######OpenITI# #META# URI: 1392TahaHusayn.JannatShawk.Hindawi96918483 #META# Tags: literature #META# ID: 96918483 #META# Title: جَنَّة الشَّوْك #META# AuthorID: 59624258 #META# Author: طه حسين #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # تقدمة‏ # جنة الشوك‏ # تقدمة‏ # جنة الشوك‏ # | جنة الشوك # | جنة الشوك # تأليف # طه حسين # لا يراني الله أرعى روضة # سهلة الأكناف من شاء رعاها # موفق الدين الإربلي # إني أبغض الشعر اليسير، وأكره الطريق المطروقة التي يسلكها كل إنسان، ولا ~~أشرب من الحوض المباح، وأعاف ما تبتذله الدهماء. # كليماك # | تقدمة # هذا لون من ألوان القول لم يطرقه أدباؤنا المعاصرون؛ لأنهم لم يلتفتوا إليه، أو لأنهم ~~لم يحفلوا به، مع أنه من أشد فنون القول ملاءمة لهذا العصر الذي نعيش فيه، فنحن ~~نعيش في عصر انتقال كما يقال لنا منذ أخذنا نعرف الحياة، وعصور الانتقال تمتاز ~~بما يكثر فيها من اضطراب الرأي، واختلاط الأمر، وانحراف السيرة الفردية والاجتماعية ~~عن المألوف من مناهج الحياة؛ وهذا كله يدفع إلى النقد، ويحمل على العناية بإصلاح ~~الفاسد وتقويم المعوج، والدلالة على الخير ليقصد إليه، وعلى الشر لتتنكب ~~سبيله، وإظهار ما يحسن وما لا يحسن في صورة قوية أخاذة، عميقة الأثر في النفوس، ~~شديدة الاستهواء للذوق، عظيمة الحظ من ملاءمة الطبع. # ونحن نعيش في عصر ما زلنا نسمع أنه عصر السرعة، يقصر فيه الوقت مهما يكن طويلا ~~عما نحتاج إلى أن ننهض به من الأعباء التي لم تكثر ولم تثقل على الناس في عصر من ~~العصور، كما تكثر وتثقل وتتنوع وتزدحم في هذه الأيام؛ وهذا كله يحمل على أن نؤثر ~~الإيجاز على الإطناب، ونقصد إلى ما يلائم وقتنا القصير وعملنا الكثير، وهذه اللحظات ~~التي يتاح لنا فيها شيء من الفراغ للاستمتاع بلذات الأدب الخالص والفن ~~الرفيع. # وليس من شك في أن حياتنا الحديثة قد وجدت من أدبنا الحديث مرآة صادقة تصورها ~~أحسن التصوير وأدقه وأعظمه حظا من إمتاع العقل وإرضاء الذوق وملاءمة الطبع؛ فقد ~~عرفنا المقالة منذ أواخر القرن الماضي، وعرفنا أنواعها المختلفة وفنونها المتباينة ~~ومحاولاتها الناجحة لتصوير ما نحتاج إلى أن يصور لنا من ضروب الحياة التي نحياها، ~~ناقدة مرة ومقرظة مرة أخرى، معلمة مرة ومعنية بالإمتاع الفني مرة أخرى، متناولة ~~للسياسة على اختلاف ألوانها، وللحياة الاجتماعية ms01 على تباين أشكالها، وللحياة العقلية ~~على تنوع فروعها. # ثم عرفنا القصة التي تقصد تارة إلى الأدب الخالص، وتارة إلى تصوير الحياة المصرية ~~أو الحياة الإنسانية بوجه عام. وعرفنا الكتب التي يهجم أصحابها فيها على ضرب من ضروب ~~الحياة ينقدونه نقدا مباشرا، أو على لون من ألوان الحياة يحببونه إلى الناس ~~ويدعونهم إليه، أو على مسألة من مسائل العلم، أو قضية من قضايا الفلسفة، أو مذهب من ~~مذاهب الأخلاق، أو اتجاه من اتجاهات الفن والأدب. كل ذلك وأكثر من ذلك قد ظهر به ~~أدبنا الحديث، وانتهى منه إلى حظ لا بأس به، ولكنه مهما يبلغ من الرقي، ومهما يعظم ~~حظه من التنوع والاختلاف والخصب؛ فلن يغني عن هذا الفن الجديد القديم الذي ينقد ~~في سرعة وخفة ودقة وإيجاز، ويحاول مع هذا كله أن يكون كلاما مختارا يروق بلفظه ~~ومعناه كما يروق بصيغته وأسلوبه، ويصلح من أجل هذا كله لأن يكون أدبا يجد القارئ فيه ~~ما يحب أن يجد في الأدب من لذة العقل والذوق والقلب والأذن واللسان جميعا. # وقد قلت إن هذا الفن جديد قديم، ولا بد من أن أفسر هذه العبارة التي تظهر ~~متناقضة، وهي على ذلك صادقة كل الصدق، ملائمة كل الملائمة لحقائق التاريخ الأدبي ~~العام من جهة، ولحقائق التاريخ الأدبي العربي من جهة أخرى. وأول حقيقة يجب تقريرها هي ~~أن هذا الفن كغيره من فنون القول قد نشأ منظوما لا منثورا؛ فهو منذ نشأته الأولى في ~~الأدب اليوناني مذهب من مذاهب الشعر ولون من ألوانه، نشأ يسيرا ضئيلا، ثم أخذ أمره ~~يعظم شيئا فشيئا، حتى سيطر أو كاد يسيطر على الأدب اليوناني في الإسكندرية وغيرها ~~من الحواضر اليونانية، في العصر الذي تلا فتوح الإسكندر. وقد نشأ كذلك في الأدب ~~اللاتيني ضئيلا يسيرا، حتى إذا اتصل الأدباء اللاتينيون بالأدب اليوناني عامة ~~والأدب الإسكندري خاصة؛ ترجموا ثم قلدوا ثم برعوا، حتى أصبح هذا الفن من فنون ~~الشعر اللاتيني ممتازا أشد الامتياز وأعظمه في القرنين الأول والثاني للمسيح، أي في ~~العصر ms02 المجيد من عصور الإمبراطورية الرومانية. # أما في أدبنا العربي فقد تأخرت نشأته شيئا ما؛ فلم يكد يعرفه الأدب الجاهلي، أو ~~نحن لا نعرف من الأدب الجاهلي ما يمكنا من أن نقطع بأن الشعراء الجاهليين قد حاولوا ~~أو قصدوا إليه. ولم يعرفه الأدب الإسلامي، # 1 # وأكبر الظن أن الشعراء الإسلاميين لم يعرفوه؛ لأنهم لم يرثوه عن الفحول ~~الجاهليين، ولأنهم لم يشهدوا حياة متحضرة مترفة كالتي عرفها شعراء الإسكندرية ~~وشعراء روما، وإنما عرفوا حياة قد اتصلت بالحضارة ولكنها لم تبرأ من البداوة، وقد ~~حفظت تراثا قديما ضخما ومذهبا في الشعر مألوفا، أخص ما يمتاز به طول النفس؛ ~~حتى يؤدي الشاعر ما يحتاج إلى تأديته في أناة ومهل، لا تمتاز بالقصر ولا ~~بالاختصار. # فلما كان العصر الثاني من عصور الحضارة الإسلامية، أزهر في العراق هذا الأدب العباسي ~~الجديد، وظهر هذا الفن في الأدب العربي قويا خصبا مختلفا ألوانه في البصرة ~~والكوفة وبغداد، ولكن حياته لم تطل، وإنما اقتضت ظروف السياسة والأدب أن يعدل ~~الشعراء الفحول عنه عدولا يوشك أن يكون تاما، وأن يستخفي به بعض الشعراء وبعض ~~الكتاب، بل بعض الذين لا تعرف لهم سابقة في الشعر ولا في النثر، لأسباب قد ~~أبينها في غير هذا الحديث. # ثم كانت عصور الضعف الأدبي، فذهب هذا الفن من فنون القول فيما ذهب، واستؤنفت في ~~عصرنا الحديث حياة أدبية تقليدية عني فيها أدباؤنا بعمود الشعر، ولم يخالفوا عن سنة ~~الفحول من الجاهليين والإسلاميين والمحدثين، فلم يحفلوا بهذا الفن الذي لم يزدهر ~~في تاريخ الشعر العربي إلا وقتا قصيرا، وقد نقلت الآداب اليونانية واللاتينية إلى ~~اللغات الأوروبية في العصر الحديث، فقلد الشعراء الأوروبيون في هذا الفن كما ~~قلدوا في غيره من الفنون، ثم ابتكروا فيه كما ابتكروا في غيره من الفنون، حتى أغنوا ~~آدابهم منه بألوان رائعة، ولكن النهضة الشعرية التي دفع الأوروبيون إليها منذ أواخر ~~القرن الثامن عشر، صرفتهم عنه إلى مذاهب أخرى من الشعر صرفا يوشك أن يكون ~~تاما. # فأنت ترى من هذه الخلاصة القصيرة ms03 القاصرة أننا بإزاء فن من فنون الشعر عرفته الآداب ~~الكبرى القديمة والحديثة، وسبق إليه اليونان كما سبقوا إلى غيره من فنون الشعر ~~والنثر. فإذا كان في هذا اللون الذي يعرض عليك في هذا الكتاب من ألوان الكلام شيء ~~جديد، فهو أنه يعرض عليك نثرا لا شعرا؛ لأن الذي يقدم إليك هذا الكتاب لم ~~يتح له قرض الشعر من ناحية، ولأنه كغيره من الكتاب القدماء في الأدب العربي لا ~~يكره أن يزاحم الشعراء على فنون الشعر، وأن يوسع ميدان النثر على حسابهم بين حين ~~وحين. وقديما طرق الكتاب في البصرة وبغداد وغيرهما من الحواضر الإسلامية فنونا ~~كان الشعراء يحتكرونها لأنفسهم، فلم يمنعهم ذلك من أن يجيدوا التقليد، ثم لم يمنعهم ~~ذلك من أن يجيدوا الابتكار، ثم لم يمنعهم ذلك من أن يكونوا أئمة يذهب الشعراء في ~~الشعر مذهبهم في النثر، وما أظن أن حل المنظوم ونظم المنثور يدلان على شيء غير هذا ~~الذي أشرت إليه. # ولكن من حقك أن تسألني عن هذا الفن الغريب الذي أطلت القول في تاريخه دون أن ~~أبين لك حقيقته، وأعرض عليك خصائصه، وأفرق لك بينه وبين غيره من فنون الشعر، ~~وليس المهم هو أني أحسنت ابتغاء الوسيلة إلى نفسك أو لم أحسنه، حين بدأت بهذا ~~الكلام الكثير عن فن لم أبين لك عن حقيقته ولا عن خصائصه، وإنما المهم هو أن أكشف ~~لك عن هذه الحقيقة، وأعرض عليك هذه الخصائص؛ لنستطيع أن نمضي معا على شيء من البصيرة ~~والثقة فيما نستأنف من القول. # ويجب أن أعترف بأني لا أعرف لهذا الفن من الشعر في لغتنا العربية اسما واضحا ~~متفقا عليه، وإنما أعرف له اسمه الأوروبي؛ فقد سماه اليونانيون واللاتينيون ~~«إبيجراما» أي نقشا، واشتقوا هذا الاسم اشتقاقا يسيرا قريبا من أن هذا الفن قد ~~نشأ منقوشا على الأحجار، فقد كان القدماء ينقشون على قبور الموتى، وفي معابد الآلهة، ~~وعلى التماثيل والآنية والأداة؛ البيت أو الأبيات من الشعر، يؤدون فيها غرضا قريبا ~~أول الأمر، ثم أخذ هذا الفن ms04 يعظم ويتعقد أمره، حتى نأى عن الأحجار، واستطاع أن يعيش ~~في الذاكرة وعلى أطراف الألسنة، ثم استطاع أن يعيش على أسلات الأقلام وفي بطون الكتب ~~والدواوين. وقد أطلق اليونانيون واللاتينيون كلمة «إبيجراما» أول الأمر على هذا الشعر ~~القصير الذي كان ينقش على الأحجار، ثم على كل شعر قصير، ثم على الشعر القصير الذي ~~كانت تصور فيه عاطفة من عواطف الحب أو نزعة من نزعات المدح، أو نزغة من نزغات ~~الهجاء، ثم غلب الهجاء على هذا الفن، ولا سيما عند الإسكندريين وشعراء روما، وإن لم ~~يخلص من الغزل والمدح. فلما كان العصر الحديث لم يكن الشعراء الأوروبيون يطلقون هذا ~~الاسم إلا على الشعر القصير الذي يقصد به إلى النقد والهجاء. # أما أدبنا العربي فإنه لم يحفل بأن يلتمس لهذا الفن اسما خاصا، وإنما هو يقسم ~~الشعر من حيث الطول والقصر إلى القصيدة والمقطوعة، وهو يطلق اسم القصيدة على ~~الشعر الذي تتجاوز أبياته السبعة عند بعض النقاد والعشرة عند بعضهم الآخر، ويطلق ~~اسم المقطوعة على الأبيات التي لا تتجاوز السبعة أو العشرة، ومثل هذا يقال في الرجز؛ ~~فالأرجوزة هي التي تزيد على سبعة أبيات أو عشرة أبيات، والمقطوعة هي التي لا تزيد على ~~هذا العدد أو ذاك. وواضح أن كلمة المقطوعة يمكن أن تدل على كل مذهب شعر لم يزد على ~~هذا العدد أو ذاك مهما يكن موضوعه، ومهما يكن مذهب الشاعر فيه؛ فهي لا تدل على هذا ~~المعنى المحدود كما تدل كلمة «إبيجراما» عليه عند اليونانيين واللاتينيين والفرنج، ~~ولكن هذا لا يمنع أن هذا الفن قد وجد في أدبنا العربي وجودا قويا بعيد الأثر ~~عظيم الخطر، على النحو الذي وجد عليه في الإسكندرية وروما وفي الحواضر الأوروبية في ~~العصر الحديث. # وأول ما يمتاز به هذا الفن أنه شعر قصير، فإذا طال فهو قصيدة في الغزل وفي المدح أو ~~الهجاء؛ فالقصر إذن خصلة مقومة لهذا الفن. ثم يمتاز بعد هذا القصر بالتأنق ~~الشديد في اختيار ألفاظه، بحيث ترتفع عن الألفاظ المبتذلة دون ms05 أن تبلغ رصانة اللفظ ~~الذي يقصد إليه الشعراء الفحول في القصائد الكبرى، وإنما هو شيء بين ذلك، لا يبتذل ~~حتى يفهمه الناس جميعا فتزهد فيه الخاصة، ولا يرتفع حتى لا يفهمه إلا المثقفون ~~الممتازون والذين يألفون لغة الفحول من الشعراء. # ومصدر ذلك أن هذا الفن إنما ازدهر وعظم خطره في عصور الحضارة المترفة التي تدعو إلى ~~التأنق وتدفع إلى التكلف، وتباعد بين الناس وبين عصور البداوة وآدابها الجزلة ~~التي تبهر وتروع، ولكن ذوقها يختص به المثقفون الممتازون دون هذه العامة التي تحيا ~~حياة مبتذلة وتصورها تصويرا مبتذلا. والواقع أن الشعراء الذين عنوا بهذا الفن ~~عناية خاصة، فوضعوا له أصوله وقوانينه، قد كانوا من شعراء القصور في الإسكندرية وروما ~~وفي كثير من الحواضر الأوروبية، وقد كانوا من الشعراء المتصلين بالقصور اتصالا ~~قويا أو ضعيفا في العصر العباسي الأول. فالشاعر اليوناني المبرز في هذا الفن ~~«كليماك» قد كان شاعر القصر في الإسكندرية أيام بطليموس الثاني، والشاعر اللاتيني ~~المبرز في هذا الفن «مارسيال» قد كان شاعر القصر في روما أيام الإمبراطور ~~«دوميسيانوس»، والشعراء العرب الذين عنوا بهذا الفن في البصرة والكوفة وبغداد قد ~~كانوا يتصلون بقصور الخلفاء والأمراء والوزراء في هذه الحواضر الثلاث من عواصم ~~الإسلام؛ فليس غريبا أن يتأثر هؤلاء الشعراء بهذه الحياة الناعمة المترفة التي تكون ~~في القصور، وليس غريبا أن يلائموا بين ما يختارون لمعانيهم من الألفاظ وبين ما في ~~هذه الحياة المترفة من التأنق والتكلف والامتياز. وليس معنى هذا أن الألفاظ التي ~~تختار لهذا الشعر يجب أن يبعد بها التأنق كل البعد عن الابتذال، أو ينأى بها كل ~~النأي عن جزالة الفحول، وإنما معناه أن الشاعر يجب ألا يلجأ إلى الألفاظ المبتذلة ~~المسرفة في الابتذال، أو الرصينة المغرقة في الرصانة، إلا حين يدعوه الفن إلى ذلك ~~ويضطره إليه اضطرارا. # ثم يمتاز هذا الفن بعد هاتين الخصلتين، أو قل إن شئت قبل هاتين الخصلتين، بخصلة ~~ثالثة تتصل بالمعنى، وهي أن يكون هذا المعنى أثرا من آثار العقل والإرادة والقلب ~~جميعا، ms06 فليس هو شعرا عاطفيا يصدر عن القلب أو يفيض به الطبع، وليس هو شعرا يصنعه ~~العقل وحده، وإنما هو مزاج من ذلك يسيطر الذوق عليه قبل كل شيء. أثر العقل فيه أنه ~~نقد لاذع، أو هجاء ممض، أو تصوير دقيق لشيء يكره أو يحب؛ وهذا كله يحتاج ~~إلى بحث وتفكر وإلى روية وتأمل، ولا يأتي مستجيبا لعاطفة من العواطف أو هوى من ~~الأهواء. وأثر الإرادة فيه أنه لا يأتي عفو الخاطر ولا فيض القريحة، وإنما يقصد ~~الشاعر إلى عمله وإنشائه، ويستعد لتجويده والتأنق فيه. وأثر القلب فيه أنه يفيض ~~عليه شيئا من حرارته وحياته، ويجري فيه روحا من قوته التي يجدها عندما يقبل ~~على الخير أو عندما ينفر من الشر، عندما يرضى، وعندما يسخط؛ فالمعنى في هذا الشعر يجب ~~أن يكون قويا حتى حين يظهر فيه الابتذال، وكل هذا لا يأتي إلا إذا صح التعاون ~~بين القلب والإرادة والعقل والذوق على هذا الإنشاء. # ثم يمتاز هذا الفن بخصلة أخرى لا أدري كيف أصورها، ولكن سأحاول ذلك كما أستطيع، وهي ~~أن تكون المقطوعة منه أشبه شيء بالنصل المرهف الرقيق ذي الطرف الضئيل الحاد، قد ~~ركب في سهم رشيق خفيف لا يكاد ينزع عن القوس حتى يبلغ الرمية، ثم ينفذ منها في ~~خفة وسرعة ورشاقة لا تكاد تحس. ومن هنا امتاز هذا الفن بالبيت الأخير أو البيتين ~~الأخيرين من المقطوعة؛ فهما يقومان منها مقام الطرف الضئيل النحيل الرقيق الرشيق من ~~نصل السهم، فإذا كانت المقطوعة بطيئة الحركة ثقيلة الوزن، فليست من هذا الفن في شيء. ~~وإذا أردت أن تلتمس لهذا الفن صورا شعرية تحقق هذه الخصال كلها في أدبنا العربي ~~فاعمد إلى شعر بشار وحماد ومطيع وأصحابهم في البصرة والكوفة وبغداد؛ فستجد من ذلك ~~أكثر مما تريد وأكثر مما تحب. # وهنا أصل إلى الخصلة الأخيرة التي شاعت في هذا الفن عند القدماء من اليونانيين ~~واللاتينيين والعرب، وإن لم تكن شاملة ولم تبلغ أن تصير قانونا من قوانين الفن، وهي ~~هذه الحرية المطلقة ms07 التي يتجاوز بها أصحابها حدود المألوف من السنن والعادات ~~والتقاليد، والتي تدفع أصحابها إلى الإفحاش في اللفظ، وإلى الإفحاش في المعنى، وإلى ~~التحرر مما يفرضه الذوق النقي على الرجل الكريم حين يتحدث إلى الناس أو حين يتحدث عن ~~الناس. وأنت واجد من هذا شيئا كثيرا عند بشار وأصحابه في البصرة والكوفة وبغداد، ~~كما أنك واجد منه شيئا كثيرا عند «كليماك» و«مارسيال» وأصحابهما من شعراء ~~الإسكندرية وروما، ولعلك تجد شيئا من هذا عند بعض الشعراء المحدثين قبل الثورة ~~الفرنسية في إيطاليا وفرنسا، ولكنه قليل بالقياس إلى ما تجده عند القدماء. # من هذا كله تتبين حقيقة هذا الفن وخصائصه، وتتبين بنوع خاص أنه لون من ألوان ~~الشعر الهجائي، يقصد به إلى القصر والخفة والحدة ليكون سريع الانتقال، يسير ~~الحفظ، كثير الدوران على ألسنة الناس، يسير الاستجابة إذا دعاه المتحدث في بعض ~~الحديث، أو الكاتب في بعض ما يكتب، أو المحاضر في بعض ما يحاضر، ثم ليكون مضحكا ~~للسامعين والقارئين بما فيه من عناصر الخفة والحدة والمفاجأة، ثم ليكون بالغ الأثر ~~آخر الأمر في نفوس الأفراد والجماعات، يدفعهم إلى ما يريد أن يدفعهم إليه من الخير، ~~ويردهم عما يريد أن يردهم عنه من الشر، في غير مشقة ظاهرة أو جهد عنيف. # وليس من شك في أنك قد ارتعت حين بلغت هذا الموضع من هذا الحديث؛ قد ارتعت من جهة، ~~وثار في نفسك حب الاستطلاع من جهة أخرى، فأنا أصور لك فنا من فنون النقد اللاذع ~~والهجاء الممض، الذي هو أشبه بالسهام التي لا تنزع عن القوس إلا أصمت ~~وأردت من تصيب. وأنا أصور لك فنا من فنون الهجاء لا يتورع أصحابه عن فاحش ~~اللفظ وقبيح المعنى وسيئ الرأي في الحياة والأحياء، وأنا أقدم لك هذا التصوير بين ~~يدي كلام أزعم أن بينه وبين هذا الفن صلة؛ فأنت مشفق مرتاع، تسأل نفسك إلام أريد ~~بهذا الكتاب؟ وما هذه السهام الرقيقة الرشيقة الموسومة المسمومة التي أرسلها؟ وإلى ~~من أريد أن أرسلها؟ كل هذه الأسئلة تخطر ms08 لك؛ فتثير في نفسك روعا وإشفاقا، وتثير في ~~نفسك شوقا إلى المعرفة وكلفا بالاستطلاع. فلا تشفق ولا ترتع، ولا تمن نفسك ~~الأماني، ولا تخدعها بالغرور؛ فليس في هذا الكتاب هجاء، وقد انقضى عصر الهجاء منذ ~~زمن طويل، وليس في هذا الكتاب سهام موسومة أو مسمومة، فقد انقضى عصر التراشق ~~بالسهام منذ عهد بعيد، ولست أريد بهذا الكتاب إلى أحد؛ فإني لا أعرف من أمر الذين ~~ألفتهم من قريب أو من بعيد إلا خيرا. # ولست أريد بهذا الكتاب إلى شيء إلا النقد الذي يسمونه بريئا في هذه الأيام، والنقد ~~الذي يوجه إلى ألوان من الحياة لا إلى أفراد بأعينهم من الناس. ومن المحقق أني ~~لم أخترع هذا الكلام من لا شيء، ولم أشتق هذه الصور من الهواء، ولم ألتمسها في ~~الصين ولا في اليابان ولا في بلاد الهند والسند، وإنما أنا أعيش في مصر، وأشارك ~~المصريين في الحياة التي يحيونها، وآخذ بحظي مما في هذه الحياة مما يرضي وما ~~يسخط، وأنا بعد ذلك أعرف أقطارا من الأرض سافرت إليها وأقمت فيها، أو قرأت عنها ~~في الكتب والأسفار، وأنا بعد هذا وذاك أعرف أجيالا من الناس عشت بينهم، أو قرأت ~~أخبارهم وعرفت آثارهم فيما استطعت أن أظهر عليه من آثار الناس في الشرق والغرب، وفي ~~الشمال والجنوب. ولست أزعم كما زعم أبو العلاء أني أعرف الناس جميعا، وأني قد تلوت ~~أجيال الناس جميعا؛ فقد كان أبو العلاء غاليا حين قال: # ما مر في هذه الدنيا بنو زمن # إلا وعندي من أنبائهم طرف # وأنا واثق كل الثقة بأن كثيرا من أبناء الزمان قد مروا في هذه الدنيا وليس عندي من ~~أنبائهم طرف طويل أو قصير، ولكني واثق بأني عرفت الناس، وبلوت أخبارهم وآثارهم إلى ~~حد ما، وتأثرت بما بلوت من ذلك؛ فسخطت حينا ورضيت أحيانا، وأظهرت ما وجدت من ~~السخط والرضا في صراحة واضحة تغنيني عن التلميح الغامض. # ثم أنا أثق بعد هذا بأن ما يقال في نقد الناس وحمدهم إنما هو أشبه ms09 بالمرايا، يرى ~~الناس فيها أنفسهم؛ لأننا لا ننقد عفاريت الجن، ولا نحمد الملائكة الأبرار، وإنما ~~ننقد ونحمد ما نرى وما نعلم من أعمال الناس وآثارهم. # فأنا صادق حين أقول إنك لن تجد في هذا الكتاب هجاء لاذعا، ولا نقدا ممضا، وأنا ~~صادق حين أقول إنك ستجد في هذا الكتاب مرايا يمكن أن ترى الناس فيها أنفسهم، وليس ~~عليهم ولا علي من ذلك بأس؛ فما أكثر ما نرى أنفسنا في كثير مما نقرأ من آداب ~~القدماء والمحدثين، مهما تكن اللغات والعصور والظروف والبيئات التي تنشأ فيها هذه ~~الآداب. # وأنت بعد هذا كله مضطر إلى أن تخفف من شوقك إلى المعرفة وكلفك بالاستطلاع؛ ~~فإني لا أريد أن أعلمك شيئا، ولن تتعلم من هذا الكتاب شيئا، وإنما هو كلام ~~ستقرؤه؛ فترضى عنه أو تسخط عليه من الناحية الفنية الخالصة لا أكثر ولا أقل. # وواضح أني لم أذهب مذهب القدماء في الاندفاع مع الحرية الجامحة؛ فالأدب العربي الحديث ~~أكرم علي وآثر عندي، وأنت وأنا أكرم على نفسي من أن أذهب هذا المذهب الذي قد مضى ~~مع أصحابه القدماء. # وإذا أردت أن تعرف الحق الصريح من أمر هذا الكتاب، فإني منبئك به في سذاجة يسيرة ~~لا تكلفك مشقة ولا جهدا؛ لأني أنا لم أتكلف في هذا الكلام مشقة ولا جهدا، فأنا ~~رجل أحب القراءة، وأحب القراءة المختلفة المتنوعة؛ أقرأ في الأدب العربي القديم ~~والحديث، وأقرأ في الآداب الأوروبية القديمة والحديثة، وأجد في هذه القراءة متعة ~~تكسب الحياة قيمة خاصة. ولكن قد أقف عند هذا الفن أو ذاك من فنون الأدب وقفة ~~خاصة، فأسأل نفسي: أيوجد هذا الفن في اللغة العربية أم لا يوجد؟ أو أسأل نفسي: ~~أتستجيب اللغة العربية لهذا الفن إن دعيت إليه أم لا تستجيب؟ ثم أسأل نفسي: ~~أقادر أنا على أن ألائم بين هذا الفن وبين اللغة العربية أم غير قادر؟ ولا أكاد ~~ألقي على نفسي هذا السؤال الأخير حتى أطلب إلى صاحبي أن يأخذ القلم والقرطاس، ثم آخذ ~~في الإملاء ويأخذ ms10 هو في الكتابة، فأما إن أحسست شيئا من التوفيق إلى ما أردت؛ ~~فأنا ماض في المحاولة حتى أنتهي بها إلى بعض غايتها، ثم أذيع ذلك في الناس ليقرءوا ~~وليرضوا وليسخطوا، وليقلد منهم المقلد، وليعرض منهم المعرض. وأما إن أحسست ~~عجزا عن هذه الملاءمة؛ فأنا أجدد المحاولة مرة ومرة، حتى إذا استيأست أعرضت عن ~~الإملاء، وأعرض صاحبي عن القلم والقرطاس. والذين يقرءون ما أذعت في الناس من الكتب ~~منذ أكثر من ربع قرن يستطيعون أن يروا ذلك في كثير مما أذعت فيهم، وأن يتبينوا في ~~وضوح وجلاء أني أستجيب حين أكتب - وحين أكتب في الأدب خاصة - لشيئين اثنين: أحدهما ~~ما أرى من رأي أو أجد من عاطفة وشعور، والآخر امتحان قدرة اللغة العربية على أن تقبل ~~فنونا من الأدب لم يطرقها القدماء، وامتحان قدرتي أنا على أن أكون الصلة بين اللغة ~~العربية وبين هذه الفنون والآداب. وقد قرأت فيما قرأت كثيرا من شعر القدماء ~~والمحدثين في اللغة العربية وفي غيرها من اللغات التي أستطيع أن أفهمها، وأعجبني هذا ~~الفن من فنون النقد والهجاء، ورأيت أن العرب قد أخذوا بحظ منه في القرن الثاني ~~فأجادوا، ولكنهم لم يكادوا يتجاوزون هجاء الأشخاص، وهذا العبث الذي كان القدماء ~~يألفونه ويتهالكون عليه، ثم رأيت أن هذا الفن قد ذوى زهره وغاض ماؤه حين انقضى ~~العصر العباسي الأول، وأن الشعراء الفحول قد عادوا إلى الهجاء الطويل، واستأنفوا مذهب ~~القدماء من أعلام الجاهلية والإسلام. # ولم أكن صاحب شعر ولا قدرة على النظم؛ فلم أحاول إذن أن أرد لهذا الفن حياته كما ~~ألفها أيام بشار وأصحابه، ولكن ما يمنعني أن أذهب في هذا الفن مذهب القدماء على أن ~~أتخذ النثر أداة مكان الشعر؟! # فلنجرب إذن، ولنمتحن أنفسنا، ولنمتحن لغتنا، ولنمتحن ذوق القراء، ~~وقد جربت وأذعت مقطوعات قليلة لا تبلغ الست أو السبع في الأهرام؛ فرضي الناس ~~وسخطوا، وأثنوا وعابوا. ولست أريد من الإنتاج الأدبي إلى أن أذوق الرضا والسخط ~~جميعا؛ وإذن فلنمض في التجربة، وقد مضيت، وهأنذا أقدم ms11 إليك مائة ونصف مائة ~~من هذه المقطوعات، فاقرأ إن شئت، وارض إن أثارت القراءة في نفسك الرضا، ~~واسخط إن أثارت القراءة في نفسك السخط، وأنا أعفيك من الثناء والتقريظ مخلصا، ~~وأبيح لك النقد والعيب مخلصا أيضا، وأتمنى أن يتاح للشباب من القراء أن يحاولوا ~~من ذلك مثل ما حاولت، ويبلغوا من ذلك أكثر مما بلغت؛ فالله يشهد ما كتبت ولا خطبت ~~ولا حاضرت إلا وفي نفسي أمنية هي أن أدفع الشباب إلى أن يعلموا ويعملوا وينتجوا، ~~ويتاح لهم أكثر مما أتيح لي من النجاح والتوفيق. # | جنة الشوك # دعاء # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: علمني كلمات أتجه بهن إلى الله في أعقاب ~~الصلوات الخمس؛ فإني أجد في نفسي حاجة إلى الدعاء في هذه الأيام ~~الشداد. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: سل الله يا بني أن يعصمك من صغر ~~النفس الذي تضخم له الأجسام، ومن ضيق العقل الذي تتسع له البطون، ومن قصر ~~الأمل الذي تمتد له أسباب الغرور. # وكنت حاضر هذا الحديث بين الأستاذ الشيخ والطالب الفتى؛ فقلت في نفسي: ما ~~أجدر الشباب المصريين أن يتخذوا من هذا الدعاء لأنفسهم برنامجا ~~وشعارا! # فيض # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: فسر لي قول القائل: «فاض الإناء». # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: هذا مجاز يا بني في كل أمر تجاوز ~~حده حتى أصبح لا يطاق. ألم تسمع قول الشاعر: # شكوت وما الشكوى لمثلي عادة # ولكن تفيض النفس عند امتلائها # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: فإني أعرف أوعية لا تمتلئ، وآنية لا ~~تفيض. # قال الأستاذ الشيخ مبتسما: وما ذاك؟ # قال الطالب الفتى: خزائن الأغنياء التي مهما يصب فيها من المال فهي ناقصة، ~~وجهنم التي يقال لها: هل امتلأت؟ فتقول: هل من مزيد؟ وعقول العلماء التي لا ~~تبلغ حظا من المعرفة إلا طمعت في أكثر منه. # قال الأستاذ الشيخ ضاحكا: لقد أصبحت حكيما منذ اليوم، ولكن تعلم أن ~~إناء واحدا قد يفيض؛ فيصبح مضربا للأمثال، ومصدرا للعبر، وبعيد الأثر في ~~حياة الأجيال. ألا تذكر سيل العرم ms12 ؟! # حرية # قال أحد أمراء الموصل وكان أريبا، لأحد ندمائه وكان أديبا: «ما شر ما ~~يمتحن به الأديب؟» # قال النديم وهو يبتسم: «فقدان الذوق الذي يجعل أدبه فاترا خيرا منه ~~البارد.» وأطرق النديم لحظة، ثم قال للأمير: «وما شر ما يمتحن به صاحب ~~السلطان؟» # قال الأمير وقد ظهر في وجهه العبوس: «ثناء الذين لا يحسنون الثناء، يقولون ~~فينا فلا يصدقهم أحد، ويقولون فينا فلا نصدقهم نحن؛ لأنهم يقولون فينا ~~وهم لا يصدقون أنفسهم.» قال أحد الجلساء: «فما يمنعكما أن تحظرا على الأديب ~~الذي لا ذوق له أن يحدث أدبا، وعلى المادح الذي لا فن له أن يحدث ~~مدحا؟!» # قال الأمير وعلى ثغره ابتسامة خير منها العبوس: «فإن الحرية تأمرنا أن نخلي ~~بين الناس وبين ما يقولون من الجد والهراء.» # حرية # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ألم تر إلى فلان ولد حرا، وشب ~~حرا، وشاخ حرا، فلما دنا من الهرم آثر الرق فيما بقي من الأيام على ~~الحرية التي صحبها في أكثر العمر؟! # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: أضعفته السن؛ فلم يستطع أن يحتمل ~~الشيخوخة والحرية معا، وأنت تعلم أن الحرية تحمل الأحرار أعباء ~~ثقالا. # أدب # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: أليس قد أدبنا الإسلام بأن نجلس بحيث ~~ينتهي بنا المجلس؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: بلى، ولكن إذا انتهى بك المجلس إلى حيث ~~تجاور من لا تحب أن يعرف السلطان أنك جاورته، فلا عليك أن تتخطى رقاب ~~الناس، وتجلس حيث تأمن الغضب ولا تتعرض للائمة، وقد أدبتنا الحياة بأن ~~الضرورات تبيح المحظورات. # حرية # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ما بال فلان يظهر سيرة الأحرار ويخفي ~~سيرة العبيد؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: ذلك أحرى أن يظهره على دخائل الأحرار ~~لينقلها إلى سادته. # حرية # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ما بال فلان يرى آراء المسرفين من أهل الشمال، ~~ويسير سيرة المسرفين من أهل اليمين؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: لأن له عقل الحر وأخلاق العبيد. # وصول # لم يكن شيئا ثم ارتقى حتى ms13 أصبح شيئا مذكورا، وقد سلك في تصعيده من الحضيض ~~إلى القمة طريقا وعرة ملتوية، يغمرها ضوء الشمس المشرقة المحرقة أحيانا، ~~وتنظر إليها الشمس من وراء نقاب من السحاب أحيانا أخرى، ويحجبها ظلام قاتم ~~فاحم في كثير من أجزائها. فلما ارتقى إلى القمة واطمأن في مكانه منها، نسي ~~ماضيه كله، وأعرض عن مستقبله كله، وعاش ليومه الذي هو فيه. # نسي الماضي فلم يتعظ، وأعرض عن المستقبل فلم يتحفظ، ومضى مع هواه طاغيا ~~باغيا، حتى أخاف الناس من نفسه، وأخاف نفسه من الناس؛ فلم يأمن إلى أحد، ولم ~~يأمن إليه أحد. وإذا هو مضطر إلى أن يظهر الحب لقوم يبغضهم أشد البغض، ~~وإذا الناس من حوله مضطرون إلى أن يظهروا له حبا متهالكا، ويضمروا له ~~بغضا مهلكا، وإذا الأسباب بينه وبين الناس ترث، حتى إذا أيسر الأمر ~~لينتهي بها إلى الانقطاع. # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: لقد سمعت منك ولكني لم أفهم عنك، وإنك ~~لتحدثني بالألغاز منذ حين، فماذا تعني وإلام تريد؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: إن حب الاستطلاع إن نفع في بعض الوقت ~~فقد يضر في بعضه الآخر، وما عليك أن تفهم شيئا وتغيب عنك أشياء! إنما هي ~~مرايا تنصب للناس، فلينظر فيها من يشاء وليعرض عنها من يشاء، وربما ~~كان الإعراض عنها خيرا من النظر فيها؛ فقد ينظر فيها من يحب الاستطلاع ~~مثلك، فيسوءه ما يرى لأنه يرى نفسه. # ضمائر # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ألا تحدثني عن هذه الضمائر التي تفعل ما ~~تشاء، ثم تستتر وراء أفعالها، وجوبا مرة، وجوازا مرة أخرى؛ فهي دانية ~~نائية، وبادية خافية، وهي ملحوظة غير ملفوظة، ومعقولة غير مقولة، وهي على ذلك ~~تكلف الأساتذة والتلاميذ هما ثقيلا، وعناء طويلا! # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: ما أنت وهذه الضمائر البريئة النقية! إنما ~~هي بنات الوهم، قد فرضها العلماء رياضة لعقول الطلاب، على التحليل والإعراب، ~~وهي لا تؤذي أحدا من قريب أو بعيد. فإذا علمت علمها، وذلك يسير؛ فدعها ~~وشأنها، وتحدث عن ضمائر أخرى أشد ms14 في حياة الناس خطرا، وأبعد في أعمالهم ~~أثرا، تستخفي في أعماق النفوس، عابسة تشيع الابتسام المريب، ومظلمة تنشر ~~الضوء المخيف. # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: لقد عدت إلى ما دأبت عليه من الألغاز، ~~فوضح لي بعض ما تقول! # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: ما تقول في ضمائر الأطباء حين يعودون المرضى، ~~وفي ضمائر المرءوسين حين يتلقون أمر الرؤساء، وفي ضمائر الطلاب حين يسمعون ~~دروس الأساتذة، وفي ضمائر بعض الأصدقاء حين يبتسمون للأصدقاء؟ # وكنت حاضر هذا الحديث، فتلوت قول الله عز وجل: # وتحسبهم أيقاظا وهم رقود ونقلبهم ذات ~~اليمين وذات الشمال وكلبهم باسط ذراعيه ~~بالوصيد لو اطلعت عليهم لوليت منهم ~~فرارا ولملئت منهم رعبا ~~. # جحود # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: قد سمعنا منك وفهمنا عنك، وأعجبنا بك، ولكنا ~~لم نؤمن لما حدثتنا به صباح اليوم؛ فقد فسرت لنا ما تقرأ في الكتب، ولم ~~تفسر لنا ما نرى في الحياة. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى في صوت يكاد يبين عن خوف دفين: وما ~~ذاك؟ # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: لقد أنبأتنا، كما أنبأتنا الكتب، بأن من ~~قدم إلى الناس خيرا لقي منهم خيرا، ومن قدم إلى الناس شرا لقي منهم ~~شرا، وقصصت علينا من كتاب المكافأة في ذلك قصصا رائعة، وأخبارا بارعة، ~~ولكنا ننظر فنرى الصنيعة لا تكاد تغرس في قلوب الناس حتى تستحيل إلى شجرة ~~الزقوم، تلك التي وصفها القرآن الكريم، بأنها طعام الأثيم، كالمهل يغلي في ~~البطون كغلي الحميم. # قال الأستاذ الشيخ وعلى وجهه ابتسامة رفيقة رقيقة: فإن هذه الشجرة كما وصفها ~~القرآن الكريم، تخرج في أصل الجحيم، وليست قلوب الناس كلهم جحيما؛ وإن منها ~~لجنات يستحيل فيها الشر خيرا، والمساءة إحسانا؛ فاجعل ما نقوله لك من هذا ~~عزاء عما تقوله لك الحياة، وقدم الخير غير يائس من أن تجزى عليه ~~بمثله. # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: فإني أكره أن أتجر بالمعروف، وأوثر أن ~~أقدم الخير لا ألتمس له جزاء، وأوثر إذا لم يكن بد من الجزاء أن أنتظره من ms15 ~~الله الذي لا يذهب العرف بينه وبين الناس. # وكنت حاضر هذا الحديث، فذكرت قول مؤرخ روماني عظيم قلما ينظر فيه الأدباء ~~المعاصرون: «إن الصنيعة لا تزال محتفظة بقيمتها ما دام شكرها يسيرا؛ فإذا ~~جلت عن الشكر جوزيت بالكفر والجحود.» # حمارا رهان # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: أي صديقيك شر: هذا الذي يوادك حين ~~تستغني عنه ويحادك حين تحتاج إليه، أم هذا الذي يكلؤك حين ترزؤك النقمة، ~~ويشنؤك حين تفجؤك النعمة؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: كلاهما مريض يا بني يحسن أن نلتمس له الطب ~~ونقدم إليه الدواء، فأما أولهما فعلته الأثرة التي تفسد المروءة، ~~وأما ثانيهما فعلته الحسد الذي يلبس ثوب الكبرياء. # وكنت حاضر هذا الحديث، فلم أستطع أن أدافع ضحكا عريضا؛ فنظر الشيخ ~~وتلميذه إلي في شيء من وجوم كأنهما يتسألان عن هذا الضحك، فقلت: أذكرتماني ~~قصة العبادي؛ فقد قيل له: أي حماريك شر؛ هذا الذي يبطئ بك حين تحتاج إلى ~~السرعة، أم هذا الذي يسرع بك حين تحتاج إلى الأناة؟ فقال: «هذا ثم ~~هذا.» # حلة # هم أمير الموصل أن يهدي إلى أحد ندمائه خلعة نفيسة، ثم غضب عليه لبعض الأمر ~~قبل أن تبلغه الهدية، وكان النديم طويلا في السماء عريضا في الفضاء، وقد أراد ~~الأمير أن يغيظه؛ فأهدى خلعته إلى نديم آخر له كان قصيرا لا يكاد يرتفع عن ~~الأرض، وضيقا لا يكاد يشغل من الفضاء إلا حيزا ضئيلا. وتلقى النديم هدية ~~الأمير جذلان راضيا، فلما دخل فيها ضاع بين ثناياها؛ لأنها لم تفصل على ~~قده. فأما الأمير وحاشيته فضحكوا وأغرقوا في الضحك، وأما النديم فلم يشك في أن ~~الخلعة قد خلقت له، وأما الناس فقد جعلوا كلما رأوه يشيرون إليه، ويقول ~~بعضهم لبعض: انظروا إليه، إنه يرفل في حلة فلان! # وقار # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: أترى إلى وقار فلان حين يسعى؟ إن الناس ~~ليعجبون بما يصطنع من الأناة والمهل. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: لو استطاع أن يسعى وهو واقف، وأن يتحرك وهو ~~ساكن، لفعل. # قال ms16 الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ليته يأخذ نفسه بمثل ما يأخذ به جسمه من ~~الوقار! # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: هيهات! ذاك شيء لا يتاح إلا لأولي ~~العزم. # ذاكرة # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ما أرى ذاكرة الشعوب إلا كهذه اللوحات السود ~~التي توضع للطلاب والتلاميذ في غرفات الدرس وحجراته يثبت عليها هذا الأستاذ ~~ما يمحوه ذاك، وهي قابلة للمحو والإثبات، لا تستبقي شيئا ولا تمتنع على ~~شيء. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: هذا حق، ولكن وراء هذه اللوحات السود في ~~ضمائر الشعوب، لوحات أخرى ناصعة تحفظ ما يسجل التاريخ من أعماق الناس، ومن ~~وراء هذه وتلك كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، ثم يسأل أصحابها ~~عنها يوم لا تنفع خلة ولا شفاعة. فأضعف الناس عقلا وأوهنهم عزما وأكلهم ~~حدا هو الذي لا يحفل إلا بلوحاتك السود، والرجل الماهر الأثر ذو القلب ~~الذكي والبصيرة النافذة هو الذي يحفل بما وراءها من هذه اللوحات الناصعة التي ~~يكتب فيها التاريخ، والرجل كل الرجل هو الذي يمتاز بالضمير الحي والقلب النقي ~~والنفس الزكية؛ فلا يحفل بهذه ولا تلك، وإنما يحفل بهذا الكتاب الذي تحصي ~~الحفظة فيه على الناس أعمالهم، لتعرض عليهم بين يدي الله في يوم مقداره ~~خمسون ألف سنة مما تعدون. # إخاء # كانا صديقين وفيين، قد صفا بينهما الود، وارتفعت بينهما الكلفة، واشتدت حاجة ~~كليهما إلى صاحبه، حتى لم يكونا يفترقان إلا كارهين، وقد استقام لهما الود ~~الخالص، والحب الصفو، ما لم يقدر أحدهما لصاحبه على شيء من متاع الدنيا، ثم ~~أتيح لأحدهما حظ من قوة؛ فأسدى إلى صاحبه طرفا من خير، فما هي إلا أن تستحيل ~~الصلة بينهما إلى شيء معقد أشد التعقيد، فيه الاعتراف بالجميل، والاعتراف ~~بالجميل يكدر صفو المودة. وفيه الاستزادة من النفع، ودخول المنفعة بين الأصدقاء ~~مفسد للصداقة. وفيه الموجدة إذا لم ينل صاحب المنفعة ما يبتغي، وحاجة ~~من عاش لا تنقضي، كما يقول الشاعر القديم، ودخول الموجدة بين الأصدقاء، حين ~~لا يبلغ أحدهم من نفع صاحبه ms17 ما يريد، أول مراتب العداء. وفيه الحسد، والحسد ~~يأكل المودة كما تأكل النار الحطب. ثم فيه الجحود، والجحود لا يفسد الود ~~وحده، ولكنه يفسد المروءة أيضا؛ أيجب إذن أن يعجز الأصدقاء عن أن ينفع بعضهم ~~بعضا لتصح بينهما الصداقة، وليخلص بينهما الإخاء؟ لا أدري! ولكني أعلم أن ليس ~~أخطر على المودة الخالصة من دخول المنفعة بين صديقين. # إخاء # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: إن الشاعر يخيرنا بين الوحدة واحتمال الإخوان ~~على علاتهم حين يقول: # فعش واحدا أو صل أخاك فإنه # مقارف ذنب مرة ومجانبه # فأي الأمرين تحب لي أن أختار؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: إن الشاعر لم يخيرك، وإنما ألزمك الخصلة ~~الثانية؛ فأنت لا تستطيع أن تنسل من الحياة الاجتماعية، كما لم يستطع أبو ~~العلاء أن ينسل منها؛ فاحتمل الحياة الاجتماعية كلها، واصبر لما فيها من ~~المحن. # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: وترى إخاء الإخوان محنة؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: أي محنة! # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: كيف ذاك؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: إذا وفى لك الإخوان امتحنت في وفائهم، ~~وفرضت عليك المروءة ألا تفتر ولا تبطر، ولا تستغل الوفاء فتشق عليهم بما ~~لا يطيقون، وإن تنكر لك الإخوان امتحنت في تنكرهم وفرضت عليك المروءة ~~ألا تقسو ولا تظلم ولا تتجنى ولا تنتظر منهم فوق ما يطيقون. وأنت ممتحن بعد ذلك ~~في نفسك، تفرض عليك المروءة أن تفي لهم إذا وفوا، وتصفوا لهم إذا صفوا، ~~وتعرفهم حين ينكرونك وتنصحهم حين يغشونك، وتبرهم حين يغدرونك، وتعطيهم أكثر ~~مما يعطونك، وتسير من إخائهم على مثل الشوك. # صدقني، إن إخاء الإخوان محنة لا يثبت لها إلا أولو العزم. # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: فإني أوثر الوحدة. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: هيهات! تلك أمنية تبتغى ولا تنال. # إخاء # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: كيف تقولون في إعراب هذا البيت: # أخاك أخاك إن من لا أخا له # كساع إلى الهيجا بغير سلاح # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: أما النحويون فيقولون: إن ms18 «أخاك» منصوب على ~~الإغراء؛ لأن الشاعر يرغب في حب الإخوان والوفاء لهم. # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: وأما أنت؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: وأما أنا فأعربه منصوبا على التحذير، ~~وأغير فيه كلمة واحدة، فأنشده: # أخاك أخاك إن من لا أخا له # كساع إلى الهيجا بكل سلاح # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: إنك لشديد التشاؤم. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: # وهل أنا إلا كالزمان إذا صحا # صحوت وإن ماق الزمان أموق # إخوان # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: إني أقرأ في عيون الأخبار أن المأمون قال: ~~الإخوان ثلاث طبقات؛ طبقة كالغذاء لا يستغنى عنه، وطبقة كالدواء لا يحتاج ~~إليه إلا أحيانا، وطبقة كالداء لا يحتاج إليه أبدا. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: عسى المأمون يا بني أن يكون مصيبا في أيامه، ~~ولكنك تعلم أننا نعيش في أيام شح فيها الغذاء، وقل فيها الدواء، وانتشر ~~فيها الداء. وأخلق بمن بقي من الإخوان أن يكونوا كما بقي لنا من الحياة: جوع ~~لا يدفعه غذاء، وداء لا يشفيه دواء. # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: وإذن؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: وإذن فاعمل صالحا، وانتظر الجنة التي وعد ~~الله عباده الصالحين، والتي لا يحرم أهلها غذاء، ولا يشكون داء، ولا ~~يلتمسون دواء، ولا يعدمون أخا وفيا، وصديقا رضيا، وخليلا ~~صفيا. # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: وإلى أن أدخل الجنة إن أتيح لي ~~دخولها؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: فاتل قول الله عز وجل: # واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ~~ولا تك في ضيق مما يمكرون * إن ~~الله مع الذين اتقوا والذين هم ~~محسنون ~~. # ذوق # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: إنكم لتعلموننا من العلم ما يفسد علينا ~~الذوق والحكم جميعا. # قال الأستاذ الشيخ وهو يبتسم لتلميذه الفتى: وما ذاك؟ # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ذاك أني قرأت بيتا كان طبعي خليقا أن ~~يعجب به، لولا أنكم تعلموننا الشك وسوء الظن، والبحث عن الأسباب التي تدعو ~~الشاعر إلى أن يقول، والكاتب إلى أن يكتب. فلما ms19 قرأت هذا البيت من الشعر ~~وهم طبعي أن يرضى عنه ويعجب به ويطيل تعمقه والتفكير فيه، سألت نفسي ~~كما علمتموني أن أسألها: ألا يمكن أن يكون مصدر هذا البيت رغبا أو رهبا ~~أو حسدا؛ فأدركني فتور الهمة وكلال الحد. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: وما هذا البيت؟! # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: هو بيت قاله رجل من ذوي الرأي كان يرد ~~دائما عن باب الحجاج: # ألا رب نصح يغلق الباب دونه # وغش إلى جنب السرير يقرب # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: وما عليك أن يكون مصدر هذا البيت رغبا، أو ~~رهبا، أو حسدا، أو غير ذلك من عواطف الشر والخير؟! أتراك تعرض عن الزهرة ~~الجميلة، والوردة النضرة، والعشب ذي الرواء والبهجة، حين تعلم ما يتخذ ~~البستاني من الوسائل إلى استنباتها وجعلها زينة للحياة؟ # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: لا! # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: فاستمتع بالأدب، وتعمق معانيه، وذق ~~جماله، كما تستمتع بالحديقة، واجعل بحثك عن التاريخ الأدبي كبحث أستاذ الزراعة ~~عن أصول الزهر والشجر، ولا يصرفك عن المتعة، ولا يزهدك في اللذة، ولعله أن ~~يغريك بهما، ويرغبك فيهما. أليس من الرائع أن يخرج الله الحي من الميت، ~~والجميل من القبيح! # معارضة # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: إني أقرأ في عيون الأخبار لابن قتيبة أن عمرو ~~بن عبيد مر بجماعة عكوف، فقال: ما هذا؟ قالوا: سارق يقطع! فقال: لا إله إلا ~~الله، سارق السر يقطعه سارق العلانية. فهل تنبئني إلام أراد؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: كان عمرو بن عبيد زعيما من زعماء المعتزلة، ~~وكان زاهدا في الدنيا مخلصا للدين، وكان شجاعا لا يخشى في الحق لومة لائم؛ ~~وما أراد بقوله هذا إلا أن يصف عامل البصرة بأنه كان سارقا لأموال المسلمين، ~~يسرقها جهرة لأنه لا يخاف أحدا، منافقا في إمضاء حكم الله، يعاقب على ~~إثم يسير يستخفي به صاحبه، وهو يقارف أعظم الآثام وأضخمها. فإن اجتمع لك ~~زهد عمرو بن عبيد في الدنيا وحرصه على الدين وشجاعته على مواجهة ms20 الحكام بما ~~لا يحبون؛ فانهض بتبعات السياسة، وإن لم تجتمع لك هذه الخصال؛ فالتمس ~~لنشاطك سبيلا أخرى. # معارضة # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: وإني أقرأ في كتاب عيون الأخبار لابن قتيبة أن ~~طارقا صاحب شرطة خالد القسري مر بابن شبرمة وطارق في موكبه، فقال ابن ~~شبرمة: # أراها وإن كانت تحب كأنها # سحابة صيف عن قريب تقشع # اللهم لي ديني ولهم دنياهم. فاستعمل ابن شبرمة بعد ذلك على القضاء، فقال له ~~ابنه: أتذكر يوم مر بك طارق في موكبه وقلت ما قلت؟ فقال: يا بني، إنهم ~~يجدون مثل أبيك ولا يجد مثلهم أبوك، إن أباك أكل من حلوائهم وحط في أهوائهم. ~~فهل تنبئني بمغزى هذا الحديث؟! # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: مغزاه يسير كل اليسر؛ فقد كان ابن شبرمة ~~كغيره من أخيار الناس الذين لا تطيب أنفسهم عن متاع الدنيا، فعارض السلطان لأنه ~~كان طامعا في بعض ما عنده، فلما ولي القضاء رضي على السلطان وسخط على ~~نفسه؛ رضي على السلطان لأنه ولاه، وسخط على نفسه لأنه لم يستطع أن يصبر ~~على الحرمان. # ورحم الله ابن شبرمة! فقد كان له من الشجاعة حظ حسن حين اعترف لابنه بأنه أكل ~~من حلوائهم وحط في أهوائهم؛ لأنه إن لم يستجب لهم حين دعوه وجدوا غيره ~~ممن يلي القضاء مكانه، أما هو فلن يجد غير السلطان قوة توليه ~~القضاء. # فوازن يا بني بين شجاعة عمرو بن عبيد الذي أيأس نفسه من السلطان، فانتهى ~~بمعارضته إلى غايتها، وشجاعة ابن شبرمة الذي أطمع نفسه فيما عند السلطان، ~~فانتهى بشجاعته إلى أن تمثل بيتا من الشعر. # معارضة # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ألم تر إلى فلان يطالب بالجلاء السريع - ~~متى وضعت الحرب أوزارها - إلى أوروبا؟! # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: إلى أن يلي الحكم أو يشارك فيه. # معارضة # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: وثب فلان أمس من أقصى اليمين إلى أقصى ~~الشمال. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: يئس من رضا الحكام؛ فابتغى رضا ~~الشعب. # قال الطالب الفتى ms21 لأستاذه الشيخ: ألم يكن يقال: لا معنى لليأس مع الحياة، ~~ولا معنى للحياة مع اليأس. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: فإن مدت له أسباب الحياة ودعاه الأمل ~~إلى يمين، فوثبة أخرى ترده من رضا الحكام إلى ما يريد. ما دام الإنسان ~~قادرا على أن يذهب ويجيء، فلا جناح عليه في أن يذهب ويجيء! # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: والمبدأ؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: المبدأ وسيلة لا غاية! # وصف # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: إني أقرأ في كتاب الكامل للمبرد أن النبي # صلى الله عليه وسلم # قال للأنصار في حديث جريء: «إنكم لتكثرون عند الفزع وتقلون عند ~~الطمع.» فما أدري أي الأمرين أبلغ أثرا في النفس: أخلاق الأنصار هذه، أم وصف ~~النبي لها؟! # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: كلاهما رائق رائع يملأ النفس إعجابا وحبا، ~~ولكن خلف بعد الأنصار خلف يكثرون عند الطمع، ويقلون عند الفزع، وانظر حولك ~~فسترى ما يملأ النفوس من ذلك روعة وروعا. # عقوق # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ألا تحدثني عن سنمار هذا الذي كثر الحديث ~~عنه في هذه الأيام: من هو؟ وما شأنه؟ وفيم يكثر الناس عنه الحديث؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: «زعموا يا بني أنه رجل رومي بنى للنعمان ~~بن المنذر قصرا أو قصرين لا أدري، فلما أتم عمله على أحسن وجه وأكمله؛ رضي ~~النعمان عنه، ولكنه أشفق أن يبني لغيره من الملوك مثل ما بنى له، فأمر به ~~فألقى من أعلى القصر فاندقت عنقه فمات. والناس يضربونه مثلا لمن يقدم ~~إلى الناس خيرا وإحسانا فيجزونه بالشر والمساءة، ولكن في الدنيا أفرادا ~~كثيرين يمكن أن يسمى كل واحد منهم سنمار، ولكنه يلقى من حالق فلا ~~تندق عنقه، ويساق إليه الشر فلا يؤذيه، ويكاد له الكيد فلا يبلغ منه ~~شيئا، تستطيع أن تسميه سنمار الخالد؛ لأنه لا يبني لأصحاب السطوة والبأس، ~~وإنما يبني للشعوب؛ ولأنه لا يبني للشعوب دورا ولا قصورا ولا شيئا من هذه ~~الآثار التي يبلغها البلى ويدركها الفناء، وإنما يبني لها ms22 فنا وأدبا وفلسفة ~~وعلما وإصلاحا. ألا تذكر مصارع النابغين من الأدباء والعلماء والفلاسفة؟ ~~ألا ترى أنك لا تزال تستمتع بآثارهم؟!» # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: وسيستمتع الناس بعدنا بآثارهم، حتى يرث الله ~~الأرض ومن عليها! # فن # قال شهريار ذات يوم لزوجه شهرزاد: تعلمين أني لم أفهم بعد لماذا قطعت عني ~~قصصك الجميل! # قال شهرزاد: لأمرين يسيرين؛ أحدهما أني أخذت في هذا القصص أحقن دمي، وأعصم نفسي ~~من الموت، وأصرفك عن سفك الدماء، وقد بلغت من هذا كله ما أريد. الثاني أن ~~الجهد الفني ممتع حقا إذا نشأ عن الرغبة والاختيار، بغيض حقا إذا نشأ ~~عن الرهبة والإكراه، وقد أخذت نفسي بما تكره ما دعت إلى ذلك ضرورة، وقد آن لي ~~أن آخذ بحظي من الحرية؛ فلا أقص إلا حين أريد أنا، لا حين تريد أنت، ولا حين ~~تريد الظروف. # خصام # قال شهريار ذات يوم لزوجته شهرزاد: تعلمين أنك مخطئة حين تقدرين أني سلوت ~~عن سفك الدماء، وأنك مخطئة حين تظنين أنك حقنت دمك فلا يراق، وعصمت نفسك ~~فلن تزهق؛ وإني لأحس شيئا من الظمأ إلى الدم، وأخشى أن يكون دمك أول ما ~~يروي ظمئي. # قالت شهرزاد: إن كنت إنما تخوفني بذلك لأعاود القصص، فلن تبلغ مما تريد ~~شيئا؛ لأن الخوف إن أنتج الفن مرة فلن ينتجه مرتين، وإن كنت جادا في هذا ~~النذير فرو ظمأك وانقع غلتك؛ فلن يدل هذا إلا على أن علتك أعضل من ~~أن يشفيها الفن، ولست أكره أن يكون دمي أول ما يروي ظمأك؛ فقد تجد من الندم ما ~~يشفي هذه العلة التي عجز الفن عن شفائها. وأنت بعد مخير بين أن تصبر ~~على هذا الظمأ البغيض فتصبر على ما تكره، وبين أن تنقع هذه الغلة فتضطر بنيك ~~إلى اليتم وتظمئهم إلى دمك. # قال شهريار: فإن قتلتك وقتلت بنيك أيضا؟ # قالت شهرزاد: إذن تصبر على الثكل حتى تلتمس الري لظمئك في دمك؛ فتغمد في ~~صدرك الخنجر الذي تريد أن تغمده في صدورنا. # قال شهريار وقد ظهر ms23 عليه روع شديد: حجرا محجورا. # موعظة # قالت شهرزاد ذات يوم لزوجها شهريار: تعلم أني لم أفهم بعد لماذا لم تكتف ~~بالانتقام من زوجك التي خانتك، فأردت أن تنتقم من النساء جميعا. # قال شهريار: إنها الفتنة! واقرئي إن شئت قول الله عز وجل: # واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا ~~منكم خاصة ~~. # قالت شهرزاد: ليتك قرأت هذه الآية وتدبرتها قبل أن تقترف ما اقترفت من ~~آثام! # قال شهريار: لقد تغيرت وصرت إلى حال لم أكن أرتقبها منك. قد كنت ~~تسلينني بالقصص، وتلهينني بحلو الحديث؛ فأنت الآن تحاسبينني على ما قدمت، ~~وتؤنبينني بالوعظ المر. # قالت شهرزاد: لأن السلو عن الإثم لا يكفي لمحوه، وإنما الندم وحده هو الذي ~~يطهر القلوب ويهيئ النفوس للتوبة النصوح. # تجن # تلقاهم من المدارس الثانوية لا يحسنون شيئا، فتعهدهم حتى أحسنوا أشياء ~~كثيرة، وحتى ظفروا بما يظفر به الشباب الممتازون في الحياة الجامعية من درجات ~~وألقاب. # ثم تعهدهم حتى اطمأنوا في الحياة إلى ما يحبون. # وكانوا لهذا كله ذاكرين شاكرين، وكانوا من هذا كله متزيدين، حتى لم يجدوا ~~سبيلا للمزيد، ثم ازور عنه السلطان فازوروا عنه، وقالوا: جفوتنا حين كان ~~يحسن أن تصلنا. # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ما أعرف أنهم لقوا منك جفاء أو ~~إعراضا. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: «ليس المهم أن تعرف أو لا تعرف، وإنما المهم ~~أن تعلم أن كلمات التجني والتعلل والتكلف لم توضع في اللغة عبثا، ~~وإنما وضعت لتدل على معان، والمعاني لا تقوم بأنفسها، وإنما تقوم بأنفس ~~الناس!» # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: «أليس قد علمنا المعلمون في الكتاتيب أن ~~الإمام الشافعي كان يقول: من علمني حرفا صرت له عبدا؟!» # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: «بلى، ولكن الحياة قد علمتنا أن الضرورات ~~تبيح المحظورات. ومن المحظورات أن تجفو من جفاه السلطان؛ فقد تصدك صلته عن ~~بعض ما تحب، وتصرف عنك بعض ما تتمنى!» # نعمة مضيعة # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: لم تتقدم بي السن بعد، ولكني أرى الناس بين ~~رجلين؛ أحدهما يحسن ms24 ويدل بإحسانه على الناس، والآخر يتلقى الإحسان ويجحد ~~حق من أهداه إليه. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: نعم، وتضيع النعمة بين مان بها وكافر ~~لها. # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: فما تحب لي أن أكون من ذلك؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: مكان من إذا أحسن نسي إحسانه، وإن أهدي ~~إليه الإحسان لم ينس أن عليه دينا يجب أن يؤدى، والخير أن تدين ~~وألا تدان. # غرور # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: وإني اقرأ في كتاب عيون الأخبار لابن قتيبة ~~«ولي عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس المدينة سنتين؛ فأحسن السيرة، وعف عن ~~أموال الناس، ثم عزل، فاجتمعوا إليه، فأنشد لدراج الضبابي: # فلا السجن أبكاني ولا القيد ~~شفني # ولا أنني من خشية الموت أجزع # ولكن أقواما ورائي أخافهم # إذا مت أن يعطوا الذي كنت ~~أمنع # ثم قال: والله ما أسفت على هذه الولاية، ولكني أخشى أن يلي هذه الوجوه من لا ~~يرعى لها حقها.» فما تأويل هذا الكلام؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: كلام يقوله كل من كان يلي أمرا ثم عزل ~~عنه؛ فكل الناس يرى أنه أقدر من غيره على تدبير الأمور. وعسى أن يكون عبد ~~الرحمن بن قيس صادقا، ولكن تتبع الآن من يولون ويعزلون؛ فستسمع ~~منهم مثل مقالة عبد الرحمن بن قيس. # غرور # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: أقرأت كتاب فلان؟ إنه ينبئنا بأنه استرد ~~حريته ليملأ الأرض حبا وسلاما، بعد أن ملئت بغضا وخصاما! # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: نعم، وقد صدق المتنبي حين قال: # ومن جهلت نفسه قدره # رأى غيره فيه ما لا يرى # غرور # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: إذا صرف فلان عن السلطان لم ير إلا ~~حزينا بائسا، فإذا رد إليه لم ير إلا سعيدا موفورا. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: لأنه يرى نفسه حاكما بالطبع، ولم يقرأ قول ~~الله عز وجل: # ما أصاب من مصيبة في الأرض ~~ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها ~~ إن ذلك على الله يسير * لكيلا ms25 ~~تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم ~~والله لا يحب كل مختال فخور ~~. # وجوم # مال إلي صاحب يسألني: أقرأت هذا الفصل؟ # قلت: نعم. # قال: من كاتبه؟ # قلت: لا أدري؛ لأنه لم يعلن اسمه. # قال: ومع ذلك فقد رضي أن يوصف بهذه الأوصاف التي تتملق الغرور. # قلت: ذلك شأنه. # قال صاحب لنا: ماذا يسر أحدكما إلى صاحبه؟ # قلت: لا يسر أحد منا إلى صاحبه شيئا. # قال صاحبي: إنما نتحدث عن هذا الفصل الذي كتبه كاتب يوصف بالامتياز، ولكنه ~~لا يسمي نفسه، ولا يسميه ناشر هذا الفصل. # وأخذت الجماعة كلها تعبث بهذا الكتاب الذي امتاز في رأي نفسه وفي رأي ناشره، ~~ولكنه لم يجد الشجاعة على أن يسمي نفسه، ولم يجد ناشره الشجاعة على أن ~~يسميه. لم يكن الفصل سياسة ولا شيئا مما يخاف، وإنما كان أدبا أو شيئا ~~يشبه الأدب. فلما ملأت الجماعة أفواهها بنقد هذا الكاتب وعيبه والاستهزاء ~~به والنعي عليه، تبين لها أنه قد يكون جالسا بينها؛ هنالك سقط في أيدي ~~القوم، وأدركهم وجوم كاد يطول لولا أن صاحب المجلس قال: سبحان الله! # فتفرق القوم، ومنهم من يستحيي، ومن لا حظ له من حياء. # تضليل # لم أر قط شيئا أجمل ولا أشد روعة مما رأيت اليوم؛ رأيت نفرا ~~عرفوا بذكاء القلوب، ورجاحة الأحلام، وامتياز العقول، قد كذبوا على الناس فلم ~~يصدقهم أحد، ولكنهم ألحوا في الكذب حتى صدقوا أنفسهم، ثم خدعوها بالغرور ~~والأوهام، ثم ابتهجوا بهذا الانخداع؛ فكانت وجوههم مشرقة، وثغورهم باسمة، ~~وألسنتهم منطلقة، بما يصور النصر المؤزر، والفوز المبين، وكان الناس الذين لم ~~يؤمنوا لهم ولم يصدقوهم يضحكون من هؤلاء الأساتذة المحنكين الذين أرادوا أن ~~يضلوا غيرهم فأضلوا أنفسهم. # قطط # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: لي صديق يحب القطط ويطيل عشرتها، وأكاد أعتقد ~~أنه اكتسب من أخلاقها شيئا غير قليل. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: فإن عشرة الحيوان للناس تعلمه الأنس ~~بعد التوحش، وتكسبه غير قليل من خصال الحضارة؛ فما يمنع أن يتأثر الناس ~~بالحيوان كما يتأثر ms26 الحيوان بالناس! وقد قال الشاعر القديم: # عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه # فإذا كان القرين قطا، فأحرى أن يكتسب المرء أخلاق القطط. # قصور # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: أليس عجيبا أن تحدث الحوادث، وتلم ~~الكوارث، ويصطرع العالم هذا الصراع العنيف، ونحن معنيون بصغائر ~~الأمور؟! # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: فإن المتنبي لم يخطئ حين قال: # على قدر أهل العزم تأتي العزائم # ولو استطعنا أكثر من ذلك لفعلنا. # تكريم # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: كيف تجتمع الصفوة الممتازة من المثقفين لتكريم ~~كاتب يحسن الخطأ أكثر مما يحسن الصواب؟! # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: لأن هذه الصفوة تكرم اسم شخص تعرفه، لا ~~مؤلف كتاب لم تقرأه. # غيبة # قال أحد الأدباء لبعض زملائه: ألا تعجبون لفلان هذا الذي صار صديقا للناس ~~جميعا! # قال أحد الزملاء: أخشى ألا يكون صديقا لأحد؛ لأن رضا الناس جميعا شيء لا ~~ينال. # قال آخر: أخشى أن يكون عدوا للناس جميعا، وألا تكون صداقته إلا لونا من ~~المداراة والرياء. # قال ثالث: أخشى ألا يكون صديقا إلا لنفسه، يحتمل في إرضائها كل مشقة، ~~ويتكلف فيه كل عناء، ومن ذلك تودده لمن يسيغ ومن لا يسيغ من ~~الناس. # وكنت حاضر هذا المجلس، فلما سئلت في ذلك تلوت قول الله عز وجل: # يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من ~~الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا ~~يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم ~~أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله ~~تواب رحيم ~~. # ظلم # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ما حديث سمعته منك صباح اليوم، فلم أفهم منه ~~شيئا! # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: وما ذاك؟ # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: سمعتك تتحدث عن الظلم المر، والظلم الحلو، ~~والظلم الذي يجمع بين الحلاوة والمرارة؛ فلم أفهم عنك. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: فإن الظلم مر في قلب المظلوم حين يمسه، ~~حلو في قلب الظالم حين يصدر منه، وهو حلو ومر في قلوب العاشقين حين ~~يتقارضون الظلم ويجني بعضهم على بعض ms27 جنايات الغرام. # رجوع # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ألم يكن فلان شريك فلان فيما نقض وما أبرم ~~من هذا الأمر؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: بلى، وكان يلتهب حماسة لما شارك فيه من نقض ~~وإبرام. # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: فما باله الآن يبرم ما كان نقض، وينقض ما كان ~~أبرم؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: لأن للضرورات أحكامها، ولأن الرجوع إلى ~~الباطل أنفع وأجدى من التمادي في الحق. # رعية # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: قرأت في بعض الكتب أن المنصور قال لبعض ~~قواده: صدق الذي قال «أجع كلبك يتبعك، وسمنه يأكلك.» فقال له أبو ~~العباس الطوسي: أما تخشى يا أمير المؤمنين إن أجعته أن يلوح له غيرك ~~برغيف، فيتبعه ويدعك. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: عفا الله عن المنصور وجليسه! فقد شبها ~~الناس بالكلاب، والله عز وجل يقول: # ولقد ~~كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ~~ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ~~ممن خلقنا تفضيلا ~~. # رعية # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: لو أن المنصور الذي ضرب الكلب مثلا لرعيته ~~وضع الأسد موضع الكلب، فكيف كان يقول؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: كان يقول أجع أسدك يأكلك، وكان ذلك أحرى ~~أن يغير رأيه في الرعية وسياسته لها؛ فيقيم الأمر بينه وبين المسلمين على ~~الهيبة والحب، لا على الازدراء والإغراء. # رعية # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: لو أن المنصور الذي ضرب الكلب مثلا لرعيته لم ~~يشبه رعيته بالكلاب ولا بالأسود، وإنما أخذها كما خلقها الله ناسا من الناس، ~~فكيف كان يقول؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: كان يقول أنصف شعبك يحببك. # رعية # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: كيف يسمى الشعب رعية وقد أصبح مصدر ~~السلطات بنص الدستور؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: هو رعية نفسه بعد أن صار السلطان إليه، وما ~~أكثر الكلمات العتيقة التي تفقد معانيها الأولى وتستبقيها الشعوب مع ذلك لتدل ~~بها على معان جديدة؛ فينشأ عن ذلك كثير من التخليط! # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: وتصدق أن الشعب ms28 يعتقد أنه سيد نفسه، وأنه ~~مصدر السلطات، وأنه بذلك هو الراعي، وهو الرعية؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: بذلك يحدثه الدستور، وهو إن لم يصدق ~~الدستور اليوم، فقد يصدقه غدا. # رمز # قال شهريار ذات يوم لزوجه شهرزاد: ألم تقرئي كليلة ودمنة؟ # قالت شهرزاد: بلى، قد قرأته وقرأته. # قال شهريار: فلم لم تذهبي في بعض قصصك من الرمز والإشارة مذهب بيدبا ~~الفيلسوف؟ # قالت شهرزاد: لأنك لم تذهب في التماس القصص مذهب دبشليم الملك، كان يطلب ~~الحكمة يغذو بها قلبه وعقله؛ فأدى إليه فيلسوفه من ذلك ما أراد. وكنت غارقا ~~في بحر من الدم، فاستنقذتك من هذا الغرق بما وجدت من وسائل الإنقاذ، ولو أني ~~انتظرت حتى أبرم لإنقاذك أسبابا من الحرير، لكان من الممكن أن تذهب بك أمواج ~~الدم، وأن ألتمسك فلا أجد إليك سبيلا. # غيرة # قال أحد الأدباء لبعض أصحابه: أتدري لم مات فلان؟ # قال صاحبه: لا. # قال الأديب: زعموا أن فلانا غلبه على قلب من أحب. # ثم مضت أسابيع والتقى الصديقان، وهم أحدهما أن يقول لصاحبه شيئا، ولكنه أمسك ~~عن القول؛ لأنه ذكر أن الغيرة قد تقتل الناس أحيانا. # مجون # ما زالت امرأته تظهر له الغيرة حتى أغرته بالإثم فتورط فيه؛ وما زال هو ~~يلوم ابنه على العبث حتى دفعه إليه، وما زال ابنه ينهى صاحبه عن عشرة خليلة ~~السوء حتى اتخذها له زوجا. أليس من الخير أن يتدبر الناس مجون ~~أبي نواس حين قال: # دع عنك لومي فإن اللوم إغراء # فرب مجون أدنى إلى الموعظة من الحكمة البالغة. # تلطف # سئلت: أي المصريين أحب إليها وآثر ~~عندها وأحق بإعجابها؟ فسمت قوما وأثنت عليهم ما عسى أن يكونوا أهلا ~~له. ولو قد زارت مصر في وقت آخر، وألقي عليها السؤال نفسه؛ لسمت قوما ~~آخرين وأثنت عليهم بما عسى أن يكونوا أهلا له. فهي لا تثني على أولئك وهؤلاء، ~~وإنما تتلطف للسلطان، فأحرى ألا تلقى مثل هذه الأسئلة على الأجانب، لولا أن ~~حاجة المصريين والضعفاء منهم خاصة إلى الثناء تكلفهم وتكلف ms29 غيرهم ~~شططا. # هجرة # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: عرض علينا «جوفينال» عرضا رائعا الأسباب ~~التي دفعته إلى الرحيل عن روما، وكلها يرجع إلى فساد الحياة العقلية ~~والاقتصادية، وإلى بطر الأغنياء، وبؤس الفقراء، واضطراب الأمن. ألا ترى أننا ~~في حاجة إلى جوفينال يفصل لنا الأسباب التي تدفعنا إلى ترك القاهرة؟! # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: تريد أن تقول الأسباب التي تدفعنا إلى ترك ~~مصر؟ ولو قد ذهبت إلى غير مصر من أقطار الأرض لاحتجت إلى جوفينال يفصل لك ~~الأسباب التي تدفعك إلى تركه. # فاقنع بما قسم المليك فإنما # قسم الخلائق بيننا علامها # كما يقول لبيد. وإذا احتجت إلى جوفينال ليفصل لك أسباب الهجرة التي نشعر ~~بالحاجة إليها، فأنشد قول أبي العلاء: # وهل يأبق الإنسان من ملك ~~ربه # فيخرج من أرض له وسماء # هجرة # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ألم يقل شاعر قديم: # وفي الأرض منأى للكريم عن ~~الأذى # وفيها لمن خاف القلى متغزل # أولم يقل شاعر آخر: # لعمرك ما في الأرض ضيق على ~~امرئ # سرى راغبا أو راهبا وهو يعقل # أولم يقل بشار: # إذا أنكرتني بلدة أو نكرتها # خرجت مع البازي علي سواد # أولم يقل المتنبي: # ما مقامي بأرض نخلة إلا # كمقام المسيح بين اليهود # أنا في أمة تداركها الله # غريب كصالح في ثمود # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: إنك لكثير الرواية منذ اليوم، فما ~~ذاك؟ # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ذاك أن إقامة الرجل الكريم على الضيم الذي لا ~~يرضاه لا تعجبني. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: فإن كان الرجل الكريم يحب وطنه، ويؤثر ~~الجهد والعناء فيه على الراحة والرضا في غيره من الأوطان؟ واقرأ إن شئت ~~قول الشاعر القديم: # لعمري لقوم المرء خير بقية # عليه وإن عالوا به كل مركب # من الجانب الأقصى وإن كان ذا غنى # كثير ولم يخبرك مثل مجرب # تصوير # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: لا أعرف شيئا أبرع، ولا أبلغ، ولا أدق في ~~تصوير بؤس البائسين، وثراء المثرين، والتفاوت المخزي بين الطبقات من هجاء ~~«جوفينال ms30 ». # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: ألا أدلك على شيء هو أبرع، وأبلغ، وأدق ~~تصويرا لذلك من هجاء «جوفينال»؟! انظر إلى حياة المصريين. # رقي # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ما بال عظائم الأمور تسند إلى قوم لا ~~يعقلونها، ولا يقدرون على النهوض بها، ولا بأيسر منها؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: لأن السياسة كالطبيعة؛ لها حكمة لم تستطع ~~عقول الناس أن تفهم حقائقها بعد. # رقي # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ما بال الذين تعجزهم صغائر الأعمال يكلفون ~~النهوض بعظائم الأمور؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: لأنهم خلقوا للعظائم، وخلق غيرهم للأمور ~~اليسيرة. # رقي # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: أعرف قوما يكلفون يسير الأمر فيخفقون، ~~ويرقى بهم ذلك حتى يكلفوا جليل الأمر! # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: هؤلاء قوم يرقى بهم العجز حين يقعد بهم ~~الإعجاز. # رقي # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: يقول الطغرائي في لاميته المشهورة: # أريد بسطة كف أستعين بها # على قضاء حقوق للعلا قبلي # فما عسى أن تكون هذه الحقوق التي لا يستطيع صاحبها أن يؤديها إلى العلا إلا أن ~~يكون كثير المال، عظيم الثراء؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: إنها تختلف باختلاف المزاج؛ فمن الناس من ~~يرى أن من حق العلا عليه أن يطعم الجائع، ويكسو العاري، ويروي ~~الظمآن، ويعلم الجاهل، ويعين المريض على التماس الطب لعلته. ومن ~~الناس من يرى أن من حق العلا عليه أن يغشى حانات اللهو، وأندية القمار. وهؤلاء ~~أحرى أن يكثروا، وأجدر أن يظفروا من العلا بما يريدون. # رقي # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ألم نكن نلقن في نضرة الصبا أن من ~~طلب العلا سهر الليالي؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: ذلك حين تكون العلا غالية بعيدة المنال، ~~فأما حين ترخص فإنها تنال بأيسر من سهر الليالي. # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: وما ذاك؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: إسداء الثناء إلى غير الأكفياء، وإهداء ~~الهجاء إلى ذوي الغناء، وقذف المحصنات، والخوض في الأعراض بغير الحق، وجفوة ~~الصديق، وخيانة الخليل. # قال الطالب الفتى ms31 لأستاذه الشيخ: وترى ذلك ثمنا يسيرا؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: أيسر من الرمل على ساحل البحر، ومن الماء على ~~شاطئ النيل. # تعريض # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: إلام أراد المتنبي حين قال: # إذا كان بعض الناس سيفا لدولة # ففي الناس بوقات لها وطبول # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: إنما أراد إلى أن «سيف الدولة» كان خليقا ~~باسمه؛ لأنه كان يحمي ثغور المسلمين من عدوان الروم، على حين كان قوم آخرون ~~في بغداد يتكثرون بما لا غناء فيه ولا طائل تحته، من هذه المواكب الفخمة ~~التي كانت تزخر بها عاصمة الخلافة. # ضحك # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ألا يغيظك قول المتنبي فينا: # يا أمة ضحكت من جهلها الأمم # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: وما يغيظني من ذلك؟! أسخط كافور ~~المتنبي؛ فقال شر ما علم، وأرضاه فقال خير ما علم. وصدق رسول الله: «إن من ~~البيان لسحرا، وإن من الشعر لحكما». # ضحك # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: أحق أن الأمم ضحكت من جهلنا قديما كما يقول ~~المتنبي؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: كما ضحكنا وكما لا نزال نضحك من جهل أمم ~~غيرنا. # انتصار # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ما الذي يعجب الناس من قول المتنبي: # وإذا ما خلا الجبان بأرض # طلب الطعن وحده والنزالا # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: يعجبهم منه يا بني أنه يعرض صورة رائعة في ~~دقتها وصدقها وإيجازها لحقيقة إنسانية خالدة، وهي أن شجاعة كثير من ~~الشجعان، وانتصار كثير من المنتصرين، وتفوق كثير من المتفوقين، ليست إلا ~~تكثرا وغرورا، فإذا جاء الخوف قل الشجاع وندر الانتصار، وأصبح التفوق ~~أمنية لا تنال إلا في عسر شديد. وليتك تقرأ قصة «دون كيشوت» للكاتب الإسباني ~~«سرفنتس»، أو قصة «ترتاران دي ترسكون» للكاتب الفرنسي «ألفونس دوديه»؛ لتعلم أن ~~هذين الكاتبين العظيمين لم يزيدا على أن شرحا قول المتنبي: # وإذا ما خلا الجبان بأرض # طلب الطعن وحده والنزالا # ذوق # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: أليس مما يعجب ويروق أن تعزف موسيقى ~~«موزار» و ms32 «بتهوفن» ترويحا للرفق بالحيوان؟! # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: وأي غرابة في ذلك وموسيقى «موزار» و«بتهوفن» ~~تعزف ترويحا للرفق بالبائسين من الناس! وهل تختلف طبيعة البؤس حين يلم ~~بالإنسان أو بالحيوان؟ # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: فإني أرى في هذا العطف رفعا للحيوان إلى ~~منزلة الإنسان. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: وأنا أرى فيه نزولا بالإنسان إلى مرتبة ~~الحيوان، ومدار الأمر كله على الذوق. # رفق # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ألم أعلم أن الحكومة قد أصبحت أرأف ~~بالحيوان من أبي العلاء؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: ماذا تقول؟! أتراها حرمت ذبحه وأكله، ~~وحفظت اللبن على البقر والشاة، والبيض على الدجاج، والعسل على النحل؟! # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: لا، ولكنها أذنت فأقيمت ليلة موسيقية ~~ساهرة لمعونة الذين يرفقون بالحيوان. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: لو خير الحيوان لاختار الحياة والعافية ~~على الموسيقى الرقص. # إيثار # قال بعض الولاة لبعض جلسائه: أبغني رجل صدق أركن إليه فيما يعنيني من ~~الأمر. # قال الوالي: وأين أنت - أصلحك الله - من فلان؟! فإنه رجل صدق، ورجل ~~حزم، ورجل عزم، ورجل عدل. # قال الوالي: عد عنه؛ فإني أوثر به نفسي، وأركن إليه في خاصة أمري. وبلغ ~~الحديث فلانا هذا، فقال: # وإذا تكون كريهة أدعى لها # وإذا يحاس الحيس يدعى جندب # وكان معه صديق فقال: إلى أي حد يستقيم للوالي أن يؤثر نفسه بك من دون ~~المدينة؟ # قال فلان: أليس في صلاحه صلاح المدينة! # نفع # قال أحد الأدباء لأحد أصحابه: لقد قطع فلان أسباب المودة بينه وبين ذوي معرفته ~~جميعا، إلا واحدا منهم. # قال له صاحبه: لعله ينتظر منه نفعا؛ فهو يستبقيه حتى يبلغ آخر ما عنده، ثم ~~يلحقه بغيره من الناس. # كفاية # قال أحد الوزراء لبعض ثقاته: إني أريد أن أولي فلانا بعض العمل. # قال له صاحبه: نعم، بشرط أن تمسكه عندك وتبيح له أن يستخلف على عمله من ~~يستطيع أن ينهض به. # قال الوزير: وكيف كان ذلك؟ # قال جليسه: لأن فلانا يحسن الانتفاع، ولا يحسن النفع. ms33 # رق # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ألا تفسر هذا الصراع الذي نحن فيه منذ ~~أعوام طويلة، والذي يفسد علينا أمورنا كلها؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: وماذا تريد أن أفسر لك! إنه الصراع بين ~~الحرية التي تريد أن يكون جنودها أبطالا، والمنفعة التي تريد أن يكون جنودها ~~أرقاء. # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ومن أجل ذلك قل أبطال الحرية وكثر طلاب ~~المنفعة؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: هو ذاك! # رسالة # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ألا تنبئني عن كلمة «الرسالة» هذه التي ~~يلوكها كل إنسان حين يريد أن يعبر عن المهمة؛ فللكاتب رسالة، وللشاعر رسالة، ~~وللعالم رسالة، ولصاحب السياسة رسالة أيضا، وما أعرف أن اللغة تؤدي بكلمة ~~«الرسالة» هذا المعنى الجديد؟! # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: هذه كلمة أذاعها في لغتنا الحديثة مزاج من ~~الجهل والغرور: الجهل باللغة العربية، والغرور الذي يخيل إلى كل إنسان أنه نبي ~~قد أرسله الله برسالة يعلم بها الناس شيئا، أو يحدث بها في الناس حدثا. ~~وإذا اجتمع الجهل والغرور على أمة، دفعاها إلى أكثر من الخطأ اللغوي ~~واستعمال الألفاظ في غير مواضعها. # جحود # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: إني أقرأ في شعر «كاتول» اللاتيني «لا تعمل ~~خيرا، ولا تنتظر شكرا؛ فقد عم الجحود وأصبح الإحسان هباء! ماذا أقول! بل ~~أصبح ثقلا ومصدرا للضغينة. لقد بلوت هذه التجربة المرة حين رأيت أشد الناس ~~حقدا علي وبغضا لي من كان يراني منذ حين مصدر نعمته وحاميه ~~الوحيد.» # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: لم تتغير أخلاق الناس منذ قال شاعرك ~~اللاتيني هذا الشعر، ولكنه صاحب عاجلة لم يكن ينتظر من الآجلة شيئا، أما نحن ~~فقد أدبنا الله أدبا آخر، واقرأ إن شئت قوله عز وجل: # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا ~~يره ~~. # استخارة # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: لن أشهد محاضرة عامة بعد اليوم. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: حجرا محجورا، وما ذاك؟ # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: سمعت اليوم محاضرة لم ms34 أسمع قط أسخف ~~منها، ورحت إلى بيتي ضيقا بما سمعت، وأردت أن أخرج من هذا الضيق، فلم أكد ~~أنظر في أول كتاب وقعت عليه يدي، وكان ديوانا لشاعر لاتيني، حتى رأيته ~~يصور ضيق نفسه بهذه القراءات الأدبية العامة التي كانت تمتلئ بها روما في ~~عصره؛ فقلت: إن الله قد خار لي وآذنني بأن من الحمق إضاعة الوقت في الاختلاف ~~إلى المحاضرات. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: كان شاعرك اللاتيني هجاء، وكان يلتمس لنفسه ~~المعاذير لما كان يطرق من فن الهجاء. فأما أنت فطالب علم تستطيع أن تختلف إلى ~~المحاضرات جيدها ورديئها، ممتازها وسخيفها؛ فإنك واجد فيها بعض الفائدة، تجدها ~~فيما تسمع من المحاضر أحيانا، وفيما ترى من المستمعين دائما. # معبد # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: لقد راقني ما أرى من سخرية الشاعر اللاتيني ~~«جوفينال» حين يتحدث إلى المال، بأن من حقه أن يقام له معبد كتلك المعابد ~~التي أقيمت للسلم والشرف والفضيلة؛ لأن المال يتفوق على هذه الخصال ~~جميعا. ما يمنع الناس أن يفكروا الآن في إقامة معبد للثراء؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: أخشى ألا يجد الناس من الوقت ما يكفي لهذا ~~التفكير فضلا عن إقامة هذا المعبد؛ فإني أرى الشعوب قد أخذت تكفر بالمال وتخرج ~~على سلطان الثراء. # وصف # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: كأنما كان الشاعر اللاتيني «جوفينال» يصور ~~عصرنا حين تحدث عن هذا الغني الذي تطيب نفسه عن مائة ألف درهم ينفقها في ~~الميسر، ويبخل بقميص يقي خادمه ألم البرد. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: ما دام في الأرض سادة يملكون مئات الألوف، ~~وخدم لا يملكون شيئا، وفرص للهو ينفق فيها المال؛ فكل العصور ~~واحدة، وإن طال الزمن! # هجاء # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: أي فنون الآداب أحق أن يزدهر وينفق في هذا ~~العصر الذي نحن فيه؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: لا أدري! ولكننا في عصر انتقال، أشد فنون ~~الأدب له ملاءمة فن الهجاء. # رقابة # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ألا تعجب معي بقول الشاعر ms35 اللاتيني ~~«جوفينال»: # ما أرفق الرقابة بالغربان وأعنفها على ~~الحمائم! # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: إن شاعرك اللاتيني لم يرد إلى رقابة ~~المطبوعات، وإنما أراد إلى رقابة الأخلاق، ومهما يرد فهو صادق كل ~~الصدق. # خادم # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ألم يدهشك ما قاله أحد الوزراء لبعض ~~الصحفيين من أنه مستعد للعمل في أي وزارة، كأنه الخادم يكلفه سيده ما يشاء، ~~فيقبل غير متكره ولا متمنع؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: وما يدهشك من ذلك! وإنما الوزير خادم الملك ~~والشعب، يضعانه حيث يشاءان، ويكلفانه ما يحبان. # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ولكن الوزير من زينة الدولة. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: والخادم الأنيق من زينة البيت. # وعود # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ألا يعجبك قول الشاعر اللاتيني ~~«كاتول»: # إن خليلته تقسم له على أنها لن تحب أحدا سواه، ولو تقرب ~~إليها كبير الآلهة، ولكنه يرى وعود الخليلات مكتوبة على أجنحة ~~الريح المنطلقة في الجو، وعلى صفحات الموج الهائم في البحر ~~المحيط. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: كما يعجبني قول كعب بن زهير: # وما تمسك بالوعد الذي وعدت # إلا كما يمسك الماء الغرابيل # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: وأي وعود الرجال أشبه في ذلك بوعود ~~النساء. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: وعود الساسة حين يطلبون النيابة عن الشعب، أو ~~النهوض بأعباء الحكم. # نزاهة # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ما أجمل هذه الصورة التي أراها عند الشاعر ~~اللاتيني «جوفينال» حيث يقول: # ما أكثر ما تمدح النزاهة، ولكنها على ذلك ترتعد من ~~البرد. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: وقد مدحت النزاهة أثناء القرون منذ ~~شاعرك اللاتيني، ولم تمدح قط في عصر من العصور كما تمتدح في هذه ~~الأيام، ولكنها على ذلك مقرورة ترتعد من البرد! # تخليط # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ما بال فلان يخلط في كتابه عن حياة النبي # صلى الله عليه وسلم # تخليطا شديدا؟! # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: عرض لما يحسن من الأمر، وقال فيه بغير ~~علم. # منفعة # كان يبغضه أشد ms36 البغض، فأصبح يتهالك عليه أشد التهالك، وكان فصيحا كل الفصاحة ~~في تعليل ما أظهر وأضمر من بغض، وهو فصيح كل الفصاحة في تعليل ما يظهر من ~~تهالك وحب، وهو يصدق نفسه في الموقفين جميعا، ولكن الناس لا يصدقونه، وإنما ~~يؤمنون بأنه أبغض للمنفعة وأحب للمنفعة، وبأي وحي النفوس يكذب النفوس ~~أحيانا، والغريب في هذا كله أن الناس أعلم منه بدخيلة النفس وسر ~~الضمير. # أخلاق # أقبلوا يواسون من صرف عنه الحكم، وكانوا جماعة ضخمة يكاد يمتنع فيها ~~التنفس لولا أنها كانت تسعى أو تزحف تحت السماء في الهواء الطلق، وقد اكتظت بها ~~الشوارع والميادين، ووقفت لها حركة المدينة. # قال قائل لصاحبه: أليس فلان قد صرف عن الوزارة أو صرفت عنه الوزارة، فما ~~هذه الجماعة الضخمة؟ وما هؤلاء الذين يسعون إليه اليوم وكانوا لا يرونه أمس ولن ~~يروه غدا إلا نكثوا رءوسهم وغضوا أبصارهم؟ # قال صاحبه: صرف عنه الحكم اليوم وقد يرد إليه غدا، وللناس آمال لا ~~يحبون أن تنقطع، وليس كل الناس يحب رغبة أو رهبة؛ فقد يكون منهم من يحب ~~مخلصا في الحب، ومن يجامل أو يواسي مخلصا في المجاملة أو المواساة. # قال ثالث: ومن الناس من يبغضك ولكنه يواسيك؛ لأنه يريد أن يظهر لنفسه أن ~~رجولته أكبر من البغض. # قال رابع: ومن الناس من لا يكبر في نفسه إلا إذا أظهر نفسه للناس كبيرا ~~بعض الشيء. # قال خامس: عجبت للذين يشيعون الجنائز ويستطيعون أن يفكروا في شيء غير ~~الموت. # كساد # قال أحد الصديقين لصديقه في بعض المحافل: ألا ترى إلى فلان يلحظ صديقه العزيز ~~عليه، الأثير عنده، لحظا خفيا ولا يحييه؟! # قال صاحبه: لأن رئيسه يرقبه من بعيد. # قال الصديق: وإذن؟ # قال صاحبه: وإذن فهو يثق من صديقه العزيز عليه، الأثير عنه، برحابة الصدر، ~~ويخاف من رئيسه ضيق الخلق. # قال الصديق: والشجاعة؟ # قال صاحبه: قد كسدت سوقها في هذه الأيام. # عفة # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ما أجمل هذا البيت الذي ينسب إلى ~~عنترة: # يخبرك من شهد الوقيعة أنني ms37 # أغشى الوغى وأعف عند المغنم # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: إنه لجميل حقا، ولا سيما حين ينشر في هذه ~~الأيام. # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: في هذه الأيام! كيف تقول؟! # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: ألست قد تعلمت في المدارس والجامعة أن ~~الأشياء تتمايز بأضدادها، وأن شاعرا قديما قد أنشد: # والضد يظهر حسنه الضد؟! # ثعالب # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ما هذه النواطير التي قصد إليها المتنبي في ~~بيته الوقح: # نامت نواطير مصر عن ثعالبها # فقد بشمن وما تفنى العناقيد # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: ما زال الحق عندكم وقحا، وقائله مسرفا في ~~الجراءة، ولكن هذا لا يغير من الحق شيئا؛ فقد نامت نواطير مصر عن ثعالبها، ~~وما زالت هذه الثعالب تأكل وتشرب حتى يدركها البشم، فلا يزيدها إلا نهما، ~~كأن بطونها تلك الآنية التي أشارت إليها الأساطير اليونانية والتي ليس إلى ~~ملئها سبيل. فأما النواطير فسل المتنبي عما أراد بها، أما أنا فأفهم منها ~~الشعب، وأظنك لا تنكر أن الشعب ما زال نائما. # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: لو نام الشعب لما أكلت الثعالب ما يقيم ~~أودها فضلا عن أن يضطرها إلى البشم. ما زال الشعب يكد ويكدح، وما أعرف ~~أن النائم يحسن كدا أو كدحا. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: فقل إن شئت إن الشعب يقظان نائم؛ يقظان ~~لأنه يعمل وينتج، ونائم لأنه لا يحمي ثمار عمله من هذه الثعالب التي تأكل منها ~~حتى تبشم؛ فلا يزيدها البشم إلا نهما. # فرار # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ما هذا البيت الذي سمعتك تنشده حين فرغت من ~~صحف الصباح: # ترك الأحبة أن يقاتل دونهم # نجا برأس طمرة ولجام # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: ألم تتعلم في المدارس الثانوية أنه من شعر ~~حسان يقوله في الحارث بن هشام حين شهد بدرا مع قريش، فلما دارت عليهم ~~الدائرة فر وترك الأحبة صرعى لم يقاتل دونهم، وفيهم أخوه أبو جهل عمرو بن ~~هشام! وانظر حولك فسترى الذين يفرون عن الأحبة حين يجد الجد ms38 كثيرين، ~~يدفعهم إلى الفرار الرعب حينا، والرهب حينا آخر. # كيد # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ما هذا البيت الذي تكثر ترديده منذ ~~اليوم: # وكتيبة لبستها بكتيبة # حتى إذا التبست نفضت لها يدي # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: هذا بيت قاله الفرار السلمي، وكان رجلا ~~يغري بالحرب، حتى إذا شب نارها وأذكى أوارها، لاذ بالفرار وتغنى براعته في ~~الأمرين جميعا. وانظر حولك فسترى أن الذين يمكن أن تسميهم بالفرار السلمي ~~كثيرون، ولكنهم يفرون ويفرون ولا يتغنون، تبلدت قلوبهم فلا تحس، وانعقدت ~~ألسنتهم فلا تنطق، وأشربت نفوسهم حب الكيد الصامت، فهي تكيد ولكنها لا ~~تقول. # كيد # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ما تأويل قول الشاعر: # إذا رام كيدا بالصلاة مقيمها # فتاركها عمدا إلى الله أقرب # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: تأويله أن تارك الصلاة عمدا يعصي الله ~~معصية واحدة، وأن مقيم الصلاة كيدا يعصي الله معاصي كثيرة؛ يريد أن يخدع الله ~~والله لا يخدع، ويريد أن يخدع الناس، وخداع الناس إثم، ويريد أن يتخذ الله ~~وسيلة والله غاية الغايات، وإليه تبتغى الوسائل. فكيف به إذا اتخذ الله ~~وسيلة لأعراض الدنيا وتضليل الناس! صدق الشاعر: # إذا رام كيدا بالصلاة مقيمها # فتاركها عمدا إلى الله أقرب # صفح # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: إني أقرأ في بعض ما يقول «نيتشه»: إن كثيرا ~~من الناس لا ينبغي أن نصافحهم بيد رفيقة، وإنما تبسط إليهم يد كبرثن الأسد، ~~وأريد أن تكون فيها مخالب حادة. فمن عسى أن يكون هؤلاء الناس؟! # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: هم أكثر الذين تلقاهم مصبحا وممسيا؛ ~~فيلحظونك بعيون ملؤها الود، ويبسمون لك عن ثغور مشرقة رفيقة ومن ورائها ~~الظلمة والعذاب، وهم الذين يحسنون التودد إليك والتلطف لك، ولا سيما حين ~~تحدث الأحداث وتلم الخطوب. # ولكن «نيتشة» يا بني صاحب قسوة وسطوة وعنف، فاقرأ إن شئت قول الله عز ~~وجل: # ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن ~~عزم الأمور ~~. # سخرية # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: قرأت فيما قرأت من شعر «كاتول» مقطوعة يهيئ ~~فيها ms39 نفسه للموت، بل يحث فيها نفسه على الموت؛ لأن فلانا وفلانا من مواطنيه ~~قد رقيا إلى منصب القنصل؛ فأعجبتني سخريته اللاذعة. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: كما أعجبني قول الشاعر العربي: # تأهبوا للحدث النازل # قد قرئ الشعر على كامل # تقدير # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ما بال الناس يضطربون للتولية والعزل في مصر ~~أكثر مما يضطربون لهما في البلادة الحرة الأخرى؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: لأنهم لا يزالون قدماء العقل والشعور، يرون ~~في التولية نعمة وفي العزل نقمة، ويذكرون نكبة البرامكة وما يشبهها من أحداث ~~الدهر القديم. فانتظر بهم حتى يذوقوا طعم الديمقراطية الصحيحة؛ فيومئذ سينظرون ~~إلى التولية والعزل كما ينظرون إلى الجو والمطر. # ابتسام # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: أليس يعجبك قول المتنبي: # ولما صار ود الناس خبا # جزيت على ابتسام بابتسام # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: بلى! إنه ليعجبني كل الإعجاب، ولا سيما حين ~~ينشده الذين يصورون الحب بابتسامهم أكثر مما يصورون الود الصحيح. وأكبر ~~الظن أن المتنبي نفسه كان من هؤلاء حين قال هذا البيت. # تملق # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ألا ترى إلى فلان قد كان أبعد الناس عن ~~التملق، فلما تقدمت به السن جعل إمعانه فيه يزداد من يوم إلى ~~يوم؟! # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: كان يعتمد على نفسه، ما واتته قوة الشباب، ~~فلما أدركته الشيخوخة اتخذ من التملق عصا يدب عليها. # كذب # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ألا يغيظك هذا الثناء الذي لا يصدقه ~~قائلوه، ولا سامعوه؟! # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: كلا يا بني؛ لأني أعلم أن الناس أحرار في أن ~~يقيموا حياتهم على الكذب، ونحن أحرار في أن نعرف ذلك منهم أو ننكره ~~عليهم. # مروءة # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ألا تحدثني عما ألم بقوم كانوا ~~كراما أعزة ينهون عن الضعة، وينأون عن الصغار، فلما أدركتهم الشيخوخة ~~أقبلوا متهالكين على ما كانوا يكرهون ذكره من صغائر الأمور؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: إن تقدم السن لا يضعف الجسم وحده ، ولكنه ms40 ~~يضعف أيضا العقول والنفوس والمروءة، إلا قليل من الناس يكادون يحصون في ~~كل جيل. # نفاق # كلف عملا لا يحسنه ولا يستطيع النهوض به، يقصر به عن ذلك عقله وسنه ~~جميعا، ولكنه منح أجرا ضخما، ورفع إلى مكان ممتاز؛ فشك غير طويل بين ~~الأمانة التي تحرمه ما يعرض عليه من خير، والخيانة التي ترضي طموحه إلى ~~المال والامتياز، ولكنها تضيع على الشعب حقوقه ومنافعه؛ فآثر الثانية لأنه ~~يحرص على إرضاء أهوائه وشهواته أكثر مما يحرص على إرضاء الحق وإيثار المنفعة ~~العامة. # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ومع ذلك فالناس يلقونه بالتجلة ويثنون ~~عليه بألسنتهم وأقلامهم. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: نعم، ولكنهم يزدرونه في نفوسهم، ويمقتونه في ~~ضمائرهم، وتلعنه قلوبهم. وهل رأيت أمور الناس تدور على غير الكذب ~~والنفاق؟! # نفاق # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: من عسى أن يكون هذا الرجل الذي يقول فيه خالد ~~بن صفوان إنه ليس له صديق في السر ولا عدو في العلانية؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: قد علمت أنه شبيب بن شيبة. # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: قد والله علمت ذلك، وكأني لم أحسن توجيه ~~السؤال؛ فعلمني كيف يستطيع الرجل أن يضع نفسه بحيث لا يكون له صديق في السر ~~ولا عدو في العلانية. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: سبيل ذلك أن يملأ الرجل قلبه أثرة صادقة لا ~~تفارقه، ويسبغ على وجهه ابتسامة كاذبة لا تفارقه؛ فهو إن فعل ذلك لم يحب ~~إلا نفسه في السر والعلانية، ولم يبغضه الناس في ظاهر ما يكون بينهم وبينه من ~~الصلة. # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: وتظن ذلك يسيرا سهلا؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: هيهات! إن من النفاق ما هو أصعب احتمالا على ~~أصحابه من الصراحة. # نفاق # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: متى يحسن رأيك في الناس؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: متى حسن رأي الناس في أنفسهم. # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: لم أفهم عنك. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: لو حسن رأي الناس في أنفسهم ms41 لما أقاموا ~~حياتهم على النفاق. # حياء # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: أتعرف أبلغ من هذا البيت أثرا في ~~النفس: # وإني لأستحيي أخي وهو ميت # كما كنت أستحييه وهو قريب # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: نعم، قول لبيد: # ذهب الذين يعاش في أكنافهم # وبقيت في خلف كجلد الأجرب # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: فإني لا أفهم عنك ما تريد منذ اليوم! # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: فإن الذين كانوا يستحيون إخوانهم أمواتا كما ~~كانوا يستحيونهم وهم أحياء قد ماتوا، كما يقول العامة الآن، وبقي بعدهم هذا ~~الخلف الذي يشبهه لبيد بجلد الأجرب، والذي لا يستحيي من حي ولا من ميت، ولا ~~يستحيي من نفسه ولا من الله. # إشاعات # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: إلام أراد الشاعر القديم حين قال: # يقولون أقوالا ولا يعلمونها # فإن قيل هاتوا حققوا لم يحققوا # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: أراد إلى مثل ما نغرق فيه بين حين وحين من ~~الباطل المذاع، والزور المشاع، والبهتان الذي تفسد له الحياة العامة، وتسوء له ~~الصلات بين الناس، وتقوم عليه مع ذلك أو من أجل ذلك أمور الأمة. # نهضة # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ما تقول في شعب يجري أمره على جهل الشباب ~~وطيشهم من جهة، وعلى ضعف الشيوخ وحمقهم من جهة أخرى؟! # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: أقول إنه شعب ناهض يسعى إلى المجد بخطو ~~سريع! # حقوق # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: متى تصلح الدنيا ويصلح أهلها؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: لا أدري! وما أحسب أن الدنيا تصلح أو أن ~~أهلها يصلحون في يوم من الأيام، ولكن هناك مقدارا من الخير لا يستقيم للناس ~~بدونه أمر. # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: وما ذاك؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: ألا تتخذ حقوق الشعب ومنافعه ~~مطية إلى قضاء المآرب وإرضاء الشهوات. # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: وهل إلى ذلك من سبيل؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: نعم، يوم يعرف الشعب حقوقه ومنافعه، ويبين ~~لساسته وقادته أنه عليها حريص ولها مؤثر، ms42 وأنه مستعد لأن يضحي في سبيلها بما ~~تضحي به الشعوب الكريمة في سبيل الاحتفاظ بالحقوق والمنافع العامة. # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: هيهات! # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: قد كنت أظن أن هذه الكلمة إنما تجري على ~~ألسنة الشيوخ، فأما ألسنة الشباب فتجري عليها كلمات أخرى! # صدق # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ألست قد علمتنا صباح اليوم أن الخبر شيء ~~يحتمل الصدق والكذب دائما، وأن هناك مرجحات تميل به إلى الصدق حينا وإلى ~~الكذب حينا آخر؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: بلى، وما إعادتك في المساء لحديث جرى في ~~الصباح؟ # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: فإنك قد نسيت مرجحا يرتفع بالأخبار إلى ~~الصدق الذي لا شك فيه. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: وما ذاك؟ # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: هو بطش الحاكم المستبد فيما مضى، وظروف الحرب ~~في هذه الأيام. وما أذكرني ذلك إلا قول أبي العلاء: # جلوا صارما وتلوا باطلا # وقالوا صدقنا فقلنا نعم # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: فإن صارم الحاكم المستبد وحكم الحرب لا ~~يصدقان خبرا كاذبا، ولا يكذبان خبرا صادقا؛ لأنهما يستطيعان أن ~~يراقبا القلب واللسان، ولا يجدان سبيلا إلى مراقبة النفوس والقلوب. # صلة # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: يروى عن عثمان - رحمه الله - أنه قال: «كان ~~عمر يمنع أقرباءه ابتغاء وجه الله، وأنا أعطي قراباتي لوجه الله، ولن يرى ~~مثل عمر.» فأي المذهبين أحرى أن يتبع؟! # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: لقد أنبأك بذلك عثمان نفسه حين قال: «ولن ~~يرى مثل عمر.» والأمر أظهر من أن يحتاج إلى تأويل؛ فمن الخير أن يعطي الرجل ~~أقرباءه وأصدقاءه ومن لا يمت له بصلة ابتغاء وجه الله، على أن يكون العطاء من ~~ماله الخاص لا من مال الدولة؛ لأن لمال الدولة مواضع ينبغي أن ينفق فيها، ~~وليس من هذه المواضع إعطاء الأقرباء والأصدقاء. # ضعة # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ما بال قوم تسمو بهم منازلهم وثقافتهم إلى ~~الرفيع من الأمر، فلا يأتون إلا ما فيه ضعة وتسفل وانحطاط؟ ms43 # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: أولئك قوم يتفوق فيهم سلطان الغرائز على ~~سلطان الحضارة، وقد خلقوا للضعة، فلما حاولت الحضارة أن ترفعهم، ثقلت ~~عليها عقولهم وقلوبهم ونفوسهم وخفت أجسامهم؛ فارتفعت هذه الأجسام إلى المقام ~~الممتاز، وظلت العقول والقلوب والنفوس حيث خلقت، تجذبها الحضارة إلى أعلى ~~فلا تنجذب، وتجذبها الغريزة إلى أسفل فتسمع وتطيع. # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ألا ترى أن الحياة الديمقراطية تتكشف عن ~~كثير من هؤلاء؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: ذلك أحرى أن يكون؛ لأن الديمقراطية تلقي ~~القيود وتيسر الظهور لما خفي من أمور الناس، والارتفاع لمن حقه أن يظل ~~وضيعا. # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: وأنت مع ذلك تحب الديمقراطية وتؤثرها! # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: نعم، لأن حسناتها أكثر من سيئاتها، ~~ومنافعها أكثر من آثامها، والخير الخالص لم يتح للناس في هذه الحياة. # نكسة # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: قد كان فلان أبيا حميا ذكيا مرتفعا عما ~~يؤذي كرامة الرجل الكريم، فلما بلغ السبعين ابتذل من نفسه ما لم يكن للابتذال ~~سبيل إليه. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: ردته السن إلى طفولة العقل، وحفظت عليه ~~رجولة الجسم؛ فأدركه شيء يشبه النكسة. # تحكم # فرق أصحابه للسطو، وضرب لهم موعدا لاقتسام الغنيمة؛ فجاءه بعضهم بألف، وجاءه ~~بعضهم بخمسمائة، وجاءه بعضهم بأكثر من ذلك وأقل. # فلما أراد القسمة زعم صاحب المائة أن حظه يجب ألا يقل عن حظ صاحب الألف، ~~وهم القوم أن يجادلوه، فاضطرهم إلى الصمت والإذعان؛ لأنه أنذرهم بأن يرفع ~~أمرهم وأمره إلى الشرطة. # ابتسامة # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: أليس يقال إن ابتسام الثغر آية على ~~ابتسام النفس؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: وقد يقال إن ابتسام الثغر آية على عبوس ~~النفس. # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: فقد رأيت على ثغر فلان ابتسامة لم أستطع لها ~~تأويلا. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: في ذلك الاجتماع الذي شهدته اليوم، أولم ~~تسمع لما كان يقال؟ أولم تر إلى ما كان الناس يأتون من حركات؟ # قال الطالب الفتى ms44 لأستاذه الشيخ: بلى. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: لقد كنت تستطيع أن تقرأ في تلك الابتسامة ~~التي رأيتها على ثغر فلان استخفافه بكل ما كنت تسمع، وبكل ما كنت ترى؛ ~~لأنه كله لم يكن يصور إلا الكذب، والكذب الذي يريده أصحابه عن عمد، وهم ~~يعلمون أنهم يكذبون. # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: وهل تقوم هذه الاجتماعات إلا على هذا ~~الكذب؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: فإذا رأيت فلانا يبتسم لها، فاعلم أنه ~~يستخف بها. # ضحك # قال أستاذ محنك وهو يبتسم لأساتذة محنكين لم يكونوا أقل منه ابتساما: لقد ~~تجاوزنا وقت الشك ... # ولم يستطع أن يمضي في الحديث؛ لأنه أغرق في الضحك. # قال الأساتذة المحنكون: نعم، ووصلنا إلى اليقين القاطع ... # ولم يستطيعوا أن يمضوا في القول؛ لأنهم شاركوا صاحبهم في ضحكه الذي كان يغرق ~~فيه. # ومال علي صاحبي يسألني: أيضحكون من أنفسهم أم يضحكون من الناس؟! # ولم يستطع أن يمضي في الحديث؛ لأنه أغرق في الضحك. # قلت لصاحبي: هم يضحكون من أنفسهم ومن الناس. # ولم أشارك صاحبي في ضحكه الخافت، ولم أشارك القوم في ضحكهم الصاخب، وإنما لبثت ~~باسما أرثي لهم جميعا. # جلاء # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ألم تر إلى مصر تتوسط في جلاء الفرنسيين ~~عن سوريا ولبنان؟! # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: هذا حسن، وأحسن منه أن تتوسط مصر في جلاء ~~البريطانيين عن أرض الوطن. # توبة # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: إلام أراد صاحب هذا البيت: # ألا قل لأصحاب المخائض أهملوا # فقد تاب مما تعلمون يزيد # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: ذاك لص كان يسرق الإبل، وكان الناس يخافونه ~~على أموالهم فيحتاطون لحراستها؛ فهو يعلن إليهم أنه قد تاب وأقصر عما يخافون، ~~وليس كل لص قادرا على التوبة. # توبة # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: إلام أراد صاحب هذا البيت: # وإن امرأ ينجو من النار بعدما # تزود من أعمالها لسعيد # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: أراد إلى أن حمل النفس على التوبة عن ~~الإثم شيء عسير، وإلى أن التوبة إن ms45 صحت فقبولها وردها إلى الله، فمن ~~قارف الإثم أو تورط فيه ثم تاب وقبل الله توبته، فهو السعيد. # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: وأنى له أن يعلم أن الله قبل توبته أو ~~ردها؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: سيعلم ذلك حين تعرض عليه أعماله يوم ~~القيامة؛ فهو إذن لن يحقق هذه السعادة في الدار الأولى. # فن # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ما بال فلان ينسى دار التمثيل إذا صرف عنه ~~السلطان، فإذا رد إليه ألح في زيارتها، ولقد رأيته أمس وأول من أمس وأول ~~من أول من أمس، فذكرت قول الشاعر القديم: # هجرتك حتى قيل لا يعرف الهوى # وزرتك حتى قيل ليس له صبر # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: لأنه يحب أن يستمتع بالفن على ألا يؤدي ~~لذلك ثمنا. # كساء # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: إذا صرف فلان عن السلطان لم يره أحد، ~~فإذا رد إلى السلطان رآه كل الناس. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: لأنه يرى شخصه عورة، لا ينبغي أن تظهر إلا أن ~~تتخذ من السلطان كساء. # فصاحة # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: إذا صرف فلان عن السلطان لم يسمعه أحد، ~~فإذا رد إلى السلطان أكثر القول حتى أمل الناس. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: لأن له لسانا تطلقه التولية، ويعقله ~~العزل. # فصاحة # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: إذا صرف فلان عن السلطان أطلق لسانه بالشر ~~في الناس جميعا، فإذا رد إليه أطلق لسانه بالثناء على الناس جميعا. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: لأنه يسخط فلا يقول إلا شرا، ويرضى فلا ~~يقول إلا خيرا، وقد حيل بينه وبين خير الأمور. # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: خير الأمور؟! # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: ألم تعلم أن خير الأمور أوساطها؟! # أعجوبة # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ما أكثر ما يقول فلان في علوم اللغة وهو ~~أجهل الناس بها، حتى استيقن أنه من أقدر الناس على التصرف فيها! # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: كأنما كان أبو العلاء يفكر فيه حين ~~قال: ms46 # هذا أبو القاسم أعجوبة # لكل من يدري ولا يدري # لا يقرض الشعر ولا يقرأ ال # قرآن وهو الشاعر المقري # تملق # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ألم تر إلى إسراف «مارسيال» في تملق ~~مولاه قيصر، حين زعم له أن خزائن الآلهة لا تكفي لمكافأته على ما قدم من ~~خير؟! # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: رأى قيصر فخافه وطمع فيه، ولم ير الآلهة ~~فلم يحفل بهم. وأكبر الظن أن هذا الوثني الذكي كان يسخر من آلهته ومن قيصر ~~جميعا. # تملق # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ألم تر إلى هذا الشاعر اللاتيني الثرثار ~~«مارسيال» كيف يسخر من مصر وأهرامها ليشيد بهذا القصر الذي شاده قيصر؟! ومع ذلك ~~فقد مضى قيصر واندثر قصره، وما زالت الأهرام باقية على الدهر. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: إن هذا الشاعر يا بني لم يسخر من الأهرام ~~التي شادتها أيدي المصريين وحدها، ولكنه سخر من الجبال التي شادتها يد الله، ~~وإن تملق القياصرة ليكلف الشعراء شططا عظيما. # نقمة # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ما أكثر ما اعتذر النابغة إلى النعمان! فماذا ~~جنى الشاعر أو ماذا نقم النعمان؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: جنى الشاعر الجناية الكبرى؛ فقد كان حرا ~~شاكرا لنعمة أسداها إليه غير النعمان، ونقم النعمان من شاعره أنه لم يخلص له ~~من دون الناس. ألم تقرأ قول النابغة: # ولكني كنت امرأ لي جانب # من الأرض فيه مستراد ومذهب # ملوك وإخوان إذا ما مدحتهم # أحكم في أموالهم وأقرب # كصنعك في قوم أراك اصطفيتهم # فلم ترهم في شكر ذلك أذنبوا # عزة # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: أترى الحلفاء يفون بميثاق ~~الأطلنطي؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: كما وفوا بمبادئ الرئيس «ولسن»! # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: وإذن؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: وإذن فالشعب الذي لا يرجو منحا ولا يخشى ~~منعا، وإنما ينصف نفسه وينصف من نفسه، هو الشعب العزيز الكريم. # توحيد # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: أليس مما يملأ القلوب غبطة والنفوس رضا أن ~~نرى مصر تعمل ms47 على توحيد كلمة العرب؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: بلى، وأدعى من ذلك إلى الغبطة والرضا أن ~~توحد مصر كلمة أبنائها. # جبن # قال موظف كبير لبعض رؤسائه السابقين: أحق أن ببابك رصدا يرقبون المقبلين ~~عليك والمنصرفين عنك؟ # قال الرئيس السابق: نعم، أي رصد! إنهم لا يغفلون عن طارق بالليل أو زائر ~~بالنهار. # قال الموظف الكبير: فاعذرني إن قصرت عن زيارتك. # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: لا أعلم أن بباب فلان رصدا أيقاظا أو ~~نياما. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: أراد فلان أن يريح صاحبه من مشقة السعي إليه، ~~وأن يريح نفسه من لقاء الجبناء. # ملق # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ما بال قوم من العلماء يتحسسون من رأي الحكام ~~في العلم؛ ليتخذوه لأنفسهم رأيا. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: يريدون ألا يستأثر الناس من دونهم برضا ~~الحكام. # ملق # رأيت قوما يأكل الملق مروءتهم، كما تأكل النار الحطب، وكما يأكل الحسد قلب ~~الحسود. # نحو # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: أؤصدق النحويين وأصحاب اللغة أم أصدق ~~فلانا مع أنه لا يقول في النحو واللغة إلا خطأ؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: صدق فلانا؛ لأنه نحوي لغوي بحكم ~~القانون. # مثل # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: فسر لي هذا المثل العربي القديم: # البس لكل حالة لبوسها # إما نعيمها وإما بوسها # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: تريد تفسير الجد أم تفسير الهزل؟ # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: أريد تفسير الجد. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: فكن حرا كريما إن أذنت لك نظم ~~الحكم أن تكون حرا كريما، وكن عبدا ذليلا إن اقتضتك نظم الحياة ~~أن تكون ذليلا، واتخذ لنفسك ثوبين: ثوب النعيم تلبسه حين يؤذن في الناس ~~بالحرية، وثوب البؤس تلبسه حين يؤذن في الناس بالرق. وأي الثوبين لبست، فكن ~~عنه راضيا وبه محبورا. # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: فإن أردت تفسير الهزل؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: فكن رجلا حرا كريما لا تبطره النعمة، ~~ولا تغض منه النقمة، وإنك لتعلم أن الذين يحسنون الهزل ms48 قليلون. # مثل # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ألم يكن يقال في قديم الزمان إن الناس على ~~دين ملوكهم؟! # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: كان ذلك يقال قبل أن تتحرر الشعوب، فأما الآن ~~فأحرى أن يقال إن الملوك على دين شعوبهم. # مثل # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ألا يزال من الحق أن الناس على دين ~~ملوكهم؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: بلى، وعلى دين رؤسائهم أيضا في بعض ~~البلاد. # مبدأ # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ما بال فلان يتملق حزب الكثرة وحزب القلة ~~جميعا؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: لأنه يحتاج إلى الحزبين، ولأن الحزبين ~~يحتاجان إليه. # مبدأ # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: إني أرى فلانا يتملق البيئات السياسية مهما ~~تختلف. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: لأن الأيام دول، ولأن الأرض تدور. # زهد # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ما بال فلان يأخذنا بالقناعة، ويجشم نفسه ~~أهوال الجشع؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: يؤثركم بالراحة، ويشق على نفسه بالكد ~~والجهد. # زهد # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: لا أسمع من فلان إذا لقيته إلا النصح لي ~~بالسمو إلى الروح والتنزه عن المادة، ولا أقرأ له فصلا إلا رأيته يحث الناس ~~على السمو إلى الروح والتنزه عن المادة، وهو على ذلك غارق في المادة إلى ~~أذنيه. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: ومن أجل ذلك أبغض المادة التي توشك أن ~~تقتله؛ فنصح للناس بالبراءة منها والتنزه عنها، ولولا بغضه للثراء لما نصح ~~لكم بالتجافي عنه. # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: وما يمنعه أن يتجافى عن ثرائه؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: يمنعه من ذلك رجولته التي تفرض عليه احتمال ~~المحنة والصبر على العذاب إمعانا في طاعة الله عز وجل؛ فالله يمتحن ~~الأغنياء بالغنى، كما يمتحن الفقراء بالفقر. # رأفة # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: لو قسم فلان ريع ثروته على أهل قريته ~~لأغناهم، ولظل بعد ذلك أعظمهم ثراء. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: هو أرأف بأهل قريته من ذلك، فحسبه أن يحتمل ~~وحده ثقل الثراء . # سلطان ms49 # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: نقل إلى فلان أنك قلت فيه ما ~~يؤذيه. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: إن أرزق السلطان فلن يؤذيه مني شيء مهما ~~أقل فيه، وإن أحرم السلطان فسيؤذيه مني كل شيء. # وعظ # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: إن فلانا لحكيم القول، أحمق السيرة. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: لأن لسانه يصدر عن عقله، ولأن سيرته تصدر ~~عن قلبه، ولأن الأسباب بين عقله وقلبه مقطوعة لا سبيل إلى أن تتصل. # وعظ # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: إن فلانا ليأمرنا بالمعروف ويدعونا إلى الخير ~~حتى نحبه، وإنه مع ذلك ليمعن في الإثم ويتورط في الخطيئة حتى نبغضه. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: أتيحت له القدرة على أن يصدقكم، ولم ~~تتح له القدرة على أن يصدق نفسه. # وعظ # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: لا أعرف أفصح من فلان إذا وعظ، ولا أعرف ~~أبعد منه عن سيرة الرجل الكريم. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: إن بعض الفن نفاق يبرع فيه صاحبه، حتى يسحر ~~الناس، دون أن يكون بين هذا الفن وبين قلبه سبيل. # زهد # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ما أكثر ما يبغض فلان إلى الناس أعراض ~~الدنيا! وما أكثر ما يتهالك على أعراض الدنيا! وما أجدره أن يقول فلا يصدقه ~~أحد، وأن يدعو فلا يستجيب له أحد؛ لأن الناس يرون مكانه من هذا ~~التناقض. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: وما يدريك؟! لعله يصدق في النصح للناس، ~~ويكذب في إغراء نفسه بالمال. خذ منه كلمة الحق، وهبه كالصيرفي المزيف ~~تكثر عنده الدراهم والدنانير الزائفة، ولكنه لا يعدم درهما جيدا أو دينارا ~~عينا. # عطف # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: لو خرج فلان لأهل قريته عن بعض ماله ليسقيهم ~~ماء نقيا، لذاد عنهم المرض، ولاستفاد زرعه من صحة أجسامهم. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: هو أعطف عليهم من ذلك؛ ألم تعلم أن المرض ~~محنة يثاب عليها المريض إن أحسن احتمالها، وأن الصحة فتنة يعاقب عليها ~~الصحيح إن أساء استعمالها؛ فهو يؤثر أهل ms50 قريته بالثواب ويعصمهم من ~~الفتنة. # زهد # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: لم أر أشد من فلان تزهيدا للشباب في المال، ~~ولم أر أشد منه حرصا على جمع المال. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: وما تنكر من ذلك؟! إنه يؤدي إلى الشباب حقهم ~~من النصح الصادق، وإلى نفسه حقها من الثراء العريض. # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: فهلا نصح لنفسه بمثل ما ينصح به ~~للناس! # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: ألم تقرأ بيت البردة: # أمرتك الخير لكن ما ائتمرت ~~به # وما استقمت فما قولي لك استقم # إنما الحق على الشباب أن يتلقوا كلمة الخير ولو من الشرير، وكلمة البر ولو من ~~الفاجر، وكلمة الزهد ولو من الشره المسرف في الطمع. لهم خير ذلك، وعلى من ~~يكذب عليهم إثم ما يقترف من الكذب. # جاه # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ما أجدرنا أن نتمثل في كثير من الأحيان ~~بقول «مارسيال» لبعض أصحابه: «إن هذا الذي يعلن إليك المودة والحب، إنما يحب ~~مائدتك المثقلة بالطيبات، ولو قد أثريت وأثقلت مائدتي بلذيذ الألوان، ~~لأصبح لي صديقا.» # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: نعم، ولا سيما إذا وضعنا الجاه مكان المائدة، ~~ووضعها المنافع العاجلة مكان ألوان الطعام. فما أكثر الذين يغيرون أصدقاءهم ~~بتغير الوزارات! # سؤال # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: أحب أن تجيب عن هذا السؤال الذي ألقاه ~~«مارسيال» على بعض أصحابه مداعبا. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: وما ذاك؟ # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ذاك أن فلانا باع مزرعته واشترى بثمنها ~~غلاما حسنا، وأن فلانا باع غلامه واشترى بثمنه مزرعة خصبة؛ فأحدهما يحب، ~~والآخر يزرع الأرض، فأيهما أحسن حالا؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: كل ميسر لما خلق له. # قرض # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ما بال قوم يعمرون الحانات والمراقص، ويقترفون ~~السيئات والآثام، فيشربون ويطربون ويلعبون، ويريدون بذلك كله إغاثة الملهوف، ~~وإطعام الجائع، وإعانة البائس المحروم؟ # قال أحد الحاضرين: أولئك قوم يحادون الله ويوادون الشيطان. # قال الآخر: أولئك قوم يتخذون غضب الله القوي وسيلة إلى ms51 رضا الإنسان ~~الضعيف. # قال ثالث: أولئك قوم يقرضون الله بالربا، ولكنهم يتعجلون الفائدة في الدنيا ~~مخافة أن تضيع عليهم في الآخرة. # قال رابع: أولئك قوم وثقوا بالحياة العاجلة فاغتنموا لذاتها، وشكوا في الحياة ~~الآجلة فلم ينتظروها. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: أولئك قوم يحسن أن تقرءوا فيهم إن شئتم ~~قول الله عز وجل: # أذهبتم طيباتكم في ~~حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون ~~عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير ~~الحق وبما كنتم تفسقون ~~. # موسيقى # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ألم يبلغني أنك لا تأوي إلى غرفتك إذا ~~تقدم الليل حتى تسمع ألحانا من الموسيقى، ففيم هذه العادة؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: أغسل بها نفسي من أوضار الحياة ~~الاجتماعية. # سعادة # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: أليس جميلا قول «مارسيال» لأحد أصدقائه: إنه ~~شقي بسعادته. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: بلى، كما أن بعض الناس يسعدون ~~بشقائهم. # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: الحق أني لم أفهم عنك، كما أني لم أفهم عن ~~«مارسيال»، وإنما تعجبني صيغتك كما تعجبني صيغته؛ لما أرى فيهما من ~~المطابقة. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: الأمر أدنى إلى الجد من المطابقة؛ فالسعيد ~~يشقى بسعادته لأنه يحتاج منها إلى أكثر مما ينال، والشقي يسعد بشقائه؛ لأنه ~~يجد هذه اللذة البغيضة التي يشتقها من الغيظ لنعمة الناعم، وترف المترف، ~~والتي يمكن أن تسمى حسدا. ولكلا هذين الأمرين اسم بغيض في الأخلاق؛ فشقاء ~~السعيد بسعادته بطر، وسعادة الشقي بشقائه حسد. # عجز # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ما تأويل هذا البيت من شعر الحماسة: # فازجر حمارك لا يرتع بروضتنا # إذن يرد وقيد العير مكروب # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: هذا مثل أراد به الشاعر تصوير قدرته على ~~عقاب من يعتدي عليه. وما أكثر الحمير التي ترتع في رياض الناس هذه الأيام؛ ~~فلا تجد من يردها، أو يصدها، أو يملك لها عقابا! # زيارة # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: قد كان فلان يكثر من زيارة فلان قبل أن ~~يتنكر له السلطان ، فلما ms52 أعرضت عنه الدنيا أعرض معها. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: لا، ولكنه يزوره ويطيل الإقامة عنده إذا جن ~~عليه الليل؛ لأن آية النهار مبصرة، فإذا انصرف أنشد قول المتنبي في بعض ~~مدائحه لكافور: # أزورهم وسواد الليل يشفع لي # وأنثني وبياض الصبح يغري بي # تاريخ # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: أتصدق أن التاريخ يعيد نفسه؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: لا أصدق ذلك ولا أكذبه، ولكن! لم ~~تريد؟ # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: أريد أن التاريخ سخيف لا خير فيه إن كان ~~يعيد نفسه؛ لأن ذلك يدل على أنه لم يستطع للناس وعظا ولا إصلاحا. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: وما ذنب التاريخ إذا كانت طبيعة الناس لا ~~تتعظ ولا تقبل الإصلاح؟! فقل إن التاريخ سخيف، كما أن الموت سخيف؛ لأن ~~الموت يعيش بين الناس ولا يبلغ من نفوسهم موعظة ولا إصلاحا. # نفوس # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ما تقول في هذا البيت الذي لا يسأم الناس ~~إنشاده من شعر المتنبي: # وإذا كانت النفوس كبارا # تعبت في مرادها الأجسام # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: وماذا تريد أن أقول فيه؟ إنما هو حكمة من هذه ~~الحكم التي يرسلها المتنبي فتطرد أحيانا، وتقصر عن الاطراد أحيانا ~~أخرى، فمن كبار النفوس ما تتعب الأجسام، ومنها ما لا يمس الأجسام بتعب ~~قليل أو كثير. # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: فلو أن المتنبي وضع النفوس الصغار موضع النفوس ~~الكبار، فكيف كان يقول؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: كان يقول: # وإذا كانت النفوس صغارا # نعمت في مرادها الأجسام # وكان ذلك أحرى أن يكون مطردا مصيبا، والشيء الذي لا شك فيه هو أن المتنبي ~~أخطأ الغرض الذي كان ينبغي أن يرمى إليه. # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: وما عسى أن يكون هذا الغرض؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: هو أن كبار النفوس تحمل صغارها ~~أعباء ثقالا؛ لأنها تسخرها لما تريد من عظيم الأمر، وأن صغار النفوس ~~تكلف كبارها آلاما ممضة؛ لأنها تقصر عن أن تبلغها من عظيم الأمر ms53 ما ~~تريد. # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: وإذن؟! # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: وإذن، فقد خلق الناس ليكون بعضهم لبعض ~~مصدر محنة وشقاء. وأصاب زياد حين قال: «نسأل الله أن يعين كلا ~~على كل.» # صمت # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ألا تفسر لي هذا البيت الذي يكثر إنشاده ~~بين حين وحين: # ولو أن قومي أنطقتني رماحهم # نطقت ولكن الرماح أجرت # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: هذا بيت رائع، صور به عمرو بن معدي كرب ~~خيبة أمله في قومه حين لقوا عدوهم ثم فروا ولم يبلغوا منه شيئا، وكان عمرو بن ~~معدي كرب شاعر قومه، فكان أحب شيء إليه أن يملأ الأرض غناء بمفاخرهم ~~ومآثرهم. وأي شيء أشق على الشاعر من أن يضطر إلى الصمت؟! # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: وما تمثلك أنت بهذا البيت بين حين ~~وحين؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: أتظن أن الناس من حولنا يبلون البلاء الحسن ~~في كل مواطن الجد؟! # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: هيهات! # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: فأنشد مثلي قول عمرو بن معدي كرب: # ولو أن قومي أنطقتني رماحهم # نطقت ولكن الرماح أجرت # ثقة # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: وثق فلان بأصدقائه حين لم يكن محتاجا إليهم، ~~فلما جد الجد أخلفت الأيام ظنه؛ فهو بذلك شقي، وله محزون. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: فاعتبر أنت بمحنته في أصدقائه، وأقم ~~رأيك في الناس على هذا البيت الرائع القديم: # وإن حدثتك النفس أنك قادر # على ما حوت أيدي الرجال فكذب # منى # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ما أحسن ما تمنى «مارسيال»! # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: وماذا تمنى؟ # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: «تمنى ثروة لا تكسب بالكد، وإنما ~~تكسب بالميراث، وأرضا لا تكذب أمل صاحبها ولا عمله، ودارا عامرة لا تخبو ~~نارها، وراحة من الخصومة أمام القضاء، وقليلا من زيارة أصحاب السلطان، ونفسا ~~هادئة مطمئنة، وجسما يجمع القوة والصحة إلى الظرف والنشاط، وصراحة قوامها ~~حسن الأدب، وصديقا أكفاء وضيفا أسماحا، ومائدة أنيقة في ms54 غير تكلف، ~~وليالي لا سكر فيها ولا هم، وزوجا محصنة لا تغرق في الحياء، ونوما ~~يختصر ظلمة الليل، واطمئنانا إلى الحال التي هو عليها دون طموح إلى حال أخرى، ~~وأمنا من آخر الدنيا دون تعجل له.» # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: كان «مارسيال» أندلسي المنشأ، ولقد أحسن ~~التمني، ولكنه لم يسمع قول مواطنه العربي بعد موته بقرون طوال: # وإذا انثنت نحوي المنى لأنالها # وقف الزمان لها هناك فعاقها # نصح # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: بين لي بعض ما يتعرض له الشباب من ~~موبقات النفس. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: إياك واليأس من نفسك فإنه يسقط الهمة، ~~وإياك واليأس من وطنك فإنه يهدر الكرامة، وإياك واليأس من روح الله فإنه لا ~~ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون. # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: زدني. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: إياك والرضا عن نفسك فإنه يضطرك إلى الخمول، ~~وإياك والعجب فإنه يورطك في الحمق، وإياك والغرور فإنه يظهر للناس كلهم ~~نقائصك كلها ولا يخفيها إلا عليك. واذكر دائما قول المتنبي: # ومن جهلت نفسه قدره # رأى غيره فيه ما لا يرى # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: زدني. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: إياك والعناء في جمع الماء فإنه خسة، وإياك ~~والحرص على كنز المال فإنه ذلة، وإياك والإحجام عن بذل المال في وجوه ~~الخير فإنه ضعة. واقرأ قول الله عز وجل: # الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في ~~سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم * يوم ~~يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم ~~وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم ~~فذوقوا ما كنتم تكنزون ~~. # ذلة # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ألا ترى إلى فلان يتعالى على مرءوسيه كأنه ~~السيد العظيم، ويتضاءل لرئيسه كأنه العبد الذليل. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: لو ملك هذا الرجل أمر نفسه لما تعالى على قوم ~~ولما تضاءل لآخرين، وإنما هو رجل فقد نفسه فهو يلتمسها في العلو الكاذب ~~حينا وفي التضاؤل الصادق حينا آخر، فهو عبد ذليل في الحالين ، وإنما ms55 السيد ~~الجدير بالسيادة هو الذي لا يطغى إن استغنى، ولا يذل إن احتاج. # خسار # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ألم تر إلى قوم أرسلوا أنفسهم على ~~سجيتها؛ فأبرموا الأمر، وأحكموا القضية، ورضوا عن أنفسهم، ورضي الناس عنهم. ثم ~~بدا لغيرهم فنقضوا ما أبرموا، وفرقوا ما أحكموا، وسخطوا على أنفسهم، وسخط ~~الناس عليهم. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: أولئك قوم باعوا مروءتهم بثمن بخس دراهم ~~معدودة أو دنانير معدودة، واقرأ إن شئت قول الله عز وجل: # أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى ~~فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين ~~. # نفور # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: لو لقيت مرة واحدة هؤلاء النفر فإنهم حراص على ~~أن يروك. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: أراك نسيت قول الشاعر القديم: # حي الحمول بجانب الرمل # إذ لا يلائم شكلها شكلي # هجر # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: لو رضيت عن فلان؛ فإنه نادم على ما فرط ~~منه. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: إليك عني واذكر قول معن بن أوس: # إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم ~~تكد # إليه بوجه آخر الدهر تقبل # صد # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ألم تر إلى فلان لج في هجر الناس، لا ~~يفرق بين عدو وصديق. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: الغمرات ثم ينجلينه. واذكر قول ~~البحتري: # لج هذا الحبيب في هجرانه # ومضى والصدود أكبر شانه # روغان # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ما أعذب حديث فلان حين يقول، وما أقل ~~غناءه حين يعمل! # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: # يعطيك من طرف اللسان حلاوة # ويروغ منك كما يروغ الثعلب # أهبة # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ألم تر إلى فلان أقبل متأهبا للحرب، ~~قد أبدى ما يرهب من ظفر وناب. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: نسي أن لخصمه أظفارا وأنيابا. واذكر قول ~~الشاعر القديم: # جاء شقيق عارضا رمحه # إن بني عمك فيهم رماح # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ما أكثر ما جمع فلان حوله للحرب! # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: هيهات، لن يكثر خصمه بمن جميع له. ms56 واذكر بيت ~~الحماسة: # ومن ربط الجحاش فإن فينا # قنا سلبا وأفراسا حسانا # نزاهة # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: لقد ضرب فلان أبرع المثل في الذود عن نزاهة ~~الحكم، والتعفف عن فتاته ومنافعه العاجلة، والحرص على الاستقامة في القول ~~والعمل، وعلى نقاء اليد والقلب والضمير. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى وعلى ثغره ابتسامة مرة حائرة لا تريد أن ~~تستقر: نعم، بعد أن ملأ يديه بالمغانم والأسلاب. # تعفف # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ألم تر إلى فلان قد اتخذ لنفسه في هذه ~~الأيام مكان أبي ذر أيام عثمان؛ فهو يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويبغض ~~الأثرة، ويحبب الإيثار، ويحذر من الأخذ من مال الدولة بغير حق. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى، وهو مطرق لا يكاد يرفع رأسه: لو بقي له مطمع ~~لآثر الصمت. # تحرج # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ما رأيت كاليوم تحرجا في تدبير أمور ~~الدولة. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: وما ذاك؟ # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ألم تسمع إلى فلان يلح في ألا يتولى ~~مناصب الدولة إلا القادرون عليها، الناهضون بأعبائها، الذين لا يمسون الوزراء ~~من قريب أو من بعيد. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى وهو يلوي وجهه ويرفع كتفيه: بعد أن أرضى ذوي ~~قرابته على حساب الدولة بما ليسوا له أهلا. # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: إني لأرى فيك مرارة لم أعرفها منك قبل ~~اليوم. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: إذا بلغ السيل الزبا، وجاوز الحزام الطبيين، ~~وتجاوز كل شيء قدره، وكل إنسان غايته؛ كان خليقا بالرجل الحر الكريم أن يطلق ~~حلاوة اللسان وعذوبة النفس إلى غير رجعة. # بعد فوات الوقت # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: لو سمعت إلى فلان وهو يحذر من عواقب المحاباة ~~لامتلأ قلبك به إعجابا! # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: لو قال ذلك أمس لصدقناه. # قصد # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: لقد خنقتني العبرة حين سمعت فلانا يأمر ~~بالقصد في أموال الدولة ومناصبها. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: صدق الله العظيم # أتأمرون الناس بالبر ms57 وتنسون أنفسكم وأنتم ~~تتلون الكتاب أفلا تعقلون ~~. # وهم التلميذ الفتى أن يراجع أستاذه فيما سمع منه. # ولكن الشيخ كان قد استوى ودخل في صلاة العصر، فلم يسع تلميذه إلا أن يستوي ~~قائما وراءه ويدخل فيما دخل فيه من الصلاة. # كرامة # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ما أكثر ما كان فلان يعتز بكرامته، وما ~~أسرع ما استجاب لما لا يلائم هذه الكرامة! # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: فإن من الكرامة ما يستجيب للمال كما يستجيب ~~الحديد لدعاء المغناطيس. # عزاء # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ما بال فلان قلب لصديقه القديم ظهر ~~المجن؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: لم يجد عنده مطمعا فتعزى عن اليأس بما ترى. ~~واقرأ إن شئت قول الله عز وجل: # ومنهم من ~~يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم ~~يعطوا منها إذا هم يسخطون ~~. # مكر # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ألم تر إلى فلان يمكر برئيسه ويؤلب ~~عليه؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: أراد أن يبلغ رضا رئيسه بالملق، فلما أعياه ~~ذلك أزمع أن يبلغ غضب رئيسه بالكيد. # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: وتراه يبلغ من ذلك ما أراد؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: هيهات، إلا أن يكون الرئيس عبدا ~~مثله. # إهداء # قال أحد الكتاب لبعض قرائه: أي الأدب أحب إليك؟ قال: الذي يرد علي صدى من ~~أصداء نفسي. قال الكاتب: فإن كان هذا الصدى بغيضا؟ # قال القارئ: إن كان بغيضا علمت أن الكتاب لم يسجل صوت نفسي، وإنما سجل ~~صوت نفس أخرى ألتمسها فيمن حولي من الناس. # إهداء # قال أحد الكتاب لبعض قرائه: أي الكتب أحب إليك؟ قال: الذي يعرض علي صورة ~~نفسي. قال الكاتب: فإن عرض عليك صورة قبيحة؟ # قال القارئ: إذن أعلم أنه لم يرد إلى تصويري، وإنما أراد إلى تصوير غيري من ~~الناس. # إهداء # قال أحد الأدباء لبعض أصدقائه: ما أشد حبك للهجاء! وما أكثر قراءتك لما ينشأ ~~فيه من شعر ونثر! # قال الصديق: لأني أجد في ذلك شفاء لبعض ما في ms58 نفسي من ازدراء الناس. # هجاء # قال أحد الأدباء لبعض أصدقائه: ما أشد عكوفك على قراءة الهجاء! # قال الصديق: فإنك تعلم حرصي على أن أتتبع مثالب الناس؛ فالهجاء يعينني من ~~ذلك على ما أريد. # هجاء # قال أحد الأدباء لبعض أصدقائه: إنك لتكثر قراءة الهجاء. # قال الصديق: أتتبع بذلك عيوب نفسي حين ألتمسها في نفوس الناس. # هجاء # قال أحد الأدباء لبعض أصدقائه: ما أكثر ما تثني على هذا الكتاب الذي لا يشتمل ~~إلا هجاء! # قال الصديق: فإنك تعلم أنه يلائم طبعي. # نقد # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: أي قرائك أحب إليك؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: هذا الذي يقرأ مخلصا، وينقد ناصحا، ويعلن ~~الرأي صريحا، لا يصانع فيه، ولا يلتوي به. # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ومن لك بالقارئ الذي تجمع له هذه ~~الخصال؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: هبه إحدى المنى التي يقول فيها الشاعر ~~القديم: # منى إن تكن حقا تكن أحسن ~~المنى # وإلا فقد عشنا بها زمنا رغدا # هجاء # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ما أكثر ما قال فلان للناس الخير فيما مضى، ~~وما أكثر ما يقول لهم من الشر الآن! # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: سقاهم من أدبه صفوا وعفوا حتى انتهى بهم ~~إلى قعر الدن فهو يسقيهم حثالة نفسه، وأجدر بهم أن يعافوا ما يقدم إليهم ~~من شراب. # هجاء # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: قد كان أدب فلان عذبا سائغا، فأصبح مرا لا ~~يطاق. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: ما زال يحلب لهم ضرع الأدب حتى استنفد لبنه، ~~فهو لا يحلب الآن إلا دما. # رياضة # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: أي الرياضة أحب إليك؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: المشي. # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: إنما أردت رياضة النفس. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: دفعها إلى ما تكره وصدها عما تحب، ذلك ~~أحرى أن يعينني على احتمال مخالطة الأهل، ومعاشرة الأصدقاء، ومعاملة ~~الناس. # سيرة # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ما خير سيرة يسيرها الرجل الحازم في ~~أبنائه ؟ # قال ms59 الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: يكلؤهم بعنايته، ويشملهم برعايته، ويحوطهم ~~بعطفه وحنانه، ولا ينتظر منهم بعد ذلك إلا عقوقا. ذلك أجدر أن يسروه أحيانا، ~~ولا يسوءوه أبدا. # إهداء # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: أي المودة أجدر أن تبقى على حوادث ~~الدهر؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: هذه هي التي تخلقها الأثرة لا الإيثار، ولم ~~تنشئها الحوادث التي تحدث، والنوائب التي تنوب، ولم تتصل بالمنافع القريبة أو ~~البعيدة، وإنما قامت على توافق العقول، وتعاطف القلوب، واستحيت أن يتحدث عنها ~~أصحابها حين يلتقون. # تلون # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ألا ترى إلى فلان يبيض قوله مصبحا، ~~ويسوده ممسيا؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: وما تنكر من ذلك! إنه يستعير بياض الصبح لأحد ~~قوله، وسواد الليل لقوله الآخر؟ # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: فأي لونيه نصدق؟! # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: صدقهما جميعا إن شئت، وكذبهما ~~جميعا إن أحببت؛ فهو صادق كاذب معا؟ # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: لقد عدت إلى الإلغاز في حديثك، وقد كنت ~~تركته دهرا؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: هو صادق في قوليه لأنه يلتمس منفعته ~~بهما، وهو كاذب في قوليه لأنه لم يرد بهما رضا الله ولا نصح ~~الناس. # تجارة # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ألا ترى إلى فلان يستبيح لنفسه الكذب مصبحا ~~وممسيا كما يستبيح الماء الذي يشربه، والهواء الذي يتنسمه؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: إنه يشتري بكذبه لذة السلطان؟ # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: وأي سلطان هذا الذي يشترى بالكذب؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: سلطان بخس يشترى بثمن بخس. # كذب # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ما أحب الكذب إلى فلان! # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: لو أدبه الشعب حين كذب كذبته الأولى، لما ~~عاد إلى الكذب مرة أخرى؟ # فرصة # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ألم تر إلى اضطراب أمور الناس منذ ~~أبحر فلان؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: غاب النسر فاستنسر البغاث، أو كما تقول ~~العامة: غاب السبع فلعبت الضباع. # مصانعة # قال الطالب الفتى لأستاذه ms60 الشيخ: ألم تر إلى فلان هم أن يكون رجلا ثم ~~استكان؟! # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: ذكر قول زهير: # ومن لم يصانع في أمور كثيرة # يضرس بأنياب ويوطأ بمنسم # فطرة # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ألم تر إلى فلان لم يكد يزأر زئير ~~الأسد حتى ماء مواء القط. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: لأنه لم يولد أسدا، وإنما ولد ~~قطا. # مهارة # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: لم يكد فلان يغيب حتى اضطرب كل شيء. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: أمر دبر بليل. # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: أوضح فإني لم أفهم عنك! # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: أراد أن تظهر الحاجة إليه، فيصعب الاستغناء ~~عنه. # طموح # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ما بال فلان يؤلب على الحكومة وهو لها ~~صديق. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: مل مكان الصديق وطمع في مكان ~~الزميل. # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: وتراه يبلغ ما يريد؟! # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: ولم لا؟! إن يسرق فقد سرق أخ له من ~~قبل. # طمع # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ما بال فلان لا يريح ولا يستريح؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: ملأ خزائنه من المال، ويريد أن يملأ يديه من ~~السلطان. # عداء # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ألم تر إلى فلان يصبح إخوانه بالعداء ~~كلما أشرقت الشمس. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: لم ينصفوه لأنهم لم يخلطوه بأنفسهم، واذكر ~~إن شئت قول الشاعر القديم: # إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته # على طرف الهجران إن كان يعقل # ويركب حد السيف من أن تضيمه # إذا لم يكن عن شفرة السيف ~~مزحل # رقص # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: لم يكد فلان يدبر حتى أقبل. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: لم ينس الرقص الذي تعلمه في ~~باريس. # تقلب # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ما أكثر ما يتقلب فلان بين الرضا ~~والغضب! # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: ألح عليه قول البحتري: # أغتدي راضيا وقد بت غضبا # ن وأمسي مولى وأصبح عبدا # سرعة ms61 # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: لم يكد فلان يغضب حتى رضي. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: ذكر قول بشار: # صدت بخد وجلت عن خد # ثم انثنت كالنفس المرتد # تجني # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ما أكثر ما يتجنى فلان على أصدقائه فيؤذيهم ~~ويؤذي نفسه! # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: أسرفوا في الثناء عليه فظن أنهم صادقون. ~~واذكر إن شئت قول شوقي: # خدعوها بقولهم حسناء # والغواني يغرهن الثناء # أفول # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ألم تر إلى ذلك النجم لم يكد يشرق حتى ~~أفل. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: كان يستمد النور من غيره، فلما التوى عنه ~~مصدر النور عاد إلى إظلامه القديم. # جزاء # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: رأيت كأني أودع الأرض بذرا طيبا، فلا ~~يكاد يستقر فيها حتى ينبت منظرا بغيضا! # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: تحسن إلى قوم، ثم لا تلقى منهم إلا ~~شرا. # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: وإذن! # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: وإذن فاعمل الخير، واذكر أن الله لا يضيع أجر ~~من أحسن عملا. # كفر # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: أي الناس أجدر أن يكفر النعمة ويجحد ~~المعروف؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: ذلك الذي يجعل رأسه وعاء للعلم دون أن يجد ~~نور المعرفة إلى قلبه سبيلا. # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: لم أفهم عنك! # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: إن مثل العلم الذي تعيه العقول، ولا تستضيء ~~به القلوب، مثل الأسفار التي يحملها الحمار. واقرأ إن شئت قول الله عز ~~وجل: # فإنها لا تعمى الأبصار ولكن ~~تعمى القلوب التي في الصدور ~~. # تذكار # ألمت فحيت ثم قامت فودعت # فلما همت أن تنصرف ألقت في يدي شيئا صغيرا، وتولت وهي تقول: اجعل هذا ~~وقاء لك من شر من تحسن إليه. # ونظرت فإذا هو مصحف دقيق. # لك العهد يا بنتي ألا يفارقني مصحفك هذا الدقيق حيا وميتا، ولك العهد ~~ألا أتخذه وقاء من أحد، ولا وقاء من شيء، وإنما أحمله لأن حمله محبب ~~إلي. # بطر # قال الطالب ms62 الفتى لأستاذه الشيخ: ألا ترى إلى قوم يمكرون برئيسهم، ويطلقون ~~فيه ألسنتهم. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: سئموا النعمة واشتاقوا إلى النقمة. # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: وترى رئيسهم يذيقهم من الشر ما يريدون. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: هيهات، واذكر قوما جعلهم الله عبرة ~~لأولي الأبصار؛ لأنهم خربوا بيوتهم بأيديهم. # فتنة # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ألا ترى إلى فلان يبر بذوي رحمه على حساب ~~الدولة. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: نجم يريد الأفول، وما أراه يأفل حتى تأفل معه ~~نجوم أخرى. # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: فإن النجوم الأخرى ماضية في سبيلها لم تنحرف ~~عن الجادة. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: فاقرأ إن شئت قول الله عز وجل: # واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا ~~منكم خاصة ~~. # وعد # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ما زال فلان يعدني ويمنيني حتى ظننت أنه ~~سيعطيني القمر، فلما حان وقت الوفاء لم أجد عنده إلا سرابا. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: لا تلمه وقد أعطاك ما يملك، وهو لا يملك ~~إلا الوعد، ولكن لم نفسك على تصديقه. واقرأ إن شئت قول الله عز ~~وجل: # يعدهم ويمنيهم وما يعدهم ~~الشيطان إلا غرورا ~~. # عبء # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: لم يجلب فلان لزملائه منذ شاركهم إلا ~~شرا. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: هو كما قال الله عز وجل: # كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت ~~بخير ~~. # وقاء # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ما حرص زملاء فلان عليه وهو يكلفهم من الشطط ~~ما لا يطيقون. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: إنما يتقون به عين الحسود. # تعالي # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ألم تر إلى فلان ثاني عطفه شامخا بأنفه ~~لا يكلم الناس إلا وحيا، ولا ينظر إليهم إلا شذرا. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: أنف في السماء واست في الماء. # إصلاح # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ما أكثر ما يذكر قومنا الإصلاح، وما أقل ما ~~يصلحون! # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: إنما يقولون بأفواههم ما ليس ms63 في قلوبهم، ولو ~~قد آمنت قلوبهم بالإصلاح حقا لعملوا أكثر مما يقولون. # نور # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ما أكثر ما ينتقص الناس فلانا دون أن يبلغوا ~~منه شيئا! # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: # يريدون أن ~~يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن ~~يتم نوره ولو كره الكافرون ~~. # ثبات # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ما أكثر ما تألب الناس على فلان فهاجموه ~~جهرة، وكادوا له سرا، وأغروا به ألسنتهم وأقلامهم، وهو ثابت في مكانه لا ~~يزول! # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: إنما مثلهم ومثله قول الشاعر القديم: # كناطح صخرة يوما ليوهنها # فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل # لوم # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ما رأيتك تذكر قومنا إلا لائما لهم ناعيا ~~عليهم. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: # ولو أن قومي أنطقتني رماحهم # نطقت ولكن الرماح أجرت # سخط # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: متى ترضى عن قومك؟! # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: حين أراهم يسخطون على أنفسهم. # عقل # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ألم تر إلى قومنا قد قلبوا لقادتهم ~~وزعمائهم ظهر المجن. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: لأنهم أخذوا يعقلون. # تبصر # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ألم تر إلى قومنا لا ينقادون لساستهم في ~~يسر كعهدهم منذ حين؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: جعلوا يصبحون رجالا. # إخلاص # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: متى يخلص الساسة في خدمة الشعب. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: حين ينسون أنفسهم. # حسد # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ألا ترى إلى فلان ما ينفك يثير الصعاب، ويبث ~~العقاب بين يدي زملائه العاملين؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: لم ييسره الله للخير، فهو يأبى أن يجري الله ~~الخير على يدي غيره. # زهو # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: لم يصنع فلان شيئا منذ ارتقى إلى منصبه، وهو ~~أكثر الناس حديثا عن نفسه مصبحا وممسيا. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: إنما هو كما قال أبو العلاء في بعض معاصريه: ~~«رحا تطحن قرونا.» # رقص # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ : ألم ms64 تر إلى الذين يكتبون مذكراتهم ~~السياسية، ويضيفون فيها إلى الموتى من الأقوال والأعمال ما يمنعهم الموت من أن ~~ينكروه أو يجادلوا فيه؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: هؤلاء القوم يستحبون الرقص على جثث الموتى، ~~فدعهم يخوضوا ويلعبوا حتى يأتي يومهم الذي يوعدون. # صدقة # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: وإني أقرأ في كتاب الله هذه الآية البارعة ~~الرائعة بما فيها من هذا التمثيل القريب البعيد: # مثل ~~الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة ~~أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة ~~والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم # فهلا أظهرتني على ما وراء هذا الجمال الفني الرفيع من أمر الدين؟! # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: فإن الرواة يتحدثون بأنها أنزلت بشأن رجلين ~~من أصحاب رسول الله # صلى الله عليه وسلم # حين ندب النبي أصحابه للجهاد بأموالهم وأنفسهم في ~~غزوة (تبوك)، فأما أحد هذين الرجلين فهو عبد الرحمن بن عوف رحمه الله، قسم ماله ~~نصفين، أمسك النصف على نفسه وأهله، وأقبل بالنصف الآخر على النبي # صلى الله عليه وسلم # فأقرضه الله قرضا حسنا؛ فقال له النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «بارك الله لك فيما أمسكت ~~وفيما أعطيت.» وأما الآخر فعثمان بن عفان رضي الله عنه، جهز للحرب من لا ~~جهاز له من فقراء المسلمين؛ فأنزل الله هذه الآية، ينبئ الذين ينفقون ~~أموالهم في سبيل الله عن نية خالصة، وعزيمة صادقة، وبراءة من المن والأذى، ~~بأنه يضاعف لهم نفقاتهم فيما يمنحهم من ثواب الآخرة أضعافا كثيرة، كهذه الحبة ~~التي تلقى في الأرض، فتنبت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة، وكل واحدة من هذا ~~الحب قد تلقى في الأرض؛ فتنبت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة، والله يضاعف ~~الخير لمن يشاء، تسع قدرته ورحمته ذلك، والله يرزق الناس من نعيم الدنيا ~~وثواب الآخرة إن أراد بغير حساب. # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: لو صدق الموسرون وعد الله وخافوا وعيده؛ ~~لآثروا إقراض الله على إقراض الناس. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى : فإنهم ms65 يرون بعيونهم، ويأخذون بأيديهم، ~~ويحرزون في خزائنهم ما تغل عليهم قروضهم في المصارف وفي أسواق المال، ويمنعهم ~~ضعف النفوس وخور القلوب، وهذا الشك الذي يفسد العقول أن يروا ما أعد الله ~~للمحسنين من ثواب. واقرأ إن شئت قول الله عز وجل: # من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء ~~لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما ~~مدحورا * ومن أراد الآخرة وسعى لها ~~سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا ~~* كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من ~~عطاء ربك وما كان عطاء ربك ~~محظورا ~~. # صدقة # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: إني أقرأ في كتاب الله هذه الآية الكريمة التي ~~تروع بما فيها من الإيجاز والصفاء: # يسألونك ماذا ~~ينفقون قل العفو ~~... فهلا فسرتها لي وفقهتني في ~~معناها؟ # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: فإن الناس كانوا يسألون النبي # صلى الله عليه وسلم # عما ~~ينبغي أن ينفقوا من أموالهم برا بالبائسين ومعونة للمحتاجين، فأنبأهم الله ~~بأن فيما زاد على حاجاتهم وحاجات من يعولون من الأهل والولد سعة لهذا البر ~~ومادة لهذه المعونة، وإنما أراد إلى تأديبهم بما ينبغي أن يرعوا به حق أنفسهم ~~وحق ذوي قرباهم وحق نظرائهم من الناس، وأراد قبل كل شيء أن يحملهم على الرفق ~~بأنفسهم وبمن يعولون، وكانوا قد تأثروا بالدعوة الإسلامية واندفعوا إلى البر ~~وأقبلوا عليه؛ حتى هم كثير منهم أن يشقوا على أنفسهم ويقتروا على أبنائهم ~~وأزواجهم، فدعاهم الله ورسوله إلى أن يرعوا حقوقهم أولا، وحقوق غيرهم من الناس ~~بعد ذلك. وقد أقبل رجل على النبي # صلى الله عليه وسلم # ذات يوم فقال له: «عندي دينار. قال: ~~أنفقه على نفسك. قال الرجل: عندي غيره. قال: أنفقه على أهلك. قال الرجل: عندي ~~غيره. قال: أنفقه على ولدك. قال الرجل: عندي غيره. قال النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: فأنت ~~أبصر.» لم يأمره أن يتصدق به، ولم ينهه عن هذه الصدقة، وإنما ترك له أن ~~ينفقه عن بصيرة في أمر دينه ودنياه. وأقبل رجل آخر ذات يوم على النبي # صلى الله ms66 عليه وسلم # ومعه بيضة من ذهب أصابها في بعض المعادن. قال: خذها مني صدقة، فقد أصبحت لا ~~أملك غيرها، فأعرض عنه النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وجاءه الرجل من ركنه الأيمن فأعاد عليه ~~القول، فأعرض عنه النبي مرة ثانية، وأعاد الرجل القول فأعرض عنه النبي مرة ~~ثالثة، وأعاد الرجل القول للمرة الرابعة؛ فقال له النبي # صلى الله عليه وسلم # في لهجة ~~المغضب: هاتها. فلما دفعها الرجل إليه حذفه بها حذفة لو أصابته لشجته، ثم قال: ~~«يأتي أحدكم بماله كله يتصدق به ثم يجلس يتكفف الناس.» # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: فقد كان النبي # صلى الله عليه وسلم # إذن يكفكف من غلو ~~أصحابه في الصدقة، ويخفف من إمعانهم في البر وإجهادهم لأنفسهم. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: كان يرفق بهم؛ لأنهم لم يكونوا يرفقون ~~بأنفسهم. # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: فأين نحن من أولئك الناس؟! # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: نحن في المنزلة التي لا يرفق الرجل فيها ~~بنفسه، ولا بأهله، ولا بولده، ولا بغيرهم من الناس؛ لأنه يؤثر المال على الرفق ~~والبر والإحسان جميعا، وصدق الله العظيم حين قال: # زين ~~للناس حب الشهوات من النساء والبنين ~~والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل ~~المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة ~~الدنيا والله عنده حسن المآب ~~. # قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: لو صدق الناس وعد الله وخافوا وعيده؛ لما ~~آثروا متاع الدنيا على متاع الآخرة، ولما كنزوا الذهب والفضة في خزائنهم ~~أكداسا، والناس من حولهم يصومون ثم لا يجدون ما يخرجون به من الصوم. # قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: هو ذاك، واقرأ إن شئت قول الله عز ~~وجل: # الذين يكنزون الذهب والفضة ~~ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم ~~* يوم يحمى عليها في نار جهنم ~~فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما ~~كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم ~~تكنزون ~~. ms67