######OpenITI# #META# URI: 1392TahaHusayn.HubbDaic.Hindawi48395842 #META# Tags: literature #META# ID: 48395842 #META# Title: الحب الضائع #META# AuthorID: 59624258 #META# Author: طه حسين #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الحب الضائع‏ # الحب اليائس‏ # الحب المكره‏ # بين الحب والإثم‏ # نفس معلقة‏ # ثأر بيرينيس‏ # الخيال الطارق‏ # طيف‏ # الحب الضائع‏ # الحب اليائس‏ # الحب المكره‏ # بين الحب والإثم‏ # نفس معلقة‏ # ثأر بيرينيس‏ # الخيال الطارق‏ # طيف‏ # | الحب الضائع # | الحب الضائع # تأليف # طه حسين # | الحب الضائع # 1 # ما أكثر ما أعجب من نفسي! وما أسرع ما يستحيل هذا العجب إلى سخرية منها أول ~~الأمر، ثم إلى رثاء لها وعطف عليها! لا يعرض لي شيء غريب أو مألوف إلا ~~حاولت أن أتبين أصله وأرده إلى علته. وقد أبلغ من ذلك ما أريد فأرضى؛ وهذا ~~نادر، وقد أعجز عن التعليل والتأويل فأسخط؛ وهذا كثير. وأنا على كل حال ~~ساخرة من نفسي لهذا المرض الذي لا أجد منه برءا؛ مرض التماس العلة ~~والانتهاء إلى المصادر والأسباب. # والناس يقولون: إننا - نحن الفرنسيين - أمة مريضة بالتعليل والتحليل، وإن ~~فيلسوفنا ديكارت قد أفسد علينا عقولنا لكثرة ما ألح علينا في أن نحلل ~~ونعلل، ولشدة ما فتنا بتحليله وتعليله حتى أصبحنا جميعا فلاسفة أو ~~كالفلاسفة، وحتى اتخذ العالم منا والجاهل، والمثقف منا والساذج، طور ~~الفيلسوف الذي لا يرضى ولا يطمئن إلا إذا رد كل شيء إلى أصله، ووجد له ~~تفسيرا أو تأويلا. # وأكبر الظن أن هذا حق؛ فإننا - نحن الفرنسيين - حين تعرض لنا المشكلات أو ~~تلم بنا الأحداث لا نعنى بحل المشكلات ولا بالتخلص من الأحداث، وإنما نعنى ~~قبل كل شيء بتفسيرها وتأويلها، فإذا وصلنا من ذلك إلى ما نريد رضينا ~~واطمأنت قلوبنا وأذعنا للقضاء، وقد يشغلنا هذا عن التماس المخرج مما يلم ~~بنا من الخطوب أو يعرض لنا من الأزمات. # أنا إذن فرنسية من هؤلاء الفرنسيين، لم أبرأ من هذا المرض الفرنسي العام؛ ~~مرض التأويل والتعليل، وأنا جادة الآن في البحث عن أصل هذا الخاطر الغريب ~~الذي أجلسني إلى هذه المائدة ومد يدي إلى هذا القلم، ثم أخذ يجريها على ~~القرطاس بهذا الكلام الذي أكتبه. # ذلك أني لم أكتب قط إلا ما تعود أمثالي أن يكتبن من هذه الكتب اليسيرة ~~القصيرة، ms001 التي تتصل بين الصديقات حين يفترقن ويحرصن على أن تتصل بينهن ~~المودة وتتصل بينهن المجاملة بنوع خاص، وتتصل بينهن بنوع أخص هذه الثرثرة ~~التي لا يستطعن أن يخلصن منها أو يعرضن عنها. # لم أكتب قط إلا هذه الكتب القصار إلى الصديقات حينا، وإلى أبوي وإخوتي ~~حين كنت بعيدة عن الأسرة، رهينة لذلك السجن الذي اضطررت إليه ثمانية أعوام، ~~والذي نسميه المدرسة. وأنا الآن جالسة إلى هذه المائدة، مجرية قلمي على هذا ~~القرطاس، لا لأكتب كتابا إلى صديقة، ولا لأكتب كتابا إلى أحد من أسرتي؛ ~~فإني لا أفكر في أحد غير نفسي ولا أحب أن يقرأ أحد شيئا مما أكتبه الآن ~~ومما سأكتبه فيما سيتصل من أيام. فإني لم أجلس للكتابة إلا وأنا مقدرة أنها ~~ستتصل. وأنا أبحث عن هذا الخاطر الغريب الذي دفعني إلى هذا النحو من ~~التفكير والكتابة، فلا أكاد أهتدي إليه. # أنا أذكر أن ثلاثا من أترابي قد زرنني منذ أيام فخضنا في أحاديث مختلفة، ~~وذكرت كل واحدة منهن كثيرا من شئونها الظاهرة والمستورة، وتحدثت كل واحدة ~~منهن بما تسر بين حين وحين إلى دفترها حين تخلو إلى نفسها وتأوي إلى ~~غرفتها بعد أن يتقدم الليل. وأذكر أني سمعت أحاديثهن فعجبت لها وأعجبت بها، ~~ولم أستطع أن أشارك فيها؛ لأني لا أسر إلى دفتري شيئا إذا آويت إلى ~~غرفتي بعد أن يتقدم الليل، بل لأني لم أتخذ قط لنفسي دفترا أسر إليه ~~أحاديث نفسي، وآمنه عليها، وأستعين به على ما قد يضيق به صدري من الخواطر ~~والهموم، أو على ما تفيض به نفسي أحيانا من ألوان الغبطة ~~والابتهاج. # بل لم أفكر قط في شيء كهذا، وإنما آمنت دائما بأن سر النفس يفقد حرمته ~~وطبيعته إذا تجاوز التفكير إلى طرف اللسان أو إلى طرف القلم. وأبيت دائما ~~أن أشرك في أحاديث نفسي أحدا غيري، ويجب أن أعترف بأن أحاديث نفسي لم تكن ~~ذات خطر، وبأنها لم تبلغ قط من القوة أن تشعرني بالحاجة إلى من يشاركني ~~فيها أو يعينني ms002 عليها ، ولكن سمعت أحاديث الصديقات، ولا أدري لماذا أعجبتني ~~أنباء هذه الدفاتر التي تؤتمن على الأسرار وتتلقى الأحاديث حين تأوي كل ~~واحدة منهن إلى غرفتها بعد أن يتقدم الليل. # وقد تفرق عني صديقاتي وشغلت عنهن وعن أحاديثهن بما يكون من حياة الأسرة؛ حتى ~~إذا تقدم الليل وآويت إلى غرفتي وخلوت فيها إلى نفسي، لم أجد ميلا إلى ~~النوم، وإنما أطلت الاضطراب في الغرفة والتشاغل بالترتيب والتنسيق كأني كنت ~~أريد أن أمد الأسباب التي تصل بيني وبين النوم، وأن أطيل السهر وأحتفظ ~~باليقظة، فلما لم يبق ترتيب ولا تنسيق، ولم تنازعني نفسي إلى النوم، أردت ~~أن أتشاغل بالقراءة، وأستعين بها على ما أريد من سهر، فآخذ هذا الكتاب، ~~ولكني لا أكاد أنظر فيه حتى أصرف عنه فآخذ كتابا آخر فلا يكون حظه خيرا ~~من حظ الكتاب الأول، فألبث جامدة شاردة النفس حينا ثم تثوب إلي نفسي، ~~وإذا أنا راغبة عن النوم زاهدة في القراءة، منصرفة عن الحركة في التنسيق ~~والترتيب. # وماذا أنسق؟ وماذا أرتب؟ وقد بلغت من ذلك ما أريد وأكثر مما أريد، حين آويت ~~إلى هذه الغرفة منذ ساعة. وهنا أشعر بالحاجة إلى أن أكتب، ولكن ماذا أكتب؟ ~~ولمن أكتب؟ # هنا يعاودني ذلك الخاطر الذي عرض لي حين كنت أستمع إلى حديث الصديقات، فأذكر ~~ائتمان الدفاتر على الأسرار والتحدث إليها بنجوى الضمير. ثم أذكر أني لا ~~أملك دفترا أأتمنه على أسراري، وأفضي إليه بأحاديث نفسي، وليس من شك في ~~أني قادرة على أن أمد يدي فآخذ ما أشاء من الورق وألقي إليه بما أحب من ~~حديث. # ولكني أنفر من ذلك نفورا شديدا، فلا بد من أن أختار الدفتر الذي أتحدث ~~إليه، كما أختار الصديق التي أوثرها بالمودة والإخاء، ولا بد من أن تكون ~~هنالك ملاءمة بين نفسي وبين هذا الدفتر. وإذا أنا أفكر في شكل هذا الدفتر، ~~وما ينبغي أن يكون عليه من الجودة والظرف ومن الشكل الأنيق المعجب، ثم يجب ~~أن يكون خليقا بكتمان السر والضن به على الذين ms003 قد يتطفلون أو يتطلعون إلى ~~القراءة واستباحة ما اؤتمن عليه. # وإذن فلن أكتب الليلة ولن أفضي بسري إلى دفتر من هذه الدفاتر العادية أو ~~ورقة من هذه الأوراق المنثورة، ولا بد من أن أنتظر إلى غد حتى إذا اخترت ~~الدفتر وأحسنت اختياره، خلوت إليه خلوة الصديق إلى الصديق الذي يلائمه ~~ويشاكله، فتحدثت إليه أحاديث فيها الثقة والأمن، وفيها اللذة والمتاع، ~~وفيها قبل كل شيء ارتفاع الكلفة وزوال الحرج. # ولو أني أخذت دفترا من تلك الدفاتر العادية أو ورقة من تلك الأوراق ~~المنثورة، ثم حاولت أن ألقي إليها سرا أو أفضي إليها بحديث، لما وجدت في ~~نفسي شيئا. فقد كنت أمس خالية النفس من كل سر وكل حديث، لا يشغلني إلا ~~التفكير في أن يكون لي دفتر كغيري من صديقاتي، وفي أن ألقي إلى هذا الدفتر ~~أسرارا كالتي يلقينها، وأفضي إليه بأحاديث كالتي يفضين بها. # وليس أدل على ذلك من أني قد أصبحت فغدوت على دار من تلك الدور التي تهيئ ~~للناس أنفس ما يحتاجون إليه من أدوات الكتابة والتحرير، فلم أتخير دفترا ~~فحسب، ولكني تخيرت معه قلما رشيقا جميلا غالي الثمن أيضا، ثم أخفيت ذلك ~~في غرفتي، ثم جعلت أفكر في ذلك اليوم كله، ثم جعلت كلما ألممت بغرفتي نظرت ~~إلى القلم ومسست الدفتر بيدي مسا رفيقا، كأنما أريد أن ألاطفه وأبارك ~~عليه، ثم انقضى النهار وتقدم الليل، وجعلت آخذ نفسي بشيء من العنف حتى لا ~~أتعجل الخلوة إلى نفسي والإيواء إلى غرفتي. # ثم هأنا هذه قد آويت إلى غرفتي، وخلوت إلى نفسي، وأخذت الدفتر الجميل فبسطته ~~أمامي، وجعلت أنظر في صحفه النقية فأطيل النظر، كأنما أريد أن أستبئ نقاءها ~~وصفاءها عما يمكن أن يكون لهما من سر أو حديث. وأي عجب في ذلك؟ فقد اتخذت ~~هذا الدفتر صديقا أمينا، ولا بد بين الصديقين من تبادل الود والحديث ~~والثقة والأسرار، ولكن هذه الصحف النقية الصافية لم تنبئني بشيء ولم تلق ~~إلى نفسي شيئا. # وإذا أنا آخذ القلم عازمة حازمة كأنما ms004 أريد أن أحطم ما بيننا من الثلج كما ~~نقول في أحاديثنا اليومية، وأن أبدأ بالحديث تشجيعا لهذه الصحف على أن ~~تتحدث، ولكني لا أجد شيئا أقوله ولا حديثا أكتبه، وأكبر الظن أن نقاء هذه ~~الصحف الخالية من كل سر لا يعدله إلا نقاء هذه النفس التي تريد أن تتحدث ~~إليها والتي لا تجد ما تتحدث به، فهي تتكلف وتتصنع وتخلق الحديث ~~خلقا. # وإني لأفكر في هذا فأذكر مواقف وقفتها في عهد الطفولة، وما زلت أقفها إلى ~~الآن، وقد كدت أبلغ العشرين من العمر، وهي مواقفي من القسيس. فما أكثر ما ~~أضعت وقته وأضعت وقتي بما كنت أحاول من الاعتراف، فقد كنت أرى ذلك فرضا ~~علي وأرى أن نفسي لن تستريح، وأن ضميري لن يطمئن إلا إذا قمت من القسيس ~~مقام المعترفة بالخطيئة، ثم مقام النادمة على الخطيئة. ثم انصرفت عنه وقد ~~ظفرت منه بالمغفرة. # ثم أبحث في سيرتي فلا أنكر شيئا، وأبحث في دخيلة نفسي فلا أنكر شيئا، ~~وألتمس مع ذلك شيئا أنكره لأعترف به أمام القسيس فلا أجد ما أنكر، فأخترع ~~الخطايا اختراعا وألقيها إلى القسيس متكلفة غالية في التكلف. فيقبل القسيس ~~مني حينا ويرفض حينا آخر، حتى انتهى به الأمر ذات يوم إلى أن كلفني أن ~~أعترف له بكل ما أثقلت به نفسي من هذه الأكاذيب والأباطيل، ونبهني إلى أن ~~الكذب عليه كذب على الله، وإلى أن هذه الخطيئة الساذجة في ظاهر الأمر قد ~~تستحيل إلى خطيئة مهلكة؛ لأنها تعودني الكذب وتغريني بالتكلف، وتدفعني إلى ~~النفاق، وتنشئ بيني وبين الآثام صلات قد تنتهي بي إلى الشر. # فأقلعت منذ ذلك اليوم عن انتحال الخطايا وتكلف الآثام للقسيس، ولكنني ألاحظ ~~الآن أني قد جلست إلى هذا الدفتر لأنتحل الأحاديث وأتكلف الأسرار وما في ~~نفسي من حديث وما لضميري من سر. وما أدري أيهما خير؟ أن تظل نفسي نقية كهذه ~~الصحف النقية، وأن أخلو إلى هذا الدفتر ساعة في كل يوم، فأنظر في صحفه ~~النقية الصافية لأرى فيها نفسي نقية صافية، ms005 أم أن تزدحم نفسي بالأحاديث ~~والأسرار فلا أخلو إلى هذه الصحف إلا ألقيت عليها من سواد نفسي ما يمحو ~~صفاءها، ويزيل نقاءها، ويجعلها مرآة مظلمة لنفس مظلمة؟ # أما قبل أن أسمع حديث صديقاتي عن الدفاتر والأسرار، فقد كنت أوثر الأولى، ~~وأما منذ سمعت أحاديثهن وكلفت بمثل ما كلفن به، فإني لا أدري أي الأمرين ~~أحب إلي. بل أنا أدري أيهما أحب إلي. فهذه صحف من هذا الدفتر كانت نقية ~~صافية منذ حين قد جرى عليها هذا القلم فصيرها إلى هذا السواد الذي لا يغني، ~~وجعلها مرآة سوداء لنفس يشوبها الاضطراب، ويشيع فيها القلق، فيخرجها عما ~~ألفت من صفاء ونقاء. # 2 # ويحك أيها الدفتر العزيز! ويحي منك! لقد شغلتني يومي كله، فلم أكد أفكر إلا ~~فيك منذ أصبحت إلى أن أمسيت، ولقد كانت تشغلني عنك الحوادث الطارئة ~~والأحاديث العارضة، بيني وبين أسرتي أو بيني وبين بعض أترابي، ولكني لم أكن ~~ألبث أن أعود إليك، فأذكرك ثم أراك، ثم أتمثلك مبسوطا بين يدي، ثم أسأل ~~نفسي عما يمكن أن ألقي إليك من سر، أو أفضي به إليك من حديث. # وما أكثر ما خطر لي من الخواطر، وما أكثر ما عرض لي من المعاني، وما أكثر ما ~~ثار في قلبي من العواطف، وما أكثر ما استبان لنفسي من الرأي! ولكني ضقت ~~بهذا كله آخر الأمر، ورأيت أنك ستصبح لي شغلا شاغلا وعلة ملحة، وأشفقت أن ~~تفسد علي حياة صالحة جرت إلى الآن على خير ما تجري عليه حياة أمثالي من ~~الفتيات؛ فأزمعت الإعراض عنك، والتنكر لك، والاشتغال بما كنت أشتغل به قبل ~~أن أعرفك من عمل ورياضة في النهار، ومن حديث وقراءة في الليل. # ثم أخذت في بعض ما كنت آخذ فيه، ولكني رددت إليك ردا، وأكرهت على التفكير ~~فيك، ثم التحدث إليك إكراها. وهأنا هذه أجلس إليك بعد أن هدأ كل شيء، وثاب ~~كل فرد من أفراد الأسرة إلى غرفته، فخلت الدار منا ونحن مع ذلك نملؤها ~~ونعمرها، ونشيع فيها حياة تسكن ms006 الآن لتنشط إذا أسفر الصبح. # هأنا هذه أجلس إليك بعد أن هدأ كل شيء، ولعلي تعجلت هذا الهدوء فيما ظهر من ~~أمري، وما أشك في أني تعجلته فيما كنت أخفي من حديث النفس ونجوى الضمير. ~~وأنا كما كنت أحدثك أمس ألتمس تعليل هذا وتأويله، فيروعني ما ينتهي إليه ~~بحثي من التعليل والتأويل، فقد يخيل إلي أن قلبي فارغ يريد أن يمتلئ، وأن ~~نفسي ساكنة كسلة تريد أن تنشط وتعمل، وأن ملكاتي كلها معطلة يؤذيها هذا ~~التعطيل، فهي تلتمس لنفسها منه مخرجا، ولا تجده إلا في معرفة جديدة لصديق ~~جديد. # وأنا أعلم أبواب النشاط أمامي مفتحة، لو شئت، فأنا أستطيع أن أشارك في أعمال ~~البيت، وأنا أستطيع أن أشارك في الرياضة، وأنا أستطيع أن أقرأ وأن أزور ~~وأستزير، وآخذ في ألوان مختلفة من الحديث. # ولكني منصرفة عن هذا كله، وانصرافي عنه يشتد من حين إلى حين. وأنا أحس شوقا ~~إلى شيء جديد ألمحه، ولا أتبينه؛ تحسه أعماق نفسي وضمير قلبي، ولكنه لا ~~يستبين لعقلي ولا ينجلي لرأيي. فأنا حائرة دون أن أعرف مصدر هذه الحيرة، ~~هائمة دون أن أعرف موضوع هذا الهيام، مشوقة دون أن أتبين غاية هذا ~~الشوق. # وأنت تسليني عن هذا كله، وتقوم في نفسي وقلبي مقام هذا كله، فأنا أظهر لك ~~نفسي كما هي وقلبي كما هو، ولعلي أتبسط إلى أبعد من هذا فأجلس إليك في لبسة ~~المتفضل، لا متحرجة ولا متأنفة، ولا متكلفة شيئا يتصل بالزي أو بترتيب ~~الهندام. إنما هي الحرية المطلقة، حرية النفس وحرية الجسم، أصطنعها متى ~~أغلقت الباب من ورائي وجلست إليك. وأنا أجد في هذا راحة وطمأنينة، ولكني ~~أجد في هذا شيئا يسيرا خفيا من قلق يتردد في ضميري بين حين ~~وحين. # فماذا تقول أمي؟ وماذا يقول أبي؟ وفيم يفكران لو أنهما قرآ هذه الأحاديث ~~التي أسرها إليك؟ هذه مشكلة جديدة لا بد من أن أجتهد في حلها. فلم يكن لي ~~على أبوي سر أو كنت أحتفظ بسري، وبما يخطر لي من السخف ms007 في هذا الضمير ~~الذي لا يظهر عليه الآباء والأمهات، ولكني الآن أجهر بهذه السخافات وألقيها ~~إليك. وأنت تستطيع أن تضمن لها البقاء ما تركت آمنا محفوظا من العاديات، ~~ولكنك لا تستطيع أن تؤمن نفسك من أن تمتد إليك الأيدي وتجري على صفحاتك ~~العيون. # أنت حافظ للسر ولكنك لا تستطيع له كتمانا، فلا بد من أن أعينك على هذا ~~الكتمان، ولا بد من أن أخفيك وأبالغ في إخفائك على الناس جميعا، وعلى ~~أبوي بنوع خاص وعلى أخي هذا العفريت المارد بنوع أخص. وما كان أغناني عن ~~هذا الجهد الجديد، ولكن لا بد مما ليس منه بد. # 3 # ولكني أبثك هذه الأحاديث، وأنت لا تعرف من أمري شيئا. ألست ترى أن هذا ~~غريب؟ إني لا أفضي بأيسر أمري إلى أحد حتى أعرفه وحتى يعرفني، فكيف بي أظهر ~~لك نفسي كما هي؟ ولم أعرفك إلا أمس، وأنت لا تعرف من أمري شيئا. إني ~~لغافلة ذاهلة حين أتصور فيك العقل والشعور والمعرفة، وحين أتحدث إليك كما ~~أتحدث إلى الناس، ولكني مضطرة إلى ذلك مكرهة عليه، لا أستطيع أن أرى فيك ~~إلا صديقا، وإلا صديقا يسمع لي ويفهم عني؛ لأني في حاجة إلى هذا الصديق، ~~وإن كنت لا أدري مصدر هذه الحاجة، ولولا ذلك لما اشتريتك، ولما اتخذتك ~~أمينا على السر وحفيظا على نجوى الضمير. # ولست أرى بذلك بأسا، وقد قرأت في بعض الكتب أن بعض بلاد الشرق كانت تشتري ~~الرقيق من الصبية فتنميهم وتربيهم وتؤدبهم وتدربهم، ثم تتخذهم لها قادة ~~وملوكا. وما أنا في حاجة إلى أن أنميك أو أربيك أو أؤدبك أو أدربك لأتخذك ~~لي صديقا. فأنت تكفيني كما أنت، وأنت بعد هذا كله تعينني على أن أنمي نفسي ~~وأربيها، وعلى أن أؤدب نفسي وأدربها، وعلى أن أعرف نفسي حين أعرفها لك، ~~وأقدمها إليك. # فأنت صديقي، وأنت نجيي، ولا بد للصديق من أن يعرف صديقه، ولا بد للنجي من ~~أن يعرف نجيه. فاعرفني إذن. وإني مقدمة إليك نفسي كما عرفتها بل كما ~~جهلتها؛ ms008 لأني سأظهرك عليها باحثة عنها، ملتمسة تعليل كثير مما صدر عنها من ~~عمل وتفكير لم أفهمه حين صدر عنها، ولكني أظن أني سأفهمه الآن بعد التفكير ~~والروية. # اعرفني إذن لأني سأقص نفسي عليك ولأنك ستصاحبني منذ اليوم، وستتلقى أسراري ~~وستحاسبني أو ستعينني على أن أحاسب نفسي عن كل ما أعمل، وعن كل ما ~~أجد. # أليس من الغريب أنك لا تعرف اسمي إلى الآن؟! فليكن هذا أول ما تعرف من أمري، ~~فأنا فتاة سأبلغ العشرين بعد أيام، تسميها أسرتها لين، ويسميها الناس مدلين ~~مورل. # وما أنا متحدثة إليك بتاريخي البعيد، فقد استعرضت ما أذكره منه في أثناء ~~النهار فلم أجد فيه غناء، وأشفقت أن أقصه عليك فتسخر مني وتضيق بي؛ لأنه ~~تاريخ الألوف من الفتيات الفرنسيات اللاتي ينشأن في الطبقات الوسطى من أهل ~~الريف الفرنسي. ولكن يحسن أن تعلم أن الحرب الكبرى قد أدركتني حين كدت أتم ~~الرابعة عشرة من عمري، وقد كنت تلميذة تتهيأ للشهادة الثانوية، جادة في ~~الدرس مشغوفة بالعلم دائبة على التحصيل، أتمت عامها الدراسي وظفرت بجوائز ~~كثيرة ممتازة، وعادت إلى أهلها في قريتهم هذه في عطف من أعطاف الجبل في ~~السفوا، سعيدة راضية عن عامها مستبشرة مغتبطة بما ستنعم به من الراحة ~~والسياحة وألوان الرياضة مع إخوتها الثلاثة، وأترابها الكثيرات أثناء ~~الصيف. # وكنت أصغر إخوتي سنا، وكان أكبرنا قد تخرج في كلية الطب ليعمل مع أبينا في ~~صناعته ثم ليخلفه على عيادته بعد عمر طويل، فكان قد أتم الرابعة والعشرين ~~من عمره، وكان ثاني إخوتي قد أتم الحادية والعشرين من عمره وظفر بإجازة ~~الليسانس من كلية الحقوق، وهو يتهيأ للعمل عند بعض الموثقين ولتحصيل إجازة ~~الدكتوراه أثناء ذلك. فأما الثالث من إخوتي، فكان في السابعة عشرة من عمره ~~قد ظفر بالشهادة الثانوية، ويريد أن يذهب إلى باريس، ليتهيأ فيها لدخول ~~مدرسة المعلمين. # وكانت أسرتنا راضية موفورة ليست بذات ثروة ضخمة، ولكنها ليست ضيقة اليد ولا ~~سيئة الحال ولا عاجزة عن أن تعيش عيشة فيها كثير من رغد ms009 وخفض، وآية ذلك أنا ~~كنا نتهيأ في ذلك الصيف لألوان من العيش لا يتهيأ لها الذين قتر عليهم ~~الرزق. # فقد كان أخواي يريدان أن يتركا فرنسا ليذهب أحدهما إلى إيطاليا، والآخر إلى ~~بلاد اليونان والترك. وكان أصغر إخوتي يريد أن يلحق برفاق له في جبال ~~الفوج، وكنت أتهيأ لأذهب مع أبوي وبعض أترابي إلى ساحل المحيط في ~~بيارتز. # ولكن جو أوروبا يزدحم بالسحب ثم تخفق فيه البروق، وتقصف فيه الرعود، ثم تثور ~~العاصفة فتحطم كل أمل وتغير كل اتجاه، ويذهب أخواي لا إلى إيطاليا ولا إلى ~~اليونان ولكن إلى حيث تريد توجيههما وزارة الحرب. ويذهب أبي متطوعا للخدمة ~~الطبية في بعض المستشفيات قريبا من الحدود. # وأبقى مع أمي وأخي في قريتنا هذه آمنين من غارات الحرب، غير آمنين أنباءها ~~المنكرة، ومناظرها البشعة، إذا انحدرنا إلى هذه المدينة أو تلك، فرأينا هذا ~~السيل الذي كان يتدفق بالجرحى على المستشفيات، وذلك السيل الذي كان يتدفق ~~بالمحاربين على الحدود. ولكني مع ذلك لم أذق الحرب، ولم أبل مرارتها، ولم ~~أحس لذعها الذي يحرق القلب ويغرق العين، إلا بعد أن تقدمت الحرب وبلغت من ~~عمرها البشع ستة أشهر، حين جاءنا النبأ بأن أكبر أخوي قد صرع في أحد ~~الميادين. # هنالك عرفت الحرب وأحسست آلامها، ولكن أسابيع لم تمض على هذا النبأ حتى ~~يلحقه نبأ آخر بأن ثاني أخوي جريح يمرض في أحد المستشفيات، ثم لا يتم العام ~~حتى تظهر في الأسرة ظاهرة من جنون لم ينكرها أبي حين استشير فيها بالكتب ~~والرسائل، وأنكرتها أمي، ولكنها لم تجرؤ على أن تظهر إنكارها إلا بالإذعان ~~والبكاء المتصل، وأنكرتها أنا أشد الإنكار وأعنفه، ولكن أحدا لم يسمع ~~لي، وإنما كانت تلقاني الأسرة بالتلطف والتعطف والتسلية. # وهذه الظاهرة هي تطوع أخي الصغير للخدمة العسكرية قبل أن يبلغ سن الحرب، ~~وكان يقول: قد صرع أحد أخوي وجرح الآخر، وما ينبغي أن تخلو ميادين الحرب من ~~أحدنا. # ثم يسافر ذات يوم مع الصبح فنودعه، ثم لا نراه إلى الآن. # 4 ms010 # لم تكن ليلتي سعيدة أمس، وإنما انقضت شاحبة يملؤها الحزن والبؤس والشقاء. ~~فقد انصرفت فجأة عنك أيها الدفتر العزيز، وحيل بيني وبين المضي فيما كنت ~~أقص عليك من أنباء نفسي وأحاديث أسرتي. # صرفني عن ذلك ما أثارته هذه الأحاديث وتلك الأنباء من شجون وأحزان امتلأ بها ~~قلبي وغرق فيها ضميري، والتبست لها الأمور على نفسي، ثم لم تلبث أن استأثرت ~~بحسي الظاهر فأجرت في جسمي رعدة خفيفة أول الأمر، ثم عنيفة بعد ذلك، لم ~~تهدئها عني إلا هذه الدموع التي انحدرت من عيني غزارا. # لقد كنت أحسب أن قد هدأت اللوعة وسكت عني وعن الأسرة هذا الجزع الذي ملكنا ~~وأفسد علينا أمورنا كلها حين انتهى إلينا النبأ بمصرع أخي الصغير. فإذا أنا ~~لا أكاد أبدأ الحديث إليك حتى ينكأ الجرح وتثور العاصفة، وحتى يضطرب من ~~حولي كل شيء، وحتى يفسد علي كل شيء، وحتى أغرق في هذا الحزن الشامل، الذي ~~يصرفني عنك وعن نفسي، والذي ينسيني مكاني منك، ومكاني من كل شيء، والذي ~~يشغلني ويشتمل علي اشتمالا تاما، فأنفق ليلة ما أدري كيف أنفقتها، ما ~~أعرف إلى أي لحظة منها بقيت يقظى، وفي أي لحظة منها أدركني النعاس. # وإنما أتنبه لنفسي حين يمسني برد الصباح؛ فإذا أنا كما كنت حين بدأت الحديث ~~إليك، لم أنتقل من مكاني ولم أتحول عن مجلسي ولم أدر كيف قضيت ~~الليل. # هنالك أنهض فزعة مرتاعة متسائلة: ماذا كان يمكن أن يكون لو أن البرد لم ~~يوقظني، ولو أني لبثت على هذه الحال حتى تستيقظ الأسرة وحتى تظهر علي في ~~هذا الوضع الذي كنت فيه؟ هنالك أعمد إليك فأخفيك، وأعمد إلى سريري فأحدث ~~فيه شيئا من الاضطراب، ثم آوي إليه كارهة متكلفة؛ لتعلم الأسرة أني قد ~~قضيت ليلة عادية لم أخرج فيها على المألوف. # ولكني تبينت من هذا كله أني كنت أكذب على نفسي، أو أن نفسي كانت تكذب ~~علي حين كنت أزعم أني قد أخذت أتسلى عن الحزن وأتعزى عن كوارث الحرب. وما ~~أشك الآن ms011 في أن الأسرة كلها تكذب على نفسها فتتكلف السلو، وتتصنع العزاء، ~~وتلقي حجابا رقيقا على أحزانها وآلامها، تتخذه من مشاغل الحياة وأغراضها ~~المتصلة؛ لأنها لا تستطيع أن تمضي في هذا الحزن العنيف جاهرة به مظهرة ~~له. # لا تستطيع ذلك لأن للحياة ظروفها وبواعثها إلى العمل والجد، ولا تستطيع ذلك ~~لأنها تحسب لمراقبة الناس حسابا أعظم مما تقدر وتظن. وما أشك الآن في أننا ~~جميعا نلتقي بوجوه باسمة أو غير مكترثة، ونمضي في حياتنا بهذه الوجوه التي ~~تبتسم وتظهر التجلد، ولكنه ابتسام لا يدل على شيء إلا على التكلف والتصنع، ~~ولا يصدر عن شيء إلا الحزن المر، واليأس الممزق للقلوب. ولكنه تجلد يسير ~~هين لا يكاد يثبت إلا متهالكا متضائلا، يكفي أن تعرض له الذكرى، فإذا هو ~~يتبدد ويزول كما يتبدد سحاب الصيف. # وآية ذلك أنا نتجنب إذا التقينا وأخذنا في الحديث ذكر الفقيدين الشهيدين، ~~والإشارة إليهما من قريب أو بعيد؛ مخافة أن يخرج ذلك بنا عن طور التكلف هذا ~~الذي أخذنا به أنفسنا، وأجرينا بيننا عهدا صامتا على أن نلزمه، ونمعن فيه ~~لتستقيم لنا الحياة، كما تستطيع أن تستقيم لقوم لا يجدون ينبوع الحياة في ~~قلوبهم، وإنما يستمدون حياتهم من الخارج ويستعيرونها من الحوادث والظروف، ~~فهم يحيون متكلفين، ولولا هذا التكلف لما ظفروا من الحياة إلا بأسباب واهية ~~لا تغني عنهم شيئا. # وما أشك الآن في أن أمر أبوي شر من أمري؛ فإن لي من الشباب نشاطه وآماله ~~ما يسليني، رضيت ذلك أم كرهته، وما يعينني على أن أتجنب الذكرى، وأفر من ~~الحزن. فأما أبواي فليس لهما من هذا كله شيء؛ فقد فقدا نصف آمالهما حين ~~فقدا اثنين من أبنائهما الأربعة، وبقي لهما نصفها الآخر كئيبا شاحبا لا ~~يثير نشاطا، ولا يدعو إلى جد، ولا يكاد يبعث في النفوس فرحا ولا ~~ابتهاجا. # وهما يتجنبان الحديث في كل هذا بمحضر منا، ولكنهما يضمران غير ما يظهران، ~~ويتحدث كل منهما إلى صاحبه بما يذكي النار في قلبه ويضاعف الحزن على ~~نفسه، وكل ms012 منهما مع ذلك رفيق بصاحبه شفيق عليه يخفي عليه أكثر مما يظهر له. ~~لهما الله ما أشد ما يقاسيان وما أعظم ما يألم كل منهما إذا خلا إلى نفسه، ~~واستطاع أن يرفع هذا الحجاب الرقيق المتكلف، وأن يلقى وجها لوجه هذه ~~الصورة البشعة التي تركتها لنا الحرب والتي رأيتها أمس فأنفقت أشنع ليلة ~~وأشقاها. # 5 # ولم يكن النهار خيرا من الليل، وكأنما اصطلحت مظاهر الطبيعة وأسباب الحزن ~~على نفوس هذه الأسرة البائسة، فاضطرتها إلى هذا السجن البغيض الذي هو أثقل ~~شيء عليها؛ لأنه يخلي بينها وبين حقائق الأشياء، ويكرهها على أن تخلو إلى ~~نفسها وتعكف على آلامها وتذعن لهذه الخواطر المحزنة المؤلمة التي تضطرب في ~~نفوس المحزونين والبائسين. # فقد أصبحنا وإن الشمس لتنشر على القرية وما حولها من هذه الآكام اليسيرة ~~التي ترتفع وتتدرج في لين ورفق ودعة غشاء رقيقا جدا من الضوء، يسحر ~~العين ولكنه يثير في النفس شيئا من الحزن والأسى؛ لما ينقصه من القوة ~~والثبات والاستقرار، ويحمل النفس على أن تتساءل: أقادر هذا الضوء على أن ~~يثبت ويقوى فيغمر الأرض بحرارته وجماله ويبعث فيها القوة والنشاط؟ أم منهزم ~~هو أمام هذه السحب التي تسعى من بعيد سعيا رفيقا ولكنه ملح؟ # وما هي إلا ساعة أو بعض ساعة حتى كان جواب هذا السؤال واضحا؛ فقد انجاب عن ~~الربى والآكام هذا الغشاء الرقيق المتهلهل من ضوء الشمس، وامتلأ الجو بهذا ~~السحاب الذي كان يسعى ثقيلا يبطئ من ثقله لا من رفقه ولا من كلسه. وهذه ~~الآكام تحجب عنا، وهذه الربى تخفى علينا، وهذه آفاقنا تحد من كل وجه، وهذا ~~السحاب الثقيل البطيء يدنو من الأرض ويسعى في السماء وكأنه يزحف على الأرض ~~زحفا. وهذه ظلمة كثيفة تأخذنا من كل وجه، وهنا نحن أولاء نتحدث فيما بيننا ~~بأن يومنا لن يكون مضيئا ولا مشرقا ولن يكون يوم عمل ونشاط. # وما نطيل الحديث في ذلك، فقد أخذنا نسمع قصف الرعد بعيدا ولكنه يدنو، وإنها ~~لعاصفة عنيفة قد ثارت في السماء فوقفت ms013 الحركة وألجأت الناس إلى دورهم . وهذا ~~المطر ينهمر غزيرا عنيفا، وكل شيء يدل على أنه سيتصل وسيستغرق اليوم كله. ~~وها نحن أولاء قد لجأنا إلى دارنا كما لجأ الناس، وخلونا إلى أنفسنا وأخذنا ~~نشغلها بالحديث حينا، وبهذه الأعمال اليسيرة حينا آخر. ولكن الغريب في ~~أمرنا أن صبرنا على الحديث ضئيل، ليس له حظ من ثبات أو استقرار، كأنما يخاف ~~بعضنا بعضا، وكأنما يشفق بعضنا من بعض، وكأنما نحذر إن اتصل الحديث أن ~~ينتهي بنا إلى ما لا نحب؛ فنحن نقتصد فيه اقتصادا، وينتهي بنا إلى البخل ~~والإغراق في الصمت. وأي شيء أبغض من الصمت المتصل بين أسرة متحابة متعاطفة ~~لا تستطيع الحديث؛ لأنه قد ينتهي بها إلى ما تكره، ولا تستطيع الصمت؛ لأنه ~~قد يكون أسرع بها من الحديث إلى ما لا تحب؟! # وإذن فليفر بعضنا من بعض حتى لا يؤذي بعضنا بعضا بالحديث ولا بالصمت، وقد ~~فعلنا. فأما أنا فخلوت إلى الكتب، وأما أبواي وأخي فالله يعلم إلام خلوا، ~~وبماذا اشتغلوا. # وتجمعنا المائدة، فياله من اجتماع كئيب كله حيرة وكله ألم، وكله تردد بين ~~هذا الحديث المتقطع الذي لا غناء فيه، وهذا الصمت الكثيف الملح الذي يريد ~~أن يتصل، والذي يقول أكثر من كل حديث. ومع ذلك فقد لاحظت غموضا في وجه أمي ~~وشيئا من الإلغاز في وجه أبي، ولاحظت فيما كانا يلقيان إلي من النظرات ~~شيئا من العناية لم أتعوده من قبل، فيه إشفاق ظاهر وحنان قوي، وحب لم ~~يتعودا أن يظهراه على هذا النحو. # ولم يكن حديثهما إلي - على تقطعه وندرته - يخلو من بعض هذا. فقد كان الصوت ~~رقيقا عذبا أرق وأعذب مما ألفت، وكانت الجمل غامضة ملتوية بعض الشيء، ~~وكان فيها تلميح للمستقبل ولكنه تلميح حزين، يريد أن يخفي حزنه وأن يظهر ~~مسرورا مبتهجا بعض السرور والابتهاج. ولم يكن أخي بأوضح من أبوي وجها ~~ولا نظرا، ولكن غموض وجهه ونظراته لم يكن يشوبه الحنان والعطف ولا الإشفاق ~~والحب، وإنما كانت تشوبه هذه الدعابة الماكرة التي ألفتها ms014 منه، والتي ضقت ~~بها غير مرة؛ لأنها لا تخلو من قسوة تبعث الحنق وتثير الغيظ، وربما رأيت ~~على وجهه بين حين وحين ابتسامة لا تخلو من سخرية، ولكنها في الوقت نفسه لا ~~تخلو من مودة ودعابة ومزاح. ليس من شك في أن بينهم أمرا يخفونه، ولا ~~يريدون أن أظهر عليه إلا شيئا فشيئا، كأنهم يهيئونني له تهيئة، ويعدونني ~~له إعدادا. فما عسى أن يكون هذا الشيء؟ # لقد فكرت فيه، وزعمت لنفسي أني لا أعرفه، وأني حريصة على معرفته، وأني ضيقة ~~بجهلي له وغموضه علي. وما أرى إلا أني كذبت على نفسي، وما أرى إلا أني ~~تعمدت هذا الكذب؛ فإن نفوسنا - نحن الفتيات حين نبلغ من حياتنا هذا الطور ~~الذي أنا فيه - معقدة أشد التعقيد، ملتوية أعظم الالتواء. والغريب أن ~~آباءنا يظنون بنا السذاجة ويأخذوننا كما يروننا وينتهي إيمانهم بسذاجتنا، ~~إلى أن يقنعنا نحن بهذه السذاجة، وإلى أن يخدعنا نحن عن أنفسنا، وإلى أن ~~يخيل إلينا ويلقي في روعنا أننا كما يظنون، لا نفهم الحياة ولا نتعمقها، ~~ولا نكاد نعرف ما يهيأ لنا وما يراد بنا. ونحن ننظم سيرتنا على هذا النحو ~~من النفاق، من النفاق الذي لا نكاد نحسه ولا نتبينه، فضلا عن أن نعتمده أو ~~نقصد إليه. # كذلك أرادت أوضاع الحياة الاجتماعية أن يخدع الآباء عن أبنائهم، وأن يخدع ~~الأبناء عن أنفسهم، وأن تمثل في كل دار بين الشباب والشيوخ أو بين الجيل ~~الذي يستقبل الحياة والجيل الذي يستدبرها قصة قوامها هذا النحو من الخداع، ~~تضحك أحيانا ولكنها تحزن وتسوء في كثير من الأحيان. # زعمت لنفسي أصيل هذا اليوم أني لم أفهم غموض أبوي وتلميحهما، وأني لم أفهم ~~غموض أخي ودعابته. ولكنني كنت كاذبة على نفسي، ولن أكذب عليك أيها الدفتر ~~العزيز؛ فقد عاهدتك على أن تعرفني كما أنا، واستعنتك على أن أعرف نفسي. لقد ~~فهمت عن أبوي وعن أخي كل شيء. # إنما كانوا يعرضون بالمستقبل القريب، ويشيرون إلى خطبة تضطرب أحاديثها في ~~الجو من حولي، وتهيأ لها الأسباب ms015 تهيئة وهم يخفون أمرها علي حتى يتم ~~الإعداد لها، وحتى يصبح الحديث إلي فيها مجديا لا ينتهي بي إلى شك ولا ~~إلى خيبة أمل. وأنا أعرف هذا كله وأرقب هذا كله محبة لأبوي، راحمة ~~لسذاجتهما مكبرة لحنانهما ممزقة القلب من الحزن أن تتهيأ الحياة لتبتسم لي، ~~ومن حولي كل هذا الحزن العابس وكل هذا الألم العميق. # 6 # ولكني لا أعرف من أمر هذه الخطبة التي تهيأ ويتصل فيها حديث الأسرة أكثر مما ~~ذكرت. وما أخفي عليك ولا على نفسي أيها الدفتر العزيز أني قد ضقت بهذا ~~الجهل، وثقل علي هذا الغموض، وودت غير مرة لو استطعت أن أنفذ إلى قلب من ~~هذه القلوب الثلاثة الكريمة التي تحيط بي، وتمتلئ بحبي لأرى ما يثور فيه من ~~عاطفة، وما يضطرب فيه من تفكير. # ولكني لم أحاول قط أن أسترق السمع، أو أختلس بعض ما يتصل من حديث؛ لأني أرى ~~ذلك نكرا يأباه الخلق، وتنكره سيرة الفتاة المهذبة التي نشئت تنشئة ~~حسنة، وربيت تربية صالحة. وأي شيء أبغض من التسمع على الآباء والاحتيال في ~~استراق الحديث؟ وقد أنحدر في التفكير إلى أعماق نفسي، فأستكشف شيئا لا ~~أكاد أحققه، ولكني أضيق به ضيقا شديدا، فقد يخيل إلي أن الذي دفعني إلى ~~أن أتخذك لي صديقا، وأحاول أن أفضي إليك بأسرار نفسي؛ إنما هو هذا الشعور ~~الغامض الذي وجدته منذ أيام حين أحسست الغموض الطارئ على ما بيني وبين ~~الأسرة من صلة، وحين تبينت أو خيل إلي أني أتبين من هذا الغموض تفكيرا ~~في الخطبة وتهيئة للزواج. # لم أكن أستطيع أن أبادي بهذا الحديث أخي، أو أحد أبوي، فضلا عن أن أبادي ~~به إحدى صديقاتي، وقد هممت أن أطيل الحديث فيه إلى نفسي مفكرة مقدرة، ولكني ~~وجدت في ذلك مشقة وعنه عجزا. # لم أكن أحاول التفكير فيه حتى أصرف عنه وتدفع نفسي إلى التفرق وخواطري إلى ~~الشرود، فلم أر بدا من الالتجاء إليك، والاعتماد عليك؛ لأجمع هذه النفس ~~المتفرقة، وأرد هذه الخواطر الشاردة. وما أرى ms016 أني قد ألقيت إليك كل هذه ~~الأحاديث إلا فرارا من هذه الحقيقة التي أواجهها الآن، وتأخيرا لهذه ~~الساعة التي لا أستطيع الآن لها تأخيرا. إني لأجد مشقة شديدة في تحليل هذا ~~الشعور الذي يغمر نفسي، ويملأ قلبي منذ استكشفت سر أبوي دون أن أصل إلى ~~كنهه، أو أتبين جليته، فأنا سعيدة من غير شك وإن كنت أخفي هذه السعادة حتى ~~على نفسي؛ لأن الأوضاع الاجتماعية تريدني على ذلك. # أنا سعيدة حين أفكر في هذه الخطبة التي تهيأ، وفي هذا الزواج الذي يعد، وأي ~~فتاة مثلي لا تسعد بالتفكير في الخطبة والزواج؟! وأنا ثائرة أشد الثورة بأن ~~أبوي يفكران في ذلك وحدهما، ويستأثران به من دوني، ولا يشركانني فيما يكون ~~بينهما من تفكير أو حديث، كأنما الأمر يعنيهما أكثر مما يعنيني، ويمسهما ~~أكثر مما يمسني، وأنا مشفقة من عواقب استئثارهما بهذا الأمر، وانفرادهما ~~بالتفكير فيه، أخشى أن يتقدما فيه إلى أبعد مما ينبغي وأن أصبح أو أمسي ذات ~~يوم وإذا أنا أمام أمر واقع لا أستطيع أن أخلص منه إلا بالعنف الذي أكرهه، ~~وبالخلاف عن أمر أحب الناس إلي وآثرهم عندي وأكرمهم علي. # ثم أنا بعد هذا وذاك حائرة، يكاد حبي للمعرفة يقهر كل عاطفة أخرى في نفسي ~~ويملك علي كل أمري، ويصرفني إلا عن البحث والتفكير فيمن عسى أن يكون هذا ~~الشاب، الذي يفكر أبواي فيه ويهيئان للصلة بيني وبينه. # ويا للعجب! متى يشعر الآباء بأن الزواج لا يهيأ على هذا النحو، وبأن الخطبة ~~لا تعد على هذا الأسلوب، وبأن أمر الحب لا يدبر تدبيرا؟ ومع ذلك، فقد قلت ~~- وما زلت أقول: إني سعيدة بالتفكير في الخطبة والزواج، وآية ذلك هذا ~~الذهول الذي يستغرق أكثر وقتي حين أخلو إلى نفسي، والذي تملؤه أحلام غريبة؛ ~~منها الجميل الرائع، ومنها المخيف البشع، وكلها على ذلك يرضيني، ويملأ نفسي ~~سرورا وابتهاجا. ومن يدري، لعل في تكتم أبوي واستئثارهما بالأمر من دوني ~~بعض الخير، فهو الذي يبيح لي هذه الأحلام، ويغمرني بهذا الذهول، ويدفع ms017 نفسي ~~إلى هيام لا يخلو من لذة، لعل الأخلاق تنكرها، ولعل الحياء - حياء العذارى ~~- يمنعني أن أسطرها أو أصورها، لولا أني أفضي بذات نفسي إلى صديق مثلك أمين ~~يتلقى الأسرار فيخفيها حتى على نفسه. # إني لأستعرض عددا غير قليل من الشباب الذين أظن بهم الكفاءة، وأقدر أنهم ~~خليقون أن يفكروا في، أو يسألوا عني، أو يطمعوا في القرب من أسرتي؛ ~~أستعرضهم وأرى نفسي تتنقل بينهم كما تتنقل النحلة بين الألوان المختلفة من ~~الزهر، لا تكاد تلم بهذه الزهرة حتى تنتقل منها إلى زهرة أخرى، ثم إلى زهرة ~~ثالثة، وعلى هذا النحو. وإني لأستحي من هذا الهيام الآثم الذي لا أرضاه من ~~غيري لو أقبل عليه غيري، ولكني مع ذلك أعترف بأني غارقة فيه، مؤثرة له ~~مستمتعة به معتذرة مع ذلك عن نفسي؛ لأن أبوي هما اللذان دفعاني إليه حين ~~استأثرا من دوني بالتفكير في أمر هذه الخطبة، ولو أنهما أظهراني على ما ~~يدبران من الأمر لاقتصرت هذه النحلة الهائمة المتنقلة على زهرة واحدة، ~~فوقفت عندها ولم تعدها إلى غيرها من الزهر. ولم تضطر إلى الاستمتاع راغمة ~~بهذا الهيام الحلو البغيض. # وكذلك أنفق ساعات طوالا مع هذا الشاب أو ذاك من شباب القرية، ومن شباب ~~القرى المجاورة، فأسمع منه وأتحدث إليه وأبلو أخلاقه وأمتحن سيرته، وأنصرف ~~عنه راضية حينا وساخطة حينا آخر، حامدة مرة وناقدة مرة أخرى. وأنا مع ذلك ~~سجينة غرفتي، أو مضطربة في البيت، أو متنزهة في الحديقة، خالية إلى نفسي ~~على كل حال، لا أرى من هؤلاء الشباب أحدا ولا ألقاه بحديث، حتى طال علي ~~هذا الأمر وثقل على نفسي هذا الهيام، وأخذت أكره التفكير في الخطبة ~~والزواج، وأتمنى أن ينجلي هذا الغموض وأن تتاح لنفسي - هذه الهائمة - غاية ~~واضحة تقف عندها، مفكرة مقدرة، فتقبل عليها آخر الأمر أو تنصرف ~~عنها. # 7 # وهذا يوم من الأيام ينقضي كما انقضت هذه الأيام القليلة الماضية، لا تنجلي ~~فيه الحقيقة لهذه النفس الحائرة، ولا تستطيع نفسي أن تبرأ من حيرتها وأن ms018 ~~تفكر في غير ما دفعت إلى التفكير فيه. ومع ذلك فقد حاولت أن أشغلها عن ذلك ~~بالقراءة وبالحديث، فلما لم تغن القراءة ولا الحديث تكلفت شيئا من النشاط، ~~فخرجت للتروض وأبعدت في المشي. # ولكني رجعت كما خرجت مفرقة النفس شاردة الخواطر، مضطربة بين الثورة والهيام، ~~فلم أكد أستقر وأستريح من جهد الرياضة حتى استأنفت النشاط وخرجت فزرت بعض ~~الصديقات وأخذت معهن في ألوان من الحديث مختلفة، ولكني كنت أحس دائما أن ~~لي نفسين: إحداهما تلقى الصديقات وتتحدث إليهن وتسمع منهن، والأخرى مقيمة ~~في أعماق الضمير ظاهرة غير مستخفية، ناطقة غير صامتة، تبحث وتستقصي وتسأل ~~وتلح في السؤال، وتهيم وتشقى بالهيام. وما أظن إن اتصل الأمر على هذا النحو ~~إلا أنه سيظهر لأسرتي، وستنكر أمي بعض سيرتي، وسأضيق بهذا الإنكار وبما ~~سيتبعه من السؤال. # ما أشد حاجتي إلى رحلة قصيرة تخرجني من هذه البيئة وتصرفني عن هذه الخواطر! ~~ولكن هل إلى الرحلة من سبيل؟ إن قوانين الأسرة صارمة صلبة لا مرونة فيها ~~ولا لين. الرحلة ميسرة لنا في الصيف، نصعد في الجبل إلى أرفع من هذه القرية ~~التي نعيش فيها، أو ننحدر إلى المدينة أو إلى ما يليها من شواطئ، أو نبعد ~~في السفر فنهبط إلى ساحل البحر، فنغير الجو والإقليم تغييرا تاما. وقد ~~كانت الأعوام التي سبقت الحرب تتيح لنا الإمعان في السفر وتجاوز حدود فرنسا ~~من هذه الناحية أو تلك، وربما سمحت لنا بركوب البحر وعبوره أيضا. # الرحلة ميسرة في الصيف لأنها تبيح لنا الاستمتاع بحقنا من الراحة. والرحلة ~~ممكنة في الشتاء على أن تكون قصيرة، وعلى أن تكون قريبة، وعلى أن تدعو ~~إليها الظروف؛ فقد نزور هذا الفرع أو ذاك من فروع الأسرة التي أراد حسن ~~الحظ ألا تجتمع في قرية واحدة أو في إقليم واحد، وإن تقاربت مواطنها وسهل ~~تزاورها. الرحلة ميسرة في الصيف ممكنة في الشتاء، ولكنها محظورة في غيرهما ~~من فصول السنة إلا أن تدعو إليها ظروف قاهرة. # ومهما تكن رغبتي في الرحلة فإني أوثر ms019 البقاء على أن أرحل مستجيبة لبعض هذه ~~الظروف. وما أدري بعد ذلك، أواجدة أنا في نفسي الشجاعة على السفر إن تهيأت ~~لي أسبابه؟ فليس من اليسير ولا من الأشياء التي أستطيع احتمالها ترك هذين ~~الشيخين المحزونين، وهذه الأم البائسة ذات القلب الكسير والبال الكاسف ~~والحياة التي أظلمت من جميع جوانبها، ولم يبق فيها إلا هذا الضوء الضئيل ~~الذي يأتي من أخي ومني فيعينها ويعين زوجها على الصبر والاحتمال. # لا، ليس إلى الرحلة من سبيل، وما ينبغي التفكير فيها فضلا عن التحدث بها، ~~وحسبي أن يوما سيأتي بعد وقت طويل أو قصير أرحل فيه عن هذه الدار وأنأى ~~فيه عن هذين الشيخين، وأن هذا مصير أخي، وأن أمر هذين الأبوين صائر إلى هذه ~~الوحدة المنكرة التي لا أفكر فيها إلا امتلأت لها نفسي حزنا، وامتلأ منها ~~قلبي رعبا. وحسبي أن هذين الأبوين الكريمين يهيئان لأنفسهما هذه الوحدة، ~~ويعدان لأنفسهما هذه العزلة، يؤديان بذلك ما يريانه واجبا عليهما وحقا ~~لنا، لا يفكران فيما هما أهل له من عطف، ولا يذكران ما قد يحتاجان إليه من ~~معونة. # إنهما يفكران في ذلك ويجدان، هما الآن يفكران في خطبتي وزواجي، وسيفكران ~~غدا - إن لم يكونا قد فكرا - في خطبة أخي وزواجه، وهل لهذا كله نتيجة ~~بالقياس إليهما إلا الوحدة المظلمة والعزلة المؤلمة والحياة القاتمة التي ~~يحياها أصحابها وقد يئسوا من ماض لا سبيل إلى عودته وانتظروا مستقبلا أيسر ~~ما يقال فيه إنه الضعف والعجز والفناء والموت؟ # كلا، ما ينبغي لي أن أفكر في الرحلة، بل ما ينبغي لي أن أفكر في فراق هذين ~~الشيخين قبل أن يكون لي من هذا الفراق بد، بل ما ينبغي لي أن أضيق بشيء أو ~~أن أظهر لهما أني ضيقة بشيء، وإنما أيسر حقهما علي ألا يريا مني إلا ~~وجها مشرقا، وثغرا باسما، ونفسا راضية، وقلبا مطمئنا يملؤه الحب ~~والوفاء، ويفيض منه العطف والحنان. # وإني لقادرة على ذلك، وإني لراغبة فيه حريصة عليه، لولا هذا الخاطر الثقيل ~~الملح الغامض الذي ms020 أثاره في نفسي أمر الخطبة وحديث الزواج . # أعني - أيها الدفتر العزيز - على أن أكون جلدة حازمة ضابطة لأمري، مالكة ~~لنفسي مسيطرة على عواطفي وخواطري، محتملة لهذا الهيام الغريب الذي أحبه ~~وأبغضه، والذي أقدم عليه وأحجم عنه. # أعني - أيها الدفتر العزيز - فإني في حاجة إلى معونتك لأقف من نفسي ومن ~~أبوي هذا الموقف الغريب، الذي لا أكاد أتصوره حتى أرتاع له، وأضحك منه؛ ~~فهو مروع حقا ومضحك حقا. أتريد أن أفضي إليك بخبيئة نفسي ودخيلة ضميري؟ ~~إذن فأصغ إلي، واستمع لي، ولا تضحك مني، إني عاشقة قد تيمها العشق، ولكني ~~عاشقة لشخص مجهول لا أعرف من أمره شيئا. هو هذا الذي يفكر أبواي في أن ~~يكون لي زوجا. # 8 # إنك تسرفين في السهر يا ابنتي، وأخشى أن يؤثر ذلك في صحتك، بل أكاد ألمح ~~آثاره، فإني أرى لونك حائلا ووجهك شاحبا، وأحس منك فتورا لم أتعوده ولا ~~أحب أن أحسه. # قالت لي أمي ذلك بعد أن منحتني قبلة الصباح، ثم وضعت يديها على كتفي، ~~وحدقت في وجهي فأطالت التحديق، ثم ضمتني إليها ووضعت على خدي قبلتين، لم ~~تكد تفرغ منهما حتى انحدرت من عينيها دموع غزار، وحتى خنقت العبرة صوتها ~~فولت منصرفة ومضت إلى غرفتها لا تلوي على شيء. # وكان هذا كله مفاجئا لم أكن أتوقعه، وكان هذا كله سريعا لم يتح لي أن أفكر ~~فيه. دفعتها إليه الغريزة، ودفعها إليه ما يملأ حياتها من حزن وإشفاق. ولم ~~أكن أقل منها تأثرا بالغريزة، فمضيت في أثرها مسرعة حتى انتهيت إلى ~~غرفتها، فإذا هي جاثية أمام الصليب صامتة مغرقة في الصمت، لا ينطلق لسانها ~~بالصلاة ولا يندفع صوتها بالبكاء، والدموع تنحدر من عينيها صامتة أيضا، ~~وقد أظلها الحزن الهادئ الوديع بجناحيه، فظهرت عليها سكينة مؤثرة تملأ ~~القلب حزنا وأسى، وتشيع فيه رهبة وجلالا. # وقد قمت منها غير بعيد، ولبثت أرمقها بنظرات ما أرى إلا أنها كانت تحمل بعض ~~ما كان يفيض به قلبي من حب وحنان، وكأنها أحست وقع هذه النظرات على ms021 شخصها، ~~فتحولت عن الصليب في أناة وهدوء، ثم نهضت متثاقلة وهي تهدي إلي ابتسامة ~~حلوة يبلها الدمع، ثم سعت إلي حتى بلغت مكاني، فضمتني إليها مرة أخرى ~~وقبلتني متمالكة متماسكة، ثم أخذت بيدي ومضت تسعى حتى انتهت إلى كرسي طويل ~~فجلست وأجلستني إلى جانبها، وطوقت عنقي بذراعها، وجعلت تنظر إلي فتطيل ~~النظر ولا تقول شيئا. # وما أشك في أن نظرها هذا الصامت الطويل إنما كان صراعا بين حبها لي وحزنها ~~هذا المتصل. وكانت تريد أن ترد الحزن إلى مقره من أعماق نفسها، وأن تقيم في ~~المكان الظاهر من قلبها حبها لي وبرها بي وعطفها علي. وقد أتيح لها ذلك ~~بعد لحظة، فجعلت تلاطفني بيدها تمسح بها خدي مرة وتجري أصابعها في شعري مرة ~~أخرى، وجعل نظرها إلي يتصل كما كان ولكنه يهدأ ويرق ويلين حتى صار حنانا ~~وعطفا، ولم يتح للسانها مع ذلك أن ينطلق بشيء، ولم يتح لشفتيها مع ذلك أن ~~تنفرجا عن شيء. # والغريب أن لساني أنا أيضا قد ظل معقودا، وأن شفتي أنا أيضا قد ظلتا ~~مقفلتين، وقد كنت مع ذلك أدرت في نفسي كلاما أريد أن أقوله لها، وقدرت في ~~خاطري ألفاظا حلوة أريد أن أرسلها إلى نفسها الثائرة وقلبها المكتئب، ~~ولكني أنسيت كل شيء ولم أجد في نفسي شيئا، ولم أستطع أن أدير لساني ~~بحرف. وإذا أنا ألاطفها كما تلاطفني وأداعب خدها وشعرها كما تداعب خدي ~~وشعري وأقبلها بين حين وحين. # وما أدرى أطال مجلسنا هذا أم قصر، ولكني أعلم أني كنت أسرع منها إلى النشاط، ~~فقد نهضت خفيفة رشيقة فاستقبلتها ثم انحنيت عليها فأخذت كتفيها فهززتهما ~~هزا عنيفا رفيقا معا، وأنا أقول لها في صوت حزين يتكلف الفرح وبوجه ~~عابس يتصنع الابتسام: «هلم هلم يا أماه ما هذه القصة الصامتة التي أخذنا في ~~تمثيلها منذ اليوم؟ أي شيء طرأ؟ وأي حادث عرض؟ ألم أنهك عن هذا البكاء؟ ألم ~~أحرم عليك هذا الإغراق في الحزن؟ ما أجمل هذه التحية التي استقبلتني بها! ~~أهكذا تلقى الأمهات ms022 بناتهن حين يشرق لهن وجه النهار؟ هلم هلم يا أماه إنك ~~خليقة أن أغضب عليك وأن أعاقبك عقابا شديدا فأعبس لك النهار كله وأعرض عن ~~حديثك إلى الغد. هلم هلم ما كنت أدري أن السن تتقدم بك فتردك إلى سيرة ~~الصبية والأطفال.» # أقول لها ذلك متكلفة أول الأمر، ولكن التكلف يزول شيئا فشيئا، وإذا أنا ~~أراني جادة، ويخيل إلي أني قد صرت لها أما وأنها قد صارت لي بنتا ~~ناشئة، وأني أؤدبها وأهذبها وآخذها في سيرتها بالرشد والصواب، وإذا أنا ~~أنهضها فلا تمتنع علي، وإنما تستجيب لي فتنهض غير متثاقلة، وإذا أنا أطوق ~~خصرها بذراعي وأسعى معها رفيقة فتسعى مطيعة مذعنة وعلى وجهها إشراق كئيب، ~~وعلى ثغرها ابتسام حزين، حتى إذا خرجنا من غرفتها وأغلقت الباب من دوننا، ~~قلت لها في لهجة العاتبة: لقد أخرت ساعة إفطاري، ألا تستحين؟ إنك قد أفطرت ~~من غير شك، فلا عليك ألا يفطر الناس، ومع ذلك فإني لن أفطر الآن عقابا ~~لك! # فتلتفت إلي وتهم أن تتكلم، تريد من غير شك أن تحرضني على الإفطار، ولكني ~~أريحها من الكلام قائلة: لقد صرفت نفسي عن الرغبة في الطعام والشراب، ولا ~~بد لي من لحظات قصار أتنسم فيها الهواء وأطوف في أثنائها بالحديقة، وأحس في ~~أثنائها ما يملأ الحديقة من زهر وشجر، وأتلقى تحية الزهر والشجر أيضا، ~~وستشهدين هذا كله وسترافقينني في هذه الرياضة، فلعلها ترد إليك بعض الحكمة، ~~ولعلك تثوبين معها إلى الرشد، ولعلها تهيئك لإفطار جديد، فلن أفطر وحدي هذا ~~اليوم، ولا بد من أن تحتملي هذه الخطيئة التي لا أغتفرها. # أقول لها هذا كله في صوت يضطرب بين الشدة والهدوء، وبين التكلف والجد، وهي ~~تسمع لي مذعنة أول الأمر، ثم مقبلة علي مبتسمة لي، وما هي إلا لحظات حتى ~~نكون في الحديقة مطوفتين؛ أنا أقف بها من حين إلى حين عند هذه الجماعة أو ~~تلك من النجوم والأزهار، متحدثة إليها ألوانا من الحديث عن هذه النجوم ~~والأزهار، داعية البستاني بين وقت ووقت، أستفسر ms023 منه مرة، وألومه طورا، ~~وأنهاه طورا، وما أزال على ذلك حتى أرد إلى قلبها بعض الأمن، وإلى نفسها ~~بعض الهدوء، وإذا هي تشاركني في بعض الحديث وتوافقني في هذه الملاحظة ~~وتخالفني في تلك، حتى إذا بلغت من ذلك كله مأربي رجعت بها إلى غرفة ~~المائدة، فاضطرت متكلفة، وأكرهتها على أن تشرب قدحا من القهوة. ثم أمضيت ~~معها الضحى كله أجاذبها أطراف الحديث في شئون مختلفة متباينة، لا تتصل بي ~~ولا بأخي، ولا بالفقيدين الشهيدين، وإنما تتصل بأهون الأشياء وأيسرها ~~وأجدرها أن ينفق فيه الوقت، ويستعان به على احتمال الحزن والألم. # وكذلك أنفقنا صباح اليوم حليفتين على دفع هذا الضيف البغيض الذي أراد أن ~~يغزو دارنا وأن يفسد أمرنا وأن يردنا إلى شر ما كنا. ولم أفارق أمي إلا حين ~~تقدم المساء، وبعد أن فرغنا من غدائنا ومن هذا الحديث الذي تعودنا أن نأخذ ~~فيه بعد الغداء. ولم أتركها وحيدة، وإنما أوصيت بها إلى أبي، ونبهته في رفق ~~إلى أنها لم تكن حكيمة ولا رشيدة صباح اليوم. ومن يدري لعله هو أيضا لم ~~يكن حكيما ولا رشيدا، ولعله لم يكن أقل منها حزنا، ولكن الرجال يحسنون ~~الصبر ويتقنون التجلد، ويبلغون من كظم الحزن وإخفاء العواطف ما لا يبلغ ~~النساء. # وخلوت إلى نفسي بعد ذلك، فجعلت أستعرض ما كان من الأمر وألتمس له - كما ~~تعودت - العلل والأسباب، ولكني لم أستطع أن أرد هذه الأزمة الطارئة ~~المفاجئة إلى سبب معقول أستريح إليه. وكيف عرفت أمي أني أسرف في السهر؟ ~~إنها إذن تلاحظني أكثر مما كنت أظن. لقد كنت أحسب أني كنت آمنة على خلوتي ~~إذا افترقنا حين يتقدم الليل، وأن كلا منا يأوي إلى غرفته فيفرغ لنفسه من ~~كل إنسان، ومن كل شيء، وتؤجل الصلات بينه وبين الناس والأشياء إلى غد، ~~ويستمتع بحريته الكاملة ساعة قبل أن يغلبه النوم. كنت أظن ذلك، ولكني كنت ~~واهمة، فهذه أمي تلحظني بعد أن نفترق، وتعرف أني أسرف في السهر، وتلومني في ~~ذلك لوما رفيقا. # وليس من ms024 شك في أنها تلاحظني منذ أيام، فهي لم تقل لي لقد أسرفت في السهر أمس ~~أو أول من أمس، وإنما قالت لي إنك تسرفين في السهر. إنها لا تتعمد هذه ~~الملاحظة، فليس هذا من خلقها، ولكن المسكينة مؤرقة دائما تسرف في السهر عن ~~اضطرار، لا عن عمد. وما أكثر ما يضطرها الأرق إلى النهوض من سريرها ~~والاضطراب في غرفتها والوقوف إلى النافذة تستنشق الهواء وتنظر إلى ~~السماء! # ولعلها تلتمس نفس هذا أو ذاك من فقيديها الشهيدين، متحيرة بين هذه الأشعة ~~الضئيلة التي ترسلها النجوم إلى الأرض. وأكبر الظن أنها لاحظت الضوء ينبعث ~~من نافذتي، فصبرت على ذلك مرة ومرة، فلما تكررت الملاحظة وطال الأمر لم تطق ~~على ذلك صبرا، فدفعها الإشفاق إلى هذا التنبيه. والغريب أن لنافذتي ~~أبوابا، وأن من دونها أستارا، وأن هذه الأستار إن أسدلت وتلك الأبواب إن ~~أغلقت، خليقة أن تحجب الضوء وتمنعه من النفوذ. # ولكني لا أحسن إليك الخلوة أيها الدفتر العزيز، ولا أحتاط حين أناجيك وأفضي ~~إليك بأسرار الضمير، على أني لم أفهم كيف انتهى إشفاق أمي علي من الإسراف ~~في السهر بنفسها إلى هذه الأزمة الحادة، فقد كان من أيسر الأشياء أن تدعوني ~~إلى ما تحب، وتنهاني عما تكره، دون أن يضطرب قلبها هذا الاضطراب ~~العنيف. # أترى حزنها يعظم لها الهين من الأمر ويكبر لها الصغير من الشأن ويخيفها من ~~أقل الأشياء دعاء للخوف؟ أترى فقدها لابنيها يملأ قلبها حرصا على استبقاء ~~ابنيها الآخرين، فهي تشفق عليهما من أيسر الأمر وأهونه؟ أم ترى أن في الأمر ~~شيئا آخر وأنها لم تكد تتحدث إلي وتضمني إليها، حتى ثارت في نفسها عواطف ~~وعرضت لها شئون وتصورت المستقبل القريب أو البعيد، وأشفقت من فراق قريب أو ~~بعيد، فثارت العاصفة وكانت الأزمة؟ # وإذن فما زلنا في هذا السر الغامض والحديث الملتوي والتفكير الخفي في الخطبة ~~والزواج. # ولم تطل خلوتي إلى نفسي، ولم يطل تفكيري في هذا الأمر؛ فهذا أخي قد أقبل على ~~غير عادة فجعل يخلط الهزل بالجد، ms025 ثم أظهر الرغبة في أن يخرج معي للتروض ، ~~وقد أنكرت عليه ذلك فلم يحفل بالإنكار، وامتنعت عليه فلم يأبه للامتناع، ~~وظفر في آخر الأمر بما أراد فأخرجني من الغرفة ثم من الدار وجعل يهيم بي في ~~الغابات هابطا ومصعدا ومحدثا أفانين من اللعب والمرح والجنون، ولم يردني ~~إلى الدار إلا حين آن وقت العشاء. # لقد سلاني حزن أمي عن نفسي صباح اليوم، وسلاني مرح أخي عن نفسي مساء اليوم، ~~وكنت أظن أني سأستقبل هذه الليلة بما كان من حديث الصباح والمساء، ولكن أبي ~~أراد أن يشغلني بشيء غير هذا الحديث. # لقد أقبل علي قبل أن نفرغ من العشاء، وقال في صوت هادئ رزين حزين: إن أمك ~~تشفق من إسرافك في القراءة، فماذا تقرئين إذن؟ قال أخي: إن أمنا لتشفق من ~~أيسر الأشياء، وما أرى إلا أن مادلين غارقة في قصصها السخيف تنصرف إليه عن ~~عمل النهار وراحة الليل، فلا تلمها ولم هؤلاء الكتاب الذين يفسدون على ~~الناس حياتهم بما ينشرون من هذا القصص الذي لا رأس له ولا ذيل. # ولولا أني ملكت نفسي لوثبت إلى أخي فقبلته، فقد فتح لي باب المعاذير على غير ~~علم منه ولا إرادة، وأتاح لي أن أجيب بأن ما يقوله حق. فأنا عاكفة هذه ~~الأيام على قراءة الكاتب الإنجليزي ويلز. قال أخي: وليتك تحسنين القراءة، ~~إنما تتبعين القصة وتعرضين عما فيها من وصف وفن. قلت: ما أنت وذاك، إنك لا ~~تعرف كيف أقرأ، وأنا على كل حال خير منك فأنت لا تقرأ شيئا. # وكنت أريد أن يشتد الخصام بين أخي وبيني، فأصرف أبي عن هذا الحديث الذي أخذ ~~فيه، ولكنه قال في صوته الحزين الرزين: ستختصمان حين تخلوان إلى أنفسكما، ~~فأما الآن فإني أحب لك يا ابنتي أن تقرئي في النهار وتستريحي في الليل، ~~وإذا لم تحرصي على الراحة لنفسك فاحرصي عليها لتطمئن أمك وتستريح. وهممت أن ~~أجيب، ولكن أبي مضى في الحديث قائلا: «ليس من الخير أن تغرقي في القراءة ~~على هذا النحو، وما ms026 أشفق على الشباب من شيء كما أشفق عليه من هذا العكوف ~~المتصل على الكتب؛ فإن العقل ليس كل شيء، وقد يكون للجسم بعض الحق في أن ~~يعيش. وأكبر الظن يا ابنتي أنك ضيقة بالحياة في هذه القرية ذات الآفاق ~~المحدودة وفي أسرتنا هذه التي فقدت ما كانت تألف من فرح وبهجة، وسنك في ~~حاجة إلى الفرح والابتهاج.» # وأهم أن أجيب ولكنه يمضي في الحديث قائلا: «ولعل من الخير أن تغيري من ~~حياتك بعض الشيء وأن تتركي هذه البيئة الشاحبة الحزينة، وقتا ما، وتعيشي ~~في بيئة أخرى فيها ترفيه على النفس، وتسلية عن الهم وتحقيق لما ينبغي من ~~نشاط. فكري في ذلك، وسنفكر، ولكن عديني منذ الليلة بأنك ستقتصدين في ~~القراءة وستريحين أمك من هذا الخوف الجديد.» قلت وقد اضطربت نفسي أشد ~~الاضطراب وظهرت آيات الارتباك في وجهي وصوتي: «لك ما تشاء يا أبي، ائذن لي، ~~ولتأذن لي أمي، في أن أمضي الليلة في القراءة لأتم قصة بدأتها أمس، وما ~~أراني أستطيع أن أصبر عنها إلى غد.» قالت أمي: «الليلة فحسب.» قلت: نعم. ~~قال أخي: «الأمر أيسر من هذا، إن عادت إلى السهر قطعنا عنها ضوء الكهرباء.» ~~وتضاحكنا في حزن! # ثم افترقنا حين تقدم الليل وخلوت إليك أيها الدفتر العزيز، فلم أتم قصة ~~بدأتها وإنما حدثتك بما كان من أمري. وهأنا هذه حائرة، لا أدري كيف تكون ~~خلوتي إليك منذ الغد، وحائرة أيضا لا أدري كيف خطر لأبي أن ينفيني عن هذه ~~البيئة الحزينة الشاحبة إلى بيئة أخرى لها حظ من فرح وابتهاج. وحائرة أيضا ~~لا أدري أأستجيب إلى ما أراد عليه من الرحيل، أم أظهر الخلاف والامتناع؟ ~~ولكن الشيء الذي لا أتردد فيه هو أني سأخلو إليك! وسأبثك حديثي في النهار ~~أو في الليل، وفي المقام أو في الرحيل. # 9 # نظرت إلى شخصه فامتلأ به قلبي، وسمعت صوته ففتنت به نفسي، وراقصته ساعة ~~فصرفت إليه عن كل شيء. # نعم عن كل شيء حتى عنك أنت أيها الدفتر العزيز، فقد مضت ms027 أيام طوال لم أبثك ~~فيها سري ولم أفض إليك فيها بحديث نفسي، وكنت قد عاهدتك على أن أجدد الخلوة ~~إليك في الليل أو في النهار، وفي المقام أو في الرحيل، ولكني لم أفعل كما ~~ترى. وما أدري أأنكرت غيبتي عنك وضقت بإبطائي عن لقائك، ولكن الذي أعلمه ~~أني صرفت عنك كارهة في اليوم الذي تلا آخر ما أفضيت به إليك من ~~حديث. # شغلت بأمر هذه الرحلة التي أصبحت، فرأيتها قد دبرت لي تدبيرا، وفرضت علي ~~فرضا، ولم يبق لي إلا أن أهيئ لها نفسي وآخذ في أسبابها، ولم يمد لي الوقت ~~للتهيؤ والأخذ في الأسباب. وإنما دعيت إلى ذلك أول النهار، وانحدرت بي ~~السيارة إلى المدينة في آخره، وقضيت ما بين ذلك في إعداد ما لم يكن من ~~إعداده بد لغيبة قد تتصل أسابيع. # وانتهيت إلى المدينة حين تقدم الليل شيئا، فكان لقاء عمتي وأبنائها، وكان ~~العشاء، وكان السمر المتصل والأحاديث المختلفة. ثم آويت إلى غرفتي متعبة ~~متهالكة مؤثرة أن أسلم نفسي إلى النوم على أن أخلو إليك لأبثك السر وآمنك ~~على نجوى الضمير. # ثم أفيق من غد فإذا أبناء عمتي قد أقبلوا علي وكأنما كلفوا أنفسهم أو ~~كلفهم غيرهم أن يحولوا بيني وبين الفراغ لنفسي والخلوة إليها، فهم لا ~~يفارقونني وجه النهار وهم لا يكفون عن التحدث إلي بألوان الحديث، وإظهاري ~~على ما تعود أمثالهم أن يظهروا عليه مثلي من شئون دارهم ومن شئونهم الخاصة، ~~حتى إذا كان الغداء، وخيل إلي أني سأخلو بعده إلى نفسي لأستريح. ولأتحدث ~~إليك شيئا حيل بيني وبين هذا أيضا، فقد هيأ هؤلاء الشياطين رياضة تستغرق ~~ما بقي من النهار؛ رياضة في البحيرة نطوف أثناءها بهذه الشواطئ الجميلة ~~الهادئة المطمئنة التي تبعث في النفوس هدوءا واطمئنانا، الباسمة الحزينة ~~التي تبعث في النفس حزنا وابتساما، والتي تدفع إلى كثير من التفكير ~~الغريب المؤثر الذي لا يستبد به العقل، وإنما يشترك فيه العقل والحس ~~والشعور. والذي ينتهي بصاحبه إلى أن يمتزج بهذه البيئة الحلوة الهادئة، ~~ويكاد ms028 يفنى فيها ويحيي في نفسه رغبات هادئة، ولكنها ملحة غامضة، ولكنها مع ~~ذلك تكاد تنم عن نفسها لثنايا القلب وأعماق الضمير. # رياضة في هذه البحيرة، وتطويف بهذه الشواطئ، وإلمام ببعضها ثم تصعيد هادئ في ~~هذه الربى التي ترتفع في رفق وكأنها مبسوطة ليس لها حظ من الارتفاع، ثم ~~انحدار مرة إلى هذه الغابة عن يمين، وانحراف مرة أخرى إلى هذه الغابة عن ~~شمال، واضطجاع هنا على هذا العشب الكثيف، وتنافس هناك في اقتطاف هذه ~~الأزهار الصغار الدقاق وإلى اجتناء هذه الأثمار الوحشية الحلوة التي تمتلئ ~~بها الغابات. # ثم نداء فجائي إلى الإسراع بالعودة، فقد أقبل الليل ولا بد من أن نتهيأ ~~للعشاء؛ فإنا لن نجلس إلى المائدة وحدنا، ولكن أسرة فلان مدعوة إلى العشاء ~~هذا المساء، وما كنت أعرف من أمر هذه الدعوة شيئا، وما كنت أفكر إلا في ~~أننا سنقبل على طعامنا كما فعلنا أمس وسنسمر طرفا من الليل نتجاذب فيه ~~الحديث، وقد نختلف فيه إلى البيانو، وقد نستمع فيه لبعض الغناء تدعى إليه ~~هذه أو تلك من بنات عمتي، فتقبل عليه كارهة أو متكلفة للكراهة، وكنت أفكر ~~فيما بيني وبين نفسي أن القوم سيدعونني إلى العزف وسيلحون علي في الغناء، ~~وكنت أكره ذلك وأضيق به، ولكنني كنت أذعن له كما أذعن للقضاء المحتوم. فهذه ~~قوانين الأسرة لا سبيل إلى الخلاف عنها أو الامتناع عليها. # وكنت أدير في نفسي لحنين أو ثلاثة من ألحان شوبان لأوقعها على البيانو، ~~وأغنيتين أو ثلاثا من أغاني فوريه لأغنيها إن دعيت إلى ذلك. # وكنت أستذكر هذا كله في أثناء الرياضة والحديث، وكنت حريصة أشد الحرص على ~~ألا يظهر مني ضعف أو يبدو مني تقصير؛ فقد لا ينبغي أن يتحدث عني بنات عمتي ~~بأني قد نسيت العزف أو قصرت في الغناء. وإن أمي لحريصة أشد الحرص على أن ~~أكون سباقة في هذين اللونين من ألوان الفن، وعلى أن يسجل السبق لي حين أكون ~~في هذا الفرع من فروع أسرتنا خاصة. # كنت أفكر في هذا ms029 كله، ولكن الأمور جرت على غير ما كنت أقدر ، فقد علمت أن ~~القوم يولمون وأنهم قد دعوا إلى وليمتهم منذ أيام وأنهم تعجلوا هبوطي إليهم ~~من قريتي تلك المرتفعة الشاهقة لأشهد وليمتهم هذه. ثم علمت فاشتد ضيقي بما ~~علمت، أن الأمر لن يقتصر على العشاء والسمر، ولكنه يتجاوز ذلك إلى الرقص، ~~وإلى الرقص الذي لا يشترك فيه المدعوون إلى العشاء وحدهم، وإنما سيشترك فيه ~~معهم قوم آخرون دعوا إلى السهرة. # وكان هذا كله قد دبر فأحكم تدبيره، وقد أخفي علي وكتم عني ولم يرفع لي عنه ~~الحجاب إلا قبل العشاء بساعة وبعض ساعة، ولو قد علمت ذلك لما استجبت إلى ~~الدعوة، ولما انحدرت من القرية، ولامتنعت على أبوي حين ألحا علي في ~~الرحلة؛ فقد انقطع عهدي منذ الحرب وما تركت فينا من الأحزان، بهذه الحياة ~~الفرحة المرحة، وبهذا اللون من ألوان العبث البريء. وما كنت أشك في أني ~~سأعود إلى ذلك يوما ما، فلا بد للأحياء من أن يحتملوا الحياة ويتلقوا ما ~~فيها من الخير والشر، ولكني كنت أقدر أني سأعود إلى هذا كله شيئا فشيئا ~~وقليلا قليلا لا على هذا النحو المفاجئ الذي يأخذني كأنه السيل الذي لا ~~سبيل إلى التحول عنه أو التخلص منه. # ومهما يكن من شيء فقد وجدتني مكرهة على ما لا أحب، وما أشد ما ضحك مني أبناء ~~عمتي حين رأوا ما ظهر على وجهي من ضيق وسخط ومن اضطراب وارتباك! وما أشد ما ~~سخروا مني في أثناء العودة! حتى إذا انتهينا إلى الدار تفرقوا عني ومضوا ~~يصلحون من شئونهم ويتهيئون لاستقبالهم. # وخلوت أنا إلى نفسي في غرفتي لأصلح من شأني، وأتهيأ للاستقبال، ولكني رأيتني ~~أغرق في بكاء عميق صامت لم أحاول تفسيره ولم أحاول الخروج منه، وإنما وجدت ~~فيه راحة ووجدت فيه لذة وأحسست فيه وفاء، وكنت خليقة أن أمضي فيه لولا أن ~~يطرق باب الغرفة طرقا خفيفا، ثم يفتح الباب قبل أن آذن بالدخول، ثم تظهر ~~عمتي هادئة رزينة، وقد أغلقت الباب من ms030 دونها وسعت إلي مطمئنة وهي تقول في ~~صوت خافت كأنما تتحدث إلى نفسها: «لم أخطئ التقدير إذن!» ثم تدنو مني ~~فتنحني إلي فتقبلني، ثم تنهضني فتضمني إليها ضما رفيقا ملؤه الحنان ~~والحب، وقد أخذت دموعها هي أيضا تنحدر. وقد رجعت تقول لي في صوت تخنقه ~~العبرة: «لا بأس عليك يا ابنتي! لقد كنت أقدر أني سأراك في هذه الحال، ولقد ~~كنت أشفق أن تمضي في حزنك هذا حتى يصرفك عن ما لا بد لك منه. # هلم يا ابنتي إن الحياة لا بد من أن تحتمل، وإن فيها الحزن وإن فيها الفرح، ~~إن فيها الوفاء للموتى وإن فيها الوفاء للأحياء. لم يكن بد يا ابنتي من أن ~~نخرجك من هذا الحزن المتصل الذي ألح عليك أعواما إلى ما ينبغي لشبابك من ~~الحياة الباسمة المبتهجة. إن اتصال الحزن قد يليق بالشيوخ الذين قضوا ~~الآراب من حياتهم، وقد ينبغي أن نهون عليهم الآلام ونعينهم على احتمال ~~الخطوب، حتى يخرجوا من هذه الحياة وقد ذاقوا من آلامها أقل ما يمكن أن ~~يذاق، ولكنا لا نطمع لهم في السلو المطلق والعزاء الخالص، فليس لهم إلى ذلك ~~سبيل. # فأما أنت وأترابك من الشباب، فإن لكم على الحياة حقا يجب أن يؤدى إليكم في ~~هذا الطور من أطوار شبابكم، وللحياة عليكم حقوقا ستؤدونها حين تتقدم بكم ~~السن. انظري إلى أبويك، لقد نعما بالشباب وذاقا لذاته كلها، واستمتعا بما ~~فيه من فنون الترف وألوان الغبطة، وإني لأشاركهما يا ابنتي في الحزن وأشفق ~~عليهما منه، وأود لو استطعت أن أحط عنهما بعض أثقاله، ولكنني لم أطق ولن ~~أطيق أن يتسلط الحزن على الشباب وتثقل عليهم وطأته؛ فإن الشباب لم يخلقوا ~~للحزن، ومن الظلم أن يتعجلوا نصيبهم من مرارة الحياة. # هلم يا ابنتي خذي بحظك من النشاط لهذه الليلة التي لم تهيأ إلا لك، والتي ~~يجب أن تظهري فيها جميلة رائعة كأجمل ما كنت، وكأروع ما يمكن أن تكوني. يجب ~~أن تكوني زينة المائدة، وزينة المرقص، ويجب أن يكون لك ms031 السبق والتفوق. هلم ~~أصلحي من شأنك، وسأرسل الخادم لتعينك على ما تحتاجين إلى المعونة فيه، ~~وسأعود لأراك قبل أن تهبطي إلى غرفة المائدة، ويجب أن أرضى عن زينتك وإلا ~~فستستأنفين من أمرك كل شيء.» # ثم تقبلني وتنصرف، ثم تعود بعد ساعة فتنظر إلي مقبلة مدبرة مستعرضة، وترضى ~~عن كل شيء إلا عن وجهي هذا الذي ينقصه الابتسام والإشراق. ولكنها مطمئنة ~~إلى أن أبناء عمتي سيفيضون عليه من ذلك ما ينقصه، ثم يكون العشاء والسمر ~~والرقص، وقد كان بين المدعوين والسامرين والراقصين فتى نظرت إلى شخصه ~~فامتلأ به قلبي، وسمعت صوته ففتنت به نفسي، وراقصته ساعة فصرفت إليه عن كل ~~شيء. # يا للعجب أكنت مهيأة لهذا الفتى؟ أكان هذا الفتى مهيأ لي؟ أكانت خطبتي إلى ~~هذا الفتى موضوع الحديث الغامض بين أبوي وأخي؟ ما أدري، ولكن الفتى تردد ~~على دار عمتي أياما، ثم تسألني عمتي ذات صباح: ما رأيك في مكسيم جيرو؟ فلا ~~أدري كيف أجيب، وإنما أحس كأنما دمي كله قد صعد إلى وجهي، وأرى ابتسامة ~~حلوة على ثغر عمتي وأسمعها وهي تسعى إلي لتقبلني: إنه قد صعد مع أبويه ~~إلى القرية ليزور أبويك. # 10 # ما أشد حيائي منك ومن نفسي، أيها الدفتر العزيز! لست أدري أين وجدت القوة ~~التي مددت بها إليك يدي لأستخرجك من مستقرك، الذي وجدت فيه وحيدا مهملا ~~منسيا أكثر من ثلاثة أعوام. ولست أدري كيف فكرت فيك، وأقبلت عليك بعد ~~اطراحي لك وإعراضي عنك. ولست أدري كيف أجد القدرة على التحدث إليك الآن بعد ~~أن وجدت القدرة على أن أطوي عنك الأحاديث طول هذه الأوقات المتصلة، التي لا ~~أقدر طولها ولا اتصالها إلا الآن. # ما أشد حيائي منك ومن نفسي، فإن إقبالي عليك الآن وإفضائي إليك ببعض الحديث، ~~لا يدلان إلا على أني امرأة كسائر النساء فيها ضعفهن وقصورهن وغرورهن، وإلا ~~على أني كائن من هذه الكائنات التي تزعم أنها مميزة بالثقافة والحضارة وما ~~خصت به الحضارة من ترقية العقل وتصفية الطبع وتنقية الضمير، ورفع ms032 النفوس عن ~~الصغائر والدنيات، وما هي في حقيقة الأمر إلا كائنات وضيعة قد اتخذت من ~~الثقافة والحضارة طلاء يخدعها من عيوبها الراسخة التي لا تكاد تفرق بينها ~~وبين غيرها من أنواع الكائنات التي لا حظ لها من ثقافة أو حضارة أو ~~تهذيب. # ما أشد حيائي منك ومن نفسي، وما أشد اختلاط الأمر علي! إني لا أريد أن ~~أستأنف الصلة بينك وبيني بعد أن انقطعت فطال انقطاعها، فلا أجد السبيل إلى ~~ذلك ميسرة ولا ممهدة، فأتردد وأضطرب وأقدم بين يدي ويديك مقدمات ومعاذير لا ~~تغني عن الحق شيئا، ولا تزيد على أن تصور خجلي واستخذائي من هذه الحقيقة ~~البشعة التي أواجهها، فتنقبض لها نفسي أشد الانقباض، ويشمئز منها قلبي أعظم ~~الاشمئزاز، وأنظر مع ذلك كارهة فأطيل النظر وأفكر فيها مع ذلك راغمة فأطيل ~~التفكير، كأني أجد فيما أحس من الألم لذة، وفيما أشعر به من العذاب غبطة ~~وسرورا، وهي أني خائنة غادرة أثرة عاجزة، نسيتك حين كنت سعيدة، وذكرتك حين ~~أخذت تتراءى لي أشباح الشقاء. # ليتك أنسيت كل ما أفضيت به إليك من الأحاديث، فإني قد أنسيتها أو كدت ~~أنساها، ولكنك قوي الذاكرة، لا تنسى شيئا، شديد الأمانة لا تضيع شيئا. ~~ولقد نظرت فيك فرأيت صورة نفسي المضطربة التي ائتمنتك عليها منذ أعوام، ~~والتي لجأت بها إليك ألتمس لها عندك العزاء والمعونة والتسلية. ورأيت ما ~~قدمت إليك من العهود المؤكدة على أن أكون وفية لك مقيمة على الوفاء لما ~~أهديت إليك من مودة، ولما بادلتك من ثقة، وإذا أنا أستخذي، وإذا أنا أضيق ~~بنفسي حتى أزدريها أشد الازدراء. # لقد وفيت لي فأعرضت عنك أكثر من ثلاثة أعوام، لا لشيء إلا لأني كنت مشغولة ~~عنك بهذه السعادة التي غمرتني فصرفتني عن الحياة والأحياء، وأنستني الناس ~~والأشياء، ووقفت قلبي وعقلي وحسي وشعوري وعواطفي وأهوائي على نفسي، وعلى ~~هذا الفتى الذي اختطفني من الحياة ذات مساء، وارتفع بي إلى جو بعيد في ~~السماء، فعاش معي فيه تلك العيشة الراضية التي كانت خليقة أن تطهر ms033 نفسي من ~~كل رجس وتبرئها من كل عيب، وتنقيها من كل وضر، وتسبغ عليها من الفضائل ~~ومكارم الأخلاق ما ينزهها عن الشر والنقص تنزيها. ولكنها لم تزد على أن ~~نمت فيها هذه الغرائز البغيضة، غرائز الأثرة والخيانة والغدر والجحود. أليس ~~صحيحا إذن ما كان يقال من أن السعادة تطهر النفوس، ومن أن الحب يذكي ~~القلوب؟ لقد كنت سعيدة، فلم تثر في السعادة إلا الرغبة في الاستزادة ~~منها، ولقد كنت محبة فلم يثر في الحب إلا الرغبة في الاستئثار بمن كنت ~~أهوى. # هون عليك أيها الدفتر العزيز، إني لم أهملك وحدك ولم أختصك بالإعراض ~~والنسيان، ولكني أهملت معك قوما ما كنت أقدر في يوم من الأيام أني ~~سأهملهم أو أقصر في ذاتهم أو أسوءهم بالجحود والعقوق. لقد احتفظت بمظاهر ~~الحب والود بيني وبين أسرتي، فزرتها واستزرتها وأقمت معها الأيام والليالي، ~~واضطربت معها في الحياة وخضت معها في ألوان الحديث. ولكن الله وحده يعلم كم ~~آلم الآن حين أذكر ما أثرت في قلب أمي من ألم، وما بعثت في نفسها من حزن، ~~وما أفضت على قلب أبي من هذا الشعور الواضح الكئيب، بأن الأثرة قوام ~~الحياة، وبأن الأبناء يحيون لأنفسهم قبل أن يحيوا لآبائهم، وبأن السعادة ~~تغري بالقسوة وتدفع إلى الأثرة وتصرف القلوب في أكثر الأحيان عن البر ~~والرحمة والحنان. # لم أسئ إلى أسرتي باللفظ، ولم أسئ إليها بالعمل، وما أراها تعتد علي بظاهر ~~من التقصير أو الإهمال، ولكني مع ذلك أسأت إليها فأسرفت وآلمتها فغلوت! ~~انصرفت عنها إلى نفسي، وشغلت عنها بحياتي، وأظهرت لها ذلك مئات من المرات ~~في نبرات الصوت، وفي حركات الجسم، وفي لحظات الطرف، وفي الإبطاء حين كان ~~يحسن الإسراع، وفي الإسراع حين كان يحسن الإبطاء، وفي الفتور حين كان يجب ~~النشاط، وفي النشاط حين كانت تستحب الأناة. # في هذه الأشياء اليسيرة التي تحس وتلحظ ولكنها لا تكاد تثبت للتصوير ~~والتعبير. هي أيسر من ذلك وأدق، هي تنفذ من أعماق النفوس إلى أعماق النفوس، ~~لا تكاد تمر على ms034 الألسنة ولا تكاد تستقر في العقول، ولا في مظاهر الحس ~~والشعور، وهي من أجل ذلك مؤذية مهلكة شديدة الخطر على الحب والود، وعلى ما ~~بين الناس من صلات. هي أشبه شيء بهذه الجراثيم التي كانت تفتك بحياة الناس، ~~وتذيع فيهم ألوان الوباء والموت دون أن يحس لها الناس وجودا، أو يستطيعوا ~~منها احتياطا. ولكن العلم قد كشف هذه الجراثيم وأخذ يعلم الناس كيف ~~يعرفونها، وكيف يدرسونها وكيف يتقونها. فمتى يستكشف العلم هذه الجراثيم ~~المعنوية التي تفسد الود، وتفتك بالحب، وتقطع أمتن ما يكون بين الناس من ~~صلات؟ # لا يشتد وجدك علي ولومك لي، أيها الصديق العزيز؛ فإني لم أختصك بالخيانة، ~~ولم أوثرك بالغدر، وإنما أشركت معك في الخيانة والغدر قوما آخرين لهم ~~علي أكثر مما لك علي من الحق، وهم بعد ذلك يشعرون أكثر مما تشعر، ~~ويألمون أكثر مما تألم، ويشقون بعقوق الأبناء أكثر مما تشقى بتقصير ~~الصديق. # لقد أحببت أبوي حبا ما كنت أعرف له حدا ولا أمدا، ثم لم يمنعني ذلك ~~من أن أقصر في ذاتهما، ومن أن أوذيهما بالإهمال والإعراض حين أتيحت لي ~~السعادة واستأثر بي الحب. ولقد عاهدتك على الود الدائم والوفاء المقيم، ثم ~~لم يمنعني ذلك من أن أعرض عنك وأنساك حين أتيحت لي السعادة واستأثر بي ~~الحب. أمن الحق إذن أن الحب يقاس بالحاجة، وأني إنما أحببت أبوي لأني كنت ~~محتاجة إليهما، متصلة بهما مدينة لهما بكل شيء، فلما جاءتني السعادة من ~~مصدر غير مصدرهما، ولما أحسست الحاجة إلى شخص غيرهما تحول عنهما حبي وقصر ~~في ذاتهما قلبي؟ # أفكنت محبة لك لأني كنت محتاجة إليك أبثك همي وأتخفف إليك مما كان يثقلني من ~~الآلام والأحزان؟ فلما صرفت عني الهموم ورفعت عني الآلام والأحزان لم أحتج ~~إليك، فلم أحفل بك ولم أفكر فيك، وتركتك في مكانك هذا الذي استقررت فيه ~~أكثر من ثلاثة أعوام، يوشك أن يكون هذا حقا، وهو مؤلم وهو مخجل، ولكن، ما ~~لي لا أتشجع وما لي لا أواجه الحق وما لي ms035 لا أسجل على نفسي هذا الاعتراف ~~بالخزي؟ # ما الذي حملني على أن أفكر فيك وأخرجك من عزلتك الطويلة وأشق عليك بهذا ~~الحديث الطويل الثقيل؟ وما الذي حملني على أن أكتب إلى أبوي منذ ساعة ~~كتابا طويلا يفيض رقة وحبا وحنانا، ويطلب إليهما إما أن يزوراني وإما ~~أن يأذنا بزيارتي لهما؟ ما هذا الحنان المفاجئ الذي يدفع بي إلى أحضان ~~أبوي؟ وما هذا الوفاء المفاجئ الذي يدفع بي إلى استئناف ما بينك وبيني من ~~صلات الود؟ هو الأثرة، والأثرة وحدها. # هو الأثرة التي تظهر في مظهر الضعف والعجز والحاجة إلى التسلية والعزاء. لقد ~~صرفتني عنك وعن أبوي الأثرة التي كانت تظهرها السعادة قوية طاغية باغية ~~عنيفة، ولقد ردتني إليك وإلى أبوي الأثرة التي تظهرني ضعيفة عاجزة يائسة ~~أشد اليأس شقية أشد الشقاء. # لقد جرى القلم إذن بما لم أكن أحب أن يجري به، ولقد سجلت على نفسي إذن ما ~~كنت أكره أن أسجله، وما منعت نفسي من تسجيله منذ أسابيع، لقد اعترفت بأني ~~ضعيفة، وبأني عاجزة، وبأني بائسة شقية. # ولقد آثرتك أنت بهذا الاعتراف، ولم أوثر أبوي منه بشيء؛ لأنك أقدر على ~~احتمال الشكوى، ولأنك أحفظ للسر وأملك للعزاء، ولم أحتج إليك في يوم من ~~الأيام كما أحتاج إليك الآن أيها الصديق، إليك وحدك أستطيع أن أشكو، وعليك ~~وحدك أستطيع أن أعول، سأصدقك لأنك تحتمل الصدق، وسأكذب على أبوي لأن ~~الصدق يقتلهما لو سمعاه. # أترى إليهما وقد ضحيا في تربيتي وتنشئتي بما ضحيا، واحتملا في سبيل سعادتي ~~ما احتملا، وسعدا حين ظنا أنهما قد أتاحا لي هذه السعادة، وتعزيا بذلك عن ~~كثير من آلامهما، بل تعزيا بذلك عن هذه الآلام التي صبها عليهما ما كان من ~~التفريق بيننا؟! # أترى إليهما وهما يألمان لهذا الفراق ويشقيان بعزلتهما ويستلذان الألم ~~ويستعذبان الشقاء لأنهما يظنانني سعيدة؟ # أترى إليهما لو عرفا أني شقية بائسة، وأني قد استنفدت حظي من السعادة في عام ~~وبعض عام، ثم أخذت هذه السعادة تكدر شيئا فشيئا ويمازجها البؤس قليلا ~~قليلا، ms036 ثم أخذت تضؤل وتهون وتمحى، حتى صارت حياتي كلها ألما وشقاء؟! ~~أترى إليهما لو عرفا هذا كله؟ أيثبتان له؟ أيتعزيان عنه؟ أيصبران عليه؟ ~~كلاهما أضعف من ذلك. لقد قسوت عليهما حين كنت سعيدة، فلأرقن لهما ~~ولأرفقن بهما حين استقبلت الشقاء. # أما أنت أيها الصديق العزيز فقد خلقت لغير هذا، خلقت لتحتمل قسوتي عليك ~~بالشكاة والأنين، حين أشقى وأبتئس. وقد أخذت بحظك من قسوتي عليك أثناء ~~السعادة والنعيم، فأما حظك من قسوتي عليك بالشكاة والأنين فسيتصل ما اتصلت ~~بك وبي الحياة. # 11 # الآن نستطيع أن نتحدث في يسر وإسماح، أيها الصديق العزيز، فقد عدنا إلى ~~البيئة الهادئة الحلوة التي نشأت فيها مودتنا هادئة منذ أعوام، حين تحدثت ~~إليك لأول مرة بما كان يساور نفسي من اضطراب غامض عميق، فوجدت في الحديث ~~إليك لذة وراحة وأمنا ودعة. # عدنا إلى هذه الغرفى التي عرفت صباي، وعرفت شبابي، والتي رأتني أنشأ ~~وأتغير وأستقبل الحياة وما فيها من لذة وألم، والتي رأيتها أنا ثابتة ~~باقية، وإن تغير ما يختلف عليها من الصور، وما ينتظم فيها من الأداة ~~والأثاث. عدنا إلى هذه الغرفة الصديقة التي نشأت بينها وبيني مودة قديمة، ~~لا أكاد أذكر متى ابتدأت ولا أكاد أعرف متى تنتهي، ولا أشك في أني قد نسيت ~~أشياء كثيرة، أثناء الغيبة، ولكني لم أنسها ولم أنس مكاني أو أمكنتي منها، ~~وإنما كنت أرى نفسي فيها مضطربة وساكنة، عاملة ومطمئنة إلى الكسل، مفكرة ~~ومسترسلة في الأحلام، مستيقظة ونائمة، آوية إليها بما كان يملأ نفسي من ~~الابتهاج حينا والابتئاس حينا آخر، مرسلة نفسي على سجيتها حين كانت تبتهج ~~وتبتئس فمستمتعة بأقصى حظي من حريتي في الفرح والحزن وفي الأمل ~~والقنوط. # عدنا إلى هذه الغرفة التي تعارفنا فيها، ولو أنك تمثلت لي الآن شخصا لضممتك ~~إلي ولمنحتك قبلة تصور فرحي بلقائك في هذا المكان الأمين الوفي، أشبه ~~بهذه القبل التي أمنحها لأعضاء الأسرة حين ألقاهم في هذه الدار، بعد أن ~~تطول الغيبة ويبعد الأمد ويشتد الشوق. # لست أدري، أتفهم عني؟ ms037 بل لست أدري أيفهم الناس عني إن تحدثت إليهم بأني أجد ~~القبلة التي أتلقاها من أمي وأبي، وأضع في القبلة التي أمنحها لأمي وأبي في ~~هذه الدار حرارة لا أجدها، ولا أضعها فيما أتلقى منهما وما أمنحهما من ~~القبل في مكان آخر؟ إن نفوسنا لغريبة الأطوار، وإنها لشديدة التأثر بما ~~يكتنفها من الظروف، وما يحيط بها من الزمان والمكان. # لقد حاولت منذ أيام أن أتحدث إليك بدخيلة نفسي، وأن أفضي إليك بهذه الآلام ~~التي أخذت أحسها منذ حين، وبهذا الشقاء الذي أخذ يسعى إلي شيئا فشيئا، ~~فلم أجد من نفسي نشاطا لذلك، ولا قدرة عليه، وإنما جعلت أدور حوله ولا ~~أتعمقه، كأن شيئا كان يصدني عنه صدا ويصرفني عنه صرفا. # وكأن هذا الشيء لم يكن إلا تلك البيئة التي كنا فيها، فإنها لم تكن بيئة ~~شكاة وتبسط في الإفضاء بالسر والتخفف من الحياء. كنت أنظر إلى غرفتي تلك ~~فأشعر أني طارئة عليها لا ناشئة فيها، فأستحي منها وأستحي مما فيها من ~~الأدوات والأثاث أن تظهر على مكنون سري أو دخيلة أمري؛ لأني كنت أراها ~~غريبة لم تظفر مني بعد بهذه الثقة التي تبيح إذاعة السر والإفضاء بدخائل ~~النفوس. ومع ذلك فقد ظهرت تلك الغرفة على كثير من أسرار نفسي ودخائل أمري، ~~حين كنت أسعد بالحب، وأنعم بتلك الحياة الرائعة في غير تحفظ ولا تحرج ولا ~~احتياط. لقد ائتمنتها على حبي وسعادتي وأظهرتها على فرحي ومرحي واغتباطي ~~بالحياة. # ولكني لا أخفي عليك. كنت أحس شيئا من الحياء دائما، مهما خرجت بي السعادة ~~عن طور الوقار والأناة، ولا أخفي عليك أني لم أنس بعد ما أحسست من الألم ~~اللاذع حين تمنيت شيئا فلم أظفر به ولم أقدر عليه، فقد كنت أحب أن أعرف ~~زوجي وأواجه حبي في هذه الغرفة التي عرفت صباي وشبابي، والتي ألفتني ~~وألفتها، لا في تلك الغرفة الغريبة من ذلك الفندق الغريب في مدينة ~~البندقية، ولا في تلك الغرفة الغريبة من تلك الدار الغريبة التي أقمت فيها ~~مع زوجي ms038 في المدينة، ولكن ذلك لم يتح لي؛ لأن تقاليد الناس وأوضاعهم تريد ~~أن يتعارف الزوجان في الغربة، وأن تبتدئ سعادة الحياة الزوجية في أماكن ~~ليست بينها وبينهما صلات أو عهود. # ولست أخفي عليك أيضا أني لم أستطع أن أبثك حزني وألمي في تلك الغرفة من دار ~~زوجي؛ لأنها قد عرفتني سعيدة مغتبطة فلم تعرف من نفسي إلا هذه الناحية، ~~ووجدت المشقة كل المشقة والجهد كل الجهد في أن أظهرها من نفسي على الناحية ~~الحزينة المبتئسة. بخلت بها على ذلك، وبخلت بذلك عليها، آثرتها بمظاهر ~~السعادة والغبطة، وآثرت نفسي بحقائق الحزن والشقاء. # ما أشد ما أخدع نفسي وأعبث بها! وهل حياتنا إلا خداع وعبث؟ لقد رأتني تلك ~~الغرفة سعيدة ناعمة البال، ولكنها رأتني مؤرقة مفرقة النفس، رأتني كئيبا ~~ورأت دموعي تنهل وسمعتني أمانع صوتي أن يجهش بالبكاء، ورأتني أكظم الغيظ ~~وأحبس الغضب في نفسي أن ينفجر، وأرد نفسي بالعنف عن الثورة العنيفة، ~~وأكرهها على الصبر والاحتمال، وأكلف ثغري الابتسام ووجهي الإشراق، وإن قلبي ~~ليدمى وإن في نفسي لكلوما لا تؤسى. # وأرفع رأسي عزيزا أبيا، وإن في نفسي لذلة وانكسارا. وأنا مع ذلك أزعم ~~أني قد أخفيت على تلك الغرفة أسرار حزني وشقائي، لا لشيء إلا لأني لم أتحدث ~~بهذه الأسرار جهرة، ولم أصورها في الألفاظ والجمل، كأن تلك الغرفة في حاجة ~~إلى الألفاظ والجمل لتعرف هذا الشقاء الذي نشأ فيها منذ حين يسيرا ضئيلا، ~~ثم أخذ ينمو ويشع حتى كاد يستأثر بها استئثارا. # إن نفسي لغريبة الأطوار، وإني لأجد بينها وبين نفوس الأطفال شبها قويا، ~~فأنا كالأطفال أفيض الحياة على الأشياء الجامدة من حولي، وأشيع فيها العقل ~~والحس والشعور ويخيل إلي أنها تراني، وتلحظني وتسمع مني وتفهم عني. ثم ~~أتحدث إليها وأنتظر منها رجع الحديث كما يتحدث الأطفال إلى لعبهم، وكما ~~ينتظرون منها رجع الحديث. # وماذا أصنع الآن؟ إنما أفيض عليك، أيها الدفتر العزيز، حياة وأشيع فيك حسا ~~وعقلا وشعورا، وأشكو إليك وأنتظر منك العزاء. لا أتكلف ذلك تكلف الأديب، ~~ولكني ms039 أجد في ذلك جد الطفل؛ ذلك لأني ضعيفة عاجزة وحيدة، لا أستطيع أن ~~أتحدث إلى الناس بما أتحدث به إليك؛ لأن الذين أنتظر منهم المعونة والعزاء ~~لا يحتملون هذا الحديث، ولا يقدرون لي على شيء، بل لا يقدرون لأنفسهم على ~~شيء، ولأني فقدت الثقة بغيرهم من الناس، وكيف أستطيع أن أثق بالغريب وقد ~~وجدت الخيانة من الغريب؟ وكيف أستطيع أن أشكو إلى هذا الصديق أو ذاك وأنتظر ~~منه تعزية أو تسلية أو نصحا أو إخلاصا، وقد التمست النصح والإخلاص عند ~~أحب الناس إلي وأكرمهم علي، وعند أشد الناس لي حبا وأعظمهم لي ~~إيثارا فلم أجد منه إلا خيانة وغدرا؟ # لك الله، أيها الزوج العزيز التعس، لو تعلم إلى أي حد انتهى بك الإثم، وإلى ~~أي طور أخرجك النزق، لو تعلم أنك قتلت نفسا وسحقت قلبا ومزقت ضميرا، لو ~~ينفذ هذا الشعور إلى نفسك، لو يستقر هذا الخاطر في عقلك؛ إذن لكنت أشقى ~~الناس، وأضيقهم بالحياة وأزهدهم فيما تضطرب فيه من لذة، وما تتهالك عليه من ~~نعيم. لقد وثقت بك ثقة الطفل بأمه، ولقد أمنت إليك كما يأمن الطفل إلى أمه، ~~فأضعت تلك الثقة وأزلت هذا الأمن، ووطئت بقدميك نفسا أنت تحبها وتؤثرها، ~~وعرضت للشقاء والبؤس شخصا هو أكرم عليك من نفسك وسعادته آثر عندك من ~~سعادتك. # ولكنك غافل لا تدري. لقد هممت منذ أيام أن أرد عنك هذه الغفلة، وأذود عنك ~~هذا الجهل، وأزيل عن بصيرتك الغطاء، وأظهرك على هذا القلب الذي تدميه، وعلى ~~هذا الضمير الذي تؤذيه، وعلى هذه النفس التي تمزقها تمزيقا. ولكني لم أجرؤ ~~لأني أحبك وأعلم أنك تحبني وأخشى أن تكون المصارحة بما بينك وبيني من هذا ~~السوء خطرا على هذا الحب الذي أريد أن أحوطه وأصونه وأحميه من الموت. لقد ~~هممت بهذه المصارحة في تلك الليلة التي جعلت تناقش فيها صديقك فيليب فيما ~~ينبغي من احترام الأوضاع الاجتماعية، لقد كنت لبقا قوي الحجة في ذلك ~~الجدال، ولكن صديقك قد أفحمك واضطرك إلى الصمت، واضطرني أنا ms040 إلى أن أترك ~~غرفة الاستقبال حينا لأكظم حزنا كاد ينفجر وأكفكف دموعا كادت تنهل، ~~وأستعير من الصبر والجلد وقوة الإرادة وجها مشرقا يمكن إظهاره ~~لأضيافنا. # كنت تقول لصديقك إن الخير في ألا يستطيع أحد أن يباديك من أمرك بما يخجلك، ~~فأجابك: خير من ذلك ألا تبادي أنت نفسك بما يخجلها. فصدمتك هذه الجملة، ~~واضطرب لها لسانك، واحمر لها وجهك شيئا، واضطررت أنا إلى أن أتحول عنكما ~~حتى لا يظهر من أمري مثل ما ظهر من أمرك. # أنت إذن عاجز عن أن تبلغ بنفسك هذا الطور، وأنت إذن تعرف من أمر نفسك ما لا ~~تستطيع أن تباديها به لأنه يخجلها. فلو عرفت أن غيرك يستطيع أن يباديها ~~بهذا المخجل، ولو عرفت أني أستطيع أن أقص عليك قصتك كلها مع صديقتنا لورنس. ~~فماذا أنت صانع؟ # 12 # ربما كان ابننا هذا العزيز البريء مصدر هذه الآلام التي تملأ قلبي، وهذا ~~الشقاء الذي يغمر نفسي، وهذا اليأس الذي أحاول أن أخفيه فلا أكاد أظفر من ~~ذلك بما أريد إلا مع الجهد العنيف الذي احتملته إلى الآن، والذي لا أدري ~~أأستطيع أن أمضي في احتماله والصبر عليه. وكم يؤذيني ويضنيني ويمزق نفسي ~~البائسة أن أقرن ابني هذا العزيز البريء إلى ما أحس من ألم، وما أجد من ~~شقاء، وما أتعرض له من يأس، على حين أنه قرة عيني ونعمة بالي ومصدر سعادتي، ~~والقيمة لحياتي منذ عرفت نفسي إلى أن عرفته، والغاية الصحيحة لحياتي منذ ~~عرفته إلى الوقت الذي لا أقدر له فيه على شيء. # ولكن الشجاعة إنما هي مواجهة الحق كما هو، والاعتراف بالواقع كما وقع، وأمور ~~الحياة كلها متناقضة على هذا النحو؛ فيها الخير والشر، وفيها النعيم ~~والبؤس، وعنها تصدر السعادة ويصدر الشقاء. فلو أني خيرت بين ابني هذا ~~العزيز البريء وبين أي لون من ألوان السعادة، لما ترددت في الاختيار؛ فهو ~~حياتي بل هو آثر إلي من حياتي، ولكنه مع هذا كله كان مصدر ما أحس من ألم ~~وما أجد من شقاء. # كنت ms041 قبل مقدمه فارغة لزوجي مشغولة به مصروفة إليه موقوفة الجهد على حبه ~~وإمتاعه بهذا الحب. وكان هو قبل مقدم هذا الصبي يحبني كما تعود الأزواج ~~العشاق أن يحبوا نساءهم، يمنحني خلاصة نفسه وصفوة ضميره، ولكنه لا يمنحني ~~نفسه كلها ولا ضميره كله كما كنت أمنحه نفسي كلها وضميري كله. كان يصرف عني ~~بين حين وحين إلى أعمال الحياة وأعراضها، وإلى أسباب العيش وشواغله. # ومن الحق أنه كان يضطرب في هذا كله مفكرا في، محبا لي، مؤثرا لي بخير ~~ما يستطيع أن يؤثرني به من الحب والإخلاص، ولكنه كان على كل حال يضطرب في ~~الحياة ويعنى بأعراضها وأسبابها، ويصرف عني بعض الشيء في أثناء ذلك. ولم ~~أكن أنا أفكر إلا فيه، ولم أكن أعيش إلا له، بل لم أكن أعيش إلا به، فكان ~~حبي يحوطه وكان حبي يغمره، وكان حبي يأخذ عليه كل سبيل، وكان حبي يشتد حتى ~~يثقل عليه أحيانا، وكنت أحس هذا وآلم له وألوم نفسي عليه وأرفه على صديقي ~~فأعفيه من بعض ما كان يدفعني إليه الحب الجامح من الكلف والهيام ومن البر ~~والحنان. # ولكن ابننا، هذا العزيز البريء، أقبل ذات يوم فسعدنا بمقدمه وما زلنا ~~سعيدين، ونعمنا بتنشئته وما زلنا ناعمين، ونشأت بيننا صلة جديدة هو قوامها، ~~وشغلت أنا بهذا الصبي شيئا وأصبحت لي في الحياة غاية جديدة لم تكن لي من ~~قبل. والله يشهد ما أضعفت هذه الغاية من حبي، ولا خفقت من وجدي، ولا صرفت ~~قلبي عن زوجي قليلا ولا كثيرا، فإن لقلوب النساء سعة لا تعرفها قلوب ~~الرجال؛ فهي تستطيع أن تحب الولد إلى أقصى غاية الحب، وأن تحب الزوج إلى ~~أقصى غاية الحب؛ وهي تستطيع أن تجمع بين هذين النوعين من الحب، وأن تلائم ~~بينهما وأن تخلص فيهما دون تهاون أو تقصير. # هي أوسع من الزمان، وهي أوسع من المكان، وهي أوسع من هذه الجهود المادية ~~التي يبذلها الناس في الزمان والمكان، هي تسع حب الزوج وحب الولد، ولكن ~~الزمان لا يستطيع أن ms042 يسعهما في حيز واحد، أو نحن لا نستطيع أن نؤدي حقوق ~~الزوج ، ولا حقوق الولد معا، في لحظة واحدة وفي حيز واحد وفي جهد ~~واحد. # فنحن إذا فرغنا للصبي وعنينا به صرفنا عن الزوج، ونحن إذا فرغنا للزوج ~~وعنينا به صرفنا عن الولد. والرجال أثرون لا يحتملون التقصير، ولا يصبرون ~~على التفريط، وهم بعد هذا قلقون لا يرضون عن شيء، ولا يطمئنون إلى شيء، وهم ~~بعد هذا وذاك جشعون ليس لهم حظ من قناعة، فمهما نعطهم فنحن دون ما ~~يطلبون. # وكذلك أخذت من الوقت الذي كنت أفرغ فيه لزوجي ما منحته للصبي، ولم يضق زوجي ~~بذلك في ظاهر الأمر ولا خفيه، وإنما رآه حقا وملائما لطبيعة الأشياء، ~~وملائما كذلك لما كان يملأ قلبه من حب الصبي، ولكنه على كل حال قد وجد من ~~الوقت فراغا لم أكن أشغله، ووجد حرية لم يكن يجدها، واستطاع أن يخلو إلى ~~نفسه وأن يتصرف في وقته، وأن يشغل بغيري حين كنت أنا أشغل بالصبي، وكذلك ~~هيئت له أسباب لم تكن مهيأة له من قبل، وكذلك أحس فراغا فأراد أن يملأه، ~~وكذلك انتهت به الحياة شيئا فشيئا إلى ما لم يكن يريد، وإلى ما لم أكن ~~أقدر أنه سينتهي إليه. # وكانت لورانس إلفا لنا قد رفع بينها وبيننا الحجاب، وزالت بينها وبيننا ~~الكلفة، تزورنا في كل وقت ونزورها في كل لحظة، ونلتقي على العلات لا نضرب ~~للقاء موعدا ولا نهيئ له أسبابا. كانت فارغة مثرية، وكانت جميلة رائعة ~~الجمال. ردت الحرب إليها زوجها مريضا قد أثقلته العلة، وقامت على تمريضه ~~والعناية به جادة في ذلك كل الجد، مخلصة له كل الإخلاص. # ولكن العلة كانت أقوى من جدها، وأنفذ من إخلاصها؛ فقضى ذلك الشاب المسكين ~~شهيدا من شهداء الحرب، وما أكثر هؤلاء الشهداء الذين عادوا إلى أوطانهم ~~يحملون الموت في ناحية من حياتهم، يجاهدونه ويجاهدهم! فقليل منهم يطول به ~~الجهاد فيحيا حياة قد استأثر الموت بأعظمها، وكثير منهم يصرعون فيفارقون ~~هذه الدنيا وفي نفوسهم من الآلام ms043 والحسرات ما لا سبيل إلى وصفه؛ آلام الأمل ~~الذي ينقطع وقد كان خليقا أن يتصل، وآلام الرجاء الذي ينبت وقد كان ~~حريا أن يدوم، وحسرات الشهيد الذي كان خليقا أن يتجرع لذة الشهادة ~~وشرفها في ميدان القتال، فإذا هو يموت في فراشه، حزينا كئيبا بعد أن صارع ~~الموت ألف مرة ومرة. # وقد احتملت لورنس خطبها جلدة، وصبرت عليه عزيزة النفس عميقة الحزن، وصرفت عن ~~الحياة ولذاتها أعواما، ولكن في شيء مؤثر حقا من الاحتفاظ بالكرامة، ~~والاعتداد بالنفس، وادخار الحزن لخلوتها حين لا ترى أحدا، ولا يراها أحد. ~~وكنا نجد ذلك منها، فنعجب به ونعجب له، ونرفق بها أشد الرفق، ونكبرها أعظم ~~الإكبار، ونصرف ما نبذل من جهد لنصرفها عن هذه الخلوة التي كان الحزن ~~ينتظرها فيها، ومن هنا كثر اتصالنا بها واشتد اتصالها بنا. فقلما كان يمضي ~~يوم لا أراها فيه مصبحة وممسية، وقلما كنا نخرج لرياضة لا تشاركنا فيها. ~~كانت ثالثتنا إن خرجنا منفردين، وكانت واحدة منا إن خرجنا في جمع من ~~الأصحاب والأصدقاء. # وما خطر لي قط وما خطر لها وما خطر لمكسيم أن هذا الصفو الجميل يمكن أن ~~تشوبه شائبة، أو تعدو عليه عادية، ويكدره خاطر سوء. ومع ذلك فقد كان جمالها ~~خليقا أن يفتن ويروع. ولكنها كانت واثقة بنفسها، مشغولة بحزنها لا تتعزى ~~عنه إلا في ظاهر الأمر، وكان مكسيم واثقا بنفسه مشغولا بحبه وأعماله ~~منصرفا إليهما عن كل شيء وعن كل إنسان. وكنت أنا مطمئنة إلى الصداقة ~~والحب، حتى تكشفت لي الأيام عما تكشفت عنه، وإذا الحياة كلها غرور، وإذا ~~الضعف الإنساني أقوى من كل عاطفة، إن صح أن يوصف الضعف بالقوة، فهو الذي ~~يسيطر على حياتنا ويدبر أمورنا ويسخرنا لغرائزنا ويصرفنا كما تريد لا كما ~~نريد. # ولا بد من أن أصدقك الحديث، أيها الصديق العزيز، ومن أن أصور لك الأمر كما ~~كان، ومن أن أشهد بين يديك بأن صديقتنا لورنس قد وفت لنفسها، ووفت لزوجها ~~الشهيد، ووفت لحزنها المتصل ولصديقها الوفية. فلم تشارك في ms044 إثم ولم تغر به، ~~ولم تدع إليه، وإنما اضطرت إلى المقاومة، وإلى المقاومة الطويلة المتصلة، ~~وكانت البائسة تجاهد الحزن والثكل، فاضطرت إلى أن تجاهد هذا الحب الذي طرأ ~~عليها فأفسد أمرها ونغص حياتها تنغيصا. لا ألوم أحدا ولا أتجنى على أحد؛ ~~فإن أمور الحب لا تخضع للإرادة ولا يستطيع العقل أن ينظمها ويدبرها، وإنما ~~هي خطوب تطرأ فيستجيب لها من يستجيب، ويعنو لها من يعنو، ويمتنع عليها من ~~يمتنع. ويختلف ذلك باختلاف طبائع الناس وحظوظهم من القوة والضعف، ومن الشدة ~~على نفوسهم واللين لها. # وما أرتاب في أن مكسيم قد كان طاهر القلب صافي النفس فيما كان بينه وبين ~~صديقتنا من صلة أول الأمر، ولكن إعجابنا وعطفنا عليها قد أخذا - فيما أظن - ~~يتحولان قليلا قليلا في نفسه إلى شيء من الحنان، كان يجد راحة إليه وكان ~~يمعن فيه شيئا فشيئا. وقد كان ارتفاع الحجاب وزوال الكلفة وما كنا فيه من ~~حياة بسيطة يسيرة طلقة، خليقا أن يضاعف هذا الحنان، وأن ينحرف به شيئا عن ~~طريقه الأولى إلى طريق أخرى. # وما أرتاب في أن مكسيم قد أنكر ذلك حين أحسه وقد جد في مقاومته، ولكن غرائز ~~نفسه كانت أقوى من عقله، وظروف الحياة كانت أدعى له إلى الضعف وأحرى أن ~~تورطه فيه. فهأنا هذه أصرف عن زوجي بعض الشيء بالحمل وأعراضه، ثم بمقدم ~~الصبي وتنشيئه، والزيارات بيننا وبين لورنس متصلة تسعى إلينا إذا لم نسع ~~إليها. وما أكثر ما حال ثقل الحمل وعنايتي بالصبي بيني وبين الخروج ~~للرياضة! وما أكثر ما كنت ألح على زوجي وصديقي في أن يخرجا منفردين، ومع ~~الأصحاب والأصدقاء! وما أكثر ما كانت تزورنا لورنس، فأصرف عنها إلى بعض ~~شأني، أو يضطرني المرض إلى الانفراد في غرفتي، ويتاح لها من لقاء مكسيم ~~والحديث إليه منفردا ما لم يكن يتاح لها من قبل! # وما خطر لي قط أن ذلك قد يتعرض لريبة، أو يدعو إلى شبهة، أو يثير بين ~~الصديقين عاطفة سوء، وما لاحظت قط في حياة مكسيم ms045 أو حياة لورنس شيئا ~~جديدا يدعو إلى التفكير، أو يثير في نفسي من سوء الظن قليلا أو كثيرا. ~~ولكني صدمت بذلك فجأة وعلى غير تقدير. وما أدري كيف احتملت الصدمة؟ وما ~~أدري كيف ثبت لها؟ وما أدري كيف أخفيت آثارها في نفسي على الناس جميعا ~~وعلى مكسيم قبل الناس جميعا؟ # لا تسخر مني، أيها الدفتر العزيز، حين أثني على نفسي، وحين أحمد هذه الشجاعة ~~النادرة التي تلقيت بها هذا الخطب العظيم؛ فقد تلقيت النبأ فانحطم له قلبي، ~~واندكت له آمالي كلها، ومع ذلك لم أظهر من هذا شيئا. تلقيت النبأ وكان ~~ابني هذا العزيز البريء، هو الذي حمله إلي في بعض عبثه. ولست أدري كيف ~~انسل إلى مكتب أبيه، ولست أدري كيف خلص إلى بعض ما كان فيه من أوراق، ولست ~~أدري كيف استخلص منها هذا الكتاب الذي حمله إلي فرحا مبتهجا، وظافرا ~~منتصرا، كأنه الجندي يحمل بعض الأسلاب إلى قائده مبتهجا فخورا. # 13 # تلقيت الكتاب من يد بيير مبتسمة مشفقة، مبتسمة لعبث الصبي ومرحه ودعابته، ~~ومشفقة أن يكون لهذه الصحف التي يحملها إلي بعض الخطر، وأن يكون قد أفسد ~~النظام في مكتب أبيه، وهو حريص أشد الحرص على أن يكون النظام في مكتبه ~~دقيقا، وعلى أن تترك الأشياء فيه كما وضعها هو، لا يحول منها شيء عن ~~موضعه، يغلو في هذا الحرص حتى يوشك أن يكون علة من علل نفسه، وحتى يؤذيه أن ~~يدخل أحد مكتبه في غيبته أو يمس منه شيئا. # ولقد هممت غير مرة أن أرتب له مكتبه على نحو كنت أراه ملائما جميلا، فردني ~~عن ذلك ردا لم يخل من عنف، ولعله ترك في نفسي آثارا لم أكن أحبها حتى ~~انتهى الأمر بيننا إلى اتفاق صامت على أن كل ما في البيت طوع يدي ورهن أمري ~~أناله بما شئت من تغيير وتبديل إلا هذه الغرفة، فإنها حرام ما ينبغي لي أن ~~أمسها، أو أن أغير من نظامها شيئا، فلما وقعت في يدي هذه الصحف تلقيتها ~~مشفقة ms046 مذعورة، ثم نظرت فيها فرأيت، ويا هول ما رأيت! وكنت خليقة أن أفقد ~~الصواب، وأن أخرج عن طور الرشد، وكنت خليقة أن أجد الدوار وأن أسفح الدمع، ~~وكنت خليقة أن أتعرض لأزمة من هذه الأزمات العنيفة الحادة التي تتعرض لها ~~المرأة حين تهان في حبها، وحين تخيب آمالها وحين تظهر لها الخيانة ماثلة، ~~وقد كانت ترى نفسها بمأمن من الشك والريب. # ولكني رأيت بعض جمل الكتاب فقرأته مستقصية، ونهضت بعد قراءته هادئة النفس ~~مستقرة القلب، فسعيت إلى مكتب زوجي ورأيت درجا من أدراجه قد فتح شيئا، ~~فعرفت أن يد الصبي قد امتدت إليه فأخرجت ما كان فيه من أوراق، ونثرتها في ~~أرض الغرفة نثرا، ثم صنعت بغيره هذا الصنع، ثم ألقيت الكتاب الذي حمله ~~الصبي إلي بين هذه الأوراق المنثورة، ثم خرجت فأغلقت الغرفة وأخذت ~~مفتاحها ثم آويت إلى غرفتي وأغلقت بابها من دوني، ثم انتظرت الأزمة ولكنها ~~لم تأت، ثم دعوت الأزمة ولكنها لم تستجب، وإنما انحدرت من عيني دموع يسيرة ~~جدا، لم ألبث أن جففتها، وظللت في غرفتي هادئة واجمة بعض الشيء محزونة ~~أشد الحزن وأمضه، عاجزة كل العجز عن أن أجد من هياج الأعصاب أو انهمال ~~الدمع ما يخفف وطأة هذا الحزن على هذا القلب الكسير. # فلما استيأست من ذلك نهضت متثاقلة، وخرجت من الغرفة فلقيت الصبي في بعض ~~عبثه، فأخذت بيده وهبطت به إلى الحديقة، وجعلت ألاعبه وأداعبه. وأقبل مكسيم ~~بعد ساعة، فتلقيته ساخطة صاخبة ألومه أعنف اللوم؛ لأنه يحرص على النظام في ~~مكتبه، ثم لا يحتاط لهذا النظام فيترك بابه مفتوحا، ويعرض مكتبه بذلك لعبث ~~الخادم، ولعبث هذا الصبي العفريت خاصة. # ثم أزعم له أن الصبي قد انسل إلى مكتبه، فأحدث فيه فسادا عظيما وأنه سيجد ~~مشقة في رده إلى ما يحب ويألف من النظام، وهو خليق بهذه المشقة، فلعلها ~~تعلمه أن يأخذ مفتاح مكتبه معه منذ اليوم. ثم أدفع إليه مفتاحه فيتلقاه ~~هادئا مبتسما، ويرفع الصبي بين ذراعيه مبتهجا، فيقبله ويهنئه، أو يهنئ ~~نفسه ms047 بهذا الطور الجديد من حياة ابنه الذي أصبح قادرا على أن ينسل إلى ~~الغرف، ويفسد ما فيها من نظام. ثم يصعد متثاقلا إلى مكتبه فيلقي عليه نظرة ~~ثم يعود مغرقا في ضحك متصل، وهو يقول إن إصلاح هذا الفساد أطول من أن آخذ ~~فيه قبل الغداء. # ثم تمضي أمور الدار على ما تعودت أن تمضي عليه كأن لم يحدث شيء. ولكن في ~~الدار قلبا محطما قد ذاق خيبة الأمل وعرف مرارة اليأس، ولن يبرأ من هذه ~~العلة التي مزقته تمزيقا. # 14 # ولكني لم أحدثك بشيء من هذا الكتاب، أيها الدفتر العزيز. وما أشد أسفي لأني ~~لم أحفظه عن ظهر قلب، أو لم أتخذ منه نسخة أعاود النظر فيها بين حين وحين. ~~فهو خليق أن يحفظ وأن يسجل؛ لأنه يصور الضعف والقوة معا، كأقصى ما يكون ~~الضعف وكأقصى ما تكون القوة، ولأنه يصور الوفاء للصديق والاستسلام للحب، ~~والصراع العنيف بين هذا الاستسلام وذلك الوفاء، والانتهاء إلى اليأس من ~~المقاومة والفرار آخر الأمر إلى حيث يمكن الانفراد مع الحزن اللاذع والألم ~~الممض، وإلى حيث يمكن الانتظار لروح الله الذي قد يريح من آلام الحياة بما ~~يفيض من السلوى والعزاء، وقد يريح من الحياة نفسها إذا لم تكن سبيل إلى ~~السلوى والعزاء. # كل هذا كان مصورا في ذلك الكتاب تصويرا يسيرا ساذجا، لا تصنع فيه ولا ~~تكلف، حتى لقد كان يخيل إلي أن هذه الصديق المسكينة إنما أفاضت فيه نفسها ~~البائسة، وأودعته قلبها الكئيب. وكانت لورنس قد ودعتنا منذ أيام، وزعمت لنا ~~أنها مسافرة إلى باريس لتنفق فيها أسابيع، ثم عائدة إلينا بعد ذلك وقد جددت ~~العهد بالعاصمة وما فيها ومن فيها، مما تحب من المعالم، ومن تألف من ~~الأصدقاء. وكنت قد أنكرت هذا السفر وضقت به، ورأيت أنها تقدم عليه في غير ~~إبانة، ولكني رأيت منها إلحاحا فيه وتصميما عليه، ولم أجد إلى صرفها عنه ~~سبيلا فودعتها كارهة واستكتبتها وجعلت أنتظر كتبها دون أن أتلقى منها ~~شيئا حتى قرأت هذا الكتاب، فعرفت ms048 منه أنها لم ترحل إلى باريس، وإنما ~~خدعتنا عن نفسها، وعبرت البحر إلى حيث لا ندري من الشرق الأدنى، أو من ~~الشرق البعيد، وأنها لن تعود إلا حين تستيقن بقدرتها على العودة، وعلى أن ~~تعيش معنا كما كانت تعيش منذ حين، نقية القلب والنفس والضمير، قادرة على ~~الوفاء لصديقها بما ينبغي من الود الخالص الذي لا إثم فيه ولا ريب. # وجدت في هذا الكتاب قصة نفسين قد لقيتا من قوة الإرادة وضعف الغريزة أشد ~~العذاب. وكانت نفس لورنس أقواهما وأمضاهما وأشدهما احتمالا وأقدرهما على ~~المقاومة. فهي قد أحست عطف مكسيم عليها ورعايته لها، ثم أحست تحول هذا ~~العطف والرعاية إلى شيء من الحب والحنان، ثم أحست قوة هذا الحب وشدة هذا ~~الحنان فتلقت هذا كله لقاء حسنا نقيا. # ولكن حب مكسيم ألح عليها وجعل يتتبعها ويقفو آثارها، ثم جعل يمسها مسا ~~رفيقا، ثم جعل يحيط بها ويغمرها، وهي تقاومه وتدافعه وتحاول النجاة منه ~~كما يحاول الغريق أن ينجو من الماء الذي يطغى عليه، وقد نجحت مقاومتها مرة ~~ومرة، وأفلتت من شباك الحب تلك التي كان ينصبها لها مكسيم، وكانت تنصبها هي ~~لنفسها، ولكن مكسيم غلا في الإلحاح، وأسرف في التتبع، وظهر من أمرها على ما ~~كانت تخفي، واستيقن أنها تلقى حبه بحب مثله، وأن نقاء الضمير وحده هو الذي ~~يحول بينها وبين الاستجابة له والانقياد لهواه، فاضطهدها مصبحا واضطهدها ~~ممسيا، واضطهدها حين كانت تزورنا، وجعل يزورها حين كانت تقعد عن زيارتنا، ~~وتنتحل لذلك ما كانت تنتحل من معاذير. # وكانت المسكينة ترى هذا الإلحاح العنيف، وتجد في نفسها إلحاحا مثله، وكانت ~~ترى مكسيم يدفع إليها دفعا وترى نفسها تدفع إليه دفعا. ولكن صورتين ~~اثنتين كانتا تنتظرانها دائما عند الهوة، فتردانها عنها وتعصمانها من ~~السقوط. # فأما إحدى هاتين الصورتين فكانت مخيفة منذرة، تبعث الخوف وترسل النذير في ~~صمت مزعج رهيب، وهي صورة زوجها الفقيد الشهيد الذي وفى لها في حياته، وشقي ~~بالدفاع عنها أثناء الحرب ومات في سبيل هذا الدفاع. وأما الصورة ms049 الأخرى ~~فكانت مشجعة في حزن، ومتوسلة في ابتسام وهي صورة صديقتها مدلين، تحمل بين ~~يديها ابنها بيير، تبسم له وتبسم لها وتنظر إلى مكسيم نظرة فيها تساؤل ~~واستغراب! # كانت المسكينة كلما بلغت الهوة وأوشكت أن تسقط بين ذراعي مكسيم، رأت هاتين ~~الصورتين تكتنفانها فارتدت فزعة مذعورة، ثم كانت المسكينة تخلو إلى نفسها ~~بعد ذلك فتلقى من الحب العنيف ومن الوفاء العنيف، تلقى من الغرائز الضعيفة ~~والإرادة القوية عذابا ينغص عليها الحياة تنغيصا، حتى أنكرت نفسها وأشفقت ~~أن يلم بها طارق من جنون. # هنالك لم تر المسكينة بدا من أن تفر منا جميعا إلى حيث لا ترى هذا الحب ~~الآثم الذي لا تكاد تفلت منه، وإلى حيث لا ترى هذا الزوج الشهيد مخوفا ~~منذرا، وإلى حيث لا ترى هذه الصديق الوفية باسمة منكرة متسائلة، وبين ~~ذراعيها طفلها هذا الوادع البريء. # إن في الرحلة إلى الشرق، والنظر إلى ما فيه ومن فيه لعزاء عن مثل هذا الحزن ~~الملح والألم المقيم والعذاب المتصل، إن كانت إلى العزاء عن ذلك سبيل. فإن ~~لم أجد العزاء فسأجد من بعد الشقة بينك وبيني أيها الحبيب البغيض، ما يعصمك ~~ويعصمني من هذا الخزي الذي إن كنت تطيقه الآن فستضيق به غدا، والذي لا ~~أستطيع أن أرى نفسي متورطة فيه. # وداعا أيها الحبيب إلي وإن كنت أبغض حبك وأضيق به. # وداعا أيتها الصديق البائسة الأمينة. لن أراكما ولن أرى طفلكما حتى أستيقن ~~بأني أصبحت لرؤيتكم أهلا. # وداعا، وإن كان في الحياة ما يعزيني ويسليني، فهو أني هممت بالإثم ولم ~~أتورط فيه، وكدت أخونك يا مدلين ولكني آثرت اتصال العذاب والحرمان والغربة ~~على أن أنظر إليك فأستحي منك، وعلى أن يكون في قلبي شيء لا تستطيعين أن ~~تظهري عليه. # بذلك ختمت المسكينة كتابها وقد استقرت كلماتها هذه في نفسي كأنما نقشت في ~~قلبي نقشا. # أين أنت الآن يا لورنس! كم أحب أن ألقاك وأن أضمك إلي، وأن نمزج دموعنا التي ~~تصور ما يملأ نفسينا من اليأس والحب والوفاء معا؟ ms050 # 15 # أقبل الصبي فرحا كالمرتاع، يكلف ساقيه الضعيفتين من العدو فوق ما تطيقان، ~~ويدير في فمه الصغير لسانا لا يكاد ينطق بهذه الألفاظ: «أماه أماه انظري ~~هذه السيارة.» ولم أستطع أن أقاومه ولا أن أمتنع عليه، حين أخذت يده ~~الصغيرة بيدي الكبيرة تجرني إلى حيث أرى ما كان يريد أن يظهرني ~~عليه. # ولو استطعت لأعرضت عنه وعن سيارته التي كان يريد أن يظهرني عليها، ولمضيت ~~فيما كنت فيه من القراءة؛ لأني كنت مشغوفة بما كنت أقرأ، ولأن ألفاظه وقعت ~~من نفسي موقع النذير. فقد عرفت السيارة حين ذكرها وعرفت من فيها، فلما ~~رأيتها ورأيت من كان فيها لم أزدد علما، ولم أعرف جديدا. # وما من شك في أن قلبي قد خفق لألفاظ الصبي، ولكن الشيء الذي هو موضع الشك ~~والريب والتردد الشديد هو تفسير هذه الخفقات التي اضطرب بها قلبي، أكانت ~~خفقات بالرضا والغبطة أم كانت خفقات بالغضب والضيق؟ فقد كانت السيارة ~~سيارتنا، وكان الذي يقودها مكسيم، وكان فراقنا قد طال أمده شيئا، وإن لم ~~تنقطع بيننا الرسائل، ولم يعرف مني حين ودعته ولا حين كنت أكتب إليه أني ~~كنت مغاضبة له أو واجدة عليه. # ولكني في حقيقة الأمر كنت غاضبة بل أكثر من غاضبة، وكنت واجدة بل أكثر من ~~واجدة. كنت محطمة القلب خائبة الأمل، ملتاعة النفس محزونة الضمير. وكنت ~~أدافع نفسي أشد الدفاع عن مصارحة زوجي بهذا كله أو بعضه أريد أن أثأر ~~للكرامة التي أهينت، والحرمة التي انتهكت والحب الذي أضيع، وأخشى إن فعلت ~~أن يكون الفساد الذي لا سبيل إلى إصلاحه والصدع الذي لا سبيل إلى ~~رأبه. # ثم طال هذا التردد، وطال حتى تغلب العقل أو تغلبت العاطفة أو اتفق العقل ~~والعاطفة، فأغمضت عيني على القذى، وطويت قلبي على ألمه واحتفظت لنفسي، ولك ~~أيها الدفتر العزيز بهذا السر الأليم. فلم يعلم زوجي أني قد ظهرت على إمره، ~~وأني قد تأثرت منه بقليل أو كثير، وفي سبيل الحب ما تكلفت في ذلك من عناء، ~~وفي سبيل الحب ms051 أيضا ما أرقت في ذلك من ليل طويل، وأعنف نفسي أشد التعنيف ~~وأصفها بالجبن مرة ، وبالضعة والذلة مرة أخرى. # في سبيل الحب هذا كله، فإن هذه المحنة القاسية لم تتكشف لي إلا عن شيء واحد، ~~هو أني أحب مكسيم إلى أبعد ما يمكن أن ينتهي إليه الحب، وأحتمل في سبيله ~~أقسى ما يمكن أن تحتمل المرأة من مشقة وجهد وتضحية. ظهرت على خيانته فلم ~~أحس ثورة جامحة وإنما أحسست ألما لاذعا، وتبينت إثمه فلم تتحدث إلي ~~نفسي بالقطيعة، وإنما تحدثت إلي بالفرار إلى حيث أستريح وأستجم، ثم ~~أستأنف الجهاد لاكتساب هذا القلب الذي أخذ يفلت مني ويهيم بغيري. # وكنت أثناء هذه الأسابيع التي خلوت فيها إلى أبوي، وإليك أيها الدفتر ~~العزيز، أغالب الشوق إلى مكسيم، فأغلبه حينا ويغلبني حينا، وأغالب الغضب ~~على مكسيم فيقهرني حينا وأقهره حينا. ولولا أني وجدت منهما ومنك، ومن ~~القراءة، ومن هذه الطبيعة المشرقة الباسمة المتألقة، ما كان يشغلني عن نفسي ~~ويصرفني عما كان يتنازعني من العواطف والأهواء، لانتهى بي الأمر إلى ما لا ~~أحب. # ولكني تمالكت حتى كان هذا اليوم الذي أقبل فيه الصبي ينبئني بمقدم السيارة، ~~فأحسست هذا التردد بين الابتهاج والابتئاس، وبين الرضا والسخط، ثم نهضت مع ~~الصبي فماشيته إلى حيث أراد، وإلى حيث ألقى نفسه بين ذراعي أبيه، وقد أخرجه ~~الفرح عن طوره، وإلى حيث استقبلت أنا مكسيم بابتسام فاتر، ونشاط متكلف، ~~وشهد الله لقد تصنعت هذا الفتور وتعملت هذا التكلف، ولو أرسلت نفسي على ~~سجيتها وأطعت غريزتي لألقيت نفسي بين ذراعي زوجي ضاحكة باكية، ومغرقة في ~~الحزن والفرح معا. ولكني تكلفت الأناة والوقار ونجحت فيما تكلفت، فأرسلت ~~إلى نفس مكسيم شيئا من الفتور وخيبة الأمل. # قبلته متثاقلة فقبلني متثاقلا، واتصلت بيننا لحظات صامتة لم نعرف فيها كيف ~~نقول، ثم قطع الصمت بصوت متهدج مضطرب وهو يقول في ألفاظ متقطعة شيئا: لقد ~~كنت أظن أن مقدمي سيشيع في نفسك من السرور أكثر مما رأيت! # فلم أعرف كيف أجيبه، ولكنني انحنيت إليه فقبلته ms052 في رفق، وقلت له في حنان: ~~هلم نسلم على أبوي فإنهما من غير شك قد أحسا مقدمك. # 16 # ولم يطل مقام مكسيم في بيت أبوي، ولم أستطع أن أتخلف عنه؛ لأني خشيت إن فعلت ~~أن يظهر أبواي على أن بيننا شيئا. وكنت أكره ما أكون لإظهارهما على هذه ~~الكارثة، ولعلي لا أصدق إن زعمت أن هذا وحده هو الذي منعني من التخلف عن ~~مكسيم، وما تعودت أن أكذبك أيها الدفتر العزيز، ولا أن أستحي منك؛ فلأقل ~~الحق، ولأسجل مستخذية منك، ومن نفسي، أني رجعت مع مكسيم، مستسلمة لحبه ~~مذعنة لسلطانه، عائدة إلى طاعته متجافية عن خيانته، وإن كنت لم أنسها ولم ~~أعف عنها في قرارة نفسي. # ولكني اتخذت لها من قلبي زاوية أقررتها فيها، وألقيت بيني وبينها ستارا، ~~واستجبت لدعاء الحب، فألقيت نفسي في ناره المضطرمة، ووجدت في الاحتراق بهذا ~~الجحيم نعيما أي نعيم! وقد أنسى أشياء كثيرة قبل أن أنسى عودتنا إلى ~~المدينة، في ضحى ذلك اليوم الذي أشرقت فيه الشمس، وصفت فيه السماء، ورق فيه ~~الجو وخف فيه الهواء، وظهرت فيه الطبيعة هادئة باسمة، تستقبل حياة هادئة ~~باسمة، وتغري الناس بأن يأخذوا بحظوظهم من الهدوء والابتسام. وقد استجبنا ~~لهذا الدعاء، وخضعنا لهذا الإغراء، وظهر على وجهينا هدوء مطمئن، وابتسام ~~يصور الرضا، وميل إلى الدعة واستسلام إلى الأمن، وانصراف عن الجهد. وقد ~~أسلم مكسيم قياد السيارة إلى السائق، وآثر السكون والهدوء، وجلس إلى جانبي ~~ينظر إلي في وداعة وحنان، وأنظر إليه في رفق وعطف، والصبي أمامنا منطلق ~~في أحاديث لا نفهم إلا أقلها، قد انصرفنا عنه إلى أنفسنا، وقد ألقيت رأسي ~~على كتف مكسيم وجعلت أنعم بهذه الساعة الحلوة، وإذا دموع تنحدر من عيني، لا ~~أدري لماذا انحدرت، فلم أكن في حاجة إلى البكاء، ولم أشعر بدافع إليه، ولكن ~~هذه الدموع انحدرت في صمت، ولم يسألني عنها مكسيم. وإنما مسحها في رفق، ~~وضمني إليه ضما خفيفا. # ثم مال إلي فقبلني في هدوء ودعة، لم يقل شيئا ولم أقل شيئا، ms053 وإنما لبثت ~~كما كنت، وظل كما كان، حتى أشرفت بنا السيارة على المدينة، ونبهنا الصبي ~~إلى مكاننا منها بما كان يدلنا عليه من المعالم والعمارات، فاعتدلت في ~~مجلسي واستقبلت المدينة والحياة فيها استقبال الجد والطمأنينة ~~والإذعان. # ولقد استأنفت حياة جديدة فيها حب شديد النشاط، وكلف بعيد الأثر في النفس ~~يوشك أن يكون هياما. وفيها ترقب لكل ما يصدر عن مكسيم من لفظ وحركة، وما ~~يضطرب على وجهه من المظاهر، وفيها تفهم لنبرات الصوت وخلجات العين. وما ~~أكثر ما كنت ألوم نفسي على ذلك، وأحذرها الإسراف في تتبع مكسيم، ومضايقته ~~بهذا الحب الملح، وإغراقه بهذا السيل الجارف من العواطف. فقد يؤذيه ذلك وقد ~~يحرجه وقد يغيظه وقد يخرجه عن طوره. # وكنت أنجح أحيانا فأخفف من هذا الإلحاح، وأقلل من هذا التتبع، وأظهر كأني ~~معرضة عنه بعض الإعراض. ولكنه كان يلحظ ذلك في سرعة وينبهني إليه في خفة، ~~ويظهر الألم لإعراضي عنه والتبرم بتقصيري في ذاته، فأعود إلى أكثر مما كنت ~~فيه من عناية ورعاية، ومن ترقب وتتبع، وينعم هو بهذا الحب الملح وبهذا ~~السيل الجارف الذي يندفع، فلا يكاد يبقي على شيء. وكان يقول لي إنه يجد ~~اللذة كل اللذة والنعيم كل النعيم في أن يغمره هذا الحب حتى يغرقه، وأحب ~~شيء إليه أن يؤذيه الحب، وأن يشق عليه، وأن يعذبه في جسمه ونفسه، وكنت أسأل ~~نفسي عن مصدر هذا الهيام الطارئ والشغف الجديد، فلا أجد لسؤالي ~~جوابا. # وربما عللت ذلك بما كان من افتراقنا أسابيع، وربما أعدت على نفسي ما قرأت في ~~غير كتاب: إن من الخير للعاشقين أن يفترقا بين حين وحين، ذلك أجدى على ~~حبهما وأحرى أن يجدد منه ما بلي ويقوي منه ما ضعف. ولكنا لم نفترق لأول ~~مرة وقد افترقنا في العام الماضي والعام الذي قبله، فلم نجد من الحب والكلف ~~والهيام مثل ما نجد الآن. # أف للشيطان! إنه لقريب من الإنسان دائما، وإنه لنافذ البصيرة قوي الحجة ~~بالغ الأثر في النفوس. ها هو ذا يدنو ms054 مني خفيفا متلطفا، قبيح المنظر مع ~~ذلك سمج المحضر. ويقول لي في غير صوت مسموع، ولا لفظ مبين، لا تعجلي بالرضا ~~ولا تسرعي إلى الأمن، ولا تنسي أنك مدينة بهذه النعمة لصديق غائبة تطوف في ~~الشرق القريب أو الشرق البعيد. اذكري لورنس فهي التي سافرت، فأخلت لك قلب ~~زوجك الضعيف، ولو أنها بقيت، ولو أنها عادت؛ لكان لك شأن غير هذا الشأن، ~~ولاضطربت في قلبك عواطف غير العواطف التي تضطرب فيه. # ثم ينصرف الشيطان خفيفا متلطفا وقد ترك أمامي في الهواء صورة لورنس يشيع ~~في وجهها ابتسام غريب. # واحسرتاه! أحق هذا؟ أحق أني مدينة بهذه السعادة الطارئة لهذه الصديق الشقية، ~~التي تطوف في الشرق القريب أو البعيد. # ليتني أعرف أين هي، ليتني أستطيع أن أكتب إليها، إذن لتحديت هذا الشيطان، ~~ولدعوتها وألححت في دعائها لأعلم أعاد مكسيم إلى حبي لأنه ما زال يحبني، أم ~~عاد مكسيم إلى حبي ليتسلى به عن غيبة لورنس؟ # 17 # كذب الشيطان، وصدق وحي الضمير. لست مدينة بهذا الحب المجدد لغيبة لورنس، ~~وإنما هي عواطف فترت وقتا ثم استأنفت النشاط، وإنما هو حبنا القديم قد عاد ~~سيرته الأولى بعد أن اعترضته مصاعب لم تلبث أن أزيلت، وعقاب لم تلبث أن ~~ذللت. وقد كانت لورنس إحدى هذه المصاعب والعقاب، فقد ذهبت لورنس وخلا لي ~~بذهابها وجه مكسيم. وكانت طفولة الصبي إحدى هذه المصاعب والعقاب، فقد نما ~~الصبي وربا وأصبح يستيطع أن يشغل نفسه من جهة، وأصبحت أستطيع أن آمن عليه ~~المربية والخادم من جهة أخرى، واسترددت كثيرا من الوقت والجهد اللذين كنت ~~أنفقهما في تنشيئه والقيام عليه، ورددت هذا الوقت والجهد إلى مكسيم صاحب ~~الحق الطبيعي فيهما. # فرغت له وفرغ لي فاستأنفنا حياتنا كما كنا نحياها في أول عهدنا بالزواج. ~~ومالي أسأل نفسي عما عسى أن يكون لو عادت لورنس ولا أسألها عما عسى أن يكون ~~لو أتيح لي طفل آخر؟! لقد كنت غافلة ثم تنبهت، وكنت جاهلة ثم علمت، فتستطيع ~~لورنس أن تعود أو لا تعود، ms055 فقد عرفت كيف أحوط زوجي وأحمي قلبه، وأرد عنه ~~عاديات الحب من لورنس أو من غيرها. وما أشك في أن نفسي راغبة أشد الرغبة في ~~ألا نقف عند هذا الصبي الوحيد، وفي أن نمنحه أخا أو أختا. # ولكني لست متعجلة وقد أستطيع أن أنعم بالفراغ لزوجي عاما أو عامين، وقد ~~أتيح لنا من حسن الحال وسعة العيش ما يمكننا من أن نربي طفلنا الجديد، إن ~~أقبل، على غير ما ربينا عليه أخاه، فلا أمنحه وقتي كله وجهدي كله، ولا ~~أنصرف إليه عن زوجي ولا أنصرف إليه عن حقي في الحياة، فلأرد عن نفسي كل هذه ~~الخواطر المظلمة، ولأستقبل الحياة راضية باسمة ولأنعم بما تحمل إلي من ~~أسباب الأمن والنعيم، ولأغلق دون الشيطان باب قلبي وسمعي؛ فإنه لا يوسوس ~~إلا بالشر ولا يلقي في النفوس إلا اليأس والقنوط. # وقد فعلت، فمضت أمورنا على خير ما كنت أحب وعلى أحسن ما كنت أتمنى وقتا ما ~~أدري أطال أم قصر، لولا أني أرجع إلى الذاكرة فأحصيه فإذا هو أشهر، وأرجع ~~إليك أنت أيها الدفتر العزيز، فأرى آخر عهدي بالتحدث إليك، فيصدق الإحصاء، ~~وأتبين أني قد أعرضت عنك ستة أشهر كاملة؛ لأني لم أكن فيها محتاجة إليك، ~~وما حاجتي إليك وقد استأثر مكسيم بكل وقتي، وكل نفسي، وشغلني عن كل شيء وعن ~~كل إنسان ومنعني حتى من أن أخلو إلى نفسي خلوة متصلة فأفكر فيما أستقبل من ~~الحياة. يا لله! أيمكن أن ينحط الناس من هذه السعادة التي لا توصف إلى هذا ~~الشقاء الذي لا يطاق؟ # ألم تحدث نفسك، أيها الدفتر العزيز، حين أحسست يدي وهي تأخذك وتقلب صفحاتك ~~بأني شقية بائسة، وأن الشقاء والبؤس هما اللذان ألجآني إليك وذكراني بمكانك ~~من غرفتي؟ كلا لم تحدث نفسك بشيء؛ لأنك لم تحس شيئا، وأين أنت من النفس ~~والحس؟ وإنما أنا التي تحدث نفسها بهذا كله، ولا تستطيع أن تخلو بهذا كله ~~إلى نفسها، ولا أن تبثه أحدا غيرها، فهي تلقيه إليك، بعد أن تفيض عليك ms056 من ~~الحياة ما يخيل إليها أنك شخص مثلها، تسمع وتعقل، وتستطيع أن تمنحها السلو ~~والعزاء. # وأي سلو وأي عزاء؟ وعم أريد أن أسلو وعم أريد أن أتعزى؟ أولا يزال لي ~~في شيء من ذلك أمل؟ ما أدري! لقد وقفت عن الكتابة حين بلغت هذه الجملة من ~~الحديث؛ لأني وقفت عن التفكير، بل وقفت عن الشعور، وأحسست كأن عارضا من ~~الذهول قد عرض لي، وكأن كل شيء من حولي يضطرب أشد الاضطراب، وكأن أصواتا ~~من حولي ترتفع، فتملأ الجو وتفعم الفضاء. وما أدري أبقيت على هذه الحال ~~ساعة أو دقائق؟ ولكني رجعت إلى نفسي متعبة مكدودة، لا أكاد أتمالك. # ثم أخذ الهدوء يثوب إلي شيئا فشيئا والقوة تعود إلي قليلا قليلا، ~~وإذا أنا جالسة حيث كنت أنظر إليك ولا أكاد أراك. ثم أسأل نفسي عما أنا ~~فيه، أسألها عما كنت أفعل، وعما عرض لي، وعما أريد أن أفعل، فلا أجد من ~~نفسي إلا جوابا واحدا: وهو أني مقبلة على أشياء خطيرة وأمور ذات ~~بال. # 18 # أتصدقني، أيها الدفتر العزيز؟ أما أنا فلا أكاد أصدق نفسي، بل أنا لا ~~أصدقها، وإنما أنا في ريب من أمري واختلاط، لا أدري أعاقلة أنا أم مجنونة؟ ~~أمحتفظة أنا بملكاتي كلها كما عهدتها ثابتة هادئة منظمة لا تقدم إلا على ~~بصيرة ولا تدبر إلا على روية وتفكير، بعيدة كل البعد عن هذه الأوهام التي ~~تعبث بعقول الدهماء، وتؤثر في نفوس الشذاذ من الناس؟ ما أدري! ولكني أنكر ~~نفسي أشد الإنكار. # منذ أيام تخطر لي الخواطر الغريبة فأذودها هازئة بها، فتعاودني فأعاود ~~ذيادها، ثم يتصل الليل بالنهار فإذا الخواطر التي كانت تعرض لي أثناء ~~اليقظة تلح علي أثناء النوم. وإذا أنا أفيق مذعورة مرة ومرتابة مرة أخرى. ~~كل ذلك وأنا أتهم نفسي وأنكرها، وألوم نفسي وأعنفها، وأزعم أن الحب قد ~~أخرجني عن طوري، وأن الغيرة قد أفقدتني رشدي، وأذهلتني عن صوابي، وربما ~~تساءلت: أليس من الخير أن أعود إلى أبوي فأقيم معهما أسابيع لأستريح من ~~الحب كما ms057 عدت إليهما فأقمت معهما أسابيع لأستريح من الهجر؟ وأكاد أرجح هذا ~~الميل، وأكاد أعزم على الرحلة، وأكاد أفر من نفسي، ولكن النذر تبلغني ~~فأقيم. # قلت لك: إنك لن تصدقني، وإني لا أصدق نفسي، ولكني لم أنبئك بهذه الأنباء ~~التي أعتقد أنك سترفضها وتأبى أن تؤمن لها. لم أنبئك بهذه الأنباء؛ لأني ~~أكبرها وأنكرها، وأستحي أن أقصها عليك، ولأني أجد كثيرا من المشقة والجهد ~~في جمع نفسي هذه المشردة، وتأليف خواطري هذه المتفرقة، وصوغ هذه الأنباء ~~الغريبة في جمل قريبة أستطيع أن ألقيها إليك. ومع ذلك فلأجتهد ولأجاهد فما ~~ينبغي أن أخفي عليك سرا، وما ينبغي أن نفترق ولما أظهرك على هذه الأحداث ~~الجسام. # ما كنت أظن أن حرصي على حب مكسيم سينتهي بي إلى هذا الطور الذي انتهيت إليه ~~منذ شهرين من الإشفاق والخوف ومن التطير والخضوع للأوهام. # ولكني قد انتهيت إلى هذا الطور سواء أردت ذلك أم لم أرده، وقد جعلت ألتمس ~~التأويل والتعليل لكل كلمة من كلمات زوجي، ولكل نبرة من نبرات صوته، ولكل ~~حركة من حركاته، ولكل هذه المظاهر التي تختلف على وجوه الناس حين يبتسمون ~~ويعبسون، وحين يهدءون ويضطربون، وأسرفت في ذلك حتى ضقت به، وحتى جعلت أروض ~~نفسي على أن أنفق الأوقات القصيرة غير مفكرة في مكسيم ولا حافلة به، فلا ~~أبلغ من ذلك شيئا. وقد ألقى الشيطان في روعي أني مدينة لغيبة لورنس بنشاط ~~حبنا بعد فتوره، فأحاول أن أدفع وسوسة الشيطان هذه عن نفسي، فأوفق حينا ثم ~~يعود إلي هذا الوسواس ملحا مسرفا في الإلحاح، وإذا أنا أفكر في لورنس ~~كلما فكرت في زوجي. # وأكاد أسأل نفسي، كلما وقعت من نفسي أحاديث مكسيم وأعماله موقع الإعجاب ~~والحب: ما عسى أن يكون موقع هذه الأحاديث والأعمال من نفس لورنس لو أنها ~~شهدتها أو ظهرت عليها؟ وإني لضيقة باقتحام لورنس علينا حياتنا وقيامها بين ~~زوجي وبيني في كل لحظة، وإذا صورة أخرى تقتحم علينا هذه الحياة، وتقوم ~~بيننا مع صورة لورنس، وهي صورة زوجها الفقيد ms058 الشهيد. فقد أخذت هذه الصورة ~~تتراءى لي بين حين وحين، وأخذت أنكر إلمامها بي وظهورها لي، ولكنها أخذت ~~تكثر من الزيارة وتطيل المقام، وأكبر الظن أني أنا التي دعت هذه الصورة ~~لكثرة ما فكرت في لورنس، ولكثرة ما أعجبت بوفائها لزوجها، ولكثرة ما أعدت ~~على نفسي كتابها الذي أنبأت فيه مكسيم بعزمها على الاغتراب. # ولكني أفيق ذات ليلة مذعورة أشد الذعر، قد ملئ قلبي روعا، واستأثر الهلع ~~بنفسي حتى تصبب جسمي كله عرقا. وقد كان أول خاطر خطر لي حين انجلت عني ~~سحائب هذا الذعر أنها خواطر اليقظة قد ألحت علي في النوم. وقد جعلت أرد ~~الأمن إلى نفسي قليلا قليلا، ولكنه لا يعود إلا ليزول. فقد رأيت فيما يرى ~~النائم صورة ذلك الزوج الفقيد تدعوني بالإشارة فأمتنع عليها، فتلح في ~~الإشارة وألح في الامتناع، فتضيف الصوت إلى الإشارة، فأسمع زوج لورنس ~~يدعوني بصوت هادئ ولفظ واضح صريح: إلي، إلي، فإن مكانك ليس بين هذين ~~الآثمين، ولكنه إلى جانبي أنا المظلوم. # وأفيق مذعورة لا أدري أأيقظني الذعر أم أيقظني الصوت الذي سمعته؟ وأحاول أن ~~أخلص من هذه الصورة، ولكنها تملأ عيني والغرفة مظلمة. وأحاول أن أخلص من ~~هذا الصوت، ولكنه يملأ أذني والليل من حولي شديد الهدوء، فأعمد إلى النور ~~فأذود به الصورة، ثم أنهض من سريري، وأضطرب في غرفتي، وأحدث من الحركات ما ~~أذود به الصوت عن أذني، ولكني لا أعود إلى الظلمة إلا عادت الصورة إلى ~~عيني، ولا أعود إلى السكون إلا عاد الصوت إلى أذني، حتى ظننت بنفسي الظنون، ~~وأشفقت على عقلي من أعراض الخبال، ولم ينقذني من هذه الآلام المتصلة ~~والأخطار المحدقة إلا ضوء الصبح حين أقبل بعد انتظار طويل. # قل، أيها الدفتر العزيز، ما قلته لنفسي من أن هذا عرض من أعراض المرض، ومظهر ~~من مظاهر ضعف الأعصاب، واضطراب المزاج، ونتيجة من نتائج التفكير المتصل في ~~حب مكسيم والإشفاق من لورنس، فقد قلت هذا كله لنفسي واستيقنته، وفكرت في أن ~~أطب له بالرحلة إلى أبوي ms059 أو بالإبعاد في السفر. وما يمنعني أن ألم ~~بباريس فألهو بحياتها الصاخبة المتنوعة، عن هذه الحياة الهادئة المتشابهة ~~في الأقاليم. # ولكن ما رأيك في أني لست مريضة ولا ضعيفة الأعصاب، ولا مضطربة المزاج؟ ما ~~رأيك في أن هذه الصورة لم تخدعني؟ وفي أن هذا الصوت لم يكذبني، وفي أن زوج ~~لورنس قد أنبأني بالحق الذي لا شك فيه؟ فقد عادت لورنس من سفرها البعيد، ~~وتورطت في الإثم الذي فرت منه، ولم تستطع أن تمضي في المقاومة. # عادت لورنس لا إلى هذه المدينة التي نقيم فيها، ولكن إلى مدينة أخرى ليس ~~بيننا وبينها إلا ساعتان في القطار. عادت لورنس واتصلت بمكسيم، واتصلت ~~الزيارات بينهما، وكان ما خفت أن يكون. # أتصدقني، أيها الدفتر العزيز؟ إني لا أصدق نفسي، وما تعودت من قبل أن أصدق ~~أحلام الليل، ولكن لورنس قد عادت، ومكسيم قد عاد إليها. ولكن قلب زوجي لم ~~يعد خالصا لي، ولكن الأمر بين زوجي وبيني لم يقف عند هذا الحد؛ فقد عرف ~~الناس من إمره ما كنت أجهل، ولم أعرف حقيقة هذا الأمر إلا بعد أن عرفه ~~الناس، وقد عرضني ما ظهر من أمره إلى أكثر من ألم المرأة التي يخونها ~~زوجها. عرضني لطمع الطامعين، وأغرى بي الذين ينتهزون الفرص من الأصدقاء ~~الأوفياء. عرضني لألم المرأة التي تهان في حبها، ولخزي المرأة التي تهان في ~~كرامتها. أأصدق أحلام الليل أم أكذبها؟ أأستجيب لهذه الدعوة التي وجهها ~~إلي زوج لورنس أم أمتنع عليها؟ # 19 # ما أشد شوقي أيتها الصديق العزيزة لورنس، وددت لو استطعت أن أطير إليك لأضمك ~~بين ذراعي، ولأقبلك قبلات تنقل إلى قلبك بعض ما في قلبي من حب ووفاء، ومن ~~إكبار وإجلال، ومن شكر للصنيعة واعتراف بالجميل، ولأذرف على كتفك دموعا ~~تصور الحزن لفراقك، والفرح بلقائك، والإكبار لتضحيتك، والشكر لبعض فضلك، ~~والأسى لما احتملت من حرمان، والإعجاب بما أظهرت من شجاعة وحسن احتمال. ~~وكنت خليقة أن أفعل هذا كله لو أن نبأ عودتك إلى الوطن قد ألقى إلي ~~ساذجا ms060 يسيرا كما تلقى الأنباء، فقد كنت مدينة لك بحبي، وكنت مدينة لك ~~بسعادتي، وكنت مدينة لك بحياتي. وما أدري أفهمتني كما أنا أم لم تفهميني، ~~ولكن المحقق أني بعد أن أحببت مكسيم وبلوت السعادة بحبه لا أتصور الحياة ~~بدون هذا الحب، ولا أطيق لها احتمالا. # ألعلك عرفت هذا كله وقدرته حين هاجرت من أرض الوطن، وضحيت بلذاتك وآمالك، ~~وبعواطفك وشعورك؛ ضنا بي على اليأس، وحرصا على أن أتجنب آثاره الوبيلة ~~وعواقبه المهلكة؟ أم لعلك إنما هاجرت من أرض الوطن ضنا بنفسك على الإثم، ~~وارتفاعا بها عن النقيصة، وفرارا من الخيانة للأحياء والأموات؛ هذه ~~الخيانة التي لا تليق بالنفس الكريمة، ولا تلائم القلب الذكي النقي؟ # أم لعلك قدرت الأمرين جيمعا فنصحت لي ونصحت لنفسك، وأبقيت على حياتي، ~~وأبقيت على كرامتك، حين أزمعت ذلك الرحيل. مهما يكن من شيء، فإنك قد منحتني ~~الحياة مرة ثانية حين تركت لي قلب مكسيم وحبه. فأنا مدينة لك بهذه الحياة، ~~ولو قد اطلعت على قلبي من مهاجرك ذلك البعيد لرأيت أني كنت قد اتخذت لك فيه ~~معبدا خاصا أسميته معبد الوفاء، ولعلمت أني كلما أحسست لذة وغبطة أو ~~سعادة أو ألما أو حسرة - وما أكثر ما كنت أحس هذا كله - قدمت إليك بعض ما ~~كنت أجد قربانا لوفائك وعرفانا لجميلك، وإيمانا بما لك علي من فضل ليس ~~إلى وصفه ولا إلى تقديره من سبيل. # ليت النبأ الذي حمل إلي عودتك إلى أرض الوطن ألقي إلي سمحا سهلا ~~نقيا. إذن لأسرعت إليك، ولأديت بين يديك بعض ما كان ينبغي أن أؤدي من ~~الشكر والوفاء. ولكني عرفت عودتك مصادفة. وأي مصادفة؟! إني لأذكرها فتقف ~~نفسي عن التفكير، ويقف قلبي عن الشعور، ويقف قلمي عن الكتابة، وتنحدر من ~~عيني دموع غزيرة حارة، ولكنها لا تخفف هذه النار المضطرمة بين جوانحي؛ نار ~~اليأس والحسرة وخيبة الأمل وكذب الظنون. # هذا المعبد الذي كنت أقمته في قلبي قد تهدم، وهذه الصورة الجميلة التي ~~رسمتها لنفسك في أعماق ضميري قد درسها المسخ والتشويه، ms061 واستحالت إلى صورة ~~مخيفة بشعة، تروعني وتملأ نفسي هلعا وجزعا ... # ماذا؟ أيستطيع الناس أن يرتفعوا من البر والطهر والنقاء إلى حيث ارتفعت يا ~~لورنس، ثم يهبطوا من الخزي والإثم والعقوق إلى حيث هبطت يا لورنس؟ أشهد أن ~~الإنسان مستقر المتناقضات، وأن الشهوة أقوى من العقل، وأن الشر أعظم على ~~نفوس الناس سلطانا من الخير. أتعرفين كيف انتهى إلي نبأ عودتك؟! في حديث ~~من هذه الأحاديث المألوفة التي تجري بين الأصدقاء في غير تكلف لها ولا ~~احتفال بها. # كنا نسمر في بيتنا كما تعودنا أن نفعل مع جماعة من الأصدقاء الذين تعرفينهم، ~~وكنا نتجاذب الحوار في موضوعات مختلفة كما تعودنا أن نفعل، فانتهينا إلى ~~الحب وانتهينا إلى الوفاء، وأفضنا في ذلك حتى عرض مكسيم لعادة تقرها بعض ~~الجماعات المتحضرة؛ عادة تعدد الزوجات. # وإذا مكسيم يدافع عن هذه العادة دفاعا حارا، ويذود عنها ذيادا عنيفا، ~~ويزعم أن قلب الإنسان أوسع من أن يضيق بحب شخصين، أو حب أشخاص. والأصدقاء ~~من حولنا يجادلونه في ذلك جدالا عنيفا، وأنا أسمع ذلك ضاحكة منه أول ~~الأمر، ثم منكرة للغلو فيه، ثم دهشة لهذه الحماسة التي يظهرها مكسيم. ثم ~~متنبهة لما كان يرد به فيليب من ألفاظ لا تخلو من تلميح وتعريض. # ثم نتفرق، وقد وقر في نفسي من هذا الحوار شيء لم يخل من تنغيص لما كان بيني ~~وبين مكسيم من صفو. وأكاد أنسى هذا الحوار وأعرض عنه بعد أيام. ولكن فيليب ~~الذي يتردد علينا، ويكثر التردد، والذي يتودد إلي ويسرف في التودد، ~~يزورني ذات يوم، وقد عرف أن مكسيم غائب في بعض أسفاره القصيرة التي كثرت ~~واتصلت في هذه الأيام، فنأخذ في أطراف من الحديث، وما أسرع ما يبلغ بحديثه ~~نجوى الحب التي أرده عنها كلما ألم بها ساخرة منه في رفق ومودة. ولكنه في ~~هذه المرة لم يرتد، ولم يثب إلى وقاره ورعاية ما كان يرعى من الحق، وإنما ~~تمرد واحتد وثار ثائره، واندفع في ألفاظ مختلطة، عرفت منها بعد دقائق كل ~~شيء. ms062 # عرفت منها أن الرسائل اتصلت بينك وبين مكسيم بعد أن عجزت عن احتمال الفراق ~~الطويل. وعرفت منها عودتك إلى فرنسا واستمرارك في جرينوبل، واستئناف الأمر ~~بينك وبين زوجي. وعرفت منها أمر هذه الأسفار القصيرة المتصلة التي كانت ~~تدعو إليها الأعمال فيما كان ينبئني، والتي إنما كان يدعو إليها الحب وما ~~استتبع من لهفة بعد طول الفراق، ومن ظمأ بعد طول الحرمان. # ولله قلب فيليب هذا الفتى البائس المسكين، الذي ثاب إلى رشده بعد أن فضح ~~السر وخان الأمانة، وأظهرني على ما كنت أجهل، فقد تولى كئيبا يائسا ~~مستخذيا، ثم انقطعت عني أخباره. أما أنا فقد ثبت لهذه الصدمة كما ثبت ~~لصدمة أخرى تعرفينها، فلم أثر ولم أجزع، ولم أصل إلى الأزمة كما لم أصل ~~إليها من قبل. ولكني لم أقاوم حب الاستطلاع، بل لم أفكر في المقاومة، وإنما ~~وازنت بين خيانة مكسيم لحبنا وبين ما سأقدم عليه حين أخونه في ما يحفظ من ~~الرسائل. وما هي إلا أن أقتنع بأن هذه الرسائل من حقي. # ويقبل الليل وتهدأ الحركة، وتستقر الأشياء، وأذهب أنا إلى مكتب مكسيم، فأنفق ~~الليل فيه مع رسائلك يا لورنس، على حين كان ينفق مكسيم ليله في حبك في غرفة ~~من الغرفات في مدينة جرينوبل. ولست أدري كيف أصف ما كنت أجد من شعور حين ~~كنت أقرأ رسائلك الرائعة وحين كنت أتصور الخاتمة التي انتهى إليها هذا ~~الجهاد المجيد. ولكنه لم يكن شعور ثورة ولا غضب ولم يكن شعور سخط عليك أو ~~لوم لك، وإنما كان شعورا حزينا هادئا مطمئنا. وكان شعورا حزينا ~~يائسا مصمما مع ذلك. وكان فيه كثير من الرحمة لك، والاعتذار عنك، ~~والإشفاق على طفلنا هذا البائس التعس الذي لن يستقبل الحياة كما كنت أتمنى ~~أن يستقبلها سعيدا بين أبوين سعيدين. وأنا أكتب إليك الآن، ولست أدري ~~لماذا أكتب إليك! ولكني دفعت إلى ذلك دفعا. # أكتب إليك، وقد ارتفع الضحى، وأظن مكسيم يوشك أن يودعك؛ فقد ينبغي أن يبلغنا ~~نحو الساعة الثانية. وقد يصل إليك ms063 هذا الكتاب مساء اليوم، أو صباح الغد، ~~فاقرئيه واذكري كاتبته! واعلمي أنها لا تضمر لك بغضا ولا تحفظ لك موجدة، ~~وإنما تسدي إليك الشكر، وتهدي إليك التحية، وتتمنى لك ما لم يتح لها من ~~السعادة، وما لم يقدر لها من النعيم. # 20 # كلا لم أكن صادقة أيها الدفتر العزيز حين زعمت للورنس أني لست ثائرة ولا ~~محنقة، ففيم كتبت إليها هذا الكتاب؟ ولم أرسلته في غير تردد، ودون أن ~~أسأل نفسي عما يمكن أن يكون له من عاقبة، وعما يمكن أن يحدث من أثر في نفس ~~هذه الصديق البائسة، وفي نفس مكسيم الذي سيظهر على كل شيء؟ # لم أكن صادقة فيما زعمت، وإن كنت صادقة فيما عملت. فقد استجبت لغريزتي، ~~وأذعنت لعواطفي، ولم أفكر ولم أرو، ولو استطعت الآن لاسترجعت هذا الكتاب، ~~ولتركت هذين الآثمين البائسين ينعمان أو يشقيان بما قضي عليهما من إثم ~~وبؤس. وما عسى أن ينفعني هذا الكتاب؟ أتراه يرد إلي هذا الحب الضائع الذي ~~لا سبيل إلى أن يعود؟ واحسرتاه، إني لأفكر وأقدر كما يفكر الناس ويقدرون ~~برغم ما أشعر به في أعماق نفسي من انقطاع الصلة بيني وبين الناس، ومن أني ~~قد انتقلت إلى عالم آخر يجب أن أفكر فيه على نحو جديد، بل يجب أن أستريح ~~فيه من التفكير. # ما أشد شوقي إليك أيتها الأم العزيزة! ما أشد شوقي إليك أيها الأب الرحيم! ~~ما أشد شوقي إليك أيها الأخ الكريم! لقد كنتم أجدر الناس بلقائي وشفائي من ~~هذا الذي أشقى به، ولا أعرف كيف أسميه، ولكني لا أستطيع أن أسعى إليكم، ولا ~~أن أبلغكم، ولا أن أحملكم من أثقالي أكثر مما احتملتم إلى الآن. # وأنت أيها الدفتر العزيز، ما أشد صبرك علي، واحتمالك لي، ومواساتك لهذا ~~القلب الكسير! أتراني سأعرض عنك كما عودت الإعراض عنك، ثم أعود إليك كما ~~تعودت العودة إليك، مشغوفة بك، لاجئة إليك، مستخذية منك؟ # وداعا على كل حال. ومكسيم ...؟ كلا، ما ينبغي أن أفكر في مكسيم. وأنت أيها ~~الطفل العزيز؟ ms064 كلا، ما ينبغي أن أفكر فيك الآن، وإن كنت لا أجد إلى ~~الانصراف عنك سبيلا ... # وأصبح الناس ذات يوم وقد قرءوا في صحف الإقليم نعي سيدتين أهدت كل واحدة ~~منهما نفسها إلى الموت، وجعل الناس في المدينة إذا لقي بعضهم بعضا يلمون ~~بهذا النبأ، ويقول بعضهم لبعض: يا عجبا، كأنما كانتا على ميعاد. # | الحب اليائس # قال القسيس وهو يضحك للراهبة وهي تبكي: على رسلك أيتها الأخت العزيزة؛ فإن الله ~~يكره الإسراف لعباده حتى في حبه والإنابة إليه، واحذري أن يكون إغراقك في هذا ~~الندم وإلحاحك في هذا الحزن الذي يوشك أن ينتهي بك إلى اليأس من روح الله الذي لا ~~ييأس منه المؤمنون؛ احذري أن يكون هذا مظنة للريبة، وثقي - وأنت واثقة طبعا - بأن ~~الله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فاجتهدي في ألا يظهر الله منك على سر ~~تكرهين أن يظهر عليه. # وكان ضحك القسيس هادئا، حتى إذا انتهى إلى هذه الجملة قوي وظهر فيه العنف حتى وجمت ~~له الراهبة لحظة، ثم ثابت إلى نفسها وجففت دمعها ونهضت متثاقلة، وخرجت صامتة لم ~~تحي الشيخ ولم تقل له حرفا، وإنما مضت أمامها لا تلوي على شيء كأنما أوذيت في ~~ضميرها، فلم تر دفعا لهذا الأذى إلا أن تفر من مصدره فرارا. # وما أظنك فهمت من هذا الحديث كله شيئا، وأي غرابة في ذلك؟ فأنت لم توكل بحل ~~الألغاز ولا بتأويل المشكلات، وإنما أنت قارئ أو قارئة - أستغفر الله - قارئة أو ~~قارئ، يعرض عليه الفصل، فإن استقبله فاهما لأوله مضى فيه حتى يبلغ آخره، وإن ~~أعياه أول ما يستقبل منه تجلد إن كان من أولي العزم ومضى في القراءة، لعله إن تقدم ~~بعض الشيء كشفت عنه الحجب، وذللت له الصعاب، وفهم ما لم يكن يفهم، وإن لم يكن من ~~أولي العزم أعرض عن القراءة وألقى الصحيفة أو الكتاب إلقاء. # وأنا أرجو لك أن تكون جلدا صبورا وأن تمضي في القراءة شيئا، فلعلك تفهم عاقبة ~~هذه الألغاز والرموز. والحق أني لم أكن ms065 لألغز ولا لأوثر الرمز والإيماء، ولا لأقدم ~~في أول هذا الفصل ما حقه أن يكون في آخره. لكن الكتاب المحدثين يذهبون هذا ~~المذهب حين يريدون أن يقصوا عليك أقصوصة لها حظ من قيمة، أو نصيب من طرافة، وهم ~~فيما يظهر إنما يذهبون هذا المذهب تشويقا للقارئ وإيقاظا لحبه الاستطلاع وميله ~~إلى تعرف الأنباء. # وأنا أظن أن القصة التي أريد أن أقصها عليك خليقة أن أشوقك إليها وأنبهك إلى ~~دقائقها، ومن هنا ذهبت في أولها مذهب الكتاب المحدثين. ومن يدري؟ لعلي لم أفعل ذلك ~~إلا تقليدا لهم واقتفاء لآثارهم، وتكلفا لبعض فنهم الطريف. وسواء أكان هذا أم ~~ذاك، فقد أفرغ بعد كلام قليل أو كثير من هذه المقدمات، وأنتهي بك إلى القصة نفسها؛ ~~لترى أنت أخليقة هي بالعناية، أم ليس لها خطر ولا شأن؟ # ولا ينبغي أن تسألني فيم هذه المقدمات، أو فيم هذا التعليل والتحليل، والإبعاد عن ~~الموضوع والتكلف الذي يزهق النفس ويثقل على القلب! لا تسألني هذا السؤال؛ فإن ~~جوابه حاضر: وهو أني أريد أن أذهب في هذا أيضا مذهب جماعة من الكتاب المحدثين ~~الذين يريدون أن يظهروك لا على القصة التي يحبون أن يقصوها عليك فحسب، بل على ~~مذهبهم في القصص وطريقتهم في التفكير أثناء القصص، يريدون أن يظهروك على أنفسهم ~~حين يتحدثون إليك؛ لتراها واضحة جلية، ولترى أنهم يصدقونك ويكبرونك كل الإكبار، ~~فلا يعبثون بك ولا يتكلفون لك، ولا يكذبون عليك. # وأنا أعترف بأني لا أحدثك عن هذه الراهبة التي كانت تبكي بين يدي القسيس، والتي كان ~~القسيس يضحك لها ليردها إلى الأمن والطمأنينة، فأساءت به الظن وقدرت أنه يضحك منها ~~ويهزأ بها، فانصرفت عنه كئيبا محزونة الفؤاد يكاد يملأ نفسها اليأس - لم أحدثك عن ~~هذه الراهبة البائسة السعيدة، إلا لأن حديثها أعجبني وراقني وأثر في نفسي أبلغ ~~التأثير، وإياك أن تظن أنه حديث مصطنع قد ابتكره الخيال ابتكارا، فلو كان الأمر ~~خيالا لأنبأتك بذلك، ولكنه حديث كله حق وصدق. ولا لك من أن تقبل مني ذلك، ms066 لا لشيء ~~إلا لأني أنبئك به، والأصل في الكاتب أنه صديق القارئ، ينصح له ولا ينبئه إلا ~~بالحق، أليس كذلك ؟ # كانت هذه الراهبة في الوقت الذي بكت فيه بين يدي القسيس وضحك لها فيه، أو ضحك منها ~~القسيس، قد بلغت الخمسين من عمرها أو كادت تبلغها، وكانت قد أنفقت في الدير ~~أعواما طوالا لا تقل عن ربع قرن، متكلفة ما تتكلفه الراهبات في صدق واقتناع ~~وإيمان من حياة الزهد والنسك، ومن خشونة العيش وتكلف الجهد الثقيل، وكانت قد خصصت ~~نفسها بعد أعوامها الأولى في الدير لخدمة الفقراء والبائسين، وللعناية بالمرضى ~~والذين مسهم الضر وألح عليهم الشقاء. # وكانت تجد فيما تعاني من ذلك لذة لا تعدلها لذة، وسعادة نفسية لا تبلغها سعادة، ~~وكانت كلما بلغ منها الجهد وثقل عليها العناء ازداد نصيبها من الغبطة وحظها من ~~الرضا. ولم تكن تؤثر من المرضى وأصحاب العلل إلا أسوأهم حالا، وأخبثهم علة، ~~وأقبحهم مرضا؛ لتبتلي نفسها في العناية بهم بأشد أنواع الابتلاء، ولترى الألم ~~الإنساني في أقبح صوره وأبشعها، ولتروض نفسها على شر ما تراض عليه النفوس، ولتثبت ~~في قلبها أن الحياة الدنيا لعب ولهو وباطل آخر الأمر. # ومع هذا كله فقد كانت على حظ من جمال أدركه شيء من الذبول والذواء، ولكنه لم يستطع ~~أن يغير من معالمه، ولا أن يمحو مظاهره على ما كانت تحرص عليه هذه الراهبة من أن ~~ترد نفسها إلى شر ما تستطيع امرأة أن تبلغه من سوء الحال. ومصدر ذلك أن هذه ~~الراهبة كانت من بيت عظيم بعيد النسب في الشرف الفرنسي، رفيع المكانة في الحياة ~~الفرنسية منذ قرون، توارث أهله المجد والثروة والرفعة والنعمة على اختلاف العصور ~~والظروف، وألمت بهم المحن فاحتملوها كراما، وخرجوا منها ظافرين، وما أكثر ما ~~كانوا يمتحنون في مكانتهم وثروتهم، ثم يخرجون من المحن محتفظين بالمكانة والثروة ~~جميعا. # وكانت راهبتنا في أول عمرها صبية رائعة الجمال، قوية الحس، دقيقة الشعور، زكية ~~القلب، مرهفة العقل، وكانت فتنة أبويها. كانا يؤثرانها على أخيها الذي كان ms067 يشغف ~~بحياة العنف والمخاطرة، على حين لم تكن هي تصبو إلا إلى حياة الحب والعطف والحنان. ~~ذهب أخوها مذهب أمثاله من شبان الأشراف، فطلب العلم، ثم اتصل بمدارس الحرب، ثم ~~انتظم في الجيش، ثم كانت الحرب الكبرى، فكان في مقدمة هذا الشباب الذي استقبل ~~العدو. وقد اتخذ للموت في سبيل الوطن زينة الأشراف، فلم يعد إلى أهله ولم يطل ~~انتظارهم لأنبائه، وإنما انتهى إليهم نعيه في الأشهر الأولى لهذه الحرب. # ولما انتهى نعيه إلى أبويه كان إيذانا لهما بأن حظهما من هذه الحياة قد انقضى، ~~وعملهما فيها قد انتهى؛ فقد كان هذا الفتى بقية آمالهما بعد أن ذهبت أخته إلى ~~الدير ذات يوم فلم تعد منه إليهما، لسبب لم يعرفاه ولم يستطيعا أن يهتديا إليه. ~~ومع أنهما قد جهدا في صرف الفتاة عن الدير أقصى الجهد، وبذلا فيه ما يستطيعان وما ~~لا يستطيعان من السعي، واستعانا عليه بالأصدقاء من خاصتهما وبذوي المكانة والمنزلة ~~من معارفهما؛ فإن الفتاة لم تستجب لهما ولم تسمع لما كانا يلقيان إليها من حديث، ~~ولم ترق لما كانا يسفحان من دموع! # ثم تنقضي سنة المران والامتحان والاستعداد، وتدنو الساعة التي تهب الفتاة فيها ~~نفسها لله هبة حازمة قاطعة لا رجعة فيها ولا انصراف عنها، وتعود الأسرة إلى ابنتها ~~ضارعة مستعطفة ملحة في الضراعة والاستعطاف، فلا تزداد الفتاة إلا إباء ~~وإصرارا. # ثم ينفذ القضاء وتعطى الكلمة الحاسمة، وتصبح الفتاة وقد انقطعت الأسباب بينها وبين ~~ما وراء الدير، ومن وراءه من الحياة والأحياء، ثم تنقطع الصلة بين الفتاة وبين ~~أسرتها فجأة، وتجهل الأسرة من أمر ابنتها كل شيء، قد نقلت من ديرها الذي كانت فيه ~~إلى دير غير معروف، ثم أخذت الأدير تتقاذفها في أرض الوطن، وفي أرض الغربة في ~~القارة الأوروبية، وفي الشرق القريب وفي الشرق البعيد، وفي تلك الجزر النائية التي ~~تكثر فيها العلل المهلكة والأوبئة القذرة، ثم ترد الراهبة في عام من الأعوام إلى ~~فرنسا، لتعمل فيها مثلما كانت تعمل في جميع المواطن التي تقاذفتها ms068 أعواما ~~وأعواما، ولكن لتجد في وطنها بعض الراحة من هذا العناء الطويل الثقيل، الذي ~~احتملته، ومن هذا الجهد العنيف المهلك الذي بذلته. # وكانت الراهبة قد استحقت هذه الراحة لأنها كانت قد أبلت فأحسنت البلاء. وحمل أنت ~~هذه الكلمات ما تستطيع أن تحملها من المعنى، فلن تؤدي إلا بعض ما أريد أن أقول؛ ~~لأني مضطر إلى أن أوجز، راغب عن الإطالة كل الرغبة! # عادت الراهبة إلى وطنها إذن لتعمل فيه وتستريح. وهذا مريض سيئ الحال قد أدركه السل ~~وانتهى به إلى غايته، وهو مشرف على الموت، وهو فقير بائس، ينفق ما بقي من أيامه ~~البائسة في بيت حقير قذر. وهذه الراهبة تمرضه وتقوم بأمره، وتعينه بما تمنحه من ~~الرحمة والعطف والحنان والعناية المادية، على أن يخطو هذه الخطوات القليلة الضئيلة ~~التي تلقيه بين ذراعي الموت، وتستنقذه من مخالب العلة والمرض. وقد خطا المريض أكثر ~~هذه الخطوات، ولم يبق بينه وبين الراحة إلا سبب ضئيل، ضئيل جدا، تقطعه أيسر وطأة ~~للمرض، فليدع القسيس إذن ليهيئ هذا المريض للقاء ربه. # وهذا القسيس يقبل، وهذه الراهبة تفتح له الباب وتلقي عليه النظرة الأولى، وإذا ~~قلبها يخفق خفقة تكاد أن تهوي بها إلى الأرض، لولا أن تملك البائسة نفسها وتعتمد ~~على بعض الأثاث. وقد دخل القسيس فأدى واجبه، وأبرأ المريض من آثامه وإن لم يبرئه ~~من علته. ثم انصرف، ولكن الراهبة تستوقفه عند الباب، وتسأله في صوت خافت مرتجف: ~~ألم تعرفني يا أبت؟ فيجيبها: كلا أيتها الأخت، من عسى أن تكوني؟ فتقول: ومع ذلك ~~فلم أكد أراك حتى عرفتك، ولم أكد أسمع صوتك حتى انهدم له قلبي انهداما! فيسألها ~~القسيس ملحا: من تكونين؟ تجيبه: أنا فلانة بنت فلان وأخت فلان. قال القسيس وقد ~~اضطرب صوته اضطرابا يسيرا: «سلام عليك أيتها الأخت، وبارك الله لك في حياتك وفي ~~عملك.» ثم انصرف مهرولا. ولما أمسى كان قد طلب إلى رئيسه أن ينقله إلى مدينة ~~أخرى. # وعادت الراهبة إلى مريضها فأبلغته مأمنه، حتى إذا انتهت مهمتها ذهبت إلى ms069 القسيس ~~الشيخ، الذي كان يضحك لها أو يضحك منها في أول هذا الفصل، تعترف له وتعتذر بين ~~يديه، وتعلن إليه ندمها؛ لأنها ذكرت بعد هذه الأعوام الطوال حبا قديما استيأست ~~من غايته، فذهبت إلى الدير وانقطعت لعبادة الله والبر بالبائسين، وخيل إليها أنها ~~قد انصرفت عن الحب الإنساني، وتعزت عنه بهذا الحب الإلهي. # ولكنها رأت فذكرت، فعاودها الأسى، فهي نادمة وهي مشفقة من الخطيئة. وهي تلح في هذا ~~الندم، وتغرق في هذا الإشفاق، وتطلب إلى القسيس الشيخ أن يرد إلى قلبها الأمن، وأن ~~يستنقذ نفسها من هذا الخوف، وأن يذود عنها هذه الصور المزعجة التي يثيرها الندم ~~أمام عينيها. والقسيس الشيخ لا يشفق عليها من ذكر هذا الحب القديم والحزن له ~~والتأثر به، فأي شيء في هذا كله؟ إنها امرأة، إنها ابنة الإنسان، والإنسان ضعيف. ~~إنما يشفق عليها من إطالة الندم والإغراق في التفكير، فمن يدري؟ لعل إطالة الندم ~~على بعض الخطيئة شر من الخطيئة نفسها؛ لأنه استبقاء لها واحتفاظ بها، وحنين إليها، ~~وادخار لهذا السبب الذي يصل بين الإنسان وبينها. # كان القسيس الشيخ رفيقا بالراهبة، ولكنها لم تفهم منه هذا الرفق، فلما انصرفت لم ~~تفكر إلا في أن تطلب إلى رئيستها في الدير رحلة بعيدة إلى جزيرة من تلك الجزر ~~النائية التي يكثر فيها المجذومون، ويحتاج فيها المرضى إلى عناية الراهبات. # | الحب المكره # كانت تلم بالبيت ساعات في كل يوم فتملؤه بصوتها العذب، ووجهها المشرق، ونشاطها ~~العجيب؛ غناء وجمالا وحياة. وكان صوتها في ذلك اليوم أكثر عذوبة، وكان وجهها ~~أعظم إشراقا وابتهاجا، وكان نشاطها أشد حدة من كل يوم آخر. حتى اضطررت إلى أن ~~أسألها عن أمرها، وشعرت بالحاجة إلى أن أتبين مصدر هذا المرح الذي ملك نفسها ~~وجسمها معا. فقلت لها: «ما أرى إلا أنك أسعد منك فيما مضى من الأيام.» قالت وهي ~~تضحك: «نعم يا سيدي وما يمنعني أن أكون أسعد الناس، وقد نجح ابني في امتحانه، ~~وظفرت بنتي بالشهادة الابتدائية، وربح زوجي ورقة لا بأس بها ms070 من أوراق ~~النصيب.» # ولكنك لم تعرف هذه السيدة التي أحدثك عنها، ويظهر أني أنسيت أن أقدمها إليك كما ~~يقولون، فلأصلح هذا الخطأ ولأستدرك هذا النسيان: هي امرأة فرنسية من هؤلاء ~~الخادمات اللاتي لا يقصرن خدمتهن على بيت واحد يلزمنه ويقمن فيه. وإنما يتنقلن ~~بخدمتهن بين طائفة من البيوت يعملن في كل واحد منها ساعات ويقتضين أجورهن آخر ~~الأسبوع على الساعات، لا على الأيام، ولا على الشهور. وهن يعملن في هذا البيت أو ~~ذاك ما أحببن العمل فيه وما استقامت أمورهن مع صاحبته، فإن ضقن به أو ضاق بهن ~~تركنه وعملن في بيت غيره. # وما أكثر البيوت التي تحتاج إلى هؤلاء الخادمات تجد في استخدامهن اقتصادا في ~~النفقة وتوفيرا لما يحتجن إليه من طعام ومسكن إن لزمن البيت أو قصرن خدمتهن عليه! ~~وهن يجدن في هذه الخدمة الموزعة على البيوت لذات مختلفة، ويجنين منها منافع شتى ~~هي أربح لهن وأجدى عليهن، يكسبن منها في الأسبوع ما يكسبنه في الشهر من الخدمة ~~المقصورة على بيت واحد، ويجدن في تنويع هذه البيوت لذة التنقل، واختلاف العمل، ~~واختلاف الحديث، واختلاف الناس الذين يكون إليهم الحديث، واختلاف البوابات التي ~~تكون الخدمة في بيوتهن، واختلاف الشوارع والأحياء التي تقوم فيها البيوت أحيانا. ~~ولهن بعد ذلك حرية يحرصن عليها أشد الحرص فيما يحتجن إليه من طعام وما يتخذن من ~~سيرة في الحياة. ولهن الليل بعد ذلك ينفقنه مع أزواجهن وأبنائهن أو مع أخلائهن إن ~~لم يكن لهن أزواج ولا أبناء. # وهن يعملن ما أحببن العمل، ويكسلن ما أحببن الكسل، وينقلن أشخاصهن من بيت إلى بيت، ~~وينقلن مع هذه الأشخاص ما في نفوسهن من لذة وألم، ومن مرح وخمود، ومن حزن وابتهاج. ~~وينقلن أحاديث البيوت والأسر من دار إلى دار، فينبئن هذه بأحاديث تلك، وينبئن تلك ~~بأحاديث هذه، وينبئن البوابات بأحاديث الناس جميعا. ويكون على هذا النحو ~~طبقة خاصة من النساء ما أرى إلا أنها تصلح موضوعا قيما لبحث اجتماعي ~~نفيس. # وكانت مدام ليونتين هذه التي أتحدث عنها ms071 امرأة من إقليم بريتانيا الفرنسية، قد بلغت ~~الأربعين أو جاوزتها قليلا، ولكن من يراها لا يشك في أنها لم تبلغ الثلاثين بعد. ~~قصيرة القامة، ولكنها معتدلة القد، كثيرة الحركة سريعتها، كأنها النحلة لا تستقر، ~~مشرقة الوجه قوية اللحظ، عذبة الحديث رشيقته، لا يكاد لغوها ينقطع، كما أن نشاطها ~~لا يكاد يقف. وكان البيت هادئا مطمئنا يستقبل الصباح في سكون لا تكاد تحس فيه ~~اليقظة، فإذا دخلته استحال البيت كله إلى حركة ونشاط وغناء وحديث. وكانت خفيفة ~~الروح لا يستثقل منها هذا الاضطراب العنيف الذي تدفع البيت إليه دفعا وتغرقه فيه ~~إغراقا. وربما أحس أهل البيت شيئا من الفراغ والضيق بالفراغ حين تتم عملها، ~~وتلقي تحيتها وتمضي مسرعة لتستأنف عملا جديدا في بيت آخر. # وقد اتصل الحديث بينها وبيني في ذلك اليوم الذي لفتني إليها فيه نشاطها غير ~~المألوف، فعرفت أنها لم تكن خادما ماهرة، ولا امرأة جميلة، ولا مغنية بارعة، ولا ~~متحدثة لا يشق لها غبار، وإنما كانت هذا كله، وكانت شيئا أكثر من هذا كله. كانت ~~فيلسوفة، وفيلسوفة بأوسع معاني الكلمة، لا بأدق هذه المعاني؛ فهي لم تكن تحسن ~~المنطق وعلم النفس، ولا تجيد الأخلاق وما بعد الطبيعة، وماذا تصنع بهذه الثرثرة ~~التي يفني الفلاسفة فيها أعمارهم؟ # إنما كانت تفلسف في الحياة الواقعة وفيما يملأ هذه الحياة الواقعة من الأحداث. ~~وكانت تفلسف في حياتها الخاصة فتحسن الفلسفة، والحق أن حياتها الخاصة كانت خليقة ~~بالروية والتفكير. وأهم ما كان يعنيها من حياتها هي هذه الصلة التي كانت بينها ~~وبين زوجها؛ فهي كانت تحبه ولكنها تحبه كارهة له، خائفة منه أشد الخوف. وقد ترى ~~أنت وقد أرى أنا في هذا الكلام تناقضا وفسادا، ولكن مصدر هذا في أكبر الظن أننا ~~لا نحسن الفلسفة كما كانت تحسنها مدام ليونتين. # فهي كانت ترى - ويظهر أنها لم تكن مخطئة - أن الحب يكون مع البغض، وأن الأمن يكون ~~مع الخوف، وأن الافتتان يكون مع الاشمئزاز، وأن السعادة بعد هذا كله تكون مع ~~الشقاء. وهي كانت ms072 تعلن هذا كله، وتقيم من نفسها ومن حياتها الدليل عليه، وهي كانت ~~تقنع الناس وتقنعني أنا، فإذا لم أستطع إقناعك بما كانت تقنعني به، فمصدر ذلك أني ~~لم أحسن النقل عنها ولا الإعراب عما كانت تقول؛ لأني لا أجد مثل ما تجد ولا أحس ~~مثل ما تحس. ولن يحسن المترجم فنه فيما يظهر إلا إذا استعار شخصية من يترجم عنه، ~~فخلطها بشخصيته خلطا، أو مزجها بشخصيته مزجا كما يقول أصحاب الكيمياء. # نشأت مدام ليونتين في قرية ساحلية من قرى المحيط، وكانت نفسها مستوحشة كالبيئة التي ~~نشأت فيها بين هذا المحيط المصطخب دائما، وهذه الصخور المنعزلة الشاهقة، وفي هذه ~~الحياة التي لا تخلو من خشونة وشظف، وكانت كغيرها من الفتيات الحسان وغير الحسان، ~~تنظر إلى الشباب وتداعب الأحلام حين تنظر إلى الشباب، وكان الشباب ينظرون إليها ~~وإلى غيرها من الفتيات أمثالها، فيداعبون الأحلام وغير الأحلام، ولعلها قد أطالت ~~النظر إلى فتى بعينه، ولعلها فكرت فيه فأطالت التفكير، ولعلها عرضت إليه غير مرة ~~ثم لم تستطع أن تدنو منه ولا أن تتحدث إليه، ولعلها كانت تنتظر أن يلقي إليها ~~النظرة الأولى وأن يدعوها إلى الرقص مساء السبت أو مساء الأحد، وأن يأخذ معها في ~~بعض الحديث. # ولكن الغريب أن هذا الفتى أو غيره من الذين كانوا يمثلون أحلام الفتاة وآمالها لم ~~يعرض لها ولم يسع إليها، ولعله كان ينتظر الوقت الملائم والفرصة السانحة، فسبقه ~~إلى هذا الوقت وانتهز من دونه هذه الفرصة فتى آخر ليس بينه وبين أحلام الفتاة ~~وآمالها صلة ولا سبب، لا يروقها منظره، ولا يعجبها حديثه، ولا تميل إلى الرقص معه. ~~ولعلها إن رأته كرهت الدنو منه وآثرت الانصراف عنه، ولعلها إن رأته أشفقت أن يدنو ~~منها أو يبسم لها أو يلقي إليها بالا أو يرمي إليها بلحظ أو لفظ. ولكنه مع ذلك ~~أقبل عليها واضطرها إلى أن تراه، وتسمع له، وترفع بصرها إليه، وتذعن لحديثه الذي ~~كان يلقيه إليها، كما يلقى الأمر الحازم إلى المذعن المطيع. # دعاها فنفرت، ms073 فألح في الدعاء، فاضطرت إلى أن تستجيب، وأحب أن يداعبها فجمحت، ولكنه ~~أغلظ الصوت وحدد اللحظ، فاضطرت إلى أن تسمع لمداعبته وإلى أن تذعن لطلبه حين سألها ~~أن ترقص معه. ثم عرض عليها أن يصحبها في طريقها إلى الدار بعد أن انتهى الرقص، ~~فهمت أن تعتذر وأن تشكر، ولكن لحظة حادة من عينه تلك التي كانت تنفذ إلى أعماق ~~نفسها، فتملأ قلبها رعبا وتهز جسمها هزا عنيفا، أكرهتها على أن تقبل منه شاكرة ~~له ما عرض عليها. # وفي أثناء الطريق ألقى إليها حبه إلقاء، لم يتلطف في لفظ ولم يتظرف في إشارة، ولم ~~يصطنع رقة ولا لينا، ولم يظهر تأثرا ولا افتتانا، ولم يسلك إلى قلبها طريق ~~الغزل التي تعود أن يسلكها العاشقون، وإنما أنبأها في لهجة عسكرية بأنه يحبها ~~ويريدها على أن تكون له زوجا. # وقد ثارت نفسها لهذا الحب الذي يلقى إلقاء، ولهذا الزواج الذي يصدر به الأمر، ~~ولكنها خافت، فلم تعلن ثورتها، ولم تظهر جموحها، وإنما آثرت الصمت، فخرجت به عن لا ~~ونعم كما يقول بشار. ووجد الرفق إلى قلب هذا الفتى سبيلا، فلم يلح في هذا اليوم ~~ولم يراجع، وإنما اكتفى بإلقاء الحب وعرض الزواج، وانتظر أن تثمر هذه الحبة التي ~~ألقاها في هذا القلب الخصب الجديد. # ولم تره الفتاة أسبوعا كاملا، ولم تفكر فيه إلا يوما أو يومين ضائقة به نافرة ~~منه، ثم انقطعت الأسباب بينه وبين نفسها حتى كان آخر الأسبوع، وهمت أن تخرج مع ~~المساء إلى حيث يلهو الفتيان والفتيات بالرقص واستماع الموسيقى في ميدان غير بعيد ~~من شجرات الصنوبر تلك التي يأوي إلى ظلها العاشقون إذا آثروا أن يخلص بعضهم لبعض ~~نجيا. على أنها لم تكد تفكر في الخروج حتى خطرت لها صورة هذا الفتى البغيض، ~~فترددت ثم أخذت نفسها بالبقاء، ثم ترددت ثم غالبها مرح الشباب. # فخرجت تسعى على خوف واستحياء، ولم تكد تبعد عن دارها خطوات حتى رأت هذا الفتى يسعى ~~إليها بطيئا متثاقلا، ويلقي عليها لحظه كأنه الصخر يلقى ms074 على الجسم الضعيف، ~~فهمت أن تعود أدراجها. ولكنها سمعت صوتا وقفها في مكانها لا تتقدم ولا تتأخر ~~حتى انتهى الفتى إليها، فأخذ بذراعها وقادها إلى الميدان ورقص معها ما أحب الرقص، ~~ولم يستطع فتى أن يدنو منها أو يسألها رقصة من الرقصات، حتى إذا بلغ الفتى أربه من ~~الرقص قال لها في صوته الهادئ الحازم المخيف: «ستعودين الآن وسأصحبك إلى الدار.» ~~ولم تستطع إلا أن تذعن وتعود كما أراد أن تعود. # وفي أثناء الطريق لم يلق إليها حبا، ولم يعرض زواجا، وإنما أنبأها بأنه سيخطبها ~~إلى أسرتها إذا كان الغد، وأنها ستقبل الخطبة إذا سئلت، وقد استقبلت الفتاة هذا ~~الكلام بثورة عنيفة لم تستطع لها إخفاء، فقالت لصاحبها في صراحة حازمة إنها لا ~~تحبه ولا ترضاه لها زوجا وتود لو خلى بينها وبين الطريق. # وهمت أن تسترسل في هذا الزجر والتأنيب، ولكنه عدل بها عن طريقها في حركة عنيفة ~~خفيفة معا، وحول وجهها نحو المحيط العريض المضطرب المصطخب، وقال لها في صوت حازم ~~رقيق: «أترين إلى هذا البحر الذي لا حد له ولا قرار؟ فإنه سيتزوجك إذا لم أتزوجك ~~أنا، فاختاري أحبنا إليك وآثرنا عندك وموعدك الغد.» ثم ردها إلى دارها لم يلق ~~إليها حديثا ولم يسألها عن شيء. # وأنفقت الفتاة ليلتها ووجه نهارها من الغد، تروعها صورة البحر العريض العميق، ~~وتروعها صورة هذا الفتى الغليظ العنيف. والغريب أنها لم تتحدث إلى أمها بشيء من ~~حديث هذا الفتى، لم تفزع إليها، ولم تستعن بها. وإنما كاتمت سرها كتمانا شديدا، ~~كأنما كانت تخاف إن استعانت بأمها أن تعينها وترفض الخطبة، فيحمل الفتى عليها هذا ~~الرفض ويزوجها من البحر بدل أن يزوجها من نفسه. # وأقبل الفتى مع المساء فخطب الفتاة إلى أهلها، وعرضت الخطبة على الفتاة فلم تستطع ~~لها رفضا، ولم تمض أسابيع حتى أمنت الفتاة شر البحر واحتملت شر هذا الزواج ~~الغريب. # على أن هذا كله ليس شيئا بالقياس إلى غرابة ما كانت تجده هذه الفتاة بعد أن أصبحت ~~زوجا لهذا ms075 الرجل الذي غصبها غصبا، فهي كانت - وما زالت إلى هذا الوقت الذي ~~تحدثني فيه - تبغض زوجها أشد البغض إذا نأت عنه أو قربت منه. لا تستطيع أن تراه ~~ولا أن تسمعه دون أن تنقبض نفسها أشد الانقباض، فإذا دنا منها متلطفا في اعتدال ~~وأخذ معها في دعابته الهادئة، لانت له ودانت في خوف وإشفاق. # ثم لا يزال بها حتى يسحرها سحرا، ويختلب قلبها ولبها اختلابا، ويرقى بها إلى أقصى ~~ما تستطيع أن ترقى من السعادة والبهجة والنعيم. ثم تنقضي هذه الساعات، وينقضي معها ~~هذا الحلم الغريب، وتفيق الفتاة مبغضة لزوجها أشد البغض نافرة منه أشد النفور. وهو ~~لا يغيظه منها بغض ولا يؤذيه منها نفور، وإنما هو راض عن طاعتها له وعنايتها به ~~واستسلامها إليه، وسعادتها حين يريد لها أن تكون سعيدة. # ثم كانت الحرب ودعي الرجال إلى الميدان، وكان أسرع من استجاب إلى الدعاء، وقد ~~ودع امرأته متجهما لها، ولم يزد على أن أشار إلى المحيط وقال لها بصوته الهادئ ~~المطمئن: انظري إليه، إنه أحسن زوج للخائنات. # وانقضت أعوام الحرب كلها ومدام ليونتين وفية لزوجها عن حب له، أو عن خوف منه، أو عن ~~خوف من هذا المحيط الذي لا حد له ولا قرار. # وكان هذا الرجل يلم بأهله من حين إلى حين أثناء الحرب، فيلقى امرأته راضيا وينصرف ~~عنها مطمئنا، حتى إذا وضعت الحرب أوزارها نقلها إلى باريس واستقر في هذه المدينة ~~يعمل هو خادما في إحدى القهوات، وتعمل هي خادما في بعض البيوت، يفترقان إذا أشرق ~~الصبح ويلتقيان إذا أقبل الليل. # يفترقان وهي سعيدة بهذا الفراق ويلتقيان وهي شقية بهذا اللقاء، ويذوقان معا ~~السعادة الغريبة النادرة في ساعات قصار، حتى تم تكوين الأسرة فكان الولد، وكان ~~تنشيء الولد وكانت العناية بالتربية والتعليم. وها هي هذه اليوم تنبئني بأن ابنها ~~قد نجح في الامتحان، وأن ابنتها قد ظفرت بالشهادة الابتدائية وأن زوجها قد ربح ~~ورقة من أوراق النصيب. وهي سعيدة بهذا كله، هي سعيدة بأنها قد جمعت شيئا ms076 من مال، ~~وأن زوجها مثلها قد جمع شيئا من مال، وأن هذه الورقة التي ربحها زوجها أمس قد ~~ضخمت كنزهما وعظمت ثروتهما، فأصبحا غنيين عن الخدمة في القهوات والبيوت. # وهي تحب باريس وتريد أن تعيش فيها، ولكن زوجها يحب بريتانيا ويريد أن يعود إليها، ~~وسيشتري فيها دارا يشرف منها على المحيط، وهي مضطرة إلى أن تتبعه لأنها تخافه في ~~باريس كما كانت تخافه في بريتانيا. وهي لا تكره أن تنفق ما بقي لها من الحياة بين ~~هذين العدوين؛ عدوها الذي يمنحها السعادة لحظات من حين إلى حين، وعدوها الذي يدخر ~~لها الموت إن خالفت قوانين الحب والوفاء للزوج. # وكانت مدام ليونتين وهي تلقي إلي أحاديثها هذه تفلسف في سذاجة حلوة فتسأل: كيف ~~توجد السعادة في غير شقاء؟ وتسخر من هؤلاء الذين لا يرضون عن الحياة إلا أن تكون ~~حرة طلقة، وتسأل: أحق أن الحرية تكفل السعادة للناس، وأن الاستبداد لا يعقب الناس ~~إلا شقاء؟ # ولست أدري أين قرأت مدام ليونتين أن موسوليني قد أصلح إيطاليا، وأن هتلر قد قوم ~~ألمانيا؛ فهي تقول لي: انظر يا سيدي إلينا إننا أحرار في بلادنا، ولكن أمورنا ~~مضطربة فاسدة أشد الفساد، وإن الإيطاليين والألمانيين بعيدون عن الحرية إلى أقصى ~~غايات البعد، ولكن أمورهم منظمة صالحة، فأنا يا سيدي كإيطاليا وألمانيا سعيدة برغم ~~أنفي وغيري من النساء كفرنسا يؤثرون الحرية على السعادة. قلت ضاحكا: ولكن لو خيرت ~~الآن فماذا تختارين؟ فسكتت غير طويل ثم قالت: أظن أني أختار حرية ~~الفرنسيات. # | بين الحب والإثم # أصبحت مبتهجة القلب، راضية النفس، ناعمة البال، مبتسمة للنهار المشرق كما كان يبتسم ~~لها النهار المشرق. # وكانت مع ذلك تخفي شيئا طالما تعودت إخفاءه من اضطراب النفس، وقلق الضمير. وكان ~~هذا الاضطراب والقلق، يعتادانها من حين إلى حين، في مواعيد معينة معروفة هي التي ~~كانت تضرب بينها وبين صاحبها للقاء مرتين في الأسبوع أو مرات. فكانت تهتم لهذه ~~المواعيد قبل أن يحين حينها، تهيئ لها وتستعد لاستقبالها. ولم يكن هذا شيئا ~~يسيرا ms077 ولا هينا، ولا محببا إلى نفسها، ولكنه كان من هذه الآلام الثقال التي ~~يحتملها الناس؛ لأنهم يلقون من ورائها لذات عذابا. # فقد كانت هذه المواعيد آثمة لا يقرها الخلق، ولا يرضاها الدين، ولا تطمئن إليها ~~أوضاع الناس فيما ألفوا من سنة وتقليد. وكانت صاحبتنا هذه على ذلك تحيا في أسرة ~~كريمة معروفة لا ترقى إليها ظنة ولا يبلغها ريب، فكان ذلك يشق عليها ويؤذيها، ~~وربما أرقها ليلة كاملة بما كان يثير في نفسها من عواطف الألم والندم، والخوف ~~والإشفاق. ومن عواطف الحرص مع ذلك على هذه المواعيد التي امتزج حبها بنفس هذه ~~البائسة وقلبها، أشد الامتزاج وأقواه، فأصبحت لا تستطيع الحياة إلا لهذه المواعيد، ~~وأصبحت لا تستقبل يوما من أيام الأسبوع ولا ساعة من ساعات اليوم إلا فكرت فيما ~~بين هذا اليوم أو هذه الساعة، وبين يوم الموعد أو ساعته من أمد. # وكانت من أجل هذا كله قد انتهت إلى ما ينتهي إليه أمثالها من هذه الحياة الغريبة ~~التي يتم فيها الاتفاق والائتلاف بين الخوف والرجاء، وبين الألم والأمل، وبين ~~السعادة والشقاء. كانت أسعد الناس بهذه المواعيد تنعم بالتفكير فيها، والسعي ~~إليها، والاستمتاع بما تدخره من لذة وبهجة وأمل، وكانت أشقى الناس بهذه المواعيد ~~تألم أشد الألم وألذعه حين تفكر فيما تضطرها إليه من خروج على السنة المألوفة، ~~وإعراض عن الخلق الكريم، ونقض للعهد المسئول. # وقد طالت عشرتها لهذا الشقاء وتلك السعادة التي أصبحت تنتقل بينهما هادئة مطمئنة ~~كما تتنقل في غرفات بيتها وحجراته. تضيق بالألم والشقاء فتتركها إلى السعادة ~~والرجاء، تتمثل صاحبها وقد أقبل عليها باسما مشرق الوجه يسعى إليها في هدوء ظاهر ~~متكلف، وهيام خفي مكظوم، حتى إذا لقيها طوف معها في هذه الحديقة أو تلك أو أوغل ~~بها في هذا الريف أو ذاك، أو أمعن بها في الصحراء من شرقي الوادي أو غربيه، ثم ~~يعود بها إلى حيث ألفا أن يعودا حين يتقدم المساء. ثم يودعها بعد حين طويل أو ~~قصير، وقد ضربا للقائهما موعدا آخر يضمر ms078 لهما مثل ما أظهر لهما هذا الموعد من ~~حياة كلها ابتهاج ونعيم. # فإذا قضت حظها من هذا التفكير الحلو انتقلت منه إلى تفكير مر شديد المرارة، فرأت ~~زوجها الكريم النبيل، وأبناءها الأغرار الأطهار، وتمثلت حبهم لها وثقتهم بها ~~واطمئنانهم إليها، وانصراف هذا الزوج إلى ما ينصرف إليه من عمل، واحتماله ما يحتمل ~~من جهد، وإقبال هؤلاء الأبناء على ما يقبلون عليه من درس في نشاط حلو يحبب الحياة ~~إلى الأحياء. ثم تمثلت مع هذا كله مكانها من الإثم، وأنها ليست أهلا لهذا الحب ~~ولا جديرة بهذه الثقة ولا خليقة بهذا الاطمئنان. وكانت كذلك قد ألفت الاضطراب بين ~~هذه العواطف المختلفة، فكانت ترى راضية ناعمة مشرقة الوجه، وإن في قلبها لألما ~~لاذعا وحزنا عميقا. وكانت ترى أحيانا كئيبا كاسفة البال مظلمة اللحظ، وإن من ~~وراء هذا كله لسعادة وغبطة وابتهاجا. # وقد أصبحت في هذا اليوم ظاهرة الرضا واضحة الابتهاج تستقبل ساعات النهار مبتسمة ~~للأمل متهيئة للنعيم، متعجلة حركة الفلك مشفقة مع ذلك من طارئ يطرأ أو حادث يلم، ~~مشفقة أيضا من هذه العيون الخفية التي ترى الناس ولا يراها الناس، ومن هذه الآذان ~~الخفية التي تسمع الناس ولا يعلم الناس بمكانها، ومن هذه الألسنة الخفية التي ~~تتلقى عن أعين الغيب وآذانه صورا وألفاظا، فما أسرع ما تسعى بها أو ترسلها في ~~الهواء إرسالا. على أن صاحبتنا أرادت أن تنصرف في هذا اليوم عن كل ما يحزن أو ~~يسوء، وأن تسبق الموعد إلى الاستمتاع بجمال الربيع وبهجة الحدائق والجنات. # وما يمنعها أن تقضي وجه النهار في مكان من هذه الأمكنة الجميلة الهادئة التي يبسم ~~فيها الزهر النضر، ويرق فيها النسيم، ويسعى من تحتها النيل هادئا مطمئنا كأنه ~~ساع إلى الرياضة والنزهة لا يلتمس غرضا ولا يدفعه دافع إلى الإسراف في الحركة ~~والنشاط. ما يمنعها أن تخلو إلى سعادتها وشقائها في مكان من هذه الأماكن الهادئة ~~تعكف على نفسها الراضية حينا وعلى نفسها الساخطة حينا، فإذا ضاقت بهذه أو تعبت ~~من تلك خلت ms079 إلى هذا الزهر الباسم، وإلى هذا النسيم الهادئ، وإلى هذا النهر ~~المطمئن، فناجتها في دعة وأمن واطمئنان. # ليس ما يمنعها من ذلك وقد مضى زوجها إلى عمله المألوف، ينفق فيه أكثر النهار. ومضى ~~أبناؤها إلى مدرستهم أو إلى مدارسهم، لا يعودون منها إلا مع المساء. واستقل الخدم ~~بأعباء البيت بعد أن تلقوا أمرها فيما يحتاج إلى أن تأمر فيه. وأتيح لها ما يتاح ~~لأمثالها من هذا الفراغ الذي قلما يملؤه الخير وكثيرا ما يملؤه الشر. # خرجت إذن مع الضحى يرافقها صديقاها: السعادة من يمين والشقاء من شمال، ويسعى بين ~~يديها أمل هادئ مطمئن يبسم لها عن اللذة حينا وعن التعزية والتسلية حينا آخر. ~~ولم تكره أن تأخذ صحيفة من هذه الصحف التي تعرض على الناس، لتنظر فيها قبل أن تنظر ~~في نفسها، أو قبل أن تنظر في الطبيعة حين تخلو إلى الطبيعة. فقد يكون الإنسان ~~سعيدا كأقصى ما يسعد الناس، وقد يكون شقيا كأقصى ما يشقى الناس، ولكن هذا لا ~~يمنعه، وما ينبغي أن يمنعه من أن ينظر في الصحف نظرة قصيرة عجلة ليعرف أنباء ~~أمثاله، وما يلم بهم من خير وشر، فيعطف عليهم بابتسامة أو شيء من البر، فما يحسن ~~بالإنسان أن يكون أثرا، تشغله سعادته أو شقاؤه وآماله أو آلامه عما يلم بمعاصريه ~~من الحوادث والخطوب. # وكذلك انتهت إلى حيث أرادت أن تقضي ساعات من الوقت خالية إلى نفسها، وإلى الطبيعة، ~~وأنفذت برنامجها أو أخذت في إنفاذه، فردت نفسها إلى حيث ينبغي أن تكون مستترة ~~مستخفية حتى تفرغ لها بعد حين، وأعرضت عن الزهر والشجر، وعن النسيم والعشب، وعن ~~النيل الهادئ المطمئن، وأخذت تنظر في هذه الصحيفة التي اشترتها والتي كانت تقدر ~~أنها لن تنفق معها إلا لحظات معدودات. # وهي لم تنفق معها إلا لحظات معدودات حقا، ولكنها مع هذا لم تفرغ لنفسها ولم تناج ~~سعادتها ولا شقاءها ولم تناغ هذا الزهر النضر ولا هذا الشجر الملتف ولا هذا النيل ~~الرزين، ولم تسمع غناء هذه الطيور التي لم ms080 تكن تنفك تغرد، ولم تكن مع ذلك نائمة ~~ولا مغشيا عليها، وإنما كانت مستقرة في مكانها الذي اختارته، وكان الذين يمرون ~~بها - لو أن أحدا مر بها في هذا المكان الذي اختارته بعيدا عن طريق المارة - ~~يرون امرأة قد جلست كأنها التمثال لا تأتي حركة، ولا تنطق بكلمة، وإنما هي دموع ~~غزار تنهل في صمت على وجه كان جميلا ناضرا، فأدركه هذا الذبول المؤلم الذي ~~يدرك وجوه الناس، حين يعصف بقلوبهم خطب أليم. # ولست أدري أقضت في مجلسها هذا ساعة أم ساعات! ولكنها كانت في بيتها قبل أن يعود ~~زوجها من عمله، ولم تكد تبلغ هذا البيت حتى أسرعت إلى غرفتها فأصلحت من أمرها، ~~وردت إلى وجهها شيئا من الجمال المصنوع، وأخذت نفسها أخذا عنيفا حتى اضطرتها ~~إلى شيء من الهدوء واعتدال المزاج. ثم خرجت إلى حيث يلقاها زوجها حين يعود من عمله ~~كل يوم. # ولم يلاحظ زوجها، ولم يلاحظ أبناؤها - حين عادوا مع المساء - إلا أنها لم تكن مسرفة ~~في النشاط ولا غالية في الابتهاج. وليس هذا بالشيء الغريب؛ فقد ألفوا منها هذه ~~الكآبة الخفيفة تغشى وجهها من حين إلى حين. وليس من الطبيعي أن يكون الإنسان فرحا ~~دائما مبتهجا دائما شديد النشاط في كل يوم. # ولو أنها استمعت لضميرها واستجابت لما كانت تدعوها إليه طبيعة الأشياء، والمألوف من ~~سيرة الناس؛ للزمت بيتها هذا المساء ولانتهزت أول فرصة تتاح لها، فخلت إلى نفسها ~~في غرفتها واستسلمت لهذا الحزن العميق الذي كان يجاهدها جهادا عنيفا ليظهر ~~وينفجر، والذي كانت تجاهده جهادا عنيفا ليكمن ويستخفي. # نعم لو أنها استجابت لما كانت تدعوها إليه طبيعة الأشياء أو المألوف من سيرة الناس، ~~لفعلت هذا أو لاندفعت في شيء من هذه الحركات التي ينفق الناس فيها وقتهم، وينسى ~~الناس بها أنفسهم من لقاء الأصدقاء وزيارتهم أو استزارتهم والتحدث إليهم بما لا ~~يفيد، والاستماع منهم لما لا يغني، واصطناع هذا النوع من النفاق الاجتماعي الشائع ~~الذي يخفي علينا أنفسنا ويخفي أنفسنا على الناس. # ولكنها كانت ms081 في هذا المساء جامحة النفس، ثائرة الضمير، هائجة الغريزة، شاردة ~~الإرادة، فلم تستمع لطبيعة الأشياء، ولم تستجب للمألوف من سيرة الناس، ولم تخل إلى ~~نفسها في غرفتها، ولم تفر من نفسها إلى صديقاتها، وإنما استجابت لشيء واحد: هو هذه ~~العاطفة التي كانت تلح عليها أشد الإلحاح في ألا تخلف الموعد الذي ضربته لصاحبها ~~مهما تكن النتائج ومهما تكن الظروف. فإن المواعيد لا تضرب لتنقض، وإنما تضرب ليوفي ~~بها أصحابها. وهي تعلم حق العلم أنها إن ذهبت للقاء صاحبها حيث اتفقا أن يكون ~~بينهما اللقاء، فلن تجده، وأنها قد تنتظره ساعة وساعة، وقد تنتظره الليل كله، وقد ~~تنتظره الدهر كله؛ فلن تراه لأنها قرأت نعيه في تلك الصحيفة التي اشترتها صباح ~~اليوم. # ولكن هذا لا يعفيها من الوفاء بالوعد والسعي إلى اللقاء والجد فيه. وهل كان هذا ~~النعي الذي قرأته في الصحيفة صباح اليوم إلا كتابا من صاحبها ينبئها فيه بأن مكان ~~اللقاء قد تغير لظروف طارئة أقوى منه ومنها، فلن يكون اللقاء في هذه الحديقة ~~الجميلة على الضفة الغربية للنيل، ولكنه سيكون إن أرادت في ناحية من نواحي الصحراء ~~هناك حيث يستقر الناس بعد أن ينفضوا عن أنفسهم أوزار الحياة، أو بعد أن تنفيهم ~~الحياة منها نفيا. # أليس قد بين لها صاحبها في هذا الكتاب مكان اللقاء في الصحراء؟! لقد كان دقيقا ~~في كتابه فبين الطريق التي سيسلكها منذ يخرج من داره مع المساء إلى أن ينتهي إلى ~~موعده مع الليل. سيسلك هذا الطريق هادئا رزينا حتى إذا انتهى إلى مسجد من مساجد ~~الله، عطف عليه فقدم نفسه الآثمة النادمة إلى الله تائبة مستخزية تلتمس فضلا من ~~عفوه الذي لا حد له وحظا من رحمته التي وسعت كل شيء. # ثم يخرج من المسجد فيتخذ سيارة ويمضي مسرعا إلى موعده من الصحراء. وكان عقل هذه ~~البائسة يحاول أن يتسلط على نفسها الجامحة وضميرها الثائر وعواطفها المضطربة، وأن ~~يبين لها أن لا بد مما ليس منه بد، وأن هذه الأسباب الآثمة قد ms082 انقطعت بينها وبين ~~صاحبها منذ عدا عليه الموت أمس، ولكنه لم يكن يبلغ مما يريد شيئا. وهذا الليل قد ~~ألقى ظلماته على الصحراء، فجللها برداء قاتم كثيف، وهذه امرأة ماثلة وحدها غير ~~بعيد من هذا القبر الذي لم تفرغ الأيدي من تسويته إلا منذ وقت قصير. هي قائمة ~~واجمة لا تدنو من القبر ولا تنأى عنه، تود لو استطاعت أن تسعى حتى تنتهي إليه ~~فتجثو عنده وتبثه ما يملأ قلبها ونفسها من حزن وحب، ومن ألم ويأس، ومن رغبة قوية ~~في أن تلحق بصاحبه الذي استقر فيه. # ولكنها لا تستطيع أن تخطو خطوة إلى أمام كأنما أخذت رجلاها بقيد عنيف ثقيل. وقد ~~يخطر لها في لحظة قصيرة أن تعود أدراجها، فقد أتت لموعدها، ووفت لصاحبها، كما ~~يستطيع الناس أن يأخذوا بحظهم من الوفاء. ولكنها لا تستطيع أن تخطو خطوة إلى وراء ~~كأنما أخذت بقيد عنيف ثقيل. ما هذا القيد الذي وقفها في هذا المكان ومنعها أن ~~تتقدم أو تتأخر؟ إنها مع ذلك لا تحس شيئا، إنها لتجد ساقيها حرتين، ولكنها مع هذا ~~لا تستطيع أن تسعى نحو القبر ولا تستطيع أن تعود من حيث جاءت. # إن قوة هائلة مخيفة مروعة قد قامت بينها وبين القبر، هي لا تراها ولا تحسها إلا حين ~~تحاول الخطو إلى أمام، فهي حينئذ ترى ما يخيفها ويروعها، ويملأ قلبها هولا ~~ورعبا، ويعقد لسانها فلا تقول، ويطبق فمها فلا تصيح. # وإن قوة أخرى ليست هائلة ولا مروعة ولا مخيفة، ولكنها حزينة ملحة في الحزن، شاحبة ~~ملحة في الشحوب، نحيلة ضئيلة، ولكنها مع ذلك قوية لا تراها هذه المرأة إذا التفتت ~~أو تحولت، ولكنها إذا همت أن تخطو إلى وراء أحست صوتا يمزق القلوب ويفرق النفوس؛ ~~يقول لها في حزن: «إلى أين تذهبين؟! وحبك ماذا تصنعين به؟! وهل بقي لك أمل في ~~الحياة؟» والوقت يمضي، والليل يتقدم، والسكون من حول هذه المرأة يتصل ملحا ~~ثقيلا، وهي في مكانها قائمة واجمة يثوب إليها عقلها بين حين وحين، فتحاول ms083 الحركة ~~فلا تستطيع، وتحاول الصياح فلا تستطيع، وتحاول النجوى فلا تستطيع، وإنما هي تمثال ~~قد حيل بينه وبين الحركة والقول ، ولم يحل بينه وبين الحس والشعور ~~والتفكير. # ثم تضطرب في هذا التمثال الشاعر المحس المفكر رعدة قوية، تظهر في أصل نفسه، ثم ~~تنتشر مسرعة في جسمه كله. وإذا المرأة قد انطلق لسانها المعقود، وفتح فمها المطبق، ~~ووجدت القدرة على الحركة، واستطاعت إن أرادت أن تخطو إلى أمام، وأن تخطو إلى وراء، ~~كأنما رفعت عنها قيود وأغلال كانت قد فرضت عليها فرضا. ولكنها مع ذلك لا تسعى إلى ~~القبر، كأنها تحس أنها إثم كلها، وأن هذا القبر قد أصبح بمنجاة من الإثم ~~الجديد. # كم كانت تحب لو سقت هذا القبر بهذا الدمع الغزير الذي ينهل على وجهها، ولكنها مع ~~ذلك لا تفعل، كأنها تحس أن هذا الدمع إثم كله، وأنه سيستحيل نارا محرقة إن بلغ ~~هذا القبر، وما ينبغي لهذا القبر أن تمسه منها النار. # كلا، لقد حيل بينها وبين صاحبها حيا حين قطع الموت ما كان بينهما من الأسباب، ~~ولقد حيل بينها وبين صاحبها ميتا، حين قام تمثال الإثم بينها وبين هذا القبر. إن ~~الطريق حرة مطلقة من ورائها تستطيع أن تسلكها متى شاءت، لن تجد من يردها، ولن تجد ~~ما يعوقها. إن هذه القوة الحزينة التي كانت قائمة من ورائها تمنعها من الرجوع، قد ~~تحولت عن موقفها شيئا وخلت بينها وبين الطريق، واتخذت صورة الرفيق الحزين ~~المستخزي الذي يريد أن يرافقها وألا يفارقها ما وجد إلى مرافقتها سبيلا. # وهذا شخص آخر يظهر في وجهه الحزم والصرامة، ولا يخلو وجهه مع ذلك من رفق ولين، قد ~~أقبل حتى قام عن يمين هذه المرأة هادئا رفيقا تجري في وجهه ابتسامة حلوة لا تخلو ~~من كآبة وحزن، وهو يظهر الاستعداد لمرافقة هذه المرأة وأخذها بالتعزية الحلوة ~~الحازمة ما وجد إلى ذلك سبيلا. # والمرأة تتحول عن موقفها وتسعى بين هذين الرفيقين في طريقها عائد إلى بيتها. وهما ~~يسعيان معها عن يمين وشمال صامتين ms084 لا يقولان شيئا. ولكنها تفهم عنهما كل شيء؛ ~~فأما أحدهما فيحدثها عن زوجها الوفي وأبنائها الأغرار الأطهار، وأما الآخر فيحدثها ~~عن هذا القبر الذي حال بينها وبين من كانت تحب، والذي احتوى حبها وأملها ولذتها ~~وسعادتها جميعا. # وتمضي أيام وأيام، وتمضي أشهر وأشهر، وتمضي أعوام وأعوام، وتتقدم السن بهذه المرأة. ~~ولكنها دائما لا تنظر إلى يمين إلا رأت شخص الواجب هائلا يظهر في وجهه الحزم ~~الحلو، وتجري في وجهه الابتسامة الحزينة. ولا تنظر عن شمال إلا رأت شخص الحب ~~هائلا يظهر في وجهه حزن وخزي، ويظهر في وجهه كذلك تصميم على ألا يفارق هذه المرأة ~~حتى تفارق الحياة. # | نفس معلقة # مضوا مصعدين في طريق وعرة مدرجة ضيقة قد التوت حول الجبل، كأنما كانت تريد أن ~~تأخذه أخذ السوار للمعصم. وكانت عن يمينهم - وهم يمضون في هذه الطريق الضيقة بطاء ~~ثقالا متعثرين - هوة عميقة سحيقة ملتوية التواء الطريق نفسها، يتدفق في قرارها ~~سيل عنيف غزير له هدير يملأ الجو صخبا وضوضاء، حتى لا يكاد الإنسان يسمع صوت ~~صاحبه إلا في شيء من الجهد والعناء. وكان على السفحين عن يمين القوم وشمالهم شجر ~~كثيف ملتف، متصل صفيق الظل، قد علق في السفحين تعليقا، وقام بعضه من فوق بعض حتى ~~لا يكاد البصر يبلغ أعلاه، كما لا يكاد البصر يبلغ آخره طولا، وقد امتدت أغصانه ~~من هنا ومن هناك، وتكاثف بعضها فوق بعض حتى التقت وتناصت كما كان يقول القدماء، أو ~~اعتنقت كما يحب أن يقول المحدثون، وانعقدت من هذه الأغصان الملتقية الملتوية، سقوف ~~ضخام لا تنفذ من أثنائها أشعة الشمس إلا في مشقة وعناء. # وكان القوم يمضون بطاء ثقالا كما قلت يصعدون في هذا الدرج الوعر، وتتزلق أقدامهم ~~على هذه الحجارة الملس، لولا أن عصيهم ذات الأطراف المحددة كانت تسبقهم شيئا إلى ~~أمام تتحسس لهم أخبار الطريق، وتبين لهم مواضع الخطو وتتثبت لهم من الأمن. وكان ~~النهار قد تقدم حتى أدركته هذه الشيخوخة التي يسبغ الأصيل عليها رداء شاحبا ~~حزينا يبعث في ms085 النفوس شحوبا وحزنا. وكان القوم متعبين، ولكن التعب لم يستطع أن ~~يفل من عزائمهم، ولا أن يثبط من هممهم، ولا أن يردهم عما قصدوا إليه أول النهار من ~~أن يبلغوا منحدر السيل، وينتهوا إلى هذه الصخور العظام التي يتفجر منها الماء في ~~منظر رائع رهيب، ثم ينحدر عنها في هدير يملأ النفوس هلعا ورعبا وشعورا قويا ~~بالجمال. # وكان صاحبي يسايرهم متابعا لهم في الرأي على كره منه، نشيطا للحركة والرياضة أول ~~الأمر، ثم ضيقا بهذا الحر الثقيل وهذه الطريق الوعرة، وهذه الخطى المتعثرة. فلما ~~قرب القوم من هذه الصخور العظام ولم يبق بينهم وبين بلوغها إلا ساعة أو بعض ساعة، ~~وقفوا يستريحون ويستجمعون ما بقي لهم من نشاط وقوة؛ ليهجموا بهما على هذا الشوط ~~الأخير، ثم تم لهم ذلك فهموا بالتصعيد. ولكن صاحبي أبى عليهم وأقسم لا يبلغ تلك ~~الصخور، ولا يبرح مكانه الذي انتهى إليه، وطال بينه وبينهم جدال مؤلم، لم يخل من ~~ألفاظ لاذعة، ولكنه صمم، وكان حسن التصميم، لا يتحول عن رأي إذا اطمأنت نفسه إليه، ~~فتم بينه وبين القوم اتفاق مؤلم مظلم، على أن يظل في مكانه منتظرا لهم حتى يصعدوا ~~إلى منبع السيل فيرضوا منه حاجتهم، ثم يصاحبهم بعد ذلك في العودة حين ينحدرون ~~إليه. # ولم يكن صاحبي قد فقد نشاطه كله، ولم يكن قد استيأس من القدرة على التصعيد، ولعل ~~نفسه كانت تنازعه إلى المضي مع القوم فيما مضوا فيه، ولعله لم يبق في مكانه إلا ~~بعد أن جاهد نفسه جهادا غير قليل. ولكن ماذا تريد؟ لقد عرض له عارض حال بينه وبين ~~المضي واضطره إلى البقاء، وقد ظل أصحابه بعد ذلك ينكرون عليه عناده، يحسن بعضهم به ~~الظن فيقول إنه قد أدركه التعب وبلغ منه الجهد، وقيده الإعياء. # ويسيء بعضهم به الظن فيقول: إنما هو عارض من سوء الخلق، عرض له فصرفه عن هم أصحابه، ~~وإنما هي خنزوانته التي تعرض له من حين إلى حين، فتفسد رأيه في الناس، وتفسد رأي ~~الناس فيه، ms086 وتدفعه إلى شذوذ منكر، يحمل أصحابه على أن يتواصوا بأن يتركوه حتى يثوب ~~إلى رشده أو يثوب رشده إليه. وقد أقسم لي صاحبي ما أثقله جهد ولا قيده إعياء ولا ~~ألمت به خنزوانته. ولكنه صوت تردد في الغابة، فلم يكد يبلغ أذنه حتى انتهى إلى ~~نفسه فمس منها موضعا دقيق الحس سريع التأثر، وإذا هو يعنى بهذا الصوت ويلتفت ~~إليه، فيزداد تأثره به، وإذا هو يحول نفسه كلها نحوه ويقف حسه كله عليه، وإذا هو ~~يتبين مصدر هذا الصوت ويسأل أصحابه: أيسمعون؟ وماذا يسمعون؟ فلا يجد منهم إلا ~~إهمالا وفتورا، وإعجابا بهذين السفحين عن يمين وشمال، وبهذه الهوة ينحدر فيها ~~السيل العنيف، وبهذه الطريق تلتوي حول الجبل كأنما تريد أن تطوقه، ثم بهذه الصخور ~~العظام التي خرجوا مع الصبح يلتمسونها. # فأما هذا الصوت فقد أنبئوه فاترين بأنهم يسمعونه ويظنون أنه صوت حشرة من حشرات ~~الغابة. ولما رأى فتورهم وإعراضهم كره أن يلح عليهم واستحيا أن يظهر نشاطه لما لا ~~ينشطون له، وعنايته بما لا يعنون به. ولكنه ازداد إقبالا على الصوت وفراغا له، ~~وتحليلا لدقائقه، واقتنع بأنه إن طال الاستماع له، فقد يفهم عنه شيئا ذا بال. ~~وكان سعيدا حقا حين تخفف من أصحابه، وحين تركهم يصعدون نحو صخورهم العظام، وحين ~~انقطعت عنه أصواتهم، وحين خلا إلى نفسه فلم يسمع إلا هذا الصوت الملح المتصل في ~~شيء من التقطع كأنه نداء، وكأنه نداء حزين فيه شكاة حزينة، يملؤها ألم لا يكاد ~~يحد. وقد كلف نفسه كثيرا من البحث لعله يتبين مصدر الصوت فلم ير شيئا. ولم يتبين ~~شيئا، وإنما استيقن أن الصوت يأتي من يمين، واستيقن أنه ليس صوت طائر معروف، وليس ~~صوت حشرة معروفة من حشرات الغابة، وكاد يقطع بأنه ليس صوت حيوان، وأخذت تصعد من ~~قلبه إلى رأسه في أناة وهدوء فكرة غريبة لم يكن يقدر أن تخطر له، ولكنها مع ذلك ~~عرضت له فاضطرب لها اضطرابا شديدا أول الأمر، وهم أن يصعد في الجبل لاحقا ~~بأصحابه، أو ms087 أن ينحدر من الجبل عائدا أدراجه. # ولكنه لم يستطع أن يتقدم ولا أن يتأخر، وإنما وجد نفسه مقيدا مغلولا، وكان هذا ~~الصوت المتصل الحزين الشاكي هو الذي قيده وغله واضطره إلى البقاء. على أنه أخذ ~~يطمئن بعد دقائق قليلا قليلا؛ لأن شيئا لم يسع إليه عن يمين، ولأن شيئا لم يسع ~~إليه عن شمال، ولأن شيئا لم يخرج له من الأرض ولا من هذه الهوة العميقة التي ~~يتحدر فيها الماء عنيفا صاخبا، ولأن شيئا لم يهبط عليه من السماء، بل ما زالت ~~الأغصان كشأنها متناصية ملتفة متكاثفة تتخللها أشعة مضطربة ضئيلة. # كل شيء هادئ مطمئن كعهده به حين أخذ يصعد في هذه الطريق لولا هذا الصوت المتصل ~~الحزين الشاكي. فما يمنعه أن يطمئن إلى هذا الصوت، وأن يمزج بما ينبعث فيه من ~~الحزن؛ حزنا ينبعث من قلبه، وبما يفيض فيه من الشكاة؛ شكاة تفيض من نفسه التي ~~أثقلها الحزن والسأم والملل. ولكن الفكرة التي صعدت من قلبه قد انتهت إلى عقله ~~فاستأثرت به، وملكت عليه أمره، وصرفته عن كل جمال وعن كل حزن وعن كل ألم أو لذة، ~~وأخذته بالبحث عن هذه النفس التي كان هذا الصوت يعرب عنها. # ولا تضحك أيها القارئ العزيز من صاحبي، فلم تكن قصته تثير ضحكا أو تعرضه لقليل من ~~السخرية أو كثير. وقع في قلبه أن هذا الصوت ليس صوت طائر ولا حشرة ولا حيوان، ~~وإنما هو صوت نفس إنسانية متألمة تعرب عن ألمها، معذبة تعلن ما تحمل من عذاب، ~~مستغيثة لا يغيثها أحد، مستنجدة لا تجد لها منجدا. # أنكر هذا الخاطر أول الأمر، وظنه أثرا من آثار الاضطراب، ثم ألح في إنكاره، ولكن ~~هذا الخاطر قوي في قلبه لأنه نبت في قلبه، وصدر عن قلبه، ثم أخذ يصعد وقوته تزداد ~~وتشتد، حتى انتهى إلى العقل فملكه وسيطر عليه. ولم يستطع صاحبي أن يشك في أنه يسمع ~~نفسا إنسانية تشكو ألما وحزنا وحرمانا. وما هي إلا أن أخذ يبحث عن هذه النفس، ~~ويلتمس في ms088 هذا الصوت في طبيعته وفي حجمه وفي نبراته ما يدله على صاحب هذه النفس. ~~والغريب أنه لم يشك في أنها نفس شخص من ذوي معرفته، والذين كانت بينهم وبينه صلة ~~في قديم أيامه أو حديثها، فأخذ يستعرض صور أصحابه وأصدقائه وذوي معرفته الذين ~~تصرمت عنهم الحياة وتقطعت بهم أسباب العيش، وأدركهم الموت شبانا أو كهولا أو ~~شيبا. وأغرب من هذا أنه لم يفكر في أن هذه النفس، إن كانت هناك نفس، يمكن أن تكون ~~نفسا إنسانية ما، لم يعرفها ولم تعرفه من قبل. # وما أكثر الذين يموتون في كل لحظة من لحظات الدهر وفي كل مكان من الأرض! وما أكثر ~~النفوس التي تفارق الأجسام مع كل دقة من دقات الساعة أو حركة من حركات الزمان! ~~ولكنه لاحظ أن هذا الصوت لم يلفت أحدا من أصحابه، ولم يؤثر في أحد من هؤلاء الناس ~~الذين يصعدون في هذه الطريق، ولم يبلغ إلا قلبه هو، ولم يؤثر إلا في نفسه هو. فيجب ~~أن تكون هناك صلة بينه وبين مصدر هذا الصوت، ويجب أن تكون الأقدار قد دبرت الأمر ~~تدبيرا محكما، وهيأت له هذه النزهة ليقصد إلى هذا المكان وليسمع فيه هذا الصوت، ~~وليعلم فيه علم هذه النفس، ويجب أن يكون هناك شيء ذو بال سينتهي إليه. ومن يدري ~~لعل لهذه النفس رسالة تريد أن تبلغها إلى أحد من الأحياء. # كذلك خرج صاحبي عن طوره خروجا تاما، كان هادئ الجسم كل الهدوء مضطرب النفس كل ~~الاضطراب، أو قل: كان عاقل الجسم كل العقل، لا يظهر عليه شيء ينكره الناس، وكان ~~مجنون العقل كل الجنون لو اطلع الناس على ضميره لأنكروه أشد الإنكار. # أأقام صاحبي طويلا على هذه الحال؟ أأقام صاحبي قصيرا على هذه الحال؟ أنبأني أنه ~~لم يدر، ولكنه أحس يدا توضع على كتفه، وصوتا يصيح به في عذوبة لا توصف: أنائم ~~أنت؟ فالتفت، فإذا زوجه قد أقبلت منحدرة مع أصحابه وإذا هي تدعوه إلى ~~النهوض. # قال وقد سمع صوتها وفهم عنها: «لا لست ms089 نائما، ولكني كنت مغرقا في الاستماع لهذه ~~النفس.» قالت زوجه في شيء من العجب: «أي نفس؟» قال: «ألا تسمعين هذا الصوت؟ لقد ~~سألتك عنه آنفا فلم تحفلي بسؤالي، ولقد بقيت لأعلم علمه، وما أشك في أنه صوت ~~إنساني يصدر عن نفس إنسانية معذبة شاكية ...» قالت زوجه: «ويلي عليك يا صاحبي! ما ~~أرى إلا أن قراءتك المتصلة ستمضي بما بقي من عقلك. هلم فقد أقبل الليل ولا ينبغي ~~أن يفوتنا القطار.» # ونهض صاحبي فمضى مع القوم كارها، وهم يسخرون منه ويتندرون عليه، ويصفون له جمال ما ~~رأوا، وروعة ما شهدوا، وهو يسمع لهم حينا ويذهل عنهم حينا. ثم كانت العودة وكان ~~الاضطراب فيما يضطرب فيه المصطافون في مدينة فرنسية من مدن الجبل إذا أقبل ~~الليل. # ثم أصبح صاحبي حائرا لا يدري، أيتحدث بحديثه إلى زوجه أم يكتمها إياه؟ ذلك أنه كان ~~يشفق أن يروعها إن تحدث إليها بهذا الحديث، وكان يشفق أن يسوء ظنها به أو أن يسوء ~~رأيها فيه، أو أن تنتهي من أمره إلى أنه مجنون قد فقد الرشد وأضاع الصواب. على أنه ~~آثر أن يخفي هذا الحديث، وأن يفارق هذه المدينة التي كان كل شيء فيها يدفعه إلى ~~الجبل وطريقه الملتوية وأغصانه المتناصية، وهذا الصوت الذي يتردد متصلا معلنا ~~للحزن معربا عن الشكاة. # وما هي إلا أن يظهر الضجر بالمقام في هذه المدينة، ويزين الانتقال إلى مدينة أخرى، ~~ويبذل الوعود والأماني، ويتلطف في السيرة والحديث، وينثر المغريات من حوله نثرا، ~~حتى انتهى إلى ما أحب وفارق هذه المدينة التي كره المقام فيها كرها شديدا ~~... # قصد مع أسرته إلى قرية هادئة من قرى المحيط، ولقيني في تلك القرية وحدثني فيها بهذا ~~الحديث. ولما انتهى منه إلى حيث انتهيت، لاحظ في وجهي إنكارا وسخرية، فرابه ذلك ~~بعض الشيء، وقال: إنك لتذهب مذهب القوم وتتهمني في عقلي، وما تشك في أني مجنون أو ~~مقبل على الجنون. وهممت أن أرد عليه وأن أزيل ارتيابه، فلم يحفل بي، ولكنه مضى في ~~حديثه قائلا: ms090 «يجب أن تستمع لآخر الحديث، وأن تجعل بيننا عهدا لنحققه، فإن ~~انتهينا إلى صدقه اعترفت معي بأني سمعت نفسا إنسانية تتكلم، وإن انتهينا إلى كذبه ~~اعترفت معك بأني كنت مريضا مجنونا أو مشرفا على الجنون.» # قلت: وكيف ذاك؟ قال: «إن هذه النفس التي سمعت صوتها في الغابة عرضت لي بعد ذلك في ~~النوم وحملتني رسالة إلى صديق تعرفه وأعرفه.» قلت، وقد ازداد إنكاري لصاحبي، ولكني ~~مع ذلك أظهرت العناية والدهش: «ماذا تقول؟» قال: «أقول إن هذه النفس تراءت لي في ~~النوم، وأنبأتني بأني لم أخطئ فيما قدرت حين استمعت لها وبأنها نفس إنسانية وبأنها ~~نفس فلانة، أتعرفها؟» قلت: «نعم أعرفها، لقد شيعناها إلى القبر منذ أشهر.» قال: ~~«فهل تعرف أن بينها وبين فلان صلة؟» قلت: لا، وما كان ينبغي أن توجد بينهما صلة. ~~قال: «فإنها أنبأتني بأنها قد كانت له خليلة، وبأن أول أمرهما كان منذ أعوام في ~~هذا المكان الذي سمعتها فيه، وبأنها بعد أن فارقت الحياة ومضت في طريقها المجهولة، ~~إلى غايتها المجهولة، انقطعت بها الطريق في هذا المكان، وألقي إليها أنها ستبقى ~~هنا وحيدة تنتظر صاحبها حتى إذا أدركتها نفسه بعد وقت طويل أو قصير مضتا معا في ~~طريقهما المجهولة إلى غايتهما المجهولة، ولكنهما يجب على كل حال أن يستأنفا سفرهما ~~من هذا المكان الذي استكشفا فيه قلبيهما.» # وقلت وقد أدركني من حديث صاحبي شيء يشبه الذعر، إن لم يكن هو الذعر: «ما رأيت ~~كاليوم حديثا عجبا.» قال: «بل قل: ما رأيت كاليوم جنونا عجبا، فهذا أصدق في ~~الإعراب عما تريد. ولكنا سنلقى صاحبنا إذا عدنا إلى أرض الوطن، وسنتلطف له لنعلم ~~أكان بينه وبين هذه السيدة شيء، وسنتبين أكان حديثي هذا عرضا من أعراض الجنون أو ~~أثرا من آثار الأعصاب المريضة المكدودة.» قلت: ولكنك لم تحدثني بهذه الرسالة التي ~~تحملها إلى صاحبنا عن هذه النفس. قال: «وبماذا تريد أن أحدثك؟ إنها تتعجل مقدمه ~~عليها، وماذا يملك المسكين من أمره؟ ومتى استجاب الأحياء لدعاء الموتى؟ ومتى هانت ms091 ~~الحياة على أصحابها، وإن استحلفهم الموتى بأصدق الحب وأبلغه في القلوب ~~أثرا؟» # ثم عدنا بعد أسابيع إلى أرض الوطن، ولست أشك في أن صاحبي قد كان حدثني ببعض ~~الهذيان، ولم أفكر قط في أن أحقق حديثه، ولكنه هو فكر في ذلك وسعى إلي وألح ~~علي وسار معي إلى صاحبنا. ولكن ماذا؟ إن صاحبنا مريض، وإن مرضه ثقيل، وإن ~~الأطباء يشفقون عليه أشد الإشفاق. قال صاحبي وقد خرجنا من عنده دون أن نتحدث إليه ~~في شيء: ما أرى إلا أن الرسالة قد انتهت إليه من طريق غير طريقي، ومع ذلك فسنعوده ~~إذا كان الغد. ثم عدناه مرة ومرة ومرة، وعرض له صاحبي ببعض الحديث، فما شككنا في ~~أنه قد كان من تلك السيدة على أمر. ثم استحال التعريض إلى تصريح، فما شككنا في أن ~~صاحبي قد قال حقا، ولكن صاحبي لم يبلغه الرسالة؛ لأن الرسالة كانت قد سبقت إليه، ~~ولأنه لم يكن في حاجة إلى من يستعجله، ولأننا لم نلبث إلا أياما حتى شيعناه إلى ~~مستقره الأخير. # ليت شعري، أكان لغوا ما قال صاحبي؟ ليت شعري، أكان جدا ما قال صاحبي؟ ليت شعري، ~~أأدركت نفس صاحبنا تلك النفس المعلقة في غابة من غابات فرنسا على جبل من الجبال ~~حول ذلك السيل الذي ينهمر في قوة وعنف، فيملأ الجو ضجيجا وعجيجا واصطخابا، ~~ويتميز منه على ذلك الصوت المتصل الحزين الذي يعلن عن اللوعة ويعرب عن ~~الشكاة. # | ثأر بيرينيس # لست أدري كيف وصلت أخبار الدنيا إلى دار الموتى، ولا كيف وصلت أخبار الموتى إلى أهل ~~الدنيا. ولكن صاحبي حدثني حديثا عجبا، ولم يرد أن ينبئني كيف استقام له هذا ~~الحديث؛ زعم لي أن خلافا عنيفا أليما ثار بين حبيبين في دار الموتى فأفسد الأمر ~~بينهما إفسادا عظيما كاد يستحيل إصلاحه، لولا أن أديبا دخل بينهما فردهما إلى ~~شيء من الصلح القلق والتوافق الموقوت. # وكان ذلك في اليوم العاشر من هذا الشهر، بعد أن نزل إدوار الثامن عن ملك إنجلترا ~~وما وراء البحار وإمبراطورية ms092 الهند لأخيه الملك الجديد. كان ذلك في الصباح أو في ~~المساء، وفي أي لحظة من لحظات النهار أو من لحظات الليل، فقد زعموا أن ليس في دار ~~الموتى ليل ولا نهار، وإنما الزمان عندهم فكرة تجيلها النفس ويتمثلها العقل ولا ~~تصورها حركة الأرض ولا حركة الشمس، ولا اضطراب كوكب من الكواكب ولا دوران فلك من ~~الأفلاك. # كان هذا الخلاف بين هذين الحبيبين في لحظة من ذلك اليوم حين انتهى نبأ انحلال ~~الأزمة البريطانية إلى دار الموتى، وحين علم به تيتوس القيصر الإمبراطور وصاحبته ~~بيرينيس ملكة فلسطين! # وأنت تعلم من غير شك أنهما هبطا إلى مستقرهما الأخير منذ تسعة عشر قرنا أو ما يقرب ~~من تسعة عشر قرنا. فقد مات تيتوس القيصر الإمبراطور في أواخر القرن الأول للمسيح ~~سنة إحدى وثمانين، وماتت بيرينيس بعده بقليل. وإذا جارينا الشاعر الفرنسي العظيم ~~راسين فقد ماتت حزنا عليه، أو تعمدت الموت لتلحق به. لا يخبرنا الشاعر بذلك، ~~ولكنه ينبئنا في قصته الخالدة بأن بيرينيس كانت تريد الموت استجابة لليأس، فعزم ~~عليها عاشقها القيصر الإمبراطور لتبقين، وأنذرها أنه لاحق بها إن ماتت وقاتل نفسه ~~إن قتلت نفسها. # وكانت الملكة الفلسطينية مؤثرة لحبيبها العظيم على نفسها، فآثرت البقاء لا حبا في ~~البقاء، بل إيثارا لعاشقها به، وعاشت لا لتنعم بالعيش، بل لينعم الرومانيون بحياة ~~قيصرهم الإمبراطور. وأكبر الظن أن موت الإمبراطور قد يسر الأمر على حبيبته وأحلها ~~مما قطعت على نفسها من العهود والمواثيق، فأسرعت إلى الموت لا حبا في الموت، ~~ولكن رغبة في لقاء خليلها، حيث لا تثار الاعتراضات على حبهما في مجلس الشيوخ ~~الروماني، ولا في ملاعب التمثيل ولا في أسواق المدينة الخالدة. وأكبر الظن أن ~~العاشقين التقيا مبتهجين بهذا اللقاء، فرحين بهذه السعادة الباقية التي لا تتاح ~~للناس في هذه الحياة الفانية. وأكبر الظن أيضا أنهما شغلا بحبهما عن كل شيء وعن ~~كل إنسان، وشغلا بحبهما عن شئون الناس خاصة، لم يصرفا عنه لحدث من الأحداث، ولا ~~عظيمة من العظائم، بل لم يصرفا ms093 عنه لما كان يكتب عنهما المؤرخون في العصور القديمة ~~أو العصور الحديثة. ولعلهما لم يصرفا عنه إلا مرة واحدة في القرن السابع عشر، حين ~~كتب راسين قصته الرائعة وقدمها إلى الملعب، وحين كتب كورني قصته البارعة وعرضها ~~على النظارة، وحين اختلف الناس في أمر هذين الشاعرين وفي أمر هاتين القصتين كما ~~كانوا يختلفون في أمرهما وفي آثارهما دائما. # وقد كان تيتوس القيصر الإمبراطور أديبا ظريفا ومثقفا مترفا، وكان يحب الفن ~~ويشغف بالأدب ويفتن بالفلسفة، وكانت بيرينيس من أذكى بنات إسرائيل وأعظمهن حظا ~~من ثقافة ودقة ورقة وترف، وقدرة على استئثار بعقول الرجال والاختلاب لألباب ~~الملوك. فجائز أن يكون اختلاف الناس في راسين وكورني وفي قصتيهما قد شغلهما لحظة ~~عن حبهما الخالد وسعادتهما المتصلة، ولكن المحقق - فيما يقول صاحبي - أنهما لم ~~يلبثا أن عادا إلى ما كانا فيه من الغزل والدعابة، ومن الاستمتاع بنعيم الحب الذي ~~لا ينغصه الصد ولا يفسده الهجر ولا تكدره وشاية الوشاة. # وقد كانت الثورة الفرنسية، وكانت حروب نابليون، وكانت الأحداث الجسام التي اتصلت ~~بين الناس. وكانت الحرب الكبرى، وكان ما كان بعد هذه الحرب، والعاشقان لا يحفلان ~~بشيء من ذلك ولا يأبهان له ولا يفكران فيه، حتى كان يوم الخميس الماضي، وإذا هما ~~يردان إلى أمور الناس ويشغلان بها ويتأثران بأنبائها أشد التأثر، حتى تكاد الأسباب ~~بينهما أن تنقطع، وحتى توشك المودة بينهما أن تزول لولا أن تدخل هذا الأديب ~~فاضطرهما إلى خطة، هي إلى الهدنة أقرب منها إلى الصلح، وهي إلى الموادعة والانتظار ~~أقرب منها إلى المودة والصفاء. # وأنت بالطبع تعلم أن تيتوس قد عرف صاحبته الجميلة الخلابة في فلسطين حين كان مع ~~أبيه يحاربان اليهود ويعيدانهم إلى طاعة روما، فأحبها وأحبته وهام بها وهامت به، ~~وكانت بينهما صلات لهج بها الجند، وكثر فيها كلام أهل الشرق في فلسطين والشام ~~ومصر. ولم يحفل العاشقان بلوم اللائمين ولا سخط الساخطين، وإنما مضى كل منهما في ~~حبه لا يلوي على شيء ولا يقف عند غاية، واجتهدت بيرينيس ms094 في أن تجيب سلطان الرومان ~~إلى أهل مدينة القدس الثائرين فلم تفلح، وأخطأها التوفيق كما أخطأ أخاها. فانحازت ~~إلى الفاتحين وآثرت الحب على الوطن، وابتهجت بظفر الرومان وعادت مع الظافرين إلى ~~روما وسكنت دار تيتوس أثناء ولايته للعهد، ولهج بذلك أهل روما وكثر فيه حديثهم ~~واشتد له إنكارهم. فاضطر الإمبراطور إلى أن يأمر تيتوس ولي عهده بقطع هذه الصلة ~~ونفي هذه العاشقة عن الأرض الإيطالية، وأذعن ولي العهد لأمر أبيه وأخرج صاحبته إلى ~~الشرق، وأذعن لسلطان روما وقوانينها. فلما مات أبوه وارتقى هو إلى العرش وظنت ~~الملكة أن قد زالت المصاعب ومهدت الطريق، عادت إلى روما، ولكنها لم تظفر من عاشقها ~~الإمبراطور بشيء. # وقد كتب أحد المؤرخين الرومانيين يقول: «إن تيتوس الذي كان يحب بيرينيس كما كانت ~~تحبه، والذي كان قد أطمعها في الزواج، قد أخرجها من روما برغمه وبرغمها ~~أيضا.» # ومن هذه الجملة القصيرة التي كتبها المؤرخ الروماني، بل من آخر هذه الجملة استقى ~~راسين قصته الرائعة. فصور الصراع بين الحب والواجب أبرع تصوير وأروعه، ونصر الواجب ~~الوطني في القصة كما نصره التاريخ أيضا؛ فقد كان القيصر الإمبراطور محبا لملكة ~~فلسطين حبا ملأ قلبه وملك نفسه واستأثر بأهوائه وعواطفه، ولكنه على ذلك لم يستطع ~~أن يتخذها له زوجا؛ لأن قوانين روما لم تكن تسمح بهذا الزواج. # ولم يكن حب الملكة للإمبراطور هينا ولا فاترا ولا يسيرا، ولكنها على ذلك قد ~~أذعنت لسلطان الواجب وخضعت لقوانين روما، وانصرفت عن هذا الزواج الذي عملت له ~~وعاشت بالتفكير فيه والطموح إليه أعواما طوالا. وكان القيصر الإمبراطور يقدر حق ~~القدر أنه يضحي في سبيل القانون والواجب تضحية خطيرة لن يهملها التاريخ، ولن تقصر ~~الأجيال في الانتفاع بها والإكبار لها واتخاذها موضوعا للموعظة والاعتبار. وكانت ~~الملكة في حقيقة الأمر لا تفكر إلا في نفسها وفي حبها، ولا تحفل بالقانون ولا ~~بالواجب ولا بالتاريخ. ولكنها انتهت آخر الأمر إلى مثل ما انتهى إليه قيصر، فضحت ~~بالحب في سبيل الواجب والقانون، وضربت للناس مثلا قويا في ms095 تصوير التضحية ~~والإيثار. # قال صاحبي: فلما انتهت إلى العاشقين في دار الموتى أنباء الأحداث الجسام التي حدثت ~~في وندره، نسيت بيرينيس روما وقوانينها، وواجبات القيصر الإمبراطور وكل ما كان ~~بينها وبين صاحبها من الحوار الرائع الذي صوره راسين، ولم تذكر إلا شيئا واحدا: ~~وهو أنها امرأة عاشقة ضحى بها خليلها في سبيل شيء آخر غير العشق. وأنت تعرف الغيرة ~~إذا اضطرمت نارها في قلوب النساء كيف تلتهم كل شيء، وكيف تمتنع على كل روية ~~وتستعصي على كل تفكير. فقد ثارت إذن بيرينيس ثورة هائلة، وجحدت كل ما كان بينها ~~وبين صاحبها من حقائق الود ووثائقه، وزعمت أن القيصر الإمبراطور لم يكن إلا جاحدا ~~خائنا غادرا لا يرعى للحب حرمة ولا يرجو للوفاء وقارا. # وكانت من قبل تظن أن الواجب الاجتماعي فوق الواجب الفردي، أو أن إخلاص الرجل لوطنه ~~يجب أن يكون فوق إخلاصه لنفسه ولمن يحب، وأن الرجل الذي يضحي في سبيل الوطن بحياته ~~خليق أن يضحي في سبيل الوطن بعواطفه وميوله وأهوائه. فقبلت من عاشقها ما قبلت، ~~وآمنت بمثل ما كان يؤمن به من أن الوطن فوق الأشخاص، وأن الطاعة لقوانين روما فوق ~~الطاعة لقوانين الحب والغرام. ولكنها رأت أن امرأة أخرى لم تكن ملكة ولا قريبة من ~~الملكة قد صارعت دولة فغلبتها. وقارنت بيرينيس بين الإمبراطورية الرومانية التي ~~ضحى بها في سبيلها منذ تسعة عشر قرنا وبين الإمبراطورية البريطانية، فراعتها ~~المقارنة وملأت قلبها غيظا وحنقا. فأين تقع الإمبراطورية الرومانية وملك قيصر من ~~الإمبراطورية البريطانية وملك إدوارد الثامن؟ # ومع ذلك فقد ضحى إدوارد الثامن بالملك ونزل عن العرش، وآثر صاحبته على ملك لم يتح ~~لأحد مثله. فقد كان إدوارد الثامن إذن أصدق حبا وأخلص وفاء من تيتوس القيصر ~~الإمبراطور، وكانت صاحبته أعظم حظا وأسعد طالعا من بيرينيس ذات الحسن الرائع ~~والجمال البارع. ومع ذلك فقد كانت بيرينيس أدنى إلى الشباب وأعظم حظا من الجمال، ~~وكانت صاحبة عرش لا من عامة الناس ولا من أوساطهم! فترى إلى نتيجة هذه المقارنة ms096 ~~وإلى أثرها في قلب امرأة عاشقة غالية في العشق، لا تعرف في الحب هوادة ولا لينا، ~~ولا تقبل فيه موادعة ولا مصانعة. # وقد لقي القيصر الإمبراطور كثيرا من الهول، وبذل كثيرا من الجهد، واحتمل كثيرا ~~من العناء، ولم يستطع أن يوفق إلى إرضاء صاحبته ولا إلى استعطافها عليه واجتذابها ~~إليه؛ فقد صور لها أن حاجة البريطانيين إلى ملكهم ليست كحاجة الرومانيين إلى ~~إمبراطورهم؛ لأن الملك في هذه العصور الحديثة رمز للسلطان، يملك ولا يحكم، فهو ~~يستطيع أن يتخلى عن العرش إذا عجز عن النهوض بأثقاله دون أن يسيء إلى الوطن أو ~~يعرض مصالحه للخطر والضياع. على حين كان الإمبراطور الروماني يملك ويحكم ويدبر ~~الأمر كله تدبيرا في دقائقه وجلائله؛ فكان نزوله عن العرش أبعد أثرا في حياة ~~الدولة من نزول الملوك المحدثين عن عروشهم. # وقد صور تيتوس لصاحبته أن فكرة الواجب فكرة مرنة تتغير مع الزمن وتتشكل بأشكال ~~البيئات المختلفة، وأن تصور المحدثين للواجب ليس كتصور القدماء له. # وقد عرض تيتوس على صاحبته أن تسعة عشر قرنا تكفي لتغيير آراء الناس في كل شيء، ~~ولتغيير ما يكون بين الفرد والجماعة من الصلات. فقد كانت الجماعة في العصور الأولى ~~كل شيء ولم يكن الفرد شيئا. فأما الآن فقد أخذ الأفراد يوجدون ويؤمنون بأنفسهم، ~~ويرون أن عليهم واجبات ويرون أيضا أن لهم حقوقا، وهم مستعدون لأداء الواجبات ~~ولكنهم غير مستعدين للنزول عن حقوقهم. # وقد عرض تيتوس على صاحبته أشياء أخرى لا نكاد نفرغ من إجمالها فضلا عن تفصيلها، ~~ولكنه لم يستطع أن يقنعها ولا أن يردها إلى الرضا والهدوء؛ فهي كانت تسخر من هذا ~~كله، بل تسخط على هذا كله، وترى أنه تحكيم للعقل فيما لا ينبغي أن يحكم فيه العقل. ~~تحكيم العقل فيما هو من شئون القلب وحده. وكان يزيد سخطها وثورتها ويملؤها غيظا ~~إلى غيظ وحنقا إلى حنق، أنها قد انخدعت بهذا الحب الكاذب نحو عشرة أعوام في ~~الحياة الدنيا وتسعة عشر قرنا في الحياة الآخرة، لم تشك فيه ولم ms097 ترتب بصاحبه، ~~فمنحته حبها وقلبها وأخلصت له في الدنيا والآخرة، وفي السر وفي الجهر، ثم تبين لها ~~في لحظة قصيرة جدا أنه لم يكن عاشقا ولا صادقا في الحب، وإنما كان خادعا ~~ومخدوعا في وقت واحد. وما هذا الحب الذي لا يضحى في سبيله بالممالك والعروش؟ بل ~~ما هذا الحب الذي يضحى به في سبيل الممالك والعروش؟ # ولست أدري أتذكر ذلك المنظر الرائع الذي يصور فيه راسين ثورة الملكة وغضبها ~~وانصرافها عن القيصر الإمبراطور بعد أن استيأست منه ومن حبه، وهي تعلن إليه أنها ~~تفارقه لتلقى الموت. فقد أعادت بيرينيس هذا المنظر نفسه في دار الموتى، وأعلنت إلى ~~تيتوس مثل ما أعلنت إليه في روما، وارتاع قيصر له كما ارتاع في الحياة الأولى، ~~لولا أن قهقهة عالية ردت العاشقين إلى صوابهما بعض الشيء، سمعاها فالتفتا فإذا ~~فيلسوف أديب كان يسمع لهما ويعجب بهما، وليس يدري صاحبي من أمر هذا الفيلسوف إلا ~~أنه فرنسي محدث عاش بعد قصة راسين. وقد دهش العاشقان، لمكانه منهما ودهشا لضحكه ~~المتصل وقهقهته المستمرة، ونظرا إليه في شيء من الوجوم، ولكنه قال للملكة وهو يمضي ~~في ضحكه: بم تنذرينه يا مولاتي؟ أتنذرينه بالموت فإنك ميتة، أم تنذرينه بالحياة! ~~فكيف السبيل لك إلى استئناف الحياة؟ # هنالك سقط في أيدي العاشقين، ولكن الفيلسوف لم يمهلهما ولم يخل بينهما وبين ~~التفكير، وإنما مضى في حديثه وضحكه معا وهو يقول: «ولن تستطيعي يا مولاتي أن ~~تهجريه ولا أن تطيلي الإعراض عنه؛ فقد اتصلت أسباب الحب بينكما في الحياة الأولى، ~~واستقبلتما هذه الحياة الثانية عاشقين، فستظلان على ما كنتما عليه إلى آخر الدهر ~~إن كان لدهر الموتى آخر. ستلتقيان فتختصمان حينا ويصفو كلاكما لصاحبه حينا آخر، ~~ولن ينفعكما ولن يضركما ما يختلف على الأحياء من الأحداث والخطوب. # فالأحياء وحدهم هم الذين يتطورون ويتغيرون، فأما نحن فقد قضي علينا ألا نتطور ولا ~~نتغير؛ لأننا استنفدنا حظنا من التطور والتغير قبل أن نصل إلى هذه الدار. ولو أني ~~ملكت أمور الأموات والأحياء لقطعت ms098 الصلة بيننا وبين أهل الدنيا قطعا. فما أكثر ما ~~نعلم من أخبارهم فنحزن حين لا ينفع الحزن، ونفرح حين لا يغني الفرح. ما أكثر ما ~~أعلم من أخبار الفلاسفة والأدباء، فأفرح لأنهم بلغوا ما لم أبلغ واستحدثوا ما لم ~~أحدث واستكشفوا ما لم أستكشف. وأحزن لأني عاجز عن أن أشارك فيما يشاركون فيه وآتي ~~بعض ما يأتون، وأضيف إلى بعض ما يستحدثون. # حقا لست أدري كيف السبيل إلى ما نحن في حاجة إليه من الراحة التي لن نظفر بها ما ~~دامت أخبار الأرض تهبط إلينا أو تصعد، فلست أدري أين نحن بالقياس إلى الأرض؛ ~~أمرتفعون في مكان شاهق، أم منخفضون في مكان سحيق؟ ومع ذلك فما يحزنك يا مولاتي. ~~لقد كنت تبتغين حب قيصر، فقد ظفرت به في الحياة، وقد ظفرت به بعد الموت، فرق ~~الدهر بينكما عامين ثم جمعكما الموت إلى الأبد. # أفتعلمين ما خطب العاشقين الذين جمعت الحياة بينهما الآن؟ أواثقة أنت بأنهما سعيدان ~~بهذا الحب؟ أمطمئنة أنت إلى أن حياتهما لن تتعرض لسأم ولا ندم ولا اختلاف ولا ~~افتراق؟ كلا يا سيدتي، انتظري وتمهلي ولا تغاضبي صديقك ولا تتنكري له، حتى إذا ~~أقبل هذان العاشقان بعد حياة طويلة ورأيتهما هنا ينعمان بمثل ما تنعمان به من ~~الحب، ويسعدان بمثل ما تسعدان به من الود، فهنالك وهناك فحسب، تستطيعين أن ~~تغبطيهما وتحسديهما. وهنالك، وهنالك فحسب، تستطيعين أن تظني أنهما كانا أحسن منكما ~~حظا. ومع ذلك فلم لا تقدرين أن ظفر هذه السيدة بما لم تظفري به وانتصارها على ~~قلب صاحبها واستئثارها به من دون العرش، إنما هو انتصار لك وأخذ بثأرك من الرجل ~~الذي غالبك فغلبك، وطاولك فكان له عليك الطول. # لم تفكرين في نفسك وحدك، وفي خليلك وحده، ولا تفكرين في نفسك على أنك رمز للمرأة، ~~وفي خليلك على أنه رمز للرجل. فكري على هذا النحو يا مولاتي يهن عليك الخطب ويسهل ~~عليك الأمر، ويكن ظفر هذه السيدة المحدثة ظفرا لك أنت، وانتصارها انتصارا لك ~~أنت، ويتحول ms099 حزنك سرورا وغضبك رضا. فكري على هذا النحو تري أن هذه السيدة إنما ~~ثأرت لك ولم تستأثر دونك بالانتصار. ثم فكري آخر الأمر في أن انتصار هذه السيدة في ~~عرف الأحياء لا يتم حتى يسجله التاريخ ويتناوله الأدب شعرا ونثرا، فيصوغه ~~المؤرخون كما صاغ المؤرخ الروماني قصتكما في هذه الجملة القصيرة الرائعة، ويصوغه ~~الأدباء كما صاغه راسين في آيته البيانية الخالدة، وكما صاغه كورني في قصته ~~البائسة التعسة. ويختلف الناس في أمر الأدباء الذين يصوغونه كما اختلفوا في أمر ~~الشاعرين الفرنسيين، ويتناقل الناس شعر الأدباء فيهما فيدرسونه في المدارس ~~ويعرضونه في الملاعب كما يدرسون قصة راسين، وكما يعرضونها على النظارة مرات في كل ~~عام وفي جميع أقطار الأرض، وبلغات مختلفة وعلى أنحاء متباينة. # إن خلودكما يا سيدتي محقق واقع، ضمنه التاريخ، وضمنه الشعر، وضمنه الأدب عامة، ~~وأصبح جزءا من تراث الإنسانية، فانعمي بذلك واطمئني إليه ولا تغضبي ولا تثوري إلا ~~يوم ترين البطلين الجديدين قد ظفرا بمثل ما ظفرتما به من الخلود.» قالت بيرينيس، ~~وقد سكت عنها الغضب، وثابت إليها دعابتها القديمة، فتضاحكت متهالكة. قالت: «فكم من ~~الأعوام تريد أن أنتظر؟» قال الأديب الفيلسوف: «بل كم من القرون يا سيدتي، فقد ~~مثلت قصة راسين بعد أن حدثت لكما الحادثة بأكثر من ستة عشر قرنا.» قالت بيرينيس: ~~فتريدني على أن أصبر على هذا الإثم ستة عشر قرنا؟ قال تيتوس القيصر الإمبراطور: ~~وأين تقع ستة عشر قرنا من الأبد الذي لا يفنى؟ # ثم أقبل نحو صاحبته مبتسما وتلقته صاحبته مبتسمة مبتهجة، وقد عفت عنه وأسمحت له، ~~وشملهما الفيلسوف الأديب بنظرة ساخرة يملؤها الإشفاق والحنان وهو يقول: «حقا إن ~~الإنسان لسخيف حيا وميتا.» # قلت لصاحبي: ما أظن فيلسوفك هذا إلا فولتير أو أناتول فرانس. # | الخيال الطارق # أقبل صاحبي وجه النهار مرتاعا حائل اللون، شاحب الوجه، حائر الطرف، طائر اللب، ~~كأنما ألم به طائف من الجن فروعه ترويعا، وأخرجه عن ذلك الطور الهادئ الرزين ~~الذي كنت أعرفه منه إذا لقيته فتحدثت إليه، واستمعت لأحاديثه ms100 المطمئنة العذبة ~~الخصبة. # أقبل مرتاعا لا يكاد يبين إذا تحدث أو هم بالحديث، بل لا يكاد يستقر في مجلس، بل ~~لا يكاد يمسك جسمه من رعدة كانت تلم به من حين إلى حين فتهزه هزا عنيفا، وتذكر ~~بقول ذلك الشاعر القديم: # وإني لتعروني لذكراك هزة # كما انتفض العصفور بلله القطر # وأشهد لقد أنفقت كثيرا من الجهد، واصطنعت فنونا من الحيلة، لأرده إلى ما ألفت فيه ~~من دعة وأمن وهدوء. ولقد افتقدت في تلك الساعة بعض هؤلاء الشيوخ الذين يتلون ~~العزائم والرقى، بعد أن أخفقت أو كدت أخفق فيما كنت أحاول من رده إلى الوقار ~~والصواب. ولكني ظفرت آخر الأمر بما كنت أحاول، واستطعت أن أتحدث إلى صاحبي، وأن ~~أسأله عن مصدر هذا الاضطراب العنيف الذي أصابه وما عرفته عرضة لاضطراب يصيب العقل ~~أو يصيب الجسم. # قال وهو ذاهل أو كالذاهل: إثم هذا على أبي العلاء أيها الصديق، فلولا أني نظرت في ~~كتاب من كتبه آخر الليل، لأذود به هذا الأرق الذي ألح علي إلحاحا لما أصابني ما ~~ترى، بل لما أصابني ما لم تر من تلك الأهوال التي ألمت بي، واصطلحت علي حتى ~~نفرتني من داري وأزعجتني عن أهلي، ودفعتني إليك في هذه الساعة التي لم أتعود أن ~~أسعى فيها إليك. وثق بأني قد خرجت من داري معتزما ألا أعود إليها، وقد أمرت أهلي ~~أن يلتمسوا لنا دارا أخرى، وأزمعت الرحلة عن القاهرة أياما، حتى إذا تم لهم ما ~~أريد من التحول عن هذه الدار الموبوءة، عدت إليهم في دارنا الجديدة، لعلي أن أجد ~~فيها ما أنا في حاجة إليه من الدعة وراحة البال. # قلت: «ما أراك إلا مريضا تحمل مرضك على أبي العلاء وتكلفه من ذلك ما لم يقترف، ~~وتكلف أهلك من آثار هذا المرض شططا. ومع أني لم أعرف بعد هذه الأهوال التي ألمت ~~بك فأزعجتك عن دارك ودفعتك إلى ما تحاول من فراق القاهرة، فلست أرى بأسا بهذا ~~الرحيل، فقد طال مقامك في مدينتنا، وقد احتملت من ms101 الجهد والعناء في عملك ما يضني ~~الأصحاء الأقوياء، فكيف برجل عليل ضئيل مثلك؟! # فارحل مصاحبا ولكن حدثني عما ألم بك من الهول.» قال: «مصدره رسالة الغفران يا ~~سيدي، فليت أبا العلاء لم يكتب رسالة الغفران.» قلت: «لا تقل هذا ولا تكن أثرا ~~فإن لغيرك في رسالة الغفران لذة ومتاعا، وإذا كانت قد سلطت عليك الهول الذي لم ~~أعرفه بعد؛ فإنها قد أتاحت لقوم آخرين في الشرق والغرب من الشهرة وبعد الصوت ما لم ~~يسلط عليهم هولا من الأهوال، ولم يغر بهم خطبا من الخطوب. ولكن هات حديثك.» قال: ~~«ما أشك في أن أبا العلاء كان مجنونا حين كتب هذه الرسالة.» قلت: «رب جنون خير من ~~العقل، ولكن هات حديثك.» قال: أتذكر هذا السخف الذي أغرق فيه إغراقا حين ذكر هذين ~~البيتين القديمين من شعر النمر بن تولب: # ألم بصحبتي وهم هجوع # خيال طارق من أم حصن # لها ما تشتهي عسلا مصفى # إذا شاءت وحواري بسمن # قلت: «هذا من خير ما في الرسالة، وأي بأس عليه من أن يفترض أن الشاعر قد وضع مكان ~~حصن في البيت الأول اسما آخر كجزء أو حفص أو عمرو، ثم يلائم بين هذا الاسم وبين ~~القافية في البيت الثاني، فهذا نوع من العبث المباح الذي لا يسوء أحدا، وهو مع ~~ذلك يدرب الذاكرة ويظهر شيئا من المقدرة اللغوية التي يحرص العلماء والأدباء على ~~إظهارها.» قال: أنت الذي يزعم أن هذا العبث لا يسوء أحدا، وما رأيك في أنه قد ~~ساءني وجشمني ما رأيت وما لم تر من الأهوال والخطوب. # فقد أراد سوء الحظ أن أنظر في هذا الكتاب، وأن أقف عند هذا العبث، فأفكر في هذه ~~الخيالات التي كانت تطرق المحبين والشعراء منهم بنوع خاص، والتي كانت إذا طرقت ~~هؤلاء الشعراء أنطقتهم بما تعرف وما لا تعرف من رائع الشعر وبارع الكلام. وأغرقت ~~في هذا التفكير وجعلت أستعين بالذاكرة على استحضار شيء من الشعر القديم الذي قاله ~~الشعراء في الخيال الطارق والطيف الملم. ثم جعلت ms102 أسخر من أبي العلاء ومن جفاء طبعه ~~وخشونة مزاجه، وجعلت أرثي لأم حصن هذه التي عبث الشاعر بها هذا العبث ، فلم يترك ~~اسمها حيث وضعه النمر بن تولب، وإنما حذفه وأخذ يضع مكانه أسماء أخرى بعدد حروف ~~المعجم. ولو أنه كان رقيق القلب دقيق الحس ممتاز الشعور رفيقا بالغانيات، لما ~~أزعج أم حصن عن مكانها، ولما أقلقها عن موضعها، ولكنه رجل غليظ لا علم له بالحب، ~~ولا حظ له من الرقة، ولا معرفة له بحسن معاشرة النساء. # وإني لفي ذلك وإذا أنا أحس كأن الأرض تدور تحت قدمي، وكأن كل شيء يضطرب من حولي، ~~ولا أكاد ألتفت إلى ذلك وأفكر فيه حتى يهدأ من حولي كل شيء، وإذا شخص جميل قد قام ~~مني غير بعيد وهو ينظر إلي نظرة عطف، وعلى وجهه غشاء من كآبة حلوة، وعلى ثغره ~~ابتسامة كأنها ابتسامة الرضا. # ولكني لا أعرف شيئا أصدق منها تصويرا للحزن والأسى، وتمثيلا للوعة والحسرة، ولست ~~أدري كيف لم يرعني مقام هذا الشخص الجميل، فلم أظهر فزعا ولا اضطرابا؛ وإنما ~~أنست إليه، وحققت النظر فيه، فتبينت فتاة غضة الشباب، رائعة الجمال، لولا أن ~~شبابها يوشك أن يكون وهما، ولولا أن جمالها يوشك أن يكون خيالا، تبينت شخصا ~~حيا متحركا نضيرا، ولكنه على ذلك لا يخلو من شيء يشبه الموت، ومن شيء يشبه ~~السكون، ومن شيء يشبه الذبول. وهو على هذا كله يذكرني بشخص كنت آلفه ويألفني، وكنت ~~أكبره ويكبرني، وقد فقدته منذ حين، فجزعت عليه جزعا شديدا، وكثيرا ما سألت نفسي ~~أتراها قد ذكرتني قبل أن تلج باب الموت. # وإني لأنظر إلى هذا الشخص الماثل، وإن هذه الخواطر لتمر أمام نفسي وادعة كأنها ~~السحاب الرقيق، وإذا أنا أسمع صوتا رقيقا خافتا حلوا يسعى إلي سعيا خفيا ~~من ناحية هذا الشخص الماثل غير بعيد. وإذا هذا الصوت يحمل إلي تحية عذبة هي التي ~~كنت أسمعها من صديقتي حين كنت ألقاها وجه النهار، وما أكثر ما كنت ألقاها وجه ~~النهار: أصبح بخير يا ms103 سيدي. فأجيب: أصبحي بخير يا سيدتي. إنك تعرفني أو تكاد ~~تعرفني، إنك تذكرني وتسأل نفسك الآن كما كنت تسألها من قبل، أذكرتك حين فارقت ~~الحياة وودعت الأحياء؟ # نعم يا سيدي قد ذكرتك وألححت في ذكرك، وكلفت من يقرأ تحيتي عليك، ولولا الحياء ~~لكلفت من يدعوك لزيارتي قبل أن أموت ولكني لم أفعل، ولم يعرض علي ذلك أحد من ~~الذين كانوا يحيطون بسرير الموت، على أني لست آسفة فإني لم أخسر شيئا؛ لأني لم ~~أفارق أحدا ممن كنت أحب لقاءهم في تلك الحياة، إنما أنا أراهم وأسعى بينهم وأتحدث ~~إلى نفوسهم وأسمع منها، وكل ما فقدته إنما هي هذه الأصوات التي كنت أسمعها، وهذه ~~الأيدي التي كنت أصافحها. وثق بأنها لا تعدل شيئا حين أقيسها إلى ما أسمع الآن من ~~أحاديث الضمائر ونجوى النفوس. وما كنت لأتراءى لك الآن لولا أنك أغرقت في ذكر ~~الخيال واستحضار الخيالات. ولست أخفي عليك أني كنت أريد حين تراءيت لك أن أداعبك ~~بعض الشيء، فلا تظن أن الدعابة مقصورة على الأحياء، فقد يأخذ الموتى من الدعابة ~~بنصيب أيضا. # كنت أريد أن أتراءى لك على أني أم حصن صاحبة النمر بن تولب، وأن أشكر لك عطفك ~~علي، ورفقك بي، ولومك لأبي العلاء. ولكني لم أستطع أن أخدعك لأني لم أتعود خداعك ~~أثناء الحياة، ثم لأني إنما أقبلت إلى هذا المكان لألقي في روعك رسالة كنت أريد أن ~~تبلغها عني، وكنت أريد أن ألقيها إليك كما تلقى الرسائل إلى الناس في الأحلام. ~~ولكني رأيتك يقظان تنظر في هذا الكتاب، فانتظرت لعل النوم أن يسعى إليك، ثم رأيتك ~~تذكر الخيال وتستحضر الأطياف فتراءيت لك. # وهل أنا إلا خيال أو طيف؟ لا تطل النظر إلي ولا تقل شيئا، فإن نظر الأحياء ~~يؤذيني، وإن أصوات الأحياء تثقل علي، ولكن اسمع مني ولتتحدث نفسك إلي إذا لم ~~يكن لك بد من حديث. وإني لأعلم أنك تريد أن تسألني كيف أتحدث إليك بصوت يشبه صوت ~~الأحياء، وأشفق مع ذلك من سماع صوتك، ms104 فأنا لا أتحدث إليك بصوت يستطيع غيرك أن ~~يسمعه، إنما أنت الذي يمنح هذا الصوت قوته وتشخيصه، ولو أن في هذه الغرفة قوما ~~غيرك لما رأوا من شخصي ما ترى، ولما سمعوا من صوتي ما تسمع. ولكن أصغ إلي فإني ~~أحس مقدم النهار، وإني أكره هذا الضوء الذي يغمر الكون حين تشرق الشمس، والذي كنت ~~أحبه أشد الحب أثناء الحياة، والذي لم أحزن على شيء حزني على فراقه قبل أن أموت، ~~والذي لم أتسل عن شيء كما تسليت عنه الآن. # أصغ إلي فإني أريد أن ألقي إليك رسالتي، وأن أنصرف عنك قبل أن يهجم ضوء النهار ~~فيبدد ظلمة الليل، وإني لحريصة على أن ألقاك، فإن كان لقائي يرضيك الآن كما كان ~~يرضيك من قبل، فانتهز فرصة كهذه الفرصة، في ساعة كهذه الساعة، وانظر في الكتاب ~~وأطل التفكير فيه، فقد أستجيب لدعائك حينئذ. ثم سكت هذا الصوت قليلا، واستأنف ~~حديثه الحلو المر فقال: ليس السل وحده هو الذي قتلني، وإنما قتلني معه الحب أيضا، ~~فقد تذكر أن زوجي فارقني قبل أن أموت بأشهر؛ لأن مرضي المتصل قد ثقل عليه، وقد ~~تذكر أني كنت أظهر تجلدا وعزاء، وقد تعلم أني كنت أخفي من ذلك غير ما أضمر، وأنك ~~كنت تشفق علي مما كنت أخفيه. # وكنت تود لو استطعت أن تسليني عن بعض ما أجد، فاعلم الآن أني حين ثقلت علي العلة، ~~وتورمت أطرافي، ورأى الطبيب أن ينزع ذلك الخاتم الذي كان آخر ما بقي من زوجي، لم ~~أشك في أنه سينزع معه الحياة من هذا الجسم المريض، ولم أكره ذلك، وأي بأس من ~~مفارقة العلة واليأس. فأبلغ زوجي أني فارقت الحياة وأنا أحبه، وأن مقامي في هذه ~~الأرض بعد الموت لن يطول، وأنه خليق أن يعلم أني أراه وأرافقه، وأنه خليق أن يرعى ~~ذلك، وأن يذكرني في شيء من الخير والرفق والوفاء. # حتى إذا آن لهذا الخيال أن يصعد في طبقات الجو، وأن يمضي إلى ذلك العالم الذي تعيش ~~فيه خيالات الموتى، ms105 وأن تنقطع الصلة بينه وبين هذه الأرض؛ فلزوجي أن ينسى، ولزوجي ~~أن يقطع ما بين نفسه وبيني من الأسباب. # قالت ذلك ثم نظرت إلي نظرة قوية حادة، لم أستطع أن أثبت لها، وإنما أطرقت برأسي ~~إلى الأرض خائفا وجلا، ثم رفعت رأسي بعد ذلك ونظرت فلم أر شيئا، وتسمعت فلم ~~ينته إلي صوت وإنما هي رسالة الغفران مبسوطة أمامي أرى فيها عبث أبي العلاء حول ~~شعر النمر بن تولب. هنالك أخذني هلع ما أعرف أني أحسست مثله من قبل، وملكني روع ~~كاد يدفعني إلى الصياح لولا بقية من عقل، وفضل من حياء، ففارقت غرفتي وهبطت إلى ~~الحديقة أهيم فيها أنتظر مطلع النهار، حتى إذا ارتفعت الشمس قليلا أوصيت أهلي بما ~~أوصيت وأسرعت إليك. # أترى بعد ذلك أن سخف أبي العلاء لم يسؤ أحدا؟ قال ذلك ثم أخذته رعدة غريبة أشفقت ~~أن ترده إلى مثل ما كان عليه من الوجل والاضطراب، فما زلت به حتى رددت إليه الأمن ~~والهدوء وقلت مداعبا: ويحك! ألم تقرأ كتاب أناتول فرانس ذلك الذي سماه جريمة ~~سلفستر بونار؟ إن فيه قصة إن لم تكن تشبه قصتك هذه من كل وجه، فإنها قريبة منها ~~إلى حد ما، وما أرى إلا أنك قد ذكرت صاحبتك هذه في ضوء النهار أو في ظلمة الليل، ~~حتى إذا أخذت تنظر كتابك أخذك هذا النوم الخفيف الذي تتراءى فيه الأشباح ~~والخيالات. قال مغضبا: أقسم لك ما كنت نائما ولا قريبا من النائم، وإنما كنت ~~يقظان أشد ما يكون الناس يقظة وانتباها، ولكن ما نفع الحديث معك في هذا وأنت لا ~~تؤمن بعالم الخيال؟ # قلت: فإني أشفق عليك من إيمانك هذا، فقد تستطيع أن تتحول عن دارك، وأن تفارق ~~القاهرة، وأن تنزل من الأرض أي منزل شئت، فسيتراءى لك هذا الخيال كلما خطر له أن ~~يتحدث إليك، أو أن يحملك رسالة إلى الأحياء. وماذا تريد الآن أن تصنع برسالته هذه؟ ~~أتحملها إلى من أنت مكلف أن تحملها إليه أم تكتمها؟ فإن تكن الأولى ms106 فماذا تصنع إن ~~لقيك باللوم لأنك تعرض لما لا ينبغي لك أن تدخل فيه؟! وإن تكن الثانية فماذا تصنع ~~إن ألم بك الخيال وسألك عن تبليغ الرسالة وتأدية الأمانة والوفاء بالعهد؟ هنالك ~~نهض صاحبي مغاضبا وهو يقول: ما أشد بغضي للذين يمزحون في غير أوقات ~~المزاح. # ثم انصرف عني وأنا شديد الإشفاق عليه وعلى كثير من أمثاله الذين تطرقهم هذه ~~الخيالات فتملأ قلوب بعضهم أمنا ورضا، وتملأ قلوب بعضهم الآخر خوفا ~~وروعا. # | طيف # ما كان أعذب هذا الصوت الذي كان يبلغ أذنيها من بعيد، من بعيد جدا، فيملأ قلبها ~~الثائر المضطرب راحة وأمنا وهدوءا، ويملأ نفسها المفجوعة الجزعة طمأنينة ودعة ~~واستقرارا. # وما كان أجمل هذا الطيف الضئيل الذي كان يتراءى لها ثم لا يلبث أن يستخفي ليعود ~~فيتراءى لها مرة أخرى. ولا تكاد تحقق النظر فيه حتى ترى صورة كانت أحب إليها من كل ~~صورة، وتتبين شخصا كان آثر عندها من كل شخص، وتحس كأنها وجدت شيئا عزيزا فقدته ~~منذ حين قريب، وما كان أغرب هذا الشعور الذي كانت تجده في أثناء ذلك؛ فقد كانت تحس ~~حزنا يشتد على قلبها حتى يوشك أن يفطره، ثم تجد نعمة وراحة تردان عنها هذا الحزن ~~ردا، ثم تجد بشرا يغمر قلبها ونفسها وعقلها، ويكاد يخرجها عن طورها، ويبلغ بها ~~شيئا يشبه الجنون، ثم تحس كأنها تفيق من سكرات لا عهد لها بها، وإذا دموع غزار ~~تنهال من عينين لم تتعودا البكاء. # وكانت تجاهد لتسترد صوابها الذي شرد عنها، ورشدها الذي لم يبعد عهدها به، ولكنها لم ~~تكن تبلغ من ذلك ما تريد، إنما هو الصوت العذب يأتيها من بعيد، من بعيد جدا، ~~فيملأ أذنيها، والطيف الجميل يتراءى لها من بعيد، من بعيد جدا، فيملأ عينيها، ~~وإذا قلبها يضطرب بين الثورة والهدوء، ونفسها تضطرب بين الجزع والبشر، وعقلها ~~يضطرب بين الاستقرار والجنون. وفي الحق إنها لم تعلم أكانت يقظة أم نائمة حين تبدل ~~من حولها كل شيء فجاءة ومن غير تمهيد ولا إعداد، فانجابت ms107 تلك الظلمات الكثاف التي ~~كانت تملأ غرفتها، وطردت تلك الوحدة المطلقة التي كانت تحيط بشخصها وغرفتها ~~وبيتها، وتملأ الطبيعة من حولها سكونا مخيفا وروعة مثيرة للقلق، وغمر نفسها ~~وغرفتها نور لا سبيل إلى حده ولا الإحاطة به. # ثم نظرت فإذا غرفتها نفسها تتبدل، وإذا هي ترى كأنها في مكان لم تر نفسها فيه من ~~قبل، ولكن يخيل إليها أن لها به عهدا ما، بعيد الأرجاء لا يبلغ الطرف له آخر مهما ~~يدر في نواحيه، قد قامت فيه ألوان مختلفة أشد الاختلاف من الشجر، ونسقت فيه ضروب ~~متباينة أشد التباين من الزهر، وترقرق فيه نسيم هادئ خفيف كأنما تملؤه الحياة، ~~وجرت فيه غدران دقاق شديدة الصفاء، كثيرة الالتواء، وانطلقت فيه أصوات الطير بغناء ~~جميل يملؤه السحر والبهجة، ويتردد فيه من حين إلى حين حنان حزين. # رأت نفسها فجاءة في هذا المكان، وأحاط بها فجاءة هذا الجمال الغريب الذي لا يحد ولا ~~يوصف، ولو قد خلى بينها وبين نفسها وعقلها لاجتهدت في أن تتعرفه وتتبين أمره، وفي ~~أن تبحث وتفكر لتعرف أين هي، وماذا ترى، وماذا تجد. ولكنها لم تفرغ لنفسها لحظة، ~~ولا بعض لحظة، وإنما كان يشغلها عن نفسها هذا الصوت العذب البعيد الذي كان يملأ ~~أذنيها، وهذا الطيف الحلو البعيد الذي كان يملأ عينيها، وهذه الألوان المختلفة من ~~الشعور التي كانت تملك قلبها ونفسها وعقلها حين تسمع الصوت العذب وترى الطيف ~~الجميل. # وكان أشد ما يؤثر في نفسها مما يحمل الصوت إلى أذنيها، هذا اللفظ الذي ظنت أنها لن ~~تسمعه من مصدره منذ انتزع الموت منها في أشد قسوة وعنف ابنتها العزيزة، لفظ ~~«أماه»! # وكان أشد ما يؤثر في نفسها حين كانت ترى ذلك الطيف، هذه الابتسامة الحلوة التي ~~عرفتها في أثناء مرض ابنتها، والتي كانت تظهر على ذلك الوجه الشاحب الكئيب، فتصور ~~الحب والبر وتصور الدعابة والتعزية معا. # كانت المسكينة تظن أنها لن تسمع ذلك الصوت ولن ترى هذه الابتسامة، فسل عن حزنها ~~العميق، وعن سرورها الفياض، حين كانت ms108 تسمع وترى ما ظنت أن قد قطعت بينها وبينه ~~الأسباب. # وكان صوت ابنتها يحمل إليها من بعيد، من بعيد جدا ، ألفاظا حلوة فيها تسلية ~~وتعزية، ويحدثها أحاديث تصور البهجة والدعة والنعيم. وكانت ابتسامات ابنتها تحمل ~~إلى نفسها هذه المعاني التي أشرت إليها آنفا، ومعاني أخرى جديدة تدل على أن ~~ابنتها راضية ناعمة مطمئنة، وكأنما كانت تسمع وترى من ابنتها ما يلقى في نفسها أن ~~الفتاة سعيدة مبتهجة لا تريد مهما يكن من شيء أن تخرج من سعادتها وابتهاجها، ~~وكأنما كانت تقول لأمها: لا تحدثيني عن العودة إليكم ولا تطلبيها إلي، فلو قد ~~خيرت لما اخترتها، ولو قد خلى بيني وبينها لما رغبت فيها، ولا ملت إليها، بل لكان ~~انصرافي عنها ونفوري منها أعظم جدا مما تقدرين. # وكان هذا الحديث يلذع قلب الأم المسكينة أشد اللذع ويؤذيه أعظم الإيذاء، ويثير فيه ~~شيئا من الغيظ، فكانت تهم بأن تعاتب ابنتها، ولكن الفتاة لم تكن تمهلها، وإنما ~~كانت ترسل إليها في صوتها العذب وابتسامها الحلو معاني تصور التعزية والتسلية ~~والتشجيع، وتصور فوق ذلك الحب والعطف والرثاء. وكأن الفتاة كانت تقول لأمها إني ~~أرثي لك مما تجدين، ولو استطعت لمحوت الحزن من قلبك محوا، ولرددت إليه حظا من ~~أمن ونصيبا من دعة، ولكني لا أستطيع، فلا بد للكتاب من أن يبلغ أجله، ولا بد ~~لقوانين الحياة والموت من أن تنتهي إلى غايتها، فقد قضي على الناس أن يموت منهم ~~من يموت، ويحيا منهم من يحيا، وأن تكون الذكرى هي الصلة بين أولئك وهؤلاء، وأن ~~يكون في الذكرى كثير من الحزن والألم، وقليل من الراحة والدعة، وأن تعمل الأيام ~~عملها على كر النهار ومر الليل، فيسعى العزاء إلى النفوس شيئا فشيئا، فيقرها ~~ويهدئها ولعله ينتهي بها إلى النسيان. # وكانت الفتاة ترسل إلى أمها في صوتها العذب وابتسامها الحلو أحاديث أخرى تقول فيها: ~~إني لم أزرك الليلة معزية عن فقدي، فأنا أعلم أن أوان هذا العزاء لم يأن بعد، وأنا ~~أعلم أن للحزن أجلا يجب أن ms109 يبلغه، وأن للموتى على الأحياء حقوقا يجب أن تؤدى ~~إليهم، ولكن رأيتك صباح اليوم مولهة مدلهة، مهدمة محطمة، قد فطر الجزع قلبك ~~تفطيرا، وفرق الهلع نفسك تفريقا، فأشفقت عليك ورثيت لك، وأقبلت أرد على قلبك ~~المكلوم بعض الدعة وعلى نفسك الثائرة بعض الهدوء. # رأيتك صباح اليوم حين أقبلت على قبري تزورينه، فراعك ما رأيت أو راعك ما لم ~~تري. # وارحمتاه لك أيتها الأم التعسة! ماذا كنت تظنين أنك سترين؟ ألم تسمعي أحاديث ~~الموتى؟ ألم تسمعي أحاديث القبور؟ ألم تعلمي أن الأجسام بعد أن تفارقها النفوس ~~توارى في التراب، فيهون منها ما كان عزيزا، ويهمل منها ما كان مصونا كريما؟ ألم ~~تعلمي أن قبور المصريين تنبث في الصحراء مهملة شعثا في أكثر الأحيان؟ لأن أصحاب ~~القبور من الموتى لا يحفلون بقبورهم ولا يعنيهم أن تقوم في الصحراء الغبراء أو في ~~الحديقة الغناء، إنما هم عن هذا كله في شغل بما ادخر الله لهم وبما ادخروا هم ~~لأنفسهم من وراء القبور. # ولأن نظرة الأحياء إلى القبور ليست أدنى إلى الابتسام والبهجة من نظرة الموتى، ~~وإنما هي نظرة حزينة كئيبة تلائم حزن الصحراء وكآبتها. فهم لا يريدون أن يزينوا ~~الموت ولا أن يسبغوا عليه ظلا من جمال الدنيا. وإنما هم يفهمون الموت فهما ~~قاسيا كالموت نفسه. # ولو أني عرفت أنك ستسعين لزياراتي حيث تظنين أني أقيم من هذا القبر المهمل في ~~الصحراء لخذلتك عن هذه الزيارة تخذيلا، فأنا أعلم أن قلبك لا يقوى عليها ولا ~~يستطيع أن ينهض بأثقالها وأثقال ما تثير من الحزن والأسى. ولأني أعلم ما لا ~~تعلمين، أعلم أن الموتى لا يزارون في القبور، فليس منهم في القبور إلا أقلهم ~~استحقاقا للزيارة، إنما يزارون حيث عاشوا وحيث عملوا وحيث اضطربوا للحياة ومشاغل ~~الحياة. إنما يزارون حيث يذكرون، إنما يزارون في نفوس الذين يحبونهم من الأحياء، ~~فهم يؤثرون أن يتخذوا من نفوس المحبين الأحياء مقاما. إذا أحببت أن تزوريني أيتها ~~الأم العزيزة الحزينة البائسة، فلا تسعي إلى الصحراء، ولا تقفي عند ms110 هذا القبر، ولا ~~تظني أنك ستلقينني هناك. # ولكن اذكريني فسأحضرك كلما ذكرتني، وسترين مني في الذكرى أكثر ألف مرة ومرة مما ~~ترين عند القبر؛ لأنك لا ترين عند القبر إلا أحجارا ورمالا. وأنا أعلم أن حياة ~~الأحياء غرور، وأن للظواهر فيها تأثيرا عميقا بعيد المدى، وأنهم لا يستطيعون أن ~~يفهموا الوفاء لنا إلا أن يزوروا قبورنا. فافعلي إن لم تستطيعي أن تخلصي من تأثير ~~هذه الظواهر، ولكن اتخذي مكان قلبك الضعيف الرحيم قلبا جلدا قويا صبورا. فإنك ~~لا تعلمين وما أحب لك أن تعلمي ما وراء هذه الأحجار وما تحت هذه الرمال. # صدقيني أيتها الأم العزيزة الحزينة لست أحب لك هذه الزيارة، وإنما أحب لك ولنفسي ~~هذه الذكرى الحلوة الهادئة. وإذا لم يكن بد من ساعات تشتد فيها الصلة بينك وبيني، ~~وإذا لم يكن بد من أن تحسي كأني قريبة منك وكأنك قريبة مني؛ فليدعني قلبك الضعيف ~~الرحيم إذا تقدم الليل شيئا. فإنا نحن الموتى نستجيب مسرعين لدعوة القلوب الضعيفة ~~الرحيمة ولا سيما قلوب الأمهات. # ليدعني قلبك إذا تقدم الليل كما دعاني حين تقدمت هذه الليلة. ألم تري كيف استجبت ~~لدعائه؟ ألا تحسين قربي منك؟ ألا تجدين امتلاء قلبك ونفسك بي؟ أنعمت بقربي في ~~الحياة كما تنعمين به الآن وقد فرق بيننا الموت؟ ولكن دعاء آخر يبلغني أيتها ~~الأم العزيزة، وإنه دعاء لا تفهمينه ولا تستطيعين أن تعلمي من أين يأتيني ولا كيف ~~يأتيني. # انظري. إن النجوم تسرع إلى الأفول، ويجب أن أسرع معها إلى حيث لا تعلمين. إن نفوسنا ~~لا تحسن مناجاة الأحياء حين تشرق الأرض بنور الشمس، فهي تغيب عنها الذكرى في هذه ~~المناجاة. # إلى اللقاء أيتها الأم العزيزة الحزينة، فسأستجيب لك كلما دعاني قلبك؛ ولكن أيدعوني ~~قلبك كثيرا. # وتنظر الأم الحزينة فإذا الطيف ينأى حتى ينمحي، وتسمع فإذا الصوت ينأى حتى ينقطع، ~~ثم تلتفت فإذا كل شيء من حولها قد عاد كهيئته حين أقبلت على غرفتها وقد تقدم ~~الليل، إلا أن نور الصبح قد دخل الغرفة فأفاض ms111 على جدرانها وعلى ما فيها من الأثاث ~~كآبة لا يعلم أجاءت منه أم جاءت من هذه النفس الحزينة التي ترى به ما حولها من ~~الأشياء. # وكذلك أنفقت هذه الأم ليلتها حائرة، ذاهلة مضطربة بين ما كانت تسمع وما كانت تفكر. ~~ولعلها لم تر شيئا ولم تسمع شيئا، ولم تفكر إلا في أنها زارت قبر ابنتها حين ~~ارتفع الضحى من الأمس، فرأته كما ينبغي عندنا أن تكون القبور مهملة في الصحراء. ~~ولم تتعود أن ترى القبور مهملة، ومن يدري لعل هذا الطيف الذي رأته لم يكن خيالا، ~~ولعل هذا الصوت الذي سمعته لم يكن صدى، ولعل هذه المعاني التي ألقيت في نفسها لم ~~تصدر عن نفسها، وإنما ألقيت إليها من عالم آخر، ألقاها إليها هذا الصوت الرقيق ~~العذب الذي كان يأتيها من بعيد، من بعيد جدا، وكان يشبه صوت ابنتها. ms112