######OpenITI# #META# URI: 1392TahaHusayn.MacaAbiCalaFiSijnihi.Hindawi59162414 #META# Tags: literature #META# ID: 59162414 #META# Title: مع أبي العلاء في سجنه #META# AuthorID: 59624258 #META# Author: طه حسين #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # | مع أبي العلاء في سجنه # | مع أبي العلاء في سجنه # تأليف # طه حسين # إلى الذين لا يعملون، ويؤذي نفوسهم أن يعمل الناس، أهدي هذا الكتاب. # طه حسين # | الفصل الأول # لن يكون هذا إلا نحوا من حديث النفس تعرض فيه - كما تريد - ذكرياتي، والآراء ~~المختلفة التي كونتها لنفسي في شخص ممتاز شاذ، فنان عظيم، قاس، قوي الإرادة قبل ~~كل شيء، له ذكاء نادر يقظ دقيق قلق، يخفي من وراء الآراء المطلقة، والأحكام الصارمة - ~~لا أدري أي شك في نفسه، وأي يأس من إرضائها! - شعورا شديد المرارة، عظيم الشرف، كان ~~يثيره في نفسه علمه الدقيق بأساتذة الفن، وتهالكه على ما كان يزعم لهم من أسرار ~~النبوغ، وما كان يحضر ذهنه دائما من ألوان تفوقهم المتناقضة. لم يكن يرى في الفن إلا ~~نوعا من مسائل الرياضة أدق وألطف من الرياضة المألوفة، لم يستطع أحد أن يردها إلى ~~الوضوح، ولا يستطيع إلا قليل جدا من الناس أن يفترضوا وجودها. كان كثيرا ما يتحدث عن ~~الفن العالم، وكان يقول: إن صورة من الصور نتيجة لطائفة من أعمال العقل. # ومع ذلك فإن أصحاب السذاجة يرون أن الأثر الفني إنما هو نتيجة لما يكون من لقاء بين ~~ذكاء بارع، وموضوع من الموضوعات. إن فنانا متعمقا على هذا النحو، بل أشد تعمقا في أكبر ~~الظن مما ينبغي، يؤجل الابتهاج بالفوز، ويخلق لنفسه المصاعب، ويشفق من سلوك أقصر ~~الطرق. # كان ديجاس يرفض السهولة، كما كان يرفض كل ما لم يكن يقصر عليه تفكيره، لم يكن يتمنى ~~إلا أن يرضى عن نفسه، أي أن يرضي أصعب القضاة وأصلبهم، وأبعدهم عن التحيز. لم يحتقر ~~أحدا قط كما احتقر الشهرة والمنافع والثروة، وهذا المجد الذي يستطيع الكاتب أن يسبغه على ~~الفنان في ms001 سخاء وخفة. وكان يسخر في عنف من هؤلاء الذين يحكمون في فنهم الرأي العام، ~~أو السلطان المقرر، أو المنافع التجارية؛ كما أن المؤمن حقا لا يحفل إلا بحكم ربه الذي ~~لا يمكن الاستخفاء منه، والاحتيال عليه بالتلفيق أو المفاجأة أو التصنع، أو أي مظهر ~~مهما يكن. كذلك أقام ثابتا مستقرا لا يخضع إلا للفكرة المطلقة التي كونها لنفسه ~~في فنه. لم يكن يريد شيئا إلا ما كان يجد أصعب المشقة وأثقل الجهد في استخلاصه من ~~نفسه. # ولعلي أعود إلى هذا كله ... على أني لا أدري ما عسى أن أقول بعد حين؛ فقد يمكن أن أستطرد ~~من حديث ديجاس إلى حديث الرقص، وإلى حديث الرسم، فلست أريد أن أترجم له على النحو ~~المألوف، فلست حسن الرأي في التراجم، وهذا لا يدل إلا على أني لم أخلق لها. فليست ~~حياة رجل من الناس آخر الآمر إلا مصادفات يتبع بعضها بعضا، وإلا أجوبة دقيقة أو غير ~~دقيقة لهذه الأحداث أو تلك. # على أن ما يعنيني من حياة رجل من الناس شيء آخر غير هذه الأعراض التي تطرأ له، وليس ~~ينفعني مولده ولا حبه ولا شقاؤه، ولا كل هذه الأشياء التي يمكن أن تلاحظ في حياة الناس؛ ~~لأني لا أجد في هذا كله أيسر الوضوح المقنع الذي تستبين به قيمته الصحيحة، والذي ~~يميزه تمييزا عميقا من الناس جميعا ومني. # ولست أزعم أني لا أميل في كثير من الأحيان إلى هذه التفصيلات التي لا تعلمنا شيئا ذا ~~خطر، ولكن أقول: إن ما يمتعني لا يهمني دائما، وهذه حال الناس جميعا. فلنحذر مما ~~يمتع ويسلي. ~~«بول فاليري في أول كتابه ديجاس ورقص ورسم.» # على نحو من هذا القول كنت أريد أن أبدأ هذا الحديث الذي أستأنفه عن لزوميات أبي ~~العلاء في آخر ساعة من ساعات النهار، وأول ساعة من ساعات الليل، وفي يوم من أيام الصيف ~~الفرنسي على كل حال. # وكانت معان تشبه هذه المعاني تضطرب في نفسي، وتلح في أن تجري على لساني، وأن ~~يثبتها ms002 قلم صاحبي في الصحف. ولكني كنت أمانعها أشد الممانعة، وآبى عليها أشد الإباء، ~~وأرفض أعنف الرفض أن أطلب إلى صاحبي إعداد القرطاس والقلم، وأن يستعد للكتابة على حين أستعد ~~أنا للإملاء. # وكنت أوثر على ذلك المضي في قراءة اللزوميات هذه التي أخذت في قراءتها منذ أيام. ~~ولكن هذه الخواطر كانت أقوى مني وأشد بأسا. فقد جعلت تدور في رأسي، وتحاول أن تحرك ~~لساني، وأن تطلق صوتي، حتى ألهتني عما كان صاحبي يقرأ لي من شعر أبي العلاء. فطلبت ~~إليه أن يكف عن القراءة. وصبرت لهذه الخواطر ريثما أحرقت سيجارة أو سيجارتين لا ~~أدري، أريد أن أصرفها عن نفسي. فلما رأيتها لا تريد أن تنصرف بالحسنى أردت أن أصرفها ~~بالعنف. # وكان صاحبي قد أهدى إلي هذا الكتاب من كتب بول فاليري منذ أسابيع، فطلبت إليه أن يأخذ ~~في قراءته لي، مستيقنا بأن حديث هذا الكاتب الفرنسي العظيم عن هذا المصور الفرنسي العظيم، ~~وعما أراد أن يستطرد إليه من الرقص والرسم، سيشغلني عن أبي العلاء ولزومياته، فضلا عن ~~الحديث في أبي العلاء ولزومياته. ولكن أعجب للمصادفات، وأعجب لقول فاليري نفسه: إن حياة ~~رجل من الناس ليست إلا سلسلة من المصادفات. وأعجب لقول أبي العلاء نفسه في أول ~~اللزوميات: إنه إنما قال ما قال بقضاء لا يشعر كيف هو. # فلم أكد أسمع لمقدمة بول فاليري حتى رأيت خواطري مصورة، ومعاني ممثلة، وحتى خيل ~~إلي أن هذه المعاني والخواطر قد قامت أمامي ضاحكة مني، هازئة بي، تقول: لقد حاولت أن ~~تكظمنا وتكتمنا فلم تفلح ولم توفق، وحاولت أن تفر منا إلى هذا الكتاب ~~فإذا نحن نطالعك، وإذا أنت تطالعنا في أوله فأذعن للقضاء، وخذ في ~~الإملاء. # هنالك لم أر بدا من أن أترجم هذه الصفحة من صفحات بول فاليري، ومن أن أستعيرها بدءا ~~لهذا الحديث. والغريب الذي لم أكن أتوقعه ولا أفترضه أن كثيرا من صفات هذا المصور الفرنسي، ~~الذي كنت أسمع اسمه، وأجهل من أمره كل شيء، تشبه ما ألفت وأحببت من صفات ms003 ~~أبي العلاء. فشدة الرجل على نفسه إلى أقصى غايات الشدة، وشك الرجل في مقدرته إلى أبعد ~~آماد الشك، وارتياب الرجل بأحكام الناس في أمور الفن، وزهد الرجل في الشهرة وبعد الصيت، ~~وفي الثراء وسعة ذات اليد، وانصرافه عن الحمد الكاذب، والثناء الرخيص، وتأجيله لذة الظفر ~~بالفوز، وخلقه المصاعب لنفسه، وبغضه للطرق القصار والأبواب الواسعة، وإيثاره الطرق الطوال ~~والأبواب الضيقة. كل هذه الخصال التي يحدثنا بها بول فاليري عن صديقه وأثيره ديجاس؛ قد ~~حدثتنا بها القرون والأجيال عن أبي العلاء، إلا أن الأول كان مصورا ~~رساما، والآخر كان شاعرا حكيما. # وما قضيت العجب، وما أظنني سأقضيه من توافق هذه المصادفات، وتوارد هذه الخواطر! ولولا أني ~~قد شهدت ذلك بنفسي وخضعت له، وتأثرت به لما صدقته، ولا اطمأنت نفسي إليه. ~~وإني لأعذر قارئا إن شك في صدق هذا الحديث، وظن - فيما بينه وبين نفسه، أو فيما بينه ~~وبين الناس - أني قد قدرت له ذلك تقديرا، وموهته عليه تمويها. # وما دمت أملي على كره مني، وعلى غير علم بما سأقول بعد حين وما سأدع، فلا أقل ~~من أن أستقصي أمر هذه المصادفة ما وسعني استقصاؤه. فلم اصطحبت اللزوميات إلى فرنسا ~~هذا العام؟ ولم أهملتها شهرا لا أنظر فيها، ولا أسمع لها، ثم أقبلت عليها لا ~~أنصرف عنها، ولا أعدل بها شعرا ولا نثرا؟ # أما اصطحابي اللزوميات فمصدره يسير جدا، فقد ظهر في هذا العام جزء من كتاب الفصول ~~والغايات لأبي العلاء، وقرئت علي منه صحف، فخيل إلي أن من الجائز أن يكون بين هذا ~~الكتاب وبين اللزوميات سبب قوي أو ضعيف في الألفاظ أو في المعاني. وكان صديقي الأستاذ ~~ماسينيون قد افترض منذ ثلاثة أعوام أن بين أبي العلاء وبين الإسماعيلية صلة في المذهب ~~واشتراكا في الرأي، وكنت قد أكبرت ذلك وأنكرته، واشتد فيه الحوار بين الأستاذ ~~الصديق وبيني، فوعدته أن أعود إلى قراءة اللزوميات من أولها إلى آخرها؛ لأعلم علم ~~هذا الأمر، ولا مطمع بالطبع في قراءة دقيقة متصلة لديوان ضخم كاللزوميات ms004 ، ومجلد ضخم كهذا ~~الجزء الذي ظهر من الفصول والغايات أثناء العام الجامعي. فقلت لصاحبي حين أزمعت الرحلة: ~~احمل لنا هذين الكتابين؛ فلعل الله أن يتيح لنا من الوقت بعض ما يحتاج تحقيق ما نريد ~~تحقيقه. # وليس هذا كل شيء، فلم أكد أبلغ مدينة نابولي، وأنفق فيها يوما وبعض يوم حتى خرجت ~~للتروض مع أسرتي على سواحل هذه المدينة، وبينما كانت زوجتي وابناي وصاحبي ينظرون إلى البحر ~~والسماء، وإلى الجزر والربى، وإلى هذه المناظر الكثيرة المختلفة التي كانت تحدث لهم ~~متعة، وتطلق ألسنتهم بالإعجاب، وتبهر نفوسهم وتسحر قلوبهم، كنت أحس هذه الطبيعة ~~التي لم أكن أراها ولا أتصورها، ولا أعرف لها كنها تدنو مني قليلا قليلا، ثم تنفذ ~~إلى نفسي، ثم تملأ قلبي رضا وأملا، وحبا للحياة. وبينما كانوا يتحدثون عما كانوا ~~يرون، ويتواصفون ما كانوا يشهدون، كنت أنا أدير في نفسي حوارا بيني وبين أبي العلاء، ~~موضوعه: الرضا عن الحياة، والسخط عليها، والابتسام لها، والضيق بها، وكنت أحدث أبا العلاء ~~بأن تشاؤمه لا مصدر له في حقيقة الأمر إلا العجز عن ذوق الحياة، والقصور عن الشعور بما ~~يمكن أن يكون فيها من جمال وبهجة، ومن نعيم ولذة. وكان أبو العلاء يقول لي: فإنك ترضى ~~عما لا تعرف، وتعجب بما لا ترى. وكنت أقول له: إن لم أعرف كل شيء فقد ~~عرفت بعض الأشياء، وإن لم أر الطبيعة فقد أحسستها. وكان أبو العلاء يقول لي: تبين ~~إن استطعت حقيقة ما تعرف، فسترى معرفتك مشوهة، ولائم إن استطعت بين ما تحس ~~من الطبيعة، وما يرى الناس منها، فلن تجد إلى هذه الملائمة سبيلا، واذكر ما أمليته ~~على صاحبك منذ سبعة أعوام في ذلك الدفتر الصغير الذي أهملته إهمالا، وأبيت أن تسر ~~إليه بذات نفسك. اذكر ما أمليته على صاحبك من أنك تعلم حق العلم أن لو ظهر ~~المبصرون على ما تحصل نفسك من حقائق الأشياء ومظاهر الطبيعة لضحك منك الضاحكون، ~~وأشفق عليك المشفقون، فما ابتهاجك بصور لا تصور شيئا، وما رضاك عن ms005 خيالات ليس بينها ~~وبين مظاهر الأشياء - فضلا عن حقائقها - سبب قريب أو بعيد؟ وكنت أسأل أبا العلاء: أيهما ~~خير: أن تلم بنا أسباب النعمة قوية أو ضعيفة، صحيحة أو كاذبة، فنتشبث بها، ونشد ~~بها أيدينا وأنفسنا، ونأخذ ما تحمل إلينا من ألوان الراحة وضروب الأنس، أم أن تعرض ~~لنا فنعرض عنها، وتقبل علينا فنمتنع عليها، ولا نحصل من الحياة إلا ما ~~حصلت من خيبة الأمل، وكذب الرجاء، وظلمة اليأس، وحرقة القنوط؟ وكان أبو العلاء يجيبني ~~ببيته المشهور: # ولم أعرض عن اللذات إلا # لأن خيارها عني خنسنه # وكنت أتهمه بالإسراف على نفسه وعلى الحياة، وأصمه بالكبرياء والغلو فيها، وأدعوه إلى ~~شيء من التواضع والاعتدال في الرأي والسيرة جميعا. وأزعم له أنه يصور لنفسه أمر الحياة ~~على غير وجهه، ويظن بلذات الحياة أكثر وأكبر مما ينبغي أن يظن بها، وأن المبصرين ~~الذين يرون ما لا نرى، ويشهدون ما لا نشهد، ويستمتعون من جمال الدنيا بما لا نستمتع به، ~~إنما يأخذون من أسباب هذا كله بأوهنها وأضعفها، وأنهم لو حققوا ما يرون - وأنى ~~لهم ذلك؟ - لما وجدوا بين ما يرتسم في نفوسهم من الصور وبين الحقائق الواقعة إلا ~~أيسر الأسباب، وأبعدها من المتانة والقوة، وعن الصدق والمطابقة. فحقائق الأشياء ~~وجمال الطبيعة أبعد منالا مما يظن المبصرون وغير المبصرين. وما ينبغي للرجل الزاهد أن ~~يستشعر الحسد، وأن يضيق بما يجد الناس من نعمة، وأن يسخط على الحياة؛ لأنه لا يبلغ ~~أعماقها، ولا يصل إلى حقائقها، وأن يسخط على الأحياء؛ لأنه لا يشاركهم في كل ما يستمتعون ~~به، وإنما يشاركهم في قليل منه، ويستأثرون من دونه بالكثير. # وكان الجو من حولي صافيا، مشرقا، عطرا، ولم تكن الطبيعة تتحدث إلي بلسان واحد أو ~~لغة واحدة، وإنما كانت تتحدث إلي بألسن مختلفة، ولغات متباينة. كانت تتحدث إلي ~~بعبيرها الذي كان يملأ الأرجاء، وبطيرها التي كانت تستقبل الليل بأعذب النغم وأشجاه، وبهذا ~~الهدوء الشاحب الحزين الذي يلم بالحياة والأحياء إذا آذنت الشمس بالمغيب؛ وبابتهاج ~~الناس لما يجدون من ms006 جمال، وبابتئاس الناس لما يشعرون به من حزن، وبما يعلن الناس به ~~ابتهاجهم وابتئاسهم من الأصوات والحركات؛ ثم بكل هذه الحياة العاملة المنصرفة إلى تحقيق ~~المنافع، وإرضاء الحاجات غير حافلة بجمال الطبيعة، وما يثير في النفوس من بهجة وغبطة، وما ~~يفيض عليها من حزن وأسى. # وكنت أسمع هذه الأحاديث كلها فأشتد على أبي العلاء في اللوم، وأعنف عليه في العذل، ~~وأقول له: إن أيسر هذا خليق أن يرضيك مهما يبلغك مشوها ممسوخا، وإن شيئا خير ~~من لا شيء، وإن من الإثم أن تسمي الدنيا «أم دفر»، وهي التي تهدي إليك هذا ~~العبير، وأن تصفها بالقسوة والغلظة وهي التي تمنحك هذه الرحمة وهذا اللين. # ويشتد علي هذا الحوار بيني وبين أبي العلاء حتى أبرم به وأفر منه، وأطلب إلى ~~من حولي أن يدعوني إليهم، وأن يستنقذوني من هذه الحياة التي كنت أحياها في القرن الرابع ~~للهجرة أو العاشر للمسيح! # ثم أصبح فأزور مع أسرتي جزيرة كابري، وأشهد ما كان يملؤهم من هذا الإعجاب الذي كان ~~يخرجهم عن أطوارهم، وأقنع أنا مما يجدون بما يبلغني من رقة الهواء، ونقاء الجو ~~وصفائه، وبما يحمله إلي النسيم من العرف، وبما يلقي في نفسي من أوصاف لا تحقق لها شيئا، ~~ولكنها تثير فيها كثيرا من الخواطر والمعاني وضروب الخيال. وإذا الحوار يستأنف بين أبي ~~العلاء وبيني متصلا عنيفا مختلفة ألوانه. # ثم أقضي على هذا النحو الأيام التي أنفقتها في نابولي، فإذا تركت هذه المدينة ~~شغلت عن الطبيعة، وعن أبي العلاء بالسفر الطويل الشاق، ولكني لا أكاد أبلغ مدينة ~~ستريزا، وأستقر فيها ساعات حتى تبلغني أحاديث الطبيعة حلوة عذبة بين جبال شاهقة، وأشجار ~~باسقة، وأرجاء عطرة، ورقعة من الماء قد بسطت في هذه البحيرة تريد أن تستقر وتثبت، لولا أن ~~النسيم يداعبها، فيضطرب سطحها لهذه المداعبة اضطرابا خفيفا يصدر عنه خرير فاتر خفيف، ~~ولولا أن الريح تعنف بها فتضطرب لهذا العنف من جميع أقطارها، ويصدر عن هذا الاضطراب هدير ~~صاخب عنيف. # وألم بهذه الجزر الناتئة في ms007 هذه الرقعة من الماء، فإذا أنا بين رجلين يدعوني أحدهما ~~إلى زهد شاحب مظلم؛ لأني أشهد لذات الحياة، ولا أكاد أحصلها، ويدعوني أحدهما الآخر إلى ~~حياة كلها حس ومتعة؛ لأن جمال الطبيعة ينفذ إلى نفسي من كل وجه. فأما الأول فهو أبو ~~العلاء، وأما الثاني فهو أندريه جيد. # وإذا الحوار يتصل بيني وبين هذا الرجل أو ذاك، أخلو مرة إلى ذاك فتضيق نفسي بكل شيء، ~~وأخلو مرة أخرى إلى هذا فتتسع نفسي لكل شيء، وينقذني من الرجلين جميعا بين حين وحين حديث ~~زوجي، أو حديث ابني، أو حديث بعض الأصدقاء. # ثم أترك إيطاليا وفي نفسي من أبي العلاء شيء، في نفسي أن أفرغ له، وأن أطيل التحدث ~~إليه والاستماع منه؛ لأتبين أين يكون الحق: أفي سخطه وتشاؤمه، أم في رضاي وتفاؤلي؟ ولكني لم ~~أكن أحدث نفسي بأن هذا الحوار سيخرج إلى كلام ينطلق به اللسان، ويجري به القلم، وتمسكه ~~الصحف. # على أني لم أكد أبلغ فرنسا وأستقر في قرية من قراها حتى أنسيت الحياة ولذاتها، ~~والطبيعة وجمالها، وأبا العلاء وتشاؤمه، وأندريه جيد وتفاؤله، وشغلت عن هذا كله بما لم ~~يكن بد من الفراغ له من القراءة والإملاء. وأنفق في ذلك شهرا ونحو شهر، وإذا أنا أحس ~~جهدا ثقيلا، وألما ممضا، وحاجة إلى الراحة والتسلية عن العمل العقلي. وما أكثر ما ~~بين يدي من الكتب المختلفة، وما أكثر ما يدعوني منها إلى اللذة والراحة، وإلى السلو ~~والنسيان! منها كتب في الأدب العربي المشرق الممتع، ومنها كتب في الأدب الفرنسي، ومنها ~~كتب في الأدب الإنجليزي. والطبيعة من حولي رائعة بارعة، وجميلة مشرقة، وكل ذلك يدعوني ~~ويلح في الدعاء، وكل ذلك يغريني، ويلحف في الإغراء، ولكني لا أسمع لشيء من ذلك، ولا ~~ألتفت إليه، ولا أقف عنده، وإنما أطلب إلى صاحبي أن يقرأ لي في اللزوميات، وأن يقرأ لي ~~فيها من أولها. وصاحبي يفعل وأنا أستمع، وإذا أنا بعد ساعات كأبي العلاء رهين سجون ثلاثة لا ~~سجنين. أليس أبو العلاء يقول: # أراني في ms008 الثلاثة من سجوني # فلا تسأل عن الخبر النبيث # لفقدي ناظري ولزوم بيتي # وكون النفس في الجسم الخبيث # وإذا تلك المعاني التي عرضتها عليك في أول هذا الحديث تخطر لي، وتلح علي، ~~وتخادعني، وتضطرني آخر الأمر إلى ما أخذت فيه من إملاء. # أتراني أخذت في هذا الحديث عن رضا؟ أتراني أخذت فيه عن كره؟ لا أدري! ولكني أعلم أن ~~الليل قد تقدم، وأن كل شيء من حولي هادئ مستقر حتى ما يبلغني صوت، ولا يصل إلي شيء ~~من هذا الضجيج العنيف الذي يمتلئ به أسفل الفندق. فقد سمعت حين انصرفت عن مائدة العشاء أن ~~الشباب سيحيون بالرقص أول الليل. أعلم هذا، وأعلم أن نفسي قد ضاقت بالإملاء ~~وانصرفت عنه، وأني سأدع هذا الحديث الآن، ولن أهبط إلى غرفتي قبل أن أسمع قصيدة، أو قصائد ~~من اللزوميات. ومن يدري أأستأنف هذا الحديث إذا كان الغد، أم أصرف عنه لعمل آخر، أم أطلب ~~إلى صاحبي أن يصنع به ما يشاء؟ # | الفصل الثاني # وما أريد أن أظلم أبا العلاء، فأترجم له مرة أخرى، فقد ترجمت له منذ ربع قرن، وما ~~أراني أستطيع أن أعرض جديدا من أمره إن استأنفت درس حياته، وعرضها على الناس. فقد ~~ظهرت للرجل رسائل وكتب لم تكن بين أيدينا حين أمليت ذكرى أبي العلاء، ولكن الغريب ~~أنها لا تضيف إلى ما نعلم من حياته شيئا، ولعلها لا تضيف إلى ما نعلم من آرائه شيئا، ~~فأي خير إذن في أن أعيد في هذا الحديث ما بدأته في ذكرى أبي العلاء؟ وما يمنع ~~الراغب في درس حياته، أو في درس ما يعرف من حياته أن يلتمس هذا في ذلك الكتاب القديم، أو ~~فيما نشر بعده من الكتب والرسائل، ومن المقالات والفصول؟ # ولست أرى رأي بول فاليري في التراجم، ولست أهمل ما للتفصيلات التي تمس حياة ~~الشعراء والأدباء والفلاسفة من خطر، ولعل صناعتي هي التي تقف بي عند هذا الطور، ~~وتكرهني على أن أقدر التاريخ الأدبي بما فيه من تفصيل وإجمال، كما أقدر ms009 التاريخ ~~السياسي بما فيه من تفصيل وإجمال أيضا. ولعل صناعة بول فاليري هي التي ترفعه عن ~~الاحتفال بالتاريخ مهما يكن موضوعه. فبول فاليري شاعر أديب بارع في الشعر والأدب، يتكلف ~~التعليم منذ أنشئ له كرسي في الكوليج دي فرانس، فلا غرابة في أن يرفعه فنه عن تفصيلات ~~الحياة الإنسانية. وأنا معلم يتكلف الأدب الخالص حين يستريح من التعليم، وحين يخلى بينه ~~وبين الحياة، فلا يجد ما يعمل إلا أن يشعر ويتأثر، ويحاول أن يصور ما يجد من حس أو ~~شعور. # فلا غرابة في أن تهبط بي صناعة التعليم إلى دقائق الحياة الإنسانية وتفصيلها، ولكني على ~~ذلك أعترف بأن التاريخ الأدبي كالتاريخ السياسي يغلب فيه الظن، ويكثر فيه الرجحان، ~~ويقل فيه اليقين. وما أدري أمن إنصاف الناس أن نقول فيهم بالظن، ونأخذ في أمرهم بما ~~نرجحه الآن، وقد نشك فيه غدا، أو بما نرجحه نحن، وقد يجحده غيرنا أشد الجحد، وينكره ~~أشد الإنكار؟ وماذا تريد أن أقول لك، ونحن نقرأ أحيانا ما يقول الناس فينا، وما يظن ~~الناس بنا فنضيق به أشد الضيق، ونسخط عليه أعظم السخط؛ لأننا لا نراه ملائما لما نعرفه ~~من حقائق أنفسنا، أو لأننا نراه ملائما لهذه الحقائق، ولكننا نكره أن يعرف، وأن يقال، وأن ~~يذاع في الناس! # وما أشك في أن أبا العلاء قد كان مثلنا، يحب أن يعرف الناس من أمره أشياء، ~~ويكره أن يعرفوا من أمره أشياء أخرى. وقد احتاط الرجل لذلك ألوانا من الاحتياط، ~~واتقاه بضروب من التقية. فألغز وغلا في الألغاز، واصطنع الاستعارة والمجاز، ودار حول ~~كثير من المعاني دورانا، ولم يرد أن يتعمقها في شعره أو نثره مخافة أن يظهر الناس على ~~رأيه، وأن يعرفوا من أمره ما كان يجب أن يجهلوا، ويطلعوا من سره على ما كان يؤثر أن ~~يظل عليهم مستغلقا، ودونهم مكتوما. # وأنا أعرف أن العلم يكلف أصحابه أهوالا ثقالا، ويحملهم من بعض الأمر على ما لا ~~يحبون أن يحملوا عليه؛ فيضطرهم أحيانا إلى هتك الأستار، وفضح الأسرار ms010 ، وإظهار ~~الناس من أمر بعضهم على ما لا ينبغي أن يظهروا عليه. تلك تضحيات يتكلفها العلماء في سبيل ~~الوصول إلى الحق، لا يشبهها إلا ما يتكلفه أصحاب العلوم التجريبية من تعذيب الحيوان في ~~سبيل ما يبتغون من العلم الخالص، أو من العلم الذي ينفع الناس في حمايتهم من العلل ~~والآفات. # أنا أعرف هذا، وقد أقدمت على كثير منه حين درست من درسته من الشعراء والأدباء في ~~غير هذا الحديث. ولكن ما رأيك في أني أحب أبا العلاء، وأريد أن أسير معه في هذا الحديث سيرة ~~الصديق الوفي الأمين، فلا أسوءه في نفسه، ولا في رأيه، ولا أذهب فيما سأعرض له من ~~البحث مذهب أصحاب العلم الذين يضحون بموضوع بحثهم، فيخضعونه لألوان من التمحيص، ~~وضروب من التحليل، يحملونه من ذلك ما يطيق وما لا يطيق، ويعرضونه من ذلك لما يحب وما ~~لا يحب. أفلو كان أبو العلاء حيا معاصرا، وكنت له صديقا معاشرا أتراني كنت ~~أظهر من أمره ما يقتضي العلم إظهاره، وأجهر من سره بما يفرض العلم على ~~العلماء أن يجهروا به، مضحيا في سبيل ذلك بما يمكن أن يكلف ذلك أبا العلاء من الحزن ~~والألم، ومن الخوف والفزع، ومن الإشفاق والضيق؟ أم تراني كنت أوثر وده، وأرعى حقه، فأحفظ ~~عليه غيبه ولا أوذيه فيما لا يحب الناس أن يؤذوا فيه من خاصة أمورهم؟ لأمر ما منع ~~الناس أنفسهم من أن يتناولوا الأحياء من الأدباء بالبحث العلمي الدقيق، والتحليل الذي لا ~~يرهب شيئا، ولا يرجو لشيء وقارا. منهم من يمنعه من ذلك خوف القانون الذي يحمي الأحياء ~~من الأحياء، ويكف شر الناس عن الناس؛ ومنهم من يمنعه من ذلك قلب رقيق، وحس دقيق، ~~وإيثار للعافية، وإشفاق أن يصنع الناس به صنيعه بهم، وأن يخضعوه لما يخضعهم ~~له من التمحيص والتحليل؛ ومنهم من يمنعه من ذلك مجرد الحب والرفق، وهذا الشعور الممتاز الذي ~~يرتفع بصاحبه عن إيذاء الناس فيما يكرهون أن يؤذوا فيه. # الناس يصطنعون هذا التحفظ مع الأحياء، ولكنهم لا ms011 يصطنعونه مع الموتى، وإنما يهدرون من ~~أمر الموتى في سبيل البحث ما لا يستطيعون أن يهدروه من أمر الأحياء! تبيح لهم ~~القوانين ذلك، وتدعوهم طبيعة العلم وحرية البحث إليه. وليس عليهم بأس أن يخطئوا فيضطرهم ~~الخطأ إلى الظلم؛ لأن كل الناس يخطئ ويصيب، ولأن الوصول إلى الصواب قلما يتأتى إلا بعد ~~التورط في الخطأ. # كل ذلك أعرفه ويعرفه الناس، وقد اصطنعته حين درست أبا العلاء منذ ربع قرن. ولكني مع ~~ذلك أريد أن أعرض عنه في هذا الحديث؛ لأني كما قدمت أحب أبا العلاء، وأريد أن أتحدث ~~عنه حديث الصديق. وأود لو استطعت أن أصدر فيما أملي عن القلب الذي يحب ويعطف ويرحم ~~لا عن العقل الذي يمحص ويحلل، ويقسو في التمحيص والتحليل. # قد كنت أريد ذلك منذ اضطررت إلى الأخذ في إملاء هذا الحديث، ثم ثبتني على ما أريد ~~بيت من شعر أبي العلاء وقفت عنده فأطلت الوقوف، وفكرت فيه فأطلت التفكير، ~~وتأثرت به فكان تأثري به قويا عميقا، وكان انتهائي إلى هذا البيت أثناء تفكيري في ~~هذا الرفق مصادفة من المصادفات كما يقول بول فاليري، وقضاء من سالف الأقضية كما يقول أبو ~~العلاء. وماذا تريد أن أصنع وعمل المصادفات في هذا الحديث لا يريد أن ينقضي؟ # وهذا البيت هو قول رهين المحبسين: # لا تظلموا الموتى وإن طال المدى # إني أخاف عليكمو أن تلتقوا # لست أدري أتشعر كما أشعر، وتجد من قراءة هذا البيت مثل ما أجد؟ ولكن قلبي يمتلئ لإنشاده ~~رحمة وبرا، وحنانا وإشفاقا. أترى أبا العلاء فكر في نفسه، وفيما سيقول الناس فيه بعد ~~موته؟ أتراه أشفق من ظلم الناس له بعد موته كما ظلموه أثناء حياته، ومن تجني ~~الناس عليه بعد ارتحاله عنهم كما تجنوا عليه حين كان مقيما بين أظهرهم؟ أم ~~تراه لم يفكر في نفسه، ولم يحفل بما سيقول الناس فيه، وإنما فكر في غيره من ~~الموتى، وفيما كان الناس يقولون فيهم، ويحملون عليهم؟ أم تراه لم يفكر في نفسه، ولا في ~~غيره، وإنما ms012 عرض له المعنى فسجله وصوره في هذا اللفظ الحلو الرقيق الذي لا يبلغ ~~قلبا رحيما رقيقا إلا أثر فيه؛ لأنه صدر من قلب رحيم رقيق؟ # إذا قرأت اللزوميات فما أكثر ما ستجد فيها من ازدراء أبي العلاء لما سيقال عنه بعد ~~الموت. وإذا قرأت اللزوميات فما أكثر ما ستجد فيها من قسوة أبي العلاء على الأحياء ~~والأموات جميعا. وإذن فهل تراه فكر في نفسه، أم هل تراه فكر في غيره حين قال هذا ~~البيت؟ أم هل تراه في لحظة من لحظاته قد أشفق على الموتى من حيث هم موتى؟ تصور عجزهم ~~عن أن يدفعوا عن أنفسهم، وقصورهم عن أن يردوا ما يصب عليهم من الظلم، فرحمهم ~~وأشفق عليهم؛ لأنه كان رحيما شفيقا. ولماذا يخاف أبو العلاء على الأحياء الذي يظلمون ~~الموتى أن يلقوهم؟ ماذا يخاف على الأحياء، وماذا يخاف من الأموات؟ أتراه ينذر ~~ويهدد ويخوف من الانتقام والبطش، أم تراه ينبه عاطفة الحياء، ويشفق على الظالم أن ~~يلقى المظلوم فيستحي منه؟ أم تراه لا ينذر ولا يخوف، ولا ينبه عاطفة الحياء، وإنما يشير ~~إلى أن من الجائز ألا يكون الموت خاتمة للإنسان، وأن يكون للنفس حظ من خلود، ومن شعور ~~بهذا الخلود، وأن يكون من نتائج ذلك أن يلتقي الموتى في عالم آخر كما كان الأحياء يلتقون ~~في هذه الدنيا؟ وكما أن الناس في هذه الدنيا يخوفون من أن يظلم بعضهم بعضا ~~بالانتقام مرة، وبتنبيه عاطفة الحياء في أعماق الضمير مرة أخرى، فليخوف الموتى هذا الخوف ~~المشترك بين الانتقام والحياء أيضا! فمن الناس من ينتصف إذا ظلم فيبطش بظالمه، ومن ~~الناس من يعجزه هذا الانتصاف فيستعدي الله على ظالمه، والله شديد الانتقام. ومن الناس ~~من يحلم فلا يبطش بظالمه، ولا يستنزل عليه غضب الله، وإنما يعفو، ويكون من ~~عفوه أقسى عقوبة للظالم، وأعظم تنكيل به؛ لأنه يؤذي منه عاطفة الحياء، وهي أرق ~~العواطف وأدقها حسا. # مهما يكن من شيء فإني قد أطلت الوقوف عند هذا البيت، وتصورت أني لقيت أبا ms013 ~~العلاء في هذه الحياة أو في حياة أخرى؛ فآلمني أن ألقاه ظالما له، متجنيا عليه، ولو ~~كان ذلك في سبيل العلم، واستكشاف الحق من أمره. وما تصورت أبا العلاء باطشا بي أو ~~موعدا لي، وإنما تصورته معرضا عني، مشفقا علي من ظلمي له، وتجني عليه، ~~وتصورت نفسي معتذرا إليه، ومستعطفا له؛ فكرهت أشد الكره أن أقف منه هذا ~~الموقف، وأن أكون منه بهذا المكان، والغريب أني قد وعيت هذا البيت وفقهته كما ترى، ~~وتأثرت به أشد التأثر، وقبلت وعظ أبي العلاء بالقياس إلى أبي العلاء نفسه؛ ولكني ~~لم أقبله، وما أرى أني سأقبله، بالقياس إلى غيره من الشعراء والكتاب الذين ~~عرضت لهم أو سأعرض لهم بالدرس والبحث في يوم من الأيام! إني أتصور من شئت من الشعراء ~~والكتاب الذين ارتحلوا عن هذه الدار في العصور القديمة أو في هذا العصر الحديث، وأتصور ~~أني أعرض لهم بالنقد، وأعرض لحياتهم الخاصة بالدرس، وأقول فيهم ما لم يكونوا يحبون أن يقال ~~فيهم، وأظهر من أمرهم ما لم يكونوا يريدون أن يظهر من أمرهم، ثم ألقاهم ~~بعد ذلك في هذه الدار أو في دار أخرى فأجد منهم سخطا على ما قلت فيهم، وضيقا بما ~~أظهرت من أمرهم؛ وقد يعرض لي بعضهم بالأذى، وقد يكتفي بعضهم بالعتاب، وقد ينالني ~~بعضهم بالعفو والإغضاء، ولكن شيئا من ذلك لا يهمني ولا يخيفني، ولا يصرفني عما يجب أن ~~أقبل عليه من البحث ما دمت مطمئنا إلى أني لم أتعمد ظلما ولا تجنيا، ولم ~~أقل إلا ما اعتقدت - مصيبا أو مخطئا - أنه الحق. # أتراني أشفق من لقاء المتنبي مثلا وقد قلت فيه ما قلت، وأظهرت من أمره ~~ما أظهرت؟ أتراني أشفق أن ينالني الأذى من يده أو لسانه؛ لأني لم أصدقه فيما زعم ~~لنفسه من هذه المفاخر أو تلك؛ ولأني لم أرض من أخلاقه عن هذه الخصال أو تلك، ولأني وقفت ~~من نسبه موقف التردد والشك؟ كلا! لأني لم أصدر فيما قلت عن المتنبي إلا عن ~~رأي رأيته بعد ms014 روية وتفكير، وبعد تمهل وترجيح. فأنا لم أرد به شرا، ولم ~~أقترف في ذاته ظلما، لم أرد أن أرضيه، ولم أرد أن أسخطه، وما يعنيني أن أرضيه أو ~~أسخطه، وإنما يعنيني أن أظهر وأظهر الناس من أمره على ما أرجح أنه ~~الحق. # ولو قد كان المتنبي حيا لما حفلت من أمره إلا بما تفرض القوانين والمجاملة أن ~~أحفل به. وقد سرت هذه السيرة نفسها مع بعض الشعراء الذين عاصرونا، ثم انتقلوا عن هذه ~~الدار إلى رحمة الله ورضوانه، واجهتهم بالنقد أحيانا، ولم أغير فيهم رأيي بعد أن ~~قضوا، وما أدري لعلي أن أكون لهم ظالما من حيث لا أريد الظلم، وعليهم متجنيا من حيث لا ~~أريد التجني! وقد أوازن بين أبي تمام والبحتري فأرضى حتى أبلغ أقصى غايات الرضا، وأسخط ~~حتى أبلغ أقصى غايات السخط، وأثني وأعيب كما رضيت وكما سخطت، وما يعنيني وما يخيفني أن ~~يغضب الطائيان أو يرضيا، وما يعنيني وما يخيفني أن يلقياني بالرضا والغضب في هذه الحياة أو ~~في تلك. ولا كذلك أمري مع أبي العلاء، فإني أكره أن أقسو عليه، راضيا أو كارها، مخافة أن ~~ألقاه فإذا هو متأذ بهذه القسوة؛ لأني أحبه كما قلت، ولأني أجد فيه من الرفق والرحمة، ~~ومن الحنان والإشفاق، ومن البر والعطف بالناس وبالحيوان ما لا أجده عند غيره من الشعراء ~~والفلاسفة إلا قليلا. وكيف تتصور القسوة على رجل كان يرحم النحل، ويلح في أن لا يشتار ~~ما تجمع لنفسها؛ وكان يرحم الدجاج، ويفزع إذا قدمت إليه، ويرد الناس أشنع الرد عن ~~إيذائها؟ وكان يحاور الديك هذا الحوار الحلو الذي قد أقف عنده في وقت من الأوقات؛ وكان ~~يترجم عن الضأن للناس، فينبئهم بأنها تعذر عدوان الذئب عليها؛ لأنه يقوم على العدوان من ~~غير بصيرة وعقل، ولا تعذر عدوانهم هم عليها؛ لأنهم يقدمون عن روية وتفكير، وعن تعمد ~~للقسوة، وإصرار عليها؟ وكيف تتصور القسوة على رجل ما أظن أحدا فهم عن ذوات الأطواق ~~مثل ما فهم عنها، وما أظن أحدا ms015 رحمها من عدوان الناس، وعدوان سباع الطير، ~~وعدوان حوادث الأيام كما رحمها؟ # أبنات الهديل أسعدن أو عد # ن كثير الهموم بالإسعاد # إيه لله دركن فأنتن # ن اللواتي يحسن حفظ الوداد # وستقول: فإنك إن مضيت على هذا النحو لم تقدم إلينا كتابا في البحث العلمي، ولا في ~~النقد الأدبي، وإنما تتحدث إلينا عن صديق! وهذا حق، فإني لا أقدم إليك كتابا في البحث ~~العلمي عن أبي العلاء، ولا في النقد الأدبي لأبي العلاء، ولعلي قدمت إليك من ذلك ما فيه ~~مقنع، وإنما أتحدث إليك عن صديق لا يرجى نفعه، ولا يتقى شره، ولا يصدر ~~المتحدث عنه إلا عن الحب المبرأ من الرغب والرهب، ومن الطمع والإشفاق. أفتراك تكره ~~مثل هذا الحديث؟ ألم تسأم هذه الأحاديث الكثيرة التي تمتلئ بالبحث العلمي والنقد الأدبي، ~~والتي تكتب ابتغاء لرضا الأصدقاء، واتقاء لسخطهم؟ ألم يجهدك هذا السفر المتصل في ~~هذه الطريق الطويلة الملتوية، طريق البحث العلمي، والنقد الأدبي؟ ألست في حاجة إلى أن ~~تعرج على هذه الواحة الخضراء لتستريح لحظة في ظل الحب النقي الكريم؟ # | الفصل الثالث # وأنا شديد الإشفاق على أبي العلاء من نفسه قبل كل شيء، وقبل كل إنسان، فلم يظلمه أحد ~~قط كما ظلم نفسه، ولم يكلفه أحد قط من الجهد والعناء، ومن المشقة والمكروه مثل ما ~~كلف نفسه نحو خمسين عاما. ولم يفتن أبو العلاء في شيء كما افتن في ظلم ~~نفسه، وتحميلها ما تطيق، وما لا تطيق، وأخذها بالمكروه في حياتها العملية والعقلية ~~أيضا. # وأول ما ألاحظه من ظلم أبي العلاء نفسه اقتناعه بأنه سجين، وامتناعه عن أن يرى لنفسه ~~سجنا واحدا، بل عن أن يرى لنفسه سجنين، وإباؤه إلا أن تكون لها سجون ثلاثة يذكرها في ~~البيتين اللذين رويتهما آنفا: # أراني في الثلاثة من سجوني # فلا تسأل عن الخبر النبيث # لفقدي ناظري ولزوم بيتي # وكون النفس في الجسم الخبيث # فأنت ترى أن أبا العلاء لم يكتف بالسجن الذي فرضته الطبيعة عليه فرضا حين ~~أفقدته ناظره كما يقول، وإنما فرض ms016 على نفسه سجنين آخرين، أحدهما: ظاهر محس، ~~يراه الناس جميعا، ويشهدون ما يمكن أن يلقى سجينه من الحزن اللاذع، والألم الممض، وهو ~~هذا البيت الذي أقام فيه أبو العلاء لا يريمه، وفرض على نفسه لزومه مهما تكن الظروف، ~~وطلب إلى أهل المعرة ألا يخرجوه منه حتى حين يغير الروم على المدينة. # والثاني: سجن فلسفي، تخيله كما يتخيل الشعراء، واشتقه من حقائق الأشياء كما يفعل ~~الفلاسفة، وما أكثر ما يلتقي الشعراء والفلاسفة في موقف واحد يتفق فيه العقل والخيال ~~جميعا! # هذا السجن الخيالي الفلسفي هو الجسم الذي أكرهت النفس - كما كان يتصور أبو العلاء، ~~وكما تصور الفلاسفة من قبله ومن بعده - على أن تستقر فيه لا تتجاوزه، ولا تتعدى ~~حدوده إلا حين يقضي عليها الموت، وهي حينئذ تظفر بحرية لا تعرف كيف تقدرها، ولا ~~كيف تستمتع بلذاتها أثناء هذه الحياة؛ لأن هذه الحرية مجهولة المدى، مجهولة الموضوع، يثير ~~انتظارها في النفس ألوانا من الشك، وضروبا من الخوف، وفنونا من الهلع أحيانا. فما مصير ~~النفس بعد أن تفتح لها أبواب هذا السجن، وتحط عنها قيوده وأغلاله، ويخلى بينها ~~وبين الانطلاق؟ # لقد استراح المؤمنون الذين اطمأنوا إلى البعث، بعث الأرواح وحدها، أو بعثها مع ~~الأجسام، اطمأنوا إلى أن حياتهم بعد الموت متصلة بحياتهم قبل الموت، ومتأثرة بها، ومؤدية ~~لثمنها، ومحتملة لتبعاتها، اطمأنوا إلى أنهم مسئولون بعد الموت عما قدموا بين ~~أيديهم قبله، فهم يعلمون نحوا من العلم إلى أين هم ذاهبون، وإلى أي حال هم صائرون. ~~ويثير هذا العلم في نفوسهم كثيرا من الأمل، وكثيرا من اليأس، كثيرا من الأمن، وكثيرا من ~~الخوف، ولكنهم على كل حال مطمئنون إلى شيء أساسي، وهو أن خروج أنفسهم من هذا السجن لن ~~يدفعها إلى المجهول المطلق الذي لا تعرف له أملا، ولا حدا، ولا موضوعا. # فأما الرجل الذي لم يطمئن إلى هذا الإيمان، ولم يمتلئ به قلبه، ولم تسكن إليه نفسه، ~~ولم يسترح إليه عقله، وإنما هو مضطرب في أمره أشد الاضطراب، يؤمن مرة فيرجو أو ms017 ~~يخاف، وينكر مرة فيدركه اليأس والجزع، ويضطرب بين الإيمان والإنكار في كثير من ~~الأحيان، فإذا هو قلق لا يستقر على حال، وهذا الرجل معذب دائما أشد العذاب، إلا أن ~~يفطر على التهاون والإعراض، والاشتغال بعاجل الأمر عن آجله، والانصراف إلى يومه عن غده، ~~وإلى التفكير في حياته الدنيا، والاستمتاع بها، والاحتياط لها، عن التفكير في حياته الآخرة، ~~والإشفاق منها. # ولم يكن أبو العلاء من هذا التهاون في شيء، وإنما رفض حياته الدنيا رفضا، وصد عنها ~~صدودا، ومنعها أن تحول بينه وبين التفكير، وأن تحول بينه وبين ما يستتبعه التفكير من ~~النتائج. وأشق من ذلك أن هذا الرجل الذي كان قوي الخيال بعيد آماده، كان في الوقت ~~نفسه قوي العقل عميقه، قوي الإرادة عنيفها، فلم يستطع الخيال قط أن يسيطر عليه أو ~~يستأثر به، وإنما وجد من العقل دائما ما يحده ويرده إلى التواضع والاعتدال. وما أكثر ~~ما تأثر أبو العلاء بما كان يقرأ من الديانات، فمالت نفسه إلى الإيمان بالبعث! وما أكثر ما ~~تأثر أبو العلاء بما كان يقرأ من كتب بعض الفلاسفة، فمال إلى التصديق بخلود النفس! ولكن ما ~~كان أكثر ما يعرض العقل لهذا الميل فيمحوه محوا، أو يضعفه إضعافا شديدا! وأكبر ~~الظن أنه حين كان يطمئن إلى خلود النفس لم يكن يطمئن إلى ما يزعمه الفلاسفة من تفصيل ما ~~ستلقاه النفس الخالدة من سعادة أو شقاء، كما أنه حين كان يطمئن إلى البعث، لم يكن يطمئن إلى ~~ما سيلقاه الناس بعد البعث من نعيم أو جحيم، فكان اطمئنانه إلى خلود النفس لا يزيده إلا ~~شقاء؛ لأنه يشرف به على هوة لا يعرف لها قرارا، ولا علم له بما يضطرب فيها من خير ~~وشر. # ولم يكن أبو العلاء يحرص على شيء كما كان يحرص على أن ينشر ميت من الموتى، فينبئه ~~وينبئ الناس بما وراء الموت. ومن قبله طلب هذا إلى الأنبياء فلم يظفر طالبوه ~~بشيء، ولم يظفر أبو العلاء بما لم يظفر به غيره، فظل في حيرة ms018 كما كان الذين ~~جحدوا البعث من قبله في حيرة أيضا. نستغفر الله! بل إن أكثر الذين جحدوا البعث من ~~قبله، لم يكن لهم عقله وذكاؤه، ونفوذ بصيرته، فلم يفكروا في عاقبة، ولم يشفقوا من ~~مغبة، وإنما قالوا هي حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر. وما كان شيء ~~أحب إلى أبي العلاء من أن يقول كما قالوا، ولكنه لم يستطع أن يقوله؛ لأن عقله كان يمنعه ~~من ذلك؛ ولأنه لم يكن قادرا على أن يتصور أن الناس خلقوا عبثا، أو تركوا سدى. فلم ~~يكن له بد إذن من أن يسأل نفسه، ومن أن يسأل الناس، ومن أن يسأل حيوان الأرض وجمادها، ~~وكواكب السماء ونجومها، عما عسى أن يلقى الناس بعد أن تطلق نفوسهم من هذه ~~السجون. # والذي كان يغيظ أبا العلاء إلى أقصى حدود الغيظ أنه كان يفكر ويستقصي، فيرى أن نفسه سجينة ~~في جسمه بأدق معاني هذه الكلمة وأقساها، قد أدخلت السجن مكرهة، وأخرجت منه ~~مكرهة، لم تسأل أتريد هذا الدخول أم ترفضه، ولم تستشر أترغب في هذا الخروج أم تزهد ~~فيه. بل هي لا تذكر أنها جنت قبل دخول هذا السجن من الإثم ما يضطرها إلى دخوله، ولقاء ~~العذاب فيه إن كان شرا. ولا تذكر أنها أتت من الصالحات بما يثيبها بدخوله، والاستمتاع ~~باللذات فيه إن كان خيرا. لا تعلم شيئا عن ماضيها. فلم أدخلت هذا الجسم وأقرت ~~فيه؟ ألتلقى فيه عقابا أو ثوابا؟ وفيم العقاب والثواب، وهي لا تعرف أنها جنت شرا ~~أو أتت خيرا؟ ثم هي مخرجة منه على كره منها، ولا تعرف ما سيلقاها بعد هذا ~~الخروج. # كل هذه الخواطر كانت تنغص على أبي العلاء حياته إذا خلا إلى نفسه، وفكر في أمره. على أن ~~هناك منغصات أخرى لم تكن أقل من هذه الخواطر إيذاء لهذا الشاعر الحائر، وهذا الفيلسوف ~~البائس، وهي منغصات الحياة نفسها، هي هذه الآلام التي يلقاها في السجن، والتي يحسها ~~ويشهدها، ويستطيع أن يصورها تصوير عالم بها، خاضع لها، هي ms019 هذا التناقض الهائل بين أمل ~~النفس وطاقتها، بين ما تريد وما تستطيع. يفكر أبو العلاء فلا يرى لتفكيره حدا ولا غاية، ~~فإذا أراد العمل وجد نفسه مقيدا مغلولا، ووجد قدرته على العمل ضئيلة لا قيمة ~~لها. # إن عقله يفكر في النجوم والكواكب، ويتصور من أمرها الخطأ والصواب، والممكن ~~والمحال، ولكنه يريد أن يعرف من أمر هذه النجوم والكواكب أكثر مما عرف، وأن يبلو حقائقها ~~بلاء الملم بها، المداخل لها، القريب منها. فما له لا يبلغ القمر، وما له لا يلم ~~بالمريخ، وما له لا يبلو بنفسه أخبار المشتري؟ وما هذا التناقض بين قوة العقل وتضاؤل ~~القدرة؟ بل في الأمر ما هو أعظم من هذا إيلاما، وأشد منه إيذاء، فقد تتواضع النفس وهي ~~مضطرة إلى هذا التواضع، فلا تطمع في أن تبلغ النجوم، ولا تطمح إلى أن تزور الكواكب، ~~ولكنها تطمع في أن تحقق ما ترى أنه الخير، وتجتنب ما ترى أنه الشر. ما ترى أنه الخير أو ~~الشر في حياتها القريبة جدا، في حياتها اليومية التي تحياها من لحظة إلى لحظة، وتباشرها ~~من آن إلى آن. وما لها لا تبلغ من ذلك شيئا، وما لها لا تقدر من ذلك على شيء؟ وما بال ~~هذه القوى التي لا تحصى قد تظاهرت وتناصرت على منعها من تحقيق ما تريد، بل من محاولة ما ~~تريد؟ # ما هذه الحرية المطلقة التي يستمتع العقل بها إذا فكر، وما هذا العجز المطلق الذي ~~يضطر العقل إليه إذا أراد أن يعمل أو يدفع إلى العمل؟ ما هذه القوى الطبيعية التي تقوم ~~دونه، فتمنعه من أن ينزه الجسم عما تقتضيه غرائزه من هذه الأشياء الكريهة البغيضة التي لا ~~يقدم عليها إلا كارها لها، متبرما بها، مزدريا نفسه؛ لأنه مضطر إلى الإقدام عليها؟ ما ~~هذه القوى الاجتماعية التي تقوم دونه فتحد من حريته في العمل، وتحد من حريته في ~~القول، وتضطره إلى العجز المطلق عن الصلاح والإصلاح؟ جهل بما كان قبل دخول السجن، ~~وجهل بما هو كائن بعد الخروج ms020 من السجن، وعجز عن إصلاح أمره وتدبيره كما يحب أثناء ~~الإقامة في السجن. وشر من هذا كله أنه قد يحب هذا السجن، وقد يحرص على الإقامة فيه، وقد ~~يستمتع أثناء هذه الإقامة ببعض اللذات المادية أو المعنوية، فلم لا يخلى بينه وبين ~~هذا السجن يقيم فيه ما شاء، ويخرج منه متى أراد؟ أو على أقل تقدير لم لا ينبأ بموعد ~~مضروب، وأجل محدد لهذا الخروج، ولكنه يدخل على غير علم ولا إرادة، ويخرج على غير علم ~~ولا إرادة، فهو في خوف متصل، وقلق دائم، لا يدري متى يفتح السادن عليه بابه، ويقذفه من ~~هذا السجن الذي ألفه إلى هذا الفضاء المجهول الذي لا يعلم من أمره شيئا. # بل هناك ما هو شر من هذا وأشد إيلاما، فلماذا منح السجين هذه القوة المفكرة ~~المقدرة المريدة التي تأمل وتعجز عن تحقيق الأمل، وتريد وتقصر عن إنفاذ الإرادة، وترى ~~الخير ولكنها لا تجد إليه سبيلا، وترى الشر ولكنها لا تجد منه مخرجا؟ # فلو أنك اتخذت اللذة والألم مقياسا للسعادة، وسلكت في ذلك طريقا مشبهة لطريق ~~الفلاسفة، ولكنها معاكسة لها معاكسة ظاهرة صريحة لانتهيت إلى نتيجة تملأ النفس يأسا ~~وسخطا. هؤلاء الفلاسفة يفاوتون بين الكائنات بمقدار حظها من الحس والشعور، ومن اللذة ~~والألم، ومن التفكير والتقدير. وهم يجعلون الإنسان أرقى هذه الكائنات؛ لأنه يشاركها في ~~الوجود، ثم يشارك بعضها في أنه جسم، ثم يشارك بعضها في أنه حي، أي حساس شاعر، ثم ينفرد ~~منها جميعا؛ لأنه مفكر ناطق. وخذ طريقا معاكسة لهذه الطريق، فسترى الإنسان أشقى هذه ~~الكائنات؛ لأنه مفكر، ولأن تفكيره يضطره إلى ألوان من الآلام، وضروب من اليأس والقنوط لا ~~يجدها كائن غيره، فهو يضطره إلى الشك، ويلبس الأمر عليه فيورطه في الحيرة وآلامها، ~~وهو قد يبين له الخير، ولكنه يبين له في الوقت نفسه عجزه عن بلوغه، وهو قد ~~يبين له الشر ولكنه يبين له في الوقت نفسه إغراقه فيه، وعجزه عن الخلاص منه، ~~وهو قد يبين له السعادة، ولكنه يبين ms021 له في الوقت نفسه قصوره عن أن يبلغها ~~كاملة، وقصوره عن أن يحتفظ بأيسر ما يبلغه منها، وهو قد يبين له الشقاء، ولكنه ~~يبين له في الوقت نفسه اضطراره إليه، ولزومه له، وإخفاقه المحتوم كلما حاول أن يخلص ~~من أقله وأيسره، وهو قد يبين له اللذة المادية، ولكنه يبين له في الوقت نفسه ~~أنه عاجز عن أن يبلغ خيرها وأكملها، كما يبين له أن ما يحصله من أيسرها وأهونها لا ~~يكاد ينقضي حتى يعقبه من الآلام والحسرات ما يعدل أضعاف ما أصاب من نعيم ومتعة، وهو ~~قد يبين له الألم، ولكنه يبين له في الوقت نفسه أن أنواع هذا الألم لا تعد، ~~وأن ضروبها لا تحصى، وأنه لا يخلص من بعضها إلا لتهجم به غرائزه الخاصة أو الأقدار التي لا ~~يملك تصريفها، ولا دفعها على ما هو شر منها، وأمض وأسوأ عاقبة وأبلغ أثرا. فإذا ~~تركت الإنسان إلى ما يرى الفلاسفة أنه دونه من الكائنات فسترى هذه الكائنات أحسن حظا من ~~الإنسان؛ لأنها قد سلبت هذا العقل، وحرمت هذا التفكير، فالحيوان يألم ويشقى، وهو ~~يلذ ويسعد، ولكنه لا يقدر الألم والشقاء، واللذة والسعادة كما يقدرها الإنسان. ~~والحيوان تتفاوت أنواعه فيما بينها بمقدار ما أتيح لها من الحس والشعور، وبمقدار ما ~~أتيح لها من قوة الغرائز وضعفها، فكلما قوي حظ الحيوان من الحس والشعور والغرائز ~~قوي حسه للألم وشعوره به، وإشفاقه منه، وقوي حرصه على اللذة، وتتبعه لها، وتوقعه ~~إياها، وألمه للعجز عن بلوغها، والقصور عن تحصيلها. فإذا تجاوزت الحيوان إلى النبات ~~فقد بلغت جنسا من الكائنات له حظ من حياة، ولكنه ضئيل بالقياس إلى حظ الحيوان. وإذن ~~فحظه من الألم لا يكاد يذكر، ولعله ألا يكون موجودا. فإذا تركت النبات إلى ما هو ~~أدنى منه رتبة، وأحط منه طبقة عند الفلاسفة، إلى الجماد الذي لا حظ له من حياة، ولا ~~حظ له من حس، ولا حظ له من إرادة، ولا حظ له من تفكير، فهناك السعادة العظمى التي لا ~~ينغصها ms022 شقاء، وهناك الراحة الكبرى التي لا يشوبها ألم. وإذن فلم منح هذا السجين ~~حياته هذه القوية العنيفة التي تستتبع الحس والحركة، والإرادة والتفكير، وتستتبع بحكم ~~ذلك الألم والبؤس، والشقاء والحرمان الذي هو أصل الشقاء كله؟ # ومن هنا يتمنى أبو العلاء حين لا ينفع التمني، ويود حين لا ينفع الود، ويبكي حين لا يجدي ~~البكاء، ويكون تمنيه ووده وبكاؤه مصدر شقاء وحسرات تضاف إلى ما هو فيه من شقاء وحسرات. فهو ~~يغبط الحيوان؛ لأنه لا يعرف الخير والشر، ولا يفكر فيما كان وما يكون، ولا يرجو ولا يخاف، ~~وهو مع ذلك يرثي له من الألم الذي يجده، والشقاء الذي يشعر به، والمكروه الذي يتعرض له، ~~ولكنه يغبط الجماد إلى أبعد حد ممكن، ويرسل أصواتا تمتلئ بالحسرة واللوعة؛ لأنه لم يظل ~~جمادا كما كان، فهو قد كان جمادا في سالف الدهر. # والذي حارت البرية فيه # حيوان مستحدث من جماد # وهو صائر إلى الجماد في مستقبل الدهر. # خفف الوطء ما أظن أديم ال # أرض إلا من هذه الأجساد # فلم استخرج من الجماد ليرد إليه؟ ولم هذه المحنة التي يمتحن بها في ~~هذا الطور من أطوار وجوده؟ والذي يزيد الأمر إشكالا، أي يجعله مصدرا من مصادر الألم ~~العقلي الذي هو شر من الألم المادي، أنه لا يدري أصائر كله إلى الجماد بعد الموت؟ وإذن ~~فالمحنة موقوتة، وهي من أجل ذلك محتملة هينة الأمر مهما تمتلئ بالمصائب والنوائب، ~~وبالكوارث والآلام. أم صائر بعضه وهو الجسم إلى الجماد كما كان، وإذن فما مصير بعضه الآخر؟ ~~أين كان قبل أن تلم به هذه المحنة، وإلى أين يمضي بعد أن تنجاب عنه هذه المحنة؟ بل أهي ~~منجابة عنه يوما من الأيام؟ أراجع هو إلى حيث كان قبل المحنة فجاهل نفسه كما كان يجهلها من ~~قبل؟ وإذن فلم تكن المحنة إلا حلما، ولكنه حلم معاكس لما ألفه الناس من معنى ~~الحلم. فالحلم عند الناس يقظة تخيل إلى النائم فإذا استيقظ لم يجدها شيئا، ~~ولكن هذا الحلم العلائي يقظة تخيل ms023 إلى المعدوم فإذا أفاق منها لم يشعر بها، بل ~~لم يذكرها ولم يجد لها تعبيرا، بل لم يشعر بنفسه فضلا عن أن يشعر بما ألم بها من ~~الأحداث. أم ماض هو في هذه المحنة، فشاعر بنفسه شعورا متصلا خالدا، وإذن فالمحنة باقية ~~لم تنقض، وما عسى أن يكون نوع هذه المحنة بعد الموت، أهو من نوعها قبل الموت؟ وإذن ~~ففيم الموت وآلامه؟ وفيم هذه الحسرات التي تمتلئ بها النفس؛ لأنها تتوقع الموت وآلامه؟ أم ~~هو من نوع جديد لم نعرفه، ولم نذقه أثناء هذه الحياة؟ وإذن فما عسى أن يكون هذا النوع ~~الجديد؟ أهو خير مما ألفنا، أم هو شر مما ألفنا؟ # وكذلك أنفق أبو العلاء نصف قرن من حياته يواجه هذه الخواطر إذا أصبح، ويواجهها إذا أمسى، ~~ويواجهها أثناء الليل إن أبطأ عليه النوم، ولعله يواجهها أثناء النوم إن صورتها له ~~الأحلام. وقد وجد أجوبة مختلفة على هذه الأسئلة، وجد أجوبة الديانات، ووجد أجوبة ~~الفلسفة. وكان خليقا أن يطمئن إلى هذه الأجوبة أو تلك فيريح ويستريح، ولكن هذا الاطمئنان ~~لم يقدر له. فهو يستريح إلى ما جاءت به الأديان، ويهيئ نفسه للبعث، ويجتهد ما استطاع في ~~تحصيل الخير، وتحقيق العمل الصالح. ولكن عقله لا يلبث أن يصور له الأمور مناقضة لما اطمأن ~~إليه. فما بال الإنسان يخص بالبعث، وما يستتبعه البعث من ألم أو لذة ومن جحيم أو نعيم؟ ~~ألأنه عاقل وهو من أجل ذلك مكلف؟ ولكن ما بال الإنسان خص بالعقل، وما باله خص ~~بالتكليف؟ وإذن فقد ذهبت عن المسكين طمأنينته، وخاب كل ما كان قد عقد بها من أمل. # وتارة يطمئن إلى بعض مذاهب الفلاسفة فيرى خلود النفس، ولكنه يريد أن يعرف ما عسى أن ~~تصنع النفس، وما عسى أن تلقى أثناء هذا الخلود فلا يجد جوابا، فيعود إلى الحيرة والشك، ~~وما يستتبعان من الألم والشقاء. وقد يتحدث إليه بعض الأجيال بالتناسخ، وما تلقى النفس فيه ~~من فنون الرضا والسخط، وألوان الرفعة والضعة، ولكنه لا يحفل بذلك ms024 ، ولا يقف عنده، يراه ~~سخفا وعبثا، ويسخر من الذين يجدون فيه غناء ومقنعا. والذي يزيد الأمر مشقة وجهدا، ~~ويجعله حريا بإثارة اليأس، والدفع إلى القنوط هو أن أبا العلاء قد هداه عقله إلى أن ~~لهذا العالم خالقا، وإلى أن هذا الخالق حكيم. لا يشك # 1 # في ذلك، أو على الأقل لا يظهر فيه شكا، وإنما تمتلئ به اللزوميات، ولا ~~تكاد تخلو منه قصيدة من قصائدها، أو مقطوعة من مقطوعاتها. وهو إذا تحدث عن هذا الخالق ~~الحكيم تحدث عنه في لهجة صادقة، يظهر فيها الإخلاص واضحا جليا، ولكنه عاجز عن فهم ~~هذه الحكمة التي يمتاز بها هذا الخالق الحكيم، وعجزه عن فهم هذه الحكمة هو الذي يضنيه ~~ويعنيه، ويعذبه في نفسه أشد العذاب. خالق حكيم، خلق هذا العالم ورتبه على هذا النحو ~~الذي رتبه عليه، ولكن لماذا وما بال هذا الخالق الحكيم الذي منحنا هذا العقل، وهدانا إلى ~~التفكير لم يكشف لنا القناع كله أو بعضه عن وجه هذه الحكمة التي لا نشك فيها ولا نرتاب؟ لقد ~~قالت الديانات # 2 # لأبي العلاء أشياء كثيرة، ولكنها فيما بينها مختلفة أشد الاختلاف متناقضة ~~أشد التناقض. فلأيهما يسمع، وبأيهما يؤمن؟ حيرة جديدة أهون من تلك الحيرة التي صورناها ~~آنفا. وهي تثير في نفس أبي العلاء كثيرا من السخرة التي تظهر هنا وهناك صريحة ~~مرة # 3 # وخفية مرة # 4 # أخرى، ولكنها على كل حال لا تخلو من الألم، ومن الألم اللاذع الممض ~~أحيانا. # ومصدر الشقاء المتصل الذي ألح على أبي العلاء نحو خمسين سنة من عمره هو أن الله لم يهده ~~إلى الإيمان بالنبوات. # 5 # لم يؤمن بها، ولكنه في الوقت نفسه لم يقطع برفضها كلها، وإنما كان يسأل نفسه ~~بين حين وحين: من يدري؟ لعل بعض هذه النبوات حق، ولعل بعض ما جاءت به أن يكون صحيحا. وإذن ~~فويل لي إن صح ما جاءت به، # 6 # ولم ألائم بينه وبين سيرتي العملية. ولكن أي سيرة عملية، وكيف تكون الملاءمة ~~بين سيرتي وبين هذه النبوات ms025 المختلفة، أأسير سيرة اليهود؟ فإني أعيب عليهم كثيرا من ~~أعمالهم وأقوالهم. أأسير سيرة النصارى؟ فإني أعيب عليهم كثيرا من أقوالهم وأعمالهم، أأسير ~~سيرة المسلمين؟ فإني أعيب عليهم كثيرا من أقوالهم وأعمالهم أيضا، أم أسير سيرة أهل الهند؟ ~~أم أسير سيرة الفرس؟ فما أكثر ما أعيب على أولئك وهؤلاء # 7 # من الأقوال والأعمال. ومع ذلك فماذا أصنع إن صح ما تنبئنا به هذه الديانة ~~أو تلك؟ # أرأيت إلى هذه الحيرة المتصلة # 8 # التي لا يهتدي فيها عقل، ولا تستطيع أن تستقر فيها نفس، والتي لا يعرف لها ~~مدى تنتهي إليه من أي ناحية من نواحيها؟ ثم أرأيت إلى هذا الرجل النحيل الضئيل العاجز ~~الضعيف قد دفع إليها دفعا، وألقي فيها إلقاء، ثم لم يجد منها مخرجا، ولم يتبين ~~فيها طريقا؟ ثم أرأيت إليه حائرا ضالا في هذه الحيرة، شاعرا أقوى الشعور وأشده بما ~~هو فيه من جور عن القصد، وضلال عن الصراط المستقيم، سائلا نفسه في غير طائل، سائلا الناس ~~في غير غناء، سائلا نجوم السماء وحيوان الأرض وجمادها دون أن يظفر منها كلها إلا بجواب ~~واحد واضح كل الوضوح جلي كل الجلاء، ولكنه غير مقنع، وهو أن لهذا العالم خالقا حكيما، ~~ولكن ما كنه حكمته، وما غايتها، وكيف نلائم بينها وبين سيرتنا؟ وكيف نلائم بينها وبين ~~آرائنا؟ وكيف نلائم بينها وبين أقوالنا؟ هذه هي الأسئلة التي لم يظفر لها بجواب من الناس، ~~ولا من كواكب السماء ونجومها، ولا من حيوان الأرض وجمادها. # وأظن أن العلة الحقيقية التي شقي بها أبو العلاء خمسين عاما إنما هي الكبرياء، الكبرياء ~~التي دفعته إلى محاولة ما لا يطيق، وإلى الطمع فيما لا مطمع فيه، وإلى الطموح إلى ما لا ~~مطمح إليه. أسرف أبو العلاء في الإيمان بعقله، وأسرف أبو العلاء في الثقة بهذا العقل، ~~ورفض كل شيء سواه. # 9 # فالعقل مهما يكن جوهره، ومهما تكن طبيعته إنساني أي محدود، محدود ~~الطاقة محدود المعرفة كغيره من ملكات الإنسان، فالغريب أن يتخذ العقل المحدود سبيلا ~~إلى ms026 ما لا حد له، وأن تتخذ هذه الآلة القاصرة المتواضعة سبيلا إلى بلوغ ما لا ~~تستطيع بلوغه. والغريب أن يشعر أبو العلاء بأنه لا يستطيع أن يرقى إلى النجوم بجسمه، وبأنه ~~من الحمق أن يتكلف هذا الرقي. # وكيف صعودي إلى الث # ريا بلا سلم # وأن يشعر أنه لا يستطيع أن يبلغ بعقله كنه هذه الحكمة العليا التي امتاز بها الخالق ~~الحكيم، ولكنه مع ذلك ينفق حياته مجاهدا في استكشاف هذه الحكمة، والوصول إلى أسرارها، ما ~~باله لا يحاول الرقي إلى الثريا ما دام لم يجد إليها سلما، ثم يحاول الرقي إلى حكمة ~~الله مع أنه لم يجد إليها سلما؟ ما مصدر هذا التناقض الذي جر على أبي العلاء وعلى ~~أمثاله ما صب عليهم في حياتهم من شقاء؟ مصدره فيما أعتقد هذا الغرور الذي يخيل إلينا ~~أن العقل ليس شيئا إنسانيا، وإنما هو جوهر ممتاز قد أهبط إلى هذا الجسم فأقام فيه ~~ضيفا، فهو إذن ممتاز في جوهره من الجسم، قادر على ما لا يقدر الجسم عليه، فإذا عجز الجسم ~~عن أن يرقى إلى النجم بلا سلم فلن يعجز العقل عن أن يرقى إلى السماء بلا سلم. أليست ~~الفلسفة قد زعمت لنا، ولم تنكر عليها الديانات ما زعمت، أن العقل قبس هبط من الملأ الأعلى ~~وهو عائد إليه؟ وما دام العقل قد هبط من الملأ الأعلى فما يمنعه أن يتصل به أثناء هذه ~~الحياة؟ وقد زعم بعض الفلاسفة، وزعم بعض المتصوفة أن العقل يتصل بالملأ الأعلى أثناء الحياة ~~بين حين وحين، وزعموا أنهم قد جربوا ذلك، وشهدوا ما لم يشهده غيرهم من الناس، فما بال أبي ~~العلاء لا يحاول أن يتصل بهذا الملأ الأعلى ليعرف كنهه، ويبلو أسراره، وما باله لا ييأس ~~أشد اليأس، ولا يسخط أعظم السخط إذا لم يبلغ من ذلك ما أراد، وما باله إذن لا يكذب ~~أولئك الفلاسفة وهؤلاء المتصوفة، ولا يسخر منهم؟ ومما يزعمون لأنفسهم من التفوق والامتياز؟ ~~الكبرياء إذن هي مصدر المحنة العلائية، وهذه الكبرياء ms027 جاءته من تصوره للعقل، وغلوه في ~~الإكبار من أمره . # 10 # ولو قد تواضع أبو العلاء في حياته العقلية الفلسفية كما تواضع في سيرته ~~العملية، ولو قد عرف أبو العلاء لعقله حده، ووقف به عند طاقته كما عرف لجسمه ~~حده، وكما وقف بجسمه عند طاقته؛ لجنب من هذه المحنة شرا كثيرا، ولاستراح من ~~عذاب أليم، لا نتصوره لأننا لا نعاني ما عاناه أبو العلاء من جهد، ولا نسمو إلى ما سما إليه ~~أبو العلاء من غاية. لو فعل لاستراح وأراح. هذا حق، ولكن نحن ما خطبنا؟ أكنا نظفر ~~باللزوميات، وبما نجد في قراءتها من هذا المتاع العقلي المؤلم المر الذي نحبه ونستعذبه ~~برغم ما فيه من ألم ومرارة؟ # | هوامش # | الفصل الرابع # أقام أبو العلاء في سجنه الفلسفي هذا نحو خمسين عاما، أو استكشف ذات يوم أثناء إقامته ~~ببغداد، # 1 # أو أثناء عودته منها، أو بعد أن استقر في المعرة أنه مقيم في هذا السجن منذ رشد ~~وبلا لذات التفكير وآلامه. فجعل منذ استكشف سجنه الفلسفي هذا يبلوه من جميع نواحيه، ويختبره ~~على أي وضع من أوضاعه، ولا يرى من هذا البلاء والاختبار إلا شرا متصلا، وألما ~~مقيما. # وقد كان يدركه التعب، ويبلغ منه الإعياء، فيستسلم إلى القنوط، ويستريح إلى اليأس ~~حينا، ثم لا يلبث أن يسترد رجاءه، أو قل أن يسترد نشاطه، فيستأنف البحث والدرس، ويعاود ~~الابتلاء والاختبار، ويحاول الصعود بعقله إلى السماء، فيرد عنها مدحورا. # وربما أتيح لأبي العلاء بين حين وحين شيء من التواضع فاستراح إلى ما يستريح إليه غيره من ~~الناس، وعرف قدر نفسه أو قل قدر عقله، وأمل في روح الله ورحمته. وكان مثله ~~في ذلك مثل الرجل الذي دفع إلى سفر غير قاصد في طريق طويلة طويلة لا ينتهي طولها، عسيرة ~~عسيرة لا يسهل عسرها، قد سلطت عليها الشمس أشعتها الملتهبة المحرقة، فضرمت من حوله كل ~~شيء، وجعلت الأرض التي يمشي عليها نارا لا يطاق مسها، والهواء الذي يتنفسه جحيما ~~لا يطاق تنسمه. وهو مع ذلك ms028 مدفوع مدفوع لا يستطيع أن يرجع أدراجه؛ لأن من ورائه قوة ~~لا تني عن دفعه، ولا يستطيع أن يقوم في مكانه ليستريح؛ لأن هذه القوة تدفعه دائما؛ ولأنه ~~لا يجد الراحة في أي مكان يلم به. نار مهلكة تأخذه من كل وجه، وقوة عنيفة تدفعه إلى ~~أمام، وأمل ضئيل نحيل يسبقه شيئا، ثم يقف له ويدعوه إلى نفسه، حتى إذا دنا منه، أو خيل ~~إليه أنه دنا منه وثب هذا الأمل الضئيل النحيل وثبة أو وثبتين، ثم وقف لهذا المسافر ~~المسكين يدعوه إلى نفسه مغريا له، ملحا عليه. وإنه لفي هذا السفر المتصل والعذاب الأليم، ~~وإذا شجرات خضر قد بدون له مورقات مزهرات، لهن ظل رطب مريح، يجري بينهن ~~غدير من ماء عذب صاف بارد، ينقع الغلة، ويشفي الظمأ، فيسرع المسكين إلى هذه الشجرات فيستظل ~~بظلها حينا، ويشعر بشيء من النعيم لحظة، وينشد في نغمة حزينة - ولكن فيها اطمئنانا لا ~~يخلو من قلق - هذه الأبيات: # صنوف هذي الحياة يجمعها # طول انتباه ورقدة وسنه # دنياك لو حاورتك ناطقة # خاطبت منها بليغة لسنه # ليفعل الدهر ما يهم به # إن ظنوني بخالقي حسنه # لا تيأس النفس من تفضله # ولو أقامت في النار ألف سنه # وما يوئسها من فضل الله عليها ورحمته لها، ورفقه بها، وقد طالت عليها الطريق حتى ظنت أنها ~~لن تنقضي، وثقل عليها الجهد حتى ظنت أن لن تنهض به، وإذا هذه الشجرات الخضر ترفع لها ~~فتأوي إليها، وتجد في ظلها الراحة والنعيم. ويدعو هذا التفكير مسافرنا البائس إلى أن يروي ~~في أمره، ويستعرض سيرته، وإذا هو يلوم نفسه على غرورها، ويعاتبها على اقتحامها ما ~~اقتحمت من هول، وتجشمها ما تجشمت من سفر، وعلى إسرافها في محاولة ما لا ~~ينبغي أن يحاول؛ لأن الوصول إليه لم يقدر للناس. وإذا هو يستأنف الإنشاد في نغمة ~~حزينة مطمئنة إلى اليأس، راضية به، مستريحة إليه، وإذا إنشاده يوشك أن يكون غناء، وإذا نحن ~~نسمع منه هذه الأبيات: # منون رجال خبرونا عن البلى # وعادوا إلينا ms029 بعد ريب منون # بنون كآباء وكم برح الردى # بصب على علاته وبنون # دفناهم في الأرض دفن تيقن # ولا علم بالأرواح غير ظنون # وروم الفتى ما قد طوى الله علمه # يعد جنونا أو شبيه جنون # نعم جنون أو كالجنون أن تحاول علم ما طوي علمه عن الناس، وأن تتكلف في ذلك ما ~~تكلفت من مشقة وجهد؛ فثق بحكمة الله، واركن إليها، واسترح إلى هذا الظل الظليل، والنسيم ~~العليل، والماء العذب الصافي الذي تجد فيه شفاء من هذا الحر المهلك الذي اصطليت ناره دهرا ~~طويلا. # ولكن العقل الإنساني مضطرب لا يعرف الاستقرار، ساخط لا يعرف الرضى، ثائر لا يعرف الإذعان، ~~طامع لا يعرف القناعة، متكبر لا يعرف التواضع. وما كاد صاحبنا يستريح ويستقر حتى أخذ ~~عقله يضطرب، وما كاد صاحبنا يهدأ حتى أخذ عقله يثور. وكأن القوة التي كانت تدفعه ~~منذ حين إنما تخلفت عنه لحظات لا لتريحه، بل لتخيل إليه الراحة. وكأن الأمل الذي كان ~~يسبقه، ويتراءى له إنما استخفى عنه ساعة لا ليؤمنه، بل ليخيل إليه الأمن. وإذا القوة ~~الدافعة قد أقبلت من ورائه، وإذا الأمل المغرى قد قام أمامه غير بعيد، تلك تدفعه وهذا ~~يدعوه، وعقله مشفق من تلك، راغب في هذا، وإذا هو يثيره من مكمنه، ويخرجه من مأمنه. ~~وما هي إلا لحظات حتى تستخفي الشجرات الخضر، والنسيم العليل، والغدير العذب، وإذا صاحبنا في ~~جحيمه القديم تأخذه النار من جميع أقطاره، تدفعه تلك القوة العنيفة، ويدعوه ذلك الأمل ~~الخلاب، وقد جردت ثورة عقله لنفسه تلك الآلام العنيفة المتصلة التي لم يسترح منها إلا ~~قليلا. # ولكن ما الذي أشعر أبا العلاء بهذا السجن الفلسفي؟ وما الذي أنبأه بأنه سجين؟ ~~وما الذي كشف له عما يحيط به في هذا السجن من الحسرات والغمرات، ومن الآلام والأحزان؟ هو ~~من غير شك سجن من سجونه الثلاثة، هو سجنه الطبيعي، أو سجنه الفسيولوجي إن صح هذا التعبير. ~~هو هذه الآفة التي ألمت به في أول عهده بالحياة، فذهبت ببصره، وألقت بينه وبين النور ms030 ~~حجابا كثيفا. # والصلة بين هذين السجنين من سجون أبي العلاء لا تخلو من غرابة تدعو إلى كثير من الرحمة ~~والإشفاق، فقد فقد أبو العلاء بصره صبيا، واستقبل الحياة غير مستمتع بهذه الملكة ~~التي ترسم في نفس الأحياء من الحياة صورا لا عهد له بها. ومع ذلك فقد جاوز الصبى، ~~وتقدمت به السن إلى الشباب، وتقدم به الشباب إلى الكهولة دون أن ينكر من أمر الوجود ~~شيئا ذا خطر أو دون أن يشتد إنكاره لأمر من الأمور. # وما من شك في أنه قد أحس منذ أول عهده بهذه المحنة الطبيعية فرقا عظيما بينه وبين ~~أترابه. وما من شك في أن إحساسه هذا الفرق قد آلمه وآذاه، وأسبغ على نفسه شيئا من الكآبة ~~المتصلة القاتمة، واضطره إلى كثير من التحرج والتحفظ والاحتياط في سيرته العملية، ولكن ما ~~من شك في أنه قد قهر هذا كله، وظهر عليه وقتا طويلا من حياته، فقد اجتهد في أن يسير ~~سيرة غيره من الناس، واجتهد أهله في أن يهيئوه لهذه السيرة ما وسعهم ذلك. علموه ~~صبيا، وأعانوه على طلب العلم، وتعمقه شابا. ولعله قد بذل في سبيل ذلك ما لا يبذله كثير ~~من المبصرين، فضلا عن المكفوفين، فهو قد ارتحل إلى حلب، وأنطاكية، وألم باللاذقية، ولعله ~~أن يكون قد ألم بطرابلس. وهو قد سمع من شيوخ المسلمين، ورهبان النصارى، وقرأ في كتب أولئك ~~وهؤلاء، وتعمق في درس الديانات، وفرغ بنحو خاص لإتقان اللغة وعلومها، وللأخذ بحظ عظيم من ~~البراعة الأدبية. ولم يبلغ العشرين من عمره حتى كان نضجه العلمي قد تم، وحتى استطاع أن يقول ~~بعد ذلك: إنه لم يحتج بعد هذه السن إلى أن يجلس من أحد مجلس الطالب من الأستاذ. # وقد فقد أباه في الرابعة عشرة من عمره، فحزن لفقده حزنا شديدا من غير شك، ولكن هذه ~~الفاجعة لم تفت في عضده، ولم تفل من حده، ولم تقعد به عن الرحلة، ولم تصرفه عن ~~الأسفار، ولما ألم من دور العلم في الشام بما كان ms031 يستطيع أن يلم به، وأخذ منها ما ~~كان يستطيع أن يأخذه ، عاد إلى المعرة فاستقر فيها وادعا مطمئنا، يعاشر الناس ويخالطهم، ~~ويشاركهم في خطوب الحياة، ويعكف على ما كان يعنيه من العلم والأدب، فينمي حظه منه، ~~ومشاركته فيه. ومع أننا نجهل تفصيل حياته في المعرة، كما نجهل تفصيل حياة أمثاله من الشعراء ~~والفلاسفة القدماء، فليس من شك في أن حياته مرت هادئة وادعة لا عنف فيها ولا اضطراب. ثم ~~نيف على الثلاثين، فهم برحلة طويلة شاقة إلى بغداد، وأشفقت عليه أمه من هذه الرحلة، ~~فحاولت صرفه عنها، ولكنها لم تفلح، ومضى أبو العلاء في إتمام ما عزم عليه، فانتهى إلى ~~بغداد بعد خطوب امتحن فيها صبره وجلده، واحتماله، وذكاءه أيضا. وأقام في بغداد ~~عاما ونصف عام؛ فعرف من أمرها ما كان يحب أن يعرف، وبلا من أهلها ما كان يحب أن يبلو، ~~وحصل من علمها ما كان يريد أن يحصل، وظفر فيها من الشهرة وبعد الصيت بما كان ~~يحب أن يظفر به، ولو استطاع لأنفق فيها بقية عمره كما يقول في بعض شعره، ولكنه لم يستطع؛ ~~لأن أمه مرضت، ولأن الثروة لم تواته، فعاد إلى المعرة وقد استكشف هذا السجن الفلسفي، ~~واضطر بحكم هذا الاستكشاف نفسه إلى أن ينشئ لنفسه سجنا ماديا ثالثا هو بيته الذي أقام ~~فيه حتى مات. # فأنت ترى أنه قد حاول أثناء الصبا وأثناء الشباب، وفي أول عهده بالكهولة أن يعيش عيشة ~~غيره من الناس، وأن يقهر المصاعب التي كان يثيرها أمامه فقد بصره، وظفر بقهر هذه ~~المصاعب في أكثر الأحيان، وكان خليقا أن يمضي في سيرته هذه بعد الأربعين كما مضى فيها حتى ~~كاد يبلغ الأربعين. وأي شيء كان أيسر عليه من أن يعيش شيخا كما عاش صبيا وشابا وكهلا، ~~مخالطا للناس، مشاركا لهم فيما يختلف عليهم من الخير والشر، مفكرا كما يفكرون، أو ~~مخالفا لهم في بعض ألوان التفكير، ممتازا منهم في علمه وذكائه أشد الامتياز، ممتازا منهم ~~في سيرته العملية بعض الامتياز؟ وليس ms032 هو أول مكفوف قد تفوق على أمثاله بحدة الذكاء، ونفاذ ~~البصيرة ، وغزارة العلم، وفصاحة اللسان، فلم يمنعه ذلك من أن يشارك الناس فيما كانوا ~~يضطربون فيه من حلو العيش ومره؟ فقد ظهر قبله بين المسلمين من رزق النبوغ وحرم ~~الإبصار، وعاش مع ذلك بين الناس لم يفارقهم ولم يعتزلهم، ولم يشذ من بينهم هذا الشذوذ. ~~كان يستطيع أن يعيش معلما، وكان يستطيع أن يعيش شاعرا، وكان يستطيع أن يعيش كما عاش ~~لا يستفيد رزقه من الشعر ولا من التعليم، وإنما يكتفي بهذا الوقف الضئيل الذي كان يعيش منه ~~دون أن يفارق الناس، ويمسك نفسه في هذه العزلة المظلمة الشاقة. # كان هذا كله ميسورا لولا أن أبا العلاء لم يكن مهيئا له؛ لأنه كما قال قد خلق إنسي ~~الولادة وحشي الغريزة. كان طبعه يعده للعزلة، ويهيئه للانفراد، وجاءت هذه الآفة ~~فأمدت هذا الطبع وقوته، وجعلت تأثيره في حياته أشد وأعظم مما لو أتيح له الإبصار. ~~ذلك أن هذه الآفة نفسها هي مرتبة من مراتب العزلة، ومرحلة من مراحلها تميزه من الناس ~~شيئا وأي شيء! وتفرق بينه وبينهم إلى حد وأي حد! بل هي تميزه من الطبيعة في كثير ~~جدا من مظاهرها، فهو لا يراها، ولا يحقق صورها وأشكالها، وهي لا تبلغ نفسه من طريق ~~مستقيمة، ولا تؤثر فيها تأثيرا مباشرا، وإنما هو يعرف منها شيئا قليلا، ويجعل منها ~~أشياء كثيرة، وهي تصل إلى نفسه من طرق معوجة ملتوية، فتبلغها بعد مشقة وجهد، وتبلغها مشوهة ~~ممسوخة، وتؤثر فيها بحكم هذا كله تأثيرا مخالفا لتأثيرها في نفوس غيرها من الناس. # هو إذن بحكم هذه الآفة معتزل للطبيعة، ممتاز منها، قد ألقي بينه وبينها حجاب، وهو إذن ~~بحكم هذه الآفة معتزل للناس، ممتاز منهم قد قطعت بينه وبينهم الأسباب. وهو بحكم هذا ~~الاعتزال والامتياز عاجز لا عن أن يستمتع بجمال الطبيعة كما يستمتع به غيره من المبصرين، ~~بل عن أن يلائم بين حياته وبين كثير من مظاهر الطبيعة على نحو ما يفعل المبصرون، لا ms033 يظفر ~~من ذلك إلا ببعض ما يعينه الناس عليه، وييسرونه له . وهو بحكم هذا الاعتزال والامتياز ~~عاجز كذلك عن أن يستمتع بالحياة الاجتماعية كما يستمتع بها المبصرون، وعن أن يلائم بين ~~سيرته، وبين ما تقتضيه هذه الحياة الاجتماعية من الأوضاع والأشكال، وما تفرض من السنن ~~والعادات، لا يبلغ أيسر ذلك إلا إذا أعانه الناس عليه، ويسروه له. وواضح أن الناس حين ~~يعينون أمثاله على أمثال هذه المصاعب إنما يصدرون عن رفق به وعطف عليه وإحسان إليه. فإذا ~~كان الرجل ذكي القلب أبي النفس وحشي الغريزة آذاه ذلك، وشق عليه، وآثرت نفسه ~~الحرمان مع العزة، والإباء على الظفر مع التعرض للشفقة والرحمة والإحسان. # ومن هنا تقوى في نفس أبي العلاء عاطفتان كان لهما أعظم الأثر في حياته، وأعظم السيطرة ~~عليها: عاطفة الحياء من جهة، وعاطفة سوء الظن من جهة أخرى، عاطفة الحياء؛ لأن ذكاء قلبه، ~~وإباء نفسه، واعتداده بشخصيته، كل ذلك يحمله على أن يرغب أشد الرغبة في أن يكون ~~كغيره من الناس في الملاءمة بين حياته وبين قوانين الطبيعة، وفي الملاءمة بين حياته وبين ~~أوضاع الاجتماع، فإذا أحس من نفسه القصور عن ذلك أو التقصير فيه آلمه هذا الإحساس أشد ~~الإيلام، وآذاه أشد الإيذاء. وهو من أجل ذلك لا يقدم على ما يحتاج إلى الإقدام عليه من ~~شؤون حياته الظاهرة إلا مترددا أشد التردد، مضطربا أشد الاضطراب، مرتابا بنفسه وبالناس ~~أشد الارتياب، مؤثرا الإحجام مع العافية على الإقدام الذي قد يعرضه لرحمة الراحمين، ~~وسخرية الساخرين. وعاطفة سوء الظن؛ لأن الناس بالقياس إليه مجهولون أو كالمجهولين، يسمع ~~أصواتهم ولا يراهم، ويحس أعمالهم ولا يراها، فيفهم من ذلك ما يستطيع ويعجزه من ~~ذلك أكثره. وما دام عاجزا عن أن يلائم بين سيرته وبين ما يقتضيه نظام الاجتماع فهو سيئ ~~الظن بسيرته، وبالاجتماع أيضا. # وكل هذا يضطر أبا العلاء إلى أن ينصرف إلى نفسه عن غيره من الأشياء والأحياء جميعا، هو ~~مصروف عن غيره بحكم هذه الآفة، وبحكم ما تنشئ في نفسه من ms034 العواطف، وهو مضطر من جهة إلى أن ~~يحلل سيرته مع الناس والطبيعة، ومضطر من جهة أخرى إلى أن يحلل ما يصل إليه من سيرة ~~الناس والطبيعة معه ما وسعه التحليل. # وإذن فهو بحكم هذا كله فارغ لنفسه، عاكف عليها، متهم لها سيئ الظن بها. وحسبك بهذا ~~كله مثيرا للتشاؤم، ومسبغا للكآبة على النفس، وصابغا للحياة بهذه الصبغة الشاحبة عادة، ~~القاتمة في كثير من الأحيان! وقد كان أبو العلاء في حاجة شديدة إلى شيء من بلادة الحس ~~وفتور الشعور يرده إلى الاعتدال في الحكم، والقصد في التقدير، ويصده عن الغلو في ~~الارتياب بنفسه وبالطبيعة وبالناس، ولكنه لم يرزق من بلادة الحس شيئا، وكان شعوره أبعد ~~شيء عن الفتور. فإذا أضفت إلى ذلك غريزته الوحشية، وكبرياءه العنيفة لم تعجب؛ ~~لأنه دفع إلى هذه الطريق التي سلكها، وإنما عجبت؛ لأنه دفع إليها متأخرا بعد أن ~~نيف على الثلاثين. # ومع ذلك فهل نحن واثقون بأنه دفع إليها متأخرا؟ أليس من الجائز، بل من الراجح أنه ~~دفع إليها منذ آخر الصبى، ولكنه دفع إليها في رفق ويسر، ولم ينته إلى غايتها إلا ~~بعد تردد واضطراب، ووقت طويل؟ إن رثاءه لأبيه يصور لنا حياته العقلية في أول أمرها، فنرى ~~فيها أصول الاضطراب الفلسفي، ومظاهر هذا التشاؤم الذي لزمه طول حياته. وما باله لم يذهب ~~مذهب غيره من الشعراء فيمدح السادة والأمراء، ويستمتع بما يجزلون من عطائه؟ لم يكن إقصاره ~~عن ذلك لقصور في ملكته الشعرية، فقد كان شاعرا بارعا منذ آخر الصبى وأول الشباب، وله ~~مدح رائع قاله في شبابه، ولو أنه عرضه على السادة والأمراء لفرحوا به، ولأثابوه عليه، ~~ولأكبروه في أنفسهم، وآثروه بمودتهم، ولكنه لم يفعل، لماذا؟ لأنه إنسي الولادة كغيره من ~~الشعراء، ولكنه يمتاز منهم بهذه الغريزة الوحشية التي تصده عن الناس، وتنفره منهم، ~~وبهذه الآفة التي زادته عنهم صدودا ومنهم نفورا، وبهذه الكبرياء التي ارتفعت به عن أن ~~يظهر للناس حاجته إليهم أو انتظاره منهم المعروف. انظر إليه حين يمدح الإسفراييني في ms035 ~~بغداد، ويستعينه على رد سفينته، كيف يطلب إليه ذلك في حياء وإباء، واعتداد بالنفس، وتصريح ~~بعرفان الجميل إن فاز، وتسجيل للشكر والدعاء إن أدركه الإخفاق. # من أشد ما يملأ قلوبنا إشفاقا على أبي العلاء هذه الحرب العنيفة المتصلة التي ثارت بين ~~طبيعته الإنسانية وغريزته الوحشية نحو ثلاثين عاما، والتي لم تنته إلا حين أزمع العودة ~~من بغداد، وانتهت بانتصار الغريزة الوحشية على الطبيعة الإنسانية الاجتماعية. رجل من الناس ~~ولد في بيئة متحضرة، وولدت معه ملكاته الاجتماعية كلها، فنشأ مستعدا كل الاستعداد ليكون ~~فردا من الجماعة يشاركها في حياتها العامة والخاصة، ويأخذ بنصيبه مما يلم بها من ~~سعادة، وما يصيبها من شقاء، فتأبى عليه غريزته الوحشية، وآفته هذه الطارئة إلا أن ينفرد من ~~هذه الجماعة، ويشذ على ما ألفت من نظام. له ما لغيره من الغرائز الطبيعية والاجتماعية ~~التي تدفعه إلى ألوان الحياة المختلفة دفعا شديدا، وتطالبه بتحصيل ما يحصل غيره من ~~أنواع اللذات والنعيم، وهو خليق أن يجد في ذلك كما يجد فيه غيره من الناس، ولعل آفته هذه ~~الطارئة أن تصور له الحياة ولذاتها على غير وجهها، وأن تخيلها إليه على غير حقيقتها، ~~وأن تجعل تعلقه بها، وحرصه عليها أشد من تعلق غيره بها وحرصه عليها، وأن تجعل ~~ألمه حين يرد عنها، وحسرته حين يحرم الظفر بها أشد مما يصيب غيره من الآلام ~~والحسرات حين يكتب عليه الرد، ويقدر عليه الحرمان، ولكن غريزته تلك الوحشية، وآفته ~~هذه الطارئة تأبيان عليه إلا أن يكظم هذه الغرائز كظما، ويكبتها كبتا، ويضطر جذوتها ~~المضطرمة الملتظية إلى الانطفاء والخمود. # له ذكاء ممتاز، وملكات متفوقة، وقدرة على الإجادة والبراعة فيما لا يجيد الناس فيه ولا ~~يبرعون، وهو من أجل ذلك معتد بنفسه، مكبر لها؛ لأنه شاعر بامتيازها وتفوقها، وهو من ~~أجل ذلك خليق أن يمتاز من الناس في الاستمتاع بالحياة كما امتاز منهم في الكفاية والبراعة، ~~وهو من أجل ذلك خليق أن ينتظر من الناس أن يعرفوا له ذلك، ويمكنوه منه، فإن لم يفعلوا ms036 ~~فهو خليق أن يكرههم عليه إكراها، وأن يفرض نفسه عليهم فرضا ، ولكن غريزته تلك الوحشية ~~وآفته هذه الطارئة تأبيان عليه إلا أن يكبح نبوغه كبحا، ويأخذ نفسه بأعنف العنف وأقسى ~~القسوة، لا ليردها إلى التواضع والاعتدال، بل ليحملها حملا على أن تنكر نفسها أشد ~~الإنكار، وتجحد امتيازها أشد الجحود. # وهنا تستطيع أن توازن بين أبي العلاء وبين شاعرين نابهين حكيمين من شعراء المسلمين، ~~كلاهما شاركه في التفوق والنبوغ والامتياز، وأحدهما شاركه في هذه الآفة الطارئة التي نغصت ~~عليه الحياة: وهما: بشار، والمتنبي. # فأما أولهما: فقد كان كأبي العلاء، ذكي القلب إلى أبعد حدود الذكاء، دقيق الحس إلى ~~أقصى غايات الدقة، قوي الشعور إلى أرقى مراتب القوة، غزير العلم واسع المعرفة، فصيح اللسان ~~بارعا في الشعر، قادرا على التصرف فيه إلى حيث لم يسبقه شاعر عربي. وكان كأبي العلاء ~~ضريرا مكفوفا، وكان كأبي العلاء فيلسوفا عميق الفلسفة، مفكرا دقيق التفكير، متشائما ~~مسرفا في التشاؤم، سيئ الظن بالناس، سيئ الظن بالطبيعة، سيئ الظن بكل شيء. ولكنه مع ذلك ~~قد سار في حياته الطويلة سيرة أقل ما توصف به أنها مناقضة كل المناقضة لسيرة أبي العلاء. ~~إذا كانت سيرة أبي العلاء طهارة ونقاء، وبراءة من الإثم والعاب؛ فسيرة بشار هي العهارة ~~والدنس، والتهالك على الإثم، والإغراق في العاب، وإذا كانت سيرة أبي العلاء تواضعا، بل ~~إسرافا في التواضع؛ فسيرة بشار هي الكبرياء، بل تجاوز الكبرياء إلى ما هو شر منها إلى ~~التيه والغرور، وإذا كانت سيرة أبي العلاء زهدا في الدنيا، بل إعراضا عنها، بل بغضا ~~لها؛ فسيرة بشار رغبة في الدنيا، بل تهالك عليها، بل فناء فيها، وإذا كانت سيرة أبي ~~العلاء تعذيبا لنفسه وجسمه، وأخذا لهما بأشد القوانين وأصرمها، وحملا لهما على أعنف ~~المحامل وأخشنها، وصرفا لهما عن أيسر اللذات وأهونها؛ فسيرة بشار تنعيم لنفسه وجسمه، ~~وإرسال لشهواتهما على سجيتها، وحمل لهما على أيسر المحامل وأوثرها، واقتحام بهما إلى أعظم ~~حظ ممكن من اللذة، وأكبر قسط ممكن من النعيم. ومع ذلك ms037 فقد كان كل من الشاعرين مجبرا في ~~أكثر أحيانه وأغلب أمره . وكان كل من الشاعرين ينكر التكليف أو يكاد ينكره. وكان كل من ~~الشاعرين يجهر بأنه ليس مسؤولا عما يأتي في حياته من خير وشر، فما بال هذين الشاعرين ~~اللذين اشتركا في هذه الآفة الطارئة كما اشتركا في التفوق والنبوغ قد سلكا هاتين الطريقين ~~المتعاكستين؟ # كان كل منهما متشائما، ولكن تشاؤم أحدهما انتهى به إلى العهارة والفجور والإباحة؛ ~~وتشاؤم أحدهما الآخر انتهى به إلى الطهر والبر والنسك والتحرج. أكان مصدر هذا الخلاف البيئة ~~التي عاش فيها كل من الشاعرين؟ فقد عاش بشار في بيئة زندقة ومجون؛ وعاش أبو العلاء في بيئة ~~تحفظ واحتشام وورع، أكان مصدر ذلك الأسرة؟ فقد انحدر بشار من أسرة فارسية خضعت للرق؛ ~~وانحدر أبو العلاء من أسرة عربية لم تعرف إلا العزة والحرية، أكان مصدر ذلك العصر السياسي؟ ~~فقد عاش بشار في عصر ثورة لم تتناول السياسة وحدها، بل تناولت الأخلاق والدين ~~ونظام الاجتماع؛ وعاش أبو العلاء في عصر مهما تفسد فيه الحياة فقد كان فيه استقرار ما ~~للعرف الخلقي والاجتماعي، أم كان مصدر هذا كله ما قدمناه وغير ما قدمناه؟ # وشيء آخر يظهر أنه أساسي، وهو أن بشارا كان إنسي الولادة والغريزة؛ وأن أبا العلاء كان ~~إنسي الولادة وحشي الغريزة؟ فنشأ أولهما، ولا حظ له من حياء؛ ونشأ ثانيهما والحياء أظهر ~~صفاته، وأعظم خصاله سلطانا عليه، ونشأ أولهما ولا سلطان له على غرائزه، وإنما لغرائزه على ~~نفسه وجسمه السلطان كله؛ ونشأ ثانيهما ولا سلطان لغرائزه عليه، وإنما عقله هو المسيطر على ~~نفسه وجسمه جميعا، ونشأ أولهما يمتدح بآفته جهرا؛ ونشأ ثانيهما لا يذكر هذه الآفة إلا ~~كارها، فإذا تحدث عنها قال إنها عورة يجب أن تستر، ونشأ أولهما لا يعرف التستر بمباح ~~ولا بمحظور، لا يتحرج أن يظهر سوأته للناس، ويرضي أخس غرائزه بين أيديهم فضلا عن ~~معاقرة الخمر، وتتبع النساء، والتعرض في ذلك لما يخزي ويسوء؛ ونشأ ثانيهما لا يحب ~~الجهر بشيء لا حظ ms038 له من محظور عليه، فإذا ألم بأيسر ما يباح له وهو الطعام ألم به سرا ~~وعلى استخفاء، ونشأ أولهما محبا للمال، متهالكا عليه يطلبه من وجهه ومن غير وجهه، ويحصل ~~عليه بالمدح، فإن أعياه ذلك حصل عليه بالهجاء، ونشأ ثانيهما والمال أبغض الأشياء إليه، ~~وأهونها عليه، لا يطلبه بمدح ولا بهجاء، ولا يسعى إليه من وجه، ولا من غير وجه، يتاح له منه ~~ما يقيم الأود، فيقسمه مناصفة بينه وبين خادمه، ولو استطاع لما أصاب منه شيئا، ونشأ ~~أولهما عدوا للناس، مسيئا إليهم، مستطيلا عليهم إلا أن تكون لهم القوة، ويتاح لهم ~~الاستعلاء، فهناك يذل ويستكين، ويظهر من الذلة والاستكانة ما يستحي منه أهون الناس ~~شأنا وأقلهم خطرا؛ ونشأ ثانيهما محبا للناس أشد الحب، رفيقا بهم أعظم الرفق، يغلظ ~~لهم قوله، ويرق لهم قلبه، يعنف عليهم في اللفظ، وينصح لهم في دخيلة النفس وأعماق ~~الضمير، لا يريد بهم شرا، ولا ينتظر منهم خيرا، يقدم إليهم المعروف ما قدر عليه، ولا ~~ينتظر منهم شكرا، بل لا يرى أنه يستحق منهم شكرا. شفع لقومه عند صالح، فلما نجحت شفاعته ~~عاد وهو ينشد: # نجى المعاشر من براثن صالح # رب يفرج كل أمر معضل # ما كان لي فيها جناح بعوضة # الله ألبسهم جناح تفضل # ثم لم يقصر حبه على الناس، وإنما تجاوزهم به إلى الحيوان، فكف عنه أذاه، وود لو ~~يستطيع أن يكف عنه أذى الناس. وعلى الجملة لم يشعر بشار بسجنه الفلسفي في وقت من الأوقات ~~مع أنه حاول الفلسفة واتخذها له صناعة دهرا، ثم انصرف عنها ولم يحفل بها، وإنما حفل ~~بأهوائه ولذاته ليس غير، عاش حرا طليقا ما وسعته الحرية، وما أرسل له العنان، ~~وما زال في شهواته ولذاته وأهواء نفسه حتى انتهى به الشوط إلى بعض مفترق الطرق، وإذا ~~الموت ينتظره فيبطش به بطشا عنيفا فيمضي، وقد كان الناس في حياته يؤثرونه بالبر خوفا منه ~~وإشفاقا، فإذا هم بعد موته يتنفسون الصعداء، ويحمدون الله على أنه أنقذهم من بلاء عظيم! ms039 ~~وشعر أبو العلاء بسجنه الفلسفي والطبيعي دائما، ثم لم يكتف بهما ، بل أضاف إليهما سجنا ~~ماديا ثالثا، وأقام في هذه السجون شاعرا بها ملائما بين حياته وبينها، لا حظ له من ~~حرية في سيرته؛ لأنه رفض هذه الحرية، أو اعتقد أنها لم تتح له، ولم تهد إليه، فلم ~~يسئ إلى أحد بيد ولا بلسان ولا بنية، ولم يكد يسيء إليه أحد، ولعل بعض الناس أن ~~يكونوا قد آذوه بأيديهم وألسنتهم فلم يضطغن على أحد منهم، ولم يضمر لأحد موجدة، وإنما ~~عفا وغفر؛ لأنه كان يعتقد أن «من صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور» وقد عمر حتى نيف ~~على الثمانين في عصر كثرت فيه الفتن، واشتد فيه الظلم، وانتشر فيه الفساد، وشاع فيه ~~الكيد، واختلفت فيه على وطنه الدول، فلم يبسط عليه السلطان يده، ولم ينله بأذى على كثرة ما ~~امتنع على السلطان، وعلى كثرة ما نعى على الملوك والأمراء سرا وجهرا. كان وادعا هادئا ~~مكفوف الأذى عن الناس، فكف الله عنه أذى الناس. فلما مات كان الواجدون به أكثر جدا من ~~الواجدين عليه. # وأما أبو الطيب: فقد نشأ وعاش في عصر قريب من عصر أبي العلاء، مشبه له في أكثر خصاله، ~~وقد شارك أبا العلاء في ذكاء القلب، ونفاذ البصيرة، وفي التفوق والنبوغ، وشاركه في الشعور ~~بفساد الحياة العامة للمسلمين من جميع أنحائها، وشاركه في الشعور بتفوقه وامتيازه، وفي ~~اعتداده بنفسه، ولكنه لم يشاركه في هذه الآفة التي اضطرته إلى العجز، وأخذته ~~بالوحدة، وفرضت عليه الاعتزال. ومع أن أصول الفلسفة العلائية توشك أن توجد كلها في شعر ~~أبي الطيب، وقد نبهت إلى ذلك في غير هذا الحديث، ومع أن أصول الفن العلائي يوجد أكثرها في ~~شعر أبي الطيب، وقد نبهت إلى ذلك أيضا في غير هذا الحديث، ومع أن أبا العلاء كان ~~مقلدا لأبي الطيب، مفتونا به حتى لنستطيع أن نعده تلميذا من تلاميذه، مع هذا كله ~~فما أعظم الفرق بين الرجلين لا في حياتهما العملية وحدها، بل في ms040 حياتهما العقلية أيضا! ~~كان أبو الطيب عبدا لشهواته بشرط ألا نفهم من هذه الشهوات شهوات اللذة والفسوق، ونعيم ~~الحياة، وإنما نفهم منها شهوات أخرى ممتازة بعض الشيء، شهوات الثروة والغنى والاستعلاء على ~~الناس. أنفق حياته كلها في إرضاء هذه الشهوات، واحتمل في سبيل ذلك ما يطاق وما لا يطاق. ذاق ~~مرارة البؤس، واحتمل ذل السؤال، وباع شعره في سوق الكساد، ومدح من كان يحتقرهم أشد ~~الاحتقار، وتملق من كان يزدريهم أقبح الازدراء، ودفع إلى المخاطرة والمغامرة، وانتهى إلى ~~السجن، وتعرض للموت، وباع نفسه وحريته وكرامته للملوك والأمراء، وتبدل رأيا برأي، ~~ومذهبا بمذهب، وذل للفرس بعد أن كان لهم عدوا، وبهم مغريا، وعليهم محرضا، وما ~~زال يتقلب في هذا الفساد السياسي والخلقي حتى تلقاه الموت في بعض الصحراء، فأراحه وأراح ~~منه! # فأين هذا من أبي العلاء الذي لم يدع لنفسه شهوة إلا أذلها، ولا عاطفة إلا أخضعها ~~لسلطان عقله، والذي اعتد بنفسه فارتفع بها عما تحتاج إليه الحياة من صراع، وآثرها ~~بالعافية، وألزمها القصد والاعتدال، وضن بها على الكذب والمين، وعلى البيع والشراء، ولم ~~يرد أن يتشبه بالملوك والأمراء في ملكهم وإمارتهم، ولا أن يطمع فيما يفيد عندهم الشعراء ~~والأدباء والعلماء من رخيص اللذات، يشترونه بأغلى الأثمان، وإنما أراد ما هو أرفع من ذلك ~~مكانا، وأبعد من ذلك منالا، وأجل من ذلك خطرا. أراد أن يتوحد؛ لأن الله واحد، ~~فقال: # توحد فإن الله ربك واحد # ولا ترغبن في عشرة الرؤساء # وازن بين المطمحين، وقس إلى ضعة أبي الطيب رفعة أبي العلاء إن كان يمكن أن ~~تقاس الرفعة إلى الضعة، ومع ذلك فقد لقي كل من الرجلين في سبيل مطمحه آلاما شدادا لا ~~يبلغها الإحصاء، إلا أن آلام المتنبي تقص فلا تثير في نفسي إلا غيظا وازدراء، وقد ~~تثير في نفس غيري من الناس إكبارا وإعجابا، وآلام أبي العلاء تقص فتثير في نفسي حبا ~~وإجلالا، كما تثير فيها عطفا وحنانا وإشفاقا. وما أرى أنها تثير في نفوس غيري من الناس ~~ازورارا عن ms041 الرجل أو تنكرا له، أو استخفافا به. وأنا أقرأ شعر الرجلين فأذكر قول أبي ~~العلاء حين شفع إلى صالح في قومه: # فيسمع مني سجع الحما # م وأسمع منه زئير الأسد # ولكن زئير الأسد كان يدل على شيء حين كان يصدر عن صالح وأشباهه من المغامرين الذين ~~كانوا يعملون ولا يقولون. فأما زئير الأسد الذي كان يصدر عن المتنبي فقد كان فارغا لا ~~يحتوي شيئا، ولا يدل على شيء. وأصدق وصف له قول أبي العلاء حين سمع شعر ابن هانئ ~~الأندلسي: كأني أسمع رحى تطحن قرونا! فقد كان شعر المتنبي جعجعة فارغة إذا فخر وتكثر، ~~ولم يكن شعره ذا غناء. لم يكن شعره يمس النفس، ويبلغ القلب إلا حين كان يتغنى حزنه، ويشكو ~~بثه، ويصور آلامه في تواضع واعتدال. لم يشعر المتنبي قط بأنه سجين إلا حين اضطر إلى ~~السجن بعد ثورته أثناء الشباب، وقد استقبل هذا السجن المادي في أول أمره كبير النفس، ~~حمي الأنف، ولكنه لم يلبث أن ذل واستكان، وأنفق أيامه في السجن ضارعا مستعطفا، ~~يتوسل إلى الأمير، ويتبرأ مما اتهم به حتى أدركه العفو، وردت إليه حريته، هذه ~~الحرية المبتذلة التي يستمتع بها الناس جميعا؛ لأنها حرية الأجسام لا حرية النفوس. فأما ~~أبو العلاء فقد شعر بسجنه، بل بسجونه، وألح على نفسه بهذا الشعور، واحتمل من أجل ذلك ~~آلاما تملأ النفوس رحمة له وإشفاقا عليه، ولكنه استمتع في هذه السجون بهذه الحرية ~~العليا التي لا يستمتع بها إلا الممتازون من الناس؛ لأنها حرية النفس والقلب والعقل. ومع ~~ذلك فقد كان أبو العلاء يرى نفسه مجبرا، ويرى أن ليس له من الحرية حظ! # أرأيت إلى الموازنة بين أبي العلاء وصاحبيه هذين إلام تنتهي؟ وماذا تعقب في النفس ~~من إعجاب مر بهذا الرجل الضئيل النحيل، الذي شارك صاحبيه في كثير من أشياء كانت تقتضي ~~أن تتشابه حياتهم، ولكنه مع ذلك امتاز منهما أشد الامتياز وأعظمه؟ # أنا أعجب ببشار وأكبر فنه، ولكني لا أحبه، ولا أراه يثير في نفسي إلا ms042 صدودا عنه، ~~وضيقا به. وأنا أقدر فن المتنبي، وأعجب ببعض آثاره إعجابا لا حد له، وأعجب ~~ببعضها الآخر إعجابا متواضعا - إن صح أن يتواضع الإعجاب! - وأمقت سائرها مقتا ~~شديدا. ولا تثير حياة المتنبي في نفسي إشفاقا عليه، ولا رثاء له وإنما هو مغامر طلب ~~ما لم يخلق له، وتعرض لما كان يحسن أن يعرض عنه، فانتهى إلى ما ينتهي إليه ~~أمثاله المغامرون. فأما أبو العلاء فإن له في نفسي شأنا آخر لا يغيظني، ولا يحفظني؛ ~~لأن حياته كلها قد برئت مما يحفظ أو يغيظ، وهو قد يغيظ فريقا من الناس، وقد ~~يحفظهم؛ لأنه يخالفهم في الرأي، ولأنه ينكر ما يعرفون، ويسخر مما يرتفعون به عن ~~السخرية، ويستهزئ بما يرون الاستهزاء به إثما ونكرا. ولكنك تعلم أن الذين يسيغون الحرية ~~ويذوقونها لا يحفظهم خلاف في الرأي، ولا يغيظهم افتراق في المذهب. وأبو العلاء حري ~~بعد ذلك أن يثير في نفسك الإشفاق لا الحفيظة؛ لأنه لم يخالفك في الرأي معاندا ولا ~~مكابرا، وإنما خالفك في الرأي بعد أن اجتهد ما وسعه الاجتهاد، وبعد أن نصح لنفسه ولك ما ~~وسعه النصح. وما يحفظك من رجل أراد الصواب فانتهى إلى ما تراه أنت خطأ؟ وما يغيظك من ~~رجل طلب الخير وجد في طلبه فانتهى إلى ما تراه أنت شرا، وهو قد احتمل في ذلك آلاما لا ~~تكاد توصف ولا تحصى؟ # كان هؤلاء الشعراء الثلاثة: بشار، والمتنبي، وأبو العلاء كبارا في أنفسهم، وكانت ~~كبرياؤهم أظهر ما سيطر على حياتهم من خصلة، ومصدر ما لقوا من مكروه. فوازن بين ~~الكبرياء عند هؤلاء الشعراء الثلاثة، ووازن بين ما تركت كبرياؤهم من آثار لهم أولا، ~~ولغيرهم من الناس بعد ذلك. فأما كبرياء بشار فقد أذاقته لذات عارضة، وبغضته إلى الناس، ~~وانتهت به إلى بطش السلطان، ثم أبقت له آثارا يعجب بها الناس إعجابا فنيا خالصا، ~~ولكنهم قلما ينتفعون بها في تقويم الأخلاق والعقول، ولعل أساءتها إلى الأخلاق والعقول ~~أن تكون أكثر جدا من إحسانها. وأما كبرياء المتنبي فقد ms043 حرمت عليه اللذة وجرعته الألم ~~أثناء حياته، وأذاقته الذلة والهون، وانتهت به إلى أن يغتاله بعض الأعراب في بعض الصحراء، ~~وأبقت للناس منه آثارا يعجبون بها إعجابا فنيا يختلف قوة وضعفا باختلاف الأذواق ~~والميول، ولكنها لا تجعل من صاحبها مثلا يحتذى، ولا نموذجا يتوخى في تقويم العقول ~~والأخلاق، ولعلها أن تكون إلى إثارة الغرور والاقتناع بالقول دون العمل والرضا بالعرض دون ~~الجوهر أدنى منها إلى إشعار النفس هذا التواضع الخصب المنتج الذي يجعل صاحبه نافعا لنفسه ~~وللناس. # وأما كبرياء أبي العلاء فقد جرعته مزاجا من الألم واللذة أثناء حياته الطويلة، ولكنه ~~ألم يطهر النفس ولا يفسدها، ولكنها لذة ترفع النفس ولا تضعها، وتقويها ولا تضعفها. ~~والغريب من أمر هذه الكبرياء التي لا أعرف أن شاعرا عربيا قد شقي بمثلها أنها أنتجت ~~لأبي العلاء تواضعا لا أعرف أن شاعرا أو فيلسوفا عربيا سعد بمثله. وقد انتهت كبرياء ~~أبي العلاء به إلى موت هادئ لا عنف فيه، بعد حياة طويلة هادئة لا عنف فيها إلا ما كان ~~يشق به أبو العلاء على نفسه من التكاليف. وقد أبقت كبرياء أبي العلاء للناس منه آثارا ~~خصبة أشد الخصب، مختلفة أشد الاختلاف، مختلفة في طبائعها، مختلفة في نتائجها، منها العلم ~~الذي يغذو العقل، ومنها الفن الذي يغذو القلب والذوق، ومنها الفلسفة التي تغذو العقل والقلب ~~والخلق جميعا. وفي آثار أبي العلاء شدة على الناس، شدة في ألفاظها، وشدة في ~~معانيها، وشدة في أساليبها أيضا. ولكن في هذه الآثار شدة على أبي العلاء نفسه! فقد ~~لقي في إنشائها عناء وجهدا، أرجو أن أصورهما بعد حين، فلا أقل من أن نلقى في الفهم عنه ~~والانتفاع به بعض ما لقي من العناء في إفهامنا ونفعنا. وفي آثار أبي العلاء ثقل على ~~النفوس التي لا تحب إلا الهين من الأمر، ولا تألف إلا الحياة اليسيرة الوادعة التي لا ~~تكلف أصحابها مشقة ولا عسرا. ولكن أبا العلاء نفسه لم يكن يحب الهين من الأمر، ولم ~~يكن يألف أقصر الطرق كما ms044 قال بول فاليري فيما ترجمت عنه في أول هذا الكتاب، والله لا ~~يكلف نفسا إلا وسعها. وما ذنب أبي العلاء إذا كان لم يخلق للسهولة ولا للين، وإنما ~~خلق للمشقة والجهد! وحسبه أنه لم يلق في حياته سهولة ولا لينا، أو أنه قد حمل ~~نفسه حملا في حياته على الإعراض عن السهولة واللين. # وفي كثير من آثار أبي العلاء كآبة وشحوب لا تستريح إليهما النفوس التي تألف الإشراق ~~والابتسام، ولكن الحياة ليست إشراقا كلها ولا ابتساما، والرائد لا يكذب قومه، وقد ~~وكل الله بإشراق الحياة وابتسامها من الكتاب والشعراء من يعرضونها على الناس فيملأون ~~نفوسهم إشراقا وابتساما وأملا. ووكل الله بما في الحياة من ظلمة وعبوس كتابا ~~وشعراء يعرضونهما على الناس فيملأون نفوسهم ظلمة وعبوسا، ويشرفون بها على اليأس ~~أحيانا. وصدقني إن الحياة لا تستقيم لك إذا لم تلتمس فيها إلا البهجة والرضا، كما أنها ~~لا تستقيم لك إذا لم تلتمس فيها إلا الحزن والسخط. فلائم بين ذلك، وخذ من هذا ومن ذاك ~~بحظ، وإذا وجدت البهجة والرضا عند هذا الشاعر أو ذاك من الشعراء المتفائلين فلا تكره ~~أن تلتمس شيئا من الحزن والسخط عند بعض الشعراء المتشائمين، فإن السرور المتصل كاذب، وهو ~~خليق أن يقتل النفس، ويميت القلب، وإن الحزن المتصل صادق، ولكن نفوس الناس لا تطيق له ~~احتمالا، فلا أقل من أن تلم به، وتشرف عليه، وتصيب منه قليلا يصلح من أمرها، ~~ويعصمها من هذا النسيان الذي هي منتهية إليه إن كانت حياتها صفوا خالصا، وهل إلى الصفو ~~الخالص من سبيل؟ # كشفت آفة أبي العلاء إذن له سجنه الفلسفي، وامتزجت به فأصبحت سجنا من داخل سجن، ~~وألف الرجل هذين السجنين أشد الإلف، وضاق بهما أشد الضيق، ولا تعجب لهذا التناقض فهو ~~قوام حياة أبي العلاء، بل هو قوام الحياة لكل رجل يجمع بين دقة الحس ورقة الشعور، ~~وحدة المزاج وقوة العقل والإرادة جميعا. وقد امتحن الله أبا العلاء بهذه الخصال كلها، ~~فثبت للمحنة ثباتا عجيبا، ولكنه ضاق بها ms045 ضيقا شديدا، وشكا منها شكاة متصلة. ولولا هذه ~~الشكاة وذلك الضيق لما نعمنا باللزوميات، وما ترك لنا أبو العلاء من الآثار! وماذا تريد ~~أن يصنع! لقد احتمل حياته في هذين السجنين كارها، فصور كراهته هذه، ولم يكن يستطيع أن ~~يفر من حياة السجن هذه: # وهل يأبق الإنسان من ملك ربه # فيخرج من أرض له وسماء؟ # كلا! ليس إلى ذلك من سبيل. فليقم أبو العلاء إذن حيث أراد الله له أن يقيم، وليرتب ~~أمره كما يستطيع في هذين السجنين، وقد فعل، فأنشأ لنفسه هذا السجن الثالث الذي لزمه نصف ~~قرن، وهو بيته في المعرة. وليس المهم أنه أقام في بيته نصف قرن لا يتركه، وإنما المهم أنه ~~أقام في هذا البيت على نحو خاص لم يتعود الناس أو لم يتعود أكثر الناس أن يقيموا عليه في ~~البيوت، وحسبك أنه كان فذا في هذا بين المسلمين جميعا على اختلاف البيئات ~~والعصور! # | هوامش # | الفصل الخامس # ومن المحقق أن أبا العلاء كان يستطيع أن يكتفي بسجنيه هذين اللذين أطلنا فيهما الحديث ~~دون أن يضيف إليهما هذا السجن الثالث، ومن غير أن يحد ذلك من فلسفته، أو يؤثر في ~~سيرته التي تفرضها عليه هذه الفلسفة. وما أكثر الفلاسفة الذين عاشوا عيشة فلسفية خالصة ~~لاءموا فيها أحسن الملاءمة بين حياتهم العقلية وحياتهم العملية دون أن يحتاجوا إلى اعتزال ~~الناس، ولزوم بيت واحد لا يعدونه! بل منهم من قضت عليه فلسفته أن يخالط الناس ما وسعته ~~مخالطتهم؛ ليؤثر فيهم ما وجد إلى التأثير فيهم سبيلا. ولو أن سقراط اعتزل الناس ولزم ~~بيتا بعينه لا يعدوه لما كان سقراط، ولفقد أخص ما يميزه ويميز فلسفته من الخصال التي ~~كانت تفرض عليه التنقل بتفكيره وسؤاله وجوابه من مكان إلى مكان، ومن مجمع إلى ~~مجمع. # وكان أبو العلاء يستطيع أن يعيش بفلسفته هذه الحادة القاتمة ذاما للدنيا، وناعيا ~~على أهلها، ومتجنبا لذاتها دون أن يحبس نفسه نصف قرن في بيت من بيوت المعرة، ودون أن ~~يؤثر ذلك في فلسفته قليلا ms046 أو كثيرا. فما الذي دفعه إلى إيثار العزلة، وحمله على ~~لزوم هذا السجن مختارا إن صح أن يضاف هذا الاختيار إلى أبي العلاء؟ # ليس من شك في أنه حين سافر إلى بغداد لم يكن يريد الوحدة، ولا اعتزال الناس، فإن الوحدة ~~لا تطلب في أكبر المدن الإسلامية، وإن اعتزال الناس لا يطلب في أشد البلاد ~~اكتظاظا بالناس، بل لعل أبا العلاء إنما سافر إلى بغداد فرارا إليها من هذه العزلة ~~الإضافية التي لزمها أو لزمته في قريته الصغيرة الخاملة التي لا يجد فيها من يلائم شكله ~~شكله من العلماء والأدباء والفلاسفة. وقد وصل إلى بغداد، وما أسرع ما اتصل بالناس واتصل ~~الناس به، وما أسرع ما أحبه أهل بغداد وخلطوه بأنفسهم وآثروه بمودتهم، وما أسرع ما شهد ~~أنديتهم الخاصة والعامة، واختلف إلى مجالس علمائهم وأدبائهم وفلاسفتهم، وشفى نفسه من ~~حاجته إلى الحياة الاجتماعية العليا التي يتحدث فيها إلى الأضراب والنظراء، ويسمع منهم ~~فيفهم عنهم، ويفهمون عنه. وشفى نفسه أيضا من طموحه الطبيعي إلى الشهرة وبعد الصيت وتسامع ~~الناس به وتحدثهم عنه. ولكنه كان في بغداد قلقا يحس الغربة، ويجد الحنين إلى وطنه في ~~الشام، ويعلن ذلك في شعر رائع مؤثر حفظه سقط الزند، وأحبه البغداديون أنفسهم، ~~ووقفت عنده في غير هذا الكتاب. كما بينت أنه لم يكد يعود من بغداد حتى أخذت نفسه ~~تذوب حسرات لفراقها. وهذه الخصلة من أخص صفات الأديب ذي الحس الدقيق، فهو طامح إلى بغداد ~~إن كان في المعرة، وهو مشوق إلى المعرة إن كان في بغداد، ثم هو محزون على بغداد إن عاد ~~إلى المعرة! وقد صور المتنبي هذه الخصلة تصويرا رائعا في بيته المشهور: # خلقت ألوفا لو رجعت إلى الصبا # لفارقت شيبي موجع القلب باكيا! # وصور أبو العلاء نفسه هذه الخصلة تصويرا رائعا في شعره الذي بكى فيه الشام حين ~~كان في العراق، والذي ندم فيه على العراق حين عاد إلى الشام. # كان إذن قلقا في بغداد، ولكني مع ذلك أعتقد أنه لم يكن ms047 يميل إلى فراقها، ولو استقامت ~~له الحياة فيها لما فارقها، وأكبر الظن أنه كان يحدث نفسه بإمكان الاستقرار في بغداد ~~إلى آخر أيامه، ولعله داعب هذا الأمل الحلو في أن تلين له الحياة في العراق، فيدعو أمه ~~التي فارقها لتلحق به، وتنفق معه ما بقي من أيامها. وأكبر الظن أن أبا العلاء لم يكن ~~يؤثر بغداد؛ لأنها مدينة العلم والفلسفة فحسب، بل لأن حياتها السياسية كانت أخف عليه، ~~وأهون احتمالا من حياة الشام. فالذين يقرأون اللزوميات وسقط الزند نفسه يشعرون بأن ~~أبا العلاء كان يكره الحياة السياسية في الشام كرها شديدا؛ ذلك أن الشام كانت موضوع ~~نزاع متصل بين الفاطميين والمتغلبين من الأعراب من قيس وطيء والروم. ولم يكن أبو العلاء ~~يحب الفاطميين ولا يرضى عنهم، بل لم يكن أبو العلاء يحب الشيعة عامة، ولا من يتصل بهم من ~~قريب أو بعيد، فهو يعرض بالفاطميين، ويهاجم الإسماعيلية والإمامية، ويهاجم القرامطة ~~مهاجمة عنيفة. ولم يكن حبه للمتغلبين من أعراب قيس وطيء بأكثر من حبه للفاطميين. كان ~~يكره من أولئك الأعراب ظلمهم وجهلهم، وغلظتهم وقسوة قلوبهم، وكان ينكر من ~~الفاطميين مذاهبهم في السياسة، وآراءهم في الدين، وواضح أنه إذا كره أولئك وهؤلاء فلم يكن ~~يحب الروم، ولا يؤثرهم بالمودة، ولا يرضى لنفسه الخضوع لسلطانهم بين حين وحين كما كانت تجري ~~بذلك الأحداث في ذلك الوقت. # وكانت بغداد بمأمن من هذا كله، وبمعزل من هذه الفتن المنكرة الخطيرة، فيها تشغيب للجند، ~~وفيها الاضطراب بين الشيعة وأهل السنة من وقت إلى وقت، ولكن هذا كله لم يكن يغير من حياة ~~العلماء والأدباء شيئا، ولم يكن يصرفهم عما كانوا فيه من الفراغ لما يحبون من درس وبحث، ~~ومن مناظرة وجدل، ومن رواية وإنشاد. فكان كل شيء في بغداد يحببها إلى أبي العلاء، ويغريه ~~بالإقامة فيها حتى يدركه الموت، ولكن الحياة لم تستقم له في بغداد؛ لأن أخلاقه لم تكن أخلاق ~~الرجل الاجتماعي الذي يستطيع أن يأخذ من الناس وأن يعطيهم، وأن يقارضهم المنافع بما فيها ms048 من ~~خير وشر، وأن يصبر على أذاهم حينا، ويلقاهم بالأذى حين تمكنه الفرصة. # لم يكن أبو العلاء من هذا كله في شيء، وإنما كان دقيق الحس، رقيق الشعور، سريع التأثر، ~~سريع رد الفعل كما يقال. وقصته مع الشريف المرتضى ومع أبي الحسن الربعي تدلان على ذلك ~~دلالة واضحة. فإذا أضفت إلى هذا أن صاحبنا قد ظفر بالشهرة في بغداد، ولكنه ظفر معها ~~بالحسد، ولم يظفر معها بالمال تبينت أنه لم يكن له ببغداد مقام، ولا أمل في ~~المقام. وإذن فقد اضطر إلى أن يفكر في العودة إلى المعرة ليقيم فيها وادعا مطمئنا. ~~وقد رأيت أنه كان يكره كل شيء في المعرة إلا أهلها الوادعين الآمنين، كان يكره إصفارها من ~~العلم والعلماء ودور الكتب، وكان يكره تعرضها لهذه الأحداث السياسية التي تجعلها ~~كالكرة يتقاذفها الفاطميون والأعراب والروم، وكان يعلم أنه إن عاد إلى المعرة دون أن يحتاط ~~لنفسه، ويعتصم بالعزلة التامة، والحيدة المطلقة لم يأمن من أن تعبث به أحداث السياسة ~~كما عبثت بغيره من العلماء والأدباء. # ومن هنا نفهم أنه فكر فأطال التفكير، وروى فأطال التروية، واستشار الخاصة من أصدقائه ~~في بغداد بعد أن بين لهم جلية أمره، فأقروا رأيه، وشجعوه على المضي فيه. وإنه لفي ذلك ~~وإذا الأنباء تأتيه بأن أمه مريضة، فتصور حزنه وإشفاقه، وخيبة أمله، وكذب رجائه! لقد ~~كان يمني نفسه أن يقيم ببغداد، وأن يحمل أمه إلى بغداد، فلما أعجزته الإقامة أخذ يفكر ~~في السفر، ولكنه يتثاقل عنه، ويرجئه ليستزيد من الحياة في بغداد. وإذا مرض أمه يزعجه ~~عنها فجأة، ويدعوه إلى فراقها في أسرع وقت ممكن. # وما يكاد يرتحل عن بغداد، ويمضي في طريقه مسرعا إلى المعرة يسابق الموت إلى أمه حتى ~~يأتيه النبأ بأن الموت قد سبقه إليها. # فهو إذن لم ينكب بالإخفاق فيما كان يرجوه من الحياة الآمنة الخصبة في بغداد فحسب، ~~وإنما نكب فيما كان يرجوه من لقاء أمه تلك التي أحبها حبا لم يحببه أحدا قط، تلك ~~التي مانعت في سفره ms049 إلى بغداد إيثارا لنفسها به، وإيثارا له بالعافية، وإشفاقا عليه من ~~المشقة والجهد. فلما ألح عليها في ذلك، وتبينت حرصه عليه، واتصال نفسه به عرفت كيف ~~تضحي بنفسها ابتغاء مرضاته، وكيف تخلي بينه وبين ما أراد. # وقد أظهرت في غير هذا الكتاب جزع أبي العلاء لهذه النكبة، وما صورت هذه النكبة ~~من ذلك الحزن الذي أخرجه عن طوره أو كاد، ولكن المهم أن هذه النكبة وطنت نفسه، وقوت ~~عزمه على ما كان قد صمم عليه من العزلة والانفراد، والاستسلام لغريزته الوحشية. # وقد رويت في غير هذا الكتاب تلك الرسالة المؤثرة التي كتبها إلى أهل المعرة، ينبئهم ~~فيها بعزمه على العزلة، ويطلب إليهم فيها ألا يخفوا للقائه إذا بلغ القرية، ولا لزيارته ~~إذا استقر في داره. ولست أرى بأسا برواية هذه الرسالة مرة أخرى؛ لأني أجد في قراءتها - ~~وأرجو أن تجد في قراءتها - لذة حزينة، تثيرها هذه النغمة الحزينة التي يصطنعها أبو العلاء ~~في تصوير ما يريد: # بسم الله الرحمن الرحيم # هذا كتاب إلى السكن المقيم بالمعرة، شملهم الله بالسعادة، من أحمد بن ~~عبد الله بن سليمان خص به من عرفه وداناه. سلم الله الجماعة ولا أسلمها، ولم ~~شعثها، ولا آلمها. أما الآن، فهذه مناجاتي إياهم منصرفي عن العراق، مجتمع أهل ~~الجدل، وموطن بقية السلف، بعد أن قضيت الحداثة فانقضت، وودعت الشبيبة فمضت، ~~وحلبت الدهر أشطره، وجربت خيره وشره، فوجدت أوفق ما أصنعه في أيام الحياة، ~~عزلة تجعلني من الناس كبارح الأروى من سانح النعام، وما ألوت نصيحة لنفسي، ولا ~~قصرت في اجتذاب المنفعة إلى حيزي. فأجمعت على ذلك، واستخرت الله فيه، بعد ~~جلائه على نفر يوثق بخصائلهم، فكلهم رآه حزما، وعده إذا تم رشدا. وهو أمر ~~أسري عليه بليل قضى برقة، وخبت به النعامة، ليس بنتيج الساعة، ولا ربيب الشهر ~~والسنة، ولكنه غذي الحقب القادمة، وسليل الفكر الطويل. وبادرت إعلامهم ذلك؛ ~~مخافة أن يتفضل منهم متفضل بالنهوض إلى المنزل الجارية عادتي بسكناه؛ ليلقاني ~~فيه فيتعذر ذلك عليه، فأكون قد جمعت ms050 بين سمجين: سوء الأدب، وسوء القطيعة. ورب ~~ملوم لا ذنب له ، والمثل السائر: «خل امرأ وما اختار»، وما سمحت القرون ~~بالإياب حتى وعدتها أشياء ثلاثة: نبذة كنبذة فتيق النجوم، وانقضابا من ~~العالم كانقضاب القائبة من القوب، وثباتا في البلد إن جال أهله من خوف الروم. ~~فإن أبى من يشفق علي أو يظهر الشفق إلا النفرة مع السواد كانت نفرة الأغفر ~~أو الأدماء. وأحلف ما سافرت أستكثر من النشب، ولا أتكثر بلقاء الرجال، ولكن ~~آثرت الإقامة بدار العلم، فشاهدت أنفس مكان لم يسعف الزمن بإقامتي فيه. ~~والجاهل مغالب القدر! فلهيت عما استأثر به الزمان، والله يجعلهم أحلاس ~~الأوطان، لا أحلاس الخيل والركاب، ويسبغ عليهم النعمة سبوغ القمراء ~~الطلقة على الظبي الغرير، ويحسن جزاء البغداديين، فلقد وصفوني بما لا أستحقه، ~~وشهدوا لي بالفضيلة على غير علم، وعرضوا علي أموالهم عرض الجد، فصادفوني غير ~~جذل بالصنيعات، ولا هش إلى معروف الأقوام، ورحلت وهم لرحيلي كارهون، وحسبي ~~الله عليه يتوكل المتوكلون! # ويريد الحظ أن يعبث بأبي العلاء حتى في حزنه وألمه، وفيما اختار لنفسه من ~~العزلة، وما آثرها به من التوحش، فلا تصل رسالته هذه إلى أهل المعرة. وأكبر الظن أنهم قد ~~خفوا للقائه وزيارته، ولكن التاريخ لم يحدثنا بما لقيهم به أبو العلاء من نفار وازورار، ~~أو انبساط وإقبال. على أن عبث الحظ بأبي العلاء فيما أراد من هذه العزلة لم ينقطع، ~~وإنما لزمه طول حياته، فقد كان أبو العلاء فيما أظن يرجو أن يقيم في داره خاليا إلى نفسه ~~وإلى تفكيره، منقطعا عن الناس أشد الانقطاع وأوحشه، لا يراهم ولا يرونه، إلا أن تدعو إلى ~~ذلك ضرورة ملجئة، وما بالك برجل يريد أن يلزم داره، ولا يخرج مع أهل المدينة إن جالوا ~~من خوف الروم، ولكن داره لم تلبث أن استحالت إلى مدرسة يؤمها الطلاب الكثيرون من أبعد ~~الأقطار الإسلامية وأنآها! منهم من يأتي من خراسان، ومنهم من يأتي من اليمن، ومنهم من يأتي ~~من غير هذين القطرين من أقطار المسلمين، وكلهم ms051 يطلب عنده العلم والأدب، ويلتمس منه المعرفة ~~والفقه بأمور اللغة. وأبو العلاء مكره على أن يعطيهم ما يجد، ويتكلف لهم ما يطيق وما ~~لا يطيق لا من العلم والأدب فحسب، بل منهما، ومن المال، والنفقة أيضا؛ لأنه لم يكن بخيلا ~~ولا شحيحا، وإنما كان أبعد الناس من البخل والشح. فقد فاتته العزلة التي رغب فيها، وحرص ~~عليها، وفرضت عليه الحياة الاجتماعية أو فرض عليه لون من ألوانها فرضا، ولكنه على ~~كل حال قد حقق بعض ما كان يريد، وعصم نفسه مما كان يخشاه، فلم يتصل بالأمراء ولا ~~بالرؤساء، وقد حاول أولئك وهؤلاء أن يرفعوه إليهم، ويقربوه منهم، ولكنه عرف كيف ~~يتخلص من ذلك في لباقة وظرف، وكيف يلزم داره كما أراد أن يلزمها لا يخرج منها إلى ~~الناس، وإنما يدخلها الناس عليه راغبين فيما عنده من العلم والأدب. # على أن أبا العلاء لم يعد من بغداد بهذا العزم المصمم على العزلة وحده، وإنما عاد بشيء ~~آخر هو هذه الحياة الخاصة التي فرضها على نفسه أثناء العزلة، والتي حالت بينه وبين الزواج ~~والنسل، وحرمت عليه أكثر اللذات أو قل كل اللذات؛ وحظرت عليه أكل الحيوان، وما يخرج ~~منه، واضطرته إلى أن يعيش على العدس، والزيت، والتين، والدبس، لا يتجاوز ذلك إلى غيره؛ وأن ~~يتخذ من اللباس أخشنه وأقساه، ومن الفراش أغلظه وأجفاه: اللبد في الشتاء، والحصير في الصيف؛ ~~وأن يأخذ نفسه بألوان عنيفة من الرياضة المادية، فلا يتخذ في الشتاء دفئا، ولا يصطنع الماء ~~الساخن، فأما الرياضة المعنوية فإن لنا فيها حديثا قد يطول بعض الشيء. # فلننظر إلى هذا الرجل النحيل الضئيل الضرير، الذي اصطنع لنفسه هذا السجن المادي من داره، ~~وفرض على نفسه فيه حياة السجين وسيرته، وطعامه وشرابه، وغلظته وقسوته، وأقام على ذلك نصف ~~قرن راضيا به مطمئنا إليه، نستغفر الله، بل مفاخرا به! ألم يسم نفسه رهين المحبسين؟ ~~ألم يذكر سجونه الثلاثة في ذينك البيتين اللذين رويناهما منذ حين؟ # لننظر إلى هذا الرجل قد سجنت نفسه في جسمه، ms052 فحدت بحدوده، وأكرهت على ما ~~أكره عليه من العجز، ثم لم يكف الطبيعة أن اضطرتها إلى هذا السجن، وهو ثقيل أليم ~~بغيض، فأضافت إليه سجنا آخر، وحالت بين هذه النفس وبين أن تنفذ إلى العالم المحيط بها ~~من طريق الإبصار كما ينفذ إليه غيره من النفوس؛ ثم لم يكفها هي أيضا أن اضطرت ~~إلى هذين السجنين فكأنها عاندت الطبيعة التي سجنتها، وأعلنت إليها العناد والتحدي، وقالت ~~لها في صراحة: إن هذا العذاب الأليم لا يضعفني، ولا يفل من حدي، بل قد أرى فيه لذة ~~ورضا، بل قد أراه هينا يسيرا لا يكفيني ولا يشفيني؛ وانظري؛ فسأضيف إليه سجنا آخر ~~وعذابا آخر، وحرمانا آخر، سأحبس نفسي في هذا المنزل لا أعدوه، وسآخذ نفسي بأشد ألوان ~~الرياضة وأقساها، وسأحرم نفسي ما أباح الله للناس من طيبات الحياة! ولو استطعت لأضفت إلى ~~هذه السجون الثلاثة سجنا رابعا وخامسا، ولو استطعت لأضفت إلى هذه الألوان من العذاب ~~والحرمان ألوانا أخرى من العذاب والحرمان، ولكن ماذا أصنع وهذا آخر الطاقة وأقصى الجهد؟ ~~انظري؛ إنك لم تقهريني، ولم تظهري علي، ولكني أنا الذي يقهرك ويظهر عليك؛ لأني أحتفظ ~~أمام قوتك وسلطانك، وأمام بأسك وبطشك بهذا العقل الحر الثائر الذي لن يهدأ، ولن يطمئن حتى ~~يعلم علمك، أو يكون بينك وبينه الفراق إلى آخر الدهر! # أليس هذا الرجل خليقا بالإشفاق عليه والإعجاب به؟ بلى وهو خليق بأن نحبه ونؤثره بالود، ~~وبأن نزوره في هذا السجن الذي اتخذه لنفسه، ونقيم معه فيه يوما أو أياما لنرى كيف كان ~~يعيش فيه، لا عيشته المادية، بل عيشته العقلية الشاعرة المفكرة التي تصورها ~~اللزوميات. # | الفصل السادس # وأدخلت على الشيخ في حجرة واسعة بعيدة الأرجاء، قد جلس هو في صدرها على حصير؛ لعله أن ~~يكون أقرب إلى البلى منه إلى الجدة، وبين يديه نفر يكتبون، وفي الحجرة قوم آخرون ~~كثيرون يسمعون ويعجبون، ولكنهم لا يقيدون ما يسمعون، وكان صوت الشيخ شاحبا حزينا قد ~~ألقيت عليه مسحة من كآبة، ولكنه كان في الوقت ms053 نفسه ثابتا ممتلئا يمازج حزنه شيء من ~~الرضا والأمن، وشيء آخر لا يكاد يحس كأنه يمثل غبطة هادئة، وابتهاجا متواضعا بما ~~أتيح للشيخ من فوز. وكان يملي هذه الأبيات: # يدل على فضل الممات وكونه # إراحة جسم أن مسلكه صعب # ألم تر أن المجد تلقاك دونه # شدائد من أمثالها وجب الرعب؟ # إذا افترقت أجزاؤنا حط ثقلنا # ونحمل عبئا حين يلتئم الشعب # وأمس ثوى راعيك وهو مودع # ولو كان حيا قام في يده قعب! # وقد أعجبني هذا الصوت الشاحب المشرق، والمحزون المبتهج، ووجدت في الاستماع له لذة ~~وأنسا لم أجدهما في الاستماع لصوت قط. ولكني تجاوزت الصوت مسرعا إلى ما كان يملي من ~~الشعر، فوقفت منه عند أمرين، أو قل عند أمور ثلاثة مختلفة، ولكن ائتلافها هو قوام هذه ~~الأبيات. # وقفت عند معناه، ووقفت عند أسلوبه، ووقفت عند لفظه، فأما معناه فقد رأيت فيه ~~إنتاج العقل الفلسفي، وإنتاج الخيال الشعري، وائتلافا غريبا لا يخلو من تكلف بين هذين ~~النوعين من الإنتاج، ولكنه تكلف لا يحفظ ولا يغيظ، ولا يزور بالسامع عنه، ولا عن ~~صاحبه. فأما العقل الفلسفي فقد أنتج لصاحبه بعد التفكير والروية أن الحياة عناء ~~للأجسام؛ لأنها تحملها من أثقال وأعباء ما لا تحتمله إن فقدت الحياة. وهي إنما ~~تحملها هذه الأعباء وتلك الأثقال؛ لأنها تجمع أجزاءها المتفرقة، وتلائم بين بعضها ~~وبعض، وتحدث بينها من التضامن ما يهيئها لحمل ثقلها الخاص أولا، وللنهوض بما يحمل ~~عليها من الأثقال الأجنبية ثانيا. فإذا تفرقت هذه الأجزاء بعد اجتماعها، وتباعدت بعد ~~اقترابها، وفقدت هذا التضامن الذي كان يؤلف منها وحدة متماسكة، يحمل بعضها ثقل ~~بعض، وينهض كلها بأثقال غريبة عنه لم تتكلف مشقة، ولم تتعرض لجهد، ولم تحتمل ثقلا؛ ~~لأنها ليست مهيئة لذلك، ولا ميسرة له، ولا قادرة على النهوض به. وأنت لا تحمل الأشياء ~~المتباعدة شيئا مجتمعا، وإنما سبيلك - إن أردت أن تحمل شيئا على شيء - أن تلائم ~~بين الحامل والمحمول، وأن تهيئ أحدهما لقبول الآخر. # وإذن فالموت مريح للأجسام من احتمال الأثقال، ms054 والنهوض بالأعباء؛ لأنه يفرق أجزاءها، ~~ويشتت ما اجتمع منها، ويلغي ما كان بينها من التضامن والتعاون. وإذن فأمر هذا العالم بين ~~جمع وتفريق، وبين تباعد وتقارب، والحياة من أهم عناصر الجمع بعد التفريق، والتقريب بعد ~~التباعد، والموت ينقض ما جمعت، ويفرق ما ألفت. فمن كره الجهد، وتبرم ~~بالمشقة، وسئم العنف واحتمال الأثقال، وآثر الراحة الكبرى فسبيله أن يؤثر الموت؛ لأنه ~~يحط عنه كل ثقل، ويلقي عنه كل عبء؛ ولأنه يبدأ فيحط عنه ثقل نفسه قبل أن يحط عنه ~~ثقل غيرها من الأشياء. وهذا المعنى في نفسه واضح مستقيم لا غموض فيه ولا عوج، وهو في ~~الوقت نفسه مظلم قاتم، عظيم الحظ من التشاؤم، يصور التئام الجسم الحي على أنه شر يصدر ~~عنه الجهد والتعب، ويصور افتراق هذه الأجسام على أنه خير تصدر عنه الراحة والهدوء، فهو ~~يزهد في الحياة، ويرغب في الموت. # ولكن الشيخ حين أراد أن يؤدي هذا المعنى المظلم لم يؤده كما هو، وإنما دار حوله، واتخذ ~~الخيال إليه سبيلا، فجعل الموت الذي يرغب فيه الحكيم صعب المرام كالمجد الذي يرغب فيه ~~الطموح، كلاهما لا ينال إلا بعد الجهد، ولا يبلغ إلى بعد تكلف المشقات، ولكن ~~كليهما يعقب الظافر به غبطة وطمأنينة ورضا. # قدم الشاعر بهذا الخيال بين يدي هذا المعنى على أنه وسيلة إليه وتمهيد له، ثم ألقى ~~هذا المعنى نفسه في البيت الثالث، موجزا، متقنا، دقيقا، صريحا، مرسلا إرسال ~~الأمثال. ثم عاد إلى الخيال فاستنبط منه دليلا يؤيد هذا المعنى، ويوضحه ويجلوه، وضرب ~~هذا الدليل مثلا يفهمه الذكي والغبي، ويسيغه الفيلسوف وغير الفيلسوف، وهو هذا الراعي ~~الذي ينهض بأعباء صناعته ما أتيحت له الحياء، فهو يحتمل أثقالها على اختلافها ~~وتباينها، منها المادي ومنها المعنوي؛ وقد رمز الشيخ لهذه الأثقال بهذا القعب الذي يقوم ~~الراعي وهو في يده فارغا أو ممتلئا، فهو يحمل نفسه أولا، ويحمل القعب ثانيا، فإذا ~~مات وثوى في قبره لم ينهض بعمل، ولم يحتمل ثقلا ولا عبئا، ولم يقم وفي يده قعب أو ms055 ~~شيء آخر غير القعب. فهذا المعنى الذي أدي في هذه الأبيات الأربعة يعجب لصحته ~~واستقامته، ولهذا الخيال الذي يسبقه فيمهد له، والذي يتلوه فيزيد الاقتناع به والاطمئنان ~~إليه. # وأما أسلوب هذا الشعر وهذا النظم فقد وقفت عند انحرافه عن مذهب الشعراء المجودين، ~~وانصرافه إلى مذهب الفلاسفة المحققين. ألست تراه في البيت الأول يعرض الأمر على أنه قضية ~~فلسفية، يقيم عليها الحجة، ويقارع دونها بالبرهان، ويصطنع في ذلك ألفاظ الفلاسفة ~~والمتكلمين، ويتكلف في إخضاعها لهذا الوزن الطويل بعض المشقة والجهد؟ فانظر إلى قوله: «يدل ~~على فضل الممات». وانظر إلى قوله: «كونه إراحة جسم». ثم انظر إلى البيت الثاني فستراه ~~ألقي كما يلقى الدليل، واصطنعت فيه أساليب الاستدلال، ثم انظر إلى البيت الثالث ~~فسترى الشاعر قد ألقاه إليك هادئا مطمئنا واثقا؛ لأنه هيأك لتلقيه، وأعدك لفهمه ~~وقبوله، ثم انظر إلى البيت الأخير فسترى أن الشاعر قد ضربه لك مثلا يتم به اقتناعك، ~~ويمحو به ما عسى أن يبقى في نفسك من تردد أو شك. وقد يذهب الشعراء المجودون مذهب ~~الاستدلال أحيانا، ولكنهم يلمون به إلماما خفيفا، ويأخذون منه بمقدار يسير، ويستعينون ~~عليه بتخير اللفظ وتجويده، والارتقاء بالأسلوب عما ألف أصحاب المناظرة والجدل. فأما ~~صاحبنا فلا يحفل من هذا بشيء، وإنما الذي يعنيه أن يصحح معناه ويقومه، ويؤديه إليك في ~~لفظ صحيح واضح مستقيم، ولا عليه أن ينحرف اللفظ والأسلوب عما ألف أصحاب الصناعة ~~والتجويد. # معناه آثر عنده من لفظه، والصواب أحب إليه من التزويق، فسواء عليه إذا حقق الفكرة ~~وحصلها في نفسه وفي نفسك أن تخطئه الصورة الرائعة الرائقة. وأما لفظه فقد وقفت منه عند ~~ما بينت لك آنفا، ولكني وقفت منه بنوع خاص عند هذه القوافي الأربع التي لم تشترك في ~~الحرف الأخير فحسب، ولكنها اشتركت فيه وفي الحرف الذي يسبقه، فهي لم تشترك في الباء وحدها، ~~وإنما اشتركت في الباء والعين: «صعب»، و«رعب»، و«شعب»، و«قعب». وقد كنت أعلم أن بعض الشعراء ~~قد يوفقون أحيانا إلى تقفية قصائدهم على حرفين، يبلغون ms056 ذلك عفوا، وفي غير جهد، أو ~~يبلغون ذلك عن إرادة وتعمد، وإطالة للكد، وإعمال للفكر؛ ولكني فيما قرأت من هذا الشعر ~~القليل لم ألاحظ قط أن القافية تسلطت على الشعر، فحكمته ودبرت أمره، ونسقت ~~لفظه وأسلوبه ومعناه كما تفعل في هذه الأبيات. # فما أشك في أنك تقرأ قصيدة كثير: # خليلي هذا ربع عزة فاعقلا # قلوصيكما ثم ابكيا حيث حلت # فلا تتردد في أن الشاعر قد تعمد التزام اللام والتاء، ولكنك في الوقت نفسه لا تشعر ~~بأن كثيرا قد لقي في ذلك جهدا، أو احتمل فيه عناء، وإنما يخيل إليك أنه دعا الألفاظ ~~فاستجابت له، وأهاب بها فأسرعت إليه. وأوضح من ذلك وأظهر أنك لا تحس في بيت من ~~أبيات هذه القصيدة أن القافية هي التي نظمت البيت ودبرت أمره، ووضعت بعض ألفاظه ~~بإزاء بعض، وأجرته على الأسلوب الذي جرى عليه، وإنما تشعر بأن البيت قد نظم، ~~فألفت ألفاظه، واطرد أسلوبه، ومضى حتى انتهى إلى قافيته انتهاء هادئا مطمئنا ~~مريحا. تشعر بأن البيت هو الذي دعا القافية، لا بأن القافية هي التي دعت البيت. فإذا ~~قرأت هذه الأبيات الأربعة لم تجد لهذا الشعور في نفسك أثرا، وإنما أحسست إحساسا قويا أن ~~كلمة «صعب»، هي التي نظمت البيت الأول، وألفت ألفاظه، واختارت له هذا الأسلوب، وأن ~~الشاعر قد وجد هذه الكلمة أولا، ثم نظم لها البيت بعد ذلك، وكذلك «الرعب» و«الشعب» ~~و«القعب». # تحس أن الشاعر قد أراد كلمات تنتهي بعين وباء، فاجتمعت له هذه الكلمات الأربع، فلما ~~اجتمعت له التمس معنى ينظم فيه شعرا على أن تكون هذه الكلمات قوافي لهذا الشعر. وما ~~زال يلتمس المعاني حتى وجد معناه هذا فأخذ يمده ويوسعه، ويدور حوله، ويمهد له، حتى ~~تحققت له هذه الصور الأربع، وهي أن الموت مريح، فيجب أن تكون الطريق إليه صعبة، وأن المجد ~~عسير، فيجب أن تقاسى الشدائد المخوفة في سبيله، وأن افتراق الأجسام لا يهيئها لاحتمال ~~الثقل، وإنما تتهيأ له إذا اجتمعت أجزاؤها، وأن الدليل على ذلك أن الراعي ms057 يستريح من ~~الرعي وأثقاله إذا مات ، ويشقى بالرعي ومتاعبه إذا عاش. # فالصورة الأولى تتفق مع كلمة صعب، والصورة الثانية تأتلف مع كلمة الرعب، والصورة الثالثة ~~تلائم كلمة الشعب، وأي شيء يوافق الراعي إلا القعب، وأي شيء يوافق القعب إلا ~~الراعي؟ # وإذن فالشاعر لم يعمل في معناه وحده، ولا في لفظه وحده، ولا في أسلوبه وحده، وإنما ~~عمل فيها جميعا، ولقي شيئا من الجهد غير قليل في حملها على أن تلتقي وتأتلف، ~~ويطمئن بعضها إلى بعض، ثم في تمكينها بعد ذلك من أن تلقى نفوسنا فتألفها وتمازجها، ولا ~~تشق عليها. # ووفق أبو العلاء من ذلك إلى ما أحب، فنحن نحس جهده وعناءه، ولكننا لا نبغض هذا ~~الجهد، ولا نضيق بهذا العناء، ولا ننكر ما انتهيا إليه من النتائج. وقد نحتاج إلى شيء من ~~الجهد لنسيغ هذه الأبيات، ونلائم بينها وبين ذوقنا الفني، ولكن أبا العلاء نفسه يعيننا على ~~هذا الجهد ويشاركنا فيه، يعيننا عليه بشيء أحسه إحساسا قويا، ولكني لا أجد يسرا في ~~تحقيقه، ولا في تحديده، ولا في تعيين موضعه من هذا الشعر. أتراه في المعنى الذي لا نكاد ~~ندنو منه حتى تتلقاه نفوسنا هشة له مستريحة إليه؛ أتراه في اللفظ الذي مهما يكن حظه من ~~التكلف فإن له من الجزالة حظا يرضي ذوقنا؛ أتراه في الأسلوب الذي مهما يكن حظه ~~من الالتواء فإن فيه ما يصور جهدا محببا إلى النفس، مثيرا لعطفها وإعجابها، لا ~~لأعراضها وازورارها، أم تراه في هذا كله، وفي شيء آخر يضاف إليه وهو أن أبا العلاء كان خفيف ~~الروح، حلو الشمائل، رضي النفس، سمح الطبع، يصدر عنه الشعر المتكلف الذي يستسمج ~~من غيره، فإذا نحن نلقاه باسمين له، مستريحين إليه؟ لا أدري! ولكني أقرأ هذه الأبيات، وأشعر ~~بما فيها من تكلف وجهد فلا أنكرها، ولا أضيق بها، وإنما أحبها وأستعيدها، ولا أدعها حتى ~~أثبتها في نفسي. # وقف عند البيت الثاني، وانظر إلى قوله: «شدائد من أمثالها وجب الرعب»، فلو أني صادفت ~~هذه الصيغة عند شاعر ms058 غير أبي العلاء، عند المتنبي مثلا ، أو أبي تمام لأشبعته لوما ~~ونقدا وتأنيبا، ولكني حين صادفت هذه الصيغة في شعر أبي العلاء لم أزد على أن ~~ابتسمت، ثم استعدت البيت فضحكت ضحكا خفيفا، ثم أحببت هذا الأسلوب في هذا الموضع، ~~واطمأننت إليه. قل إني أوثر أبا العلاء وأحابيه، وأرضى منه أشياء لا أرضاها من غيره، فقد ~~لا تخطئ ولا تبعد، وأظنني نبهتك إلى ذلك في أول هذا الحديث، وقلت غير مرة: إني ~~لا أملي كتابا في البحث العلمي، ولا في النقد الأدبي، وإنما أسجل خواطر أثارتها في نفسي ~~عشرة أبي العلاء في سجنه وقتا ما، واستماعي له وهو ينشد شعر اللزوميات. # وهذه الأبيات التي سمعت أبا العلاء ينشدها فأعجبتني من جميع وجوهها أغرتني بكثرة ~~الاستماع للشيخ حين كان يملي شعره هذا على كتابه وطلابه، كما أغرتني بأن ألزم الشيخ ~~في جميع أطوار يقظته العاملة حين كان يخلو إلى نفسه ما أقمت معه في سجنه، فقد كنت حريصا ~~على أن أحصل لنفسي هذه اللذة الفنية العقلية بالاستماع لإملاء الشيخ، وبالفهم عنه، كما ~~كنت حريصا على أن أشهد الشيخ وهو يعاني ألوان الجهد الفني والعقلي، ويصطنع ألوان الحيل ~~ليجمع بها بين المعاني الفلسفية التي لم يألفها الشعر كثيرا في لغتنا العربية وبين ~~الألفاظ القريبة والغريبة في هذا النظم العسير، وبهذه القافية الشاقة. # وكانت نتيجة لزومي للشيخ آناء الليل وأطراف النهار شهرا وبعض شهر هي هذه التي أريد أن ~~أصورها لك، وأعرضها عليك. # | الفصل السابع # وأول ما أواجهك به من ذلك وأنا أقدر أنك ستلقاه منكرا له ثائرا عليه، هو أن ~~اللزوميات ليست نتيجة العمل، وإنما هي نتيجة الفراغ، وليست نتيجة الجد والكد، وإنما ~~هي نتيجة العبث واللعب، وإن شئت فقل إنها نتيجة عمل دعا إليه الفراغ، ونتيجة جد جر ~~إليه اللعب. ولأوضح ذلك بعض التوضيح فقد أهدئ من ثورتك، وأحول إنكارك إلى إقرار ~~واعتراف. # فقد لزم أبو العلاء داره لا يبرحها نصف قرن، فقدر أنت نصف القرن هذا كم يكون من سنة، ms059 ~~ومن شهر، ومن أسبوع، ومن يوم ، ومن ساعة. وقدر أنك اضطررت إلى أن تلزم سجنا من ~~السجون، وليكن هذا السجن دارك التي رتبتها كما تريد وتهوى أثناء هذا الدهر الطويل. فهل ~~تتصور احتمالك للإقامة في هذا السجن أثناء هذه الأعوام المتصلة في حياة مطردة مستوية، يشبه ~~بعضها بعضا كما يشبه الماء الماء؟ وهل تقدر أن القوانين المدنية الحديثة حين أرادت أن ~~تشق على المجرمين، وتلائم بين جرائمهم الشنيعة، وآثامهم القبيحة، وما تترك هذه الآثام، ~~وتلك الجرائم في حياة الأفراد والجماعات من آثار ليست أقل منها شناعة وقبحا، وبين ~~العقوبات المكافئة لها الرادعة لهم ولأمثالهم عنها وعن أمثالها، قد فرضت السجن مع ~~الفراغ، أو مع العمل اليسير أو الشاق آمادا تختلف طولا وقصرا، ولكنها لا تبلغ نصف ~~هذا الدهر الذي لزم فيه أبو العلاء سجنه، بل لعلها لا تتجاوز ثلثه في أكثر الأحيان. ومن ~~الحق أن أبا العلاء لم يفرض عليه، ولم يفرض على نفسه الراحة المتصلة، والفراغ المطلق؛ فما ~~أظنه كان يستطيع أن يحتمل ذلك، أو يصبر عليه، ولكنه كان يقرأ كثيرا، ويملي كثيرا، ~~ويلقى التلاميذ والطلاب والزائرين، فيتحدث إليهم ويسمع منهم. # ولكن هذا كله على كثرته وتنوعه لا يستطيع أن يملأ وقت الشيخ، ولا أن يغير ما فيه من ~~التشابه والاستواء والاطراد، ولم يكن أبو العلاء ينفق وقته كله مع الناس قارئا أو ممليا ~~أو متحدثا، وإنما كان ينفق بعض هذا الوقت في هذه الأعمال، وينفق بعضه الآخر فارغا لنفسه ~~خاليا إليها. ولعل الوقت الذي كان يفرغ فيه لنفسه، ويخلو فيه إليها أن يكون أكثر من ~~الوقت الذي يلقى فيه الناس، أو أن يكون مساويا له، أو أن يكون أقل منه شيئا. وهو قد كان ~~على كل حال وقتا طويلا يتكرر في كل يوم دون انقطاع، لا أثناء عام أو أعوام، بل أثناء ~~عشرات الأعوام. ولم يكن أبو العلاء إذا خلا إلى نفسه شغل عنها بالحديث إلى زوجه أو ~~بمداعبة بنيه، وما أحسبه كان يتحدث إلى خادمه فيطيل الحديث، ms060 وما أرى إلا أن خادمه كان ينصرف ~~عنه إذا انصرف الناس بعد أن يرتب له من أمره ما يحتاج إلى الترتيب. ولم يكن أبو العلاء ~~إذا خلا إلى نفسه يستطيع أن يقطع الوقت بالقراءة. فهو لم يكن يقرأ إلا إذا وجد قارئا؛ لأنه ~~كان كما حدثنا مستطيعا بغيره، ولم يكن يكتب أيضا لنفس هذا السبب، وما أرى أنه عرف ~~الكتابة والقراءة التي يعرفها أمثاله من المكفوفين وإن أشار إلى هذا النحو من القراءة في ~~قوله: # كأن منجم الأقوام أعمى # لديه الصحف يقرأها بلمس # فلم يحدثنا أحد بأنه قرأ وكتب بيده، وإنما حدثنا هو بأنه استطاع دائما بغيره، ~~وسمى لنا بعض الذين أعانوه على القراءة والكتابة، وشكر لهم ما أسدوا إليه من معونة. ~~كان إذن يخلو إلى نفسه وإلى وقته، ولا يجد من الناس، ولا من القراءة، ولا من الكتابة، ~~ولا من أي عمل من الأعمال اليدوية ما يعينه عليها. وما أرى أنه كان كثير النوم، وإنما ~~كانت حياته القانعة الخشنة خليقة أن تؤرقه، أو أن تجعل حظه من النوم قليلا. فماذا كان ~~أبو العلاء يصنع أثناء ساعات الفراغ تلك التي كانت تفرض عليه في كل نهار، وفي كل ليل، ~~وفي كل أسبوع، وفي كل شهر، وفي كل عام أثناء نصف قرن؟ كان يفكر، ولكن يفكر في ماذا؟ يفكر ~~فيما كان قد حصل من علم وأدب وفلسفة، وفيما كان يقرأ عليه من ذلك، وفيما كان ~~يتهيأ لإملائه منه على الطلاب والتلاميذ. # ونحن نعرف أن غير أبي العلاء من الأدباء والفلاسفة والمعلمين المبصرين قد شغلوا ~~بالتفكير وبالإنشاء وبالتعليم، قرأوا وفكروا فيما قرأوا، وأملوا واستعدوا ~~للإملاء، وأنشأوا وجدوا في الإنشاء، ولكن هذا كله لم يملأ أوقاتهم، ولم يشغلهم عن الحياة ~~الاجتماعية، ولا عن الحياة المنزلية الخاصة. ولم يحرمهم الاستمتاع بما أبيح لهم من طيبات ~~الحياة، بل لم يرد بعضهم عن الاستمتاع بما حرم عليهم من سيئات الحياة. فهم قد وجدوا ~~الوقت للتحصيل والإنتاج، والمشاركة في الحياة الاجتماعية والمنزلية، وهم قد وجدوا مع ذلك ms061 ~~أوقاتا للفراغ والراحة. فما ظنك برجل كأبي العلاء قد صرف عن الحياة الاجتماعية، وعن ~~الحياة المنزلية، وعن طيبات الحياة وسيئاتها، وكف بصره فلم يشغله حتى النظر إلى ~~ما حوله من الأشياء؟ إذن فقد كانت أوقات الفراغ لأبي العلاء طويلة شاقة أطول مما يستطيع، ~~وأشق مما يطيق؛ ولم يكن له بد من أن يستعين على هذه الأوقات بما يسليه ويلهيه في ~~براءة للنفس ونقاء للقلب وطهارة للضمير حتى يدركه النوم، وحتى يدخل عليه الطلاب ~~والزائرون. وبماذا تريد أن يتسلى ويتلهى في براءة وطهارة ونقاء، وفي خلو إلى النفس ~~وانقطاع عن الناس واستغناء عنهم أيضا؟ لا بد له من أن يلتمس التسلية والتلهية عند ~~نفسه وعند نفسه وحدها وقد فعل! فاستجابت له ذاكرة قوية، وحافظة نادرة، وعقل ~~ذكي بعيد آماد التفكير. فأما ذاكرته أو حافظته فقد وجد فيها ألفاظ اللغة العربية ~~كلها أو أكثرها على أقل تقدير. وجد فيها ما سمع من الشيوخ، وما قرأ في الكتب، وما روى ~~من الشعر، وما وعى من الأخبار والآثار. وأما عقله فقد وجد فيه ما حصل من العلم على ~~اختلاف ألوانه، ووجد فيه بنوع خاص هذه القدرة على استقصاء الأشياء، والنفوذ إلى ~~أعماقها. # ونظر أبو العلاء فرأى نفسه بين هذه الألفاظ التي لا تكاد تحصى، وبين هذه المعاني والآراء ~~التي لا تكاد تحصى أيضا. ولم يجد معه إلا هذه المعاني وتلك الألفاظ، ثم نظر فوجد ~~أوقات فراغ طويلة لا يطاق احتمالها، ولا يمكن الصبر عليها، فما قيمة ما حفظ من اللغة، ~~وما قيمة ما حصل من العلم إذا لم يعيناه على قطع أوقات الفراغ هذه. غيره من الناس يلعب ~~النرد والشطرنج، ويضرب في الأرض، ويلم بالمجالس والأندية، ويجد في كسب القوت، ويستمتع ~~بألوان اللذات، وليس هو في شيء من هذا، فلم لا يلعب بهذه الألفاظ؟ ولم لا يلعب بهذه ~~المعاني؟ ولم لا يتخذ من الملاءمة بينها على أكثر عدد ممكن من الأوضاع والأشكال والضروب ~~سبيلا إلى التسلية والتلهية، والاستعانة على الفراغ؟ أما أنا فما أشك ms062 في أني لم أخطئ، ~~ولم أخدع نفسي حين اعتقدت أني شهدته يعبث بالألفاظ والمعاني ألوانا من العبث؛ ~~لأنه لم يكن يستطيع أن يصنع غير هذا، ألوانا من العبث كثيرة الاختلاف، نثر مرسل، ونثر ~~مسجوع، وشعر حر، وشعر مقيد. والشعر الحر هو الذي يقوله الناس جميعا فيلتزمون أوزانه ~~وقوافيه المعروفة، والشعر المقيد هو الذي يقوله أبو العلاء فيلتزم فيه ما لا يلزم، وهو ~~لا يلتزم ما لا يلزم في القافية وحدها، وإنما يلتزم ما لا يلزم من المعاني أيضا، وهو ~~لا يلتزمه في المعاني التي أودعها ديوان اللزوميات فحسب، وإنما يلتزمها في المعاني ~~التي أودعها كتاب الفصول والغايات أيضا. # وفي هذا الكتاب وفي هذا الديوان يتحدث إلينا أبو العلاء بأنه قصد إلى تمجيد الله والثناء ~~عليه، وهو قد قصد إلى هذا وذاك من غير شك، ولكن أين رأيت شاعرا أو فيلسوفا يفرض على نفسه ~~القول في تمجيد الله، والثناء عليه في كتابين عظيمين يتألف كل واحد منهما من غير مجلد، ~~ويلتزم في أحدهما النظم المقيد بقافيتين لا بقافية واحدة، وربما التزم تقييده بأكثر من ~~قافيتين، ويلزم في ثانيهما هذا النثر المسجع المفصل، الذي تجتمع فيه السجعات ~~ملتئمة فيما بينها التئاما داخليا إن جاز هذا التعبير، ثم تنتهي كل جماعة منها إلى ~~غاية بشرط أن تلتئم هذه الغايات فيما بينها التآما خارجيا؟ # ما حكمة هذا التضييق على النفس والتقييد لها، وأخذها بهذا العنف الشديد في اللفظ وفي ~~المعنى، وفي الأسلوب وفي الغرض؟ # وقد قلت في غير هذا الكتاب: إن حكمة هذا التحرج تتصل بحياة أبي العلاء نفسها، وبالقانون ~~الفلسفي الصارم الذي أخذ نفسه به، وأخضعها له في حياتها المادية والعقلية من التزام العزلة، ~~والإعراض عن النسل، والانصراف عن لذات الحياة، والإقبال على ألوان الرياضة العنيفة الشاقة. ~~وهذا صحيح، ولكن من الصحيح أيضا أن أبا العلاء تسلى بالشدة عن الشدة، وتلهى ~~بالرياضة عن الرياضة، واستعان على احتمال ما فرض على نفسه من العنف بتنويع هذا العنف ~~نفسه، والافتنان فيه. وقد كان أبو العلاء ms063 يستطيع أن يمجد الله في كلام سهل مرسل، فيريح ~~نفسه من هذا الجهد الثقيل الذي احتمله في الإنشاء، ويريح قراءه من هذا الجهد الثقيل الذي ~~يحتملونه في القراءة والفهم. وكان أبو العلاء يستطيع أن يمجد الله، ويذم الدنيا، وينقد ~~حياة الناس، ويناظر الفلاسفة، ويخاصم الفرق، ويناقش ما جاءت به الأديان في نثر مرسل، أو ~~في شعر سمح حر، فيريح نفسه من هذه القيود والأغلال التي احتمل ثقلها، ويريح قراءه مما ~~يتكلفون من فك تلك القيود، ووضع هذه الأغلال عن معانيه. ولعله إن فعل أن يكون ذلك أدنى ~~لشعره ونثره إلى روعة الجمال الفني الممتاز، وألطف مسلكا إلى قلوب الناس وأذواقهم ونفوسهم، ~~وأشيع لآرائه، وأذيع لمذاهبه، وأنهض لما كان يريد أن يقيم عليها من الحجج والبراهين. ~~ولكنه أعرض عن هذا كله إعراضا، وأخذ نفسه بألوان العنف في إنشاء ما أنشأ، وتأليف ما ~~ألف. وأخذنا نحن بألوان العنف في قراءته وفهمه، واستخلاص أغراضه ومراميه؛ وضيق ~~على مذاهبه ميادينها، وقلل عدد القارئين له، والفاهمين عنه، والمصغين إليه، والمعجبين ~~به. فلماذا؟ لأنه أراد أن يشق على نفسه. نعم! ولكن أليس في تأليف ما ألف من الكتب، ~~وإنشاء ما أنشأ من النثر، ونظم ما نظم من الشعر مشقة كافية، وأكثر من الكافية، لو ~~أنه تحرر من هذه القيود؟ ألأنه أراد أن يشق على الناس فيصرف العامة والدهماء عن ~~الارتقاء إليه؛ اتقاء لشرهم، وتحفظا من أذاهم؟ # هذا ممكن بالقياس إلى بعض المذاهب والآراء لا بالقياس إلى كثرة ما قال في تمجيد الله، ~~ووعظ الناس. وهؤلاء الفلاسفة الذين عالجوا أشق مسائل الفلسفة وأدقها وأعلاها وأرقاها ~~لم يتكلفوا في ذلك هذه القيود اللفظية التي تكلفها أبو العلاء، ومنهم من كان يروض ~~نفسه على الجهد والمشقة، ومنهم من كان يضن بآرائه ومعانيه على السهولة واليسر اللذين ~~يقربانها من أوساط الناس، وأصحاب الثقافة المحدودة، والرأي القصير، فلا يتحرج هذا التحرج ~~اللفظي الذي التزمه أبو العلاء؛ وإنما يعمد إلى الرمز والإيماء، وإلى الإشارة والتلميح، ~~ويظفر من ألغاز معانيه بما يريد، بل ms064 يظفر من ذلك بأكثر مما ظفر به أبو العلاء. # ففي اللزوميات مشقة على القارئ وإجهاد له، ولكنها مشقة تحتمل وإجهاد يطاق. ~~ولعل القارئ أن يجد في هذه المشقة لذة حين يقهرها، ولعله أن يجد في هذا الجهد متعة ~~حين يظهر عليه، وهو منته آخر الأمر إلى الفهم عن أبي العلاء، والوصول إلى أغراضه ومراميه. ~~كلا! لم يرد أبو العلاء أن يعذب نفسه، ويشق عليها وعلى الناس فحسب، وإنما أراد مع ~~ذلك أن يسلي نفسه ويرفه عليها، ويبهر الناس ويكرههم على إكباره والإعجاب ~~به. # وأخرى يحسن أن تفكر فيها، وهي أن أبا العلاء لم يلتزم ما لا يلزم في قصيدة أو ~~قصيدتين، أو في طائفة من القصائد والمقطوعات، ولم يلتزم ما لا يلزم في طائفة من الفصول ~~والغايات، وإنما التزم ما لا يلزم في عدد ضخم من القصائد والمقطوعات، وفي عدد ضخم من ~~الفصول والغايات أيضا. أحصى حروف المعجم فوجدها ثمانية وعشرين حرفا، ثم أحصى الحركات التي ~~يمكن أن تختلف على هذه الحروف فوجدها ثلاثا، وأضاف إليها السكون، فحصلت له من هذا أشكال ~~أربعة للقافية. فلما استقام له هذا الحساب أخذ نفسه بأن ينظم شعرا يقفيه بكل هذه ~~الحروف مضمومة ومفتوحة ومكسورة وساكنة. ولو قد اكتفى بذلك لكان فيه الجهد كل الجهد، ~~والعناء كل العناء، ولكنه أضاف إليه التزام الحرف الذي يسبق القافية في البيت الأول من ~~القصيدة أو المقطوعة، بحيث لا توجد القافية في أي بيت من أبيات القصيدة أو المقطوعة، إلا ~~ومعها هذا الحرف الذي سبقها في البيت الأول كما رأيت في «الصعب» و«الرعب» و«الشعب» ~~و«القعب». # أفتظنه لم يفعل هذا إلا لأنه أراد أن يروض نفسه على الجهد في الإنشاء؟ كلا! بل هو قد ~~فعل هذا لذلك، وليسلي عن نفسه ألم الوحدة، ويهون عليها احتمال الفراغ، وليشعرها ~~ويشعر الناس بأنه قد ملك اللغة، وسيطر عليها، فهو قادر على أن يسخرها لما يشاء، ~~ويصرفها كما يريد، ويعبث بها إن أراد العبث، ويجد بها إن أراد الجد، بل ليعبث بها ~~أثناء ms065 الجد في كثير من الأحيان! # فلم أكن إذن مسرفا ولا غاليا حين قلت: إن اللزوميات نتيجة الفراغ واللعب، أو ~~نتيجة العمل الذي دعا إليه الفراغ، والجد الذي جر إليه اللعب. ولكن أبا العلاء لا يقف ~~بعبثه الفلسفي البريء عند هذا الحد، وإنما يتجاوزه أحيانا إلى فنون أخرى من العبث ليست أقل ~~منه تسلية وتلهية له ولنا، وليست أقل منه إثارة لرضائه عن نفسه، وإثارة لإعجابنا به. ~~ويكفي أن أنبه الآن من هذا العبث على ألوان ثلاثة فيها تفكهة ممتعة حقا. فأولها: العبث ~~بالنحو أو بالصرف إن شئت أو بهما جميعا. وأيسر الأمثلة لهذا العبث بيتاه المشهوران: # ما لي غدوت كقاف رؤبة قيدت # في الدهر لم يقدر لها إجراؤها # أعللت علة «قال» وهي قديمة # أعيا الأطبة كلهم إبراؤها # فقد أشار في البيت الأول إلى أرجوزة رؤبة القافية التي ألزم رويها السكون، ولا يمكن ~~أن يتحول عنه إلى حركة ما، يشير إلى حياته التي طالت عليه وألزمته سجنيه أو سجونه الثلاثة. ~~وأشار في البيت الثاني إلى اعتلال «قال»، وما يشبهها من الأفعال التي تنقلب واواتها ~~وياءاتها في وسطها إلى الألفات، فلا يمكن أن تتحول عنها، ولا أن تبرأ منها. يريد أن ~~حياته قد طالت عليه وثقلت، وألزمته سجونه، وما فيها من علل وآلام، ويفسر هذين الرمزين قوله ~~بعد ذلك: # طال الثواء وقد أنى لمفاصلي # أن تستبد بضمها صحراؤها # فترت ولم تفتر لشرب مدامة # بل للخطوب يغولها إسراؤها # مل المقام فكم أعاشر أمة # أمرت، بغير صلاحها أمراؤها # وما أراني أخطأت حين رأيت رضاه عن هذين البيتين، وحين سمعته يكرر إنشادهما في خلوته ~~إلى نفسه في ظلمة الليل أو في وضح النهار، فكلاهما ظلمة بالقياس إلينا جميعا. وما أراني ~~أخطأت حين رأيت كتابه وطلابه الذين لم يكونوا يكتبون يعجبون بهذين البيتين حين ~~أملاهما الشيخ ذات صباح أو ذات مساء، أشد الإعجاب ويستعيدونهما مرة ومرة؛ لأنهم كانوا ~~يحبون أن يسمعوهما من الشيخ ينشدهما في صوته الممتلئ الشاحب، وعلى وجهه ابتسامة ليست أقل ~~شحوبا من صوته، ms066 ولكنها تدل على الرضا بهذا الفوز الفني الظريف. # وما أظنني أخطأت حين سمعت الكتاب والطلاب يرددون هذين البيتين بعد انصرافهم عن ~~الشيخ، يريدون أن يحفظوهما، ويقروهما في قلوبهم. # واللون الثاني من ألوان هذا العبث الذي كان يتفكه به أبو العلاء، ويفكه به طلابه ~~وقراءه هو عبثه بالألفاظ اللغوية: يوردها مشتبهة، ثم يفسرها كما يفسر علماء اللغة ~~ما يعرض لهم من الألفاظ المشكلة، وبنفس الأسلوب الذي يفسرون به هذه الألفاظ. ولست أضرب ~~لذلك إلا مثلين اثنين. أحدهما قوله: # نوديت ألويت فانزل لا يراد أتى # سيري لوى الرمل بل للنبت إلواء # وقد زاد هذا التفسير إيضاحا بقوله بعد هذا البيت: # وذاك أن سواد الفود غيره # في غرة من بياض الشيب أضواء # والثاني قوله: # وكل أديب أي سيدعى إلى الردى # من الأدب لا أن الفتى يتأدب # فانظر إليه في البيت الأول كيف استعمل لفظ «ألويت»، ثم فسره مبينا أنه لم يشتق من ~~اللوى الذي يكون من الرمل، وإنما اشتق من ألوى النبات إذا تغير وذوي. # وانظر إليه في البيت الثاني كيف استعمل لفظ الأديب الذي يمكن أن يتوهم اشتقاقه من ~~الأدب بفتح الدال، ثم فسره مبينا أنه لم يشتق من هذا اللفظ، وإنما اشتق من ~~الأدب بسكون الدال، وهو الدعاء إلى الطعام. # ويذكر هذا البيت بقوله في قصيدة أخرى: # وما أدب الأقوام في كل بلدة # إلى المين إلا معشر أدباء # واللون الثالث من ألوان هذا العبث أهم من هذين النوعين، وأجل خطرا؛ لأن أبا العلاء ~~لا يقصد به إلى مجرد التظرف الفني، ولا إلى مجرد التفكه، ولا إلى الجمال الفني الخالص وحده، ~~وإنما يقصد به إلى هذا كله، وإلى إظهار البراعة والتفوق اللغوي ما في ذلك شك. وهو نوع من ~~الجناس ظريف، يلتزم فيه أبو العلاء لفظ القافية نفسه في أول البيت أو في وسطه بحيث ~~يتكرر هذا اللفظ في البيت الواحد مرتين، ويدل على معنيين مختلفين، فيجمع بين الجناس ~~وبين ما يسميه أصحاب البديع رد الصدر على العجز. وربما اكتفى أبو العلاء ms067 أحيانا بالجناس ~~المقارب الذي لا تتشابه فيه الحروف كلها في الكلمتين، وإنما يتشابه أكثرها. ولو أن أبا ~~العلاء عمد إلى هذا الجناس في البيت بين حين وحين لكان هذا منه مستظرفا مستحبا كشأنه في ~~هذا العبث اللغوي، أو في ذلك العبث النحوي، ولكنه يلتزمه في القصيدة كلها أو في أكثرها. ~~والغريب أنه إذا عمد إلى هذا النوع من الجناس في قصيدة طولها، وتجاوز بها قدر ~~المألوف من القصائد والمقطوعات في اللزوميات مبالغة في إظهار براعته وتفوقه، وسيطرته ~~على اللغة. وكيف لا وهو يلتزم ما لا يلزم مرتين، مرة في أول البيت ومرة في آخره، ويلتزمه ~~في القصيدة الطويلة المسرفة في الطول! # ولست أضرب لهذا مثلا بالبيت أو البيتين، وإنما أروي لك من اللزوميات قصيدة أو قصيدتين ~~كاملتين لتشاركني في هذا الابتسام الذي لا يفارقني أثناء قراءتي لهذا النحو من الشعر، والذي ~~يصور ما أراد أبو العلاء أن يثيره في نفوسنا من الإعجاب به، والإيمان له بالبراعة ~~والسبق. # ولعل من الخير أن تستريح مني لحظة إلى أبي العلاء نفسه. # خوى دن شرب فاستجابوا إلى التقى # فعيسهم نحو الطواف خوادي # توي دين في ظنه ما حرائر # نظائر آم وكلت بتوادي # رويدك لو لم يلحد السيف لم تكن # لتحمل هام الملحدين هوادي # تغيرت الأشياء في كل موطن # ومن لجواد، نائلا بجواد؟ # فما للسوادي بالمعاشر في الدجى # لقد غفلت عن رحلة بسواد # وليس ركابي عن رضاي عوادنا # ولكن عداها أن تسير عوادي # أتجمع في ربع قيان كأنها # شوادن باللحن الخفيف شوادي؟ # بواد نأت عنه العيون وعنده # بوادن للأمر القبيح بوادي # وما تشبه الشمس الروادن مردا # كخيل بميدان الفسوق رواد # وكل رواد لا تصاب أبية # متى نوزعت في منطق لرواد # فهل قاتل منهن غيداء مرة # فواد وهل للمومسات فوادي؟ # تفرعت الجرد العراب لعزة # كوادن بين المقرفات كوادي # تروح إليهن الغواة عشية # وهن على ضد الجميل غوادي # حوى دين قوم مالهم فنفوسهم # إلى الفتكات المخزيات حوادي # وقامت على أهل الرشاد نوادب # وغصت بأهل المنديات نوادي # أوى ms068 دير نصرانية متظاهر # بنسك ألا إن الذئاب أوادي! # سوى ديدن الجهال يذهب عنهم # وقد طال جهري فيهم وسوادي # وتدري المواضي ما دواء دوائب # يبتن، لرهط المرء شر دوادي # وإن دوادا حين أنكر عقله # لغير مقيت عند أم دواد # أتأمل ريا بالورود ركائب # صوادر عن صداء وهي صوادي؟ # ولكن هذه القصيدة قصيرة، وهي على قصرها تغني في التمثيل بما أردت التمثيل له، وفي ~~إثبات ما أردت إثباته، ولها نظائر كثيرة في اللزوميات. # ولكني مع ذلك لا أكتفي بها، وإنما أروي لك قصيدة أخرى أطول منها جدا؛ لتزداد علما ~~بالبراعة اللفظية لأبي العلاء، واقتناعا بأنه كان يسلي نفسه بهذا العبث الفني، وابتساما ~~لهذه التسلية الساذجة، التي كان الناس يعجبون بها أشد الإعجاب في ذلك العصر، والتي نعجب ~~نحن بها الآن، ولكن مع ابتسام يوشك أن يكون ضحكا، بل إغراقا في الضحك. # وقد كنت أستطيع أن أنبهك إلى موضع القصيدة من اللزوميات، وأكتفي بذلك من روايتها، ~~ولكني أشفق عليك من الكسل، وأخشى ألا يكون الديوان قريبا منك وأنت تقرأ هذا الحديث، ~~فأعتمد على الله في إثبات هذه القصيدة، واعتمد أنت على الله في قراءتها، وسنلتقي بعد ~~الفراغ من هذه القراءة إن شاء الله. # أواني هم فألقى أواني # وقد مر في الشرخ والعنفوان # وضعت بواني في ذلة # وألقيت للحادثات البواني # ثواني ضيف فلم أقره # أوائل من عزمتي أو ثواني # فيا هند وان عن المكرما # ت من لا يساور بالهندواني # زواني خوف المقام الذمي # م عن أن أكون خليل الزواني # رواني صبري فأضحت إلي # عيون على غفلات رواني # عواني قضاء دوين المراد # وما بكر شأنك مثل العوان # وهل جعل الشائمات الوميض # تواني غير اتصال التواني # فما لركابك هذي الوقوف # عدا حادييها الذي يرجوان # حواني للورد أعناقها # وما علمت أي وقت حواني # ولم يلق في دهره أجربي # هواني فلينأ عني هواني # وعندي سر بذي الحديث # كنت عنه في العالمين الغواني # إذا رملة لم تجئ بالنبات # فقد جهلت أن سقتها السواني # جريت مع الدهر جري المطيع # بين ms069 اللياحي والأرجواني # كأني في العيش لدن الغصو # ن من شاء قومني أو لواني # ولا لون للماء فيما يقال # ولكن تلونه بالأواني # وفي كل شر دعته الخطوب # شواسع منفعة أو دواني # وأجزاء ترياقهم لا تتم # إلا بجزء من الأفعوان # فلا تمدحاني يمين الثناء # فأحسن من ذاك أن تهجواني # وإني من فكرتي والقضا # ء ما بين بحرين لا يسجوان # وأن النهار وأن الظلام # على كل ذي غفلة يدجوان # وكيف النجاء وللفرقدي # ن فضل وآليت لا ينجوان # فلم تطلبا شيمي ناشئين # وعما لطفت له تجفوان # فإن تقفوا أثري تحمدا # وإن تعرفا النهج لا تقفوان # وقد أمر الحلم أن تفصحا # ونادى بلطف: ألا تعفوان # فلن تقذيا باغتفار الذنوب # ولكن بغفرانها تصفوان # ولولا القذى طرتما في الهواء # وفي اللج ألفيتما تطفوان # فكونا مع الناس كالبارقين # تعمان بالنور أو تخفوان # فلم تخلقا ملكي قدرة # إذا ما هفا الإنس لا تهفوان # ألم تريا عصري دهرنا # يئودان بالثقل أو يأدوان # وما فتئ الفتيان الحياة # يروحان بالشر أو يغدوان # عدوان ما شعرا بالحمام # فكيف تظنهما يعدوان # ألا تسمع الآن صوتيهما # بكل امرئ فيهما يحدوان # وما كشف البحث سريهما # وما خلت أنهما يبدوان # وكم سروا عالما أولا # وما سروا. فمتى يسروان # وبينهما أهلك الغابري # ن ما يقريان وما يقروان # إذا ما خلا شبحي منهما # فما يقفران ولا يخلوان # قلينا البقاء ولم يبرحا # بنا في مراحله يقلوان # وكم أجليا عن رجال مضوا # وأخبار ما كان لا يجلوان # كما خلقا غبرا في العصو # ر لا يرخصان ولا يغلوان # تمر وتحلو لنا الحادثات # وما يمقران ولا يحلوان # إذا تلوا عظة فالأنا # م لا يأذنون لما يتلوان # مغذان بالناس لا يلغبان # وسيفان لله لا ينبوان # ولو خلقا مثل خلق الجياد # رأيتهما في المدى يكبوان # لعلكما إن تهب الصبا # إلى بلد نازح تصبوان # فلا ريب أن الذي تحبيا # ن أفضل منه الذي تحبوان # فعيشا أبيين للمخزيا # ت مثل السماكين لا تأبوان # إذا شبت الشعريان الوقود # ففي الحكم أنهما تخبوان # وكونا كريمين بين الأني # س لا ms070 تنملان ولا تأثوان # إذا الخل أعرض لم تلفيا # لسوء أحاديثه تنثوان # وإن لم تهيلا إلى معدم # طعاما فيكفيه ما تحثوان # وجهل مرادكما في المقي # ظ عهدا من الورد والأقحوان # وما الحاديان سوى الجندبي # ن في حر هاجرة ينزوان # وما أمن البازيان القصاص # وأن يؤخذا بالذي يبزوان # فإن تهملا كل ما تخزنان # فلم يأت بالخزي ما تخزوان # ولا توجدا أبدا كاهنين # تروعان قوما بما تخزوان # ونصا إلى الله مغزاكما # فذلك أفضل ما تغزوان # ولا تعزوا الخير إلا إليه # فيجنى الشفاء بما تعزوان # وإن عريت كاسيات الغصو # ن فلتكسوا الدفء من تكسوان # وضنا بعمركما أن يضيع # ولا تفنيا وقته تلهوان # بذكر إلهكما فأبها # لعلكما بالتقى تبهوان # فيا رب طاهي صلال يبي # ت متخذا طعمه يطهوان # 1 # وسيرا وساعين في المكرما # ت لا تدلجان ولا تقطوان # مطابكما قدر لا يزال # جديداه في غفلة يمطوان # فويح لخاطئتي مارد # تنصان في ماله تخطوان # فأيسر ما تلاحظه في هاتين القصيدتين، وفي أمثالهما بين قصائد اللزوميات ومقطوعاتها، ~~وهو كثير كما قدمت، أن أبا العلاء يعنى فيها بالألفاظ أشد العناية وأقواها، كأنه قد ~~أخذ على نفسه عهدا أن يستخرج منها كل ما يستطيع استخراجه؛ وأن يخضعها لكل ما ~~يستطيع إخضاعها له، ويصرفها في كل ما يمكن تصريفها فيه. فقد رأيت تحكمه فيها ~~من جهة القافية، واشتراطه على نفسه في هذا الديوان ألا يقفي على حرف واحد، بل على ~~حرفين دائما، وعلى ثلاثة أحرف أحيانا، وبشرط ألا يضطره ذلك إلى إفساد المعنى، أو ~~الانحراف عن مستقيم القول إلى محاله. وتلاحظ في هذه القصائد التي يصطنع فيها هذه ~~الأنواع من الجناس، ويرد أعجازها على صدورها أنه يتحكم في الألفاظ تحكما من نوع ~~آخر. فهو يلتزم ما لا يلزم في أول البيت كما يلتزمه في آخره، وهو يلتزمه في القصيدة كلها ~~أو في أكثرها. وهو يكره الألفاظ التي لا توافق بينها أحيانا على أن تلتئم، وعلى أن ~~تلتئم دون أن تغير من المعنى قليلا ولا كثيرا، وعلى أن تلتئم دون أن ms071 تنبو عن ~~الطبع أو ينبو الطبع عنها نبوا قبيحا. فإذا كان شيء من هذا النبو، فلا بد من أن ~~يحدث للسمع أو للنفس لذة ما، كهذا التخالف الذي يحدثه أصحاب الموسيقى بين الأنغام، ~~قاصدين له، عامدين إليه، يتخذونه جزءا من نظامهم الموسيقي. # فانظر إلى هذا البيت مثلا، وما أكثر أشباهه في هاتين القصيدتين وفي أمثالهما: # خوى دن شرب فاستجابوا إلى التقى # فعيسهم نحو الطواف خوادي # أترى إلى الشطر الأول منه كيف يؤدي معناه أداء حسنا دون أن يظهر فيه تكلف أو ~~تعسف أو إكراه للفظ على ما لا يريد! وأي شيء أيسر من أن يقول الشاعر: إن جماعة من ~~الفساق قد استجابوا إلى التقى؛ لأنهم لم يجدوا ميدانا للفسق؟ عكفوا على ما كان عندهم ~~من الخمر، فلما استنفدوه استجابوا إلى التقى. ثم انظر إلى الشطر الثاني فستراه نتيجة ~~للشطر الأول، فإبل هؤلاء الناس تسرع بهم إلى الحج، ولكنك تصادف هذا التوافق اللفظي بين ~~أول البيت وآخره، فتدهش له وتقف عنده، وتحس أن الشاعر لم يصل إليه عفوا، ولم ~~يبلغه في غير تكلف ولا جهد، ولكنه اختار عن عمد كلمة «خوى»، وكلمة «الدن»؛ ليجمع في ~~أول البيت بين الخاء والواو والألف والدال التي لا بد له من أن يختم بها البيت، وليتحقق ~~له بذلك الجناس على بعض أشكاله كما يتحقق له التزام ما لم يلزم في أول البيت وفي آخره. ~~فإذا وصلت إلى هذا فستستبين فورا أن البيت كله نتيجة لهذا التكلف، وأثر من آثاره. ~~ولولا أنه قصد إلى هذا النحو من الجناس لأمكن جدا أن يأتي البيت على غير هذه الصورة، ~~وفي غير هذه الألفاظ. فليس من الضروري أن يعبر الشاعر عن استنفاد الشرب لما عندهم من ~~الخمر بأن دنهم قد خوى، وقد كان يستطيع أن يجد من آنية الخمر أشياء غير الدن، وأن يجد ~~للدلالة على فراغ هذه الآنية فعلا آخر غير خوى. وكذلك كان يستطيع أن يعبر عن إسراع ~~القوم إلى الحج بغير خديان العيس، كما كان يستطيع ms072 أن يصور استجابة القوم إلى التقى ~~بغير الإسراع إلى الحج كالعكوف على الصلاة، أو الانقطاع إلى الصوم. ولكنه محتاج إلى قافية ~~فيها دال مكسورة، وواو بينهما ألف، وقد استعرض ما حفظ من اللغة فوجد كلمة الخوادي، ثم هو ~~محتاج إلى أن يبدأ البيت بما يشاكل آخره، فيستعرض ما يحفظ من اللغة فيجد كلمة خوى وكلمة ~~الدن، ويجتمع له منهما ما يشبه القافية. # وما أكثر ما تجد هذا، قافية تلتزم ويصعب على الشاعر أن يجد كلمة واحدة تشبهها ~~ليبدأ بها البيت، فيؤلف هذا الشبه من كلمتين، يأخذ الكلمة الأولى كلها، ويأخذ حرفا من ~~الكلمة الثانية. وقد فعل هذا نفسه في البيت الذي يأتي بعد ذلك وهو: # توى دين في ظنه ما حرائر # نظائر آم وكلت بتوادي # فالقافية هي التوادي، فيها كما ترى الواو وألف والدال والياء، ولم يستقم للشاعر لفظ واحد ~~في أول البيت يشبه آخره، فحقق هذا الشبه بالجمع بين لفظين، يأخذ اللفظ الأول كله، ~~وفيه التاء والواو والألف، ويأخذ حرفين من اللفظ الثاني، وهما: الدال، والياء. وقد يعجزه ~~تحقيق هذا الشبه مهما يسلك إليه من الطرق، فلا يعدل به ذلك عما قصد إليه من تحقيق ~~الجناس على نحو من الأنحاء، على نحو أوسع من المألوف بحيث لا تخلو القصيدة أو لا يخلو ~~أكثرها من الجناس الصريح، أو الجناس المتوهم. # فانظر إلى هذا البيت: # رويدك لو لم يلحد السيف لم تكن # لتحمل هام الملحدين هوادي # فالقافية هنا هوادي كما ترى، ولم يستطع الشاعر أن يجد كلمة واحدة تشبهها ليبدأ بها البيت، ~~ولا أن يجد كلمة وبعض كلمة، فلم يؤيسه ذلك، ولم يقف به في وسط الطريق. وما له لا يعدل عن ~~الجناس الصريح إلى جناس ملحوظ؟ فإذا قرأت البيت فسترى فيه الهاء والألف في «هام»، وسترى فيه ~~الدال والياء في «الملحدين»، وسترى فيه الواو في «رويدك»، وفي «لو»، وسترى بعض هذه ~~الحروف مكررا في كلمات أخرى، بحيث لا تصل إلى القافية إلا وقد نطقت بحروفها كلها، ~~فأنت تعيد النطق بها ms073 مجتمعة حين تنطق بالقافية . على أنه لم يلبث أن عاد سيرته الأولى ~~فحقق الجناس الصريح بين القافية وغيرها من بعض ألفاظ البيت كما ترى حين تمضي في قراءة ~~القصيدتين. # وأنا واثق بأنك قد تضحك من هذا الكلام إن كنت حسن الاستعداد أثناء قراءته، وقد تضيق به ~~وتعرض عنه إن كنت سيئ الاستعداد حين تبلغ هذا الموضع من الحديث، ولكن هذا لن يغير من ~~الأمر شيئا؛ فقد قصد أبو العلاء إلى هذا العبث اللفظي، وأطال التماسه، وجد في البحث ~~عنه، ورضي حين انتهى إليه، ووجد من سامعيه وقرائه من رضي عنه كما رضي، وابتهج به كما ابتهج. ~~وقد كان هذا التكلف اللفظي شائعا في عصر أبي العلاء، ومن قبل أبي العلاء بزمن طويل، ~~وقد ظل شائعا بعد أبي العلاء، والناس يختلفون في الرضا عنه والسخط عليه. ولست أرضى عنه ~~كل الرضا، ولا أسخط عليه كل السخط، ولا أحب أن أوجه شباب الكتاب إلى هذا المذهب ~~أو ذاك، وإنما أنا أتوسط بين الأمرين، وأحب أن يقاوم شباب الكتاب والشعراء بعض ~~المقاومة هذه الثورة العنيفة التي ثرناها على العناية باللفظ، وأن يقدروا أن للألفاظ ~~في نفسها قيما ذاتية - إن صح هذا التعبير - تقدرها الأذن، وتحدث في النفس ~~لذة موسيقية خاصة، لا ينبغي أن يهملها الأديب، بل يجب أن يعنى بها ما وسعته ~~العناية؛ بشرط ألا تفسد عليه معناه، ولا تضطره إلى الهذيان والاستغلاق. # والمهم هو أن أبا العلاء لم تصرفه فلسفته العليا، ولا زهده في زخرف الحياة من جمال ~~اللفظ وزينته، وعن تكلف هذه الزينة وذلك الجمال، وعن اتخاذهما وسيلة إلى اللهو البريء، ~~والتسلية التي لا تعقب حسرة ولا ندما. # على أن عناية أبي العلاء بالألفاظ، واستعانته بها على قطع الوقت، واحتمال الحياة تثير ~~فكرة أخرى لا تخلو من ظرف؛ لأنها تصور تناقضا شديدا، فقد كان مستقرا في هذه النفس ~~الممتازة، وفي هذا العقل الغريب، وهو مستقر في أمثالها من نفوس الشعراء والكتاب ~~الممتازين. # فهذا الرجل الحر الذي لم يعرف المسلمون من يشبهه ms074 فيما أباح لنفسه من حرية عقلية لا يستطيع ~~أن يتمتع بها مسلم في هذا العصر الحديث؛ عصر الدستور، والديمقراطية، والحياة النيابية، ~~هذا الرجل الحر في رأيه وتفكيره، وفيما تصور وفيما خيل إلى نفسه وإلى الناس، وفيما ~~انتهى إليه من حكم، وفيما دعا إليه الناس من مذهب، هذا الرجل الذي تجاوز الحرية إلى ~~الثورة قد فرض على نفسه قيودا محكمة وأغلالا ثقالا. وليس المهم أنه فرض على ~~نفسه العزلة واجتناب الزواج والنسل، والإعراض عن لذات الحياة، والاكتفاء بأغلظ ما ~~أتيح له من العيش، فهذه كلها قيود وأغلال تقتضيها فلسفته، فهي نتيجة عملية في السيرة ~~لهذا النحو من التفكير الذي دفع الرجل إليه، وإنما المهم أنه حرر نفسه من القيود ~~الدينية والاجتماعية والطبيعية أيضا، ثم فرض عليها هذه القيود الفنية التي ننظر ~~إليها فنبتسم، والتي أقل ما توصف به أنها ساذجة، لا تلائم جد الفيلسوف ~~ومرارته. # وما رأيك في رجل يحرم على نفسه طيبات الثمر والزهر، وألوان اللذات النقية البريئة، ثم ~~يفرض على نفسه الجناس وأشباهه من ألوان البديع، ويفرضه على نفسه في الشعر والنثر، وفي ~~أسفار ضخمة ودواوين طوال؟ # هذه فكرة يحسن أن نروي فيها بعض الشيء؛ فقد نجد فيها ما يسلي، وقد نجد ~~فيها ما يعظ؛ وقد نجد فيها ما يعجب حين نلاحظ أن بعض الفلاسفة قد يبلغون من ~~كبر العقل وقوته، ومن حصافة الرأي ونفاذ البصيرة، ومن صرامة العزم ومرارة الجد ما شاء ~~الله أن يبلغوا، ثم لا يمنعهم ذلك من أن يسلوا عن أنفسهم بألوان من العبث البريء ~~ربما يحسدهم عليها الأطفال. # على أن التزام أبي العلاء ما التزم من القيود الفنية، وتعلقه بما تعلق به من زينة ~~اللفظ، وإغراقه في ذلك، وتهالكه عليه لم ينتج له الخير الفني من جميع الوجوه. # فقد نسرف على أنفسنا، وعلى الفن الأدبي إن ظننا أن شعر اللزوميات جيد كله من هذه ~~الناحية الفنية الخالصة؛ بل نسرف على أنفسنا وعلى الفن الأدبي إن ظننا أن كثرة هذا الشعر ~~جيدة، وإنما المحقق أن ms075 الجيد من شعر اللزوميات قليل يمكن أن يستخلص في مجلد نحيف ~~يجمع إلى الجمال الفني خلاصة الفلسفة العلائية كلها. ولولا أن أبا العلاء لم يكن يقصد ~~إلى الفلسفة وحدها، وإنما كان يقصد إلى البراعة اللفظية، والاستعانة على الوقت، والتسلي عن ~~الحياة وآلامها، لقد كان يستطيع أن يقول للناس ما أراد أن يقول، وأن يصور لهم ما أراد أن ~~يصور من آرائه في الإلهيات والنبوات والحياة الاجتماعية في أيسر اللفظ وأقله، وأسرعه ~~مدخلا إلى النفوس. ولكنه لم يرد شيئا من هذا، وإنما أراد أن ينظم شعرا على حروف ~~المعجم كلها مضمومة ومفتوحة ومكسورة وساكنة، وأن يلتزم مع ذلك حرفا ثانيا أو حرفين ~~آخرين. ولا بد له من أن يستوفي هذا الشرط مهما يكلفه ذلك من الجهد، ومهما ~~يحمله ذلك من العناء؛ لأنه قد جعل ذلك غاية لنفسه وفنه، وأخذ نفسه بالوصول إلى هذه ~~الغاية، فكان أول ما أنتج له هذا التكرار والإعادة اللذين ينتهيان بالقارئ إلى ملل وسأم ~~لا سبيل إلى وصفهما، ولا إلى احتمالهما إلا أن يكون القارئ من الذين يتخذون البحث صناعة، أو ~~من الذين قد ألفوا التشاؤم كما ألفه أبو العلاء، فهو لا يكره أن يبدئ فيه ~~ويعيد. # فالذي يبغض هذا التكرار إلى النفس، ويثقله على الطبع أن أبا العلاء لا يكرر أشياء ~~يحب الناس أن يسمعوها، أو يكلف الناس بأن يلموا بها بين حين وحين. وإنما هو يكرر ~~أشياء بغيضة إلى النفس؛ لأنها تبغض إليها الحياة، وتصرفها عنها، وتوئسها منها. وقد ~~يستحب الناس من ذلك، بل قد يجب على الناس أن يستحبوا من ذلك شيئا، يقومون به أخلاقهم، ~~ويثقفون به عقولهم، ويروضون به نفوسهم على احتمال المكروه، والثبات للخطوب، ويردون به ~~نفوسهم عما قد يدفعهم إليه النعيم أحيانا من البطر والأشر. # ولكن هذا شيء والإغراق في بغض الحياة وتبغيضها، وتصويرها في أبشع الصور وأقبح الأشكال شيء ~~آخر، ولا سيما حين ينظم فيه ديوان يتألف من مجلدين ضخمين، وكتب منثورة لا نستطيع أن ~~نحصي صحفها؛ لأن أيسرها قد ms076 وصل إلينا، وأكثرها قد حجب عنا، ولعله يكشف لنا كله أو ~~بعضه في يوم من الأيام. # على أن التكرار ليس هو العيب الوحيد أو الظاهر الذي اضطر إليه أبو العلاء حين أخذ ~~نفسه بهذه القيود الفنية، وإنما هناك عيب آخر ربما كان أشد منه خطرا، فقد نستطيع أن ~~نعتذر عن أبي العلاء من هذا التكرار بأنه لا يستطيع أن يعطي إلا ما عنده، ولم يكن عنده إلا ~~التشاؤم، فقد أعطانا من التشاؤم ما استطاع، وما ينبغي أن نكلف الشعراء فوق ما يطيقون، ~~فأنت تظلم أبا نواس إن طلبت إليه التشاؤم، وتظلم أبا العلاء إن طلبت إليه ~~الابتهاج. وأبو العلاء لم يفرض على الناس قراءة كتبه ودواوينه، وإنما تركها لهم ~~يقبلون عليها أو يعرضون عنها، وليقرءوها كلها أو بعضها، وليأخذوا منها بما يحبون، ~~وليرفضوا منها ما لا يحبون. # فقد يمكن الاعتذار من تكرار أبي العلاء، ولكن هناك عيبا لا يمكن الاعتذار منه، وهو ~~الاستسلام للفظ إلى هذا الحد، وتحكيم اللفظ وحده في المعنى والفن إلى الحد الذي انتهى إليه ~~أبو العلاء؛ أن يفرض الشاعر على نفسه اصطناع الجناس أو غيره من ألوان البديع في كل ما يقول ~~من الشعر أو في بعضه دون بعضه الآخر هذا شيء مألوف قد نقبله وقد نرفضه، وقد نرتاح إليه وقد ~~نزور عنه. ولكن أن يتخذ الشاعر الخضوع للقافية، وللقافية وحدها قانونا فنيا صارما ~~يذعن له الإذعان المطلق لا في قصيدة ولا في قصيدتين ولا في قصائد، بل في ديوان ضخم، وأن ~~يشترط في هذه القافية هذا الشرط القاسي الذي اشترطه أبو العلاء، وأن يلتزم هذا الشرط ويجريه ~~في جميع حروف المعجم مهما تكن هذه الحروف، ومهما تكن المعاني التي يريد الشاعر أن ~~يقول فيها، هذا هو الشيء الذي لا يطاق، ولا يمكن أن ينتهي بصاحبه إلى الخير. ومن هنا تطول ~~القصيدة وتقصر، وتنبسط المقطوعة وتنقبض؛ لا لأن المعنى يريد الطول أو القصر، والانبساط ~~أو الانقباض، بل لأن القافية التي اشترطها الشاعر على نفسه تواتيه فيمتد ms077 النفس، أو لا ~~تواتيه فيقصر النفس. وقد تضيق أنت بهذا الطول؛ لأن الشاعر أدى إليك ما كان يريد أن ~~يؤديه، ولولا القافية لاكتفى بالمقدار اليسير من الأبيات. وقد يعجبك المعنى ويرضيك، وربما ~~أعجبك اللفظ نفسه وأرضاك أيضا، فأنت في حاجة إلى أن يطيل الشاعر بعض الشيء؛ لأن صوته ~~يعجبك، ولأن نغمته تلذك، ولأن معناه يلائم هوى في نفسك، ولكن الشاعر ينقطع بك عند البيتين ~~أو الأبيات، لا لأنه أرضى نفسه، وأدى ما كان يريد أن يؤديه، بل لأن القافية تضطره إلى ~~الوقوف، وتكرهه على الانقطاع. # وهذا يثير في نفس القارئ - سواء أحب ذلك أو لم يحببه - شيئا غير قليل من الغيظ، وقد ~~يدفعه إلى لوم أبي العلاء، والتشديد عليه في اللوم، ولكن يجب أن نذكر أن أبا العلاء لم يفكر ~~في السامع وفي القارئ وحدهما حين أنشأ ما أنشأ من اللزوميات، وإنما فكر في نفسه معهما، ~~بل هو فكر في نفسه قبل أن يفكر فيهما. أراد أن يعبر عما لم يجد بدا من التعبير عنه، ~~ويصور ما لم يجد بدا من تصويره، وأراد بنوع خاص أن يسلي نفسه ويلهيها كما قدمت. فرض ~~الرجل على نفسه لونا من ألوان الرياضة الشاقة، فقد يلائمك هذا اللون من ألوان الرياضة وقد ~~لا يلائمك، ولكن هذا آخر ما يحفل به أبو العلاء. # ولعل أبا العلاء نفسه قد صور هذا المعنى أجمل تصوير وأروعه في هذه الأبيات التي ~~أحبها أشد الحب، وأكلف بها أشد الكلف، وأراها تصور النفس الممتازة ذات الشخصية ~~القوية أصدق تصوير وهي قوله: # خذي رأيي وحسبك ذاك مني # على ما في من عوج وأمت # وماذا يبتغي الجلساء عندي # أرادوا منطقي وأردت صمتي # ويوجد بيننا أمد قصي # فأموا سمتهم وأممت سمتي # وندع البيت الثاني من هذه الأبيات فقد نعود إليه بعد حين، وإنما نقف عند البيت الأول ~~والبيت الثالث. فأبو العلاء يقدم رأيه للناس، ويرى أنهم لا يملكون أن يطالبوه بأكثر من ~~هذا الرأي، بل هو يرى أن الناس يجب أن يأخذوا رأيه ms078 على ما فيه وفي صاحبه من عوج وأمت. ~~وليس لهم أن يقوموه، ولا أن يقوموا رأيه، وإنما لهم أن يقبلوا منه هذا الرأي، أو أن ~~يردوه عليه. وما أعرف اعتدادا بالحرية العقلية والشخصية الفلسفية يشبه هذا ~~الاعتداد. # وأبو العلاء يعرف أنه معوج، ويعرف أن فيه أمتا وانحرافا، ولكنه يعرف أن ذلك يعنيه ~~هو ولا يعني غيره؛ وأنه يؤثر أن ينحطم على أن يقوم اعوجاجه وانحرافه. ثم هو في البيت ~~الثالث يسجل ما بينه وبين الناس من الأمد البعيد، ويسجل أن الناس قد مضوا في طريقهم، وأنه ~~قد مضى في طريقه، وكما أنه لم يكرههم على أن يعودوا إليه، فليس لهم أن يكرهوه على أن ~~يعود إليهم. وثق أن أبا العلاء لا يريد بهذا رأيه الفلسفي وحده، وإنما يريد بهذا شخصيته ~~كلها كاملة غير منقوصة، وموفورة غير مبتورة. يريد رأيه الفلسفي، أو قل آراءه الفلسفية، ~~فهو لا يستطيع أن ينزل عن هذه الآراء إذا اقتنع بها؛ إلا أن يحوله عنها شك طارئ أو ~~برهان جديد. ويجب أن يأتيه هذا الشك من نفسه لا من غيره، ويجب أن يأتيه هذا البرهان من عقله ~~لا من عقل سواه. والناس أحرار في أن يشاركوه في هذه الآراء أو أن يخالفوه. ويريد سيرته ~~العملية، فهو قد صمم على العزلة، وأعرض عن اللذات، وآثر خشونة العيش، لا يصرفه عن ذلك صارف ~~حتى داعي الدعاة بما بذل من وعد ووعيد، ومن ترغيب وترهيب. والناس أحرار في أن يوافقوه على ~~ذلك أو يخالفوه فيه. # ويريد مذهبه الفني هذا الذي يشتد فيه العوج والأمت؛ لأنه محسوس تدركه الأذن، وتشقى ~~بما فيه من غريب قد ينبو عنه السمع، ومن قيد قد يزور عنه الذوق، ولكنه حريص عليه، ~~كلف به، لن ينزل عنه ابتغاء مرضاتك، وهل ابتغى أبو العلاء مرضاة أحد؟ وهل نزل أبو العلاء ~~عن شيء ليرضي أحدا؟ فخذ اللزوميات كما هي، فإن أعجبتك فذاك، وإن لم تعجبك ~~فدعها، والتمس لذة نفسك ومتاعها فيما شئت من الكتب والدواوين. فأبو العلاء ms079 لم ~~ينظمها لك، وإنما نظمها لنفسه، وهو عنها راض وبها مكتف. # ستقول: فإن هذه هي الكبرياء، بل هي الكبرياء الجامحة. فهذا صحيح، ولكن ماذا تريد أن تصنع ~~وقد خلقت هذه الكبرياء مع أبي العلاء، وركبت في طبعه، لم يكتسبها وإن كانت ~~حياته قد زادتها قوة ونموا. وكيف تريد ألا يكبر أبو العلاء عليك وعلى أمثالك من الناس، ~~وهو الذي لم يستطع أن يكف كبرياءه عن أن ترقى به إلى ما لا يرقى الناس إلى أمثاله؟ فقد ~~قدمت لك أن أبا العلاء شقي؛ لأنه لم يفهم حكمة الله، ولم يستطع أن يبلغ ~~كنهها، ولم يستطع أن يرضى بهذا القصور، فلا تطالب أبا العلاء بالنزول عن ~~كبريائه، ولكن أشفق عليه، وارث له من هذه الكبرياء. ثم عد بنا إلى البيت الثاني ~~فسترى أن أبا العلاء خليق بكثير من الإشفاق الباسم: # وماذا يبتغي الجلساء عندي # أرادوا منطقي وأردت صمتي # فهل هذا حق؟ أما أن جلساء أبي العلاء أرادوا منطقه، فذلك شيء لا شك فيه. فهو لم ~~يدعهم إلى نفسه، ولم يعرض عليهم علمه وأدبه، ولم يستقدمهم من أقطارهم النائية ~~وبلادهم القاصية؛ هم أقبلوا عليه يلتمسون عنده العلم والأدب، ويلحون عليه في ذلك، ولكن ~~أمن الحق أن أبا العلاء أراد الصمت؟ هذه هي المسألة التي أشك فيها أعظم الشك ~~وأقواه. وأبو العلاء لا يضيق بالكلام في هذا البيت وحده، بل يضيق بالإملاء في بيت آخر ~~فيقول: # أما لي فيما أرى راحة # يد الدهر من هذيان الأمالي # فلاحظ مسرعا هذا الجناس بين أول البيت وآخره، ثم عد إلى ما نحن فيه وأنبئني: أحق ~~أن أبا العلاء كان يضيق بالكلام والإملاء؟ ومن الذي أكرهه على الكلام والإملاء؟ قد ~~يمكن أن يكون إقبال الناس عليه، وإلحاحهم في التماس ما عنده من علم اللغة والأدب قد أكرهه ~~على الدرس والإملاء. وقد يمكن أن يكون اتصال الناس به، وإلحاحهم عليه بالمنظوم والمنثور من ~~الرسائل قد اضطره إلى تأليف هذه الرسالة أو تلك، وإلى نظم هذه القصيدة أو تلك من ms080 قصائد ~~سقط الزند. ولكن من الذي اضطره إلى نظم اللزوميات، وإلى إملاء الفصول والغايات؟ ~~لم يضطره إلى ذلك أحد، وإنما هو الذي اضطر نفسه إليه اضطرارا، وأخذها به ~~أخذا؛ لأنه لم يكن يستطيع غير ذلك. كانت تجيش في نفسه الآراء والخواطر فلا يستطيع لها ~~كتمانا ولا كظما، وكانت تعرض له المثل الفنية من النظم والنثر فلا يستطيع أن يكف ~~نفسه عن محاكاتها، وعن تحقيقها، وإخراجها من القوة إلى الفعل. وإذا حقق هذا المثال أو ~~ذاك من الشعر أو النثر في خلوته إلى نفسه فقد كان عاجزا كل العجز عن أن يحتفظ به في ~~ذاكرته ليستمتع به وحيدا فريدا، وكان مضطرا كل الاضطرار إلى أن يجريه على لسانه، وأن ~~يلقيه في أسماع الناس وفي قلوبهم، ويتمنى أن يذوقوه، ويسيغوه، ويعجبوا به لسبب يسير ~~جدا، وهو أن أبا العلاء كان فيلسوفا، ولا بد للفيلسوف من أن يعلن رأيه، ويدعو ~~إليه. وكان شاعرا ولا بد للشاعر من أن يتغنى، ومن أن يسمع الناس ما يضطرب به صوته ~~من الغناء. # وكل الفلاسفة يؤثر الصمت فيما يقول، ولكنه مع ذلك لا يؤثره فيما يعمل؛ لأن قوة الرأي ~~وقوة الحياة الاجتماعية أشد من إيثاره لنفسه. وكل الشعراء الذين يستحقون هذا الوصف ~~ينظمون الشعر لأنفسهم، ويلتمسون فيه لذتهم ومتعتهم، ولكنهم لا ينعمون بهذا الشعر إلا ~~إذا أذاعوه، ورجع إليهم صداه بعد أن يسمعه الناس. وأكبر الظن - بل المحقق - أن أبا ~~العلاء لو أخذ الناس أمره بالجد، وخلوا بينه وبين ما أراد من العزلة والانقطاع ~~لخرج إليهم أو لدعاهم إليه ليسمعوا منه شعره، وليأخذوا عنه فلسفته. ولكن الشاعر والفيلسوف ~~وصاحب الفن طفل مهما يكبر! فهو يحب الصمت، ولكنه يقبل على الكلام ويغرق فيه، وهو ~~يحب العزلة ولكنه في أثنائها متصل النفس بالناس، لا يستطيع أن يقطع بينها وبينهم ~~الأسباب. واقرأ اللزوميات، وتتبع ما فيها من النقد الاجتماعي والسياسي، فسترى أن أبا ~~العلاء لم ينقطع قط عن الناس انقطاعا تاما، وإنما عاش معهم، وتأثر بما تأثروا به، ~~وراقبهم مراقبة ms081 متصلة دقيقة، فأنكر من أمرهم ما أنكر، وعرف من أمرهم ما ~~عرف، واتخذ من هذا كله مادة لفلسفته وشعره، فسلى نفسه، ووعظ الناس. # لم يفكر فيك أبو العلاء إذن، ولم يحفل برضاك حين نظم اللزوميات، وإنما فكر في ~~نفسه، وحفل برضاه هو، بل لعلي أغلو في ذلك بعض الشيء، فما أشك في أن الناس في عصر أبي ~~العلاء كانوا يحفلون بهذا التكلف، ويرون فيه مهارة وبراعة واقتدارا كما كان أبو ~~العلاء نفسه يحفل به، ويرى فيه مهارة وبراعة واقتدارا. ولو أعرض الناس عن هذا ~~التكلف أيام أبي العلاء لكان من الجائز جدا - بل من الراجح - أن يعرض أبو العلاء عنه، ~~وأن يلتمس لنفسه بابا آخر من أبواب التسلية وقطع الوقت لنفس السبب الذي بينته ~~آنفا: وهو أن الصلة بين الشاعر وقرائه وسامعيه أمتن جدا من أن تقطعها الفلسفة ~~مهما تميز صاحبها من الناس، ومهما ترتفع به عن طبقتهم، ومهما تمعن به ~~في التشاؤم، وإيثار الوحدة والانفراد. وما أكثر ما يتساءل أبو العلاء عن الطير حين تتغنى ~~أيعنيها أن يسمع الناس لغنائها، وأن يجدوا فيه لذة ومتاعا؟ وعن الزهر حين يتضوع، ~~وحين يتألق أيعنيه أن يجد الناس في طيبه لذة، وإلى جماله راحة واطمئنانا، وعن ~~الشمس حين تبعث الحرارة والضوء أيعنيها أن يجد الناس في حرارتها وضيائها حياة ~~ونشاطا، ومرحا وفرحا، ورضى وابتهاجا. # بل أتشعر الطير بما يصدر عنها من غناء؟ أيشعر الزهر بما ينشر عنه من عبير؟ ~~أتشعر الشمس بما تبعث من حرارة وضوء؟ أتقدم الطبيعة على ما يصدر عنها من مختلف ~~الأمر عن شعور به وإرادة له، ورغبة في تحقيق ما نرى فيه نحن من الغايات؟ وواضح أن أبا ~~العلاء لم يظفر بجواب على هذا السؤال، وأن عقله قد هداه إلى الجواب المحزن الأليم: وهو ~~أن الطبيعة لا تحفل بنا، ولا بما نجد من لذة أو ألم حين تتصل بنا آثارها؛ لأنها ~~لا تعقل ولا تشعر، فهي إذن لا تريد وإنما هي ميسرة لما خلقت له، مسخرة ~~لما دفعت ms082 إليه. ولكن أبا العلاء نفسه يشعر ويفكر ويقدر ويريد، وهو يحس ~~أثر ما يصدر عنه من غناء أو فلسفة، ويعرف رضى الناس عنه أو سخطهم عليه؛ وهو من أجل ذلك ~~يقبل عليه أو يعرض عنه، فهو كالطير وكالزهر وكالشمس تصدر عنه آثاره سواء أراد أو ~~لم يرد؛ ولكنه يخالف الطير والزهر والشمس في أن له عقلا يميز به هذه الآثار، ويعرف ~~به نتائجها في نفوس الناس. ويدفعه ذلك إلى أن يتزيد من هذه النتائج، وإلى أن يلائم بين ~~آثاره وبين الذين يتلقونها من الناس، فيسهل حينا، ويحزن حينا آخر، ويعنف مرة، ~~ويلين مرة أخرى، ويصرح طورا، ويلمح طورا آخر، ولكنه منشئ آثاره ومذيع ~~لها، وملح في إنشائها وإذاعتها على كل حال. # والظريف أن أبا العلاء قد كان يخدع عن فنه أحيانا، فيظن أنه يشق على نفسه، ~~ويكلفها الصعب العسير من الأمر، على حين أنه لم يكن من ذلك في شيء، أو قل إنه كان ~~يعرف أنه لا يتكلف مشقة ولا عناء، ولكن الطريق تستقيم له فيمضي فيها ليستوفي الشرط الذي ~~شرطه على نفسه من جهة، وليرضي حاجته إلى الفلسفة والغناء من جهة أخرى. # وربما كان فصل الهاء من اللزوميات من أوضح الأدلة على هذا، فأبو العلاء في كثير من ~~قصائده في هذا الفصل يلتزم الهاء مضمومة أو مفتوحة أو مكسورة أو ساكنة، ثم يلتزم معها ~~حرفا آخر كدأبه في اللزوميات كلها. وقد خيل إلى نفسه أنه يحتمل في ذلك من المشقة ~~والجهد ما كان يحتمله في حرف الدال أو الجيم أو الباء، مع أن أيسر النظر في الأمر ~~يدل على أن جهده خفيف محتمل حقا. فالهاء التي يلتزمها ليست إلا الضمير المتصل مبنيا ~~على الضم أو على الفتح أو على الكسر أو مسكنا بالوقف، فإذا التزم هذا الضمير فهو لا ~~يغير شيئا، ولا يتكلف في حقيقة الأمر إلا قافية واحدة وهي الحرف الذي يسبق هذا ~~الضمير. وأي شيء أيسر على أبي العلاء من هذا؟ # انظر إلى هذه القصيدة التي أولها: ms083 # لعمري لخير الذخر في كل شدة # إلهك ترجو فضله وإلاه # فالقافية هنا هي هذا الضمير، وقد التزم الشاعر اللام قبلها. وأنت تستطيع أن تمضي فيها ~~إلى آخرها، فإذا هي قد نيفت على الأربعين بيتا، وإذا الضمير هو القافية دائما، وإذن ~~فأبو العلاء لم يغير، ولم ينوع إلا في الكلمة التي تسبقها، والتي يجب أن تنتهي ~~باللام وألف الردف. فهذه الكلمة مرة فعل ينصب الضمير، وهي مرة اسم يضاف إليه. # وكأن أبا العلاء قد أحس هذا بعد أن فرغ من هذه القصيدة، فوجد فيه سهولة ويسرا لا يلائم ~~ما أراد أن يأخذ به نفسه من الرياضة العنيفة، ولا بد له مع ذلك من أن يستوفي الشرط، ومن ~~أن يلتزم الهاء، فهو ينظم شعره لا يلتزم الهاء وحرفا قبلها فحسب، وإنما يلتزم ~~قبلها حرفين اثنين. # فانظر إلى هذه القصيدة التي أولها: # أخوك معذب يا أم دفر # أظلته الخطوب وأرهقته # فهو يلتزم الهاء، ويلتزم قبلها التاء والقاف، ولكنه مع ذلك لا يسلم من السهولة؛ ~~لأن الكلمة الأخيرة من البيت دائما فعل ماض آخره قاف وقد ألحقت به تاء التأنيث، ثم ~~الضمير المتصل. # فالصعوبة الصعبة التي التزمها أبو العلاء في حقيقة الأمر إنما هي التزام أفعال قافية ~~اللام ليس غير، فهو في حقيقة الأمر لم يغير إلا في حرف واحد هو القاف لا يشذ من هذه ~~القصيدة التي نيفت على الخمسين في ذلك بيت واحد. وهو قوله: # أقات الشيء بعد الشيء فيها # ليمسكني فليتي لم أقته # فالقاف هنا ليست لام الفعل المضارع، وإنما هي فاءه كما ترى، والتاء جزء منه، وليست تاء ~~التأنيث. ومع ذلك فإن أبا العلاء يعترف بالمصاعب حين تلقاه، ولا يخدع نفسه عنها، ولا ~~يحاول ابتكار المحال، فهو قد يصادف الحروف التي لا يتأتى له معها النظم الكثير مع التزام ~~ما لا يلزم، فيكتفي منها بأيسر ما يمكنه من تحقيق الشرط. # فهو لم ينظم على الظاء مع غيرها من الحروف إلا عشرين بيتا، قسمها على ثماني ~~مقطوعات. في الظاء المضمومة مقطوعتان، ms084 وفي الظاء المفتوحة مقطوعتان ، وفي الظاء المكسورة ~~ثلاث مقطوعات، وفي الظاء الساكنة مقطوعة واحدة. # ولم ينظم في الغين إلا أربعة عشر بيتا في مقطوعات ست؛ واحدة في الغين المضمومة، ~~وواحدة في الغين المفتوحة، وواحدة في الغين المكسورة، وثلاث في الغين الساكنة. # ونظم في الواو سبعة وعشرين بيتا في مقطوعات ست؛ واحدة في الواو المضمومة، واثنتان في ~~الواو المفتوحة، وواحدة في الواو المكسورة، واثنتان في الواو الساكنة. # وأكبر الظن أن هذا العسر كان يغيظ أبا العلاء، ولكن ماذا يصنع والله لا يكلف نفسا إلا ~~وسعها، والتحرج الفني مهما يشتد بصاحبه فهو لا يستطيع أن يحمله على المحال. وإنما ~~الظريف الذي يثير الابتسام هو حرص أبي العلاء على أن يستوفي شرطه مهما تكن ~~النتيجة، ومهما يكلفه ذلك من جهد أيضا. # وهناك عيب آخر دفع إليه أبو العلاء بحكم هذه القيود الفنية التي التزمها، وهو الإضاعة ~~للوحدة المعنوية في القصيدة إذا طالت، بل في المقطوعة القصيرة أحيانا، والاكتفاء بهذه ~~الوحدة المادية التي تأتي من القافية، وبهذه الوحدة الضئيلة المهلهلة التي تأتي من أن ~~اللزوميات كلها قد نظمت في الحكمة والموعظة. والمحقق أن أبا العلاء الذي يحسن بناء ~~القصيدة كل الإحسان في سقط الزند؛ بحيث لا تنتقل من جزء إلى جزء إلا حين يدعو ~~التفكير المنطقي إلى هذا الانتقال، وبحيث تستطيع أن تقسم القصيدة إلى أجزاء قد أقيم ~~بعضها على بعض، وجمعت بعضها إلى بعض وحدة التفكير والشعور. # أبو العلاء الذي أحسن بناء القصيدة في سقط الزند قد أفسد بناءها في اللزوميات ~~إفسادا شديدا، فالقصيدة أو المقطوعة متحدة في الوزن والقافية والموضوع العام ليس غير. ومن ~~أيسر الأشياء في كثير جدا من مطولات اللزوميات أن تفرق الأبيات فتفترق، وأن ~~تقدمها أو تأخرها فتتقدم أو تتأخر، وأن تنظر إليها على أنها حكم ~~سائرة وأمثال مرسلة قد نظمتها القافية في سلك متقن؛ لأنه مؤلف من حرفين أو من أحرف، ~~ولكن من اليسير أن تنتثر دون أن يفسدها هذا الانتثار. وليس هذا محتوما على ~~اللزوميات كلها، ولكنه ms085 شائع في كثرتها. وهناك قصائد تتحقق فيها وحدة التفكير والشعور، ~~ولكنها نادرة، وهي من أجل ذلك رائعة وقد نقف عند بعضها إن أتيح لنا ذلك. # وهناك قصائد تتحقق الوحدة في بعض أجزائها دون بعضها الآخر، فقد يلم أبو العلاء في ~~أثناء القصيدة بوصف يطيل فيه أو معنى يفصله، فتحقق الوحدة في هذا المعنى أو ذلك ~~الوصف، ولكنها غير متحققة بالقياس إلى ما يسبقه أو يتلوه. وليس لهذا كله مصدر إلا أن ~~القافية هي الحاكم المطلق فيها يؤلف اللزوميات من لفظ ومعنى وأسلوب. # وشيء آخر خدع أبو العلاء عنه نفسه فجر عليه ألما كثيرا، وأذى شديدا، ولكن ليس ~~له صلة بالقافية ولا باللفظ، وإنما هو متصل بالمعنى أو قل: إنه متصل بتفكير أبي العلاء، ~~وفلسفته كلها. فأبو العلاء متشائم وهو لا يتحدث عن الأشياء والأحياء إلا حديث المتشائم، وهو ~~بطبيعة الحال ساخط دائما، فهو ناقد دائما، ويختلف نقده شدة ولينا باختلاف استعداده ~~في اللحظات التي ينظم فيها الشعر أو يؤلف فيها النثر، ولكنه مع ذلك قد اعتقد أنه ~~لم يهج أحدا، ولم يكن من الهجاء في قليل ولا كثير. وقد تحدث بذلك إلى بعض زائريه، ~~فقال له في شيء من المكر: لم تهج أحدا إلا الأنبياء؟ فتأذى بذلك أبو العلاء، وتغير له ~~وجهه، ومع ذلك فلم يكذبه زائره، وإنما اشتد عليه. # فليس من الحق أن أبا العلاء لم يهج أحدا إلا الأنبياء، ولكن الحق أن أبا العلاء قد ~~هجا الناس جميعا ومنهم الأنبياء. هجا الناس جميعا وذلك شائع في اللزوميات كلها، وأيسر ~~ما نضرب لذلك من الأمثال هذه الأبيات التي تجاوز فيها طوره حتى هجا نفسه أقذع ~~الهجاء: # رأيت قضاء الله أوجب خلقه # وعاد عليهم في تصرفه سلبا # وقد غلب الأحياء في كل وجهة # هواهم وإن كانوا غطارفة غلبا # كلاب تغاوت أو تعاوت لجيفة # وأحسبني أصبحت ألأمها كلبا # أبينا سوى غش الصدور وإنما # ينال ثواب الله أسلمنا قلبا # وأي بني الأيام يحمد قائل # ومن جرب الأقوام أوسعهم ثلبا # وهجا الأنبياء ما ms086 في ذلك شك، وأيسر ما نضرب لذلك من الأمثال هذين البيتين: # ولا تحسب مقال الرسل حقا # ولكن قول زور سطروه # وكان الناس في عيش رغيد # فجاءوا بالمحال فكدروه # وهذه الأبيات: # أفيقوا أفيقوا يا غواة فإنما # دياناتكم مكر من القدماء # أرادوا بها جمع الحطام فأدركوا # وبادوا وماتت سنة اللؤماء # يقولون إن الدهر قد حان موته # ولم يبق في الأيام غير ذماء # وقد كذبوا ما يعرفون انقضاءه # فلا تسمعوا من كاذب الزعماء # وواضح ما في البيتين الأخيرين من هجوم شنيع على ما جاءت به الديانات من اقتراب الساعة، ~~وإشراف هذا الدهر على آخره. # وتشنيع أبي العلاء على الديانات أشهر وأظهر وأكثر من أن نقف عنده، أو نطيل فيه، وهو صريح ~~غالبا، وقد يلجأ أبو العلاء إلى التعريض في كثير من الأحيان. # وأكبر الظن أن أبا العلاء كان مخدوعا عن نفسه حين ظن أنه لم يهج أحدا؛ لأنه فهم من ~~الهجاء أو أراد أن يفهم من الهجاء ما ذهب إليه الشعراء من قبله حين عمدوا إلى أشخاص ~~بأعينهم فثلبوهم أقبح الثلب، وتتبعوا ما فيهم من النقائص اليسيرة أو الكثيرة ~~فأظهروها، وغلوا فيها. # ومن الحق أن أبا العلاء لم يهج أحدا بهذا المعنى، كما أنه لم يعب أحدا بهذه ~~العيوب التي تمس شخصه، وتحقره بين مواطنيه، وإنما استقصى عيوب الناس المشتركة بينهم، ~~وتعمق نفوس الناس فأظهر دخائلها في لهجة عنيفة حادة قاسية، وهو مع ذلك متجنب كل التجنب ~~للإقناع وإذاعة الفاحشة. ثم هو لا يريد بهجائه إساءة، ولا انتقاما، ولا تشهيرا، وإنما هو ~~صاحب أخلاق يريد التهذيب والتأديب والإصلاح، وقد تغلبه الحدة أحيانا فتجور به عن القصد، ~~وتخرجه عن طور الفيلسوف إلى طور الشاعر الهجاء، ولكنه حسن النية على كل حال، قاصد إلى ~~الخير والبر. # على أن المهم أن أبا العلاء لم يبتكر هذا الفن من الهجاء الذي يصدر عن سوء الرأي في ~~الناس من جهة، وعن الرغبة في الإصلاح، والعجز عنه من جهة أخرى، وإنما كان له في هذا الفن ~~أستاذ هو أستاذه ms087 في كثير من فنون الشعر، وأريد به المتنبي، فقد كان المتنبي أسوأ الشعراء ~~رأيا في الناس، وأكثرهم إظهارا لذلك، وأشدهم تشاؤما به، وهو الذي فتح لأبي العلاء باب ~~النقد الاجتماعي اللاذع العنيف، ومهد له طريق التشاؤم في الشعر، ولكن بين الرجلين فرقا ~~عظيما، فالمتنبي لم ينس قط نفسه الطامعة الطموح العاجزة مع ذلك عن تحقيق مطمع أو بلوغ ~~مطمح، على حين أعرض أبو العلاء إعراضا تاما، طائعا أو كارها عن كل مطمع، أو مطمح، أو ~~منفعة، وأقبل على هذا النقد اللاذع العنيف سليم الصدر من كل غل، بريء القلب من كل ~~حقد، قاصدا إلى الإصلاح عاجزا عنه، يائسا منه شافيا نفسه من ألم هذا العجز ومرارة ~~هذا اليأس. # فإذا قال أبو العلاء: إنه لم يهج أحدا فهو صادق؛ لأنه لم يهج أحدا بعينه إلا ما ~~كان من أمر هذا القارئ الذي تلا بين يديه آيات من القرآن يعرض في تلاوتها بآفته، فهجاه ~~أبو العلاء بهذين البيتين: # هذا أبو القاسم أعجوبة # لكل من يدري ولا يدري # لا ينظم الشعر ولا يقرأ ال # قرآن وهو الشاعر المقري # وإذا قال قائل: إنه قد هجا الناس جميعا، ولم يعف الأنبياء من هجائه فهو صادق؛ لأن ~~أبا العلاء قد نقد الناس جميعا ومنهم الأنبياء نقدا لا يريد به الشر، ولكنه لا يخلو ~~من الحدة التي تبلغ أقصى العنف أحيانا. وماذا تريد أن أقول وأبو العلاء قد أثنى على الله ~~أحسن الثناء وأطيبه وأبقاه في اللزوميات كلها، ولكنه مع ذلك لم يتحرج من مخاصمة ~~الله أحيانا في الجبر والتكليف، وفي العقاب والثواب، ثم انتهى به الأمر إلى أن يعترف بأنه ~~إذا تأله فإنما يتأله خوفا وإشفاقا، وذلك حيث يقول: # خلقت من الدنيا وعشت كأهلها # أجد كما جدوا وألهو كما لهوا # وأشهد أني بالقضاء حللتها # وأرحل عنها خائفا أتأله # وجملة القول أني أقمت معك أيها الشيخ الكريم بضعة عشر يوما في سجنك المظلم الكئيب، ~~فحمدت هذه الإقامة؛ لأني وجدت فيها لذة عقلية ممتازة، وألما عقليا ممضا، ~~ولأني ms088 رحمتك وأشفقت عليك من كل ما وجدت في سجنك من لذة وألم، ولو استطعت ~~لأطلت الإقامة معك، فإني لم أرض حاجتي من جوارك بعد، وما أظن أني سأرضيها في يوم ~~من الأيام. وما أعرف أن شيئا من الأشياء أحب إلي وآثر عندي من التحدث إليك ~~والاستماع منك والحديث عنك، ولكني مضطر الآن إلى أن أودعك راغما. # فقد تقدم الليل، وإذا أشرقت شمس الغد فلا بد من الرحلة إلى باريس، وأنت لا تعرف ~~ما باريس، وما أظنها كانت قادرة على أن تصرفك عن حزنك وتشاؤمك، بل أنا واثق بأنك لو ~~عرفتها لأمعنت في حزنك وتشاؤمك كشأنك حين عرفت بغداد. أما أنا؛ فإن باريس تصرفني ~~عن الحزن والتشاؤم، وتثير في نفسي لذات عقلية ليست أقل من هذه اللذات التي أجدها في ~~الحديث إليك والحديث عنك. وهي على كل حال تزعجني عن سجنك الذي كنت أود لو أطيل المقام ~~فيه. ومن يدري؟ لعلي أسأم لذات باريس فأفزع منها إليك من حين إلى حين. فليكن ~~وداعي لك الآن موقوتا، ولأقل لك في لهجة المحب المشفق الوامق. إلى اللقاء. # مورزين # 3 أغسطس-17 أغسطس 1938 # | هوامش # | الفصل الثامن # وقد طويت كتب الشيخ فيما طويت، وأسلمتها فيما أسلمت إلى السفر الذي ~~أسلمت إليه نفسي، فكانت قريبة مني بعيدة عني، تلزمني لزوم الظل، وتنأى عني نأي ~~النجوم، لا أنتقل من مرحلة إلى مرحلة إلا سألت عنها، وتبينت مكانها، واطمأننت إلى ~~أن ليس عليها بأس. ولكني مع ذلك قد تعرض لي الحاجة إليها فلا أبلغها، ولا أجد لي ~~عليها سبيلا، وإنما هي طوع أيدي هؤلاء الذين يتصرفون فينا وفي أمتعتنا حين نسلم ~~أنفسنا وأمتعتنا إلى الأسفار. # وقد كانت رحلتي إلى باريس طويلة جميلة لم تخل من مشقة وجهد، ولم تبرأ من ثقل ~~وعنف، وكانت مع ذلك مختلفة متنوعة لا مستقيمة مضطردة، فقد مضيت أنحدر من الجبل ~~وأصعد فيه، وأرقى من السهل وأهبط إليه، وتدور بي سفينة في البحيرة تلم بهذه ~~القرية من قرى فرنسا، وبتلك المدينة من مدن سويسرا، ms089 وتكثر حولي الأحاديث في مظاهر ~~الطبيعة ومناظرها، وفي شئون الناس وأطوارهم، وفي أنباء الحرب التي كانت تتراءى، والسلم ~~التي كانت تتناءى، ثم أتهيأ في آخر النهار وأول الليل لركوب القطار من غد إلى باريس، ~~فأشتري لهذه الرحلة كتابا سخيفا فيه قصص سخيف أريد أن أستعينه على هذا اليوم الطويل يوم ~~القطار. # ويمضي بنا القطار من الغد، وما أدري أيهما كان أسرع من صاحبه أهو القطار الذي كان ينهب ~~الأرض نهبا؟ أم هو صاحبي الذي كان ينهب الكتاب نهبا؟ ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أني ~~منذ ودعت الشيخ وطويت كتبه، وأسلمت نفسي إلى الرحيل، وخيلت إلى نفسي ~~أني سأفارقه، ومنيت نفسي بلقائه والعودة إليه، لم أفارقه ولم أنصرف عنه، أو قل لم ~~تفارقني ذكراه، ولم تنصرف عني على كثرة ما بذلت من الجهد لأخلص لنفسي وأسرتي أياما. ~~وإنما لزمتني ذكرى الشيخ لزوما متصلا ملحا، صرفني عن نفسي وعن أسرتي، واضطرني إلى ~~أن أكون طليقا سجينا، وحرا مقيدا، أتنقل في الجبال والسهول، ولكني مع ذلك لا ~~أفارق هذا السجن الذي أقام فيه أبو العلاء نصف قرن يفكر ويقدر، وينظم وينثر، ~~ويملي ويعلم. # وأنا ألحظ نفسه وهي تفكر، وأسمع صوته وهو يملي وينشد، وأسأل نفسي عما ~~تحصل من هذا كله فلا أظفر منها إلا بهذا الجواب الغريب، وهو أنها لا تحصل شيئا، ~~ولا تريد أن تحصل شيئا؛ وإنما قصاراها أن تشهد وتسمع وتجد اللذة في أن ~~تشهد وتسمع، ولا عليها أن تعود آخر الأمر، وكأنها لم تشهد شيئا، ولم تسمع ~~شيئا، فإن هذه اللذة التي تجدها خليقة أن تغنيها عن كل تحصيل، وأن تدفعها إلى أن ~~تلح في الاستماع للشيخ حين يقول، وفي الاستماع لنفسه حين تجيل في ضميرها ما تجيل من ~~الخواطر والآراء. # وما أدري أكانت المصادفة هي التي تسمعني إنشاد الشيخ قصائد بعينها من اللزوميات؛ ~~لأني أحببتها وكلفت بها، أم كان هناك تدبير خفي لا أعرف كنهه، ولا أبلغ ~~سره، أراد أن ينصف الشيخ مني، وأن يضطرني إلى الوفاء ms090 بما قدمت من وعد، وإلى ~~الاعتراف بأن الشيخ إن أذعن للقافية وخضع لسلطانها، وأطاعها في تفكيره وتقديره وتدبيره لشعر ~~اللزوميات، فقد يسيطر على القافية أحيانا ويقهرها، ويرتفع بفنه وفكره على ضروراتها ~~وقيودها دون أن يخرجه ذلك عما رسم لنفسه من خطة، وما فرض على نفسه من شرط، فهو ~~يلتزم ما لا يلزم، ولكنه لا يجد في ذلك شدة ولا جهدا، ولا يحس في ذلك قسوة ~~ولا عنفا، ولا يضطر في ذلك إلى أن ينحرف بلفظه أو معناه عن الطريق الطبيعية الواضحة ~~المستقيمة التي ينبغي أن يسلكها بهما، سواء أفرض على نفسه قيود اللزوميات أم لم ~~يفرضها. # وقد ترددت في نفسي هذه الفكرة التي أومن بها، وأترك لغيري أو لنفسي في غير هذا ~~الوقت، وفي غير هذا الموضع تحقيقها وبسط القول فيها. وهي أن الفن الرفيع قيد حر إن ~~صح هذا التعبير، فهو يفرض على صاحبه أثقالا وأغلالا لا يستطيع أن يخلص منها دون أن ~~يفسد فنه إفسادا، وينحرف به عن طريقه المستقيمة المقسومة له. ولكنه مع ذلك لا ~~يكاد ينهض بأثقال هذا الفن وأعبائه، إن كان ميسرا له غير متكلف فيه؛ حتى تستقيم ~~له الأمور، وتمتد له الأسباب، وترخى له الأعنة. وإذا هو يمضي بفنه حيث يشاء، أو يمضي في فنه ~~حيث يشاء، لا يثقله قيد، ولا يرهقه غل، ولا يضيق به سجن، وإنما هو مطلق ~~كأعظم الناس حظا من الحرية، سمح النفس في كل ما يأتي وما يدع. يخيل إلى من يرقبه، وهو ~~يصطنع فنه ويتصرف فيه أنه قد أرسل نفسه على سجيتها وأمضاها على طبعها، فهو لا ~~يتكلف مشقة، ولا يلقى جهدا. قل: إن مصدر ذلك هي العادة، وكثرة المران، أو قل: إن ~~مصدر ذلك هي الفطرة، وخصب الطبيعة، واعتدال المزاج. قل ما شئت من ذلك ومن غير ذلك، ولكن ~~ثق بأن أبا العلاء يظفر بحريته المطلقة في اللزوميات على ثقل ما فرض على نفسه من ~~قيد وتعقد ما سلكها فيه من غل. يظفر بحريته في اللفظ، ويظفر ms091 بحريته في المعنى، ~~ويظفر بحريته في الأسلوب؛ والغريب أنه يشركك معه في هذه الحرية، ويلغي من نفسك الشعور ~~بالضيق الذي كنت تجده حين تلتزم معه ما التزم من الشروط والقيود. # فأنت ضيق الصدر من غير شك بهذه القيود التي يأخذك الشاعر بها؛ لأنه أخذ بها نفسه، ~~وأي غرابة في ذلك أنه يصحبك ويهديك في هذه الطريق التي يسلكها، والتي فرض ~~على نفسه ما يكون فيها من عوج والتواء، وما يقوم فيها من صعاب وعقاب، فأنت واجد من الجهد ~~مثل ما يجد، وأنت لاق من العنف مثل ما يلقى، وأنت محتمل من الضيق مثل ما ~~يحتمل. فإذا نفس عن صدره فقد نفس عن صدرك، وإذا رفه على نفسه فقد رفه على ~~نفسك، وإذا تخفف من قيوده وأغلاله دون أن يضعها عن نفسه فقد خفف عنك هذه القيود ~~والأغلال دون أن يضعها عنك. # أنت إذن شريكه فيما يجد من مشقة، وأنت شريكه فيما يجد من لين، أنت مقيد إن كان ~~هو مقيدا، وأنت مطلق إن كان هو مطلقا. # وعلى هذا النحو وحده فيما أظن يفهم الأثر الفني ويذاق، فأعجب لأبي العلاء الذي ~~يضيق أحيانا بنظم اللزوميات، فإذا ألفاظه مستعصية، وإذا أساليبه ملتوية، وإذا أنت ~~تشقى معه بهذا الالتواء وذلك الاستعصاء، والذي ينهض أحيانا أخرى بقيوده وأغلاله، وبأعبائه ~~وأثقاله، فيضطرب في جو الفن رشيقا خفيفا كأنه لا يحمل شيئا، ولا يشقى بشيء، وإذا أنت ~~تنهض معه رشيقا خفيفا كأنك لا تحمل شيئا، ولا تشقى بشيء. # واقرأ معي هذه القصيدة التي حقق فيها أبو العلاء هذه الحرية تحقيقا حسنا، فلم يضق ~~بلفظ، ولم يضق بمعنى، ولم يضق بأسلوب؛ وإنما فرغ لفنه، وفرغ فنه له، ~~وفرغ لفلسفته، وفرغت فلسفته له، وفرغت أنت له وللفلسفة وللفن، تسمع وتنظر، ~~وتستمتع وتذوق، لا تجد في ذلك عنفا ولا عسرا. # اقرأ معي هذه القصيدة فستجد هذه اللذة الفنية الممتازة التي تأتي من هذه الملاءمة الرائعة ~~بين الحرية والتقييد، وبين السجن والإطلاق. فأنت لن تخلص من التزام حرفين بل ثلاثة ms092 أحرف، ~~فالقيد ملحوظ دائما، ولكنه قيد خفيف لا يعوقك عن الخطو، بل لا يعوقك عن السعي، بل ~~لا يعوقك عن العدو، لا يعوقك عن شيء من هذا، ولكنه يشعرك بنفسه، ويشعرك بهذه ~~اللذة التي يجدها من يجري وهو مقيد برغم القيد، ومن ينهض وهو مثقل برغم العبء ~~الذي يحمله. # اقرأ معي هذه القصيدة فسترى أن الفن قد واتى فيها أبا العلاء مواتاة حسنة حقا، لم ~~يشغله قيده عن العناية بما عداه مما يجمل به اللفظ، ويصح به المعنى، ويعتدل ~~به الأسلوب. وإلام أراد أبو العلاء في هذه القصيدة؟ إلى ما تعود أن يريد إليه في ~~أكثر قصائد اللزوميات ومقطوعاتها؟ إلى ما قرأته ألف مرة ومرة منذ بدأت في قراءة ~~اللزوميات إلى أن انتهيت إلى هذه القصيدة في آخر الديوان؟ فنحن في النون المفتوحة إلى ~~هذه الفلسفة المظلمة المضيئة، القاتمة الباسمة التي ينعى فيها الشباب، وتقطع ~~أسبابه، وتقطع أسباب اللذة والأمل مع أسباب الشباب والقوة، والتي يأمر فيها بالإذعان ~~والاستسلام لحكم الأيام ما دامت الآمال لا تواتى، وأسباب الأماني لا تتصل، والتي يأمر ~~فيها بالاحتياط للمستقبل الذي يكون بعد الموت، أو الذي لا يكون لأنه مجهول، فالخير أن ~~يحتاط له الرجل العاقل، وأن يدخر له ما وسعه الادخار من صالح الأعمال، أو مما يرى ~~أنه من صالح الأعمال. # فأبو العلاء ينهى عن طائفة من الآثام، ويأمر بطائفة من الحسنات، حتى إذا فرغ من النهي ~~والأمر عاد إلى ما بدأ به من الشك الذي ينتهي بصاحبه إلى اليأس والقنوط، ولكنه يأس حلو، ~~وقنوط سائغ لا تجد فيه مرارة لاذعة، ولا ينتهي بك إلى جزع مهلك، وإنما هو منته بك ~~إلى الأناة التي يمازجها الرضى، وإلى الهدوء الذي يشيع فيه الإذعان، وإلى هذه الحال ~~النفسية الممتازة التي ينظر فيها الفيلسوف إلى الحياة وأحداثها وأهوائها وآمالها نظرة ~~فاترة شاحبة، تصحبها ابتسامة ساخرة، فيها كثير من الازدراء الحلو المريح. # اقرأ معي هذه الأبيات، وحدثني عن هذه الجزالة التي تشيع فيها وفي القصيدة كلها، ~~والتي تأتي ms093 من التزام ما لا يلزم قبل أن تأتي من أي شيء آخر، فهاء السكت هذه التي ~~التزمها أبو العلاء في آخر كل بيت بعد هذه النون المفتوحة، وبعد هذه الضاد ~~الساكنة، تمنح البيت قوة معتدلة، هي الجزالة بنفسها، ضخامة في الضاد، ثم خفة في النون، ~~ثم حلاوة في هذه الهاء الساكنة التي قلما يلجأ إليها الشعراء، والتي تشيع في الشعر ~~وفي النثر حلاوة وظرفا حيثما وجدت. وما أبعد أن أبا العلاء قد ذكر ظرف ~~عبيد الله بن قيس الرقيات في قصيدتيه المشهورتين: # بكرت علي عواذلي # يلحينني وألومهنه # و: # ذهب الصبا وتركت غيتيه # ورأى الغواني شيب لمتيه # ومعروف أن ابن قيس الرقيات إنما نزع إلى هذه الهاء متأثرا للقرآن الكريم في مثل قول الله ~~- عز وجل: # فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول ~~هاؤم اقرءوا كتابيه * إني ظننت أني ملاق ~~حسابيه # وفي مثل قوله: # وأما من أوتي ~~كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه * ولم أدر ما حسابيه * يا ليتها كانت ~~القاضية * ما أغنى عني ماليه * هلك ~~عني سلطانيه ~~. # قال أبو العلاء: # لأمواه الشبيبة كيف غضنه # وروضات الصبا كاليبس إضنه # فانظر إلى هذا التصريع بين غضنه وإضنه، كيف يرتفع بالبيت، أو قل يثب به إلى ~~هذه الجزالة الشائعة في شطريه. ثم انظر إلى قوله: لأمواه الشبيبة كيف غضنه، وإلى هذا المعنى ~~المجمل المفصل، والموجز المطنب الذي يذهب الشاعر فيه إلى حسرات لا تنقضي، وإلى ~~تعجب حزين لا ينتهي، يشعرك بهذا الإيجاز في اللفظ، ويشعرك بهذا الإطناب في ~~المعنى، فأنت واجد ألفاظا قليلة، وأنت شاعر بالحذف والاختصار. # ولكنك في الوقت نفسه واجد معاني واسعة لا تكاد تنقضي، وأنت تلحظ الألفاظ التي ~~تستطيع أن تؤدى بها هذه المعاني، لولا أن الشاعر قد حذفها، واجتزأ عنها بالحذف ~~والاستفهام. # ثم انظر إلى الشاعر كيف أشرف بك على كل هذه الحسرات والغمرات، فأشعر نفسك ~~الحزن، وأشاع في قلبك الأسى، وأظهر عقلك على شيء لا سبيل إلى استدراكه، ثم أقبل ~~بك بعد هذا على هذه الحقيقة الناصعة ms094 القاطعة التي نؤمن بها جميعا، ونلهو عنها جميعا، فإذا ~~لهونا عنها تورطنا في الحسرات والغمرات، وإذا ذكرنا إيماننا بها وجدنا فيها ~~السلوة والعزاء. # وآمال النفوس معللات # ولكن الحوادث يعترضنه # وهل حياة الناس إلا هذا، تعلل متصل بالأمل، ويأس بين حين وحين، تضطرنا إليه ~~هذه الحوادث الواقعة التي تكذب الآمال وتخيب الرجاء. # ثم انظر كيف يفصل أبو العلاء هذا المعنى نفسه تفصيلا، ويعيد عرضه في صورة ليست ~~أقل روعة من الصورة التي عرضها في البيت السابق. فإذا هو يصور الحياة على أنها ~~صراع بين الأيام التي لا تمل من إيذاء الناس بحوادثها الواقعة التي لا تلائم أهواءهم ~~وأغراضهم، والنفوس التي لا تمل من الاستسلام للآمال، والاسترسال مع الأماني. # فلا الأيام تغرض من أذاة # ولا المهجات من عيش غرضنه # ثم انظر إليه كيف ينتهي من هذا كله إلى هذا البيت الذي يصور مذهبين من مذاهبه؛ أحدهما ~~مذهبه في الجبر، والآخر مذهبه في الفن، هذا الذي يستعير فيه من علوم العربية اصطلاحاتها؛ ~~ليؤدي بها آراءه الفلسفية العليا. # فهو يشبه أسباب المنى بأسباب الشعر، وهو يشبه ما يعرض للمنى من الخيبة ~~واليأس والقنوط والحرمان، بما يعرض لأسباب الشعر من الكف والقبض اللذين ينقصانها، ~~وينحرفان بها عن وجوهها المألوفة. # وأسباب المنى أسباب شعر # كففن بعلم ربك أو قبضنه # ولكن الشاعر هو الذي يكف أسبابه أو يقبضها، تدفعه إلى ذلك صناعته، ويدفعه ~~إلى ذلك فنه، وتدفعه إلى ذلك ضرورات الوزن. ونحن نعلم أصول الصناعة وأصول الفن، ودقائق ~~الضرورات التي تدعو الشاعر إلى أن يكف أسبابه أو يقبضها. فأما أسباب المنى فليس الناس ~~هم الذين يكفونها أو يقبضونها؛ لأنهم ليسوا هم الذين ينظمون قصيدة الحياة، وإنما ~~تكف أسباب المنى، وتقبض بعلم الله الذي خلق الحياة والأحياء، ودبر أمور هؤلاء ~~وتلك بحكمة لا يعرفها أبو العلاء، ولا يعرفها غيره، وإذن فلا بد من الإذعان للقضاء، ~~والرضى بالحوادث الواقعة، والاحتياط من القضاء، ومن الحوادث الواقعة، ولا بد من أن ~~يكف الإنسان أذاه عن غيره، ويصرف شره عما عداه وعمن ms095 عداه. وقد فعل أبو العلاء ~~ذلك ، فهو لا يروع آمنا، ولا يثير ساكنا. # وما الظبيات مني خائفات # وردن على الأصائل أو ربضنه # وهو ينصح لك، ويرأف بك، ويود لو تذهب مذهبه وتسير سيرته، فلا تفجع الطير في ~~بيضها، فإنه لها لا لك، وما ينبغي لك أن تعتدي عليها ما دمت تكره أن يعتدى ~~عليك. # فلا تأخذ ودائع ذات ريش # فما لك أيها الإنسان بضنه # ثم هو لا يكفيه من نفسه، ولا يكفيه منك الإعراض عن ترويع الآمن، وإثارة الساكن، ~~وتفجيع الطير في ودائعها، ولكنه يريدك كما أراد نفسه على أكثر من هذا، يريدك على أن ~~تروع نفسك بحرمانها طائفة من اللذات؛ لتجنبها طائفة من الآلام. يريد أن ~~يصرفك عن الغانيات، وعما تثير حياتهن وزينتهن في نفسك من لهو وشهوة وفتنة؛ لأن ~~هذا كله ينتهي بك إلى آلام لا تحصى، وحسرات لا تقضى، وفيم تحمل الآلام وتجشم ~~الحسرات ما دامت كلها منتهية إلى هذه الآخرة المنكرة التي تعرفها، ولكنك تجهل ما ~~بعدها وهي الموت، إنما يحتمل الألم حين ينتهي إلى لذة، فيجب أن تترك اللذة حين ~~تنتهي إلى ألم. # وشاعرنا في تأدية هذا المعنى الذي يكلف بترديده معتمد دائما على حفظه، وعلى ما ~~ورث من الألفاظ والأخبار والأساطير، يصرف هذا كله في شعره تصريفا جميلا رائعا، ~~يشعرك بهذه البداوة الحلوة المرة، ويصور لك حكمته هذا التصوير الجزل الذي لا يلين ~~كل اللين، ولا يعنف كل العنف، وإنما يتخذ بين ذلك سبيلا. # فراع الله واله عن الغواني # يرحن ليمتشطن ويرتحضنه # وطئن السابري وخضن بحر ال # نعيم وهن في ذهب يخضنه # وللسمرات في الأشجار عيب # إذا ما قال مخبرهن حضنه # نجائب لامرئ القيس بن حجر # وقصن أخا البطالة إذ يرضنه # وانظر إلى قوله: # نجائب لامرئ القيس بن حجر # وقصن أخا البطالة إذ يرضنه # كيف يشير فيه إشارة ظريفة إلى عبث امرئ القيس. وإلى قوله: وخيل اللهو جامحة ~~علينا. كيف يشير فيه إلى أفراس الصبا التي عراها زهير. # ثم انظر إلى قوله: # فيا غضا ms096 من الفتيان خير # من اللحظات أبصار غضضنه # كيف أشار فيه إلى قول الله - عز وجل: # قل للمؤمنين ~~يغضوا من أبصارهم # وكيف جانس فيه بين وصف الغض الذي يكون ~~للفتى وللغصن، وبين فعل الغض الذي يقع على الأبصار. # فإذا فرغ أبو العلاء من هذا النهي أو من هذه الفلسفة السلبية، أقبل على الأمر أو على ~~فلسفة إيجابية، يتم بها ما ينبغي للرجل العاقل الحازم من الاحتياط، وهو يأخذ فلسفته ~~الإيجابية هذه من الدين، فهو يأمر بإيتاء الزكاة، وما يمنعك من إيتاء الزكاة، ومن أن ~~تحل مالك عن نفسك مريدا لذلك قبل أن ينحل المال عنك برغمك. ويأمر بإقامة ~~الصلاة، وأي شيء أعجز من أن تقصر في إقامتها، ورياضة نفسك بها، وهي أيسر من أن ~~تلقاها بالإعراض، أو أن يصرفك عنها الكسل. وهو يأمر بصوم رمضان، ولا سيما حين يشتد ~~القيظ؛ لأن في ذلك رياضة للنفس على الشدة، وأخذا لها بالعنف، وتهوينا للمشقة عليها. ~~ولكنه يقف عند ذلك من أركان الإسلام، فهو لا يأمر بأداء الحج، وأكبر الظن أن رأيه في الحج ~~سيئ، تثبت ذلك نصوص في اللزوميات قد مر بعضها، وقد نعرض لبعضها بعد حين، وهو لا ~~يأمر صراحة بالركن الأول من أركان الإسلام، وهو أن تشهد بأن لا إله إلا الله وبأن محمدا ~~رسول الله. لا يأمر بذلك صراحة، إما لأن في نفسه من النبوات شيئا كما قدمت، وإما لأن ~~هذا الأمر مفهوم ضمنا من أمره بالزكاة والصلاة والصوم، وإن كان شكه في النبوات ~~يفهم أيضا من سكوته عن الحج في هذه القصيدة، ومن تصريحه برفض الحج في مواضع ~~أخرى من اللزوميات، فهو يؤمن ببعض الكتاب، ويكفر ببعض. # ففض زكاة مالك غير آب # فكل جموع مالك ينفضضنه # وأعجز أهل هذي الأرض غاو # أبان العجز عن خمس فرضنه # وصم رمضان مختارا مطيعا # إذ الأقدام من قيظ رمضنه # على أن الشيخ لا يلبث بعد هذا النهي والأمر أن يعود إلى بؤسه ويأسه، وأن يشركنا معه ~~في البؤس واليأس؛ لأنه يؤديهما إلى قلوبنا ms097 في لفظ هين وادع رقيق رفيق ، جزل مع ذلك ~~متين، فهو ينبئنا بأن الفناء مصير كل شيء، إليه يصير الناس، وإليه تصير النجوم. ~~وإليه يصير حتى هذا الذكر الذي يعلل به الناس أنفسهم إذا عرض لهم ما يؤذيهم في ~~الحياة، وما يثبط همهم ويفل عزائمهم، ويصرفهم إن استجابوا له عما هم مقدمون ~~عليه من جلائل الأعمال، أنهم يعزون أنفسهم حينئذ بأن التاريخ سيعرف لهم من البلاء ~~ما ينكره عليهم المعاصرون. ولعلهم يضللون أنفسهم حين يؤمنون بوفاء التاريخ، وبما ~~سيذكرون به من خير إن أقدموا، وبما سيذكرون به من خير إن أحجموا، فإذا هم ~~يقدمون أو يحجمون زاهدين في رضى الناس، معرضين عن سخطهم، راغبين مع ذلك في رضى ~~التاريخ، مشفقين من سخطه؛ كأنهم سيذوقون لذة ذلك الرضى، ويحسون لذع هذا السخط ~~بعد أن يشتملهم الفناء. فأبو العلاء يرد من غرورهم هذا، ويكف عن غلوائهم، ~~وينبئهم بأن هذه الأحاديث نفسها صائرة إلى الفناء، وإن ظنوا بها البقاء. ليس هناك شيء ~~يستطيع أن يخلد، لن يخلد الناس ولن تخلد الكواكب، ولن تخلد أحاديث التاريخ. ~~فالسرور بالسير والأحاديث غرور، والإيمان بأحكام الأيام لغو، والتعزي بإنصاف التاريخ ~~باطل، والأمر كله صائر إلى الفناء. فمن أقدم على خير فليقدم عليه لأنه الخير، لا ~~لأنه سيعقب مكافأة من الناس، أو إنصافا من التاريخ، ومن أحجم عن شر ~~فليحجم عنه لأنه الشر، لا لأنه سيعقب سخطا من الناس، ولوما من ~~التاريخ. # وليس من هذا الفناء مخرج، وليس عن هذا الفناء منصرف، فإن استطعت أن تتخذ ~~سلما في السماء، أو نفقا في الأرض فافعل؛ فإن ذلك لن يغني عنك شيئا، ولن ~~يصرفك عن هذا الفناء الذي أنت صائر إليه. وإن استطعت أن تتخذ لنفسك جناحين تطير ~~بهما في الجو، وتبعد بهما في الطيران فافعل، فلن يغني ذلك عنك شيئا، فسيهاض ~~جناحاك، رضيت ذلك أم كرهته، وستقع مهما تصعد في السماء، وسترد إلى ~~ذلك الفناء الذي خرجت منه، ولست تدري كيف خرجت، والذي تعود إليه، ولست تدري ~~ماذا ينتظرك ms098 فيه. # أهذا اليأس القاتم شر؟ أهذا البؤس الحالك مثبط للهمم؟ مفتر للعزائم؟ أما ~~بالقياس إلى ضعاف النفوس الذين لا يعملون إلا ليلقوا جزاء ما عملوا، ولا يعرضون ~~إلا ليتقوا شر ما أعرضوا عنه فنعم. وأما بالقياس إلى أقوياء النفوس الذين ~~يعملون ويعرضون لا راغبين ولا راهبين، بل لأن طبائعهم تدفعهم إلى العمل، أو تدفعهم ~~عنه فلا. # ومن هنا أنتجت هذه الفلسفة الحالكة المشرقة، المثبطة المنشطة في حياة الناس ~~نتيجتين مختلفتين أشد الاختلاف، دعا إليها أبيقور قبل أبي العلاء بقرون طوال، ~~فاستجاب لها فريقان من الناس، كلاهما فهمها على وجهها، ولكن كليهما ذهب بهذا الفهم ~~في طريق مضادة لطريق صاحبه. # فأما أول هذين الفريقين، فقد استيأس من جزاء الخير والشر، فارتفع بنفسه عن ~~انتظار الجزاء، ونزهها عن البيع والشراء، وطهرها من اللذة وآثامها وآثارها، وراضها ~~على الألم حتى ألغى شعورها بالألم، وصرفها عن النعيم حتى ألغى تقديرها للنعيم. # وقد سلك أبيقور نفسه هذه الطريق، ولكن كثيرا من معاصريه، والذين قرأوا فلسفته ~~سلكوا تلك الطريق. وسلك أبو العلاء طريق أبيقور، ولكن كثيرا من الذين قرأوا فلسفة أبي ~~العلاء سلكوا تلك الطريق، فأي الفريقين أخطأ، وأي الفريقين أصاب؟ كلاهما مخطئ في أكبر ~~الظن لسبب يسير، وهو أن هذه الفلسفة تقوم على الإسراف في الإيمان بالعقل، والاطمئنان ~~المطلق إلى أحكامه وأقضيته وقياس الأشياء بمقاييسه القاصرة الضيقة. فمن يدري لعل ~~للأشياء مقاييس أخرى أبعد وأوسع من هذه المقاييس التي نقيس بها الخير والشر، ~~ونقدر بها الثواب والعقاب. # ومن يدري لعل من الإسراف في الغرور والكبرياء أن نتخذ أنفسنا وعقولنا مقاييس ~~للأشياء، وألا نلحظ حين نقدم أو نحجم إلا ما يعود علينا من نفع أو ضر، ومن ~~خير أو شر، ومن مثوبة أو عقوبة. أليس من الممكن - بل أليس من الحق - أن نخفف من هذه ~~الأثرة، وأن نلحظ ما قد يكون لإقدامنا أو إحجامنا من أثر في الجماعة التي نعيش فيها، ~~وفي النوع الذي نتأثر به ونؤثر فيه؟ أليس من الممكن بل من الحق علينا أن ms099 نتساءل: ألا ~~يجوز أن تكون لأعمالنا آثار تتجاوزنا وتتجاوز الجماعة وتتجاوز النوع ~~نفسه إلى كائنات أخرى نعرفها أو لا نعرفها، ونحن نجهل - على كل حال - آثار ~~أعمالنا فيها وفي مصيرها؟ # الأمر كله يرجع إلى ما رددت إليه بؤس أبي العلاء ويأسه، وهو هذه الكبرياء العقلية ~~التي تلغي ما سوى العقل، وتقف الثقة كلها على العقل، فهل من الحق أن العقل جدير بكل هذه ~~الثقة، وأن أحكامه جديرة بهذه الطمأنينة التي تدفعنا إلى اليأس المسرف في الطغيان، أو إلى ~~الأمل المسرف في التهالك على اللذات والآلام؟ ومع ذلك فأبو العلاء نفسه يعترف بقصور العقل ~~وحيرته، وعجزه عن القضاء في كبار المشكلات. # فاقرأ قبل كل شيء هذه الأبيات التي يصور فيها الشيخ بؤسه ويأسه تصويرا هادئا، ولكنه ~~مؤثر لطيف المدخل إلى النفس: # عيون العالمين إلى اغتماض # وأبصار النجوم سيغتمضنه # وقد سر المعاشر باقيات # من الأنباء سرن ليستفضنه # أرى الأزمان أوعية لذكر # إذا بسط الأوان له نفضنه # قد انقرضت ممالك آل كسرى # سوى سير لهن سينقرضنه # فطر إن كنت يوما ذا جناح # فإن قوادم البازي يهضنه # وكم طير قصصن لغير ذنب # وألزمن السجون فما نهضنه! # ثم انظر إلى هذا البيت الذي يعترف فيه أبو العلاء اعترافا صريحا قاطعا بعجز العقل ~~وقصوره فيقول: # متى عرض الحجا لله ضاقت # مذاهبه عليه وإن عرضنه # فهذا العقل الجبار الذي يقبل ويدبر ويكر ويفر، وتتسع له المذاهب حين ~~يعرض لكثير من المشكلات، فإذا هو يبني ويهدم، وإذا هو ينقض ويبرم، لا يكاد ~~يعرض لله حتى تضيق عليه المذاهب، وتؤخذ عليه من أقطارها، فإذا هو عاجز قاصر لا ~~يستطيع أن يصول ولا أن يجول. # وليس الغريب أن يعترف أبو العلاء بقصور العقل، وعجزه حين يعرض لله، وإنما الغريب أن ~~يقف أبو العلاء بهذا الاعتراف عند هذا الحد، وألا يستقصي نتائجه المنطقية؛ فإن العقل إذا ~~عجز عن فهم الله، وتعرف كنهه كان خليقا أن يعجز عن فهم كثير من الأشياء التي ~~تصدر عن الله. وهو إذا اعترف بهذا العجز كان ms100 خليقا أن يتواضع، فلا يعني نفسه ، ~~ولا يمنيها، ولا يجشمها هذه الأهوال التي تتجشمها في سبيل التحليل والتعليل ~~والتأويل. وإنما قصارى العقل أن يجد ما وسعه الجد، وأن يفهم ما استقام له ~~الفهم، وأن يدبر أموره في هذه الحياة كما تستقيم له الظروف، فإذا انتهى إلى حيث لا ~~يطيق أن يبعد في سبيله وقف وقفة المتواضع الذي لا يطغى، ولا يتكبر، ولا يتجبر، ولا ~~يتورط في هذا الإنكار العنيف الذي يثير اليأس والبؤس والقنوط، إنما تفهم الكبرياء ~~الجامحة من عقل الملحد الذي لا يؤمن بالله، ولا يعترف بوجوده ولا بحكمته. # فأما العقل الذي يؤمن بالله، ويثبت له العدل والحكمة فهو ظالم لنفسه إن تمرد، ~~وباغ عليها إن ورطها في الإنكار والجحود. # ولكن أبا العلاء معذور بعض العذر فيما تورط فيه ودفع إليه، فقد كان مضطرا إلى أن ~~يعيش في بيئته التي عاش فيها، وإلى أن يشارك هذه البيئة فيما كانت قد دفعت إليه من ~~ألوان الجدل في الدين والفلسفة، فهو إذن مضطر إلى أن يثبت وينفي، وإلى أن يعرف ~~وينكر، وإلى أن يقبل ويرفض. وليس هو الذي ابتكر هذه المشكلات التي عرضت له أو ~~عرض لها، وإنما أقبل إلى الحياة وبلغ الشباب، فوجد هذه المشكلات قد وضعت ~~موضع البحث من أقدم العصور، وكثر فيها الاختلاف، واشتد فيها الأخذ والرد، ونشأ عن ~~ذلك شر عظيم في حياة الناس، وفساد منكر في أمورهم، فلم يكن له بد من أن يستعرض ~~ما استعرض الناس من قبله، ويستقبل ما استقبلوا، ويقول فيه مثل ما قالوا أو غير ~~ما قالوا. وقد فعل، وانتهى به هذا كله إلى هذه الحيرة المؤلمة المهلكة، ومن يدري إلى أي ~~حال كان يصير أبو العلاء لو أنه نشأ في بيئة بريئة لم تعرض لها هذه المشكلات، ولم ~~تدفع إلى ما دفعت إليه بيئة أبي العلاء من ألوان الجدل؟ # ولكن هذا سؤال لا يغني ولا يفيد، فأنت تستطيع أن تلقيه بالقياس إلى كل مفكر ~~تأثر بما وجد في بيئته من المشكلات ms101 القديمة أو الطارئة، وبالقياس إلى كل إنسان من ~~رجال التفكير أو من رجال العمل دفعته بيئته إلى أن يفكر أو إلى أن يعمل. وهذا ~~السؤال ظريف حله يتيح لمن يلقيه أن يذهب في الفرض مذاهب لا تحصى، ولكنه لا ~~ينتهي آخر الأمر إلى شيء. # فلنأخذ أبا العلاء كما هو، كما أرادت فطرته وبيئته وظروفه أن يكون، ولنرث له من ~~هذا البؤس الملح، وهذه الحيرة المضنية، ولنستمتع بهذه اللذة الحلوة المرة التي نجدها ~~عندما نسمع صوته المشرق الحزين ينشر هذا الشعر، الذي إن صور شيئا فإنما يصور ~~رجولة قوية، ومروءة صادقة، وقلبا رحيما، وعقلا ذكيا نافذا، وشكا مهما يعنف ~~فهو لا ينتهي بصاحبه إلى هذا التمرد الوقح الذي نجده عند كثير من الذين أسرفوا في الثقة ~~بعقولهم، وإنما ينتهي به إلى الخوف والإشفاق، والغلو في الحذر، والاحتياط للنفس، والاجتهاد ~~في الخير، ولا ينتهي به إلى هذه السخرية اللاذعة التي تقطع الأمل على كل آمل، والقول ~~على كل قائل، وإنما تنتهي به أحيانا إلى سخرية رفيقة باسمة، لا تقطع على مخالفيه ~~أسباب التفكير، بلا لا تقطع عليهم أسباب محاورته، والرد عليه. # نعم، يجب أن نعذر أبا العلاء، فنلاحظ ما أغرق فيه الفلاسفة والمتكلمون والفقهاء ~~والمتصوفون والمجادلون عن الفرق السياسية، باللسان أحيانا، وبالسيف أحيانا أخرى، من ~~ألوان التأويل والتعليل والتضليل، وأن نلاحظ أنه وقد فطر كما فطر ذكي القلب، قوي ~~العقل، مرهف الحس، دقيق الشعور، لم يكن يستطيع أن يلقى هذا كله غير حافل به، ولا ~~ملتفت إليه، أو أن يمر بهذا كله ساخرا منه، وعابثا به كما فعل بشار وأبو نواس. ~~وإنما فكر الرجل فشقي بتفكيره. وحسبه أن شقاءه بالتفكير لم يدفعه إلى أكثر من أن ~~يشتد على نفسه، ويأخذها بما أخذها به من العنف، ويدفعها إلى ما دفعها إليه من ~~النسك، ويصرف شرها عن الناس، ولا يمنح الناس من آثارها إلى ما يدعوهم إلى ~~الروية والتفكير، ويثير في نفوسهم اللذة والمتاع. # واقرأ هذه الأبيات التي تصور يأسه من إسراف المؤولين فيما ms102 أولوا، ومن إسراف ~~المعللين فيما عللوا ، ومن إسراف الفقهاء وأصحاب الكلام فيما حاولوا من ألوان التوفيق ~~والتفريق، ثم انظر إلى البيت الأخير منها فسترى يأسا مهلكا، ولكنه لا يثير في النفس ثورة، ~~ولا يدفعها إلى جموح، وإنما هو منته بها إلى الرضا والإذعان: # وقد كذب الذي يغدو بعقل # لتصحيح الشروع إذا مرضنه # هي الأشباح كالأسماء يجري ال # قضاء فيرتفعن وينخفضنه # وتلك غمائم الدنيا اللواتي # يسفهن الحليم إذا ومضنه # غدت حجج الكلام حجا غدير # وشيكا ينعقدن وينتقضنه # لعل الظاعنات عن البرايا # من الأرواح فزن بما استعضنه # وللأشياء علات ولولا # خطوب للجسوم لما رفضنه # وغارت لانصرام حيا مياه # وكن على ترادفه يفضنه # أرأيت إلى هذه القصيدة التي لم تسرف في الطول، ولم تسرف في شيء من الأشياء كيف ~~ألمت بألوان مختلفة من هذه الفلسفة المظلمة، التي أنفق فيها الشيخ حياته؟ بدأت بالأسف ~~والحزن، وانتهت باليأس والقنوط، وافتن الشيخ بين ذلك في ألوان من التفكير، منها ما يصور ~~الحذر والاحتياط، ويحاول تطهير النفس مما يراه العقل والدين إثما، ومنها ما يصور التواضع ~~والاعتراف بالقصور، ومنها ما يصور الثورة على الناس لا على الله؛ وهي على كل حال، وفي كل ~~فن من الفنون التي ألمت بها لا تخلو من هذه الشخصية القوية الضعيفة، الثائرة الهادئة، ~~المتكبرة المتواضعة، شخصية أبي العلاء. # ثم أرأيت إلى فنه اللفظي في هذه القصيدة كيف استقام له واستجاب لدعائه، فلم ~~يمتنع ولم يتمنع، ولم يلتو ولم يعوج، وإنما استجاب مسمحا ~~طيعا، فأشاع في القصيدة هذه الجزالة الحلوة، وأشعرك مع ذلك بنفسه، وأنبأك بأنه ~~ليس من الطاعة والاستسلام، بحيث تظن أو بحيث يظن الشيخ نفسه، وإنما هو على كل حال فن عزيز ~~منيع لا يبلغ إلا بعد الجهد، وكل ما في الأمر أن هذا الجهد قد يكون عنيفا شاقا ~~أحيانا، وقد يكون رفيقا هينا أحيانا أخرى. # أما أنا فقد استعذبت نغمة هذه القصيدة، واسترحت إلى صوت الشيخ وهو ينشدها، وأردت ~~أن أستزيد من هذه المتعة، فأقمت مع الشيخ وصحبته ذات مساء، ms103 حتى إذا تقدم الليل ~~خلوت إلى نفسي، فخلوت إلى ذكرى الشيخ، وسمعته ينشد قصيدة أخرى ليست أقل جمالا ~~وروعة من هذه القصيدة، ولكنها أطول منها، وأسرع سعيا إلى النفس، وأعذب موقعا ~~فيها، ولا بد من أن أحمل إليك صدى إنشاد الشيخ لهذه القصيدة الرائعة. # وأيسر ما أحمله إليك من هذا الصدى ترديد لمقطوعات من هذه القصيدة، وتصوير لبعض ~~الآراء التي نثرها الشيخ في هذه الأبيات. # وقد التزم الشيخ في القصيدة هاء السكت، والتزم معها النون والسين، وظهر ~~لالتزامه هذا أثر واضح في الفن اللفظي؛ فقد تحكمت القافية أحيانا، ولكنها ~~تحكمت في سماحة وعذوبة، وفي شيء من الدل والتيه، واستجابت بعد هذا التحكم، فكانت ~~استجابتها حلوة شائقة مرضية لحاجات النفس، ونزعات العقل جميعا، ومطلع هذه القصيدة قول ~~أبي العلاء: # تهاون بالظنون وما حدسنه # ولا تخش الظباء متى كنسنه # ولكن لنمر مسرعين بهذا البيت وبالأبيات التي تأتي بعده، والتي يصور فيها أبو العلاء ~~عبث الزمان بالناس والأحداث على نحو ما يفعل في كثير من شعره ونثره، وينهى فيها عن ~~الكلف بالغانيات، ويفتن في وصفهن وصفا يصد عنهن، ولنقف عند هذه الأبيات: # تشابهت الخلائق والبرايا # وإن مازتهم صور ركسنه # وجرم في الحقيقة مثل جمر # ولكن الحروف به عكسنه # غنى زيد يكون لفقر عمرو # وأحكام الحوادث لا يقسنه # وما أريد أن أقف عند فنها اللفظي؛ فهو أظهر وأدنى من أن يحتاج إلى الحديث ~~عنه، أو إلى تقريبه إلى القارئ. ما أريد أن أقف عند القيمة الفلسفية لمعاني هذه ~~الأبيات؛ فقد يدفعني ذلك إلى ألوان من القول، وإلى فنون من الإطالة لست في حاجة إليها. ~~وإنما أريد أن أقف عند شيئين اثنين تصورهما هذه الأبيات تصويرا قويا واضحا، ~~ويحتاجان إلى كثير من التعمق والاستقصاء: # الأول: أن هذه الفكرة التي يصورها الشيخ في البيت الأول، ويقيم الدليل عليها في البيت ~~الثاني مشتركة بينه وبين أصحاب أبيقور، لا في جوهرها فحسب، بل في طريقة عرضها أيضا. ~~فأي الناس قرأ ديوان الشاعر اللاتيني لوكريس الذي يعرف بطبيعة الأشياء ms104 يعلم أن هذه ~~الفكرة شائعة في هذا الديوان كله، وأن الشاعر اللاتيني يعرضها غير مرة على نفس النحو ~~الذي يعرضها عليه أبو العلاء. # فهو يتحدث عن تشابه الأشياء وإن اختلفت صورها الظاهرة، وهو يمثل لذلك بألفاظ ~~لاتينية يعبث بها نفس العبث الذي يعبثه أبو العلاء ب «جرم»، و«جمر» في البيت ~~الثاني. # ومن المحقق أن أبا العلاء لم يقرأ لوكريس، ولم يظهر عليه، وأكبر الظن أنه لم يسمع ~~بديوانه، بل لم يسمع باسم الشاعر نفسه، ولو قد قرأه لقرأه بالعربية، وليس من سبيل إلى ~~ترجمة هذا العبث اللفظي من اللاتينية إلى اللغة العربية، وقد ظهر عجز التراجمة ~~الفرنسيين عن نقله من اللاتينية إلى الفرنسية. # ليس من شك إذن في أن أبا العلاء لم يتأثر بالشاعر اللاتيني من قريب ولا من بعيد، ~~وكل ما يمكن أن يفترض هو أن فلسفة أبيقور قد عرفت عند المسلمين على نحو ما، ~~واتصلت أصولها بأبي العلاء، فصادفت من مزاجه استعدادا وقبولا، ففكر فيها واستقصى ~~مذاهبها مجتهدا مستنبطا من نفسه، وانتهى إلى مثل ما انتهى إليه القدماء من أصحاب أبيقور، ~~وإلى مثل ما انتهى إليه الشاعر اللاتيني من مذاهب التفكير، والتعبير ومن مذاهبهم في السيرة ~~أيضا. # والشيء الثاني هذا البيت: # غنى زيد يكون لفقر عمرو # وأحكام الحوادث لا يقسنه # فإلى أي فكرة ذهب أبو العلاء في هذا البيت إذا لم يكن قد ذهب إلى تصوير عجز ~~العقل عن فهم الحوادث التي تعرض للناس والأشياء، وتعليلها وتحليلها من جهة، وإلى إثبات ~~أن هذه الحوادث التي لا تعلل ولا تحلل ولا تؤول تنتج في حياة الناس أشياء ~~يراها العقل ظلما وجورا، فينكرها وينبو عنها؟ فالخيرات التي تنتجها الأرض، وتنتجها ~~الحضارة كلها محصورة لا يمكن أن تتفاوت حظوظ الناس منها، إلا إذا كان الظلم مصدر هذا ~~التفاوت، فإذا ظفر زيد بالغنى فلا بد من أن يضطر عمرو إلى الفقر. وليس من الميسور، ~~ولا من المعقول أن يكون الناس كلهم أغنياء. وإذن فلم يستأثر زيد بالغنى، ويضطر ~~عمرو إلى الفقر؟ وكيف ms105 السبيل إلى رفع هذا الظلم ، ووضع العدل مكانه، وتحقيق الإنصاف بين ~~هذين الرجلين اللذين يظفر أحدهما بأكثر من حاجاته، ويحرم أحدهما أيسر هذه ~~الحاجات؟ # سبيل ذلك تحقيق المساواة من غير شك، سبيل ذلك أن يؤخذ من الغني، وأن يرد على ~~الفقير، حتى لا تكون بينهما هذه الفروق التي تبيح لأحدهما أن يظلم الآخر، ويستعلي ~~عليه، وتكره أحدهما الآخر على أن يبغض صاحبه، ويضمر له الضغينة والموجدة. ولكن ~~أبا العلاء ليس صاحب إصلاح عملي، وإنما هو مفكر شاعر ناقد، يرى الشر فيدل عليه، ~~وما أكثر ما يرى الشر! ويرى الخير فيدعو إليه، وما أندر ما يرى الخير! وهو في الوقت نفسه لا ~~يقطع بأن الشر الذي يراه شر مطلق، وبأن الخير الذي يراه خير مطلق، هو لا يقطع، وهو من ~~أجل ذلك، ومن أجل أشياء أخرى لا يعمل، وإنما يعتزل الناس، وينفرد عنهم، ويؤثر ~~نفسه بالعافية، يرفض الثروة، فيبرأ من ظلم المعدمين، والاستعلاء عليهم، ويبرأ في ~~الوقت نفسه من حقدهم عليه، وبغضهم له، ويطمئن إلى الفقر، وتستريح نفسه إليه، فلا ~~يشعر بألم الحرمان، ولا يتعرض لهذه العواطف المؤلمة التي يثيرها الحرمان في النفوس، فهو ~~قانع مطمئن إلى قناعته، لا يظلم الناس، ولا يرى أن الناس يظلمونه، أو هو عاف لهم ~~عما قد ينزلون به من الظلم. # هو اشتراكي لولا أنه صاحب قناعة وزهد واعتزال للناس، وإعراض عن الحياة العاملة، وما يكون ~~فيها من جهاد. هو اشتراكي الرأي، فلسفي السيرة، ولنقتصد مع ذلك في اللفظ وفي الحكم ~~أيضا، فلا ينبغي أن يفهم من اشتراكية أبي العلاء ما يفهم من اشتراكية كارل ماركس، ~~وإنما ينبغي أن يفهم من اشتراكية أبي العلاء ما يفهم من اشتراكية العصور القديمة، ومن ~~اشتراكية الثائرين والساخطين، في القرن الثالث والرابع للهجرة بنوع خاص. # فأبو العلاء قد عرف ثورة صاحب الزنج، وعرف ثورة القرامطة، ولام صاحب الزنج كما لام ~~زعماء القرامطة، ونعى عليهم آمالهم، ونعى عليهم فلسفتهم، ولكنه استبقى من هذه الفلسفة ~~شيئا واحدا؛ لعله أن يكون هو الذي ms106 أنشأ هذه الفلسفة: وهو الشعور بالظلم في توزيع الثروة، ~~والإنكار لما يكون من انقسام الناس إلى طبقات؛ الأغنياء والفقراء. # وتستطيع أن تنظر إلى هذه الأبيات التي رد فيها أبو العلاء على الشيعة، وعلى صاحب ~~الزنج، وعلى القرامطة، فسترى أنه أنكر عليهم جميعا ما كانوا يطلبون أو يحاولون، أو ~~ينتظرون من تحقيق العدل في الأرض. أنكر عليهم الإمام الذي كانوا ينتظرونه، ولكنه ~~اعترف بأن الجور شيء واقع، ولا سبيل إلى الإفلات منه، وصرح بأن ليس للناس إمام ~~يستطيعون أن يثقوا به ويطمئنوا إليه إلا العقل. ولكن العقل يستطيع أن يكشف الظلمة، وأن ~~يجلب الرحمة بشرط أن يطاع وليس إلى طاعته سبيل؛ لأن في طبيعة الناس، وفي طبيعة الحياة ~~ما يجعل طاعة العقل عسيرة إلا على أمثال أبي العلاء. وهذه الأبيات هي قوله: # يرتجي الناس أن يقوم إمام # ناطق في الكتيبة الخرساء # كذب الظن لا إمام سوى العق # ل مشيرا في صبحه والمساء # فإذا ما أطعته جلب الرح # مة عند المسير والإرساء # إنما هذه المذاهب أسبا # ب لجذب الدنيا إلى الرؤساء # غرض القوم متعة لا يرقو # ن لدمع الشماء والخنساء # كالذي قام يجمع الزنج بالبص # رة والقرمطي بالأحساء # فانفرد ما استطعت فالقائل الصا # دق يضحى ثقلا على الجلساء # أترى إلى اشتراكية أبي العلاء؟ إنه يستمدها من الحياة المادية والعقلية لعصره، يستمدها من ~~الثورات التي اضطرب لها النظام الاجتماعي والسياسي أيام العباسيين، ولكنه لا يحكم ~~فيها شهوته، فليست له شهوة، ولا يحكم فيها هواه؛ فليس له هوى، وإنما يحكم فيها ~~عقله، فينتهي به العقل إلى هذا اليأس المريح المؤلم الذي يكون للفلاسفة والشعراء. # ينتهي به العقل إلى أن الجور واقع لا شك فيه، وإلى أن العدل أمل لا سبيل إليه، وإلى أن ~~اليأس المريح على ما يثير من الآلام المحضة خير من الجهاد الذي لا يغني، والمغامرة التي ~~لا تجدي. هو يلتقي مع المتنبي في الشعور بالجور، وفي أخذ هذا الشعور من المذاهب ~~الاقتصادية والسياسية التي كانت شائعة في ذلك العصر، ولكنهما لا ms107 يكادان يلتقيان حتى ~~يفترقا. فأما المتنبي فيغامر، ويخاطر حتى ينتهي إلى ما ينتهي إليه المغامرون ~~المخاطرون، وأما أبو العلاء فيشرب كأس اليأس هذه التي تريحه وتريح منه. # وهنا نبلغ المسألة التي أثارها الأستاذ ماسينيون، والتي أشرت إليها في أول هذا ~~الحديث، والتي قرأت اللزوميات من أجلها: وهي تأثر أبي العلاء بالإسماعيلية. وأظن ~~أن الجواب على هذه المسألة يسير جدا، فأبو العلاء قد عرف كل ما أثاره المسلمون من ~~خصومة عقلية أو سياسية أو اقتصادية، وأبو العلاء قد روى في هذا كله تروية الرجل الذي ~~يصطنع الجد، ولا يحب الهزل، وأبو العلاء قد تأثر من غير شك بهذه المذاهب المختلفة ~~تأثرا عقليا، فدرسها، وجادل فيها، ولكنه لم يستبق منها لنفسه إلا خلاصتها، ~~وأدناها إلى مزاجه. فمن قال: إن أبا العلاء قد تأثر بالشيعة وبصاحب الزنج، وبالقرامطة ~~خاصة، فشعر بأن الأرض قد ملئت جورا، وصور هذا الجور ورده إلى مصادره ~~الاقتصادية والسياسية المختلفة، فقد قال حقا، ومن قال: إن أبا العلاء قد تجاوز هذا ~~الحد في تأثره بأصحاب المذاهب الثائرة الساخطة، فرسم خطة عملية لرفع الجور، ~~وانتظر إماما سيأتي، أو استجاب لإمام قائم، فقد أخطأ. # فليس أبو العلاء إسماعيليا، ولا قرمطيا، ولا شيعة بوجه عام، هو يؤمن بأن الأرض قد ~~ملئت جورا، ولكنه يائس من أن يرفع هذا الجور صاحب الزنج في البصرة، وزعيم القرامطة في ~~الأحساء، والأئمة القائمون من الفاطميين في القاهرة، والإمام الذي ينتظره أولئك أو هؤلاء من ~~الذين كانوا ينتظرون الأئمة المغيبين. # إمامه مستقر في نفسه، يهديه حينا، ويجور به حينا آخر، ويسلك به هذه الطرق المعوجة ~~الملتوية التي نراها في اللزوميات، ويحمله ألوان الجهد، ويكلفه ضروب العناء، ولكن ~~أبا العلاء يحبه ويأنس إليه، ولا يرضى به بديلا. # وامض بعد ذلك في قراءة ما يأتي بعد هذه الأبيات، فسترى أبا العلاء يعرض عليك تشاؤمه ~~مطمئنا له مستريحا إليه، حتى يقول: # وليت نفوسنا والحق آت # ذهبن كما أتين وما أحسنه # قدمنا والقوابل ضاحكات # وسرنا والمدامع ينبجسنه # فهو يكره الحياة كما ms108 ترى، ويود لو أننا لم ندفع إليها. والغريب أنه يعلل هذا ~~بنفس التعليل، أو قل يصور هذا نفس التصوير الذي ذهب إليه لوكريس من استبشار الناس ~~حين يتلقون المولود، وابتئاسهم حين يشيعون الموتى. فأبو العلاء أبيقوري في تشاؤمه ~~هذا؛ ثم هو يذهب مذهب أبيقور ولوكريس فيثبت للعناصر التي ائتلفت منها ~~أجسامنا طهرا ونقاء في حالها الأولى، ويثبت لها دنسا وكدرا طرأ عليها بعد أن ~~تألفت منها الأجسام. # وامض بعد ذلك في القراءة حتى تبلغ إلى حيث ينبئنا أبو العلاء بتكتمه وتحفظه، ~~واحتياطه في إعلان ما يضطرب في نفسه من الخواطر، وما يثور فيها من العواطف، وما ~~يعرض لها من الآراء، وذلك حيث يقول: # ألم ترني حميت بنات صدري # فما زوجتهن وقد عنسنه؟ # ولا أبرزتهن إلى أنيس # إذا نور الوحوش به أنسنه؟ # ففي نفس أبي العلاء إذن أسرار مكتومة قد طال ضنه بها، وكتمانه لها. فما عسى أن ~~تكون هذه الأسرار؟ ما أظن إلا أنها هذه المذاهب التي ينثرها أبو العلاء في اللزوميات، ~~مصرحا مرة، وملمحا مرة، ومحتاطا دائما. وهو على كل حال يصطنع فيها التقية، فقل: ~~إنه يذهب في هذا مذهب الشيعة، أو قل إنه يذهب في ذلك مذاهب كثير من الفلاسفة القدماء الذين ~~كانوا يرون من العلم ما يباح للناس جميعا، ويرون منه ما لا يجوز الإفضاء به إلا ~~إلى الأكفاء القادرين على تلقيه وتحمله. # وانظر بعد ذلك إلى تصريح أبي العلاء باصطناعه لمذهب أبيقور، وتصويره لهذا الزهد الذي اضطر ~~إليه لا راغبا فيه، بل مكرها عليه إكراها، وذلك قوله: # وقال الفارسون: حليف زهد # وأخطأت الظنون بما فرسنه # ورضت صعاب آمالي فكانت # خيولا في مراتعها شمسنه # ولم أعرض عن اللذات إلا # لأن خيارها عني خنسنه # ولم أر في جلاس الناس خيرا # فمن لي بالنوافر إن كنسنه؟ # فالذين يظنون به الزهد مخطئون، فليس هو زاهدا، ولكنه رجل عاجز عن تحقيق آماله، قد ~~راض هذه الآمال فامتنعت عليه، ولم تذعن له، وأدركه اليأس من انقيادها، ~~فخلى بينها وبين الشموس، وأعرض عن ms109 لذاته لا رغبة عنها، بل قصورا وعجزا، هي التي ~~أفلتت منه، فلم يستطع أن يلحق بها؛ فآثر القعود على سعي لا غناء فيه! # وهو حين آثر القعود لم يطق أن يقعد مع الناس، ولا أن يرى في مجالستهم خيرا، فهم ~~يرضون بما لا يرضى به، ويطمحون إلى ما لا يطمح إليه، ويقنعون بما لا يرى فيه ~~مقنعا، ويختصمون فيا لا يرى فيه موضعا للخصام. فليعرض عنهم كما أعرض عن آمالهم ~~ولذاتهم، ولينفر نفور الظباء حين يلزمن الكناس. # فهو إذن ساخط على الدنيا؛ لأنها أعجزته، لا لأنه زهد فيها. وفلسفته إذن - كما ~~قلت في أول هذا الحديث - فلسفة المحنق المغيظ لا فلسفة المرتفع عن نعيم الحياة ~~ولذاتها. أو قل: إنها فلسفة المرتفع عن نعيم الحياة ولذاتها، لا لأنه أراد أن يرتفع، بل ~~لأنه أكره نفسه على هذا الارتفاع. طمعه أكثر من طاقته، فهو يؤثر أن يفقد كل ~~شيء على أن يقنع ببعض الشيء. # أترحم هذا الرجل وترثي له، أم تضيق به وتسخط عليه؟ أما أنا فأختصه ~~بالرحمة والعطف؛ لأنه أحب الدنيا، وأعرض عنها، ورغب في اللذات ثم صدف عنها؛ ~~ولأنه حين أعرض عن الدنيا وصدف عن اللذات لم يضمر لأحد شرا، ولم يحسد الناس على ~~ما أصابوا منها، وإنما رضي عن الحرمان، واطمأنت نفسه إليه، وعاش وادعا هادئا لا يؤذي ~~أحدا، ولا كاد أحد يؤذيه. # وامض بعد ذلك في القراءة حتى تصل إلى حيث يعود أبو العلاء إلى نوع من إنكار هذه ~~المصادفات التي تسيطر على الأحياء والأشياء، فتقسم الحظوظ في غير حكمة ظاهرة، ولا عدل ~~بين للعقل حين يريد العقل أن يعلل أو يؤول. فالمساواة ليست ملغاة بالقياس إلى ~~الناس وحدهم فيما يكون من تقسيم الثروة بينهم، ولكنها ملغاة أيضا بالقياس إلى الأشياء ~~التي لا تعقل ولا تحس. فما بال بعض الأماكن يؤثر بالتجلة والتكرمة، ~~وبعضها الآخر يهمل إهمالا دون أن يكون هناك فرق ظاهر يلحظه العقل بين هذه وتلك؟ ~~أمصدر هذا مصادفة لا نستطيع لها تأويلا؟ وإذن فليس على ms110 أبي العلاء بأس، وإنما الأمر ~~في هذا كالأمر في غيره من الأشياء التي يعجز العقل عن فهمها، أم مصدر هذا ما يكون من ~~حمق الناس، وخرقهم واندفاعهم إلى ما يدعون إليه في غير روية ولا تبصر ولا ~~تفكير؟ وإذن فهو الانحراف عن الإسلام، والازورار عن الدين، فالأماكن التي يذكرها أبو ~~العلاء في هذه الأبيات - كما سترى - هي صخرة بيت المقدس، وركنا قريش، ومقام ~~إبراهيم. # وقد قدمت أن أبا العلاء لا يطمئن إلى الحج، ينكره صراحة بالقياس إلى النساء في ~~قوله: # أقيمي، لا أعد الحج فرضا # على عجز النساء ولا العذارى # ويهمله إهمالا حين يذكر أركان الإسلام في القصيدة السابقة، فيأمر بالصلاة والصوم ~~والزكاة، ولا يذكر الحج. # وهو هنا يقول هذه الأبيات: # وقد غابت نجوم الهدي عنا # فماج الناس في ظلم دمسنه # وقد تغشى السعادة غير ندب # فيشرق بالسعود إذا ودسنه # وتقسم حظوة حتى صخور # يزرن فيستلمن ويلتمسنه # كذات القدس أو ركنا قريش # وأسرتهن أحجار لطسنه # يحج مقام إبراهيم وفد # وكم أمثال موقفه وطسنه! # وأكبر الظن أن أبا العلاء هنا إنما يذهب مذهب أبيقور في إنكاره حمق الناس ~~وخرقهم، واستجابتهم للأوهام. وآية ذلك ما قدمت من إعراض أبي العلاء عن الحج، ~~وإنكاره له في غير موضع من اللزوميات. وآية ذلك هذا البيت الذي يأتي مباشرة بعد هذه ~~الأبيات، وهو قوله: # تشاءم بالعواطس أهل جهل # وأهون إن خفتن وإن عطسنه! # فذكره بما يكون من تشاؤم الناس وتفاؤلهم في هذه السخرية اللاذعة بعد ذكر ركني ~~قريش ومقام إبراهيم، وإقبال الناس عليها دون غيرها من الأماكن، مصور لمذهبه أوضح تصوير ~~وأجلاه، هو مذهب يخالف جوهر الإسلام، وطبيعته مخالفة لا تحتمل شكا ولا تأويلا. # على أنه يمضي في هذه السخرية بأوهام الناس، واستجابتهم لما يكون من دعوة الداعين، ~~وتصديقهم لما يقال لهم من الأقوال، وما يقص عليهم من الحديث، فيقول: # وأعمار الذين مضوا صغارا # كأثواب بلين وما لبسنه # فالأطفال الذين يدركهم الموت قبل أن يرشدوا لا ينشرون ولا يحشرون، ولا يلقون ~~عقابا، ولا ثوابا. أقبلوا ms111 على الحياة ولم يريدوها، وأخرجوا من الحياة ولم يستمتعوا ~~بها. أقبلوا من العدم وصاروا إلى العدم، وليس لذلك حكمة معروفة أو علة ظاهرة، هم كالثياب ~~التي تبلى دون أن تلبس، ففيم وجدت، وفيم بليت؟ # ثم يقول: # وهان على الفراقد والثريا # شخوص في مضاجعها درسنه # وما حفلت حضار ولا سهيل # بأبشار يمانية يدسنه # سخف إذن كل ما يذاع في الناس فيصدقونه، ويطمئنون إليه من أخبار الكواكب والنجوم فيما ~~بينها، ومن عناية الكواكب والنجوم بالناس، ورعايتها لهم، وتأثيرها فيهم بالخير مرة وبالشر ~~مرة أخرى. فالكواكب والنجوم لا تحفل بنا، ولا بما يعرض لنا من الحوادث والخطوب. ومن يدري ~~لعلها لا تحفل بنفسها، أو لعلها لا تشعر بنفسها! وإذن فالناس يستجيبون للأوهام، ~~ويؤمنون بالسخف حين يصدقون ما يقص عليهم، ويذاع فيهم من أمر الكواكب والنجوم. ~~مصدر ذلك ضعف عقولهم من جهة، وتعلقهم بالكبرياء والغرور من جهة أخرى. يرون أنفسهم ~~شيئا، وليسوا في حقيقة الأمر شيئا. # وكذلك صور أبو العلاء في هذه القصيدة الرائعة تشاؤمه المظلم القاتم في ألفاظ رقيقة ~~شفافة، ولكنها تشف عن هذا الحزن المؤلم المظلم. # والغريب أني شغلت بهاتين القصيدتين، وبقصائد أخرى تشبههما في اللزوميات، وتركت ~~صاحبي يمضي في قراءة ذلك الكتاب السخيف الذي اشتريناه لنستعينه على القطار، يظن أني ~~أسمع له، وأصغي إليه، والله يشهد أني ما كنت أسمع إلا للشيخ ينشد شعره ~~هذا الرائع الحزين! # والقطار ينهب الأرض بنا نهبا، يجن حينا، ويعقل حينا آخر، وأنا عن هذا كله ~~لاه، ولهذا كله ناس، لا أحفل إلا بهذا السجن المظلم الذي أقام فيه الشيخ، ~~واقتحمته أنا على الشيخ. وما أزال كذلك حتى نبلغ باريس. والمقبلون على باريس حين ~~يبلغونها يعنون بأشياء كثيرة مختلفة، ولكن أقل ما يعنون به لأول قدومهم الكتب ~~والنظر فيها. # والله يشهد ما بلغت الفندق حتى طلبت إلى صاحبه أن يضيف إلى الغرفات التي ~~نحتاج إليها غرفة أخلو فيها إلى أبي العلاء. وما كان الغد حتى كانت كتب أبي العلاء قد ~~خرجت من مكامنها، وحتى كنت مقبلا ms112 على الشيخ في سجنه أسمع منه، وأتحدث إليه، ولكن ~~لا من طريق اللزوميات، بل من طريق الفصول والغايات. # | الفصل التاسع # وكان القدماء يظنون بهذا الكتاب الظنون، ويقولون فيه عن علم وعن غير علم، منهم ~~من لم يقرأه وإنما سمع عنه، ومنهم من قرأه ولم يفهم عن أبي العلاء فيه، منهم من أساء ~~الظن بالشيخ، فقضى في الكتاب بما استقر في نفسه من سوء الظن، ومنهم من أحسن الظن ~~بالشيخ فأحسن الظن بالكتاب. فرأى بعضهم أن الكتاب معارضة للقرآن، ورأى فيه لونا من ~~ألوان الكفر، ورأى بعضهم أن الكتاب تمجيد لله وثناء عليه، فرأى فيه لونا من ألوان الدين ~~والتقوى. # وأقبلت أنا على الشيخ وهو يملي هذا الكتاب، لا أحفل برأي الناس فيه، وإنما أحفل ~~بما سيتركه في نفسي من أثر، وأحفل بهذه النغمات التي يترنم بها الشيخ حين ~~يتحدث إلى نفسه بما ألف من هذه الفصول حين تستأثر به الخلوة، فيردد ما ألف، ~~يجري به لسانه ليسمعه، وليحقق أمستقيم هو أو معوج، وحين كان يملي هذا الذي ~~ألفه على طلابه راضيا عنه معجبا به، ثم يملي عليهم تفسير ما وقع فيه من غريب. # وأشهد لقد تصورت الشيخ في حالين مختلفتين، كان في إحداهما فيلسوفا مفكرا، وفي ~~الأخرى أستاذا معلما. وكان في إحداهما ساخطا على نفسه، مصغرا لها، وكان في الأخرى ~~راضيا عن علمه معجبا به. # كان فيلسوفا ساخطا في الليل حين يخلو إلى نفسه، فتضاف ظلمة الليل إلى ظلمة بصره، ~~وإلى ظلمة يأسه وبأسه، ويتردد في هذه الظلمات المتكانفة المتراكبة ضوء ضئيل، ولكنه قوي ~~عزيز، هو ضوء عقله وقلبه يهديه من ضلال، ويرشده حين تشتبه عليه الطرق. يهديه ~~إلى هذه المعاني الكثيرة المختلفة المختلطة التي حفظها من علم الأولين. وإذا هو ~~يميز منها ما يلائمه، ويهديه إلى هذه الألفاظ الكثيرة المختلفة التي حفظها من لغة ~~الأولين، وإذا هو يميز منها ما يلائم معناه، ويهديه في طريقه الفنية، فإذا هو يصب ~~معناه في ألفاظه صبا، ثم يتناولها بالتقريب والترتيب، وبالحذف والزيادة، ms113 حتى تستقيم له ~~فصلا ممتعا يسيرا أو عسيرا، منتهيا إلى غايته التي أرادها له على كل حال. فإذا بلغ ~~من ذلك ما أراد أجرى هذا الفصل على لسانه، فسمعته أذنه، وطابت عنه نفسه، واستأنف ~~السير في طريقه يلتمس معنى آخر وألفاظا أخرى؛ ليضيف فصلا إلى فصل، وغاية إلى ~~غاية، وما يزال كذلك حتى يبلغ منه الجهد ويدركه الإعياء، ويضمه النوم في رفق ~~بين ذراعيه. وما أرى إلا أن نفسه كانت تعمل نائمة كما كانت تعمل مستيقظة؛ وما أرى ~~إلا أن لسانه كان يدور في فمه ببعض الأسجاع، حتى إذا استيقظ وجد في ضميره آثار هذا ~~الجهد النائم فادخره إلى أن يأتي المساء. # وكان أستاذا معلما حين يقبل عليه طلابه مع الضحى فيملي عليهم ما أعد لهم من ~~ليلته، فيبسمون ويرضون ويعجبون، ويكتبون ويستفسرون ويستوضحون. ويملي عليهم الشيخ ~~تفسير ما عمي عليهم من الألفاظ مكتفيا بالبيان حينا، مستشهدا على ما يقول حينا آخر. ~~وما أرى إلا أنه كان يرضى عن نفسه حين كان يفسر، فيرضي العقول، ويشفي الصدور، ~~وينقع غلة طلاب المعرفة. # ولكن لم ألف أبو العلاء كتاب الفصول والغايات؟ إنه هو ينبئنا بهذا حين يقول: ~~«علم ربنا ما علم أني ألفت الكلم، آمل رضاه المسلم، وأتقي سخطه المؤلم، ~~فهب لي ما أبلغ به رضاك، من الكلم والمعاني الغراب.» # وأبو العلاء صادق فيما يقول، فهو إنما ألف الكلم يبتغي بها رضا الله، ويتقي سخطه. كتابه ~~إذن نوع من أنواع التقرب إلى الله، ولون من ألوان العبادة له، والإمعان في تسبيحه، والثناء ~~عليه. ولكن أبا العلاء يعبد الله، ويتقرب إليه كما يريد هو ويختار، لا كما يريد الناس ~~ويختارون. فهو يثني على الله ما في ذلك شك، وما أعرف أن أحدا أثنى على الله كما أثنى عليه ~~أبو العلاء، ولكنه يثني عليه ثناء الرجل الحر الذي جمع بين خصلتين متناقضتين؛ هو حر فلا ~~يمنعه شيء من أن يتحدث إلى ربه حديث المؤمن به المطمئن إليه، يصارحه بما فهم، وبما لم ~~يفهم، ويجاهره ms114 بما رضي، وبما لم يرض ، ويظهره على ما يعرف وما ينكر، في هدوء ~~واطمئنان وثقة، وفي خوف وفزع، وهلع أيضا. هو مؤمن بالله، ولكنه مؤمن بعقله أيضا، فإيمانه ~~بالله يدفعه إلى الحب والأمن، والثقة حينا، ويدفعه إلى الخوف والإشفاق والقنوط حينا ~~آخر. # وإيمانه بالعقل يدفعه إلى الشك والإنكار مرة، ويدفعه إلى الإيمان واليقين مرة أخرى، وهو ~~إذن متردد في الفصول والغايات كما هو متردد في اللزوميات. # يقطع بشيئين: أحدهما: وجود الله وحكمته، والثاني: انقطاع الصلة بين الله والناس إلا من ~~طريق العقل، ومن طريق العقل وحده. وإذن فهو في حاجة إلى أن يفهم حكمة الله، وهو عاجز عن ~~فهم هذه الحكمة، وإذن فهو غير مطمئن إلى النبوات، وهو محتاط إلى إعلان شكه في ~~النبوات. # وأنت تقرأ هذا الجزء الذي نشر من الفصول والغايات، فترى أنه قد ذكر النبي # صلى الله عليه وسلم # فيه نيفا وعشرين مرة، ولكنه لم يذكره إلا عرضا ليستشهد بكلمة قالها أو قيلت له، ~~أو ليستدل بحديث من الأحاديث استدلالا لغويا ليس غير. وهو إذا ذكر النبي ~~مجده، وصلى عليه، ولكنه لا يزيد على ذلك. وهو ينكر في الفصول والغايات ما أنكر ~~في اللزوميات من أمر الحج، ويثبت في الفصول والغايات ما أثبت في اللزوميات من وجوب ~~الطاعة والتقوى، وإقامة الصلاة والبر بالفقراء، ورياضة النفس، وأخذها بما تكره من ~~الشدائد. # وهنا تعرض مسألة لا بد من التفكير فيها؛ ما عسى أن تكون الصلة بين اللزوميات ~~والفصول والغايات من ناحية الفلسفة العلائية أولا، ومن ناحية الفن اللفظي ثانيا؟ فأما ~~أنا فرأيي في ذلك صريح واضح لا لبس فيه ولا غموض، وهو أن أحد الكتابين صورة صادقة ~~للآخر، صورة تطابق الأصل كل المطابقة، بحيث يجب أن يفسر أحدهما بصاحبه، وأكبر الظن ~~أن الفصول والغايات هو الذي أنشأ اللزوميات من الناحية اللفظية على أقل ~~تقدير. # أكبر الظن أن أبا العلاء تصور كتاب الفصول والغايات أولا، فلما استقامت له طائفة من ~~هذه الفصول خطر له أن ينظمها، أو أن ينظم شيئا ms115 قريبا منها، وأن يلتزم في ~~الشعر مثل ما التزم في النثر أو بعض ما التزم في النثر. # وواضح جدا أن الشعر يكلف صاحبه من المشقة أكثر مما يكلفه النثر، ففي النثر حرية ~~لا تستقيم للشاعر، يستطيع الكاتب أن يلتزم هذه القيود أو تلك، فإذا ضاق بها أو سئمها ~~تحول عنها إلى الحرية إن شاء، وإلى قيود أخرى إن أراد، دون أن يفسد ذلك عليه نثره. ولكن ~~الشاعر لا يستطيع أن يمنح نفسه هذه الحرية في الشعر؛ لأنه لا يكاد يعدل عن هذه القيود ~~التي التزمها حتى يضطرب نظام القصيدة، وإذا هو مضطر إلى أن يستأنف قصيدة أخرى يصطنع ~~فيها الحرية أو يلتزم ما شاء فيها من قيد. # ومهما يكن من شيء فإن الآراء الفلسفية التي صورها أبو العلاء في اللزوميات هي بعينها ~~الآراء الفلسفية التي صورها في الفصول والغايات؛ وإن قارئ الكتابين يخرج من قراءته ~~بصورة واحدة لأبي العلاء؛ هي صورة الرجل المؤمن بإله حكيم، المضطرب المتردد فيما عدا ذلك من ~~الأمر. # ومهما يكن من شيء أيضا فإن القيود الفنية التي فرضها أبو العلاء على نفسه في ~~اللزوميات قد فرضها على نفسه في الفصول والغايات. ولعله أن يكون قد عذب نفسه في هذا ~~الكتاب المنثور أكثر مما عذبها في ذلك الديوان المنظوم. فقد افتن في القيود التي ~~فرضها على نفسه في هذا الكتاب، وافتن في تنويعها، والاستزادة منها حتى لم يكن مصدر ~~ضيق لنفسه فحسب، بل كان مصدر ضيق لقارئيه وسامعيه أيضا. كان مصدر ضيق، وكان ~~مصدر إعجاب لا حد له، فما أعرف أن أحدا وعى اللغة العربية كما وعاها أبو العلاء، وما ~~أعرف أن أحدا راض اللغة العربية كما راضها أبو العلاء، وما أعرف أن أحدا صرف هذه اللغة ~~في أغراضه وحاجاته الفنية كما صرفها أبو العلاء. # ليت آماله في الحياة استقامت له كما استقامت له اللغة العربية! وليت أمانيه انقادت له ~~كما انقادت له ألفاظ هذه اللغة وأساليبها! إذن لكان أحسن الناس حظا، وأبعدهم عن ~~التشاؤم، وأشدهم إغراقا ms116 في التفاؤل والرضا. ولكن أبا العلاء حرم تحقيق الأماني، ~~ورد عن إدراك الآمال، وعزي عن هذا كله بهذه الألفاظ وهذه المعاني، يعبث بها كما ~~يعبث الطفل بلعبه، حتى يدركه الملل، وحتى يدرك الملل قارئيه وسامعيه، وحتى ~~تستحيل هذه التعزية هما ثقيلا، وعناء لا يطاق. # وأول ما التزم أبو العلاء في الفصول والغايات هذه الغاية التي يختم بها فصوله، فقد ~~أراد - ويا لعبث الأطفال الكبار! - أن يختم كل فصل من فصوله بكلمة يلتزم آخرها في ~~جملة من الفصول وأراد - ويا لعبث الأطفال الكبار! - أن يرتب هذه الكلمات على حروف ~~المعجم كلها، فيلتزم الهمزة في بعض غاياته، حتى إذا بلغ منها حاجته انتقل إلى الباء، ~~ثم إلى التاء، ثم إلى الثاء حتى يبلغ آخر الحروف، والجزء الذي بين أيدينا ينتهي ~~بالخاء. # وقد أراد - ويا لعبث الأطفال الكبار! - أن تكون غايته ساكنة؛ لأنه يقف عندها في آخر ~~الفصل، فلا بد له من أن يستريح، ومن أن يريح قارئه وسامعه. والسكون الذي هو علامة الوقف ~~أدنى إلى الراحة، وأجدر أن ينتهي إليه المسافر بعد شدة النشاط، وكثرة الحركة والاضطراب. ~~وقد أراد - ويا لعبث الأطفال الكبار! - أن يكون هذا السكون مريحا حقا، فاشترط أن يسبق ~~الحرف الساكن بألف ساكنة، فهو يلتزم في الغاية حرفين، يتغير أحدهما بتغير حروف المعجم، ولا ~~يتغير ثانيهما بحال من الأحوال، وهو هذه الألف الساكنة. # وهو من هذه الجهة يشق على نفسه في الفصول والغايات أكثر مما يشق عليها في اللزوميات. ~~وما رأيك في رجل يلتزم الألف في غايات الكتاب كله، وقد رتبت هذه الغايات على الحروف ~~كلها، ونظمت كتابا يقع في أربعة مجلدات ضخام؟ ولكن أبا العلاء لا يكتفي بهذين القيدين ~~الثقيلين، وإنما يضيف إليهما قيودا أخرى ينوعها، ويفتن في تنويعها، فقد لا يكتفي ~~بالتزام الألف في غاياته، وإنما يلتزم قبلها حرفا آخر في طائفة من الغايات، حتى إذا ضاق ~~بهذا الحرف أو ضاق الحرف به تركه إلى حرف غيره، فالتزمه وقتا طويلا أو قصيرا. # هذه هي القيود التي فرضها ms117 أبو العلاء على نفسه في غاياته. ولكن أبا العلاء ينكر نفسه، ~~ويجحد فنه وبراعته إن اكتفى بهذه القيود. فلا بد له من قيود أخرى يفرضها على نفسه ~~في الفصول نفسها. وأنت هنا ترى الأعاجيب، فأبو العلاء يلتزم السجع أحيانا، ولكنه لا يسجع ~~كغيره من الكتاب، وإنما يلتزم في السجع ما يلتزمه في قافية اللزوميات، فيفرض على نفسه ~~حرفين، وقد يفرض على نفسه أكثر من حرفين، وهو قد يتجاوز هذا السجع الذي التزمه إلى نوع ~~آخر من القيد في الفصل نفسه. فإذا فرض على نفسه سجعات بعينها انتهى إلى الهمزة، واستأنف ~~سجعات أخرى، ثم انتهى إلى الباء، ومضى كذلك حتى يتم حروف المعجم قبل أن يبلغ ~~الغاية. # وقد لا تعجبه هذه القيود كلها فيفرض على نفسه قيودا أخرى يلتزمها لا في فصل واحد، بل ~~في فصول مختلفة، يجعل غايته الحاء أو الخاء، ويلتزم في الفصول من أمام هذه الغايات ومن ~~ورائها حرفا بعينه، بحيث يكون الالتزام مؤتلفا ومختلفا. التزام في الغايات والتزام في ~~الفصول على تباعدها وتباينها. وفصول أبي العلاء تقصر وتطول، تقصر حتى ~~تتألف من جمل، وتطول حتى تصبح، وكأنها فصل طويل من كتاب. # وفصول أبي العلاء تستقل أحيانا، ويتبع بعضها بعضا أحيانا أخرى، تستقل فلا تكون ~~بينها صلة، وترتبط فإذا طائفة منها تؤلف قصة واحدة، كلما انتهى جزء من القصة ختم الفصل ~~بغاية، واستؤنف جزء آخر من القصة في فصل آخر ينتهي بغاية أخرى، ويستأنف بعده جزء ~~ثالث في فصل ثالث، وما يزال الأمر كذلك حتى تتم القصة في عدد من الفصول والغايات كثير ~~أو قليل. # وقد ذكرت القصة وما أكثرها فيمن بين أيدينا من الفصول والغايات، ما أكثرها وما أروعها، ~~وما أشد اختلافها وتنوعها! منها ما يقصر حتى يؤدى في جمل، ومنها ما يطول حتى ~~يؤدى في فصول، والخيال فيها رائع ومتواضع معا، رائع لطرافته، ولغرابة الملائمة بينه ~~وبين ما قصد إليه أبو العلاء من تمجيد الله، ومتواضع لأن أبا العلاء لا يبتكره، ولا يستأنفه ~~استئنافا، وإنما يستمد ms118 عناصره من الشعر العربي القديم ، ومن الأساطير العربية القديمة، ~~ومن أخبار التاريخ، ومن أصول العلوم اللغوية وقواعدها. فكل ما صور الشعر العربي ~~القديم من وصف الصيد قد سلكه أبو العلاء في الفصول والغايات قصصا جميلا رائعا، ~~يدور حول الوعظ والإرشاد، وحول تمجيد الله والثناء عليه. # وكثير مما صور أصحاب النحو والصرف من أصولهم وقواعدهم قد سلكه أبو العلاء في كتابه ~~قصصا جميلا رائعا أو حوارا بديعا ممتعا يدور حول تمجيد الله والثناء عليه، وقل ~~مثل ذلك في العروض والقافية، بل قل مثل ذلك في الموسيقى نفسها. # وليس تفسير أبي العلاء لفصوله وغاياته بأقل طرافة وغناء من الفصول والغايات نفسها. فما ~~أكثر ما يشتمل هذا التفسير على كنوز لا تقوم في تاريخ اللغة العربية وعلومها وآدابها، بل ~~في تاريخ الحياة الفنية للمسلمين بنوع خاص. ولو أني ذهبت أفصل خصائص هذا الكتاب، وما ~~يمكن أن يستكشف فيه الباحثون من حقائق التاريخ الأدبي العربي لما فرغت من هذا ~~الحديث، وما أشد حاجتي إلى أن أفرغ منه! # فلأقف عند طائفة من الفصول لا بد من الوقوف عندها؛ لأنها تصور نفس أبي العلاء كما ~~نعرفها من اللزوميات، ومن الحق علي، ومن الحق لي أيضا أن أثبت هذا وأسجله، بل ~~لعل بعض هذه الفصول يصور لنا نفس أبي العلاء خيرا مما صورتها اللزوميات. # وأول ما أثبته من ذلك هذا الفصل الذي يؤرخ لنا فيه أبو العلاء بدء حياته الفلسفية، ~~وأظنك توافقني على أن لهذا التاريخ خطره، فسترى أن أبا العلاء لم يجلب حياته الفلسفية من ~~بغداد، وإنما بدأها وأقام عليها في المعرة دهرا، ثم ارتحل إلى بغداد، وعاد إلى المعرة، ~~وقد أتمها وأكملها بالعزلة. وما أكاد أشك في أنه حين ارتحل إلى بغداد حمل معه طائفة من ~~لزومياته، ومن فصوله وغاياته. # فلنقرأ هذا الفصل قبل كل شيء: «منكراتي كمعارف الجياد، وكعوب المران، فليت شعري هل ~~أنا مع الخطأ مصيب، سهمي في المعصية معلى الأسهم، وفرسي في حلبتها لاحق أو الوجيه، وناقتي ~~في مراحلها وجناء الجمحي، ونجمي ms119 في ليلها الفرقد، وأنا في مضالها رافع بن عميرة، ~~وحنيف الحناتم؟ فهل لي في الخير نصيب! رب عجل حدث عن خجل. ألا أنتظر غراب ~~الليل ينهض، وبازي الصبح يقع، وشرقه تطلع من وراء الخباء! لكل ثمر إدراك، وليس بكل ~~واد أراك. اصبر إن الصريف سيروب! إن الله - وله علو المكان - جعل الشر ~~غريزة في الحيوان، فأبعدهم من الشرور أقلهم حظا في المعقول. ألا ترى الحجر الموضوع ~~مر به العاثر، فأدمى الإبهام، ولا ذنب للحجر لكن للواضع والعاثرين؟ يا خدعة لمن ~~تخدعين؟ لو كنت امرأة طلقتك أبين طلاق، أو أمة سرحتك سراح الكريم، أو ~~ضائنة عبطتك لأول الطارقين! قد أخلقت الجسد فما تريدين؟ اظعني عنه لا ~~يحمدك في الحامدين، وانزلي بالجدب أو الخصيب! ما زلت آمل الخير وأرقبه حتى نضوت ~~كملا ثلاثين، كأني ذبحت بكل عام حملا أبرق، بياضه الأيام وسواده لياليه. ~~وهيهات! كأنني قتلت بالسنة حية عرماء! إن الزمن كثير الشرور. فلما تقضت ~~الثلاثون وأنا كواضع مرجله على نار الحباحب، علمت أن الخير مني غير قريب. الرجل ~~كل الرجل من آتى الزكاة ورحم المسكين، وتبرع بما لا يجب عليه، وكره الحنث، ~~وكفر عن اليمين. لولا خشية المنقلب لكنت أحد الفائزين، يأتيني الرزق ما سعت فيه ~~القدم، ولا عرق الجبين، وأصيب من الطيب غير حسيب. إد إلى التقوى كما يئد البعير، ~~وبد الكافر فإنه عند الله دحير، واتئد في أمرك فإن التؤدة من رب العالمين. وإذ ~~كانت اللحى الشيب لا تكف عن قبيح، فكن ثدا ما حييت. واعلم أن الجدث جد ليس ~~موضعه من الكلأ بحميد. وحاسب نفسك على ما أصبت فإنك بالمحاسبة جدير، والخد ~~المتصعر سيوضع من الأرض في أخدود. فذد الخطايا عنك كما تذاد الزرق المترنمات؛ ~~فإن ذيادها يسير، وأرد على آمرك بغير الجميل، وزد عملك عن الخير إن وجدت المزيد. ~~وإياك وسدا لا ضياء فيه، وشد الحسنة وثاق الطائر، ولا تأمنن أن تبين، وصد ~~أفعال الخير، فإن صادتها ليسوا بكثير. ومت وإناؤك من الصدقة ضديد، وطد بناءك على ms120 ~~أس، حسنك معدود، وسيئك ليس بعديد. اغد على ذكر الله، وأمس إليه، فنعم الصاحب ~~والضجيع. وفد ناهيك عن المنكر مع المفدين، وقد نفسك إلى الواجب ولو بجرير، ~~وكد معاديك بأن تجتنب أفعال الكائدين. ودل السائل إذا لم تعط لتكون نعم ~~الدليل، ودم على ما قربك من الأبرار الطيبين، ودن من فعل خيرا معك فإنك ~~مدين، وفي خالقك ود إن كنت من الوادين، وضع الأيدي عند من ذم وشكر، فإن الله ~~رزق الشاكر والكنود، واعلم أن الحياة أخبرت عن الموت كما دل على الكلمة ~~بالحروف هاج.» # 1 # ولست أفسر غريب هذا الفصل فقد فسره أبو العلاء في الفصول والغايات، فارجع إليه، ~~ومن الخير أن تفعل، بل لعلي لم أكتب هذا الحديث إلا لأرغبك في الإلمام بهذا ~~السجن الذي يزار فيه الشيخ. ولست أفصل ما في هذا الفصل من خصال فنية مختلفة رائعة، فقد ~~يطول ذلك، وقد لا يتسع له وقت المعجل الذي يتهيأ لسفر قريب. # وإنما أقف عند ثلاثة أشياء سجلها أبو العلاء في هذا الفصل، ومن الخير أن تسجل في هذا ~~الحديث للأسباب التي قد أشرت إليها آنفا. # وأول هذه الأشياء رأي أبي العلاء في أن الشر غريزة في الحيوان قد برئ منها الجماد، فالشر ~~يدور مع الحياة وجودا وعدما، وهو يقوى كلما قوي حظ الكائن من الحياة، ويبلغ ~~أقصاه حين يبلغ حظ الكائن من الحياة غايته، فيجمع الحس والشعور، والإرادة والعقل. ~~وهذه الفكرة هي التي فصلتها في أول هذا الحديث، وهي شائعة في اللزوميات، وفي الفصول ~~والغايات جميعا. والمثل الذي ضربه أو العلاء في هذا الفصل لا يخلو من دلالة، فهذا عاثر ~~قد عثر بحجر في طريقه، فدميت أصبعه، فأيهما المسئول عن هذا الشر؟ ليس هو الحجر من غير شك، ~~ولكنه واضع الحجر في موضعه، هذا الذي جعله عرضة لأن يؤذي من قد يمر فيعثر به، ~~والعاثر نفسه؛ لأنه لم يتبين موضع قدمه، ولم يقدر لرجله موضعها قبل الخطو، كما ~~يقول الشاعر القديم. # وما ينبغي أن تقف عند المعنى ms121 القريب لهذه الجملة من حديث أبي العلاء، فأبو العلاء أذكى ~~وأعمق فلسفة من أن يقف عند هذا المعنى في تفكيره، فكن أنت من الذكاء ونفاذ البصيرة بحيث ~~تستطيع أن تسمو معه إلى ما أراد. وأكبر الظن أن هذه الصورة المادية رمز لصور معنوية ~~كثيرة، فما يكون في حياة الناس من شر يتصل بأجسامهم وأعمالهم، وإرادتهم، وسيرتهم بوجه عام، ~~إنما ينحل في حقيقة الأمر إلى نوعين من أنواع التبعة: أحدهما تبعة الذي هيأ أسباب هذا ~~الشر، وجعلها في مواضعها من حياة الناس، بحيث يعثرون بها، ويتورطون فيها. فلو لم تتهيأ ~~هذه الأسباب لما عثر الناس ولا تورطوا، فهذه تبعة إيجابية هي تبعة خلق العالم كما هو، ~~وفيه ما فيه من أسباب الشر. # والنوع الثاني تبعة الناس الذين يرون أسباب الشر فلا يتجنبونها، ولا يعدلون بأنفسهم ~~عنها، وإنما يقبلون عليها، ويسرعون إليها، فهذه تبعة سلبية. وأيسر ما يستخلص من تحقيق ~~هاتين التبعتين أن الإنسان ليس مسئولا كل السؤال عن سيئاته؛ لأنه لم يبتكر أسبابها، ولم ~~يخلق دواعيها، ولم ينصب أشراكها في طريقه. ولكنه في الوقت نفسه ليس معفى كل ~~الإعفاء من هذه السيئات؛ لأن له عقلا يهديه في هذا الطريق، ويدله على مواضع هذه الأشراك، ~~فمن الحق عليه أن يهتدي وهو ملوم إذا لم يفعل. وإذن فهو الجبر الملطف، إن صح هذا ~~التعبير، الجبر الذي يعذر الإنسان بعض العذر، ولكنه لا يعفيه من التبعات كلها. # الجبر الذي يبيح لأبي العلاء أن يلوم الناس على آثامهم، ويأمرهم بالخير، ويفرض عليه أن ~~يحتاط لنفسه فيصطنع الخير ما وجد إلى ذلك سبيلا، ويكف أذاه عن الأحياء ما وسعه ~~أن يكف أذاه عنهم. # وهذا الرأي من آراء أبي العلاء شائع في اللزوميات شيوعا شديدا على تفاوت في ذلك، فهو ~~مرة يسرف في الجبر، ومرة يقتصد فيه، وهو على كل حال يؤمن بمقدار منه يتيح له أن يطمع في ~~العفو مهما تعظم السيئات إذا كانت التوبة النصوح. على أنه قد يسوء ظنه، ويشتد خوفه، ~~ويعظم يأسه، فيكاد ms122 يقنط من روح الله قنوطا. # هذا كله حين يفكر في نفسه، وفي الناس، وفي حياتهم العاملة، وفيما قد يصيبهم أو لا ~~يصيبهم من التبعات. أما إذا فكر في الأمر تفكيرا فلسفيا مطلقا، فهو يمضي في الجبر إلى ~~أبعد حدوده، ولعله يتجاوز الجبر إلى ما هو أعظم منه خطرا؛ فلا ينكر التكليف، ولا ~~يجادل في أن الثواب والعقاب عدل، وإنما ينكر البعث إنكارا، ويصبح ماديا أبيقوريا ~~بأوسع معاني هذه الكلمة، وأدقها في وقت واحد. # والشيء الثاني الذي أريد تسجيله من هذا الفصل هو رأي أبي العلاء في النفس، وهو رأي يثبته ~~في اللزوميات كما يثبته هنا، وهو متصل بالرأي الذي صورته آنفا، فالحياة مصدر الشر؛ لأن ~~النفس مصدر الحياة، والجسم من غير النفس جماد، لا يحسن ولا يسيء، وإنما يبدأ إحسانه ~~وإساءته حين تنبعث منه النفس فيحيا. وأبو العلاء يلوم نفسه ويزجرها، ويرى أنها ~~تحاول أن تخدعه وتغشه، ويأبى عليها هذا الغش، وذلك الخداع، ويعلن إليها أنه لو استطاع ~~فراقها لفعل فطلقها كما تطلق الزوج، أو أعتقها كما تعتق الأمة، أو ~~ذبحها كما تذبح الشاة، وهو على كل حال يدعوها إلى فراقه، وإلى أن تنزل بعد هذا ~~الفراق حيث تشاء. # ورأي أبي العلاء هذا في النفس مثبت في اللزوميات كما قدمت. واقرأ قوله: # أعائبة جسدي روحه # وما زال يخدم حتى ونى # وقد كلفته أعاجيبها # فطورا فرادى وطورا ثنا؟ # والمهم هو أن نعرف من الذي يتحدث إلى نفس أبي العلاء بهذا الحديث، ليس هو جسم أبي العلاء ~~من غير شك، فالجسم وحده جامد هامد لا يرسل حديثا، ولا يرجع صدى. وليست هي نفس أبي ~~العلاء من غير شك، فالنفس لا تتحدث إلى نفسها بهذا الحديث، ولا تنذر نفسها هذا ~~النذير، ولا تأمر نفسها بفراق نفسها. وإذن فهو العقل الذي ينظر إلى النفس والجسم جميعا، ~~ويفكر فيهما، وفيما بينهما من صلة، ويمتاز منهما ويصرفهما إن استطاع تصريفهما فيما يريد. ~~فالشخص الإنساني عند أبي العلاء مثلث لا مزدوج، جسم لا يحسن ولا يسيء، وإنما ms123 ~~هو خادم مسير لسيده، أو قل لسيدته، ونفس تسيء بطبعها ولا تحسن إلا أن تهدى ~~فتهتدي، وعقل يحاول أن يدبر أمر النفس والجسم جميعا. وهذا التثليث في شخص الإنسان ~~أبيقوري أيضا، فأبيقور يصور الفرد الإنساني، ويصوره بعده لوكريس على أنه جسم تشيع ~~فيه نفس هي مصدر الحركة والشعور والحس، وهي مصدر الحياة، وعقل مستقر في الصدر هو الذي ~~يأمر النفس فتعمل، وينهاها فتكف. # ولكن الأبيقوريين لا يرون خلود النفس، ولا يرون خلود العقل، وإنما يرون أن الموت ~~يحل الجسم والنفس والعقل جميعا، وأن مادة هذه الكائنات الثلاثة تنحل بعد الموت ~~إلى أصولها، وتستأنف وجودها وتطورها المادي على نحو ما كانت قبل وجود الفرد. # أما أبو العلاء فقد اضطرب في هذا أشد الاضطراب؛ لأنه قرأ فلسفة الفلاسفة الذين يرون ~~خلود النفس، ولم يقو على جحدها كما جحدها الأبيقوريون، وعرف الديانات السماوية، ~~وفيها ما فيها من أمر البعث والنشور، فلم يزده هذا إلا اضطرابا إلى اضطراب. وإذا ~~هو ينكر البعث حينا، ويثبته حينا، ويرى خلود النفس مرة، وفناءها مرة أخرى، ويقطع ~~من مذهب الأبيقوريين بفناء الجسم وتفرقه بعد الموت، وخضوعه لكل ما تخضع له المادة من ~~ألوان التطور والانتقال. # وقد فكر أبو العلاء في هذا كله، وفي غير هذا كله من الأمور الفلسفية منذ عهد الشباب، ~~ولم يبلغ الثلاثين حتى كان رأيه في أمر سيرته على الأقل قد استقر. # وهذا هو الشيء الثالث الذي أريد تسجيله من هذا الفصل، والذي أراه عظيم الخطر جدا في ~~تاريخ الحياة الفلسفية لأبي العلاء. ويكفي أن تقرأ هذه القطعة لترى أن أبا العلاء لم ~~يبلغ الثلاثين حتى غير حياته التي كان يشارك الناس فيها، واستأنف حياة جديدة هي ~~التي أنتجت لنا اللزوميات والفصول والغايات: # ما زلت آمل الخير وأرقبه حتى نضوت كملا ثلاثين، كأني ذبحت بكل عام ~~حملا أبرق، بياضه الأيام، وسواده لياليه. وهيهات! كأنني قتلت بالسنة حية ~~عرماء! إن الزمن كثير الشرور. فلما تقضت الثلاثون وأنا كواضع مرجله على نار ~~الحباحب، علمت أن الخير مني ms124 غير قريب! # ثم يمضي أبو العلاء بعد ذلك في ألوان من الوعظ إن صورت شيئا فإنما تصور أخص ما ~~أخذ نفسه به من خصال الخير. # فلندع هذا الفصل، وإن كنت أود إطالة الوقوف عنده لننتقل إلى فصل آخر ليس أقل منه ~~خطرا. # فاقرأ هذا الفصل: # أنا كسير الجناح، فمتى نهضت أنهضت، ولو صلحت للبذلة لكنت السعيد، ولكن ~~حال الجرير دون البرير، إنما أنا حي كالميت أو ميت كالحي! وما اعتزلت إلا ~~بعد ما جددت وهزلت، فوجدتني لا أنفذ في جد ولا هزل، ولا أخصب في ~~التسريح ولا الأذل، فعلي بالصبر، لا بد للمبهمة من انفراج! # 2 # فأبو العلاء يعلل لنا في هذا الفصل إيثاره للعزلة بعد أن علل في الفصل الذي فرغنا من ~~الحديث عنه إيثاره للحياة الفلسفية. وهو في ذلك الفصل ينبئنا بأنه ظل ثلاثين سنة يأمل ~~الخير ويرقبه، ويعاني مع ذلك ألوان الشدة والسهول، يعد في هذا الانتظار أعوامه، بل ~~أيامه ولياليه، فلما بلغ الثلاثين ولم يبلغ الخير استيأس منه، واستأنف حياة ~~جديدة. # وهو في هذا الفصل ينبئنا بأنه كسير الجناح، لا يستطيع أن ينهض وحده، وإنما هو مستطيع ~~بغيره، كما قال في غير هذا الموضع، ولو استطاع بنفسه لكان سعيدا. وفقد بصره هو الذي ~~اضطره إلى هذا العجز، وهو ينبئنا بأنه قد شارك الناس في جدهم وهزلهم، فرأى أنه لا ينفذ ~~في جد ولا في هزل. وليس فقد بصره وحده هو الذي أعجزه عن أن ينفذ في الجد والهزل، ~~فقد جد قبله بشار وهزل. وإنما أعجزه عن ذلك فقد بصره، وأعجزته عن ذلك طبيعته التي ~~كانت إنسية الولادة، وحشية الغريزة، وأعجزته عن ذلك فلسفته التي اضطر إليها، بعد أن ~~ارتقب الخير ثلاثين عاما فلم يظفر به. وإذن فلم يكن له بد من أن يتم حياته ~~الفلسفية الجديدة بهذه العزلة التي ينقطع بها عن الناس، وعما يكونون فيه من هزل وجد. ~~والعزلة شاقة عسيرة الاحتمال، فليستعن عليها بالصبر، فلا بد للمبهمة من أن تنفرج حين ~~يأتي الموت، فيريحه ms125 ويريح منه! # وما أعرف أروع من هذين الفصلين في تصوير الناحية الإنسانية من شخص أبي العلاء، على أن ~~الصبر لم يكن هينا عليه دائما، وإنما كان يعوذه أحيانا، فيكاد يخرج عن طوره لولا فضل ~~من قوة الإرادة، وحزم الأمر، وضبط النفس. فاقرأ هذا الفصل الذي يصور ضيقه بالعزلة، ~~ويأسه مما كان قدر أنه قد يظفر به فيها من الأمن، وراحة الضمير، والعزاء عن تركه ~~بغداد. # فإذا هو لا يظفر من هذا كله بشيء، وإذا هو يندم على ترك العراق بعد أن انقطعت الأسباب ~~بينه وبين العراق، كالراهب يفرض على نفسه لزوم الدير، ثم يتبين له بعد فوات الوقت أنه قد ~~حاول ما لا يطيق فيندم حين لا يغني الندم عنه شيئا. # وقد كان أبو العلاء يرى ترك العراق ولزوم بيته لونا من ألوان الطاعة والبر، والتواضع، ~~والإعراض عن غرور النفس، وكذب الشهرة والصيت. فلما تم له من ذلك ما أراد رأى أنه قد حرم ~~خيرا لا تطيب عنه نفسه، فما عسى أن يكون هذا الخير؟ ليس خيرا ماديا، فلم يكن أبو ~~العلاء ناعم البال في العراق، ولا مستمتعا بطيبات الحياة، وإنما هو خير عقلي، هو ~~هذه الحياة العلمية الفلسفية التي كان يحياها بين إخوانه وأصفيائه من العلماء والأدباء ~~والمفكرين: «لا عتيبة بقي ولا قتيبة، كم فتى من هذيل، يضرب بالذيل، كان العذيق ~~والجذيل، غودر برمل أو رميل، ما خلفه النضر بن شميل، خير من خلف أبي مليل، ~~والفرخ أبي العديل. عيلا عيلا! قد ورث كعب جعيلا، وترك عتر قيلا، وسار في ~~توبة رثاء ليلى، ثم أضحوا بالترب هيلا، لم يصيدوا جميلا. طويت المنازل عن العراق ~~كأنني في الطاعة، وأظن ذاك بعض المعصية، وأحسبني لو وفقت لانقلبت عائدا على ~~أدراج!» # 3 # وقد يبلغ الضيق بأبي العلاء أقصاه، وينتهي الحرج به إلى أبعد آماده، فيفكر في أن يصوم عن ~~الطعام والشراب حتى يدركه الموت، ولكنه خائف دائما، خائف مما بعد الموت، فهو مضطر إلى أن ~~يصبر، وإلى أن يحتمل، يؤثر ذلك على ms126 أن يسرع إلى الموت، فيلقى من ورائه ما يكره. ~~فاقرأ أول هذا الفصل: # لو أمنت التبعة لجاز أن أمسك عن الطعام والشراب حتى أخلص من ضنك الحياة، ~~ولكن أرهب غوائل السبيل! # 4 # هو إذن في الفصول والغايات كما هو في اللزوميات؛ يائس من الخير لنفسه وللناس، مضطر ~~إلى الفلسفة والعزلة، يأخذ بذلك نفسه؛ لأنه يقدر عليها، ولا يأخذ بذلك الناس؛ لأنه لا ~~يقدر عليهم، فهو ينصح لهم حين يأمرهم باصطناع الخير، واجتناب الشر، وإيثار العافية ما ~~وجدوا إلى ذلك سبيلا. والآلام الكبار التي يشكو منها أبو العلاء في اللزوميات وفي الفصول ~~والغايات، والتي دعته إلى هذه الفلسفة، وإلى هذه السيرة العنيفة الشاقة قليلة إن أردنا ~~إحصاءها، ولكن آثارها ونتائجها لا تحصى؛ فأبو العلاء يشكو فقد بصره، وفقد أبويه، ~~واضطراره إلى ترك بغداد. وكل ما يكون في حياته من ألم يمس شخصه إنما يتصل بهذه ~~الألوان من الحرمان، فرضت عليه فكونت له هذا المزاج الحاد، يحس كل شيء كأدق ما ~~يكون الحس، ويشعر بكل شيء كأقوى ما يكون الشعور المظلم الذي لا يكاد يتصل بشيء حتى ~~يسبغ عليه ظلمته القاتمة مهما يكن مشرقا مضيئا. # وليس كتاب الفصول والغايات أنينا وشكاة على هذا النحو الذي رأيته فيما رويت ~~لك من الفصول، وإن كان من العسير أن تجد في كتاب الفصول والغايات فصلا لا شكاة فيه ولا ~~حزن، فقد كان أبو العلاء كله شكاة وحزنا! ولكن أبو العلاء يخرج أحيانا عن حزن نفسه ~~ومللها إلى جمال الفن الخالص وروعته. يأخذ في القصة فتعجبه فيمضي في تصويرها، ~~ولعله يجد في هذا التصوير تسلية وعزاء، فيبسط ويطيل، ويأخذ في التفسير بعد ذلك فيعجبه ~~العلم ويروقه، فيطنب فيه ويطيل، ويظهرنا - كما قلت - على كنوز لا تحصى ~~كهذا التفسير الذي عرض فيه لأضرب الغناء، ففسرها لنا تفسيرا واضحا جليا، ~~أرجو أن يعني به أصحاب الموسيقى والغناء، فسيجدون فيه حلا لرموز الأغاني. # 5 # وما أكثر ما يطرفنا به أبو العلاء في تفسيره مما يمس تاريخ العروض، وتاريخ ما ms127 ~~يعرف الجاهليون، وما لم يعرفوا من أوزان الشعر. وقد تغلبه الطبيعة الفنية على نفسه، ~~فإذا هو يتكلف الوعظ تكلفا، يتخذه وسيلة إلى عرض ما يريد أن يعرضه من ~~الصور. وربما كان من الظريف أن تقرأ هذا الفصل الغريب الذي أسجله لغرابته؛ ولأنه يوشك أن ~~يكون لغزا، وأمثاله في الفصول والغايات كثير، فاقرأه وسل نفسك عما أراد به أبو العلاء: # عجبت وفي القدرة عجب، فوحد الله فيمن وحد، لدابة لا رجل لها ولا ~~يد، إذا غفل عن الجسد من كان له يتعهد، نشأت من الإهاب، فإذا ظفر ~~بها البائس جعلها بين ظفريه، فأسمع أذنه لها صوتا، أف لها عقيرة ~~وأف له طالب ثأر! إن الله لصفوح وهاب. # لو تركها البائس لنشأ لها أخوات، فكثرن كثرة النبات، فأوقعن البشرة في ~~التهاب. # سبحان خالق النسمة، الباكية والمبتسمة. ما تقول غبراء مترنمة، هي ~~بالتسبيح مهينمة، تستتر في الأوقات الشبمة، وتبرز أوان الغتمة، ~~القسمة بها موسمة، تنفذها بمولمة، أحد من غروب السلمة، توقظ المؤمن ~~إلى الحسنات الجمة، والكافر لغير مكرمة، أمجوسية هي أم مسلمة، أما ~~القراءة فزمزمة، ليست عن الدم بملجمة، بل من الأمم المتقدمة، لا ترى ~~اجتناب النشمة، وتقنع بفصيد السنمة، قينة غير معلمة، تجيبها ألف ~~رنمة، لا يفهم عنهن الفهمة، لو جاءت كل واحدة بكلمة، أوفين على نظام ~~النظمة، تقع على الخادر بالأجمة، بين القصرة والجمجمة، إنها لمتهجمة، ~~كأنها في القصب تراسل القصاب. # 6 # فواضح جدا أن الناحية الفنية هي التي غلبت أبا العلاء على هذه الفصول، وإن استطاع ~~أن يجعل بينها وبين الحكمة والموعظة سببا. # وهناك فن يكثر منه أبو العلاء في الفصول والغايات كما أكثر منه في اللزوميات، وهو ~~الملاءمة بين أسماء النجوم والكواكب، وأسماء الناس والحيوان، والعبث بهذه الملاءمة في شيء ~~من السخرية بالناس وما سموا، وبالأوهام وما خيلت لأصحابها. وهو في ذلك يذهب المذهب ~~الذي أشرنا إليه أثناء الحديث عن بعض قصائد اللزوميات مذهب لوكريس في إنكار أوهام الناس، ~~والعبث بما يكون بين الألفاظ من تشابه يضربه مثلا لما ms128 يكون بين الصور من تشابه، ~~وربما كان بعض هذا الفصل مغنيا في الدلالة على هذا الفن الذي يستغله أبو العلاء، ~~فيستخرج منه كثيرا من الحكم والمواعظ، وكثيرا من روائع الفن أيضا. # قال أبو العلاء: # هل مازن وهوازن القبيلتان في ملك الله إلا كمازن النملة، والهوازن من الطير ~~النافرة؟ وكذلك كلاب بن ربيعة، وكلب بن وبرة، إنما هما كلب مفرد، وكلاب مستنبحة. ~~وقضاعة بن مالك كالدابة الخارجة من خضارة، وقريش كذاك، وفرقد السماوة كفرقد ~~السماء، والجرباء ذات النجوم بمنزلة الناقة الجرباء. # 7 # وفي أثناء هذا اللعب الفني الكثير بالألفاظ والمعاني على اختلافها وتباينها يلقى أبو ~~العلاء هنا أو هناك هذا الفصل أو ذاك، فيضطرك إلى أن تقف حائرا مبهوتا، تسأل ~~ماذا أراد، وإلام قصد، وفيم فكر. ولا تكاد تطيل النظر في هذا الفصل أو ذاك ~~حتى تستكشف أن أبا العلاء قد عرض لمشكلة من أشد المشكلات الفلسفية خطرا، فأمضى فيها ~~رأيه الذي خطر له في اللحظة التي كان يكتب فيها، وأمضاه مسرعا لبقا كأنما ~~يسترقه منك استراقا، أو كأنما يسترق طريقه إلى نفسك، فيلقي فيها هذا الرأي ~~الخطير مسرعا، ثم يمضي في طريقه فيستأنف فصلا من هذه الفصول المألوفة التي يكثر ~~فيها العبث اللفظي، والمعاني القريبة. # ولأضرب لذلك مثلا هذا الفصل الذي تقرأه فتبتسم وقد تضحك، ولكنك لا تكاد ~~تمضي في قراءته حتى يأخذك شيء من الدهش، يعظم قليلا قليلا، فإذا فرغت من قراءة ~~الفصل وقفت حائرا مبهوتا، ثم لا تكاد تفكر حتى ترى أنك بإزاء مشكلة من أخطر ~~المشكلات. فاقرأ هذا الفصل أولا: # يقدر ربنا أن يجعل الإنسان ينظر بقدمه، ويسمع الأصوات بيده، وتكون ~~بنانه مجاري دمعه، ويجد الطعم بأذنه، ويشم الروائح بمنكبه، ويمشي ~~إلى الغرض على هامته، وأن يقرن بين النير وسنير، حتى يريا كفرسي رهان، ~~وينزل الوعل الرعل من النيق، ومجاوره السوذنيق، حتى يشد فيه الغرض، ~~وتكرب عليه الأرض، وذلك من القدرة يسير. سبحانك ملك الملوك، عظيم ~~العظماء! # 8 # أترى إلى هذا الإنسان الذي صوره أبو العلاء بخياله ms129 هذا الغريب ناظرا بقدميه، ماشيا على ~~رأسه، سامعا بيديه، باكيا بأصابعه، ذائقا بأذنيه ؟! أترى إلى هذين الجبلين قد استقر ~~أحدهما في الشام، والآخر في نجد، وقد جمع بينهما في قرن فهما يستبقان؟ أترى إلى ~~الوحش التي ألفت أعالي الجبال، وقد تغير إلفها، فاطمأنت في السهول المنخفضة؟ أترى على ~~الجملة إلى هذه المفارقات التي تكثر في الفصول والغايات كثرة تثير الدهش حقا؟ ماذا أراد ~~بها أبو العلاء؟ أما ظاهر هذا الفصل فواضح لا غموض فيه، فأبو العلاء ينبئنا بأن قدرة الله ~~شاملة، تسع كل شيء ممكن في رأي العقل، وأن هذا العالم كما هو ليس إلا صورة ممكنة من صور ~~أخرى ممكنة أيضا، وأن الذي أوجد هذه الصورة الممكنة قادر على أن يوجد غيرها من الصور. ~~وهذا كما ترى لون من ألوان التمجيد لله، والإشادة بقدرته الشاملة. ولكن أمن الحق أن ~~أبا العلاء لم يقصد إلا إلى هذا؟ أمن الحق أننا نستطيع أن نكتفي منه بظاهر القول، ~~وهو الذي يقول: # لا تقيد علي لفظي فإني # مثل غيري تكلمي بالمجاز # وهو الذي ينبئنا في غير موضع، وفي غير كتاب بأنه يؤثر الرمز، ويصطنع الألغاز، ولا يكره ~~التحرز بالتقية. وإذن فماذا أراد بهذا الفصل وأمثاله، وماذا أراد بهذه المفارقات التي ~~بثها فيما ترك من شعر ونثر؟ # أما أنا فما أشك في أن أبا العلاء قد قصد بهذا الفصل خاصة إلى رأي من أشد الآراء ~~الفلسفية الأبيقورية خطرا، وهو إنكار العلة الغائية، وإثبات أن العالم كما هو لم يخلق ~~لغاية معينة من هذه الغايات التي نعرفها نحن، ونزعم أن الأشياء قد خلقت لتحقيقها. # وقد صور أبيقور وصور لوكريس من بعده هذا الرأي تصويرا قويا رائعا، فليس من الحق ~~عند الأبيقوريين أن العين خلقت ليبصر بها الناس، ثم ليحققوا بهذا الإبصار ما ~~تعودوا أن يحققوا من أغراضهم ومآربهم، وليس من الحق أن القدمين قد خلقتا ليمشي ~~عليهما الناس، وإنما أبصر الناس بالأعين؛ لأنها وجدت كذلك، ومشى الناس على الأقدام؛ ~~لأنها وجدت كذلك. أو قل كما ms130 يقول لوكريس أن الأعضاء قد أوجدت غاياتها، ولم توجد ~~هي لتحقيق هذه الغايات . وإذن فمن الكبرياء المسرفة أن يظن الإنسان أنه قد اهتدى إلى ~~أسرار الكون، ومن الكبرياء المسرفة أيضا أن يظن الإنسان أنه الغاية من وجود العالم، وأن ~~الطبيعة قد خلقت له، وسخرت لمنافعه وأغراضه. والحق على الإنسان أن يقتصد ~~ويتواضع في حياته العقلية والعملية أيضا، في حياته العقلية فلا يزعم أنه قد عرف الحقائق ~~كلها، واستكشف الأسرار كلها، ولا يزعم أن بارئ هذا الكون قد فكر كما يفكر ~~الإنسان، وقدر كما يقدر الإنسان، وأنشأ الأشياء لأغراض يسيرة ضئيلة كهذه الأغراض التي ~~يتصورها الإنسان. # وفي حياته العملية فلا يغلو في إكبار نفسه وفي انتحال ما ينتحل لها من السلطان على ~~الكائنات، ولا يزعم أنه خلق ليسود الطبيعة، فيجب أن تستذل له الطبيعة كلما أراد ~~لها إذلالا. # وليس الذي يعنيني أن يكون هذا الرأي الذي يراه الأبيقوريون ملائما أو غير ملائم لأصول ~~الديانات السماوية، وإنما الذي يعنيني هو أن أبا العلاء قد أخذ بهذا الرأي الأبيقوري كما ~~أخذ بغيره من آراء أبيقور. فإذا كانت قدرة الله تستطيع أن توجد العالم على غير صورته ~~التي نعرفها، وأن تضع ملكة الإبصار في القدمين، وملكة الشم في المنكبين، ~~وملكة السمع في اليدين، وملكة الذوق في الأذنين، وتستطيع أن تجعل سهول الأرض ~~وجبالها في غير الأماكن التي قسمت لها، وأن تقر في السهل ما ألف الجبل، وفي ~~الجبل ما ألف السهل، فلماذا اختارت قدرة الله هذه الصورة الواقعة دون غيرها من الصور ~~الممكنة؟ # أما أبو العلاء فجوابه يسير لا غبار عليه، وهو يوافق الأبيقوريين من ناحية، ويخالفهم من ~~ناحية أخرى. جوابه يسير، وهو أن لله حكمة لا يفهمها الإنسان، ولا يستطيع العقل أن يبلغ ~~كنهها. # وإذن؛ فكل ما يصل الإنسان إليه من التحليل والتعليل في أقضية العقل، وكل ما يصل ~~الإنسان إليه من الغرور والتسلط على الأحياء والأشياء باطل لا أصل له. ليس من حق ~~الإنسان أن يأكل الشاة؛ لأنها لم تخلق ليأكلها، ولا ms131 أن يشرب اللبن؛ لأنه لم ~~يخلق ليشربه، ولا أن يختلس ضرب النحل؛ لأن النحل لم تجمع ضربها له، ~~وإنما جمعته لأنفسها. وقصيدة أبي العلاء في اللزوميات صريحة واضحة في هذا ~~كله: # غدوت مريض العقل والدين فالقني # لتسمع أنباء الأمور الصحائح # فأبو العلاء هنا موافق ومخالف للأبيقوريين، يوافقهم في إنكار العلة الغائية، ~~ويخالفهم في اعترافه بحكمة الله هذه التي لا يفهمها العقل. فالأبيقوريون - كما هو معروف ~~- ماديون لا يعترفون بقدرة الإله على شيء من الخلق. # وأبو العلاء ليس مؤمنا بالله - كما قلنا - غير مرة فحسب، ولكنه شديد الحرص على ~~تنزيهه. يبلغ به حرصه على هذا التنزيه أن يشارك المعتزلة في الارتفاع بالله عن ~~الصفات فيقول: # لا أعلم كيف أعبر عن صفات الله، وكلام الناس عاة واصطلاح! وإن فعلت ذلك ~~خشيت التشبيه، وأشركت الضعفة العاجزين مع القوي القادر في بعض المقال، ~~إذا قلت فعل الأول وفعل النعمان. وهيهات! ما أبعد بين الفعلين! لولا ~~اجتهاد الناطق لفضلت السكوت، كيف يوصف بشيء خالق الصفات؟ # 9 # ومع أنه ينكر الصفات كالمعتزلة، وينكرها لنفس الأسباب التي حملت المعتزلة على ~~إنكارها، وهي خشية التشبيه، وأن خالق الصفات لا يمكن أن يوصف بها، فهو يخالف المعتزلة ~~أشد الخلاف في أهم أصل من أصولهم الأولى، وهو تخليد صاحب الكبيرة في النار. فأبو ~~العلاء يثبت العفو، ويثبته في غير تحفظ ولا اقتصاد. فاسمع له كيف يصور ما يمكن ~~أن يقترف من الذنوب، وما يمكن أن يمحو هذه الذنوب من عفو الله في كلام رائع لا ~~ينقصه من الشعر إلا الوزن: # لا آيس من رحمة الله، ولو نظمت ذنوبا مثل الجبال سودا كأنهن بنات جمير، ~~ووضعتهن في عنقي الضعيفة كما ينظم صغار اللؤلؤ فيما طال من العقود، ولو ~~سفكت دم الأبرار حتى أستن فيه كاستنان الحوت في معظم البحر، وثوباي من ~~النجيع كالشقيقتين، والتربة منه مثل الصربة، لرجوت المغفرة إن أدركني ~~وقت للتوبة قصير، ما لم يحل الغصص دون القصص، والجريض دون التعريض. ولو ~~بنيت بيتا من الجرائم أسود كبيت الشعر ms132 يلحق بأعنان السماء، ويستقل ~~عموده كاستقلال عمود الوضح، وتمتد أطنابه في السهل والجبل كامتداد حبال الشمس، ~~لهدمه عفو الله حتى لا يوجد له ظل من غير لباث! # 10 # وأين يقع من هذا الجد الرائع هذا الشعر العابث لأبي نواس حين يقول في ظرفه ~~المعروف: # فقل لمن يدعي في العلم فلسفة # حفظت شيئا وغابت عنك أشياء # لا تحظر العفو إن كنت امرءا فطنا # فإن حظركه بالدين إزراء # ولا بد من أن أصور لك تردد أبي العلاء بإزاء البعث في كتاب الفصول والغايات كما ~~تردد بإزائه في اللزوميات. فهو في هذا الفصل القصير يقطع بوجود الأرواح متعالية ~~عند ربها بعد أن تبلى الأجسام في القبور، ولكنه لا يعرف أمنعمة هي أم معذبة، ~~فيقول: «الديار خالية، والأجساد في الحفر بالية، والأرواح عند ربنا متعالية، لا يعلم ~~أنعيم هي فيه أم عذاب.» # 11 # ومن قبل هذا صور شكه في البعث تصويرا رائعا مؤلما، فذكر أنه يرى الموتى ~~فيما يرى النائم فيسمع منهم، ويتحدث إليهم، ويكاد يصدق ما يسمع لولا أنه ~~يتهم خواطر الأحلام بالكذب، وذلك حيث يقول: # سبحانك مؤبد الآباد، هل للمنية نسب إلى الرقاد؟ لا أتخيل إذا انتبهت ~~أحدا من الأموات، وإذا هجعت لقيني قريب عهد بالمنية، ومن قد فقد منذ أزمان، ~~أسألهم فيجيبون، وأحاورهم فيتكلمون، كأنهم بحبل الحياة متعلقون. لو صدق الرقاد ~~لسكنت إلى ما يخبر عن سكان القبور، ولكن الهجعة كثيرة الكذاب! # 12 # وما أحب أن أدع حديث البعث دون أن أروي هذا الفصل المؤثر الممتع الذي يذكر فيه ~~أباه فيصلي عليه، ويهدي إليه التحية، ويعلن اليأس من لقائه. ولكن لماذا يعلن هذا ~~اليأس؟ ألأنه يائس من البعث جملة؟ أم لأنه واثق بأن أباه يستمتع بنعيم الله، ومشفق من أن ~~تضطره سيئات أعماله إلى الجحيم؟ قال أبو العلاء: # أدعوك وعملي سيئ ليحسن، وقلبي مظلم لكي ينير، وقد عدلت عن المحجة ~~إلى بنيات الطريق. وأنت العدل ومن عدلك أخاف! يا من سبح له زرقة ~~الأفق، وزرقة الماء، وحمرة الفجر، وحمرة شفق الغروب، ms133 وإن كان الدمع يطفئ ~~غضبك فهب لي عينين كأنهما غمامتا شتي تبلان الصباح والمساء، واجعلني ~~في الدنيا منك وجلا لأفوز في الآخرة بالأمان، وارزقني في خوفك بر والدي وقد ~~فاد، بره إهداء الدعوة له بالغدو والآصال، فاهد اللهم له تحية أبقى من ~~عروة الجدب، وأذكى من ورد الربيع، وأحسن من بوارق الغمام، تسفر لها ~~ظلمة الجدث، ويخضر أغبر السفاة، ويأرج ثرى الأرض، تحية رجل للقيا ليس ~~براج! # 13 # وبعد، فهل أراد أبو العلاء إلى معارضة القرآن في الفصول والغايات كما ظن بعض القدماء؟ ~~نعم ولا. نعم إن فهمنا من المعارضة مجرد التأثر، ومحاولة المحاكاة، إن فهمنا ~~من المعارضة أن أبا العلاء قد نظر إلى القرآن على أنه مثل أعلى في الفن الأدبي ~~فتأثره وجد في تقليده، كما يتأثر كل أديب ما يعجب به من المثل الفنية ~~العليا. # ذلك شيء لا شك فيه، فأيسر النظر في كتاب الفصول والغايات يشعرك بأن أبا العلاء حاول ~~أن يقلد قصار السور وطوالها. وليس المهم أنه وفق في هذا التقليد أو لم ~~يوفق، بل المحقق أن التوفيق لم يقدر له كما لم يقدر لغيره، بل ~~المحقق أنه لم يظفر إلا بمثل سجع الكهان، ولكن المهم أن هذه المحاولة ظاهرة ~~ملموسة في الكتاب، وهي لا تضير الشيخ، ولا تلزمه إثما ولا حوبا. # وأنا لا أفهم من المعارضة الاستجابة للتحدي، ومحاولة الإتيان بسورة أو سور مثل ~~سور القرآن، فهذا خاطر ما أحسبه خطر لأبي العلاء، فقد كان أشد تواضعا من ~~أن تبلغ به الكبرياء إلى هذا الحد، وقد كان أعقل من أن يطاول ما لا سبيل إلى ~~مطاولته، وقد كان أحرص على الاحتياط والتحفظ من أن يعرض نفسه لمثل هذا الخطر ~~العظيم. # أرأيت إلى كتاب الفصول والغايات كيف يشبه اللزوميات من كل ناحية، ولا يخالفها إلا من ~~ناحية واحدة، وهو أنه منثور، وديوان اللزوميات منظوم؟ الموضوعات واحدة، والمذاهب الفلسفية ~~واحدة، وطريقة عرضها مفرقة مختلطة طريقة واحدة، واضطراب الشيخ فيها ~~وتردده بين متناقضاتها هو بعينه الذي نلحظه في ms134 الكتابين، والتقيد بهذه القيود العسيرة ~~الثقيلة هو بعينه الذي نلحظه في الكتابين أيضا. # الفصول والغايات لا يناقض اللزوميات في شيء، وحسبك أن بعضه يناقض بعضا، كما ~~أن بعض اللزوميات يناقض بعضا. ليس بين الكتابين تناقض، ولكن أحدهما متمم لصاحبه، ~~ومفسر لما غمض فيه. وإذا كنت آسف لشيء فإنما آسف؛ لأن هذا الكتاب قد ذهب عنا ~~أكثره، ولم يبق لنا إلا أقله، ومع ذلك ففي هذا الجزء الذي بقي منه غناء ~~عظيم. # وما أشد حاجتنا إلى أن يدرس هذا الجزء درسا مفصلا دقيقا، ومن يدري! ~~لعلي أفرغ لذلك، أو يفرغ له غيري من الباحثين ذات يوم! # | هوامش # | الفصل العاشر # ويزعجني السفر عن باريس، وعن غرفة أبي العلاء، فتطوى كتب الشيخ مرة أخرى، وتسلم ~~إلى شياطين السفر، فتصاحبني إلى بروكسل حيث أشهد مؤتمر المستشرقين، فأشغل به عن ~~الشيخ، وعن حديثه الحلو المر. ومن ذا الذي لا يشغل بمؤتمر المستشرقين، وحياة أعضائه ~~حديث في العلم إذا كان النهار، وحديث عن العلم إذا أقبل الليل؟ # ولكني أعود إلى باريس فلا أفرغ للشيخ، ولا أخلو إليه على كثرة ما كانت نفسي تنازعني ~~إلى ذلك، وإنما هو الاضطراب العنيف الذي لا بد منه لمن يريد أن يهيئ العودة إلى ~~مصر. # ثم تكون هذه العودة، فلا أكاد أبلغ القاهرة حتى ألقي نفسي في العمل الجامعي ~~إلقاء، وإذا أنا أشغل عن كل شيء غير هذا العمل الجامعي، وإذا حديثي إلى الشيخ أو حديثي ~~عن الشيخ ينقطع إلا في تلك اللحظات الحلوة التي كنت أنفقها مع الطلاب في قراءة ~~أطراف من الفصول والغايات ساعة في كل أسبوع. # ساعة كانت تكلفني الخلوة إلى الشيخ بين حين وحين لأعد الدرس قبل أن ألقى به ~~الطلاب، ولكني لم أكن أجد في هذه الخلوة إلى الشيخ من اللذة الفنية والمتاع العقلي ما ~~كنت أجد حين كنت أخلو إليه في غرفة من غرفات هذا الفندق أو ذاك من فنادق فرنسا؛ لسبب ~~يسير؛ وهو أني في فرنسا كنت أخلو إلى الشيخ حبا له، وإيثارا لنفسي ms135 بلذة حديثه، فأما في ~~مصر فقد أزوره لألتمس عنده ما أقول للطلاب، كان غاية في فرنسا، وكان وسيلة في مصر، وشتان ~~بين الغاية والوسيلة! # ثم أفرغ من شؤون الجامعة وأخلو إلى نفسي، يشهد الله لقد كان سجن أبي العلاء أول ~~ما خطر لي، ولقد كان حديث أبي العلاء أول ما ملأ قلبي ونفسي وعقلي معا! # وإذا أنا أملي في أيام هذه الفصول التي أتم بها هذا الحديث، كما أمليت في ~~أيام تلك الفصول التي بدأت بها الحديث. # وكم كنت أود لو طالت تلك الأيام فطال مقامي مع الشيخ في فرنسا، وكم كنت أود لو ~~طالت هذه الأيام فاتصل مقامي مع الشيخ في مصر! ولكن السفر أزعجني عن الشيخ في العام الماضي، ~~وهو يزعجني عن الشيخ في هذا العام، وإذا أنا أودع الشيخ كارها في هذه الليلة من ليالي ~~القاهرة، كما ودعت الشيخ كارها في تلك الليلة من ليالي مورزين. وإذا أنا أتمثل قول ~~الشيخ: # وإذا أضاعتني الخطوب فلن أرى # لوداد إخوان الصفاء مضيعا # خاللت توديع الأصادق للنوى # فمتى أودع خلي التوديعا؟ # نعم، متى أودع خلي التوديع، وأفرغ لأبي العلاء عامين أو أعواما فأؤدي ~~للزوميات، وللفصول، والغايات، ولأدب الشيخ كله، وعلمه كله ما هي أهل له من ~~العناية، وما تستحقه من الدرس والبحث والاستقصاء؟ # علم هذا كله عند الله. # القاهرة في 11 يونيو سنة 1939 ms136