######OpenITI# #META# URI: 1392TahaHusayn.MaWaraNahr.Hindawi38174975 #META# Tags: novels #META# ID: 38174975 #META# Title: ما وراء النهر #META# AuthorID: 59624258 #META# Author: طه حسين #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # ما وراء النهر‏ # ما وراء النهر‏ # | ما وراء النهر # | ما وراء النهر # تأليف # طه حسين # | ما وراء النهر # 1 # لست أدري أين وقعت أحداث هذه القصة، ولكني أقطع بأنها لم تقع في مدينة القاهرة، فقد ~~تتبعت شاطئ النيل كله في هذه المدينة، فلم أجد ربوة شديدة الارتفاع والاتساع، يقوم ~~عليها قصر فخم ضخم شاهق في السماء، ويتكاثف فيها شجر باسق ملتف يظل ضروبا من ~~النجم لا تعد، وفنونا من الزهر لا تحصى، وهذه الربوة المرتفعة الواسعة تنحدر في ~~يسر إلى النهر، كأنما تسعى للقائه، أو كأنما تيسر للشجر والزهر السعي للقائه ... # لم أجد على شاطئ النيل في القاهرة هذه الربوة ولا شيئا يشبهها؛ ووجود هذه الربوة شرط ~~أساسي لوقوع الأحداث التي تعرضها هذه القصة، فما أظنك تخالفني في أن ما يمس الإنسان ~~من الأحداث وما يصور هذه الأحداث من قصص لا يمكن أن يتم إلا إذا كان له مكان معروف ~~بحدوده وأوصافه. وقد وقعت أحداث هذه القصة في مكان، ما في ذلك شك، بل وقعت في هذا ~~المكان الذي وصفته وصفا موجزا. وأكاد أعتقد أن هذا المكان نفسه هو الذي أنشأها، وهو ~~الذي ابتكر أحداثها ودفع أشخاصها إلى إجراء هذه الأحداث. # وقد علمنا النقاد منذ عهد بعيد أن هناك صلة متينة دقيقة بين أقوال الناس ~~وأعمالهم، وبين البيئة التي يعيشون فيها ويتأثرون بدقائقها في حياتهم اليومية، ولو قد ~~عاش أشخاص هذه القصة في دار متواضعة أو في قصر يقوم على الأرض المنبسطة السهلة - لا على ~~هذه الربوة المرتفعة التي تمتاز مما حولها من الأرض، وترفع قصرها فوق ما حولها من ~~القصور والدور، وتنحدر بشجرها وزهرها في سذاجة ويسر إلى النهر - أقول: لو قد عاش أشخاص ~~هذه القصة في دار متواضعة أو قصر يقوم على السهل لما أجروا ما أجروا من الأحداث، ولما ~~أصابهم ما أصابهم من الخطوب. # فغرفات القصر وحجراته، وأفنية القصر وأبهاؤه، وهذه الدهاليز الكثيرة الملتوية، وهذه ~~النجوم المتقابلة المتدابرة، وهذا الزهر المنسق المنمق، كل أولئك قد فرض على ms01 أهل القصر ~~لونا أو ألوانا من الحياة لم يكونوا يستطيعون إلا أن يخضعوا له ويسلكوا في سيرتهم ما ~~يلائمه، وكل أولئك قد أغرى هذا الشخص أو ذاك من أشخاص القصة بهذا العمل أو ذاك من ~~أعماله، وبهذا القول أو ذاك من أقواله، بحيث لم يكن بد من أن تحدث هذه الأحداث في هذا ~~المكان المقسوم لها دون غيره من الأمكنة، وإلا لبطلت قواعد الفن، ولفسد التاريخ الأدبي، ~~ولذهب الأدباء بإنتاجهم الأدبي كل مذهب وسلكوا به كل سبيل، لا يخضعون لأصل من الأصول، ~~ولا يتقيدون بقانون من القوانين التي وضعها أرسطاطاليس وأسلافه وأخلافه ولم يفرغوا من ~~وضعها إلى الآن. # وإذن فلا بد لهذه القصة من ربوة عظيمة الارتفاع والاتساع، ومن قصر شاهق، وشجر باسق، ~~وزهر رائق، ونجم شائق، ونهر دافق يجري من تحت هذا كله في أناة حينا وفي عنف حينا آخر، ~~فإذا فقد شيء من هذا ضاعت القصة وما أظنك ترغب في أن تضيع؛ فأنت محتاج إليها لتنفق ~~الوقت في القراءة، وأنا محتاج إليها لأنفق الوقت في الإملاء، والمجلة محتاجة إليها ~~لتملأ عددا من صفحاتها قليلا أو كثيرا. # كل شيء يضطرني إلى أن أملي، وكل شيء يضطر المجلة إلى أن تنشر، وكل شيء يضطرك إلى أن ~~تقرأ، وكل أولئك يفرض علينا جميعا أن نقبل هذه الربوة وما فيها وما عليها لنمضي فيما ~~يسر له كل منا من الكتابة والنشر والقراءة. فلتكن هذه الربوة ما دام لا بد لها ~~ولنا من أن تكون، ولكنها لا تستطيع أن توجد في القاهرة؛ لأن شاطئ القاهرة منبسط مستو ~~ليس فيه نجاد ولا وهاد. فلو زعمنا أن الربوة قائمة في هذا المكان أو ذاك من المدينة ~~لاستطاع من شاء من القراء أن يواجهنا بالإنكار ويخاصمنا بالحقائق الواقعة، ويضيع علينا ~~القصة وما بذلنا في كتابتها ونشرها وقراءتها من الجهود. # وأكاد أعتقد أن هذه الربوة لا توجد على شاطئ النيل في مصر كلها، فلست أزعم أني قد ~~تتبعت الشاطئ المصري كله على النيل، ولكني لم أسمع قط ms02 عن ربوة كهذه الربوة، ولا عن قصر ~~كهذا القصر. ولو قد وجدت هذه الربوة وقصرها الشاهق وجنتها الرائعة لكثر عنها الحديث ~~في كتب الخطط أولا، وفي الصحف والمجلات ثانيا، وعلى ألسنة الناس بعد ذلك؛ لأن جو ~~مصر من الصفاء والنقاء بحيث لا يخفى شيء فيها على أحد من الناس إلا أن تتكاثف عليه ~~الرمال كما تتكاثف على الآثار. وقصتنا لم تحدث في العصر القديم، وإنما نزعم أنها حدثت ~~في هذا العصر الذي نعيش فيه، عاصرتنا أو سبقتنا إلى الوجود بوقت قصير جدا. # ومن الجائز أن تكون هذه الربوة مسحورة، توجد لتفنى، وتفنى لتوجد، تظهر اليوم ~~لتستخفي غدا، وتستخفي غدا لتظهر بعد غد؛ شأنها في ذلك شأن كثير من المدن والقرى التي ~~يتحدث عنها القصاص ويراها الرحالون في قلب الصحراء أو في أطرافها. ولكني أستبعد ذلك، لا ~~لأنه في نفسه بعيد أو مخالف لقوانين الطبيعة؛ فقوانين الطبيعة لا تستطيع أن تثبت أمام ~~قوانين الفن، وقوانين الفن تبيح أن توجد الربى وتفنى، وأن تظهر وتخفى، بل هي تبيح أن ~~توجد هذه الربوة في مدينة القاهرة نفسها إلى أن تقع أحداث القصة. ثم تمضي بما عليها ومن ~~عليها كأن لم تغن بالأمس، وما دام الزمان يمضي فليس بأس من أن يمضي المكان كما يمضي ~~الزمان. وإذا استبعدت أن تكون هذه الربوة في مدينة القاهرة، فمصدر ذلك أن القراء ~~يتفاوتون في الثقافة ويختلف علمهم بأصول الفن. وما أحب أن ينجم لي منهم قارئ أو قراء ~~يزعمون لي أن لا وجود لهذه الربوة في القاهرة ويجادلون فيما لا معنى للجدال فيه. # وأنا مع ذلك أستبعد أن تكون هذه الربوة مصرية لعلة أخرى لا تتصل بطبيعة الأرض ولا ~~بتقويم البلدان، وإنما هي أعظم خطرا من طبيعة الأرض ومن تقويم البلدان؛ لأنها تتصل ~~بالأخلاق، فأهل مصر كلهم أخيار أبرار. لا يحبون شيئا كما يحبون العدل، ولا يبغضون ~~شيئا كما يبغضون الجور، ولا يؤثرون شيئا كما يؤثرون ذكاء القلب وصفاء النفس وطهارة ~~الضمير، ولا يرفعون أنفسهم عن شيء ms03 كما يرفعونها عن مقارفة الإثم ومصاحبة الفساد، ينأون ~~عن السيئات أشد ما يكون النأي، ويتجافون عن الموبقات أشد ما يكون التجافي، وينزهون ~~أنفسهم عن الخطيئة أشد التنزيه؛ فلست ترى بينهم قويا يستذل ضعيفا، ولا غنيا يستذل ~~فقيرا، ولا ناعما يستطيل على بائس، ولا سعيدا يستخف بشقي. ولست ترى بينهم ~~متعجلا للمنفعة، ولا مؤجلا لعمل من أعمال البر، ولا مضحيا بمصلحة الكافة في سبيل ~~المصلحة الخاصة، ولا مؤثرا لنفسه بالخير من دون مواطنيه. # ولست ترى بينهم من يستحب الحياة الدنيا على الآخرة، ويؤثر العاجلة على الآجلة، ~~ويتهالك على اللذات لا يصطنع في سبيلها أناة ولا وقارا، ويقبل على الآثام لا يرى في ~~الإقبال عليها حرجا ولا جناحا؛ لست ترى من بينهم أحدا يهم بشيء من ذلك أو يفكر فيه ~~أو يصد نفسه عنه متكلفا من الجهد قليلا أو كثيرا، وإنما هم قوم فطروا على البر ~~والإحسان، وركبت في طبائعهم خصال التعاون والتناصف والاستباق إلى الخيرات، وائتلفت ~~أذواقهم من حب الجمال المادي والمعنوي؛ فهم يكرهون أشد الكره القبح الذي تتأذى به ~~العيون، وهم ينفرون أشد النفور من القبح الذي تشمئز منه النفوس، حياتهم الأولى في هذه ~~الدنيا مشاكلة كل المشاكلة لحياة الصالحين المقربين في الجنة التي وعد الله عباده ~~المتقين. وفي هذه القصة، كما سترى، شيء من ظلم وجور، وشيء من استطالة واستعلاء، وشيء من ~~الاستئثار باللذات في غير تحرج، والإقدام على الآثام في غير تحفظ، والاستهتار بما يأبى ~~الرجل الكريم أن يستهتر به أو يظهر الناس على ميله إليه ورغبته فيه. فلا يمكن إذن أن ~~تحدث هذه القصة في مصر؛ لأن أحداثها منافرة أشد المنافرة للمعروف المألوف من أخلاق ~~المصريين في عصورهم المختلفة وفي عصرهم هذا الحديث خاصة؛ لأن الأخيار يمضون في الخير ~~كلما تقدم الزمان، كما أن الأشرار يتخففون من الشر كلما ارتقت الحضارة. وأكبر الظن أن ~~حياة المصريين قد بلغت من الصفاء والنقاء على تقدم الزمن طورا ليس بينه وبين حياة ~~الملائكة في السماء إلا آماد قصار. وإذا كان ms04 الجيل المعاصر منهم يسعد بهذه الحياة ~~الراضية الرخية النقية أكثر مما سعدت الأجيال الماضية، فإنه على سعادته العظيمة شقي ~~بالقياس إلى ما ستظفر به الأجيال المقبلة من هذه السعادة التي لا يمكن أن توصف بلغة ~~الناس؛ لأنها لم تقدر للناس في حياتهم الدنيا. # ليست هذه القصة مصرية إذن؛ لأن مكانها لا يوجد في أرض مصر، ولأن أشخاصها لا يعيشون في ~~جو مصر، ولأن أحداثها لا تلائم طبائع المصريين. وإذن فقد تسأل نفسك كما أسأل نفسي: أين ~~وقعت أحداث هذه القصة؟ والحق أن الجواب عن هذا السؤال ليس شاقا ولا عسيرا؛ فما أكثر ~~البلاد التي ترتفع فيها الربى على ضفاف الأنهار، وترتفع فيها القصور الشاهقة المترفة ~~على قمم الربى! وإذا لم تكذبني الذاكرة فإن شاعرا من أصحاب الموشحات قد صور لنا ربى ~~كثيرة في إسبانيا، كان يطلب إلى السحب أن تجلل تيجانها بالحلي، وأن تجعل منعطفات ~~الجداول لها أساور من لجين، وإن شئت فقل أساور يختلف معدنها باختلاف ما يلقى عليها من ~~الضوء وما يعكس عليها من الألوان؛ فهي من فضة حين يمتع النهار، وهي من ذهب حين يترقرق ~~على صفحاتها ضوء الأصيل. # والمهم أن هذا الشاعر الموشح الموفق قد دلنا على مكان هذه الربوة الرائعة التي يقوم ~~عليها هذا القصر المنيف. فلنقل إذن إنها في إسبانيا. وأنت تعرف أن إسبانيا هي البلد ~~الذي يبني الخيال فيه ما يشاء من القصور ومن القصور المطاوعة التي ترتفع في السماء ~~وتتسع في الفضاء ما شئت لها الارتفاع والاتساع، والتي تنخفض وتنقبض حين تريد لها ~~الانخفاض والانقباض، والتي تندك وتنهار وتصبح أطلالا بالية حين تريد أن تقف عليها كما ~~كان يقف الشعراء القدماء على أطلالهم، وأن تنشد عليها هذا الشعر الذي أنشده النابغة على ~~طلله القديم: # يا دار مية بالعلياء فالسند # أقوت وطال عليها سالف الأمد # وقفت فيها أصيلا لا أسائلها # أعيت جوابا وما بالربع من أحد # 2 # ربوتنا إذن في إسبانيا، قد أشرفت على نهر من أنهارها، وانحدرت إليه كما قلت في سهولة ms05 ~~ويسر، واتخذت لنفسها من الشجر والزهر تاجا رائعا بارع الجمال، واتخذت لتاجها هذا ~~الرائع البارع من ذلك القصر الشامخ الباذخ الأنيق درة نادرة المثال منقطعة النظير، ~~تستطيع أن تلتمس لها اسما بين هذه الدرر الكثيرة التي يأتلف منها كتاب العقد الفريد ~~لذلك الكاتب الشاعر الأندلسي العظيم. # ولكني لم أصف الربوة حق وصفها ولم أصورها كما ينبغي لها أن تصور، فأنت لا تحسن ~~الوصف والتصوير لشيء من الأشياء إلا إذا وصلت به ملحقاته التي تكمله وتعطيه صورته ~~النهائية، إن أتيح لشيء من الأشياء في هذه الحياة أن يظفر بصورته النهائية في يوم من ~~الأيام. ولهذه الربوة ملحق لا يمكن إهماله؛ لأن إهماله يخل بنظام القصة إخلالا خطيرا، ~~فالجمال لا يستقيم إلا إذا جاوره القبح، والنعيم لا يكمل إلا إذا جاوره الجحيم، وما ~~ينبغي أن تحتج علي بنعيم الجنة وجمالها، فنعيم الجنة وجمالها لا يستقيمان إلا إذا كان ~~بإزائهما قبح جهنم وما يصلى الخاطئون فيها من نار الجحيم. # لا بد إذن من أن أتم تصوير الربوة بشيء من الحديث عن هذا الملحق الذي لا يستقيم أمرها ~~بدونه. وهذا الملحق قرية تقوم على السهل المنبسط مما يلي الربوة، وهي بعيدة الأرجاء، ~~مترامية الأطراف قبيحة المنظر إلى أقصى غايات القبح، تقوم فيها دور منخفضة لا تكاد ~~ترتفع في الجو إلا قليلا، لم تتخذ من الحجر ولا من الآجر ولا من اللبن، وإنما ~~اتخذت من الطين قد صنع صناعة غليظة خشنة وأسند بعضه إلى بعض وأقيم بعضه على ~~بعض، فائتلفت منه بيوت كانت تريد أن تكون جحورا تتخذ في باطن الأرض، ولكن أهلها ~~لم يجدوا من القوة ولا من الجهد ولا من المال ما يمكنهم من احتفار الجحور في الأرض، ~~فآثروا أيسر الأمرين واتخذوا دورهم من هذا الطين المهمل الغليظ. # وقد قامت هذه القرية البائسة، في هذا السهل المنبسط، على شاطئ النهر الجميل، وإلى ~~جانب الربوة الرائعة، ليعلم الناس وليعلم النهر أيضا، وليشهد النهار المشرق والليل ~~المظلم، وليسجل التاريخ الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة ms06 إلا أحصاها أن الحياة مزاج من ~~الخير والشر، ومن النعيم والبؤس، ومن الجمال والقبح، ومن السعادة والشقاء، وأن تمايز ~~الأشياء وتفاوت الأحياء أصل من أصول الوجود. فلولا الفقر ما كان الغنى، ولولا البؤس ما ~~كان النعيم، ولولا الانخفاض ما كان الارتفاع، ولولا الضيق ما كانت السعة. # ولست في حاجة إلى أن أفصل ما تمتاز به الربوة من جمال، وما تمتاز به القرية من قبح. ~~فقد لا يكون من الخير ولا من الذوق ولا من حسن الرعاية للقراء أن أستأثر وحدي بهذا ~~الوصف؛ فأنا لم أستأثر بالخيال من دون القراء، بل أنا قد أكون أقل الناس حظا من ~~الخيال وقدرة على الوصف وبراعة في الأداء، ولم يخلق الله أديبا يستطيع أن يستأثر وحده ~~بوصف ما يعرض على قرائه من الأشياء والأحياء؛ فهذا الوصف شركة دائما بين الأديب المنتج ~~والقارئ المستهلك. # وليس من المحقق أن الأشياء التي يعرضها الأدباء تقع في نفوس القراء كما يعرضونها ~~عليهم، وإنما الشيء الذي ليس فيه شك أن القراء يشاركون في الخلق والإنشاء، ويسبغون ~~من ذات أنفسهم على ما يجلو لهم الكتاب من صور ألوانا لعل الكتاب أنفسهم لم يروها، ~~ولعلها لم تخطر لهم على بال؛ فهذه الربوة التي تحدثت عنها وهذه القرية التي أشرت إليها، ~~تقعان من نفوس القراء على اختلافهم مواقع مختلفة متباينة، لعلها لا تلتقي ولا تتشابه ~~إلا في القليل، فالإنتاج الأدبي إذن شركة بين الأديب وقارئه، وليس الأديب في حقيقة ~~الأمر إلا رائدا يمهد الطريق. # وما ينبغي للقراء إذن أن ينخدعوا عن أنفسهم، ولا أن يخلعوا على الأدباء هذه الخصال ~~الرائعة التي تثير فيهم الغرور وتغريهم بالكبرياء. والذي أريد أن أصل إليه هو أني أعتمد ~~على القراء في أن يعمل كل منهم خياله ما وجد إلى إعماله سبيلا؛ ليصور لنفسه هذه ~~الربوة جميلة كأروع ما يكون الجمال، وهذه القرية قبيحة كأبشع ما يكون القبح، وألا ~~تكون قراءتهم سلبية غير ذات غناء. فهذه القصة لا تحتمل القراءة السلبية، وإنما هي تريد، ~~بل هي لا ms07 تقوم إلا على المشاركة الإيجابية بين الكاتب حين يرسم الخطوط وبين القارئ حين ~~يتم الرسم ويملأ ما بين الخطوط من فراغ لعله ترك عن إرادة وعمد. # ولعل القارئ يظن، وهو معذور إن ظن، أن هذا الحديث قد طال وأسرف في الطول قبل أن يصل ~~إلى أول هذه القصة، فكتابنا قد عودوا القراء أن يهيئوا لهم الأدب كما يهيأ ~~لهم الطعام؛ فليس على القراء إلا أن يقرءوا ويسيغوا، كما أنهم أو كما أن بعضهم ليس ~~عليه إلا أن يجلس إلى مائدة الطعام في مواعيد موقوتة ليمضغ ويسيغ. # أما أنا فلا أحب هذا اللون من الطهي الأدبي؛ لأني أكبر نفسي وأكره أن أكون خادما ~~للقراء من جهة، ولأني أكبر القراء وأكره أن تكون آذانهم أفواها وعقولهم بطونا ~~يلقى إليها الكلام فيسمعون ثم يسيغون، لا أحب شيئا من هذا، وإنما أحب أن أنشئ بيني ~~وبين القراء نوعا من الزمالة، بحيث نبدأ القصة معا، ونمضي فيها معا، وننتهي منها ~~معا، نتفق أحيانا ونختلف أحيانا أخرى، ويشجر بيننا الخصام من حين إلى حين. # 3 # قد كدنا نصل إلى أول القصة، وإن كنا لم نخط فيها خطوات واسعة فيما أعتقد، فليست ~~القصة حكاية للأحداث وسردا للوقائع كما استقر على ذلك عرف النقاد والكتاب، ~~وإنما القصة فقه لحياة الناس وما يحيط بها من الظروف، وما يتتابع فيها من الأحداث. وإذا ~~كان الأمر كذلك - وهو عندي كذلك - فنحن قد بدأنا القصة منذ الكلمة الأولى من هذا ~~الحديث. وعلى كل حال فليس بيننا وبين الأخذ في عرض الحوادث إلا شيء واحد، وهو أن نتبين ~~الصلة بين القرية الملقاة على السهل والربوة المشرفة على النهر. وهذه الصلة قريبة كل ~~القرب، يسيرة كل اليسر، ليست بعيدة ولا عسيرة كالصلة بين القصر وقريته في قصة الكاتب ~~المعروف كفكا # Kafka ~~؛ لأني لا أصطنع في حديثي رمزا ولا ~~إيماء، وإنما أصطنع الصراحة التي تؤثر الجلاء وتكره الغموض. والذين قرءوا قصة «القصر» ~~لهذا الكاتب ذي الصوت البعيد، يعرفون أن قصره إنما هو رمز للعالم العلوي، ms08 وأن قريته ~~إنما هي رمز للعالم السفلي، ومن هنا تعقدت الصلة بين هذين العالمين. # أما ربوتي أنا فهي ربوة من هذه الربى التي يراها الناس في كل يوم ويقرءون عنها في كل ~~كتاب من كتب الأدب، وليس أدل على ذلك من أني قد استعرتها من ذلك الشاعر الأندلسي ~~القديم، وأما قصري أنا فهو قصر من هذه القصور التي يشهدها الناس حين يصبحون وحين ~~يمسون، قد بني من المادة التي تبنى منها القصور، وأثث بالأثاث الذي تزدهي به ~~القصور، وأترف أهله كما تعود الناس أن يترفوا في هذه الحياة التي نحياها، وفي هذا ~~العصر الذي نعيش فيه، فمن أيسر الأشياء أن يهبط رجل من أهل القصر إلى القرية، ليس عليه ~~في ذلك إلا أن يمضي أمامه حتى يقرب من شاطئ النهر، ثم ينعطف إلى يمين فيرى أمامه طريقين ~~إحداهما ممهدة تمهيدا حسنا كأنها أعدت لصعود السيارات وانحدارها، والأخرى ممهدة ~~تمهيدا مقاربا ضيقة بعض الضيق، ولكنها أقصر من الأخرى، وهي الطريق التي يسلكها ~~الراجلون، وقد يرى فيها الفرسان الذين يمتطون الخيل. # وكذلك يستطيع الرجل من أهل القرية أن يرقى إلى هذا القصر على قمة الربوة سالكا ~~الطريق الأولى إن أراد التيسير على نفسه بالسعي الهين والرقي السهل، وإن أراد كذلك أن ~~يلهو بما يلقى في طريقه من هذه السيارات الصاعدة الهابطة بمن فيها من السادة والقادة ~~والغادات الحسان وسالكا - إن شاء - الطريق الأخرى إذا لم يشفق من التصعيد العسير ~~الملتوي، وإذا كان حريصا بنوع خاص على أن يبلغ القصر في أقصر وقت ممكن وفي غير تلكؤ أو ~~إبطاء. # هذه هي الصلة المادية بين الربوة والقرية، وهي - كما ترى - قريبة ميسرة. فأما الصلة ~~المعنوية فأشد من الصلة المادية قربا وأعظم منها يسرا، وهي صلة السادة بالخدم، أو ~~صلة الخدم بالسادة لا أكثر ولا أقل، وما ينبغي أن تظن أن أهل القرية جميعا خدم يعملون ~~في القصر يرقون إليه مع الصبح ويهبطون منه مع الليل؛ فأهل القرية ليسوا من هذه الخدمة ~~في شيء، بل ms09 هم لا يرقون إلى القصر إلا قليلا، وهم حين يرقون إليه لا يبلغونه فضلا عن ~~أن يدخلوه، وإنما يبلغون مكاتب الدائرة التي ألحقت به، فيتصلون بهذا الموظف أو ذاك ~~لما يمكن أن يكون بينهم وبين هذا الموظف من عمل. هم خدم للقصر على هذا النحو الذي تعرفه ~~والذي تراه في كل مكان يقوم فيه قصر فخم وتنبسط فيه أرض زراعية يملكها أصحاب القصر، ~~ويعيش من حوله قوم يعملون في هذه الأرض ويعيشون مما يعملون؛ فجزء عظيم من السهل المنبسط ~~في أسفل الربوة ملك لسادة القصر، وأهل هذه القرية هم الفلاحون الذين يزرعون هذه الأرض ~~ويستغلونها ويستخلصون خيراتها لسادتهم، يقدمون إليهم كل هذه الخيرات ويعيشون على ما ~~يساقط منها هنا وهناك وعلى ما يتفضل به عليهم سادتهم من الفتات. لا يملكون شيئا، ~~وليس لهم أمل في أن يملكوا شيئا، لا يكادون يملكون أنفسهم، وليس لهم أمل في أن يستقلوا ~~بملك أنفسهم. # هم أحرار في ظاهر الأمر يذهبون ويجيئون، ويستيقظون وينامون، ولكنهم رقيق في حقيقة ~~الأمر؛ لأنهم لا يذهبون إلا إلى حيث يعملون، ولا يجيئون إلا إلى حيث ينامون، ولأنهم ~~يطعمون ما أريد لهم أن يطعموا لا ما يريدون هم أن يطعموا. ولعلهم لا يريدون أن يطعموا ~~إلا ما يسر لهم؛ لأنهم لا يعرفون غير ما يسر لهم، ولا يستطيعون أن يطمعوا فيما لا ~~علم لهم به. ولأنهم بعد ذلك لا يستطيعون أن يتصرفوا في شيء لأنهم لا يجدون شيئا، ولا ~~يطمعون في أن يجدوا شيئا يمكن أن يتصرفوا فيه. هم أحرار كالعبيد، وعبيد كالأحرار. ~~ليسوا راضين ولا ساخطين؛ لأنهم لا يعرفون الرضا ولا السخط، وإنما يعيشون كما تعيش النمل ~~تدفعهم الغريزة وتدبر أمرهم إرادة سادتهم في القصر. ويجب أن نعترف بأن هؤلاء السادة ~~قساة القلوب غلاظ الأكباد، يؤثرون أنفسهم بكل شيء، ولا ينزلون لغيرهم عن شيء؛ ولأجل ~~هذا قلنا إنهم لا يمكن أن يكونوا من المصريين. # وقد آن للحوادث أن تحدث، وللقصة أن تأخذ طريقها إلى الوجود إن لم تكن قد ms10 أخذته من ~~قبل. # وأول ما نشهده من حوادث القصة منظر هذا الشاعر الذي نيف على الستين، ولكنه احتفظ ~~بقوة توشك أن تكون قوة الشباب، وهو على ذلك يتكلف الشيخوخة ويتصنع الضعف حين يراه سادة ~~القصر، وهو لا يمشي إلا متوكئا على عصا يسرف في الانحناء عليها إذا رآه الناس، فإذا ~~خلا إلى نفسه اعتدلت قامته واستقام قده، ونظر إلى ما حوله معجبا تياها. وقد ~~تعود صاحب القصر الذي سنعرفه بعد قليل أن يراه منحنيا يمشي على ثلاث، كما كان يقول ~~أبو الهول في سؤاله لأوديب، فكان كلما رآه أنشد متضاحكا ساخرا قول جرير: # وتقول بوزع قد دببت على العصا # هلا هزئت بغيرنا يا بوزع # ونحن نرى هذا الشاعر الشاب الشيخ وقد خرج من الجناح الذي يقيم فيه عن يمين القصر، ~~وسعى منحدرا في بطء وتمهل يريد أن يبلغ المجلس الذي تعود أن يلقى فيه صاحب القصر في ~~جوسق جميل على شاطئ النهر، ولكنه يلقى في طريقه شيخا لا حظ له من قوة ولا من شباب وهو ~~البستاني عثمان الذي يقول له في صوته المتهالك المحطم: «في المكتب يا سيدي! في المكتب، ~~إنه لم يخرج اليوم من مكتبه ولم يهبط إلى الحديقة ولم يقف عند أزهاره التي تعود أن ~~يطيل الوقوف عندها.» قال الشاعر الشيخ الشاب: «عم صباحا يا عثمان، في المكتب! ماذا ~~سيصنع سيدك في المكتب؟ أيمكن أن يعيش الناس تحت السقوف وبين الجدران حين تصفو السماء ~~وتتألق الشمس وتزين الأرض ويتهادى النهر على هذا النحو! دعه في المكتب يا عثمان، ولا ~~تؤذنه بمكاني إلا أن يسألك، ولكن أرسل إلي القهوة، قدحين لا قدحا واحدا، وقف على ~~إبراهيم حتى يتقنها، فأنت تعرف القهوة التي أحب.» قال عثمان: «طاعة يا سيدي! ولكني رأيت ~~مولاي عابسا هذا الصباح كما لم أره قط.» قال الشاعر: «عابسا! عابسا! لقد أدركه بعض ~~الخبل، إنه يعبس والدنيا باسمة، ويحبس نفسه وكل شيء يدعوه إلى أن ينعم بهذا الجمال، دعه ~~محبوسا عبوسا، وأرسل إلي قهوتي ولا تنبئه ms11 بمحضري إلا أن يسألك .» # ثم مضى أمامه منحنيا على عصاه مستأنيا متمهلا، حتى بلغ الجوسق، فجلس إلى المائدة ~~ونشر أمامه أوراقا، وأخذ بيده قلما وجعل يطيل النظر إلى النهر كأنما كان يستمليه، ثم ~~يكتب متباطئا على ما بين يديه من الأوراق. # 4 # وكان النهر يملي عليه حديثا عجبا؛ لأنه نهر عجيب بين الأنهار، لا يعرف الناس له ~~منبعا ولا مصبا، وإنما يرونه يسعى من الشرق إلى الغرب دون أن يستطيع أحد أن يقول: من ~~أين يأتي؟ ولا إلى أين يجري؟ وقد حاول المستكشفون أن يعرفوا من أمره ما عرفوا من أمر ~~الأنهار الأخرى في الأرض فلم يبلغوا من ذلك شيئا، سايروا شاطئه من الشرق إلى الغرب، ~~ومن الغرب إلى الشرق، فوجدوا مدنا وقرى، وصحاري ليس فيها مدن ولا قرى، ولكنهم انتهوا ~~دائما إلى غابات كثاف يضيع النهر بينها، ولا سبيل إلى النفوذ منها ولا إلى تتبعه فيها. ~~وكأنما خلقت هذه الغابات في الشرق والغرب لتحجب النهر عن المستكشفين وتعمي آثاره ~~على المتتبعين. وهي تتكاثف وتتكاثف، ويدنو بعض أشجارها من بعض، ويلتف بعض أشجارها ببعض، ~~ويكاد بعض أشجارها يركب بعضا، حتى كأن النهر إنما ينبع من بيئة مظلمة أشد الإظلام، ~~ليصب في بيئة أخرى ليست أقل منها إظلاما ولا حلوكا. # ولم يكن هذا هو الشيء الوحيد العجيب من أمر النهر، وإنما كانت له خصلة أخرى ليست أقل ~~من هذه الخصلة عجبا؛ فقد عرف الناس أحد شاطئيه، وهو هذا الذي تقوم عليه الربوة، وتنبسط ~~فيه السهول الخصبة المأهولة والصحاري الجدبة المقفرة، من الشمال. فأما شاطئه الآخر، مما ~~يلي الجنوب، فقد جهله الناس كما جهلوا منبع النهر ومصبه، ولم يعرفوا منه إلا شيئين ~~اثنين: أحدهما أن من وراء النهر، وعلى أمد منه غير بعيد، جبالا شاهقة ترتفع في السماء، ~~وتبعد في الارتفاع حتى لا يكاد البصر يبلغ قممها إلا في كثير من الجهد والمشقة. والثاني ~~أن العبور إلى هذا الشاطئ مخوف يملأ القلوب هولا ورعبا؛ فقد تعارف الناس وتوارثوا منذ ~~أقدم العصور، أن ms12 الذين يعبرون إليه لا يعودون ، وهم من أجل ذلك لا يفكرون في العبور ~~إليه، بل لا يتحدثون في العبور إليه إلا في كثير جدا من الحذر والتحفظ ~~والاحتياط. # ولعلهم لا يذكرونه بالتصريح، وإنما يذكرونه بالإشارة والإيماء، بل نشأ عن هذا أيضا ~~أن الناس كرهوا الدنو الشديد من شاطئه الشمالي المعروف، وآثروا أن يقيموا مدنهم وقراهم ~~على آماد بعيدة منه قد قدرت تقديرا. وما أكثر المدن والقرى التي اتخذت بينها وبين ~~النهر حواجز كثافا من الشجر! كأنما كان الناس يكرهون حتى أن تبلغ أبصارهم شاطئ النهر ~~الذي يليهم، لا نستثني منهم إلا أهل هذه الربوة التي أشرفت على النهر وكادت تسعى إليه ~~سعيا؛ فقد كانوا لا يخافون النهر ولا يرهبونه ولا يكادون يحفلون به، إما لأنهم كانوا ~~من عنصر ممتاز لا يعرف الخوف ولا الرهب ولا يحفل بما يحفل به الناس، وإما لأنهم كانوا ~~مشغولين عنه بحياتهم الناعمة وعيشهم الغض وتهالكهم على ما يتاح لهم من لذات، وإما ~~لأنهم كانوا أذكى قلوبا وأنفذ بصائر من أن يقفوا عند ما يقف عنده العامة، ومن يدري؟! ~~لعل كل هذه الخصال مجتمعة وخصالا أخرى غيرها كانت تشغلهم بأنفسهم وتصدهم عما يقبل ~~الناس عليه من ألوان التفكير. # وكان الشاعر وحده بين أهل القصر وما يتصل به من الأجنحة والدور هو الذي يعنى بهذا ~~النهر ويريد أن يستكشف أسراره ويتعمق دقائق أمره. ولكن للشعراء مذاهب في البحث ~~والاستقصاء لا تشبه مذاهب العلماء والفلاسفة إلا قليلا؛ فلم يكن شاعرنا يتتبع شاطئ ~~النهر ليعرف منبعه أو مصبه، ولم يكن يحاول أن يعبر إلى شاطئه الآخر ليعرف ما وراء ~~النهر، وإنما كان يكتفي حين يتاح له شيء من فراغ بأن يجلس في هذا الجوسق مشرفا على ~~النهر محدقا فيه مطيلا النظر إليه، يسأله ويلح في السؤال، ويستمليه ويسجل ما يملي ~~عليه. # وكان النهر بخيلا بأسراره، ضنينا بدقائقه وحقائقه حتى على هذا الشاعر، مع أن ~~المعروف أن الأنهار تحب التحدث إلى الشعراء؛ فكان الشاعر إذا سأل عن شيء من هذه ms13 الألغاز ~~لم يرجع النهر عليه جوابا، وإنما يتحدث إليه عن أسرار أخرى تلك التي كانت الشمس تفضي ~~بها إليه في رسائلها الطوال التي كانت تقرؤها عليه منذ يسفر الصبح إلى أن يظلم الليل، ~~والتي كانت النجوم تفضي بها إليه في رسائل خاطفة متقطعة ترسلها إليه حين يغشى الليل، ~~والتي كان القمر يرسل بها إليه ضوءه الهادئ المستقر بين حين وحين، والتي كان النسيم ~~يهديها إليه في الليل مرة وفي النهار مرة أخرى، والتي كانت تعصف بها الريح أحيانا ~~ويقصف بها الرعد أحيانا، ويخفق بها البرق أحيانا أخرى. وربما أملى عليه بعض ما كانت ~~تتحدث به أمواجه الهادئة المطمئنة من بعض النجوى. # وكان الشاعر يجد في هذه الأحاديث متاعا، ويسجل منها أطرفا يحتفظ بأكثرها لنفسه، ~~وربما عرض أقلها على أهل القصر فرضوا حينا وسخروا أحيانا. # وهو في هذه الساعة مقبل على النهر يسأله ويتلقى أحاديثه، بعينيه حينا، إذ يرقب صفحته ~~المضطربة في هدوء، وبأذنيه حينا آخر إذ يسمع هذا الخرير الهادئ الذي يشبه نجوى ~~المحبين. ولكن إقباله على النهر لا يتصل؛ فهذا الخادم قد أقبل يحمل إليه القهوة التي ~~طلبها إليه، وهو لا يضع القهوة أمامه ثم ينصرف كما تعود أن يفعل في كل يوم، وإنما يقف ~~صامتا أول الأمر، ثم يقول: ما ينبغي أن يطول انتظار مولاي لك يا سيدي، وإنما الخير إذا ~~فرغت من قهوتك أن تستجيب لدعائه؛ فقد أنسيت أن أنبئك بأنه كلفني أن أوجهك إليه متى ~~أقبلت، وما أرى إلا أنه يجهل مقدمك إلى الآن، قال الشاعر: فدعه يجهل مقدمي حتى أسعى ~~إليه بعد قليل. # قال الخادم: لا تبطئ يا سيدي، فما أرى إلا أنه شديد الحاجة إلى لقائك، وأكبر الظن أنه ~~لم ينم من ليلته، وأن أمرا ذا بال ينغص عليه حياته، قال الشاعر: وما ذاك؟ # قال الخادم: لا أدري! ولكني أعلم أنه أنفق آخر الليل في مكتبه ذاهبا جائيا، وأنه لم ~~يصب من إفطاره إلا القهوة، وأنه كان مكدودا مجهودا يتكلف القوة والجلد، وأحسب أن ms14 ابنه ~~الشاب هو مصدر هذا الهم وأصل هذا العناء، فإن له - كما تعلم - خطوبا لا تنتهي. # قال الشاعر: حسبك فقد فهمت عنك، أنبئ مولاك بأني سأرقى إليه بعد قليل. # ووقف الخادم لحظة لا يقول شيئا، ولكنه يدير في نفسه أن هذا الرجل محمق يؤثر حديث ~~الأنهار على حديث الناس، ثم نظر فإذا الشاعر قد أعرض عنه وأقبل على النهر ينظر إليه ~~والقلم في يده كأنه يستمليه، فلم ير بدا من أن ينصرف متباطئا وفي نفسه كثير من ~~الغيظ. # وليس من شك في أن حديث النهر كان أحسن موقعا في نفس الشاعر من حديث هذا الخادم الذي ~~لم يكن ينبئه بشيء جديد؛ فهو يعلم أن لذلك الفتى المترف خطوبا لا تنقضي، بعضها يحدث في ~~القصر نفسه، وبعضها يحدث فيما يتصل به من الأجنحة والدور، وبعضها يحدث في القرية ~~المقيمة في أسفل الربوة، وبعضها يتجاوز القصر والقرية إلى أماكن قريبة أو بعيدة، وهو ~~يعلم أن هذه الخطوب كثيرا ما تشغل صاحب القصر وتثير في نفسه ألوانا مختلفة من الشعور. ~~فهو مرة راض عنها ومبتسم لها، يرى أن ابنه فتى قد نيف على العشرين ومن حق الشباب أن ~~يلهو ويعبث. وهو مرة ضيق بها منكر لها، يرى أن للهو حدودا لا ينبغي أن يعدوها الفتيان ~~مهما يكن حظهم من نشاط الشباب، وهو مرة ساخط أشد السخط ثائر أعنف الثورة، يرى أن ابنه ~~قد أسرف في تعدي الحدود وتجاوز الممكن من لهو الشباب. وهو إذا بلغ هذا الطور من أطوار ~~الغضب لم يؤثر نفسه بنتائجه وإنما يشيع هذه النتائج من حوله، ويريد أهل القصر جميعا ~~على أن يثوروا كما ثار ويسخطوا كما سخط، ويرهق امرأته من أمرها عسرا، يحملها أوزار هذا ~~الفتى الذي لا يعرف القصد، ولا يستطيع أن يقف نفسه عند ما ينبغي أن تقف عنده من الحدود، ~~يرد ذلك إلى أن أمه لم تحسن تربيته، ولم تعرف كيف تنشئه، ولم تستطع قط أن تمتنع عن ~~تدليله وتيسر كل ما يعرض له من ms15 أمر عسير. # ثم إن صاحب القصر لا يشق على نفسه وعلى أهله وذوي خاصته وحدهم حين يتورط ابنه في ~~خطيئة من الخطايا، وإنما هو معلن لثورته مشيع لسخطه، يريد أن يشرك الناس جميعا ~~والأشياء جميعا فيما يجد. فهو يتجهم للزائرين ويلقاهم بوجه عابس بغيض، ويتحدث إليهم من ~~طرف اللسان، وما يزال يتكلف من ذلك فنونا وفنونا حتى يضطرهم إلى أن يسألوه عن أمره، ~~فإذا فعلوا أنبأهم بهذه الأحداث الجسام التي يحدثها ابنه الطائش المفتون، ومضى في ~~أحاديث لا آخر لها، يجد في ذلك تسرية عن نفسه، ويجدون فيه إملالا لنفوسهم، ولكن لا ~~بد مما ليس منه بد؛ فقد ينبغي أن نقبل الأصدقاء على علاتهم ليقبلونا على علاتنا، وأن ~~نأخذهم كما هم ليأخذونا كما نحن. # والشاعر بالطبع أشد الناس تعرضا لهذا السيل الجارف من الأحاديث عن هفوات الفتى ~~ونزواته وأحداثه التي يحدثها هنا وهناك؛ لمكانه القريب من صاحب القصر. فأي غرابة في أن ~~يفر بنفسه بين حين وحين من هذا الامتحان، ويخلو إلى نهره هذا العزيز فيسمع منه ويقول ~~له: وأي غرابة في أن يعرض عن الخادم حين يريد أن يشق عليه بهذا الحديث، فيقفه ثم ~~يصرفه في غير رقة ولا لين! أليس يكفيه ما يسمع من السيد؟! ألم يبق إلا أن يشقيه الخدم ~~أيضا بهذه الأحاديث؟! # كانت أحاديث هذا الفتى إذن معادة مملولة بالقياس إليه على حين لم تكن أحاديث النهر ~~معادة ولا مملولة، وإن كانت شاقة عسيرة دائما، فقد كان النهر عصيا أبيا، يتحدث بما ~~يريد هو لا بما يريده سائلوه. وكان في تلك الساعة يقرأ على شاعرنا ألوانا من رسائل ~~اختلسها من ريح الشمال، وكانت تحملها إلى ظلال قوم عبروا النهر ولم يعودوا، وكانت هذه ~~الرسائل تصور ما يضطرم في بعض القلوب من لهيب الحزن والأسى، وما يزهر في بعضها الآخر من ~~الذكريات، وما يساور بعض النفوس من يأس يحبب عبور النهر إلى الأحياء الآمنين، ومن حرص ~~على الحياة يجعل عبور النهر مروعا مخيفا. # وكان الشاعر يستمع لهذه ms16 الرسائل - ويستمتع بما فيها - استماعا حزينا شاحبا، يلائم ~~آمال الناس التي لا تنقضي وقدرتهم التي لا تمتد إلى أمد بعيد، كما يلائم حبهم للحياة ~~وشوقهم إلى من فارقوا الحياة، وكما يلائم ما يشيع في قلوبهم من هذه القوة الضعيفة التي ~~تعجز عن استبقاء الأشياء فتحتفظ بذكراها، ومن هذا الضعف القوي الذي يأبى أن يسلم الذكرى ~~للنسيان، فيستبقيها وينميها ويتخذ منها وسائل لاستبقاء الحياة وتنمية ما فيها من نعيم ~~قليل واحتمال ما فيها من بؤس كثير. # وقد هم الشاعر غير مرة أن يتقدم إلى النهر في طي هذه الرسائل الإنسانية الممتعة ~~المحزنة، ونشر رسائل أخرى ليس لها حظ من حزن ولها حظ عظيم من المتاع. فما أكثر ما كان ~~النهر يقرأ عليه رسائل يسعى بها النسيم بين أزهار الشمال النضرة وأزهار الجنوب الذاوية ~~الذابلة! وما أكثر ما كان النهر يقرأ عليه أنباء السماء تحملها أشعة النجوم أو ضوء ~~القمر أو نور الشمس! بل ما أكثر ما كان الشاعر يستحب هذه النجوى التي تكون بين أمواج ~~النهر متحدثة بأنباء الشرق ذلك الذي لم يصل إليه أحد، حاملة هذه الأنباء إلى الغرب الذي ~~لا يصل إليه أحد. # ولكن النهر كان يأبى دائما أن يقرأ على الشاعر أو يملي عليه شيئا غير ما يريده هو. ~~وكان الشاعر يجد في هذا الإباء والامتناع ما يشقيه ويرضيه في وقت واحد: يشقيه لأنه ~~يبعده عما يحب، ويرضيه لأنه يأتيه بما يلذه ويمتعه. وهل حياة الشعراء إلا مزاج من ~~الشقاء والرضا؟! ولو خير الشاعر لاختار أن تتصل خلوته إلى النهر أطول وقت ممكن، وأن ~~يحتمل من شذوذه واستبداده ما شاء النهر أن يحتمل. ولكن الشاعر لم يكن مخيرا في شيء. ~~ومتى خير الشعراء وأصحاب الفنون في شيء؟! إنما هم عبيد الطبيعة، تفرض عليهم ما فيها ~~من جمال وقبح ومن نعيم وبؤس، وتخيل إليهم أو يخيلون هم إلى أنفسهم أنهم أحرار ~~يستنبطون من الطبيعة أسرارها ويصوغونها في صيغهم الفنية المألوفة شعرا، أو رسما، أو ~~نحتا، أو تصويرا، أو غناء، ms17 أو إيقاعا. # وليس أدل على ذلك من أن شاعرنا قد كان عبدا لهذا النهر، ولم يكن يستطيع حتى أن ينعم ~~بهذا الرق، وإنما كان يصرف عنه من وقت إلى وقت بطارئ يطرأ أو طارق يطرق. وليس كل ~~الطوارئ يمكن أن يدفع في يسر، وليس كل الطارقين يمكن أن يرد في لين أو عنف، وقد ~~استطاع الشاعر أن يرد الخادم حين هم أن يصرفه عن النهر، ولكن من له بأن يرد هذا الطارق ~~الذي وضع يده في رفق على كتفه ونشر في الجو ضحكا عريضا وهو يقول في صوت متقطع: هأنتذا ~~تخلو إلى نهرك لتقول له وتسمع منه، متى تنصرف عن أوهام الشعراء إلى ما يحيط بك من حقائق ~~الحياة؟! # 5 # ويرفع الشاعر رأسه فيرى ابن صاحب القصر قد قام عن يمينه، جميل المنظر، رائع الطلعة، ~~معتدل القامة، حاد النظرات، قد امتلأ قوة ونشاطا، وظهر على وجهه المشرق شيء من الجد ~~الحزين حاول أن يخفيه بهذا الضحك العريض الذي كان ينشره من حوله في كثير من ~~التكلف. # ولست أخفي على القارئ أني حائر أشد الحيرة في أمر هذا الفتى، كما أني حائر أشد الحيرة ~~في أمر أهل الربوة جميعا؛ فكلهم يلح علي في أن أجد له اسما يتسمى به ويميزه بين ~~غيره من الناس. وكلهم يلح علي في أن الأشخاص لا يستكملون وجودهم إلا إذا عرفت ~~أسماؤهم التي تحقق التمايز فيما بينهم وتخرجهم من هذا الوجود الوهمي الذي يشبه العدم ~~إلى وجود، إلا يكن واقعا كل الوقوع، فهو شيء بين بين، أقرب إلى الواقع منه إلى ~~الوهم، وأدنى إلى الحقيقة منه إلى الخيال. وكلهم يلح علي في أن القدماء الذين عاشوا ~~بين النهرين في بعض عصور التاريخ لم يكونوا مخطئين حين كانوا يرون أن اسم الرجل هو أخطر ~~أجزاء حياته، وحين كان هذا الرأي يذهب بهم إلى شيء من الغلو، فيعتقدون أن لأسمائهم إذا ~~نقشت على الجدران حظها من الحياة وحقها في القربان؛ لأنها تظل حية بعد موت أصحابها، ~~أو لأنها ms18 تختصر وتستجمع ما يمكن أن يبقى من حياة أصحابها. # فللأسماء خطرها إذن، ويوشك الرجل الذي ليس له اسم ألا يكون موجودا، وهم من أجل ذلك ~~يتصايحون بي من كل وجه مطالبين بأن أسميهم بأسمائهم ليستمتعوا بالوجود الصحيح. # وما ينبغي أن تسألني كيف يتصايحون وهم لم يوجدوا بعد؛ فإنهم يتصايحون على نحو خاص ~~لا يسمعه أحد غيري، ولو أني منحتهم أسماءهم لكان من الممكن أن يتجاوز تصايحهم أذني إلى ~~أذنيك. # وما أظنك تنكر أن الشخص الوحيد الذي استطعت أن تتصوره من أشخاص هذه القصة الذين مروا ~~بك إلى الآن إنما هو شخص البستاني الذي سميته عثمان، ولو لم أسمه لما تبينته، كما أنك ~~لم تتبين إلى الآن شخص الشاعر على كثرة ما أضفت إليه من الصفات، ولا شخص هذا الفتى ~~الطارق على ما وصفت لك من منظره الجميل وطلعته الرائعة ووجهه المشرق الوضاء. # فهم لا يتجاوزون الإنصاف حين يطالبونني بأن أسميهم بأسمائهم، ولكن ماذا أصنع وأنا أشد ~~الناس ضيقا بابتكار الأسماء، لا يطاوعني عقلي الضئيل، ولا خيالي الكليل على هذا النحو ~~من العبث؟! ثم أنا من جهة أخرى أكره أن أختار الأسماء؛ لأني أخشى أن أختار أسماء لها ~~أشخاص قد اتخذوها لأنفسهم، أو وسمهم بها آباؤهم، وهذا أبغض الأشياء إلي؛ فقد أنبأتك ~~أن هذه القصة لم تقع أحداثها في مصر، ولا في بلد متاخم أو مجاور لمصر كما يقول الناس في ~~هذه الأيام، وإنما افترضت أن تكون أحداث القصة قد وقعت في إسبانيا، لا لأنها وقعت في ~~إسبانيا بالفعل، فدون وقوعها في إسبانيا خطوب وأهوال، بل لأن إسبانيا هي الأرض التي ~~تبنى فيها قصور الخيال والتي وجدت فيها تلك الربى التي ذكرها الشاعر الموشح حين ~~طلب إلى السحب أن تجلل تيجانها بالحلي. # من أجل هذا كله أكره أن أسمي أهل هذه الربوة بأسمائهم، وأخشى بنوع خاص أن يصرف بعض ~~الناس هذه الأسماء وما يرون حولها من الحديث إلى أنفسهم، فيظنوا أني قد أردت بهم شرا ~~وعرضت لهم من قريب أو من ms19 بعيد. # فإذا عاهدني القراء على أن يؤمنوا أوثق الإيمان فيما بينهم وبين أنفسهم بأن هذه ~~الربوة ليست قائمة في مصر ولا في البلاد المتاخمة أو المجاورة لها، وبأن أهلها ليسوا ~~مصريين ولا عربا ولا شرقيين، فقد أستطيع أن أجيب أشخاص القصة إلى ما يريدون، وأهدي إلى ~~كل واحد اسما يميزه ويمنحه حظه من الوجود الذي يطمع فيه ويطمح إليه، وإن كان الوجود في ~~نفسه ليس شيئا يستحق الطمع فيه أو الطموح إليه. # وليس ينبغي لك أن تظن أني أمزح أو أداعب حين أغض من قيمة الوجود؛ فلست أنا في هذا ~~مبتدئا ولا مبتكرا، ولست فيه بدعا من الناس، وما أكثر الفلاسفة والشعراء الذين ~~ينكرون قيمة الوجود ويرونه شرا أي شر، ويودون لو أنهم لم يدفعوا إليه، أو لو أنه لم ~~يدفع إليهم! وأنت تذكر بالطبع أن أبا العلاء تمنى غير مرة لو أن حواء ماتت قبل أن ~~تمنح زوجها الولد أو لو أنها ماتت عقب ولادتها لابنها الأول، وأنت تذكر كذلك أن أبا ~~العلاء - ومن قبله فلاسفة كثيرون - كان يرى النسل جناية لا ينبغي أن يجنيها الرجل ~~العاقل الحازم، وقد ظن بنفسه العقل والحزم، فلم يقترف هذا الإثم، ولم يتورط في هذه ~~الجناية. # ولو سمع لي أشخاص القصة وقبلوا نصحي لهم ومشورتي عليهم، لما طمعوا في الوجود ولما ~~طمحوا إليه، ولما أثقلوا علي بهذا الإلحاح في أن تكون لهم أسماء يعرفون بها، كما أن ~~لغيرهم من الناس أسماء يعرفون بها، ولكن أرسطاطاليس قد أخطأ تعريف الإنسان حين قال ~~إنه حيوان ناطق، ولو قد وفق إلى الصواب لقال إنه حيوان أحمق، وليس أدل على حمقه من ~~طمعه في الوجود وطموحه إليه وحبه للحياة. # وما دام هؤلاء الأشخاص قد استوفوا أعظم حظ ممكن من الحمق فأبوا إلا أن تكون لهم ~~أسماء، فلنسم الشاعر راغبا، ولنسم الفتى نعيما، فأما أبوه فلنرجئ تسميته إلى أن ~~نلقاه في مكتبه ذاك الذي اتخذه لنفسه سجنا منذ آخر الليل. # قال الفتى للشاعر حين سكت عنه الضحك: قد ms20 كنت أبحث عنك لأودعك، فقد أزمعت السفر قبل أن ~~يقبل الليل، وعزيز علي أن أحرم هذه الساعات الحلوة التي أخلو فيها إليك، فأسمع ما ~~تنشدني من شعرك الرائع الجميل، وما تقص علي من طرائف الأخبار ونوادرها. # قال الشاعر: وإنك لمسافر منذ اليوم؟ وفيم هذا السفر الذي لم تنبئنا به ولم تهيئنا ~~له، ولم يقدم القصر بين يديه هذه المقدمات التي تعودت أن تسبق سفرك بأيام طوال؟ # قال نعيم - وهو يتكلف الضحك ويخفي سخرية مرة: فإنها المأساة يا سيدي! إنها ~~المأساة! لقد زلزلت الأرض وغضبت السماء، وأظلمت الدنيا وفسد في حياة القصر كل شيء، ~~قال الشاعر: وما ذاك؟ # قال نعيم: ذاك أن الشيوخ ينسون الشباب، أو قل إنهم يستبقون الشباب لأنفسهم، ويستأثرون ~~بما يتيح لأصحابه من فرصة، وما يبيح لهم من تجاوز الحدود، يرون ذلك سائغا حين يتصل ~~بأشخاصهم، ويرونه حراما حين يتصل بغيرهم من الناس، قال الشاعر: فإني لم أفهم عنك إلى ~~الآن. # قال نعيم: ولكنك قد قدرت من غير شك أن قد حدث في القصر حدث؛ فأنت لم تلق أبي في ~~حديقته هذه الغلباء، وجنته الفيحاء، كما تعودت أن تلقاه في كل يوم قبل أن يرتفع ~~الضحى، متنقلا بين زهره وشجره، ملحا على بستانيه بالأمر والنهي والسؤال والاستقصاء، ~~حتى إذا أجهده سعيه وإلحاحه وحركته وسكونه وتشددت أنت عليه في أن يريح نفسه ويريح ~~بستانيه ويريحك أنت من هذا العناء، أقبلتما معا إلى هذا الجوسق أو إلى غيره من جواسق ~~الحديقة، فأنفقتما سائر الضحى فيما تحبان من الحديث، ولا شك في أنك قد أنكرت تخلف أبي ~~عن موعده، واحتجابه عن أخص الناس به وأكرمهم عليه، ولا شك أنك قد سألت عن ذلك فعرفت من ~~أنبائه أطرافا. # قال الشاعر: لم أعرف إلا أنه محتجب في مكتبه، وأنه طلب أن أوجه إليه متى أقبلت، ~~وقد غاظني أن يحتجب الناس بين الجدران وتحت السقوف حين يصفو الجو ويعذب النسيم، ويدعونا ~~الجمال إلى أن نستمتع به في هذه الحديقة الرائعة النادرة؛ فلم أسع إليه ms21 وإنما سعيت ~~إلى النهر، وكنت أريد أن أرقى إليه بعد ساعة تقصر أو تطول. # قال نعيم: فإن استطعت أن ترقى إليه الآن فافعل؛ فهو في حاجة إلى من يؤنس وحدته ~~ويسلي عزلته ويبدد عنه هموما ثقالا، وما أظن إلا أن حالته هذه ستتصل وتتصل، فسأسافر ~~حين يقبل الأصيل، ولكني لن أسافر وحدي اليوم فسيتبعني بعد أيام قوم نبت بهم الدار ولم ~~يبق لهم فيها أرب، إنها المأساة يا سيدي، إنها المأساة! وإن شئت فقل إنه الجنون ~~واختلاط العقل. # ثم سكت لحظة كان يعبث في أثنائها بسلسلة ذهبية قد علق بها جماعة من المفاتيح، ثم ~~قدم إلى الشاعر سيجارة وأشعل لنفسه سيجارة أخرى، ورمى النهر بنظرة فيها كثير من السخط ~~والغضب، وأرسل في الجو تنفسا كان يريد أن يكون عميقا بعيدا، ولكن الفتى تجمل وتحفظ ~~وأبى أن يخرج عن طوره، فاكتفى بتنفس بعيد بعض الشيء، وجعل ينظر إلى الدخان وهو يتلوى ~~تلويا خفيفا في الهواء، ثم قال في صوت هادئ لا يخلو من حنق وسخرية: ومع ذلك فقد كنت ~~أرى أبي إلى الآن مستأنيا حليما. # قال الشاعر: أمفصح أنت لي آخر الأمر عما تريد، ومعرض أنت عن هذه الألغاز؟ # قال الفتى في صوت صاخب: تريد أن أفصح لك؟ فاعلم أن أبي قد طردني من القصر، وإن لم ~~يكفك هذا فاعلم أنه لم يطردني وحدي وإنما طرد معي قوما آخرين، أفهمت؟ أرضيت؟ # قال الشاعر: لم أفهم شيئا ولم أرض عن شيء، وإنما ازددت جهلا إلى جهل، وحيرة إلى ~~حيرة؛ فكيف أقصاك أبوك عن القصر؟ وفيم كان هذا الإقصاء؟ وكيف تلقيت أمره هذا على أنه ~~جد، مع أنك تعلم أنه يجد الآن ليهزل بعد ساعة، وأنه لا يسخط إلا ليرضى، وأن من العسير ~~حين يستمع إليه خلطاؤه أن يتبينوا أهازل هو أم جاد؟ # قال الفتى: فإني لا أعلم أن الناس يتمازحون بالطلاق. # 6 # وجم الشاعر حين وقعت هذه الكلمة في نفسه، كما وجم الفتى حين جرى بهذه الكلمة لسانه، ~~وأغرق الرجلان في صمت ms22 عميق كئيب طويل. # قال الشاعر بعد حين : فقد كانت لهذا كله أسباب خطيرة حقا. # قال نعيم: إلى أقصى غايات الخطورة؟ سرت بعض سيرته حين كان في سني، وما ينبغي أن أقول: ~~سرت بعض سيرته في سنه التي بلغها الآن؛ فقد يجب أن يكون الأبناء حراصا على الأدب وحسن ~~الذوق ورعاية اللياقة حين يتحدثون عن الآباء، ولكني على كل حال قد سرت بعض سيرته حين ~~كان في سني، وأخطأني التوفيق فلم يتح لي أن أخفي عليه كل شيء، وما كاد يظهر على بعض ~~ما فعلت حتى ثارت ثائرته، فأنكر وسخط، وأغرق في الإنكار والسخط، ثم ارتقى إلى الوعيد ~~والنذير، وأسرف على نفسه وعلى أهله في ذلك، فقيل له حين تجاوز طوره: فإن هذا الفتى لم ~~يفعل إلا ما تعود أترابه أن يفعلوا، وما كنت تفعل أنت حين كنت بين العشرين والثلاثين! ~~هنالك لم يضبط نفسه ولم يملك أمره، فأرسل كلمته المنكرة، ثم اندفع إلى شيء يشبه أن يكون ~~جنونا فأقسم جهد أيمانه لا رآني الليل في قصره هذا ولا على ربوته هذه؛ فأنا مسافر إذا ~~كان الأصيل، وسيلحق بي غيري بعد يومين أو بعد أيام؛ فقد ينبغي أن أهيئ الدار لاستقبالهم ~~في مستقرنا الجديد. # وهم الشاعر أن يتكلم، ولكن نعيما مضى في حديثه فقال: إنك رفيق والدي منذ صباه ~~وشريكه في هزله وجده، فهل تعلم أنه لقي من أبيه مثل ما ألقى منه؟ وهل تعلم أنه لم يقبل ~~على بعض لذاته كما أقبل أنا على لذاتي؟ وهل تعلم أنه وفق دائما لأن يخفي عبثه كله ~~على أبيه؟ أم هل تعلم أنه - كغيره من الناس - لها في أثناء شبابه وجد، وأسرف على نفسه ~~وعلى أسرته في اللهو أحيانا، فأنكروا عليه في رفق، ونصحوا له في حب، ووجهوه إلى الخير ~~ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، وأكاد أقطع بأنهم لم يبلغوا مما أرادوا شيئا. # قال الشاعر في شيء من العنف: حسبك! فما ينبغي أن تقضي على أبيك. # قال نعيم: فهذه هي الجملة التي نسمعها ms23 دائما! فما ينبغي أن نقضي على آبائنا ، وما ~~ينبغي أن نخالف من أمرهم، وما ينبغي أن نسوءهم بقول أو فعل! هذه خصال فرضتها علينا ~~التربية وفرضتها علينا الأخلاق وفرضها علينا الدين، ولكن أواثق أنت بأن الحياة لم تفرض ~~على الآباء شيئا بالقياس إلى أبنائهم يلائم هذه الخصال التي فرضت على الأبناء ~~بالقياس إليهم؟ # قال الشاعر: فدعنا من الفلسفة واستقصاء البحث عن أحكام التربية والأخلاق والدين، ~~وحدثني عن هفوتك هذه التي هفوتها فجرت علينا كل هذا البلاء العظيم، أحق إذن ما يقال من ~~أنه قد كانت لك في القرية خطوب؟ فما عسى أن تكون هذه الخطوب؟ # قال نعيم: وما عسى أن تكون الخطوب التي تحدث لفتى فارغ مترف قد أقبل ينفق أشهرا بين ~~أهله، فهو يغدو ويروح لا هم له إلا نفسه وإلا لذاته القريبة والبعيدة، وكل شيء من ~~حوله يغريه باللهو ويدفعه إليه! وما أكثر ما يعبث الفتيان فلا تقف حركة الفلك ولا تغير ~~الشمس مجراها في السماء! إنما هي فتاة من أهل القرية راقني منظرها وفتنني سحر لحظها، ~~فصبت إليها نفسي، وانتهى الأمر بنا إلى غايته من الإثم. لم أتحرج أنا، ومتى تحرج السيد ~~من اللهو بإحدى إمائه ولم تتحفظ هي؟! ومتى تحفظت الأمة فلم تستجب لأحد ~~سادتها؟! # قال الشاعر مروعا: حسبك، حسبك! لست سيدا وليست أمة، وإنما امتزت عليها بثروتك ~~ومكانك الاجتماعي، فأسرفت على نفسك وأسرفت عليها؛ غررتها فاغترت لك، وما كان لك أن ~~تخدعها، وما كان لها أن تنخدع، قال نعيم: ولكني خدعتها فانخدعت. # قال الشاعر: فأنت تجني الآن ثمرة هذا الظلم. # قال نعيم: فإني أود لو أعلم أنكم لا تظلمون أهل القرية، ولا تعنفون بهم، ولا تشتطون ~~عليهم، ولا تظلمونهم ألوانا أخرى من الظلم ليست أقل من هذا الإثم الذي اقترفته خطرا، ~~ولا أهون منه شأنا، ولا أضعف منه تأثيرا في حياتهم كلها. # إنكم تستذلونهم وتستغلونهم، وتضطرونهم إلى البؤس وتفرضون عليهم الحرمان، تكلفونهم ما ~~تكلفونهم من ضروب الجهد والعناء، حتى إذا آتى جهدهم ثمره وانتهى عناؤهم ms24 إلى نتيجته، ~~أخذتم خير ما تثمر الأرض على أيديهم فآثرتم به أنفسكم من دونهم واستمتعتم بنعيمه، وهم ~~ينظرون إليكم من قريتهم تلك التي توشك أن تكون قطعة من الجحيم، وأنتم لا ترون بهذا ~~بأسا، ولا تجدون في أنفسكم منه حرجا، ولو استطعتم أن تزدادوا ظلما لهم وإثقالا ~~عليهم لما تورعتم عن ذلك ولا زهدتم فيه، ولكنكم تعصرونهم حتى لا تتركوا فيهم معتصرا، ~~ثم لا تجدون في أنفسكم إلا الرضا، ولا تحسون في قلوبكم إلا الطمأنينة. تقبلون على هذا ~~مصبحين، وتقبلون على هذا ممسين، وتنعمون بثمرة هذا بين الصباح والمساء، وتنامون هادئين ~~غير حافلين بهذا بين المساء والصباح. # وددت لو أعلم أن أهل القرية يجدون من اللذة في استثمار الأرض لكم ورفع ثمرات الأرض ~~إليكم، واضطرارهم إلى الحرمان والبؤس، مثل ما وجدت هذه الفتاة من النعيم والرضا حين ~~خدعتها فانخدعت، وحين أغريتها فاستجابت للإغراء. # إني يا سيدي لا أجحد أني تجاوزت حدود الخلق والدين، واقترفت إثما من الحق علي أن ~~أمحو آثاره، ولكني في سبيل هذا كله لم أظلم ضحيتي وحدها، وإنما ظلمت معها نفسي، واعترفت ~~بهذا الظلم فأصلحت منه ما استطعت إصلاحه؛ قدمت إلى هذه الفتاة كثيرا من الطرف وفنونا ~~من الهدايا، رفعتها إلى نفسي أو نزلت إليها، عشنا حينا من الدهر عيشة سواء، لم أكن ~~سيدا ولم تكن أمة، وإنما كنت عاشقا خليلا وكانت عاشقة خليلة، وأنت شاعر يا سيدي تعرف ~~أن الحب يغير الأوضاع بين المحبين، فيجعل السيد عبدا والعبد سيدا. # حدثني عما تقدمون من الخير والبر إلى أهل هذه القرية حين تسخرونهم من غير رفق ولا ~~لين، وفي غير محبة ولا مودة، وفي غير إنصاف ولا عدل لمنافعكم، وحين تستأثرون من دونهم ~~بثمرة ما يبذلون من جهد، وما يحتملون من عناء. # إن أرض القرية لخصبة تنبت الغنى، ولكنها تنبت الغنى لكم، ولا تنبت لأهلها إلا فقرا ~~وبؤسا وحرمانا، وإنكم لتعلمون ذلك وتقبلون عليه عن تعمد له ورغبة فيه، لا تتحرجون ولا ~~يخطر لكم أن تتحرجوا؛ فإن لامكم ms25 في ذلك لائم أو عابكم عليه عائب دعوتم بالويل والثبور ~~وعظائم الأمور، ونظرتم إلى أنفسكم كأنكم الضحايا، وإلى لائميكم والعائبين عليكم كأنهم ~~الأعداء المغيرون، فما لكم لا تحلون الحلال كله ولا تحرمون الحرام كله، وإنما تتبعون ~~فيما تحلون وما تحرمون أهواءكم ومنافعكم لا ما أحل الله ولا ما حرم؟! # ثم حدثني أواثق أنت بأنكم لا تستحلون لأنفسكم حين تسنح لكم الفرص ما تحرمون على ~~غيركم؟ أواثق أنت بأن أبي إنما يسخط علي عيرة على الحق وغضبا للحرمات ورعاية للخلق ~~والدين؟ أما أنا فما أرى أنه يسخط علي إلا ضنا بي أن أنزل إلى مكانة دون مكانتي، ~~وخوفا علي أن أتجاوز بهذا الحب طور المجون واللهو وأرتفع به إلى طور آخر يخشاه كل ~~الخشية ويأباه أشد الإباء، ولو قد حدثته بأني أريد أن أتخذ هذه الفتاة لي زوجا لجن ~~جنونه وضل ضلاله، وثق بأنه لم يبلغ من الغضب ما بلغ إلا أنه أشفق أن أتحدث إليه هذا ~~الحديث، وآية ذلك أنه لم يلمني ولن يلومني حين رآني وحين يراني أداعب وألاعب فتيات من ~~أسر ممتازة كأسرتنا الممتازة. إنه يراني لذلك كفؤا، ويرى هذه الأسر موضعا لصهره؛ فليس ~~عليه بأس أن رآني أقع في شرك هذه الفتاة أو تلك، ولعله يسعى ويدبر الأمر لأقع في شرك ~~هذه الفتاة أو تلك. أسرة ممتازة تصهر إلى أسرة ممتازة، ومال يجمع إلى مال، وفتى ~~كريم يقترن بفتاة كريمة، كل هذه أمور ترضون عنها وتسعون إليها، تنعمون إن انتهت إلى ~~الخير، ولا تبتئسون إن انتهت إلى الشر، من حق الشباب أن يمضي في طريقه التي قسمت له، ~~ولكنكم تمايزون بين الطرق التي قسمت للشباب، فللأغنياء منهم طريق، وللفقراء منهم ~~طريق، وللبائسين منهم طرق لا تحصى. # ثم أطرق الفتى إطراقة طويلة لم يكد الشاعر يتنبه إليها؛ لأنه كان مغرقا في الذهول ~~منذ اندفع الفتى في حديثه هذا الجريء العنيف الطويل، ورفع الفتى رأسه بعد حين باسما ~~للشاعر وهو يقول: عد إلى نفسك أو أعد نفسك إليك؛ فليس ms26 في الأمر ما يدعو إلى هذا ~~الوجوم ، إن الأمر أيسر جدا مما تظن، إني خدعت خديجة ابنة الإسكاف فانخدعت، ودعوتها ~~فاستجابت، ولو وقف الأمر عند هذا الحد لما سخط أبي ولا ثار، ولكان من اليسير أن نرضي ~~الفتاة ببعض الهدايا، وأن نرضي أباها ببعض البر أو ببعض الابتسام، وكان من اليسير أن ~~أسافر فأطيل الغيبة فأنسى أنا وتنسى هي، ويلتمس لها الزوج من طبقتها هنا أو هناك، ويلقي ~~الستار على مأساة تحدث الآلاف من أمثالها في كل عام، ولكن الأمر لم يقف عند هذا الحد، ~~وإنما وقعت الفتاة من نفسي موقعا خاصا، واستقر حبها في قلبي استقرارا مكينا؛ فلست ~~أرى من الاقتران بها بدا. ولم أتحدث بذلك إلى أبي، ولكنه أحس ميلي إليه وتفكيري فيه ... ~~نهاني عن هذه الفتاة فلم أنته، وأغراني بغيرها من بنات طبقتنا فلم يكن لإغرائه في نفسي ~~صدى، ثم أنذر فلم يغن النذير، وحذر فلم ينفع التحذير، فقال كلمته التي قالها، وفعل ~~فعلته التي فعلها حين أخرجه الغضب عن طور العقلاء. # وقد قلت لك آنفا إني كنت أبحث عنك لأودعك قبل الرحيل وهذا حق، ولكن هناك حقا آخر ~~لم أقله لك، وقد كنت أبحث عنك لأقوله لك أيضا، وبعد، فإني سأسافر إذا دنا الأصيل، ~~وسيتبعني قوم آخرون، ولكن هناك قوما آخرين قد سبقوني إلى السفر، وسألقاهم في العاصمة، ~~ولن يمضي الأمر بيني وبينهم كما مضى إلى الآن، ولكني سأتخذ خديجة لي زوجا، فإن استطعت ~~وإن أردت أن تلقي هذا النبأ الخطير إلى أبي في رفق، فافعل، وإن عجزت أو أبيت فسيأتيه ~~النبأ من طريق لا رفق فيه ولا لين. # وهم الشاعر أن يقف الفتى وأن يجادله في بعض هذا الأمر، وأن يرده إلى شيء من الرشد، ~~ولكن الفتى اندفع في حديثه لا يلوي على شيء قائلا: لا تتكلف مشقة ولا جهدا في إقناعي ~~بغير ما صممت عليه، فإنك لن تبلغ من ذلك شيئا، وإذا لم يكن بد من أن تبذل الجهد ~~وتحتمل المشقة فافعل ذلك في ms27 العناية بهذا الشيخ الذي سيعيش وحيدا في قصره هذا الفخم ~~الضخم بعد أن ينصرف عنه أهله، وفي إعداده، مترفقا به، لتلقي هذا النبأ الذي سينتهي ~~إليه بعد أيام ما أظنها ستطول. # وهنا صمت الفتى لحظة، ثم لم يلبث أن اندفع في ضحك متصل، ولكنه ضحك لا يخلو من حزن، ثم ~~قال: وأكبر الظن أنك لن تحتمل كثيرا من العناء في تعزية الشيخ عن هذه الخطوب؛ فإنه شيخ ~~قد احتفظ بفضل من شباب، وما أشك في أن الملل قد وجد إلى نفسه سبيلا، وما أشك في أنه ~~يدير في رأسه أمرا ذا بال، وما أشك في أن هذه الكلمة البغيضة التي انطلق بها لسانه حين ~~تقدم الليل قد مدت له أسبابا وفتحت له أبوابا! # ثم وثب الفتى كأنما دفع إلى الوثوب دفعا، وانحنى على الشاعر فألقى على رأسه قبلة ~~سريعة خاطفة، ومضى أمامه لا يلتفت ولا يلوي على شيء. # وظل الشاعر واجما لحظات، قد أخذه شيء يشبه الدوار لكثرة ما سمع ولثقل ما سمع، ثم ~~ثابت نفسه إليه شيئا فشيئا، وأراد أن يلقي نظرة إلى النهر، ولكنه رأى نفسه ينهض ~~متثاقلا، ثم يرقى إلى القصر متباطئا وقد أنسي عادته الحبيبة إليه، فلم ينحن على ~~العصا ولم يمش على ثلاث. # 7 # القراء بالطبع ينتظرون أن أرقى وأن يرقوا معي في صحبة الشاعر إلى القصر لنرى صاحبه ~~العظيم في مكتبه ذاك الذي اتخذه لنفسه سجنا منذ آخر الليل، ولكني لن أفعل ولن يفعلوا، ~~فهم لا يستطيعون أن يدخلوا القصر، ولا أن ينظروا إلى أبهائه الفخمة وأثاثه المترف ~~الجميل، إلا إذا أتحت أنا لهم ذلك؛ فالربوة كلها بما عليها ومن عليها، والقصر كله بما ~~فيه ومن فيه، سر من أسراري أبيح منهما للقراء ما أشاء، وأخفي منهما على القراء ما ~~أشاء، ليس لهم أن ينازعوا في ذلك أو ينكروا منه شيئا، وقد أزمعت ألا أرقى معهم إلى ~~القصر، ولا أبقى معهم على الربوة استجابة لأصل من أصول الفن كما أراه أنا لا كما يراه ms28 ~~النقاد، فلو قد رقيت معهم إلى القصر أو بقيت معهم على الربوة لاتصل الحديث اتصالا ~~يوشك أن يكون مملا؛ لأنه يضطرب بهم وبي في هذه الحديقة الفيحاء، وهذا القصر الفخم، ~~بين ألوان من الترف وفنون من الحياة الناعمة، قد يكون وصفها رائعا، وقد يكون العيش ~~فيها، ولو في أثناء الأحلام وفي ظل الخيال، محببا إلى النفوس، ولكنه يمل إذا اتصل ~~ويسأم إذا طال، وليست الحياة ترفا كلها ولا زينة كلها، وليس العيش الواقعي أو ~~الخيالي يكسب قيمته من البهجة التي يسبغها الجمال على هذا المنظر أو ذاك من مناظر ~~الطبيعة، وعلى هذا المظهر أو ذاك من مظاهر الناس؛ فلهذا كله قيمته، ولكن للقبح قيمته ~~أيضا، وهي ليست أقل من قيمة الجمال شأنا ولا أهون منها خطرا، ولعلها أن تكون أدعى ~~إلى المنفعة، وأبلغ أثرا في إصلاح النفس، وتقويم الخلق، وتصويب الحكم على الأشياء، ~~ولست أدري! هل تعمق ابن المعتز معناه ذاك الذي أوجزه في البيتين المشهورين: # قلبي وثاب إلى ذا وذا # ليس يرى شيئا فيأباه # يهيم بالحسن كما ينبغي # ويرحم القبح فيهواه # ولكن الشيء المحقق أن القبح خليق أن يعشق وأن تصبو إليه النفوس، وتقف عنده العقول، ~~ويستقصي دقائقه الكتاب والمفكرون، وما أظن أحدا يجادل في أن نصيب القبح من حياة ~~الناس أعظم من نصيب الجمال، كما أن نصيب البؤس من حياتهم أعظم من نصيب النعيم؛ ~~فالكتاب الذين يعنون بالجمال والنعيم وحدهما، ويعرضون عن القبح والبؤس، إنما ~~يعنون بأيسر الحياة، ويعرضون عن أكثرها؛ فهم يعلمون ويعلمون الناس ظاهرا من ~~الأمر، وهم يجهلون ويجهلون الناس بحقائق الأمور وبواطنها. # وأنا بعد هذا كله لا أريد أن أصرف نفسي وأن أصرف القراء عن جمال الربوة والقصر لأني ~~كلف بالقبح مشغوف بالبؤس، وأريد أن أشرك القراء فيما أجد من كلف وشغف، وإنما هي طبيعة ~~الأشياء ومنطق الفن وضرورة الحياة، كل أولئك يقتضيني أن أدع الربوة وقصرها حينا، وأن ~~أصحب القراء إلى مكان ليس له حظ من جمال، وليس لأهله نصيب من نعيم. # فقد رأينا ms29 فيما مضى من هذا الحديث أن هذه الربوة الرائعة لا تقوم وحدها على شاطئ ~~النهر، وإنما تقوم في أسفلها قرية بائسة وضيعة يعيش فيها قوم بائسون متضعون. فهذه ~~القرية لم تنشأ عبثا، ولم تقم في أسفل الربوة بغير غاية، وإنما هي مكملة للربوة، وإن ~~شئت فقل: إن الربوة مكملة لها؛ فقد اختلط الأمر علي حقا، فلست أدري أيهما يتم ~~صاحبه، أيهما الأصل وأيهما الفرع؛ فهذه القرية هي التي تستغل الأرض وتستثمرها، وتستخرج ~~منها هذه الثروة الضخمة التي تتيح لأهل الربوة أن ينعموا وأن يترفوا، وأن يستمتعوا بهذه ~~الحياة الحلوة الفارغة، وتتيح للربوة نفسها أن تزدان بجمالها هذا الرائع الخلاب، فلولا ~~أهل القرية البائسون ما ارتفعت الأشجار في السماء، ولا انبسطت الأزهار فويق الأرض، ولا ~~انتشر العشب على هذه الأرض كأنه البسط من السندس والحرير - كما يقال - ولا أتيحت ~~لأهل الربوة هذه الصغائر التوافه اليومية التي لا تستقيم بدونها حياة للمترفين وغير ~~المترفين. فالقرية إذن هي الأصل، وليست الربوة إلا ثمرة من ثمراتها وأثرا من آثارها، ~~ولكن واقع الأمر الاجتماعي غير هذا كله، فقد استقر في نفوس أهل الربوة، أنهم السادة ~~المالكون، وأن أهل القرية هم العبيد المملكون، كما استقر ذلك في رءوس أهل القرية ~~أنفسهم، وكما استقر ذلك في القوانين المكتوبة والنظم الشائعة؛ فأنا إذن معذور إذا اختلط ~~الأمر علي فلم أدر أتكون الربوة أصلا والقرية فرعا كما يريد النظام وتريد ~~القوانين، أم تكون القرية هي الأصل والربوة هي الفرع كما تريد الحقائق الثابتة التي لا ~~يبلغها جدال أو نزاع، وإذا كان غنى زيد يكون لفقر عمرو، كما يقول أبو العلاء، فقد لا ~~نخطئ إذا عكسنا القضية وقلنا: إن فقر عمرو يكون لغنى زيد. # وسواء أكانت القرية أصلا أم فرعا، فإنها قد وجدت في أسفل الربوة، ولم توجد عبثا، ~~فلا بد من أن نهبط إليها وإن كرهنا ذلك، ولا بد من أن نقيم فيها وإن شق علينا هذا ~~المقام، وأنا أريح القراء من مشقة هذا الهبوط، فلا أسلك بهم تلك ms30 الطريق العريضة الطويلة ~~التي تزدحم فيها السيارات مصعدة ومصوبة، ولا أسلك بهم هذه الطريقة الضيقة التي يزدحم ~~فيها الفلاحون على أقدامهم وعلى دوابهم مصعدين ومصوبين، وإنما أبلغ بهم القرية من غير ~~طريق؛ لأني أريد ذلك وأستطيعه ما دام الأمر إلي، لا إلى أهل الربوة، ولا إلى أهل ~~القرية، لا وإلى القراء؛ فالكتاب قديرون على شيء كثير إذا لم يفرضوا على أنفسهم ما ~~يحب النقاد أن يفرضوا عليهم من القواعد والأصول. # نحن إذن في القرية في زقاق ضيق جدا لا يكاد يتسع لسعي اثنين أو ثلاثة إلا أن يتقدم ~~بعضهم بعضا شيئا ما، لتجد أقدامهم موضعها من الطريق، والزقاق قذر أبشع القذارة ~~وأشنعها، ترى العين فيه كل ما تكره، ويشم الأنف فيه كل ما يكره، قد عاش أهله عيشة البؤس ~~والضر والإهمال، لم يعنوا بصحتهم لأن أحدا لم يعلمهم أن الصحة شيء يعنى به الناس، ~~ولم يعنوا بنظافتهم لأن أحدا لم ينبئهم بأن النظافة شيء يستحب، ولأنهم لو أحبوا ~~النظافة والتمسوها لما وجدوا إليها سبيلا، قد قصرت أيديهم عن وسائلها وأدواتها قصورا ~~تاما؛ فهم يعيشون كما يستطيعون، قد اختلط رجالهم ونساؤهم وأطفالهم وحيوانهم ودواجنهم ~~اختلاطا بشعا بغيضا، وقد رأيت ما ينشأ عن هذا الاختلاط من الشر والنكر ~~والفساد. # وفي أعماق هذا الزقاق دار منخفضة ليست عظيمة السعة، ولكنها على كل حال أوسع مما ~~يجاورها من الدور، قد انخفض بابها فلا يستطيع الإنسان أن يدخلها معتدل القامة إلا أن ~~يكون قزما أو طفلا، فأما إذا تجاوز القصر إلى شيء من الطول فلا بد له من أن ينحني ~~ليلج من هذا الباب، وهو إذا تخطى عتبة الدار وجد نفسه في فناء له شيء من عمق قد ارتبط ~~فيه حمار، وانطلقت فيه دجاجات، وارتفعت في بعض جوانبه مصطبة صغيرة ضيقة، جلس عليها رجل ~~قد تقدمت به السن وأدركه الضعف، وكاد سمعه يثقل، فهو لا يفقه ما يلقى إليه من حديث ~~إلا أن يرتفع الصوت، وكاد بصره يذهب فهو لا يرى إلا أقرب الأشياء إليه، ms31 ولا يراه إلا في ~~قليل من الوضوح، وبين يدي هذا الرجل نعال قديمة قد تخرقت وأدركها البلى، وقطع من الجلد ~~الرقيق والغليظ وأدوات يعمل بها في هذا الجلد وفي تلك النعال، وهو مطرق إلى جلده ونعاله ~~وأدواته، تعمل يداه أحيانا في ترقيع نعل أو إصلاحه وتكفان عن العمل أحيانا، ولكنهما ~~لا تسكنان حين تكفان عن العمل، وإنما تعبثان بما أمام الرجل من جلد ونعال ~~وأدوات. # وقد يأخذ الرجل قطعة من الجلد بكلتا يديه يشدها إلى يمين ويشدها إلى يسار، وقد يضع ~~طرفا من أطرافها في فمه كأنه يريد أن يقضمها، وهو لا يريد قضما ولا التهاما، وإنما ~~يريد أن يمتحن متانة الجلد، فهو يمسك طرفا منه بما بقي من أسنانه، ويمسك طرفيه الآخرين ~~بيديه، وهو يشد إلى هذه الجهة وإلى تلك ليستيقن أن هذا الجلد متين صالح لترقيع هذه ~~النعل أو تلك، والرجل في أكثر أحواله صامت كالمتكلم ومتكلم كالصامت، لا يوجه إلى أحد ~~حديثا، ولا يكاد يجيب إن وجه أحد إليه الحديث، ولكنه على ذلك متحرك الشفتين دائما ~~متقلب اللسان في الفم دائما، يغمغم بألفاظ لا يسمعها إلا هو والذين يدنون منه أشد ~~الدنو. وهذه الألفاظ غامضة مختلطة؛ فهو أحيانا يتحدث إلى جلده ونعاله يصف رثاثتها ~~ومتانتها وحاجتها إلى الرتق والإصلاح، وأحيانا يتحدث إلى أدواته يصف مضيها وكلالها ~~وعجزها وقوتها، وأحيانا يتحدث إلى نفسه فينشد محفوظات له من هذا الشعر العامي الذي ~~تجري به الألسنة وتسير فيه الحكم والأمثال. # وعن يمينك وشمالك إذا تجاوزت عتبة الدار حجرتان ليس باباهما أقل انخفاضا من باب ~~الدار، ولعلهما أن يكونا أدنى منه إلى الأرض، فإذا دخلت إحدى هاتين الغرفتين لم تجد ~~فيها إلا حصيرا قد ألقي على الأرض، وصندوقا حقيرا قد وضع في زاوية من زواياها، ~~وجماعة من هذا الخبز العريض الرقيق المستدير قد رص بعضها إلى بعض وارتفعت في زاوية ~~من زوايا الحجرة كأنها العمود، تأخذ منها الأسرة حين تريد أن تطعم، وما تزال تأخذ منها ~~والعمود ينخفض ويتضاءل، حتى إذا ms32 دنا من الأرض عملت محبوبة صاحبة الدار على تجديده ورفعه ~~- فكان إعداد الذرة وإشعال الفرن إلى جانب المصطبة التي يعمل عليها الشيخ، وانطلاق ~~الدخان، ويضطر الشيخ في ذلك اليوم إلى أن يأخذ جلده ونعاله وأدواته ويجلس بها على ~~الأرض أمام الدار - فإذا دخلت الحجرة الأخرى لم تر فيها إلا حصيرا قد ألقي على ~~الأرض، وأغطية رثة قد نثرت هنا وهناك، فأما إحدى الحجرتين فقد كان يأوي إليها الشيخ ~~الإسكاف، ولنسمه محمودا وامرأته محبوبة، وأما الحجرة الأخرى فقد كان يأوي إليها أبناء ~~الدار وهم ثلاثة: أكبرهم أحمد قد نيف على العشرين وكاد يبلغ الثلاثين، وهو فتى طوال ~~مظلم الوجه قوي الجسم قليل الكلام حائر الطرف لا تكاد عينه تستقر على شيء، ولا تراه ~~الدار إلا حين تغرب الشمس ويتقدم الليل لأنه يعمل في الحقول، وأصغرهم علي لم يتجاوز ~~الثانية عشرة بعد، وهو صبي قد أهمل أشد الإهمال، يلعب إن أتيح له اللعب، ويعمل إن ~~أتيح له العمل، ويسرق إن أتيحت له السرقة. # وبين هذين الابنين من أبناء الدار خديجة هذه التي كادت تبلغ العشرين والتي لم يدر ~~من أين جاءت، ولا لأي أبويها يمكن أن يضاف جمال وجهها الرائع واعتدال قامتها الجميلة، ~~وهذا الخفر الحلو الذي يصدر في دعة وهدوء وأمن عن عينيها الجميلتين، وهذا الحياء العذب ~~الذي يعرب عنه وجهها الهادئ المطمئن، وثغرها الذي يريد أن يبتسم ولكنه يمتنع على ~~الابتسام، وصوتها الممتلئ الرخيم الذي لا يكاد يتكلم إلا همسا، وحركاتها الرشيقة ~~المتزنة المعتدلة التي تدل على حياة قوية دافقة وعلى حياء شديد يمسك هذه القوة أن تندفع ~~إلى أكثر مما ينبغي. # وهذه الفتاة الناعمة الغضة التي لا تلائم هذه الدار البائسة الخشنة، تعيش بين أبويها ~~وأخويها عيشة صامتة أو كالصامتة، ساكنة أو كالساكنة، مقبلة في أكثر الوقت على مغزلها ~~تديره في أناة ورفق ودعة، فإذا كان موسم الحصاد خرجت مع أترابها من بنات القرية إلى ~~الحقول فصيفت - كما يقول أهل الريف المصري - مع المصيفات وعادت مع الأصيل إلى أهلها ms33 ~~بما التقطت من الحب المنتثر في الحقول، وإذا كان موسم القطن خرجت مع أترابها من بنات ~~القرية، فشاركت في جني القطن، وعادت إلى أهلها مع الأصيل بما يتاح لها من أجر ضئيل، ~~وقد رآها نعيم فيما يظهر مصيفة مع المصيفات أو جانية للقطن مع الجانيات، فراقه منظرها ~~الرائع في ثيابها الرثة، فلما أطال النظر إليها اشتد إعجابه بها ثم ميله إليها، فعاود ~~المرور بالجماعة التي كانت تعمل معها، ثم حاول الوقوف إلى هذه الجماعة، ثم حاول الحديث ~~اليسير إلى هؤلاء العذارى، وكان من شأن هذا كله أن يزيد إعجابه بهذه الفتاة وميله إليها ~~وطمعه فيها، وكان لحظ الفتاة وصوتها هما اللذان وقعا من نفس نعيم أغرب الوقع وأعمقه ~~وأعظمه في نفسه أثرا، كتب في دفتر يومياته يقول: «أوشك أن أظن بنفسي الجنون؛ فإني لا ~~أنطلق في الحقول ولا أتنزه في الحديقة ولا أخلو إلى نفسي في غرفتي إلا رأيت عينا ساحرة ~~فاترة تنظر إلي في أناة وخفر، فتنفذ إلى أعماق نفسي وتلذع قلبي لذعا أليما، وأنا لا ~~أكاد أخلو إلى نفسي في غرفتي أو خارج غرفتي، في القصر أو بعيدا عن القصر إلا سمعت صوت ~~هذه الفتاة يبلغ أذني حلوا رقيقا رفيقا، ثم يصل إلى نفسي فيحدث فيها نشوة لا أشبهها ~~بالطرب الذي تحدثه الموسيقى، وإنما أشبهها بالنشوة التي تحدثها الخمر، لقد استأثرت هذه ~~الفتاة بنفسي، وما أرى أن الأمر سينتهي بينها وبيني كما تعودت الأمور أن تنتهي بيني ~~وبين أترابها من حسان الريف.» # 8 # القراء يعفونني دون شك من أن أصور لهم ما كان بين نعيم وخديجة من قرب وبعد، ومن ~~دنو ونأي، ومن هذه المحاولات الكثيرة المعقدة التي ينسج الحب خيوطها بين المحبين في ~~أناة ومهل، ثم في اندفاع وعجل، ثم يأخذهم فيها كما تؤخذ الطير فيما ينصب لها من ~~الشراك. # القراء يعفونني من تصوير هذا كله؛ فهم يعرفونه حق المعرفة، يقرءونه في القصص وفي ~~شعر الشعراء، ويجده كثير منهم في أنفسهم ويسمعونه فيما يدار عليهم من الحديث، ms34 وهم بعد ~~هذا يستطيعون أن يصوروا نشأة هذا الحب بين خديجة ونعيم كما يشاءون، لا جناح عليهم فيما ~~يبتكرون من صور وما يخترعون من أحداث، فكل هذا لا يعنيني ولا يعني القصة في كثير أو ~~قليل، وإنما الذي يعنيني ويعني القصة ويعني القراء هو أن هذين الفتيين قد وقعا في شرك ~~من أشراك الحب، فاضطربا فيه قليلا أو كثيرا يحاولان أن يخلصا منه وأن يعودا إلى الأمن ~~والحرية وفراغ البال، ولكن إفلات العاشقين من أشراك الحب ليس أقل عسرا من إفلات الطير ~~من أشراكها حين تقع فيها، فقد كان إذن ما لم يكن بد من حدوثه، ونظر الفتى المترف ~~الغني القوي الموفور فإذا هو أسير لخديجة بنت محمود الإسكاف. # ونظرت الفتاة البائسة اليائسة المطمئنة إلى بؤسها ويأسها، فإذا هي مولهة بحب هذا ~~الفتى، الفتى المترف الغني القوي الموفور، وكان الفتى يخلو إلى نفسه فيلقي نظرة من أعلى ~~ترفه وشرفه وغناه إلى بؤس خديجة ويأسها وإعدامها، فيأخذه شيء يشبه الدوار، كيف هبط من ~~أعلى عليين إلى أسفل سافلين؟! وكانت الفتاة ترفع بصرها من أعماق يأسها وبؤسها وإعدامها ~~في دارها تلك الحقيرة الفقيرة، إلى هذا القصر الشاهق على هذه الربوة الشامخة، فيأخذها ~~شيء يشبه الدوار حين تفكر في أن الحب قد وثب بها إلى ذلك الفتى المترف الغني القوي ~~الموفور، ولكن الناس جميعا يعلمون أن الحب لا يحتقر شيئا كما يحتقر الرفعة والضعة، ~~ولا يسخر من شيء كما يسخر من تفاوت المراتب والطبقات، وهو قد هبط بالفتى إلى الفتاة أو ~~صعد بالفتاة إلى الفتى! لا أدري ولكنه جعل كلا منهما لصاحبه سيدا وعبدا، وقد انتهى ~~أمر هذا الحب إلى أبوي نعيم، فابتسما له أول الأمر، لم يريا فيه إلا لونا من عبث ~~الشباب وسخرا منه بعد ذلك، لم يريا فيه إلا شيئا من الجموح في العبث، وضاقا به بعد ~~ذلك، رأيا فيه غلوا من الفتى في هذا الجموح وصارفا له عما يليق بمثله من الطموح إلى ~~العظيم من الأمر، وأخذا ينصحان للفتى ms35 في رفق، ثم في عنف، ثم في إلحاح، ولكن أبا ~~الفتى غلا في إلحاحه وسخطه حتى انتهى الأمر إلى ما علمت، وانتهى أمر هذا الحب إلى ~~أم خديجة، فابتسمت له ابتساما مرا، وفرحت به فرحا حزينا، وهمت أن تكف ابنتها، ~~ولكن نصحها لم يغن شيئا، وهمت أن تكتم الأمر على الشيخ الإسكاف ولكن لسان النساء لا ~~يحب أن يستقر في أفواههن، وهم الشيخان أن يكفا الفتاة، فلما لم يبلغ شيئا تواصيا ~~بكتمان الأمر على ابنهما الفتي لأنه كان عنيفا مخوفا، والأمر ينتهي إلى غايته، وهذا ~~نعيم قد فتن بخديجة إلى أبعد حدود الفتنة؛ فهو يعدها ويمنيها، وهو يرغبها ويغريها، ~~وهو يختطفها آخر الأمر إن صح أن يكون سفرها إلى العاصمة اختطافا؛ فهي لم تكد تدعى ~~إلى السفر حتى استجابت للدعاء مسرعة واستعدت له متهالكة. # وارتفع الضحى ذات يوم فلم تر الأسرة خديجة، وتقدم النهار فلم تعرف من أنبائها شيئا، ~~وأقبل الأصيل فلم تعد معه إلى الدار، وتقدم الليل فلم تعد، وإنما عاد أخوها أحمد ثائرا ~~يكظم ثورته، وفائرا يكتم فورته. أقبل متجهما فلم يقل كلمة لأحد، ولم يلق نظرة على ~~أحد، وإنما ألقى أدوات عمله في مكانها من الدار، واندفع إلى حجرة أبويه فأخذ من عمود ~~الخبز شيئا التهمه وهو قائم لا يقول شيئا ولا يرد على أحد حديثا، فلما التهم ما كان ~~في يده من الخبز ألقى نظرة على ما حوله ومن حوله، ثم أدار ظهره ومضى صامتا لا يقول ~~شيئا ولا يلوي على شيء. قالت محبوبة لزوجها الحذاء في صوت مرتعد حزين: ما باله؟ وما ~~الذي عرض له من الخطب؟ قال الشيخ في صوت هادئ ثابت يشيع فيه الحزن والغضب معا: افتقد ~~أخته فلم يجدها، وترامى إليه بعض ما طوينا عنه من الحديث. قالت محبوبة: وإذن؟ قال ~~الشيخ: وإذن فهو يسعى في أثر أخته، وما أدري! لعله لا يعود. # والناس يتمنون ويسرفون في التمني، والأقدار تعبث بهم وبما يتمنون؛ ذلك أن الناس لا ~~يعرفون إلا أنفسهم وقليلا مما ms36 يحيط بهم من الظروف؛ فهم يدبرون ويقدرون في دائرة ضيقة ~~لا تكاد تتجاوزهم إلا قليلا، وآية ذلك أن نعيما كان قد دبر أمره فأحسن تدبيره، وقدر ~~خطته فأحسن تقديرها. لقد أحب الفتاة حبا لم يجرب مثله من قبل على كثرة ما جرب من ~~العبث واللهو والحب أيضا؛ فهو مصمم على أن يحدث حدثا ذا خطر وهو المترف الغني القوي ~~الموفور، سيهبط إلى هذه الفتاة اليائسة البائسة الفقيرة الحقيرة فيتخذها لنفسه زوجا ~~ويقسم بينها وبينه ما أتيح له من ترف وشرف وقوة وثراء، وهو قد قدر غضب أبويه وعرف كيف ~~يستعد للتخلص من أعقاب هذا الغضب، وهو قد قدر ما بينه وبين الفتاة من اختلاف المنزلة ~~وبعد الأمد، وعرف كيف يستعد لإلغاء هذه المسافة البعيدة، أليس قد اختطف الفتاة فباعد ~~بينها وبين قريتها وبيئتها وأهلها ليخلقها في العاصمة خلقا جديدا؟! لقد دبر وقدر ~~وأحسن التدبير والتقدير، واطمأن إلى أنه بالغ بحبه ما أراد له من الأمن والثقة، ومن ~~الدعة والهدوء، ولكنه لم ينس إلا شيئا واحدا، وهو أن لهذه الفتاة أخا في مثل سنه ~~ليس مترفا ولا غنيا ولا قويا ولا موفورا، وهو من أجل ذلك حاقد حانق، قد ملأ السخط ~~قلبه وملك الغيظ نفسه، فرآه الناس إنسانا مثلهم يعدو ويروح ويعمل في الحرث والزرع، ~~ورأته الطبيعة شيطانا مريدا ينتظر أن تتاح له الفرصة ليملأ الأرض من حوله شرا ~~ونكرا، وقد أتيحت له الفرصة؛ فهذه أخته التي كان يحبها وحدها من دون الناس ويؤثرها ~~بقلبه كله ونفسه كلها، قد غوت وهوت، أغواها ذلك الفتى المترف الغني القوي الموفور، وإذن ~~... # وإذن ففي نفس الوقت الذي انصرف فيه نعيم عن الشاعر فرحا حزينا ومسرورا كئيبا، ~~ونهض الشاعر فيه مسرعا يرقى إلى القصر ليلقى صاحبه في مكتبه ذاك، في نفس هذا الوقت ~~وقبل أن يصل الشاعر إلى صاحب القصر يستفيض في القرية الحقيرة الفقيرة البائسة نبأ ~~يملؤها خوفا وروعا؛ فقد لحق أحمد بأخته في العاصمة وقتلها وأسلم نفسه للشرطي، معترفا ~~بأنه اقترف هذا الإثم ms37 دفاعا عن عرضه المكلوم. # فلندع القرية تتسامع بهذا النبأ وتتبادل الحديث في تفسيره وتأويله، ولندع الأبوين وقد ~~أخذتهما الصاعقة حين أتاهما هذا النبأ، ولنعد مسرعين فنصعد إلى الربوة من أقصر الطرق ~~المؤدية إليها، فسنرى الشاعر قد ارتقى سلم القصر، ولم يكد يبلغ البهو الأول من أبهائه ~~حتى رأى نفسه في مرآة هناك، ورأى أنه معتدل القامة يمشي على اثنتين، فما أسرع ما ينحني ~~على العصا، وما أسرع ما يدور في رأسه هذا البيت كأنه يسمعه من صاحب القصر: # وتقول بوزع قد دببت على العصا # هلا هزئت بغيرنا يا بوزع # 9 # أنت بالطبع عجل، تريد أن ترى صاحب القصر وأنا مثلك عجل أريد أن أراه؛ لأن الأمد ~~بينه وبيني قد بعد وأسرف في البعد، والشاعر نفسه يريد أن يلقاه منذ سمع من نعيم ما سمع، ~~وعرف من أمر الأسرة ما عرف، وروعه من هذا الطلاق ما روعه. وهو من أجل ذلك حريص على ~~أن يسرع الخطو، لولا أن إسراع الخطو لا يليق بالشيوخ، الذين أفناهم مر الغداة وكر ~~العشي، وعطفتهم الأيام على العصا وعلمتهم المشي على ثلاث، فخطوهم متقارب وسعيهم بطيء. ~~وشاعرنا حريص دائما على أن يكون شيخا متهالكا، قصير الخطو بطيء السعي، وهو على ذلك ~~كله عجل يريد أن يلقى صاحب القصر، فيسمع منه ويقول له، وهو من أجل ذلك لا يمد الخطو ~~لأنه لا يستطيع، أو لا يريد أن يستطيع أن يمد الخطو، وإنما يتعجل على أسلوبه في التعجل، ~~فيسعى إلى أمام، لا يقف كما تعود أن يقف دائما أمام آيات الفن هذه الرائعة التي ~~نسقت في أبهاء القصر تنسيقا ليس أقل منها روعة وجمالا. # والشاعر متعود ألا يمر بهذه الآيات مرا سريعا أو بطيئا، دون أن يقف عندها، ~~ملقيا إليها تحيات الإعجاب والحب، واقفا عند هذا التمثال مطيلا إليه النظر، مهديا ~~إليه الحديث، منتظرا منه الجواب، وواقفا عند هذه الصورة محللا معللا مستوحيا ~~مفتونا، وواقفا عند هذه القطعة أو تلك من قطع الأثاث الفخم القديم، يلتهمها بعينه ~~التهاما، ms38 ويداعبها بيده مداعبة رقيقة، يصنع ذلك كلما دخل القصر ليلقى صاحبه في مكتبه ~~أو في حجرة من حجرات الاستقبال، لا يمنعه من ذلك مانع مهما يكن، ولا يصرفه عنه صارف ~~مهما تكن الظروف. وهو من أجل ذلك ينفق وقتا غير قصير منذ يبلغ أرقى سلم القصر إلى أن ~~يصل إلى صاحبه، سواء كان على موعد أم زار على غير ميعاد، وربما ضرب لصاحب القصر موعدا ~~للقاء في الساعة الحادية عشرة، ولكنه يقول ضاحكا: على أني سأكون هنا قبل أن تبدأ ~~الساعة العاشرة، وربما نسي الموعد نسيانا تاما، وانتظره صاحب القصر، فلما طال عليه ~~الانتظار خرج يلتمسه في هذا البهو أو ذاك، فوجده قائما أمام صورة، أو تمثال، أو أثاث، ~~وقد استأثر به إعجاب ينتهي إلى شيء يشبه الذهول. # ذلك أن هذا القصر، ليس كغيره من قصور الأغنياء المترفين، يزدان بفخامته وضخامته، ~~وامتلائه بالأثاث الفاخر الكثير، وقد نسق على وجه يلائم الذوق أو لا يلائمه، ولكنه يدل ~~دائما على ضخامة الثروة، وكثرة المال، وحب الإنفاق، وإنما هو قصر له فخامته وضخامته، ~~ولكنه أشبه بالمتحف منه بالقصر، فليس فيه إلا ما يروق النفس ويلذ العين ويملأ القلب ~~رضا وإعجابا، قد جمعت فيه آيات من الفن، على اختلاف هذا الفن في النوع وفي العصر ~~والطراز؛ ففيه القديم والحديث وما بين ذلك من آيات المثالين والمصورين، ومن آيات ~~العصور البعيدة التي يتحدث عنها التاريخ القديم، وفيه من طرف الأثاث ضروب وألوان، بحيث ~~لا يستطيع ذو الذوق المترف أن يدخله إلا لقي فيه فتنة أي فتنة، وبحيث يستطيع ذو الذوق ~~المترف أن يزوره مصبحا وممسيا في كل يوم من أيام الأسبوع دون أن يقضي عجبه أو إعجابه ~~بما فيه من هذه الروائع والآيات، فإذا مر الشاعر قصير الخطو بطيء السعي بهذه الآيات ~~والروائع، غير واقف عندها ولا مطيل نظره إليها، فذلك الدليل كل الدليل على أنه معجل ~~حقا، على أن الذي يعجله عما أحب وما سيحب دائما، لا يمكن أن يكون إلا أمرا ذا ~~بال. ms39 # ومما يدل على أن الشاعر كان معجلا حقا، وعلى أنه كان أشد عجلة منك ومني إلى لقاء ~~صاحب القصر، أنه انتهى إلى البهو الذي ينبسط أمام المكتب، وهم أن يمضي إلى المكتب ~~فيطرق بابه طرقا خفيفا دون أن يقف وقفته تلك الطويلة أو يدور دورته تلك البطيئة حول ~~هذه الكتب التي نسقت أجمل تنسيق وأدقه إلى هذه الجدران العراض المرتفعة، ودون أن ~~يمر يده في كثير من الحب والهيام على صفوف هذه الكتب، كأنما يحييها بيده تحية تشبه عطف ~~الأب حين يمسح رأس ابنه في كثير من الحنان - وربما أخذ منها كتابا، فجمع يديه حول ~~دفتيه، ثم فتحه ونظر فيه قائما فأطال النظر، ثم آثر صحبة الكتاب على لقاء صديقه، ~~فانحاز إلى زاوية من زوايا البهو، وفرغ لكتابه منصرفا إليه عن كل شيء وعن كل إنسان، ~~حتى يأتي صديقه، فيفرق في عنف أو في رفق بينه وبين هذا الكتاب الحبيب - ولكنه في هذه ~~المرة لم ينظر إلى الكتب، كما أنه لم ينظر إلى التماثيل والصور إلا نظرات قصارا خاطفة، ~~ومضى أمامه مستأنيا، يريد باب المكتب ليطرقه ويفتحه ويغلقه من دونه حين يسمع الإذن له ~~بالدخول، غير أنه لم يمكن من الوصول إلى الباب؛ فقد لقيه الخادم مكبرا له حفيا ~~به، ولكنه يؤذنه بأن سيده لن يلقى أحدا الآن؛ لأنه خال في هذه الساعة إلى ضيف قد أقبل ~~منذ حين. # 10 # لست أدري أرضي الشاعر عن هذا الحجاب أم ضاق به، ولكني أعلم أنه تحول في بطء إلى صف من ~~صفوف هذه الكتب، فحياه بطرفه، ثم مسحه بيده، ثم استخرج منه كتابا، وانزوى في ناحية من ~~نواحي البهو، وجعل ينظر فيه مقبلا عليه غير فارغ له مع ذلك، بل رافعا رأسه ومديرا ~~طرفه في البهو من حين إلى حين، كأنما كان يترقب أن يخلو له وجه صديقه هذا الذي جعل أمره ~~يتعقد منذ اليوم. # ثم جعل يحدث نفسه: إنما أشفق أن تنقطع بيني وبينه الأسباب، وأن أصير إلى مثل الحال ~~التي ms40 كنت أضيق بها وكانت تضيق بي حين اتصلت أسبابي بأسبابه ذات مساء منذ تلك الأعوام ~~الطوال! # لقد كنت في تلك الأيام - لا ردها الله - بائسا ممعنا في البؤس، شقيا مغرقا في ~~الشقاء، بارعا في كل شيء إلا فيما يوفر علي حياة هينة وادعة لا أجد فيها الجوع في ~~أكثر أيام الأسبوع، ولا أتعرض فيها لذلك الخزي الذي أذكره الآن، فتدور بي هذه الحجرة ~~وأود لو كنت نسيا منسيا ... # لقد كنت أغدو من غرفتي تلك الحقيرة حين يرتفع الضحى، مقفر النفس فارغ الجيب صفر اليد، ~~لا أجد من المال أيسر ما يتيح لي أن أصيب ما يقيم الأود، وكان همي حين أغدو على تلك ~~الحال أن أتعرض لمن كنت أعرف من الصديق لعلي أجد عند أحدهم من الرقة لي والرفق بي ~~والعطف علي ما يرد عني ألم الجوع ويتيح لي هذين القدحين من القهوة، اللذين كانا ~~يطلقان لساني من عقاله، ويردانني إلى شيء من رضى النفس وراحة القلب، ويفتحان لي أبوابا ~~من الحديث وفنونا من الشعر أسحر بها ذلك الصديق الذي استنقذني من جوع الجسم، وأستنقذه ~~بها من جوع النفس والعقل والقلب ... # وكذلك كنت عالة على الصديق ألتمس الطعام عند هذا والقهوة عند ذاك والكأس التي تنسيني ~~نفسي عند صديق ثالث، لم أكن أملك من أمر نفسي شيئا، وكان رفاقي يملكون من أمري كل شيء، ~~كان يكفي أن يصرفوا عني وجوههم ويغلقوا من دوني قلوبهم لأتردى في هوة من البؤس لا أعرف ~~لها قرارا، وكنت أبيع أولئك الصديق أدبي على اعتدادي به وإكباري له بما يدفع عني غوائل ~~البؤس وعوادي الزمان. # وقد لقيت ذلك الشيخ الشاب ذات مساء في مجلس من مجالسنا تلك التي كنت أخلب فيها الرفاق ~~بما كنت أسوق إليهم من ألوان الحديث، وما كنت أطرفهم به من فنون الشعر، وكنت في تلك ~~الليلة كأرق ما كنت أكون حسا، وأدق ما كنت أكون شعورا، وأصفى ما كنت أكون ذوقا، ~~قد صرفت عني القهوة كل حزن، وذادت عني كل هم، ms41 وكان الرفاق من حولي ينتظرون مقدم صديق لم ~~أكن أعرفه، وقد أبوا أن يسبقوه بما كانوا يشتهون من طعام أو شراب، رأوا ذلك من أيسر حقه ~~عليهم، ورأيت أن ليس له علي حق؛ لأني لم أعرفه ولم أقدم إليه، ولأني قبل كل شيء كنت ~~شديد الظمأ إلى قهوتي تلك التي كنت أداعب ذوقها منذ ساعات، فلم نكد نستقر في مجلسنا حتى ~~تعجلتها، فلما أقبلت تلقيتها حفيا بها، ثم احتسيتها رفيقا بها أيضا، وكانت كل جرعة ~~منها تزيل عن قلبي وعقلي جزءا من هذا الغشاء الصفيق الذي أطبق عليهما من الهم ~~والحزن. # ولم أكد أفرغ من قهوتي حتى انجلى لي كل شيء، وأشرقت نفسي وأشرق وجهي وانطلق لساني، ~~وأقبلت على الرفاق أداعبهم، وأقبلوا علي يثيرون في نفسي هذه الدعابة، وإنا لفي ذلك ~~وإذا سيارة تقف، سيارة فخمة تصور الثراء والترف، سيارة من تلك السيارات التي كنت أكره ~~النظر إليها؛ لأنه كان يمثل لي هذه الهوة من البؤس الذي كنت غارقا فيه، وهذه القمة ~~من النعيم الذي لم أكن أفكر في الطموح إليه، وكان النظر إلى مثل هذه السيارة من مظاهر ~~الترف والنعيم يغريني بأبغض الأشياء إلي وأشدها مقتا في نفسي وهو الحسد. ولم يكن لي ~~بد من أن أنظر إلى هذه السيارة التي وقفت منا غير بعيد وفرضت نفسها على أبصارنا فرضا، ~~ثم فتح بابها ونزل منها في هدوء رجل قد جاوز الشباب ولم يبلغ الشيخوخة، له سماء لا ~~تشق على البصر كما يقول الشاعر القديم، وهو يسعى إلينا مستأنيا، ويحيينا مستعليا، ~~والرفاق ينهضون له ويحتفون به ويستبقون إلى حسن لقائه، أيهم يكون أحسن له لقاء وأعظم ~~به احتفاء، وأنا أنهض معهم، فلم يكن من النهوض بد، ولكني لا أبسم ولا أعبس، ولا أظهر ~~بشاشة ولا انقباضا، بل لا أنظر إلى وجه هذا الطارئ الأنيق، وإنما أنظر من حولي كأني ~~أجتنب أن أراه، وهو يصافح الذين هشوا له واحتفوا به، حتى إذا بلغني ألقى إلي من عل ~~تحية فاترة فرددتها عليه ms42 بمثلها، ورأى الرفاق أن يقدموني إليه، فزعموا أني الشاعر ~~المعروف، وقد سمع منهم مبتسما لي غير مكترث بي. # ثم انتظمنا المجلس كما كنا، واستبق الرفاق مرة أخرى إلى سؤاله عما يريد من ألوان ~~الشراب، فلم يزد على أن قال: «الويسكي، فقد تعلمون أني لا أذوق غيره إذا كان ~~المساء.» # ودارت كئوس الويسكي على الندي، وأصابتني منها كأس، فلم أكد أحسو منها حسوة أو ~~حسوتين حتى رأيت هذا الطارئ الأنيق قد أفرغ كأسه في جوفه إفراغا ونظر إلى الرفاق وهو ~~يقول في سخرية: ما رأيت كالليلة فتورا عن الشراب. # واستبق الرفاق مرة ثالثة إلى التهام ما في أقداحهم ليبلغوا من صديقهم موقع الرضى، وما ~~هي إلا لحظة حتى صفرت الأقداح إلا قدحا واحدا هو الذي كان أمامي، فنظر إلي هذا ~~الطارئ وسألني بطرف لسانه: ما لك لا تنشط للشراب؟! أمريض أنت؟! فأجبته بلهجته تلك ~~الساخرة: فإني أشرب لنفسي لا لك، فهم أن يغضب ولكنه ملك نفسه وضرب إحدى يديه بالأخرى، ~~فأقبل الخادم، فأشار إليه وإلى الأقداح ولم يقل شيئا، وفهم عنه الخادم ما أراد، ~~فرفعت أقداح وجاءت أقداح أخرى، ولبثت أنا جامدا أنظر إليهم وأنظر إلى قدحي الذي أبيت ~~على الخادم أن يرفعه، وكأني شغلت عما في قدحي بالنظر إلى هؤلاء الذين أقبلوا على ما ~~أمامهم من الطعام يلتهمونه التهاما، وما أمامهم من الشراب يعبونه عبا، وأنا لا ~~أمس من الطعام أمامي شيئا، ولا أمس قدحي إلا رشفا يسيرا، ولكني أرى هذا الطارئ ~~يرمقني بطرف فيه كثير من غضب وكثير من سخرية، ثم يقول لي في ابتسامة غامضة وصوت مصمم: ~~«لتفرغن قدحك أو لأسقينه الأرض.» والرفاق يتضاحكون ولكني أرد عليه بهذه الجملة: «ما ~~أنت وذاك؟!» ثم أرميه بهذين السهمين: # يا رءوفا بنفسه # وعنيفا بغيره # وجوادا بشره # وبخيلا بخيره # فلا يروعني إلا ضحك يملأ الفضاء من حولنا، وإقبال على قدحه يصبه في فمه صبا، ~~والرفاق يصنعون صنيعه، فيرتفع ضحكهم وتفرغ أقداحهم، ويضرب الطارئ يدا بيد، فإذا أقبل ~~الخادم ألقى في يده شيئا ms43 من النقد، وقال: «أد حسابك واحتفظ بما يبقى.» ثم التفت ~~إلي وقال: «شاعر حقا، ما في ذلك شك.» وأنا أنظر إليه وأريد أن أرد عليه، ولكن يده ~~تمتد في سرعة إلى القدح أمامي فتخطفه اختطافا وتريق ما فيه على الأرض وترده مكانه ~~فارغا كغيره من الأقداح، ثم ينهض قائما وهو يقول: «ليست هذه القهوة لنا بمجلس، ~~هلموا.» ثم يقبل علي فيقيمني في قوة لا أملك لها مقاومة ويدفعني دفعا حتى يضعني في ~~سيارته هذه الفخمة الوثيرة التي لم أقدر قط أن سيتاح لي الصعود إليها في يوم من ~~الأيام، وقد جلس الرفاق من حولي واتخذ هو مكانه إلى جانب السائق وهو يقول له: «إلى ~~القصر.» # منذ تلك الليلة لم أفارق هذا الصديق، رضيت عن نفسه الجامحة ورضي عن لساني الطويل، ~~وأصبت في صحبته هذه الحياة الراضية التي كنت أتحدث عنها في شعري على أنها من هذه المثل ~~العليا التي يتصل بها الأمل ويرقى إليها الخيال ولا يبلغها من الناس إلا ~~الأقلون. # منذ تلك الليلة لم أفارق صديقي هذا، أقيم معه في قصره ذاك المنيف في العاصمة إن أحب ~~المقام في العاصمة، وأصعد معه إلى قصره الشاهق على هذه الربوة الرائقة الشائقة إن أحب ~~أن يتخفف من حياة العاصمة. # وقد مضت على صحبتنا هذه السنون الطوال، لم أنكر منه انحرافا عني أو انقباضا لي، ولم ~~ينكر مني شيئا على طول العشرة واتصال الألفة واللقاء وجه النهار وآخره وشطرا من ~~الليل، وقد صرفني عن حياتي تلك البائسة، وكاد يصرفني عن أصدقائي أولئك الذين كنت آلفهم ~~في تلك الحياة، فأنا لا ألقاهم إلا حين يسعى إليهم أو يدعوهم إليه، قد أصبحت له ظلا، ~~وأصبحت عشرته لي لازمة من هذه اللوازم التي لا أستطيع عنها انصرافا، وقد رضيت أخلاقه ~~على علاتها، فأنا أتجنب غضبه وأتلمس رضاه؛ لأني أجد في ذلك راحة وروحا ولونا من ألوان ~~السعادة لا أحب أن أصرفه عن نفسي ولا أحب أن يصرفه عني صارف، وأنا من أجل ذلك أحب الكذب ms44 ~~حين يتيح لي إشراق نفسه ووجهه، وأكره الصدق حين يعرضني لغضبه علي أو ازوراره عني، ~~وأنا مع ذلك أنتهز ساعات الرضى وأخلص له النصح وأحسن عليه المشورة، وهو يسمع لي ~~كثيرا ويزور عني أحيانا. # أنا إذن خادم من خدمه أو موظف من موظفي قصره لا أستطيع أن أصرف نفسي عنه، وكل ما بيني ~~وبين الخدم والموظفين من الفرق أنه لا يستطيع أن يصرف نفسه عني، على حين يستطيع أن ~~يغير من خدمه وموظفيه من يضيق به أو يزهد منه! # أنا على كل حال خادم من خدمه، لا أيسر له ما يحتاج إليه في حياته المادية، ولكني ~~أعينه على احتمال هذه الحياة، وأيسر له القليل الذي يحتاج إليه في حياته العقلية، وهو ~~في الحق أقل من القليل! قد أقرأ له في كتاب بعض هذه الطرف والملح التي يحتاج إليها ~~الفارغون، وقد أفسر له بعض ما يعسر عليه من الألفاظ حين أقرأ له، وقد أنشده بعض شعري ~~فيفهم ويرضى حينا، ويعرض ويسخر في كثير من الأحيان حين لا يتاح له الفهم والذوق. ~~وأبغض خصاله إلي وأشقها علي أنه - على ضآلة حظه من العلم وعجزه كل العجز عن الكتابة ~~- يشتاق بين حين وحين إلى أن يشارك في بعض هذه المناقشات السخيفة التي تفيض بها أنهار ~~الصحف، هنالك يشقي نفسه ويشقيني. فهو يحاول أن يكتب ما يريد فلا تستقيم له الكتابة، ~~ولا يطاوعه القلم، فيدعو بالقهوة في أثر القهوة، وأنا أنظر إليه كالمعرض عنه، وألاحظه ~~كالمنصرف عن ملاحظته إلى كتاب أنظر فيه، حتى إذا استيأس من بلوغ ما يريد، صاح بي ~~مغضبا: «أين أنت؟» أو «ماذا تصنع؟! إنك لتراني أتكلف ما أتكلف ثم لا تصنع شيئا وإنما ~~أنت جامد في مكانك كأنك الصنم!» فأجيبه متضاحكا: «ما علمت أن الأصنام تقرأ كتابا أو ~~تخطه بيمينها!» ثم أسأله عما يريد فيفضي إلي بذات نفسه، فإذا ذات نفسه سخف لا ينقضي، ~~ولكني أظهر له الرضى بما أسمع والإقبال على ما يحب، ثم أقبل على السيجارة والقهوة ~~والقلم، ms45 وأقرأ عليه بعد ساعة ما عجز عن كتابته فيرضى كل الرضى ، وتمتلئ نفسه غبطة ~~وابتهاجا وهو لا يشك أقل الشك في أنه هو الذي كتب ما قرأت عليه، ولكنه على ذلك ليس ~~محمقا ولا غافلا، فهو يأخذ مني الصحف التي كتبتها ويخلو بها إلى نفسه ليكتبها بخطه، ~~ثم يهرع إلى التليفون فيدعو صديقه في هذه الصحيفة أو تلك إلى الغداء أو إلى العشاء، ~~فإذا أقبل وطعم وامتلأت يده بما شاء الله أن تمتلئ به، دفع إليه المقال في شيء من ~~الدعاية والمزاح فأخذه راضيا وقرأه معجبا وانصرف شاكرا مشكورا، وأنا أشهد كل هذا ~~العبث، وأشارك فيه، وأمقت نفسي أشد المقت وأزدريها أعظم الازدراء، مزمعا مع ذلك أن ~~أعود إلى التمثيل حين يريد أن يعود إلي. # على ذلك جرت حياتي معه وجرت حياته معي، هي حياة السيد مع الخادم إلا أن فيها شيئا من ~~العناية والإلطاف. # وما أعتذر عن شيء مما فعلت ومما أفعل، وإن كنت كارها لكل ما فعلت ولكل ما أفعل، فما ~~أعرف أن عذرا يستقيم لي، وكل ما أعلمه هو أني أحب الحياة وأعلم علم يقين أن الحياة لا ~~تحبني، فأنا آخذها قسرا وأنعم بها على كره منها دائما، وعلى كره مني في كثير من ~~الأحيان. # ولو قد أحبتني الحياة كما أحبها ليسرتني لبعض العمل الذي يعصمني مما تورطت فيه أيام ~~البؤس من تكفف الناس، ومما أتورط فيه الآن من العيش في ظل هذا السيد الصديق، مذعنا لما ~~يريد هو، لا لما أريد أنا، كاسبا هذه العيشة الراضية التي تحلو وجه النهار، لتمر ~~آخره بهذه الذلة التي تخيل إلى الناس أني سيد سعيد، وتقنعني كل الإقناع بأني عبد ~~شقي. # فالحياة لا تحب الناس إلا حين يعملون لكسب حبها وهي لا تحتقر أحدا كما تحتقر الذين ~~يعيشون عيالا على غيرهم، وقد خلقت عاجزا عن كل عمل منتج إلا هذا الشعر الذي أقرضه ~~وأجد اللذة في قرضه، ويجد الناس المتعة في قراءته والاستماع له، ولكنه على ذلك لا يسمن ~~ولا ms46 يغني من جوع! ولقد نشر لي منه هذا السيد الصديق غير ديوان، وما أشك في أن الناس قد ~~قرءوه وما أشك مع ذلك في أني لم أفد من نشره شيئا! غيري أقدر مني على حل هذه المشكلة! ~~فأما أنا فحسبي أن أقرض الشعر وأن يقرأه الناس وأن أحس رضاهم عنه وإعجابهم به، وما دامت ~~الحياة ميسرة لي كأحسن ما يكون اليسر فلا علي أن أكون سيدا أو عبدا، ولا علي أن ~~أكون عزيزا أو ذليلا ... # 11 # ما أحب أن أقتحم الباب الذي لم يقتحمه الشاعر، وأن أدخل بك على صاحب القصر خاليا إلى ~~ضيفه، لا لأني أخشى أن يردنا الخادم عن هذا الباب مكبرا لنا حفيا بنا كما رد الشاعر، ~~أو ناهرا لنا متعللا علينا كما كان خليقا أن يصنع بكل من يحاول اقتحام هذا الباب، ~~فأنت وأنا مطمئنان إلى أننا نستطيع أن نقتحم الباب دون أن يشعر بنا هذا الحاجب؛ لأن ~~الفن قد منحنا هذه القلنسوة السحرية التي تخفينا على عيون الحجاب والرقباء، وتتيح لنا ~~أن نذهب حيث نشاء ومتى نشاء وكيف نشاء، دون أن يستطيع أحد لنا ردا أو صدا، بل دون ~~أن يستطيع أحد أن يفطن لنا أو أن يشعر بمكاننا. # ولست أدري لماذا لا يتنبه القراء إلى هذه الخصلة الرائعة من خصال الفن، وإلى قدرته ~~على أن يخفي الكاتب وقراءه على العيون والأسماع، وسائر أدوات الحس والشعور، بل علي أن ~~يتيح للكاتب وقرائه قدرة هائلة يلغون بها مسافات الزمان والمكان، وما يقوم في الزمان ~~والمكان من عقبات تحول بين الناس وبين أن يروا ويسمعوا ويعلموا ما يريدون أن يروا وأن ~~يسمعوا وأن يعلموا، فنحن نستطيع من غير شك أن ننسل إلى داخل المكتب دون أن يشعر بنا ~~أحد، وأن نرى صاحب القصر وضيفه، ونسمع ما يدور بينهما من حديث دون أن يأذنا بدخولنا ~~عليهما، أو يعرفا مكاننا منهما، بل نحن نستطيع أن نرقى إلى أي عصر من عصور التاريخ وما ~~قبل التاريخ، في أي قطر من ms47 أقطار الأرض، فنرى ونسمع ونعلم ما نريد كما أننا نستطيع أن ~~نسبق الزمن، وأن نمضي في أعماق المستقبل، إلى حيث نحب أن نمضي في أي قطر من أقطار ~~الأرض، بل في أي نجم من نجوم السماء، لا يحد قدرتنا على ذلك إلا ما نريد نحن لا ما ~~تريد الأحداث. # وبعبارة أدق: يستطيع الكاتب وحده أن يفعل هذا كله وأن ينبئ قراءه إن أراد بما رأى وما ~~سمع وما علم، أو ببعض ما رأى وما سمع وما علم، فأنا قادر إذن على أن أتجاوز باب المكتب ~~وأشارك في زيارة هذا الضيف لصاحب القصر، ولكني لا أفعل لسببين: أولهما يتصل بالأخلاق؛ ~~فأنا لا أحب اقتحام الأبواب، ولا التسمع على الناس حين يتحدثون، وأبغض شيء إلي ~~التطفل والوغول، ولن أغير من أخلاقي شيئا لأرضي القراء، مهما يكن حرصي على رضاهم ومهما ~~يكن لرضاهم من خطر. والثاني يتصل بالفن؛ فقد يحسن أن أعرف صاحب القصر إلى القراء، قبل ~~أن أدخلهم عليه، حتى لا أفجأهم به وبضيفه وبما يديران بينهما من حديث. ذلك أجدر أن ~~يهيئهم للقائه عن علم به ومعرفة لخصاله، لفهم ما يصدر عنه من أعمال نابية، وأقوال نائية ~~عما يلائم الرشد والصواب، والقراء بعد ذلك ليسوا خيرا من الشاعر الذي هو صديق حميم ~~لصاحب القصر، وإذا كان هذا الشاعر قد رضي أن يرد عن صديقه، وقبل أن ينتظر حتى يخلو ~~له وجهه ويؤذن له بالدخول، فليس على القراء بأس من أن ينتظروا كما انتظر. # والشاعر يستعين على الانتظار بالكتاب الذي ينظر فيه، فليستعن القراء على الانتظار بما ~~سأسوق إليهم عن صاحب القصر من حديث، وقد لا يكون هذا الحديث ممتعا إمتاع هذا الكتاب ~~الذي ينظر فيه الشاعر، ولكنه سيكون على كل حال كلاما يقرأ، وما أكثر ما يفرغ القراء ~~للكلام المكتوب الذي يساق إليهم في كل يوم، على ما يكون فيه من سخف، وعلى ما يكون له ~~من قيمة وإمتاع! # ورءوف صاحب القصر شيخ تقدمت به السن شيئا، ولكنها لم تبلغ من ms48 قوته ولا من شباب قلبه ~~وجسمه شيئا، وإنما هو رجل طوال، يميل إلى البدانة أكثر مما يميل إلى النحافة، وهو رائع ~~الطلعة، رائق المنظر، لا تقتحمه العين، وإنما تتصل به فتطيل الاتصال، تجد شيئا من ~~اللذة في النظر إلى وجهه الذي لا يخلو من جمال مهيب، والذي تضطرب فيه عينان صغيرتان ~~نفاذتان، فيهما شيء من حدة، ولكنهما تصوران هدوءا ودعة وثقة، تقرأ فيهما الإيمان ~~بالنفس، والشك فيما عداها ومن عداها من الأشياء والناس، وتقرأ فيهما الرضا المطمئن عن ~~النفس، والسخط على من عداها وما عداها من الأشياء والناس، وتقرأ فيهما أن لصاحبهما ~~ضميرا مرنا أشد المرونة، يسيرا أعظم اليسر، يؤثر نفسه بكل شيء، ويرى أن الحياة لم ~~تخلق إلا له ولم توقف إلا عليه، وأنه إنما يحتمل مشاركة الناس له فيها احتمالا، ~~ويطيقها عن تفضل وتطول. # تقرأ في هاتين العينين الأثرة في أبشع صورها، وفي أظرف صورها أيضا، وهذه القراءة لا ~~تكذبك ولا تغرك عن الحقيقة الواقعة؛ فصاحبنا أثر كأبشع ما تكون الأثرة، وكأظرف ما ~~تكون الأثرة في وقت واحد؛ يندفع إلى ما يريد في غير هوادة ولا أناة ولا إسماح، لا يقبل ~~أن تقوم بينه وبين ما يريد عقبة مهما تكن طبيعتها، ومهما يكن مصدرها، وهو من أجل ذلك ~~غضوب جامح الغضب، عنيف مسرف في العنف، لا يروض الصعاب حين تعرض له، وإنما يحطمها أو ~~يحطم نفسه من دونها، وهو من أجل ذلك يمر حتى لا يسيغ مذاقه أشد الناس رياضة لنفسه على ~~احتمال المكروه والصبر على الأذى ومراس أصحاب العنف والجماح، ولكنه على ذلك تحلو ~~شمائله، وتحسن أخلاقه، وترق حواشيه حين يقبل على اللذة ويأنس إلى الناس، لا يصدر في ~~عنفه ولينه عن بغض للناس وحب لهم، وإنما يصدر فيهما عن حب لنفسه وإيثار لها بما يراه ~~خيرا، يبتغي ذلك باللين حين يكون اللين سبيلا إليه، ويبتغي ذلك بالعنف حين لا يكون من ~~العنف بد، وهو على كل حال أقل الناس حظا من القصد والاعتدال، لا تراه يوما ms49 أو ~~ساعة على خلق سواء، وإنما هو مندفع في الغضب حتى يصرف الناس عنه، أو مندفع في الرضا حتى ~~يتهالك الناس عليه. وأصل ذلك فيما يظهر أنه كان وحيد أبويه، قد ولد في بيئة ناعمة ~~مترفة موفورة الحظ من الثراء، قد يسرت لها الأمور كلها تيسيرا، ولم يولد له إخوة ~~يشاركونه في حب أبويه له، وعطفهما عليه، وحرصهما على تدليله وتنويله كل ما تطمح إليه ~~شهواته الجامحة أو تطمع فيه أهواؤه التي أرسلت على سجيتها إرسالا. وقد وصف الشاعر ~~القديم بعض الممدوحين بأنه لم يقل: «لا» قط إلا في تشهده، وبأن لاءه كانت خليقة أن تكون ~~«نعم» لولا تشهده وإيمانه بالله. # ويمكننا أن نقول: إن صاحبنا هذا لم يسمع «لا» قط في صباه ولا في شبابه إلا حين كان ~~يتعرض لما كان يمكن أن يسوءه أو يؤذيه. ومع ذلك فقد كان أبواه والموكلون بخدمته لا ~~يصدونه عما يسوؤه ولا يردونه عما يؤذيه إلا في كثير من الرفق والاحتيال، وفي ألوان من ~~الترغيب والإغراء، بحيث لم يكن يشعر أن هذه الكلمة البغيضة كلمة «لا» تقال أو توجه ~~إليه، لم يكن يسمع هذه الكلمة ولكنه كان يقولها كثيرا، يقولها لأبويه ويقولها لخدمه ~~ويقولها لأترابه حين يلقى أترابه، وكان هؤلاء جميعا يسمعون منه هذه الكلمة، فيرضون ~~عنها ويبتهجون بها ويستجيبون لها؛ ولذلك نشأ على حب هذه الكلمة حين يجري بها لسانه هو، ~~وعلى بغضها حين يجري بها لسان غيره من الناس. # وكان من الطبيعي ألا يعرف المصاعب، ولا يمرن على رياضتها وتذليلها، وكان من ~~الطبيعي كذلك ألا يفهم كيف يمتنع عليه غرض من الأغراض أو يفوته أمل من الآمال، كان ~~مدللا كأقصى ما يكون التدليل، مترفا إلى أبعد حدود الترف، سيئ الخلق من أجل ذلك ~~كأسوأ ما يكون الخلق، ضعيفا كأشنع ما يكون الضعف، عنيفا كأبشع ما يكون العنف. وليس من ~~الغريب بعد ذلك أن نلاحظ أنه، وقد أنفق حياة فارغة ميسرة، لم يتعلم إلا بمقدار ما ~~استطاع، وبمقدار ما أتاحت له هذه ms50 الحياة المدللة أن يتعلم، فهو لم يذهب إلى مدرسة وإنما ~~سعى إليه المعلمون، وهو لم يذعن قط لمعلم أو أستاذ وإنما أذعن له دائما أساتذته ~~ومعلموه، منهم من وجد إلى قلبه سبيلا فألقى فيه بعض العلم وأودعه بعض المعرفة، ومنهم ~~من لم يجد إلى قلبه سبيلا فألقى أهواءه ونزواته، وقنع من الجهد بما كان يتاح له من ~~الأجر في آخر الشهر. # وما ينبغي أن تغرك آيات الفن هذه التي نسقت في القصر أحسن تنسيق، ولا صفوف الكتب ~~هذه التي ملأت هذا البهو العريض مما يلي مكتبه؛ فهو لم يكسب من هذه الآيات ولم يجمع من ~~هذه الكتب شيئا، وإنما وجدها في القصر، فلم يحفل بها أول الأمر، ثم جعل يقف عند بعضها ~~من حين إلى حين، ثم فتن بها فتنة مصدرها الغرور أول الأمر، ثم أصبحت جزءا من حياته، ~~لا يستطيع أن يستغني عنها، ولا يتصور أن يعيش دون أن يراها مصبحا وممسيا. # ولم يكد يبلغ أول أطوار الشباب، حتى استجاب لدعاء شهواته وغرائزه، فعبث ما شاء له ~~العبث وأفسد ما شاء له الفساد، وهم أبواه أن يكفاه عن بعض ذلك في تلطف ورفق، فلم ~~يبلغنا منه شيئا، وإنما كان لومهما له إغراء، ونصحهما له دفعا إلى الغلو والإسراف. ثم ~~أتيحت له الغربة، ففارق القصر والربوة إلى ما حولهما، وطوف في الآفاق الغريبة، ~~وأقام في العاصمة فأطال المقام، ثم طوف في الآفاق البعيدة، وزار العواصم الكبرى، ~~وألم بمواطن الجد والهزل، وعاد إلى أبويه فتى كامل الفتوة، قد ردته الحياة إلى شيء ~~من القصد في سيرته ملأ أبويه إعجابا به ورضا عنه، وأتاح له النظر في شئون الأسرة ~~قليلا قليلا، ولم تمض أعوام حتى كان مستقلا بكل شيء، متصرفا في كل شيء، معفيا ~~أباه من كل جهد، ناهضا من دونه بكل عبء. # ولست أعرف شيئا أشد تعقيدا، ولا أكثر اختلاطا، ولا أعسر على الفهم من نفس الإنسان؛ ~~فهي ملتقى المتناقضات وهي غريبة فيما يختلف عليها من الأطوار. لقد كان كل شيء ms51 في صبا ~~رءوف يؤذن بأنه سيكون فتى ضائعا، مضيعا، لا يغني عن أسرته شيئا، وإذا هو يعود إليها ~~فتى رشيدا إلى حد ما، قادرا على النهوض بالأعباء، نافذا حين يتصرف في الشئون، بعيد ~~الحيلة حين يحتاج إلى بعد الحيلة، وكان هذا خليقا أن يلقي في روع الذين يعرفونه من ~~قريب أنه الفتى كل الفتى، قد جمع من أخلاق الرجال ما ينأى به عما يعيب، ويرتفع به عن ~~الصغائر، ويهيئه لجلائل الأعمال، وقد كان فيه من هذا كله شيء، ولكنه على ذلك كان ضعيفا ~~أمام غرائزه، متهالكا على لذاته، يسمو إلى الجليل من الأمر، ويعنى مع ذلك بالصغائر ~~وسفاسف الأمور عناية مؤذية، يضبط نفسه أحيانا، فيبلغ من ضبطها ما يريد، ويحملها من ~~عظيم الأمر على ما يحب، ثم يرسل لها العنان فجاءة، فإذا هي تتابع الهوى حتى تجور عن ~~القصد، وتتورط في أعظم الشطط. # وقد التمست الأسرة لابنها الزوج التي تلائم مكانه وجماله وثراءه، فوفقت لما أرادت، ~~وأصهر الفتى إلى أسرة صالحة، وسعد بحياة زوجية ناعمة، ولكن هدوءها لم يتصل؛ فقد كان ~~رءوف صاحب نزوات طالما آذت زوجه، وطالما آذته هو، وطالما أرهقته وأرهقت زوجه من أمرهما ~~عسرا. # ويمكن أن يقال إن نعيما ابنه قد نشأ في بيئة ظاهرها النعمة وباطنها النقمة، كل شيء ~~من حوله ميسر إلا أمر أبويه، فإنه كان عسيرا أشد العسر، ملتويا أعظم الالتواء، وكل ~~قارئ يستطيع أن يصور لنفسه حياة هذه القصور التي يملؤها الترف، ويشيع فيها النعيم، ~~وتفيض من حولها السعادة، ولكنها تشتمل في أعماقها على غرفة أو غرفتين من غرفات الجحيم، ~~لا يرى الذين يأوون إليهما فيهما إلا الشر كل الشر، والنكر كل النكر، والعذاب كل ~~العذاب، ولم يكن قصر رءوف الذي نشأ فيه نعيم إلا واحدا من هذه القصور؛ سعادة ظاهرة ~~وشقاء خفي، أب يلهو ما وجد إلى اللهو سبيلا، وأم تشقى ما استطاعت المرأة أن تحتمل ~~الشقاء، وخصومة وعبوس حين يلتقي الزوجان، ووفاق وابتسام حين يظهران للناس، والصبي بين ~~هذا كله يرى ms52 ويسمع ويحس، ويسجل قلبه الصغير كل ما يرى ويسمع ويحس. # وهو يؤثر أمه البائسة بالحب والرحمة والرثاء، ويختص أباه الماجن بكثير من السخط ~~واللوم، ولكنه يخافه أشد الخوف من جهة، ويعجب به أشد الإعجاب من جهة أخرى، يكره سيرته ~~مع أمه ويرضى عن سيرته مع الناس، ويعجب بسيرته مع نفسه، ويتحدث إلى ضميره، بأنه إذا ~~شب فسيكون أبر بزوجه من أبيه، ولكنه سيسير سيرة أبيه في الناس، وسيؤثر نفسه من متاع ~~الحياة بمثل ما يستمتع به أبوه. على أن رءوفا لم ينشئ ابنه كما نشأه أبواه، وإنما أخذه ~~بشيء من الصرامة والحزم، فكان هذا أيضا مصدرا للخصومة بينه وبين زوجه، ومصدرا ~~للتعقيد في نفس الصبي الذي كان يجد من أمه اللين والإسماح، ويجد من أبيه الصرامة ~~والحزم، فيرضى ويسخط، ويحب ويبغض، وتتعقد نفسه على مر الأيام تعقدا شديدا. # 12 # قد كنت خليقا أن أمضي معك في الحديث عن حياة رءوف في شيء من التفصيل، وعن نشأة نعيم ~~في شيء من الإطناب، لولا أن باب المكتب يفتح ويخرج منه رءوف متضاحكا، يشيع ضيفه إلى ~~سلم القصر، ثم يعود وهو لا يكاد يملك نفسه من ضحك يريد أن يملأ أبهاء القصر، فيصرف ~~الشاعر عن كتابه، ويصرفني أنا عما كنت أقص عليك من حديث، وها هو ذا قد أقبل على الشاعر ~~مغرقا في الضحك، يقول في صوت متقطع: هأنتذا! لقد أطلت انتظارك منذ اليوم، وإني لراض ~~عن اضطرارك إلى أن تنتظرني كما انتظرتك. قال الشاعر وهو ينهض متثاقلا، ويرد الكتاب إلى ~~مكانه من الصف: لست أدري أينا انتظر صاحبه! لقد ذهبت إلى حيث تعودنا أن نلتقي، فأنبئت ~~بأنك تنتظرني في هذا المكتب، ولن أبلغ من الحمق وخطل الرأي أن أترك الجنة النضرة، ~~والسماء الصفو، والجو الصحو، والنهر الجميل، لأحبس نفسي معك في هذا المكتب وإن كان ~~جميلا أنيقا، على أني لم أستطع حتى أن أستمتع بالخلوة إلى هذا الجمال وقتا قصيرا؛ ~~فقد أقبل ابنك نعيم، فنغص علي كل شيء. قال رءوف وهو يغرق ms53 في الضحك: ابني نعيم! فهو إذن ~~قد لقيك، وقد ألقى إليك بسخافاته التي لا تنقضي، والتي ليس لها رأس ولا ذيل، ولكن هلم! ~~ما قيامنا في هذا البهو؟! أقبل لأحبسنك في هذا المكتب الذي تكره أن تحبس فيه، أقبل ~~واجتهد في ألا تنحني على العصا إن استطعت؛ فإن نفسي ليست ميالة إلى شعر جرير، أقبل ~~واعدل قامتك إن استطعت إلى ذلك سبيلا، لعلك قد شربت قهوتك على ضفة النهر مستمتعا ~~بالجنة النضرة، والسماء الصفو، والجو الصحو، والنهر الجميل، أم تريد قدحا آخر من ~~القهوة؟ ولكن النهار قد انتصف أو كاد ينتصف، ولم يبق بيننا وبين الغداء إلا ساعة وبعض ~~ساعة، ما تقول في قدح من قهوة أخرى خير من قهوتك تلك التي احتسيتها على ضفة النهر ~~الجميل؟ # ثم أغرق في ضحك طويل، والشاعر قائم واجم ينظر إليه ويسمع منه ولا يفهم عنه، فلما سكت ~~عنه الضحك، قال بصوت ضخم مرتفع: الشراب يا غلام. ثم عاد إلى ضحك متقطع، وأخذ بذراع ~~الشاعر وهو يقول: اعتمد على ذراعي إن شئت، أو تعلق بها إن أحببت، ودع عصاك لا تأخذها ~~بيمينك ولا تنحن عليها؛ فقد كان يقال لنا في طور التأديب: إن المهذبين من الناس لا ~~يستصحبون عصيهم إلى حيث يستقبلون، وإنما يتركونها في مواضعها المقسومة لها حين يدخلون ~~الدور أو القصور، هلم! هلم! # ثم مضى يقود الشاعر وكأنه يحمله حملا، ويعلقه في الهواء تعليقا، حتى انتهى إلى ~~مكتبه، فأجلس الشاعر - أو قل - وضع الشاعر وضعا على كرسي عريض وثير، وهم الشاعر ~~أن يتكلم، ولكن رءوفا أومأ إليه أن لا يفعل، وقال في صوت هادئ بعض الشيء: لا تسألني ~~الآن عن شيء ولا تحدثني الآن بشيء، وإنما أرح نفسك وأرحني من الحديث والاستماع، حتى إذا ~~أقبل الشراب وفرغنا من القدح الأول، أخذنا في الحديث فأنبأتني بما عندك، وما أرى أنك ~~ستنبئني بشيء ذي خطر، وتحدثت إليك بما عندي، وما أرى إلا أني سأشغلك بقية يومك، فأسلف ~~نفسك شيئا من الراحة؛ فإنك ستستقبل بعض ms54 العناء، ثم انصرف عنه، وجعل يذرع الحجرة ذاهبا ~~جائيا، مغرقا في تفكير عميق . # وأقبل الخادم يحمل قواريره وأكوابه وهم أن يملأ القدحين، ولكن رءوفا قال له في ~~لهجة حلوة، وعلى ثغره ابتسامة راضية: لا تشق على نفسك يا بني، فسأقوم عنك بهذا الجهد، ~~ولكن امنع علينا بابنا؛ فلسنا في حاجة إلى الواغلين، فانحنى الخادم وانصرف وأغلق الباب ~~من دونه، وأقبل رءوف على قواريره وأكوابه فصب ومزج، وقدم إلى الشاعر قدحه وهو ~~يقول: # وكأس شربت على لذة # وأخرى تداويت منها بها # فاشرب هذه على لذتك، ثم أداويك منها بالأخرى، قال الشاعر: إن أمرك لعجب منذ اليوم، ~~أتتخذ هذه الحجرة لنفسك سجنا منذ آخر الليل، وتحظر على نفسك النزول إلى الحديقة ~~والاستمتاع بصفاء السماء وجمال النهر، ولا تصيب من طعامك شيئا حتى يظن الخدم بك ~~الظنون، ثم هأنتذا الآن لا تملك نفسك ولا تضبط أمرك، وإنما تندفع في ضحك لعل البكاء ... ~~وهنا قاطعه رءوف قائلا: أن يكون خيرا منه. كلا يا سيدي كلا! إنه الضحك الذي يصور ~~الرضا، والأمن، وصفاء النفس، واطمئنان القلب، ولكن ألم أقل لك إنا لن نتحدث حتى نفرغ من ~~قدحنا الأول! ثم قال بعد صمت قصير: بعدا للخدم! لا سبيل إلى أن نخفي عليهم شيئا، ~~ولا سبيل إلى أن نكف ألسنتهم عن الحديث بعلم وبغير علم. # أكان الظمأ هو الذي دفعهما إلى الإسراع في الشرب، أم كان التلهف على الخمر هو الذي ~~أغراهما باستنفاد ما في القدحين، أم كان تعجل الحديث هو الذي حثهما على أن يتعجلا إزالة ~~ما بينهما وبينه من هذه العقبة الرائقة الشائقة التي لم يكن شيء أحب إليهما من إزالتها؟ ~~مهما يكن من شيء فقد أقبل كل منهما على قدحه شرها، فلم تمض إلا دقائق حتى ارتويا هما ~~وظمئ القدحان. # ونهض رءوف فأعاد إلى القدحين ريهما، وأعاد إلى نفسه وإلى صديقه ظمأهما، ولكنه كان ~~ظمأ هادئا مستأنيا لا عجلة فيه؛ فأقبل كلا الرجلين على صاحبه يستبقان إلى الحديث ~~استباقا، وأقبل كلا الرجلين على قدحه ms55 يحسو منه في تمهل مثل حسو الطير ماء الثماد. قال ~~رءوف متضاحكا: أما الآن فتستطيع أن تستمع لي يا أبت أو يا بني؛ فسنك وانحناؤك على ~~العصا يجعلانك لي أبا، وسذاجتك وسلامة نفسك تجعلانك لي ابنا؛ فلي من غير شك أن أدعوك ~~بأي الدعاءين شئت، استمع لي إذن، وافهم عني ولا تعجل علي؛ فإنك لن تنبئني بشيء أجهله، ~~لقد أنبأك نعيم بحبه وثورتي على هذا الحب، وإصراره على أن يمضي فيما بدأ، وعطف أمه ~~عليه، ونطقي بهذه الكلمة التي تفرق بين الإلفين، وكل هذا حق، ولكن الشيء الذي لم ينبئك ~~به نعيم لأنه لم يكن يعلمه، ولعله لا يعلمه إلى الآن، هو أن الستار قد أسدل على بعض ~~هذه المأساة؛ فقد اختطف الموت من نعيم هواه، ثم أطرق حينا وأقبل على قدحه، فحسا منه ~~حسوة ورده إلى مكانه في هدوء، والشاعر واجم لا يدري كيف يقول، كأنما سقطت عليه ~~الصاعقة. # قال رءوف: نعم! ماتت خديجة، قتلها أخوها انتقاما لشرفه فيما يظهر، كأن لأمثال هؤلاء ~~الناس شرفا تراق في سبيله الدماء، ويحتمل في سبيله العقاب والعذاب، لقد تغيرت ~~الدنيا وفسد الناس، وهبت على هؤلاء البائسين من أهل القرية وأمثالهم ريح لا أدري من ~~أين جاءتهم، ولكنها حملت إليهم شرا عظيما؛ علمتهم أن لهم شرفا، وأنهم يستطيعون أن ~~يغضبوا لهذا الشرف، وأن يسفكوا في سبيله الدم، ويتعرضوا في سبيله للموت، ومن يدري؟! ~~لعلها علمتهم، أو لعلها أن تعلمهم أشياء أخرى ليست أشد من هذا نكرا، ولن أدهش إذا ~~أنبئت غدا، أو بعد غد بأن هؤلاء الناس يضيقون بخضوعهم لنا، وتسلطنا عليهم، ويرون أن ~~لهم في أنفسهم حقوقا يدافعون عنها، ويتكلفون في الدفاع عنها ما لم يتعودوا أن يتكلفوا، ~~وأن لهم فيما تخرج الأرض من الثمرات حقوقا أكثر مما نعطيهم، وأن لهم في الحياة مطامع ~~وآمالا لم تكن تخطر لهم من قبل، كل هذا ممكن، وكل هذا خطير سيئ العاقبة. لقد كنا نرى ~~هؤلاء الناس يسعدون السعادة كلها حين تهبط إليهم أبصارنا وحين ms56 نختصهم بشيء من العطف، أو ~~نلقي إليهم شيئا من التحية، لقد كان أعظم ما يطمحون إليه أن يرقوا إلى هذا القصر ~~خداما لأهله، فإذا رقوا إليه وظفروا بالخدمة فيه، فأعظمهم حظا من السعادة، أقربهم ~~مكانا من السادة، فأين نحن من هذا الآن؟! أترى إلى ابنة الإسكاف يؤثرها ابن سيدها ~~بعطفه ويختصها بحبه، ويمنحها مكانا من قلبه، فتنعم وتسعد، وترى في هذا الإيثار حلما ~~لم يكن يتاح لأمثالها؟! ولكن أخاها ينكر، ثم يغضب، ثم يثور فيقتل أخته ... ولو قد استطاع ~~لقتل معها شخصا آخر. # وهنا برقت عيناه بريقا مخيفا، وجرت في جسمه كله رعدة خفيفة، لم يلبث أن ردها إلى ~~الهدوء، ثم أقبل على قدحه فألقى ما فيه في جوفه إلقاء، ثم نظر إلى الشاعر نظرة حادة وهو ~~يقول: إنك لقليل النشاط إلى الشراب، أفرغ قدحك كما أفرغت قدحي. ولم يجب الشاعر كأنه لم ~~يسمع منه، قال رءوف وهو يضرب بيده على المائدة: أتسمع لي؟! أفرغ قدحك كما أفرغت قدحي أو ~~قم عني؛ فلست في حاجة إلى الجلساء الفاترين. وكان الشاعر يعرف صديقه حق المعرفة، ويعلم ~~أنه عنيف إذا غضب، منكر السيرة إذا عربد على نديمه، فلم يكد يسمع طرق المائدة حتى هب ~~من وجومه مذعورا، ولم يكد يسمع نذير صاحبه حتى أسرع إلى القدح فصبه في فمه صبا، ~~قال رءوف وقد نهض متضاحكا: أما الآن فنعم. ثم أقبل على زجاجاته فصب ومزج، وعاد إلى ~~مجلسه هادئا مطمئنا ينظر إلى قدحه متهالكا عليه. # قال الشاعر: لقد أنبأني نعيم أنه أرسل فتاته أمس إلى العاصمة، ليلحق بها اليوم، فكيف ~~... فقاطعه رءوف قائلا: كيف قتلها أخوها، أو أين قتلها؟ أدركها في العاصمة، وقتلها بملأ ~~من الناس، وأسلم نفسه للشرطة، وأكبر الظن أنه كان يرقب أخته، وأنه كان يعلم من أمرها كل ~~شيء، وأنه كان يدبر هذا الشر تدبيرا، والمهم أنه فعل فعلته، وأنه بهذه الفعلة قد رد ~~عنا شرا عظيما، ونبهنا لخطر عظيم، أراحنا من هذا الزواج المنكر، وقطع على نعيم ~~طريق التمرد ms57 والعصيان، ونبهنا إلى أن في أمثاله من أهل القرية نزوعا إلى شيء جديد ، ~~فيجب أن نسير معهم سيرة جديدة، وأن نلائم بين طموحهم هذا الطارئ وسياستنا لأمورهم، ولكن ~~هذا حديث لم يحن حينه بعد؛ فقد نستطيع أن نفكر ونروي متى أتيح لنا التفكير ~~والتروية، فأما الآن فقد يظهر أن لدينا ما يشغلنا من الأمر. ثم رفع القدح إلى فمه فكاد ~~يأتي على نصف ما فيه، ثم أشار إلى الشاعر أن اشرب، قال الشاعر: إن لم تكن في حاجة إلى ~~عقلك فقد تكون في حاجة إلى بعض عقلي؛ فأمهلني ولا تشتط علي. قال رءوف: أما أنا فشديد ~~الحاجة إلى عقلي كله، وإنك لتعلم أن الخمر أعجز من أن تذهب به، وأما أنت فلست في حاجة ~~إلى عقلك؛ لأني لا أريد منك روية ولا تفكيرا ولا مشورة، وإنما أريد منك طاعة وتنفيذا ~~للأمر وتحقيقا لما أريد. # قال الشاعر: وعندك إذن أمر تريد أن تصدره إلي؟ وما عسى أن يكون هذا الأمر؟ قال ~~رءوف: أتعرف لماذا حجبتك آنفا؟ قال الشاعر: لأنك كنت مشغولا ببعض الضيف. قال رءوف: ~~ألم تر هذا الضيف؟ ألا تعرف من هو؟ قال الشاعر: لقد كنت مشغولا عنك وعنه بالنظر في ~~ذلك الكتاب. قال رءوف: فإنه حاكم الإقليم، قد أقبل يزورني، ويسألني في بعض حديثه عما ~~سمع من أن نعيما معتزم أن يسافر إلى إيطاليا وغيرها من بلاد أوروبا؛ ليقضي عاما أو ~~أكثر من عام! قال الشاعر: فإني لم أسمع قط بشيء من حديث هذه الرحلة. قال رءوف: لم تسمع ~~أنت ولكن حاكم الإقليم سمع، وأقبل ينبئني بما سمع، ويجب أن يتحقق ما سمع، وأن يرحل ~~نعيم إلى حيث يريد من بلاد الله، فيغيب عن هذه الأرض عاما أو أكثر من عام، في هذه ~~الرحلة تهدأ نفسه، ويستقر قلبه بين جنبيه، ويسترد شيئا من صواب، وينتفع بما تفرض ~~الغربة على المغتربين من التجارب. أعدده إذن لهذه الرحلة، ويسر له أمرها، واصحبه فيها ~~إن شئت أو شاء؛ ذلك أجدر أن يريح ms58 الأسرة من بعض اللغط، وأن يرد عنها بعض الشر، وأن يصلح ~~بعض ما في النفوس. ثم رفع القدح وأتى على ما فيه، وأشار إلى الشاعر فلم يجد منصرفا عن ~~الطاعة، فأفرغ قدحه، وهم رءوف أن يصب، ولكن الشاعر استعفاه قائلا: لم أحتج قط إلى ~~عقلي كما أحتاج إليه الآن، وإذا لم يكن للخمر سلطان عليك، فإن سلطانها علي عظيم. ثم نهض ~~متثاقلا، قال رءوف: إلى أين؟ قال الشاعر: إلى حيث ألقى نعيما، ثم إلى حيث أصلح من ~~أمري، ثم إلى حيث أنفذ ما تريد. قال رءوف: إن نعيما مسافر إلى العاصمة اليوم؛ فاصحبه ~~في سفره وتحدث إليه في أثناء الطريق، وما زال عندك فضل من وقت فأقم؛ فما أريد أن أجلس ~~وحدي إلى مائدة الغداء. ثم ضرب إحدى يديه بالأخرى، فأقبل الخادم، فأشار إليه أن يرفع ~~أداة الشراب، وقال له وهو ينصرف: أرسل إلي خليلا. # وخليل هذا كاتب من كتاب القصر، أقبل بعد قليل، فلم يكد ينحني ويلقي التحية حتى ~~ابتدره رءوف قائلا: ألم أسمع أن شرا عظيما قد نزل ببعض أهل القرية؟ قال خليل في صوت ~~خافت متهدج: هو محمود الإسكاف أصيب في ابنيه جميعا، قتل ابنه أحمد أخته خديجة، وأسلم ~~نفسه إلى الشرطة. قال رءوف: اذهب فواسه، ويسر له العسير من أمره، وأعنه على الرحيل عن ~~القرية إلى حيث يشاء إن أظهر رغبة في الرحيل. قال خليل: الرحيل! وإلى أين يمكن أن ~~يرتحل؟ قال رءوف في صوت كاد يحتد ولكنه رده إلى الهدوء: اذهب فأنفذ ما أمرتك به. فلم ~~يستطع خليل إلا أن ينحني ويحيي وينصرف، ولم يكد يغلق الباب من دونه حتى قال رءوف: بعدا ~~لهؤلاء الموظفين! ما أعظم حظهم من الغباء! # قال الشاعر وهو يشعل سيجارة: أما أنا فإن لي من الغباء حظا، ولكنه ليس عظيما فيما ~~أظن. قال رءوف: وما ذاك؟ قال الشاعر: إن لم أكن كهؤلاء الموظفين فقد يخيل إلي أنك ~~تريد أن تحدث من حولك فراغا، وأن تعرض أمامك لوحة بيضاء كما يقال. ms59 فلم يجب رءوف، ~~وإنما استلقى في أعماق كرسيه، وأغرق في صمت طويل، ثم قال في صوت يشبه صوت النائم: لا ~~أريد إلا أن أستريح. قال الشاعر: وتريد أن يستصحب نعيم أمه في سفره البعيد؟ فأشار رءوف ~~بيده إشارة المتعب المكدود، وقال: هيهات! ذاك شيء لا سبيل إليه، ستبقى حيث هي، فإنما هو ~~لسان هفا فسبق بكلمة لا تقدم ولا تؤخر، وما أكثر ما يهفو الناس ثم يصلحون ~~هفواتهم! # ولبث الرجلان في مكانهما ثابتين مطرقين لا يديران بينهما حديثا، ولا ينظر أحدهما إلى ~~صاحبه، ولو قد رآهما راء لقدر أن قد استحالا تمثالين جامدين، ثم أزعجهما عن سكونهما ~~هذا طرق الباب، ثم ظهور الخادم يدعوهما إلى المائدة. # وما أظنك تريدني على أن أصحبهما إلى المائدة، ولا على أن أرافقهما بعد غدائهما بعد ~~لأشهد ما يجري حولهما وحول الأسرة كلها من الخطوب؛ فأنت تستطيع أن تقوم مقامي في ذلك، ~~وأن تتصور ما يحدث لهؤلاء الناس على اختلاف أشخاصهم وأمكنتهم من الأحداث كما تشاء؛ فليس ~~يعنيني الآن من أمرهم إلا أن الفتى قد ارتحل إلى أوروبا، وأن أمه قد استقرت في مكانها ~~من القصر، وأن الشاعر قد عاد بعد رحلة قصيرة إلى العاصمة، فاستقر في جناحه المقسوم له ~~واستأنف حياته كعهده قبل أن تحدث هذه الأحداث، يلقى رءوفا حين يرتفع الضحى فيتنزه معه ~~في الحديقة، أو يجلس معه على ضفة النهر، أو يخلو معه في مكتبه، يتحدث إليه ويسمع منه، ~~وينشده من شعره، ويقرأ له ما شاء الله أن يقرأ في هذا الكتاب أو ذاك، وقد يلقاه إذا ~~أقبل المساء فيستأنفان حياة كحياتهما في أول النهار. والأيام تمضي مسرعة أو مبطئة، ~~وأكبر الظن أنها تمضي مسرعة بالقياس إلينا نحن؛ لأن أيام القصص مسرعة دائما، كما كان ~~يقول لنا الذين كانوا يقصون علينا الأحاديث في أثناء الصبا، وتمضي مبطئة أشد البطء ~~بالقياس إلى الذين يحيونها بالفعل، إذا ألمت بهم النوازل أو ألح عليهم الشقاء، وتمر ~~مر السحاب بل أسرع من مر السحاب، إن أتيحت ms60 لهم حياة ناعمة راضية، وقد مضت الأيام على ~~هؤلاء الناس مبطئة ومسرعة، ولكنها مضت على كل حال؛ لأن من طبيعة الزمن أن يمضي دائما، ~~وهو لا يعرف الوقوف كما أنه لا يعرف الإسراع ولا الإبطاء، وإنما هو يمضي على نسق واحد ~~نراه نحن سريعا حينا وبطيئا حينا آخر. # وفي ذات ليلة جلس الصديقان في جوسقهما ذاك على شاطئ النهر يتحدثان في هدوء ودعة، وقد ~~سكن من حولهما كل شيء إلا هذا النهر الذي يجري في يسر، وتصطفق أمواجه في خفة وعذوبة، ~~وإلا هذه الغصون التي يداعبها النسيم، فيسمع لأوراقها هفيف وحفيف، وإلا هذه الضفادع ~~التي تسكن حينا، ثم تنق كأنها تنتظر من الليل شيئا، فإذا أبطأ عليها أو التوى بما ~~تنتظر منه جأرت بالسؤال والإلحاح، ثم ثابت إلى الدعة والسكون، ثم استأنفت دعاءها ~~ونداءها وإلحاحها. # ولست أدري فيم كان الصديقان يتحدثان، ولكني أعلم أن رءوفا قطع الحديث فجأة ومس ~~كتف الشاعر في رفق، ثم قال له: انظر إلى ما وراء النهر، أترى شيئا؟ فمد الشاعر طرفه ثم ~~رده، ثم قال: تريد هذه النار التي تتألق على هذه القمة؟ قال رءوف: نعم، متى عهدك بها؟ ~~قال الشاعر: منذ أشهر. قال رءوف: ولم تكن تراها قبل ذلك؟ قال الشاعر: لا أعلم أني ~~رأيتها قبل أن تلم بنا تلك الأحداث. وهنا أطرق رءوف إطراقة طويلة، ثم قال: أما أنا ~~فأعرف متى رأيتها لأول مرة، أتذكر تلك الليلة التي أنفقتها في مكتبي ساهرا أنتظر ~~الصباح! في هذه الليلة رأيت هذه النار تتألق من وراء النهر، ولست أدري لماذا وصلت نفسي ~~الحائرة بين ظهور هذا اللهب المضطرب، على هذه القمة الساكنة، وبين مصرع تلك الفتاة التي ~~أغواها نعيم، وقتلها أخوها في العاصمة على ملأ من الناس، لقد ألقي في روعي ليلتئذ أن ~~هذه الفتاة قد عبرت النهر لتستقر في حيث يستقر الذين يعبرونه دائما، وأن بين هذه ~~الفتاة في دارها النائية وبين دارنا هذه أسبابا لم تنقطع وأوطارا لم تنقض، فهي تشير ~~بهذا اللهب، الذي ms61 يخفق دائما ولكننا لا نراه إلا حين يجن الليل، إلى ما بينها وبيننا ~~من أسباب وأوطار. # قال الشاعر وهو يرفع القدح إلى فمه: تفسير لا بأس به، إنك لتعلم أن ما وراء النهر أشد ~~غموضا من أن تنفذ إليه أفهامنا، وطالما سألت النهر عما وراءه فلم ينبئني بشيء. قال ~~رءوف: أما أنا فما أشك في صدق ما أحدثك به، وإلا فما بال هذا اللهب لم يخفق، وما بال ~~أعيننا لم تره إلا منذ صرعت تلك الفتاة؟! ولكن في الأمر ما هو أشد من هذا غرابة وأعظم ~~خطرا، أتعلم أني أجد في خفق هذا اللهب شيئا يشبه أن يكون لي، وأن نفسي تنازعني إلى ~~أن أعبر النهر؟ قال الشاعر: حسبك! فإني أخشى على عقلك الاختلاط، ولو علمت أنك تسمع لي ~~إن أشرت عليك، لقلت إن حاجتك إلى الرحلة والاغتراب ليست أقل من حاجة نعيم. قال رءوف في ~~صوت يشبه أن يكون همسا، وقد مال إلى أذن صاحبه كأنما يريد أن يسر إليه: فإنك لا تعرف ~~من القصة كل شيء. قال الشاعر: وفي القصة إذن شيء غير ما علمت؟ قال رءوف: نعم؛ في القصة ~~أن هذه الفتاة كانت قد وقعت من نفسي موقعا غريبا، قبل أن يفتن بها نعيم. # قال الشاعر في صوت يريد أن يتفجر غيظا ولكن الشاعر يرده إلى الاعتدال والقصد: ومن ~~أجل هذا نفيت ابنك من الأرض؟ قال رءوف: نعم؛ وأخشى أن أكون نفيته من قلبي! # 13 # افترق الصديقان بعد ساعة تسلط عليهما صمت عميق، ولكن واحدا منهما لم ينم من ليلته ~~تلك: فأما الشاعر فلم يكد يبلغ حجرة مكتبه حتى أقبل على دفتره ذاك الذي كان يسجل فيه ~~يومياته فتحدث إليه حديثا طويلا، وأما رءوف فلم يكد يبلغ مكتبه حتى أنفق فيه ليلة ~~مجنونة، يرقب من نافذته ذلك اللهب المضطرب ثم ينصرف عنها حين يعييه الوقوف، فيجلس إلى ~~شرابه جلسة تقصر أو تطول، ولكنها تسكت عنه ذلك اللهب المضطرم في جوفه لحظة، وهو كذلك ~~مضطرب بين شرابه يؤجج ms62 في جوفه ورأسه نارا، وبين نافذته التي تريه من وراء النهر، على ~~تلك القمة الشاهقة في السماء، نارا أخرى لا يريد لهبها المضطرب أن يخبو ... # وكان مما كتب الشاعر في دفتر يومياته، الذي أنفق معه أكثر ليلته، هذا الحديث الذي ~~أداره بينه وبين نفسه بدأ بهذا السؤال: أكنت مخطئا أم مصيبا حين كذبت آنفا على ~~صديقي هذا الشيخ الشاب؟ فإني لم أر هذه النار التي رآها على قمة الجبل من وراء النهر! ~~وما أعلم أني رأيت قط من وراء النهر لهبا ساطعا أو غير ساطع! لم أره اليوم، ولم أره ~~أمس، ولم أره منذ شهور حين ألمت بالقصر هذه الأحداث كما زعمت! وإنما هو نوع من ~~المجاراة لهذا الرجل الذي لا يحتمل خلافا أو جدالا في شيء واضح أو غامض، والذي تبينت ~~اليوم، في غير شك، أن قد ألم به طائف من جنون! فقد صدق الخدم إذن فيما حدثوني به من ~~أن سيدهم رأى هذه النار منذ حين، وأرادهم على أن يروها كما رآها، فلما زعم له بعضهم أنه ~~لا يرى شيئا، تلقى منه لطمة أدمت خده، وعلمته أن من الحق عليه أن يرى ما يرى سيده، ~~مخطئا أو مصيبا، وأن يعرف ما يعرف، وينكر ما ينكر، لا يعنيه أن يكون سيده مخطئا أو ~~مصيبا، ولا يعنيه أن يكون سيده صادقا أو كاذبا، وإنما يعنيه أن يقول نعم حين يراد ~~على قولها، وأن يقول لا حين يراد على قول لا. وقد انتفع زملاؤه بهذه اللطمة؛ أشفقوا أن ~~يصيبهم مثلها أو شر منها، فعرفوا ما عرف سيدهم، وأنكروا ما أنكر! وقال قائلهم إنه يرى ~~هذه النار في كل يوم منذ يقبل الليل إلى أن يسفر الصبح، وإنه لا يراها حين تملأ الشمس ~~الدنيا من حولها نورا، كأنها كائن حي قد وكل بالسهر إذا كان الليل، وبالنوم إذا كان ~~النهار! # واطمأن السيد إلى حديث ذلك الخادم ورأى أنه الحق كل الحق، فصرف طرفه عما وراء النهر ~~ما أضاءت الشمس، ووكل طرفه بما ms63 وراء النهر ما أظلم الليل. # كذلك كان أمره مع خدمه وموظفي قصره، ولكني أنا لست خادما له ولا موظفا في قصره، ~~ولست أخشى منه لطما أو لكما، ففيم كانت موافقتي له وإقبالي على ما أقبلت عليه من ~~الكذب حين زعمت له أني أرى ما كان يرى من هذه النار؟ # أكنت مشفقا عليه إن كذبت حسه أن يأخذه الغضب، وأن يدفعه إلى جنون عنيف مكان هذا ~~الجنون الهادئ الذي ألم به وأصبح له عشيرا؟ أم كنت مشفقا على نفسي من عواقب هذا ~~الغضب ونتائج هذا الجنون؟ # ولم أكذب نفسي الآن بعد أن كذبت هذا الشيخ الشاب منذ حين؟ لم لا أقول إني جاريته، ~~كما جاراه خدمه وموظفو قصره، رفقا به ورفقا بنفسي أيضا: فلست أكره شيئا كما أكره ~~غضبه، ولست أحب شيئا كما أحب رضاه! فهو شيطان مريد مفسد لكل شيء من حوله إذا غضب، وهو ~~روح حلو مصلح لكل شيء من حوله إذا رضي ... # وكف الشاعر عن التحدث إلى دفتره حينا، ولكنه لم يتحول عنه ولم يلق القلم من يده، ~~وإنما لبث مكانه واجما كاسف البال مظلم النفس والوجه، ثم ارتسمت على ثغره ابتسامة مرة، ~~وظهر على وجهه شيء من التردد اضطرب له القلم في يده بعض الاضطراب، ثم ثاب إليه هدوءه، ~~ولكنه كان هدوءا مرا، إن صور شيئا فإنما يصور حسرات كانت تمزق قلبه تمزيقا ~~... ms64