######OpenITI# #META# URI: 1392TahaHusayn.FitnaKubra1Cuthman.Hindawi83828042 #META# Tags: history #META# ID: 83828042 #META# Title: الفتنة الكبرى (الجزء الأول): عثمان #META# AuthorID: 59624258 #META# Author: طه حسين #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # الفصل العشرون‏ # الفصل الحادي والعشرون‏ # الفصل الثاني والعشرون‏ # الفصل الثالث والعشرون‏ # الفصل الرابع والعشرون‏ # الفصل الخامس والعشرون‏ # الفصل السادس والعشرون‏ # الفصل السابع والعشرون‏ # الفصل الثامن والعشرون‏ # الفصل التاسع والعشرون‏ # الفصل الثلاثون‏ # الفصل الحادي والثلاثون‏ # ملحقات‏ # بعض المراجع‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # الفصل العشرون‏ # الفصل الحادي والعشرون‏ # الفصل الثاني والعشرون‏ # الفصل الثالث والعشرون‏ # الفصل الرابع والعشرون‏ # الفصل الخامس والعشرون‏ # الفصل السادس والعشرون‏ # الفصل السابع والعشرون‏ # الفصل الثامن والعشرون‏ # الفصل التاسع والعشرون‏ # الفصل الثلاثون‏ # الفصل الحادي والثلاثون‏ # ملحقات‏ # بعض المراجع‏ # | الفتنة الكبرى (الجزء الأول) # | الفتنة الكبرى (الجزء الأول) # | عثمان # تأليف # طه حسين # | الفصل الأول # هذا حديث أريد أن أخلصه للحق ما وسعني إخلاصه للحق وحده، وأن أتحرى فيه ~~الصواب ما استطعت إلى تحري الصواب سبيلا، وأن أحمل نفسي فيه على الإنصاف ~~لا أحيد عنه ولا أمالئ فيه حزبا من أحزاب المسلمين على حزب، ولا أشايع فيه ~~فريقا من الذين اختصموا في قضية عثمان دون فريق؛ فلست عثماني الهوى، ولست ~~شيعة لعلي، ولست أفكر في هذه القضية كما كان يفكر فيها الذين عاصروا عثمان ~~واحتملوا معه ثقلها وجنوا معه أو بعده نتائجها. # وأنا أعلم أن الناس ما زالوا ينقسمون في أمر هذه القضية إلى الآن، كما كانوا ~~ينقسمون فيها أيام عثمان رحمه الله؛ فمنهم العثماني الذي لا يعدل بعثمان ~~أحدا من أصحاب النبي # صلى الله عليه وسلم # بعد الشيخين، ومنهم الشيعي الذي لا ms001 يعدل ~~بعلي رحمه الله بعد النبي أحدا، لا يستثني الشيخين ولا يكاد يرجو لمكانهما ~~وقارا؛ ومنهم من يتردد بين هذا وذاك، يقتصد في عثمانيته شيئا أو يقتصد في ~~تشيعه لعلي شيئا، فيعرف لأصحاب النبي كلهم مكانتهم، ويعرف لأصحاب السابقة منهم ~~سابقتهم، ثم لا يفضل بعد ذلك أحدا منهم على الآخر، يرى أنهم جميعا قد اجتهدوا ~~ونصحوا لله ولرسوله وللإسلام والمسلمين، فأخطأ منهم من أخطأ وأصاب منهم من أصاب، ~~ولأولئك وهؤلاء أجرهم؛ لأنهم لم يتعمدوا خطيئة ولم يقصدوا إلى إساءة. وكل هؤلاء ~~إنما يرون آراءهم هذه يستمسكون بها ويذودون عنها ويتفانون في سبيلها؛ لأنهم يفكرون ~~في هذه القضية تفكيرا دينيا، يصدرون فيه عن الإيمان، ويبتغون به ما يبتغي ~~المؤمن من المحافظة على دينه والاستمساك بيقينه، وابتغاء رضوان الله بكل ما يعمل ~~في ذلك أو يقول. # وأنا أريد أن أنظر إلى هذه القضية نظرة خالصة مجردة، لا تصدر عن عاطفة ولا هوى، ولا ~~تتأثر بالإيمان ولا بالدين، وإنما هي نظرة المؤرخ الذي يجرد نفسه تجريدا ~~كاملا من النزعات والعواطف والأهواء، مهما تختلف مظاهرها ومصادرها وغاياتها. # وقد قضى جماعة من المسلمين، بل من خيار المسلمين، نحبهم قبل أن تحدث هذه القضية ~~وتثار حولها الخصومة، فلم ينقص هذا من إيمانهم ولا من أقدارهم، وإنما عصمهم من ~~الشبهة وجنبهم مواطن الزلل، فمضوا بخير ما كتب الله للمسلمين، ونجوا من شر ما كتب ~~عليهم؛ وعاش قوم من أصحاب النبي حين حدثت هذه القضية وحين اختصم المسلمون حولها ~~أعنف خصومة عرفها تاريخهم، فلم يشاركوا فيها ولم يحتملوا من أعبائها قليلا ولا ~~كثيرا، وإنما اعتزلوا المختصمين وفروا بدينهم إلى الله؛ وقال قائلهم سعد بن أبي ~~وقاص رحمه الله: لا أقاتل حتى تأتوني بسيف يعقل ويبصر وينطق فيقول: أصاب هذا وأخطأ ~~ذاك! # فأنا أريد أن أذهب مذهب سعد وأصحابه رحمهم الله، لا أجادل عن أولئك ولا عن هؤلاء، ~~وإنما أحاول أن أتبين لنفسي وأبين للناس الظروف التي دفعت أولئك وهؤلاء إلى ~~الفتنة وما استتبعت من الخصومة العنيفة التي فرقتهم ms002 وما زالت تفرقهم إلى ~~الآن، وستظل تفرقهم في أكبر الظن إلى آخر الدهر. وسيرى الذين يقرءون هذا الحديث ~~أن الأمر كان أجل من عثمان وعلي وممن شايعهما وقام من دونهما، وأن غير عثمان ~~لو ولي خلافة المسلمين في تلك الظروف التي وليها فيها عثمان لتعرض لمثل ما تعرض ~~له من ضروب المحن والفتن، ومن اختصام الناس حوله واقتتالهم بعد ذلك فيه. # وأكاد أعتقد أن الخلافة الإسلامية، كما فهمها أبو بكر وعمر، إنما كانت تجربة جريئة ~~توشك أن تكون مغامرة، ولكنها لم تنته إلى غايتها، ولم يكن من الممكن أن تنتهي إلى ~~غايتها؛ لأنها أجريت في غير العصر الذي كان يمكن أن تجرى فيه، سبق بها هذا العصر ~~سبقا عظيما. # وما رأيك في أن الإنسانية لم تستطع إلى الآن، على ما جربت من تجارب وبلغت من رقي، ~~وعلى ما بلغت من فنون الحكم وصور الحكومات، أن تنشئ نظاما سياسيا يتحقق فيه ~~العدل السياسي والاجتماعي بين الناس على النحو الذي كان أبو بكر وعمر يريدان أن ~~يحققاه! # وقد ذهبت الإنسانية في الحكم مذاهبها المختلفة؛ فكان فيها حكم الملوك الذين كانوا ~~يرون أنفسهم آلهة، وكان فيها حكم الملوك الذين كانوا يرون أنفسهم ظلالا للآلهة، ~~ثم كان فيها حكم الملوك الذين كانوا يرون أنفسهم ظلالا لإله واحد. وهؤلاء الملوك ~~جميعا كانوا يرون مخلصين أو غير مخلصين أن سلطانهم لا يأتيهم من الناس، وإنما ~~يأتيهم من آبائهم الآلهة إن رأوا أنفسهم آلهة، ويأتيهم من الإله أو من الآلهة ~~الذين اتخذوهم لأنفسهم ظلالا واستخلفوهم على عبادهم من الناس؛ فكان هؤلاء الملوك ~~يصدرون فيما يأمرون وما ينهون وفيما يأتون وما يدعون عن أنفسهم، لا يعنيهم أن ~~يرضى الناس أو يسخطوا، فليس للناس أن يرضوا أو يسخطوا، وإنما عليهم أن يذعنوا، ~~وليس من شأن رضاهم أو سخطهم أن يغير من سيرة ملوكهم شيئا؛ فأنت تستطيع أن ترضى عن ~~الشمس حين تضيء، وتسخط عليها حين تحتجب، فلن يغريها رضاك بالإشراق، ولن يمنعها ~~سخطك عن الاحتجاب. # عرفت الإنسانية حكم هؤلاء ms003 الملوك فسعدت به قليلا وشقيت به كثيرا، وحاولت أن تغيره ~~فأتيح لها هذا التغيير في بعض الظروف؛ فعرفت حكم القلة الأرستقراطية التي تستأثر ~~بالعدل فيما بينها من دون الناس، وعرفت حكم الطغاة الذين أقبلوا لينقذوا الشعب من ~~ظلم هذه القلة واستئثارها، وليشيعوا العدل بين الناس جميعا لا يفرقون بين ~~الأقوياء والضعفاء، ولا بين الأغنياء والفقراء، ولا بين القادرين والعاجزين، فلم ~~يتح لهم إلا أن يشيعوا الظلم بين الناس جميعا، وأن يذلوا القلة مع الكثرة ~~ويردوها من الضعة والهوان، إلى مثل ما حاولت أن تخرج منه أو إلى شر مما حاولت ~~أن تخرج منه. # ثم عرفت الإنسانية بعد ذلك نظاما من نظم الحكم، ظنت أنه من خير النظم وأرقاها ~~وأقومها وأمثلها وأجدرها أن يحقق العدل السياسي والاجتماعي بين الناس، وهو هذا ~~النظام الذي يرد إلى الشعب أمور الشعب يصرفها كما يشاء ويدبرها كما يحب. ولكن ~~الإنسانية جربت هذا النظام فنالت به قسطا من العدل، ولم تنل به العدل كله، بل لم ~~تنل به من العدل إلا أيسره وأهونه شأنا؛ فلم يتح للناس إلى الآن أن يتفقوا على ~~رأي ولا أن يجتمعوا على هوى، ولا أن تتحد لهم كلمة أو يلتئم لهم شمل, وهم من أجل ~~ذلك يرون أمر الشعب إلى الشعب في ظاهر الأمر، ثم لا يصنعون من ذلك شيئا في حقيقة ~~الأمر: يستفتون الشعب في أمره؛ فإذا كان الاختلاف - ولا بد من أن يكون الاختلاف - ~~أنفذوا أمر الكثرة وأهدروا أمر القلة، وأتاحوا بذلك للأكثرين أن يستذلوا ~~الأقلين، أو أن يحكموهم على غير ما يريدون؛ ولو قد ضمن للأكثرين أن يحكموا ~~أنفسهم، وأن يحكموا الأقلين لكان هذا النظام مقاربا للعدل مباعدا للظلم المنكر ~~إلى حد ما. ولكن الأكثرين لا يحكمون بأنفسهم ولا سبيل إلى أن يحكموا بأنفسهم، فهم ~~يكلون أمر الحكم إلى ممثلين لهم يختارونهم لذلك اختيارا، ويكلفونهم بذلك ~~تكليفا، وقد يخلص هذا الاختيار في نفسه من العنف والإغراء، ومن الرغب والرهب، أو ~~لا يخلص؛ ولكن ليس من شك في أن ms004 هؤلاء الممثلين الذين تكل الكثرة إليهم أمور ~~الحكم، ناس من الناس، فيهم القوة وفيهم الضعف، وفيهم الشدة وفيهم اللين، وفيهم ~~القناعة وفيهم الطمع، وفيهم الإيثار وفيهم الأثرة؛ فهم معرضون لأن يجوروا عن ~~القصد، وينحرفوا عن الطريق، ويحملوا أنفسهم ويحملوا الناس معهم على غير الجادة، ~~ويتورطوا كما تورط الملوك المستبدون، وكما تورطت الأرستقراطية المستأثرة، وكما ~~تورط الطغاة المستعلون في الظلم والجور. # هذا كله ولم نتجاوز العدل السياسي، فكيف إذا قصدنا إلى العدل الاجتماعي الذي يراد ~~منه ألا يجعل الناس سواء أمام الحاكم فحسب، وإنما يجعلهم سواء أمام الثمرات التي ~~قدر للناس أن يعيشوا عليها؛ فقد عجزت نظم الحكم التي عرفتها الإنسانية، على ~~اختلاف العصور والبيئات والظروف، عن أن تحقق هذا العدل الاجتماعي تحقيقا ينتهي ~~بالناس إلى اطمئنان لا يشوبه قلق، ورضا لا يشوبه سخط، وأمن لا يشوبه خوف. ~~والإنسانية المعاصرة ترى من ذلك ما لا يحتاج إلى أن نطيل القول فيه؛ فالديمقراطية ~~قد ضمنت للناس شيئا من حرية وقليلا من مساواة أمام القانون، ولكنها لم تكد ~~تضمن لهم من العدل الاجتماعي شيئا؛ والشيوعية قد ضمنت للناس قليلا أو كثيرا من ~~العدل الاجتماعي، فألغت ما بينهم من الفروق، وأتاحت للعاملين منهم أن يعملوا ~~وينتفعوا بثمرة أعمالهم، وأتاحت للعاجزين منهم أن يعيشوا غير معرضين لذلة أو ~~ضعة أو هوان، ولكنها ضحت في سبيل ذلك بحريتهم كلها فلم تدع لهم منها شيئا، أو ~~لم تكد تدع لهم منها شيئا؛ والفاشية قد ضحت بالحرية والعدل جميعا، فاستذلت الناس ~~لسلطان الدولة استذلالا بعيد المدى، واستغلتهم لقوة الدولة أبشع استغلال وأشنعه، ~~ثم لم ترد عليهم من نتائج عملهم شيئا، ولم تحفظ عليهم من حريتهم قليلا ولا ~~كثيرا. # سلكت الإنسانية في سبيل الحكم الصالح كل هذه الطرق، وجربت كل هذه النظم، فلم تنته ~~إلى غاية، وما زالت تشكو الظلم والجور، وتضيق بالاستذلال والاستغلال، وتبحث عن ~~النظام القويم الذي يضمن للناس الحرية والعدل جميعا. وهذا النظام القويم هو الذي ~~حاولت الخلافة الإسلامية لعهد أبي بكر وعمر أن تنشئه، فمات ms005 أبو بكر رحمه الله ولم ~~يكد يبدأ التجربة، وقتل عمر رحمه الله وقد خطا بالتجربة خطوات واسعة، ولكنه لم ~~يرض عنها أولا؛ فقد روي عنه أنه كان يقول في آخر خلافته: «لو استقبلت من أمري ما ~~استدبرت، لأخذت من الأغنياء فضول أموالهم فرددتها على الفقراء.» فقد رأى عمر إذن ~~أنه لم يبلغ من تحقيق العدل الاجتماعي ما كان يريد، فكيف ولم يعرف المسلمون ولا ~~غير المسلمين أميرا حاول من العدل ما حاول عمر وحقق منه ما حقق عمر. ولم يرض ~~الناس عن تجربة عمر في أيامه ثانيا؛ فقد كانوا يهابونه ويشفقون من سلطانه، ويعطيه ~~أكثرهم خوفا ورهبا؛ وكان أشد الناس حبا لعمر وأشد الناس حبا إلى عمر ~~يبتغون إليه الوسيلة ليرفق بنفسه وبهم وبعامة الناس فلا يبلغون منه شيئا؛ لأنه ~~كان يؤثر العدل على كل شيء، ثم لم يرض المغلوبون عن هذه التجربة آخر الأمر؛ فقد ~~كانوا يرون أنهم يكلفون ما لا يحبون وفوق ما لا يطيقون، وكانوا يرون أنهم أصحاب ~~سابقة في الحضارة، وأن العرب طارئون على هذه الحضارة، وأن مما يخالف أهواء نفوسهم ~~أن يتسلط البادون على الحاضرين. وقد قتل عمر رحمه الله نتيجة لهذا السخط؛ قتله ~~أحد هؤلاء المغلوبين الذي شكا إليه شدة سيده المغيرة بن شعبة، فلما حقق شكاته لم ~~يعتبه، فكانت نتيجة ذلك أن طعن وهو يستقبل الصلاة. # على أن من الإسراف أن نقضي في هذه التجربة الجريئة بهذه السرعة السريعة، فمن حقها ~~علينا أن نقف عندها وقفة فيها شيء من تمهل وأناة، لنرى أكان من الممكن أن تبقى، ~~ولنرى أكان من الممكن أن تنجح وتبلغ غايتها؛ فقد نحقق بهذه الوقفة المتمهلة ~~المستأنية ما أخذنا به أنفسنا من الإنصاف أولا، وقد تعيننا هذه الوقفة المتمهلة ~~المستأنية على أن نفقه هذه المشكلات الكثيرة التي ثارت من نفسها، أو أثيرت أيام ~~عثمان، لا لأن عثمان كان هو الخليفة، بل لأن الوقت كان قد آن ليثور بعض هذه ~~المشكلات من تلقاء نفسه، وليثير الناس بعضها الآخر. # | الفصل الثاني ms006 # كانت القاعدة الأساسية التي أقام أبو بكر وعمر عليها نظام حكمهما، هي أن يسيرا سيرة ~~النبي في المسلمين ما وجدوا إلى ذلك سبيلا. وسيرة النبي في المسلمين معروفة إلى ~~أبعد حد ممكن. وكان قوام هذه السيرة تحقيق العدل الخالص المطلق بين الناس، وما ~~نحتاج فيما نظن أن نقيم على ذلك دليلا، وحسبنا أن نذكر من لا يذكر أن الإسلام ~~إنما جاء قبل كل شيء بقضيتين اثنتين؛ أولاهما: التوحيد، وثانيتهما: المساواة بين ~~الناس، والله عز وجل يقول: # يا أيها الناس إنا ~~خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل ~~لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله ~~عليم خبير ~~. # وكان أغيظ ما غاظ قريشا من النبي ودعوته أنه كان يدعو إلى هذا العدل وإلى هذه ~~المساواة، ولم يكن يفرق بين السيد والمسود، ولا بين الحر والعبد، ولا بين القوي ~~والضعيف، ولا بين الغني والفقير، وإنما كان يدعو إلى أن يكون الناس جميعا سواء ~~كأسنان المشط، لا يمتاز بعضهم من بعض، ولا يستعلي بعضهم على بعض. وقد يقال: إنه لم ~~يلغ الرق، ولم يمنع الناس من أن يملك بعضهم بعضا! ولكن الذين يفقهون الإسلام ~~ويعرفونه حق معرفته لا ينكرون أن هذه الخطوة الهائلة التي خطاها الإسلام حين ~~سوى بين الحر والعبد أمام الله كانت وحدها حدثا خطيرا في تاريخ الناس، وحدثا ~~خطيرا له ما بعده لو مضت أمور المسلمين على وجهها ولم يعترضها ما اعترضها من ~~الفتن والمحن والخطوب؛ فالله قد فرض الصلاة على الأحرار والرقيق، كما فرض عليهم ~~الصوم، وكما فرض عليهم أن يخلصوا قلوبهم له؛ والله قد عصم دماء أولئك وهؤلاء على ~~السواء؛ والله قد شرع دينه واحدا لأولئك وهؤلاء، لم يشرع بعضه للأحرار وبعضه ~~للعبيد. وهذا وحده خليق لو مضت الأمور على وجهها أن يمحو الرق محوا ويحرمه ~~تحريما؛ فكيف وقد جعل الله فك الرقبة وإعتاق الرقيق من الأمور التي يتنافس فيها ~~المسلمون، يدخرون بها الأجر من الله والمثوبة عنده، وكيف والله قد فتح في الدين ~~أبوابا كثيرة لا يكاد ms007 يلجها الرقيق حتى يعتق، والله قد مد في أسباب الإعتاق ~~والتحرير لمن شاء أن يتصل بها، فجعل الإعتاق - كما قدمت آنفا - من الأعمال ~~الصالحات التي يقصد إليها المسلم، وجعل الإعتاق كفارة لبعض الخطايا، ولم يدع وسيلة ~~تيسر الإعتاق وتغري به وتعين عليه وتفرضه على الناس فرضا إلا دعا إليها ورغب فيها ~~وشرعها للمسلمين. # وقد سخطت قريش أشد السخط وأعنفه على النبي لما أظهر من ذلك، حتى لأكاد أعتقد ~~أنه لو قد دعاها إلى التوحيد دون أن يعرض للنظام الاجتماعي والاقتصادي، ودون أن ~~يسوي بين الحر والعبد وبين الغني والفقير وبين القوي والضعيف، ودون أن يلغي ما ~~ألغى من الربا، ودون أن يأخذ من الأغنياء ليرد على الفقراء - أقول: لو قد دعاهم ~~النبي إلى التوحيد وحده دون أن يمس نظامهم الاجتماعي والاقتصادي، لأجابته كثرتهم ~~في غير مشقة ولا جهد؛ فما كانت قريش مؤمنة بأوثانها إيمانا خالصا، ولا كانت قريش ~~حريصة على آلهتها حرصا صادقا، وما كانت قريش إلا شاكة ساخرة، تتخذ الأوثان ~~وسيلة لا غاية، وسيلة إلى استهواء العرب واستغلالها - أو لأجابه من قريش من ~~أجاب، وامتنع عليه منها من امتنع، دون أن يلقى في ذلك مشقة أو عنتا، إلا أن يكون ~~حرص قريش على آلهتها نتيجة حرصها على مكانتها من العرب وانتفاعها بما كان يجلب ~~إليها من الثمرات. ومهما يكن من شيء فقد سخطت قريش على النبي لأنه عرض لنظامها ~~الاجتماعي، وفرض عليها نوعا من العدل لا يلائم منافع سادتها وكبرائها، أكثر مما ~~سخطت عليه لأنه عاب آلهتها ودعاها إلى أن تلغي الواسطة بينها وبين الله. # والناس جميعا يعلمون أن النبي # صلى الله عليه وسلم # ربما رفق ببعض السادة من قريش طمعا في أن ~~يستميله إلى الإسلام، فيكون ذلك قوة للدعوة الجديدة، وربما دعاه هذا الرفق إلى شيء ~~من الإعراض عن بعض المستضعفين، فلامه الله في ذلك أشد اللوم وأعنفه، وأنزل الله في ~~ذلك قرآنا، وما زال الناس يقرءون ما أنزل الله في قصة ابن أم مكتوم من قوله عز ms008 ~~وجل: # عبس وتولى * أن جاءه ~~الأعمى * وما يدريك لعله يزكى * أو يذكر فتنفعه الذكرى * أما من استغنى * فأنت له تصدى * وما عليك ألا يزكى * ~~وأما من جاءك يسعى * وهو يخشى * فأنت عنه تلهى * كلا ~~إنها تذكرة * فمن شاء ذكره * في صحف مكرمة * مرفوعة ~~مطهرة ~~. # فالتسوية بين الناس إذن هي مظهر أحد الأساسين اللذين قام عليهما الإسلام، وهما ~~التوحيد والعدل؛ وقد سار النبي في أصحابه بمكة ثم بالمدينة سيرة قوامها العدل في ~~الجليل من أمرهم والخطير، حتى استقر في نفوس المسلمين أن العدل ركن أساسي من أركان ~~الإسلام، وأن الانحراف عنه انحراف عن الإسلام، والإخلال به إخلال بالدين؛ ومن أجل ~~ذلك لم يتردد بعض المسلمين في أن ينكر على النبي نفسه بعض ما رأى، ولم يفهم حين ~~كان النبي يقسم الغنائم بعد حنين، ويتألف بعض من كان يتألف من العرب فيعطيهم أكثر ~~من حقهم في الغنيمة، فقال له: اعدل يا محمد فإنك لم تعدل. وقد أعرض النبي # صلى الله عليه وسلم # عنه أول الأمر، ولكنه أعاد كلمته وأعادها، فظهر الغضب في وجه النبي وقال: ~~«ويحك! فمن يعدل إذا لم أعدل؟!» # وهم بعض المسلمين أن يبطشوا بهذا الرجل، ولكن النبي كفهم عنه لأنه كان يحفظ ~~لأصحابه حريتهم وحقهم في المشورة والاعتراض والنقد. والنبي مع ذلك لم يتألف من ~~تألف من العرب إلا عن وحي من الله وإذن في القرآن؛ فالله قد أذن له في سورة ~~«براءة» أن يتألف قلوب بعض الناس من أموال الصدقة، وجعل تألف بعض القلوب مصرفا من ~~مصارف الصدقة. # فهو إذن لم يجر عن القصد حين أعطى من الغنيمة جماعة من هؤلاء الذين أذن الله له ~~في أن يتألف قلوبهم؛ وليس أدل على أن النبي مضى في رعاية العدل إلى أبعد حد ممكن، ~~من هذه السنة التي استنها في نفسه فأحب الخلفاء أن يسنوها بعده في الناس ~~فلم يبلغوا من ذلك ما أرادوا؛ فقد أقص النبي من نفسه، وزعم عمر أثناء خلافته أن أي ~~عامل آذى بعض رعيته بغير ms009 الحق فهو عرضة لهذا القصاص، ويقال إن بعض الرعية شكا إلى ~~عمر في الموسم أن عامله قد ضربه بغير الحق، فلما استبان ظلم العامل لعمر قضى بأن ~~يقتص منه شاكيه، وفزع العمال إلى عمر يطلبون إليه أن يقيل هذا العامل من هذا ~~القصاص؛ لأنه يغض من هيبة السلطان، ويطمع الرعية في أمرائها، فلم يقبل منهم عمر ~~على كثرة ما ألحوا، ثم رضي آخر الأمر أن يعفي العامل من هذا القصاص إذا أرضى ~~شاكيه، وقد استطاع هذا العامل أن يرضي شاكيه فلم يتعرض لهذا القصاص؛ وكانت حجة ~~عمر أن النبي قد أقص من نفسه وهو خير أمته، فلا على غيره من الخلفاء والولاة أن ~~يقصوا من أنفسهم عن رضا أو أن يقص منهم السلطان وهم كارهون. وقد احتج ~~خصوم عثمان عليه بإقصاص النبي من نفسه، وبما أراد عمر من إقصاص الرعية من ولاتها، ~~وطلبوا إليه أن يقص من نفسه، فلم يجبهم إلى ما أرادوا. والذين قرءوا سيرة النبي ~~وسنته يعلمون أنه لم يكن يؤثر نفسه بخير دون أصحابه، إلا أن يؤثره الله بهذا الخير ~~في أمر يوحيه إليه في القرآن؛ فهو كان يشاورهم وينزل عند مشورتهم، وهو كان يحارب ~~معهم إذا حاربوا ويسالم معهم إذا سالموا، وهو كان يبني معهم المسجد ويحفر معهم ~~الخندق ويتغنى معهم وهم يتغنون، يستعينون بالغناء على مشقة الحفر والبناء، وهو كان ~~يحمل معهم الأحجار والتراب، يرى نفسه واحدا منهم قد آثره الله بالوحي والنبوة، ~~فلم يؤثر نفسه بأكثر مما آثره الله به، والسيرة والسنن تروي أنه حين مرض مرضه الذي ~~خرج به من الدنيا سأل عن شيء من ذهب كان قد بقي عنده من مال المسلمين، فلما جيء به ~~أخرجه إلى الناس ولم يبق منه شيئا، وتوفي وهو لا يملك من الدنيا بيضاء ولا ~~صفراء. وقد اشتد على نفسه في ذلك، واشتد الله عليه فيه أيضا، إذ كان لا ينطق عن ~~الهوى، فلم يكتف بالارتفاع عن أن يؤثر نفسه بشيء من دون أصحابه، وإنما أبى إلا ms010 أن ~~يسير في أهله سيرته في نفسه، فقال: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث؛ ما تركناه صدقة.» ~~وقد جاءت فاطمة رحمها الله تطلب إلى أبي بكر ميراث أبيها: فدك، فلم يجبها إلى ما ~~طلبت وروى لها هذا الحديث. # فقد قامت سيرة النبي إذن على العدل بين الناس فيما يكون بينهم وبين أنفسهم، وعلى ~~العدل بين الناس وبين نفسه، وعلى العدل بين الناس وبين أهله أيضا. واجتهد صاحباه ~~من بعده أن يذهبا مذهبه ويسيرا سيرته ما استطاعا إلى ذلك سبيلا؛ بل هم أبو بكر ~~أن يكلف نفسه فوق ما تطيق، فأراد أن يكون إماما للمسلمين ينظر في أمرهم ويقف ~~عليهم وقته وجهده، وأن يسعى مع ذلك ليكسب قوته وقوت أهله، ورآه المسلمون ذات يوم ~~يحمل بعض العروض يسعى بها إلى السوق ليبيع ويشتري كما كان يفعل قبل أن يستخلف، ~~وكما كان المسلمون يفعلون من حوله؛ ولكن المسلمين أشفقوا عليه من ذلك، أو أحس هو ~~العجز عن أن يكون كاسبا وخليفة في وقت واحد، على اختلاف في الروايات؛ فرزقه ~~المسلمون من بيت المال؛ ولم ييسروا عليه في الرزق، وإنما أعطوه ما يقيم أوده ~~وأود أهله. # وقد سار أبو بكر سيرة النبي نفسه، فتحرج أن يموت وعنده من أموال المسلمين شيء، ~~وأوصى آل أبي بكر أن يردوا على عمر هنات كانت عنده من أموال المسلمين، وقد ردت هذه ~~الهنات على عمر فبكى وهم أن يقبلها، فأنكر عليه عبد الرحمن بن عوف ذلك، ولكن عمر ~~أبى إلا أن يتحرج في ذات صاحبه كما تحرج هو في ذات نفسه، وكره أن يلقى أبو بكر ~~ربه فيسأله عما بقي عنده من هذه الهنات، وكره أن يقول أبو بكر لربه: ردها أهلي، ~~وأبى عمر أن يقبلها. # وكذلك بلغ حرص النبي وأبي بكر على العدل أن يتأثما مما لا إثم فيه، وأن يتحرجا ~~مما لا تتحرج منه ضمائر الأتقياء. ولو قد طالت خلافة أبي بكر لرأينا منه في ذلك ~~الأعاجيب، ولكن خلافة عمر جاوزت عشر سنين، فأرانا من ذلك ms011 ما لا تكاد تصدقه النفوس. ~~ومن الناس من يزعم أن الرواة قد تكثروا على عمر، وأضافوا إليه من الشدة أكثر مما ~~كان فيه، ولكن الذين يقرءون سيرة عمر في كتب السنن والطبقات والتاريخ يفرقون في ~~غير مشقة بين ما يمكن أن يكون الرواة قد تكلفوه وبين ما يلائم سيرة عمر وطبعه ~~ومزاجه من الأحداث والواقعات؛ فقد كان عمر شديدا على الناس إلى أقصى حدود الشدة ~~في ذات الله، ولكنه كان على نفسه أشد منه على الناس. وما أعرف أن التاريخ الإنساني ~~كله يستطيع أن يجد لعمر نظيرا في هذا الضمير الحي الحساس المتحرج المتأثم الذي ~~يخاف على نفسه ما لا يخاف، وينكر من نفسه ما لا ينكر، ويأخذ نفسه من ضروب ~~الشدة والعنف بما لا يأخذ الرجل به نفسه إلا أن يكون من أولي العزم. والناس يعلمون ~~أن عمر رأى الشدة التي نزلت بالمسلمين في عام الرمادة، فأبى إلا أن يشارك الناس في ~~شدتهم، وأبى إلا أن يشارك من الناس في هذه الشدة أعظمهم حظا من الفقر والضيق. # عرف أن عامة الناس من حوله لا يجدون السمن، فحرم السمن على نفسه وصبرها على ~~الخبز الجاف والزيت؛ ثم شق عليه الزيت، فخيل إليه أنه لو طبخ لانكسرت حدته ولكان ~~أيسر إساغة وهضما، فتقدم إلى مولاه في أن يطبخ له الزيت، فلما طعمه مطبوخا كان ~~أوجع له وأشد عليه، وقد أثر ذلك في صحته فتغير له لونه، وعرف المسلمون ذلك فلم ~~يستطيعوا أن يردوه عنه؛ لأنه أبى أن يخصب حتى يخصب عامة المسلمين. # ولم يؤمن عمر قط فيما بينه وبين نفسه بأنه مدبر هذه الدولة الضخمة ذات الآفاق ~~الواسعة والفتح البعيد، وإنما كان فيما بينه وبين نفسه يرى ولايته عجبا من العجب ~~وغريبة من الغرائب، ويقول لنفسه إذا خلا إليها: بخ بخ يابن الخطاب؛ أصبحت ~~أمير المؤمنين! وما يزال يذكر أنه كان قبل الإسلام ترعية يرعى على أبيه ~~الخطاب غنيمة، يحدث الناس بذلك ويحدثهم بالمكان الذي كان يرعى فيه، ويحدثهم بما ~~كان ms012 يلقى من الخطاب في عمله ذاك من الشدة والجهد. ولم يكن عمر يبخل بنفسه على ~~عمل من أعمال المسلمين مهما يكن عسيرا شاقا، وقد رئي ذات يوم في حظيرة إبل ~~الصدقة يحصي هذه الإبل ويصفها وصفا دقيقا مستقصى، يقول ذلك لعلي ويؤدي علي عنه ~~ذلك إلى عثمان، فيكتبه عثمان في الصحف، حتى أعجب علي منه بذلك فتلا ما جاء في ~~القرآن على لسان ابنة شعيب في موسى: # يا أبت استأجره ~~ إن خير من استأجرت القوي الأمين ~~، ثم قال: ~~هذا هو القوي الأمين. ورأى الناس عمر يطلي إبل الصدقة بالقطران يهنأ منها مواضع ~~النقب، كما يفعل الرعاة والمستضعفون من الناس، لا يجد في ذلك مشقة ولا يرى منه ~~بأسا؛ وكان بعد شدته هذه العنيفة على نفسه يشتد على أهله حتى يرهقهم من أمرهم ~~عسرا، وكان إذا نهى الناس عن شيء وحذرهم العقوبة إن فعلوه، جمع إليه أهله وقال ~~لهم: إني قد نهيت المسلمين عن كذا وحذرتهم العقوبة إن أتوه، وإن الناس ينظرون ~~إليكم لمكانكم مني؛ فلا أعرفن أن أحدكم قد أتى ما نهيت عنه الناس إلا أضعفت له ~~العقوبة. # وكان في عام الرمادة يتتبع طعام أهله تتبعا دقيقا؛ فإن رأى عند أحدهم يسرا أو ~~سعة رده عن ذلك ردا عنيفا، ثم كان بعد أن يعنف بنفسه وبأهله هذا العنف لا ~~يتحرج في أن يأخذ الناس بسياسته تلك التي وصفها حين قال: «شدة في غير عنف، ولين ~~في غير ضعف.» # روي أنه كان يقسم مالا بين المسلمين ذات يوم وقد ازدحم الناس عليه، فأقبل سعد بن ~~أبي وقاص رحمه الله، ومكانه من النبي مكانه، وبلاؤه في فتح فارس بلاؤه، فزاحم ~~الناس حتى زحمهم وخلص إلى عمر؛ فلم يكن من عمر إلا أن علاه بالدرة، ~~وقال: لم تهب سلطان الله في الأرض، فأردت أن أعلمك أن سلطان الله لا ~~يهابك! # كذلك كان حرص عمر على أن يسوي بين الناس وبين أنفسهم، وعلى أن يسوي بين الناس وبين ~~نفسه وأهله. كل هذا بالقياس إلى ms013 سيرته الخاصة التي كان يسيرها في كل يوم. # ولكن هذه الناحية من حياة عمر أيسر النواحي وأهونها على ما فيها من الشدة والجهد؛ ~~فهناك السياسة العامة التي أخذ عمر نفسه بها وجعلها لخلافته شريعة ومنهاجا؛ وأول ~~ذلك سياسته لهؤلاء النفر من كبار الصحابة وأعلام المهاجرين والأنصار؛ فهؤلاء هم ~~أصحاب السابقة في الإسلام وأصحاب المكانة الممتازة من النبي، إليهم الحل والعقد في ~~كل أمور المسلمين، يؤدي إليهم عمر حسابه عن تصرفه في كل أمر من الأمور العامة، ~~ويستشيرهم في الجليل والخطير من المصالح، ويرى أنه قد ولي عليهم وليس خيرهم، ~~فما عسى أن تكون سيرته فيهم مع ذلك؟ ما عسى أن تكون سياسته لهم؟ أخذهم بالحزم ~~والرفق جميعا، فجعلهم نظراءه وخاصته وأصفياءه وذوي مشورته؛ ولكنه خاف عليهم ~~الفتنة، وخاف منهم الفتنة أيضا، فأمسكهم في المدينة لا يخرجون منها إلا بإذنه، ~~وحبسهم عن الأقطار المفتوحة لا يذهبون إليها إلا بأمر منه. خاف منهم أن يفتتن بهم ~~الناس، وخاف عليهم أن يغرهم افتتان الناس بهم، وخاف على الدولة أعقاب هذا ~~الافتتان. وما من شك في أن هذا قد شق على كثير من أصحاب النبي ومن المهاجرين منهم ~~خاصة. # وآية ذلك أن عثمان لم يكد يتولى أمر المسلمين حتى فك عنهم هذا العقال وأذن لهم ~~فتفرقوا في الأرض، فرضوا عنه كل الرضا، ثم لم تمض أعوام حتى ضاقوا به أشد الضيق، ~~وكانت الفتنة التي خشي عمر أن تكون. ثم كان عمر قد فرض لكل واحد من أصحاب النبي ~~عطاءه على مكاناتهم وسابقاتهم في الإسلام، وعلى منازلهم وقرابتهم من النبي، وكان ~~عمر يرى أن فيما فرض لهم من العطاء ما يغنيهم ويكفيهم السعي والاكتساب، ولكنهم مع ~~ذلك اكتسبوا واتجروا، وكان منهم من ضارب، فعظم ثراؤهم وكثرت أموالهم، فتوسعوا في ~~الغنى وتوسعوا في العطاء أيضا، ولم يستطع عمر أن يمنعهم من ذلك أو يردهم عنه؛ فهم ~~كانوا يتجرون ويكتسبون أيام النبي فلم يردهم النبي عن التجارة ولا عن الاكتساب، ~~ولكن عمر رأى ثراءهم وثراء غيرهم من ms014 المسلمين، بفضل ما أفاء الله عليهم من غنائم ~~الفتح، وبفضل هذه الأعطيات التي كانت توزع عليهم كل عام، فلم يرض عن ذلك، ولم تطب ~~به نفسه، حتى كان يقول: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لأخذت من الأغنياء فضول ~~أموالهم فرددتها على الفقراء.» ولو قد مد لعمر في أسباب الحياة لكان من الممكن ~~أن يرى التاريخ الإسلامي منه في ذلك عجبا. # وقد كثرت أموال المسلمين بفضل الفتح أيام عمر، فوقف من كثرتها موقف الحيرة أولا ~~وشاور أصحابه؛ فأما علي فأشار عليه بما يلائم السنة الموروثة ولا يلائم تطور ~~الحياة، فقال له: تقسم ما يرد من الأموال، حتى إذا حال الحول لم يبق في بيت المال ~~درهم ولا دينار إلا ذهب إلى مستحقه. وأما عثمان فقال له: أرى مالا كثيرا، وإذا ~~لم يضبط خشيت أن ينتشر الأمر. ثم انتهى عمر في القصة المعروفة إلى أن دون ~~الدواوين، وفرض للناس أعطياتهم، وأمسك في بيت المال لمصالح المسلمين العامة ما ~~يتجاوز هذه الأعطيات. # ولم تلبث الحوادث أن أظهرت صواب هذا الرأي الذي أشار به عثمان والذي كان يلائم ~~طبيعة الأشياء في دولة متحضرة أو تريد أن تتحضر؛ فلما كان عام الرمادة وجد عمر في ~~بيت المال ما أتاح له أن يقيم أمر الناس حتى يأتيه الغوث من الأقاليم، وكان يقول: ~~نطعم المسلمين من بيت المال، حتى إذا لم نجد فيه شيئا أدخلنا على كل أهل بيت من ~~الأغنياء مثلهم من المحتاجين، وما نزال نفعل ذلك حتى يطعم المسلمون جميعا. # على أن هذا النحو من سياسة المال كان أيسر ما ذهب إليه عمر، وهو على ذلك قيم له ~~حظه العظيم من إيثار العدل والرفق بالناس. ولكن هناك مذهبا لعمر في سياسة المال ~~ذهب إليه ومضى فيه إلى مدى بعيد، ويخيل إلي أن الأمم المتحضرة تحاول الآن أن ~~تذهب إليه، فلا يتاح لها ذلك إلا في مشقة شاقة، وعسر عسير. # فقد كان عمر يرى ويعلن أن هذا المال الذي يأتي من الفيء ومن جباية الجزية ms015 والخراج، ~~ملك للمسلمين جميعا، لا يستأثر به واحد دون الناس، ولا يستاثر به فريق من الناس ~~دون غيرهم من الرعية، وكان يرى أنه المسئول الأول والأخير عن حفظ هذا المال أولا، ~~وعن رده إلى أهله ثانيا، وكان يقول: لو ند جمل من إبل الصدقة في أبعد الأرض أو ~~أصابه مكروه لخشيت أن يسألني الله عنه يوم القيامة. وكان يقول: إن عشت ليأتين ~~الراعي في جبل صنعاء نصيبه من هذا المال. # وكان قد فرض للناس أعطياتهم من هذا المال؛ للرجل عطاؤه، وللمرأة عطاؤها، وللطفل ~~عطاؤه، وللشيخ الفاني وذي العاهة عطاؤه. وكان يحسب أنه بذلك قد بلغ من العدل ما ~~أراد، ولكنه مر ذات ليلة فسمع صبيا يبكي، فمضى لشأنه، ثم مر به ثانية فسمعه ~~يبكي، فسأل أمه عن ذلك فأجابته جوابا ما، ولكنه مر الثالثة فسمعه يبكي، فلما ألح ~~على أمه في السؤال أنبأته بأنها تريغه عن الرضاع: لأن عمر لا يفرض للأطفال إلا حين ~~يفطمون، فلما سمع عمر ذلك جزع له جزعا شديدا. ثم أصبح فأمر من أذن في الناس: ~~لا تعجلوا بفطام أطفالكم، فإنا نفرض لأطفال المسلمين منذ يولدون. # وكان عمر ينفذ أمر الله في أخذ الصدقات، ولكنه كان يتحرج في أخذها وتوزيعها تحرجا ~~شديدا، والناس يعلمون أن أعرابيا سأل النبي ذات يوم: آلله أمرك أن تأخذ هذه ~~الأموال من أغنيائنا فتردها على فقرائنا؟ فقال له النبي: اللهم نعم. # فكان عمر رحمه الله يعزم على سعاته أن يتحروا العدل في أخذ الصدقة من كل حي من ~~أحياء العرب، وأن يردوا صدقة كل حي على فقرائه حتى يستغنوا عن المسألة، وأن يعودوا ~~عليه بفضل ذلك؛ فإذا عادوا عليه بهذا الفضل حبسه على المصارف التي فرضها الله في ~~القرآن، فأعان بها الفقير والمسكين وابن السبيل والغارمين، وما إلى ذلك من هذه ~~المصارف التي ذكرها الله في آية الصدقات. # وما أذكر الاشتراكية وما أذكر الشيوعية، فلم يكن عمر صاحب اشتراكية ولا شيوعية؛ ~~لأنه أقر الملك كما أقره النبي والقرآن، ولأنه أذن في ms016 الغنى كما أذن فيه النبي ~~والقرآن. ولكن أذكر العدل الاجتماعي الذي يستطيع أن يتحقق في غير إلغاء للملك ولا ~~تحريم للغنى، والذي تحاول بعض الديمقراطيات الحديثة أن تحققه محتفظة للمالكين بما ~~يملكون، وللأغنياء بكثير مما يجمعون. # وأذكر مشروع بيڨردج الذي حاول أن تكفل الدولة للناس حياتهم وصحتهم وحاجتهم ~~وكرامتهم، دون أن تضطرهم إلى أن يستذلوا أو يستغلوا، ودون أن تغريهم بالتبطل ~~والفراغ. # أذكر طموح الديمقراطية في هذا العصر وقصورها عن تحقيق ما تطمح إليه، ثم أذكر ما ~~حاول عمر من ذلك وما حقق، فلا أتردد في أن الشاعر الذي رثاه إنما أثنى عليه بالحق ~~حين قال: # جزى الله خيرا من إمام وباركت # يد الله في ذاك الأديم الممزق # فمن يجر أو يركب جناحي نعامة # ليدرك ما أدركت بالأمس يسبق # قضيت أمورا ثم غادرت بعدها # بوائق في أكمامها لم تفتق # ثم لم يكن عمر رفيقا بعماله وولاته ولا مسمحا لهم، وإنما كان يراقبهم أشد ~~المراقبة، كان لا يولي عاملا إلا أحصى عليه ماله حين التولية وأحصاه عليه حين ~~العزل، فإن وجد فرقا قاسم العامل هذا الفرق، فترك له شطرا ورد الشطر الآخر إلى ~~بيت المال، ثم كان يتتبع سيرة هؤلاء العمال في الرعية من قريب جدا، ويعزم عليهم ~~سرا وإعلانا ألا يؤذوا المسلمين في أنفسهم ولا في أبشارهم ولا في أشعارهم ولا ~~في أموالهم، وكان يلوم بعض ولاته في بعض ذلك فيقول: «متى استعبدتم الناس وقد ~~ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟!» # وكان يشاور من عنده في المدينة من أصحاب النبي فيما يلم من الخطوب كل يوم، ويضرب ~~لعماله موعدا إذا كان الموسم، فيحج بالناس ويسمع من العمال في أمر الرعية ومن ~~الرعية في أمر العمال، ويرد الأمر في ذلك كله إلى نصابه. وأكاد أعتقد أن عمر لو ~~قدمت له أسباب الحياة لنظم الشورى في أمر المسلمين نظاما مستقرا باقيا، يعصمهم ~~من الفتنة والاختلاف، ويكف الولاة عن الظلم والاستعلاء. # ولم أتحدث عن بلاء عمر رحمه الله فيما دبر من أمور المسلمين، حتى فتحوا الأقطار ms017 ~~ومصروا الأمصار وأنشئوا هذه الدول العربية الإسلامية الضخمة، فأنا لم أحاول أن ~~أكتب تاريخ عمر ولا أن ألم بحياته إلماما يسيرا، وإنما أردت إلى أن أبين أن ~~السيرة التي سارها النبي واجتهد صاحباه من بعده في أن يتبعاها، إنما كانت سيرة ~~قوامها العدل الخالص المطلق الذي لا يخشى في الحق لومة لائم، والذي يعلم أن الله ~~يراقبه من جهة في كل لحظة من لحظات الليل والنهار، يراقب منه ما ظهر ويراقب منه ما ~~خفي ويسأل منه عن كل شيء، ويعلم من جهة أخرى أن الناس يراقبونه مراقبة شديدة أذن ~~لهم فيها، بل فرضت عليهم فرضا، فهم مكلفون أن يطيعوا الخليفة ما استقام، وأن ~~يقوموه إن اعوج، وأن يسألوه عما يلتبس عليهم من سيرته ليتبعوه عن علم، ويشيروا ~~عليه عن بصيرة ويخالفوه عن عزيمة وإعذار. # فهل كانت هذه السيرة التي سارها النبي، واجتهد صاحباه في أن يسيراها ما استطاعا إلى ~~ذلك سبيلا، ملائمة لما فطر الناس عليه من الأثرة والطمع والحرص على المنافع ~~العاجلة؟ وهل كانت هذه السيرة قادرة على أن تبقى حتى تغير من طباع الناس فترقى بهم ~~إلى المثل العليا التي دعا إليها النبي وصاحباه؟ # | الفصل الثالث # وأول ما ينبغي أن نتبينه لنستطيع الإجابة عن هذا السؤال هو طبيعة هذه الحكومة التي ~~حكمت المسلمين منذ أسست الدولة حين هاجر النبي وأصحابه إلى المدينة إلى أن قتل عمر ~~واستخلف عثمان، فقد يظن بعض الذين تخدعهم ظواهر الأمور أن هذه الحكومة، أو بعبارة ~~أدق أن نظام الحكم في هذا العهد القصير، قد كان نظاما ثيوقراطيا يعتمد قبل كل ~~شيء وبعد كل شيء على الدين. ولما كان الدين في هذه البيئة الخاصة دينا سماويا ~~منزلا، فقد يظن أصحاب هذا الرأي أن الحكومة التي كانت تحكم المسلمين في هذا العهد ~~إنما كانت تستمد سلطانها من الله، ومن الله وحده، لا ترى أن للناس شأنا في هذا ~~السلطان، ولا ترى أن من حقهم أن يشاركوا فيه، أو يعترضوا عليه، أو ينكروا منه ~~قليلا أو ms018 كثيرا . وقد يخيل إلى الذين يذهبون هذا المذهب أن من أصرح الدلائل على ~~ذلك وأصدقها، أن النبي هو الذي أسس هذه الدولة بأمر من الله عز وجل، فالله أمره أن ~~يهاجر إلى المدينة، والله دعا المسلمين من أهل مكة إلى أن يهاجروا معه، والله أوحى ~~إلى النبي بمجملات ومفصلات من الحكم، والله قال في سورة النجم: # ما ضل صاحبكم وما غوى * وما ~~ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي ~~يوحى ~~. # والله أمر المسلمين أن يطيعوا الله ورسوله، وبين لهم أنهم لن يؤمنوا حتى يحكموا ~~النبي فيما شجر بينهم، وقد يضيفون إلى ذلك أن أبا بكر كان خليفة رسول الله، وأن ~~عمر كان خليفة أبي بكر؛ فقد تنزل الحكم إذن من النبي إلى هذين الإمامين الراشدين، ~~والنبي إنما تلقى السلطان من الله عز وجل؛ فنظام الحكم إذن في هذا العهد إنما هو ~~النظام التيوقراطي الإلهي لا أكثر ولا أقل. ولا أشك في أن هذا الرأي أبعد الآراء ~~عن الصواب؛ فقد كان الإسلام وما زال دينا قبل كل شيء وبعد كل شيء، وجه الناس إلى ~~مصالحهم في الدنيا وفي الآخرة بما بين لهم من الحدود والأحكام التي تتصل بالتوحيد ~~أولا، وبتصديق النبي ثانيا، وبتوخي الخير في السيرة بعد ذلك، ولكنه لم يسلبهم ~~حريتهم ولم يملك عليهم أمرهم كله، وإنما ترك لهم حريتهم في الحدود التي رسمها لهم، ~~ولم يحص عليهم كل ما ينبغي أن يفعلوا، وكل ما ينبغي أن يتركوا، وإنما ترك لهم ~~عقولا تستبصر، وقلوبا تستذكر، وأذن لهم في أن يتوخوا الخير والصواب والمصلحة ~~العامة والمصالح الخاصة ما وجدوا إلى ذلك سبيلا. # وقد أمر الله نبيه أن يشاور المسلمين في الأمر، ولو قد كان الحكم متنزلا من السماء ~~لأمضى النبي كل شيء بأمر ربه لم يشاور فيه أحدا ولم يؤامر فيه وليا من أوليائه، ~~فكيف والله يقول له: # ولو كنت فظا غليظ القلب ~~لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم ~~وشاورهم في الأمر ~~. ومن قبل هذه الآية التي نزلت فيما ~~نزل ms019 من القرآن بعد محنة أحد، قبل النبي مشورة أصحابه في غزوة بدر حين نزل بهم ~~منزلا فسأله بعضهم: أعن أمر من الله نزل بهم هذا المنزل، أم هو الرأي والمكيدة؟ ~~فقال: بل هو الرأي والمكيدة. فأشير عليه حينئذ أن يمضي بالمسلمين عن هذا المنزل ~~الذي لم يكن يلائم خطط الحرب حتى ينزل بهم في المنزل الملائم قريبا من الماء. ثم ~~قبل رأي أصحابه بعد وقعة بدر فيما كان من أمر الأسرى، وتعرض في ذلك لما أصابه من ~~اللوم الذي نزل به القرآن في قول الله عز وجل: # ما كان ~~لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض ~~تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة ~~. وكان ~~النبي يرى حين بلغه سير قريش إليه في وقعة أحد أن يقيم في المدينة ولا يخرج ~~بأصحابه للقاء قريش بالعراء، وأن يذود قريشا إن هاجمت المدينة، ولكن أصحابه، ~~والأنصار منهم خاصة، ألحوا في الخروج إلى عدوهم، فنزل النبي عند رأيهم، ثم دخل ~~ليلبس لأمته، وندم المسلمون أثناء ذلك لأنهم استكرهوا رسول الله على ما لم يحب، ~~فلما خرج إليهم في سلاحه اعتذروا إليه واستأذنوه في الرجوع إلى رأيه، فأبى ومضى ~~على عزيمته. ولو كان الحكم إلهيا يتنزل دائما من السماء لما استطاع المسلمون أن ~~يستكرهوا رسول الله على ما لا يريد، ولما قبل النبي منهم ذلك مهما تكن الظروف. وعن ~~المشورة والاعتماد على رأي أصحابه صدر النبي حين أمر بحفر الخندق في غزوة الأحزاب. # ففي هذه المواطن كلها وفي مواطن أخرى شاور النبي أصحابه وقبل رأيهم عن رضا، أو ~~نزل عند رأيهم إيثارا لرضاهم، فلما كان يوم الحديبية شاور النبي أصحابه بعد أن ~~عرضت عليه قريش ما عرضت من الرجوع عن مكة عامه ذاك دون أن يزور البيت، فكره ~~أصحابه إجابة قريش إلى ما طلبت، وألح النبي في ذلك، وضاق بعض أصحابه بهذا ~~الإلحاح، حتى قال له عمر: لم نعطي الدنية في ديننا؟! هنالك ظهر الغضب في ~~وجه النبي، وقال: أنا رسول الله وعبده. فعلم ms020 المسلمون أن الأمر ليس أمر مشورة ~~ومفاوضة، وإنما هو أمر قد نزل به الوحي من السماء، فتابوا إلى الله وثابوا إلى ~~نبيهم، وأنزل الله في ذلك: # إنا فتحنا لك فتحا ~~مبينا # إلى آخر الآية. # ولو أردنا أن نستقصي المواطن التي شاور فيها النبي أصحابه لطال بنا الحديث إلى أبعد ~~مما نريد. ولكن في هذه الأحداث اليسيرة التي رويناها ما يكفي لإثبات أن الحكم في ~~أيام النبي لم يكن يتنزل من السماء في جملته وتفصيله، وإنما الوحي كان يوجه النبي ~~وأصحابه إلى مصالحهم العامة والخاصة دون أن يحول بينهم وبين هذه الحرية التي تتيح ~~لهم أن يدبروا أمرهم على ما يحبون في حدود الحق والخير والعدل. وربما كان من أصدق ~~الأدلة وأقطعها على ما نذهب إليه أن القرآن لم ينظم أمور السياسة تنظيما مجملا ~~أو مفصلا، وإنما أمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ونهى عن الفحشاء والمنكر ~~والبغي، ورسم لهم حدودا عامة، ثم ترك لهم تدبير أمورهم كما يحبون على ألا يتعدوا ~~هذه الحدود، وأن النبي نفسه لم يرسم بسنته نظاما معينا للحكم ولا للسياسة، ~~ولم يستخلف على المسلمين أحدا من أصحابه بعهد مكتوب أو غير مكتوب حين ثقل عليه ~~المرض، وإنما أمر أبا بكر فصلى بالناس، وقال المسلمون بعد ذلك: رضيه رسول الله ~~لأمور ديننا فما يمنعنا أن نرضاه لأمور دنيانا؟! ولو قد كان للمسلمين نظام سياسي ~~منزل من السماء لرسمه القرآن أو لبين النبي حدوده وأصوله، ولفرض على المسلمين ~~الإيمان به والإذعان له في غير مجادلة ولا مناضلة ولا مماراة. # وأخرى تدل على أن نظام الحكم في أيام النبي وصاحبيه لم يكن إلهيا منزلا من ~~السماء، وهي البيعة التي سنها رسول الله للمسلمين حتى في أيامه هو، والناس جميعا ~~يعلمون أنه استنفر أصحابه لوقعة بدر ولم يأمرهم بها أمرا، وإنما دعاهم إليها ~~ورغبهم فيها ووعدهم بأمر الله إحدى الحسنيين، وكان العهد بينه وبين الأنصار ألا ~~يخرجهم لقتال، وأن يدافعوا عنه إذا تعرض للأذى، فلما كانت غزوة بدر شاور أصحابه ms021 ~~وانتظر أن يدلوا إليه بآرائهم، ولم يمض بهم إلى القتال حتى قال له زعماء الأنصار: ~~لو سلكت بنا هذا البحر لاتبعناك، فعرف أنهم يرضون أن يخرجوا معه للقتال. والناس ~~جميعا يعلمون أنه لم يأمر أصحابه بقتال قريش حين بلغه أنها مكرت بعثمان يوم ~~الحديبية، وإنما ندبهم لذلك فبايعوه على الموت، ولو قد شاء أحدهم ألا يبايع لكان ~~له مخرج، ولكنهم بايعوه جميعا؛ لأنهم كانوا يؤمنون به وبالله الذي أرسله ~~ويستجيبون إذا دعاهم. وقد أنزل الله في هذه البيعة من سورة الفتح: # إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ~~يد الله فوق أيديهم ~~. وفي القرآن آيات كثيرة ترغب ~~المؤمنين في الجهاد وتدعوهم إليه، وتذكر الذين تخلفوا عن الجهاد فعذرهم الله ~~ورسوله، والذين تخلفوا وتكلفوا الأعذار فلم يقبل منهم، ولكن النبي مع ذلك لم ~~يعاقبهم ولم يعرض لهم بما يكرهون، وإنما ترك أمرهم إلى الله إن شاء عذبهم وإن شاء ~~تاب عليهم. # وليس أقل من هذا خطرا أن أمر الخلافة كله قام على البيعة، أي على رضا الرعية، ~~فأصبحت الخلافة عقدا بين الحاكمين والمحكومين، يعطي الخلفاء على أنفسهم العهد أن ~~يسوسوا المسلمين بالحق والعدل، وأن يرعوا مصالحهم، وأن يسيروا فيهم سيرة النبي ما ~~وسعهم ذلك، ويعطي المسلمون على أنفسهم العهد أن يسمعوا ويطيعوا وأن ينصحوا ~~ويعينوا. # وما من شك في أن خليفة من خلفاء المسلمين ما كان ليفرض نفسه وسلطانه عليهم فرضا، ~~إلا أن يعطيهم عهده ويأخذ منهم عهدهم، ثم يمضي فيهم الحكم بمقتضى هذا العقد ~~المتبادل بينه وبينهم. ومن أجل ذلك لم يورث السلطان عن النبي وراثة؛ لم يرثه عنه ~~أهل بيته، ولم يرثه عنه أبو بكر نفسه، وإنما تلقى هذا السلطان من الجماعة التي ~~بايعته به وائتمنته عليه، ثم لم يرث أبناء أبي بكر عنه الخلافة، ولم يرثها عنه عمر ~~نفسه، وما كان استخلاف أبي بكر لعمر إلا مشورة على المسلمين، وآية ذلك أن عهد أبي ~~بكر لم ينفذ ولم يصبح عمر خليفة إلا بعد أن بايعه المسلمون رضا برأي أبي ms022 بكر ~~وقبولا لمشورته، وآية ذلك أيضا أن عثمان خرج بعهد أبي بكر إلى الناس مختوما ~~وأبو بكر لم يمت بعد، فقال لهم: أتبايعون لمن في هذا الكتاب؟ قالوا: نعم؛ لأنهم ~~كانوا يثقون بأبي بكر ويرضون رأيه ويرون أنه لهم ناصح وبهم رءوف. ولم يرث أبناء ~~عمر عنه الخلافة، وكره عمر أن تكون الخلافة بعده في أحد من ولده، وأشرك ابنه عبد ~~الله في الشورى على ألا يكون له في الأمر شيء، ومن أجل ذلك أيضا سخط عامة ~~المسلمين على توريث السلطان في أيام معاوية، وقال قائلهم: إنه جعلها هرقلية أو ~~كسروية. فإذا دل هذا كله على شيء، فإنما يدل على أن الحكم أيام النبي لم يكن ~~مفروضا من السماء لا رأي للناس فيه. وإذا كان الأمر كذلك أيام النبي الذي كان ~~يتنزل عليه الوحي، فأحرى أن يكون الأمر كذلك أيام صاحبيه بعد أن تقطع عن الناس خبر ~~السماء. # والذين يظنون أن نظام الحكم في هذا الصدر من حياة المسلمين كان إلهيا، يخدعون عن ~~رأيهم هذا بما يجدون في أحاديث الخلفاء وخطبهم، وفي أحاديث الناس عنهم وإليهم من ~~ذكر الله وأمره وسلطانه وطاعته؛ يحسبون أن هذا كله يدل على أن نظام الحكم منزل من ~~السماء، مع أنه لا يدل في حقيقة الأمر إلا على شيء يسير خطير في وقت واحد، وهو أن ~~الخلافة عهد بين المسلمين وخلفائهم، وأن الله أمر المسلمين بأن يوفوا بعهد الله ~~إذا عاهدوا سواء أكان هذا العهد متصلا بشئون الحكم، أم متصلا بالعلاقات ~~الخارجية، أم متصلا بما يكون بين الأفراد من العهود والمواثيق؛ فالله يأمر ~~باحترام العهود، والله شاهد على ضمائر الناس حين يوفون بالعهود أو ينكثونها، والله ~~يثيب من وفى بالعهد ويعاقب من نكثه عقابا شديدا. # فليس بين الإسلام وبين المسيحية مثلا فرق من هذه الناحية؛ فالإسلام دين يأمر ~~بالمعروف وينهى عن المنكر، ويوجه إلى الخير ويصد عن الشر، ويريد أن تقوم أمور ~~الناس على العدل وتبرأ من الجور، ثم يخلي بعد ذلك بينهم وبين أمورهم ms023 يدبرونها كما ~~يرون ما داموا يرعون هذه الحدود. ولا تزيد المسيحية على هذا ولا تنقص منه، ولأمر ~~ما قال عيسى عليه السلام للذين جادلوه من بني إسرائيل: «أعطوا ما لقيصر لقيصر وما ~~لله لله.» وما أشك في أن عيسى عليه السلام لم يرد أن يعطي ما لقيصر لقيصر بغير ~~حقه، أو أن تقوم الصلة بين قيصر وبين الناس على الظلم والجور والخوف. # وسنرى في غير هذا الموضع من هذا الحديث أن من المسلمين من أنكر على بعض العمال أيام ~~عثمان قولهم: إن ما كان يأتي من الفيء ويجنى من الخراج مال الله، وقالوا: هو مال ~~المسلمين، وتعرضوا في سبيل ذلك لبعض الأذى. ولو قد فهم المسلمون نظام الحكم في ذلك ~~الصدر من حياتهم على أنه نظام إلهي، لما أنكروا أن يقال مال الله؛ لذلك اعتذر ~~معاوية من هذا التعبير حين أنكر عليه، بأن الناس وما ملكوا لله، فهم عباد الله ~~ومالهم مال الله. # لم يكن نظام الحكم إذن أيام النبي تيوقراطية مقدسة، وإنما كان أمرا من أمور الناس، ~~يقع فيه الخطأ والصواب، ويتاح للناس أن يعرفوا منه وأن ينكروا وأن يرضوا عنه ~~ويسخطوا عليه. # ويظن آخرون أن نظام الحكم أيام النبي وصاحبيه قد كان نظاما ديمقراطيا، وهذا ~~تجوز في الألفاظ وخروج بها عن الدقائق من معانيها. وقد ينبغي أن نتبين معنى ~~الديمقراطية بالدقة قبل أن نقول إن نظام الحكم هذا كان أو لم يكن ديمقراطيا. ~~والديمقراطية لفظ يدل به على حكم الشعب بالشعب وللشعب، أي على أن يختار الشعب ~~حكامه اختيارا حرا، ويراقبهم مراقبة حرة؛ ليتبين أنهم يحكمونه لمصلحته هو لا ~~لمصلحتهم هم، ويعزلهم إن لم يرض عن حكمهم ولم يطمئن إلى الثقة بهم. # كذلك فهمت الديمقراطية في العصور القديمة عند اليونان، وكذلك تفهم الديمقراطية في ~~العصور الحديثة عند الأمم التي تصطنع هذا النظام، على اختلاف مع ذلك في فهم كلمة ~~الشعب؛ فهذه الكلمة كانت تضيق في أيام اليونان مثلا، حتى لا تدل إلا على جماعة ~~ضئيلة من المواطنين لهم ms024 وحدهم جميع الحقوق يستوون فيها أمام القانون، على حين لا ~~تستمتع الكثرة الكثيرة من هذه الحقوق بشيء ولا تساهم من أمور الحكم بنصيب. وكان ~~هذا اللفظ يتسع بعد الثورة الفرنسية إلى حيث يشمل عددا ضخما من المواطنين يكون ~~لهم الاستمتاع بالحقوق السياسية، ولكنه لا يشملهم جميعا؛ فهو محدد بملك مقدار من ~~المال، أو أداء مقدار معين من الضرائب، أو تحصيل قدر معين من الثقافة. ثم اتسع في ~~آخر القرن الماضي حتى شمل المواطنين جميعا من الرجال منذ يبلغون الرشد، ثم اتسع ~~في هذا القرن حتى شمل المواطنين من الرجال والنساء منذ يبلغون الرشد. وللديمقراطية ~~بعد ذلك، سواء أكانت ضيقة أم واسعة، نظم مقررة تكفل استمتاع الشعب بحقوقه واختياره ~~لحكامه ومراقبته لهؤلاء الحكام. # فإذا فهمت الديمقراطية على هذا المعنى الدقيق، فليس من شك في أن نظام الحكم في ~~الصدر الأول من حياة المسلمين لم يكن ديمقراطيا؛ فالشعب لم يكن يختار حكامه بهذا ~~المعنى الدقيق، وليس الشعب هو الذي اختار النبي ليبلغه رسالات ربه وليقيم الأمر ~~فيه بالقسط والعدل، ولكن الله أرسل رسوله فاتبعه من اتبعه وخالف عنه من خالف عنه، ~~وإذا قلنا إن الذين اتبعوا النبي من أصحابه قد اختاروه ليكون لهم حاكما، فهم لم ~~يختاروه على النحو الذي يختار عليه الحكام في النظام الديمقراطي، وهم لم يكونوا ~~يراقبونه ولا يحاسبونه، وإنما كان النبي يستشيرهم فيشيرون عليه، وكانوا يشيرون ~~عليه حسبة أحيانا، وكان يقبل منهم أو لا يقبل. وليس من الدقة في شيء أن يقال إن ~~حكم أبي بكر وعمر قد كان حكما ديمقراطيا بالمعنى التدقيق، فليس كل المسلمين قد ~~اختاروا أبا بكر وعمر لأمر الخلافة، وإنما اختارهما فريق بعينه من المسلمين، وهم ~~أولو الحل والعقد من المهاجرين والأنصار، على ما كان بينهم في ذلك من اختلاف أول ~~الأمر. # ولم يستأمر العرب الذين مات النبي وهم مسلمون من أهل مكة والطائف والبادية في ~~اختيار أبي بكر أو عمر، وإنما اختارهما أهل المدينة فسمع لهما سائر المسلمين ~~وأطاعوا؛ ولذلك لم يكن غريبا ms025 قول من قال من أصحاب الردة: # أطعنا رسول الله ما كان بيننا # فيا لعباد الله ما لأبي بكر # ثم لم يكن للشعب، بل لم يكن لهذا الفريق من المهاجرين والأنصار، نظام معين مقرر ~~محدد يراقبون به سيرة الخلفاء ويحاسبونهم على ما يأتون وما يدعون، وإنما كان ~~الخلفاء يستشيرونهم فيشيرون عليهم؛ يستشيرونهم مجتمعين حينا ومتفرقين حينا آخر. ~~وكان لمن شاء من المهاجرين والأنصار أن يشير على الخليفة حسبة، فيقبل الخليفة منه ~~أو لا يقبل؛ وإذن فلم يكن نظام الحكم في ذلك الصدر من حياة المسلمين نظاما ~~ديمقراطيا بمعناه الدقيق في الفقه الدستوري عند القدماء أو المحدثين. # فإذا أطلق لفظ الديمقراطية على هذا المعنى العام الذي يفهم منه حاجة الحكام إلى رضا ~~الشعب عنهم وثقة الشعب بهم، وأخذ الحكام أنفسهم بأن يسيروا في الشعب سيرة تقوم على ~~العدل والمساواة، وتبرأ من التسلط والاستعلاء؛ فأنت تستطيع أن تقول: إن نظام الحكم ~~في الصدر الأول للإسلام قد كان نظاما ديمقراطيا بهذا المعنى العام الذي ليس له ~~مقاييس ولا معايير ولا حدود، وسترى أثر ذلك فيما عرض للمسلمين من أمور الفتنة أيام ~~عثمان. # وقوم آخرون قد يظنون أن نظام الحكم في ذلك الصدر من الإسلام قد كان نظام السلطان ~~الفردي العادل، فلم يكن للنبي ولا لصاحبيه من بعده شركاء في الحكم، وإنما كان لهم ~~من أصحابهم مشيرون لا يلزمون بمشورتهم أحدا. ولكن النبي وصاحبيه كانوا على ذلك ~~يتوخون العدل ولا يتوخون غيره. وهذا النحو من التفكير يقرب نظام الحكم إلى حد ما ~~من النظام الذي عرفه الرومان أيام الملوك والقياصرة؛ فقد كان ملوك روما وقياصرتها ~~لا يتوارثون الحكم حتما، وإنما ينتخب أكثرهم له انتخابا، وكان أحدهم إذا انتخب ~~ولي الأمر حياته كلها إلا أن تخلعه منه ثورة أو انتقاض. وكل ما يكون من الفرق بين ~~هذا النظام الروماني وبين النظام الإسلامي أيام النبي وصاحبيه، هو أن العدل كان ~~وحده قوام الحكم فيما عرف المسلمون من هذا النظام؛ على حين كان ملوك الرومان ~~وقياصرتهم يتجاوزون العدل ms026 والقسط في كثير من الأحيان. وليس هذا الرأي أكثر دقة من ~~الرأيين السابقين. # فنحن نعلم أن قد كان للدين سلطانه في اختيار الملوك والقياصرة عند الرومان، وفيما ~~يكون من سيرة هؤلاء الملوك والقياصرة. ولكن الفرق بين النظام الروماني والإسلامي، ~~هو الفرق بين دين ودين، كما أنه الفرق بين جنس وجنس وبين بيئة وبيئة؛ فلم يكن ~~للدين الذي سيطر على ملوك الرومان خاصة وعلى قياصرتهم إلى حد ما، من النقاء والسمو ~~ما يشبه نقاء الديانات السماوية من قريب أو بعيد. إنما كان دين الرومان يقوم على ~~العيافة والزجر واستطلاع ضمائر الغيب بطرق نقرؤها الآن فنبتسم لها ونضحك منها، ~~وكان تطور الشعب الروماني من حياته الساذجة الأولى إلى حياته المعقدة مباعدا كل ~~البعد لتطور الشعب العربي من جاهليته إلى إسلامه؛ فقد كان التطور الروماني ~~ماديا، إن صح هذا التعبير، نشأ من تقدم الحضارة قليلا قليلا؛ على حين كان ~~التطور العربي معنويا، نشأ من تغير النفس العربية بتأثير الإسلام، فكأنه كان ~~تطورا من داخل إلى خارج، تغيرت النفس العربية فتغيرت الحياة المادية للعرب؛ على ~~حين كان التطور الروماني من خارج إلى داخل، تغيرت ظروف الرومان الخارجية فتطورت ~~نفوس الرومان وضمائرهم. # والبيئتان من بعد ذلك مختلفتان بمقدار ما يكون الاختلاف بين إيطاليا والحجاز: فليس ~~غريبا ألا يكون هناك تشابه بين نظام الحكم الروماني أيام الملوك وأيام القياصرة، ~~ونظام الحكم في الصدر الأول للإسلام. # وأكاد أتصور تشابها بعيدا أو قريبا بين نظام الحكم الروماني أيام الجمهورية ~~ونظام الحكم الإسلامي بعد وفاة النبي؛ فقد كان الرومانيون يختارون قناصلهم على نحو ~~يوشك أن يشبه اختيار المسلمين لخلفائهم، وإلى شيء من ذلك نحا الأنصار حين قالوا ~~للمهاجرين: منا أمير ومنكم أمير. ثم كان سلطان القنصل بعد اختياره يشبه في عمومه ~~وشموله سلطان الخلفاء، إلا أن سلطان القنصل كان موقوتا بسنة واحدة، وكان سلطان ~~الخلفاء يمتد مدى الحياة بعد اختيار الخليفة، وكان سلطان القنصل مقيدا بالقوانين ~~التي تصدرها جماعة الشعب والقرارات التي يصدرها مجلس الشيوخ، كما كان سلطان ~~الخليفة ms027 مقيدا بالحدود التي رسمها الدين، وبما يرى كبار الصحابة من رأي، وبما ~~تميل إليه أو تنحرف عنه عامة المسلمين. ولكن هذه كلها وجوه للتشابه يظهر فيها ~~التكلف والتصنع والإبعاد، فإذا أضفنا إليها مظاهر الحكم التي كانت تحيط بالقنصل ~~ولم يكن يحيط منها بالخليفة شيء. وإذا أضفنا إلى ذلك بعض النظم التي اقتضتها ظروف ~~الجمهورية الرومانية لتقييد سلطان القنصل وحماية العامة من تحكمه، كنظام الزعماء ~~الذين كانت الدهماء تنتخبهم ليكفوا عنها جور القنصل إن هم القنصل بشيء من الجور ~~- أقول: إذا أضفنا هذه الفروق إلى وجوه الشبه تلك المتكلفة، كان من الواضح أن ليس ~~هناك صلة قريبة أو بعيدة بين نظام الحكم العربي في ذلك العهد القصير وبين نظم ~~الرومان في عهد الملوك أو عهد الجمهورية أو عهد القياصرة. # ليس من شك في أن المسلمين قد اقتبسوا كثيرا من نظم القياصرة والأكاسرة في السياسة ~~والإدارة والحرب، ولكن هذا الاقتباس جاء متأخرة جدا عن العصر الذي نتحدث فيه؛ ~~فلننصرف إذن عن هذا التشابه الذي لا يقوم على أساس متين. # لم يكن نظام الحكم الإسلامي في ذلك العهد إذن نظام حكم مطلق، ولا نظاما ~~ديمقراطيا على نحو ما عرف اليونان، ولا نظاما ملكيا أو جمهوريا أو قيصريا ~~مقيدا على نحو ما عرف الرومان، وإنما كان نظاما عربيا خالصا بين الإسلام له ~~حدوده العامة من جهة، وحاول المسلمون أن يملئوا ما بين هذه الحدود من جهة أخرى. # وقد قلت في بعض أحاديثي عن نشأة النثر عند العرب: إن القرآن ليس شعرا ولا نثرا، ~~وإنما هو قرآن له مذاهبه وأساليبه الخاصة في التعبير والتصوير والأداء، فيه من ~~قيود الموسيقى ما يخيل إلى أصحاب السذاجة أنه شعر، وفيه من قيود القافية ما يخيل ~~إليهم أنه سجع، وفيه من الحرية والانطلاق والترسل ما قد يخيل إلى بعض أصحاب ~~السذاجة الآخرين أنه نثر؛ ومن أجل هذا خدع المشركون من قريش، فقالوا إنه شعر، ~~وكذبوا في ذلك تكذيبا شديدا، ومن أجل هذا خدع كذلك بعض المتتبعين لتاريخ ~~النثر فظنوا ms028 أنه أول النثر العربي، وتكذبهم الحقائق الواقعة تكذيبا شديدا. فلو ~~قد حاول بعض الكتاب الثائرين - وقد حاول بعضهم ذلك - أن يأتوا بمثله لما استطاعوا ~~إلا أن يأتوا بما يضحك ويثير السخرية. # قلت ذلك بالقياس إلى القرآن، وأريد أن أقول شيئا قريبا منه بالقياس إلى نظام ~~الحكم العربي الإسلامي في ذلك العهد، فهو لم يكن ملكا، ولم يكن يؤذي النبي ~~وصاحبيه شيء كما كان يؤذيهم أن يظن بهم الملك، وهو لم يكن جمهوريا، فلم نعرف ~~في نظم الجمهورية نظاما يتيح للرئيس المنتخب أن يرقى إلى الحكم فلا ينزله عنه إلا ~~الموت، ولم يكن قيصريا بالمعنى الذي عرفه الرومان، فلم يكن الجيش هو الذي يختار ~~الخلفاء، فهو إذن نظام عربي إسلامي خالص لم يسبق العرب إليه، ثم لم يقلدوا بعد ~~ذلك فيه، وهذا لا يعفينا مع ذلك من أن نحلله ونتبين دقائقه لنرى أكان قادرا على ~~البقاء أم كان خليقا أن يتغير متى تغيرت الظروف التي أحاطت بنشأته ثم بتطوره. # وأول ما نلاحظ من العناصر التي كان هذا النظام يأتلف منها، العنصر الديني؛ فلم يكن ~~هذا النظام، كما قلت آنفا، نظاما سماويا، وإنما كان نظاما إنسانيا، ولكنه ~~على ذلك تأثر بالدين إلى حد بعيد جدا. لم يكن الخليفة يصدر عن وحي أو شيء يشبه ~~الوحي في كل ما يأتي وما يدع، ولكنه على ذلك كان مقيدا بما أمر الله به من إقامة ~~الحق وإقرار العدل وإيثار المعروف واجتناب المنكر والصدود عن البغي. # وهذا الوحي الذي اتصل ثلاثة وعشرين عاما يصابح المسلمين ويماسيهم، ينزل قرآنا ~~مرة، وينطق به النبي حديثا مرة أخرى، ويجريه النبي بسيرته العملية سنة متبعة مرة ~~ثالثة، قد أيقظ في نفوس المسلمين من خاصة النبي ضميرا دينيا قويا دقيقا ~~حيا إلى أبعد غايات القوة والدقة والحياة، فلم يكن من الممكن أن يتخلص منه ~~المسلم في قول أو عمل أو تفكير، بل لم يكن من الممكن أن يخلص منه في يقظة أو نوم، ~~فصلته بالرعية إن كان حاكما، وبالحاكم إن كان ms029 رعية ، وبنظرائه في حياته ~~اليومية؛ متأثرة دائما بهذا الضمير، وهذا هو الذي يخيل لكثير من الناس أن ~~نظام الحكم في ذلك الوقت قد كان نظاما يتنزل من السماء إلى الأرض؛ وليس الأمر ~~كذلك، وإنما هو يدور مع مقدار ما يكون لضمير الخليفة ورعيته من التأثر بالدين. # أما العنصر الثاني من العناصر التي ائتلف منها هذا النظام، فهو عنصر الأرستقراطية ~~التي لا تعتمد على المولد ولا على الثروة ولا على ارتفاع المكانة الاجتماعية ~~بمعناها الشائع العام، وإنما تعتمد على شيء آخر أهم من هذا كله: وهو الاتصال ~~بالنبي أيام حياته، والإذعان لما كان يأمر به وينهى عنه في غير تردد ولا شيء يشبه ~~التردد، والإبلاء بعد ذلك في سبيل الله في أوقات السلم والحرب جميعا. # هذه الخصال أنشأت منذ ظهر الإسلام طبقة ممتازة من الناس، لم تستأثر من دونهم بحق من ~~حقوق الدنيا، ولم تجن لنفسها منفعة عاجلة أو آجلة، وإنما آثرها النبي بحبه وأعلن ~~إليها وإلى الناس أن الله قد آثرها بحبه أيضا؛ فالذين سبقوا إلى الإسلام، والذين ~~عذبوا في الله، والذين هاجروا بدينهم إلى بلاد الحبشة ثم إلى المدينة، والذين ~~آووا ونصروا، والذين جاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، والذين لزموا النبي ~~يسمعون له ويكتبون عنه - كل أولئك كونوا هذه الطبقة التي أحبها الله ورسوله ~~وأكبرتها عامة المسلمين. وهذه الطبقة لم تكن ترى نفسها أحق بالامتياز ولا أجدر ~~بالاستعلاء، وإنما كانت ترى نفسها كغيرها من الناس، وكان تواضعها نفسه يزيدها ~~حبا عند رسول الله، ويرفعها درجات عند الله، ويعلي مكانتها في نفوس عامة ~~الناس، ولم تكن هذه الطبقة مؤلفة من ذوي المولد الممتاز والنسب الصريح والثراء ~~العريض وحدهم، وإنما كانت مؤلفة من بعض هؤلاء ومن آخرين كان منهم العبد الذي فتن ~~في دينه حتى صادف من المسلمين من اشتراه وأعتقه، وكان منهم الضعيف الذي أقبل ~~مستجيرا بمكة يعيش في حمى حلف عقدها مع هذا الحي أو ذاك من أحياء قريش ومع هذا ~~العظيم أو ذاك من عظمائها، وكان منهم ms030 من أقبل على مكة ذات يوم فوجد فيها أمنا ~~ومكسبا فأقام؛ ثم كان منهم من صرح نسبه وحسن مولده، ولكنه كان قصير اليد ~~قليل المال، فهو في عزة من قومه ولكنه في ضيق من عيشه يكسب حياته كما يستطيع. # كان منهم كل هؤلاء، وكل هؤلاء سوى بينهم الإسلام في الحقوق والواجبات، ولم يفرق ~~بينهم إلا في حظوظهم من حسن البلاد في سبيل الإسلام، والصبر على المكروه حين يلم ~~المكروه، ومؤازرة النبي بنفسه وماله حين يحتاج النبي إلى المؤازرة بالأنفس ~~والأموال. # ولم يكد الإسلام ينتشر حتى امتازت هذه الطبقة في نفوس المسلمين امتيازا طبيعيا، ~~وحتى أعطاها المسلمون من الحقوق ما لم تكن هي تعطي نفسها، فأعضاؤها كانوا ~~يعلمون الناس دينهم، ويشيرون عليهم فيما يلم بهم من الأمر. وما أكثر ما كانت ~~أحياء العرب تطلب إلى النبي أن يرسل إليها من يفقهها في الدين، فيختار لها من ~~هؤلاء معلما وفقيها وإماما، ثم لم تكد الشهور تمضي على هجرة النبي حتى كانت ~~غزوة بدر التي رفعت مكانة الإسلام في بلاد العرب وجعلت له شوكة ترهب وتخاف، ولا ~~يكاد الزمن يمضي حتى يصبح الذين شاركوا في هذه الغزوة طبقة ممتازة بين المسلمين؛ ~~فإذا أتيح لهم أن يشهدوا غيرها من المشاهد مع النبي، فهم أشد امتيازا؛ فإذا أتيح ~~لهم أن يثبتوا في القلة التي ثبتت مع النبي يوم أحد، فهم أشد امتيازا أيضا؛ فإذا ~~أتيح لهم أن يثني النبي عليهم، ويجعلهم لغيرهم قدوة وإماما، ويبشرهم بالجنة، ~~ويعلن أنه عنهم راض، فقد بلغوا أرقى درجات الامتياز. وليس في شيء من هذا كله ~~غرابة أو عجب؛ فهذا كله ملائم لطبيعة الأشياء، وإنما المهم هو أن هذه الطبقة ~~الممتازة من أصحاب النبي على ما يكون بينها من تفاوت في الامتياز، قد أصبحت بعد ~~وفاة النبي صاحبة الحل والعقد في أمور المسلمين كلها بعد أن مضى النبي إلى ربه ~~وانقطع الوحي وعاد ما بين السماء والأرض إلى البعد بعد القرب. # فمن هذه الطبقة وحدها يختار من يخلف النبي في ms031 أمته ، وعلى هذه الطبقة وحدها يعتمد ~~الخليفة في أن يسمع له الناس ويطيعوا، وإلى هذه الطبقة وحدها يلجأ الخليفة حين ~~يحتاج إلى التشاور وإدارة الرأي. # على أن الأمر لم يقف عند هذا بعد وفاة النبي، فلم تكد تمضي أيام بل ساعات على وفاة ~~النبي حتى عرف الإسلام نوعا جديدا من الأرستقراطية يتصل بالحكم نفسه اتصالا ~~شديدا؛ وذلك حين تحدث المسلمون في أمر الخلافة، فقال الأنصار: منا أمير ومنكم ~~أمير. وروى أبو بكر عن النبي أنه قال: الأئمة من قريش، ثم قال للأنصار: نحن ~~الأمراء وأنتم الوزراء. وقبل الأنصار ذلك لم يكادوا يعارضون فيه، ولم يأبه ~~منهم إلا سعد بن عبادة، رحمه الله. # منذ ذلك الوقت نشأت في الإسلام أرستقراطية قوامها القرب من رسول الله؛ فأصبح الحكم ~~إلى قريش وحدها، وأصبحت المشورة إلى الأنصار. والمشورة حق عام لكل مسلم؛ فلقريش أن ~~تحكم، ولقريش أن تشير، وللأنصار وغيرهم من العرب أن يشيروا، وليس لهم أن يحكموا. ~~ومع ذلك فقد ينبغي أن نستأني في تحقيق هذه الأرستقراطية كما فهمها أبو بكر وأصحابه ~~من المهاجرين، وكما فهمتها قريش بعد ذلك؛ فما من شك في أن أبا بكر وعمر وأبا عبيدة ~~بن الجراح لم يفكروا في إطلاق الإمامة لقريش كلها بغير تحديد، وأكبر الظن أنهم ~~إنما فكروا في المهاجرين الذين سبقوا إلى الإسلام، فآمنوا قبل أن يؤمن غيرهم، ~~وآزروا النبي بأنفسهم وأموالهم على نشر دعوته في مكة أيام الجهد والشدة والضيق؛ ~~فالكثرة العظمى من هؤلاء المهاجرين قرشية، والمهاجرون يذكرون مع الأنصار في ~~القرآن والحديث وعلى ألسنة الناس، فيبدأ بهم ويثني بالأنصار، وما أرى إلا أن ~~أبا بكر إنما قصد إلى هذه الطبقة الممتازة من قريش؛ طبقة الذين سبقوا إلى الإسلام ~~وجاهدوا مع النبي أثناء الفتنة في مكة، ثم جاهدوا معه وجاهد معهم الأنصار أثناء ~~القوة في المدينة. # ولو أن أبا بكر وعمر وأبا عبيدة فكروا في قريش من حيث إنها الحي الذي يتصل نسبه ~~بنسب رسول الله، أي من حيث القرابة من النبي؛ لاقتضاهم هذا ms032 التفكير أن يؤثروا ~~بالخلافة أقرب قريش من رسول الله، وأن يرشحوا لها العباس عمه أو عليا ابن عمه ~~وصاحب صهره وربيبه حين كان صبيا. فأبو بكر وأصحابه إذن لم يفهموا من قريش إلا ~~هذا المعنى الذي يتصل بالمهاجرين، وبأصحاب السبق والفضل من المهاجرين خاصة، ومن ~~أحمق الحمق أن يقول قائل إن أبا بكر وأصحابه فكروا في قرابة قريش من النبي، وجعلوا ~~هذه القرابة مصدر امتياز قريش بالإمامة، فلو قد كان هذا لكان الطلقاء من قريش أحق ~~بالإمامة عند أبي بكر وعمر وأبي عبيدة من الذين آووا ونصروا، ولكان أبو سفيان أو ~~صفوان بن أمية أو الحارث بن هشام، أحق بالإمامة من أعلام الأنصار الذين تبوءوا ~~الدار والإيمان؛ ولكن قريشا فهمت قول أبي بكر على غير ما أراده هو وعلى غير ما ~~فهمه أصحابه في ذلك الوقت، فاستيقنت أن الإمامة حق لها لا ينبغي أن يعدوها إلى ~~غيرها، وأنها حق لها لمكانها من النبي. وقد كانت قريش في هذا الفهم خاطئة متكلفة، ~~ما في ذلك شك، ولو قد صح فهمها وتأويلها لظهرت عليها حجة بني هاشم، ولكان بنو هاشم ~~أحق المسلمين بالإمامة ما استطاعوا أن ينهضوا بأعبائها. # ذلك إلى أن الإسلام لم يقدم أحدا على أحد بمولده ولا بمكانه الاجتماعي، وإنما فاضل ~~بين الناس عند الله بالتقوى، وفاضل بين الناس عند الناس بالتقوى والكفاية وحسن ~~البلاء. # ويدل على صواب ما نذهب إليه أن عمر حين طلب إليه أن يستخلف قال: لو كان أبو عبيدة ~~حيا لاستخلفته، ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا لاستخلفته. وسالم مولى أبي ~~حذيفة لم يكن قرشيا، بل لم يكن له نسب في العرب، وإنما جلب صبيا من إصطخر، ~~فأعتقته امرأة من الأنصار كانت تملكه، وتولى هو ولاء أبي حذيفة من قريش، وقد كان ~~المسلمون يقدمونه في أمور دينهم أيام النبي؛ فهو كان يؤم المهاجرين في الصلاة، ~~وفيهم عمر، أثناء انتظارهم لمقدم النبي على المدينة. وقد قتل باليمامة في حرب ~~الردة في خلافة أبي بكر. # وما ينبغي ms033 أن يؤبه لما قيل من أن سالما كان قرشيا بالولاء، فلو قد عاش واستخلفه ~~عمر لما خرجت الإمامة من قريش. فهذا كله كلام لا يستقيم، ونحن نعلم أن الولاء على ~~ما كان يعقد بين الموالي من الصلات لم يكن ليرفع الموالي إلى طبقة الذين يتولونهم ~~من الأحرار. ولم تكن العرب تعرف لسالم نسبا، حتى إنهم كانوا يدعون زيد بن حارثة ~~لأبيه حين أمر الله أن يدعى الموالي إلى آبائهم، وكانوا يقولون إن سالما من ~~الصالحين؛ لأنهم لم يكونوا يعرفون له أبا بعد أن ألغى الإسلام تبني أبي حذيفة ~~إياه، فقد كان عمر إذن يود لو استخلف على المسلمين رجلا ليس من قريش، بل ليس من ~~العرب إلا بالولاء، لا يرى بذلك بأسا. وكان عمر مصيبا في مذهبه هذا موافقا ~~لأصول الإسلام الذي لا يفضل أحدا على أحد بالنسب والمولد، وإنما يفاضل بين الناس ~~بالكفاية والتقوى وحسن البلاء، وقد كان سالم تقيا كافيا حسن البلاء. # ومهما يكن من شيء فقد نشأت هذه الأرستقراطية القرشية فجاءة على غير حساب من الناس، ~~وكانت أرستقراطية قد غلط بها: أراد أبو بكر أن تكون الإمامة في المهاجرين ما ~~وجد بينهم الكفء القوي على النهوض بها. فحولت قريش ذلك فيما بعد إلى منافعها ~~وعصبيتها، وخرجت بذلك عن أصل خطير من أصول الإسلام وهو المساواة بين المسلمين. # ولم تكد قريش تخطو هذه الخطوة حتى أتبعتها خطوة أخرى كان لها أبعد الأثر في حياة ~~المسلمين، وهي تفضيل العرب على غيرهم من الذين اعتنقوا الإسلام، ولم يكن لهم في ~~العرب نسب صريح. والناس جميعا يعلمون أن استئثار قريش بالخلافة جر على المسلمين ~~كثيرا من الفتن، وأن استئثار العرب بالسلطان والفضل أدال من بني أمية لبني العباس ~~بفضل من ناصرهم من الموالي. # فلنظام الحكم في هذا الصدر في الإسلام عنصران متميزان إذن: أحدهما معنوي، وهو الدين ~~الذي يأمر بالعدل والمعروف يفرضهما على الرعاة والرعية جميعا، والآخر هذه ~~الأرستقراطية الخاصة التي قام أمرها على الكفاية والتقوى وحسن البلاء والاتصال ~~برسول الله، ms034 والتي انحرفت بها قريش بعد ذلك عن طريقها. وواضح جدا أن هذين ~~العنصرين لم يكن من شأنهما أن يطاولا مر الدهر، وتقلب الخطوب وتتابع الأحداث؛ فأما ~~أولهما وهو هذا الضمير الديني القوي اليقظ الحي، فشيء يتاح لأصحابه، وليس من ~~المكفول ولا من المحتوم أن يرثه عنهم الأبناء والحفدة، فالذين اتصلوا برسول الله ~~اتصالا قريبا وتعلموا منه وتأدبوا بأدبه، خليقون أن يتأثروه في سيرته وأن ~~يتمثلوه كلما عملوا أو قالوا أو فكروا، فأما الأجيال التي تأتي بعدهم من الأبناء ~~والحفدة فقد يتأثرون بهم وقد لا يتأثرون، وهم لم يتصلوا بالنبي إلا قليلا أو لم ~~يتصلوا به أصلا، فليس غريبا ألا يتاح لضمائرهم الدينية من اليقظة والقوة والحياة ~~ما أتيح لخاصة النبي وصفوة أصحابه الأقربين. # وأخرى لا ينبغي أن تفوتنا، وهي أن أمور الحكم إنما تستقيم حين يكون التعاون ~~والتضامن بين الحاكمين والمحكومين في الأصول التي يقوم عليها النظام، فليس يكفي أن ~~يكون الحاكم يقظ الضمير مؤثرا للعدل مصطنعا للمعروف حريصا على رضا الله كافيا ~~بعد ذلك لمشكلات السياسة خراجا منها إذا ادلهمت، وإنما يجب أن يكون لرعيته حظ ~~من هذا الضمير الحي اليقظ، ومن حب العدل وإيثار المعروف والحرص على رضا الله. # وهذه هي المشكلة الأولى التي واجهت نظام الحكم الجديد، فلم يكن العرب كلهم أصحاب ~~رسول الله، بل لم تكن كثرة العرب قد صاحبت النبي واتصلت به، وإنما كان أصحاب رسول ~~الله كالشعرة البيضاء في الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء في الثور الأبيض، ولم ~~يكن إيمان العرب بالدين الجديد مطابقا أو مقاربا لإيمان هذه الطبقة من أصحاب ~~النبي، وإنما كان من العرب من حسن إيمانه، ومنهم من أسلم ولم يؤمن، كما جاء في ~~القرآن: # قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ~~ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في ~~قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من ~~أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم ~~. # بل كان من العرب من جرت كلمة الإسلام على لسانه، ولكنه احتفظ بجاهليته كاملة في ~~قلبه ونفسه وضميره، والله ms035 يقول في بعض هؤلاء: # الأعراب ~~أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما ~~أنزل الله ~~. # فلم يكن هناك توازن بين الحاكم والمحكوم، ولم يكن هناك تضامن صحيح بين الخليفة ~~والكثرة الضخمة من رعيته العربية، وإنما كان التضامن والتوازن قائمين بين الخليفة ~~وهذه الطبقة الممتازة من أصحاب النبي، وبفضل هذا التضامن والتوازن استطاع أبو بكر ~~أن يعيد العرب إلى الإسلام بعد أن ارتدوا، وأن يشغلهم بعد ذلك بما وجههم إليه من ~~الفتوح. وأخرى لا ينبغي أن ننساها ولا ينبغي أن يضيق بها المتحرجون الذين يغلون في ~~حسن الظن بالإنسان، وهي أن هذا الضمير الديني الحي اليقظ قد يتعرض للفتنة والمحنة، ~~وقد يلقى أخطارا كثيرة من الأحداث والخطوب، فما أكثر ما يخلص الإنسان نفسه وقلبه ~~وضميره للحق والخير والعدل والإحسان، ثم تلم به أسباب الفتنة وتلح عليه وتسرف في ~~الإلحاح حتى تضطره إلى أن يتأول في بعض الأمر، ثم ما يزال ينتقل من تأول إلى تأول ~~ومن تعلل إلى تعلل ومن تحلل إلى تحلل، حتى ينظر ذات يوم فإذا بينه وبين الإخلاص ~~الأول أمد بعيد، ومن أجل هذا ألح القرآن وألح النبي وألح الخلفاء والصالحون في ~~تحذير الناس من الدنيا وغرورها ومما تمد لهم من أسباب الفتن وما تعرضهم له من ضروب ~~المحن، ومن هذه السيئات التي تذهب بالحسنات، ومن بعض النيات والأعمال التي تأكل ~~الصالحات كما تأكل النار الحطب؛ فليس من الغريب في شيء أن يتعرض كثير من الصالحين ~~ومن أصحاب النبي أنفسهم لأسباب الفتن ودواعي الغرور، وأن يطرأ عليهم من الأحداث ~~والخطوب ما يباعد بينهم وبين عهدهم الأول حين كان الإسلام غضا، وحين كانوا ~~يتصلون بالنبي مصبحين وممسين، وحين كانوا إذا ذكروا الله وجلت قلوبهم، وإذا تليت ~~عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون. # وسنرى أن أسباب الفتن ودواعي الغرور كانت كثيرة قوية خلابة، لا يثبت لها إلا أولو ~~العزم، وأولو العزم قلة في كل زمان ومكان. # وما أريد أن أتزيد ولا أن أتكلف، ولا أن أوذي بعض الضمائر، ولا ms036 أن أحفظ بعض الصدور، ~~ولكني مع ذلك ألاحظ أن جماعة من أصحاب النبي قد حسن بلاؤهم في الإسلام حتى رضي ~~النبي عنهم وبشرهم بالجنة أو ضمنها لهم، ثم طال عليهم الزمن واستقبلوا الأحداث ~~والخطوب، وامتحنوا بالسلطان الضخم العظيم، وبالثراء الواسع العريض، ففسدت بينهم ~~الأمور، وقاتل بعضهم بعضا، وقتل بعضهم بعضا، وساء ظن بعضهم ببعض إلى أبعد ما ~~يمكن أن يسوء ظن الناس بالناس، فما عسى أن يكون موقفنا نحن من هؤلاء؟ لا نستطيع أن ~~نرضى عن أعمالهم جميعا، فلا نلغي عقولنا وحدها، وإنما نلغي معها أصول الدين التي ~~تأمر بالعدل والإحسان وتنهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، ولا نستطيع أن نحكم ~~بالخطيئة على من نظن أنه قد خطئ؛ لمكانهم من النبي أولا، ولما بشرهم به النبي من ~~الجنة ورضا الله ثانيا، ولحسن ظنهم بالله ورسوله وثقتهم بما وعد الله ورسوله، ~~وإيمانهم بالجنة التي بشروا بها، وما نحب أن نذهب في أمرهم مذهب الذين عاصورهم من ~~خصومهم وأنصارهم، فنحكم على بعضهم بالخير، ونحكم على بعضهم الآخر بالشر؛ فالذين ~~عاصروهم من الأنصار والخصوم كانوا شركاءهم فيما ألم بهم من الفتنة، فكانوا يرضون ~~أو يسخطون حسب مكانهم من أولئك أو هؤلاء. أما نحن فلسنا نعاصرهم ولا نشاركهم فيما ~~شجر بينهم من الخلاف، وليس من المعقول لذلك أن نقحم عواطفنا في أمرهم إقحاما، ~~وإنما سبيلنا أن ننظر في أعمالهم وأقوالهم من حيث صلتها بحياة الناس وأحداث ~~التاريخ، وأن نخطئ من نخطئ ونصوب من نصوب منهم من هذه الجهة وحدها ~~دون أن نقضي في أمر دينهم بشيء؛ فإن الدين لله، ودون أن نستبيح لأنفسنا أن نقول ~~كما كان يقول أنصارهم وخصومهم: هؤلاء مؤمنون وهؤلاء كافرون، وهؤلاء في منزلة بين ~~بين، وهؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار؛ ذلك شيء لا نخوض فيه وليس لنا أن نخوض فيه، ~~وإنما أمره إلى الله وحده. فأما الذي إلينا فهو أن نتبين من أعمالهم وأقوالهم ~~وسيرهم ما يلائم الحق والعدل والصواب وما لا يلائمها، وهذا في نفسه كثير، ولكن لا ~~بد ms037 مما ليس منه بد. # فالعنصر الأول إذن من عنصري نظام الحكم في ذلك الصدر من الإسلام، وهو الضمير ~~الديني اليقظ الحي، معرض كما رأيت لكل هذه الأخطاء، ولو قد عصم أصحاب النبي ~~جميعا من الخطأ وأمنوا التعرض للفتنة واستقامت لهم أمورهم على ما يلائم تلك ~~العصمة وهذا الأمن، لما كان بد من أن يتعرض أبناؤهم وحفدتهم لضروب الفتن ~~والمحن والغرور. # فلم يكن بد إذن من أن يصل المسلمون في ذلك العصر إلى ما يمكنهم من ألا يتركوا ~~أمورهم إلى حساب الضمير وحده، أو إلى ما بين الخليفة وبين الله، إلى ما يمكنهم من ~~أن يضعوا النظام المقرر المكتوب الذي يبين حدود الحكم جملة وتفصيلا، ويبين ~~للخلفاء ما يجب عليهم أن يفعلوا، وما يجب عليهم أن يتركوا، وما يجوز لهم أن ~~يترخصوا فيه، ويبين للشعب حقوقه وواجباته مفصلة، والوسائل التي يختار بها الخليفة ~~ويراقبه بها بعد اختباره ويعاقبه بها إن حاد عن الطريق؛ كان المسلمون في حاجة إلى ~~أن ينشئوا لأنفسهم في حدود القرآن والسنة دستورا مكتوبا مبين الحدود والأعلام ~~يعصمهم من الفرقة والاختلاف، ولو قد فعلوا لما تعرضوا لما تعرضوا له من الشر ~~أيام عثمان. وانظر إلى هذا المثل الذي يقف الناس أمامه حائرين يرضى منهم الراضي ~~ويسخط منهم الساخط؛ فقد كلم عثمان فيما أعطى لذوي قرابته من بيت المال فقال: ~~«إن عمر كان يحرم قرابته احتسابا لله، وأنا أعطي قرابتي احتسابا لله، ومن لنا ~~بمثل عمر؟» فقد كان عمر إذن محسنا حين كان يحرم ذوي قرابته مال المسلمين، وكان ~~عثمان محسنا حين كان يصل أرحامه من مال المسلمين؛ لأن الله أمر أن توصل ~~الأرحام. # فهذا كلام قد يستقيم عند الذين يحاولون أن يتأولوا في الفقه؛ فأما المصالح العامة ~~فلا تحتمل هذا التأول، فالأموال العامة إما أن تكون للشعب فلا يحل للإمام أن يتصرف ~~فيها إلا بإذنه، وإما أن تكون للإمام فلا يحل للشعب أن يعترض عليه إن تصرف فيها؛ ~~فأما أن يتقرب بعض الأئمة إلى الله بحفظها على المسلمين، ms038 وأن يتقرب بعضهم الآخر ~~إلى الله بصلة رحمه منها؛ فهذا شيء لا يستقيم. وواضح أنا نذهب في ذلك مذهب عمر؛ ~~لأنه وحده يلائم الحق والعدل وما ينبغي للأئمة من التعفف، ويلائم فقه الأمور ~~العامة كما نفهمه الآن. # ومثل آخر يرويه المؤرخون، وما ندري أنقف منه موقف الإعجاب أم نقف منه موقف العجب؟ ~~فقد قال عثمان لخصومه حين اشتد عليه الحصار: «إن رأيتم في كتاب الله أن تضعوا رجلي ~~في القيد فافعلوا.» أقال هذا معتبا لهم نازلا عند حكم الله في كتابه؟ وإذن فأين ~~هذا الحكم الذي يبيح للمسلمين أن يضعوا رجلي إمامهم في القيد؟ أم قال هذا متحديا؛ ~~لأنه يعلم أن ليس في كتاب الله نص يبيح للمسلمين أن يضعوا رجلي إمامهم في القيد ~~حين يخطئ أو حين ينحرف عن الجادة عن عمد؛ لأن القرآن لم يعرض لشيء من هذا؟ وإذن ~~فقد كان عثمان على هذا الفرض يرى أن ليس لخصومه عليه سبيل من كتاب الله، وأن له أن ~~يفعل ما فعل دون أن يكون قد قارف ذنبا أو تورط في إثم، ولو قد كان للمسلمين هذا ~~النظام المكتوب لعرف المسلمون في أيام عثمان ما يأتون من ذلك وما يدعون دون أن ~~تكون بينهم فرقة أو خلاف. # وربما كان من أوضح الأمثلة على حاجة المسلمين في ذلك الوقت إلى هذا النظام المكتوب ~~ما يروى من أن عليا حين عرض عليه عبد الرحمن بن عوف أن يبايعه على أن يلزم ~~الكتاب والسنة وسيرة الشيخين لا يحيد عن شيء من ذلك، أبى أن يعطي ما طلب إليه من ~~العهد وقال: «اللهم لا، ولكن أجتهد في ذلك رأيي ما استطعت.» يريد أنه لا يستطيع أن ~~يلتزم ما لا سبيل إلى التزامه، فالقرآن مكتوب محفوظ في الصدور، ولكنه لم يعرض ~~لسياسة الحكم في تفصيلها ووقائعها اليومية. # وسنة النبي معروفة في جملتها، ولكن منها ما يجهله الحاضر ويحفظه الغائب، ومنها ما ~~ذهب مع من ذهب من أصحاب النبي فيما كان من حرب الردة والفتوح، وسيرة ms039 الشيخين كسنة ~~النبي؛ منها المعلوم ومنها ما قد يكون النسيان عرض له، ولعلي بعد الحق كل الحق ~~في أن يخالف عن سيرة الشيخين إن تغير الزمن أو رأى في المخالفة عن هذه السيرة ~~منفعة للرعية ونصحا للمسلمين، فلما عرض عبد الرحمن هذا العهد على عثمان قبله ~~وأعطى مثله وقال: «اللهم نعم!» يريد أنه سيجتهد في إنفاذ كتاب الله وسنة نبيه ~~وسيرة الشيخين، وأنه متى اجتهد في ذلك مخلصا فقد التزم الكتاب والسنة ونهج ~~الشيخين. وقد أصاب علي ما في ذلك شك، ولم يبعد عثمان، ولكن انظر إلى ما حدث بعد ~~أن مضت أعوام على إمرة عثمان: ذهب في أموال المسلمين مذهبا مخالفا لمذهب عمر ~~وسيرته؛ فأما الذين بايعوه على التزام هذه السيرة فيما التزم فقد رأوا أنه خالف ~~عنها ولم يف بالعهد كاملا، وأما هو فرأى أنه لم يخالف بحال من الأحوال؛ لأن قوام ~~سيرة عمر إنما هو التقرب إلى الله، وهو قد وصل رحمه تقربا إلى الله، فهو يتقرب ~~إلى الله كما كان عمر وأبو بكر يفعلان، ولا عليه أن تختلف وسائل هذا التقرب إلى ~~الله. ولو قد كان للمسلمين في ذلك الوقت نظام مكتوب بين الحدود واضح الأعلام، ~~لما أبى علي أن يبايع على هذا الدستور، ولما احتاج عثمان إلى أن يبايع ثم ~~يتأول، ولما انقسم الناس بعد ذلك فريقين: فريقا يشتد ويتحرج كما تحرج علي ومن ~~لاموا عثمان، وفريقا يتأول كما تأول عثمان. # نعم، ولكن ينبغي ألا ننسى أن عمر قد قتل سنة ثلاث وعشرين للهجرة، أي قبل أن يمضي ~~على الهجرة وتأسيس الدولة ربع قرن، وأن هذه المدة القصيرة لم تنفق في حياة ~~هادئة مطمئنة قد استقرت فيها الأمور وفرغ فيها البال، وإنما أنفق منها عشرة أعوام ~~في حمل العرب على الإسلام، ثم أنفق منها عام وبعض عام في رد العرب إلى الإسلام بعد ~~أن انتقضوا عليه، ثم أنفق سائرها في دفع العرب إلى نشر الإسلام في أقطار الأرض: في ~~الإدالة من الفرس، وإخراج الروم من ms040 الشام ومصر، ثم في تمصير الأمصار وتجنيد ~~الأجناد، ووضع النظم الأولى لسياسة الحرب والسلم، وللإدارة خارج بلاد العرب وداخل ~~بلاد العرب؛ فليس من العدل ولا من الإنصاف أن يقال إن المسلمين في صدرهم ذاك قد ~~قصروا أو تخلفوا أو تركوا ما كان يمكن أن يفعلوا دون أن يفعلوه. # فإذا أضفت إلى ذلك أن الشيخين إنما كانا يبتكران ما كانا يقبلان عليه من تنظيم أمور ~~الحكم ابتكارا في هذه البيئة العربية البدوية التي لم تكن لها سابقة ذات خطر في ~~الإدارة أو السياسة أو الحضارة بوجه عام، ثم لم يكونا يبتكران فحسب، وإنما كانا ~~يسوسان قوما لم يتعودوا أن يساسوا، ويحضران قوما لم يتحضروا من قبل، عرفت ~~أن من الشطط أن يقال إن الشيخين لم يضعا للمسلمين من النظم السياسية ما كان ينبغي ~~أن يضعا. وقد كان عمر رحمه الله يجتهد في ذلك ما وسعه الاجتهاد، لا يكاد يعرف من ~~نظم الأمم التي سبقت إلى الحضارة شيئا إلا استقصاه واستخلص منه ما يلائم المزاج ~~العربي، وما يلائم الإسلام، وما يلائم هذه الدولة الناشئة التي أسرعت إلى النمو ~~والانتشار إسراعا عظيما سبقت به تفكير المفكرين وتدبير المدبرين. # أما العنصر الثاني من عناصر هذا النظام السياسي، وهو هذه الأرستقراطية الممتازة من ~~أصحاب النبي؛ فقد كان بطبعه معرضا للزوال حين يمضي الزمن ويبلغ الكتاب أجله، ~~وتنشأ أجيال جديدة ليس لها ما كان لهذا الجيل من الامتياز. وقد كان من الطبيعي أن ~~يوضع لهذه الأجيال النظام الذي يعلمها كيف تختار خلفاءها وكيف تراقبهم وتحاسبهم ~~وتعاقبهم إن تعرضوا لما يقتضي العقاب. ولو قد وضع هذا النظام لما تفرق أمر ~~المسلمين بعد مقتل عثمان على النحو الذي عرفه التاريخ، ولما ذهب فريق من المسلمين ~~مذهب المحافظة الهوجاء على سنة النبي والشيخين: وهم الخوارج، وفريق آخر مذهب ~~المحافظة على أن تكون الإمامة في آل بيت النبي، وفريق ثالث على أن تستحيل الخلافة ~~ملكا قيصريا أو كسرويا، وفريق رابع إلى أن يكون الأمر شورى بين المسلمين دون ~~أن يعرفوا ms041 لهذه الشورى نظاما ولا حدودا. ولكن ما قلناه بالقياس إلى العنصر الأول ~~نقوله بالقياس إلى هذا العنصر الثاني؛ فلم يتح للشيخين وأصحابهما من الوقت ولا من ~~الفراغ والدعة ولا من التطور والاتصال بأسباب الحضارة ما كان من شأنه أن يمكنهم من ~~وضع هذا النظام. إنما السبيل على الذين جاءوا بعدهم فأتيحت لهم السعة والدعة ~~والفراغ، ولم يفكروا مع ذلك لا في أن يضعوا نظاما لتداول الحكم، ولا في أن يضعوا ~~نظاما يكفل رعاية العدل السياسي والاجتماعي، وإنما أهملوا ذلك إهمالا وآثروا ~~أنفسهم بالحكم والغلب والاستعلاء. # وبعد فهؤلاء أيضا خليقون ألا يلاموا؛ فقد ينبغي أن نسأل أنفسنا: متى عرف العالم ~~وضع الدساتير؟ وقد ينبغي أن نلاحظ أن وضع النظم السياسية المكتوبة ذات الأعلام ~~الواضحة والحدود البينة ظاهرة حديثة لم يكد العالم يعرفها إلا في عصور متأخرة ~~جدا، وأنا أعلم أن قد كانت للمدن اليونانية القديمة نظم سياسية مكتوبة، وأعرف ~~كذلك أن قد كانت لروما نظم سياسية مقررة؛ ولكني أعرف أن الملك في الشرق والغرب قد ~~ألغى هذه الدساتير وباعد بينها وبين الناس، حتى نسيتها الإنسانية نسيانا يوشك أن ~~يكون تاما، ولم تستكشفها إلا قليلا قليلا بعد النهضة في هذا العصر الحديث. # على أن من الحق أن نلاحظ شيئا أشرت إليه في بعض هذا الحديث، وهو أن عمر رحمه الله ~~قد كان يلقى عماله وأهل أقاليمه في الموسم من كل عام، فيسمع من العمال في أمر ~~الرعية، ويسمع من الرعية في أمر العمال. وقد جعل هذا نظاما مقررا، فكان يحج ~~بالناس طول خلافته ليلقى المسلمين في موسمهم؛ لا نستثني من ذلك إلا العام الأول ~~لخلافته، فلو قد مدت أسباب الحياة لعمر لكان من الممكن، وهو من نعرف في حدة ~~الذكاء وتوقد الذهن ونفاذ البصيرة وبعد الرأي والنصح للمسلمين، أن يتطور هذا ~~الاجتماع الموسمي بين عمال الأقاليم والحجيج من أهل هذه الأقاليم إلى نظام ثابت ~~إلا يكن هو النظام البرلماني الذي عرفه القدماء أو الذي استنبطه المحدثون، فهو ~~قريب منه قربا شديدا. ولم ms042 يكن عمر رحمه الله يكتفي بهذا الاجتماع الموسمي، وإنما ~~كان يستقصي أمور الناس ما وسعه الاستقصاء: يستقصي ذلك بنفسه في المدينة وما حولها ~~وحين يلقى أهل الأقاليم في موسم الحج، ويستقصي ذلك بوساطة عماله وأمنائه الذين كان ~~يرسلهم بين حين وحين لتتبع أمور العمال، ويستقصي ذلك بما كان يرفع إليه من أمور ~~الناس؛ يرفعه إليه العمال حينا والرعية أحيانا، ثم كان رحمه الله يفكر في آخر ~~أيامه في زيارات تفتيشية للأقاليم؛ فكان يتحدث بأن لو عاش لتنقل فأقام في كل مصر ~~شهرين، ويرى بنفسه كيف يعمل الولاة وكيف رضا الرعية عما يعملون، ولكن الموت أعجله ~~عن هذا كله، ولم يكد رحمه الله يوارى في قبره مع صاحبيه حتى سلكت سياسة المسلمين ~~طريقا غير الطريق التي سلكوها. # وقد يكون من الإنصاف إذا أردنا أن نستوفي هذا البحث أن نلاحظ سياسة عمر لهذه الطبقة ~~الممتازة من أصحاب النبي، فهو قد أمسكها في المدينة كما قلنا آنفا؛ لم يأذن لها ~~في أن تتفرق في الأرض، خوفا عليها وخوفا منها. فكان راشدا في هذه السياسة كل ~~الرشد، ولم لا نسمي الأشياء بأسمائها؟ أو لم لا نترجمها بلغة العصر الحديث فنقول ~~إن عمر إنما أمسك هذه الطبقة الممتازة في المدينة ضنا بها وضنا بالمسلمين على ~~ما نسميه في هذه الأيام باستغلال النفوذ؛ فقد استقامت أمور المسلمين وأمور هذه ~~الطبقة نفسها ما أمسكها عمر في المدينة ووقفها عند حدود معينة من الحركة ~~والاضطراب، فلما تولى عثمان وخلى بينها وبين الطريق لم تلبث الفتنة أن ملأت الأرض ~~شرا، لا لأن هذه الطبقة أرادت الشر أو عمدت إليه، بل لأنها استكثرت من المال ~~والأنصار من جهة، ولأن الناس افتتنوا بها من جهة أخرى، فكان لكل واحد من زعمائها ~~مواليه وأنصاره وشيعته. ولم يكن عمر يحب أن يعطي من أموال المسلمين فلانا أو ~~فلانا صلة منه له أو عناية منه به أو تألفا منه إياه، وإنما كان يفرض لكل واحد ~~منهم ومن الناس عطاء ويبيح لهم ما باح الله ms043 لهم من الاكتساب، لا يضيق عليهم في ذلك ~~إلا بهذا المقدار الذي عرفناه. فلما استخلف عثمان لم يفتح لهم الطريق إلى الأقاليم ~~فحسب، وإنما وصلهم أيضا بالصلات الضخمة من بيت المال، فيقال إنه أعطى الزبير ذات ~~يوم ستمائة ألف، وأعطى طلحة ذات يوم مائتي ألف، وإذا كثر المال على هذا النحو ~~لفريق بعينه من الناس، وأتيح لهم أن يشتروا الضياع في الأقاليم، ويتخذوا الدور في ~~الأمصار، ويتخذوا القصور في الحجاز، ويستكثروا من الموالي والأتباع والأشياع في كل ~~مكان؛ فقد فتحت لهم أبواب الفتنة على مصاريعها، وكان من أعسر العسر عليهم أن ~~يتجنبوا الولوج في هذه الأبواب، وقد تجنبها منها متجنبون: تجنبها سعد بن أبي وقاص ~~الذي لم يشارك في فتنة وإنما اعتزل الناس حين أخذهم الشر، وتجنبها عبد الرحمن بن ~~عوف الذي يقال إنه ندم على ما كان من اختياره لعثمان، والذي أقام في دار الهجرة ~~مصرفا تجارته في الأقاليم متصدقا بكثير من ريعه، كما كان يفعل أيام النبي وأيام ~~الشيخين، وتجنبها علي رحمه الله، فلم نعلم أنه اتجر أو اتخذ الضياع والدور في ~~الأقاليم، وإنما أقام في المدينة حيث بوأه رسول الله، وكان له مال في ينبع يذهب ~~إليه من حين إلى حين، ولكن لعلي قصة أخرى كما يقول القائلون. # ومغزى هذا كله أن عمر قد حمى هذه الطبقة الممتازة، وحمى المسلمين من استغلال ~~النفوذ، وأمسك عليهم جميعا دينهم، وحال بينهم جميعا وبين الفتنة، واتخذ من خاصة ~~أصحاب النبي مجلسا يوشك أن يكون مجلس شوراه، ولو مد له في العيش لكان خليقا ~~أن يضطرهم إلى أن يرضوا بهذه المنزلة فيكونوا أصحاب الحل والعقد؛ يشيرون على ~~الخلفاء دون أن يدخلوا في أمور الحكم التفصيلية من قريب أو بعيد. # فهذه واحدة، والثانية أن عمر رحمه الله حين أحس أنه ميت قد اقتدى بالنبي فلم يستخلف ~~شخصا بعينه، واقتدى بأبي بكر فلم يترك المسلمين دون أن يشير عليهم وينصح لهم؛ ~~فاختار أصحاب الشورى لمكانهم من رضا النبي عنهم، ولمكانهم من زعامة المهاجرين، ms044 ~~ولمكانهم من زعامة قريش، ثم لمكانهم من رضا المسلمين عنهم وثقة المسلمين بهم، ثم ~~ترك لهم أن يختاروا من بينهم خليفة. # وسنرى أن نظام الشورى هذا كما وضعه عمر لم يكن كافيا ولا مقنعا، ولكن المهم هو أن ~~عمر فكر في الشورى واتخذها أصلا لاختيار الخلفاء، وليس هذا بالشيء القليل. ولا ~~ينبغي أن ننسى أن عمر إنما وضع نظام الشورى هذا بعد أن طعن؛ وضعه في هذا الوقت ~~الذي كان يخرج فيه من الدنيا ويدخل فيه إلى الآخرة، ويعاني فيه ما يعاني المطعون ~~من الألم، ويعاني فيه ما يعاني المشرف على الموت حين يكون له ضمير يقظ حي دقيق ~~كضمير عمر من خوف الله، والإشفاق من حسابه، ومن حساب نفسه على ما قدم بين يديه من ~~الجليل والخطير، ثم يعاني فيه بعد ذلك ما يعاني من تدبير أمر نفسه وأهله والاحتياط ~~لهم من أن يحتملوا من الأعباء مثل ما احتمل، والاحتياط لنفسه من أن يلقى الله وفي ~~ذمته شيء من مال المسلمين، ثم هو يعاني بعد هذا كله ما يعاني من التفكير في ~~الاحتياط لقبره؛ فقد كان حريصا على أن يدفن مع صاحبيه، وعلى أن يدفن معهما بإذن ~~من عائشة صاحبة البيت الذي دفن فيه، وعلى أن يطمئن إلى أنها قد أذنت له في ذلك قبل ~~أن يموت، وعلى أن يطمئن إلى أن عبد الله بن عمر سيستأذن عائشة في إدخاله بيتها بعد ~~أن يموت - في أثناء هذا كله فكر عمر في نظام الشورى، فاحتاط للمسلمين ما وسعه ~~الاحتياط. # وكان المسلمون خليقين بعد أن مات عمر، وبعد أن اختاروا خليفتهم أن يفكروا في نظام ~~الشورى هذا، فيقيموه على أساس ثابت مضطرد متين، يؤمنهم الفرقة أولا، ويؤمنهم ~~أن تعجل الأحداث خليفتهم عن أن يعهد لهم كما عهد أبو بكر، وعن أن يشير عليهم ~~كما أشار عمر. ولكن الغريب أنهم لم يفكروا في شيء من ذلك، وإنما استخلف عثمان، فلم ~~يكد يستخلف حتى زاد في العطاء، ويسر على الناس ما كان عسر ms045 عليهم عمر، وأذن لهم ~~فتفرقوا في الأرض، ثم أذن لهم فاستكثروا من المال والأنصار. # ونظن أن هذا الحديث الذي قد تراه طويلا، وما أراه إلا قصيرا مسرفا في القصر، ~~قد مهد لما ينبغي أن نعرض له الآن من الحديث عن عثمان، وما أثير في خلافته من ~~فتنة، وما أثير حوله من جدال. وما نظن إلا أن هذا الحديث، على طوله فيما قد ترى ~~وعلى قصره فيما أرى، يدل منذ الآن على أن الأحداث التي حدثت والنتائج التي ترتبت ~~عليها كانت أكبر وأوسع وأضخم من الأشخاص الذين شاركوا فيها من قريب أو بعيد؛ فما ~~ينبغي أن يلام فيها هذا أو ذاك، وإنما ينبغي أن تلام فيها الظروف إن كان من الممكن ~~أو من المعقول أن تلام الظروف. # | الفصل الرابع # وعثمان كغيره من أصحاب النبي: ذهب الصدر الأول من حياتهم في الجاهلية على التاريخ، ~~فلم يكد يحفظ منه شيئا، ولم يخلقهم الإسلام خلقا جديدا من حيث حياة نفوسهم ~~وعقولهم وقلوبهم فحسب، وإنما خلقهم خلقا جديدا في تاريخهم أيضا؛ فجب ما كان ~~من حياتهم قبل أن يسلموا، حتى كأنهم ولدوا حين أسلموا. وكان يقال إن عثمان ولد في ~~العام السادس بعد وقعة الفيل، وكان يقال كذلك إنه ولد بالطائف؛ ولعل هذا كل ما حفظ ~~من تاريخه الأول على غير ثقة من الذين رووه. وليس أدل على ذلك من الاختلاف في ~~سنه حين قتل؛ فقد كان قوم يرون أنه قتل وهو ابن خمس وسبعين سنة، وكان قوم ~~آخرون يرون أنه قتل وهو ابن تسعين أو ثمان وثمانين أو ست وثمانين سنة، وكان آخرون ~~يرجحون أنه قتل في الثانية أو الثالثة والثمانين من عمره. ولو أنهم عرفوا تاريخ ~~مولده بالضبط لما اختلفوا في سنه هذا الاختلاف، بل لما قال قائل منهم: إنه قتل ~~وهو ابن ثلاث وستين سنة؛ يريد بذلك أن يلحقه بالنبي وخليفتيه، فقد اختارهم الله ~~لجواره في هذه السن، مع بعض الاختلاف في ذلك بالقياس إلى عمر. # ولا يعلم الرواة من أمر عثمان ms046 في جاهليته إلا نسبه، فهو ابن عفان بن أبي العاص بن ~~أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي. فهو يلتقي مع النبي في عبد مناف من قبل أبيه، ~~ولكنه يلتقي مع النبي من قبل أمه لقاء أقرب من هذا؛ فأمه أروى بنت كريز، وأم أروى ~~هي البيضاء بنت عبد المطلب بن هاشم؛ فقد كانت أروى إذن بنت عمة النبي. # وقد تعلق الأمويون فيما بعد على علي وأصحابه من بني هاشم بهذه الرحم، فلاموا ~~عليا لأنه خذل ابن عمته وابن عمه، وهو ابن عمته لما رأيت، وهو ابن عمه لالتقائه ~~مع بني عبد المطلب في عبد مناف الذي ولد هاشما جد الهاشميين وعبد شمس جد ~~الأمويين. وكان عفان، كما كان أبوه، وكما كان بنو أمية جميعا، بل بنو عبد شمس، بل ~~كثرة قريش، صاحب تجارة يخرج فيها إلى الشام. وقد مات في إحدى خرجاته وترك لابنه ~~ثراء حسنا. وذهب عثمان مذهب أبيه، بل مذهب قومه جميعا في التجارة، فأفاد منها ~~مالا كثيرا. # وعاد من الشام ذات يوم، فسمع بالدعوة الجديدة التي كان النبي قد أخذ يدعوها: سمع ~~بذلك في أهل بيته في حديث طويل يرويه المحدثون وأصحاب السير؛ فقد زعموا أن خالته ~~سعدى أنبأته بأمر النبي ورغبته فيه، وكانت كاهنة، وزعموا كذلك أنه أنبئ ~~بأمر النبي أثناء عودته من الشام مع طلحة بن عبيد الله. سمع وهو بين النائم ~~واليقظان مناديا ينبئ بخروج أحمد في مكة، فلما عاد إلى مكة أنبئ النبأ فوقع في ~~قلبه منه شيء. والذي يتفق عليه الرواة هو أنه لقي أبا بكر فتحدث إليه وسمع منه، ~~ودعاه أبو بكر إلى الإسلام فمال قلبه إليه. ثم صحب أبا بكر إلى النبي، فدعاه النبي ~~ووعظه، فاستجاب له ولم يقم عنه إلا بعد أن أسلم. ويقال إن طلحة أسلم معه في ذلك ~~المجلس، ويقال إنهما أسلما، في أثر الزبير بن العوام. ومهما يكن من شيء فقد كان ~~عثمان من السابقين إلى الإسلام؛ كان أحد العشرة الرابعة من الرجال ms047 الذين سبقوا ~~إليه، وكان إسلامه قبل أن يستقر النبي بدعوته في دار الأرقم. # ثم أصهر عثمان إلى النبي فتزوج ابنته رقية، وأصبح بعد هذا الصهر من أقرب الناس إليه ~~وآثرهم عنده، ثم كانت المحنة؛ أصابته كما أصابت غيره من المسلمين، فقد قيل: إن عمه ~~الحكم بن أبي العاص لما علم بإسلامه عنفه تعنيفا شديدا وأوثقه، وأقسم لا يضع عنه ~~وثاقه حتى يعود إلى دين آبائه، فلما رأى تشدد عثمان في دينه رد إليه حريته. ويقال ~~كذلك إن أمه أعرضت عنه إعراضا شديدا، فلما لم يغن عنها ذلك شيئا ثابت إليه. ~~ولما أذن النبي لأصحابه في الهجرة إلى الحبشة هاجر عثمان ومعه زوجه، ثم عاد بها، ~~ثم هاجر معها الهجرة الثانية إلى الحبشة أيضا، ثم هاجر إلى المدينة حين اتخذها ~~النبي للإسلام دارا، فلما خرج النبي بأصحابه إلى بدر لم يخرج معه عثمان؛ كانت ~~زوجه رقية مريضة فأقام على تمريضها، وأنزل الله نصره على المسلمين يوم بدر، فأسهم ~~له النبي مع الذين شهدوا الموقعة وعده منهم. وماتت رقية فجزع لموتها جزعا ~~شديدا لانقطاع الصهر بموتها بينه وبين النبي، ولكن النبي زوجه أختها أم كلثوم، ~~فلم تلبث عنده إلا قليلا حتى ماتت. # وقال النبي فيما يروي أصحاب السير: لو كانت عندنا أخرى لزوجناها عثمان. وكانت رقية ~~قد ولدت له عبد الله، ولكنه مات في السادسة من عمره. وكذلك كاد عثمان أن يعقب من ~~إحدى بنات النبي، ولو قد عاش ابنه عبد الله لكان له ولأبيه شأن أي شأن، ولكان أمره ~~غير بعيد من أمر الحسن والحسين ابني فاطمة، رحمهم الله جميعا. # وشهد عثمان مع النبي أحدا، ولكنه لم يثبت مع القلة التي ثبتت معه، وإنما فر مع ~~كثرة المسلمين التي تولت، فأنزل الله عفوه عنها في الآية الكريمة: # إن الذين تولوا منكم يوم التقى ~~الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ~~ ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور ~~حليم ~~. # ثم شهد المشاهد كلها مع رسول الله كما شهدها غيره من كبار أصحابه، ms048 ولكنه كان كريما ~~سخي النفس واليد بماله في سبيل الله، فعل من ذلك ما لم يفعله غيره من أغنياء ~~المسلمين حينئذ، فهو اشترى بئر رومة من ماله بألوف كثيرة وجعلها للمسلمين يدلي ~~فيها كما يدلون، ووعده النبي بخير منها في الجنة. وهو كذلك اشترى أرضا وسع بها ~~النبي المسجد حين ضاق بالناس ووعده النبي خيرا منها في الجنة، فلما كانت غزوة ~~تبوك واشتد العسر وندب النبي الناس إلى الإنفاق في سبيل الله، قام عثمان بتجهيز ~~الجيش، فقيل: إنه حمل المسلمين على ما احتاجوا أن يحملوا عليه من الإبل والخيل، ~~وقيل: إنه أقبل بألف دينار فوضعها في حجر النبي واستعان النبي بها على تجهيز ~~الجيش، ودعا لعثمان أن يغفر له الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر ووعده بالجنة. # وكان عثمان أبر الناس بالناس، وأرفق المسلمين بالمسلمين وأحرصهم على صلة الرحم ~~وأسخاهم يدا وأسمحهم نفسا وأعظمهم حلما، وكانت الخصلة التي ميزه بها النبي فيما ~~روى المحدثون وأصحاب السير، صدق الحياء، وكان النبي يقول: إن الملائكة لتستحيي من ~~عثمان. وكان النبي يلقى أصحابه متفضلا غير متكلف، فإذا أذن لعثمان احتشم وقال: ~~كيف لا نستحيي من رجل تستحيي منه الملائكة. وكان النبي يعلل احتشامه حين يأذن ~~لعثمان بأنه إن لم يفعل استحيا عثمان أن يثبت بين يديه وأن يبلغه حاجته ويأخذ حظه ~~من التحدث إليه. ولما كان يوم الحديبية اختار النبي عثمان سفيرا إلى قريش؛ لمكانه ~~من بني أمية، ولمنزلته من قريش، وللينه وسماحة خلقه وحسن تأتيه لما كان يراد من ~~الأمر، فلما جاء الخبر إلى النبي بأن قريشا قد كادت لعثمان، بايع أصحابه على ~~الجهاد لنصره، وأنزل الله في ذلك قرآنا: # إن الذين ~~يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم ~~ فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى ~~بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما ~~، ~~وبايع النبي بإحدى يديه عن عثمان. وقد روى المحدثون وأصحاب السير أحاديث كثيرة، ~~منها الصحيح الظاهر الصحة، ومنها الموضوع الذي يظهر وضعه، ومنها ما يتعرض لشك ms049 قليل ~~أو كثير، وكلها تحدث بأن عثمان كان عند النبي محببا إلى نفسه مقربا إليه بين ~~المقربين إليه من خاصة أصحابه، وبأن النبي قد بشر عثمان بالجنة غير مرة، وأنبأه ~~برضا الله عنه غير مرة أيضا. وقد تحدث عبد الله بن عمر رحمه الله بأن المسلمين ~~كانوا في أيام النبي يقدمون أبا بكر وعمر وعثمان، ثم لا يفاضلون بين أصحاب رسول ~~الله؛ فهؤلاء النفر الثلاثة - إن صح هذا الحديث - كانوا في طليعة أصحاب النبي في ~~أيام النبي نفسه. ومهما يكن من شيء فقد كان السلف يسمون عشرة ضمن النبي لهم ~~الجنة، وهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبد الله والزبير ~~بن العوام وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح وسعيد بن زيد بن نفيل. # فقد كان عثمان إذن أحد هؤلاء العشرة، وليس من المسلمين إلا من عرف لعثمان سابقته في ~~الإسلام، وإصهاره إلى النبي مرتين، وحسن بلائه في الجهاد بنفسه وماله في سبيل ~~الله. # ولما انتقل النبي إلى جوار ربه، وكانت البيعة لأبي بكر، كان عثمان من الذين أسرعوا ~~إلى هذه البيعة ونصحوا للخليفة، وهو الذي كتب عهد أبي بكر إلى المسلمين باستخلاف ~~عمر؛ أملى أبو بكر وكتب عثمان، ويقال إن أبا بكر أخذته أثناء الإملاء إغماءة وقد ~~وصل إلى قوله: «إني استخلفت عليكم»، فأتم عثمان جملة أبي بكر وسمى عمر، فلما أفاق ~~أبو بكر من غشيته طلب إلى عثمان أن يقرأ عليه ما أملى، فقرأ حتى أتى على اسم عمر، ~~فكبر أبو بكر وجزاه خيرا عن الإسلام والمسلمين وقال: خشيت ألا أفيق فسبقت إلى ~~ما أريد، وإنك لها لأهل. فلما بويع عمر كان عثمان من أول الذين بايعوه، وأنفق ~~أيامه ناصحا له مشيرا عليه، حتى إذا طعن عمر وطلب إليه المسلمون أن يعهد لهم، لم ~~يرد أن يعهد ولم يرد أن يتركهم بغير مشورة عليهم، فاقترح عليهم نظام الشورى وجعلها ~~في هؤلاء الستة الذين مات النبي وهو عنهم راض، ولم يرد أن ms050 يضم إليهم ابن عمه سعيد ~~بن زيد بن نفيل، مع أنه من العشرة الذين كان الناس يرون أن رسول الله قد ضمن لهم ~~الجنة؛ لأنه كره أن تكون الخلافة في عدي مرتين، ولم يحضره الشورى لأنه خاف أن ~~يميل إليه بعض أهل الشورى لرضا النبي عنه ولمكانه من عمر. وأحضر ابنه عبد الله ~~الشورى ولم يجعل له من الأمر شيئا؛ لأنه كره أن يليها من آل الخطاب رجلان من جهة، ~~ولأنه كان يرى في ابنه ضعفا عن النهوض بأعباء الخلافة من جهة أخرى. # وأحسب أن أبا بكر لو عمر وأدرك ما أتيح لعمر أن يدرك من الفتح واتساع رقعة ~~الدولة وتشعب أمورها وتعقد المصالح فيها، وهذه المشكلات الكثيرة الخطيرة التي كانت ~~تنشأ في كل يوم، يتصل بعضها بشئون السياسة، ويتصل بعضها بشئون الإدارة، ويتصل ~~بعضها بالمحافظة على حقائق الدين ودقائقه مع هذا التطور العنيف الذي كان يطرأ على ~~أمور المسلمين بين يوم ويوم - أقول: لو قد عمر أبو بكر وشهد من هذا كله ما شهد ~~عمر، لكان خليقا أن يقف الموقف الذي وقفه عمر وأن يتردد بين الاستخلاف وترك ~~الاستخلاف كما تردد. ولعله كان خليقا أن يقترح نظاما يشبه النظام الذي اقترحه ~~عمر لانتخاب الخليفة شبها قويا أو ضعيفا، فقد مات أبو بكر رحمه الله وأمر ~~المسلمين قريب من حالهم التي تركهم عليها النبي: قد أعاد العرب إلى الإسلام بعد أن ~~ارتدت عنه، ثم رمى بها إلى الأقطار الخارجية فبدأت الفتح ولكنها لم تمعن فيه. أما ~~في أيام عمر فقد بدأ المسلمون سيرة جديدة من كل وجه؛ أمعنوا في الفتح إمعانا ~~عظيما، فأخرجوا الروم من الشام والجزيرة ومصر، ونقضوا سلطان الفرس في بلادهم ~~نقضا، احتلوا جزءا عظيما جدا من هذه البلاد، ونظروا فإذا هم مضطرون بحكم ~~الإمعان في الفتح إلى أن يزدادوا فيه إمعانا، يشددون ضغطهم على الروم حتى يخرجوا ~~من الساحل الشرقي للبحر الأبيض، وحتى ينشئوا بينهم وبينهم حدودا يمكن الاطمئنان ~~إليها، بل حتى يبلغوا قسطنطينية ويزيلوا ملك الروم ms051 كما أزالوا ملك الفرس، ثم ~~ليمضوا في فتحهم بلاد الفرس حتى يحسموا أمرهم حسما، وحتى يبعدوا حدود الدولة في ~~الشرق إلى أقصى ما كان يمكن أن تصل إليه الجيوش، وقد اضطرهم هذا إلى أن تكون لهم ~~سياسة حربية مستقرة مطردة تلائم التوسع في الفتح والانتشار في الأرض؛ فقد يجب أن ~~ينشئوا لهذا الفتح المتصل أداته الدائمة، وهي الجيوش التي تمضي للغاية التي رسمت ~~لها، وهذه الجيوش يجب أن تأتلف من هذه المادة الغريبة التي لم تألف الحرب المنظمة ~~بعد، من هؤلاء العرب البادين الذين عرفوا الغارات وأتقنوها، ولكنهم لم يعرفوا ~~مقابلة الجيوش المنظمة المدربة في أرض لا علم لهم بها ولا خبرة لهم بما يكون فيها ~~من المصاعب والعقاب. # ونحن نقرأ تاريخ الفتح الإسلامي فنعجب به، ويبهرنا ما أتيح للعرب فيه من قوة وسرعة ~~ومضاء، ثم نريح أنفسنا من البحث والتحليل والاستقصاء، فنرد أمر هذا كله إلى تصديق ~~الوعد الذي قدمه الله للمسلمين في القرآن، وإلى الإيمان الذي استقر في قلوب ~~المسلمين فدفعهم إلى مواجهة المصاعب عن ثقة بالله واطمئنان إلى تصديق وعده وإنزال ~~نصره عليهم في المواطن كلها. # وما من شك في أن هذا كله حق، وفي أن المسلمين قد اندفعوا إلى فتوحهم بهذا الإيمان ~~القوي الذي يقهر المصاعب، ويذلل العقبات ويحل المشكلات. ولكن لكل شيء أسبابه ~~ووسائله، وهذه الأسباب والوسائل قد احتاجت إلى كثير من الجهد، وإلى كثير من ~~التدبير والتقدير وإعمال الرأي لتجتمع هذه القلوب المفترقة أولا، ولتندفع إلى ~~مغامراتها خارج بلاد العرب ثانيا، ولتهاجم هذه القوى الهائلة المنظمة بقوى هائلة ~~منظمة أيضا؛ فلم يكن من الأمور السهلة ولا من المشكلات اليسيرة، إنشاء هذه الجيوش ~~القوية الضخمة المنظمة التي رمى أبو بكر وعمر بها أقطار العالم القديم، ولم يكن من ~~السهل ولا من الهين إمساك هذه الجيوش في مواقفها بعد المواقع وبعد الانتصار ~~أعواما متصلة، مع ما نعلم من عادة العرب في غاراتها وحروبها القديمة؛ فقد كانت ~~تحارب لتنتصر وتغنم، ثم لتعود بعد ذلك مسرعة إلى منازلها ms052 فتنعم بالغنيمة والسلم. ~~فأما أن تقدم على حرب تعرف أولها ولا ترى آخرها، وهي بعد ذلك لا تشبه ما ألفت من ~~حروبها في الجاهلية ومن غزواتها مع النبي، بل من حروبها أيام الردة؛ فهذا هو الشيء ~~الجديد الذي احتاج إلى جهد لا نكاد نتصوره. وقد بذل عمر وأصحابه وقادته هذا الجهد ~~مقدمين غير محجمين، وحازمين غير مترددين؛ فكتب لهم ما تمنوا من التوفيق، ويكفي أن ~~نتصور تمصير الأمصار وإنزال الجيوش فيها وتنظيم المناوبات بين هذه الجيوش التي ~~استقرت في هذه الأمصار، وأن نتصور أن هذه الجيوش قد ألفت من قوم بادين لم يألفوا ~~الحضارة أو لم يألف كثير منهم الحضارة - يكفي أن نتصور هذا كله لنقدر بعض المشكلات ~~الحربية الخطيرة التي نفذ منها عمر وأصحابه نفوذا حقا. # ونحن كذلك نقرأ في التاريخ تدوين الدواوين، فنمر به مسرعين معجبين، ولو قد وقفنا ~~عنده وقفة قصيرة وتبينا أن هذه الكلمة القصيرة لا تدل على أقل من إحصاء دقيق ~~للمحاربين وقبائلهم ومنازلهم من هذه القبائل وأسرهم التي يعولونها أو ينبغي أن ~~تعولها الدولة عنهم - لو قد فعلنا هذا لعرفنا أن هذا التجديد الخطير في حياة أمة ~~بادية لم تعرف من قبل كتابا ولا حسابا ولا إحصاء؛ لم يكن من الأشياء الهينة التي ~~يمر الناس بها مسرعين. فإذا صحبنا هذه الجيوش في مسيرها إلى الحرب، ثم في ~~استقرارها بالأمصار بعد أن كانت المصادمات الكبرى بينها وبين جيوش الفرس والروم، ~~ثم فكرنا في هذا النظام الرائع الذي وضعه عمر عن استشارة أصحابه لتنظيم المناوبة ~~بين هذه الجيوش المستقرة في الأمصار بحيث لا يغيب الرجل في الغزو أو في الحرب ~~العاملة عن أهله أكثر من ستة أشهر، حتى أصبح التجمير - وهو تجاوز هذه المدة ~~بالمحاربين - إثما لا يصح للسلطان أن يتورط فيه - عرفنا مقدار ما كان ينبغي ~~للخليفة وأعوانه أن ينفقوا من الجهود المادية والمعنوية المتصلة الملحة ليواجهوا ~~مشكلات السياسة الحربية. # ولم تكن مشكلات هذه السياسة وحدها هي التي تشغل الخليفة وأعوانه ومشيريه؛ فقد كانت ~~هناك ms053 مشكلات إدارية ليست أقل منها خطرا ولا أهون منها شأنا، فهذه البلاد التي ~~فتحت على المسلمين كانت بلادا لها سابقة في الحضارة، وتفوق في العمران، ولها ~~نظمها المألوفة التي تتباين فيما بينها بتباين الأقطار والأقاليم. ولم يكن بد لهذه ~~البلاد من أن تدار بعد الفتح كما كانت تدار قبل الفتح، فلم يكن الفتح الإسلامي ~~فتح تخريب وتدمير، وإنما فتح تأمين وتعمير، ولم يكن من الممكن أن يصبح العرب فجأة ~~مهرة في الإدارة متقنين للسياسة قادرين على أن يكفوا عن أنفسهم شر المغلوبين من ~~ورائهم، ويؤمنوا هؤلاء المغلوبين على أنفسهم وأموالهم ومرافقهم، ويأخذوا من هؤلاء ~~المغلوبين ما يمكنهم من إقرار الأمن والمضي في الحرب والاتساع في الفتح، فلم ~~يكن لهم بد إذن من أن يحتفظوا بالإدارات التي وجدوها في تلك البلاد حين أخضعوها ~~لسلطانهم، ومن أن يراقبوا هذه الإدارات مراقبة دقيقة متصلة تكفيهم ما يمكن أن ~~تقدم عليه من غش لهم أو مكر بهم أو تأليب عليهم، وليس شيء من هذا كله بالأمر ~~اليسير. # ثم هناك مشكلات أخرى تتصل ببلاد العرب نفسها؛ فقد ينبغي للسلطان أن يجد السياسة ~~التي يضبط بها هذا الشعب البادي الذي لم يألف الطاعة ولم يتعود الخضوع، وأن يضبطه ~~في الوقت الذي يأخذه فيه شبابه وأولي القوة من رجاله؛ ليرسلهم إلى أماكن نائية قد ~~يعودون منها وقد لا يعودون. ونحن نقرأ في غير مشقة أنباء التعبئة العامة حين ~~تفرضها الظروف على هذا الشعب الحديث أو ذاك، فنعجب لذلك ونعجب به. ولكنا لا نتعمق ~~في دقائق التعبئة العامة ومشكلاتها، ولا نقدر أن لهذه التعبئة في الشعوب الحديثة ~~نظما مقررة متقنة لم ترتجل ارتجالا، وإنما صنعت صنعا بعد التجربة الدقيقة ~~والمراس الطويل، فكيف بأمة بادية ليس لها في الحروب العظيمة سنة، وليس لها ~~بالتعبئة المنظمة عهد، وإنما هي تواجه هذا كله للمرة الأولى من غير تجربة ولا ~~مغالاة ولا معاناة ولا اختبار! # هذه ألوان يسيرة من المشكلات التي واجهت عمر، وكانت خليقة أن تواجه أبا بكر لو ~~مدت له ms054 أسباب الحياة، وكان من الطبيعي أن تواجه الخلفاء الذين يأتون بعد عمر. ~~فأي غرابة في أن يشقى عمر بخلافته شقاء عظيما! وأي غرابة في أن يحزم أمره ويمضي ~~عزمه ويشمر عن جد هائل فلا ينام ولا ينيم! ثم أي غرابة بعد ذلك في أن يلتمس بين ~~أصحابه ومعاصريه من يستطيع أن يعهد إليه بمواجهة هذه المشكلات وما هو أعسر منها ~~عسرا وأشد منها تعقيدا، فلا يكاد يظفر به أو يطمئن إليه! # والمشكلة بعد ذلك ليست مشكلة إدارة وسياسة وحرب ليس غير، ولكنها مشكلة تتعقد بهذا ~~التراث الديني الذي يجب أن يقوم الخليفة عليه ليحميه ويحفظه ويصونه، ويمضي به في ~~الطريق التي مضى فيها النبي بأمر من ربه. فلو قد كان الأمر أمر فتوح وإدارة وسياسة ~~ليس غير، لمضى فيها العرب كما مضى غيرهم من الأمم التي خرجت من البداوة إلى ~~الحضارة، ومن الضعف إلى القوة، ومن الخضوع إلى التسلط والاستعلاء؛ ولكن الأمر أمر ~~فتح في حدود معينة قد رسمها الإسلام، وقوامها رفع المغلوبين إلى مكانة الغالبين ~~بإذاعة العدل الكامل الشامل فيهم من جهة، وبينهم وبين الذين قهروهم من جهة أخرى؛ ~~فلم يكن الفتح كما صوره الإسلام وكما تصوره النبي وصاحباه فتح تغلب وجباية، وإنما ~~كان فتح إصلاح وهداية. # فلم يكن بد للخليفة إذن من أن يجمع إلى كفايته في أمور السياسة والإدارة والحرب ~~كفاية أخرى هي أشق منها مشقة وأعسر منها عسرا، وهي الكفاية في حماية الدين ~~وحياطته وصيانته من أن يكيد له المغلوب أو يستغله الغالب أو يفتر فيه القائمون ~~عليه الذين يجب عليهم ألا يخشوا في حياطته لومة لائم مهما يكن. # أضف إلى هذا كله تراثا آخر لم يكن بد لعمر من أن يفكر فيه ومن أن يلائم بينه وبين ~~مصالح الناس وحقائق الدين، وهو هذه الأرستقراطية الجديدة التي أتيحت للعرب في هذه ~~الطبقة الممتازة من أصحاب النبي أولا، وفي هؤلاء القواد المظفرين ثانيا: ~~أرستقراطية جاءت من الدين لفريق من الناس، وأرستقراطية جاءت من الدنيا لفريق آخر، ~~وأرستقراطية ms055 جاءت من الدين والدنيا جميعا لفريق ثالث. # هذا الصحابي الذي سبق إلى الإسلام، وهاجر الهجرتين، وشهد المشاهد مع النبي، ثم أقام ~~بعد ذلك في المدينة، له أرستقراطيته الدينية. وهذا القرشي أو العربي الذي أسلم ~~بأخرة ثم أبلى في الفتح بلاء حسنا وامتاز بين الفاتحين، له أرستقراطيته ~~الدنيوية. وهذا الصحابي الذي سبق إلى الإسلام وهاجر لله ولرسوله وشهد المشاهد مع ~~النبي وامتاز بعد ذلك في الفتح، له أرستقراطية الدين والدنيا جميعا. ولا بد ~~للخليفة إن أراد أن يعهد ويستخلف من أن يلائم بين هذه المصالح المختلفة، ويخرج من ~~هذه المشكلات المعضلات إلى حل يرضي مصالح الدين والدنيا وآراء الناس في أنفسهم وفي ~~نظرائهم. فليس العجيب ألا يستخلف عمر، وليس العجيب أن يتردد حين يطلب إليه ~~الاستخلاف؛ وإنما العجيب هو نقيض هذا، وقد اجتهد عمر ما وسعه الاجتهاد، واجتهد في ~~أيام حرج وضيق، وأعجله الموت عن أن يطيل التفكير ويشاور من حوله من كبار الصحابة ~~وزعماء المسلمين. # وما من شك في أن النظام الذي وضعه للشورى قد كان نظاما لا يخلو من نقص، ولعله لا ~~يخلو من نقص شديد، وأول ما نلاحظه على هذا النظام ضيق مجلس الشورى؛ فقد ائتلف هذا ~~المجلس من سبعة أحدهم يشير وليس له في الأمر شيء: وهو عبد الله بن عمر، فكان هو ~~المشير الوحيد الذي لا مطمع له في شيء، ولم يكد المشيرون يجتمعون حتى تبينوا الآفة ~~الخطيرة التي كانت توشك أن تذهب بمجلسهم غير مذهب، وهي أن ستة منهم كانوا مشيرين، ~~وكانوا جميعا مرشحين للخلافة، فلم يكن لهم بد من أن يحملوا أنفسهم على ما لم ~~تتعود النفوس أن تحمل عليه، لا لأنهم كانوا يؤثرون أنفسهم بالسلطان حبا للسلطان ~~وحده، بل لأنهم كانوا يؤثرون أنفسهم بالسلطان نصحا للإسلام والمسلمين. يرى كل ~~واحد منهم مخلصا أنه أقدر على احتمال العبء وأجدر أن يرعى ما ينبغي له من حق، وقد ~~فوجئ المسلمون الذين كلفوا حراسة هؤلاء المشيرين مفاجأة أليمة حين رأوا هؤلاء ~~المشيرين يختلفون في غير ائتلاف، ms056 ويتنافسون في غير وفاق، حتى قال أبو طلحة رئيس ~~الحرس: لقد كنت من أن تدافعوها أخوف مني من أن تنافسوها. # كان رحمه الله في سذاجته وطهارة قلبه يرى - كما كان يرى عمر - أن الخلافة عبء ثقيل ~~ينبغي ألا يطمع فيه، بل ينبغي أن يرغب الرجل عنه إيثارا للعافية في دينه ودنياه، ~~ولكن المشيرين لم يكونوا يرون هذا الرأي، وإنما كانوا يرون أن الخلافة واجب يجب أن ~~يتنافس المتنافسون في النهوض بأعبائه مهما تثقل، تقربا لله إن حسنت بهم الظنون، ~~ويجب أن تحسن بهم الظنون، ورفقا بالناس إن صدقت فيهم الآراء، ويجب أن تصدق فيهم ~~الآراء. وكان أسرع المشيرين إلى التنبه لهذه الآفة ومحاولة الطب له، عبد الرحمن بن ~~عوف؛ فقد عرض على أصحابه أن يخلع أحدهم نفسه من الأمر وأن يختار بعد ذلك للمسلمين، ~~فأسكتوا جميعا، أو قل أسكت منهم أربعة، هم: علي وعثمان وسعد والزبير، ولم يسكت ~~طلحة ولم يتكلم لأنه كان غائبا لم يحضر الشورى، فلما رأى عبد الرحمن أنهم قد ~~أسكتوا، وأنهم لا تطيب نفس واحد منهم عن هذا الأمر، خلع هو نفسه منه على أن يختار ~~للمسلمين من هؤلاء الخمسة ناصحا لله وللمؤمنين. ولم يكن من اليسير أن يرضى ~~الأربعة منه بما عرض عليهم؛ فقد كان علي يخاف أن يميل عبد الرحمن إلى عثمان لصهر ~~كان بينهما، وكان غير علي يخاف أن يميل عبد الرحمن إلى سعد لقرابة كانت بينهما، ~~ولكن القوم تعاطوا العهود والمواثيق على ألا يألو عبد الرحمن المسلمين نصحا، وعلى ~~ألا يميل مع الهوى ولا يتأثر بقرابة أو صهر، وعلى أن يقبل القوم من يختاره لهم من ~~بينهم. # ولو قد وسع عمر مجلس الشورى وأكثر فيه من أمثال عبد الله بن عمر من أولئك الذين ~~يحضرون الشورى ويشاركون فيها ولا يكون لهم من الأمر شيء؛ لكان من الممكن ألا يتعرض ~~مجلس الشورى لما تعرض له من الشك والاختلاف. وأكاد أعتقد أن الخير قد كان يكون لو ~~تصور عمر مجلس الشورى لا على أنه ms057 مجلس مؤلف من المرشحين أيهم انتخب فهو خليفة، بل ~~على أنه مجلس مؤلف من المشيرين الذين تعرض عليهم أسماء هؤلاء الستة ليختاروا من ~~بينهم رجلا يستخلفونه. ولم يخطر لعمر رحمه الله ولم يخطر للمسلمين من بعده أن ~~الأنصار كانوا خليقين أن يشهدوا الشورى، وأن يكون لهم أن يقولوا رأيهم ويشاركوا في ~~الاختيار بين المرشحين، فقد نعلم أن الإمامة في قريش ما دام المسلمون قد اتفقوا ~~على ذلك، ولكن لا نعلم أن معنى هذه القاعدة أن قريشا وحدها هي التي تختار الإمام، ~~فليس الإمام إماما لقريش وحدها ولكنه إمام للمسلمين جميعا، فالمسلمون جميعا ~~ولاة هذا الاختيار على أنهم مقيدون بأن يكون الإمام الذي يختارونه من قريش، وقد ~~استقر في نفوس المسلمين لذلك العهد وبعد ذلك العهد أن الاختيار إنما يكون لأهل ~~الحل والعقد، وما نعلم أن الحل والعقد قد كانا إلى قريش وحدها أيام أبي بكر وعمر، ~~وقد قال أبو بكر للأنصار: نحن الأمراء وأنتم الوزراء، فجعلهم من أهل الحل والعقد؛ ~~لأن الوزراء فيما نعتقد يحلون ويعقدون. كان من الطبيعي إذن أن يشهد الأنصار مجلس ~~الشورى ويشاركوا في اختيار الإمام، بل كان من الطبيعي أن يأتلف مجلس الشورى من ~~جماعة تتجاوز قريشا والأنصار وتشمل قوما غيرهم من زعماء العرب وقواد المسلمين في ~~الحرب وكبار الولاة والعمال، فلو قد ائتلف مجلس الشورى على هذا النحو لكان خليقا ~~أن يجنب المسلمين كثيرا مما تعرضوا له من الشر. # وآفة أخرى نراها في تنظيم الشورى على هذا النحو، وهي أن سلطان المشيرين كان سلطانا ~~موقوتا حدد له عمر ثلاثة أيام وقبل المسلمون منه هذا التحديد، وكان من الطبيعي أن ~~يختاروا من بينهم رجلا وأن يستخلفوه، وأن يبايعه من حضر من المسلمين، وأن يكتب ~~ببيعته إلى الأمصار، أو بعبارة أدق: أن يكتب هو ببيعته إلى الأمصار وينفذ فيها ~~أمره ونهيه بحق الخلافة التي استمدها من هؤلاء الذين بايعوه. # ومعنى هذا كله أن أهل المدينة كانوا وحدهم بمقتضى هذا النظام هم الذين إذا بايعوا ~~ألزموا المسلمين في ms058 جميع أقطار الأرض، وعلة ذلك أن المدينة كانت مستقر أصحاب النبي ~~من المهاجرين والأنصار ومواطن أهل الحل والعقد، وعلة ذلك أيضا أن الانتظار الطويل ~~في اختيار الإمام كان خليقا أن يثير القلق ويحدث الأحداث، ولكن ليس من شك في أن ~~بعض أصحاب النبي من أولي الرأي والبصيرة كانوا قد تفرقوا في الأمصار ومواطن الحرب ~~بأمر عمر أو عن إذنه، وكانوا خليقين لو استشيروا أن يشيروا وينصحوا. # على أن الخطر كل الخطر لا يأتي من هذه العجلة التي قد تدعو إليها المصلحة، وما نشك ~~في أن عمر قد قدر هذه المصلحة فأحسن تقديرها، وإنما يأتي الخطر من أن هذا المجلس ~~قد كان موقوتا ينحل متى تم اختيار الإمام، ولو قد وسع مجلس الشورى أولا ~~وجعل نظاما دائما بعد ذلك، بحيث يصبح مجلس مراقبة للإمام في عمله من جهة، ~~ومجلس اختيار للأئمة كلما احتاج المسلمون إلى اختيار الإمام من جهة أخرى، لكان ~~المسلمون قد سبقوا إلى النظام البرلماني، وهم كانوا خليقين أن يسبقوا إليه، فقد ~~رأيت من سيرة عمر أنه كان يسعى إلى هذا النظام سعيا حثيثا. ولكني أعيد ما قلته ~~آنفا من أن عمر قد أعجل عن التفكير في هذا النظام، ولو قد مدت له الحياة لكان ~~من الممكن جدا أن يفرغ لهذا الأمر وأن يشاور فيه، وأن ينتهي إلى نظام يشبه هذا ~~الذي صورناه. إذن لما حدثت الأحداث، ولما نشأت هذه المشكلة الخطيرة التي نشأت بين ~~عثمان وبين الذين ثاروا به وخرجوا عليه، وهي: أيجوز للمسلمين أن يخلعوا إمامهم إن ~~أنكروا سيرته أم لا يجوز؟ بل أيجوز للإمام نفسه أن يخلع نفسه إن ضاقت به الرعية أم ~~لا يجوز؟ # ومهما يكن من شيء فقد جعل المشيرون أمرهم إلى عبد الرحمن ثم تفرقوا فأقاموا في ~~بيوتهم، وجعل صهيب يصلي بالناس كما أمر بذلك عمر، وقام أبو طلحة وأصحابه على باب ~~عبد الرحمن ينتظرون به انتهاء الأيام الثلاثة ليختار للمسلمين إماما. وقيل: إن ~~عبد الرحمن لم يكتف بتفكيره وتقديره واستخارته الله للمسلمين، ms059 وإنما جعل يشاور ~~الناس يسعى إليهم ويدعوهم إليه، لا يستشير الرجال منهم خاصة، وإنما يستشير ذوات ~~الفضل من النساء وفي طليعتهن أمهات المؤمنين، حتى إذا كان يستوفي الأيام الثلاثة ~~أرسل إلى علي وعثمان فدعاهما إليه وخلا بهما واحدا في إثر صاحبه، وسأل عليا ~~قائلا: أرأيتك لو لم أولك فمن تشير علي أن أختار؟ فقال له: عثمان. ثم ألقى ~~السؤال نفسه على عثمان حين خلا به فقال: علي. وإن كان هذا موضع شك، فلم يشهد أحد ~~ما كان من الحديث بين عبد الرحمن وصاحبيه، وعلى كل حال فقد خلا عبد الرحمن إلى ~~صاحبيه أحدهما في إثر الآخر، ثم أمر فنودي في الناس: الصلاة جامعة، فازدحم الناس ~~إلى المسجد حتى اكتظ بهم، وصعد عبد الرحمن إلى منبر النبي وجلس منه حيث كان النبي ~~نفسه يجلس، وكان أبو بكر قد نزل عن مجلس النبي درجة، وكان عمر قد نزل عن مجلس أبي ~~بكر درجة أخرى، فلما استخلف عثمان قال: إن هذا يطول، ثم جلس مجلس النبي. # رقى إذن عبد الرحمن المنبر وجلس مجلس النبي، وقد اعتم بعمامة كان النبي قد عممه بها ~~في إحدى خرجاته، ثم وقف فأطال الوقوف، ودعا دعاء لم يسمعه الناس، ثم قال: هلم ~~إلي يا علي، فقام علي فسعى إليه، فبسط عبد الرحمن يده فأخذ بيد علي ثم قال له: ~~هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة رسوله وفعل أبي بكر وعمر؟ قال علي: اللهم لا، ~~ولكني أحاول من ذلك جهدي وطاقتي. فأرسل يده، وقال: هلم إلي يا عثمان، فأقبل عثمان ~~حتى وقف عند المنبر، وبسط عبد الرحمن يده، فأخذ يد عثمان وقال له: هل أنت مبايعي ~~على كتاب الله وسنة رسوله وفعل أبي بكر وعمر؟ قال عثمان: اللهم نعم. قال عبد ~~الرحمن: اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد. ثم قام الناس فبايعوا عثمان. # وبايع علي فيمن بايع لم يتردد. ويقال إنه تردد، فقال عبد الرحمن: يا علي، لا تجعل ~~على نفسك سبيلا، ثم تلا الآية: # فمن نكث فإنما ms060 ~~ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله ~~فسيؤتيه أجرا عظيما ~~. فأقبل علي فبايع. وأكاد أقطع بأن ~~عليا لم يتردد ولم يحتج إلى من يذكره بالعهد الذي أعطاه على نفسه، فعلي أوفى ~~بالعهد وأكرم على نفسه من أن يحتاج إلى مثل هذا التنبيه، وسيرته كلها تنبئنا بذلك. # ولم ينقض هذا اليوم، وهو اليوم الأخير من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، حتى كان عثمان ~~إماما يستقبل بخلافته المحرم سنة أربع وعشرين في أثبت ما روى المؤرخون. # | الفصل الخامس # وكان أول ما عرض لعثمان من الأحداث قبل أن يستتم اليوم الأول من أيام خلافته، قصة ~~عبيد الله بن عمر الذي قتل الهرمزان وجفينة وبنت أبي لؤلؤة، وهي قصة امتحن بها ~~المسلمون امتحانا عسيرا، فأبو لؤلؤة هو قاتل عمر؛ طعنه بخنجر ذي رأسين حين كان ~~يتقدم للصلاة، فتكاثر الناس على أبي لؤلؤة فأخذوه، ولكنه قتل نفسه قبل أن يسأل في ~~ذلك أو يجيب، وقال بعض الناس: إنه رأى أبا لؤلؤة والهرمزان، وكان قد أسلم، وجفينة ~~وكان نصرانيا، قد خلصوا نجيا وفي أيديهم هذا الخنجر يقلبونه، فلما أقبل عليهم ~~قاموا وسقط الخنجر من أيديهم. فلما مات عمر أقبل ابنه عبيد الله شاهرا سيفه حتى ~~أتى الهرمزان فقتله، فيقول الرواة إنه لما أحس عض السيف قال: لا إله إلا ~~الله. ثم أتى جفينة فقتله، فيقول الرواة إنه لما أحس الموت صلب بين عينيه. ثم ~~أتى منزل أبي لؤلؤة فقتل ابنته، وبلغ الخبر صهيبا وكان على صلاة الناس، فأرسل ~~إليه من يكفه من المسلمين، وقد انتهى إليه سعد بن أبي وقاص فساوره وما زال به ~~حتى أخذ منه السيف، ثم حبس حتى يقضي الخليفة في أمره. # فلم تكد بيعة عثمان تتم حتى شاور المسلمين الذين حضروه في أمر عبيد الله هذا الذي ~~ثأر لنفسه بنفسه وثأر لنفسه عن غير بينة، فقتل رجلا مسلما وقتل ذميين بغير الحق ~~ودون أن يخوله السلطان قتلهما. فأما أهل البصيرة والفقه وفيهم علي فأشاروا ~~بالقود؛ لأن عبيد الله قد تعدى ms061 حدود الله كما رأيت. وقال قوم كثير من المسلمين: ~~يقتل عمر أمس ويقتل ابنه اليوم، وزعموا أن عمرو بن العاص قال لعثمان: قد أعفاك ~~الله من هذه القضية، فقد حدث ما حدث وليس لك على المسلمين سلطان. # وقد اختلفت الرواة في الحكم الذي أمضاه عثمان في هذه القضية: فقوم يزعمون أن عثمان ~~قضى بالقود ودفع عبيد الله إلى ابن الهرمزان ليقتله بأبيه. وأكثر المؤرخين ~~يزعمون أن عثمان قال: أنا ولي الهرمزان وولي من قتل عبيد الله، وقد عفوت وأدفع دية ~~من قتل من مالي إلى بيت مال المسلمين. وهذا أشبه بسيرة عثمان، فما كان عثمان ~~ليستفتح خلافته بقتل فتى من فتيان قريش وابن من أبناء عمر، وما كان عثمان ليهدر دم ~~مسلم وذميين، وهو من أجل ذلك آثر العافية، فأدى دية القتلى من ماله الخاص إلى بيت ~~مال المسلمين، وحقن دم عبيد الله بن عمر. وفي إمضائه الحكم على هذا النحو سياسة ~~رشيدة لو نظر الناس إلى القضية نظرة سياسية خالصة. فلم يبعد من قال من المسلمين: ~~يقتل عمر أمس ويقتل ابنه اليوم؟! ولو قد قتل عثمان عبيد الله بن عمر في القصاص ~~لغير على نفسه قلوب آل الخطاب خاصة وبني عدي عامة، بل لغير قلوب قريش كلها وقلوب ~~كثير من غير قريش. ولو قد عفا ولم يعقل القتلى لفتح بابا من أبواب الفوضى لا سبيل ~~إلى إغلاقه. # ولكن هذه القضية ليست قضية سياسية فحسب، وإنما هي قضية دين أولا، ثم قضية سياسة ~~بعد ذلك. ومن حق الإمام أن يعفو بشرط ألا يعطل عفوه حدا من حدود الدين. # ومن هنا نفهم أن كثيرا من المسلمين المتشددين لم يرضوا عن قضاء عثمان هذا؛ فكان من ~~الأنصار من لبث يذكر عبيد الله بقتل الهرمزان وينذره بالاقتصاص منه، وكان زياد بن ~~لبيد البياضي كلما لقيه قال له: # ألا يا عبيد الله ما لك مهرب # ولا ملجأ من ابن أروى ولا خفر # أصبت دما والله في غير حله # حراما، وقتل الهرمزان له خطر # على ms062 غير شيء غير أن قال قائل # أتتهمون الهرمزان على عمر # فقال سفيه والحوادث جمة # نعم أتهمه قد أشار وقد أمر # وكان سلاح العبد في جوف بيته # يقلبه والأمر بالأمر يعتبر # فلما كثر ذلك من زياد شكاه عبيد الله إلى عثمان، فدعا عثمان زيادا فنهاه عن ذلك ~~فلم ينته، وإنما قال في عثمان نفسه: # أبا عمرو عبيد الله رهن # فلا تشكك، بقتل الهرمزان # فإنك إن غفرت الجرم عنه # وأسباب الخطا فرسا رهان # لتعفو إذ عفوت بغير حق # فما لك بالذي تخلي يدان # فغضب عثمان وزجر زيادا حتى انتهى. ولكن قوما من المسلمين لم يرضوا قضاء عثمان، ~~ويقال: إن عليا كان من هؤلاء، ويقال: إنه لو قدر على عبيد الله أثناء خلافته ~~لأقاد منه، ولكن عبيد الله خرج مع الغاضبين لعثمان وقاتل مع معاوية بصفين فقتل ~~هناك. والذي أسخط هؤلاء المسلمين مراعاتهم لظاهر النص القرآني أولا، وتحرجهم بعد ~~ذلك من أن يعفى عن عبيد الله لأنه ابن خليفة، ولأنه قتل مسلما أعجميا حديث عهد ~~بالإسلام وآخرين من أهل الذمة، ففي هذا العفو ما يشبه أن يكون تمييزا بين ~~المسلمين، تمييزا بين العربي وهو عبيد الله، وبين الأعجمي وهو الهرمزان، والله لم ~~يفرق بين المسلمين فيما ضمن لهم من حرمة دمائهم وأموالهم وأعراضهم مهما يكن آباؤهم ~~ومهما تكن أجناسهم، وفي هذا العفو ما يشبه أن يكون إهدارا لدماء أهل الذمة على ما ~~تقرر لهم في الدين من الحرمة ورعاية الحقوق، ولو ترك الأمر على هذا النحو وأبيح ~~لأبناء الخلفاء وأمثالهم من أبناء كبار الأنصار والمهاجرين أن يثأروا لأنفسهم ~~بأنفسهم، يتبعون في ذلك شهواتهم ونزواتهم، ولا يرفعون أمرهم إلى السلطان، ولا ~~يقيمون البينة على أصحاب ثأرهم، لفسد الأمر وضاع العدل، وكانت الفوضى وطمست آيات ~~الدين. # ونعود فنقول: إن عثمان كان ولي أمر المسلمين، وله بحكم هذه الولاية أن يعفو، ونزيد ~~على ذلك أنه حين عفا لم يعطل حدا من حدود الله ولم يهدر دم الهرمزان وصاحبيه، ~~وإنما أدى ديتهم من ماله لبيت مال المسلمين ms063 الذي كان يرثهم وحده، ولكن هذا النحو ~~من العفو لا يخلو مما يريب المتشددين في الدين؛ فعبيد الله لم يعاقب على شيء مما ~~أتى، وإنما احتمل العقوبة عنه عثمان حين أدى الدية من ماله هو، ولو قد عفا فحقن دم ~~عبيد الله، ثم فرض عليه وعلى أسرته دية القتلى؛ لأقام الحد في غير ريبة، ولما ~~استطاع أحد أن ينكر من قضائه شيئا، ولو أنه إذ أدى الدية من ماله رفقا بآل ~~الخطاب أمسك عبيد الله في السجن تعزيرا له وتأديبا، حتى يتوب إلى الله من إثمه، ~~ويندم على إراقة الدم في غير حقه، وعلى الاستخفاف بالسلطان استجابة للحفيظة ~~الجاهلية - لو قد فعل ذلك لكان له مخرج من هذا الحرج، ولأعلم فتيان قريش من أمثال ~~عبيد الله أن دماء المسلمين والذميين أعظم حرمة عند الله وعند السلطان من أن تراق ~~بغير الحق ثم لا يعاقب من أراقها عقابا يسيرا أو خطيرا، وإنما يخلى بينه وبين ~~الحياة يحياها آمنا، ويخلى بينه وبين طيبات الحياة يستمتع بها في غير رهب ولا ~~خوف. # ومهما يكن من شيء فقد استقبل عثمان خلافته بهذا النحو من السياسة الذي يصور رحمته ~~ورأفته وإيثاره للعافية، وتجنبه لما يحفظ القلوب؛ قلوب العرب خاصة، وقلوب هذه ~~الطبقة الممتازة من المهاجرين وأبناء المهاجرين بنوع أخص، فرضي عن هذه السياسة قوم ~~وسخط عليها آخرون، وكان بدء خلافة عثمان محاطا بشيء من هذا الشك والاختلاف. ولو ~~قد كان عمر مكان عثمان وقدم إليه فتى من فتيان قريش مهما يكن أبوه ومهما تكن ~~عشيرته، لقام في هذا الأمر مقام صاحب الجد الذي لا تأخذه في حدود الله لومة لائم. ~~وما من شك في أن قضاء عثمان في هذه القضية قد رسم خلافته بما يميزها تمييزا ~~تاما من خلافة عمر، وهو الرفق واللين. # وعلى ذلك فإن الناس لم يعجلوا بالحكم على عثمان، وما كان لهم أن يعجلوا وهم أنفسهم ~~قد انقسموا في هذه القضية، لمكان عمر في قلوبهم، ولما كانوا يرونه من رعاية حقه في ms064 ~~أهله وبنيه. وقد أمر النبي أن تدرأ الحدود بالشبهات، فلعل عثمان قد درأ هذا الحد ~~عن عبيد الله بالشبهة التي تأتي من غضبه لأبيه واندفاعه مع شهوته الجامحة. والله ~~قد حبب إلى المسلمين العفو حين يقدرون وجزاهم عليه خيرا. # وقد روى المؤرخون أن عثمان لم يكد يستقبل خلافته حتى أصدر إلى الأقاليم كتبا، منها ~~ما وجه إلى العمال، ومنها ما وجه إلى قواد الحرب، ومنها ما وجه إلى ~~عامة الناس. وأقل ما توصف به هذه الكتب أنها تصور السياسة التي كان عثمان ~~يريد أن يأخذ بها المسلمين والتي أخذهم بها صدرا من خلافته، فيما يقول المؤرخون. ~~فمن حق هذه الكتب أن تروى، وأن نقف عندها وقفة ما، لنتبين إلى أي حد تمم عثمان ما ~~رسم لنفسه فيها من خطة. # كتب إلى عماله فيما روى الطبري في أحداث سنة أربع وعشرين للهجرة يقول: «أما بعد، ~~فإن الله أمر الأئمة أن يكونوا رعاة، ولم يتقدم إليهم أن يكونوا جباة، وإن ~~صدر هذه الأمة خلقوا رعاة لم يخلقوا جباة، وليوشكن أئمتكم أن يصيروا ~~جباة ولا يكونوا رعاة. فإذا عادوا كذلك انقطع الحياء والأمانة والوفاء. ألا ~~وإن أعدل السيرة أن تنظروا في أمور المسلمين وفيما عليهم، فتعطوهم ما لهم ~~وتأخذوهم بما عليهم، ثم تثنوا بالذمة فتعطوهم الذي لهم وتأخذوهم بالذي عليهم، ~~ثم العدو الذي تنتابون فاستفتحوا عليهم بالوفاء.» فهذا الكتاب الموجز اليسير الذي ~~كتب أو أملي في غير تكلف ولا تأنق ولا تفكير في غير العدل الذي فرض على ~~المسلمين، يأمر العمال بخصال أربع: الأولى أن يكونوا رعاة ولا يكونوا جباة، أي ~~أن تكون غايتهم من الحكم الرفق بالمحكومين لا إغناء الحكومة، ولا إرضاء حاجة ~~الحاكمين إلى الغنى. يلح عثمان في هذه الخصلة إلحاحا شديدا، فيكرر كلمتي ~~الرعاة والجباة تكريرا يصور هذا الإلحاح. ولا غرابة في ذلك، فهو يريد أن يبين ~~الغاية الأساسية التي قصد إليها الإسلام حين دفع العرب إلى الفتح، وهو الإصلاح قبل ~~كل شيء، فليس الفتح الإسلامي كما قدمنا فتح غلب ms065 وتسلط ، وإنما هو فتح رعاية ورفق ~~وإصلاح. # وعثمان يقرر أن الأئمة في صدر هذه الأمة كانوا رعاة لا جباة، وهؤلاء الأئمة هم ~~النبي وأبو بكر وعمر. وهو يشفق بعد ذلك من أن يصبح الأئمة جباة لا رعاة، فينقطع ~~الحياء وتقوم مقامه القحة التي تضيع الحق وتدفع إلى الإصرار على الباطل ~~والاستهتار بالإثم. وتنقطع الأمانة ويقوم مقامها الغش الذي يضيع حقوق الأئمة ~~والرعاة جميعا، ويشكك بعض الناس في بعض، ويسيء ظنون بعضهم ببعض، ويقيم الأمر ~~بينهم على المخادعة والرياء لا على المصارحة والإخلاص. وينقطع الوفاء ويقوم مقامه ~~الغدر الذي يدفع الناس إلى شر لا آخر له، وإلى أثرة منكرة، فلا يرعى أحد لأحد ~~حرمة ولا يرجو أحد لأحد وقارا. ليس من شك في أن هذا الهدي هو هدي النبي وصاحبيه. # الخصلة الثانية ليست إلا تفصيلا لما تقدم فيه عثمان إلى عماله، وهي رعاية العدل ~~فيما يكون من الصلة بين المسلمين وبين أئمتهم وأمرائهم، فلا ينبغي أن يظلم ~~المسلمون إرضاء للحكومة، ولا ينبغي أن تظلم الحكومة إرضاء لعامة المسلمين. وإنما ~~ينبغي أن يؤخذ من المسلمين ما عليهم وأن يرد إليهم ما لهم، فلا ظلم في الحكم، ~~ولا إسراف على الناس في أخذ الصدقات وجباية الخراج، ولا تسلط على الناس في أي ~~أمر من أمورهم، وإنما هو القسط الذي لا يضار فيه حاكم ولا محكوم. # والخصلة الثالثة هي الخصلة الثانية نفسها، ولكنها تخص المعاهدين من أهل الذمة؛ فهم ~~كالمسلمين في استحقاقهم للعدل، لهم ما للمسلمين من حق، وعليهم ما على المسلمين من ~~واجب. إذا نصحوا وأخلصوا وأوفوا بما عاهدوا عليه، فلا ينبغي أن يؤخذ منهم أكثر من ~~الحق فيظلموا، ولا ينبغي أن يترك لهم أكثر من الحق فيقع الظلم على المسلمين. # والخصلة الرابعة تتصل بالعدو الذي يواجه عمال المسلمين في أمصارهم، وهي من أروع ما ~~أوصى به الأئمة، لم يبتكره عثمان من عنده، ولم يكن عثمان يحب الابتكار كما سترى، ~~وإنما اتبع فيه ما أنزل من القرآن في سورة «براءة» وفي غيرها، فهو ms066 يأمر عماله أن ~~يستفتحوا عليهم ولكن بالوفاء. فليس لهم أن يغدروا حتى بالعدو، وإنما عليهم أن ~~يعرضوا الدعوة فإن أجابوا إليها فذاك، وإن يعرضوا الصلح فإن أجابوا إليه فذاك، ~~وإن لم يجيبوا أذنوا على سواء. # فهذه السياسة التي رسمها عثمان لعماله هي نفس السياسة التي نزل بها القرآن ورسمها ~~الأئمة قبل عثمان لأنفسهم وللمسلمين. وكتب عثمان إلى عماله على الخراج: «أما بعد، ~~فإن الله خلق الخلق بالحق، فلا يقبل إلا الحق، خذوا الحق وأعطوا الحق، والأمانة ~~الأمانة؛ قوموا عليها، ولا تكونوا أول من يسلبها فتكونوا شركاء من بعدكم إلى ما ~~اكتسبتم. والوفاء الوفاء، ولا تظلموا اليتيم ولا المعاهد؛ فإن الله خصم لمن ~~ظلمهم.» # وهذا الكتاب الذي يمتاز بإيجازه الرائع يلح فيما ألح فيه الكتاب الأول، ويحرص على ~~ما حرص عليه، ولكنه يؤدي ذلك في شيء من القوة والشدة لا نكاد نجدهما في كتابه ~~الأول؛ فالله قد خلق الخلق بالحق فهو لا يقبل إلا الحق، فما ينبغي للأئمة والعمال ~~إلا أن يتقربوا إلى الله بما يحب، فيأخذوا الحق لا يزيدون عليه ولا ينقصون منه، ~~ويعطوا الحق لا يضيفون إليه ولا ينحرفون عنه. وإذا لزموا الحق على هذا النحو، فأول ~~ما يجب عليهم أن يرعوه إنما هي الأمانة فيما يجبون من الناس، وفيما ينفقون على ~~مرافقهم، وفيما يؤدون بعد ذلك إلى الإمام لينفق في المرافق العامة للدولة كلها. ~~وعثمان يحذر عمال الخراج من أن يكونوا أول من ينحرف عن الأمانة فيحملوا إثم ~~انحرافهم عنها وإثم من يذهب بعدهم مذهبهم في هذا الانحراف. ثم يأمرهم عثمان بعد ~~الأمانة بالوفاء، ويشدد عليهم فيه كما شدد عليهم في الأمانة، ثم ينهاهم عن ظلم ~~اليتامى وأهل الذمة، ويحذرهم عقاب الله الذي هو خصم لمن ظلمهم. # وهذه السياسة أيضا هي التي أنزلها الله في القرآن وسار عليها النبي وصاحباه من ~~بعده، فعثمان لا يزيد في هذا الكتاب كما لم يزد في الكتاب الأول على الوفاء بما ~~بايع عليه عبد الرحمن بن عوف من كتاب الله وسنة رسوله ms067 وفعل أبي بكر وعمر. وكتب ~~عثمان إلى أمراء الحرب في الثغور: «أما بعد، فإنكم حماة المسلمين وذادتهم، وقد وضع ~~لكم عمر ما لم يغب عنا بل كان عن ملأ منا. ولا يبلغني عن أحد منكم تغيير ولا ~~تبديل، فيغير الله ما بكم ويستبدل بكم غيركم. فانظروا كيف تكونون، فإني أنظر فيما ~~ألزمني الله النظر فيه والقيام عليه.» # فانظر إلى ما في هذا الكتاب من الشدة والحزم اللذين يلائمان ما ينبغي أن يكتب إلى ~~أمراء الحرب. وانظر بنوع خاص إلى التزام عثمان سيرة عمر فيما رسم لأمراء الحرب من ~~نظام؛ لأن عمر لم يرسم هذا النظام إلا عن ملأ من المسلمين من المهاجرين والأنصار، ~~وقد حضر عثمان رسم هذا النظام وشارك فيه بالرأي والمشورة، وهو يعزم على الأمراء ~~ألا يغيروا ولا يبدلوا مما رسم عمر شيئا، وينذرهم بالعزل والعقوبة إن غيروا أو ~~بدلوا؛ لأنه مكلف أن ينظر فيما ألزمه الله النظر فيه والقيام عليه. فعثمان إذن ~~محافظ على سيرة عمر في الإدارة وفي سياسة المال وفي سياسة الحرب. وهو كذلك محافظ ~~على سياسة عمر فيما كان يأخذ به عامة المسلمين من الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر، والتزام السنة الموروثة واجتناب التكلف والابتداع. يشهد بذلك كتابه الذي ~~أصدره ليقرأ على الناس في الأمصار والأقاليم، وهو: «أما بعد، فإنكم إنما بلغتم ما ~~بلغتم بالاقتداء والاتباع، فلا تلفتنكم الدنيا عن أمركم؛ فإن أمر هذه الأمة صائر ~~إلى الابتداع بعد اجتماع ثلاث فيكم: تكامل النعم، وبلوغ أولادكم من السبايا، ~~وقراءة الأعراب والأعاجم القرآن. فإن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قال: الكفر في العجمة، ~~فإذا استعجم عليهم أمر تكلفوا وابتدعوا.» # فعثمان في هذا الكتاب ليس أقل محافظة من عمر على السنة الموروثة، وليس أقل تهيبا ~~من عمر للابتداع والتكلف؛ فهو ينبه المسلمين إلى أنهم لم يبلغوا ما بلغوا من سعة ~~الفتح وضخامة السلطان إلا بالاقتداء والاتباع، وهو يحذرهم من أن تلفتهم الدنيا عن ~~أمرهم، ويخاف عليهم ثلاثة أشياء: أن يبطرهم تكامل النعم وازدياد حظهم بين ms068 يوم ويوم ~~من الرخاء وبسطة العيش، وأن يفسد عليهم أمرهم بلوغ أولادهم من السبايا؛ فهذا الجيل ~~الناشئ الذي لم يخلص دمه للعرب، وإنما امتزج بدمه العربي دم الأمهات الأجنبيات، ~~خليق أن يؤثر الابتداع والتجديد على الاقتداء والاتباع، الثالث أن يدخل على الدين ~~ما ليس منه، وأن يشاب العلم السمح اليسير بالجهل والتكلف اللذين يأتيان من إقبال ~~الأعراب والأعاجم على الإسلام وقراءتهم للقرآن، وعجزهم بعد ذلك عن أن يفهموا النص ~~على وجهه، واضطرارهم بعد ذلك إلى التكلف والتزيد. وما أعرف أن أحدا صور الآفات ~~التي تعرض المسلمون لها بعد الفتح كما صورها عثمان في هذا الكتاب؛ فقد كثرت ~~النعمة، فتعرض المسلمون للبطر والأشر والطمع، ونشأ هذا الجيل المولد، فكان ~~التكلف والابتداع والتجديد وركوب الأحداث العظام. وأقبل على الإسلام قوم لم يفقهوا ~~القرآن على وجهه، فكان الإسراف في التهاون من جهة، والإسراف في التشدد من جهة ~~أخرى، وضاع الحق أو كاد يضيع بين المتهاونين والمتشددين. # وهؤلاء العمال الذين كتب إليهم عثمان إنما كانوا عمال عمر أقرهم عثمان على ~~أعمالهم عاما بوصية من عمر نفسه، ولم يكن أرشد من هذه التوصية ولا أدنى منها إلى ~~الحزم والرفق جميعا، فقد أشفق عمر من أن يتعجل الإمام بعده الاستمتاع بالسلطان، ~~فيعزل ويولي ويقطع بذلك ما استأنف العمال من أعمالهم، ويضطرب لذلك أمر المسلمين في ~~الأمصار والثغور. وقد أجاز عثمان هذه الوصية والتزمها، وألزم العمال في عهده أو في ~~العام الأول من عهده السياسية التي كان عمر يأخذهم بها، وهؤلاء هم العمال الذين ~~وجدهم عثمان على أعمالهم فاحتملهم عاما كاملا، وعلق سلطانه في الولاية والعزل ~~تعليقا أثناء هذا العام. # فقد كان على مكة نافع بن عبد الحارث الخزاعي وهو غير قرشي كما ترى، وكان على الطائف ~~سفيان بن عبد الله الثقفي وهو أيضا غير قرشي، والطائف مدينة ثقيف، وعلى صنعاء ~~يعلى بن منية وليس قرشيا صليبة وإنما هو حليف لبني نوفل بن عبد مناف، وعلى الجند ~~عبد الله بن أبي ربيعة وهو قرشي من مخزوم، وعلى ms069 الكوفة المغيرة بن شعبة وهو ثقفي، ~~وعلى البصرة أبو موسى الأشعري وليس قرشيا ولا مضريا ولا عدنانيا، وإنما هو ~~يمني، وعلى مصر عمرو بن العاص وهو قرشي من بني سهم، وعلى حمص عمير بن سعد وهو ~~أنصاري، وعلى دمشق معاوية بن أبي سفيان وهو قرشي من بني أمية، وعلى فلسطين عبد ~~الرحمن بن علقمة وهو كناني، وعلى البحرين وما والاها عثمان بن أبي العاص الثقفي. # فكثرة هؤلاء العمال كما ترى ليست من قريش، وليس فيهم واحد من عدي رهط عمر. ولم يقصر ~~عمر توليته على المضرية ولا على العدنانية، وإنما اختار عماله من العرب الذين حسن ~~إسلامهم وثبتت له كفايتهم، وكان يراقبهم كما علمت في أمور الدين والدنيا جميعا. ~~فلم يكن للعصبية إذن أثرها فيما كان عمر يمارس من التولية والعزل. # وقد وجد عثمان هؤلاء العمال على أمصارهم وولاياتهم، ووجد الوصية بإبقائهم في ~~مناصبهم، ففعل ولم يباشر تولية ولا عزلا في العام الأول من خلافته، ولكنه باشر ~~ما عدا ذلك من شئون السلطان العامة، وأول ما فعل من ذلك، بعد القضاء في أمر عبيد ~~الله بن عمر والهرمزان، وبعد إصدار ما أصدر من الكتب إلى عمال الصلاة والخراج ~~والحرب وإلى عامة المسلمين، زيادته في أعطيات الناس؛ فقد زاد الناس في أعطياتهم ~~مائة مائة؟ ولم يكن قد طرأ ما يوجب هذه الزيادة بين موت عمر واستخلافه، أي في أيام ~~لا تكاد تبلغ الأسبوع، فقد أراد عثمان بهذه الزيادة إذن أن يستهل خلافته بالتوسعة ~~على الناس. ولست أدري أكان عثمان خليقا أن يفعل هذا وأن يحمل بيت المال هذه ~~النفقات يقتطعها من الإنفاق على المرافق العامة دون أن يطرأ على الناس ما يزيد ~~حاجتهم إلى رفع العطاء، أو دون أن يطرأ على بيت المال من الدخل ما يدعو الخليفة ~~إلى أن يوسع على الناس من فضوله. # وأقل ما توصف به هذه الزيادة أن فيها شيئا ولو يسيرا من الانحراف عن سياسة عمر في ~~الإبقاء على بيت المال، وفي ألا ينفق منه إلا ms070 بمقدار الحاجة إلى الإنفاق. وقد يكون ~~في هذه الزيادة ما يكاد يشعر بأن عثمان كان يرى تشددا في سياسة عمر المالية، ~~وكان ينكر هذا التشدد فيما بينه وبين نفسه، وكان يرى أن في بيت المال ما يسع الناس ~~أكثر مما وسعهم أيام عمر؛ فهو نقد غير مباشر لسيرة عمر في سياسة بيت المال. # وما لنا لا نسمي الأشياء بأسمائها ولا نقول إن عثمان قد تقرب بهذه السياسة ~~الجديدة إلى عامة الناس، وتقرب إليهم على حسابهم؛ فبيت المال لم يكن بيت مال ~~الخليفة، وإنما كان بيت مال المسلمين. وواضح جدا أن عثمان لم يتجاوز حقه في ذلك، ~~فما دام المسلمون قد عرفوا للخليفة الحق في أن يفرض لهم العطاء، فهم يعرفون له ~~الحق في أن ينقص هذا العطاء إن اقتضت سياسة بيت المال نقصه، وأن يزيد هذا العطاء ~~إن وجد في بيت المال سعة. ولكن من الواضح أيضا أن هذه الزيادة من العطاء قد فتحت ~~بابا لم يكن إلى إغلاقه من سبيل، فما دام الخليفة يستطيع أن يوسع على الناس، ~~فالتوسعة على الناس لا حد لها. وهو إذا وسع على عامة الناس اليوم فقد يستطيع أن ~~يوسع على خاصتهم غدا. وما هي إلا أن ينشأ الإيثار وتكون المحاباة، وينشأ في ~~أثرهما التنافس والتزاحم والتطامع إلى أموال العامة. وقد كان عثمان سخيا بماله ~~ينفق منه بغير حساب في سبيل الله، وينفق منه بغير حساب في صلة الرحم وبر الأصدقاء. ~~وليس عليه في ذلك حرج ولا جناح، بل له في ذلك ثواب الله وحسن جزائه. ولكن مال ~~عثمان لم يكن يسع عامة الناس، فلم يكن يستطيع أن يزيد عطاءهم من صلب ماله، فليزد ~~عطاءهم من أموالهم، وليفتح على نفسه وعلى الناس بابا يعرفون كيف يدخلون منه، ~~ولكنهم لا يعرفون كيف يخرجون. # فليس صحيحا إذن أن عثمان قد لزم سيرة عمر لزوما دقيقا في الصدر الأول من خلافته؛ ~~فليس في زيادة العطاء فجاءة - لا لشيء إلا لأنه تولى الخلافة - لزوم سيرة عمر. ~~وطبيعي ألا ms071 ينكر الناس على عثمان زيادته في أعطياتهم؛ فهو قد برهم بهذه الزيادة ~~ووسع عليهم في الرزق. والناس لا يكرهون أن يزاد حظهم من الخير، بل طبيعي أن يتنفس ~~الناس الصعداء حين يتولى عثمان أمورهم ويبدأ خلافته بزيادة العطاء، فيعفيهم من شدة ~~عمر، ويأخذهم بالسعة، لا أقول بعد الضيق - فلم يكن عمر يضيق على المسلمين في ~~العطاء - وإنما أقول يأخذهم بالسعة الواسعة بعد أن كان عمر يأخذهم بالسعة ~~المقتصدة. وقد كان عمر يتمثل فيما يظهر في كل لحظة من لحظات حياته هذه الآية ~~الكريمة من القرآن: # ولا تجعل يدك مغلولة إلى ~~عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما ~~محسورا ~~. # ثم لم يكتف عثمان بزيادة العطاء، وإنما وفد الأمصار لأول مرة فيما يقول المؤرخون. ~~ومعنى ذلك أنه دعا الأمصار إلى أن توفد إليه وفودها للعطاء والإجازة، فكان هذا ~~توسعا في الإنفاق لم يكن عمر يعمد إليه أو يفكر فيه. وكان عمر قد جعل للناس من ~~أهل المدينة عطاء خاصا: درهما درهما في كل يوم من أيام الصوم، ولأزواج النبي ~~درهمين درهمين، يوسعون بها العطاء على أنفسهم وعلى عيالهم، وفضل عمر ذلك على ~~إطعام الناس على الموائد العامة؛ إذ رأى في خطته تلك رعاية لكرامتهم وتيسيرا لهم ~~فيما يحبون من البر بمن يعولون. فلما استخلف عثمان وأقبل شهر الصوم أجرى العطاء ~~الذي كان يجريه عمر، ولكنه مد الموائد بعد ذلك للطارئين وذوي الحاجة. # وما من شك في أن هذا إمعان في البر والرفق، ولكن ما من شك أيضا أن في هذا إطماعا ~~للناس في الأموال العامة، وإغواء لكثير منهم بالتزيد في الانتفاع بهذه الأموال. ~~فليس كل الناس قادرا على أن يتعفف فلا يغشى الموائد العامة إلا حين لا يكون له من ~~غشيانها بد، بل إن كثيرا من الناس لا يكرهون أن يضيفوا عطاء الصوم إلى عطائهم ~~العام ثم يغشون بعد ذلك الموائد العامة فيطعمون كما يطعم الطارئون وذوو الحاجات. # كل هذا كان توسعة من عثمان على الناس قد يكون فيها الخير، ولكنها لا ms072 تخلو من بعض ما ~~يخاف على السياسة والأخلاق جميعا. ثم هي لا تخلو مما يدعو إلى شيء من سوء الظن بل ~~من سوء الحديث، فمن ذا الذي كان يستطيع أن يمنع النقاد من أن يقولوا لأنفسهم ~~ويقولوا للناس إن في هذه التوسعة نوعا من أنواع الإذاعة يتحبب بها الإمام إلى ~~رعيته ليكتسب قلوبهم بهذا السخاء؟ # على أن سخاء عثمان لم يقف عند هذا الحد؛ إذ لم تكد الأيام تتقدم بخلافته حتى أخذ ~~يصل الأعلام من أصحاب النبي بالصلات فوق ما كان لهم من العطاء المفروض. فهو فيما ~~يروي ابن سعد، قد وصل الزبير بن العوام بستمائة ألف، ووصل طلحة بمائتي ألف ونزل ~~له عن دين كان عنده. ويقول ابن سعد إن الزبير حين قبض هذه الصلة جعل يسأل عن خير ~~المال ليستغل صلته، فدل على اتخاذ الدور في الأمصار والأقاليم. # ولم يقف عثمان عند هذا الحد من تجاوز سيرة عمر في سياسته العامة، وإنما خالف عن هذه ~~السيرة مخالفة أشد من هذا كله خطرا، فأذن لكبار الصحابة في أن يتفرقوا في الأرض ~~ويخرجوا من الحجاز ويلموا بالأقاليم، وكان عمر يحبسهم في المدينة ويأبى عليهم ~~الخروج إلى الأقاليم إلا بإذن خاص منه. وكان يقول إنه واقف لقريش بشعاب الحرة ~~فآخذ بحجزها فحائل بينها وبين الفتنة. فقد ألغى عثمان هذا الحجر. # وإذا زاد عثمان في العطاء، ثم تجاوز ذلك إلى الجوائز والصلات، ثم أذن لأصحاب هذه ~~الجوائز والصلات أن يتفرقوا في الأرض ويتصلوا بالجند الغالبين وبالرعية المغلوبين، ~~فأي غرابة في أن يعظم ثراء هؤلاء الناس من جهة، ويكثر أتباعهم وأشياعهم من جهة ~~أخرى، ويصبح كل واحد منهم رئيس حزب من الأحزاب يراه أحق الناس بولاية أمور ~~المسلمين، وينتهز الفرصة ليمكنه من ولاية أمور المسلمين؟ # ما عسى أن يكون مصدر هذا الانحراف عن سيرة عمر وأبي بكر في العمل بعد أن التزمها ~~عثمان في كتبه التي رويناها آنفا؟ الشيء المحقق هو أن عثمان لم يدهن في دينه، ~~والشيء المحقق أيضا هو أن عثمان ms073 لم ير في سياسته تلك مخالفة خطيرة أو غير خطيرة ~~لسيرة الشيخين؛ فهو لم يتعمد الجور ولا المحاباة، وإنما وسع على الناس من أموالهم، ~~رأى في بيت المال غنى فآثر الناس به ولم يغل في الادخار. وأي حرج في أن يصل أصحاب ~~النبي بشيء من هذا المال قليل أو كثير وهم أئمة الإسلام وبناة الدولة وأصحاب ~~البلاء الحسن أيام النبي، وهم قد احتملوا من الشدة والحرمان شيئا كثيرا. وقد صدق ~~الله وعده وأكثر الخير، فأي الناس أحق من هؤلاء المهاجرين أن يستمتعوا بشيء من هذا ~~الخير الكثير؟! # نعم، لم يشك عثمان في أنه لم يخالف عن السنة الموروثة، وإنما جرى على طبعه السخي ~~من جهة، ووسع على المسلمين من جهة أخرى، ووصل أصحاب رسول الله من جهة ثالثة. وليس ~~في شيء من ذلك مأثم، وإنما هو الخير والبر والمعروف. # ولم ير الناس - فيما يظهر - بشيء من ذلك بأسا، خير جاءهم فلم يكرهوه ولم يردوه. ~~وليس منهم من يرى بأسا بأن يوصل السابقون الأولون من المهاجرين وذوو المكانة من ~~أصحاب النبي. وأحسب أن عثمان لو وقف عند هذا الحد من السخاء والتوسعة على الناس ~~وإجزال الصلات للأعلام من أصحاب النبي، لما أنكر الناس عليه شيئا. وهذا هو السر ~~الذي يفسر ما يقول المؤرخون مجمعين عليه غير مختلفين فيه من أن الصدر الأول من ~~خلافة عثمان كان صدر رضا وطمأنينة، ومن أن المسلمين أحبوا خلافة عثمان للينها ~~ويسرها وسخائها وإسماحها أكثر مما أحبوا سياسة عمر لشدتها وقسوتها وحزمها الذي كان ~~يحتاج إلى كثير من الصبر وحمل النفوس على ما لا تطيق إلا بالجهد والعنف العنيف. # وقد يكون من الخير أن ندع عثمان في العام الأول أو في الأعوام الأولى من خلافته ~~يباشر سياسته هذه اليسيرة السمحة التي حببته إلى الناس، وأن ننظر إلى هؤلاء الناس ~~الذين تألفهم عثمان بهذه السياسة الرقيقة الرفيقة، لنرى أكان من الممكن أن يتألفوا ~~بهذه السياسة دون أن ينتهي أمرهم إلى الاختلاط والانتشار. # | الفصل السادس # تحدث الطبري عن ms074 السري عن شعيب عن سيف عن عمارة بن القعقاع عن الحسن البصري قال: ~~«كان عمر بن الخطاب قد حجر على أعلام قريش من المهاجرين الخروج في البلدان إلا ~~بإذن وأجل، فشكوه، فبلغه فقام فقال: ألا إني قد سننت الإسلام سن البعير، يبدأ ~~فيكون جذعا ثم ثنيا ثم رباعيا ثم سديسا بازلا. ألا فهل ينتظر بالبازل ~~إلا النقصان؛ ألا فإن الإسلام قد بزل، ألا وإن قريشا يريدون أن يتخذوا مال الله ~~معونات دون عباده، ألا فأما وابن الخطاب حي فلا؛ إني قائم دون شعب الحرة آخذ ~~بحلاقيم قريش وحجزها أن يتهافتوا في النار.» # قال الطبري متحدثا عن السري عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة قالا: «فلما ولي عثمان ~~لم يأخذهم بالذي كان يأخذهم به عمر، فانساحوا في البلاد، فلما رأوها ورأوا الدنيا ~~ورآهم الناس، انقطع من لم يكن له طول ولا مزية في الإسلام، فكان مغمورا في ~~الدنيا وصاروا أوزاعا إليهم وأملوهم وتقدموا في ذلك، فقالوا يملكون فنكون قد ~~عرفناهم وتقدمنا في التقرب والانقطاع إليهم، فكان ذلك أول وهن دخل على الإسلام ~~وأول فتنة كانت في العامة ليس إلا ذلك.» # وتحدث الطبري أيضا عن السري عن شعيب عن سيف بن عمر وعن الشعبي قالا: «لم يمت عمر ~~رضي الله عنه حتى ملته قريش، وقد كان حصرهم بالمدينة فامتنع عليهم، وقال: إن ~~أخوف ما أخاف على هذه الأمة انتشاركم في البلاد. فإن كان الرجل ليستأذنه في الغزو ~~وهو ممن حبس بالمدينة من المهاجرين - ولم يكن فعل ذلك بغيرهم من أهل مكة - فيقول: ~~قد كان لك في غزوك مع رسول الله # صلى الله عليه وسلم # ما يبلغك، وخير لك من الغزو اليوم ~~ألا ترى الدنيا ولا تراك. فلما ولي عثمان خلى عنهم فاضطربوا في البلاد وانقطع ~~إليهم الناس، فكان أحب إليهم من عمر.» # 1 # فنريد أن نبدأ من رعية عثمان بقريش، وأن نترجم إلى لغتنا الحديثة ما روي من سيرة ~~عمر فيها؛ فعمر لم يخف الفتنة من أحد كما خافها من قريش، ms075 ولم يخف الفتنة على أحد ~~كما خافها على قريش؛ لأنه كان يعرف هذا الحي من العرب حق المعرفة، وكان يعرف بنوع ~~خاص مواطن القوة القوية فيه كما كان يعرف مواطن الضعف الضعيف. فقد كانت قريش التي ~~نشأ فيها عمر قبل أن تدعى إلى الإسلام ممتازة بالقوة والضعف جميعا، وكانت قوتها ~~تأتيها من مكانها حول البيت، واستئثارها بمناسك الحج تقيمها للعرب وتتسلط عليهم ~~بها وتتحكم عليهم فيها، وترى لنفسها بذلك امتيازا لا يشاركها فيه غيرها من الناس؛ ~~فهي تزعم لنفسها أرستقراطية متفوقة. وقد اعترف لها العرب بهذه الأرستقراطية في ~~جملتهم، لا لتفوقها في الحرب ولا لتسلطها بقوة السيف، فلم تكن قريش قبيلة محاربة، ~~بل لاستئثارها بأمر الدين وامتيازها في الجليل والخطير منه. ثم كانت القوة تأتيها ~~من تجارتها الضخمة التي تفوقت على كل تجارة في العرب أو التي تسلطت على كل تجارة ~~في العرب. أتاح لها ذلك أمنها في الحرم واستقرارها حول البيت، ومنحها ذلك من ~~الذكاء والدهاء ونفاذ البصيرة وبعد الهمة ما لم يتح لغيرها من قبائل العرب لا ~~نستثني منها إلا ثقيفا. فقد كانت قريش صلة بين الشرق البعيد والشرق القريب في ~~التجارة، وكانت بذلك صلة بين الشرق والغرب، أو قل بين الروم والهند. وقد أفادت من ~~ذلك مالا كثيرا، وأفادت من التجربة أكثر مما أفادت من المال. وعلمتها كثرة المال ~~الحرص وحسن المحافظة ودقة التدبير والبراعة في الاستثمار، وعلمتها التجربة ~~المتصلة وممارسة الأمم المختلفة وزيارة الأقطار النائية مهارة في مواجهة المشكلات ~~والنفوذ منها والتغلب عليها؛ فكانت قبيلة ماهرة ماكرة أمكر العرب وأمهرهم من غير ~~شك. # وقد دفعها هذا كله إلى بعد الهمة وامتداد أسباب الطمع إلى غير حد، والصبر على ~~المكروه حتى تظهر عليه، والسخر من العقاب حتى تذللها، بل دفعها هذا كله إلى ما هو ~~أشد من ذلك خطرا، وهو ازدراء القيم المقررة، والاستهزاء بما تواضع الناس عليه من ~~العقائد والتقاليد، واستباحة كل شيء في سبيل المنفعة القريبة والبعيدة، وسعة ~~الحيلة التي أتاحت لها أن تظهر للعرب ms076 أمينة على الدين، وليست من الدين في شيء. فقد ~~كان السادة من قريش على أقل تقدير ينظرون إلى الدين على أنه وسيلة لا غاية، وإلى ~~هذه الأوثان المنصوبة على أنها أسباب لكسب الرزق وبسط السلطان لا أكثر ولا أقل. ~~وكان السيد من قريش رجلا أثرا شديد الطمع بعيد الهم عظيم المكر داهية، كلما ~~حزبته المشكلات عرف كيف يستقبل ما حزب من الأمر، وكيف يخرج منه سالما معافى ~~موفورا. # عرف عمر هذا كله في قريش، فلم تستطع أن تخدعه عن نفسها، بل لم يستطع إقبالها على ~~الإسلام وإذعانها لسلطانه أن يغيرا رأيه فيها. وهو من أجل هذا آثر الاحتياط كل ~~الاحتياط في سياستها، فلم يلن لها ولم يرفق بها، ولم يخل بينها وبين طمعها ~~الشديد، وهمها البعيد واعتدادها بنفسها، وازدرائها لغيرها من الناس. # ولعل عمر أن يكون قد عرف للمهاجرين ما عرف لهم رسول الله من الفضل، فأنزلهم ~~منازلهم، واختصهم بكثير من عنايته ورعايته؛ ولكن هذا كله لم يدفعه إلى الاطمئنان ~~والهدوء والتخلية بين هؤلاء المهاجرين وبين ما كانوا يريدون حين استخلف على أمور ~~المسلمين، وليس أدل على ذلك من سيرته هذه في قريش وقيامه عند شعب الحرة آخذا ~~بحلاقيمها وحجزها أن تتهافت في النار، وقوله لمن كان يستأذنه في الغزو من ~~المهاجرين: «لقد كان لك في غزوك مع رسول الله ما يبلغك، وخير لك من الغزو ألا ترى ~~الدنيا ولا تراك.» وربما كان من أدل الدلائل على ذلك ما كان من شدته على خالد بن ~~الوليد رحمه الله وعزله إياه ومراقبته له، مع ما أبلى خالد من البلاء الحسن أيام ~~النبي وأيام أبي بكر في حرب العرب والروم جميعا. ليس لهذا مصدر إلا علمه بقريش ~~وسوء ظنه بحسن استعمالها لما أبيح لها من قوة، وبحسن انتصارها على ما فرض عليها من ~~ضعف. فقد كانت هذه القوة التي صورناها مصدر ضعف لقريش؛ لأنها كانت تدفعها إلى أن ~~تغالي بنفسها فتتورط في الكبرياء، ولأنها كانت تدفعها إلى حب المال والحرص عليه ~~فتتعرض ms077 لأخذه بغير حقه، ولأنها كانت تدفعها إلى إيثار أنفسها بالخير فتتعرض ~~للانهزام أمام المنافع العاجلة وأمام اللذات القريبة التي لا تخلو من الإثم ~~أحيانا. وكانت تدفعها إلى الطمع الذي لا حد له فتعرضها لتجاوز الحد والطموح إلى ~~ما لا ينبغي الطموح إليه، كما تعرضها للظلم والاستعلاء. وإذا أشفق عمر من هذا كله ~~بالقياس إلى المهاجرين الذين طالت صحبتهم للنبي وحسن بلاؤهم في المواطن كلها، ~~فأحرى أن يشفق منه بل أن يشفق من أكثر منه بالقياس إلى من أسلم بأخرة من ~~قريش، من هؤلاء الشيوخ والفتيان الذين لم يسلموا عن رغبة ولا عن رضا، وإنما ~~أسلموا إما طمعا حين تبينوا أن كفة الإسلام راجحة، وإما قهرا حين دخلت عليهم ~~مكة من أقطارها. وأولئك وهؤلاء لم ينظروا إلى الإسلام على أنه دين يتصل بالقلوب ~~والضمائر، وترعى فيه حرمات الله وحقوقه، وإنما نظروا إليه على أنه صفقة خطيرة من ~~تلك الصفقات التي كانوا يباشرونها، ومغامرة جريئة من تلك المغامرات التي كانوا ~~يغامرونها داخل بلاد العرب وخارجها. وقد ذكروا حين أسلموا أو حين هموا بالإسلام أن ~~النبي كان قد وعد قريشا حين دعاها إلى الدين الجديد ملك الدنيا وحسن ثواب الآخرة، ~~ففكروا جميعا في ملك الدنيا، وفكر بعضهم في ثواب الآخرة، ودفعهم هذا التفكير إلى ~~أن يسلموا، ثم إلى أن يحتملوا من أثقال الجهاد والفتح ما احتمل غيرهم من الناس أو ~~أكثر مما احتمل غيرهم من الناس. # وأراد كثير منهم عن نية صادقة أو غير صادقة أن يعوضوا بحسن البلاء في الفتوح ما ~~فاتهم من حسن البلاء مع النبي في غزواته. ومن أجل ذلك لم يبطئوا حين دفعت العرب ~~إلى الفتح، وإنما نفروا خفافا وثقالا، كثير منهم يريدون عرض الدنيا، وقليل منهم ~~يريدون الآخرة. وكان زعماؤهم وسادتهم يحسون أنهم الطلقاء، وأنهم أقل درجة من الذين ~~سبقوا إلى الإسلام وأبلوا فيه بلاء حسنا؛ فكان ذلك يغيظهم ويحفظهم ويشعرهم ~~بشيء يشبه ما نسميه تعقيد النقص أو مركب النقص. ثم كانوا يعرفون رأي عمر خاصة ~~فيهم، فكان ms078 ذلك يغيظهم من عمر، ويدعوهم إلى أن يحسنوا البلاء في الجهاد، ليظهروا ~~لعمر أن رأيه فيهم جائر عن القصد، وليظهروا ذلك للناس، وليظهروا ذلك لأنفسهم قبل ~~أن يظهروه للناس. # وهذا هو تأويل ما روي من أن خالد بن الوليد أتى بعكرمة بن أبي جهل، وقد صرع في ~~يوم من أيام الشام، فوضع رأسه على فخذه وجعل ينظر إليه ويقول: «زعم ابن حنتمة أننا ~~لا نستشهد.» وابن حنتمة هو عمر. # كان عمر إذن يسوس قريشا هذه السياسة العنيفة على علم بدخائل نفوسها، وبعد ~~همها وحرصها على الاستمساك بما بلغت والوصول إلى ما لم تبلغ، حتى ولو خاضت ~~إليه الغمرات خوضا. «وقد روي أن النبي رخص لعبد الرحمن بن عوف في لبس الحرير ~~لحكة كانت به، فيقبل عبد الرحمن ذات يوم على عمر ومعه فتى من بنيه قد لبس ~~قميصا من حرير، فينظر إليه عمر ثم يقول: ما هذا؟ ثم يدخل يده في جيب القميص فيشقه ~~إلى أسفله. قال عبد الرحمن: ألم تعلم أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قد رخص لي في لبس ~~الحرير؟ قال عمر: بلى! لشكوى شكوتها، فأما لبنيك فلا.» # وعلى هذا النحو كان عمر يشفق على المهاجرين أن يتوسعوا فيما رخص لهم فيه النبي، ~~ويشفق على غير المهاجرين من قريش أن يتوسعوا حتى فيما لم يرخص فيه النبي. وقد قام ~~عمر دون معاوية يأبى عليه غزو البحر إشفاقا على المسلمين من هوله. وأكبر الظن أنه ~~كان يرى غزو البحر هذا الذي كان معاوية يلح فيه مغامرة من هذه المغامرات التي لا ~~تتردد قريش في ركوبها، كان يرى أن الحق عليه للمسلمين أن يجنبهم مغامرات فتيان ~~قريش. وقد قدمت أن خلافة أبي بكر أتاحت لقريش أرستقراطية مفاجئة جديدة عوضتها من ~~أرستقراطيتها القديمة، فكان عمر يشفق من هذه الأرستقراطية ويضرب لها الحدود، ويأبى ~~أن تندفع إلى غير مدى. # هؤلاء بعض الرعية التي ابتلي عثمان بولاية أمرها. وكان على عثمان أن يسلك إحدى ~~سبيلين لا ثالثة لهما: فإما أن يشتد ms079 كما اشتد عمر فيمسك زعماء المهاجرين في ~~المدينة، ويظهر لعامة قريش ما كان يظهر لها عمر من سوء الظن بها، ويقف فتيان قريش ~~وكهولهم كما كان يقفهم عمر عند حدود لا يتعدونها، ويجعل أمور الحكم والولاية كما ~~كان يجعلها عمر شائعة بين العرب بل بين المسلمين، لا ينهض بها منهم إلا القادرون ~~على احتمال أعبائها، وإما أن يلين فيخلي بين قريش وبين الطريق تمضي فيها إلى غير ~~غاية، لا حد لطمعها ولا لجشعها ولا لمغامراتها ولا لإيثارها نفسها بالخير. وسنرى ~~أن عثمان قد اختار الثانية راضيا عنها أو مكرها عليها. # الفريق الثاني من رعية عثمان الأنصار، ومكانهم في الإسلام معروف، وثناء الله عليهم ~~في القرآن محفوظ، وأمر النبي برعايتهم موروث. وقد رأيت أن الخلافة قد صرفت عنهم ~~حين روى أبو بكر أن الإمامة في قريش، وأن أبا بكر قال لهم: نحن الأمراء وأنتم ~~الوزراء، وقد كان أبو بكر يستشيرهم كما يستشير غيرهم من المهاجرين، وكان عمر ~~يستشيرهم كذلك. ولم يقصر عثمان في استشارتهم، ولكن هؤلاء الأئمة الثلاثة إنما ~~كانوا يستشيرون أصحاب النبي من الأنصار، فأما الشباب الناشئون الذين لم يكن لهم ~~خطر يذكر أيام أبي بكر وقد أخذوا يعقلون أنفسهم أيام عمر، ثم عرفوا أنفسهم حق ~~معرفتها أيام عثمان - فلم يكن لهم شأن يميزهم من سائر الناس. وقد سن عمر في تولية ~~الولاة واستعمال العمال ألا يلتمسهم عند قريش وحدها، وإنما يلتمسهم في العرب كافة. ~~وكان خليقا لو عاش أن يظهر لهؤلاء الشباب من أبنا الأنصار أنهم كغيرهم من الناس ~~لا تقصر الدولة بهم عن بعض حقهم، وعن حقهم في الولاية والحكم خاصة. وما من شك في ~~أن شيوخ الأنصار وذوي المكانة منهم قد أخلصوا الرضا برأي أبي بكر وبسيرة عمر، ولكن ~~ما من شك في أن عامة الأنصار والشباب منهم خاصة قد ضاقوا بهذه الأرستقراطية ~~القرشية الجديدة، وهم الذين ضربوا قريشا على الإسلام في بدر، وهم الذين دخلوا مع ~~المهاجرين مكة من أقطارها، وكان يعزيهم عن هذا أن عمر ms080 كان يشتد على قريش ولا ~~يؤثرها بشيء من دون المسلمين، فكان موقف الأنصار بعد أن استخلف عثمان رهينا بسيرة ~~الخليفة في قريش، فإن سار فيها سيرة عمر نال الأنصار حظهم من شئون الدنيا كما ~~يناله غيرهم من سائر المسلمين، وإن آثرهم وحاباهم عرف الأنصار أنهم الأرستقراطية ~~الجامحة المستأثرة، وأن مكانهم من قريش مكان المغلوبين لا مكان الذين يشاركونهم في ~~غير الإمامة من الأمر شركة سواء. وسترى أن عثمان آثر قريشا راضيا أو كارها، وأن ~~إيثاره لقريش وقع من نفوس الأنصار موقعا أليما كان له أثره الخطير في الفتنة، ثم ~~فيما استتبعته الفتنة من الأحداث. # الفريق الثالث في رعية عثمان عامة العرب، أولئك الذين أسلموا طوعا أو كرها، ثم ~~دفعهم أبو بكر وعمر إلى الفتح فبلغوا منه ما بلغوا، ثم استقروا في أمصارهم وثغورهم ~~ردءا للمسلمين يذودون عنهم العدو من جهة، وجندا للمسلمين يفتحون عليهم أرض العدو ~~من جهة أخرى، وهؤلاء العرب قد وعدهم الإسلام المساواة التامة بينهم، لا فضل لأحد ~~منهم على آخر إلا بالتقوى والكفاية وحسن البلاء. # وهم بعد هذا مادة الإسلام كما كان عمر يقول، وهم الذين فتحوا الأرض، وأذلوا العدو، ~~ونشروا دين الله في الآفاق، فلهم بهذا كله الحق في ألا يستأثر بالأمر من دونهم ~~أحد. ثم هم بعد هذا كله حديثو عهد بالإسلام وقريبو عهد بالجاهلية، لم ينسوا ما كان ~~بينهم من خصومة وعصبية وتفاخر وتكاثر بالأحساب والأنساب، وقد أضافوا إلى مفاخرهم ~~التي حفظوها عن جاهليتهم مفاخر جديدة أعظم منها خطرا وأرفع منها شأنا. فالسياسة ~~الملائمة لهؤلاء الناس هي التي تنسيهم عصبيتهم الجاهلية أولا، وتنشئهم تنشئة ~~إسلامية خالصة ثانيا، وتصدق لهم ما وعدهم الله من المساواة بينهم والعدل فيهم. ~~وقد سلك عمر هذه الطرق كلها، فقاوم العصبية ما وسعته مقاومتها حتى أخاف الشعراء ~~الذين كانوا يذكرون مآثر الجاهلية فيما كانوا ينشئون ويتناشدون، وجعل في الأمصار ~~معلمين من أصحاب النبي يقرئون أهلها القرآن ويبصرونهم بالسنة ويفقهونهم في الدين، ~~وينشئونهم هذه التنشئة الإسلامية الخالصة. ثم لم يميز منهم ms081 فريقا على فريق، ولم ~~يؤثر بأمور السلطان منهم حيا دون حي، وإنما أشاع فيهم المساواة والعدل الحازم، ~~واختار ولاته من مضر وربيعة واليمن، وراقب هؤلاء الولاة جميعا أشد المراقبة. وقد ~~رأيت فيما روينا من كتب عثمان أنه قد أخذ نفسه وولاته في هذه الكتب بسيرة عمر. ~~ولكنك سترى أن وصية عمر بإقرار العمال على أعمالهم عاما، لم تكد تبلغ أجلها حتى ~~أقبل عثمان على سياسة أخرى راضيا عنها أو مكرها عليها، وإذا قريش تميز من العرب ~~وتسلط عليهم، وتستأثر من دونهم بأجل الأمصار خطرا وأرفع المناصب شأنا. # الفريق الرابع من رعية عثمان هم هؤلاء المغلوبون من أهل البلاد التي فتحت على ~~المسلمين. والسنة الإسلامية في سياستهم معروفة، وهي أن يؤخذوا بما عليهم من الحق، ~~فإن أدوه فلهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، وقد عرف عثمان هذه السيرة وأخذ ~~نفسه وولاته بها فيما روينا من كتبه آنفا. # ولم يظهر أثناء خلافته لأهل الذمة شأن فيما كان من الاختلاف، لا لأن السياسة ~~المرسومة قد اتبعت فيهم ولم يكن عنها انحراف، بل لأنهم كانوا مغلوبين لم يتح لهم ~~بعد أن يشاركوا في السياسة مشاركة ذات خطر، وإلا فقد نحب أن نفهم ما كان بين عثمان ~~وعمرو بن العاص من الحوار ذات يوم حين قال عثمان لعمرو: «قد درت تلك اللقاح بعدك ~~يا عمرو.» فأجابه عمرو: «نعم وهلكت فصالها.» فليس لهذا الحديث إلا معنى واحد وهو ~~أن خراج مصر قد عاد إلى بيت المال أيام ابن أبي سرح بأكثر مما كان يعود به أيام ~~عمرو بن العاص، هذا معنى ما قال عثمان، وأن زيادة الدخل هذه لم تأت إلا عن إرهاق ~~المعاهدين من أهل الذمة أيام ابن أبي سرح، هذا ما أراد إليه عمرو بن العاص. وليس ~~من هذا مخرج إلا إحدى اثنتين: الأولى أن يكون عمرو بن العاص قد كان يحتجز لنفسه ~~شيئا من الخراج دون بيت المال. الثانية أن ابن أبي سرح كان يأخذ من المعاهدين ~~أكثر من الحق. وكلا الأمرين ms082 شر. ثم لا يقف الأمر في سياسة الرعية عند هذه الحدود ~~التي رسمناها، فقد كان عمر شديدا على قريش كلها يسوي بينها وبين العرب لا يميزها ~~منهم، ثم لا يميز حيا من أحيائها على غيره. ولم يستطع عثمان أن يحتفظ بهذه ~~المساواة، فآثر قريشا من دون العرب عن عمد أو غير عمد. ثم لم يستطع أن يسوي بين ~~قريش نفسها، فآثر فريقا منها على فريق راضيا بذلك أو كارها له. ويقال إن عمر قد ~~خاف شيئا من هذا الإيثار، فتقدم إلى عثمان إن ولي أمور المسلمين في ألا يحمل ~~بني أمية وبني أبي معيط على رقاب الناس، وتقدم إلى علي إن ولي أمور المسلمين في ~~ألا يحمل بني عبد المطلب وبني هاشم على رقاب الناس. ولم يستطع عثمان أن يستجيب ~~لعمر، فحمل بني أمية وآل أبي معيط على رقاب الناس، ما في ذلك شك. وقيل: إن عليا ~~نفسه حين ولي الخلافة لم يستجب لعمر، فولي ثلاثة من بني عمه العباس، البصرة ومكة ~~واليمن، حتى قال مالك الأشتر: ففيم قتلنا الشيخ إذن! ولكني على ذلك أفرق أشد ~~التفرقة بين ما صنع عثمان وما صنع علي؛ فقد لام علي نفسه عثمان في أمر ~~الولاة، فاحتج عثمان بأن عمر قد ولى المغيرة بن شعبة الكوفة، والمغيرة بن شعبة ليس ~~هناك، وبأن عمر قد ولى معاوية، فقال له علي: إن عمر كان يراقب ولاته ويخيفهم، وإن ~~ولاتك يستبدون بالأمر من دونك، ويصدرون الأمر من عند أنفسهم ويحملونه عليك فلا ~~تستطيع له تغييرا. فسيرة علي مع ولاته من بني عمه هي سيرة عمر، كان شديدا عليهم ~~مراقبا لهم، لا يتحرج من عزلهم إن قصروا أو انحرفوا دون أن يكرهه على هذا العزل ~~أحد، على حين لم يعزل عثمان واليا من بني أمية وآل أبي معيط إلا حين أكرهته ~~الأمصار على ذلك إكراها. # ومهما يكن من شيء فقد كانت رعية عثمان هي رعية عمر، لم تكد تتغير إلا قليلا حتى ~~تقدم الزمن بعثمان. وكانت سياسة عمر ms083 هي السياسة الوحيدة التي كانت تصلح لضبط هذه ~~الرعية وتدبير أمرها وحملها على الجادة. # ولكن الناس كلهم لا يستطيعون أن يسيروا سيرة عمر؛ لأنهم لم يركبوا كما ركب، ولم يتح ~~لهم ما أتيح لعمر من هذه الشدة التي لا تعرف هوادة في الحق، ولا تأخذها في العدل ~~والمساواة لومة لائم. وكان عثمان نفسه يعرف ذلك حق المعرفة! فكان مرة يقول لمحدثيه ~~إذا حضروا طعامه اللين: ومن ذا يطيق ما أطاق عمر! وكان مرة يقول للائميه في صلة ~~رحمه من بيت المال: ومن لنا بمثل عمر، وكان مرة أخرى يقول لعائبيه من فوق منبر ~~النبي: لقد وطئكم ابن الخطاب برجله وضربكم بيده وقمعكم بلسانه، فخفتموه ورضيتم منه ~~بما لا ترضون مني؛ لأني كففت عنكم يدي ولساني. فهناك فرق خطير بين الرجلين في ~~الطبيعة والمزاج وفي السن أيضا، ولكن هذا الفرق أو هذه الفروق لم تكن وحدها مصدر ~~الشر والفرقة، وإنما كان للشر والفرقة مصادر أخرى لم يكن عثمان يستطيع لها ~~تغييرا. وسنرى بعض هذه المصادر فيما سنستأنف من الحديث. # | الفصل السابع # فلم يكد عثمان ينفق العام الأول من خلافته ويخرج مما التزم من وصية عمر بإقرار ~~العمال عاما على أعمالهم، حتى باشر سلطته الطبيعية في التولية والعزل. وكان في ~~مباشرته لهذه السلطة شيء من العجلة، وكثير مع ذلك من الأناة. فهو أولا لم يلق ~~بالا إلى العمال الذين كانوا ينهضون بالأمر في الولايات التي لم يكن لها خطر في ~~سياسة أو إدارة أو حرب، وإنما ترك عمال عمر في هذه الولايات، ولم يغير منهم إلا ~~قليلا حين دعت الحاجة إلى هذا التغيير. ولم يحتفل لهذا التغيير كثير احتفال، ~~وإنما سارت فيه سيرة هينة سواء. وقد كانت الولايات تختلف فيما بينها اختلافا ~~شديدا؛ لبعضها خطر في السياسة والإدارة والحرب، وهي الولايات التي فتحت على ~~المسلمين، واقتطع بعضها من الروم وغلب الفرس على سائرها، وكانت هذه الولايات ~~الخطيرة أربعا: الشام ومصر والكوفة والبصرة، وكانت أمام كل واحدة من هذه الولايات ~~ثغور يجب أن ms084 تحمى، ودار حرب يجب أن يمعن فيها المسلمون؛ فكان البحر وبلاد الروم ~~نفسها أمام الشام، وكان البحر وشمال إفريقية بإزاء مصر، وكان ما فتح وما لم يفتح ~~بعد من بلاد الفرس أمام المصرين العراقيين: الكوفة والبصرة. # وكانت هذه الولايات الأربع موطن القوة الإسلامية، فيها الجند المقيمون، وبإزائها ~~الثغور التي يقيم فيها ويخرج منها ويسعى إليها الجند المحاربون. وكانت هذه ~~الولايات الأربع مصدر ثراء المسلمين؛ فيها الحضارة المستقرة المترفة، وفيها الأرض ~~الخصبة التي تغل ما شاء الله أن تغل من الثمرات، وتؤتي ما شاء الله أن ~~تؤتي من الخراج، وفيها المعاهدون الذين يؤدون الجزية. ثم هي بعد ذلك وجوه الفتح ~~ومصادره، إليها تجلب الغنائم التي يغنمها الفاتحون في كل عام، ومنها ترسل الأخماس ~~إلى المدينة. فإذا كان العرب مادة الإسلام ومصدر قوته العسكرية، فقد كانت هذه ~~الولايات مادة الإسلام ومصدر قوته المالية. فلا غرابة في أن يعنى بها الخليفة ~~عناية خاصة لا تقاس إليها عنايته بغيرها من الولايات التي لم يكن لها من الخطر ~~والامتياز وارتفاع الشأن ما كان لهذه الولايات. فمكة والطائف واليمن ولايات لها ~~مكانتها ولها قدرها، ولكنها لا تواجه ثغورا للحرب، ولا تغل كثيرا من مال، ~~وليست هي مواطن القوة والأيد التي تعتز بها الدولة الناشئة. # كان لها خطرها العظيم قبل أن تفتح حين كان النبي يجد في إخضاع بلاد العرب كلها ~~للإسلام. فلما افتتحت وعبد الله فيها وأمن الإسلام شرها، أصبحت ولايات ثانوية ~~بالقياس إلى تلك الولايات الجديدة التي تكلف المسلمون في فتحها وتمصيرها من الأنفس ~~والأموال والجهود ما لا يقاس إليه ما تكلفوا في فتح تلك الولايات العربية الأولى. # ومن أجل ذلك كله نرى المسلمين إذا أرادوا أن يخرجوا من المدينة لم يفكروا في الذهاب ~~إلى مكة أو الطائف أو اليمن، أو لم يفكر أكثرهم في الذهاب إلى هذه البلاد، وإنما ~~فكروا في الذهاب إلى العراق أو الشام أو مصر؛ في هذه البلاد كان الصالحون منهم ~~يلتمسون ثواب الآخرة بالتزام الثغور والإمعان في الفتح، وكان المكتسبون ms085 منهم ~~يبتغون عرض الدنيا، يتاجر منهم من يتاجر، ويزارع منهم من يزارع، ويتقلبون في ضروب ~~الكسب والغنى على اختلافها. # وقد مات عمر وعلى الكوفة المغيرة بن شعبة الثقفي، وعلى البصرة أبو موسى الأشعري؛ ~~فأقرهما عثمان عامه الأول. فلما انقضى هذا العام عزل المغيرة عن الكوفة وولى عليها ~~سعد بن أبي وقاص الزهري عن وصية من عمر الذي تقدم إلى الخليفة من بعده إن أخطأت ~~الخلافة سعدا أن يستعين به، قائلا: إني لم أعزله عن خيانة. ولكن سعدا لم يقم في ~~الكوفة إلا عاما وبعض عام حتى اضطر عثمان إلى عزله. # وقد تحدث المؤرخون بأن عثمان قد اضطر إلى عزل سعد اضطرارا؛ حدث بينه وبين صاحب ~~بيت المال عبد الله بن مسعود خلاف أغضب عثمان عليهما جميعا، فهم بهما، ثم كف ~~عنهما واكتفى بعزل سعد. # وكان أصل هذا الخلاف غريبا حقا؛ فقد قيل: إن سعدا اقترض شيئا من بيت المال ~~وأعطى به على نفسه صكا، فطلب إليه عبد الله بن مسعود أن يؤدي دينه، ولم يتيسر ~~هذا المال لسعد، فطلب النظرة إلى ميسرة، وأبى ابن مسعود، واستعان كل من الرجلين ~~على صاحبه بجماعة من أهل الكوفة: يريد ابن مسعود أن يستعين بأصحابه على سعد ليؤدي ~~دينه، ويريد سعد أن يستعين بأصحابه على ابن مسعود لينظره إلى ميسرة، ثم يلتقي ~~الرجلان ومع كل واحد منهما أصحابه، فيتلاحيان، ويهم سعد، فيما يقول الرواة، أن ~~يدعو على ابن مسعود، فيجزع ابن مسعود من ذلك ويولي مسرعا؛ لعلمه بأن النبي كان قد ~~دعا الله أن يستجيب لسعد كلما دعاه. قال الرواة: إن سعدا رفع يديه وقال: اللهم رب ~~السموات والأرض. فقال له ابن مسعود: ويلك! قل خيرا. ثم ولى مسرعا. وارتفع الأمر ~~إلى عثمان فغضب عليهما جميعا، وهم بهما، ثم كف، وعزل سعدا وأخذ منه ما كان ~~عليه، وترك ابن مسعود على بيت المال، وأرسل إلى الكوفة واليا جديدا. # والرواة متفقون على هذه القصة، ولكني أقف منها موقف التحفظ الشديد، ففيها أمور تدعو ~~إلى هذا ms086 التحفظ؛ فقد تقدم عمر إلى الخليفة من بعده أن يولي سعدا وقال إنه لم ~~يعزله عن خيانة. وأيسر ما تصور لنا هذه القصة أن سعدا قد اقترض من بيت المال ثم ~~التوى بدينه أو ماطل في أدائه. وما هكذا يكون من اختاره عمر للشورى ورشحه للخلافة ~~وتقدم إلى الخليفة من بعده إن صرفت الخلافة عن سعد أن يستعين به. ولم يعرف أحد ~~عن عمر أنه أمر أو نهى ليؤثر أحدا بخير من دون الناس، وإنما أمر ونهى دائما ~~ليؤثر عامة المسلمين بالخير. فهو حين تقدم إلى الخليفة في تولية سعد لم يكن يريد ~~أن يرضي سعدا ولا أن يحابيه ولا أن يقدمه على غيره من أصحابه، وإنما نصح ~~للخليفة وللمسلمين وأمرهم أن يستعينوا بكفاية سعد، وبكفايته في أمور الحرب خاصة. ~~فلم تكن أمور بلاد الفرس على خير ما يحب المسلمون، قد أزيل سلطانها جملة، ولكن ~~شوكتها لم تخضد بعد. فكسرى يزدجرد قد انهزم، ولكنه لم يقتل ولم يؤسر ولم يخرج ~~من بلاده، وإنما هو مقيم فيها يتنقل بالفلول بين أقاليمها ومدنها ودساكرها. وفي ~~هذه البلاد مدن كثيرة، بعضها لم يصل إليه المسلمون بعد، وبعضها قد صالح المسلمين ~~ولكن على دخل، فهو ينتهز الفرصة وينتقض كلما وجد إلى الانتقاض سبيلا؛ فقد بدئ ~~فتح بلاد الفرس وتقدم مسرعا إلى غايته، ولكنه لم يبلغ هذه الغاية بعد. وسعد بن ~~أبي وقاص هو بطل القادسية، وهو قاصم دولة الأكاسرة؛ فليس غريبا أن يفكر فيه عمر ~~ليتم من الفتح ما بدأ. وأكبر الظن أن عمر لو عاش لرد سعدا إلى الكوفة وأمره ~~بالمضي إلى عدوه حتى يتم الله الفتح على يديه. وسعد صاحب السابقة المعروفة في ~~الإسلام، حتى إنه كان يقول: والله لقد كنت أراني ثلث الإسلام. يريد أنه أسلم بعد ~~أبي بكر فكان ثالث ثلاثة؛ أولهم النبي، وثانيهم أبو بكر، أو أنه أسلم بعد أبي بكر ~~وزيد بن حارثة، فكان ثالث ثلاثة سبقوا بالاستجابة إلى دعوة رسول الله. وسعد، فيما ~~اتفق عليه الرواة والمحدثون، ms087 أول من رمى بسهم في سبيل الله حين خرج في سرية عبيدة ~~بن الحارث بن عبد المطلب إلى بطن رابغ. # وسعد هو الذي فداه رسول الله بأبيه وأمه يوم أحد، ولم يجمع لأحد بين أبويه غيره، ~~وذلك حين ثبت بين الذين ثبتوا مع رسول الله وجعل ينضح عنه بسهامه، وكان أرمى الناس ~~بسهم، فكان النبي يقول له: «ارم سعد، فداك أبي وأمي.» فمن أتيح له أن يكون ثالث ~~ثلاثة في الإسلام، وأول رام بسهم في سبيل الله، وأن يفديه رسول الله بأبيه وأمه، ~~وأن يرضى عنه رسول الله ويجعله في العشرة الذين ضمن لهم الجنة، وأن يقصم دولة ~~الفرس وينتصر يوم القادسية، وأن يحضره عمر الشورى ويرشحه للخلافة، ويتقدم في ~~توليته إن صرفت الخلافة عنه - من أتيح له هذا الفضل كله لا يمكن أن يلتوي على بيت ~~المال بدين قل أو كثر، ولا أن يشك فيه ابن مسعود هذا الشك، ولا أن يغضب عليه ~~عثمان فيهم به ثم يعفو عنه بعد أن يأخذ منه ما كان عليه. وأكبر الظن أن عمر لم ~~يتقدم إلى الخليفة من بعده في تولية سعد ولاية ما، وإنما تقدم إليه في تولية سعد ~~الكوفة خاصة؛ لأنها كانت المصر الذي كان يجب أن يستقر فيه سعد، وأن يتجه منه إلى ~~إتمام الفتح في ذلك الوجه من وجوه الحرب. وإنه لغريب حقا أن يسوء ظن ابن مسعود ~~بسعد وهو يعلم سابقته ومكانه من النبي ومن صاحبيه ورأي النبي فيه. فقد كان ابن ~~مسعود من ألزم الناس للنبي، وأرواهم عنه للسنة، وأحفظهم عنه للقرآن، وأعلمهم برأيه ~~في أصحابه. وأغرب من ذلك أن يشك فيه ويلح عليه في أداء دينه، حتى إذا هم سعد ~~بالدعاء عليه أخذه الإشفاق والجزع، فترضاه وولى مسرعا. إنما لزم سعد موقف الحياد ~~حين كانت الفتنة، وأبى أن يقاتل مع أولئك أو هؤلاء من المختصمين، حتى يأتوه بسيف ~~مبصر عاقل ناطق ينبئه بأن هذا مسلم وهذا كافر، فكان موقفه هذا مصدرا لهذه القصة ~~الغريبة. ولو ms088 قد انحاز سعد لأنصار علي لدافعت عنه الشيعة، ولو قد انحاز لأنصار ~~عثمان لدافعت عنه العثمانية، ولكنه وقف من المختصمين موقف المعتزل، فوقف المختصمون ~~منه هذا الموقف نفسه. # وأكاد أعتقد أن وجه الحق في عزل سعد، أن بني أمية وآل أبي معيط كانوا يتعجلون ~~الولاية ويحتالون في الوصول إليها، ويلحون على عثمان في أن يمهد لهم إليها الطريق. ~~وآية ذلك - فيما أظن - أن عثمان حين عزل سعدا لم يول على الكوفة أحدا من كبار ~~أصحاب النبي، لا من المهاجرين ولا من الأنصار، لم يرسل إليها طلحة ولا الزبير ولا ~~عبد الرحمن ولا محمد بن مسلمة ولا أبا طلحة، وإنما أرسل إليها الوليد بن عقبة بن ~~أبي معيط. ولم يكن المسلمون يطمئنون إلى الوليد بن عقبة؛ لأنه غش النبي وكذب عليه، ~~وكفر بعد إسلام، وأنزل الله فيه قرآنا فقال: # يا أيها ~~الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن ~~تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم ~~نادمين ~~. كان ذلك حين أرسله النبي مصدقا في بني المصطلق، ~~فعاد إلى النبي يزعم أنهم منعوه الصدقة، فخرج النبي إليهم غازيا، ثم تبين كيد ~~الوليد وأنبأه الله بجلية الأمر. وقد عاد الوليد إلى إسلامه حين لم يكن بد من ~~العودة إلى الإسلام، وأصلح من سيرته ما استطاع. وقيل: إن عمر قد استعمله على صدقة ~~بني تغلب في الجزيرة. والفرق بين أن يرسله عمر أو وال من ولاة عمر إلى صدقة حي ~~من نصارى العرب البادين في الجزيرة، وبين أن يوليه عثمان مصرا من أعظم أمصار ~~المسلمين وأكثرها ثغورا، وأن يوليه مكان سعد بن أبي وقاص؛ هذا الفرق عظيم جدا. # فالذين أنكروا تولية الوليد على الكوفة مكان سعد لم يبعدوا؛ فليس من شك في أن هذه ~~التولية كانت أمرا عظيما. # وهناك سبب آخر يدعو إلى الشك في هذه القصة التي حملت عثمان على عزل سعد وتولية ~~الوليد، وهو أن عثمان نفسه قد سار في بيت المال بالمدينة سيرة أعظم خطرا مما نسب ~~إلى سعد؛ فهو قد ms089 أعطى رجلا من ذوي قرابته مقدارا ضخما من بيت المال، واستكثر ~~عامله على بيت المال هذا المقدار فلم يخرجه، فألح عثمان فأبى الخازن، فلامه عثمان ~~وقال له في قصة سنعرض لها في إبانها: «ما أنت! إنما أنت خازن لنا.» قال صاحب بيت ~~المال: «ما كنت أرى أني خازن لك، وإنما خازنك أحد مواليك، لقد كنت أراني خازنا ~~للمسلمين»، ثم أقبل بمفاتيح بيت المال فعلقها على منبر النبي وجلس في داره. فإذا ~~سار عثمان في بيت المال هذه السيرة، فغريب أن ينكر على سعد ما يقال من أنه اقترض ~~من بيت المال شيئا وطلب النظرة في أداء ما كان عليه من دين. وكما أن عمر لم يعزل ~~سعدا عن خيانة، فقد نرى أن عثمان لم يعزل سعدا عن خيانة ولا عن شيء يتصل ~~بالخيانة من قريب أو بعيد، وإنما أنفذ وصية عمر، ثم عزل سعدا ليجعل مكانه رجلا ~~من آل أبي معيط. ويجب أن نقرر أن الوليد قد سار أثناء ولايته على الكوفة سيرة فيها ~~كثير جدا من الغناء وحسن البلاء. فهو لم يقصر في سد الثغور والإمعان في الفتح، ~~وإنما بلغ من ذلك غاية عرفت له وتحدث بها الناس في حياته وبعد موته. وهو قد ساس ~~أهل الكوفة سياسة حزم وعزم ومضاء، فأقر الأمن، وضرب على أيدي المفسدين من الأحداث ~~والذين لا يرعون للنظام حرمة ولا يرجون للدين وقارا. عدا نفر من الشباب على فتى ~~من أهل الكوفة فقتلوه، فأخذهم الوليد وأقام عليهم الحد، فقتلهم على باب قصر ~~الإمارة. ويقول بعض الرواة إن هذا أحفظ عليه آباء هؤلاء القاتلين المقتولين، ~~فأخذوا يتلمسون أغلاطه ويتكلفون اتهامه ويشككون فيه الناس، ثم ما زالوا به، حتى ~~دخل عليه منهم داخل فسمر عنده وتأخر، فلم ينصرف حتى نام الوليد، فقام فاستل ~~خاتمه من أصبعه وذهب مع صاحب له بالخاتم إلى عثمان فشهدا عنده على الوليد بشرب ~~الخمر. # والتكلف في هذه القصة أظهر من أن نحتاج إلى تبينه وإطالة القول فيه. فما أمير ينام ~~وعنده ms090 سماره، ثم يمعن في النوم حتى يستل خاتمه من أصبعه دون أن يحس ذلك أو يحسه ~~أحد من خدامه وحجابه وشرطه! وإذا كان الأمر من التهاون والاستخفاف بحيث يستل ~~منه خاتمه الذي يمضي به الأمر والنهي ويمضي به كتبه إلى الخليفة وإلى قواده في ~~الثغور، فما هو من الحزم والعزم والفطنة في شيء. وإنما الأشبه ما قاله خصوم الوليد ~~من أنه كان يعاقر الخمر مع صديقه وشاعره أبي زبيد، ذلك الذي عرفه في تغلب حين كان ~~مصدقا فيهم، فأنصفه من أخواله بني تغلب وآثره بمودته. وكان أبو زبيد طائي ~~الأب تغلبي الأم، وكان نصرانيا. فلما ولي الوليد أمر الكوفة كان هو يفد عليه، ~~فيقيم عنده ويأخذ جوائزه. وما زال به الوليد حتى أسلم فقرب ما بينهما. وما أرى إلا ~~أن إسلام أبي زبيد كان رقيقا كإسلام الوليد. ويدل على صحة هذا المذهب في هذه ~~القصة أن عثمان أقام الحد على الوليد، والحدود تدرأ بالشبهات. فلو قد رأى عثمان في ~~شهادة هذين الشاهدين شبهة قوية أو ضعيفة لتحرج من إقامة الحد عليه. وليس البأس على ~~عثمان في أن يدرأ الحد بالشبهة، وإنما البأس كل البأس في أن يقيم الحد والشبهة ~~قائمة مهما يكن حظها من الضعف. # والناس يختلفون فيمن أنفذ أمر عثمان بإقامة الحد على الوليد، فقوم يرون أن عليا ~~هو الذي ضرب الوليد إنفاذا لأمر عثمان حين نكل كثير من الناس عن ضربه. فإن صحت ~~هذه الرواية - وما نراها تصح - فعلي أعلم بالدين وأحفظ للسنن وأشد إيثارا لرضا ~~الله وإنفاذ أمره من أن يقيم الحد والشبهة قائمة. وزعم أكثر الرواة أن الذي ضربه ~~هو سعيد بن العاص الأموي. وسعيد قريب القرابة من عثمان ومن الوليد، وهو صاحب عصبية ~~واعتداد بمكان الخليفة ورهطه الأدنين والأبعدين. فلو قد رأى شبهة لكان خليقا أن ~~يراجع عثمان في قضائه، ولكن خليقا إذ لم يفلح أن يعتذر من ضرب الوليد. ولكنه ~~ضربه، وأورث هذا الضرب عداوة متصلة في أعقاب الرجلين. # وقد زعم خصوم الوليد - وما ms091 نحسبهم إلا متزيدين - أن الوليد أصبح ذات يوم سكران، ~~فصلى الصبح بالناس ثلاثا أو أربعا، ثم التفت إليهم وقال: إن شئتم زدناكم. فشتمه ~~من شتمه وحصبه من حصبه من الناس، واستعفوا عثمان منه فأعفاهم. وشاعت فيه هذه ~~القالة حتى تندر به المتندرون، وقال فيها الشعراء، فقال الحطيئة فيما زعموا: # شهد الحطيئة يوم يلقى ربه # أن الوليد أحق بالعذر # نادى وقد نفدت صلاتهم: # أأزيدكم؟ ثملا ولا يدري # ليزيدهم خيرا ولو قبلوا # منه لزادهم على عشر # فأبوا أبا وهب ولو فعلوا # لقرنت بين الشفع والوتر # حبسوا عنانك إذ جريت ولو # خلوا عنانك لم تزل تجري # وهذه القصة مخترعة من أصلها فيما أعتقد. فلو قد زاد الوليد في الصلاة لما تبعته ~~جماعة من المسلمين من أهل الكوفة، وفيهم نفر من أصحاب النبي، وفيهم القراء ~~والصالحون، ولما رضي المسلمون من عثمان بما أقام عليه من حد الخمر؛ فإن الزيادة في ~~الصلاة والعبث بها أعظم خطرا عند الله وعند المسلمين من شرب الخمر. # وهذا الشعر لم يقله الحطيئة، وإنما قال الحطيئة شعرا آخر يمدح به الوليد مدح محب ~~له حريص على رضاه، وهو: # شهد الحطيئة حين يلقى ربه # أن الوليد أحق بالعذر # خلعوا عنانك إذ جريت ولو # تركوا عنانك لم تزل تجري # ورأوا شمائل ماجد متبرع # يعطي على الميسور والعسر # فنزعت مكذوبا عليك ولم # تردد إلى عوز ولا فقر # وقد عارض بعض الشيعة بهذا الشعر؛ شعر الحطيئة في مدح الوليد. # وليس من شك في أن الحطيئة لم يقل أيضا هذه الأبيات الأخرى: # تكلم في الصلاة وزاد فيها # علانية وجاهر بالنفاق # ومج الخمر عن سنن المصلي # ونادى والجميع إلى افتراق # أزيدكم على أن تحمدوني # فما لكم وما لي من خلاق # فهذا الشعر ليس إلا تزيدا من خصوم الوليد. وللحطيئة بعد ذلك شعر جيد يمدح به ~~الوليد أثناء إمارته، وقبل أن يفكر أحد في الائتمار به والتشنيع عليه، وهو: # عفا توءم من أهله فجلاجله # وردت على الحي الجميع جمائله # وعالين عقلا فوق رقم كأنه # دم الجوف يجري ms092 في المذارع واشله # كأن النعاج الغر وسط بيوتهم # إذا اجتمعت وسط البيوت مطافله # أبى لابن أروى خلتان اصطفاهما # قتال إذا يلقى العدو ونائله # فتى يملأ الشيزى ويروى بكفه # سنان الرديني الأصم وعامله # يؤم العدو حيث كان بجحفل # يصم العدو جرسه وصواهله # ترى عافيات الطير قد وثقت لها # بشبع من السخل العتاق منازله # إذا حال منه منزل الليل أوقدت # لأخراه في أعلى اليفاع أوائله # يظل الرداء العصب فوق جبينه # يقي حاجبيه ما تثير قنابله # نفيت الجعاد الغر عن عقر دارهم # فلم يبق إلا حية أنت قاتله # وكم من حصان ذات بعل تركتها # إذا الليل أدجى لم تجد من تباعله # وإني لأرجوه وإن كان نائيا # رجاء الربيع أنبت البقل وابله # لزغب كأولاد القطا راث خلقها # على عاجزات النهض حمر حواصله # وربما كان من التكلف ما روي من أن الوليد أتى بساحر، فاستفتى فيه ابن مسعود، فلما ~~تحقق ابن مسعود إيمانه بالسحر أمر بقتله، وتعجل رجل من أهل الكوفة فقتله عن غير ~~أمر الوليد، ثم ذهب أهل الكوفة يشكون الوليد إلى عثمان فردهم وقال: تقتلون الناس ~~بالظن! # وما أستبعد أن يكون الوليد قد أتى بهذا الساحر فنظر إلى لعبه، وغضب لذلك المتزمتون ~~من أهل الكوفة، فعدوا على ذلك المشعوذ المسكين فقتلوه. وغضب لذلك الوليد وغضب ~~لذلك عثمان؛ فما ينبغي للناس أن يريقوا الدماء عن غير أمر السلطان ولا أن يريقوها ~~بالظنة. # وجملة القول أن الوليد إنما كان رجلا من قريش أسلم إسلاما ظاهرا واحتفظ بجاهليته ~~كلها. فليس هو أول من شرب الخمر في هذا العصر من أمثاله الذين أسلمت ألسنتهم ولم ~~تؤمن قلوبهم إيمانا خالصا، وإنما ترددت بين الكفر والإيمان. وليس هو بدعا من حب ~~الدعابة والعبث والمجون يستتر به ولا يظهره. وما أستبعد أن يكون قد لها بلعب هذا ~~الساحر، وأن تكون القصة التي زعمت تدخل ابن مسعود في أمره قد اخترعت تكلفا للدفاع ~~عن الوليد. على أني أعتقد أن شرب الخمر إن كان هو السبب المباشر لعزل الوليد؛ فإن ~~لعزله أسبابا ms093 أخرى لعلها أن تكون أعمق أثرا وأبعد مدى من شرب الخمر ومن اللهو ~~بلعب الساحر، وهي تتصل بسياسته العامة لأهل الكوفة وسيرته فيهم. فقد كان معظم أهل ~~الكوفة من اليمانية ولم تكن المضرية فيهم إلا قلة. وكان الوليد رجلا قرشيا ~~معتدا بقرشيته وبمكانه من عثمان، وقد كان أخاه لأمه. فما أستبعد أن هذه الكثرة ~~اليمانية قد ضاقت بهذا الأمير القرشي المضري الذي لم يكن يخفي اعتداده بنفسه ~~واستعلاءه على غيره، فتنكروا له قليلا قليلا. وأحس هو منهم هذا التنكر فلم ~~يحتمله إلا كارها، ولعل الوليد قد نافس هذه الأرستقراطية فيما كانت ترى أنه مصدر ~~عز وفخر لهم. فقد روي أن جماعة من أشرافهم كانوا ينادون: ألا إن من نزل الكوفة ~~وليس له بها منزل فمنزله عند بني فلان. كانوا يتنافسون في ذلك فيما يظهر، يحيون به ~~سنة عربية متوارثة؛ هي التنافس في استقبال الضيف والاستباق إلى إيوائهم وقراهم. ~~فأنشأ الوليد عن أمر عثمان أو من تلقاء نفسه دار الضيافة، وأغلق على هؤلاء الأشراف ~~بابا من أبواب التنافس والتفاخر والعصبية. # 1 # وكان أبو زبيد يقبل فينزل دار الأضياف هذه، ثم يتصل بالوليد ويكثر ~~الاختلاف إليه. ومن يدري؟! لعل هذا الشاعر عاد مرة أو غير مرة إلى مثواه وقد أخذت ~~منه الخمر، فلم يحسن أن يمسك لسانه، فنبههم ذلك إلى التجسس على الوليد. # ثم كان الوليد - وقد أحس تنكر الناس له وتنمرهم عليه - يستأنف سياسة ظاهرها الرفق ~~وإشاعة الخير والمعروف، وباطنها التحبب إلى العامة والتقوي بالدهماء؛ ففرض ~~للرقيق أعطيات يتوسعون بها: ثلاثة دراهم لكل واحد منهم كل شهر، دون أن ينقص ذلك من ~~أعطيات سادتهم ومواليهم، إنما كان يؤدى إليهم ذلك من فضول الأموال. فقد كان ~~للأموال إذن فضول يمكن أن ترد على أصحاب الأعطيات من الذين قاتلوا على هذا المال ~~وأفاء الله على أيديهم هذا الفيء، ولم يكن الوليد يرد هذه الفضول على هؤلاء ~~الناس، وإنما كان يوسع بها على العبيد والإماء؛ فكان إذن يرد بعض الفيء على بعضه، ~~فلم يكن ms094 العبيد والإماء إلا شيئا من هذا الفيء، فهم أسارى قد قسموا بين الفاتحين ~~كما قسم بينهم الذهب والفضة وغير الذهب والفضة من الغنائم. والذي يعرف النفس ~~العربية التي احتملت الكثير من جاهليتها ولم يخالطها الإسلام إلا مخالطة ظاهرة، لا ~~يرى من العجب أن يضيق هؤلاء اليمانية بهذا القرشي الذي يأخذ من فيئهم ليرده على ~~فيئهم، ويأخذ فضول الأموال ليوسع بها على العبيد والإماء فيتقرب إليهم بذلك ~~ويستأثر بحبهم له وانحيازهم إليه، ويوشك أن ينشئ منهم لنفسه قوة تعينه على سادتهم، ~~أو تعين السلطان على هؤلاء السادة، إن احتاج السلطان إلى بعض المعونة. ويتحدث ~~الرواة بأن الإماء والعبيد قد اتخذوا الحداد حين عزل الوليد، وكانت الولائد تنشج ~~فيما روى الطبري بهذا الرجز: # يا ويلتا قد عزل الوليد # وجاءنا مجوعا سعيد # ينقص في الصاع ولا يزيد # فجوع الإماء والعبيد # وما أظن إلا أن هذا الرجز منحول متكلف، اخترعه القصاص من أنصار الوليد، فلم يكن ~~الإماء والعبيد من أسرى الفرس في الكوفة قد بلغوا من حذق العربية وإتقانها أن ~~يرجزوا بالوليد وسعيد، كما كان العرب أنفسهم خليقين أن يفعلوا. ولكن هذا الرجز يدل ~~على أن الرقيق والأحرار من الفرس كانوا يؤثرون الوليد ويحبونه؛ لأنه يؤثرهم ~~ويستهويهم. ولذلك قال الرواة إن أهل الكوفة كانوا فريقين في الوليد: كانت العامة ~~معه، وكانت الخاصة عليه. # وليس لهذا معنى إلا أن الوليد قد خفض جناحه للعامة، ووطئ الخاصة وطئا شديدا. ولو ~~قد سار الوليد في ذلك سيرة عمر لما أنكر عليه منه شيء. فقد كان عمر يرفق بالعامة ~~ويغلظ على الخاصة؛ يقاوم في هذه الخاصة نزعتها إلى الأثرة واحتفاظها بالعصبية ~~الجاهلية وطموحها إلى الاستعلاء. وما أرى الوليد ذهب إلى شيء من ذلك، وإنما طاولته ~~الأرستقراطية فطاولها، وقاومته فقاومها، ودخل بينها وبين رقيقها من العبيد ~~والإماء. # ومهما يكن من شيء فقد عزل الوليد وذوو الرأي في الكوفة ضيقون به ساخطون عليه، ~~يبغضه السادة لما قدمنا من تنكره لهم ومقاومته إياهم ومحاولته أن يفسد عليهم ~~رقيقهم. وينكره القراء وأصحاب ms095 الصلاح والفقه لسيرته تلك الجاهلية التي لم تخل من ~~عبث ومجون وتعد لحدود الله. # | الفصل الثامن # وقد وفق عثمان حين عزل الوليد ولم يتشدد في استبقائه، وحين أقام عليه الحد ولم ~~يحمه، ولكنه كان خليقا أن يرد أمر الكوفة إلى رجل من أصحاب النبي وأهل الكفاية ~~من المهاجرين والأنصار، ولو قد فعل ذلك لاستصلح هذا المصر ولم يدفع أهله عامة في ~~الفرقة والخلاف. ولكنه عزل عن أهل الكوفة رجلا من آل أبي معيط، وأرسل إليهم رجلا ~~من بني أمية، وقد حذره عمر من أن يحمل أولئك وهؤلاء على رقاب الناس. وما من شك ~~في أن أهل الكوفة كانوا يعلمون بما تقدم فيه عمر إلى عثمان من ذلك. وهم بعد قد ~~عرفوا من أصحاب النبي نفرا صالحين رضوا عن سيرتهم وأحبوا حكمهم. وقد تبين لعثمان ~~أنهم ضاقوا بالوليد بن عقبة بعد سعد بن أبي وقاص، وقد كان خليقا أن يرسل إليهم ~~رجالا في منزلة سعد لا في منزلة الوليد. # وكان سعيد بن العاص فتى من فتيان بني أمية، معتدلا مستقيم الخلق، أبلى فأحسن ~~البلاء في فتح الشام، كما أبلى بنو أبيه فأحسنوا البلاء أيضا. وقد كان عثمان ~~يربيه ويرعاه قبل أن يستخلف. وسأل عنه عمر حين كان يتفقد قريشا فأنبئ بأنه عند ~~معاوية، وبأنه مريض مشرف على الموت، فأرسل إلى معاوية في أن يحمله إليه في رفق ~~وعناية. ولم يكد الفتى يبلغ المدينة حتى استرد قوة وصحة وعافية. وقد تلقاه عمر ~~لقاء حسنا، فرق له وعطف عليه، وما زال به حتى زوجه وجعله في مرتبة نظرائه من ~~شباب قريش وأشرافها. ولكنه على ذلك كان قريشيا أمويا قريب المكان من عثمان. ~~كان رجل صدق ما في ذلك شك، ولكنه كان يعتد بقريش عامة، وببني أمية خاصة. وقد ذهب ~~إلى الكوفة مصمما على أن يصلح ما أفسد الوليد، حتى قيلت في ذلك الأقاويل؛ فزعم ~~بعض القصاص أنه غسل المنبر تحرجا من آثام الوليد، وآذى بذلك بعض القرشيين. # والشيء المحقق هو أن أهل الكوفة ms096 قد أحسنوا استقباله ، وأحسن هو سياستهم أول الأمر، ~~فدرس شئون المصر من قريب، واختار سماره وذوي خاصته من بين السادة والقراء ~~الذين أغضبهم الوليد؛ ولكنه لم يقم في الكوفة إلا قليلا حتى بصر بحقيقة الأمر ~~وأنبأ بها عثمان، وكان فيما بعث إلى عثمان من ذلك تصوير دقيق لا لحال الكوفة ~~وحدها، بل لحال غيرها من الأمصار كذلك؛ فهو قد رأى أن الكوفة إنما تتعرض للفتنة ~~لسببين: أحدهما تضاؤل أصحاب السابقة وضعف أمرهم بمرور الزمن، وأصحاب السابقة هؤلاء ~~هم السادة الذين سبقوا إلى الفتح واستقروا في المصر حين مصر، وفيهم الشريف الذي ~~كانت له الرياسة في قومه، وفيهم القارئ الذي كانت له المكانة الدينية لاتصاله ~~بالنبي أو بأصحابه. وقد أخذ الموت ينتقص منهم في الحرب والسلم جميعا. # والآخر تزايد الطارئين والناشئين جميعا؛ فما أكثر الذين كانوا يطرءون على المصر من ~~هؤلاء الأعراب الذين يقبلون من تلقاء أنفسهم أو يرسلهم الخليفة مادة للجند! وما ~~أكثر الطارئين من هؤلاء الأسرى الذين كان الفاتحون يأخذونهم في المواقع ويقسمون ~~بينهم مع الغنيمة ويعودون معهم إلى المصر ليقيموا فيه! وما أكثر هذا الجيل الجديد ~~الذي كان يولد في المصر من الحرائر وأمهات الأولاد، ثم الذين كانوا يولدون من ~~أبناء الأحرار غير العرب ومن أبناء العبيد! وكل هذه الناشئة قد أخذت تنمو ويظهر ~~أمرها ويكون لها أثرها في حياة المصر. # فالطارئون من الأعراب والطارئون من الأعاجم والناشئون من أولئك وهؤلاء قد كثروا في ~~المصر حتى زحموا أهل السابقة، وكادوا يستأثرون من دونهم بالأمر. وكلهم حظه من ~~الجهل أكثر من حظه من العلم، ونصيبه من الغلظة والجفوة أعظم من نصيبه من الرقة ~~واللين. والأعراب يقبلون بما حفظوا من غلظهم وجفوتهم وعصبيتهم وجهلهم. والأسرى ~~يقبلون بما ورثوا من حضارتهم، وبما تستتبعه الحضارة في أعقاب أمرها من الضعف ~~والفساد، وبما تستتبعه الهزيمة والرق من انكسار النفوس وذلتها، وحسرتها على ما ~~مضى، وبأسها مما يقبل، وبغضها لسيدها وخوفها منه ومكرها به وكيدها له. والناشئون ~~بين أولئك وهؤلاء يأخذون بحظوظهم من أخلاق ms097 أولئك وهؤلاء، فتختلط الأمور عليهم، ~~ويكونون مصدرا لاختلاط الأمور على غيرهم من الناس. وبهذا كله تتعقد أمور السياسة ~~تعقدا شديدا، ويجد الأمراء والولاة أنفسهم أمام مشكلات كلما حلوا منها طرفا ~~نجم طرف آخر. # بشيء من هذا كتب سعيد إلى عثمان لينبئه بحقيقة الأمر في مصره، فتقدم إليه عثمان في ~~أن يؤثر الخير والعافية ما استطاع، وفي أن يجنب نفسه والناس الفتنة ما وجد إلى ذلك ~~سبيلا، وفي أن يقدم أصحاب السابقة وما يتصل بأسبابهم على غيرهم، ثم ينزل الناس ~~بعد ذلك منازلهم بالحق، لا يؤثر ولا يظلم ولا يجور. # ولكن عثمان شعر منذ ذلك الوقت بأن أمور الناس قد تغيرت، وبأن الفتنة قد أخذت تظهر، ~~وبأن الاحتياط من هذه الفتنة قد أصبح شيئا ليس منه بد. وقد خطب عثمان الناس في ~~المدينة، فأنبأهم من ذلك بما علم، وحذرهم الفتنة وخوفهم منها، واستشارهم فيما ~~تقدم فيه إلى سعيد من السيرة السياسية فأقروه عليه. لكنه اقترح أمرا خطيرا فرح ~~الناس من أهل المدينة به حين سمعوه، وابتهجوا له ابتهاجا عظيما، وظن هو أنه ~~سيصلح بعض ما فسد. ويجمع بعض ما انتشر، لكنه أدى إلى النتائج العكسية لما أراد ~~عثمان. وهذا الأمر الذي اقترحه هو أن ينقل إلى الناس فيئهم حيث أقاموا من بلاد ~~العرب؛ فلا يقيم في الأمصار إلا من كان له في الإقامة فيها أرب، ما عدا الجند ~~بالطبع. فليس من إقامتهم في الأمصار بد. # وقد دهش أهل المدينة حين سمعوا هذا الاقتراح من عثمان، فقالوا له: كيف تنقل إلينا ~~ما أفاء الله علينا من الأرض؟ قال عثمان - وهذا هو لب الاقتراح: نبيعها ممن شاء ~~بما كان له بالحجاز. ففرحوا وفتح الله عليهم به أمرا لم يكن في حسابهم، فافترقوا ~~وقد فرجها الله عنهم به. # 1 # معنى ذلك أن عثمان عرض على أهل الحجاز أولا ثم عمم ذلك في بلاد العرب ~~كلها فيما بعد، أن يستبدلوا بما كان لهم في العراق وفي الأقاليم من الأرض أرضا في ~~الحجاز أو في غيرها ms098 من بلاد العرب. فإذا فعلوا ذلك أقاموا في بلادهم لم ينتقلوا ~~عنها، وأقام معهم أهلهم وذوو أسبابهم، فخف الضغط على الأقاليم، وقلت هجرة ~~الأعراب إليها. وسيحتاج هؤلاء، الذين يشترون أرض الحجاز وبلاد العرب مكان أرض ~~الأقاليم، إلى كثير من الأيدي العاملة لاستصلاحها واستثمارها والقيام عليها، فيكثر ~~اجتلاب الرقيق والموالي إلى بلاد العرب، ويخفف الضغط على الأقاليم من هؤلاء ~~الأسارى الذين كانوا يطرءون على الأمصار في غير انقطاع. # وليس من الغريب أن يفرح الناس بذلك ويبتهجوا له؛ فأرض الحجاز أحب إلى أهل الحجاز من ~~أرض العراق، وأرض اليمن أحب إلى أهل اليمن من أرض الشام ومصر، هي منهم قريب، فهم ~~يستطيعون أن يقوموا عليها في غير مشقة ولا كلفة ولا احتياج إلى السفر القصير أو ~~الطويل، ولا إلى الهجرة من أرض الآباء والأجداد. # وقد كتب عثمان بذلك في الآفاق، ففتح على الناس بابا عظيما كان له أبعد الأثر في ~~حياتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعقلية جميعا. # ولنضرب لذلك بعض الأمثال: ففريق من كبار الصحابة كانوا يملكون كثيرا من المال ~~السائل والجامد في الحجاز، فما أسرع ما أنفقوا مالهم هذا سائله وجامده في شراء ~~الأرض في الأقاليم؛ لأنهم كانوا يعلمون أن أرض الأقاليم أخصب تربة وأكثر ثمرة ~~وأيسر استغلالا من أرض الحجاز؛ فطلحة بن عبيد الله كان قد جد واجتهد ودأب حتى ~~اشترى عامة أسهم خيبر من الذين شهدوا فتحها مع النبي أو من ورثتهم، فلما فتح ~~عثمان هذا الباب باع طلحة كل ما كان يملك من أسهم خيبر لأهل الحجاز ممن شهد فتح ~~العراق بما كانوا يملكون هناك. ثم كان له مال آخر كثير، فاشترى به من بعض أهل ~~الحجاز أرضهم في العراق، وباع هو نفسه أرضا كان يملكها في العراق بأرض كان هو ~~يملكها في الحجاز. وفعل الناس فعله، فكل من كره الهجرة من الحجاز ليقيم بأرضه في ~~الأقاليم باع أرضه تلك واشترى مكانها أرضا فيما يليه. ونشأ عن ذلك أولا أن ظهرت ~~الملكيات الضخمة في العراق وغيره من الأقاليم. فالذين ms099 استطاعوا أن ينتفعوا بهذا ~~الاقتراح إنما هم أصحاب الأموال الضخمة الذين كانوا يستطيعون أن يشتروا من أصحاب ~~الملكيات الصغيرة ما يملكون؛ فاشترى طلحة، واشترى الزبير، واشترى مروان بن الحكم. ~~وكثر النشاط المالي في ذلك العام من بيع وشراء واقتراض واستبدال ومضاربة. ثم لم ~~يقتصر ذلك على الحجاز والعراق، وإنما شمل بلاد العرب كلها من جهة، والأقاليم ~~المفتوحة كلها من جهة أخرى. وجدت الإقطاعات الكبيرة الضخمة، والضياع الواسعة ~~العريضة من جهة، وقام فيها العاملون من الرقيق والموالي والأحرار من جهة أخرى، ~~فظهرت في الإسلام طبقة جديدة من الناس: هي طبقة البلوتقراطية التي تمتاز إلى ~~أرستقراطيتها التي تأتيها من المولد بكثرة المال وضخامة الثراء وكثرة الأتباع ~~أيضا. # ونشأ عن ذلك ثانيا أن الذين اشتروا الأرض في بلاد العرب عامة وفي الحجاز خاصة قد ~~أرادوا أن يستغلوا أرضهم، فاجتلبوا الرقيق وأكثروا من اجتلابه. ولم يمض وقت طويل ~~حتى استحال الحجاز إلى جنة من أجمل جنات الأرض وأخصبها وأحسنها ثمرا وأعودها على ~~أهلها بالغنى وما يستتبع الغنى من الترف والفراغ. وما هي إلا أن تنشأ في الحجاز ~~نفسه، في مكة والمدينة والطائف، طبقة من هذه الأرستقراطية الفارغة التي لا تعمل ~~شيئا، وإنما يعمل لها ما جلبت من الرقيق، والتي تنفق وقتها في فنون اللهو والعبث ~~والمجون. # ونشأ عن هذا بعد ذلك أن جلبت الحضارة جلبا إلى الحجاز وغيره من بلاد العرب؛ فكان ~~الترف والتبطل، وكانت الفنون التي تنشأ عن الترف والتبطل، فكان الغناء والإيقاع ~~والرقص والشعر الذي لا يصور جدا ولا نشاطا، وإنما يصور بطالة وفراغا وتهالكا ~~من أجل ذلك على اللذة أو عكوفا من أجل ذلك على النفس وتعمقا لما ينتابها من ~~الهمم. وإلى جانب هذه الطبقة الأرستقراطية الفارغة عاش الرقيق الذين كانوا يملكون ~~سادتهم ويدبرون حياتهم. وما يكون في هذه الحياة من النشاط الباطل وما يكون فيها من ~~العواطف والأهواء. ثم إلى جانب السادة الأرقاء، والأرقاء السادة، عاشت طبقة أخرى ~~من العرب البادين المحرومين لم تملك قط أرضا في الحجاز لتبيعها بأرض ms100 في العراق، ~~ولم تملك قط أرضا في العراق لتشتري بها أرضا في الحجاز. # ولم يخطر لعثمان رحمه الله حين فكر في هذا الاقتراح أو فكر له فيه خاصته ومشيروه، ~~شيء من هذه النتائج البعيدة، وإنما رأى شرا فأراد حسمه، أراد أن يخفف الهجرة على ~~الأمصار، ويمسك الأعراب في بلادهم، ويجلب الأسرى والرقيق إلى بلاد العرب، ويستخلص ~~لأهل الحجاز من أصحاب الملكيات الصغيرة في الأقاليم ما لهم ليشتروا به الأرض التي ~~تليهم ويقوموا عليها من قريب. ولكنه لم يبلغ من ذلك ما أراد، وإنما أضاف شرا إلى ~~شر وفسادا إلى فساد. فلست أدري أوفق لصرف الأعراب عن الهجرة إلى الأمصار أو ~~لوقف هذه الهجرة وقتا ما، أم لم يوفق؛ فالتاريخ لا يحدثنا بشيء من ذلك. بل أنا ~~أشك في أن التاريخ قد فطن لما أراد عثمان ومشيروه بهذا الانقلاب الخطير في الحياة ~~الاقتصادية للمسلمين. وما أشك في أنه لم يوفق في تخفيف الضغط على الأمصار من هؤلاء ~~الرقيق والأسارى الذين كان عددهم يزداد من حين إلى حين؛ لأن الفتوح لم تقف أيام ~~عثمان، وإنما مضت في طريقها عازمة حازمة غير مترددة كما سنرى، ولأن أربعة أخماس ~~الغنائم كانت تقسم بين الفاتحين، وهؤلاء الفاتحون مستقرون في أمصارهم لا يخرج ~~أحدهم إلى الثغر الذي يليه إلا مرة كل أربعة أعوام، ولا يقيم في الثغر إلا ستة ~~أشهر أو أقل منها قليلا أو أكثر منها قليلا؛ فهذه الغنائم إذن وفيها الرقيق كانت ~~تثوب مع أصحابها إلى الأمصار، فكان عدد الرقيق في ازدياد متصل. ولم يكن بد من ذلك ~~إلا أن يوقف الفتح وتعيش الدولة في ظل سلم متصل، وهذا ما لم يتح لها أيام عثمان؛ ~~فقد كان التنافس شديدا بين ولاة الأمصار أيهم يكون أبعد من أصحابه أثرا في ~~الفتح. # وكان التنافس شديدا بين قواد الثغور أيهم يسبق صاحبه إلى لقاء العدو في هذا ~~الميدان أو ذاك، وإلى احتلال هذه المدينة أو تلك، وإلى احتياز الغنائم التي تملأ ~~يديه فتسر جنده من جهة، وتسر ms101 أميره على المصر من جهة أخرى، وتسر الخليفة ومن حوله ~~من أصحاب النبي في المدينة من جهة ثالثة. لم يستطع عثمان إذن أن يخفف ضغط ~~المستعربين والمغلوبين على الأمصار عامة وعلى المصرين العراقيين خاصة، ولم يتح ~~للذين باعوا أرضهم في الأمصار واشتروا بها أرضا في الحجاز، أن ينظموا أمورهم ~~ويجلبوا ما يحتاجون إليه من الأيدي العاملة، فيقل عدد الرقيق في الأمصار. فقد أحدث ~~عثمان هذا الانقلاب الاقتصادي سنة ثلاثين وقتل سنة خمس وثلاثين، واضطربت الأمور ~~بين هاتين السنتين فلم يؤت الانقلاب ثمرته التي كانت ترجى منه في هذا الوقت ~~القصير، وإنما آتى ثمره البغيض الخطير في أقصر وقت ممكن؛ لأن رءوس الأموال كانت ~~تنتظره في الحجاز متشوفة إليه متهالكة عليه. ولم يكن عمر حين احتبس قريشا في ~~المدينة قد احتبس أشخاصها فحسب، وإنما كان قد احتبس مع هؤلاء الأشخاص رءوس أموالهم ~~أيضا إلى حد بعيد. فهم كانوا يتجرون بين الحجاز والأقاليم تجارات عظيمة واسعة تغل ~~عليهم مالا كثيرا سائلا، ولكنهم لم يكونوا يستطيعون أن يستغلوا هذا المال ~~السائل الذي لم يكن سيله ينقطع، لم يكن من اليسير عليهم أن يوظفوه في الأعمال ~~الكبرى، كما يقول المحدثون. وإنما كان المال يجتمع إلى المال والنقد يضاف إلى ~~النقد، وكان الفقراء وأوساط الناس يرون ذلك فيعجبون له ويعجبون به، وقد تنطلق فيه ~~الألسنة فيضطر الأغنياء إلى أن يكفروا عن ثرائهم بالصدقات والعطاء، يبتغي الأخيار ~~منهم بهذا رضا الله ورضا الناس، ويتقي غيرهم بهذا ما يكون من الحسد والحقد في بعض ~~النفوس. # لم يمنع عمر إذن قريشا من أن تكسب المال؛ فلم يكن له إلى ذلك سبيل، ولكنه استيقن ~~أن الأغنياء يكسبون من المال أكثر مما ينبغي لهم أن يكسبوا؛ ولذلك قال في آخر ~~حياته: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لأخذت من الأغنياء فضول أموالهم فرددتها ~~على الفقراء.» وقد روي أن أهل المدينة أصبحوا ذات يوم فسمعوا رجة عظيمة، فسألت ~~عائشة عن هذه الرجة، فقيل لها: إنما هي عير لعبد الرحمن بن عوف ms102 قد أقبلت وعليها ~~تجارة له. قالت عائشة: أما إني سمعت رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يقول: «كأني بعبد الرحمن ~~بن عوف على الصراط يميل به مرة ويستقيم أخرى حتى يفلت ولم يكد.» فبلغ ذلك عبد ~~الرحمن بن عوف، فقال: هي وما عليها صدقة. قال الرواة: وكان ما عليها أفضل منها. ~~وكانت العير خمسمائة راحلة. # 2 # وتحدث ابن سعد عن سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي عن خالد بن يزيد بن أبي مالك عن ~~أبيه عن عطاء بن أبي رباح عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # أنه قال: «يابن عوف، إنك من الأغنياء، ولن تدخل الجنة إلا زحفا، فأقرض ~~الله يطلق لك قدميك. قال ابن عوف: وما الذي أقرض الله يا رسول الله؟ قال: تبدأ بما ~~أمسيت فيه. قال: أمن كله أجمع يا رسول الله؟ قال: نعم. قال: فخرج ابن عوف وهو ~~يهم بذلك، فأرسل إليه رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~. فقال: إن جبريل قال: مر ابن عوف ~~فليضف الضيف، وليطعم المسكين، وليعط السائل ويبدأ بمن يعول؛ فإنه إذا فعل ذلك كان ~~تزكية ما هو فيه.» # 3 # هذه كانت ثروة عبد الرحمن أيام النبي، وقد زادت أضعافا مضاعفة بعد النبي بالتثمير ~~والتوسع فيه من جهة، وبما أفاء الله على المسلمين من جهة أخرى. وقيل: إنه أوصى في ~~سبيل الله بخمسين ألف دينار ذهبا، وترك ميراثا عظيما، فكان له ألف بعير وثلاثة ~~آلاف شاة، وكان يزرع في الجرف على عشرين ناضحا. وترك أربع زوجات، فكان نصيب كل ~~واحدة منهن من الثمن يقوم بما بين الثمانين ألفا إلى مائة ألف. قال الرواة: ~~وترك عبد الرحمن ذهبا قطع بالفئوس حتى مجلت أيدي الرجال منه. ولم يكن عبد الرحمن ~~فذا في ذلك، وإنما كان أمره فيه كأمر غيره من كبار الصحابة وسادة قريش. فلما ~~أحدث عثمان هذا الانقلاب الاقتصادي أتاح لهؤلاء الأغنياء أن يوظفوا أموالهم، ~~فأصبحوا رجال مال وأعمال معا. وما هي إلا أن ms103 تنشأ الملكيات الضخمة كما قلنا، ~~ويحدث في أول صدر الإسلام ما حدث في آخر الجمهورية الرومانية من هذه ~~«اللاتيفونديا» التي أضاعت الجمهورية. فاللاتيفونديا التي أضاعت الجمهورية ~~الرومانية هي بعينها التي أضاعت الخلافة الإسلامية؛ ملكت قلة قليلة من الرومانيين ~~أرض إيطاليا، فانقطع الناس إليها وأصبحوا أحزابا وشيعا؛ وملكت قلة قليلة من ~~المسلمين أرض الأقاليم، فانقطع الناس إليها وانقسموا بينها شيعا وأحزابا. ونتيجة ~~هذا كله أن هذا النظام الذي استحدثه عثمان عن رأيه هو، أو عن رأي مشيريه، لم تكن ~~له نتائجه السياسية وحدها، من نشأة هذه الطبقة الغنية المسرفة في الغنى، التي ~~استهوت الناس وفرقتهم أحزابا وتنازعت السلطان فيما بينها بفضل هذه التفرقة. وإنما ~~كانت له نتائجه الاجتماعية أيضا؛ فقد بلغ نظام الطبقات غايته بحكم هذا الانقلاب، ~~فوجدت طبقة الأرستقراطية العليا ذات المولد والثراء الضخم والسلطان الواسع، ووجدت ~~طبقة البائسين الذين يعملون في الأرض ويقومون على مرافق هؤلاء السادة، ووجدت بين ~~هاتين الطبقتين المتباعدتين طبقة متوسطة هي طبقة العامة من العرب، الذين كانوا ~~يقيمون في الأمصار ويغيرون على العدو، ويحمون الثغور، ويذودون عمن وراءهم من الناس ~~وعما وراءهم من الثراء. وهذه الطبقة المتوسطة هي التي تنازعها الأغنياء ففرقوها ~~شيعا وأحزابا. والذي يتتبع تاريخ المسلمين يلاحظ أن الصراع الأول إنما كان بين ~~الأغنياء ثم بين هذه الطبقة الوسطى وهؤلاء الأغنياء. فأما الطبقة الثالثة؛ طبقة ~~العاملين في الأرض والقائمين على المرافق المختلفة، فلم يظهر أمرها إلا بعد ذلك، ~~ولها قصة أخرى. # فالفتنة إذن إنما كانت عربية، نشأت من تزاحم الأغنياء على الغنى والسلطان، ومن حسد ~~العامة العربية لهؤلاء الأغنياء. ولم يكد نظام عثمان هذا يذاع ويسرع الأغنياء إلى ~~الانتفاع به؛ حتى ظهر الشر، وظهر في الكوفة قبل أن يظهر في أي مصر آخر، وظهر في ~~مجلس سعيد بن العاص نفسه. وقد كان ذلك سنة ثلاث وثلاثين. فقد كان سعيد، كما قدمنا، ~~تخير وجوه الناس وقراءهم وذوي الصلاح منهم ليدخلوا عليه إذا لم يجلس للعامة، ~~وليسمروا عنده إذا كان الليل. فقال ذات يوم أو ms104 ذات ليلة: إنما السواد - سواد ~~الكوفة - بستان لقريش. فتغاضب القوم، وكانت كثرتهم من اليمانية، وردوا عليه في ~~ذلك ردا غليظا، وقالوا له: إنما السواد فيء أفاءه الله علينا، وما نصيب قريش ~~منه إلا كنصيب غيرها من المسلمين. وغضب صاحب شرطة سعيد؛ لأن القوم ردوا على الأمير ~~ردا غليظا، فزجرهم، فقاموا إليه فضربوه حتى أغمي عليه. فقطع سعيد سمره واحتجب ~~عن هؤلاء الناس، فلزموا مجالسهم وأنديتهم، وأطلقوا ألسنتهم في سعيد وفي عثمان وفي ~~قريش، وتسامع الناس بهم واجتمع بعض الناس إليهم. فكتب سعيد إلى عثمان ينبئه ~~بأمرهم، ويذكر أنه يخافهم أن يفتنوا الناس. فأجابه عثمان أن يسيرهم إلى الشام، ~~وكتب إلى معاوية يأمره بلقائهم واستصلاحهم. وزعم رواة آخرون أن سعيدا جلس للناس ~~وحضر مجلسه هؤلاء النفر من الوجوه والقراء، فتحدث الناس في جود طلحة بن عبيد ~~الله، فقال سعيد: من كان له ثراء طلحة ومثل ما يملك من الأرض خليق أن يكون جرادا، ~~ولو كان لي مثل ما لطلحة لأعشتكم في رغد. فقال غلام مضري من بني أسد: وددت لو كانت ~~للأمير أرض كذا على الفرات - وكانت هذه الأرض ملكا للدولة، فكانت إذن من فيء ~~المسلمين - فغضب هؤلاء النفر وزجروا الغلام وتقاول الناس، فقام هؤلاء النفر إلى ~~الغلام فضربوه وضربوا أباه حتى أغمي عليهما، فغضبت لذلك بنو أسد، وحاول سعيد أن ~~يرد الأمر إلى العافية فلم يفلح. وألح عليه أهل الكوفة في أن يخرج هؤلاء ~~الناس، فأخرجهم بأمر عثمان إلى الشام. # والشيء المهم هو أن سعيدا قد نفى هؤلاء الناس عن أرضهم. ولست أدري إلى أي حد يجوز ~~للأمير أن ينفي المسلمين من أرضهم سواء كان هذا النفي من عند نفسه أو بأمر من ~~الخليفة. فإخراج المسلمين عن أرضهم إنما يجوز إذا قامت البينة عليهم بأنهم حاربوا ~~الله ورسوله وسعوا في الأرض فسادا، فهنالك يجوز للإمام أن يقتلهم أو يصلبهم أو ~~يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفيهم من الأرض. # ولم تقم بينة على أن هؤلاء الناس من القراء والصالحين وأصحاب ms105 البلاء في الفتح، قد ~~حاربوا الله ورسوله أو سعوا في الأرض فسادا؛ فهم لم يخلعوا يدا من طاعة، ولم ~~ينكروا سلطان عثمان ولا سلطان واليه عليهم، وإنما كانوا يشهدون الصلاة مع هذا ~~الأمير ويؤدون ما عليهم من الحق. وكل ما يمكن أن يأخذوا به هو أنهم نقدوا سيرة ~~الأمير أو بعض قوله، وتجاوزوا حدهم، فضربوا ذاك الغلام أو ضربوا صاحب شرطة الأمير. ~~فأما نقدهم أعمال الأمير وأقواله فحق لهم لا ينازعهم فيه منازع، وكان الشيخان ~~يطلبانه إلى الناس قبل عثمان، فما ينبغي أن يعاقبوا عليه. وأما ضربهم الغلام أو ~~صاحب الشرطة فاعتداء يمكن أن يعاقبوا عليه بأيسر التعزير، باللوم أو بالسجن أو ~~بإقصاص الرجلين منهم، فأما نفيهم من الأرض فأمر عظيم. وقد قال قائلون في العصر ~~القديم: إن عمر قد نفى من المدينة نصر بن حجاج حين خاف منه الفتنة على النساء، ~~فجائز لعثمان أو لعامله أن ينفي هؤلاء النفر من الكوفة حين خاف منهم الفتنة على ~~المسلمين. ولكن نفي نصر بن حجاج لم يكن نفيا بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة، لم يكن ~~عقوبة. فنصر بن حجاج لم يقترف إثما، ولم يمنح قده ما منحه الله من الاعتدال، ولم ~~يسبغ على وجهه ما أسبغ الله من جمال، ولم يغر النساء بأن يتبعنه ويفتن به. وما ~~أرى إلا أن عمر حبب إليه الخروج من المدينة ودعاه إليه وأعانه عليه بالمال، ~~وتقدم إليه في ذلك بلهجته الحازمة التي تشبه العنف وليست عنفا، وليس كل الناس ~~قد رضي عن إزعاج عمر لهذا الفتى عن أرضه. وأعود فأقول إن عمر لم ينف هذا الفتى ولم ~~يعاقبه، وإنما أغراه بالخروج وأعانه عليه. # فأما سعيد فإنه لم يغر هؤلاء القوم بالخروج من الكوفة ولم يعنهم على ذلك، وإنما ~~أخرجهم من أرضهم بقوة السلطان، وأرسلهم إلى دار غربة لا يطمئنون إليها، ولا يسكنون ~~إلى أهلها، وأسلمهم هو أو أسلمهم عثمان إلى معاوية ليمسك عليهم حريتهم، وليستصلحهم ~~كما يرى استصلاحهم. فهو قد أخرجهم من مصرهم وأزعجهم عن أهلهم ونقلهم ms106 من ديوانهم ~~وسلبهم حريتهم، وليس له في ذلك حق قليل أو كثير. وقد يقال: إنه لم ينفهم من الأرض ~~بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة، فهو قد أخرجهم من دار إسلام إلى دار إسلام، والأرض ~~الإسلامية كلها دار للمسلمين كلهم. # ولكن الذين عاصروا عثمان من أصحاب النبي ومن التابعين أنكروا هذا التسيير على كل ~~حال، ورأوه نفيا لا يجوز. ومهما يقل القائلون فإن للإمام أن يعاقب، ولكن ليس له ~~أن يتجاوز بعقوبته حدود العرف المألوف. وسنرى أن ولاة عثمان أسرفوا على أنفسهم ~~وعلى إمامهم وعلى الناس بالنفي والتسيير. # وقد تلقى معاوية هؤلاء النفر فأنزلهم في كنيسة، وأجرى عليهم ما يقيم أودهم، وجعل ~~يسعى إليهم مرة ويدخلهم عليه مرة أخرى؛ يناظرهم ويؤامرهم ويعظهم فلا يبلغ منهم ~~شيئا. ناظرهم في فضل قريش على العرب، فلم يعرفوا لقريش على العرب فضلا. والإسلام ~~لا يعرف لقريش فضلا على العرب ولا على غيرهم من الناس، إلا أن يكون هذا الفضل هو ~~أن النبي قد بعث منهم. ولكن انبعاث النبي من قريش لا يبيح لها أن تتحكم في رقاب ~~الناس، ولا أن تمتاز من سائر المسلمين، كما جعلت تمتاز في أيام عثمان، وهو على كل ~~حال لا يبيح لأمير قرشي أن يقول: إنما السواد بستان لقريش. وناظرهم في الطاعة ~~للإمام وولاته فلم يبلغ منهم شيئا؛ لأنهم لم ينكروا الطاعة للإمام ما أقام العدل ~~وأمضى الحق وأحيا السنة وأمات البدعة، وإنما أنكروا طاعة الإمام وولاته إن جاروا ~~عن القصد وانحرفوا عن الطريق. وناظرهم في نفسه فلم يبلغ منهم شيئا، أنكروا عليه ~~أن يعظهم وأن يسير فيهم سيرة الأمير، وطلبوا إليه أن يعتزل الإمارة ليليها من هو ~~أقدم منه بالإسلام عهدا، وأكرم منه أبا، وأجدر منه أن يقيم حدود الإسلام. # ويظهر أن معاوية لم يستيئس من إصلاح هؤلاء النفر فحسب، وإنما خافهم أيضا على أهل ~~الشام. وكان معاوية كثير الخوف على أهل الشام، فكتب إلى عثمان يستعفيه من إقامتهم ~~عنده، فأعفاه، وتقدم إليه في أن يردهم إلى مصرهم، فلم يكادوا ms107 يعودون إلى الكوفة ~~حتى أطلقوا ألسنتهم في سعيد وفي معاوية وفي عثمان، وحتى انتشرت دعوتهم شيئا ما. ~~فأعاد سعيد الكتابة إلى عثمان يستعفيه من إقامة هؤلاء الناس في مصرهم، فأعفاه ~~عثمان وأمره أن ينفيهم مرة أخرى إلى الجزيرة عند عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، ~~وكان أميرا لمعاوية على حمص والجزيرة. فأرسلوا إلى عبد الرحمن، وتلقاهم أشد لقاء ~~وأعنفه، وجعل يسومهم الخسف، ويعظم لهم أمر نفسه وأمر أبيه وأمر قريش، لا بالمناظرة ~~والحجاج، بل بالقول الغليظ، والسيرة التي هي أغلظ من القول. وجعل لا يركب إلا ~~أمشاهم حول ركابه، يؤنبهم ويزجرهم ويذلهم ويجعلهم للناس نكالا؛ فلما شق عليهم ذلك ~~أظهروا الطاعة وأعلنوا التوبة واستقالوه، فأقال عثرتهم، وأرسل الأشتر واحدا منهم ~~بتوبتهم وطاعتهم إلى عثمان، وأقبل الأشتر على عثمان فقال له وسمع منه. وأذن له ~~عثمان في أن ينزل من الأرض حيث يشاء، فآثر الرجوع إلى أصحابه والإقامة عند عبد ~~الرحمن. ولكن هذه الإقامة لم تطل؛ فقدم سعيد على عثمان واستخلف على الكوفة، فوثب ~~أصحاب المنفيين أو المسيرين وأجمعوا أمرهم أن يحولوا بين سعيد وبين الرجوع ~~إليهم، وكتبوا إلى أصحابهم يستقدمونهم فأقبلوا مسرعين حتى بلغوا الكوفة، وأقسموا ~~لا يدخلها عليهم سعيد ما حملوا سيوفهم، ثم خرجوا في جمع منهم يقودهم الأشتر حتى ~~بلغوا الجرعة، فانتظروا سعيدا حتى ردوه، وأكرهوا عثمان على أن يعزله عنهم ويولي ~~عليهم غيره، واختاروا أبا موسى الأشعري، فلم يجد عثمان بدا من توليته عليهم. ~~وكذلك أكره على أن يعزل عامله على الكوفة مرتين: عزل الوليد لأنه لها وعبث واستعلى ~~وشرب الخمر، وعزل سعيدا لأنه اشتد وقسا وأسرف في تمييز قريش. ولم يقترح عليه أهل ~~الكوفة أحدا حين عزل الوليد، فولى عليهم سعيدا، فلما أكرهوه على عزل سعيد لم ~~يتركوا له اختيار الأمير، وإنما اختاروه هم، واختاروا رجلا من أصحاب النبي وهو ~~إلى ذلك يمان، فولى أمرهم أبو موسى الأشعري، وثابوا إلى شيء من الاستقرار، ~~ولكنه استقرار لم يدم إلا قليلا. # | الفصل التاسع # وكان أبو موسى الأشعري عامل ms108 عمر على البصرة، فأقره عليها عثمان أعواما، يقول بعض ~~الرواة إنها ثلاثة، ويقول أكثرهم إنها ستة. والكثرة من أهل البصرة مضرية، وفيهم ~~ربعيون كثيرون، وفيهم قلة يمانية. ولأمر ما أحب عمر أن يولي رجلا من اليمن على ~~البصرة وكثرة أهلها مضرية، وأن يولي ثقفيا هو المغيرة بن شعبة على الكوفة وكثرة ~~أهلها يمانية، وأن يولي قرشيين مضريين على الشام ومصر، وكثرة العرب فيهما يمانية ~~أيضا؛ يريد بذلك في أكبر الظن أن يقاوم العصبية حتى يزيلها، فيخالف بين عصبية ~~الولاة وعصبية الرعية. وقد استقامت أمور البصرة في عهد أبي موسى أيام عثمان ~~أعواما، لم ينكر أهلها شيئا من أميرهم ولم ينكر الأمير شيئا من رعيته. وكان أبو ~~موسى رجلا من أصحاب النبي مقدما فيهم، كريم السيرة جميل الهدي ممعنا في ~~الفتح. ولكن العصبية ظهرت أيام عثمان، وجعل كل حي من أحياء العرب ينظر إلى نفسه ~~وإلى حظه. نظرت قريش وقرابة عثمان خاصة، فإذا ثلاث من الولايات الأربع الكبرى ~~يليها أمراء من قريش: الوليد بن عقبة في الكوفة وبعده سعيد، ومعاوية بن أبي سفيان ~~في الشام، وعمرو بن العاص في مصر وبعده عبد الله بن سعد بن أبي سرح. # فلم يبق إلا مصر واحد من هذه الأمصار الكبرى لم يل أمره أموي ولا قرشي ~~ولا مضري، وإنما وليه رجل من أهل اليمن. فكان مركز أبي موسى بين هؤلاء الولاة ~~غريبا شاذا، هو اليمني الوحيد الذي يلي مصرا ذا خطر، ومصرا كثرة أهله مضرية. ~~وما من شك في أن قريشا تنبهت لذلك، وتنبهت له قرابة عثمان، وتنبهت له المضرية ~~نفسها في البصرة. فيقول بعض الرواة: إن رجلا مضريا من بني ضبة، هو غيلان بن ~~خرشة الضبي، خرج إلى عثمان بن عفان فقال: أما لكم صغير فتستشبوه فتولوه ~~البصرة؟ حتى متى يلي هذا الشيخ البصرة؟ يعني أبا موسى، كان وليها بعد موت عمر ست ~~سنين، فعزله عثمان. ويقول آخرون: إن بعض الكور المفتوحة انتقضت على أبي موسى، فخطب ~~الناس فرغبهم في الجهاد وحبب إليهم ms109 أن يسعوا إلى عدوهم راجلين. فقبل بعضهم، وتلبث ~~بعضهم حتى يرى ما يصنع الأمير. فلما خرج أبو موسى نظر الناس فإذا هو راكب وقد حمل ~~أثقاله على أربعين من البغال، فأقبلوا عليه فقالوا له: احملنا على هذا الفضول؛ ~~فزجر الناس حتى ارتدوا عنه، ولكنهم أرسلوا وفدا إلى عثمان يستعفيه من أبي موسى. ~~فلما سألهم عمن يحبون لم يقترحوا أحدا، وإنما قالوا: من شئت فوله؛ فإن في أي ~~الناس اخترته عوضا منه. وقالوا: ما كل ما نعلم نحب أن نقول! واتهموا أبا موسى ~~بأنه يأكل أرضهم ويطعم رهطه من الأشعريين، فعزله عثمان، واختار لولاية البصرة ابن ~~خاله عبد الله بن عامر بن كريز، فدخل البصرة واليا عليها وهو ابن خمس وعشرين سنة. # وبلغ أبا موسى تولية هذا الفتى فلم يحرج صدره لذلك، وإنما قال للناس: «يأتيكم غلام ~~خراج ولاج كريم الجدات والخالات والعمات يجمع له الجندان.» # 1 # ولم يخطئ الشيخ؛ فقد كان عبد الله بن عامر فتى من فتيان قريش خراجا ولاجا، ذا ~~حزم وعزم وقوة وبأس ونفوذ من المشكلات. شغل نفسه وشغل الناس معه بالفتح، ونافس فيه ~~سعيد بن العاص فسبقه، وسار في الناس سيرة جد وكرم ومضاء، فلم يلق من أهل البصرة ~~ما لقي الوليد وسعيد من أهل الكوفة، وما لقي عبد الله بن سعد بن أبي سرح من أهل ~~مصر. ومصدر ذلك في أكبر الظن سيرته وحزمه وبعد رأيه من جهة، وأن الكثرة الكثيرة ~~من رعيته كانت مضرية يلي أمرها مضري، فلم ينكروا ولم يشكوا. ومع ذلك لم يسلم ~~مصر عبد الله بن عامر من بعض الشر. وآية ذلك أن فريقا من أهل البصرة شاركوا في ~~الخروج على عثمان وكانوا أقل من غيرهم. ولكن هذا يدل على أن المصر لم يكن كله ~~راضيا لا عن عثمان ولا عن واليه. ولم تخل البصرة من بعض ما شكت منه الكوفة؛ فقد ~~سير بعض أهلها إلى الشام كما سير إلى الشام بعض أهل الكوفة. ولكن تسيير من سير من ~~أهل البصرة ms110 كان ظلما صارخا أخذ فيه بالظنة، ولم يلبث معاوية أن تبين ما فيه من ~~جور. فقد سعى ساع إلى عبد الله بن عامر بأن عامر بن عبد القيس يخالف المسلمين في ~~أمور أحلها الله لهم؛ فهو لا يأكل اللحم، ولا يرى الزواج، ولا يشهد الجمعة. وكتب ~~فيه عبد الله بن عامر إلى عثمان، فقد قال بعض الرواة: إن عثمان استقدمه إلى ~~المدينة، فلما تبين أنه مكذوب عليه رده إلى مصره موفورا. وقال آخرون: إن عثمان ~~كتب إلى عامله على البصرة أن يسيره إلى معاوية، فلما أدخل على معاوية وجد عنده ~~طعاما فشارك فيه حين دعي إليه، ورآه معاوية يأكل اللحم فتبين الكذب عليه، ~~وامتحنه فيما اتهم به، فقال: إنه أمسك عن أكل اللحم من ذبائح القصابين منذ رأى ~~قصابا يعنف بشاة في ذبحها، وأنه يشهد الجمعة في مؤخر المسجد ويخرج في أول الناس، ~~وأنه أخرج من البصرة حين كان يخطب عليه لتزويجه، فأراد معاوية أن يرده إلى مصره، ~~ولكنه أبى أن يعود إلى بلد يستحل أهله الوشاية والسعاية والنفي، فأقام بالشام، ~~ومضى في زهده ونسكه. وأحبه معاوية، فكان لا يراه إلا سأله عن حاجته، فيجيب: لا ~~حاجة لي. فلما أكثر عليه معاوية، قال له عامر: اردد علي بعض حر البصرة؛ فإن ~~الصوم يخف علي في بلدكم. وما أرى أن عثمان قد أتيح له وال استطاع أن يكفيه من ~~قبله من الناس إلا عبد الله بن عامر في البصرة ومعاوية في الشام. # فلندع العراق بعد أن رأينا من أمر مصريه ما رأينا، ولننتقل إلى الشام بعد أن نلاحظ ~~أن الناس لم ينقموا من عبد الله بن عامر إلا قرابته من عثمان وحداثة سنه، وأنه جاء ~~بعد أبي موسى، وأنه سار في الناس سيرة قرشية لعلها لم تكن تلائم هدي أصحاب النبي، ~~ولكنها لاءمت عصبية المضريين وطموحهم إلى الفتح وشرههم إلى الغنيمة. # وكأن عبد الله بن عامر قد كان يعرف ما ينقم الناس من أمر توليته، فحرص على أن يبين ~~للناقمين أنه ms111 كان للولاية أهلا بها وجديرا. ولعله أسرف بعض الإسراف في أمور ~~الدين، فقد قيل: إنه أمعن في الفتح وبلغ منه ما أراده مرة. فقيل له: لم يبلغ أحد ~~من الفتح ما بلغت. فقال: لا جرم، لأجعلن شكري لله على ذلك أن أحرم بالعمرة من حيث ~~انتهيت. ولامه عثمان على أن أحرم من أعماق فارس على حين أن للإحرام أماكن معلومة ~~لا يحرم قبلها إلا مسرف على نفسه. وهذه القصة نفسها تدل على مقدار ما كان عبد الله ~~بن عامر يبذل من الجهد ليحمد الناس سيرته في الدين والدنيا جميعا. # | الفصل العاشر # وكان معاوية أعظم الولاة حظا من كل شيء أيام عثمان، وكان واليا لعمر على دمشق، ~~فلما مات أخوه يزيد بن أبي سفيان وكان والي عمر على الأردن، ضم عمر إلى معاوية عمل ~~أخيه، وشكر ذلك له أبو سفيان: ولكن عمر لم يحاب معاوية ولم يرد أن يعزي أبا ~~سفيان عن موت ابنه بضم عمله إلى أخيه، وإنما رضي عن معاوية ورأى فيه كفاية وعزما ~~وحزما، فاستكفاه الأردن فكفاه، وقد مات عمر ومعاوية على هذين الجندين، فأقره ~~عثمان عليهما، كما أقر عمال عمر جميعا عامه الأول. ولكن عبد الرحمن بن علقمة ~~الكناني عامل عمر على فلسطين يموت، فيضم عثمان فلسطين إلى معاوية، ثم يمرض عمير بن ~~سعد الأنصاري عامل عمر على حمص ويستعفي عثمان من عمله، فيعفيه ويضم حمص إلى ~~معاوية، فتخلص له أرض الشام كلها، ويصبح أعظم العمال خطرا وأعلاهم قدرا أيام ~~عثمان، فهو قد اجتمعت له الأجناد الأربعة، وأصبح بحكم مركزه الجغرافي قويا إلى ~~حد غير مألوف. وقد وقعت ولايته بين الحجاز وفيه أمير المؤمنين ومركز الخلافة، ~~ومصر، وهي والولاية التي تكاد تداني ولايته قوة وبأسا وإن زادت عليها خصبا ~~وثراء. وهو على ساحل بحر الروم وعلى حدود الروم أيضا يستطيع إن شاء أن يستمد ~~الخليفة، ويستطيع إن شاء أن يمد الخليفة، ويستطيع كذلك أن يستمد مصر ويمدها. ثم ~~أمامه بابان عظيمان من أبواب الجهاد: البحر من جهة، ms112 وثغور الروم في البر من جهة ~~أخرى . فهو يستطيع أن يرفع شأن الدولة ويرفع شأن نفسه، وأن يعلي كلمة الإسلام، ~~ويبني لنفسه مجدا لا يستطيع أحد من العمال أن يطاوله. # وقد طال عهد معاوية بالشام، فعرفه أثناء خلافة عمر كلها وأيام خلافة عثمان كلها، ~~وقد أحب أهل الشام وأحبه أهل الشام ورضي عنه الخليفتان جميعا، وأصبح لطول ولايته ~~وحسن مدخله إلى نفوس رعيته أشبه بالملك منه بالوالي. فليس تاريخ الخلافة يعرف ~~واليا أتيح له من طول الولاية واتصالها واستقرارها وتدرجها في الاتساع مثل ما ~~أتيح لمعاوية. وليس غريبا أن يرضى معاوية عن نفسه وحظه حين يرى العمال من حوله ~~يعزلون بين حين وحين أثناء خلافة عمر وعثمان، ويرى نفسه مستقرا لا يريم، ~~والولايات تضم إليه واحدة في إثر الأخرى. ولو قد كان معاوية مقصرا في عمله أو ~~جائرا على رعيته لما أقره عمر ولا أعفاه من العزل، بل من العقوبة إن اقتضى ~~الأمر أن يعاقب. وأكبر الظن أنه لم يغير سيرته في أهل الشام بعد وفاة عمر ~~واستخلاف عثمان. رضي عن سيرته حين كان الخليفة متشددا متحرجا، فلم ير بالإقامة ~~عليها بأسا حين أصبح الخليفة هينا لينا سمحا. ولهذا لم يشارك أهل الشام فيما ~~شارك فيه أهل الأمصار الأخرى من اتهام عمالهم والتشهير بهم والخلاف على عثمان. ~~فالذين حاصروا عثمان وفدوا من الكوفة والبصرة ومصر ولم يكن بينهم شامي واحد. ولهذا ~~أيضا كان عثمان إذا أراد أن يسير أحدا من المخالفين عليه والمنكرين على عماله ~~نفاه إلى الشام؛ لا يستثني من ذلك أهل المدينة أنفسهم. فسترى أنه حين ضاق بأبي ~~ذر أمره أن يلحق بديوانه في الشام، وكان أبو ذر قد خرج إلى الشام غازيا فكتب ~~اسمه في الديوان هناك، فرده عثمان إلى الشام خوفا على أهل المدينة من لسانه أو من ~~عودته. فقد كان حزم معاوية إذن هو الملجأ الذي كان عثمان يلجأ إليه إذا أراد تأديب ~~الذين يسرفون عليه وعلى عماله في المعارضة. ويجب أن نعترف بأن معاوية ms113 كان حازما ~~حتى على عثمان نفسه، فهو قد كان يتلقى المنفيين الذين يرسلهم إليه ويحاول إصلاحهم، ~~فإذا أعياه ذلك طلب إلى عثمان أن يعفيه من نزولهم عليه، ولم يكن عثمان يرد له ~~طلبا. # ولم يقصر معاوية في انتهاز ما أتيح له من حظ؛ فهو لم يقم في الشام وادعا مطمئنا ~~يدبر أمر ولايته ولا يزيد على ذلك، وإنما كانت نفسه تنازعه إلى الفتوح نزاعا ~~شديدا، وكان في أيام عمر أشبه شيء بالفرس الذي يعض شكيمته تحرقا إلى العدو، ~~ولكن عمر كان يمسكه ويأبى عليه. وكان البحر يدعو معاوية دعاء ملحا، وكان معاوية ~~يتوسل إلى عمر في أن يغزيه البحر، فيشتد عمر في رفض ما كان يطلب إليه، حتى حذره ~~مرة من أن يعود إليه بحديث البحر، فلما استخلف عثمان طلب إليه معاوية ما كان يطلب ~~إلى عمر، فأذن له على ألا يختار هو الغزاة ولا يقرع بين الجند بل يخير الناس، فمن ~~اختار منهم غزو البحر قبله وأعانه، ومن لم يختر أقام من أمره على عافية. وما هي ~~إلا أن يتخذ معاوية أسطولا ويغزو في البحر خمسين غزاة أو أكثر، فيثير ذلك غيرة ~~الوالي على مصر عبد الله بن سعد بن أبي سرح، فيصنع صنيع معاوية؛ حتى يقول ~~المؤرخون: إن معاوية غزا قبرص من الشام وغزاها ابن أبي سرح من مصر، فالتقى الجيشان ~~في الجزيرة. # وكانت إلى معاوية حماية الثغور البرية مما يلي بلاد الروم، فكان يغير على العدو في ~~الشتاء والصيف. وكان هذا كله يتيح له من الغنائم والفيء ما يسر الجيش ويسر بيت ~~المال. # وليس من شك في أن عثمان هو الذي مهد لمعاوية ما أتيح له من نقل الخلافة ذات يوم إلى ~~آل أبي سفيان وتثبيتها في بني أمية. فعثمان هو الذي وسع على معاوية في الولاية، ~~فضم إليه فلسطين وحمص، وأنشأ له وحدة شامية بعيدة الأرجاء، وجمع له قيادة الأجناد ~~الأربعة، فكانت جيوشه أقوى جيوش المسلمين. ثم مد له في الولاية أثناء خلافته كلها ~~كما فعل ms114 عمر، وأطلق يده في أمور الشام أكثر مما أطلقها عمر. فلما كانت الفتنة نظر ~~معاوية فإذا هو أبعد الأمراء بالولاية عهدا وأقواهم جندا وأملكهم لقلب رعيته. # وقد كان عثمان يستطيع، لو أراد أن يحتفظ بسيرة عمر، أن يقر معاوية على دمشق ~~والأردن، ويحتفظ بحمص وفلسطين ولايتين تتبعان المدينة مباشرة. ولو قد فعل ذلك ~~لاحتفظ بسيرة عمر أولا، ولأتاح للنابهين من شيوخ الصحابة وشباب العرب أعمالا ~~تحول بينهم وبين الفراغ وتحول بينهم وبين السخط، وتحول بينهم وبين الغضب والثورة ~~أو التحريض على الثورة. ولو قد فعل ذلك لحال بين معاوية وبين ما أقدم عليه من ~~الاستئثار حين أضرمت نار الفتنة، ولأتاح المسلمين أن يحتفظوا بالأمر شورى بينهم؛ ~~ولكن هذا الملك الضخم الواسع المتصل مكن لمعاوية في الأرض، ويسر له أن يرسل إلى ~~مصر من يقطعها عن عاصمة الخلافة، وأن يرسل إلى الحجاز ثم إلى بلاد العرب من ~~يحتازها من دون علي، وأن ينظر علي ذات يوم فإذا معاوية قد استأثر من دونه بخير ~~ما في الدولة من الأمصار والأقاليم. وليس لذلك مصدر إلا مهارة معاوية أولا، ~~وضخامة ولايته ثانيا. # | الفصل الحادي عشر # فإذا تركنا الشام ومضينا نحو الغرب انتهينا إلى مصر. وكان عمر قد ترك عمرو بن العاص ~~واليا عليها، فأقره عثمان كما أقر غيره من عمال عمر وقتا ما. ولكن العام الأول ~~من ولاية عثمان لم يكد ينقضي حتى جعلت قرابة عثمان تنظر إلى مصر نظرة لا تخلو من ~~طمع فيها وطموح إليها. والناس يختلفون في عزل عمرو عن مصر وتولية عبد الله بن سعد ~~بن أبي سرح عليها: فقوم يزعمون أن المصريين شكوا عمرا إلى عثمان فعزله عنهم، ~~وآخرون يزعمون أن عمرا لم يعزل لسخط المصريين عليه أو ضيقهم به، وإنما هو الكيد ~~عزل أميرا وولى مكانه أميرا آخر. والشيء البين من أحاديث الرواة هو أن عثمان كان ~~يرشح عبد الله بن سعد بن أبي سرح أخاه من الرضاعة لأمر عظيم. فهم يقولون: إن عمرا ~~كان قد أغار على ms115 إفريقية فأصاب شيئا من غنيمة ثم رجع . فكان من الطبيعي أن يخلي ~~عثمان بين واليه على مصر وبين ما قبله من الثغور يغير عليها إغارة استطلاع ~~ثم إغارة فتح، كما كان الشأن بالقياس إلى غيره من العمال في الكوفة والبصرة ~~والشام. ولكن عثمان كف عمرا عن هذا الغزو، وأرسل إلى إفريقية جيشا لا يذعن ~~لسلطان الوالي في مصر، وإنما يتصل مباشرة بالمدينة متخطيا عمرا على غير المألوف، ~~وأمر عثمان على هذا الجيش عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وقال له: إن فتحت عليك ~~إفريقية فلك خمس الخمس من الغنيمة. # وطبيعي أن يغضب لذلك عمرو بن العاص؛ لأن عثمان خس به عن نظرائه من العمال. فلم ~~يكن عثمان يرسل الجيوش من قبله مباشرة إلى الثغور، وإنما كان ذلك إلى العمال، يغزو ~~معاوية الروم ويغزو عامل البصرة والكوفة بلاد الفرس، يؤامرون الخليفة في ذلك، ولكن ~~لهم الرياسة والإشراف، لا يتخطون ولا يفتات عليهم. # وقد احتفل عثمان لفتح إفريقية، فرمى عبد الله بن سعد بن أبي سرح بالرجال وسرح معه ~~نفرا من أصحاب النبي وجماعة من شباب قريش وعددا غير قليل من الأنصار، وأمره إذا ~~فرغ من إفريقية أن يرسل فريقا من جيشه لغزو الأندلس من قبل البحر. وقد أتيح لابن ~~أبي سرح فتح إفريقية، وأتيحت له غنائم كثيرة قسمها بين الناس، وأخذ لنفسه خمس ~~الخمس وأرسل سائره إلى عثمان. وقيل: إن مروان بن الحكم اشترى خمس الخمس بمائة ألف ~~دينار أو مائتي ألف، وأدى بعض الثمن ووهب له عثمان سائره. قال الرواة: فسخط ~~الجيش لما آثر عثمان به عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وأرسلوا إلى عثمان وفدا ~~يراجعه في ذلك. فقال لهم عثمان: أنا نفلته ما أخذ، فإن أقررتموه فذاك، وإن سخطتم ~~فهو رد. قال القوم: قد سخطنا. قال عثمان: فهو رد إذن. قال القوم: فاعزله عنا، ~~فلن تحسن الصلة بينه وبيننا بعد الذي كان. فأجابهم عثمان إلى ما أرادوا، وكتب إلى ~~عبد الله يأمره برد ما أخذ ويعزله ms116 عن إفريقية. وعاد عبد الله بعد ذلك إلى مصر وفي ~~نفسه شيء من الحسرة وخيبة الأمل، فقد فتح الله على يديه إقليما ذا خطر، ثم رد ~~هو عن هذا الإقليم الذي فتحه، ولم يتح له حتى أن يحتفظ بالنفل الذي نفله عثمان ~~إياه. وما من شك في أن قرابة عثمان غضبت لعبد الله بن سعد، وأبت إلا أن تعوضه ~~مما فقد خيرا منه، فما زالت بعثمان حتى ولاه خراج مصر، وترك لعمرو صلاتها ~~وحربها. ولم يكن بد من أن يكون الخلاف بين هذين العاملين. فجائز أن يكون عمرو قد ~~أغرى بعبد الله وحرض عليه حتى استرد الخليفة منه ما قد نفله وعزله عن إفريقية. ~~ومهما يكن من شيء، فقد ثار الخلاف بين الرجلين، فكتب عبد الله إلى عثمان أن عمرا ~~قد كسر علي الخراج. وكتب عمرو إلى عثمان أن عبد الله قد أفسد علي حيلة الحرب. ~~وكان عثمان خليقا أن يدعو عبد الله إلى المدينة ويترك لعمرو ولاية مصر؛ فقد مات ~~عمر وهو راض عن ولايته. فإذا لم يكن بد من التغيير فقد كان عثمان خليقا أن يعزل ~~الرجلين جميعا ويجعل أمور مصر إلى غيرهما من قريش أو من غير قريش. كان ذلك أحرى ~~أن يخفف من حفيظة عمرو، وأن يؤجل انقسام قريش. ولكن عثمان عزل عمرا وجمع لعبد ~~الله صلاة مصر وحربها إلى ما كان يلي من الخراج، فاتخذ لنفسه من عمرو عدوا. # ثم لم يقف أمر عثمان مع عمرو عند هذا الحد؛ فقد اتهمه في أمانته معرضا مرة ~~ومصرحا مرة أخرى. دخل عليه عمرو ذات يوم وعليه جبة محشوة، فقال له عثمان: ما حشو ~~جبتك؟ قال: حشوها عمرو. قال عثمان: ما عن هذا سألتك فقد علمت أنك فيها، إنما سألتك ~~أحشوها قطن أم غيره؟ # وأرسل عبد الله بن سعد بن أبي سرح إلى عثمان من مصر مالا كثيرا، فدخل عمرو على ~~عثمان حين وافى هذا المال، فقال له عثمان: هل تعلم أن تلك اللقاح قد درت بعدك يا ms117 ~~عمرو؟ قال عمرو: وقد هلكت فصالها. أراد عثمان أن عمرا كان يحتجن المال من دونه. ~~وأراد عمرو أن عامل عثمان يكلف أهل مصر فوق ما يطيقون. # ولم يكن عبد الله بن سعد بن أبي سرح رجل صدق، ولم يكن المسلمون يرضون عنه؛ فهو كان ~~من الذين اشتدوا على النبي وأسرفوا في السخر منه، وقد نزل القرآن بكفره وذمه. فقد ~~كان عبد الله يقول ساخرا من القرآن: سأنزل مثل ما أنزل الله. # وقد أهدر النبي دم عبد الله بن سعد بن أبي سرح يوم الفتح، ولكن عثمان جاء به مسلما ~~إلى النبي، فلم يجد النبي عليه سبيلا. وما من شك في أن سيرة عبد الله في مصر لم ~~تكن رضا لأهلها؛ فهو كان يكلفهم فوق ما يطيقون، كما عرض بذلك عمرو بن العاص. ~~وهو كان في أكبر الظن يظهر من الغطرسة والكبرياء على غير قريش من عرب مصر ما ~~أحفظهم وأضجرهم، حتى شكوه إلى عثمان، وحتى كتب إليه عثمان ينذره ويأمره أن ~~ينزع عما تكره الرعية، فلم يحفل بذلك، وإنما عاقب الذين شكوه وضرب منهم رجلا حتى قتله # 1 # هنالك لم يغضب المصريون وحدهم، وإنما غضب معهم أصحاب النبي، واشتدوا ~~على عثمان في ذلك حتى عزله، وكتب بعهد مصر لمحمد بن أبي بكر، وأرسل معه جماعة من ~~المهاجرين والأنصار ليحققوا ما بين عبد الله بن سعد وبين المصريين. فقد كان علي ~~طلب إليه أن يعزله أولا، وأن يحقق ما اتهم به من القتل ثانيا، فإن ثبتت عليه ~~التهمة أقاد منه. وكانت تولية عثمان لهذا الرجل مصر شؤما على جماعة المسلمين، فمن ~~مصر خرج الثائرون الأولون على عثمان واجتمع إليهم بعد ذلك غيرهم من أهل المصريين ~~الآخرين في العراق. ومع ذلك فقد كان عبد الله بن سعد شجاعا جريئا مقداما موفقا ~~في الفتح؛ فهو قد أخرج الروم من إفريقية، وشارك في غزو قبرص، وهزم أسطول الروم في ~~ذات الصواري، ولكنه كان صاحب دنيا ولم يكن صاحب دين. # | الفصل الثاني عشر # ولن يتم ms118 الحديث عن سياسة عثمان وعامله لمصر حتى نذكر فتيين من فتيان قريش كان لهما ~~فيما انتهت إليه هذه السياسة من الثورة أثر أي أثر، وهما: محمد بن أبي حذيفة ~~ومحمد بن أبي بكر؛ فأما محمد بن أبي حذيفة فقد كان فتى شريفا لأب شريف كريم النسب ~~في قريش عظيم المكانة بين زعمائها؛ فأبوه عتبة بن ربيعة أبو هند زوج أبي سفيان وأم ~~معاوية. وقد كان أبو حذيفة من السابقين إلى الإسلام، أسلم قبل أن يدخل النبي دار ~~الأرقم ويدعو فيها، وهاجر بامرأته سهلة بنت سهيل بن عمرو إلى بلاد الحبشة، ثم هاجر ~~إلى المدينة مع غيره من المهاجرين. وهو إلى سابقته وهجرته إلى الحبشة ثم إلى ~~المدينة أحد الذين أبلوا في الدين أحسن البلاء وأكمله؛ فقد شهد بدرا، وشهدها في ~~حماسة ويقين وإيمان، حتى دعا أباه في الموقعة إلى المبارزة. ثم هو قد شهد المشاهد ~~كلها مع النبي، ثم هو بعد ذلك قد مات شهيدا في موقعة اليمامة أيام أبي بكر. وقد ~~ولد له ابنه محمد في الحبشة؛ فكان إذن حديث السن حين مات عنه أبوه، ولم يكن قد بلغ ~~الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة بعد. # وقد كفله عثمان بعد موت أبيه فكان ربيبه، ثم تعهده أثناء شبابه، فلما استخلف عثمان ~~ظن الفتى أن سيصيبه شيء من الولاية كما أصاب غيره من فتيان قريش، ومن ذوي قرابة ~~عثمان بنوع خاص. ولكن الفتى، فيما يقول الرواة، لم يكن شديد الاستمساك بدينه؛ فقد ~~يقال إنه شرب الخمر، وإن عثمان أقام عليه الحد. قد يثبت هذا وقد لا يثبت، ولكن ~~المهم أن الفتى طلب ذات يوم إلى عثمان أن يوليه عملا، فأبى عليه عثمان ذلك، وقال ~~له: لو عرفت فيك كفاية لوليتك، ولكنك لست هناك. قال الفتى: فأعني إذن على الخروج ~~والاضطراب في الأرض. فأعانه عثمان وأعطاه مالا، وأذن له أن يذهب إلى حيث شاء ~~كغيره من الناس، فذهب الفتى إلى مصر. وما من شك في أنه خرج من عند عثمان مغاضبا ~~له، ms119 إما لأنه أقام عليه الحد إن كان قد فعل، وإما لأنه أبى عليه الولاية التي لم ~~يبخل بها على الوليد وسعيد وعبد الله بن عامر. ولم يكد يصل إلى مصر حتى أظهر ~~المعارضة لسياسة عثمان والشغب على عبد الله بن سعد بن أبي سرح. # وأما محمد بن أبي بكر فحسبه شرفا أن يكون ابن الصديق وأخا عائشة أم المؤمنين. ~~وهو بعد هذا كله فتى قرشي يعتز بما كانت قريش تعتز به، ويعتد بمكانته من أبيه الذي ~~كان آثر الرجال عند النبي، ومن أخته التي كانت آثر النساء عند النبي أيضا. وما من ~~شك في أنه كان يطمع في أن يعرف له عثمان هذه المكانة ويرعى حرمة أبيه وأخته، ~~ويكرمه ببعض الولايات التي كان يكرم بها قوما من ذوي قرابته لم يكونوا أعز منه ~~نفرا ولا أسبق منه سابقة، ولكن عثمان لم يلتفت إليه ولم يحفل به. وما كان عثمان ~~يستطيع أن يولي شباب قريش جميعا، ولا كان يستطيع أن يولي الكثرة من شباب قريش؛ ~~فالأعمال محدودة وطلابها كثيرون. ولكن عثمان أثار في نفوس هؤلاء الشباب من قريش ~~ضروبا من الموجدة والغيرة والحسد حين آثر فريقا منهم دون فريق. فخرج محمد بن أبي ~~بكر إلى مصر كما خرج إليها محمد بن أبي حذيفة، والتقيا فيها أو في طريقهما إليها. ~~ولم يكادا ينزلان مصر حتى أحس عبد الله بن سعد أنهما لم يقبلا لخير، فأنذرهما ~~وحذرهما، ولكنهما لم يحفلا بنذير ولا بتحذير. وكان محمد بن أبي حذيفة أكثرهما ~~صراحة في النقد، وأشدهما معارضة للخليفة وواليه، بل كان لا يتردد في أن يواجه ~~الوالي بما يكره، ويواجهه بذلك على ملأ من الناس، فقد قال الرواة: إنه كان يجهر ~~بالتكبير بعد أن يفرغ الأمير من صلاته؛ ليلفت الناس إليه من جهة، وليتحدى الأمير ~~من جهة أخرى. ويقال: إن عبد الله بن سعد دعاه فنهاه عن ذلك فلم ينته، فحمقه وأنذره ~~بأن يقارب بين خطوه، فلم يظهر الفتى عناية به أو التفاتا إليه. وخرج عبد ms120 الله ~~للقاء الروم في ذات الصواري، فخرج معه المحمدان. ولكنه أشفق منهما على الجيش، ~~فاضطرهما إلى أن يبحرا في سفينة ليس فيها أحد من المسلمين غيرهما، وإنما فيها ~~معهما الأقباط. ويقال: إن محمد بن أبي بكر مرض فأقام بمصر ولم يخرج وخرج محمد بن ~~أبي حذيفة. وأكبر الظن أن أحدهما أقام ليفسد الأمر من وراء عبد الله، وأن الآخر ~~خرج لينشر دعوته في الجيش. # وقد كتب النصر في هذه الموقعة للمسلمين، وعاد عبد الله ظافرا بقهر أسطول الروم. ~~ولكنه عاد وقد أفسد عليه ابن أبي حذيفة جيشه بما أظهر من النكير عليه وعلى خليفته، ~~وبما كان يقول للمحاربين من أنهم يسعون إلى الجهاد، والجهاد وراءهم في المدينة حيث ~~يقيم عثمان فيسوس الأمة على غير كتاب الله وسنة رسوله وسياسة صاحبيه، ويعزل أصحاب ~~النبي عن العمل ويولي أمور المسلمين جماعة من الفساق وأصحاب المجون. وانظروا إلى ~~واليكم وقائدكم إلى الجهاد؛ إنه رجل نزل القرآن بكفره، وأهدر النبي دمه، ولكن ~~عثمان يوليه أمركم على ذلك لأنه أخوه في الرضاعة. وانظروا إلى سيرته فيكم، أترونه ~~يهتدي فيها بهدي النبي وصاحبيه؟ أترونه لا يغير ولا يبدل ولا يكلفكم من أموالكم ~~وأعمالكم ما لا تطيقون؟ كان ابن أبي حذيفة يذيع هذا في الجيش، وكان ابن أبي بكر ~~يذيع هذا في المصر. وقد أخذ المصريون بعد عودة الجيش يجتمعون إليهما ويسمعون ~~منهما، فأشفق منهما عبد الله بن سعد، وشكاهما إلى عثمان واستأذنه في البطش بهما. ~~ويقال إن عثمان أرسل عمار بن ياسر إلى مصر ليعلم له علم هذين الفتيين، ولينصح لهما ~~ويردهما إلى الهدوء، وليعلم له علم عبد الله بن سعد نفسه. فلم يكد عمار يصل إلى ~~مصر حتى انضم إلى هذين الفتيين فيما يقول الرواة، وجعل يحرض معهما على عثمان، ~~حتى ضج من ذلك عبد الله بن سعد، وكتب إلى الخليفة يلح عليه في البطش بثلاثتهم. ~~فكتب إليه عثمان ينذره ويلومه ويأمره بأن يرفق بعمار ويرده إلى المدينة مكرما ~~موفورا، وبأن يترك محمد بن أبي ms121 بكر لأبيه الصديق وأخته أم المؤمنين، وبأن يترك ~~محمد بن أبي حذيفة فهو ابنه وربيبه وفرخ قريش. # وأكاد أقطع بأن عمارا لم يرسل إلى مصر ولم يشارك هذين الفتيين فيما كانا بسبيله من ~~التحريض، وإنما هي قصة اخترعها العاذرون لعثمان فيما كان بينه وبين عمار قبل ذلك ~~أو بعده، مما سنراه بعد حين. ولكن الشيء المحقق هو أن المحمدين نزلا مصر وحرضا ~~فيها على عثمان وعامله، وهم عثمان أن يترضاهما بالرفق. فيقال: إنه أرسل إلى محمد ~~بن أبي حذيفة مالا وكسوة، فعرض الفتى ذلك في المسجد وقال: انظروا يا معشر ~~المسلمين إلى عثمان؛ يريد أن يخدعني عن ديني بالرشوة. # وما زال المحمدان بالمصريين يذيعان فيهم دعوة المعارضة، حتى استجاب لهما خلق كثير، ~~وحتى كان المصريون أشد الناس خلافا لعثمان وانتقاضا عليه. وليس لسخط هذين ~~الفتيين مصدر فيما نعلم إلا ما أثار عثمان في نفوس كثير من الشباب القرشيين وغير ~~القرشيين من الغيظ والموجدة حين آثر فريقا من الشبان دون فريق، وحين قصر بذوي ~~المكانة والكفاية وحسن البلاء عن المناصب والأعمال، واختص بالمناصب والأعمال قوما ~~آخرين؛ مهما تكن مكانتهم وكفايتهم فهم ليسوا من أصحاب السابقة ولا من ذوي المكانة ~~الممتازة والسيرة الحميدة دائما. ويكفي أن تقرأ هذا الكتاب الذي أرسله الأشتر إلى ~~عثمان حين ردت الكوفة سعيد بن العاص وكتب عثمان إلى أهلها يعظهم ويبصرهم ويسألهم ~~عما يريدون - يكفي أن تقرأ هذا الكتاب لترى مبلغ سخط الناس والشباب منهم خاصة على ~~عثمان؛ لأنه آثر بالأمور العامة فريقا من ذوي قرابته لا يمتازون من غيرهم بقليل ~~أو كثير. # كتب الأشتر إلى عثمان يقول: «من مالك بن الحارث إلى الخليفة المبتلى الخاطئ الحائد ~~عن سنة نبيه النابذ لحكم القرآن وراء ظهره. # أما بعد، فقد قرأنا كتابك؛ فانه نفسك وعمالك عن الظلم والعدوان وتسيير الصالحين، ~~نسمح لك بطاعتنا. وزعمت أنا قد ظلمنا أنفسنا، وذلك ظنك الذي أرداك فأراك الجور ~~عدلا والباطل حقا. وأما محبتنا فأن تنزغ وتتوب وتستغفر الله من تجنيك على ~~خيارنا، وتسييرك ms122 صلحاءنا، وإخراجك إيانا من ديارنا، وتوليتك الأحداث علينا ، وأن ~~تولي مصرنا عبد الله بن قيس أبا موسى الأشعري وحذيفة، فقد رضيناهما. واحبس عنا ~~وليدك وسعيدك ومن يدعوك إليه الهوى من أهل بيتك إن شاء الله. والسلام.» # 1 # فأنت ترى أن الأشتر لم يخلع طاعة عثمان ولم ينكر إمامته، وإنما اتهمه بالجور ~~والانحراف عن السنة ونبذ القرآن وراء ظهره، وتولية الأحداث، ونفى من نفى من ~~المسلمين. وطلب إليه أن يكف عن هذا كله، وأن يولي على صلاة الكوفة وحربها أبا موسى ~~الأشعري وعلى خراجها حذيفة بن اليمان، فإن فعل فله طاعة أهل الكوفة. # وانظر إلى قوله: «واحبس عنا سعيدك ووليدك ومن يدعوك إليه الهوى من أهل بيتك إن شاء ~~الله»؛ فإنه يصور ما أحفظ أهل الكوفة وغاظهم من إيثار عثمان لأهل بيته، وتنحيته ~~ذوي المكانة من أمثال أبي موسى وحذيفة. قال الرواة: فلما قرأ عثمان هذا الكتاب، ~~قال: اللهم إني تائب. وكتب إلى أبي موسى وحذيفة: أنتما لأهل الكوفة رضا ولنا ثقة، ~~فتوليا أمرهم وقوما به بالحق، غفر الله لنا ولكما. ووصل إلى عثمان قول عتبة بن ~~الوغل: # تصدق علينا يا ابن عفان واحتسب # وأمر علينا الأشعري لياليا # فقال: نعم! وأشهرا إن بقيت. # 2 # | الفصل الثالث عشر # وهناك قصة أكبر الرواة المتأخرون من شأنها وأسرفوا فيها، حتى جعلها كثير من القدماء ~~والمحدثين مصدرا لما كان من الاختلاف على عثمان، ولما أورث هذا الاختلاف من فرقة ~~بين المسلمين لم تمح آثارها بعد: وهي قصة عبد الله بن سبأ الذي يعرف بابن ~~السوداء. قال الرواة: كان عبد الله بن سبأ يهوديا من أهل صنعاء حبشي الأم، ~~فأسلم في أيام عثمان، ثم جعل يتنقل في الأمصار يكيد للخليفة ويغري به ويحرض عليه، ~~ويذيع في الناس آراء محدثة أفسدت عليهم رأيهم في الدين والسياسة جميعا. قالوا إنه ~~ذهب إلى البصرة، فلم يكد يستقر فيها حتى رفع أمره إلى عبد الله بن عامر فأخرجه ~~عنها. فذهب إلى الشام، وهناك لقي أبا ذر، فلام عنده معاوية في ms123 قوله عن مال ~~المسلمين: إنه مال الله. وتأثر أبو ذر بحديث ابن السوداء، فكلم معاوية. ثم لقي ~~عبادة بن الصامت، وأراد أن يتحدث إليه بمثل ما تحدث به إلى أبي ذر، فتعلق به عبادة ~~وقاده إلى معاوية وخوفه شره على الشام، فأخرجه معاوية من الشام. فذهب إلى مصر ~~وفي مصر وجد أرضا خصبة لكيده ومكره وبدعه؛ فكان يتحدث إلى الناس بأن النبي محمدا ~~أحق بالرجعة من عيسى بن مريم، ويذكر قوله عز وجل: # إن ~~الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى ~~معاد ~~. # وكان يتحدث إليهم بأن لكل نبي وصيا، وبأن وصي النبي محمد هو علي، وبأن عليا ~~خاتم الأوصياء كما أن محمدا خاتم الأنبياء. وإلى ابن السوداء يضيف كثير من الناس ~~كل ما ظهر من الفساد والاختلاف في البلاد الإسلامية أيام عثمان. ويذهب بعضهم إلى ~~أنه أحكم كيده إحكاما، فنظم في الأمصار جماعات خفية تستتر بالكيد وتتداعى فيما ~~بينها إلى الفتنة، حتى إذا تهيأت لها الأمور وثبت على الخليفة، فكان ما كان من ~~الخروج والحصار وقتل الإمام. # ويخيل إلي أن الذين يكبرون من أمر ابن سبأ إلى هذا الحد يسرفون على أنفسهم وعلى ~~التاريخ إسرافا شديدا. وأول ما نلاحظه أنا لا نجد لابن سبأ ذكرا في المصادر ~~المهمة التي قصت أمر الخلاف على عثمان؛ فلم يذكره ابن سعد حين قص ما كان من ~~خلافة عثمان وانتقاض الناس عليه، ولم يذكره البلاذري في أنساب الأشراف، وهو فيما ~~أرى أهم المصادر لهذه القصة وأكثرها تفصيلا. وذكره الطبري عن سيف بن عمر، وعنه ~~أخذ المؤرخون الذين جاءوا بعده فيما يظهر. # ولست أدري أكان لابن سبأ خطر أيام عثمان أم لم يكن. ولكني أقطع بأن خطره، إن كان له ~~خطر، ليس ذا شأن. وما كان المسلمون في عصر عثمان ليعبث بعقولهم وآرائهم وسلطانهم ~~طارئ من أهل الكتاب أسلم أيام عثمان، ولم يكد يسلم حتى انتدب لنشر الفتنة وإذاعة ~~الكيد في جميع الأقطار. ولو قد أخذ عبد الله بن عامر أو معاوية هذا الطارئ الذي ~~كان ms124 يهوديا فلم يسلم إلا كائدا للمسلمين، لكتب أحدهما أو كلاهما فيه إلى عثمان، ~~ولبطش به أحدهما أو كلاهما. ولو قد أخذه عبد الله بن سعد بن أبي سرح لما أعفاه من ~~العقوبة التي كاد ينزلها بالمحمدين لولا خوفه من عثمان. والذي يكتب إلى عثمان ~~يستأذنه في البطش بابن أبي بكر وابن أبي حذيفة وعمار بن ياسر في بعض الروايات؛ ~~خليق ألا يعفي من عقوبته رجلا من أهل الكتاب قد اتخذ الإسلام وسيلة لإثارة الفرقة ~~بين المسلمين، وتشكيكهم في إمامهم بل في دينهم كله. ولم يكن أيسر من أن يتتبع ~~الولاة هذا الطارئ ومن أن يأخذوه ويعاقبوه وهم كانوا مهرة في تتبع المعارضين ~~وإخراجهم من ديارهم وإرسالهم إلى معاوية أو إلى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد. # ومن أغرب ما يروى من أمر عبد الله بن سبأ هذا أنه هو الذي لقن أبا ذر نقد معاوية ~~فيما كان يقول من أن المال هو مال الله، وعلمه أن الصواب أن يقول: إنه مال ~~المسلمين. ومن هذا التلقين، إلى أن يقال إنه هو الذي لقن أبا ذر مذهبه كله في نقد ~~الأمراء والأغنياء وتبشير الكانزين للذهب والفضة بمكاو من نار تكوى بها جباههم ~~وجنوبهم وظهورهم. لا يوجد أمد بعيد، وما أعرف إسرافا يشبه هذا الإسراف. فما كان ~~أبو ذر في حاجة إلى طارئ محدث في الإسلام ليعلمه أن للفقراء على الأغنياء حقوقا، ~~وأن الله يبشر الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله بعذاب أليم، ~~وأن المال الذي يكسبه المسلمون حين يظهرون على العدو، أو الذي يؤديه المسلمون إلى ~~بيت المال زكاة أو خراجا، أو الذي يؤديه الذميون إلى بيت المال جزية أو خراجا؛ ~~هو مال المسلمين يجب أن يضاف إليهم في القول وأن يرد عليهم بالفعل. لم يكن أبو ذر ~~بحاجة إلى هذا الطارئ ليعلمه هذه الحقائق الأولية من حقائق الإسلام، وأبو ذر سبق ~~الأنصار جميعا وسبق كثيرا جدا من المهاجرين إلى الإسلام، وهو قد صحب النبي ~~فأطال صحبته، وحفظ القرآن ms125 فأحسن حفظه، وروى السنة فأتقن روايتها، وشهد سيرة النبي ~~وسيرة صاحبيه في الأموال والحقوق، وعرف من الحلال والحرام ما عرف غيره من أصحاب ~~النبي الذين لزموه فأحسنوا لزومه. # فالذين يزعمون أن ابن سبأ قد اتصل بأبي ذر فألقى إليه بعض مقاله، يظلمون أنفسهم ~~ويظلمون أبا ذر، ويرقون بابن السوداء هذا إلى مكانة ما كان يطمع في أن يرقى ~~إليها. # والرواة يقولون: إن أبا ذر قال ذات يوم لعثمان بعد رجوعه من الشام إلى المدينة: لا ~~ينبغي لمن أدى الزكاة أن يكتفي بذلك حتى يعطي السائل ويطعم الجائع وينفق من ماله ~~في سبيل الله. وكان كعب الأحبار حاضرا هذا الحديث فقال: من أدى الفريضة فحسبه. ~~فغضب أبو ذر وقال لكعب: يا ابن اليهودية! ما أنت وهذا؟ أتعلمنا ديننا؟! ثم وجأه ~~بمحجنه. فأبو ذر ينكر على كعب الأحبار أن يعلمه دينه، بل أن يدخل في أمور المسلمين ~~حتى بإبداء الرأي، مع أن كعب الأحبار مسلم أبعد عهدا بالإسلام من ابن سبأ، وكان ~~مجاورا في المدينة يصبح ويمسي بين أصحاب النبي، وكان معاشرا لعمر وعثمان، ثم لا ~~يتحرج من أن يتلقى من عبد الله بن سبأ أصلا من أصول الإسلام وحكما من أحكام ~~القرآن! فاعجب لرجل من أصحاب النبي ينكر على كعب أن يجادل في الدين، ثم يتلقى ~~الدين نفسه عن عبد الله بن سبأ! # وأكبر الظن أن عبد الله بن سبأ هذا - إن كان كل ما يروى عنه صحيحا - إنما قال ما ~~قال ودعا ما دعا إليه بعد أن كانت الفتنة وعظم الخلاف، فهو قد استغل الفتنة ولم ~~يثرها. وأكبر الظن كذلك أن خصوم الشيعة أيام الأمويين والعباسيين قد بالغوا في ~~أمر عبد الله بن سبأ هذا؛ ليشككوا في بعض ما نسب من الأحداث إلى عثمان وولاته من ~~ناحية، وليشنعوا على علي وشيعته من ناحية أخرى؛ فيردوا بعض أمور الشيعة إلى ~~يهودي أسلم كيدا للمسلمين. وما أكثر ما شنع خصوم الشيعة على الشيعة! وما أكثر ما ~~شنع الشيعة على خصومهم في أمر ms126 عثمان وفي غير أمر عثمان! # فلنقف من هذا كله موقف التحفظ والتحرج والاحتياط، ولنكبر المسلمين في صدر ~~الإسلام عن أن يعبث بدينهم وسياستهم وعقولهم ودولتهم رجل أقبل من صنعاء وكان أبوه ~~يهوديا وكانت أمه سوداء، وكان هو يهوديا ثم أسلم لا رغبا ولا رهبا ولكن ~~مكرا وكيدا وخداعا. ثم أتيح له من النجح ما كان يبتغي، فحرض المسلمين على ~~خليفتهم حتى قتلوه، وفرقهم بعد ذلك أو قبل ذلك شيعا وأحزابا. # هذه كلها أمور لا تستقيم للعقل، ولا تثبت للنقد، ولا ينبغي أن تقام عليها أمور ~~التاريخ. # وإنما الشيء الواضح الذي ليس فيه شك هو أن ظروف الحياة الإسلامية في ذلك الوقت كانت ~~بطبعها تدفع إلى اختلاف الرأي وافتراق الأهواء ونشأة المذاهب السياسية المتباينة. ~~فالمستمسكون بنصوص القرآن وسنة النبي وسيرة صاحبه كانوا يرون أمورا تطرأ ينكرونها ~~ولا يعرفونها، ويريدون أن تواجه، كما كان عمر يواجهها، في حزم وشدة وضبط للنفس ~~وضبط للرعية. والشباب الناشئون في قريش وغير قريش من أحياء العرب كانوا يستقبلون ~~هذه الأمور الجديدة، فيها الطمع وفيها الطموح، وفيها الأثرة وفيها الأمل البعيد، ~~وفيها الهم الذي لا يعرف حدا يقف عنده، وفيها من أجل هذا كله التنافس والتزاحم ~~لا على المناصب وحدها بل عليها وعلى كل شيء من حولها. وهذه الأمور الجديدة نفسها ~~كانت خليقة أن تدفع الشيوخ والشباب إلى ما دفعوا إليه. فهذه أقطار واسعة من الأرض ~~تفتح عليهم، وهذه أموال لا تحصى تجبى لهم من هذه الأقطار، فأي غرابة في أن ~~يتنافسوا في إدارة هذه الأقطار المفتوحة والانتفاع بهذه الأموال المجموعة؟ وهذه ~~بلاد أخرى لم تفتح، وكل شيء يدعوهم إلى أن يفتحوها كما فتحوا غيرها، فما لهم لا ~~يسبقون إلى الفتح؟ وما لهم لا يتنافسون فيما يكسبه الفاتحون من المجد والغنيمة إن ~~كانوا من طلاب الدنيا، ومن الأجر والمثوبة إن كانوا من طلاب الآخرة؟ ثم ما لهم ~~جميعا لا يختلفون في سياسة هذا الملك الضخم وهذا الثراء العريض؟ وأي غرابة في أن ~~يندفع الطامعون الطامحون من شباب ms127 قريش إلى هذه الأبواب التي فتحت لهم ليلجوا ~~منها إلى المجد والسلطان والثراء؟ وأي غرابة في أن يهم بمنافستهم في ذلك شباب ~~الأنصار وشباب الأحياء الأخرى من العرب، وفي أن تمتلئ قلوبهم موجدة وحفيظة وغيظا ~~إذا رأوا الخليفة يحول بينهم وبين هذه المنافسة، ويؤثر قريشا بعظائم الأمور ويؤثر ~~بني أمية بأعظم هذه العظائم من الأمور خطرا وأجلها شأنا؟ # والشيء الذي ليس فيه شك هو أن عثمان قد ولى الوليد وسعيدا على الكوفة بعد أن عزل ~~سعدا، وولى عبد الله بن عامر على البصرة بعد أن عزل أبا موسى، وجمع الشام كلها ~~لمعاوية وبسط سلطانه عليها إلى أبعد حد ممكن بعد أن كانت الشام ولايات تشارك في ~~إدارتها قريش غيرها من أحياء العرب، وولى عبد الله بن أبي سرح مصر بعد أن عزل عنها ~~عمرو بن العاص. وكل هؤلاء الولاة من ذوي قرابة عثمان؛ منهم أخوه لأمه، ومنهم أخوه ~~في الرضاعة، ومنهم من يجتمع معه في نسبه الأدنى إلى أمية بن عبد شمس. # كل هذه حقائق لا سبيل إلى إنكارها. وما نعلم أن ابن سبأ قد أغرى عثمان بتولية من ~~ولى وعزل من عزل. وقد أنكر الناس في جميع العصور على الملوك والقياصرة والولاة ~~والأمراء إيثار ذوي قرابتهم بشئون الحكم. وليس المسلمون الذين كانوا رعية لعثمان ~~بدعا من الناس؛ فهم قد أنكروا وعرفوا ما ينكر الناس ويعرفون في جميع العصور. # والشيء الذي ليس فيه شك آخر الأمر هو أن عصر عثمان شهد لونا من المعارضة لم يشهده ~~عصر عمر. وكانت هذه المعارضة تكون في الأمصار البعيدة، وهي التي صورناها لك إلى ~~الآن، وكانت هذه المعارضة تكون في المدينة نفسها قريبا من عثمان، وهي التي لم ~~نصورها لك بعد، ونريد أن نصورها فيما سنستقبل من الحديث بعد أن طوفنا معك في ~~الأمصار ذات الخطر، وعلمنا معك علمها وعلم أهلها وجملة ما حدث فيها من الأحداث. ~~والسؤال الذي ينبغي أن يلقى وأن نجتهد في الإجابة عنه هو: أين نشأت المعارضة ~~لسياسة عثمان؛ أنشأت ms128 في المدينة مستقر الخلافة، أم نشأت في الأمصار؟ وبعبارة أدق : ~~أنشأت المعارضة بين أصحاب النبي من المهاجرين والأنصار ثم انتقلت عنهم إلى الجند ~~المرابطين في الأمصار، أم نشأت في الجند ثم انتقلت منهم إلى أصحاب النبي في ~~المدينة؟ # وواضح جدا أن للإجابة عن هذا السؤال خطرا أي خطر؛ فإن نشأة المعارضة في المدينة ~~معناها أن أصحاب النبي قد كانوا أول من أنكر على عثمان بعض سياسته فتبعهم الناس، ~~منهم من اقتصد ومنهم من أسرف في هذا الاتباع. ونشأة المعارضة في الأمصار معناها أن ~~الجند هم الذين سبقوا إلى الخلاف، ثم أقحموا فيه وفي نتائجه أصحاب النبي، منهم من ~~رضي عن هذا الإقحام، ومنهم من سخط عليه. وسترى أنا نقف في الإجابة عن هذا السؤال ~~موقفا وسطا، وأن نرى المعارضة لم تنشأ في المدينة وحدها، وإنما نشأت فيها وفي ~~الأقاليم، بل لعلها نشأت في المدينة ثم في أطراف الأقاليم حيث الثغور التي يواجه ~~فيها المسلمون عدوهم. وإذا صح ما نذهب إليه - وما نراه إلا صحيحا - فقد يكون هذا ~~دليلا على أن هذه المعارضة - سواء أنشأت في المدينة أم في الأمصار - إنما كانت ~~ظاهرة طبيعية محتومة دعت إليها ظروف الحياة الاجتماعية أولا، وظروف الحياة ~~السياسية ثانيا، وظروف الملاءمة بين أصول الدين وحقائقه وبين طبيعة الحضارة التي ~~اضطر المسلمون إلى لقائها وممارستها آخر الأمر. وما كان لعثمان أن يقاوم طبيعة ~~الحياة ولا أن يقهر هذه الظروف. فليس من سبيل إلى أن يوجد سلطان ضخم كهذا السلطان ~~الذي أتيح للمسلمين، ثم لا يكون فيه حكم ومعارضة لهذا الحكم، ثم لا يكون فيه صراع ~~بين ذلك الحكم وهذه المعارضة، ثم لا يكون فيه آخر الأمر ما كان من الاصطدام الذي ~~انتهى بالمسلمين إلى أن يسلكوا الطريق التي سلكتها الأمم من قبلهم ومن بعدهم؛ لأن ~~تطور النظم السياسية والاجتماعية لم يكن قد بلغ أجله بعد، وهو لم يبلغ أجله إلى ~~الآن، ولأن العقل لم يكن قد بلغ حظه الأوفى من الرقي، وهو لم يبلغه إلى الآن. ms129 ~~والذين يرون ما يحدث الآن من الصراع بين النظم الاجتماعية والسياسية خليقون ألا ~~ينكروا ما كان من الصراع حول النظم السياسية والاجتماعية أيام عثمان في القرن ~~الأول للهجرة وفي القرن السابع للمسيح. # فلنعد إلى المدينة بعد هذه السياحة الطويلة في الأمصار، ولنقم بين عثمان وأصحابه ~~وقتا ما، لنرى كيف كانت سيرته فيهم، وماذا كان رأيهم فيه. # | الفصل الرابع عشر # وأول ما نلاحظ من ذلك ما كان من الصلة بين عثمان وبين هؤلاء النفر الخمسة الذين ~~اختاروه للخلافة وكانوا أول من بايعه بها، وهم الذين شاركوه في مجلس الشورى بعهد ~~عمر. وكلهم سبق إلى الإسلام فكان من السابقين الأولين، وكلهم أبلى في سبيل الله ~~فأحسن البلاء، وكلهم رضي عنه النبي حياته كلها ومات وهو عنه راض، وكلهم كان من ~~العشرة الذين شهد النبي لهم بالجنة. ثم هم يختلفون بعد ذلك في منازلهم من قريش ~~وقرابتهم من النبي ومكانتهم بين الناس وحظوظهم من الدنيا ونظرهم إليها. وأولهم في ~~رأي عمر وفي رأي عامة الناس وفي رأيهم هم أنفسهم: عبد الرحمن بن عوف، وكان قريب ~~المكانة من النبي من قبل أمه آمنة بنت وهب؛ فهو مثلها من بني زهرة. وكان يسمى في ~~الجاهلية عبد عمرو أو عبد الكعبة، فسماه النبي عبد الرحمن. وكان في الجاهلية صاحب ~~تجارة بارعا فيها، وظل بعد إسلامه صاحب تجارة بارعا فيها، حسن التدبير للمال، ~~ماهرا أي مهارة في التماسه والظفر به، ثم في استثماره والإنفاق منه في وجوه ~~الخير. # ولما هاجر إلى المدينة نزل على سعد بن الربيع الأنصاري، فقال له سعد: أنا أكثر أهل ~~المدينة مالا، فانظر إلى شطر مالي فخذه، ولي زوجتان فانظر إلى أيهما أعجب إليك ~~فأطلقها لك. قال عبد الرحمن: بارك الله لك! ولكن إذا أصبحت فدلوني على سوقكم. فلما ~~أصبح غدا على السوق، فباع واشترى وربح وعاد مع المساء ومعه سمن وأقط. وأقام في ~~المدينة وقتا ما، ثم أقبل ذات يوم على النبي وعليه ثياب مزعفرة، فلما سأله النبي ~~عن ذلك قال: تزوجت. ms130 قال النبي: «فما أصدقت؟» قال: «وزن نواة من ذهب» قال النبي: ~~«فأولم ولو بشاة.» وكان عبد الرحمن يقول: «لقد رأيتني وما أرفع حجرا إلا ظننت أني ~~سأجد تحته ذهبا أو فضة.» ومعنى ذلك أنه كان موفقا في السعي إلى المال مسددا في ~~التماسه. ثم لم تتصل إقامته في المدينة حتى أصبح من الأغنياء. وقد قدمنا ما روي من ~~قول النبي له: «إنك غني، وما أراك تدخل الجنة إلا زحفا، فأقرض الله قرضا حسنا ~~يطلق لك قدميك.» وقدمنا كذلك ما روي من حديث عائشة حين أنبئت بمقدم عير عبد الرحمن ~~وما كان من تصدقه بالعير كلها وما حملت. وقدمنا كذلك ما روي من أن عبد الرحمن قد ~~ترك ميراثا ضخما كان منه ألف بعير وثلاثة آلاف شاة ومائة فرس وأرض كانت تزرع على ~~عشرين ناضحا، ومن أن إحدى نسائه الأربع أخرجت من نصيبها وهو ربع الثمن، بمال ~~بين الثمانين ألفا ومائة الألف. فكل هذا إن صور شيئا فإنما يصور ثروة ضخمة نامية ~~لم تنقصها الصدقة الدائمة والبر المتصل دائما لأزواج النبي، ثم لذوي قرابته من ~~بني زهرة، ثم لغيرهم من عامة المسلمين. # ولم يكن عبد الرحمن على هذا كله مفرطا في المال، وإنما كان يدبره ويثمره ~~ويحرص عليه كأحسن ما يكون التدبير والتثمير والحرص. وقد روى ابن سعد بإسناده في ~~ترجمة عمر أن عمر احتاج إلى شيء من المال، فأرسل إلى عبد الرحمن يستقرضه منه. فقال ~~للرسول: قل له يقترض من بيت المال. ولقيه عمر بعد ذلك فلامه في دعابة قاسية، وقال: ~~أردت أن أقترض من بيت المال، فإذا أدركني الموت ولم أرد ما اقترضت جعلتم تقولون: ~~دعوه لعمر وآل عمر. # وكان عبد الرحمن رفيقا بنفسه آخذا بحظه مما أباح الله للمسلمين من طيبات الحياة، ~~يؤدي للدين حقه كأحسن ما يكون أداء الحق. ولكنه بعد ذلك رجل من قريش يعيش كما كانت ~~قريش تحب أن تعيش، لا يشتد على نفسه في الزهد، ولا يأخذها بالحياة الخشنة. وقد ~~استأذن النبي في لبس ms131 الحرير لحكة كان يشكوها، فأذن له النبي في ذلك. وهم أن ~~يستبيح الحرير لنفسه ولبنيه، ولكن عمر كفه عن ذلك، وشق ثوبا من حرير كان عبد ~~الرحمن قد ألبسه لأحد بنيه كما قدمنا. ثم كان عبد الرحمن كغيره من معاصريه كثير ~~الزواج كثير الولد. وقد أحصى له ابن سعد بضع عشرة امرأة غير أمهات الأولاد، وكلهن ~~ولدن له البنين والبنات، ومات وعنده أربع نسوة أو ثلاث نسوة، على اختلاف في ذلك ~~بين الرواة. # ولكن عبد الرحمن لم يكن يتزوج في حي بعينه أو حيين أو ثلاثة من أحياء العرب، وإنما ~~كان يصهر إلى كثير من القبائل؛ فهو قد أصهر إلى غير حي من أحياء قريش، وأصهر إلى ~~غير حي من أحياء اليمن، وأصهر إلى ربيعة في غير حي من أحيائها، فكان له من البنين ~~والبنات من يعد أخواله في قريش، ومن يعد أخواله في الأنصار، ومن يعد أخواله في ~~اليمانية المقيمة باليمن، ومن يعد أخواله في اليمانية المقيمة بين الشام والعراق، ~~ومن يعد أخواله في تميم من مضر أو في بكر وتغلب من ربيعة. # ونظرة يسيرة إلى أنساب النساء اللاتي تزوجن عبد الرحمن بن عوف، كما رواها ابن سعد، ~~تكفي لإثبات أن عبد الرحمن قد أصهر إلى أكثر أحياء العرب قوة وأشدها بأسا. فكان ~~خليقا لو نهض بالأمر بعد عمر أن يجمع حوله عصبيات كثيرة، وأن يلائم بين هذه ~~العصبيات ملاءمة حسنة، ولعله أن يقرب منها بين ما كان متباعدا أشد التباعد. وكان ~~خليقا كذلك لو نهض بالأمر بعد عمر أن يقوم على الأموال العامة، كما كان يقوم على ~~أمواله الخاصة، فيدبرها ويثمرها ولا يعطي منها إلا بالحق. وقد وضعه عمر في الشورى، ~~وميزه من سائر أصحابه حين قال: «إن كان ثلاثة وثلاثة فاختاروا صف عبد الرحمن بن ~~عوف.» ويوشك عمر أن يكون قد جعل عبد الرحمن رئيسا لمجلس الشورى ما دام قد جعل ~~رأيه مرجحا عند تساوي الأصوات. وكان بين أصحاب النبي من كان يرشحه للخلافة، ويرى ~~في استخلافه ms132 اتقاء لكثير من الشر، وتجافيا للفرقة التي كانت تنتظر أن ينهض بالأمر ~~علي أو عثمان. ويظهر أن بين أعضاء الشورى أنفسهم من لم يكن يرى باستخلافه بأسا، ~~ولو خير لآثره على عثمان لمكان عثمان من بني أمية. # ولو خير عثمان لآثره على علي لمكان علي من بني هاشم. وكان بين عبد الرحمن وعثمان ~~صهر؛ فهو تزوج أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط أخت الوليد بن عقبة، ثم كان بين عبد ~~الرحمن وبين العبشميين صهر؛ فهو قد أصهر إلى عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، فكانت عنده ~~إذن خالة معاوية. ثم أصهر إلى شيبة بن ربيعة بن عبد شمس. وهو قد أصهر كذلك إلى ~~الأنصار. وأمه من بني أمية، وهو من بني زهرة، فكان خليقا أن يجمع عصبية قريش ~~والأنصار جميعا إلى عصبيات القبائل الأخرى التي أصهر إليها. ولكنه على ذلك لم ~~يرشح نفسه للخلافة، ولم يسمع لمن ألح عليه في هذا الترشيح، وإنما أسرع فأخرج نفسه ~~من الأمر إخراجا، وأراد أن يكون حكما بين المتنافسين. وقد قبل المتنافسون حكمه ~~بعد أن أخذ عليه علي موثقا من الله ليلزمن الحق غير محاب لصهر أو قرابة. ~~فأعطى هذا الموثق عن رضا، واستقبل الأمر على النحو الذي وصفنا فيما مضى. وكان ~~يقول: «لأن توضع حربة على حلقي حتى تنفذ من الجانب الآخر أحب إلي من أن ألي هذا ~~الأمر.» # فهو إذن قد رفع نفسه عن الحكم وما يحيط به من الظنة والشبهات، وأعفى نفسه من ~~التبعات، وآثر أن يكون رجلا من الناس، يفرغ لدينه، ويفرغ لدنياه، على أن تكون ~~دنياه سبيله إلى دينه. وكان من الطبيعي بعد أن أصدر حكمه ورشح عثمان وأخذ له ~~البيعة من أعضاء الشورى، وحمل الناس على مبايعته أن يكون رقيبا عليه من قريب. # ولم يكن عبد الرحمن في أول خلافة عثمان معارضا له، وإنما كان يؤيده ويرقبه، حتى ~~تكلم الناس فسمع لهم وتشدد في مراقبته. ونظر الناس ذات يوم فإذا هو أحد المعارضين ~~لعثمان في أمور الدين ms133 والسياسة جميعا. ثم نظروا ذات يوم فإذا هو لا يقف عند ~~المعارضة، وإنما يقاطع عثمان فلا يزوره ولا يكلمه. وقد يغلو بعض الرواة فيزعم أنه ~~ندم على توليته، وأنه قال لعلي ذات يوم: إن شئت فخذ سيفك وآخذ سيفي حتى نجاهده. ~~وأنه قال لبعض من حضره قبيل موته: عاجلوه قبل أن يسرف عليكم وعلى نفسه. ولكن هذه ~~الأخبار خليقة ألا تخلو من التكلف، والشيء الذي ليس فيه شك هو أنه عارض عثمان في ~~أمور الدين حين أتم الصلاة حيث كان النبي وصاحباه يقصرونها، وعارضه فيما أعطى ~~لقرابته من الأموال. # | الفصل الخامس عشر # وكان سعد بن أبي وقاص زهريا كعبد الرحمن، وقال النبي عنه ذات يوم وقد رآه مقبلا: ~~«هذا خالي.» وقد قدمنا أن سعدا سبق إلى الإسلام فيمن سبق، حتى كان يقول: «لقد ~~رأيتني وإني لثلث الإسلام.» وحتى كان يقول: «لقد أسلمت وما فرض الله الصلوات.» وقد ~~أبلى فأحسن البلاء كغيره من أصحابه، وكان أول من رمى بسهم في سبيل الله. وفداه ~~النبي بأبويه جميعا يوم أحد. وكان يتحدث بقصة أخيه عمير بن أبي وقاص الذي هاجر ~~إلى المدينة غلاما حدثا، فلما استعرض النبي الخارجين معه إلى بدر رأى سعد أخاه ~~عميرا يستخفي، فسأله عن ذلك فقال: أخشى أن يراني رسول الله فيستصغرني فيردني، ~~وأنا أحب الخروج لعلي أن أستشهد. وقد رآه النبي فاستصغره فرده، وبكى الغلام ~~فأذن له النبي في الخروج، وكان سعد يعقد له خمائل سيفه لصغره، وقد رزق الشهادة ~~التي طلبها، فقتل فيمن قتل من المسلمين يوم بدر. # وكان سعد أثيرا عند رسول الله؛ مرض بمكة بعد الفتح فعاده النبي ودعا الله أن يشفيه ~~حتى لا يموت في الأرض التي هاجر منها، وتحدث إليه في مرضه ذاك بحديث الوصية الذي ~~يأمر بألا يوصي الإنسان بأكثر من ثلث ماله. وتركه في مكة وخلف عليه رجلا من ~~أصحابه وقال له: إن مات سعد بعدي فادفنه ها هنا، وأشار إلى طريق المدينة. وقال ~~لسعد: «إني لأرجو أن يرفعك الله فينفع ms134 بك قوما ويضر آخرين.» ويقال إن النبي تمنى ~~على الله أن يستجيب لسعد إذا دعا. وقد استجاب الله دعاء النبي، فبرئ سعد من مرضه ~~ذاك، وعاش حتى نكأ الله به قوما ونفع آخرين، فهو بطل القادسية، وهازم جند كسرى. # وقد جعله عمر بين الستة الذين جعل إليهم الشورى في أمر الخلافة؛ فكان مرشحا ~~للخلافة إذن، ولكن عبد الرحمن خلعه منها كما خلع نفسه. # وقد كانت لسعد زوجات كثيرات، ولكنهن كن متفرقات في قبائل العرب. ولم يتزوج من قريش ~~إلا امرأة واحدة زهرية مثله. وكأن قوما كانوا يشكون في نسبه ويؤذونه بذلك، حتى ~~أقبل ذات يوم على النبي فقال: يا رسول الله، من أنا؟ فقال له النبي: «أنت سعد بن ~~وهيب بن عبد مناف بن زهرة، من قال غير ذلك فعليه لعنة الله.» وهذا فيما أرجح هو ~~الذي قلل إصهاره إلى قريش. ويزعم بعض الرواة أن سعدا كان هواه مع علي أثناء ~~الشورى، وأنه تحدث في ذلك إلى عبد الرحمن. ولكن هذا قد يصح وقد لا يصح، وقد أوصى ~~عمر الخليفة من بعده إن صرفت الخلافة عن سعد أن يوليه؛ فإنه لم يعزله عن خيانة. ~~وقد أنفذ عثمان هذه الوصية، فولى سعدا الكوفة عاما وبعض عام، ثم عزله وولى ~~الوليد. وقد قدمنا رأينا فيما يروى من القصة التي دعت إلى عزل سعد. ونضيف إلى ما ~~قدمنا أن الخلاف بين سعد وابن مسعود، على ما كان سعد قد اقترض من بيت المال، يروى ~~أنه وقع بين الوليد بن عقبة وبين عبد الله بن مسعود. فأكبر الظن أن الذين أضافوا ~~هذه القصة إلى سعد قد خلطوا بين الرجلين عن عمد أو عن خطأ. ومهما يكن من شيء فقد ~~كان سعد وفيا ببيعته لعثمان. وسواء أغضب لعزله إياه أم لم يغضب فلم يكن عنيفا ~~في معارضته، بل لم يكد يشارك في هذه المعارضة إلا حين كانت رفيقة لا تتجاوز النصح ~~والأمر بالمعروف. فلما خرجت المعارضة عن طورها وقاربت أن تكون ثورة، كف سعد ولزم ms135 ~~الحياد، ولم يشارك في الفتنة ولا في أعقابها. وكان إذا كلم في ذلك وسئل: لم لا ~~تقاتل؟ قال: حتى تأتوني بسيف ينطق فيقول: هذا مؤمن وهذا كافر. وكأن سعدا تحرج من ~~أن يظهر النكير على عثمان، فيتهم بأنه إنما يفعل ذلك لأنه ينقم من عثمان عزله عن ~~الكوفة. # ومهما يكن من شيء، فقد لزم سعد السيرة التي سارها أيام النبي، فجاهد ما عرف الجهاد ~~مع النبي وأيام عمر، فلما أشكل الأمر عليه اعتزل وترك الناس وما هم فيه. ولما مات ~~سنة خمسين أو سنة خمس وخمسين، طلب أزواج النبي أن تمر جنازته عليهن، فمر به في ~~المسجد وصلين عليه. ولم يترك سعد ثروة ضخمة حين مات بالقياس إلى أصحابه، وإنما ترك ~~بين مائتي الألف وثلاثمائة الألف. وليس هذا بالشيء ذي الخطر كما رأيت وكما سترى. # | الفصل السادس عشر # كانت قرابة الزبير بين العوام قريبة من النبي. فهو ابن عمته صفية بنت عبد المطلب، ~~ومن خديجة أم المؤمنين. فهو الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن ~~قصي؛ فخديجة عمته، فكان هو ابن عمة رسول الله، وكانت فاطمة بنت عمته. وقرابة ~~الزبير من أبي بكر قريبة أيضا؛ فهو قد أصهر إليه، فتزوج ابنته أسماء ذات ~~النطاقين، فزاد ذلك من قرابته من النبي، أصبح سلفه؛ فعائشة أم المؤمنين وأسماء بنت ~~أبي بكر أختان. وبذلك كان الزبير يوشك أن يكون من آل بيت النبي، وكان من الغريب أن ~~يقول له عثمان، وقد اختصما ذات يوم فقال الزبير: أنا ابن صفية. فقال عثمان: هي ~~أدنتك من الظل، ولولاها لكنت ضاحيا. فهي أدنته من الظل ما في ذلك شك، ولكنه ~~لولاها لم يكن ضاحيا. # وقد عرف الزبير منذ طفولته بالقوة والبأس والإقدام، ثم كان من السابقين إلى ~~الإسلام، وشهد بدرا ثاني فارسين اثنين شهدا هذه الموقعة، ثم هو شهد المشاهد كلها ~~مع النبي. وكان النبي يدعوه حواريه، فدعاه المسلمون منذ ذلك الوقت حواري رسول ~~الله. # ولسنا نعرف كيف بدأت ثروة الزبير، ولكنا ms136 نعلم أنها لم تكن محدثة. فقد رأيت أنه كان ~~أحد فارسين اثنين في غزوة بدر، وقد لزم المدينة بعد وفاة النبي، فلم يخرج منها ~~أيام أبي بكر وعمر إلا بإذن من عمر أو للحج. وقد وضعه عمر في الشورى فكان مرشحا ~~للخلافة، ولم يظهر ميلا إلى أحد المتنافسين علي وعثمان، وإنما أسلم الأمر إلى عبد ~~الرحمن في غير جهد. وقد كان عثمان يؤثره بعد أن استخلف. ويروي ابن سعد أنه أعطاه ~~ستمائة ألف، فجعل يسأل عن أحسن المال، فقيل له الأرض، فاشترى أرضا في العراق في ~~المصرين جميعا، واشترى أرضا بمصر. ويقول ابن سعد: إنه لم يكن يحب أن يودع الناس ~~عنده الودائع، وإنما كان إذا أراد أحد أن يودعه مالا قال: إنما هو قرض. كان يخاف ~~على الوديعة أن تضيع من جهة، ويستبيح لنفسه بذلك استثمار هذه القروض من جهة أخرى. ~~ولذلك عظمت ثروته حتى أصبحت مضربا للأمثال، وعظم دينه كذلك. وأوصى ابنه عبد الله ~~يوم الجمل أن يؤدي عنه دينه من ماله؛ فإذا فرغ من ذلك أخذ ثلث الميراث لولده، ثم ~~قسم سائره بين الورثة، وتقدم إليه إن تعسر عليه أداء شيء من الدين أن يستعين ~~الله. فكان عبد الله بن الزبير يستعين الله مولى الزبير كلما وجد شيئا من مشقة في ~~أداء دين أبيه. # وهم كثير من الدائنين أن يتركوا دينهم للورثة، ولكن عبد الله أبى وأدى الدين ~~كله إلى أصحابه، وكان يبلغ مليونين ونصف مليون من الدراهم. والناس يختلفون في ~~مقدار ما قسم على الورثة من تركة الزبير بعد أن لبث عبد الله أربعة أعوام ينادي في ~~الناس بالموسم من كان له عند الزبير دين فليرفعه إلينا: فالمقللون يقولون إن ~~الورثة اقتسموا فيما بينهم خمسة وثلاثين مليونا، والمكثرون يقولون إنهم اقتسموا ~~اثنين وخمسين مليونا، والمعتدلون يقولون إنهم اقتسموا أربعين مليونا. ولا غرابة ~~في ذلك؛ فقد كانت للزبير خطط في الفسطاط وخطط في الإسكندرية وخطط في البصرة وخطط ~~في الكوفة، وإحدى عشرة دارا في المدينة، وكانت له ms137 بعد ذلك غلات وعروض أخرى. # وواضح أن الزبير لم يشتد في معارضة عثمان أول الأمر، فقد كان عثمان يؤثره ويعطيه ~~على خصومة كانت بينهما وقتا ما. وكان عثمان يحب عبد الله بن الزبير ويؤثره، وقد ~~أمره على الدار حين كان محاصرا، وأعطاه وصيته ليؤديها إلى أبيه، وكان عثمان قد ~~أوصى إلى الزبير. وإنما شارك الزبير أصحاب النبي فيما كانوا يوجهون إلى عثمان من ~~نقد ويسوقون إليه من نصح، ولا نعرف أنه اشتد عليه إلا أن يكون في ذلك شريكا لغيره ~~من أصحاب النبي. # | الفصل السابع عشر # وكان طلحة بن عبيد الله تيميا من رهط أبي بكر، وكان في جاهليته تاجرا، وكان ~~صديقا لعثمان، وكانا قد خرجا معا في التجارة إلى الشام في العام الذي أسلما فيه. ~~وقد كان طلحة من السابقين الأولين كأصحابه، ولم يصرفه الإسلام عن تجارته، وإنما ~~كان يخرج إلى الشام بها. وقد لقي النبي في طريقه إلى المدينة مهاجرا ومعه أبو ~~بكر، وكان هو عائدا من الشام، فأهدى إليهما، وأنبأهما بأن المسلمين في المدينة ~~يستبطئون النبي. فأغذ رسول الله السير ليخفف عليهم من هذا الانتظار. ومضى طلحة إلى ~~مكة، فأصلح أمره فيها، ثم لحق برسول الله في المدينة، فأقام معه بين أصحابه ~~المهاجرين. # وقد شهد بدرا وأحدا والمشاهد كلها مع النبي، وأبلى فأحسن البلاء، ودافع في أحد ~~عن النبي دفاعا حسنا، وتلقى عنه سهما بيده فأصاب إصبعا من أصابعه فشلت، ~~وأصابته في أحد جراحات في جسمه كله، حتى كان النبي يقول: «من سره أن يرى رجلا ~~يمشي على الأرض بعد أن قضى نحبه، فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله.» يريد أن طلحة ~~أشرف على الموت يوم أحد فكان حكمه حكم الشهداء. ويشير في أكبر الظن إلى الآية ~~الكريمة: # من المؤمنين رجال صدقوا ما ~~عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ~~ينتظر وما بدلوا تبديلا ~~. فكأن النبي أراد أن يلحق ~~طلحة بمن استشهد من المسلمين يوم أحد ومنهم حمزة ومصعب بن عمير. # وقد مضى طلحة في ms138 تجارته، لم يصرفه عنها إلا ما كان يكون من شهوده الغزو مع النبي. ~~وأقام في المدينة أيام أبي بكر وعمر كما أقام فيها غيره من أعلام المهاجرين. ووضعه ~~عمر في الشورى ولكنه لم يشهدها، كان في بعض ماله غائبا عن المدينة حين مات عمر. ~~وقد أرسل أصحابه إليه يتعجلون مقدمه، فأقبل مسرعا، ولكنه بلغ المدينة وقد تمت ~~البيعة لعثمان. وقد أغضبه أن يتم أصحاب الشورى أمرهم من دونه، فجلس في داره وقال: ~~مثلي لا يفتات عليه. ويقال إن عبد الرحمن بن عوف سعى إليه فطالبه بالبيعة لعثمان ~~وحذره عاقبة الخلاف. ويقال إن عثمان نفسه سعى إليه وقال له: إن شئت أن أرد الأمر ~~رددته. قال طلحة: أوتفعل؟ قال عثمان: نعم! قال طلحة: فإني لا أرد الأمر، فإن شئت ~~بايعتك في مجلسك هذا، وإن شئت بايعتك في المسجد. # وكان بنو أمية يشفقون أن يتلكأ طلحة ببيعته، فلما بايع اطمأنوا، وكان عثمان يصل ~~طلحة فيحسن صلته. قالوا: إن طلحة كان اقترض من عثمان خمسين ألفا، فقال له ذات ~~يوم: قد حضر مالك، فأرسل من يقبضه، قال عثمان: هو لك معونة على مروءتك. ويقال: إن ~~عثمان وصل طلحة بمائتي ألف. وكانت بين طلحة وعثمان مبايعات: يبيع طلحة ويشتري ~~عثمان في الحجاز، ويبيع عثمان ويشتري طلحة في العراق. وكان طلحة كثير الصدقة، لا ~~يحب أن يجتمع في داره المال السائل، فكان إذا اجتمع في داره منه شيء كثير، لم ~~يسترح حتى يتخفف منه بتقسيمه في ذوي قرابته من تيم، وفي ذوي مودته من قريش ~~والأنصار. وكان أسرع الناس معونة لمن يحتاج إلى المعونة، وأداء عمن يثقل عليه ~~الدين. وكان أعطى الناس للمال والكسوة، وأسخاهم بالطعام. وكانت ثروته بعد هذه ~~النفقات الضخمة واسعة جدا، حتى كان الحديث عن ثرائه وعطائه مصدر اختلاف على سعيد ~~بن العاص في الكوفة كما قدمنا. # وطلحة فيما يقول الرواة أول من استنبت القمح في أرض الحجاز. ولما مات كانت تركته ~~ثلاثين مليونا من الدراهم، كان النقد منها مليونين ومائتي ألف ms139 درهم ومائتي ألف ~~دينار، وكان سائرها عروضا وعقارا. # 1 # وكان طلحة - كما رأيت - معارضا لعثمان منذ اليوم الأول لخلافته؛ لأن البيعة تمت ~~وهو غائب، ولكن عثمان ترضاه فاستقامت الأمور بينهما، ثم وصله فازدادت الأمور ~~استقامة، فلما ظهر الخلاف على عثمان كان طلحة من المسرعين إليه، فيما يقول الرواة. ~~ولما اشتد الخلاف كان طلحة من المؤلبين، ولما حوصر عثمان كان طلحة من المشاركين في ~~الحصار، ولما قتل عثمان كان طلحة من الذين عجبوا لحزن علي على مقتل عثمان. ولما ~~بويع علي كان طلحة من المبايعين مع الزبير، ثم خرج مع الزبير مطالبا بدم عثمان، ~~ناقضا بيعته لعلي وقد قتل في يوم الجمل، قتله فيما يقول الرواة، مروان بن الحكم، ~~رماه بسهم فأصابه، فقال مروان: والله لا طالبت بعده بدم عثمان أبدا. كان مروان ~~يرى أن طلحة أشد المحرضين على قتل عثمان. ولما أصيب طلحة وجعل دمه ينزف قال: هذا ~~سهم أرسله الله! اللهم خذ لعثمان مني حتى ترضى. فكان طلحة إذن يمثل نوعا خاصا ~~من المعارضة، رضي ما أتاح الرضا له الثراء والمكانة، فلما طمع في أكثر من ذلك عارض ~~حتى أهلك وهلك. # | الفصل الثامن عشر # وقرابة علي بن أبي طالب من النبي أظهر من أن نبينها، ومكانته عنده ممتازة ما في ~~ذلك شك؛ فعطف أبي طالب على النبي معروف، وقيامه دونه يحميه ويحمي دينه من قريش ~~مستفيض. وكان أبو طالب قد كفل النبي في صباه، وكان النبي قد كفل عليا في صباه ~~حين كثر الولد على أبي طالب وضاقت ذات يده. وبعث النبي وعلي عنده صبي، فأسلم ~~علي وهو ابن تسع سنين أو ابن إحدى عشرة سنة. وظل بعد إسلامه في حجر النبي يعيش ~~بينه وبين خديجة أم المؤمنين. وهو لم يعقل الأوثان قط، دخل في الإسلام قبل أن ~~يعقلها، فامتاز بين السابقين الأولين بأنه نشأ نشأة إسلامية خالصة، وامتاز كذلك ~~بأنه نشأ في منزل الوحي بأدق معاني هذه الكلمة وأضيقها. ثم استخلفه النبي حين هاجر ~~إلى المدينة على ما ms140 كان عنده من الودائع ليردها إلى أصحابها، فأقام في مكة ثلاثة ~~أيام، ثم لحق بالنبي فأدركه قبل أن يتحول عن قباء. # ويقول رواة السيرة: إنه نام في فراش النبي ليلة ائتمرت قريش به لتقتله. ولما هاجر ~~إلى المدينة وآخى النبي بين المهاجرين ثم بينهم وبين الأنصار، آخى بين علي وبين ~~نفسه، ثم آخى بين علي وبين سهل بن حنيف. # فعلي إذن هو ابن عم النبي في النسب وربيبه، ثم هو بعد ذلك أخوه في الهجرة. وقد زوجه ~~النبي ابنته فاطمة، فكان منهما عقبه إلى الآن. وكان علي صاحب لواء النبي في ~~مشاهده كلها أثناء القتال. وكان شجاعا مقداما جريئا قويا قوة غير معهودة في ~~الرجال. ولما خرج النبي لغزوة تبوك استخلفه في أهله، فكره علي ذلك أو خاض فيه ~~الناس، فقال النبي لعلي: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى! إلا أنه ~~لا نبي بعدي.» ومات النبي ولم يبين عن أمر الخلافة بشيء من نص صريح، وإنما قال ~~أثناء مرضه: «مروا أبا بكر فليصل بالناس.» فقال الذين اختاروا أبا بكر للخلافة: ~~رضيه رسول الله لديننا أفلا نرضاه نحن لدنيانا! وما أريد أن أدخل فيما أثير من ~~الخلاف بين الشيعة وخصومهم حول بيعة أبي بكر وعمر، وإنما أسجل أن عليا بايع هذين ~~الخليفتين مخلصا، ونصح لهما صادقا، وأشار عليهما كلما احتاجا إلى مشورته. ولو قد ~~قال المسلمون بعد وفاة النبي: إن عليا كان أقرب الناس إليه، وكان ربيبه وكان ~~خليفته على ودائعه، وكان أخاه بحكم تلك المؤاخاة، وكان ختنه وأبا عقبه، وكان صاحب ~~لوائه، وكان خليفته في أهله، وكانت منزلته منه بمنزلة هارون من موسى بنص الحديث عن ~~النبي نفسه - لو قد قال المسلمون هذا كله واختاروا عليا بحكم هذا كله للخلافة ~~لما أبعدوا ولا انحرفوا. ويقال: إن العباس بن عبد المطلب هم أن يبايع ~~عليا،فأبى علي وكره الفرقة. ومضت الأمور على هذا النحو أثناء خلافة الراشدين ~~أبي بكر وعمر. ثم وضعه عمر في الشورى ولم يعهد إليه خاصة، ms141 مع أنه قال: «لو ولوه ~~لحملهم على الجادة.» # ولم يعهد عمر إلى علي لخصلتين: إحداهما أنه لم يرد أن يتحمل أمر المسلمين حيا ~~وميتا كما قال، والأخرى أن الكثرة من قريش كانت تصرف هذا الأمر عن بني هاشم ~~مخالفة أن يبقى فيهم وراثة، فلا يصيب حيا من أحيائهم إلى آخر الدهر. فكان بنو ~~هاشم قد أبعدوا عن هذا الأمر عمدا، أبعدتهم عنه مخافة قريش أن تظل لبني هاشم ~~رعية، وألا تكون الخلافة في حي آخر من أحيائها. # لم يعهد عمر إلى عثمان لخصلتين أيضا: إحداهما الإشفاق من أن يحمل أمر المسلمين ~~حيا وميتا، والأخرى خوفه أن يستأثر بنو أمية بالخلافة دون غيرهم من أحياء قريش. ~~وقيل: إن العباس أشار على علي ألا يدخل في الشورى، وضمن له إن فعل ألا يختلف ~~عليه الناس. ولكن عليا لم يقبل هذه المشورة، وقبل عهد عمر كما قبله غيره من ~~المسلمين، فوفى ببيعته لعمر حيا وميتا. وكان كل شيء يرشح عليا للخلافة بعد ~~موت عمر: قرابته من النبي، وسابقته في الإسلام، ومكانته بين المسلمين، وحسن بلائه ~~في سبيل الله، وسيرته التي لم تعرف العوج قط، وشدته في الدين، وفقهه بالكتاب ~~والسنة، واستقامة رأيه في كل ما عرض من المشكلات. # ولئن تحرج المسلمون من تقديمه على أبي بكر؛ لأنه كان رفيع المكانة عند النبي ~~وثاني اثنين في الغار، ولأنه خلف النبي على الصلاة بالناس، ولئن تحرج المسلمون من ~~تقديمه على عمر لمكانة عمر أولا ولعهد أبي بكر بالخلافة إليه ثانيا؛ لقد كان ~~المسلمون يستطيعون أن يختاروا عليا للخلافة لا يجدون بذلك بأسا ولا يلقون فيه ~~حرجا. فعمر قد رشحه، ومكانته ترشحه. ثم هو كان بعد ذلك من قوة العصبية في العرب ~~عامة وفي قريش خاصة بالمنزلة التي كان فيها عبد الرحمن بن عوف؛ فهو قد أصهر إلى ~~قريش، وأصهر إلى ربيعة، وأصهر إلى اليمانية، وكان له بنون من نسائه على اختلاف ~~قبائلهن. فلو قد ولى الخلافة قبل أن يفترق الناس لكان خليقا أن يقارب بين ms142 ~~العصبيات المتباعدة، وأن يجمع الناس على طاعته، وأن يحملهم على الجادة، كما قال ~~عمر. # ولكن المسلمين لم يختاروه لأمرين: أحدهما خوف قريش أن تستقر الخلافة في بني هاشم إن ~~صارت إلى أحد منهم. وقد بينت الحوادث أن عليا لم يكن لينقل الخلافة بالوراثة؛ ~~فهو قد سار سيرة النبي وسيرة عمر، فلم يعهد لأحد من بعده. # والآخر أن عليا لم يقبل ما عرضه عليه عبد الرحمن من أن يبايع على كتاب الله وسنة ~~رسوله وفعل أبي بكر وعمر لا يحيد عن شيء من ذلك، تحرج علي من أن يعطي هذا العهد ~~مخافة أن تضطره الظروف إلى أن يقصر عن الوفاء به كاملا، فعرض أن يبايع على أن ~~يلزم كتاب الله وسنة رسوله وسيرة الشيخين بقدر جهده وطاقته. وكان تحرجه هذا خليقا ~~أن يعطف الناس عليه ويرغبهم فيه ويدفعهم إلى حسن الظن به وجميل الثقة بإخلاصه؛ ~~لأنه لم يرد أن يلتزم إلا ما أطاق. ولكن عبد الرحمن كان كغيره من المسلمين دقيق ~~الحس في كل ما يتصل بشئون الخلافة، فكأنه أشفق أن يكون تحفظ علي مظهرا لشيء من ~~الأثرة. فلما أعطاه عثمان العهد على التزام كتاب الله وسنة رسوله وفعل الشيخين لا ~~يحيد عن شيء من ذلك، بايعه مطمئنا. وقد أظهرت الحوادث فيما بعد أن عثمان لم يطق ~~ما أطاق الشيخان، ولم يستطع أن يلزم سيرتهما. كما أظهرت الحوادث أيضا أن عليا ~~قد أطاق أثناء خلافته القصيرة ما أطاق الشيخان وأشد مما أطاق الشيخان. فهو قد سار ~~سيرة عمر مع رعية أشد وأعسر وأرغب في الدنيا من رعية عمر. وهو قد سار سيرة عمر مع ~~افتراق الشمل واختلاف الرأي وانشقاق العصا وكثرة الفتن وما استتبعت من ~~الحروب. # وقد عاش علي قبل الفتوح كما عاش بعد الفتوح، عيشة هي إلى الخشونة والشظف أقرب ~~منها إلى الرقة واللين. فلم يتجر ولم يتسع، وإنما اقتصر على عطائه يعيش منه ويرزق ~~أهله، ويستثمر فضوله في مال اشتراه بينبع، ثم لم يزد عليه. ولما مات لم تحص ms143 تركته ~~بالألوف فضلا عن عشراتها أو مئاتها أو الملايين، وإنما كانت تركته كما قال الحسن ~~ابنه في خطبة له: سبعمائة درهم، كان يريد أن يشتري بها خادما. # وكان علي أثناء خلافته القصيرة يلبس خشن الثياب والمرقع منها، ويحمل الدرة ويمشي ~~في الأسواق، فيعظ أهلها ويؤدبهم كما كان يفعل عمر. فكان هذا دليلا على أن عمر كان ~~صادق الفراسة حين قال: «لو ولوا الأجلح لحملهم على الجادة.» # وواضح أن عليا كان بطبيعة مركزه معارضا في جعل الخلافة إلى غير بني هاشم، ولكنه ~~كان ديمقراطيا بأدق المعنى الحديث لهذه الكلمة. فالخلافة لم تكن عنده شيئا ~~يورث، وإنما كانت تكليفا يتلقاه الخليفة من أولي الحل والعقد بين المسلمين عن ~~تراض بينهم وبينه. فلما لم يقدم أولو الحل والعقد إليه الخلافة وقدموها إلى أبي ~~بكر ثم إلى عمر، نزل عند رأيهم وبايع الشيخين ووفى لهما ومحضهما النصح وأخلص لهما ~~في المشورة. وهم أن يلفت الناس إلى نفسه بعد موت عمر حين كان أصحاب الشورى ~~يأتمرون، ولكنه فعل ذلك على استحياء شديد، ثم لم يلبث أن كف وجعل نفسه كغيره من ~~الناس، فأخذ موثق عبد الرحمن على النصح للمسلمين وأعطى موثقه على السمع والطاعة. ~~ويقول المتكلفون من الرواة إنه تلكأ في بيعة عثمان حتى حذره عبد الرحمن وأنذره. ~~ولكن رواة آخرين يقولون ما هو أشبه بسيرة علي وأشد ملاءمة لخلقه. يقولون: إنه ~~حين أبى أن يعطي عبد الرحمن العهد الذي طلبه وحين أعطى عثمان هذا العهد، قال لعبد ~~الرحمن: قد أعطاك أبو عبد الله الرضا فبايعه. ولو قد تلكأ علي بالبيعة ولم يعطها ~~إلا كارها لكان خليقا أن يلزم داره وأن يقاطع عثمان وأهل الشورى وقتا يقصر أو ~~يطول. ولكنه لم يلزم داره، وإنما شهد مجلس عثمان في أمر بيعته، وأشار عليه في قصة ~~عبيد الله بن عمر بأن يقتص منه لمقتل الهرمزان. # كان علي معارضا للخلفاء الثلاثة، ولكن الشيخين لم يأتيا ما يدعو إلى النقد ~~الرفيق فضلا عن النقد الشديد، فلم تظهر معارضة علي ms144 لهما، وإنما كان ينصح مع ~~الناصحين ويشير مع المشيرين، ويسمع بعد ذلك ويطيع، كما كان يفعل غيره من المهاجرين ~~والأنصار. فلما استخلف عثمان اشتدت معارضة علي شيئا ما أثناء الشورى ثم ثاب إلى ~~سيرته مع الشيخين، فنصح وأشار وسمع وأطاع. ولكن سياسة عثمان دفعته إلى شيء من ~~الشدة في المعارضة؛ فهو لم ير ما رآه عثمان من العفو عن عبيد الله بن عمر. ثم لم ~~تلبث الحوادث أن دفعته إلى معارضة جعلت شدتها تزداد شيئا فشيئا، ولكنها على كل ~~حال لم تخرج قط عن طور المعارضة الرشيدة التي تلين وتعنف، ولكنها تلزم حدود النصح ~~والمشورة والتخويف من عقاب الله. وما زالت الأحداث تشتد وتتفاقم حتى اضطر علي ~~ذات يوم أن يواجه عثمان بشيء من المقاومة على ملأ من الناس. كان ذلك حين أعلن ~~عثمان في غير تحفظ أنه سيأخذ من هذا المال حاجته وإن رغمت أنوف الكارهين ~~لذلك. # فقال له علي: إذن تمنع من ذلك. وعلى كل حال لم يخرج علي قط في سيرته مع عثمان ~~عن النصح والمشورة والنقد الشديد أحيانا. وهو كان يتوسط بين عثمان وبين الناقمين ~~منه والخارجين عليه، يبصر عثمان بالحق، ويرد الناس عن الفتنة. حتى إذا استيأس من ~~مقاومة عثمان لأهل بيته، لزم داره ولم يتوسط بينه وبين الناس. ثم هو مع ذلك ظل ~~بارا بعثمان أثناء الحصار، فأنفذ إليه الماء وأرسل ابنيه لمقاومة المحاصرين. وما ~~ينكر أحد أن التنافس بين علي وعثمان قد اتصل أثناء خلافة عثمان كلها. ولكن الشيء ~~الذي لا شك فيه هو أن قرابة عثمان ما زالت به حتى أخافته من علي إلى أبعد حد ~~ممكن. ولو قد سار عثمان سيرة عمر، ولو لم تدخل قرابة عثمان بينه وبين الناس؛ لكان ~~من غير المشكوك فيه أن يسير معه على سيرته مع الشيخين من قبل. ولكن لو سار عثمان ~~سيرة عمر ولو لم تدخل قرابته بينه وبين الناس؛ لما كانت الفتنة، ولما احتجنا إلى ~~إملاء هذا الكتاب. # والدليل على أن قرابة عثمان ms145 هي التي أفسدت الأمر بينه وبين علي حتى هم ذات يوم ~~أن يبطش به، ما رواه البلاذري في «أنساب الأشراف» بإسناده من أن العباس توسط ~~بينهما، فقال لعثمان: أذكرك الله في أمر ابن عمك وابن خالك وصهرك وصاحبك مع رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم ~~؛ فقد بلغني أنك تريد أن تقوم به وبأصحابه. فقال: «أول ما أجيبك به ~~أني قد شفعتك. إن عليا لو شاء لم يكن أحد عندي إلا دونه، ولكنه أبى إلا رأيه.» ~~ثم قال لعلي مثل قوله لعثمان، فقال علي: «لو أمرني عثمان أن أخرج من داري لخرجت.» # 1 # ولكن هذه الوساطة لم تغن شيئا؛ فقد مضى عثمان في سياسته، ومضى علي في معارضته، ~~ومضت قرابة عثمان في إفساد الأمر بينهما، حتى اشتد الحرج. فروى البلاذري بإسناده ~~أيضا عن عبد الله بن عباس: «أن عثمان شكا عليا إلى العباس، فقال له: يا خال، إن ~~عليا قطع رحمي وألب الناس ابنك. والله لئن كنتم يا بني عبد المطلب أقررتم ~~هذا الأمر في أيدي بني تميم وعدى، فبنو عبد مناف أحق ألا تنازعوهم فيه ولا ~~تحسدوهم عليه. قال عبد الله بن العباس: فأطرق أبي طويلا، ثم قال: يا ابن أخت، لئن ~~كنت لا تحمد عليا فما يحمدك له، وإن حقك في القرابة والإمامة للحق الذي لا ~~يدفع ولا يجحد. فلو رقيت فيما تطأطأ أو تطأطأت فيما رقي تقاربتما، وكان ذلك ~~أوصل وأجمل. قال: قد صيرت الأمر في ذلك إليك، فقرب الأمر بيننا. قال: فلما خرجنا ~~من عنده دخل عليه مروان فأزاله عن رأيه. فما لبثنا أن جاء رسول عثمان بالرجوع ~~إليه، فلما رجع قال: يا خال أحب أن تؤخر النظر في الأمر الذي ألقيت إليك حتى أرى ~~من رأيي. فخرج أبي من عنده ثم التفت إلي فقال: يا بني ليس إلى هذا الرجل من أمره ~~شيء، ثم قال: اللهم اسبق بي الفتن ولا تبقني إلى ما لا خير لي في البقاء إليه. ~~فما كانت جمعة حتى هلك.» # 2 # فقد ms146 سفر العباس إذن سفارة الخير بين الرجلين فوفق للنجح. وهم عثمان أن يسفره ~~للمرة الثانية، وكان خليقا أن يصيب من النجح ما أصاب في المرة الأولى، ولكن مروان ~~صرفه عن هذا الرأي، فجعلت الأمور تمضي من فساد إلى فساد حتى كانت الفتنة التي ~~توقعها العباس. # وقد رأيت في هذه الفصول الخمسة الأخيرة أطرافا من سيرة أصحاب الشورى ومن موقفهم ~~بإزاء عثمان بعد استخلافه. ولعل خير ما نختم به هذه الفصول ما يروى من رأي عمر في ~~هؤلاء النفر. وسواء أصحت بذلك الرواية عن عمر أم لم تصح؛ فإن هذا الرأي يصور ما ~~استقر في نفوس الناس وفي نفوس الرواة والمؤرخين وأصحاب الحديث خاصة من ~~صورهم. # روى البلاذري بإسناده عن ابن عباس قال: «قال عمر: لا أدري ما أصنع بأمة محمد، وذلك ~~قبل أن يطعن. فقلت: ولم تهتم وأنت تجد من تستخلفه عليهم؟ قال: أصاحبكم؟ - يعني ~~عليا - قلت: نعم، هو أهل لها في قرابته برسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وصهره وسابقته ~~وبلائه. فقال عمر: إن فيه بطالة وفكاهة. فقلت: فأين أنت عن طلحة؟ قال: فأين الزهو ~~والنخوة؟ قلت: عبد الرحمن بن عوف؟ قال: هو رجل صالح على ضعف. قلت: فسعد؟ قال: ذاك ~~صاحب مقنب وقتال، لا يقوم بقرية لو حمل أمرها. قلت: فالزبير؟ قال: لقيس ~~مؤمن الرضا، كافر الغضب شحيح. إن هذا الأمر لا يصح إلا لقوي في غير عنف، رفيق في ~~غير ضعف، جواد في غير سرف. قلت: فأين أنت عن عثمان؟ قال: لو وليها لحمل بني أبي ~~معيط على رقاب الناس، ولو فعلها لقتلوه.» # 3 # | الفصل التاسع عشر # على أن معارضة هؤلاء النفر من أصحاب الشورى لعثمان لم تكن إلا أيسر المعارضة؛ فقد ~~كان له معارضون آخرون من أصحاب النبي، بل من أعلام الصحابة، وكانت بينه وبينهم ~~خطوب حفظها التاريخ، وتكلم فيها الناس فأكثروا الكلام، واختلفوا فأكثروا ~~الاختلاف. من هؤلاء المعارضين عبد الله بن مسعود الهذلي حليف بني زهرة. وكان عبد ~~الله حين لقي النبي لأول مرة غلاما ms147 يرعى غنما لعقبة بن أبي معيط، فأتاه النبي ~~وأبو بكر ذات يوم فاستسقياه . قال الغلام: لا أسقيكما، فإني مؤتمن. قال النبي: فهل ~~عندك شاة لم ينز عليها الفحل؟ فدفع الغلام إليه شاة، فمسح النبي على ضرعها ~~فاحتفل، وجاءه أبو بكر بصخرة متقعرة، فاحتلب منه وشرب وشرب أبو بكر. ثم قال النبي ~~للضرع: اقلص، فعاد كما كان. ومنذ ذلك الوقت أسلم ابن مسعود ولزم النبي. وكان أحفظ ~~أصحابه للقرآن وأرواهم له وأشدهم له إظهارا بمكة. وهاجر ابن مسعود إلى بلاد ~~الحبشة ثم إلى المدينة، فآخى النبي بينه وبين الزبير بن العوام من المهاجرين، وآخى ~~بينه وبين معاذ بن جبل من الأنصار. وشهد ابن مسعود بدرا وأحدا والمشاهد كلها مع ~~النبي. وهو الذي احتز رأسه أبي جهل بعد أن صرع يوم بدر. ولزم ابن مسعود النبي ~~لزوما متصلا في سفره وإقامته، حتى كاد يعد من أهل بيته. فكان أثناء إقامة النبي ~~صاحب إذنه، وكان إذا قام النبي ليخرج ألبسه نعليه ومشى بين يديه بالعصا، فإذا بلغ ~~مجلسه خلع نعليه فوضعهما في كمه ودفع إليه العصا وقام على إذنه. # وكان في السفر صاحب فراش النبي وصاحب وضوئه. وكان النبي يحبه حبا شديدا ويوصي ~~بحبه. ورآه أصحاب النبي يرقى شجرة ذات يوم، فضحكوا من دقة ساقيه. فقال النبي: ~~«إنهما لأثقل في الميزان يوم القيامة من جبل أحد.» ولما توفي النبي ودفع المسلمون ~~إلى الفتح خرج ابن مسعود غازيا إلى الشام ورابط في حمص، فنقله عمر إلى الكوفة، ~~وأوصى أهل الكوفة أن يأخذوا عنه، وقال: «إني آثرتكم به على نفسي.» # وقد شهد ابن مسعود مقتل عمر والبيعة لعثمان، ثم أسرع إلى الكوفة. فلما بلغها خطب ~~الناس فقال: إنا اخترنا خير من بقي ولم نأل، ثم حثهم على البيعة لعثمان. # وتولى ابن مسعود بيت المال في الكوفة حين كان سعد بن أبي وقاص واليا عليها. فلما ~~عزل سعد عن الكوفة ظل ابن مسعود على بيت المال صدرا من أيام الوليد بن عقبة. ثم ~~استقرض الوليد شيئا ms148 من بيت المال فأقرضه ابن مسعود، وكان هذا شيئا مألوفا. فلما ~~حل الأجل طلب ابن مسعود إليه الأداء، فالتوى، فألح عليه. فكتب الوليد إلى عثمان ~~يشكو ابن مسعود. وكتب عثمان إلى ابن مسعود: «إنما أنت خازن لنا، فلا تعرض للوليد ~~فيما أخذ من بيت المال.» فغضب ابن مسعود وألقى مفاتيح بيت المال، وأقام في داره ~~يعظ الناس ويعلمهم. ومنذ ذلك الوقت بدأت معارضة ابن مسعود لعثمان في أمور السياسة ~~وفي أمور المال، ثم ازدادت معارضته تعقدا حين وحد عثمان المصحف وجعل كتابته إلى ~~نفر من المسلمين عليهم زيد بن ثابت، وتقدم في إحراق غيره من المصاحف. فأنكر ابن ~~مسعود وأنكر معه كثير من الناس ما كان من تحريق المصاحف. واشتد نقد ابن مسعود ~~لعثمان، وكان يخطب الناس يوم الخميس من كل أسبوع، وكان يقول فيما يقول: «إن أصدق ~~القول كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد # صلى الله عليه وسلم ~~، وشر الأمور محدثاتها، وكل ~~محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.» فكتب الوليد بذلك إلى عثمان ~~وقال: إنه يعيبك ويطعن عليك. فكتب إليه عثمان يأمره بإشخاصه إلى المدينة. فأشخص ~~إليها، وخرج معه أهل الكوفة مشيعين ومودعين أحسن التشييع وأحر التوديع. وبلغ ابن ~~مسعود المدينة، فدخل المسجد وعثمان يخطب على منبر النبي. فلما رأى مدخله قال: ألا ~~إنه قد قدمت عليكم دويبة سوء من يمشي على طعامه يقيء ويسلح. فقال ابن مسعود: لست ~~كذلك، ولكني صاحب رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يوم بدر ويوم بيعة الرضوان. ونادت عائشة: أي ~~عثمان، أتقول هذا لصاحب رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~! ثم أمر عثمان به فأخرج من المسجد ~~إخراجا عنيفا، وضربت به الأرض فدقت ضلعه. وقام علي فلام عثمان في ذلك وقال: ~~تفعل هذا بصاحب رسول الله # صلى الله عليه وسلم # عن قول الوليد! فقال عثمان: ما عن قول الوليد ~~فعلت هذا، ولكن أرسلت زبيد بن كثير فسمعه يحل دمي. قال علي: زبيد غير ثقة، ثم ~~قام على أمر ابن مسعود ms149 حتى حمل إلى منزله. # ولم يقف عثمان عند هذا الحد، ولكنه قطع عطاء ابن مسعود وحظر عليه الخروج من ~~المدينة. وأحب ابن مسعود أن يخرج غازيا في أهل الشام، فأبى عليه عثمان ذلك ~~استجابة لقول مروان: إنه أفسد عليك الكوفة، فلا تدعه يفسد عليك الشام. # وكذلك انتقل ابن مسعود بمعارضته من الكوفة إلى المدينة، وأقام فيها مذيعا لمعارضته ~~هذه عامين أو ثلاثة أعوام، ثم حضرته الوفاة. ويقول الرواة: إن عثمان عاده، ثم ~~يختلفون بعد ذلك؛ فيقول بعضهم: إن عثمان اعتذر لابن مسعود، ولم يفترق الرجلان حتى ~~تراضيا واستغفر كل منهما لصاحبه، ومات ابن مسعود فصلى عليه عثمان. ويقول آخرون: إن ~~ابن مسعود لم يحسن لقاء عثمان حين عاده، وسأله عثمان ما تشكو؟ قال: ذنوبي. قال ~~عثمان: فما تشتهي؟ قال ابن مسعود: رحمة ربي. قال عثمان: أألتمس لك طبيبا؟ قال ابن ~~مسعود: الطبيب أمرضني. قال عثمان: أرد عليك عطاءك. قال ابن مسعود: حبسته عني حين ~~احتجت إليه، وترده إلي حين لا حاجة لي به! قال عثمان: يكون لأهلك. قال ابن ~~مسعود: رزقهم على الله. قال عثمان: فاستغفر لي يا أبا عبد الرحمن. قال ابن مسعود: ~~أسأل الله أن يأخذ لي منك بحقي. قالوا: وخرج عثمان، فأوصى ابن مسعود ألا يصلي ~~عليه. ومات فلم يؤذن أحد عثمان بموته، وإنما صلى عليه عمار بن ياسر ثم دفن. ومر ~~عثمان من الغد بقبر جديد، فسأل عنه فقيل: إنه قبر ابن مسعود، فغضب عثمان وقال: ~~سبقتموني به. قال عمار: فإنه أوصى ألا تصلي عليه. فأسرها عثمان في نفسه، وكانت ~~من أسباب غضبه على عمار. # وظاهر أن هذا الحديث متكلف مصنوع، والأشبه بسيرة ابن مسعود أنه عفا واستغفر لعثمان. ~~وقد كان الذين يألفون ابن مسعود من أصحاب النبي يقولون إنه كان أشبه الناس هديا ~~ودلا وسمتا برسول الله. وابن مسعود كان من أقرأ الناس للقرآن وأعملهم به، وهو ~~من غير شك قد قرأ قول الله عز وجل: # ولمن صبر وغفر ~~إن ذلك لمن عزم الأمور ~~. وهو ms150 أحرى أن يكون صبر ~~وغفر وآثر عزم الأمور. # | الفصل العشرون # وكان أبو ذر رجلا غفاريا من كنانة، وكان في جاهليته منقطعا عن الناس معتزلا ~~لهم، كأنه كان يتصعلك. وأقبل على مكة ذات يوم وسمع فيها حديث النبي، فألم به وسمع ~~منه وأسلم. ثم لم يطل الإقامة بمكة، وإنما لحق بالنبي في المدينة بعد أن هاجر ~~إليها. فهو من الذين سبقوا إلى الإسلام، ومن الذين أحبهم النبي وأثنى عليهم أحسن ~~الثناء، فكان يقول: «ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء رجلا أصدق لهجة من أبي ~~ذر.» وكان يقول: «يبعث أبو ذر أمة وحده.» وكان أبو ذر يروي أن النبي أمره أن يترك ~~المدينة إذا بلغ البناء سلعا. فأقام في المدينة أيام أبي بكر وعمر وصدرا من ~~خلافة عثمان، ثم رأى البناء يبلغ سلعا فاستأذن عثمان في أن يهاجر إلى الشام ~~غازيا. ويقال إنه خرج إلى الشام أيام عمر، فكان في الديوان هناك، فكان أبو ذر ~~يقدم حاجا، ويلم بالمدينة، ويستأذن عثمان في أن يجاور قبر النبي وقتا فيأذن ~~له. ونظر ذات يوم فإذا عثمان يعطي مروان بن الحكم مالا كثيرا، ويعطي أخاه الحارث ~~بن الحكم ثلثمائة ألف درهم، ويعطي زيد بن ثابت الأنصاري مائة ألف درهم. فينكر ذلك ~~ويستكثره، ويقول: بشر الكانزين بالنار، ويتلو قول الله عز وجل: # والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ~~ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب ~~أليم ~~. # وقد شكا مروان بن الحكم إلى عثمان مقالة أبي ذر هذه، فأرسل عثمان إليه مولى له ~~ينهاه. فقال أبو ذر: أينهاني عثمان عن قراءة كتاب الله وعيب من ترك أمر الله! لأن ~~أرضي الله بسخط عثمان أحب إلي من أن أرضي عثمان بسخط الله. وقد صبر عليه عثمان، ~~ولكن أبا ذر ألح في نقده وعيبه، ودعوته إلى القصد والقناعة. وتبغيضه جمع المال، ~~حتى كان يوما عند عثمان وكعب الأحبار حاضر. فيقول بعض الرواة: إن عثمان سأل: ~~أيحل للإمام أن يقترض من بيت المال، فإذا أيسر رد ما اقترض؟ فقال كعب: لا أرى ms151 ~~بذلك بأسا. فغضب أبو ذر وقال لكعب: يابن اليهوديين أتعلمنا ديننا! وغضب عثمان ~~لذلك، فأمر أبا ذر أن يلحق بالشام. ويقول آخرون: إن أبا ذر كان يقول لعثمان: لا ~~ينبغي لمن أدى الزكاة أن يقنع حتى يطعم الجائع ويعطي السائل ويبر الجيران. ~~فقال كعب: من أدى الفريضة فحسبه. فغضب أبو ذر وآذى كعبا بلسانه ويده، فأمره عثمان ~~أن يلحق بمكتبه في الشام. # ومهما يكن من ذلك فقد ذهب أبو ذر إلى الشام، ولكن إقامته هناك لم تطل. جعل يقول ~~في الشام ما كان يقول في المدينة، وأنكر على معاوية أشياء: أنكر عليه أن يقول مال ~~الله، وقال: إنما هو مال المسلمين. وأنكر عليه بناء الخضراء، وقال: إن كنت إنما ~~بنيتها من مال المسلمين فهي الخيانة، وإن كنت إنما بنيتها من مالك فإنما هو السرف. ~~وكان يقول: ويل للأغنياء من الفقراء! وكان الناس يجتمعون إليه ويسمعون منه ~~ويؤمنون له، حتى خاف معاوية على أهل الشام من دعوة أبي ذر هذه، فكتب يشكو منه إلى ~~عثمان. وكتب عثمان إليه أن أشخص إلي جندبا على أغلظ مركب وأوعره. فأرسله معاوية ~~إلى المدينة غير حفي به. فلما بلغ المدينة مضى في دعوته، وجعل يقول: بشر ~~الأغنياء بمكاو من نار تكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم. وجعل يطعن على عثمان! ~~لأنه أطلق يده في مال المسلمين، واستعمل الأحداث، وولى أبناء الطلقاء، حتى ضاق به ~~عثمان. # ويختلف الرواة بعد ذلك، فيقول بعضهم: إن عثمان أمره أن يخرج من المدينة فيقيم حيث ~~شاء، ولكنه منعه من الذهاب إلى الشام أو إلى أحد المصرين في العراق أو إلى مكة. ~~فاختار أبو ذر أن يذهب إلى الربذة، فأذن له عثمان، فذهب إليها وأقام فيها حتى ~~مات. ويقول آخرون: إن أبا ذر لم يختر، وإنما سيره عثمان إلى الربذة منفيا، فأقام ~~فيها حتى مات غريبا، وحتى عجزت امرأته عن دفنه. فدفنه قوم من أهل العراق أقبلوا ~~حاجين أو معتمرين. وبلغ عثمان موته فاستغفر له، وضم أهله إلى عياله. وأظهر عمار بن ms152 ~~ياسر رقة لأبي ذر وعطفا عليه، فظن عثمان أنه إنما يلومه على نفيه أبا ذر، فغضب ~~عليه وأمره أن يذهب هو أيضا إلى الربذة منفيا. فلما تهيأ عمار للخروج غضبت بنو ~~مخزوم وكان عمار لهم حليفا، وغضب علي وأقبل على عثمان فلامه في نفي أبي ذر، ~~وطلب إليه أن يكف عن عمار. وتلاحى الرجلان، حتى قال عثمان لعلي: ما أنت بأفضل ~~من عمار، وما أنت أقل استحقاقا للنفي منه. قال علي متحديا: رم ذلك إن شئت. ~~وقام المهاجرون إلى عثمان فلاموه وقالوا: كلما غضبت على رجل نفيته؛ فإن هذا أمر ~~لا يسوغ. فكف عثمان عن عمار وعن علي أيضا. # فكانت معارضة أبي ذر كما رأيت تتصل قبل كل شيء بالنظام الاجتماعي. كان يكره أن ~~يغنى الغني حتى يكنز الذهب والفضة، وأن يحتاج الفقير حتى لا يجد ما ينفق. ثم كان ~~يكره أن يعطي الإمام مال المسلمين للأغنياء بغير حقه، فيزيدهم غنى ويزيد الفقراء ~~فقرا، ويؤثر المال قوما لا حاجة بهم إليه، ويصرف هذا المال عن المصالح العامة. ~~ثم كان لا يرى للخليفة الحق في أن يكفه عن النقد أو يعاقبه على المعارضة. وكان يرى ~~أن رضا الله بإسخاط السلطان أحب إليه من رضا السلطان بإسخاط الله. ثم تعقدت ~~معارضته فأصبحت سياسية؛ فلم يكتف بلوم الخليفة والولاة في إنفاقهم أموال المسلمين ~~في غير وجهها، وإنما جعل ينكر على عثمان سياسته في التولية والعزل وإيثار الأحداث ~~وأبناء الطلقاء. وهو على كل هذه المعارضة لم يكن ثائرا ولا نازعا يدا من طاعة، ~~ولا ممتنعا على الخليفة إن عاقبه أو أراد به المكروه. إنما كانت معارضته سلبية ~~تكتفي بالنقد اللاذع والنصح العنيف. وهو من أجل ذلك ذهب إلى الشام حين أمر أن ~~يذهب إلى الشام، وسار إلى الربذة حين أمر أن يسير إلى الربذة، وقال: أمرت أن ~~أطيع وإن أمر علي عبد مجدع. وقال للذين طلبوا إليه أن يقودهم إلى المقاومة ~~الإيجابية: لو صلبنى عثمان على طول جذع من جذوع النخل لما عصيت. # كان ms153 إذن يرى أن من حقه أن يعارض ما وسعته المعارضة، ولكن في حدود الطاعة وتجنب ~~الخروج على الإمام. # | الفصل الحادي والعشرون # وكان عمار بن ياسر من المستضعفين في مكة. أبوه ياسر يمني حليف لبني مخزوم، وأمه ~~سمية أمة من إمائهم. وقد دخل عمار مع صهيب على النبي فأسلم بعد نيف وثلاثين ~~رجلا، ثم أسلم أبواه، فأولعت قريش بتعذيبهم جميعا. وعذب عمار بالقيظ في رمضاء ~~مكة وحرق بالنار، وكانت قريش تعذبه ولا تعفيه من العذاب حتى ينال من النبي ~~ويذكر آلهتها بخير. وشكا ذلك إلى النبي فقال له: «فإن عادوا فعد.» وأنزل الله في ~~عمار غير آية من القرآن. وكان النبي يرق له ولأبويه، فيمر بهم وهم يعذبون ~~فيرحمهم ويستغفر لهم ويبشرهم بالجنة، حتى قال يوما: «اللهم اغفر لآل ياسر وقد ~~فعلت.» وهاجر عمار إلى أرض الحبشة ثم إلى المدينة. وكان أول ما اتخذ في بيته بمكة ~~مسجدا يصلي فيه. وشارك في بناء مسجد النبي مشاركة حسنة، فكان المسلمون يحمل كل ~~واحد منهم لبنة لبنة، وكان هو يحمل لبنتين لبنتين. وكان في أثناء ذلك يتغنى: «نحن ~~المسلمون نبتني المساجدا»، وكان النبي يرجع عليه بعض غنائه فيقول: «المساجدا.» ~~وشارك كذلك في حفر الخندق مشاركة حسنة، حتى كان النبي يمسح التراب عنه. وشهد بدرا ~~وأحدا والمشاهد كلها مع النبي. وقاتل يوم اليمامة أروع قتال. ورآه بعض المسلمين ~~على صخرة ذلك اليوم وهو يصيح: أيها المسلمون، أمن الجنة تفرون! وولاه عمر بن ~~الخطاب أميرا على الكوفة، وجعل معه عبد الله بن مسعود على بيت المال وحذيفة بن ~~اليمان على السواد، ورزقهم شاة في كل يوم لعمار نصفها، ولكل من عبد الله وحذيفة ~~ربعها. ولما عزله عمر عن الكوفة سأله: أساءك عزلنا إياك؟ فقال: أما إذ قلت ذاك ~~فقد ساءني حين استعملتني، وساءني حين عزلتني. # وقد بايع عمار عثمان مع غيره من المسلمين، ولكن الأحداث لم تكد تحدث حتى ظهرت ~~معارضته لعثمان عنيفة حادة، فجعل يلهج به وينكر عليه، حتى تحدث الناس ذات يوم ~~بأن ms154 عثمان أخذ من جوهر كان في بيت المال فحلى به بعض أهله، فغضب الناس لذلك ولاموا ~~عثمان فيه حتى أغضبوه، فخطب فقال: «لنأخذن حاجتنا من هذا الفيء وإن رغمت أنوف ~~أقوام.» فقال له علي: إذن تمنع من ذلك ويحال بينك وبينه. وقال عمار بن ياسر: ~~أشهد الله أن أنفي أول راغم من ذلك. فقال عثمان: أعلي يابن المتكاء تجترئ! ~~خذوه. فأخذ، ودخل عثمان فدعا به فضربه حتى غشي عليه. # 1 # ثم أخرج محمولا حتى أتي به منزل أم سلمة زوج النبي، وظل مغشيا ~~عليه سائر النهار ففاتته الظهر والعصر والمغرب. فلما أفاق توضأ وصلى، وقال: الحمد ~~لله! ليست هذه أول مرة أوذينا فيها في الله. ويقال: إن أم سلمة أو عائشة أخرجت ~~شيئا من شعر النبي وثوبا من ثيابه ونعلا من نعاله، وقالت: هذا شعر النبي وثوبه ~~ونعله لم يبل وأنتم تعطلون سنته. وضج الناس، وخرج عثمان عن طوره حتى لا يدري ما ~~يقول. # واشترك عمار مرة أخرى مع جماعة من أصحاب النبي في كتاب كتبوه إلى عثمان يلومونه ~~ويعظونه، وأقبل عمار بالكتاب فدخل على عثمان وقرأ عليه صدرا منه، فشتمه عثمان ~~وضربه برجليه وهما في الخف حتى أصابه الفتق وكان شيخا ضعيفا. # وقد قدمنا ما كان من موقف عمار في شأن ابن مسعود وفي شأن أبي ذر، وما قيل من أن ~~عثمان هم بنفيه ثم كف عنه. ومهما يكن من شيء فقد كان عمار من أشد الناس معارضة ~~لعثمان وأكثرهم تشهيرا به وطعنا عليه، يشارك في ذلك المعتدلين من أصحاب النبي، ~~ويشارك فيه الغلاة من الطارئين على المدينة، ولقي في ذلك ما لقي من الأذى. # هؤلاء هم زعماء المعارضة في المدينة، وكلهم كما ترى من كبار الصحابة وأعلام ~~المهاجرين. فأما الأنصار فلم يكونوا يتصدرون المعارضة لأنهم أبعدوا عن الحكم، ~~ولكنهم كانوا يشاركون فيها كما تشارك الجماهير. وقد يقول القائل منهم كلمة هنا ~~وهناك، كالذي روينا من شعر زياد البياضي في عبيد الله بن عمر. وكانت كثرة الأنصار ~~منحرفة عن ms155 عثمان لا يكاد يواليه منهم إلا نفر قليل، في مقدمتهم زيد بن ثابت وكعب ~~بن مالك وحسان بن ثابت. وكان كبار الأنصار ربما توسطوا بين عثمان ومعارضيه، كما ~~سترى من توسط محمد بن مسلمة بين عثمان والمصريين. وقد نشأت في المدينة أيام عثمان ~~معارضة شعبية خفية تجري بها الألسنة ولا يعرف صاحبها، كالذي كان حين وسع عثمان ~~مسجد النبي، فقال الناس: يوسع مسجد النبي ويترك سنته. وكالذي كان حين كثر الحمام ~~في المدينة وأقبل الشباب على الرمي، فتقدم عثمان إلى الناس في ذبح الحمام وولى ~~رجلا يمنع الرمي بالبندق. فقال الناس: يأمر بذبح الحمام ويئوي طريدي رسول الله! ~~يشيرون إلى إيواء عثمان للحكم بن أبي العاص وبنيه. # وأظن أني قد صورت لك تصويرا مقاربا حال الناس حين حدثت الأحداث أيام عثمان، وحال ~~المعارضة في الأمصار وفي المدينة. وأصبح من اليسير الآن أن نستقبل هذه الأحداث ~~نفسها، فنعرضها ونعرض رأي القدماء فيها، ونقول بعد ذلك فيها برأينا نحن، لا نتوخى ~~إلا الحق والقصد والصواب ما وجدنا إلى ذلك سبيلا. # | الفصل الثاني والعشرون # ونحب أن نلاحظ قبل كل شيء أن الذين عابوا عثمان ونقدوا سيرته من القدماء لم يعرضوا ~~في عيبهم ونقدهم لسياسته في الفتح. فقد جرت هذه السياسة فيما يظهر على النهج الذي ~~جرت عليه أيام عمر، والذي أخذ عثمان به قواده حين استخلف في الكتاب الذي رويناه ~~من قبل. والذين يتتبعون تاريخ الفتح أيام عثمان يلاحظون أن عماله وقواده قد أبلوا ~~في ذلك أحسن البلاء، وأغنوا فيه أجمل الغناء. فقد كانت بعض الكور والأقاليم التي ~~فتحت أيام عمر تنتقض أو تحاول الانتقاض، فلا يلبث العمال والقواد أن يردوها إلى ~~الطاعة بالحرب غالبا، وبإظهار القوة والبأس أحيانا. # ومات عمر ولم يتم افتتاح بلاد الفرس كلها، بل مات عمر وما زال كسرى يزدجرد حيا ~~يتنقل بالهزيمة من كورة إلى كورة ومن مدينة إلى مدينة، يجتمع الناس إليه هنا ~~ويتفرقون عنه هناك، ولكنه على ذلك قائم يعتز بما ورث من حقه في الملك ms156 والسلطان، ~~وبما له في أعناق المغلوبين والمقاومين والذين لم تصل الحرب إلى أقطارهم بعد من ~~وجوب الطاعة له والاعتراف بحقه. فما زال عمال عثمان وقواده في الثغور التي تلي ~~الكوفة والبصرة يوغلون في الأرض، ويمضون في الفتح، ويتتبعون أنصاره ويفرقونهم عنه، ~~ويقتطعون المدن والأقاليم التي كان له عليها سلطان فعلي أو وهمي، حتى ألجئوه إلى ~~أن يمضي هاربا ليس له نصير ولا عون، وانتهى أمره إلى ان قتل. وانقرضت بذلك دولة ~~الأكاسرة في أيام عثمان. ثم مضى قواده وعماله حتى بلغوا أرض الترك، وحتى كانت ~~بينهم وبينهم خطوب. وفي أيام عثمان فتحت إرمينية، وفي أيامه كذلك امتد سلطان ~~الدولة في المغرب، ففتحت إفريقية، وكانت الغارة على الأندلس. وفي أيامه أقدم ~~معاوية وعبد الله بن سعد بن أبي سرح على ما لم يكن من الممكن أن يقدم عليه وال أو ~~عامل في أيام عمر، فغزوا الروم من قبل البحر حتى أخذت منهم قبرس، وحتى بلغ ~~أسطول المسلمين مضيق القسطنطينية، وحتى انتصر عبد الله بن سعد انتصارا حاسما على ~~أسطول الروم في واقعة ذات الصواري. # فقد أتيح لعثمان من القوة العسكرية مثل ما أتيح لعمر، وأتيح له من التوسع في الفتح ~~والقضاء على دولة الأكاسرة وإذلال الروم في البر والبحر ما لم يتح لعمر. ولكن هذا ~~نفسه كان مصدرا من مصادر الفتنة والخلاف؛ فقد كان الفتح يتيح للمسلمين من الغنائم ~~والفيء شيئا كثيرا، وكان تصرف عثمان في بعض تلك الغنائم وهذا الفيء ربما ~~أحفظ الجند، كالذي كان من أمر عبد الله بن سعد ومروان بن الحكم في فتح ~~إفريقية، وربما أحفظ المهاجرين والأنصار كالذي كان من تصرف عثمان في بعض ما كان في ~~بيت المال من الجوهر والحلي، حتى لامه المسلمون وأغضبوه، فخطب خطبته تلك التي ~~انتهت بضرب عمار بن ياسر. ولكن الشيء الذي ليس فيه شك هو أن سلطان الدولة لم يضعف ~~من الناحية الخارجية، وإنما ازداد قوة إلى قوة وبأسا إلى بأس أيام عثمان. # ويجب أن نلاحظ بعد ذلك أن ms157 الناس وقفوا من الأحداث التي حدثت أيام عثمان ومن نصيب ~~عثمان منها مواقف متباينة أشد التباين: فقوم أراحوا أنفسهم جملة، وقالوا إن أكثر ~~هذه الأحداث مكذوب مصنوع لم يصح وقوعه، وإنما تكلفه المتكلفون، أراد بعضهم به ~~الكيد للإسلام، ودفع بعضهم إليه بما كان من الخصومة العنيفة بين الأحزاب. وهم من ~~أجل ذلك يرفضون أكثر الأحداث، ويرون فيما يقبلون منها أنها أمور ليست بذات خطر، ~~ذهب فيها الإمام مذهب الاجتهاد، فإن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد، وهو ~~على كل حال لم يرد إلا الخير، ولم يكن يريد ولا يمكن أن يريد إلا الخير. وهم يرون ~~مثل هذا الرأي فيما يقبلون من الروايات التي تتحدث ببعض ما كان بين عثمان وأصحاب ~~النبي من الخصومة. أكثر هذه الروايات عندهم مكذوب مصنوع، وقليل منها يقبل على ما ~~مضى من التأول، أي على أنه كان نتيجة الاجتهاد؛ ومن اجتهد فأصاب فله أجران، ومن ~~اجتهد فأخطأ فله أجر واحد. # وأكثر الذين يذهبون هذا المذهب إنما يدفعون إليه لأنهم يقدسون ذلك العصر من عصور ~~الإسلام، ويكرهون أن يحملوا على أصحاب النبي ما يحمل عادة على الذين يستقبلون أمور ~~الدنيا بما في نفوسهم من استعداد للمنافسة والاصطراع حول أعراض وأغراض لا تلائم ~~قوما صحبوا رسول الله، وأبلوا في سبيل الله أحسن البلاء، وأسسوا الدولة بما ~~أنفقوا في ذلك من دمائهم وأموالهم وجهودهم. فهم يخطئون ويصيبون، ولكنهم يجتهدون ~~دائما، ويسرعون إلى الخير دائما. فلا يمكن أن يتورطوا في الكبائر ولا أن يحدثوا ~~إلا هذه الصغائر التي يغفرها الله للمحسنين من عباده. وقليل من الذين يرون هذا ~~الرأي ويذهبون هذا المذهب يدفعون إلى ذلك بحكم الكسل العقلي الذي يمنعهم من البحث ~~والدرس والاستقصاء. # وقوم آخرون يريحون أنفسهم نوعا آخر من الإراحة، فيستبعدون أن تقع هذه الأحداث ~~والفتن من أصحاب النبي، ويرون أنها مؤامرات دبرها الكائدون للإسلام، كعبد الله ~~بن سبأ ومن لف لفه من أهل الكتاب وغير أهل الكتاب. # وواضح جدا أننا لا نستطيع أن نذهب هذا ms158 المذهب أو ذاك؛ فنحن لا نحب الكسل ولا ~~نطمئن إلى الراحة، ولا نغلو في تقديس الناس إلى هذا الحد البعيد، ولا نرى في أصحاب ~~النبي ما لم يكونوا يرون في أنفسهم؛ فهم كانوا يرون أنهم بشر يتعرضون لما يتعرض له ~~غيرهم من الخطايا والآثام. وهم تقاذفوا التهم الخطيرة، وكان منهم فريق تراموا ~~بالكفر والفسوق؛ فقد روي أن عمار بن ياسر كان يكفر عثمان ويستحل دمه ويسميه ~~نعثلا. وروي أن ابن مسعود كان يستحل دم عثمان أيام كان في الكوفة، وهو كان ~~يخطب الناس فيقول: «إن شر الأمور محدثاتها، وكل محدث بدعة، وكل بدعة ضلالة، ~~وكل ضلالة في النار.» يعرض في ذلك بعثمان وعامله الوليد. # وروي أن عبد الرحمن بن عوف قال لعلي: إن شئت أخذت سيفك وآخذ سيفي؛ فإنه خالف ما ~~أعطاني. وروي كذلك أنه قال لبعض أصحابه في المرض الذي مات فيه: عاجلوه قبل أن ~~يطغى ملكه. # والذين ناصروا عثمان من أصحاب النبي كانوا يرون أن خصومهم قد خرجوا على الدين ~~وخالفوا عن أمره، وهم جميعا من أجل ذلك قد استحلوا أن يقاتل بعضهم بعضا، وقاتل ~~بعضهم بعضا بالفعل يوم الجمل ويوم صفين، إلا ما كان من سعد وأصحابه القليلين ~~الذين اعتزلوا فلم يشاركوا في الفتنة ولم يدفعوا إلى الحرب، والذين كان سعد يصور ~~رأيهم أحسن تصوير حين كان يقول: لا أقاتل حتى تأتوني بسيف يقول: هذا مؤمن وهذا ~~كافر. وإذا دفع أصحاب النبي أنفسهم إلى هذا الخلاف وتراموا بالكبائر وقاتل بعضهم ~~بعضا في سبيل ذلك، فما ينبغي أن يكون رأينا فيهم أحسن من رأيهم هم في أنفسهم، وما ~~ينبغي أن نذهب مذهب الذين يكذبون أكثر الأخبار التي نقلت إلينا ما كان بينهم من ~~فتنة واختلاف. فنحن إن فعلنا ذلك لم نزد على أن نكذب التاريخ الإسلامي كله منذ ~~بعث النبي؛ لأن الذين رووا أخبار هذه الفتن هم أنفسهم الذين رووا أخبار الفتح ~~وأخبار المغازي وسيرة النبي والخلفاء. فما ينبغي أن نصدقهم حين يروون ما يروقنا، ~~وأن نكذبهم حين ms159 يروون ما لا يعجبنا. وما ينبغي أن نصدق بعض التاريخ ونكذب ~~بعضه الآخر، لا لشيء إلا لأن بعضه يرضينا وبعضه يؤذينا. وما ينبغي كذلك أن نصدق كل ~~ما يروى أو نكذب كل ما يروى، وإنما الرواة أنفسهم ناس من الناس؛ يجوز عليهم ~~الخطأ والصواب، ويجوز عليهم الصدق والكذب. والقدماء أنفسهم قد عرفوا ذلك وتهيئوا ~~له ووضعوا قواعد التعديل والتجريح والتصديق والتكذيب، وترجيح ما يمكن ترجيحه، ~~وإسقاط ما يمكن إسقاطه، والشك فيما يجب الشك فيه. فليس علينا بأس من أن نسلك ~~الطريق التي سلكوها، وأن نضيف إلى القواعد التي عرفوها ما عرف المحدثون من ~~القواعد الجديدة التي يستعينون بها على تحقيق النصوص وتحليلها وفقهها. # والشيء الذي لا يمكن أن يتعرض للشك هو أن المسلمين قد اختلفوا على عثمان، وأن هذا ~~الاختلاف قد انتهى إلى ثورة قتل فيها عثمان، وأن هذه الثورة قد فرقت المسلمين ~~تفريقا لم يجتمعوا بعده إلى الآن. # فلا بد لهذا الاختلاف من أسباب، ولا بد لهذه الثورة من مقدمات. فعثمان لم يقتل ~~نفسه ولم يقدم نفسه ضحية لقاتليه. والذين اختلفوا عليه وثاروا به وقتلوه لم ~~يفعلوا ذلك عن غير علة أو سبب، وإنما كانت هناك أمور أنكروها مخطئين أو مصيبين، ثم ~~دعاهم إنكارها إلى الاختلاف والثورة وإحداث هذا الحدث الذي لم يسبقوا إليه؛ وهو ~~قتل الإمام عنوة واقتدارا. # ثم نلاحظ بعد هذا وذاك أن إمامة عثمان كانت صحيحة ما في ذلك شك؛ فالمسلمون جميعا ~~قد بايعوه ورضوا إمامته وسمعوا له وأطاعوا. ومهما يقل القائلون في طريقة اختيار ~~المسلمين لخلفائهم، فإن الاختيار نفسه كان صحيحا مجمعا عليه؛ فلم يخالف في إمامة ~~أبي بكر وعمر إلا سعد بن عبادة ولم يلتفت إلى خلافه أحد، ولم يخالف في إمامة عثمان ~~أحد ما. وقد بينا أن ما يروى من تلكؤ علي في البيعة لا يلائم سيرته ولا خلقه ولا ~~مذهبه مع الشيخين، ولا العهد الذي أعطاه لعبد الرحمن ولا سيرته مع عثمان نفسه. ~~وقدمنا أن طلحة غضب وجلس في داره؛ لأن البيعة ms160 تمت في غيبته، ولأن مثله لا يفتات ~~عليه، ولكنه على ذلك لم يلبث أن بايع كما بايع الناس، وسمع وأطاع كما سمع الناس ~~وأطاعوا؛ فكانت إمامة عثمان صحيحة مجمعا عليها كإمامة صاحبيه من قبله. فكل ما صدر ~~عنه من أمر ونهي ومن قول وفعل إنما صدر عن إمام صحت بيعته ووجبت طاعته. ولكن ~~البيعة كما قدمنا عقد بين الإمام والرعية؛ فهي لا تلزم الإمام وحده، وإنما تلزم ~~الطرفين المتعاقدين. والعقد الذي كان بين عثمان وبين المسلمين هو أن يلزم عثمان ~~كتاب الله وسنة رسوله وفعل أبي بكر وعمر لا يحيد عن شيء من ذلك، وأن يسمع المسلمون ~~له ويطيعوا ما وفى بعهده وما لم يغير من الكتاب والسنة وسيرة الشيخين ~~شيئا. # فالمسألة هي بالدقة ما يأتي: أخالف عثمان عن كتاب الله وسنة رسوله وسيرة الشيخين؟ ~~أم لزم ذلك فلم يخالف عنه في قليل ولا في كثير؟ فإن تكن الأولى فليست له على ~~المسلمين طاعة فيما خالف فيه عهده. وإن تكن الثانية فليس للمسلمين أن يعصوا أمرا ~~ويقبلوا على ما نهاهم عنه أو ينكروا سيرته فضلا عن أن يختلفوا عليه ويثوروا به ~~ويحصروه ويقتلوه. # هذه هي القضية كما ينبغي أن تصور وأن تعرض، وكما تصورها القدماء وعرضوها. # فلننظر كيف تصور القدماء هذه القضية، وكيف عرضوها جملة وتفصيلا. # | الفصل الثالث والعشرون # وقد نظر القدماء إلى جميع الأحداث التي كان فيها عيب عثمان والاختلاف عليه نظرة ~~دينية خالصة، كما نظر إليها الذين عاصروا عثمان سواء منهم من خاصمه ومن ناصره؛ ~~لأنهم كانوا ينظرون هذه النظرة الدينية إلى كل شيء من أمور الدين والدنيا جميعا. ~~وهم من أجل ذلك تكلموا في الكفر والإيمان أكثر مما تكلموا في الخطأ والصواب وفي ~~المنفعة والمضرة. وما دمنا نصور آراءهم فلننظر إلى هذه الأحداث نظرتهم، ولكن في ~~شيء من التمييز مع ذلك بين هذه الأحداث. # فقد كان من هذه الأحداث ما يمس الشئون الدينية الخالصة، ويتصل بنص من نصوص القرآن ~~أو أثر من سنة النبي. وكان منها ما ms161 يتصل بشئون السياسة التي يمكن أن يجتهد فيها ~~الإمام فيخطئ ويصيب، وليس عليه في دينه بأس إن أخطأ ما دام مجتهدا، وله الفضل كل ~~الفضل إن أصاب. # وكان من هذه الأحداث أيضا أشياء تتصل بالنظام الاجتماعي، فهي كذلك موضوع الاجتهاد ~~يخطئ الإمام فيها ويصيب، وله العذر إن أخطأ، والفضل إن أصاب، والمقياس فيما يتصل ~~بالسياسة والنظام الاجتماعي إنما هو العدل من جهة، ورضا كثرة المسلمين من جهة ~~أخرى. # فلنبدأ من هذه الأحداث بما يتصل بالشئون الدينية الخالصة. فقد أنكر خصوم عثمان عليه ~~أنه لم يكد يبدأ خلافته حتى عطل حدا من حدود الله وخالف عن نصوص القرآن خلافا ~~خطيرا، وذلك حين عفا عن عبيد الله بن عمر، ولم يقتص منه للهرمزان وجفينة وبنت أبي ~~لؤلؤة، فيما ذكر بعض الرواة. فقد كان الهرمزان أميرا فارسيا مسلما، وكان ~~الآخران ذميين، والله قد عصم دماء المسلمين ودماء الذميين، وبين الحدود التي يجب ~~أن تقام حين يعتدي أحد على بعض أولئك أو هؤلاء؛ فقال في سورة البقرة: # يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص ~~في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد ~~والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء ~~فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك ~~تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك ~~فله عذاب أليم * ولكم في القصاص حياة ~~يا أولي الألباب لعلكم تتقون ~~. # وقال في سورة النساء: # وما كان لمؤمن أن يقتل ~~مؤمنا إلا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير ~~رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن ~~يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن ~~فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم ~~وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير ~~رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين ~~متتابعين توبة من الله وكان الله عليما حكيما ~~* ومن يقتل مؤمنا متعمدا ~~فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه ~~وأعد له عذابا عظيما ~~. وقال في سورة المائدة: # من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل ~~أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في ms162 الأرض ~~فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما ~~أحيا الناس جميعا ولقد جاءتهم رسلنا ~~بالبينات ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في ~~الأرض لمسرفون ~~. وقال في سورة الإسراء: # ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا ~~بالحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه ~~سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان ~~منصورا ~~. # فالله قد بين في هذه الآيات كلها حدودا لا يجوز أن يتعداها المسلمون، وبعضها يتصل ~~بالقتل عن عمد، وبعضها يتصل بالقتل عن خطأ. وليس من شك في أن عبيد الله لم يقتل ~~الهرمزان وصاحبه أو صاحبيه خطأ، وإنما أراد ذلك وعمد إليه، ولو لم يؤخذ منه السيف ~~لكان من الممكن أن يقتل قوما آخرين. فقال المعارضون لعثمان: إن إقامة الحد عليه ~~واجبة بنص القرآن. وقال عثمان: قتل أبوه أمس وأقتله اليوم! ويقال إن المهاجرين ~~أنفسهم قالوا ذلك لعثمان. والمهم هو أن عثمان عفا عن عبيد الله. وقد أجاب عثمان ~~نفسه على اعتراض المعترضين يومئذ وفيهم علي بأن الهرمزان وصاحبه لا ولي لهما، ~~وبأنه هو وليهما؛ لأن الإمام ولي من لا ولي له. والله قد أذن للولي في أن ~~يعفو، وأثابه على هذا العفو. فقد عفا عثمان إذن عن إذن الله من جهة، وعن رعاية ~~للمصلحة من جهة أخرى. وقد بينا فيما مضى أن عليا وغيره من المسلمين لم يقروا ~~عثمان على هذا العفو، ولم يروا أنه يملكه. # وخاض المتكلمون بعد ذلك في هذه القضية: فأما أهل السنة والمعتزلة فرأوا رأي عثمان، ~~وقالوا: ليس عليه بهذا العفو بأس؛ فهو ولي المقتولين، ومن حق الولي أن يعفو، ~~ولا سيما حين يكون العفو سياسة ملائمة للمصلحة. والعفو هنا كان سياسة ملائمة ~~للمصلحة الداخلية والخارجية جميعا، فأما المصلحة الداخلية فهي فيما قدمنا من ~~رعاية المهاجرين وقريش عامة، إذا قالوا قتل أبوه أمس ونقتله اليوم! وأما المصلحة ~~الخارجية فقد قال أهل السنة والمعتزلة: لو قتل عثمان عبيد الله لشمت عدو المسلمين، ~~قالوا: قتلوا إمامهم أمس ثم قتلوا ابنه بعده. وأما الشيعة فيرون رأي علي وأصحابه ms163 ~~ويقولون: ما كان ينبغي لعثمان أن يجتهد في شيء بينه القرآن بنصه تصريحا. ~~وقالوا : ما كان ينبغي أن يلتفت إلى شماتة العدو؛ فالعدو خليق أن يشمت إذا عرف أن ~~إمام المسلمين يعطل حدود الإسلام. وقالوا: إن عمر نفسه قد أوصى بإقامة الحد على ~~ابنه إن ثبت أنه قتل من قتل ظلما؛ فما كان ينبغي لعثمان أن ينقض أمرا أبرمه ~~الإمام قبله وهو يملك إبرامه. # ولكنا نلاحظ أن الله قد بين الحد الذي ينبغي أن يقام على القاتل عمدا بالنص، ~~ولكنه رغب في العفو ودعا إليه بالنص أيضا، فعثمان لم يتعد القرآن حين عفا، ~~وإنما التزمه والتزم ما رغب الله فيه ودعا إليه من العفو. ولا يستقيم قول من قال ~~إن عمر كان قد أبرم الحكم فلم يكن لعثمان أن ينقضه؛ لأن عمر لم يزد - إن صحت ~~الرواية - على أن أوصى بقتل ابنه إذا ثبت أنه قتل ظلما فهو إذن لم يصدر حكما، ~~وإنما أمر بإنفاذ كتاب الله، وبأن تنظر هذه القضية بالحق والعدل. ومن الحق والعدل ~~أن يقضي الإمام بالقصاص، ثم يعفو إن رأى في العفو مصلحة. ولو قد أصدر عمر حكما ~~مبرما ثم مات دون أن يتولى إنفاذه، لكان من حق الإمام الذي يأتي بعده أن يعفو؛ ~~لأن العفو ليس نقضا للحكم وإنما هو إقرار له ثم نزول عن الحق في إنفاذه. # فلا ينبغي أن يقال إذن إن عثمان قد عطل الحد أو خالف عن أمر الله في هذه القضية، ~~وإنما يمكن أن يقال إن عثمان قد أبعد في الحكم والعفو حين أدى الدية من ماله هو، ~~ولم يعزر عبيد الله بالسجن الذي يقصر أو يطول، فهو لم يرزأه في ماله ولا في ~~حريته. وقد روى بعض الرواة أن الإقامة في المدينة لم تستقم لعبيد الله، فأرسله ~~عثمان إلى الكوفة وأقطعه فيها أرضا ودارا. فهذا كله - إن صح - غلو في العفو ~~والحلم، وهو خليق أن يخيل إلى بعض الناس أن عثمان لم يحفل بدم هذين القتيلين، وأنه ~~كافأ القاتل ms164 فأدى عنه الدية وحماه من الناس ولم يسجنه، وإنما أقطعه أرضا ~~ودارا. وهذا أيضا خليق أن يخيل إلى الناس أن عثمان أراد أن يراعي السياسة ويترضى ~~قريشا، فأسرف في الأمرين جميعا. # ثم عاب المسلمون المعاصرون لعثمان عليه بعد هذه القضية مخالفته للسنة المعروفة ~~المستفيضة عن النبي وعن الشيخين وعن عثمان نفسه في صدر من خلافته، وذلك حين أتم ~~الصلاة في منى وقد قصرها النبي والشيخان وقصرها عثمان أيضا أعواما. وقد ذعر ~~المسلمون حقا حين أتم عثمان الصلاة في منى، فسعى بعضهم إلى بعض وقال بعضهم لبعض، ~~ثم أقبل عبد الرحمن بن عوف على عثمان فقال له: ألم تصل هنا مع النبي ركعتين؟ قال ~~عثمان: بلى. فقال عبد الرحمن: ألم تصل مع أبي بكر وعمر ركعتين؟ قال عثمان: بلى. ~~قال عبد الرحمن: ألم تصل أنت بالناس هنا ركعتين؟ قال عثمان: بلى. قال عبد ~~الرحمن: فما هذا الحدث الذي أحدثته؟ قال عثمان: فإني قد بلغني أن الأعراب والجفاة ~~من أهل اليمن يقولون: إن صلاة المقيم اثنتان؛ لأني قد اتخذت بمكة أهلا، ولي ~~بالطائف مال قد ألم به بعد الصدر، فخشيت أن يظن هؤلاء الناس أن صلاة المقيم ~~ركعتان. قال عبد الرحمن: أما خوفك على الأعراب والجفاة والجهال، فقد صلى النبي ~~ركعتين ولم يكن الإسلام قد فشا بعد، فالآن وقد ضرب الإسلام بجرانه ما ينبغي لك أن ~~تخاف. وأما أنك اتخذت بمكة أهلا فإن زوجتك في المدينة تخرج بها إن شئت وتتركها ~~إن شئت. وأما أن لك في الطائف مالا فإن بينك وبين الطائف ثلاث ليال. قال عثمان: ~~هذا رأي رأيته. قال الرواة: وانصرف عبد الرحمن فلقي عبد الله بن مسعود، فقال له ~~ابن مسعود: أرأيت إلى عثمان يصلي أربعا وقد صلى النبي وصلى صاحباه وعثمان نفسه في ~~هذا المكان اثنتين؟ لقد علمت ذلك فصليت بأصحابي أربعا لأني أكره الفرقة. قال عبد ~~الرحمن: فإني قد علمت ذلك فصليت بأصحابي ركعتين، فأما الآن فهو ما قلت. # ومعنى هذا أن الأعلام من أصحاب النبي أنكروا ms165 من عثمان إتمامه الصلاة في منى وناظروه ~~في ذلك، فلما رأوا أنه لا يغير رأيه ساروا سيرته وذهبوا مذهبه مخافة ~~الاختلاف. # وقد ينبغي أن نعلم أن مصدر هذا الذي أصاب أصحاب النبي حين رأوا عثمان يتم الصلاة ~~بمنى؛ هو مخالفة السنة الموروثة أولا، وشيء آخر عظيم الخطر جدا في نفوس ~~المهاجرين، وهو أن النبي بعد الهجرة قد اتخذ المدينة له ولأصحابه دار إقامة، واتخذ ~~مكة وما حولها دار غربة، وكره لنفسه ولأصحابه أن يطيلوا الإقامة بمكة، حتى لا ~~يظن أنهم يرجعون أو يهمون بالرجوع إليها بعد أن هاجروا منها، وكره أن يموت بعض ~~أصحابه المهاجرين في مكة. أشفق عليهم من ذلك، وتمنى على الله ألا يتوفاهم في الأرض ~~التي هاجروا منها، وأوصى من استخلفه على سعد بن أبي وقاص حين كان مريضا بمكة ألا ~~يدفنه فيها إن مات، وأمره أن يدفنه في طريق المدينة. فلما صلى عثمان بمنى صلاة ~~المقيم ذكر المهاجرون والأنصار هذا كله وأشفقوا أن يغير عثمان ما جرت به سنة النبي ~~وأصحابه جميعا من اتخاذ مكة دار غربة لا دار مقام. ولكنهم على ذلك ساروا سيرة ~~عثمان، فأتموا الصلاة بمنى ما أتمها مخافة أن يفترق الناس في صلاتهم وهي ركن خطير ~~من أركان الدين. # وليس عندنا شك في أن عثمان قد اجتهد للمسلمين، وخاف على جهالهم وجفاتهم أن يفتنوا. ~~وسواء أصاب في هذا الاجتهاد أم أخطأ فهو لم يرد إلا الخير. وليس أدل على ذلك من ~~أنه لم يتحول من المدينة إلى مكة ولا إلى غيرها، ولم يقبل ما عرض عليه حين اشتدت ~~الفتنة من الإقامة بمكة آمنا لا يجرؤ مسلم أن يصيبه فيها بما يكره؛ لأنه لم يرد ~~أن يستبدل بجوار رسول الله شيئا. ولو شاء لعاذ بمكة حتى تأتيه الأمداد، ولم يكن ~~عليه بذلك بأس. فالضرورة الملجئة كانت قائمة، ولو شاء لتحول إلى الشام كما عرض ~~عليه معاوية ولكنه أبى. فهو إذن لم يحاول أن يجعل من مكة دار إقامة، وإنما نصح ~~المسلمين وقبل المسلمون ms166 ذلك منه، فأتموا بإتمامه وإن لم يقتنعوا بما احتج به لهذا ~~الإتمام. # وأنكر خصوم عثمان عليه شيئا آخر يتصل بركن آخر من أركان الدين، فقالوا إنه أخذ ~~الزكاة على الخيل، وكان النبي قد أعفى من زكاة الخيل والرقيق، وسار الشيخان سيرته، ~~فلما استخلف عثمان أخذ الزكاة في الخيل. # ونلاحظ أولا أن الرواية بذلك لم تتواتر ولم يكد يجتمع عليها الرواة، ونلاحظ بعد ~~ذلك أن عثمان لم ينقص من الزكاة وإنما زاد فيها. وأكبر الظن أن النبي وصاحبيه إنما ~~أعفوا من زكاة الخيل حين كانت قليلة وحين كانت جيوش المسلمين في حاجة إلى الفرسان، ~~وحين كان المسلمون إنما يعدون ما استطاعوا من قوة ومن رباط الخيل ليرهبوا به عدو ~~الله وعدوهم. فلما كان الفتح وأقبلت الدنيا وكثر المال، جعل المسلمون يتخذون ~~الخيل في بلاد العرب على الأقل تجارة ومالا، فأنفذ فيها عثمان ما أمر الله من ~~الزكاة في كل مال يتخذ للربح والثراء. # وعاب المسلمون على عثمان أنه حمى الحمى، والله ورسوله قد أباحا الهواء والماء ~~والكلأ للناس جميعا. والرواة بعد ذلك يختلفون، فيقول بعضهم إنه حمى الحمى لإبل ~~الصدقة ولإبله وخيله وإبل بني أمية وخيلها. ويقول بعضهم الآخر ويقول عثمان نفسه: ~~إنه لم يحم الحمى لإبل الصدقة. ثم يقال إن المسلمين لاموه في أنه حمى الحمى لإبل ~~الصدقة، فكانت حجته أنه إنما أراد ألا يكون هناك اختلاف بين الأفراد والدولة فيما ~~يتصل بالمراعي؛ فهو قد أراد العافية، ما في ذلك شك. على أنه حين رأى تحرج ~~المسلمين من ذلك وضيقهم به لم يتشدد فيه وإنما تركه واستغفر الله. فليس عليه بذلك ~~بأس أيضا. # وما دمنا بسبيل الزكاة وإبل الصدقة، فلنذكر اعتراضا آخر وجهه خصوم عثمان إليه، وهو ~~أنه أخذ من أموال الصدقة فأنفق منها في الحرب وفي غير الحرب من المرافق العامة. ~~قال المعترضون: إن لأموال الصدقة مصارف معينة بينها الله في قوله: # إنما الصدقات للفقراء والمساكين ~~والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب ~~والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة ms167 من ~~الله والله عليم حكيم ~~. والله قد بين هذه المصارف بهذا ~~القصر الذي نصه في أول الآية، وبقوله: # فريضة من ~~الله ~~. فلا يجوز للإمام أن ينفق من أموال الصدقة إلا في المصارف ~~التي بينها الله عز وجل في هذه الآية. # وأجاب المتكلمون من أهل السنة والمعتزلة على هذا الاعتراض بأن عثمان لم يفعل ذلك ~~إلا حين رأى في أموال الصدقة سعة، وحين رأى حاجة الحرب إلى مزيد من نفقة، فاقترض ~~من أموال الصدقة لينفق على الحرب، مزمعا أن يرد ذلك إذا اتسع بيت المال لرده. ~~ومن حق الإمام أن يقترض من مصرف لمصرف، لا يخالف بذلك الدين ولا يغير بذلك سنة ~~موروثة ما دام مصمما على أن يرد على أموال الصدقة ما أخذ منها. ونقول نحن: إن ~~جواب المتكلمين ليس به بأس من ناحية الدين، ولكن البأس هو أن يأخذ الإمام من مصرف ~~لينفق على مصرف آخر؛ فإن ذلك أحرى أن يدل على شيء من سوء التدبير المالي، وعلى ~~إسراف في أموال الحرب والمرافق الأخرى بإنفاقها في غير احتياط ولا تحفظ، وبإعطائها ~~على سبيل الهبة لمن لا يستحقها. وسنعود إلى هذا الحديث في موضع آخر قريب. # وعاب خصوم عثمان عليه أنه حمل الناس على مصحف واحد، ثم لم يحظر غير ما جاء في هذا ~~المصحف من القراءة فحسب، ولكنه حسم الأمر حسما، فحرق ما عدا هذا المصحف من ~~الصحف التي كتب فيها القرآن. قال المعترضون على عثمان: إن النبي قال: «نزل القرآن ~~على سبعة أحرف كلها كاف شاف.» فعثمان حين حظر ما حظر من القراءة وحرق ما حرق ~~من الصحف إنما حظر نصوصا أنزلها الله، وحرق صحفا كانت تشتمل على قرآن أخذه ~~المسلمون عن رسول الله. وما ينبغي للإمام أن يلغي من القرآن حرفا أو يحرق من ~~نصوصه نصا. وقصة جمع الناس على مصحف واحد ليست يسيرة إلى هذا الحد الذي تصوره ~~خصوم عثمان وأنصاره. فقد روي عن النبي روايات متظاهرة أنه قال: «نزل القرآن على ~~سبعة أحرف.» ولكن المسلمين ms168 ما زالوا مختلفين في تأويل هذا الحديث إلى الآن: فقوم ~~يرون أن هذه الأحرف هي المعاني التي تناولها القرآن من الوعد والوعيد والأمر ~~والنهي والوعظ والقصص، وقوم يذهبون بهذه الأحرف مذهب التصوف، وقوم يرون أن هذه ~~الأحرف هي ألفاظ تختلف فيما بينها باختلاف اللغات التي كانت العرب تتكلمها. ولم ~~يتفق المسلمون اتفاقا قاطعا على معنى دقيق لهذا الحديث؛ فلا يصح الاحتجاج به على ~~عثمان حتى يتفق المختصمون والأنصار على معناه. وقد تظاهرت الروايات أيضا بأن ~~المسلمين اختلفوا في قراءة القرآن أيام النبي نفسه، ولم يكن اختلافهم في اللهجات، ~~وإنما كان اختلافهم في الألفاظ دون أن تختلف معاني هذه الألفاظ. وقد اختصم ~~المختلفون إلى النبي نفسه فأجاز قراءتهم جميعا؛ لأنها لم تكن تختلف في معناها، ~~وإنما كانت تختلف في ألفاظها. وقد جمع القرآن أيام أبي بكر وعمر، وجاءت الشكوى إلى ~~عثمان بأن المسلمين في الأمصار والثغور يختلفون في قراءة القرآن، ثم يختصمون حول ~~هذا الاختلاف، فيفضل بعضهم قرآنه على قرآن غيره، حتى أوشكوا أن يفترقوا، وحتى قال ~~حذيفة بن اليمان لعثمان: أدرك أمة محمد قبل أن تتفرق حول القرآن. # فليس من شك في أن ما أقدم عليه عثمان من توحيد المصحف وحسم هذا الاختلاف وحمل ~~المسلمين على حرف واحد أو لغة واحدة يقرءون بها القرآن، عمل فيه كثير من الجراءة، ~~ولكن فيه من النصح للمسلمين أكثر مما فيه من الجراءة. فلو قد ترك عثمان الناس ~~يقرءون القرآن قراءات مختلفة بلغات متباينة في ألفاظها، لكان هذا مصدر فرقة لا شك ~~فيها، ولكان من المحقق أن هذه الفرقة حول الألفاظ ستؤدي إلى فرقة شر منها حول ~~المعاني بعد أن كان الفتح، وبعد أن استعرب الأعاجم، وبعد أن أخذ الأعراب يقرءون ~~القرآن. # ولهذا لم يتردد أهل السنة والمعتزلة في إقرار ما عمل عثمان، وفي الاعتراف له بهذا ~~الفضل العظيم؛ لأنه حال بين المسلمين وبين الفرقة، وجمعهم على الشيء الوحيد الذي ~~لا ينبغي أن يختلفوا فيه. ولا نعلم أن عليا أنكر ذلك على عثمان، ولا ms169 أن أحدا من ~~أصحاب الشورى أنكره، بل روي أن عليا قال في خلافته: «لو كنت مكان عثمان لحملت ~~الناس في أمر القرآن على ما حملهم عليه.» فليس على عثمان بأس في دينه من هذه ~~الناحية. وقد يمكن أن يعترض عليه في أنه كلف كتابة المصحف نفرا قليلا من أصحاب ~~النبي، وترك جماعة من القراء الذين سمعوا من النبي وحفظوا عنه وعلموا الناس في ~~الأمصار، وكان خليقا أن يجمع هؤلاء القراء جميعا ويجعل إليهم كتابة المصحف. ومن ~~هنا نفهم غضب ابن مسعود؛ فقد كان ابن مسعود من أحفظ الناس للقرآن. وهو، فيما كان ~~يقول، قد أخذ من فم النبي نفسه سبعين سورة من القرآن، ولم يكن زيد بن ثابت قد بلغ ~~الحلم بعد. فإيثار عثمان لزيد بن ثابت وأصحابه وتركه لابن مسعود وغيره من الذين ~~سبقوا إلى استماع القرآن من النبي وحفظه عنه، قد أثار عليه بعض الاعتراض. وهذا شيء ~~يفهم من غير مشقة ولا عسر. # وربما تحرج بعض المسلمين من تحريق ما حرق عثمان من المصحف، ولم يقبلوا اعتذاره ~~بحسم الفتنة وقطع الخلاف. ولو قد كانت الحضارة تقدمت بالمسلمين شيئا لكان من ~~الممكن أن يحتفظ عثمان بهذه الصحف التي حرقها على أنها نصوص محفوظة لا تتاح ~~للعامة، بل تكاد تتاح للخاصة، وإنما هي صحف تحفظ ضنا بها على الضياع. ولكن ~~المسلمين لم يكونوا قد بلغوا في ذلك العصر من الحضارة ما يتيح لهم تنظيم المكتبات ~~وحفظ المحفوظات. وإذا لم يكن على عثمان جناح فيما فعل لا من جهة الدين ولا من جهة ~~السياسة، فقد يكون لنا أن نأسى لتحريق تلك الصحف؛ لأنه إن لم يكن قد أضاع على ~~المسلمين شيئا من دينهم، فقد أضاع على العلماء والباحثين كثيرا من العلم بلغات ~~العرب ولهجاتها، على أن الأمر أعظم خطرا وأرفع شأنا من علم العلماء وبحث ~~الباحثين عن اللغات واللهجات. # وأنكر المنكرون على عثمان خصلة أخرى ما نعرف أن العذر يمكن أن يقوم له فيها. ذلك ~~أنه رد عمه الحكم بن أبي ms170 العاص وأهله إلى المدينة، وكان النبي قد أخرجهم منها ~~إخراجا عنيفا. وكان بيت الحكم بن أبي العاص في الجاهلية مجاورا لبيت النبي، ~~فكان الحكم يؤذي جاره الكريم أشد الأذى وأقبحه. والحكم بن أبي العاص هو الذي أخذ ~~عثمان حين أسلم، فشد وثاقه وأقسم لا يخليه حتى يعود إلى دين آبائه، ثم لم يطلقه ~~إلا حين استيأس منه. وقد أقبل الحكم بعد فتح مكة إلى المدينة مسلما، ولكن إسلامه ~~لم يكن إلا جنة يتقي بها الموت. وآية ذلك أنه ظل يؤذي رسول الله بقوله وفعله، فكان ~~يسعى وراءه ويغمزه ويقلد حركاته ساخرا منه. واطلع ذات يوم على النبي في حجرة من ~~حجراته، فخرج النبي مغضبا، فلما عرفه قال: «من عذيري من هذا الوزغ!» ثم أخرجه من ~~المدينة وقال: «لا يساكنني فيها أبدا.» وقد شفع عثمان عند النبي في إعادته فلم ~~يعده، وطلب ذلك إلى أبي بكر فأبى عليه، وطلب ذلك إلى عمر فلم يكتف بالرفض، وإنما ~~زجر عثمان وحرج عليه ألا يعاوده في أمر الحكم مرة أخرى. فلما استخلف عثمان أعاد ~~الحكم إلى المدينة، فأنكر المسلمون ذلك، وسعى إليه أعلام الصحابة فلاموه فيه، ~~ولكنه زعم لهم أنه كلم النبي في رد الحكم فأطمعه في ذلك، ثم توفي قبل أن يرده. ~~ويقول المعتذرون لعثمان من أهل السنة والمعتزلة: إن عثمان قد كان يرى أن إخراج ~~النبي الحكم وأهله من المدينة ليس ضربة لازب؛ فإن حال المنفي قد تصلح على مر ~~الزمن، فيجوز أن يعفى عنه وأن يرد إلى الأرض التي نفي منها. ويقولون كذلك: إن ~~عثمان علم أن النبي كان يريد رد الحكم، فلم يقبل منه ذلك أبو بكر وعمر؛ لأنه ~~انفرد بهذا العلم فلم تستقم شهادته. فلما استخلف قضى بعلمه، ومن حق الإمام أن يقضي ~~بعلمه. # ولكن خصوم عثمان يقولون إن سيرة الحكم في جاهليته مع النبي وسيرته بعد إسلامه ~~المتكلف وقول النبي: «من عذيري من هذا الوزغ!» وقوله: «لا يساكنني فيها أبدا»؛ ~~كل ذلك يحظر على عثمان أن يرده إلى ms171 المدينة، وليس للإمام أن يقضي بعلمه حين تكون ~~هناك الشبهة التي توهم أن الإمام إنما قضى بما قضى إيثارا لقرابته. فقد كان ~~الحكم عم عثمان، وكانت هذه الشبهة وحدها تكفي ليتجنب عثمان رده إلى المدينة. ~~فإذا أضفنا إلى ذلك قول النبي: «لا يساكنني فيها أبدا»، فقد كان أيسر الرعاية ~~لحرمة النبي يقتضي ألا يرده عثمان إلى المدينة ليساكن النبي فيها ميتا بعد أن ~~أبى النبي أن يساكنه فيها حيا. # وقد دلت سيرة عثمان مع الحكم وبنيه بعد ذلك على أنه إنما ردهم إلى المدينة ~~إيثارا لهم بالخير، وتكاثرا بهم على غيره من المسلمين، واستعانة بهم على أمور ~~السياسة والإدارة والمال. فقد أعطى عثمان الحكم مالا كثيرا، ولما مات الحكم ضرب ~~عثمان على قبره فسطاطا. وقد ولى عثمان الحارث بن الحكم سوق المدينة، فأسرف على ~~الناس وعلى نفسه، وسار سيرة لا تلائم الأمانة ولا التورع، وإنما تلائم الجشع ~~والطمع وحب الاستكثار من المال. # ثم لم يقف عثمان عند هذا الحد، وإنما أعطى الحارث مالا كثيرا كما سنرى، ثم اختص ~~عثمان بمروان بن الحكم، فأعطاه وحباه واتخذه لنفسه وزيرا ومشيرا؛ فدل هذا كله ~~على أن عثمان لم يدع الحكم وبنيه إلى المدينة رقة لهم وعطفا عليهم فحسب، وإنما ~~دعاهم أيضا ليكونوا له عدة وأعوانا. # كل هذه أمور نقمها الناقمون من عثمان في أمر دينه. وقد رأيت أن لا بأس على عثمان من ~~أكثرها، وأن قصة الحكم وبنيه وحدها هي التي يصعب الدفاع فيها عن عثمان. وهي على ~~كل حال ليست من الأمور التي تقدح في دين عثمان؛ فهو قد خالف سنة من السنن، وتأول ~~في ذلك مخطئا أو مصيبا، ولكنه على كل حال لم يغير أصلا من أصول الدين ولا هدم ~~ركنا من أركانه، وهو بعد ذلك رجل يخطئ ويصيب. وليس كل الأئمة يستطيع أن يسير سيرة ~~أبي بكر وعمر وإن عاهد الناس على أن يسير سيرة أبي بكر وعمر. # ويقيننا أن عثمان لو وقف بأحداثه عند هذا الحد لما زاد المسلمون ms172 على أن ينصحوا له ~~ويشتدوا عليه في العتب، ثم لا يتجاوزون ذلك إلى غيره ، وإنما يحملونه تبعة سيرته ~~ويخلون بعد ذلك بينه وبين الله يحاسبه على ما قدم حسابا يسيرا أو ~~عسيرا. # ولكن عثمان لم يقف بأحداثه عند هذا الحد، وإنما تجاوزها هو وعماله إلى أشياء أخرى ~~تمس حقوق الناس ومصالحهم وحرياتهم؛ فكان هذا مصدرا لشر عظيم. # | الفصل الرابع والعشرون # وقد نقم المسلمون من عثمان سياسته في الإدارة وسيرته في التولية والعزل، فقالوا: ~~إنه ولى أمور المسلمين جماعة من الأحداث لا يصلحون لها ولا يقدرون عليها، ولا ~~ينصحون للدين ولا يخلصون لله ورسوله، وعزل أصحاب النبي عن الأمصار، ولم يسمع لوصية ~~عمر، فحمل بني أبي معيط وبني أمية على رقاب الناس. وقد عوتب في ذلك فلم يعتب حتى ~~ظهر فسق عماله وانحرافهم عن الجادة فلم يعزل أحدا منهم إلا مضطرا. # فهو ولى الوليد على الكوفة مكان سعد بن أبي وقاص، وولى عبد الله بن عامر مكان أبي ~~موسى الأشعري، وولى عبد الله بن سعد بن أبي سرح مكان عمرو بن العاص، وآثر معاوية ~~بالشام كله. # وقد قدمنا في هذا كله ما كان لنا من رأي فيه. ونلاحظ مع ذلك أن أنصار عثمان من ~~أهل السنة والمعتزلة يتكلفون في الدفاع عنه، كما أن خصومهم يسرفون في النعي عليه. ~~فظاهر أن قول المدافعين عن عثمان إن عذره قائم في تولية من ولى من عماله؛ لأن ~~أحوالهم كانت مستورة، ولأن ظاهر أمرهم كان حسنا، فليس من توليتهم بأس - ظاهر أن ~~هذا القول لا يستقيم. فقد كانت حال الوليد بن عقبة معروفة ظاهرة، وكان عثمان يعلم ~~أن الله أنزل فيه قرآنا وسماه فاسقا، وأن عمر ظن أن أمره قد صلح فولاه صدقات ~~تغلب، ثم لم يلبث أن عزله حين استبان أنه ما زال على جاهليته. وكان الوليد نفسه ~~يعلم ذلك حق العلم؛ فقد روي أنه حين دخل الكوفة واليا عليها مكان سعد، قال له ~~سعد: أزائرا يا أبا وهب أم أميرا؟ قال الوليد: بل ms173 أميرا يا أبا إسحاق. قال سعد: ~~والله ما أدري أحمقت بعدك أم كست بعدي . قال الوليد: ما حمقت بعدي ولا كست ~~بعدك، وإنما ولي القوم الأمر فاستأثروا. قال سعد: ما أراك إلا صادقا، فقد كان ~~الوليد يعلم أنه لم يول الكوفة لأن أمره حسن بعد قبح وصلح بعد فساد، وإنما ولي ~~لأن القوم ملكوا فاستأثروا. # وكان عثمان يعلم حق العلم أن عبد الله بن عامر شاب حدث لم تتجاوز سنه الخامسة ~~والعشرين بعد، وأن في المهاجرين والأنصار وغيرهم من العرب من هم أكبر منه سنا، ~~وأكثر منه تجربة، وأقدم منه سابقة في الدين. وكان عثمان يعلم أن الله قد أنزل ~~قرآنا في عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وأن النبي كان قد أهدر دمه يوم الفتح. فلم ~~تكن حال هؤلاء الناس مستورة، وإنما كانت أظهر من أن تخفى على مثل عثمان. وظاهر ~~كذلك أن قول أهل السنة والمعتزلة أن عثمان عزل من عماله من ظهر له فسقه أو فساد ~~أمره لا يستقيم؛ فعثمان لم يعزل الوليد إلا حين لم تكن له مندوحة عن عزله. ولسنا ~~نزعم أن عثمان تلكأ في إقامة الحد على الوليد، ولكنا نقطع بأنه لم يعزله إلا حين ~~ظهر منه الفساد ظهورا فاضحا، وشهد الشهود عليه بشرب الخمر، وضج منه أهل الكوفة، ~~وألح في عزله المهاجرون والأنصار. وعثمان لم يعزل سعيد بن العاص بعد الوليد عن ~~رضا، وإنما أكره على عزله إكراها حين سار أهل الكوفة فردوا سعيدا وحالوا بينه ~~وبين دخول مصر، وخيروا عثمان بين الثورة وبين أن يولي عليهم أبا موسى الأشعري. ~~وعثمان لم يعزل عبد الله بن سعد بن أبي سرح عن رضا، وإنما أنذره المصريون ~~بالثورة، وألح المهاجرون والأنصار في عزله، وطالب علي بأن يحقق ما اتهم به من ~~القتل؛ هنالك عزل عثمان عبد الله بن سعد، وكتب بعهده على مصر لمحمد بن أبي بكر. كل ~~ذلك شيء لا شبهة فيه، وإنما تأتي الشبهة فيما كان بعد ذلك من أمر الكتاب الذي ms174 أرسل ~~بقتل المصريين. # فليس صحيحا إذن أن حال هؤلاء العمال كانت مستورة، وليس صحيحا كذلك أن عثمان عزلهم ~~حين استبان له اعوجاج سيرتهم. # وظاهر بعد هذا كله أن خصوم عثمان يسرفون حين يقولون إن عماله لم يكونوا أصحاب كفاية ~~وقدرة على النهوض بأمور الحكم؛ فقد كان هؤلاء العمال أولي كفاية وغناء ما في ذلك ~~شك، يشهد بذلك أنهم جميعا أبلوا في الفتح أحسن البلاء، ولكنهم كانوا أولي كفاية ~~بالقياس إلى حكومة يقوم أمرها على القوة والبأس، وعلى الجبرية والكبرياء، لا على ~~ما فرض الإسلام من العدل والإنصاف والمساواة والاستمساك بالعهد الذي أعطاه عثمان ~~على نفسه، ليلتزمن كتاب الله وسنة رسوله وسيرة الشيخين لا يحيد عن شيء من ~~ذلك. # فسياسة عثمان في العزل والتولية لم تكن ملائمة للعهد الذي أعطاه. وليس من شك في أن ~~الذين ضاقوا بهؤلاء العمال وثاروا عليهم ونقموا من عثمان توليتهم، لم يكونوا ~~مخطئين. # | الفصل الخامس والعشرون # والسياسة المالية التي اصطنعها عثمان منذ نهض بالخلافة كلها موضوع للنقمة والإنكار ~~من أكثر الذين عاصروا عثمان ومن أكثر الرواة والمؤرخين، وإن أصبحت فيما بعد ~~موضوعا للجدل بين المتكلمين، يدافع عنها أهل السنة والمعتزلة، وينكرها الشيعة ~~والخوارج جميعا. ويمكن أن نختصر سياسة عثمان المالية في أنه كان يرى أن للإمام ~~الحق في أن يتصرف في الأموال العامة حسب ما يرى أنه المصلحة، وأنه ما دام قد انقطع ~~بحكم الخلافة لتدبير أمور المسلمين، فله أن يأخذ من أموالهم ما يسعه ويسع أهله ~~وذوي رحمه لا يرى بذلك بأسا ولا جناحا. والشيء الذي لم يوضحه المؤرخون توضيحا ~~كافيا، هو أن عثمان قد كان قبل أن يلي الخلافة سخيا سمحا معطاء، وكان كثير ~~المال ضخم التجارة كثير الاكتساب، فكان ماله يسعه ويسع أهله وذوي رحمه. فلما تولى ~~الخلافة شغلته عن التجارة والاكتساب، ولم يكن له بد من أن ينفق على نفسه وأهله ~~وذوي قرابته بعد الخلافة كما كان ينفق قبلها، فكان يرى فيما يظهر أن الخلافة يجب ~~ألا تغير من سيرته في المال ms175 شيئا، فإذا لم يسعفه ماله الخاص وجب أن تسعفه الأموال ~~العامة؛ لأن ماله الخاص لم يقصر به إلا لأنه صرف عن تدبيره واستثماره بتفرغه ~~لتدبير هذه الأموال العامة. # ولم يكن لأبي بكر وعمر قبل خلافتهما من الثراء ما كان لعثمان. فلسنا نعلم أن أحدا ~~منهما اشترى بئر رومة أو اشترى الأرض التي زيدت في المسجد، أو جهز الجيش لغزوة ~~تبوك؛ لا لأنهما بخلا بالمال، بل لأنهما لم يكونا من ذوي المال الكثير. وهما كذلك ~~لم يكونا يتوسعان في الإنفاق على أنفسهما وأهلهما وذوي رحمهما كما كان عثمان ~~يتوسع؛ لأن ثروتهما لم تكن تتيح لهما ذلك. فهما إذن لم يغيرا بعد الخلافة من ~~سيرتهما قبل الخلافة، إلا أن يكونا قد تشددا على أنفسهما تحرجا وتأثما. فأما ~~عثمان فقد مضى بعد الخلافة على سيرته الأولى، فلم يلبث ماله في أكبر الظن أن قصر ~~به فاستباح أن يأخذ من أموال المسلمين ما يقارب الربح الذي كان ماله خليقا أن ~~يدر عليه لو أنفق وقته وجهده في تدبيره وتثميره. كذلك كانت حاله أول الأمر، ثم ~~لم يلبث أن اتسع في ذلك، وأزلقه السلطان إلى مزيد من الجود وفضل من السخاء. # وأخرى يجب أن نلاحظها في تفسير السياسة المالية لعثمان، وهي أنه لم يكن يرى فيما ~~يظن أن للمسلمين الحق في أن يراقبوه فضلا عن أن يعاقبوه. فهو قد أعطى العهد ~~الذي أعطاه، وهو مسئول عن هذا العهد أمام الله لا أمام الناس. يدل على ذلك اقتناعه ~~بأن الذين طلبوا إليه أن يخلع نفسه قد طلبوا إليه شيئا عظيما، وقوله لهؤلاء ~~ولغيرهم: «ما كنت لأخلع قميصا قمصنيه الله عز وجل»، وقوله لهؤلاء ولغيرهم: «لأن ~~أقدم فتضرب عنقي أحب إلي من أن أنزع سربالا سربلنيه الله عز وجل.» # فلم تكن الخلافة عنده إذن تكليفا تلقاه من المسلمين، ويستطيع أن يرده عليهم إن ~~شاء هو أو شاءوا هم، وإنما كانت الخلافة عنده ثوبا أسبغه الله عليه، وليس له أن ~~ينزعه عن نفسه، وليس لأحد غيره أن ينزعه ms176 عنه، وإنما الله وحده هو الذي يملك تجريده ~~من هذا الثوب يوم يجرده من ثوب الحياة. وعذر عثمان في ذلك أنه رأى صاحبيه من ~~قبله قد نهضا بالخلافة، فلم تنزع عن أحدهما ما أقام على الحياة. فهو إذن مثلهما ~~قد نهض بالخلافة، ويجب أن يستمسك بها ما امتدت له أسباب الحياة. وإذا كان هذا رأيه ~~في الخلافة وفيما تتيح له من سلطان، فليس غريبا أن يضيق بالذين يجادلونه في ~~سلطانه، ويحاولون أن يكفوه عن بعض تصرفه في الإدارة أو السياسة أو المال، فهو ليس ~~مسئولا أمام الناس، وإنما هو مسئول أمام الله كما قدمنا. ولم يكن عثمان يتكلف هذا ~~الرأي تكلفا ولا يصطنعه دريئة يتقي بها لوم اللائمين ونقمة الناقمين، وإنما كان ~~يراه عن نية صادقة وعن بصيرة خالصة. ولعل كثيرا من المسلمين الذين عاصروه كانوا ~~يرون في الخلافة مثل رأيه، ويذهبون في السلطان مثل مذهبه. وهذا هو الذي يفسر لنا ~~أن بعض الصحابة كانوا لا يستبيحون لأنفسهم الخلاف عن أمره حتى حين ينحرف عن القصد ~~أو يجور عن الطريق. كانوا يأخذون الآية على ظاهر نصها، ويكرهون أن يتأولوا في قول ~~الله عز وجل: # يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ~~. وكانوا يؤثرون ~~إن أصابهم من الإمام ظلم أن يحتملوا هذا الظلم في الدنيا ليثابوا عليه في الآخرة، ~~يفضلون ذلك على أن يقاوموا فيتعرضوا لما قد يكون فيه بعض الإثم، ولا عليهم أن ~~يصيبهم الظلم في الدنيا، وينالهم الثواب في الآخرة، وأن يحتمل الإمام تبعة أعماله ~~ويؤدي حسابه عنها إلى الله. # هذا المذهب هو الذي ذهب إليه أبو ذر حين سمع وأطاع على إنكاره لظلم عثمان إياه. ~~وهو الذي ذهب إليه عبد الله بن مسعود في أمر نفسه، وما أصابه من بطش عثمان، وفي ~~أمر الدين حين أتم الصلاة لأن عثمان أتمها مع أنه لم يوافق عثمان على إتمامه ~~للصلاة. # وكذلك مضى عثمان في إدارته وسياسته للحرب والمال؛ يرى أن من حقه الاجتهاد، وأنه ~~مؤد حسابه ms177 عن هذا الاجتهاد إلى الله، وأن من الحق على المسلمين أن يسمعوا له ~~ويطيعوا ، وأن من الحق لهم أن ينصحوا له ويشيروا عليه؛ فإن شاء سمع لهم وقد فعل في ~~بعض الأحداث، وإن شاء أبى عليهم وقد فعل في بعضها الآخر. وهذا النوع من تصور ~~السلطان جديد محدث؛ فلم يخطر لأبي بكر ولا لعمر أنه يستطيع أن يستأثر بالسلطان من ~~دون المسلمين. وربما اشتد عمر في ذلك حتى ثقل على المسلمين أنفسهم، كالذي روي من ~~أن ملكة الروم أهدت إلى زوجه أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب عقدا من جوهر، وكانت ~~أم كلثوم قد أهدت إليها من طرائف بلاد العرب، فوقع العقد في يد عمر حين أقبل به ~~البريد، فلم يشأ أن يؤديه إلى امرأته حتى أمر فنودي في الناس: الصلاة جامعة. فلما ~~اجتمع إليه المسلمون استشارهم في هذا العقد. فكلهم أشار عليه بأن يؤديه إلى أم ~~كلثوم لأنه ملكها، ولكنه تحرج من ذلك لأنه حمل إليها في بريد المسلمين، فأمره ~~برده إلى بيت المال، وأدى إلى امرأته ما أنفقت في هديتها لملكة الروم. ونحن نعلم ~~أن هذه السيرة الشديدة التي كان عمر يسيرها في نفسه وفي أهله قد ثقلت على الناس، ~~وزهدت الفتيات والنساء في التزوج من عمر، وحملت بعضهن على رد خطبته، ثم نقيس هذه ~~السيرة إلى سيرة عثمان حين حلى بعض أهله بجوهر كان في بيت المال، فلما كلم في ذلك ~~قال: «لنأخذن حاجتنا من هذا الفيء وإن رغمت أنوف أقوام.» # وقد يشق علينا أن نلاحظ أن هذا المذهب الذي ذهبه عثمان في الخلافة هو نفس المذهب ~~الذي عرضه زياد في خطبته المشهورة حين قال: «أيها الناس! إنا قد أصبحنا لكم ساسة ~~وعنكم ذادة، نسوسكم بسلطان الله الذي أعطانا، ونذود عنكم بفيء الله الذي خولنا.» ~~ومن هنا لا نرى غرابة فيما روي عن عثمان من قوله: «إن أبا بكر وعمر كانا يظلمان ~~أنفسهما وقرابتهما تقربا إلى الله، وأنا أصل رحمي تقربا إلى الله.» اجتهد أبو ~~بكر ms178 وعمر فظلما أنفسهما وقرابتهما، واجتهد عثمان فوصل رحمه وقرابته ولم يظلم نفسه. ~~ولسنا بعد ذلك في حاجة إلى أن نناقش في صحة ما جاءت به الرواية من أنه أعطى مروان ~~بن الحكم خمس الغنيمة التي غنمها المسلمون في أفريقية أو خمس الخمس، أو وهب له ما ~~بقي عليه من ثمن الخمس، ومن أنه أعطى الحكم عمه، وأعطى ابنه الحارث ثلثمائة ألف، ~~وأعطى عبد الله بن خالد بن أسيد الأموي ثلثمائة ألف، وأعطى كل واحد من الذين وفدوا ~~مع عبد الله بن خالد مائة ألف مائة ألف، حتى أبى عبد الله بن الأرقم صاحب بيت ~~المال أن ينفذ الأمر واستقال من عمله، وأعطى عبد الله بن الأرقم هذا بعد استقالته ~~ستمائة ألف، فلم يقبلها تورعا وزهدا، وأعطى الزبير بن العوام ستمائة ألف، وأعطى ~~طلحة بن عبيد الله مائة ألف، وأعطى سعيد بن العاص مائة ألف، وزوج ثلاثا أو ~~أربعا من بناته لنفر من قريش فأعطى كل واحد منهم مائة ألف دينار. # فقد كان عثمان يرى لنفسه الحق في هذا العطاء، ولم يكن يبيح لصاحب بيت المال أن يعصي ~~أمره أو يجادل فيه. وإذا استباح عثمان لنفسه هذا السخاء فأولى أن يستبيح لنفسه أن ~~يقترض من بيت المال، حتى إذا أيسر قضى. وواضح أن عمال عثمان قد ساروا في المال ~~سيرة إمامهم، فأعطوا واقترضوا والتوى بعضهم بالدين، فاستقال عبد الله بن مسعود ~~في الكوفة، كما استقال عبد الله بن الأرقم في المدينة. وإذا أطلق الإمام يده وأطلق ~~العمال أيديهم في الأموال العامة على هذا النحو، لم يكن غريبا أن يحتاج الجند إلى ~~المال فلا يجدوه، وأن يضطر الإمام أن ينفق على الحرب من أموال الصدقة، فيعرض ~~نفسه لما تعرض له من الإنكار الذي أشرنا إليه آنفا، والذي إن دل على شيء فإنما ~~يدل على أن سياسة المال أيام عثمان لم تكن دقيقة ولا محكمة. # وإذا أطلق الإمام يده في الأموال العامة وأطلق العمال أيديهم فيها على هذا النحو، ~~لم يكن غريبا أن ms179 تمتد هذه الأيدي إلى أموال الصدقة، لا للإنفاق على الحرب بل ~~للعطاء وصلة الرحم ، كما روي أن عثمان أرسل الحارث بن الحكم مصدقا على قضاعة، ~~فلما جاء بصدقاتهم وهبها له. بل إذا امتدت الأيدي إلى الأموال العامة على هذا ~~النحو، لم يكن غريبا أن يحتاج بيت المال إلى ما يواجه به نفقات الحرب والسلم ~~وسخاء الإمام والعمال، فيدعو ذلك إلى التشدد على الرعية والعنف بها في جباية ~~الخراج والجزية والزكاة. وهذا يفسر لنا ما روي من أن المصريين شكوا من ظلم عبد ~~الله بن سعد، ومن قول عمرو بن العاص لعثمان: «وهلكت فصالها.» كما يفسر لنا ما روي ~~من أن عمال الصدقة كانوا يظلمون أهل البادية، وينسب ظلمهم إلى عثمان ويبلغه ذلك ~~فلا يغير منه. على أن عطاء عثمان لم يقتصر على السائل من المال، وإنما تجاوزه إلى ~~الجامد أيضا؛ فقد نقم الناس من عثمان أنه كان يقطع القطائع الكثيرة في الأمصار ~~لبني أمية. وقد دافع أهل السنة والمعتزلة عن هذا الإقطاع بأن عثمان إنما أقدم عليه ~~استصلاحا لهذه الأرض فنصح بذلك للمسلمين، ورد الشيعة عليهم بأن عثمان نفسه لم ~~يدافع عن نفسه هذا الدفاع، وكان من الممكن أن يرد الشيعة أيضا بأن بني أمية لم ~~يكونوا إخصائيين من دون قريش في استصلاح الأرض، وبأن قريشا لم تكن إخصائية من دون ~~العرب في استثمار الضياع، وبأن العرب لم يكونوا إخصائيين من دون سائر المسلمين في ~~إحياء الأرض بعد موتها. وإنما جرت الأمور على ما قدمنا من تصور عثمان لحق الإمام ~~وسلطانه، وتصرفه طبقا لهذه الأصول التي اقتنع بها، واقتنع بها عماله ~~أيضا. # وقد قدمنا الحديث عن ذلك الانقلاب الاقتصادي الذي أحدثه عثمان حين أذن لمن أراد ~~من أهل بلاد العرب أن يبيعوا فيئهم في الأمصار ويشتروا مكانه أرضا في جزيرة ~~العرب، وبينا أن هذا الانقلاب قد أنشأ الملكية العقارية الضخمة في الإسلام. ~~فإذا أضفنا إلى ذلك سخاء الإمام وعماله بالأموال العامة لبني أمية ولقريش كلها، ~~وأن هذا السخاء قد أتاح ms180 لكثير من القرشيين أن يشتروا الأرض في الأمصار؛ دل هذا كله ~~على أن السياسة المالية لعثمان كانت تنتهي إلى نتيجتين كلتاهما شر: الأولى إنفاق ~~الأموال العامة في غير حقها، وما يترتب على ذلك من الاضطراب المالي ومن ظلم ~~الرعية، والأخرى إنشاء هذه الطبقة الغنية المسرفة في الغنى التي تستجيب لطمع لا ~~حد له، فتتوسع في ملك الأرض واستغلال الطبقة العاملة، ثم ترى لنفسها من الامتياز ~~ما ليس لها، ثم تتنافس في التسلط، ثم ترقى إلى التنافس في الإمارة وفي الخلافة ~~نفسها، ثم ينتهي بها الأمر إلى ما انتهى بها إليه من هذه الفتن والخطوب التي أفسدت ~~الأمر على المسلمين منذ قتل عثمان إلى أن أديل من بني أمية إلى بني العباس. وطبيعي ~~أن بيت المال لم يكن يستطيع أن يسع الناس جميعا بهذا السخاء. وطبيعي أن الذين لم ~~يأخذوا حقدوا على الذين أخذوا، ثم حقدوا على الذين أعطوهم، فساءت الصلة بينهم وبين ~~الإمام والولاة، ثم فكروا في هذا كله، واستحضروا سيرة النبي وصاحبيه، فلم يلبثوا ~~أن تبينوا أن في سيرة عثمان مخالفة للسنة الموروثة من جهة، وظلما لهم من جهة ~~أخرى؛ ولذلك طلب أهل الأمصار إلى عثمان، حين ثاروا به وقبل أن يحصروه، أن يستأنف ~~النظر في مصارف الفيء، وطالبوه بألا يعطي من هذا الفيء إلا الذين قاتلوا عليه ~~هؤلاء الشيوخ من أصحاب النبي. ومعنى ذلك أنهم رأوا عثمان قد أسرف في إنفاق الأموال ~~العامة، فطالبوه لا بالكف عن هذا الإسراف فحسب، بل كذلك بوضع سياسة جديدة تغير ~~سياسة عمر نفسها، فقد كان عمر يسير في الفيء سيرة معلومة: ينفذ أمر الله فيأخذ خمس ~~الغنائم، وينفذ أمر الله فيقسم الأخماس الأربعة الأخرى بين الذين غنموها، ثم كان ~~يجمع إلى هذا الخمس ما يجبى إليه من الخراج والجزية، وينفق من هذا كله على المرافق ~~العامة، ثم يفرض العطاء بعد ذلك للمسلمين؛ للرجال والنساء والأطفال. وكان الجند ~~كغيرهم من المسلمين، يأخذون عطاءهم إلى ما يصيب الغازين منهم من الغنائم حين تتاح ~~لهم ms181 الغنائم. فلما رأى أهل الأمصار إسراف الإمام وعماله فيما يجتمع في بيت المال، ~~طالبوا بألا يفرض العطاء في الأموال العامة إلا لمن قاتلوا على الفيء من الجند ~~سواء غزوا أو لم يغزو، يكون عطاء الغزاة منهم أجرا لهم، وعطاء الذين عجزوا عن ~~الغزو شيئا يشبه ما نسميه في عصرنا الحديث «المعاش». وإلا لهؤلاء الشيوخ من أصحاب ~~النبي؛ لأنهم قاتلوا مع النبي وغزا كثير منهم في الفتوح، فأصبح لهم الحق في أن ~~يرزقوا من هذا الفيء كغيرهم من الجند الذين قاتلوا، ثم أعجزتهم الجراحات أو ~~السن فاستحقوا المعاش. فأما من عداهم من المسلمين الذين لم يقاتلوا على الفيء، ~~فليس لهم أن يأخذوا منه شيئا. # وكذلك دفعت سياسة عثمان المالية هؤلاء الثائرين إلى أن يلحوا على عثمان في تغيير ~~سياسة عمر نفسها. وما دام عثمان قد ذهب إلى سياسة تنحرف عن سياسة عمر حتى أبعد ~~وأنشأ طبقة «الرأسماليين» الذين أسرفوا على أنفسهم في الملك والتوسع فيه، فليس ~~هناك ما يمنع الثائرين من أن يكفوا يد عثمان وعماله عن هذه السياسة وإن اقتضى ذلك ~~الانحراف عن سيرة عمر. وإذا لم يكن بد من السياسة التي تقوم على الأثرة لا على ~~الإيثار، وتنحرف عن هذه الاشتراكية المعتدلة التي مضت عليهما أمور المسلمين، فلا ~~أقل من أن يتحقق شيء من العدل في هذه الأثرة، ومن أن يكون رأس المال موقوفا على ~~الذين اكتسبوه بأيديهم وبذلوا في سبيله جهودهم ودماءهم. والمهم هو أن الثائرين ~~أرادوا أن تكون «الرأسمالية» التي أحدثتها سياسة عثمان شاملة عادلة بمقدار ما يمكن ~~أن تبلغ من الشمول والعدل. ثم هم رأوا أن كثيرا من شباب قريش وأهل المدينة يعيشون ~~عيشة بطالة يعتمدون على أعطياتهم، وقد لا يحتاجون إلى هذه الأعطيات، فقالوا: من ~~كان منهم غنيا فلا حق له في بيت المال، ومن كان منهم فقيرا فليعمل وليكتسب، ولا ~~معنى لأن تنفق الأموال العامة على الفارغين والمتبطلين. وقد أجابهم عثمان إلى ما ~~طلبوا، وخطب الناس فقال لهم: من كان له زرع فليلحق بزرعه، ms182 ومن كان له عمل ~~فليكتسب من عمله؛ فليس لأحد عندنا عطاء إلا أن يكون من الذين قاتلوا على هذا الفيء ~~أو من هؤلاء الشيوخ من أصحاب رسول الله. # ولكن عثمان لم ينفذ هذه السياسة، أعجلته الفتنة عن إنفاذها. ولو قد سار عثمان في ~~الأموال العامة سيرة عمر فلم ينفق المال إلا بحقه؛ لجنب نفسه وجنب المسلمين شرا ~~عظيما، ولكان من الممكن أن ينشئ الإسلام للإنسانية نظاما سياسيا واجتماعيا ~~صالحا يجنبها كثيرا من الاضطراب الذي اضطرت إليه، والفساد الذي تورطت فيه. ولكن ~~ظروف الحياة كانت أقوى من عثمان، ومن يدري! لعلها كانت تكون أقوى من عمر نفسه لو ~~لم يعجله الموت. # | الفصل السادس والعشرون # وأنكر المسلمون على عثمان موقفه من ناقديه ومعارضيه؛ فهو قد انحرف عن سيرة عمر في ~~ذلك انحرافا عظيما؛ فعمر لم ينه عماله عن شيء كما نهاهم عن أن يستعبدوا الناس ~~وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا، ولم يحذرهم من شيء كما حذرهم من العنف بالرعية ~~والاعتداء على أبشارها وأشعارها. فلم يكن عمر إذن يبيح ضرب الناس إلا في الحدود، ~~ولم يكن يعفي عماله من القصاص إن تعدوا على الرعية بالضرب في غير حد أو في غير ~~حق من الحقوق. فأما عثمان فمهما يكن اعتذار أهل السنة والمعتزلة عنه، فإنه قد أسرف ~~وترك عماله يسرفون في العنف بالرعية ضربا ونفيا وحبسا. وهو نفسه قد ضرب أو أمر ~~بضرب رجلين من أعلام أصحاب النبي: ضرب عمار بن ياسر حتى أصابه الفتق، وأمر من ~~أخرج عبد الله بن مسعود من مسجد النبي إخراجا عنيفا حتى كسر بعض أضلاعه. ومهما ~~يكن من أمر هذين الرجلين الجليلين ومن نقدهما له وتشهيرهما به وتشنيعهما عليه، ~~فما نعلم أنه حاكمهما أو أقام عليهما الحجة أو أباح لأحد منهما الدفاع عن نفسه، ~~وإنما سمع فيهما قول عماله أو قول خاصته، ثم عاقبهما دون أن يقيم عليهما البينة، ~~وليس له من هذا كله شيء. # ويقول المدافعون عن عثمان من أهل السنة والمعتزلة: إن للإمام حق التعزير. وليس في ms183 ~~ذلك شك، ولكن بشرط أن يأتي المسلم من الأمر ما يستحق عليه التعزير، وأن يقال له ~~ويسمع منه وتقوم عليه البينة. وما نعرف أن عثمان حاكم عمارا أو ابن مسعود. وهو ~~نفسه قد شق على أبي ذر حتى نفاه أو اضطره إلى أن ينفي نفسه من الأرض؛ لا لشيء ~~إلا لأنه أنكر سياسته في الأموال العامة، وأنكر النظام الاجتماعي الذي أنشأ طبقة ~~الأغنياء، وأتاح لهم أن يكنزوا الذهب والفضة، ويستكثروا من المال إلى غير حد. ثم ~~هو قد أذن لعماله أن يخرجوا الناس من ديارهم كلما آنسوا منهم بعض ما يكرهون، فجعل ~~عماله يتقاذفون فريقا من أهل الكوفة، يرسلهم سعيد إلى معاوية، ثم يردهم معاوية ~~إلى سعيد، ثم يرسلهم سعيد إلى عبد الرحمن بن خالد، دون أن يحاكموا أو تقوم عليهم ~~البينة أو يسمع منهم دفاعهم عن أنفسهم. وأذن لعبد الله بن عامر في أن ينفي عامر بن ~~عبد القيس إلى الشام، فلم يكد معاوية يراه ويسمع منه حتى تبين أنه مظلوم مكذوب ~~عليه، وأراد أن يرده إلى البصرة فأبى. واجترأ عبد الله بن سعد بن أبي سرح على أن ~~يضرب بعض الذين شكوه إلى الإمام حتى انتهى بأحدهم إلى الموت، واضطر المهاجرون ~~والأنصار وأزواج النبي إلى أن يلحوا على عثمان في أن ينصف المصريين من عاملهم، ~~فهم ثم لم يبلغ ما أراد. # فهذه السياسة العنيفة التي تسلط الخليفة وعماله على أبشار الناس وأشعارهم، وعلى ~~أمنهم وحريتهم، ليست من سيرة النبي ولا من سيرة الشيخين في شيء. وقد اجترأ بعض ~~الناس على نقد النبي نفسه، حتى قال له: اعدل يا محمد فإنك لم تعدل. مرة ومرة. فلما ~~قالها الثالثة لم يزد النبي على أن قال: «ويحك! فمن ذا يعدل إذا لم أعدل؟!» وهم ~~المسلمون أن يبطشوا بهذا الرجل، ولكن النبي كفهم عن ذلك. وقد يقال إن المسلمين ~~أحدثوا في أيام عثمان أحداثا لم تكن، فسار فيهم سيرة تلائم هذه الأحداث. وهذا ~~بالضبط شبه ما قال زياد لأهل العراق: «وقد أحدثتم ms184 أحداثا لم تكن، وقد أحدثنا لكل ~~ذنب عقوبة.» وغريب أن تذكرنا سياسة عثمان وولاته سياسة زياد مرتين. # والآن وقد استعرضنا هذه الأحداث وآراء المتكلمين فيها، فقد نستطيع أن نستقبل الفتنة ~~منذ حدثت، ونعرضها كما كانت إلى أن انتهت إلى المرحلة الأولى من مراحلها، وهو هذا ~~الحدث العظيم الذي قتل فيه الإمام عنوة لا اغتيالا. # | الفصل السابع والعشرون # والمؤرخون مجمعون على أن المسلمين استقبلوا خلافة عثمان راضين عنها مطمئنين إليها؛ ~~لأنه وسع عليهم ما كان عمر يضيق، ويسر من أمرهم ما كان عمر يعسر. وهو كما رأيت ~~قد زاد العطاء لمجرد نهوضه بالأمر، ثم هو قد ألان للناس من جانبه، وبسط لهم يده ~~بالعطاء، وأحس الناس رخاء وسعة لم يكونوا يجدونهما أيام عمر، وأحست قريش بنوع خاص ~~حرية لم تكن تجدها أيام عمر؛ فلم يقم لها عثمان عند شعب الحرة، ولم يأخذ ~~بحلاقيمها مخافة أن تتهافت في النار، وإنما خلى بينها وبين الشعب تنفذ منه إلى حيث ~~شاءت من الأقاليم والأمصار. ويكاد المؤرخون يجمعون على أن الأعوام الستة الأولى من ~~خلافة عثمان مرت بسلام، فلما استقبل عثمان الشطر الثاني من خلافته ظهرت المصاعب ~~وقامت المشكلات. # ويخيل إلي أن المسلمين رضوا بخلافة عثمان ست سنين، ثم احتملوها أربع سنين. فلما ~~جاوز عثمان بخلافته الأعوام العشرة جعل المسلمون يضيقون به ويستطيلون خلافته؛ ~~يظهرون ذلك في شيء من الرفق أول الأمر، ثم في شيء من الحدة بعد ذلك، ثم في عنف ~~جعل يتزايد شيئا فشيئا حتى انتهى إلى غايته المنكرة وهي قتل الإمام. # وليس معنى ذلك أن عثمان لم يلق معارضة أثناء هذه الأعوام العشرة؛ فقد ظهرت ~~المعارضة منذ اليوم الأول لخلافته بالقياس إلى قضية عبيد الله بن عمر، وإنما معناه ~~أن المعارضة لم تبلغ طور الخطورة إلا في العامين الأخيرين من حياة عثمان. وأكاد ~~أعتقد أن شيئا من التشاؤم قد شاع في نفوس الناس قليلا قليلا منذ أضاع عثمان ~~خاتم النبي في بئر أريس؛ فقد توارث الشيخان هذا الخاتم عن النبي، وأمضيا به ms185 أمور ~~الدولة كلها، وكانا يجدان في ذلك خيرا وبركة وتراثا له خطره، وكانا يمضيان بهذا ~~الخاتم ما يمضيان على أنهما خليفتان لرسول الله ينفذان سنته وينهجان نهجه، ويمضيان ~~بخاتمه الذي كان يمضي به الأمور قبل أن يفارق الدنيا. وتلقى عثمان هذا الخاتم عن ~~عمر، كما تلقاه عمر عن أبي بكر، وكما تلقاه أبو بكر عن أهل بيت النبي حين استخلف. ~~فلما سقط هذا الخاتم من يد عثمان في البئر وجعل المسلمون يلتمسونه ويجتهدون في ~~التماسه دون أن يظفروا به على قلة ما كان في البئر من ماء، كرهوا ذلك وتطيروا به، ~~واستاء لذلك عثمان استياء شديدا، وقد اتخذ خاتما جديدا على صورة الخاتم الأول ~~ونقش عليه ما كان منقوشا على الخاتم الأول: «محمد رسول الله.» ولكن هذا الخاتم ~~الجديد لم يمس أصبع النبي، ولم يمس أصبع الشيخين، وإنما هو خاتم مصنوع لم يورث ~~ولم تمض به الأمور من قبل؛ فكأن عثمان قد استأنف منذ اتخذ هذا الخاتم عهدا ~~جديدا. ويقول الرواة: إن عبد الرحمن بن عوف كان أول من اجترأ على عثمان، فألغى ~~بعض أمره وأطمع الناس فيه. وذلك أن بعض السعاة أقبلوا بإبل للصدقة، فوهبها عثمان ~~لبعض أهل الحكم. فلما بلغ ذلك عبد الرحمن دعا بعض أصحاب النبي وأرسلهم فاستردوا له ~~هذه الإبل وقسمها في الناس، وعثمان في الدار لم ينكر ذلك ولم يغيره، بل لم يكلم ~~فيه عبد الرحمن وأصحابه. فكان اجتراء عبد الرحمن وأصحابه خطرا في نفسه؛ لأنه ~~تغيير لأمر السلطان، وكان سكوت عثمان على هذا الاجتراء أشد منه خطرا؛ لأنه اعتراف ~~بالخطأ ونقص من هيبة السلطان. # وقد جعل الناس بعد ذلك يظهرون إنكارهم لما يكرهون من سياسة عثمان؛ يخطئون في ذلك ~~ويصيبون، ولكنهم يعارضون على كل حال. ثم لم يتحرج بعضهم من أن يواجه عثمان ~~بالمعارضة على ملأ من الناس، ولم يتحرج بعضهم الآخر من أن يعصي أمر عثمان إذا صدر ~~إليه، كالذي كان من أبي ذر حين أرسل إليه عثمان ينهاه عما كان يلهج به ms186 من ذم ~~الأغنياء وتلاوة الآية الكريمة: # والذين يكنزون ~~الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله ~~فبشرهم بعذاب أليم ~~، فلم يسمع له ولم يطع، وإنما قال: ~~«لأن أرضي الله بسخط عثمان أحب إلي وخير لي من أن أسخط الله برضا ~~عثمان.» # ولم تكن قصة الوليد بن عقبة خليقة أن تشعر قلوب الناس بهيبة لسلطان الخليفة. فليس ~~مما يرفع من شأن السلطان في النفوس أن تقوم البينة على أن بعض عماله قد شرب الخمر، ~~وأن يضطر الخليفة إلى عزل هذا العامل وإقامة الحد عليه، وأن يتحدث الناس بأنه أخطأ ~~حين ولاه مكان سعد، وبأنه إنما ولاه لقرابته مع تظاهر الأدلة على أنه لم يكن ~~أهلا للولاية. # ثم جعلت المعارضة تشتد في الأمصار وتصل أصداؤها إلى المدينة، حتى اضطر عثمان إلى ~~اصطناع النفي الإداري. وجعلت المعارضة تشتد في المدينة نفسها، وتصل أصداؤها إلى ~~الأمصار، فتزيد المعارضين في الأقاليم شدة واجتراء، حتى اضطر عثمان إلى أن يصطنع ~~الشدة مع معارضيه أنفسهم، فيوعد وينذر، ولا يملك نفسه أحيانا من البطش ببعض ~~المعارضين. # وقد روى المؤرخون أن الناس كثروا على عثمان ونالوا منه أشنع ما نيل من أحد، سنة ~~أربع وثلاثين، وكان أصحاب النبي يرون ويسمعون ثم لا ينهون ولا يذبون، إلا جماعة ~~ضئيلة: زيد بن ثابت، وأبو أسيد الساعدي، وكعب بن مالك، وحسان بن ثابت. بل كان ~~أصحاب النبي الذين أقاموا بالمدينة يكتبون إلى أصحاب النبي الذين تفرقوا في الثغور ~~يستقدمونهم إلى المدينة لتقويم ما اعوج من أمر الخلافة، يقولون لهم: إنكم خرجتم ~~تطلبون الجهاد وراءكم، فارجعوا إلى المدينة لإقامة الدين وصيانته؛ فقد عرضه ~~السلطان لشر عظيم. واجتمع الناس فتذاكروا الأحداث والخطوب، ولاموا عثمان فأكثروا ~~لومه، ثم كلفوا عليا أن يدخل على عثمان فيكلمه. قال المؤرخون: فدخل علي على ~~عثمان، فقال له: «الناس ورائي وقد كلموني فيك، والله ما أدري ما أقول لك، وما أعرف ~~شيئا تجهله، ولا أدلك على أمر لا تعرفه. إنك لتعلم ما نعلم، ما سبقناك إلى شيء ~~فنخبرك عنه، ولا خلونا ms187 بشيء فنبلغكه، وما خصصنا بأمر دونك. وقد رأيت وسمعت وصحبت ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # ونلت صهره. وما ابن أبي قحافة بأولى بعمل الحق منك، ولا ابن ~~الخطاب بأولى بشيء من الخير منك. وإنك أقرب إلى رسول الله # صلى الله عليه وسلم # رحما، ولقد ~~نلت من صهر رسول الله # صلى الله عليه وسلم # ما لم ينالا ولا سبقاك إلى شيء، فالله الله في ~~نفسك؛ فإنك والله ما تبصر من عمى ولا تعلم من جهل، وإن الطريق لواضح بين، وإن ~~أعلام الدين لقائمة. تعلم يا عثمان أن أفضل عباد الله عند الله إمام عادل هدي ~~وهدى، فأقام سنة معلومة، وأمات بدعة متروكة. فوالله إن كلا لبين، وإن السنن ~~لقائمة لها أعلام، وإن البدع لقائمة لها أعلام، وإن شر الناس عند الله إمام جائر ~~ضل وضل به فأمات سنة معلومة وأحيا بدعة متروكة. وإني سمعت رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يقول: «يؤتى يوم القيامة بالإمام الجائر وليس معه نصير ولا عاذر، فيلقى ~~في جهنم، فيدور في جهنم كما تدور الرحى، ثم يرتطم في غمرة جهنم.» وإني أحذرك ~~الله وأحذرك سطوته ونقماته؛ فإن عذابه شديد أليم. وأحذرك أن تكون إمام هذه الأمة ~~المقتول؛ فإنه يقال: «يقتل في هذه الأمة إمام فيفتح عليها القتل والقتال إلى يوم ~~القيامة، ويلبس أمورها عليها، ويتركهم شيعا، فلا يبصرون الحق لعلو الباطل، يموجون ~~فيها موجا ويمرجون فيها مرجا».» # 1 # ولست أدري أروي حديث علي إلى عثمان كما قاله أم روي في نص مقارب يؤدي معناه وإن ~~لم يؤد ألفاظه. ولكن المهم هو أن المعارضة في المدينة قد خرجت عن طور النقد الفردي ~~المتفرق الذي يقال هنا وهناك، ثم لا يتجاوز ذلك إلى ما بعده. خرجت عن هذا الطور ~~إلى طور آخر من الاجتماع والتنظيم والاتجاه إلى الخليفة مباشرة، ترفع إليه نقدها ~~لسيرته وإنكارها لسياسته، ثم تنتظر ما يكون منه بعد ذلك. فهي إذن قد خرجت من ~~المعارضة السلبية إلى المعارضة الإيجابية، كما نقول نحن في هذه ms188 الأيام. وقد استمع ~~عثمان لرسول المعارضين إليه، ثم رد عليه فقال: قد والله علمت ليقولن الذي ~~قلت. أما والله لو كنت مكاني ما عنفتك ولا أسلمتك، ولا عبت عليك ولا جئت منكرا ~~أن وصلت رحما، وسددت خلة، وآويت ضائعا، ووليت شبيها بمن كان عمر يولي! أنشدك ~~الله يا علي! هل تعلم أن المغيرة بن شعبة ليس هناك؟ قال: نعم. قال: فتعلم أن عمر ~~ولاه؟ قال: نعم. قال: فلم تلومني أن وليت ابن عامر في رحمه وقرابته؟ قال ~~علي: سأخبرك، إن عمر بن الخطاب كان كل من ولى فإنما يطأ على صماخه، إن بلغه ~~عنه حرف جلبه ثم بلغ به أقصى الغاية. وأنت لا تفعل، ضعفت ورفقت على أقربائك. قال ~~عثمان: هم أقرباؤك أيضا. فقال علي: لعمري إن رحمهم مني لقريبة، ولكن الفضل في ~~غيرهم. قال عثمان: هل تعلم أن عمر ولى معاوية خلافته كلها! فقد وليته. فقال علي: ~~أنشدك الله، هل تعلم أن معاوية كان أخوف من عمر من يرفأ غلام عمر منه؟ قال: نعم. ~~قال علي: فإن معاوية يقتطع الأمور دونك وأنت تعلمها، فيقول للناس: هذا أمر ~~عثمان، فيبلغك ولا تغير على معاوية. # 2 # فهذا الحوار القصير يصور أدق تصوير ما كانت المعارضة في المدينة تنكر على عثمان، ~~وما كان عثمان يرد به على هذا الإنكار. فقد أنكرت المعارضة عليه إيثار قرابته ~~بالأموال والأعمال، وضعفه أمام العمال من أقربائه. ورد عثمان بأنه لم يزد على أن ~~وصل رحما وسد خلة وآوى ضائعا، وأنه سار في اختيار العمال سيرة عمر، فقد ولى ~~عمر المغيرة بن شعبة مع أنه ليس هناك، وولى معاوية خلافته كلها. ورد علي بأن ~~عمر كان يراقب عماله أشد المراقبة ويبطش بهم إن انحرفوا، وبأن معاوية كان يخاف من ~~عمر أشد مما كان يخاف منه غلامه يرفأ. وافترق الرجلان على غير اتفاق، إلا أن عثمان ~~قد وجد على علي لأنه أسلمه ولامه وعاب عليه، وكان الحق عليه أن يرعى ما بينهما ~~من القرابة. ثم لم يكتف عثمان ms189 بالاستماع لما سمع من علي وقول ما قال له، بل أراد ~~أن يواجه المعارضة كلها مجتمعة ، وأن ينذر ويحذر. # فخرج حتى جلس على المنبر، ثم قال: «أما بعد فإن لكل شيء آفة، ولكل أمر عاهة، وإن ~~آفة هذه الأمة وعاهة هذه النعمة عيابون طعانون يرونكم ما تحبون ويسرون ما ~~تكرهون، يقولون لكم ويقولون، أمثال النعام يتبعون أول ناعق، أحب مواردها إليها ~~البعيد، لا يشربون إلا نغصا، ولا يردون إلا عكرا، لا يقوم لهم رائد، وقد ~~أعيتهم الأمور وتعذرت عليهم المكاسب! ألا فقد والله عبتم علي بما أقررتم لابن ~~الخطاب بمثله، ولكنه وطئكم برجله وضربكم بيده وقمعكم بلسانه، فدنتم له على ما ~~أحببتم أو كرهتم. ولنت لكم وأوطأت لكم كنفي وكففت يدي ولساني عنكم، فاجترأتم ~~علي. أما والله لأنا أعز نفرا وأقرب ناصرا وأكثر عددا وأقمن إن قلت: ~~هلم، أتي إلي. ولقد أعددت لكم أقرانكم وأفضلت عليكم فضولا، وكشرت لكم عن ~~نابي، وأخرجتم مني خلقا لم أكن أحسنه ومنطقا لم أنطق به. فكفوا عليكم ألسنتكم ~~وطعنكم وعيبكم على ولاتكم، فإني قد كففت عنكم من لو كان هو الذي يكلمكم لرضيتم منه ~~بدون منطقي هذا. ألا فما تفقدون من حقكم؟ والله ما قصرت في بلوغ ما كان يبلغ من ~~كان قبلي ومن لم تكونوا تختلفون عليه. فضل فضل من مال، فما لي لا أصنع في الفضل ~~ما أريد؟ فلم كنت إماما؟» وهم مروان بن الحكم أن يتكلم، فزجره عثمان قائلا: ~~«اسكت لا سكت! دعني وأصحابي. ما منطقك في هذا؟! ألم أتقدم إليك ألا تنطق؟» # 3 # وهذه الخطبة هي أعنف خطبة خطبها عثمان في خلافته كلها. وهو نفسه قد أحس ذلك واعتذر ~~منه اعتذارا رفيقا يلائم خلقه وطبعه السمح، فقال: «وأخرجتم مني خلقا لم أكن ~~أحسنه ومنطقا لم أنطق به.» على أنه لم يكد يتم خطبته حتى رجع في رفق عذب إلى ~~المألوف من سيرته حين قال لمروان: «دعني وأصحابي.» فهو إذن يتحدث إلى أصحابه لا ~~إلى خصومه، وهو يعنف بهم لأنهم عنفوا ms190 به حتى أخرجوه عن طوره. والحليم يغضب ثم لا ~~يلبث أن يعود إلى ما ألف من الحلم . # وعثمان ينكر على أصحابه استماعهم لهؤلاء العيابين الطعانين الذين يظهرون لهم ما ~~يحبون ويخفون عليهم ما يكرهون، ويضللونهم في إمامهم، ويطمعونهم في أشياء ليس إليها ~~سبيل. وعثمان يشير إلى قوم بعينهم في هذا الحديث، يرى أنهم قوام المعارضة، وأنهم ~~يغرون به ويؤلبون عليه لتحقيق آرابهم وبلوغ آمالهم التي طالما انتظروا بلوغها. ~~وهؤلاء بالطبع هم الذين كان عثمان يظن أنهم ينفسون عليه الخلافة ويتمنونها ~~لأنفسهم. ولعله يشير إلى من بقي من أهل الشورى، وإلى الذين كانوا يلهجون بنقده ~~أمثال عمار بن ياسر وغيره من المهاجرين والأنصار. # ثم يقول عثمان لأصحابه إنهم ينكرون عليه أشياء قد أتاها عمر فلم ينكروها عليه؛ ~~لأن عمر اشتد عليهم فخافوه، ولأنه هو لان لهم فطمعوا فيه. ثم ينذر أصحابه وينذر ~~الذين يغرونهم ويؤلبونهم، فيذكر أنه أعز نفرا وأقرب ناصرا وأكثر عددا وأجدر ~~إن دعا أن يستجاب له. وما من شك في أنه يعرض في هذا النذير بمنافسيه الذين لا ~~يعدلونه قوة وبأسا. فبنو أمية كانوا من غير شك أعز نفرا وأكثر ناصرا من سائر ~~أحياء قريش. ثم يعود إلى أصحابه فيسألهم ماذا ينكرون وماذا ينقمون؟ لقد أدى ~~إليهم حقهم كاملا، ولم يقصر بهم عما كان يبلغه أبو بكر وعمر. ثم يعطف على تصرفه ~~في الأموال العامة، فيقول: «فضل فضل من مال، فمالي لا أصنع في الفضل ما أريد، ~~فلم كنت إماما؟» يريد أنه إذا أدى إلى المسلمين حقهم من بيت المال فله أن يتصرف ~~في سائره كما يريد. ذلك شيء تبيحه له الإمامة، وليس لأحد أن يجادله فيه أو ينكره ~~عليه. فقد كانت الجولة الأولى - كما يقول المحدثون - بين عثمان ومعارضيه متكافئة: ~~أنكر المعارضون ثم نظموا إنكارهم ثم رفعوه إلى الخليفة، فرده عليهم، ثم خطبهم ~~فأنذر وحذر واشتد ثم ثاب إلى شيء من لين، ولكنه استمسك بموقفه لم يحد عنه، ~~واستمسكت المعارضة بموقفها لم تحد عنه أيضا. إلا أن ms191 الحوادث كانت أقوى منه ومن ~~المعارضة؛ فقد مضت المعارضة في إنكارها، وجاءته الأنباء من الأقاليم بأن المعارضة ~~فيها ليست أقل ولا أهون من المعارضة في المدينة. وكان عثمان قد احتفظ بسيرة عمر، ~~فحج بالناس أثناء خلافته كلها إلا العام الأول لأنه كان مريضا، وإلا العام ~~الأخير لأنه كان محصورا. وكان يلقى عماله في الموسم من كل عام، فيسمع منهم ويقول ~~لهم. فلما لقيهم في الموسم سنة أربع وثلاثين جمعهم للمشورة. ويزعم الرواة أنه ~~أحضرهم عمرو بن العاص. وأشك أنا في هذا؛ فلم يكن عمرو بن العاص عاملا لعثمان سنة ~~أربع وثلاثين، ولم يكن عمرو بن العاص ناصحا لعثمان منذ عزله عن مصر، وإنما أقحم ~~الرواة عمرا في هذه المشورة ليصوروا مكره ودهاءه وكيده لعثمان. وأكبر الظن أنه لم ~~يحضر شوراه إلا هؤلاء العمال الأربعة الذين كانوا يتولون الأمصار ذات الخطر: وهم ~~معاوية، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وعبد الله بن عامر، وسعيد بن العاص. فلما ~~التأمت جماعتهم قال لهم عثمان: إن لكل إمام وزراء، وإنكم وزرائي. وقد رأيتم ما ظهر ~~من تنمر الناس لي ومطالبتهم إياي بعزل عمالي، ومن هذه الفتنة التي أظهرت رأسها، ~~فأشيروا علي. # فأما معاوية، فلم يزد على أن طلب إليه أن يرد العمال إلى أمصارهم، وأن يكلهم إلى ~~كفايتهم، وأن يعتمد عليهم في أن يضبط كل واحد منهم مصره ويحزم أمره، ويكفي الإمام ~~من قبله من الناس. وأما سعيد بن العاص، فأشار عليه بأن يقتل قادة المعارضة ~~وزعماء الفتنة. وأما عبد الله بن سعد بن أبي سرح، فأشار عليه أن يترضى الناس ~~ويعطيهم من بيت المال ويأخذهم من طريق أطماعهم. وأما عبد الله بن عامر، فأشار عليه ~~بأن يرسل الناس إلى الجهاد، ويشغلهم بالحرب، ويطيل إقامتهم في الثغور. وبهذا الرأي ~~أخذ عثمان؛ رد العمال إلى أمصارهم، وأمرهم أن يحسنوا السياسة ويتشددوا في حقوق ~~الله، ويأخذوا الرعية بالحزم ويرسلوهم إلى الغزو، ويقطعوا العطاء عمن ظهر منه عوج ~~أو انحراف. وعاد عثمان إلى المدينة، وصحبه معاوية ms192 في طريقه إلى الشام. وفي المدينة ~~عقد عثمان مجلسا آخر للمشاورة، شهده معاوية وشهده نفر من كبار الصحابة فيهم علي ~~وطلحة والزبير وسعد. وبدأ معاوية الحديث، فأوصى هؤلاء النفر بالإمام الشيخ، ~~وحذرهم من الفتنة والفرقة، ولم يخل تحذيره من بعض النذير. فنهره علي، وكان ~~بينهما حوار لم يخل من جفوة. ثم تكلم عثمان كلاما فيه كثير من لين ورفق، وأظهر ~~أنه سائر إلى ما يشير القوم به عليه، فقيل له: إنك أعطيت فلانا وفلانا، فاسترد ~~ما أعطيت. فوعد عثمان بذلك ورضي القوم، وتفرقوا على شيء من رضا. ولم يكن شك في ~~أن المعارضة قد ربحت بعض الربح؛ فقد استشار عثمان زعماءها وأجابهم إلى بعض ما ~~أرادوا. # وانصرف معاوية إلى المدينة بعد أن أوصى المهاجرين بالإمام الشيخ مرة أخرى، وبعد أن ~~لمح لهم مرة أخرى كذلك بالتحذير والنذير. وكان يظن أن الناس سيستقبلون سنة خمس ~~وثلاثين بشيء من دعة وهدوء. ولكن أهل الكوفة ثاروا وردوا واليهم سعيدا كما ~~قدمنا، وطلبوا أن يولى عليهم أبو موسى. واضطر عثمان إلى أن يجيبهم إلى ما ~~أرادوا؛ فكان هذا أول الفتنة: عرضت الكوفة لغيرها من الأمصار مثلا، فلم تلبث ~~الأمصار أن اتبعته، وظهر للناس أن الثورة طريق موصلة إلى ما يريد الثائرون. # وما هي إلا أن يذهب المصريون مذهب أهل الكوفة، وإذا هم يرسلون في رجب من سنة خمس ~~وثلاثين وفدا ضخما؛ خرجوا يظهرون أنهم يريدون العمرة، ولكنهم أقبلوا على المدينة ~~وأظهروا أنهم يريدون أن يناظروا عثمان في سياسته وسياسة عماله. والرواة يختلفون؛ ~~فيقول بعضهم: إنهم لقوا عثمان في قرية خارج المدينة، فناظروه وحكموا المصحف بينه ~~وبينهم، فأقنعهم بأشياء حتى رضوا، وأقنعوه بأشياء حتى اعتذر ووعد بالنزول عنها. ~~ويقول آخرون: إنه أرسل إليهم جماعة من المهاجرين والأنصار فيهم علي ومحمد بن ~~مسلمة الأنصاري، وأعطى على نفسه عهدا ليبلغن بالناس ما يرضون. فخرج السفراء ~~ولقوا القوم فوعظوهم وأعطوهم الرضا، ثم جاءوا بوفد منهم إلى عثمان فأكد لهم العهد، ~~ثم خرج فخطب الناس وأثنى على الوفد المصريين ms193 وأعطى التوبة واستغفر الله وبكى وبكى ~~الناس ورقت القلوب للإمام الشيخ، وانصرف المصريون راضين. قال الرواة: إن عثمان قال ~~في آخر خطبته تلك: «إذا نزلت فليأتني خياركم، فلا ترفع إلي ظلامة إلا كشفتها، ~~ولا تعرض علي حاجة إلا قضيتها.» ولكنه لم يكد يعود إلى داره حتى حوله مروان ~~عما وعد به، وخرج فرد الناس عن الدار ردا عنيفا. والشيء المحقق هو أن عثمان ~~استطاع بما أعطى من العهد وما بذل من الرضا وما أعلن من التوبة، أن يتألف الناس ~~ويجمعهم على طاعته ومحبته وانتظار الخير منه. ولكن الأيام مضت وتبعتها الأيام، ولم ~~يعزل عثمان عاملا ولم يغير مما وعد بتغييره شيئا. # وما كاد يقبل شوال من هذه السنة حتى يخرج المصريون خرجتهم الثانية في عدد يقول ~~المقللون إنه كان ستمائة، ويقول المكثرون إنه كان ألفا، ويخرج في الوقت نفسه ناس ~~من الكوفة والبصرة، وقد تواعد القوم حين استيأسوا من وفاء الخليفة لهم بما أعطى ~~على نفسه من العهد. ويبلغ القوم ضواحي المدينة، ويعلم عثمان بمقدمهم، فيريد أن ~~يرسل إليهم عليا ومحمد بن مسلمة، فيأبى علي، ويقول محمد بن مسلمة: لا أكذب ~~الله في سنة مرتين. ولكن أهل المدينة على ذلك يأبون أن تدخل المدينة عليهم عنوة، ~~وينهضون لرد هؤلاء الطارئين. وتقبل وفود من المصريين والكوفيين والبصريين، فإذا ~~هم يرون عليا وطلحة والزبير قد عسكروا ومع كل واحد منهم أصحابه، يريدون أن يحموا ~~دار الهجرة من أن تقتحم عليهم عنوة، فيرتدون ويظهرون العودة إلى أمصارهم ويزولون ~~عن معسكراتهم في الضواحي. ويستيقن أهل المدينة أن قد زال الخطر، وأن القوم قد ~~رجعوا أدراجهم، فيستأنفون حياتهم على ما ألفوا من أمن ودعة وهدوء. ثم لا يروعهم ~~إلا التكبير قد ملأ المدينة من حولهم، وينظرون فإذا القوم قد كادوهم حين أظهروا ~~الرجوع إلى أمصارهم، حتى إذا آنسوا منهم أمنا ودعة عادوا فدخلوا المدينة واحتلوها ~~بغير قتال، ونادى مناديهم: من لزم داره فهو آمن، ومن كف عنا أذاه فهو آمن. ثم ~~يضرب الحصار حول دار ms194 عثمان. # وهنا تأتي قصة الكتاب الذي يقول الرواة إن المصريين قد أخذوه أثناء عودتهم إلى مصر ~~فكروا راجعين. فهذه القصة فيما أرى ملفقة من أصلها. وليس أدل على ذلك مما يقول ~~الرواة أنفسهم من أن أصحاب النبي لم يكادوا يجادلون القوم في كتابهم هذا ويسألونهم ~~كيف علم أهل الكوفة وأهل البصرة بأنكم قد أخذتم هذا الكتاب وقد ذهب كل فريق منكم ~~إلى وجه؟ حتى عجزوا ولم يعرفوا كيف يجيبون، وقالوا: ضعوا هذا الأمر كيف شئتم، فلا ~~حاجة لنا بهذا الرجل. وليس بمعقول ولا بمقبول أن يكيد عثمان للمسلمين هذا الكيد، ~~فيعطي فريقا منهم الرضا ثم يرسل إلى عامله سرا من يبلغه الأمر أن يبطش بهم ~~ويرهقهم من أمرهم عسرا. وليس بمعقول ولا مقبول أن يجترئ مروان على الخليفة فيكتب ~~هذا الكتاب ويمضيه بخاتمه ويرسله مع غلامه على جمل من إبله. كل هذا أشبه بأن يكون ~~ملهاة سخيفة منه بأن يكون شيئا قد وقع. والأمر أيسر من هذا. تلقى أهل الأمصار ~~وعدا من إمامهم فاطمأنوا إليه، ثم تبينوا أن الخليفة لم يصدق وعده، فأقبلوا ~~ثائرين يريدون أن يفرغوا من هذا الأمر وألا يعودوا حتى يفرغوا منه، فلما بلغوا ~~المدينة وجدوا أصحاب رسول الله قد تهيئوا لقتالهم، فكرهوا هذا القتال وانصرفوا ~~كائدين، حتى إذا عرفوا أن هؤلاء الشيوخ قد ألقوا سلاحهم وأمنوا في دورهم، كروا ~~راجعين فاحتلوا المدينة بغير قتال. # وما كان هؤلاء الناس يريدون أن يقاتلوا أصحاب النبي ولا أن يقتلوهم، ولا أن يثيروا ~~حول المدينة حربا تذكر بيوم أحد أو بيوم الأحزاب، إنما كانوا يريدون أن يحاصروا ~~الإمام ويعاجلوه حتى يصلوا إلى خلعه أو إلى قتله. وقد بلغوا ما أرادوا، فدخلوا ~~المدينة وحاصروا الإمام. # وأكاد أقطع بأن قد كان لهم من أهل المدينة أنفسهم أعوان وأنصار دعوهم وشجعوهم، ثم ~~أعلموهم بما عزم عليه أصحاب النبي، ثم أعلموهم بعودة المدينة إلى الهدوء والدعة، ~~ثم انضموا إليهم حين حاصروا عثمان. وقد كان الحصار في أول أمره يسيرا لا يكاد ~~يتجاوز احتلال المدينة ms195 والإحاطة بدار عثمان، وكان الخليفة حرا يخرج من داره ~~ويعود إليها ويصلي بالناس ويصلي خلفه الثائرون أنفسهم ، ويخطب الناس فيعظهم ~~ويبصرهم، ويسعى السفراء في أثناء ذلك بينه وبين الثائرين، يريد الثائرون أن يخلع ~~نفسه، ويأبى هو أن ينزع قميصا قد كساه الله عز وجل إياه. ولكن الأمور تتعقد ~~فجاءة؛ فقد عرف الثائرون أن عثمان قد أرسل إلى العمال في الأمصار يأمرهم بأن ~~يرسلوا إليه الجند لينصروه ويخرجوا من المدينة هؤلاء الطارئين. وما يكاد الثائرون ~~يعرفون هذا النبأ حتى يتغير الحصار وتتغير معه سيرتهم مع عثمان. # | الفصل الثامن والعشرون # فقد خرج عثمان ذات يوم كما كان يخرج من قبل، وصلى بالناس كما كان يصلي بهم من قبل، ~~ثم جلس على المنبر فجعل يعظ الناس ويبصرهم كما تعود أن يعظهم ويبصرهم، وكان فيما ~~قال: «يا هؤلاء العدى الله الله، فوالله إن أهل المدينة ليعلمون أنكم ملعونون ~~على لسان محمد # صلى الله عليه وسلم ~~. فامحوا الخطايا بالصواب؛ فإن الله عز وجل لا يمحو السيئ ~~إلا بالحسن.» قال المؤرخون: فقام محمد بن مسلمة فقال: أنا أشهد بذلك. فقام إليه ~~حكيم بن جبلة فأقعده. فقام زيد بن ثابت وقال: ابغني الكتاب. فثار إليه من ناحية ~~أخرى محمد بن أبي قتيرة فأقعده. أراد محمد بن مسلمة أن يشهد بأن الله لا يذهب ~~السيئ إلا بالحسن، وأراد زيد بن ثابت أن يثبت ذلك من المصحف، فيتلو على الناس قول ~~الله عز وجل: # إن الحسنات يذهبن ~~السيئات ~~، ولكن الناس أقعدوهما. وقام جبلة بن عمرو الساعدي ~~(رجل من الأنصار) فقال: يا عثمان، انزل ندرعك عباءة ونحملك على شارف من الإبل إلى ~~جبل الدخان كما سيرت خيار الناس. قال عثمان: قبحك الله وقبح ما جئت به! وكان جبلة ~~هذا يعرض لعثمان وينذره بالقتل أو بأن يطرح في عنقه جامعة ويحمله على قلوص جرباء ~~ويلقيه في جبل الدخان إن لم يترك بطانته، وكان يلومه في عماله وفي مروان وفي آل ~~الحكم خاصة، وكان يقول إذا كلم في ذلك وحاول مكلموه أن ms196 يردوه إلى بعض الرفق: ~~والله لا ألقى الله غدا فأقول إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيل. # ولم يكد عثمان يرد على جبلة هذا حتى قام جهجاه بن سعيد الغفاري (رجل من رهط أبي ~~ذر ومن أصحاب النبي الذين شهدوا بيعة الرضوان)، فوثب إلى المنبر فأخذ من عثمان ~~العصا التي كان يخطب عليها، وهي التي خطب عليها النبي وصاحباه من بعده، فكسرها على ~~ركبته. قال الرواة: فأصابت ركبته إكلة منذ ذلك اليوم، وأمر عثمان فيما بعد بشد ~~العصا. ثم ثار الناس فتحاصبوا وحصب عثمان حتى صرع واحتمل مغشيا عليه، فأدخل ~~إلى داره فلم يخرج منها إلا مقتولا. # ومنذ ذلك اليوم سار الثائرون مع عثمان سيرة منكرة حقا، منعوه من الصلاة في مسجد ~~النبي، وأقاموا منهم رجلا يصلي بالناس هو الغافقي زعيم المصريين. وكان طلحة بن ~~عبيد الله ربما صلى بالناس، وكان علي ربما صلى بهم أيضا. ثم حال الثائرون بين ~~عثمان وبين الماء، حتى اشتد الظمأ عليه وعلى أهله وعياله، وحتى أشرف عليهم ذات يوم ~~فذكرهم بأنه اشترى بئر رومة بأمر النبي وجعلها سقاية للمسلمين، ووعده النبي بها ~~الجنة، وهو الآن يحرم ماءها ويفطر على ماء آجن. وذكرهم بأنه اشترى بأمر النبي ~~أرضا ضمها إلى المسجد حين ضاق بالناس ووعده النبي بها الجنة، وهو أول مسلم منع من ~~الصلاة فيه. ثم أرسل إلى جماعة من أصحاب النبي وأمهات المؤمنين يطلب إليهم أن ~~يرسلوا إليه شيئا من الماء العذب إن استطاعوا، فاحتال علي حتى أدخل إليه شيئا ~~من ماء، وأقبل على الثائرين فزجرهم وقال: إن الذي تصنعون ليس صنيع المؤمنين ولا ~~صنيع الكافرين، وإن الفرس والروم ليأسرون فيطعمون ويسقون. وأقبلت أم حبيبة بنت أبي ~~سفيان زوج النبي تحمل شيئا من ماء، فضرب الثائرون وجه بغلتها وقطعوا حقبها، حتى ~~كادت أم المؤمنين تسقط لولا أن تلقاها الرجال فأسندوها وردوها إلى دارها، مع ~~أنها أنبأتهم بأنها إنما أقبلت تكلم عثمان في أيتام بني أمية، وكانت وصايا بني ~~أمية عنده، فلم يصدقوها ولم يسمعوا منها. ms197 ولزم أكثر أصحاب النبي دورهم منذ اشتد ~~الحصار، وأقام الناس في بيوتهم لا يخرج منهم أحد إلا ومعه سيفه. واشتد الكرب وشاع ~~القتل وعظم البلاء، وجعل عثمان يشرف على الثائرين بين حين وحين فيعظهم ويحذرهم ~~ويخوفهم الفتنة ويذكرهم بآيات الله وحديث النبي، فلا يسمعون له ولا يحفلون به، ~~وربما ردوه ردا عنيفا. # وقد اجتمع القادرون على القتال من بني أمية، وانضم إليهم شباب من أبناء المهاجرين، ~~فدخلوا الدار وقاموا يحمونها ويحمون عثمان من الثائرين، وكان فيهم عبد الله بن عمر ~~وعبد الله بن الزبير والحسن والحسين ابنا علي ومحمد بن طلحة، وأمر عثمان عليهم ~~عبد الله بن الزبير، وتقدم إليهم في ألا يقاتلوا، وعزم عليهم في ذلك أشد ~~العزيمة. وتحرجت الأمور حتى منع الناس من الدخول على عثمان، ومنع أهل الدار من ~~الخروج منها، وأقام الناس على ذلك أياما. ثم جاءت الأنباء بأن أمداد العراق قد ~~دنت من المدينة، وبأن أمداد الشام قد انتهت إلى وادي القرى. فيختلف الرواة هنا أشد ~~الاختلاف: فأما الذين هواهم مع عثمان فيقولون: أشفق الثائرون أن تصل الأمداد إلى ~~المدينة فتحول بينهم وبين ما يريدون، فاحتالوا حتى أنفذوا نفرا منهم، عليهم محمد ~~بن أبي بكر، فتسوروا الدار من خوخة بينها وبين دار عمرو بن حزم وانتهوا إلى ~~عثمان فقتلوه. وأما الذين هواهم مع غير عثمان فيقولون: إن أهل الدار هم الذين ~~بدءوا فناوشوا الثائرين. كان عثمان مشرفا عليهم، وقد دعاه رجل منهم يقال له نيار ~~بن عياض الأسلمي، وكان شيخا كبيرا من أصحاب النبي، دعا عثمان وجعل يعظه وينصح له ~~بأن يخلع نفسه، وإنه لفي ذلك إذ رمي بسهم من الدار أو ألقي عليه منها حجر فقتل. ~~قال الثائرون لعثمان: ادفع إلينا قاتل صاحبنا فنقيد منه. فقال عثمان: ما أعرف له ~~قاتلا فأدفعه إليكم، أو قال عثمان: ما أدفع إليكم رجلا ذب عني وأنتم تريدون ~~قتلي، ثم حجزت بينهم ليلة منكرة. فلما أصبحوا هجم الثائرون على الدار يحرقون ~~أبوابها، وخرج لهم أصحاب الدار يقاتلونهم، فاشتد ms198 القتال وجرح عبد الله بن الزبير ~~جراحات كثيرة، وصرع مروان بن الحكم حتى ظن به الموت، وقتل آخرون، واقتحمت الدار ~~على أهلها. وفي أثناء ذلك فتح عمرو بن حزم بابه وأنفذ من الخوخة أولئك النفر الذين ~~انتهوا إلى عثمان فقتلوه. # وأكبر الظن أن أنباء وصلت إلى المدينة بأن الأمداد قد كادت تبلغها، فأراد الثائرون ~~أن يفرغوا من الأمر قبل أن تصل هذه الأمداد. ولم يستطع مروان بن الحكم أن يصبر وقد ~~بلغه من أنباء الأمداد ما بلغ الثائرين، فتعجل الحرب وظن أنه يستطيع أن يزحزح ~~المحاصرين عن الدار، وأن يقاتلهم حتى تأتي الأمداد، وكره أن يعتد عليه معاوية أو ~~ابن عامر بأن جنودهما قد أدركتهم محصورين في الدار ففرجت عنهم الحصار وردت ~~إليهم الحياة. فأراد أن تدركه الأمداد ومعه من في المدينة من بني أمية وهم ~~يقاتلون ويبلون فيحسنون البلاء. وهو من أجل هذا خرج مرتجزا يطلب المبارزة، وخرج ~~معه نفر من بني أمية يرتجزون، وعثمان يأمرهم بالصبر ويكفهم عن القتال فلا يسمعون ~~له ولا يستجيبون لدعائه، حتى اضطر إلى أن يقسم على من رأى عليه له طاعة ليلقين ~~سيفه، فألقى جماعة من أصحابه سيوفهم وأبى بنو أمية أن يفعلوا. وبينما القوم ~~يقتتلون وقد اقتحمت الدار وجعل أهلها يتفرقون، خرج خارج فأذن في الناس: لقد قتلنا ~~ابن عفان، ثم فتحت الأبواب ونهبت الدار ونهب بيت المال، ولم يتفرق الناس إلا وقد ~~وقعت الواقعة وكانت الفتنة وصب على المسلمين بلاء عظيم. # ومع ذلك فقد يظهر أن عثمان مال في آخر أمره إلى شيء من العافية. فقد يتحدث الرواة ~~بأن سعد بن أبي وقاص دخل على عثمان فسمع منه، ثم خرج مسترجعا يطلب عليا حتى ~~لقيه في المسجد، فقال له: هلم أبا الحسن! لقد جئتك بخبر ما جاء به أحد أحدا، إن ~~خليفتك قد أعطى الرضا فأقبل فانصره واسبق إلى الفضل في نصره. وإنهما ليتناجيان ~~حتى جاء النبأ بقتل عثمان. # فأكاد أعتقد أن عثمان كان دعا سعدا وكلفه أن يسفر بينه وبين ms199 علي ليكف الناس ~~عن القتل والقتال، على أن يرد الأمر إلى أصحاب الشورى وأهل الحل والعقد من ~~المسلمين ليضعوه حيث يشاءون، ولكن هذه السفارة جاءت متأخرة، وكان أمر الله قدرا ~~مقدورا. # | الفصل التاسع والعشرون # وكان معاوية قد عرض على عثمان قبل أن يفارقه في أواخر سنة أربع وثلاثين خصلتين ~~رفضهما عثمان رفضا حاسما: عرض عليه أن يسير معه إلى الشام فيكون فيها آمنا ~~منصورا، فأبى عثمان أن يترك جوار النبي وأن يستبدل بدار الهجرة دارا أخرى. وأضمر ~~عثمان في نفسه أشياء لم يقلها لمعاوية في أكبر الظن، وهي أنه لو ترك المدينة لنقل ~~عاصمة الخلافة إلى بلد آخر غير البلد الذي ظهر الإسلام فيه على أعدائه، وإلى بلد ~~آخر غير البلد الذي أقام النبي فيه أعلام الإسلام وأقام الشيخان فيه بعد ذلك مجد ~~الإسلام ولم يكن أبغض إلى عثمان من أن يأتي هذه البدعة، ولم يكن أبغض إليه من أن ~~يقول له أصحاب النبي وعامة المسلمين: نقلت أمر الإسلام من حيث أقره النبي وصاحباه ~~إلى بلد أجنبي غريب، ثم لو فعل عثمان لكان أسيرا في يد معاوية. ولأن يكون أسيرا ~~في يد أصحابه الذين هاجروا معه والذين آووا ونصروا والذين غزوا معه ومع النبي ~~واستمعوا معه للنبي، أحب إليه من أن يكون أسيرا عند معاوية بن أبي سفيان، على ~~ما بينه وبين معاوية من قرابة النسب، وعلى ما عند معاوية بن أبي سفيان من الأمن ~~والعزة والغلب. # وعرض معاوية على عثمان أن يرسل إليه جندا من أهل الشام يقيمون معه في المدينة ~~ليردوا عنه العاديات، فأبى عثمان وقال: لا أضيق على أصحاب رسول الله بجوار من ~~يجاورهم من الجند. وأضمر عثمان في نفسه أشياء أخرى في أكبر الظن لم يقلها لمعاوية: ~~لم يرد أن يخرج عن سيرة النبي وسيرة صاحبيه، فيفرض سلطانه بالقوة والغلب، ويخضع ~~دار الهجرة لهذا الاحتلال الذي عرضه عليه معاوية، فيحدث في الإسلام هذا الحدث ~~الأكبر وهو إخضاع المهاجرين والأنصار ومسجد النبي ومدينته لجند يرسلهم معاوية بن ms200 ~~أبي سفيان من قوم لم يلقوا النبي، ولم يسمعوا منه ولم يروا سيرته وسيرة صاحبيه رأي ~~العين . لم يرد عثمان أن يكون أول من يحول الخلافة إلى ملك، ويخرجها عما ألفت من ~~هذه السماحة السمحة إلى القهر والقسر والبأس الشديد. ولو قد فعل عثمان لكان طاغية ~~يحكم أصحاب النبي بقوة هذا الجيش الذي يحميه من أصحابه، ويحرس داره إن أقام فيها، ~~ويحرسه هو إن خرج من داره، ويحيط به إذا قام خطيبا على منبر النبي، ويسعى بين ~~يديه إذا مشى في طرقات المدينة. وأين هذا كله من سيرة النبي والشيخين ومن سيرة ~~عثمان نفسه! فقد كان يمشي في المدينة غير محروس، ويقف على أندية القوم فيقول لهم ~~ويسمع منهم، وكان ينام في المسجد وقد لف رداءه واتخذه وسادا. وكان يجلس على ~~منبر النبي يوم الجمعة فيتحدث إلى الناس حديث الأب الرفيق، أو الأخ البار أو ~~الصديق الحميم؛ يسألهم عن مرضاهم وعن شئونهم وعن حاجاتهم وعن أسعار السوق. فإذا ~~أذن المؤذنون قام فخطبهم ما شاء الله أن يخطبهم، ثم جلس فاستأنف الحديث معهم ~~يسألهم عن مرضاهم وعن شئونهم وعن حاجتهم وعن أسعار السوق، فإذا أذن المؤذنون ~~الأذان الثاني قام فصلى بهم. فكيف به لو غير هذا كله فانتقل إلى الشام وترك دار ~~الهجرة، فلم يخطب على منبر النبي، ولم يصل في مسجد النبي حيث صلى النبي وصاحباه؟ ~~وكيف به لو أقام في المدينة يحف به جند من أهل الشام يحمونه من الذين شهدوا معه ~~ومع النبي المشاهد كلها؟ لم يكن عثمان ليستجيب لما دعاه إليه معاوية، ولا ليقبل ما ~~عرض عليه معاوية من إرسال ذلك الجيش. فلما قال له معاوية: إذن لتغزين أو ~~لتغتالن، قال: حسبي الله ونعم الوكيل! # فقد استقبل عثمان خلافته إذن وهو يريد أن يسير سيرة صاحبيه لا يغير منها شيئا. ~~وسار على الجملة سيرة صاحبيه، فلم يحتجب ولم يستعل ولم يتسلط، وإنما أدركه ما قد ~~يدرك الناس من هذا الضعف الذي لا يأتي عن نية سوء ولا ms201 عن تعمد للبغي، وإنما يأتي ~~عن خلق كريم وعن حب للخير ورغبة فيه. # وما ينبغي أن ننسى أن عثمان قد استقبل الخلافة وهو شيخ كبير قد بلغ السبعين من ~~عمره، وكان جوادا معطاء، وكان وصولا للرحم، وكان شديد الحياء، وكان سمح الخلق ~~رقيق القلب حسن الرأي في الناس. فإذا اجتمعت كل هذه الخصال في شخصه وأضيفت إليها ~~خصال أخرى في عشيرته الأقربين: هي الطمع والجشع والطموح الذي لا حد له والاستعداد ~~للتسلط والغلبة؛ كان هذا كله خليقا أن يعرض عثمان لما تعرض له من الشر. فإذا أضفت ~~إلى خصاله وخصال عشيرته الأقربين أن جماعة من كبار أصحاب النبي قد نازعتهم نفوسهم ~~إلى الدنيا فاندفعوا إليها ورغبوا فيها، وجمعوا منها حظوظا ضخمة، وألقى هذا في ~~روعهم أنهم ليسوا أقل من عثمان استحقاقا للخلافة، وأنهم قد يكونون أقدر منه على ~~النهوض بأعبائها وضبط أمورها لأنهم لم يبلغوا من الشيخوخة ما بلغ؛ كان هذا كله ~~خليقا أن يجعل الأمر على عثمان عسيرا أشد العسر، وأن يجعل السياسة بالقياس إليه ~~مشكلات معضلات يتبع بعضها بعضا، لا يخرج من بعضها إلا ليدخل فيما هو أشد منها ~~عسرا وأعظم تعقيدا. # ثم إذا أضفت إلى هذا كله أن هؤلاء الشيوخ من المهاجرين والأنصار، قد عاشوا عيشة إلا ~~تكن بدوية خالصة فهي إلى البداوة أقرب منها إلى الحضارة، ثم نظروا ذات يوم فإذا هم ~~أمام دولة ضخمة بعيدة الأرجاء مترامية الأطراف معقدة الشئون تحتاج إلى أن تساس ~~سياسة الحضارة المتأصلة ذات السنن الموروثة والتقاليد المقررة لا الحضارة الطارئة ~~- إذا جمعت هذه الخصال كلها بعضها إلى بعض، عرفت أن ظروف الحياة التي أطالت بعثمان ~~كانت أقوى منه ومن أصحابه. ولا تقل إن عمر قد واجه هذه الظروف وظهر عليها؛ فقد كان ~~عمر من هؤلاء الأفذاذ الذين لا تظفر الإنسانية بهم إلا في القليل النادر، والذين ~~يتعبون من بعدهم ويرهقونهم من أمرهم عسرا. ولولا شيء من التحفظ والاحتياط لقلت: ~~إن المسئول الأول والأخير عما تعرض له عثمان وأصحابه من الخطوب، ms202 إنما هي هذه ~~العبقرية الفذة التي أتيحت لعمر ولم تتح لأحد من أصحابه وفيهم عثمان. # ومهما يكن من شيء؛ فهذه الأحداث التي حدثت، وهذه الفتنة التي بلغت المرحلة الأولى ~~من مراحلها بقتل عثمان، قد تركت المسلمين وأمامهم طريقان كلتاهما مستقيمة واضحة ~~الأعلام ليس فيها عوج ولا التواء: إحداهما هي الطريق التي سلكتها الأمم من قبلهم، ~~وهي طريق الملك الذي يقيم أمره على الحزم والعزم وعلى القوة والبأس، ويحل مشكلات ~~الدنيا بوسائل الدنيا، فيرقى ويقوى ويزدهر، ثم يصيبه الضعف والانحلال والذواء ~~لينتقل من طور إلى طور، ومن دولة إلى دولة، ومن شعب إلى شعب. والأخرى هي هذه ~~الطريق الجديدة التي مهدها النبي ورفع أعلامها صاحباه، وهي التي لا تقيم السلطان ~~على القوة، وإنما تقيمه على المحبة والعدل، وتجعل القوة أداة من أدواته ووسيلة من ~~وسائله، ولا تعرف أثرة ولا تحكما ولا جبرية، ولا تحل مشكلات الدنيا بوسائل ~~الدنيا، وإنما تحلها بوسائل الدين هذه التي تقوم على الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر، وعلى الرغبة في الخير والنفور من الشر، وعلى الإيثار على النفس والتبرؤ من ~~الأثرة، وتعتمد قبل كل شيء على صفاء النفوس ونقاء الضمائر وطهارة القلوب، وتتخذ ~~الدنيا كلها، لا أقول وسيلة إلى الآخرة ليس غير، ولكن أقول وسيلة إلى الآخرة من ~~جهة، ووسيلة إلى دنيا جديدة تزداد رقيا ونقاء وصفاء وطهرا كلما تقدمت بها ~~الأيام من جهة أخرى. # نظر المسلمون بعد مقتل عثمان، فإذا هم على رأس هاتين الطريقتين. فأما أكثرهم فسلكوا ~~الطريق الأولى، وامتحنوا فيها وما يزالون يمتحنون بما امتحنت به الأمم والشعوب، ~~وأما أقلهم فحاولوا أن يسلكوا الطريق الثانية، ولكنهم كانوا ناسا من الناس، فلم ~~يكادوا يتقدمون في طريقهم تلك حتى امتحنوا في أنفسهم ودمائهم، وحتى غلبهم الأكثرون ~~عددا على أمرهم. # وينظر المسلمون الآن فإذا الطريق الأولى ما زالت مزدحمة بهم جميعا يتهافتون فيها ~~كما يتهافت الفراش في النار، وإذا الطريق الثانية ما زالت قائمة واضحة بينة ~~الأعلام، ولكنها خالية لا يقدر على سلوكها إلا أولو العزم من ms203 الناس. وأين أولو ~~العزم من الناس؟! # | الفصل الثلاثون # وهناك مع ذلك سؤال لم يجب عنه القدماء إجابة مرضية، بل لم يحاول أكثرهم أن يجيب ~~عنه، ولا بد مع ذلك من أن نظفر له بجواب: كيف ولماذا أبطأ عمال عثمان عن نصره ~~حتى أتيح للثائرين أن يحاصروه فيطيلوا حصاره وأن يقتلوه بعد ذلك؟ فقد قيل: إن ~~الحصار اتصل أربعين يوما. ونحن نعلم أن المواصلات لم تكن يسيرة ولا قريبة، ولكنا ~~نعلم من جهة أخرى أن الأخبار كانت تنتقل في سرعة مدهشة إلى الأمصار، فعبد الله بن ~~سعد بن أبي سرح كان يعلم أن المصريين قد خرجوا منكرين على عثمان، وهو أنبأ معاوية ~~بذلك من غير شك، كما أنه كتب به إلى عثمان. وأبو موسى الأشعري قد رأى مخرج أهل ~~الكوفة من الكوفة، وعلم من أمرهم مثل ما علم ابن أبي سرح من أمر المصريين. وقل مثل ~~ذلك بالقياس إلى عبد الله بن عامر مع الذين خرجوا من أهل البصرة. فما بال هؤلاء ~~العمال لم يسرعوا إلى نصر الإمام لمجرد علمهم بخروج من خرج من أهل أمصارهم؟ بل ما ~~بالهم لم يسرعوا إلى نصر عثمان حين جاءتهم كتبه تطلب إليهم النجدة؟ ولماذا تلبثوا ~~وتباطئوا حتى كان الشر وقتل الإمام قبل أن يدركوه؟ وأكثر من هذا أن عثمان قد عود ~~عماله أن يوافوه في الموسم من كل عام، فما بالهم أقاموا في أمصارهم هذا العام ولم ~~يشهدوا الحج حتى اضطر عثمان - وقد كان محصورا - أن يأمر ابن عباس ليحج ~~بالناس؟ # وأشد من هذا كله غرابة أن ابن عباس حمل فيما يقول المؤرخون كتابا من عثمان إلى ~~عامة المسلمين الذين شهدوا موسم الحج يعرض عليهم قضيته فيه ويدافع عن نفسه. ~~ويقول المؤرخون: إن ابن عباس قرأ هذا الكتاب في الموسم، فكيف استمع الناس لهذا ~~الكتاب الذي رواه الطبري كاملا، ثم تفرقوا بعد ذلك كأن لم يكن شيء، لم ينهض أحد ~~منهم لنصر الخليفة، ولم تذهب جماعتهم إلى المدينة ليشهدوا بعض ما كان يقع فيها ms204 من ~~الأحداث؟ بل كيف قام عامل عثمان على مكة هادئا ساكنا مطمئنا لم يستنفر الناس ~~لنصر الإمام ؟ ولو قد استنفر أهل مكة وجمع من أهل البادية جيشا لاستطاع أن يشغل ~~هؤلاء الثائرين حتى تقبل هذه الأمداد النظامية من الأمصار. فما بال شيء من هذا لم ~~يكن؟ وما بال أحد من هؤلاء العمال لم يتحرك؟ وما بال الحجيج لم يفزعوا لنصر ~~إمامهم؟ أيمكن أن تكون الأمة كلها قد أسلمت هذا الإمام: فترت الرعية، وأضمر العمال ~~في نفوسهم أشياء فتباطئوا وتثاقلوا، وشغل كل واحد منهم بنفسه، وتركوا الإمام لأهل ~~المدينة يصنعون به ما يشاءون أو يصنع هو بهم ما يشاء؟ وقد رأيت أن أهل المدينة ~~أنفسهم قد كانت كثرتهم مع الثائرين، وكانت قلتهم من أصحاب النبي خاذلة لعثمان تنكر ~~بألسنتها ولا تصنع شيئا. ولو قد استقبل أصحاب النبي هؤلاء الثائرين منكرين عليهم ~~وحثوا في وجوههم التراب لانصرفوا مخذولين كما قال بعض القدماء. وإذن فقد صدق عثمان ~~حين قال إن الناس قد طال عليهم عمره فملوه. وأكبر الظن أن الناس لم يطل عليهم ~~عمر عثمان فحسب، وإنما طال عليهم أيضا عمر هذه السياسة التي لم تكن سياسة خلافة ~~كالتي عرفوها أيام عمر، ولا سياسة ملك كالتي عرفوها من قيصر وكسرى، وإنما كانت ~~شيئا بين بين. # | الفصل الحادي والثلاثون # أصبح عثمان غداة الليلة التي أرسل فيها سهم أو ألقي فيها حجر من داره فقتل نيار بن ~~عياض الأسلمي - أصبح عثمان غداة تلك الليلة صائما، وتحدث إلى أصحابه بأنه مقتول ~~من ذلك اليوم. فلما قال له أصحابه: يكفيك الله عدوك يا أمير المؤمنين، قال: لولا ~~أن تقولوا تمنى عثمان لحدثتكم حديثا عجيبا. قالوا: فإنا لا نقول ذلك. قال: إني ~~رأيت رسول الله # صلى الله عليه وسلم # ومعه أبو بكر وعمر، فقال لي: «أفطر عندنا الليلة يا ~~عثمان.» # ومضى عثمان بعد ذلك في حديثه مع أصحابه فقال لهم فيما قال: لم يقتلونني؟ وقد سمعت ~~رسول الله، # صلى الله عليه وسلم ~~، يقول: «لا يحل دم امرئ مسلم ms205 إلا في إحدى ثلاث: رجل كفر بعد ~~إيمانه، أو زنا بعد إحصانه، أو قتل نفسا بغير نفس .» فوالله ما زنيت في جاهلية ولا ~~في إسلام قط، ولا تمنيت أن لي بديني بدلا منذ هداني الله، ولا قتلت نفسا، ففيم يقتلونني؟ # 1 # ثم مضى في الحديث مع أصحابه فقال: لئن قتلوني لم يصلوا بعدي جميعا ~~أبدا، ولم يقاتلوا عدوا جميعا أبدا. ثم مضى بعد ذلك في حديثه مع أصحابه ~~ينهاهم عن القتل والقتال وهو يلحون عليه في قتالهم، فقال: إن رسول الله، # صلى الله عليه وسلم ~~، ~~قد عهد إلي عهدا فأنا صابر على العهد الذي عهده إلي حتى أصرع في المصرع ~~الذي كتب علي أن أصرع فيه. وظل كذلك يتنقل مع أصحابه بين هذه الأحاديث حتى ~~أقبلوا عليه فقتلوه. # والناس يختلفون فيه وفي قاتليه أشد الاختلاف وأعظمه. ولكن الشيء الذي لا يقبل شكا ~~ولا نزاعا، أن الله لم يحل دم عثمان لقاتليه. فقد يكون مخطئا في سياسته وقد ~~يكون مصيبا، وقد يكون أصحابه قد جاروا عن علم أو عن غير علم. فأقصى ما يباح ~~للمنكرين عليه والمخاصمين له، أن يثوروا به ويحملوا الأمة على هذه الثورة؛ فإن ~~ظفروا باجتماع الكلمة على خصومته اختاروا من المسلمين ممثلين للأمصار والأقاليم، ~~وكان على هؤلاء الممثلين أن يحاوروا عثمان ويناظروه، وأن يقولوا له ويسمعوا منه؛ ~~فإن رأوا إقراره أقروه، وإن رأوا خلعه خلعوه ثم اختاروا للمسلمين إماما مكانه، ثم ~~تركوا للإمام محاسبة عثمان على ما يمكن أن يكون لهم قبله من الأموال والدماء. فأما ~~أن ينتدب الثائرون ولم يوكلهم المسلمون عنهم فيخلعوا الإمام، فلم يكن ذلك لهم. ~~فكيف وهم لم يخلعوه، وإنما سفكوا دمه، وكان دمه حراما كدم المؤمنين جميعا، وكانت ~~لدمه بعد ذلك حرمة أخرى هي حرمة الخلافة؟ # والناس يعتذرون عن هؤلاء الثائرين معاذير كثيرة، يقولون: إنهم لم يكونوا يستطيعون ~~خلعه خوفا من عماله في مصر والشام والعراق، ولم يكونوا يستطيعون الانتظار به ~~خوفا من هؤلاء العمال، ولو لم يقتلوه لقتلهم هو أو لقتلهم ms206 عماله. ولكن كل هذه ~~المعاذير لا تبيح لهم أن يسفكوا دما حرمه الله، وأن يستبيحوا سلطان الخلافة على ~~هذا النحو. # ولعل العذر الوحيد الذي ينهض لهم كما ينهض لعثمان وينهض للذين اختصموا بعدهم في هذه ~~القضية فسفكوا دماءهم بأيديهم وأباحوا من النفوس والأموال ما حرم الله، هو أن ~~ظروف الحياة كانت أقوى منهم جميعا. وأن الله قد كتب عليهم أن يفتنهم في دينهم ~~ودنياهم هذه الفتنة الكبرى التي فسرها علي لأهل الكوفة أحسن تفسير حين قال: ~~«استأثر عثمان فأساء الأثرة، وجزعتم فأسأتم الجزع.» # تحدث ابن سعد قال: «أخبرنا الفضل بن دكين، قال: أخبرنا أبان بن عبد الله البجلي، ~~قال: حدثني نعيم بن أبي هند، قال: حدثني ربعي بن حراش، قال: إني لعند علي جالس ~~إذ جاء ابن طلحة فسلم على علي فرحب به علي، فقال: ترحب بي يا أمير المؤمنين ~~وقد قتلت والدي وأخذت مالي؟ قال: أما مالك فهو معزول في بيت المال، فاغد إلى مالك ~~فخذه. وأما قولك قتلت أبي، فإني أرجو أن أكون أنا وأبوك من الذين قال الله فيهم: # ونزعنا ما في صدورهم من غل ~~إخوانا على سرر متقابلين ~~. فقال رجل من همدان ~~أعور: الله أعدل من ذلك. فصاح علي صيحة تداعى لها القصر، قال: فمن ذاك إذا لم ~~نكن نحن أولئك؟!» # 2 # ميروس، يوليو-أغسطس سنة 1947 # | ملحقات # كتاب عثمان إلى الأمصار مستنجدا # بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد، فإن الله عز وجل بعث محمدا بالحق ~~بشيرا ونذيرا، فبلغ عن الله ما أمر به، ثم مضى وقد قضى الذي عليه، وخلف ~~فينا كتابه فيه حلاله وحرامه وبيان الأمور التي قدر فأمضاها على ما أحب ~~العباد وكرهوا. فكان الخليفة أبو بكر رضي الله عنه، وعمر رضي الله عنه. ثم ~~أدخلت في الشورى عن غير علم ولا مسألة عن ملأ من الأمة. ثم أجمع أهل ~~الشورى عن ملأ منهم ومن الناس على غير طلب مني ولا محبة. فعملت فيهم ما ~~يعرفون ولا ينكرون، تابعا غير مستتبع، متبعا غير مبتدع، ms207 مقتديا غير ~~متكلف. فلما انتهت الأمور وانتكث الشر بأهله؛ بدت ضغائن وأهواء على غير ~~إجرام ولا ترة فيما مضى ، إلا إمضاء الكتاب، فطلبوا أمرا وأعلنوا غيره ~~بغير حجة ولا عذر، فعابوا علي أشياء مما كانوا يرضون، وأشياء عن ملأ من ~~أهل المدينة لا يصلح غيرها، فصبرت لهم نفسي، وكففتها عنهم منذ سنين، وأنا ~~أرى وأسمع، فازدادوا على الله عز وجل جرأة حتى أغاروا علينا في جوار رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم # وحرمه وأرض الهجرة، وثابت إليهم الأعراب؛ فهم كالأحزاب أيام ~~الأحزاب أو من غزانا بأحد إلا ما يظهرون. فمن قدر على اللحاق بنا ~~فليلحق. # كتاب عثمان إلى أهل الموسم # بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله عثمان أمير المؤمنين إلى المؤمنين ~~والمسلمين. سلام عليكم. فإني أحمد الله إليكم الذي لا إله إلا هو. # أما بعد، فإني أذكركم بالله جل وعز الذي أنعم عليكم وعلمكم الإسلام. ~~وهداكم من الضلالة، وأنقذكم من الكفر، وأراكم البينات، وأوسع عليكم من ~~الرزق، ونصركم على العدو، وأسبغ عليكم نعمته؛ فإن الله عز وجل يقول وقوله ~~الحق: # وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها ~~ إن الإنسان لظلوم كفار ~~. وقال عز وجل: # يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ~~حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ~~* واعتصموا بحبل الله جميعا ~~ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ ~~كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم ~~بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من ~~النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم ~~آياته لعلكم تهتدون * ولتكن ~~منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون ~~بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم ~~المفلحون * ولا تكونوا كالذين ~~تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات ~~ وأولئك لهم عذاب عظيم ~~. وقال وقوله الحق: # واذكروا نعمة الله عليكم ~~وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا ~~وأطعنا ~~. وقال وقوله الحق: # يا ~~أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ ~~فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا ~~على ما فعلتم نادمين * واعلموا ~~أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من ~~الأمر لعنتم ولكن الله حبب ms208 إليكم ~~الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم ~~الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم ~~الراشدون * فضلا من الله ونعمة ~~والله عليم حكيم ~~. # وقال عز وجل: # إن الذين يشترون بعهد ~~الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق ~~لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر ~~إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم ~~عذاب أليم ~~. وقال وقوله الحق: # فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا ~~وأنفقوا خيرا لأنفسكم ومن يوق شح نفسه ~~فأولئك هم المفلحون ~~. وقال وقوله الحق: # وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا ~~تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم ~~الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون ~~* ولا تكونوا كالتي نقضت ~~غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم ~~دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة ~~ إنما يبلوكم الله به وليبينن لكم ~~يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون * ولو شاء الله لجعلكم أمة ~~واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء ~~ولتسألن عما كنتم تعملون * لا ~~تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم ~~بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما صددتم عن ~~سبيل الله ولكم عذاب عظيم * ولا ~~تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا إنما عند الله ~~هو خير لكم إن كنتم تعلمون * ما ~~عندكم ينفد وما عند الله باق ولنجزين ~~الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ~~. وقال وقوله الحق: # يا أيها الذين ~~آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر ~~منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ~~والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ~~ ذلك خير وأحسن تأويلا ~~. وقال وقوله الحق: # وعد الله الذين آمنوا منكم ~~وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض ~~كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن ~~لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم ~~من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون ~~بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم ~~الفاسقون ~~. وقال وقوله الحق: # إن ~~الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله ~~فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على ~~نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله ~~فسيؤتيه أجرا عظيما ~~. # أما بعد، فإن الله جل وعز رضي لكم السمع ms209 والطاعة والجماعة، وحذركم ~~المعصية والفرقة والاختلاف، ونبأكم ما قد فعله الذين من قبلكم، وتقدم ~~إليكم فيه ليكون له الحجة عليكم إن عصيتموه. فاقبلوا نصيحة الله جل وعز ~~واحذروا عذابه؛ فإنكم لن تجدوا أمة هلكت إلا من بعد أن تختلف ولا يكون ~~لها رأس يجمعها. ومتى ما تفعلوا ذلك لم تقيموا الصلاة جميعا، وسلط عليكم ~~عدوكم، ويستحل بعضكم حرم بعض. ومتى يفعل ذلك لا يقم لله سبحانه دين، ~~وتكونوا شيعا. وقد قال الله جل وعز لرسوله # صلى الله عليه وسلم ~~: # إن الذين فرقوا دينهم وكانوا ~~شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى ~~الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون ~~. وإني ~~أوصيكم بما أوصاكم الله، وأحذركم عذابه؛ فإن شعيبا # صلى الله عليه وسلم # قال ~~لقومه: # ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن ~~يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود ~~أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد * واستغفروا ربكم ثم توبوا ~~إليه إن ربي رحيم ودود ~~. # أما بعد. فإن أقواما ممن كان يقول في هذا الحديث أظهروا للناس أنهم إنما ~~يدعون إلى كتاب الله عز وجل والحق، ولا يريدون الدنيا ولا منازعة فيها. ~~فلما عرض عليهم الحق إذا الناس في ذلك شتى؛ منهم آخذ للحق ونازع عنه حين ~~يعطاه، ومنهم تارك للحق رغبة في الأمر يريد أن يبتزه بغير الحق. طال ~~عليهم عمري وراث عليهم أملهم في الإمرة، فاستعجلوا القدر. وقد كتبوا ~~إليكم أنهم قد رجعوا بالذي أعطيتهم. ولا أعلم أني تركت من الذي عاهدتهم ~~عليه شيئا. كانوا زعموا أنهم يطلبون الحدود، فقلت: أقيموها على من علمتم ~~تعداها في إحدى. # 1 # أقيموها على من ظلمكم من قريب أو بعيد. قالوا: كتاب الله يتلى، ~~فقلت: فليتله من تلاه غير غال فيه بغير ما أنزل الله في الكتاب. وقالوا: ~~المحروم يرزق والمال يوفى ليستن فيه السنة الحسنة، ولا يعتدى في ~~الخمس ولا في الصدقة، ويؤمر ذو القوة والأمانة، وترد مظالم الناس إلى ~~أهلها؛ فرضيت بذلك واصطبرت له، وجئت نسوة النبي # صلى الله عليه ms210 وسلم # حتى كلمتهن. ~~فقلت: ما تأمرنني؟ فقلن: تؤمر عمرو بن العاص # 2 # وعبد الله بن قيس، وتدع معاوية فإنما أمره أمير قبلك، فإنه ~~مصلح لأرضه راض به جنده، واردد عمرا فإن جنده راضون به، وأمره فليصلح ~~أرضه. فكل ذلك فعلت، وإنه اعتدى علي بعد ذلك وعدا على الحق. # كتبت إليكم وأصحابي الذين زعموا في الأمر استعجلوا القدر، ومنعوا من الصلاة، ~~وحالوا بيني وبين المسجد، وابتزوا ما قدروا عليه بالمدينة. كتبت إليكم ~~كتابي هذا وهم يخيرونني إحدى ثلاث: إما يقيدونني بكل رجل أصبته خطأ أو ~~صوابا غير متروك منه شيء، وإما أعتزل الأمر فيؤمرون آخر غيري، وإما يرسلون ~~إلى من أطاعهم من الأجناد وأهل المدينة فيتبرءون من الذي جعل الله سبحانه ~~لي عليهم من السمع والطاعة. فقلت لهم: أما إقادتي من نفسي، فقد كان من قبلي ~~خلفاء تخطئ وتصيب فلم يستقد من أحد منهم. وقد علمت أنما يريدون نفسي. وأما ~~أن أتبرأ من الإمارة فإن يكلبوني أحب إلي من أن أتبرأ من عمل الله عز ~~وجل وخلافته. وأما قولكم يرسلون إلى الأجناد وأهل المدينة فيتبرءون من ~~طاعتي فلست عليكم بوكيل. ولم أكن استكرهتهم من قبل على السمع والطاعة، ~~ولكن أتوها طائعين يبتغون مرضاة الله عز وجل له وإصلاح ذات البين. ومن ~~يكن منكم إنما يبتغى الدنيا فليس بنائل منها إلا ما كتب الله عز وجل له. ~~ومن يكن إنما يريد وجه الله والدار الآخرة وصلاح الأمة وابتغاء مرضاة الله ~~عز وجل والسنة الحسنة التي استن بها رسول الله # صلى الله عليه وسلم # والخليفتان من ~~بعده رضي الله عنهما، فإنما يجزي بذلكم الله، وليس بيدي جزاؤكم، ولو ~~أعطيتكم الدنيا كلها لم يكن في ذلك ثمن لدينكم ولم يغن عنكم شيئا. فاتقوا ~~الله واحتسبوا ما عنده، فمن يرض بالنكث منكم فإني لا أرضاه له، ولا يرضى ~~الله سبحانه أن تنكثوا عهده. وأما الذي يخيرونني فإنما كله النزع والتأمير. ~~فملكت نفسي ومن معي ونظرت حكم الله وتغيير النعمة من الله سبحانه، وكرهت ~~سنة السوء ms211 وشقاق الأمة وسفك الدماء. فإني أنشدكم بالله والإسلام ألا تأخذوا ~~إلا الحق وتعطوه مني وترك البغي على أهله، وخذوا بيننا بالعدل كما أمركم ~~الله عز وجل؛ فإني أنشدكم الله سبحانه الذي جعل عليكم العهد والمؤازرة في ~~أمر الله؛ فإن الله سبحانه قال وقوله الحق: # وأوفوا ~~بالعهد إن العهد كان مسئولا ~~. فإن هذه ~~معذرة إلى الله، ولعلكم تذكرون. # أما بعد، فإني لا أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ~~ربي غفور رحيم. وإن عاقبت أقواما فما أبتغي بذلك إلا الخير. وإني أتوب ~~إلى الله عز وجل من كل عمل عملته، وأستغفره إنه لا يغفر الذنوب إلا هو. إن ~~رحمة ربي وسعت كل شيء. إنه لا يقنط من رحمة الله إلا القوم الضالون. ~~وإنه يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما يفعلون. وأنا أسأل ~~الله عز وجل أن يغفر لي ولكم، وأن يؤلف قلوب هذه الأمة على الخير ويكره ~~إليها الفسق. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته أيها المؤمنون ~~والمسلمون. # أمور مرجأة # لم نفصل في هذا الجزء حديث عبد الله بن سبأ المعروف بابن السوداء؛ لأنه ~~طويل معقد، ولأن نشاطه الخطير إنما يظهر في رأينا أثناء خلافة علي. فقد ~~أرجأنا حديثه إذن إلى الجزء الثاني من أحداث الفتنة. # ولم نذكر معارضة عائشة وعمرو بن العاص لعثمان؛ لأن نشاطهما السياسي الخطير ~~إنما يظهر في خلافة علي أيضا، فأرجأنا قضيتيهما إلى الجزء الثاني من هذا ~~الكتاب. # | بعض المراجع # ليس في هذا الكتاب خبر من أخبار التاريخ أو رأي من آراء المتكلمين القدماء إلا ~~ومرجعه كتاب من هذه الكتب: # سيرة ابن هشام. # طبقات ابن سعد. # أنساب الأشراف، للبلاذري. # تاريخ البخاري. # كتب السنة وشروحها على اختلافها. # تاريخ الأمم والملوك، للطبري. # تفسير الطبري. # الكامل لابن الأثير. # البداية والنهاية، لابن كثير. # تاريخ ابن خلدون. # تاريخ دمشق، لابن عساكر. # تاريخ بغداد، للخطيب البغدادي. # تاريخ عقد الجمان، للعيني. # نهاية الأرب، للنويري. # مسالك الأبصار في الممالك والأمصار، للعمري. # الخطط، للمقريزي. # النزاع والتخاصم، للمقريزي. # ولاة مصر وقضاتها، ms212 للكندي. # متفرقات من رسائل الجاحظ. # الفصل، في الملل والأهواء والنحل، لابن حزم. # كتاب الفرق بين الفرق، لعبد القاهر بن طاهر البغدادي . # التبصير في الدين، لأبي المظفر الإسفراييني. # الملل والنحل، للشهرستاني. # منهاج السنة، لابن تيمية. # أما المعاصرون، فلم نقرأ مما كتبوا حول هذا الموضوع إلا: # أشهر مشاهير الإسلام، لرفيق بك العظم. # والإسلام وأصول الحكم، للأستاذ علي عبد الرازق. # وكتاب عثمان بن عفان، للأستاذ الشيخ صادق إبراهيم عرجون. # ولم ننظر من آثار المستشرقين إلا في كتاب أنالي دي الإسلام، لكيتاني، وفي فصول ~~متفرقة في دائرة المعارف الإسلامية. ms213