، وبين سائر ms115 العرب من أهل ~~مصر الذين غضبوا لمالهم وأبوا أن يغتصب وهم شهود، لولا أن تناهى حلماء الأزد وآثروا ~~جيرانهم في الدار من بني هلال، وتبعتهم في ذلك حلماء ربيعة، وتبعهم الأحنف بن قيس ومن معه ~~من بني تميم، ولكن سائر تميم أزمعوا أن يقاتلوا على هذا المال حتى يستردوه. وبدأت المناوشة ~~بينهم وبين بني هلال، وكادت الدماء تسفك بين الفريقين، لولا أن رجع إليهم حلماء أهل ~~البصرة، فما زالوا ببني تميم حتى ردوهم إلى المصر. # ومضى ابن عباس آمنا يحميه أخواله ويحمون ما أخذ من المال حتى بلغ مأمنه في ظل البيت ~~الحرام، ولم يكد يستقر بمكة حتى أقبل على شيء من الترف، واشترى - فيما يروي المؤرخون - ~~ثلاثة جوار مولدات حور بثلاثة آلاف دينار. وعرف علي ذلك، فكتب إليه: # أما بعد، فإني كنت أشركتك في أمانتي، ولم يكن في أهل بيتي رجل أوثق منك في نفسي ~~لمواساتي ومؤازرتي وأداء الأمانة إلي، فلما رأيت الزمان على ابن عمك قد كلب، والعدو ~~عليه قد حرب، وأمانة الناس قد خربت، وهذه الأمة قد فتنت، قلبت له ظهر المجن، ~~ففارقته مع القوم المفارقين، وخذلته أسوأ خذلان الخاذلين، وخنته مع الخائنين، فلا ~~ابن عمك آسيت، ولا الأمانة أديت، كأنك لم تكن لله تريد بجهادك، أو كأنك لم تكن على ~~بينة من ربك، وكأنك إنما كنت تكيد أمة محمد عن دنياهم أو تطلب غرتهم عن فيئهم، فلما ~~أمكنتك الغرة أسرعت العدوة، وغلظت الوثبة، وانتهزت الفرصة، واختطفت ما قدرت عليه من ~~أموالهم اختطاف الذئب الأزل دامية المعزى الهزيلة وظالعها الكبير، فحملت ~~أموالهم إلى الحجاز رحيب الصدر، تحملها غير متأثم من أخذها، كأنك - لا أبا لغيرك - ~~إنما حزت لأهلك تراثك عن أبيك وأمك، سبحان الله! أفما تؤمن بالمعاد ولا تخاف سوء ~~الحساب؟ أما تعلم أنك تأكل حراما وتشرب حراما؟! أو ما يعظم عليك وعندك أنك تستثمن ~~الإماء وتنكح النساء بأموال اليتامى والأرامل والمجاهدين الذين أفاء الله عليهم ~~البلاد؟! فاتق الله، وأد أموال القوم، فإنك والله إلا تفعل ذلك ms116 ثم أمكنني الله ~~منك لأعذرن إلى الله فيك حتى آخذ الحق وأرده، وأقمع الظالم وأنصف المظلوم، ~~والسلام. # ولست أعرف كلاما أبلغ في تصوير الحزن اللاذع، والأسى الممض، والغضب لحق الله وأموال ~~المسلمين في مرارة اليأس من الناس، والشك في وفائهم للصديق، وحفظهم للعهد، وأدائهم للأمانة، ~~وقدرتهم على التزام الجادة ومعصية الهوى من هذا الكلام. # ولكن انظر كيف رد ابن عباس على هذا الكتاب المر بهذه الكلمات، التي إن صورت شيئا فإنما ~~تصور الإمعان في الثقة بالنفس والاستخفاف برأي غيره فيه: «أما بعد، فقد بلغني كتابك تعظم ~~علي إصابة المال الذي أصبته من مال البصرة، ولعمري إن حقي في بيت المال لأعظم مما أخذت منه، ~~والسلام.» # ولست في حاجة إلى أن أطيل الوقوف عند هذا الكتاب الغريب الذي لا يثبت حقا ولا يبرئ من ~~تبعة، وإنما أختم هذه المناقشة المؤلمة بين الرجلين برد علي على ابن عمه في هذا الكتاب ~~الرائع: «أما بعد، فإن من أعجب العجب تزيين نفسك لك أن لك في بيت مال المسلمين من الحق أكثر ~~مما لرجل من المسلمين، ولقد أفلحت إن كان ادعاؤك ما لا يكون وتمنيك الباطل ينجيك من الإثم، ~~عمرك الله! إنك لأنت البعيد البعيد إذن، وقد بلغني أنك اتخذت مكة وطنا وصيرتها عطنا، ~~واشتريت مولدات المدينة والطائف تتخيرهن على عينك وتعطي فيهن مال غيرك، والله ما أحب أن ~~يكون الذي أخذت من أموالهم لي حلالا أدعه ميراثا، فكيف لا أتعجب اغتباطك بأكله حراما؟! ~~فضح رويدا، مكانك قد بلغت المدى، حيث ينادي المغتر بالحسرة، ويتمنى المفرط التوبة، ~~والظالم الرجعة، ولات حين مناص، والسلام.» # وبعض الرواة يزعمون أن عمر هم أن يولي ابن عباس بعض أعماله، ولكنه خاف منه وخاف عليه، خاف ~~منه أن يتأول في أكل الفيء، وخاف عليه أن يورطه ذلك في الإثم. # ويزعم هؤلاء الرواة أن ابن عباس حين ولاه علي البصرة تأول فيما أباح لنفسه قول الله عز ~~وجل: # واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله ~~خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى ms117 والمساكين وابن ~~السبيل # ومكان ابن عباس من النبي قريب، فله الحق في بعض هذا الخمس الذي ~~قسمه الله للرسول وأولي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل. # ولكن ابن عباس عندي أصح رأيا وأعقل عقلا وأعلم بدينه من هذا التأول، فهو كان يعلم من ~~غير شك أن حقه في هذا الخمس لن يعدو أن يكون كحق غيره من أولي القربى واليتامى والمساكين ~~وابن السبيل، وكان يعلم أنه لا ينبغي له بل لا يحل له أن يأخذ حقه من هذا الخمس بنفسه، ~~وإنما ينبغي أن يتلقاه من الإمام الذي نصب ليقسم بين المسلمين فيئهم، وينفق منه في ~~مرافقهم، وهو الذي يقسم بين أولي القربى واليتامى والمساكين حقهم من هذا الخمس. # ولو أن غير ابن عباس من المسلمين عرف أن له حقا في بيت المال فأخذه بنفسه، دون أن يعدوه ~~أو يزيد فيه، لكان بذلك معتديا على السلطان متجاوزا للحد، ولكان من الحق على الإمام أن ~~ينزل به ما يستحق من العقاب. # وكان ابن عباس يعلم بعد هذا كله أن ابن عمه الخليفة هو بحكم قرابته وخلافته أجدر الناس أن ~~يخلف رسول الله في توزيع هذا الخمس على مستحقيه. # والغريب أن كثيرا من المحدثين أهملوا هذه القصة ولم يشيروا إليها تحرجا من ذكرها، فمكان ~~ابن عباس من النبي ومكانه من الفقه بالدين أعظم من أن يظن به مثل هذا التجاوز للحق ~~والخلاف على الإمام. # على أن رواة آخرين يسرفون في هذه القصة نفسها بعض الإسراف، فيزعمون أن ابن عباس رد على ~~الكتاب الأخير لعلي قائلا: «لئن لم تدعني من أساطيرك لأحملن هذا المال إلى معاوية يقاتلك ~~به.» وما أحسب أن الأمر قد بلغ بابن عباس هذا الحد من التأليب الصريح على ابن عمه، على أن ~~لهذه القصة نتائجها القريبة المباشرة، التي كانت محنة لعلي في أصحابه وفي سلطانه ~~أيضا. # | الفصل الثاني والثلاثون # وقد ظهرت هذه النتائج كأظهر ما كان يمكن أن تكون بشاعة وشناعة ونكرا، لم تمتحن عليا ~~في أسرته وأصحابه وسلطانه، وإنما امتحنت ms118 النظام السياسي الذي كان علي يظن أنه نهض لصيانته ~~وحياطته، وهو نظام الخلافة. وامتحنت الإسلام نفسه في أخص ما كان يحرص عليه النبي والخلفاء، ~~وهو محو العصبية التي ألفها العرب في عصرهم الجاهلي القديم، فقد رأى معاوية وانتثار أمر ~~علي في العراق وتفرق أصحابه وعجزهم ووهنهم وامتناعهم عليه، فلم يكد يفرغ من أمر مصر حتى طمع ~~في إقليم آخر ليس أقل من مصر خطرا، وهو إقليم البصرة وما يتبعها من بلاد الفرس، وقد ذكر ~~معاوية أن العثمانية فاشية في البصرة، وأن أهلها قد ثاروا مع عائشة وصاحبيها للطلب بدم ~~عثمان، وأنهم لم ينسوا وقعة الجمل بعد، وأن لهم أوتارا لم تشف كلومها بعد، ورأى أن ابن ~~عباس قد ترك البصرة مغاضبا لابن عمه، فطمع في أن يستفز أهلها ويذكرهم أوتارهم ويثيرهم ~~للطلب بها. # واستشار في ذلك عمرو بن العاص فصوب رأيه وحرضه على إمضائه، فاختار رجلا صليبا له رحم ~~بعثمان، وهو عبد الله بن عامر الحضرمي، ابن خالة الخليفة المقتول، فأرسله إلى البصرة وأوصاه ~~أن يأتي بني تميم ويتحبب إلى الأزد ويتجنب ربيعة؛ لأنها علوية الهوى. ولم يكد عبد الله بن ~~عامر الحضرمي يصل إلى البصرة حتى استهوى بني تميم، إلا الأحنف بن قيس فإنه عاد إلى العزلة ~~التي التزمها يوم الجمل مع جماعة من أصحابه. # وكان ابن عباس قد ترك البصرة لزياد، فهم زياد أن يستجير ربيعة، ولكنه رأى من بعض ~~أشرافها ترددا واعتلالا، فاستجار الأزد، وأجاره هؤلاء على أن يترك دار الإمارة ويتحول إلى ~~رحالهم وينقل معه منبره وبيت المال، ففعل، وأصبحت البصرة وقد انقسم أهلها طوائف، طائفة مالت ~~إلى معاوية وقامت دون رسوله ابن الحضرمي، وطائفة اعتزلت الفتنة مع الأحنف بن قيس، وطائفة ~~جعلت تنتظر الأحداث وتترقب الخطوب على شيء من الفرقة في صفوفها، وهي ربيعة، وطائفة أخرى لم ~~تحفل بأمر علي ولا بأمر عثمان ومعاوية وإنما حفلت بأمر أحسابها، وقامت دون جارها تحميه بعد ~~أن لجأ إلى دورها، وعسى أن تكون قد وجدت على ابن الحضرمي ms119 ؛ لأنه نزل في بني تميم واعتمد ~~عليهم، ولم ينزل عندها، وهي الأزد. # وكذلك ظهرت العصبية واضحة بشعة، وجعل جند البصرة يرعون قبائلهم أكثر مما يرعون السلطان، ~~ويحفلون بأحسابهم أكثر مما يحفلون بالإمام، ويغضبون لهذه الأحساب أكثر مما يغضبون للدين، ~~ويتنافسون فيما بينهم أيهم يكون أحسن من صاحبه بلاء في حماية جاره. # وكتب زياد إلى علي ينبئه بما وقع، فلم يمل علي إلى الحرب، وإنما أرسل إلى تميم رجلا ~~منهم، هو أعين بن ضبيعة، ليرد عليهم بعض أحلامهم، فلم يكد أعين يناظر قومه حتى اختلفوا ~~عليه وتفرقوا عنه، ثم بيتوه ذات ليلة فقتلوه، وأراد زياد أن يثأر له، وأن يناوش القوم، ولكن ~~الأزد امتنعت عليه لأنها لم تحالفه على أن تكون حربا على من حارب وسلما لمن سالم، وإنما ~~حالفته على أن تحميه وتحمي بيت المال. # وقد كتب زياد إلى علي ينبئه بما صار إليه أمر أعين بن ضبيعة، فدعا إليه تميميا آخر، هو ~~جارية بن قدامة، فأرسله إلى قومه، ولكنه لم يرسله وحده هذه المرة وإنما أرسل معه بعض الجند، ~~وقد وصل جارية بن قدامة إلى البصرة، فقال لزياد وسمع منه، وناظر قومه من بني تميم، فاستجاب ~~له بعضهم وامتنع عليه بعضهم الآخر، فنهض بمن جاء معه من الكوفة ومن انضم إليه من أهل البصرة ~~لقتال ابن الحضرمي، وما زال به وبأصحابه حتى اضطرهم إلى الهزيمة، وألجأ ابن الحضرمي وسبعين ~~من أصحابه إلى دار من دور البصرة. وبعض المؤرخين يقول: إلى حصن قديم من حصون البصرة، ~~فأنذرهم جارية وأعذر إليهم، ولكنهم أبوا وتهيئوا للحصار، وهنالك أمر جارية بن قدامة ~~بالحطب فجمع، وأحيطت به الدار وأضرمت فيه النار، فاحترقت الدار بمن فيها، لم ينج منهم ~~أحد. وتغنت العصبية الأزدية بهذا الفوز بعد أن عاد زياد وبيت المال إلى دار الإمارة، وبعد ~~أن عاد المنبر إلى مكانه من المسجد الجامع، فقال قائل الأزد عمرو بن العرندس العودي يفخر ~~بأحساب قومه، كما كان الشعراء يفعلون في الجاهلية: # رددنا زيادا إلى داره # وجار تميم ms120 دخانا ذهب # لحى الله قوما شووا جارهم # وللشاء بالدرهمين الشصب # ينادى الخناق وخمانها # قد سمطوا رأسه باللهب # ونحن أناس لنا عادة # نحامي عن الجار أن يغتصب # حميناه إذ حل أبياتنا # ولا يمنع الجار إلا الحسب # ولم يعرفوا حرمة للجوار # إذا أعظم الجار قوم نجب # كفعلهم قبلنا بالزبير # عشية إذ بزه يستلب # فانظر إلى هذا الشاعر لم يذكر عليا ولا عثمان، ولا أشار إلى رأي أو دين، ولا حفل بطاعة ~~للإمام أو استجابة للسلطان، وإنما ذكر زيادا الذي استجار قومه فأجاروه وأحسنوا جواره، وعير ~~تميما ما كان من تركهم جارهم حتى أكلته النار وذهب دخانا، غدروا به وخفروا ذمته بعد أن ~~بذلوا له الجوار والأمن، كما غدروا بالزبير من قبل فقتلوه وابتزوا سلبه. # وقال جرير بعد ذلك بزمن غير قصير يمدح الأزد ويهجو مجاشعا رهط الفرزدق: # غدرتم بالزبير فما وفيتم # وفاء الأزد إذ منعوا زيادا # فأصبح جارهم بنجاة عز # وجار مجاشع أمسى رمادا # فلو عاقدت حبل أبي سعيد # لذاد القوم ما حمل النجادا # وأدنى الخيل من رهج المنايا # وأغشاها الأسنة والصعادا # ولو قد أقام عبد الله بن عباس على عهد ابن عمه لهابه معاوية، ولما طمع في ملك ضيعه أصحابه ~~وتركوه نهبا لمن شاء أن ينهبه، بل لو أقام ابن عباس على عهد ابن عمه لحال بين العصبية وبين ~~هذا الظهور الفجائي البشع، ولجنب إمامه هذه المحنة القاسية التي تضاف إلى محن قاسية أخرى ~~فلا تزيدها إلا نكرا. # وبعض المؤرخين يزعم أن هذه الأحداث حدثت حين كان ابن عباس قد ذهب إلى الكوفة مواسيا لعلي ~~بعد مقتل محمد بن أبي بكر، واحتياز عمرو بن العاص لمصر. # وهذا كلام لا يستقيم، فلو قد كان ابن عباس عند علي لعاد إلى البصرة مسرعا حين بلغته هذه ~~الأنباء، ولما أقام عند علي ينتظر أن يغني عنه زياد وأعين بن ضبيعة وجارية بن ~~قدامة. # والواقع أن ابن عباس قد ضعف عن أمر ابن عمه بعد قضية الحكمين، فهو لم ينهض معه إلى الشام ~~حين هم ms121 بالنهوض إليها، ولم يشهد معه النهروان، وإنما أرسل إليه جندا من أهل البصرة، ثم لم ~~يزد على ذلك، وإنما أقام حتى كان من أمره ما كان. # | الفصل الثالث والثلاثون # ومع أن معاوية لم ينجح فيما قصد إليه من أخذ البصرة كما أخذ مصر، أو إثارة الفتنة فيها ~~والكيد لعلي، ولم يزد على أن أرسل ابن الحضرمي إلى الموت المنكر، فإنه على ذلك قد أفسد من ~~أمر البصرة شيئا كثيرا، فليس قليلا أن يثير فيها الفتنة وقتا طويلا أو قصيرا، وأن ~~يلجئ زيادا وبيت ماله إلى حي من أحياء العرب يجيرونه من سائر الناس، صنيع العرب في ~~جاهليتهم، وأن يترك المصر مضطربا قد اختلط فيه الأمر وانتشرت فيه الضغائن والإحن وفسد بعض ~~أهله على بعض. # ثم هو بعد ذلك قد انتفع بالتجربة وعرف أن الحرب الظاهرة المجاهرة لعلي في العراق لم يئن ~~أوانها بعد، فاتخذ لنفسه خطة أخرى ليست أقل من الحرب الظاهرة شرا ولا أهون منها شأنا، ~~ولعلها أن تكون أشد ترويعا للنفوس وإشاعة للذعر ونشرا للقلق، ولعلها أن تكون أبلغ في ~~إشعار أهل العراق بالخوف المتصل والفزع المقيم، وإقناعهم بأن سلطان علي قد بلغ من الضعف ~~والوهن وكلال الحد أنه أصبح لا يغني عنهم شيئا، ولا يدفع عنهم شرا، ولا يرد عنهم ~~مكروها، وإنما هم معرضون لمعاوية يصيب من أموالهم ودمائهم ما شاء ومتى شاء وكيف ~~شاء. # فهذه القطع الخفيفة اليسيرة من الجند يؤمر عليها رجل صليب مجرب لحرب الكر والفر، ثم ~~تكلف الغارة على هذا المكان أو ذاك من حدود العراق، وربما كلفت أن توغل في الأرض وتشيع ~~الفساد والنكر ما وجدت إلى ذلك سبيلا، ثم تعود أدراجها بما احتوت من غنيمة، وتترك وراءها ~~فرقا وهلعا، فهي أشبه بالإبر النافذة المسمومة التي تخز هذا الجسم المستقر في العراق ~~وخزا سريعا خاطفا، ثم تنصرف عنه وقد تركت فيه شيئا من سم يجري فيه مع الدم، فيملؤه ~~خورا وضعفا وتفرقا ويأسا، ويضطره إلى ذل لا عز معه، وإلى ضعة ليس ms122 بعدها ارتفاع، فهو ~~يرسل الضحاك بن قيس في قطعة من الجند إلى هذا الطرف من بادية العراق التي تلي الشام، ويرسل ~~سفيان بن عوف إلى طرف آخر ويأمره أن يمعن في الأرض حتى يبلغ الأنبار، فيوقع بأهلها ثم يعود ~~موفورا، ثم يرسل النعمان بن بشير إلى طرف ثالث، وابن مسعدة الفزاري إلى طرف رابع، وأنباء ~~هذه الغارات تبلغ عليا فتحفظه وتثيره، ولكنه يدعو فلا يستجيب له أحد، ويأمر فلا يطيعه ~~أحد. # وقد امتلأت قلوب أهل الكوفة خوفا وذلة وانكسارا، فتخاذلوا وتواكلوا وقنعوا بالعافية في ~~مصرهم وفيما حولهم من هذا السواد القريب، لا يطمعون في أكثر من أن يعيشوا، حتى بلغ الغيظ من ~~علي أقصاه فخطبهم ذات يوم خطبته الرائعة التي تصور ما انتهت به المحنة إليه من هم مقيم، ~~وغيظ ممض، ويأس من أصحابه لا يبقي على شيء من أمل، قال: # أما بعد، فإن ~~الجهاد باب من أبواب الجنة، فمن تركه رغبة عنه ألبسه الله الذل وسيم الخسف ~~وديث بالصغار، وقد دعوتكم إلى حرب هؤلاء القوم ليلا ونهارا، وسرا وإعلانا، ~~وقلت لكم: اغزوهم من قبل أن يغزوكم فوالذي نفسي بيده، ما غزي قوم قط في عقر دارهم ~~إلا ذلوا، فتخاذلتم وتواكلتم وثقل عليكم قولي واتخذتموه وراءكم ظهريا، حتى شنت ~~عليكم الغارات، هذا أخو غامد قد وردت خيله الأنبار وقتلوا حسان بن حسان ورجالا ~~منهم كثيرا ونساء، والذي نفسي بيده لقد بلغني أنه كان يدخل على المرأة المسلمة ~~والمعاهدة فتنتزع أحجالهما ورعثهما، ثم انصرفوا موفورين لم يكلم أحد منهم ~~كلما، فلو أن امرأ مسلما مات من دون هذا أسفا ما كان عندي فيه ملوما، بل كان به ~~عندي جديرا، يا عجبا كل العجب! عجب يميت القلب ويشغل الفهم ويكثر الأحزان من ~~تظافر هؤلاء القوم على باطلهم وفشلكم عن حقكم! حتى أصبحتم غرضا ترمون ولا ترمون، ~~ويغار عليكم ولا تغيرون، ويعصى الله فيكم وترضون، إذا قلت لكم: اغزوهم في ~~الشتاء، قلتم: هذا أوان قر وصر، وإن قلت لكم: اغزوهم في الصيف، قلتم ms123 : هذه حمارة ~~القيظ، أنظرنا ينصرم الحر عنا. فإذا كنتم من الحر والبرد تفرون ... فأنتم والله من ~~السيف أفر، يا أشباه الرجال ولا رجال، ويا طغام الأحلام، ويا عقول ربات الحجال، ~~والله لقد أفسدتم علي رأيي بالعصيان، ولقد ملأتم جوفي غيظا حتى قالت قريش: ابن أبي ~~طالب رجل شجاع ولكن لا رأي له في الحرب. لله درهم، ومن ذا يكون أعلم بها مني أو أشد ~~لها مراسا؟! فوالله لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين، ولقد نيفت اليوم على الستين، ~~ولكن لا رأي لمن لا يطاع، لا رأي لمن لا يطاع، لا رأي لمن لا ~~يطاع. # وكانت هذه الخطبة وأشباهها تثير الحفائظ في بعض النفوس التي كانت ما تزال تعرف للأحساب ~~بعض أقدارها، فتنتدب منهم عصب يؤمر عليها علي بعض الرؤساء ويرسلها في آثار أولئك ~~المغيرين، فتدركهم أحيانا ويفوتونها أحيانا أخرى، والشيء المحقق هو أن معاوية قد طمع في ~~علي وأهل العراق، فاتخذ خطة الهجوم الخاطف المتصل، وألزم خصمه خطة الدفاع البطيء الذي لا ~~يدفع شرا ولا يصلح فسادا. # | الفصل الرابع والثلاثون # وقد رضي معاوية عن هذه التجارب، فأراد أن يمعن فيها، وأن يتجاوز بغاراته العراق إلى بلاد ~~العرب، وكانت بلاد العرب موطأة لمعاوية، فمكة حرام لا يقاتل أهلها ولا يحب أحد من الخصمين ~~أن يقاتل حولها، وأهل المدينة وادعون يرون أن مكانهم من دار الهجرة ونزولهم حول مسجد النبي ~~وانتقال السلطان عنهم إلى الكوفة قد أمنهم أن يغير عليهم أحد، ومقاتلتهم بعد ذلك قد لحق ~~أكثرهم بعلي ولحق أقلهم بمعاوية. # وفي اليمن شيعة لعثمان يناوئون عامل علي عليها، وهو عبيد الله بن عباس، ولكنهم لا يبلغون ~~بمناوأته الحرب، وإنما يضطرونه إلى أن يصطنع فيهم الشدة فيلقونه بالنكير. # وقد عظم أمر هذه الشيعة حتى كتب العامل فيهم إلى علي، وأرسل علي من يحاول إصلاحهم، ~~ويرهبهم بمقدم الجند، فكتبوا إلى معاوية يستنصرونه ويستحثونه، واختار معاوية رجلا جلدا ~~صليبا قاسي القلب غليظ الكبد جافي الطبع من قريش، هو بسر بن أرطاة، فأمره أن يختار ms124 الجند ~~على عينه، ففعل، ثم وجهه إلى بلاد العرب وأوصاه أن يقسو على أهل البادية من شيعة علي حتى ~~يملأ قلوبهم ذعرا، وأن يأتي المدينة فيرهب أهلها حتى يروا أنه الموت، ثم يأتي مكة فيرفق ~~بأهلها ولا يروعهم، ثم يأتي اليمن فيخرج عنها عامل علي وينصر فيها شيعة عثمان. # ومضى بسر بن أرطاة فأنفذ أمر معاوية وأضاف إليه من عند نفسه قسوة وغلظة وإسرافا في ~~الاستخفاف بالدماء والأموال والحقوق والحرمات، فكان كثير الفتك في البادية، وجاء المدينة ~~فروع أهلها حتى أراهم الكارثة رأي العين، ثم أمرهم بالبيعة لمعاوية ففعلوا، وأتى مكة فلم ~~يرع فيها أحدا، وهم أن يروع أهل الطائف ويوقع بهم، ولكن المغيرة بن شعبة نصح له ~~وأشار عليه، فكف عنهم ومضى إلى اليمن، ففر عنها عامل علي وأعوانه، ونشر فيها الروع ~~بالإسراف في القتل، ثم أخذ البيعة لمعاوية، وبلغ خبره عليا فأرسل جارية بن قدامة لرده عن ~~اليمن في ألفي رجل، ولم يكد جارية يدنو من اليمن حتى فر منها بسر بن أرطاة ورجع إلى الشام ~~مفسدا في الأرض أثناء رجوعه، مسرفا في القتل والنهب حتى ذبح ابني عبيد الله بن عباس، ~~وكانا صبيين، وانتهى جارية بن قدامة إلى اليمن، فأضاف قتلا إلى قتل بمن أهلك من شيعة ~~عثمان، ورد اليمن إلى طاعة علي، وعاد إلى مكة فعرف فيها أن عليا قد قتل، فمضى راجعا ~~إلى الكوفة بعد أن أخذ بيعة المكيين والمدنيين للخليفة الجديد في العراق. # وقد رجع بسر بن أرطاة إلى معاوية موفورا، ولكنه أسرف في سفك الدماء على الناس كما أسرف ~~على نفسه أيضا، فما رأى إلا أن نفسه قد تأثرت بكثرة ما سفك من هذه الدماء، وما اقترف من ~~إثم ونكر، فانطبع هذا كله في أعماق ضميره، ولعل صورا منه كانت تبدو له بشعة مروعة إذا ~~اشتمل عليه النوم، وهو على ذلك قد جن حين تقدمت به السن، فجعل يهذي بالسيف فيما يقول ~~المؤرخون، لا يطمئن إلا إذا أعمله فأكثر إعماله، حتى اتخذوا له ms125 سيفا من خشب كانوا يضعونه ~~في يده ويقربون إليه الوسائد، فما يزال يعمل سيفه ضربا لها حتى يدركه الإعياء فيغشى ~~عليه، فإذا أفاق عاد إلى مثل ما كان فيه، وما زال هذا دأبه حتى قضى. # ولم يقنع معاوية بهذه الغارات التي أشرنا إليها آنفا، وإنما مضى في الغارات يصبها على ~~أطراف علي، ومضى عمال الأطراف يقاومون هذه الغارات، يفلحون في مقاومتها حينا ويخفقون فيها ~~حينا آخر، حتى شغل بها أهل العراق، فأرق ليلهم وأقلق نهارهم وزادهم إيثارا للعافية ~~ورغبة في السلم وفزعا من الموت. # | الفصل الخامس والثلاثون # ثم لم تكن هذه الغارات وحدها هي التي أقلقت عليا وأقضت مضاجع أهل العراق، وإنما كانت ~~هناك حروب داخلية يسيرة، ولكنها على ذلك مزعجة، وكان الخوارج بالطبع هم الذين يثيرون هذه ~~الحروب، فقد قتلهم علي في النهروان، ولكنه لم يأت عليهم جميعا ولم يستأصل مذهبهم، ومتى ~~استطاعت القوة القوية، والبأس البئيس والإرهاب الرهيب قضاء على رأي أو استئصالا لمذهب، ~~وعسى أن يكون هذا كله مقويا للرأي ومعينا على نشره وداعيا ملحا إلى نصره. # وقد ترك علي في نفوس من بقي من الخوارج وفي نفوس أحيائهم وذوي عصبتهم أوتارا لم يكن بد ~~من الطلب بها، وقد طلبوا بها جادين في ذلك غير وانين ولا مقصرين، فخرجوا أرسالا، يخرج ~~الرجل ومعه المائة أو المائتان فيمضون أمامهم حتى ينتهوا إلى مكان يؤثرونه، فيقيمون فيه ~~وقتا يقصر أو يطول، يهيئون أنفسهم أثناء ذلك للقتال، فإذا تم لهم من ذلك ما يريدون نصبوا ~~للحرب، وأخافوا الناس من حولهم، وعرضوا الأمن العام للخطر الشديد، فيضطر علي إلى أن يرسل ~~إليهم رجلا من أصحابه ويجرد معه طائفة من الجند، فيمضي هذا الرجل حتى يلقى القوم فيقاتلهم ~~أشد القتال، حتى إذا قتلهم أو فض جمعهم عاد إلى علي، ولم يكن يعود حتى يخرج رجل آخر، ومعه ~~قوم آخرون من الخوارج، وتتجدد القصة ثم لا تنقضي إلا لتتجدد. # وكذلك خرج أشرس بن عوف الشيباني، فلما قتل وقتل معه أصحابه خرج هلال بن ms126 علفة التيمي، ~~من تيم الرباب، فلم يكد علي يفرغ من أمره حتى خرج الأشهب بن بشر البجلي، فلما قتل خرج ~~سعيد بن قفل التيمي، من تيم الله بن ثعلبة بن عكابة، فلم يكد يعود الذين حاربوه وقاتلوه من ~~أصحاب علي حتى خرج أبو مريم السعدي، من سعد مناة بن تميم، وقد امتاز هذا الرجل بأنه لم يخرج ~~في أصحابه من العرب وحدهم وإنما تبعه كثير من الموالي. # ومعنى ذلك أن مذهب الخوارج قد تجاوز العرب إلى غيرهم من المغلوبين الذين كانوا إلى الآن ~~يستظلون بظل الفاتحين، يسلم منهم من يسلم فيظل جديدا في إسلامه يؤدي ما يجب عليه من ~~حق، لا يكاد يتجاوز ذلك إلى ما يكون بين العرب من خلاف. # ولكنا نراهم الآن قد أخذوا ينكرون التحكيم ويخرجون على الإمام، وجعل العرب من الخوارج لا ~~يكرهون الاستعانة بهم على حرب نظرائهم، أصبحت العصبية العربية عندهم أقل خطرا وأهون شأنا ~~من الرأي والمذهب، وقد عير أصحاب علي أبا مريم - حين لقوه في كثرته من الموالي - قتاله ~~للعرب مع هذه الطبقة غير ذات الشأن من الناس، فلم يحفل بما قالوا له، وإنما شد عليهم مع ~~هؤلاء الناس غير أولي الشأن شدة منكرة كشفتهم عن أماكنهم، واضطرتهم إلى أن يرجعوا منهزمين ~~إلى الكوفة، إلا قائدهم، فإنه أقام في نفر يسير ينتظر المدد. # وقد خرج علي نفسه لقتال أبي مريم الذي كان قد دنا من الكوفة، فلما قتله وقتل أصحابه رجع ~~محزون النفس مكلوم القلب تساوره الهموم، وما باله لا يجد هذا كله وهو يقضي حياته بين أمرين ~~ليس أحدهما أقل نكرا من الآخر: حرب داخلية قد أصبحت نظاما مستقرا فهو لا يفرغ منها إلا ~~ليعود إليها، وغارات تصب على أطرافه من أهل الشام قد أصبحت هي الأخرى نظاما مستقرا؟! ~~فهو لا يسد ثغرة إلا فتحت له ثغرة أخرى، وأصحابه على رغم ذلك ممعنون في العجز مغرقون ~~فيما أحبوا من العافية، قد فل حدهم، وكسرت شوكتهم، وطمع فيهم العدو البعيد منهم، وأغرى ~~بهم ms127 العدو المقيم بين أظهرهم، كأن حلفا خفية قد انعقدت بين الخوارج وبين أهل الشام على غير ~~علم من أولئك ولا من هؤلاء، وقوام هذه الحلف أن يجرعوا عليا الغصص ويرهقوه من أمره ~~عسرا. # وقد أقام معاوية في الشام يرى ويسمع من أمر خصمه ما يزيده فيه طمعا، وها هو ذا قد طمع أن ~~يرسل من قبله من يقيم للناس الحج في الموسم، وما له لا يفعل وقد بايعه أهل الشام ~~بالخلافة، ودانت له مصر واستقام له كثير من أهل البادية، وضعف خصمه عن النهوض لحربه، بل ضعف ~~حتى عن الدفاع عن سلطانه في داخل حدوده نفسها؟! # وكذلك أرسل معاوية يزيد بن شجرة الرهاوي أميرا على الموسم يقيم للناس حجهم، وكان يزيد ~~عثمانيا مخلص الحب لمعاوية، ولكنه كان يكره القتال في المكان الحرام والشهر الحرام، فلما ~~استيقن أن معاوية لا يرسله للحرب وإنما يرسله لأمر ظاهره الدين ومن ورائه السياسة مضى ~~لمهمته، ولم يكد يدنو من مكة حتى خافه قثم بن العباس، عامل علي عليها، فاعتزل أمره، ودخل ~~يزيد مكة فأمن الناس ووسط أبا سعيد الخدري في أن يختار الناس لهم رجلا غير عامل ~~علي، يقيم لهم الصلاة ليصلي المسلمون جميعا غير مفترقين، فاختار الناس عثمان بن أبي طلحة ~~العبدري، فأقام للناس صلاتهم، وانقضى الموسم في عافية، وعرف علي مسير يزيد بن شجرة إلى مكة، ~~فندب الناس لرده عنها، فتثاقلوا، وانتهى علي آخر الأمر إلى أن أرسل معقل بن قيس في جند من ~~أصحابه، فلم يبلغوا غايتهم، فقد كان يزيد أتم الحج وعاد إلى الشام، وإنما أدرك معقل وأصحابه ~~مؤخرة أصحاب يزيد، فأسروا منهم نفرا وعادوا بهم إلى الكوفة. # | الفصل السادس والثلاثون # وقد انتهت كل هذه الأمور بعلي إلى عزيمة أتمها الله له، فيها كثير من اليأس وفيها كثير من ~~المغامرة، ولكنها كادت أن تبلغه مأربه لولا أن الناس يدبرون وأمر الله غالب، والكلمة ~~الأخيرة للقضاء المحتوم لا لما يدبرون، فقد خطب علي أصحابه داعيا لهم أن يتجهزوا لقتال أهل ~~الشام ms128 محرضا لهم على ذلك أشد التحريض، كما تعود أن يفعل، فسمعوا منه وانصرفوا عنه ولم ~~يصنعوا شيئا، كما تعودوا أن يفعلوا. # فلما استيأس منهم دعا إليه رؤساءهم وقادتهم وأولي الرأي فيهم، وتحدث إليهم حديثا صريحا ~~لا لبس فيه، وجعل تبعاتهم أمامهم يرونها بأعينهم ويلمسونها بأيديهم، إن أمكن أن ترى ~~التبعات بالعيون وتلمس بالأيدي. بين لهم أنهم أرادوه على الخلافة دون أن يطلبها إليهم، ~~وعرضوا عليه بيعتهم دون أن يعرض عليهم نفسه، ثم هم الآن يظهرون طاعة ويضمرون نكثا، وقد ~~طاولهم حتى سئم المطاولة، وانتظر نشاطهم لما يدعوهم إليه حتى مل الانتظار. وعظهم في غير ~~طائل، وحرضهم في غير غناء، وقد أزمع أن يمضي لحرب خصمه في الشام مع من تبعه من أهله ومن ~~قومه، فإن لم يتبعه منهم أحد مضى وحيدا فقاتل حتى يبلي في سبيل الله ويلقى الموت في ذات ~~الحق. # ولست أرى بدا من أن أثبت هنا نص حديثه إليهم كما رواه البلاذري، ففيه الحجة البالغة على ~~هؤلاء الذين أفسدوا عليه رأيه بالعصيان حتى ظنت قريش به الظنون، وقالت فيه الأقاويل، وحتى ~~عصي الله وهم ينظرون لا يغضبون لحق ولا دين. قال: «أما بعد، أيها الناس، فإنكم دعوتموني ~~إلى هذه البيعة فلم أردكم عنها، ثم بايعتموني على الإمارة ولم أسألكم إياها، فتوثب علي ~~متوثبون كفى الله مئونتهم، وصرعهم لخدودهم، وأتعس جدودهم، وجعل دائرة السوء عليهم، وبقيت ~~طائفة تحدث في الإسلام حدثا، تعمل بالهوى وتحكم بغير الحق، ليست بأهل لما ادعت، وهم إذا ~~قيل لهم تقدموا قدما تقدموا، وإذا أقبلوا لا يعرفون الحق كمعرفتهم الباطل، ولا يبطلون ~~الباطل كإبطالهم الحق، أما إني قد سئمت من عتابكم وخطابكم، فبينوا لي ما أنتم فاعلون، فإن ~~كنتم شاخصين معي إلى عدوي فهو ما أطلب وما أحب، وإن كنتم غير فاعلين فاكشفوا لي عن أمركم ~~أر رأيي، فوالله لئن لم تخرجوا معي بأجمعكم إلى عدوكم فتقاتلوهم حتى يحكم الله بيننا ~~وبينهم وهو خير الحاكمين؛ لأدعون الله عليكم ثم لأسيرن إلى عدوكم ولو لم ms129 يكن معي إلا عشرة، ~~أأجلاف أهل الشام وأغراؤها أصبر على نصرة الضلال وأشد اجتماعا على الباطل منكم على هداكم ~~وحقكم؟! ما بالكم وما دواؤكم؟! إن القوم أمثالكم لا ينشرون إن قتلوا إلى يوم ~~القيامة.» # وكأن الرؤساء والقادة قد استحوا من علي، واستخزوا في أنفسهم، وأشفقوا أن ينفذ ما صمم ~~عليه فيمضي وحده أو في قلة من الناس لقتال أهل الشام، فيلحقهم بذلك عار أي عار، وتصيبهم ~~المحنة في دينهم وفي نفوسهم وفي أمورهم كلها، فقام خطباؤهم إلى علي فأحسنوا له القول ~~وأخلصوا له النصح، ثم تفرقوا عنه فتلاوموا، ومضوا لإنجاز ما وعدوا به عليا. # فجمع كل رئيس قومه فوعظهم وحرضهم، حتى اجتمع لعلي جيش صالح قد تعاقد الجند فيه على الموت، ~~ثم أرسل علي معقل بن قيس يعبئ له أهل السواد ليضمهم إلى من اجتمع له في الكوفة، وأخذ يرسل ~~إلى عماله فيما وراء العراق من شرق الدولة يدعوهم إلى النهوض إليه ليكونوا معه في حربه، ~~وأرسل زياد بن خصفة في جماعة من أصحابه طليعة بين يديه، وأمره أن يغير على أطراف الشام ~~ليروع أهلها. # وإن عليا لفي هذا الاستعداد وقد تراءت له غايته، إذا القضاء يقول كلمته، فينقض عليه ~~وعلى أهل العراق كل تدبير. # | الفصل السابع والثلاثون # ولم تستغرق أمور الحرب على كثرتها واختلاطها وقت علي كله ولا جهده كله أثناء إقامته في ~~الكوفة، وإنما كان يقسم وقته بين شئون الحرب وشئون السياسة وشئون الدين، لا يصرفه عما يجب ~~عليه في ذلك كله صارف، مهما يكن، ولا يشغله عنه هم مهما يثقل، وقد رأيت من نشاطه في ~~الحرب ما رأيت، فأما نشاطه في أمور الدين فلم يكن قليلا ولا فاترا، وإنما كان يرى من الحق ~~عليه - شأنه في ذلك شأن غيره من الخلفاء الذين سبقوه - أن يقيم للناس صلاتهم وأن يعظهم ~~ويفقههم في دينهم ويبصرهم بما يحب الله من المسلمين وما يحب لهم، وبما يكره الله من ~~المسلمين وما يكره لهم، وكان يعظهم جالسا على المنبر أو قائما، وكان ms130 يجلس لهم في المسجد ~~فيسألهم عن أمورهم ويجيب من سأله منهم عما يهمه من أمر دينه أو أمر دنياه، ثم لم يكن يعظهم ~~ويعلمهم بما كان يقول لهم حين يخطبهم أو يحاورهم فحسب، وإنما كان يعلمهم ويعظهم بسيرته ~~فيهم، كان لهم إماما، وكان لهم معلما، وكان لهم قدوة وأسوة، وكان يسير فيهم سيرة عمر فيمن ~~حضره من أهل المدينة، لا يلقاهم إلا وفي يده درته يخيفهم بها، كما كان عمر يخيف بدرته الناس ~~عظيمهم وصغيرهم، وكان يخالطهم حين كانوا يضطربون في حياتهم، فكان يمشي في الأسواق ويأمر ~~الناس بتقوى الله ويذكرهم الحساب والمعاد، ويرقبهم حين كانوا يبيعون ويشترون، وكان يمشي في ~~الأسواق وهو يقول بأرفع صوته: اتقوا الله وأوفوا الكيل والميزان ولا تنفخوا في اللحم. وكان ~~يؤدب بالزجر والدرة من رأى منه انحرافا عما ينبغي له في بيع أو شراء أو حديث، وكأنه رأى أن ~~درة عمر لا ترهب هذا الخلف الذي خلف من الناس، تطوروا وغلظت أخلاقهم وانحرفت طباعهم عما ألف ~~المسلمون أيام عمر، فاتخذ الخيزرانة، رآها أوجع من الدرة، ثم استبان له أن الخيزرانة لا ~~ترهبهم، فكان يقول لأشرافهم ولعامتهم: إني لأعرف ما يصلحكم، ولكن لا أصلحكم بفساد ~~نفسي. # رأى أنهم في حاجة إلى أن يؤخذوا بأكثر من الدرة والخيزرانة والزجر، وكره أن يضربهم ~~بالسياط، أشفق أن يدفع من القسوة والتجبر إلى ما لا يلائم خلقه ودينه، وما لا ينبغي للخليفة ~~الراشد من الرفق والوداعة والحلم والإسماح، وخرج يوما من داره فرأى جماعات ضخمة من العامة ~~قد ازدحمت على بابه فجعل يفرقهم عن نفسه بالدرة حتى خلص منهم إلى بعض أصحابه، فسلم عليه ثم ~~قال: إن هؤلاء ليس فيهم خير، لقد كنت أظن أن الأمراء يظلمون الناس فقد علمت أن الناس يظلمون ~~الأمراء. # ثم لم يكن يكتفي بهذا كله، وإنما كان يحتاط لنفسه من مغريات الإمرة، وكان إذا أراد أن ~~يشتري شيئا بنفسه تحرى بين السوقة رجلا لا يعرفه، فاشترى منه ما يريد، يكره أن يحابيه ~~البائع إن ms131 عرف أنه أمير المؤمنين. # ثم كان لا يرضى عن نفسه إلا إذا أدى للناس حقهم عليه في دينه، فأقام لهم صلاتهم، وعلمهم ~~بالقول والعمل، وقام على إطعام فقرائهم طعام العشاء، وتحرى ذوي الحاجة منهم فأغناهم عن ~~المسألة، وإنما كان يخلو إلى نفسه إذا كان الليل فينصرف عن الناس إلى عبادته الخاصة مصليا ~~متهجدا حتى يتقدم الليل، فإذا أخذ بحظه من النوم غلس بالخروج إلى المسجد، فجعل يقول - كأنه ~~يريد أن يوقظ من أوى إلى المسجد من الناس فنام فيه: «الصلاة الصلاة يا عباد الله.» # وكذلك لم يكن ينسى الله لحظة من ليل أو من نهار، وإنما كان يذكره إذا خلا لنفسه أو دبر ~~أمور الناس على اختلافها، وكثيرا ما كان يحرض الناس على أن يسألوه في أمور دينهم. # وقد رأيت طرفا من سيرته في أموال المسلمين، وعرفت أنه لم يكن ينفك يقسم فيهم كل ما يصل ~~إليه من الولايات أو من السواد، قل أو كثر، عظم أو حقر، وكان يعتذر إليهم إن قسم فيهم ~~شيئا قليلا، فيقول: إن الشيء ليرد علينا فنراه كثيرا فإذا قسمناه رأيناه يسيرا. # وكان شديد الحرص على أن يحقق المساواة بين الناس في قوله وعمله وفي وجهه، وفي قسمته لما ~~كان يقسم فيهم من المال، بل كان يحرص على هذه المساواة حين يعطي الناس إذا سألوه. جاءته ~~امرأتان ذات يوم تسألانه وتبينان فقرهما، فعرف لهما حقهما وأمر من اشترى لهما ثيابا ~~وطعاما وأعطاهما مالا، ولكن إحداهما سألته أن يفضلها على صاحبتها؛ لأنها امرأة من العرب ~~وصاحبتها من الموالي، فأخذ شيئا من تراب فنظر فيه، ثم قال: ما أعلم أن الله فضل أحدا من ~~الناس على أحد إلا بالطاعة والتقوى. # كذلك كانت سيرة علي، وكذلك كانت سيرة النبي والشيخين، ولكن عليا خالف عن سيرة عمر كما ~~رأيت في شيء واحد، وهو أمر المال. # خالف عن سيرة عمر، ولكنه وفى لرأيه الذي أشار به على عمر، فقد أشار عليه حين كثر المال أن ~~يقسم كل ما يرد عليه ms132 بين الناس حتى لا يترك في بيت المال شيئا، كان يؤثر ذلك لتبرأ ذمة ~~الخليفة من أي حق قد يتعلق بالمال الذي يدخر أو يستبقى، ولكن النوائب تنوب والخطوب ~~تلم، وما ينبغي لبيت المال أن يفاجأ بالأحداث حين تحدث، فكان عمر أحزم في سياسته ~~وأنظر للمصلحة العامة، وكان علي أشد احتياطا لنفسه إن أمكن أن يحتاط إمام لنفسه أكثر مما ~~احتاط لها عمر. # | الفصل الثامن والثلاثون # أما سيرة علي في عمال الأقاليم وولاتها فلم تنحرف عن سيرة عمر قليلا ولا كثيرا، وإنما ~~هي سنة سنها النبي والشيخان، وأحياها علي بعد أن أدركها شيء من الضعف والإهمال في الأعوام ~~الأخيرة لخلافة عثمان. # كان علي شديد المراقبة لعماله، يشدد عليهم في الحساب، وفي استيفاء ما يلزمهم من حقوق ~~الناس، ويشدد عليهم في سيرتهم العامة والخاصة فيعطي كل واحد منهم عهدا يقرؤه على الناس حين ~~يتولى أمرهم، فإذا أقروه بعد قراءته عليهم فهو عقد بينهم وبين حاكمهم، لا يجوز لهم ولا له ~~أن ينحرفوا عنه أو يتأولوه، فإن انحرفوا عنه وجبت عليهم العقوبة وأنفذ الحاكم في المخالفين ~~هذه العقوبة، وإن انحرف الحاكم عنه وجبت عليه العقوبة وأنفذها فيه الإمام نفسه. # ثم كان علي يرسل الأرصاد والرقباء ليظهروا على سيرة العمال ويرفعوا منها إليه ما يجب أن ~~يرفعوه، يستخفي بعض هؤلاء الأرصاد والرقباء بمهمتهم، ويظهر بها بعضهم، وكان كل رجل من أهل ~~الأقاليم رصدا ورقيبا على حاكمه، يستطيع أن يشكوه إلى الإمام كلما انحرف عن العهد الذي ~~أخذ عليه. # وربما توسط علي لأهل إقليم من الأقاليم عند أميرهم في بعض ما يرون لأنفسهم من مصلحة ~~تنفعهم أو تسوق إليهم خيرا. # جاءه أهل ولاية من الولايات فزعموا له أن في بلادهم نهرا قد عفا ودرس، وأن في حفره ~~وإعادته لهم وللمسلمين خيرا، وطلبوا إليه أن يكتب إلى الوالي في أن يسخرهم في احتفار هذا ~~النهر، فقبل منهم احتفار النهر وكره منهم ما طلبوا من التسخير، وكتب إلى عامله قرظة بن ~~كعب: # أما بعد، فإن قوما ms133 من أهل عملك أتوني فذكروا أن لهم نهرا ~~قد عفا ودرس، وأنهم إن حفروه واستخرجوه عمرت بلادهم، وقووا على كل خراجهم، وزاد فيء ~~المسلمين قبلهم، وسألوني الكتاب إليك لتأخذهم بعمله وتجمعهم لحفره والإنفاق عليه، ~~ولست أرى أن أجبر أحدا على عمل يكرهه، فادعهم إليك فإن كان الأمر في النهر على ما ~~وصفوا، فمن أحب أن يعمل فمره بالعمل، والنهر لمن عمل دون من كرهه، ولأن يعمروا ~~ويقووا أحب إلي من أن يضعفوا، والسلام. # وشكا إليه أهل ولاية أخرى أن عاملهم يزدريهم ويقسو عليهم، فنظر في أمرهم فاستبان له أنهم ~~ليسوا أهلا للازدراء، فكتب في أمرهم إلى عامله عمرو بن سلمة الأرحبي: # أما ~~بعد، فإن دهاقين بلادك شكوا منك قسوة وغلظة واحتقارا، فنظرت فلم أرهم أهلا لأن ~~يدنوا لشركهم، ولم أر أن يقصوا ويجفوا لعهدهم، فالبس لهم جلبابا من اللين ~~تشوبه بطرف من الشدة، في غير ما أن يظلموا، ولا تنقض لهم عهدا، ولكن تفرغ لخراجهم ~~وتقاتل من وراءهم، ولا يؤخذ منهم فوق طاقتهم، فبذلك أمرتك والله المستعان، ~~والسلام. # وكان أمراؤه يهابونه وربما حاولوا أن يخفوا عليه اليسير من أمرهم فرارا من ملامته، فإذا ~~عرف ذلك من أمرهم تجاوز لومتهم إلى الاتهام والتقريع والنذير. # وقد روي أنه أرسل إلى زياد حين كان خليفة لابن عباس على البصرة، قبل اعتزاله أو بعد ~~اعتزاله العمل، من يحمل إليه ما عنده من المال. # فقال زياد للرسول فيما قال: إن الأكراد قد كسروا شيئا من الخراج، وإنه يداريهم، وطلب ~~إليه ألا ينبئ بذلك أمير المؤمنين؛ فيتهمه بالاعتلال عليه في بعض الحق، وكان الرسول أمينا ~~لمرسله، فأنبأه بكل ما قاله زياد، فكتب علي إلى زياد: # قد بلغني رسولي ~~عنك ما أخبرته به عن الأكراد واستكتامك إياه ذلك، وقد علمت أنك لم تلق ذلك إليه ~~إلا ليبلغني إياه، وإني أقسم بالله عز وجل قسما صادقا لئن بلغني أنك خنت من فيء ~~المسلمين شيئا، صغيرا أو كبيرا، لأشدن عليك شدة تدعك قليل الوقر ثقيل الظهر، ~~والسلام. # وأقل ما ms134 يدل عليه هذا الكتاب هو أن عليا لم يكن من السذاجة بحيث يظن بعض خصمه، ولم يكن ~~سهل التغفل كما يظن به بعض المسرفين عليه وعلى أنفسهم، وإنما كان من بعد الغور ونفاذ ~~البصيرة والوصول إلى أعماق النفوس بحيث كان غيره من مهرة العرب ودهاتهم، ولكنه كان يؤثر ~~الصراحة والصدق ومواجهة الحقائق على نحو مستقيم من التفكير، وكان يرفع نفسه عن المكر والكيد ~~والدهاء؛ نصحا لدينه واستمساكا بأخلاق الرجل الكريم. # فهو قد فهم أن زيادا إنما أراد أن يعتذر عن قلة ما حمل إليه من المال، وأن يلطف للرسول ~~في ذلك فينبئه بأمر الأكراد ويوصيه بإخفاء ذلك على الخليفة مخافة أن يتهم عنده، وقدر أن ~~الرسول سيتعلق عليه بهذه التعلة وينبئ بها أمير المؤمنين، وقد رأيت شدة علي على زياد في ~~النذير والتحذير، وأكبر الظن أنه لم يقف عند النذير والتحذير، وإنما كلف من يتلطف حتى يحقق ~~من أمر الأكراد ما زعم زياد. # وبلغته هنات عن المنذر بن الجارود - عامله على إصطخر - فكتب إليه هذا الكتاب الذي يعزله ~~به عن ولايته ويستقدمه إلى الكوفة: # إن صلاح أبيك غرني فيك، وظننت أنك متبع ~~هديه وفعله، فإذا أنت فيما رقي إلي عنك، لا تدع الانقياد لهواك وإن أزرى ذلك ~~بدينك، ولا تسمع إلى الناصح وإن أخلص النصح لك، بلغني أنك تدع عملك كثيرا وتخرج ~~لاهيا متنزها متصيدا، وأنك قد بسطت يدك في مال الله لمن أتاك من أعراب قومك، ~~كأنه تراث عن أبيك وأمك، وإني أقسم بالله لئن كان ذلك حقا لجمل أهلك وشسع نعلك ~~خير منك، وإن اللعب واللهو لا يرضاهما الله، وخيانة المسلمين وتضييع أموالهم مما ~~يسخط ربك، ومن كان كذلك فليس بأهل لأن يسد به الثغر ويجبى به الفيء ويؤتمن ~~على مال المسلمين، وأقبل حين يصل كتابي هذا إليك. # فلما قدم حقق علي أمره مع من اتهمه من الناس، فظهر أن عليه من مال المسلمين ثلاثين ألفا، ~~فطالبه بها، وجحدها المنذر، فطالبه علي باليمين، فنكل، وألقاه علي في السجن ms135 حتى شفع فيه ~~وضمنه صعصعة بن صوحان، وكان من أتقى أهل الكوفة ومن آثر الناس عند علي، فأطلقه. # وأرسل علي بعض مواليه إلى زياد يستحثه على حمل ما عنده من المال، وكأن هذا المولى أثقل ~~على زياد في الإلحاح، فنهره زياد، فرجع إلى الخليفة منكرا لأمر زياد وقال فيه فأكثر القول، ~~فكتب علي إلى زياد واعظا مؤدبا: # إن سعدا ذكر لي أنك شتمته ظالما ~~وجبهته تجبرا وتكبرا، وقد قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: الكبرياء والعظمة لله. فمن ~~تكبر سخط الله عليه، وأخبرني أنك مستكثر من الألوان في الطعام، وأنك تدهن في كل ~~يوم، فماذا عليك لو صمت لله أياما وتصدقت ببعض ما عندك محتسبا، وأكلت طعامك في ~~مرة مرارا أو أطعمته فقيرا؟! أتطمع وأنت متقلب في النعيم، تستأثر به على الجار ~~المسكين والضعيف الفقير والأرملة واليتيم، أن يجب لك أجر الصالحين المتصدقين؟! ~~وأخبرني أنك تتكلم كلام الأبرار وتعمل عمل الخاطئين، وإن كنت تفعل ذلك فنفسك ظلمت ~~وعملك أحبطت، فتب إلى ربك وأصلح عملك واقتصد في أمرك، وقدم الفضل ليوم حاجتك ~~إذا كنت من المؤمنين، وادهن غبا ولا تدهن رفها، فإن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قال: ~~ادهنوا غبا ولا تدهنوا رفها. والسلام. # وقد كره زياد هذه الوشاية به إلى الخليفة وحرص على أن يبرئ نفسه مما رمي به، فكتب إلى ~~علي: # إن سعدا قدم علي فعجل، فانتهرته وزجرته، وكان أهلا لأكثر ~~من ذلك، فأما ما ذكر من الإسراف في الأموال والتنعم واتخاذ الطعام، فإن كان صادقا ~~فأثابه الله ثواب الصادقين، وإن كان كاذبا فلا أمنه الله عقوبة الكاذبين، وأما ~~قوله إني أتكلم بكلام الأبرار وأخالف ذلك بالفعل، فإني إذن من الأخسرين عملا، فخذه ~~بمقام واحد قلت فيه عدلا ثم خالفت إلى غيره، فإذا أتاك عليه بشهيد عدل وإلا تبين ~~لك كذبه وظلمه. # ومعنى ذلك أن زيادا يرى نفسه قد قذف ظلما ويطلب إلى علي إنصافه من قاذفه وأخذه بإقامة ~~البينة على ما ادعى. # وكتب إلى أشعث بن ms136 قيس يعزله عن أذربيجان، وكان قد وليها أيام عثمان، وبعض الرواة يقول: إن ~~عثمان كان قد ترك له خراجها: # إنما غرك من نفسك إملاء الله لك، فما زلت ~~تأكل رزقه وتستمتع بنعمه وتذهب طيباتك في أيام حياتك، فأقبل واحمل ما قبلك من الفيء ~~ولا تجعل على نفسك سبيلا. # وواضح أن هذا الكتاب لم يقع من نفس الأشعث موقعا حسنا، وإن من اليسير بعد ذلك أن نفهم ~~مواقف الأشعث من علي فيما عرض من الخطوب. # ولم يكن علي مؤنبا لعماله، ولا سيئ الظن بهم دائما، وإنما كان يثني على المحسن منهم ~~فيبلغ في الثناء، يعرف لهم بذلك حقهم ويشجعهم على ما أظهروا من الإخلاص لإمامهم، وحسن ~~البلاء في النصح للمسلمين. # وانظر ما كتبه إلى عمر بن أبي سلمة عامله على البحرين حين عزله عن عمله ليصحبه في شخوصه ~~إلى الشام: # إني قد وليت النعمان بن عجلان البحرين من غير ذم لك ولا تهمة ~~فيما تحت يدك، ولعمري لقد أحسنت الولاية وأديت الأمانة، فأقبل إلي غير ظنين ولا ~~ملوم، فإني أريد المسير إلى ظلمة أهل الشام، وأحببت أن تشهد معي أمرهم، فإنك ممن ~~أستظهر به على إقامة الدين وجهاد العدو، جعلنا الله وإياك من الذين يهدون بالحق وبه ~~يعدلون. # وكذلك سار علي في عماله هذه السيرة الحازمة، يشجع المحسن منهم ويشتد على المسيء، لا يحابي ~~في شيء من ذلك ولا يداجي، ولا يعرف مداراة ولا مجاراة، وإنما هو النصح للمسلمين والعدل في ~~الرعية وإقامة الحق في أولئك وهؤلاء. # وقد رأيت سيرته مع ابن عمه عبد الله بن عباس، وشدته على زياد، وعقابه بالعزل لمن لا يحسن ~~القيام بأمره، وبالحبس لمن يتعلق بذمته حق من حقوق الناس، فليس غريبا ألا ينظر العمال إليه ~~ولا إلى عمله إلا في كثير من التحفظ والتحرج والاحتياط، وليس غريبا أن يلتوي عليه أحد ~~عماله مصقلة بن هبيرة ببعض الحق، ثم يشفق منه فيفر إلى معاوية ويلقى عنده ما رأيت آنفا من ~~الرضى والإيثار. # وهذه السيرة التي سارها ms137 علي في عماله هي نفس السيرة التي سارها في الناس، فلم يكن يطمع ~~الناس في نفسه، ولم يكن يوئسهم منها، وإنما كان يدنو منهم أشد الدنو ما استقاموا على الطريق ~~وأدوا الحق، فإن انحرفوا عن الجادة أو التووا ببعض ما يجب عليهم بعد عنهم أشد البعد، ~~وأجرى فيهم حكم الله غير مصطنع هوادة أو رفقا. # وقد روى المؤرخون أن ناسا من أهل الكوفة ارتدوا فقتلهم ثم حرقهم بالنار، وقد ليم في ~~ذلك من ابن عباس، وأظن أن هذه القصة هي التي غلا خصوم الشيعة فيها، فزعموا أن هؤلاء الناس ~~ألهوا عليا. ولكن المؤرخين، والثقات منهم خاصة، يقفون من هذه القصة موقفين: فمنهم من ~~يرويها في غير تفصيل كما رويتها، ومن هؤلاء البلاذري، ومنهم من لا يرويها ولا يشير إليها ~~كالطبري ومن تبعه من المؤرخين، وإنما يكثر في هذه القصة أصحاب الملل والمخاصمون للشيعة، ~~وما أرى إلا أن القوم يتكثرون فيها ويحملونها أكثر مما تحتمل كما فعلوا في أمر ابن ~~السوداء. # وربما بينت هذه الصورة الشعرية، التي تركها أعرابي من طيئ، عما كان في قلوب الناس من ~~المهابة لعلي، وكان هذا الرجل يفسد في الطريق، فأرسل علي رجلين ليأتياه به، ففر منهما ~~وقال: # ولما أن رأيت ابني شميط # بسكة طيئ والباب دوني # تجللت العصا وعلمت أني # رهين مخيس إن يثقفوني # فلو أنظرتهم شيئا قليلا # لساقوني إلى شيخ بطين # شديد مجامع الكتفين صلب # على الحدثان مجتمع الشئون # ومخيس: سجن بناه علي، والعصا: فرس لهذا الأعرابي، فهذا الشيخ البطين العظيم المنكبين ~~الصلب على الحوادث ذو الرأس الضخم هو الذي هابه الأعرابي، كما كان عامة الناس من أمثاله ~~يهابونه ويشفقون من بأسه، ثم كان علي بعد ذلك لا يستكره الناس على أمرين: أحدهما البقاء في ~~ظل سلطانه، فما أكثر الذين كانوا يرحلون من العراق ومن الحجاز ليلحقوا بمعاوية! مؤثرين ~~دنياه على دين علي، فلم يكن علي يعرض لهم، ولا يستكرههم على البقاء معه، ولا يصدهم عن ~~اللحاق بالشام، كان يرى أنهم أحرار يتخذون الدار ms138 التي تلائمهم، فمن أحب الهدى والحق أقام ~~معه، ومن رضي الضلال والباطل لحق بمعاوية. # وقد كتب عامله على المدينة سهل بن حنيف يذكر أن كثيرا من أهلها يتسللون إلى الشام، فكتب ~~إليه علي يعزيه عن هؤلاء الناس وينهاه عن أن يعرض لهم أو يكرههم على البقاء في طاعته، ~~وكانت هذه سيرته مع الخوارج أيضا، يعطيهم نصيبهم من الفيء ولا يعرض لهم بمكروه ما أقاموا ~~معه، ولا يرد أحدا منهم عن الخروج إن هم به، ولا يأمر أحدا من عماله بالتعرض لهم في ~~طريقهم، فهم أحرار في دار الإسلام يتبوءون منها حيث يشاءون، بشرط ألا يفسدوا في الأرض أو ~~يعتدوا على الناس، فإن فعلوا أجرى فيهم حكم الله في غير هوادة ولا لين، وربما أنذره أحدهم ~~بأنه لن يشهد معه الصلاة ولن يذعن لسلطانه، كما فعل الخريت بن راشد فيما مضى من خبره، فلم ~~يبطش به ولم يعرض له وخلى بينه وبين حريته، فلما خرج مع أصحابه لم يحل بينهم وبين الخروج، ~~فلما أفسدوا في الأرض أرسل إليهم من أنصف منهم. # كان إذن يعرف للناس حقهم في الحرية الواسعة إلى أبعد آماد السعة، لا يستكره الناس على ~~طاعة ولا يرغمهم على ما لا يحبون، وإنما يشتد عليهم حين يعصون الله أو يخالفون عن أمره أو ~~يفسدون في الأرض. # الأمر الثاني الذي لم يكن علي يستكره الناس عليه هو الحرب، كان يرى أن حرب الناكثين ~~والقاسطين والمارقين حق عليه وعلى المسلمين، كجهاد العدو من المشركين وأهل الكتاب، ولكنه لم ~~يكن يفرض ذلك عليهم فرضا ولا يدفعهم إليه بقوة السلطان، وإنما يندبهم له؛ فمن استجاب منهم ~~رضي عنه وأثنى عليه، ومن قعد منهم وعظه ونصحه وحرضه وأبلغ في الوعظ والنصح والتحريض، وهو لم ~~يكره أحدا على حرب الجمل ولا على حرب صفين ولا على حرب الخوارج، وإنما نهض لهذه الحروب ~~كلها بمن انتدب معه على بصيرة من أمره ومعرفة لحقه، ولو شاء لجند الناس تجنيدا، ولكن هذا ~~النحو من الخدمة العسكرية التي يجبر ms139 الناس عليها لم يكن قد عرف بعد، ولو شاء لرغب ~~الناس بالمال في هذه الحرب حين نكلوا عنها، ولكنه لم يفعل هذا أيضا، كره أن يشتري نصرة ~~أصحابه له بالمال وأراد أن ينصروه عن بصيرة وإيمان، بل هو قد فعل أكثر من هذا، فخاض بأصحابه ~~غمرات هذه الحروب، ثم لم يقسم فيهم غنيمة إلا ما كان يجلب به العدو من خيل أو سلاح، وقد ~~ضاق أصحابه بذلك، وقال قائلهم كما رأيت فيما مضى: أباح لنا دماء العدو ولم يبح لنا ~~أموالهم! # وكان رأيه في هذا أن حرب المسلم للمسلم غير حرب المسلم للكافر، لا ينبغي أن يراد بحرب ~~المسلم إلا اضطراره إلى أن يفيء إلى أمر الله، فإن فعل ذلك عصم نفسه وماله، ولا ينبغي أن ~~يسترق ولا أن يصبح ماله غنيمة، ولا كذلك حرب غير المسلمين. # فليس غريبا أن يثاقل أصحابه عن حرب أهل الشام بعد ما جربوا من سيرته فيهم، فهي حرب ~~تكلفهم عناء وتعرضهم للموت ثم لا تغني عنهم شيئا؛ لأنها لا تتيح لهم الغنيمة، ونحن نعلم أن ~~العربي يفكر في الغنيمة كلما فكر في الحرب، ولأمر ما حرض الله المسلمين على الجهاد مع نبيه ~~فقال: # وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها # الآية. ففي هذين الأمرين: الخضوع لسلطانه، وحرب عدوه من المسلمين، كان علي يترك أوسع الحرية ~~وأسمحها لأصحابه. # ومن المحقق أن معاوية لم يكن يجند الناس كرها لحرب علي، ولم يكن يستبقيهم في الشام وهم ~~للبقاء فيها كارهون، ولكن من المحقق أيضا أنه كان يعطي فيحسن العطاء، ويشتري من الناس ~~طاعتهم له وحربهم من دونه، وينفق على هذا كله من بيت المال، يرى أن ذلك مباح له، ويرى علي ~~أن ذلك عليه حرام. # | الفصل التاسع والثلاثون # ليس من شك في أن عليا قد أخفق في بسط خلافته على أقطار الأرض الإسلامية، ثم هو لم يخفق ~~وحده وإنما أخفق معه نظام الخلافة كله، وظهر أن هذه الدولة الجديدة التي كان يرجى أن تكون ~~نموذجا للون جديد من ألوان ms140 الحكم والسياسة والنظام لم تستطع آخر الأمر إلا أن تسلك طريق ~~الدول من قبلها، فيقوم الحكم فيها على مثل ما كان يقوم عليه من قبل من الأثرة والاستعلاء ~~ونظام الطبقات الذي تستذل فيه الكثرة الضخمة، لا من شعب واحد بل من شعوب كثيرة، لقلة قليلة ~~من الناس، عسى أن تكون من شعب بعينه بين هذه الشعوب، وهو الشعب الذي استقر أمر الحكم فيه، ~~بل لم يخفق علي ونظام الخلافة وحدهما، وإنما أخفقت معهما الثورة التي قامت أيام عثمان ~~لتحفظ، فيما كان أصحابها يقولون، على الخلافة الإسلامية إسماحها وصلاحها ونقاءها من شوائب ~~الأثرة والعبث والطغيان والفساد. # فأولئك الثائرون إنما ثاروا - فيما كانوا يزعمون - لأن عثمان لم يحسن سياسة أموالهم ~~ومرافقهم، عجز عن هذه السياسة، على أحسن تقدير، فركب بنو أمية رقاب الناس، وعبث العمال ~~بالولايات والفيء، وأسرف الخليفة في بيت المال يؤثر به ذوي رحمه والمقربين إليه من سائر ~~الناس، فهم كانوا يريدون أن يردوا أمر الخلافة إلى مثل ما كان عليه أيام الشيخين بحيث يتحقق ~~العدل وتمحى الأثرة، ولا توضع أموال الناس إلا في مواضعها، ولا تنفق إلا على مرافقهم، ~~ولا تؤخذ إلا بحقها. # ولكن زعماءهم وقادتهم قتلوا في سبيل هذه الثورة قبل أن يتموا تثبيتها: قتل حكيم بن ~~جبلة في البصرة قبل أن تقع موقعة الجمل، وقتل زميله البصري حرقوص بن زهير في النهروان، ~~وقتل محمد بن أبي بكر وكنانة بن بشر في مصر، ومحمد بن أبي حذيفة في الشام، ومات الأشتر ~~مسموما في طريقه إلى مصر، وقتل عمار بن ياسر بصفين. # فهؤلاء زعماء الثورة، منهم من قتل قبل أن تشب الحروب على علي، ومنهم من قتل أثناء هذه ~~الحروب، ومنهم من خالف إمامه ثم قتل أثناء الخروج عليه، ومنهم من قتله معاوية وأصحابه ~~جهرة أو سرا. # وواضح أن الذين ثاروا بعثمان حتى حصروه وقتلوه لم يقتلوا عن آخرهم، وإنما بقي منهم خلف ~~كانوا أتباعا لأولئك الزعماء الذين ذكرنا قتلهم، والمهم أن قادة الثورة قد ماتوا من ~~دونها، وأن ms141 الثورة قد فقدت بموتهم عقولها المفكرة المدبرة، فأدرك سائر أصحابها الفشل ~~والتخاذل والتواكل، وألقوا بأيديهم وآثروا العافية، وكانت الظروف التي أرادوا أن يقاوموها ~~بثورتهم أقوى من أن تقاوم. # ولكن كلمة الظروف هذه غامضة تحتاج إلى شيء من الوضوح، وأول هذه الظروف وأجدرها بالعناية ~~والتفكير: الاقتصاد، فقد كان نظام الخلافة - كما تصوره الشيخان - يسيرا سمحا لا عسر ~~فيه، أخص ما يوصف به أنه لا يستطيع أن يستقر ولا أن يستقيم إلا إذا آمن به أشد الإيمان ~~وأعمقه أولئك الذين أقيم لهم من المسلمين، والإيمان بهذا النظام يقتضي قبل كل شيء إيمانا ~~خالصا بالدين الذي أنشأه، إيمانا يتغلغل في أعماق القلوب، ويسيطر على دخائل الضمائر ~~والنفوس، ويسخر لسلطانه عقول الناس حين تفكر، وأجسامهم حين تعمل، وألسنتهم حين تقول، ~~إيمانا لا يقبل شركة مهما يكن لونها، إيمانا بالله لا شريك له من الآلهة والأنداد، ~~وإيمانا بالدين لا شريك له من المنافع والأهواء، وهذا النوع من الإيمان، إن تحقق للكثرة من ~~أصحاب النبي، فإنه لم يخلص من بعض الشوائب، لا بالقياس إلى الذين أسلموا بأخرة، ولا ~~بالقياس إلى الذين كان النبي يتألفهم بالمال، ولا بالقياس إلى كثير من الأعراب الذين قال ~~الله فيهم: # قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ~~ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في ~~قلوبكم ~~. # وكان النبي # صلى الله عليه وسلم # يعرف المنافقين من أهل المدينة ومن غيرهم، يدله الوحي عليهم وينبئه ~~الله بأمرهم، وربما أنبأه الله بأن منهم قوما لا يعلمهم هو وإنما يستأثر الله وحده بعلمهم، ~~فلما قبض النبي انقطعت أو كادت تنقطع وسائل العلم بهؤلاء المنافقين، فكان المؤمنون ~~المخلصون كالشعرة البيضاء في الثور الأسود، كما قال النبي، كانوا قلة قليلة، وليس أدل على ~~ذلك من ارتداد العرب بعد وفاة النبي، وجهاد أبي بكر وأصحابه حتى ردوهم إلى الطاعة بعد تلك ~~الخطوب الكثيرة التي نعرفها، ثم تجاوز الإسلام بلاد العرب وبسط سلطانه على ما فتح من الأرض ~~أيام الشيخين وأيام عثمان، فكثر الذين خضعوا لهذا السلطان غير مؤمنين به ولا ms142 مخلصين له، ~~وإنما الخوف وحده قوام ما كانوا يبذلون من طاعة. # وكذلك كان الفتح مصدر قوة ومصدر ضعف للدولة الجديدة في وقت واحد، كان مصدر قوة؛ لأنه بسط ~~سلطانها ومد ظلها على أقطار كثيرة من الأرض، وكان مصدر ضعف لأنه أخضع لها كثرة من الناس لا ~~يؤمنون بها وإنما يخافون منها ويرهبون سطوتها، وكان مصدر قوة لأنه جبى لها كثيرا من المال ~~الذي لم يكن يخطر لها على بال، وكان مصدر ضعف لأن هذا المال أيقظ منافع كانت نائمة، ونبه ~~مآرب كانت غافلة، ولفت إليه نفوسا كانت لا تفكر إلا في الدين، ثم خلق حاجات لم تكن معروفة ~~ولا مألوفة، أظهر للعرب فنونا من الترف وخفض العيش فأغراهم بها ودعاهم إليها، ثم عودهم ~~إياها، ثم أخذهم بها أخذا، إلا قلة قليلة جدا استأثر الدين بها من دون الدنيا، وشغلها ~~التفكير في الله عن التفكير في المال والمنافع والحاجات. # وقد لقي عمر العناء كل العناء في سياسته للعرب أيام خلافته، ثم لم يشق وحده بهذا العناء ~~الذي لقيه، وإنما شقي به العرب كلهم، ضاقوا بسياسته ضيقا شديدا، شق عليهم العدل الذي يسوي ~~بين القوي والضعيف، وشق عليهم الشظف الذي كان يريد أن يمسكهم فيه ويضطرهم إليه، فلما مات ~~سري عنهم وابتسموا للدنيا وابتسمت الدنيا لهم، ولكن هذا الابتسام لم يتصل إلا ريثما ~~استحال إلى عبوس عابس وشر عظيم، فالابتسام للمال يغري بالاستزادة منه، والاستزادة منه تفتح ~~أبوابا من الطمع لا سبيل إلى إغلاقها، وإذا وجد الطمع وجد معه زميله البغي، ووجد معه ~~زميل آخر هو التنافس، ووجد معه زميل ثالث هو التباغض والتهالك على الدنيا. وإذا وجدت كل ~~هذه الخصال وجد معها الحسد الذي يحرق قلوب الذين لم يتح لهم من الثراء ما أتيح لأصحاب ~~الثراء، وإذا وجد الحسد حاول الحاسدون إرضاءه على حساب المحسودين، وحاول المحسودون حماية ~~أنفسهم، وكان الشر بين أولئك وهؤلاء، وهذا كله هو الذي حدث أيام عثمان، وهو الذي دفع أهل ~~الأمصار إلى أن يثوروا بعمالهم، ثم ms143 إلى أن يثوروا بخليفتهم، ثم إلى أن يحصروه ~~ويقتلوه. # وقد هم علي أن يرد العرب إلى مثل ما كانوا عليه أيام عمر، ولكن أيام عمر كانت قد انقضت ~~ولم يكن من الممكن أن تعود. # ملك المال قلوب أصحاب المال فقاتلوا عليه في العراق وقاتلوا عليه في الشام، وانتصر علي ~~في العراق ولكنه انتصار لم يكد يتم حتى نسيه المغلوبون والغالبون جميعا، فما أسرع ما ذكر ~~أهل البصرة عثمانيتهم بعد الجمل! وعثمانيتهم هذه ليس معناها حب عثمان والطلب بدمه فحسب، ~~وإنما معناها أوسع من ذلك وأشمل، معناها هذا النظام الذي عرفوه فألفوه، نظام الطمع والجشع ~~والتنافس في المال والتهالك عليه، والضيق بتلك الحياة التي فرضها عمر على العرب والتي كان ~~علي يريد أن يعود إلى فرضها عليهم. # وقد شكا ابن عباس أهل البصرة إلى علي أنهم بعد خروجه عنهم إثر وقعة الجمل عادوا إلى شيء ~~من الاضطراب لم يرضه منهم ابن عباس، لم ير منهم ما كان ينتظر أن يرى من الانقياد والطاعة ~~السمحة، فكتب إليه علي هذا الكتاب الذي إن دل على شيء فإنما يدل على أن عليا قد فهمهم حق ~~فهمهم، وأراد أن يستصلحهم ما وجد إلى ذلك سبيلا: # أتاني كتابك تذكر ما ~~رأيت من أهل البصرة بعد خروجي عنهم، وإنما هم مقيمون لرغبة يرجونها أو عقوبة ~~يخافونها، فأرغب راغبهم واحلل عقدة الخوف عن راهبهم بالعدل والإنصاف له إن شاء ~~الله. # هم مقيمون على رغبة يرجونها أو عقوبة يخافونها، هذا حق ليس فيه شك، ولكن الدواء الذي ~~اقترحه علي لم يكن ميسورا، فهو أراد أن يرغب الراغب ويحل عقدة الخوف عن الخائف، ولكنه ~~أراد أن يكون هذا كله في حدود العدل والإنصاف. # والعدل لا يرغب راغبا وإن حل عقدة الخوف عن الخائف، وليس أدل على ذلك من أن عبد الله بن ~~عباس لم يبلغ ما أراد علي من السياسة، وإنما أراد أن يرغب الراغبين فرغب معهم، فلما ~~شكاه أبو الأسود إلى علي ولامه علي فيما فعل، حمل ما قدر ms144 عليه من بيت المال وفر به إلى مكة ~~فأقام فيها بماله الكثير، وهم أهل البصرة أن يستجيبوا لمعاوية وأن يثوروا بزياد، لولا أن ~~عليا زاد عقدة الخوف عليهم تعقيدا، فأرسل إليهم جارية بن قدامة الذي حرق فريقا منهم ~~بالنار تحريقا. # ثم لم يكن المنتصرون مع علي يوم الجمل خيرا من المغلوبين، طمعوا في مال أهل البصرة بعد ~~أن انتصروا عليهم، فلما ردهم علي عن ذلك جمجموا، وقال قائلهم: يبيح لنا دماءهم ثم لا يبيح ~~لنا أموالهم! # ثم ذهب أهل الكوفة مع علي إلى صفين فقاتلوا وكادوا ينتصرون، ولكن المال أفسد على أشرافهم ~~ورؤسائهم أمرهم كله، فكان رفع المصاحف وكان إكراه علي على قبول التحكيم. # ومنذ ذلك اليوم ظهر أن الثورة قد أخفقت، وظهر أن عليا لن يبلغ من إحياء سيرة عمر ما كان ~~يريد، ثم لم يكن علي وحده هو الذي ظهر إخفاقه، فهذا أبو موسى الأشعري الذي اختاره أهل اليمن ~~حكما على غير رضى من إمامهم تبين في وضوح واضح أنه كان يرى رأيا مخالفا أشد الخلاف لرأي ~~الذين اختاروه، كان يريد أن يبايع للطيب ابن الطيب عبد الله بن عمر ليحيي اسم عمر وسيرته، ~~ولم يكن أهل اليمن يريدون عمر ولا ابنه ولا أحدا من الذين يشبهونهما، وإلا ففيم كانت ~~خيانة علي وفيم كان استكراهه على ما لا يريد؟! # ثم تبين أن أهل الحجاز لم يكونوا خيرا من أهل البصرة والكوفة، فكثير منهم كانوا يتسللون ~~إلى الشام إيثارا لدنيا معاوية، حتى شكا أمير المدينة سهل بن حنيف إلى علي من ذلك، فعزاه ~~علي عن هؤلاء المتسللين كما رأيت. # وليس من شك في أن كثيرا من أهل مكة كانوا يفعلون فعل نظرائهم من أهل المدينة، بل ليس من ~~شك في أن كثيرا من الذين كانوا يقيمون في الحرمين ويؤثرون البقاء في الحجاز على الذهاب إلى ~~الشام كانوا يتلقون من معاوية هداياه ومنحه، لا يرون بذلك بأسا ولا يجدون فيه ~~حرجا. # والغريب أنا نستعرض ما روى البلاذري لنا من كتب ms145 علي إلى عماله على المشرق، فلا نرى من ~~هذه الكتب كلها إلا كتابين اثنين يثني فيهما علي على عاملين اثنين ثناء لا تحفظ فيه، ~~وقد روينا لك أحد هذين الكتابين إلى عمر بن أبي سلمة حين عزله عن البحرين، فأما كتابه ~~الثاني فقد أرسله إلى سعد بن معوذ الثقفي عامله على المدائن وهو: # أما بعد، ~~فقد وفرت على المسلمين فيئهم، وأطعت ربك ونصحت إمامك، فعل المتنزه العفيف، فقد ~~حمدت أمرك ورضيت هديك وأبنت رشدك، غفر الله لك، ~~والسلام. # فأما سائر كتبه إلى أولئك العمال، ففي بعضها التأنيب والتوبيخ، وفي بعضها العتاب ~~والتخويف، وفي بعضها الآخر الوعظ والتأديب، وقد علمت ما كان من مصقلة بن هبيرة ومن المنذر ~~بن الجارود، أحدهما يلتوي بالمال حتى يفر إلى الشام، والثاني يلتوي بالمال حتى يحبس فيه، ~~وليس أمر ابن عباس منك ببعيد. # بل لم يكن كل الذين اعتزلوا الفتنة بمأمن من هذه النكسة التي أصابت المسلمين بعد الفتح ~~حين كثر عليهم المال، فإذا كان سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر ومحمد بن مسلمة قد فروا ~~بدينهم من الفتنة فلم يدخلوا في حرب مع أحد الفريقين الخصمين، وصمموا على عزلتهم كما ~~أرادوها خالصة لله ودينه، فقد كان المغيرة بن شعبة مثلا معتدلا، يؤثر العافية في الطائف، ~~ولكنه كان ضيقا بهذه العافية، وكان يتحرق شوقا إلى العمل، ولعله لم يكن يضيق بشيء كما كان ~~يضيق بما أتيح لعمرو بن العاص من نجح، على حين ظل هو يعلك لجامه كالجواد القارح الذي حيل ~~بينه وبين النشاط. # وكان أبو هريرة يقيم في المدينة ولا يكره أن تناله النافلة من مال معاوية بين حين وحين، ~~وقد نشط المغيرة بن شعبة في أمر معاوية بعد أن صار إليه الأمر كله، على حين احتفظ الشيخان ~~سعد وابن عمر بعزلتهما الوادعة. # ولم يكن أهل الحرمين يحبون القتال بعد ما بلوا من الأحداث، فكانوا وادعين يقبلون ما يساق ~~إليهم من خير مهما يكن مصدره، ويبايعون لصاحب السلطان والبأس، كانوا على طاعة ms146 علي، ثم بايع ~~أهل المدينة لمعاوية حين أخافهم بسر بن أرطاة، فأما أهل مكة فأجابوا بسرا في غير ما خوف ~~ولا رهب؛ لأن معاوية أوصاه بهم خيرا، فلما ألم بهم قائد علي بعد أن طرد بسرا، بايع أهل ~~مكة لمن بايع له أهل الكوفة، دون أن يتبينوا من هو، وبايع أهل المدينة لمن بايع له أهل ~~الكوفة، بعد أن عرفوا أنه الحسن بن علي. # كل شيء إذن كان يدل على أن سلطان الدين على النفوس لم يكن من القوة في المنزلة التي كان ~~فيها أيام عمر، وعلى أن سلطان المال والسيف كان قد استأثر بالقلوب والنفوس، وكل شيء يدل على ~~أن عليا والذين ذهبوا مذهبه من المحافظة على سيرة النبي والشيخين إنما كانوا يعيشون في ~~آخر الزمان الذي غلب الدين فيه على كل شيء. # فقل إذن في غير تردد: إن أول الظروف التي كانت تقتضي أن يخفق علي في سياسته هو ضعف سلطان ~~الدين على نفوس المحدثين من المسلمين، وتغلب سلطان الدنيا على هذه النفوس. # وكان العرب إلى أيام عمر لا يعرفون من شئون غيرهم إلا قليلا، يحمل إليهم التجار منهم - ~~حين يعودون بتجارتهم - أخبارا مختلطة عن الفرس والروم والحبشة، وعن الشام ومصر والعراق ~~خاصة، وينقل إليهم الوافدون عليهم من التجار الأجانب والمجلوبون لهم من الرقيق أخبارا عن ~~هذه البلاد، لعلها كانت في نفوسهم واضحة، ولكنها كانت لا تكاد تنتقل إلى نفوس العرب حتى ~~تختلط ويشوبها كثير من الإبهام والغموض، حتى كان علم العرب بشئون هذه البلاد أقرب إلى ~~الأعاجيب وأنباء الأساطير منه إلى الحقائق الصحيحة والوقائع الصادقة. # فلما كان الفتح رأت جيوش المسلمين الكثير من حقائق هذه البلاد، ثم استقرت فيها واستقر ~~المستعمرون من العرب فيها كذلك، فعرفوا هذه البلاد معرفة صحيحة، وبلوا من أمورها وأمور ~~أهلها أشياء لم يكونوا يحققونها، وقد أخذهم شيء من الدهش أول الأمر لما رأوا وما سمعوا، ~~ولكنهم ألفوا هذه الأشياء وهؤلاء الناس، ثم جعلوا يختارون مما رأوا من الأخلاق والسير وضروب ~~الحياة ما ms147 يستطيعون اختياره، مما يلائم أمزجتهم وطبائعهم وأذواقهم. # وجعلت نفوس تتغير تغيرا بطيئا أول الأمر، ولكنه جعل يسرع ويقوى كلما طالت إقامتهم في ~~هذه الآفاق، وقد رأوا حضارة راعتهم، وفنونا من الترف سحرت عيونهم، وألوانا من خفض العيش ~~ورقته لم تكن تخطر لهم على بال، وقد تعلقت نفوس كثير منهم بهذه الطرائف التي رأوها، وتمنت ~~ضمائرهم - شاعرة بذلك أو غير شاعرة به - أن تأخذ من هذه الحياة أطرافا، وأثر هذا كله في ~~نظرها إلى الأشياء وحكمها عليها وتقديرها لقيم الحياة. # وقد بهرهم أول ما بهرهم جلال الملك الذي أزالوه في بلاد الفرس، والذي نقصوه من أطرافه في ~~بلاد الروم، وقارن الأذكياء وأصحاب المطامع منهم بين ما أقبلوا عليه من ذلك وما تركوا ~~وراءهم في المدينة أو في غيرها من حضر البلاد العربية وباديتها، فأكبروا هذا الجديد وصغر ~~قديمهم في أنفسهم، واستحيا أكثرهم من إظهار ذلك، فتناجت به ضمائرهم، وهوت إليه قلوبهم، ~~وجعلوا ينظرون إلى من وراءهم من أولئك الشيوخ أصحاب النبي في كثير من الإجلال والإكبار، ~~ولكن في كثير من الرفق والرثاء أيضا يجلونهم ويكبرونهم لمكانهم من النبي وسابقتهم في ~~الدين ويرفقون بهم ويرثون لهم لأنهم يمثلون جيلا قديما قد انقضت أيامه أو أوشكت أن ~~تنقضي. # وكان الذين يعودون منهم إلى المدينة يلقون عمر فيتكلفون التجمل بسيرته ويحتالون في ألا ~~يظهر على دقائق أمرهم وحقائقه، يلقونه مظهرين الشظف وغلظة الحياة وخشونة العيش ليرضى عنهم ~~ويطمئن إليهم، فإذا خلوا إلى أنفسهم أو خلا بعضهم إلى بعض أخذوا بما ألفوا من لين الحياة، ~~وأشفقوا على عمر من حياته الخشنة تلك، في كثير من الإكبار له والإعجاب به. # فلما كانت خلافة عثمان خفت عليهم مئونة هذا التكلف، فلم يكن عثمان يحب الشظف ولا خشونة ~~العيش، فأظهروا من أمرهم ما كانوا يكتمون، ورقت الحياة في المدينة نفسها حتى دخلها الترف ~~واستقر فيها، وحتى جعلت الدور والقصور ترتفع في المدينة وما حولها، وحتى جعل الشباب يقبلون ~~على ألوان من اللعب لم يكن للعرب عهد بها من ms148 قبل، وحتى اضطر عثمان نفسه - على إسماحه ~~وإيثاره للدعة - إلى أن يقاوم هذه الألوان من الفتنة المجلوبة التي جعلت تسلك سبيلها إلى ~~النفوس. # ثم رأى العرب جماعة من شيوخ الصحابة وأصحاب السابقة والمكانة يستكثرون من المال ويقبلون ~~على شيء من اللين، فأقبلوا على ما أقبل عليه أئمتهم ومعلموهم، ثم جلب الفتح إلى الحجاز وإلى ~~بلاد العرب عامة أعدادا ضخمة من الرقيق، على اختلاف أجناسهم وعلى اختلاف طبقاتهم، في ~~حياتهم القديمة التي كانوا يحيونها في بلادهم قبل الفتح، فلم يترك هؤلاء الرقيق من الرجال ~~والنساء أخلاقهم وطباعهم وأمزجتهم وراءهم عند حدود البلاد العربية، وإنما حملوها معهم ~~وأظهروا سادتهم على كثير منها، ثم أغروا سادتهم بكثير منها، فلم يجدوا من سادتهم مقاومة ولا ~~امتناعا، وإنما وجدوا استجابة وإقبالا، فافتنوا فيما أحب سادتهم من هذا كله. # ثم لم يكن هذا كله مقصورا على الرقيق الذين حملوا إلى الأرض العربية، وإنما كان شاملا ~~كذلك للرقيق الذين استقروا مع سادتهم في الأقطار المفتوحة، وكل هذا جدد النفس العربية ~~تجديدا يوشك أن يكون تاما، وباعد بينها وبين الحياة الخشنة القديمة أشد المباعدة. # فلما قتل عثمان وأقبل الخليفة الرابع يريد أن يحملهم على الجادة، وأن يردهم إلى السيرة ~~التي ألفها المسلمون أيام النبي والشيخين، لم ينشطوا لذلك ولم يطمئنوا إليه، وإنما نظروا ~~فرأوا خليفة قديما يدبر جيلا جديدا، ويريد أن يدبره تدبيرا ينافر أشد المنافرة ما أحب ~~من حياة الخفض واللين. # ثم نظروا بعد ذلك فرأوا أميرا آخر قد أقام في الشام، وقد جدد نفسه مع هذا الجيل الجديد، ~~ثم لم يكتف بتجديد نفسه والملاءمة بينها وبين رعيته، إنما يغري رعيته بالتجديد ويعينها ~~عليه بالمال، ويحتج لذلك بما شاء الله من الحجج، فهو مقيم في بلاد مجاورة لبلاد الروم، وهو ~~يريد أن يلقي في روع الروم أنه ليس أقل منهم أبهة ولا أهون منهم شأنا ولا أرغب منهم عن ~~طيبات الحياة، وأن أصحابه يشبهونه في ذلك، ثم هو يحارب هؤلاء الروم فينبغي أن يحاربهم بمثل ~~أسلحتهم، ثم ms149 هو يحارب خصمه في العراق، فينبغي أن يكيد له ويغري به ويخذل عنه ويفرق الناس من ~~حوله، كل الوسائل إلى ذلك مستحبة، بل مفروضة لا ينبغي أن يتردد في اتخاذها. # وكذلك جعل معاوية ينفق المال ويتألف الرجال ويكيد للذين يمتنعون عليه، وكل هذه الظروف ~~مجتمعة كانت خليقة أن تقر في نفس علي أنه غريب في العصر الذي يعيش فيه، وبين هذا الجيل ~~الذي يريد أن يدبر أمره من الناس، وأن تلقي في روعه كذلك أنه يحاول أمرا ليس إلى تحقيقه من ~~سبيل. # هذا ابن عمه يخالف عنه إلى حيث يعيش ناعما رضي البال بمكة، وهؤلاء العمال يستخفون ~~بما يستأثرون به من المال إلا أقلهم، وهؤلاء الأشراف يتلقون المال من معاوية ويهيئون له ~~الأمر في العراق، وهؤلاء العامة يؤثرون العافية على الحرب وما تجلب من البلاء والهول، وعلي ~~بين هؤلاء جميعا يدعو فلا يجاب، ويأمر فلا يطاع، حتى يفسد عليه رأيه، وحتى يمل قومه ~~ويملوه، وحتى يسأل الله أن يبدله بهم خيرا منهم وأن يبدلهم به شرا منه، وحتى يتعجل أشقى ~~هذه الأمة الذي ألقى إليه أنه سيقتله، فيقول: ما يؤخر أشقاها؟ وحتى ينتظر القتل بين ساعة ~~وأخرى فيكثر التمثل بهذا الشعر: # اشدد حيازيمك للموت # فإن الموت لاقيكا # ولا تجزع من الموت # إذا حل بواديكا # وحتى يقول أثناء وضوئه بين حين وحين: لتخضبن هذه من هذه، مشيرا إلى لحيته وجبهته. # ولو قد أطاع علي ضميره الخفي لاستعفى أصحابه من بيعتهم، وأنفق ما بقي من أيامه يعبد الله ~~وينتظر الآخرة، ولكن هيهات! قد آمنت نفسه بالحق، وبأن القعود عن نصره جبن ومعصية، وليس هو ~~بالرجل الذي يسرع إليه اليأس أو يفشل عن حرب عدوه مهما تكن الظروف، ولذلك قال لأصحابه حين ~~ضاق بتخاذلهم وعصيانهم: «لتنهضن معي لقتال أهل الشام أو لأمضين لقتالهم مع من يتبعني مهما ~~يكن عددهم قليلا.» # كانت ظروف الحياة الجديدة كلها إذن مواتية لمعاوية منافرة لعلي، ولكنها على ذلك لم تضعف ~~عليا عن الحق ولم تخرجه عن طوره في ms150 يوم من الأيام، فاحتفظ بمزاجه معتدلا، وبسيرته ~~مستقيمة في جميع أطواره وأيامه. # وكان بينه وبين معاوية اختلاف آخر يغري الناس به ويجمعهم لخصمه، كان يدبر أمور أصحابه عن ~~ملأ منهم، لا يستبد من دونهم بشيء، وإنما يستشيرهم في الجليل والخطير من أمره، وكان يرى لهم ~~الرأي فيأبونه ويمتنعون عليه ويضطرونه إلى أن ينفذ رأيهم هم ويحتفظ برأيه لنفسه، وكان ذلك ~~يغريهم به ويطمعهم فيه. # ولم يكن معاوية يعطي أصحابه بعض هذا الذي كان يعطيهم علي، لم يكن يستشيرهم، وإنما كان له ~~المشيرون من خاصته الأدنين، فكان إذا أمر أطاعه أهل الشام دون أن يجمجموا فضلا عن أن ~~يجادلوا، ثم كان معاوية يحتفظ بسره كله لا يظهر عليه إلا من أراد أن يظهره عليه من خاصته، ~~وكانت أمور علي كلها تدبر وتبرم على ملأ من الناس، لا تخفى على أصحابه من أمره خافية ~~مهما يكن خطرها. # كان علي يدبر خلافة وكان معاوية يدبر ملكا، وكان عصر الخلافة قد انقضى وكان عصر الملك قد ~~أظل. # | الفصل الأربعون # وبينما كان علي يجاهد حياته المرة تلك، ويجاهد أصحابه ليحملهم على النهوض معه إلى حرب ~~الشام، ويبعث البعوث لرد غارات معاوية على أطرافه في العراق والحجاز واليمن، ويجاهد الخوارج ~~الذين يجاهرونه بالعداء وينشرون الروع في الناس، ويلين للخوارج الذين كانوا يعيشون معه في ~~الكوفة يتربصون الفرص للخروج، ويجاهد عماله ليأخذهم بالأمانة في أعمالهم، بينما كان علي في ~~هذا كله، كان ناس من الخوارج يشهدون الموسم ويرون اختلاف الحجيج من أصحاب علي ومعاوية، كل ~~يأبى أن يصلي بصلاة أمير خصمه، حتى اختار الناس رجلا ليس بالأمير لهذا أو ذاك ليقيم للناس ~~صلاتهم. # فضاق هؤلاء النفر من الخوارج بما رأوا، وذكروا مصارع إخوانهم الذين قتلوا في النهروان، ~~وفيما كان بينهم وبين علي وأصحابه من المواقع الأخرى، وائتمروا أن يريحوا الأمة من هذا ~~الاختلاف الذي تشقى به، وأن يقتلوا هؤلاء الثلاثة الذين هم أصل هذا الاختلاف: عليا ~~ومعاوية وعمرو بن العاص، من جهة، وأن يثأروا لإخوانهم بقتل علي ms151 من جهة أخرى. # فانتدب أحدهم عبد الرحمن بن ملجم الحميري، حليف مراد لقتل علي، وانتدب الحجاج بن عبد ~~الله الصريمي، من تميم لقتل معاوية، وانتدب عمرو بن بكر أو ابن بكير التميمي صليبة أو ~~بالولاء لقتل عمرو بن العاص، واتفقوا على يوم بعينه ينفذون فيه ما صمموا عليه، وأقتوا ~~ساعة لاغتيال هؤلاء الثلاثة، وهي ساعة الخروج لصلاة الصبح من اليوم السابع عشر من شهر رمضان ~~لعامهم ذاك سنة أربعين. # وأقاموا في مكة أشهرا ثم اعتمروا في رجب ثم تفرقوا، مضى كل واحد منهم لينفذ نصيبه من هذه ~~الخطة. # فأما صاحب معاوية فعرض له في الساعة الموقوتة من اليوم الموقوت فلم يبلغ منه شيئا لأنه ~~كان دارعا، فيما يقول بعض المؤرخين، أو لأنه لم يصب منه مقتلا، فيما يقول بعضهم الآخر، ~~ولكنه هو أصاب حتفه. # وأما صاحب عمرو فعرض له في الساعة الموقوتة كذلك ولكنه لم يصبه؛ لأن عمرا لم يخرج للصلاة ~~في ذلك اليوم، منعته العلة، فأناب صاحب شرطته خارجة بن حذافة العدوي وأصابه السيف فقتله، ~~وقتل عمرو بعد ذلك هذا المغتال الذي أراد عمرا فأراد الله خارجة. # وأما عبد الرحمن بن ملجم فأقام في الكوفة يرقب يوم الموعد وساعته، ثم أقبل من آخر الليل ~~ومعه رفيق له استعانه على ما أراد، فانتظرا خروج علي للصلاة، فلما خرج تلقياه بسيفيهما وهو ~~يدعو الناس لصلاتهم، فأصابه سيف ابن ملجم في جبهته حتى بلغ دماغه، ووقع سيف صاحبه في جدار ~~البيت، وخر علي حين أصابته الضربة وهو يقول: لا يفوتنكم الرجل. # وقد أخذ عبد الرحمن بن ملجم وقتل صاحبه وهو يحاول الفرار، وحمل علي إلى داخل داره، ~~فأقام فيها يومين وليلة بينهما، ثم مات في ليلة اليوم الثاني. # ويروي المؤرخون أن قاتل علي لقيه بالسيف وهو يقول: الحكم لله يا علي لا لك. وعلي نفسه ~~يقول: الصلاة عباد الله. # ويروي المؤرخون كذلك أن عليا أمر من حوله أن يحسنوا طعام ابن ملجم ويكرموا مثواه، فإن ~~برئ من ضربته نظر، فإما عفا وإما ms152 اقتص، وأمرهم إن مات أن يلحقوه به ولا يعتدوا؛ إن الله لا ~~يحب المعتدين. # ويروي المؤرخون كذلك أن آخر كلام سمع من علي قبل أن يموت هو قول الله عز وجل: # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن ~~يعمل مثقال ذرة شرا يره # ويزعم الرواة من أصحاب الجماعة أن ~~عليا لم يستخلف على المسلمين أحدا، وأنه سئل عن رأيه في بيعة الحسن ابنه بعده، فقال: لا ~~آمركم ولا أنهاكم. # ويزعم الشيعة أنه أوصى بالخلافة للحسن نصا، وهذا خلاف يطول القول فيه وليس من شأننا أن ~~نعرض له. # والشيء المحقق هو أن ولاة الدم لم ينفذوا وصية علي في أمر قاتله، فهو قد أمرهم أن يلحقوه ~~به ولا يعتدوا، ولكنهم مثلوا به أشنع تمثيل، فلما مات حرقوه بالنار. # والرواة يختلفون بعد ذلك في قبر علي، يقولون: إنه دفن في الرحبة بالكوفة، وعمي قبره ~~حتى لا ينبشه الخوارج، وقوم يقولون: إن الحسين نقله بعد ذلك إلى المدينة فدفنه إلى جانب ~~فاطمة زوجه، والغلاة من خصوم الشيعة يزعمون أنه نقل إلى الحجاز في تابوت وضع على بعير، ~~ولكن ناقليه أضلوا بعيرهم ذاك، فأخذه جماعة من الأعراب ظنوا أن عليه مالا في ذلك التابوت، ~~فلما رأوا أن فيه جثة قتيل دفنوه في مكان مجهول من الصحراء. # والكلام في هذه الروايات المختلفة لا ينقضي وليس فيه طائل أو غناء. # وقد انتهى النبأ بموت علي إلى أهل المدينة، وبلغ عائشة فتمثلت قول الشاعر: # وألقت عصاها واستقرت بها النوى # كما قر عينا بالإياب المسافر # كأنها أرادت أن تقول: إن عليا قد أراح بموته واستراح، وليس من شك في أنه استراح بموته ~~من شقاء كثير، ولكن الشك كل الشك في أنه أراح، بل اليقين كل اليقين هو أن موت علي رحمه الله ~~لم يرح أحدا، وإنما أورث المسلمين عناء وخلافا لم ينقضيا بعد، وما أرى أنهما سينقضيان ~~قبل وقت يعلم الله وحده أيقصر أم يطول. # | الفصل الحادي والأربعون # وإلى هنا ينقضي حديث التاريخ عن علي رحمه الله، ويبدأ ms153 حديث القصاص وأصحاب السير ~~والأساطير، وقد ذهب هؤلاء جميعا كل مذهب فيما أرادوا إليه من التعظيم والتفخيم ومن التهويل ~~والتأويل، وخلطوا كل ذلك بالتاريخ خلطا عجيبا، حتى أصبح من أعسر العسر أن يخلص المؤرخ ~~إلى الحق الواضح في أيسر الأمور من كل ما يتصل بشأن من شئون علي، فهم لم يكتبوا حديث علي ~~متجردين فيه من شهوات القلوب ونزوات النفوس، ولا متبرئين من الهوى الذي يفسد الرأي، ولا من ~~عبث الخبال الذي يخفي حقائق التاريخ. # منهم من أحب عليا في غير قصد فأفسد الحب عليه أمره كله، وقال بما أوحى إليه خياله لا ~~بما صح لعقله من الحوادث والأخبار، ومنهم من أبغض عليا وأسرف في بغضه فأفسد البغض عليه ~~أمره، وصور فيما كتب أو روى ما أوحى إليه الحقد وأملى عليه الخيال المضطغن، لا ما ألقى ~~إليه الثقات من حقائق التاريخ، منهم العراقي الذي لا يحب عليا وحده وإنما يتعصب لأهل ~~العراق عامة، ويتوخى في كل ما يكتب ويروي أن يكون لأهل العراق الفضل المحقق على أهل الشام ~~في كل قول وفي كل عمل وفي كل مشهد من المشاهد، ومنهم الشامي الذي لا يبغض عليا فحسب، ~~ولكنه يتعصب لأهل الشام ويرى لهم الفضل كل الفضل والتفوق كل التفوق. # وقد أسرف أهل الشام حين انتهت الأحداث باستقامة الأمر لمعاوية وخلفائه من الأمويين، وإن ~~كان إسراف أهل الشام لم يكد يبقى لنا منه شيء بعد أن تغير مجرى التاريخ وانتقل السلطان إلى ~~الهاشميين. # وأسرف أهل العراق بأخرة حين انتقل السلطان إلى بني العباس فلونوا التاريخ بما يلائم ~~أهواء السلطان الجديد. # فإذا أضفت إلى هذا كله أن أهل الشام وأهل العراق عرب لم يبرءوا قط من العصبية الجاهلية، ~~لم تجد بدا من أن تقدر تأثير هذه العصبية في وصف ما كان للقبائل من بلاء في الحرب وموقف ~~في السلم، كل قبيلة تريد أن تؤثر نفسها بأعظم حظ ممكن من الفضل والسابقة. # ثم إذا أضفت إلى هذا أيضا أن أولئك وهؤلاء لم يستطيعوا في ms154 تلك العصور أن يفرقوا بين ~~السياسة والدين، وإنما رأى أهل العراق أنهم يحبون عليا في الله، فحبه دين، وأنهم شاركوا ~~في الثورة بعثمان في سبيل الله أيضا، فأرضوا الله بثورتهم، وأرضوه بقتل ذلك الخليفة الذي ~~لم يجر أمور الخلافة في رأيهم كما كان ينبغي أن تجري. # وأهل الشام يبغضون عليا في الله لأنه - فيما زعم لهم قادتهم - قد شارك في قتل الخليفة ~~المعصوم، فأحل ما حرم الله من هذا الدم الحرام في الشهر الحرام والبلد الحرام، وأبى - على ~~أقل تقدير - أن يسلم قتلة عثمان إلى ولي دمه، فحمى العصاة المجرمين. # أقول: إذا أضفت هذا كله عرفت أن التاريخ لم يبرأ في أمر هذه الفتنة من أثر العواطف ~~الجامحة التي تسدل دون الحق أستارا أي أستار: عواطف العصبية للوطن والعصبية للقبيلة، ~~وعواطف الدين، ثم عاطفة الطمع الذي يغري بالتقرب إلى الخلفاء والرغبة فيما عندهم، واتخاذ ~~القصص والتكثر والكذب على التاريخ وسيلة إلى رضى السلطان وطريقا إلى أخذ ما عنده من ~~المال. # والأمور تتعقد بعد هذا تعقدا عجيبا ولكن أمره ليس عسيرا ولا مشكلا، فقد امتحن أهل ~~العراق بعد موت علي رحمه الله أشد امتحان وأقساه، عارضوا خلفاء بني أمية، فأرسل إليهم هؤلاء ~~الخلفاء من يقمع معارضتهم أعنف أنواع القمع وأغلظها، فكانوا إذن مضطهدين. # وليس شيء يدعو إلى التكثر والاختراع أكثر من الاضطهاد الذي يملأ القلوب روعا وفرقا، ~~ويشيع في النفوس بعد ذلك من البغض والحقد والضغينة ما ينطق الألسنة ويجري الأقلام بالشكاة ~~المرة والأحاديث التي ليس بينها وبين الحق صلة أو سبب. # وامتحن أهل الشام حين انتقل السلطان إلى العباسيين أشق امتحان وأمضه، فساروا سيرة أهل ~~العراق من قبل، وكذلك نسجت كل هذه الأستار الكثاف التي ألقيت بيننا وبين حقائق التاريخ، ~~فجعلت مهمة المؤرخ الصادق من أعسر المهمات عسرا وأقساها قسوة. # وما رأيك في قوم قعدوا عن نصر علي بعد صفين حتى بغضوا إليه الحياة وأرهقوه من أمره ~~عسرا؟! فلما فارقهم وفارقتهم بموته سماحة الخلافة ولين العيش، كلفوا بذلك الذي قعدوا ms155 على ~~نصره أشد الكلف، وهاموا في حبه أعظم الهيام، وقالوا في تعظيمه وإجلاله أعظم القول، وغلا ~~بعضهم في ذلك بأخرة حتى رأوا في علي عنصرا من الألوهية يرفعه فوق غيره من الناس! # وما رأيك في قوم آخرين يرون من أهل العراق هذا كله، ويرون منهم إسرافهم فيما يضيفون إلى ~~علي من الخصال، وتجاوزهم القصد في كل ذلك؟! فلا يكتفون منهم بما يسمعون عنهم أو بما يرون من ~~سيرتهم، وإنما يضيفون إليهم أكثر مما قالوا وأكثر مما فعلوا، ثم لا يكتفون بذلك وإنما ~~يحملون هذا كله على علي نفسه وعلى معاصريه، فيتحدثون بأن قوما من أهل الكوفة ألهوا ~~عليا وأعلنوا إليه ذلك، ثم يزعم الصالحون المصلحون - الذين يحسنون الظن بعلي كما يحسنون ~~الظن بغيره من أصحاب النبي - أن عليا ضاق بهذا التأليه وحرق القائلين به ~~تحريقا. # والغريب أن هذا التأليه استمر بعد موت علي وبعد تحريقه من حرق من مؤلهته، كأن هؤلاء ~~الناس من شيعة علي قد ألهوه على رغمه وعلى علم منهم بأنه ينكر ذلك ويبغضه ويعاقب عليه ~~بالتحريق. # ثم يغلو خصوم الشيعة فيزعمون أن الذين حرقهم علي بالنار قد ازدادوا تأليها له حين رأوا ~~النار ورأوا أنهم يدفعون إليها ويلقون فيها، فقال قائلهم: لا جرم، لا يعذب بالنار إلا ~~خالق النار! # وكل هذا خلط من الخلط ومراء من المراء، وتكثر دعا إليه الإغراق في اللجاج والغلو في ~~الخصومة والإسراف في هذا البغض المعقد، والأمر بين علي وأصحابه أيسر من هذا كله يسرا، ~~وأهون من كل هذا التكلف والإغراق، فقد حمل علي أصحابه كما رأيت على ما حملهم عليه من تلك ~~الحروب المبيرة غير المغنية، وأفسد معاوية عليه رؤساء أصحابه بالمال والكيد فقعدوا عن نصره ~~وفشلوا عن حقه وحقهم، وتنبأ لهم علي بأن قعودهم هذا سيجر عليهم الشر كل الشر وسيورطهم في ~~النكر الذي لا حد له، فلم يسمعوا له حين قال، ولم يستجيبوا له حين دعا، فلما قتل واستقامت ~~أمور العراق لمعاوية وخلفائه من بني أمية صحت لأهل العراق ms156 نذر علي كلها، وتحققت فيهم ~~نبوءته لهم، فسامهم ولاة الأمويين الخسف كل الخسف، وحملوهم على أشد ما كانوا يكرهون، ~~وامتحنوهم في أموالهم وأنفسهم وفي سرهم وعلانيتهم، وفي كل دينهم ودنياهم، فذكروا أيام علي ~~وندموا على ما فرطوا في جنبه وما قصروا في ذاته، فدفعوا إلى ما دفعوا إليه من الغلو في ~~حب علي والإسراف في الهيام به، والافتنان في تكبيره وتعظيمه، يرون في ذلك كله عزاء عما ~~قدموا إليه من الإساءة إليه أثناء حياته. # وقد رأيت أن حياة علي في العراق قد كانت محنة كلها، فإذا علمت أن عليا نفسه كان يرى أن ~~حياته في الحجاز بعد وفاة النبي # صلى الله عليه وسلم # قد كانت محنة أيضا؛ لأنه كان يرى نفسه أحق ~~بالخلافة، فامتحن بصرف الخلافة عنه إلى الخلفاء الثلاثة الذين سبقوه، وقد صبر على محنته ~~تلك فأجمل الصبر، وأطاع الخلفاء الثلاثة فأحسن الطاعة، ونصح لهم فأبلغ في النصح، فلما ارتقى ~~إلى الخلافة أو ارتقت الخلافة إليه لم يجن منها إلا شرا، وإلا شرا كان يزيد ويتضاعف ~~كلما تتابعت أيامه في العراق، حتى كاد ينتهي به إلى اليأس، لولا أنه أجمل الصبر في العراق، ~~كما أجمل الصبر في الحجاز. # فقد امتحن إذن أشد الامتحان وأعسره ثلاثين عاما من حياته، ثم انتهى آخر الأمر إلى أن ~~قتل أثناء خروجه للصلاة، لم يقتله عبد أعجمي مأسور، وإنما قتله حر عربي عن ائتمار بينه ~~وبين قوم مثله أحرار عرب، فميتته كانت أشق وأشنع من ميتة عمر. # ثم امتحن بنوه من بعده كما سترى، وامتحن أهل العراق بعد موته كما سترى أيضا، فأي ~~غرابة في أن تقسو كل هذه المحن الجسام المتتابعة على أهل العراق ومن إليهم؟! فيرون في علي ~~وبنيه غير ما يرى منهم سائر الناس، ويرفعونهم من أجل هذه المحن نفسها إلى هذه المكانة ~~الممتازة التي رفعوهم إليها، ويغلو غلاتهم بعد ذلك، وبعد أن عرفوا من أمر اليهود والنصارى ~~ما عرفوا، وبعد أن عرفوا كذلك من أمر الفرس ما عرفوا، فيضيفون إليه ms157 وإلى بنيه من خصال ~~التقديس ما لا يضاف عادة إلى الناس، وخصومهم واقفون لهم بالمرصاد يحصون عليهم كل ما يقولون ~~ويفعلون، ويضيفون إليهم أكثر مما قالوا وما فعلوا، ويحملون عليهم الأعاجيب من الأقوال ~~والأفعال. # ثم يتقدم الزمان وتكثر المقالات ويذهب أصحاب المقالات في الجدال كل مذهب، فيزداد الأمر ~~تعقدا وإشكالا، ثم تختلط الأمور بعد أن يبعد عهد الناس بالأحداث، ويتجاوز الجدال خاصة ~~الناس إلى عامتهم، ويتجاوز الذين يحسنونه إلى الذين لا يحسنونه، ويخوض فيه الذين يعلمون ~~والذين لا يعلمون، فيبلغ الأمر أقصى ما كان يمكن أن يبلغ من الإبهام والإظلام، وتصبح الأمة ~~في فتنة عمياء لا يهتدي فيها إلى الحق إلا الأقلون. # والشيء الذي ليس فيه شك - فيما أعتقد - هو أن الشيعة - بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة - عند ~~الفقهاء والمتكلمين ومؤرخي الفرق لم توجد في حياة علي وإنما وجدت بعد موته بزمن غير ~~طويل. # وإنما كان معنى كلمة الشيعة أيام علي هو نفس معناها اللغوي القديم الذي جاء في القرآن في ~~قول الله عز وجل من سورة القصص: # ودخل المدينة على حين ~~غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من ~~شيعته وهذا من عدوه فاستغاثه الذي من شيعته على ~~الذي من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه # الآية. وفي قول ~~الله عز وجل من سورة الصافات: # وإن من شيعته ~~لإبراهيم # فالشيعة في هاتين الآيتين وغيرهما من الآيات معناها: الفرقة من ~~الأتباع والأنصار الذين يوافقون على الرأي والمنهج ويشاركون فيهما، والرجل الذي كان من شيعة ~~موسى كان رجلا من بني إسرائيل، والرجل الذي كان من عدو موسى كان رجلا من المصريين. # بذلك قال المفسرون القدماء الذين تلقوا التفسير عن الفقهاء من أصحاب النبي، وإبراهيم كان ~~من شيعة نوح؛ أي على سنته ومنهاجه، يرى رأيه ويدين بدينه، كما قال هؤلاء المفسرون أيضا، ~~فشيعة علي أثناء خلافته هم أصحابه الذين بايعوه واتبعوا رأيه، سواء منهم من قاتل معه ومن لم ~~يقاتل. # ولم يكن لفظ الشيعة أيام علي مقصورا على أصحابه وحدهم، وإنما كان لمعاوية ms158 شيعته أيضا، ~~وهم الذين اتبعوه من أهل الشام وغيرهم من الذين كانوا يرون المطالبة بدم عثمان والحرب في ~~ذلك حتى يقام الحد على قاتليه، وليس أدل على ذلك من نص الصحيفة التي كتبت للتحكيم بعد ~~رفع المصاحف في صفين، فقد جاء في هذه الصحيفة: «هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ~~ومعاوية بن أبي سفيان، قاضى علي على أهل العراق ومن كان من شيعتهم من المؤمنين والمسلمين، ~~وقاضى معاوية على أهل الشام ومن كان من شيعتهم من المؤمنين والمسلمين.» # فلفظ الشيعة هنا لا يضاف إلى علي ومعاوية كما ترى، وإنما يضاف إلى أهل العراق وأهل الشام، ~~يريد كاتب الصحيفة أن يذكر من يناصر عليا وأهل العراق من المؤمنين والمسلمين في البلاد ~~الإسلامية كلها، ومن يناصر معاوية وأهل الشام من المؤمنين والمسلمين في البلاد الإسلامية ~~كلها أيضا، ومعنى ذلك أن الصحيفة تلزم الفريقين المختصمين بما فيها، ولا تلزم هذه الفئة ~~القليلة من المعتزلة الذين أبوا أن يشاركوا في الفتنة من قريب أو بعيد. # لم يكن للشيعة إذن معناها المعروف عند الفقهاء والمتكلمين منذ أيام علي، وإنما كان لفظا ~~كغيره من الألفاظ يدل على معناه اللغوي القريب، ويستعمل في هذا المعنى بالقياس إلى ~~الخصمين جميعا، ولست أعرف نصا قديما أضاف لفظ الشيعة إلى علي قبل وقوع الفتنة، فلم يكن ~~لعلي قبل وقوع الفتنة شيعة ظاهرون ممتازون من غيرهم من الأمة. # والرواة يحدثوننا بأن العباس أراد عليا على أن يبسط يده ليبايعه، فأبى علي أن يحدث ~~الفرقة بين المسلمين. # والرواة يحدثوننا أيضا ويحدثنا علي نفسه في بعض كتبه إلى معاوية بأن أبا سفيان أراد ~~عليا على أن ينصب نفسه للخلافة حتى لا يخرج الأمر من بني عبد مناف، فأبى علي ذلك عليه كما ~~أباه على عمه العباس، ولكن أحدا لم يقل إن العباس كان شيعة لعلي، ولا إن أبا سفيان كان ~~شيعة لعلي أيضا، وإنما عرض لهما هذا الرأي، فلما لم يستجب لهما علي بايعا أبا بكر ودخلا ~~فيما دخل فيه الناس ms159 ، كما فعل علي نفسه مع الخلفاء الثلاثة الذين سبقوه. # ويحدثنا الرواة كذلك أن المقداد بن الأسود وعمار بن ياسر، وربما ذكر سلمان الفارسي، ~~أظهروا الدعوة لعلي أثناء الشورى حتى خاف بعض أهل الشورى تفرق الناس، فطلب إلى عبد الرحمن ~~بن عوف أن يتعجل القضاء في الأمر، فلما بايع عبد الرحمن عثمان دخل المقداد وعمار فيما دخل ~~فيه الناس، كما فعل علي نفسه، ولم يقل أحد في ذلك الوقت إن المقداد أو عمارا كان شيعة ~~لعلي، وإنما رأيا رأيا، ثم انصرفا عنه ليكونا مع جماعة المسلمين. # ومعنى هذا كله أن عليا لم تكن له شيعة ممتازة من الأمة قبل الفتنة، ولم تكن له شيعة ~~بالمعنى الذي يعرفه الفقهاء والمتكلمون أثناء خلافته، وإنما كان له أنصار وأتباع، وكانت ~~كثرة المسلمين كلها له أنصارا وأتباعا، حتى كانت موقعة صفين، وحتى افتتح معاوية مصر، وحتى ~~جعل معاوية يغير على أطراف علي في العراق والحجاز واليمن. # وقد قتل علي وليس له حزب منظم ولا شيعة مميزة، بل لم ينظم الحزب العلوي ولم توجد ~~الشيعة المميزة إلا بعد أن تم اجتماع الأمر لمعاوية وبايعه الحسن بن علي كما سترى. # | الفصل الثاني والأربعون # وكان الحسن رجل صدق قد كره الفرقة وآثر اجتماع الكلمة وخاض غمرات الفتنة، على كره منه ~~في أكبر الظن، قاوم الفتنة ما وسعته مقاومتها أيام عثمان فلم يخض فيما خاض الناس فيه من ~~حديثها، ولم يشارك في المعارضة حين عظم الشر، وكان من الذين أسرعوا إلى دار عثمان فقاموا ~~دون الخليفة يريدون حمايته، ولكن الخليفة قتل على رغم ذلك؛ لأن خصمه تسوروا عليه الدار، ~~ولم يكن الحسن يرى أن يشترك أبوه في شيء من أمر الفتنة من قرب أو من بعد، وإنما أشار عليه ~~أن يعتزل الناس وأن يترك المدينة فيقيم في ماله بينبع، فلم يسمع علي له، وإنما رأى أن مكانه ~~في المدينة حيث يستطيع أن يأمر بمعروف أو ينهى عن منكر أو يصلح بين الناس. # فلما قتل عثمان لم ير الحسن لأبيه ms160 أن يقيم في المدينة ولا أن يتعرض للبيعة ولا أن ~~يقبلها وإن عرضت عليه، ولو استطاع الحسن لاعتزل الفتنة اعتزالا كما فعلت تلك المعتزلة من ~~أصحاب النبي، ولكن عرف لأبيه حقه عليه، فأقام معه وشهد مشاهده كلها، على غير حب لذلك أو ~~رغبة منه فيه. # ثم لم يكن الحسن يرى لأبيه أن يترك مهاجره في المدينة، وأن يرحل إلى العراق للقاء طلحة ~~والزبير وعائشة، وإنما كان يؤثر له أن يبقى في مهاجره مجاورا للنبي، ويكره له أن يذهب إلى ~~دار غربة ويتعرض للموت بمضيعة، وكان أبوه يعصيه في كل ما كان يشير عليه من ذلك، حتى بكى ~~الحسن ذات يوم حين رأى ركاب أبيه تؤم العراق، فقال له أبوه: إنك لتحن حنين الجارية. # ولم يفارق الحسن حزنه على عثمان، فكان عثمانيا بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة، إلا أنه لم ~~يسل سيفا للثأر بعثمان؛ لأنه لم ير ذلك حقا له، وربما غلا في عثمانيته حتى قال لأبيه ~~ذات يوم ما لا يحب. # فقد روى الرواة أن عليا مر بابنه الحسن وهو يتوضأ، فقال له: أسبغ الوضوء. فأجابه الحسن ~~بهذه الكلمة المرة: «لقد قتلتم بالأمس رجلا كان يسبغ الوضوء.» فلم يزد علي على أن قال: ~~لقد أطال الله حزنك على عثمان. # وقد شهد الحسن مع أبيه مشاهده في البصرة وصفين والنهروان، وأكاد أعتقد مع ذلك أنه وأخاه ~~الحسين قد شهدا هذه الحروب دون أن يشاركا فيها، بل نحن نعلم أن أباهما كان يضن بهما على ~~الخطر مخافة أن يصيبهما شر فتنقطع ذرية النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، كان يقيهما بنفسه وبأخيهما محمد ابن ~~الحنفية، وكان يشتد على محمد هذا ويعنف به إن رأى منه في الحرب أناة أو تقصيرا حتى كلمه ~~في ذلك بعض أصحابه. # فقد كان علي إذن أشد الناس إيثارا للحسن والحسين لمكانهما من النبي، وكان أصحابه يصنعون ~~صنيعه في ذلك فيؤثرونهما بالخير والبر. # ويروى أن رجلا أهدى إلى الحسن والحسين وترك محمدا فلم يهد إليه شيئا، فلما رأى علي ~~ذلك ms161 من الرجل وضع يده على كتف محمد، وتمثل: # وما شر الثلاثة أم عمرو # بصاحبك الذي لا تصبحينا # فذهب الرجل فأهدى إلى محمد كما أهدى إلى أخويه. # كان الحسن إذن كارها للفتنة منذ ثارت، وقد روى الثقات من أصحاب الحديث أن النبي أخذ ~~الحسن وهو صبي فأجلسه إلى جانبه على المنبر، وجعل ينظر إليه مرة، وينظر إلى الناس مرة أخرى، ~~يفعل ذلك مرارا، ثم قال: «إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين كبيرتين من ~~المسلمين.» فإذا صح هذا الحديث - وأكبر الظن أنه صحيح - فقد وقع هذا الحديث من نفس الصبي ~~موقعا أي موقع، وكأنه ذكره حين ثارت الفتنة، وكأنه حاول بمشورته على أبيه في مواطنه تلك ~~التي ذكرتها آنفا أن يصلح بين هاتين الفئتين من المسلمين فيحقق نبوة جده # صلى الله عليه وسلم ~~. # وكأن بكاءه حين بكى لم يكن رفقا بأبيه وإشفاقا عليه فحسب، وإنما كان إلى ذلك حزنا لأنه ~~لم يحقق ما توسم به جده فيه. # والمسلمون يختلفون كما حدثتك من قبل، فأما المؤرخون والمحدثون من أهل السنة فينبئوننا بأن ~~عليا أبى أن يستخلف حين طلب إليه ذلك بعد أن أصيب. # يقول قوم: إن الناس طلبوا إليه أن يستخلف الحسن، فقال: لا آمركم ولا أنهاكم. ويقول قوم ~~آخرون: إن الناس طلبوا إليه أن يستخلف، فأبى وقال: أترككم كما ترككم رسول الله. # وأما الشيعة فيزعمون أن عليا استخلف الحسن نصا، ومهما يكن من شيء فلم يعرض الحسن نفسه ~~على الناس، ولم يتعرض لبيعتهم، وإنما دعا إلى هذه البيعة قيس بن سعد بن عبادة، فبكى الناس ~~واستجابوا وأخرج الحسن فأجلس للبيعة، وطفق - كما يقول الزهري - يشترط على الناس أن يسمعوا ~~ويطيعوا، ويحاربوا من حارب ويسالموا من سالم، فلما سمع الناس منه تكراره لأمر السلم ارتابوا ~~وظنوا أنه يريد الصلح، وقال بعضهم لبعض: ليس هذا لكم بصاحب وإنما هو صاحب صلح. # وقد مكث الحسن بعد البيعة شهرين أو قريبا من شهرين لا يذكر الحرب ولا يظهر استعدادا ~~لها، حتى ms162 ألح عليه قيس بن سعد وعبيد الله بن عباس، وكتب إليه عبد الله بن عباس من مكة يحرضه ~~على الحرب، ويلح عليه في أن ينهض فيما كان ينهض فيه أبوه، فنهض للحرب وقدم بين يديه اثني ~~عشر ألفا من الجند، جعل عليهم قيس بن سعد، وجعل معه عبيد الله بن عباس. وقوم يقولون إنه ~~جعل على هذا الجند ابن عمه، وأمره أن يستشير قيس بن سعد وسعيد بن قيس الهمداني ولا يخالف عن ~~رأيهما. # فمضى الجند وخرج الحسن في إثرهم في عدد ضخم من أهل العراق، وكأنه خرج يظهر لهم الحرب ~~ويدبر أمر الصلح فيما بينه وبين خاصته، حتى إذا بلغ المدائن تسامع الجيش ببعض ذلك؛ فاضطرب ~~الناس وماج بعضهم في بعض، واقتحموا على الحسن فسطاطه وعنفوا به عنفا شديدا حتى انتهبوا ~~متاعه، فخرج الحسن يريد المدائن، وطعنه رجل فلم يصب منه مقتلا، يقول بعض المؤرخين: إن هذا ~~الرجل كان من أصحابه. ويقول بعضهم الآخر: إنه كان من الخوارج، وأنه قال للحسن وهو يهم به: ~~أشركت كما أشرك أبوك! # وقد أقام الحسن في المدائن حتى برئ من جرحه، وتعجل السلم في أثناء ذلك، ثم رجع إلى الكوفة ~~فاستقبل فيها سفراء معاوية الذين أعطوه كل ما أراد، أعطوه الأمان له ولأصحابه كافة، وأعطوه ~~خمسة ملايين من الدراهم كانت في بيت المال بالكوفة، وأعطوه خراج كورتين من كور البصرة ما ~~عاش. # وبينما كان الحسن يفاوض في الصلح كان عبيد الله بن عباس يتعجل السلم لنفسه ويترك جيشه إلى ~~معاوية دون أن يستخلف عليه أحدا، رشاه معاوية بالمال، فلم يستطع أن يعصي المال، وكذلك ~~انحرف عبد الله بن عباس عن علي، وانحرف عبيد الله بن عباس عن الحسن، كلاهما ينحرف عن صاحبه ~~في أشد الأوقات حرجا وأعسرها عسرا. # ونهض قيس بن سعد بأمر هذا الجند، حتى جاءه أمر الحسن بالدخول في طاعة معاوية، فأظهر الناس ~~على ذلك وخيرهم بين أن يدخلوا فيما دخل فيه إمامهم أو يقاتلوا عدوهم على الحق بغير إمام، ~~فاختاروا ms163 العافية، ووضعت الحرب أوزارها، وفتحت الطريق لمعاوية إلى الكوفة، فدخلها ~~موفورا، وبايع له الناس ولم يبايع قيس بن سعد إلا بعد خطوب. # | الفصل الثالث والأربعون # ولا بد من وقفة قصيرة عند حديث الصلح وما جرى بين الحسن ومعاوية من المفاوضة فيه، فقد ~~يظهرنا التأمل في هذا كله على اتجاه نفوس الناس وقلوبهم في ذلك الوقت إلى الدنيا أكثر من ~~اتجاهها إلى الدين، وقد يظهرنا ذلك أيضا على أن الحسن وأباه وهذه القلة القليلة من ~~أشباههما إنما كانوا يعيشون غرباء في هذه البيئة الجديدة القديمة، أو في هذا الخلف الذي خلف ~~من المسلمين، جماعة من هذه القلة كرهوا الفتنة واستيأسوا من بيئتهم ففروا بدينهم إلى العزلة ~~وآثروا الله على الناس، وآخرون رأوا أن الدين لم يوح به إلى النبي ليؤثر به نفسه ويفر به ~~من البيئة التي ملأها الفساد، وإنما أوحى به ليصلح من أمر الناس ما فسد، ويقوم من حياتهم ~~ما اعوج، ويحملهم على الجادة، ويهديهم الصراط المستقيم، وقد نهض النبي بأمر ربه، لم يفر ~~بدينه إلى غار حراء، ولم يعتزل به أهل مكة، وإنما واجه قومه بما كرهوا، عنف بهم وعنفوا به، ~~وألح في دعائهم إلى الخير وألحوا في المكر به والكيد له والتأليب عليه، حتى أخرجوه من وطنه، ~~فلم يثبط ذلك من همه، ولم يفل من حده، ولم يكن يحفل في سبيل الدين بأن يضع خصمه الشمس في ~~يمينه والقمر في يساره إن استطاعوا، وكانت له العاقبة، فحمل الناس على الخير وهداهم إلى ~~الدين، لم يشفق من تبعة، ولم يخف مكروها. # وقد رأى علي وأمثاله القليلون أن النبي قد سن لهم سنة في إنفاذ أمر الله وحمل الناس على ~~الحق، فمضوا على سنة النبي وصاحبيه من بعده، واحتملوا في ذلك ما احتملوا من البلاء والعناء ~~والقتل في ميادين الحرب، أو القتل غيلة أثناء الخروج إلى الصلاة. # ولم يكن بد من أن تصير أمور الناس إلى ما صارت إليه، فقد لقي العرب غيرهم من الأمم، ورثوا ~~ملكهم وعرفوا حضارتهم ms164 وبلوا ما في حياتهم من خير وشر، ومن حلو ومر، وكان من الطبيعي أن ~~تنتهي الأمور إلى إحدى اثنتين: فإما أن يقهر الغالبون فيعربوا هذه الأمم المغلوبة، وإما ~~أن يقهر المغلوبون فيفتنوا هذه الأمة الغالبة، وقد فتنت الأمة الغالبة عن كثير من أمرها، ~~فأعرضت عن خلافتها وعن سنتها الرشيدة، ودفعت إلى الملك، تقلد فيه قيصر وكسرى أكثر مما ~~تقلد النبي والشيخين. # ويكفي أن تلاحظ ما قدمته آنفا من أن أشراف أهل العراق كانوا يتصلون بمعاوية في أيام علي، ~~يتلقون ماله ويمهدون له أمره، وأن تلاحظ بعد ذلك أن الحسن لم يكد يفرغ من البيعة حتى فرغ ~~جماعة من الأشراف الذين بايعوه إلى معاوية، منهم من سار إليه فبايعه وأقام معه حتى عادوا في ~~صحبته إلى العراق، ومنهم من أرسلوا إليه الكتب ينبئونه بضعف الحسن وانتثار أمره واختلاف ~~الناس عليه، ويتعجلون قدومه إلى العراق، حتى لم يتحرج معاوية من أن يتأذن في أصحابه من أهل ~~الشام: أن كتب أهل العراق قد تواترت إليه يدعونه فيها إلى أن يسير إليهم، وأن أشراف أهل ~~العراق قد جعلوا يقبلون عليه ليبايعوه. # وقد غير معاوية سياسته فجأة تغييرا تاما، فأعرض عن العنف ومال إلى الرفق وأمعن فيه، ~~وكأنه كان يعرف عثمانية الحسن وبغضه للفتنة وتحرجه من سفك الدماء، كما كان يعرف كغيره من ~~عامة الناس مكان الحسن من النبي ونزوع نفسه إلى الخير وعزوفها عن الشر. # فلم يكد الحسن يكتب إليه مع جندب بن عبد الله الأزدي ينبئه بأن الناس قد بايعوه ويدعوه ~~إلى الطاعة، حتى رد عليه معاوية ردا رقيقا ليس فيه شيء مما كان في كتبه إلى علي من الشدة ~~والغلظة والتأنيب والامتناع، وإنما كتب إليه ينبئه أنه لو كان يعلم أنه أقوم بالأمر وأضبط ~~للناس وأكيد للعدو وأحوط على المسلمين وأعلم بالسياسة وأقوى على جمع المال منه لأجابه إلى ~~ما سأل؛ لأنه يراه لكل خير أهلا، ويقول له إن أمري وأمرك شبيه بأمر أبي بكر وأمركم بعد ~~وفاة رسول الله # صلى الله ms165 عليه وسلم ~~، يريد أن أبا بكر وأصحاب النبي معه عرفوا لأهل البيت مكانتهم من ~~النبي واستحقاقهم لكل كرامة، ولكنهم مع ذلك صرفوا الخلافة عنهم إلى من هو أقدر على النهوض ~~بأمرها من المسلمين. # وقد عاد الأمر إلى مثل ما كان عليه بعد وفاة النبي، لم تتغير مكانة أهل البيت ولم يتغير ~~استحقاقهم لكل كرامة، ولكن غيرهم - وهو معاوية - أقدر منهم على النهوض بأمر الخلافة وأعباء ~~السلطان. # ثم وعده أن يسوغه ما في بيت مال العراق، وأن يجعل له خراج ما يختار من الكور، يستعين به ~~على مئونته ونفقاته ما عاش. # وقد عاد جندب بكتاب معاوية إلى الحسن، وأنبأه باجتماع أهل الشام وكثرتهم وتأهبهم للمسير ~~إليه، وأشار عليه أن يغزوهم قبل أن يغزوه، ولكن الحسن ظل ساكنا لا ينشط للحرب حتى علم أن ~~معاوية قد سار إليه، وكاد أن يبلغ حدود العراق، هنالك نهض للقائه وجرى له ما علمت من ~~الأحداث. # ولم يكن قعود الحسن عن الحرب جبنا أو فرقا، وإنما كان كراهية لسفك الدماء من جهة، ~~وشكا في أصحابه من جهة أخرى، وقد تبين له بعد مسيره وما كان من أمره مع الناس حين بلغ ~~المدائن أنه لم يكن مخطئا، ولا سيما بعد أن عرف وفود الأشراف من أهل العراق على معاوية، ~~وأن الذين لم يفدوا عليه قد كتبوا إليه، فكان يقول لأهل العراق: أنتم أكرهتم أبي على الحرب ~~وأكرهتموه على التحكيم، ثم اختلفتم عليه وخذلتموه، وهؤلاء وجوهكم وأشرافكم يفدون على معاوية ~~أو يكتبون إليه مبايعين، فلا تغروني عن ديني. # ثم تعجل الصلح، فأرسل إليه معاوية عبد الله بن عامر عامل عثمان على البصرة، وعبد الرحمن ~~بن سمرة فعرضا عليه الصلح وألحا عليه فيه، ورغباه بما رغباه به مما علمت، فقبل مبدأ الصلح ~~وأرسل سفيرين إلى معاوية، هما عمرو بن سلمة الهمداني ومحمد بن الأشعث الكندي، ليستوثقا من ~~معاوية ويعلما ما عنده، فأعطاهما معاوية هذا الكتاب: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب ~~للحسن بن علي من معاوية بن أبي سفيان ms166 ، إني صالحتك على أن لك الأمر من بعدي، ولك عهد الله ~~وميثاقه وذمته وذمة رسوله محمد # صلى الله عليه وسلم ~~، وأشد ما أخذه الله على أحد من خلقه من عهد وعقد، ~~لا أبغيك غائلة ولا مكروها، وعلى أن أعطيك في كل سنة ألف ألف درهم من بيت المال، وعلى أن ~~لك خراج يسا ودارابجرد تبعث إليهما عمالك وتصنع بهما ما بدا لك، شهد عبد الله بن عامر ~~وعمرو بن سلمة الكندي وعبد الرحمن بن سمرة ومحمد بن الأشعث الكندي وكتب في شهر ربيع الآخر ~~سنة إحدى وأربعين.» # ونلاحظ أن معاوية لم يبدأ هذا الكتاب كما كان يبدأ كتبه إلى علي: «من معاوية بن أبي سفيان ~~إلى علي بن أبي طالب» وإنما قدم الحسن فكتب: «إلى الحسن بن علي من معاوية بن أبي سفيان» ~~يظهر بذلك تكريم الحسن وأنه يسير معه سيرة غير سيرته مع أبيه. # وقد عرض معاوية على الحسن ثلاثة أشياء: أن يجعله ولي عهده، وأن يجعل له مرتبا سنويا من ~~بيت المال ألف ألف درهم، وأن يترك له كورتين من كور فارس يرسل إليهما عماله ويصنع بهما ما ~~يشاء. # ثم أعطى على نفسه العهد المشدد المؤكد أن يؤمن الحسن من كل غائلة، ولم يكتف الحسن بهذه ~~الشروط؛ لأن فيها شيئا لا يملكه معاوية في رأيه، وهو ولاية العهد، ولأن ما عدا هذا من ~~الشروط المالية نوع من الإغراء وليس بذي خطر عند الحسن، فبيت مال العراق في يده، وكور فارس ~~كلها في يده أيضا، وقد أهمل معاوية في كتابه شيئا هو أخطر من كل ما ذكر، وهو تأمين ~~أصحاب الحسن الذين حاربوا مع علي وهموا بالحرب مع الحسن نفسه؛ ولذلك احتفظ الحسن بكتاب ~~معاوية عنده وأرسل إليه رجلا من بني عبد المطلب من جهة، وبينه وبين معاوية قرابة قريبة من ~~جهة أخرى، وهو عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وأمه أخت معاوية، فقال ~~له: ائت خالك، وقل له: إن أمنت الناس بايعتك. # وكأن ms167 الحسن أراد أن يصطنع شيئا من اللباقة، فاحتفظ بشروط معاوية وطلب إلى معاوية مزيدا ~~هو تأمين الناس، ولكن معاوية كان أدهى من ذلك وأبرع كيدا، فقد أعطى ابن أخته طومارا ختم ~~في أسفله، وقال له: اكتب ما شئت. # فجاء عبد الله بن الحارث بهذا التفويض المطلق إلى الحسن، فكتب فيه الحسن: «هذا ما صالح ~~عليه الحسن بن علي معاوية بن أبي سفيان، صالحه على أن يسلم إليه ولاية أمر المسلمين على أن ~~يعمل فيها بكتاب الله وسنة نبيه وسيرة الخلفاء الصالحين، وعلى أنه ليس لمعاوية أن يعهد لأحد ~~من بعده، وأن يكون الأمر شورى، والناس آمنون حيث كانوا على أنفسهم وأموالهم وذراريهم، وعلى ~~ألا يبغي الحسن بن علي غائلة سرا ولا علانية ولا يخيف أحدا من أصحابه، شهد عبد الله بن ~~الحارث وعمرو بن سلمة.» ثم رد عبد الله بن الحارث إلى معاوية بكتابه هذا ليشهد عليه من شاء ~~من أصحابه ففعل، وتم الصلح، ولكنه لم يتم دون أن يترك بين الرجلين شيئا من اختلاف الرأي ~~وسوء التفاهم، كما يقال في هذه الأيام. # أكان الكتاب الأول الذي أرسله معاوية إلى الحسن قائما يكفل للحسن ما أعطاه معاوية من ~~الشروط ما عدا ولاية العهد التي لم يرضها الحسن، أم سقط بهذا الكتاب الذي كتبه الحسن وأمضاه ~~معاوية؟ # أما الحسن فقد رأى أن كتاب معاوية الأول ظل قائما، وأن معاوية قد التزم فيه ما وعد به من ~~مرتب في كل عام، ومن خراج هاتين الكورتين للحسن ما عاش، وأما معاوية فقد رأى أن الكتاب ~~الثاني قد ألغى الكتاب الأول إلغاء فليس للحسن عنده إلا ما طلب من أن يكون الأمر شورى بعد ~~موت معاوية، ومن تأمين الناس على أنفسهم وعلى أموالهم وذراريهم، ومن ألا يبغي الحسن غائلة ~~سرا أو جهرا، ومن أن يعمل في أمر المسلمين بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخلفاء ~~الصالحين. # ومن أجل اختلاف الرأي هذا طلب الحسن إلى معاوية - بعد أن استقام له الأمر - أن يفي له ~~بشروطه المالية ms168 ، فأبى عليه معاوية وقال له: ليس لك عندي إلا ما شرطت لنفسك. وكأن الحسن أراد ~~تحكيما، وكأنه أراد أن يحكم سعد بن أبي وقاص، فلم يقبل معاوية تحكيما ولكنه على ذلك أرضى ~~الحسن بما أعطاه وما فرض له من المال. # وتكثر المؤرخون والرواة بعد ذلك، فزعم قوم أن معاوية وفى بالشروط للحسن ثم أغرى أهل ~~البصرة سرا، فطردوا عمال الحسن من الكورتين، وأبوا أن يدفعوا إليه شيئا من خراجهما، ~~وقالوا: هذا فيئنا وليس لأحد غيرنا فيه حق. # والأمر كما رأيت أيسر من ذلك، والشيء الذي ليس فيه شك هو أن معاوية قد بر الحسن وأرضاه ~~بالمال، فلم يجد في حياته عسرا ولا ضيقا، وإنما عاش في المدينة عيشة الغني السخي الذي ~~ينفق عن سعة ولا يحسب للمال حسابا. # ومهما يكن من شيء، فقد سار معاوية إلى الكوفة مطمئنا راضي البال، ينشر من حوله الرضى ~~والطمأنينة، واستقبله الحسن فبايعه وبايعه الناس، وكأن معاوية أراد أن يعلن الحسن رضاه عن ~~هذا الصلح واطمئنانه إلى النظام الجديد. # وهذا طبيعي لا يحتاج فهمه وقبوله إلى تكلف من تكلف من الرواة والمؤرخين، الذين زعموا أن ~~عمرو بن العاص هو الذي أغرى معاوية بدعوة الحسن إلى أن يتكلم؛ ليظهر للناس عجزه وضعفه أو ~~ليسوءه أمام أنصاره وشيعته، فالحسن لم يختلس الصلح اختلاسا، ولم يستخف به من الناس، ~~والحسن قد خطب الناس غير مرة في حياة أبيه وبعد وفاته، فلم يعرف منه عيا أو حصرا وهو بعد ~~ذلك أو قبل ذلك من أهل بيت لم يعرفوا قط بعي أو حصر، وإنما كانوا معدن الفصاحة واللسن وفصل ~~الخطاب، وقد خطب الحسن فقال خير ما كان يمكن أن يقال وأصدق ما كان يمكن أن يقال أيضا، قال: ~~«أيها الناس، إن أكيس الكيس التقى، وأحمق الحمق الفجور، إن هذا الأمر الذي سلمته لمعاوية ~~إما أن يكون حق رجل كان أحق به مني فأخذ حقه، وإما أن يكون حقي فتركته لصلاح أمة محمد وحقن ~~دمائها، فالحمد لله الذي أكرم بنا أولكم ms169 وحقن دماء آخركم.» # والرواة يزعمون أن هذا الكلام قد أغضب معاوية، وأنه لام عمرو بن العاص لأنه هو الذي ألح ~~في أن يتكلم الحسن، ثم هم بعد ذلك يزيدون في كلام الحسن ما عسى أن يكون منه وما عسى ألا ~~يكون. # ومهما يكن من ذلك فقد سخط على الحسن جماعة من أصحابه الذين أخلصوا له ولأبيه، وأخلصوا في ~~بغض معاوية وأهل الشام، ورأوا في هذا الصلح نوعا من التسليم لم يكن يلائم ما بذلوا أيام ~~علي من جهد، ولم يكن يلائم كذلك ما كان في أيديهم من قوة، فمنهم من كان يقول للحسن: يا مذل ~~المؤمنين! ومنهم من كان يقول له: يا مذل العرب! ومنهم من كان يقول له: يا مسود وجوه ~~العرب. # ولكن الحسن لم يحفل بشيء من ذلك، وإنما رضي عن خطته كل الرضى، رأى فيها حقنا للدماء ~~ووضعا لأوزار الحرب وجمعا لكلمة الأمة، وتمكينا للمسلمين من أن يستقبلوا أمورهم مؤتلفين ~~لا مختلفين ومتفقين لا مفترقين، ومن أن يفرغ أهل الثغور لثغورهم يردون عنها طمع العدو فيها ~~وفيما وراءها، ومن أن يفرغ الجند للفتح يستأنفونه من حيث وقفته الفتنة. # ويقول الرواة: إن الحسين بن علي رحمه الله لم يكن يرى رأي أخيه ولا يقر ميله إلى السلم، ~~وإنه ألح على أخيه في أن يستمسك ويمضي في الحرب، ولكن أخاه امتنع عليه وأنذره بوضعه في ~~الحديد إن لم يطعه. # وليس في هذا شيء من الغرابة؛ فقد كان علي نفسه يتنبأ ببعض ذلك، يتحدث بأن الحسن سيخرج من ~~هذا الأمر، وبأن الحسين هو أشبه الناس به، وربما قسا على الحسن شيئا، فقال: إن الحسن فتى ~~من الفتيان صاحب جفان وخوان. # وقد فرغ الحسن من هذا الأمر كله وارتحل بأهل بيته إلى المدينة، وترك معاوية في الكوفة ~~يدبر أمر دولته الجديدة كما يشاء، ولكن الحسن لم يكد يبعد عن الكوفة حتى أدركه رسول معاوية ~~يريد أن يرده إلى الكوفة ليقاتل طائفة من الخوارج خرجت عليه، فأبى الحسن أن يعود، وقال: لقد ms170 ~~صالحته وما أريد إلا حقن الدماء واجتناب الحرب، وانتهى الحسن إلى المدينة فلقي من أهلها إثر ~~وصوله إليها من لامه في الصلح كما لامه فيه أهل الكوفة، فكان يقول للائميه: كرهت أن ألقى ~~الله عز وجل فإذا سبعون ألفا أو أكثر تشخب أوداجهم دما، يقول كل منهم: يا ربي، فيم ~~قتلت؟! # | الفصل الرابع والأربعون # ولم يكد الحسن يترك الكوفة في طريقه إلى المدينة حتى أظهر معاوية لأهل العراق شدة بعد ~~لين وعنفا بعد رفق، فأعلن إليهم أول الأمر ألا بيعة لهم عنده حتى يكفوه بوائقهم، ويردوا ~~عنه خوارجهم هؤلاء الذين خرجوا عليه، فمضى أهل الكوفة إلى الخوارج فقاتلوهم كما كانوا ~~يقاتلونهم أيام علي، واستبان لهم أن أمرهم لم يتغير وأنهم كانوا يقاتلون أبناءهم وإخوانهم ~~وأولي مودتهم ليطيعوا عليا، ثم هم الآن يقاتلونهم ليطيعوا معاوية. # ثم أعرب لهم معاوية بعد ذلك عن خطته التي رسمها وسياسته التي سيتوخاها فيهم، فأنبأهم بأنه ~~نظر فرأى أمور الناس لا تصلح إلا بخصال: أولها أن يأتي المسلمون عدوهم في بلادهم قبل أن ~~يأتيهم هؤلاء العدو في بلاد الإسلام، ولهم على ذلك أن يأخذوا أعطياتهم في إبانها، والخصلة ~~الثانية أن بعوثهم إلى الثغور القريبة عليها أن تقيم في ثغورها ستة أشهر، فإذا بعدت الثغور ~~فعلى البعوث أن تقيم فيها سنة، والخصلة الثالثة أن تصلح البلاد وترعى مرافقها حتى لا يصيبها ~~الجهد، ثم أعلن إليهم أنه كان قد حرص على أن يخرج الناس من الفتنة، ويضع عنهم أوزار الحرب، ~~ويكف بأس بعضهم عن بعض، ويجمع كلمتهم، وفي سبيل ذلك اشترط شروطا ووعد عدات ومنى أماني، ~~وإنه الآن يضع هذا كله تحت قدمه. # ثم أعلن إليهم آخر الأمر أن ذمته بريئة ممن لم يقبل فيعطي البيعة، وأجلهم ثلاثا فأقبل ~~الناس من كل أوب يبايعون، وهذا كله إن دل على شيء فإنما يدل على أن معاوية صانع أهل العراق ~~ورفق بهم، حتى يتم له الصلح ويستقيم له الأمر ويخرج الحسن من العراق، فلما تم له ما أراد ~~اصطنع الحزم ms171 وساس أهل العراق سياسة لم يكونوا يعرفونها من قبل. # فأخرجهم من الدعة التي ألفوها، وعلمهم أن طاعة الأمراء فرض لا ينبغي التردد فيه أو ~~الالتواء به، وأن من لم يعط الطاعة فلا أمان له، وقد برئت منه ذمة السلطان، هنالك عرف أهل ~~العراق أن حياتهم قد تغيرت، وأنهم سيستقبلون من أمرهم أشد وأقسى مما كانوا يظنون. # وقد ولى معاوية المغيرة بن شعبة أمر الكوفة، وولى عبد الله بن عامر أمر البصرة، ~~فعاد إليها بعد أن كان قد فارقها بقتل عثمان، وعاد معاوية إلى الشام يدبر أمر دولته من ~~دمشق. # وقد جعل أهل العراق يذكرون حياتهم أيام علي فيحزنون عليها، ويندمون على ما كان من تفريطهم ~~في جنب خليفتهم، ويندمون كذلك على ما كان من الصلح بينهم وبين أهل الشام، وجعلوا كلما لقي ~~بعضهم بعضا تلاوموا فيما كان، وأجالوا الرأي فيما يمكن أن يكون، ولم تكد تمضي أعوام قليلة ~~حتى جعلت وفودهم تفد إلى المدينة للقاء الحسن والقول له والاستماع منه. # وقد أقبل عليه ذات يوم وفد من أشراف أهل الكوفة، فقال له متكلمهم سليمان بن صرد الخزاعي: ~~«ما ينقضي تعجبنا من بيعتك معاوية ومعك أربعون ألف مقاتل من أهل الكوفة كلهم يأخذ العطاء، ~~وهم على أبواب منازلهم، ومعهم مثلهم من أبنائهم وأتباعهم، سوى شيعتك من أهل البصرة وأهل ~~الحجاز، ثم لم تأخذ لنفسك ثقة في العقد ولا حظا من العطية، فلو كنت إذ فعلت ما فعلت أشهدت ~~على معاوية وجوه أهل المشرق والمغرب، وكتبت عليه كتابا بأن الأمر لك بعده، كان الأمر علينا ~~أيسر، ولكنه أعطاك شيئا بينك وبينه، ثم لم يلف به، ثم لم يلبث أن قال على رءوس الناس: إني ~~كنت شرطت شروطا ووعدت عدات إرادة لإطفاء نار الحرب ومداراة لقطع هذه الفتنة، فأما إذ جمع ~~الله لنا الكلمة والألفة وأمننا من الفرقة فإن ذلك تحت قدمي، فوالله ما اغترني بذلك إلا ~~ما كان بينك وبينه، وقد نقض، فإذا شئت فأعد الحرب جذعة وائذن لي في تقدمك إلى ms172 الكوفة ~~فأخرج عنها عامله وأظهر خلعه، وتنبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين.» # وقال الآخرون مثل ما قال سليمان بن صرد، فهم إذن إنما جاءوا المدينة ولقوا الحسن ليعاتبوه ~~أولا لأنه جنح إلى السلم على رغم ما كان عنده من قوة وعدد، وليعاتبوه ثانيا، لأنه حين ~~أمضى الصلح لم يشهد عليه وجوه الناس من أهل المشرق والمغرب، ولم يشترط لنفسه ولاية العهد، ~~ثم لينبئوه ثالثا بأن معاوية قد نقض الصلح وأعلن نقضه على رءوس الأشهاد، ثم ليطلبوا إليه ~~بعد ذلك أن يعيد الحرب جذعة وأن يأذن لهم في أن يسبقوا إلى الكوفة فيعلنوا فيها خلع معاوية ~~ويخرجوا منها عامله، وحينئذ ينبذ الحسن إلى معاوية على سواء؛ إن الله لا يحب ~~الخائنين. # وقد قبل الحسن منهم شيئا ورفض شيئا، وكان فيما قبل منهم أبى عليهم ناصحا لهم رفيقا ~~بهم مؤثرا السلم وحقن الدماء، ولكنه على ذلك لم يوئسهم وإنما أبقى لهم شيئا من أمل، فقال ~~لهم فيما روى البلاذري: «أنتم شيعتنا وأهل مودتنا، فلو كنت بالحزم في أمر الدنيا أعمل ~~ولسلطانها أعمل وأنصب، ما كان معاوية بأبأس مني بأسا ولا أشد شكيمة ولا أمضى عزيمة، ولكني ~~أرى غير ما رأيتم، وما أردت فيما فعلت إلا حقن الدماء، فارضوا بقضاء الله وسلموا الأمر ~~والزموا بيوتكم وأمسكوا، وكفوا أيديكم حتى يستريح بر أو يستراح من فاجر.» # فقد أعطاهم الحسن - كما ترى - الرضى حين أعلن إليهم أنهم شيعة أهل البيت وذوو مودتهم، ~~وإذن فمن الحق أن يسمعوا له ويأتمروا بأمره ويكونوا عند ما يريد منهم، ثم بين لهم أنه لم ~~يصالح معاوية عن ضعف ولا عن عجز، وإنما أراد حقن الدماء، ولو قد أراد الحرب لما كان معاوية ~~أشد منه قوة ولا أعسر مراسا، ثم طلب إليهم أن يرضوا بقضاء الله ويطيعوا السلطان ويكفوا ~~أيديهم عنه، وأنبأهم بأنهم لن يفعلوا ذلك آخر الدهر، ولن يستسلموا لعدوهم في غير مقاومة، ~~وإنما هو انتظار إلى حين، هو انتظار إلى أن يستريح الأبرار من أهل ms173 الحق أو يريح الله من ~~الفجار من أهل الباطل. # فهو إذن يهيئهم للحرب حين يأتي إبانها ويحين حينها، ويأمرهم بالسلم المؤقت حتى يستريحوا ~~ويحسنوا الاستعداد، ومن يدري؟! لعل معاوية أن يريح الله منه، فتستقبل الأمة أمرها على ما ~~يحب لها صالحو المؤمنين. # وأعتقد أنا أن اليوم الذي لقي الحسن فيه هؤلاء الوفد من أهل الكوفة، فسمع منهم ما سمع ~~وقال لهم ما قال ورسم لهم خطتهم، هو اليوم الذي أنشئ فيه الحزب السياسي المنظم لشيعة علي ~~وبنيه، نظم الحزب في المدينة في ذلك المجلس، وأصبح الحسن له رئيسا، وعاد أشراف أهل الكوفة ~~إلى من وراءهم ينبئونهم بالنظام الجديد والخطة المرسومة، ويهيئونهم لهذا السلم الموقوت ~~ولحرب يمكن أن تثار حين يأتي الأمر بإثارتها من الإمام المقيم في يثرب. # وكان برنامج الحزب في أول إنشائه كما ترى واضحا يسيرا لا عسر فيه ولا تعقيد، طاعة ~~الإمام من بني علي والانتظار في سلم ودعة حتى يؤمروا بالحرب فيثيروها. # ومضى أمر الحزب على ذلك، فجعل الشيعة يلقى بعضهم بعضا يتذاكرون أمورهم، ويسجلون على ~~معاوية وولاته ما يتجاوزون به حدود الحق والعدل، وينتظرون أن يأمرهم الإمام بالخروج. # | الفصل الخامس والأربعون # ولكن الإمام لم يأمرهم بالخروج، ولعله كان يأمرهم بالعافية ويتقدم إليهم بين حين وحين إذا ~~لقيهم أثناء وفودهم على موسمهم، بأن يؤثروا البقيا ويصطنعوا الرفق، ولا يعرضوا أنفسهم ~~لبطش السلطان. # ولم تكن شيعة أهل البيت مقصورة على الكوفة ولكنها كانت منتشرة في آفاق البلاد، تقل في ~~بعضها وتكثر في بعضها الآخر، وكانت أمزجتها تختلف في المعارضة باختلاف كثرتها وقلتها، ~~وباختلاف سياسة الولاة لها، فكانت تتفق قبل كل شيء على أن ولاية معاوية شر ليس من احتماله ~~بد، حتى تتهيأ الفرصة للتخلص منه، إما باستراحة الأبرار وحسن استعدادهم للخروج وقدرتهم ~~عليه، وإما بموت الفجار وعودة الأمر شورى بين المسلمين، وكانت الشيعة تنشط أشد النشاط في ~~نشر الدعوة للإمام من أهل البيت بحيث يئول الأمر إليه، حين يستشار المسلمون في أمر ~~خلافتهم، فكانوا يدعون إلى إمامهم في ms174 السلم، يلينون في هذه الدعوة ويشتدون حسبما يكون لهم ~~من الأمزجة وما يتاح لهم من الفرص والظروف، وكان الحسن نفسه وفيا لمعاوية ببيعته، حفيظا ~~له على عهده، مستعينا به إن احتاج إلى المعونة مهما يكن نوعها، ولكنه على ذلك كان معارضا ~~ولم يكن يستخفي بمعارضته، وإنما كان يظهر منها ما يشاء في المدينة حيث كان يقيم، وفي مكة ~~حين كان يلم بها أثناء الموسم، وكانت الفرص تواتيه أحسن المواتاة وأيسرها، فهو كان عذب ~~الروح حلو الحديث كريم المعاشرة حسن الألفة محببا إلى الناس، يحبه أترابه من شباب قريش ~~والأنصار لهذه الخصال، ويحبه الشيوخ من أصحاب النبي لهذه الخصال ولمكانه من النبي، ويحبه ~~عامة الناس لكل هذا ولسخائه وجوده وإعطائه المال حين يسأل وحين لا يسأل، وكان يصبح فيصلي ~~الصبح ويجلس في مكانه، حتى إذا ارتفعت الشمس طاف بأمهات المؤمنين زائرا لهن متحدثا إليهن، ~~يبرهن ويبررنه، ويهدي إليهن ويهدين إليه، ثم يفرغ لبعض شأنه، فإذا صليت الظهر جلس ~~للناس في المسجد فأطال الجلوس يسمع منهم ويقول لهم، يعلم من احتاج منهم إلى العلم، ويؤدب ~~من احتاج منهم إلى الأدب، ويسمع من شيوخ الصحابة من يفيده علما وأدبا، وكان في أثناء هذا ~~كله إذا ذكر السلطان أو ذكر السلطان عنده يعرف الخير وينكر الشر في أرق لفظ وأعذبه، ~~ولكنه كان يشتد حتى يبلغ القسوة إن ذكر أبوه بغير ما يحب، أو لقي من بغى أباه الغوائل أو ~~سعى إليه بمكروه، وكان بعد هذا كله يحسن كما أحسن الله إليه، ولا ينسى نصيبه من الدنيا، ~~فكان - فيما اتفق المؤرخون والرواة عليه - مزواجا مطلاقا حتى أنكر أبوه عليه ذلك، ونهى ~~الناس عن تزويجه، فلم ينتهوا وكابروا أباه في ذلك مداعبين له، كانوا يرون في الإصهار إلى ~~سبط النبي وابن أمير المؤمنين شرفا أي شرف. # وكان معاوية رفيقا بالحسن أعظم الرفق، واصلا له أحسن الصلة، ولكن معارضة الحسن كانت ~~تبلغه، فيعاتبه فيها لينا حينا وشديدا حينا، ولكن مكان الحسن من معاوية لم يكن محببا ~~إليه ms175 ، فقد كان معاوية رجلا بعيد النظر، لم يكد يطمئن إلى الخلافة ويرى أنها قد اطمأنت ~~إليه، حتى فكر في أن يجعلها تراثا بعده لآل أبي سفيان، وكان يفكر في ابنه يزيد دائما، ~~فيرى أن الحسن هو الحائل بينه وبين ما يريد من ذلك، فهو قد تعجل الصلح مع الحسن فعرض عليه ~~ولاية الأمر من بعده. # ومن الحق أن الحسن لم يقبل منه ذلك، وإنما اشترط عليه أن تكون الخلافة بعده شورى بين ~~المسلمين، يختارون لها من أحبوا، وكان الحسن في أكبر الظن يرى أن المسلمين لن يعدلوا به بعد ~~وفاة معاوية أحدا، وكانت الشيعة تؤمن بذلك أشد الإيمان، وتدعو له فتلح في الدعاء. # وهنا يختلف المؤرخون والرواة، فقد توفي الحسن رحمه الله سنة خمسين للهجرة. # فأما الشيعة فيرون أن معاوية قد دس إليه من سمه ليخلو له ولابنه وجه الخلافة، وأما ~~مؤرخو الجماعة من أهل السنة فيروون ذلك ويكثرون من روايته، ولكنهم لا يقطعون به، ومن ~~المحدثين من يرويه ولكنه يراه بعيدا، لا لشيء إلا لأن معاوية قد صحب النبي فلا يليق به أن ~~يأتي مثل هذا الأمر البغيض. # ومؤرخو أهل السنة مع ذلك يتحدثون بأن الحسن نفسه قال لبعض عائديه في مرضه الأخير: «لقد ~~سقيت السم مرات، ولكني لم أسق قط سما أشد علي من هذا الذي سقيته هذه المرة، ولقد ~~لفظت آنفا قطعة من كبدي.» # ويتحدثون كذلك بأن أخاه الحسين رحمه الله سأله عمن سقاه السم، فأبى أن ينبئه به مخافة أن ~~يقتص منه بغير حجة قاطعة عليه، يئس الحسن من الحياة وكره أن يلقى الله وقد اقتص له ~~بالشبهة، فآثر أن يكل هذا القصاص إلى الله عز وجل. # وبعض المؤرخين يزعم أن جعدة بنت الأشعث بن قيس زوج الحسن هي التي اختارها معاوية لتدس ~~السم للحسن في بعض شرابه أو طعامه، ورشاها في ذلك بمائة ألف دينار، ومنهم من يزعم أنه وعدها ~~بأن يتخذها لنفسه زوجا، فلما مات الحسن وفى لها معاوية بالمال وكره أن يتزوجها، مخافة ms176 أن ~~تفعل به ما فعلت بالحسن، والتكلف في هذه الرواية ظاهر، ذهب بها أصحابه إلى ما عرف من كيد ~~الأشعث بن قيس لعلي فأرادوا أن تكون ابنته هي التي كادت للحسن حتى أوردته الموت. # وبعض المؤرخين يرون أن معاوية لم يبعد في الاختيار بين زوجات الحسن، وإنما اختار لسمه ~~قرشية هي هند بنت سهيل بن عمرو، ذلك الذي سفر عن قريش إلى النبي في صلح الحديبية. # ولست أقطع بأن معاوية قد دس إلى الحسن من سمه، ولكني لا أقطع كذلك بأنه لم يفعل، فقد ~~عرف الموت بالسم في أيام معاوية على نحو غريب مريب، مات الأشتر - فيما يقول المؤرخون - ~~مسموما في طريقه إلى ولاية مصر، فخلصت مصر لمعاوية، وقال معاوية وعمرو: «إن لله لجندا من ~~عسل.» ومات عبد الرحمن بن خالد بن الوليد مسموما بحمص في خبر طويل، ومات الحسن بين هذين ~~الرجلين مسموما كذلك في أكبر الظن، وخلصت الخلافة لمعاوية وابنه يزيد. # وما ينبغي أن يذكر أمر الحسين بن علي، فإن الحسين لم يكن قد نصب نفسه للبيعة ولم يكن ~~إماما للمسلمين، ولم يكن معاوية قد صالحه ولا وعده ولا شرط له، ومع ذلك فقد هم معاوية أن ~~ينحي الحسين عن مكانه شيئا لتخلص له الطريق من ابني فاطمة وسبطي النبي، فقال ذات يوم لعبد ~~الله بن عباس ممازحا وهو يريد الجد: «أنت سيد قومك بعد الحسن.» ولكن عبد الله بن عباس لم ~~ينخدع له وإنما أجابه في صرامة: «أما وأبو عبد الله حي فلا.» # ومع ذلك فلم يتردد معاوية - كما سترى - في أن يبايع بولاية العهد لابنه يزيد، وأكره ~~الحسين كما أكره غيره من شباب المهاجرين على أن يسكتوا عن هذه البيعة، التي كانوا ينكرونها ~~في أنفسهم أشد الإنكار. # ومهما يكن من شيء فقد صارت رياسة الشيعة إلى أبي عبد الله الحسين بن علي - رحمه الله - ~~بعد وفاة أخيه. # | الفصل السادس والأربعون # وكان الاختلاف بين هذين الأخوين في الطبع والمزاج والسيرة شديدا، كان الحسن كما رأيت ~~صاحب أناة ms177 ورفق، كرها إليه الحرب وسفك الدماء وحملاه على أن يؤثر السلم ويترك خلافة ~~تكلفه مثل ما كلفت أباه من أهوال الحرب. # وكان الحسين كأبيه صارما في الحق لا يحب الرفق ولا الهوادة ولا التسامح فيما لا ينبغي ~~التسامح فيه، كره صلح أخيه وهم أن يعارض؛ فأنذره أخوه بأن يشده في الحديد حتى يتم ~~الصلح. # وكان الحسين يعيب الصلح لأنه إنكار لسيرة أبيه، ثم لم يكن الحسين مزواجا مطلاقا، ولم ~~يكن ميسرا على نفسه في أمر الدنيا، ولا متبسطا في الحديث، ولا متحببا إلى الناس، وإنما ~~كان صارما على نفسه صارما على غيره، يتجرع مرارة الصبر على ما لا يحب، رأى الوفاء لأخيه ~~حقا عليه فوفى له وأطاعه كما أطاع أباه من قبله، وما أشك في أنه أثناء هذه السنين التي ~~قضاها في المدينة بعد صلح أخيه، كان يتحرق تشوقا إلى الفرصة التي تتيح له استئناف الجهاد ~~من حيث تركه أبوه، وقد أتيحت له هذه الفرصة شيئا ما حين صارت إليه رياسة الشيعة، وأقول: ~~شيئا ما؛ لأن الفرصة لم تتح له كاملة، فقد أصبح سيد قومه ورئيس حزبه، ولكنه بايع معاوية ~~وما كان له أن ينقض بيعته أو ينحرف عما أعطى على نفسه من العهد والميثاق. # وكان الحسين صاحب فطنة، حسن النظر في الأمور، رأى الدولة منقادة لمعاوية قد ضبطت له ~~أمصارها، وعرف هو كيف يسوس الناس بالحلم والرفق والسخاء، وكيف يولي في الأمصار من يسوسون ~~أهلها بالقسوة الصارمة والخوف المخيف، فلم يحاول الخروج حين أتيحت له الفرصة بما كان من نقض ~~معاوية لما بايع الناس عليه، من الأخذ بكتاب الله وسنة رسوله. # وقد نقض معاوية هذه البيعة ما في ذلك شك، ونقضها مرتين: إحداهما حين قتل من قتل من أهل ~~الكوفة كما سترى، والثانية حين بايع بولاية العهد لابنه يزيد، وجعل الخلافة وراثة ينقلها ~~لابنه كما ينقل إليه ماله، مع أن أمر الخلافة ليس ملكا خاصا للخليفة، وإنما هو ملك عام ~~لجماعة المسلمين. # وكان إسراف معاوية في أموال المسلمين وتوليته ms178 الجبابرة على الأمصار، وإسراف أولئك ~~الجبابرة في أموال الناس ودمائهم، كل ذلك كان نقضا منه للبيعة التي أعطاها للناس، تبرئ ذمة ~~الحسين لو أراد الخروج. # وقد همت عائشة نفسها أن تخرج بعد قتل من قتل معاوية من أهل الكوفة، ولكنها أشفقت أن تثير ~~فتنة عقيما كالتي أثارتها حين خرجت مع صاحبيها مطالبة بدم عثمان، فكفت نفسها عن ~~الخروج. # وقد رأى الحسين أن الأمر لا يستقيم له إن هم بالثورة فصبر نفسه على ما تكره، ولكنه غير ~~سياسة أخيه التي ساس بها الحزب، فأطلق لسانه في معاوية وولاته حتى أنذره معاوية، ثم أغرى ~~حزبه بالاشتداد في الحق والإنكار على الأمراء ففعلوا، وكانت الكوفة خاصة مركز المعارضة ~~العنيفة لمعاوية وعامله زياد. # ونلاحظ أن آثار هاتين السياستين ظاهرة أشد الظهور، فلم يؤذ الشيعة في أنفسهم ولا في ~~أموالهم ما عاش الحسن، كانوا يعارضون في لين وينكرون في رفق، وكان معاوية وولاته يسمعون ~~منهم ويكفون عنهم، وربما استصلحوهم بالقول والعمل، فلما صار أمر الشيعة إلى الحسين عنفت ~~المعارضة وكادت تصبح ثورة في الكوفة، فلقيها معاوية وولاته بالشدة بل بالإسراف في الشدة، ~~حتى تجاوزوا في قمعها كل حد معقول. # وكانت سياسة الحسين مقوية للشيعة ومضعفة لها في وقت واحد، كانت مضعفة لها لأنها جرت على ~~كثير من أنصار أهل البيت محنا قاسية، وكانت مقوية لها لأنها جعلت الشيعة مضطهدين أشد ~~اضطهاد وأقساه. # وليس شيء من سياسة الناس يروج للآراء ويغري الناس باتباعها كالاضطهاد الذي يعطف القلوب ~~على الذين تلم بهم المحن، وتصب عليهم الكوارث، وتبسط عليهم يد السلطان، والذي يصرف ~~القلوب عن هذا السلطان الذي يدفع إلى الظلم ويمعن فيه، ويرهق الناس من أمرهم عسرا. # ولذلك عظم أمر الشيعة في الأعوام العشرة الأخيرة من حكم معاوية، وانتشرت دعوتهم أي انتشار ~~في شرق الدولة الإسلامية وفي جنوب بلاد العرب، ومات معاوية حين مات وكثير من الناس وعامة ~~أهل العراق بنوع خاص يرون بغض بني أمية وحب أهل البيت لأنفسهم دينا. # | الفصل السابع والأربعون # ولم يكن لين ms179 الحسن وشدة الحسين هما وحدهما مصدر ما أصاب الشيعة في العراق من يسر وعسر، ~~وإنما أعان ولاة معاوية في العراق على الأمرين جميعا، فأما البصرة فكانت عثمانية، وقد رأيت ~~من أمرها ما رأيت، وعرفت أنها لم تستقم لعلي إلا كارهة، وأما الكوفة فكانت موطن الشيعة ~~ومستقر دعوتهم. # وقد ولي أمر هذين المصرين - بعد أن استقام الأمر لمعاوية - رجلان لم يحبا العنف ولم يذهبا ~~إليه، ولي البصرة عبد الله بن عامر فاستأنف فيها سيرته أيام كان عاملا لعثمان، نظر إلى ~~نفسه ولم ينظر إلى الناس، فجمع من المال ما استطاع أن يجمع، وأرسل للناس أعنتهم يخبون في ~~الشر ويوضعون، وكانت الفتن قد غيرت من أخلاقهم، وطرأ عليها كثير من الأغراب، وكثر فيها ~~الموالي، ونشأ فيها جيل جديد مختلط، ففشا فيهم الفسق، وفسد أمر السلطان، وسقطت هيبة الوالي ~~في نفوسهم؛ لأنه كان مشغولا عنهم بنفسه، ولأنه كان - فيما زعم - يتألف الناس ويكره أن يقطع ~~يد سارق، ثم يرى أخاه أو أباه بعد ذلك، وأقام على هذه السياسة حتى عصي السلطان جهرة، وفزع ~~أهل المصر إلى معاوية فعزله عنهم، في قصة طويلة. # وولى على البصرة عاملا آخر لم يقم فيها إلا شهرا ثم عزله، وولى زيادا كما سترى، فحارب ~~الشر بالشر، وأزال نكرا ليضع مكانه نكرا آخر. # وكان عامل معاوية على الكوفة رجلا آخر داهية من دواهي العرب هو المغيرة بن شعبة، وأمر ~~المغيرة بن شعبة غريب كله، اختلط فيه الخير بالشر حتى أصبح مشكلة من المشكلات، غدر في شبابه ~~بجماعة من أهل الطائف، قتلهم جميعا بعد أن سقاهم حتى ذهبت الخمر بعقولهم وناموا لا يعقلون، ~~فوثب عليهم فقتلهم، وكانوا اثني عشر أو ثلاثة عشر رجلا، ولم يستطع أن يعود إلى وطنه في ~~الطائف، فاستاق مالا كثيرا كان هؤلاء الناس قد قدموا به من مصر، فمضى به حتى أتى المدينة ~~فأسلم وعرض ما ساق من المال على النبي فأبى أن يقبله؛ لأنه نتيجة الغدر وليس في الغدر خير، ~~وسأله المغيرة عن مصيره، وقد ms180 أسلم بعد أن فعل فعلته تلك، فقال له النبي: «إن الإسلام ~~يجب ما قبله.» وقد نصح للنبي بعد ذلك وتعرض لأخطار كثيرة في حرب الردة وفي فتح الشام، ~~حتى فقد إحدى عينيه في وقعة اليرموك، ثم شارك في فتح فارس فأبلى أحسن البلاء، وقد أمره ~~عمر على البصرة، وكأن إسلامه لم يكن عميق الأثر في نفسه، فقد شهد عليه نفر بالزنى عند عمر، ~~وأوشك عمر أن يقيم عليه الحد، لولا أن لجلج أحد الشهود وهو زياد، فأقيم حد القذف على الشهود ~~الآخرين وعزل المغيرة عن البصرة، ولكن عمر ولاه الكوفة بعد ذلك، أقام عاملا عليها حتى ~~قتل عمر، واستبقاه عثمان على عمله وقتا قصيرا ثم عزله، وقد اعتزل الفتنة، أو قل: اعتزل ~~أول الفتنة، فلم يشارك في الثورة بعثمان ولم يبايع عليا ولم يشهد الجمل ولا صفين، ولكنه ~~شهد اجتماع الحكمين، وعسى أن يكون قد لعب في هذا الاجتماع بعض اللعب، فلما تفرق الحكمان ~~استبان له أن الدنيا قد أدبرت عن علي، فأظهر الاعتزال فيما كان يرى من سيرته، ولكنه مال إلى ~~معاوية ميلا واضحا، فلما قتل علي كان من أسرع الناس إلى معاوية، وأقبل معه من الشام حتى ~~دخل الكوفة، فشهد فيها صلح الحسن وبيعة الناس لمعاوية، واختطف ولاية الكوفة اختطافا، فيما ~~يقول المؤرخون، فقد روي أن معاوية هم أن يولي على الكوفة عبد الله بن عمرو بن العاص، أو ~~يولي على الكوفة عمرا ويجعل ابنه على مصر، فقال له المغيرة بن شعبة: وتقيم أنت بين فكي ~~الأسد، هذا في العراق وهذا في مصر؟! فعدل معاوية عن رأيه وجعل المغيرة واليا على ~~الكوفة. # وزعم الرواة أن عمرا عرف كيد المغيرة فجزاه بمثله، قال لمعاوية: تجعل المغيرة على ~~الخراج؟! هلا وليت رجلا آخر عليه يكون أقدر على جمع الخراج وضبطه؟! وعرض له بأن في المغيرة ~~ضعفا للمال، فاكتفى معاوية بتولية المغيرة على الحرب والصلاة وجعل الخراج على غيره، ولقي ~~عمرو المغيرة، فقال له: هذه بتلك. # وكانت سياسة المغيرة للكوفة كسياسة ms181 عبد الله بن عامر للبصرة، نظر فيها المغيرة إلى نفسه ~~أكثر مما نظر إلى غيره، فرفق بالناس وأسمح لهم، وترك لمعارضي بني أمية من أنصار علي ومن ~~الخوارج قدرا حسنا من الحرية. # وكان معاوية قد تقدم إليه في أن يتعقب أنصار علي ويشدد عليهم، فكان يلائم بين ما أراد ~~معاوية وبين ما كان هو يحب من العافية، وأمره وأمر عبد الله بن عامر أيسر مما ظن ~~المؤرخون، كلاهما ولي الأمصار للخلفاء السابقين، فتعود في سياسة الناس سيرة من الرفق ~~والدعة والأناة، لم يكن من اليسير عليه أن يخالف عنها. # ومعاوية بعد ذلك رجل من أصحاب النبي، فكان من الطبيعي أن تكون سياسته وسياسة ولاته على ~~الأمصار للناس في حياتهم اليومية شبيهة إلى حد بعيد بسياسة الخلفاء والولاة من قبلهم، وقد ~~كانت كذلك في مصر أيام عمرو بن العاص وابنه عبد الله، وكانت كذلك في مصري العراق، إلا أن ~~الناس أحدثوا أحداثا لم تكن، كما قال زياد، فأحدث معاوية وولاته لهذه الأشياء سياسة ~~تلائمها، ولم تتغير سيرة المغيرة في الخوارج من أهل الكوفة، وإنما سار فيهم سيرة علي، تركهم ~~أحرارا يلقى بعضهم بعضا ويجتمعون ويتذاكرون أمرهم، وأبى أن يعرض لهم إلا أن يحدثوا شرا، ~~أو يبادوه بعداوة. # وكان المغيرة أشد احتياطا من علي، فكان له من يعلمه علم الخوارج، وكان يحاول أن يمنع ~~خروجهم قبل وقوعه، وربما دفعه ذلك إلى أخذهم أثناء اجتماعاتهم وإلقائهم في السجن، فإذا خرجت ~~منهم خارجة ونصبت له الحرب، أو أفسدت في الأرض، أرسل إليها من أهل الكوفة من يقاتلها حتى ~~يكفيه شرها. # وكانت سيرته في الشيعة أيسر من ذلك وأسمح، لم يعرض لهم بمكروه وربما بادوه بالكلام القاسي ~~الغليظ فنصح لهم ورفق بهم، وحبب إليهم العافية، وخوفهم بطش السلطان، ثم لم يؤذهم بعد ذلك في ~~أنفسهم ولم يرزأهم من أموالهم شيئا. # وقد انتفع الشيعة بهذه السياسة الرفيقة فنظموا أمورهم، وعارضوا سياسة الأمويين معارضة ~~حرة، كان معاوية يكرهها ولكنه لم يكن يجد على أصحابها سبيلا، وقد أقام ms182 المغيرة واليا على ~~الكوفة لمعاوية عشر سنين، لم ينكر الشيعة فيها منه شيئا ذا خطر إلا أن يكون عيبه لعلي، وقد ~~كان مضطرا إلى ذلك بحكم السياسة الجديدة، وكانت الشيعة تلقى ذلك منه بالإغضاء مرة وبالنكر ~~مرة أخرى. # وقد حرص المغيرة أشد الحرص على أن يرضي معاوية عن نفسه ليستديم ولايته على الكوفة، توسط ~~بين معاوية وزياد حتى ضمن الأمان من معاوية لزياد، وضمن الطاعة من زياد لمعاوية، وعسى أن ~~يكون له أثر فيما كان من استلحاق زياد، فأدى بذلك حق زياد، وعرف له ما قدم إليه من جميل حين ~~لجلج في الشهادة بين يدي عمر فأعفاه من الحد، ثم هو بعد ذلك قد أرضى معاوية حين أراحه من ~~كيد زياد له ومكره به، وحين حول زيادا من العدو الكائد الماكر إلى الولي الناصح الأمين، ~~وألقى المغيرة في نفس معاوية فكرة ولاية العهد، ولعل معاوية لم ينتظر بهذه الفكرة مشورة ~~المغيرة، ولكن المغيرة جرأه على التفكير فيها والجهر بها، وضمن له أهل الكوفة، وألقى هذه ~~الفكرة نفسها في قلب يزيد، ففتح له أبوابا من الطمع لعلها لم تكن تخطر له على بال. # وكذلك عاش المغيرة هذه الأعوام العشرة مستريحا مريحا، أرضى السلطان وأرضى الرعية وأرضى ~~نفسه، وإن لم يكن إرضاء نفسه يسيرا، فقد كان صاحب لذة ومسرفا على نفسه وعلى الناس، كثير ~~الزواج كثير الطلاق، لم يكن يتزوج واحدة واحدة ويطلق حين يجتمع له أربع زوجات وحين يريد أن ~~يستزيد، وإنما كان كثيرا ما يطلق أربعا ويتزوج أربعا، حتى أسرف المؤرخون عليه بعد ذلك، ~~فزعم المكثرون أنه تزوج ألف امرأة في حياته الطويلة، وزعم المقللون أنه تزوج مائة أو تسعا ~~وتسعين، وتوسط المعتدلون فزعموا أنه تزوج ثلاثمائة، وليس من شك في أنه كان يؤدي إلى هؤلاء ~~الزوجات مهورا، وليس من شك كذلك في أنه كان يرضي كثيرا منهن عن الطلاق السريع، وما أحسب ~~أن ثروته الخاصة كانت تقوم له بهذا السرف الكثير. # فحياة المغيرة كما ترى كانت خليطا من العمل ms183 الصالح والعمل السيئ، وأمره وأمرها بعد ذلك ~~إلى الله، ولكن المهم هو أن سياسته حين ولي الكوفة لمعاوية قد يسرت للشيعة أمرها تيسيرا ~~حتى كان أهل الكوفة يذكرونه بالخير كلما بلوا بعده قسوة الأمراء. # | الفصل الثامن والأربعون # ولكن الأمور تتغير في البصرة حين يليها زياد سنة خمس وأربعين، ثم تتغير في الكوفة حين ~~يضاف أمرها إلى زياد بعد موت المغيرة سنة خمسين، ولم تكن حياة زياد أقل غرابة من حياة ~~المغيرة، كما لم يكن زياد نفسه أقل ذكاء ودهاء، ولا أدنى مكرا وكيدا من المغيرة، بل ~~المحقق أنه قد تفوق على المغيرة في هذا كله. # وكان زياد ذا شخصيتين مزدوجتين، عاش بأولاهما أيام الخلفاء الراشدين، وعاش بالثانية بعد ~~أن صالح معاوية، وكانت الشخصيتان متناقضتين إلى أقصى حدود التناقض وأبعد غاياته، كان راشدا ~~حين عمل للخلفاء الراشدين، وكان طاغية جبارا حين عمل لمعاوية، وكان يرى نفسه في الحالين ~~ناصحا للمسلمين، وكان يظن أثناء طغيانه أنه أحيا سياسة عمر، ولكن سياسة عمر أصلحت الناس، ~~وسياسة زياد أيام معاوية ملأت حياة الناس وقلوبهم شرا ونكرا وفسادا. # وكان زياد أيام الخلفاء الراشدين رجلا من موالي ثقيف ولدته أمة للحارث بن كلدة، هي ~~سمية، ولعلها كانت فارسية أو هندية، فأما أبوه فقد كان عبدا روميا لصفية بنت عبيد، زوج ~~الحارث بن كلدة أيضا، وكان اسمه العربي «عبيد»، فقد كان زياد إذن مولى لآل الحارث بن ~~كلدة من ثقيف، وكان حدثا أيام النبي، فقد ولد - فيما يقال - عام الهجرة أو بعيد الهجرة ~~بقليل، ومن الناس من يقول عام الفتح. # وقد سار إلى العراق فيمن سار إليه مع عتبة بن غزوان، وكان عتبة قد تزوج بنت الحارث بن ~~كلدة، وامرأته صفية، فأقام مع مواليه الذين شاركوا في الفتح، ومضى أمره كما استطاع أن يمضي، ~~لا نعلم من أمر صباه وشبابه الأول شيئا، ولكنا نراه كاتبا لأبي موسى الأشعري حين كان ~~أميرا على البصرة، ونراه رسولا إلى عمر ببعض الحساب، ونقرأ أن عمر قد أعجب بذكائه ~~وفصاحته وحفظه ms184 للعدد وتصرفه فيه، وقد أمره أن يعرض الحساب على الناس كما عرضه عليه، ففعل. ~~وأعجب هؤلاء العرب من أصحاب النبي بهذا الفتى الفصيح الجريء الذي يلعب بالأرقام لعبا لا ~~عهد لهم به، ولم يخف عمر هذا الإعجاب. # ويزعم بعض الرواة أن أبا سفيان همس في ذلك اليوم بأن زيادا ابنه، ولم يجهر بذلك مخافة ~~عمر، وأكبر الظن أن هذا الخبر اخترع بأخرة. # والمؤرخون يحدثوننا بأن عمر أعطى زيادا ألف درهم، فلما عاد إليه من قابل سأله: ماذا ~~صنعت بالألف؟ قال: اشتريت بها أبي عبيدا فأعتقته. # فقد عرف عمر إذن أن لزياد أبا هو عبيد، وكان عبيد هذا من الخمول بحيث لا يكاد الناس ~~يعرفونه، فكانوا يضيفونه إلى أمه، فيقولون: زياد بن سمية، وربما لم يضيفوه إلى أمه ولا إلى ~~أبيه فقالوا: زياد الأمير، وربما قال خصومه ومعارضوه من الشيعة والخوارج بعد عمله لمعاوية: ~~زياد ابن أبيه. # وقد ظل زياد في البصرة يكتب لأمرائها أيام عمر وعثمان، فلما كان يوم الجمل وانتصر علي سأل ~~عن زياد، فأنبئ بأنه مريض، فعاده، واستبان استعداده للنصح له، فهم علي أن يوليه البصرة، ~~ولكن زيادا أشار عليه أن يجعل على هذا المصر رجلا من أهل بيته يهابه الناس ويطمئنون إليه، ~~وذكر له ابن عباس، فولاه علي، وعمل زياد لعبد الله بن عباس كما عمل للولاة من قبله، فلما ~~انصرف ابن عباس عن البصرة في قصته تلك التي ذكرناها آنفا، قام زياد مقامه وأحسن الحيلة ~~والبلاء في الاحتفاظ بهذا المصر لعلي، على رغم ما كاد معاوية لانتزاعها منه. # ولما قتل علي واستبان أن الأمر صائر إلى معاوية تحول زياد إلى فارس، وكان قد استصلحها ~~وأحبه أهلها، فاعتصم بقلعة هناك عرفت باسمه فيما بعد، وظل ينتظر حتى إذا استقام الأمر ~~لمعاوية وبايعت له جماعة الناس، وكان زياد وحده متربصا في قلعته تلك يكره أن ينزل على حكم ~~معاوية، أو أن يدخل فيما دخل فيه الناس، دون عهد من معاوية له بالأمان، وكان معاوية ضيقا ~~بمكان زياد في ms185 قلعته تلك، كان يعلم مكره وكيده وبعد غوره في الدهاء وسعة حيلته، وكان يعلم ~~أن عنده مالا كثيرا، وأن له أنصارا يتعصبون له من أهل فارس، وكان يكره أن ينتقض عليه وأن ~~يبايع لرجل من أهل البيت، فيفسد عليه الجماعة ويخرجه من العافية إلى الحرب وسفك الدماء. ~~وكانت لزياد يد عند المغيرة بن شعبة سبقت إليه أيام عمر، حين لجلج زياد في الشهادة فأعفاه ~~من الحد، فتوسط المغيرة بين معاوية وبين زياد حتى أصلح بينهما، وأخذ لزياد ما أراد من ~~الأمان، وقنع منه معاوية بمال قليل أداه إليه مما كان عنده من الخراج، وأذن له معاوية في أن ~~ينزل من بلاد المسلمين حيث يشاء، فإن أحب العراق أقام فيها، وإن أحب الشام تحول ~~إليها. # ولأمر ما خطر لزياد أو لمعاوية أو للمغيرة أن يتصل نسب زياد ببني أمية وبأبي سفيان خاصة، ~~كأن أبا سفيان قد عرف سمية في بعض زيارته للطائف. # ويقال إن زيادا احتال حتى دس إلى معاوية من زعم له أن أهل العراق ينسبون زيادا إلى أبي ~~سفيان، فانتهز معاوية هذه الفرصة ودعا إليه زيادا، ثم جمع الناس، فشهد الشهود بأن أبا ~~سفيان قد عرف سمية، واكتفى معاوية بذلك، فألحق زيادا بأبي سفيان وجعله أخاه. # وواضح جدا ما في هذا الاستلحاق من التكلف والاحتيال، وقد أنكره الصالحون من المسلمين، ~~حين أعلنه معاوية، وحرص عليه زياد أشد الحرص، وغضب له موالي زياد من بني ثقيف. # ويحدثنا البلاذري بأن معاوية أرضى سعد بن عبيد أخا صفية عن هذا الاستلحاق بما أعطاه من ~~المال، ولكن يونس بن سعد لم يرض وأراد أن يصل إلى معاوية ليحاجه في هذا الاستلحاق فلم ~~يستطع الوصول إليه، فلما حضرت الصلاة من يوم الجمعة ذهب يونس إلى المسجد وقطع على معاوية ~~خطبته قائلا له: «اتق الله يا معاوية، فإن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قضى بأن الولد للفراش ~~وللعاهر الحجر، وأنت قد جعلت للعاهر الولد وللفراش الحجر، وإن زيادا عبد عمتي وابن عبدها، ~~فاردد إلينا ms186 ولاءنا.» فقال له معاوية: والله يا يونس لتكفن أو لأطيرن بك طيرة بطيئا ~~وقوعها. قال يونس: أليس المرجع بعد بك وبي إلى الله عز وجل؟! # وقال الشاعر في ذلك: # وقائلة إما هلكت وقائل # قضى ما عليه يونس بن عبيد # قضى ما عليه ثم ودع ماجدا # وكل فتى سمح الخليقة مودي # وقال يزيد بن مفرغ يعيب معاوية بهذا الاستلحاق فيما زعم الرواة: # ألا أبلغ معاوية بن حرب # مغلغلة عن الرجل اليمان # أتغضب أن يقال أبوك عف # وترضى أن يقال أبوك زاني؟! # وكان معاوية شديد الإيثار لزياد، لا يحتمل أن يقول فيه أحد ما يكره، حتى عرف ذات يوم أن ~~عبد الله بن عامر عاب زيادا وقال فيما قال: لهممت أن أجمع خمسين رجلا من قريش يحلفون ~~بالله ما عرف أبو سفيان سمية، فغضب معاوية لذلك أشد الغضب وقال لحاجبه: «إذا جاء عبد الله ~~بن عامر فاضرب وجه دابته عن أقصى الأبواب.» لم يكتف بأن يحجبه وإنما منعه من دخول القصر، ~~وقد أنفذ الحاجب أمر معاوية، وضاق عبد الله بن عامر بهذه الجفوة، فشكا أمره إلى يزيد، وتوسط ~~يزيد، فلم يرض معاوية عن عبد الله إلا بعد أن ذهب إلى زياد فاعتذر إليه وأرضاه، ومكان عبد ~~الله بن عامر من عثمان ومن معاوية معروف. # ولم يكن زياد أقل حرصا على نسبه الجديد من معاوية، حتى روى المؤرخون أن رجلا أتى عبد ~~الرحمن بن أبي بكر، وطلب منه أن يكتب في حاجة له إلى زياد، فكتب عبد الرحمن ولم ينسب زيادا ~~إلى أبي سفيان، فأبى الرجل أن يذهب بالكتاب إلى زياد، وجاء عائشة أم المؤمنين فكتبت له: «من ~~عائشة أم المؤمنين إلى زياد بن أبي سفيان.» فلما رأى زياد هذا الكتاب قال للرجل: إذا كان ~~الغد فاحضر، فلما حضر الرجل أمر زيادا بالكتاب فقرئ على الناس، وإنما أراد بذلك إلى أن ~~يعلم أهل البصرة أن أم المؤمنين قد اعترفت بنسبه هذا الجديد. # وكان أبو بكرة صاحب رسول الله أخا زياد لأمه ولدته سمية ms187 للحارث بن كلدة، ولكن الحارث ~~نفاه، فظل عبدا، فلما كانت غزوة الطائف نزل فيما نزل من العبيد إلى النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، فأعتقه ~~فيمن أعتق من هؤلاء العبيد وقال عنه: «إنه طليق الله وطليق رسوله.» فكان أبو بكرة يقول: إنه ~~مولى رسول الله. # وقد وجد أبو بكرة على زياد حين لجلج في الشهادة بين يدي عمر، فصرف الحد عن المغيرة وعرض ~~أبا بكرة لحد القذف، فلما عرف سعي زياد في الاستلحاق وتدبير معاوية له نهاه عن ذلك وحرج ~~عليه فيه، فلم يسمع له زياد، فلما تم الاستلحاق حلف أبو بكرة لا يكلمه أبدا، ثم لم يكلمه ~~حتى مات. # وكان أبو بكرة يحلف - فيما زعم الرواة - ما كانت سمية بغيا ولا عرفت أبا سفيان. # وبلغه - فيما يقول البلاذري - أن زيادا طمع بعد الاستلحاق في أن يحج، وكأنه أراد أن يكون ~~أمير الحج، وقد استأذن معاوية في الحج فأذن له، فأقبل أبو بكرة حتى دخل على زياد وعنده بعض ~~بنيه، فوجه الحديث إلى أحد بنيه وهو يسمع، فقال: إن أباك هذا أحمق، قد فجر في الإسلام ثلاث ~~فجرات: أولاهن كتمان الشهادة على المغيرة، والله يعلم أنه قد رأى ما رأينا. والثانية في ~~انتفائه من عبيد وادعائه إلى أبي سفيان، وأقسم إن أبا سفيان لم ير سمية قط. والثالثة أنه ~~يريد الحج، وأم حبيبة زوج رسول الله # صلى الله عليه وسلم # هناك، وإن أذنت له كما تأذن الأخت لأخيها ~~فأعظم بها مصيبة وخيانة لرسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وإن هي حجبته فأعظم بها عليه حجة. فقال زياد: ~~ما تدع النصح لأخيك على حال. وعدل عن الحج في هذا العام، واستعفى معاوية منه فأعفاه، وانتظر ~~بالحج، فلم يأت الحجاز حتى ماتت أم حبيبة يرحمها الله. # | الفصل التاسع والأربعون # وقد لقي معاوية وزياد في هذا الاستلحاق شططا، فأما معاوية فقد احتاج إلى أن يعنف بقومه ~~من بني أمية خاصة ومن قريش عامة؛ ليدخل عليهم هذا النسب الجديد، وما أراهم احتملوا منهم ذلك ~~إلا ms188 خوفا من بطشه أو رغبة في ماله، وكثير منهم أظهر القبول وأضمر الإنكار، وكثير منهم تحفظ ~~فلم يستطع أن ينسب زيادا إلى أبي سفيان، فاكتفى بذكر اسمه أو نسبه إلى أمه سمية. # وأما زياد فقد لقي الشطط كل الشطط يوم أعلن هذا الاستلحاق بمشهد من الجماعة في دمشق، فقد ~~أجلسه معاوية على المنبر إلى جانبه، ثم دعا من شهد على سمية بأنها عرفت أبا سفيان معرفة ~~الإثم، وسمع في أمه ما لا يحب الرجل الكريم أن يسمع في أمه، وبلغ من ضيقه بذلك أن خرج عن ~~طوره فقال لبعض الشهود: لا تشتم أمهات الرجال فتشتم أمك. وقال لبعضهم الآخر: إنما دعيت ~~شاهدا لا شاتما. وهو على ذلك قد رضي بهذا الاستلحاق كل الرضى، بل سعى فيه فأحسن السعي، ~~وهو قد خطب في البصرة فحمد الله الذي رفع منه ما وضع الناس، كأنه رأى انتسابه إلى رجل من ~~أشراف قريش أرفع وأعظم خطرا من انتسابه إلى عبد رومي، فكيف وهذا الرجل من أشراف قريش؟! هو ~~أبو معاوية الذي صار إليه سلطان المسلمين. # وهذا أول تغير ظاهر في سيرة زياد، وأول جهر منه بما لم يألفه المسلمون أيام النبي ~~والخلفاء، فقد قام الإسلام - كما عرفت - على التسوية بين السادة والعبيد ولم يفرق بين الناس ~~إلا بالتقوى. # والغريب من أمر زياد أنه خطب الناس خطبته تلك البتراء، فقال فيها كما سترى: «وإياي ودعوى ~~الجاهلية، فإني لا أوتى برجل دعا بها إلا قطعت لسانه.» وهو أول من دعا بدعوى الجاهلية، بل ~~عسى أن يكون هو ومعاوية أول من انحرف عما شرع الإسلام وأمر به القرآن وأكدته السنة تأكيدا، ~~وعاد إلى عرف جاهلي غيره الدين الجديد. # فقد ينبغي أن نقف وقفة تأمل واستقصاء عند هذا الاستلحاق الذي فرضه سلطان معاوية على ~~المسلمين فرضا، وأول ما نلاحظ من ذلك أن في هذه السيرة التي رواها المؤرخون والمحدثون ~~لزياد شيئا من النقص وكثيرا من الغموض، فقد ولد زياد عبدا للحارث بن كلدة، الذي كان ~~يملك أمه سمية ms189 أو كان أبوه عبدا لصفية زوج الحارث كما رأيت، ونحن لا نرى زيادا في التاريخ ~~الذي حفظ لنا إلا حرا، فمتى عتق؟ أو من أعتقه؟ وأين كان هذا العتق؟ وهو نفسه قد أنبأ ~~عمر حين أعطاه ألفا ثم سأله عنها من قابل، بأنه اشترى بها عبيدا أباه فأعتقه، فلم يصر ~~عبيد إذن إلى الحرية إلا بأخرة، فهل صار زياد إليها قبل أبيه؟ كل هذه أمور لم يقف عندها ~~المؤرخون والمحدثون، وهي مع ذلك أيسر ما في سيرة زياد من الغموض. # والمشكلة العسيرة حقا في هذه السيرة هي مشكلة الاستلحاق، فقد نحب أن نعلم على أي أصل من ~~أصول الدين أو الدنيا قام هذا الاستلحاق. # فأما الدين فنحن نعلم أن للتبني شروطا قررها الفقهاء، أولها أن يكون الذي يقع عليه ~~التبني من السن بحيث يمكن أن يولد لمن وقع منه هذا التبني، أي أن يكون الفرق بينهما في ~~السن ملائما لما يكون بين الآباء والأبناء من اختلاف الأسنان، وليس من شك في أن زيادا كان ~~أصغر من أبي سفيان، وكان يمكن أن يكون له ابنا. # الشرط الثاني ألا يكون لمن يقع عليه التبني أب معروف، فليس ينبغي أن يدعى الرجل لغير ~~أبيه، لقول النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «من ادعى لغير أبيه متعمدا حرمت عليه الجنة.» وقد كان لزياد ~~أب معروف، هو عبيد الرومي ذاك، اعترف بذلك زياد نفسه حين خطب في مجلس الاستلحاق نفسه، فقال: ~~أيها الناس، قد سمعتم قول أمير المؤمنين وقول الشهود، ولست أعلم حق ذلك من باطله، وهم أعلم ~~بذلك مني، وقد كان عبيد أبا مبرورا وواليا مشكورا. # وقد رأيت من حديث أبي بكرة أخي زياد لأمه أن زيادا انتفى من عبيد حين انتسب إلى أبي ~~سفيان، ورأيت كذلك في حديث أبي بكرة أنه أقسم ما عرف أبو سفيان سمية قط، فزياد إذن قد انتفى ~~من أبيه المعروف حين ادعى لأبي سفيان، ومعاوية قد أراده على ذلك، وليس شيء من هذا لهما بحال ~~من الأحوال. # وهناك شرط ms190 ثالث لصحة التبني، وهو أن يقبله من يقع عليه التبني، وقد سعى زياد في ذلك حتى ~~أغرى معاوية به ورغبه فيه، ولكنه حين أريد على أن يعلن قبوله إلى الناس أعلنه على استحياء ~~وتردد، كما رأيت في كلمته التي رويناها آنفا، والإقرار ببنوة زياد لأبي سفيان لم يصدر بعد ~~بصفة قاطعة عن أبي سفيان نفسه، وإنما زعم الزاعمون أن أبا سفيان لمح به ولم يجرؤ على ~~إعلانه مخافة عمر، ولكن أبا سفيان عاش صدرا من خلافة عثمان، يقول المقللون إنه ست سنين، ~~ويقول المكثرون إنه عشر سنين، وكان عثمان ألين جانبا من عمر، وكان يظهر لبني أمية من لين ~~الجانب أكثر مما يظهر لعامة قريش وعامة المسلمين، فلو قد كان أبو سفيان مؤمنا حقا بأن ~~زيادا ابنه لأقر بذلك أيام عثمان إلا أن يكون قد عرف أن هذا الإقرار لا يباح له، وأن عثمان ~~لا يمكن أن يجيزه لأن لزياد أبا معروفا هو عبيد، ذلك الرومي. # فقد انتظر معاوية باستلحاق زياد أن يموت أبوه، ثم يستلحقه إثر موت أبيه حين كان قريب ~~المكان من عثمان عظيم الشأن في نفسه، بل لم يستلحقه في أيام علي حين كان يعمل في البصرة ~~لعبد الله بن عباس أو حين قام في البصرة مقام ابن عباس، بل لم يستلحقه أيام الحسن، ولم ~~يستعن به على الصلح ولم يفكر في استلحاقه إلا بعد أن خلص له السلطان من جهة ببيعة الحسن، ~~وحين امتنع عليه زياد في فارس من جهة أخرى. # وعسى أن يكون الاستلحاق شرطا من شروط الصلح بينه وبين زياد، فهو إقرار سياسي ليس المرجع ~~فيه إلى الدين ولا إلى أصل من أصوله، وإنما المرجع فيه إلى الدنيا وتحقيق مصلحة سياسية، ~~وهذه المصلحة السياسية واضحة كل الوضوح. # فقد كان زياد أعلم الناس بأهل العراق، وأقدر الناس على سياستهم وحملهم على الطاعة عن رضى ~~أو عن كره، ولم يكن ذكاؤه ودهاؤه يخفيان على معاوية، بل لم يكونا يخفيان على أحد، فقد ~~اصطنعه معاوية إذن ليكفيه ms191 شرق الدولة، وليستطيع هو أن يفرغ لغربها، ولم يكن بد لصحة هذا ~~الإقرار من أن يقبله إخوة معاوية، وسائر من ورث أبا سفيان، وواضح أن هؤلاء لم يكونوا ~~يستطيعون إلا أن يذعنوا طائعين أو كارهين. # وهذا الاستلحاق لمصلحة من مصالح الدنيا قد كان معروفا في الجاهلية، وقد حرمه القرآن ~~بالآيتين الكريمتين من سورة الأحزاب: # ما جعل الله لرجل من ~~قلبين في جوفه وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون ~~منهن أمهاتكم وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم ~~قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل * ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم ~~تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم وليس ~~عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم ~~وكان الله غفورا رحيما ~~. # وقد اتفق المسلمون على أن هاتين الآيتين قد ألغتا بنوة زيد بن حارثة من النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، ~~وكان قد تبناه قبل النبوة في قصته تلك المعروفة، لم يكن يرجو بهذا التبني مصلحة من مصالح ~~الدنيا، وإنما تبناه حبا له وعطفا عليه وعملا بعرف كان مألوفا عند العرب، وألغت ~~الآيتان كذلك بنوة سالم من أبي حذيفة، فعدل الناس عن زيد ابن محمد إلى زيد بن حارثة، ولم ~~يعرفوا لسالم أبا، ولم يعرف سالم لنفسه أبا، فقال الناس: سالم مولى أبي حذيفة، وكان أبو ~~بكرة يقول: «لا أعرف لنفسي أبا، فأنا أخوكم في الدين.» وكان ربما قال: «أنا مولى رسول ~~الله.» أو «أنا مولى الله ورسوله.» لأن النبي أعتقه فيمن نزل إليه في غزوة الطائف من عبيد ~~ثقيف. # وكان هذا النحو من الاستلحاق معروفا عند الرومان أيضا، وكان كثير من قياصرتهم يتبنون ~~الرجال ويجعلون إليهم ولاية العهد من بعدهم، ومن يدري؟! لعل معاوية عرف ذلك فيما عرف من أمر ~~الروم، فلم يستلحق زيادا بنفسه وإنما استلحقه بأبيه، وجعله من رهطه، واستعانه على سياسة ~~العراق وما وراءه من الأقطار. # وما أريد أن أدخل فيما أكره الدخول فيه دائما من القول في رضى الله عن هذا الاستلحاق أو ~~غضبه عليه، فأمر ذلك ms192 إلى الله وحده، وإنما أحب ألا أتجاوز السياسة والتاريخ، وقد ألف ~~المسلمون منذ عهد النبي ألا يتبنى رجل من كان له أب معروف، أمر بذلك القرآن، وحرج النبي في ~~ذلك على المسلمين أشد التحريج، كما رأيت في حديث عبد الله بن عمر وأبي بكرة: «من ادعي ~~لغير أبيه متعمدا حرمت عليه الجنة.» # ويزيد أمر هذا الاستلحاق تعقيدا أن معاوية لم يرد إلى الاستلحاق الغامض العام، وإنما ~~أراد أن يضع النقط فوق الحروف، كما يقول الناس في هذه الأيام، وأن يثبت أن زيادا هو ابن ~~أبي سفيان لصلبه، فأشهد الشهود على أبيه بأنه عرف سمية في موطن من مواطن الإثم، وزاد بعض ~~الشهود، فقال: إنه راود سمية عن أن تلم بأبي سفيان، فقالت له: إذا جاء عبيد الرومي من غنمه ~~ووضع رأسه فنام أتيته، فورط معاوية نفسه وورط زيادا معه في نكر عظيم، وجرأ يونس بن عبيد ~~على أن يقول له: قضى رسول الله # صلى الله عليه وسلم # أن الولد للفراش وللعاهر الحجر، وقد جعلت الولد ~~للعاهر وللفراش الحجر. # فقد خالف معاوية إذن مخالفة ظاهرة عما ألف المسلمون من حكم دينهم، وشاركه زياد في هذه ~~المخالفة، وكان قد بايع المسلمين على أن يعمل فيهم بكتاب الله وسنة رسوله، فهو بهذا ~~الاستلحاق عمل بغير ما أمر الله ورسوله، فلا غرابة في أن يرى جماعة من صالحي المسلمين أن ~~بيعته قد أصبحت لا تلزمهم، وأن يخضعوا له كارهين لا طائعين، وساخطين لا راضين، وأن يتربصوا ~~الدوائر وينتهزوا الفرص ليخرجوا حين يتاح لهم الخروج. # | الفصل الخمسون # ولم يكد زياد يلي البصرة حتى سار في الناس سيرة تناقض كل المناقضة سيرته فيهم حين كان ~~عاملا لعلي، وحتى اعتمد في سياسته لهم على الإرهاب أكثر مما اعتمد على أي شيء آخر. # وليس من شك عندي في أن مرجع ذلك ليس إلى حاجته وحاجة معاوية إلى ضبط العراق وحمل أهله على ~~الطاعة فحسب، ولكن إلى عقدة نفسية أدركته وأفسدت عليه أمره بعد الاستلحاق، فهو كان يعرف رأي ms193 ~~المسلمين في نسبه هذا الجديد، وكان يعرف إنكارهم له واستهزاءهم به، وكان يعلم أن العرب لا ~~تسخر من شيء كما تسخر ممن يدعى لغير أبيه، وقد حمله ذلك على أن يسوس الناس بالخوف والذعر، ~~ويحول بينهم وبين أن يجمجموا بما في نفوسهم من نسبه واستلحاقه وسيرته وسيرة معاوية في أمور ~~المسلمين، فوفق إلى ذلك أشنع التوفيق وأشده نكرا، خاض إليه دماء الناس، وأهدر في سبيله ~~حقوقهم وكرامتهم، وأحدث فيهم من ألوان الحكم ما لم يعهدوه من قبل، وزعم - كما سترى في خطبته ~~- أن الناس أحدثوا أشياء لم تكن، وأنه أحدث لكل ذنب عقوبة، ومعنى ذلك أن ما بين الله ورسوله ~~للمسلمين من الحدود، وما ساس به الخلفاء الراشدون أمور الناس، لم يكن في رأي زياد كافيا ~~لحمل أهل البصرة وأهل الكوفة على الجادة، والرجوع بهم إلى الصراط المستقيم. # وقد رأينا بعض هذه الأشياء التي أحدثها الناس بعد أن لم تكن، والتي استحدث لها زياد ~~عقوبات غير مألوفة، فهو رأى الناس يحرقون الدور على من فيها، فقال: من حرق قوما حرقناه. ~~وعسى أن يكون زياد قد شارك في إحداث هذا التحريق في البصرة، حتى رضي عن تحريق جارية بن ~~قدامة للدار التي أوى إليها ابن الحضرمي وأصحابه، على من فيها، ورأى الناس يغرق بعضهم ~~بعضا، فقال: من غرق قوما غرقناه. ورأى الناس ينقبون البيوت، فقال: من نقب على قوم ~~نقبنا عن قلبه. ورأى الناس ينبشون القبور، فقال: من نبش قبرا دفناه حيا فيه. وقد كان في ~~ضبط الأمر بما وضع الله ورسوله للناس من حدود، وفي التشدد في هذا الضبط ما يغنيه عن ~~الشناعات، ولكنه شرع ألوانا من الحكم العرفي لم يقرها الإسلام ولم يألفها المسلمون، ثم ~~أسرف على نفسه وعلى الناس، فعاقب بالموت على دلج الليل، ولم يقبل لأحد عذرا حتى إذا استبان ~~صدقه. # واقرأ إن شئت خطبته تلك، فسترى أنها أول خطبة جهر فيها أمير من العقوبات بما لم يعرفه ~~الإسلام من قبل، وبما لم يعرفه أمير من أمراء ms194 معاوية في عصره، ولم يصدق الناس نذير زياد حين ~~سمعوا؛ لأنهم أعظموا ذلك، وقدروا أنه لا يريد إلا الإرهاب، مع أنه قال لهم في خطبته تلك: ~~«إن كذبة المنبر بلقاء مشهورة، فإذا تعلقتم علي بكذبة فاغتمزوها في، واعلموا أن عندي ~~أمثالها.» ولكن الناس رأوا أنه يصدق قوله بفعله، فيقتل المدلج وإن كان له عذر صادق مقبول، ~~ويأخذ الجار بالجار والولي بالمولى والبريء بالمسيء، ويسرف في قتل الناس حتى يقول بعضهم ~~لبعض: انج سعد فقد هلك سعيد. # ومات المغيرة بن شعبة سنة خمسين، فعمل زياد حتى ولي الكوفة مكان المغيرة، وسار في أهل ~~الكوفة سيرته في البصرة، فملأ قلوبهم رعبا ورهبا، وأغرب من هذا كله أنه ظن أنه يسوس الناس ~~سياسة عمر، لين في غير ضعف، وشدة في غير عنف، مع أن أهل العراق لم يروا منه بعد انتسابه في ~~بني أمية لينا أو شدة، وإنما عرفوا منه عنفا لا حد له، وإسرافا في الدماء والحقوق لا صلة ~~بينه وبين الإسلام. # ولم يحتمل زياد تبعة أعماله وحدها، وإنما سن لغيره من أمراء بني أمية في العراق، وللحجاج ~~منهم خاصة أشنع السنن وأشدها نكرا، واقرأ خطبته هذه التي أشرت إليها غير مرة، والتي رواها ~~المؤرخون روايات مختلفة، واقتصر أكثرهم على أطراف منها، ورواها الجاحظ على نحو من الترتيب ~~والتأليف لا يخلو من أثر الصنعة، ولكنه يصور أدق تصويره سيرة زياد، شأن الجاحظ في ذلك شأن ~~غيره من رواة العراق في أكثر ما رووا من خطب هذا العصر الذي نحن بصدده، قال زياد: «أما بعد، ~~فإن الجهالة الجهلاء، والضلالة العمياء، والغي الموفي بأهله على النار، ما فيه سفهاؤكم ~~ويشتمل عليه حلماؤكم من الأمور العظام، ينبت فيها الصغير ولا يتحاشى عنها الكبير، كأنكم لم ~~تقرءوا كتاب الله ولم تسمعوا ما أعد الله من الثواب الكريم لأهل طاعته، والعذاب الأليم لأهل ~~معصيته، في الزمن السرمدي الذي لا يزول، أتكونون كمن طرفت عينيه الدنيا، وسدت مسامعه ~~الشهوات، واختار الفانية على الباقية؟! ولا تذكرون أنكم أحدثتم في ms195 الإسلام الحدث الذي لم ~~تسبقوا إليه، من ترككم الضعيف يقهر ويؤخذ ماله وهذه المواخير المنصوبة، والضعيفة ~~المسلوبة في النهار المبصر، والعدد غير قليل، ألم تكن منكم نهاة تمنع الغواة من دلج الليل ~~وغارة النهار؟! قربتم القرابة وباعدتم الدين، تعتذرون بغير العذر وتغضون على المختلس، كل ~~امرئ منكم يذب عن سفيهه، صنيع من لا يخاف عاقبة ولا يرجو معادا، ما أنتم بالحلماء، ولقد ~~اتبعتم السفهاء، فلم يزل بكم ما ترون، من قيامكم دونهم، حتى انتهكوا حرم الإسلام ثم أطرقوا ~~وراءكم كنوسا في مكانس الريب، حرام علي الطعام والشراب حتى أسويها بالأرض هدما ~~وإحراقا، إني رأيت آخر هذا الأمر لا يصلح إلا بما صلح به أوله: لين في غير ضعف، وشدة في ~~غير عنف، وإني أقسم بالله لآخذن الولي بالمولى، والمقيم بالظاعن، والمقبل بالمدبر، والمطيع ~~بالعاصي، والصحيح منكم في نفسه بالسقيم، حتى يلقى الرجل منكم أخاه فيقول: انج سعد فقد هلك ~~سعيد. أو تستقيم لي قناتكم، إن كذبة المنبر بلقاء مشهورة، فإذا تعلقتم علي بكذبة فقد حلت ~~لكم معصيتي، فإذا سمعتموها مني فاغتمزوها في، واعلموا أن عندي أمثالها، من نقب منكم عليه ~~فأنا ضامن لما ذهب منه، فإياي ودلج الليل، فإني لا أوتى بمدلج إلا سفكت دمه، وقد أجلتكم في ~~ذلك بمقدار ما يأتي الخبر الكوفة ويرجع إليكم، وإياي ودعوى الجاهلية، فإني لا آخذ أحدا دعا ~~بها إلا قطعت لسانه، وقد أحدثتم أحداثا لم تكن، وقد أحدثنا لكل ذنب عقوبة، فمن غرق قوما ~~غرقناه، ومن أحرق قوما أحرقناه، ومن نقب بيتا نقبنا عن قلبه، ومن نبش قبرا دفناه حيا ~~فيه، فكفوا عني أيديكم وألسنتكم أكفف عنكم يدي ولساني، ولا تظهر من أحد منكم ريبة بخلاف ما ~~عليه عامتكم إلا ضربت عنقه، وقد كانت بيني وبين أقوام إحن، فجعلت ذلك دبر أذني وتحت قدمي، ~~فمن كان منكم محسنا فليزدد إحسانا، ومن كان منكم مسيئا فلينزع عن إساءته، إني لو علمت أن ~~أحدكم قد قتله السل من بغضي لم أكشف له قناعا ولم أهتك ms196 له سترا حتى يبدي لي صفحته، فإذا ~~فعل ذلك لم أناظره، فاستأنفوا أموركم وأعينوا على أنفسكم، فرب مبتئس بقدومنا سيسر، ~~ومسرور بقدومنا سيبتئس. # أيها الناس، إنا أصبحنا لكم ساسة وعنكم ذادة، نسوسكم بسلطان الله الذي أعطانا، ونذود عنكم ~~بفيء الله الذي خولنا، فلنا عليكم السمع والطاعة فيما أحببنا، ولكم علينا العدل فيما ~~ولينا، فاستوجبوا عدلنا وفيئنا بمناصحتكم لنا، واعلموا أني مهما قصرت عنه فلن أقصر عن ~~ثلاث: لست محتجبا عن طالب حاجة منكم ولو أتاني طارقا بليل، ولا حابسا عطاء ولا رزقا عن ~~إبانه، ولا مجمرا لكم بعثا. فادعوا الله بالصلاح لأئمتكم، فإنهم ساستكم المؤدبون لكم، ~~وكهفكم الذي إليه تأوون، ومتى يصلحوا تصلحوا ولا تشربوا قلوبكم بغضهم فيشتد لذلك غيظكم ~~ويطول له حزنكم، ولا تدركوا له حاجتكم، مع أنه لو استجيب لكم فيهم لكان شرا لكم، أسأل ~~الله أن يعين كلا على كل، وإذا رأيتموني أنفذ فيكم الأمر فأنفذوه على إذلاله، وايم ~~الله، إن لي فيكم لصرعى كثيرة، فليحذر كل امرئ منكم أن يكون من صرعاي.» # فهذه الخطبة الرائعة، مهما يكن فيها من أثر الصنعة وتأليف المتأخرين، تصور شيئين ~~متناقضين أشد التناقض: أحدهما هذا الجمال الفني الذي يأتي من رصانة اللفظ وقربه وإصابته لما ~~أراد زياد من المعاني، وإثارته لما أراد أن يثير من عواطف الفزع والطمع والخوف والأمل، ~~والثاني هذه السياسة المنكرة التي أعلن أنه سيسوس بها الناس، والتي لا يعرفها الإسلام ولا ~~يرضاها، ولم يعرفها المسلمون ولم يألفوها، والتي إن دلت على شيء فإنما تدل على أن صاحبها ~~طاغية يريد أن يحكم الناس بالبغي، الذي يملأ القلوب رعبا ورهبا، ويغتصب منها الطاعة ~~والخضوع للسلطان اغتصابا. # فالإسلام لا ينقب عن قلب السارق، وإن نقب عن أهل البيوت، والإسلام لا يدفن الناس في ~~القبور أحياء وإن نبشوا عن الموتى في قبورهم، والإسلام لا يقيم الحدود بالشبهة وإنما ~~يدرؤها، ولا يقتل الناس على الريبة، ولا يبيح للسلطان أن يعاقبهم بما كسبت قلوبهم وما دبرت ~~نفوسهم وما أدارت رءوسهم، وإنما يبيح له ms197 أن يعاقبهم بما كسبت أيديهم، ويترك حساب الضمائر ~~لله الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، والإسلام لا يبيح لوال ولا لخليفة أن يقول ~~إنه يسوس الناس بسلطان الله الذي أعطاهم، وفيء الله الذي خولهم، وإنما يفرض عليه أن يقول ~~إنه يسوس الناس بسلطان الله الذي رفعه الشعب إليه ومنحه له عن رضى منه، لا عن عنف ولا عن ~~استكراه، يفرض عليه كذلك أن يقول: إن الفيء ملك للشعب يأتمن عليه خلفاءه وولاتهم ليضعوه ~~مواضعه، وينفقوه بحقه فيما يجب أن ينفق من الوجوه. # والإسلام لا يبيح لوال ولا لخليفة أن يقسم على أن له في المسلمين صرعى؛ لأنه لا يعلم من ~~ذلك شيئا حتى يقترف الناس من الجرائم والآثام ما يوجب عليه أن يصرعهم بما كسبوا. # وقد وقعت هذه الخطبة من نفوس الذين سمعوها مواقع مختلفة، تصور ما صارت إليه حالهم، فأما ~~عبد الله بن الأهتم، فقال لزياد: «أشهد أيها الأمير لقد أوتيت الحكمة وفصل الخطاب.» ~~أتراه فتن بجمال الخطبة وروعتها، فلم يلتفت إلى ما أفرغ فيها من المعاني وما ابتكرت للناس ~~من سياسة لا عهد لهم بها؟! أم تراه أراد إلى أن يتملق السلطان ويرضى منه بما أحب وما كره؟ ~~أم تراه أراد إلى الأمرين جميعا؟ وقد رد عليه زياد ردا لاذعا، فقال: كذبت، ذاك نبي الله ~~داود. # وأما الأحنف بن قيس فقد صور حيدة المحايدين الذين لا يريدون أن يبادوا السلطان بما يكره، ~~ولا أن يردوا عليه مقالته، ولا أن ينزلوا عن مروءتهم في غير طائل، فقال لزياد: «إنما الثناء ~~بعد البلاء، والحمد بعد العطاء، وإنا لن نثني حتى نبتلي.» كلمة مسالم يريد العافية، فقال له ~~زياد: صدقت. # وأما أبو بلال مرداس بن أدية، فقال له كلام المحتفظ بدينه الحريص عليه المستعد للجهاد في ~~سبيله، الذي لا يكره أن يموت دونه، والذي مات دونه بالفعل بعد ذلك، وقد كان زعيما من زعماء ~~الخوارج في البصرة: «أنبأنا الله بغير ما قلت، قال الله: # وإبراهيم الذي وفى * ألا تزر وازرة ms198 وزر ~~أخرى * وأن ليس للإنسان إلا ما سعى # وأنت ~~تزعم أنك تأخذ البريء بالسقيم، والمطيع بالعاصي، والمقبل بالمدبر» فقال له زياد: «إنا لا ~~نبلغ ما نريد فيك وفي أصحابك حتى نخوض إليكم الباطل خوضا.» # ولم يبلغ زياد فيه وفي أصحابه ما أراد، ولم يبلغ في غيره وغير أصحابه من شيعة علي وصالحي ~~المسلمين ما أراد أيضا، ولكنه على ذلك خاض إليهم الباطل خوضا، وخاض إليهم مع الباطل دماء ~~غزارا. # | الفصل الحادي والخمسون # ولست في حاجة إلى أن أطيل فيما سفك زياد من دماء الناس في البصرة، وما سفك نائبه سمرة بن ~~جندب حين كان زياد يصير إلى الكوفة، حين أصبح لها أميرا، فأخبار هذا شائعة مشهورة في كتب ~~الأدب والتاريخ، والإطالة بذكرها مملة لا تغني عن أحد شيئا، ولكني أقف عند محنة بعينها ~~امتحن بها زياد الإسلام والمسلمين، وشاركه معاوية في هذا الامتحان، فتركت في نفوس المعاصرين ~~لهما أقبح الأثر وأشنعه، وكانت صدمة عنيفة لمن بقي من خيار الناس في تلك الأيام، وهي محنة ~~حجر بن عدي وأصحابه من أهل الكوفة. # وقصة هذه المحنة مفصلة في كتب المحدثين والمؤرخين، ما نشر منها وما لم ينشر، وإنما ~~أوجزها أشد الإيجاز وأعظمه؛ لأن مغزاها أعظم خطرا من تفصيلها، فما أكثر الذين قتلوا في ~~الفتنة الكبرى، منذ ثار الناس بعثمان إلى أن استقام الأمر لمعاوية! وما أكثر الذين قتلوا ~~بعد أن ولي معاوية في أعقاب هذه الفتنة، وفيما ثار بين المسلمين من فتن، وما ألم بهم من ~~خطوب! ولكن محنة حجر تصور المذهب الجديد في الحكم بعد أن استحالت الخلافة إلى ملك، ~~وتغيرت سياسة الملوك والأمراء الذين يعملون لهم في الأقاليم، وأصبح تثبيت الملك ودعم ~~السلطان والاحتياط للنظام آثر في نفوس الملوك والأمراء من النصح للدين والبقاء على ~~المسلمين. # وقد رأينا الخلفاء الراشدين يدرءون الحدود بالشبهات، ويحرجون على عمالهم في أن يؤذوا ~~الناس في أبشارهم وأموالهم، فكيف بنفوسهم ودمائهم؟! وقد رأينا عمر رحمه الله يشجع زيادا ~~نفسه على أن يلجلج في الشهادة، حين ms199 قذف بعض الناس عنده المغيرة بن شعبة، مخافة أن يفضح ~~رجل صحب النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، ورأينا عثمان يتكلف ما تكلف من العذر ليعفو عن عبيد الله بن عمر، ~~فيما كان من قتل الهرمزان، ويغضب في ذلك من أغضب من عامة المسلمين ومن خيار الصحابة ~~أنفسهم. # فأما الآن في أيام معاوية وزياد فالناس يؤخذون بالشبهة، ويقتلون بالظنة، والنظام آثر ~~عند الولاة والملوك من النفوس المؤمنة التي أمر الله ألا تزهق إلا بحقها. # وقد كان حجر بن عدي الكندي رجلا من شيعة علي المخلصين له الحب، شهد معه الجمل وصفين ~~والنهروان، وكره صلح الحسن، ولام الحسن في هذا الصلح، ولكنه بايع معاوية كما بايعه غيره من ~~الناس، ووفى ببيعته دون أن يضطره ذلك إلى أن يرفض عليا أو يبرأ من حبه، بل دون أن يضطره ~~ذلك إلى أن يرفض عليا أو يبرأ من حبه، بل دون أن يضطره ذلك إلى أن يؤمن لمعاوية وعماله ~~بكل ما كانوا يفعلون، وكان حجر رجلا من صالحي المسلمين، وفد على النبي # صلى الله عليه وسلم # مع أخيه ~~هانئ بن عدي فيمن وفد عليه من قومهما، ثم شارك في حرب الشام وأحسن فيها البلاء، وكأنه كان ~~في مقدمة الجيش الذي دخل مرج عذراء قريبا من دمشق، ثم تحول إلى العراق فشارك في غزو بلاد ~~الفرس وأبلى أحسن البلاء في نهاوند، ورابط في الكوفة مع المرابطين بعد الفتح، وكان رجلا ~~حرا صادق الدين يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويرضى عن السلطان إن أحسن، ويسخط عليه إن ~~أساء، وكان بعد صلح الحسن معارضا لسلطان معاوية وعامله المغيرة بن شعبة، ولكنه لم يخلع ~~يدا من طاعة، وإنما كان - كما كانت عامة أهل الكوفة - يذعن للسلطان وينتظر كما قال الحسن: ~~أن يستريح بر أو يموت فاجر. وكان ينكر أشد الإنكار سنة بني أمية في شتم علي وأصحابه على ~~المنبر، ولم يكن يخفي إنكاره، وإنما كان يبادي به المغيرة بن شعبة، وكان المغيرة يعفو عنه ~~وينصح له ويحذره بطش السلطان ms200 . # وكأن موت الحسن ومصير الأمر إلى الحسين قد رفع أهل الكوفة إلى أن يشتدوا في معارضتهم أكثر ~~مما كانوا يفعلون من قبل، وكان حجر رأس المعارضين، وقد خطب المغيرة ذات يوم وأخذ في شتم ~~علي وأصحابه كما تعود أن يفعل، فوثب حجر فأغلظ له في القول وطالبه بأن يؤدي إلى الناس ما ~~أخر من عطائهم، فهذا أنفع لهم وأجدى عليهم من شتم الأخيار والصالحين، ووثب قوم من أصحاب حجر ~~فصاحوا بمثل صياحه وقالوا بمثل مقالته، حتى اضطر المغيرة أن يقطع حديثه وينزل عن المنبر ~~ويدخل داره، وقد لامه في هذا اللين قوم من أصحابه، فزعم المغيرة أنه قتل حجرا بحلمه عنه؛ ~~لأنه سيطمع في الأمير الذي سيخلفه، فيقتله هذا الأمير لأول وهلة، وكره المغيرة أن يقتل خيار ~~أهل المصر ليسعد معاوية في الدنيا ويشقى هو في الآخرة. # وأقبل زياد واليا على الكوفة، وكان لحجر صديقا، فقربه ونصح له بإيثار العافية وحذره من ~~الفتنة وخوفه من بأسه إن جعل على نفسه سبيلا، ولكن الأمر لم يلبث أن فسد بين حجر وزياد، ~~وظهر هذا الفساد حين قتل عربي مسلم رجلا من أهل الذمة، فكره زياد أن يقيد من العربي ~~المسلم لذمي، وقضى بالدية، وأبى أهل الذمي قبول الدية وقالوا: كنا نخبر أن الإسلام يسوي ~~بين الناس ولا يفضل عربيا على غير عربي، وغضب حجر لقضاء زياد وأبى أن يسكت على إمضائه، ~~وقام الناس معه في ذلك حتى أشفق زياد من الفتنة إن أمضى قضاءه، فأمر بالقصاص على كره منه، ~~وكتب في حجر وأصحابه إلى معاوية يشكو صنيعهم، فكتب إليه معاوية أن ينتظر به وبأصحابه أول ~~حجة تقوم عليه. # ويحدث المؤرخون أن حجرا وأصحابه انتهزوا عودة زياد إلى البصرة، فجعلوا يشغبون على نائبه ~~إذا شتم عليا وأولياءه في خطبته، وجعلوا ينكرون عليه كثيرا من أعماله ويشددون في النكير، ~~حتى أحس النائب عمرو بن حريث شيئا من الحرج، وكتب إلى زياد يتعجل عودته إلى الكوفة ويذكر ~~له صنيع المعارضين؛ فلما قرأ زياد كتابه قال ms201 : ويل أمك يا حجر، وقع العشاء بك على ~~سرحان. # ثم أقبل مسرعا إلى الكوفة فأنذر وحذر، ولم يعجل بالتعرض لحجر وأصحابه، حتى إذا خطب ذات ~~يوم فأطال الخطبة أظهرت الشيعة مللا، وصاح حجر: الصلاة. فمضى زياد في خطبته، فصاح حجر مرة ~~أخرى: الصلاة. وصاح معه أصحابه، وهم زياد أن يمضي في خطبته، ولكن حجرا وقف وهو يصيح: ~~الصلاة. ووقف معه أصحابه يصيحون كما كان يصيح، فقطع زياد خطبته ونزل، فصلى وتفرق ~~الناس. # وأرسل زياد إلى جماعة من وجوه الكوفة فأمرهم أن يأتوا حجرا، وأن يكفوا عنه من يطيف به من ~~عشائرهم، وأن يردوه عن هذه الطريق التي أخذ في سلوكها، ولكن هؤلاء الوجوه من أهل الكوفة لم ~~يبلغوا من حجر شيئا، فعادوا إلى زياد فأنبئوه من أمر حجر بأشياء وكتموه أشياء أخرى - فيما ~~يقول المؤرخون - وطلبوا إليه أن يستأني بحجر، فلم يسمع منهم، وإنما أرسل من يدعو له حجرا، ~~فامتنع عليه. # فأمر الشرطة أن يأتوه به، فكان بين الشرط وأصحاب حجر تناوش، واستخفى حجر فلم يقدر عليه ~~زياد، حتى أخذ محمد بن قيس بن الأشعث زعيم كندة، وأمر بسجنه، وتوعده بالقتل والمثلة إن لم ~~يأته بحجر، فجاءه بعد أن أخذ منه أمان حجر على نفسه حتى يرسله إلى معاوية فيرى فيه رأيه، ~~فأعطى زياد هذا الأمان. # وأقبل حجر، فأمر زياد بإلقائه في السجن، وجد في طلب من قدر عليه من أصحابه، حتى جعل في ~~السجن مع حجر ثلاثة عشر رجلا بعد خطوب ومحن. # ثم طلب إلى أهل الكوفة أن يشهدوا عليهم، فشهد قوم بأنهم تولوا عليا وعابوا عثمان ونالوا ~~من معاوية، فلم يرض زياد هذه الشهادة، وقال: إنها غير قاطعة، فكتب له أبو بردة بن أبي موسى ~~الأشعري شهادة بأن حجرا وأصحابه قد خلعوا الطاعة، وفارقوا الجماعة، وبرئوا من خلافة ~~معاوية، وهموا بإعادة الحرب جذعة فكفر كفرة صلعاء. # هنالك رضي زياد وطلب إلى الناس أن يمضوا هذه الشهادة، فأمضاها خلق كثير، حتى بلغ الشهود ~~سبعين رجلا - فيما قال المؤرخون - وكان ms202 منهم جماعة من أبناء المهاجرين، بينهم ثلاثة من بني ~~طلحة، وعمر بن سعد بن أبي وقاص والمنذر بن الزبير، ولم يتحرج من أن يكتب أسماء نفر لم ~~يشهدوا ولم يحضروا هذه الشهادة، فمن هؤلاء من برأ نفسه أمام الناس، ومنهم من كتب إلى معاوية ~~يبرئ نفسه من هذه الشهادة، وهو شريح القاضي الذين شهد أن حجرا رجل صالح من المسلمين، يقيم ~~الصلاة ويؤتي الزكاة ويصوم ويحج ويعتمر، وأن دمه حرام، فلما قرأ معاوية كتاب شريح لم يزد ~~على أن قال: أما هذا فأخرج نفسه من الشهادة. # وقد حمل حجر وأصحابه إلى معاوية، فأمر ألا يدخلوا دمشق وأن يحبسوا بمرج عذراء، ويقول ~~المؤرخون: إن حجرا لما عرف أنه بهذه القرية قال: والله إني لأول مسلم نبحته كلابها وأول ~~مسلم كبر بواديها. # وقد قرأ معاوية كتاب زياد وشهادة الشهود، وأمر فقرئ هذا كله على الناس، ثم استشار في ~~أمرهم من حضره من أشراف قريش ووجوه أهل الشام، فمنهم من أشار عليه بحبسهم، ومنهم من أشار ~~عليه بتفريقهم في قرى الشام، وأقام معاوية وقتا لا يقطع في أمرهم برأي، فكتب إلى زياد ~~بتوقفه في أمرهم، وكتب إليه زياد يعجب من تردده ويقول له: إن كانت لك حاجة بالعراق فلا ~~تردهم إلي. # هنالك استبان الرأي لمعاوية، فأرسل إلى هؤلاء الرهط من يعرض عليهم البراءة من علي ولعنه ~~وتولي عثمان، فمن فعل منهم ذلك أمن، ومن أبى منهم ذلك قتل. # وقام جماعة من أشراف أهل الشام فشفعوا عند معاوية في بعض هؤلاء الرهط، وقبل معاوية ~~شفاعتهم، حتى لم يبق منهم إلا ثمانية، عرضت عليهم البراءة من علي فأبوا، فأخذ في قتلهم ~~في قصة طويلة، ورأى اثنان السيوف المشهورة والقبور المحفورة والأكفان المنشورة، كما قال حجر ~~قبيل موته، فطلبا أن يحملا إلى معاوية وأظهرا أنهما يريان رأيه في علي وعثمان، فأجيبا ~~إلى طلبهما، وقتل الآخرون وهم ستة، وكانوا أول من قتل صبرا من المسلمين. # وحمل الرجلان إلى معاوية، فأما أحدهما فأظهر البراءة من علي بلسانه، وشفع ms203 فيه شافع من ~~أهل الشام، فحبسه معاوية شهرا ثم ألزمه الإقامة حيث أراد من الشام، وحرم عليه أرض العراق، ~~فأقام في الموصل حتى مات. # وأما الآخر فأبى أن يبرأ من علي وأسمع معاوية في نفسه وفي عثمان ما يكره، فرده معاوية إلى ~~زياد وأمره أن يقتله شر قتلة، فأمر به زياد فدفن حيا. # وكذلك انتهت هذه المأساة المنكرة التي استباح فيها أمير من أمراء المسلمين أن يعاقب الناس ~~على معارضة لا إثم فيها، وأن يكره وجوه الناس وأشرافهم على أن يشهدوا عليهم زورا ~~وبهتانا، وأن يكتب شهادة القاضي على غير علم منه ولا رضى، حتى قال حجر حين قدم لتضرب ~~عنقه: الله بيننا وبين أمتنا، شهد علينا أهل العراق وقتلنا أهل الشام. # استباح أمير من أمراء المسلمين لنفسه هذا الإثم، واستحل هذا البدع، واستباح إمام من أئمة ~~المسلمين لنفسه أن يقضي بالموت على نفر من الذين عصم الله دماءهم، دون أن يراهم أو يسمع لهم ~~أو يأذن لهم في الدفاع عن أنفسهم، وما أكثر ما أرسلوا إليه أنهم على بيعتهم لا يقيلونها ولا ~~يستقيلونها! # وقد ذعر المسلمون في أقطار الأرض لهذا الحدث، وآية ذلك أن عائشة علمت بتسيير هؤلاء الرهط ~~من الكوفة، فأرسلت عبد الرحمن بن الحارث بن هشام إلى معاوية يراجعه في أمرهم، فوصل عبد ~~الرحمن إلى الشام فوجد القوم قد قتلوا، فقال لمعاوية: كيف ذهب عنك حلم أبي سفيان؟ فأجابه ~~معاوية: حين غاب عني أمثالك من حلماء قومي، وقد حملني زياد فاحتملت. # وآية ذلك أيضا أن الخبر بقتل هؤلاء النفر قد انتهى إلى المدينة، وسمعه عبد الله بن عمر ~~فأطلق حبوته، وتولى والناس يسمعون نحيبه، وأن معاوية بن خديج انتهى إليه الخبر في إفريقية ~~فقال لقومه الذين كانوا معه من كندة: ألا ترون أنا نقاتل لقريش ونقتل أنفسنا لنثبت ملكها، ~~وأنهم يثبون على بني عمنا فيقتلونهم؟! # وكان للخبر صدى مثل هذا الصدى في خراسان عند عاملها الربيع بن زياد، وقالت عائشة: إنها ~~همت أن تثور لتغير ما كان ms204 من أمر حجر، ولكنها خافت أن تتجدد وقعة الجمل، وأن يغلب السفهاء ~~ويصير الأمر إلى غير ما أرادت من الإصلاح. # وقال الكوفيون في ذلك شعرا كثيرا نجده في كتب السير والتاريخ. # وأغرب من هذا كله أن قتل حجر وأصحابه كان صدمة لمعاوية نفسه، تردد في قتلهم أول الأمر، ثم ~~لما أمضى فيهم حكمه ظن أنه قد أبلى فأحسن البلاء، ولكن الأيام لم تكد تتقدم حتى عاوده الندم ~~وأصابه قلق ممض. # ويقول البلاذري: إن معاوية كتب إلى زياد: «إنه قد تلجلج في صدري شيء من أمر حجر، فابعث ~~إلي رجلا من أهل المصر له فضل ودين وعلم.» فأشخص إليه عبد الرحمن بن أبي ليلى، وأوصاه ألا ~~يقبح له رأيه في أمر حجر، وتوعده بالقتل إن فعل، قال ابن أبي ليلى: فلما دخلت عليه رحب بي ~~وقال: اخلع ثياب سفرك والبس ثياب حضرك. ففعلت، وأتيته فقال: أما والله لوددت أني لم أكن ~~قتلت حجرا، وودت أني كنت حبسته وأصحابه وفرقتهم في كور الشام فكفتنيهم الطواعين، أو مننت ~~بهم على عشائرهم، فقلت: وددت والله أنك فعلت واحدة من هذه الخلال، فوصلني، فرجعت وما شيء ~~أبغض إلي من لقاء زياد، وأجمعت على الاستخفاء، فلما قدمت الكوفة صليت في بعض المساجد، فلما ~~انفتل الإمام إذا رجل يذكر موت زياد، فما سررت بشيء سروري بموته. # بل زعم الرواة أن قتل حجر كان له صدى حتى في أعماق دار معاوية، فقد يحدثنا البلاذري: أن ~~معاوية صلى يوما فأطال الصلاة وامرأته تنظر إليه، فلما فرغ من صلاته قالت له امرأته: ما ~~أحسن صلاتك يا أمير المؤمنين لولا أنك قتلت حجرا وأصحابه! # فقد كان قتل حجر إذن حدثا من الأحداث الكبار، لم يشك أحد من الأخيار الذين عاصروا معاوية ~~في أنه كان صدعا في الإسلام، بل لم يشك معاوية نفسك في أنه كان كذلك، فهو لم ينسه قط منذ ~~كان إلى أن انقضت أيامه، ثم هو لم يذكره قط كما ذكره في مرضه الذي مات فيه، فقد كان يقول ms205 ~~أثناء مرضه - فيما زعم الرواة والمؤرخون: ويلي منك يا حجر! وكان يقول كذلك: إن لي مع ابن ~~عدي ليوما طويلا. # | الفصل الثاني والخمسون # وأمر آخر استحدثه معاوية في الإسلام فغير به السنة الموروثة تغييرا خطيرا، وهو استخلاف ~~ابنه يزيد بعده على سلطان المسلمين، ولم يكره المسلمون شيئا في الصدر الأول من أيامهم كما ~~كرهوا وراثة الخلافة، فقد عهد أبو بكر إلى عمر ولم يخطر له أن يعهد إلى أحد من بنيه، وزجر ~~عمر من طلب إليه أن يعهد لعبد الله ابنه، ولم يخطر لعثمان أن يعهد إلى أحد، ولا ينبغي أن ~~يقال أعجل عثمان عن ذلك، فقد لبث في الخلافة اثني عشر عاما، وأبى علي أن يستخلف وقال ~~لأصحابه حين سألوه ذلك: أترككم كما ترككم رسول الله. وسأله الناس: أيبايعون الحسن ابنه؟ ~~فقال: لا آمركم ولا أنهاكم. # وكان المسلمون يذكرون الكسروية والقيصرية، يريدون بذلك حكم القياصرة والأكاسرة، ولم تكن ~~وراثة الملك إلا لونا من الحكم الأعجمي. # ولو وقف أمر معاوية عند هذا الحد لكان من الممكن أن يقال: اجتهد للناس فأخطأ أو أصاب. ~~ولكنه قاتل عليا على دم عثمان من جهة، وعلى أن يرد الخلافة شورى بين المسلمين من جهة ~~أخرى، فلما استقام له السلطان نسي ما قاتل عليه، أو أعرض عما قاتل عليه، ولما أراد مصالحة ~~الحسن عرض عليه أن يجعل له ولاية الأمر من بعده، فأبى الحسن ذلك واشترط فيما اشترط أن يعود ~~الأمر بعد معاوية شورى بين المسلمين يختارون لخلافتهم من أحبوا، فقبل معاوية ذلك فيما قبل ~~من الشروط. # فهو إذن كان يرى الشورى في أمر الخلافة قبل أن يستقيم له أمر الناس، وقبل أصل الشورى ~~أثناء الصلح حين هم أمر الناس أن يستقيم له، ثم نسي هذا كله بأخرة، ويقال إن المغيرة بن ~~شعبة هو الذي ألقى في قلبه هذا الخاطر، فمال إليه وشاور فيه زيادا، فأشار عليه بالأناة ~~وبأن يصلح من سيرة يزيد. # وكان يزيد فتى من فتيان قريش صاحب لهو وعبث، محبا للصيد مسرفا ms206 على نفسه في لذاته، ~~مستهترا لا يتحفظ، وكان ربما أضاع الصلاة، فأخذه أبوه بالحزم، وأغزاه الروم وأمره على ~~الحج، يمهد بهذا كله لتوليته العهد، فلما رأى من سيرة يزيد ما أرضاه حزم أمره وأعلن تولية ~~يزيد عهده، وكتب في ذلك إلى الآفاق، فأجابه الناس إلى ما أراد، وهل كانوا يستطيعون إلا أن ~~يجيبوه إلى ما أراد؟! ثم استوفد الوفود من الأقاليم، فوفدت عليه وأعلنت البيعة ليزيد، ~~وامتنع أربعة نفر من قريش، هم: الحسين بن علي، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد ~~الرحمن بن أبي بكر. فذهب معاوية إلى الحجاز معتمرا ولقي هؤلاء النفر، فلم يبلغ منهم شيئا ~~بالوعد ولا بالوعيد، صارحه بعضهم والتوى عليه بعضهم الآخر، فحذرهم عواقب الخلاف عن أمره إن ~~أظهروه. # وزعم بعض المؤرخين أنه أقام على رءوسهم شرطا حين خطب الناس، وتقدم إلى هؤلاء الشرط في ~~أن يضربوا عنق أيهم كذبه فيما يقول، ثم خطب الناس فذكر بيعة يزيد بولاية العهد، وأن الناس ~~أجمعوا على قبول ما اختار لهم، وأن هؤلاء النفر من أعلام قريش وسادتها قد دخلوا فيما دخل ~~الناس فيه، فبايع الناس وانصرف هؤلاء النفر يحلفون لمن لامهم ما بايعوا ولا قبلوا. # وسواء أصحت هذه الرواية أم لم تصح، فالشيء المحقق هو أن معاوية قد استكره هؤلاء النفر على ~~الصمت بعد أن لم يستطع أن يستكرههم على البيعة، وهو بعد ذلك لم يؤامر الأمة فيمن اختار ~~لخلافتها على أي نحو من المؤامرة، وإنما شاور قوما من خاصته والطامعين فيه، فكلهم أغراه ~~بذلك وحببه إليه، ولم يستطع أحد من خاصة الناس ولا من عامتهم أن ينكر على معاوية مما أراد ~~شيئا. # وكذلك استقر في الإسلام لأول مرة هذا الملك الذي يقوم على البأس والبطش والخوف، والذي ~~يرثه الأبناء عن الآباء، وأصبحت الأمة كأنها ملك لصاحب السلطان ينقله إلى من أحب من أبنائه، ~~كما ينقل إليه ما يملك من سائل المال وجامده، وقد تم ذلك سنة ست وخمسين للهجرة، أي قبل أن ~~ينتصف القرن ms207 على وفاة رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~. # ورحم الله الحسن البصري فقد كان يقول فيما روى الطبري: «أربع خصال كن في معاوية، لو لم ~~يكن فيه منهن إلا واحدة لكانت موبقة: انتزاؤه على هذه الأمة بالسفهاء حتى ابتزها أمرها بغير ~~مشورة منهم، وفيهم بقايا الصحابة وذوو الفضيلة؛ واستخلافه ابنه بعده سكيرا خميرا يلبس ~~الحرير ويضرب بالطنابير، وادعاؤه زيادا، وقد قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: الولد للفراش وللعاهر ~~الحجر، وقتله حجرا، ويل له من حجر وأصحاب حجر! ويل له من حجر وأصحاب حجر!» # وما أريد أن أشارك الحسن فأقول: إن هذه الخصال كلها أو بعضها قد أوبقته، فأمر ذلك إلى ~~الله وحده والله عز وجل يقول: # إن الله لا يغفر أن يشرك ~~به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ~~. # وليس يعنيني الآن ما كان من أمر يزيد، فلست أورخ ليزيد ولا أبحث عن استئهاله للخلافة، ~~وإنما الذي يعنيني هو أن معاوية قد استحدث في المسلمين بدعة جديدة طالما أنكروها من قبل، ~~وهي توريث الملك، وكانت عاقبة هذه البدعة وبالا على المسلمين أي وبال، فما أكثر ما استحل ~~الملوك من المحارم! وما أكثر ما سفكوا من الدماء، وأهدروا من الحقوق، وضحوا بمصالح الأمة في ~~سبيل ولاية العهد! وما أكثر ما كاد بعض الأمراء من أبناء الملوك لبعض في سبيل هذا التراث ~~الذي لم يبحه لهم كتاب ولا سنة، ولا عرف مألوف من صالحي المسلمين! # وإنما القول في معاوية وملكه قول رجل من خيار الصحابة اعتزل الفتنة، ولم يشارك فيها من ~~قريب أو بعيد، وهو سعد بن أبي وقاص رحمه الله، فقد تحدث البلاذري عن رواته أنه دخل على ~~معاوية فقال: «السلام عليك أيها الملك. فضحك معاوية وقال: ما كان عليك يا أبا إسحاق رحمك ~~الله لو قلت: يا أمير المؤمنين؟! فقال: أتقولها جذلان ضاحكا؟! والله ما أحب أني وليتها بما ~~وليتها به.» # | الفصل الثالث والخمسون # ولم يكن نشاط الخوارج أيام معاوية أقل ولا أخف من نشاطهم أيام علي، وإنما ms208 مضوا على سنتهم ~~تلك فلم يريحوا ولم يستريحوا، وكان الخوارج أيام علي يخرجون من الكوفة، فإذا تهيئوا للحرب ~~لحق بهم إخوانهم من أهل البصرة، فأما أيام معاوية فقد نصب خوارج الكوفة لأمراء الكوفة، ونصب ~~خوارج البصرة لأمراء البصرة، وكان أمر الخوارج في الصدر الأول من ملك معاوية متصلا، ولكنه ~~كان يسيرا كما كان في أيام علي، سار فيهم المغيرة وعبد الله بن عامر سيرة علي، فكانا لا ~~يهيجانهم إن سكنوا، ولا يعرضان لهم بمكروه حتى يظهروا خلع الطاعة وينشروا الفساد في الأمر، ~~فلما صار الأمر إلى زياد في العراق اشتد في أمر الخوارج فلم ينتظر بهم أن يخرجوا، وإنما ~~احتاط لخروجهم قبل أن يكون، فجعل يستقصي أمورهم ويتتبع أفرادهم حيث يكونون، ويأخذ من قدر ~~عليه منهم بالشبهة ويقتلهم بالظنة. # وعرف الخوارج ذلك من أمره، فاحتالوا في التخلص منه والاستخفاء من شرطه وعيونه، كما احتال ~~هو في الظفر بهم والوصول إليهم، وكان بطشه بهم شديدا وكيده لهم عظيما، وقد أخاف زياد ~~الناس جميعا، فاستتروا منه أشد الاستتار، ومكروا به أعظم المكر. # وكثر القعود بين الخوارج في أيامه، وظهر الخلاف بينهم أيضا، وانتشر مذهبهم أشد انتشار في ~~طبقات من الناس لم يكن يبلغها من قبل، وتشجع النساء فملن إلى هذا المذهب وشاركن فيه، وخرج ~~بعضهن فيمن خرج من أهل الكوفة، وتعرض بعضهن للقتل والمثلة في البصرة. # وكانت عاقبة الخوارج معروفة، لا تكاد تخرج منهم خارجة في أحد المصرين حتى يرسل إليها ~~الأمير جندا أكثر منها عددا وأشد منها بأسا، فيكون بين هذا الجيش وهذه الخارجة شيء من ~~قتال، ثم يعود الجيش إلى المصر وقد قتل الخارجة كلها أو أكثرها. # فكان خروج الخوارج تضحية بالنفس، يقدمون عليها وهم عالمون بها، مطمئنون إليها راغبون ~~فيها، قد باعوا نفوسهم من الله واشتروا بها الجنة، فكان حزبهم حزب التضحية التي لا تنقضي، ~~وكانوا يرون قتلاهم شهداء، وكان خصومهم من الشيعة وأهل الجماعة يرونهم مارقين من الدين، كما ~~قال فيهم ذلك علي مستندا إلى الحديث المعروف، ولكن ms209 الأمراء الظالمين من ولاة معاوية جعلوا ~~بعض هؤلاء الخوارج شهداء، لا بالقياس إلى الخوارج وحدهم، ولكن بالقياس إلى كثير غيرهم من ~~الناس، حين أخذوهم بالشبهة وقتلوهم بالظنة، وحين سلكوا في قتالهم سياسة الغدر التي نهى عنها ~~الإسلام أشد النهي، كالذي كان من أمر أبي بلال مرداس بن أدية الذي وقع قتله وقتل أصحابه ~~موقع المحنة القاسية، لا من الخوارج وحدهم بل من خلق غيرهم كثير، حتى لقد يحدثنا المبرد بأن ~~الفرق تنافست في أبي بلال هذا، عدته المعتزلة من أوائلهم، وزعمت الشيعة أنه كان منهم، وما ~~أشك في أن الأخيار والصالحين من معاصريه رأوه رجلا من أكرم المسلمين وأتقاهم. # وكان أبو بلال صاحب زهد في الدنيا وتنزه عنها، مؤثرا للخير ناصحا للمسلمين، برا بمن ~~عرف ومن لم يعرف من الناس، وكان كثير العبادة قليل الخوض فيما يخوض الناس فيه عادة، شهد ~~صفين مع علي، وأنكر الحكومة وخرج مع أصحاب النهروان، ثم اعتزل الشر وأقام في مصره بالبصرة ~~خارجي الهوى، مشيرا على الخوارج ناقدا لبعض أعمالهم، منكرا لنشر الفساد في الأرض، زاريا ~~على اعتراض الناس وقتلهم بغير ذنب، حتى إذا ولي زياد البصرة وخطب خطبته تلك البتراء، كان ~~الرجل الوحيد الذي أنكر عليه قوله: «لآخذن البريء بالمسيء والصحيح بالسقيم.» وذكره قول الله ~~عز وجل: # وإبراهيم الذي وفى * ألا ~~تزر وازرة وزر أخرى * وأن ليس للإنسان إلا ~~ما سعى # ولكنه على ذلك أقام في مصره يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويشيع ~~الدعوة إلى الخير من حوله، وهلك زياد وولي البصرة ابنه عبيد الله بن زياد، فأسرف في تتبع ~~الخوارج حتى أخافهم، يرصد لهم المراصد، ويلقيهم في السجن، ويمثل بمن قدر عليه منهم. # وكان أبو بلال محببا إلى الناس بصلاحه وتقاه وحسن سيرته، وقد سجن مرة فيمن سجن من ~~الخوارج، فأحبه سجانه لما رأى من عبادته وحسن تلاوته للقرآن، فكان إذا جن الليل أطلقه ~~وربما أطلقه النهار أيضا، فكان يلم بأهله ويعود إلى سجنه، وقد بلغه ذات يوم وهو مطلق أن ~~عبيد الله ms210 بن زياد أزمع قتل الخوارج المسجونين، فلما أقبل الليل تنكر حتى عاد إلى سجنه، ~~وآثر القتل على أن يخون السجان في نفسه ويعرضه لغضب السلطان. # وأخرجهم ابن زياد فقتل منهم فريقا وأطلق فريقا بشفاعة من شفع فيهم من الناس، وكان أبو ~~بلال ممن نجا فاستأنف سيرته، ولكن غيظه من ظلم السلطان كان قد بلغ أقصاه، حتى إذا رأى ابن ~~زياد قد أخذ امرأة خارجية فقطع يديها ورجليها وعرضها في السوق، لم يطق صبرا على مجاورة ~~الظالمين، فخرج في عدد قليل من أصحابه لا يتجاوزون الثلاثين، ورسم لنفسه ولأصحابه برنامجا ~~واضح الحدود، وهو أن يخرجوا منكرين للظلم داعين إلى العدل والإصلاح، لا يستعرضون الناس ولا ~~يستبيحون أموالهم ولا يفسدون في الأرض ولا يبدءون أحدا بقتال، وإنما يدافعون عن أنفسهم إذا ~~قوتلوا، ولحق بهم عشرة من أصحابهم فصاروا أربعين، ومضوا في طريقهم فلقيتهم أموال قد جاءت ~~إلى ابن زياد من خراسان، فأخذ بلال من هذه الأموال نصيبه ونصيب أصحابه، كما كان يقسم عليهم ~~في البصرة لو أقاموا، وأمن الرسل على أنفسهم وعلى ما يحملون، وخلى بينهم وبين الطريق إلى ~~البصرة. # وعرف ابن زياد خروجهم فأرسل في إثرهم أسلم بن زرعة في ألفين من الجند فأتبعوهم حتى لقوهم ~~بآسك، فدعوهم إلى العودة والبقاء على الطاعة، فأبوا أن يعودوا إلى طاعة فاسق ظالم يأخذ ~~بالشبهة ويقتل بالظنة ويشق على الناس في أموالهم وحرماتهم، ثم أمسكوا عن جند ابن زياد لم ~~يبادوهم بشر حتى بدءوهم بالقتال، هنالك شد أبو بلال وأصحابه على هؤلاء الجند شدة الشراة ~~المستبسلين فهزموهم، ورجع أسلم بن زرعة في أصحابه إلى البصرة مستخزين، فلام ابن زياد أسلم ~~في ذلك أشد اللوم، وعيره الناس بهذه الهزيمة، حتى تصايح به الصبيان في الطرقات يخوفونه أبا ~~بلال، وقال قائل الخوارج في ذلك: # أألفا مؤمن فيما زعمتم # ويقتلكم بآسك أربعونا؟! # كذبتم ليس ذاك كما زعمتم # ولكن الخوارج مؤمنونا # هم الفئة القليلة قد علمتم # على الفئة الكثيرة ينصرونا # يشير إلى قول الله عز وجل: # كم من ms211 فئة قليلة غلبت ~~فئة كثيرة بإذن الله ~~. # وأرسل ابن زياد إلى أبي بلال وأصحابه عباد بن أخضر في أربعة آلاف، فلقوهم في بعض طريقهم ~~وطلبوا إليهم العودة والبقاء على الطاعة، فردوا عليهم مثل ردهم على أسلم بن زرعة، وأنشب ~~عباد معهم القتال، فقاتلوهم قتالا عسيرا طويلا حتى رأى أبو بلال أن صلاة العصر قد كادت ~~تفوت القوم، فطلب إليهم الموادعة حتى يصلي الفريقان، وأعطاه عباد ما طلب، وأقبل الفريقان ~~على صلاتهما. ولكن عبادا عجل صلاته وصلاة أصحابه أو قطعها، وشد على الخوارج فألفاهم في ~~صلاتهم بين قائم وراكع وساجد، فقتلهم جميعا لم ينحرف لقتاله أحد منهم إيثارا للصلاة على ~~القتال، ووقع هذا الغدر من هذه الفئة الضخمة على هذا العدد اليسير وقتلهم وهم يصلون في قلوب ~~الناس أسوأ موقع، فأما الخوارج فهاجوا وجدوا له في الثأر لإخوانهم، وأما عامة الناس فكرهوا ~~ثم صبروا على ما يكرهون. # أكان المسلمون راضين عن سياسة معاوية أم كانوا عليها ساخطين؟ # ما ينبغي أن نلقي هذا السؤال ونحن ننتظر الجواب عليه من المتأخرين من أهل الفرق، فهؤلاء ~~يتأثرون بمذاهبهم أكثر مما يتأثرون بحقائق التاريخ، وإنما الشيء الذي ليس فيه شك هو أن ~~الذين عاصروا معاوية من المسلمين في شرق الدولة وغربها، لو ردت إليهم أمورهم وطلب ~~إليهم أن يختاروا لأنفسهم إماما، وأن يختاروه أحرارا غير مستكرهين ولا مبتغين شيئا إلا ~~صلاح دينهم ودنياهم، لما اختاروا معاوية بحال من الأحوال؛ لأنهم بلوا سياسته وخبروا عماله ~~ورأوا أن أمورهم تصير إلى شر عظيم، إذا قاسوها إلى ما كانت عليه في تاريخهم القريب، فهم ~~يحكمون بالخوف لا بالرضى، ويساسون بالرغب والرهب، لا بما ينبغي أن يساس به المسلمون من ~~كتاب الله وسنة رسوله، وأموالهم العامة ليست إليهم، وإنما هي إلى ملكهم وولاتهم يتصرفون ~~فيها على ما يشتهون، لا على ما يقتضيه الحق والعدل والمعروف. # فالصلات الضخمة تعطى لكثير من الناس تشجيعا لبعضهم على المضي في الطاعة والإذعان، ~~وإغراء لبعضهم الآخر بالسكوت عن الجهر بالحق والقيام دونه، أشراف الحجاز ms212 غارقون في الثراء ~~من هذه الصلات، التي تشترى بها طاعة ضعفائهم ويشترى بها سكوت أقويائهم، وأهل الشام غارقون ~~في الثراء موسع عليهم في السلطان لأنهم جند الملك وحماة دولته، وأهل العراق مضطهدون لأنهم ~~بين شيعة لعلي وبين خارج على الجماعة، وبين قوم آخرين يصنع بهم ما يصنع بأهل الشام ~~والحجاز وأهل الأقطار الأخرى مستغلون مستذلون، تجبى منهم الأموال لتحمل إلى ~~الشام فتنفق فيما يحب الملك أن ينفقها فيه. # ودماؤهم ليست حراما على الملك ولا على عماله، وإنما يستحل منها الملك والعمال ما حرم ~~الله، لا إقامة لحدود الدين، ولكن تثبيتا لسلطان الملك. # وما أشك في أن معاوية كان داهية من دهاة العرب وعبقريا في السياسة، ولكن المسلمين الذين ~~عاصروه قد عرفوا قبله أئمة جمعوا إلى العبقرية في السياسة والدهاء في قهر العدو والكيد له ~~عدلا بين الناس ونصحا لهم وصيانة لأموالهم وعصمة لدمائهم، لم يخالفوا عن الدين ولم ~~ينحرفوا عنه قيد شعرة. # وما أشك كذلك في أن الظروف التي أحاطت بمعاوية قد أعانته أو اضطرته إلى سياسته تلك، ولكني ~~كما قلت غير مرة: لا أحاول الحكم لمعاوية أو الحكم عليه، وإنما أحاول أن أتعرف حقائق الحياة ~~في أيامه، ومن هذه الحقائق حقيقة لا ينبغي أن نهملها أو نشك فيها، هي أن المسلمين بعد ~~الفتح، وبعد أن قوي اتصالهم بالأمم المغلوبة وخالطوهم في دقائق حياتهم، كانوا بين اثنتين: ~~إما أن يغيروا طبائع هذه الأمم كلها ويفرضوا عليها طبائعهم، وليس إلى هذا سبيل، فأمور الناس ~~لا تجري على هذا النحو، وهي لم تجر عليه في وقت من الأوقات، وإما أن يغير المغلوبون ~~طبيعة الغالبين ويفرضوا عليهم طبائعهم الأعجمية المتحضرة، وهو شيء كذلك لا سبيل إليه، لم ~~نره كان في وقت من الأوقات. # فلم يبق إلا شيء ثالث هو المنزلة المتوسطة بين هاتين المنزلتين، هو أن يعطي المسلمون ~~المغلوبين شيئا من طبائعهم، ويعطي المغلوبون المنتصرين شيئا من طبائعهم أيضا، وتنشأ من ~~ذلك طبيعة قوام بين الطبيعتين، ليست بالإسلامية الخالصة، أو قل: ليست بالإسلامية ms213 العربية ~~الخالصة، ولا بالرومية أو الفارسية الخالصة، ولكنها شيء بين ذلك. # ولم تكن الفتنة الكبرى، التي عرضنا لها في هذا الجزء وفي الجزء الذي سبقه من هذا الكتاب، ~~إلا صراعا بين هذه الطبيعة الإسلامية العربية، وطبائع الأمم المغلوبة التي ظهر عليها ~~المسلمون. # كان الإسلام يريد أن يحمل الناس على طريق من العدل والقسط والحرية، لا يشقى فيها أحد لفقر ~~أو ضعف أو خمول، ولا يسعد فيها أحد لقوة أو ثراء أو نباهة شأن، وإنما يعيش الناس فيها ~~كراما قد وفرت عليهم حقوقهم بالمعروف، ليس فيها تفوق أو امتياز إلا بالدين والتقوى وحسن ~~البلاء. # وكان الإسلام يريد أن يكون الخلفاء والولاة أمناء للناس على حقوقهم وأموالهم ومرافقهم، ~~يدبرونها على ملأ منهم وعن مشاورة ومؤامرة، ويمضونها في غير تجبر ولا تكبر ولا أثرة ولا ~~استعلاء، ويديرونها كذلك لا على أنهم سادة يمتازون من الناس بأي لون من ألوان الامتياز، بل ~~على أنهم قادة يثق الناس بهم ويطمئنون إليهم ويرونهم كفاة للقيام على أمورهم، فيعهدون إليهم ~~بهذه الأمور عن رضى واختيار، لا عن قهر أو استكراه، ثم يراجعهم في هذه الأمور من شاء منهم ~~أن يراجعهم فيها، فإن استبان لهم أنهم أخطئوا كان الحق عليهم أن يعودوا إلى الصواب، وإن ~~استبان لهم أنهم انحرفوا كان من الحق أن يستقيموا على الطريقة، وعلى هذا النحو الذي كان ~~الإسلام يريده من أنحاء الحكم ومن أنحاء الصلة بين الحاكمين والمحكومين. مضى النبي # صلى الله عليه وسلم # حتى إذا اختاره الله لجواره مضى خلفاؤه على سنته لم ينحرفوا عنها إلا قليلا من أمر عثمان ~~رحمه الله؛ حين غلبه بنو أمية على رأيه، وما أكثر ما راجعه الناس في ذلك! فصار إلى ما أحبوا ~~وأعطى النصفة من نفسه ومن عماله غير مرة، وأعلن التوبة أو استغفر بمشهد من المسلمين، وعلى ~~منبر رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~. # فقد كان عثمان يريد الحق فيقدر عليه أحيانا ويعجز عنه بعض عماله وخاصته أحيانا أخرى، ~~وكان المحقق أن عثمان لم يتعمد ms214 تجبرا ولا تكبرا ولا استعلاء ولا استئثارا، وأقصى ما يمكن ~~أن يقال فيه إنه أخطأ أحيانا غير عامد إلى الخطأ، وعلى رغم هذا كله ثارت به طائفة من ~~المسلمين وطلبت إليه أن يخلع نفسه، بعد أن ظهر أنه لا يحسن مقاومة الطغاة من خاصته وعماله، ~~فلما أبى أن يخلع نفسه قتلوه. # وسار علي سيرة الشيخين، وعسى أن يكون قد تحرج في بعض أمره أكثر مما كان الخلفاء الذين ~~سبقوه يتحرجون، فتشدده في أن يقسم في الناس كل ما ورد عليه من المال، وأن يرى الناس بيت ~~مالهم بين حين وحين خاليا من البيضاء والصفراء، قد كنس ورش، وقام أمينهم فيه فصلى ~~ركعتين، وعلم الناس أن أمينهم لم يحتجز من دونهم شيئا ولم يستأثر عليهم بشيء، وكان لعلي ~~مال قبل أن يلي الخلافة يغل عليه دخلا حسنا، فخرج منه وجعله صدقة وفارق الدنيا ولم يترك ~~فيها إلا مئات من دراهم، اقتصدها من عطائه ليشتري بها خادما، كما قال الحسن حين خطب الناس ~~بعد موت أبيه، ولسنا نعلم أن أحدا من الخلفاء الأربعة قتل مسلما بالشبهة أو عاقبه على ~~الظنة، وإنما نعلم أنهم كانوا يقتصون من عمالهم، وأن عثمان أقام الحد على الوليد بن عقبة، ~~عامله على الكوفة، حين شهد الشهود عليه أنه شرب الخمر، وأن عمر أقام الحد على أحد بنيه حين ~~شهد عليه بشرب الخمر أيضا، وأنه هم برجم المغيرة بن شعبة لولا أن لجلج زياد في الشهادة ~~بين يديه، فدرأ الحد بالشبهة. # كل هذا وأكثر من هذا كان يصنعه الخلفاء السابقون، فأين نحن من هذا كله أو بعضه؟! وقد زعم ~~الرواة أن معاوية سأل ابنه يزيد ذات يوم عن السياسة التي يريد أن يختطها لنفسه، فزعم له أنه ~~يريد أن يحاول سياسة عمر، فضحك معاوية وقال: هيهات! لقد حاولت سيرة عثمان فلم أستطعها، فكيف ~~بسيرة عمر؟! # والشيء الذي ليس فيه شك هو أن أحدا من الخلفاء السابقين لم يأخذ السلطان بالسيف، ولم ~~يقتل حجرا ولا أشباه حجر، ولم يورث ms215 الخلافة أحد بنيه، ولم يستلحق زيادا أو أشباه زياد، ~~ولم يقل ما قال معاوية ذات يوم بمحضر صعصعة بن صوحان: «الأرض لله، وأنا خليفة الله، فما ~~أخذت فلي وما تركته للناس فبالفضل مني.» إلا ما كان من عثمان حين زعم على المنبر أنه سيأخذ ~~من بيت المال حتى يرضى وإن رغمت أنوف، فقال له عمار بن ياسر: أشهد أن أنفي أول راغم. وقال ~~له علي: إذن تمنع من ذلك. وقد رد صعصعة بن صوحان على معاوية بما يشبه كلام علي، فقال: ما ~~أنت وأقصى الأمة في ذلك إلا سواء، ولكن من ملك استأثر. فغضب معاوية وقال: لهممت. قال صعصعة: ~~ما كل من هم فعل. قال: ومن يحول بيني وبين ذلك؟ قال صعصعة: الذي يحول بين المرء وقلبه. وخرج ~~وهو ينشد قول الشاعر: # أريغوني إراغتكم فإني # وحذفة كالشجا تحت الوريد # على هذه السياسة سخطت الشيعة، وعارضت في كثير من الجلبة حتى قتل منها حجر وأصحابه، وعلى ~~هذه السياسة سخط الخوارج، وعارضوا بسيوفهم وألسنتهم فقتلوا وقتلوا، وعلى هذه السياسة سخط ~~الصالحون من أصحاب رسول الله والتابعون لهم بإحسان، ولكنهم كانوا ينكرون في أنفسهم، وربما ~~جمجموا ببعض النكير، وكان عامة المسلمين الذين يرون هؤلاء الصحابة والتابعين ويسمعون منهم ~~ينكرون مثلهم ويجمجمون، ومن يدري لعل معاوية نفسه كان ينكر كثيرا من أمره، حين يثوب إليه ~~فضل من حلمه وعقله، فيذكر سيرة رسول الله وخلفائه ويوازن بينها وبين سيرته. # ويحدثنا المؤرخون بأن معاوية لم يتلق الموت مطمئنا إليه حين ألم به، وإنما كان ~~يتوجع ويظهر الجزع ويكثر من ذكر حجر، ومن ذكر إسرافه في أموال المسلمين، ومع ذلك فقد استقبل ~~المسلمون بعد معاوية ملوكا ودوا حين بلوا سيرتهم لو أن معاوية عاش لهم إلى آخر الدهر، ~~وكان ابنه يزيد أول هؤلاء الملوك. # | الفصل الرابع والخمسون # فقد كان معاوية رجلا نشأ نشأة قرشية جاهلية، فيها كثير من الشظف الذي ليس منه بد لقوم ~~يسكنون واديا غير ذي زرع، وإن غلت لهم التجارة ربحا كثيرا، ثم أسلم ms216 ورأى النبي # صلى الله عليه وسلم # وكتب له، وتأثر بصحبته وبصحبة من خالط من خيار المسلمين وأبرارهم، وعمل لعمر فتأدب ~~بكثير من أدبه، وكان لهذا كله أثره في سيرته حين استقامت له الجماعة إلى حد ما، حتى أحصيت ~~عليه أغلاطه ومخالفاته عن السنة الرشيدة التي ألفها المسلمون. # فأما ابنه يزيد فقد نشأ نشأة تغاير هذه النشأة أشد المغايرة، ولد في الشام في قصر إمارة ~~كثر فيه الترف وكثر فيه الرقيق، وورث عن أمه شيئا من بداوة كلب وغلظتها، وعن أبيه شيئا من ~~ذكاء قريش ودهائها وسعة حيلتها وحبها للمال والتسلط، وتهالكها على اللذة حين تتاح لها ~~الوسائل إليها، فشب فتى من فتيان قريش لم يعرف خشونة ولا شظفا، ولم يتكلف لحياته اكتسابا، ~~ولم يعرف في أثنائها شقاء ولا عناء، ولم يبذل جهدا إلا في سبيل ما يرضيه ويلهيه. # فكانت سيرته حين ولي أمر المسلمين مناقضة لسيرة أبيه أشد المناقضة، ثم مناقضة بعد ذلك ~~لسنة النبي وخلفائه الراشدين أشد المناقضة أيضا. # كان قبل ولايته لعهد أبيه مسرفا على نفسه في طلب اللذة والعكوف عليها والاستهتار بها؛ ~~حتى كثر حديث الناس فيه، وحتى أشار زياد عليه أن يتحفظ ويحتاط، وأشار على أبيه أن يأخذه ~~بسيرة أرشد من سيرته ومذهب في الحياة يلائم ما كان يرشحه له من ولاية العهد والنهوض بعده ~~بأمر هذه الدولة الضخمة، فأخذه أبوه بشيء من الحزم وأغزاه بلاد الروم، وتتبع سيرته على نحو ~~ما، ولكنه لم يبلغ من تأديبه وتقويمه ما أحب، كان مشغولا عنه بسياسة الدولة، وكان الفتى ~~مشغولا عن أبيه بسياسة شهواته الجامحة، وقد مات أبوه وهو عنه بعيد، حتى احتاج الضحاك بن ~~قيس إلى أن يقوم مقامه، فيعلن موت معاوية إلى الناس ونهوض ابنه يزيد بالأمر من بعده. # ثم أقبل الفتى فتلقى دولة عريضة غنية معقدة السياسة، لم يبذل في تشييدها جهدا، ولم يحتمل ~~في تأييدها مشقة ولا عناء، وقد أقبل على الملك دون أن ينصرف إليه عن لذاته أو يقلع عما كان ~~عاكفا عليه ms217 من العبث واللهو والمجون، أقبل على الملك واثقا بأن الدنيا قد أذعنت له، وبأن ~~أموره ستجري على طريق سواء، ولم ينس إلا شيئا واحدا، وهو الجهد العنيف الذي بذله أبوه ~~لتستقيم له هذه الدنيا وليمهد ملكها لابنه. # ولم يكن يزيد يحتمل أن يلتوي عليه أحد بطاعة، وإنما كان يرى أن طاعته حق على الناس ~~جميعا، فمن التوى بها عليه فليس له عنده إلا السيف. # وقد عرفت أمر أولئك النفر الذين أكرههم معاوية إكراها على أن يسكتوا عن بيعته بولاية ~~العهد، حين لم يستطع أن يحملهم على قبولها، وقد كانوا أربعة، مات منهم واحد قبل معاوية، وهو ~~عبد الرحمن بن أبي بكر، وبقي منهم ثلاثة في المدينة هم: الحسين بن علي، وعبد الله بن ~~الزبير، وعبد الله بن عمر. # فأما الحسين وابن الزبير فقد اعتلا بالبيعة ليزيد على الوليد بن عتبة حين طلبها إليهما، ~~وجعلا يراوغانه ويستمهلانه حتى فرا منه بليل لاجئين إلى مكة، وأما عبد الله بن عمر فلم ~~يكن يحب أن يفارق جماعة الناس، فبايع مع عامة أهل المدينة، وقد كانت بين يزيد وبين ابن ~~الزبير خطوب طوال ثقال لا يعنينا من أمرها شيء في هذا الكتاب، وهي بعد لم تنقض بموت ~~يزيد، بل لم تنقض حتى أرهقت جماعة المسلمين من أمرها عسرا. # وأما الحسين بن علي فقد أقام بمكة رافضا بيعة يزيد، وجعلت الرسل تتصل بينه وبين شيعة أهل ~~البيت في الكوفة، وهم أكثر أهلها، وقد استجابت هذه الشيعة للحسين، ويقول المؤرخون إنها هي ~~التي بدأت فدعته إلى أن يأتي الكوفة ليكون إمامهم فيما أزمعوا من خلع يزيد وإخراج عامله ~~النعمان بن بشير، وقد كثرت هذه الكتب وكثر الذين أمضوها من أشراف الناس ورءوس القبائل وقراء ~~المصر، حتى منحها الحسين كثيرا من عنايته، وأراد أن يستقصي أمر هؤلاء الناس، فأرسل ابن عمه ~~مسلم بن عقيل إلى الكوفة ليلقى أهلها ويعلم علمهم، فإن آنس منهم نية صادقة وعزيمة مصممة على ~~الخروج ونصحا لآل علي أخذ منهم ... مستسرا بذلك، حتى ms218 إذا رأى أن قد بايعه منهم من يستطيع ~~أن ينهض بهم إلى ما يريد من خلع يزيد كتب إليه بذلك ليرحل إلى الكوفة، فمضى الفتى متكرها ~~ولقي في طريقه بعض الجهد، فكتب إلى الحسين يستعفيه، فأبى الحسين أن يعفيه، وسار الفتى حتى ~~أتى الكوفة. # فاستخفى بأمره عند بعض أهلها وجعل يلقى وجوه الناس ورؤساءهم حتى إذا استوثق منهم جعل يأخذ ~~البيعة عليهم للحسين، وعرف النعمان بن بشير بعض ذلك، فلم يحاول أن يصل إلى مسلم ولا أن يعنف ~~بالناس، وإنما سار فيهم سيرة رجل من أصحاب النبي، سار سيرة علي في الخوارج، وسيرة المغيرة ~~بن شعبة في الخوارج والشيعة جميعا، وجعل يرفق بهم وينصح لهم، ويحبب إليهم العافية ويدعوهم ~~إلى الوفاء بما أعطوا على أنفسهم من البيعة ليزيد، ويأبى على خاصته الذين كانوا يأمرونه ~~بالحزم، حتى كتب كاتبهم بالأمر كله إلى يزيد فلم يكد يزيد يعرف ذلك من أمرهم حتى استشار ~~سرجون مولى أبيه، فأشار عليه بأن يضم الكوفة إلى ابن زياد عامله على البصرة، ويأمره بالشخوص ~~إليها من فوره، ففعل، وأقبل عبيد الله بن زياد إلى الكوفة فدخلها، وقد اضطرب أمر المصر ~~اضطرابا شديدا، حتى اضطر النعمان بن بشير إلى أن يلزم قصر الإمارة لا يكاد يخرج منه، فنهض ~~ابن زياد بالأمر في حزم لا يعرف أناة ولا بقية ولا ترددا، وكان مسلم بن عقيل قد أخذ البيعة ~~على أكثر من ثمانية عشر ألفا، وكتب بذلك إلى الحسين وألح عليه في القدوم إلى ~~الكوفة. # ولم يكد ابن زياد يستقر في سلطانه الجديد حتى طلب مسلما سرا وعلانية، وجد في الطلب حتى ~~عرف مكانه عند رجل من أشراف مذجح يقال له هانئ بن عروة، فلم يزل بهانئ حتى أحضره بين يديه، ~~ثم لم يزل به حتى قرره بأن مسلما مختبئ في داره، ثم حبسه وهاج الناس لحبسه فلم يبلغوا ~~بهياجهم شيئا. # وثار مسلم آخر الأمر ونادى بشعاره، فثارت معه ألوف من أهل الكوفة، فمضوا حتى بلغوا المسجد ~~ولكنهم لم يثبتوا ms219 ، ولم يكد الليل يتقدم حتى كانوا قد تفرقوا عن الفتى وتركوه وحيدا يهيم في ~~سكك المدينة يلتمس دارا ينفق فيها بقية الليل، وقد جيء به عبيد الله بن زياد آخر الأمر ~~فقتله في أعلى القصر وألقى رأسه، ثم ألقى جسمه إلى الناس، وقتل هانئ بن عروة، وصلب القتيلين ~~معا ليجعلهما نكالا. # | الفصل الخامس والخمسون # وقد وصل كتاب مسلم إلى الحسين بمكة، فجعل يتأهب للمسير إلى الكوفة، وجعل الناس يلحون عليه ~~في ألا يفعل، يخوفونه بأس يزيد وبطش ابن زياد وغدر أهل الكوفة، ونصح له ابن عباس في أن يمضي ~~إلى اليمن فيقيم في شعب من شعابها بعيدا عن يد السلطان وقريبا من شيعته هناك، ونصح له عبد ~~الله بن جعفر، ورفق به عامل يزيد على مكة سعيد بن العاصي، فأرسل في إثره من يلح عليه في ~~الرجوع إلى مكة، ويؤمنه على نفسه وماله وأهل بيته ويرغبه في الصلات، ولكن الحسين مضى لوجهه ~~ولم يمض وحده، وإنما احتمل معه أهل بيته، وفيهم النساء والصبيان، ولم يسمع لمشورة ابن عباس ~~الذي أشار عليه إن لم يجد بدا من المسير أن يترك أهل بيته وادعين آمنين، وأن يدعوهم إليه ~~إن استقامت له الأمور، ولكنه أبى، وما أراه أبى عنادا أو ركوبا لرأسه، وإنما كان يعلم أن ~~يزيد سيأخذه بالبيعة أخذا عنيفا، فإن بايع غش نفسه وخان ضميره وخالف عن دينه؛ لأنه كان ~~يرى بيعة يزيد إثما، وإن لم يبايع صنع به يزيد ما يشاء. # ولم يكن الحسين مخطئا فيما قدر، فهو قد عرف ما كان من غضب يزيد على ابن الزبير حين امتنع ~~عن البيعة، وأقسم ألا يرضى حتى يحمل إليه ابن الزبير في جامعة يقاد إليه كما يقاد الأسير، ~~ولم يخطئ الحسين حين أبى أن يترك أهل بيته بالحجاز، فلم يكن يأمن أن يأخذهم يزيد بمسيره هو ~~إلى العراق منابذا للسلطان. # وقد مضى مع الحسين نفر من بني أبيه ومن بني أخيه الحسن، واثنان من بني عبد الله بن جعفر، ~~ونفر من ms220 بني عمه عقيل، ورجال آخرون حرصوا على أن ينصروه، ولما رأت الأعراب قدومه إلى العراق ~~منابذا ليزيد طمعوا في صحبته وانتظروا منها الخير، فتبعه منهم خلق كثير. # ودنا الحسين من العراق وقد أرصد ابن زياد له الأرصاد، وأمر رجلا من أشراف الكوفة، يقال ~~له الحر بن يزيد، على ألف من الجند، وأمرهم أن يلقوا الحسين في مقدمه ذاك فيأخذوا عليه ~~طريقه ويحولوا بينه وبين الذهاب في أي وجه من وجوه الأرض، ولا يفارقوه حتى يأتيهم أمره، ~~ولما عرف الأعراب أنها الحرب تفرقوا عنه، فلم يبق معه منهم أحد. # ولقي الحسين الحر بن يزيد في أصحابه، فلما علم علمهم أراد أن يعظهم ويذكرهم، فسمعوا منه ~~ورضوا قوله، ولكنهم لم يطيعوه وإنما أطاعوا أميرهم ابن زياد، ثم ندب ابن زياد لحرب الحسين ~~رجلا من أقرب الناس إليه، هو عمر بن سعد بن أبي وقاص فاستعفاه عمر فلم يعفه، وأرسل معه ~~جيشا من ثلاثة آلاف أو أربعة آلاف، فمضى عمر حتى لقي الحسين فسأله: فيم قدم؟ قال الحسين: ~~كتب إلي أهل المصر يستقدمونني ويبذلون لي نصرهم. وأظهر كتبهم لعمر، فعرضت هذه الكتب على ~~بعض من أمضاها ممن حضر، فكلهم أنكرها، وكلهم جحدها مقسما أنه لا يعلم من أمرها ~~شيئا. # وقد عرض الحسين على عمر أن يختار خصلة من ثلاث: فإما أن يخلوا بينه وبين طريقه إلى الحجاز ~~ليعود إلى المكان الذي جاء منه، وإما أن يسيروه إلى يزيد بالشام؛ ليكون بينه وبين يزيد ما ~~يكون، وإما أن يخلوا بينه وبين الطريق إلى ثغر من ثغور المسلمين، فيكون هناك كواحد من الجند ~~الذين يرابطون بإزاء العدو، له مثل ما لهم من العطاء وعليه مثل ما عليهم من الجهاد. فأما ~~عمر بن سعد فرضي، وقال: أؤامر ابن زياد؟ # وكتب إلى ابن زياد بما عرض عليه الحسين، فأبى إلا أن ينزل الحسين على حكمه، وكتب بذلك إلى ~~عمر، وأرسل الكتاب إليه مع شمر بن ذي الجوشن، وقال له: أقرئه الكتاب وانظر ما يصنع، فإن نهض ~~لقتال ms221 الحسين فأقم معه رقيبا عليه حتى يفرغ من أمره، وإن أبى أو تثاقل فاضرب عنقه وكن أمير ~~الجيش. ولم يكد عمر بن سعد يقرأ كتاب ابن زياد ويعلم ما أمر به حامل الكتاب حتى نهض لقتال ~~الحسين، وطلب إليه أن ينزل على حكم ابن زياد، فأبى الحسين وقال: أما هذه فمن دونها الموت. ~~ثم زحف عمر بجيشه على الحسين وأصحابه، وكانوا اثنين وسبعين رجلا، فقاتلوهم أكثر من نصف ~~النهار، وأبلى الحسين وبنو أبيه وبنو عمومته ومن كان معه من أنصاره القليلين أعظم البلاء ~~وأقساه، فلم يقتلوا حتى قتلوا أكثر منهم، ورأى الحسين المحنة كأشنع ما تكون المحن، رأى ~~إخوته وأهل بيته يقتلون بين يديه وفيهم بنوه وبنو أخيه الحسن وبنو عمه، وكان هو آخر من ~~قتل منهم بعد أن تجرع مرارة المحنة فلم يبق منها شيئا. # وكان نفر يسير من أصحاب عمر بن سعد قد ضاقوا برفض ابن زياد ما عرض عليه الحسين من الخصال، ~~ففارقوا جيشهم وانضموا إلى الحسين، فقاتلوا معه حتى قتلوا بين يديه. ونظر المسلمون فإذا ~~قوم منهم - على رأسهم رجل من قريش من أبناء المهاجرين، أبوه أول من رمى بسهم في سبيل الله، ~~وأحد العشرة الذين شهد النبي لهم بالجنة، وقائد المسلمين في فتح بلاد الفرس، وأحد الذين ~~اعتزلوا الفتنة فلم يشاركوا فيها من قريب ولا من بعيد - نظر المسلمون فإذا قوم منهم، عليهم ~~هذا القرشي عمر بن سعد بن أبي وقاص، يقتلون أبناء فاطمة بنت رسول الله، ويقتلون أبناء علي، ~~ويقتلون ابني عبد الله بن جعفر بن أبي طالب الطيار شهيد مؤتة ثم يحزون رءوسهم ثم يسلبونهم، ~~ويسلبون الحسين حتى يتركوه متجردا بالعراء، ويصنعون بهم ما لا يصنع المسلمون بالمسلمين، ثم ~~يسبون النساء كما يسبى الرقيق، وفيهم زينب بنت فاطمة بنت رسول الله، ثم يأتون بهم ابن ~~زياد فلا يكاد يرفق بهم إلا حياء واستخزاء حين قال له علي بن الحسين، وقد كان صبيا، ~~وهم ابن زياد بقتله، فقال له: إن كانت بينك وبين هؤلاء ms222 النساء قرابة فأرسل معهن إلى الشام ~~رجلا تقيا رفيقا. هنالك ذكر عبيد الله أن أباه يدعى لأبي سفيان، فاستحيا ولم يقتل ~~الصبي، وإنما أرسله مع سائر أهل الحسين إلى يزيد، وقدم رءوس القتلى بين أيديهم وفيها رأس ~~الحسين، وقد دخل به على يزيد فوضع أمامه، فجعل ينكت في ثغره بقضيب كان في يده ~~وينشد: # يفلقن هاما من رجال أعزة # علينا وهم كانوا أعق وأظلما # وزعم الرواة أن أبا برزة صاحب النبي كان حاضرا هذا المجلس، فقال ليزيد: لا تفعل هذا ~~فربما رأيت شفتي رسول الله # صلى الله عليه وسلم # على هذا الثغر مكان هذا القضيب. ثم قام فانصرف. # وأدخل السبي على يزيد فأغلظ لهم أول الأمر، ثم لم يلبث أن رفق بهم وبرهم وأدخلهم على ~~أهله، ثم جهزهم بعد ذلك إلى المدينة وردهم إليها كراما. # والرواة يزعمون أن يزيد تبرأ من قتل الحسين على هذا النحو، وألقى عبء هذا الإثم على ابن ~~مرجانة عبيد الله بن زياد، ولكنا لا نراه لام ابن زياد ولا عاقبه ولا عزله عن عمله كله أو ~~بعضه، ومن قبله قتل معاوية حجر بن عدي وأصحابه ثم ألقى عبء قتلهم على زياد، وقال: ~~حملني ابن سمية فاحتملت. # | الفصل السادس والخمسون # وكذلك أصبح للشيعة ثأر عند الخوارج لأنهم قتلوا عليا غيلة، وللخوارج عند الشيعة ذحول ~~لأن عليا قتل من قتل منهم في النهروان وفي غير النهروان من المواقع، وأصبح للشيعة ثأران ~~عند بني أمية؛ لأن معاوية قتل حجرا وأصحابه، ولأن يزيد قتل الحسين وأهل بيته وجماعة من ~~أصحابه. # وكان بنو أمية يزعمون أن لهم عند الشيعة ثأرا، أو قل: عند الشيعة والخوارج؛ لما كان من ~~قتل عثمان بأيدي الثائرين، الذين وفى بعضهم لعلي وخرج بعضهم عليه، ثم لبني أمية ذحول أخرى ~~عند عامة المسلمين، لقتل من قتل منهم يوم بدر، وقد ذكر يزيد فيما زعم بعض الرواة، هذه ~~الذحول في هذا الموطن حين أنشد بعد وقعة الحرة: # ليت أشياخي ببدر شهدوا # جزع الخزرج من وقع الأسل # ومهما ms223 يكن من شيء فقد أصبح الخلاف بين هذه الجماعات لا يقوم على تباعد الرأي في الدين ~~وحده، وإنما يقوم على الذحول والأوتار والدماء. # لكل جماعة من هذه الجماعات ثأر عند الجماعتين الأخريين، ومعنى هذا كله أن العصبية أصبحت ~~أساسا من أسس الفتنة، التي دفعت المسلمين إلى كثير من الشر، والتي لم تنقض بقتل الحسين ~~ولا بموت يزيد، وإنما اتصلت بعد ذلك دهرا طويلا وبقيت آثارها في حياة المسلمين إلى ~~الآن. # والشيء الذي ليس فيه شك، هو أن أهل العراق لم يكونوا وحدهم هم الذين قربوا القرابة ~~وباعدوا الدين، كما قال لهم زياد في خطبته البتراء، وإنما عمت المحنة بذلك أهل العراق وأهل ~~الشام وأهل مصر وأهل الحجاز كما سترى. # وقد يقال إن الحسين قد ثار بيزيد ورفض بيعته، وثار إلى الكوفة يريد أن يخرج أهلها عن ~~طاعته ويفرق جماعة الناس، ويرد الحرب بين المسلمين إلى ما كانت عليه أيام أبيه، فلم يكن ~~يزيد وأميره في العراق بادئين في الشر مثيرين للفتنة، وإنما ذادا عن سلطانهما وحافظا على ~~وحدة الأمة، وقد كان هذا يستقيم لو أن الحسين مضى إلى حربه مصمما عليها، لا يقبل فيها ~~مفاوضة ولا يقبل عنها رجوعا، ولكن الحسين عرض خصاله الثلاث تلك التي عرضها، وكانت العافية ~~في كل واحدة منهن، فلو قد خلى بينه وبين الرجوع إلى الحجاز لعاد إلى مكة لم يكن يحب أن ~~تسفك فيها الدماء؛ لأنها بلد حرام، ولأنها لم تحل لرسول الله نفسه إلا ساعة من نهار، ولو ~~قد خلى بينه وبين اللحاق بيزيد لكان من الممكن أن يبلغ يزيد منه الرضى على أي نحو من ~~الأنحاء، أو أن يقيم عليه حجة ظاهرة لا تقبل مراء ولا جدالا، ولو قد خلى بينه وبين المسير ~~إلى ثغر من ثغور المسلمين لكان رجلا من عامة الناس يجاهد العدو ويشارك في الفتح، لا يؤذي ~~أحدا ولا يؤذيه أحد من المسلمين، ولكن أصحاب ابن زياد أبوا إلا أن يستذلوه ويستنزلوه على ~~حكم رجل لم يكن الحسين يراه ms224 كفؤا ولا ندا، فلم يكن ما وقع من الشر إلا طغيانا وإسرافا ~~في التجبر والبغي، وكأن ابن زياد ظن أنه سيجتث الفتنة من أصلها بقتل الحسين، فيوئس الشيعة ~~من أمرها، ويضطرها إلى أن تنحرف عما كانت تعلل نفسها به من الآمال والمنى إلى الإذعان لما ~~ليس بد من الإذعان له. # ولكنك سترى، في غير هذا الجزء من أجزاء هذا الكتاب، أن ابن زياد لم يزد الفتنة إلا ~~استعارا، وأن الشر يدعو إلى الشر، والدماء تدعو إلى الدماء، وهذا الإسراف في القتل ~~والتنكيل بالمقتولين وبمن تركوا من الأطفال والنساء، فقد سلب القتلى وفيهم ابن فاطمة ~~حفدتها، وسلب أبناء علي وغيرهم من أصحاب الحسين، ونزع من النساء كل ما كان معهن من حلي ~~وثياب ومتاع، واضطر يزيد بعد ذلك إلى أن يعوضهن ما أخذ منهن. # وكان علي رحمه الله يتقدم إلى أصحابه في حروبه ألا يتبعوا هاربا، ولا يجهزوا على جريح، ~~ولا يأخذوا من المنهزمين إلا ما أوجفوا به من خيل أو سلاح، وكان الأمر يجري على ذلك في ~~صفين، فسيرة ابن زياد هذه التي سارها في الحسين وأصحابه كانت بدعا منكرا مما ألف المسلمون ~~حتى في فتنهم الشنيعة، ثم هو لم يلق من يزيد في ذلك عقابا ولا لوما، وإنما لقي منه رضى ~~وإيثارا. # وقد تمت بهذه الموقعة محنة لعلي في أبنائه لم يمتحن بمثلها مسلم قط قبل هذا اليوم، فقد ~~قتل من بنيه: الحسين بن فاطمة، والعباس، وجعفر، وعبد الله، وعثمان، ومحمد، وأبو بكر. ~~فهؤلاء سبعة من أبنائه قتلوا معا في يوم واحد، وقتل علي بن الحسين الأكبر وأخوه عبد ~~الله، وقتل عبد الله بن الحسن وأخواه أبو بكر والقاسم، وهؤلاء الخمسة من حفدة فاطمة، ~~وقتل من بني عبد الله بن جعفر الطيار محمد وعون، وقتل نفر من بني عقيل بن أبي طالب في ~~الموقعة، بعد أن قتل مسلم بن عقيل في الكوفة كما رأيت. # وقتل غير هؤلاء سائر من كان مع الحسين من الموالي والأنصار، فكانت محنة أي محنة ms225 ~~للطالبيين عامة وأبناء فاطمة خاصة، ثم كانت محنة أي محنة للإسلام نفسه، خولف فيها عما هو ~~معروف من الأمر بالرفق والنصح وحقن الدماء إلا بحقها وانتهك أحق الحرمات بالرعاية، وهي ~~حرمة رسول الله # صلى الله عليه وسلم # التي كانت تفرض على المسلمين أن يتحرجوا أشد التحرج، ويتأثموا أعظم ~~التأثم، قبل أن يمسوا أحدا من أهل بيته. # كل ذلك ولم يمض على وفاة النبي # صلى الله عليه وسلم # إلا خمسون عاما، فإذا أضفت إلى ذلك أن الناس ~~تحدثوا فأكثروا الحديث، وألحوا فيه بأن الحسن قد مات مسموما لتخلص الطريق ليزيد إلى ولاية ~~العهد، عرفت أن أمور المسلمين قد صارت أيام معاوية وابنه إلى شر ما كان يمكن أن تصير ~~إليه. # | الفصل السابع والخمسون # ولم يلبث هذا النكر أن أحدث آثاره الأولى، ولم تكن أقل منه نكرا، فقد انتهت محنة الحسين ~~إلى الحجاز فكانت صدمة لأهله وللصالحين منهم خاصة، وجعل الناس يتحدثون بها، فيكثرون الحديث ~~وجعلوا يعظمون أمرها، ما أكثر ما تحدثت قلوبهم إليهم! وما أكثر ما تحدث بعضهم إلى بعض حين ~~كانوا يخلون، بأن سلطان يزيد قد أمعن في الخلاف عن أمر الله، فلم تصبح طاعته لازمة، بل أصبح ~~الخروج عليه واجبا حين يمكن الخروج عليه! # وقد عظم في الحجاز أمر عبد الله بن الزبير، وكثر أصحابه وأشياعه، وجعل يزيد يجد في أن ~~يفرغ منه كما فرغ من أمر الحسين، وانتهى الخبر إلى يزيد بأن أمر المدينة قد اضطرب، وبأن ~~أهلها يظهرون النكير عليه ولا يستخفون به، فطلب إلى عامله أن يرسل إليه وفدا منهم ففعل، ~~وأقبل الوفد فلقيه يزيد أحسن لقاء، ووصل أعضاءه فأعطى كل واحد منهم خمسين ألفا، وظن أنه قد ~~أسى بإحدى يديه ما أفسد بالأخرى، ولكن الوفد يعودون إلى المدينة فيقولون لأهلها جهرة: ~~جئناكم من عند فاسق؛ يشرب الخمر ويضيع الصلاة، ويتبع شهواته ويضرب بالطنابير، وتغني عنده ~~القيان. # وتصل هذه الأحاديث إلى عبد الله بن الزبير بمكة فيلهج بيزيد أشد اللهج، ويضيف إليه من ~~الشر والنكر والموبقات ms226 ما يشاء، ثم يثور أهل المدينة ويخرجون عامل يزيد، ويؤمرون عليهم ~~رجلا منهم هو عبد الله بن حنظلة الغسيل ويحصرون بني أمية، ويضطر يزيد آخر الأمر إلى أن ~~يرسل إليهم النعمان بن بشير الأنصاري ليستصلح قومه، فلا يبلغ النعمان منهم شيئا، فيرسل ~~إليهم يزيد جيشا قوامه اثنا عشر ألفا من أهل الشام، ويؤمر على هذا الجيش مسلم بن عقبة ~~المري، ويرسم له خطة أولها حق وآخرها باطل، وهي أن يأتي المدينة فيدعو أهلها إلى الطاعة ~~ويعذر إليهم، وينتظر بهم ثلاثا، فإن أطاعوا فذاك، وإن أبوا قاتلهم. # وإلى هنا لا يتجاوز يزيد ما ينبغي له من الحق في رد الخارجين عليه إلى طاعته، ولكن يزيد ~~لا يكتفي بهذا وإنما يمضي إلى الباطل من خطته، فيأمر مسلما إذا انتصر على خصمه من أهل ~~المدينة أن يبيحها ثلاثا لأهل الشام، يصنعون بأهلها ما يشاءون وينهبون من أموالهم ومتاعهم ~~ما يحبون، لا يحرج عليهم في شيء من ذلك ولا يحرم عليهم شيئا منه. # وقد جاء مسلم إلى المدينة فقاتل أهلها بعد أن أعذر إليهم، وقتل منهم في الموقعة خلق ~~كثير، ثم أباح المدينة ثلاثا لجنده فقتلوا ونهبوا، واستباحوا من محارم الناس ما عصم الله، ~~ثم أخذ من بقي من أهل المدينة بالبيعة، لا على كتاب الله وسنة رسوله كما تعود المسلمون أن ~~يبايعوا، ولكن على أنهم خول ليزيد، فمن أبى منهم هذه البيعة المنكرة أمر به فضربت ~~عنقه. # وكذلك عصي الله وخولف عن الدين جهرة في مدينة النبي، وظن يزيد وأعوانه أنهم قد ~~انتقموا بذلك لعثمان، ثم تحول الجيش عن المدينة إلى مكة فحاصروا فيها ابن الزبير، ومات مسلم ~~في الطريق، فقام بأمر الجيش بعده الحصين بن نمير السكوني، وقد شدد أهل الشام الحصار على ~~مكة، ثم لم يقفوا عند ذلك وإنما رموها بالمجانيق، وحرقت الكعبة، واتصل الحصار حتى جاءهم ~~موت يزيد فقفلوا راجعين إلى الشام دون أن يلقى ابن الزبير منهم كيدا. # وكان في حصار ابن الزبير بمكة والمضي في هذا الحصار حتى ms227 يستسلم ابن الزبير مقنع ليزيد ~~وأصحابه، ولكن جيش يزيد أبى إلا أن ينتهك حرمة مكة كما انتهك حرمة المدينة، وأسخط يزيد على ~~نفسه بذلك أهل الحجاز وعامة المسلمين، كما أسخطهم بقتل الحسين. # والغريب المنكر من هذا كله هو تجاوز الحد والغلو في الإثم، فقد كانت السياسة تقتضي أن ~~يقاتل الخارجون على يزيد حتى يقتلوا أو يفيئوا إلى طاعته، فأما المثلة وانتهاك الحرمات ~~ففظائع لا ينكرها الدين وحده، وإنما تنكرها السياسة أيضا، وتنكرها السنة العربية المعروفة، ~~وهي بعد ذلك تحفظ الصدور وتملأ القلوب ضغينة وحقدا، وقد أحفظ يزيد أهل الجماعة أنفسهم بعد ~~أن أحفظ قلوب غيرهم من الشيعة والخوارج. # ثم لم تكن عاقبة هذا كله على آل أبي سفيان إلا خروج الملك منهم وانتقاله إلى غيرهم، فقد ~~مات يزيد ولما يملك إلا أربع سنين، قتلته لذته أشنع قتلة؛ فقد كان - فيما زعم الرواة - ~~يسابق قردا فسقط عن فرسه سقطة كان فيها الموت. # | الفصل الثامن والخمسون # وقد انتهت هذه الفتنة، التي شبت نارها في المدينة سنة خمس وثلاثين بقتل عثمان، إلى هذه ~~المرحلة من مراحلها بعد أن اتصلت ثلاثين عاما أو نحو ذلك، وبعد أن أثارت من الخطوب الجسام ~~ما رأيت، وبعد أن سفك فيها ما سفك من الدماء، وأزهق فيها ما أزهق من النفوس، ~~وانتهك فيها ما انتهك من الحرمات، وقضي فيها على سنة الخلافة الراشدة، وفرق فيها ~~المسلمون شيعا وأحزابا، وأسس فيها ملك عنيف لا يقوم على الدين وإنما يقوم على السياسة ~~والمنفعة، وكان يظن حين استقام أمر هذا الملك لمؤسسه عشرين عاما، أنه سيمضي في طريقه ~~وادعا مطمئنا مستقرا في بني أبي سفيان دهرا على أقل تقدير، ولكنه لم يستقر فيهم إلا ~~ريثما تحول عنهم. # ثم لم يتحول عنهم في يسر ولين؛ لأن الفتنة لم تنقض بموت يزيد، وإنما قطعت مرحلة من ~~مراحلها، ثم استأنفت عنفها وشدتها بعد موت يزيد، فعرضت المسلمين ودولتهم لخطوب ليست أقل ~~جسامة ولا نكرا من الخطوب التي صورنا بعضها فيما قرأت من هذا الكتاب ms228 . # وقد أصبح للمسلمين مثل بعينه من هذه المثل العليا الكثيرة التي دعا إليها الإسلام، وجعلت ~~الفتنة تدور حول هذا المثل الأعلى لتبلغه فلا تظفر بشيء مما تريد، وإنما تسفك الدماء وتزهق ~~النفوس وتنتهك المحارم وتفسد على الناس أمور دينهم ودنياهم، وهذا المثل الأعلى هو العدل ~~الذي يملأ الأرض وينشر فيها السلام والعافية، والذي تقطعت دونه أعناق المسلمين قرونا متصلة ~~دون أن يبلغوا منه شيئا، حتى استيأس من قربه بعض الشيعة ولم يستيئسوا من وقوعه، فاعتقدوا ~~أن إماما من أئمتهم سيأتي في يوم من الأيام فيملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا. # ولله حكمة أجرى عليها أمور الناس، والله بالغ أمره، قد جعل لكل شيء قدرا، ونحن مصورون إن ~~شاء الله فيما يلي من فصول هذا الكتاب بعض ما كان من خطوب هذه الفتنة، وعسى أن يكون هذا ~~قريبا. # كوليه أزاركو أغسطس سنة 1952 # القاهرة مايو سنة 1953 # | المراجع # يضاف إلى المراجع التي ذكرت في الجزء الأول من هذا الكتاب المراجع الآتية: # الفصول المهمة في معرفة الأئمة: # الشيخ نور الدين علي بن صمدين الصباغ. # فرق الشيعة: # أبو محمد الحسن بن موسى النوبختي. # تاريخ الإسلام: # شمس الدين محمد بن عبد الله الذهبي. # مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين: # الإمام أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري. # أعيان الشيعة: # السيد محسن الأمير الحسيني العاملي. # الأخبار الطوال: # أبو حنيفة أحمد بن داود الدينوري. # تثبيت الإمامة: # الإمام القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل. # بحار الأنوار: # العلامة المجلى محمد بن باقر. # الإمام علي بن أبي طالب: # الأستاذ عبد الفتاح عبد المقصود. # ترجمة علي بن أبي طالب: # الأستاذ أحمد زكي صفوت. # السياسة عند العرب: # الأستاذ عمر أبو النصر. # عبقرية الإمام: # الأستاذ عباس محمود العقاد. # دعائم الإسلام: # أبو حنيفة النعمان بن محمد. ms229