######OpenITI# #META# URI: 1392TahaHusayn.JannatHayawan.Hindawi40706149 #META# Tags: novels #META# ID: 40706149 #META# Title: جنة الحيوان #META# AuthorID: 59624258 #META# Author: طه حسين #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الثعبان‏ # حديث الأوز‏ # قسوة‏ # ثعلب‏ # شياطين البيان‏ # الطفل‏ # الظلال الهائمة‏ # غلظة‏ # الشجاع‏ # سمير الليل‏ # طيف‏ # أم خفيف‏ # الغانيات‏ # البرق الخاطف‏ # حديث القلوب‏ # أضغاث أحلام‏ # ضمير حائر‏ # مدرسة الذباب‏ # الثعبان‏ # حديث الأوز‏ # قسوة‏ # ثعلب‏ # شياطين البيان‏ # الطفل‏ # الظلال الهائمة‏ # غلظة‏ # الشجاع‏ # سمير الليل‏ # طيف‏ # أم خفيف‏ # الغانيات‏ # البرق الخاطف‏ # حديث القلوب‏ # أضغاث أحلام‏ # ضمير حائر‏ # مدرسة الذباب‏ # | جنة الحيوان # | جنة الحيوان # تأليف # طه حسين # | الثعبان # كان مشرق الوجه، باسم الثغر، خفيف الحركة، فصيح اللسان، لا يكاد يجلس إلى أحد أو يجلس ~~إليه أحد إلا أحس جليسه منه قلبا يضطرب تحمسا للإصلاح، ونفسا تتوثب إلى المثل العليا، ~~وعقلا لا يرى حوله إلا شرا، ولا يريد أن يطمئن أو يستقر إلا إذا أزيل هذا الشر، ومحيت ~~آثاره ومعالمه، وقام مقامه هذا الخير المطلق الذي يشمل كل إنسان، وكل شيء، والذي يسبغ على ~~من يشمله وما يشمله جمالا حلوا هادئا، ولكنه قوي ملح كأنه ضوء الشمس، لا يمنح الأشياء ~~والأحباء جمالا وبهاء فحسب، ولكنه يبعث فيها وفيهم حياة وخصبا وقوة ونشاطا. # وكان تحمسه للإصلاح وطموحه إلى الخير ودعاؤه إلى العدل يخرج به أحيانا كثيرة عن طوره، ~~ويتجاوز به الهدوء المألوف إلى شيء من العنف لم يكن المصريون يعرفونه في ذلك الوقت، وإذا هو ~~لا يستقر في مكانه مهما يكن هذا المكان في دار أو ناد أو قهوة أو ديوان، وإنما يثب من مجلسه ~~ثم لا يثبت في مقامه؛ ليتحدث إلى من حوله كما يتحدث الخطيب، وإنما يذهب ويجيء، ويأتي من ~~الحركات بيديه ما كان يخيف جلساءه على ما قد يكون حوله من الأشياء، وإذا آية الغضب تظهر في ~~وجهه، قوية حادة فيظلم بعد إشراق ويعبس بعد ابتسام، ويتطاير من عينيه المضطربتين شرر مخيف، ~~وينفجر من فمه صوت هائل يهدر بالجمل التي تتتابع سراعا في مثل قصف الموج وعصف الريح ~~العاتية، وإذا أصحابه يأخذهم شيء من الدهش لا يلبث أن يستحيل إلى وجوم متصل وذهول غريب، لا ~~يدرون أهما يصوران الإعجاب والرضى، أم هما يصوران ms001 الإنكار والسخط، أم هما يصوران الحذر ~~والخوف. # وكان من الحق أن يحذروا أو يخافوا، فلم تكن الأمور في ذلك الوقت تجري في مصر كما أخذت ~~تجري منذ كان في مصر استقلال وحرية ودستور وبرلمان، وإنما كانت الأمور تسعى متعثرة لا تكاد ~~تنهض إلا لتكبو، ولا تكاد تمضي إلا لتقف، فقد كان في مصر احتلال أجنبي يتغلغل سلطانه الظاهر ~~والخفي في جميع المرافق العامة والخاصة، وكان في مصر سلطان وطني شديد الارتياب، عظيم ~~الاحتياط، كثير التلون، يميل إلى المواطنين مرة وإلى المحتلين مرة أخرى، ويحاول أحيانا أن ~~يرضي أولئك وهؤلاء، فلا يظفر إلا بغضب أولئك وهؤلاء. # وكان هذا كله يفسد الجو المصري، ويجعله خانقا منهكا للقوى؛ لأن الناس كانوا موضوع ~~النزاع بين هاتين السلطتين لا يكادون يرضون إحداهما إلا وفي نفسهم إشفاق من الأخرى، وكان ~~لكل واحدة من هاتين السلطتين عيونها وجواسيسها قد انبثوا في الأندية والقهوات والدواوين، ~~واندسوا في المجالس الخاصة. فهم يحصون على الناس ما يقولون، ثم يصورونه كما يحبون، ثم ~~يرفعونه إلى السلطان الأجنبي أو إلى السلطان الوطني، وإذا آثار ذلك واضحة فيما يكون من رضى ~~هذا السلطان أو ذاك، ومن غضب هذا السلطان أو ذاك، فكان المفكرون وذوو الرأي يعيشون في قلق ~~متصل كأنما كانوا يسعون على الشوك، فليس غريبا أن يثير صاحبنا في نفوس جلسائه شيئا من ~~الحذر والخوف إذا أخذته أزمته الإصلاحية تلك، وكانت كثيرا ما تأخذه فيثور، أو قل يستحيل ~~إلى ثورة تريد أن تلتهم كل شيء. # وكان صاحبنا حديث عهد بأوروبا قد أقام فيها أعواما متصلة، وأتم فيها درسه، ورأى فيها ~~حياتها الحرة الطامحة التي لا تقيدها أوضاع النظام الاجتماعي كما كانت تقيد الحياة المصرية ~~في ذلك الوقت، ولا تغلها أغلال السلطان السياسي كما كانت تغل حياة المصريين في ذلك الوقت ~~أيضا، وإنما رأى حياة سمحة طلقة قد عرفت للإنسان كرامته، وللفرد حقه في أن يأتي ويدع من ~~الأمر ما يشاء، وفي أن يرى ويقول ما يشاء ما دام لا يؤذي غيره بقول ms002 أو عمل، وقد شارك في هذه ~~الحياة، واستمتع بما كانت تمتاز به من السماح واليسر، وكان كغيره من المصريين الذين يعيشون ~~في أوروبا لا يكاد يرى شيئا يعرفه أو ينكره إلا وازن بينه وبين ما يشبهه في الحياة المصرية ~~من قريب أو بعيد، وكانت هذه الموازنة تغيظه، وتحفظه بالطبع؛ لأنها كانت تضطره دائما إلى أن ~~يعترف فيما بينه وبين نفسه بأن في أوروبا رقيا ماديا ومعنويا، وبأن لأهل أوروبا حرية ~~في القول والعمل، وبأن مصر بعيدة كل البعد من هذا الرقي، وبأن المصريين قد حرموا هذه الحرية ~~كل الحرمان، فعاد إلى مصر وللغيظ في قلبه نار تتوهج، وللغيرة على نفسه سلطان لا يكاد يهدئ ~~من ثورته أو فورته، ومن أجل ذلك كان صورة ناطقة حية قوية للسخط على كل شيء، والضيق بكل شيء، ~~والحرص على تغيير كل شيء، وقد أقبل الشباب عليه حين عاد من أوروبا معجبين بل مفتونين، ~~ولكنهم لم يلبثوا أن فتروا ثم تفرقوا شيئا فشيئا؛ منهم من رده عنه الخوف، ومنهم من رده ~~عنه القصور، ومنهم من رده عنه السأم، ولا بد من الاعتراف بأن أحاديث صاحبنا على عنفها ~~وثورتها كانت تغمض أحيانا فيعجز أوساط المثقفين عن فهمها، وكانت تتكرر أحيانا أخرى فيسأم ~~السامعون لها من كثرة تكرارها، وأكبر الظن أن صاحبنا عاد من أوروبا دون أن يتعمق من أمرها ~~شيئا، وإنما غرته المظاهر فأعجب بها، وخدعته هذه الحضارة الأوروبية ففتن بها، ورأى في هذا ~~الإعجاب، وفي هذه الفتنة شيئا من الامتياز يتملق كبرياءه فأغرق فيهما إغراقا شديدا، وقد ~~كان ما لم يكن بد من وقوعه فنذر به السلطان، وأشفق منه، ونصب له شيئا من كيد خفي حاول أن ~~يثبت له، وينفذ منه، ولكنه لم يستطع ثباتا ولا نفوذا، فاضطر إلى أن يرجع أدراجه، ويعود ~~إلى أوروبا هذه التي ملكت عليه قلبه ونفسه، وفتنته بمحاسنها فتونا، ولم يكد يستقر في ~~أوروبا حتى دهمته الحرب الماضية، فأقام فيها ما شاء الله أن يقيم، والظاهر أنه انتفع بهذه ~~الإقامة ms003 الثانية انتفاعا عظيما، فقد عاد من أوروبا بعد الثورة المصرية الأخيرة فرأى ما لم ~~يكن ينتظر أن يرى. لم ير تغيرا في الحضارة المادية، ولم ير تطورا ذا بال في الحياة ~~العقلية، ولكنه رأى حرية لم يكن له بها عهد، حرية لا تحفل بمكر الاحتلال الأجنبي، ولا ~~باحتياط السلطان الوطني، ولا بالعيون والجواسيس، ولا بالأحكام العرفية الإنجليزية التي ظلت ~~مفروضة على مصر أعواما بعد انتهاء الحرب، ولا بهذا الاصطدام العنيف الذي كان يحدث من حين ~~إلى حين بين الشباب المصريين، والجنود البريطانيين. رأى حرية لا تحفل بشيء من هذا، وإنما ~~تمضي أمامها لا تلوي على شيء، ولا يردها شيء، ولا تزيدها العقبات والمصاعب إلا قوة ~~واندفاعا، ورأى المصريين يقولون في كل شيء لا يتحفظون، ولا يتحرجون، ورآهم ينكرون من أمرهم ~~أكثر مما كان ينكر هو قبل الحرب فهم لا يرضون عن الاحتلال الأجنبي، وهم لا يرضون عن النظام ~~السياسي الوطني، وهم لا يطمئنون إلى حياتهم الاجتماعية، وإنما يخرجون عليها في رفق مرة، وفي ~~عنف مرة أخرى، وهم على كل حال يتوثبون إلى الإصلاح، ويطمحون إلى المثل العليا، لا يتحدثون ~~إذا لقي بعضهم بعضا إلا في الحق، والخير، والعدل، والحرية، والاستقلال، والرقي في الحياة ~~المادية والعقلية. # رأى هذا كله فوقف منه موقف الحيرة، لم يدر أيرضى عنه أم يسخط عليه، ولو أنه جرى مع طبيعته ~~الأولى لرضي كل الرضا عما رأى، ولمضى مع مواطنيه جادا في الإصلاح طامحا إلى الرقي، ~~مطالبا بالاستقلال، ولكن إقامته في أوروبا أثناء الحرب، واحتماله ما جرته الحرب على الناس ~~من خطوب، وما ألقت عليهم من أثقال قد اضطره إلى شيء من المرونة، وسعة الحيلة، وبذل الجهود ~~الملتوية؛ ليتقي الشر إن عرض الشر، وليلتمس الخير إن سنح الخير، فعاد من أوروبا للمرة ~~الثانية، وقد خلقته الحرب خلقا جديدا؛ كان قبل الحرب يسبق مواطنيه إلى الرقي والطموح، ~~فأصبح بعد الحرب يستأخر عن مواطنيه، ولا يكاد يشاركهم في توثبهم إلى الرقي والطموح، ومنذ ~~ذلك الوقت اتخذ لنفسه سيرة وسطا ms004 فهو لا يستطيع أن ينكر ماضيه، وهو لا يستطيع أن يقاوم هذا ~~الاندفاع المصري الجارف إلى التطور العنيف، وهو في الوقت نفسه لا يحب أن يشارك مواطنيه ~~فيلهج كما يلهجون بالحرية، ويحرص كما يحرصون على الاستقلال، ويطمع كما يطمعون في مجاراة ~~أوروبا حينا، ومقاومتها حينا آخر، وقد زاده حرصا على هذه السيرة الوسط أنه قد تعب في ~~أوروبا، وشقي بما لقي فيها من جهد وضيق، وعاد إلى مصر، وفي نفسه ميل إلى الدعة، وحاجة شديدة ~~إلى الراحة، ورغبة ملحة في أن يعوض الوقت الذي أضاعه في أوروبا، وأن يستدرك من أمره ما فات، ~~ويحقق لنفسه من المنافع العاجلة والآجلة ما لم يستطع تحقيقه حين كان ثائرا فائرا مطالبا ~~بالإصلاح، وقد رأى المصريين قد انقسموا فيما بينهم قسمين؛ فريق يعتدل، وفريق يتطرف. فلم يرد ~~أن يعتدل مع المعتدلين فيعد مستأخرا، ولا أن يتطرف مع المتطرفين فيتكلف ما يتكلفون من ~~الجهد، ويحتمل ما يحتملون من العناء، وقد رسم له هذا كله سيرته الوسط، فعرف الثورة المصرية، ~~ولم ينكرها، وأثنى عليها، ولم يشارك فيها، واتخذ لنفسه الأصدقاء والأخلاء من المعتدلين ~~والمتطرفين جميعا، ولم يقبل في ذلك مراجعة ولا لوما، فإن الصداقة ترتفع عن السياسة ~~وأعراضها وأمراضها، والرجل الحر حقا هو الذي لا تلهيه السياسة عن إرضاء حاجة قلبه إلى ~~الإخاء الكريم، والمودة الصافية، والوفاء المتين. # وكذلك كنت تراه في مجالس المعتدلين يسمع منهم، ولا يرد عليهم إلا قليلا، وكنت تراه في ~~مجالس المتطرفين، يسمع منهم ولا يجاريهم إلا بمقدار، وكنت تراه في كل حفل يقيمه المعتدلون، ~~وفي كل حفل يقيمه المتطرفون يشهد الحفلين جميعا؛ لأن له الأصدقاء والأخلاء بين أولئك ~~وهؤلاء، ولكنه كان ماهرا أشد المهارة في الاستخفاء حين الجد، وحين تبدي الخطوب عن نواجذها ~~لأولئك أو هؤلاء. هنالك يلتمس القوم صاحبنا فلا يجدونه، ولا يقفون له على أثر، وهنالك يسأل ~~القوم عن صاحبنا أهل المعرفة فلا يحدثهم عن ثابت لاق كما يقول الشاعر القديم، حتى إذا هدأت ~~العاصفة، واستقرت الأمور في نصابها ms005 ، واطمأنت القلوب في الصدور، نظر المعتدلون والمتطرفون ~~فإذا صاحبنا يغدو بينهم ويروح كعهدهم به دائما، مشرق الوجه باسم الثغر عذب اللفظ حلو ~~الحديث. # وقد استطاع من الأمر ما لم يستطعه من المصريين إلا الأقلون عددا، فأرضى المحافظين ~~والمسرفين في المحافظة بنوع خاص، وأرضى المجددين والغلاة في التجديد بنوع خاص، ثم جعلت ~~الأحوال تحول، والأمور تتغير، وتتابعت المحن على مصر، وكان الطبيعي حين تمتحن مصر في آمالها ~~وأمانيها، وفي حريتها الداخلية والخارجية أن يتطرف المعتدل، ويجدد المحافظ إن كان صادقا في ~~اعتداله ومحافظته، لا يتأثر فيهما بالمنفعة، ولا يتقي بهما الخوف. # ولكن صاحبنا لم يتطرف، وقد تطرف المعتدلون من حوله، ولم يجدد، وقد جدد المحافظون من حوله، ~~وإنما ظل كعهده دائما مشرق الوجه باسم الثغر خفيف الحركة عذب اللفظ حلو الحديث. # وربما أحس المحافظون المصرون على المحافظة منه ميلا إليهم، وحرصا على أن تتصل أسبابه ~~بأسبابهم، ولكن على شرط ألا تنقطع أسباب المودة والإخاء بينه وبين المتطرفين. من الحقائق ~~المقررة أن صلات الود والإخاء يجب أن ترتفع عن اختلاف الرأي في السياسة والنظم الاجتماعية. ~~وقد تلقاه المحافظون حفيين به مستبشرين بقربه منهم، واتصاله بهم، وأغضى عنه المتطرفون؛ لأنه ~~صاحب وفاء يرتفع بالصداقة عن أغراض السياسة وأمراضها، ثم أصبحت المحافظة في بعض الأوقات ~~لونا من ألوان الحفاظ والغيرة على مصالح الوطن وكرامته، وأصبح من البدع المحبوب أن يتحدث ~~الناس بأنهم محافظون، وأن يسرفوا في النعي على المتطرفين، فأظهر صاحبنا أنه محافظ يذكر مجد ~~الوطن، ويحرص على تقاليده، وينكر الخروج على النظام المألوف والسنة الموروثة، ولكنه في ~~الوقت نفسه لم يقصر في ذات أصدقائه المتطرفين، وإنما جاملهم حين كانت تحسن المجاملة، ~~وواساهم حين كانت تحسن المواساة، وضمن بذلك رضاهم عنه، وإغضاءهم عن غلوه في المحافظة، وفي ~~أثناء هذا كله مضت أموره على خير ما يجب. شجعه المحافظون حين كان السلطان يصير إليهم، وأغضى ~~عنه المتطرفون حين كان السلطان يستقر فيهم، وعرف عامة الناس وخاصتهم أنه رجل لا يحب ~~الأحزاب، ولا يشارك في سياستها ms006 ، وإن كان محافظ الميل قديم الهوى معتدل السيرة والرأي ~~جميعا. # قلت لصاحبي: أتستطيع أن تحدثني بما تريد إليه من هذه القصة التي لا تنتهي، قال صاحبي: لا ~~أريد إلا إلى شيء يسير جدا، وهو أن الذين يريدون العافية، وقضاء المأرب، وتحقيق المصالح، ~~وتجنب الأذى في أنفسهم وأموالهم وأعمالهم، يحسن أن يسيروا سيرة هذا الرجل البارع. قلت ~~لصاحبي: ليس كل الناس يقدر على أن يكون ثعبانا، وليس من الخير أن تكثر في مصر ~~الثعابين. # | حديث الأوز # وأنا أعتذر إلى القراء من هذا العنوان الظريف الطريف الذي لم أكن أحب أن أصطنعه على ما ~~فيه من طرافة وظرف؛ لأنه أشبه بأحاديث الفكاهة والمزاح، لا بأحاديث الجد المر الذي يجب أن ~~نحرص عليه حين نأخذ في شئون التعليم. # ولكن صديقا أديبا من أصدقائنا الأدباء أراد أن يتحدث عن نشر التعليم فضرب الأوز له ~~مثلا، يذهب في ذلك مذهب الفكاهة الساخرة، وإن كانت شئون التعليم في هذه الأيام لا تحتمل ~~فكاهة، ولا سمرا. # تحدث الصديق الأديب أن صاحبه جحا زعم لقاضي المدينة أنه يستطيع أن يأتي بتسع عشرة أوزة ~~فيحبسهن في حجرة من الحجرات، ثم يدخل عليهن عشرين رجلا، فلا يخرج واحد من هؤلاء الرجال إلا ~~ومعه واحدة من هؤلاء الأوز، وقد أنكر القاضي هذا الحديث لما بين هذين العددين من الاختلاف، ~~ولكن جحا ألح فيه وأصر عليه، فاضطر القاضي إلى أن يستجيب له، وأقبل جحا بأوزه التسع عشرة، ~~وأدخل القاضي عليهن عشرين رجلا كان بينهم صراع وقراع سالت له الدماء، وشاهت له الوجوه، ثم ~~جعل الرجال يخرجون رجلا في أثر رجل، ومع كل واحد منهم أوزته حتى خرج آخرهم، وليس له شيء، ~~فلما سأل القاضي جحا عن معجزته، أنبأه بأنه لم يرد إلا عبثا ليبين له وللناس أن ~~الديموقراطية الصحيحة لا تحدث المعجزات، ولا تخلق المستحيلات. # والمغزى الذي قصد إليه الصديق الأديب هو أن الذين يريدون أن ينشروا التعليم بغير حساب، ~~وأن يحشروا الأعداد الضخمة في الأماكن الضيقة، إنما يذهبون مذهب جحا حين ms007 أراد أن يقسم التسع ~~عشرة أوزة قسمة سواء على عشرين رجلا فلم يبلغ من ذلك ما أراد. # والمثل كما ترى رائع، بارع وقاصم، فاصم لا تقوم له حجة، ولا يثبت له دليل، فليست ~~الديمقراطية إذن كلاما يقال، ولا هي دعوة تنشر وتذاع، وإنما هي أعمال يقدم عليها أصحابها ~~عن بصيرة، ويحققونها عن روية، وليس يكفي أن يقال للناس كلوا ليأكلوا، ويأمنوا شر الجوع، ~~وليس يكفي أن يقال للناس تعلموا ليتعلموا، ويأمنوا شر الجهل، وإنما ينبغي أن يهيأ الطعام ~~على قدر الطاعمين، وأن يهيأ العلم على قدر المتعلمين، فإن لم نفعل كانت دعوتنا إلى الطعام ~~والعلم أشبه بعبث جحا حين أراد أن يقسم تسع عشرة أوزة على عشرين رجلا قسمة سواء. # ومن قبل الصديق الأديب ضربت للتعليم أمثال أخرى تتصل بالطعام؛ فقال قائلون: إن الذين ~~ينشرون العلم بغير حساب، ويحشرون الأعداد الضخمة في الأماكن الضيقة كالذين يلقون الطعام ~~القليل إلى الجماعة الكثيرة، فما هي إلا أن يلقى هذا الطعام حتى يكون الزحام والخصام ~~والاصطدام، ثم يفترق الناس، وقد آذى بعضهم بعضا، ولم يظفر بالطعام منهم إلا قليل. # والغريب أن يقال مثل هذا الكلام في هذه الأيام التي تواجه الحكومات مشكلة التموين، ومعضلة ~~الطعام القليل يلقى إلى الجماعات الضخمة من الناس ... ولا يفكر الذين يقولون هذا الكلام ~~ويكتبونه في أن حوادث حياتهم اليومية تنقض ما يقولون نقضا. فإن الحكومة إنما قامت لتجري ~~الأمور بين الناس بالقسط، وتقضي بينهم بالحق، وتمكن كل واحد منهم من أن يأخذ نصيبه الضئيل ~~من الطعام القليل، لا يعدو في ذلك بعضهم على بعض، ولا يظلم القوي منهم في ذلك الضعيف، وليس ~~المهم أن تنجح الحكومة في ذلك أو تخفق، وأن تعدل الحكومة في ذلك أو تجور، وإنما المهم أنها ~~أنشئت لتجري أمور الناس بينهم بالقسط، ولتطعم عشرين رجلا من تسع عشرة أوزة، والخطأ الذي ~~انحرف فيه جحا عن الصواب، ولم يكن للقاضي أن يجاريه فيه: هو أنه أراد أن يقسم التسع عشرة ~~أوزة على العشرين قسمة سواء ms008 ، ولو أنه أصلح الأوز، وهيأه للطعام؛ لجاز أن يغذي بهن مائة ~~أو مئات من الناس دون أن يقع بين هؤلاء الناس صراع أو قراع، ولكن جحا لم يكن مصريا، ولا ~~عربيا، وربما كان له حظ من دعابة، ولكنها دعابة غير عاقلة، ولو قد كان جحا مصريا ~~عربيا لعرف أن في مصر أمة تمتاز بخصلتين؛ إحداهما: القناعة والرضى بالقليل، والأخرى: ~~الإيمان بالمعجزات، والكرامات، وخوارق العادات. # وليس كل مصري حريصا على أن يأخذ أوزة صحيحة حية يفرح بها في بيته، وينظر إليها تذهب ~~وتجيء، تبسط جناحيها وتقبضها، وترسل في الهواء صوتها الذي يطرد الملائكة، ويدعو الشياطين، ~~كما يقول أهل الريف. ليس كل مصري حريصا على أن يظفر بين حين وحين بجزء أوزة عظيم أو ضئيل، ~~بل ليس كل مصري حريصا على أن يذوق طعم الأوز أو يشم ريحه، وإنما المصريون قوم قانعون ~~أكثرهم يرى الأوز ويسمع عنه، ولكنه لا يبلو طعمه، ولا يعرف له مذاقا. # وهو على ذلك لا ينكر الحياة، ولا يضيق بها، ولا يسخط عليها فإن أتيح له قليل من لحم الأوز ~~أو من مرقه أو من ريحه حمد الله، وأثنى عليه، وشكر له هذه النعمة التي لم يكن ينتظرها، ولا ~~يرجوها. # وقد أراد الله بالمصريين خيرا فلم يجعل العلم أوزا، ولم يجعل الأوز علما، وإنما جعل ~~العلم شيئا كهذا الهواء الذي يمتلئ به الجو، ويستطيع الناس جميعا أن يتنفسوه، وجعل العلم ~~شيئا كهذا الماء الذي يفيض به النيل، ويستطيع الناس جميعا أن يشربوه، وقد يكون الهواء ~~نقيا، وقد تكدره رمال الصحراء؛ فالناس يتنفسونه على كل حال ... وقد يكون الماء صفوا، وقد ~~تشوبه الجراثيم؛ فالناس يشربونه على كل حال، وقد يكون الطعام كثيرا، وقد يكون قليلا، وقد ~~يكون صالحا، وقد يكون رديئا؛ فالناس يأكلونه على كل حال؛ لأنهم لا يريدون أن يموتوا ~~مختنقين، ولا أن يموتوا ظامئين، ولا أن يموتوا جائعين، وقد تكون المدرسة واسعة، وقد تكون ~~ضيقة، وقد يكون الأستاذ ممتازا، وقد يكون معتدل الحظ من الامتياز، وقد يكون ms009 الكتاب ميسرا، ~~وقد يكون معسرا، ولكن الناس يتعلمون على كل حال؛ لأنهم لا يريدون أن يعيشوا جاهلين، ومكان ~~وزارة المعارف في مصر كمكان وزارة التموين. فما رأي جحا التركي إن قيل له: إن في مصر طعاما ~~يكفي لتغذية نصف المصريين، وأن نصفهم الآخر يموت جوعا. # وما رأي جحا التركي إن قيل لوزارة التموين إن في مصر كساء يكفي لنصف المصريين، فيجب أن ~~يكتسي نصفهم، وأن يظل نصفهم الآخر ضاحيا عاريا. وما رأي وزير التموين إن قيل له مثل هذا ~~الكلام؟ وما رأي البرلمان إن قال له وزير التموين مثل هذا الكلام، وأي النصفين من المصريين ~~يستطيع أن يأكل، وأن يكتسي فيعيش، وأي النصفين من المصريين يحب أن يجوع، وأن يعرى فيموت. ~~أما جحا التركي: فلن يرى بأسا في أن يأكل القادر على أن يشتري الطعام، ويكتسي القادر على ~~أن يشتري الثياب، ويموت الذين لا يقدرون على أن يشتروا طعاما ولا ثيابا، وليس على أحد من ~~ذلك بأس؛ فالله قد قسم الحظوظ بين الناس فجعل بعضهم غنيا يستطيع أن يشتري الغذاء والكساء، ~~وجعل بعضهم معدما لا يستطيع أن يجد غذاء ولا كساء. # ولكن وزارة التموين لا تذهب لحسن الحظ هذا المذهب الآثم، وإنما تفعل ما تستطيع؛ ليجد ~~الفقراء والأغنياء ما يقيم الأود، ويستر الجسم، وهي تغذو الأعداد الضخمة بالقليل من الطعام، ~~وتكسو الأعداد الضخمة بالقليل من الثياب؛ توفق أحيانا، ويخطئها التوفيق أحيانا أخرى، ~~والفرق بين جحا المصري وجحا التركي بسيط جدا، فجحا المصري لا يفرق بين العلم والطعام، ~~وجحا التركي يرى أن من حق الناس أن يأكلوا ويشربوا ويعيشوا، وألا بأس عليهم من أن يجهلوا، ~~ويخضعوا لآفات الجهل فيمتاز بعضهم من بعض، ويتفوق بعضهم بعضا، ويصبح بعضهم لبعض عبيدا ~~وتبعا. # وقد نشأ المصريون على ألوان من العقائد يحدثهم بها جحا المصري مصبحا وممسيا؛ فهو يحدثهم ~~بأن النبي # صلى الله عليه وسلم # قد أطعم الأعداد الضخمة من أصحابه حتى أشبعهم بالقليل الضئيل من الطعام ~~الذي لم يكن يكفي إلا لتغذية الرجلين أو ms010 الثلاثة، وهو يحدثهم بأن الله قد أنزل على عيسى ~~مائدة من السماء كانت عيدا لأولهم وآخرهم، وهو يحدثهم بأن في ألف ليلة وليلة أوزا لا ~~كالأوز، ودجاجا لا كالدجاج تؤكل الواحدة منها حتى لا يبقى إلا عظمها، قد جرد من كل ما كان ~~عليه من اللحم، ثم يجمع هذا العظم في طبق من الأطباق، ويقال له كلام فينتفض بقدرة الله، ~~ويعود كهيأته قبل أن يؤكل أوزا ودجاجا يستطيع أن يجد فيه الجائع شبعا ولذة، فمصدر هذا ~~كله أن جحا المصري يؤمن بالبركة من جهة، ويؤمن بالعدل من جهة أخرى، ويرى من أجل ذلك أن ~~القليل يجب أن يكفي الكثير، وأن الناس كلهم لآدم، وأن آدم من تراب، وأنهم جميعا من أجل ذلك ~~سواء في الحقوق والواجبات يجب أن يأكلوا ويشربوا ويتنفسوا ويتعلموا، لا يمتاز بعضهم من بعض ~~إلا بالتقوى، والأعمال الصالحات التي هي خير عند ربك ثوابا، وخير مردا. # فأنت ترى فرقا بين التعليم الذي يعلمه جحا المصري للمصريين، والتعليم الذي يلقيه إليهم ~~جحا التركي من مدرسته تلك في جمبولاد، وقد أراد الله أن يفهم المصريون لغة المصريين، وألا ~~يفهم لغة التركي منهم إلا أفراد قليلون، وهم من أجل ذلك لا يشبهون التعليم بأوز جحا التركي، ~~وإنما يشبهونه بهذه المائدة التي أنزلها الله من السماء فكانت عيدا للناس أولهم وآخرهم، ~~وبهذا الطعام القليل الضئيل الذي أشبع منه النبي # صلى الله عليه وسلم # مئات من صحابه ثم تركه كاملا ~~موفورا، وبهذا الأوز الذي تحدثني عنه ألف ليلة وليلة بأنه ينفد ليتجدد، ويفني ليبقى، ويموت ~~ليحيا. # وهم يريدون من علمائهم، وأدبائهم، ووزرائهم، وشيوخهم، ونوابهم، وقادة الرأي فيهم أن ~~يؤمنوا مثلهم بهذه الآيات، وألا ييأسوا من روح الله، فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم ~~الكافرون. # وهم يريدون من علمائهم، وأدبائهم، وقادة الرأي فيهم أن يعرضوا عن هذا الهزل إلى الجد، وعن ~~الباطل إلى الحق، وأن يعلموا المصريين ما وجدوا إلى تعليمهم سبيلا في المدارس الواسعة، وفي ~~المدارس الضيقة، وفي الهواء الطلق ms011 على الكراسي الوثيرة، وعلى الكراسي الخشنة، وعلى الحصر، ~~وعلى الأرض العراء؛ لأنهم يرون الجهل حريقا يلتهم النفوس والقلوب، ويجب أن يطفأ مهما تكن ~~الوسائل التي تتخذ لإطفائه. # وهم يريدون من علمائهم، وأدبائهم، وقادة الرأي فيهم أن يقولوا للدولة: أنفقي، وأنفقي عن ~~سعة، فإن لم تتح لك الميزانية ما تريدينه فافرضي الضرائب في غير تردد، وفي غير مهل، وعلمي ~~حتى لا يبقى في مصر جاهل ولا غافل، ولا معرض للاستغلال مهما يكن المستغل، والاستذلال مهما ~~يكن المستذل، والتسلط مهما يكن المتسلطون، وإنه لمن المؤلم المؤذي حقا أن يحتاج المصريون ~~إلى أن يقولوا هذا للعلماء، والأدباء، وقادة الرأي. # وقد مرت على المصريين أيام كانوا يساقون إلى المدارس بقوة السلطان، ويدفعون إليها دفعا ~~بالإكراه، ويفرون بأبنائهم من التعليم. فقد انعكست الآية، وتغيرت الأيام، وأصبح الجاهلون ~~يطلبون العلم فيردهم عنه العلماء، فإذا ألحوا في ذلك سيقت إليهم أحاديث الأوز، وقصت عليهم ~~قصص جحا، وعبثه في جمبولاد. # كلا أيها السادة، يجب أن يخلص العلماء للعلم، وأول مراتب الإخلاص له أن ينشروه بكل وسيلة، ~~وأن يذيعوه من كل سبيل، وألا يكونوا كهذا البخيل الذي يقول فيه بشار: # وللبخيل على أمواله علل # زرق العيون عليها أوجه سود # | قسوة # في مصر ظاهرة غريبة لست أدري أتوجد في غيرها من البلاد أم لا توجد؟ وأكبر الظن أنها ظاهرة ~~طبيعية في البلاد التي لم يتم تطورها بعد، ولم تتحضر قلوب فريق من أبنائها تحضرا صحيحا، ~~وإنما اتخذت من الحضارة غشاء رقيقا يخفي وراءه جاهلية جهلاء، وقسوة قاسية منكرة، وهذه ~~الظاهرة هي قسوة الذين لهم باللين عهد حديث، وغلظة الذين أدركتهم النعمة بعد أن ذاقوا ألم ~~الشقاء، وبلوا مرارة البؤس والحرمان. # ينشأ أحدهم كما تنشأ الكثرة الضخمة من الشعب المصري في أسرة شقية بائسة أو في أسرة متوسطة ~~متواضعة، فيتكلف أهله ما يتكلفون من الجهد، ويحتمل أبواه ما يحتملان من المشقة والعناء؛ ~~ليرفعاه إلى حال خير من حالهما، ولينزلاه منزلة أرقى من منزلتهما، وفيه هو ما في الكثرة ~~الضخمة من الشعب ms012 المصري من هذا الذكاء الحاد، والعقل الخصب، والطموح إلى الخير، والقدرة على ~~الجد، فما يزال الأبوان يكدحان ويشقيان، وما يزال هو يكد ويجد، وما يزال التعاون بين كدح ~~الأسرة وجد الفتى الناشئ يؤتي ثمره قليلا قليلا، حتى يبلغ الفتى بعض ما أرادت له الأسرة ~~أو كل ما أرادت له الأسرة، وبعض ما أراد لنفسه أو كل ما أراد لنفسه، وإن كانت حاجة من عاش ~~لا تنقضي كما يقول الشاعر القديم، وإذا صاحبنا فتى موفق موفور قد بلغ من لين الحياة وخفض ~~العيش ما لم تبلغ أسرته؛ فعلم وكانت أسرته جاهلة، ونعم وكانت أسرته بائسة، وابتسم وكانت ~~أسرته عابسة، واستقبل الحياة في رجاء كثير وأمل واسع، فجعل لا يرقى إلى درجة إلا طمع في أن ~~يرقى إلى درجة أعلى منها، وجعل لا يظفر بخير إلا حرص على أن يبلغ خيرا أكثر منه، وأصبحت ~~الحياة بالقياس إليه ميدان سباق إلى التفوق لا ميدان جهاد لكسب القوت. # هنالك يتنكر لماضيه القريب، وينسى تلك الدموع التي سكبتها الأمهات في كثير من مواطن البؤس ~~والشقاء، وذلك العرق الذي سكبه في كثير من مواطن الجد والعمل، وتلك المواقف الحرجة التي ~~وقفتها الأسرة في كثير من مواطن الأزمة والضيق، والتي كانت ترده عن المدرسة؛ لأن الأسرة لم ~~تكن تملك المصروفات، وكادت تضطره إلى الجهل والخمول؛ لأن الأسرة لم تكن تجد ما تنفق على ~~نفسها فضلا عن أن تجد ما تنفق عليه، ولكن الأم نزلت عن آخر ما بقي لها من الحلي أو استغنت ~~عن بعض ما في بيتها من المتاع، ولكن الأب ضاعف الجهد، ووصل الليل بالنهار في العمل، وأراق ~~ماء وجهه عند فلان أو فلان يقترض منه مقدارا ضئيلا أو ضخما من المال، واستطاعت الأسرة ~~بفضل هذا الشقاء المتصل، والعذاب الأليم أن تحل الأزمة، وتخرج من الحرج، وتؤدي المصروفات، ~~وتقوم له بما يحتاج إليه ليمضي في درسه وادعا مطمئنا ناعم العين رضي البال، ولعل الأسرة ~~لم تتعرض لهذا الحرج مرة واحدة ولا مرتين، وإنما تعرضت له ms013 مرات ومرات حتى أتم الفتى درسه، ~~وبلغ ما أرادت له الأسرة، وما أراده هو لنفسه. # ينسى هذا كله نسيانا يسيرا سهلا؛ ينساه بالقياس إلى نفسه فيحسب أنه قد نشأ في النعمة ~~والرخاء، وأن ليس له بالضنك والضيق عهد، وينساه بالقياس إلى أسرته فيحسب أنها لم تقدم إليه ~~شيئا؛ لم تشق ليسعد، ولم تكد ليستريح بالنعيم. ثم هو ينساه بالقياس إلى الجيل الناشئ؛ فلا ~~يفكر في أن بين هؤلاء الأطفال والصبية الذين يبسمون فتبتسم الحياة، والذين يمرحون فيشيع من ~~حولهم الرضى والغبطة مئات ومئات، إنما يشتقون ابتساماتهم هذه الحلوة من عبوس الآباء ~~والأمهات، وإنما يشتقون ضحكهم هذا المرح من حزن الآباء والأمهات كما كان هو يشتق ابتسامه ~~ومرحه من عبوس أبويه، وحزنهما في العهد القديم. # ينسى هذا كله نسيانا، ويجهله جهلا، وتمحوه الحياة من قلبه محوا قاسيا؛ فإذا هو يرى ~~الناس كلهم ناعمين كما ينعم، راضين كما يرضى، قادرين على الإنفاق كما هو يقدر على الإنفاق، ~~ليس عليهم إلا أن يريدوا ليظفروا، وليس عليهم إلا أن يضعوا أيديهم في جيوبهم ليجدوا ما ~~يحتاج إليه أبناؤهم من هذه النفقات التي تزداد كلما تقدمت الأيام. يرى نفسه موفورا فيحسب ~~الناس كلهم موفورين، ويجد نفسه سعيدا فيحسب الناس كلهم سعداء. # وهو من هنا قاس أشد القسوة، عنيف أشد العنف، ينظر إلى الرحمة على أنها خور في الطبيعة ~~كما كان يراها وزير عربي قديم، وينظر إلى العدل على أنه قوة في يد الدولة ترفع بها من تشاء ~~إلى حيث تشاء، وتخفض بها من تشاء إلى حيث تشاء. # ثم ينظر إلى الحياة على أنها جهاد لا ينال خيرها إلا بالكد والجد والعناء كما يتصور هو ~~الكد والجد والعناء، وهو على ذلك صورة عابسة لدولة عابسة لا شر فيها ولا رضى، ولا رفق فيها ~~ولا ابتسام، إنما هي القسوة المنكرة، والعنف المسلط على الرءوس والنفوس، وعلى كل شيء من ~~حوله حتى تستحيل الحياة جحيما أو شيئا يشبه الجحيم. # وأنت تستطيع أن تنظر في حياتنا العامة على اختلاف ms014 فروعها فسترى كبارا يقسون على صغار؛ ~~لأنهم نسوا أنفسهم أو قل نسوا ماضيهم، ولم يذكروا أنهم كانوا صغارا، وأنهم شقوا بهذه ~~القسوة من كبار الجيل الماضي، وأن الحق عليهم لأنفسهم وللناس أن يمحوا هذا الشقاء، ويجنبوا ~~الناشئ ما شقي به الجيل الماضي لا أن يثأروا لأنفسهم من الأبرياء؛ فكثير من هؤلاء الكبار ~~القساة إنما يصطنعون القسوة متأثرين بشعور عميق خفي هو شعور الحاجة إلى التشفي والانتقام؛ ~~لكثرة ما ذاقوا من الشدة والجهد حين كانوا صغارا. # وشر من هؤلاء قوم قست عليهم الحياة، ورفقت بهم الدولة؛ فأعانت أسرهم على تربيتهم ~~وتعليمهم، ومكنتهم من أن يتموا الدرس على أحسن وجه، ويتقلبوا في المناصب حتى تصير إليهم ~~الأمور، وإذا هم ينسون في وقت واحد قسوة الحياة عليهم فيقسون على الناس، ورفق الدولة بهم ~~فلا يرفقون بأحد. أخذوا لأنفسهم ما استطاعوا من لين الحياة، وهم يأخذون لأنفسهم وسيأخذون ~~لأنفسهم ما يستطيعون من لين الحياة، ولكنهم لا يعطون شيئا، لا من ذات أيديهم، ولا مما في ~~يد الدولة؛ لأنهم إنما نعموا بالحياة، وينعمون بها من حيث إنهم ممتازون قد اشتقوا من عناصر ~~ممتازة، وهم ليسوا كغيرهم من الناس، ولا ينبغي أن يشبه بهم الناس من قريب أو بعيد، وصدق ~~الله العظيم في قوله الكريم: # ويل للمطففين * ~~الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون * وإذا ~~كالوهم أو وزنوهم يخسرون * ألا يظن أولئك ~~أنهم مبعوثون * ليوم عظيم * يوم ~~يقوم الناس لرب العالمين ~~. # كل هذه الخواطر الحزينة الشاحبة التي تملأ النفس بؤسا وحزنا ومرارة، وإنما تخطر لي في ~~هذه الأيام حين تنتهي إجازة الصيف، ويستقبل الناس العام الدراسي الجديد. من شأن هذه الأيام ~~أن تكون أيام ابتهاج حلو، واكتئاب هادئ لا مرارة فيه. من شأنها أن تكون أيام ابتهاج؛ لأن ~~الأطفال، والصبية، والفتيان يستقبلون عامهم الدراسي الجديد الذي سيملؤه النشاط الخصب فتنمو ~~عقولهم وأخلاقهم وأجسامهم، ويخطون إلى الرجولة خطوات مباركة ترقبها الأسر سعيدة ~~مبتهجة. # ومن شأن هذه الأيام أن تكون أيام اكتئاب هادئ لا مرارة فيه؛ لأن الأطفال، والصبية ms015 ، ~~والفتيان سيفارقون الأسر إلى حيث معاهدهم العلمية، فتحزن الأسر شيئا، ولكنه حزن باسم إن صح ~~أن يبتسم الحزن، ويحزن التلاميذ والطلاب شيئا، ولكنه حزن قصير رقيق لا يلبث أن تمحوه حياة ~~الدرس، ولكن هذه الأيام عندنا ليست أيام ابتهاج باسم، واكتئاب هادئ، وإنما هي أيام الحزن ~~الممض والشقاء الملح، والعذاب الأليم، والصراع بين القدرة والعجز وبين الأمل واليأس وبين ~~القوة والضعف، وهي الأيام التي يجب أن يشقى فيها الآباء والأمهات ليجدوا لأبنائهم ما ~~ينفقون، وليؤدوا عنهم أجور التعليم، وأجور التعليم في مصر ليست سهلة ولا يسيرة، وإنما هي ~~أجور ثقيلة عسيرة قد فرضت على أساس أن الأمة غنية أو أن التعليم حق للأغنياء دون غيرهم من ~~الناس، وأين يجد الآباء ما يحتاج إليه أبناؤهم من نفقة يعيشون بها في عاصمة الدولة أو في ~~عواصم الأقاليم، وأين يجد الآباء ما يؤدون إلى وزارة المعارف أو إلى الجامعة ليتعلم ~~أبناؤهم. يجب إذن أن تنزل الأمهات عما بقي لهن من حلي، وعن بعض ما في بيوتهن من متاع، ويجب ~~أن يريق الآباء بعض ما في وجوههم من ماء؛ ليقترضوا من هنا وهناك ما يعينهم على تعليم ~~أبنائهم. # ما أروع نظامنا الاجتماعي في تكدير الحياة، ومن حقها أن تصفو، وفي تنغيص العيش، ومن حقه ~~أن يكون حلوا رقيقا. # إن الطالب الأوروبي ينفق أكثر أيام الطلب لا يكلف أهله شيئا من نفقات التعليم؛ لأن ~~الدولة تعلمه بلا أجر، فإذا أتم تعليمه الثانوي، وأراد الاتصال بالجامعة فهو في بعض البلاد ~~لا يكلف أهله شيئا؛ لأن الدولة تعلمه في الجامعة بغير أجر، وهو في بعض البلاد الأخرى لا ~~يكلف أهله شيئا يذكر؛ لأن الجامعة تأخذ منه أجرا صوريا. فليعلم المصريون أن مصروفات ~~التعليم في كليات الآداب والعلوم في فرنسا مثلا لا تزيد على سبعين قرشا مصريا في العام، ~~أي أنها لا تبلغ ما يدفعه الطلاب عندنا رسما للمكتبة والاتحاد، فأما مصروفات التعليم عندنا ~~فيعرفها الآباء الذين يسعون، ويعرفها الأمهات اللائي ينزلن عما لهن من حلي أو عن ms016 بعض ما في ~~بيوتهن من متاع، ويعرفها رجال وزارة المعارف ورجال الجامعتين الذين تعلمت كثرتهم الكثيرة ~~على حساب الدولة بالمجانية في مصر وفي أوروبا؛ لأن الدولة كانت محتاجة إلى المتعلمين ثم هم ~~الآن يقاومون المجانية ما وجدوا إلى مقاومتها سبيلا، ويحتالون في التخلص منها، يسلكون إلى ~~ذلك الطرق الملتوية إذا لم يستطيعوا أن يسلكوا إليها الطرق المستقيمة. يرفعون نفقات الطعام ~~والكتاب، ويحسبون أنهم يحتفظون بالمجانية. # ويحكم أيها الناس، ومن أين لغير الأغنياء بأثمان الطعام والكتاب التي تطلبونها، لا تنظروا ~~إلى أنفسكم الآن، ولكن انظروا إلى أنفسكم حين كنتم صبية وأطفالا وفتيانا، واذكروا كيف ~~كانت أسركم تشقى بدفع المصروفات، وكيف كانت أسركم تسعد أن أتيحت لكم المجانية، واجتهدوا في ~~أن تجنبوا أسر هذا الجيل ما احتملت أسركم من شقاء، واجتهدوا في أن تتيحوا لأسر هذا الجيل ما ~~أتيح لأسركم من السعادة حين ظفرتم بالمجانية، واحذروا أن تكونوا من الذين قال الله فيهم: # ويل للمطففين * الذين إذا ~~اكتالوا على الناس يستوفون * وإذا كالوهم أو ~~وزنوهم يخسرون ~~. # اللهم اشهد أني ما ذهبت قط إلى الجامعة أو إلى وزارة المعارف إلا كانت هذه القصة ملء ~~قلبي، وإلا ذكرت أني كنت سعيدا حين تعلمت على حساب الدولة، فمن الحق علي أن أتيح بعض هذه ~~السعادة لأكبر عدد ممكن من شباب مصر، ولو استطعت لأتحتها لهم جميعا. # ومن يدري فما لم نستطعه أمس قد نستطيعه غدا، ولا بد من أن يبلغ الكتاب أجله، ولا بد لمصر ~~من أن تظفر بحقها من العدل في يوم من الأيام. # | ثعلب # لو رأيته قبل عشرين سنة يا سيدتي لما أنكرت منظره هذا الغريب، حين رأيته يقبل متدحرجا ~~كأنه البرمة الهائلة، لم ترتفع في الجو كثيرا، ولكنها اتسعت عن يمين وشمال، وامتدت من خلف ~~وأمام، وهي تسعى مع ذلك خفيفة لا تكاد الأرض تحس لها ثقلا؛ لأنها اتخذت من لحم وعظم، ولم ~~تتخذ من حجر وصخر. # لو رأيته قبل عشرين سنة يا سيدتي لما أنكرت منظره هذا الغريب حين أقبل فحيا ms017 ، ثم تقدم يسعى ~~حتى إذا بلغ مكانه جلس، وكأنه الكثيب المنهال، فكان الناظر إليه يسأل نفسه لأول وهلة أيرى ~~إنسانا جالسا أم يرى كومة من الرمل، قد استخفى فيها شخص ضئيل لا يكاد يظهر منه إلا تقاطيع ~~وجهه ضئيلة غائرة خليقة ألا ترى. لولا هذا الصوت الذي يخرج منها ضئيلا نحيلا، ولولا هذا ~~الشرر الذي يتطاير من عينين صغيرتين لا تفتح عنهما الجفون إلا في بطء بطئ وثقل ثقيل كأنما ~~تشد بخيط قد ركب في قفاه، وقام شخص من ورائه يجذبه متكلفا بين حين وحين. # فلم تكن هذه حاله قبل 20 سنة، وإنما كان فتى نحيفا ضعيفا ونحيلا ضئيلا رشيق الحركة ~~كثير الاضطراب لا يعرف السعي الهادئ، ولا المشي المطمئن، وإنما كان يجري على الأرض أو كان ~~يجري فوق الأرض، كأنه شيء من هذه الحيوانات الصغيرة الخفيفة التي ملئت نشاطا وقوة وحياة، ~~والتي تريد أن تطير في الجو لولا أن الله لم يرزقها جناحين. # ولم تكن هذه حاله إذا انتقل من حيز إلى حيز فحسب، وإنما كانت هذه حاله أيضا إذا استقر في ~~مكان، وأقبل على عمل من الأعمال. فقد كان متحركا دائما مضطربا دائما، لا تكاد العين ~~تلحظه إلا رأت شيئا من شخصه يتحرك فوجهه ملتفت مرة إلى يمين ومرة إلى شمال، ورأسه يرتفع ~~حينا أو ينخفض حينا آخر، ويداه تذهبان وتجيئان، ورجلاه تداعبان الأرض مداعبة متصلة، ~~ولسانه لا يكاد يستقر في فمه، وإنما هو متحرك دائما ببعض القول، ولم يكن شخصه المعنوي أقل ~~حركة واضطرابا من شخصه المادي؛ فقد كان عقله مفكرا دائما، وكان قلبه متوثبا دائما، ~~وكان انطلاق لسانه في فمه مصورا دائما لهذا العقل الذي لا يني في التفكير، ولهذا القلب ~~الذي لا يفتر عن الشعور، وكان على هذا كله، ولهذا كله، ومع هذا كله لا أدري، متوقد الذهن ~~حاد الذكاء، لا تعرض له مسألة من المسائل إلا سبق أترابه إلى تعمقها، والنفوذ إلى دقائقها، ~~واستخراج ما كان يمكن أن يستخرج منها، وكان على ذلك أو ms018 لذلك أو مع ذلك لا أدري، ماكرا شديد ~~المكر عابثا غاليا في العبث، حتى أحبه أترابه أشد الحب، وخافوه أعظم الخوف، أحبوه لذكائه ~~وخفته، وخافوه لتفوقه ولحيلته هذه الواسعة، وعبثه هذا المتصل، ودعابته هذه التي لا ~~تنقضي. # وكانوا يسمونه فيما بينهم الثعلب، وربما بهرهم مكره، وتعاظمتهم حيلته الواسعة فسموه ~~الثعلبان. يرون في هذه الصيغة خطأ أو صوابا مبالغة فيما يريدون أن يخلعوا عليه من صفات ~~الثعلب من الخفة والرشاقة، ومن المكر والدهاء. # ولم يكن أترابه من التلاميذ وحدهم هم الذين يعجبون به، ويعجبون منه، وإنما كان أساتذته ~~كذلك يكبرون ذكاءه، ويقدرون نشاطه، ويرضون عن جده في الدرس، واجتهاده في التحصيل وإسراعه ~~إلى الإجابة كلما ألقي سؤال، وتفوقه في الامتحان مهما يكن عسيرا، وهم من أجل ذلك كانوا ~~يرعونه، ويتعهدونه بالسؤال عنه، والتشجيع له، والتتبع لتقدمه في الدرس حتى كأنه كان ابنا ~~لكل واحد منهم، وكان إعجاب رفاقه به، ورعاية أساتذته له يشعرانه الرضى عن نفسه، والثقة بها، ~~ويملآن قلبه أملا حلوا في مستقبل باسم سعيد، وكان مع ذلك من أسرة متواضعة أشد التواضع، ~~ضيقة الحال أشد الضيق، تجد الجهد كل الجهد في كسب القوت فضلا عما تحتاج إليه من مرافق ~~الحياة، وكان الصبي يرى ذلك، ويشقى بآثاره، ولكنه لم يكن يحفل به كثيرا؛ لأنه كان راضيا ~~عن نفسه وأثقالها، مطمئنا إلى أمله الباسم الحلو، ومستقبله الرضي السعيد، وقد أتم الدرس ~~الابتدائي، وهم أهله أن يصرفوه عن التعليم؛ ليوجهوه إلى بعض العمل لعله يعينهم على بعض ما ~~يلقونه من البؤس، ويشقون به من الضيق، ولكن الصبي بكى، وأغرق في البكاء حتى رقت له أمه، ~~ورثي له أبواه، وتكلفت الأسرة ما تكلفت فجد الأب في الكسب، وخرجت الأم عما بقي لها من حلية، ~~وتوسط بعض أساتذته في إعفائه من أجر التعليم فظفر بالمجانية، ومرق من التعليم الثانوي كما ~~يمرق السهم من الرمية لم تعرض له عقبة إلا ذللها، ولا صعوبة إلا قهرها، لم يعرف الرسوب في ~~الامتحان، ولم يعرف التخلف عن الأقران، ms019 وإنما كان السابق المتفوق دائما حتى إذا انقضت تلك ~~الأعوام الثلاثة التي كان التلاميذ ينفقونها في التعليم الثانوي كان الفتى قد جمع شهادتين ~~من شهادات الحكومة كما كان أبوه يقول لأمه إذا خلا إليها، وكما كانت أمه تقول لصاحباتها إذا ~~تحدثت إليهن. # وكان أبوه حريصا أشد الحرص على أن يضاعف الجد والكد، وكانت أمه شديدة الحرص على أن تلتمس ~~عملا كريما في أسرة كريمة ليستطيع الفتى أن يمضى في درسه حتى يظفر بالشهادة الثالثة، ~~وإنما هي أعوام تنفق في هذه المدرسة أو تلك من المدارس العليا؛ ليصبح الفتى رجلا متفوقا ~~ممتازا يستطيع أن يطمح إلى مناصب المتفوقين الممتازين بين رجال الدولة الذين يحلون ~~ويعقدون، وينقضون ويبرمون، ولكن لله في خلقه حكمة بالغة لا يعرف كنهها، ولا تدرك أسرارها، ~~فلم يكد يتقدم الصيف في ذلك العام حتى اعتل أبو الفتى أياما، ثم تقطعت به أسباب الحياة ~~وأسباب الأمل جميعا ففارق هذه الدار، ولم ينعم بما كان يتمنى به من ظفر ابنه بالشهادة ~~الثالثة، واشتغاله بخدمة الحكومة في منصب من هذه المناصب الممتازة التي لا يظفر بها إلا ~~المتفوقون الممتازون، ولم ير الفتى بدا من أن يتلمس العمل ليحيا، ولتحيا أمه، وفي الشهادة ~~الثانوية مقنع للشاب الذي يريد عملا متوسطا، بل في الشهادة الابتدائية مقنع في ذلك الوقت ~~للصبي الذي يريد عملا متواضعا، وما هي إلا أن يسعى الفتى، ويعينه بعض أساتذته في هذا ~~السعي، وإذا هو يظفر بمنصب متوسط في بعض الدواوين، وقد ضمن لأمه ولنفسه الغذاء والكساء كما ~~يقال في هذه الأيام، ولكن الفتى حول يحسن مقارعة الدهر لا يسد عليه مسلك من مسالك الحياة ~~إلا فتح له مسلك آخر من مسالكها كما يقول الشاعر القديم، والتعليم في ذلك الوقت ميسر أكثر ~~مما هو في هذه الأيام لقلة المتعلمين، وشدة الحاجة إليهم. فما يمنع صاحبنا أن يختلف إلى ~~الديوان وجه النهار، وإلى مدرسة المعلمين آخره، وقد فعل، وما هي إلا أعوام حتى يبشر أمه أنه ~~قد نال الشهادة الثالثة، وإذا ms020 علمه يتغير، وأجره يرتفع، وإذا هو لا يقنع لأمه ونفسه بالغذاء ~~والكساء، وإنما يضيف إليهما شيئا من طيبات الحياة، وقد جعل رضى الفتى عن نفسه يشتد، وجعلت ~~ثقة الفتى بنفسه تزداد، وجعل الأمل يهدي إليه ابتسامات فيها شيء من سعة، وجعل المستقبل ~~يدعوه بإشارات فيها شيء من إلحاح، وقد سأل الفتى نفسه ما الذي يمنعه من أن يختلف إلى عمله ~~وجه النهار، وإلى مدرسة الحقوق آخره، وما الذي يرغبه عن ذلك، وليس له أرب في هذه الحياة ~~الفارغة التي يحياها أترابه من الشبان إذا تقدم النهار، وقد فعل، وما هي إلا أعوام حتى يقبل ~~الفتى سعيدا محبورا فينبئ أمه بأنه قد ظفر بالشهادة الرابعة، والشيخة راضية؛ لأن ابنها ~~يرقى ويرقى، ويكدس الشهادات لنفسه تكديسا، والشيخة محزونة؛ لأن زوجها لا يشاركها في هذا ~~الرضى، ولا يشاطرها هذا النعيم، والفتى مقبل على أيامه ينتهبها انتهابا، وقد زاد رضاه عن ~~نفسه، وثقته بها، وقد زاد ابتسام الأمل له سعة، واشتد دعاء المستقبل عليه إلحاحا، وهو يسأل ~~نفسه لم لا يظفر بشهادة خامسة، وبشر أمه ذات يوم بأنه قد ظفر بهذه الشهادة الخامسة، ولكنه ~~أنبأها في الوقت نفسه بنبأ مزق قلبها تمزيقا، وأجرى دموعها على خديها غزارا. فقد عرفت له ~~الدولة نبوغه، وقدرت تفوقه، ورأت أن الشهادة السادسة يجب أن تضاف إلى الشهادات الخمس، وأن ~~هذه الشهادة السادسة لا تطلب من مصر، وإنما هي بعيدة، بعيدة، يعبر لها البحر، وتطلب من بلاد ~~الإنجليز، ولم يكن الفتى أقل من الدولة اعترافا بنبوغه، ولا إقرارا بحقه في الظفر ~~بالشهادة السادسة، والعلم يطلب ولو في الصين، والشهادات تطلب ولو في بلاد الإنجليز، ولا ~~يتقدم الصيف حتى يكون الثعلب قد هيأ نفسه للرحلة البعيدة، والغياب الطويل، وقد غاب ما غاب، ~~ثم آب ومعه الشهادة السادسة والشهادة السابعة، وإذا هو رجل مرموق لا يذكر إلا أكبره ذاكروه، ~~ولا يرى إلا أشير إليه بالبنان؛ هذا فلان، أترى إلى فلان، إنه ذو الشهادات السبع. # وقد أكبرته الدولة، وعرفت له حقه وحق ms021 شهاداته هذه الكثيرة التي يمكن أن تبسط على جدار من ~~جدران مكتبه فتكسوه كله بهذا الورق الجميل يملأ الثناء الجميل، وقد رضي الفتى عن نفسه كل ~~الرضى، ووثق بها كل الثقة، ولكنه زهد في الشهادات كل الزهد، وأدركه شيء يشبه التخمة، فاتجه ~~نشاطه اتجاها آخر ملائما كل الملائمة لطبيعة الحياة المصرية في ذلك الوقت. # فقد كانت الثورة المصرية قد غيرت أشياء كثيرة من أمور الناس، ومن أمور الحكم، ومن أمور ~~المستقبل الذي يطمع فيه الشباب. نشأ نظام الأحزاب، ونشأ الصراع بين هذه الأحزاب. # ونشأت الفرص الكثيرة التي ينتهزها الأذكياء؛ ليستفيدوا من صراع الأحزاب، ونظر الثعلب ذات ~~يوم فإذا الحياة المصرية كلها تلقي في نفسه أنه قد خلق للفوز، وأن الفوز قد خلق له؛ لأن ~~الحياة المصرية لم تكن في وقت من الأوقات ملائمة لخفة الثعالب ورشاقتها وذكائها ونهمها منها ~~في هذه الأيام، وما ينبغي لمن يريد الفوز في هذه العواصف العاصفة، وفي هذه المصالح ~~المشتبكة، والخصومات المتصلة، والمنافع المعقدة إلا أن يكون فطنا، وصاحبنا شديد الفطنة، ~~لبقا، وصاحبنا عظيم الحظ من اللباقة، خفيفا، وصاحبنا أخف من النسيم، ماكرا، وصاحبنا أمكر ~~من المرأة، صامتا، وصاحبنا أشد صمتا من الصخرة الصماء. # وقد ينبغي أن يضيف المرء إلى هذه الخصال ليبلغ ما يجب من الفوز، خصلة أخرى تشتق من هذه ~~الخصال جميعا، فيتلطف حتى يشعر الأحزاب جميعا بأنها جميعا محتاجة إليه، وحتى يشعر ~~المرافق العامة جميعا بأنها كلها تستطيع أن تنتفع به، وحتى يشعر الساسة جميعا بأنه رجل فن ~~لا رجل سياسة، وقد استطاع صاحبنا أن يبلغ من هذه الخصال كلها ما أراد. # فقد كان ثعلبا في المدرسة الابتدائية، وكان ثعلبا في المدرسة الثانوية، وكان ثعلبا في ~~الدواوين التي اختلف إليها وجه النهار، وفي المدارس التي اختلف إليها آخره، وكان ثعلبا في ~~بلاد الإنجليز، وعاد منها أشد إغراقا في خصال الثعلب، ومكنته شهاداته السبع من أن يتثعلب ~~في فروع مختلفة من فروع العلم والمعرفة. # وإذا الأحزاب كلها عنه راضية، وبه معجبة، وإليه محتاجة، ms022 ولكنه فقد من خصال الثعلب خصلة ~~واحدة هي التي حملتك يا سيدتي على أن تضحكي منه حين رأيته يقبل كأنه البرمة الضخمة، وحين ~~رأيته يجلس فينهال كما ينهال الكثيب. # ذلك أن الأيام أحبته حبا شديدا، فأخذت لا يمر به يوم منها إلا خلع عليه قميصا من ~~الشحم قد فصل على قده تفصيلا، وجعلت هذه الثياب الشحيمة تتراكم وتتراكب حتى مدته إلى يمين ~~وإلى شمال، وزادته بسطة في الجسم من خلف ومن أمام، وجعلته كما ترين جبلا يتحرك في خفة، ~~ويعمل في ذكاء. # قالت السيدة، وكانت أدبية أريبة، أرجو ألا يكون ثعلبك هذا الغليظ من ثعالب المتنبي التي ~~يقول فيها: # نامت نواطير مصر عن ثعالبها # فقد بشمنا، وما تفنى العناقيد # | شياطين البيان # صدقني يا سيدي أو لا تصدقني لن يغني هذا عن الحق شيئا، والحق الواقع، وهو أن هذه القصة ~~ليست مخترعة، ولا مصطنعة، وليس للخيال فيها أثر قليل أو كثير، وإنما هي شيء وقع، كما أن ~~من الأشياء الواقعة أني قد خرجت من داري حين ارتفع الضحى، فسعيت إليك متثاقلا أستمتع بهذا ~~الجو الرائق، وبهذه الشمس الفاترة، وبهذا النسيم البارد الرقراق، وأدير في نفسي ما وقع لي ~~من الأمر، واستعرض بعض الصور التي أريد أن أصطنعها لأقصه عليك، وأجيل في نفسي أيضا ما ~~سيكون بينك وبيني من أخذ ورد مستنكرا علي حديثي، وسأحاول إقناعك بأنه صحيح، وسيشتد بينك ~~وبيني خصام لا بد من أن يثور بيننا كلما حدثتك ببعض الأمر؛ لأنك رجل لا تؤمن إلا بما ترى ~~وتحس، ولا تصدق من أنباء الناس إلا قليلا. # ولست أخفي عليك أني أعذرك ولا ألومك، فقصتي لا تخلو من غرابة، وآية ذلك أني أنا نفسي ~~أنكرتها أشد الإنكار، وكنت واثقا كل الثقة بأني رأيتها فيما يرى النائم، وكنت أتحدث إلى ~~نفسي بأنها حلم غريب، طريف، وكنت ألتمس العلة لهذا الحلم، وكنت أجدها في غير مشقة، وكنت ~~أستمتع بحلمي، وأستمتع بما بذلت في تعليله من جهد، وأستمتع كذلك بما سأتحمل في تأويله من ~~عناء، ms023 ولكن رأيتني حين تقدم الليل، وكاد ينهزم أمام النهار، واقفا أمام داري ألتمس المفتاح ~~لأديره، فيفتح لي الباب، وأنسل إلى غرفتي في هدوء وخفة حتى لا يحس أهلي عودتي في آخر الليل، ~~فلا أجد المفتاح، وقد تعودت ألا أخرج مع الليل إلا أخذت معي هذا المفتاح أوفر بذلك على أهلي ~~حريتهم وراحتهم ونومهم، وأجنبهم بذلك أن يسهروا منتظرين عودتي أو أن يهبوا من نومهم حين ~~أعود ليفتحوا لي الباب، ولكن المقادير أرادت أمس أن تجري الأمور على غير ما تعودت أن تجري ~~عليه، فأنسيت المفتاح، وما أنسانيه إلا الشيطان، وسترى أن هذا لم يكن غريبا، فقد كانت ~~المقادير قد قدرت أن تكون ليلتي هذه من قسمة الشياطين، والشيء الذي ليس فيه شك هو أني ~~التمست المفتاح حيث تعودت أن أحفظه فلم أجده، فجعلت أفتش في جيوبي كلها وما أكثرها فلم ~~أجده، وقد ضقت بذلك أشد الضيق، حسبت أول الأمر أني قد أضعته، ثم لم ألبث أن ذكرت أني خرجت ~~مسرعا مع بعض الأصدقاء، وأعجلني الحديث فلم آت هذه الحركة اليسيرة التي انتزع بها المفتاح ~~من مكانه، وأضعه في الجيب الذي تعودت أن أضعه فيه. # فلما تبينت ذلك غشيني من الهم ما غشيني، ووقفت واجما أول الأمر مترددا بعد ذلك. أأطرق ~~الباب فأزعج من في الدار، أم أقوم مكاني حتى يسفر الصبح، ويهب النوام، أم أعود أدراجي فأطوف ~~في شوارع الحي أتلهى بهذا التطواف عن الانتظار، وقد طال علي هذا التردد فتحولت عن مكاني، ~~ولكني لم أخرج من الحديقة، وإنما جعلت أطوف حول الدار، وأردد في نفسي قول الشاعر ~~القديم: # أدور ولولا أن أرى أم جعفر # بأبياتكم ما درت حيث أدور # ولم أكن أدور لأرى أم جعفر، وإنما كنت أدور مخافة أن أوقظ أم جعفر أو أزعجها، فيكون شر في ~~هذه الدار التي لم تعرف الشر إلا قليلا. # ولست أحدثك بما كان حين انجلى الصبح، وأشرقت الشمس، وفتحت الأبواب، واندفعت إلى غرفتي، ~~وأسرعت إلى مضجعي، والتمست الراحة فلم أظفر منها بشيء ms024 ثم نهضت مكدودا مجدودا، وأقبلت أسعى ~~إليك، ولم أذق للنوم طعما في هذه الليلة الطويلة القصيرة التي امتلأت من الأمر بأشده ~~غرابة، وأعظمه سخفا، ولولا قصة المفتاح هذه، لما شككت في أني رأيت حلما من هذه الأحلام ~~الكثيرة التي تعبث بنفوس الناس حين يجن عليهم الليل، ولكنك ترى أني مستيقظ منذ أشرق الصباح ~~أمس، ولعلك تذكر وما أظنك نسيت أننا قد قضينا شطرا من الليل عند صديقنا فلان نسمر حول ~~أحاديث الجن والشياطين، وما تزعم العرب من الصلة التي تكون بينهم وبين الشعراء، والخطباء، ~~والكتاب، والذين يتعرضون لألوان البيان، وقد قال قائل منا: إن العرب في جاهليتهم وإسلامهم ~~لم يتحدثوا بما يكون بين الشياطين والخطباء والكتاب من صلات، وإنما زعموا أن الشياطين قد ~~وكلوا بالشعراء خاصة حتى إذا كان ابن شهيد في الأندلس زعم لنا في قصته المشهورة التوابع ~~والزوابع أن للخطباء والكتاب شياطين كما أن للشعراء شياطين، وقد قص علينا في رسالته تلك ~~زيارته لوادي الجن، وما كان من حوار بينه وبين خطباء الجن وكتابهم أولئك الذين كانوا يلهمون ~~خطباء الإنس وكتابهم، وسمى لنا شيطان عبد الحميد الكاتب، وشياطين غيره من أعلام البيان، ~~وسمى لنا شياطين جماعة من خصومه ومنافسيه في الفن، وزعم لنا أنه خاصمهم فخصمهم، وناظرهم ~~فتفوق عليهم، وقد أخذت بحظي من هذا السمر كما أخذتم بحظوظكم منه، فلما تفرقنا بقيت في نفسي ~~هذه الأبيات التي ألقاها زهير بن نمير. ذلك الدليل الجني لابن شهيد في زياراته المتصلة لتلك ~~الأندية التي كان يجتمع فيها شياطين البيان، ولعلك تذكر أن زهيرا ألقى أبياته هذه إلى ~~صاحبه ابن شهيد، وجعلها آية بينه وبينه، فكلما احتاج ابن شهيد إلى صاحبه أنشد هذه الأبيات، ~~فيسرع إليه زهير، ويجيبه من الأمر إلى ما يريد. # وقد جعلت أردد هذه الأبيات في نفسي، وأنا أمضي متباطئا إلى الدار، ثم لست أدري لماذا لم ~~أكتف بإدارة هذه الأبيات في نفسي، وإنما جعلت أنشدها في صوت خافت لا يكاد يسمعه ~~غيري: # وإلى زهير الحب يا عز ms025 إنه # إذا ذكرته الذاكرات أتاها # إذا جرت الأفواه يوما بذكرها # يخيل لي أني أقبل فاها # فأغشى ديار الذاكرين وإن نأت # أجارع من داري هوى لهواها # ولكني لم أكد أفرغ من إنشاد البيت الثالث حتى أحسست الرعدة تأخذني أخذا عنيفا كدت أهوى ~~له إلى الأرض لولا أني تماسكت، ولولا أن ذراعا قوية عصمتني من السقوط. فقد سمعت صوتا ~~غريبا نحيلا يأخذني من جميع أقطاري، وهو يقول لبيك لبيك هأنذا زهير بن نمير خليل شاعرك ~~الأندلسي ابن شهيد في الزمان الأول، والدهر القديم. ولست أخفي عليك أني قد أنكرت من هذا ~~الأمر مثل ما تنكر، ولم ترتسم على وجهي هذه الابتسامة الساخرة التي ترتسم على وجهك الآن، ~~وإنما تقبض وجهي تقبضا شديدا، وجعل العرق البارد يبل جبهتي، وهم لساني أن يدور في فمي ~~صائحا مستغيثا، ولكني أسمع الصوت النحيل يسعى إلي، وكلما دنا مني زال عنه نحوله، وجعل ~~يمتلئ شيئا فشيئا، وجرت فيه نغمات عذبة، وهو يقول: لا بأس عليك لا ترع، واتل معي قول الله ~~عز وجل: # الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ~~ألا بذكر الله تطمئن القلوب ~~، فقد تلا هذه الآية من قبلك جماعة ~~من أمثالك العرب حين روعوا بمثل ما تروع به الآن من لقاء أصدقائهم من الجن. # وقد سمعني أتلو هذه الآية الكريمة مع صاحبي، ثم رأيتني أثوب إلى نفسي أو رأيت نفسي تثوب ~~إلي، وإذا قلبي آمن كله، وإذا أنا هادئ هدوءا لا أكاد أعرفه من نفسي حين يفاجئها ما لا ~~تنتظر، وإذا أنا أسعى مع صاحبي كما تعودت أن أسعى معك في غير وحشة ولا تكلف، كأنما كان بيني ~~وبينه ود قديم قد بعد به العهد، وطال عليه الزمان، ويجب أن أعترف لك بأني أحسست في ذلك ~~الوقت أن لي شخصين مختلفين؛ أحدهما: يساير صاحبي فيسمع منه، ويتحدث إليه، والآخر: عاكف على ~~نفسه في ناحية من نواحي الضمير يرقب ويسمع ويرى، ويحاول التحليل والتعليل، ويزعم لي أن ما ~~أنا فيه إنما هو لون من ألوان الحلم ms026 لا عرض من أعراض اليقظة، ولكني شغلت عن هذا الشخص الذي ~~انتبذ ناحية من نواحي الضمير بهذا الرفيق الذي جعل يتحدث إلي بالأعاجيب. # فقد كان يقول لي: صدقني إن هذا العلم الذي أخذه قدماؤكم عن اليونان، وأخذه محدثوكم عن ~~الأوروبيين قد أفسد عليكم شيئا كثيرا، وأشاع في نفوسكم فنا من الكبرياء والغرور حرمكم ~~متاعا لا حد له. فأنتم تنكرون ما كان يعرفه قدماؤكم من معاشرة الجن، ومخالفة شياطين الفن، ~~فإذا تحدث إليكم أبو العلاء بشيء من ذلك في رسالة الغفران، أو إذا تحدث إليكم ابن شهيد بشيء ~~من ذلك في رسالة التوابع والزوابع لم تصدقوه، ولم تطمئنوا إليه، وإنما استمتعتم به في شيء ~~من السخرية والتكذيب على أنه من آثار الخيال، وفن من فنون الصنعة، وما أبعد الفرق بين من ~~يستمتع بالخيال المخترع، ومن يستمتع بالحق الواقع الذي لا شك فيه، وإنكم تنكرون المصادفة، ~~وتردون كل شيء إلى ما تسمونه الأصول والقوانين، فردوا الأشياء إلى ما تريدون، ولكن اعترف ~~بأن المصادفة وحدها هي التي أنطقتك بهذه الأبيات، فإذا أنا أستجيب لك مسرعا لأجدد معك ذلك ~~العهد القديم الذي كان بيني وبين ابن شهيد شاعر الأندلس وخطيبها وكاتبها، وأنت من غير شك ~~حريص كما حرص ابن شهيد على أن تفر من حياة الناس لحظات طوالا أو قصارا دون أن تقطع الصلة ~~بينك وبينهم، وإنما تراهم في شياطينهم، أو ترى شياطينهم وهم يزينون ما سيملئون به قلوبهم، ~~ويحركون به ألسنتهم، ويجرون به أقلامهم من ألوان القول. # وقد زرت ابن شهيد على ظهر جواد أصيل، أما أنت فقد ظهرت لك فجأة لم تدر أنجمت لك من الأرض ~~أم هبطت عليك من السماء، وما أظنك تنكر من ذلك شيئا، فأنتم لا تتخذون الخيل الآن أداة ~~للانتقال، وإنما تنتقلون في سياراتكم وطياراتكم وقطاراتكم هذه التي تخيلون إلى أنفسكم أنكم ~~قد أحدثتم بها المعجزات، وابتكرتم بها الأعاجيب، وأظنك توافقني على أننا معشر الجن أقدر ~~منكم على اختراع الطرائف، وابتكار الأعاجيب، وأين تقع طرائفكم وأعاجيبكم مما كنا ms027 نأتي به من ~~الطرائف والأعاجيب في عهد سليمان عليه السلام، وإذا كنتم قد بلغتم ما بلغتم من المهارة ~~والبراعة في عشرين قرنا فأحرى أن نبلغ نحن من المهارة والبراعة في هذا الأمد الطويل ~~بالقياس إليكم، القصير بالقياس إلينا ما لا يخطر لكم على بال. # وما أريد أن أشق عليك، ولا أن أكلفك من الأمر ما لا تحب، وإنما أريد أن أزور معك ناديا ~~من أنديتنا هذه التي يجتمع فيها شياطين البيان، وأن أظهرك عليهم حين يخلو بعضهم إلى بعض، ~~وقد فارقوا قرناءهم من كتاب الإنس حين تقدم الليل، وآوى كتاب الإنس إلى مضاجعهم، وأقبل ~~شياطينهم إلى ناديهم يجدون حينا، ويعبثون في أكثر الأحيان. وهممت أن أرد على صاحبي رجع ~~حديثه، ولكني أراني في قصر فخم لا أدري أنقلت أنا إليه أم نقل هو إلي، ولكني أجد نفسي فيه ~~دون أن أتكلف لذلك سعيا أو حركة، وأسمع صاحبي زهيرا يقول متضاحكا: قد يخيل إليك أن هذا ~~النادي في ضاحية من ضواحي القاهرة كهذه الأندية التي تنبث حول مدينتكم هذه الصغيرة، ولكن لا ~~تجزع نفسك فإن بينك وبين القاهرة آمادا لا تقطعها السيارات ولا الطيارات ولا القطارات، ~~ولولا أني رفيق بك وفي لك لأظهرتك على بعض ما بينك وبين القاهرة من أمد، ولكن أخشى أن ~~أروعك فأعد معي تلاوة الآية الكريمة: # الذين آمنوا وتطمئن ~~قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب ~~. ~~وأنا أتلو معه الآية الكريمة، وأجد الطمأنينة والأمن، وأهم أن أتحدث إلى صاحبي، ولكنه ~~يبتدرني بالحديث فيقول: تعلم أن هذا النادي الذي أنت فيه مقصور على شياطين البيان الذين ~~يلوذون بأدبائكم أنتم المصريين دون غيرهم من الأدباء. فلن ترى في هذا القصر إلا قرينا ~~لكاتب أو شاعر أو خطيب من هؤلاء الذين يملئون الجو في بلدكم فصاحة، وبلاغة، ~~وبيانا. # فأي شيطان من هؤلاء الشياطين تحب أن ترى؟ ولأيهم تحب أن تسمع؟ ومع أيهم تحب أن تأخذ في ~~الحديث؟ قلت: لا أدري فإني أعرف كتابنا وشعراءنا وخطباءنا؛ لكثرة ما أقرأ وأسمع ms028 من آثارهم، ~~ولو خيرتني لاقترحت عليك أن تزور معي ناديا من أندية الشياطين الذين يوحون إلى جيل آخر من ~~أجيال الأدباء، قال زهير: سبحان الله ما زلت بعد غارقا فيما يغرق أمثالك فيه من الوهم. إنك ~~لا تعرف كاتبا، ولا شاعرا، ولا خطيبا حق المعرفة حتى ترى شيطانه، وتسمع منه؛ لأن ما يلقى ~~إليكم من آثار الأدباء ليس إلا صدى ضئيلا لهذا الصوت الخصب الذي ينفث في القلوب، ويطلق ~~الألسنة، ويجري الأقلام، وسترى بعد لحظات أنك لا تعرف من أمر أدبائكم إلا أيسره وأهونه ~~شأنا فامض معي. # ولم نكد نخطو خطوات حتى دفعنا إلى بهو رحب بعيد الأرجاء تضطرب فيه ظلال غريبة ضئيلة، وهي ~~تتصايح وتتصاخب، ويكاد بعضها يمزق بعضا لو أن الظلال يمكن أن تتمزق أو يدركها ~~البلى. # وقد انفرد من بين هذه الظلال شخص غريب مرتفع في السماء ممتد في الفضاء كثير حركات الوجه ~~كثير اضطراب الأعضاء لا يستقر في مكان، ولا يستقر لسانه في فمه، ولا تكاد أعضاؤه تستقر في ~~مواضعها من جسمه، وإنما هو حركة متصلة، وصياح لا ينقطع، وقد حرص على ألا يدنو من الظلال ~~الأخرى التي تضطرب في البهو فتملؤه دويا كدوي النحل، وإنما هو ممتاز منها دائما لا تكاد ~~تدنو منه إلا نأى عنها، ولا تكاد تسعى إليه إلا ارتد في أنفة وكبرياء، وتجافى في غلظة ~~منكرة. # قلت لصاحبي: زهير ما هذه الظلال؟ قال ضاحكا: هي جماعة من الشياطين لم تأخذ من الفن بحظ، ~~ولكنها خدعت عن أنفسها، وملأها الغرور، فقامت في هذا البهو مضطربة صاخبة تريد أن تقتحم ~~على شياطين الفن ناديهم فلا تبلغ من ذلك شيئا؛ لأنها ترد عن نادي الفن ردا عنيفا: وليس ~~اضطرابها هذا الذي ترى، وليس عجيجها هذا الذي تسمع إلا مظهرا من مظاهر الغيظ، وفنا من ~~فنون الحنق، وضربا من ضروب الإلحاح في قرع الأبواب لعلها أن تفتح لها. قلت: وما هذا الشخص ~~الذي يمتاز من هذه الظلال فيأبى أن يدنو منها أو أن يخلط نفسه بها، ms029 ولا يؤذن له مع ذلك في ~~أن يتجاوز هذا البهو، فهو يتحرك وكأنه ساكن، ويسعى وكأنه واقف، وينطق وكأنه صامت، ويصخب ~~وكأنه لا يقول شيئا؟ قال: هذا مسيلمة الشياطين، أراد أن يكون شيطانا من شياطين الفن فلم ~~يستطع إلا أن يكون ثرثارا مكثارا مهزارا لا حظ لقلبه من غناء، ولا حظ لعقله من علم، ولا ~~حظ لضميره من حكمة، وإنما أتيح له حظ من قدرة على الاضطراب والصخب لم يتح لغيره من هذه ~~الظلال، فهو ينأى عنها، ولا يستطيع أن يقطع ما بينه وبينها من الأسباب، وليس من شك في أنه ~~يمتاز منها بعض الامتياز، ولكن ليس من شك في أن ما يراه لنفسه فنا، وما يحاول أن يلقيه ~~إلى بعض من يتكثرون عندكم بالقول لا يعدو أن يكون كما يروى من قول مسيلمة الإنس: يا ضفدع ~~بنت ضفدع، نقي ما تنقين أعلاك في الماء، وأسفلك في الطين، لا الماء تكدرين، ولا الشارب ~~تمنعين. # وهممت أن أتعجل صاحبي زيارة شياطين البيان، ولكن أراني في مكاني ذاك من الطريق إلى داري، ~~وأسمع صاحبي زهيرا يقول لي في صوته النحيل الذي جعل ينأى عني شيئا فشيئا: حسبك من ليلتك ~~هذه ما رأيت، فإن راقتك صحبتي، وشاقتك زيارة شياطين البيان، فأنشد ما كان ينشد شاعر الأندلس ~~وكاتبها وخطيبها ابن شهيد: # وإلى زهير الحب يا عز إنه # إذا ذكرته الذاكرات أتاها # إذا جرت الأفواه يوما بذكرها # يخيل لي أني أقبل فاها # فأغشى ديار الذاكرين وإن نأت # أجارع من داري هوى لهواها # ثم أطرق صاحبي لحظة، ورفع إلي رأسه، وهو يقول في صوت هادئ منكسر: صدقني يا سيدي أو لا ~~تصدقني فإن ذلك لا يغني عن الحق شيئا، والحق الواقع الذي لا شك فيه هو أني قد رأيت وسمعت ~~كل ما أحدثك به الآن. # قلت متضاحكا: فلا تنشد هذا الشعر مرة أخرى وأنا معك، فإني لست في حاجة إلى أن أرى شيطانك ~~الأندلسي. قال وهو يضحك ضحكا فيه كثير من السخرية: لا بأس عليك، فقد ms030 أنسيت أن أنبئك بأنه ~~زعم لي أنه لن يستجيب لإنشاد هذا الشعر إلا إذا كان هذا الإنشاد بعد أن يتقدم الليل. # | الطفل # لا تقولي إنه رد إلى الطفولة بعد أن قطع مراحل الصبا والشباب والكهولة، ولم يكد يخطو في ~~مرحلة الشيخوخة إلا خطى قصارا، ولكن قولي يا سيدتي: إنه لم يخرج قط من طور الطفولة، ولم ~~يكد يعرف من الأطوار الأخرى التي يعرفها الناس، والتي ذكرتها آنفا شيئا ما. فإنك إن قلت ~~ذلك كان قولك أدنى إلى الحق، وكان رأيك أدنى إلى الصواب، واضحكي ما شئت أن تضحكي فلست أكره ~~لك الجذل والابتهاج، ولكن الإنكار برفع الرأس وهز الكتفين لا يغير من الحق شيئا كما أن ~~الإغراق في الضحك حتى تنهل الدموع من عينيك الجميلتين على خديك الأسيلين لن يحول الخطأ إلى ~~صواب. # فأنت مخطئة يا سيدتي حين تظنين أنه رد إلى الطفولة قبل أن يبلغ الستين أو قبل أن يبلغ ~~أرذل العمر، وصاحبنا بعيد كل البعد عن أرذل العمر. فالذين يغلون في تقدير سنه يقولون إنه قد ~~قارب الستين، والذين يقتصدون في ذلك يقولون إنه لم يكد يتجاوز نصف القرن. أما هو فيخفي سنه، ~~ولعله لا يعرف من أمرها شيئا فقليل من الأطفال، ومن أطفالنا المصريين خاصة، من يعرفون ~~أسنانهم. # وأنا أعلم أن الجيل الجديد قد أخذ يقلد أجيال الغرب في الاحتفال بأعياد الميلاد، وأخذ ~~الأطفال والصبية يعرفون أسنانهم في هذه الأيام بحكم هذا التقليد، ولكن صاحبنا ليس من صبية ~~الجيل الجديد، وإنما هو من صبية جيل آخر قد مضى، ولم يكن الناس يعرفون فيه إلا مولد النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وموالد الأولياء والصالحين، وميلاد الخديو السابق. فأما عامة الناس فكانوا يجهلون ~~الأيام التي ولدوا فيها فضلا عن أن يذكروها ذكرا منظما، وأن يحتفلوا بها في كل عام. ~~وصاحبنا لم يولد في القاهرة، ولا في الإسكندرية، ولا في مدينة من هذه المدن التي يشتد فيها ~~الاتصال بالأوروبيين، ويسهل فيها تبادل السنن والعادات، بل هو لم يولد في مدينة ms031 من مدن ~~الأقاليم التي كان يكثر فيها اليونان الذين يشتغلون بالتجارة، ويلم بها الموظفون من ~~الإنجليز أيام كان الموظفون من الإنجليز يطوفون في المدن؛ ليتعهدوا شئون الإدارة والري ~~والتعليم، وإنما ولد صاحبنا في قرية صغيرة يسيرة من قرى الريف لا يكاد سكانها يتجاوزون بضع ~~عشرة مائة، ولا تكاد هي تمتاز عن أمثالها من قرى الريف المصري في أواخر القرن الماضي، حين ~~كان الحديث عن القاهرة والإسكندرية يملأ النفوس روعة وإعجابا كأنه الحديث عن الأساطير، ~~وحين كانت المدن في الأقاليم لا تبلغ إلا على ظهور الإبل أو على ظهور الحمير، وحين كان ~~الناس في القرى لا يحفلون بتسجيل أبنائهم وبناتهم حين يولدون، وإنما كانوا يتركون ذلك ~~للداية تبلغه أو لا تبلغه إلى الحكومة، تذكره مرة وتنساه مرة أخرى، تهتم له مرة وتعرض عنه ~~مرة أخرى، فليس غريبا أن يجهل صاحبنا سنه، وليس غريبا أن يجهل الناس معه هذه السن. # وأنت تنكرين أن يجتمع على الرجل الواحد هذان الشيئان المتناقضان، فيكون له جسم الشيخ، ~~وتكون له كل الخصائص الظاهرة التي يمتاز بها الشيوخ، ثم يكون مع ذلك طفلا لم يمر بأطوار ~~الصبا والشباب والكهولة، وهذا غريب من غير شك، ولكن من الذي قال: إن الغرائب لا توجد في هذه ~~الحياة، ومن الذي يستطيع أن ينكر أن من الناس من تنمو أجسامهم نموا مطردا مألوفا، ~~وتختلف عليها الأطوار المعروفة التي يمر الناس بها في حياتهم، ولكن نفوسهم تبقى مع ذلك ~~محتفظة بطورها الأول قد انتهت إلى حد من النمو لم تستطع أن تتجاوزه إلى غيره من ~~الأطوار. # وليس من شك في أن جسم صاحبنا قد نما وتطور كما ترين؛ فعليه من مظاهر الشيخوخة هذا الشعر ~~الذي وخطه شيب، وهذه التجاعيد التي تظهر في جبهته، وهذه التجاعيد الأخرى التي تمتد حول أنفه ~~من يمين ومن شمال، وهاتان العينان اللتان لا تنفرج عنهما الجفون إلا في شيء من الجهد، حتى ~~يخيل إلى من يراه، وقد أغمض جفنيه وتحدث أو تحرك، أنه إنسان يحيا من وراء ms032 ستار ، وهاتان ~~الشفتان المنفرجتان اللتان لا تجتمعان إلا في شيء من العناء، سواء تكلم صاحبنا أو لبث ~~صامتا، وهذا التهدل والترهل في وجهه الضخم، وجسمه الذي يريد الشحم أن يكسوه فلا يستطيع، ~~وهذه الحركات البطيئة المتكسرة والمتعسرة التي تخيل إلى من يراها أنها تصدر عن مجموعة عصبية ~~قد شملها الفتور، وأخذ يشيع فيها الفناء، وهذا الصوت المحطم الذي لا يكاد السامع يسمعه حتى ~~يستحضر إناء من الزجاج وإناء من الفخار قد أصابه شق يسير فهو لا يرسل الصوت إذا مس إلا ~~حدثنا بهذا الانحطام، وهذا التنفس السريع الذي يتبع بعضه بعضا في غير أناة، كأنه تنفس ~~المكدود المجهود، والذي يسمعه القريب من مصدره، والبعيد عنه كأنه يخرج من أنف قد كثرت فيه ~~الأعشاب فهو لا ينفذ من بينها إلا نفوذا عسيرا. # كل هذه مظاهر تدل على أن صاحبنا قد كان طفلا وصبيا، وقد كان شابا وكهلا، وهو الآن ~~شيخ يخضع لما يخضع له الشيوخ من أعراض الضعف والفناء، ولكن التحدث إليه والاستماع منه، ~~والأخذ معه في فنون الحوار، كل ذلك يصور لنا صبيا كسلا لم يتجاوز طور الصبا، فهذا هو ~~الذي قد خيل إليك يا سيدتي أنه رد إلى الطفولة قبل الأوان، ومصدر هذا أنك لم تعرفيه إلا منذ ~~قت قصير، فأما أنا فقد عرفته منذ أعوام طوال لا أعدها لك؛ لأني لست في حاجة إلى أن تعرفي ~~عددها، ولكني عرفته حين كنت شابا، وحين كان جسمه في طور الشباب، ثم عرفته حين تقدمت بنا ~~السن، وحين اختلفت علينا ظروف الحياة وتجاربها، وحين عرضت لنا المشكلات والخطوب، وأنا أراه ~~الآن فلا أنكر منه شيئا؛ لأني عرفته دائما في هذه الحال التي ترينها، ولأني ضحكت منه ~~دائما مع أترابنا كما تضحكين أنت منه الآن، ولأني قلت فيه دائما لأترابنا، وسمعت فيه ~~دائما من أترابنا هذه الجملة: ما زال فلان طفلا، ويظهر أنه سيظل طفلا مهما تقدم به السن، ~~ومهما تختلف عليه أطوار الحياة. # وربما كان من الحق علينا أن نسجل الواقع؛ ms033 فصاحبنا قد نشأ كما نشأ أترابه، واختلف إلى ~~الكتاب، وأوجعت فيه عصا سيدنا أحيانا، واختلف إلى المدارس المدنية، وبلى فيها من حياة ~~التلاميذ والطلاب حلوها ومرها فأخفق حينا ونجح أحيانا، حتى أتم الدرس العالي كما أتمه ~~كثير من أترابه، ثم عبر البحر إلى أوروبا، فدرس في بعض أقطارها أعواما، ثم عاد إلى قريته ~~فائزا مظفرا، وسعيدا موفورا، وكل هذا من غير شك لا يدل على طفولة، ولا يدل على أن نمو ~~قواه العقلية قد كان محدودا، ولكن الغريب أنه إلى جانب هذا النمو المطرد قد احتفظ بشيء من ~~خصال الأطفال لم يفارقه في لحظة من لحظات حياته، ولم يستطع أترابه الذين رافقوه في المدارس ~~المصرية، وفي الجامعات الأوروبية، وفي الحياة العملية بعد ذلك أن يجهلوه أو يتجاهلوه، فقد ~~كان دائما سريع التأثر جدا بما يسر، وسريع التأثر جدا بما يسوء، وكان دائما ينتقل من ~~الرضى إلى السخط، ومن السخط إلى الرضى في غير تمهل ولا أناة، ولا شيء يشبه الروية أو ~~التفكير، وإنما كان أيسر الأشياء يدفعه إلى الرضى فإذا هو فرح مرح، وإذا ضحكه يملأ الجو من ~~حوله، وإذا حركاته العنيفة تضحك منه أصحابه، وتلفت إليه غيرهم من الناس، وكان أيسر الأشياء ~~يسخطه فإذا هو مغضب قد خرج عن طوره، وإذا عيناه تقدحان شررا، وإذا فمه ينفجر عن أشنع اللفظ ~~وأبشعه، وإذا جسمه يدفع إلى حركات مضطربة تدعو إلى الإشفاق عليه حينا، وإلى الإشفاق منه ~~حينا، وإلى الضحك منه في أكثر الأحيان. # وكان حكمه على الأشياء قاصرا أو واهيا منحلا، لا يعتمد على تفكير صحيح، ولا على منطق ~~دقيق، ولا على شعور صادق بحقائق الأشياء، وإنما كان له وما زال له منطق خاص لا يكاد الناس ~~يفهمونه عنه، ولا يكاد الناس يقبلونه منه، وإنما يسمعونه إذا تكلم فيدهشون، ويأخذهم شيء من ~~العجب، فإذا ردوا عليه منكرين أخرجه إنكارهم عن طوره، ودفعه إلى الغضب الثائر والسخط ~~العنيف. فهم بين اثنتين؛ إما أن يجاوره فيرضى وتغضب عقولهم، وإما أن يخاصموه فيغضب ms034 وترضى ~~عقولهم، وقد هموا بالثانية فوجدوا منه شططا، وأرهقوه من أمرهم عسرا، وانتهت طفولته ~~الجامحة إلى أن تنتصر على عقولهم الراجحة. # وأكبر الظن أنه قد تعود هذه المجاراة والمداراة منذ طفولته الأولى، فاستجاب أبواه إلى كل ~~ما كان يريد، وحققا له كل ما كان يبتغي، فنشأ واثقا بأن العالم قد خلق له يدعو فيجاب، ~~ويأمر فيطاع، وبأن كلمة لا لم تخلق لتسمعها أذناه، وإنما خلقت لينطق بها لسانه، وأكبر الظن ~~أيضا أن هذا الحظ قد رافقه في دراساته الأولى، وآية ذلك أن سيدنا لم يكد يغضب عليه ويؤذيه ~~بعصاه مرة حتى حوله أبواه من الكتاب إلى المدارس النظامية التي لا يضرب فيها التلاميذ. ~~وليس من شك في أن حب أبيه له ورعايته لهذا المزاج المدلل الرقيق، وحرصه على ألا يتعرض لما ~~يكره أو أن يرد عما يريد كل ذلك قد رافقه من قريب أو بعيد فلم تصدمه التجارب القاسية، ولم ~~تعلمه المصاعب أن ظروف الحياة يجب أن تتسلط على الناس أكثر مما يتسلط الناس عليها، وأن تؤثر ~~في الناس أكثر مما يؤثر الناس فيها. # فأدرك الشباب على هذه الحال مؤمنا بنفسه كما يؤمن الطفل بنفسه، مغامرا كما يغامر الطفل، ~~لا يفكر ولا يقدر، ولا يرجو لشيء وقارا، وإنما يريد فيقدم على ما يريد، والغريب أنه كان ~~يبلغ كل ما يريد. كان يبلغ كل ما يريد؛ لأنه نشأ في أسرة موفورة لها حظ من ثراء، ونصيب من ~~الاتصال بالأغنياء وأصحاب الجاه، فكان ثراء الأسرة، وحبها له، وعطفها عليه كل ذلك يذلل له ~~المصاعب الخاصة، وكان اتصال الأسرة بأصحاب الجاه والغنى يذلل له المصاعب الاجتماعية التي ~~كان يمكن أن تعترض طريقه في الحياة، وليس أدل على ذلك من أنه رأى الناس يكتبون فحاول أن ~~يكتب، ثم أظهر أسرته على ما كتب، فأثنت عليه عن علم أو جهل، ثم أظهر من تتصل بهم أسرته على ~~ما كتب فأثنوا عليه عن علم أو جهل. ثم رأى الناس ينشرون فهم أن ينشر كغيره من الناس، ms035 ولكن ~~الصحف امتنعت عليه فوجد من ذوي الغنى والجاه من يتوسط له عند هذه الصحيفة أو تلك، وإذا هو ~~يرى اسمه مطبوعا في مجلة شهرية أو أسبوعية، ثم في صحيفة سيارة متواضعة، ثم في صحيفة سيارة ~~واسعة الانتشار، وإذا هو كاتب كغيره من الكتاب يقرأ نفسه ولا يقرؤه الناس بعد ذلك، فأما ~~الذين يرونه ويعرفونه فيرضون ويثنون ويشجعون، وأما الذين لا يرونه ولا يعرفونه فقد يرضون ~~وقد يسخطون، وقد يعرفون وقد ينكرون، ولكن صاحبنا لا يعلم من ذلك شيئا، ولا يعنيه أن يعلم ~~من ذلك شيئا. # والمهم أنه لم يكد يتم الدرس حتى كان في رأي نفسه، ورأي ذوي معرفته كاتبا ممتازا، ولم ~~يكد يعود من أوروبا حتى هجم على التأليف كما هجم من قبل على التحرير، وإذا له كتب تذاع ~~وتباع، وإذا أيسر الثناء على فصل يحرره أو كتاب ينشره، يثير في نفسه من الرضى ما يخرجه عن ~~طوره، وإذا أيسر النقد لفصل يحرره أو كتاب ينشره يثير في نفسه من السخط ما يخرجه عن طوره، ~~وإذا ثقته بنفسه على نحو ما يثق الأطفال بأنفسهم تفرضه على قراء الصحف والكتب والمجلات، ثم ~~لا تكاد الأيام تتقدم حتى تضيف الحياة إلى هذه الثقة ثقة أخرى، وإذا الأمر يستحيل في نفسه ~~إلى الغرور الذي لا حد له في طول أو عرض أو عمق إن صح أن تكون للغرور أبعاد، فقد اتصل ~~صاحبنا بوجوه الناس وسراتهم، واختلف إلى أنديتهم ومجالسهم، وفرض نفسه عليهم بحكم المودة ~~والقرابة والصلات المختلفة، فأصبح واحدا منهم يشارك فيما يشاركون فيه من شئون الحياة ~~العامة والخاصة، ويسرف على نفسه وعلى الناس في هذه المشاركة، والأيام تبسم له في أكثر ~~الأحيان، ولا تعبس له إلا قليلا، وهي لا تعبس له مع ذلك إلا بمقدار. # وفي أحداث التطور السياسي، والاضطراب الخلقي، والانتقال الاجتماعي، وما كان من تغير ~~القيم، واختلاف المقاييس ما يتم القصة إن كانت في حاجة إلى إتمام، ويكمل الصورة إن كانت في ~~حاجة إلى إكمال، ولكن الشيء المحقق ms036 هو أن الحياة المستقرة الثابتة، التي تجري الأمور فيها ~~على إذلالها، تعلم الناس أن ذكاء القلب، ونفاذ البصيرة، ومضاء العزيمة، والصبر على المكاره، ~~والاحتمال للخطوب، وأخذ النفس بما يشق عليها، وتجنبها الطرق الممهدة، والأمور الميسرة هي ~~الخصال التي تبلغ بالناس ما يسمون إليه من نجح وفوز، ولكن الحياة المنتقلة المتطورة التي لا ~~تهدأ إلا لتثور، ولا تسكن إلا لتضطرب تعلم الناس أن الطفولة المتصلة قد ترفع أصحابها إلى ~~مكان الأفذاذ. # قالت السيدة، وكانت أدبية أريبة: لقد أخطأ علماء البيان حين لم يرضوا عن هذا البيت الصادق ~~الجميل من قول الشاعر: # والعيش خير في ظلا # ل النوك ممن عاش كدا # | الظلال الهائمة # لم يشعر بطرق الباب حين طرق، ولا بفتحه حين فتح، ولم يحس مكان الخادم حين أقبلت تحمل ~~الشاي، فوضعته على المائدة عن يمينه، وألقت إليه نظرة سريعة فيها شيء من عجب، وكادت ترفع ~~كتفيها ساخرة، لولا أملكت نفسها واستحضرت ما يجب عليها من توقير سيدها، فانصرفت متباطئة ~~متثاقلة حتى إذا بلغت الباب فتحته في شيء قليل من العنف، وأغلقته من ورائها في شيء قليل من ~~العنف أيضا تريد أن تنبه هذا الذي لا يتنبه لشيء؛ لأنه مغرق في قراءته. على أنها لم تكد ~~تغلق الباب من ورائها حتى أحست شيئا من راحة الضمير، فقد أدت الواجب كاملا، حملت إلى ~~سيدها الشاي في إبانه، وطرقت الباب، وخيل إليها أنها سمعت الإذن لها بالدخول، فدخلت وخرجت، ~~وأتت من الحركات ما يوقظ النائم، فكيف بتنبيه الغافل أو الذاهل أو المغرق في القراءة؟ لقد ~~أدت الواجب كاملا، فلا عليها أن يتنبه سيدها أو لا يتنبه، ولا عليها أن يشرب الشاي، وهو ~~ساخن كما يحب أو أن يشربه، وقد أدركه الفتور أو البرد أو ألا يشربه أصلا، والواقع أن سيدها ~~لم يتنبه لمقدمها، ولا لانصرافها، ولا للشاي الذي كان يدعوه عن يمينه، ولكنه لم يكن يسمع ~~دعاء، ولا يجد الظمأ كما تعود أن يجده كل يوم في هذا الموعد الذي كان يقدم إليه فيه ms037 ~~الشاي . # كان مغرقا في القراءة، ثم انتهى من الكتاب الذي كان يقرأ فيه إلى فصل لم يتجاوزه، وإنما ~~عاد إليه فقرأه مرة ومرة، ثم كف عن القراءة، ولكنه وصل بصره في هذا الفصل الذي أعاد قراءته، ~~وظل مطرقا ممعنا في الإطراق والتفكير، ثم رفع رأسه، وعلى ثغره ابتسامة يسيرة، ثم نظر ~~أمامه لا يريد أن يرى شيئا، وإنما هو واجم باسم ينظر ولا يرى، ويفكر ولا يحقق شيئا، ثم ~~تتسع ابتسامته قليلا، ثم ينفرج فمه عن ضحك يريد أن يعلو، ويملأ الغرفة لولا أنه يمسكه، ~~ويوشك أن يرده إلى جوفه ردا؛ لأنه قد ثاب إلى نفسه فجأة، وأشفق أن يسمع ضحكه من وراء ~~الباب، فتظن به الظنون، هنالك التفت فرأى إبريق الشاي كئيبا مستخذيا؛ لكثرة ما دعا إلى ~~نفسه، وألح في الدعاء فلم يستجب له أحد؛ لأن دعاءه لم يبلغ أحدا. # فأقبل صاحبنا على الإبريق يمسه بيده مسا خفيفا، ثم يمسحه بيده مسحا متصلا كأنما ~~يترضاه ويعزيه، وقد أحس برد هذا الإبريق، وعرف أن الشاي الذي يحتويه لم يعد ملائما لذوقه ~~وإلفه، وهم أن يدق الجرس، ويدعو الخادم لتأتيه بشاي جديد، ولكنه استحيا، وأشفق أن تسخر منه ~~الخادم إذا رأت شايها لم يمس، وأن تعيد القصة على امرأته وبنيه فلا يفرغ منهم، ولا من عبثهم ~~إذا كان العشاء. فلم ير بدا من أن يشرب الشاي كما هو، وقد ملأ قدحه، وجعل يدير فيه ~~الملعقة يريد أن يذيب هذا السكر الذي يستعصي ولا يريد أن يذوب في هذا السائل البارد. # ولكن صاحبنا نسي الشاي مرة أخرى، وجعلت يده تدير هذه الملعقة في هذا القدح إدارة آلية ~~غير شاعرة بنفسها؛ لأنه عاد إلى التفكير في هذا الفصل الذي كان يردد قراءته آنفا. ثم عاد ~~إلى التفكير في هذا الفصل، ثم لم يطل الوقوف عنده هذه المرة، وإنما ذهب به الخيال مذاهب ~~مختلفة لم تلبث أن ردته إلى الابتسام، ثم إلى الضحك المكظوم. # وكان هذا الفصل من كتاب الفصول والغايات لأبي العلاء، ويجب ms038 أن أروي لك بعضه لتعذر صاحبنا ~~في إطالة الوقوف عنده، والتفكير فيه، ثم في اتخاذه معراجا يرقى فيه إلى سماء بعيدة جدا ~~من سماوات الخيال: «يقدر ربنا أن يجعل الإنسان ينظر بقدمه، ويسمع الأصوات بيده، وتكون بنانه ~~مجاري دمعه، ويجد الطعام بأذنه، ويشم الروائح بمنكبه، ويمشي إلى الغرض على هامته ...» # فقد وقفه هذا الكلام الغريب، أضحكته الصور الظاهرة منه أول الأمر، ثم جعل يستعرض طائفة من ~~أصدقائه وذوي معرفته، فيتخيل بعضهم ماشيا على رأسه قد اتخذ الطربوش أو العمامة أو القلنسوة ~~غطاء لرجليه، ويتخيل بعضهم باكيا بإحدى أصابعه أو آكلا بإحدى أذنيه. فتدفعه هذه الصور ~~مطبقة - على ما يعرف من أصحابه - إلى الإغراق في الضحك، ثم تثوب إليه نفسه شيئا فشيئا، ~~ويقدم عقله على الجد قليلا قليلا، وإذا هو ينظر إلى الأمر نظرة فلسفية حازمة، فيرى أن ~~صاحب هذه الخواطر لم يخطئ، فقد خلق هذا العالم على هذا النحو الذي نعرفه، وكان من الجائز أن ~~يخلق على نحو آخر، بل من الجائز أن يحوله خالقه من هذا النحو الذي خلقه عليه إلى نحو آخر ~~يمشي فيه الناس على رءوسهم، وينظرون بأقدامهم، ويذوقون بآذانهم ... إلى آخر ما زعم أبو ~~العلاء. # وما دامت قدرة الله شاملة فلن يعجزها شيء ثم يتلو في نفسه الآية الكريمة: # وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى ~~قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ ~~أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل ~~منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا واعلم أن الله ~~عزيز حكيم # قدرة الله إذن شاملة لا يعجزها شيء مهما يكن، وقد جعل هذا ~~الخاطر يتردد في نفسه ملحا عليها إلحاحا شديدا، وجعل خياله يتصور ألوانا من الأشياء لم ~~يرها الناس، ولم يتعودوا أن يروها أو يتحدثوا عنها، ويقول لنفسه: إن الله قادر على أن يخلق ~~هذه الأشياء كما أتخيلها، وأشياء أخرى لا أتخيلها أنا، وإنما يتخيلها غيري من الناس أو لا ~~تخطر للناس على بال، ثم تعرض لخياله صور ms039 يقف عندها وقوفا طويلا، فالله قادر على أن يصور ~~ما يمتاز الناس به من الفضائل في شكل فتيات حسان يوسعن أصحابها ثناء وتشجيعا، والله قادر ~~على أن يصور ما يتصف به الناس من الرذائل في شكل فتيات قباح يشبعن من يتصف بهن ذما ولوما ~~وتقريعا. # ثم يأخذ في استقصاء ما يعرف من أخلاق نفسه، فيرى وفاءه للأصدقاء، وبره بهم، وإيثاره لهم ~~بالمعروف، وقد تصور أمامه فتاة حسناء تهدي إليه ابتسامات حلوة من بعد، ثم تدنو منه قليلا ~~قليلا، ثم تلحظه لحظا فيه كثير من الحب والعطف والحنان، ثم تدنو منه قليلا قليلا، ثم ~~ترسل إليه صوتا عذبا كأنه صوت الملائكة لو أنه سمع للملائكة غناء أو حديثا، وهذا الصوت ~~يحمل إليه دعابة حلوة، وتحية كريمة، وهو يجد اللذة كل اللذة فيما يرى، والمتعة كل ~~المتعة فيما يسمع، ولكن هذا الوجه الرائع الجميل الذي يدنو منه شيئا فشيئا لا يلبث أن ~~تغشاه سحابة رقيقة من الكآبة والحزن، ثم تزداد هذه السحابة كثافة وثقلا وبشاعة كلما دنا ~~منه ذلك الوجه الذي كان يراه رائعا جميلا، وقد خطر له في أثناء ذلك أنه لم يكن وفيا كل ~~الوفاء، ولا برا كل البر، وأنه في ذات يوم قد خان العهد، وجحد المودة، وأنكر الجميل، وعق ~~الصديق، وأنه قد أقدم طائعا أو كارها على بعض الغدر الذي يحاول أن ينساه فلا يستطيع، ولا ~~يكاد يفرغ من هذا التفكير حتى يحس شخصا منكرا بشعا قد وقف عن يمينه، وجعلت أصابعه الغلاظ ~~السمجة تعبث في شعره ذاهبة جائية، وجعل صوته خافتا أشد الخفوت، ولكنه منكر أشنع النكر يقول ~~له: يقدر ربنا أن يجعل الإنسان ينظر بقدميه، ويمشي على رأسه، ويقدر ربنا أن يحيي الموتى، ~~ويقدر ربنا أن يصور ما في نفوس الناس من الفضائل فتيات حسانا، ويقدر ربنا أن يرد هؤلاء ~~الفتيات الحسان قبيحات بشعات منكرات اللفظ واللحظ والصورة، ويقدر ربنا أن يخرج هؤلاء ~~الفتيات من القبح إلى الحسن، ومن البشاعة إلى الجمال، فالنفس الإنسانية واحدة تحسن ms040 مرة ، ~~وتسيء مرات، والله قادر على أن يصور لها عملها فتاة يسبغ عليها الجمال والحسن مرة، ويصب ~~عليها القبح والبشاعة مرة أخرى. انظر ويفتح عينيه، فيرى فتاته تلك قد عادت إلى جمالها ~~وروعتها، وقد أخذت ابتساماتها تمتلئ سحرا، ولحظاتها تمتلئ فتونا، وصوتها يمتلئ موسيقى ~~تخلب القلوب، وتعبث بالألباب، وهي تتلو # خلطوا عملا صالحا ~~وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم ~~، وقد تنبه صاحبنا مذعورا ~~أشد الذعر، وظن أن قد أخذته غفوة فنام، وعبثت به خواطر أبي العلاء فصور له في غفوته هذا ~~الحلم الغريب، وقد أخذ يسترد نفسه النافرة، ويدعو خواطره الشاردة يستعين على ذلك بهذا القدح ~~من الشاي عن يمينه فهو يرفعه إلى فمه فيفرغه في لحظة، ثم يرده إلى مكانه في شيء من عنف ~~مقصود يريد أن يحدث صوتا يعيد إليه صوابه كله، ويطرد من هذه الغرفة ما رددت فيها الأحلام ~~من تلك الأصوات، ولكنه ينظر فإذا أشخاص قائمة في أقصى الغرفة منها الحسن الرائع، ومنها ~~القبيح البشع، وكلها تنطق بصوت يوشك أن يكون صوتا واحدا، يقدر ربنا أن يجعل الإنسان ينظر ~~بقدميه ويمشي على رأسه. ويقدر ربنا أن يحيي الموتى، ويميت الأحياء، ويقدر ربنا أن يصور ~~الفضائل والرذائل فتيات حسانا أو قباحا، ويقدر ربنا أن يملأ الأرض بهؤلاء الفتيات تصور كل ~~واحدة منهن ما يحدث الناس من أعمال فيها الخير والشر، وفيها العرف والنكر، ويقدر ربنا أن ~~يخفي هذه الظلال عن أعين الناس ما شغلتهم الحياة، وأن يظهر هذه الظلال لأعين الناس إذا خلوا ~~إلى أنفسهم، وحاسبوها حسابا عسيرا أو يسيرا. # وقد امتلأ قلب صاحبنا رعبا، وهم أن ينهض بنفسه من هذه الغرفة المشئومة الموبوءة، وليجد ~~عند أهله وبنيه أنسب من هذه الوحشة، ولكنه لا يجد قوة على النهوض كأنما اتصل بكرسيه ~~اتصالا، وكأن كرسيه قد سمر في الأرض، وإذا صيحة هائلة تملأ الغرفة، ويفتح لها الباب، وتدخل ~~منه امرأته مروعة تسأله: ما خطبك؟ فيجيب في صوت غريب يمتزج فيه الخوف بالهدوء، والضحك ~~بالخجل: ما أدري لعلي ms041 غفوت فأخذني ما يشبه الكابوس، ولكن صوتا خافتا جدا يسمعه هو، ولا ~~تسمعه امرأته، وهذا الصوت يهمس في أذنه، كلا لم تغف ولم تروعك الأحلام والكابوس، وإنما رأيت ~~الظلال الهائمة، ولن تأمن منذ اليوم أن تراها. # قلت لمحدثي، وكان طبيبا بالأعصاب: أتريد أن تقول: إن من الخير أن يحسن الناس اختيار ما ~~يقرءون من الكتب، فإن القراءة التي يمضي فيها أصحابها على غير اختيار سابق لما يلائم ~~أعصابهم وأمزجتهم، قد تنهي بهم إلى شر عظيم. قال محدثي: هيهات، وكيف السبيل إلى تنظيم ~~القراءة للرجال العاقلين، وكيف السبيل إلى أن يعرف الناس ما يلائمهم وما لا يلائمهم مما ~~يقرءون؟ هيهات لم أرد إلى هذا، ولا يمكن أن أريد إنما أحببت أن أبين لك أن قلب الإنسان غريب ~~يقسو أحيانا فإذا هو كالحجارة أو أشد قسوة، ويلين أحيانا فإذا هو كهذه الأرض الرخوة التي ~~امتلأت ماء لا تكاد تمس حتى تنفجر منها العيون والينابيع، وقلب صاحبنا هذا قد قسا فكان ~~كالحجارة أو أشد قسوة، فأتى ما أتى من الشر، ولان فكان كهذه الأرض التي امتلأت ماء، مسها ~~أبو العلاء بخاطره هذا الغريب، فتفجر منها هذا الينبوع الذي نستطيع أن نسميه: ينبوع ~~الندم. # وأطرق محدثي الطبيب ساعة، ثم رفع رأسه إلي ضاحكا، وهو يقول: نعم، إن قلب الإنسان لغريب، ~~أتذكر ما قال فيه جوته؛ إنه كبير جدا لا يملؤه شيء، وهش جدا يحطمه أيسر شيء. # | غلظة # كان محمد بن عبد الملك الزيات قاسي القلب غليظ الكبد جافي الطبع بليد المزاج، وكان على ~~هذا كله أديبا مرهف الحس نافذ البصيرة رقيق الشعور، صافي الذوق مترف العقل ممتازا فيما ~~يكتب من نثر، وفيما يقرض من شعر، وكانت السياسة وحدها هي التي أتاحت لهذين الشخصين ~~المتناقضين أن يعيشا في جسم واحد، وأن يتسميا باسم واحد، وأن يصدر عنهما مع ذلك من الأعمال ~~والأقوال ما ليس إلى التوفيق بينه سبيل. # فقد كان محمد بن عبد الملك الزيات أقسى الناس في القول والعمل ما تولى أمور الحكم، وكان ms042 ~~أرق الناس قولا وعملا ما فرغ لحياته الخاصة، وقد ذهبت حياته الخاصة مع ما يذهب من حياة ~~الناس، وبقيت من حياته العامة آثار تصور نفسه البشعة، وقلبه القاسي، وطبعه الجافي، وعنفه ~~الذي لم يكد تاريخ المسلمين يعرف له نظيرا. # وكان محمد بن عبد الملك الزيات يقول فيما كان يقول: إن الرحمة خور في الطبيعة، وكان محمد ~~بن عبد الملك الزيات يقترف فيما كان يقترف من الآثام. أذاق الناس ألوانا من العذاب لم ~~يعرفها قبله عرب ولا عجم، والله عز وجل يعجل الانتقام حينا، ويملي للقساة الجفاة الظالمين ~~أحيانا، وقد عجل الانتقام من محمد بن عبد الملك الزيات، فذاق العذاب الذي أذاقه الناس أيام ~~حكمه، وكان معذبه يقول له: # ذق إنك أنت العزيز ~~الكريم ~~. # ولست أدري لم ذكرت محمد بن عبد الملك الزيات، وقصته هذه البشعة، وسيرته هذه المنكرة، ~~وحكمه هذا البغيض، وقد تغيرت حياة الناس فرقت طباعهم بعد جفوة، ولانت قلوبهم بعد قسوة، ولم ~~يبق بينهم في مصر على الأقل من يقول إن الرحمة خور في الطبيعة، ومن يعذب الناس في تنور قد ~~فرشت أرضه بالمسامير المدببة، وقد امتدت هذه المسامير المدببة في سقفه وجنباته فما يقيم فيه ~~المعذب البائس إلا على هذه المسامير تأخذ لحمه من كل ناحية إن أقام ساكنا أو تحرك في تنوره ~~هذا المنكر البشع. # ليس في مصر شيء من هذا؛ لأننا قد تحضرنا فرقت طباعنا، وصفت أذواقنا، ولانت قلوبنا، وتهذبت ~~نفوسنا، وإذن فما الذي يذكرني بمحمد بن عبد الملك الزيات في القرن الرابع عشر للهجرة، وفي ~~مدينة القاهرة التي هي عاصمة مصر التي قال عنها إسماعيل العظيم رحمه الله: «إنها جزء من ~~أوروبا.» # ذكرني بمحمد بن عبد الملك الزيات في قسوته الغليظة الجافية ما ألاحظه من أن الترف لم يغير ~~من غرائزنا شيئا، وإنما علمها القسوة المترفة، وعلمها الافتنان في العذاب، وعلمها الترف في ~~ألوان الانتقام، فنحن لا نعذب الأجسام، وإنما نعذب النفوس، ونحن لا نلقي الناس في تنور ~~أشرعت فيه المسامير من جميع أقطاره، ms043 وإنما نلقي الناس في ألوان من العذاب ليست أقل بشاعة ~~ولا نكرا من هذا التنور الذي ابتكره ذلك الوزير العباسي في القرن الثالث للهجرة، وفي مدينة ~~السلام. # وليس في هذا شيء من الغرابة، فإن تقدم الحضارة الإنسانية لم يرق العقل وحده، ولا الذوق ~~وحده، وإنما رقى الغرائز أيضا، وعلمها فنونا من القسوة ما كانت لتخطر لمحمد بن عبد الملك ~~الزيات وأضرابه على بال، وللفرنسيين تعبير يصور هذا الترف في القسوة، وهذا الافتنان في ~~الانتقام، فهم يقولون فيمن يصب على الناس عذابا هادئا، ولكنه متصل منته إلى أبشع الغايات، ~~إنه ينضج من يعذبه على نار هادئة، ونحن والحمد لله بارعون كل البراعة في الإنضاج على النار ~~الهادئة، نجد في هذا لذة آثمة خبيثة توشك أن تكون مسخا لما كان الإنسان يظن أنه يمتاز به ~~من ذكاء القلب، ونفاذ البصيرة، وصفاء الذوق، ودقة الطبع. # وأي شيء أبغض وأبشع وأشد في النفوس نكرا من أن تصب على خصمك هذا العذاب الهين اللين ~~الرقيق، الذي لا يكاد يرى ولا تكاد آثاره تحس، ولكنه يتصل ويمضي مع الدقائق والساعات، ومع ~~الأيام والليالي، ومع الأسابيع والأشهر والأعوام، حتى يبلغ ببطئه هذا الفظيع أضعاف ما كان ~~يبلغه محمد بن عبد الملك الزيات بعذابه المنكر السريع. # وأبشع من هذا كله، وأشد من هذا كله نكرا أن يصطبغ هذا العذاب الهادئ المتصل البطيء بصبغة ~~من العدل أو مما اتفقنا على أن نسميه عدلا، فلا يجوز إنكاره، ولا يباح نقده، ولا يصح أن ~~يلام فيه الذين يقترفونه؛ لأنهم ينفذون القانون، وينفذونه في دقة حازمة صارمة، وهم يحمدون ~~لذلك ولا يلامون فيه، وكيف يلام الناس حين ينفذون القانون؟ وكيف يعاب الناس حين ينشرون هذا ~~العدل الذي يصنعونه صناعة، ويتكلفونه تكلفا، ويناقضون به طبائع الأشياء، ويناقضون به هذه ~~القوانين العليا التي لم يضعها برلمان، ولم يشرعها ملك ولا حاكم، وإنما ركبت في نفوس الناس ~~تركيبا، وجعلت جزءا من فطرتهم. # وما أشد حاجة الناس إلى أن يفرغوا لأنفسهم بين حين وحين، ويتدبروا أعمالهم ms044 وأقوالهم بين ~~وقت ووقت، ويضعوا أنفسهم حين يضعون ضحاياهم، ويسألون أنفسهم أيصبرون لما يصبون على الناس من ~~هذا العذاب الهادئ البطيء المتصل لو أن غيرهم صبه عليهم في هدوء وبطء واتصال، هذا الموظف في ~~وزارة المعارف الذي أراد أن يلحق طفلا من أطفاله بروضة من رياض الوزارة؛ لينشأ مع أخويه ~~فلم تكتف الوزارة بأن ردت طفله الجديد، ولكنها ألحقت به في البيت أخويه اللذين أقاما في ~~الروضة عامين أو أكثر من عامين، ثم حولتهما بعد ذلك إلى روضة خيالية قد أنشئت في عقول ~~الموظفين في وزارة المعارف، ولم تر الشمس إلا بعد وقت غير قصير، وقد ذهب هذا الموظف بأطفاله ~~إلى روضتهم الجديدة البعيدة فلم يجد شيئا، ثم ذهب بهم فلم يجد شيئا، ثم فتش واستقصى، وسأل ~~القاصي والداني، وسأل مكتب البريد فلم يجد شيئا، ثم ذهب بعد ذلك فوجد دارا مهدمة ليس ~~فيها مرفق، ولا أداة من أدوات التعليم والتربية واللعب، ليس فيها طعام يؤكل، ولا ماء يشرب، ~~فعاد بأطفاله إلى داره كئيبا محزونا كاسف البال، وكان قد شكا للوزير فلم يسمع الوزير له ~~أو لم يعلم الوزير بأنه قد شكا إليه. # وقد جعل كل ما أصبح رأى أطفاله يبكون؛ لأن سيارة الوزارة التي كانت تحملهم إلى الروضة في ~~الأعوام الماضية تمر بهم مصبحة ممسية فلا تغدو بهم على الروضة، ولا تروح بهم منها، وإنما ~~تمر بهم ساخرة منهم مزدرية لهم، تحمل أترابهم فرحين مرحين، يبتسمون للصبح المشرق الذي ~~يسوقهم إلى المدرسة، ويبتسمون للنهار المبصر الذي يردهم إلى دورهم، وهؤلاء الأطفال البائسون ~~يرون سيارتهم، ويرون أترابهم دون أن يستطيعوا ركوب السيارة أو مشاركة الأتراب في ابتسامات ~~الغدو أو ابتسامات الرواح. # رأى هذا الموظف أطفاله على هذه الحال، وذاق هذا الموظف مع أطفاله مرارة الحرمان، وقسوة ~~هذا العذاب، وقد أراد سوء حظه وسوء حظهم أن يكون هؤلاء الأطفال اليتامى قد فقدوا أمهم كما ~~كان هو مترملا قد فقد زوجه، وكان هذا الموظف يجد في تربية أطفاله وتنشئتهم من العزاء عن ms045 ~~فقد زوجه، وكان معتقدا أنه يرضي نفس امرأته كلما نجح في العناية بأطفاله وفي تربيتهم؛ لأنه ~~يؤدي لهم ما كانت خليقة أن تؤديه لو أتيح لها البقاء. فلما أوذي الأطفال في تعليمهم وفي ~~لعبهم، ولما أوذي الأب في تربية أطفاله وتنشئتهم، ولما رأى الأب دموع أطفاله مع الصبح، ~~ودموع أطفاله مع المساء، وضجر أطفاله أثناء النهار لم يستطع على ذلك صبرا، ولم يملك نفسه، ~~فشكا في الصحف لعل الوزير يقرأ شكاته فيمسه بشيء من الإنصاف، ويمس أطفاله بشيء من العطف، ~~ويرد إليهم وإليه حقهم من العدل الذي كلف أن يشيعه بين الناس. # شكا، ولكن الوزير لم ينصفه، ولم يعطف على أطفاله، ولم يرد إليهم ولا إليه قليلا من العدل ~~ولا كثير، لم يفكر في الأب الأرمل، ولا في الأم الميتة، ولا في الأطفال الصغار اليتامى، ~~وإنما فكر في الموظف الذي نقد الوزارة في الصحف، ورأى أن هذا النقد إثم في ذات الحكومة، وأن ~~القانون المالي يعاقب عليه. # يا للعقول الواسعة، يا للقلوب الرحيمة، يا للطباع المهذبة، يا للأذواق المصفاة. أما ~~الأبوة البائسة، وأما الطفولة التعسة فلا يحفل بها الوزراء، ولا يلتفتون إليها، ولا يقفون ~~عندها؛ لأنهم إن فعلوا ذلك كانوا رحماء، والرحمة خور في الطبيعة كما كان يقول محمد بن عبد ~~الملك الزيات. # وأما أن يلفت موظف وزارة المعارف إلى واجبها، ويدلها على خطئها، ويدعوها إلى إصلاح هذا ~~الخطأ، فهذا هو الإثم كل الإثم، والإجرام كل الإجرام، وهو التقصير في ذات القانون، وهو ~~الخروج على النظام، والسكوت على هذا كله ضعف أي ضعف، والعقاب على هذا كله عدل أي عدل وحزم ~~أي حزم. ألا بعدا للعدالة والحزم إن كانت غايتها إهدار أبوة الآباء وبنوة الأبناء، وتضييع ~~ما للناس على الدولة من حق، وإلغاء ما على الدولة للناس من واجبات. # أساء الموظف إذن إلى الدولة في رأي الوزير فيجب أن يعاقب، فأما إساءة الوزير إلى الأمة في ~~أشخاص هؤلاء الأطفال الصغار، فيجب أن تذهب هدرا، كذلك يريد العدل المصنوع. وقد حقق ms046 مع هذا ~~الموظف فألقيت عليه أسئلة صريحة أجاب عليها إجابة صريحة، وكان من الممكن أن يقرأ الوزير، ~~وأن يقدر أبوة هذا الأب البائس، وبنوة هؤلاء الأبناء البائسين، ولكن الوزير لم يقدر أبوة ~~ولا بنوة، وإنما قدر أن الحكومة قد أسيء إليها، فيجب أن تنتقم من المسيء، فأصدر أمره بنقل ~~هذا الموظف إلى الصعيد الأعلى، هناك حيث لا توجد رياض الأطفال، وحيث لا يجد هؤلاء الأطفال ~~الذين نشئوا في القاهرة ما يلائم حياتهم الهانئة المتواضعة، ولو أن لهؤلاء الأطفال أما ~~ترعاهم لسافر أبوهم إلى الصعيد الأعلى جادا كادا ملتمسا له ولهم أسباب الرزق، ولكن ~~الأطفال يتامى لا يعولهم إلا أبوهم، ولا يستطيع أن يعولهم في الصعيد الأعلى، فطلب الموظف ~~إلى الوزير أن يعفيه من هذا النقل؛ ليرعى أطفاله، ويقوم منهم مقام الأب والأم ~~جميعا. # ولكن الوزير لم يفكر في الأبوة البائسة، ولا في الطفولة اليائسة، ولا في الأمومة التي ~~ذهبت بها الأقدار، وإنما فكر في أن وزارة المعارف قد أسيء إليها، فيجب أن تنتقم من ~~المسيء. # ولذلك أبى الوزير أن يقبل عذر هذا الأب البائس، وحدد له موعدا يصل فيه إلى الصعيد ~~الأعلى، ونظر الموظف فإذا هو مخير بين أمرين أحلاهما مر، وأيسرهما نكر: فإما أن يرضى الوزير ~~فيجحد حق أبنائه عليه، ويجحد حق امرأته عليه أيضا، حق امرأته الميتة التي لا يمكن ~~استرضاؤها، ولا الاعتذار إليها، وإما أن ينهض بحق أبنائه، وحق زوجه، وحق أبوته فيغضب ~~الوزير، وفي غضب الوزير ضياع المنصب، وانقطاع المرتب، وتعرض الأطفال الصغار للجوع ~~والحرمان. # وقد اختار الموظف فأرضى حق الأبوة والبنوة والأمومة، واختار الوزير أيضا بين الرحمة التي ~~أودعها الله في النفوس، والعدل الذي صنعه الناس صناعة، فترك الرحمة التي نشرها الله، وآثر ~~العدل الذي صنعه الناس، وأحال الموظف إلى مجلس التأديب، ووقفه عن العمل، وقطع مرتبه. # وقد قلت لك إننا بلغنا من الترف في الانتقام، والافتنان في حب العذاب الهادئ المتصل ~~البطيء ما لم يبلغه محمد بن عبد الملك الزيات. ففي اليوم الثلاثين من ms047 شهر أكتوبر أرسلت ~~الوزارة إلى البنك كتابا تأمره فيه ألا يصرف لهذا الموظف مرتبه عن شهر أكتوبر، وعلم الموظف ~~ذلك من البنك نفسه لا من الوزارة، وذهب إلى الوزارة في اليوم الأخير من شهر أكتوبر يسأل عن ~~هذا القرار، فقيل له: إنه صدر ولكنه لم يطبع بعد. ومعنى ذلك: أن البنك قد عرف القرار قبل أن ~~يعرفه الموظف، ومعنى ذلك: أن هذا الموظف ذهب في آخر الشهر ليتقاضى مرتبه فلم يجد شيئا، ولم ~~يكن قد عرف من أمر القرار شيئا، ومعنى ذلك: أن هذا الموظف عاد إلى بيته في ذلك اليوم صفر ~~اليد مما تعود أن يوسع به عليهم، وأن يرزقهم منه رزقهم حين يصبحون وحين يمسون، ومعنى ذلك: ~~أن هذا الموظف لم يعاقب في نفسه وحدها، وإنما عوقب في أطفاله الصغار، ومعنى ذلك: أن هذا ~~الموظف لم يعاقب وحده، وإنما عوقب معه أطفال أبرياء أكبرهم في السادسة وأصغرهم في الثالثة؛ ~~لأن هذا الموظف نقد الوزارة في الصحف، ومعنى ذلك: أن الوزارة أكرم على نفسها من أبوة ~~الآباء، وبنوة الأبناء، وحق اليتامى لا في أن يتعلموا بل في أن يعيشوا. # هذا هو العدل الذي صنعه الناس، والذي تقوم عليه قوة الحكومات، فأما الرحمة التي خلقها ~~الله، فأما العدل الذي أراد الله أن ينشر في الأرض، فأمران لا يثبتان لما ينبغي لوزارة ~~المعارف من كرامة في نفوس الموظفين، والغريب أن وزير المعارف أب، وأن ما أجراه على هذا ~~الموظف يمكن أن يجريه عليه طاغية من الطغاة في يوم من الأيام، والغريب أن لوزير المعارف ~~أعوانا كلهم أب، وكلهم يعرف حق الأبوة، وحق البنوة، وما ينبغي للأطفال الصغار اليتامى من ~~رعاية وعناية وحماية من الآفات. # كل هذا غريب حقا؛ لأن التسلط يعمي البصائر والأبصار عن حقوق الأبوة والبنوة، ولأن ~~التسلط يملأ النفوس غرورا وفتونا وتكبرا وتجبرا، ويرتفع بها عن الرحمة التي هي خور في ~~الطبيعة كما كان يقول محمد بن عبد الملك الزيات. # أي العذابين أشد نكرا! عذاب التنور الذي أشرعت فيه ms048 المسامير المدببة، والذي يألم فيه ~~المعذب أياما ثم يموت، أم هذا العذاب الرقيق الرفيق الرشيق الهادئ المتصل البطيء الذي لا ~~يرى ولا تحس آثاره، ولكنه يفني النفوس شيئا فشيئا، ويعلم الأطفال أن الحرمان قد يؤذي، وأن ~~الظلم قد يملأ النفوس بأسا، وأن الجوع قد يكون كريه المذاق. # أي العذابين أشد نكرا! هذا العذاب الذي كان يصبه محمد بن عبد الملك الزيات على الأجسام ~~حتى تهلك، أم هذا العذاب الذي يصب في هذه الأيام على النفوس فيعرضها لفقدان الكرامة، ~~وللشعور بالذلة وللاستخذاء أمام المتسلطين. إلى هذا انتهت بنا الحضارة المترفة، ويقال بعد ~~ذلك: إن أخص ما يمتاز به العصر الحديث أنه علم الناس أن لهم ضمائر تحب الخير وتكره الشر، ~~وتندم حين تصيب الناس بما تكره أن يصيبها الناس به. # ربما كان هذا حقا، ولكن هذه الضمائر التي استكشفها الإنسان في العصر الحديث تمتاز أيضا ~~بالمرونة، فهي قادرة على أن تتشكل بما يقدم إليها من الأشكال، وهي قادرة على أن تستدير مع ~~الشمس، وهي قادرة على أن تستقبل الريح من حيث تهب، وهي قادرة على أن تلغي أبوة الآباء، ~~وبنوة الأبناء، وأمومة الأمهات، وإن تكن في غيابات القبور، وهي قادرة على أن تعرض الأطفال ~~الصغار اليتامى للجهل والفقر والمرض والجوع، لا لشيء إلا لأن وزارة المعارف قد نقدت في ~~الصحف، وهي أكرم من أن تنقد في الصحف، وإن كان الناقدون آباء لا يعرفون كيف يعلمون ~~أبناءهم. # معذرة أيها القارئ الكريم إني لأشعر أن في هذا الحديث مرارة قد تؤذي نفسك، وتؤلم قلبك، ~~ولكنك توافقني فيما أظن على أن في حياتنا أشياء إن رضيها ضمير الوزراء وأعوان الوزراء فلا ~~ينبغي أن ترضاها ضمائر الشعوب. # | الشجاع # لم تخطئي وصفه يا سيدتي، فهو شجاع بأدق معاني هذه الكلمة، وأكملها وأشملها، ولكن بشرط أن ~~تفهمي من الشجاع معنى غير هذا المعنى المألوف الذي ابتذله الناس في أدبهم القديم والحديث، ~~فليس في صاحبنا من شجاعة الناس شيء، ولعله أن يكون أبعدهم عنها، وأبرأهم منها، وأدناهم إلى ms049 ~~الخوف الذي يخلع القلوب، والهلع الذي يفسد المروءة، والجزع الذي تطير له النفوس شعاعا، ~~وآية ذلك أنه حريص أشد الحرص على أن يرضي كل إنسان مشفق أشد الإشفاق من أن يغضب أي إنسان، ~~لا يحرص على أن يرضي الجماعات أيضا. # ولعل حرصه على إرضاء الجماعات أن يكون أشد من حرصه على إرضاء الأفراد، ولا سيما حين يكون ~~لهذه الجماعات من القوة حظ قليل أو كثير، وحين يكون بينها وبين السلطان سبب طويل أو قصير، ~~والأمر عنده في إرضاء الأفراد والجماعات يدور على ما يرجو من منفعة، وما يخشى من مضرة فهو ~~حيثما رجا المنفعة، عظيمة كانت أو يسيرة، حلو الشمائل سمح الأخلاق سهل المراس، لين العريكة، ~~مهذب الطبع، مثقف الذوق عذب الحديث، وهو على نقائض هذه الخصال كلها إذا لم يرج نفعا ولم ~~يخش ضرا؛ فيه ما شاء الله من شراسة الطبع، وجفوة الخلق، وغلظة الذوق، وانحراف المزاج، ~~وسوء العشرة، وصعوبة المراس، وخشونة الحديث. # وأظنك توافقينني يا سيدتي على أن شيئا من هذه الخصال لا يلائم أخلاق الرجل الشجاع، ~~فالشجاع لا يقيم أمره على الرياء، ولا يجري حياته على المصانعة، ولا يلين حين تجب الشدة، ~~ولا يشتد حين يحسن اللين. # والشجاع بالمعنى الصحيح لهذه الكلمة لا يسرف في إيثار نفسه بالخير، ولا يضحي في سبيل هذا ~~الإيثار بما يجعل الرجل الكريم رجلا كريما، ومع ذلك فصاحبنا شجاع بشرط أن تفهمي الشجاع ~~كما أراد أن يفهمه الشاعر القديم حين قال: # وأطرقت إطراق الشجاع ولو يرى # مساغا لنابيه الشجاع لصمما # فالشجاع هنا اسم لا وصف، وهو لا يدل على الرجل الذي يصبر نفسه على المكروه، ويجشمها الهول ~~في سبيل ما يتم مروءته، ويكمل رجولته، ويرفع منزلته، ويجعله ممتازا بين الممتازين الذين ~~يستحقون الامتياز، ولا يغضبونه غضبا، وإنما يدل على الحية التي تستخفي في حجرها، لا تكاد ~~تظهر منه إلا رأسها الدقيق، وتظل على حالها هذه مستخفية مطرقة، حتى إذا مكنتها الفرصة، ~~ووجدت مساغا لنابيها لم تضيعها، وإنما عضت فصممت كما يقول الشاعر، ms050 وبلغت من عضتها وتصميمها ~~ما تريد. # وهذه الحية أو هذا الشجاع لا يستخفي في الحجر دائما، ولكنه يستخفي في رمال الصحراء، ~~ويستخفي بين الصخور الغلاظ، ويندس في الفراش الوثيرة، وهو سارب بالليل، وسارب بالنهار، ~~يحسبه من يراه هادئا كل الهدوء مطمئنا كل الاطمئنان، ولا يكاد يقدر أن على أحد منه بأسا ~~لولا أن الإنسان قد عرف أخلاقه منذ أقدم العصور، ولكن هدوء الهادئ لا يفر الناس عنه، ~~واطمئنان المطمئن لا ينسي الناس ما بلوا من أخلاقه، وهذا هو الفرق الوحيد بين الشجاع الذي ~~نتحدث عنه، والشجاع الذي ذكره الشاعر القديم. معروف الأذى منتظر الشر قد تواصى الناس ببغضه ~~وخوفه واجتنابه منذ عرفوه، وأما الشجاع الذي نتحدث عنه فإنه رجل مثلنا يشاركنا في كثير من ~~صفات الناس، ويضطرب معنا في كثير مما نضطرب فيه من شئون الحياة، وهو من أجل ذلك يخدعنا عن ~~نفسه، وأمله أن يخدع نفسه عن نفسه أيضا، ولست أدري أيهما شر؛ شجاع الحيات الذي لا يراه ~~الناس إلا فزعوا منه واتقوا شره، أو شجاع الناس الذي نراه فنطمئن إليه، ونصل أسبابنا ~~بأسبابه، ونقدم إليه المعروف، وننتظر أن يقدم إلينا المعروف أو ألا يصيبنا منه مكروه على ~~أقل تقدير. # وقد زعم بعض الناس للجاحظ أن من الحيات ما له رأسان، وزعم بعض الأعراب للجاحظ أنه رأى هذا ~~الصنف من أصناف الشجعان، فلما سأله الجاحظ بأي الرأسين يسعى، وبأيهما يطعم؟ قال: إنه يفطر ~~بأحد رأسيه، ويتغذى بأحدهما الآخر، ويسعى بهما جميعا. # قال الجاحظ: وهذا من أكذب الكذب، ومن الجائز أن يكون الأعرابي قد كذب على الجاحظ في وصفه ~~لشجاع الحيات، ولكن من المحقق أن لشجاعنا الإنسي رأسين، وأنه يفطر بأحدهما، ويتغذى بأحدهما ~~الآخر، أو قولي إن شئت يا سيدتي: إن له لونين من ألوان الغذاء، وقد خصص لكل لون منهما رأسا ~~من رأسيه هذين فله غذاء مادي يأتلف من هذا المال الذي يجمعه شيئا فشيئا، ويحصله قليلا ~~قليلا، ويضم بعضه إلى بعض في أناة ورفق وانتهاز للفرص، وله غذاء ms051 معنوي يمازجه شيء من ~~المادة هو هذه الدرجات التي سعى لها منذ اتصلت أسبابه بأسباب العمل في الدواوين، فهو ~~يلتمسها في أناة ورفق وانتهاز للفرص، كما يلتمس غذاءه المادي ذاك، وما أكثر الذين يتاح لهم ~~أن يعملوا في دواوين الحكومة أو غيرها من مكاتب الأعمال العامة، ويعنون مع ذلك بجمع المال، ~~وتدبير الثروة، والاستكثار مما يتيح لهم الغنى، ويملأ أيديهم من حطام الدنيا، ولكن المهم ~~الذي يمتاز به صاحبنا، ويشبه به الشجاع شبها قويا، والشجاع ذا الرأسين، هو طريقته في جمع ~~المال، وتدبير الثروة، وطريقته في التماس المناصب، وابتغاء الوسائل إلى الرقي في درجاتها ~~المختلفة، فهو لا يسعى في ذلك كما يسعى الناس، وإنما يتأتى له كما يتأتى الشجاع للفريسة ~~التي يعمل فيها نابيه، وينفث فيها سمه الناقع. # وقد زعم بعض الصقالبة للجاحظ أيضا أن من الحيات ما يلتف على البقرة الحلوب التفافا حتى ~~يبلغ ضرعها فيرتضعه في شره، وما يزال يشرب ما فيه من لبن حتى يمتلئ وينتفخ ويتراخى، وإذا هو ~~يترك البقرة، ويستلقي سكران من كثرة ما شرب، ولكنه قد اضطر فريسته إلى الهلاك. # وكذلك يفعل صاحبنا في جمعه للمال حين يجمعه، وفي التماسه للمنصب حين يلتمسه، يرى الفريسة ~~أمامه فينظر إليها، ويصل بها نفسه وقلبه وعقله، ثم يثب إليها حين تمكنه الفرصة ثم يلتف ~~عليها، وما يزال يمتصها امتصاصا، ويرتضعها ارتضاعا حتى يأتي على آخر ما عندها. أورثته ~~أسرته ثروة متواضعة ليست بذات غناء، ولكنه لم يقنع بها، ومتى قنع الناس بما يتاح لهم من ~~أعراض الدنيا، لم يقنع بها وإنما طمع في تنميتها، وفي تنميتها على حساب جيرانه، وخلانه، ~~وذوي مودته، والذين كانت بينهم وبين أسرته صلات المحبة والألفة وحسن الجوار، فأطرق إطراق ~~الشجاع، وجعل ينتهز الفرصة حين تسنح، ويتربص الدائرة حين تدور، ويرقب النائبة حين تنوب، فلا ~~تزال عينه ناظرة إلى ما حوله من أرض جيرانه، ولا تزال نفسه متصلة بها حتى تعرض حاجة جار من ~~جيرانه إلى بعض المعونة إلى ما يحتاج إليه صاحب ms052 الأرض من هذا القرض الذي يؤدي به الحق حين ~~يلزم، ويدفع به الخطب حين يلم. هنالك يرفع الشجاع رأسه من إطراقه، وهنالك يكون الأطماع ~~ويكون الامتناع، وهنالك يكون الدنو ويكون النأي، وهنالك يكون القرب، ويكون الهجر، والحاجة ~~ملحة على جاره، ولعله أن يشارك في جعل هذه الحاجة ملحة مشتدة في الإلحاح، وما يزال بجاره ~~يبدي له المال ويخفيه عنه، حتى إذا وجد مساغا لنابيه أدى المال، وأخذ مكانه رهنا ~~مقبوضا. # وكذلك أنفق حياة طويلة يداعب جيرانه هذه المداعبة المرة، ويلاعبهم هذه الملاعبة ~~البغيضة، حتى ضم أرضهم إلى أرضه، ومالهم إلى ماله، وحتى ردهم فقراء بعد غنى، وأشقياء بعد ~~سعادة، ومحتاجين إلى الرفق والعطف بعد أن كانوا يبذلون الرفق والعطف، وإذا هو سيدهم، وقد ~~كان واحدا منهم، وإذا هم يدينون له بالطاعة، ويلجئون إليه عند الملمات، ويعملون في أرض ~~كانت لهم فأصبحت له، وأصبحوا هم لها وله في وقت واحد. # وإذا هو يستكبر ويستعلي ويطغى ويبغى ويشق على من كانوا له أكفاء فأصبحوا له أجراء، وكذلك ~~عمل أحد هذين الرأسين في الازدراد والالتهام لكل ما كان حوله من المال والثراء، ينتهز ~~الفرصة كلما سنحت، ويخلقها إذا لم تسنح، ويبذل الحيلة كل الحيلة في خلقها وابتكارها إن ~~امتنعت عليه، وهو على هذا كله هادئ وادع مطمئن، يشيع في قلوب الذين يرونه أمنا وأنسا ~~ودعة ورفقا، حتى إذ عضهم بنابيه عرفوا كيف تكون مساورة الحيات، ولو كان لهم حظ من ثقافة ~~أو أدب لأنشد كل واحد منهم قول النابغة: # فبت كأني ساورتني ضئيلة # من الرقش في أنيابها السم ناقع # وأما رأسه الثاني: فيعمل في القاهرة، يستقر في مكتب من المكاتب وفي ديوان من الدواوين، ~~كما يستقر الشجاع في جحره، أو يطرق كما يطرق الشجاع في كثيب من رمال الصحراء، يسعى هادئا ~~كما يسعى النسيم، وينساب رفيقا كما ينساب ماء الينبوع، وهو على ذلك حذر ماكر يرقب الفرصة، ~~ويسعى بالكيد، ويفرق بين الصديق، ويغري بالزميل حتى إذا أمكنت الفرصة، ووجد مساغا لنابيه ~~صمم وأحسن ms053 التصميم ، ووثب إلى فريسته فانطوى عليها كما ينطوي شجاع الجاحظ على البقرة الحلوب، ~~وما يزال يمتص فريسته حتى يأتي على آخر ما عنده، وإذا هو ارتقى من منصب إلى منصب، ووثب من ~~درجة إلى درجة، وقفز من مرتبة إلى مرتبة، وإذا الذين كانوا له رفاقا وزملاء قد أصبحوا له ~~مرءوسين يجدون في طاعته، ويصدرون عن أمره، وقد ملأ الجو من حوله مكرا وكيدا وخبثا ~~ودهاء، ونفث السم في البيئة كلها كما ينفث الشجاع سمه في الفريسة حين يظفر بها. # وأخص ما يمتاز به الشجاع أنه على ما يظهر من لينه ورخاوته وتهالكه ومرونة جسمه شديد الأيد ~~لا يعيا بشيء، وأقوى ما فيه أنيابه ومعدته، فأنيابه لا يعييها شيء، ومعدته لا يعجزها قضم، ~~وهو من أجل ذلك لا يتعب، ولا يبلغه الجهد مهما يحاول من أمر، ومهما يتكلف من مشقة، وهو من ~~أجل ذلك لا يرضى مهما حقق من أمل، ولا يقنع مهما يبلغ من أرب، وهو لا يمضغ دائما، ولكنه ~~يمضغ حينا ويزدرد أحيانا، ويهضم على كل حال، وأمر صاحبنا كأمر الشجاع في هذا كله، فرأسه ~~العامل في القرية لا يطرق إلا ليثب، ورأسه العامل في القاهرة لا يطمئن إلا ليثور، ومعدته ~~مضطربة دائما بهذا الهضم المتصل الذي لا يذر شيئا أتى عليه إلا جعله كالرميم. # وللشجاع صفير يؤذي، وفحيح يخيف، ولو قد سمعت صاحبنا يا سيدتي حين يعبث به الطمع، ويحركه ~~الإغراء، وتدعوه الفريسة إلى القضم والهضم، لسمعت صياحا منكرا وجئيرا بشعا، ليس أقل ~~نكرا ولا بشاعة مما يبعثه الشجاع حين يتهيأ للوثوب من صفير وفحيح. # وليس لشجاع الحيات منزل يختاره ويؤسسه، ويؤثر المقام فيه، وإنما هو ساع دائما يأوي إلى ~~حيث يحب أن يأوي، ويغير حيث يحب أن يغير، وهو من أجل ذلك شائع الأذى متصل الشر منتشر ~~العدوان، وصاحبنا يشارك الشجاع في هذه الخصلة كما يشاركه في غيرها من الخصال، فهو لا يؤثر ~~مالا بعينه، ولا يؤثر عملا بعينه، ولا يؤثر صديقا بعينه، ولا يؤثر عدوا بعينه، ms054 وإنما ~~المال كله صالح للجمع، وتوفير الثراء، والعمل كله صالح لنيل المناصب، وارتقاء الدرجات، ~~والناس كلهم له صديق، والناس كلهم له عدو، وهو قادر على أن يندس في كل مكان، ويحصل في كل ~~مجلس، وينساب في كل ناد، ويقول في كل شيء، ويكتب في كل موضوع، وينفث السم حيث يتاح له أن ~~ينفث السم، أي حيث يتاح له أن يتنفس، فالهواء كله قد سخر له يودعه سمه فينقله حيث يسعى ~~النسيم، وحيث تجري الريح عاصفة أو رخاء. # ولشجاع الحيات المصرية شهرة ذائعة، وأحاديث شائعة، وذكر قديم، وصوت بعيد، وعهد مصر كما ~~تعرفين بالحيات قديم، ذكرت مع فرعون في الكتب المنزلة، وظهرت مع فرعون في النقوش والآثار، ~~ولكن عهد مصر بالشجعان الإنسية قريب فيما يظهر، وهو على قربه خصب بعيد الأثر، فقد كثرت ~~شجعان الناس في مصر منذ اضطربت السياسة، وتلاحقت الخطوب، ومكر بعض الناس ببعض، وكاد بعض ~~الناس لبعض، وتوشك مصر أن تعرف بشجعان الناس كما عرفت بشجعان الحيات. # قالت السيدة متضاحكة، وكانت أريبة: حسبك فقد روعتني، وأخشى أن تكون قد روعت نفسك، فاذكر ~~أن النبي # صلى الله عليه وسلم # كان يعوذ بالله من أن يتخبطه الشيطان عند الموت، ومن أن يموت في سبيله ~~مدبرا، ومن أن يموت لديغا. # | سمير الليل # لا تكلف نفسك مشقة ولا جهدا، فلن يتاح لك حل هذا اللغز بالمشقة والجهد، ولا بالروية ~~المتصلة والتفكير الطويل، وليس مصدر ذلك أن هذا اللغز عسير الحل، ولا أن الطريق إلى حله ~~ملتوية متشعبة يوشك سالكها أن يجور فيها عن قصد السبيل، بل مصدر ذلك أن هذا اللغز يسير ~~جدا أيسر مما تقدر، وأقرب إلى الحل مما تظن، وإن الطريق إلى فهمه قصيرة مستقيمة لا طول ~~فيها ولا التواء، فأنت ترى صاحبنا أعجوبة من أعاجيب الدهر، وغريبة من غرائب الزمان. تجلس ~~إليه فلا تكاد تسمع منه صوابا ولا تكاد تفهم عنه شيئا، وتتحدث إليه فلا يفهم عنك إلا أيسر ~~ما تقول، ولا يكاد يرد عليك رجع الحديث حتى يأخذك ms055 شيء من العجب؛ لأنك لا تدري أتتحدث إلى ~~عاقل أم تتحدث إلى مجنون. # وأنت تنظر إلى جسمه هذا الذي يمتد عن يمين وشمال، ومن وراء وأمام، ولا يكاد يرتفع في الجو ~~إلا قليلا، ولا يكاد يجد من الناس وكراسيهم ما يسمعه كما يسمع غيره من الناس، فيخيل إليك ~~أن هذا اللحم المتراكب والشحم المتراكم قد ألقى بين نفسه وبين العالم حجبا صفاقا، ~~وأستارا كثافا ... فهي لا تكاد تحس من العالم شيئا، والعالم لا يكاد يبلغها إلا بعد عناء ~~شديد، وأنت تنظر إلى وجهه الضخم الجهم فترى على شفتيه الغليظتين ابتسامة تدل على البلة ~~والغفلة أكثر مما تصور الفطنة والذكاء، وترى أنفا ضئيلا قد كاد يغرق فيما يكتنفه من لحم ~~خديه، وجعل النفس يتردد فيه محتبسا مختنقا يسمع له صوت ثقيل بغيض، وترى جبهة ضيقة ~~بارزة قد انبسط فوقها رأس مفرطح عريض قل فيه الشعر، وأخذ فيه الصلع، وجعلت تبدو من خلاله ~~رقع ضيقة جرداء حتى أنكره، وكره أن يكشف رأسه إلا قليلا. # وترى عينين مغمضتين كأن صاحبهما نائم مغرق في النوم، فإذا أراد أن ينظر إلى شيء أمامه، أو ~~إلى إنسان بين يديه، رفع جفنين متكسرين، ورفعهما في شيء من الجهد، فبدت من دونهما عينان ~~صغيرتان منطفئتان لا تصوران يقظة ولا نشاطا ولا ذكاء، وإنما تصوران نوما وخمولا وغباء ~~شديدا، فإذا استمعت له وهو يتحدث اضطررت أن تجهد أذنيك لينقل عنه الصوت إليك؛ لأنه يتكلم ~~في صوت ليس بالنحيل ولا بالضئيل، ولكنه مع ذلك ليس بالقوي ولا بالمرتفع، وإنما هو صوت وسط ~~بين ذلك مطرد منكسر أشبه شيء بالماء الفاتر يريد أن يجري جريانا سواء، فتعترضه عقبات يسيرة ~~جدا يتغلب عليها، وينشأ عن ذلك فيه تهدج وانحطام بين حين وحين، فمنظره يؤذيك والاستماع له ~~يضنيك، والفهم عنه يشق عليك، والوصول إلى نفسه يرهقك من أمرك عسرا، والحكم الذي تكونه في ~~نفسك حين تقبل عليه أو تنصرف عنه هو أنه غلطة من غلطات الطبيعة، وفلتة من فلتات الدهر، ووهم ~~من أوهام ms056 الظروف . كأنما أريد به إلى أن يكون حيوانا من هذه الحيوانات الضخمة ذات الخلق ~~المرتبك، والشكل الذي لا يروق، ثم عدل به في اللحظة الأخيرة إلى شكل الإنسان فلم يحسن ~~تقويمه، ولم يعتدل قده، ولم يتسق شكله، ولم ينفخ فيه من الروح الإنساني العاقل إلا جزء ~~ضئيل. # كذلك تحكم عليه حين تلقاه، وكذلك تحكم عليه حين تفارقه لولا أنك مضطر إلى أن تنكر هذا ~~الحكم إنكارا، وترفضه رفضا، وتعترف كما اعترف بأن له حظا عظيما من الذكاء والفطنة، ~~وبأنه يدبر أمره في حياته الخاصة والعامة تدبير المستبصرين أولى الذكاء النافذ، والذهن ~~المتوقد، والعقل الذي لا يعبأ بالمشكلات، ولا يرتد عن معضلات الأمور، وأنت حائر كل الحيرة ~~في هذا التناقض بين ما يظهر من شكله ومن عقله، وبين ما يصدر عنه من الأعمال والأقوال التي ~~لا تصدر عن غفلة ولا عن غباء. # ومصدر هذا التناقض الذي تضيق به، وتراه لغزا معضلا، وتريد أن تلتمس له الحل فلا تجد إلى ~~حله سبيلا، أنك لم تعرفه كما أعرفه، ولم تظهر من أمره على ما أظهر عليه. فصاحبنا أعجوبة من ~~غير شك، ولكنها أعجوبة لا تكاد تثبت لمن يعرفه حق معرفته، وسبيل ذلك أن تصحبه يوما كاملا، ~~يوما يأتلف من النهار والليل، فالنهار وحده لا يفسره، والليل وحده لا يجلوه، ولا بد من أن ~~يتعاون هذان الفرسان اللذان يستبقان دائما، ولا يستطيعان أن يجتمعا في مستقر واحد، لا بد ~~من أن يتعاون هذان الفرسان على تفسير غامضه، وتجلية أمره؛ لأنهما قد اقتسما نفسه اقتساما ~~كاملا. # فللنهار منه نصيب لا يعرفه الليل، ولليل منه نصيب لا يبلوه النهار، وآية ذلك أن عين الفجر ~~لم تره قط إلا مغرقا في نوم ثقيل أو غارقا في سكر عميق، وأن عين الضحى المشرق لم تره قط ~~إلا يقظان الجسم نائم النفس، وأن صدر الليل لم يره قط إلا مرحا فرحا خفيفا رشيقا كأنه ~~لا يحمل هذا الجسم الضخم الثقيل، وإنما يحمل جسما قد صور من الهواء، فهو لا ms057 يسكن إلا ~~ليتحرك، ولا يستقر إلا ليضطرب، ولا يسكت إلا ليتكلم، وهو لا يتكلم بهذا الصوت الفاتر ~~المتكسر، وإنما يتكلم بصوت مرتفع عريض يملأ الفضاء، ويسمع من بعيد، وهو لا يجد مشقة ولا ~~جهدا في رفع جفنيه، ولا في التنفس من أنفه الدقيق الضئيل، وابتسامته تلك الغافلة البلهاء ~~تستحيل إلى ابتسامة أخرى فيها كثير جدا من الفطنة، وفيها كثير جدا من الذكاء. # وهو على كل حال ليس نائما إذا جنه الليل، وإنما هو أبعد الناس عن النوم، وأعظمهم حظا ~~من اليقظة، بل قل إنه يقظة كله يقظة لا تنام ولا تنيم، وإنما توقظ الناس من حوله، ولعلها ~~تزعجهم إزعاجا فهو حياة ثائرة فائرة، وهو حركة هائجة مائجة، وهو تفكير متصل لا يعرف ~~الانقطاع، وكلام مسترسل لا يعرف الوقوف. # فله نفسان؛ نفس قد صحبت النهار تنام فيه، وتؤذن الناس بأنها مستيقظة، ونفس قد صحبت الليل، ~~تسهد فيه، وتخيل إلى الذين لا يألفونه أنها نائمة، وكل ما يصدر عنه من الأعمال التي تصور ~~الذكاء، ومن هذه الأقوال التي تصور الفطنة إنما هو من وحي نفسه المستيقظة في الليل، تقدره ~~وتدبره، ثم تهينه وتدخره لنفسه النهارية النائمة، فيصدر عنها كما تصدر الأحلام عن ~~النائمين. # ولم يكن هذا حاله منذ مارس حياة الرجال، وإنما طرأ عليه قليلا قليلا كما تطرأ بعض العلل ~~على بعض المرضى، فقد كان في المدرسة الثانوية وأثناء الدراسة الجامعية في مصر وفي أوروبا ~~فتى كغيره من الفتيان يشارك أترابه في الدرس، ويشاركهم في العبث والمرح، ولكنه يمعن في ~~الدرس أكثر مما كانوا يمعنون، ويبلغ من النجح أكثر مما كانوا يبلغون، فإذا أقبلوا على مرحهم ~~استوفى منه حظا أعظم من حظوظهم، وألح فيه إلحاحا كثيرا ما كانوا ينكرونه عليه، ويلومونه ~~فيه، فلم يكن يلقى لومهم إلا بالسخرية، ولم يكن يستقبل إعراضهم إلا بالازدراء. # وما له لا يفعل ذلك، وإسرافه على نفسه في اللهو لا يقصر به عن إتقان الدرس، والتفوق على ~~أترابه فيه، وما الذي يمنعه أن يعطي نفسه من لذة ms058 العقل أعظم حظ ممكن، وأن يعطي جسمه من لذة ~~الحس أكبر قسط مستطاع، ولماذا ينصف نفسه بما يتيح لها من لذة العلم والمعرفة، ويظلم جسمه ~~بحرمانه لذة العبث والمجون، وكذلك أنشأ لنفسه فلسفة خاصة لاءمت حياته في أوروبا ملاءمة ما، ~~ولكنها لم تلائم حياته في مصر، فللأوضاع الاجتماعية في مصر خصائصها التي تفرض على الناس، ~~ولا سيما حين يشغلون المناصب، ويرضون الرؤساء، ويرقون رقيا سريعا، ألوانا من الوقار، ~~وضروبا من الاحتشام تضطرهم إلى شيء من الجد والحرمان إن كانوا أصحاب عبث ومجون. # ومن أجل ذلك ضاق صاحبنا بالحياة أول الأمر ضيقا شديدا انتهى به إلى سأم شديد، وكاد ~~ينتهي به إلى يأس مظلم، فقد رأى أبواب العلم والمعرفة والدرس والبحث مفتحة له على مصاريعها، ~~ورأى فرص اللهو والعبث نادرة، ووسائلها محدودة، وأبوابهما لا تكاد تفتح إلا قليلا، ولا ~~تكاد تفتح إلا لتغلق، فإذا هم أن يلج منها إلى ما يريد اضطر إلى كثير من الحذر والاحتياط؛ ~~لأن الأوضاع الاجتماعية في ذلك الوقت كانت تفرض الحذر والاحتياط، وقد هم أن يرضي نفسه، ~~ويهمل حسه، وأن يمعن في لذة العلم، ويزهد في لذة الإثم، ولكنه لم يلبث أن آنس من نفسه زهدا ~~في المعرفة، وانصرافا عن الدرس، وفتورا عن البحث والدرس، ونظر فإذا هو يوشك أن يكون ~~موظفا كغيره من الموظفين الذين يضطربون من حوله خاملين لا يضيقون بالخمود والخمول، بل لا ~~يشعرون بالخمود والخمول، وإنما هم راضون عن أنفسهم، وعن حظوظهم، قد اطمأنوا إلى الحياة، ~~واطمأنت إليهم الحياة. # وكان صاحبنا أبعد الناس عن الرضى، وأبغضهم للاطمئنان، وأشدهم طموحا إلى الرقي، وطمعا في ~~الامتياز، فلم يكد يفكر ويقدر حتى استيقن أن فلسفته تلك قد خلقت له، وأنه خلق لها، وأنها ~~وحدها هي التي تستطيع أن تبلغه ما يريد من علو المنزلة، وارتفاع المكانة، وما دام لا يرضى ~~بالقليل، ولا يقنع بما يقنع به عامة الموظفين، ولا يكفيه أن يخطو إلى الامتياز خطوات متئدة ~~معتدلة، وإنما يريد أن يخطف الطريق خطفا، وينهبها نهبا، ms059 ويأتي بما لم تستطعه الأوائل كما ~~يقول أبو العلاء، فلا بد من أن يلجأ إلى فلسفته فيحيا بها، ويحيا لها. # وقد فعل فاعتزل الناس إلا قليلا، جعل يلقاهم في الديوان حين يغدو على عمله في الديوان، ~~وجعل يلقاهم آخر النهار إن اضطرته الظروف إلى أن يلقاهم آخر النهار، ولكنه جعل لا يكاد ~~يستقبل الليل حتى يبتسم لظلمته المظلمة ابتساما مشرقا، ويمد إليه يد الصديق، ويفتح له قلب ~~الخليل، ويتحدث إليه كما يتحدث الحبيب إلى الحبيب. # اتخذ الليل سميرا ونديما، واتخذ الشراب سميرا ونديما، واتخذ الكتاب سميرا ونديما ~~أيضا، فجعل كلما أقبل الليل خلا إليه وإلى كتابه وشرابه ففكر وقرأ وكتب، واحتسى بين ذلك ~~الكأس إثر الكأس، حتى إذا تولى الليل إلا أقله، وكادت توالي نجمه تتغور كما يقول ابن أبي ~~ربيعة، أعرض عن الشراب كارها، وانصرف عن الكتاب محرجا يضطره إلى هذا الانصراف، وذلك ~~الإعراض أنه لا يستطيع أن يمسك الليل، ولا أن يرد النهار، وأن للقراءة والتفكير والشراب ~~أثرا في العقل والجسم جميعا، فلا بد من الراحة بعد التعب، ومن النوم بعد السهاد الطويل، ~~فهو إذن يسعى سعي المقيد في الوحل كما يقول مسلم بن الوليد، حتى يبلغ سريره فيلقي نفسه عليه ~~إلقاء، ويستسلم للنوم استسلاما، وما أكثر ما كان يقبل على السرير والنوم، وهو يبغضهما أشد ~~البغض، ويمقتهما أقبح المقت، ولكن لا بد مما ليس منه بد، على أن النوم لا يلبث أن يطبق عليه ~~إطباقا، ويضمه ضما عنيفا ثقيلا قصيرا أيضا. # فهو يستيقظ قبل أن يرتفع الضحى، ويغدو على عمله كما تعرفه نائما أو كالنائم ممضا في ~~هذا الذهول الغريب، وقد طالت تجربته لهذا النوع من الحياة أو لهذين النوعين المختلفين من ~~الحياة حتى ألفهما إلفا متصلا، وأصبح لا يستطيع أن يحيا إلا كما نراه نحن في النهار، كما ~~يراه الله وقليل من الأخلاء في الليل. # على أن حياته هذه المختلفة لم تلبث إلا قليلا حتى ظهرت آثارها في رأيه، وعمله، وسيرته مع ~~الناس. فهو أذكى من ms060 أن يأمن السكر على آرائه وأعماله وأقواله، فهو من أجل ذلك قد أساء الظن ~~بنفسه فجعل لا يرى رأيا إلا أطال التفكير فيه، والتقليب له قبل أن يعلنه، يتهم فيه ليله ~~هذا السكران، ويخشى أن يدفعه إلى غير الصواب، وهو لا يقدم على عمل إلا بعد التردد المتصل، ~~وبعد الإحجام الطويل، وهو لا يقول قولا إلا بعد أن يزنه كما يزن الصيرفي دنانيره بميزانه ~~الحساس الدقيق، ثم جعل سوء ظنه بنفسه يقوى ويشتد، ويمتد حتى تناول الناس جميعا، وإذا هو لا ~~يصدقك إذا استمع إليك كما أنه لا يطمئن إلى ما تهدي إليه من قول أو عمل؛ لأنه يتهم الناس ~~جميعا فيما يقولون ويعملون، كما يتهم نفسه في كل ما يعمل ويقول، ويريد سوء حظه أو حسن حظه ~~لا أدري أن تبتسم له الأيام، ويستجيب له الحظ فيرقى ويرقى ويسرع إليه الثراء، وإذا هو يشعر ~~كما يشعر غيره من الناس بأنه في حاجة إلى أن يكون لنفسه أسرة، ويؤسس لنفسه بيتا فيتخذ ~~الزوج، ولكنه لا ينعم بالزواج إلا أياما، فقد صرفته زوجه عن ندمائه؛ الليل والشراب ~~والكتاب، صرفته فانصرف أول الأمر، ثم لم يلبث أن أدركه السأم فجعل يرد نفسه إلى ندمائه ~~هؤلاء شيئا فشيئا، وهو كلما رد من نفسه جزءا إلى ندمائه حرم زوجه هذا الجزء من نفسه؛ ~~فسعد هو وشقيت هي، حتى إذا عادت نفسه كلها إلى ندمائه نعم بسعادته الكاملة، وشقيت بحرمانها ~~الكامل، وعاش الزوجان في دار واحدة، ولكن كلا منهما أصبح لصاحبه عدوا يظهر الحب ويضمر ~~البغض. # قلت لصاحبي حين بلغ هذا الموضع من حديثه: أو تظن الأمور تستقيم لهذا الكائن الغريب على ~~هذا النحو الغريب من أنحاء الحياة؟ قال صاحبي: هيهات! وكيف تستقيم الأمور لرجل يسامر ظلمة ~~الليل التي تغشى الأبصار، وظلمة الخمر التي تغشى البصائر، ألم أنبئك بأن حبه لهذه الظلمات ~~قد أفسد عليه حياته الروحية، ودفعه إلى الإسراف في سوء الظن بنفسه وبالناس، ومتى استقامت ~~الأمور لمن يقيم حياته على الإسراف في سوء ms061 الظن بنفسه وبالناس. # | طيف # ألقى كل واحد منهما إلى صاحبه نظرة دهشة واجمة، فيها كثير من هذه الغفلة الحائرة التي ~~تنشأ من المفاجأة، والتي تلم بالآمن المطمئن حين يفجأه من الأمر ما لم يكن ينتظر، بل ما لم ~~يكن يخطر له ببال، وكانت النظرة التي ألقاها كل منهما إلى صاحبه خاطفة أول الأمر، ولكنها ~~عادت فطالت واستقرت شيئا ما، ولزمت مع ذلك صمتا، إن صور شيئا فإنما يصور انعقاد اللسان ~~حين تسيطر الحيرة على العقل فلا يفكر، وعلى القلب فلا يشعر، وعلى اللسان فلا يقول. # وقد لبث كل منهما بإزاء صاحبه ذاهلا غافلا لا يعرف ماذا يصنع، ولا يدري كيف يقول، ولو ~~قد عرض لهما هذا اللقاء المفاجئ لأصابتهما الحيرة وقتا طويلا أو قصيرا، ولتهيأ آخر الأمر ~~إلى مخرج من هذه الحيرة بكلمة تنفرج عنها الشفاه، أو ضحكة تنفغر لها الأفواه، ولكنهما في ~~موقفهما هذا لم يكونا يستطيعان أن يخرجا من حيرتهما الصامتة إلى الضحك أو إلى الكلام، فقد ~~كان بينهما هذا القبر القائم يضطرهما إلى شيء من الوقار لا يملكان معه ضحكا أن أرادا ~~الضحك، ولا كلاما إن أرادا الكلام. # وهما من أجل ذلك قد لبثا صامتين واجمين، يلتمسان مخرجا من هذا الصمت، ومنصرفا عن هذا ~~الوجوم، فلا يجدان إلى شيء من ذلك سبيلا، وقد أخذ كل واحد منهما يحدث نفسه بالانصراف عن ~~هذا القبر، يرى في هذا الانصراف فرجا من هذا الحرج، ومخرجا من هذا الضيق، ولكن كل واحد ~~منهما كان يسأل نفسه أيبدأ هو بالانصراف أم ينتظر حتى يضطر صاحبه إلى أن ينصرف؟ وإنهما لفي ~~هذه الحيرة المتصلة، وإذا خطو يسمع وقعه من بعيد، فيرفعان رأسيهما وينظران من حيث يسمعان، ~~فإذا شخص يقبل بطيئا رزينا متكلفا للوقار، ولا يكاد يدنو منهما حتى يعرفاه كما يعرف كل ~~واحد منهما نفسه، فهو صديقهما الثالث الذي تعود أن يلقاهما حين يقبل المساء من كل يوم، وأن ~~يسمر معهما حيث تعودوا أن يسمروا في ناد من أندية القاهرة أول الليل، وأن ms062 ينصرف معهما إلى ~~حيث تعودوا أن ينصرفوا حين يوشك الليل أن ينتصف، فيلقون في بعض الأندية الخاصة من يلقون من ~~رفاق اللهو، وخلان العبث والمجون، حتى إذا كاد الليل يبلغ ثلثيه أوى ثلاثتهم إلى تلك الدار ~~التي تعودوا أن يأووا إليها في آخر الليل، وقد خلصت نفوسهم حظ اللهو، وصفت ضمائرهم للعبث، ~~وحسن استعدادهم للمجون، أو قل إن شئت: لاستيفاء حظهم من المجون. # هنالك يكون شرب الكئوس الأخيرة، وهنالك تنطلق الألسنة بما تشاء في غير تكلف ولا تحرج، ~~وهنالك ترسل النفوس على سجيتها في غير احتياط ولا تحفظ، وهنالك يخلع الإنسان عن نفسه هذه ~~الخصال المصطنعة التي فرضتها الحضارة على المتحضرين، ويصير إلى حال من الإنسانية المترفة ~~الفاجرة التي تنحط بصاحبها، أو ترتقي بصاحبها لا أدري، إلى حيوانية مترفة لا أدب فيها ولا ~~وقار، حتى إذا انهزم الليل وولى مدبرا، وانتصر الصبح وأقبل ظافرا، انسلوا من هذه الدار لا ~~تكاد أقدامهم تحملهم، ولا تكاد أجسامهم تسع نفوسهم، ولا تكاد ألسنتهم تنطق، ولا تكاد عقولهم ~~تفكر، ولا تكاد قلوبهم تشعر؛ لأنهم قد أسرفوا على أنفسهم في الاستمتاع بإنسانيتهم المهذبة، ~~التي نعمت حتى أفسدها النعيم، وأثرت حتى أطغاها الثراء، وارتقت حتى انحدر بها الارتقاء إلى ~~الدرك الأسفل من الانحطاط، ولا يكادون يبلغون باب الدار متثاقلين متهالكين يسندهم الخدم ~~مكبرين لهم ساخرين منهم حتى يتلقى كل واحد منهم سائق سيارته فيقره على شيء من الجهد في ~~السيارة. يظهر الإكبار له ويضمر الاستهزاء به، ثم يمضي بهذا المتاع الغالي الرخيص حتى ينتهي ~~به إلى داره، وحتى يرد منه إلى أهل الدار شيئا عظيما جدا في أعين الناس حقيرا جدا في ~~عين نفسه، وفي عين أهله، وهو هذه البقية التي تركها الصبا واللهو والخلاعة والمجون. # فإذا تقدم النهار وارتفع الضحى، وزالت الشمس أو كادت تزول، أفاقت هذه البقية البالية من ~~نومها الثقيل الغليظ، وتلقاها عمال الترف أولئك الذين يجددون البالي، ويحسنون القبيح، ~~ويقيمون المتهدم، ويردون الشباب إلى من فارقهم الشباب، وما هي إلا ساعات حتى ms063 تستأنف هذه ~~البقايا البالية حياة جديدة فيها نشاط وقوة، وفيها جمال ونضرة، وفيها شوق مجدد إلى اللهو، ~~وفيها نزوع مستأنف إلى المجون، ولا يكاد النهار يبلغ آخره حتى يخرج من هذه الدور أشخاص فيهم ~~كثير من المرح، وكثير من الفتون، وكثير جدا من الجهل والغرور. # وإذا هؤلاء الأشخاص يلتقون في ناديهم الذي تعودوا أن يلتقوا فيه فتكون الدعابة الفاترة، ~~وتكون الفكاهة الباردة، ويكون المزاح السخيف، ويكون الإقبال الفاتر على العبث الفاتر، وكلما ~~تقدم الليل ازداد النشاط، واشتد المرح، وعظم الخطر من العربدة، وأخذ كل جسم من هذه الأجسام ~~يصير ثوبا قد دخلت فيه نفس جنية طغى عليها الهوى، وجمحت بها الشهوة، واندفع بها حب الإثم ~~إلى غير حد، وإذا هم يستأنفون ليلا كليلهم الماضي، ويستقبلون حياة ناعمة يائسة كحياتهم ~~الماضية، ويعودون إلى دورهم مع الصبح بقايا محطمة لا تريد شيئا، ولا تقدر على شيء، ولا ~~تصلح لشيء حتى يشتمل عليها النوم فيرد إليها شيئا من قوة، ثم يتناولها عمال الترف الذين ~~يرفعون البالي، ويجددون القديم حتى يردوا هذه البقايا البالية أشخاصا قادرة مريدة، ~~ولكنها لا تقدر إلا على الفساد، ولا تريد إلا الإثم والمجون. # ولكنهم في هذه المرة لم يلتقوا في ناديهم ذاك الذي تعودوا أن يلتقوا فيه حين يقبل الليل، ~~وإنما التقوا في مكان لم يكن ينتظر أن يلتقوا فيه، ولا أن يذهب إليه واحد منهم، فليس فيه ~~لهو، وليس هو مظنة للهو، وليس فيه سمر، ولا هو مظنة للسمر، ومتى لها الناس بين القبور، ومتى ~~سمر الناس حول قبر لم تمض على إقامته إلا أسابيع قليلة؟ كيف ذهب هؤلاء النفر إلى هذا المكان ~~الموحش في قلب الصحراء؟ وكيف التقى هؤلاء النفر حول هذا القبر الذي لم تستقر فيه صاحبته إلا ~~منذ أمد قريب؟ هذه هي المسألة التي ألقاها كل واحد منهم على نفسه فوجد الجواب عليها سهلا ~~يسيرا، وهم أن يفكر فيها، ويستقصي التفكير ويتعمقه، لولا أنه لم يخلق للتفكير، ولا ~~للاستقصاء، ولا للتعمق، وإنما خلق للعبث والمجون ms064 الذي يفسد المروءة، ويذهب بنضرة الأجسام ~~والنفوس. # فلم يكد ثالث القوم يرى صاحبيه حتى أخذه ما أخذهما من الدهش، وعراه ما عراهما من الذهول، ~~وغشيه ما غشيهما من الوجوم، ولكنه لم يملك نفسه طويلا، وإنما هم أن يضحك، ثم استحى من ~~الغير فولى مدبرا، وتبعه صاحباه، حتى إذا بعدوا عن هؤلاء القوم اللذين لا تزاور بينهم ولا ~~وصل إلا أن يكون نشور كما يقول أبو نواس، تساءلوا كيف كان سعيهم إلى هذا المكان، ووقوفهم ~~عند هذا القبر، والتقاؤهم على غير ميعاد. # وقد جعل بعضهم يكذب بعضا في شيء من الحيرة المتبلدة أو من التبلد الخائر، ولكنهم تواصفوا ~~ما رأوا، ووازنوا بين ما سمعوا فلم يروا بدا من أن يصدق بعضهم بعضا، ولم يروا بدا من ~~أن يعترفوا بهذا الأمر الغريب العجيب الذي كان خليقا أن يملأ قلوبهم روعا، ونفوسهم هولا، ~~لولا أنهم تعودوا أن يجدوا في الكأس ما يغسل قلوبهم من كل روع، وينفي عن نفوسهم كل ~~هول. # ولست أدري إلام صارت أمورهم جميعا، ولكن أعلم أن أحدهم على أقل تقدير قد أدركه ذهول يشبه ~~الجنون، وغفلة تشبه الخبل، وألمت به علة لست أدري أيثبت لها أم يعجز عن أن يقاومها، ويجد ~~إلى البرء منها سبيلا. # وقد تسألني أنت عن سعيهم إلى هذا المكان الموحش في الصحراء، ووقوفهم عند هذا القبر الذي ~~لم يقم إلا منذ أمد قريب، والتقائهم على غير ميعاد بين هذه القبور حين أخذت الشمس تنحدر إلى ~~مغربها، وتجرر على هذه القبور أشعة شاحبة، إن صورت شيئا فإنما تصور حزنا كأنه كان صدى ~~يردده الجو لهذا البلى الذي كان يعمل جاهدا فيما احتوته هذه القبور. # ولست أكره أن أقص عليك مصدر هذا كله، ولكني أعتقد أنك ستدهش لما أقص إليك من حديث، فأنت ~~وما شئت من الشك، وأنت وما أحببت من الثقة، وإنما الشيء الذي أطمئن إليه أنا كل الاطمئنان، ~~هو أني إنما أحدثك بشيء قد وقع، وأصور لك في هذا الحديث أمرا قد كان، وكل ما ms065 أتمنى هو ألا ~~يعرض لك مثل ما عرض لهؤلاء النفر الثلاثة الذين أفسد عليهم أمرهم ما أغرقوا فيه من عبث ~~ولهو، وما تهالكوا عليه من إثم ومجون. # كان هذا القبر الذي التقوا عنده مستقرا لغانية حسناء رائعة الحسن، بارعة الجمال، فاتنة ~~الظرف، ساحرة الطرف، تعودوا أن يلقوها في تلك الدار التي كانوا يأوون إليها من آخر الليل، ~~ويستنفدون فيها ما بقي لهم من قدرة على المجون والعبث، وكانت تلقاهم لقاء سواء تعدل بينهم ~~فيما تهدي إليهم من ظرفها وخفتها، ومن رشاقتها وأناقتها ولباقتها، ومن هذا التودد الذي يغري ~~ويطمع حتى يخيل إلى المرء أنه مشرف على الغاية، ومنته إلى الأمد، وبالغ ما يريد، ثم هو لا ~~ينتهي به مع ذلك إلا إلى اليأس المهلك، والقنوط الذي يملأ القلوب لوعة وعذابا؛ فكان كل ~~واحد من خلانها يستطيع أن يتمثل قول جميل: # ومنيتي حتى إذا ما ملكتني # بقول يحل العصم سهل الأباطح # تناءيت عني حين لا لي حيلة # وغادرت ما غادرت بين الجوانح # ولكنهم كانوا أجهل جهلا، وأحمق حمقا، وأفرغ أفئدة، وأسخف عقولا، من أن يتمثلوا الشعر ~~أو شيئا يشبه الشعر. إنما كانوا أصحاب لذة غليظة جافية يشقون ليتنعموا، وينعمون ليشقوا، ~~ويألمون ليلذوا، ويلذون ليألموا، دون أن يوازنوا بين شقاء ونعيم، أو بين لذة وألم، قد دفعوا ~~إلى الحياة وما فيها من نعيم وبؤس، فهم مندفعون إلى الحياة لا يفكرون في نعيم ولا بؤس، ~~دفعهم إلى هذه الحياة المنكرة ثراء لم يجدوا في كسبه عناء، وتربية لم تمنحهم أحلاما ~~راجحة، ولا بصائر نافذة، ولا قلوبا قادرة على أن ترتفع عن اللذات المادية الآثمة، ~~والشهوات المندفعة الجامحة. # فكانوا إذا يلقون صاحبتهم تلك فيمن يلقون من خليلات اللهو، ورفيقات العبث والمجون، يجدون ~~في هذا اللقاء حبا وبغضا، ورضى وسخطا، وإنجاحا وإخفاقا، ولكنهم قد اتصلت نفوسهم ~~جميعا بهذه الفتاة اتصالا شديدا، وتعلقت قلوبهم بها تعلقا عنيفا، واشتدت آمالهم فيها، ~~وعظم يأسهم منها حتى أخذ بعضهم ينفس على بعض ما يصدر عنها من لفظ ولحظ وإشارة، ms066 وحتى كاد ~~بعضهم يصبح فيها لبعض عدوا، وهم على ذلك كانوا يجتمعون ويفترقون، لا يزيدهم الاجتماع إلا ~~تنافسا وتباعدا، ولا يزيدهم الافتراق إلا حرصا على التداني وتكلفا باللقاء. # وقد أخذ كل منهم يظن بصاحبه الظنون، يزعم أنها تؤثر فلانا من دونه، ويشتد حقده على فلان، ~~ومكره به، وكيده له، حتى كاد الأمر ينتهي بهم إلى أعظم الشر، ولكن الأيام أراحتهم من هذا ~~العناء المهلك، فردت عنهم هذا الشر المستطير؛ لأنها اختطفت من بينهم هذه الغادة الحسناء في ~~حادثة من هذه الحوادث التي تنقل الناس من الدار الأولى إلى الدار الآخرة في طرفة عين، ~~فاجتمعت قلوبهم على الحزن والثكل، وحزن هؤلاء وأمثالهم لا يتصل ولا يطول، فما هي إلا أيام ~~حتى يستأنفوا حياتهم كما ألفوها عابثة ماجنة، وسخيفة فارغة. # ولكن أحدهم يفيق من نومه مروعا، مفزعا، شديد الذهول فقد رأى طيف هذه الغادة الحسناء يلم ~~به في أثناء نومه الثقيل فيذود عنه النوم، ويرده إلى يقظة شديدة، وإذا هو ينظر فيرى صاحبته ~~كما تعود أن يراها فاتنة ساحرة تدنو منه، وتتلطف له، وتتودد إليه، وتقول له في صوتها العذب ~~الذي يسحر القلوب: ما كنت أحسب أنك ستتركني حيث أنا وحيدة مستوحشة لا تهدي إلى زيارة، ولا ~~تحدث بي عهدا، ما أسرع ما نسيتني، وإني على ذلك لم أنسك، ولا يمكن أن أنساك، ألمم بداري ~~قبل أن يقبل الليل، ثم تنصرف عنه، وينظر فلا يرى شيئا، ويتسمع فلا يسمع شيئا، وينهض ~~فيستأنف حياته كما تعود أن يستأنفها كل يوم لا يلقي بالا إلى ما رأى، ولا يلقي بالا إلى ~~ما سمع، فإذا كان الغد جاء الطيف كما جاء أمس، وتحدث إليه بمثل ما تحدث به أمس. # وقد تكررت هذه الزيارة مرة ومرة حتى لم يشك في أن من الحق عليه أن يلم بهذا القبر، وأن ~~يهدي إليه تحيته في طاقة من الزهر، وقد فعل، فلم يكد يبلغ القبر حتى رأى صاحبه، ولم يكد ~~يقوم على القبر مع صاحبه حتى أقبل صاحبهما الثالث. ms067 فلما انصرفوا عن القبر قص أحدهم على ~~صاحبه ما رأى وما سمع، فإذا كل واحد منهما قد رأى مثل ما رأى، وسمع مثل ما سمع، وأبطأ مثل ~~ما أبطأ، ثم أقبل على القبر كما أقبل عليه يحمل إليه التحية وطاقة من الزهر. # أتراها أرادت أن تستبقي بينهم المنافسة والخصام بعد موتها، وأن تضطرهم إلى أن يحفظوا لها ~~من الود مثل ما كانوا يظهرون لها قبل أن يموت؟ أم تراها أضغاث أحلام قد عبثت بنفوس هؤلاء ~~النفر الثلاثة، ولكن كيف يتفق أن يلم الطيف بهم في يوم واحد، ويتراءى لهم في صورة واحدة، ~~ويلقي إليهم حديثا واحدا أو يضرب لهم موعدا واحدا. # قلت لصاحبي حين انتهى من حديثه إلى هذه الأسئلة لا أدري، ولا أستطيع أن أفتح عليك، فسل من ~~شئت من الجامعيين الذين يدرسون دقائق علم النفس فلعلك تجد عندهم غناء. # | أم خفيف # لا تخدعي عنه يا سيدتي أنك ترينه مكينا ركينا، ورزينا رصينا يسعى هادئا إذا سعى، ~~ويمشي مطمئنا إذا مشى، ولكنك لم تريه حين يأخذه المرح، ويستخفه النشاط إذا خرج للرياضة في ~~الصحراء مصبحا أو ممسيا، ولو قد رأيته إذ ذاك لعلمت أنه يحسن الجري، ويجيد العدو، ويتقن ~~الوثوب في الهواء، والتلوي في الفضاء. ولخيل إليك أن جسمه الضخم العريض القوي المتين لم ~~يركب كما ركبت أجسام الناس، وإنما وصلت أجزاؤه بلوالب تمتد إن أراد لها امتدادا، أو تنقبض ~~إن أراد لها انقباضا، وأنك ترينه معتدل الحركة مقتصدا فيها، إن حرك رأسه كأنما شد عنقه من ~~بين كتفيه بأمراس الكتان إلى صم الجندل كما يقول الشاعر القديم؛ بل هو أقدر على أكثر من ذلك ~~فهو مالك لأجزاء وجهه، يحرك منها ما يشاء حين يشاء، ويسكن منها ما يشاء حين يشاء، ويحركها ~~كلها أحيانا، إذا أراد أن يسحر ويبهر أو أن يرهب ويخيف، ولو رأيته حين يستخفه الطرب ~~ويستهويه نعيم الحياة لرأيت رجلا لا يملك من أمر نفسه شيئا، وإنما هو حركة متصلة مضطربة، ~~لا حظ لها من وقار، ms068 ولا نصيب لها من اعتدال، كأنما فقدت هذه القوة الإرادية التي تحرك ~~الأجسام بمقدار، وتسكنها بمقدار، وتلائم بين عواطف القلب، وحركات الجسم ملاءمة الذين لا ~~تتسلط عليهم الغرائز، وإنما تدبر أمرهم العقول. # وإنك تسمعينه يتحدث فإذا صوت هادئ متزن، ولفظ مطمئن متئد، وحكم يظهر فيه القصد، وتشيع فيه ~~الاستقامة، ويأخذه الاعتدال من جميع أقطاره، ولو قد سمعته حين يثيره الغضب، أو حين يزدهيه ~~الخوف، أو حين يغلبه الرضى على أمره، لعرفت كيف يرتفع الصوت حتى يصم الآذان، وكيف يضطرب ~~اللفظ حتى لا يستقيم تأليفه على نحو من أنحاء الكلام المألوف، وكيف يختلط الحكم حتى لا ~~تدركه العقول، ولا تسيغه القلوب، وإنك ترين عليه زينة تأخذ الأبصار، وشارة تستهوي ~~العقول. # ولو رأيته حين يتخفف ولا يتكلف، لرأيت الإهمال الذي تقتحمه العيون، والابتذال الذي تزور ~~عنه النفوس، وإنما هي حياة الناس يا سيدتي تقوم على التكلف أكثر مما تقوم على الإسماح، ~~وتجري على الرياء أكثر مما تجري على الإخلاص، وتمضي على الكذب أكثر مما تمضي على الصدق، ~~وتعطي من الناس صورا ليس بينها وبين حقائقهم سبب، وتردد من أصوات الناس أصداء ليس بينها ~~وبين حقائقهم سبب، وتردد من أصوات أصداء ليس بينها وبين نفوسهم صلة، قد جرى فيها الخداع كما ~~يجري الماء في الغصن الرطب، وسرى فيها النفاق كما تسري النار في الحطب الجزل، إنك ترينه يا ~~سيدتي يذهب ويجيء فترضين؛ لأنه إنما يذهب ويجيء في ثوبين خلع أحدهما على نفسه، وخلع الآخر ~~منهما على جسمه، وهو كغيره من الناس يلبس هذين الثوبين حين يريد أن يفارق نفسه للقاء ~~نظرائه، ويخلع هذين الثوبين حين يريد أن يفارق نظراءه ليخلو لنفسه، وصدقيني يا سيدتي إني لم ~~أخطئ حين شبهته منذ حين بالأوزة التي تعبث في مجتمع من الماء، إنك ترينها من بعيد فيعجبك ~~منظرها تطفو على الماء وقد بسطت جناحيها في الماء مقبلة مدبرة، وخافية ظاهرة، وارتفاعها في ~~الجو طائرة مقاربة في الطيران تخفق بجناحيها خفقا لا يخلو من ظرف، وتبعث صيحات تؤذي ms069 الأذن ، ~~ولكنها لا تخلو من فرح ومرح، وقد يروقك شكلها حين تطفو على الماء، وقد بسطت جناحيها، ورفعت ~~عنقها الطويل برأسها الخفيف، وعرضت للضوء والهواء صدرها الجميل. كل هذا يعجبك ويخلبك، وقد ~~يروعك ويروقك فتسعين إلى مجتمع الماء هادئة مطمئنة، تودين لو استطعت أن تبلغي الشاطئ، ~~وتقفي من الأوزة غير بعيد، وتديري بينك وبينها بعض الحديث، ولكنك لا تلبثين أن تذكري أن ~~حماقة الأوز قد ضربت بها الأمثال منذ العصور القديمة في غير أمة من الأمم، وفي غير لغة من ~~اللغات، وإذا أنت تلقين على الأوزة الجميلة نظرة طويلة فيها كثير من حزن، وفيها كثير من ~~إشفاق، وفيها كثير من ازدراء؛ لأن طبيعتنا تنبو عن هذا التناقض بين الظواهر التي تخيل أشياء ~~كثيرة والدخائل التي لا تحقق شيئا، وليس على صاحبنا بأس من أن يشبه الأوزة في شكله وعقله؛ ~~لأنه لم يخلق نفسه، ولم يلائم بين هذا الجسم الثقيل، والعقل الخفيف، وإنما هي حكمة الله ~~التي نفهم أيسرها أحيانا، ونعجز عن فهم أعظمها في أكثر الأحيان. # وقد عرفت صاحبنا معرفة دقيقة متصلة منذ أيام الطفولة والصبى، وفي أيام الشباب والكهولة، ~~واستطعت أن أقطع بأن كل شيء من حوله كان يهيئه ليكون أوزة ناطقة؛ فقد نشأ في أسرة موسرة من ~~أسر الريف، وكان عطف أبويه عليه شديدا، فقد كانا يرفقان به مصبحا وممسيا، ويتعهدانه ~~بالعطف واللطف آناء النهار، وزلفا من الليل، وكانت أمه ترأمه، وتعطف عليه عطفا خاصا كما ~~تعرف الأم الجاهلة الغافلة كيف ترأم ابنها وتعطف عليه. # وكان أخص مظاهر حبها له وبرها به عنايتها بطعامه؛ فقد كانت تصبحه بخير ما يصبح به أبناء ~~الموسرين في القرى من هذه الألوان التي تلذ الأفواه، وتملأ البطلون، وتشيع في الأجسام ~~ضخامة وغلظا، ثم كان لا يعود إليها من لعبه أو من كتابه أو من مدرسته إلا وجد عندها ~~طعاما تلقيه في فمه أو تدسه في جيبه أو تضعه في يده، فنشأ شرها متهالكا على الطعام، وأنفق ~~صباه وشبابه يعلف في أسرته كما ms070 يعلف الأوز في تلك البيئات التي تتخذ تنمية الأوز تجارة ~~ومكسبا. # وبمقدار ما كانت أسرته تعني بجسمه فتسرف عليه في المطعم، وتتأنق له في الملبس كانت هذه ~~الأسرة ترفق به أشد الرفق فيما يتصل بالدرس من قريب أو بعيد فلم تكن تشق عليه في الملاحظة ~~إذا عاد من المدرسة، ولعلها كانت تضطره إلى الإعراض عن القراءة والمذاكرة؛ فقد كانت تخاف ~~عليه من أيسر الجهد، وتكره له الانحناء على الكتاب، وتشفق على عينيه من ضوء المصباح، ~~وكثيرا ما تقدم أبوه إلى معلمه في الكتاب وإلى أساتذته في المدرسة في ألا يكلفوه من الدرس ~~شططا؛ فهو لا يهيأ ليتخذ من العلم صناعة، ولا من المدرسة وسيلة إلى كسب الحياة، وإنما هو ~~يذهب إلى المدرسة كما يذهب إليها أترابه من أبناء الأسر؛ ليتعلم فيها ما يرتفع به عن الجهل، ~~وما يميزه من أهل القرية التي يعيش فيها، ولكن الصبي كان يحب أن يتعلم لا رغبة في العلم أو ~~حرصا عليه، ولكن عنادا لأبويه هذين اللذين كانا يقتران عليه في الدرس، ويسرفان عليه في ~~الطعام والشراب؛ فقد سار الصبي في درسه سيرا قصيرا فلم يكن متفوقا، ولم يكن شديد الغباء، ~~وإنما كان شيئا بين ذلك حتى إذا أتم دراسته الثانوية رأى الحكومة تختار المتفوقين من ~~أترابه فترسلهم إلى أوروبا ليتموا الدرس، ويعودوا بعد ذلك ليشغلوا مناصب الدولة، ويختلفوا ~~إلى المكاتب في الدواوين، ورأى بعض الأسر الغنية ترسل المقصرين من أبنائها عن نيل الشهادات ~~المصرية إلى أوروبا؛ لينالوا الشهادات الأوروبية، ونظر فإذا أترابه الذين كانوا يتفوقون ~~عليه، والذين كانوا لا يبلغون منزلته يسافرون إلى أوروبا. فلم لا يسافر كما يسافرون، ولم لا ~~يعبر البحر كما يعبرونه؟ وليسوا أكثر منه مالا، ولا أبرع منه جمالا، ولا أحسن منه شارة، ~~ولا أجمل منه زيا، ولا أرقى منه ذوقا في اختيار أدوات الزينة التي يتجمل بها الشبان ~~المترفون، ثم هو يلوي لسانه بالرطانة الأجنبية كما يلوون بها ألسنتهم، ثم هو يحسن التصرف في ~~أشياء لا يحسنون التصرف فيها، ms071 وإذن فلم يتاح لهم السفر ويقضى عليه أن يكون من ~~المتخلفين؟ # ولم يجد مشقة في أن يظفر من أسرته بالإذن له في هذا السفر الطويل. فقد مانعت الأم وبكت ~~وشكت، ولكن الأب أجاب ابنه إلى ما أراد راضيا عنه، مغتبطا به، فقد كان يحب ابنه أشد الحب، ~~ويعجب به أشد الإعجاب، ويرى في سفره إلى بلاد الإنجليز فخرا أي فخر وامتيازا أي امتياز، ~~وقد ذهب الفتى إلى بلاد الإنجليز، وأقام فيها ما شاء الله أن يقيم، وعاد منها لم يتعلم ~~شيئا إلا التأنق والتحذق والبراعة في لي اللسان حين يتكلم الإنجليزية والعربية جميعا، ~~والافتنان في ارتضاع البيبة كما يرتضع الطفل ثدي أمه. # عاد من بلاد الإنجليز لم يتعلم غير هذا شيئا، وهو واثق مع ذلك أنه قد تعلم كل شيء، وقد ~~أتيح له من ظروف الحياة المصرية، ومن جاه أبيه ما وصل أسبابه بأسباب الحكومة. فعمل في ~~ديوانه مترفا أشد الترف، فارغا أشد الفراغ، مشغولا بصغائر الأمور مصروفا عن ~~عظائمها. # ثم كانت الحركة الوطنية، واضطراب السياسة، واختصام الأحزاب، وانقسام الناس بين هذه ~~الأحزاب مؤيدين ومعارضين ومنتفعين من المعارضة والتأييد، ومنذ ذلك الوقت تولت الظروف ~~الارتقاء بصاحبنا من منصب إلى منصب، ومن منزلة إلى منزلة، حتى هيئ له من المكانة ما تعلمين، ~~وأغرب شيء فيه ما ترين من اجترائه على التحدث في كل شيء والعجز عن أن يقول شيئا، ومن ~~براعته في النزول بعظائم الأمور وجسام الشئون إلى حيث تصبح ضئيلة يسيرة مبتذلة، يرتفع عن ~~الحديث فيها من أتاح الله له حظا من معرفة أو نصيبا من امتياز، وهو على ذلك منتفخ منتفش، ~~يرى نفسه عظيما، ويراه كثير من الناس عظيما، فإذا حققناه لم نجد وراء هذه العظمة شيئا؛ ~~لأنها عظمة منحولة مدخولة لا تعتمد على شيء من شخص صاحبها بقدر ما تعتمد على الباطل ~~والغرور، وقد تسألين كيف ارتقت به هذه العظمة الكاذبة من درجة إلى درجة، ومن مكانة إلى ~~مكانة، ولكني أرجو أن تكوني أقل سذاجة من هذا يا ms072 سيدتي ، فليس ينبغي أن تسألي عن الضعفاء ~~والعاجزين كيف يرتفعون، فذلك ملائم لطبيعة الأشياء، وإنما ينبغي أن تسألي عن الأكفاء كيف ~~يثبتون في مواضعهم، وكيف يتاح لبعضهم أن يرقى إلى شيء من امتياز المنصب وارتفاع المكانة، ~~فذلك هو المخالف لطبيعة الأشياء، المباين لمنطق الدنيا، كما يقول كاتب أديب من ~~أصدقائنا. # والشيء المحقق هو أني لم أر صاحبنا قط مقدما على شيء أو محجبا عن شيء، أو مجادلا لخصم ~~أو مناظرا لصديق إلا هممت أن أقول له ما قال ابن شهيد لأوزته تلك الأندلسية في تلك القصة ~~الظريفة التي جرت بينه وبين حمير الجن وبغالها: # يا أم خفيف، بالذي جعل غذاءك ماء، وحشا رأسك هواء، ألا أيما أفضل: الأدب أم ~~العقل؟ قالت: بل العقل، قال ابن شهيد: هل تعرفين في الخلائق أحمق من أوزة، ودعيني ~~من مثلهم في الحبارى؟ قالت: لا، قال ابن شهيد: فتطلبي عقل التجربة؛ إذ لا سبيل لك ~~إلى عقل الطبيعة، فإذا أحرزت منه نصيبا، وبؤت منه بحظ، فحينئذ ناظري في ~~الأدب. # قالت السيدة متضاحكة: ليكن صاحبنا أوزة أو دجاجة أو ما شئت من ذوات الأجنحة والريش، ولكن ~~حدثني عن هذا البدع الذي أخذت فيه منذ حين، فقد جعلت لا أسألك عن أحد إلا ضربت له من ~~الحيوان مثلا. قلت: وأي بدع في ذلك يا سيدتي؟ إنما هو فن قديم من فنون الأدب، أليس العرب ~~قد شبهوا الإنسان بالحيوان منذ أول الدهر! أليس الله - عز وجل - قد شبه بعض الناس بالكلب ~~الذي إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث؟ أليس الله - عز وجل - قد ضرب الحمار الذي تحمل عليه ~~الأسفار مثلا للذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها؟ أولست قد حدثتك آنفا بقصة ابن شهيد مع ~~أوزته تلك الأندلسية حين حاورها في روضة من رياض الجن بمحضر من زهير بن نمير، وبمشهد من ~~الحمير والبغال التي كانت تنشده أشعارها؟ فما تنكرين من ذلك، والله لم يخلق الأشياء عبثا، ~~وإنما جعل فيها لنا منافع، ودعانا إلى أن نعتبر بكل ما ms073 خلق من الحي والميت، وأن نلتمس فيه ~~الموعظة التي تبصر القلوب، والحكمة التي تهدي العقول. # قالت السيدة، وقد ثابت إلى الجد، وكانت أدبية أريبة تحفظ الحديث، وتقرأ القرآن: هذا حق، ~~واقرأ إن شئت قول الله - عز وجل - في سورة النحل: # والأنعام ~~خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون * ~~ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون * ~~وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق ~~الأنفس إن ربكم لرءوف رحيم * والخيل ~~والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون ~~* وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء ~~لهداكم أجمعين ~~. # | الغانيات # - من أين أقبلت يا ابنتي؟ ~~- من حيث لا تبلغ الظنون ... ~~- ماذا تريدين يا ابنتي؟ ~~- أريد ما لا تقدرون ... ~~- كيف تقولين يا ابنتي ... ~~- أقول ما لا تصدقون! ~~- أسرفت في الرمز يا ابنتي. ~~- بل ما لكم كيف تحكمون! # وينظر الشيخ حوله فلا يرى من يحاوره، وينكر الشيخ نفسه لولا شكوك تساوره، فقد رأى شخصها ~~الجميل، تظله هذه الغصون، ولم يزل صوتها الضئيل، يثير في نفسه الشجون، وكانت الشمس قد تولت ~~كالأمل الخائب الكذوب، وظلمة الليل قد أظلت، كاليأس إذ يغمر القلوب. # وقد لبث الشيخ مكانه قائما واجما، يرفع رأسه إلى السماء حينا، ويخفض رأسه إلى الأرض ~~حينا آخر، ويقلب طرفه في الفضاء بين ذلك، يلتمس هذه الفتاة الأنيقة الرشيقة ذات الوجه ~~النضر والقد المعتدل، هذه التي بدت له رائعة بارعة على أنها لم تتخذ زينة ولا حليا، ولم ~~تتخذ من الثياب ما تعودت الفتيات الحسان اتخاذه، وإنما بدت له ساحرة باهرة تحيط بها هالة ~~من الفتنة الفاتنة، على ما كان يستر جسمها الغض البض من ثوب هو إلى السذاجة القروية أدنى ~~منه إلى تكلف المدن، وهو إلى البلى أدنى منه إلى الجدة. # فلما رآها أنكرها، ثم دار بينه وبينها هذا الحوار الذي ابتدئ به هذا الحديث، والذي لم ~~يفهم منه شيئا، والذي كان يريد أن يمضي فيه حتى يعلم من الفتاة علمها، ويظهر على جلية ~~أمرها، ولكنه ينظر فلا يراها، ويدعو فلا يسمعها، ms074 ويبحث فلا يجدها، فيلبث في مكانه حائرا ~~مرتاعا يكاد يكذب عينه فيما رأت، وأذنه فيما سمعت لولا أن صورتها تلح على نفسه فتملؤها ~~جمالا وسحرا، ولولا أن صوتها يلح على قلبه فيشيع فيه طربا حزينا. # وقد طال وقوف الشيخ، وطالت حيرته، وأخذت الظلمة تغمر الأشياء من حوله، وكان خليقا أن ~~ينسى نفسه في موقفه هذا الغريب، لولا أنه سمع ذلك الصوت الضئيل العذب يقول له: أسرع أيها ~~الشيخ إلى صلاتك فقد أوشكت أن تفوتك، وأوشك المؤذن أن يدعو إلى العشاء الثانية. لا تبحث عني ~~فلن تراني من ليلتك هذه. # ولم يكد الشيخ يسمع هذا الصوت حتى ثاب إلى نفسه، وثابت نفسه إليه، وذكر أنه قطع حديثه مع ~~الباشا فجأة، وانصرف عنه عجلا؛ ليشهد صلاة المغرب والعشاء مع جماعة الناس كما تعود أن ~~يشهدها في مسجد القرية الذي يقوم في طرف من أطرافها غير بعيد من القصر، وإنه ليسعى في طريقه ~~إلى المسجد، وإذا هذه الفتاة تتراءى له من بين هذه الشجرات التي تقوم عند آخر الحديقة، وتمد ~~أغصانها متكاثفة مختلطة، كأنها تريد أن تتخذ منها للقصر ستارا جميلا صفيقا، وقد أسرع ~~الشيخ إلى صلاته، وهو يحدث نفسه بأنه سيؤديها منفردا، وسيؤدي العشاء الثانية مع جماعة ~~الناس، ولكن الصوت الجميل الضئيل كان يتبعه قائلا له لا تذكرني لأحد، ولا تتحدث عني إلى ~~أحد، فإنك إن فعلت لم تجن من ذلك إلا شرا، ولا يستطيع الشيخ أن ينكر أن ظهور هذه الفتاة ~~له، واحتجابها عنه، وتحدثها إليه، وتشييعها له، كل ذلك قد ملأ قلبه فرقا، لم يسكت عنه إلا ~~حين دخل المسجد، واستقبل القبلة مقيما للصلاة، ولو أطاع الشيخ نفسه لتحدث إلى أصحابه بعد ~~أن فرغوا من صلاة العشاء الآخرة بما رأى وما سمع، ولكنه كان كلما هم بذلك أو بشيء منه رد ~~نفسه عنه ردا عنيفا مخافة أن يظن الناس به الظنون من جهة، ومخافة هذا النذير الذي ألقته ~~الفتاة إليه من جهة أخرى. # وقد راح الشيخ إلى أهله حين تقدم ms075 الليل ، وكانت نفسه تنازعه أن يتحدث إليهم ببعض ما رأى ~~وما سمع، ولكنه ردها إلى الحزم، وحملها على الصمت، مخافة أن يظن أهله به الظنون، وأن يتحقق ~~هذا النذير الذي ألقته إليه الفتاة فاستقبل الليل كارها لهدوئه، وطلب النوم جاهدا فلم ~~يظفر به إلا بعد انتظار طويل، ولم ينعم به بريئا من الأحلام المزعجة والأطياف المروعة، ولم ~~يعرف الهدوء إلا حين استقبل النهار المشرق، واضطرب مع أهل القرية فيما تعود أن يضطرب معهم ~~فيه من شئون الحياة. # ولم يزر الباشا من يومه ذاك، كأنه قدر أن هذه الفتاة ستعرض له بين تلك الشجرات مستظلة ~~بتلك الغصون المتكاثفة في طرف الحديقة مما يلي القرية، وقد شهد صلاة العشاءين مع أصحابه، ~~واستقبل ليلة هادئة، واستقبل نهارا مشرقا هادئا، حتى إذا ارتفع الضحى، سعى إلى القصر ~~يريد أن يزور الباشا في النهار الواضح المبصر، لا في الأصيل الشاحب الذي يسعى إلى الإظلام ~~أو يسعى إليه الإظلام، والذي تعرض فيه الفتيات الحسان في ظل الأغصان، ولكنه رأى الباشا ~~مكتئبا مفرق النفس، كأن أمرا ذا بال يهمه، ويصرفه عن إدارة الحديث مع جلسائه كما تعود أن ~~يدير الأحاديث في لباقته ورشاقته وذكائه الحاد، وكان الشيخ أثيرا عند الباشا، محببا إلى ~~نفسه، مشيرا عليه فيما يعرض له من الأمر، فلما رأى اكتئابه وابتئاس نفسه، أطال المقام ولم ~~ينصرف مع الناس حين انصرفوا، وإنما استأنى وتريث، حتى إذا خلا له وجه الباشا سأله مترفقا ~~به عن هذا الأمر العارض الذي أهمه، واضطره إلى ما هو فيه من هذا الحزن الكئيب. # قال الباشا، وعلى ثغره ابتسامة شاحبة، وفي صوته تكسر حزين: ما أدري أأحدثك بهذا الحديث أم ~~أطويه عنك، فإني أنكره أشد الإنكار، وأكاد أخفيه على نفسي أشد الإخفاء، وقد هممت أن أسافر ~~إلى القاهرة لأرى الطبيب، ثم بدا لي فدعوت الطبيب إلى زيارتي، وإلى أن ينفق معي يومه إذا ~~كان الغد، والأمد بيننا وبين القاهرة غير بعيد، واليوم يوم الخميس، فليس على الطبيب بأس أن ~~ينفق معنا ms076 يومه غدا. # قال الشيخ: فإني لم أفهم عنك، ولم أتبين هذه الصلة الغريبة بين ما يظهر عليك من حزن، وبين ~~دعوتك للطبيب إلى أن ينفق معك ساعات من نهار. # قال الباشا: ألم أقل لك إني أنكر نفسي، وأخشى أن يكون قد ألم بي بعض العلة، فقد رأيت أمس ~~ما روعني، وسمعت أمس ما أخافني، وإني لأستحيي من نفسي حين أفكر فيما سمعت وما رأيت، وإني ~~لأستحيي منك أن أحدثك بما سمعت وما رأيت. # قال الشيخ، وهو مهتم يتكلف الابتسام، وصوته مضطرب يتكلف الثبات: ماذا سمعت، وماذا رأيت؟ ~~قال الباشا في صوت يكاد يبين عن الجزع: سمعت صوتا لم أسمع قط أعذب منه ... ورأيت شخصا لم أر ~~قط أجمل منه، ثم انقطع عني الصوت، واحتجب عني الشخص، وترك في نفسي ما ترى من حزن واكتئاب، ~~وقد ذكر الشيخ ما رأى، وذكر ما سمع، وهم أن يتحدث إلى الباشا بمثل ما تحدث به الباشا إليه، ~~ولكنه خاف النذير فآثر الصمت، ومضى الباشا في حديثه فقال: كان ذلك حين آذنت الشمس بالغروب، ~~وحين أخذت ظلمة الليل تغزو الفضاء، وقد كنت أسعى في هذه الحديقة فما راعني إلا فتاة بارعة ~~الجمال، رائعة القوام، تنظر إلي بطرف نافذ كأنه السهم ... فأسألها من هي، ومن أين أقبلت! وإلى ~~أين تريد، وماذا تبتغي! فلا أسمع منها إلا أجوبة غامضة لا أفهم منها شيئا، فهي مقبلة من ~~حيث لا أظن، وقاصدة إلى حيث لا أقدر، ومريدة ما لا أستطيع، وقائلة ما لا أفهم، وأريد أن ~~أستوضحها، وإذا شخصها يستخفي مني، وإذا صوتها ينأى عني شيئا فشيئا، وهو يقول لا بد مما ~~ليس منه بد، خير لك أن تقدم على الأمر طائعا راضيا من أن تقدم عليه كارها مضطرا، وقد ~~سمعت هذه الكلمات الأخيرة يلقيها إلي صوت غريب كأنه الصدى. # ولم يشك الشيخ حين سمع حديث الباشا في أن صاحبته تلك التي عرضت له في طرف من أطراف ~~الحديقة هي التي عرضت لصاحب القصر، وهي التي تحدثت إليه، ولكنه ms077 على ذلك لم يفض إلى الباشا ~~بذات نفسه، وإنما قال له متضاحكا: لو علمت أنك تسمع لي لطلبت إليك أن تفعل كما أفعل، وأن ~~تقرأ أجزاء من القرآن في كل يوم تذكر الله بتلاوتها، فإن ذكر الله يملأ القلوب أمنا ~~واطمئنانا، ويرد عن النفوس ما يروعها ويؤذيها من الخوف والريب، وقد أحسنت إذ دعوت الطبيب، ~~وما أرى إلا أن مقدمه سينفعني فسأستشيره في بعض ما أجد من الضعف، وإن كنت لا أنتظر منه ~~خيرا كثيرا، فإن هذا الضعف الذي أجده لا دواء له؛ لأنه ضعف الشيخوخة والهرم. # وتنقل الرجلان في أحاديث كثيرة مختلفة أشد الاختلاف يسلي كل منهما بهذا التنقل نفسه ~~وصاحبه عن هذه الصورة الملحة، وهذا الصوت المتصل، وهذا النذير الغامض الغريب. # وقد حرص الشيخ على أن ينصرف عن القصر قبل أن تصلى العصر حتى لا يرى ذلك الشخص، ولا يسمع ~~ذلك الصوت، ولكنه يقبل إلى المسجد حين يدعو المؤذن إلى صلاة المغرب، ولا يكاد يبلغ الباب ~~حتى رأى شخصين غريبين قد قام كل واحد منهما على جانب من جانبيه، وينظر الشيخ في شيء من ~~الروع إلى أحد هذين الشخصين، فلا يشك في أنه يرى الفتاة التي رآها في طرف من أطراف الحديقة، ~~وينظر إلى الشخص الآخر فإذا هو صورة مطابقة للشخص الأول كأنما كل واحد من هذين الشخصين ~~تمثال لصاحبه يطابقه أشد المطابقة، ويصوره أدق التصوير، ويرى الشيخ على ثغر كل من هذين ~~الشخصين ابتسامة حازمة صارمة، ولكن فيها عذوبة تنفذ إلى قلبه فتملؤه أمنا وروحا، وقد ~~رفع الشيخ صوته حين رأى هذين الشخصين بتلاوة ما تيسر من القرآن، ولكنه يسمع الصوتين يتلوان ~~معه ما كان يتلو، ويجد تلك العذوبة التي وجدها حين كانت الفتاة تتحدث إليه، وتحاوره في ظل ~~تلك الغصون، فيسرع إلى المسجد مخافة الفتنة، وينغمس في جماعة الناس، وقد أشفق على نفسه من ~~شر عظيم. # ولست في حاجة إلى أن أصور ما ملأ قلب الشيخ من روع وروعة، ومن خوف وأمن، ومن يأس ورجاء؛ ~~فقد ms078 كان يحب أن يرى هذه الصورة، ويشفق من رؤيتها، وقد كان يرجو أن يسمع هذا الصوت ويخاف من ~~سماعه، وقد جعل يحيا حياة مضطربة بين هذه العواطف المتناقضة. # وأقبل الطبيب فسمع من الباشا، وتحدث إليه، وامتحنه، ولكنه لم يغن عنه شيئا، وما كان ~~الطبيب ليغني عنهما ولا عن غيرهما شيئا، فما هي إلا أيام حتى كثر هذا الشخص أو كثرت صور ~~هذا الشخص في القرية، وجعل كل واحد من أهل القرية يراه حين يغدو إلى عمله مع الفجر، وحين ~~يروح إلى أهله مع الأصيل، وجعل كل واحد من أهل القرية يسمع منه، ويتحدث إليه مصبحا، ~~وممسيا. يرتاع لمنظره وصوته أول الأمر، ثم يألف منظره ويطمئن إلى صوته، ويشتاق إلى أن يراه ~~بين الفجر والأصيل، ويشتاق إلى أن يسمعه في كل ساعة من ساعات الليل والنهار. # وقد جعل أهل القرية يتحدثون إذا التقوا عن هؤلاء الفتيات الحسان اللاتي يعرضن لهم في ~~الغلس حين يطلق النهار سهمه المضيء فيشق به ظلمات الليل، وفي الأصيل حين يطلق الليل سهمه ~~المظلم فيبدد به ضوء النهار، وجعل أهل القرية يتحدثون عن هؤلاء الفتيات الحسان المطمعات ~~المغريات اللاتي يبدون لهم، ويدنون منهم، ويدعونهم إليهن في شيء من الفتنة، ولكنها فتنة ~~نقية لا إثم فيها ولا حرج، ولا لوم فيها ولا تثريب. # وجعل أهل القرية يسألون الشيخ عن هذا الحديث الغريب الذي ألم بقريتهم منذ حين، فغير حياة ~~الناس فيها تغيرا شديدا، وأثار في قلوبهم آمالا لا حد لها، ويأسا لا حد له، وغير رأي ~~بعضهم في بعض، وغير رأيهم جميعا في الباشا هذا الذي كانوا يؤمنون له، ويذعنون لسلطانه، ~~ويرون طاعته عليهم حقا، ويرون أنهم ملك له كما أن أرضه ملك له ... إلا أنهم يحيون والأرض لا ~~تحيا، ويرون أنهم ملك له كما أن ماشيته ملك له، إلا أنهم يعقلون وينطقون والماشية لا تعقل ~~ولا تنطق، تغير رأيهم هذا في الباشا فأصبحوا يرونه واحدا منهم، لا يمتاز من بينهم بشيء، ~~فهو رجل من الرجال يذهب ويجيء، ms079 ويأكل الطعام، ويمشي في الأسواق، ويتكلم بالصواب حينا ~~وبالخطأ أحيانا، وإذن فلم يستأثر من دونهم بهذا النعيم! ولم يستطيل عليهم بهذا السلطان، ~~ولم يسعد حتى تبطره السعادة، ويشقون هم حتى يضطرهم الشقاء إلى اليأس والقنوط! ولم تبسم ~~الحياة له حتى يضيق بهذا الابتسام وتعبس الحياة لهم حتى يهلكهم هذا العبوس، ولم يكسل هو حتى ~~يضطره الكسل إلى المرض، ويعملون هم حتى يضطرهم العمل إلى الموت. # شاعت هذه الأحاديث بين أهل القرية فامتلأت بها مجالسهم حين يجتمع بعضهم إلى بعض، وامتلأت ~~بها بيوتهم حين يخلو كل منهم إلى أهله وذوي قرابته، وارتقت إلى الباشا فصادفته قلقا قد ملأ ~~قلبه الخوف والاضطراب، وإذا هو يؤثر أن يترك القرية إلى القاهرة؛ ليتحدث عن محنته هذه في ~~قريته إلى بعض أولي الرأي من أصحابه، ولا يكاد يبلغ القاهرة ويفضي بذات نفسه إلى بعض نظرائه ~~حتى يسمع منه حديثا ليس أقل من حديثه خطرا، ولا أيسر منه شيئا، فأهل القرى كلهم يتحدث ~~هذا الحديث، وأهل المصانع كلهم يتحدث هذا الحديث، والعاملون في الدواوين والمصارف والشركات، ~~والعاملون في الشوارع والطرق والمواصلات كلهم يتحدث هذا الحديث. قد اختلط الأمر، وعظم الشك، ~~وشاع في النفوس أمل لا حد له، وشاع في النفوس يأس لا حد له، وشاع في الجو كله سحاب لا يدري ~~عما ينجلي، أعن أمن ورخاء، أم عن بؤس وشقاء، وكان عدد السكان في مصر ثمانية عشر من الملايين ~~فأصبح عددهم ستة وثلاثين مليونا؛ لأن كل فرد من أفراد هؤلاء المصريين قد وكلت به فتاة ~~حسناء حازمة صارمة باسمة تبعث ابتساماتها في القلوب أملا مخيفا، وكره الباشا أن يعود إلى ~~قريته؛ لأنه كره فتاته تلك الحسناء في حديقته تلك الغناء، ولكنه خلا إلى نفسه ذات يوم في ~~مكتبه المطل على النيل، وأراد أن يأخذ في بعض عمله، وإذا هو يحس حركة فإذا التفت رأى فتاته ~~الحسناء، وعلى ثغرها ابتسامة ساحرة، وهي تقول في صوتها ذاك الضئيل الجميل: لا بد مما ليس ~~منه بد، أقدم طائعا راضيا، ms080 فذلك خير من أن تقدم كارها مضطرا! # وقد كتب الباشا إلى الشيخ يدعوه إلى القاهرة؛ ليشاوره في بعض ما يمكن أن يصنع ليرضى ~~الساخط، ويأمل القانط، ويأمن الخائف، ويعمل الكسل، محبا للعمل لا زاهدا فيه، قال الباشا ~~للشيخ حين خلا إليه: ألا تنبئني عن هذا البلاء العظيم الذي نمتحن به في هذه الأيام الشداد؟ ~~قال الشيخ مبتسما: لا تسلني أنا عن هذا البلاء، وسل عنه فتاة من هؤلاء الفتيات اللاتي ~~ملأن علينا أرض مصر جمالا وأملا وخوفا وإشفاقا، قال الباشا: ومن عسى أن تكون هؤلاء ~~الفتيات! قال الشيخ: لا أدري، ولكني كلما سألت واحدة منهن عن اسمها رفعت كتفيها وابتسمت عن ~~ثغر جميل، وقالت ساخرة: تريد أن تعرف اسمي فاسمي هو «العدالة الاجتماعية». # | البرق الخاطف # أنكريه يا سيدتي إن شئت أو اعرفيه. فكلا الأمرين منك سائغ، وكلا الأمرين منك مقبول، وإن ~~تنكريه فقد أنكرت نعم شاعرها وشاعر الحجاز عمر بن أبي ربيعة، وإن تعرفيه فقد عرفت أسماء ~~شاعرها وشاعر الحجاز عمر بن أبي ربيعة، وأنت يا سيدتي أدبية أربية تذكرين من غير شك ما تحدث ~~به فتى قريش عن صاحبتيه حيث يقول: # قفي فانظري أسماء هل تعرفينه # أهذا المغيري الذي كان يذكر # أهذا الذي أطريت نعتا فلم أكن # وعيشك أنساه إلى يوم أقبر # فقالت نعم لا شك غير لونه # سرى الليل يحيي نصه والتهجر # لئن كان إياه فقد حال بعدنا # عن العهد والإنسان قد يتغير # رأت رجلا أما إذا الشمس عارضت # فيضحى وأما بالعشي فيخصر # أخا سفر جواب أرض تقاذفت # به فلوات فهو أشعث أغبر # قليل على ظهر المطية ظله # سوى ما نفى عنه الرداء المحبر # وأعجبها من عيشها ظل غرفة # وريان ملتف الحدائق أخضر # فأي المذهبين تختارين؟ مذهب نعم هذه التي أنكرت الشاعر، وجعلت تسأل عنه في سخرية يمازجها ~~العطف، أم مذهب أسماء التي عرفته وجعلت تحدث عنه في عطف يمازجه الإعجاب؟ وإني لمسرف حين ~~ألقي عليك هذه الأسئلة، وأخيرك بين هذين المذهبين؛ فإني لم أسمع منك منذ ساعة ms081 إلا إنكارا ~~لصاحبنا هذا المسكين، ونعيا عليه، ترينه كثير الكلام وقد كان كثير الصمت، وترينه كثير ~~الحركة وقد كان صاحب رزانة ووقار، وترينه مقصرا في ذات الصديق وقد كان من أشد الناس وفاء ~~للصديق، وترينه مستكبرا مستعليا وقد كان متواضعا غاليا في التواضع، وترينه يقول غير ~~الحق وقد كان لا يؤثر على الحق شيئا، وترينه مداورا مناورا وقد كان أبغض الناس للمداورة، ~~وأزهدهم في المناورة، وأحرصهم على أن يسلك إلى ما يريد طريقا مستقيمة غير منحرفة، ~~ومستوية غير ملتوية، وواضحة لا يحتاج سالكها إلى الهدى والإعلام، وترينه حذرا هيابا ~~ومتحفظا محتاطا وقد كان جريئا مقداما، لا يخاف شيئا ولا يخاف أحدا، ولا يعدل عن ~~الصراحة الجلية إلى الإشارة الغامضة أو التلميح الذي يلبس فيه الحق بالباطل، والصواب ~~بالخطأ، والصحيح بالمحال. # وقد كنت تعرفين وجهه مشرقا صافي الإشراق مبتهجا نقي الابتهاج مبتسما حلو الابتسام، ~~فأصبحت ترين وجهه مظلما تمام الإظلام تغشاه بين حين وحين سحابة رقيقة ضئيلة من إشراق طارئ ~~لا يثبت أن تتمحى آيته، ويعفي الإظلام على آثاره، وأصبحت ترين في عينيه حزنا ملحا حالكا ~~يصور نفسا مكلومة حزينة كأنما يغمرها ندم متصل لا تكاد تخلص منه إلا لتعود إليه. # وأصبحت ترين على ثغره ابتسامة تمر سريعة بين حين وحين تحاول أن تثبت فلا تستطيع، كأنما ~~وكل بها من أعماق الضمير حرس يأبون عليها أن تثبت أو تستقر، وقد ترين على ثغره ابتسامة تقيم ~~فتطيل الإقامة، ولكنها ابتسامة شفافة لا تشف عن نفس مبتهجة أو قلب مطمئن أو ضمير راض، وإنما ~~تشف عن كآبة وسأم وقلق، هي ابتسامة مجلوبة قد تعلم صاحبنا أن يضعها على ثغره، وأن ينزعها ~~عنه كما يضع صاحب العمامة أو الطربوش عمامته أو طربوشه على رأسه، متى شاء وينزعهما متى شاء، ~~ترين أشياء كثيرة تنكريها؛ لأنك لم تعهديها من قبل، وتلتمسين أشياء كثيرة فلا تجدينها، وقد ~~كنت لا ترين غيرها من قبل، وأنت من أجل ذلك تنكرين فتسرفين في الإنكار، وتلومين فتغرقين في ~~اللوم، وليست إلى ms082 جانبك أسماء توضح لك الغامض، وتجلو لك الخفي، وتقص عليك من أمر صاحبنا ما ~~تجهلين، والإنسان قد يتغير كما يقول عمر بن أبي ربيعة. # وما أكثر الأشياء التي تغير الناس فتحولهم عن العهد، وتنقلهم من طور إلى طور، وتمحو منهم ~~خصالا كان الأصدقاء يعرفونها ويألفونها ويكلفون بها، وتمحو مكانها خصالا أخرى ليس ~~للأصدقاء بها عهد، وليس من شأنها أن تحسن في نفس الصديق، وقد نبت عين نعم عن عمر؛ ~~لأنها: # رأت رجلا جواب أرض تقاذفت # به فلوات فهو أشعث أغبر # قد أكثر السفر وألح فيه، يسري في الليل ويهجر في النهار، فأدركه ما يدرك أمثاله من الجهد ~~والشعث، وجعلت أسماء تبين ذلك لصاحبتها في عطف وإعجاب، أما صاحبنا فلم يسر في الليل، ولم ~~يهجر في النهار، ولم يدركه ما يدرك المسافرين من الجهد والشعث، وإنما أدركه شيء آخر هو الذي ~~تسألين عنه فلا تهتدين إليه، وكيف تعرفينه أو تهتدين إليه وأنت مشغولة بحياته هذه الناعمة ~~في قصرك هذا الأنيق، ومن حوله جنته هذه ذات الأشجار الباسقة، والأغصان المتكاثفة، وذات ~~الزهر النضر، والعشب الجميل، ومع ذلك فلصاحبنا قصة رائعة شائقة لو عرفتها لرحمته وعطفت ~~عليه، وله حديث رائع لو سمعته لمنحته شيئا غير قليل من الرثاء والإشفاق، وستسألينني من غير ~~شك أن أقص عليك قصته، وأنبئك بحديثه، فأنت كغيرك من السيدات تمتازين بهذه الخصال التي تملأ ~~القلوب لكن حبا، ومنكن خوفا، وبكن إعجابا. فيك رحمة لا حد لها، وفيك قسوة لا حد لها، ~~وفيك رغبة في الاستطلاع لا تعرف لنفسها حدا تنتهي إليه، ولست أرى بأسا من أن أقص عليك ~~القصص، وأنبئك بالحديث، ولكني أخشى ألا تصدقي ما سألقي إليك من قول. # فقصة صاحبنا غريبة حقا لو أنها قصت على الناس في الدهر القديم لصدقوها، ولاطمأنوا ~~إليها؛ لأن عقول الناس في الدهر القديم كانت نقية لم تكدرها الحضارة، وكانت قوية لم يصفعها ~~العلم، فأما في هذا العصر الذي نعيش فيه فقد كثرت الأعاجيب التي ترى وتسمع وتحس، حتى أصبح ~~الناس لا ms083 يصدقون الأعاجيب التي تقص عليهم إلا إذا رأوها أو سمعوها أو أحسوها، وقد حاولت أن ~~أرى أعجوبة صاحبي بنفسي فلم أفلح، وقد كررت المحاولة مرة ومرة منذ حدثني بقصته فلم أبلغ من ~~ذلك شيئا. حاولت ذلك معه، وحاولت ذلك منفردا فلم أظفر إلا بالإخفاق إن كان الإخفاق شيئا ~~يمكن أن يظفر به الناس، وأنا مع ذلك أصدق القصة ولا أنكرها؛ لأن صاحبي هو الذي قصها علي، ~~ولأنه لم يعودني أن يحدثني بغير الحق، ولأنه قص علي قصته إثر خروجه منها، وقبل أن تظهر عليه ~~هذه الخصال التي تنكرينها، ولأن عقلي بعد هذا كله مستعد لتصديق مثل هذه القصص؛ لأني عاشرت ~~القدماء حتى أصبحت واحدا منهم. فعقلي نقي لم تكدره الحضارة التي لا آخذ منها كما تعلمين ~~إلا بمقدار، وعقلي قوي لم يضعفه العلم الذي ليس لي منه كما تعلمين حظ قليل أو كثير. # وكان بدء ما ألم بصاحبي من الخطب أنه خرج ذات يوم مع الصبح يلتمس الرياضة، ويسلي عن نفسه ~~بعض الهم. فترك المدينة، وأمعن في الصحراء يمضي أمامه هادئا مطمئنا، مستمتعا بهذا الحر ~~الهادئ الذي تشعه الشمس حين تصحو، وتصفو في فصل الشتاء ... ولصاحبي عهد بالأدب القديم، فقد ~~جعل يدير في نفسه بعض ما حفظ من شعر القدماء ذاك الذي يصور الصحراء، وما فيها من وهاد ~~ونجاد، وما يضطرب فيها من حيوان، وما يترقرق في جوها من سراب، وقد مضى في رياضته تلك وقتا ~~لا يعرف أطال أم قصر؛ لأنه نسي نفسه، وامتزج بما حوله، ولكنه تنبه فجأة وقد فقد حر الشمس، ~~وينظر فإذا سحب متكاثفة تأتي من الشمال بطيئة ثقيلة يزحم بعضها بعضا، وقد هم أن يرجع، ~~ولكنه يرى برقا يخطف، ويسمع رعدا يقصف، ثم لا يعرف من أمر نفسه شيئا، وإنما هو شعور غريب ~~غامض أشبه شيء بشعور النائم حين يداعبه حلم لذيذ، فهو يرى كأن هذا البرق الذي كان يخطف قد ~~خطفه هو، فرفعه في الجو رفعا سريعا رشيقا حتى انتهى به إلى شيء يشبه ms084 أن يكون فراشا ~~موطأ وثيرا، وهو يحس كأن هذا الفراش يسعى به سعيا رقيقا، ولكنه سريع يذكره بعض ما كان ~~يجد حين كان النوم يداعبه، وهو في مضجعه من السفينة، والجو صفو، والبحر هادئ، والسفينة تجري ~~في يسر تعينها عليه ريح رخاء، ثم يحس كأن سريره ذاك الساعي في الجو قد استقر على مكان ثابت ~~مطمئن، وكأن صورا غريبة تشبه الناس ولا تشبههم قد حفت به فأجلسته، وجعلت تتحدث إليه بلغة ~~غريبة يفهم معانيها، ولا يحقق ألفاظها، ولكنه يؤكد أنها ليست اللغة العربية التي يتكلمها ~~عامة وقته، وليست اللغة الفرنسية التي يتكلمها بين حين وحين. # وليست لغة من هذه من هذه اللغات التي يسمع الناس يتحدثونها من حوله فيفهمها قليلا أو ~~كثيرا، وإنما هي لغة غريبة حقا إن أمكن أن تشبه بشيء فقد تشبه بما يأتلف من هفيف النسيم، ~~وحفيف الأغصان، وخرير الماء، وغناء الطير، وهو مع ذلك يفهم هذه اللغة حق الفهم لا يجد في ~~ذلك مشقة ولا عناء كأنما تبلغ ألفاظها الغريبة قلبه وعقله، فتستقر فيهما واضحة جلية دون ~~أن تمر بأذنيه، ودون أن يحتاج لفهمها إلى قليل أو كثير من التفكير، وقد حفظ صاحبي بعض ما ~~استقر في نفسه من معاني هذه الألفاظ التي كانت تساق إليه أو تلقى في نفسه إلقاء، فقد ألقي ~~في نفسه أنه قد اختطف من وطنه اختطافا، ونقل إلى الوطن السعيد الذي لا يبلغه الناس؛ لأنهم ~~لا يجدون سبيلا إليه، والذي لا يستطيع الناس أن يحتملوا الحياة الطويلة فيه؛ لأنهم أضعف من ~~أن يثبتوا لما فيه من حقائق الأشياء، وأول حقيقة عرضت عليه من حقائق الأشياء هذه فرآها رأى ~~العين، ولو أراد لتحدث إليها، وسمع منها، ولكنه لم يحتج إلى ذلك؛ لأنها سعت إليه في خفة ~~ورشاقة فقبلت بين عينيه، ولم تكد تفرغ من قبلتها حتى ملأت قلبه حبا لها، وإيمانا بها، ~~واطمئنانا إليها. أقول أول حقيقة من حقائق الأشياء هذه هي النجح؛ النجح الذي يبلغ الآمال، ~~ويقضي الآراب، ويرضي الحاجة إلى ms085 ارتفاع المنزلة، وعلو المكانة، ويرضي الحاجة إلى بسطة اليد، ~~وامتداد السلطان، ويرضي الحاجة إلى الامتياز والتفوق، وإلى الاستعلاء والتغلب، والنجح الذي ~~يعيش الناس له، ويجدون في طلبه، ويكدون في التماسه، ولكنهم لا يبلغونه إلا ليردوا عنه، ولا ~~يظفرون به إلا ليصد عنهم؛ لأنهم لا يعرفون له حقه، ولا يلتمسونه من مظانه، ولا يسلكون إليه ~~الطرق التي تمكنهم منه، وتسلطهم عليه. النجح الذي يطلبه الناس بما ورثوا من أخلاق، وبما ~~ألفوا من عادات، وبما حفظوا من تقاليد. يطلبونه من طريق الصدق والوفاء، ويطلبونه من طريق ~~النصح والإخلاص، ويطلبونه من طريق العلم والمعرفة، ويطلبونه من طريق الجهد والمشقة، ~~ويطلبونه من طريق العمل المتصل والاجتهاد المنهك للقوى المقصر للأعمار، ويطلبونه من هذه ~~الطرق فلا يصلون إليه؛ لأنها طرق قديمة قد ذهبت معالمها، وأصبح سلوكها حمقا، والسعي فيها ~~جورا عن القصد، وانحرافا عن الجادة، وتكلفا لما لا يفيد. # ولو أنهم سلكوا إليه طرقه الطبيعية التي لا تؤدي إلا إليه، والتي لا يستطيع سالكها أن ~~يرجع أدراجه، وإنما هو يمضي من فوز إلى فوز ومن ظفر إلى ظفر، ولو أنهم سلكوا إليه هذه الطرق ~~لبلغوه في غير جهد، ولأخذوا بحظهم منه في غير عناء، وهم صاحبي أن يسأل عن هذه الطرق ~~الطبيعية، ولكنه لم يحتج إلى السؤال، فقد ألقي في نفسه أنها نقائص الطرق المألوفة، فهي لا ~~تحب صدقا ولا وفاء، وهي لا ترضى عن النصح ولا الإخلاص، وهي لا تستقيم للعلم والمعرفة، وهي ~~لا تحتمل الجد والكد، وهي لا تطيق العمل والاجتهاد، وإنما هي تحب نقائص هذه الخصال جميعا، ~~وهم صاحبي أن يسأل: وكيف التخلص من الأخلاق المألوفة، والعادات الموروثة، والتقاليد ~~المحفوظة؟ ولكنه لم يحتج إلى أن يسأل هذا السؤال، فقد ألقي في نفسه أن شقاء الناس لا يأتيهم ~~من أنهم لا يقدرون على الاحتفاظ بخصال الخير أو ما يسمى خصال الخير، وإنما يأتيهم من أنهم ~~لا يقدرون على أن يتخلصوا من خصال الخير هذه، وإنما هم دائما أشبه بالكرات تتقاذفها ~~الفضائل والرذائل، أو ms086 ما يسمى الفضائل والرذائل، ولو أنهم خلصوا للفضائل لسعدوا؛ لأنهم ~~يستريحون إلى اليأس، ولو أنهم خلصوا للرذائل لسعدوا؛ لأنهم يبلغون من الحياة الدنيا كل ما ~~يريدون، وشك صاحبي غير طويل. ثم هم أن يسأل كيف السبيل إلى أن يخلص الإنسان من الفضائل، ~~ويبيع نفسه للشيطان، ولكنه لم يحتج إلى أن يسأل هذا السؤال، فقد قدمت إليه كأس صغيرة جميلة ~~فيها شراب كدر اللون، وقيل له: احس هذه الكأس حسوا، فإنك إن أتيت على آخرها انسللت من ~~الخير كما تنسل الشعرة من العجين، وانحطت عنك أثقاله كما تنحط أثقال النهار عمن يشمله نوم ~~الليل. قال صاحبي، وقد شربت هذه الكأس في مهل: فكنت كأنما أشرب نارا تحرق جوفي تحريقا، ~~ولكني كنت أجد لهذه النار المحرقة لذة لا أستطيع أن أصورها، وروحا لا أدري كيف أصفه، فلما ~~فرغت من شرب الكأس سمعت غناء لم أسمع أجمل منه قط، ولم أسمع أبشع منه قط. # ولست أدري، وما أظن أحدا يدري، كيف يجتمع الجمال الرائع والقبح المروع في صوت واحد، ~~ولكنني سمعت هذا الصوت ثم أنسيت نفسي، ثم أفيق وإذا أنا في مكاني ذاك من الصحراء، ولكن لا ~~أرى الشمس، ولا أحس حرها، ولا أرى السحب المتكاثفة تسعى من الشمال بطيئة متثاقلة، ولا أرى ~~برقا خاطفا، ولا أسمع رعدا قاصفا، وإنما أرى ليلا مظلما قد أطبق على الصحراء إطباقا، ~~واضطربت فيه أشعة ضئيلة تأتي من هذه المصابيح التي زين الله بها السماء الدنيا، وقد عدت إلى ~~المدينة بعد جهد. # والحمد لله على أن أهلي لم يكونوا في المدينة، وإنما كانوا في الريف، ولو قد رحت إليهم ~~آخر الليل مجهودا مكدودا أشعث أغبر، طائر اللب مغرق النفس، لأنكروني أشد الإنكار، ولكان ~~بينهم وبيني حساب عسير لست أدري كيف أخلص منه. # ثم أطرق صاحبي إطراقة طويلة عميقة رفع رأسه بعدها إلي، وهو يقول: «وصدقني إني أنكر ~~نفسي أشد الإنكار منذ تلك الرحلة الغريبة، ويخيل إلي أني لا أحيا مع الناس، وإنما أنا في ~~حلم متصل، والغريب ms087 أني لم أكد أستقبل النهار وأتقدم فيه حتى دعيت إلى شيء أرجو أن يكون ~~وراءه النجح.» # وأنت بعد ذلك يا سيدتي تعرفين من أمر صاحبنا مثل ما أعرف، قالت السيدة، وكانت أديبة ~~أريبة: «فاحذر أن تتعرض لهذا البرق الخاطف، فإني أحب أن أراك دائما كما أنت»، قال محدثها: ~~«هيهات يا سيدتي، أنا أثقل وزنا من أن تخطفني البروق.» # | حديث القلوب # لا أريد أن أسميه؛ لأني لا أريد أن يعرفه الناس، وحسبي أنه سيعرف نفسه، ولو استطعت أن ~~أخفيه على نفسي لفعلت فأنا أحبه أشد الحب، وأوثره أعظم الإيثار، وأكره أن يأتيه من نحوي ~~أيسر الجهد، وأهون العناء، وأقل الأذى، وأرى أني لا أتكلف له ذلك، ولا أتصنعه، وإنما هو حق ~~الصديق على الصديق، ودين الخليل عند الخليل، وما لي لا أرى له هذا الحق، ولا أعترف له بهذا ~~الدين، وقد استقبلنا الصبا رفيقين، واستقبلنا الشباب زميلين، واستقبلنا الكهولة صديقين ... لم ~~تستطيع حوادث الأيام على كثرتها واختلافها أن تثير بيننا أيسر الخلاف فضلا عن أن تفرق ~~بيننا في الآراء والأهواء. # نعم، لقد استقبلنا الصبا رفيقين، فجلسنا معا على حصير الكتاب، واختلفنا معا بين يدي ~~سيدنا لا يكاد أحدنا يفرغ من تلاوة ما حفظ من القرآن حتى يقوم الآخر مقامه، ويتلو مثل ما ~~تلا، ثم نلتقي بعد ذلك في مجلسنا ذاك في ركن من أركان الكتاب، فنتذاكر ما سمعنا من ألفاظ ~~اللوم والتشجيع التي كان يسوقها إلينا سيدنا في صوت يغلظ حينا حتى كأنه الرعد، ويرق حينا ~~حتى كأنه النسيم، وقلدنا هذه الحركات الطريفة التي كان يأتيها بإحدى يديه ليحدث بها صوتا ~~متلاحقا سريعا يحثنا به على أن نكر التلاوة كرا؛ ليتبين مقدار حفظنا للقرآن حتى إذا ~~صليت العصر تركنا الكتاب غير ضيقين به ولا آسفين على تركه، وإنما نحن نتركه مفكرين في ~~العودة إليه إذا كان الغد، ونتركه مبتهجين بانصرافنا عنه إلى هذا اللعب الذي سنستأنفه في ~~زاوية من زوايا الدار أو في ناحية ما على شاطئ القناة. # نعم، واستقبلنا الشباب ms088 زميلين نختلف إلى مجالس العلم في الأزهر الشريف نجد حين نستعد ~~للدرس، وحين نسمعه، وحين نجادل كل الأساتذة فيه، ونلهو حين نفرغ من ذلك، وحين نأخذ في العبث ~~بأساتذتنا وزملائنا، وما كنا نرى ونسمع مما كانوا يعملون ويقولون، لا أذكر ولا أراه يذكر ~~أننا اختلفنا يوما ما في أمر ذي خطر، وإنما كنا متفقين دائما مؤتلفين دائما، لا نتكلف ~~اتفاقا ولا ائتلافا، وإنما تجري أمورنا هينة لينة، وتمضي الحياة بنا على رسلها رفيقة ~~رقيقة، حتى لقد كنا نرى ما يثور بين الأصدقاء والزملاء من هذا الخلاف العارض الذي يباعد ~~بينهم من حين إلى حين، فنتكلف الضيق بحياتنا هذه التي لا تعرف خلافا ولا افتراقا في ~~الرأي، ثم لا نلبث أن نثوب إلى الضحك والابتهاج والرضى بحياتنا هذه الراضية ~~المطمئنة. # وقد فرقت حوادث الأيام بين شخصينا أعواما طوالا أو قصارا، ولكنها لم تستطع أن تفرق بين ~~نفوسنا وضمائرنا، ولا أن تخالف بين أهوائنا وآرائنا، وإنما لبثنا متفقين على البعد كما كنا ~~متفقين على القرب، واتصلت بيننا رسائل ما زلنا نعود إليها بين حين وحين كلما كلفتنا الأيام ~~من أمرنا شططا، ثم التقينا بعد الفرقة، وتدانينا بعد التنائي، واستأنفنا في حياة الرجال ما ~~مضت عليه أمورنا في حياة الصبية والشباب من هذا الود النقي، والإخاء الرضي، والتعاون على ~~البر والمعروف. # وليس حياة الناس تخلو مما يؤذي، ولا هي تبرأ مما يسوء، وليست حياة الناس تخلو من هذه ~~الخصومات التي تفسد عليهم أمرهم أحيانا، وتمنحهم القوة والأيد وحب الجهاد والكفاح أحيانا، ~~وقد عرض لكل واحد منا حظه من هذا كله، ولكن الغريب أن شيئا من ذلك لم ينل أحدنا من قبل ~~صاحبه، وإنما كان هذا ينالنا من قبل قوم آخرين، فكنا نتعاون على احتمال الشر ودفع المكروه، ~~وكان كل واحد منا يجد عند صاحبه ما يجده الصديق عند صديقه من المواساة والعون، والتسلية ~~والعزاء. # ثم مضت الأيام على ما تعودت أن تمضي عليه مستأنية متشابهة حينا، ومتعجلة مختلفة حينا ~~آخر، وجرت فيها الحوادث ms089 تباعد بيننا بعض الشيء، ثم لا تزال تلح في المباعدة بيننا حتى جعلنا ~~ننفق الأسابيع والأشهر لا نلتقي، وننفق الأسابيع والأشهر لا يكتب أحدنا إلى صاحبه شيئا، ~~ولكنا كنا على ذلك نلتقي بين الحين والحين فلا يكاد أحدنا يلقى صاحبه حتى ينشد ضاحكا قول ~~الشاعر القديم: # نلبث حولا كاملا كله # لا نلتقي إلا على منهج # في موسم الحج، وماذا منى # وأهله إن هي لم تحجج # ثم نستأنف حديثنا كأصفى ما يكون الحديث بين الصديقين الصفيين: وكانت أكثر أحاديثنا لا ~~تكاد تتصل بحاضرنا، ولا بحاضر الناس، ولا تكاد تتصل بمستقبلنا ولا بمستقبل الناس، وإنما ~~كانت تتصل بهذه الذكرى التي نسجت منها صداقتنا نسجا، وصورت منها مودتنا تصويرا، وكانت هذه ~~الذكرى الحلوة تكاد تشغلنا دائما عن حاضرنا وحاضر الناس، وعن مستقبلنا ومستقبل الناس، ~~ولكننا نلتقي ذات مساء في هذا القطار الذي ينقل الناس من الإسكندرية إلى القاهرة. يأخذ ~~أحدنا القطار في الإسكندرية، ويأخذه الآخر في سيدي جابر، وقد مضى القطار في طريقه، ولم يفطن ~~أحد منا لمكان صاحبه، ثم تكون لفتة منه فيراني فيسرع إلي مستبشرا مبتهجا، وهو يقول ماذا؟ ~~أنت هنا! وألقاه مغتبطا محبورا، وأنا أقول: ماذا! أنت هنا! ثم يجلس كل منا إلى صاحبه، وما ~~نكاد نفرغ من التحية التي تعودنا أن نتهاداها حين نلتقي حتى نأخذ في حديث الجو، ثم في حديث ~~السفر، ثم في حديث القطر التي تحسن الإبطاء أكثر مما تحسن الإسراع، وتحسن التأخير عن ~~مواعيدها أكثر مما تحسن الوفاء بهذه المواعيد، ثم عن الإسكندرية التي تزدحم بالقاصدين ~~إليها، والنازحين عنها، وتموج بالمقيمين فيها، ثم عن جو الإسكندرية وجو القاهرة، والموازنة ~~بين ما يكون بينهما من اختلاف في الصيف، ومن اختلاف في الشتاء، ومن توافق فيما يكون بين ذلك ~~من الفصول، ثم نأخذ في حديث الصحف الجادة والهازلة، وفي حديث الأدب القديم والأدب الجديد، ~~وننفق هذه الساعات التي ينفقها المسافرون بين القاهرة والإسكندرية متحدثين عن كل شيء إلا عن ~~أنفسنا، ملمين بكل شيء إلا بأحداث السياسة، وما ms090 كان أكثر ما نلتقي فلا نتحدث إلا عن أنفسنا، ~~وما كان أكثر ما نتحدث عن أنفسنا فنعبث أثناء الحديث بالسياسة وأصحابها، ونتخذ من هذا العبث ~~ألوانا من المتاع الرفيع. # أما اليوم فقد ألقي بيننا وبين أنفسنا حجاب صفيق، وألقي بيننا وبين السياسة والسياسيين ~~ستار كثيف، وجعلنا نتحدث كما يتحدث الناس حين يلتقون على غير معرفة موثقة أو مودة متينة قد ~~برئت من التكلف، وألقيت عنها الحجب والأستار، فهم حراص على ألا يقول بعضهم لبعض ما يؤذي أو ~~يسوء، لماذا تعمدنا أن نجتنب الحديث عن ذات أنفسنا، ولماذا تعمدنا أن نجتنب الحديث حتى عن ~~حاضرنا وحاضر الناس، وحتى عن مستقبلنا ومستقبل الناس، ولماذا أنفقنا هذه الساعات الطوال لا ~~نتحدث إلا في هذه الموضوعات التي لا تحطم شيئا كما يقول الفرنسيون، ولماذا نسي كل واحد منا ~~أن ينشد حين رأى صاحبه قول الشاعر القديم: # نلبث حولا كاملا كله # لا نلتقي إلا على منهج # في موسم الحج وماذا منى # وأهله إن هي لم تحجج # سل السياسة عن هذا فهي التي تستطيع أن تخبرك الخبر اليقين، وسل السياسة عن هذا فهي التي ~~تحسن التفريق بين الأصدقاء، والتقريب بين الأعداء، وهي التي تحسن أن تنسي الناس أنهم كانوا ~~رفاقا في الصبا، وزملاء في الشباب، وأخلاء في الكهولة. وسل السياسة فهي التي تحسن أن تقيم ~~المنافع العاجلة مقام المودة الباقية، وأن تشغل الناس بساعتهم التي هم فيها عن ماضيهم ذاك ~~الطويل، وأن تشغل الناس بما يقضون من منافع، وما يرضون من مآرب، وما يحققون من آمال عما ~~وثقت الأسر بينها من عرى متينة، وصلات كان يظن أنها أبقى على الزمن الباقي من الزمن. # وهل من الحق أننا لم نتحدث في هذه الساعات الطوال عن ذات أنفسنا، وهل من الحق أننا لم ~~نذكر في هذه الساعات الطوال تلك الأيام الحلوة التي امتلأت لذات الصبا والشباب، وهل من الحق ~~أننا لم نعبث بالسياسة والسياسيين، وأننا لم نعبث بأنفسنا؛ لأنها اتصلت بالسياسة ~~والسياسيين، وهل من الحق أننا أنفقنا هذه ms091 الساعات الطوال في هذه الأحاديث التي كنا نكره أن ~~نخوض فيها، والتي يستعين الناس بها على أن يحتمل بعضهم بعضا، وهل من الحق أن هذه الأحاديث ~~التي أنفقنا فيها الساعات الطوال لم تعن أحدنا على أن يحتمل صاحبه، فكنا نستنجد بالسجائر ~~التي نكثر من تحريقها، وكنا نستنجد بما عند صاحب البولمان من القهوة والليمون والبرتقال، ~~وكنا نستنجد بتكلف الفكاهة، واختراع الدعابة نجذبها من شعورها جذبا كما يقول الفرنسيون، ~~وهل من الحق أن أحدنا لو عرف أنه سيلقى صاحبه في القطار لقدم سفره أو آخره حتى لا يكون هذا ~~اللقاء، وحتى لا يكون الاضطرار إلى هذه الأحاديث الفارغة التي لا تغني عن أصحابها شيئا إلا ~~أنها تعينهم على قطع الوقت، وتمكنهم من أن يحتمل بعضهم بعضا. # نعم كل هذا حق، ولكن هناك حقا آخر لم أشكك فيه، ولم يشك فيه صاحبي لحظة، وهو أن ألسنتنا ~~كانت تهذي بما لا يغني، وأن آذاننا كانت تتجرع هذا الهذيان، وأن قلوبنا في أثناء ذلك كانت ~~تتحدث بما لم تكن تتحدث به ألسنتنا، وأن نفوسنا في أثناء ذلك كانت تستمتع بما لم تكن تستمتع ~~به آذاننا، فقد كان كل واحد منا يكذب على صاحبه أشنع الكذب بما يلقي إليه من هذا الكلام ~~الذي لا طائل فيه، والذي لا يدل على شيء، وكان كل واحد منا يصدق صاحبه أعذب الصدق بهذا ~~الحديث الذي لم تكن تجري به الألسنة، ولم تكن تتلقاه الآذان، وإنما كانت تخفق به القلوب، ~~وتستمتع به النفوس، وتجد فيه العقول راحة وروحا، وتجد فيه الضمائر رضى وأمنا. # أما أنا فقد كنت أراني وما أشك في أن صاحبي قد كان يرى نفسه معي في ذلك المكان الضيق أمام ~~تلك الدار الصغيرة على شاطئ القناة، وقد أظلتنا شجرات بسطت أغصانها إلى ماء القناة من ناحية ~~أخرى، وقامت عليها الطير تملأ الجو بغنائها المتصل الرفيع، وخفق أجنحتها المتقطع، ونحن نأخذ ~~فيما تعودنا أن نأخذ فيه من حديث، وقد رفعنا أصواتنا ليسمع كل منا صاحبه، فقد كان ms092 غناء ~~الطير، وحفيف الورق، وهفيف النسيم، وتصايح الصبية من حولنا، وتنادي الرجال والنساء هنا ~~وهناك، كان هذا كله يوشك أن يحول بيننا وبين الحديث. # نعم، كنت أراني مع صاحبي في هذا المكان، وكنت أسمع قلبي يلقي إلى قلب صاحبي حديث المودة ~~والإخاء صفوا عفوا، وعذبا نقيا، وكنت أتلقى من قلب صاحبي مثل ما كنت ألقي إليه على حين ~~كانت ألسنتنا تهذي بسخيف القول؛ لأن ظروف الحياة قد أخذت تعلم الناس أن يخفوا المودة، ~~ويظهروا النفاق، وأن يسروا الحب، ويعلنوا البغض، وأن يكذب بعضهم على بعض حتى في ذات أنفسهم، ~~وأن يخيل بعضهم إلى بعض أن الأسباب بينهم مقطعة، وإن الأسباب بينهم لموصولة، ولكن مهلا. إن ~~إخفاء المودة يوشك أن يمحوها، وإن إسرار الإخاء يوشك أن يقتله، وإن التصريح بالكذب والنفاق ~~وإعلان التباعد والخصومة يوشك أن يجعل الكذب والنفاق والتباعد والخصومة أصولا لما نستأنف ~~من حياة. # وقد وصل القطار إلى القاهرة، ونهضنا يريد كل منا أن يروح إلى أهله، ولم يقل أحد منا ~~لصاحبه شيئا بلسانه؛ لأن لسانه لم يكن يقول إلا كذبا، وقال كل واحد منا لصاحبه كل شيء ~~بقلبه؛ لأن قلبه لم يكن يقول عنه إلا صدقا، وراح كل واحد منا إلى داره، وإن قلبه ليتقطع ~~حسرات؛ لأنه لا يستطيع أن يبين عما فيه من حب دفين. # أبلغ الأمر بنا أن نخافت بالمودة ونجهر بالنفاق؟ # | أضغاث أحلام # رأى فيما يرى النائم كأنه يسعى متروضا على شط دجلة حين أخذ الأصيل يحسر عن الأرض والسماء ~~في أناة، وريث ضوئه الشاحب الحزين، وكان يسعى في جنة فسيحة بعيدة الأرجاء، رائعة الحسن، قد ~~اختلفت مناظر ما فيها من شجر وثمر وزهر وعشب، فهو ينتقل بين هذا كله مستأنيا متمهلا يقف ~~عند هذا اللون من ألوان الزينة التي اتخذتها هذه الجنة فيطيل الوقوف، وينظر إليه فيطيل ~~النظر، ولا ينتقل عنه إلا حين يستيقن أنه قد رسمه في قلبه رسما صادقا، وصوره في ضميره ~~تصويرا دقيقا، وكأنه كان يحس إحساسا خفيا لا يكاد يعلمه ms093 أنه حالم لا عالم، فكان يريد ~~أن يستبقي في نفسه هذا الحسن البارع الذي يراه في هذا الجمال الرائع الذي يتمتع به؛ لينعم ~~بهما إذا ردته اليقظة إلى هذه الحياة البغيضة التي كان يضيق بها أشد الضيق؛ لأنها كانت تصور ~~له آماله عراضا، وتقعد به عن بلوغ هذه الآمال. فكان يجد الألم الممض، والعناء الثقيل في ~~هذا الرجاء الذي ينفسح له، وهذا اليأس الذي يقعد به، وكان ألمه يزداد شدة، وحزنه يزداد ~~لذعا حين يرى مواكب هؤلاء الأمراء والوزراء والكتاب وأصحاب المكانة في قصر الأمين ~~والمأمون، فتنازعه نفسه إلى أن يكون واحدا منهم يشاركهم فيما يستأثرون به من الغنى ~~والسلطان والجاه، ولكنه ينظر فإذا الأسباب بينه وبين ذلك مقطوعة لا تريد أن تتصل، ومن أين ~~لفتى من أوساط الناس وعامة أصحاب التجارة فيهم أن يرقى إلى الكتابة أو الوزارة أو قيادة ~~الجند. # فكانت حياته منغصة بهذا الأمل البعيد واليأس القريب. فلا غرابة حين رأى ما رأى في أحلام ~~الليل، أن يحرص على من يستبقي هذه المناظر الجميلة، وهذه المحاسن الفاتنة؛ ليتسلى بها إذا ~~استيقظ عن يأس لا يريم، وأمل لا ينال. # وإنه ليتنقل في حلمه بين هذه المناظر الخلابة الساحرة، إذا هو يرى جارية حسناء، فاتنة ~~الحسن تنتقل مثله بطيئة متمهلة في هذه الجنة الرائعة، ولا يكاد يرى هذه الفتاة حتى تقع من ~~قلبه موقع الحب، فتملأه حتى كأنه لا يستطيع أن يشتمل غيرها شيئا آخر، ثم يحاول أن يدنو ~~منها ليتحدث إليها، ولكنها تنأى عنه مسرعة، وهي تقول في صوت عذب، ولفظ حلو: هيهات هيهات، لم ~~يؤذن لنا بعد في أن نلتقي، ثم ينظر فإذا هي قد غيبت عنه، وإذا قلبه قد خلا منها، ولم يستبق ~~إلا صورة ضئيلة جدا إن امتازت بشيء فإنما تمتاز بالفتنة المغرية، والقسوة ~~الموئسة. # ويمضي في طريقه هادئا ينحدر نحو النهر في بطء فلا يكاد يخطو خطوات حتى يرى جارية أخرى ~~ليست أقل من صاحبته الأولى رواء ولا بهاء، ولكنها أكثر منها زينة، وأحسن ms094 منها شارة، ~~وإذا هي تلقي إليه نظرة تضرم في قلبه نارا أي نار فيرنو إليها من بعيد، ويريد أن يدنو ~~منها لينظر إليها من قريب، ولكنها تنأى عنه مسرعة، وهي تقول: هيهات هيهات! لم يؤذن لنا بعد ~~في أن نلتقي، ثم تغيب عنه كما غيبت عنه صاحبته الأولى، ولكنها قد تركت في قلبه صورة ضئيلة ~~جدا، واضحة جدا، يرى فيها سحر الجمال، وآية النعمة والثراء، ويمضي في طريقه منحدرا ~~إلى النهر، وإذا جارية ثالثة ليست أقل من صاحبتيها فتونا وإغراء، ولكن فيها استعلاء ~~وتكبرا وشيئا من غلظة لو كان في رجل لبغضه الناس، ولكنه يدعو إليها أشد الدعاء، ويرغب ~~فيها أعظم الترغيب، ولا يكاد يراها حتى يجن بها جنونه. # وإذا هو يحاول أن يدنو منها ليجثو بين يديها، وليرفع إليها الطاعة، والعبادة كما تقدم ~~الطاعة والعبادة إلى الأصنام، ولكنها تنأى عنه مسرعة، وتأبى حتى أن تقول له مثل ما قالت ~~صاحبتاها من قبل، إنما تشير إليه إشارة فيها كثير من الكبرياء أن قف، فلم يؤذن لنا بعد في ~~أن نلتقي. # وقد أخذ الفتى ينكر هذا الحلم العجيب، وهو مغرق فيه لم يفق منه، وكاد إنكاره لهذا الحلم ~~أن يرده إلى اليقظة، لولا أن صورة تتراءى له فيثوب إليها، وإذا جارية رابعة ليست أقل من ~~صاحباتها دعاء للقلب، واستهواء للنفس لولا أنها لا تنظر إلا شذرا، ولولا أن كل ما يظهر ~~على وجهها من هذه الآيات التي تصور دخيلة النفس، وأعماق الضمير، لا يدل إلا على الغلظة ~~والغطرسة، وسوء الخلق، وهي مع ذلك تفتن كل الفتون، وتملأ قلبه هياما وشوقا، وهو يريد أن ~~يستعطفها، ولكنها عنه مسرعة، وهي تشير في إباء وجفاء، أن قف فلم يؤذن لنا بعد في أن ~~نلتقي. # وقد أحس الفتى حسرة مؤذية ولوعة حرقت قلبه تحريقا، وجعل يتحدث إلى نفسه في هذا الحلم ~~الغريب؛ لأنه شقي بائس قد كتب عليه الحرمان في حياته اليقظة، وفي حياته النائمة. # ومن يدري لعل الحرمان أن يكون قد كتب عليه في ms095 حياته الدنيا، وفي حياته الآخرة، وإذن ففيم ~~خلق؟ ولم قذفت به الأقدار في هذا العالم البغيض الذي لا تحلو فيه يقظة ولا نوم، ولكنه يرى ~~امرأة نصفا ليست بالجميلة الرائعة، ولا الذميمة التي تنصرف عنها الأبصار، ولكنها شيء بين ~~ذلك. في وجهها الحازم ما يدعو إلى الحب، وفيه ما يحمل على الإكبار، وفيه إشراق غريب يشيع في ~~القلب رقة، وفي النفس عطفا وميلا إلى الحنان، وهذه المرأة قائمة مكانها لا تتحول عنه، ولا ~~تظهر ميلا إلى التحول عنه، وقد أخذ الفتى يدنو منها شيئا، فلم تنفر منه ولم تغب عنه، ~~وإنما أقامت مكانها هادئة يفيض من وجهها هذا البشر الحازم، وهذا الحنان الذي يملأ القلب ~~طمأنينة ورضى، وهي تشير إلى الفتى في ظرف وعطف أن أقبل، كأنها شهدت ما لقي من أولئك ~~الجواري الأربع فرقت له، وأشفقت عليه، وأحبت أن تسليه وتواسيه، ولكن الفتى يعرض عنها ~~إعراضا، ويصد عنها صدودا، ويوليها ظهره، وهو يقول: هيهات لن يكون بيننا لقاء، فلست أحب ~~العطف، ولا أريد الرفق، وليس أبغض إلي من هذا الأمل الذي لا أجد في تحقيقه الجهد المجهد، ~~ولا في الظفر به العناء الثقيل. # وكأن إعراضه هذا قد ملأ قلبه غيظا فرده إلى اليقظة على أبغض ما كان يحب أن يستيقظ عليه ~~من الحال. على هذا الأمل القريب الذي لا رغبة له فيه، ولا حاجة به إليه، بعد أن أفلتت منه ~~هذه الآمال العسيرة التي كان عليها حريصا وبها كلفا، وقد أنفق نهاره مفكرا في هذا الحلم ~~الغريب، مستحضرا هذه الصورة الجميلة التي تراءت له ثم نأت عنه، منكرا حظه من النوم ~~واليقظة جميعا. # ويقبل أبوه مع المساء فإذا رآه في هذا الذهول، لامه أشد اللوم، وعنفه وأنبه أعظم التأنيب، ~~وحثه على أن يترك حياة الأدب هذه، التي ترقى بأصحابها إلى السحاب، ثم لا تبلغهم من آمالهم ~~شيئا، ورغبة في أن يسير سيرة أسرته فيعمل في التجارة المريحة التي لا تضيع على صاحبها ~~وقتا ولا جهدا ولا تفكيرا. # ولكن الفتى ms096 يمتنع عن أبيه أشد الامتناع، ويظهر له الزهد في التجارة والازدراء لحياة ~~التجار، ثم ينفق ليلة ساهرة لا يذوق فيها النوم، ولا يصاحب فيها إلا القلم والقرطاس، حتى ~~أشرقت الأرض بنور ربها، وفرغت بغداد من مواكب الأمراء والوزراء والكتاب الذين استقروا في ~~دواوينهم حين ارتفع الضحى. أقبل الفتى يسعى إلى ديوان الحسن بن سهل الوزير، فما زال يتلطف ~~حتى أدخل عليه فأنشده مدحة أعجبته، وانصرف عنه بجائزة أرضته، وراح على أبيه آخر النهار ~~بعشرة آلاف درهم نثرها بين يديه. قال الشيخ مبهورا مسحورا: لا ألومك بعد اليوم في ازدراء ~~التجارة، والإقبال على حياة الأدباء. # ومنذ ذلك اليوم اتصلت أسباب الفتى محمد بن عبد الملك الزيات بأسباب الوزراء والكتاب، وما ~~زال يرقى من درجة إلى درجة، ويسمو من منزلة إلى منزلة، حتى نظر ذات يوم، فإذا هو قد فوض ~~الخليفة إليه أمور الدولة كلها؛ فله الأمر والنهي، وإليه المنح والمنع، وفي يده سلطان السيف ~~والقلم جميعا، وإذا ثروته لا تحصى، ولا يقاس إليها إلا ثروة أمير المؤمنين، ومن يدري لعله ~~أن يكون أقدر على ابتذال المال والتصرف فيه من أمير المؤمنين، فهو يأمر وينهى في المال غير ~~مراجع ولا مدافع، وأمير المؤمنين لا يعطى ولا يمنع إلا عن رأيه ومشورته. # وقد فرغ من غذائه ذات يوم، وآوى إلى مضجعه يلتمس شيئا من راحة، فيغفي إغفاءة قصيرة، ~~وإذا هو يرى نفسه في تلك الجنة الفسيحة ذات الأرجاء البعيدة، وجارية حسناء ترمقه من بعيد، ~~وهو يدنو منها، محبا لها، معجبا بها، حتى إذا استطاع أن ينظر في وجهها من قريب، لم ينكر ~~هذه الصورة، وإنما ذكر كأن عهده بها كان قريبا! فهي إذن تلك الفتاة الحسناء التي رآها في ~~حلمه ذاك، والتي كانت تظهر عليها آيات الغنى والسعة، وهي تبسم له، وتدنو منه، وتقول له في ~~صوتها العذب، ولفظها الحلو: ادن أبا جعفر فقد أذن لنا الآن أن نلتقي، قال أبو جعفر: جعلت ~~فداك من تكونين؟ قالت في صوتها العذب، ولفظها الحلو: أنا ms097 الثروة . # وأفاق أبو جعفر باسم الثغر راضي النفس يعجب من حلمه القديم، وحلمه الجديد، ولكنه كان صاحب ~~جد وحزم وفلسفة، فلم يلبث أن هز رأسه، وتلا قول الله عز وجل: # قالوا ~~أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين ~~، ~~ومضى أبو جعفر يصرف أمور الدولة كما يهوى، وعلى ما يحب أمير المؤمنين، لا يسأل عن العدل أين ~~هو! ولا يسأل عن الظلم أين هو، وإنما يسأل عن رضى نفسه، ورضى أمير المؤمنين، يسلك إليهما ~~الطرق المستقيمة والمعوجة، ويركب إليهما الحزن والسهل، ويضحي في سبيلهما بالماضي والمستقبل، ~~فيجفو الصديق، ويلقاهم بالغلظة حينا، والازدراء حينا آخر، لا يعرف لهم ودا، ولا يرعى ~~لهم عهدا، حتى يقول له صديقه القديم إبراهيم بن العباس الصولي: # وكنت أذم إليك الزمان # فأصبحت منك أذم الزمانا # وكنت أعدك للنائبات # فها أنا أطلب منك الأمانا # ثم يغلو في الاستعلاء، ويمعن في الكبرياء حتى يلقى أخا أمير المؤمنين أشنع لقاء، ويتعمد ~~إيذاءه في نفسه وجسمه بمحضر من أهل الديوان؛ لأن أمير المؤمنين كان مغاضبا لأخيه. # وفي مساء ذلك اليوم خلا إلى ندمائه، فأخذ من لهوه المادي والعقلي بحظ عظيم، وثقل عليه ~~الشراب حين تقدم الليل فأغفى إغفاءة قصيرة، ثم أفاق وهو يتلو قول الله عز وجل: # قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام ~~بعالمين # فلما سأله بعض ندمائه عن ذلك، قال: رؤيا رأيتها في هذه الإغفاءة، ~~وما أرى إلا أنها من أثر الشراب. # ولم تكن الرؤيا من أثر الشراب، وإنما كان حلما يعبر حلما، فقد رأى نفسه في جنته تلك، ~~ورأى تلك الجارية الأبية المتغطرسة تبسم له، وتسعى إليه، وهي تقول: ادن أبا جعفر فقد أذن ~~لنا الآن في أن نصطحب. ألا تذكرني؟ لقد التقينا ذات مساء في جنتنا هذه على شاطئ نهرنا هذا، ~~وقد كنت تريد أن تستعطفني، قال أبو جعفر: نفسي فداؤك من تكونين؟ قالت: أنا الجفوة قد أجبتك ~~منذ اليوم، فأنا صفاء لك وجفاء لأعدائك، وما أرى إلا أن الناس جميعا عدو لك. # ومضى أبو جعفر يستزيد ms098 من السلطان، ويستزيد من الثراء، ويستزيد من الكبرياء والبأس، حتى ~~بلغ من العنف ما لم يبلغه وزير قبله، وسام المسلمين من ألوان العذاب ما لم يكن المسلمون ~~يظنون أن من الممكن أن يساق إليهم، واتخذ تنوره ذاك الذي كان يستصفي به الأموال من العمال، ~~وكان ضيقا شديد الضيق، قد أحيطت أنحاؤه كلها بالمسامير ذات الحدود المرهفة، يدخل فيها ~~الرجل من الناس فتأخذ المسامير جسمه من جميع أقطاره، وقد جرب أداته تلك في أحد العمال ذات ~~يوم، وجعل ينظر إلى هذا العذاب، ويجد فيه متاعا وراحة ورضى، فلما ذكرت له الرحمة قال: ~~إنما الرحمة خور في الطبيعة، وضعف في المنة، وما رحمت شيئا قط. # وفي مساء هذا اليوم رأى فيما يرى النائم إحدى جواريه أولئك في جنته تلك، تسعى إليه باسمة ~~ابتساما مرا، وهي تقول: أقبل أبا جعفر ألا تعرفني؟ أنا صديقتك، القسوة، لقد التقينا ذات ~~أصيل في جنتنا هذه على شط نهرنا هذا، فقد آن لنا الآن أن نلتقي، ولن يفرق بيننا إلا ~~الموت. # وأصبح أبو جعفر ضيقا بهذه الأحلام التي يعبر بعضها بعضا، وحدث نفسه بأن يسأل في ذلك بعض ~~أصحاب الفلسفة لعلهم يجدون لهذا النحو من حياة الناس تفسيرا، ولكنه استكبر حتى عن السؤال، ~~وخشي إن تحدث إلى الكندي الفيلسوف في ذلك أن يزدريه، ويستخف حلمه، ويتندر بقصته عند أمير ~~المؤمنين. فلم يتحدث بشيء من أمره إلى أحد، وإنما تلا قول الله عز وجل: # قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام ~~بعالمين ~~. # ومضى أبو جعفر يصرف أمور الدولة كما يشتهي هو لا كما تشتهي أمور الدولة حتى ملأ الأرض ~~رعبا ورهبا، وحتى كان الخوف قوام الصلة بينه وبين القريب والبعيد. # وقد توفي أمير المؤمنين، وانتقلت الخلافة إلى أخيه، ولكن أبا جعفر مطمئن القلب رضي البال، ~~قد امتلأت نفسه ثقة بنفسه، وأمن المكروه كل المكروه، فهو مستيقن أن قصور الخلفاء لم تعرف ~~قط وزيرا يشبهه قوة وإيذاء وحسن تصريف للأمور، فلن يستغني عنه أمير المؤمنين. ولكنه يصبح ~~ذات يوم ms099 وقد وجد الشك اليسير الخفي إلى قلبه العنيف الأبي سبيلا؛ لأنه رأى فيما يرى النائم ~~جارية من جواريه تلك تبسم له ابتسامة حزينة، وتنأى عنه رويدا رويدا، وهي تقول في صوت ~~تكاد تخنقه العبرات: وداعا أبا جعفر، لقد حمدت صحبتي لك، ومعاشرتي إياك، ولكن قضي علينا أن ~~نفترق، قال أبو جعفر: ويحك من تكونين؟ قالت: أنا صديقتك، السطوة، أتنسى يوم التقينا في ~~جنتنا هذه على شط نهرنا هذا، وقد أفاق أبو جعفر في ذلك اليوم مضطرب النفس بعض الشيء، وهم أن ~~يتلو الآية الكريمة فلم ينطلق بها لسانه، وإنما ألح الشك على نفسه إلحاحا. # ولم يأت أصيل ذلك اليوم حتى كان أبو جعفر في سجن أمير المؤمنين المتوكل. قد جرد من سطوته ~~وجفوته، وثروته وقسوته، ورد إلى حال الشقي البائس الذي لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، ~~والذي يدعو فلا يستجاب له، ويتمنى فلا يحفل أحد بتمنيه، ويشكو فلا يرق أحد لشكاته. # وقد صبر أبو جعفر على السجن ما كان السجن سهلا يسيرا، ولكنه لم يلبث أن استحال إلى ~~العذاب يصب عليه في الليل، وقد وكل السلطان به من يسامره، حتى إذا أحس منه راحة أو شيئا ~~يشبه الراحة نخسه بالمسلات ليرده إلى الألم، وليجدد عهده بطعم العذاب، وقد صبر أبو جعفر على ~~هذا العذاب ما واتته قوته، واحتملت طبيعته شدة البأس، ولكنه يرى ذات يوم على باب الحجرة ~~التي يعذب فيها من حجرات السجن صورة يعرفها ولا ينكرها، يراها يقظان، وقد كان يرى صاحباتها ~~نائما، وهو ينظر في وجهها نظرة المشوق إليها المفتون بها، وكلما زاد إليها نظرا، ازداد ~~إليها شوقا، وبها كلفا، وهو يدعو بقلبه كله ونفسه كلها، وهي تريد أن تستجيب له وتود لو ~~تخطو هذه الخطوات القليلة التي تدنيها منه، وتقربها إليه، ولكنها ترد عن ذلك ردا رقيقا ~~فترسل إلى أبي جعفر نظرات حلوة فيها حنان وعطف وإشفاق، وإذا لسان أبي جعفر ينطلق بهذه ~~الكلمة في صوت هادئ يقطعه الألم: الرحمة. # قال الذين يعذبونه، وقد ظنوا ms100 أنه يسترحمهم: إنما الرحمة خور في الطبيعة، وضعف في المنة، ~~وهل رحمت شيئا قط؟ ولم يطلب أبو جعفر إليهم رحمة، وإنما عرف صاحبته تلك التي رآها في جنته ~~تلك على شاطئ دجلة فسماها باسمها. # ومنذ ذلك اليوم لم ينطق أبو جعفر إلا بشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ~~حتى حين أدخل في التنور الذي كان يعذب به الناس، ولم ينطق لسانه بغير هذه الكلمة حتى ~~مات. # | ضمير حائر # آوى إلى سريره راضيا ناعم البال، وهب من سريره موفورا طيب النفس، ونام بين ذلك نوما ~~هادئا هانئا لم تنغصه مروعات الأحلام، ولم يكد يخرج من غرفته حتى تلقاه الصبية من بنيه ~~وبناته بوجوه مشرقة تتألق فيها نضرة النعيم، وثغور جميلة تبسم عن مثل اللؤلؤ المنضود، وحملت ~~إليه أصواتهم الرخصة العذبة تحية الصباح فردها عليهم في صوت حلو يجري فيه الحزم الصارم، ~~ويشيع فيه الحنان الرقيق، وأنفق معهم ساعة حلوة يداعب هذه ويلاعب ذاك، ثم خلص منهم بعد ~~جهد، وفرغ لنفسه ليصلح من شأنه قبل أن يغدو إلى عمله، وكان عمله خطيرا، وكان اهتمامه لهذا ~~العمل، وعنايته به أعظم منه خطرا؛ لأنه كان قوي الضمير حريصا أشد الحرص على أداء الواجب ~~كاملا، وكان أبغض شيء إليه أن يتهمه أحد أو أن يتهم هو نفسه بأيسر التقصير. # ولم تكن عنايته بحسن زيه، وجمال شكله أقل من عنايته بالعمل والواجب، فقد استقر في نفسه ~~منذ بلغ الشباب أن من كمال المروءة أن يكون الرجل حسن المنظر جميل الطلعة ما وسعه ذلك، وأن ~~تقع عليه العين فلا تقتحمه، وتبلغه الأبصار فلا تزور عنه ولا تعدوه إلى سواه، ذلك أدنى أن ~~يحببه إلى النفوس، ويحسن مكانه في القلوب، ويجعل محضره خفيفا، وعشرته شيئا يطلب، ويرغب ~~فيه. # وكان الله قد منح صاحبنا حظا من جمال الخلقة، وخلقه في تقويم حسن، فزاده ذلك عناية ~~بنفسه، واهتماما بمنظره، وشجعه الناس على ذلك بما كانوا يهدون إليه من ثناء، وشجعه النساء ~~خاصة على ذلك بما كن ms101 يحمدن من صورته الرائعة، وزيه الأنيق، وحسن تلطفه في اللقاء والعشرة ~~والحديث، كل ذلك فرض عليه العناية بجسمه وزيه وشارته أكثر مما تعود الناس أن يصنعوا، فكان ~~يخلو في غرفته كل صباح، وكان يخلو في غرفته كل مساء وقتا غير قصير، ثم يخرج من غرفته ليغدو ~~إلى عمله أو ليروح إلى ناديه، فلا يكاد أهله يرونه حتى يحدث منظره الرائع في نفوسهم فجاءة ~~جديدة على كثرة معاشرتهم له، ومخالطتهم إياه. # وقد خلا في ذلك الصباح إلى نفسه في غرفته فأطال الخلوة، وغير وبدل من زيه ما استطاع ~~التغيير والتبديل حتى إذا أعد نفسه للناس أو اعتقد أنه أعد نفسه للناس، وهم أن يخرج ألقى ~~إلى المرآة هذه النظرة السريعة الخاطفة، التي كان يلقيها إليها دائما كأنما يسألها رأيها ~~الأخير قبل أن يخرج للقاء الناس، وكان رأيها الأخير دائما حسنا مقنعا يشيع في نفسه شيئا ~~من الرضى الهادئ، والثقة المنتظرة، ولكن رأي المرآة الأخير في ذلك الصباح لم يكن حسنا ولا ~~مقنعا، ولا مشبعا للرضى والثقة، وإنما كان مزعجا مروعا فلم تكد عينه تبلغ المرآة حتى ~~ارتدت عنها مذعورة، ثم عادت إليها مشفقة، وارتدت عنها، وقد نقلت إلى قلبه ذعرا يبلغ الهلع، ~~وإذا هو يرتد عن مكانه، ويرجع أدراجه مسرعا، ويحول وجهه عن المرآة تحويلا تاما حتى لا ~~تخطئ عينه فتمتد إليها مرة أخرى، وقد أخذ قلبه يخفق خفقانا شديدا سريعا متصلا، وأخذت ~~جبهته تنضح بشيء من عرق بارد، وأخذت قطرات من هذا العرق تنطبع على وجهه، وجعل الدوار يعبث ~~به، وبكل شيء من حوله حتى خيل إليه أن الغرفة كلها قد استدارت فأصبحت المرآة وراءه، وأصبحت ~~هذه المائدة التي كان يجلس إليها ليصلح من شأنه أمامه، وإذا هو مضطر إلى أن يتماسك ويتمالك، ~~وإذا هو عاجز عن ذلك فيجلس على أول كرسي يبلغه مضطربا ممعنا في الاضطراب حائرا لا يكاد ~~يتبين حيرته، ولا يكاد يتبين مصدرها، ومع ذلك فقد كان مصدر هذه الحيرة يسيرا جدا غريبا ~~جدا في وقت واحد. ms102 كان يسيرا؛ لأنه لم يكن إلا ما رأى في المرآة، وكان غريبا؛ لأنه لم ير ~~في المرآة وجهه، وإنما رأى أقبح وجه يمكن أن يكون الله قد خلقه، وأبشع منظر يمكن أن يمتحن ~~الله به الناس أو القرود، وقد طال جلوسه على كرسيه، وإطراقه إلى الأرض، وإغراقه في الحيرة، ~~ثم أخذ جسمه يهدأ شيئا فشيئا، وجعل قلبه يستقر في صدره قليلا قليلا، وامتدت يده فاترة ~~إلى منديل أمره على وجهه فجفف به العرق، وارتسمت على ثغره ابتسامة هادئة فيها شيء من غموض ~~وشيء من رضى، فقد ثابت نفسه إليه، وجعل يسخر من هذا الروع الذي ألم به فأكبر الظن أن شيئا ~~من علة قد ألم بمعدته فأفسد عليه مزاجه شيئا ما، ثم أنشأ يسأل نفسه عما طعم أمس وعما شرب، ~~فلم ينكر من طعامه ولا من شرابه شيئا، فقد طعم أمس وشرب كما كان يطعم ويشرب في كل يوم، ~~ولكن بمعدته شيئا من غير شك هو الذي خيل إليه ما خيل حين مد عينه إلى المرآة، ومن المحقق ~~أنه لم يكن يحس ألما، ولا يشعر بشيء مما يشعر به المرضى حين يطرأ عليهم المرض، ولكن لا ~~سبيل إلى تعليل هذه الظاهرة الطارئة إلا بشيء أصاب معدته أو كبده، وهو على كل حال قد استرد ~~شيئا من طمأنينته، فعاد إلى شأنه يصلح منه ما أفسد هذا الاضطراب، فلما بلغ من ذلك ما أرضاه ~~أزمع أن يخرج من غرفته دون أن يسأل هذه المرآة المشئومة عن شيء، ولكن الوسواس الخناس الذي ~~يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس، ألقى في روعه مع كثير من اللباقة والمكر، أن من الحق ~~عليه أن يسأل هذه المرآة التي تعود أن يسألها دائما، والتي تعودت أن تصدقه دائما، فمن ~~يدري لعل شيئا ألم به فغير من وجهه وشكله، وهو لا يدري، وما ينبغي أن يظهر الناس منه على ~~ما لا يحب أن يظهروا عليه، وقد ألقى نظرته إلى المرآة فارتدت عينه مذعورة، ثم عادت إلى ~~المرآة ms103 مشفقة ، ثم ارتدت وقد حملت إلى قلبه جزعا وهلعا، وإذا هو يجاهد ليحبس صيحة قد همت ~~أن تخرج من حلقه، فتملأ الغرفة من حوله، وتدعو إليه أهل الدار، ولكنه رد هذه الصيحة إلى ~~مستقرها، ولم يتح لها أن تنفجر، واستأنف اضطرابه ذاك، ثم ثابت إليه نفسه بعد لأي، فيسرع إلى ~~الجرس يدقه، فإذا دخلت عليه الخادم رفع إليها وجهه وظل صامتا حينا يريد أن يعرف أتنكر ~~الخادم من أمره شيئا، فلما رأى الخادم كدأبها كلما دعاها إليه قائمة واجمة تنتظر أمره لا ~~تنكر شيئا، ولا تعرف شيئا أو لا تظهر معرفة ولا إنكارا، قال لها في صوت يكاد يضطرب: ~~أنبئي سيدتك أني أنتظرها. وأقبلت زوجه بعد حين فرأته قائما باسما ينتظر مقدمها، فلما رأته ~~أخذها منظره كما تعود أن يأخذها كل صباح وكل مساء، وسألها هو أتنكرين من أمري شيئا، قالت ~~متضاحكة: وماذا تريد أن أنكر من أمرك؟! إنما أنت كما تعودت دائما أن أراك، رائع الشكل، ~~جميل المنظر، خلابا للنساء، إلى أين تريد أن تغدو اليوم، فإني أراك تكلفت عناية بزيك، قلما ~~تتكلفها؟ قال: وإلى أين أغدو إلا إلى عملي؟! # قالت: فإن عملك لا يحتاج إلى كل هذا التأنق، ولكنه أعاد عليها قوله: أفي الحق أنك لا ~~تنكرين مني شيئا؟ قالت: مغرقة في الضحك: في الحق إني أنكر منك هذا الإسراف في التجمل. قال ~~في شيء يشبه الذهول: إن هذه المرآة تنبئني بغير ما تقولين، ثم ألقى على المرآة نظرته ~~الخاطفة تلك، وارتد عنها، وجلا مذعورا يقول لامرأته: التمسي لي طبيبا. # وقد عاده طبيب وطبيب وطبيب، عادوه متفرقين، وعادوه مجتمعين، وفحصوا من جسمه كل ما يمكن أن ~~يفحصوا، وامتحنوا كل ما يمكن أن يمتحنوا، فلم يروا به بأسا، ولم يشخصوا له علة، ولم يصفوا ~~له دواء، وقال له قائلهم: ما نرى بجسمك من بأس، فالتمس دواء نفسك عند نفسك، فما نظن إلا أن ~~في ضميرك شيئا يؤذيك على علم منك أو على غير علم، وقد غيرت المرآة في غرفته ms104 مرة ومرة، ولكن ~~المرايا كلها جعلت كلما التمس نفسه فيها ردت إليه صورة غير صورته، وشكلا غير شكله، وملأت ~~قلبه فرقا وروعا، وقد تسامع أعوانه وأصحابه بأنه مريض منذ لزم غرفته، وانقطع عن عمله ~~فجعلوا يسعون إليه ليعودوه، يلقاه أقلهم، ويرد عنه أكثرهم، وينبئ أولئك وهؤلاء من أمره بغير ~~الحق، تخترع لهم العلل، وتبتكر لهم الأدواء فيصدق منهم من يصدق، ويكذب منهم من يكذب، ويشك ~~منهم من يشك، وكنت من هؤلاء الأصدقاء الذين سعوا إليه، وسألوا عنه، ثم أتيح لهم أن يروه، ~~وكنت أثيرا عنده كما كان أثيرا عندي، لا أخفي عليه من ذات نفسي شيئا كما لا يخفي علي من ~~ذات نفسه شيئا، ولقد لقيته فيمن لقيه من أصحابه ذات يوم فسمعنا منه، وقلنا له، وضربنا معه ~~أخماسا لأسداس في أمر علته. نصدق نحن في حيرتنا، ويتكلف هو لنا الحيرة تكلفا لا يكاد يخفى ~~علي، فلما هممنا أن ننصرف استبقاني في لباقة وظرف، فبقيت، ومضى الحديث بيننا ألوانا ساعة ~~من نهار، ثم عدنا إلى علته، فإذا هو يتحدث إلي بأمره كله في وضوح وجلاء. # قلت ضاحكا: ألعلك قرأت هذه القصة الإنجليزية التي كتبها أوسكار ويلد، وسماها صورة دوريان ~~جري، فإن فيها ما يشبه قصتك من بعض الوجوه. قال: فإنك تعلم أني لا أقرأ الإنجليزية، ولا ~~أقرأ لغة أوروبية، ولا أعرف أن هذه القصة قد نقلت إلى العربية. # قلت: أولم يتحدث إليك قط متحدث عن هذا الكتاب وكاتبه، قال: سمعت أطرافا من الحديث عن ~~أوسكار ويلد، ولكن لم أسمع عن هذا الكتاب من كتبه قليلا ولا كثيرا، فحدثني أنت عن هذا ~~الكتاب. قلت: لقد قرأته منذ زمن بعيد، وأذكر أنه يعرض على قرائه قصة فتى حسن، رائع الحسن، ~~جميل بارع الجمال، اتخذ له صديق مصور صورة تطابق شكله جمالا وروعة، وقد اقترف هذا الفتى ~~في مستقبل أيامه سيئات كثيرة، واجترح آثاما مختلفة، فبغضت إليه نفسه أشد البغض، وقبحت ~~صورته المصنوعة في عينه أشنع التقبيح، فنفاها من حجرات داره وغرفاته إلى ms105 حيث ينفي سقط ~~المتاع، ولكنه كان يلم بها من حين إلى حين تزيدا من بغضه لها، وسخطه عليها، واستعذابا ~~لهذا السخط وذلك البغض، ثم أصبح الناس ذات يوم فرأوه مقتولا إلى جانب صورته، أراد أن يمزق ~~الصورة فمزق صدره، وقد أراد أوسكار ويلد فيما أظن أن يصور تأثير الندم على ما يقترف من ~~الآثام في بعض الضمائر والنفوس، فلم تكن هذه إلا مرآة لضمير دوريان جري. رأى فيها ما كان ~~يملأ ضميره من السيئات المنكرة، والجرائم البشعة. # قال صاحبي في صوت يأتي من بعيد: وما أنا، وهذه القصة. قلت في صوت يأتي من بعيد أيضا: ~~خشيت أن تكون قد قرأتها أو سمعت عنها فأثرت في أعصابك تأثيرا سيئا، فما أكثر ما تؤثر ~~الكتب قيمها وسخيفها في أعصاب الناس، فتحملهم على غير ما أراد المؤلفون أن يحملوهم عليه. ~~قال صاحبي، وعلى ثغره ابتسامة حزينة: هون عليك! فإني لم أقرأ هذا الكتاب، ولم أسمع عنه، ولم ~~أتأثر به قليلا ولا كثيرا، ومع ذلك فإن من حقه أن يقرأ، قلت - وقد ندمت بعد ذلك على ما ~~قلت - فالتمس في أثناء نفسك، وأحناء قلبك خطأ، لعلك قد دفعت إليه، أو مساءة لعلك قد قدمتها ~~إلي بريء. فإني أعلم أنا نجهل من أمر الضمير الإنساني أكثر مما نعلم، ومن يدري لعل في ضميرك ~~الخفي ندما على شيء أتيته ثم أنسيته، ولعلك إن استكشفته أن تصلحه، وتستغفر الله منه فتقل ~~هذا الندم الذي أخشى أن يكون هو الذي ينغص عليك الحياة، وتركت صاحبي حائرا مبهوتا، ثم ~~أنبئت بعد أيام أنه يمرض في بعض المستشفيات، فلما سألت عن جلية ذلك قص على محدثي عجبا من ~~الأمر، فقد كان صديقي هذا البائس من قوم كرام مات أكثرهم، وبقي أقلهم، وكان الذين ماتوا - ~~رحمهم الله - يرتفعون عن الصغائر، ويمتنعون على الدنيات، وتأبى نفوسهم فيما تأبى جحود ~~العارف، وإنكار الجميل، ورثوا ذلك عن آبائهم، وأحبوا أن يورثوه أبناءهم، فحال بينهم وبين ~~ذلك هذا التطور الحديث الذي غير مقاييس الأشياء، وأدار ms106 أعمال الناس وأقوالهم على المنافع ~~العاجلة، والمآرب القريبة لأعلى ما كان يألف آباؤنا من رعاية الحق وتقدير المعروف، وكان ~~صديقي هذا البائس أحرص الناس على أن يشبه الذين سبقوه من قومه في كل ما كانوا يأتون ويدعون ~~من الأمر، ولكن أحداث الدهر، وخطوب الأيام، وما تحمل من رغبة ورهبة، ومن إغراء وتنفير كانت ~~أقوى من خلقه وإرادته، فلم يستطع أن يكون خليقا بالذين سبقوه من قومه، وإنما كان خليقا ~~بالذين عاصروه من أترابه كان قومه يستحيون من أنفسهم قبل أن يستحيوا من الناس، وكان هو ~~يستخفى من الناس، ولا يستخفي من ضميره ولا من الله وهما معه أينما كان، فلما قصصت عليه قصة ~~أوسكار ويلد كنت كأنما كشفت عن نفسه الغطاء، فأصبح يتحدث إلى امرأته، وإلى خاصته بأن هذا ~~الوجه القبيح الذي كان يراه في المرآة لم يكن وجهه، فوجهه ما زال جميلا رائعا، وإنما هو ~~مرآة ضميره؛ لأن ضميره بشع دميم. # ثم يمضي في حديثه فيقول: لا تنكروا مما أقول لكم شيئا، فإني لا أرى هذا الوجه البشع إذا ~~نظرت في المرآة فحسب، بل أنا أراه كلما خلوت إلى نفسي، أراه يحمله جسم كجسمي، وأراه يجلس ~~إلى غير بعيد ينظر إلي شذرا أول الأمر، ثم لا يزل يرفق بي، ويظهر الرقة لي حتى أطمئن إليه ~~فيحدثني في صوت هادئ رقيق عن سيئات تقدمت بها إلى الناس فيما مضى من الدهر، ثم يقول لي في ~~صوت هادئ يخيفني أشد الخوف ليتك لم تفعل، فقد كنت أراني جميلا فجعلتني قبيحا بشعا، وكنت ~~أراني سعيدا فجعلتني شقيا بائسا، فقد احتملت وحدي قبحي وبشاعتي وشقائي وبؤسي، ثم أعياني ~~احتمال هذا الثقل، فرأيت أن تشاركني في النهوض به، فسألزمك منذ الآن كما يلزم الظل صاحبه، ~~وأي غرابة في أن يلزم الضمير صاحبه، وكان صديقي البائس يقول ذلك لأهله وخاصته في صوت غريب ~~يملأ قلوبهم خوفا وإشفاقا ورحمة وعطفا، ثم كان يلح عليهم في ألا يخلوا بينه وبين نفسه، ~~فلزموه وأطالوا البقاء معه، ولكن بغضه ms107 لظله هذا أو لضميره هذا جعل يعظم ويشتد، كما أن حب ~~ظله وضميره له جعل يعظم ويشتد أيضا، فقد رأى ضميره في المرآة أول الأمر، ثم جعل يراه في ~~الخلوة بعد ذلك، ثم أصبح يراه حين يخلو إلى نفسه، وحين يحيط به أهله وخاصته، وإذا أمره ~~ينتهي به إلى الجنون الثائر أو إلى ما يشبه، وإذا أهله مضطرون إلى أن يمرضوه في بعض ~~المستشفيات التي تعالج فيها الأعصاب المريضة. # ليتني لم أكشف لصاحبي عن نفسه الغطاء، أستغفر الله ماذا أقول! وهل يزيد الكتاب على أن ~~يكشفوا للناس عن نفوسهم الغطاء. # | مدرسة الذباب # اضحكي يا سيدتي، واغرقي في الضحك، فذلك شيء يسرني ويرضيني؛ لأن الضحك خير من البكاء، ولأن ~~النشاط خير من الفتور، ولأن ذلك بعد لا يغض من هذا التشبيه الذي تضحكين منه، ولا يرده إلى ~~الضعف فضلا عن أن يرده إلى الفساد، فأنت تخدعين نفسك بهذا التناقض الذي ينخدع به أصحاب ~~السذاجة، ترين الذبابة كائنا يسيرا ضئيلا لا يكاد يشغل من الجو إذا استقل في الجو حيزا ~~ذا خطر، ولا يكاد يشغل من الجسم إن وقع على الجسم إلا مكانا لا يكاد يذكر، وترين صاحبنا ~~ضخما فخما، طويلا عريضا، يسعى فيسبقه بطنه، كأنما يفسح له الطريق، وهو على ذلك أو من ~~أجل ذلك يمشي ثقيلا بطيئا، كأنما يبذل أشق الجهد وأعنفه في كل خطوة يخطوها من خطواته هذه ~~القصار التي لا تكاد تقدمه إذا سعى إلا في كثير من العناء، فإذا أراد أن يجلس التمس هو أو ~~التمس الناس له ما يلائم جسمه الضخم الفخم من الكراسي العراض التي تستطيع أن تحتمل الأثقال ~~دون أن تنحل أو تنهار، فإذا تكلم ارتج من حوله كل شيء، واحتاج الناس إلى أن يرغبوا إليه في ~~أن يغض من صوته، ويخافت بحديثه إشفاقا على الأسماع أن تستك، وعلى الأسنان أن تصطك، وعلى ~~القلوب أن تنخلع، وعلى الرءوس أن يأخذها الدوار، وأنا مع ذلك أشبه هذا الكائن الهائل المخيف ~~بذلك الكائن الضئيل الخفيف، وأي ms108 غرابة في هذا، فإني لم أشبه جسما بجسم، ولا شكلا بشكل، ~~وإنما شبهت خلقا بخلق، ومزاجا بمزاج. # والله يولج الليل في النهار، ويولج النهار في الليل، ويخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من ~~الحي، وهو قادر إن شاء على أن يركب في الناس أخلاق الذباب، ويركب في الذباب أخلاق الناس، ~~ومن يدري لعلنا لو فهمنا طنين الذباب، واستطعنا أن نترجم ما يدور بين أفراده، وجماعاته من ~~الحديث، أن يتاح لنا أن نتبين أن الله قد ركب في الذباب أخلاق بعض الأفراد والجماعات من ~~الناس، ولكنا لم نعلم منطق الذباب، ولم يتح لنا أن نفهم لغته، ولا أن نستقصي ما يدور بين ~~أفراده من الأحاديث، ولا ما يكون بين جماعاته من الخطوب، فأما الإنسان فقد أتيح لنا أن نفهم ~~لغته، ونبلو أخباره، ونستقصي أنباءه، وأتيح لنا من أجل ذلك أن نتبين بعض ما فيه من الخصال ~~التي تقربه من كبار الحيوان حينا، ومن صغاره حينا آخر. # والذي أستطيع أن أحققه هو أن صاحبي هذا الفخم الضخم الطويل العريض قد فطر على شيء من ~~أخلاق الذباب، وأظهر ما ركب فيه من ذلك، هذا التهالك الملح الذي يمنعه أن يعيش بنفسه، وأن ~~يعيش لنفسه، وأن يستقل بشخصه لحظة من لحظات الحياة، فهو دائما تابع لشيء أو تابع لإنسان، ~~وهو دائما ملح في التتبع للأشياء وللناس، وهو يحيا من هذا التتبع، ولا يستطيع أن يحيا ~~بدونه، وهو من أجل هذا مدفوع إليه بالغريزة القاهرة التي لا يدبرها عقل، ولا تصرفها إرادة، ~~وإنما هي مندفعة أمامها لا تردها الأحداث، ولا تصدها الخطوب. # وهنا يظهر الفرق الواضح بين صاحبنا وبين الذباب؛ فليس للذباب ما يحميه منا إن أردنا أن ~~نرده أو نصده أو نخلص منه؛ بل كل شيء يغرينا بذلك، ويحثنا عليه، ولكن صاحبنا قد وجد من ~~الحياة الاجتماعية، ومن نظم الحضارة وقوانينها، ومن الشرائع المنزلة، والشرائع المتكلفة ما ~~يوفر له الحماية كل الحماية، ويبيح له أن يكلف الناس من أمرهم شططا، وأن يعذبهم عذابا ~~أليما، ms109 فهم لا يستطيعون أن يصدوه في رفق دون أن يخرجوا على قوانين العرف المألوف، والأدب ~~الموروث، وهم لا يستطيعون أن يصدوه في عنف دون أن يخرجوا على النظم والقوانين التي لا ~~يستبيح الرجل المتحضر أن يخرج عليها، والتي لا تسمح لمتحضر أو غير متحضر بالخروج ~~عليها. # فنحن مضطرون إلى أن نحتمله طائعين أو كارهين، وإلى أن نشقى به راضين بذلك أو ساخطين عليه، ~~وهو يعلم ذلك حق العلم، ويشعر بذلك أقوى الشعور فيستغل ذلك أبشع الاستغلال، وينتفع به أقبح ~~الانتفاع، وينمي في نفسه أخلاق الذباب ما وجد إلى تنميتها سبيلا، ولو أتيح لك يا سيدتي أن ~~تجربي معاملة الذباب على نحو ما نعامل صاحبنا لرأيت الذباب يضخم ويعظم ويثقل، ويلح ويسرف في ~~الإلحاح، ويستغل ما ييسر له من الأسباب حتى يبلغ من ضخامة الجسم وفخامته، ومن ارتفاع الطنين ~~واتساعه ما يملأ الحياة هولا وروعا، ولكن الذباب لا يجد ما يحميه كما يجد صاحبنا وأمثاله ~~ما يحميهم، فهم يسعدون بشقائنا، وينعمون ببأسائنا، ويحققون من الآمال والمآرب ما لا يستطيع ~~الذباب المسكين أن يحقق، وانظري يا سيدتي لقد انتهى بي الأمر إلى أن أرحم الذباب، وأشفق ~~عليه، وأرثي له حين أوازن بينه وبين هذا الذباب الناطق؛ لأنه لا يبلغ من حياته البائسة ~~التعسة مثل ما يبلغ الذباب الناطق من حياته السعيدة الناعمة. # ولم يكن صاحبنا هذا دائما ضخما فخما كما ترينه الآن، وإنما كان نحيلا ضئيلا لا يكاد ~~يملأ العين، وكان خفيف الحركة شديد النشاط لا يكاد يستقر في مكان، ولا يخيل إلى من رآه ~~ساعيا مضطربا أنه يمشي على الأرض، وإنما يخيل إليه أنه يمشي في الهواء، وقد ظهرت فيه ~~أخلاق الذباب هذه منذ طفولته الأولى في المدرسة فلم يكن كغيره من رفاقه يكتفي بهذه الحياة ~~الاجتماعية الحلوة التي يحياها التلاميذ، فيلعب مع أترابه حين يلعبون، ويفرغ معهم للدرس حين ~~يفرغون للدرس، ويستمع معهم للأساتذة حين يستمعون للأساتذة، إنما كان متهالكا على أترابه ~~وأساتذته ما وجد إلى هذا التهالك سبيلا، فإن ms110 أعياه ذلك تهالك على خدم المدرسة والموظفين ~~الذين يعملون فيها، وقد حسن الظن به أول الأمر، فقرر الذين كانوا يعيشون من حوله أنه عطوف ~~ألوف يتودد إلى أمثاله من الناس سواء أوافقوه في السن أم خالفوه فيها، ولكنهم لم يلبثوا أن ~~ضاقوا بهذا العطف واستثقلوا هذا الألف، وجعلوا يتدافعونه، ويلقي بعضهم حمله على بعض، ثم ~~جعلوا يفرون منه جماعات وأفرادا، ولكنهم لم يستطيعوا أن يدفعوه، ولم تغن عنهم محاولة ~~الفرار منه شيئا. # فهو لم يكن ذبابا غافلا، وإنما كان ذبابا عاقلا، والعقل يفتق الحيلة، ويحسن التماس ~~الوسائل، ويمكن صاحبه من التلطف، وحسن التأتي للعسير من الأمر، وقد عرف صاحبنا كيف يحتال، ~~وكيف يبتغي الوسيلة إلى الأتراب وإلى الأساتذة، وإذا هم يشقون به ويصبرون على احتماله، ~~ويبذلون له من ذات أنفسهم، ومن ذات أبدانهم ما يستطيعون؛ ليتخففوا منه، وليخلصوا من إلحاحه ~~البغيض، وقد أدرك بعقله النافذ، وحيلته الواسعة ضعف الأتراب والأساتذة، فلم يزده ذلك إلا ~~تتبعا لهم، وإلحاحا عليهم حتى أخافهم من نفسه، وتسلط عليهم بهذا الخوف الذي أشاعه في ~~النفوس والقلوب. # وكذلك أنفق حياته في المدرسة الابتدائية والثانوية متهالكا لا يكاد يستقل، منتفعا لا ~~يكاد ينفع حتى إذا أتم الدراسة الثانوية، ووجد عملا في بعض الدواوين تتبع زملاءه ورؤساءه ~~بمثل ما كان يتتبع به الرفاق والأساتذة من التهالك والإلحاح، والغريب أنه بلغ في الديوان ~~مثل ما بلغ في المدرسة من إكراه الزملاء والرؤساء على أن يقبلوه ويحملوه وينفعوه، يريد ~~بعضهم بذلك أن يتخفف من عبء ثقيل، ويريد بعضهم بذلك أن يخلص من هم متصل، وصاحبنا يرى هذا ~~كله، ويقدر هذا كله، ولا يحفل من هذا كله إلا لشيء واحد هو أن يتهالك على الزملاء والرؤساء؛ ~~لينتفع ويستفيد، وما يعنيه أن يحبه هذا أو يبغضه، وما يعنيه أن ينفعه هذا استجابة للخير أو ~~اتقاء للشر، كل هذه أمور لا تشغله، ولا تؤثر في نفسه كل التأثير؛ هو أن ينتفع مهما يكن ~~المصدر الذي يأتيه منه النفع، ومهما تكن البواعث التي تدفع ms111 الناس إلى أن ينفعوه. # وقد قلت إنه لم يكن ذبابا غافلا، وإنما كان ذبابا عاقلا، ويجب أن أقول إنه كان ذبابا ~~ذكيا أيضا، فكان يحسن الانتهاز للفرص، والانتفاع من الظروف، ولم يكن - ولا سيما بعد أن ~~تقدمت به السن - يهجم على فريسته كما يهجم الذباب في غير حيلة ولا تلطف ولا احتياط، وإنما ~~كان يدبر أمره تدبيرا لطيفا خفيفا فيتواضع ويتضاءل حتى يخيل إلى الزميل، أو إلى الرئيس ~~أنه الخادم المطيع الذي لا يحب إلا أن يكون عندما يريد منه، فهو يسبق الزميل أو الرئيس إلى ~~ما يظن أنه يرضيه، وإلى ما يقدر أنه يسره، ولا تسألي عن تلطفه في القول، وتظرفه في الحديث، ~~وحسن سعيه إلى القلوب، فإذا بلغ من رضى الزميل أو الرئيس ما يريد، لم يعرف كيف ينصرف عنه، ~~وإنما تهالك وألح في التهالك، ثم طلب وألح في الطلب حتى يكره الزميل أو الرئيس على أن يبلغه ~~من الأمر ما يريد؛ ليخلص من هذا التهالك، ويستريح من هذا الإلحاح. # وتستطيعين يا سيدتي أن تتبعي سيرته في الدواوين فسترينها رائعة حقا، وسترينها مؤذية ~~حقا، وأي غرابة في أن تجمع سيرة الرجل الواحد بين الروعة والإيذاء، وليست الروعة مقصورة ~~على ما يعجب ويروق، ولكنها أيضا تكون فيما يؤذي ويسوء. # وقد عرف صاحبنا من خصال الرؤساء في الدواوين أيام شبابه الأول ميلهم إلى أن يتتبعوا أخبار ~~المرءوسين، ويستقصوا أسرارهم، ويستكشفوا سرائرهم، فأحسن انتهاز الفرصة السانحة، والانتفاع ~~بالظروف المواتية، وأصبح لكل زميل صديقا حميما، وخليلا مداخلا يظهره من حياته على كل ~~شيء، وليظهر هو من حياة صديقه وزميله على كل شيء، ولكن زميله كان يعرف من حياته ما يعرف، ثم ~~يقف من هذه المعرفة، فأما هو فلم تكن هذه المعرفة عنده إلا الخطوة الأولى، فأما الخطوة ~~الثانية: فهي التغيير والتبديل فيما عرف، ثم نقل ذلك إلى الرؤساء؛ ليتحفظوا، ويحتاطوا ~~لأنفسهم ولأعمالهم، وكذلك بلغ صاحبنا من التهالك المتجسس أو من التجسس المتهالك ما كان ~~يريد، فارتقى في المناصب والدرجات رقيا سريعا متصلا، ms112 وظفر في كل منصب شغله، وفي كل درجة ~~ارتقى إليها بما أراد من ثقة الزملاء، وحب الرؤساء، والغريب أنه إلى تهالكه وتجسسه وإلى ~~عقله وذكائه، قد أضاف خصلة عظيمة الخطر في حياة أمثاله، وهي قوة الذاكرة، وسعة الحافظة فلم ~~يكن ينسى شيئا، ولم يكن ينسى أحدا، وهو بهذه الخصلة قد استطاع أن يستبقي عهده بجميع الذين ~~عرفهم، وعمل معهم في الدواوين المختلفة التي مر بها، وفي المناصب المختلفة التي ارتقى ~~إليها. # وقد عرف من سيرته هو ومن تجاربه الخاصة مقدار ما كان يؤدي إلى الرؤساء من خدمة بمداخلته ~~للزملاء، وتعرفه أخبارهم وأسرارهم، وتجسسه عليهم، وعرف في الوقت نفسه مقدار ما انتفع به من ~~هذه السيرة، وكان أذكى من رؤسائه، وأنفذ منهم بصيرة، فقرر فيما بينه وبين نفسه حين واتاه ~~الحظ، وأتيح له التسلط أن يتخذ لنفسه الجواسيس الذين ينقلون إليه الأخبار، ويظهرونه على ~~الأسرار كما كان هو جاسوسا، ولكن بشرط ألا ينفع جواسيسه كما نفعه الذين استخدموه، وربما ~~كان مصدر هذه الخطة التي اتخذها لنفسه أنه كان أثرا يرى أن النفع يجب أن يكون مقصورا عليه ~~لا يتجاوزه إلى غيره، وربما كان مصدر هذه الخطة أنه كان معتدا بنفسه يرى أن واحدا لن ~~يحسن التجسس كما هو يحسن التجسس للرؤساء، وربما كان مصدر هذه الخطة أنه كان يرى أن التجسس ~~خصلة وضيعة لا يستحق أصحابها مكافأة ولا حياة، لا أن تقترن ببراعة ممتازة كبراعته، وذكاء ~~متفوق كذكائه، وشخصية نادرة كشخصيته، وإلا أن يكون الغرض منها هو تمكين هذه البراعة ~~الممتازة والذكاء المتفوق، والشخصية النادرة من أن تؤتي ثمراتها، فترقى بهذا الإنسان الفذ ~~إلى حيث ينبغي له من النجح والتفوق والامتياز، وليس هذا الإنسان الفذ إلا شخصه الذي عرف كيف ~~يذلل العقاب، ويقهر الصعاب، وينفذ من الخطوب، ويعبث بهذه العقول الكثيرة التي عبث بها منذ ~~كان تلميذا صبيا في المدرسة الابتدائية، إلى أن أصبح موظفا كبيرا يأمر فلا يخالف عن ~~أمره أحد، وينهي فلا يتجاوز حدود نهيه أحد، وربما كان مصدر ms113 هذه الخطة كل هذه الأمور مجتمعة، ~~والشيء الذي ليس فيه شك هو أن يزدري التجسس والمتجسسين أشد الازدراء، ويستغل التجسس ~~والمتجسسين أشد الاستغلال، وينظر إلى الحياة والأحياء نظرة غامضة تدل على النبوغ الذي لا شك ~~فيه؛ لأنها تصور خصلتين اثنتين لا توجدان إلا في نفوس النوابغ والأفذاذ؛ الأولى: إيمانه ~~بنفسه إلى غير حد، والثانية: احتقاره لغيره إلى غير حد. # وإذا اجتمعت هاتان الخصلتان في نفس رجل واحد كان خليقا أن يرى نفسه غاية الغايات، وغرض ~~الأغراض، وأن يقتنع بأن العالم لم يخلق إلا له، ولم يوقف إلا عليه، وأن ينتهي به الأمر إلى ~~غرور بغيض. # قالت السيدة، وكانت أديبة أريبة: صدق الله العظيم # يا أيها ~~الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون ~~الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم ~~الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب ~~والمطلوب ~~. ms114