######OpenITI# #META# URI: 1392TahaHusayn.HayatWaHarakaFikriyyaFiBritania.Hindawi50742631 #META# Tags: literature #META# ID: 50742631 #META# Title: الحياة والحركة الفكرية في بريطانيا #META# AuthorID: 59624258 :: 62751307 :: 63691809 :: 70304858 #META# Author: طه حسين :: أحمد محمد حسنين باشا :: علي مصطفى مشرفة :: حافظ عفيفي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # أثر الرياضة البدنية في تكوين الخلق‏ # الثقافة الإنجليزية وأثرها في تقدم العالم‏ # مساهمة العلماء البريطانيين في تقدم العلوم‏ # النظم البرلمانية في بريطانيا‏ # أثر الرياضة البدنية في تكوين الخلق‏ # الثقافة الإنجليزية وأثرها في تقدم العالم‏ # مساهمة العلماء البريطانيين في تقدم العلوم‏ # النظم البرلمانية في بريطانيا‏ # | الحياة والحركة الفكرية في بريطانيا # | الحياة والحركة الفكرية في بريطانيا # تأليف # طه حسين وأحمد محمد حسنين باشا وعلي مصطفى مشرفة وحافظ عفيفي # المجموعة الأولى للمحاضرات العربية التي نظمها الاتحاد المصري الإنجليزي بقاعة الجمعية ~~الجغرافية الملكية، وألقاها حضرات أصحاب المعالي والسعادة والعزة: أحمد محمد حسنين باشا - ~~الدكتور طه حسين بك - الدكتور علي مصطفى مشرفة بك - الدكتور حافظ عفيفي باشا. # | أثر الرياضة البدنية في تكوين الخلق # لحضرة صاحب المعالي أحمد محمد حسنين باشا # أيها السادة # كان مزمعا أن ألتقي بحضراتكم في هذا الحرم العلمي في يوم من أيام الشهر المقبل؛ لأكون ~~آخر متحدث في موسم الاتحاد الإنجليزي المصري الثقافي لهذا العام، غير أن الاتحاد شاء أن ~~يجعلني أول من يفتتح برنامج محاضراته، وبهذا قصر علي الطريق، فما بقي لي الوقت الذي ~~يستلزمه بحث موضوع عميق كهذا البحث، فإن رأيتم أن حديثي اليوم غير موفى، وأنه ظاهرة فيه ~~العجلة وأنه مجرد خطوط وحدود أكثر مما هو جوهر ولباب؛ فمعذرة كريمة. # وأرى لزاما علي قبل أن ألقي كلمتي هذه أن أشكر هيئة الاتحاد الموقرة أجزل الشكر؛ إذ ~~أتاحت لي هذه الفرصة السعيدة، فرصة التحدث إليكم في الرياضة والأخلاق، لعل في هذا الحديث ~~بعض فوائد ينتفع بها شباب مصر الناهضة، وخاصة في مثل هذا الظرف الدقيق الذي تجتازه بلادنا ~~التاريخية العزيزة، والذي نشهد فيه عن بعد وقرب براكين الحرب تتفجر فوق بقاع الأرض، تتنقل ~~حممها المستعرة من ميدان إلى ميدان، والذي نستطيع أن نقف منه على مدى ما يمكن لذلك السلاح ~~المستتر وراء السيف والمدفع أن يؤدي من واجبات وفروض، وأعني بهذا السلاح، وهو عندي أقوى ~~الأسلحة وأمضاها، الأخلاق. # ولست بمطيل الكلام في موضوع بديهي وليس منكم من يجهله، ألا وهو ms01 شأن الأخلاق في بناء ~~الأمم، وأثرها في تدعيم أركانها وتشييد مجدها، فذلك أمر معروف سجله التاريخ في صحفه، ولم ~~يعد يحتاج إلى بيان. # ولقد عمد علماء الأخلاق والاجتماع والفلاسفة إلى التنافس في وضع الكتب الخاصة بالأخلاق، ~~ونشرها بين أبناء أجيالهم، وتحايلوا على استنباط أسهل الطرق التي تؤدي إلى أن يفيد النشء ~~بها ويتأثر. # وراقت هذه الموضوعات رجال التربية والتعليم، فسارعوا إلى تضمينها برامج التثقيف في ~~المدارس على أنها عنصر رئيسي في مناهج التعليم المدرسي يبذل الأساتذة جهدهم في بث هذه ~~النظريات في أنفس أبنائهم، وغرس أصولها في عقولهم من طرق شتى. # التمسوا في سبيل ذلك الكتب الملأى بالنصائح والمثل العليا، والمؤلفات الفياضة بالقصص ~~التاريخية والخيالية، والمصنفات المحتوية رسالة الكتب السماوية في الأخلاق، ملتمسة في ذلك ~~الحض والترغيب تارة، والوعيد والتخويف تارة أخرى. # وكان الرأي الأساسي في هذا الموضوع أن يزود النشء بهذه الدروس النظرية الأخلاقية؛ حتى ~~إذا أكمل الفتى دراسته وأوشك أن يدخل ميدان الحياة، أفاد مما تلقن من هذه الدراسات العقلية، ~~واستطاع أن يطبقهما على شئون الحياة تطبيقا عمليا. # جاء الإنجليز أيها السادة آخر الأمر، وكانوا قد أخذوا بما أخذت به مدارس غيرهم من البلاد، ~~متبعين نفس الطريق، طريق الكتاب والمدرس في تلقين أصول الأخلاق للنشء، جاء الإنجليز وهم ~~قوم عمليون طبعوا على تبسيط الطرق ليسهل إدراك الغايات، وفاجئوا العالم المتمدن باكتشاف ~~جديد في هذا الموضوع، اكتشاف ما أكاد أسميه علما جديدا، وما يسميه آخرون فتحا جديدا في ~~عالم التربية القومية، ذلك هو تطبيق أصول الأخلاق منذ الصغر تطبيقا عمليا على شئون ~~الحياة، متخذين من ميدان الألعاب الرياضية الحقل التجريبي لهذا الإعداد النفسي ~~الشاق. # ولقد هداهم إلى هذا الاكتشاف أمران: # أولهما: # قلة ما رأوا من فوائد إيجابية للدراسات الأخلاقية النظرية، فالآخذ بها ~~يكاد ينساها عندما يصدم بالصخرة الأولى من صخور الحياة. # ثانيهما: # أن نفس النشء الصغير لينة كقطعة العجين صالحة أيما صلاح للتأثر، وهي في ~~تلك السن المبكرة بكل ما يراد لها أن تتأثر له وللتشكل على كل ما ms02 يحب لها ~~أن تتشكل عليه، فإن أنت أردتها شيطانا فهي شيطان، وإن أنت أحببت أن تكون ~~ملكا فهي ملك. # آثر الإنجليز إذن أن تدرس الأخلاق دراسة عملية منذ الصغر، واتخذوا ميدان الألعاب ~~الرياضية ليكون الحقل التدريبي لهذه الدراسة الأخلاقية، وبذلك اختصروا طريقا طويلة ووفروا ~~سنين عدة، ومكنوا لأبنائهم إذا خرجوا من أبواب المدارس ليدخلوا أبواب الحياة أن يكونوا ~~مزودين سلفا بالسلاح الذي يخوضون به غمار الحياة، سلاح الأخلاق، وهو - كما قلت - أقوى ~~الأسلحة وأمضاها. # لننتقل الآن أيها السادة إلى ميادين الألعاب؛ لنرى أولا ماذا يفيد منها اللاعب، ولنرى ~~ثانيا كيف أنها تمثل في صورة مصغرة ميادين هذه الحياة. # ها نحن أولاء نرى بين أيدينا طريقين للألعاب عن طريق الألعاب الفردية وطريق ألعاب ~~الجماعة، فالميدان الأول - ميدان الألعاب الفردية - وأعني بها الألعاب التي يواجه فيها ~~اللاعب الفرد خصما واحدا، هذه الألعاب تروض اللاعب على الشجاعة والصبر، وبذل الجهد، ~~والجرأة، واستخدام الفكر، وحسن التصرف، وتجنب اليأس إذا غلب، والتواضع حين ينتصر، ~~والاعتماد على النفس، وخلق الأمل في الصدر، ثم إنكم ترون - أيها السادة - كيف يتعلم الفرد - ~~في هذا الميدان - أقدس الواجبات الاجتماعية التي ترسم له حدود خصمه، وتعلمه أنه خصم شريف ~~وليس عدوا، فهو إذا وقع في أثناء اللعب أنهضه، وإذا جرح ضمده، وإذا انتصر عليه صافحه ~~بقلب صاف لا يعرف الضغن ولا الشماتة. # إذا رأيتم أيها السادة كل هذه الأخلاق الفاضلة تنبت وتزدهر وتقطف ناضجة في الحقل الرياضي؛ ~~فاذكروا أن ثمة صفات عالية أخرى مختفية وراء جدران الملعب الرياضي، وأن أثرها في خلق ~~الرجولة المبكرة لا يقل عن أثر الأخلاق التي لمستموها في شيء، وأعني بهذه الصفات ما يتطبع ~~بها النشء تطبعا من تلقاء نفسه في أثناء تحضيره لألعابه، إنه ليروض نفسه على الحد من ~~رغباتها، والتسكين من قلقها، والكبح من شهواتها، والتضحية بما تنزع إليه من ملذات ~~وصبوات. # ترون أيها السادة أن كل خلق من هذه الأخلاق وكل صفة من تلك الصفات إنما هي هي بعينها ~~الأخلاق والصفات التي ينشدها ms03 المجتمع في المثل الإنساني الكامل، فإذا ما مرن عليها ~~اللاعب وهو صغير، وتأثرت بها نفسه وهي لينة، وفهم روحها منذ حداثته، وأحاطت به جوانبها وهو ~~بعد في سن مبكرة؛ لم يعد ثمة شك في أن يصبح هذا اللاعب حين يكبر الرجل الكامل المرتجى، ~~ولن يتغير منه خلق ولا صفة وهو ماض في طريق الحياة، فهي ثابتة في نفسه متمكنة من طبعه، ~~إنما الذي يتغير هو محيط حياته فقط، ولن يكون في نظره سوى الميدان الرياضي القديم اتسعت ~~أرجاؤه وتشعبت نواحيه. # ذلك - أيها السادة - ميدان الألعاب الفردية. # فلننتقل بعد ذلك إلى ميدان ألعاب الفرق أو ألعاب الجماعة، ولنر مرة أخرى ما يفيد منها ~~اللاعب، ومدى آثارها في تكوين الخلق. # ويجب ألا يغيب عنا - قبل كل شيء - أن كل ما يتأثر به اللاعب الفردي إنما هو متوافر ~~للاعب الجماعة، ثم ماذا تكون ألعاب الجماعة؟ إن هذه الألعاب حركة مشتركة وأداء مشتبك وعمل ~~واحد، وإذن فمثل هذا النوع من اللعب عبارة عن تنظيم دقيق لعلاقة اللاعب بفريقه، كما أنه ~~تنظيم دقيق لعلاقة اللاعب بخصمه، وفي هذا الميدان ينمحي الفرد أمام الفريق، وينمحي الفريق ~~أمام الغاية الكبرى من اللعب، ولكن ليس معنى ذلك فناء الشخصيات اللاعبة، بل إن معناه تحديد ~~عمل هذه الشخصية وتنظيم خطاها وتعيين وظيفتها، فاللعب المنظم يخلق أحسن الفرص، ويهيئ أنسب ~~الظروف لإظهار مقدرة اللاعب؛ ذلك لأنه يجعل عمله ومجهوده مشتبكا اشتباكا وثيقا مع عمل ~~فريقه ومجهوده. # وهكذا - في مثل هذا الميدان أيها السادة - تنكر الذات كما ترون، وتتحمل المسئولية عن ~~طيب خاطر، وينظم عمل الجماعة بين أفرادها من ناحية، وبينها وبين خصومها من ناحية أخرى، ~~وتشيع روح التضامن القوي، ويتجلى مظهر التعاون الوثيق في أروع الصور. # فلا تعجبوا إذن أيها السادة إذا رأيتم بلاد هذه الإمبراطورية كلها تهب هبة رجل واحد ~~تحمل السلاح دفاعا عن مثلها المشتركة العليا، إنما ذلك وحي الملاعب الرياضية الذي بدأ ~~بالفصل المدرسي، ثم بالمدرسة، ثم بالجامعة، ينبعث في الأيام الشداد، ويأخذ يذكر من جديد ~~بأن ms04 التضامن والمسئولية هما الدين القومي لكل بريطاني لزام أن تؤدى فرائضه عند ما يدق ~~ناقوس الخطر. # مع هذا كله لم يترك الإنجليز ميدان اللعب يوجه اللاعب الوجهة التي يراها من غير قيد، ولم ~~يتركوا كذلك للاعب حرية الإفادة من اللعب بلا ضابط، بل إنهم حدوا هذه الحرية بحدود، ~~وفرضوا على الميدان قوانين، وركزوا الألعاب على قواعد، وأحاطوا اللاعبين بقيود أدبية قد ~~تكون في كثير من الأحيان مسرفة في القسوة، وجعلوا عماد ذلك التشريع الفني ~~الأخلاق. # فعلوا ذلك أيها السادة، وبالغوا فيه كما سترون، حتى لقد استهدفوا من أجله لتنديد أكثر ~~البلاد؛ وما ذلك إلا لأن تلك البلاد لم تكن تفهم أول الأمر من أسرار الروح الرياضية ما ~~فهمه الإنجليز، ولعلها فهمته اليوم حق الفهم، وفهمت ضمنا أن هذا الشعب العملي كان على حق ~~حينما عني بالألعاب هذه العناية كلها، وحين أحلها من برامج تعليمه المحل الأول، وحين ~~لم يعتبرها - كما لا يزال يعتبرها كثير من الناس - ميادين لهو مبتذل، وأنها مضيعة للوقت، ~~ومعينة على بلادة الذهن، بل ومفسدة للأخلاق أيضا. # ولنر الآن ما هي تلك القيود والقوانين التي شرعتها التقاليد الرياضية الإنجليزية، ~~وأحاطت بها الميادين واللاعبين، ولست بذاكر نصوصا ولا مواد، بل إني سأسوق بعض حوادث وقع ~~شيء منها لي، وشيء لغيري، وأشياء عامة أخرى، وأرجو أن يكون فيها غناء، وأن تستخلصوا ~~منها مدى تقدير القوم لهذه الألعاب تقديرا يتسامى إلى مقام التقديس. # فقد حدث أني لما كنت ملتحقا بالفريق الثاني لكرة القدم بكليتي «أكسفورد» أن استقرت ~~الكرة يوما بين قدمي وأنا قريب من المرمى، فأوعز إلي رئيس الفرقة ألا أمس الكرة وأن ~~أدعها لزميلي الذي كان عن يميني، فلم أفعل وصوبت الكرة نحو المرمى، ولكنها لم تصب الهدف، ~~وفي أثناء الراحة أقبل رئيس الفرقة علي، وأخبرني أني أخطأت في عدم الاستماع إليه، ~~ولفتني إلى ألا أخالف أمره مرة أخرى، واتفق في أثناء الشوط الثاني أن استقرت الكرة ~~ثانية بين قدمي في اللحظة التي كنت فيها أواجه الهدف، فأوعز إلي ms05 الرئيس - كما فعل أول ~~مرة - أن أتركها لزميل آخر، فلم أستمع لرأيه، وضربت الكرة ضربة موفقة فأصابت الهدف، وفرحت ~~أيما فرح - وكنت إذ ذاك مرشحا لأن أنتقل من الفريق الثاني إلى الفريق الأول للكلية - ~~وقدرت أني لا شك مدرك هذه الترقية، وخاصة بعد أن أصبت الهدف ونصرت فريقي، ولكن شد ~~ما كان عجبي واندهاشي حينما ناداني الرئيس بعد انتهاء اللعب، وأخبرني أنه يأسف أولا لعدم ~~إطاعتي للأمر في كلتا الحالتين، ويأسف ثانيا لأنه يرى نفسه مضطرا للاستغناء عني حتى في ~~الفريق الثاني، فجادلته محتجا بأني في المرة الثانية أصبت الهدف، وبفضلي انتصر الفريق، ~~فقال لي بصوت هادئ متزن: «قد يكون الانتصار رغبتنا الشديدة في اللعب، ولكن قبل ذلك يجيء ~~النظام.» # وحدث في أثناء المباريات الأوليمبية التي أقيمت بمدينة استكهولم سنة 1916 أن كان بين ~~أفراد فريق للألعاب الرياضية عداء ماهر ملأت شهرته الأسماع، وأبهر الصحف لما أبدى في فنه ~~من تفوق بعد تفوق، وكان مزمعا بالطبع أن تشترك الفرقة في المباراة الدولية، وكان مقدرا ~~كذلك أن يأتي هذا العداء بنتائج ترفع من شأن فرقته وبلاده، وكان محتما على أعضاء هذا ~~الفريق أن يكونوا في مخادعهم في تمام الساعة العاشرة ليلا، ولكن لأمر ما تأخر هذا العداء ~~في إحدى الليالي نصف ساعة عن الموعد المقرر للنوم، فما كان من رئيس الفرقة إلا أن أعاده ~~فورا إلا بلاده على ظهر أول باخرة أبحرت إليها. # ولعلكم تعلمون أيها السادة أن طالب العلم في جامعة أكسفورد أو كمبردج؛ ليعتز جد ~~الاعتزاز إذا ما اختارته جامعته ليمثلها في لعبة من الألعاب الرياضية، وليس من عجب أن ~~يخالجه، وهو الذي يمثل نحوا من ثلاثة آلاف طالب أو يزيد، شعور خفي ببطولته الرياضية ~~لتفوقه في هذه اللعبة على أقرانه أجمعين، ولكن هذا الانتخاب الإجماعي لا يكفي لتمتع ~~الطالب بشرف المباراة إذا أعوزه جانب ظاهر أو خفي من جوانب الرجولة الحقة، ولا يتردد ~~المسئولون عن الأمر عن التضحية به والتخلية بينه وبين النزول إلى ميدان اللعب مهما كان ms06 ~~تفوقه الرياضي والثقة التامة بانتصاره. # فلقد حدث يوما في جامعة أكسفورد أن كان أحد الطلاب مرشحا لتمثيل جامعته في لعبة الكركت، ~~ولم يشك أحد منا في أن لهذا الطالب زميلا منافسا أو في احتمال استبداله بآخر لأمر ما؛ ~~نظرا لما كان يمتاز به في هذه اللعبة امتيازا كبيرا، واتفق في أثناء مباراة تجريبية ~~أقيمت قبل اللعب لانتخاب الفريق الذي يمثل الجامعة أن جاء صاحبنا متأخرا بعض الوقت عن بدء ~~اللعب، فقد كان متعبا من جراء سهرة اضطرته إلى أن يطيل في النوم أكثر مما يجب، فما كان ~~من رئيس الفرقة إلا أن نحاه عن اللعب واستبدل به آخر، وكان القانون الذي اعتمد عليه في ~~هذا الحكم الجائر قوله في لهجة حادة: «إذا لم تكن تقدر المسئولية في اللعب التجريبي؛ فلا ~~يمكن أن أعتمد عليك إذا ما كنت ممثلا للجامعة يوما ما.» # انظروا إلى ناحية أخرى في هذا الموضوع أيها السادة، وقعت لي في حلبة السلاح، فقد كنت ~~ألاعب زميلا لي في الجامعة فأصبته إصابة لم يفطن إليها الحكم، فمر بها كريما، فاندهش ~~صاحبي وهمهم في أثناء اللعب وقال: «ولكنك أصبتني»، قلت له: «إن الحكم لم يفطن لما أصبت»، ~~واسترحنا وما كدنا نبدأ الدورة الثانية حتى فتح صدره غير مدافع فأصبته طبعا، فقال: «لقد ~~أخذت حقك، هيا إذن نتم اللعب.» # أيها السادة # ما أشبه ميادين الحياة بميادين الألعاب كما قلت، بل إنها هي بعينها تلك الميادين الرياضية ~~في صورة أوسع وأرجأ وأفسح، وما نحن الرجال في كل ما نضرب فيه ونتحايل وننشط في مناكب الأرض ~~إلا أولئك الصبية أو التلاميذ وهم ينشطون ويتحايلون ويتواثبون في ميادين الألعاب، إن كل ~~ما يعرض لنا في طرق هذه الحياة من شدة ويسر، وضيق وفرج، ونجاح وفشل، إنما عرض لنا يوما في ~~صورة مصغرة في ميادين الألعاب، وإن كل ما أفدناه من تلك الميادين الرياضية من صفات وأخلاق ~~إنما هو تراث معنوي مستقر في أعماق النفس يظهر أثره في الحوادث؛ فيمدنا بالرأي ويلهمنا ~~الحكمة، ويبعث ms07 فينا الهمة ويضيء صدورنا بالأمل، ويملأنا ثقة بالمستقبل، ويدفعنا إلى طلب ~~النصر من الطريق الشريف، وإلا فالفشل الشريف أحق وأولى. # قفوا أيها السادة عن كثب من حلقة الملاكمة في جامعة، وتمثلوا قصة هذين المتلاكمين ~~التي أقصها عليكم، لقد كان أحدهما أكفأ من صاحبه، ولقد أثقل الأكفأ على زميله في الشوط ~~الأول، ونال منه في الشوط الثاني، فأسر إلى مدربه بقوله إنه لا يستطيع المضي في مقاومة ~~خصمه، فقال له مدربه: «تحمل واستمر»، وجاء الشوط الثالث، ولكن خصمه القوي لكمه لكمة ~~أوقعته على الأرض يتوجع، فنظر إلى مدربه نظرة يرجو منه فيها أن يعفيه من مواصلة اللعب ~~فحسبه ما ألم به، وهنا أهاب المدرب بصوت عال: «اصمد له واستمر»، فما كان منه إلا ~~أن نهض مستجمعا كل ما له من قوة، ولكم خصمه لكمة خر من أثرها على الأرض واستسلم، ~~وبذلك انتصر اللاعب الأقل كفاءة بفضل تلك المعجزة النفسية. # مضت بعد ذلك السنون أيها السادة وتركنا الجامعة، وشبت الحرب وانتهت، واتفق أن قابلت ذلك ~~الملاكم المنتصر في أحد شوارع لندن، وسألته عن أمره، فقال إنه انخرط في الجيش وسرح بعد ~~أن خمدت الحرب، وكان أبوه قد أضاع كل ما كان يملك، وتعطل فلا رزق ولا مال، وأظلمت الدنيا في ~~عينيه، ووطن نفسه بعد أن باع كل ما كان يملك على أن يبدأ حياة جديدة في إحدى المستعمرات، ~~غير أن نظره وقع عفوا ذات يوم على صورة له ومدربه القديم بمكتبه، فتذكر من فوره صيحته له ~~«أن اصمد له واستمر»، وكأنها على حد تعبيره هاتف سماوي يسخر من النفوس المستضعفة، ~~فسرعان ما صمد للحوادث، وما لبث بعد ذلك أن وفق إلى عمل وفقه إليه عزمه وأمله وصبره ~~ومثابرته. # وكم من ليال قضيتها في الصحراء - أيها السادة - وأنا مسهد الجفن، شارد الذهن، حيران لا ~~أدري ماذا أصنع، فهناك حين تبعث إلي الصحراء من جوفها المجهول العاصفة السافية، ~~فتنهد خيمتي وتتعطل أدواتي العلمية، وينضب الماء وينفق الجمل في إثر الجمل، ويسأل ~~الدليل أين نحن؟ ms08 فيقول - وهو كالحالم - الله أعلم، هناك حين تنمحي معالم الطريق، ونكاد ~~ننتهي في كل خطوة إلى قبر، وأسمع همهمة من رجال القافلة، هي ولا شك تذمر مكبوت مما تعاني ~~صدورهم من ضيق في هذا المنبسط الرملي الغامض، وتخور قواي ويأخذ مني التعب، فلا أستطيع أن ~~أنقل قدما بعد قدم، وأشعر بأن هذا الفراغ المصفر الفسيح قد استحال إلى طوق حديدي صغير، ~~أخذ يحتوي رقبتي ويضيق عليها شيئا فشيئا، هنالك في أمثال هذه اللحظات، وهي مفارق يسيرة ~~بين حياة مشكوك فيها وموت محقق، هنالك كنت أنتقل من فوق الرمال إلى ملاعبي الرياضية ~~القديمة، وأسكن ساعة إلى ذكريات عزيزة، فأراني قد وقفت من أزمات مواقف تشبه من وجوه موقفي ~~في ذلك القفر الموحش اللانهائي، وأراني قد تغلبت عليها في النهاية وانتصرت، بماذا؟ بالصبر ~~- أيها السادة - والتحمل، وضبط النفس، وهدوء الأعصاب؛ حتى لا يختل تقديري ويشط فكري، فسرعان ~~ما ألمح قبس الأمل يختلج بين عيني، وما ألبث أن أجمع زمامي وأتغلب على ما يعرض لي من ~~صعاب، وأرى القافلة تستأنف مسيرها على هدى، وأرى رجالي وقد سرى إليهم المرح فانطلقوا ~~يغنون ويتضاحكون. # هناك أثر آخر من آثار الرياضة في النفس، وغلبتها على طبيعة الإنسان، حتى في وقت الخطر، ~~فقد حدث عندما أردت أن أهبط مصر طائرا أن انكسرت بي الطائرة في بدء الرحلة، فأصلحتها ومضيت ~~بها، فسقطت في إيطاليا وتحطمت، ثم حلقت في طائرة جديدة أخرى، فسقطت في مياه صقلية، واستخدمت ~~طائرة ثالثة كان من حظها أن سقطت هي أيضا، وعدت إلى مصر على غير متن الهواء؛ لأن رغبة ~~ملكية كريمة اقتضت ذلك، ترون أن الفشل المتلاحق والتعرض لشر الأخطار لم يكونا أبدا ~~ليثنياني عن عزمي، ولعل سر هذا الشعور الغريب ملاحظة عابرة كان أبداها لي أستاذ ~~الرياضة بجامعتي في أثناء مباراة الهوكي، وقد غلب فريقنا ب 11 جولا ل 3، ولما ذهبت إليه ~~أبين له عبث الاستمرار في اللعب، ولا سيما بعد أن أخذ المطر ينهمر، قال لي وعلى شفتيه ~~ابتسامة ساخرة: «تفضل، ms09 وأتم أنت وزملاؤك اللعب إلى النهاية، وهذا ما أتيتم لأجله ~~اليوم.» # هذه الجملة أيها السادة هي التي كنت أسمع دويها في أذني بعد أن غادرت إنجلترا بسنين، ~~وهي التي يرجع إليها فضل مواجهتي الموت غير مرة كما ذكرت. # أيها السادة # لئن كان من الميسور أن أبين لحضراتكم في مثل ذلك الوقت المحدود أثر الروح الرياضية في ~~تكوين الأخلاق، فإنه من الصعب أن أبين هذا الأثر في نفسية الشعوب وسائر الأمم، أما الآن ~~وهذه الحرب قد شبت، وحدث من شئونها ما حدث، ووقع من ويلاتها ما وقع، وكان من صروفها ما لم ~~يكن يخطر لأحد منا على بال، فإن أمامكم أكبر مثل وأروعه يطالع التاريخ به العالم حين ~~يسجل موقف هذه البلاد منها، ذلك الموقف الذي لم تكن إنجلترا مدينة فيه لصفحات الكتب ولا ~~لمنابر الخطابة، ولكن لميادين الألعاب الرياضية. # اضطرت إنجلترا إلى خوض غمار الحرب - كما تعرفون - وهي غير مستعدة لها، ولكنها حين رأت ~~الواجب يقضي عليها بتجريد السلاح بعد عشرين عاما من حرب طاحنة عانت فيها ما عانت، ودفعت من ~~الثمن المبهظ ما دفعت، مضت تتحمل التبعة غير ضجرة، ونهض الشعب كله، بل وشعوب الإمبراطورية ~~جميعا نهضة رجل واحد، كل فرد رجلا كان أو امرأة، شيخا كان أو صبيا، يسعى في صمت للأخذ ~~بنصيبه وأداء واجبه. # وهكذا الشعوب أيها السادة تردد صدى ميادين ألعابها، فإذا رأيتم لاعبا في أمة من الأمم ~~قد استأثر بالكرة مثلا، ملتمسا إعجاب الجمهور به وتصفيقه له، فثقوا أنه إذا كبر ودخل ~~ميادين المجتمع فسيكون فيها كما كان في ميدان اللعب، سيكون الفرد الذي يؤثر نفسه على ~~الجماعة، ويضحي في سبيل أنانيته بكل مثل من المثل العليا. # وإذا وجدتم لاعبا في ملعب من الملاعب يتهرب من المسئولية، ويلقيها على زميل له، ويحتكم ~~إلى الجمهور بطريقة من الطرق مبتغيا أن يكبره وينتصر له، فاذكروا أنه بمثل هذه الأخلاق ~~سيعيش في المجتمع. # واذكروا كذلك أيها السادة أن أمة يرضيها أن تسود الفوضى فيها ميادين الألعاب، ويتنصل ~~أبناؤها ms10 من التبعات بسهولة لهي في الواقع أمة منحلة العرى مفككة الروابط. # الأمم مرايا ميادين ألعابها، والشعوب تمثل في حياتها أخلاق لاعبي الرياضة من ~~بنيها. # لا عجب إذن أن نرى الإنجليز وهم يسيرون إلى ميادين الحرب، وعلى كل شفة ابتسامة وكل وجه ~~آية الرضا، وكل لسان نكتة ذات معنى. # إن أغرب ما سمع العالم اليوم عن البلاد المتحاربة ما سمع عن مبلغ الاستخفاف الذي يبديه ~~الإنجليز بويلات الحرب وكوارثها، فلقد علقت أندية الجولف بجدرانها نشرات تبين القواعد ~~الجديدة التي أدخلت على هذه اللعبة، متمشية في ذلك مع ظروف الحرب الراهنة، كأنما هي إجابة ~~غاية في التهكم المر على ما تحدثه الطائرات المغيرة بالبلاد من تخريب وتدمير. # استمعوا أيها السادة إلى بعض تلك القواعد الجديدة: # أولا: # المرجو من الأعضاء أن يضعوا جانبا شظايا القنابل إذا ما وجدوها في ~~طريقهم؛ لكي يسهلوا بذلك عمل البستاني في تعهد الخضرة. # ثانيا: # إذا ما ألقيت قنبلة في ملعب الجولف وأحدثت حفرة اعتبرت هذه الحفرة ~~كالحفر الصناعية الموجودة بالنادي، ويسري على اللاعبين القوانين التي تسري ~~على حفر النادي الأصلية. # ثالثا: # إذا ما هم لاعب بضرب الكرة، ودوى صوت قنبلة طائرة معادية، أو سمع صوت ~~قذيفة مدفع مضاد للطائرات فشغله هذا الصوت أو ذاك عن إحكام ضرب الكرة، ~~فللاعب الحق في أن يعيد ضربها، ولكنه يخسر نقطة، ولعل هذه العقوبة جزاء له؛ ~~لأنه سمح لنفسه أن تضطرب ولو بأثر أدوات الموت في الوقت الذي يؤدي فيه عمل ~~مقدس. # وتذكر هذه المسألة بقصة شبيهة لها من بعض الوجوه، فقد كانت بارجة إنجليزية تجوب أنحاء ~~البحر، وكان ربانها قد أمر بإقامة مباراة بعد الظهر لبعض الألعاب، واتفق أن ظهرت بعد ذلك ~~بوارج للعدو، ورئي أن لا مناص من موقعة هائلة بعد قليل، فتقدم خادم القبطان إلى سيده، ~~وهو في غاية من الهدوء، وحياه التحية العسكرية وسأله: «متى يرى سيدي أن تقام المباراة؟ ~~أقبل الموقعة أم بعدها؟» # أيها السادة # بمثل هذه الروح العظيمة المستمدة من ميادين الألعاب الرياضية يعيش هذا الشعب، ms11 ويحافظ على ~~إمبراطوريته المترامية الأطراف. # والآن وقد حدثتكم عن الرياضة وأثرها في تكوين الخلق، أتوجه إليكم يا شباب مصر لا بحض ~~على أن تذهبوا للملاعب، فأنتم تذهبون إليها، وإنما أتوجه برجاء شديد أن تذهبوا إلى هذه ~~الملاعب وأنتم صادقو النية في الأخذ بهذين القانونين من قوانين الرياضة، وهما ما يقولون ~~عنهما: Play the Game-Fair Play # أي: اللعب حتى نهاية الشوط، ~~واللعب العادل الشريف، وأن تجعلوا أيها الشبان من أهداف ملاعبكم رمزا لأهدافكم الوطنية، ~~اذكروا أنكم تعدون أنفسكم اليوم للمستقبل، واذكروا أنكم ستقفون غدا في الملعب العالمي ~~حراسا أوفياء على مجد الوطن، والله أسأل أن يجعلكم خيرا منا وأكثر توفيقا. # | الثقافة الإنجليزية وأثرها في تقدم العالم # لحضرة صاحب العزة الدكتور طه حسين بك # سيداتي وسادتي # من الموضوعات التي يتناولها الناس في المحاضرات ما لا يمكن التعمق فيها؛ لأنها أوسع وأخطر ~~من أن يتناولها المحاضر في ساعة أو ساعات؛ ولأنها أوسع وأخطر من أن يتناولها المؤلف في ~~كتاب يتألف من جزء أو جزئين، فالمحاضر إذن مضطر إلى أن يمس هذه الموضوعات مسا رفيقا، ~~وأن يدور حولها أكثر من أن يهاجمها ويتعمق فيها، والموضوع الذي طلب إلي أن أتحدث إليكم ~~فيه الليلة من هذه الموضوعات. # فالثقافة البريطانية شيء لا يمكن أن يحاط به في حديث أو أحاديث، ويكفي أن نلاحظ أن ~~الثقافة البريطانية الحديثة في هذا العصر الحديث إنما هي مجموعة ما أنتجه العقل الإنجليزي ~~في القرون الأربعة منذ القرن السادس عشر إلى الآن، ويكفي أن نلاحظ أن كثيرا جدا من الذين ~~اشتركوا في تكوين هذه الثقافة من الأدباء والعلماء والفلاسفة وأصحاب الفن، وقد كان موضوعات ~~الكتب ضخمة مطولة، مفضلا عن أن يكون موضوعات الأحاديث كثيرا ما يمكن أن تكون في ساعة أو ~~ساعات، فلا تنتظروا مني إذن أن أتحدث إليكم في هذه الليلة حديثا عميقا عن الثقافة ~~البريطانية وعن مكانتها في الثقافة العالمية، وإنما انتظروا مني أن أخصص لكم بعض الصفات ~~التي يمكن أن تمتاز بها هذه الثقافة الإنجليزية من الثقافات الأخرى ms12 الأوروبية، وبعض الصفات ~~التي مكنت هذه الثقافة من أن يكون لها مكان ممتاز في الثقافات الأوروبية المختلفة. # وهناك خطأ لا بد من أن نتفق على إصلاحه واجتنابه، فقد يظن بعض الناس أن هناك أمما ~~تستطيع أن تعطي دون أن تحتاج إلى أن تأخذ، فهي مؤثرة في الثقافات الأخرى، وهي غير متأثرة ~~بهذه الثقافات، وهذه الأمة لم توجد بعد ولا ينتظر أن توجد، والحياة العقلية شيء متبادل ~~بين الأمم، كما أنه شيء متبادل بين الأفراد، فكما أن الفرد لا يستطيع أن يعطي ولا أن يفيد ~~الحياة العقلية إلا إذا أخذ هو واستفاد من حياة غيره العقلية، فالأمم كذلك لا تستطيع أن ~~تعطي إلا إذا أخذت. # فإذا تحدث محدث عن الثقافة الإنجليزية وعن أثرها في الثقافات الأخرى، فلا بد له من أن ~~يفكر قبل هذا في الثقافة الإنجليزية من حيث إنها ثقافة قد تأثرت بثقافة الأمم الأخرى، وليس ~~من شك في أن الأمة الإنجليزية قد تأثرت في عصر النهضة بما تأثرت به الأمم الأوروبية ~~المختلفة من هذه الثقافة القديمة، الثقافة اليونانية والثقافة اللاتينية، وكلكم يعرف أن ~~الحياة الأوروبية الحديثة إنما هي نتيجة لهذه الثقافة اليونانية واللاتينية التي بعثت من ~~نومها في القرن الخامس عشر وفي القرن السادس عشر بعد المسيح، وكلكم يعرف أن أول هذه النهضة ~~إنما كانت في إيطاليا، ثم انتقلت النهضة من إيطاليا إلى غيرها من الأقطار الأوروبية. # وفي هذا العصر - عصر النهضة - كانت السيادة العلمية أو العقلية منذ القرن السادس عشر بنوع ~~خاص مقسمة تقريبا بين أمتين تنازعتاها تنازعا شديدا، وتعاونتا عليها تعاونا تاما، ~~هما الأمة الفرنسية والأمة البريطانية، وكانت الأمم الأوروبية الأخرى تأخذ من هذه النهضة - ~~نهضة الثقافة القديمة - بحظوظ مختلفة تختلف قوة وضعفا، ولكن الثقافة في القرن السادس عشر ~~كانت في هاتين الأمتين، الأمة الفرنسية والأمة الإنجليزية، ولم تكن هناك حدود ولا حواجز بين ~~الأمم الأوروبية في المسائل الثقافية في ذلك الوقت؛ لأن نظم الحكم لم تكن قد بلغت من الشدة ~~والعنف ما بلغته في القرن السابع ms13 عشر أو القرن الثامن عشر؛ لأن فكرة الوطنية وافتراق الأمم ~~في هذه الفكرة، وحرص الأمم على أن تكون لكل منها وطنيتها الخاصة واستقلالها الخاص، هذا ~~الحرص لم يكن قد عظم بعد، وإنما كانت هذه الأمم الأوروبية قد خرجت شيئا فشيئا من النظام ~~القديم الذي كان معروفا في القرون الوسطى، وأخذت الوطنيات تنشأ، ولكن ظلت هذه الأمم محتفظة ~~بشيء كثير من التسامح واليسر، وكانت متأثرة بهذه الفكرة العامة، فكرة أوروبا المسيحية أكثر ~~من تأثرها بهذه الأفكار التي جاءت فيما بعد، وهي فكرة الوطنية والحدود الجغرافية الضيقة ~~التي تكون الأمم باستقلال دقيق بالمعنى الصحيح، وأخص ما امتازت به الثقافة التي كانت ~~شائعة في ذلك الوقت في القرن السادس عشر في أوروبا كلها، وفي فرنسا وبريطانيا العظمى بنوع ~~خاص، أخص ما امتازت به هذه الثقافة شيء من الرجوع إلى الحياة اليونانية واللاتينية ~~القديمة، وما كان يميز هذه الحياة من طموح إلى المثل العليا الفلسفية كما صورها ~~أفلاطون وأرسطوطاليس، وإلى المثل العليا في الآداب والفنون كما صورها الأدباء ~~والفنانون من اليونان والرومان. # ومعنى هذا أن هذه النهضة التي تأثرت أحيانا باليونانية واللاتينية قد تأثرت بما كانت ~~تمتاز به هذه الآداب والفنون اليونانية واللاتينية من نزعة حرة إلى الوثنية، أو التي لم ~~تتقيد بما تقيد به الناس حين كانت المسيحية متسلطة على العقول والقلوب وعلى الحياة الخاصة ~~والعامة، وأخذ الناس يشعرون كما كان الشعراء من قبل يشعرون، وأخذوا يحبون الطبيعة ~~ويكلفون بها، ويصورونها كما كان الشعراء اللاتينيون واليونانيون يشعرون ويصورون هذه ~~الطبيعة ويكلفون بها، بل أخذوا يقلدون هؤلاء الناس، اليونان والرومان، يقلدونهم في ~~التفكير، ويقلدونهم في التأثر بالأشياء الواقعة التي تحيط بهم، ثم يقلدونهم في التعبير ~~وفيما يشعرون به، وفيما يجدونه من التأثر بهذه الأشياء التي تحيط بهم، فهم إذا وصفوا الحياة ~~أو وصفوا الألم أو وصفوا اللذة أو وصفوا منظرا من المناظر التي تعجبهم، لم يتخذوا ما كانوا ~~يألفون من عبارات ومن أساليب العرض ما يريدون أن يصفوا، إنما يتخذون ما كان يألفه اليونان ms14 ~~والرومان، ويخضعون اللغة الفرنسية واللغة الإنجليزية للأساليب أو الأصول التي كان الرومان ~~واليونان يتخذونها إذا تكلموا أو شعروا أو نثروا، ثم هم قد تجاوزوا هذا الحد من التقليد إلى ~~ما هو أبعد منه، فقلدوا حتى في الآراء والأفكار والعادات، وأصبح رأي الفلاسفة والعلماء من ~~القدماء شيئا أساسيا، يتخذونه أصلا للتفكير وأصلا لما يؤلفونه من الكتب، وأصلا في كل ~~ما يحاولونه من التأليف والتعليم، بل من الحياة نفسها، وكذلك يمكن أن يقال إن عصر النهضة ~~في أوروبا وفي فرنسا وإنجلترا بنوع خاص قد كان عصر انحراف عن الدين المسيحي إلى حد بعيد، ~~وقد كان عصر رجوع إلى الوثنية اليونانية في كثير من مظاهره، وفي كثير من المظاهر الأدبية ~~والفنية بنوع خاص. # لذلك اشتد الصراع بين هذه النزعة الجديدة إلى المذاهب القديمة من جهة، وبين المحافظة على ~~الأصول المألوفة لأصول الدين وأصول الحضارة في القرون الوسطى من جهة أخرى، واضطرت الحكومات ~~في فرنسا وفي إنجلترا وغيرهما من البلاد الأوروبية، اضطرت هذه الحكومات إلى أن تقاوم هذه ~~النزعة مقاومة شديدة، حتى كان من العسير أن يؤلف المؤلفون أو ينشروا كتبهم دون أن يحتاجوا ~~إلى من يعينهم ويؤيدهم ويحميهم من بطش الدولة، ومن بطش الذين تقوم الدولة على حمايتهم وعلى ~~تأييدهم من رجال الدين، ولست في حاجة إلى أن أتحدث عما لقي العلماء والأدباء في القرن ~~السادس عشر من الاضطهاد الذي كان يصل أحيانا إلى التحريق فضلا عن التعرض للسجن وكثير من ~~الأخطار التي هي أقل من الموت والسجن، ولست في حاجة إلى أن أتعرض لما لقيته الكتب ~~والمؤلفات والآثار الأدبية التي كانت تنشر في ذلك العصر من عنت المراقبة التي كانت تقوم ~~بها الدولة، والتي كان يقوم بها رجال الدين، فكان هذا شيئا معروفا، وهو يصور الصراع بين ~~نشأة الحياة الأوروبية الحديثة، ومحافظة القرون الوسطى على حضارتها التي أخذت تتقهقر أمام ~~الحضارة اليونانية واللاتينية القديمة. # وفي ذلك العصر كانت فرنسا وإنجلترا - كما قلت لكم - تتنازعان أو تتقاسمان سيادة الحياة ~~العقلية في أوروبا، ولكن ms15 بين طبيعة الأمتين شيئا عظيما من الاختلاف، فطبيعة العقل ~~الفرنسي تميل إلى الاحتياط والاتزان والتقيد بأصول محدودة في القول والعمل والتأثر بالعقل ~~اليوناني القديم إلى أبعد حد ممكن، على حين تختلف الطبيعة البريطانية عن هذه الطبيعة ~~الفرنسية اختلافا شديدا، فهي تميل إلى الحرية، وإلى الحرية الجامحة التي لا تعرف قيدا ~~ولا تتأثر بقانون، والطبيعة الفرنسية تميل إلى التأثر بالحياة الاجتماعية، وبالنظام ~~الاجتماعي الدقيق، وتميل إلى تأثر الفرد بالجماعة، وإلى فناء الفرد في الجماعة إلى حد ~~بعيد جدا، على حين تميل الطبيعة البريطانية إلى شيء آخر ليس هو خروج الفرد على ~~الجماعة، ولكنه ليس في الوقت نفسه إذعان الفرد للجماعة، إنما هو شيء بين ذلك فيه كثير من ~~التناقض، فالفرد الإنجليزي حريص أشد الحرص على شخصيته وعلى وجوده الخاص، وعلى حريته فيما ~~بينه وبين نفسه، ولكنه في الوقت ذاته حريص على أن تكون حياته في ظاهرها - على أقل تقدير - ~~ملائمة للحياة الاجتماعية العامة، فإذا كان الفرنسي في خضوعه وإذعانه لسلطان الجماعة مخلصا ~~صادقا ملائما بين هذا وبين طبيعته الوطنية، فالبريطاني في خضوعه للجماعة لا يخلو من شيء ~~من النفاق وهو يحافظ على نظام الجماعة؛ لأنه مضطر إلى هذه المحافظة؛ لأنه لا يستطيع أن يعيش ~~إلا إذا كانت الصلة بينه وبين الجماعة مقبولة أو محتملة، ولكنه فيما بينه وبين نفسه حريص ~~على حريته مهما تكن هذه الحرية. # فالاختلاف بين طبيعة الأمتين ظاهر بين ما أنتجه الفرنسيون والإنجليز في الآداب والعلوم ~~والفلسفة في هذا العصر من عصور النهضة، وفي أول العصر الحديث بنوع خاص، فبينما كانت الآثار ~~الأدبية الفرنسية معتدلة وحريصة على ألا تقيد المؤلف إلا بمقدار حرصها على أن تلائم بين ~~ما تنتج على ما فيه من التجديد وبين ما هو قائم من النظام والتقليد من الذي ينتجه الأدباء ~~الإنجليز والعلماء الإنجليز ثائر على المألوف، وثائر على المألوف ثورة عنيفة حقا بحيث إذا ~~أردنا أن نلتمس الآداب والفنون القديمة عند الإنجليز وعند الفرنسيين رأينا هاتين الظاهرتين ~~متناقضتين، وتأثير اليونان في الأمة الفرنسية ms16 ظاهر جدا وقوي جدا؛ لأن الأمة الفرنسية ~~التي هي متأثرة بالطبيعة اللاتينية ومتأثرة بطبيعة هذه الحضارة، حضارة البحر الأبيض ~~المتوسط، قريبة في عقلها وشعورها من اليونانية واللاتينية، ولكن التأثر الذي نراه عند ~~الفرنسيين ظاهرا قويا نراه في الوقت نفسه متضائلا في نتائجه من ناحية الحرية. # فرابليه الكاتب الفرنسي في القرن السادس عشر مضطر إلى أن يغير اسمه عندما يريد أن يصدر ~~كتبه التي أخذ يقص فيها قصصه المشهورة، مضطر إلى أن يحرف اسمه حتى يكون بمأمن من ~~العقاب، ومن عقاب رجال الدين؛ لأنه كان من رجال الدين، ومن عقاب رجال السياسة؛ لأنه كان ~~بكتبه هذه يعرض بكثير من رجال الدين والسياسة، فكان يقرر حقائق ربما لم يقرها نظام ~~الدين المسيحي، فهو كان محتاجا إلى أن يحتاط، وإلى أن يتحفظ في إعلان اسمه عندما ينشر ~~كتبه، وإلى أن يتحفظ في تعبيره أيضا كلما أصدر طبعة لكتاب من كتبه ولاحظ مقدار ما يكون ~~لهذا الكتاب من تأثير في القراء، ولاحظ ما يمكن أن يستتبعه هذا الكتاب من رد الفعل، فإذا ~~أعاد طبع الكتاب انتفع بهذه الملاحظات، فلطف ما كان يحتاج إلى التلطيف، وخفف ما يحتاج إلى ~~التخفيف، واجتنب ما استطاع أن يجتنب؛ ليتقي الشر الذي يمكن أن يأتيه من رجال الدين أو ~~رجال السياسة، على حين كان البريطانيون في هذا العصر مندفعين مع أمزجتهم إلى أبعد حد ~~ممكن، فالشعر الذي نتج في هذا العصر والآثار المختلفة التي أنتجوها في هذا العصر، كل هذه ~~الآثار كانت متأثرة بطبيعة الحال باليونانية واللاتينية، لكنها في الوقت نفسه كانت متأثرة ~~بالجموح الطبيعي في المزاج البريطاني بهذه الحرية الواسعة التي يحرص عليها البريطانيون، ~~والتي يبذلون في سبيلها كثيرا من الجهود، من هنا كانت الآداب التي أنتجها الإنجليز أشد ~~تأثرا باليونانية واللاتينية من ناحية الحرية، وأقل تأثرا باليونانية واللاتينية من ناحية ~~المزاج، فالأثر الإنجليزي خاضع لتأثير الآداب اليونانية واللاتينية إلى أبعد حد ممكن؛ لأن ~~المزاج البريطاني حريص على الحرية التي تمكنه من أن يجاري هذا المذهب القديم، ومن ms17 هنا ~~كانت الحياة البريطانية حياة ربما كانت أدنى إلى الحرية المطلقة التي لا تعرف حدا ولا ~~قيدا. # وظهر هذا الإنتاج الأدبي عندما جاء القرن السابع عشر، وأخذ الفرنسيون ينتجون آدابهم التي ~~تسمى الآداب الكلاسيكية، وظهر الفرق الهائل بين هذه الحرية الإنجليزية المطلقة التي تنشأ ~~عن مزاج جامح والتي تنشأ على هذا المزاج في وقت قد تعرضت فيه النظم السياسية إلى كثير من ~~الخطر بين هذا الإنتاج الفرنسي الذي يخضع لسلطان العقل المتأثر بالصبغة اليونانية ~~وبالانسجام اليوناني، وبهذه الحدود والقيود التي يفرضها اليونانيون على أنفسهم، فإذا قرأنا ~~قصة من قصص «كرونيل» أو قصة من قصص «راسين»، وحاولنا أن نوازن بينها وبين قصة من قصص ~~«شكسبير» ظهر الفرق بين هاتين القصتين، وسنرى أن الكاتب الفرنسي قد وضع لنفسه نظاما دقيقا ~~محدودا عليه يسير في وضع قصته ولا يتجاوزه بحال من الأحوال، فلا بد مثلا من الوحدة ~~المشهورة؛ وحدة الزمان ووحدة المكان، ولا بد أن يتقيد الكاتب بهذه الوحدة، ولا بد أن ~~يتقيد الكاتب بما يحيط به من خصائص البيئة الفرنسية في ذلك العصر، وبما يحيط به من نظام ~~القصر خاصة. # فالأثر الفرنسي إذن شيء دقيق جدا مقيد، رسمت له خطط لا يستطيع الكاتب أن يتجاوزها، ~~وهو إذا تجاوزها فقد أفسد عمله وعرضه للخطر ولضياع الفن، على حين أننا نأخذ القصة من قصص ~~«شكسبير» فنرى الشاعر قد عمد إلى الموضوع، وأراد أن يصوره، ولكنه لم يقيد نفسه بما قيد ~~الكاتب الفرنسي نفسه من الخطط المرسومة أو الحدود والقيود الضيقة التي لا يتجاوزها ولا يخرج ~~عنها، إنما الكاتب أو الشاعر حر، يعالج موضوعه كما يشاء، ولا يتقيد بوحدة الزمان ولا وحدة ~~المكان، فليس من الضروري أن تقع حوادث القصة في مكان واحد من ابتدائها إلى نهايتها، وليس من ~~الضروري أن تقع حوادث القصة في 24 ساعة، إنما القصة حرة تقع في الوقت الذي تقتضيه، سواء ~~أطال هذا الوقت أم قصر، وتقع في الأماكن التي تقتضيها، فالمسارح أو الملاعب تتغير بمقتضى ~~ما تحتاج إليه القصة ms18 من التغيير، فليس من الضروري أن يشهد النظارة مكانا واحدا منذ ابتداء ~~القصة إلى نهايتها، وليس ضروريا للنظارة أن يشعروا بأن هذه القصة تقع في وقت معين، بل ~~وحدة العمل ليست ضرورية، فيجوز أن يكثر الأشخاص جدا، وأن يتعددوا وأن يختلفوا، وأن يناقض ~~بعضهم بعضا في كثير من الأعمال والأقوال، أفهم من هذا أن الكاتب نفسه ليس مقيدا بشيء، ~~ولكنه يمضي في موضوعه كما يحب، ويمضي إليه مسرعا إن رأى الإسراع، ولكن يجوز أن يلقى في ~~طريقه منظرا يقتضيه أن يقف عنده شيئا ما، فيترك الموضوع الأساسي الذي وضع القصة من أجله ~~ويقف عند هذا المنظر الخاص، ويطيل عنده الوقوف، ويطيل عنده الحديث، ويشرك السامعين من ~~النظارة أو القراء الذين لم يشاهدوا القصة ولم يحسوا بها وهم من جميل هذا المنظر، أو مما ~~يثيره هذا المنظر من التأثير مهما يكن هذا التأثير، وهذا الفرق الهائل بين طبيعة المزاج ~~الفرنسي وطبيعة المزاج البريطاني في إنتاج الآداب، وفي التصور الفني في التأثر بالنهضة، أو ~~بما ترك اليونان والرومان من آثار أدبية وفنية. # هذا الفرق الهائل بين طبيعة هذين الشعبين كان له آثار بعيدة جدا فيما نتج لهذين الشعبين ~~من الثقافة، وكان له أثر أبعد من الآداب أو من الآثار الأدبية، وكان له أثر في الحياة ~~العقلية بوجه عام، وإذا أردنا أن نشخص العقل الإنجليزي أثناء القرن السادس عشر والقرن ~~السابع عشر، فقد نستطيع أن نشخصه بأنه عقل متمرد مندفع إلى الثورة على المألوف بغير تحفظ ~~ولا احتياط. # ومن هنا نستطيع إذا تتبعنا فكرة الحرية في العصر الحديث أن نقول: إن الحرية في العصر ~~الحديث الأوروبي ربما كانت نتيجة للحياة العقلية الإنجليزية أكثر من نتيجة أي حياة عقلية ~~أخرى، ومن أروع الأشياء أن نتتبع تطور فكرة الحرية عند الإنجليز، ولا أريد الحرية السياسية ~~التي كثر فيها القول، ولا أريد ما تستتبعه الحرية السياسية من النظم البرلمانية أو ~~الديمقراطية التي عرف بها الإنجليز، إنما أريد الحياة العقلية الخالصة، وبالطبع يعرف ~~الناس عن إنجلترا أنها ms19 موطن النظام البرلماني، وموطن الحرية، وموطن الديمقراطية ، ولكن ربما ~~كان علمهم بهذه النظم البرلمانية، وبما لإنجلترا من تفوق في هذه الناحية، ربما كان علمهم ~~محتاجا إلى أن تكون أكثر تعمقا، وهذا التعمق يتحقق إذا عرفنا مقدار تأثر الإنجليز بفكرة ~~الحرية في حياتهم العقلية، أولا عندما تظهر الثورة على الفلسفة القديمة وعلى فلسفة ~~أرسطوطاليس وعلى النظام العقلي، كما تركه لنا اليونان والرومان والعرب، وهي تظهر عند ~~الإنجليز بفضل «بيكون» الذي يستعرض حياة العقل ويستعرض الفلسفة، ويريد أن يحرر العقل أمام ~~العقل نفسه، ويريد أن يخرج العقل من هذا التأثر الذي طال عليه العهد بقواعد «أرسطوطاليس» ~~وأصوله ونظمه الدقيقة التي خضعت لها القرون الوسطى خضوعا تاما، يريد أن يرد على ~~العقل هذه الحرية التي تمكنه من نقد هذه الفلسفة التي كان الناس مؤمنين بها كما يؤمنون ~~بالدين، يريد أن ينقد هذه الأصول الفلسفية نقدا حرا، وهو من أجل هذا يصل إلى ما تعرفون ~~من وجوب تحرير العقل من الخضوع لهذه الأصنام التي نشأت عن تعدد القواعد والأصول الفلسفية ~~التي تركها أرسطوطاليس بنوع خاص. # فالعقل إذن يجب ألا يتأثر بهذه القواعد التقليدية، ويجب أن يأخذ هذه القواعد واحدة ~~واحدة، فينقدها نقدا حرا صريحا، ويجب ألا يستبقى من هذه القواعد إلا ما يثبت ~~لهذا النقد، فما يثبت له يجب أن يبقى، وما لم يثبت له يجب العدول عنه في حرية وصراحة وفي ~~غير تحفظ ولا احتياط. # ولا يكاد بيكون يصل إلى ما يريد من تحرير العقل مما فرضته القواعد الفلسفية وقواعد ~~أرسطوطاليس بنوع خاص حتى تظهر فكرة أخرى عند الإنجليز تتصل بالحرية العقلية، ولكنها تتجاوز ~~الناحية الفلسفية التي رأيناها إلى ناحية أخرى، فتحرير العقل من القواعد التقليدية يمكنه ~~من أن يفكر تفكيرا صحيحا مستقيما منتجا، وهذا حسن، ولكن ما فائدة الحرية الفكرية إذا لم ~~تنته إلى حرية التعبير؟ فحرية العقل أمام الدولة إذن يجب أن تتحقق من طريقين أو يجب أن ~~يكون تحقيقها مؤلفا من مرحلتين: # الأولى: # حرية العقل في التفكير كما يحب هو ms20 لا كما يحب غيره. # والثانية: # حرية العقل في أن يعلن تفكيره دون أن يتعرض لخطر ما، دون أن يتعرض ~~للرقابة، ودون أن يتعرض للمحاكمة من حيث إنه قد فكر وأعلن رأيه، ودون أن ~~يتعرض للاضطهاد. # وقد كان الشاعر العظيم ملتون بطلا من أبطال المطالبة بهذا النوع من حرية العقل أمام ~~السلطان، فبعد أن عني الفلاسفة وفرغوا من تحديد حرية العقل أمام العقل جاهد ملتون في تحقيق ~~هذه الحرية جهادا هائلا، وأنفق حياته كلها تقريبا في هذا الجهاد محتملا كل ما كان يمكن ~~أن يحتمل من مقاومة الخصوم ومقاومة السلطان، جاهرا في ذلك بكل ما كان يمكن أن يجاهر به ~~من الأقوال التي تصل بالحرية إلى أبعد مدى. # وملتون هو الذي قال في رجال الدين إنهم قوم لم يستطيعوا أن يرفعوا أنفسهم إلى السماء، ~~فأنزلوا الله إلى الأرض ليكون معهم، وملتون الذي استطاع أن يواجه السياسة بهذه الفكرة ~~الرائعة، فكرة أن الكتاب أو الفصل الذي يكتبه الكاتب وكذلك الأثر الأدبي إنما هو صورة حية ~~من صاحبه، فكل مساس بهذا الأثر الأدبي إنما هو مساس بمؤلفه، فإذا كانت التقاليد الدينية ~~والقوانين تمنع أحد الناس من أن يؤذي الناس في أنفسهم بغير حق، فيجب أن تمنع القوانين ~~الدولة من أن تقتل الكتاب؛ لأن قتل الكتاب ليس أقل خطرا من قتل المؤلف؛ ذلك لأن مؤلف ~~الكتاب شخص محدود الأجل محدود الحياة، يوجد وقتا ما ثم ينتهي بالموت، فحياته محدودة وآثاره ~~محدودة بحياته، على حين أن الكتاب أجله أطول وأوسع من أجل مؤلفه، وهو الوسيلة التي ~~يتمكن بها العقل من أن يكون طويل التأثير عميقه وبعيده، فالكتاب لا يؤثر في البيئة ~~التي يؤلف فيها وقتا معينا، ولكنه يؤثر في هذه البيئة، ثم يمضي بتأثيره إلى بيئة أخرى ~~بعده، وربما يكون بينه وبين مؤلفه قرون وعصور. # فالاعتداء على حرية التعبير إنما هو اعتداء على شيء أغلى من حياة الأفراد؛ ولأنه اعتداء ~~على شيء للناس فيه منفعة دائمة. # في هذا الوقت وصل الإنجليز إلى تحديد حرية العقل ms21 أمام العقل، ووصلوا إلى تحديد حرية العقل ~~أمام السلطان، ولم يكد القرن الثامن عشر يأتي حتى كانت بلاد الإنجليز وحدها هي البلاد ~~التي يستطيع الناس فيها أن يفكروا أحرارا وأن يقولوا أحرارا، وأن يخاصم بعضهم بعضا في ~~حرية مطلقة، لا يتعرضون للرقابة ولا لغضب السلطان أو الاضطهاد، ولكن هذا النوع من الحرية ~~ليس كل ما حاول الإنجليز أن يحققوه للعقل، فهم بعد أن حققوا حرية العقل أمام العقل، وبعد أن ~~حققوا حرية العقل أمام السلطان حاولوا أن يحققوا حرية العقل أمام الجماعة وأمام العرف، أو ~~حاولوا أن يحققوا حرية الأديب أمام البيئة التي يعيش فيها. # فليس يكفي أن يكون الأديب حرا يستطيع أن يفكر كما يريد هو لا كما يريد «أرسطوطاليس»، ~~وليس يكفي أن يفكر ويعلن آراءه دون أن يتعرض لغضب السلطان، بل لا بد أن يكون الأديب ~~حرا يستطيع أن يفكر، وأن يعلن آراءه دون أن يتعرض لسلطان الجماعة ودون أن يلقى من ~~الجماعة عنتا أو أذى، وهنا اضطربت ميول الأدباء. # فإذا كان الفلاسفة الإنجليز قد استطاعوا أن يحرروا الفلسفة، وإذا كان الأدباء الإنجليز قد ~~استطاعوا أن ينتصروا على السلطان السياسي، وأن يكسبوا لأنفسهم حرية التعبير، فهم لم ~~يستطيعوا أن يقهروا سلطان الجماعة وسلطان العرف، وكان أمرهم ثورة مستمرة بينهم وبين الجماعة ~~الإنجليزية. # ذلك لأن الجماعة الإنجليزية تخضع لكثير جدا من المحافظة، وقد قلت لكم في أول هذا ~~الحديث إن المزاج الإنجليزي فيه هذان الأمران المتناقضان؛ فيه الميل إلى الحرية الفردية إلى ~~أبعد حد، وفيه الميل إلى موافقة الجماعة وتحسين الصلة بين الفرد وبينها إلى أبعد حد، ومن ~~هنا نشأ ما يسمونه بالنفاق الإنجليزي، هذا النفاق الذي يفرض على الأفراد إذا لقي بعضهم ~~بعضا في الأندية والمجالس والحياة العامة أن يكونوا مقيدين بقيود عنيفة جدا، ومتأثرين ~~بهذه النزعة التي لا يصح الانحراف عنها بحال من الأحوال مهما تكون الظروف في الحركات ~~والألفاظ، وفيما يمكن أن يكون من الأوضاع الاجتماعية المختلفة، وهم في أثناء تقييدهم بهذه ~~القيود إذا خلوا إلى ms22 أنفسهم يستمتعون بأعظم حظ ممكن من الحرية . # ومن هنا لقي الكثير من الأدباء الفرنسيين شيئا غير قليل من الشطط، وأحسوا شيئا غير ~~قليل من الغرابة عندما ذهبوا إلى بلاد الإنجليز؛ لأنهم لم يصادفوا في بلاد الإنجليز ما ~~تعودوا في بلادهم من هذه الحرية الاجتماعية التي يحرص الفرنسيون عليها قبل كل شيء، «فروسو» ~~مثلا أنكر حياته في بريطانيا العظمى إنكارا شديدا؛ لأنه كان حريصا على أن يتكلم كما ~~يريد في الاجتماعات، وأظنكم قد سمعتم أن «روسو» كان مسرفا في هذه الحرية، وأنه في بعض ~~الولائم جعل يتحدث عن مرضه وكان مريضا بالمعدة، فلم تكد سيدة البيت تسمعه يتحدث عن مرضه ~~حتى تركت المائدة وانصرفت. # وهذا الحرص على المحافظة الاجتماعية مع الحرص على الحرية الفردية كان مصدر اصطدام عنيف ~~بين أدباء الإنجليز وبين الجماعة الإنجليزية، وربما كان من أهم ما يحبب الأديب الإنجليزي ~~إلى كثير من قرائه هذا النوع من الاصطدام وهذا النوع من الحذر بين الأفراد والجماعة في ~~إنتاج الأدب الإنجليزي. # فالكاتب الإنجليزي «سويفث» حريص أشد الحرص على حريته، وثائر أشد الثورة على النظام ~~الاجتماعي، وهو من أجل هذا يقول ما يريد، ويفكر كما يحب، ويعلن آراءه في صراحة، وينشر هذه ~~الآراء مهما يكن رضاء الناس عنه أو سخط الناس عليه، وهو في علاقته الاجتماعية ثائر على ~~النظم، يتكلف هذه الثورة ويتعمدها مهما تكن النتيجة، وهو قابل لما تنتجه هذه الثورة من سخط ~~الناس عليه، وهو ينتهي إلى أن يخيف الناس منه؛ لأنه متمرد ويصل بهذا التمرد إلى أبعد حد ~~ممكن، ولكن شاعر آخر مثل بيرون يخرج على هذا النظام، ويخرج عليه في آرائه وفي حياته ~~العملية، وفي آثاره الأدبية والفنية، يقاومه المجتمع ويقاوم هو المجتمع، ولكن ينتهي الأمر ~~بأن يقهره المجتمع، وإذا هو مضطر إلى أن يغادر بلاد الإنجليز؛ لأنه لا يستطيع أن يخضع للنظم ~~الاجتماعية والتقليدية. # كل هذه الملاحظات ليست إلا شيئا يسيرا جدا مما كنت أحب أن أتحدث إليكم به عن ~~الثقافة الإنجليزية، ومن هذه الملاحظات نستطيع أن ms23 نستنتج: أن الإنجليز بمزاجهم الخاص من ~~جهة ، وبتأثرهم بالثقافة القديمة كما تأثر بها غيرهم من الأمم الأوروبية من جهة ثانية، ~~وباتصالهم بالأمم الأخرى وتأثرهم بالثقافة الأوروبية الحديثة من جهة ثالثة، قد استطاعوا أن ~~يكونوا لأنفسهم ثقافة خاصة لها طابعها الإنجليزي الخاص، وأخص ما تمتاز به هذه الثقافة هو ~~هذا الذي حدثتكم عنه طابع الحرية، الحرية الفلسفية؛ أي: حرية العقل أمام العقل، وحرية العقل ~~أمام السياسة والسلطان وحرية العقل أمام العرف الاجتماعي. # هذه الثقافة الإنجليزية التي طبعت بهذا الطابع الخاص لم يقتصر تأثيرها على الأمة ~~الإنجليزية وحدها، بل أخص ما تمتاز به بعد هذه الصفة التي ذكرتها لكم أنها ثقافة قد ~~حببت إلى نفوس الأوروبيين في القرن السابع عشر وفي القرن الثامن عشر بنوع خاص؛ ذلك لأنها ~~ثقافة حرة لم يعرفها الأوروبيون. # ففولتير إذ ذهب إلى أن إنجلترا في أول القرن الثامن عشر فتن بهذه الحرية البريطانية، ~~وعاد إلى بلاده وقد كتب رسائله الفلسفية التي كان لها أبعد الأثر وأعمقه في تكوين الحياة ~~الفكرية في فرنسا في القرن الثامن عشر. # وبيرون بثورته هذه المعروفة، ثورة الأديب على الجماعة، في حياته الفنية والعملية استطاع ~~أن يهز النفوس الفرنسية هزا عنيفا، وأن يوجد لنفسه مقلدين له مفتونين به بين كبار ~~الشعراء والكتاب، هنالك شيء آخر حبب الثقافة الإنجليزية أو فرض الثقافة الإنجليزية على ~~أوروبا منذ القرن السابع عشر، وقد نشأ عن هذه الحرية، وهو أن هذا الذي وصل إليه العقل ~~البريطاني من التحرر أمام الفلسفة وأصولها القديمة قد جعل التجربة أصلا من أصول ~~العلم. # فالعلم الإنجليزي كالفلسفة الإنجليزية يمتاز بالاعتماد على التجربة أكثر من الاعتماد على ~~أي شيء آخر، وقد رأيتم كيف وصل بيكون إلى الاعتراف بحق العقل في النقد والتمحيص والتحليل ~~والاختبار، ولست في حاجة إلى أن أعرض عليكم جهود «نيوتن» التي أقامت بناء العلم ~~التجريبي. # فالفلسفة الإنجليزية والعلم الإنجليزي هما اللذان أهديا إلى أوروبا في القرن السابع عشر ~~والثامن عشر بنوع خاص هذا العقل المجرب الذي لا يفنى في الاستنتاج والاستنباط ms24 الفلسفي ~~الخالص، وإنما يستقري ويستقصي ويمتحن الظواهر ويستخرج قوانين العلم من الحقائق الخارجية لا ~~من عند نفسه، ولست في حاجة إلى أن أعيد ما قيل ألف مرة ومرة من أن حضارة أوروبا الحديثة إن ~~امتازت بشيء فأخص ما تمتاز به هو أنها تقوم على العلم التجريبي. # ويخيل إلي أيها السادة أن خير ما يمكن أن نشخص به الثقافة الإنجليزية هو أنها قد ~~بذلت منذ عصر النهضة جهودا متصلة في سبيل الحرية فوفقت إليها، ثم لم تستأثر بها وإنما ~~أذاعتها في فرنسا أولا ثم في أوروبا بعد ذلك، وعن هذه الحرية التي كسبتها الثقافة ~~الإنجليزية لنفسها وأشاعتها في الثقافات الأوروبية الأخرى نشأ ما امتلأت به الحياة ~~الأوروبية الحديثة من ألوان الصراع والاضطراب وما امتازت به الحياة الأوروبية الحديثة من ~~هذه النظم الديمقراطية التي رفعت للأفراد والجماعات أعلام الحرية والحق والعدل، وما أظن أن ~~الإنجليز يطمحون إلى شرف أرقى من هذا الشرف. # | مساهمة العلماء البريطانيين في تقدم العلوم # لحضرة صاحب العزة الدكتور علي مصطفى مشرفة بك عميد كلية العلوم # يرجع تاريخ الحركة العلمية في الجزر البريطانية إلى عصر النهضة في البلاد الأوروبية، ونحن ~~نتصور عصر النهضة على أنه الحد الفاصل بين القرون الوسطى وبين التاريخ الحديث، بين العصور ~~المظلمة وبين نور المدنية الحديثة، كما أن لفظ النهضة في لغتنا يدل على الحركة بعد السكون ~~والنشاط بعد الخمول، وفي اللغات الأوروبية تستخدم كلمة # renaissance # التي معناها الحرفي الولادة من جديد، والتي ~~هي نوع من البعث أو النشور، كما استخدمت أيضا العبارة # revival of ~~learning # أي: إحياء العلوم التي تنطوي على معنى العودة إلى القديم في ~~معارف السلف ودراساتهم ونشرها مرة أخرى بعد طول الغفلة عنها، كل هذه المعاني مجتمعة تصلح ~~إلى درجة ما من التقريب لتصوير معنى النهضة في تاريخ أوروبا. # ولست أريد أن أخوض في تفاصيل ما حدث في ذلك العصر الهام من عصور التاريخ، وما اشتمل عليه ~~من حركات اجتماعية وفكرية وسياسية ودينية، فمن المعلوم أن هذه الحركات قد شملت الإصلاح ms25 ~~الديني، والتحرر من سلطة الكنيسة، كما شملت إحياء الآداب الكلاسيكية، والرجوع بالفنون ~~الجميلة إلى عهد الإغريق والرومان، وكما شملت أيضا طائفة من الأحداث السياسية والاجتماعية ~~نبتت فيها فكرة القومية أو الوطنية وأدت إلى نشوء الدولة ذات السيادة بالمعنى الذي نفهمه ~~اليوم، فتلاشى نظام الإقطاعيات، وتقلص ظل السلطة الزمنية أو الدنيوية للكنيسة، وتحولت ~~أوروبا إلى مجموعة من الدول المستقلة على الصورة المعروفة في العصر الحديث، كل هذه أمور ~~شائعة ومعروفة لا تحتاج مني إلى تبيين، إلا أن هناك أمرا أريد أن أشير إليه؛ لارتباطه ~~بموضوع حديثي الليلة، ألا وهو أن النهضة وإن أمكن للمؤرخين أن يحددوا لها زمنا خاصا يشمل ~~النصف الثاني من القرن الخامس عشر، والثلث الأول من القرن السادس عشر على وجه التقريب، ~~إلا أنها ككل تطور في التاريخ لم تنشأ عن لا شيء، بل قامت على أسباب ومقدمات سبقتها ~~وأدت إليها، فالعصور الوسطى على ظلامتها قد احتوت على العناصر التي أدى امتزاجها وتفاعلها ~~إلى النهضة، ومن أهم هذه العناصر وأبعدها أثرا قيام الجامعات. # وسواء كان منشأ الجامعات راجعا إلى التقاليد الإغريقية الرومانية في العالم القديم، أم ~~إلى التأثير المباشر للثقافة العربية؛ فمن الثابت أن هذه الجامعات قد تأثرت تأثرا عظيما ~~بعلوم العرب ومؤلفاتهم وما ترجموه من الكتب الإغريقية وما نقلوه عن الإغريق من علومهم، ففي ~~النصف الأول من القرن التاسع أرسل قيصر الروم في القسطنطينية إلى الخليفة المأمون في بغداد ~~مجموعة كبيرة من المخطوطات الإغريقية، فقام العرب بترجمة هذه الكتب، ثم نقلت هذه التراجم ~~العربية إلى اللغة اللاتينية، واستخدمت في التدريس في الجامعات الأوروبية في القرنين ~~العاشر والحادي عشر وما بعدهما، وأقدم الجامعات الأوروبية جامعة # Salerno # بإيطاليا التي يرجع تاريخها إلى القرن التاسع، ~~وقد بدأت كمدرسة للطب اعترف بها فردريك الثاني عام 1231 على أنها المدرسة الوحيدة لدراسة ~~الطب في مملكة نابولي، ويلي جامعة # Salerno # في القدم جامعة ~~بولونيا التي نشأت كمدرسة للحقوق حوالي سنة 1000 ميلادية، ثم جامعة باريس التي أنشئت بين ~~عامي 1150 و1170، وجعل لها ms26 أربع كليات: كلية للدين، وكلية للحقوق، وكلية للطب، وكلية ~~للآداب، كما جعل لها نظام حذي حذوه في إنشاء الجامعات الأخرى في القرون الوسطى ومنها ~~جامعتا أكسفورد وكمبردج بإنجلترا. # واللفظ اللاتيني # Universitas # الذي يدل على الجامعة كان في ~~الأصل يستخدم للدلالة على كل جمعية أو هيئة، فإذا أريد به الجامعة أضيفت إليه عبارة نحو # Magistrorum et Scholarium # للدلالة على معنى العلم ~~والتدريس، ثم تطور الحال حتى صارت الكلمة تدل بذاتها في أواخر القرن الرابع عشر على الجامعة ~~بالمعنى الذي نفهمه اليوم، وكانت الجامعات تعرف على أنها مدارس عامة # Studium Generale # وكانت مبانيها على نمط يقصد من ورائه ~~حماية الطلبة والأساتذة باجتماعهم معا في صعيد واحد مع المحافظة على الأغراب منهم الذين ~~كانوا يأتون من بلاد بعيدة لتلقي العلم على النحو المألوف عندنا في الأزهر الشريف، وقد ~~استقر أمر الجامعات واستتبت نظمها في القرون الوسطى، ومنحها الملوك والباباوات حمايتهم ~~ورعايتهم، وأصدروا المراسيم بإنشائها وتنظيمها، والجامعتان اللتان يهمنا أمرهما أكثر من ~~غيرهما هذه الليلة هما جامعتا أكسفورد وكمبردج، وأقدمهما أكسفورد، ويرجع تاريخ إنشاء جامعة ~~أكسفورد إلى النصف الثاني من القرن الثاني عشر بعد عام 1168 بمدة وجيزة. # ويظهر أن إنشاء جامعة أكسفورد إنما جاء نتيجة مباشرة لطرد الطلاب والعلماء الإنجليز الذين ~~كانوا يدرسون في جامعة باريس حوالي عام 1167 ولقطع العلاقات بين إنجلترا وباريس في عام 1167 ~~أو 1168، مما أدى إلى إنشاء مدرسة عامة أو جامعة في مدينة أكسفورد، أما جامعة كمبردج، فقد ~~نشأت بعد جامعة أكسفورد بقليل، ولكن في نفس القرن أي في القرن الثاني عشر، ومع أن كلا من ~~جامعتي أكسفورد وكمبردج قد نظمتا عند إنشائهما على أساس نظام جامعة باريس، إلا أن ~~تطورهما في القرون الثلاثة الأولى من إنشائهما قد امتاز بميزات خاصة أبعدتهما تدريجيا في ~~مظهرهما الخارجي ونظامهما الداخلي عن الجامعة التي أنشئا على نمطها، فإنشاء الوحدات ~~التعليمية التي يسميها الإنجليز # Colleges # والتي يجب أن لا ~~نخلط بينها وبين ما يسمونه # Faculties # قد أكسب كلا من ~~أكسفورد وكمبردج شخصية ms27 خاصة تمتاز بها على سائر جامعات القرون الوسطى في أوروبا، وما يسمونه # Colleges # هي وحدات من البناء ينتمي إليها الأساتذة ~~والطلبة، يتناولون فيها طعامهم، ويسكنها الكثيرون منهم، وأقدم هذه الدور ربما كان # University College, Oxford # التي أنشأها # William of Durham # عام 1249 و # Balliol ~~College # التي أنشأها # John Balliol # والد ~~ملك اسكتلاندا المسمى بنفس الاسم عام 1263، وأقدم دور كمبردج Peterhouse # التي أنشأها # Hugh ~~Balsham # أسقف # Ely # عام 1284، ومن سوء ~~الحظ أن كلا من كلمة # College # وكلمة # Faculty # قد عبر عنها في اصطلاحنا الحديث بكلمة ~~واحدة، وهي كلمة كلية، مع عظم الفارق بين المعنيين؛ فالكلية بمعنى # Faculty # هي هيئة معنوية من الأساتذة والطلبة يتخصصون في ~~دراسة فرع معين من فروع المعرفة كالطب أو كالعلوم أو كالحقوق إلخ، وهؤلاء لا يكونون ~~بالضرورة مجتمعين في صعيد واحد، أما الكلية بمعنى # College # فيحسن أن يعدل عنها إلى لفظ مثل دار أو قاعة أو رواق؛ لأنها تدل على بناء محدود الأرجاء ~~ينتمي إليه مجموعة من الطلبة والأساتذة ليسوا بالضرورة يدرسون فرعا واحدا من فروع العلم، ~~وتجمعهم روابط اجتماعية وثقافية ليس بينها بالضرورة رباط التخصص في علم واحد، هذه الدور أو ~~هذه الأروقة في كل من أكسفورد وكمبردج هي أساس الحياة الجامعية بالمعنى الصحيح، فكل طالب بل ~~وكل أستاذ فخور بالدار التي ينتمي إليها حريص على تقاليدها، مطالب بالمحافظة على نظامها، ~~وهو في الغالب يحافظ على هذه النظم بروح الولاء مما سيجيء الكلام عنه فيما بعد. # وفي القارة الأوروبية أنشئت جامعات متعددة في القرون الوسطى عدا سيلرنو وباريس؛ منها ~~مونبلييه عام 1289، وتولوز عام 1233، وبلد الوليد عام 1346، وأشبلييه عام 1254، وفيينا عام ~~1364، وهيدلبرج عام 1385، وبودابست عام 1475، وفرايبرج عام 1455. # ومن ذلك يتضح أن إنشاء الجامعتين الرئيسيتين في إنجلترا حدث في القرون الوسطى، وأنه كان ~~حلقة في سلسلة من الحوادث المشابهة في سائر أنحاء أوروبا، فالجامعات إذن ليست وليدة النهضة، ~~بل سابقة لها ومؤدية إليها، والجامعتان الإنجليزيتان على وجه الخصوص ليستا قائمتين على ~~الثورة الفكرية، بل على شيء آخر هو ms28 أقرب ما يكون إلى الرزانة التي يتميز بها رجال الدين، ~~وإلى الثبات والتؤدة اللذين تتصف بهما الكنيسة، وفي الواقع إذا رجعنا إلى تاريخ إنشاء ~~الجامعات في القرون الوسطى نجد أن القائمين بها كانوا في الغالب من رجال الدين، وكان بعضهم ~~من الرهبان الذين وهبوا أنفسهم للكنيسة، وكانت الروح المتغلبة عليهم هي روح التقوى وروح ~~الطاعة وروح النظام، وكانت الدراسات الجامعية في ذلك العهد ترتبط أشد ارتباط بالتعاليم ~~الدينية، وكانت المسائل العلمية إذا استعصت رجع فيها إلى نص من النصوص التي اتفق على ~~احترامها كالكتاب المقدس أو كمؤلف من مؤلفات بطليموس، فكلما ازداد فهم الطلبة والأساتذة ~~لهذه الكتب الرئيسية ازداد فهمهم للدين وللعلوم والفنون، ومن أجل هذا كان منطق التعليم في ~~القرون الوسطى منطقا قياسيا استنتاجيا يرجع فيه إلى مقدمات مسلم بها ثم تؤدي ~~هذه المقدمات إلى نتائجها المنطقية. # والشيء الذي أريد أن أؤكده، والذي سأشير إليه فيما بعد في أمر هذه الجامعات، هو أن ~~نشأتها كانت محاطة بجو من التقاليد ينطوي على روح المحافظة واحترام التقاليد، كما أن ~~نظمها كانت تنطوي على نفس هذه الروح، فتجعل الأساتذة طبقات أو درجات، منها الكبير ومنها ~~الصغير، وتوجب على ذي الدرجة الصغيرة احترام ذي الدرجة الكبيرة، فالحاصل على درجة الدكتوراه ~~مميز على غيره، يرتدي أردية خاصة حمراء اللون تشبه أردية الأساقفة، ويحضر مجالس خاصة لا ~~يحضرها غيره، هذه الأرستقراطية العلمية المقرونة بالمحافظة الشديدة هي التي أريد أن أوجه ~~النظر إليها في هذه المرحلة؛ لما لها من ارتباط بما سيأتي ذكره فيما بعد عند الكلام عن ~~العلم والعلماء في إنجلترا. # ننتقل بعد ذلك من القرون الوسطى إلى عصر النهضة، فنجد شيئا آخر غير المحافظة وغير الرجوع ~~إلى الكتب وغير الخضوع لسلطة الكنيسة، فقد اتضح لكثير من المفكرين أن الكتب القديمة مهما ~~كان تقديسنا لها واحترامنا إياها لا يمكن أن تحوي كل ما يمكن الوصول إليه من فروع المعرفة، ~~وأن في العالم حقائق لا تحصى لم تدون في الكتب ولم تعها خواطر الأقدمين، كما اتضح ms29 ~~أن العقل البشري يستطيع أن يصل عن طريق الحواس إلى معرفة ما يحيط بنا من ظواهر الطبيعة، ~~والعقل البشري يستطيع أن يفعل ذلك بطريقة مباشرة ودون التجاء إلى الكتب أو إلى رجال الكنيسة ~~أو إلى رجال الجامعات، وقد كان بعض الفلاسفة في القرون الوسطى في أوروبا قد اتجه إلى هذا ~~النوع من التفكير، فمثلا نجد # Roger Bacon # الفيلسوف ~~الإنجليزي الذي عاش في القرن الثالث عشر (1214-1292) نجد أن هذا الفيلسوف المنتمي إلى جامعة ~~أكسفورد يتكلم عن حرية الفكر، وعن إمكان الالتجاء المباشر إلى الطبيعة في طلب المعرفة، وقد ~~اضطهدت الكنيسة # Roger Bacon # كما اضطهدت كل من حدثتهم أنفسهم ~~بالخروج على سلطتها من العلماء والمفكرين في القرون الوسطى، ويرجع الفضل في بحث الطريقة ~~الجديدة في الوصول إلى المعرفة وفي تمحيصها ووضعها على أساس ثابت من الناحية الفلسفية إلى ~~الفيلسوف الإنجليزي «السير فرنسيس ~~بيكون» # Sir Francis Bacon # الذي عاش (من سنة 1561 إلى سنة 1626) ففي كتابات هذا الرجل الذي ~~جمع بين صفات متعددة؛ منها صفة الفيلسوف وصفة السياسي وصفة الأديب نجد في كتابات هذا الرجل ~~ما يكاد يكون دستورا كاملا للطريقة الجديدة في البحث والتفكير، وقد بحث السير فرنسيس ~~بيكون في كتبه ومؤلفاته في هذا المنطق الجديد منطق الوصول إلى المعرفة عن طريق المشاهدة ~~المباشرة وبين الطرائق الصحيحة لهذا المنطق، ووضع قواعد عامة لهذا النوع من التفكير، ~~فخلد بذلك ذكره في تاريخ العلوم وفي تاريخ الفلسفة على السواء، وقد وصف السير فرنسيس ~~بيكون مواهبه الخاصة وطبيعة عقله، والأغراض التي يرمي إليها وصفا دقيقا سأقرؤه على ~~حضراتكم، قال: # I Found that I was fitted for nothing so well as for the study ~~of truth; as having a mind nimble and versatile to catch the resemblances of ~~things (which is the chief point) and at the same time steady enough to fix ~~and distinguish their subtler differences; as being gifted by nature with ~~desire to seek, patience to doubt, fondness to meditate, slowness to ms30 assert, ~~readiness to consider, carefulness to dispose and set in order; and as being ~~a man that neither affects what is new or admits what is old, and that hates ~~very kind of imposture. So I thought my nature had a kind of familiarity and ~~relation with truth. # ولا شك في أن هذا الوصف الذي صيغ على صورة نوع من التحليل النفسي يصلح لوصف عقلية العالم ~~المدقق، ولتعريف المثل الأعلى لهذه العقلية بصورة لا تكاد تختلف في شيء عما هي عليه ~~اليوم، وفي كتابه # Novum Organum ~~، أو الطريقة الجديدة يقول ~~ما تعريبه: «إن المنهاج الذي أقترحه للكشف عن العلوم هو بحيث لا يترك إلا القليل لحدة ~~الذهن وقوته، وهو يضع جميع العقول في مستوى واحد تقريبا، فكما أنه إذا أريد رسم خط مستقيم ~~أو دائرة كاملة الاستدارة كانت النتيجة متوقفة على ثبات اليد التي ترسم وعلى مرانها إذا ~~كانت اليد ترسم وحدها، أما إذا استخدمت مسطرة أو فرجار فإن جميع الأيدي تكاد تتساوى، ~~فكذلك في الطريقة التي أقترحها تكاد جميع العقول تتساوى.» # ولا يتسع المقام للبحث في تعاليم بيكون الفلسفية وطريقته الاستقرائية ، فإن ذلك مفصل في ~~كتب المنطق الحديث، ولكنه لا بد من الإشارة إلى أمرين؛ أولهما: أن من الخطأ افتراض أن ~~المنطق الاستقرائي قد خلقه بيكون أو خلقته النهضة في أوروبا خلقا، فمن المحقق أن ~~أرسطوطاليس قد بحث في هذا النوع من المنطق ووضع له حدودا وطرائق، كما أنه من المحقق أن ~~العرب قد نقلوا عن أرسطوطاليس وأضافوا إليه، وأن كتبهم قد وصلت تراجمها اللاتينية إلى ~~أوروبا، فمباحث بيكون تعتبر جمعا وتبويبا لآراء من سبقوه وإن كانت لا تخلو من كثير من ~~الإضافات والابتكارات التي تدل على قوة شخصية المؤلف وعلو كعبه، والأمر الثاني هو أنه لا ~~يجب أن يفترض أن العلماء والمفكرين لم يكونوا يستخدمون الأسلوب الاستقرائي قبل عصر بيكون، ~~فالمعرفة البشرية منذ فجر التاريخ كانت دائما تستمد من المشاهدة المباشرة للطبيعة عن ~~طريق الاستقراء المنطقي الصحيح، فوصول ms31 أرشميدس إلى قانونه المشهور عن دفع السوائل ووصول ابن ~~الهيثم إلى معرفة قوانين الانعكاس والانكسار للضوء، ووصول كوبرنيكوس (1473-1543) قبل أن ~~يولد بيكون إلى وصف حركات المجموعة الشمسية، كل أولئك أمثلة على تطبيق المنطق الاستقرائي في ~~تاريخ العلوم، والفضل الحقيقي لبيكون إنما هو في إقراره الطريقة الاستقرائية في التفكير، ~~وفي مناداته بها، وفي وضعه لها على أسس فلسفية ثابتة، ودعوته الناس إلى استخدامها وتطبيقها ~~في وقت كانت فيه أوروبا لا تزال متأثرة أشد التأثر بالطريقة القديمة في التفكير، وبالرغم من ~~تسلط الكنيسة على كثير من العقول والأرواح، ولا شك في أن للإنجليز أن يفخروا بالسير ~~فرنسيس بيكون كمؤلف للمنطق الجديد وكمساهم في تأسيس النهضة الفكرية في أوروبا. # وقد أدت مجهودات بيكون الفكرية إلى نشوء فلسفة جديدة في أوروبا؛ فنشأت مدرسة جديدة من ~~العلماء والمفكرين، أساسها هذه الفلسفة البيكونية، وكان من الطبيعي أن يتزاور هؤلاء ~~العلماء، وأن يتراسلوا، وأن يجتمعوا للبحث والتذاكر في هذه الفلسفة الجديدة أو هذه الفلسفة ~~التجريبية كما سميت ولا تزال تسمى، ففي لندن كان بعض هؤلاء الفلاسفة يعقدون اجتماعات ~~أسبوعية منذ سنة 1645 يحضرها بعض الأشخاص الأفاضل الراغبين في استطلاع الفلسفة الطبيعية ~~وغيرها من نواحي العلوم البشرية، وعلى وجه الخصوص في استطلاع ما سمي الفلسفة الجديدة أو ~~الفلسفة التجريبية أو على حد التعبير الأصلي: # divers Worthy persons inquisitive into natural philosophy and ~~other parts of human learning, and particularly of what hath been called the ~~new philosophy or Experimental Philosophy ~~. # وفي أكسفورد كان يختلف بعض الفلاسفة إلى مسكن الدكتور # Wilkins # في # Wadaham ~~College # للمذاكرة والبحث، فنشأت جمعيتان: إحداهما الجمعية الملكية في ~~لندن، والأخرى الجمعية الفلسفية في أكسفورد، ويرجع تأسيس الجمعية الملكية في لندن بصفة ~~رسمية إلى عام 1660، ففي 28 نوفمبر من تلك السنة نشرت أول صحيفة لتلك الجمعية، وذكر ~~فيها أنه قد استقر الرأي بعد سماع محاضرة المستر رن # Wren ~~- ~~وهو # Sir Christopher Wren # فيما بعد - على إنشاء هيئة لدراسة ~~العلوم الرياضية والطبيعة التجريبية، وأنه قد انتخب ms32 41 شخصا لعضوية هذه الهيئة، واختير ~~الدكتور # Wilkins # رئيسا لها، وجعل رسم الدخول عشرة شلنات، ~~ورسم الاشتراك في الجمعية شلنا واحدا في الأسبوع، وبعد مرور بضعة أيام على هذا الاجتماع ~~التأسيسي أبلغ # Sir Robert Moray # أعضاء الجمعية أن الملك ~~شارل الثاني ملك إنجلترا وافق على نظام الاجتماعات، وجعلت # Gresham ~~College # مكانا لعقد اجتماعات الجمعية، ثم صدر مرسوم ملكي بإنشاء ~~الجمعية، وعين اللورد # Brouncher # أول رئيس لها بعد صدور ~~المرسوم بإنشائها. # فالجمعية الملكية أقدم جمعية علمية بالجزر البريطانية، كما أنها من أقدم الجمعيات أو ~~الأكاديميات العلمية في أوروبا، وكلمة أكاديمية مشتقة من اسم حديقة الزيتون التي كان يختلف ~~إليها أفلاطون، ولعل أقدم أكاديمية هو أكاديمية الإسكندرية الذي أسسه بطليموس الأول في ~~القرن الثالث قبل الميلاد، وكان ملحقا بها مكتبة الإسكندرية المشهورة، وقد تلا إنشاء ~~الجمعية الملكية بلندن جمعيات أخرى علمية؛ منها جمعية ملكية في # Dublin # بأيرلندا، وجمعية ملكية في أدنبره باسكتلندا، ~~كما أنشئت جمعيات لدراسة فروع خاصة من فروع العلم الحديث أو الفلسفة الحديثة، لعل أقدمها ~~الجمعية اللينية # Linnean # عام 1788 لدراسة علم النبات، وهذه ~~الجمعية تشتق اسمها من # Linnaeus # العالم السويدي (1707-1778 ~~الذي وضع التقسيم العلمي للنباتات، ثم تلا ذلك إنشاء جمعيات لفروع العلم المختلفة، كالجمعية ~~الفلكية الملكية والجمعية الكيميائية والجمعية الرياضية وغيرها، وتعددت هذه الجمعيات في ~~أنحاء الجزر البريطانية، وفي أنحاء الإمبراطورية البريطانية بأسرها. # وإذا كان إنشاء الجمعية الملكية بلندن قد جاء نتيجة للحركة الفكرية المقترنة بعصر النهضة، ~~فإن تاريخ هذه الجمعية في الأطوار الأولى من إنشائها يمكن اعتباره ممثلا لتقدم العلوم ~~التجريبية في بريطانيا، فكل عالم مبرز من علماء بريطانيا في ذلك العصر كان عضوا في الجمعية ~~الملكية أو متصلا بها، ففي صحيفة الجمعية نجد بتاريخ 21 ديسمبر سنة 1671 أن اللورد أسقف # Sarum ~~، وهو الاسم اللاتيني ل # Salisbury # رشح لعضوية الجمعية المستر إيزاك نيوتن # Isaac Newton # أستاذ الرياضيات بجامعة كمبردج، وقد ~~انتخب نيوتن عضوا في الجمعية في 11 يناير سنة 1671-1672، وانتخب رئيسا لها سنة 1703، ~~وبقي رئيسا ms33 لها إلى أن مات عام 1727، وقد قامت الجمعية الملكية بطبع كتاب نيوتن المشهور ~~باسم Principia ~~، وعنوانه بالكامل Philosophiae Natruralis Principia Mathematica ~~، وهو ~~المؤلف الذي وضع فيه نيوتن أسس علوم الميكانيكا والفلك والطبيعة، ولما كانت الجمعية ~~الملكية في عسر مالي في ذلك الوقت، فقد أخذ # Edmund Halley # الفلكي الإنجليزي صديق نيوتن وعضو الجمعية على نفسه أن يتحمل جميع مصاريف طبع هذا الكتاب من ~~ماله الخاص، وكان من أعضاء الجمعية المعاصرين لنيوتن السير كرستوفر رن الذي بنى كاتدرائية ~~سانت بول المشهورة بلندن و # Robert Hooke # العالم الطبيعي الذي ~~ناقش نيوتن مناقشة حادة في آرائه، وكان له فضل كبير في مساعدة نيوتن على تحديد نظرياته ~~العلمية والبرهنة عليها. # وإننا إذا نظرنا إلى تاريخ ذلك العصر؛ أي أواخر القرن السابع عشر وأوائل القرن الثامن عشر ~~كجزء من تاريخ الحياة الفكرية في إنجلترا نجد الإنجليز في ذلك الوقت وقد تزعموا حقا ~~الحركة العلمية في أوروبا، وليس معنى هذا أنه لم يكن في القارة الأوروبية علماء مبرزون، بل ~~بالعكس كان فيهم الكثيرون أمثال # Leibnitz # في ألمانيا، وهو ~~الذي اشترك مع نيوتن في شرف اختراع حساب التفاضل والتكامل ~~و # Descartes # و Pascal # اللذين اشتركا في تأسيس أكاديمية العلوم في فرنسا، ومع ذلك فلم يكن بين هؤلاء جميعا من ~~أضاف إلى العلوم التجريبية (بصرف النظر عن الفلسفة النظرية) بقدر ما أضاف نيوتن، ولم تكن ~~هناك مجموعة من العلماء في أي بلد من البلاد الأوروبية أكثر إنتاجا من المجموعة الإنجليزية ~~بزعامة نيوتن. # وقد نتج عن تقدم العلوم التجريبية في أوروبا تقدم عظيم في الاختراع في القرنين الثامن عشر ~~والتاسع عشر ، فالعلم إن كان نورا يزيل الشك ويظهر الحقيقة، فهو في الوقت نفسه، كما يقول ~~الإنجليز، قدرة تمكن صاحبها من التغلب على قوى الطبيعة، وقد رأينا فيما تقدم أن دراسة ~~العلوم التجريبية في أوروبا إنما نشأت عن شغف بالمعرفة وحب الاستطلاع، وقامت على أيدي ~~فلاسفة وعلماء همهم الأول الكشف عن حقيقة الكون والوصول إلى أسراره. # ولم يكن هؤلاء العلماء مدفوعين ms34 بالرغبة في التسلط على العالم أو التحكم في الطبيعة، ومع ~~ذلك فقد أدت كشوفهم وما وصلوا إليه من المعرفة لقوانين الكون، أدى ذلك إلى تطبيق هذه ~~العلوم في خدمة البشر، ففي القرن الثامن عشر اخترعت الآلة البخارية على أيدي # James Watt ~~(1736-1819) وغيره من المهندسين والمخترعين، ~~واستخدمت في الصناعة وفي النقل؛ فبدأ عصر جديد من عصور التطور البشري أساسه العلم ~~والاختراع، وفي القرن الثامن عشر أيضا قام في أوروبا ما يسمى بالثورة الصناعية التي ليست ~~بثورة تدمير يتقاتل فيها الناس وتسفك فيها الدماء وتستخدم فيها الأسلحة المهلكة، وإنما ~~هي ثورة آلات من نوع آخر هي الآلات البخارية، وسائر العدد والأدوات المستحدثة التي دخلت ~~في الصناعة، فحلت محل الأدوات البسيطة الابتدائية التي كانت تستخدم في العصور السابقة، ~~وبذلك ازداد الإنتاج فازدادت الثروة، وأعيد تنظيم المجتمع على أسس جديدة، ومن المسلم به ~~أن بريطانيا العظمى كانت زعيمة لأوروبا في الثورة الصناعية، وأن كثيرا من الممالك ~~الأوروبية قد نقل عنها أساليبها ووسائلها في تقدم الصناعة، وقد نقل البريطانيون علومهم ~~واختراعاتهم إلى بقاع كثيرة في الأرض كأستراليا وزيلاندا الجديدة وشمال أمريكا، فاستطونوا ~~هذه البلاد، وألفوا فيها الجمعيات العلمية والمصانع، ونظموا حياتهم فيها على نمط الحياة ~~في بريطانيا، وفي عصرنا الحديث نجد أن الجامعات التي نشأت في القرون الوسطى قد تقبلت العلم ~~الحديث فأضافته إلى برامجها، ونجد أن هذه الجامعات قد تعددت حتى تكاد توجد جامعة في كل ~~بقعة من بقاع الجزر البريطانية، وفي كل جزء من أجزاء إمبراطوريتها المتسعة الأرجاء، فهذه ~~الجامعات التي نشأت كما رأينا تحت سلطة الكنيسة في القرون الوسطى قد تطورت مع الزمن حتى ~~صارت عاملا من أهم عوامل التقدم العلمي والصناعي، والأكاديميات العلمية التي نشأت لأغراض ~~فلسفية بحتة قد تعددت هي أيضا وتنوعت، وصار كل منها يرتبط بالحكومة وبالصناعة وبالمجتمع ~~بأربطة قوية حية، وصار البحث العلمي ينقسم إلى قسمين رئيسيين: بحث علمي أكاديمي من نوع ~~أبحاث السير إيزاك نيوتن، وهذا يرمي إلى إنماء المعرفة البشرية من حيث هي معرفة خالصة، ms35 وبحث ~~صناعي أو تطبيقي يرمي إلى تقدم الصناعات وحل مشاكلها الفنية، وتطبق فيه النتائج العلمية ~~على الاختراع وتحسين الآلات وزيادة الإنتاج، وأدرك رجال الصناعة ورجال العمل والمهندسون أن ~~لا سبيل إلى تقدم صناعاتهم وأعمالهم إلا عن طريق تقدم العلم ذاته، فقام الأغنياء منهم أمثال ~~السير # Alfred Yarrow # بمنح الجمعية الملكية أموالهم لتخصص ~~للبحث العلمي المحض، وقد وهب السير ألفريد الجمعية 100000 جنيه إنجليزي يخصص ريعها ~~لإنشاء خمسة أستاذيات للبحث، لا يطالب من يمنحها بأكثر من الاستمرار في بحثه العلمي، ~~وقامت الحكومة البريطانية منذ عام 1920 بمنح الجمعية الملكية مبلغ 6000 جنيه سنويا تخصص ~~للبحث العلمي، كما رصدت في ميزانية الدولة إعانات كبيرة لكل من جامعتي أكسفورد وكمبردج ~~ولكثير من الجامعات الحديثة كجامعة لندن دون أن تتطلب الحكومة من هذه الجامعات أي تغيير في ~~نظمها أو وسائلها، وليس هذا إلا قليلا من كثير مما وقف في بريطانيا وسائر أنحاء ~~البلاد البريطانية على العلم والبحث العلمي، فمن مكافآت تخصص للمتفوقين من الطلبة في ~~الجامعات وإعانات مالية للباحثين من العلماء ومن ميداليات وجوائز سنوية تمنح تقديرا ~~للإنتاج العلمي، وغير ذلك من وسائل التشجيع والتعضيد. # سبقت الإشارة إلى دور جامعتي أكسفورد وكمبردج أو أروقتها # Colleges # وما كان لها من أثر في تطور الحياة العلمية ~~والاجتماعية في هاتين الجامعتين، وأن الذي يزور هذه الدور ويلمس الحياة فيها ليشعر ~~بهذا الأثر واضحا، فالتقاليد الموروثة عن القرون الوسطى وعقلية هذه القرون من احترام ~~للقديم ومحافظة على التقليد، كل هذه تكاد تلمس في دور أكسفورد وكمبردج، وتعدد هذه الدور ~~ينشئ مجالا للتنافس بينها، التنافس في العلم والتنافس في الرياضة البدنية والتنافس في ~~المحافظة على مستوى عال من السمعة وحسن الشمائل، ثم إن وجود جامعتين متناظرتين متنافستين ~~مثل أكسفورد وكمبردج كان له أبعد الأثر في تقدم الحياة الفكرية والاجتماعية في إنجلترا، بل ~~وفي سائر أنحاء البلاد البريطانية، وسباق التجديف الذي يعقد سنويا بين جامعتي أكسفورد ~~وكمبردج على نهر التيمس إنما هو رمز على التسابق بين الجامعتين في جهودهما المختلفة، ms36 وربما ~~ظهر لأول وهلة أنني أقحم الخلق في محاضرة علمية، وأن لا علاقة بين تكوين الخلق في ~~الجامعات البريطانية وبين تقدم العلم، إلا أن هذه النظرة السطحية نظرة، ولا شك، خاطئة؛ ~~فالعمل في الميدان العلمي كالعمل في أي ميدان آخر يتطلب صفات نفسية وخلقية لا نجاح له ~~بغيرها، وإنني أذكر أنني كنت أزور مرصد جرنتش القريب من مدينة لندن بإنجلترا، وهو المرصد ~~الرئيسي في تلك البلاد، وكان مدير المرصد في ذلك الوقت # Sir Franck ~~Dyson # يصحبني في هذه الزيارة، فأراني المنظار الذي يرقبون به النجوم في ~~مستوى الزوال، وأخبرني أن هذا المنظار قديم يرجع صنعه إلى نحو مائتي سنة، ثم ذكر لي أن بعض ~~المراصد في أمريكا قد جهز بمناظير حديثة الصنع يستطيع الراصد بها الضغط على زر كهربائي ~~أن يحرك أرض الغرفة التي يرصد منها أو وضع الكرسي الذي يرصد عليه، بحيث لا يجهد جسمه ولا ~~عضلاته في عملية الرصد، في حين أن الراصد في جرينتش مضطر إلى اتخاذ أوضاع جسمانية مجهدة ~~وغير مألوفة، كأن يستلقي على ظهره مثلا ليتمكن من عملية الرصد، وقد ذكر لي السير فرانك هذه ~~الحقيقة بشيء كثير من الفخار والزهو على المراصد الأمريكية؛ إذ هو على حد قوله يستطيع ~~في جرينتش بآلته العتيقة أن يصل في الرصد إلى نتائج لا تقل دقة وإحكاما عما تصل إليه ~~المراصد الأمريكية بآلاتها الحديثة، وأظنكم تسلمون معي أن هذا الخلق الذي ينطوي على روح ~~التغلب على الصعاب خليق بأن يكون له أكبر الأثر في نتائج البحوث العلمية. # لعل بعض حضراتكم كان ينتظر مني وأنا أتكلم عن مساهمة العلماء البريطانيين في تقدم العلوم ~~أن أسرد أسماء هؤلاء العلماء، أو على الأقل البارزين منهم أمثال فرداي ودارون ولستر، ~~وأن أصف بحوثهم العلمية وما كان لهذه البحوث من أثر في تقدم العلم، ولكن هذه المهمة لا يمكن ~~القيام بها في ساعة أو بعض ساعة من الزمن، حتى ولا على سبيل التلخيص، فالعلوم التجريبية ~~متسعة الأرجاء، منها ما أزعم أني أفهمه، ومنها ms37 ما لا أزعم أني أفهمه، وتاريخ هذه العلوم منذ ~~القرون الوسطى يمتد أجيالا عديدة، وعلى أية حال فإن أسماء البارزين من العلماء الإنجليز في ~~العصور المختلفة تكاد لا تكون مجهولة لأحد. # وإنما أردت في حديثي هذا أن أشير إلى منشأ الحركة العلمية في إنجلترا، والأطوار الرئيسية ~~في تاريخها، وبعض الصفات التي رأيتها مميزة للبريطانيين في مجهوداتهم العلمية، فلعلي أكون ~~قد وفقت في ذلك، والسلام. # | النظم البرلمانية في بريطانيا # لحضرة صاحب المعالي الدكتور حافظ عفيفي باشا # كثر الكلام في العهد الأخير عن نظم الحكم الدكتاتورية والدستورية، والمقارنة بينها ~~وتعداد مزاياها أو مثالبها، وكانت النظم الدستورية بالأخص مثار نقد وتحامل شديدين، ~~فاتهمت بالعجز والقصور، وقيل إنها أصبحت نظما بالية جامدة لا تساير روح العصر، ولا ~~تكفي لقيادة الشعوب إلى طريق الاستقرار والرخاء، وإنها بالعكس غدت أداة لبث الخلاف ~~والفوضى وتبديد الجهود القومية بالتطاحن الحزبي، هذا بينما وصفت الأنظمة الدكتاتورية ~~بالقوة والحزم والمقدرة على تصريف الأمور، وتدعيم النظام، وتحقيق الأغراض القومية بالسرعة ~~اللازمة، وساعد على ذيوع هذا الرأي ما أتيح للحكومات الدكتاتورية أن تقوم به من إصلاحات ~~ظاهرة في وقت قصير في بعض النواحي الاقتصادية والاجتماعية، فانصرفت أنظار الكثيرين عن مبادئ ~~الحكم الدستوري، وبهرتهم مظاهر الدكتاتورية ونجاح الحكم الفردي. # وقد وجدت هذه الموازنة بين الأنظمة الدكتاتورية والدستورية في حوادث الحرب الحالية وما ~~تقدمها من التطورات السياسية العنيفة مادة غزيرة تغذيها، ورأى البعض أخيرا في ~~الانتصارات السياسية والعسكرية السريعة التي أحرزتها ألمانيا قبل نشوب الحرب وبعد نشوبها، ~~وما ترتب على ذلك من انهزام دولة ديمقراطية كبرى هي فرنسا، وانهيار نظمها السياسية ~~والاجتماعية أدلة قاطعة على مقدرة النظم الدكتاتورية وقوتها وسرعتها، وعلى ضعف النظم ~~الديمقراطية واضطرابها وإفلاسها في حكم الشعوب وقيادتها، ولست أنوي التحدث في هذه المحاضرة ~~عن أوجه المفاضلة بين الحكم النيابي وأنواع الحكم الأخرى. # كذلك لست أنوي أن أتحدث عن النظم الدستورية الإنجليزية من الوجهة الفقهية المحضة، فقد ~~ظهرت في هذا الموضوع كتب عديدة قيمة بمختلف اللغات، ومنها كتاب صدر أخيرا بالعربية هو ms38 ~~ترجمة المحاضرات القيمة التي ألقاها الأستاذ ألكسندر المحامي في هذا الموضوع تحت رعاية ~~الاتحاد المصري الإنجليزي. # ولكني سأحاول فقط أن أتحدث عن بعض النواحي العملية في الدستور البريطاني، وكيف أن هذا ~~الدستور قد استطاع أن يساير كل الأوقات والظروف، وأن يثبت بطريقة عملية أنه صالح لحل جميع ~~المشاكل والشئون التي تعرض في حياة الأمة البريطانية، وسيكون حديثي موجزا مقتصرا على ~~النقط الجوهرية. ~~••• # لا شك أن النظم الدستورية قد أصابتها في العهد الأخير أزمة خطيرة، وهذه الأزمة ليست ~~وليدة الحرب الحاضرة أو الحوادث السياسية التي سبقتها، ولكنها ترجع إلى ما قبل ذلك بأعوام ~~عديدة، كما أنها ترجع إلى عوامل أعمق وأبعد أثرا، ومن المسلم به أيضا أن الحكم النيابي ~~قد فشل في كثير من البلاد الديمقراطية، وإن كان هذا الفشل لا يرجع إلى أسس الحكم الدستوري ~~ذاتها، وإنما يرجع إلى الوسائل التي طبقت بها، وإلى أن النظم الدستورية قد انحرفت في هذه ~~البلاد عن طريقتها ومبادئها الأصلية، ولم يبق منها سوى المظاهر الشكلية؛ وبذلك فقدت كثيرا ~~من صلاحيتها للحكم وقيادة الشعوب. # وقد عني المؤتمر البرلماني الدولي بأمر هذه الأزمة الدستورية منذ سنة 1928، ورأى أن ~~يعهد ببحثه إلى لجنة مؤلفة من أربعة من علماء الفقه الدستوري؛ أحدهم إنجليزي، والثاني ~~فرنسي، والثالث ألماني، والرابع إيطالي. # وقد نشرت هذه اللجنة كتابا صغيرا قيما، جدير بأن يطلع عليه جميع السياسيين من أنصار ~~الحكم النيابي، تناول فيه كل عضو من أعضاء هذه اللجنة بالبحث والتمحيص عيوب النظام النيابي ~~كما يطبق في معظم البلاد، وما يلزم من التعديلات في أسس هذا النظام وفي طرائق تطبيقه؛ ~~ليكون أداة للحكم الصالح. # ويمكن تلخيص الانتقادات الموجهة إلى الحكم النيابي في النقط الآتية: ~~(1) # بطء الحكومة النيابية بصورة لا تتفق مع روح العصر ومع ما تستدعيه كثرة ~~المسائل المعقدة المتنوعة التي تواجهها الحكومات الآن من سرعة البت ثم سرعة ~~التنفيذ. ~~(2) # رغبة أعضاء المجالس النيابية المتزايدة - بما لهذه المجالس من حق المراقبة ~~على أعمال السلطة التنفيذية - في التدخل في شئونها إلى حد بعيد، ms39 وما يترتب ~~على ذلك من إضعاف سلطة الحكومات. ~~(3) # كثرة الأحزاب والجماعات السياسية ذات المصالح المتناقضة، وما ترتب على ذلك من ~~عدم إمكان تأليف حكومات قوية معمرة في أكثر بلاد الحكم النيابي. # هذه هي العيوب الرئيسية التي يستند إليها أعداء هذا النوع من الحكم في دعايتهم الواسعة ~~النطاق، والواقع أن في أقوالهم كثيرا من الحق، وهي مستمدة من الفساد الحقيقي الذي تطرق إلى ~~نظم الحكم النيابي في بلاد كثيرة في العهد الأخير، ولكن أنصار الديمقراطية والنظم الدستورية ~~لديهم جميع الأدلة التي تدعم حجتهم وتعزز وجهة نظرهم في أن النظم الدستورية متى فهمت على ~~حقيقتها، وطبقت بروحها الصحيح كانت خير نظم الحكم، وأنها ليست أقل كفاية من الدكتاتورية ~~في تنظيم الشعوب والعمل على رخائها ورفاهيتها، وأن الديمقراطية الصحيحة المنظمة ليست إبان ~~الأزمات أقل من الدكتاتورية حزما وعزما وسرعة، وليست أقل منها مقدرة على الكفاح؛ فقد نجح ~~الحكم الدستوري في إنكلترا وقت السلم ووقت الحرب، واستطاعت إنكلترا أن تساير روح العصر في ~~جميع نظمها الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية، وأن تجوز كل أطوار التقدم الحديث ~~بنجاح. # وقد دخلت بريطانيا العظمى الحرب الحالية وهي في ظل النظم الدستورية، ومع أنها تخاصم ~~عدوا قويا جبارا يحشد لقتالها أعظم القوى المدمرة، وتواجه أعظم الأخطار التي عرفتها في ~~تاريخها؛ فإنها لم تفكر لحظة في أن تغير نظام الحكم فيها، ولا أن تنزل عن نظمها الدستورية ~~العريقة، وما زال البرلمان الإنجليزي قائما تحت وابل القنابل وأزيز الطائرات المغيرة ~~يناقش ويبحث ويقرر، ولم تفقد الديمقراطية البريطانية ساعة الخطر الداهم شيئا من حزمها ~~وشجاعتها ومتانة أعصابها، ولم تنقصها سرعة البت في أعظم المسائل وأجلها، وما زالت ~~إنكلترا معقل الديمقراطية التي يتحطم على صخرته كل اعتداء ، وما زالت تبذل مع الإمبراطورية ~~البريطانية لمكافحة عدوها جهودا رائعة تثير كل إعجاب. # ولا ريب أن بريطانيا العظمى لم توفق إلى تحقيق هذه النتائج العظيمة التي أحرزتها في ظل ~~الحكم الدستوري سواء في الماضي أو في الحاضر في أدق مرحلة من مراحل تاريخها؛ لأنها تدين فقط ~~بالمبادئ ms40 الديمقراطية، وتحتكم إلى الأنظمة الدستورية؛ بل لأنها بالأخص قد استطاعت على ممر ~~الأجيال أن تفهم روح النظم الديمقراطية الصحيحة، وأن تطبقها بأفضل الصور التي تحقق الغاية ~~من تطبيقها، فنظام بريطانيا العظمى هو أحسن مثال لما يسمى «بالملكية الدستورية» وأساس هذا ~~النظام أولا وآخرا: «سلطان الشعب» ومن دقق النظر من نواحي هذا النظام المتعددة سواء في ~~الإدارة الداخلية أو في القضاء أو في سائر مظاهره الاجتماعية رأى هذه النزعة الديمقراطية ~~بارزة متغلغلة في جميع أسسها ونواحيها. # والدستور البريطاني وهو أقدم دساتير العالم يخالف جميع الدساتير المعروفة في أنه ليس ~~بدستور مكتوب، بل هو مزيج من تقاليد سياسية ترتبت عليها حقوق مكتسبة، ومن نصوص تشريعية ~~تقررت في عهود مختلفة، ولهذه التقاليد في نظر جميع الساسة البريطانيين احترام ~~القانون. # وبالرغم مما يكنه الإنجليز لدستورهم من الاحترام العميق، فإنهم لا يعتبرونه كتابا ~~مقدسا، ولا يرون بأسا من تعديله بالتفسير والقرارات الجديدة، وقد صيغت القوانين ~~الدستورية البريطانية دائما في صيغ مرنة، يمكن أن تفسر وفقا لمختلف الظروف والأحوال، ~~وأن تتمشى دائما مع روح العصر؛ ولهذا استطاعت إنكلترا دائما أن تسير في ظل قوانينها ~~الدستورية إلى الأمام، وأن تتقبل جميع الانقلابات والتطورات الاقتصادية والاجتماعية، وأن ~~تحقق مطالب الحياة العصرية دون مشقة، ولم تجد في معظم الأحيان صورة لإجراء تعديلات كثيرة ~~في قوانينها الدستورية كما يحدث عادة في البلاد الديمقراطية ذات الدساتير المكتوبة، أضف ~~إلى ذلك أن تعديل الدستور الإنجليزي يتم بقانون عادي يقبله البرلمان بأغلبية عادية، فلا ~~يحتاج تعديل الدستور الإنجليزي إلى تلك الإجراءات المعقدة التي تلجأ إليها الحكومات ~~النيابية الأخرى، والتي تجعل التعديل أمرا شاقا بل أمرا يكاد يكون مستحيلا. # والواقع أن الحكم النيابي في إنكلترا نظرا لمرونته وعدم تقيده بدستور مكتوب قد استطاع أن ~~ينجو من العيوب الأساسية التي وجهت إلى هذا الحكم في البلاد الأخرى، وأن يساير كل ~~الأوقات والظروف، وأن يحل المشاكل التي تعرض له بسرعة لا تقل عنها في ظل الحكم الدكتاتوري، ~~وهذه السرعة في العمل تبدو عند التطبيق في كثير ms41 من التقاليد الدستورية التي يسير عليها ~~البرلمان الإنجليزي، فالبرلمان يملك كل شيء، ولكن السلطة التنفيذية هي التي تنظم عادة ~~أعمال السلطة التشريعية، فرئيس الوزارة هو الذي يضع جدول الأعمال بالاتفاق مع رئيس المعارضة ~~في مجلس العموم، ولا يخرج المجلس في مناقشاته عادة عن جدول الأعمال، ويترتب على ذلك أن ~~المجلس يبحث أولا كل ما يهم الحكومة بسرعة، وفي وسعه أن ينجز التشريع المطلوب في يوم واحد، ~~وفي وسع الحكومة أن تطلب إليه ذلك، ولو أدى الأمر إلى انعقاده طول الليل لأيام ~~متوالية. # ولا توجد في البرلمان الإنجليزي لجان، فمجلس العموم ينعقد كله بهيئة لجنة متى بحث قانون ~~من القوانين، ويحضر الاجتماع من يهمه الموضوع المطروح للبحث، وتجتمع هذه اللجنة العامة ~~باستمرار، ويجمعها وكيل المجلس مباشرة بعد القراءة الأولى لمشروع القانون، ولا يتعدى بحثها ~~في كل حالة أكثر من جلسة أو جلستين في يوم أو يومين متتاليين، وبعد ذلك ينعقد المجلس ليقرأ ~~المشروع القراءة الثانية. # كذلك تختص الحكومة وحدها فعلا بحق تقديم مشاريع القوانين للمجلس، وذلك حتى لا يضيع ~~المجلس وقته في بحث قوانين ناقصة يتقدم بها الأعضاء، ثم ترفض بعد مناقشات طويلة. # ومع أن الدستور الإنجليزي يبيح للأعضاء تقديم مشاريع القوانين إلا أن التقاليد ~~الدستورية قيدت هذا الحق بكثير من القيود؛ حتى جعلت تنفيذه صعبا أو مستحيلا، وأول هذه ~~القيود هو منع الأعضاء من تقديم مشروع قانون يكلف الدولة في تنفيذه أية نفقة، وأن لا ~~يقدم أي مشروع آخر إلا إذا تم تحريره ومراجعته بمعرفة مكتب المستشارين القضائيين التابع ~~لوزارة المالية الإنجليزية، وجميع مشاريع القوانين التي يقدمها الأعضاء بعد توفر هذه ~~الشروط لا تنظر إلا في يوم واحد من أيام الأسبوع هو يوم الجمعة، وفي يوم ثان هو يوم ~~الأربعاء إذا قبلت الحكومة ذلك. # على أن لرئيس الحكومة الحق في كل حال أن يخصص يوم الجمعة أيضا لمشاريع القوانين المقدمة ~~من الحكومة. # وقد ترتب على هذا أنه - نظرا لضيق الوقت المخصص لنظر مشاريع الأعضاء - يندر أن يحظى ~~قانون من هذا ms42 النوع بالقبول، فلم يقبل البرلمان الإنجليزي من مشروعات القوانين المقدمة من ~~الأعضاء بين سنة 1930 وسنة 1940 أي في ظرف عشر سنوات إلا قانونين اثنين: أحدهما قانون ~~قدم من رئيس جمعية الرفق بالحيوان - وكان عضوا في مجلس العموم - يقضي باستعمال آلة خاصة ~~في المذابح لقتل الحيوانات قتلا سريعا غير ذي ألم، والثاني قانون الطلاق الذي صدر قبيل ~~الحرب في إنكلترا، وقد حظي كل من هذين القانونين بموافقة مجلس العموم؛ لأن الحكومة ~~القائمة أقرتهما، فسمحت بذلك للمجلس أن يتداول فيهما لا في يوم الجمعة فقط بل في الأيام ~~العادية أيضا. # وقد قضت التقاليد البرلمانية في إنكلترا لتيسير اجتماع مجلس العموم وتمكينه من سرعة اتخاذ ~~قراراته أنه يكفي لصحة انعقاده اجتماع أربعين عضوا فقط، وكثيرا ما يجتمع في المجلس أقل من ~~هذا العدد، ومع ذلك تستمر المناقشات حتى يتقدم عضو إلى الرئيس فيوجه نظره إلى عدم وجود ~~العدد القانوني من الأعضاء، فيأمر الرئيس بالتأكد من ذلك، وقلما يتقدم أحد بمثل هذه ~~الملاحظة، أما صحة التصويت، فيشترط فيها حضور الأكثرية النسبية. # ويجتمع المجلس كل أيام الأسبوع ما عدا يومي السبت والأحد من الساعة الثالثة إلى الساعة ~~الحادية عشرة مساء، ولا يقع التصويت على أمر من الأمور قبل الساعة الحادية عشرة، فمن السهل ~~على أكثرية الأعضاء أن يحضروا في هذه الساعة المعينة لإعطاء أصواتهم، ثم إن النظام الحزبي ~~في إنكلترا يساعد على تحقيق هذه السرعة في البحث، فلا يتكلم في المجلس باسم الحزب سوى ~~الأعضاء المرخص لهم بذلك كرئيس الحزب أو من ينتدبهم لهذه الغاية، ولا يتكلم غيرهم عادة سوى ~~القليل من الأعضاء، وهذا كله من إجراءات التيسير في الحكم البرلماني ومن أسباب السرعة في ~~تمحيص جميع المسائل المعروضة وإبداء الرأي فيها. # وقد جرى العرف أخيرا بتحديد أيام لنظر الميزانية الإنجليزية - وهي تربو عن الألف مليون ~~من الجنيهات - وجعل لنظرها حد أقصى مدته عشرون يوما، يتفق على تخصيصها بين رئيس ~~الوزارة ورئيس حزب المعارضة في المجلسين، ويترك لهما حق اختيار المواضيع والأبواب وتقسيمها ~~على ms43 الأيام المحدودة. # وقد يظهر لأول وهلة أن هذه المدة المحدودة لا تكفي لبحث هذه الميزانية الضخمة، ولكن ~~الحقيقة أنه يقصد من بحث الميزانية استعراض سياسة الدولة من جميع أطرافها، فلا يتعرض ~~الأعضاء لتفاصيل هذه الميزانية من حيث المرتبات وعدد الموظفين، وإنما يقصدون مناقشة السياسة ~~العامة التي تنم عنها هذه الميزانية، وبذلك لا تنقضي هذه المدة القصيرة حتى تصبح ~~الميزانية الإنجليزية قانونا نافذا. # على أن متانة النظام الدستوري الإنجليزي تبدو بالأخص في التطبيق العملي، فأساس هذا النظام ~~هو الرضا بحكم الأكثرية، واحترام الأقلية لهذا الحكم، واحترام الأكثرية في نفس الوقت لرأي ~~الأقلية، وتمكينها من التمتع بكامل حريتها في إبداء رأيها وتأييده، ونقد الرأي المعارض ~~ومناقشته، ويرى الإنجليز في ذلك أن واجب الأكثرية يقضي عليها أن تسعى إلى إقناع الأقلية لا ~~إلى إرغامها على الخضوع والتسليم؛ ليكون الحكم في النهاية برضا الجميع؛ ولكي يتخذ التشريع ~~في البلاد صفة قومية لا حزبية. # وهذا ركن أساسي في النظام الدستوري البريطاني. # وقد سارت الأحزاب التي تناوبت الحكم في بريطانيا طوال عهدها الدستوري على هذا المبدأ ~~دائما. # وقد كانت هذه الأحزاب تتناوب الحكم في العهد الأخير بأكثريات عظيمة، تمكنها من أن تسير ~~بالتشريع إلى تحقيق مبادئها الحزبية، ومع ذلك فلم يجرؤ حزب منها وهو في الحكم على أن يلغي ~~ما سنه الحزب السابق من القوانين، ولا أن يسن قوانين حزبية أو لمصلحة فريق من الشعب دون ~~الآخر. # وهذا يفسر لنا إحدى الفضائل البارزة التي امتاز بها الشعب الإنجليزي، وهي احترام القانون؛ ~~فإن كل فرد يعتقد أن هذه القوانين لم تصدر لمصلحة طائفة أو حزب، وإنما شرعت برضا الجميع ~~لمصلحة الجميع. ~~••• # كذلك يمتاز الدستور الإنجليزي بميزة أساسية أخرى، هي احترام حرية الأفراد ، ومساواة الجميع ~~أمام القانون، وعلى ذلك فجميع الحريات العامة مكفولة لجميع أفراد الشعب البريطاني بصورة ~~عملية حقيقية: حرية الاعتقاد، وحرية الاجتماع، وحرية الرأي والكتابة، لا يحد منها شيء ~~إلا ما نص عليه القانون العام لحفظ النظام أو حماية المجتمع. # وحرية الانتخابات في إنكلترا من أهم ms44 مظاهر الحريات العامة، ومن أهم أسباب نجاح الحكم ~~الدستوري في إنكلترا، وربما كانت إنكلترا هي البلد الدستوري الوحيد الذي تجري فيه ~~الانتخابات العامة بمنتهى الحرية بعيدة عن المؤثرات المختلفة التي تفسد جو الانتخابات في ~~معظم البلاد الديمقراطية الأخرى. # فالحكم في إنكلترا يجري على مبدأ اللامركزية، ولا سلطان للحكومة على الانتخابات، فهي تجري ~~في جميع المدن والأقاليم تحت إشراف السلطات البلدية أو الإقليمية المحلية التي لها حكومتها ~~المستقلة وبوليسها الخاص، ولا يستطيع وزير الداخلية نظرا لسلطته المحدودة أن يتدخل - إذا ~~أراد - في شئون الانتخابات أو يحاول التأثير فيها، وهذه الحرية التامة التي تجري في ظلها ~~الانتخابات الإنجليزية هي في ذاتها ضمان لنجاح الحكم النيابي؛ وذلك لأن النواب لا يشعرون ~~بأنهم مدينون بانتخابهم لغير الحزب الذي ساعد بهيبته ومبادئه في نجاحهم، ولا يدينون نحو ~~الحكومة أو نحو أي هيئة أخرى بولاء خاص يفسد عليهم طريق التفكير، ومن جهة أخرى فإن الشعب ~~يرى في النواب الذين انتخبوا على هذه الصورة ممثليه الحقيقيين الذين يجب أن يرتضي رأيهم، ~~كما أنه يبقى مقتنعا بأنهم لا مصلحة لهم في عمل قوانين لا يرضاها أو ليست في مصلحته، ومن ~~جهة أخرى فإن إجراء الانتخابات بحرية تامة يحول دون إثارة المنافسات الحزبية العنيفة، ودون ~~الالتجاء إلى الوسائل غير المشروعة التي هي وليدة الضغط والتدخل غير المشروع. # وثمة عامل آخر كان له أثر كبير في نجاح الحكم الدستوري في إنكلترا هو أخلاق الشعب ~~الإنجليزي وما يؤثر عنه من الهدوء والجمود والتواضع وحب الإنصاف، وإذا كانت الأمة ~~الإنجليزية تتصف في مجموعها بصفة الكبرياء، فإن الأفراد يتصفون بالتواضع، والتواضع دعامة من ~~دعائم النظام، ولم يشتهر الإنجليز عادة بذلك الذكاء الساطع الذي يبث في الأفراد أحيانا ~~روح الغرور؛ ولذا يسود في جماعاتهم وأحزابهم حسن النظام والإخلاص للزعماء، واحترام ~~الكفايات، وهي صفات تقل عادة في البلاد التي يسطع فيها الذكاء، فكل شخص يدفعه ذكاؤه الفطري ~~إلى نوع من الاعتداد بالنفس يجعله يعتبر نفسه ندا لأي شخص مهما سما مركزه، وأن يدعي ~~المقدرة قدرة ms45 زعمائه على فهم أي مشكلة؛ وبذلك تصبح أعوص المسائل السياسية عرضة للمناقشة في ~~المقاهي والطرقات، وينعدم النظام في الجماعات السياسية، وقد أشار إلى هذه الظاهرة العلامة ~~الدستوري «باجهوت»، فنوه بنجاح الحكم الدستوري في الأمم التي يقل فيها الذكاء الفطري، ~~وقال السير ماريوت: «إن هناك ما يؤيد القول بأن النظم الديمقراطية قد صادفت في الشعوب ذات ~~الأمزجة الباردة نجاحا أعظم مما صادفته في الشعوب التي تميل إلى المرح والطرب، ومهما يكن ~~السبب في ذلك فالحقيقة الثابتة هي أن النظام البرلماني وما يقتضيه من وجود أحزاب منظمة قد ~~صادف النجاح الأعظم في البلاد التي كانت مسقط رأسه.» # والواقع أن الحياة الحزبية في إنكلترا هي خير مظهر للديمقراطية الصحيحة، والأحزاب ~~الإنجليزية بطبيعة تكوينها وطرق نشاطها من أهم عناصر نجاح الحكم النيابي في إنكلترا. # وقد وجهت إلى نظام الأحزاب مطاعن كثيرة بسبب ما شوهد في بعض البلاد من كثرتها، ~~واتجاهها أحيانا إلى خدمة مصالحها الخاصة، وتغليب الاعتبارات الحزبية على الاعتبارات ~~القومية، على أن هذا الانتقاد إذا صح في بلد لم يفهم معاني الديمقراطية الصحيحة تتغلب فيه ~~مصالح الأحزاب على مصالح الوطن، فإنه لا يؤخذ حجة ضد ضرورة الأحزاب، فهي المدارس العملية ~~التي يتخرج منها الساسة وتظهر ملكاتهم ومواهبهم السياسية، وهي التي تنمي الصفات الخاصة ~~التي يجب أن تتوافر في الرجال الذين يطمحون إلى تولي الأعمال العامة، وهي التي تبث روح ~~المنافسة في استنباط المشاريع العامة لخدمة الدولة، كذلك لا ريب في أن وجود حزب معارض من ~~شأنه دائما أن يمنع تعسف الحزب الذي يتولى الحكم، فيرده إلى الاعتدال ورعاية المصلحة ~~القومية. # وهذه الأسباب التي تبرر ضرورة وجود الأحزاب لضمان استقامة سير الحكم النيابي ونجاحه هي ~~نفسها التي تحدد الأغراض الداعية إلى تأليفها، فيجب أن تؤلف الأحزاب لتنفيذ أغراض سياسية ~~واضحة، ولخدمة مصالح الأمة وفقا لبرامج مفصلة. # والأحزاب السياسية الإنجليزية الثلاثة هي وليدة الحوادث والتطورات السياسية والاجتماعية، ~~ولكل منها مبادؤه السياسية الراسخة، وبرامجه المفصلة، وتحفزها جميعا إلى العمل اعتبارات ~~قومية قبل كل شيء، وجميعها يحرص ms46 أشد الحرص على تدعيم الحياة النيابية، وهي في كفاحها ~~السياسي مثل للنزاهة والاعتدال، فكل حزب يرى من الطبيعي أن يسعى الحزب الآخر مثله لتحقيق ~~أغراضه، وأن من حقه أن يعتنق الرأي الذي يراه، وأن يختار الوسائل التي يفضلها لتنفيذ ~~برنامجه، وهذا يفسر لنا خلو الكفاح السياسي أو الاجتماعي في إنكلترا من مرارة الأحقاد ~~والضغائن التي تشوب الحياة الحزبية في بعض البلاد الأخرى، وقد يكون هذا الكفاح أحيانا في ~~منتهى الشدة والعنف، ولكن الإنجليز يعتبرونه كفاحا من خصوم يتمتعون بحقوق متماثلة. # كذلك لا تعرف الحياة الحزبية في إنكلترا تلك التقلبات السريعة التي تحدث غالبا في ~~الأحزاب التي تنشأ لضرورة وقتية، أو لتحقيق مصالح خاصة، ومن النادر أن نرى عضوا في حزب ~~ينتقل بسرعة إلى حزب آخر، وإذا انفصل عضو من حزبه، فإنه يفعل ذلك بعد ترو واقتناع بصواب ~~عمله. # ومن حسن حظ الحياة النيابية في إنكلترا أنها لم تعرف فوضى الحزبية، ولا تعدد الأحزاب ~~بصورة تعرقل سير الحكم الدستوري، أو تصدع من قوته ومتانته، فإنكلترا لم تعرف في تاريخها ~~الدستوري الطويل سوى حزبين سياسيين كبيرين هما حزب المحافظين وحزب الأحرار، وقام بها منذ ~~بداية هذا القرن حزب جديد هو حزب العمال، وأخذ ينمو باضطراد حتى استطاع أن يأخذ مكان حزب ~~الأحرار الذي تولاه الوهن والضعف، وقد استمدت الأحزاب الإنجليزية قوتها من وضوح مبادئها ~~وجلاء برامجها خصوصا فيما يتعلق بسياسة البلاد الداخلية، ومن إخلاص الأعضاء للمبادئ التي ~~يعتنقونها، وثباتهم باستمرار في الدفاع عنها، وكان الحكم يقع بالتناوب، تارة للمحافظين ~~وتارة للأحرار، وفي العهد الأخير تارة للمحافظين وتارة للعمال وفق نتيجة الانتخابات، ~~وقد ترتب على ذلك أن أكثر الحكومات التي تكونت في بريطانيا منذ بداية القرن التاسع عشر كانت ~~حكومات قوية، تستمد قوتها من تماسك أعضائها وتجانسهم لتشكيلها عادة من حزب واحد، وثبات ~~الأكثرية البرلمانية على تأييدها مدة طويلة لا تقل عادة عن حياة البرلمان الذي رفعها إلى ~~الحكم، وليس أدل على ثبات الحكومات في إنكلترا من أنه منذ سنة 1815 إلى سنة ms47 1914 - أي: في ~~ظرف مائة سنة تولى وزارة الخارجية سبعة عشر وزيرا، وتولى وظيفة وكيل الخارجية الدائم فيها ~~ثمانية وكلاء، وأنه منذ قام نظام الوزارات الإنجليزية في عهد «والبول» إلى وزارة ~~«ماكدونالد» سنة 1930 أي: في ظرف نحو مائتي عام - تولى الوزارة تسعة وثلاثون رئيسا أي: ~~بمعدل خمسة أعوام ونصف لكل رئيس، وهذا بخلاف البلاد التي أصيبت بكثرة الأحزاب كأغلب بلاد ~~القارة الأوروبية؛ حتى أصبح تأليف وزارة متماسكة متحدة تعيش مدة معقولة من أصعب ~~الأمور. # فقد تولى الحكم في فرنسا من يناير 1933 إلى يناير 1934 أي: في سنة واحدة ثماني وزارات ~~مختلفة، ومعدل حياة الوزارة الفرنسية في الستين سنة الأخيرة سبعة شهور لكل وزارة؛ لذلك فقد ~~قضت حكمة الإنجليز وتقاليدهم من قديم الزمان أن لا يسمح - كما قدمنا - في إنكلترا لأكثر من ~~حزبين قويين بالبقاء والنمو؛ ولهذا فقد عاشت إنجلترا أولا بحزبي المحافظين والأحرار، ثم ~~اقتضت ضرورات التطور الاجتماعي أن يقوم حزب العمال، فنما هذا الحزب ولكن على حساب حزب ~~الأحرار الذي أخذ نفوذه يتضاءل؛ حتى قضي عليه في النهاية. # هذا الرسوخ الحزبي، وهذا التجانس في تأليف الوزارة الإنجليزية، وهذه الأغلبية البرلمانية ~~الكبيرة التي تتمتع بها كل وزارة طوال بقائها في الحكم هي السر فيما يتمتع به رئيس الوزارة ~~الإنجليزية من قوة ونفوذ عظيمين، وهذه القوة العظيمة لرئيس الوزارة في إنجلترا هي أهم ~~الضوابط التي لا تقوم بغيرها الحكومة الديمقراطية البرلمانية، فهي تستلزم دائما سلطة ~~تنفيذية قوية؛ لمنع تيار الفوضى والطغيان، فإذا أريد لهذا النوع من الحكم أن يعيش طويلا، ~~وأن يكون في الوقت نفسه وسيلة للتقدم والارتقاء في ظل القانون والنظام وجب تقوية السلطة ~~التنفيذية، وتبدو قوة مركز رئيس الوزارة الإنجليزية في أنه هو الوحيد الذي يمثل الحكومة ~~أمام البرلمان وأمام العرش وأمام الرأي العام، فهو يتمتع في الواقع بنوع من السلطة ~~الدكتاتورية، وأساس هذه السلطة الممتازة أنه مختار لوظيفته من الشعب كله، وقد انتخبه الشعب ~~لهذا المركز السامي بناء على برنامج مقرر واضح هو واضعه، وهو المسئول ms48 شخصيا أمام الشعب ~~في تنفيذه. # وقد وصف السير ماريوث في كتابه عن الأنظمة السياسية الإنجليزية مركز رئيس الوزارة ~~البريطانية بأنه أقوى من مركز إمبراطور ألمانيا قبل الحرب أو رئيس الولايات المتحدة الآن؛ ~~لأنه يمكنه أن يغير القانون، ويفرض الضرائب ويلغيها، كما أنه قادر على تحريك جميع قوى ~~الدولة، وذلك بشرط واحد، هو أن يحتفظ رئيس الوزارة بثقة وتأييد الأكثرية في مجلس ~~العموم. # وقد اتجهت سياسة البرلمان الإنجليزي في السنين الأخيرة نظرا لكثرة أعمالها وتشعبها، ~~وتعقدها إلى النزول عن جزء من سلطته التشريعية إلى الوزارة، وهو ما يسمى «بالسلطات ~~المفوضة»، وذلك بتخويلها حق التشريع لمدة معينة، ولأغراض معينة يحددها مجلس العموم، ويقع ~~هذا التفويض عادة في بعض الأحوال التي تستدعي السرعة، وفي المسائل الفنية، والموضوعات التي ~~تحال إلى الخبراء، كما يقع عند الطوارئ، وقد استعملت الوزارة الإنجليزية هذا الحق في أحوال ~~كثيرة قبل الحرب الحاضرة، وهي تستعملها الآن خلال هذه الحرب بأوسع صورة، فقد فوض المجلس ~~إلى الوزارة سلطات واسعة لمعالجة المسائل المتعلقة بسير الحرب، وتصدر الوزارة البريطانية ~~بمقتضى هذا التفويض جميع التشريعات اللازمة لإدارة دفة الحرب في الداخل وفي الخارج دون ~~عرضها على البرلمان، على أنها تسير في تشريعها دائما طبق رغبات المجلس، وللمجلس في جميع ~~الأحوال أن يعدل أي تشريع تصدره الوزارة على هذه الصورة. # ويحسن أن نشير في النهاية إلى نظرية فصل السلطات، وهي النظرية التي نوه بأهميتها من قبل ~~كثير من كتاب الفقه الدستوري؛ مثل مونتسكو وغيره، واعتبرت أساسا من أسس الدستور ~~الإنجليزي، ثم نسج على منوالها في الدساتير الأخرى، لا تنطبق في الواقع على الدستور ~~الإنجليزي كل الانطباق، فليس البرلمان هو السلطة التشريعية فحسب، بل هو الرقيب الأعلى على ~~السلطة التنفيذية التي يجب أن تتخلى عن الحكم إذا فقدت ثقته، والوزارة البريطانية تملك حق ~~التشريع بمقتضى السلطات المفوضة كما قدمنا، وأما القضاء فلا ريب في استقلاله عن السلطة ~~التنفيذية، وقد ثبت استقلال القضاء بقانون صدر منذ سنة 1701، ولكن هذا القانون قانون عادي ~~يملك البرلمان تغييره كما ms49 يملك الآن إقالة أي قاض من القضاة، ولو أنه لم يستعمل هذا الحق ~~حتى الآن، كذلك يستطيع البرلمان أن يصدر قوانين مخالفة لأحكام المحاكم، وهو ما يحدث دائما ~~كلما رأى البرلمان أن أحكام المحاكم في مسألة من المسائل لا تتفق مع رغبات الرأي العام في ~~البلاد؛ فقد حدث مثلا في سنة 1906 أن حكم القضاء بعدم مشروعية نقابات العمال، ولم ترض ~~أكثرية البرلمان والرأي العام عن هذا الحكم، فاضطرت الحكومة إلى إصدار قانون يمنع تطبيق هذا ~~الحكم في المستقبل. # أضف إلى ذلك أن مجلس اللوردات - وهو أصلا هيئة تشريعية - هو في الوقت نفسه الهيئة ~~القضائية العليا في البلاد، ورئيس مجلس اللوردات هو في الوقت نفسه رئيس الهيئة القضائية، ~~وأحد أعضاء الهيئة التنفيذية؛ إذ هو وزير الحقانية. # على أنه لا ريب في استقلال السلطات الثلاث عن الأخرى رغم هذا الامتزاج، ولا تفكر سلطة ~~منها في الإغارة على اختصاص الأخرى، ولكل منها عمل لا تتعداه، وقد نشأ هذا الاحترام ~~المتبادل مع الزمن، وتوطدت أسسه وقواعده على تعاقب الأجيال، ومع أنه ليس في الدستور ~~الإنجليزي قاعدة تنص على فصل السلطة القضائية عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، فإنه لا ~~يوجد أدنى شك في استقلال القضاء الإنجليزي، فهذا الاستقلال حقيقة ثابتة متأصلة في تاريخ ~~الشعب، ومن هذا نشأت جميع عناصر القوة التي تكون هيبة القضاء الإنجليزي واستقلاله ~~ونزاهته. # والقضاء الإنجليزي فضلا عن ذلك لا يعرف البطء الذي يفسد العدالة، وللمحاكم أن تشرع ~~لنفسها فيما يتعلق بنظامها الداخلي، كما أن لها أن تفسر القانون وفق رأيها، فإذا قبل ~~البرلمان هذا التفسير فيها، وإلا فله أن يعدله بتشريع جديد. ~~••• # هذه خواطر متناثرة عن خواص الدستور الإنجليزي، وطريقة سيره، ووسائل تطبيقه، وهذه الخواص ~~هي التي جعلت من هذا الدستور القديم الراسخ في يد الديمقراطية الإنجليزية أداة عصرية مدهشة ~~تساير كل الظروف والأحوال، وتسير دائما في طريق التطور والإصلاح، وهي التي جعلت بريطانيا ~~مضرب الأمثال في متانة حكمها الدستوري، حتى في الوقت الذي تصدعت فيه أسس الديمقراطية في كل ~~مكان. ms50